Advertisement

شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية 002


شَرْح الشَّواهِد الشّعْرية في أُمَّات الكتب النّحويَّة «لأربعَةِ آلافِ شاهِدٍ شِعري»

خرجَ الشّواهد وَصنّفَها وَشرحَهَا
محمَّد محمَّد حَسن شُرّاب

[الجزء الثاني]

مؤسسة الرسالة
(/)

قافية الزاي
1 - كأن لم يكونوا حمى يتّقى … إذ النّاس إذ ذاك من عزّ بزّا
البيت من قصيدة للخنساء، تبكي فيها إخوتها وزوجها، واسمها: تماضر بنت عمرو ابن الشريد، تنتهي إلى بني سليم. والخنساء: مؤنث الأخنس. والخنس: تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة. ويقال لها: خناس أيضا، بضم الخاء. وهي صحابية - رضي الله عنها - وفدت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأسلمت. وروي أن النبي عليه السّلام كان يعجبه شعرها، ويستنشدها ويقول: «هيه يا خناس». وقولها: كأن لم يكونوا حمى - الحمى: نقيض المباح، والحمى: الشيء الممنوع - فقد زعمت أنّ أهلها كانوا حمى يتقيه الناس، ولا يدنون منه لعزّهم. وقولها: من عزّ بزّ، أي: من غلب سلب.
و «إذ» الأولى: ظرف متعلق ب «يكونوا»، أو ب «حمى»، أو ب «يتّقى»، والثانية: متعلقة ب «بزّ»، و «ذاك»: مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: كائن، لأنّ «إذ» لا تضاف إلا إلى جملة.
و «من»، بمعنى الذي: مبتدأ. و «بزّ»: خبره. و «الناس»: مبتدأ، خبره جملة «من عزّ بزّ».
وقولها «من عزّ بزّ» مثل. [شرح أبيات المغني/ 2/ 185].

2 - وأفنى رجالي فبادوا معا … فأصبح قلبي بهم مستفزّا
للخنساء من قصيدة الشاهد السابق. وقولها: مستفزّا، أي: مستخفّا.
والشاهد: أنّ معا، استعمل في الجماعة، وهو بمعنى جميعا، ويعرب حالا، إلا أنّ «مع» قد تفيد وقوع الحدث من الاثنين في وقت واحد، وجميعا في وقتين، أو في وقت واحد. [شرح أبيات المغني/ 6/ 5].

3 - وهنّ وقوف ينتظرن قضاءه … بضاحي عذاة أمره وهو ضامز
البيت للشّمّاخ، معقل بن ضرار الغطفاني، أدرك الجاهلية والإسلام، وله صحبة،
(2/5)

وشهد القادسية، وتوفي في زمن عثمان بن عفان. والضمير في «هنّ» و «ينتظرن» يعود لأتن الوحش، جمع أتان. والضمير في «قضاءه»، و «أمره» للحمار. و «الضامز»: الساكت عن النهيق. يشبّه راحلته بحمار وحش يطلب ماء في شدّة القيظ، معه أتنه.
وقوله: «وقوف»، جمع واقف. وكان يجب أن يقول: واقفات أو وقف، وربما حمل التذكير على معنى الشخص، أو لأنّ الجمع يذكّر ويؤنّث، أو المعنى: وهنّ ذات وقوف، فحذف المضاف، فيكون الوقوف مصدرا. و «قضاءه»: مصدر مضاف إلى فاعله، و «أمره»:
مفعوله، وهو من قضيت حاجتي، أي: بلغتها ونلتها. والضاحي من الأرض: الظاهر البارز. والعذاة: الأرض الطيبة التربة، الكريمة النبت.
وفي البيت فصل بالجار والمجرور بين المصدر ومنصوبه إذا جعلنا «بضاحي»، متعلق ب «وقوف» أو «ينتظرن»، وعلى هذا يكون «أمره» منصوب بفعل مقدر.
وعند ابن هشام: أنّ الباء متعلقة بقضائه، لا بوقوف ولا ينتظرن؛ لئلا يفصل بين «قضاءه» و «أمره» بالأجنبي، ولا حاجة إلى تقدير فعل ينصب «أمره».
وجملة «ينتظر»: حال من الضمير في «وقوف» أو صفة له. وجملة «وهو ضامز»:
حال أيضا. [شرح أبيات المغني/ 7/ 164].

4 - وكلّ خليل غير هاضم نفسه … لوصل خليل صارم أو معارز
البيت للشماخ، والهضم: الظلم. والصارم: القاطع، وهو خبر «كلّ». والمعارز:
المنقبض، يقول: كل خليل لا يهضم نفسه لخليله، فهو قاطع لوصله، أو منقبض عنه.
والشاهد: أجرى «غير» على «كل» نعتا لها؛ لأنها مضافة إلى نكرة، ولو أجرى «غير» على المضاف إليه المجرور لكان حسنا، [سيبويه/ 1/ 271].

5 - لا درّ درّي إن أطعمت نازلكم … قرف الحتيّ وعندي البرّ مكنوز
... البيت للشاعر المتنخّل الهذلي، وقوله: لا درّ دري، أي: لا كثر خيره ولا زكا عمله. والنازل: الضيف. والحتي: سويق الدوم. وقرفه: قشره، يريد اللحمة التي على عجمه. والقرف والقرفة: القشرة، يقول: لا اتّسع عيشي إن
آثرت نفسي على ضيفي بالبرّ وأطعمته قرف الحتي. والشاهد: رفع «مكنوز» على الخبرية للبر، مع إلغاء الظرف «عندي»،
(2/6)

ولو نصبه على الحال مع اعتماد الجار والمجرور خبرا، لجاز أيضا. [سيبويه/ 1/ 261، واللسان «درر، حتا»].

6 - إمّا تريني اليوم أمّ حمز … قاربت بين عنقي وجمزي
رجز لرؤبة بن العجاج، يصف كبره وعلوّ سنّه وأنه يقارب الخطو في عنقه وجمزه، وهما ضربان من السير، والجمز: أشدهما، وهو كالوثب والقفز.
والشاهد: ترخيم «حمزة» في غير النداء للضرورة. [سيبويه/ 1/ 333، والإنصاف/ 349].

7 - يا أيّها الجاهل ذو التنزّي
رجز لرؤبة بن العجاج. والتنزّي: خفة الجهل، وأصله: التوثب.
والشاهد: نعت الجاهل ب «ذو التنزّي» مرفوعة مع أنها مضافة، لأن «الجاهل» غير منادى، فليس في موضع نصب حتى تنصب صفته على المحلّ. [سيبويه/ 1/ 308، وشرح المفصل/ 6/ 138].

8 - برأس دمّاغ رؤوس العزّ
رجز لرؤبة من أرجوزة يمدح بها أبان بن الوليد البجلي. والدّماغ: مبالغة دامغ، وهو الذي يبلغ بالشجّة إلى الدماغ. رؤوس العز: أي: رؤوس أهل العزّ.
والشاهد: إعمال «دمّاغ» مبالغة اسم الفاعل (دامغ) عمل الفعل، فنصب المفعول به (رؤوس). [سيبويه/ 1/ 58].

9 - مثل الكلاب تهرّ عند بيوتها … ورمت لهازمها من الخزباز
البيت غير منسوب، والخزباز: داء يصيب الكلاب في حلوقها، وهو أيضا ذباب يقع في الرياض. ويقال: هو صوت الذباب، وهو أيضا اسم للنبت. واللهازم: جمع لهزمة، وهي مضغة في أصل الحنك. ويروى في الشطر الأول «عند درابها» جمع درب، وهو باب السكة الواسع، أو الباب الكبير.
والشاهد: في قوله «من الخزباز» فهو مبني على الكسر. [سيبويه/ 2/ 15،
(2/7)

والإنصاف/ 315].

10 - نسيا حاتم وأوس لدن فا … ضت عطاياك يا بن عبد العزيز
البيت بلا نسبة في الأشموني.
والشاهد: نسيا حاتم وأوس، حيث ثني الفعل المبني للمجهول فجاء بألف الاثنين، وبعدها نائب الفاعل الظاهر والمعطوف عليه، وهي في اصطلاح ابن مالك (لغة يتعاقبون فيكم ملائكة)، وفي اصطلاح غيره (أكلوني البراغيث)، وهي لغة صحيحة جاء عليها شواهد كثيرة من القرآن والشعر. [الأشموني/ 2/ 47].
(2/8)

قافية السين
1 - خلا أنّ العتاق من المطايا … حسين به فهنّ إليه شوس
لأبي زبيد الطائي، والعتاق: جمع عتيق، وهو الأصيل. والمطايا: جمع مطية وهي الدابة. وحسين به: بفتح الحاء وكسر السين أو فتحها، وآخره نون جماعة الإناث، أصله حسن به فأبدل من ثاني المثلين ياء، تقول: حسست به، وحسيت به، بكسر السين فيهما، وحسيته بفتح السين، وأحسيت، وهذا كله من محوّل المضعّف، تقول: حسيت بالخبر وأحسيت به، والعامة اليوم تقول: حسّيت بالخبر بتشديد السين. وقوله: فهنّ شوس، والشوس: جمع أشوس، وهو الوصف من الشّوس، وهو النظر بمؤخر العين.
والشاهد: خلا أنّ العتاق: حيث قدم المستثنى في أول الكلام، وهو من شواهد الكوفيين على ذلك، وقال الأعشى:
خلا الله لا أرجو سواك وإنّما … أعدّ عيالي شعبة من عيالكا
[الخصائص/ 2/ 438، والإنصاف/ 273، وشرح المفصل/ 10/ 154، واللسان «حسس - حسا»].

2 - اضرب عنك الهموم طارقها … ضربك بالسّوط قونس الفرس
لطرفة بن العبد، وطارقها: من طرق يطرق إذا أتى ليلا. وقونس الفرس، بفتح القاف والنون: هو العظم الناتئ بين أذني الفرس.
والشاهد: اضرب عنك، يروى الفعل بفتح الباء، وأصله: اضربن عنك، بنون توكيد خفيفة ساكنة، ثم حذف الشاعر نون التوكيد وهو ينويها، ولذلك أبقى الفعل على ما كان عليه وهو مقرون بها؛ لتكون هذه الفتحة مشيرة إلى النون المحذوفة، وهذا شاذ؛ لأن نون التوكيد الخفيفة إنما تحذف إذا وليها ساكن كقول الشاعر:
(2/9)

لا تهين الفقير علّك أن تركع … يوما والدهر قد رفعه
أصله (لا تهينن الفقير) ومثل بيت الشاهد قول الشاعر:
خلافا لقولي من فيالة رأيه … كما قيل قبل اليوم خالف تذكرا
فقال «خالف» بفتح آخره، وهو فعل أمر، وأصله «خالفن» بنون التوكيد الخفيفة.
[الخصائص/ 1/ 126، والإنصاف/ 568، وشرح المفصل/ 9/ 44، وشرح أبيات المغني/ 7/ 358، والهمع/ 2/ 79، والأشموني/ 3/ 228].

3 - وبدّلت قرحا داميا بعد صحة … لعلّ منايانا تحوّلن أبؤسا
البيت لامرئ القيس من قصيدة يذكر فيها ما أصابه من مرض بعد عودته من عند قيصر الروم وقد استعداه على بني قومه بني أسد - قبّحه الله - وأظن أن قصته مع بنت القيصر موضوعة.
والقرح، بالضم والفتح: الجرح. وأبؤس: جمع بؤس، وهو الشدة. والفعل «تحول» من أخوات «صار».
والشاهد: أنه يجوز أن يكون خبر «لعل» فعلا ماضيا. ويرى الحريري في «درة الغواص» أنّ «لعلّ» لتوقّع الرجاء، ولا يكون خبرها ماضيا؛ لأن فيه مناقضة. والبيت ينقض كلام الحريري، وجاء في الحديث «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». والحديث في البخاري،. فيه أنّ «لعلّ» بمعنى «ظنّ». [شرح أبيات المغني/ 5/ 177].

4 - فلم أر مثل الحيّ حيّا مصبّحا … ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
أكرّ وأحمى للحقيقة منهم … وأضرب منّا بالسيوف القوانسا
من قصيدة للعباس بن مرداس الصحابي، قالها في الجاهلية، وهي في الحماسة، وتعدّ قصيدته إحدى «المنصفات»؛ لأنه اعترف لأعدائه بالصبر على المكاره في الحرب، يقول: فلم أر مغارا عليه كالذين صبّحناهم، ولا مغيرا مثلنا يوم لقيناهم، و. نتصب «حيّا مصبّحا» على التمييز، وكذلك «فوارسا» ويجوز أن يكونا في موضع الحال.
وقوله: أكرّ: من الكرّ، وهو الصولة على الأعداء. والحقيقة: ما يحقّ عليه حفظه من
(2/10)

الأهل والأولاد والجار، والمصراع الأول: ينصرف إلى أعدائه، والثاني إلى عشيرته. والقوانس:
أعلى البيضة. وانتصب «القوانس» من فعل دلّ عليه قوله: «وأضرب منا»، ولا يجوز أن يكون انتصابه عن «أضرب»؛ لأن أفعل الذي يتمّ ب (من) لا يعمل إلا في النكرات، كقولك «هو أحسن منك وجها»، وأفعل هذا يجري مجرى فعل التعجب، ولذلك يعدى إلى المفعول الثاني باللام، فنقول: ما أضرب زيدا لعمرو. [شرح أبيات المغني/ 7/ 292].

5 - هذي برزت لنا فهجت رسيسا … ثمّ انصرفت وما شفيت نسيسا
مطلع قصيدة للمتنبي، مدح بها محمد بن زريق الطوسي. والرسيسا: ما رسّ في القلب من الهوى، أي: ثبت. والنسيس: بقية النفس بعد المرض والهزال، يقول: برزت لنا، فحركت ما كان في قلبنا من هواك ثم انصرفت ولم تشف بقايا نفوسنا التي أبقيت لنا بالوصال.
والشاهد: «هذي». قال ابن جني: يا هذه، ناداها، وحذف حرف النداء ضرورة. وقال المعري: «هذي» موضوعة موضع المصدر، إشارة إلى البرزة الواحدة، كأنه يقول: هذه البرزة برزت لنا، كأنه يستحسن تلك البرزة الواحدة.

6 - قد أصبحت بقرقرى كوانسا … فلا تلمه أن ينام البائسا
هذا رجز. رواه سيبويه، ولم ينسبه. وقرقرى: موضع. وقوله: كوانسا: جمع كانس، وكنس الظبي: أوى إلى كناسه، أي: بيته، وقد استعاره للإبل، وصف إبلا بركت بعد الشبع فنام راعيها؛ لأنه غير محتاج إلى رعيها.
والشاهد: البائسا. قال الكسائي: يجوز أن يوصف الضمير للترحم عليه، والتوجع له.
فالبائس: صفة لضمير المفعول به وهو الهاء في «لا تلمه». وعند سيبويه يجوز أن يكون بدلا من الهاء، وأن يكون منصوبا بعامل محذوف على الترحم. [شرح أبيات المغني/ 6/ 351، وسيبويه/ 1/ 255، والهمع/ 1/ 66].

7 - إنّ سلمى من بعد يأسي همّت … بوصال لو صحّ لم تبق لي بوسا
عيّنت ليلة فما زلت حتى … نصفها راجيا فعدت يؤوسا
لم يعرف للبيتين قائل.
والشاهد: في البيت الثاني قوله: حتى نصفها، حيث اشترطوا في مجرور «حتى» أن يكون آخر جزء فيما قبلها، كقولهم: (أكلت السمكة حتى رأسها)، أو ملاقي آخر جزء، كقوله
(2/11)

تعالى: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر: 5]. والبيت الثاني في قوله «حتى نصفها» ينقض هذا الشرط، ويرون أنه إذا لم يكن ما بعد حتى جزءا - كما في المثال - نستخدم مكانها «إلى»؛ لأنها تدخل على كل ما جعلته انتهاء الغاية. [شرح أبيات المغني/ 3/ 94، والهمع/ 2/ 32].

8 - أقمنا بها يوما ويوما وثالثا … ويوما له يوم التّرحّل خامس
البيت لأبي نواس الحسن بن هانئ، وبعده قوله:
تدار علينا الراح في عسجديّة … حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتها … مها تدرّيها بالقسيّ الفوارس
والعسجدية: الكأس المصنوعة من العسجد، وهو الذهب. يصف الكأس التي شرب فيها ما ذكره، وأنها مزينة
بالصور.
والشاهد في البيت: أن الواو قد عطف ما حقه الجمع، فيقال: أقمنا أياما. [شرح أبيات المغني/ 6/ 83].

9 - آليت حبّ العراق الدهر أطعمه … والحبّ يأكله في القرية السوس
البيت للشاعر المتلمس (جرير بن عبد المسيح)، يخاطب عمرو بن هند ملك الحيرة، وكان الشاعر قد هجاه، مع ابن أخته طرفة في القصة المشهورة التي قتل فيها طرفة، ونجا المتلمس، وهرب إلى الشام، ثم كلموا عمرو بن هند في رجوع المتلمس فحلف ألا يذوق حبّ العراق ما عاش عمرو بن هند، فقال يذكره، ويقول له: إن بالشام في الحبّ ما يغني عن حبّ العراق بدليل ما بعده.
وقوله: أطعمه: آكله، و «لا» النافية مقدرة كقوله تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [يوسف: 85]، أي: لا تفتأ وأراد بالقرية: الشام.
والشاهد: أن سيبويه جعل انتصاب «حبّ» في الشطر الأول على نزع الخافض وهو «على»، وخولف سيبويه في ذلك، وقالوا: إنما معناه: آليت أطعم حبّ العراق، أي: لا أطعم، فهو من باب الاشتغال، فلفظ «حبّ» منصوب بإضمار فعل. [سيبويه/ 1/ 17، والأشموني/ 2/ 90، وشرح أبيات المغني/ 2/ 259].
(2/12)

10 - وأسلمني الزّمان كذا … فلا طرب ولا أنس
لم يعرف قائله. وذكره ابن هشام في «المغني» على أن «كذا» مركبة من الكاف و «ذا» وبهذا لا تكون هنا كناية عن شيء. وقال غيره: هي هنا كناية عن حال نكرة، والمعنى:
خذلني الزمان حال كوني منفردا، وهو الأقرب؛ لأنه ليس في الكلام مشبه، ولا يعرف البيت الذي قبله حتى يعرف المشبه. [شرح أبيات المغني/ 4/ 167].

11 - وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرن … لم يستطع صولة البزل القناعيس
البيت لجرير. وابن اللبون: ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية، سمّي بذلك، لأن أمه ولدت غيره، فصار لها لبن. واللبون: الناقة والشاة ذات اللبن. وقوله: لزّ، مبني للمجهول، أي: شدّ. ولزّ الشيء بالشيء إذا قرن به لزّا. والقرن، بفتحتين: الحبل الذي يشدّ به البعيران، فيقرنان معا. والصولة: الحملة. والبزل: جمع بازل، وهو البعير الذي دخل في السنة التاسعة. والقناعيس: جمع قنعاس بالكسر، وهو الجمل العظيم الجسم، الشديد القوة. وهذا البيت ضربه
الشاعر مثلا لمن يعارضه ويهاجيه، يقول: من رام إدراكي كان بمنزلة ابن اللبون إذا قرن في قرن مع البازل القنعاس، إن صال عليه لم يقدر على دفع صولته ومقاومته.
والشاهد: أن ابن لبون نكرة، فعرّف باللام. [ديوان جرير/ 128، وسيبويه/ 1/ 265، وشرح المفصل/ 1/ 35، واللسان «لزز»].

12 - أزمعت يأسا مبينا من نوالكم … ولن ترى طاردا للحرّ كالياس
البيت للحطيئة من قصيدة يهجو بها الزبرقان بن بدر الصحابي، ومنها البيت المشهور:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وهي القصيدة التي سجن من أجلها الحطيئة زمن عمر بن الخطاب.
وقوله: أزمعت، نقول: أزمعت الأمر، وأزمعت عليه: أجمعت.
والشاهد: أن «من نوالكم» متعلقان بفعل محذوف تقديره «يئست من نوالكم» لا بالمصدر «يأسا»؛ لأنه لا يعمل بعد الوصف، ولكن هذا المانع مانع صناعي نحوي وليس
(2/13)

معنويا، فالمعنى لا يأبى تعلقه ب «يأسا». [الخصائص/ 3/ 258، والهمع/ 2/ 93، وشرح أبيات المغني/ 7/ 236].

13 - أعلاقة أمّ الوليّد بعد ما … أفنان رأسك كالثّغام المخلس
البيت للمرار الفقعسي. والعلاقة: مصدر علق الرجل المرأة من باب فرح، إذا أحبها. والعلاقة: الحب، وتكون أيضا في الأمور المعنوية وهي بالفتح. والعلاقة بالكسر: علاقة السيف ونحوه من الأمور الحسّية. والوليّد: بالتصغير. والأفنان: أراد بها ذوائب شعره على سبيل الاستعارة. والثغام: نبات ترعاه الإبل، إذا جفّ ابيضّ، ويشبه به الشيب.
والبيت شاهد أنّ «ما» كافة ل «بعد» عن الإضافة. وقيل: (ما) مصدرية، والجملة بعدها في تأويل مصدر، وما بعدها مضاف إلى (بعد). والمخلس: الذي خالطه السواد.
وفيه شاهد آخر: وهو إعمال المصدر «علاقة» عمل الفعل ونصب أم الوليد ب (علاقة).
[شرح أبيات المغني/ 5/ 269، وسيبويه/ 1/ 60، وشرح المفصل/ 8/ 131].

14 - عددت قومي كعديد الطّيس … إذ ذهب القوم الكرام ليسي
البيت منسوب إلى رؤبة بن العجاج. ويروى الشطر الأول: «عهدي بقومي كعديد الطيس»، وهو الأقوم. والعديد: كالعدد. والطيس: كل خلق كثير النسل نحو النمل والذباب. وقيل: الكثير من الرمل.
وقوله: كعديد، التقدير: عددتهم عدا كعديد، جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف. وفي البيت شاهدان في «ليسي»:
الأول: أتى بخبر ليس ضميرا متصلا، ولا يجوز عند جمهرة النحاة أن يكون إلا منفصلا، فكان عليه القول: ليس إياي.
والثاني: حذف نون الوقاية من «ليس» مع اتصالها بياء المتكلم، وذلك شاذ عند الجمهور الذين ذهبوا إلى أن «ليس» فعل. [شرح المفصل/ 3/ 108، وشرح أبيات المغني/ 4/ 85، والهمع/ 1/ 64].

15 - فأين إلى أين النجاة ببغلتي … أتاك أتاك اللّاحقون احبس احبس
(2/14)

ليس له قائل معروف، وهو شاهد على التوكيد اللفظي بتكرار أين، وأتاك، واحبس.
[الخزانة/ 5/ 158، والهمع/ 2/ 111، والأشموني/ 2/ 98].

16 - أطريفة بن العبد إنك جاهل … أبساحة الملك الهمام تمرّس
ألق الصحيفة لا أبالك إنه … يخشى عليك من الحباء النّقرس
الشعر للمتلمس يخاطب طرفة بن العبد، ويطلب منه أن يمزق الصحيفة التي أوهمه ملك الحيرة أنه كتب له فيها عطاء يأخذه من والي البحرين، فكان فيها الموت. وتمرس:
تحكك. والحباء: العطاء. والنقرس هنا: المكر والداهية.
وقوله: النقرس بالرفع: معناه العالم، ورفع النقرس، أراد: أنا العالم. يقال: رجل نقريس نطّيس. وقوله: لا أبالك: كلام جرى مجرى المثل، فإنك لا تنفي أباه في الحقيقة وإنما تخرجه مخرج الدعاء، أي: أنت عندي ممن يستحق أن يدعى عليه بفقد أبيه، فهو خبر في اللفظ دعاء في المعنى، وهو كلام جرى مجرى المثل. [شرح أبيات المغني ج 2/ 266].

17 - أبا حسن ما زرتكم مذ سنيّة … من الدّهر إلا والزّجاجة تقلس
كريم إلى جنب الخوان وزوره … يحيّا بأهلا مرحبا ثم يجلس
رواها ابن منظور عن أبي الجراح يقولها في أبي الحسن الكسائي. وقلس الإناء يقلس:
إذا فاض، وقلست الكأس: إذا قذفت بالشراب لشدة الامتلاء.
والشاهد: مذ سنيّة. رواها صاحب «الجمل» في النحو، «سنيّة» بالرفع؛ لأنّ الاسم بعد «مذ» يرفع إذا دلّ على الزمن الماضي. وفي «اللسان» جاءت مجرورة.
قلت: لم أعرف من أبو الجرّاح قائل البيتين، ويكثر ذكر «أبو الجراح العقيلي» و «أبو الجرّاح الأنفي» بين رواة الشعر. ويظهر من البيت الأول أنه يرمي الكسائي بشرب الخمر، فإن صحّ ما ظننته في تفسير البيت، فإن الشاعر كاذب؛ لأن الكسائي أبا الحسن النحوي المقرئ رجل موثوق، ولا يتهم بشرب الخمر، وإنما وصمه بذلك حاسدوه؛ لمكانته من الرشيد، كما شوّه صورته البصريون بسبب قصته المزعومة مع سيبويه في المسألة الزنبوريّة، ولو كان قد ابتلي بشيء مما ذكروا ما أظهره لجلّاسه وضيوفه، وكيف يظهر للناس شاربا الخمر وهو يجلس في المسجد يقرئ الناس القرآن. اه.
(2/15)

18 - لقد رأيت عجبا مذ أمسا … عجائزا مثل السعالي خمسا
يأكلن ما في رحلهن همسا … لا ترك الله لهنّ ضرسا
ولا لقين الدّهر إلا تعسا
يقول: إنه رأى عجبا في اليوم الذي قبل يومه، وقد بيّن هذا العجب بأنه خمس نساء عجائز يشبهن الغيلان، ويأكلن ما في رحالهن من الطعام أكلا خفيّا، ثم دعا عليهن بأن يقلع الله جميع أضراسهن. لقد: اللام واقعة في جواب قسم محذوف، والتقدير: والله لقد رأيت.
وعجبا: أصله رأيت شيئا عجبا، حذف الموصوف وأقيم الوصف مكانه، وأخذ إعرابه. و «مذ» حرف جر، (أمس) مجرور علامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعدل عن الأمس، عجائزا: بدل من «عجبا» وصرفه للضرورة، و «خمسا» بدل من «عجائزا» أو صفة له، وهمسا: مفعول مطلق، وأصله صفة لمصدر محذوف (أكلا همسا).
والشاهد: «مذ» فإنها جاءت مفتوحة بدليل قوافي بقية الأبيات، مع أنها مسبوقة بحرف الجر «مذ»، فدل ذلك أن هذه الكلمة تعرب بالفتحة نيابة عن الكسرة عند جماعة من العرب، وقد جاءت مرفوعة أيضا في شاهد آخر وهو:
اعتصم بالرجاء إن عنّ بأس … وتناس الذي تضمن أمس
أمس: فاعل مرفوع بالضمة. [سيبويه/ 2/ 44، والشذور/ 99، والهمع/ 1/ 209].

19 - منع البقاء تقلّب الشمس … وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها حمراء صافية … وغروبها صفراء كالورس
اليوم أعلم ما يجيء به … ومضى بفصل قضائه أمس
هذه الأبيات، لتبّع بن الأقرن، أو لأسقف نجران، وقوله: بفصل قضائه، أراد بقضائه الفاصل، أي: القاطع، فالمصدر بمعنى اسم الفاعل، وإضافته لما بعده من إضافة الصفة إلى الموصوف، يقول: إن الخلود في هذه الدنيا ممتنع والدليل، ما نشاهده من تقلبات الأحوال التي نراها في الشمس، ومنه أن ما حدث بالأمس منّي ومن غيري لا يمكن لي أن أرده؛ لأنه قد ذهب وانقطع، ومن لا حيلة له كيف يأمل الخلود.
والشاهد: قوله «أمس» فإن هذه الكلمة قد وردت مكسورة الآخر بدليل قوافي الأبيات، وهو فاعل ل (مضى)، ومن هنا نعلم أن الكلمة مبنية على الكسر في محل رفع، وبناء
(2/16)

«أمس» على الكسر، هو لغة أهل الحجاز. وهم يبنون «أمس» على الكسر إذا أريد به معينا، ولم يضف ولم يعرف بأل ولم يصغر فإن فقد شرطا أعربوه، ومعنى قولهم «معيّنا» أي: اليوم الذي قبل يومك. [الشذور/ 98، والهمع/ 1/ 209، والعيني/ 4/ 373].

20 - يا صاح يا ذا الضامر العنس … والرّحل ذي الأنساع والحلس
هذا الشاهد من كلام ابن لوذان السدوسي، هكذا نسبه سيبويه. وفي الأغاني (15/ 12 / بولاق) أنه من كلام خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد. والعنس: أصله الناقة الشديدة.
والأنساع: جمع نسع، وهو سير يربط به الرحل. والحلس: كساء يوضع على ظهر البعير تحت الرحل. يا صاح: منادى مرخم، وأصله: يا صاحبي. والضامر: نعت ل (ذا) المنادى، إما مرفوع تبعا للفظه المقدر. أو منصوب تبعا لمحله. والعنس: مضاف إليه.
الشاهد: يا ذا الضامر العنس، فإن «ذا» منادى مبني، والضامر العنس: نعت مقترن بأل ومضاف، وقد روي برفع هذا النعت ونصبه، فدلّ مجموع الروايتين على أن نعت المنادى إذا كان كذلك جاز فيه وجهان. [سيبويه/ 1/ 306، وشرح المفصل/ 2/ 8، والخصائص/ 3/ 302].

21 - يا مرو إنّ مطيّتي محبوسة … ترجو الحباء وربّها لم ييأس
البيت للفرزدق، ومرو: مروان.
والشاهد: يا مرو: أصله يا مروان حيث رخّمه بحذف آخره وهو النون، ثم أعقب هذا الحذف حذفا آخر، فحذف الحرف الذي قبل النون، وهو الألف لكونه حرفا ساكنا زائدا معتلا وقبله ثلاثة أحرف، ومروان: هو مروان بن
الحكم. [سيبويه/ 1/ 337، وشرح التصريح/ 2/ 186، والأشموني/ 3/ 178، والخزانة/ 6/ 346].

22 - مرّت بنا أوّل من أموس … تميس فينا ميسة العروس
البيت غير منسوب، وقوله: أول: ظرف منصوب وأصل الكلام: مرّت بنا وقتا أول.
والشاهد: «أموس» فإنه جمع أمس، وهو معرب، لأنه مجرور بالكسرة، والجمع من خصائص الأسماء، وخصائص الأسماء علة قادحة في البناء إذا وجدت منعت منه.
والخلاصة: أن أمس: إذا أريد به يوم من الأيام الماضية، أعرب نحو «فعلت ذلك
(2/17)

أمسا»، أي في يوم ما من الأيام الماضية، وكذلك في الجمع كما في الشاهد، وكذلك إذا أضيف نحو «ما كان أطيب أمسنا». [شرح شذور الذهب/ 100، والدرر/ 1/ 176، والهمع/ 1/ 209، واللسان «أمس»].

23 - وبلدة ليس بها أنيس … إلّا اليعافير وإلّا العيس
هذا الرجز لعامر بن الحارث (جران العود) ورواية الجزء الأول في ديوانه «بسابسا ليس به أنيس»، والضمير يعود إلى المنزل، وبلدة: الواو: واو ربّ، بلدة: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة. وجملة (ليس بها أنيس) صفة لبلدة، والخبر محذوف تقديره «سكنتها».
إلا: أداة استثناء. واليعافير: بدل من أنيس.
والشاهد: إلا اليعافير، وإلا العيس، حيث رفع اليعافير والعيس على أنهما بدلان من قوله «أنيس»، مع أنهما ليسا من جنس الأنيس، أي: الذي يؤنس به، وجاز ذلك على التوسع في معنى «أنيس»، فكأنه قال: ليس بها شيء إلا اليعافير. واليعافير: جمع يعفور:
وهو الظبي الأعفر، أي: الذي لونه لون التراب. والعيس: الإبل. [الشذور/ 265، وشرح التصريح/ 1/ 353، والدرر/ 1/ 192، وسيبويه/ 1/ 133].

24 - ومرّة يحميهم إذا ما تبدّدوا … ويطعنهم شزرا فأبرحت فارسا
يمدح مرّة، بأنه إذا تبددت الخيل، ردّها وحماها، والطعن الشزر هو ما كان في جانب، وكان أشدّ لأن مقاتل الإنسان في جانبيه. وأبرحت: تبيّن فضلك، كما يتبين البراح من الأرض، والبيت لعباس بن مرداس.
والشاهد: نصب «فارسا» على التمييز للنوع الذي أوجب له فيه المدح، وهو مثل ويحه رجلا، ولله درّه فارسا، وحسبك به رجلا. [سيبويه/ 1/ 299، والدرر/ 2/ 119، والهمع/ 2/ 90، والأصمعيات/ 206].

25 - أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا … وأنجو إذا لم ينج إلا المكيّس
البيت لزيد الخير (الخيل)، وقوله «مقاتلا» أي: قتالا، والمعنى: أقاتل حتى لا أرى موضعا للقتال لغلبة العدو وظهوره، أو لتزاحم الأقران وضيق المعترك عند القتال.
والمكيّس: المعروف بالكيس، وهو العقل والتوقد.
(2/18)

والشاهد: في «مقاتلا» أنها مصدر ميمي، أو اسم مكان للقتال، وكلاهما يجيء في وزن واحد. [سيبويه/ 2/ 250، وشرح المفصل/ 6/ 50، والخصائص/ 1/ 367].

26 - هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم … وللعزب المسكين ما يتلمّس
لأبي الغطريف الهدادي، ويعني بأرباب البيوت، ذوي الزوجات. والعزب: الذي لا زوج له، والأنثى عزبة وعزب أيضا.
والشاهد: هنيئا، ويعرب حالا، والتقدير: ثبت لك الخير هنيئا، ويحذف عامل الحال هنا سماعا. وبيوتهم: فاعل هنيئا؛ لأنه صفة مشتقة، ومثله «مريئا» تقول: هذا شيء هنيء مريء، فهما ليسا بمصدرين، ولكنهما أجريا مجرى المصادر التي يحذف فعلها للدعاء. [سيبويه/ 1/ 160، والدرر/ 1/ 7، والهمع/ 1/ 112، ورواية الشطر الثاني «وللآكلين التمر مخمس مخمسا»].

27 - إذا شقّ برد شق بالبرد مثله … دواليك حتى ليس للبرد لابس
البيت للشاعر سحيم عبد بني الحسحاس، وكان العرب يزعمون أن المتحابين إذا شق كل واحد منهما ثوب صاحبه دامت المودة بينهما، وفي البيت إقواء لأنه من أبيات مكسورة الروي، وروي (حتى كلنا غير لابس) وعلى هذه فلا إقواء.
والشاهد: دواليك، مصدر مثنى منتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره. ويعرب مفعولا مطلقا. إلا أن سيبويه يرى إمكان وقوع «دواليك» في هذا البيت حالا، والكاف للخطاب، لا يتعرف بها ما قبلها، فلذا صح وقوعه حالا، وثني لأن المداولة من اثنين.
[سيبويه/ 1/ 175، وشرح المفصل/ 1/ 119 / والخزانة/ 2/ 99].

28 - لله يبقى على الأيام ذو حيد … بمشخرّ به الظيّان والآس
البيت للشاعر أمية بن أبي عائذ، شاعر إسلامي مخضرم.
قوله: لله: اللام، للقسم والتعجب، ويبقى: لا يبقى، حذف حرف النفي بعد القسم.
وقوله: حيد: يروى بفتح الأول والثاني، مصدر بمنزلة العوج والأود، وهو اعوجاج يكون في قرن الوعل. ويروى بكسر الأول: جمع حيدة على وزن حيضة، وهي العقدة في قرن الوعل. والمشمخرّ: الجبل العالي. والباء: بمعنى في. والظيّان، ياسمين البرّ.
(2/19)

والآس: الريحان، وإنما ذكرهما إشارة إلى أن الوعل في خصب، فلا يحتاج إلى أن ينزل إلى السهل فيصاد.
والشاهد: (لله) دخول اللام على لفظ الجلالة في القسم بمعنى التعجب، ولا تكون اللام للقسم إلا إذا كانت دالة على معنى التعجب.
ويروى البيت (يا ميّ لا يعجز الأيام ذو حيد)، ولا شاهد فيه. [شرح أبيات المغني ج 4/ 299، وسيبويه/ 2/ 144، وشرح المفصل/ 9/ 98، والهمع/ 2/ 32].

29 - يا ميّ إن تفقدي قوما ولدتهم … أو تخلسيهم فإن الدّهر خلّاس
عمرو وعبد مناف والذي عهدت … ببطن عرعر آبي الضّيم عبّاس
البيتان لأميّة بن أبي عائذ، وقيل لغيره، والشاعر يقول هذا لامرأته وقد فقدت أولادها فبكت. وتخلسيهم: مبني للمجهول، أي: يؤخذون منك بغتة، فإنّ الدهر من دأبه أن يؤخذ فيه الشيء بغتة وفجأة. وعمرو: هو هاشم بن عبد مناف. وقوله: والذي عهدت:
التفات من الخطاب إلى الغيبة. وعرعر: اسم مكان، ويروى: ببطن مكة. وعباس: هو ابن عبد المطلب، وبين هذيل وقريش قرابة في النسب والدار؛ لأنهم كلهم من ولد مدركة ابن الياس.
والشاهد: قطع عمرو، وما بعده مما قبله ورفعه على الابتداء، ولو نصب على البدل من «قوما» لجاز. [سيبويه/ 2/ 25، والخزانة/ 5/ 174]، ويروى البيتان لمالك بن خالد الخناعي، أو الفضل بن العباس، أو أبي ذؤيب الهذلي.

30 - تالله لا يعجز الأيام مبترك … في حومة الموت رزّام وفرّاس
يحمي الصريمة أحدان الرجال له … صيد ومجترئ بالليل همّاس
لأمية بن أبي عائذ، أو لغيره، والأيام هنا: الموت. والمبترك: الأسد. والرزّام:
المصوّت، وإذا برك الأسد على فريسته رزم. وفرّاس: يدقّ ما يصيبه، أي: يدقّ عنقه.
والصريمة: رملة فيها شجر. وحماها: منع الناس دخولها من خوفه. أحدان الرجال:
الذين يقول أحدهم: أنا الذي لا نظير له في الشجاعة. يقول: إن هذا الأسد يصيد هؤلاء الذين يدلّون بالشجاعة، وهو
مع ذلك لا ينجو من الموت. وأحدان: جمع أحد بمعنى واحد، وأحدان: بالنصب، مفعول ثان ليحمي، أي: يحمي الصريمة من أحدان الرجال
(2/20)

كما تقول: حميت الدار اللصّ، فما بعده كلام مستأنف، ويرفع أحدان على الابتداء، أي: أحدان الرجال صيد له واحدا بعد واحد، وهمّاس: مبالغة من الهمس، وهو صوت المشي الخفيّ، وذلك من صفة الأسد.
والشاهد: جري الصفات على ما قبلها مع ما فيها من معنى التعظيم، ولو نصبت لجاز. [سيبويه/ 1/ 255، وشرح المفصل/ 6/ 32، واللسان «وحد»].

31 - إذ ما أتيت على الرسول فقل له … حقّا عليك إذا اطمأنّ المجلس
قاله العباس بن مرداس في غزوة حنين يذكر بلاءه وإقدامه مع قومه في تلك الغزوة وغيرها من الغزوات، و «حقا» منصوب على المصدر المؤكّد به، أو نعتا لمصدر محذوف، والمقول فيما بعد البيت الشاهد، والمجلس: الناس، أو أهل المجلس.
والشاهد في البيت: المجازاة ب «إذما» بدليل وقوع الفاء في الجواب.
[سيبويه/ 1/ 432، والخزانة/ 9/ 29، والخصائص/ 1/ 131].

32 - أحقا بني أبناء سلمى ابن جندل … تهدّدكم إياي وسط المجالس
قاله الأسود بن يعفر، لقومه، والشاهد فيه: نصب «حقا» على الظرف، والتقدير: أفي حقّ تهدّدكم إياي. وجاز وقوعه ظرفا وهو مصدر في الأصل لما بين الفعل والزمان من المشابهة، وكأنه على حذف الوقت وإقامة المصدر مقامه كما تقول: أتيتك خفوق النّجم، أي: وقت خفوقه، فكأن تقديره «أفي وقت حق توعدتموني». [سيبويه/ 1/ 468، والخزانة/ 1/ 401].

33 - سلّ الهموم بكلّ معطي رأسه … ناج مخالط صهبة متعيّس
مغتال أحبله مبين عنقه … في منكب زبن المطيّ عرندس
البيتان قالهما المرّار الأسدي، يقول في الأول: سلّ همّك اللازم لك بفراق من تهوى، ونأيه عنك بكل بعير ترتحله للسفر هذا نعته ومعطي رأسه: منقاد، يعني البعير. ناج:
سريع، والصهبة: بياض يضرب إلى الحمرة، والمتعيس والأعيس: الأبيض تخالطه شقرة.
والشاهد في البيت: إضافة «معطي» إلى الرأس، مع نيّة التنوين والنصب والدليل عليه إضافة «كلّ» إليه، لأن كلا
هنا، لا تضاف إلا إلى نكرة. وقوله في البيت الثاني: مغتال،
(2/21)

من اغتال الشيء: ذهب به، والمراد: استوفى الحبال التي يشدّ بها رحله لعظم جوفه.
والمبين: البيّن الطول. وزبن المطيّ: دفعها. والعرندس: الشديد.
والشاهد في البيت الثاني: «مغتال أحبله»: حيث وقع صفة للنكرة، لأنه لم يكتسب من الإضافة تعريفا. [سيبويه/ 1/ 212، واللسان «عردس»].

34 - إذا حملت بدني على عدس … على الذي بين الحمار والفرس
فلا أبالي من عدا ومن جلس
لا أعرف قائل هذا الرجز، والشاهد فيها «عدس» فهو في الأصل اسم صوت لرجز البغل، ثم سمي به صاحب الصوت، فحكي على بنائه، ويجوز إعرابه بالحركات إذا سمّي به، لوقوعه موقع المعرب. فتقول: ركبت على عدس واشتريت عدسا. [شرح المفصل/ 4/ 24، 79، والخزانة/ 6/ 48].

35 - دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
.. قاله الحطيئة في هجاء الزبرقان بن بدر الصحابي، وحبسه عمر بن الخطاب من أجله.
والشاهد فيه: «الطاعم الكاسي» اسم الفاعل جاء بمعنى المفعول كقوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [القارعة: 7] وفي البيت بمعنى «المطعم المكسو» بدليل أول البيت، ولذلك عدّ من أقذع الهجاء في العرف العربي الأصيل.

36 - لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه … على ما تجلّى يومه لا ابن أمسه
وما الفخر بالعظم الرميم وإنما … فخار الذي يبغي الفخار بنفسه
لم أعرف القائل، والبيتان دعوة إلى العمل، وترك الفخر بالآباء.
والشاهد: لعمرك: مبتدأ، حذف خبره وجوبا. لأن لفظ المبتدأ صريح في القسم.

37 - اعتصم بالرجاء إن عنّ يأس … وتناس الذي تضمّن أمس
الشاهد: (تضمّن أمس) حيث أعربت «أمس» إعراب الممنوع من الصرف فجاءت هنا فاعلا. [العيني/ 4/ 372، والهمع/ 1/ 209، والأشموني/ 3/ 268].

38 - في حسب بخّ وعزّ أقعسا
(2/22)

رجز للعجاج، وقوله بخّ: كلمة تقال عند تعظيم الإنسان، وعند التعجب من الشيء، وعند المدح والرضا، والأقعس: الثابت الذي لا يتّضع ولا يذل، وأصل القعس: دخول الظهر وخروج الصدر، ويلزم منه رفع الرأس.
والشاهد: تشديد «بخّ»، والاستدلال به على أنّ المخففة أصلها المشددة، فإذا سمي بها وحقّرت، ردّت لامها المحذوفة فيقال: بخيخ. [سيبويه/ 2/ 123، وشرح المفصل/ 4/ 78].

39 - فأصبحت بقرقرى كوانسا … فلا تلمه أن ينام البائسا
قرقرى: موضع مخصب، كوانسا: يقال: كنس الظبي وبقر الوحش دخل كناسه، أي:
بيته، فاستعاره هنا للإبل، فهو ينعت إبلا بركت بعد أن شبعت فلذا نام راعيها؛ لأنها غير محتاجة إلى الرعي وأصل البائس: الفقير، فجعله هنا لمن أجهده العمل على معنى الترحم.
والشاهد: نصب «البائسا» بإضمار فعل على معنى الترحم، وهو فعل لا يظهر، كما لا يظهر فعل المدح والذم. [سيبويه/ 1/ 255، وشرح المغني/ 6/ 351].

40 - محتبك ضخم شؤون الرأس
رجز للعجاج، يصف بعيرا، والمحتبك: الشديد وشؤون الرأس: قبائله، وملتقى أجزائه، وإذا ضخمت كانت أشدّ له، وأعظم لهامته.
والشاهد: نصب «شؤون» بالصفة المشبهة باسم الفاعل وهي «ضخم». [سيبويه/ 1/ 100].

41 - فمن طلب الأوتار ما حزّ أنفه … قصير ورام الموت بالسيف بيهس
نعامة لمّا صرّع القوم رهطه … تبيّن في أثوابه كيف يلبس
البيتان للمتلمّس (جرير بن عبد المسيح) من قصيدة أورد بعضها أبو تمام في الحماسة، وقبل البيتين:
ألم تر أنّ المرء رهن منيّة … صريع لعافي الطير أو سوف يرمس
فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة … وموتن بها حرّا وجلدك أملس
وقوله: وجلدك أملس: نقيّ من العار سليم من العيب، يريد أن الموت نازل بك على كلّ حال فلا تتحمل العار خوفا منه.
(2/23)

وقوله: فمن طلب، من: للتعليل. وقوله: ما حزّ، إما: ما زائدة، وإما مصدرية.
والأوتار: جمع وتر، وهو الثأر، وقوله: ما حزّ قصير، يشير إلى قصة المثل: «لأمر ما جدع قصير أنفه»، وبيهس
الملقب «نعامة»، رجل قتل له سبعة إخوة فجعل يلبس القميص مكان السراويل والسراويل مكان القميص؛ يريد أنه افتضح بقتلهم، وأنه إن لم يثأر بهم، فهو كالمقنّع رأسه واسته مكشوفة.
والشاهد: أن الشاعر أتبع اللقب الاسم، فإن بيهسا اسم رجل، ونعامة لقبه وهو عطف بيان لبيهس، والغالب إضافة العلم إلى اللقب، إذا كانا مفردين بلا أل. [الخزانة ج 7/ 290، والحماسة بشرح المرزوقي 659].

42 - بثوب ودينار وشاة ودرهم … فهل أنت مرفوع بما ها هنا رأس
البيت في [الهمع ج 2/ 99]، غير منسوب. وضربه السيوطي مثالا لصحة القول «حسن وجه» في باب الصفة المشبهة، ويشبهه في البيت (أنت مرفوع رأس).

43 - أفي حقّ مواساتي أخالكم … بمالي ثم يظلمني السّريس
البيت لأبي زبيد الطائي، واسمه حرملة بن المنذر، عاش في الجاهلية والإسلام، قيل: إنه مات على نصرانيته، وقال الطبري في حوادث سنة 30 ه: إنه أسلم واستعمله عمر على صدقات قومه، ولم يستعمل نصرانيا غيره.
وقوله: مواساتي: مصدر آسيته بمالي مواساة، أي: جعلته أسوة لي. والسريس:
العنّين، يريد أن الذي ظلمه ليس بكامل من الرجال، والشاهد «أفي حقّ» فإن مجيء «في» مع «حقّ» يدل على أن «حقّا» إنما نصبت على الظرفية بتقدير «في». [الخزانة 10/ 280، وشرح الحماسة للمرزوقي 983، واللسان «سرس»].

44 - من فوقه أنسر سود وأغربة … وتحته أعنز كلف وأتياس
منسوب لأبي ذؤيب الهذلي في [شرح أشعار الهذليين 1/ 228، وأمالي ابن الشجري 2/ 290].

45 - ليث هزبر مدلّ عند خيسته … بالرّقمتين له أجر وأعراس
منسوب إلى أبي ذؤيب الهذلي وإلى مالك بن خالد الخناعي، وهو في [شرح أشعار
(2/24)

الهذليين ج 1/ 442، ج 1/ 228، وشرح المفصل ج 4/ 123، وج 5/ 35، وج 10/ 23].
والهزبر: الأسد الضخم الزّبرة، وهو الشعر المجتمع للأسد على كاهله. والخيسة:
أجمة الأسد، ويروى (عند غابته). ورقمة الوادي: حيث يجتمع الماء، ويقال: الرقمة الروضة. وأجر: حمع جرو، وهو ولد الأسد هنا. وقوله: وأعراس، قال ابن منظور:
ولبؤة الأسد: عرسه، وقد استعاره الهذلي للأسد وذكر البيت، والعرس: جمعه أعراس.
والشاهد في البيت: «أجر» في جمع جرو، وأصله «أجرو» مثل كلب وأكلب، ولا نظير لهذه الحال في الأسماء المتمكنة فقلبوا الواو لتطرفها ياء، ثم قلبوا الضمة كسرة؛ لتناسب، الياء ثم حذفوا هذه الياء كما يحذفونها في غاز وقاض، ومثله توجيه «أيدي جمع يد»، وقبل البيت مما يفهم معنى الشاهد ومناسبته:
يا ميّ لا يعجز الأيام مجتريء … في حومة الموت رزّام وفرّاس
والرزّام: الذي له رزم، وهو الزئير. والفرّاس: الذي يدقّ عنق فريسته، ويسمّى كل قتل «فرسا».

46 - معاود جرأة وقت الهوادي … أشمّ كأنّه رجل عبوس
البيت منسوب لأبي زبيد الطائي، وفي شواهد العيني جعل عجزه صدره فتكون قافيته داليه، وكذلك في الهمع. والهوادي: جمع هاد، وهو عنق الخيل، يقال: أقبلت هوادي الخيل، إذا بدت أعناقها. يصف رجلا بأنه يظهر الكبر ويعاود الحرب وقت ظهور الهوادي. لأجل جرأته في الحرب، وقد نقلت هذا الشرح من حاشية الصبان على الأشموني ومن العيني، وأنا لست راضيا عن هذا الشرح، فالهوادي: لا معنى لكونها الأعناق، وإنما هي أوائل الخيل، لتقدمها تقدم الأعناق، قال امرؤ القيس:
فألحقنا بالهاديات ودونها … جواحرها في صرّة لم تزلّل
وقولهم: إنه يصف رجلا ليس صحيحا، فلا معنى لوصف الرجل الشجاع، بأنه كالرجل العبوس، والصحيح أن البيت في وصف الأسد؛ لأن البيت من قصيدة سينية، يصف فيها أبو زبيد الأسد، ومنها قبل البيت الشاهد:
إلى أن عرّسوا فأغبّ عنهم … قريبا ما يحسّ له حسيس
(2/25)

خلا أنّ العتاق من المطايا … حسين به فهنّ إليه شوس
والبيت استشهد به السيوطي على جواز الفصل بين المتضايفين بالمفعول له، واستشهد به أبو حيان على هذه المسألة، وقال: أي: معاود وقت الهوادي جرأة، ففصل بالمصدر الذي هو مفعول من أجله.
قال الشنقيطي: وروياه «وقت»، والرواية المشهورة «وفق» بالفاء الساكنة والواو المفتوحة، ويقال: جاء القوم وفقا، أي: متوافقين، ويقال: أتيته وفق طلعت الشمس، أي: ساعة طلعت.
قلت: ولعلّ الرواية الصحيحة هي:
«يعاود جرأة وفق الهوادي»، يعاود: فعل مضارع، وجرأة: مفعول لأجله، يريد أن يقول: إنه يعاود الهجوم، متوافقا هجومه مع بروز الهوادي من الخيل، وبهذا التقدير، لا يكون فصل، ولا يكون في البيت مضاف ومضاف إليه. [الهمع/ 2/ 53، والأشموني/ 2/ 280، وعليه حاشية الصبان والعيني].

47 - تقول: ودقّت صدرها بيمينها … أبعلي هذا بالرّحى المتقاعس
قاله الهذلول بن كعب العنبري، وفي الحماسة: وقال الهذلول حين رأته امرأته يطحن للأضياف، فقالت: أهذا بعلي؟ قوله: ودقت صدرها، يبدو أن الضرب على الصدر عند وقوع الدهشة عادة موروثة عند المرأة، فلا زالت النسوة تفعل هذا عند المفاجأة. وقد ينوب عنها لطم الوجه، ففي القرآن: فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ. [الذاريات: 29] وقوله: أبعلي: الهمزة للاستفهام الإنكاري، و «بعلي»: مبتدأ، و «هذا» خبر والمتقاعس:
عطف بيان، أو «هذا» صفة لبعلي، والمتقاعس: خبر، والمتقاعس: بناء لما يفعل تكلفا، ومثله «المتعامي» وهو من القعس، وهو دخول الظهر وخروج الصدر.
وقوله: بالرحى، من رحيت، ومن رحوت، فتكتب بالألف وتكتب بالياء، والياء أكثر، وفي تعلّق الباء قولان، قال المرزوقي: لا يجوز أن يتعلق بالمتقاعس؛ لأنه في تعلقه به يصير من صلة الألف واللام، وما في الصلة لا يتقدم على الموصول، ولكن تجعله تبيينا، وتتصور «المتقاعس» اسما تاما، ويصير موقع «بالرحا» بعده موقع «بك» بعد مرحبا، و «لك» بعد سقيا وحمدا، وإذا كان كذلك جاز تقديمه عليه، كما جاز أن تقول: بك
(2/26)

مرحبا ولك سقيا، قال: وللمازني في مثل هذا طريقة أخرى، وهو أن يجعل الألف واللام من المتقاعس، للتعريف فقط، ولا يؤدي معنى الذي كما تقول: نعم القائد زيد، وإذا كان كذلك، لم يحتج إلى الصلة، فجاز وقوع «بالرحا» مقدما عليه ومؤخرا بعده، وبعده البيت المشهور:
فقلت لها لا تعجلي وتبيّني … بلائي إذا التفت عليّ الفوارس
[الحماسة ص 696 ج 2، والخصائص ج 1/ 245].

48 - إذا أرسلوني عند تعذير حاجة … أمارس فيها كنت نعم الممارس
قاله يزيد بن الطثرية. وتعذير حاجة: تعذرها وتعسرها. وأمارس فيها، أي: أتحيل في قضائها، والشاهد: كنت نعم الممارس، حيث دخلت كان الناسخة على مخصوص نعم، وهو «التاء»، وقدّم على «نعم». [الأشموني ج 3/ 38، والهمع ج 2/ 88].

49 - هل من حلوم لأقوام فتنذرهم … ما جرّب الناس من عضّي وتضريسي
البيت لجرير وهو في اللسان (حلم)، والحلم: الأناة والعقل، قال ابن سيده: وهذا أحد ما جمع من المصادر، وقوله: فتنذرهم: منصوب بأن مضمرة بعد الفاء.
والتضريس: القطع بالضّرس، ويريد به ما يلحق بعدوّه من الأذى، قال زهير:
ومن لم يصانع في أمور كثيرة … يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم
[ديوان جرير/ 128].

50 - إذا هبطن سماويّا موارده … من نحو دومة خبت قلّ تعريسي
البيت لجرير، وسماويّا: نسبة إلى «السماوة» مكان بعينه في أرض العرب. ودومة خبت: موضع بعينه. والتعريس: نزول المسافر آخر الليل. يقول: إذا هبطت الإبل مكانا من السماوة، وردت ماءه لم أقم فيه، شوقا إلى أهلي وحرصا على اللحاق بهم.
والشاهد: «سماويا» نسبة إلى السماوة، فحذفت التاء وبقيت الواو على حالها. [شرح المفصل ج 5/ 157، وكتاب سيبويه ج 2/ 76].

51 - مطاعين في الهيجا مطاعيم للقرى … إذا اصفرّ آفاق السماء من القرس
قاله أوس بن حجر، والمطاعين: جمع مطعان، لكثير الطعن. ومطاعيم: جمع مطعم
(2/27)

للكثير الإطعام. والقرى: الضيافة. والقرس: أبرد الصقيع وأكثره وأشدّ البرد، ويوم قارس: بارد. [اللسان قرس].

52 - إمّا شربت بكأس دار أوّلها … على القرون فذاقوا جرعة الكاس
البيت لعمران بن حطان الخارجي في رثاء مرداس بن أديّة. وبعد البيت وفيه جواب الشرط:
فكلّ من لم يذقها شارب عجلا … منها بأنفاس ورد بعد أنفاس
[الخزانة ج 5/ 360، وكامل المبرد في شعر الخوارج].

53 - كي لتقضيني رقيّة ما … وعدتني غير مختلس
البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات، وقبله:
ليتني ألقى رقيّة في … خلوة من غير ما أنس
قوله: من غير ... الخ، ما: زائدة، والأنس: بفتحتين، وهو الإنس بكسر الهمزة وسكون النون، وفيه مضاف محذوف تقديره من غير حضور أنس. وقوله: لتقضيني: علة لقوله: ألقى. والقضاء: الأداء. ورأى البغدادي أنه يتعدى لمفعول واحد، و «ما» بدل اشتمال من الياء. وكون «ما» موصوفة، أحسن من كونها موصولة. وقال العيني: ما:
مفعول ثان لتقضي، ويجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: لتقضيني
وعدها، والمختلس: مصدر ميمي من «اختلس» أي خطف الشيء بسرعة على غفلة، و «غير» مفعول مطلق، أي: لتقضي قضاء غير اختلاس، والمراد: لأنال من وصلها في أمن من الرقباء. والبيت شاهد على أن الأخفش يعتذر لتقدم اللام على «كي» في «لكيما»، وتأخرها عنها في «كي لتقضي»، أنّ المتأخر بدل المتقدم، وهذا يرد على الكوفيين في زعمهم أنّ «كي» ناصبة دائما، لأن لام الجر لا تفصل بين الفعل وناصبه، ويرى البصريون أن النصب بأن مضمرة وكي جارة تعليليّة، أكدت بمرادفها وهي اللام. [الخزانة ج 8/ 488، والأشموني ج 3/ 281، والهمع ج 1/ 53].
قلت: وهذا الشاعر فاسق ومنافق، فهو فاسق؛ لأنه يتمنى أن يلقى حبيبته في خلوة،
(2/28)

وهذه ليست من صفات المحبّ الصادق، وهو منافق كاذب؛ لأنه تمنى في مكان سابق أن تشمل الشام غارة شعواء في قوله:
كيف نومي على الفراش ولما … تشمل الشام غارة شعواء
وكيف يتمنى محبّ لقومه أن تشمل الأرض التي بارك الله فيها وحولها، غارة شعواء؟! لقد خيب الله أمنيته، وبقيت الشام أرض خير، وسوف تبقى تردّ كيد الكائدين، إن شاء الله.

54 - تنادوا بالرحيل غدا … وفي ترحالهم نفسي
لم يعرف قائله، والشاهد: ب «الرحيل غدا» على أن جملة «الرحيل غدا» من المبتدأ والخبر محكية بقول محذوف عند البصريين، والتقدير: تنادوا بقولهم: الرحيل غدا، وعند الكوفيين محكية ب «تنادوا» فإنه يجوز عندهم الحكاية بما في معنى القول، فإنّ تنادوا معناه نادى كلّ منهم الآخر ورفع صوته بهذا اللفظ، وهو الرحيل غدا، وأجاز أبو علي فيها ثلاثة أوجه:
بالرحيل غدا: بالجرّ، و «الرحيل غدا» بالرفع، والنصب: الرحيل غدا، بتقدير نرحل الرحيل غدا، أو نجعل الرحيل غدا. [الخزانة/ 9/ 182].

55 - لما تذكرت بالدّيرين أرّقني … صوت الدّجاج وقرع بالنّواقيس
البيت لجرير، والديران: موضع قرب دمشق. والبيت شاهد على أن الدجاج يقع على المذكر والمؤنث؛ لأنه إنما أراد هنا، صوت الديكة خاصة. وقال الأصمعي: أراد بالديرين، ديرا واحدا، وقال شارح ديوان جرير، يقول: أرقني انتظاري صوت الديك والنواقيس، وإنما يكون ذلك عند الصباح. [ديوان جرير/ 126، وشرح أبيات المغني/ 1 /
324، وج 5/ 229].
(2/29)

قافية الشين
1 - فإن أهلك فسو تجدون فقدي … وإن أسلم يطب لكم المعاش
البيت لعدي بن زيد، والشاهد «سو» بحذف الفاء لغة في «سوف». [الهمع/ 2/ 72، والدرر/ 2/ 89].

2 - وقريش هي التي تسكن البحر … بها سمّيت قريش قريشا
قاله المشمرج بن عمرو الحميري. والبيت يروى في سبب تسمية قريش، فنسبوا إلى ابن عباس أنه قال: سميت بدابة في البحر تسمّى قريشا، لا تدع دابة إلا أكلتها، فدواب البحر كلها تخافها، قال المشمرج ولعله سمك «القرش»، وهذا أحد الأقوال في سبب الاسم، وبقيت ستة، وهي:
1 - سموا قريشا؛ لتجمعهم إلى الحرم.
2 - وأنهم كانوا يتقرشون البياعات فيشترونها.
3 - أنه جاء النضر بن كنانة في ثوب له، يعني: اجتمع في ثوبه، فقالوا: قد تقرش في ثوبه.
4 - قالوا: جاء إلى قومه، فقالوا: كأنه حمل قريش، أي: شديد.
5 - قال عبد الملك بن مروان: سمعت أن قصيا كان يقال له: القرشي، لم يسمّ قرشي قبله.
6 - أنهم كانوا يفتشون الحاج عن خلّتهم، فيسدّونها.
[الخزانة/ 1/ 203].

3 - تضحك منّي أن رأتني أحترش … ولو حرشت لكشفت عن حرش
(2/31)

رجز جاء في كتب النوادر. ومعنى احترش: أصيد الضبّ، والاحتراش: صيد الضبّ خاصة، وهو أن يحرك يده على جحر؛ ليظنّه حية فيخرج ذنبه ليضربها، فيأخذه. وقيل:
أن يؤتى إلى باب جحر الضبّ بأسود الحيات، فيحرك عند فم الجحر، فإذا سمع الضبّ حسّ الأسود خرج إليه ليقتله، فيصاد.
وقوله: ولو حرشت: التفات من الغيبة إلى الخطاب، يعني: لو كنت تصيدين الضبّ، لأدخلته في فرجك دون فمك إعجابا به وإعظاما للذّته. فقوله «حرش» في آخر الرجز، يعني: «حرك» والحر، بالكسر: فرج المرأة، وأصله
«حرح» بسكون الراء، فحذفت الحاء الأخيرة منه، واستعمل استعمال «يد، ودم»؛ ولذلك يصغّر على (حريح)، ويجمع على (أحراح)، وقد يعوض من المحذوف راء، فيقال: حرّ، بتشديد الراء.
والشاهد في الرجز: أن ناسا من تميم ومن أسد يجعلون مكان الكاف المؤنثة شينا في الوقف، كما في «حرش»، وأصله «حرك»، وربما فعلوا هذا في الكاف الأصلية المكسورة في الوصل أيضا، فرووا بيتا للمجنون يقول:
فعيناش عيناها وجيدش جيدها … سوى أن عظم الساق منش دقيق
يريد:
فعيناك عيناها وجيدك جيدها … سوى أن عظم الساق منك دقيق
يشبه صاحبته بالظبية، وتسمى هذه اللغة: «الكشكشة»، ولكن بيت المجنون يروى بالكاف في «ديوانه» وفي مجموعات الشعر؛ ولذلك ربما كانت أكثر قصصهم في لغات العرب موضوعة، فقد نقل البغدادي في «الخزانة» ج 11/ 466: أن من لهجات العرب «تلتلة» بهراء، فهم يكسرون حروف المضارعة، فيقولون: «أنت تعلم» بكسر التاء، وروى أن ليلى الأخيلية كانت تتكلم بهذه اللغة، وأنها استأذنت ذات يوم على عبد الملك بن مروان وبحضرته الشعبيّ، فقال له: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في أن أضحكك منها؟
قال: افعل، فلما استقرّ بها المجلس، قال لها الشعبي: يا ليلى، ما بال قومك لا يكتنون، فقالت له: ويحك أما (نكتني)؟ فقال: لا والله، ولو فعلت لاغتسلت، فخجلت عند ذلك، واستغرق عبد الملك في الضحك.
قال أبو أحمد، غفر الله له: أقسم بالله أن القصة موضوعة؛ لأنها مروية بدون إسناد،
(2/32)

وربما كانت من صنع الحريري في «درّة الغواص»؛ ذلك أن الشعبي فقيه، وثقة في رواية الحديث، ولا يخرج منه هذا الكلام. ثم إنّ القصة غير محبوكة، وإنما صنعت لتعليم الصبية أحكام اللغة والفقه، وما الذي أدرى الشعبي أنها ستقول في الجواب: «أما نكتني»؛ ليكون كلامها مضحكا؟ أما يمكن أن تقول: ومن الذي قال لك ذلك؟ أو غيره من الأجوبة التي لا يوجد فيها هذا الفعل، ثم إن قوله المزعوم لها: «لا والله، ولو فعلت، لاغتسلت» جواب في غير محله، فقوله: «لو فعلت، لاغتسلت»، كان حقه أن يقول: وكيف أفعل وأنت لست زوجة لي، أو يقول: لو فعلت لرجمت، لأن ليلى محصنة، والشعبي محصن.
وبعد: فلا تلتفتنّ أيها القارئ إلى مضمون قصص الأدب التاريخي؛ لأن أكثرها مصنوع لهدف القصة والتسلية، أو للتعليم.

4 - أيا أبتي لا زلت فينا فإنّما … لنا أمل في العيش ما دمت عائشا
لا يعرف قائله، والشاهد في «: أبتي»، حيث جمع فيه بين العوض، والمعوض، وهما: التاء وياء المتكلم؛ لأن التاء عوض عن ياء المتكلم في قوله: «يا أبت»، وهذا لا يجوز إلا في الضرورة، وأجازه الكوفيون مطلقا. [شرح التصريح/ 2/ 178، والأشموني/ 3/ 158].
(2/33)

قافية الصاد
1 - جشأت فقلت اللّذ خشيت ليأتين … وإذا أتاك فلات حين مناص
لم أعرف قائله. وقوله: جشأت نفسه: إذا ارتفعت من فزع أو حزن. واللّذ: لغة في الذي، وإذا حذفت ياؤها، ترسم بلامين. ولات: بمعنى ليس، اسمها محذوف، وحين:
خبرها. والمناص: التأخر والفرار. والتقدير: إذا أتاك ما تخشينه، فليس الحين حين فرار، فلا بدّ من وقوعه عليك. [شرح أبيات المغني/ 6/ 245].

2 - أكاشره وأعلم أن كلانا … على ما ساء صاحبه حريص
ينسب لعديّ بن زيد. ومعنى أكاشره: أضاحكه، ويقال: كشّر عن نابه؛ إذا كشف عنه.
والشاهد: حذف الضمير من (أن) المخففة، وابتداء ما بعدها على نيّة إثبات الضمير.
[سيبويه/ 1/ 440، وشرح المفصل/ 1/ 54، والإنصاف/ 201].

3 - قد كنت خرّاجا ولوجا صيرفا … لم تلتحصني حيص بيص لحاص
قاله أمية بن أبي عائذ. والخرّاج الولّاج: الحسن التصرف في الأمور المتخلص منها.
وكذا الصيرف. تلتحصني، أنشب فيها، أو معناه: تثبطني. وحيص بيص: كناية عن الضيق والشدّة، حاص: عدل عن الشيء وجار، وباص يبوص: تقدّم وفات. ولحاص:
اسم الداهية معدول عن «لاحصة».
والشاهد: حيص بيص؛ إذ بنيت على الفتح؛ لما تضمنته من معنى الكناية عن الشدة.
[سيبويه/ 2/ 51، وشرح المفصل/ 4/ 115، واللسان «لحص» وحيص].

4 - كلوا في بعض بطنكم تعفّوا … فإنّ زمانكم زمن خميص
(2/35)

لم يعرف قائله. ويقال: أكل في بعض بطنه، إذا كان دون الشبع، وأكل في بطنه، إذا امتلأ وشبع. والخميص:
الجائع، أي: زمان جدب، ومخمصة.
والشاهد: استعمال «بطن» بمعنى الجمع، أي: بعض بطونكم. [سيبويه/ 1/ 108، وشرح المفصل/ 6/ 22، والهمع/ 1/ 50، والدرر/ 1/ 25].

5 - كلا أخويكم كان فرعا دعامة … ولكنّهم زادوا وأصبحت ناقصا
نسبه ابن منظور للأعشى. وأصل الفرع، بفتح الفاء وسكون الراء: القوس يكون خير القسّي، ومنه قالوا: فرع فلان فلانا، أي: فاقه. والّدعامة، بالكسر: سيد القوم ورئيسهم، وقالوا: فلان دعامة عشيرته، يريدون أنه سيدها.
والشاهد: كلا أخويكم كان فرعا، حيث أعاد الضمير من «كان» على «كلا» وهو ضمير المفرد الغائب، فدل على أن في «كلا أخويكم» جهة إفراد، وهي جهة اللفظ.
[الإنصاف/ 422، والخصائص/ 3/ 335].

6 - لدن غدوة حتى ألان بخفّها … بقيّة منقوص من الظّل قالص
البيت بلا نسبة في «شرح المفصل» ج 4/ 100، وذكره ابن يعيش شاهدا على أن العرب نصبت ب (لدن) غدوة، خاصة تشبيها لنونها بالتنوين، لما رأوا النون تنزع عنها وتثبت، فيقال: «لدن، ولد».

7 - أتاني وعيد الحوص من آل جعفر … فيا عبد عمرو لو نهيت الأحاوصا
البيت للأعشى، من قصيدة نفّر فيها عامر بن الطفيل على ابن عمّه علقمة بن علاثة، أي: حكم لعامر بالغلبة على ابن عمه.
والوعيد: التهديد والتخويف. والحوص والأحاوص: أولاد الأحوص بن جعفر.
والحوص: ضيق في مؤخر العين، والرجل أحوص، والمرأة حوصاء. وعبد عمرو هو عبد عمرو بن الأحوص، ووجه الخطاب إليه؛ لأنه كان رئيسهم حينئذ. وجواب «لو» محذوف، أي: لو نهيتهم، لكان خيرا لهم، ويجوز أن تكون للتمني، على سبيل التهكم.
والشاهد: الحوص والأحاوص، على أن الأحوص يجمع على هذين الجمعين:
أحدهما: «فعل»، ولا يجمع هذا الجمع إلا أفعل صفة، وشرطه أن يكون مؤنثه على
(2/36)

«فعلاء». والثاني: أفاعل، ولا يجمع على هذا إلا «أفعل» اسما، أو أفعل التفضيل.
[شرح المفصل ج 5/ 62، والخزانة ج 1/ 183].

8 - فإن تتّعدني أتّعدك بمثلها … وسوف أزيد الباقيات القوارصا
البيت للأعشى، من قصيدة البيت السابق، ومناسبتها أن علقمة كان قد توعّد الأعشى.
والقوارص: الكلمات المؤذية، يريد: إن تتوعدني، فإنني أتوعدك، وأزيدك على الإيعاد بقصائد الهجاء. قلت: وعلقمة عندنا أفضل من عامر؛ لأن الأول أسلم، وصار صحابيا، أما عامر فقد مات على كفره.
والشاهد: «تتعدني، وأتعدك»، وهما مضارع «اتّعد» على وزن افتعل، من الوعد، وأصلهما: توتعدني، وأوتعدك، فقلبت الفاء وهي الواو تاء، ثم أدغمت التاء في التاء.
[شرح المفصل ج 10/ 37، والخزانة ج 1/ 183].

9 - يا عبد هل تذكرني ساعة … في موكب أو رائدا للقنيص
البيت لعدي بن زيد العبادي، ينادي عبد هند اللخمي، و «عبد هند» علم عليه.
والموكب: ضرب من السير. والرائد: من الرود، وهو الطلب. والقنيص: الصيد.
والبيت شاهد على حذف المضاف إليه في الترخيم في قوله «يا عبد»، وأصله: «يا عبد هند» قال الأشموني: وهو نادر جدا. قال أبو أحمد: إنه ليس نادرا، بل هو كثير، والدلالة على كثرته أن أهل فلسطين بعامّة، ينادون عبد الله، وعبد الرحمن، الخ، فيقولون: يا عبد، ولعلها لغة موروثة من العهد الجاهلي، حيث سكنت قبيلتا لخم وجذام اليمنيتان فلسطين، قبل الإسلام بمثات السنين، والله أعلم. [الأشموني ج 3/ 176، والعيني على حاشية الأشموني].

10 - أأطعمت العراق ورافديه … فزاريّا أحذّ يد القميص
البيت للفرزدق، في هجاء عمر بن هبيرة، ويروى مطلعه «أوليت العراق». وقوله:
أحذّ، أي: سريع اليد خفيفها، يصفه بالغلول وسرعة اليد، أي: السرقة. والشطر الثاني ذكره نقّاد الأدب القدماء شاهدا على الشعر المتكلف، فقال ابن قتيبة: يريد: أوليها خفيف اليد، يعني: في الخيانة، فاضطرته القافية إلى ذكر القميص. وفي لسان العرب:
وقوله: أحذّ يد القميص، أراد أحذّ اليد، فأضاف إلى القميص لحاجته. وقال الأستاذ
(2/37)

محمود شاكر في حاشية تحقيق الطبقات: رجل أحذّ، سريع اليد خفيفها في إخفاء السرقة، وأضاف اليد إلى القميص لسرعته في إخفاء ما يسرق، كما يخفي السارق ما سرق في كمه. ويقولون: الأحذّ: المقطوع اليد، كأنه أراد أنه مشهور بالسرقة، كأنه حدّ فيها وقطعت يده، وإن لم يكن هناك قطع على الحقيقة.
وقال ابن برّي: يريد أنه قصير اليد عن نيل المعالي، فجعله كالأحذ الذي لا شعر لذنبه، وهو لا يحبّ لمن هذه صفته أن يولّى العراق.
قال أبو أحمد: والقول بتكلف الفرزدق في هذا البيت، ليس متفقا عليه، ويؤخذ من تفسير ابن برّي، أن الشاعر يصف ابن هبيرة باللؤم والضعف عن نيل المعالي، واليد أداة نيل المعالي، فإذا كانت حذّاء، فصاحبها لا يظهرها لطلب المجد، وكأنه يخفيها في كمّه جبنا. والله أعلم.
واستشهد السيوطي في «الهمع» بالشطر الأول على جواز استخدام المثنى بدل المفرد سماعا، وقال في عقبه: أي: رافده، لأن العراق ليس له إلا رافد واحد، قال أبو أحمد:
وهذا كلام لا يصح، فالعراق له رافدان، هما دجلة والفرات.
والمخاطب في قوله «أوليت» أحد خلفاء بني أمية. [الهمع: ج 1/ 50، والشعر والشعراء ص 32، من المقدمة، واللسان (حذّ)].
(2/38)

قافية ضاد العرب
1 - وليس دين الله بالمعضّى ...
هذا من أرجوزة طويلة لرؤبة بن العجاج أولها:
داينت أروى والدّيون تقضى … فمطلت بعضا وأدّت بعضا
والمعضّى: اسم مفعول من «عضّاه» بتشديد الضاد، إذا جزأه وفرّقه.
والشاهد: المعضّى: فإن هذه الكلمة اسم مفعول من معتل اللام المضعّف الوسط، مثل زكّى، ووفّى، ويريدون بهذا الاستدلال على أن «عضة» بكسر العين وفتح الضاد، التي هي مفرد «عضين» في قوله تعالى: جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ، [الحجر: 91] مأخوذ من التعضية؛ لأن المعنى فيهما واحد، حيث فسرت الآية بأنهم جزأوا القرآن أجزاء، وعلى هذا يكون أصلها «عضو»؛ فحذفوا الواو ثم عوضوا منها الهاء، وهناك رأي على أن «عضة» مأخوذ من العضة، وهو السحر والكهانة أو البهتان، بدليل جمع عضة على عضاه، مثل شفاه، وتصغيرها على عضيهة، والجمع والتصغير يردّان الأشياء إلى أصولها.
[شذور الذهب/ 60، وشرح التصريح/ 1/ 73، والأشموني/ 1/ 84].

2 - فو الله لا أنسى قتيلا رزئته … بجانب قوسى ما مشيت على الأرض
على أنّها تعفو الكلوم وإنّما … يوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
البيتان لأبي خراش الهذلي، أحد فرسان العرب، أسلم وهو شيخ كبير، وحسن إسلامه، ولم يثبت التقاؤه النبيّ
صلّى الله عليه وسلّم.
قوسى: اسم مكان. يقول: إنما نحزن على الأقرب فالأقرب، ومن مضى نسيناه ولو عظم ما مضى.
(2/39)

والشاهد: أن «على» في قوله: «على أنها» للاستدراك والإضراب، وفي هذه الحال لا تحتاج إلى متعلق كحرف الجرّ الشبيه بالزائد. [شرح المفصل/ 3/ 117، والخصائص/ 1/ 71، والمرزوقي/ 785، والخزانة/ 5/ 405].

3 - طول الليالي أسرعت في نقضي … نقضن كلّي ونقضن بعضي
هذا الرجز للأغلب العجلي بن عمرو، أحد المعمرين عمّر في الجاهلية عمرا طويلا، وأدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه، وهاجر وتوجه إلى الكوفة مع سعد بن أبي وقاص، فاستشهد في وقعة نهاوند، وهو من أرجز الرجّاز.
والشاهد: أن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه، ولهذا قال: «أسرعت»، ولم يقل «أسرع». [سيبويه/ 1/ 26، وشرح التصريح/ 2/ 31، والخصائص/ 2/ 418، والأشموني/ 2/ 248].

4 - لقد أتت في رمضان الماضي … جارية في درعها الفضفاض
تقطّع الحديث بالإيماض … أبيض من أخت بني أباض
هذا الرجز لرؤبة بن العجاج، وقوله: «في رمضان». كان الربيع جميعهم في ذلك الوقت. وقوله: «تقطع الحديث بالإيماض»، أي: إذا ظهرت أو ابتسمت، ترك الناس حديثهم ونظروا إليها. وبنو أباض: قوم شهروا ببياض نسائهم.
وفي الرجز ثلاثة شواهد:
الأول: ذكره ابن هشام في المغني، أنهم يعبرون عن الماضي والآتي كما يعبرون عن الشيء الحاضر.
والثاني: استخدام رمضان بدون شهر، ومثله: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». [في البخاري ومسلم]. قالوا: والأفصح مع الشهر؛ لقوله تعالى:
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: 185].
الثالث: في قوله: «أبيض»، حيث جاء بأفعل التفضيل من البياض، وهو يشهد للكوفيين الذين يرون مجيء اسم التفضيل، وصيغتي التعجب من البياض والسواد دون سائر الألوان، والبصريون يمنعون ذلك، ويجعلون مجيئه شاذا، أو أنه صفة مشبهة لا أفعل تفضيل، وجاء
(2/40)

عليه قول المتنبي، وهو كوفي المذهب:
ابعد، بعدت، بياضا لا بياض له … لأنت أسود في عيني من الظّلم
[شرح المفصل/ 6/ 93، والإنصاف/ 149، واللسان «بيض»].

5 - أفي كلّ عام مأتم تبعثونه … على محمر ثوّبتموه وما رضا
قاله زيد الخير (الخيل). والمأتم: النساء يجتمعن في الخير والشرّ، وأراد هنا للشرّ.
والمحمر: وزن منبر: الفرس الهجين، أخلاقه كأخلاق الحمير. ثوبتموه: جعلتموه لنا ثوابا، أي: جزاء على يد قدّمت. ورضا: بمعنى: رضي، في لغة طيئ، يكرهون مجيء الياء متحركة بعد كسرة، فيفتحون ما قبلها؛ لتنقلب إلى الألف لخفتها، ويقولون في «بقي» بقى، وفي «رضي» رضى، يقول الشاعر: ندمتم على ما أهديتم لنا من ذلك الفرس ثوابا منكم على يد قدمناها إليكم، وحزنتم حزن من فقد حميما، فجمع له مأتما، مع أن فرسكم لم يكن مرضيا لنا.
والشاهد: رفع «مأتم»؛ لأنّ الفعل بعده «تبعثونه» في موضع الصفة، فلا يعمل فيه؛ لأن النعت من تمام المنعوت، كالصلة من تمام الموصول، وما لا يعمل لا يفسّر عاملا.
وخبر «مأتم» الجار والمجرور قبله. [سيبويه/ 1/ 65، والشعر والشعراء ترجمة زيد الخيل، والخزانة/ 9/ 493].

6 - أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا … حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض
لطرفة بن العبد. وأبو منذر: كنية عمرو بن هند، يخاطبه حين أمر بقتله، وذكر قتله لمن قتل من قومه.
والشاهد: نصب «حنانيك» على المصدر النائب عن الفعل، وقد ثنى «حنانيك»؛ لإرادة التكثير؛ لأن التثنية أول مراتب التكثير. [سيبويه/ 1/ 174، والهمع/ 1/ 190، والدرر/ 1/ 163، واللسان «حنن»].

7 - هجوم عليها نفسه غير أنّه … متى يرم في عينيه بالشّبح ينهض
قاله ذو الرّمة، يصف ظليما - ذكر النعام - يقول: يهجم نفسه على البيض، أي: يلقيها عليه حاضنا له، فإذا فوجئ بشبح أي شخص فارق بيضه، ونهض هاربا. والشبح: بسكون
(2/41)

الباء، لغة في الشبح بفتحها.
والشاهد: إعمال «هجوم» مبالغة «هاجم»، فنصب «نفسه». [سيبويه/ 1/ 56، والخزانة/ 8/ 157].

8 - عذير الحيّ من عدوا … ن كانوا حيّة الأرض
قاله ذو الإصبع العدواني، ذكر تفرق قومه، وتشتتهم في البلاد مع كثرتهم وعزتهم، وبعد أن كانوا يخشون، كما تحذر الحية المنكرة، يقال: فلان حيّة الوادي، إذا كان شديد الشكيمة حاميا لحوزته.
والشاهد: عذير: أي: هات عذرا لحيّ عدوان. فقوله: عذير: مصدر نائب عن فعله، يكون منصوبا مثل رويدك. [سيبويه/ 1/ 139، والشعر والشعراء ترجمة الشاعر].

9 - إذا أكلت سمكا وفرضا … ذهبت طولا وذهبت عرضا
لرجل من عمان، والفرض: ضرب من التمر صغار، لأهل عمان من أجود تمرهم.
والطول والعرض: كناية عن جميع الجسد.
وشاهده: نصب «طولا» و «عرضا» على التمييز؛ لأن المعنى: ذهب طولي وعرضي، أي: اتسعا. [سيبويه/ 1/ 82، واللسان «فرض»].

10 - أمسلم يا اسمع يا بن كلّ خليفة … ويا سائس الدنيا ويا جبل الأرض
نسبه ابن منظور إلى أبي نخيلة، وقوله: أمسلم: الهمزة لنداء القريب، ومسلم: بفتح الميم الأولى، مرخم مسلمة. وقوله: يا جبل الأرض: أراد به أنه الذي يحفظ توازن هذه الأرض من أن ترجف بها الراجفة.
والشاهد: «يا اسمع»، فإن حرف النداء دخل على الفعل «اسمع»، والفعل لا ينادى، فتقدر اسما محذوفا تقديره «يا هذا اسمع». [الانصاف/ 102].
ويظهر أن رواية البيت مصنوعة لهدف نحوي؛ لأن الرواية المشهورة:
أمسلم إني يا بن خير خليفة … ويا فارس الدنيا ويا جبل الأرض
شكرتك إنّ الشكر حبل من التّقى … وما كل من أوليته نعمة يقضي
(2/42)

11 - فقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا … هلمّ فإنّ المشرفيّ الفرائض
لقوّال الطائي، ذكره أبو تمام في الحماسة مع بيتين، يقولها في ساع جاء يطلب إبل الزكاة، والشاعر إسلامي عاصر مروان بن محمد، والساعي: الذي يلي جمع الزكاة من أربابها. وهلمّ: اسم فعل أمر، معناه أقبل وتعال. والمشرفي: السيف. والفرائض: جمع فريضة: وهي ما يؤخذ من السائمة في الزكاة. والشاعر يتهكم بالساعي الذي جاءهم يطلب الذي عليهم من زكاة أموالهم، وكان قومه قد امتنعوا عن دفع الزكاة.
والشاهد: «ذو جاء»، فإن «ذو» هنا اسم موصول بمعنى الذي، وهو صفة للمرء.
[الأشموني/ 1/ 157، والإنصاف/ 383، والمرزوقي/ 640، والخزانة/ 5/ 28، وج 6/ 41].

12 - أظنّك دون المال ذو جئت تبتغي … ستلقاك بيض للنفوس قوابض
يتبع الشاهد السابق، لقوّال الطائي، والبيض: جمع أبيض، وهو السيف.
والشاهد: «ذو جئت»، فإن ذو اسم موصول بمعنى الذي، وهو صفة للمال، ومن هنا نعلم أن الطائيين يستعملون «ذو» في العقلاء، وفي غير العقلاء. [المرزوقي/ 642، والانصاف/ 383، والخزانة/ 5/ 29].

13 - يغادر محض الماء ذو وهو محضه … على إثره إن كان للماء من محض
يروّي العروق الهامدات من البلى … من العرفج النجديّ ذو باد والحمض
البيتان في حماسة أبي تمّام من شعر ملحة الجرمي من طيئ.
والمحض: أصله اللبن الحامض بلا رغوة، ثم استعمل في الحسب وغيره، يقول:
يترك خالص الماء الذي هو خالصة السحاب وصافيته، ويخلفه في مسايل الأودية على إثره، وإنما يشير إلى ما تقطّع ورقّ من ماء المطر بنضد الأحجار، وأصول الأشجار، حتى صفا من شوائب الكدرة، وقرّ في المناقع وقرارات الأودية. وقوله: إن كان للماء من محض؛ لأن ماء المطر جنس واحد، إذا لم يختلط به غيره، لا يختلف. وقوله:
يروي العروق الهامدات من البلى: يريد أنه أحيا ما أشرف على اليبس من عروق الشجر البالية، وأعادها غضة مرتوية.
(2/43)

والشاهد: في البيت الأول: «ذو وهو محضه»، فإن «ذو» اسم موصول بمعنى الذي، والجملة بعده صلته، و «ذو» صفة للماء، والهاء في محضه تعود إلى السحاب، يعني:
يترك هذا السحاب محض الماء الذي هو، أي: الماء: خالصة السحاب وصافيته.
والشاهد: في البيت الثاني: «ذو باد»، فإن «ذو» اسم موصول بمعنى الذي، وقد وقع صفة للعرفج النجديّ. [المرزوقي/ 809، والإنصاف/ 384].

14 - ولا أدر من ألقى عليه رداءه … على أنّه قد سلّ عن ماجد محض
لأبي خراش الهذلي، يقوله في أخيه عروة من أبيات رواها أبو تمام في الحماسة، قوله: ألقى عليه رداءه: كان من عادة العرب، أنّ الرجل يمرّ بالقتيل فيلقي عليه ثوبه يستره به.
والشاهد: «ولا أدر»، فإنه يريد ولا أدري؛ لأن الفعل غير مجزوم، فحذف الياء مجتزئا بالكسرة التي قبلها؛ لأنها ترشد إليها، وروي البيت في الحماسة «ولم أدر»، ولا شاهد فيه. [الإنصاف/ 390، والمرزوقي/ 787].

15 - قضى الله يا أسماء أن لست زائلا … أحبّك حتى يغمض الجفن مغمض
قاله الحسين بن مطير الأسدي، وقضى: أي: حكم أو قدّر. وأسماء: صاحبته. و «أن لست» مفعول قضى، أي: بأن لست، ويروى «بارحا» موضع «زائلا» وهو خبر ليس.
وفيه الشاهد، فإنه أجراه مجرى فعله، والتقدير: لست أزال أحبك. [الأشموني وعليه العيني ج 1/ 231، والهمع ج 1/ 114، واللسان - غمض].

16 - بتيهاء قفر والمطيّ كأنّها … قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها
البيت لعمرو بن أحمر، والتيهاء: المفازة التي لا يهتدى فيها، من التيه: وهو التحيّر، يقال: تاه في الأرض، أي: ذهب متحيرا. وقوله بتيهاء: الجار يتعلق ببيت قبله، وهو:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة … صحيح السّرى والعيس تجري غروضها
والقطا: طائر سريع الطيران. والحزن: ما غلظ من الأرض، وأضاف القطا إليه؛ لأنه
(2/44)

يكون قليل الماء فتكون قطاه أكثر عطشا، فإذا أراد الماء، كان سريع الطيران، يريد أن يصف المطيّ بسرعة السير.
والشاهد: «كانت فراخا بيوضها» على أن «كان» بمعنى: «صار»، وبها يصح المعنى؛ لأن القطا إذا تركت بيوضا، صارت فراخا تمشي بسرعة إلى فراخها. [الخزنة ج 9/ 201، وشرح المفصل ج 7/ 102، والأشموني ج 1/ 230].

17 - فق الناس في الخير لا سيّما … ينيلك من ذي الجلال الرّضى
البيت في «الهمع» ج 1/ 235، بلا نسبة، وذكره السيوطي شاهدا على جواز أن يلي «لا سيّما» الفعل، و «فق»، أمر من «فاق».

18 - كادت وكدت وتلك خير إرادة … لو كان من لهو الصّبابة ما مضى
البيت بلا نسبة. في اللسان «كيد» وكاد، وكدت، معناه: أرادت، وأردت.

19 - فو الله ما أنسى قتيلا رزيته … بجانب قوسى ما مشيت على الأرض
لأبي خراش الهذلي في رثاء أخيه عروة، وكان قد أسر وقتل، واسم أبي خراش خويلد ابن مرة، وهو شاعر مخضرم، أدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه، ونزل به قوم من اليمن حجاج، واضطروه أن يستقي لهم تحت الليل، فنهشته حية في طريقه، ثم سقاهم وأطعمهم، ولم يعلمهم بما أصابه، فأصبح وهو في الموت، فلم يبرحوا حتى دفنوه، فلما بلغ عمر، غضب غضبا شديدا، وقال: لولا أن تكون سنّة، لأمرت ألا يضاف يمان أبدا، هذا ما رواه الأقدمون، ولم أحقق سند القصة. وقوسى: بضم القاف وفتحها، بلد في الجزيرة العربية، بالسراة، وقوله: ما مشيت على الأرض، «ما» مصدرية ظرفية، دلت مع الفعل بعدها على ظرف زمان. [المرزوقي/ 785، وشرح المفصل/ 3/ 117، والخزانة/ 5/ 406].

20 - وممّن ولدوا عامر … ذو الطّول وذو العرض
هذا البيت لذي الإصبع العدواني، واسمه الحارث بن محرث بن حرثان، وعامر: هو عامر بن الظرب العدواني، الذي يقول فيه ذو الإصبع من كلمة الشاهد:
ومنهم حكم يقضي … فلا ينقض ما يقضي
(2/45)

وقوله: ذو الطول وذو العرض: كناية عن عظم جسمه، والعرب تتمدح بطول الأجسام، ومن ذلك قول الشاعر:
تبيّن لي أنّ القماءة ذلّة … وأنّ أعزّاء الرجال طيالها
والقماءة: بفتح القاف، بزنة سحابة، قصر القامة، ومحل الاستشهاد بالبيت هنا، قوله: «عامر»، فقد جاء به مرفوعا من غير تنوين، فدلّ على أنه منعه من الصرف، مع أنه ليس فيه إلا علة واحدة، وهي العلمية، وقد منعه من الصرف، مع اعتباره اسم رجل؛ لأنه وصفه وقال: ذو الطول وذو العرض، ولو كانت قبيلة، لوجب أن يقول: ذات الطول وذات العرض. [شرح المفصل/ 1/ 68، والانصاف/ 501].

21 - وسنّ كسنّيق سناء وسنّما … ذعرت بمدلاح الهجير نهوض
البيت منسوب لامرئ القيس، والسنّ: بكسر السين وتشديد النون: الثور الوحشي.
والسنيق: بضم السين وتشديد النون المفتوحة، قيل: الأكمة المرتفعة، وقيل: البيت المجصص. سناء: ارتفاعا. شبه الثور الوحشي، بأكمة أو بيت في علوّه وضخامة جسمه. وسنّم: بفتح السين، والنون المشددة، زعموا أنها البقرة الوحشية. وذعرت: أي أخفت فصدتهما. والمدلاح يروى بالحاء المهملة: زعموا أنه الفرس يختال بفارسه، ولا يتعبه، أو فرس كثير السير، أو الكثير العرق، ويروى «بمدلاج» بالجيم، من دلج، إذ مشى، وليس من أدلج، ويروى «بمزلاج» بالزاي والجيم، من الزلج، وهو السرعة في المشي. والهجير: من زوال الشمس إلى العصر، وشدة الحرّ،
وإذا كان الفرس في ذلك الوقت يلعب ويسرع بفارسه من نشاطه، فما ظنك به في غير ذلك الوقت؟ ونهوض:
صيغة مبالغة بمعنى كثير النّهوض، بضم النون، وهو الحركة، يريد أنه كان يركب هذا الفرس، واستطاع أن يصيد ثورا وبقرة. والشاهد: «وسن .. وسنما»، فالواو: واو ربّ، وسنّ: مجرور ومحلّ مجرور «ربّ» هنا، النصب ب «ذعرت»، وعطف «وسنما» على محل مجرور «ربّ»، والمعنى: ذعرت بهذا الفرس ثورا وبقرة.
ومجرور ربّ فيه الحالات التالية:
1 - مبتدأ: إذا كان الفعل بعدها لازما، مثل: «ربّ رجل عالم قام»، وفي مثل ربّ رجل صالح عندي.
(2/46)

2 - ونصب على المفعولية إذا كان الفعل متعديا، ولم يأخذ مفعوله نحو «ربّ رجل صالح لقيت».
3 - والرفع والنصب، إذا أخذ الفعل مفعوله نحو: «ربّ رجل صالح لقيته».
4 - النصب على الظرفية مع الفعل اللازم في مثل: «ربّ ليلة شاتية سافرت».
5 - والرفع على الابتداء إذا كان الفعل شرطا، كحديث: «ربّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله، لأبرّه»، مجرور ربّ مبتدأ، وجملة الشرط خبره.
قلت: ويظهر أن هذا البيت مصنوع؛ لأن ابن الأعرابي والأصمعي جهلا بعض ما فيه من الألفاظ، وقال أبو عمرو في هذا البيت: هذا بيت مسجديّ، يريد أنه من عمل أهل المسجد. [المغني، الشاهد 231، وشرح أبياته للبغدادي ج 3/ 190، والهمع ج 2/ 27، والخزانة ج 9/ 567، واللسان (سنق)].

22 - أرجزا تريد أم قريضا … أم هكذا بينهما تعريضا
كلاهما أجيد مستريضا
رجز للأغلب العجلي الراجز، شاعر مخضرم، وقوله: مستريضا: أي: متسعا، يقال:
استراض المكان: فسح واتسع.
والشاهد: حذف الضمير العائد إلى المبتدأ من جملة الخبر، كلاهما: مبتدأ، وجملة أجيد: خبره، والأصل: كلاهما أجيده فحذف الهاء. [الهمع 1/ 97، والدرر/ 1/ 97، واللسان «روض»].
(2/47)

قافية الطاء
1 - حتى إذا جنّ الظلام واختلط … جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط
هذا رجز لم يعرف قائله. وجنّ الظلام: ستر كلّ شيء، والمراد: أقبل. اختلط: كناية عن انتشاره واتساعه. والمذق:
اللبن الممزوج بالماء، شبهه بالذئب لاتفاق لونهما؛ لأنّه فيه غبرة وكدرة. والمعنى: يصف الراجز قوما نزل بهم ضيفا، بالشّحّ والبخل، فانتظروا عليه طويلا حتى أقبل الليل بظلامه، ثم جاءوا بلبن مخلوط بالماء يشبه الذئب في لونه؛ لكدرته وغبرته، يريد أن الماء الذي خلطوه به كثير.
وقطّ: استعمله بعد الاستفهام، مع أنّ موضع استعماله بعد النفي الداخل على الماضي. والذي سهّل هذا؛ أنّ الاستفهام قرين النفي في كثير من الأحكام، وهو ظرف زمان مبني على الضمّ في محل نصب متعلق ب «رأى»، وسكونه للوقف، وجملة «هل رأيت الذئب قط»، في محل نصب مفعول به، لقول محذوف يقع صفة لمذق، والتقدير:
بمذق مقول فيه هل رأيت الذئب قط.
والشاهد فيه: قوله: «بمذق هل رأيت» .. الخ، فإن ظاهر الأمر أنّ الجملة المصدرة بحرف الاستفهام قد وقعت نعتا للنكرة، وليس الأمر على ما هو الظاهر، بل النعت (قول) محذوف، وهذه الجملة معمولة له، والقول يحذف كثيرا ويبقى معموله. قال البغدادي:
وهذا الرجز قيل: للعجاج، والله أعلم. [ابن عقيل/ 2/ 263، وشرح التصريح/ 2/ 112، والهمع/ 2/ 117، والخزانة/ 2/ 909 و 5/ 24].

2 - فلا والله نادى الحيّ ضيفي … هدوّا بالمساءة والعلاط
البيت للمتنخّل الهذلي، وهدوّا: بعد ساعة من الليل. والمساءة: مصدر سؤته سوءا.
والعلاط: أصله وسم في عنق البعير، ويقال: علطه بشرّ، إذا وسمه ولطخه به. وهدوّا:
ظرف لنادى؛ لأن غالب ضيوف العرب إنما يجيئون بعد دخول الظلام.
(2/49)

والشاهد: فلا والله نادى، حيث حذف النفي قبل الماضي، أي: فلا والله ما نادى، فحذف النافي استغناء عنه بالأول. [الهمع/ 2/ 44، والدرر/ 2/ 51، والخزانة/ 10/ 94، وشرح أشعار الهذليين/ 3/ 1269].

3 - كأنّي بك تنحطّ … إلى اللّحد وتنغط
وقد أسلمك الرهط … إلى أضيق من سمّ
هذا الكلام من قصيدة مسمّطة في المقامة الحادية عشرة، من مقامات الحريري.
وتنحطّ: مصدره الانحطاط: وهو الانحدار من علو إلى سفل، يريد انتقاله من ظهر الأرض إلى بطنها، وهو لحد القبور. وتنغطّ: من غطه في الماء إذا غمسه فيه، يريد مواراته وتغطيته بالتراب. والرهط: قوم الرجل، وقوله: إلى أضيق، أي: إلى مكان أضيق. والسّمّ: الثقب، ومنه قول الشاعر:
رحب الفلاة مع الأعداء ضيّقة … سمّ الخياط مع الأحباب ميدان
والحريري، منسوب إلى الحرير، لبيعه أو عمله، عاش 446 - 516 ه، والخلاف جار بين النحويين في «كأنّ» في هذا الأسلوب:
أ - فقال قوم: أصله: كأني أبصرك تنحطّ، فحذف الفعل، وزيدت الباء «وكأنّ» معناها للتقريب.
ب - وقال قوم: كأنّ، باقية على معنى التشبيه، والباء أصلية، والتقدير: كأنك تبصر بالدنيا، أي: تشاهدها، والجملة بعد المجرور بالباء حال، أي: كأنك تبصر بالدنيا وتشاهدها غير كائنة؛ لأنهم يقولون: كأني بالليل وقد أقبل، والواو لا تدخل على الجمل إذا كانت أخبارا لهذه الحروف، ويكون «بك» الخبر، و «تنحط» حال.
ج - وقال الحسن البصري «كأنك بالدنيا لم تكن»، وتقديره: إن حالك في الدنيا يشبه حالك زائلا عنها. ويكون «بالدنيا» ظرفا، و «كان» تامّة، وهي خبر كأنّ، وإن كان الضمير للدنيا، فيحتمل أن يكون بالدنيا الخبر و «لم تكن» في موضع نصب على الحال من الدنيا.
د - ويقولون: كأنك بالشتاء مقبل، وكأنك بالفرج آت.
(2/50)

والتقدير: كأنك بالشتاء وهو مقبل، والمرفوع خبر مبتدأ محذوف مع واو الحال أو بدونها، والجملة الاسمية حال.

4 - فما أنا والسير في متلف … يبرّح بالذّكر الضابط
هذا البيت لأسامة بن الحارث الهذلي، وهو إسلامي له ترجمة في الإصابة. والمتلف:
القفر الذي يتلف فيه من سلكه، ويقال: برّح به: إذا جهده. والذّكر: الجمل. والضابط:
القوي، يقول: ما أنا، وذا، أي: لست أبالي السير في مهلكة، أو أنه ينكر على نفسه السفر في مثل هذا المتلف الذي تهلك الإبل فيه، وذلك أن أصحابه سألوه أن يسافر معهم، وأبى وقال هذا الشعر.
والشاهد: نصب «السير»، على تقدير: «ما كنت»، لاشتمال الكلام على معناه. فكأنه قال: فما كنت والسير في متلف. [شرح المفصل/ 2/ 52، وسيبويه/ 1/ 153، والأشموني/ 2/ 137، والهمع/ 1/ 221، والدرر/ 1/ 190، وشرح أشعار الهذليين/ 3/ 1289].

5 - فإمّا تعرضنّ أميم عنّي … وينزغك الوشاة أولو النّباط
فحور قد لهيت بهنّ عين … نواعم في المروط وفي الرّياط
البيتان للشاعر المتنخّل الهذلي، وأميم: ترخيم أميمة. ينزغك: يوسوس بك. وأولو النباط: الذين يستنبطون الأخبار ويستخرجونها. والعين: الواسعات الأعين. والمروط:
جمع مرط، وهو كساء يشتمل به. والرياط: جمع ريطة، وهي الملاءة.
والشاهد: «فحور»: بالجر، جمع حوراء، فقد زعم بعضهم أن الاسم مجرور بالفاء، والأقوى أن يكون مجرورا ب «ربّ» المقدرة بعدها، والجملة بعدها جواب شرط. [شرح المفصل/ 2/ 118، والأشموني/ 2/ 232، وشرح أشعار الهذليين/ 3/ 1267].

6 - ومنهل وردته التقاطا … لم ألق إذ وردته فرّاطا
إلا الحمام الورق والغطاطا
رجز قاله نقادة الأسدي، والمنهل: المورد. والتقاطا: يعني مفاجئا له، لم أقصد قصده، ولم أحتسبه؛ لأنه في فلاة مجهولة.
(2/51)

والشاهد: نصب «التقاطا» على المصدر الواقع حالا. [سيبويه/ 1/ 186، واللسان/ «فرط» و «لقط»].

7 - شرّاب ألبان وتمر وأقط
رجز روته كتب اللغة من غير عزو، والأقط: بكسر القاف وآخره طاء مهملة، وهو طعام يتخذ من اللبن المخيض، ومحل الشاهد: قوله: «وتمر»، فإن ظاهره أنّ هذه الكلمة معطوفة بالواو على قوله «ألبان» فيكون قوله «شرّاب» مسلطا على المعطوف والمعطوف عليه، ولكن كل من التمر والأقط، مأكول لا مشروب، ولهذا خرّجه العلماء على وجهين: الأول: أن تقدر عاملا للتمر يكون معطوفا على شرّاب، والتقدير: شرّاب ألبان، وطعّام تمر وأقط، والثاني: أن تتوسع في «شرّاب» فتضمّنه معنى كلمة أخرى، يصح أن تتسلط على المعطوف والمعطوف عليه: والتقدير: متناول ألبان وتمر. [الإنصاف/ 613].

8 - أبيت على معاري فاخرات … بهنّ ملوّب كدم العباط
البيت للمتنخّل الهذلي، وفي اللسان «معاري واضحات» قال ابن سيده: المعاري:
الفرش، وقيل: المعاري من المرأة: العورة والفرج. والملوّب: الملطخ بالزعفران، أو شيء من الطيب. والعباط: الدابة، أو الدم الطريّ.
والشاهد: «معاري» قال ابن منظور: نصب الياء؛ لأنه أجراها مجرى الحرف الصحيح في ضرورة الشعر، ولم
ينون؛ لأنه لا ينصرف، ولو قال: «معار» لم ينكسر البيت، ولكنه فرّ من الزحاف. [اللسان «عرا، وملب»، وكتاب سيبويه ج 2/ 58، والمرزوقي 993].
ذكر ابن قتيبة البيت في مقدمة الشعر والشعراء تحت عنوان «العيب في الإعراب» فقال: ويحتج (سيبويه) بقول الهذلي في كتابه وهو قوله:
يبيت على معاري فاخرات … بهنّ ملوّب كدم العباط
وليست ها هنا ضرورة فيحتاج الشاعر إلى أن يترك صرف «معار»، ولو قال: يبيت على «معار» فاخرات، كان الشعر موزونا والإعراب صحيحا.

9 - أطلت فراطهم حتى إذا ما … قتلت سراتهم كانت قطاط
البيت لعمرو بن معد يكرب، من أبيات قالها قبل إسلامه، لبني مازن من الأزد، فإنهم
(2/52)

كانوا قتلوا أخاه عبد الله فأخذ الدية منهم، فعيرته أخته كبشه بذاك، فغزاهم وأثخن فيهم، وقال ما قال، والرواية الصحيحة «فراطكم» و «سراتكم»، وفراطكم: إمهالكم. والسّراة بالفتح: الصحيح أنه مفرد لا جمع، ولا اسم جمع، وهو مثل كاهل القوم وسنامهم، وشهر أن «السراة» جمع سريّ، والحقّ أن «سريّ» فعيل من السرو وهو الشرف، ويجمع على أسرياء، كغنيّ وأغنياء.
وقوله: كانت قطاط، أي: كانت كافية لي، وقاطّة لثأري، أي: قاطعة له، وقطاط:
مبنية على الكسر في محل نصب خبر كان، وهو معدول عن «قاطّة» أي: كافية، يقال:
قطاط، بمعنى حسبي، من قولهم: قطك درهم، أي: حسبك، مأخوذ من القطّ، وهو القطع، كأن الكفاية قطعت عن الاستمرار، واسم كان ضمير مستتر، يعود على الفعلة المفهومة من قتلت سراتهم. [الخزانة ج 6/ 352، وشرح المفصل 4/ 58، 61، واللسان قطط].
(2/53)

قافية الظاء
1 - ألا من مبلغ حسّان عني … مغلغلة تدبّ إلى عكاظ
قاله أمية بن خلف الخزاعي من قصيدة يهجو بها حسانا رضي الله عنه. وقوله: ألا:
للتنبيه. و «من»: مبتدأ. ومبلغ: خبره. ومغلغلة: مفعول. مغلغلة، أيضا يقال: رسالة مغلغلة، إذا كانت محمولة من بلد
إلى بلد. وعكاظ: سوق من أسواق الجاهلية.
والشاهد: «حسان»، حيث منعه من الصرف؛ لاعتباره من الفعل «حسّ». [الأشموني ج 4/ 265، وعليه حاشية العيني].

2 - يداك، يد خيرها يرتجى … وأخرى لأعدائها غائظة
البيت منسوب لطرفة بن العبد. يمدح رجلا بأن إحدى يديه يرتجى منها الخير، ويده الأخرى غيظ للأعداء. ويداك: مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: يداك المشار إليهما، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هاتان يداك. وقوله: «يد»، خبر لمبتدأ محذوف، أي:
إحداهما يد، و «خيرها يرتجى»، جملة وقعت صفة لها، والأوجه: أن تكون «يداك» مبتدأ، ويد خبره، وأخرى عطف عليه، وفيه الشاهد، لتعدد الخبر بتعدد المخبر عنه، فوجب العطف بالواو، وقيل: التقدير: إحدى يديك يد يرتجى خيرها، فلما حذف المضاف، أقيم المضاف إليه مقامه. [الأشموني وعليه العيني ج 1/ 223، والخزانة ج 1/ 133].

3 - تجلد لا يقل هؤلاء هذا … بكى لما بكى أسفا وغيظا
لا يعرف قائله، وهو شاهد على تخفيف «هؤلاء»، فقال «هؤلاء»، فحذف المدّ والهمز. [شرح المفصل ج/ 136، والخزانة ج 5/ 437]. ويروى أيضا بقافية الكاف «أسفا عليكا]. وقوله: تجلد: أمر. ويقل: مجزوم بلا الناهية.
(2/55)

حرف العين
1 - لما عصى أصحابه مصعبا … أدّى إليه الكيل صاعا بصاع
البيت لرجل من بني قريع من قصيدة رثى بها يحيى بن ميسرة صاحب مصعب بن الزبير، وكان وفى له حتى قتل معه.
وقوله: صاعا بصاع: هو من الأمثال. يقال: جزاه كيل الصاع بالصاع، أي: كافأ إحسانه بمثله وإساءته بمثلها.
وقوله: صاعا بصاع: في موضع الحال، مثل: بايعته يدا بيد، والأصل: مقابلا صاعا بصاع، ثم طرح مقابلا، وأقيم صاعا مقامه، والحال هنا التركيب برمته «صاعا بصاع» ومثله «كلمته فاه إلى فيّ». وصاحب الحال في البيت فاعل «أدّى»، الذي يعود إلى يحيى في بيت سابق، وفي البيت شاهد على جواز اتصال ضمير المفعول به بالفاعل، مع تقدم الفاعل وهو قوله: «أصحابه مصعبا»، ويكون عاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة كقول الآخر:
(جزى ربّه عني عديّ بن حاتم)، ولكن هذا الشاهد يروى:
لما جلا الخلّان عن مصعب … أدّى إليه القرض صاعا بصاع
[الخزانة/ 1/ 279 و 6/ 95، والمفضليات/ 323]. وقد أنشد الضبيّ القصيدة التي منها البيت مرتين، ونسبها إلى السفّاح بن بكير بن معدان اليربوعي، يرثي يحيى بن شداد من بني يربوع، وقال أبو عبيدة هي لرجل من بني قريع، يرثي يحيى بن ميسرة صاحب مصعب بن الزبير.

2 - فأقسم لو شيء أتانا رسوله … سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
البيت لامرئ القيس، وشيء: بمعنى: أحد. قال تعالى: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ
(2/57)

أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ [الممتحنة: 11]، أي: أحد من أزواجكم، وقد استشهد بعضهم بالبيت على أنّ الجواب محذوف، عملا بمقتضى الضابط في اجتماع قسم وشرط، ولكن بعض النحويين قد يعثرون؛ لنظرهم في البيت الشاهد مفردا منقطعا عن سياقه، أو لاعتمادهم على رواية ناقصة، دون أن يستقصوا، فالبيت جاء في سياق قصيدة يصف فيها امرؤ القيس إحدى أحلام يقظته، أو أحد خيالاته، حيث يقول:
بعثت إليها والنجوم خواضع … حذارا عليها أن تقوم فتسمعا
تقول وقد جرّدتها من ثيابها … كما رعت مكحول المدامع أتلعا
وجدّك لو شيء ...
إذن لرددناه ولو طال مكثه … لدينا ولكنّا بحبّك ولّعا
فقوله في البيت الشاهد: «ولكن لم نجد» جملة اعتراضية، وقوله: «إذن» في البيت التالي، جواب «لو» لا جواب القسم، فإنّ «إذن» في الغالب تكون جوابا ل «لو»، أو لإن الشرطيتين، ظاهرتين أو مقدرتين، ولم يسمع وقوعها في جواب القسم. والله أعلم.
[الخزانة/ 10/ 84، وشرح المفصل/ 9/ 7].

3 - إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت … حبال الهوينى بالفتى أن تقطّعا
البيت للكلحبة العريني اليربوعي، واسمه هبيرة بن عبد مناف.
وهو شاهد على أنّ الاسم، إن أعيد ثانيا ولم يكن بلفظ الأول، لم يجز عند سيبويه، ويجوز عند الأخفش سواء أكان في شعر أم في غيره، وقد قال الشاعر: «المرء» في الشطر الأول، ثم قال: «بالفتى»، ولعلّ سيبويه ومن وافقه، يريدون من الشاعر أن يذكر محل «الفتى» الضمير، فيقول «به»، وقد قال ابن رشيق في «العمدة». [ج 2/ 56]، قوله: «بالفتى» حشو، وكان الواجب أن يقول «به»؛ لأن ذكر المرء قد تقدم. قلت: ولم يصب سيبويه، وابن رشيق المفصل؛ لأنهما جريا وراء الصنعة، وغاب عنهما الذوق الأدبي؛ ذلك أن لفظ «المرء» عامة تشمل الإنسان، وعند ما
قال: «بالفتى»، كأنه خصّ الفتيان بهذه التجربة، فالشاعر يريد أن يقول: من لم يركب الهول تقطّع أمره، ومن أشعر نفسه الجراءة والغلبة ظفر، وهذا الكلام يخاطب به فتيان. والبيت من قطعة في [المفضليات/ 32، والخزانة/ 1/ 386، والهمع/ 1/ 130].
(2/58)

4 - قعيدك أن لا تسمعيني ملامة … ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا
هذا البيت من قصيدة لمتمم بن نويرة، يرثي بها أخاه مالك بن نويرة، والبيت شاهد على أنّ «قعيدك الله» و «عمرك الله» أكثر ما يستعملان في القسم السؤالي، فيكون جوابهما فيه الطلب كالأمر والنهي. و «أنّ» هنا زائدة. وقعيدك: بمعنى حفيظك. وقوله:
«فييجعا»، هي «يوجع»، ولكنها بلغة تميم، وهو منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية المسبوقة بالطلب. وقعيدك: مصدر منصوب بفعل مضمر، وهو من أساليب القسم.
[الخزانة/ 2/ 20 والهمع/ 2/ 45].

5 - ألا قالت العصماء يوم لقيتها … أراك حديثا ناعم البال أفرعا
فقلت لها: لا تنكريني فقلّما … يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا
البيت الأول هو الشاهد على أنّ صفة الزمان القائمة مقام الموصوف، يلزمها الظرفيّة عند سيبويه. كما في هذا البيت، أي: زمانا حديثا. والبيتان في «الحماسة» / 321 / بدون عزو. يقول الشاعر: قالت لي هذه المرأة لما التقيت معها: أعلمك عن قريب ناعم الحال، أفرع، أي: تام شعر الرأس لم يتسلط صلع، ولا حدث انحسار شعر، فكيف تغيرت مع قرب الأمد، والرؤية هنا بصرية، وناعم البال: مفعوله، وأفرع: صفته.
وقوله: فقلت لها .. الخ، يقول: قلت لها، لا تستنكري ما رأيت من شحوب لوني، وانحسار شعر رأسي، فما ينال الفتى السيادة حتى يستبدل بشبيبته شيبا، وبوفور شعر رأسه صلعا.
وتقول العامة اليوم: مقومات الوجاهة ثلاثة: الكرش، والباكورة (العصا)، والصّلعة، ولا تأتي ثلاثتها إلا مع تقدم السنّ، وقد تكون هذه الفلسفة صحيحة؛ لأن كبير القوم إذا كان شيخا تفرغ للنظر في شؤون الناس، مع تجربته السابقة، فإذا كان صغير السن، انشغل بعض الوقت في ملذّاته الخاصة، والله أعلم. [الخزانة/ 3/ 101].

6 - لقد عذلتني أمّ عمرو ولم أكن … مقالتها - ما كنت حيّا - لأسمعا
ليس للبيت قائل معروف. وهو شاهد على أنّ «مقالتها» مفعول مقدم لأسمع عند الكوفيين. وعند البصريين منصوب بفعل محذوف يفسره المذكور، والتقدير: ما كنت أسمع مقالتها. [الخزانة/ 8/ 578، وشرح التصريح/ 2 /
236، وشرح المفصل/ 7/ 29].
(2/59)

7 - تعلّم أنّ بعد الغيّ رشدا … وأنّ لهذه الغبر انقشاعا
البيت للقطامي، وهو شاهد على أنّ «تعلّم» التي بمعنى «اعلم» أمر، لا تنصب المفعولين، بل ترد الاسميّة مصدرة بأنّ السادة مع معموليها مسدّ المفعولين، ويقلّ نصبها للمفعولين، كقول الشاعر زياد بن سيّار:
تعلّم شفاء النفس قهر عدوّها … فبالغ بلطف في التحيّل والمكر
ويروى البيت: «وأنّ لتالك».
للاستشهاد به على أن «تالك» اسم إشارة. والغبر: جمع غبرة: وهي القتمه:
يريد ما أطل من الأمور الشداد المظلمة، ويروى «الغمر»، والقطامي، قائل هذا البيت يريد تسلية أخيه، فإنّ بني أسد كانوا أوقعوا ببني تغلب، والقطامي منهم، فأسره بنو أسد، وأرادوا قتله، فحال زفر بن الحارث بينه وبينهم، وحماه وكساه، فقال القطامي القصيدة التي منها البيت يمدح زفر، ويحض قيسا وتغلب على الصلح. [الخزانة/ 9/ 129، والهمع/ 1/ 75، والدرر/ 1/ 49].

8 - جزعت حذار البين يوم تحمّلوا … وحقّ لمثلي يا بثينة يجزع
البيت لجميل صاحب بثينة، وهو شاهد على أنّ أصله أن «يجزع» فحذفت «أن» وارتفع الفعل، وهو نائب فاعل، «حقّ». [الخزانة/ 8/ 579].

9 - من النّفر اللائي الذين إذا اعتزوا … وهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا
البيت لأبي الرّبيس الثعلبي، وهو شاعر إسلامي أمويّ من الشعراء اللصوص، والبيت شاهد على أن «اللائي الذين» من باب التكرير اللفظي، كأنه قال: من النفر «اللائي اللائي»، ويروى البيت:
«من النفر الشّمّ الذين»، وهذا يدل على أنّ القول الأول مصنوع؛ لإثبات قاعدة.
[الخزانة/ 6/ 78].

10 - لحافي لحاف الضيف والبرد برده … ولم يلهني عنه غزال مقنّع
البيت لمسكين الدارمي، أو عتبة بن بجير الحارثي، أو عروة بن الورد، وهو شاهد
(2/60)

على أنّ «أل» في «البرد» عند الكوفيين عوض من المضاف إليه، والتقدير وبردى برده، وهو المناسب لقوله
«لحافي لحاف الضيف»، وبعد البيت:
أحدّثه إنّ الحديث من القرى … وتعلم نفسي أنّه سوف يهجع
يريد: تعلم نفسي وقت هجوعه فلا أكلمه، فهو يحدثه بعد الإطعام كأنه يسامره حتى تطيب نفسه، فإذا رآه يميل إلى النوم، خلّاه. [الخزانة/ 4/ 251، والحماسة بشرح المرزوقي/ 1719].

11 - هما خيّباني كلّ يوم غنيمة … وأهلكتهم لو أنّ ذلك نافع
هذا البيت من قصيدة للأسود بن يعفر، وهو شاهد على أنّ خبر «أنّ» الواقعة بعد «لو»، قد يجيء بقلّة وصفا مشتقا، ولم يشترط أن يكون فعلا، وإنما الفعل أكثريّ.
[الخزانة/ 11/ 303، والأغاني/ 11/ 132].

12 - لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم … ليعلم ربّي أنّ بيتي واسع
البيت للشاعر الكميت بن معروف، شاعر إسلامي، وهو شاهد على أنّ المضارع الواقع جوابا لقسم، إن كان للحال، وجب الاكتفاء باللام، كما في البيت، فإن المعنى:
ليعلم الآن ربّي. [الخزانة/ 10/ 68، وشرح التصريح/ 2/ 254، والأشموني/ 3/ 215، والعيني/ 4/ 327].

13 - حمّال أثقال أهل الودّ آونة … أعطيهم الجهد منّي بله ما أسع
البيت لأبي زبيد الطائي، وقبله:
من مبلغ قومنا النائين إذ شحطوا … أنّ الفؤاد إليهم شيّق ولع
والبيت الأول شاهد على أن الأخفش أورده في باب الاستثناء، وقال: «بله» فيه حرف جرّ، مثل «عدا، وخلا» بمعنى سوى، وفيه خلاف. انظر [الخزانة/ 6/ 228، وشرح المفصل/ 4/ 49].

14 - أمن ريحانة الداعي السميع … يؤرّقني وأصحابي هجوع
البيت للشاعر عمرو بن معد يكرب. وريحانة: اسم امرأة. والداعي: مبتدأ خبره جملة
(2/61)

يؤرقني. وأصحابي هجوع: جملة حالية. وقوله: أمن: الهمزة للاستفهام. ومن ريحانة:
متعلق بقوله: يؤرقني.
والبيت شاهد على أن «فعيل»، قد جاء لمبالغة «مفعل». [الخزانة/ 8/ 178، والشعر والشعراء/ 1/ 372، واللسان «سمع»، والأصمعيات/ 172]. والبيت مطلع القصيدة ومنها قوله:
إذا لم تستطع شيئا فدعه … وجاوزه إلى ما تستطيع

15 - هجوت زبّان ثم جئت معتذرا … من هجو زبّان، لم تهجو ولم تدع
لأبي عمرو بن العلاء يقوله للفرزدق الشاعر. وكان الفرزدق قد هجاه ثم اعتذر له، وزبّان: قيل: هو اسم أبي عمرو بن العلاء المازني النحوي اللغوي المقرئ.
والشاهد: «لم تهجو»، فإنه لم يجزم بحذف الواو، وخرجوه: أن الشاعر لم يحذف الواو عند الجزم اكتفاء بحذف الحركة عند جزم الصحيح الآخر، وقيل: إن الواو (لام الفعل) قد حذفت، وأن هذه الواو نشأت عن إشباع ضمة الجيم. [الخزانة/ 8/ 359].

16 - عبأت له رمحا وألّة … كأن قبس بها حين تشرع
للشاعر مجمع بن هلّال، من قطعة رواها أبو تمام في الحماسة. وعبأت: أعددت.
والألّة: بفتح الهمزة وتشديد اللام: السّنان، وأصله من الأليل: وهو البريق واللمعان.
وتشرع: مبني للمجهول، تصوّب للطعن.
والشاهد: كأن قبس، يعلى بها، وقبس: يجوز فيه الرفع والنصب والجرّ، فالجرّ: على أن تكون الكاف حرف جر، وأن زائدة، والنصب: على أن تكون «كأن» مخففة من «كأنّ» المشددة، وقبسا: اسم كأن وخبره محذوف، والتقدير: كأن قبسا هذه الألّة، ويكون من التشبيه المقلوب. ويجوز أن يكون خبر كأنّ جملة «يعلى بها».
وأما الرفع: فعلى أن يكون «كأن» حرف تشبيه مخفف من الثقيل، واسمه محذوف، و «قبس» خبره، والتقدير: كأنها قبس، أو أن اسمها ضمير الشأن، و «قبس» مبتدأ، وجملة (يعلى)، صفة له، و «بها»، الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ والخبر، خبر «كأن». [الخزانة/ 10/ 401، والمرزوقي/ 718].
(2/62)

17 - فلا تكثرا لومي فإنّ أخاكما … بذكراه ليلى العامريّة مولع
الذكرى: بكسر الذال المعجمة، اسم مصدر بمعنى التذكر.
والشاهد: بذكراه ليلى العامرية، فإن الذكرى اسم مصدر يدل على معنى المصدر، ويعمل عمله، وقد أضافه الشاعر إلى فاعله، وهو ضمير الغيبة العائد إلى الأخ، ثم أتى بمفعول المصدر، وهو «ليلى العامرية»، ومثله قول حسان بن ثابت:
لأنّ ثواب الله كلّ موحد … جنان من الفردوس فيها يخلّد
[الإنصاف/ 223، وشرح المفصل/ 6/ 63].

18 - يا بن الكرام ألا تدنو فتبصر ما … قد حدّثوك فما راء كمن سمعا
لم أعرف قائله.
والشاهد: «فتبصر»، حيث نصب الفعل المضارع الذي هو «تبصر»، بأن المضمرة وجوبا بعد فاء السببية، الواقعة في جواب العرض المدلول عليه بقوله: «ألا تدنو».
[الشذور، والأشموني/ 3/ 302].

19 - خليليّ ما واف بعهدي أنتما … إذا لم تكونا لي على من أقاطع
لم أعرف قائله.
والشاهد: «ما واف أنتما»، حيث اكتفى بالفاعل الذي هو «أنتما» عن خبر المبتدأ «واف»؛ لكون المبتدأ وصفا - اسم فاعل - معتمدا على حرف النفي «ما». [الشذور/ 180، والهمع/ 1/ 94، وشرح أبيات المغني/ 7/ 185].

20 - أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر … فإن قومي لم تأكلهم الضّبع
من شعر العباس بن مرداس السلمي، يقوله في «خفاف بن ندبة». والضبع: السنة المجدبة الكثيرة القحط، يقول: لا تفتخر عليّ؛ لأنك إن كنت تفتخر بكثرة أهلك، فليس ذلك سببا للفخر؛ لأنّ قومي لم تأكلهم السنون، ولم يستأصلهم الجدب والجوع، وإنما نقصهم الذياد عن الحرم، وإغاثة الملهوف، أمّا: «أن»: المصدرية، و «ما» زائدة، معوض بها عن كان المحذوفة. أنت: اسم كان المحذوفة، «ذا» خبر كان المحذوفة.
(2/63)

والشاهد: «أمّا أنت ذا نفر»، حيث حذف كان وعوض عنها «ما» الزائدة، وأبقى اسمها «أنت» وخبرها «ذا». [شرح أبيات المغني/ 1/ 173، وسيبويه/ 1/ 148، والإنصاف].

21 - سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم … فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع
البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وكان له أبناء خمسة فماتوا في الطاعون في عام واحد، فقال يرثيهم. هويّ: أصله «هواي»، فقلب الألف ياء ثم أدغم الياء في الياء، وهي لغة هذيل. والهوى: ما تهواه النفس. وأعنقوا: سارعوا. تخرموا: استأصلهم الموت. ولكل جنب مصرع: يريد لكل إنسان مكان يصرع فيه فيموت. وقوله: أعنقوا لهواهم: جعل الموت هوى لهم من باب المشاكلة.
والشاهد: تخرموا: ماض مبني للمجهول، ضمّ أوله وثانيه؛ لأنه مبدوء بتاء زائدة.
[شرح المفصل/ 3/ 33، والهمع/ 2/ 53، والمفضليات/ 421].

22 - لا تجزعي إن منفسا أهلكته … فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
هذا البيت من قصيدة للنمر بن تولب، يجيب امرأته وقد لامته على التبذير، يقول: لا تتألمي من إنفاقي المال؛ لأني ما دمت حيا فسوف لا ينالك مكروه، فإذا مت، فاجزعي على موتي؛ لأنك لن تجدي من بعدي من يكفيك مهمّات الحياة.
والشاهد: «إن منفسا»، حيث نصب الاسم الواقع بعد أداة الشرط على تقدير فعل يعمل فيه، يفسره الموجود بعده؛ لأن أدوات الشرط لا يليها إلا الفعل. ويروى البيت برفع «منفس»، ويعرب فاعلا لفعل الشرط المحذوف. [شرح أبيات المغني/ 4/ 52، وسيبويه/ 1/ 67، والأشموني/ 2/ 75، وشرح المفصل/ 2/ 38].

23 - قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي … عليّ ذنبا كلّه لم أصنع
من أن رأت رأسي كرأس الأصلع … يا ابنة عمّا لا تلومي واهجعي
هذا رجز لأبي النجم الفضل بن قدامة العجلي.
والشاهد: يا ابنة عما: ابنة: منادى، عمّا: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفا، حيث أثبت الألف المنقلبة عن ياء المتكلم، وهذه لغة قليلة؛ ذلك أنّ المنادى المضاف إلى المضاف إلى الياء، يجوز فيه إثبات الياء
(2/64)

مفتوحة أو ساكنة مثل «يا غلام غلاميّ» إلا إن كان «ابن أم» أو «ابن عمّ»، فيجوز فيه أربع لغات:
فتح الميم وكسرها، وقد قرأت السبعة بهما في قوله تعالى: قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي [الأعراف: 15]، والثالثة: إثبات الياء (يا ابن عمي) والرابعة قلب الياء ألفا (يا ابن عما). [سيبويه/ 1/ 44، والهمع/ 1/ 97، وشرح المغني/ 4/ 240].

24 - أنا ابن التارك البكريّ بشر … عليه الطير ترقبه وقوعا
البيت من كلام المرار بن سعيد الفقعسي. والتارك: يجوز أن يكون من «ترك» بمعنى صيّر، فينصب مفعولين، أو «ترك» بمعنى خلّى، وفارق فيحتاج إلى مفعول واحد.
والبكري: المنسوب إلى بكر بن وائل. التارك: مضاف إليه، وهو مضاف، والبكري:
مضاف إليه. بشر: عطف بيان على «البكري». عليه: خبر مقدم. الطير: مبتدأ مؤخر.
والجملة: حال من البكري، إن كان التارك من ترك الناصبة مفعولا واحدا، أو مفعول ثان، إن كان من ترك بمعنى
«صيّر»، وجملة ترقبه حال من الطير، «وقوعا» حال من الضمير المستتر في «ترقبه».
والشاهد: «بشر» عطف بيان، على البكري ولا يجوز أن يكون بدلا؛ لأن البدل على نية تكرار العامل. ولا يصح إضافة «بشر» إلى التارك، لأنه خال من أل والمضاف محلى بها. [سيبويه/ 1/ 93، وشرح المفصل/ 3/ 72، والشذور، والهمع/ 2/ 222].

25 - يا سيدا ما أنت من سيّد … موطأ الأكناف رحب الذراع
البيت للسفاح بن بكير اليربوعي، من شعراء المفضليّات. وموطأ الأكناف: يسهل النزول في حماه والاستجارة به. ورحب الذراع: كناية عن الجود. وما: اسم استفهام مبتدأ، أنت: خبره، من سيّد: تمييز، موطأ: نعت للمنادى.
والشاهد: أن قوله «ما أنت من سيد»، تدل على التعجب، وهو من الأساليب السماعية التي لم يبوب لها في كتب النحو. مثل: «لله درّه فارسا». [الشذور/ 258، وشرح التصريح/ 1/ 399، والهمع/ 1/ 173، والمفضليات/ 322].

26 - على حين عاتبت المشيب على الصّبا … وقلت ألمّا أصح والشيب وازع
(2/65)

للنابغة الذبياني، والعتاب: اللوم في تسخط. والمشيب: الشيب. والصّبا: الصبوة، وهي الميل إلى شهوات النفس. والوازع: الزاجر. على حين: الجار والمجرور متعلقان بقوله «كفكفت» في بيت سابق.
والشاهد: «حين»، فإنه يروى بجرّ «حين» على أنه معرب، ويروى بفتحه على أنه مبني على الفتح في محل جر؛ ذلك أنّ الجملة بعد «حين» فعلها ماض، وإذا أضيفت «حين» إلى المبني، جاز فيها البناء، وجاز الإعراب، والبناء أقوى. [سيبويه/ 1/ 369، وشرح المفصل/ 3/ 16، والإنصاف/ 292، والشذور، وشرح المغني/ 7/ 123].

27 - تعزّ فلا إلفين بالعيش متّعا … ولكن لورّاد المنون تتابع
ليس له قائل معين. الإلفين: مثنى الإلف، بكسر الهمزة وسكون اللام.
والشاهد: «إلفين» فإنه وقع اسما ل «لا» النافية للجنس، وهو مثنى، فيبنى على ما كان ينصب عليه. [الشذور/ 83، والهمع/ 1/ 146، والأشموني/ 2/ 7، والعيني/ 2/ 333].

28 - لا نسب اليوم ولا خلّة … اتّسع الخرق على الرّاقع
نسب لأنس بن العباس بن مرداس، وقيل: لجدّ أبيه عامر. والخلّة: بضم الخاء، الصداقة، وقد تطلق على الصديق نفسه، يقول: إنه لا ينفع فيما جرى بيننا من أسباب القطيعة، نسب ولا صداقة؛ لأن الخطب قد تفاقم حتى صعب رتقه.
الشاهد: «ولا خلة» بالتنوين، حيث عطف «خلة» بالنصب على محل اسم «لا» الأولى المبني على الفتح في محل نصب. بتقدير «لا» الثانية زائدة، لتأكيد النفي، وقيل: «خلة» اسم «لا» مبني على الفتح، والتنوين للضرورة، وخبرها محذوف. [سيبويه/ 1/ 349، وشرح المفصل/ 2/ 101، والشذور، والهمع/ 2/ 144، وشرح المغني/ 4/ 344].

29 - أطوّف ما أطوّف ثم آوي … إلى بيت قعيدته لكاع
البيت للحطيئة، جرول يذم امرأته، وقوله: ما أطوف: مصدر مؤول، يعرب مفعولا مطلقا.
والشاهد: «لكاع»،: فمن حق هذا الوزن مما هو سبّ للأنثى أن يستعمل في النداء، تقول: يا لكاع، ويا خباث، ولكن الشاعر استعملها خبرا عن المبتدأ «قعيدته»، وقيل: خبر
(2/66)

المبتدأ محذوف، و «لكاع» منادى بحرف نداء محذوف، والتقدير: قعيدته مقول لها يا لكاع.
[شرح المفصل/ 4/ 57، والشذور، والعيني/ 1/ 473، والهمع/ 1/ 82، والأشموني/ 3/ 160].

30 - كم في بني بكر بن سعد سيّد … ضخم الدّسيعة ماجد نفّاع
الدسيعة: العطيّة، وقيل: الجفنة، والمعنى أنه واسع المعروف، وأنه ماجد شريف.
والشاهد: «كم في بني ... سيّد»، فإن «كم» هنا خبرية، و «سيّد» تمييزها مجرور بالإضافة أو بمن مقدرة، مع وجود الفاصل بين «كم» وتمييزها، وهو مذهب الكوفيين، أما البصريون، فإنهم ينصبون تمييز كم الخبرية إذا فصل عن كم. [سيبويه/ 1/ 296، والإنصاف/ 304، وشرح المفصل/ 4/ 130].

31 - ليت شعري عن خليلي ما الذي … غاله في الحبّ حتّى ودعه
لا يكن وعدك برقا خلّبا … إنّ خير البرق ما الغيث معه
الشاهد: في البيت الأول «ودعه»، فهو الماضي «ودع» بمعنى ترك، والمضارع:
يدع، والمشهور أن العرب أهملت الماضي الثلاثي من هذه المادة، واستعملت المضارع والأمر منها، وكذلك أهملت اسم الفاعل، والمصدر كما أهملوا الماضي من «يذر»؛ لأن «ترك» يقوم مقامه، ولكن الشواهد على استعمال «ودع» بالفتح والتخفيف، تجعل استعماله شائعا، وأن إهماله جاء من وهم قلّته، أو عدم العثور على شواهده في بداية التصنيف والجمع، ويوجد غير الشاهد السابق، قول الشاعر:
وكان ما قدّموا لأنفسهم … أكثر نفعا من الذي ودعوا
وقال الآخر: (سويد بن أبي كاهل) في المفضليات (199).
فسعى مسعاهم في قومه … ثم لم يدرك ولا عجزا ودع
وقرأ عروة بن الزبير «ما ودعك ربك وما قلى» بتخفيف الدال، ومن شواهد اسم الفاعل من «ودع»:
(2/67)

فأيّهما ما أتبعنّ فإنّني … حزين على ترك الذي أنا وادع
وجاء المصدر منه في الحديث «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمنّ الله على قلوبهم» أي عن تركهم إياها والتخلف عنها، والحديث رواه أحمد، ومسلم، والنسائي وابن ماجه. والنبي صلّى الله عليه وسلّم أفصح العرب، ولا يوصف كلامه بالشذوذ.
وشاهد اسم المفعول من «ودع» قول خفاف بن ندبة: (عن اللسان «ودع»).
إذا ما استحمّت أرضه من سمائه … جرى وهو مودوع وواعد مصدق
والبيت الشاهد، منسوب إلى أنس بن زنيم، وينسب أيضا لعبد الله بن كريز، ولكن صورة البيت كالتالي:
سل أميري ما الذي غيّره … عن وصالي اليوم حتى ودعه
[الخزانة/ 6/ 471، والخصائص/ 1/ 99، والإنصاف/ 485].

32 - وقفنا فقلنا: إيه عن أمّ سالم … وما بال تكليم الديار البلاقع
هذا البيت لذي الرّمة، غيلان بن عقبة.
وقوله: ما بال: ما شأن. والبلاقع: جمع بلقع - وزن جعفر - وهي الخالية من السكان.
إيه: اسم فعل أمر مبني على الكسر، لا محل له من الإعراب، بمعنى «امض في حديثك». ما بال: ما مبتدأ، بال: خبر.
والشاهد: «إيه»، حيث وردت غير منونة؛ لأنه يطلب من مخاطبه الزيادة من حديث معين، وهو حديث أمّ سالم.
فإذا طلب بها الزيادة من حديث غير معين، تنونت، فالتنوين للتنكير، وعدم التنوين للتعريف. [شرح المفصل/ 2/ 122، والهمع/ 2/ 150، والأشموني/ 1/ 187].

33 - أما ترى حيث سهيل طالعا … نجما يضيء كالشّهاب لامعا
لم يعرف قائله. وسهيل: نجم تنضج الفواكه عند طلوعه.
(2/68)

سهيل: بالجر، مضاف إليه، طالعا: حال من سهيل، نجما: منصوب على المدح بفعل محذوف تقديره «أمدح»، كالشهاب: متعلقان بمحذوف حال من فاعل «يضيء»، و «لامعا»: حال ثانية.
الشاهد: «حيث سهيل»، أضاف حيث إلى اسم مفرد، وذلك شاذ، وإنما يضاف إلى الجملة اسمية أو فعلية، والذي جعلهم يقولون بإضافته إلى مفرد، كون نهاية المصراع الثاني منصوبة، وهو من الرجز، فلا يصح رفع (طالع) على الخبرية، ولكن يصح تقدير الخبر المحذوف مع بقاء القافية منصوبة، والتقدير: حيث سهيل موجود طالعا. [شرح المفصل/ 4/ 90، وشرح المغني/ 3/ 151].

34 - ربّ من أنضجت غيظا قلبه … قد تمنّى لي موتا لم يطع
هذا البيت من كلام سويد بن أبي كاهل بن حارثة اليشكري من قصيدة في المفضليات، ومما يستجاد من مطلعها:
بسطت رابعة الحبل لنا … فوصلنا الحبل منها ما اتّسع
حرّة تجلو شتيتا واضحا … كشعاع البرق في الغيم سطع
ورابعة: صاحبته. والحبل: المودة. ما اتسع: ما مصدرية ظرفية. والشتيت: الثغر المفلج الأسنان. وأنضجت: كناية عن نهاية الكمد. من: نكرة بمعنى إنسان في محل رفع مبتدأ، وجملة أنضجت صفة للمبتدأ. غيظا: تمييز، أو مفعول لأجله. وجملة قد تمنى: خبر المبتدأ. وجملة لم يطع: خبر ثان.
والشاهد: «ربّ من» حيث استعمل «من» نكرة فوصفها بجملة (أنضجت) والدليل على كونها نكرة، دخول (ربّ) عليها؛ لأنها لا تجرّ إلا النكرات. [شرح المفصل/ 4/ 11، وشرح أبيات المغني/ 5/ 334، والشذور والهمع/ 1/ 92، والأشموني/ 1/ 54، والمفضليات/ 198].

35 - كيف يرجون سقاطي بعد ما … لاح في الرأس بياض وصلع
ورث البغضة عن آبائه … حافظ العقل لما كان استمع
فسعى مسعاتهم في قومه … ثم لم يظفر ولا عجزا ودع
من قصيدة في المفضليات عدّتها ثمانية ومائة بيت، قالها سويد بن أبي كاهل
(2/69)

اليشكري، شاعر مخضرم، وعمّر في الاسلام طويلا، ومطلع القصيدة:
بسطت رابعة الحبل لنا … فوصلنا الحبل منها ما اتّسع
وهي من أجمل الشعر، وأرقّه، وأكثره غزارة معنى، وصدق تعبير.
وقوله في البيت الأول: «سقاطي» أي: فترتي وسقطتي، وقوله في البيت الثاني ورث ... الخ، عاد إلى هجو شانئه، فوصفه بأنه ورث بغضه عن آبائه، سمعهم يذكرون العداوة ويشتمونه، فحفظ ذلك عنهم وعقله، وقوله في البيت الثالث «مسعاتهم» أي:
مسعاة آبائه، أي: فسعى كما كانوا يسعون، فلم يظفروا بما أرادوا.
والشاهد: «ودع»، بمعنى ترك، الفعل الماضي من «يدع»، ويزعم النحويون أنه متروك، وليس كما قالوا، فهذا شاهده، وانظر الشاهد: «ليت شعري ... ودعه».
[الإنصاف/ 486، والمفضليات 199].

36 - فما كان حصن ولا حابس … يفوقان مرداس في مجمع
من شعر العباس بن مرداس السلمي، يقوله لسيدنا رسول الله بعد أن وزع الغنائم في حنين، فأعطى عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس، وغيرهما من المؤلفة قلوبهم أكثر مما أعطى العباس، فغضب العباس وقال أبياتا منها هذا البيت، وحصن: هو أبو عيينة. وحابس: هو أبو الأقرع. ومرداس: أبو العباس. يريد أن أبويهما لم يكونا خيرا من أبيه.
والشاهد: «مرداس»، حيث منعه من الصرف، وليس فيه إلا علة العلمية. [الخزانة/ 1/ 147، والإنصاف/ 499، والهمع/ 1/ 37، والأشموني/ 3/ 275].

37 - مناعها من إبل مناعها … أما ترى الموت لدى أرباعها
مناع: اسم فعل أمر بمعنى امنع. والأرباع: جمع ربع، وهو المنزل.
والشاهد: «مناعها»، حيث استعمل «فعال» المأخوذ من مصدر الفعل الثلاثي المتصرف، اسم فعل أمر وبناه على الكسر. [سيبويه/ 1/ 123، ج 2/ 36، والإنصاف/ 537، وشرح المفصل ج 4/ 51].

38 - تملّ الندامى ما عداني فإنني … بكلّ الذي يهوى نديمي مولع
(2/70)

غير منسوب.
والشاهد: «ما عداني»، فإنّ عدا في هذا الموضع فعل، والدليل: سبقها ب (ما) المصدرية، ومجيء نون الوقاية قبل ياء المتكلم، ونون الوقاية لا تجيء إلا مع الأفعال.
[الشذور، والأشموني/ 2/ 164، والهمع/ 1/ 233].

39 - ولو سئل الناس التّراب لأوشكوا … إذا قيل هاتوا أن يملّوا فيمنعوا
غير منسوب، وقبل البيت:
أبا مالك لا تسأل الناس والتمس … بكفّيك فضل الله والله أوسع
والشاهد: «لأوشكوا أن يملوا»، حيث أتى بخبر أوشك فعلا مضارعا مقترنا بأن المصدرية على ما هو الغالب في خبر هذا الفعل. [الشذور، والهمع/ 1/ 130، والأشموني/ 1/ 206].

40 - مدحت عروقا للنّدى مصّت الثرى … حديثا فلم تهمم بأن تترعرعا
سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظما … وقد كربت أعناقها أن تقطّعا
لأبي زيد الأسلمي، يهجو إبراهيم بن هشام ابن إسماعيل بن هشام المخزومي، والي المدينة، وكان قد مدحه من قبل، فلم ترقه مدحته فلم يعطه، وزاد على ذلك أن أمر به فعذّب بالسياط.
عروقا: جمع عرق، أصله عرق الشجرة. مصّت الثرى حديثا: أراد أنها ذاقت طعم الغنى حديثا. لم تهمم: لم تعزم، يريد أنها لم تكن على استعداد لذلك؛ لضآلة أصلها.
وذوو الأحلام: أراد هشام بن عبد الملك وكان إبراهيم خاله. والسّجل: الدلو العظيمة المملوءة ماء.
والشاهد: «كربت أعناقها أن تقطع»، حيث جاء الشاعر بخبر «كرب» فعلا مضارعا مقترنا بأن المصدرية، وهذا نادر في خبر هذا الفعل. [الشذور، والأشموني/ 1/ 262].

41 - فقالت: أكلّ الناس أصبحت مانحا … لسانك كيما أن تغرّ وتخدعا
البيت لجميل بن معمر العذري.
(2/71)

أكلّ: مفعول أول لاسم الفاعل مانح، لسانك: مفعوله الثاني.
والشاهد: «كيما أن تغر»، حيث أدخل (كي) على (أن)، فلزم احتساب (كي) حرف تعليل، وأن المصدرية ناصبة، ولا يجوز اعتبار (كي) مصدرية؛ لئلا يتوالى حرفان بمعنى واحد. [شرح المفصل/ 9/ 14 / 16، والشذور، والهمع/ 2/ 5، والأشموني/ 1/ 279، وشرح أبيات المغني/ 4/ 157].

42 - لقد عذلتني أمّ عمرو ولم أكن … مقالتها ما كنت حيّا لأسمعا
والشاهد: «مقالتها»، قال الكوفيون: إنه مفعول مقدم على عامله، وهو الفعل المقترن بلام الحجود، (لأسمع) وهو جائز عندهم، وقال البصريون: إنه معمول لفعل مضارع محذوف يدل عليه المذكور، والسرّ في هذا الخلاف: أنّ الكوفيين يرون أنّ ناصب الفعل لام الحجود، ويرى البصريون أن الناصب (أن) مضمرة، والفعل صلة (أن)، ويزعمون أن مفعول الصلة لا يتقدم عليه، وليس كما قالوا، فإن العامل يتوجه إلى معموله، ويستولي عليه مهما كان
موقعه. [شرح المفصل/ 7/ 29، والإنصاف/ 593، والخزانة/ 8/ 578].

43 - حميد الذي أمج داره … أخو الخمر ذو الشّيبة الأصلع
قاله حميد الأمجي، منسوب إلى «أمج» من نواحي المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، وعاصر الشاعر عمر بن عبد العزيز، ولكن قافية البيت في «معجم البلدان» مجرورة، أو يكون في البيت إقواء؛ لأنه مسبوق وملحوق بقافية مجرورة.
والشاهد: «حميد»، حذف التنوين لضرورة الشعر، لا لعلّة منع التنوين، وهذا سياق الأبيات:
شربت المدام فلم أقلع … وعوتبت فيها فلم أسمع
حميد ..
علاه المشيب على حبّها … وكان كريما فلم ينزع
وربما قرئت قافية «الأصلع» بالجر للمجاورة؛ لأن لفظ «الشيبة» السابق مجرور.
[الإنصاف/ 664].

44 - جازيتموني بالوصال قطيعة … شتّان بين صنيعكم وصنيعي
(2/72)

غير منسوب.
والشاهد: «شتان بين صنيعكم»، حيث أنكر ابن هشام في الشذور هذا الأسلوب، وجعله خارجا على أساليب العرب، ويريد دخول شتان على بين، وكان حقه القول:
شتان ما بين، ثم قال: وقد يخرّج على إضمار (ما) الموصولة قبل (بين)، أو بإعراب «بين» فاعلا، ولكن الشواهد على هذا الاستعمال كثيرة، كقول حسان:
وشتان بينكما في الندى … وفي البأس والخير والمنظر
[شذور الذهب/ 406].

45 - أكفرا بعد ردّ الموت عنّي … وبعد عطائك المائة الرّتاعا
البيت للقطامي عمير بن شييم، ابن أخت الأخطل، يمدح زفر بن الحارث الكلابي.
والكفر: الجحود، ينكر أنه يجحد نعمته عليه. وكفرا: مفعول لفعل محذوف، تقديره:
أضمر كفرا.
والشاهد: «عطائك المائة»، حيث أعمل اسم المصدر (عطاء) عمل الفعل، فنصب به المفعول (المائة) بعد إضافته لفاعله. والمائة الرتاعا: أراد النوق التي ترعى حيث شاءت فتكون سمينة. [الشذور وشرح المفصل/ 1/ 20، والهمع/ 1/ 88].

46 - بعكاظ يعشي الناظري … ن إذا هم لمحوا شعاعه
هذا البيت من كلام عاتكة بنت عبد المطلب، عمة سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهي تفخر بقومها وتذكر ما جمعه الأعداء.
والشاهد: «يعشي ... لمحوا ... شعاعه»، حيث تنازع العاملان (يعشي - لمحوا) معمولا واحدا (شعاعه)، الأول يطلبه فاعلا، والثاني يطلبه مفعولا، فأعملت العامل الأول، ورفعت (شعاعه) وحذفت ضميره من الثاني، وهذا مما لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. لأنك إذا أعملت الأول، أضمرت في الثاني كلّ شيء يحتاجه، ولا يلزم هذا عند إعمال الثاني. [الشذور، والحماسة/ 473، والهمع/ 2/ 109، والأشموني/ 2/ 106].

47 - ذريني إنّ أمرك لن يطاعا … وما ألفيتني حلمي مضاعا
(2/73)

البيت لعدي بن زيد العبادي.
والشاهد: «ألفيتني حلمي»، حيث أبدل الاسم الظاهر، وهو (حلمي) من ضمير الحاضر وهو ياء المتكلم، التي وقعت مفعولا أول (لألفى) بدل اشتمال. [سيبويه/ 1/ 78، وشرح المفصل/ 3/ 65، والشذور، والهمع/ 2/ 127، والخزانة/ 5/ 191].

48 - من لا يزال شاكرا على المعه … فهو حر بعيشة ذات سعه
غير منسوب.
والشاهد: «المعه»، حيث جاء بصلة (أل) ظرفا، وهو شاذ، وتخرّج على أن «ال»:
اسم موصول بمعنى الذي في محل جرّ ب «على»، والظرف «مع» صلته. [الهمع/ 1/ 85، والأشموني/ 1/ 95، وشرح أبيات المغني/ 1/ 290].

49 - فإنّهم يرجون منه شفاعة … إذا لم يكن إلّا النبيّون شافع
البيت لحسان بن ثابت - رضي الله عنه - من قصيدة يقولها في يوم بدر. ويكن:
مضارع تام فاعله «شافع».
والشاهد: «إلا النبيون»، حيث رفع المستثنى مع تقدمه على المستثنى منه، والكلام منفي، والرفع هنا غير مختار، وإنما المختار النصب، وأعربوا الثاني بدلا من الأول على القلب.
وقد يخرّج على إعراب (النبيّون) فاعل يكن، والاستثناء مفرّغا، وشافع: بدل كلّ مما قبله، على عكس الأصل، والأحسن من هذا وذاك، نصب (النبيين) لتقدّم المستثنى على المستثنى منه، وينتهي الخلاف. [الهمع/ 1/ 225، والعيني/ 3/ 114].

50 - إذا قيل أيّ الناس شرّ قبيلة … أشارت كليب بالأكفّ الأصابع
البيت للفرزدق يهجو جريرا، وقوله: «بالأكف»، الباء للمصاحبة بمعنى مع، أي:
أشارت الأصابع مع الأكف، أو الباء على أصلها والكلام على القلب، وكأنه أراد:
أشارت الأكف بالأصابع، فقلب، وجملة أيّ الناس شرّ: نائب فاعل.
والشاهد: «أشارت كليب»، حيث جرّ «كليب» بحرف جرّ محذوف، وهو شاذ. [الهمع/
(2/74)

2/ 36، والأشموني/ 2/ 90، وشرح أبيات المغني/ 1/ 7، والخزانة/ 9/ 113 و 10/ 41].

51 - لقد علمت أولى المغيرة أنني … كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا
لمالك بن زغبة. والمغيرة: يريد الخيل المغيرة. وأولى المغيرة: التي تغير أول القوم، يصف نفسه بالشجاعة وأنه كان في مقدم القوم.
والشاهد: عمل المصدر المعرف بأل (الضرب) عمل الفعل، فنصب (مسمعا).
[سيبويه/ 1/ 99، وشرح المفصل/ 6/ 9، والهمع/ 2/ 92، والأشموني/ 2/ 100، والخزانة/ 8/ 129].

52 - يا ليتني كنت صبيّا مرضعا … تحملني الذّلفاء حولا أكتعا
إذا بكيت قبّلتني أربعا … إذن ظللت الدهر أبكي أجمعا
الذلفاء: اسم امرأة. وأكتع: تاما، كاملا. والرجز مجهول القائل، وفي البيت ثلاثة شواهد:
الأول: «حولا أكتعا»، وفيه جواز توكيد النكرة إذا كانت محدودة، كيوم وشهر وعام.
والثاني: «الدهر أبكي أجمعا»، حيث فصل بين التوكيد والمؤكد بأجنبيّ.
والثالث: «الدهر أجمعا»، حيث أكد الدهر بأجمع من غير أن يؤكده أولا بكلّ.
[الهمع/ 2/ 123، والأشموني/ 3/ 76، وشرح أبيات المغني/ 7/ 285].

53 - إنّ عليّ الله أن تبايعا … تؤخذ كرها أو تجيء طائعا
من أبيات سيبويه المجهولة. يقول: إني ألزم نفسي عهدا أن أحملك على الدخول فيما دخل فيه الناس من الخضوع للسلطان، فإما التزمت ذلك طائعا، وإما أن ألجئك إليه وأكرهك عليه. فهو يبغّض إليه الخلاف والخروج عن الجماعة. عليّ: خبر إن مقدم.
الله: اسمها مؤخر. أن تبايعا: المصدر المؤول مفعول لأجله، أو اسم إن، ولفظ الجلالة منصوب بنزع الخافض، حرف القسم.
كرها: حال على التأويل، بكاره. وطائعا: حال.
(2/75)

والشاهد: «أن تبايعا، تؤخذ ...»، فإنه أبدل الفعل (تؤخذ) من الفعل (تبايعا) بدل اشتمال. [سيبويه/ 1/ 78، والأشموني/ 3/ 131، والعيني/ 4/ 199].

54 - لا تهين الفقير علّك أن … تركع يوما والدهر قد رفعه
قاله الأضبط بن قريع السعدي.
والشاهد: «لا تهين»، حيث حذف نون التوكيد الخفيفة للتخلص من التقاء الساكنين، وقد أبقى الفتحة على لام الكلمة دليلا على تلك النون المحذوفة، ومما يدل على أنّ المقصود التوكيد، وجود الياء التي تحذف للجازم، وهي لا تعود إلا عند التوكيد.
ورواه الجاحظ: لا تحقرن، ورواه غيره: ولا تعاد، ولا شاهد فيه. [الخزانة/ 11/ 450، وشرح التصريح/ 2/ 208، والأشموني/ 3/ 225، والمرزوقي/ 1151، والهمع/ 1/ 134].

55 - يا أقرع بن حابس يا أقرع … إنّك إن يصرع أخوك تصرع
هذا رجز لعمرو بن خثارم البجلي.
والشاهد: «إن يصرع، تصرع»، حيث وقع جواب الشرط مضارعا مرفوعا، وعليه قراءة طلحة بن سليمان: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [النساء: 78] برفع يدرك. [سيبويه/ 1/ 436، والخزانة/ 8/ 20، وشرح التصريح/ 2/ 249، والأشموني/ 4/ 18، والهمع/ 2/ 72].

56 - تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم … بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا
البيت لجرير يهجو الفرزدق. والنيب: النوق المسنّة. وضوطري: الرجل الضخم اللئيم.
والشاهد: «لولا الكميّ المقنّعا»، حيث ولي أداة التحضيض (لولا) اسم منصوب، فجعل منصوبا بفعل محذوف؛ لأنّ
أدوات التحضيض مما لا يجوز دخولها إلا على الأفعال.
[شرح المفصل/ 2/ 38، وشرح أبيات المغني/ 5/ 123، والخصائص/ 2/ 45].

57 - هم صلبوا العبديّ في رأس نخلة … فلا عطست شيبان إلا بأجدعا
(2/76)

لسويد بن أبي كاهل. والعبدي: المنسوب إلى عبد قيس. والأجدع: المقطوع الأنف.
والتقدير: فلا عطست شيبان إلا بأنف أجدع. دعا عليهم بجدع الأنوف.
والشاهد: «في رأس نخلة»، على أن (في) هنا بمعنى (على). [شرح أبيات المغني/ 4/ 62، والخصائص/ 2/ 313].

58 - فيا ربّ ليلى أنت في كلّ موطن … وأنت الذي في رحمة الله أطمع
البيت لمجنون ليلى.
والشاهد: «في رحمة الله»، حيث وضع الاسم الظاهر موضع ضمير الغيبة؛ لضرورة الشعر، والقياس: وأنت الذي في رحمته. [الهمع/ 1/ 87، والدرر/ 1/ 64، وشرح التصريح/ 1/ 140، والأشموني/ 1/ 146، وشرح أبيات المغني ج 4/ 276].

59 - إذا قلت قدني، قال بالله حلفة … لتغني عنّي ذا إنائك أجمعا
قاله حريث بن عنّاب النبهاني من شعراء الدولة الأموية، يصف موقف كرم، حيث جاء لصاحب البيت ضيف، فدفع إليه اللبن، وكلما قال الضيف، يكفيني ما شربت، قال له:
أبعد عني كل ما في الإناء من اللبن، أي اشربه كله، وفي البيت شواهد:
الأول: أن الأخفش أجاز أن يقع جواب القسم، المضارع المقرون ب «لام» كي، فيكون قوله: «لتغني» جواب القسم. وأجيب: أنه لا يريد في البيت القسم، إنما أراد الإخبار، فيكون «لتغني» متعلق بآليت المحذوف، وأراد أن يخبر مخاطبه أنه قد آلى، كي يشرب جميع ما في إنائه. وقد يكون المقسم عليه محذوفا تقديره: لتشربنّ لتغني عني.
والثاني: يروى: قطني، وقدني: وهما بمعنى واحد، والنون عند البصريين لحفظ سكون البناء في آخره، ومعناه عندهم «حسب»، وعند الكوفيين اسم فعل، ومعناه (يكفي) بدليل النون التي لا تدخل إلا على الأفعال.
الثالث: أنّ (ذا) بمعنى صاحب، بمعنى (صاحب إنائك)، أي: ما في إنائك من الشراب؛ لأن الشراب يصحب الإناء.
الرابع: الإضافة للملابسة، حيث أضاف الإناء إلى المخاطب؛ لملابسته إياه وقت شربه ما فيه من اللبن.
(2/77)

الخامس: التأكيد بأجمع، ولم يسبق بكل. [الخزانة/ 11/ 34، وشرح أبيات المغني/ 4/ 276].

60 - فلما تفرقنا كأنّي ومالكا … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
قاله متمم بن نويرة الصحابي، يرثي أخاه مالك بن نويرة.
والشاهد: «لطول»، على أن اللام بمعنى (بعد). [الأشموني/ 2/ 218، وشرح المغني/ 4/ 291].

61 - لعلّك يوما أن تلمّ ملمّة … عليك من اللائي يدعنك أجدعا
لمتمم بن نويرة، يرثي أخاه مالكا، يقول: أيها الشامت، لا تكن فرحا بموت أخي، عسى أن تنزل عليك بلية من البليات اللاتي يتركنك ذليلا خاضعا.
والشاهد: «لعلك أن تلمّ» على أنّ خبر لعل يقترن بأن كثيرا حملا على عسى. [شرح أبيات المغني/ 5/ 175، والخزانة/ 5/ 345].

62 - يذكّرن ذا البثّ الحزين ببثّه … إذا حنّت الأولى سجعن لها معا
قاله متمم بن نويرة، يرثي أخاه مالكا، وقوله: يذكّرن: يريد النوق التي تحنّ إلى أولادها. وسجعن: الناقة الساجع، التي تطرب في حنينها، والتطريب: ترجيع الصوت وترديده. يقول: إنّ حنين النوق يذكره بموت أخيه.
والشاهد: أنّ «معا» تستعمل للجماعة. [شرح أبيات المغني/ 6/ 13، والمفضليات/ 267].

63 - وإنّك مهما تعط بطنك سؤله … وفرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا
قاله حاتم الطائي.
والشاهد فيه عند ابن مالك: أنّ «مهما» في البيت ظرف زمان، وقال ابنه: الأولى تقديرها بالمصدر، على معنى: أي إعطاء قليلا وكثيرا تعطي بطنك سؤله. [الهمع/ 2/ 57 والأشموني/ 4/ 12، وشرح المغني/ 5/ 350]، ويروى البيت «إن أعطيت بطنك»، ولا شاهد فيه.
(2/78)

64 - فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن … ومن لا نجره يمس منّا مروّعا
البيت لهشام المرّي، وهو جاهلي، وذكره ابن هشام في المغني على أن الشلوبين زعم أن الجملة التفسيرية بحسب ما تفسره، وفيه شاهد آخر، وهو تقدّم الاسم على الفعل المجزوم، وارتفاع الاسم «نحن» بإضمار فعل يفسره؛ لأنّ الشرط لا يكون إلا بالفعل، وهذا التقديم يجوز في (إن) إذا لم تجزم في اللفظ، بأن كان المشروط ماضيا.
[سيبويه/ 1/ 458، والدرر/ 2/ 75، والهمع/ 2/ 59، والإنصاف/ 619، بقافية (مفزّعا)، وشرح أبيات المغني/ 6 /
333].

65 - فأدرك إبقاء العرادة ظلعها … وقد جعلتني من حزيمة إصبعا
البيت قاله الكلحبة العريني، يذكر فرسه العرادة، وقد أدرك بها عدوّه حزيمة. والمبقية من الخيل: التي تبقي بعض جريها، تدخره. والظلع: العرج.
والشاهد: «وقد جعلتني إصبعا»، على أنّ فيه حذف مضافين، والتقدير: ذا مسافة إصبع، والمسافة: البعد. [المفضليات/ 32، وشرح المفصل/ 3/ 31، والأشموني/ 2/ 272، وشرح أبيات المغني/ 7/ 307].

66 - عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي … فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا
لم يعرف قائله. قال ابن هشام في المغني: من مسوغات الابتداء بالنكرة: العطف، بشرط كون المعطوف أو المعطوف عليه مما يسوغ الابتداء به نحو: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد: 21]، أي: أمثل من غيرهما، قال: وليس من أمثلة المسألة ما أنشده ابن مالك (وأنشد البيت). قال: إذ يحتمل أنّ «الواو» هنا للحال، وهو من المسوغات.
وإذا سلّم العطف، فثمّ صفة مقدرة، أي: وشكوى عظيمة (فتكون النكرة وصفت، وهذا مسوغ)، قال: والخبر هنا ظرف مختص، وهو مسوغ وليس الشرط تقدمه على النكرة، إلا إذا توهّم الصفة، وقد حصل الاختصاص بدونه في هذا البيت؛ لوجود الصفة المقدرة، أو الوقوع بعد واو الحال؛ فلذلك جاز تأخّر الظرف، كقوله تعالى: وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ [الأنعام: 2]. [شرح أبيات المغني/ 7/ 32].

67 - قفي قبل التّفرّق يا ضباعا … ولا يك موقف منك الوداعا
مطلع قصيدة للقطامي التغلبي، مدح بها زفر بن الحارث الكلابي، وكان الممدوح قد
(2/79)

أنقذه من القتل. وضباعا: مرخم: ضباعة.
والشاهد فيه: على أن اسم «يك» نكرة، وخبرها معرفة؛ لضرورة الشعر، وهو مذهب ابن مالك في بابي إنّ، وكان. وقال بعضهم: الخبر محذوف، تقديره «ولا يك موقف موقف الوداع». [سيبويه/ 1/ 331، وشرح المفصل/ 7/ 9، والهمع/ 1/ 119، والأشموني/ 3/ 173، وشرح أبيات المغني/ 6/ 345].

68 - فلما أن جرى سمن عليها … كما طيّنت بالفدن السّياعا
البيت للقطامي من قصيدته التي مدح بها زفر بن الحارث، ومضى مطلعها. والشاعر يصف ناقة. والفدن: بفتح الفاء والدال، القصر. والسياعا: الطين. وجواب (لمّا) في بيت لاحق:
أمرت بها الرجال ليأخذوها … ونحن نظنّ أن لن تستطاعا
أي: أمرتهم بأخذها لتراض وتركب، وذكر ابن هشام البيت شاهدا على القلب، لأن الأصل: كما طينت القصر بالسّياع. [شرح شواهد المغني/ 8/ 121].

69 - واستقبلت قمر السماء بوجهها … فأرتني القمرين في وقت معا
قاله المتنبي. وهو شاهد على التغليب: الشمس والقمر، ثناهما (القمرين)، وهو وجهها وقمر السماء، والظاهر أنّ الشاعر هنا لم يغلّب، وإنما ثنى القمر قمر السماء، والقمر الثاني وجهها، فاجتماع الشمس والقمر في الليل، لا يكون.

70 - أخذنا بآفاق السماء عليكم … لنا قمراها والنجوم الطوالع
هذا للفرزدق يهجو جريرا، قيل إنّ الفرزدق أراد «لنا قمراها»: الشمس والقمر من باب التغليب، ولا يصح هذا الفخر؛ لأن الشمس والقمر للناس جميعا، فقيل: أراد الفرزدق:
بالشمس - سيدنا إبراهيم الخليل، والقمر: محمد عليه السّلام. والنجوم الطوالع:
الصحابة. وقيل: أراد بهما كل شريف وفاضل. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 8/ 88].

71 - ما يرتجى وما يخاف جمعا … فهو الذي كالليث والغيث معا
ليس له قائل معروف، و (ما) اسم موصول. و (يرتجى) و (يخاف): بالبناء للمجهول.
و (جمع): مبني للمعلوم، وفاعله ضمير الممدوح، والألف للاطلاق.
(2/80)

والشاهد: «كالليث»، على أنه يتعيّن أن تكون الكاف حرفا لوقوعها صلة للموصول؛ لأنّه لا يستقيم القول: فهو الذي مثل الليث. [شرح أبيات المغني/ 4/ 138].

72 - يا ليت أيام الصّبا رواجعا ..
بيت من الرجز، زعم عبد السّلام هارون أنه للعجاج، وهو شاهد على أنّ ليت قد تنصب الاسم والخبر. [سيبويه/ 1/ 284، وشرح المفصل/ 1/ 103، وشرح أبيات المغني/ 5/ 164].

73 - كنت ويحيى كيدي واحد … نرمي جميعا ونرامى معا
قاله مطيع بن إياس الليثي في يحيى بن زياد الحارثي، وكان صديقه، وكانا يرميان معا بالخروج عن الملة، لعنهما الله. وقوله: كيدي واحد، أي: كيدي رجل واحد. ونرمى:
مبني للمعلوم. ونرامى: بالبناء للمفعول.
والشاهد: أن «معا» و «جميعا» بمعنى واحد، وهو اتحاد الفعل في وقت واحد.
تقول: خرجنا معا، أي: في وقت واحد، وكنا معا، أي: في مكان واحد. منصوب على الظرفية، وقيل: على الحال، أي: مجتمعين. والفرق بين فعلنا جميعا وفعلنا معا؛ أنّ معا: تفيد الاجتماع حالة الفعل، وجميعا: بمعنى «كلنا» يجوز فيه الاجتماع والافتراق، وهو الأولى بالقبول مما ذكر في الشاهد. [شرح أبيات المغني/ 6/ 11].

74 - إذا باهليّ تحته حنظليّة … له ولد منها فذاك المذرّع
البيت للفرزدق. والباهلي: منسوب إلى باهلة. وهي وضيعة عند العرب، وكان هذا في الجاهلية، ولكن ظهر منها في الإسلام رجال، منهم قتيبة بن مسلم الباهلي، تولى الإمارة في زمن عبد الملك، وفتح الفتوحات العظيمة، ولم يكن يعاب إلا بأنه باهلي، وكان أصحابه يمازحونه بذلك ويحتمل، ومنها: الأصمعي صاحب الرواية في الشعر واللغة.
وحنظلية: منسوبة إلى حنظلة، وهي أكرم قبيلة في تميم، ومنها الفرزدق. والمذرّع:
الذي أمه أشرف من أبيه تشبيها بالبغل؛ لأنّ في ذراعيه رقمتين كرقمتي ذراع الحمار، نزع بها إلى الحمار في الشبه، وأمّ البغل أكرم من أبيه.
والشاهد: أنّ التقدير: إذا كان باهليّ، وكان تامة، وقيل: حنظلية فاعل ب: استقرّ
(2/81)

محذوفا. وباهلي: فاعل بمحذوف يفسّره العامل في حنظلية. [شرح أبيات المغني/ 2/ 216، والهمع 1/ 207، والأشموني/ 2/ 258].

75 - فوا عجبا حتى كليب تسبّني … كأنّ أباها نهشل أو مجاشع
البيت للفرزدق يهجو جريرا.
والشاهد: أنّ «حتى» ابتدائية، وما بعدها يرفع على المبتدأ أو الخبر، وهي هنا للتحقير.
والمعنى: كل الناس يسبنى حتى كليب على حقارتها، ونصب «عجبا»، وتقديره: يا هؤلاء اعجبوا عجبا، ويمكن أن يكون منادى منكورا فيه معنى التعجب، ويروى: يا عجبا بدون تنوين، منادى مضافا على لغة من يقول: يا غلاما أقبل. [سيبويه/ 1/ 413، وشرح المفصل/ 8/ 18، والهمع/ 2/ 24، وشرح أبيات المغني/ 3/ 120].

76 - ولست أبالي بعد فقدي مالكا … أموتي ناء أم هو الآن واقع
قاله: متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا.
والشاهد: أنّ «أم» الواقعة بعد همزة التسوية، وقعت هنا بين جملتين اسميتين في تأويل مفردين. وقد تأتي بين
جملتين فعليتين، وبين جملتين مختلفتين، والفعل «أبالي» يعمل بنفسه، ويعمل بالباء، فيقال: لا أباليه، ولا أبالي به. وعلى هذا فجملة الاستفهام تكون في موضع المفعول به الصريح، أو في موقع المفعول المقيد بحرف الجر. [شرح أبيات المغني/ 1/ 199، والهمع/ 2/ 132].

77 - يقول الخنى وأبغض العجم ناطقا … إلى ربّنا صوت الحمار اليجدّع
البيت قاله ذو الخرق الطّهويّ، واسمه قرط. والعجم: جمع أعجم وهو الحيوان، وقوله: اليجدع: أراد الذي يجدّع، فدخلت (أل) على الفعل المضارع، وفسروها بمعنى الذي. والحمار المجدّع: الذي قطعت أذناه، والذي يبدو أنه يكون أقبح صوتا فوق قبحه الأصلي. [الإنصاف/ 151، وشرح المفصل/ 3/ 144، وشرح أبيات المغني/ 1/ 292].

78 - على عن يميني مرّت الطير سنّحا … وكيف سنوح واليمين قطيع
مجهول القائل، والطير السانحة التي تمرّ على يمينك، وكانوا يتفاءلون بها، يقول الشاعر: أيّ يمن في مرورها بعد قطع اليمين، ولو مرّت قبل قطع يميني، لتيمنت بها.
(2/82)

والشاهد: أن «عن» اسم، لدخول «على» عليها. [شرح أبيات المغني/ 3/ 312].

79 - إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنما … يرجّى الفتى كيما يضرّ وينفع
البيت للشاعر قيس بن الخطيم، والمعنى: إذا لم تنفع الصديق فضرّ العدو؛ لأن العاقل لا يأمر بالضرّ مطلقا.
والشاهد: أن «كي» فيه جارة بمعنى اللام، و «ما» مصدرية، وقيل: كافة، والفعل منصوب ب «كي»، واللام التي تجر المصدر مقدرة. [الأشموني/ 2/ 204، وشرح أبيات المغني/ 4/ 152].

80 - أردت لكيما أن تطير بقربتي … فتتركها شنّا ببيداء بلقع
البيت غير منسوب. أن تطير: الطيران مستعار للذهاب السريع. والقربة: بكسر القاف، معروفة. وتترك: منصوب معطوف على أن تطير. وتتركها: بمعنى تخلّيها، تنصب مفعولا واحدا، أو بمعنى التصيير ويتعدى لمفعولين، ويحتمل هنا الوجهين.
وشنا: على الأول: حال، وعلى الثاني: مفعول ثان، وشنا: من التشنن، بمعنى اليبس، في الجلد. والشنّ: القربة الخلق.
والشاهد: أن «كي» محتملة لأن تكون جارة، بمعنى اللام، ويحتمل أن تكون ناصبة، واجتمعت مع «أن» على سبيل التوكيد، أو زائدة. [شرح أبيات المغني/ 154].

81 - لعمري وما عمري عليّ بهيّن … لقد نطقت بطلا عليّ الأقارع
للنابغة الذبياني، يعتذر إلى النعمان. لعمري: اللام للابتداء، والعمر: بالفتح: هو العمر بالضم، وخص المفتوح بالقسم، وهو مبتدأ خبره محذوف وجوبا. وبطلا:
منصوب على المصدر، أي: نطقت نطقا باطلا.
والشاهد: أن جملة «وما عمري عليّ بهين»، معترضة بين القسم وجوابه. والأقارع:
بنو قريع، وبعد البيت:
أقارع عوف لا أحاول غيرها … وجوه قرود تبتغي من يجادع
والمجادعة: المشاتمة، وأن يقول كلا الطرفين: جدعا لك. وفي البيت شاهد على
(2/83)

نصب «وجوه» على الذم، ولو رفعه لجاز. [سيبويه/ 1/ 252، وشرح المغني/ 6/ 210].

82 - أتاني أبيت اللّعن أنّك لمتني … وتلك التي تستكّ منها المسامع
مقالة أن قد قلت سوف أناله … وذلك من تلقاء مثلك رائع
للنابغة الذبياني يعتذر للنعمان بن المنذر. وأبيت اللعن: جملة دعائية، أي: أبيت أن تأتي من الأخلاق المذمومة ما تلعن عليه، وكانت هذه تحية لخم وجذام، وتحية ملوك غسان: (يا خير الفتيان). والمصدر أنك لمتني: فاعل أتاني. وتستكّ المسامع: تستدّ فلا تسمع. من تلقاء: أي من جهتك. ورائع: مفزع.
والشاهد: «مقالة»، تروى بالرفع، والنصب، أمّا الرفع: فعلى البدل، وأمّا الفتح:
فعلى البناء على الفتح لإضافته إلى المبني، وهو في محل رفع أيضا، وأنكر ابن هشام هذا التفسير، وقال: إنما هو منصوب على إسقاط الباء، أو بإضمار أعني. [شرح أبيات المغني/ 7/ 128].

83 - فبتّ كأني ساورتني ضئيلة … من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع
للنابغة من قصيدته التي يعتذر فيها إلى النعمان. والمساورة: المواثبة، والأفعى لا تلدغ إلا وثبا. والضئيلة: الدقيقة من الكبر. والرقش: جمع رقشاء، وهي المنقطة بسواد.
والناقع: الخالص.
والشاهد: أن قوله «ناقع»، خبر لقوله «السمّ»، و «في» متعلقة بناقع، أو خبر ثان للسمّ.
[شرح أبيات المغني/ 7/ 198].

84 - مضى زمن والناس يستشفعون بي … فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع
لقيس بن ذريح.
والشاهد: أنّ جملة «والناس يستشفعون بي» حالية، وصاحب الحال نكرة، وهو «زمن». [شرح أبيات المغني/ 6/ 311، والهمع/ 1/ 240].

85 - وإن يك جثماني بأرض سواكم … فإنّ فؤادي عندك الدهر أجمع
لجميل بن معمر.
(2/84)

والشاهد: أن «أجمع» توكيد للضمير المستتر في الظرف، وهو عندك بكسر الكاف، فإنه خطاب لامرأة. وقال: سواكم؛ لأنك قد تخاطب المرأة بخطاب جماعة الذكور مبالغة في سترها، كقوله تعالى: فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا. [طه: 10]. [الهمع/ 1/ 99، والعيني/ 1/ 525، وشرح أبيات المغني/ 6/ 338].

86 - ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة … إليّ فهلّا نفس ليلى شفيعها
قاله الصمة بن عبد الله القشيري، شاعر إسلامي بدوي من شعراء الدولة الأموية.
ونبئ: يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، الأول: نائب الفاعل، والثاني: ليلى، والثالث: جملة أرسلت.
والشاهد: أن كان الشأنية بعد «هلّا» محذوفة، وقيل: «نفس» فاعل لفعل محذوف يفسره شفيعها، والتقدير: فهلّا شفعت نفس ليلى، ويكون شفيعها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي شفيعها. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 2/ 119، والعيني/ 3/ 416، والهمع/ 2/ 67، والأشموني/ 2/ 259، والحماسة/ 1220].

87 - أأكرم من ليلى عليّ فتبتغي … به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها
للصمّة القشيري، بعد البيت السابق في الحماسة. والاستفهام: إنكار وتقريع، أنكر منها استعانتها عليه بغيرها، وقوله: فتبتغي: الفاء سببية، والفعل منصوب، وسكنه للضرورة، و «أم» متّصلة، يقول: أيّ هذين توهمت، وخبر «أكرم» محذوف، والتقدير:
أأكرم من ليلى موجود. [شرح المغني/ 7/ 233، والحماسة/ 1220].

88 - فلا تطمع أبيت اللعن فيها … ومنعكها بشيء مستطاع
البيت في الحماسة لرجل من بني تميم، طلب منه أحد ملوك الحيرة فرسا.
والشاهد: أنّ الباء «بشيء» قد زيدت في خبر المبتدأ الموجب، والأولى تعليقها ب (منعكها). [شرح أبيات المغني/ 2/ 388، والأشموني/ 1/ 118].

89 - زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا … أبشر بطول سلامة يا مربع
البيت لجرير. ومربع: هو راوية جرير.
(2/85)

والشاهد: أنّ «أن» فيه مخفّفة من الثقيلة. [شرح أبيات المغني/ 1/ 144].

90 - والنفس راغبة إذا رغّبتها … وإذا تردّ إلى قليل تقنع
لأبي ذؤيب الهذلي من قصيدة رثى بها أولاده، وقد هلكوا بالطاعون في مصر.
والشاهد: أن «إذا» الظرفية تدخل على الماضي والمضارع كما في البيت.
[المفضليات/ 421، وشرح أبيات المغني/ 2/ 207، والهمع/ 1/ 206].

91 - فغبرت بعدهم بعيش ناصب … وإخال إني لاحق مستتبع
لأبي ذؤيب الهذلي في رثاء أولاده.
والشاهد: أنّ «إخال» معلق عن العمل بلام مقدرة، والأصل: وإخال إني للاحق، وبقي كسر إنّ على حاله بعد حذفها، والمشهور فتح همزة (أنّ) على إعمال إخال، وسدّ المصدر المؤول مسدّ المفعولين. [شرح أبيات المغني/ 4/ 352، والهمع/ 1/ 153، والمفضليات 421].

92 - بينا تعانقه لكماة وروغه … يوما أتيح له جريء سلفع
من قصيدة أبي ذؤيب التي رثى بها أولاده.
ويروى: «تعنّقه»، وهو آخر مراحل الحرب، وهو الأخذ بالعنق. والكماة بالنصب:
مفعول تعنقه. وروغه: معطوف على تعنّقه. ويوما: بدل من «بينا». والسلفع: الجريء الواسع الصدر. والمعنى: أن البطل المغوار وقت معانقته للأبطال ومراوغته للشجعان، قدّر له رجل هكذا، ومراده أنّ الشجاع لا تعصمه جرأته من الموت، وأنّ كل مخلوق غايته الفناء.
والشاهد: أنّ «بينا» أضيفت إلى المفرد في معنى الفعل، وهو المصدر، حملا على معنى «حين»، فإن وقع بعدها اسم جوهر، لم يجز إلا الرفع نحو: بينا زيد في الدار، أقبل عمرو؛ لأن «بينا» ظرف زمان لا تضاف إلى جثة، كما لا يكون خبرا عنها. [شرح المفصل/ 4/ 34، وشرح المغني/ 6/ 156، والمفضليات 428].

93 - ولقد تركت صبيّة مرحومة … لم تدر ما جزع عليك فتجزع
(2/86)

أورده أبو تمام في الحماسة مع أبيات لمويلك المزموم، يرثي زوجته أمّ العلاء، وهو من شواهد المعاني، وأن معناه: لم تجزع لكونها لم تعرف الجزع لصغرها، وهذا تفسير من جعل «الفاء» سببية. وهناك تفسير آخر بجعل
«الفاء» زائدة، ويكون المعنى: لم تدر ما جزع عليك جازعة، أي: تركت صبية جازعة، وإن لم تعرف الجزع. أو تكون الفاء للاستئناف، أي: فهي تجزع، أي: مع أنها لا تعرف الجزع، جازعة. وعلى هذا أثبت لها الجزع، وهو أقوى، وكأن المعنى: إن شعورها بالفقد جعلها تجزع، وإن كانت طفلة لا تعرف الجزع، فروح الأطفال تشعر بما حولها. [الخزانة/ 8/ 531].

94 - يا ليت شعري والمنى لا تنفع … هل أغدون يوما وأمري مجمع
رجز لا يعرف قائله.
وهو شاهد على أن قوله: «والمنى لا تنفع» جملة معترضة بين ليت شعري، وبين هل أغدون. [شرح أبيات المغني/ 6/ 196].

95 - إن كنت قاضي نحبي يوم بينكم … لو لم تمنّوا بوعد غير توديع
مجهول. يريد: لو لم تنعموا يوم الفراق بوعد وصال مغاير للترك. والبيت شاهد على ترك اللام الفارقة مع الإهمال، التي تلزم جملة «إن» المخففة لعدم اللبس، إذ المعنى لو لم تمنوا بوعد صادق، متّ يوم فراقكم، فجواب «لو» محذوف يدل عليه ما قبله، وهو مثبت بدلالة المقام، ولو كان منفيا لاختل النظام وفسد الكلام. [شرح أبيات المغني/ 4/ 353].

96 - فبينا نحن نرقبه أتانا … معلّق وفضة وزناد راع
لم يعرف قائله. والوفضة: الكنانة، ويريد شيئا يصنع مثل الخريطة والجعبة تكون مع الفقراء والرعاة، يجعلون فيه أزوادهم. والزّناد: الخشبة التي يقدح بها النار.
والشاهد في البيت: «بينا»، وتعيين ما بعدها كونه جملة اسمية أو فعلية، متوقف على «بينا»، فإن كان ألفها لكفّ الإضافة، فجملة البيت اسمية، وإن كانت ألف الإشباع، و «بين» مضافة إلى الجملة الاسمية بعدها، فتكون ظرفا ل «أتانا»، فتكون رتبتها التأخير، فالمصدر في الحقيقة عاملها، فيكون البيت جملة فعلية.
(2/87)

وفي البيت شاهد آخر، وهو عمل اسم الفاعل عمل فعله، ونصب «زناد» حملا على موضع الوفضة؛ لأن المعنى: يعلق وفضة وزناد راع، أو ومعلقا وفضة ومعلقا زناد راع.
[سيبويه/ 1/ 87، وشرح المفصل/ 4/ 97، وشرح المغني 6/ 172].

97 - قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم … ما بين ملجم مهره أو سافع
مجهول. والسافع: الممسك برأس فرسه ليركبه بسرعة من غير لجام. و (ما) زائدة.
والشاهد: أن «أو» بمعنى الواو؛ لأن (بين) تقتضي الإضافة إلى متعدد، فلو بقيت «أو» على كونها لأحد الشيئين، لزم إضافة (بين) إلى شيء لا تعدد فيه. [شرح أبيات المغني/ 2/ 51، والأشموني/ 3/ 107، وقال هارون: إنه لحميد بن ثور، وهو في ديوانه، وفي السيرة النبوية المجلد الأول/ 311].

98 - أتبيت ريّان الجفون من الكرى … وأبيت منك بليلة الملسوع
للشريف الرضي. الهمزة؛ للاستفهام التوبيخي، و «أبيت» في الشطر الثاني: منصوب بأن مضمرة بعد واو المعية المسبوقة بالاستفهام. [الهمع/ 2/ 13، والأشموني/ 3/ 307، وشرح أبيات المغني/ 8/ 31].

99 - قتلت بعبد الله خير لداته … ذؤابا فلم أفخر بذاك وأجزعا
البيت لدريد بن الصمّة. وعبد الله: أخو دريد، وكان قتل في حرب. واللدة: الترب.
وذؤابا: اسم رجل، قتله دريد للأخذ بثأر أخيه. يقول: لم أجمع بين الفخر والجزع، بل فخرت بإدراك ثأر أخي غير جازع من قوم قاتل أخي، لعزتي ومنعتي.
والشاهد: نصب «أجزع» بإضمار «أن»، أي: لم يكن مني فخر وجزع، فالإضمار بعد واو المعية.
ولكن أمر هذا البيت عجيب، فهو في الأغاني/ 9/ 6، هكذا:
قتلنا بعبد الله خير لداته … وخير شباب الناس لو ضمّ أجمعا
والبيت الثالث من الأصمعيّة رقم 29، يقول: (لدريد بن الصمة):
قتلت بعبد الله خير لداته … ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب
(2/88)

فالشطر الأول في البيت البائي القافية، هو الشطر الأول في البيت العيني القافية، و «ذؤابا» المقتول هناك، هو «ذؤاب بن أسماء» المقتول هنا، فأيّ البيتين قال دريد؟ الله أعلم بالحقيقة، فالقصة التي يخبرنا عنها دريد كانت في الجاهلية، وقال ما قال في الجاهلية، ولا نعلم من الذي سمع منه الشعر، ونقله إلى الرواة في العصر العباسي، فالإسناد معضل منقطع. [سيبويه/ 1/ 425].

100 - فلو أنّ حقّ اليوم منكم إقامة … وإن كان سرح قد مضى فتسرّعا
قاله الراعي النميري. وحقّ: حقق، أي: ليت إقامتكم حققت لنا، وإن كان سرحكم، أي: مالكم الراعي، قد مضى وأسرع بكم. ولو: هنا للتمني فلا جواب لها.
والشاهد: حذف الضمير من (أنّ) ضرورة. ولذلك وليها الفعل لفظا لأن حرف التوكيد لا يليه إلّا الاسم ظاهرا أو
مضمرا. [سيبويه/ 1/ 439، والإنصاف/ 180].

101 - تمدّ عليهم من يمين وأشمل … بحور له من عهد عاد وتبّعا
قاله زهير بن أبي سلمى. والأشمل: جمع شمال، كذراع، وأذرع.
والشاهد: «من عهد عاد»، حيث منع «عاد» من الصرف؛ لأنه أراد القبيلة. [سيبويه/ 2/ 27، والانصاف/ 504].

102 - وكائن رددنا عنكم من مدجّج … يجيء أمام الألف يردي مقنّعا
قاله عمرو بن شأس. يردي: يمشي الرديان، وهو ضرب من المشي فيه تبختر.
والمقنّع: المتغطّي بالسلاح، كالبيضة والمغفر مما يوضع على الرأس.
والشاهد: استعمال «كائن» بمعنى «كم» مع الإتيان ب «من» الجارة بعدها. [سيبويه/ 1/ 297، والهمع/ 1/ 256، والدرر/ 1/ 213].

103 - نبتّم نبات الخيزرانيّ في الثّرى … حديثا متى ما يأتك الخير ينفعا
قاله النجاشي الشاعر، هجا قوما، فوصفهم بحدثان النعمة. الخيزراني: كل نبت ناعم. والخير: المال.
والشاهد: «ينفعا»، بنون التوكيد الخفيفة التي انقلبت ألفا، وهو جواب الشرط، وليس
(2/89)

من مواضع نون التوكيد؛ لأنه خبر يجوز فيه الصدق والكذب، ولكنه أكد تشبيها بالنهي حين كان مجزوما غير واجب، وهذا قليل في الشعر. [الخزانة/ 11/ 395، والأشموني/ 3/ 220، والهمع/ 2/ 78].

104 - فمهما تشأ منه فزارة تعطكم … ومهما تشأ منه فزراة تمنعا
قاله: عوف بن عطية بن الخرع.
والشاهد: توكيد جواب الشرط «تمنعا» بنون التوكيد الخفيفة، وذلك قليل في الشعر.
[سيبويه/ 2/ 152، والهمع/ 2/ 79، والدرر/ 2/ 100، والأشموني/ 2/ 220، وشرح التصريح/ 2/ 206].

105 - أمرتكم أمري بمنقطع اللّوى … ولا أمر للمعصيّ إلا مضيّعا
قاله الكحلبة الثعلبي. واللوى: مسترق الرمل حيث يلتوي وينقطع.
والشاهد: نصب «مضيّعا» على الحال من «أمر»، وفيه ضعف أن يكون صاحب الحال نكرة، ويجوز أن ينصب على الاستثناء، وتقديره «إلا أمرا مضيّعا»، وفيه قبح وضع الصّفة موضع الموصوف. [سيبويه/ 1/ 372، والخزانة/ 3/ 385، والمفضليات/ 32].

106 - فتى الناس لا يخفى عليهم مكانه … وضرغامة إن همّ بالحرب أوقعا
من أبيات سيبويه التي لم ينسبها. والضرغامة: من أسماء الأسد، شبه به الممدوح في إقدامه وهو الشاهد: حيث حملت على الابتداء والتقدير، وهو ضرغامة. ويجوز نصبه على المدح. [سيبويه/ 1/ 251، واللسان «ضرغم»].

107 - كم بجود مقرفّ نال العلى … وكريم بخله قد وضعه
قاله أنس بن زنيم، أو عبد الله بن كريز. والمقرف: النذل اللئيم أبوه. يقول: قد يرفع اللئيم جوده، وينزل بالكريم بخله.
والشاهد: جواز الأوجه الثلاثة في «مقرف»، فالرفع: على أن يكون مبتدأ مع خبرية «كم» لتكثير المراد، وخبر مقرف هو «نال العلى»، ويجوز النصب على التمييز؛ لقبح جرّه مع الفصل، ويجوز الجرّ على الفصل بين «كم» وما عملت فيه الجرّ في الضرورة. وعلى
(2/90)

النصب والجرّ تكون «كم» في موضع الابتداء. [الهمع/ 1/ 255، وسيبويه/ 1/ 296، وشرح المفصل/ 4/ 132، والأشموني/ 4/ 82].

108 - إذ ما تريني اليوم مزجى ظعينتي … أصعّد سيرا في البلاد وأفرع
فإنّي من قوم سواكم وإنما … رجالي فهم بالحجاز وأشجع
لعبد الله بن همّام السّلولي. والإزجاء: السّوق. والظعينة: المرأة ما دامت في الهودج. وصعّد في الوادي: انحدر فيه، بخلاف الصعود، فإنه الارتفاع. وأفرع إفراعا:
صعد وارتفع. وفهم وأشجع: قبيلتان.
والشاهد في البيت الأول: «إذ ما» إذ وقعت شرطا، قرن جوابها بالفاء في البيت الثاني. [سيبويه/ 1/ 432، وشرح المفصل/ 9/ 6، والخزانة/ 9/ 33].

109 - إذا متّ كان الناس صنفان: شامت … وآخر مثن بالذي كنت أصنع
قاله العجير السلولي.
والشاهد: أنه أضمر في «كان»، ولولا ذلك، لقال: صنفين، كأنّه قال: إذا متّ كان الأمر والحديث، ثم قال: الناس صنفان. [سيبويه/ 1/ 36، والهمع/ 1/ 67، والأشموني/ 1/ 239].

110 - وما ذاك أن كان ابن عمي ولا أخي … ولكن متى ما أملك الضّرّ أنفع
قاله العجير السلولي، يفخر بأنه إذا قدر على الضرّ والبطش، تركهما إلى النفع والإحسان. وضمير كان (اسمها)
راجع إلى مذكور في بيت سابق.
وشاهده: رفع «أنفع» على نية التقديم، وكأنه قال: ولكن أنفع متى ما أملك الضرّ، وهو دليل جواب الشرط بمتى، وهو عند المبرد على ضرورة حذف الفاء من جملة الجواب، (فأنا أنفع). [سيبويه/ 1/ 442، والخزانة/ 9/ 70].

111 - وقد مات شمّاخ ومات مزرّد … وأيّ كريم لا أباك يمتّع
قاله مسكين الدارمي. ومزرّد: أخو الشماخ، وكان شاعرا أيضا، يذكر الذين ماتوا، مهوّنا من أمر الدنيا.
(2/91)

والشاهد: حذف «لام» الإضافة في «لا أبالك» شذوذا، ويروى (لا أبالك يمنع)، ولا شاهد فيه. [سيبويه/ 1/ 346، وشرح المفصل/ 2/ 105، وشرح شذور الذهب/ 413].

112 - ونابغة الجعديّ بالرمل بيته … عليه تراب من صفيح موضّع
قاله مسكين الدارمي، يذكر موت النابغة الجعدي، ودفنه بالرمل، ووضع التراب والصفيح عليه. والصفيح: الحجارة العريضة.
والشاهد: حذف «أل» من النابغة؛ لأنها كانت فيه للمح الأصل، وهو الوصف بالنبوغ، كما هي في الفضل والحارث والنعمان، فلما تنوسي الأصل نزل منزلة سائر الأعلام نحو:
زيد وعمرو. [سيبويه/ 2/ 24، والخزانة/ 2/ 268].

113 - أمنزلتي ميّ سلام عليكما … هل الأزمن اللائي مضين رواجع
قاله ذو الرمة. والمنزلة هنا: المنزل، وهو موضع نزول القوم.
والشاهد: «أزمن» حيث كسّر «فعل» على أفعل، ومثلها: جبل، وأجبل. [سيبويه/ 2/ 178، وشرح المفصل/ 5/ 17، وحاشية ياسين/ 2/ 301].

114 - يا شاعرا لا شاعر اليوم مثله … جرير ولكن في كليب تواضع
قاله الصّلتان العبدي، يفضل جريرا على الفرزدق في الشعر، ويفضل الفرزدق على جرير في الشرف.
والشاهد: نصب «شاعرا» على الاختصاص والتعجب، والمنادى محذوف تقديره: يا هؤلاء، حسبكم به شاعرا، وإنما امتنع أن يكون منادى؛ لأنّه نكرة يدخل فيه كل شاعر بالحضرة، وهو إنما قصد شاعرا بعينه، وهو جرير، فلو كان منادى، لبني حينئذ على الضم، وقوله: جرير: خبر لمبتدأ، أي: هو جرير، الذي أتعجب منه، وقال الشنتمري:
يجوز أن يكون منادى جرى على لفظ المنكور، وإن كان مخصوصا معروفا، لوصفه بالجملة التي بعده، والجملة لا يوصف بها إلا النكرة. [سيبويه/ 1/ 328، والمؤتلف/ 145، والخزانة/ 2/ 174].

115 - ومنا الذي اختير الرجال سماحة … وجودا إذا هبّ الرياح الزعازع
(2/92)

قاله الفرزدق، يفخر بأبيه غالب، وكان جوادا، وصفه بالجود عند شدة الزمان وهبوب الرياح الشديدة؛ وذلك زمن الشتاء ووقت الجدب.
والشاهد: «اختير الرجال»، فناب ثاني مفعولي اختار، والأصل: اختير زيد الرجال، أو من الرجال. [الخزانة/ 9/ 123، وسيبويه/ 1/ 18، وشرح المفصل/ 5/ 123، والهمع 1/ 162].

116 - وأنت امرؤ منّا خلقت لغيرنا … حياتك لا نفع وموتك فاجع
لرجل من بني سلول. يقول: أنت منّا في النسب إلا أنّ نفعك لغيرنا، فحياتك لا تنفعنا؛ لعدم مشاركتك لنا، ولكن موتك يفجعنا؛ لأنك أحدنا.
والشاهد: رفع ما بعد «لا» مع عدم تكرارها، وهو قبيح، وإنما سوّغه ما يقوم بعده مقام التكرير في المعنى؛ لأنه إذ قال: وموتك فاجع، دلّ على أنّ حياته لا تضرّ، وإنما تضرّ وفاته. [سيبويه/ 1/ 358، وشرح المفصل/ 2/ 112، والهمع/ 1/ 148، والأشموني/ 2/ 18، والخزانة/ 4/ 38، ونسبه إلى الضحاك بن هنّام].

117 - بكت جزعا واسترجعت ثم آذنت … ركائبها أن لا إلينا رجوعها
مجهول. والشاهد: وقوع المعرفة بعد «لا» المفردة، وإنما تقع المعارف بعد «لا»، إذا كرّرت، كقولك: «لا زيد في الدار ولا عمرو». [سيبويه/ 1/ 335، وشرح المفصل/ 2/ 112، والهمع/ 1/ 148، والأشموني/ 2/ 18].

118 - ولقد علمت إذا الرجال تناهزوا … أيّي وأيّكم أعزّ وأمنع
قاله خداش بن زهير. وتناهزوا: افترص بعضهم بعضا في الحرب، أي: انتهز كلّ منهم الفرصة من صاحبه فبادره.
والشاهد: إفراد «أي»، لكل من الاسمين من باب التوكيد، والمستعمل إضافتها إليهما معا، فيقال: أيّنا. [سيبويه/ 1/ 399، وشرح المفصل/ 2/ 133].

119 - إنّي رأيت من المكارم حسبكم … أن تلبسوا حرّ الثياب وتشبعوا
قاله عبد الرحمن بن حسان. وقوله: من المكارم، أي: بدلا منها، أي: رأيت كافيكم
(2/93)

لبس حرّ الثياب والشبع. والحرّ من كل شيء: أعتقه وأفضله.
والشاهد: وقوع «أن» وما بعدها موقع المصدر. [سيبويه/ 1/ 475، والهمع/ 2/ 3، والدرر/ 2/ 3].

120 - تكنّفني الوشاة فأزعجوني … فيا للنّاس للواشي المطاع
قاله قيس بن ذريح.
والشاهد: فتح اللام الأولى «للناس»، وكسر الثانية «للواشي»، فرقا بين المستغاث به، والمستغاث من أجله. [سيبويه/ 1/ 319، وشرح المفصل/ 1/ 131].

121 - أتجزع أن نفس أتاها حمامها … فهلّا التي عن بين جنبيك تدفع
قاله: زيد بن رزين.
والشاهد: «عن بين»، «عن» زائدة عوضا عن المحذوفة قبل «التي». [الهمع/ 2/ 22، والأشموني/ 2/ 16، وشرح التصريح/ 2/ 16].

122 - تذكرت ليلى فاعترتني صبابة … وكاد ضمير القلب لا يتقطّع
مجهول. والشاهد زيادة «لا».

123 - فأرحام شعر يتّصلن ببابه … وأرحام مال لا تني تتقطّع
الشاهد «لا تني تتقطع»، استخدم (لا تني) - بمعنى ما تزال - ناقصة.

124 - فبكى بناتي شجوهنّ وزوجتي … والظاعنون إليّ ثمّ تصدّعوا
قاله عبدة بن الطبيب. شجوهنّ: منصوب على أنه مفعول لأجله، أي: بكين لشجوهنّ.
والشاهد: تذكير الفعل مع الفاعل الملحق بجمع المؤنث السالم، فبكى بناتي.
وفيه شاهد على جواز أن يقال لامرأة الرجل «زوجة»، بالتاء وإن كان الفصيح الكثير بدون التاء؛ لقوله تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ* [البقرة: 35، والأعراف: 19].
[المفضليات/ 148، والأشموني/ 2/ 5، وشرح التصريح/ 1/ 280].
(2/94)

125 - لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم … ليعلم ربي أنّ بيتي واسع
الشاهد: «ليعلم»، حيث امتنع توكيد الفعل بالنون، مع وقوعه في جواب القسم؛ لأنه يدل على الحال؛ لأن علم الله واقع في الحال. [شرح التصريح/ 2/ 254، والأشموني/ 3/ 215، وج 4/ 30].

126 - أقصر فلست بمقصر جزت المدى … وبلغت حيث النجم تحتك فاربعا
اربع: قف، يقال: ربع الرجل، أي: توقف وانتظر. واربع على نفسك: أي: توقف، والألف في «اربعا»، هي نون
التوكيد الخفيفة، قلبت ألفا عند الوقف.

127 - نحن بنو أمّ البنين الأربعه … ونحن خير عامر بن صعصعه
رجز للشاعر لبيد. وأم البنين: زوج مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأبناؤها خمسة، وهم: عامر، وطفيل، وعبيدة، ومعاوية، وربيعة، وجعلهم أربعة؛ للقافية والشاهد: رفع «بنو»؛ لأن الأربعة ليس فيها معنى فخر، ولا تعظيم، فيكون ما قبلها ليس منصوبا على الاختصاص والفخر، وإنما هو مخبر بنسبهم وعددهم، لا مفتخر. [سيبويه/ 1/ 327، والخزانة/ 9/ 454].

128 - قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي … عليّ ذنبا كلّه لم أصنع
مطلع أرجوزة لأبي النجم العجلي. وأمّ الخيار: زوجته. ويعني بالذنب: الصّلع، والشيخوخة، وذكره ابن هشام على أن «كلّ»، إذا تقدمت على النفي، اقتضى أن يكون لعموم السلب على كل فرد. وكلّه: بالرفع، والنصب، والمعنى واحد. والأصل: كله لم أصنعه. [الخزانة 1/ 359، وسيبويه/ 1/ 44، والخصائص/ 2/ 61، والهمع/ 1/ 97].

129 - فقلت لها والله يدري مسافر … إذا غيّبته الأرض ما الله صانع
البيت للشاعر الكميت بن معروف، وقد أنشده الكوفيون شاهدا على حذف «ما» بعد القسم، والتقدير: والله ما يدري، وحذف النفي بعد القسم كثير في كلام العرب، وفي الكتاب العزيز: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [يوسف: 85] أي: لا تفتأ، ولكن هذا الشاهد لا يؤيد الكوفيين؛ لأن المحذوف نفي، ولا يشترط أن يكون المحذوف «ما»، فقد نقدّر «لا»، ويصح الكلام. والبيت رواه ابن سلام في طبقات الشعراء، وليس فيه حذف،
(2/95)

وهو كالتالي:
فقلت لها: والله ما من مسافر … يحيط له علم بما الله صانع
[الخزانة/ 7/ 524، والمؤتلف/ 257، والهمع/ 1/ 124، والدرر/ 1/ 96، وينسب أيضا لقيس بن الحدادية].

130 - رعاك ضمان الله يا أمّ مالك … والله أن يشفيك أغنى وأوسع
يذكّرنيك الخير والشرّ والذي … أخاف وأرجو والذي أتوقّع
البيتان في حماسة أبي تمام بشرح المرزوقي. وقال المحققان - رحمهما الله تعالى - هو أعرابي من هذيل. وقوله: ضمان الله، أشار إلى ما في القرآن من قوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 6]. فقال: أنا أدعو بأن يشفيك الله يا أم مالك، وقد ضمن الله الإجابة للداعي، فرعاك ضمانه. ثم قال: «والله أن يشفيك»، فحذف حرف الجرّ من (أن)
والجار يحذف مع «أن» كثيرا.
وقوله: يذكرنيك ... الخ، يريد أنه لا ينساها في شيء من الأحوال والأوقات. قال المرزوقي: وإذا تأملت حوادث الدهر، وجدتها لا تنقسم إلا إلى قسمته؛ لأنها لا تخلو من أن تكون محبوبة، أو مكروهة، أو واقعة، أو منتظرة، أو مخوفة، أو مرجوة.
[المرزوقي ج 3/ 1316].

131 - فحملتها وحفرت عندك قبرها … جزعا وكنت إخالني لا أجزع
البيت لمويلك المرزوم، وهو في [الهمع ج 1/ 156، والدرر ج 1/ 137]، وذكره السيوطي شاهدا؛ لإعمال أخال من «خال» الفعل القلبي في ضميرين متصلين لمسمى واحد فاعلا، والآخر مفعولا، ففاعل «إخالني»، ومفعوله لمسمى واحد، وهو صاحب الشعر.

132 - ترى الثور فيها مدخل الظلّ رأسه … وسائره باد إلى الشمس أكتع
البيت في الهمع ج 2/ 123، وذكره السيوطي شاهدا؛ للتوكيد بلفظ «أكتع» وحده، دون أن يسبقه «أجمع». والبيت من شواهد سيبويه/ 1/ 92. والشاهد فيه: إضافة «مدخل» إلى «الظل»، ونصب «الرأس» به على الاتساع. وكان الوجه أن يقول: مدخل رأسه الظل؛ لأن الرأس هو الداخل في الظلّ، والظل هو المدخل فيه، ولذلك سماه سيبويه: الناصب في
(2/96)

تفسير البيت فقال: الوجه أن يكون الناصب مبدوءا به، والشاعر وصف هاجرة قد ألجأت الثيران إلى كنسها، فترى الثور مدخلا لرأسه في ظل كناسه؛ لما يجد من شدة الحرّ، وسائره باد للشمس.

133 - كلّفوني الذي أطيق فإنني … لست رهنا بفوق ما أستطيع
يقول: كلّفوني ما أطيق، فإني لست رهنا بما فوق طاقتي.
والشاهد: «بفوق»، حيث جرّت «فوق» بالباء. [الهمع/ 1/ 210].

134 - تباركت إني من عذابك خائف … وإنّي إليك نائب النفس باخع
لعبد الله بن رواحة. قال الشيخ خالد الأزهري: إذا قصد باسم الفاعل معنى الثبوت، عومل معاملة الصفة المشبهة في رفع السببي، ونصبه على التشبيه بالمفعول به إن كان معرفة، وعلى التمييز إن كان نكرة، وجره بالإضافة، وهو في ذلك ثلاثة أنواع، أحدها:
ما يجوز ذلك فيه باتفاق، وهو ما أخذ من فعل قاصر، وأنشد البيت شاهدا على الفعل اللازم المأخوذ منه اسم الفاعل. [شرح التصريح/ 2/ 71].

135 - وما الناس إلا كالديار وأهلها … بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع
قاله لبيد. ومعناه أن الناس في اختلاف أحوالهم من خير وشرّ، واجتماع وتفرق، كالدّيار، مرّة يعمرها أهلها، ومرة تقفر منهم. والبلاقع: الخالية المتغيرة، واحدها بلقع.
والشاهد: «غدوا» بفتح الغين وسكون الدال، على أنّ «غدا» أصله «غدو» بإسكان الثاني، فإذا نسب إليه، ورد المحذوف منه، قيل: غدويّ، فلم تسلب الدال حركتها؛ لأنها جرت على التحرك بعد الحذف، فجرت على ذلك في النسب، والردّ إلى الأصل.
[شرح المفصل ج 6/ 4، وكتاب سيبويه ج 2/ 80، والشعر والشعراء].

136 - وعليهما مسرودتان قضاهما … داود أو صنع السوابغ تبّع
البيت لأبي ذؤيب الهذلي. والمسرودتان: مثنى «المسرودة»، والدرع المسرودة:
المنسوجة بحيث يدخل بعض الحلق في بعض. وقضاهما: صنعهما. والصنع: بفتحتين، الذي يحسن العمل بيديه. والسوابغ: جمع سابغة، وهي الدرع الواسعة الوافية. وتبّع:
لقب لكل من ملك اليمن.
(2/97)

والشاهد: «مسرودتان»، والمراد: درعان مسرودتان، وكذلك السوابغ، المراد: الدروع السوابغ. قال الزمخشري: يصح حذف الموصوف إذا ظهر أمره، وقويت الدلالة عليه، إما بحال أو لفظ، و «المسرودتان»، و «السوابغ»، شهر أنها صفات للدروع. [شرح المفصل ج 3/ 58].

137 - أتجزع إن نفس أتاها حمامها … فهلّا التي عن بين جنبيك دافع
منسوب إلى الملوّح الحارثي، زيد بن رزين بن الملوح، من بني مرّ، شاعر فارسي، يعزي ابن عمّ له في ولده. قال ابن جني: أراد فهلّا عن التي بين جنبيك تدفع، فحذف عن، وزادها بعد التي عوضا. والحقّ أنه تأخير حرف الجرّ، وليس حذفا. وقوله: إن نفس: نفس: فاعل لفعل محذوف، تقديره: إن هلكت نفس. ويروى (إن نفسا) بالنصب. فيكون منصوبا بفعل يفسره ما بعده. ويروى: (أن نفس)، فتكون «أن» مصدرية، ويروى: «أتدفع عن نفس». ويروى الشطر الثاني: (فهل أنت عما بين جنبيك)، فلا شاهد فيه. [الجنى الداني 348، والهمع ج 2/ 22، والمغني وشرح أبياته الشاهد 237].

138 - أتجزع ... تدفع
رواية أخرى للبيت السابق بقافية (تدفع).

139 - فالعين بعدهم كأنّ حداقها … سملت بشوك فهي عور تدمع
لأبي ذؤيب الهذلي من قصيدته الرائعة التي مطلعها:
أمن المنون وريبها تتوجّع … والدهر ليس بمعتب من يجزع
رثى بها أولاده الخمسة، الذين هلكوا في عام واحد بالطاعون في مصر. وقوله:
فالعين: ذكر عينا، وأراد العينين، ومتى اجتمع شيئان في أمر لا يفترقان، اجتزئ بذكر أحدهما عن الآخر. وقوله: كأنّ حداقها: جمع حدقة، وإنما جمع؛ لأنه لما كان المراد بالعين العينين، ولكل واحدة حدقة حصل اثنتان، فأجري على عادتهم في استعارة الجمع له. وسملت: فقئت. وعور: مردود على الحداق، أي كأنها مسمولة، فهي عور دامعة، ومعنى «عور»: فاسدة. [شرح أبيات المغني ج 2/ 208، والمفضليات، والحماسة].

140 - رأيتك يا ابن الحارثيّة كالتي … صناعتها أبقت ولا الوهي ترقع
(2/98)

البيت غير منسوب، وهو شاهد على حذف «لا» النافية، في ضرورة الشعر، في قوله:
«صناعتها أبقت»، والتقدير: «لا صناعتها أبقت»، وهي ضرورة قبيحة، فما كان أغنى الشاعر عنها، لو كان شاعرا. [الهمع ج 2/ 156، وشرح أبيات المغني ج 7/ 338].

141 - فتخالسا نفسيهما بنوافذ … كنوافذ العبط التي لا ترقع
هو البيت الرابع والستون من قصيدة أبي ذؤيب العينية، وهي المفضلية رقم 126.
وتخالسا: جعل كلّ واحد منهما يختلس نفس صاحبه بالطعن، من الخلسة، وهي النهزة والفرصة، وتخالس القرنان، وتخالسا نفسيهما، رام كلّ واحد منهما اختلاس صاحبه.
والنوافذ: جمع نافذة، وهي الطعنة تنفذ حتى يكون لها رأسان. وعبط: جمع عبيط، وأصل العبط؛ شقّ الجلد الصحيح، ونحر البعير من غير علة، والبيت من شواهد السيوطي في الهمع ج 1/ 51.

142 - أودى بنيّ وأعقبوني حسرة … عند الرّقاد وعبرة لا تقلع
هو البيت الخامس من عينية أبي ذؤيب. أودى: هلك. وأعقبوني: أورثوني. وعبرة:
بفتح العين: الدمعة. والشاهد في «بنيّ»، حيث قلب فيه واو الجمع ياء، ثم أدغمت الياء في الياء؛ إذ أصله «بنوي»
بإسقاط النون للإضافة. [المفضليات رقم 125، والأشموني ج 2/ 281].

143 - إنّي مقسّم ما ملكت فجاعل … جزءا لآخرتي ودنيا تنفع
قاله المثلم بن رياح المرّي. وقوله: فجاعل: «الفاء» لعطف المفصل على المجمل، و «جاعل» مبتدأ، وخبره محذوف، أي: فمنه جاعل. والشاهد في «دنيا»، حيث نونه، وهو عطف على «جزءا». [الأشموني ج 3/ 274، وبحاشيته شرح العيني].

144 - طوى النّحز والأجراز ما في غروضها … ما بقيت إلا الضلوع الجراشع
البيت لذي الرّمة غيلان، من قصيدة يصف فيها ناقته. وطوى: من الطي، وأراد به التهزيل. والنحز: النخس والدفع. والأجراز: جمع جرز، وجرز، وهي الأرض التي لا تنبت، أو التي أكل نباتها، أو التي لم يصبها مطر. والغروض: جمع غرض، وهو حزام الرحل، والجراشع: كقنافذ، جمع جرشع، كقنفذ، وهي الضلوع المنتفخة الغليظة.
(2/99)

والشاهد: «بقيت»، حيث أنث الفعل مع الفصل ب «إلّا»، مع أن المختار حذف التاء؛ لوجود الفصل ب «إلّا»، قال ابن مالك: «والحذف مع فصل بإلا فضلا». والفاعل الذي أنث له الفعل، جمع التكسير (الضلوع).

145 - طافت بأعلاقه خود يمانية … تدعو العرانين من بكر وما جمعوا
البيت للشاعر تميم بن مقبل. والأعلاق: جمع علق، وهو الثوب النفيس، يريد الثياب الملقاة على الهودج. والخود بالفتح: الحسنة الخلق الناعمة. والعرانين: الأنوف، أراد بها الأشراف، أي: تنتهي إلى أشراف قومه.
والشاهد: «جمعوا»، رواه سيبويه «جمع»، بحذف واو الجماعة من جمعوا، كما تحذف الواو الزائدة، إذا لم يريدوا الترنم. [سيبويه/ 4/ 212، هارون].

146 - لئن نزحت دار لليلى لربّما … غنينا بخير والديار جميع
البيت للمجنون، وهو شاهد على دخول اللام على «ربما» في جواب القسم، قال السيوطي: وشذّ دخول اللام مع ربما في الماضي. ولم يصفه ابن مالك بالشذوذ. [الهمع ج 2/ 42، والخزانة ج 10/ 76].

147 - لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت … سور المدينة والجبال الخشّع
البيت لجرير، من قصيدة عدّتها مائة وعشرون بيتا، هجا بها الفرزدق، وعدّ فيها معايبه. منها أن ابن جرموز المجاشعي، وهو من رهط الفرزدق، قتل الزبير بن العوام غيلة بعد انصرافه عن وقعة الجمل. وقوله: تواضعت: وقعت إلى الأرض. والخشّع:
التي لطئت بالأرض، ولم يرد أنها كانت خشعا قبل، بل هي خشّع؛ لموته الآن.
والشاهد: «تواضعت سور المدينة»، فأنث الفعل «تواضعت»، وفاعله «سور» مذكر، فاكتسب «سور» التأنيث؛ لإضافته إلى المدينة؛ ولهذا أنث الفعل. والبيت من شواهد سيبويه. قال الأعلم في شرح شواهد سيبويه: إنّ (السّور)، وإن كان بعض المدينة، لا يسمى مدينة، كما يسمى بعض السنين سنة، ولكن الاتساع فيه ممكن. لأن معنى تواضعت المدينة، وتواضع سور المدينة متقارب.
وهذا التخريج على زعم أنّ (السور)، هو الحائط الذي يبنى حول المدينة. فإن أرادوا به
(2/100)

سور المدينة النبوية، فقد وهموا وهما فاضحا؛ لأنه يدل على جهلهم بالتاريخ، فقد كانت معركة الجمل، ومقتل الزبير سنة 36 ه، ولم يكن يومها للمدينة النبويّة سور يحيط بها، كما كان للمدن القديمة، مثل دمشق، والقدس، وتوفي جرير ولم يبن للمدينة النبوية سور، ولعلّ أول سور بني حول المدينة كان في القرن الثالث الهجري، والصحيح ما ذكره أبو عبيدة معمر بن المثنى، أن (السّور) في بيت جرير: جمع «سورة»، وهي كل ما علا، وهي كل منزلة من البناء، فكأن مراد جرير، أن بيوت المدينة وقعت على الأرض عند ما وصل خبر مقتل الزبير، ولا عجب إذا وقعت بيوت المدينة، فإنه أمر تخشع له الجبال الشامخة. [كتاب سيبويه ج 1/ 25، واللسان «سور» والخزانة ج 4/ 218، وديوان جرير/ 913]. من قصيدة مطلعها:
بان الخليط برامتين فودّعوا … أو كلّما رفعوا لبين تجزع

148 - توهّمت آيات لها فعرفتها … لستة أعوام وذا العام سابع
البيت للنابغة الذبياني. والآيات: علامات دالة على الديار. وقوله: لستة: «اللام» بمعنى بعد، أي: بعد ستة أعوام. وتوهمت: تفرست. وهذا البيت من شواهد سيبويه، أنشده على أن العام صفة «ذا»، وسابع خبر اسم الإشارة. [كتاب سيبويه ج 1/ 260، والخزانة ج 2/ 453].

149 - وما المرء إلا كالشّهاب وضوئه … يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
قاله لبيد بن ربيعة. وقوله: يحور، بمعنى يصير، وماضيه حار، بمعنى صار؛ ولذلك عمل عمل الفعل صار الناقص. [الأشموني ج 1/ 229].

150 - منّا الأناة وبعض القوم يحسبنا … أنّا بطاء وفي إبطائنا سرع
البيت لوضّاح اليمن، واسمه عبد الرحمن بن إسماعيل، من شعراء الدولة الأموية، هذا وقصته التي ترويها كتب الأدب مع أم البنين زوج الوليد بن عبد الملك، قصة كاذبة، ولا تصحّ روايتها، وصنعها الرواة؛ للتشنيع على الوليد.
والأناة: الرفق والسّرع، بفتح السين والراء، السرعة، وقد تكسر السين. يقول نستأني في الأمور فعل الحازم ذي الرأي السديد، وكثير من الناس يظن بنا تباطؤا في المهمات، والذي يعدونه بطئا، هو سرعة؛ لأننا نترك كل ما نتولاه مفروغا منه محكما، فلا يحتاج إلى إعادة نظر. والبيت في
(2/101)

حماسة أبي تمام، بشرح المرزوقي ص 646، رابع أربعة أبيات، منها قوله:
لا يحمل العبد فينا فوق طاقته … ونحن نحمل ما لا تحمل القلع
والقلع: الهضاب العظام مفردها قلعة، بفتحات ثلاث، أو بسكون اللام، وبها سمي الحصن المبني على الجبل. والبيت يدل على رفق العرب بعبيدهم وخدمهم، ونأخذ منه أحد أسباب قلة البنايات الضخمة التي تبقى على الدهر عند العرب، مع وجودها عند الأمم الأخرى، ذلك أن أمم العجم، كانت تستذل العبيد، وتسخرها في الأعمال الشاقة، أما العرب، فهم يرحمون عبيدهم وخدمهم، والله أعلم.

151 - فإنّك والتّأبين عروة بعد ما … دعاك وأيدينا إليه شوارع
البيت غير منسوب، ونقله الأشموني شاهدا لعمل المصدر المعرف ب «أل»، فالتأبين:
نصب «عروة»، ولم يتفق العيني والصبان على لفظ التأبين ومعناه، فالتأبين بهذه الصورة؛ مدح الرجل بعد موته. وشرحه العيني من أبنت الرجل (رقبته، أو راقبته، أو رقيته)، وليس بصحيح، وإنما الفعل «أبن»، بمعنى عاب، ولكن مصدره «الأبن»، ولعله «التأنيب»، فإنّ فعله «أنّب». ولا نعرف من عروة، فالبيت مفرد. وخبر «إنّ» في أول البيت، في بيت لاحق. [الأشموني، والصبّان، والعيني ج 2/ 284].

152 - لا يبعد الله إخوانا تركتهم … لم أدر بعد غداة الأمس ما صنع
البيت لابن مقبل. ولا يبعد: لفظه الإخبار، ومعناه الدعاء. قال الزمخشري: وكل واو وياء لا تحذف، تحذف في الفواصل والقوافي، كقوله تعالى: الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ [الرعد: 9]، يَوْمَ التَّنادِ [غافر: 32]. وأنشد سيبويه (البيت). وقوله: «ما صنع» أي:
ما صنعوا، فحذف واو الجماعة، واكتفى بالضمة، ولكن رواية سيبويه بسكون آخره.
[سيبويه/ 4/ 211، هارون، وشرح المفصل ج 9/ 78].

153 - يا ليت من يمنع المعروف يمنعه … حتى يذوق رجال مرّ ما صنعوا
وليت رزق رجال مثل نائلهم … قوت كقوت ووسع كالذي وسعوا
لأبي دهبل الجمحي. وفي البيت الثاني شاهد على أن «الذي» مصدريّة. [شرح التصريح/ 1/ 130].
(2/102)

154 - كأنّ مجرّ الرامسات ذيولها … عليه قضيم نمّقته الصّوانع
البيت للنابغة الذبياني. والرامسات: الرياح الشديدة، من الرمس، وهو الدفن.
وذيولها: مآخيرها؛ ذلك أن أوائلها تجيء بشدة ثم تسكن. والقضيم: حصير منسوج.
والصوانع: جمع صانعة، وهي المرأة التي تصنع. وفسر بعضهم القضيم؛ بأنه جلد يكتب عليه. وعلى هذا يكون في التفسير الأول، شبه آثار الرياح في هذا الرسم بالحصير، وفي الثاني شبهه بالكتابة.
والشاهد: «مجرّ»: فهو مصدر ميمي أضيف إلى فاعله، ونصب المفعول به «ذيول»، وهو بتقدير مضاف، أي: أثر مجرّ؛ ليحسن الإخبار عنه ب «قضيم» ويروى بجرّ «ذيولها» على أنه بدل من الرامسات، وعلى هذا يصح كون «مجرّ» اسم مكان، ولا حذف في الكلام. [شرح المفصل ج 6/ 110، والخزانة ج 2/ 453].

155 - كأن مجرّ ... … ... نمقتّه الأصابع
رواية أخرى في البيت السابق، بقافية الأصابع، ولكن «الأصابع» قافية بيت آخر في هذه القصيدة، وهو:
وقد حال همّ دون ذلك داخل … دخول الشغاف تبتغيه الأصابع
أي: إن الهمّ نزل في القلب، تبحث عنه أصابع المتطببين. [الخزانة/ 2/ 456].

156 - عليها من قوادم مضرحيّ … فتيّ السنّ محتلك ضليع
البيت لعنترة. والمضرحي: الصقر، أو النسر، والسيد الكريم. والضليع: من الضلاعة، وهي القوة وشدة الأضلاع، ضلع الرجل فهو ضليع، وفرس ضليع: تام الخلق، والضليع: الطويل الأضلاع، الواسع الجنبين، العظيم الصدر.

157 - ولم أر مثل الخير يتركه الفتى … ولا الشرّ يأتيه امرؤ وهو طائع
البيت لا يعرف قائله. و «أر» ينصب مفعولين، الأول: «مثل»، والثاني جملة يتركه.
والشاهد: «ولا الشر» بالجرّ، والتقدير: ولا مثل الشرّ، فبقي الجرّ على المضاف إليه بعد حذف المضاف؛ لأنه عطف على مماثل، قال ابن مالك:
(2/103)

وربّما جرّوا الذي أبقوا كما … قد كان قبل حذف ما تقدّما
لكن بشرط أن يكون ما حذف … مماثلا لما عليه قد عطف
[الأشموني ج 2/ 273، والهمع ج 2/ 52].

158 - خليل أملك مني للذي كسبت … يدي ومالي فيما يقتني طمع
البيت بلا نسبة في الأشموني ج 2/ 282، وهو شاهد لحذف ياء المتكلم، وإبقاء الكسرة دليلا عليها من (خليل)، وأصلها (خليلي). وقوله: أملك: اسم تفضيل. يقول:
إن خليلي يملك من مالي أكثر مما أملك، وليس لي فيما عنده طمع.

159 - وأنت امرؤ منّا خلقت لغيرنا … حياتك لا نفع وموتك فاجع
البيت للضحاك بن هنّام، بالنون المشدّدة، يقوله للحضين بن المنذر الرقاشي، والحضين، بالضاد المعجمة. يقول له: أنت منا في النسب، إلا أنّ نفعك لغيرنا، فحياتك لا تنفعنا؛ لعدم مشاركتك لنا، وموتك يفجعنا؛ لأنك أحدنا.
والشاهد: «لا نفع»، على أنه يجوز عدم تكرير «لا» مع المنكّر غير المفصول مع إلغائها. وقوله: لا نفع: مبتدأ وخبره محذوف، أي: فيها، والجملة خبر قوله: حياتك.
وقال الصبان: لا: نافية، ويحتمل أنها عاملة عمل ليس، والخبر محذوف، أي: لا نفع فيها، فلا شاهد فيه. [الأشموني والصبان ج 2/ 18، وشرح المفصل ج 2/ 112، والخزانة ج 4/ 36، والهمع ج 1/ 148].

160 - بكلّ داهية ألقى العداء وقد … يظنّ أنّي في مكري بهم فزع
كلّا ولكنّ ما أبديه من فرق … فكي يغرّوا فيغريهم بي الطّمع
البيتان بلا نسبة في الأشموني ج 1/ 225. قال الأشموني: وإذا دخل شيء من نواسخ الابتداء على المبتدأ الذي اقترن خبره بالفاء، أزال الفاء إن لم يكن «إنّ، وأنّ، ولكنّ» بإجماع المحققين، وذكر البيتين شاهدا؛ لثبوت الفاء في خبر لكنّ، وهو «فكي يغرّوا».

161 - بينا كذلك والأعداد وجهتها … إذ راعها لحفيف خلفها فزع
البيت بلا نسبة في الهمع ج 1/ 205، ذكره السيوطي شاهدا على مجيء «إذ» للمفاجأة بعد «بينا، وبينما، وبين». والأعداد: جمع «عدّ»، وهو الماء الدائم، مثل ماء العين
(2/104)

والحفيف: الصوت. وترتيب الشطر الثاني: إذ راعها فزع لحفيف خلفها.

162 - لو ساوفتنا بسوف من تحيّتها … سوف العيوف لراح الرّكب قد قنعوا
البيت لتميم بن مقبل. قال ابن جني: سوف حرف، واشتقوا منه فعلا، فقالوا: سوّفت الرجل تسويفا. وقال ابن
منظور: انتصب سوف العيوف على المصدر المحذوف الزيادة، وساوفتنا: وعدتنا بقولها: سوف، أي: لو وعدتنا بتحية فيما يستقبل - وإن لم تف - لقنعنا. والعيوف: الكاره للشيء. ورواه سيبويه بسكون القافية (قنع)، على أن واو الجماعة محذوفة. [سيبويه/ 4/ 212، والخصائص/ 2/ 34، واللسان «سوف»].

163 - ليس ينفكّ ذا غنى واعتزاز … كلّ ذي عفّة مقلّ قنوع
الشاهد فيه أنّ «ينفكّ» فعل ناسخ؛ لسبقه بالنفي. [شرح التصريح/ 1/ 185] وسيأتي بقافية مجرورة.

164 - أرى ابن نزار قد جفاني وملّني … على هنوات شأنها متتابع
البيت غير منسوب.
والشاهد: «هنوات»، جمع هن، وهو شاهد على حذف لام الأسماء الستة في التثنية والجمع، وأن أصلها «هنو».
قال أبو أحمد: قال ابن منظور: والهناة: الداهية والجمع هنوات. وأنشد شطر البيت.
ويقال: في فلان هنوات، أي: خصلات شرّ، ولا يقال ذلك في الخير. ويظهر أن «هنوات» في البيت، قريبة من هذا المعنى. أما «الهن» في الأسماء الخمسة، فيظهر أنه مما يستقبح ذكره، وفي الحديث: «من تعزّ بعزاء الجاهلية، فأعضّوه بهن أبيه، ولا تكنوا»، أي: قولوا له عضّ بأير أبيك. [شرح المفصل ج 1/ 53، وكتاب سيبويه ج 2/ 81، واللسان «هنا»].

165 - راحت بمسلمة البغال عشيّة … فارعي فزارة لا هناك المرتع
البيت للفرزدق، من قصيدة يقولها حين عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق، ووليها عمر بن هبيرة الفزاري. فهجاهم الفرزدق، ودعا على قومه بأن لا تهناهم النعمة بولايته، وأراد بغال البريد التي قدمت بمسلمة عند عزله.
(2/105)

والشاهد: «هناك»، حيث أبدل الألف من الهمزة ضرورة. [كتاب سيبويه ج 2/ 170، وشرح المفصل ج 9/ 113].

166 - ألا يا لقومي كلّما حمّ واقع … وللطير مجرى والجنوب مصارع
البيت للبعيث خداش بن بشر العاملي، أو قيس بن ذريح، وهو في [الهمع ج 2/ 139، والعيني ج 3/ 352].
والشاهد: حذف الجار من قوله: «والجنوب»، والجنوب: جمع جنب. وحمّ: قدّر.

167 - وإذا الأمور تعاظمت وتشابهت … فهناك يعترفون أين المفزع
البيت للأفوه الأودي في ديوانه، وهو شاهد لاستعمال «هناك» للإشارة إلى الزمان.
[الهمع ج 1/ 78، والعيني ج 1/ 421].

168 - أطوّف ما أطوّف ثمّ آوي … إلى أمّا ويرويني النقيع
البيت للشاعر نقيع بن جرموز العبشمي. ونقيع، بالقاف، ذكره الآمدي في المؤتلف والمختلف، وهو شاعر جاهلي، قال: وأراه سمي النقيع بهذا البيت، والنقيع في نواحي المدينة: واد حماه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لخيل المسلمين التي يجاهد عليها في سبيل الله، وهو من روافد وادي عقيق المدينة.
وقوله: وأراه سمي النقيع بهذا البيت، فيه نظر، فهو يقول: إن الشاعر من عبشمس ابن ربيعة بن زيد مناة بن تميم، وهؤلاء لم يكونوا من سكان النقيع المجاور للمدينة، ولو لم يكن الناس قد تواضعوا على اسم هذا الوادي، ما أخبر الشاعر به، وإلا كان خبره مجهولا، وربما أراد نقيعا آخر، فالنقيع ليس علما مرتجلا، وإنما هو صفة في الأرض، يستنقع فيها الماء ويبقى. [انظر كتابنا «أخبار الوادي المبارك» العقيق].
والشاهد: «إلى أمّا»، وأصلها «أمّي»، فتح ما قبل ياء المتكلم، فقلبت الياء ألفا.
[الأشموني ج 2/ 282، والهمع ج 2/ 53، واللسان (نقع)].

169 - ودوّ ككفّ المشتري غير أنّه … بساط لأخفاف المراسيل واسع
البيت لذي الرّمة. والدوّ: الفلاة الواسعة، أو المستوية من الأرض، يريد أنها مستوية
(2/106)

ككف الذي يصافق عند صفقة البيع، والبساط بفتح السين: يقال: أرض بساط وبسيطة، يعني: منبسطة مستوية. والمراسيل: النوق، الواحدة مرسال، وهي الناقة السهلة السير.
[اللسان «بسط»، و «دوا» والمخصص].

170 - وخيل قد دلفت لها بخيل … تحيّة بينهم ضرب وجيع
البيت منسوب لعمرو بن معد يكرب، وقال البغدادي: إنه ليس في شعره، وذكر ابن رشيق في باب السرقات الشعرية من العمدة، الشطر الأول لأربعة شعراء. قال: ومما يعدّ سرقا وليس بسرق اشتراك اللفظ المتعارف، وذكر الشطر الأول لعنترة، والخنساء، ولأعرابيّ، ولعمرو بن معدي كرب.
والخيل: اسم جمع الفرس، لا واحد له من لفظه، والمراد به هنا الفرسان، كما في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يا خيل الله اركبي»، وأراد بالخيل الأول، خيل الأعداء، وبالثاني خيله.
ودلفت: دنوت، وزحفت، من دلف الشيخ، إذا مشى مشيا لينا. و «الباء» للتعدية، أي:
جعلتها دالفة إليها، ف «اللام» في «لها»، بمعنى «إلى»، و «تحية» مضاف، و «بينهم» مضاف إليه مجرور بالكسرة على النون؛ لأنه ظرف متصرف، ولو فتح، كان مبنيا؛ لإضافته للمبني.
والبيت من شواهد سيبويه، قال الأعلم: الشاهد فيه جعل الضرب تحية على الاتساع، وإنما ذكر هذا تقوية؛ لجواز البدل فيما لم يكن من جنس الأول. يقول: إذا تلاقوا في الحرب، جعلوا بدلا من تحية بعضهم لبعض، الضرب الوجيع، وقد أدار البغدادي في خزانته ندوة حول البيت، فاحرص على قراءة ما كتب. [كتاب سيبويه ج 1/ 365، 429، وشرح المفصل ج 2/ 80، والخزانة ج 9/ 257].

171 - وما زلت محمولا عليّ ضغينة … ومضطلع الأضغان مذ أنا يافع
قاله الكميت بن معروف. يقول: إنه ما زال محسدا، يضطغن عليه، ويحمل الضغينة بين أضلاعه.
والشاهد: حذف الهاء من «محمولة»؛ لأن الضغينة مؤنث مجازي. [سيبويه/ 2/ 45، هارون].

172 - فوردن والعيّوق مقعد رابئ ال … الضّرباء خلف النّجم لا يتتلّع
(2/107)

البيت لأبي ذؤيب الهذلي من قصيدته العينية المشهورة في رثاء أولاده، ورقم البيت (27) في القصيدة. وقوله: وردن الماء، يتحدث عن أتن وردت الماء. والعيوق:
كوكب. والمقعد: مكان القعود هنا. والرابئ: مهموز الآخر، اسم فاعل من ربأبهم، بمعنى علا وارتفع وأشرف، ورابئ الضرباء: هو الذي يقعد خلف ضارب قداح الميسر، يرتبئ لهم فيما يخرج من القداح فيخبرهم به، مأخوذ من ربيئة القوم، وهو طليعتهم.
والضرباء: جمع ضريب، وهو الذي يضرب بالقداح، وهو الموكّل بها، ويقال له الضارب أيضا. والنجم هنا: الثريا. ويتتلع: يتقدم ويرتفع، مأخوذ من التلعة. فقوله: والعيوق مقعد: جملة اسمية حال من نون وردن. يقول: وردت الأتن الماء، والعيوق في هذا المكان، وهذا يكون في صميم الحرّ عند الإسحار. وخلف: ظرف. وإذا كان العيوق خلف الثريا كما وصف، يكون وقت ورود الوحش الماء؛ ولذلك يكنّ الصيادون فيه عند المشارع ونواحيها.
و «مقعد»، و «خلف»: منصوبان على الظرف، وقع الأول خبرا لقوله: والعيوق، والثاني بدلا منه، كأنه قال: والعيوق من خلف النجم مقعد ... كذا، فحذف من خلف؛ لأن البدل (خلف النجم) يدل عليه. ويجوز أن يكون «خلف النجم» في موضع الحال، كأنه قال: والعيوق من النجم قريب متخلفا عنه. ويجوز العكس، فيكون «خلف النجم» خبر المبتدأ، و «مقعد» حالا. والعامل فيه الظرف. كأنه قال: والعيوق مستقر خلف النجم قريبا. وجملة «لا يتتلع»، إما خبر بعد خبر، وإما حال بعد حال.
والشاهد: أنّ «مقعد» ظرف منصوب وقع خبرا عن اسم عين، وهو العيوق. وفيه شاهد أن «النجم» بالتعريف علم على الثريا.
قال أبو أحمد: وهذا البيت الشاهد، ومثله مئات بل آلاف من الشواهد، لا يفهم إلا في سياقه، وقراءة ما قبله وما بعده، فكيف حكم النّقاد، نقاد الأدب، أن البيت وحدة القصيدة العربية، وأن القصيدة بسبب هذا الحكم، مفككة الأوصال؟ لا أدري من أول جاهل نطق بالحكم، وتبعه من بعده دون تحقيق؟ فقول الشاعر هنا، «فوردن»، كيف نعلم من اللاتي وردن، إذا لم نقرأ أن الشاعر يصف حمارا مع أتنه الأربعة؟ وما الذي يدرينا ماذا تمّ بعد الورود؟ فالإخبار بأنّ هذه الأتن وردت الماء في هذا الوقت، لا معنى له، إن لم نعرف سبب الإخبار، فهو يخبرنا أن هذه الأتن وردت الماء، فجاء صائد، فصادهنّ جميعهنّ. ومع ذلك يمكن أن يقول القارئ: وما فائدة هذه القصة، ولماذا ذكرها الشاعر
(2/108)

في قصيدة رثاء؟ وما علاقة هذه الأتن برثاء أولاده؟ قلت: إن هذه واحدة من ثلاث قصص ذكرها الشاعر في سياق الرثاء.
1 - فقد بدأ القصيدة ببيت جامع يقول: إن الجزع لا يردّ مفقودا.
2 - ثم أدار حديثا بينه وبين امرأة تسائله عن شجونه وأرقه، فيروي لها حزنه وألمه لهذه النكبة من 2 - 15.
3 - ثم يذكر قصة حمار وحشي مع أتنه الأربعة، ويصف حياتها وطيب عيشها، ثم جاءها الدهر بنوائبه، وهو يسلّي نفسه بهذه القصة ويقول: إن أصبت ببنيّ، فتكدر بموتهم عيشي، فغنّ الدهر لا يسلم على نوائبه عير له أتن أربع. والمعنى: أن الوحش في تباعدها عن كثير من الآفات التي يقاربها الإنس، وفي انصرافها بطبعها، وحدسها عن جلّ مراصد الدهر، وعلى نفارها الشديد وحذارها الكثير، وبعد مراتعها من الصياد، ليست تتخلص بجهدها من حوادث الدهر، بل لا بدّ من هلاكها من 16 - 36.
4 - ثم يذكر قصة ثور وحشي من 37 - 50.
5 - ومن 51 - 65 يتحدث عن مصرع البطل الفارس، وينعت هذا البطل وموقفه إزاء بطل آخر يصطرعان ويتشاجران بالسلاح، فإذا به قد خرّ صريعا قتيلا. والشاعر يبدأ القصص الثلاث بمطلع واحد، يربط بينها، ثم يربطها بمطلع القصيدة، وهذا المطلع شطر بيت، (والدهر لا يبقى على حدثانه)، وأبو ذؤيب يتخذ من هذه القصص الثلاثة عزاء لنفسه، وتسلية لها، وحضا على الصبر. فهذه الضروب الثلاثة من مظاهر القوى الحيوية التي تتمثل في الحمار، والثور، والبطل، لا تجدي شيئا أمام الموت، فهو أقوى وأقدر.
فأخبرني أين التفكك في هذه القصيدة؟ وكم بيتا فيها يؤدي معنى كاملا، ولا يحتاج إلى غيره؟
ولولا الإطالة في غير مظانّ الموضوع، لواليت بين ضرب الأمثلة، ولكنني عزمت - إن فسح الله في الأجل - أن أتوسع في شرح الموضوع، في مقدمة هذا المعجم، فتدبر ما قلته، فهو الحقّ، وهو العلم، ولا تلتفتنّ إلى ما يقوله تجّار النقد الأدبي، الذين ينعقون وراء أول ناعق، والله يحفظك. ومظان البيت الشاهد. [كتاب سيبويه ج 1/ 205، وشرح المفصل ج 1/ 41، والمفضليات].
(2/109)

173 - فيستخرج اليربوع من نافقائه … ومن جحره بالشّيحة اليتقصّع
البيت لذي الخرق الطّهويّ، نسبة لبني طهية من أهل الجاهلية، واسمه خليفة بن حمل بن عامر، والبيت أحد سبعة أبيات نقلها البغدادي في الخزانة ج 1/ 34، أولها:
أتاني كلام الثعلبيّ ابن ديسق … ففي أيّ هذا ويله يتترّع
ومضى البيت الثاني منها شاهدا في هذا الحرف، وهو:
يقول الخنى ... … صوت الحمار اليجدّع
فهلّا تمناها ...
يأتك حيّا دارم وهما معا … ويأتك ألف من طهيّة أقرع
وقوله: يتترع: من ترع الرجل، كفرح، إذا اقتحم الأمور مرحا ونشاطا، وقيل: ترع:
سار إلى الشرّ والغضب. وقوله: يأتك، مجزوم في جواب شرط مقدّر. وحيا دارم: تثنية حيّ. وألف أقرع: بالقاف، أي: تام.
وقوله في البيت الشاهد: فيستخرج: «الفاء» للسببية، و «يستخرج» منصوب بأن مضمرة وجوبا، وهو مبني للمجهول، ويجوز بناؤه للمعلوم، نسبة إلى الألف. واليربوع: دويبّة تحفر الأرض وله جحران، أحدهما: القاصعاء، وهو الذي يدخل فيه، والأخر: النافقاء، وهو الجحر الذي يكتمه ويظهر غيره، وهو موضع يرققه، فإذا أتي من قبل القاصعاء، ضرب النافقاء برأسه فانتفق، أي: خرج، ونافق اليربوع، أخذ في نافقائه، ومنه المنافق، شبه باليربوع؛ لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل فيه. وقوله: بالشيحة:
قيل: موضع ينبت الشيح، وقيل: هو بالخاء المعجمة، وهي رملة بيضاء في بلاد بني أسد. وقوله: اليتقصّع: يقال: تقصّع اليربوع دخل في قاصعائه.
والبيت شاهد على أنّ «أل» الموصولة، قد تتصل بالمضارع في ضرورة الشعر، كما في «اليتقصع» بالبناء للمجهول، يعني: الذي يتقصّع، ولكن ثعلب قال: الرواية الجيدة «المتقصّع»، و «المجدّع». وبهذا تبطل قصة وصل الفعل ب «أل»، وما المانع من هذه الرواية، والوزن، والمعنى، واللفظ، هو المستساغ؟!. [الخزانة ج 5/ 482، ج 1/ 34، والإنصاف ص 151، 522، وشرح المفصل 3/ 144، والهمع ج 1/ 85، والمغني وشرحه].
(2/110)

174 - فو الله ما أدري غريم لويته … أيشتدّ إن قاضاك أم يتضرّع
البيت غير منسوب في الهمع ج 1/ 155، وذكره السيوطي في باب تعليق الأفعال القلبية، إذا جاءت بعد «ما النافية»، وقال: ومنع ابن كيسان مباشرة الفعل، وردّ بالسماع، وذكر البيت. ويريد: منع ابن كيسان أن يباشر الفعل الملغى ما كان في الأصل مفعولا به. وفي البيت قال: ما أدري غريم لويته، والأصل: ما أدري ما غريم.

175 - أمن المنون وريبها تتوجع … والدهر ليس بمعتب من يجزع
مطلع قصيدة أبي ذؤيب الهذلي، التي رثى فيها أولاده. وقوله: أمن: «الهمزة» للاستفهام الإنكاري، يقول: أتتوجع من المنون والدهر كذا، والمعنى: لا تتوجع منه؛ فذلك غير نافع مع الدهر. والمنون: قد يراد به الدهر؛ ولذلك يروى «وريبه». وريبها:
نزولها، يقال: راب عليه الدهر: نزل، وقد يكون من «رابني الشيء»، والمراد صروفه الرائبة، وليس بمعتب، أي: ليس الدهر بمراجع من جزع منه بما يحب. والعتبى:
المراجعة، ومنه «لك العتبى»، أي: الرجوع إلى ما تحب. والقصيدة في المفضليات، ومضت منها أبيات، انظرها في فهرس القوافي.

176 - ألم تر ما لاقيت والدّهر أعصر … ومن يتملّ العيش يرأ ويسمع
البيت للأعلم بن جرادة السعدي في شرح شواهد الشافية، ونوادر أبي زيد.
والشاهد: «يرأ»، فقد جعله في المضارع مهموزا، ولم يحذف همزته من عين الكلمة.

177 - ما لدى الحازم اللبيب معارا … فمصون وماله قد يضيع
البيت بلا نسبة في الهمع ج 1/ 109، وأنشده السيوطي شاهدا، لدخول الفاء على خبر المبتدأ، إذا كان المبتدأ اسم موصول، وصلته ظرفا، ف «ما»: اسم موصول مبتدأ، و «لدى»: ظرف، متعلق بالصلة، و «مصون»: الخبر.

178 - إذا حارب الحجاج أيّ منافق … علاه بسيف كلّما هزّ يقطع
البيت للفرزدق، من قصيدة يمدح بها الحجاج، واستشهد به السيوطي على أن «أيّا» تقع صفة لنكرة محذوفة، والتقدير: منافقا، أيّ منافق. وقال أبو حيّان: هذا عند أصحابنا في غاية الندور، قالوا: فارقت «أيّ» سائر الصفات، في أنه لا يجوز حذف موصوفها،
(2/111)

وإقامتها مقامه، لا تقول: مررت بأيّ رجل؛ وذلك لأن المقصود بالوصف ب «أيّ»، إنما هو التعظيم والتأكيد، والحذف يناقض ذلك. [الهمع/ 1/ 93].

179 - حتى إذا قبضت أولى أظافره … منها وأوشك ما لم يلقه يقع
البيت منسوب لزهير بن أبي سلمى، يصف قطاة وصقرا، واستشهد به السيوطي على استعمال أفعل التفضيل من أوشك، ولكننا يمكن قراءة اللفظ «أوشك» فعلا ماضيا.
[الهمع/ 1/ 129].

180 - قالت أميمة ما لجسمك شاحبا … منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع
البيت لأبي ذؤيب، من قصيدته في رثاء أولاده.
والشاهد: «منذ»، حيث وليتها الجملة الفعلية، وتكون «منذ» ظرفا مضافا إلى الجملة.
[الهمع ج 1/ 216، والمفضليات والخزانة وشرح أبيات المغني ج 2/ 208]. وشاحبا:
حال، دلّ عليه «ما لجسمك»، كأنه قال: لم حصلت شاحبا. وابتذلت: امتهنت نفسك، والمبتذل من الرجال، الذي يلي العمل بنفسه.

181 - قصر الحديد إلى بلى … والعيش في الدنيا انقطاعه
البيت بلا نسبة، في الهمع ج 2/ 50، وقصر، لغة في قصاراك، يقال: قصرك، وقصارك، وقصارك، وقصيراك، وقصاراك أن تفعل كذا، أي: جهدك وغايتك وآخر أمرك. وهو اسم لازم الإضافة، لا ينفك عنها، وأضيف في البيت إلى الحديد، بالحاء أو الجيم. ومثلها «حمادى»، يقال: حماداك على وزنه ومعناه.

182 - ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم … وفينا رسول عنده الوحي واضعه
البيت لحسان بن ثابت، ومعنى واضعه: أي: واضع فينا ما يوحى إليه، فينبئنا بصنيعكم على الحقيقة، والوضع هنا: النشر والبث.
والشاهد فيه: أن «واضعه»، وصف لرسول مع إعادة الضمير في واضعه على الوحي، وهو لا يحتمل القلب. [سيبويه/ 2/ 51، هارون].

183 - ضننت بنفسي حقبة ثم أصبحت … لبنت عطاء بينها وجميعها
(2/112)

ضبابيّة مرّيّة حابسيّة … منيفا بنعف الصّيدلين وضيعها
البيتان غير منسوبين. والحقبة: الحين من الدهر، والجميع هنا بمعنى الاجتماع. يقول في البيت الأول: حاولت أن أضنّ بنفسي عن حبّها حينا، ثم غلبني هواها، فأطعت الهوى، وصار لها بين نفسي واجتماعها، أي: كلّ نفسي. والضّباب، ومرّة، وحابس:
أحياء من بني عامر. والمنيف: المشرف العالي. والنعف: أصل الجبل. والصيدلان:
جبل. يقول: هي من قوم أشراف، وضيعهم مشرف المحل، فكيف رفيعهم.
والشاهد: نصب ضبابيّة، وما بعده على التفخيم. [سيبويه/ 2/ 152، هارون].

184 - تذكّرت أياما مضين من الصّبا … فهيهات هيهاتا إليك رجوعها
البيت للأحوص الأنصاري.
والشاهد: «هيهات»، قال ابن بري: يجوز في «هيهات» كسر التاء، وقد ينون، فيقال:
«هيهات، وهيهاتا»، وأنشد البيت للأحوص. [المفصل/ 76، واللسان «هيه»].

185 - وخير الأمر ما استقبلت منه … وليس بأن تتبّعه اتّباعا
البيت للقطامي، عمير بن شييم.
والشاهد: «تتبّعه اتباعا»، فإنه أكّد قوله: تتبعه بقوله: اتّباعا، واتباع: افتعال، مصدر اتبع، أما مصدر الفعل «تتبّع» فهو «التتبّع»، فكان القياس أن يقول: تتبّعا، ولكن لما كان المعنى واحدا في «تتبّع، واتّبع»، أكدّ كل واحد منهما بمصدر صاحبه. ومثله وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح: 17]، ووَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل: 8]. [كتاب سيبويه ج 2/ 244، وشرح المفصل ج 1/ 111، والشعر والشعراء]، ترجمة الشاعر، واسمه عمير بن شييم، من بني تغلب.

186 - بني أسد هل تعلمون بلاءنا … إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا
قاله عمرو بن شأس الجاهلي. والبيت بقافية «أشنعا»، استشهد به سيبويه على أنه أراد الشاعر، إذا كان اليوم يوما، وأضمر؛ لعلم المخاطب، ومعناه: إذا كان اليوم الذي يقع فيه القتال. قال: وبعض العرب ترويه «إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا»، ومعنى «كان» في الوجهين، معنى «وقع» يعني تامة، و «يوما» منصوب على الحال. و «أشنعا» حال أيضا، مؤكدة
(2/113)

على الرواية الثانية، وزعم المبرد أنه خبر كان، وردوا عليه، بأنه لا فائدة في هذا الإخبار. [كتاب سيبويه ج/ 1/ 22، والخزانة ج 8/ 521، وشرح المفصل ج 7/ 98].

187 - كذبتم وبيت الله نرفع عقلها … عن الحقّ حتى تضبعوا ثم نضبعا
... … ولا صلح حتى تضبعونا ونضبعا
... … ولا صلح حتى تضبعون ونضبعا
البيت غير منسوب، وفي شطره الثاني ثلاث روايات:
العقل: الدية والضمير يعود إلى امرأة مقتولة. وتضبعون: تمدون أضباعكم بالسيوف.
والضبع: العضد. والشاهد في الشطر الثاني: الأول: تضبعوا: مضارع منصوب بأن مضمرة، ونضبعا: معطوف ومثله الشطر الثاني، تضبعونا، ف «نا» ضمير المتكلم.
والثالث: تضبعون: مرفوع، وحتى ابتدائية، ونصب نضبعا، بالعطف على توهم نصب ما قبله. [الخزانة ج 8/ 521].

188 - إذا كانت الحوّ الطّوال كأنّما … كساها السلاح الأرجوان المضلّعا
تذود الملوك عنكم وتذودنا … إلى الموت حتى يضبعوا ثم نضبعا
البيتان لعمرو بن شأس الجاهلي. والحوّ: جمع أحوى، أراد به أن الخيل السود قد صبغت بدم الأعداء، حتى صارت كالأرجوان، وفي «يضبعوا»، انظر الشاهد السابق.
[الخزانة ج 8/ 521].

189 - يبيّتهم ذو اللّبّ حتى يراهم … بسيماهم بيضا لحاهم وأصلعا
البيت للأسود بن يعفر، في نوادر أبي زيد/ 162.

190 - لعمري وما دهري بتأبين هالك … ولا جزع مما أصاب فأوجعا
قاله متمم بن نويرة من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا. ويقال: ما ذاك دهري، وما دهري بكذا، أي: همي، وإرادتي، وعادتي. والتأبين: مدح الميت بعد موته. وجزع: بالخفض عطفا على تأبين، والنصب على أن الباء فيه زائدة. [المفضليات/ 265، وسيبويه/ 1/ 169].
(2/114)

191 - فتى الناس لا يخفى عليهم مكانه … وضرغامة إن همّ بالحرب أوقعا
البيت غير منسوب. والضرغامة: اسم من أسماء الأسد، شبه الممدوح به في إقدامه وجرأته.
والشاهد فيه: «ضرغامة»، حيث حملت على الابتداء، والتقدير: «وهو ضرغامة».
[سيبويه/ 2/ 68، هارون، واللسان «ضرغم»].

192 - غدت من عليه تنفض الطلّ بعد ما … رأت حاجب الشمس استوى فترفّعا
البيت ليزيد بن الطثرية.
والشاهد: «من عليه»، فقد جاءت «على» هنا اسما؛ لدخول حرف الجر عليه، أي:
غدت من فوقه؛ لأن حرف الجرّ لا يدخل على حرف الجرّ. [اللسان «علا»، وشرح المفصل ج 7/ 38].

193 - لا تتبعن لوعة إثري ولا هلعا … ولا تقاسنّ بعدي الهمّ والجزعا
البيت لمحمد بن يسير البصري، شاعر عباسي، ويسير بالياء والسين.
والشاهد: «ولا تقاسنّ»، وهو مؤكد الفعل «تقاسي»، وحقّه في التوكيد «لا تقاسينّ»، بإثبات الياء مع فتحها، وزعموا أن لغة فزارة تحذف آخر الفعل، إذا كان ياء تلي كسرة.
قال أبو أحمد: وما يدرينا أنه في خطاب المفرد المذكر، فلعله في خطاب المؤنثة، ويكون الفعل الأول لا تتبعن بكسر العين؛ لحذف ياء المخاطبة، والثاني في خطاب الأنثى أيضا، والمفهوم في البيت المفرد، أنه يدعو ابنة له أن لا تتأثر من موته والله أعلم.
[الأشموني ج 3/ 221، والهمع ج 2/ 79، وأمالي القالي 1/ 22، 23، والسمط 104].

194 - ولها بالماطرون إذا … أكل النمل الذي جمعا
البيت من قطعة تنسب إلى يزيد بن معاوية، وتنسب إلى الأحوص، هكذا نقل البغدادي في الخزانة، وفي فهرس قوافي الخزانة، لعبد السّلام هارون رحمه الله، قال: (أو أبو دهبل)، وإذا نسبت لثلاثة شعراء، فيحتمل أن تكون لغيرهم، ويحتمل أن تكون منحولة والله أعلم؛ ذلك أن الشعر المنسوب إلى يزيد بن معاوية، كلّه، أو جله منحول، وأبو دهبل الجمحي، حيكت حوله القصص الأدبية، التي تمتزج بالخلق الفني، والخلق السياسي،
(2/115)

والأحوص شاعر حجازي مدنيّ، وقصة الأبيات شامية، وزعموا أن القطعة التي منها البيت، تغزّل فيها الشاعر بنصرانية قد ترهبت في دير خراب عند (الماطرون)، وهو بستان بظاهر دمشق، يسمّى أيام البغدادي (الميطور)، وبعد الشاهد مما يفهم به:
خرقة حتى إذا ارتبعت … سكنت من جلّق بيعا
في قباب حول دسكرة … حولها الزيتون قد ينعا
وقوله: «لها»، خبر مقدم، و «خرقة»، مبتدأ مؤخر، وضمير «لها». للفتاة، وقوله:
أكل النمل ... الخ، يريد: فصل الشتاء، حين يأكل النمل الحبّ الذي يخزنه في الصيف، وأظنه يريد أن يكنى عن شدة البرد، وانقطاع الثمر من الأشجار. وقوله: «خرقة» هذه رواية الكامل، قالوا: معناها ما يجتنى، وهناك رواية أخرى، «خلفة»، وهو ثمر يخرج بعد الثمر الأول، وحقيقته أن الأشجار تزهر وتعقد في أول الربيع، وتنضج ثمارها في الصيف، وبعض الأشجار قد تزهر مرّة أخرى في الصيف، فينضج ما عقد منه في الخريف والشتاء، ونسميه في بلاد فلسطين: «الرّجعي». وقوله: ارتبعت: دخلت في الربيع.
وجلّق: اختلفوا في موقعه، فزعم قوم أنه اسم دمشق؛ ولذلك قال شوقي رحمه الله:
قم ناج جلّق وانشد رسم من بانوا … مشت على الرسم .. البيت
والأقوى أن تكون «جلّق» في الجولان، أو حوران، حيث كان الغساسنة؛ ولذلك قال حسان:
لله درّ عصابة نادمتهم … يوما بجلّق في الزمان الأول
قال أبو أحمد: وإذ صحت نسبة الشعر إلى يزيد بن معاوية، أو كان أحد وضعه، ونسبه إليه، فإن «الماطرون» قد تكون وادي اللطرون في فلسطين، لأن يزيد بن معاوية كان في صباه يمرح في كنف أخواله، الذين كانوا يسكنون فلسطين والأردن والجولان.
والشاهد: «الماطرون»، على أنها جاءت مجرورة، وقاسوا عليها جعل النون المفتوحة بعد الواو والياء في الجمع، حرف إعراب، وهذا لا يسلم لهم؛ لأن «الماطرون» اسم أعجمي، وهو بمنزلة «زيتون»، وفلسطين، فهي أسماء مفردة، وليست جمعا. [الخزانة ج 7/ 309، وديوان أبي دهبل 85، والعيني ج 1/ 148، ومعجم البلدان «الماطرون»].

195 - بحيّ نميريّ عليه مهابة … جميع إذا كان اللئام جنادعا
(2/116)

البيت للراعي النميري. والهيبة والمهابة، بمعنى. والجميع: المجتمعون. والجنادع:
المتفرقون لا يجتمع رأيهم.
والشاهد فيه: إفراد صفة حيّ «جميع»، على اللفظ، ولو جمع حملا على المعنى فقال: مجتمعين، لجاز. [سيبويه/ 3/ 252، هارون].

196 - كأنّ نسوع رحلي حين ضمّت … حوالب غرّزا ومعى جياعا
البيت للقطامي. وخبر «كأن» في بيت لاحق. والمعى، والمعى: مذكر مفرد، والجمع الأمعاء، وهنا أقام الواحد مقام الجمع، كما قال تعالى: نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج: 5].
[اللسان «معا»].

197 - وكنّا كالحريق أصاب غابا … فيخبو ساعة ويهبّ ساعا
البيت للقطامي في ديوانه. [وفي كتاب سيبويه ج 2/ 189، واللسان «سوع». والساع:
جمع ساعة، وتجمع على ساعات أيضا، والساعة: جزء من أجزاء النهار والليل، وتصغيره سويعة، ومن غريب ما وجدته في اللسان أنه قال: والليل والنهار أربع وعشرون ساعة، وإذا اعتدلا، فكل واحد منهما ثنتا عشرة ساعة، وكنت أظنّ أن تقسيم اليوم (ليله ونهاره) إلى أربع وعشرين ساعة، هو من ابتكار أهل عصرنا.

198 - فكرّت تبتغيه فوافقته … على دمه ومصرعه السّباعا
البيت للقطامي، يصف بقرة. يقول: وافقت السباع على دم ولدها. قال النحاس: لم يقل «السباع» بالرفع، ولكن حمله على الموافقة، كأنه قال: فوافقت السباع. [النحاس ص 129، وكتاب سيبويه ج 1/ 143]، ولكن رواية الديوان، هكذا:
فكرّت عند فيقتها إليه … فألفت عند مربضه السّباعا
وعلى هذا فلا شاهد فيه، وهذا يعطيك دليلا على أن كثيرا من الشواهد، إما حرفتها الرواة دون قصد، وإما حرفها النحويون، والله أعلم.

199 - قد جرّبوه فما زادت تجاربهم … أبا قدامة إلا المجد والفنعا
البيت للأعشى في ديوانه، واللسان «فنع». وأبو قدامة: كنية الممدوح. والفنع: بفتح
(2/117)

الفاء والنون: الخير والكرم والفضل والثناء.
والشاهد: «تجاربهم»، جمع تجربة، وهو مصدر مجموع عمل في «أبا قدامة»، وقد شرط بعضهم لعمل المصدر أن يكون مفردا، وأجازه آخرون. [الأشموني ج 2/ 287].

200 - وقد أظلّكم من شطر ثغركم … هول له ظلم يغشاكم قطعا
البيت للشاعر لقيط بن يعمر الإيادي في ديوانه، وهو في الهمع ج 1/ 201.
والشاهد: «شطر»، بمعنى «نحو»، وهو ظرف مكان جاء مجرورا ب «من».

201 - وقالوا لها لا تنكحيه فإنّه … لأوّل نصل أن يلاقي مجمعا
البيت للشاعر الصعلوك، تأبط شرّا، وكان خطب امرأة، فقبلت به، ثم كرهته؛ لقولهم لها: إنه يقتل عنك قريبا. وقوله: أن يلاقي: يجوز أن يكون رفعا بالابتداء، وخبره «لأول نصل»، والجملة في موضع خبر «إنّ»، والتقدير: إن تأبط شرا ملاقاته مجمعا لأول نصل يجرّد، يعني: يقتل بأول نصل.
ويجوز أن يكون «يلاقي» في موضع نصب، على أن يكون بدلا من الهاء في «إنّه»، كأنه قال: إنّ ملاقاته مجمعا لأول نصل، وتروى القافية «مصرعا».
قال السيوطي: ومذهب سيبويه أنّ «أن» والفعل، وإن قدّرت بمصدر، لا يجوز أن تقع حالا؛ لأنّ «أن» للاستقبال، والمستقبل لا يكون حالا. وأجازه ابن جني وخرج عليه قوله، وذكر البيت. [الهمع ج 1/ 239، والحماسة بشرح المرزوقي ج 2/ 491].

202 - فبتنا تحيد الوحش عنّا كأنّنا … قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا
ليزيد بن الطثرية، أو لامرئ القيس، ويصف أنه خلا بمن يحبّ بحيث لا يطلع عليهما غير الوحش.
والشاهد: إثبات الألف في الوقف في حال النصب، كما تثبت الياء في الجر، والواو في الرفع للترنم. [سيبويه/ 4/ 205، هارون].

203 - وما وجد أظآر ثلاث روائم … أصبن مجرّا من حوار ومصرعا
بأوجد مني يوم قام بمالك … مناد بصير بالفراق فأسمعا
(2/118)

البيت وما يليه للشاعر متمم بن نويرة، من قصيدة يرثي فيها أخاه مالكا، الذي قتل في حرب الردّة. والوجد: الحزن. والأظآر: جمع ظئر، وهنّ نوق يعطفن على حوار واحد، فيرضع من اثنتين، ويتخلى أهل البيت بواحدة. والروائم: اللاتي يعطفن عليه، جمع رائمة، يقال: رئمته رئمانا، إذا شمته فأحبته. والحوار: ولد الناقة. والمجرّ: بضم الميم وفتح الجيم، مصدر ميمي بمعنى الإجرار، مصدر أجر لسان الفصيل، إذا شقه؛ لئلا يرتضع أمه. والمصرع: الهلاك. والبيت شاهد لتأنيث الظئر، بتذكير عدده، والظئر يكون في النساء والإبل، غير أنه في النساء أن ترضع ولد غيرها، وفي الإبل تعطف على الفصيل، لتدرّ. وجملة «أصبن»، صفة ثالثة لأظآر. يعني: كل واحدة منهن رأت إجرار حوارها، فهي ثكلى ترأم البوّ، والبيت الثاني، يتمم معنى البيت الأول «وما وجد أظآر ..
بأوجد مني». قال أبو أحمد: وقصة موت مالك بن نويرة أكثر المؤرخون فيها من الكذب، والصحيح أن مالكا مات
مرتدا مصرّا على ارتداده، والدليل على ذلك، أن عمر بن الخطاب سمع شعر متمم في رثاء أخيه مالك، فقال عمر بن الخطاب: لوددت لو أنك رثيت أخي زيدا بمثل ما رثيت به مالكا أخاك، فقال: يا أبا حفص، والله لو علمت أن أخي صار بحيث صار أخوك، ما رثيته، فقال عمر: ما عزاني أحد عن أخي بمثل تعزيته، وأراد متمم أن أخاه مالكا، قتل عن الردة غير مسلم، وأن زيد بن الخطاب، قتل شهيدا يوم اليمامة، والقصيدة بتمامها في المفضليات، وانظر شرح أبيات المغني ج 6/ 13.

204 - إن وجدت الصديق حقّا لإياك … فمرني فلن أزال مطيعا
البيت بلا نسبة في الهمع ج 1/ 63، قال السيوطي: ويتعين انفصال الضمير في صور، وذكر منها: أن يلي اللام الفارقة، وأنشد البيت. واللام الفارقة، هي التي تأتي بعد «إن» المهملة؛ للفرق بينها وبين العاملة.

205 - حننت إلى ريّا ونفسك باعدت … مزارك من ريّا وشعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا … وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
قفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى … وقلّ لنجد عندنا أن تودعا
وليست عشيات الحمى برواجع … عليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
تلفّتّ نحو الحيّ حتى وجدتني … وجعت من الإضغاء ليتا وأخدعا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني … على كبدي من خشية أن تصدّعا
(2/119)

هذه الأبيات للشاعر الصّمّة بن عبد الله القشيري، شاعر إسلامي بدوي مقلّ، من شعراء الدولة الأموية، والشاعر وإن وصف بالمقلّ، فإنه والله مكثر بهذه القطعة فقط؛ لأنها تغني عن ديوان شعر في الحنين إلى الوطن، والتعلق به.
وقوله: حننت: الحنين: تألّم من الشوق وتشكّ. وريّا: اسم امرأة، وهي ابنة عمه التي أراد الزواج بها، فلم يكن له منها نصيب.
وقوله: ونفسك باعدت: الواو: للحال، ومعنى باعدت: بعّدت، كما يقال: ضاعفت وضعّفت، وفي القرآن: باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سبأ: 19]. والمزار: اسم مكان الزيارة.
والشعب: بفتح الشين، شعب الحيّ، يقال: التأم شعبهم، أي: اجتمعوا بعد تفرّق، وشتّ شعبهم، إذا افترقوا بعد تجمّع.
وقوله: وشعباكما معا: الواو: واو الحال. والعامل في «ونفسك باعدت»: حننت.
وفي قوله: وشعباكما، باعدت، ومعنى «معا» مجتمعان ومصطحبان، وموضعه خبر المبتدأ.
وقوله: فما حسن، في حسن وجوه: يجوز أن يكون مبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لاعتماده على النفي، و «أن تأتي» في موضع الفاعل لحسن، واستغنى بفاعله عن خبره، وطائعا: حال، من (أن تأتي). ويجوز: رفع «حسن» خبر مقدم، و «أن تأتي» مبتدأ.
وقوله: وتجزع أن داعي، أن: مخففة من الثقيلة. والمراد: وتجزع من أنّ داعي الصبابة أسمعك صوته ودعاك. ومعنى البيتين: شكوت شوقك إلى هذه المرأة، وأنت آثرت البعد عنها بعد أن كان حياكما معا مجتمعين، وليس بجميل اختيارك الأمر طائعا غير مكره، وجزعك بعده؛ لأن داعي الشوق والعائد منه إليك، أسمعك وحرّك منك.
وفي البيت الثالث يقول: ويقلّ لنجد وساكنه التوديع منا؛ لأنّ حقهما أعظم، ولكنا لا نقدر على غيره.
وفي البيت الرابع يقول: إنك وإن أفرطت في الجزع، فإن أوقات المواصلة بالحمى مع أحبابك لا تكاد تعود، ولكن أدم البكاء لها مع التوجع في إثرها، تجد فيه راحة.
وقوله: تدمعا: جواب الأمر «خلّ»، ولو قال: تدمعان، لكان حالا للعينين.
(2/120)

وفي البيت الخامس: يقول: أخذت في مسيري لمّا أبصرت حال نفسي في تأثير الصبابة فيها، ملتفتا إلى ما خلفته من الحيّ، وأرض نجد حتى وجدتني وجع «الليت»، واللّيت: بالكسر، صفحة العنق، وقيل: أدنى صفحتي العنق من الرأس عليهما، ينحدر القرطان.
والأخدع: هما أخدعان، وهما عرقان خفيان في موضع الحجامة من العنق.
قال المرزوقي: وقد قيل فيه: إن من رموزهم أنّ من خرج من بلد فالتفت وراءه، رجع إلى ذلك البلد. وانتصب «ليتا»؛ لأنه تمييز ملحوظ، محوّل عن الفاعل، ومثله:
تصببت عرقا، وقررت به عينا.
قال أبو أحمد: وقول المرزوقي إنّ من رموزهم كذا، هذا كلام واقع، وعليه شواهد من أيامنا، فما زلت أذكر آخر زيارة إلى أهلي في خان يونس حوالي سنة 1978 م، وبعد أسابيع أمضيتها في مرابع الطفولة والصبا، حان وقت الرحيل، حيث انتهت المدة التي منحها لنا الأعداء؛ لزيارة أرضنا وأهلنا، وفي فجر يوم، جاءت السيارة التي تقلنا إلى الجسر المجاور لمدينة أريحا، فكان ساعتها مشهد المودعين يخلع القلب، ويقرح الجفون، ويصدع الأكباد، لم يبق طفل، أو شيخ، أو مخبأة إلا وقف للوداع، حتى ضاق الزقاق بالمودعين، وارتفعت الأصوات، واشتد النحيب،
ومن باب الدار إلى آخر الزقاق، ما يقارب مائة ذراع، قطعناها في ساعات نخطو خطوة، ثم نقف وما كنت أدري، أيوقفني الزحام، أم تشدني الديار، فلا أحب أن أصل إلى المركبة التي تحملني إلى ديار الغربة، وما زال يرنّ في أذني صوت أختي، أم سليمان، تقول لي: تلفّت خلفك، تعيدها مرات كلما خطوت خطوات، فألتفت، فأرى البيت والأهل، وكنت أظنّ أنها تطلب مني الالتفات؛ لوداع المشيعين، وليروا طلعة ابنهم، وأخيهم، وعمهم، وخالهم، وابن عمهم، و .. فلما قرأت ما كتبه المرزوقي، عرفت السبب في طلب الالتفات؛ وذلك تفاؤلا بالعودة إليهم، والعودة إلى الديار الحبيبة. قلت: سبحان الله، هذا رمز في نجد، قلب الجزيرة، ورمز في خان يونس، في أطراف جزيرة العرب، كيف اجتمعا؟ وكيف بقي مغروسا في النفوس عشرات القرون؟ فعددت هذا رمزا لوحدة العرب في جميع بقاعهم، إنه رابط من آلاف الروابط التي لا تنفصم، ومع ذلك يصرّ الأعداء على فصم عرى الأخوة، فقسموا أوطان العرب إلى دويلات، وزعموا أن لكل إقليم خصائص متفرّدة، وهم كاذبون، وإنما أرادوا اجتثاث جذور الوحدة؛ ليحلوا محلها عادات إقليمية حديثة، وما أظنهم يقدرون
(2/121)

على ذلك مهما قالت وسائل الإعلام، ومهما حاولت، ومهما حاول الجاهلون الإقليميون من تأصيل. فأما الزبد، فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس، فيمكث في الأرض.
[الحماسة بشرح المرزوقي ج 3/ 1215، باب النسيب برقم 454].

206 - أكفّ يدي عن أن ينال التماسها … أكفّ صحابي حين حاجاتنا معا
البيت لحاتم الطائي. وقوله: أكّف يدي: أي: أقبضها إذا جلسنا على الطعام إيثارا للضيوف، وخوفا أن يفنى الزاد. وأكف الثانية: جمع كف، مفعول ينال.
وقوله: حين حاجاتنا معا: «معا»، حال سدّت مسدّ خبر المبتدأ الذي هو المصدر، كقولك: قيامك ضاحكا، وشربك السويق ملتوتا. وقال التبريزي: حاجاتنا معا، أي: كلنا جائع، فحاجته إلى الطعام كحاجة صاحبه، ومعا: نصب على الحال، سدّ مسدّ الخبر؛ لأن المصادر إذا ابتدئ بها، وقعت الأحوال خبرا عنها. [شرح أبيات المغني ج 5/ 351، والهمع/ 1/ 218].

207 - إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها … رفعن وأنزلن الحديث المقطّعا
البيت بلا نسبة في الهمع ج 1/ 53، وأنشده السيوطي شاهدا لتقدير الفتحة على الواو في قوله «أن تلهو» قال: وهو ضرورة أو شاذ؛ لأن الفتحة تظهر على الواو والياء؛ لخفتها.

208 - فإن يك غثّا أو سمينا فإننّي … سأجعل عينيه لنفسه مقنعا
البيت لمالك بن خريم الهمداني، يقول: إذا طرقني ضيف وذبحت له، ذهبت بالشاة؛ لتطبخ له على عينيه؛ لئلا يقول: أكلوا أطايب الشاة، وأتي بالرديء، فإذا رآه، فقد جعلت عينيه لنفسه مقنعا.
والشاهد: «لنفسه»، أراد لنفسهي، فلما لم يقم البيت، حذف الياء الناتجة عن مد الهاء. [كتاب سيبويه ج 1/ 10، وشرح أبيات سيبويه ص 7، والإنصاف ص 517].

209 - وزادني كلفا بالحبّ ما منعت … وحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا
البيت منسوب للأحوص الأنصاري في ديوانه، ومجنون ليلى في ديوانه، وأنشد السيوطي البيت في الهمع ج 2/ 66، شاهدا لحذف همزة التفضيل من «حبّ»، وأصله «أحبّ». وفي اللسان مادة «حبب» جاء البيت على صورة:
(2/122)

وزاده كلفا في الحبّ أن منعت … وحبّ شيئا إلى الإنسان ما منعا
فقوله «حبّ» بفتح الباء، قال الأصمعي: حبّ بفلان، أي: ما أحبّه إليّ، وقال الفرّاء:
معناه حبب بفلان، بضم الباء، ثم أسكنت وأدغمت في الثانية، وأنشد الفراء (البيت) قال: وموضع «ما» رفع، أراد حبب فأدغم.

210 - إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنما … يرجّى الفتى كيما يضرّ وينفعا
رواية أخرى للبيت كما جاء في قافية العين المرفوعة (وينفع)، ومضى الكلام فيه.

211 - ثلاث مئين قد مررن كواملا … وها أنا هذا أشتهي مرّ أربع
قاله ابن حممه الدوسي، من المعمرين، وهو في شرح المفصّل ج 6/ 23.
والشاهد: «ثلاث مئين»، فقد جاءت على القياس، في أن تمييز الأعداد من 3 - 10 يكون جمعا، ولكن المستعمل في التمييز إذا كان من لفظ المائة، أن يأتي مفردا، فتقول: «ثلاث مائة». قال ابن يعيش: وهذا وإن كان القياس، إلا أنه شاذ في الاستعمال، وقد يجوز قطعه عن الإضافه وتنوينه، ويجوز حينئذ في التفسير وجهان: أحدهما: الاتباع على البدل نحو:
«ثلاثة أبواب»، والنصب على التمييز نحو: «ثلاثة أبوابا»، وهو من قبيل ضرورة الشعر.

212 - حميد الذي أمج داره … أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع
هو لحميد الأمجي، أو مالك بن حريم، أو مالك بن عمرو.
والشاهد: «حميد» حيث حذف منه التنوين، بدون علة مانعة من التنوين. [الخزانة ج 11/ 376، ومعجم البلدان «أمج»
واللسان «أمج»].

213 - وقد كنت في الحرب ذا تدراء … فلم أعط شيئا ولم أمنع
قاله العباس بن مرداس الصحابي. وذا تدراء، أي: صاحب عدّة وقوة على دفع الأعداء.
والشاهد: في «شيئا»، إذ أصله شيئا طائلا، فحذف الصفة، ولولا هذا التقدير، لتناقض مع قوله: «ولم أمنع».

214 - وما انتميت إلى خور ولا كشف … ولا لئام غداة الرّوع أوزاع
(2/123)

بل ضاربين حبيك البيض إن لحقوا … شمّ العرانين عند الموت لذّاع
البيتان لضرار بن الخطاب، وهما في [العيني ج 4/ 157، والهمع ج 2/ 136، 175]، وأنشدهما السيوطي في باب العطف بالحرف «بل»، وفي باب جمع التكسير.

215 - ومعرّص تغلي المراجل تحته … عجلت طبيخته لقوم جيّع
قاله الحادرة، واسمه قطبة. ومعرّص: اللحم في العرصة للجفوف، ويروى:
ومغرّض: وهو اللحم الطري، ويروى: ومجيّش، من جاشت القدر، إذا غلت.
والمراجل جمع مرجل، وهو القدر من النحاس.
والشاهد: «جيّع»، فإن أصله «جوّع»، لأنه من الأجوف الواوي، فأبدلت الياء من الواو، وهو جمع جائع. [الأشموني ج 4/ 338، وعليه حاشية الصبان، والعيني].

216 - على جرداء يقطع أبهراها … حزام السّرج في خيل سراع
البيت بلا نسبة في الهمع، وأنشده السيوطي في باب المثنى في عقب كلامه على «كلا، وكلتا»، وقال: قال ابن مالك: وندر هذا الاستعمال، أي: الإعراب كالمثنى في متمحض الإفراد، كقوله: (البيت) قال: ثنى الأبهر، وهو عرق مجازا، ولكن يفهم من كلام لسان العرب، أن الأبهر يثنى، مادة «بهر». [الهمع - ج 1/ 41].

217 - كرام حين تنكفت الأفاعي … إلى أجحارهنّ من الصقيع
البيت غير منسوب. وتنكفت: ترجع إلى أجحارها، أي: هم كرام حين الشتاء والجدب، والبيت شاهد على جمع جحر على أجحار، جمع قلة. [سيبويه/ 3/ 577، هارون].

218 - وكوني بالمكارم ذكريني … ودلّي دلّ ماجدة صناع
البيت لرجل من نهشل من أهل الجاهلية، وقبل البيت:
ألا يا أمّ فارع لا تلومي … على شيء رفعت به سماعي
وقوله: دلّي: بفتح الدال، من دلّت تدلّ، والدّلّ: قريب المعنى من الهدي، وهما من السكينة والوقار في الهيئة، والمنظر، والشمائل، وغير ذلك. والصّناع: الماهرة الحاذقة
(2/124)

بعمل اليدين، وقوله في سابقه: سماعي، أي: ذكري وحسن الثناء عليّ.
والشاهد: «كوني ... ذكريني»، على أنه جاء خبر كان جملة طلبية، والمعنى: كوني مذكرة بالمكارم. وعدوه من الشاذ؛ لأن فعل الأمر لا يقوم مقام الخبر في باب كان. وقد أوّلوه تأويلات منها: تقديره: كوني ممن أقول له: ذكريني، إذا سهوت، فجرى هذا على الحكاية، وقال آخر: يجوز أن يكون الخبر محذوفا، و «ذكريني» أمرا مستأنفا، أي: كوني بالمكارم مذكّرة، ذكريني.
قال أبو أحمد: وإذا صحت نسبة الشعر إلى جاهلي، فإنه لم يخرج عن حدّ الكلام العربي المستعمل، وربما لم يصل إلى النحويين شيء كثير منه، فعدّوه من الشواذ، أو الضرورات، وفي كلام أهل البادية اليوم، ممن لم يختلطوا بالحاضرة كثير من هذا التركيب، فهم يقولون لمن جاء بخبر لا يسرّ: «كنت بشرني بشيء يسرّ»، وقد يجعلون الماضي محل الأمر «كنت بشرتني ...». [الخزانة ج 9/ 66، والهمع ج 1/ 113، والمغني وشرح أبياته ج 7/ 227، وشرح الحماسة للمرزوقي ج 2/ 657]، وفيه شاهد آخر على وقوع الأمر موضع الخبر.

219 - سقى الأرضين الغيث سهل وحزنها … فنيطت عرى الآمال بالزّرع والضّرع
البيت بلا نسبة. والشاهد: (سهل وحزنها)، حيث حذف منه المضاف إليه، إذ أصله سهلها، بالنصب، بدل من الأرضين، بدل بعض من كلّ، وشرط ابن مالك للحذف فقال:
بشرط عطف وإضافة إلى … مثل الذي له أضفت الأولا
[الأشموني ج 2/ 274، وعليه حاشيتا الصبّان والعيني].

220 - بالله ربك إلّا قلت صادقة … هل في لقائك للمشغوف من طمع
البيت بلا نسبة في الهمع ج 2/ 42، وأنشده السيوطي شاهدا لتصدر جواب القسم ب «إلا».

221 - ليس ينفكّ ذا غنى واعتزاز … كلّ ذي عفّة مقلّ قنوع
البيت بلا نسبة في [الأشموني ج 1/ 227، والهمع ج 1/ 111] ومعناه: لم يزل كل ذي عفاف، وإقلال، وقناعة، غنيا وعزيزا.
(2/125)

وقوله: ليس: أهمل هنا ولم يعمل، ويجوز أن تعمل؛ بأن يضمر فيها ضمير الشأن، ويكون اسمه، وما بعده خبره.
وينفكّ: من الأفعال الناقصة، وفيه الشاهد حيث أعمل عمل كان؛ لتقدم النفي عليها، و «كلّ ذي عفة» اسمه، و «ذا غنى» خبره مقدما.
وقوله: مقلّ قنوع، مجروران على الوصفية، وضبطهما أبو حيان برفع «قنوع» على الابتداء، و «مقلّ» مقدما خبره.

222 - لقد آليت أغدر في جداع … ولو منّيت أمّات الرّباع
لأنّ الغدر في الأقوام عار … وإن الحرّ يجزأ بالكراع
البيتان لأبي حنبل جارية بن مرّ، مجير الجراد من أهل الجاهلية. وزعم بعضهم أنها لامريء القيس، وليس بصحيح؛ لأنّ شعر امريء القيس الذي وصلنا، يصور امرأ القيس رجلا خبيث النفس، وليس من شيمته أن يقول في معنى البيتين، ولو كانت عنده ذرة وفاء، ما استعان بالروم لقتل قومه.
وقوله: آليت أغدر، حذف حرف النفي، والتقدير: «لا أغدر». والرّباع: جمع ربع، وهو ما ولد من الإبل في الربيع. والأمّات: جمع أم من البهائم. والجداع: السنة الشديدة. ويجزأ: يقنع ويكتفي. والكراع: من الدواب ما دون الكعب، والجمع أكارع والعامة اليوم تقول «الكوارع»، وفي بعض أقاليم العرب يقولون «مقادم» جمع قدم، وهي أكلة لذيذة، يثرد في مرقها، ويوضع عليه اللبن والثوم، وقد يجمع معها عادة المعدة، معدة الغنم بخاصة بعد تقطيعها أوصالا وحشوها بالأرز. [شرح المفصل ج 4/ 60، اللسان «جزأ»، والشعر والشعراء، ترجمة امرئ القيس].
والشاهد: «جداع»، مبني على الكسر.

223 - ألكني إلى سلمى بآية أومأت … بكفّ خضيب تحت كفّة مدرع
البيت بلا نسبة في الهمع ج 2/ 51.
وقوله: ألكني: أرسلني، والآية: العلامة، وفيها الشاهد حيث أضيف لفظ آية إلى الفعل، تشبيها لها بالظرف، وقيل: هو على حذف «ما المصدرية»، والإضافة إلى المصدر
(2/126)

المؤول. وكفّه القميص: ما استدار حول الذيل. والمدرع: الثوب.

224 - فصبرا في مجال الموت صبرا … فما نيل الخلود بمستطاع
البيت لقطري بن الفجاءة، والخطاب لنفسه.
والشاهد: «فصبرا»، و «صبرا» حيث حذف منه فعله وهو الطلب، أي: اصبري يا نفس صبرا؛ وذلك لأنه وقع مكررا على ما زعم ابن عصفور؛ لأنه شرط في وجوب الحذف التكرار، وأطلقه ابن مالك، إذا وقع في الطلب، أمرا أو نهيا؛ و «الفاء» جواب الشرط؛ لأن التقدير: إذا لم تطاعي يا نفس في سؤالك بقاء يوم على الأجل المقدر، فاصبري في مجال الموت، و «صبرا» تأكيد للأول. [الأشموني ج 2/ 117].

225 - دهم الشتاء ولست أملك عدّة … والصبر في الشّتوات غير مطيعي
البيت بلا نسبة في الهمع ج 1/ 246، وأنشده السيوطي شاهدا على إنفراد الواو رابطا في جملة الحال المصدرة ب «ليس»، والأكثر اجتماع الواو والضمير كقوله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ [البقرة: 267].

226 - بكاللّقوة الشّغواء جلت فلم أكن … لأولع إلا بالكميّ المقنّع
البيت غير منسوب. واللقوة: العقاب، وهو يصف فرسا، أي: بفرس كاللقوة.
والشغواء: المعوجة المنقار.
وقوله: لأولع: منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود. والمقنّع: الفارس المغطى رأسه بالبيضة.
والشاهد: «بكاللّقوة»، حيث جاءت الكاف فيه اسما؛ لأنه مجرور بالباء، وحروف الجرّ لا تدخل على بعضها البعض. [الأشموني ج 2/ 225، والهمع ج 2/ 31].

227 - أتبيت ريّان الجفون من الكرى … وأبيت منك بليلة الملسوع
البيت للشريف الرضي، في ديوانه، وقال أبو حيّان: ولا أدري أهو مسموع، أم مصنوع.
والشاهد: «أتبيت ... وأبيت» بنصب الفعل المضارع بعد واو المعية المسبوقة باستفهام، وهو قوله أتبيت؟ وشبه الكرى (النوم) بالماء، في أن بكلّ راحة النفس، واستعاره له
(2/127)

بالكناية. و «الباء» في قوله: (بليلة)، بمعنى (في). وليلة الملسوع، كناية عن السهر.
[الأشموني ج 3/ 307، والهمع ج 2/ 13].

228 - وكنت إذا منيت بخصم سوء … دلفت له فأكويه وقاع
البيت للشاعر عوف بن الأحوص، ونسبه الأزهري - كما في اللسان - لقيس بن زهير.
والشاهد: في البيت «وقاع»، مبني على الكسر، استعمله علما على تلك الكيّة المخصوصة. [شرح المفصل ج 4/ 62].

229 - قوّال معروف وفعّاله … عقّار مثنى أمّهات الرّباع
البيت من قصيدة في المفضليات برقم 92، للسّفّاح بن بكير اليربوعي، قالها يرثي يحيى بن شدّاد، وقيل: هي لرجل
من بني قربع، يرثي يحيى بن ميسرة، صاحب مصعب ابن الزبير، وكان وفى له، حتى قتل معه. وأولها:
صل على يحيى وأشياعه … ربّ غفور وشفيع مطاع
وهي قصيدة باردة، لا حياة فيها، لا يحسن نظمها في عقد المفضليات. والربّاع:
بالكسر، جمع ربع، بضمّ ففتح، وهو ما ينتج في أول نتاج الإبل، وخصّ أمهات الرباع؛ لأنها عزيزة.
والشاهد: استعمال «أمّات» بالهاء، جمعا لأمّ في غير الأناسي، والأكثر بدون هاء في البهائم، ولكن الشطر يروى أيضا:
«عقّار أمّات الرّباع الرتاع». [شرح المفصل ج 10/ 4، والخزانة ج 6/ 97، والمفضليات].

230 - ويحيّيني إذا لاقيته … وإذا يخلو له لحمي رتع
البيت للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكريّ، من قصيدته الرقيقة المطلع، حيث يقول:
بسطت رابعة الحبل لنا … فوصلنا الحبل منها ما اتّسع
حرّة تجلو شتيتا واضحا … كشعاع الشمس في الغيم سطع
وما أجمل قوله، يصف رابعة:
تمنح المرآة وجها واضحا … مثل قرن الشمس في الصّحو ارتفع
(2/128)

أرأيت؟ المرآة، مفعول به، فهي التي تمنح المرأة الوجه الجميل، والقصيدة في المفضليات برقم (40)، والبيت الشاهد في مجموعة أبيات من القصيدة، يصور فيها صورة رائعة للعداوة القاتلة، يكنها له صاحبه المنافق، وكيف يكبته ويقمعه، يبدأ بالبيت الشاهد:
ربّ من أنضجت غيظا قلبه … قد تمنى لي موتا لم يطع

231 - ارحم أصيبيتي الذين كأنّهم … حجلى تدرّج في الشّربّة وقّع
البيت لعبد الله بن الحجاج الثّعلبي، من قطعة يخاطب بها عبد الملك بن مروان، ويعتذر إليه من صحبته لعبد الله بن الزبير، وكان قد خرج معه، شبه صبيتهم - لضعفهم عن الكسب - بحجل يتدرج من أماكنه ولا يطير؛ لعجزه عن الطيران. والشرّبّة: موضع.
والشاهد: «حجلى» جمع الحجلة، وهو طائر معروف، وفيه «أصيبية» تصغير «أصبية»، وقياس فعل أن يجمع على أفعله، مثل رغيف وأرغفة، لأنهم قالوا في جمع «صبيّ»:
«صبية» فلما صغّر ردّ إلى أصله فصغره على «أصبية» ومثله غلام وغلمة، يصغر «أغيلمة»، وجمع القلة من
جموع التكسير، يصغّر لفظه، ولا يرد إلى مفرده. [شرح المفصل ج 5/ 21، و 134، واللسان «حجل»].
ورووا أن الشاعر لما قال لعبد الملك، بعد البيت السابق:
أدنو لترحمني وتقبل توبتي … وأراك تدفعني، فأين المدفع
قال عبد الملك: إلى النار. قال أبو أحمد: إن صحت الرواية: فقد أخطأ فيما قال عبد الملك. إن كان يريد نار الآخرة، فهذه لا يملكها، كما لا يملك لنفسه الجنة. وإن كان يريد نار الدنيا، والعذاب الذي يلاقيه منه، فهو مخطئ، فلو أنّ سلاطين العرب قتلوا كلّ من خالفهم في الفتنة، لفنى العرب. والمعروف أن الفتن التي تمت في تاريخ العرب، لم ينتصر فيها من كان على حقّ كامل، وإنما انتصر فيها من انتصر، إما لضعف خصمه العسكري، وإما لأن ناسا من أهل الحكمة رأوا حقن دماء المسلمين، فلا يغترنّ سلطان بسلطانه، وليكن واسع الصدر مع من ولّاه الله عليهم، ولينظر بعين للآخرة التي لا يستطيع فيها أن يكذب على ربّه، ولينظر بعين أخرى إلى التاريخ الذي سيكتب عنه، وهو الذّكر الذي يخلد به في الدنيا، وليعلم أنّ الذين يذكرون محامده في حياته خوفا، لن يستطيعوا أن يفعلوا ذلك بعد موته.
(2/129)

حرف الغين المعجمة
1 - أخاك الذي إن تدعه لملّمة … يجبك كما تبغي ويكفك من يبغي
وإن تجفه يوما فليس مكافئا … فيطمع ذو التزوير والوشي أن يصغي
لم ينسبهما أحد.
والشاهد: أخاك، حيث يجوز أن يكون منصوبا، وأن يكون نصبه على الاغراء، من غير أن يكون مكررا. [شذور الذهب].

2 - ولكن ببدر سائلوا عن بلائنا … على النّاد والأنباء بالغيب تبلغ
لكعب بن مالك الأنصاري. وبدر: أراد به، موقع غزوة بدر.
والنّاد: وهو هنا: القوم، وأصله المكان الذي يجتمعون فيه.
والشاهد: (الناد)، فإنه يريد (على النادي)، فحذف الياء مجتزئا بالكسرة قبلها.
[الإنصاف/ 389].
(2/131)

حرف الفاء
1 - فما بالنا أمس أسد العرين … وما بالنا اليوم شاء النّجف
هذا البيت، أحد أربعة أبيات منسوبة إلى أحد أصحاب علي بن أبي طالب، يوم صفّين، وذكروا حولها قصة ليس فيها سند، وإنما هي من اختراعات المؤرّخين والأدباء، والبيت لا يصحّ الاستشهاد به في النحو؛ لأنه مجهول القائل، وربما كان ناظمه من أهل العصر العباسي. وقد ذكروا البيت على أنّ «أسد العرين»، و «شاء النجف»، حالان إما على تقدير «مثل»، وإما على تأويلهما بوصف، أي: شجعانا وضعافا، والعامل في الحال لفظ «البال»؛ لكونه بمعنى الفعل، ومجيء الحال بعد «ما بال» أكثري، وقد يأتي التركيب بدون الحال، كقوله تعالى: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [طه: 51]. وقد وردت الحال بعد «ما بال» على وجوه:
منها: مفردة: كالبيت الشاهد، وقول الشاعر: «ما بال النجوم معلقات». ومنها:
ماضية مقرونة ب «قد»، كقول العامري:
ما بال قلبك يا مجنون قد هلعا ...
ومنها: ماضية مقرونة ب «قد» و «الواو»، كقول الشاعر:
ما بال جهلك بعد الحلم والدين … وقد علاك مشيب حين لا حين
ويأتي بدون «قد»، كقول الشاعر:
فما بال قلبي هدّه الشوق والهوى … وهذا قميصي من جوى الحزن باليا
وتأتي مضارعية مثبتة، كقول أبي العتاهية:
ما بال دينك ترضى أن تدنّسه … وثوب دنياك مغسول من الدنس
(2/133)

وتأتي منفية كقوله:
وقائلة ما باله لا يزورها ...
ومنها: اسمية غير مقترنة ب «واو»، كقول ذي الرّمة:
ما بال عينك منها الماء ينسكب ...
[الخزانة/ 3/ 201].

2 - وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع … من المال إلا مسحتا أو مجلّف
البيت للفرزدق. والمسحت: الذي لم يبق منه بقية. والمجلّف: الذي ذهب معظمه، وبقي منه شيء يسير.
قال الزمخشري: هذا البيت ما تزال الرّكب تصطكّ في تسوية إعرابه.
وقال ابن قتيبه: رفع الفرزدق آخر البيت ضرورة، وأتعب أهل الإعراب في طلب الحيلة، فقالوا وأكثروا، ولم يأتوا منه بشيء يرتضى.
وأحسن ما قرأت في توجيهه، أن رواية البيت:
وعضّ زمان يا ابن مروان ما به … من المال إلا مسحت أو مجلّف
انظر [الخزانة/ 5/ 144].

3 - أمن رسم دار مربع ومصيف … لعينيك من ماء الشؤون وكيف
البيت للحطيئة من قصيدة يمدح بها سعيد بن العاص الأموي. والرسم هنا: مصدر رسم المطر الدار، أي: صيرها رسما بأن عفّاها، ولا يراد بالرسم ما شخص من آثار الدار.
والبيت شاهد على أن «رسم دار» مصدر مضاف إلى مفعوله، ومربع: فاعله.
[الخزانة/ 8/ 121، وشرح المفصل/ 6/ 62، وديوان الحطيئة].

4 - كفى بالنأي من أسماء كافي … وليس لنأيها إذ طال شافي
هذا مطلع قصيدة لبشر بن أبي خازم.
(2/134)

وهو شاهد على أنّ الوقف على المنصوب بالسكون لغة، فإنّ «كافيا» مفعول مطلق، وهو مصدر مؤكّد لقوله: «كفى»، وكان القياس أن يقول: كافيا، لكن حذف تنوينه، ووقف عليه بالسكون، والمنصوب حقّه أن يبدل تنوينه ألفا، وكاف: من المصادر التي جاءت على وزن اسم الفاعل. [الخزانة/ 4/ 439، والخصائص/ 2/ 268، وشرح المفصل/ 6/ 51، والأشموني/ 2/ 310، والمرزوقي/ 294، 970].

5 - إذا نهي السفيه جرى إليه … وخالف، والسفيه إلى خلاف
أنشده الأنباري في «الإنصاف». جرى: أسرع. وخالف: مفعوله محذوف للعلم به، والتقدير: خالف زاجره. وجملة: والسفيه إلى خلاف للتذييل، بمعنى أنها استئنافية، والمعنى: ومن شأن السفيه وطبعه مخالفة ناصحه.
والشاهد: «جرى إليه»، فإن مرجع الضمير في «إليه»، لم يتقدم صريحا في الكلام، ولكن تقدم الوصف الدال عليه،
وهو قوله: «السفيه»، فهذه الكلمة دالة على الذات والحدث الذي تتصف به، وهو السّفه، فاكتفى الشاعر بتقدم المرجع في ضمن الوصف.
ومنه قوله تعالى: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: 7]، أي: يرض الشكر لكم، ولم يتقدم ذكر الشكر صراحة. [الإنصاف/ 140، والهمع/ 1/ 65].
وتقدير الكلام في البيت الشاهد: جرى هو، أي: السفه المفهوم من لفظ السفيه، فحذف مفسّر الضمير للعلم به.

6 - فكلتاهما خرّت وأسجد رأسها … كما سجدت نصرانة لم تحنّف
قاله أبو الأخزر الحمّانيّ. قال ابن منظور: إنه يصف ناقتين طأطأتا رأسيها من الإعياء، فشبّه رأس الناقة في تطأطئها، برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها. وقوله: أسجد رأسها: لغة في سجد رأسها، تقول: أسجد الرجل، إذا طأطأ رأسه وانحنى. والنصرانة:
واحدة النصارى، والمذكر عند الخليل، نصران، ولكن المستعمل نصرانيّ، ونصرانية.
وقوله: لم تحنّف، أي: لم تختتن، وتأتي تحنف بمعنى: اعتزل الأصنام.
والشاهد: «كلتاهما خرّت»، حيث أعاد الضمير على «كلتا» مفردا في قوله: «خرّت».
[سيبويه/ 2/ 29، والإنصاف/ 445، واللسان/ نصر].

7 - تعلّق في مثل السواري سيوفنا … وما بينها والكعب غوط نفانف
(2/135)

قاله مسكين الدارمي. والسواري: جمع سارية، وهي العمود. شبه أنفسهم بالسواري لطول أجسامهم، والطول مما تتمدح به العرب. والغوط: بضم الغين، جمع غائط، وهو المطمئن من الأرض. ونفانف: جمع نفنف بوزن جعفر، وهو الهواء بين الشيئين، وكل شيء بينه وبين الأرض مهوى فهو نفنف، وهذا يشبه قولهم في وصف رقبة المرأة بالطول: «بعيدة مهوى القرط».
والشاهد: ف «ما بينها والكعب»، حيث عطف الكعب ب «الواو» على الضمير المتصل المخفوض بإضافة الظرف، وهو قوله: «بين» إليه، من غير أن يعيد العامل في المعطوف عليه مع المعطوف، ومثله قول الشاعر:
بنا أبدا لا غيرنا تدرك المنى … وتكشف غمّاء الخطوب الفوادح
عطف «غيرنا» ب «لا» على الضمير المجرور من غير أن يعيد العامل.
[الإنصاف/ 465، وشرح المفصل/ 3/ 79، والأشموني/ 3/ 115].

8 - ومن قبل نادى كلّ مولى قرابة … فما عطفت مولى عليه العواطف
غير منسوب. يصف الشاعر شدة من الشدائد، أذهلت كل واحد عن أقربائه وذوي نصرته.
والشاهد: «من قبل»، فإن الرواية بجر «قبل» بدون تنوين؛ وذلك لأنه حذف المضاف إليه ونوى لفظه، وأصل الكلام: ومن قبل ذلك، حدث كيت وكيت، واسم الإشارة هو المضاف إليه الذي حذفه من الكلام، مع أنه يقصده. وقرئ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [الروم: 4] بالخفض دون تنوين، على نية وجود المضاف إليه. [العيني/ 3/ 443، والهمع/ 1/ 210، والأشموني/ 2/ 269].

9 - ولبس عباءة وتقرّ عيني … أحبّ إليّ من لبس الشفوف
لميسون بنت بحدل، زوج معاوية بن أبي سفيان، وكانت بدوية، فحنت إلى مرابع أهلها، وفضّلتها على سكنى القصور والملابس الناعمة.
والشاهد: «وتقرّ»، حيث نصب المضارع ب «أن» مضمرة بعد واو عاطفة على اسم خالص من التقدير بالفعل، وهو «لبس»، وهذا الإضمار جائز، وسبب النصب ب «أن»؛
(2/136)

لئلا يصار إلى عطف فعل على اسم. [سيبويه/ 1/ 426، والمفصل/ 7/ 25، والشذور/ وشرح المغني/ 5/ 64].

10 - بني غدانة ما إن أنتم ذهب … ولا صريف ولكن أنتم الخزف
لم أعرف قائله. والصريف: الفضة. والخزف: الفخار.
والشاهد: «ما إن أنتم ذهب»، حيث أهمل «ما» النافية فلم يعملها، بسبب وجود (إن) الزائدة بعدها، وهناك رواية بنصب «ذهبا» على إعمال «ما»، وتقدر «إن» نافية مؤكدة.
[الخزانة/ 4/ 119].

11 - تنفي يداها الحصى في كل هاجرة … نفي الدّراهيم تنقاد الصياريف
قاله الفرزدق يصف ناقته. وتنفي: تدفع. والدراهيم: الدراهم، أشبع الكسرة، وقيل:
مفرده درهام، كقرطاس. والصياريف: جمع صيرفيّ. وتنقاد: من نقد الدراهم، وهو التمييز فيها.
والشاهد: «نفي الدراهيم تنقاد»، حيث أضاف المصدر، وهو «نفي» إلى مفعوله «الدراهيم»، ثم أتى بالفاعل مرفوعا «تنقاد»، وأصل الكلام:
«نفي الصياريف الدراهيم تنقدها». [الخزانة/ 4/ 426].

12 - وقالوا: تعرّفها المنازل من منى … وما كلّ من وافى منى أنا عارف
هذا البيت لمزاحم بن الحارث العقيلي. تعرفها: اسأل الناس عنها.
تعرفها: فعل أمر، المنازل: منصوب على نزع الخافض، والأصل: تعرفها بالمنازل.
والشاهد: «ما كل من وافى منى أنا عارف»، بنصب «كلّ» مفعول به لاسم الفاعل «عارف»، وتكون «ما» مهملة؛ لتقدم معمول خبرها «عارف»، وهو «كلّ». ويجوز رفع «كلّ» اسم «ما» الحجازية، وجملة «أنا عارف» خبرها.
والرابط ضمير محذوف (عارفه)، وجاز إعرابها مبتدأ، وتكون «ما» ملغاة. [سيبويه/ 3، والشذور، وشرح المغني/ 8/ 109، والأشموني/ 1/ 249].

13 - نحن بما عندنا وأنت بما … عندك راض والرأي مختلف
(2/137)

لقيس بن الخطيم، أحد فحول الجاهلية من قصيدة أولها.
ردّ الخليط الجمال فانصرفوا … ماذا عليهم لو أنهم وقفوا
والشاهد: «نحن بما عندنا»، حيث حذف الخبر، قصدا للاختصار مع ضيق المقام، والذي جعل حذفه سائغا، دلالة خبر المبتدأ الثاني عليه. والتقدير: «نحن راضون».
والحذف من الأول لدلالة الثاني عليه شاذ، والأصل الغالب هو الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه. [سيبويه/ 1/ 38، والإنصاف/ 95، وشرح المغني 7/ 299].

14 - من نثقفن منهم فليس بآيب … أبدا وقتل بني قتيبة شافي
قالته بنت مرة بن عاهان، من قطعة ترثي أباها بها.
والشاهد: «نثقفن»: حيث أكّد الفعل المضارع الواقع بعد أداة الشرط، من غير أن تتقدم على المضارع (ما) الزائدة المؤكدة ل «إن» الشرطية، وهو ضرورة شعرية.
[سيبويه/ 2/ 152، والخزانة/ 11/ 399].

15 - أقبلت من عند زياد كالخرف … تخطّ رجلاي بخطّ مختلف
تكتّبان في الطريق لام الف
هذا رجز لأبي النجم العجلي، يصف خروجه من عند صديق له يسمى زيادا، وقد سقاه خمرا. وقال ابن جني: إنما أراد كأنهما تخطان حروف المعجم، لا يريد بعضها دون بعض، أو أنه أراد بقوله: «لام ألف»، شكل «لا»، ولا يريد حرف الألف، لأنه من الخطأ تسمية حرف الألف اللينة التي قبل الياء ب (لام ألف)، وصواب النطق به (لا)، وإنما لا يصح أن تفرد الألف اللينة من اللام كسائر الحروف؛ لأنها لا تكون إلا ساكنة تابعة للفتحة، والساكن لا يمكن
ابتداؤه، فدعمت باللام؛ ليقع الابتداء، وذلك من باب التقارض؛ لأنّهم لما احتاجوا إلى النطق بلام التعريف الساكنة، أتوا قبلها بالهمزة فقالوا:
الغلام، وعند ما احتاجوا إلى نطق الألف، اقترضوا اللام.
واستشهد سيبويه بالرجز على أنّ الشاعر ألقى حركة ألف، على ميم لام. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 6/ 151، والخصائص/ 3/ 297، والهمع/ 2/ 69].

16 - كأنّ أذنيه إذا تشوّفا … قادمة أو قلما محرّفا
(2/138)

البيت للشاعر محمد بن ذؤيب العماني، من مخضرمي الدولتين، عاش مائة وثلاثين سنة، قالوا: ولم يكن الشاعر من أهل عمان، وإنما نظر إليه أحدهم فقال: من هذا العماني؟ وذلك أنه كان مصفرا مطحولا، وكذلك كان أهل عمان في قديم الزمان، والعهدة على الرواة، فلا يغضب أهل عمان، قال الشاعر:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله … ويغبط بما في بطنه وهو جائع
وكانوا يعدون «عمان» من البحرين، فيقولون: بلد على شاطئ البحرين بين البصرة وعدن.
والبيت في وصف فرس، وقوله: تشوفا: تشوّف: تطلع، والمراد نصب الأذن للاستماع، وفي الفعل خروج على القاعدة، وكان من حقه أن يقول: تشوفتا؛ لأن الضمير للأذنين، والأذن مؤنثة مجازية، فكان حق الفعل التأنيث؛ لإسناده إلى ضمير، المؤنث سواء أكان حقيقيا أم مجازيا.
والقادمة: إحدى قوادم الطير، وهي قادمة ريشه. والقلم: آلة الكتابة.
والمحرّف: المقطوط لا على جهة الاستواء.
وذكر ابن هشام (في المغني) البيت على أنّ «كأنّ» قد نصب بعدها الاسم والخبر.
وقال المبرّد في (الكامل): أنشد العماني الرشيد في صفة الفرس «كأنّ أذنيه ..» الخ، فعلم القوم كلهم أنه قد لحن، ولم يهتد أحد منهم لإصلاح البيت إلا الرشيد، فإنه قال له: قل: «تخال أذنيه». والوزن صحيح على الرجز. [الخصائص/ 2/ 430، والهمع/ 1/ 134، والأشموني/ 1/ 270، وشرح أبيات مغني اللبيب، ج/ 4/ 177].

17 - أخالد قد والله أوطئت عشوة … [وما قائل المعروف فينا يعنّف]
هذا البيت ملفّق من بيتين لشاعرين، أما الشطر الأول، فهو لأخي يزيد بن بلال البجلي. والثاني للفرزدق. وحقّ الشطر الأول أن يكون في حرف القاف؛ لأن روايته هكذا:
أخالد قد والله أوطئت عشوة … وما العاشق المسكين فينا بسارق
وأما بيت الفرزدق فهو:
وما حلّ من جهل حبا حلمائنا … ولا قائل المعروف فينا يعنّف
(2/139)

وقصة البيت الأول: أن خالدا القسري (والي العراق)، أخذت شرطته يزيد بن بلان بتهمة السرقة، فقطع يده، وما كان سارقا، وإنما وجد في دار قوم؛ للالتقاء بصاحبته، فادّعي عليه السرقة، وأقرّ بها، خوفا من الفضيحة، فقال أخوه أبياتا منها البيت المذكور.
ومعنى «أوطئت عشوة» عشوة: بكسر العين، الظلمة، ومعنى التركيب أخبرت بباطل.
والبيت شاهد: على أنه فصل بين «قد» والفعل، بجملة القسم، و «قد» مع الفعل كالجزء لا يفصل عنها إلا بالقسم. [سيبويه/ 2/ 260، والهمع/ 1/ 248، والخصائص/ 2/ 448، وشرح أبيات المغني/ 4/ 86].

18 - قد يكسب المال الهدان الجافي … بغير لا عصف ولا اصطراف
رجز قاله العجّاج، وينسب أيضا إلى ابنه رؤبة. والهدان: بكسر الهاء، الأحمق، الثقيل في الحرب. والجافي: الغليظ. والعصف، والاعتصاف: الطلب والحيلة.
والاصطراف: بمعنى العصف. وهذا البيت من شواهد الكوفيين على أنّ الكلمتين إذا كان معناهما واحدا جاز أن نؤكد إحداهما بالأخرى، كما أكّد الراجز «غير» ب «لا». وبالتالي فإنهم يرون أن «أن» المصدرية، إذا وقعت بعد «كي» المصدرية، تكون «أن» توكيدا لكي؛ لأنهما بمعنى واحد، مثل البيت:
أردت لكيما أن تطير ... … بلقع (انظره في حرف العين)
[الخصائص/ 2/ 283، والإنصاف/ 581، واللسان (صرف) وعصف].

19 - عمرو الذي هشم الثريد لقومه … ورجال مكّة مسنتون عجاف
هذا البيت لمطرود بن كعب الخزاعي، من كلمة يمدح فيها هاشم بن عبد مناف، ورواه ابن دريد في الاشتقاق. وكان هاشم يسمّى عمرا، فسمّوه هاشما؛ لأنه كان يهشم الثريد لقومه، ويطعمهم في المجاعات.
والشاهد: «عمرو»، حيث حذف الشاعر التنوين؛ للتخلص من التقاء الساكنين، التنوين وسكون اللام في الذي وهي ضرورة شعرية. [الانصاف/ 663، وشرح المفصل/ 9/ 36، والعيني/ 4/ 140، واللسان «سنت والسيرة»].

20 - فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا … إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف
(2/140)

قالته حرقة بنت النعمان بن المنذر. وقولها: ليس ننصف، أي: نخدم.
والشاهد: «بينا» قيل: «الألف» فيها كافة عن الإضافة، أو هي بعض «ما» الكافة عن الإضافة، وقيل: هي للإشباع و «بين» مضافة إلى الجملة. [شرح أبيات المغني/ 5/ 273، والمرزوقي/ 1203، والدرر/ 1/ 178، واللسان «نصف»].

21 - أيا شجر الخابور مالك مورقا … كأنّك لم تجزع على ابن طريف
البيت قالته الفارعة بنت طريف، من قصيدة ترثي أخاها الوليد بن طريف، وكان قد خرج أيام الرشيد في الجزيرة الفراتية.
والخابور: نهر في الجزيرة. وقولها: مالك مورقا: توبيخ للشجر أنه أورق، وهذا من تجاهل العارف؛ لأنها تعلم أنّ الشجر لم يجزع على ابن طريف، ولكنها تجاهلت، فاستعملت لفظ «كأنّ» الدال على الشك، وبهذا يعلم أنه ليس بواجب في «كأنّ» أن تكون للتشبيه، وهذا ما ذكره القدماء في تفسيره، وبخاصة أهل البلاغة، وأقصد أهل علم البلاغة الذين يتناولون الكلام تناولا جامدا، يتعاملون مع ألفاظه ومصطلحات البلاغة بعيدا عن الروح الأدبية. والحق أنّ البيت من أجمل الشعر وأرقه، حيث امتزجت الشاعرة بالطبيعة من حولها، وأرادت أن يحزن الكون كله لحزنها، ويشاركها الشجر في ذلك؛ لأنّ خضرة الشجر والأرض عند العرب، عنوان الفرح والسعد، فكيف تسعد الأرض والناس حولها في حزن، بل في البيت من المعاني ما لا يدرك إلا بالشعور والترنم به.
ولم يذكروا البيت لشاهد نحوي. وانظر قصيدة البيت في [شرح أبيات مغني اللبيب ج 1/ 277، والدرر/ 1/ 111، والأغاني/ 12/ 58، والوحشيات/ 150].

22 - أرى محرزا عاهدته ليوافقن … فكان كمن أغريته بخلاف
مجهول. والشاهد: أن جملة «ليوافقن»، جواب ل «عاهدته» المنزل منزلة القسم، وجملة عاهدته: مفعول ثان لأرى. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 6/ 240].

23 - لقد زاد الحياة إليّ حبّا … بناتي أنهنّ من الضّعاف
مخافة أن يرين البؤس بعدي … وأن يشربن رنقا بعد صاف
وأن يعرين إن كسي الجواري … فتنبو العين عن كرم عجاف
اختلفوا في نسبتها، فذكروا أربعة شعراء، ويظهر أن واحدا قالها، وتمثل بها الباقون.
(2/141)

والشاهد في البيت الثالث، وإنما ذكرت الثلاثة؛ لحسنها. وقوله: تنبو: تتباعد، والكرم: الأصالة والنسب الشريف. والعجاف: الهزيل. ووصف الكرم بالجمع؛ للمبالغة. وأراد بالعين: أعين الناس، يعني: فلا يرغب أحد في نكاحهن؛
لشدّة فقرهن، وإن كنّ أصيلات نسيبات. والبيت الأخير، أنشده ابن هشام شاهدا على أن «كسي» - بفتح الكاف وكسر السين - فعل لازم، أي: صرن ذات كسوة، وفي القاموس ما يخالف ذلك.
[شرح أبيات المغني/ 7/ 138، واللسان «كرم»، والأغاني ترجمة عمران بن حطان].

24 - يا ليت حظّي من نداك الضافي … والفضل أن تتركني كفاف
من أرجوزة لرؤبة بن العجّاج، يعاتب بها أباه؛ لأنه أخذ منه قصيدة وأنشدها سليمان ابن عبد الملك، ولم يعطه نصيبه من المال.
والشاهد: «كفاف» فهو اسم فعل؛ لأنه جاء على بابه، وزن فعال، ومعناه: كفّ عني، وأكفّ عنك. [المغني/ 8/ 58].

25 - فحالف فلا والله تهبط تلعة … من الأرض إلا أنت للذل عارف
من شواهد سيبويه المجهولة القائل. والتلعة من الأضداد، يقول: حالف من تعتزّ بحلفه، وإلا عرفت الذل حيث توجهت من الأرض.
والشاهد: حذف «لا» بعد القسم؛ لعدم الإشكال؛ لأن الفعل الموجب بعد القسم؛ تلزمه اللام والنون، فترك اللام والنون، دليل على أن الفعل منفي. [سيبويه/ 1/ 454].

26 - فقالت: حنان ما أتى بك ها هنا … أذو نسب أم أنت بالحيّ عارف
قاله المنذر بن درهم الكلبي. والحنان: الرحمة. سألته عن علة مجيئه، أله قرابة بها، أم له معرفة بحيّها، قالت هذا حين فاجأها فأنكرته، أو تظاهرت بإنكاره.
والشاهد: رفع «حنان»، بتقدير مبتدأ، أي: أمرنا حنان، وهو نائب عن المصدر الواقع بدلا من الفعل. [سيبويه/ 1/ 161، وشرح المفصل/ 8/ 11، والهمع/ 1/ 189، والخزانة/ 2/ 112].

27 - بحيّلا يزجون كلّ مطيّة … أمام المطايا سيرها المتقاذف
(2/142)

للنابغة الجعدي. حيهلا: اسم فعل، معناه الأمر بالعجلة، أي: لعجلتهم يزجون المطايا بقولهم: حيهل، مع أنها متقدمة في السير متقاذفة فيه، أي: مترامية.
والشاهد: «حيّهلا»، حيث تركه على لفظه محكيا. [سيبويه/ 2/ 52، وشرح المفصل/ 4/ 36، والخزانة/ 6/ 268].

28 - وما سجنوني غير أنّي ابن غالب … وأني من الأثرين غير الزّعانف
قاله الفرزدق: من قصيدة يمدح بها هشاما، ويذكر حبس خالد بن عبد الله القسري له، ويستعدي عليه هشاما،
وجعله سجنه غير معدود عنده سجنا؛ لأنه لم ينقصه، ولا حط من شرفه؛ لأنّ عزّه في انتسابه إلى أبيه غالب، لا يدانيه عزّ. والأثرين: الأكثر عددا.
والزعانف: الأدعياء، وأصلها أجنحة السمك.
والشاهد: نصب «غير»، على الاستثناء المنقطع. ويرى المبرد أنّه منصوب على المفعول له. والمقصود «غير» الأولى. [سيبويه/ 1/ 367].

29 - بينما المرء في فنون الأماني … فإذا رائد المنون موافي
الشاهد: مجيء «إذا» الفجائية بعد «بينما».

30 - تهدي كتائب خضرا ليس يعصمها … إلا ابتدار إلى موت بأسياف
اختلفوا في «ليس»، حرف هي أم فعل، وقال بعضهم: تكون حرفا مثل «ما» النافية، إذا دخلت على الجملة الفعلية، كما في البيت.

31 - كأنّها يوم صدّت ما تكلّمنا … ظبي بعسفان ساجي الطرف مطروف
الشاهد: «ما تكلمنا» من المواضع التي تمتنع فيها واو الحال؛ لأنها جملة مضارعية منفية ب «ما» وتربط بالضمير وحده. وأجاز السيوطي في «همع الهوامع» مجيء واو الحال وحذفها، نحو: (جاء زيد وما يضحك)، أو: ما يضحك.

32 - بعشرتك الكرام تعدّ منهم … فلا ترين لغيرهم ألوفا
العشرة: اسم مصدر بمعنى المعاشرة، وهو هنا شاهد على جواز عمل اسم المصدر عمل الفعل الذي بمعناه، فنصب هنا المفعول به (الكرام)، وأضيف إلى الفاعل.
(2/143)

33 - نحن بغرس الوديّ أعلمنا … منّا بركض الجياد في السّدف
البيت منسوب إلى قيس بن الخطيم، وإلى سعد القرقورة، أخي النعمان بن المنذر من الرضاعة. والوديّ: بفتح الواو وكسر الدال وتشديد الياء: النخلة الصغيرة تقلع من جنب أمّها، وتغرس في موضع آخر، وهو الفسيل أيضا. والسّدف: الضوء في لغة قيس، والظلمة في لغة تميم. وقيل: السّدف: اختلاط الضوء بالظلام، مثل ما بين صلاة الصبح إلى الفجر. فالشاعر يقول: إننا أهل زراعة، ونحن بارعون في زراعة النخل لا في ركوب الخيل. وهذا القول، لا يصدر عن قيس بن الخطيم؛ لأنه فارس شجاع، وإنما هو من قول سعد القرقورة، لأن قصة البيت المرويّة تناسب
حاله، ولعلّ الذي جعلهم ينسبونه إلى قيس بن الخطيم، كونه من أهل المدينة، وأهل المدينة مشهورون بزراعة النخيل، ولكن سعد القرقورة من أهل هجر (الاحساء)، وهي مشهورة بزراعة النخيل أيضا. والبيت ذكره ابن هشام في المغني على أن ابن جني ادّعى أنّ «نا»، مؤكدة للضمير المستتر في «أعلم» وخرجه ابن عصفور في كتاب «الضرائر» على غير هذا، فقال: ومنه تأكيد الاسم المخفوض بالإضافة، باسم مخفوض ب «من»، حملا على المعنى، ولكن البيت مرويّ هكذا: [وهو من وزن المنسرح].
نحن بغرس الوديّ أعلم … منا بقياد الجياد في السّدف
وعليه، فلا ضرورة فيه، ولا شاهد، وانظر قصة البيت في [شرح أبيات مغني اللبيب ج 6/ 336 للبغدادي، واللسان «سدف»، والأشموني/ 3/ 47].

34 - وما قام منّا قائم في نديّنا … فينطق إلا بالتي هي أعرف
البيت للفرزدق، والنديّ: مجلس القوم.
والشاهد: «فينطق»، رواه بعضهم بالرفع، وقالوا: إن النفي في البيت ليس خالصا؛ لأنه منقوض ب «إلّا»، ورواه بعضهم بالنصب ب «أن» مضمرة بعد الفاء، وقالوا: إن النفي إذا انتقض بإلا بعد الفاء، جاز النصب، وكذلك قال سيبويه. [الأشموني ج 3/ 304، والخزانة ج 8/ 540، وكتاب سيبويه ج 1/ 420].
قلت: ولماذا الخلاف في لفظ الفعل، وقد مات الفرزدق في بداية القرن الثاني، وكان ينشد شعره في المربد، والرواة أيامه كانوا كثيرين.
(2/144)

35 - فأصبح في حيث التقينا شريدهم … طليق ومكتوف اليدين ومزعف
البيت للفرزدق، من قصيدة افتخارية. والشريد: الطريد. والطليق: الأسير الذي أطلق عند إساره. والمزعف: اسم مفعول من أزعفته، إذا قتلته مكانه.
والشاهد: «طليق إلى آخر البيت» على أنه يجوز القطع إلى الرفع في خبر النواسخ، فإنّ «أصبح» من أخوات كان، و «شريدهم» اسمها. و «طليق» وما بعده كان في الأصل منصوبا على أنه خبر «أصبح» فقطع عن الخبرية، ورفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي: منهم طليق، ومنهم مكتوف، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي: بعض الشريد طليق، والجملة في محل نصب على أنها خبر أصبح، ويجوز أيضا النصب، فيقال: طليقا ومكتوفا. [كتاب سيبويه ج 1/ 222، والخزانة ج 5/ 36].

36 - جزيت ابن أروى بالمدينة قرضه … وقلت لشفّاع المدينة أوجف
البيت لتميم بن مقبل. وابن أروى: عثمان بن عفان، أو الوليد بن عقبة، وكان أخا عثمان لأمّه، وجزيته قرضه، أي: صنعت به مثل ما صنع، والقرض: ما أسلفته من إحسان، أو إساءة. أوجفوا: أسرعوا.
والشاهد: حذف «الواو» من «أوجفوا»، والاكتفاء بالضمة. ويرويه سيبويه بسكون الفاء. [سيبويه/ 4/ 212].

37 - ما كان من بشر إلّا وميتته … محتومة لكن الآجال تختلف
البيت بلا نسبة في الهمع ج 1/ 116، وأنشده السيوطي شاهدا لدخول «الواو» على خبر كان المنفية، إذا كان جملة، بعد «إلّا».

38 - وإلى ابن أمّ أناس أرحل ناقتي … عمرو فتبلغ حاجتي أو تزحف
ملك إذا نزل الوفود ببابه … عرفوا موارد مزبد لا ينزف
البيتان من شعر بشر بن أبي خازم، في مدح عمرو بن حجر الكندي. ورحل الناقة:
وضع عليها الرحل. وقوله: تبلغ: حذف المفعول الأول، والتقدير: تبلغني. وحاجتي:
المفعول الثاني. وتزحف: أي: تعيا. والمزبد: البحر. لا ينزف: لا ينفد.
والشاهد: في البيت الأول «أناس» منعه من الصرف، فجرّ بالفتحة، وليس فيه إلا
(2/145)

العلمية، وهو في الحقيقة حذف التنوين للضرورة، وفي البيت الثاني «ملك» نكرة غير موصوفة، جاء بدلا من «عمرو» المعرفة. [الإنصاف ج 2/ 496، والهمع ج 2/ 127، والخزانة ج 1/ 149].

39 - وإلى ابن أمّ أناس تعمد ناقتي … عمرو لتنجح ناقتي أو تتلف
رواية ثانية للبيت الأول من البيتين السابقين.

40 - اللذ بأسفله صحراء واسعة … واللذ بأعلاه سيل مدّه الجرف
البيت بلا نسبة في الإنصاف ص 671. وأنشد الأنباريّ البيت شاهدا للكوفيين على أنّ أصل ذال «الذي»، السكون. ونظيره في «التي». قول الأقيشر بن ذهيل العكلي:
وأمنحه اللت لا يغيب مثلها … إذا كان نيران الشتاء نوائما
وقول الآخر:
فقل للت تلومك إن نفسي … أراها لا تعوّذ بالتميم
والتميم: جمع تميمة.

41 - تسقي امتياحا ندى - المسواك - ريقتها … كما تضمّن ماء المزنة الرّصف
البيت لجرير، من قصيدة يمدح بها يزيد بن عبد الملك. وقوله: تسقي: الضمير يعود إلى امرأة مذكورة في المقدمة.
وقوله: امتياحا، قال العيني: حال بمعنى ممتحة، أي: متسوكة، أو منصوب بنزع الخافض، أي: عند الامتياح، أي: الاستياك. والرصف: جمع رصفة، وهي حجارة مرصوف بعضها إلى بعض، وماء الرصف أرق وأصفى. جعل ريق المرأة في السواك، كماء سحابة اختزن في حجارة مرصوفة، فهو عذب طيب. وهو بيت عذب رقيق في مضمونه، وصورته الفنية، ولكنه أفسده بهذه التركيبة العجيبة في الشطر الأول. فأصله: تسقي ندى ريقتها المسواك. ندى: مفعول أول. والمسواك: مفعوله الثاني، ولكنه فصل بين المضاف «ندى»، و «ريقتها» المضاف إليه، بالمفعول الثاني «المسواك»، وإذا كان الفصل بين المتضايفين جائزا في بعض حالاته، فإن مثل هذا الفصل لا يصحّ وجوده، لا اختيارا
(2/146)

ولا ضرورة؛ لأنه مفسد للكلام، ولو خرجنا هذا البيت بإضافة «ندى» إلى المسواك، يكون أجمل وأحسن. [الأشموني ج 2/ 276، والهمع ج 2/ 52، والديوان/ 1/ 171].

42 - وما زوّدوني غير سحق عباءة … وخمس ميء منها قسيّ وزائف
البيت لمزرّد بن ضرار في ديوانه، واللسان «سحق»، والمرزوقي ج 1/ 364.
والسحق: الثوب الخلق البالي. و «ميء»: لغة في «مئة» وقالوا: أصلها «مئي» وقيل «مئيّ» بالتشديد. وقسيّ: على وزن صبيّ، ودرهم قسيّ: رديء، والجمع قسيان. وفي حديث عبد الله بن مسعود: أنه باع نفاية بيت المال، وكانت زيوفا وقسيانا. وقد فسّرت أيضا: الزائف، ويبدو أنه أعلى مرتبة من الزائف؛ لأنه أراد أن يقسّم، ويذكر أنواع الخمسمائة التي نالها. وقال المرزوقي: سمعت أبا علي الفارسي يقول: كلّ صفتين تتنافيان وتتدافعان، فلا يصحّ اجتماعهما لموصوف، لا بدّ لإضمار «من» معهما، إذا فصّل جملة بهما، متى لم يجئ ظاهرا، ثم أنشد البيت وقال: يريد ومنها زائف.

43 - وإنّا من اللائين إن قدروا عفوا … وإن أتربوا جادوا وإن تربوا عفّوا
البيت بلا نسبة في الهمع ج 1/ 83، وأنشده السيوطي شاهدا لاستعمال «اللائين» بمعنى الذين، قال: وقد تعرب، فيقال: «اللاؤون»، وأنشد: «هم اللاؤون فكوا الغلّ عنّي».
وأتربوا: كثر مالهم، وتربوا: قل مالهم، يعني أنهم يعطون على الغنى ويعفّون عند الفقر.

44 - ووجدي بها وجد المضلّ بعيره … بنخلة لم تعطف عليه العواطف
البيت للشاعر مزاحم بن الحارث العقيلي، وينسب للنابغة الجعدي.
والوجد: ما يجده الانسان من العشق. والمضل: اسم فاعل، من أضلّه. ونخلة: اسم مكان بالقرب من مكة، وعليها يأخذ الحاج بعد انقضاء حجهم؛ ولذلك قال: لم تعطف؛ لأنهم آخذون في الانصراف. وجملة «لم تعطف» حال من المضل. ولم تعطف العواطف: جمع عاطفة، أي: لم ترقّ له، ولم يحمله على بعير من إبله، والمعنى: أنه وجد بمفارقته لها كما وجد الذي ضلّ بعيره في هذا الموضع. والبيت من شواهد سيبويه، ومحل الشاهد أنه جعل «وجدي» مبتدأ، و «وجد المضل» خبره لا يستغنى عنه، فلم يجز نصبه على المصدرية، وأصله: وجدي بها وجد مثل وجد المضلّ بعيره. [كتاب سيبويه ج 1/ 184، والخزانة ج 6/ 269].
(2/147)

45 - فأمهله حتى إذا أن كأنّه … معاطي يد ... غارف
من قصيدة للشاعر أوس بن حجر، وقد أنشده صاحب المغني بقافية الراء (غامر)، وهو من قصيدة فائية، وهو يحكي قصة حمار وحشي مع صيّاد. و «إذا» ظرفية فعلها محذوف، و «أن» بعد «إذا»، زائدة، وجواب الشرط في بيت لاحق. وقد مضى الكلام على البيت في حرف الراء. [شرح أبيات المغني ج 1/ 164، والهمع ج 2/ 18، وديوان أوس].

46 - تواهق رجلاها يديه ورأسه … له نشز فوق الحقيبة رادف
البيت آخر بيت قصيدة لأوس بن حجر. تغزّل في أولها، ثم تحدّث عن ناقته، ويشبهها بحمار وحشي كمن له صياد عند الماء، فأرسل عليه سهما لم يصب مقتلا منه، فهرب الحمار مع أتانه مسرعا. والمواهقة: المسايرة، وهي المباراة. ونشز: أي:
ارتفاع. والحقيبة: كناية عن الكفل.
وقوله: رادف: أي: كما يردف الرجل حقيبته، والصورة الفنيّة التي رسمها تقول: إنّ الحمار يقدّم أتانه بين يديه، ثم يسير خلفها، يعني: أن يديه تعملان كعمل رجلي الأتان، ورأسه فوق عجز الأتان، كالقتب الذي يكون على ظهر البعير.
قلت: وفي تقديم الحمار أتانه، نكته حضارية. فالناس اليوم يقدمون النساء، في الدخول والخروج، ويعدون ذلك مظهرا حضاريا مقتبسا من أوربة، ولكن الحمار سبقهم إلى هذه البدعة، وهؤلاء الذين يقدمون النساء، يتقدمونهم
هربا إذا نزل الخطب، وبهذا كان حمار أوس بن حجر، أغير على أنثاه من أهل المدنية اليوم؛ ذلك أنه لم يشأ أن يهرب وحده من سهام الصيّاد، ولكنه ساق أتانه أمامه اه.
ورواية البيت في شعر أوس: «تواهق رجلاها يديه»، بنصب «يديه» مفعول به ل «تواهق». والمعنى يوجب أن تكون اليدان مضافة إلى ضمير مذكر، وهو ضمير الحمار؛ ذلك أن المواهقة هي المسايرة، وهي المواعدة.
ولكن رواية سيبويه «تواهق رجلاها يداها» برفعهما، على أن اليدين مضافة إلى ضمير المؤنث، وهي ضمير الأتان.
والشاهد: أنه رفع «يداها» بإضمار فعل، ولم يجعلهما مفعولا، فكأنه قال بعد قوله:
«تواهق رجلاها» تواهقهما يداها، محمول على المعنى؛ لأنه إذا واهقت الرجلان اليدين،
(2/148)

فقد واهقت اليدان الرجلين. وقال النحاس: رفع الرجلين واليدين؛ لأن كلّ واحد منهما قد واهق الآخر، فهما الفاعلان. ولكن سيبويه جعل المواهقة بين رجلي ويدي الأتان، والمواهقة في البيت بين رجليها، ويدي الحمار؛ لأن يديه، تواهق رجليها، وكأنه يضع قدميه، حيث كانت رجلاها؛ ليساير الحمار أتانه. وقد نقله ابن منظور في اللسان كما رواه سيبويه، ولكنه جاء هكذا: «تواهق رجلاها يداه»، فجعل المواهقة بين الحمار والأتان.
وقد اعتذر خدام كتاب سيبويه له، فنقل البغدادي عن ابن خلف قوله: احتج سيبويه بما سمع من إنشاد بعض العرب بالرفع فيهما، وإذا أنشد العربي الذي يحتج بشعره وكلامه بيتا متقدما على ضرب ولفظ غير الضرب المشهور، فقول العربي الراوي حجة، كما أن قول الشاعر الذي قال الشعر في الأصل حجة. قلت: وهذا الاعتذار، يقدمونه عند كل رواية لسيبويه، تخالف المشهور من شعر الشاعر، وهو اعتذار غير مقبول، ولا يضير سيبويه أن نقول إنه أخطأ، أو سها، أو وهم، وإنما نعتذر له بقول القائل:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها … كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه
[اللسان «وهق» وشرح أبيات المغني ج 1/ 171، وكتاب سيبويه ج 1/ 145، وشرح أبيات سيبويه للنحاس ص 131].

47 - وذبيانيّة أوصت بنيها … بأن كذب القراطف والقروف
البيت من قصيدة للشاعر معقّر بن أوس بن حمار البارقي، مدح بها بني نمير، وذكر ما فعلوا ببني ذبيان بشعب جبلة، وهو من أيام العرب، وكان معقر حليفا لبني نمير.
والقراطف: جمع قرطف، على وزن جعفر، وهو القطيفة، أي: كساء مخمل.
والقروف: جمع قرف: بفتح فسكون، وهو وعاء من جلد يدبغ بقشر الرّمان، ويجعل فيه لحم يطبخ بالتوابل، ويتزود به في الأسفار، وفي أيامنا يسمون هذا اللحم «القاورما»، وقد مضت أيامه؛ لأن التبريد حلّ محله، وكانوا يذبحون الخروف ويقلبونه على النار في دهنه، ويضعون عليه البهارات والتوابل، ويخزنونه في صفيحة، يأكلون منه فصل الشتاء كله، ويحمل منه الحاجّ في سفره إلى مكة والمدينة.
وقوله: وذبيانية: «الواو»، واو ربّ، يقول: ربّ امرأة ذبيانية أمرت بنيها أن يستكثروا من نهب هذين الشيئين، إذا ظفروا بعدوّهم، وغنموا؛ وذلك لحاجتهم، وقلة مالهم.
(2/149)

والشاهد: (كذب) فإنه يستعمل إذا قصدوا الإغراء، بشيء، فيقولون: كذب عليك، أي: عليك به. وقال أبو علي الفارسي: هذه كلمة جرت مجرى المثل في كلامهم ولذلك لم تصرّف، ولزمت طريقة واحدة في كونها فعلا ماضيا معلقا بالمخاطب ليس إلا وهي في معنى الأمر، والمراد بالكذب، الترغيب والبعث، من قول العرب «كذبته نفسه» إذا منته الأماني وخيلت إليه الآمال مما لا يكاد يكون، وذلك ما يرغب الرجل في الأمور ويبعثه على التعرض لها. ومنهم من ينصب ب (كذب) على الأمر والإغراء. ومنهم من يرفع بها، قال ابن السكيت: أهل اليمن يرفعون المغرى به. [الخزانة ج 5/ 15، واللسان (كذب) و (قرطف)].

48 - نبا الخزّ عن روح وأنكر جلده … وعجّت عجيجا من جذام المطارف
من شواهد سيبويه ج 2/ 25.
والشاهد: «جذام» اسم قبيلة، فلم يصرفه، للعلمية والتأنيث، ولو أمكنه تذكيره وصرفه على معنى الحي لجاز. وروح في البيت، هو روح بن زنباع، وكان سيّد جذام، كان أحد ولاة فلسطين أيام يزيد، يذكر تمكن روح عند السلطان ولبسه الخز وأنه لم يكن أهلا لذلك، فالخز ينبو عن جلده وينكره، كما تضج المطارف حين تلبسها جذام.

49 - كأنّ حفيف النّبل من فوق عجسها … عوازب نحل أخطأ الغار مطنف
البيت للشنفرى، عمرو بن مالك. وحفيف النبل: دوي ذهابه، ومن فوق: حال من النبل، والعجس: مقبض القوس. وعوازب: خبر كأن، جمع عازبة. ومطنف: هو الذي يعلو الطّنف، وهو رأس الجبل، ومطنف: فاعل أخطأ. وكأنّ المعنى: أخطأ غارها مطنفها.
يشبه صوت النبل، بصوت نحل تاه عن الغار؛ لأن النحل إذا تاه عن محله عظم دويّه.
والشاهد: «أخطأ الغار» فهذه الجملة صفة للنحل، خلت من الضمير الرابط؛ ولكن «الألف» و «اللام» في «الغار»، أغنت عن الضمير العائد إلى الموصوف، والتقدير أخطأ غارها. [الأشموني ج 3/ 63، وعليه حاشية العيني، واللسان «طنف»].

50 - والحافظو عورة العشيرة لا … يأتيهم من ورائنا الوكف
وقبل البيت مما يفهم به:
نحن المكيثون حيث نحمد بال … مكث ونحن المصالت الأنف
(2/150)

وهما من قصيدة للشاعر عمرو بن امرئ القيس الخزرجي، من أهل الجاهلية، وهو جدّ عبد الله بن رواحة، وقوله: «نحن المكيثون»: جمع مكيث، فعيل، من المكث، وهو الانتظار واللّبث. أراد به هنا الصبر والرزانة. والمصالت: جمع مصلت، وهو الماضي في الأمور، لا يهاب شيئا. والأنف: جمع آنف، من الأنفة، وهي الحميّة.
وقوله: والحافظو: معطوف على المصالت، أي: نحن نحفظ عشيرتنا من أن يصيبهم ما يعابون به. والعورة: المكان الذي يخاف منه العدو. والوكف: بفتح الواو والكاف، هو العيب والإثم.
والشاهد: «الحافظو عورة العشيرة»، بنصب «عورة» على أنه مفعول اسم الفاعل، مع حذف النون من «الحافظون». قالوا: وهذا جائز في الوصف (المشتق) المحلى بالألف واللام، المثنى والمجموع. فيحتمل أن يكون ما بعده مجرورا على الاضافة، أو منصوبا، كما يجوز القول: الضاربا زيدا، والضاربو عمرا، ويجوز الجرّ. وجوزوا حذف النون مع النصب لطول الاسم، أو لأن الوصف في قوة صلة الموصول ل «أل»، فكأنك قلت: الذين حفظوا عورة. [كتاب سيبويه ج 1/ 95، والهمع ج 1/ 49، والأشموني ج 2/ 247، وحاشية الصبّان].

51 - والحافظو عورة ... … يأتيهم ... النّطف
رواية أخرى لقافية البيت السابق. والنطف: بفتح النون والطاء، العيب، أو التلطخ بالعيب.

52 - عودا أحمّ القرا إزمولة وقلا … يأتي تراث أبيه يتبع القذفا
البيت لتميم بن مقبل، يصف وعلا. والعود: المسنّ. والأحم: الأسود. والقرا:
الظهر. والإزمولة: الخفيف والشديد الصوت. والوقل: الصاعد في الجبل. ويأتي تراث أبيه، أي: ما عوّده أبوه من الإقامة بشواهق الجبال. والقذفا: جمع قذفة بالضم، وهي ما علا من نواحي الجبل.
والشاهد: في «إزمولة»، والوصف به، فدلّ على أن أفعولا يكون صفة. [سيبويه/ 4/ 246، هارون، والخصائص/ 1/ 8، واللسان «زمل»].

53 - ألا يا فابك تهياما لطيفا … وأذري الدّمع تسكابا وكيفا
(2/151)

البيت، أو صدره في الهمع ج 1/ 147. وقال السيوطي: كقول النخيعة تخاطب أمتها لطيفة، وقال: وقد يفصل بين حرف النداء والمنادى، بفعل أمر كقول النخيعة، أرادت يا لطيفة فرخمت وفصلت. ولكن قولها: «فابك»، أمر لمذكّر، ولو كان المأمور مؤنثا، لقالت: فابكي، كما قالت في الشطر الثاني: «وأذري»، فهذه الياء، ياء المؤنثة المخاطبة، ويستقيم الوزن بدون ياء المؤنثة. ويروى الشطر الأول: «فابك تهتانا»، والتهتان: ما هو فوق الطلّ، أو مطر ساعة، ثم يفتر، ثم يعود. وسموا الشاعرة: حذام بنت خالد، أو جداية بنت خالد. [الهمع/ 1/ 174].

54 - يا مال والحقّ عنده فقفوا … تؤتون فيه الوفاء معترفا
هكذا أنشده سيبويه في كتابه ج 1/ 335، 450، بقافية منصوبة للأنصاري.
والشاهد: ترخيم «مالك»، فقال «يا مال».
والحقّ أنّ هذا البيت ملفق من بيتين، في قصيدة قافيتها مرفوعة، وهي لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي، جدّ عبد الله بن رواحة، وهذا الشعر في يوم سمير بين الأوس والخزرج، وكان سمير من الأوس قتل مولى لمالك بن العجلان اسمه بجير، فطلب مالك أن يبعثوا إليه سميرا؛ لقتله بمولاه فقالوا: نعطيك دية القتيل، نصف دية الصريح، فأبى إلا دية كاملة، فقامت الحرب سنوات، ثم طلب أهل الرأي التحكيم، فحكّموا عمرو بن امرئ القيس، فقضى لمالك بديه المولى، فأبى مالك، وآذن بالحرب، وقال شعرا على قافية الفاء المرفوعة، فأجابه عمرو بن امرئ القيس بقصيدة على قافية الفاء المرفوعة، مطلعها:
يا مال والسيّد المعمّم قد … يطرأ في بعض رأيه السّرف
وجاء منها:
لا ترفع العبد فوق سنّته … والحقّ نوفي به ونعترف
إنّ بجيرا مولى لقومكم … (يا مال والحقّ عنده فقفوا)
(أوتيت فيه الوفاء معترفا) … بالحقّ فيه فلا تكن تكف
هكذا ترى أنه جعل الشطر الأول من أحد البيتين قافية، وجعل القافية شطره الأول، ولعلّ سيبويه نسب البيت للأنصاريّ، ولم يحدّد الشاعر؛ لأنّ الشعر الذي قيل في يوم
(2/152)

سمير، شارك فيه عدد من الشعراء، وجاء جلّه على نظام المعارضة، في القافية والبحر:
فمالك بن العجلان، قال قطعة فائية مرفوعة القافية.
وقال درهم بن زيد أخو سمير، شعرا بالقافية نفسها.
وقال قيس بن الخطيم قصيدة، بالقافية نفسها، ولم يكن حضر الوقعة.
وقال حسان بن ثابت شعرا يردّ على قيس بن الخطيم.
وقد دخلت هذه الأشعار في بعضها البعض. ولكن قول سيبويه: للأنصاري، فيه توسّع؛ لأن عمرو بن امرئ القيس لم يحضر الإسلام، فكان قومه من الأنصار، ولم يكن هو أنصاريا. [الخزانة ج 4/ 272 - 283].

55 - فإني قد رأيت بدار قومي … نوائب كنت في لخم أخافه
البيت غير منسوب.
والشاهد: «أخافه»، بفتح الفاء، وسكون الهاء، وأصلها: أخافها، بضم الفاء، وبضمير المؤنثة الغائبة، العائد إلى «نوائب»، فأراد الشاعر الوقف بنقل الحركة، فحذف «الألف»، ثم ألقى حركة «الهاء» على «الفاء»، بعد أن أسقط حركة «الفاء» الأصلية.
[الإنصاف 578، والأشموني ج 4/ 211].

56 - يا لهف نفسي إن كان الذي زعموا … حقّا وماذا يردّ اليوم تلهيفي؟
البيت لأبي زبيد الطائي، من قصيدة يرثي فيها عثمان بن عفّان رضي الله عنه.
والشاهد: «زعم»، على أن الزّعم يأتي بمعنى «القول»؛ ذلك أن الشاعر سمع من يقول حمل عثمان على النعش إلى قبره، وهذا ليس فيه معنى الظنّ. قلت: إنما هو زعم في زعم الشاعر؛ لأنه تمنى ألا يكون وقع. [الخزانة ج 9/ 131، واللسان «أمر» و «نجف»].

57 - غضبت عليّ وقد شربت بجزّة … فلإذ غضبت لأشربن بخروف
البيت لأعرابيّ، اشترى خمرا بجزة صوف، فغضبت عليه امرأته، فقال قطعة منها هذا البيت. والجزّة: صوف شاة في السنة. وهو يتهددها بأنه سوف يشرب بثمن خروف.
(2/153)

والشاهد: «فلإذ»، على أنّ اللام الموطئة دخلت على «إذ»، تشبيها لها ب «إن» الشرطية، ولكن البيت يروى أيضا: «فلئن». [الخزانة ج 11/ 338، والمغني وشرحه ج 4/ 365، والهمع ج 2/ 44].

58 - عليه من اللؤم سروالة … فليس يرقّ لمستعطف
البيت قيل: مصنوع، وقيل: قائله مجهول. واستشهد به بعضهم على أنّ «السراويل» عربي، وهو جمع سروالة، والسروالة: قطعة خرقة. والجمهور على أن «سراويل»، أعجمي مفرد، وأن «سروالة»، إن ثبتت، لغة فيه. و «سروالة» في البيت مبتدأ مؤخر، و «عليه» خبر مقدم، و «من اللؤم»، كان في الأصل صفة لسروالة، فلما قدم عليه، صار حالا منه. [الخزانة ج 1/ 233، وشرح المفصل ج 1/ 64، والهمع ج 1/ 25].

59 - بما في فؤادينا من الهمّ والهوى … فيبرأ منهاض الفؤاد المشعّف
البيت للفرزدق، في سياق أبيات يتمنى فيها أن يعمى زوج صاحبته، وأن يكون طبيبه، فيلازمه سنتين ليرى صاحبته. والمنهاض: أصله الذي انكسر بعد الجبر، وهو أشد الكسر، ولا يكاد يبرأ. والاستشهاد بالبيت بقوله: فؤادينا، جاء بالمضاف مثنى على الأصل، والمطرد فيه أن يخرج مثناه إلى لفظ الجمع؛ لقوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما. [التحريم: 4]. [شرح المفصل/ 4/ 155، والهمع/ 1/ 51].

60 - صبحناهم بألف من سليم … وسبع من بني عثمان واف
البيت منسوب للشاعر بجير بن زهير، وذكروه شاهدا على أن معنى «صبحت فلانا»:
بدون تشديد، أتيته صباحا. [شرح أبيات المغني ج 6/ 255].

61 - إلا حبّذا غنم وحسن حديثها … لقد تركت قلبي بها هائما دنف
البيت مجهول، وهو في الهمع ج 2/ 205، وأنشده السيوطي شاهدا لحذف تنوين النصب، من غير إبداله بالألف، قال: وهي لغة ربيعة. والشاهد في لفظ «دنف»، وحقه أن يقال: «دنفا»، والدنف: المريض.

62 - يا ليت شعري عنكم حنيفا … أشاهرنّ بعدنا السّيوفا
رجز منسوب لرؤبة بن العجّاج.
(2/154)

وقوله: يا ليت، «يا» الداخلة على ليت حرف تنبيه. وليت شعري: ليت علمي. والتزم حذف الخبر في «ليت شعري» مردفا باستفهام، وهذا الاستفهام مفعول «شعري»، أي:
ليت علمي بما يسأل عنه بهذا الاستفهام حاصل. وعنكم: متعلق بشعري، وعن: بمعنى الباء؛ لأنه يقال: شعري به.
وحنيفا: بلا تنوين، منادى مرخم من حنيفة، وحرف النداء محذوف، والألف للاطلاق، وحنيفة: أبو قبيلة.
والشاهد: «أشاهرنّ»، حيث لحقت نون التوكيد اسم الفاعل، تشبيها له بالمضارع، وأصله: أشاهرون، فلما أكد صار: أشاهروننّ، حذفت «نون» الجمع؛ لتوالي الأمثال، وحذفت «الواو»؛ لاجتماعها ساكنة مع نون التوكيد، وبقيت الضمة دليلا عليها.
[الخزانة/ 11/ 427، واللسان «شهر» والأشموني/ 1/ 41، والعيني/ 1/ 122]. وقد كتب العيني في شرحه وإعرابه ما يدل على قصر باعه في فهم الشعر، فالذي يظهر أن العيني كان جهده منصبا على النظر في المجموعات الشعرية، ونسبة البيت إلى صاحبه، ولم يكن يقرأ ما كتبه العلماء السابقون في شرح الشاهد؛ ولذلك وقع في مزالق كثيرة جعلته - عندي - غير جدير بالثقة فيما يكتب من المعاني والإعراب، ولم أنقل للقارئ ما قاله العيني؛ لئلا يتشوش فكره، فإن أحبّ قراءة ما كتبه، لاختبار صحة ما أقول، فليرجع إليه القارئ في موضعه.

63 - إنّ الربيع الجود والخريفا … يدا أبي العباس والصّيوفا
رجز للعجاج، أو لابنه رؤبة، في مدح أبي العباس السّفاح، أول خلفاء بني العباس.
وأراد بالربيع، والخريف، والصيوف (جمع صيف)، ما فيهم من المطر. والجود: أغزر المطر. مدح أبا العباس بالكرم، فجاء بالتشبيه المقلوب، فجعل المطر في هذه الفصول مشبها جود أبي العباس؛ للمبالغة.
واستشهدوا بالرجز على أن نصب المعطوف على اسم «إنّ» بعد استكمالها خبرها يجوز، وهو المثال، حيث عطف الصيوف بالنصب على اسم «إنّ» المنصوب، ولو رفع حملا على الموضع، أو على الابتداء وإضمار الخبر، لجاز. [سيبويه/ 1/ 285، وشرح التصريح/ 1/ 226، والهمع/ 2/ 144، والدرر/ 2/ 200]. قال أبو أحمد: والشاعر هنا كاذب؛ لأن أبا العباس لم يكن كريما. فالكرم كرمان: كرم النفس، وكرم اليد. ولم يكن أبو العباس كريم النفس؛ لأنه قتل آلافا من غير ذنب، وغدر برفقاء الطريق. ولم يكن كريم اليد؛
(2/155)

لأنه كان يسرق حقّ الناس في بيت المال، ويعطيه من لا يستحقه من المداحين المنافقين، فالكريم من يكرم من ماله، وأبو العباس ليس له مال، إلا ما يسدّ به الرمق.

64 - ناج طواه الأين ممّا وجفا … طيّ الليالي زلّفا فزلّفا
سماوة الهلال حتى احقوقفا
رجز للعجاج، يصف بعيرا أضمره دؤوب السير حتى اعوج من الهزال، كما يرجع البدر بمرور الليالي عليه هلالا محقوقفا معوجا. والناجي: السريع. والأين: الإعياء.
والمراد: السير الذي أفضى به إلى الإعياء. وجف: من الوجيف، وهو سير سريع.
والزّلف: الساعات المتقاربة، واحدها، زلفة.
وسماوة الهلال: أعلاه، وهو مفعول «طيّ»، وكان حقه أن يقول: سماوة البدر، ولكنه سماه هلالا؛ لما يؤول إليه.
والشاهد: في «طيّ الليالي»، نصب على المصدر المشبه به دون الحال؛ لأنه معرفة بالإضافة. [سيبويه/ 1/ 359، هارون، واللسان «وجف»، «زلف»، «سما»].
(2/156)

قافية القاف
1 - إذا العجوز غضبت فطلّق … ولا ترضّاها ولا تملّق
لرؤبة بن العجاج. وقوله: ولا ترضّاها: أي: لا تطلب رضاها. وقوله: ولا تملّق:
أصله: لا تتملق، فحذف إحدى التائين، ومعناه: لا تتكلف الملق.
والشاهد: «ولا ترضاها»، فحقه: «ولا ترضّها»؛ لأنه مسبوق ب «لا» الناهية، وعلامة جزمه حذف الألف. ويخرج على هذه الألف لام الكلمة التي يجب عليه حذفها للجزم، واكتفى بحذف الحركة كما يحذفها عن الصحيح الآخر، أو أنّ لام الفعل حذفت، وهذه الألف ناشئة عن إشباع فتحة الضاد. ومثله الشاهد: «وتضحك ... يمانيا»، انظره.
والشاهد: «ألم يأتيك .. زياد». [الانصاف/ 26، وشرح المفصل/ 10/ 104، والدرر/ 1/ 28، والهمع/ 1/ 52، وشرح التصريح/ 1/ 87، والخزانة/ 8/ 359].

2 - وإنّ امرأ أسرى إليك ودونه … من الأرض موماة وبيداء سملق
لمحقوقة أن تستجيبي دعاءه … وأن تعلمي أنّ المعان موفّق
البيتان للأعشى ميمون بن قيس. والموماة، والبيداء: الصحراء. وسملق: قفر لا نبات فيها.
وقوله: لمحقوقة، أي: أنت جديرة وخليقة، والمراد: يلزمه فعله.
والشاهد: «لمحقوقة»، فهو خبر «إنّ» في أول البيتين، وهو وصف لغير المبتدأ. ولم يبرز الضمير بعده، ولو أبرزه، لقال: «محقوقة أنت»، وقد تعرب «محقوقة» مبتدأ، والمصدر المؤول بعده خبر، والجملة خبر «إنّ» أو يعرب المصدر المؤول نائب فاعل ل «محقوقة» أغنى عن خبره. [الإنصاف/ 58، والخزانة ج 8/ 524، منسوب إلى جميل بن معمر].
(2/157)

3 - أتته بمجلوم كأنّ جبينه … صلاءة ورس وسطها قد تفلّقا
البيت للفرزدق. وهو شاهد على أنّ «وسط» ساكنة السين، قد تتصرف وتخرج عن الظرفية كما في هذا البيت. فوسطها: مرفوع على أنه مبتدأ، وجملة قد تفلق: خبره.
[الخزانة/ 3/ 92]. والمجلوم: المقطوع، أو المحلوق. والصلاءة: الحجر الأملس.
والبيت من الهجاء المقذع. [الخصائص/ 2/ 369، والهمع/ 1/ 201].

4 - وهم قريش الأكرمون إذا انتموا … طابوا فروعا في العلا وعروقا
لم يعرف قائله. وهو شاهد على أنّ الأب ربما جعل مؤولا بالقبيلة، فمنع من الصرف، كما منع قريش الصرف؛ لتأويله بالقبيلة. والأكرمون: صفة قريش.
[الخزانة/ 1/ 202].

5 - وماذا عسى الواشون أن يتحدّثوا … سوى أن يقولوا: إنني لك عاشق
البيت لجميل العذري. وهو شاهد على أنّ «ذا»، من «ماذا»، قيل: إنها زائدة، لا موصولة. [الخزانة/ 6/ 150، والمرزوقي/ 1383، والأشموني/ 1/ 163].

6 - وأكفيه ما يخشى وأعطيه سؤله … وألحقه بالقوم حتّاه لاحق
لم نعرف له قائلا. وقد زعم المبرد أنّ «حتى» هنا جرّت الضمير، وليس كذلك، وإنما «حتى» هنا ابتدائية، والضمير أصله «هو»، فحذف الواو ضرورة، كما في قول الآخر: «فبيناه يشري رحله قال قائل»، أي: بينما هو يشري، ف «حتى»: حرف ابتداء داخلة على الجملة، و «هو»: الضمير المحذوف واوه، ضرورة، في محل رفع على الابتداء، ولاحق خبره. ولو كانت حرف جرّ، لم يكن لذكر «لاحق» بالرفع وجه.
[الخزانة/ 9/ 472].

7 - فعيناش عيناها وجيدش جيدها … سوى أنّ عظم الساق منش دقيق
يريد:
فعيناك عيناها وجيدك جيدها … سوى أنّ عظم الساق منك دقيق
قال ابن جني: ومن العرب من يبدل كاف المؤنث في الوقف شينا حرصا على البيان؛
(2/158)

لأن الكسرة الدالة على التأنيث فيها، تخفى في الوقف، فاحتاطوا للبيان، بأن أبدلوها شينا، فقالوا:
عليش، ومنش، ومرت بش، وتحذف في الوصل، ومنهم من يجري الوصل مجرى الوقف، فيبدل فيه أيضا، وأنشدوا للمجنون (البيت السابق). وإذا صح ما قاله ابن جني وغيره، فإنه قد يكون في غير هذا البيت؛ ذلك أن البيت رواه المبرّد بكافات من غير إبدال، وهذه لغة تسمّى: «الكشكشة»، وتنسب إلى تميم، وليست لغة عذرة، كذلك.
[الخزانة/ 11/ 464].

8 - مع ابن المصطفى نفسي فداه … فيا لله من ألم الفراق
هذا البيت من شعر لعبيد الله بن الحرّ الجعفي، رثى به الحسين بن علي رضي الله عنهما. وهو شاهد على أن المستغاث له قد يجرّ ب «من»، كما يجرّ باللام.
[الخزانة/ 2/ 155].

9 - ألمّت فحيّت ثم قامت فودّعت … فلما تولّت كادت النفس تزهق
قاله جعفر بن علبة، من مخضرمي الدولتين، ومن شعراء الحماسة.
والشاهد: الأفعال الماضية «ألمت»، «فحيّت»، حيث اتصلت بها تاء التأنيث، وهي دليل على أن الفعل ماض. [الشذور، والحماسة/ 53].

10 - ضربت صدرها إليّ وقالت … يا عديّا لقد وقتك الأواقي
ينسب إلى مهلهل بن ربيعة؛ لأن اسمه «عديّ»، والمهلهل لقبه.
الشاهد: «يا عديا»، فهو علم مفرد، وكان من حقّه أن يبنى على الضم، فاضطر إلى تنوينه، وعدل عن ضمّه إلى نصبه، فشابه به النكرة غير المقصودة.

11 - وطئنا ديار المعتدين فهلهلت … نفوسهم قبل الإمالة تزهق
غير منسوب.
والشاهد: «هلهلت نفوسهم، تزهق»، فإنّ «هلهل» فعل من أفعال الشروع، يعمل عمل كان، فرفع الاسم (نفوسهم)، ونصب الخبر «تزهق». [شرح المفصل/ 10/ 8، وشذور
(2/159)

الذهب/ 112].

12 - يوشك من فرّ من منيّته … في بعض غرّاته يوافقها
قاله أمية بن أبي الصلت، أحد شعراء الجاهلية.
والشاهد: «يوافقها»، حيث أتى بخبر «يوشك» فعلا مضارعا مجردا من «أن» المصدرية، وذلك نادر في خبر هذا الفعل. [سيبويه/ 1/ 9 / 47، وشرح المفصل/ 7/ 126، والشذور، والهمع/ 1/ 129].

13 - ألم تسأل الرّبع القواء فينطق … وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
قاله جميل بن معمر العذري. والقواء: الخالي. وسملق: الأرض التي لا تنبت شيئا.
والشاهد: «فينطق»، حيث رفع الفعل المضارع بعد «الفاء» مع كون «الفاء» مسبوقة بالاستفهام؛ لأن الفاء ليست دالة على السببية، وإلّا لنصب الفعل بعدها، وليست عاطفة وإلا لجزم، وإنما هذه «الفاء» استئنافية. [سيبويه/ 1/ 422، وشرح المفصل/ 7/ 63، والشذور، والهمع/ 2/ 11، وشرح أبيات المغني ج 4/ 55].

14 - من يلق يوما على علّاته هرما … يلق السماحة منه والنّدى خلقا
من قصيدة لزهير بن أبي سلمى، يمدح هرم بن سنان. وقوله: على علاته، أي: على كل حال.
والشاهد: في «علاته»، ف «الهاء»: ضمير غيبة يعود على هرم، وهو متأخر في اللفظ عن الضمير، وهذا يدل على أن العرب ما كانوا يرون بأسا في الإتيان بضمير الغيبة قبل مرجعه، وجاء ذلك في النثر أيضا، ومنه: «في بيته يؤتى الحكم» وقولهم: «في أكفاته لفّ الميت». [الإنصاف/ 68].

15 - فما الدنيا بباقاة لحيّ … ولا حيّ على الدنيا بباق
قوله: بباقاة: أراد بباقية، فأبدل من الكسرة فتحة، فانقلبت «الياء» ألفا، وهي لغة طيّئ.
(2/160)

والشاهد: «ولا حيّ»، فإنها معطوفة على قوله: «فما الدنيا»، والمعطوف عليه منفيّ ب «ما»، فلزم إدخال حرف النفي «لا» على المعطوف بعد واو العطف؛ لأن الجحد يعطف عليه ب «ولا». [الانصاف/ 75].

16 - حسبت بغام راحلتي عناقا … وما هي - ويب غيرك - بالعناق
منسوب للشاعر قريط، أو ذي الخرق. ويغام الناقة: صوت لا تفصح به. وبغام الظبية: صوتها. والعناق: بفتح العين وتخفيف النون، الأنثى من المعز. والخطاب للذئب.
والشاهد: قوله: «عناقا»، فإنه على تقدير مضاف يتم به التشبيه، ألا ترى أنّه لا يصح تشبيه صوت الناقة بالعناق، وإنما يصح تشبيه صوت الناقة بصوت العناق. [الإنصاف/ 372].

17 - لا نسب اليوم ولا خلّة … إتسع الخرق على الراتق
لا صلح بيني - فاعلموه - ولا … بينكم ما حملت عاتقي
سيفي وما كنّا بنجد وما … قرقر قمر الواد بالشّاهق
هذه الأبيات منسوبة إلى أبي عامر، جدّ العباس بن مرداس السلمي، وكان النعمان بن المنذر بعث جيشا إلى بني سليم، وكان مقدم الجيش عمرو بن فرتناء، وكان من غطفان، فهزمت بنو سليم جيش النعمان، وأسرت عمرو بن فرتناء، فأرسلت غطفان إلى بني سليم، وقالوا: ننشدكم بالرحم التي بيننا إلا ما أطلقتم عمرو بن فرتناء، فقال أبو عامر هذه الأبيات. يقول: لا نسب بيننا وبينكم، ولا خلّة، أي: ولا صداقة بعد ما أعنتم جيش النعمان، ولم تراعوا حرمة النسب الذي بيننا وبينكم، وقد تفاقم الأمر، فلا يرجى صلاحه، فهو كالفتق الواسع في الثوب، يتعب من يروم رتقه. والقمر: بضم القاف وسكون الميم، جمع قمرية، وهو ضرب من الحمام. وقرقر: صوّت.
والشاهق: أراد الجبل العالي. ومحل الشاهد: قوله: «قمر الواد»، فإنه أراد الوادي، فحذف الياء اجتزاء بالكسرة التي قبلها.
وفي قوله: «إتسع الخرق ..»، قطع همزة الوصل في قوله: «اتسع» ضرورة، وحسّن ذلك كون الكلمة في أول النصف الثاني من البيت؛ لأنه بمنزلة ما يبتدأ به. [شرح أبيات
(2/161)

المغني/ 4/ 343، والدرر/ 2/ 199، والانصاف/ 388].

18 - هلّا سألت بذي الجماجم عنهم … وأبي نعيم ذي اللّواء المحرق
ذو الجماجم، موضع ليس هو دير الجماجم، فذو الجماجم في ديار تميم، ودير الجماجم في العراق. والأغلب أنّ دير الجماجم سمي بذلك؛ لأن الأقداح التي تصنع من الخشب، كانت تصنع فيه، والقدح يسمى جمجمة إذا كان من خشب، وجمعه جماجم.
وليس كما قالوا: لكثرة الجماجم التي وقعت فيه يوم الجماجم، أو يوم دير الجماجم بين الحجاج، وابن الأشعث.
والشاهد: قوله: «عنهم وأبي نعيم»: حيث عطف قوله «أبي نعيم» ب «الواو» على الضمير المتصل المجرور ب «عن» من غير أن يعيد العامل في المعطوف عليه، وعلى هذا يجوز العطف على الضمير المخفوض في مذهب الكوفيين. والبصريون ينكرون ذلك تشبّثا بالقواعد، وليس اعتمادا على الشواهد. [الانصاف/ 466].

19 - فلتكن أبعد العداة من الصلح … من النجم جاره العيّوق
النجم: أراد به الثريا. والعيّوق: نجم أحمر مضيء في طرف المجرة الأيمن، يتلو الثريا، ولا يتقدم. وفي قوله: (من النجم) إشكال، فإن «من» التي تدخل على المفضول، إنما، تلحق أفعل التفضيل، إذا كان نكرة. تقول: زيد أشرف
منك نسبا، وأضوأ منك وجها، فإذا ألحقت «أل» بأفعل التفضيل، أو أضفته، لم تأت ب «من» مع المفضول، تقول: زيد الأشرف نسبا، وزيد أشرف الناس نسبا. وقد تمحّل النحاة فادعوا بأن «من»، هذه ليست متعلقة ب «أبعد»، المذكور المضاف إلى العداة، ولكنها متعلقة ب «أبعد» آخر محذوف ليس مضافا، وتقدير الكلام: لتكن أبعد العداة من الصلح، أبعد من النجم. وهو تفسير بعيد، والأولى الإقرار بوجوده. ومنه قول الأعشى:
ولست بالأكثر منهم حصى … وإنما العزّة للكاثر
[الإنصاف/ 527].

20 - أيا جارتا بيني فإنّك طالقه … كذاك أمور الناس غاد وطارقه
للأعشى ميمون. والجارة: الزوجة، وبيني: أي: فارقيني.
(2/162)

والشاهد: «طالقة» حيث أتى بهذا الوصف مؤنثا ب «التاء»، مع أنه لا يوصف به إلا النساء؛ لأنه حمله على معنى الفعل، وهو الحدوث. وهو من تعليلات البصريين؛ لحذف التاء ووجودها. [الإنصاف/ 760].

21 - عدس ما لعبّاد عليك إمارة … أمنت وهذا تحملين طليق
قاله يزيد بن مفرغ الحميري، وقد خرج من سجن عبيد الله بن زياد، أخي عبّاد بن زياد، والي سجستان في عهد معاوية.
عدس: اسم صوت يزجر به الفرس، وربما سمي به الفرس، وهو مبني على السكون لا محل له من الإعراب.
والشاهد: «وهذا تحملين طليق».
يرى الكوفيون: أنّ «هذا»: اسم موصول مبتدأ، والجملة بعده صلة الموصول، وطليق: خبر المبتدأ، والجملة حال.
ويرى البصريون: أنّ «هذا»: اسم إشارة مبتدأ، وجملة «تحملين» حال من المبتدأ، وطليق خبر المبتدأ، والجملة الاسمية حال. [الإنصاف/ 717، والشذور، وشرح المغني/ 7/ 20، وهمع/ 1/ 84].

22 - ألا يا زيد والضحاك سيرا … فقد جاوزتما خمر الطريق
غير منسوب. وخمر الطريق: هو الساتر الملتف بالأشجار، وإضافته إلى الطريق، من باب إضافة الصفة للموصوف، أي: جاوزتما الطريق الذي يستركما.
والشاهد: «يا زيد والضحاك»: زيد: منادى مبني على الضم، والضحاك: اسم مقترن ب «أل» غير مضاف، وهو معطوف على المنادى المبني عطف نسق ب «الواو»، ويروى بالضم على اللفظ، والنصب على المحلّ. [شرح
المفصل/ 1/ 129، والهمع/ 2/ 142].

23 - والتغلبيون بئس الفحل فحلهم … فحلا وأمّهم زلّاء منطيق
لجرير يهجو الأخطل. والفحل: أراد به أباهم. والزلّاء: المرأة إذا كانت قليلة لحم الأليتين. منطيق: التي تتأزر بما يعظم عجيزتها. يذمّهم بدناءة الأصل، وبأنهم في شد
(2/163)

الفقر، وسوء الحال، حتى إن أمهم لتمتهن في الأعمال، فيذهب عنها اللحم، فتضطر أن تتخذ حشيّة تضعها فوق جسدها؛ لتعظم أليتها وتكبرها.
التغلبيون: مبتدأ. بئس الفحل: الجملة خبر مقدم، فحلهم: مبتدأ مؤخر، والجملة خبر المبتدأ الأول.
والشاهد: «فحلا»، فهو عند المبرد «تمييز»، وهو مؤكد؛ لانفهام معناه مما سبقه.
وفي البيت اجتماع التمييز مع الفاعل الظاهر في باب (نعم)؛ ولذلك فإن سيبويه يعرب «فحلا» حالا مؤكدة.
[الهمع/ 2/ 86، والأشموني/ 3/ 34، والعيني/ 4/ 7].

24 - أفنى تلادي وما جمّعت من نشب … قرع القواقيز أفواه الأباريق
قاله الأقيشر الأسدي. والتلاد: المال القديم. والنشب: الثابت من الأموال، كالدور والضياع.
والشاهد: «قرع القواقيز أفواه»، حيث أضاف المصدر «قرع» إلى مفعوله «القواقيز»، ثم أتى بفاعله (أفواه) على رواية من رفع «أفواه»، أما رواية من نصبها، فالإضافة إلى الفاعل، والمذكور بعد ذلك المفعول. [الإنصاف/ 233، والشذور، وشرح أبيات المغني/ 7/ 157، والأشموني/ 2/ 289].

25 - تذر الجماجم ضاحيا هاماتها … بله الأكفّ كأنها لم تخلق
قاله كعب بن مالك الأنصاري، يصف السيوف، وقبله:
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا … قدما ونلحقها إذا لم تلحق
وقوله: ضاحيا، أي: بارزا. بله الأكف: اتركها ولا تذكرها؛ لأنها واقعة لا محالة، وضاحيا: حال من الجماجم.
والشاهد: «بله الأكف»، حيث استعمل «بله» اسم فعل أمر، ونصب به ما بعده على أنه مفعول به. ويروى: بجرّ «الأكفّ»، و «بله» مصدر بمعنى الترك، ولا فعل له من لفظه، والأكف مضاف إليه، ويروى برفع «الأكف»، و «بله» اسم استفهام في محل رفع خبر
(2/164)

مقدم. وا «لأكف» مبتدأ مؤخر. وهو وجه شاذ. [شرح المفصل/ 4/ 47، والشذور، والهمع/ 1/ 236، والأشموني/ 2/ 121، وشرح أبيات المغني/ 3/ 25].

26 - وقاتم الأعماق خاوي المخترقن … مشتبه الأعلام لمّاع الخفقن
لرؤبة بن العجاج، يصف الطريق. والقاتم: الذي تعلوه القتمة، وهو لون فيه غبرة وحمرة. والأعماق: ما بعد من أطراف الطريق. والمخترق: مهب الريح. والأعلام:
علامات؛ للاهتداء بها في الطريق. يريد أنه عظيم الخبرة بمسالك الصحراء.
والشاهد: «المخترقن»، و «الخفقن» حيث أدخل عليهما التنوين مع اقترانهما ب «أل»، ولو كان هذا التنوين مما يختص بالاسم، لم يلحق الاسم المقترن ب «أل»، وإنما هو يلحق القوافي المقيدة، إذا كان آخرها حرفا صحيحا ساكنا. [شرح أبيات المغني/ 6/ 47].

27 - سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا … محيّاك أخفى ضوؤه كلّ شارق
شاهد لا يعرف قائله. شبّه الممدوح بالبدر، إذا ظهر، يغطي على الكواكب الأخرى.
ومذ: مبتدأ. وجملة: «بدا»: مضاف إليه. وجملة «أخفى»: خبره.
والشاهد: و «نجم قد أضاء»، حيث أتى بنجم مبتدأ مع كونه نكرة؛ لسبقه ب «واو» الحال، ووقوع المبتدأ صدر جملة حالية من المسوغات، سواء سبق ب «واو» الحال، أم لم يسبق. [شرح أبيات المغني/ 7/ 33، والهمع/ 1/ 101، والأشموني/ 1/ 206].

28 - فلو أنك في يوم الرّخاء سألتني … طلاقك لم أبخل وأنت صديق
غير منسوب.
والشاهد: «أنك»، حيث خففت «أن» المفتوحة الهمزة وبرز اسمها، وهو الكاف، وذلك قليل، والكثير أن يكون اسمها ضمير شأن واجب الاستتار، وخبرها جملة. [الإنصاف/ 205، وشرح المفصل/ 8/ 71، وشرح أبيات المغني/ 1/ 147، والخزانة/ 5/ 426].

29 - جارية لم تأكل المرقّقا … ولم تذق من البقول الفستقا
قاله أبو نخيلة، يعمر بن حزن السعدي. والمرقق: الرغيف المرقوق الواسع، ويريد:
أنّ هذه الجارية بدوية لا عهد لها بالنعيم.
(2/165)

والشاهد: من «البقول»، حيث وردت «من» بمعنى البدل، يعنى: أنها لم تستبدل الفستق بالبقول، وهذا رأي ابن مالك. وقال آخرون: هي للتبعيض، وعندهم أنّ الفستق بعض البقول. وهو القول الأمثل، وإنما يريد - والله أعلم - (الفستق السوداني)، ولا يبعد من البقول. أما إذا أراد الفستق الحلبي، فالمعنى الأول أقوى. [شرح أبيات المغني/ 5/ 323، والعيني/ 3/ 276].

30 - هل أنت باعث دينار لحاجتنا … أو عبد ربّ أخا عون بن مخراق
لجابر بن رألان، أو لجرير. ودينار: اسم رجل، أو امرأة، أو قطعة النقد المعروفة.
دينار: مضاف إليه، ومحله النصب. وعبد: يروى بالنصب على أنه معطوف على دينار باعتبار محله، أو أنه معمول لعامل مقدر «فعل» تقديره: (تبعث)، أو وصفا منونا «باعثا»، ويجوز عطفه بالجرّ. [سيبويه/ 1/ 87، والهمع/ 2/ 145، والأشموني/ 2/ 301، والخزانة/ 8/ 215].

31 - فيها خطوط من سواد وبلق … كأنّه في الجلد توليع البهق
لرؤبة بن العجاج، يصف الأتن، جعل ما فيها من البياض بلقا، والتوليع في البقر وغيرها: خطوط من بياض. والبهق: نوع من البرص، إلا أنه أخفّ منه. إن أردت الخطوط، فقل «كأنها» وإن أردت السواد والبلق، فقل كأنهما. [اللسان/ «بهق»، «ولع»، وشرح أبيات المغني/ 8/ 47].

32 - نحن بنات طارق … نمشي على النمارق
قالته هند بنت عتبة يوم أحد تحرض المشركين، وهو ليس لها، وإنما تمثلت به، وهو لهند بنت بياضة بن رياح بن طارق الإيادي، قالته حين لقيت إياد جيش الفرس، وكان أبوها رئيس إياد.
والشاهد: «بنات»، يروى بالنصب على الاختصاص، والجملة معترضة، والخبر «نمشي»، ويروى بالرفع، خبر المبتدأ. [شرح أبيات المغني/ 6/ 186، والهمع/ 1/ 171].

33 - لن يخب الآن من رجاك وقد … حرّك من دون بابك الحلقه
يقوله أعرابي للحسين بن علي رضي الله عنهما.
(2/166)

والشاهد: أنّ «لن»، جازمة بدليل حذف الياء التي هي عين الفعل؛ لالتقاء الساكنين.
[الهمع/ 2/ 4، والأشموني/ 3/ 278، وشرح أبيات المغني/ 5/ 161].

34 - نحن أو أنتم الألى ألفوا الحقّ … فبعدا للمبطلين وسحقا
مجهول.
والشاهد: أن «أو» فيه للإبهام، فالقائل يعلم أن فريقه على الحق، وأن المخاطبين على الباطل، ولكنه أبهم على السامع بالكلام المنصف المسكت للخصم المعاند. ومثله قول حسان:
أتهجوه ولست له بكفء … فشرّكما لخيركما الفداء
[شرح أبيات مغني اللبيب ج 2/ 20].

35 - لعمري لقد لاحت عيون كثيرة … إلى ضوء نار في يفاع تحرّق
تشبّ لمقرورين يصطليانها … وبات على النار الندى والمحلّق
قالها الأعشى، يمدح المحلّق عبد العزى بن حنتم. وكان كثير البنات، فأكرم الأعشى، فمدحه، فتزوج العرب بناته.
والشاهد: «على النار» على أن المراد بالاستعلاء هنا، الاستعلاء المجازي؛ لأن الندى، والمحلّق لم يمسا النار، وإنما هما بمكان قريب منها. ومنه قوله تعالى: أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. [طه 10]. [شرح أبيات المغني/ 2/ 277].

36 - رضيعي لبان ثدي أمّ تقاسما … بأسحم داج عوض لا نتفرّق
البيت للأعشى، يمدح المحلّق. وهو بعد الشاهد السابق.
وقوله: رضيعي: منصوب على المدح. وتقاسما: حلفا.
وقوله: بأسحم: الباء داخلة على المقسم به، قيل: هو الرماد، وقيل: الدم، وقيل:
الليل. والظاهر أنّ «بأسحم» ليس مقسما به، وإنما هو ظرف للقسم، أي: تقاسما في ليل داج، أي: عند ما يطفئ الناس نيرانهم، فلا يجد الطّرّاق من يقصدونهم. والله أعلم.
[الإنصاف/ 401، وشرح المفصل/ 4/ 107، والهمع/ 1/ 213، والخزانة/ 7/ 138].
(2/167)

والشاهد: «عوض» على أنه ظرف ل «نتفرق»، أي: لا نفترق أبدا.

37 - أبى الله إلّا أنّ سرحة مالك … على كلّ أفنان العضاه تروق
لحميد بن ثور الهلالي، صحابي. وكان عمر بن الخطاب نهى الشعراء أن يذكروا النساء في أشعارهم، فذكر الشاعر السرحة، وكنى بها عن صاحبته. والسرحة: شجرة تطول في السماء، وجمعها سرح، وظلها بارد في الحرّ. والعضاه: كل شجر من أشجار البرّ له شوك. وتروق: تفضل.
والبيت شاهد على أن ابن مالك يرى أن «على» في البيت زائدة، وجعل معنى «تروق» تعجب. ويرى غيره أنّ «تروق» بمعنى تفضل، أو تعلو. والقولان محتملان. [الهمع/ 2/ 29، والأشموني/ 2/ 222، وشرح أبيات المغني/ 3 /
247].

38 - أحبّ أبا مروان من أجل تمره … وأعلم أنّ الرّفق بالمرء أوفق
وو الله لولا تمره ما حببته … ولا كان أدنى من عبيد ومشرق
قالهما غيلان بن شجاع النهشلي. وقوله: أحبّ: مضارع من حبّ، فهو محبوب، ويقال: أحبّ فهو محبّ. وعبيد، ومشرق: ابنا الرجل. وفي البيت إقواء، وفي رواية:
«وكان عياض منه أدنى ومشرق»، فلا إقواء. [الخزانة/ 9/ 429].
والشاهد: أن «الواو» الأولى «وو الله» للعطف، والثانية للقسم، معطوف على «أحبّ» أول الشعر. ويروى: وأقسم لولا تمره، فلا شاهد فيه. [شرح أبيات المغني/ 6/ 116، والخزانة/ 9/ 429].

39 - وإنسان عيني يحسر الماء تارة … فيبدو وتارات يجمّ فيغرق
قاله ذو الرّمة، يذكر كثرة بكائه، وغزارة دموعه.
والشاهد: أنّ جملة «يحسر الماء»، خبر عن قوله: «وإنسان عيني»، وليس فيها ضمير يربطها بالمبتدأ، لما في الجملة المعطوفة بالفاء من ضمير المبتدأ. فإن فاعل «يبدو» ضمير «إنسان»، فإن «الفاء» نزّلت الجملتين منزلة جملة واحدة، فاكتفى بالربط بضمير إحدى الجملتين، فالخبر مجموع الجملتين، كجملتي الشرط والجزاء إذا وقعتا خبرا. نحو «زيد إن تقم يكرمك». [شرح أبيات المغني/ 7/ 79، والهمع/ 1/ 89، والأشموني/ 1/ 196].
(2/168)

40 - عرضنا فسلّمنا فسلّم كارها … علينا، وتبريح من الوجد خانقه
لعبد الله بن الدّمينه. يقول: سلمنا عليه وهو كاره؛ لقربه منا، ولقربنا منه؛ إذ كان يغار على نسائه. وانتصب كارها على الحال.
والشاهد: «وتبريح من الوجد خانقه»، على أنّ «تبريح»: مبتدأ نكرة؛ لأنه واقع في صدر الجملة الحالية. [شرح أبيات المغني/ 7/ 36].

41 - إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة … تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننّي في الفلاة فإنني … أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
لأبي محجن الثقفي، عمر بن حبيب، شاعر صحابي، فارس، صاحب القصة المشهورة في القادسية.
والشاهد: أنّ «أن» مخففة؛ لوقوعها بعد الخوف بمعنى العلم، واسمها ضمير الشأن المحذوف، وجملة (لا أذوقها) خبرها. ولو كانت ناصبة للمضارع، لكانت القافية منصوبة، ولكن القاف مرفوعة. [الهمع/ 2/ 2، والأشموني/ 2 /
3، وشرح أبيات المغني ج 1/ 138، والخزانة/ 8/ 398].

42 - يا أيها المتحلّي غير شيمته … إنّ التّخلّق يأتي دونه الخلق
ولا يواتيك فيما ناب من حدث … إلا أخو ثقة فانظر بمن تثق
لسالم بن وابصة، من التابعين، توفي آخر أيام هشام بن عبد الملك، وكان والي الرّقة ثلاثين سنة.
والشاهد: «فانظر بمن تثق»، على أن الباء في «بمن» زائدة. والأصل: فانظر من تثق به، ويحتمل أن يكون الكلام تم عند قوله: فانظر أي فانظر لنفسك. ثم استفهم على سبيل الإنكار فقال: بمن تثق؟ [شرح أبيات المغني/ 3/ 243، والهمع/ 2/ 22، والأشموني/ 2/ 219].

43 - أحقّا أنّ جيرتنا استقلّوا … فنيّتنا ونيّتهم فريق
من قصيدة طويلة لعامر بن معشر. واستقلوا: نهضوا مرتحلين. والنية: الجهة. يصف افتراقهم عند انقضاء المرتبع، ورجوعهم إلى محاضرهم. والفريق: يقع للواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، ونظيره: صديق، وعدوّ.
(2/169)

الشاهد: «أحقا»، على أن «أحقا» منصوب على الظرفية عند سيبويه، وهو خبر مقدم، والمبتدأ «أنّ جيرتنا» المصدر المؤول. ويجوز رفعه على الابتداء، والمصدر المؤول بعده خبر. وتقدير الظرفية: أفي زمن حقّ أنّ جيرتنا، ثم حذف المضاف «زمن»؛ وانتصب المضاف إليه على الظرفية. [سيبويه/ 1/ 468، والهمع/ 2/ 71، والأشموني/ 1/ 278، وشرح أبيات المغني/ 1/ 346].

44 - فديت بنفسه نفسي ومالي … وما آلوك إلا ما أطيق
لعروة بن الورد. ومعنى آلوك: الألو: التقصير، والمنع، والاجتهاد، والاستطاعة والعطية. وقولك: ما ألوت جهدا، أي: لم أدع جهدا، وقولهم: ما آلوك جهدا، بالكاف، خطأ. فآلوك هنا في البيت بمعنى: أعطيك. يقول: الجود بالنفس والمال مما أطيقه، وأما الصحة والعافية ودفع الموت، مما لا أطيقه.
والبيت شاهد على القلب، والأصل: فديت نفسه بنفسي، فقلب. [شرح المغني/ 8/ 120].

45 - ما كان ضرّك لو مننت وربّما … منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
البيت لقتيلة بنت النّضر، كذا في حماسة أبي تمام، ونقل ابن حجر عن الزبير بن بكّار أنها مصنوعة. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قتل أباها بعد بدر، وكان يؤذي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت ترثي أباها.
والشاهد: على أنّ «لو» فيه مصدرية، فتكون مع مننت في تأويل المنّ، فاعل للفعل «ضرّك»، والجملة خبر كان،
واسمها ضمير شأن محذوف على اعتبار «ما» نافية.
ويجوز «ما» استفهامية، مبتدأ، وجملة (ضرّك) خبر كان وجملة كان خبر (ما) وجوّز بعضهم (كان) زائدة، و (ما) استفهامية، والتقدير: ما ضرك. ولا تجوز زيادتها إذا عددنا «ما» نافية، وقيل إن قصة البيت موضوعة. [شرح شواهد المغني/ 5/ 51، والأشموني/ 3/ 44].

46 - وعذلت أهل العشق حتى ذقته … فعجبت كيف يموت من لا يعشق
قاله المتنبي. وذهب الشّراح إلى أن المعنى مقلوب، على تقدير: كيف لا يموت من
(2/170)

يعشق، يعني أنّ العشق يوجب الموت لشدته، وإنما يتعجب ممن يعشق ثم لا يموت، وقد يكون على الأصل من غير قلب، لأنه يعظم أمر العشق، وجعله غاية في الشدة يقول: كيف يكون موت من غير عشق، أي: من لم يعشق، يجب أن لا يموت. [شرح شواهد المغني/ 8/ 123].

47 - فإن كنت مأكولا فكن خير آكل … وإلا فأدركني ولمّا أمزّق
البيت للشاعر الممزق العبدي، واسمه شأس بن نهار، وسمي بهذا البيت الممزق.
وقيل: إنّ عثمان بن عفان ضمنه رسالة كتبها إلى علي بن أبي طالب عند ما كان محصورا.
والشاهد: أنّ منفي «لمّا»، يستمر نفيه إلى حال التكلم. [شرح أبيات المغني/ 5/ 145، والأشموني/ 4/ 5، والأصمعيات/ 166].

48 - وما كنت ممّن يدخل العشق قلبه … ولكنّ من يبصر جفونك يعشق
قاله المتنبي.
والشاهد: «ولكنّ»، على أن اسمها ضمير الشأن، أي: لكنه.

49 - لتقرعنّ عليّ السنّ من ندم … إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي
قاله تأبط شرا. وقوله: لتقرعنّ: اللام في جواب قسم محذوف. وقد حذفت ياء المؤنثة المخاطبة؛ لالتقائها ساكنة مع النون المدغمة. [شرح أبيات المغني/ 1/ 59، والشعر والشعراء/ 1/ 313].

50 - أما والله أن لو كنت حرّا … وما بالحرّ أنت ولا العتيق
مجهول وفيه شاهدان:
الأول: زيادة «أن» بين لو وفعل القسم المحذوف.
والثاني: جواز تقديم الخبر المنصوب، إذ الباء لا تدخل إلا على الخبر المنصوب في قوله: (وما بالحرّ أنت)، وما حجازية. [الإنصاف/ 200 وشرح المغني/ 1571].

51 - تكلّفني سويق الكرم جرم … وما جرم وما ذاك السّويق
(2/171)

قاله زياد الأعجم. والسويق: طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، يشرب في الأغلب ممزوجا بالماء، وأراد بسويق الكرم هنا: الخمر. يقول هذا محتقرا لقبيلة جرم.
منكرا عليهم شرب الخمر.
والشاهد: إظهار «ما» قبل «ذاك» تقوية لرفع المعطوف، كما تقول في «ما أنت وزيد»:
ما أنت وما زيد، وكان يستطيع أن يقول: وما جرم وذاك السويق. [سيبويه/ 1/ 152، واللسان «سوق»].

52 - ومن لا يقدّم رجله مطمئنة … فيثبتها في مستوى الأرض يزلق
البيت نسبه سيبويه لابن زهير، ولعله يريد كعب بن زهير، أي: من لم يقدم رجله مثبتا لها في موضع مستو زلق. ضربه مثلا لمن لم يتأهب للأمر قبل محاولته.
والشاهد: نصب «يثبتها» بإضمار «أن» بعد «الفاء»، على جواب النفي.
[سيبويه/ 1/ 447، وديوان زهير/ 250].

53 - إذا جئت بوّابا له قال: مرحبا … ألا مرحب واديك غير مضيّق
لأبي الأسود الدؤلي يمدح رجلا.
والشاهد: «مرحبا»: منصوب بفعل متروك إظهاره، أي: أدركت ذلك وأصبت، فحذفوا الفعل؛ لكثرة استعماله، كأنه صار بدلا من (رحبت بلادك)، ويجوز فيه الرفع كما في الشطر الثاني. [سيبويه/ 1/ 149، والهمع/ 1/ 169، والدرر/ 1/ 145].

54 - وإلا فاعلموا أنّا وأنتم … بغاة ما بقينا في شقاق
قاله بشر بن أبي خازم، و «ما» في البيت مصدرية ظرفية.
والشاهد: وقوع الضمير المنفصل الذي محله الرفع «أنتم»، بين اسم «إنّ» وخبرها، مسبوقا بواو العطف، فهو في تقدير جملة، أي: وأنتم بغاة، عطفت على جملة «أنّا بغاة». ويجوز أن يكون خبر «أنّ» محذوفا، دل عليه خبر المبتدأ الذي بعدها. وأجاز الفراء والكسائي أن يعطف بالرفع على اسم «إن» قبل أن يذكر الخبر، فيقول: إنني وزيد على وفاق، قياسا على ظاهر هذا الشاهد. [سيبويه/ 1/ 290، والإنصاف/ 190، وشرح المفصل/ 8/ 69].
(2/172)

55 - يا ربّ مثلك في النساء غريرة … بيضاء قد متّعتها بطلاق
لأبي محجن الثقفي. والغريرة: الشابة الحديثة لم تجرب الأمور، ولم تعلم ما يعلم النساء من الحبّ. ومتعتها بطلاق: أي: عند طلاقها. والمتعة: ما وصلت به المرأة بعد الطلاق من ثوب، أو مال. كأنه يهدد زوجته بالطلاق.
والشاهد: مثلك، حيث دخلت عليها «ربّ»، وهي لا تجرّ إلا النكرات، و «مثل» لا تكتسب تعريفا؛ لأنها بمنزلة الفعل، أي: يشبهك. [سيبويه/ 1/ 212، وشرح المفصل/ 2/ 126].

56 - أين تضرب بنا العداة تجدنا … نصرف العيس نحوها للتلاقي
قاله ابن همّام السّلولي.
والشاهد: المجازاة ب «أين» الظرفية. [سيبويه/ 1/ 432، وشرح المفصل/ 4/ 105، والأشموني/ 4/ 10].

57 - فمتى واغل ينبهم يحيّو … ه وتعطف عليه كأس الساقي
قاله عدي بن زيد. الواغل: الداخل في الشرب ولم يدع. ينبهم: ينزل عليهم.
وتعطف: تمال.
والشاهد: تقديم الاسم على الفعل في «متى»، مع جزمها للفعل في الضرورة، ورفع الاسم بعد «متى»، بإضمار فعل يفسره الظاهر. [سيبويه/ 1/ 458، والإنصاف/ 617، وشرح المفصل/ 9/ 10، والخزانة/ 3/ 46].

58 - ما أرجّي بالعيش بعد ندامى … قد أراهم سقوا بكأس حلاق
قاله المهلهل.
والشاهد: «حلاق»، معدولة عن الحالقة، اسم مبني على الكسر، وهو اسم للمنية، سميت بذلك؛ لأنها تحلق وتستأصل. [سيبويه/ 2/ 38، والهمع/ 2/ 88، واللسان «حلق»].

59 - حبّذا أنتما خليليّ إن لم … تعذلاني في دمعي المهراق
والشاهد: «حبذا أنتما خليليّ»، حيث جاء المخصوص مثنى، و «ذا» مفردا؛ لأن «ذا»
(2/173)

من «حبذا»، تلتزم الإفراد والتذكير في جميع أحوالها، وإن كان المخصوص بخلاف ذلك. [الهمع/ 2/ 88، والدرر/ 2/ 115].

60 - ولولا جنان الليل ما آب عامر … إلى جعفر سرباله لم يمزّق
جنان الليل: بفتح الجيم، ظلامه. وآب: رجع. والسربال: الثوب.
والشاهد: «سرباله لم يمزق»، فالجملة الاسمية واقعة حالا، ارتبط بالضمير فقط.
والبيت لسلامة بن جندل. [الأشموني/ 2/ 190، والعيني/ 3/ 210].

61 - أنورا سرع ماذا يا فروق … وحبل الوصل منتكث حذيق
نسب هذا البيت لثلاثة شعراء: زغبة الباهلي، ولمالك بن زغبة الباهلي، ولأبي شقيق الباهلي، واسمه جزء بن رياح الباهلي، وزعم السيوطي في شرح شواهد المغني، أن قصيدة البيت في «الأصمعيات»، وليست في الأصمعيات المطبوعة، وفي «الأصمعيات» قصيدة من الوزن والقافية، قالها المفضّل النكريّ، وتسمّى «المنصفة» مطلعها:
ألم تر أنّ جيرتنا استقلّوا … فنيّتنا ونيّتهم فريق
وهي كما ترى ليست مصرّعة. فلعلّ إحدى نسخ الأصمعيات في زمن السيوطي كانت تبدأ بالبيت الشاهد، وهو بيت مصرّع.
وقوله: أنورا: الهمزة للاستفهام التوبيخي، ونورا: يقال: نارت، تنور، نورا ونوارا.
والمرأة إذا كانت تنفر من الريبة وغيرها مما يكره. وسرع: أراد سرع، فحذف الضمة، وسكن الراء. والفروق: التي تفرق وتخاف.
ونورا: تمييز منصوب مقدم على عامله «سرع»، وسرع: فعل ماض. ماذا: ما: زائدة، و «ذا» فاعل. ومنتكث: منتقض. والحذيق: المقطوع، يقال: حذق الشيء إذا قطعه.
والشاهد: أن «ما» في البيت زائدة، و «ذا» للإشارة. [شرح أبيات المغني ج 5/ 233].

62 - قلّما يبقى على هذا القلق … صخرة صماء فضلا عن رمق
ليس للبيت قائل معروف. ويوردونه شاهدا على صحة التركيب: «فلان لا يملك
(2/174)

درهما فضلا عن دينار». ومعناه: أنه لا يملك درهما ولا دينارا، وأن عدم ملكه للدينار أولى من عدم ملكه للدرهم. وكأنه قال: لا يملك درهما، فكيف يملك دينارا؟
ولا تستعمل فضلا هذه إلا في النفي، وهو مستفاد في البيت من «قلما».
وانتصاب فضلا على وجهين:
أحدهما: أن يكون مصدرا لفعل محذوف، وذلك الفعل، نعت للنكرة.
والثاني: أن يكون حالا من معمول الفعل المذكور، وصح مجيء الحال من النكرة؛ لأنه مسبوق بنفي. وكون
صاحب الحال معرفة، هذا هو الغالب الأعم، ومع ذلك فإن الشواهد على مجيئه من النكرة كثيرة، وبدون مسوغ. ومنه الحديث: «وصلى وراءه رجال قياما»، أو «قوم قياما»، وهو في الموطأ ج 1/ 135. [رسالة في توجيه النصب في إعراب فضلا لابن هشام ص 18].

63 - فلا تحسبي أنّي تخشّعت بعدكم … لشيء ولا أنّي من الموت أفرق
ولا أنّ نفسي يزدهيها وعيدكم … ولا أنني بالمشي في القيد أخرق
ولكن عرتني من هواك صبابة … كما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق
هذه أبيات ثلاثة من ستة أبيات، أثبتها أبو تمام في أول كتاب الحماسة، وأول الأبيات:
هواي مع الرّكب اليمانين مصعد … جنيب وجثماني بمكة موثق
عجبت لمسراها وأنى تخلصت … إليّ وباب السجن دوني مغلق
أتتنا فحيّت ثم قامت فودّعت … فلما تولّت كادت النفس تزهق
والأبيات الستة للشاعر جعفر بن علبة الحارثي، من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، وكان قد سجن بمكة بسبب دم عليه.
وقوله: هواي: بفتح ياء المتكلم لا غير، وإسكان ما قبلها؛ لأن ما قبلها ألف.
واليمانين: جمع يمان والنسبة إلى يمن، يمني، ولكنه حذف أحد يائي النسب (ياء النسب مشددة) وأتي بالألف عوضا منه، فصارت «يمان»، وعلى هذا لا يصح القول: «يمانيّ» بتشديد الياء؛ لاجتماع المعوّض، والمعوّض. [الحماسة بشرح المرزوقي ج 1/ 51، والخزانة ج 10/ 303].
(2/175)

64 - أحار بن بدر قد وليت ولاية … فكن جرذا فيها تخون وتسرق
البيت منسوب للشاعر أنس بن زنيم، وهو أنس بن أبي أناس بن زنيم من الدؤل، رهط أبي الأسود الدؤلي؛ ولذلك ينسب أيضا لأبي الأسود الدؤلي، وأبوه أبو أناس، شاعر، وهو القائل في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
فما حملت من ناقة فوق رحلها … أعفّ وأوفى ذمة من محمّد
وعمّ أنس، سارية بن زنيم، الذي قال له عمر: «يا سارية الجبل الجبل»، والمنادى في البيت، حارثة بن بدر الغداني، من المخضرمين، عند ما ولّاه عبيد الله بن زياد ولاية «سرّق».
والشاهد: في «حار»، أراد «حارثة» فرخم أولا بحذف الهاء، على لغة من لم ينو ردّ المحذوف، ثم رخّمه ثانيا بحذف التاء، على لغة من نوى ردّ المحذوف؛ ولذلك يروى «أحار» بالضم، و «أحار» بكسر الراء، وبعد البيت ثلاثة أبيات
هي:
ولا تحقرن يا حار شيئا أصبته … فحظّك من ملك العراقين (سرّق)
فإنّ جميع الناس إما مكذّب … يقول بما يهوى وإمّا مصدّق
يقولون أقوالا ولا يعلمونها … وإنّ قيل: هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا
[اللسان «سرق»، وشرح أبيات المغني ج 2/ 228، والأشموني وعليه العيني ج 3/ 174، ومعجم البلدان «سرّق»، والشعر والشعراء ص 624].

65 - قد نالني منه على عدم … مثل الفسيل صغارها الحقق
البيت للشاعر المسيب بن علس، والضمير. في «منه» يعود على الممدوح، وهو حسان ابن المنذر أخو النعمان. والحقق: جمع حقّة، وهي البكرة، إذا استوفت ثلاث سنين. [كتاب سيبويه ج 2/ 184، واللسان «حقق»].

66 - وإني بما قد كلّفتني عشيرتي … من الذّبّ عن أعراضها لحقيق
البيت للشاعر غيلان بن حريث، وهو في كتاب سيبويه ج 2/ 408.

67 - فيا أيّها المهدي الخنا من كلامه … كأنّك يضغو في إزارك خرنق
(2/176)

البيت بلا نسبة في الهمع ج 2/ 143. قال السيوطي: وضمير المنادى الواقع في التابع يأتي بلفظ غيبة، وهي الأصل، وكذا بلفظ خطاب، اعتبارا بما عرض له من الحضور بالمواجهة، وقد اجتمعا في قوله: (البيت)، فقال: «من كلامه»، و «كأنك». وقوله:
«يضغو» أي: يصوّت. والخرنق: ابن الثعلب. وانظر [شرح التصريح ج 2/ 174].

68 - وليس بمعييني وفي الناس ممتع … صديق إذا أعيا عليّ صديق
البيت بلا نسبة في الأشموني ج 1/ 126. قال الأشموني: وقعت نون الوقاية قبل ياء النفس مع الاسم المعرب في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لليهود: «فهل أنتم صادقوني»، وقول الشاعر: (البيت). قالوا: ودخلت النون على ما يشبه الفعل.

69 - تقول إذا أهلكت مالا للذّة … فكيهة هشّيء بكفّيك لائق
البيت في كتاب [سيبويه لطريف بن تميم العنبري، ج 2/ 47، وشرح المفصل ج 10/ 141 واللسان «ليق» و «هلل» و «فكه»]. وقوله: «لائق»، يقال: ما يليق بكفه درهم أي: ما يحتبس، وما يليقه: أي: ما يحبسه، ولا يلصق به.
والشاهد: «هشيء» وهو إدغام اللام في الشين، وأصله: «هل شيء».

70 - وردت اعتسافا والثّريا كأنّه … على قمّة الرأس ابن ماء محلّق
البيت لذي الرّمة. والاعتساف: ركوب الأمر بلا تدبير ولا رويّة. وقوله: كأنه:
الضمير يعود على الثريا، بتأويلها بالنجم، وإطلاق النجم على الثريا مشهور، وقيل: إنه اسم علم لها، ويروى: كأنها. وقوله: محلق: قال النحاس: هذا حجة في أنه صيّر «محلّق»، وهي: نكرة، من نعت «ابن ماء»، وابن ماء نكرة، حتى يدخل عليه الألف واللام. وابن الماء: طائر يقال له: الغرنيق. [سيبويه/ 1/ 226، واللسان «حلق»].

71 - قد احتملت ميّ فهاتيك دارها … بها السّحم تردي والحمام المطوّق
البيت لذي الرّمّة. والسّحم: جمع أسحم، وهو الأسود، يعني الغراب. ويردي:
يحجل. والحمام المطوّق: القماري.
والشاهد: «هاتيك»، على أنه أدخل الكاف على آخر هاتيك، كما أدخل «ها» التنبيه في أولها، ولا يقال «تي» بغير «ها» ولا كاف، وإنما يقال: «هاتي»، أو «تيك». [الهمع ج 1 -
(2/177)

76، وشرح أبيات المغني ج 7/ 81].

72 - واعوجّ عودك من لحو ومن قدم … لا ينعم الغصن حتى ينعم الورق
البيت غير منسوب، وهو في كتاب [سيبويه ج 2/ 227، واللسان «لحا»] و «نعم»].
واللحو: من لحا الشجرة يلحوها لحوا، قشرها. ونعم الغصن: اخضرّ ونضر. وفي حاشية اللسان، قوله: من لحو، في المحكم: من لحق، واللحق: الضمر، ولعله الأنسب للمعنى؛ ولذلك ورد في إحدى روايتي اللسان «من لحي» ولعله محرف من (لحق).

73 - أدارا بحزوى هجت للعين عبرة … فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق
البيت مطلع قصيدة لذي الرّمة، عدة أبياتها سبعة وخمسون بيتا؛ كلها غزل وتشبيب بميّ. وحزوى: اسم مكان في ديار بني تميم. وهجت: أثرت. للعين. جار ومجرور حال من العين؛ لتقدمه عليها. وماء الهوى: الدمع، وأضافه إلى الهوى أي: العشق؛ لأنه هو الباعث لجريانه. ويرفضّ: يسيل بعضه في إثر بعض، وكلّ متناثر، مرفّض.
ويترقرق: يبقى في العين متحيرا، يجيء ويذهب.
والشاهد: «أدارا»، الهمزة: للنداء، دارا: منادى منصوب، مع أنه نكرة مقصودة بالنداء، وقالوا: إن النكرة المقصودة الموصوفة ينصبها العرب. ومنه قوله عليه السّلام:
«يا عظيما يرجّى لكل عظيم». [كتاب سيبويه ج 1/ 311، والأشموني ج 3/ 139، والعيني ج 4/ 236، والخزانة ج 2/ 190].

74 - أرى الرّبع لا أهلين في عرصاته … ومن قبل عن أهليه كان يضيق
البيت في الهمع بلا نسبة ج 1/ 146.
والشاهد: «لا أهلين» لا: نافية للجنس، أهلين: اسمها مبني على الياء.

75 - سودت فلم أملك سوادي وتحته … قميص من القوهيّ بيض بنائقه
البيت للشاعر نصيب، وكان أسود اللون. والقوهي: ضرب من الثياب بيض، منسوبة إلى قوهستان. والبنائق: جمع واحدته بنيقة: واختلفوا في معناها، فقيل: العرى التي تدخل فيها الأزرار، وقيل: هي رقعة في الثوب، تزاد لاتساعه، وقيل: هو طوق الثوب
(2/178)

الذي يضمّ النحر وما حوله. قلت: ولو كانت الوالدة - رحمها الله - موجودة، لسألتها: ما البنائق؟ فمازال يرنّ في أذني لفظ «البنايق» من كلامها.
والشاهد: «سودت»: فهو على وزن «فعل» من السواد، وربما كان أصله «اسوادّ»، ثم تحوّل إلى «اسودّ»، ثم صار سود. قال ابن منظور: أراد بقوله سودت، أنه عورت عينه، واستعار لها تحت السواد من عينه قميصا بيضا بنائقه. وقد يكون مراده: إذا كنت أسود اللون، فإنني أضمر العمل الطيب، ويؤيده الرواية التالية. [اللسان «بنق» «وقيه» وشرح المفصل ج 7/ 162، وسيبويه ج 2/ 234].

76 - وما ضرّ أثوابي سوادي وتحتها … لباس من العلياء بيض بنائقه
البيت لنصيب، رواية أخرى للبيت السابق في الأغاني ج 1/ 354، قال: وأنشدنا الأصمعي لنصيب، وكان يستجيد هذه الأبيات، ويقول إذا أنشدها: قاتل الله نصيبا ما أشعره.

77 - عرضنا فسلّمنا فسلّم كارها … علينا وتبريح من الغيظ خانقه
البيت لابن الدمينة، عبد الله بن عبيد الله، والدمينة أمّة، والبيت أحد سبعة أبيات أوردها أبو تمام في الحماسة.
وقوله: عرضنا: جواب شرط للبيت الأول، وهو قوله:
ولما لحقنا بالحمول ودونها … خميص الحشا توهي القميص عواتقه
والحمول: الظعائن، وأثقالها. وخميص الحشا: قليل اللحم على بدنه، ويريد به قيّم الحمول، ومرافقها، وحارسها.
يقول: لما دعانا الشوق إلى اللحوق بالظعائن بعد تشييعنا لها، وإلى تجديد العهد بها، فأدركناها ودونها رجل نحيف، مديد القامة.
وقوله: فسلم كارها: أراد به المحامي دون الظعائن، وكارها: منصوب على الحال، يريد: أننا عند ما سلمنا، ردّ السّلام كارها، وظهر منه غيظ ملأ صدره. [شرح الحماسة للمرزوقي 1263، والشعر والشعراء ص 618، ترجمة ابن الدمينة].

78 - حلفت بهدي مشعر بكراته … يخبّ بصحراء الغبيط درادقه
لئن لم تغيّر بعض ما قد صنعتم … لأنتحينّ العظم ذو أنا عارقه
(2/179)

البيتان للشاعر عارق الطائي من أهل الجاهلية، واسم الشاعر قيس، وإنما سمي «عارق» بما في البيت الثاني. والبيتان من قطعة خاطب بها عمرو بن هند ملك الحيرة، أو أخاه المنذر بن ماء السماء، ومطلع القطعة شعر رقيق، جاء فيه:
ألا حيّ قبل البين من أنت عاشقه … ومن أنت مشتاق إليه وشائقه
ومن لا تواتي داره غير فينة … ومن أنت تبكي كلّ يوم تفارقه
وكان الملك قد بعث جيشا، فمرّ بحيّ بديار طيّ، واستاقوا من فيه، فقال الشاعر هذا الشعر.
وقوله: حلفت بهدي، الهدي: ما يهدى إلى الحرم من النّعم، ومشعر: اسم مفعول، من الإشعار، وهو أن يطعن في السنام فيسيل الدم عليه، فيستدل بذلك على كونه هديا.
وبكراته: جمع بكرة وهي الشّابة من الإبل. ويخبّ: من الخبب، وهو ضرب من السير، وهو خطو فسيح. والغبيط: موضع في طريق البصرة إلى مكة. والدرادق: جمع دردق:
كجعفر، وهو صغار الإبل، والضمير في «بكراته» و «درادقه،» للهدي.
والشاهد في البيت: الأول (بكراته) على أن تأنيث نحو «الزينبات» مجازي لا يجب له تأنيث المسند بدليل البيت، فإن البكرات كالزنيبات ولم يؤنث له المسند وهو «مشعر» قال أبو أحمد: ولماذا لا نقرأ مشعر: اسم فاعل، يتحمل ضمير الفاعل، وبكراته: مفعول به، والتقدير: حلفت بهدي أشعرت بكراته.
وقوله في البيت الثاني: لأنتحينّ: من الانتحاء للشيء، الاعتماد والميل، والتعرض له. وذو: بمعنى الذي بلغة طيّ. وعارق: من عرقت العظم: أكلت ما عليه من اللحم.
جعل شكواه كالعرق، وجعل ما بعده إن لم يغيّر ما صنعه تأثيرا في العظم، وقوله: لئن لم: اللام موطئة لجواب
القسم الآتي قبل الشرط.
والشاهد: «ذو» بمعنى الذي. [البيت الأول في الخزانة ج 7/ 437، والمرزوقي 1746. والبيت الثاني شرح المفصل ج 3/ 148، والمرزوقي 1746، والخزانة ج 7/ 437].

79 - ولم يرتفق والناس محتضرونه … جميعا وأيدي المعتفين رواهقه
قالوا: إن البيت مصنوع للشاهد الآتي ذكره. ويرتفق: من الارتفاق، وهو الاتكاء على
(2/180)

المرفق، أي: لم يشتغل عن قضاء حوائج الناس، ويحتمل أن المعنى لم يرتفق بماله، أي: لم يبذل بالرفق، بل جار عليه بالجود. والمعتفون: الذين يأتون يطلبون المعروف.
والرواهق: جمع راهقة، من رهقه، إذا غشيه وأتاه، والهاء يجوز أن تكون ضميرا، وأن تكون للسكت.
والشاهد: «محتضرونه»، وهو من حضر بمعنى شهد، فهو متعد، يقال: حضرت القاضي، وأما ما كان منه بمعنى ضد، غاب، فهو لازم، وقد جمع في «محتضرونه» بين النون والضمير، وحقّ النون الحذف عند الإضافة في جمع المذكر السالم، وانظر تخريج الوجه في [كتاب سيبويه ج 1/ 96، وشرح المفصل ج 2/ 125، والخزانة ج 4/ 271].

80 - يا عجبا للدّهر شتّى طرائقه … وللمرء يبلوه بما شاء خالقه
البيت للراعي النميري. وطرائق الدهر: ما هو عليه من تقلّبه. قال ابن منظور: كذا أنشده سيبويه، يا عجبا، منونا، وفي بعض كتب ابن جني يا عجبا، بدون تنوين، أراد: يا عجبي، فقلب الياء ألفا لمدّ الصوت، كقوله تعالى: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ.
[يوسف: 84]. [اللسان «طرق» وكتاب سيبويه ج 2/ 301].

81 - من لم يمت عبطة يمت هرما … للموت كأس والمرء ذائقها
البيت لأمية بن أبي الصلت، يقول: من لم يمت شابا طريّا من غير علة، يمت من الهرم والكبر، فقوله: عبطة، يعنى من غير علّة، ذكره ابن يعيش؛ لتفسير قول الزمخشري: والترخيم حذف في آخر الاسم على سبيل الاعتباط، يعني من غير علّة موجبة، وإنما ذلك. لنوع من التخفيف، من قولهم: اعتبط البعير، إذا مات من غير علة. [شرح المفصل ج 2/ 21].

82 - أإن شمت من نجد بريقا تألّقا … تبيت بليل أم أرمد اعتاد أولقا
قاله بعض الطائيين. وقوله: أإن: الهمزة للاستفهام، وإن شرطية، وشمت: فعلها، وهو ماض؛ ولذلك جاء جوابها «تبيت» مرفوعا، ويحتمل أن تكون «أن» مصدرية، حذف قبلها لام التعليل، والتقدير: «ألأن». وبريق: مصغر «برق». و «أولقا»: جنونا. وهو مفعول اعتاد.
والشاهد: «بليل أم أرمد»، أصلها: «بليل الأرمد»، ليل: مضاف، والأرمد: مضاف إليه
(2/181)

والأصل في «أرمد»، المنع من الصرف، ولكنه دخلت عليه «ال»، فجرّ بالكسرة، وبقي على هذه الحال بعد دخول (أم) بدل (ال) بلغة جنوب الجزيرة العربية (اليمن).
[الأشموني ج 1/ 96، وعليه العيني، والصبان].

83 - حذار فقد نبّئت إنّك للّذي … ستجزى بما تسعى فتسعد أو تشقى
البيت غير منسوب.
والشاهد فيه: تعليق «نبّئت» عن العمل، وهو مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل، وهو المفعول الأول، وجملة «إنك للذي» في موضع نصب سدت مسدّ المفعولين، والفعل معلق عنها باللام؛ ولذلك كسرت «إنّ». وحذار: اسم فعل بمعنى احذر.
[الهمع/ 1/ 157، وشرح التصريح/ 1/ 266].

84 - فلئن قوم أصابوا غرّة … وأصبنا من زمان رنقا
للقد كانوا لدى أزماننا … لصنيعين لبأس وتقى
هذان البيتان، أنشدهما الفرّاء شاهدا؛ لدخول اللام على «لقد»، قال: وظنّ بعض العرب أن «اللام» أصلية، فأدخل عليها لاما أخرى، [اللسان «لقد»، وشرح أبيات المغني ج 4/ 368، والهمع ج 1/ 140، والشعر والشعراء ص 44]. وقد أنكر البصريون هذه الرواية، وقالوا: هي «فلقد».

85 - زحرت بها ليلة كلّها … فجئت بها مؤيدا خنفقيقا
قاله شييم بن خويلد، وهو رابع أربعة أبيات أوردها صاحب اللسان، وهذه الثلاثة التي سبقته، لعلّ المعنى يفهم من السياق:
قلت لسيدنا يا حكي … م إنّك لم تأس أسوا رفيقا
أعنت عديّا على شأوها … تعادي فريقا وتنفي فريقا
أطعت اليمين عناد الشمال … تنحّي بحدّ المواسي الحلوقا
وقوله: يا حكيم: هزء منه، أي: أنت الذي تزعم أنك حكيم، وتخطئ هذا الخطأ.
وقوله: أطعت اليمين عناد الشمال: مثل ضربه، يريد: فعلت فعلا أمكنت به أعداءنا منّا، كما أعلمتك أن العرب تأتي أعداءها من ميامينهم، يقول: فجئتنا بداهية من الأمر، وجئت
(2/182)

بها مؤيدا خنفقيقا، أي: ناقصا مقصّرا.
وقوله: زحرت بها: أصل الزحير: إخراج النفس أو الصوت بأنين عند عمل، أو شدّة، ويقال للمرأة إذا ولدت ولدا: زحرت به وتزحر به. كأنه يقول له: فكرت ليلة كاملة، فجئت بالرأي ناقصا.
والشاهد: «ليلة كلها»، حيث أكد قوله: «ليلة»، وهي نكرة محدودة لها أول وآخر معروفان، بقوله: «كلها»، وهو شاهد لمذهب الكوفيين الذين أجازوا توكيد النكرة.
[الإنصاف ص 453، واللسان «خفق»، والخزانة ج 5/ 170].

86 - حسبتك في الوغى مردى حروب … إذا خور لديك فقلت سحقا
البيت غير منسوب. وقوله: مردى: بكسر الميم وسكون الراء، الحجر يرمى به، ويقال للشجاع: إنه لمردى حروب. وفي الأشموني (بردى) تثنية برد، وفي الصبّان (بردى)، قال: وهو البحر.
والشاهد: «إذا خور»، جاء المبتدأ نكرة، والمسوّغ مجيئه بعد «إذا» الفجائية. والظرف «لديك» خبره، بناء على أنّ «إذا» حرف، لا ظرف. [الأشموني والصبان ج 1/ 206].

87 - لديك كفيل بالمنى لمؤمّل … وإنّ سواك من يؤمّله يشقى
البيت غير منسوب. ولديك كفيل: خبر مقدم، ومبتدأ مؤخر.
والشاهد: في «سواك»، حيث نصب على أنه اسم «إنّ»، لا على أنه ظرف. ومن يؤمله يشقى: خبرها، ومن: موصولة، ويؤمله: صلتها، ويشقى: خبر «من». [الأشموني والعيني ج 2/ 159].

88 - فإنّني والذي يحجّ له الناس … بجدوى سواك لم أثق
البيت غير منسوب. والشاهد: «بجدوى سواك»، فقد جاءت «سوى» مضاف إليه مجرور، وهذا يدل على أنها بمعنى «غير» وأنها ليست ظرفا لا تتصرف كما زعم بعضهم.
[الأشموني ج 2/ 159].

89 - يا قرّ إنّ أباك حيّ خويلد … قد كنت خائفه على الإحماق
(2/183)

البيت للشاعر جبار بن سلمى بن مالك، وهو جاهلي. و «قرّ»: مرخم (قرّة).
والإحماق: مصدر أحمق الرجل، إذا ولد له ولد أحمق، وكذا أحمقت المرأة. وأما «حمق» بدون همزة، فهو من (الحمق) بالضم، وهو فساد في العقل، وهو من باب تعب، ووصفه (حمق) بكسر الميم، وأما «أحمق» ففعله، (حمق) بالضم، والأنثى (حمقى) وقوله: (على الإحماق)، على: متعلقة ب «خائفه»، يقال: خفته على كذا، أي:
خفت منه. والمعنى: إنني كنت أرى من أبيك مخايل تدل على أنه يلد ولدا أحمق، وقد تحقق بولادته إياك. ومثل هذا أبلغ من أن يقول له: أنت أحمق؛ لأن ذلك يشعر بتحقق ذلك فيه، أي: كان معروفا من أبيك قبل أن يلدك.
والشاهد: في لفظ «حيّ»، فهو من قولك: هذا رجل حيّ، وامرأة حيّة، وهو يركب مع الاسم بعده في صورة مضاف، وما بعده مضاف إليه. ويقع عليه الإعراب فتقول:
(جاء حيّ فلان، ورأيت حيّ فلان) ويذكر الفعل معه، إذا كان المضاف إليه مذكرا، ويؤنث، إذا كان المضاف إليه مؤنثا. ولكن الإشكال في: هل هو المقصود بالإعراب والمعنى؟ أم أنّ المضاف إليه هو المقصود؟ فمنهم من قال: إنه لفظ زائد مقحم، وأن المراد في البيت: (إن أباك خويلدا) على البدلية، ومنهم من قال: إنه غير زائد من حيث المعنى. قال أبو أحمد: وأنا أميل إلى الرأي الثاني؛ لأن دعوى الزيادة المطلقة التي لا تفيد معنى، فيه ادعاء بأن اللفظ حشو، وأنهم يحشون كلامهم بما لا فائدة فيه، مع أن العرب لا يعرفون مضغ الكلام، ومن خصائص كلامهم الإيجاز. والأصل في الكلام أن يفيد معنى، والقول بالزيادة والحشوية صعب الإثبات، بل كان يحتاج إلى معاصرة القائلين، وسؤالهم عن مقصودهم وهذا لم يتحقق، ويؤيد كونه يدل على معنى، أنه لا يقال إلا قبل موت المضاف إليه. هذا وقوله: (حيّ أباك)، حيّ: بدل، أو عطف بيان من أباك، وجملة «قد كنت خائفه»: خبر إنّ. وانظر مثل هذا البيت في حرف الراء (ألا قبح .. قبح الحمار). [الخزانة ج 4/ 334، وشرح المفصل ج 3/ 13، والأشموني ج 4/ 433، والخصائص ج 3/ 28، واللسان «حيا»].

90 - وكأن حيّا قبلكم لم يشربوا … فيها بأقلبة أجنّ زعاق
البيت للشاعر جّبار بن سلمى بن مالك، وجاء بعد البيت السابق. و «حيّا» هنا، بمعنى القبيلة. وأقلبة: جمع قليب، بمعنى البئر. قال الرياشي: هذا يدل على تذكير القليب؛ لأنه قال: أقلبة، والجمع قلب، ولكن جاء به على رغيف وأرغفة للجمع القليل، والباء في
(2/184)

«بأقلبة»، بمعنى «من» و «أجنّ»: فعل ماض مبني على السكون، على النون الأولى، والنون الثانية للنسوة، فاعله، تعود على «أقلبة»، يقال: أجن الماء يأجن، إذا تغيّر.
وضمير «فيها؛» للمنيّة وضرب القليب، مثلا لها. وقد يكون القليب: القبر. والزّعاق:
بضم الزاي، الماء المرّ الغليظ، لا يطاق شربه من أجوجته، وإذا كثر ملح الشيء حتى يصير إلى المرارة، فأكلته، قلت: أكلته زعاقا. [الخزانة ج 4/ 336].

91 - فمتى واغل يزرهم يحيّو … ه وتعطف عليه كأس الساقي
البيت لعدي بن زيد العبادي. والواغل: الرجل الذي يدخل على من يشرب الخمر ولم يدع، وهو الطفيليّ. والكأس: مؤنثة. وزعم الدينوري في كتاب النبات، أن الكأس من أسماء الخمر، ولا يقال للزجاجة: كأس، إن لم يكن فيها الخمر، وقد ردّ العلماء قوله، وأثبتوا أن الكأس يمكن أن تكون فارغة، ولأي شيء غير الخمر.
والشاهد في البيت: «فمتى واغل يزرهم»، فقد فصل بين متى الشرطية الجازمة، ومجزومها فعل الشرط، ب «واغل»، ف «واغل»: فاعل فعل محذوف، يفسره المذكور. [كتاب سيبويه ج 1/ 458، والخزانة ج 3/ 46، وشرح المفصل 9/ 10، والإنصاف ص 617].

92 - أيا من رأى لي راي برق شريق … أسال البحار فانتحى للعقيق
البيت للشاعر أبي دواد، يصف برقا. والراي: اللمعان والتلألؤ. وشريق: مشرق وانتحى له: أي قصده وسار إليه.
والشاهد: «أسال البحار» حذف المضاف والمضاف إليه الأول، واكتفى بالمضاف إليه الثاني والأصل: أسال سقيا سحابه البحار، فحذف المضاف وهو «سقيا» والمضاف إليه، وهو «سحاب»، ولم يبق إلا المضاف إليه الثاني، وهو الضمير المجرور بإضافة سحاب، فلما اتّصل بالفعل وأقيم مقام المضاف، ارتفع فاستتر. وأظن هذا التخريج متكلّفا، وأحسن منه، أن نقول: أسال البرق البحار، وإسناد الإسالة إلى البرق مجاز، وأسال البحار، يعني ملأ الوديان، والله أعلم. [شرح المفصل ج 3/ 31].

93 - ولما رزقت ليأتينّك سيبه … جلبا وليس إليك ما لم ترزق
البيت للقطامي في ديوانه، والهمع ج 2/ 44. وقوله: لما: «اللام» موطئة للقسم، و «ما» شرطية.
(2/185)

والشاهد: دخول اللام الموطئة للقسم على «ما» الشرطية، وأكثر ما تدخل على «إن».
واللام الموطئة، تدخل على أداة شرط حرفا كان، أم اسما، تؤذن بأن الجواب بعدها مبني على قسم مثلها، لا على
شرط، ومن ثمّ تسمى اللام المؤذنة، وتسمى الموطئة أيضا؛ لأنها وطأت الجواب للقسم، أي: مهدته له، سواء أكان القسم قبلها مذكورا، أم غير مذكور.

94 - فقلت له صوّب ولا تجهدنّه … فيذرك من أعلى القطاة فتزلق
البيت لامرئ القيس. وقوله: فقلت له: يعود الضمير إلى غلامه الذي أركبه فرسه.
ويذرك: من ذروت الشيء: طيرته وأذهبته. والقطاة من الدابّة: العجز، ومركب الرديف.
والشاهد: «فيذرك»، جعل الجواب ب «الفاء»، كالمنسوق المعطوف على ما قبله؛ لأنه مجزوم، وحقه النصب. [سيبويه/ 1/ 452].

95 - فقلت له صوّب ولا تجهدنّه … فيدنك من أخرى القطاة فتزلق
هذه رواية أخرى في البيت السابق، وفي رواية: «فيذرك»، بدل «فيدنك». قال عبد السّلام هارون رحمه الله: «فيدرك» صوابه بالذال المعجمة كما في الديوان، وتعليق النحاس على البيت، يوحي بأن الرواية عنده «فيدرك»؛ لأنه قال: كأنه قال: فلا تجهدنّه، ولا يدرك، فجزم «يدرك» على النهي. [النحاس ص 296، والخزانة ج 8/ 526، وسيبويه ج 3/ 101].

96 - تزوجتها راميّة هرمزيّة … بفضل الذي أعطى الأمير من الرّزق
البيت بلا نسبة في الأشموني ج 4/ 190. وراميّة: نسبة إلى (رام هرمز)، بلد في نواحي خوزستان.
والشاهد فيه: ف «رام هرمز»، أو «رامهرمز»، مركب تركيبا مزجيا، والغالب فيه أن ينسب إلى صدره فيقال: راميّ، وقد نسب الشاعر إلى الجزئين منفصلين، فنسب إلى «رام»: راميّ، وهرمز: هرمزي، هذا ويجوز أن يقال: هرمزي، نسبة إلى الجزء الثاني.
وقوله: «رامية هرمزية» نصب على الحال، و «الباء» في: «بفضل» يتعلق بقوله: (تزوجتها).

97 - تعطي الضجيع إذا تنبّه موهنا … كالأقحوان من الرّشاش المستقي
البيت للقطامي في ديوانه، والعيني ج 4/ 40. وهو كما ورد في الديوان مركب من بيتين هما:
(2/186)

تعطي الضّجيع إذا تنبّه موهنا … منها وقد أمنت له من يتقّي
عذب المذاق مفلّجا أطرافه … كالأقحوان من الرّشاش المستقي
والرّشاش: جمع مفرده الرش، وهو المطر القليل، ولعل الشاعر أراد: الأقحوان المستقي من الرشاش فقدم.

98 - إذا ما استحمّت أرضه من سمائه … جرى وهو مودوع وواعد مصدق
البيت للشاعر خفاف بن ندبة، يصف فرسا، يقول: إذا ابتلت حوافره من عرق أعاليه، جرى وهو متروك لا يضرب ولا يزجر، ويصدقك فيما يعدك البلوغ إلى الغاية، فقوله:
مصدق: بفتح الميم، وسكون الصاد، أي: صادق الحملة، يقال ذلك للشجاع، والفرس، والجواد.
والشاهد: «مودوع»، اسم المفعول من الفعل المضارع «يدع»، بمعنى يترك، وقد زعموا أن الفعل «لم يدع»، لا يأتي منه غير لفظه، ولكن النصوص جاءت بالماضي والمصدر، واسم الفاعل واسم المفعول. [الخزانة ج 6/ 472، واللسان «صدق، وودع»].

99 - وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزها … نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق
البيت للممزّق العبدي، نسبة إلى عبد القيس، واسمه شأس بن نهار، وإنما لقب الممزق لقوله:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل … وإلا فأدركني ولما أمزّق
والبيت الشاهد من قصيدة في الأصمعيات، يخاطب فيها الملك عمرو بن هند، وكان قد همّ بغزو عبد القيس، فقال الممزق هذه القصيدة يستعطفه. وفيها وصف لناقته التي حملته إلى عمرو بن هند. والنسيف: أثر ركض الرّجل بحنبي البعير. والأفحوص: مجثم القطاة، أي: مبيتها. والقطاة: طائر. والمطرّق: بفتح الراء، صفة ل «الأفحوص»، أي:
المعدل، وبكسر الراء: صفة ل «القطاة»، وهي التي حان خروج بيضها.
والشاهد: «تخذت»، فهو فعل ماض نصب مفعولين، الأول: نسيفا، والثاني: الظرف في قوله: «لدى»، ويروى «إلى جنب»، فيكون الجار والمجرور مفعولا ثانيا.
[الأصمعيات/ 164، والخصائص/ 2/ 287].
(2/187)

100 - حبّذا أنتما خليليّ إن لم … تعذلاني في دمعي المهراق
البيت بلا نسبة في الهمع ج 2/ 88. قال السيوطي: والأصح أنّ «ذا»، فاعل «حبذا»، فلا تتبع، وتلزم الإفراد والتذكير، وإن كان المخصوص بخلاف ذلك، وأنشد البيت قال:
وإنما التزم؛ ذلك لأنه كالمثل، والأمثال لا تغير.

101 - حمى لا يحلّ الدهر إلا بإذننا … ولا تسأل الأقوام عقد المياثق
البيت للشاعر عياض ابن أم درّة الطائي. وقوله: حمى: خبر مبتدأ محذوف، أي:
حمانا حمى، أو نحو ذلك مما يناسب، إذا عرفنا الأبيات قبله. والدهر: منصوب على الظرف.
والشاهد: «عقد المياثق»، فإن القياس فيه «المواثق»؛ لأنه جمع ميثاق، ولكنه يروى أيضا على الأصل: «المواثق» وقوله: «المواثق» موافق لمذهب الكوفيين من جواز حذف المدة قبل الآخر، بلا تعويض الياء عنها، والمشهور أن جمعه «المواثيق». [الأشموني ج 4/ 166].

102 - يا أرط إنّك فاعل ما قلته … والمرء يستحيي إذا لم يصدق
قاله زميل بن الحارث، يخاطب أرطاة بن سهية.
والشاهد: «يا أرط»، يريد به يا أرطاة، رخمه أولا بحذف التاء، على لغة من لم ينو ردّ المحذوف، ثم رخم ثانيا بحذف الألف، على لغة من نوى رد المحذوف، وهو الألف.
[الأشموني ج 3/ 175، والهمع ج 1/ 184، والأغاني ج 13/ 455، والعيني ج 4/ 298].

103 - أسعد بن مال ألم تعلموا … وذو الرأي مهما يقل يصدق
البيت في كتاب سيبويه لبعض العباديين، وقال عنه الشنتمري: هو مصنوع على طرفة.
والشاهد: أنه رخم «مالك»، ولم يناده، إنما نادى سعدا. [سيبويه/ 2/ 255، هارون].

104 - يا خال هلّا قلت إذ أعطيتني … هيّاك هيّاك وحنواء العنق
أعطيتنيها فانيا أضراسها … لو تعلف البيض به لم ينفلق
البيتان بلا نسبة. هيّاك: بكسر الهاء، لعلها لغة في (إيّاك)، الضمير المنفصل المنصوب بفعل محذوف في التحذير. والحنواء من الغنم: التي تلوي عنقها لغير علّة، وكذلك هي
(2/188)

من الإبل، وقد يكون ذلك عن علّة. [اللسان «هيا»، والإنصاف ص 215].

105 - ومنهل ليس له حوازق … ولضفادي جمّه نقانق
رجز منسوب لخلف الأحمر. والحوازق: بالحاء والراء، الجماعات. وهو شاهد على إبدال الياء من العين في ضفادي، يعني: ضفادع. والنقانق: جمع نقنقة، وهي صوت الضفدع. [سيبويه/ 1/ 344، وشرح المفصل/ 10/ 24، والأشموني/ 4/ 377، والهمع/ 2/ 157، والدرر/ 2/ 213].

106 - ودابق وأين منّي دابق ...
لغيلان بن حريث. [اللسان «دبق»، وسيبويه/ 2/ 23]. ودابق: قرية في نواحي حلب، إليها نسب مرج دابق، وبها قبر
سليمان بن عبد الملك.
والشاهد: صرف «دابق»؛ لأن الغالب عليه أن يكون اسما مذكرا للمكان والبلد، ويجوز منع الصرف على تأويله بمعنى البقعة والبلدة.

107 - يا عمرويه انطلق الرّفاق … مالك لا تبكي ولا تشتاق
بدون نسبة في شرح المفصل/ 9/ 30، والمقتضب/ 3/ 181.

108 - أعزّ ذات المئزر المنشقّ … أخذت خاتامي بغير حقّ
رجز غير منسوب. [اللسان «ختم»، وشرح المفصل/ 5/ 53].

109 - قد أقبلت عزّة من عراقها … ملصقة السرج بخاق باقها
رجز غير منسوب. [الأشموني/ 3/ 211، واللسان «خوق»].

110 - ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا … تصوّب فيه العين طورا وترتقي
لامرئ القيس. وابن الماء: طائر يقال له: الغرنيق، شبه الفرس به في سرعته وسهولة مشيه. ويجنب: يقاد. وتصوّب: تنحدر. وترتقي: ترتفع. يريد أن عين الناظر إليه تصعّد فيه النظر وتصوبه إعجابا به.
والشاهد: مجيء الكاف اسما مجرورا بالباء في قوله: (ب كابن). [الخزانة/ 10/ 167].
(2/189)

قافية الكاف
1 - يا عاذلي دعني من عذلكا … مثلي لا يقبل من مثلكا
العاذل: الذي يلوم في تسخّط وكراهية لما يلومك فيه. ودعني: اتركني. وقوله: مثلي لا يقبل من مثلك هو.
محلّ الشاهد فأصل معناه: من كان متّصفا بصفاتي، فإنه لا يقبل ممن كان متصفا بصفاتك. وقد جرت عادة العرب أنهم يكنون بهذه العبارة عن معنى. «أنا لا أقبل منك» والعرب إذا بالغوا في نفي الفعل عن أحد، قالوا: مثلك لا يفعل كذا، ومرادهم إنما هو النفي عن ذاته، ولكنهم إذا نفوه عمّن هو على أخصّ أوصافه، فقد نفوه عنه، ومن الكناية قولهم: «مثلك لا يبخل»، فقد نفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عن ذاته قصدوا المبالغة في ذلك، فسلكوا به طريق الكناية، والخلاصة أن «المثل»، يطلق في كلام العرب، ويراد به ذات الشيء.
والحاصل من هذا الشاهد: أن «الكاف» في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، [الشورى: 11] لا تكون زائدة؛ لأن «مثله» هنا، بمعنى: «هو»، كأنه قال: ليس كهو شيء، وهذا التفسير، أبلغ من قولهم بزيادة الكاف؛ لزعم القائل بالزيادة، أنّ
المعنى يفسد بها، حتى يصبح المعنى: «ليس مثل مثله شيء»، وهذا باطل، فزادوا «الكاف»، وتفسير «المثل» بمعنى الذات، جيد. [الإنصاف/ 301].

2 - تراكها من إبل تراكها … أما ترى الموت لدى أوراكها
بيتان من مشطور الرجز، عزاهما ابن منظور إلى طفيل بن يزيد الحارثي.
والشاهد: «تراكها»، بمعنى: اتركها، اسم فعل أمر، فاعله ضمير مستتر، والضمير البارز مفعول به. وقد جاء (فعال) المأخوذ من مصدر الفعل الثلاثي المتصرف، وبناه على
(2/191)

الكسر. [سيبويه/ 1/ 123، والإنصاف/ 537، والشذور، واللسان «ترك»].

3 - لن تنفعي ذا حاجة وينفعك … وتجعلين اللّذ معي في اللّذ معك
من شواهد «الإنصاف»، وأنشده الكوفيون يستدلون به على أنّ أصل ذال «الذي» ساكنة؛ لأنها جاءت هنا ساكنة، ويرى الكوفيون أن الاسم في «الذي»، الذال وحدها، وما زيد عليها، تكثير لها، والدليل على ذلك أن الياء تحذف في التثنية، فتقول: جاء (اللذان)، ولو كانت الياء أصلية، لقلنا جاء اللذيان، كما يقال: العميان. [الإنصاف/ 672].

4 - أتتك عنس تقطع الأراكا … إليك حتى بلغت إيّاكا
رجز منسوب إلى حميد الأرقط. والعنس: بفتح فسكون، الناقة الشديدة القوية على السير. وتقطع الأراك، أي: تقطع الأرضين التي هي منابت الأراك.
والشاهد: «بلغت إياك»، حيث جاء بالضمير المنفصل في المكان الذي يكون فيه الضمير المتصل، وكان من حقه أن يقول: «بلغتك»، وكان الزجّاج يرى أنّ «إياك» هنا، ليست مفعولا لبلغت، وإنما هو توكيد لضمير متصل محذوف، يقع مفعولا به، والتقدير:
بلغتك إياك. وهو تخريج بعيد، فكيف يكون توكيدا، والمؤكّد غير موجود.
[سيبويه/ 1/ 383، والانصاف/ 699].

5 - فإن تك خيلي قد أصيب عميدها … فعمدا على عيني تيمّمت مالكا
أقول له والرمح يأطر متنه … تأمّل خفافا إنّني أنا ذلكا
قالهما خفاف بن ندبة، خفاف، بوزن غراب، وندبه، بفتح النون أو ضمّها أمّه، وهو ابن عم الخنساء، ويقول خفاف الشعر، وقد قتل مالك بن حمار، سيد بني شمخ بن فزارة، وأراد بالعميد الذي أصيب: معاوية بن عمرو بن الشريد، أخا الخنساء، ومالكا:
هو مالك بن حمار. ويأطر متنه: يثنيه.
والشاهد: «أنا ذلكا»، أي: هذا، والإشارة فيه قد قصد بها تعظيم المشار إليه، أي:
أنا ذلك الفارس الذي ملأ سمعك ذكره، نزّل بعد درجته، ورفعة محله، منزلة بعد المسافة، ولهذا استعمل مع اسم الإشارة «اللام» التي للبعد، وفي القرآن ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2]. [الدرر/ 1/ 51، والهمع/ 1/ 77، والإنصاف/ 720، والشعر والشعراء (ترجمة الشاعر)، والخصائص/ 2/ 186].
(2/192)

6 - تعلّمن ها - لعمر الله - ذا قسما … فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك
البيت من قصيدة لزهير بن أبي سلمى. قال الأصمعي: ليس في الأرض قصيدة على الكاف، أجود من قصيدة زهير التي مطلعها:
بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا … وزوّدوك اشتياقا أيّة سلكوا
وقوله: تعلّمن، أي: اعلم، و «ها» تنبيه، وأراد: هذا ما أقسم به، وقسما: مصدر منصوب يؤكد معنى اليمين.
وقوله: «فاقدر بذرعك»، أي: قدّر لخطوك. والذّرع: قدر الخطو، والمعنى: لا تكلّف ما لا تطيق مني، يتوعده بذلك، وكذلك قوله: «وانظر أين تنسلك». والانسلاك:
الدخول في الأمر، وأصله من سلوك الطريق، والمعنى: لا تدخل نفسك فيما لا يعنيك، ولا يجدي عليك.
والبيت شاهد على أن الفصل بين «ها»، وبين «ذا»، بغير إنّ وأخواتها كالقسم، قليل كما في البيت. وأصله: هذا لعمر الله قسمي. [الخزانة/ 5/ 451، وسيبويه/ 2/ 145، والدرر/ 1/ 150، والهمع/ 2/ 92].

7 - أفي السّلم أعيارا جفاء وغلظة … وفي الحرب أشباه النساء العوارك
البيت منسوب إلى هند بنت عتبة، قالته لفلّ قريش حين رجعوا من بدر. أفي: الهمزة للاستفهام التوبيخي. والأعيار: جمع عير، وهو الحمار، وهو مثل في البلادة والجهل.
والعوارك: جمع عارك، وهي الحائض.
والبيت شاهد على أن «أعيارا»، و «أشباه النساء» منصوبان على الحال، وقيل:
منصوبان على المصدر، بإضمار فعل، وضعت هي موضعه بدلا من اللفظ به. وقيل: إن الفعل المحذوف كان واسمها، وأعيارا خبرها. [الخزانة/ 3/ 264، وسيبويه/ 1/ 172، واللسان «عرك»، والسيرة النبوية].

8 - سلّم على المولى البهاء وصف له … شوقي إليه وأنّني مملوكه
أبدا يحرّكني إليه تشوّقي … جسمي به مشطوره منهوكه
لكن نحلت لبعده فكأنني … ألف وليس بممكن تحريكه
(2/193)

هذه الأبيات لمحمد بن رضوان بن إبراهيم بن عبد الرحمن، المعروف بابن الرعاد، وكتب بها إلى بهاء الدين محمد بن النحاس الحلبي، يتشوق إليه ويشكو له نحوله، وهي ليست من الشواهد، وليس قائلها من أصحاب الشواهد، ولكنها فيها تلميح إلى بعض القواعد النحوية، حيث يقول: إنني بلغت من الضعف أن صرت أشبه بالألف، التي هي حرف من حروف الهجاء، وكما أن الألف لا تقبل الحركة، فأنا كذلك. [شذور الذهب/ 65].

9 - هي الدنيا تقول بملء فيها … حذار حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرركم مني ابتسام … فقولي مضحك والفعل مبكي
من قصيدة لأبي الفرج الساوي، أحد كتّاب الصاحب بن عبّاد، يرثي فيها فخر الدولة.
وقوله: «هي»، ضمير الشأن مبتدأ، خبره «الدنيا تقول» الجملة الاسمية.
والشاهد: «حذار حذار»، اسم فعل أمر بمعنى احذر، وهو مأخوذ من مصدر فعل ثلاثي تام، هو حذر، يحذر، وقد بناه على الكسر. [شذور الذهب/ 91].

10 - فقلت أجرني أبا خالد … وإلا فهبني امرأ هالكا
من كلام ابن همام السلولي.
والشاهد: «فهبني امرأ»، حيث استعمل «هب» بمعنى اعتقد، ونصب به مفعولين، أولهما «ياء» المتكلم، وثانيهما قوله: «امرأ». [الشذور/ 361، والهمع/ 1/ 139، وشرح أبيات المغني/ 7/ 262].

11 - يا أيّها المائح دلوي دونكا … إني رأيت الناس يحمدونكا
هذا بيت من الرجز، لراجز جاهلي من بني أسيد بن عمرو بن تميم. والمائح: بالهمزة المنقلبة عن الياء، هو الرجل الذي يكون في أسفل البئر؛ ليستقي الماء، فأما الذي يكون في أعلى البئر يجذب الدلو، فهو ماتح، بالتاء المثناة من فوق، وهذا من فروق هذه اللغة الواسعة النطاق.
والشاهد: «دلوي دونكا»، فقد استشهد الكسائي وابن مالك بهذا البيت، على جواز تقديم معمول اسم الفعل عليه، فأعربوا «دلوي» مفعولا به لاسم الفعل «دونك»،
(2/194)

بمعنى: «خذ». ويرى المحققون: أن «دلوي» معمول لفعل محذوف من معنى اسم الفعل.
ويرى آخرون: أن «دلوي»: مبتدأ، وجملة «دونك» الإنشائية: خبره؛ ذلك أن اسم الفعل لا يتقدم مفعوله عليه. [شرح أبيات المغني/ 7/ 275، والإنصاف/ 228، وشرح المفصل/ 1/ 117، والشذور/ 407، والهمع/ 2/ 105، والأشموني/ 3/ 206، والعيني/ 4/ 311].

12 - حيكت على نيرين إذ تحاك … تختبط الشّوك ولا تشاك
وصف ملحفة، أو حلة، بأنها محكمة النسج، تامة الصفاقة، وأنها إذا اصطدمت بالشوك، لم يؤذها ولم يعلق بها، وحاك، يحوك حوكا، وحياكة: نسج. ونيرين: تثنية نير، وهو علم الثوب، أو لحمته، فإذا نسج الثوب على نيرين، فذلك أصفق له وأبقى، ويروى على «نولين».
والشاهد: «حيكت»: إذا كان الفعل المبني للمجهول معتل العين سمع في فائه ثلاثة أوجه: إخلاص الكسر كما في البيت، وإخلاص الضم كما يقال: «بوع» من «باع»، ويروى البيت: «حوكت»، والوجه الثالث: الإشمام بين الكسر والضم، ولا يظهر إلا في اللفظ. [الأشموني/ 2/ 63، والهمع/ 2/ 125، والعيني/ 2/ 526].

13 - خلا الله لا أرجو سواك وإنّما … أعدّ عيالي شعبة من عيالكا
البيت للأعشى. [الأشموني/ 2/ 163، وشرح التصريح/ 1/ 363، والهمع/ 1/ 226، وابن عقيل/ 2/ 63].
وفيه ثلاثة شواهد:
الأول: «خلا الله»، استعمل «خلا» حرف جرّ، فجرّ به لفظ الجلالة.
الثاني: قدم الاستثناء، فجعله أول الكلام قبل المستنثى منه، وقبل العامل فيه.
الثالث: «لا أرجو سواك»،: حيث أعربت سوى مفعولا به للفعل «أرجو».

14 - فلما خشيت أظافيرهم … نجوت وأرهنهم مالكا
قاله عبد الله بن همام السلولي، والأظافير: جمع أظفور، بزنة عصفور، والمراد هنا الأسلحة.
(2/195)

والشاهد: «وأرهنهم»، حيث إنّ ظاهره ينبئ عن أن المضارع المثبت تقع جملته حالا، وتسبق بالواو، وهذا غير صحيح؛ ولهذا قدرت جملته خبرا لمبتدأ محذوف، والتقدير: وأنا أرهنهم. [ابن عقيل/ 2/ 95، والأشموني/ 2/ 187، والهمع/ 1/ 246، والشعر والشعراء، ترجمة الشاعر].

15 - يا حكم الوارث عن عبد الملك … ميراث أحساب وجود منسفك
الرجز لرؤبة بن العجاج، توفي بالبادية أول عهد بني العباس، سنة 145 ه، ومعهما شطر ثالث هو: «أوديت إن لم تحب حبو المعتنك». وأوديت: هلكت. وتحب: من الحبو، وهو الزحف. والمعتنك: البعير الذي يكلف أن يصعد في العانك من الرمل، ولا يتأتى الصعود فيه إلا مع جهد ومشقة، والبعير قد يحبو فيه، ويبطئ في سيره، ويشرف بصدره. ويتكلف حتى يتمكن من صعوده. يقول: إني أهلك إن لم تمنحني من عنايتك وترفقك بي، وتلطفك في معالجة شؤوني، مثل ما يعطيه البعير من ذلك حين يريد أن يصعد في عانك الرمل. وحكم هو الحكم بن عبد الملك بن بشر بن مروان، وقوله:
ميراث: منصوب بالوارث، مفعوله، وقوله: منسفك، أي: منصب واسع.
والشاهد: «الوارث»، بالرفع، نعت ل «حكم» على اللفظ، ويجوز فيه النصب على المحل؛ لأنّ المنادى محله النصب، وفي الشطر الثالث حذف جواب الشرط؛ لدلالة ما سبق عليه. [الإنصاف/ 628، وشرح أبيات المغني/ 1/ 60].

16 - تقول بنتي قد أنى إناكا … يا أبتا علّك أو عساكا
الرجز للعجّاج، أو لولده رؤبة، وقوله: أنى، فعل ماض بمعنى: قرب. والإنا: بكسر الهمزة والقصر، الوقت، أي: حان حين ارتحالك إلى سفر تطلب رزقا، فسافر لعلك تجد رزقا. وعلك: بمعنى: لعلك، والخبر محذوف.
والشاهد: أنّ «عسى» فعل اتصل به ضمير النصب، والدليل على نصبها: أنك إذا عنيت نفسك، تقول «عساني»، فلو كانت الكاف مجرورة، لقلت «عساي»، وفي تخريج «عساك» أوجه:
الأول: أنها حرف بمنزلة «لعلّ»، ينصب بعدها الاسم، والخبر مرفوع.
الثاني: أن «الكاف» في موضع نصب ب «عسى»، وأن اسمها ضمير فيها مرفوع. [شرح
(2/196)

أبيات المغني/ 3/ 334، وشرح المفصل/ 3/ 120، وسيبويه/ 1/ 388، والهمع/ 1/ 132].

17 - تعيّرنا أنّنا عالة … ونحن صعاليك أنتم ملوكا
قوله: «تعيّرنا»، تقول العامة: عيرته بكذا، وهو لحن. والعالة: جمع عائل، وهو الفقير. والصعاليك: الفقراء، جمع صعلوك. وقوله: أننا عالة: مفعول ثان ل «تعيّرنا»، ونحن: مبتدأ، وخبره: أنتم، وصعاليك: حال من نحن، وملوك: حال من أنتم، والعامل فيهما معنى التشبيه المستفاد من إسناد أنتم إلى نحن.
والشاهد: أنّ «صعاليك وملوك»، حالان وعاملهما كاف التشبيه المحذوفة، أراد: نحن في حال تصعلكنا مثلكم في حال ملككم، فحذف (مثل)، وأقام المضاف إليه مقامه، مضمّنا معناه، وأعمل ما فيه من معنى التشبيه. [شرح أبيات المغني/ 6/ 329].

18 - يا نفس صبرا لعلّ الخير عقباك … خانتك من بعد طول الأمن دنياك
مرّت بنا سحرا طير فقلت لها … طوباك يا ليتني إياك طوباك
إن كان قصدك شوقا بالسلام على … شاطي الفرات ابلغي إن كان مثواك
من موثق بالمنى ما لا فكاك له … يبكي الدماء على إلف له باكي
أظ نّه آخر الأيام من عمري … وأوشك اليوم أن يبكي له الباكي
الأبيات لعبد الله بن المعتز، الشاعر الناقد الأديب الخليفة العباسي، وقد قال هذه الأبيات عند ما سلّم لمؤنس؛ ليقتله، لعن الله قاتله، ومن أمر بقتله، فبأي ذنب قتل؟!
والشاهد في البيت الثاني: وإنما ذكرت الأبيات؛ لأنني أحبّ صاحبها، وأحزن كلما قرأت مقتله، فهو من بقية العرب في القرن الثالث، الذين حقدت عليهم الشعوبية، وحياته مثال للعرب المنتجين الأعلام، نبغ من بين ركام الصوارف عن النبوغ، وما تركه من الآثار، ردّ لما يتهم به العرب من العجز عن التأليف، وقد قتل رحمه الله في ربيع الآخر سنة 296 ه. والشاهد: أنّ «ليت» في البيت الثاني نصبت الجزءين، أولهما: الياء، وثانيهما: إيّاك. [شرح أبيات المغني/ 5/ 165].

19 - قالت له وهو بعيش ضنك … لا تكثري لومي وخلّي عنك
لم يذكر قائله. والشاهد في الشطر الثاني: حيث وقعت الجملة بعد القول غير محكية
(2/197)

به، والتقدير: قالت له: أتذكر قولك لي، إذ ألومك في الإسراف في الإنفاق، لا تكثري لومي، فحذف المحكية بالمذكور، وأثبت المحكية بالمحذوف. [شرح أبيات المغني/ 6/ 267].

20 - يا خاتم النّباء إنك مرسل … بالحقّ كلّ هدى السّبيل هداكا
قاله العباس بن مرداس.
والشاهد: جمع «نبيّ»، على «نبآء»، فهو دليل على أنه مخفف من نبئ المهموز، مع إبدال من الهمزة، فإذا صغّر، قيل: نبيّء في لغة من همز، ونبيّ في لغة من لم يهمز؛ لأنه بدل لازم. [سيبويه/ 2/ 126، والسيرة، واللسان «نبأ»].

21 - وأحضرت عذري عليه الشهو … د إن عاذرا لي وإن تاركا
قاله عبد الله بن همّام السلولي، يقوله لأميره، مستشهدا على براءته: لقد أحضرت عذري وعليه شهود يحققونه، إن كنت عاذرا لي أو تاركا لذلك، فنصب «عاذرا» على أنه خبر «كان» المحذوفة مع اسمها، وكذلك «تاركا»، ولو قال: إن عاذر لي وإن تارك، جاز؛ لأنه يريد: إن كان لي في الناس عاذر، أو غير عاذر. [سيبويه/ 132].

22 - أهوى لها أسفع الخدّين مطّرق … ريش القوادم لم تنصب له الشّبك
قاله زهير بن أبي سلمى، يصف صقرا قد انقضّ على قطاة. أهوى: انقض لها، أي:
للقطاة. والأسفع: الأسود. والمطّرق: من الإطّراق: وهو تراكب الريش. والقوادم:
ريش مقدم الجناح. وقوله: «لم تنصب»: عنى أن الصقر وحشي، لم يصد ولم يذلّل؛ وذلك أشدّ له وأسرع لطيرانه.
والشاهد: نصب «ريش» ب «مطّرق»، وهي الصفة المشبهة باسم الفاعل. [سيبويه/ 1/ 100، واللسان «هوا»].

23 - رأيت سعودا من شعوب كثيرة … فلم أر سعدا مثل سعد بن مالك
لطرفة بن العبد. والشعوب: جمع شعب، وهو فوق القبيلة. وسعد بن مالك رهط طرفة.
والشاهد: جمع «سعد» على «سعود»، والأكثر استعمالا هو الجمع السالم. [سيبويه/ 2/ 97، واللسان، «سعد»].
(2/198)

24 - وقلت اجعلي ضوء الفراقد كلّها … يمينا ومهوى النّجم من عن شمالك
الشاهد: «من عن»، حيث جاءت «عن» بمعنى جانب؛ لسبقها بحرف الجرّ (من).
[شرح المفصل/ 8/ 40].

25 - وقد كان منهم حاجب وابن عمه … أبو جندل والزيد زيد المعارك
البيت للأخطل.
والشاهد: تعريف العلم «الزيد»؛ لتأوله بواحد من الأمّة المسماة به، فجرى مجرى فرس، وزيد. [شرح المفصل/ 1/ 44].

26 - ثم استمرّوا وقالوا إنّ موعدكم … ماء بشرقيّ سلمى فيد أوركك
البيت لزهير بن أبي سلمى. و «فيد»: اسم مكان في جزيرة العرب، وقوله: «ركك»، فيه الشاهد، فهو اسم مكان أيضا، أو هو ماء. وزعم الأصمعي أنه «ركّ»، وأن زهيرا لم تستقم له القافية ب «ركّ» فقال: «ركك»، فأظهر التضعيف ضرورة. واعتمد الأصمعي في حكمه على شهادة أعرابي في زمانه، أنه كان هناك ماء يقال له: «ركّ». وقلت: بين قول زهير ما قال، وبين شهادة الأعرابي، حوالي ثلاثة قرون، وربّما حصل هذا التغيير في لفظ العلم، فليس قول الأعرابي بحجة على زهير، وإذا صح قول زهير هذا البيت، فالذي فيه هو الصحيح، والله أعلم. [اللسان «ركك»، ومعجم البلدان «ركك»، وشرح أبيات المغني ج 6/ 50].

27 - أخ مخلص واف صبور محافظ … على الودّ والعهد الذي كان مالك
البيت غير منسوب.
والشاهد: «كان مالك»، والتقدير «كانه مالك»، فحذف العائد المنصوب بالفعل الناقص شذوذا. وقال بعضهم: الأولى إعراب «أخ» خبرا مقدما، و «مالك»، مبتدأ مؤخر، واسم كان ضمير مستتر يعود على «مالك»، وخبرها هو المحذوف العائد على الذي، أي: الذي كان مالك إيّاه، أي: عليه تأمل. [الأشموني ج 1/ 171].

28 - يا حار لا أرمين منكم بداهية … لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك
البيت لزهير بن أبي سلمى، من قصيدة هدّد بها زهير الحارث بن ورقاء، وقد استاق
(2/199)

إبلا وعبدا لزهير.
وقوله: يا حار: مرخم الحارث. و «لا» ناهية، و «أرمين» بالبناء للمجهول مؤكد بالنون الخفيفة. والسوقة: الرعية. [شرح المفصل/ 2/ 22، والهمع/ 1/ 164].

29 - إذا الأمّهات قبحن الوجوه … فرجت الظلام بأمّاتكا
البيت غير منسوب. وأنشدوه على أنّ الأمات، بدون هاء، قد ترد جمعا للأناسي، وجمع الشاعر في البيت بين اللغتين، «الأمهات»، و «أمّاتكا»، وهي «أمات» [شرح المفصل ج 10/ 3، والهمع ج 1/ 23، واللسان «أمم»].

30 - أولئك قومي لم يكونوا أشابة … وهل يعظ الضّلّيل إلا ألالكا
البيت نسبه ابن يعيش للأعشى، وليس في ديوانه. والأشابة: الجمع المختلط.
والشاهد في البيت: «ألالكا» في آخر البيت، فهي مركبة من «أولى»، اسم الاشارة المقصور، ولام البعد، ثم الكاف.
والشاهد: زيادة اللام في ألى المقصور، وزيادتها للدلالة على البعد. ويروى البيت أوله كآخره، وجاء في كتاب [الخزانة ج 1/ 394]. وقال أخو الكلحبة يردّ عليه:
ألم تك قد جربت ما الفقر والغنى … وما يعظ الضلّيل إلا ألالكا
عقوقا وإفسادا لكلّ معيشة … فيكف ترى أمست إضاعة مالكا
[الخزانة ج 1/ 394، واللسان «ألا»، وشرح المفصل ج 10/ 6، والهمع ج 1/ 76].

31 - تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي … وما عدلت عن أهلها لسوائكا
البيت من قصيدة للأعشى ميمون، مدح بها هوذة بن علي بن ثمامة الحنفي، وقوله:
«تجانف»، أصله: تتجانف بتاءين، من الجنف، وهو الميل. و «جوّ»: بفتح الجيم وتشديد الواو، اسم اليمامة في الجاهلية، هكذا نقله البغدادي في الخزانة. ولكن لماذا أضاف «جوّ» إلى اليمامة؟ والأحسن أن يقال: كان اسمها جوّ
اليمامة، مركبا، فحذف المضاف، واستقرّت على المضاف إليه.
والشاهد: «لسوائكا»، فقد قال قوم: إن «سوى» ظرف، وخروجها عن الظرفية شاذ
(2/200)

خاص بالشعر، ومن الشاذ قول الأعشى في البيت، وإذا خرجت عن الظرفية، كانت بمعنى «غير». ويرى هؤلاء أنها لا تأتي إلا ظرف مكان، وأن استعمالها اسما متصرفا بوجوه الإعراب بمعنى «غير»، خطأ.
ويرى الكوفيّون أن «سوى» لا تلزم الظرفية، فتكون اسما، وتكون ظرفا، وفي البيت الشاهد جرّت ب «اللام» وهذا يدل على اسميتها واستعمالها بمعنى «غير»، وقولهم هو الراجح في هذا المكان، و «سوى» فيها لغات:
1 - إذا فتحت، مدّت لا غير (سواء).
2 - وإذا ضمت، قصرت لا غير (سوى).
3 - وإذا كسرت، جاز المدّ، والقصر أكثر (سواء، وسوى).
[الخزانة ج 3/ 435، وكتاب سيبويه ج 1/ 13، 203، وشرح المفصل ج 2/ 44، 84، والانصاف 295، والهمع ج 1/ 202].

32 - تجلّد لا يقل هؤلاء هذا … بكى لمّا بكى أسفا عليكا
البيت غير منسوب. والشاهد استعمال «هولاء» لغة في «هؤلاء». [شرح المفصل ج 3/ 136، والخزانة ج 5/ 438] والرواية في شرح المفصّل: «أسفا وغيظا».

33 - مورّثة مالا و - في المجد - رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا
البيت للأعشى في مدح هوذه بن علي الحنفي. وقوله: «مورّثة»، صفة مجرورة لموصوف مجرور في بيت سابق، وهو قوله:
وفي كلّ عام أنت جاشم رحلة … تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا
والرحلة: يريد بها الغزوة. وقوله: لما ضاع من قروء، يعني: الغزوة التي شغلته عن وطء نسائه في الطهر، فالقروء: جمع قرء، وهو هنا: «الطّهر».
والشاهد: «في المجد»، فصل به بين «واو» العطف، والمعطوف بها «رفعة»، والأصل: مورثة مالا ورفعة في المجد. ويروى: (في الحيّ) بدل (في المجد). [الهمع ج 2/ 141، والخزانة ج 3/ 440، واللسان «قرأ»].
(2/201)

34 - وما كان على الجيء … ولا الهيء امتدا حيكا
ولكنّي على الحبّ … وطيب النفس آتيكا
البيتان لمعاذ بن مسلم الهرّاء الرؤاسي، من قدماء النحويين، ورجال الطبقة الأولى من نحاة الكوفة، ولد أيام عبد الملك بن مروان، وتوفي سنة 187 ه.
والشاهد: «الجيء» وهو اسم صوت لدعاء الإبل للشرب، و «الهيء»، وهو لدعاء الإبل للعلف. [اللسان «هأهأ» و «جأجأ»، وشرح المفصل ج 4/ 83].

35 - يا دار بين النّقا والحزن ما صنعت … يد النّوى بالأولى كانوا أهاليك
البيت بلا نسبة في الهمع ج 2/ 173، وأنشده السيوطي شاهدا؛ لعمل عامل المنادى في الظرف.

36 - إنّي لمهد من ثنائي فقاصد … به لابن عمّ الصّدق شمس بن مالك
البيت منسوب للشاعر تأبط شرّا، من مقطوعة نقلها أبو تمام في الحماسة. وقد أنشده الرضي على أن «شمس» مصروف، مع أنه معدول عن «شمس» بالفتح، قال: وإنما صرفه؛ لكونه لم يلزم الضمّ، فإنه سمع فيه الفتح أيضا، فلما لم يلزم الضمّ، لم يعتبر عدله، ولو لزم الضم؛ لصرف أيضا، لأنه يكون منقولا من «شموس»، لا معدولا من «شمس» بالفتح. [الخزانة ج 1/ 200، وشرح الحماسة للمرزوقي ج 1/ 92].

37 - بئس قرينا يفن هالك … أم عبيد وأبو مالك
أورد السيوطي في الهمع، الشطر الأول شاهدا لورود فاعل «بئس» نكرة، للضرورة، والتكملة من اللسان. واليفن: الشيخ الكبير، وأبو مالك: قال ابن منظور ويقال للهرم، أبو مالك، وهو برواية السيوطي للشطر الأول لا يستقيم، لأن «يفن» مرفوع، وهالك مرفوع، والقافية مجرورة، ويبدو البيت مصرّعا.
ورواية اللسان للشطر الأول: «بئس قرين اليفن الهالك»، فهو أولا يناسب القافية، وبها لا يكون في البيت ضرورة؛ لأن الفاعل مضاف إلى المعرف ب «أل». [اللسان «ملك»، والهمع ج 2/ 86]، ولعلّ رواية السيوطي تقرأ: «بئس قرينا اليفن الهالك»، قرينا: مثنى قرين، مضاف إلى يفن، وهالك صفته مجرورة.
(2/202)

38 - فأيقنت أنّي ثائر ابن مكدّم … غدا تئذ أو هالك في الهوالك
البيت لربيعة بن مكدّم، وينسب أيضا لابن جذل الطعّان في اللسان، وقبل البيت:
تجاوزت هندا رغبة عن قتاله … إلى مالك أعشو إلى ذكر مالك
والشاهد: «الهوالك»، قالوا: إنه جاء جمعا ل «هالك»، وهذا قليل؛ لأن «فواعل» يكون جمعا لفاعله، ولم يجعلوه للمذكر جمعا؛ لئلا يلتبس بالمؤنث، أما «نوارس» فهو خاص بالرجال، ووجهوه على أنه بتقدير: «هالك في الأمم الهوالك»، فيكون جمع هالكة. [اللسان «هلك»، وشرح المفصل ج 4/ 56].

39 - وانصر على آل الصليب … وعابديه اليوم آلك
منسوب لعبد المطلب بن هاشم، حين قدم أبرهة بالفيل إلى مكة؛ لتخريب الكعبة.
والشاهد: إضافة «آل» إلى الضمير. وفي الحديث: «اللهمّ صلّ على محمد وآله».
وفي قوله: «آل الصليب»، يدل بظاهره على جواز إضافته إلى غير الناطق، والجواب: أنه بمنزلة الناطق عند أهله، أو هو شاذ، ارتكب للمشاكلة.

40 - بئس هذا الحيّ حيّا ناصرا … ليت أحياءهم فيمن هلك
أورده السيوطي في الهمع ج 2/ 86 شاهدا؛ لمجيء فاعل «بئس» اسم اشارة متبوعا بذي اللام، وفي البيت شذوذ من حيث رفعت «بئس» اسم الاشارة، ومن حيث الجمع بين الفاعل الظاهر، والتمييز (حيّا) وهو محتمل للتأويل، بأن في بئس ضميرا، و «حيّا ناصرا» تمييزه، و «هذا الحيّ» هو المخصوص بالذم، والتقدير: بئس حيّا هذا الحيّ، والبيت غير منسوب.

41 - وإنّما الهالك ثمّ التالك … ذو حيرة ضاقت به المسالك
كيف يكون النّوك إلّا ذلك
رجز غير منسوب. وأنشده السيوطي شاهدا على الاستغناء بإشباع الضمة عن الميم في قوله: «ذلك»، والأصل «ذلكم»، ولعلّ الراجز غيّر الحركة؛ لأجل القافية.
[الهمع/ 1/ 77، والدرر/ 1/ 51].
(2/203)

42 - أهدموا بيتك لا أبالكا … وحسبوا أنّك لا أخالكا
وأنا أمشي الدّألى حوالكا
زعم أبو عبيدة أنّ هذا الرجز من قول الضبّ للحسل، أيام كانت الأشياء تتكلم، فيما زعم الأعراب. والحسل: ولد الضب حين يخرج من البيضة. والدألى: مشية فيها تثاقل، يقال: مرّ يدأل بحمله.
والبيت شاهد على أن من الألفاظ التي تستعمل مثناة ما يصلح للتجريد، ولا يختلف معناه ومنها: لفظ «حواليك»،
فيقال: حولك، وحوالك، وهو اللفظ الذي جاء به الراجز.
قال أبو أحمد: ونسبة هذا الرجز إلى الضبّ، لا يقدح في نسبته إلى فصحاء العرب، فلعلّ هذا الرجز مما كان يحكيه الناس من القصص في العصر الجاهلي، ويكون له معنى رمزيّ عندهم. [سيبويه/ 1/ 176، واللسان «حول» و «دأل»، والهمع/ 1/ 41، والدرر/ 1/ 151].

43 - أبيت أسري وتبيتي تدلكي … جلدك بالعنبر والمسك الذّكي
رجز مجهول القائل. وفيه حذف نون الرفع من الأفعال الخمسة؛ لغير ناصب، أو جازم في قوله: «وتبيتي»، و «تدلكي». قالوا: وهو من الضرائر في الشعر، لكن جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «كتاب الجنة وصفه نعيمها وأهلها»، في باب عرض مقعد الميت من الجنة عليه، وإثبات عذاب القبر. وأخرجه النسائي في كتاب «الجنائز»، والإمام أحمد في «مسنده» 1/ 472، وذلك في قصة قتلى بدر حين قام عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فناداهم .. الحديث، فسمع عمر قول النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، كيف يسمعوا؟ وأنّى يجيبوا؟ وقد جيّفوا فحذف النون من يسمعون، ويجيبون.
هذا، وقوله: «أبيت»: فعل ناقص واسمه، وجملة أسري: خبره. والعنبر الذكيّ:
الشديد الرائحة. [الخزانة/ 8/ 339، والخصائص/ 1/ 388، وشرح التصريح/ 1/ 11، والهمع/ 1/ 51].

44 - ليث وليث في محلّ ضنك … كلاهما ذو أشر ومحك
رجز قاله واثلة بن الأسقع، الصحابي، في وقعة مرج الروم، عند ما برز له بطريق
(2/204)

رومي، فحمل عليه واثلة فقتله، وهو يرتجز بهذا الرجز. وقوله: «محلّ ضنك»، أي:
ضيّق. والأشر: البطر. ومحك: بفتح الميم وسكون الحاء، أي: لجاج.
والرجز شاهد على أنّ أصل المثنى العطف بالواو؛ فلذلك يرجع إليه الشاعر في الضرورة كما في البيت، فإن القياس أن يقول: «ليثان». لكنه أفردهما وعطف بالواو؛ لضرورة الشعر. وقد يفعلون هذا في الجمع أيضا كقول أبي نواس:
أقمنا بها يوما ويوما وثالثا … ويوما له يوم الترحّل خامس
ويرى ابن الشجري في أماليه، أنك إن استعملت هذا في السعة، فإنما تستعمله لتفخيم الشيء الذي تقصد تعظيمه، كقولك لمن تعنّفه بقبيح تكرر منه، وتنبهه على تكرير عفوك:
قد صفحت عن جرم وجرم وجرم وجرم. وكقولك لمن يحقر أيادي أسديتها إليه، أو ينكر ما أنعمت به عليه: قد أعطيتك، ألفا وألفا وألفا، فهذا أفخم في اللفظ، وأوقع في النفس من قولك: قد صفحت لك عن أربعة أجرام، وقد أعطيتك ثلاثة آلاف. قال أبو أحمد: وهذه لفتة ذكية من ابن الشجري، فما زال الناس يقولون هذا الأسلوب.
هذا، وقد نسب الجاحظ هذا الرجز - في كتاب المحاسن - إلى جحدر بن مالك الحنفي، في قصة كانت أيام الحجاج بن يوسف، وتفيد القصة أن جحدرا كان فاتكا، فأمسك به، ووضع مع أسد في حومة، فقتل الأسد، وهو يرتجز هذا الرجز، ولكن واثلة أقدم من جحدر، فمن المحتمل أن يكون سمعه وتمثّل به، والله أعلم، فقد توفي واثلة سنة 83 ه، وهو ابن مائة، وقيل توفي سنة 85 ه، وهو ابن ثمان وتسعين سنة، وتوفي في بيت المقدس، أو في إحدى قرى فلسطين. ومما لا شكّ فيه أن واثلة - أبا قرصافة شارك في فتح فلسطين، وعودة الأرض إلى أهلها العرب، وطرد الروم. واليوم: الجمعة 24/ 3 / 1414 ه - 11/ 9 / 1993 م، أقرّت (م ت ف) بملكية اليهود لفلسطين، وأعلنت إلغاء فرض الجهاد - ولو بالحجارة - في سبيل إرجاع الأرض المقدسة، بل كانت الفرحة أكبر؛ لأن الاسرائيلين اعترفوا بوجود (م ت ف)، وتمثيلها للفلسطينيين، وأشهد الله أن الحكومات العربية منذ سنة 1917 م حتى سنة 1993 م - وقلت: الحكومات، ولم أقل - الشعوب - هي التي أوصلت الأمر إلى هذا الحدّ؛ لأن الحكومات كانت تحمي حدود الأرض الفلسطينية التي اغتصبها اليهود، وتمنع تسلل المجاهدين إلى أرض فلسطين، فعاش اليهود في حصن حصين، ثم قالوا: إنّ أهل فلسطين هم المسؤولون عن تحرير الأرض،
(2/205)

وكيف يكون ذلك وليس لهم أرض ينطلقون منها، بل كيف قالوا ذلك وفلسطين جزء من أرض العرب؟ ثم اتفقت الحكومات العربيّة على أن (م ت ف) الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وهذا الخطأ الأكبر؛ لأنه يعني التخلّي التام عن الاهتمام بشؤون فلسطين، وأن لكل هيئة حاكمة حقّ التصرف في الأرض التي تحكمها، وهذا صحيح حسب ميثاق الأمم المتحدة، وميثاق الجامعة العربية التي أسستها بريطانيا، ولكنه ليس صحيحا إذا عرضناه على قانون الإسلام والعروبة والقوميّة؛ لأن الرسول عليه السّلام، مثل المجتمع المسلم، بقوم ركبوا سفينة، فجاء أحدهم وقال: هذه قسمتي، وأخذ يخرق في حصته من السفينة، فإن تركوه، هلكوا جميعا، وإن منعوه، نجوا جميعا. وأنا أقول هذا وأنا متلبس بالقيم الدينية والقوميّة، ولكنني لا أقوله إذا انسلخت عنها، وقد لا يعيبني الناس إذا نظرت للموضوع نظرة شخصية صرفة، مدفوعا بالمنفعة الشخصية؛ ذلك أنّ أهل فلسطين - وبخاصة أهل قطاع غزة - ذاقوا مرارة الطرد والتشريد والحصر والحبس منذ سنة 1947 م إلى اليوم الذي أكتب فيه هذا الكلام، وقد عانينا مرارة الطرد والتشريد من العرب، بل من الحكومات العربية، أكثر مما عانيناه من الأعداء، كلما
قصدنا إلى قطر حالت شرطة الحدود دون دخولنا، ونرى بأعيننا قوافل أمم الأرض كلها تدخل بالتأهيل والترحيب، أليس من حقّي أن تكون لي هوية، أو وثيقة سفر تمنحني القدرة على التجوال والضرب في الأرض؛ لكسب لقمة العيش الشريف؟ وهذا ما أطمح إليه، وأطمع فيه، إذا نظرت للقضية نظرة منفعية خالصة، وكلّ العرب ينظرون إلى منافعهم الخاصة، فهم الذين ألجؤوا الفلسطيني إلى القول:
نفسي أولا ومن بعدي الطوفان، أم يريدون منا وحدنا أن ندافع عن قلب العرب الذي يحيا به العرب بعامة؟!
[الخزانة/ 7/ 461، والهمع/ 1/ 43].

45 - كأنّ بين فكّها والفكّ … فارة مسك ذبحت في سكّ
الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، يصف امرأة. والفك: عظم الحنك، أو اللّحي، وهو الذي عليه الأسنان. وصف امرأة بطيب الفم، يريد أن ريح المسك يخرج من فيها.
والفارة: وعاء المسك. وذبحت: شقّت وفتقت. والسّك: نوع من الطيب.
والبيت شاهد على أن المثنى أصله العطف بالواو؛ ولذلك يرجع إليه الشاعر في الضرورة، أو بغرض التفخيم، فقال في البيت: «بين فكها والفكّ»، وكان القياس أن يقول:
(2/206)

«بين فكيها»، ولكنه أتى بالمتعاطفين؛ للضرورة. [شرح المفصل/ 1/ 138، والخزانة/ 7/ 468، واللسان «زكك»].

46 - يا عزّ كفرانك لا سبحانك … إني رأيت الله قد أهانك
لخالد بن الوليد، قاله عند ما أرسله النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى العزّى، وهو صنم كان لقريش في الجاهلية، فهدم البيت، وحطم الصنم. [الخزانة/ 7/ 220، وشرح التصريح/ 1/ 151].
(2/207)

قافية اللام
1 - لعمرك ما أدري وإني لأوجل … على أيّنا تعدو المنيّة أوّل
البيت لمعن بن أوس، يقول لصاحبه: أقسم لك إني لا أعلم - مع أنني خائف - من الذي ينزل به الموت منا قبل أن ينزل بصاحبه. يريد أن هذه الحياة قصيرة، والمرء في كل لحظة عرضة للموت، فلا يحسن أن نقضي حياتنا في الهجران. لعمرك: اللام:
للابتداء، وعمرك: مبتدأ خبره محذوف وجوبا، وجملة «وإني لأوجل» حالية.
والشاهد: «أول» ظرف زمان مبني على الضم في محل نصب، على تقدير حذف المضاف إليه، ونيّة معناه لا لفظه، كما في قراءة السبعة: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ.
[الروم: 4]. [الشذور، والخزانة/ 8/ 289].

2 - أقول وقد ناحت بقربي حمامة … أيا جارتا لو تشعرين بحالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النّوى … ولا خطرت منك الهموم ببالي
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا … تعالي أقاسمك الهموم تعالي
لأبي فراس الحمداني قالها وهو في أسر الروم، يناجي حمامة.
والشاهد في البيت الثالث: «تعالي» الثانية، حيث جاء بها الشاعر مكسورة «اللام»، بدليل قوافي الأبيات، والمعروف أن العرب يفتحون لام هذه الكلمة في كل أحوالها.
ولذلك نسبوا أبا فراس إلى اللحن، وقد اعتذر عنه بعضهم، أنها لغة قليلة؛ وتعال: عدها بعضهم اسم فعل، والظاهر أنها من الأفعال؛ لأنها دالة على الطلب، وتلحقها ياء المخاطبة، والضمائر واسم الفعل ليس كذلك، ومثلها (هات)، وشعر أبي فراس للتمثيل، لا للاستشهاد.

3 - رأيت الوليد بن اليزيد مباركا … شديدا بأعباء الخلافة كاهله
(2/209)

من شعر ابن ميادة الرماح بن أبرد، وميادة أمه، وهو يمدح الوليد بن يزيد بن عبد الملك، والممدوح اختلف المؤرخون في سيرته، فمنهم من بالغ وأسرف، ومنهم المعتدل، قال الذهبي: لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة، بل اشتهر بالخمر، فخرجوا عليه. قالوا: وذكر الوليد مرة عند المهدي فقال رجل: كان زنديقا، فقال المهدي: مه، خلافة الله عنده أجلّ من أن يجعلها في زنديق. والظاهر أن ما نسب إليه من الإلحاد، ليس له سند معتمد، فنتوقف في روايته.
والشاهد: «اليزيد»، حيث جر بالكسرة، مع أنه في الأصل ممنوع من الصرف؛ للعلمية ووزن الفعل، فلما دخلت عليه (ال)، جرّ بالكسرة. [الإنصاف/ 317، وشرح المفصل/ 1/ 44، والخزانة/ 2/ 226].

4 - قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل … بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
مطلع معلقة امرئ القيس.
والشاهد: «قفا نبك»، حيث جزم المضارع في جواب الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة.

5 - أغرّك منّي أنّ حبّك قاتلي … وأنّك مهما تأمري القلب يفعل
لامرئ القيس من معلقته.
والشاهد: أنه جزم ب «مهما»، فعلين، أولهما: تأمري، والثاني: يفعل، وحرك بالكسر؛ لضرورة الشعر، وعلامة جزم الأول حذف النون، والثاني السكون.

6 - إذا النعجة العجفاء كانت بقفرة … فأيّان ما تعدل بها الريح تنزل
لا يعلم قائله. والشاهد: «أيان تعدل تنزل»، حيث جزم ب «أيّان» فعلين، أولهما:
تعدل، والثاني: تنزل. [الهمع/ 2/ 63، والأشموني/ 4/ 10].

7 - وقصيدة تأتي الملوك غريبة … قد قلتها ليقال: من ذا قالها
للأعشى ميمون بن قيس، وقصيدة: الواو: واو ربّ، قصيدة: مبتدأ، وجملة «تأتي» صفة وغريبة: صفة ثانية، وجملة «قد قلتها»: خبر المبتدأ. من: اسم استفهام مبتدأ، ذا:
(2/210)

اسم موصول خبره.
والشاهد: «من ذا قالها»، فإنه استعمل «ذا» اسما موصولا بمعنى «الذي»، بعد «من» الاستفهامية، وجاء له بصلة هي قوله: «قالها». [الشذور، والهمع/ 1/ 84].

8 - سلي إن جهلت الناس عنّا وعنهم … فليس سواء عالم وجهول
قاله السموأل بن عادياء اليهودي، لعنه الله، وقد ضربوا به المثل في الوفاء، وأظن ذلك كذبا؛ لأن اليهود مشهورون بالغدر منذ فجر حياتهم، وقد ذكرهم الله يغدرون بالأنبياء، فكيف يكون لهم نصيب من الوفاء للناس.
والشاهد: «ليس سواء عالم وجهول»، حيث قدم خبر ليس، وهو قوله: «سواء»، على اسمها، وهو «عالم»، فدل هذا على جواز تقديم خبر هذا الفعل على اسمه.
[العيني/ 2/ 76، والأشموني/ 1/ 232، والحماسة/ 123].

9 - لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا … جنوده ضاق عنها السّهل والجبل
نسبه هارون في معجمه إلى اللعين المنقري، فوهم.
والشاهد: حذف كان مع اسمها في قوله: «ولو ملكا»، وأبقى خبرها وهو قوله:
«ملكا» بعد لو الشرطية، والتقدير: ولو كان الباغي ملكا. ومثله قوله عليه السّلام:
«التمس ولو خاتما من حديد». [الأشموني/ 1/ 242، والعيني/ 2/ 50، والخزانة ج 1/ 257، والهمع/ 1/ 121، وشرح أبيات المغني/ 5/ 81].

10 - علموا أن يؤملون فجادوا … قبل أن يسألوا بأعظم سؤل
غير منسوب. والسّؤل: ما تسأله وتتمناه.
والشاهد: «أن يؤملون»: حيث جاء خبر «أن» المخففة، جملة فعلية، فعلها متصرف غير دعاء، ولم يفصل بينه وبين «أن» بفاصل. والأكثر أنها إذا خففت «أن»، يكون اسمها ضمير شأن محذوف، وخبرها جملة اسمية، أو فعلية فعلها جامد، أو متصرف، وهو دعاء، فإذا كانت كذلك، لم تحتج إلى فاصل، فإن كان الفعل متصرفا، وكان غير دعاء، وجب أن يفصل من «أن» ب «قد» أو «حرف تنفيس»، أو حرف نفي، أو «لو»، وجاء في البيت غير مفصول. [العيني/ 2/ 294، والهمع/ 1/ 143، والأشموني/ 1/ 292].
(2/211)

11 - لقد علم الضيف والمرملون … إذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا
بأنك ربيع وغيث مريع … وأنك هناك تكون الثّمالا
من شعر جنوب بنت العجلان بن عامر الهذلية، ترثي أخاها. والمريع: بفتح الميم وضمها، الخصيب. والثمال: بكسر الثاء، الذخر والغياث. تمدحه بأنه جواد كريم، وبأنه يعطي المحروم، ويغيث الملهوف.
والشاهد قولها: «بأنك ربيع»، «وأنك تكون»، حيث خففت «أن» في الموضعين، وجاء اسمها ضميرا مذكورا في الكلام، وخبرها في الأول مفرد، وفي الثاني جملة، وهذا خلاف الأصل الغالب الجاري على ألسنة العرب. وإنما أصل الاسم أن يكون ضمير شأن محذوفا، ولا يكون الخبر حينئذ إلا جملة. وشمالا: منصوب على الظرفية، أي: من ناحية الشمال. [الإنصاف/ 206، وشذور الذهب، والعيني/ 2/ 282، وشرح أبيات المغني/ 1/ 149].

12 - لا سابغات ولا جأواء باسلة … تقي المنون لدى استيفاء آجال
غير منسوب. والسابغات: الدروع التي تغطي البدن. الجأواء: الجيش العظيم.
الباسلة: المتصفة بالبسالة وهي الشجاعة.
والشاهد: «لا سابغات» فإن اسم «لا» النافية للجنس جمع مؤنث سالم، وإذا وقع اسم «لا» جمع مؤنث سالما جاز فيه الوجهان: الأول: البناء على الكسر نيابة عن الفتحة، والثاني: البناء على الفتح، وقد وردت الرواية في هذا البيت بالكسر والفتح، فدلّ مجموع الروايتين على جواز الوجهين. [الهمع/ 1/ 146، والأشموني/ 2/ 9].

13 - وإن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن … بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
قاله: الشّنفرى. بأعجلهم: الباء زائدة، وأعجل: خبر كان، وإذ: إما حرف للتعليل، أو ظرف، وأجشع: مبتدأ، وأعجل: خبر.
والشاهد: مدت الأيدي، حيث حذف الفاعل، وهو «القوم»، وأقام المفعول به مقامه، وهو «الأيدي». [شرح أبيات المغني/ 7/ 89، والهمع/ 1/ 127، والأشموني/ 1/ 251].

14 - جفوني ولم أجف الأخلّاء إنني … لغير جميل من خليلي مهمل
(2/212)

غير منسوب. جفوني: واو الجماعة تعود إلى الأخلّاء، ولم أجف: الجملة معطوفة، وتحتمل الحالية، الأخلاء: مفعول به ل «أجف». لغير: متعلقان ب «مهمل» الآتي، لغير جميل: متعلقان بصفة ل «جميل». مهمل: خبر إنّ.
والشاهد: «جفوني ولم أجف الأخلاء»، حيث أعمل العامل الثاني - ولم أجف - في لفظ المعمول المتأخر، وهو «الأخلاء»، ولما كان العامل الأول يحتاج إلى مرفوع، أضمره فيه، وهو «واو» الجماعة، وهو يعود على متأخر لفظا ورتبة، ويغتفر البصريون عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة في باب التنازع، إذا كان الضمير مرفوعا. [شرح أبيات المغني/ 7/ 68، والهمع/ 1/ 109، والأشموني/ 2/ 60، 104].

15 - ولو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة … كفاني - ولم أطلب - قليل من المال
لامرئ القيس، حامل لواء الشعراء في النار. ما: مصدرية، مسبوكة مع ما بعدها بمصدر، اسم «أنّ». لأدنى معيشة: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر «أنّ»، و «أنّ» وما دخلت عليه: فاعل لفعل محذوف تقديره: لو ثبت ... ولم أطلب: الجملة معطوفة، قليل: فاعل كفاني.
والشاهد: «كفاني ولم أطلب قليل»: فإنه تقدم عاملان: «كفاني»، «ولم أطلب»، وتأخر معمول، وهو «قليل»، وهذا ليس من باب التنازع؛ لأن من شرط التنازع صحة توجه العاملين إلى المعمول المتأخر، مع بقاء المعنى صحيحا، والأمر هنا ليس كذلك.
[سيبويه/ 1/ 41، والخصائص/ 2/ 387، والإنصاف/ 84، وشرح المفصل/ 1/ 78، والشذور، وشرح شواهد المغني/ 5/ 35، والخزانة/ 1/ 327].

16 - ألا يا عباد الله قلبي متيّم … بأحسن من صلّى وأقبحهم بعلا
البيت للأخطل. والشاهد: «يا عباد الله»، فالمنادى منصوب لفظا؛ لأنه مضاف.
[الهمع/ 2/ 70].

17 - فجئت وقد نضّت لنوم ثيابها … لدى السّتر إلّا لبسة المتفضّل
قاله الشاعر الفاجر امرؤ القيس. ونضّت: خلعت. ولبسة المتفضل: غلالة رقيقة، هي التي يبقيها من يتبذّل. يريد أنه جاء عندها في الوقت الذي خلعت فيه ثيابها، وتهيأت للنوم. وجملة «وقد نضّت»: حالية. وإلا: أداة استثناء، لبسة: مستثنى.
(2/213)

والشاهد: قوله: «لنوم»،: فإن النوم علة لخلع الثياب، وفاعل الخلع والنوم واحد، ولكن زمانهما غير واحد؛ لأنها تخلع ثيابها قبل النوم؛ ولذلك وجب جره باللام الدالة على التعليل، ولم يجز أن يكون منصوبا؛ لأن شرط نصب المفعول لأجله؛ اتحاده مع فعله في الزمن. [الشذور، والهمع/ 1/ 194، والأشموني/ 2/ 124].

18 - فكونوا أنتم وبني أبيكم … مكان الكليتين من الطّحال
ليس له قائل معروف. وكونوا: كان واسمها. أنتم: توكيد للضمير المتصل. مكان:
ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر الفعل الناقص.
والشاهد: «وبني»، حيث نصبه على أنه مفعول معه، ولم يرفعه بالعطف على اسم «كونوا»، مع وجود التوكيد بالضمير المنفصل الذي يسوّغ العطف؛ لأن الرفع على العطف يفيد أن بني أبيهم مأمورون مثلهم بأن يكونوا منهم مكان الكليتين من الطحال، وليس هذا مراد الشاعر، فلذلك وجب ترجيح النصب؛ ليدل على المعنى المراد. [سيبويه/ 1/ 150، وشرح المفصل/ 2/ 48، والتصريح/ 1/ 345، والهمع/ 1/ 220].

19 - لميّة موحشا طلل … يلوح كأنّه خلل
للشاعر كثير بن عبد الرحمن، المعروف بكثير عزّة.
وقوله: لمية: خبر مقدم. طلل: مبتدأ مؤخر. وقوله: خلل: بكسر الخاء، جمع خلة، وهي بطانة تغشّى بها أجفان السيوف.
والشاهد: «موحشا»: فهو منصوب على الحالية، وصاحبه «طلل»، وصاحب الحال جاء نكرة، والمسوّغ له تقدم الحال على صاحبه، وقد يكون المسوغ التخصيص؛ لأن صاحب الحال «طلل»، وصف بجملة «يلوح». [سيبويه/ 1/ 276، والخصائص/ 2/ 492، وشرح المفصل/ 2/ 50، والشذور، والأشموني/ 2/ 174].

20 - ألا كلّ شيء - ما خلا الله - باطل … وكلّ نعيم لا محالة زائل
قاله لبيد بن ربيعة العامري.
والشاهد: «ما خلا الله»، وجب نصب لفظ الجلالة بعد خلا؛ لأن سبقها ب (ما) المصدرية، يحقق فعلتيها، فلفظ الجلالة: منصوب على التعظيم مفعول به للفعل (خلا).
(2/214)

[شرح المفصل/ 2/ 78، والشذور، والعيني/ 1/ 15، والهمع/ 1/ 23، والأشموني/ 1/ 28، وشرح أبيات المغني/ 3/ 154].

21 - فهيهات هيهات العقيق ومن به … وهيهات خلّ بالعقيق نواصله
قاله جرير بن عطية، يتحسر على فراق خلانه وتركه المنازل التي كان يحلّ معهم فيها.
والشاهد: «هيهات»: اسم فعل ماض بمعنى بعد، رفع «فاعلا» هو العقيق في الشطر الأول، و «خلّ» في الشطر الثاني، فدل ذلك على أنّ اسم الفعل يعمل عمل الفعل الذي يكون بمعناه. [شرح المفصل/ 4/ 35، والشذور، والهمع/ 2/ 111، والعيني/ 3/ 7، و 4/ 311].

22 - إنّ وجدي بك الشديد أراني … عاذرا فيك من عهدت عذولا
غير منسوب. والمعنى: لقد زاد وجدي، وبان للناس تهيامي بك، حتى لقد صار الذين كانوا يلومونني على محبتي إياك، يلتمسون لي الأعذار.
وقوله: أراني: ماض نصب ثلاثة مفاعيل: الأول: الياء، والثاني: عاذرا، والثالث:
«من»، ولكن من ترتيبه الثاني، لأن أصل الكلام: أراني من عهدته عاذلا، عاذرا.
وعذولا: حال. وجملة «أرى»: خبر «إنّ» وتقدير الكلام: إن الوجد الشديد أراني الذي عهدته عذولا، عاذرا فيك.
والشاهد: وجدي بك الشديد فإن «وجد» مصدر، وهو موصوف بقوله: الشديد. وقوله «بك»، متعلق بهذا المصدر، فلمّا قدم هذا المتعلّق على الوصف بقوله: «الشديد»، جاز، ولو أخره، فقال: إنّ وجدي الشديد بك، لامتنع؛ لأن الشرط هو ألا يكون موصوفا قبل العمل. [الهمع/ 2/ 48، والأشموني/ 2/ 242، والعيني/ 3/ 366، والتصريح/ 2/ 27].

23 - القاتلين الملك الحلاحلا … خير معدّ حسبا ونائلا
قاله امرؤ القيس بعد أن قتل بنو أسد أباه، وخرج يطلب ثأره منهم. وقبله:
والله لا يذهب شيخي باطلا … حتى أبير مالكا وكاهلا
ومالك وكاهل: قبيلتان. والحلاحل: بضم الحاء الأول، السيد الشجاع.
(2/215)

والشاهد قوله: «القاتلين الملك»، حيث أعمل اسم الفاعل في المفعول به، مع كونه دالا على المضي؛ لأنهم قتلوه من قبل، وإنما أعمله مع ذلك لكونه محلى ب «أل»، وقوله: القاتلين: صفة لمالك وكاهل؛ لأنهما قبيلتان. [الشذور، والهمع/ 2/ 96، والأشموني/ 3/ 298، وشرح أبيات المغني/ 3/ 104].

24 - أخا الحرب لبّاسا إليها جلالها … وليس بولّاج الخوالف أعقلا
البيت، قاله القلاخ بن حزن بن جناب. وأخا الحرب: الذي يخوض غمراتها.
وجلالها: بكسر الجيم، جمع جلّ، وأراد هنا: الدروع ونحوها مما يلبس في الحرب.
ولّاج: كثير الولوج، وهو الدخول. والخوالف: جمع خالفة، وأصلها عمود الخيمة، وأراد هنا: الخيمة نفسها، من باب إطلاق اسم جزء الشيء، وإرادة كله. و «أعقل»:
الأعقل هو الذي تصطك ركبتاه من الفزع، وكنى بولاج الخوالف عن الإغارة على جاراته، المعنى: افتخر بأنه شجاع، ملازم للحرب، آخذ لها أهبتها، وبأنه عف لا يغير على جاراته حال غيبة بعولتهن.
أخا: حال من ضمير مستتر في قوله: «بأرفع»، في بيت سابق، هو قوله:
فإن تك فاتتك السماء فإنني … بأرفع ما حولي من الأرض أطولا
لباسا: حال ثانية. جلالها: مفعول به منصوب بالفتحة. أعقلا: خبر ثان لليس منصوب بالفتحة.
والشاهد: «لبّاسا جلالها»، أعمل صيغة المبالغة «لباسا» إعمال اسم الفاعل، فنصب به المفعول به، وهو قوله: «جلالها»؛ لأن هذه الصيغة معتمدة على ذي حال، وهو كالموصوف. [الشذور وسيبويه/ 1/ 57، وشرح المفصل/ 6/ 7، والهمع/ 2/ 96].

25 - ما أنت بالحكم الترضى حكومته … ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
من كلام الفرزدق، واسمه همام بن غالب يقوله في هجاء رجل من بني عذرة، كان قد فضل جريرا على الفرزدق والأخطل. ما: نافيه. أنت: مبتدأ. بالحكم: الباء زائدة، والحكم خبر.
الترضى: ال: اسم موصول نعت للحكم. الأصيل: معطوف بالجر حسب اللفظ على الحكم.
والشاهد: «الترضى»، حيث قال بعضهم: إن (ال)، ليست من علامات الأسماء؛ لأنها
(2/216)

دخلت على الفعل. والجواب: أن قول الفرزدق شاذ، والقواعد تبنى على القياس المطرد. [الإنصاف/ 521، والهمع/ 1/ 85، والأشموني/ 1/ 156، والشذور، والخزانة/ 1/ 32].

26 - إذا قلت هاتي نوّليني تمايلت … عليّ هضيم الكشح ريّا المخلخل
لامرئ القيس من معلقته. وهضيم الكشح: دقيقة الخصر نحيلته. ريّا المخلخل:
ممتلئة الساق، والمخلخل: مكان الخلخال، والعرب تستحسن من المرأة دقة الخصر، وضخامة الساقين. هاتي: فعل أمر، وجملته بدل من جملة هاتي. هضيم: حال من فاعل تمايلت. و «ريّا» حال ثانية.
والشاهد: «هاتي»: فعل أمر؛ لدلالته على الطلب، واتصاله بياء المخاطبة، ولا يكون هذا لاسم الفعل.
أقول: ومن يقرأ شعر الخبيث، (امرئ الخبث)، يظن أن بنات العرب كنّ مباحات له، والحقّ أنه كاذب ملعون، فهو يصف أمانيه وخيالاته التي لم يصب منها شيئا. فلا تصدقنّ ما وصفه من المغامرات. [شذور الذهب].

27 - لا يعجبنّك من خطيب خطبة … حتى يكون مع الكلام أصيلا
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما … جعل اللسان على الفؤاد دليلا
نسبوا البيتين للأخطل - غياث بن غوث - وليسا في ديوانه. وذكرهما ابن هشام في شذور الذهب؛ ليستدل بهما على أن لفظ الكلام يطلقه العرب على المعاني التي تقوم في نفس الإنسان، ويتخيّلها قبل أن يعبر عنها بألفاظ تدلّ عليها.

28 - يذيب الرّعب منه كلّ عضب … فلولا الغمد يمسكه لسالا
من شعر أبي العلاء المعري. يقول: إن سيفك تهابه السيوف، كما أن الرجال يهابونه، وأن سيوف الناس تذوب في أغمادها هيبة لسيفك، وخوفا منه، ولولا أن الأغماد تمسكها، لسالت كما يسيل الماء.
والشاهد: «لولا الغمد يمسكه»، فقد نسبوا أبا العلاء المعري إلى اللحن، لأنه ذكر خبر المبتدأ بعد لولا، لكونه يدل على الكون العام ويجب حذفه. والذوق يوافق أبا العلاء، وإن
(2/217)

كانت الصناعة تخالفه، والذوق أقوى من الصناعة؛ لأن العربية تقوم على الذوق والمعنى، ومثل أبي العلاء وإن كان من العصر الذي لا يستشهد بكلام أهله، إلا أنه متمكن من لغة العرب، مما يصعب معه نسبته إلى اللحن. [الشذور، والهمع/ 1/ 104، والأشموني/ 1/ 215، وشرح المغني 5/ 118].

29 - ومن لا يصرف الواشين عنه … صباح مساء يبغوه خبالا
غير منسوب. وقوله: يبغوه، يريد: يقصدوه، ويطلبوا له.
والشاهد: «صباح مساء»، حيث ركّب الظرفين معا، وجعلهما بمنزلة كلمة واحدة فقد ضمنا معنى حرف العطف، فأشبها في ذلك (أحد عشر) وإخوانه، فبني على فتح الجزئين. [الشذور، والهمع/ 1/ 196].

30 - يساقط عنه روقه ضارياتها … سقاط شرار القين أخول أخولا
قاله ضابئ البرجمي. والروق: القرن. والضاريات: الكلاب. والقين: الحداد.
أخول أخولا: شيئا فشيئا، ويؤدي معنى متفرقين.
سقاط: مفعول مطلق. أخول أخولا: حال بمعنى متفرقين، مبني على فتح الجزئين في محل نصب، والألف الأخيرة للإطلاق.
وهو الشاهد في البيت، فإنه ركبهما، فبنيا على فتح الجزئين. [شذور ص 75، والخصائص/ 2/ 130، والهمع/ 1/ 249، والحماسة 1645، واللسان «سقط»].

31 - ولقد سددت عليك كلّ ثنيّة … وأتيت فوق بني كليب من عل
من شعر الفرزدق يهجو جريرا. والثنية هنا: الطريق مطلقا. وأصله: الطريق في الجبل، ويطلق على الطريق الوعر، وجمعه ثنايا. يريد: أنه ضيقّ عليه الخناق، ولم يمكنه من الإفلات. وأتيت من عل: يريد أنه أتاهم كالقضاء الذي لا يتوقعونه.
والشاهد: «من عل»، فقد وردت مضمومة، فدل ذلك على أنها مبنية؛ لكون المراد بها معينا، والمضاف إليه محذوف، وهو منوي من حيث المعنى. [شرح المفصل/ 4/ 89، والشذور/ 107، والهمع/ 1/ 210].
(2/218)

32 - مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا … كجلمود صخر حطّه السيل من عل
من معلقة امريء القيس يصف فرسه.
وقوله: مكرّ، مفرّ، مقبل، مدبر، صفات أربعة للفرس، وهي مجرورة تبعا للمنعوت، وهو منجرد في البيت السابق.
وقد اغتدي والطير في وكناتها … بمنجرد قيد الأوابد هيكل
كجلمود: الجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو كجلمود، والجملة: صفة أخرى لمنجرد.
والشاهد: «من عل»، فإن كلمة «عل» وردت مجرورة بدليل القوافي، فدلّ على أنها مجرورة؛ لأنه لا يقصد علوا خاصا، وإنما يقصد أيّ علوّ.

33 - لا تضيقنّ بالأمور فقد تكشف … غمّاؤها بغير احتيال
ربّما تكره النفوس من الأمر … له فرّجة كحلّ العقال
ينسب البيتان لأمية بن أبي الصلت، وإلى غيره.
والشاهد: «ربما تكره»، رب: حرف جرّ شبيه بالزائد. و «ما»: نكرة بمعنى شيء مبتدأ. وجملة «تكره»: صفة. وجملة «له فرجة» خبر المبتدأ. فاستخدم «ما»، نكرة موصوفة بدليل دخول «ربّ» عليها؛ لأن «ربّ» لا يكون مجرورها إلا نكرة، وليست «ما» كافّة، وإنما هي اسم، بدليل عود الضمير عليها في قوله: «له»، كما أنه يعود عليها ضمير منصوب ب «تكره»، والضمير لا يعود إلا على الاسم. فالمعنى إذن: ربّ الذي تكره النفوس. وحقها أن تكتب: (ربّ ما تكره؛ لئلا يحصل التباس). [شرح المفصل/ 4/ 3، وشرح شذور الذهب/ 132].

34 - نحن بني ضبّة أصحاب الجمل … ننعى ابن عفّان بأطراف الأسل
منسوب إلى الأعرج المعني، وإلى الحارث الضبّي.
والجمل: أراد جمل عائشة يوم معركة الجمل. والأسل: الرماح.
والشاهد: «بني ضبة»، حيث نصبه على الاختصاص بفعل محذوف. ونحن: مبتدأ.
(2/219)

وأصحاب: خبر. والاختصاص أقوى في المدح والفخر، لو كان في القصة فخر، فقائل الرجز أعرابي بدوي، جاء من البادية بروح جاهلية، ففخر بقومه في موطن لم يفخر فيه أحد؛ لأنها كانت معركة خاسرة لكلا الطرفين، ولم ينقل أنّ صحابيا حضر الوقعة، وعدّها من مآثره. [الشذور/ 219، والهمع/ 1/ 171، والأشموني/ 3/ 137، والحماسة/ 291].

35 - فأخذت أسأل والرسوم تجيبني … وفي الاعتبار إجابة وسؤال
غير منسوب.
والشاهد: «أخذت أسأل»، حيث أتى بخبر الفعل الدال على الشروع مضارعا مجردا من أن المصدرية؛ وذلك واجب في خبر هذا الفعل وإخوانه. [شذور الذهب/ 275].

36 - لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها … وأمكنني منها إذن لا أقيلها
من شعر كثيّر بن عبد الرحمن، كثيّر عزّة، وكان قد مدح عبد العزيز بن مروان، فأعجبته مدحته، فقال له: احتكم، فطلب أن يكون كاتبه، وصاحب أمره. فردّه وغضب عليه. لئن: اللام: موطئة للقسم. إن: شرطية. إذن: حرف جواب وجزاء. لا: نافية.
أقيلها: مضارع مرفوع. وجملة «لا أقيل»: جواب القسم. وجواب الشرط محذوف، يدل عليه جواب القسم، فإذا
اجتمع شرط وقسم، كان الجواب للسابق.
والشاهد: «إذن لا أقيلها»، حيث رفع الفعل بعد «إذن»؛ لأنها غير مصدرة.
[الخزانة/ 8/ 473، وسيبويه/ 1/ 412، والشذور/ 290].

37 - وليل كموج البحر أرخى سدوله … عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
لامرئ القيس من معلقته. وفيه شاهدان: الأول: «وليل»، حيث حذف حرف الجر «ربّ»، وأبقى عمله بعد الواو، ويعرب هنا: مبتدأ. والثاني: ليبتلي: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد «لام» التعليل، وكان حقه أن يحرك الياء؛ لخفة الفتحة عليها، ولكنه قدر الفتحة.

38 - فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع … فألهيتها عن ذي تمائم محول
هذا البيت لامرئ القيس من معلقته، وأورده ابن هشام في «المغني» شاهدا على أنّ
(2/220)

«مثلك» مجرور بعد الفاء بإضمار «ربّ»، ويجوز نصب «مثلك» بالفعل بعده. ولذلك يروى «ومثلك حبلى قد طرقت ومرضعا». والشاعر كاذب فيما قاله؛ لأنه يزعم أنه محبب إلى النساء والمراضع على زهدهنّ في الرجال، فكيف الأبكار الراغبات. قال الباقلاني في «إعجاز القرآن»: البيت عابه عليه أهل العربية، ومعناه عندهم حتى يستقيم الكلام: فربّ مثلك قد طرقت، وتقديره: أنه زير نساء، وأنه يفسدهنّ، ويلهيهنّ عن حبلهنّ ورضاعهنّ؛ لأنّ الحبلى والمرضعة أبعد من الغزل وطلب الرجال. وهذا البيت في الاعتذار والاشتهار والتهيام غير منتظم مع المعنى الذي قدمه؛ لأنّ تقديره: لا تبعديني عن نفسك، فإني أغلب النساء، وأخدعهنّ عن رأيهنّ، وأفسدهنّ بالتغازل، وكونه مفسدة لهنّ، لا يوجب له وصلهنّ، وترك إبعادهنّ إياه، بل يوجب هجره، والاستخفاف به؛ لسخفه ودخوله كلّ مدخل فاحش، وركوبه كلّ مركب فاسد، وفيه من الفحش والتفحش، ما يستنكف الكريم من مثله، ويأنف من ذكره. (إعجاز القرآن ص 255). وقال المرزباني في الموشح: عيب على امريء القيس فجوره وعهره في شعره، كقوله:
«ومثلك حبلى»، وقالوا: هذا معنى فاحش، قالوا: كيف قصد للحبلى والمرضع دون البكر، وهو ملك وابن ملوك، ما فعل هذا إلا لنقص همته.
قال أبو أحمد: وتصريح امريء القيس بما كان منه مع الحبليات والمرضعات، يدل على جهله بطبائع النساء، فالمرأة من طبعها الغيرة، وتريد من الرجل أن يكون لها وحدها، وما صرح به لصاحبته، كان من دواعي نفورها منه؛ لأنه كشف من أخلاقه عدم إخلاصه لها.

39 - خليليّ أنّى تأتياني تأتيا … أخا غير ما يرضيكما لا يحاول
غير منسوب. وغير: مفعول مقدم ل «يحاول».
والشاهد: «أنى تأتياني تأتيا» حيث جزم ب «أنّى» فعلين: الأول: تأتياني، والثاني:
تأتيا. [الشذور/ 336، والعيني/ 4/ 426، والأشموني/ 4/ 11].

40 - أستغفر الله ذنبا لست محصيه … ربّ العباد إليه الوجه والعمل
غير منسوب. والشاهد: «أستغفر الله ذنبا»، حيث نصب بالفعل «استغفر» مفعولين، وعدّاه إليهما بدون توسط حرف الجر. وجملة: «لست محصيّة»: صفة لذنب. «رب
(2/221)

العباد: صفة لله. «إليه الوجه»: جملة اسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة.
[سيبويه/ 1/ 17، والشذور وشرح المفصل/ 7/ 63، والهمع 2/ 82].

41 - وقالوا: نأت فاختر من الصبر والبكى … فقلت: البكى أشفى إذن لغليلي
لكثير بن عبد الرحمن، كثير عزّة.
والشاهد: «فاختر من الصبر والبكى»، حيث عدّى الفعل الذي هو «اختر» إلى مفعولين، أحدهما محذوف، يصل إليه الفعل بنفسه، وثانيهما مذكور، وقد وصل إليه الفعل بحرف الجر؛ لقوله: «فاختر من الصبر»، وتقدير الكلام: اختر من الصبر والبكى أحدهما. [الشذور، وشرح المغني/ 6/ 104، والأشموني/ 3/ 109].

42 - ضعيف النكاية أعداءه … يخال الفرار يراخي الأجل
غير منسوب. ضعيف: خبر لمبتدأ محذوف. والفرار: مفعول «يخال» الأول، وجملة «يراخي»: مفعوله الثاني.
والشاهد: «النكاية أعداءه»، حيث نصب المصدر المحلى ب «أل» - النكاية - مفعولا، كما ينصبه الفعل، وهو قوله: أعداءه. [سيبويه/ 1/ 99، والشذور/ 384، والهمع/ 2/ 93، والأشموني ج 2/ 284، والخزانة/ 8/ 127].

43 - كناطح صخرة يوما ليوهنها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
البيت للأعشى من معلقته. كناطح: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو كناطح.
والشاهد: «كناطح صخرة»، حيث أعمل اسم الفاعل عمل الفعل، فرفع به الفاعل المستتر ونصب المفعول به «صخرة»؛ لكونه معتمدا على موصوف محذوف، وهو «وعل» ولولا هذا الموصوف المحذوف، وأنه منوي الثبوت، لما أعمله. [الشذور، والأشموني/ 2/ 295، والعيني/ 3/ 529].

44 - وميّة أحسن الثّقلين جيدا … وسالفة وأحسنهم قذالا
قاله ذو الرّمة - غيلان بن عقبة. والجيد: العنق. والسالفة: صفحة العنق، ثم
(2/222)

استعملت في خصلة الشعر التي تسترسل على الخدّ. والقذال: ما بين نقرة القفا إلى الأذن. ميّة: مبتدأ، أحسن: خبره، جيدا: تمييز.
والشاهد: «أحسن الثقلين»، و «أحسنهم»، حيث جاء بأفعل التفضيل الجاري على مفرد مؤنث هو «ميّة»، مفردا مذكرا، وهو مضاف إلى معرفة في الموضعين، ولو أنه جاء به مطابقا للذي جرى عليه، لقال:
«وميّة حسنى الثقلين جيدا، وحسناهم قذالا». وعدم المطابقة في هذا الأسلوب أولى؛ لأن القرآن جاء به. [الشذور، والهمع/ 1/ 59، والخزانة/ 9/ 393].

45 - بكم قريش كفينا كلّ معضلة … وأمّ نهج الهدى من كان ضلّيلا
غير منسوب.
والشاهد: «بكم قريش»، حيث أبدل الاسم الظاهر - قريش - من ضمير الحاضر، وهو ضمير المخاطبين المجرور محلا ب «الباء»، بدل كلّ من كلّ، من غير أن يدل البدل على الإحاطة. [الشذور/ 443، والتصريح/ 2/ 161].

46 - كأنّ خصييه من التدلدل … ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل
منسوب إلى امرأة، أو إلى الشّماء الهذلية، والتدلدل: الترهل. وظرف عجوز: وعاء من جلد.
والشاهد: «ثنتا حنظل»، حيث ذكرت الثنتين مع المعدود، وليس ذلك مستعملا في العربية، وإنما المستعمل أن يثنى المعدود، فيقال: حنظلتان؛ لأن العدد «اثنان» لا يحتاج إلى تمييز، ولو قالت: (حنظلتان اثنتان)، فقدمت المعدود، لجاز؛ لأنه يكون وصفا للتوكيد. [الخزانة/ 7/ 400].

47 - تنّورتها من أذرعات وأهلها … بيثرب أدنى دارها نظر عالي
لامرئ القيس. وقوله: تنوّرتها: نظرت إليها من بعد، وأصل التنوّر: النظر إلى النار من بعد. وأذرعات، بكسر الراء، أظنها مدينة درعا، على الحدود بين سورية والأردن.
والشاهد: «أذرعات»، فإن أصله جمع، ثم نقل فصار اسم بلد، فهو في اللفظ جمع،
(2/223)

وفي المعنى مفرد. ويروى في هذا اللفظ ثلاثة أوجه: الأول: أن ينصب بالكسرة، كما كان قبل التسمية، ولا يحذف منه التنوين. الثاني: أن ينصب ويجرّ بالكسرة، ويحذف منه التنوين. والثالث: أن ينصب ويجرّ بالفتحة. ويحذف
منه التنوين. وقد روي البيت على هذه الأوجه الثلاثة. [سيبويه/ 2/ 18، وشرح المفصل/ 1/ 47، والهمع/ 1/ 22، والأشموني/ 1/ 94].

48 - كمنية جابر إذ قال ليتي … أصادفه وأفقد جلّ مالي
قاله زيد الخير (الخيل) الطائي، صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. والمنية: بضم الميم، اسم للشيء الذي تتمناه، والمنية المشبهة بمنية جابر، ورد ذكرها في بيت سابق هو قوله:
تمنّى مزيد زيدا فلاقى … أخا ثقة إذا اختلف العوالي
ومزيد رجل كان يتمنى لقاء زيد الخيل، ويزعم أنه إن لقيه نال منه، فلما تلاقيا، طعنه زيد طعنة فولى هاربا. أخا ثقة: صاحب وثوق في نفسه واصطبار على منازلة الأقران.
والعوالي: جمع عالية، وهي ما يلي موضع السنان من الرمح. واختلافها: ذهابها من جهة العدو، ومجيئها عند الطعن. وجابر: رجل من غطفان كان يتمنى لقاء زيد.
وقوله: كمنية: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف، والتقدير:
تمنى مزيد تمنيا مشابها لمنية جابر.
والشاهد: «ليتي»، حيث حذف نون الوقاية من «ليت» الناصبة ل «ياء» المتكلم، وهو جائز في السعة، وليس ذلك ضرورة. [سيبويه/ 1/ 386، وشرح المفصل/ 3/ 90، والهمع/ 1/ 64].

49 - وتلك خطوب قد تملّت شبابنا … قديما فتبلينا المنون وما نبلي
وتبلي الألى يستلئمون على الألى … تراهنّ يوم الرّوع كالحدإ القبل
لأبي ذؤيب الهذلي، خويلد بن خالد، يقول: إن حوادث الدهر والزمان، قد تمتعت بشبابنا قديما، فتبلينا المنون وما نبليها، وتبلي من بيننا الدارعين والمقاتلة فوق الخيول التي تراها يوم الحرب، كالحدإ في سرعتها وخفتها.
والشاهد: استخدام «الألى» للعقلاء وغير العقلاء. [الأشموني/ 1/ 148، والهمع/ 1/ 83].
(2/224)

50 - إذا ما لقيت بني مالك … فسلّم على أيّهم أفضل
قاله غسان بن وعلة، شاعر مخضرم.
والشاهد: «على أيّهم أفضل»، فالمشهور أن «أيّ» الموصولة، إذا أضيفت، وحذف صدر صلتها، تبنى على الضم؛ ولذلك رووا البيت بالبناء على الضم. وأفضل: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: «هو أفضل»، والجملة صلة الموصول. ومنهم من يعربها على كلّ حال. ويروى البيت بالجرّ. ومذهب الإعراب هو الأيسر. وقرئ بالإعرابين قوله تعالى:
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا. [مريم: 69].
[الإنصاف/ 715، وشرح المفصل/ 3/ 147، والهمع/ 1/ 84، والأشموني/ 1/ 166، وشرح أبيات المغني/ 2/ 152].

51 - فخير نحن عند البأس منكم … إذا الداعي المثوّب قال: يالا
قاله زهير بن مسعود الضبيّ. والمثوّب: من التثويب، وأصله أن يجيء الرجل مستصرخا، فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر، ثم سمي الدعاء تثويبا. قال: يالا، أي: قال: يا لفلان، فحذف فلانا، وأبقى «اللام» وفي البيت شاهدان، وكلاهما في: «فخير نحن».
الأول: فإن «نحن» فاعل سدّ مسدّ الخبر، ولم يتقدم الوصف «خير» نفي أو استفهام.
والثاني: فإن «نحن» الذي وقع فاعلا أغنى عن الخبر، وهو ضمير منفصل، والظرف «عند» والمجرور «منكم» متعلقان ب «خير». ولا يجوز إعراب «خير» خبر مقدم، و «نحن» مبتدأ مؤخر؛ لئلا يفصل بين «خير»، وما يتعلق به، بأجنبي. [الخصائص/ 1/ 276، والهمع/ 1/ 181، وشرح أبيات المغني/ 4/ 325].

52 - فيا ربّ هل إلّا بك النصر يرتجى … عليهم؟ وهل إلا عليك المعوّل
قاله الكميت بن زيد الأسدي، من قصيدة في «الهاشميات». رب: منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اكتفاء بكسر ما قبلها. بك: يجوز أن يكون خبرا مقدما، والنصر: مبتدأ مؤخرا، ويجوز أن يعرب النصر: مبتدأ، وجملة «يرتجى»: خبره، وبك: متعلقان ب «يرتجى». (وعليك المعول): خبر مقدم، ومبتدأ مؤخر.
والشاهد: تقدم الخبر «عليك» على المبتدأ، مع أن الخبر محصور ب إلا، وحقه التأخير. [العيني/ 1/ 354، والهمع/ 1/ 102، والأشموني/ 1/ 211].
(2/225)

53 - خالي لأنت ومن تميم خاله … ينل العلاء ويكرم الأخوالا
لم يعرف قائله. وفيه ثلاثة شواهد:
الأول: قوله: «خالي لأنت»، قدم الخبر، مع أن المبتدأ متصل ب «لام» الابتداء شذوذا. ولا يجوز تقديم الخبر هنا؛ لأن «لام» الابتداء لها صدر الكلام، وخرجوه بأن أصل الكلام: خالي لهو أنت، أو غيره.
الشاهد الثاني: «ينل العلاء» جاء الفعل مجزوما، ولم يسبقه جازم. والحامل له على الجزم، تشبيه الموصول: «ومن تميم»، ب «من» الشرطية. والحقّ أن الشاعر توهّم أن «من» شرطيه ..
الشاهد الثالث: «يكرم الأخولا». يكرم مضارع معطوف على: «ينل» وهو من كرم يكرم، مضموم العين. والأخولا:
تمييز. وجاء التمييز معرفة، وهو يوافق مذهب الكوفيين.

54 - أنت تكون ماجد نبيل … إذا تهبّ شمأل بليل
البيت لأم عقيل بن أبي طالب، فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. تقوله وهي ترقص ابنها عقيلا. والشمأل: ريح تهب من ناحية القطب، و «بليل»: رطبة نديّة.
والشاهد. «أنت تكون ماجد»، على أنّ «تكون» مضارع من «كان»، زائدة بين المبتدأ والخبر. والمشهور زيادة «كان»؛ لأنها مبنية، فأشبهت الحرف، أما المضارع، فهو معرب يشبه الاسم، والاسم لا يزاد. أما الحرف، فيزاد، وفيه تخريج آخر: وهو أنّ «تكون» عاملة، واسمها مستتر تقديره: أنت، وخبرها محذوف. والجملة معترضة بين المبتدأ والخبر. [العيني/ 2/ 39، والهمع/ 1/ 120، والأشموني/ 1/ 241].

55 - قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا … فما اعتذارك من قول إذا قيلا
البيت منسوب إلى النعمان بن المنذر، ملك الحيرة، أو أنه لرجل يقوله للنعمان.
والشاهد: «إن صدقا وإن كذبا»، حيث حذف «كان» مع اسمها وأبقى خبرها، بعد «إن» الشرطية، وفعل الشرط وجوابه محذوفان. [سيبويه/ 131، وشرح المفصل/ 2/ 96،
(2/226)

والهمع/ 1/ 121، وشرح أبيات المغني ج 2/ 8].

56 - إن المرء ميتا بانقضاء حياته … ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا
والمعنى ليس المرء ميتا بانقضاء حياته، وإنما يموت إذا بغى عليه باغ، فلم يجد عونا له، يريد أن الموت الحقيقي، ليس شيئا بالقياس إلى الموت الأدبي.
والشاهد: «إن المرء ميتا»، حيث أعمل «إن» النافية عمل ليس. [الهمع/ 1/ 125، والأشموني/ 1/ 255].

57 - فلا تلحني فيها فإنّ بحبّها … أخاك مصاب القلب جمّ بلابله
من شواهد سيبويه التي لم ينسبها، و «تلحني»: - من باب فتح - لحى، يلحى، لا تلمني ولا تعذلني. وجمّ: كثير، وبلابله: وساوسه، وهو جمع بلبال، وهو الحزن واشتغال البال. والمعنى: لا تلمني في حبّ هذه المرأة، فقد أصيب قلبي بها، واستولى عليه حبها، فالعذل لا يصرفني عنها.
والشاهد: تقديم معمول خبر «إن»، وهو قوله: «بحبها»، على اسمها «أخاك»، وخبرها «مصاب القلب» وأصل الكلام: إن أخاك: مصاب القلب بحبها، فقدم الجار والمجرور على الاسم، وفصل به بين «إنّ» واسمها، مع بقاء
الاسم مقدما على الخبر، وهذا جائز عند سيبويه. [سيبويه/ 1/ 280، والهمع/ 1/ 135، والأشموني/ 1/ 272، وشرح أبيات المغني/ 8/ 105].

58 - ألا اصطبار لليلى أم لها جلد … إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي
منسوب إلى قيس بن الملوح، مجنون ليلى. والمعنى: ليت شعري إذا أنا لاقيت ما لاقاه أمثالي من الموت، أيمتنع الصبر على ليلى، أم يبقى لها تجلدها وصبرها.
والشاهد: «ألا اصطبار»، حيث عامل «لا» النافية للجنس، بعد دخول همزة الاستفهام مثل ما كان يعاملها قبل دخولها، والهمزة للاستفهام، و «لا» للنفي، فيكون معنى الحرفين الاستفهام عن النفي. [الهمع/ 1/ 147، والأشموني/ 2/ 15، وشرح أبيات المغني/ 1/ 47].

59 - علمتك الباذل المعروف فانبعثت … إليك بي واجفات الشوق والأمل
(2/227)

البيت غير منسوب. وقوله: فانبعثت: ثارت، ومضت ذاهبة في طريقها. واجفات:
أراد بها دواعي الشوق وأسبابه التي بعثته على الذهاب إليه. وهي جمع واجفة، وهي مؤنث اسم فاعل من الوجيف، وهو ضرب من السير السريع.
والشاهد: «علمتك الباذل»، فإن الفعل «علم» دال على اليقين، وقد نصب مفعولين، أحدهما: الكاف، والثاني: «الباذل».
وقوله: «المعروف»، يجوز فيه النصب على أنه مفعول به ل الباذل، ويجوز جرّه بالإضافة. [العيني/ 2/ 416، والأشموني/ 2/ 220].

60 - دعاني الغواني عمّهنّ وخلتني … لي اسم، فلا أدعى به وهو أوّل
قاله النمر بن تولب العكلي.
والشاهد: و «خلتني لي اسم»، فإن «خال» فيه بمعنى اليقين. وليس هو بمعنى فعل الظنّ؛ لأنه لا يظنّ أنّ لنفسه اسما، بل هو على اليقين من ذلك. وقد نصب بها مفعولين، أولهما: ضمير المتكلم، وهو «الياء». وثانيهما: جملة «لي اسم» من المبتدأ والخبر. والفعل «دعا» في أول البيت، نصب مفعولين، أولهما: الياء، والثاني: عمّهنّ.
[الهمع/ 1/ 150، والأشموني/ 2/ 20، والعيني/ 2/ 395].

61 - حسبت التّقى والجود خير تجارة … رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
قاله لبيد بن ربيعة العامري. والرباح: الربح. والثاقل: الميت؛ لأن البدن يثقل إذا فارقته الروح.
والشاهد: «حسبت التقى خير تجارة»، حيث استعمل «حسب» بمعنى «علم»، ونصب به مفعولين، أولهما: «التقى»، والثاني «خير». [الهمع/ 1/ 149، والأشموني/ 2/ 21، والعيني/ 2/ 384].

62 - فإن تزعميني كنت أجهل فيكم … فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
قاله أبو ذويب الهذلي. والجهل: هو الخفة والسفه. والحلم: التؤدة والرزانة.
والشاهد: «تزعميني كنت أجهل»، حيث استعمل المضارع من «زعم»، بمعنى فعل
(2/228)

الرجحان، ونصب به مفعولين، أحدهما: ياء المتكلم، والثاني: جملة «كان» ومعموليها.
[سيبويه/ 1/ 61، والهمع/ 1/ 148، وشرح أبيات المغني 6/ 267].

63 - أرجو وآمل أن تدنو مودّتها … وما إخال لدينا منك تنويل
من قصيدة كعب بن زهير التي مدح بها سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، التي مطلعها: «بانت سعاد».
والشاهد: «وما إخال لدينا منك تنويل»، فإن ظاهره أنه ألغى «إخال» مع كونها متقدمة، وليس هذا الظاهر مسلما، فإن مفعولها الأول مفرد محذوف، هو ضمير الشأن، ومفعولها الثاني، جملة «لدينا منك تنويل»، والتقدير: «وما إخاله لدينا منك تنويل».
[الهمع/ 53، والأشموني/ 2/ 29].

64 - يلومونني في اشتراء النخي … ل أهلي فكلّهم يعذل
وأهل الذي باع يلحونه … كما لحي البائع الأوّل
الشاهد: «يلومونني أهلي»، حيث وصل واو الجماعة بالفعل، مع أن الفاعل اسم ظاهر مذكور بعد الفعل. وهذه لغة طيئ، وقيل لغة أزذ شنوءة، وفي هذا المعجم شواهد كثيرة على هذه اللغة. وعليها تأولوا قوله تعالى في سورة الأنبياء: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا. [آية 21]، وقوله تعالى في سورة المائدة: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
[الآية 71]. وقد سماها النحويون بلغة «أكلوني البراغيث»، وهذا غير لائق؛ لأنها موجودة في القرآن. وأحسن ابن مالك صاحب الألفية عند ما سماها لغة «يتعاقبون فيكم ملائكة»، إشارة إلى الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومالك بهذا اللفظ، وزعم بعضهم أن الإمام مالك روى الحديث ناقصا، وأنّ الرواية: «لله ملائكة يتعاقبون فيكم» ملائكة بالليل .. الحديث، وليس الأمر كما قالوا، فالحديث مروي في البخاري بطرق متعددة، كما رواه الإمام مالك.
والبيت الشاهد، للشاعر أحيحة بن الجلاح الأوسي (.. نحو 130 ق ه - نحو 497 م).
والبيت من قطعة في بيان فضل النخيل، حيث يقول بعد البيتين:
هي الظلّ في الحرّ حقّ الظليل … والمنظر الأحسن الأجمل
(2/229)

تعشّى أسالفها بالجبوب … وتأني حلوبتها من عل
وتصبح حيث تبيت الرّعاء … وإن ضيعوها وإن أهملوا
فعمّ لعمّكم نافع … وطفل لطفلكم يؤمل
وقوله: «تعشّى»، أي: تتعشى من أسفل، أي: تشرب الماء. وتأني، أي: تدرك:
وفي رواية «تأتي»، يريد أنها تشرب الماء من الأرض، وتعطي الغذاء من الأعلى، وشبهها بالناقة، وجعل ثمرها يمنزلة اللبن. والرعاء: حفظة النخل، شبههم برعاة الإبل، يقول:
إذا غفل الفلاح عن النخلة، فإنها لا تهرب كما تهرب الإبل، ويستيقظ راعي النخل، فيجد النخل في مكانه، ولا يحتاجون إلى البحث عنها في القبائل. وقوله: فعمّ، أي:
النخل الكبير، يريد أن يقول: إن النخل الكبير ينتفع به كبار الناس، والصغير منه يؤمل للأطفال في مستقبل حياتهم. وللشاعر أبيات أخرى في وصف النخيل (انظر ديوانه)، قلت: ولأحمد شوقي قصيدة في وصف النخيل من وزن هذه الأبيات (المتقارب)، وفي أبيات أحمد شوقي شبهها بالشاة، (وأنتن في البيد شاة المعيل)، فهل اطلع أحمد شوقي على هذه المقطوعة الجاهلية، ولكن أحمد شوقي يزعم في قصيدته أن الشعراء لم يصفوا النخل، وأن الكتب خلت من ذكر فضائله، فإما أن يكون أحمد شوقي، قرأ قطعة أحيحة، وتأثر بها، ثم زعم أنه أتى بما لم يأت به الأوائل، وإما أن يكون جاهلا بما في كتب الأدب من شعر في وصف النخل. وقد جمعت قطعة أحيحة من المعاني - على وجازتها - ما لم يستطع أحمد شوقي جمعه في قصيدة مطولة، بل كان أحمد شوقي فاسد الذوق عند ما شبه النخيل بالمآذن (مآذن قامت هنا أو هناك)، ثم استدرك قائلا:
وليس يؤذن فيها الرجال … ولكن تصيح عليها الغرب
فأفسد جمال الصورة بجعل الغرب تصيح عليها، والمعروف أن صياح الغراب نذير الخراب، ولو قال: «ولكن تسبّح»، لكان أجمل؛ ليخفف من وقع ذكر الغراب على نفس القارئ، بل إن البيت كله لا فائدة منه؛ لأن ما نفاه يعرفه القارئ، ولا يلتبس عليه، ولعلّ الشاعر ذكر الغربان، إيذانا بزوال ملك سادته من أسرة محمد علي باشا؛ لأنه كان يصف نخيل حدائق القصور التي يسكنها حكام مصر.

65 - فلا مزنة ودقت ودقها … ولا أرض أبقل إبقالها
قاله عامر بن جوين الطائي. والمزنة: السحابة المثقلة بالماء. والودق: المطر.
(2/230)

وأبقل: أنبت البقل، وهو النبات. لا مزنة: لا: عاملة عمل ليس، مزنة: اسمها. وجملة «ودقت»: خبرها. ولا أرض: لا النافية للجنس، أرض: اسمها مبني على الفتح. وجملة «أبقل»: خبرها. وإبقال: مفعول مطلق.
والشاهد: «ولا أرض أبقل»، حيث حذف «تاء» التأنيث من الفعل المسند إلى ضمير المؤنث، وهذا الفعل هو «أبقل»، وهو مسند إلى ضمير مستتر يعود إلى الأرض، وهي مؤنثة مجازية التأنيث. [سيبويه/ 1/ 240، والخصائص/ 2/ 411، وشرح المفصل/ 5/ 94، والهمع/ 2/ 171، والأشموني/ 2/ 53، وشرح أبيات المغني/ 8/ 17].

66 - مالك من شيخك إلّا عمله … إلّا رسيمه وإلّا رمله
لراجز مجهول. والرسيم والرمل: ضربان من السير.
والشاهد: «إلا رسيمه وإلا رمله» حيث تكررت «إلا» في البدل والعطف، ولم تفد غير مجرد التوكيد، وقد ألغيت. [سيبويه/ 1/ 374، والهمع/ 1/ 227، والأشموني/ 2/ 151].

67 - رأيت الناس ما حاشا قريشا … فإنّا نحن أفضلهم فعالا
منسوب للأخطل، غوث بن غياث. رأيت: ينصب مفعولين، الأول: «الناس»، والثاني: محذوف، أو جملة الشطر الثاني.
والشاهد: «ما حاشا قريشا»، حيث دخلت «ما» المصدرية على «حاشا» وذلك قليل، والأكثر أن تتجرد منها. [شرح أبيات المغني/ 3/ 85].

68 - فأرسلها العراك ولم يذدها … ولم يشفق على نغص الدّخال
قاله لبيد بن ربيعة العامري، يصف حمارا وحشيا أورد أتنه الماء لتشرب. والعراك:
ازدحام الابل حين ورود الماء. يذدها: يطردها. يشفق: يرحم. نغص: مصدر نغص الرجل - بكسر الغين، إذا لم يتم مراده، ونغص البعير، إذا لم يتم شربه. والدخال: أن يداخل بعيره الذي شرب مرة، مع الإبل التي لم تشرب، حتى يشرب معها ثانية؛ وذلك إذا كان البعير كريما أو شديد العطش.
والشاهد: «العراك»، حيث وقع حالا مع كونه معرفة، والحال لا يكون إلا نكرة، وإنما
(2/231)

ساغ ذلك؛ لأنه مؤول بالنكرة، أي: أرسلها معتركة، يعني: مزدحمة.
[سيبويه/ 1/ 187، والمقتضب/ 3/ 237، والإنصاف/ 822، وشرح المفصل/ 2/ 62، 4/ 55، والعيني 3/ 219، والهمع/ 1/ 239].

69 - يا صاح هل حمّ عيش باقيا فترى … لنفسك العذر في إيعادها الأملا
لرجل من طيئ لم يعينه أحد. يا صاح: منادى مرخم على غير قياس؛ لأنه غير علم، وقياس الترخيم أن يكون في الأعلام. هل: الاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي.
وحمّ: قدّر.
والشاهد: «باقيا»، حيث وقع حالا من النكرة، وهو قوله: «عيش»، والذي سوغ مجيء الحال من النكرة، وقوعها بعد الاستفهام الإنكاري، الذي يؤدّي معنى النفي.
[الهمع/ 1/ 240، والعيني/ 3/ 153، والتصريح/ 1/ 377].

70 - فإن تك أذواد أصبن ونسوة … فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال
قاله طليحة بن خويلد الأسدي، المتنبي، أيام حرب الردّة، والأذواد: جمع ذود، وهو من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر. فرغا، أي: هدرا لم يطلب به. حبال: بزنة كتاب، ابن الشاعر. وكان المسلمون قد قتلوه في حرب الردّة، يقول: لئن كنتم قد ذهبتم ببعض إبل أصبتموها، وبجماعة من النساء سبيتموهن، فلن تذهبوا بقتل حبال كما ذهبتم بالإبل والنساء.
والشاهد قوله: «فرغا»، حيث وقع حالا من «قتل»، المجرور ب «الباء» وتقدم عليه، وهذا مذهب ابن مالك، والجمهور يمنعه. [الأشموني/ 2/ 177، والعيني/ 3/ 154].

71 - ضيّعت حزمي في إبعادي الأملا … وما ارعويت وشيبا رأسي اشتعلا
ليس له قائل معروف. وقوله: وشيبا: تمييز متقدم على عامله «اشتعل». ورأسي:
مبتدأ، وجملة «اشتعل»: خبره.
والشاهد: تقديم التمييز على عامله المتصرف، وهو قليل، ومثله:
أنفسا تطيب بنيل المنى … وداعي المنون ينادي جهارا
[الأشموني/ 2/ 101، والعيني/ 3/ 240، وشرح أبيات المغني/ 7/ 25].
(2/232)

72 - ولا ترى بعلا ولا حلائلا … كه ولا كهنّ إلا حاظلا
من أرجوزة لرؤبة بن العجاج، يصف حمارا يمنع أتنه من أن يقربها الفحول.
والشاهد: «كه، كهن»، حيث جرّ الضمير في الموضعين بالكاف، وهو شاذ. وقوله:
كه: الجار والمجرور صفة لبعل، و «كهنّ» الجار والمجرور صفة «حلائلا»، وحاظلا:
مفعول ثان ل «ترى»، والحاظل: المانع. [سيبويه/ 392، والعيني/ 3/ 256، والهمع/ 2/ 30، والأشموني/ 2/ 209].

73 - أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط … كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
للأعشى من قصيدته اللامية (ودع هريرة). والمعنى: لا ينهى الجائرين عن جورهم، ولا يردع الظالمين عن ظلمهم، مثل الطعن البالغ الذي ينفذ إلى الجوف فيغيب فيه، وأراد أنه لا يكفهم عن ظلمهم سوى الأخذ بالشدة.
والشاهد: «كالطعن»، فإن «الكاف» اسم بمعنى «مثل»، وهي فاعل لقوله: «ينهى».
[شرح المفصل/ 8/ 43، والهمع/ 2/ 31، والخزانة/ 9/ 453].

74 - غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها … تصلّ وعن قيض بزيزاء مجهل
قاله مزاحم العقيلي، يصف قطاة. وغدت: بمعنى صارت، ظمؤها: زمان صبرها عن الماء. تصلّ: تصوّت، وإنما يصوّت حشاها.
والقيض: قشر البيضة الأعلى، زيزاء: هو ما ارتفع من الأرض.
المجهل: الذي ليس له أعلام يهتدى بها. يقول: إن هذه القطاة انصرفت من فوق فراخها بعد ما تمت مدة صبرها عن الماء، حال كونها تصوت أحشاؤها لعطشها، وطارت عن بيضها الذي وضع بمكان مرتفع خال من الأعلام التي يهتدى بها.
والشاهد: «من عليه»، حيث ورد «على» اسما بمعنى فوق، بدليل دخول حرف الجر عليه. وغدت: فعل ناقص، اسمه مستتر، وخبره «من عليه» الجار والمجرور. بعد ما تم: ما: مصدرية، وجملة: «تصلّ» حالية. [سيبويه/ 2/ 310، وشرح المفصل/ 8/ 37، والأشموني/ 2/ 226، وشرح أبيات المغني/ 3/ 265].
(2/233)

75 - رسم دار وقفت في طلله … كدت أقضي الحياة من جلله
لجميل بن معمر العذري. وقوله: من جلله، أي: من أجله، أو بمعنى: من عظمه في نفسي.
والشاهد: «رسم دار» في رواية الجر، حيث جره ب «ربّ» المحذوفة من غير أن يكون مسبوقا، ب «الواو»، أو «الفاء»، أو «بل»، وهي التي تحذف «ربّ» بعدها. رسم: مبتدأ مجرور لفظا. وجملة «وقفت»: صفة له وجملة «كدت» خبره. [الخصائص/ 1/ 285، والإنصاف/ 378، وشرح المفصل/ 3/ 28، والهمع/ 1/ 255، والأشموني/ 2/ 233].

76 - إنّ للخير وللشرّ مدى … وكلا ذلك وجه وقبل
قاله عبد الله بن الزبعري، أحد شعراء قريش، وكان يهجو المسلمين ثم أسلم، والبيت قاله يوم أحد وهو مشرك، ومعنى «قبل»: المحجّة الواضحة. يقول: إن للخير وللشرّ غاية ينتهي إليها كل واحد منهما، وأن ذلك أمر واضح لا يخفى على أحد.
والشاهد: «وكلا ذلك»، حيث أضاف «كلا» إلى مفرد لفظا وهو «ذلك»؛ لأنه مثنى في المعنى؛ لعوده على اثنين، وهما: الخير والشر. [شرح المفصل/ 3/ 2، والهمع/ 2/ 50، والأشموني/ 2/ 43].

77 - أقبّ من تحت عريض من علي ...
لأبي النجم العجلي، يصف بعير السانية، من أرجوزة يصف فيها أشياء كثيرة أولها:
الحمد لله العليّ الأجلل … الواسع الفضل الوهوب المجزل
وقوله: أقبّ، صفة البعير. والقبب: الضّمر، يعني أن خصره ضامر، وأنّ متنه عريض، وأقبّ: مجرور بالفتحة؛ لأنّ صفات البعير الموصوف مجرورة، وكذلك قوله: «عريض».
والشاهد: «من تحت»، بني الظرف على الضمّ، حيث حذف ما يضاف إليه، ونوى معناه دون لفظه.
وقوله: «من علي»، مبني أيضا؛ لأنه معرفة، يريد أعلى البعير، حيث قرنه بالمعرفة «تحت» وإنما تعرب «عل» إذا كانت نكرة، كقولهم في النكرة: من فوق ومن عل، إذا لم
(2/234)

ترد أمرا معلوما، والبناء على ضمّ مقدر على «الياء» في «علي»، وقد تكتب ب «الياء»، وقد تكتب بدون «ياء» «عل»، وتكون كسرتها ككسرة «زاي» «غاز». وفي «عل» عشر لغات، تقول: أتيته من عل، ومن عل، ومن علي، ومن علا، ومن علو، ومن علو، ومن علو، ومن علو، ومن عال، ومن معال.
قال ابن قتيبة في كتاب «الشعر والشعراء»: أنشد أبو النجم هذه الأرجوزة هشام بن عبد الملك - وهي أجود أرجوزة للعرب، وهشام يصفق بيديه استحسانا لها، حتى إذا بلغ قوله في صفة الشمس:
حتّى إذا الشمس جلاها المجتلي … بين سماطي شفق مرعبل
صغواء قد كادت ولمّا تفعل … فهي على الأفق كعين الأحول
أمر هشام بوجء عنقه وإخراجه، وكان هشام أحول.
وقوله: مرعبل: مقطّع. وصغوا: بالغين المعجمة، مائلة للغروب. أقول: والبيت الثاني ترويه كتب النقد الأدبي هكذا (من بحر الكامل):
صفراء قد كادت ولما تفعل … وكأنّها في الأفق عين الأحول
هكذا: صفراء، من اللون الأصفر. [الخزانة/ 2/ 390 - 400].

78 - كما خطّ الكتاب بكفّ يوما … يهوديّ يقارب أو يزيل
لأبي حية النميري، يصف رسم دار، يشبه ما بقي متناثرا من رسوم الديار هنا وهناك، بكتابة اليهودي كتابا جعل بعضه متقاربا، وبعضه متفرقا.
والشاهد: «بكفّ يوما يهوديّ»، حيث فصل بين المضاف وهو «كفّ»، والمضاف إليه وهو «يهودي»، بأجنبي من المضاف وهو «يوما»؛ لأنه معمول ل «خطّ».
[سيبويه/ 1/ 91، والإنصاف/ 432، وشرح المفصل/ 1/ 103].

79 - بضرب بالسيوف رؤوس قوم … أزلنا هامهنّ عن المقيل
قاله المرّار بن منقد التميمي. المقيل: أصله موضع النوم في القائلة، فنقل من هذا الموضع إلى موضع الرأس؛ لأن الرأس يستقر في النوم حين القائلة. يصف قومه بالقوة
(2/235)

والجلادة، قوله: بضرب: متعلقان ب «أزلنا».
والشاهد: «بضرب رؤوس»، حيث نصب ب «ضرب» وهو مصدر منون مفعولا به، كما ينصبه بالفعل. [سيبويه/ 1/ 60، وشرح المفصل/ 6/ 61، والأشموني/ 2/ 384].

80 - الواهب المائة الهجان وعبدها … عوذا تزجّي بينها أطفالها
قاله الأعشى، ميمون بن قيس. الهجان: البيض، وخصها؛ لأنها أكرم الإبل. عوذا:
جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت وقوي ولدها. تزجّي: تسوق. المائة: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله. الهجان: بالجرّ، بإضافة «المائة» إليه على مذهب الكوفيين الذين يرون تعريف اسم العدد، وتعريف المعدود معا، أو نعت له على اللفظ.
وعبدها: يروى بالنصب والجرّ، فأما الجرّ، فعلى العطف على لفظ المائة وأما النصب، فعلى العطف على محله. عوذا: نعت للمائة، وهو تابع للمحل. [سيبويه/ 1/ 94، والهمع/ 2/ 48، والخزانة/ 4/ 256].

81 - فقلت: اقتلوها عنكم بمزاجها … وحبّ بها مقتولة حين تقتل
للأخطل التغلبي، من قصيدة يمدح فيها خالد بن عبد الله بن أسد. وحبّ بها: حبّ:
فعل ماض للمدح. بها: الباء زائدة، و «ها» فاعل. مقتولة: تمييز، أو حال.
والشاهد: «حبّ بها»، فإنه يروى بفتح الحاء من (حبّ) وضمها، ويجوز فيها الفتح والضم، إذا كان فاعلها غير «ذا»، فإذا كان فاعلها «ذا» «حبذا»، فالفتح فقط.
[الخزانة/ 9/ 427، وشرح المفصل/ 7/ 129].

82 - دنوت وقد خلناك كالبدر أجملا … فظلّ فؤادي في هواك مضلّلا
مجهول. وأجملا: أكثر جمالا من البدر، وهو من معمولات «دنوت»، أي: دنوت حال كونك أجمل من البدر، وقد خلناك مثل البدر. وجملة «وقد خلناك»: حالية. أجملا:
حال ثانية من «التاء».
والشاهد: حيث حذف «من» الجارة للمفضول عليه مع مجرورها، وأصل الكلام:
أجمل منه. [العيني/ 4/ 50، والتصريح/ 2/ 103، والأشموني/ 3/ 46].

83 - انّ الذي سمك السماء بنى لنا … بيتا دعائمه أعزّ وأطول
(2/236)

للفرزدق يفخر فيه على جرير.
والشاهد: «أعزّ وأطول»، حيث استعمل صيغتي التفضيل في غير التفضيل؛ لأنه لا يعترف بأن لجرير بيتا دعائمه عزيزة طويلة، حتى تكون دعائم بيته أكثر عزة وأشد طولا، ولو بقي «أعز وأطول» على معنى التفضيل، لتضمن اعترافه بذلك. [الخزانة/ 8/ 242].

84 - ولا عيب فيها غير أنّ سريعها … قطوف وأن لا شيء منهنّ أكسل
قاله ذو الرمة، يصف نساء بالسمن والعبالة، وكنى عن ذلك بأنهن بطيئات السير كسالى. وقطوف: بطيء متقارب الخطو. يقول: لا عيب في هؤلاء النساء إلا أنّ أسرعهن شديدة البطء متكاسلة، وهذا مما يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم، والعرب تمدح النساء بذلك؛ لأن هذا عندهم يدل على النعمة وعدم الامتهان في العمل. وغير: منصوبة على الاستثناء، والمصدر المؤول بعدها: مضاف إليه. وأن: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف. لا شيء: لا واسمها، أكسل: خبرها.
والشاهد: «منهنّ أكسل»، قدم الجار والمجرور المتعلق ب «أكسل» (أفعل التفضيل) مع كون المجرور ليس استفهاما، ولا مضافا إلى استفهام، وذلك شاذ. [العيني/ 4/ 44، والأشموني/ 3/ 52، وديوان الشاعر].

85 - قلت إذ أقبلت وزهر تهادى … كنعاج الفلا تعسّفن رملا
لعمر بن أبي ربيعة المخزومي. وزهر: جمع زهراء، وهي المرأة الحسناء البيضاء.
تهادى: تتهادى، أي: تتمايل. النعاج: بقر الوحش. الفلا: الصحراء. تعسفن: أخذن على غير الطريق، وملن عن الجادة.
والشاهد: «أقبلت وزهر»، حيث عطف «زهر» على الضمير المستتر في «أقبلت» المرفوع بالفاعلية من غير أن يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالضمير المنفصل، أو بغيره، وذلك ضعيف عند جمهرة العلماء. [سيبويه/ 1/ 390، والخصائص/ 2/ 2، والإنصاف/ 475، وشرح المفصل/ 3/ 74، والأشموني/ 3/ 114].

86 - ذا ارعواء فليس بعد اشتعال الرّ … أس شيبا إلى الصّبا من سبيل
(2/237)

مجهول. وقوله: ليس بعد: ليس ... وبعد: خبر مقدم. من سبيل: الباء زائدة، وسبيل: اسم ليس مؤخر. وشيبا: تمييز.
والشاهد: قوله: «ذا»، وأصله: ياذا، حيث حذف حرف النداء مع اسم الإشارة، وهو قليل. [العيني/ 4/ 230، والأشموني/ 3/ 136].

87 - يا زيد زيد اليعملات الذّبّل … تطاول الليل عليك فانزل
قاله عبد الله بن رواحة الأنصاري، لزيد بن أرقم، وكان يتيما في حجره يوم غزوة مؤتة. واليعملات: بفتح الياء والميم: الإبل القوية على العمل. الذبّل: جمع ذابلة، أي:
ضامرة من طول السفر، وأضاف زيدا إليها؛ لحسن قيامه عليها، ومعرفته بحدائها.
وقوله: تطاول الليل عليك، يريد: انزل عن راحلتك واحد الإبل، فإن الليل قد طال، وحدث للإبل الكلال، فنشطها بالحداء، وأزل عنها الإعياء.
والشاهد: «يا زيد زيد اليعملات»، حيث تكرر لفظ المنادى، وأضيف ثاني اللفظين، ويجوز في الأول الضمّ على أنه منادى مفرد، والنصب على أنه منادى مضاف، وفي الثاني النصب فقط.
فإن ضمّ الأول: كان الثاني منصوبا على التوكيد، أو على إضمار أعني، أو على البدلية، أو على النداء.
وإن نصب الأول: فمذهب سيبويه أنه مضاف إلى ما بعد الاسم الثاني، وأن الثاني مقحم بين المضاف والمضاف إليه، ومذهب المبرد أنه مضاف إلى محذوف مثل ما أضيف إليه الثاني، والتقدير: يا زيد اليعملات زيد اليعملات. [سيبويه/ 1/ 315، وشرح المفصل/ 2/ 10، والهمع/ 2/ 122، والأشموني/ 3/ 153، وشرح أبيات المغني/ 7/ 10].

88 - تدافع الشّيب ولم تقتّل … في لجّة أمسك فلانا عن فل
من أرجوزة لأبي النجم العجلي. واللجّة: بفتح اللام وتشديد الجيم، الجلبة، واختلاط الأصوات في الحرب. والمعنى: شبّه تزاحم الإبل، ومدافعة بعضها بعضا بقوم شيوخ في لجّة وشرّ يدفع بعضهم بعضا، فيقال: أمسك
فلانا عن فلان، أي: احجز بينهم. وخصّ الشيوخ؛ لأن الشبان فيهم التسرع إلى القتال. وتقتل: أصلها: تقتتل.
(2/238)

والشاهد: «عن فل»، حيث استعمل «فل» في غير النداء وجرّه بالحرف، وذلك ضرورة؛ لأن من حقّ استعمال هذا اللفظ ألا يقع إلا منادى، إلا إذا ادعينا أنه مقتطع من «فلان»، بقرينة قوله قبل ذلك: «أمسك فلانا»، وربما رخّمه الشاعر في غير النداء ضرورة.
[سيبويه/ 1/ 233، والمقتضب/ 4/ 238، والعيني/ 4/ 228، والهمع/ 1/ 177، والأشموني/ 3/ 161، واللسان «لجج، فلن»، والخزانة/ 2/ 390].

89 - وضجيع قد تعلّلت به … طيّب أردانه غير تفل
صعدة نابتة في حائر … أينما الرّيح تميّلها تمل
لكعب بن جعيل. والصعدة: القناة تنبت مستوية، فلا تحتاج إلى تقويم، وامرأة صعدة: مستقيمة القامة. حائر: هو المكان الذي يكون وسطه مطمئنا منخفضا، وحروفه مرتفعة عالية، وإنما جعل الصعدة في هذا المكان؛ لأنه يكون أنعم لها. شبه امرأة بقناة مستوية لدنة، قد نبتت في مكان مطمئن، والريح تعبث بها وتميلها، وهي تميل مع الريح.
والشاهد: «أينما الريح تميلها تمل»، أينما: اسم شرط، والريح: فاعل لفعل الشرط المحذوف يفسره الموجود، وتمل: جواب الشرط. [سيبويه/ 1/ 458، والإنصاف/ 618، وشرح المفصل/ 9/ 10، والخزانة/ 3/ 47، والهمع/ 2/ 59، والأشموني/ 4/ 10].

90 - لئن منيت بنا عن غبّ معركة … لا تلفنا عن دماء القوم تنتفل
للأعشى من معلقته (ودع هريرة)، والخطاب ليزيد بن مسهر الشيباني. عن غبّ، عن:
بمعنى بعد. وغبّ كذا، أي: عقبه. ننتفل: نتخلص، وننتفي.
والشاهد: «لا تلفنا»، حيث أوقعه جواب الشرط مع تقدم القسم عليه، وحذف جواب القسم، لدلالة جواب الشرط عليه؛ ولو أنه أوقعه جوابا للقسم، لجاء به مرفوعا، والأكثر الاستغناء بجواب القسم عن جواب الشرط عند تقدم القسم. [العيني/ 3/ 283، والأشموني/ 4/ 29، والخزانة/ 11/ 327].

91 - وكلّ أناس سوف تدخل بينهم … دويهية تصفرّ منها الأنامل
قاله لبيد بن ربيعة يذكر الموت.
(2/239)

والشاهد: «دويهية»، فالتصغير هنا للتعظيم والتهويل. [شرح المفصل/ 5/ 114، والأشموني/ 4/ 157، والإنصاف/ 139].

92 - ألا تسألان المرء ماذا يحاول … أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
لبيد بن ربيعة. يحاول: من المحاولة، وهو استعمال الحيلة، وهي الحذق في تدبير الأمور. والنحب: النذر. يقول: اسألوا هذا الحريص على الدنيا عن هذا الذي هو فيه، أهو نذر نذره على نفسه، فرأى أنّه لا بدّ من فعله، أم هو ضلال وباطل من أمره.
والشاهد: أنّ «ما» استفهامية مبتدأ، و «ذا» اسم موصول خبره. و «يحاول» صلته بدليل قوله: أنحب. ولو كانت «ماذا» كلمة واحدة، لكان «ماذا» منصوبا ب «يحاول»، وكان مفسّره الذي هو «نحب» منصوبا؛ لأنه استفهام مفسّر للاستفهام الأول.
[سيبويه/ 1/ 405، وشرح المفصل/ 1/ 139، والأشموني/ 1/ 195، والخزانة/ 6/ 145].

93 - إذا لم تجد من دون عدنان والدا … ودون معدّ فلتزعك العواذل
قاله لبيد بن ربيعة، وقبله:
فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب … لعلّك تهديك القرون الأوائل
يقول: إن لم تصدقك نفسك عن هذه الأخبار، فانتسب، أي: قل: ابن فلان ابن فلان، فإنك لا ترى أحدا بقي، لعلك ترشدك هذه القرون. وتزعك: تكفّك. يقول: لم يبق لك أب حتى إلى عدنان، فكف عن الطمع في الحياة؛ فإن غاية الإنسان الموت.
والعواذل: حوادث الدهر وزواجره.
والبيت شاهد على أن «دون» في الشطر الثاني، معطوف على موضع «من دون».
[الخزانة/ 2/ 252، وسيبويه/ 1/ 34، وشرح التصريح/ 1/ 288].

94 - رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم … قطينا لهم حتّى إذا أنبت البقل
لزهير بن أبي سلمى، من قصيدة مدح بها سنان بن أبي حارثة المري. والقطين:
القاطن، وهو الساكن في الدار، يعني: أن الفقراء يلزمون بيوت هؤلاء يعيشون في أموالهم حتى يخصب الناس، وينبت البقل، وهو كل نبات اخضرت به الأرض، وهو شاهد على أن «أنبت» بمعنى «نبت». [شرح أبيات مغني اللبيب ج 2/ 293].
(2/240)

95 - كفى ثعلا فخرا بأنك منهم … ودهر لأن أمسيت من أهله أهل
قاله المتنبي، من قصيدة مدح بها شجاع بن محمد المنبجي. وثعل: رهط الممدوح، وهم بطن من طيئ، وصرفه للضرورة؛ إذ فيه العدل والعلمية مثل عمر. وهذا البيت من أبيات المتنبي التي سهر الناس جرّاها، وانشغلوا، ونام هو ملء جفونه، ومع أنّ المتنبي من المتأخرين ممن لا يستشهد أهل النحو بشعرهم، إلا أنهم شغلوا به، وقلّ أن تجد من تجرأ على القول بنسبته إلى اللحن عند ما يخالف قاعدة نحوية، وهذا يدلك على ثقتهم بشعره؛ لأنه لقن العربية عن أهلها في البادية، بل عاش سنوات طويلة في البادية عند ما اجتمع الأعراب عليه، واعتقدوا به.
والخلاف بين أهل النحو في: «بأنك منهم»، فالفعل «كفى» هنا، بمعنى أجزأ وأغنى، وتتعدى إلى واحد، ولا تزاد «الباء» على فاعلها، ولكن المتنبي زادها؛ لأنّ «أنك منهم» فاعل «كفى»، وجوّز ابن الشجري في «دهر» ثلاثة أوجه:
أحدها: مبتدأ، حذف خبره، أي: يفخر بك، وصح الابتداء بالنكرة؛ لأنه وصف بأهل.
والثاني: كونه معطوفا على فاعل كفى، أي: أنهم فخروا بكونه منهم، وفخروا بزمانه؛ لنضارة أيامه.
والثالث: أن تجرّه بعد أن ترفع فخرا على تقدير كونه فاعل «كفى»، و «الباء» متعلقة ب «فخر»، لا زائدة، وحينئذ تجر الدهر بالعطف، وتقدر «أهل» خبرا ل «هو» محذوفا.

96 - فما زالت القتلى تمجّ دماءها … بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل، وذكر ما أوقعه الجحّاف ببني تغلب. وأشكل:
من الشكلة، كالحمرة، وزنا ومعنى، لكن يخالطها بياض، وهو مأخوذ من أشكل الأمر، أي: التبس.
والشاهد: أنّ «حتى» فيه ابتدائية. [الخزانة/ 9/ 479، وشرح المفصل/ 8/ 18، والأشموني/ 3/ 300، والهمع/ 1/ 248].

97 - لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم … ونحن لكم يوم القيامة أفضل
البيت لجرير، من قصيدة هجا بها الأخطل النصراني، وذكر ابن هشام البيت على أن
(2/241)

«اللام» في «لكم»، بمعنى «من» لأن أفعل إنما يتعدى ب «من»، وفيه نظر؛ لأنّ الشاعر لا يريد أنّ قومه أفضل من قوم الأخطل يوم القيامة؛ لأن إثبات الفضل العالي لقوم جرير، يثبت الفضل النازل لقوم الأخطل، وهذا لا يكون؛ لأن النصراني الذي شهد الإسلام لا فضل له يوم القيامة، حيث كفر بالإسلام فلا ينال التفاضل مع المؤمنين بالإسلام، وإنما مراد الشاعر إثبات الفضل الزائد له ولقومه يوم القيامة، والمعنى: نحن أفضل مفاخرين لكم يوم القيامة.
فالجار والمجرور في موضع الحال. [شرح أبيات المغني/ 4/ 293، والأشموني/ 2/ 218، والدرر/ 2/ 31].

98 - يميد إذا مادت عليه دلاؤهم … فيصدر عنها كلّها وهو ناهل
معزوّ إلى كثير عزّة. وماد: تحرك. والناهل: العطشان، والريّان من الأضداد.
والشاهد: أن مجيء «كلّ» المضافة إلى الضمير فاعله قليل. [الهمع/ 2/ 73، والدرر/ 2/ 90، والأشموني/ 3/ 85].

99 - إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه … فكلّ رداء يرتديه جميل
مطلع قصيدة في حماسة أبي تمام، لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي، وتروى للسموأل اليهودي، وليس جديرا أن تكون له. والدنس: الوسخ. يقول: إذا المرء لم يتدنس باكتساب اللؤم واعتياده، فأي ملبس يلبسه بعد ذلك كان جميلا. والرداء هنا مستعار للفعل نفسه، أي: أي عمل عمله بعد تجنب اللؤم كان حسنا.
والشاهد: أن «الهاء» في «يرتديه»، والمستتر في «جميل»، كل منهما راجع إلى «كل»؛ لأنها بحسب ما تضاف إليه، وقد أضيفت هنا إلى مذكر؛ ولهذا رجع إليها ضمير المذكر.
[شرح أبيات المغني/ 4/ 202، والمرزوقي/ 110].

100 - فلا الجارة الدّنيا لها تلحينّها … ولا الضّيف منها إن أناخ محوّل
من قصيدة للشاعر النمر بن تولب الصحابي، أخبر عن نوقه أن الجار لا يذمّها، وأن الضيف لا يحوّل عنها، وخصّ الجارة القريبة (الدنيا) دون الجار؛ لأنه الأغلب، حيث أراد الأرامل والعجائز، ووصفها بالقريبة؛ لأن البعيدة ربما تستغني بكريم آخر، وربما لا يعلم حالها. فالجارة: مبتدأ، والدنيا: صفة، وجملة تلحينها: خبر. واللحي: اللوم. وفيه
(2/242)

الشاهد، حيث أكد الفعل ب «النون» بعد «لا» النافية. [شرح أبيات المغني/ 5/ 7، والأشموني/ 3/ 218].

101 - وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم … تلاقونه حتى يؤوب المنخّل
قاله النمر بن تولب الصحابي. وقولي: معطوف على كلام سابق في القصيدة، ومقول القول: تلاقونه، على تقدير: «لا تلاقونه»، «لا» المحذوفة، أي: لا تلاقون البعير بعد إطلاقكم إياه حتى يعود المنخّل، والمنخل: هو الحارث بن قيس، شاعر، كان النعمان قد اتهمه وحبسه، ولم يعلم الناس له خبرا، فضرب العرب المثل به في فقدان الشيء، وعدم عودته.
والشاهد: إضمار أو حذف «لا» النافية في غير الداخلة على الفعل المستقبل في جواب القسم، فقوله: «لا تلاقونه»،
ليس جواب قسم، وأضمر «لا» قبله. [شرح أبيات المغني/ 7/ 33، والخزانة/ 10/ 99].

102 - ولكنّ من لا يلق أمرا ينوبه … بعدّته ينزل به وهو أعزل
قاله أمية بن أبي الصلت. وينوبه: يصيبه من النائبة. والعدة: ما يهيئه الإنسان لحوادث الدهر. و «الباء» متعلقة ب «يلق»، والضمير في «به» ل «من». والأعزل: الذي لا سلاح له. يقول: من لم يستعد لما ينوبه من الزمان قبل حلوله، ضعف عنه عند نزوله.
والشاهد: أن اسم «لكن» محذوف، وهو ضمير الشأن. [سيبويه/ 1/ 549، والإنصاف/ 181، وشرح أبيات المغني/ 5/ 201].

103 - فتلك ولاة السوء قد طال مكثها … فحتام حتام العناء المطوّل
هذا البيت للكميت، من إحدى هاشمياته. وتلك: مبتدأ، ولاة: بدل، وجملة «طال»:
خبرها. حتام: الجار والمجرور خبر مقدم، والعناء: مبتدأ مؤخر.
والشاهد: أن «ما» الاستفهامية يحذف «ألفها» إذا جرّت بحرف جرّ، كما في قوله:
حتام حتام. [شرح أبيات المغني/ 5/ 215، والأشموني/ 3/ 80].

104 - وقد أدركتني والحوادث جمّة … أسنّة قوم لا ضعاف ولا عزل
(2/243)

قاله جويرية بن زيد.
والشاهد: أنّ جملة «الحوادث جمة»، معترضة بين الفعل «أدركتني»، والفاعل «أسنة». [الخصائص/ 1/ 331، والهمع/ 1/ 248، وشرح أبيات المغني/ 6/ 183].

105 - ألم تعلمي يا عمرك الله أنّني … كريم على حين الكرام قليل
وأنّي لا أخزى إذا قيل مملق … سخيّ وأخزى أن يقال بخيل
ينسبان إلى مبشّر بن هذيل الفزاري. والمملق: الفقير، مشتق من الملقة، وهي الصخرة الملساء. وقوله: يا عمرك، «الكاف»: ضمير العاذلة، ويا: للنداء، والمنادى محذوف، وعمرك الله: منصوبان بفعل محذوف تقديره: سألت الله تعميرك.
والشاهد: «على حين»، على أن «حين» بني على الفتح؛ لإضافته إلى الجملة الاسمية. [العيني/ 3/ 412، والهمع/ 1/ 212، والأشموني/ 2/ 257].

106 - وقلن ألا البرديّ أوّل مشرب … أجل جير إن كانت رواء أسافله
قاله طفيل الغنوي، الملقب ب «طفيل الخيل»؛ لأنه كان من أوصف العرب للخيل.
وقلن: يريد: الرواحل. والبرديّ: ماء يسمى أيضا الفردوس. وقوله: ألا: الهمزة للاستفهام عن النفي، والتقدير: أليس البرديّ أول مشرب؟ فقل لهن: نعم إن كان سقي بالمطر، والبردي: مبتدأ، أوّل: خبر، والجملة مقول القول. ورواء: بالكسر، جمع ريّان، وريّا، كعطاش، جمع عطشان وعطشى. وأسافل: جمع أسفل، وهو المكان المنخفض، يريد: إن اجتمع الماء في مواضعه المنخفضة حتى صار غديرا، فالبردي أول مشرب.
والشاهد: «أجل جير»، أكّد «أجل» ب «جير»، وأجل حرف، إذن «جير» حرف.
والبيت مرويّ بقافية أخرى هي: «أجل جير، إن كانت أبيحت دعاثره»، وهو من قصيدة لمضرّس بن ربعي. والدعثور: الحوض المتثلم، والمعنى: قالت النساء: ستكون أول استراحة لنا عند الفردوس، فأجابهن الشاعر: «أجل»، وفي «جير» أقوال أخرى غير الحرفيّة. [شرح أبيات المغني/ 3/ 58، والهمع/ 2/ 44].

107 - إذا ريدة من حيث ما نفحت له … أتاه بريّاها خليل يواصله
قاله أبو حيّة النميري، يصف حمارا. وقوله: «إذا ريدة»: بفتح الراء وسكون الياء، ريح
(2/244)

لينة الهبوب. و «ما» من قوله: حيث ما، زائدة. ونفحت: هبت. والريّا: الرائحة التي تملأ الأنف. وأبو حية النميري شاعر من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية.
والشاهد: أنّ الجملة التي تضاف إليها «حيث» محذوفة، والتقدير: إذا ريدة نفحت له من حيث هبّت؛ وذلك لأن «ريدة»، فاعل بفعل محذوف يفسره: «نفحت» فلو كان «نفحت» مضافا إلى «حيث»، لزم بطلان التفسير؛ إذ المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، فلا يفسر عاملا فيه. [شرح أبيات المغني/ 3/ 148، والهمع/ 1/ 212].

108 - وابأبي ثغرك ذاك المعسول … كأنّ في أنيابه القرنفول
يريد الراجز أن يصف ثغر هذه الجارية الناعمة التي يتغزل فيها، بأنه طيب الريح، جميل النكهة.
ومحل الشاهد: «القرنفول» فإن أصل الكلمة: القرنفل، فلما اضطر إلى «الواو»؛ لإقامة الوزن، أشبع ضمة «الفاء»، فنشأت «الواو». [الخصائص/ 3/ 124، والإنصاف/ 24، و 749، واللسان «قرنفل»].

109 - أقول إذ خرّت على الكلكال … يا ناقتا ما جلت من مجال
الكلكال: هو الكلكل، وهو الصدر من كل شيء، وقيل: باطن الزور. وقوله: يا ناقتا: هو ناقة مضاف ل «ياء» المتكلم،
وقد قلب الكسرة التي قبل «الياء» فتحة، ثم قلب «الياء» ألفا.
والشاهد: «الكلكال» فإن أصله الكلكل، ولكن الراجز أشبع فتحة «الكاف» الثانية، فنشأت ألف. [الإنصاف/ 25، 749، واللسان «كلل»].

110 - كأني بفتخاء الجناحين لقوة … على عجل منّي أطاطئ شيمالي
البيت لامرئ القيس، وفتخاء الجناحين: هي العقاب اللينة الجناح، وذلك أسهل لطيرانها. ولقوة: بفتح اللام وكسرها مع سكون القاف، هي الخفيفة السريعة، يصف ناقته التي ارتحلها بالسرعة، فشبهها بالعقاب.
والشاهد: «شيمالي»، وأصلها: «شمالي»، أشبع كسرة الشين؛ لإقامة الوزن، فتولدت «ياء». ويروى: شملالي، لغة في الشمال، بل قوله: «شيمالي»، لغة في الشمال؛ لأن امرأ القيس وأمثاله هم الذين صنعوا الشعر، ووضعوا أصوله، فلا يقال إنهم لجؤوا إلى
(2/245)

الضرورات الشعرية. [الإنصاف/ 28، والهمع/ 2/ 156، واللسان «شمل»].

111 - لما نزلنا نصبنا ظلّ أخبية … وفار للقوم باللحم المراجيل
للشاعر عبدة بن الطبيب، والأخبية: جمع خباء، بوزن كساء وأكسية. والمراجيل:
جمع مرجل، وهو القدر التي يطبخ فيها الطعام. يقول: إنهم حين حطوا رحالهم، أسرعوا فنحروا الذبائح، وأوقدوا عليها، ففارت قدورهم باللحم، يصف أنفسهم بالكرم.
والشاهد: «المراجيل»، فإن أصله «المراجل»، فأشبع كسرة «الجيم» فتولدت «ياء»، وهي ليست ضرورة، وإنما هي لغة. [الإنصاف/ 29، والمفضليات/ 141].

112 - وما الدنيا بباقية بحزن … أجل، لا، لا، ولا برخاء بال
الشاهد: «لا، ولا برخاء بال»، عطف نفيا على نفي ب «الواو»، والبيت من شواهد البصريين أنّ النفي يعطف عليه ب «ولا»: وهم في ذلك ينقضون قول الكوفيين القائلين:
إن الاسم بعد «لولا» مرفوع بها، فقولك: «لولا زيد، لأكرمتك»، تقدير الكوفيين: «لو لم يمنعني زيد، لأكرمتك» حيث يرون أن «لولا» مركبة من «لو»، و «لا»، فقال البصريون:
لو صح هذا التقدير، لصح العطف عليه ب «ولا» وقلنا في المثال: (لولا أخوك، ولا أبوك).
وتأويلات البصريين في هذا المكان باردة، مصدرها العناد. [الإنصاف/ 75].

113 - لا همّ إن الحارث بن جبله … زنى على أبيه ثم قتله
وكان في جاراته لا عهد له … وأيّ أمر سيّئ لا فعله
رجز منسوب لشهاب بن العيف. وقوله: زنى على أبيه، أي: ضيّق.
والشاهد في قوله: «لا فعله»، حيث دخلت «لا» النافية على الفعل الماضي لفظا ومعنى ولم تكرر، ويريدون بالماضي لفظا ومعنى أنه ماض في اللفظ، وماض في المعنى، أي: إن حدوثه كان في الزمن الماضي، ودخول «لا» النافية على الماضي لفظا ومعنى يوجب تكرارها عند النحويين، فإذا وجدوها غير مكررة كما في الشاهد، التمسوا لها تخريجا، فقالوا: إنها مكررة في المعنى، فقال الزمخشري في قوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: 11] إن التقدير: ولا أطعم مسكينا، أو أنها مع الماضي تكون بمعنى «لم»، فقوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أي: لم يقتحم العقبة.
(2/246)

أما إذا كان الفعل الماضي مستقبلا في المعنى، فلا يجب التكرار، كقول الشاعر:
حسب المحبين في الدنيا عذابهم … تالله لا عذّبتهم بعدها سقر
فإنّ عذاب سقر في المستقبل، وقال الشاعر:
لا بارك الله في الغواني هل … يبتن إلا لهنّ مطّلب
أقول: إن الشواهد على التكرار، وعدم التكرار، كثيرة؛ ولهذا فهي جائزة في الصورتين. [اللسان «زنا»، والإنصاف/ 77، وشرح المفصل ج 1/ 109، وشرح أبيات المغني/ 4/ 392].

114 - فردّ على الفؤاد هوى عميدا … وسوئل لو يبين لنا السؤالا
وقد نغنى بها ونرى عصورا … بها يقتدننا الخرد الخدالا
البيتان للمرّار الأسدي. والهوى: العشق. وعميد: أي: فادح، يبهظ صاحبه ويسقمه، وأصله قولهم: عمده المرض، أي: أضناه وأوجعه. ويبين: يجيب، وهو يصف منزلا، وقوله: نغنى: مضارع غني بالمكان، أي: أقام فيه، ومنه سمي منزل القوم «المغنى».
والخرد: بضم الخاء والراء، جمع خريدة، وهي المرأة الحيية الطويلة السكوت، أو هي البكر التي لم تمس. والخدال: بكسر الخاء، جمع خدله، بفتح فسكون، وهي الغليظة الساق المستديرتها.
وقوله: نغنى بها، أي: بالمنزل، أنثه؛ لأنه معنى الدار. والعصور: الدهور: نصبه على الظرف. ويقتدننا: يملن بنا إلى الصّبا.
والشاهد في البيت الثاني: «ونرى يقتدننا الخرد الخدالا»: حيث كانت هذه العبارة من باب التنازع؛ لتقدم فعلين هما:
«نرى» و «يقتاد»، وتأخر معمول وهو «الخرد الخدالا»، وقد أعمل الشاعر الفعل الأول في هذا المعمول، بدليل أنه نصبه وأتى بضميره معمولا للفعل الثاني، وهو «نون النسوة»، والقوافي منصوبة، بدليل البيت السابق، ولو أنه أعمل الفعل الثاني، لقال: «نرى يقتادنا الخرد الخدال»، فيرفع المعمول على أنه فاعل ل «يقتاد»، ويحذف ضميره؛ لكون الأول يطلب معمولا فضلة، وهذا يدل على أن إعمال العامل الأول أولى، وهو مذهب الكوفيين. والحقّ أن إعمال الأول جائز، وكذلك إعمال الثاني، بدون مفاضلة. [سيبويه/ 1/ 40، والمقتضب/ 4/ 76 - 77، والإنصاف/ 65 - 86].
(2/247)

115 - ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة … أعرافهنّ لأيدينا مناديل
من قصيدة لعبدة بن الطبيب في المفضليات، يقول في مطلعها:
هل حبل خولة بعد الهجر موصول … أم أنت عنها بعيد الدار مشغول
والشاعر مخضرم، أدرك الاسلام فأسلم، وشهد مع المثنى بن حارثة قتال هرمز سنة 13 ه، والقصيدة قالها بعد وقعة القادسية، وكان عبدة أسود، وهو الذي رثى قيس بن عاصم المنقري بقصيدة يقول فيها:
وما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنّه بنيان قوم تهدّما
قال أبو عمرو بن العلاء: هذا أرثى بيت قيل، وقال ابن الأعرابي: هو قائم بنفسه، ماله نظير في الجاهلية ولا الإسلام.
والجرد: الخيل القصار الشعر. والمسومة: المعلمة. مناديل: يريد أنهم يمسحون أيديهم من وضر الطعام بأعرافها. وقال عبد الملك بن مروان يوما لجلسائه: أيّ المناديل أشرف؟ فقال قائل منهم: مناديل مصر، وقال آخرون: مناديل اليمن، فقال عبد الملك:
مناديل أخي بني سعد، عبدة بن الطبيب، وذكر هذا البيت.
والشاهد في البيت: «ثمّت»، حيث اتصلت «تاء التأنيث» ب «ثمّ» وبعض الكوفيين ينشد هذا البيت؛ لنقض دليل البصريين على أن «نعم وبئس» فعلان؛ لاتصال «تاء التأنيث» بهما، وهذه «التاء» من علامات الأفعال. فقال الكوفيون: إن هذه «التاء» تدخل على الحروف:
ثم، وربّ، ولا، فنقول: ثمت وربّت، ولات. ولكن دليل الكوفيين هنا واه؛ للفرق بين «التاء» التي تدخل على الحرف، و «التاء» التي تدخل على الفعل، انظر [الإنصاف/ 106].

116 - ما أقدر الله أن يدني على شحط … من داره الحزن ممّن داره صول
الله يطوي بساط الأرض بينهما … حتى يرى الرّبع فيه وهو مأهول
من قطعة في الحماسة رقم 827، قالها حندج بن حندج المريّ. وقوله: ما أقدر الله، لفظه التعجب، ومعناه الطلب والتمني. وكان الواجب أن يقول: ما أقدر الله على أن ...
فحذف الجار. والشحط: بفتحتين، البعد، وحقه سكون الوسط.
والحزن: موضع بعينه. وصول: مدينة من بلاد الخزر، لعلّ الصولي، منسوب إليها،
(2/248)

والبساط: بفتح «الباء»، الأرض الواسعة. وقوله: يرى الربع منه: يعني بالربع، الحزن، ممن هو مقيم بصول. والبيت من شواهد الكوفيين على إبطال قول البصريين في «أفعل» في التعجب، فالبصريون يرون أنه فعل في قولنا: ما أجمل السماء! فأجمل: فعل ماض تحمل ضميرا، والسماء: مفعوله، والتقدير عندهم: شيء جمّل السماء، وهو المذهب الذي أخذ به العرب اليوم في التعليم. وأما الكوفيون، فيرون أنّ «أفعل» التعجب اسم مبني على الفتح، قال الكوفيون: ولو كان التقدير كما زعم البصريون، لكان التقدير في قولنا: «ما أعظم الله»، شيء أعظم الله، وهذا باطل؛ لأن الله عظيم لا بجعل جاعل، واستشهد الكوفيون بالبيت. وكل تخريجات البصريين التي نقضوا بها أقوال الكوفيين يمكن قبولها، إلا في هذا الموطن، فقد أمسك الكوفيون البصريين من مقتل، وأوقعوهم في حيص بيص، فأخذوا يأتون بالتأويلات الخاصة بعبارات التعجب من صفات الله خاصة، فقال البصريون: معنى قولهم: «شيء أعظم الله» أي: وصفه بالعظمة، كما يقول الرجل إذا سمع الأذان: كبّرت كبيرا، وعظمت عظيما، أي: وصفته بالكبرياء والعظمة، لا صيّرته عظيما، فما يقدّر في حال المخلوقين، ليس هو الذي يقدّر في حال الخالق. وتأويلات البصريين في رأيي غير مقنعة؛ لأن العرب لم يخصوا آلهتهم بشيء من لغتهم، وفي الإسلام اشترك الخالق والمخلوق في الألفاظ، وكان الفرق فقط في الكيفية، فالله يسمع، والمخلوق يسمع، ولكن سمع الخالق لا تعرف له هيئة، والله له يد، والعبد له يد، ولكن يد الله لا يمكن تصورها، وهكذا، والتقدير في مسألة التعجب، لا تشابه هذا التأويل؛ لأنها جعلت تقديرا للتعجب من صفات الخالق، وتقديرا للتعجب في صفات المخلوق، وهذا يوجد الالتباس عند الذين يأخذون العربية بالتعليم لا بالسليقة. [الإنصاف/ 128].

117 - ألا فتى من بني ذبيان يحملني … وليس حاملني إلا ابن حمّال
رواه المبرد في الكامل، وقال: أنشدنا أبو محلم السعدي. ألا: أداة عرض، فتى:
منصوب لفعل محذوف تقديره: (ألا ترونني فتى). يحملني: أراد: يعطيني دابة تحملني إلى المكان الذي أقصده.
و (حمّال): صيغة مبالغة، لحامل.
والشاهد: «حاملني»، حيث لحقت «نون الوقاية» الاسم عند الإضافة إلى «ياء» المتكلم، وذلك شاذ؛ لأن هذه «النون» من خصائص الأفعال؛ لتقي آخر الفعل من الكسر. [الإنصاف/ 129، والخزانة/ 11/ 294].
(2/249)

118 - ولقد أغتدي وما صقع الديك … على أدهم أجشّ الصّهيلا
من شواهد الإنصاف للأنباري. وصقع الديك: صاح، وهو تأكيد لقوله: أغتدي، كقول امرئ القيس: «وقد أغتدي والطير في وكناتها». على أدهم، أي: فرس أدهم، ولونه قريب من الأسود. أجشّ: الغليظ الصوت من الإنسان والخيل.
ومحل الشاهد: «أجش الصهيلا»، حيث نصب الصهيل بقوله: «أجشّ»، و «أجش» صفة مشبهة، ومعمولها مقترن بالألف واللام، وبه استدل الكوفيون على أنه يجوز أن ينتصب بعد «أفعل» كل من المعرفة والنكرة؛ لأنهم يرون مجيء التمييز معرفة، أو مقترنا ب «أل». أما البصريون، فيرون أن المعرفة، أو المعرف ب «أل» بعد الصفة المشبهة، ينصب على شبه المفعولية، فرارا من القول بمجيء التمييز معرّفا ب «أل»، وإذا جاء التمييز معرفا ب «أل»، جعلوا «أل» زائدة، لا تفيد التعريف. [الإنصاف/ 134].

119 - ولما دعاني السمهريّ أجبته … بأبيض من ماء الحديد صقيل
من شواهد «الإنصاف» للأنباري. والسمهري هنا: اسم رجل، وليس الرمح السمهري، وقد يكون الرمح، إذا جعلنا الرمح هو الذي دعاه إلى الحرب، فأجابه بالسيف الأبيض؛ لأن المنازلة بالسيف أدلّ على الشجاعة.
والشاهد: «أبيض»، والبيت شاهد لأنصار البصريين الذين يرون منع مجيء التفضيل من البياض، وتخريج ما جاء على وزن التفضيل، بأنه الصفة المشبهة، الذي مؤنثه فعلاء.
[الإنصاف/ 154، وشرح المفصل/ 7/ 147].

120 - فليت دفعت الهمّ عنّي ساعة … فبتنا على ما خيّلت ناعمي بال
لعدي بن زيد.
والشاهد: «فليت دفعت الهمّ»، حيث وقع الفعل بعد «ليت» و «ليت» تدخل على الأسماء؛ ولذلك جعل النحاة اسم «ليت» في هذا البيت محذوفا، وتقدير الكلام: «فليتك دفعت الهم»، وتكون جملة الفعل خبر ليت. ويجوز أن يكون الضمير المحذوف ضمير الشأن، وتقديره: (فليته). [الإنصاف/ 183، والهمع/ 1/ 136، وشرح أبيات المغني/ 5/ 184].
(2/250)

121 - لهنّك من عبسيّة لوسيمة … على هنوات كاذب من يقولها
ويسبقه في «لسان العرب»:
وبي من تباريح الصبابة لوعة … قتيلة أشواقي وشوقي قتيلها
والشاهد: «لهنّك»، وللعلماء في تخريج هذه الكلمة آراء، أذكر ههنا أقربها: وهو أنها في الأصل: «لأنك» ب «لام» توكيد مفتوحة، ثم «إنّ» المكسورة الهمزة المشددة النون.
والأصل أن «لام» التوكيد التي تدخل على «إنّ» المكسورة، تتأخر عن «إنّ» وما يليها فتدخل على خبرها مثل: «إنّ زيدا لمنطلق»، أو على اسمها بشرط أن يتأخر عن الخبر، كقوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً*. [النحل: 66، والمؤمنون: 21]، أو على ضمير الفصل الواقع بين اسمها وخبرها نحو: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ. [آل عمران: 62]، ولا يجوز أن تقترن «اللام» ب «إنّ»، لكنه لما أبدل الهمزة من «إنّ» هاء، توهم أنها كلمة أخرى غير «إنّ». و «اللام» في «لوسيمة» زائدة. ويذكر الكوفيون هذا البيت شاهدا على جواز زيادة «لام» التوكيد على خبر (لكن) لأنّ أصلها في التركيب «إنّ» زيدت عليها «لا» و «الكاف»، فصارتا حرفا واحدا، كما زيدت على «إنّ» «اللام» و «الهاء» في قول الشاعر. [الإنصاف/ 209، والهمع/ 1/ 149، واللسان: لهن].

122 - دعيني أطوّف في البلاد لعلني … أفيد غنى فيه لذي الحقّ محمل
لعروة بن الورد، المعروف بعروة الصعاليك.
والشاهد: «لعلني»، حيث وصل «نون» الوقاية ب «لعلّ»، حين أراد أن يعملها في «ياء» المتكلم، وقد زعم الأنباري في «الإنصاف» أن ذلك قليل، وأن الكثير «لعلي»، وليس كما قال .. نعم: إن حذف النون أعرف وأشهر. وبه وحده ورد القرآن الكريم لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ. [غافر: 36] [الإنصاف/ 227].

123 - وإن كان ما بلّغت عنّي فلامني … صديقي وشلّت من يديّ الأنامل
وكفّنت وحدي منذرا في ردائه … وصادف حوطا من أعاديّ قاتل
قاله معدان بن جوّاس الكندي. وكفنت وحدي منذرا: يقول أصبحت فريدا لا معين لي على القيام بواجب تجهيزه، وأصبحت فقيرا لا أملك ما أكفنه فيه غير ردائه. أو يكون المعنى: قتله أعداؤه وليس معه غيري، وأعجلت عن تكفينه حسب العادة.
(2/251)

والشاهد في البيتين: «فلا مني صديقي»، و «شلّت»، و «كفنت»، و «صادف حوطا»، فإن كل واحدة من هذه الجمل
خبرية لفظا إنشائية معنى؛ لأن المقصود بها الدعاء. والبيتان من شواهد البصريين على منع مجيء الفعل الماضي حالا، وأن الأفعال الماضية التي استشهد بها الكوفيون خبرية لفظا إنشائية معنى، كما في البيتين، والإنشاء لا يكون حالا في زعمهم.
ولا يجيز البصريون مجيء الماضي حالا إلا إذا سبقته (قد)، إما لفظا، أو تقديرا.
[الإنصاف/ 256، والحماسة/ 152].

124 - أزهير إن يشب القذال فإنّه … رب هيضل لجب لففت بهيضل
من شعر أبي كبير الهذلي، واسمه عامر بن حلس.
وقوله: أزهير: النداء لابنه. والقذال: ما بين نقرة القفا وأعلى الأذن، وهو آخر موضع من الرأس يشيب شعره. وربما أطلق القذال وأريد الرأس كله من باب إطلاق الجزء على الكل.
والهيضل: بزنة جعفر، الجماعة من الناس. ولجب: كثير الجلبة مرتفع الأصوات.
وقوله: لففت: معناه جمعت، ويروى لفقت، ومعناه أيضا جمعت. يريد أنه جمع جيشا بجيش؛ للحرب والطعان.
والشاهد: «رب» حيث جاءت مخففة بباء واحدة، ومنهم من يجعلها ساكنة؛ لأن أول المشدد ساكن، فحذف الباء الثانية. ومنهم من يجعلها مفتوحة. ويستقيم وزن البيت بالروايتين. [الإنصاف/ 285، وشرح المفصل/ 5/ 119 و 8/ 31، والخزانة/ 9/ 535].

125 - رددنا لشعثاء الرسول ولا أرى … كيومئذ شيئا تردّ رسائله
شعثاء: اسم امرأة .. والرسول: الرسالة.
والشاهد: «كيومئذ»، فإن الرواية بفتح «يوم»، مع أنه مدخول حرف الجرّ. فدلّ ذلك على أنه بناه؛ لإضافته إلى المبني وهو «إذ». وتنوين «إذ» في التركيب، تنوين عوض من الجملة التي من حقّ «إذ» أن يضاف إليها. ويجوز فيها البناء بالفتح والإعراب. إن فتح، فهو منصوب، وإن سبقه حرف جر، أو مضاف، فهو مجرور بالحركة. [الإنصاف/ 289].
(2/252)

126 - لقد خفت حتّى لا تزيد مخافتي … على وعل في ذي المطارة عاقل
للنابغة الذبياني. والوعل: بفتح الواو وكسر العين أو سكونها، تيس الجبل.
والمطارة: قال ياقوت: يجوز أن تكون الميم زائدة فيكون من طار يطير، أي: البقعة التي يطار منها، وهو اسم جبل
ويضاف إليه «ذو» وعاقل، أي: متحصّن.
والشاهد: «لا تزيد مخافتي على وعل»، فإن الكلام على تقدير مضاف، أي: لا تزيد مخافتي على مخافة وعل، ألا ترى أن مخافته لا تشبه بالوعل نفسه، وإنما تشبه بمخافة الوعل، وقد قالوا: إن الكلام على القلب، فإن الأصل: لا تزيد مخافة الوعل المعتصم بالجبل على مخافتي، فقلب.
والتوجيه الثاني في البيت: أن تكون «لا» زائدة في قوله: «لا تزيد مخافتي»، وكأنه قال: «حتى تزيد مخافتي». [الإنصاف/ 372].

127 - أليس قليلا نظرة إن نظرتها … إليك؟ وكلّا ليس منك قليل
قاله ابن الطّثريّة، واسمه يزيد بن سلمة، والطّثرية أمه، وهي من الطّثر، حيّ من اليمن، كان من شعراء بني أمية، توفي سنة 126 ه. والبيت من قطعة اختارها أبو تمام في الحماسة، ومطلعها:
عقيليّة أمّا ملاث إزارها … فدعص وأما خصرها فبتيل
تقيّظ أكناف الحمى ويظلّها … بنعمان من وادي الأراك مقيل
ويفسّر معنى البيت الشاهد: قول الآخر:
هل إلى نظرة إليك سبيل … فيروّى الظّما ويشفى الغليل
إنّ ما قلّ منك يكثر عندي … وكثير ممّن يحبّ القليل
وفي البيت الشاهد يقول: أليس قليلا نظرة منك إذا حصلت لي، ثم استدرك على نفسه ناقضا لما اعتقده فقال: كلّا، لا قليل منك. وموطن الشاهد: «كلّا»، فقد رأى الأنباري في الإنصاف أن «كلّا» بمعنى «حقّا»، وهذا المعنى قاله الكسائي ومن تابعه.
[الإنصاف/ 402، والحماسة/ 1341].

128 - فلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى … بنا بطن حقف ذي قفاف عقنقل
(2/253)

إذا قلت هاتي نوّليني تمايلت … عليّ هضيم الكشح ريّا المخلخل
البيتان لامرئ القيس، حامل لواء الشّعراء في النار، لما أذاعه في الشعر من فسق، ولخروجه على قومه، واستعانته بالروم على العرب، فسنّ سنة سيئة نال جزاءها بما أرسل الله عليه من القروح. وقوله: أجزنا: قطعنا. وانتحى: اعترض. والحقف: ما اعوج وتثنىّ من الرمل. والقفاف: جمع قف بالضم، وهو ما ارتفع من الأرض وغلظ، ولم يبلغ أن يكون جبلا. والعقنقل: بوزن سفرجل، المنعقد الداخل بعضه في بعض.
وليس في البيت الثاني شاهد، وإنما ذكرته؛ لأن الشاهد في البيت الأول لا يتضح إلا به، ففي أول البيت «لمّا» وتحتاج إلى جواب، أما الكوفيون فقالوا: جوابها، وانتحى، والواو مقحمة. وأما البصريون فقالوا: إن الجواب محذوف، والتقدير: لما قطعنا ساحة الحيّ وفارقناها، أمنّا من ترصّد الوشاة، أو نلنا ما كنا تمنيناه، وهذا الخلاف جار إذا كان البيت التالي ما ذكرته، ومنهم من يجعل الجواب في بيت تال للأول، وهو قوله:
هصرت بفودي رأسها فتمايلت … عليّ هضيم الكشح ريّا المخلخل
فيكون جواب «لما» هصرت. [الشذور/ والإنصاف/ 457].

129 - ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه … ما لم يكن وأب له لينالا
البيت لجرير يهجو الأخطل.
والشاهد: «يكن وأب له»، حيث عطف قوله: «أب» بالواو على الضمير المرفوع المستتر في «يكن» وهو مذهب الكوفيين، ويرى البصريون أنه يجوز في ضرورة الشعر، فإذا كان هناك توكيد أو فصل، يجوز معه العطف من غير قبح، فتقول: اذهب أنت وأخوك، ولا تقول: اذهب وأخوك. [الإنصاف/ 476، والعيني/ 4/ 160، والهمع/ 2/ 138، والأشموني/ 3/ 114].

130 - نصروا نبيّهم وشدّوا أزره … بحنين يوم تواكل الأبطال
البيت لحسان بن ثابت. وحنين: اسم واد بين مكة والطائف، كانت به المعركة المشهورة التي ذكرها القرآن وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ. [التوبة: 25]، قال الجوهري: حنين: موضع يذكر ويؤنث، فإذا قصدت به الموضع، ذكرته وصرفته، كما في
(2/254)

الآية. وإن قصدت به البقعة، أنثته ولم تصرفه، وبيت حسان على هذا المعنى، فهو لم يصرفه؛ لأنه لاحظ فيه معنى البقعة، ففيه العلمية والتأنيث. وكونه صرف في قراءات القرآن، فليس معناه أنه لا يمنع من الصرف، ولكن القراءة سنة متبعة، وهي لا تخالف العربية، ولكن ليس معنى هذا أن كل ما جاز في العربية جازت القراءة به، ولكن معناه أن كل ما قرئ به فهو جائز في العربية، وفرق بين الكلامين. [الإنصاف/ 494].

131 - قالت أميمة ما لثابت شاخصا … عاري الأشاجع ناحلا كالمنصل
شاخصا: من شخص بصر فلان فهو شاخص، إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف، ويكون ذلك عند الذهول أو مشارفة الموت. وقد يكون شخص بمعنى سار من بلد إلى بلد.
وعاري الأشاجع: هزل وضعف. والمنصل: السيف.
والشاهد: «ثابت»، حيث منعه من الصرف، وليس فيه إلا علة العلمية، وهو ضرورة شعرية.
وشاهد آخر: «عاري الأشاجع»، فإن «عاري» حال من «ثابت»، مثل قوله:
«شاخصا». وقد عامل الشاعر الاسم المنقوص في حال النصب معاملة الاسم المنقوص المرفوع والمجرور، فلم يظهر الحركة على آخره. [الإنصاف/ 499].

132 - لي والد شيخ تهضه غيبتي … وأظنّ أنّ نفاد عمره عاجل
تهضه: مضارع هاض العظم يهيضه هيضا، إذا كسره بعد ما كاد ينجبر، وكل وجع على وجع فهو هيض. وقد عامل الشاعر «تهضه» معاملة المجزوم وإن لم يسبقه جازم، وكان من حقّ العربية عليه أن يقول: تهيضه، إلا أنه حذف الياء للضرورة.
والشاهد أيضا: «عمره»، فقد اختلس كسرة الهاء ولم يشبعها؛ وأظن ذلك لضرورة الوزن. [الإنصاف/ 519].

133 - لتبعد إذ نأى جدواك عنّي … فلا أشقى عليك ولا أبالي
قوله: لتبعد: أراد، لتهلك، فما في حياتك خير. والجدوى: العطية. ونأى: بعد.
وقوله: فلا أشقى عليك ولا أبالي يريد: أن هلاكك يذهب عني ما أنا فيه من الشقاء بحياتك.
(2/255)

ومحل الشاهد: «لتبعد»: حيث أمر المخاطب بالفعل المضارع المبدوء ب «تاء» المضارعة المقرون ب «لام» الأمر. وهو الأصل في الفعل الأمر؛ ولذلك قال الكوفيون: إن فعل الأمر معرب مجزوم. [الإنصاف/ 527].

134 - فدعوا نزال فكنت أوّل نازل … وعلام أركبه إذا لم أنزل
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي. قال ابن منظور: وصف فرسه بحسن الطراد فقال:
وعلام أركبه إذا لم أنازل الأبطال عليه. فهذا بمعنى المنازلة في الحرب والطراد لا غير، ويدل على أن «نزال» «فدعوا نزال» بمعنى المنازلة، دون النزول إلى الأرض: قوله «وعلام أركبه إذا لم أنزل»، أي: لماذا أركبه إذا لم أقاتل عليه، أي: في حين عدم قتالي عليه.
والشاهد: «فدعوا نزال»، حيث أوقع لفظ «نزال» في موقع المفعول به؛ لأنه أراد هذا اللفظ. [الإنصاف/ 536، وشرح المفصل/ 4/ 27، والحماسة/ 62].

135 - نعاء أبا ليلى لكلّ طمرّة … وجرداء مثل القوس سمح حجولها
لجرير بن عطية. ونعاء: اسم فعل أمر معناه، انع، أي: اذكر خبر موته والفجيعة فيه.
والطمّرة: بكسر الطاء والميم وتشديد الراء المفتوحة، الخفيفة السريعة من الخيل.
والجرداء: القصيرة الشعر، وشبهها بالقوس؛ لانطوائها من الهزال. يريد أنه كان يجهدها في الحرب حتى هزلت. وقوله: سمح حجولها: الحجل: القيد. يريد أنها مذللة خاضعة للتقييد.
والشاهد: «نعاء أبا ليلى»، حيث استعمل اسم الفعل المأخوذ من مصدر الفعل الثلاثي المتصرف، وهو «نعى»، وجاء به على وزن (فعال) وبناه على الكسر، وأضمر فيه فاعلا، ونصب المفعول به بعده؛ لأن الفعل الأمر بمعناه يصل إلى المفعول به بنفسه.
[سيبويه/ 2/ 37، والإنصاف/ 358].

136 - نعاء ابن ليلى للسماحة والندى … وأيدي شمال باردات الأنامل
ونعاء ابن ليلى: أي: انع ابن ليلى. قوله: وأيدي شمال: الواو للحال، والجملة الاسمية من (أيدي ... باردات): حال. أي: اذكر خبر موت ابن ليلى للجود والكرم في حال كون أيدي الشمال باردات الأنامل. وخص ريح الشمال؛ لأنها أبرد الرياح، ولأنها
(2/256)

هي التي يأتي معها القحط. وخصّ الأنامل، وهي أطراف الأصابع؛ لأن البرد يسرع إليها.
والشاهد: «نعاء ابن ليلى»: اسم فعل أمر بمعنى «انع»، رفع فاعلا ونصب مفعولا.
[سيبويه/ 2/ 37، والإنصاف/ 538].

137 - نعاء جذاما غير موت ولا قتل … ولكن فراقا للدعائم والأصل
هذا البيت للكميت بن زيد. والدعائم: جمع دعامة، وهو ما يدعم به المائل. وسموا سيد القوم دعامة من ذلك؛ لأنه الذي يقيم ما اعوج من أمورهم. يقول: انع هؤلاء القوم، واذكر الفجيعة فيهم، ولكن لا تذكر ذلك؛ لأنهم ماتوا أو قتلوا، ولكن لأنهم فارقوا سادتهم وأهل الخطر منهم، فتبدد أمرهم، وانصدع شملهم.
ومحل الشاهد: «نعاء جذاما»، نعاء: اسم فعل أمر بمعنى انع، رفع فاعلا ونصب مفعولا. [سيبويه/ 1/ 139، والإنصاف/ 539، وشرح المفصل/ 4/ 5].

138 - اسمع حديثا كما يوما تحدّثه … عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا
منسوب إلى عدي بن زيد العبادي الجاهلي، وتبدو في البيت الصنعة.
والشاهد: «كما يوما تحدثه»، بنصب «تحدثه» والذي عمل فيه النصب «كما»، في مذهب الكوفيين. وفي الشاهد
أيضا: أنه لا يضرّ الفصل بين «كما» والفعل، فيبقى الفعل منصوبا. [الإنصاف/ 588، واللسان «كيا»]. و «كما» هنا، أصلها: كي ما، أو كيما، حذفت منها الياء، و «ما» زائدة غير كافة.

139 - يقلّب عينيه كما لأخافه … تشاوس رويدا إنني من تأمّل
قوله: تشاوس: يقال: فلان يتشاوس في نظره، إذا نظر نظرة ذي نخوة وكبر، أو هو أن ينظر بمؤخر عينه ويميل وجهه في شقّ العين التي ينظر بها، يكون ذلك خلقة، ويكون من الكبر والتيه والغضب. ورويدا: أصله تصغير الإرواد، تصغير ترخيم، وقالوا: أرود فلان في سيره إروادا، يريدون أنه تمهل في سيره وترفق. وسيبويه يرى أن «رويدا» إنما يستعمل استعمال المصادر التي تنوب عن الأفعال، تقول: رويد عليا، أي: أمهله، وتكون اسم فعل، تقول: رويدك، أي: أمهل. ويرى أيضا أنه قد يقع صفة فتقول: سار
(2/257)

سيرا رويدا، وإنك قد تذكر الموصوف كما في المثال، وقد تحذفه فتقول: سار رويدا. قال سيبويه: «هذا باب متصرف رويد»، تقول: رويد زيدا، وإنما تريد: أرود زيدا. وسمعنا من العرب من يقول: والله لو أردت الدراهم، لأعطيتك، رويد، ما الشعر. يريد: أرود الشعر، كقول القائل: لو أردت الدراهم، لأعطيتك فدع الشعر، فقد تبين لك أن «رويد» في موضع الفعل. ويكون «رويد» أيضا صفة، كقولك: سار سيرا رويدا. ويقولون أيضا:
ساروا رويدا، فيحذفون السير ويجعلونه حالا، به وصف كلامه، اجتزاء بما في صدر حديثه من قوله «ساروا» عن ذكر السّير. ومن ذلك قول العرب: «ضعه رويدا»، أي:
وضعا رويدا. ومن ذلك قولك للرجل، تراه يعالج شيئا: «رويدا» إنما تريد علاجا رويدا، فهذا على وجه الحال إلا أن يظهر الموصوف، فيكون على الحال وعلى غير الحال. اه.
وعلى هذا يكون قول الشاعر في البيت الشاهد: «رويدا»، حالا من الضمير الواجب الاستتار في قوله: تشاوس.
وقوله: إنني من تأمّل: أي: أنا ذلك الذي تتأمله وتنظر إليه، ومتى عرفتني، عرفت أنه ليس لك أن تنظر لي نظر الكبر والغضب.
والشاهد في البيت: «كما لأخافه»، حيث زعم الكوفيون أن الفعل المضارع الذي هو «أخافه» منصوب ب «كما»، التي هي في الأصل: «كيما»، وليس هذا البيت حجة للكوفيين؛ لأنه:
أولا: مروي بصورة «لكيما أخافه».
وثانيا: لأن الناصب هو «اللام» في قوله: «لأخافه»؛ لأنها «لام» التعليل، وهي تنصب بنفسها عندهم، أو ب «أن» مضمرة عند البصريين، والقول بزيادة «اللام» لا دليل عليه.
والثالث: أنهم يقولون: إن «كي» لا تكون إلا مصدرية مثل «أن»، فمجيء «اللام» بعدها ينقض هذه المقالة؛ لأننا لو جعلنا «اللام» توكيدا ل «كي»، لم يصح؛ لاختلاف معناهما، ف «كي» مصدرية و «اللام» للتعليل، ولو جعلنا اللام بدلا من «كي»، كانت كما في حكم الساقط من الكلام؛ لأن المبدل منه على نية الطرح من الكلام، ويكون العمل للبدل، الذي هو «اللام»، فيتعين عندهم أن تكون زائدة، وهذا ما لم يقم عليه دليل.
[الإنصاف/ 589، والحماسة/ 745، والبيت لأوس بن حجر].
(2/258)

140 - ركاب حسيل أشهر الصّيف بدّن … وناقة عمرو ما يحلّ لها رحل
ويزعم حسل أنه فرع قومه … وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل
الركاب: الإبل، ولا واحد لها من لفظها، وإنما واحدها: راحلة. وأشهر الصيف:
مركب إضافي صدره منصوب على الظرفية. والبدّن: جمع بادن، وهو الكثير اللحم، العظيم البدن، ويقال: بادن، للمذكر والمؤنث، وربما قيل للمؤنثة: بادنة، وكنى بكون ركابه بدّنا، عن أنها لا تعمل، وقابله بقول: ما يحلّ لها رحل، أي: أنها على سفر دائما. وحسل: اسم رجل، وأصله ولد الثعلب. وحسيل: تصغيره.
والشاهد: «وما أنت فرع ولا أصل»، حيث أهمل «ما» النافية، فلم يرفع بها الاسم وينصب الخبر، وإهمالها لغة تميم، وإعمالها لغة أهل الحجاز، وهي التي وردت في القرآن: ما هذا بَشَراً. [يوسف: 31]، ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ. [المجادلة: 2]، وقد نزل القرآن بلغة أهل الحجاز. وعدم وجود لغة أخرى فيه، لا يدل على ضعف هذه اللغة المتروكة، ولا على أنه لا يجوز التكلم بها، مع أن الفصيح في الاستعمال، ما جاء في الكتاب الكريم. [الانصاف/ 694].

141 - لعمري لأنت البيت أكرم أهله … وأقعد في أفيائه بالأصائل
هذا البيت من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي أولها:
أساءلت رسم الدار أم لم تسائل … عن السكن أم عن عهده بالأوائل
وقوله: أكرم: فعل مضارع من أكرم. والأفياء: جمع فيء، وهو الظلّ. والأصائل:
جمع الأصيل، وهو الوقت الذي قبل غروب الشمس.
والشاهد: «لأنت البيت أكرم أهله»، فإن الكوفيين يزعمون أن جملة «أكرم أهله» لا محل لها، صلة للبيت. وعندهم أن الاسم الجامد المحلى ب «أل»، مثل: البيت، والدار، والفرس، مثل الأسماء الموصولة، ك «التي والذي» في الحاجة إلى الصلة.
والبصريون ينكرون ذلك لأسباب:
لأن الاسم المحلى ب «أل» يدل على معنى خاص في ذاته، والاسم الموصول لا يدل على ذلك.
(2/259)

وخرجوا البيت على وجهين: الأول: «أنت»، مبتدأ. و «البيت». خبره الأول، وجملة أكرم: خبره الثاني. وتكون «أل» الداخلة على البيت؛ لاستغراق الصفات كالتي في قولهم: أنت الرجل، يريدون أنت الجامع لكل صفات الكمال التي في الرجال. وكأن الشاعر قال: أنت البيت الجامع لكل الصفات المحببة، ثم أخبر عنه مرة أخرى بقوله:
«أكرم أهله». والوجه الثاني: البيت: خبر «لأنت». وأكرم أهله: صفة للبيت، وتكون «أل» الداخلة على البيت، جنسية، والمحلى ب «أل» الجنسية قريب من النكرة.
وقد تكون جملة «أكرم أهله» صلة لموصول محذوف يقع صفة للبيت، والتقدير:
لأنت البيت الذي أكرم أهله [الإنصاف/ 723، والهمع/ 1/ 85، والخزانة/ 5/ 484].

142 - أرتني حجلا على ساقها … فهشّ الفؤاد لذاك الحجل
فقلت ولم أخف عن صاحبي … ألا بأبي أصل تلك الرّجل
هذان البيتان من المتقارب. والحجل: الخلخال.
والشاهد: «الحجل، والرّجل». فإن أصل الكلمة الأولى، بكسر الحاء وسكون الجيم، وهاتان حركة وسكون البنية، وبكسر اللام وهذه حركة الإعراب، فلما أراد الشاعر الوقف، نقل كسرة اللام إلى الجيم الساكنة قبلها فصارت بزنة (الإبل)، وكذلك الكلمة الثانية. [الإنصاف/ 733، وشرح المفصل/ 9/ 71، والهمع/ 2/ 208].

143 - علّمنا إخواننا بنو عجل … شرب النبيذ واصطفافا بالرّجل
هذا بيت من الرجز المشطور، والقول فيه كالقول في سابقيه. [الإنصاف/ 734، والأشموني/ 4/ 240].

144 - لم نرحّب بأن شخصت ولكن … مرحبا بالرّضاء منك وأهلا
شخص الرجل: إذا ذهب من بلد إلى بلد. والرضاء: ضد السخط.
والشاهد في البيت: «الرّضاء»، فإن أصله «الرضا» مقصورا فمدّه الشاعر؛ لإقامة الوزن. وقيل: الرضاء هو الاسم من رضي، وهو ممدود أصلا، وأما المصدر فهو «رضا» مقصورا. [الإنصاف/ 748].

145 - حصان رزان ما تزنّ بريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
(2/260)

البيت لحسان بن ثابت، يقوله في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها.
والحصان: العفيفة. والرّزان، أي: ذات ثبات ووقار، وعفاف. ما تزنّ: بالبناء للمجهول، أي: ما تتهم. وغرثى: وصف المؤنث من «الغرث» بالتحريك وهو الجوع.
والغوافل: جمع غافلة، يعني أنها لا تغتاب أحدا.
والشاهد: مجيء هذه الصفات: حصان، رزان من غير «تاء» التأنيث، مع أنها جارية على مؤنث، بسبب كونها غير جارية على فعل، أي جارية مجرى النسب، بمعنى ذات حصان وذات رزان، وهذا رأي البصريين. أما الكوفيون فيرون أن حذف «التاء» إنما يكون لاختصاص المؤنث به. [الإنصاف/ 759].

146 - إنّ الأمور إذا الأحداث دبّرها … دون الشيوخ ترى في بعضها خللا
الأحداث: جمع حدث، وهو الشاب الفتيّ السن.
والشاهد: «إذا الأحداث دبّرها»، حيث جرد الفعل «دبرها» من «تاء» التأنيث، مع أن فاعله يعود إلى جمع تكسير، وجمع التكسير يصح أن ينظر إليه على أنه جمع، فيكون مذكرا ولو كان مفرده مؤنثا، وأن ينظر إليه على أنه جماعة، فيكون مؤنثا. ولو كان مفرده مذكرا، والوجهان جائزان في سعة الكلام. [الإنصاف/ 487].

147 - ويلمّه رجلا تأبى به غبنا … إذا تجرّد لا خال ولا بخل
البيت للمتنخل الهذلي، من قصيدة في ديوان الهذليين.
وقوله: ويلمه رجلا: كلمة يتعجب بها، ولا يراد بها الدعاء. والخال: المخيلة، أي:
الخيلاء. والبخل: بفتح الباء والخاء هنا، مثل البخل بضم فسكون.
والشاهد: و «يلمه»، فإن أصل الكلمة: «ويل أمه»، بهمزة قطع من أصول الكلمة، فحذفوا الهمزة بقصد التخفيف؛ لكثرة الاستعمال. ولذلك لا يقاس عليها فلا تحذف مثل: «ويل أبيه»، و «ويل أخته». والخطيب التبريزي يرى أن أصل «ويلمه»: «ويل لأمه»، فالمصدر مبتدأ، والجار والمجرور خبره، وقد حذف شيئان: اللام من «ويل»، والهمزة من «أم»، قال: لفظة «ويل» إذا أضيفت بغير اللام، فالوجه فيها النصب، فتقول: «ويل زيد»، والمعنى: «ألزم الله زيدا الويل». فإذا أضيفت باللام فقيل: «ويل لزيد»، فحكمه أن يرفع فيصير ما بعده جملة ابتدئ بها، وهي نكرة؛ لأن معنى الدعاء منه مفهوم، والمعنى:
(2/261)

الويل ثابت لزيد. [الإنصاف/ 809].

148 - ويلمّه مسعر حرب إذا … ألقي فيها وعليه الشّليل
قالته الخنساء. ويلمه .. انظر الشاهد السابق. (ويلمه ... ولا بخل).
وأصل المسعر: بزنة المنبر، والمسعار: ما أججت به النار، أو ما تحرك به النار من حديد أو خشب. وقالوا: فلان مسعر حرب: إذا كان يؤرّثها، والشليل: بفتح الشين، الغلالة التي تلبس فوق الدرع. وقيل: هي الدرع الصغيرة القصيرة تكون تحت الكبيرة.
وقيل: هي الدرع ما كانت. وجمعها أشلّة.
والشاهد: «ويلمه»، والكلام فيها كسابقها. ومثله قول ذي الرمة:
ويلمها روحة والريح معصفة … والغيث مرتجز والليل مقترب
ومثله قول علقمة بن عبده، وهو في الحماسة:
فويلمّ أيام الشباب معيشة … مع الكثر يعطاه الفتى المتلف النّدى
وروحة ومعيشة في البيتين تمييز.
يمدح علقمة أيام الشباب، وقد طاع لصاحبه الكثر، وهو كثرة المال، فاجتمع الغنى والشباب له، وهو سخيّ مبذر فيما يكسبه ذكرا جميلا وصيتا عاليا. والبيت الشاهد للخنساء. [الإنصاف/ 810، والحماسة/ 1798].

149 - إذا اجتمعوا على ألف وواو … وياء هاج بينهم جدال
البيت ليزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي، يهجو به النحويين يعني أنهم إذا اجتمعوا للبحث عن إعلال حروف العلة، ثار بينهم جدال.
والشاهد فيه: «على ألف وواو وياء»، على أن أسماء حروف المعجم تعرب إذا ركبت مع العامل، وذكر اسمها لا لفظها، وإن كان بناؤها أصليا. والشاعر من قوم الحجاج، ومن معاصريه. وهذا يدل على أن الاشتغال بعلم النحو قديم بدأ في العصر الأموي؛ لأن الحجاج تولى العراق بعد سنة 74 ه، وكان الشاعر على صلة به، بل كان الشاعر من مدّاحي سليمان بن عبد الملك أيام ولايته العهد. [شرح المفصل/ 6/ 39، والخزانة/ 1/ 110].
(2/262)

150 - فبيناه يشري رحله قال قائل … لمن جمل رخو الملاط ذلول
انظر البيت في حرف الباء (نجيب)، فقد ذكره النحويون في حرف الباء.

151 - قلّما عرّس حتى هجته … بالتباشير من الصّبح الأول
هذا البيت من شعر لبيد بن ربيعة. وهو شاهد على أنّ «قلّما» قد تجيء بمعنى إثبات الشيء القليل، كما في هذا البيت. والكثير أن تكون للنفي الصرف. [الخزانة/ 3/ 363].

152 - تزال حبال مبرمات أعدّها … لها ما مشى يوما على خفّه جمل
منسوب لامرأة سالم بن قحفان في قصة كرم، وقصة المثل: «عليّ الجمال وعليك الحبال». وهو شاهد على أن «تزال» جواب قسم، وحذف منه حرف النفي، أي: «لا تزال»، والقسم في بيت قبله، وهو:
حلفت يمينا يا ابن قحفان بالذي … تكفّل بالأرزاق في السهل والجبل
تزال ...
فأعط ولا تبخل إذا جاء سائل … فعندي لها عقل وقد زاحت العلل
فجملة «تزال» بتقدير «لا»: جواب القسم. ومبرمات: محكمات. وضمير «لها»:
للإبل، في شعر قاله سالم بن قحفان قبل هذا. و «ما»: مصدرية ظرفية. وعقل: جمع عقال، وهو ما يربط به ركبة البعير. وزاحت: زالت.
وقصة هذه الأبيات، أن سالم بن قحفان جاء إليه أخو امرأته زائرا، فأعطاه بعيرا من إبله، وقال لامرأته: هاتي حبلا يقرن به ما أعطيناه إلى بعيره، ثم أعطاه ثانيا وثالثا، فقالت: ما بقي عندي حبل، فقال: «عليّ الجمال وعليك الحبل»، وأنشأ يقول:
لقد بكرت أم الوليد تلومني … ولم أجترم جرما فقلت لها مهلا
فلا تعذليني بالعطاء ويسّري … لكل بعير جاء طالبه حبلا
فلم أر مثل الإبل مالا لمقتن … ولا مثل أيام الحقوق لها سبلا
(2/263)

فرمت إليه خمارها وقالت: صيره حبلا لبعضها، وأنشدت تقول الأبيات.
[الخزانة/ 9/ 246].

153 - ومتى أهلك فلا أحفله … بجلي الآن من العيش بجل
البيت من قصيدة للشاعر لبيد بن ربيعة، ذكر فيها أيامه ومشاهده، وما جرى له عند النعمان بن المنذر ملك الحيرة، والتأسّف على موته. قال القصيدة قبل إسلامه.
والبيت شاهد على أن «بجل» كان في الأصل مصدرا بمعنى الاكتفاء، ثم صار اسم فعل بمعنى الأمر. فإن اتصلت به الكاف، كان معناه: «اكتف»، وإن اتصل به الياء، كان معناه: «لأكتف»، أمر متكلم نفسه. [الخزانة/ 6/ 246].

154 - يتمارى في الذي قلت له … ولقد يسمع قولي حيّهل
البيت للشاعر لبيد، يذكر صاحبا له في السفر، كان أمره بالرحيل.
وهو شاهد على أن لبيدا سكّن «اللام» للقافية، ولا يجوز تسكين «اللام» في «حيّهلا» في غير الوقف. [الخزانة/ 6/ 258].

155 - أتعرف أم لا رسم دار معطّلا … من العام يغشاه ومن عام أوّلا
قطار وتارات خريق كأنّها … مضلّة بوّ في رعيل تعجّلا
البيتان للشاعر القحيف العقيلي، من شعراء الجاهلية. معطلا: صفة رسم، أي: خاليا من السكان. من العام. أي: هذا العام. ومن عام أول: العام السابق. قطار: فاعل يغشاه، والقطار: جمع قطر، وهو المطر. وتارات: جمع تارة، بمعنى مرة. والخريق: الريح الباردة الشديدة الهبوب. شبه الريح العاصفة في رسم الدار بناقة أضاعت ولدا في جمع خيل أسرع ومضى، فهي والهة تريد اللّحاق إليه، فتسرع بأشدّ ما يمكنها. والبوّ: جلد الحوار، أي: ولد الناقة يحشى إذا مات، فتعطف عليه الناقة فتدرّ. والرعيل: الجماعة من الخيل.
وفي البيتين شاهد على أن الشاعر قد فصل بالظرف (تارات) بين العاطف، وهو «الواو»، وبين المعطوف، وهو «خريق»، والأصل: قطار وخريق تارات. [الخزانة/ 5/ 131، وحاشية ياسين على التصريح ج 2/ 163، ونوادر أبي زيد/ 208].
(2/264)

فائدة: الفرق بين العام والسنة؟
قال البغدادي في خزانة الأدب ج 5/ 132، قال ابن الجواليقي:
السنة: من أيّ يوم عددته إلى مثله.
والعام: لا يكون إلا شتاء وصيفا.
وفي «التهذيب» العام حول يأتي على شتوة وصيفة، وعلى هذا، فالعام أخصّ من السنة، وليس كل سنة عاما. أقول: وقد تكون السنة عاما إذا تضمنت الشتوة والصيفة.
قال: وإذا عددت من يوم إلى مثله فهو سنة، وقد يكون فيه نصف الصيف ونصف الشتاء، والعام لا يكون إلا صيفا وشتاء متواليين، اه.
أقول: وفي هذا إشكال لم أفهمه: لأنني أفهم من هذا، أنّ التواريخ التي نعدها لا تكون إلا سنوات، سواء أكانت بالتقويم الهجري، أم بالتقويم الميلادي؛ لأن السنة الهجرية ليس لها بداية ثابتة. والسنة الميلادية تبدأ في كانون الثاني، وهو في منتصف الشتاء. ومعنى هذا أن التقويم الشمسي لا يكون إلا سنة، لأنه لا يكون فيه شتاء كامل،
ويكمل فيه الربيع والصيف والخريف فقط، أما السنة الهجرية فقد تصادف أول الشتاء، فيكون فيها صيف وهذا نادر؛ ولهذا لا يكون فيما نقوم به إلا «السنة»، ونقول: «العام»، إذا تحدثنا عن عام زراعة، أو مناخ، أو تجارة ... الخ.
وبناء على هذا كيف نفسر قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً؟ [العنكبوت: 14].

156 - ألا حيّيا ليلى وقولا لها هلا … فقد ركبت أمرا أغرّ محجّلا
البيت للنابغة الجعدي، من أبيات في هجاء ليلى الأخيليّة.
وقوله: حييا ليلى، أي: أبلغاها تحيتي على طريق الهزء والسخرية.
وقوله: فقد ركبت: أراد أنها ركبت بسبب التعرض لي أمرا واضحا ظاهرا لا يخفى، وهذا يقال في كل شيء ظاهر عرف كما يعرف الفرس الأغرّ المحجل.
والشاهد: «هلا» بمعنى: اسكني، اسم فعل أمر، وقد تكون اسم صوت؛ لزجر الدابة،
(2/265)

والخيل، والناقة. وقصة ليلى الأخيلية دخلها الكثير من الوضع والكذب، فلا تصدقنّ كل ما قيل فيها. [الخزانة/ 6/ 238].

157 - سمعت الناس ينتجعون غيثا … فقلت لصيدح انتجعي بلالا
البيت للشاعر ذي الرّمة من قصيدة مدح بها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري.
وصيدح: اسم ناقة ذي الرمّة.
والبيت شاهد على أن الفعل التالي لاسم العين بعد «سمع» يجوز أن لا يكون بمعنى النطق، كما في البيت، فإن الانتجاع، هو التردد في طلب العشب والماء، وليس قولا، والمسموع: مطلق الصوت، سواء أكان قولا أم حركة، فإن المشي فيه صوت تحريك أقدام، وكذا الانتجاع. [الخزانة/ 9/ 167].

158 - أبو موسى فحسبك نعم جدّا … وشيخ الحيّ خالك نعم خالا
من قصيدة لذي الرّمة، يمدح بلال بن أبي بردة. وهو شاهد على أنه قد يكون فاعل «نعم» ضميرا مفسّرا بنكرة مع تقدم المخصوص بالمدح، فإن «أبو موسى» هو المخصوص، وفاعل نعم ضمير فسّره بقوله: «جدّا»، وكذا المصراع الثاني، فإن «شيخ الحيّ» هو المخصوص، و «خالك» بدل منه. [الخزانة/ 9/ 390].

159 - بدت قمرا ومالت خوط بان … وفاحت عنبرا ورنت غزالا
البيت للمتنبي.
وهو شاهد على أن «قمرا» وما بعده من المنصوبات، أحوال مؤولة بالمشتق، أي:
بدت مضيئة كالقمر، ومالت منثنية، وفاحت طيّبة، ورنت مليحة. [الخزانة/ 3/ 222].

160 - وكلّ أبيّ باسل غير أنني … إذا عرضت أولى الطرائد أبسل
البيت للشاعر الشّنفرى، من قصيدته المشهورة التي تسمى لامية العرب، ومطلعها:
أقيموا بني أمّي صدور مطيّكم … فإني إلى قوم سواكم لأميل
وقوله: أقيموا صدور مطيكم، أي: جدوا في السير، أو جدوا في أموركم كلها، يؤذن قومه بالرحيل، وأن غفلتهم عنه توجب مفارقتهم. وقوله: أميل، أي: مائل، وقوله في
(2/266)

الشاهد: «وكلّ أبيّ»، يريد الوحوش التي فضّل صحبتها على الأهل في بيت سابق.
وباسل: شجاع. وأبسل: اسم تفضيل. والبيت شاهد على أن «غير»، تستعمل في الاستثناء المتصل. [الخزانة/ 3/ 340].

161 - لعاب الأفاعي القاتلات لعابه … وأري الجنى اشتارته أيد عواسل
البيت لأبي تمام، من أبيات يصف بها القلم، ويمدح محمد بن عبد الملك الزيات، وفي الشطر الأول يصف أثر القلم في الأعداء، وفي الشطر الثاني يبين أثره في الأصدقاء.
والبيت شاهد على أنّ المبتدأ والخبر إذا تساويا تعريفا وتخصيصا، يجوز تأخير المبتدأ، إذا كان هناك قرينة معنوية على تعيين المبتدأ. والتقدير في البيت: لعابه مثل لعاب الأفاعي. [الخزانة/ 1/ 445].
هذا، والإمام الرضيّ، صاحب شرح الكافية، يرى جواز الاستشهاد بشعر أبي تمام في المسائل النحوية واللغوية، فهو يرى تبعا للزمخشري، أن ما يقوله أبو تمام، بمنزلة ما يرويه، وقد وثّق العلماء مروياته في كتاب الحماسة، واعتمدوا عليها في كتب النحو واللغة، وهو رأي وجيه ومقبول، ولكنّ علماء آخرين رفضوا هذا الرأي؛ لئلا يتسع الاستشهاد بأشعار من أسموهم المولدين، وليسوا مستوين في الفصاحة.

162 - أكرم بها خلّة لو أنّها صدقت … موعودها أو لو أنّ النّصح مقبول
لكعب بن زهير، من قصيدة «بانت سعاد».
والشاهد في: «لو» الثانية فإنّ خبر «أنّ» بعدها وصف مشتق، لا فعل، وجاء خبر «أنّ» في الشطر الأول، فعلا ماضيا
مع فاعله. وأكرم: فعل تعجب، و «به»: فاعل، والباء.
زائدة. خلة: تمييز.
وصدق: يأتي متعديا كما في هذا البيت، حيث نصب المفعول «موعود».
هذا، وقصة لقاء كعب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومدحه بهذه القصيدة لم تثبت، وليس فيها سند صحيح. [الخزانة/ 11/ 308].

163 - أأبكاك بالعرف المنزل … وما أنت والطلل المحول
وما أنت ويك ورسم الديار … وستّوك قد كربت تكمل
(2/267)

البيتان للكميت بن زيد. والعرف: مكان. وما أنت: استفهام توبيخي. والمحول:
الذي مضى عليه حول. ويك: كلمة تفجّع، أصلها ويلك. وكرب: من أخوات كاد.
والشاهد في البيت الثاني، أنّ العدد الذي آخره النون، يضاف إلى صاحبه، أكثر من إضافته إلى المميز، أي: قرب أن يكمل ستون سنة من عمرك. [الخزانة/ 3/ 267].

164 - كلانا إذا نال شيئا أفاته … ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل
هذا البيت، نسبه بعضهم لامرئ القيس من معلقته، ورواه الأكثرون للشاعر تأبط شرّا، والأقوى أنه للأخير؛ لأنه رابع أربعة أبيات تحكي قصة لقاء الشاعر مع الذئب. قال البغدادي في «الخزانة»: وهذا الشعر أشبه بكلام اللص والصعلوك، لا بكلام الملوك.
وقصة لقاء الشعراء بالذئب تتعدد في الشعر العربي. فالفرزدق له أبيات في قصته مع الذئب، والبحتري له قصة طريفة، مثبتة في ديوانه. وقبل البيت:
وواد كجوف العير قفر قطعته … به الذئب يعوي كالخليع المعيّل
فقلت له لما عوى إنّ شأننا … قليل الغني إن كنت لمّا تموّل
وجوف العير: مثل لما لا ينتفع منه بشيء. والخليع: الذي خلعه أهله لجناياته.
والمعيّل: الكثير العيال. ولما تموّل: لما النافية التي تجزم المضارع.
ومعنى البيت الشاهد: من طلب مني ومنك شيئا، لم يدرك مراده.
وقيل معناه: من كانت صناعته وطلبته مثل طلبتي وطلبك في هذا الموضع، مات هزالا؛ لأنهما كانا بواد لا نبات فيه ولا صيد.
والشاهد: «أنّ كلا، وكلتا» لو كانتا مثنيين حقيقة، لم يجز عود ضمير المفرد إليهما، كما عاد ضمير «نال» المفرد إلى «كلا» في هذا البيت، فلما عاد إليها الضمير المفرد، علم أنها مفردة لفظا مثناة معنى، فعاد إليها باعتبار اللفظ، وهو الكثير. ويجوز أن يثنى الضمير العائد إليها باعتبار المعنى. [الخزانة/ 1/ 134].

165 - وقد أغتدي والطير في وكناتها … بمنجرد قيد الأوابد هيكل
البيت من معلقة امرئ القيس. وهو شاهد على أنه يخرج عن تعريف الحال (كونه يبين الهيئة)، الحال التي هي جملة بعد عامل وليس معه ذو حال، فجملة (والطير في
(2/268)

وكناتها): حال، وعاملها «أغتدي»، ولكن فاعل «اغتدي» ليس صاحب الحال؛ لأن جملة الحال لا تبيّن هيئته. [الخزانة/ 3/ 156].

166 - كدأبك من أم الحويرث قبلها … وجارتها أمّ الرّباب بمأسل
من معلقة امرئ القيس.
قوله: كدأبك: الدأب، العادة، وأصلها متابعة العمل والجدّ في السعي. والكاف تتعلق بقوله: «قفا نبك»، في البيت الأول، كأنه قال: قفا نبك كدأبك في البكاء، فهي موضع مصدر، والمعنى: بكاء مثل عادتك.
ويجوز أن تتعلق بقوله: «وإنّ شفائي عبرة»، والتقدير: كعادتك في أن تشفى من أم الحويرث. والباء في قوله: بمأسل، متعلق بدأبك، كأنه قال: كعادتك بمأسل، وهو جبل.
وقوله: «كعادتك» خبر مبتدأ محذوف. والتقدير: عادتك في حبّ هذه كعادتك في تينك. [الخزانة/ 3/ 223].

167 - فألحقه بالهاديات ودونه … جواحرها في صرّة لم تزيّل
البيت لامرئ القيس، يصف سرعة فرسه وقد لحق بمقدمة السرب.
وهو شاهد على أن قوله: «ودونه جواحرها» جملة حالية لا الظرف وحده. ولو كانت الحال الظرف فقط، لامتنعت الواو، فإنها لا تكون مع الحال المفردة. [الخزانة/ 3/ 241].

168 - كأنّ ثبيرا في عرانين وبله … كبير أناس في بجاد مزمّل
من معلقة امرئ القيس. وثبير: جبل عند مكة. يقول: كأنّ ثبيرا في أوائل مطر هذا السحاب سيد أناس ملتف بكساء مخطط.
والبيت شاهد على أن قوله: «مزمل» انجرّ لمجاورته ل «أناس» تقديرا لا ل «بجاد»؛ لتأخره عن «مزّمل في الرتبة».
وأصله: كبير أناس مزمل في بجاد. وقيل: هو صفة حقيقية ل «بجاد»، والأصل: بجاد مزمّل فيه. ثم حذف حرف الجر، فارتفع الضمير واستتر في اسم المفعول. [الخزانة/ 5/ 98].

169 - فو الله لولا أن أجيء بسبّة … تجرّ على أشياخنا في القبائل
(2/269)

لكنّا اتبعناه على كلّ حالة … من الدّهر جدّا غير قول التهازل
هذان البيتان من القصيدة المنسوبة لأبي طالب عم النبي صلّى الله عليه وسلّم، قالها في الشّعب لما اعتزل مع بني هاشم وبني المطلب، ومنها أبيات في مدح النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقلت: منسوبة؛ لأن المروي في كتب السيرة والتاريخ يزيد على مائة بيت، ويظهر أن أصلها أقلّ من هذا العدد. قال ابن سلام في «الطبقات»: «وكان أبو طالب شاعرا جيد الكلام، وأبرع ما قال، قصيدته التي مدح فيها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهي:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ربيع اليتامى عصمة للأرامل
وقد زيد فيها وطولت. وقد علمت أن قد زاد الناس فيها، فلا أدري أين منتهاها، وسألني الأصمعي عنها، فقلت: صحيحة جيدة. قال: أتدري أين منتهاها، قلت: لا أدري.
والشاهد في البيت الثاني أن المصدر المؤكد لغيره يكون في الحقيقة مؤكدا لنفسه؛ لأنه إما مع صريح القول، كقوله تعالى: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ.
[مريم: 34]، أو ما هو في معنى القول، كما في هذا البيت.
فإن قوله: «جدّا». مصدر مؤكد لما يحتمل غيره، فإن قوله: «اتبعناه»، يحتمل أن يكون قاله على سبيل الجدّ، وهو المفهوم من اللفظ، وأن يكون قاله على طريق الهزل، وهو احتمال عقلي. فأكد المعنى الأول، بما هو في معنى القول؛ لأنه أراد به «قولا جدا»، والقرينة عليه ما بعده، فإن قول التهازل، يقابل قول الجد، فكان الأولى أن يقول: قول جدّ، بالإضافة؛ ليناسب ما بعده، فيكون لما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه.
وغير: بالنصب، صفة لقوله: «جدا».
وقوله: «لكنا اتبعناه»، جواب القسم، ويروى: «إذن لاتبعناه»، والضمير في «اتبعناه» راجع للنبي صلّى الله عليه وسلّم. [الخزانة/ 2/ 56].

170 - وأهلة ودّ قد تبرّيت ودّهم … وأبليتهم في الحمد جهدي ونائلي
البيت للشاعر أبي الطمحان القيني، واسمه حنظلة بن الشّرقيّ، أدرك النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأسلم ولم يره، وهو صاحب أمدح بيت قيل في الجاهلية، وهو:
(2/270)

أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم … دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
وقوله: تبرّيت ودّهم، أي: تعرضت له لأختبره، أو كشفت وفتشت. يريد أنه فتش عن صحة ودّهم؛ ليعلمه فيجزيهم به. وأبليتهم: أوصلتهم ومنحتهم. والبليّة: المنحة تارة، والمحنة أخرى.
والجهد: بفتح الجيم وضمها: الوسع والطاقة.
والبيت شاهد على أن «أهل» الوصف، يؤنث ب «التاء» كما في البيت، حيث قال:
«وأهلة»، وأهلة ودّ: صفة لموصوف محذوف، أي: جماعة مستأهلة للود، أي: مستحقة له.
هذا وقد أنكر بعضهم «استأهل» بمعنى: «استحقّ»، ولكن الأزهري في «التهذيب» أثبته وقال: إنه سمعه من أعرابي.
والعامة تقول: أنا «أستاهل»، بالتسهيل دون همز، وهو «يستاهل». [الخزانة/ 8/ 91].

171 - فلما تنازعنا الحديث وأسمحت … هصرت بغصن ذي شماريخ ميّال
فصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا … ورضت (فذلّت) صعبة أيّ إذلال
البيتان لامرئ القيس الفاسق الكاذب؛ لأنّ من يقرأ شعره يظنّ أن بنات العرب كنّ طوع بنانه، ورهن إشارة منه. فإما أن يكون هذا من خيال الشاعر وأحلامه التي لم تتحقق، وإما أن يكون الشعر مصنوعا مكذوبا عليه، فالعربيات كنّ عفيفات، لا ينقدن لغير بعولتهن، ويؤخذ هذا من حديث مبايعة النساء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم فتح مكة، عند ما قال رسول الله: «ولا يزنين»، فقالت هند بنت عتبة متعجبة: أو تزني الحرّة؟!
والشاهد في البيت الثاني: أنّ «صار»، تامة و «نا» فاعلها، أي: رجعنا. ورضت، أي:
ذللت. وصعبة: مفعوله.
وقوله: أيّ إذلال: مفعول مطلق، عامله: رضت؛ لأنه بمعنى: أذللت.
[الخزانة/ 9/ 187].

172 - لله درّ أنو شروان من رجل … ما كان أعرفه بالدّون والسّفل
(2/271)

مجهول القائل. وأنو شروان: أشهر ملوك الفرس. في أيامه ولد النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو الذي قتل مزدك الزنديق، وبنى الإيوان المشهور، الذي انشقّ؛ لولادة النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله: ما كان أعرفه: كان زائدة، بين «ما» وفعل التعجب. والدون: الرديء.
والسّفل: بكسر السين، وفتح الفاء، جمع سفلة، بكسر الأول وسكون الثاني.
والبيت شاهد على أنّ قوله: «من رجل»، تمييز عن النسبة الحاصلة بالإضافة.
[الخزانة/ 3/ 285].

173 - يسقون من ورد البريص عليهم … بردى يصفّق بالرحيق السّلسل
البيت لحسان بن ثابت، يمدح الغساسنة في الجاهلية.
وهو شاهد على أنه قد يقوم المضاف إليه مقام المضاف في التذكير؛ لأنه أراد «ماء بردى»، ولو لم يقم مقامه في التذكير، لوجب أن يقال تصفق ب «التاء» للتأنيث؛ لأن بردى من صيغ المؤنث، فأرجع الشاعر ضمير يصفق إلى ماء بردى المحذوف.
وهذا من أوهامهم التي يبنونها على رواية لها أخت تنقضها، ولكنهم لم يطلعوا عليها، فقد روي البيت: «كأسا تصفّق بالرحيق السلسل»، وليس كلّ الغساسنة كانوا يشربون من نهر بردى، وربما كانوا بعيدين عنه، فالغساسنة كانوا يسكنون أراضي حوران والجولان، وأما دمشق، فقد كانت عند الفتح الاسلامي بيد الروم. وفي السيرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتب إلى ملك غسّان في بصرى، ولا يصل نهر بردى إلى ديار بصرى.

174 - ما بكاء الكبير بالأطلال … وسؤالي وما يردّ سؤالي
مطلع قصيدة للأعشى، وهو شاهد على أنّ «الباء» «بالأطلال» للظرفية، أي: في الأطلال، وأراد بالكبير: نفسه، وعذلها بالوقوف على الأطلال وسؤاله إيّاها، ثم رجع وقال: وما يردّ سؤالي؟ يقول: ما بكاء شيخ كبير مثلي في طلل، ويبدو أن البيت مضمّن في البيت التالي، وهو:
دمنة قفرة تعاورها الصّي … ف بريحين من صبا وشمال
والدمنة: ما اجتمع من التراب والأبعار وغير ذلك، فتعاوره الصيف بريحين مختلفين، وهما الصبا، ومهبها من ناحية الشرق، والشّمال، ومهبها من القطب الشمالي إلى
(2/272)

الجنوب، والجنوب من رياح اليمن، وفي قوله في نهاية البيت الأول: «وما يردّ سؤالي»، و «دمنة»، في مطلع البيت الثاني، أقوال لا بأس بإيجازها؛ لما فيها من التدريب للعقل على التفسير والربط. نقل البغدادي في خزانته/ 9/ 512، عن كتاب الشعر لأبي علي قوله: فأما قوله: «وما يردّ سؤالي دمنة قفرة»، فإنّ «ما» تحتمل ضربين:
أحدهما: أن تكون استفهاما في موضع نصب، كأنه قال: أيّ يرجع عليك سؤالك من النفع. وقد يقال: عاد عليّ نفع من كذا، وردّ علي كذا نفعا، ورجع عليّ منه نفع، ويكون «دمنة»، منتصبا بالمصدر الذي هو «سؤالي»، والبيت على
هذا مضمّن.
والآخر: أن يكون «ما» نفيا، كأنه قال: ما يردّ سؤالي، أي: جواب سؤالي، «دمنة» ف «الدمنة» فاعل «يرد»، والتقدير: «وما يردّ جواب سؤالي دمنة» والبيت على هذا مضمّن أيضا؛ لأن الفاعل الذي هو «دمنة»، فعله في البيت السابق، فيجوز أن يقول: «وما تردّ»، فيؤنث على لفظ «دمنة»، ويذكّر على المعنى.
وقال ابن السّيد البطليوسي في «شرح أدب الكاتب»: وسؤالي فهل تردّ سؤالي، ويروى: «فما تردّ»، و «لا تردّ»، ويروى بالتاء والياء، فمن روى: «فهل تردّ»، على لفظ التأنيث، رفع «دمنة»، وجعلها فاعلا، وجعل «سؤالي» مفعولا بتقدير مضاف، أي: فهل تردّ جواب سؤالي دمنة.
ومن روى: «فهل يردّ»، بلفظ التذكير، نصب «دمنة» مفعولا، وجعل «سؤالي» فاعلا، ومعناه: إنّ سؤالي لا يردّ الدمنة إلى ما كانت عليه، ومن روى: «ما» واعتقد أنها نفي، جاز أن يقول: «تردّ» بلفظ التأنيث، ويرفع دمنة لا غير، وجاز أن يقول: «يردّ»، بلفظ التذكير، وينصب دمنة إن شاء، ويرفعها إن شاء.
وإن اعتقد أن «ما» استفهام، قال: «يردّ»، على لفظ التذكير، وجعل «ما» في موضع نصب ب «يرد»، و «سؤالي» في موضع رفع، ونصب «دمنة» بسؤالي لا غير.
ومن روى: «ولا يردّ سؤالي»، على لفظ التذكير، نصب «دمنة»، وإن شاء رفعها.
ومن روى: «ولا تردّ»، على لفظ التأنيث، رفع دمنة لا غير.
قلت: وهذه التأويلات التي ذكرها العلماء، تقدم لنا ذخيرة من الأساليب التعبيرية، ولكنها لا تضع يدنا على ما قاله الشاعر. فالأعشى نطق بواحد من هذه الأساليب، وأراد
(2/273)

معنى معينا أوحت به عبارته التي نطق بها، فماذا قال الشاعر؟ وما المعنى الذي كان في نفسه؟ هذا الذي نريده؛ لأنه يربط بين المعنى والحال النفسية للشاعر، ويربط أيضا بين الشاعر والقارئ.
وكلّ التأويلات التي ذكروها تنصّ على أن البيت الأول مضمّن في البيت الثاني، والتضمين يعدونه من عيوب الشعر، وقد استدل به بعضهم على أنّ العرب يرون أن البيت وحدة القصيدة؛ لأنهم يرون التضمين عيبا.
قلت: وهذا استدلال لا يصحّ، وإنما عابوا التضمين؛ لأنه يفسد الإنشاد ويجبر القارئ على إنشاد بيتين متتاليين في نفس واحد؛ لإيصال المعنى، فهم يرون أن البيت الواحد يؤدي معنى جزئيا يمكن الوقوف عليه، ولكنه يحتاج إلى غيره، ويحتاج غيره إليه؛ لتكوين الصورة العامة للمعنى العام الذي يريد الشاعر أن يوصله عن طريق القصيدة كلها.
والبيتان المذكوران من قصيدة الأعشى، ليس بينهما تضمين.
فالشاعر في البيت الأول يريد أن يقول: إن بكاء الشيخ على الأطلال ليس مناسبا لحاله، فعليه أن ينشغل من الذكريات بغيره، ويتابع سؤاله الاستنكاري قائلا: وما سؤالي الأطلال عن ذكريات الصبا؟ وماذا ينفع سؤالي؟ والمسئول عنه هنا محذوف تقديره: وما سؤالي الأطلال؟ وماذا يفيدوني سؤال الأطلال؟ ثم يستأنف في البيت الثاني قائلا: دمنة قفرة، والتقدير: هي دمنة قفرة متبقية من آثار من كنت أعرف. فهو لا يريد أن يسأل الدمنة، ولا يريد أن يقول إن الدمنة لا ترد جواب سؤاله. وإنما أراد أن يخبر عن حال ما تبقى من الآثار.
ولهذا الشاهد قصة أدبية طريفة، قد تصدق، وقد تكذب، ولكنها لا تخلو من فائدة أدبية:
روى نقلة الأخبار، أن طليحة الأسدي (توفي حوالي 21 ه) كان شريفا، وكان يفد على كسرى، فيكرمه ويدني مجلسه. قال طليحة: فوفدت على كسرى مرّة (لا نعلم أيّ كسرى) فوافقت عيدا من أعياد الفرس، فحضرت عند كسرى في جملة من حضر من أصحابه، فلما طعمنا وضع الشراب فطفقنا نشرب، فغنّى المغني:
(2/274)

لا يتأرّى لما في القدر يطلبه (1).
فقال كسرى لترجمانه: ما يقول؟ ففسره له، فقال كسرى: هذا قبيح، ثم غنّاه المغني:
أتتك العيس تنفخ في براها (2).
فقال كسرى لترجمانه: ما يقول؟ فقال: لا أدري، فقال بعض جلسائه: «شاهنشاه، أشتر أف أف»، معناه: يا ملك الملوك، هذا جمل ينفخ. وأشتر بلغتهم: الجمل. وأف، حكاية النفخ. قال طليحة: فأضحكني تفسيره العربية بالفارسية. [يلاحظ أن كسرى لم يعلق على معنى الغناء]. قال: ثم غناه المغني بشعر فارسيّ لم أفهمه، فطرب كسرى، وملئت له كأس، وقام فشربها قائما، ودارت الكأس على جميع الجلساء.
قال طليحة: «وكان الترجمان إلى جانبي، فقلت له: ما هذا الشعر الذي أطرب الملك هذا الطرب؟ فقال: خرج يوما متنزها، فلقي غلاما حسن الصورة، وفي يمينه ورد، فاستحسنه وأمر أن يصنع له فيه شعر، فإذا غناه المغني ذلك الشعر طرب، وفعل ما رأيت.
فقلت (طليحة): ما في هذا مما يطرب حتى يبلغ فيه هذا المبلغ؟ فسأل كسرى الترجمان عما حاورني فيه، فأخبره. فقال: قل له: إذا كان هذا لا يطرب، فما الذي يطربك أنت؟ فأدى إليّ الترجمان قوله، فقلت: قول الأعشى:
ما بكاء الكبير بالأطلال ... البيت
فأخبره الترجمان بذلك، فقال كسرى: وما معنى هذا؟ فقلت: هذا شيخ كبير مرّ بمنزل محبوبته فوجده خاليا قد عفا
وتغيّر، وجعل يبكي. فضحك كسرى وقال:
__________
(1) هذا شطر بيت، تمامه كما في الأصمعيات: «ولا يزال أمام القوم يقتفر»، وهو من قصيدة لأعشى باهلة (عامر بن الحارث) يرثى فيها أخاه لأمه، المنتشر بن وهب.
ومعنى يتأرى: يتحبس، يمدح المرثي بأن همته ليست في المطعم والمشرب، وإنما همته في طلب المعالي. ويقتفر: من الاقتفار، وهو اتباع الأثر، أي يقدم قومه ويتعرف لهم الأثر.
(2) شطر ببيت تمامه: «تكشف عن مناكبها القطوع»، والبيت منسوب لعبد الرحمن بن الحكم، أو زياد الأعجم، وهما إسلاميان من العصر الأموي، لم يشهدا عصر كسرى، وينسب البيت لأعشى ميمون. [اللسان - قطع].
(2/275)

وما الذي يطربك من شيخ واقف في خربة وهو يبكي؟ أو ليس الذي أطربنا نحن أولى بأن يطرب له.
قال طليحة: فثقل عليه جانبي بعد ذلك» اه. [الخزانة/ 9/ 514].
قلت: وعلى هذه القصة تعليقات وأسئلة؟
1 - قوله: كسرى، ولا نعلم من كسرى الذي كان في هذه القصة، فإن كسرى لقب، وليس اسما، وكان كسرى نفق في العهد النبوي، وتولى ابنه شيرويه.
فأيهما كان كسرى؟
2 - قوله: «فتغنىّ المغني ... الخ بشعر عربي في حضرة كسرى. فهل كان يغني المغنون في بلاط كسرى بالعربية. وفي عيد من أعياد الفرس؟
3 - طليحة الأسدي توفي سنة 21 ه، وهو الذي قدم على النبي صلّى الله عليه وسلّم سنة 9 ه وأسلم، ثم ارتد بعد رجوعه إلى موطنه. وعاد إلى الإسلام في زمن عمر، وشارك في معارك الفتح، واستشهد بنهاوند.
4 - يبدو في القصة الفرق بين الذوق العربي في الغزل، والوقوف على الأطلال، والذوق الفارسي، أو الذوق المولّد في العصر العباسي الذي كان يهتم بالولدان.
5 - ومهما كان من أمر هذه القصة، فهي قابلة للأخذ والردّ والنقد، وأترك للقارئ إعمال الفكر النقدي فيها.

175 - وأوقدت ناري كي ليبصر ضوؤها … وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله
نسبوا البيت لحاتم الطائي، ونسب لأبي حية النميري، وهو بهذه الرواية ردّ على الكوفيين في زعمهم أن «كي» ناصبة دائما، فإنها لو كانت ناصبة، لما جاز الفصل بينها وبين الفعل ب «اللام»، وإنما هي هنا بمعنى «اللام»، وسهل
ذلك اختلاف اللفظين، والنصب إنما هو ب «أن» المضمرة بعد «اللام» مثل قول الطرماح:
كادوا بنصر تميم كي لتلحقهم … فيهم فقد بلغوا الأمر الذي كادوا
وخلاصة ما قالوه: أنّ «كي» في مثل هذا الموضوع تكون جارة، و «اللام» بعدها
(2/276)

مؤكدة، والظاهر أن مكان الشاهد مصنوع، ولو قلنا: «كي يبصّر ضوؤها»، لاستقام، وعلى كل حال، فإن البيت يروى في الحماسة بوجه آخر لا شاهد فيه، وهو:
فأبرزت ناري ثم أثقبت ضوءها … وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله
وأثقبت النار: أوقدتها حتى سطعت ولاحت. وإنما أخرج كلبه؛ لينبحه فيستدل بنبحه إليه.
وقوله: وهو بالبيت: مبتدأ وخبر، وداخله: بدل من الجار والمجرور.
[الأشموني/ 3/ 280، وشرح أبيات المغني/ 4/ 160].

176 - أبى جوده «لا» البخل واستعجلت به … نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله
لم يعرفوا قائله. والبيت مدح لكريم، وأنه لا يلفظ كلمة «لا»، بل تسبقها كلمة «نعم» ولو كان في الجود قتله. وذكره ابن هشام على أن «لا» زائدة، على وجه من أوجه روايات كلمة «البخل». وفي البخل «وجهان»: النصب والجر. ومحصل ما قيل في النصب ثلاثة أقوال:
الأول: كون «لا» زائدة، والبخل مفعول به.
الثاني: كون «لا» اسما، والبخل بدل.
الثالث: كون «لا» اسما، والبخل مفعول لأجله. وأما الجر «جرّ البخل» فتكون «لا» اسما أريد به اللفظ، وهو مضاف، والبخل مضاف إليه.
ومعنى استعجلت به، أي: سبقت.
وقوله: «لا يمنع الجود قاتله»، أراد إنّ الجود وإن قتله لا يمنع. ف «قاتله» منصوب على الحال، أي: لا يمنع الجود في حال قتله إياه؛ لأن الجود يفقره. ويجوز أن ينصب «قاتله» على أنه مفعول، أي: لا يمنع من يريد أن يقتله الجود. [شرح أبيات المغني/ 5/ 20].

177 - وقائلة تخشى عليّ أظنّه … سيودي به ترحاله وجعائله
البيت للشاعر ذي الرّمة. ولكن قافية البيت في شعره بائية، (ومذاهبه) بدل (وجعائله).
(2/277)

أما رواية ابن هشام فهي: (وجعائله). وقائلة: معطوف بالجر على مدخول «ربّ» في بيت سابق.
والشاهد أن جملة «تخشى عليّ» حال من ضمير «قائلة»، وجملة «أظنه سيودي به ...» فقول القول. [شرح أبيات المغني/ 6/ 314].

178 - ويوما شهدناه سليما وعامرا … قليلا سوى الطّعن النّهال نوافله
من شواهد سيبويه المجهولة، وسليم وعامر: قبيلتان، والنوافل: الغنائم. والطعن:
جمع طعنة. والنهال: الروية بالدم. وقليلا: صفة ليوم. ونوافله: فاعل «قليلا». وسوى:
استثناء منقطع. يقول: واذكر يوما شهدنا فيه هاتين القبيلتين قليلا عطاياه سوى الطعن النهال، على التهكم؛ لأن الطعن ليس من النوافل.
والشاهد: أن الأصل: «شهدنا فيه»، فحذف «في»، فنصب ضمير اليوم بالفعل تشبيها بالمفعول به اتساعا ومجازا. و «شهد» لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، وهنا متعد إلى اثنين؛ لأن الأول فيه معنى الظرف، ومن شأنه تعدي الفعل اللازم إليه، وسليما: هو المفعول الذي يتعدى إليه «شهد». [شرح أبيات المغني/ 7/ 8، وسيبويه/ 1/ 90، وشرح المفصل/ 2/ 45، والهمع/ 1/ 203].

179 - وأبيض فياض يداه غمامة … على معتفيه ما تغبّ فواضله
بكرت عليه بكرة فوجدته … قعودا لديه بالصريم عواذله
لزهير بن أبي سلمى، يمدح حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري. وشاهدنا في البيت الثاني، قال ابن هشام: إن الصفة الرافعة للجمع يجوز فيها في الفصيح أن تفرد وأن تكسّر، فقوله: قعودا: رفعت «عواذله». وقوله: بالصريم: جمع صريمة، وهي رملة تنقطع من معظم الرمل. والعواذل: اللائمات، يلمنه على إنفاق ماله. وفسّر بعضهم «الصريم» الصبح؛ لأنه يسكر في العشي، فإذا أصبح وقد صحا من سكره، لمنه ولا يستقيم هذا التفسير؛ لأن الشاعر يمدحه بعد أبيات بقوله:
أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله … ولكنه قد يهلك المال نائله
وإنما يفسره ذاك التفسير، من أخذ البيت مفردا، والشعر لا يعرف إلا في سياقه.
[شرح أبيات المغني/ 8/ 10].
(2/278)

180 - تلمّ بدار قد تقادم عهدها … وإمّا بأموات ألمّ خيالها
وقبله:
فكيف بنفس كلما قلت أشرفت … على البرء من دهماء هيض اندمالها
والبيتان للفرزدق. ودهماء: امرأة. وهيض: مجهول هاض العظم، إذا كسره بعد الجبر. وقوله: اندمالها، أي: اندمال جرحها، والضمير للنفس. وقوله: ألمّ خيالها:
صفة أموات.
والشاهد: أن «إما» الأولى محذوفة، والتقدير: تلمّ إمّا بدار وإمّا بأموات. وقيل: إن «إمّا»، الموجودة بمعنى «أو»، ولا حذف، والله أعلم. [شرح أبيات المغني/ 2/ 16].

181 - كل ابن أنثى وإن طالت سلامته … يوما على آلة حدباء محمول
لكعب بن زهير رضي الله عنه، من قصيدته التي مدح بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. كلّ: مبتدأ.
والآلة الحدباء: الجنازة. ومحمول: خبر المبتدأ. و «يوما» و «على آلة» متعلقان ب «محمول».
وقوله: و «إن طالت سلامته»، قال ابن هشام في «شرح القصيدة»: (وإن)، قال جماعة: «واو» الحال، والصواب أنها عاطفه على حال محذوفة معمولة للخبر: وقال البغدادي في «شرح أبيات المغني»: وجملة (وإن طالت ...) معترضة بين المبتدأ والخبر.
قال بعض الفضلاء: فائدة «الواو» هنا الحكم بحصول الموت على كل تقدير، ومثله قولك: أزورك وإن هجرتني، فالزيارة مستمرة مطلقا على تقدير الهجر وغيره، ولو قلت:
أزورك إن هجرتني، بغير «واو»، فقد جعلت الهجر سببا للزيارة.
والشاهد في البيت: أن «الهاء» في «سلامته» والمستتر في «محمول» كل منهما راجع إلى «كل»؛ لأنها بحسب ما تضاف إليه، وقد أضيفت هنا إلى مذكّر ولهذا رجع إليها ضمير المذكر.

182 - لقد أقوم مقاما لو يقوم به … أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل
لظلّ يرعد إلا أن يكون له … من الرسول بإذن الله تنويل
لكعب بن زهير رضي الله عنه، من قصيدته في مدح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو يصف حال
(2/279)

الخوف الذي أحلّ به بعد أن أهدر الرسول دمه.
والشاهد في البيت الأول: «أرى»، على أن المراد من المضارع هنا المضيّ، وفي البيت التفات من خطاب الرسول إلى الإخبار عن نفسه، وإظهار ما في قلبه من الخوف.
(ومقام): ظرف مكان. وجملة: (لو يقوم) صفة له. و «الباء» بمعنى «في»، متعلق ب «يقوم»، و «أرى» مع فاعله
المستتر ومفعوله المحذوف، حال من ضمير «أقوم».
وقوله: لظل: جواب «لو» الأولى، وهو دال على جواب «لو» الثانية المقدرة في صلة معمول «أرى»، و «لو» الثالثة الواقعة في صلة معمول «أسمع». والفيل: فاعل «ليقوم»، أو «يسمع» على التنازع.
وقوله: «يرعد» أخذته الرعدة. والتنويل: العطاء، والمراد به الأمان، والعفو. وخص الفيل تعظيما لقوته. وأقوم: في موضع الماضي، والتقدير: لقد قمت مقاما صفته كذا.

183 - تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت … كأنّه منهل بالرّاح معلول
شجّت بذي شبم من ماء محنية … صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
البيتان لكعب بن زهير. قوله: «تجلو»، أي: تكشف، ومنه: جلوت الخبر، أي:
أوضحته وكشفته، وجلا الخبر نفسه، أي: اتّضح وانكشف، يتعدّى، ولا يتعدى، ومصدرهما «الجلاء» بالفتح والمد؛ ولهذا سمّي الإقرار بالشيء جلاء؛ لأنه يكشف الحق ويوضحه، قال زهير:
فإنّ الحقّ مقطعه ثلاث … يمين أو شهود أو جلاء
وعن عمر رضي الله عنه: أنّه لما سمع هذا البيت، قال: لو أدركته، لولّيته القضاء؛ لمعرفته بما يثبت به الحقوق.
ومثل هذا البيت في استيفاء الأقسام قول نصيب:
فقال فريق القوم لا وفريقهم … نعم وفريق قال ويحك ما ندري
فاستوفى ما يذكر في جواب الأسئلة. وروى الأخفش هذا البيت:
فقال فريق القوم لمّا نشدتهم … نعم وفريق لا يمن الله ما ندري
(2/280)

واستدلّ به على أنّ همزة «أيمن الله» همزة وصل؛ لإسقاطها في الدرج.
ويقال: جلوت بصري بالكحل، وسيفي بالصقل، وهمي بكذا جلاء بالكسر والمد.
وجملة «تجلو» مستأنفة، أو خبر آخر عن «سعاد»، عند من أجاز تعدّد الخبر مختلفا بالإفراد والجملة. وضمير «تجلو» المستتر عائد على «سعاد» في مطلع القصيدة. وتجلو:
تكشف، من جلوت العروس، إذا أبرزتها. والعوارض: جمع عارض، ما بعد الأنياب من الأسنان، وذي بمعنى صاحب، وموصوفه محذوف، أي: عارض ثغر ذي ظلم، وهو ماء الأسنان. والمنهل: إذا أورده النّهل، وهو الشرب الأول. والعلل: الشرب الثاني.
والمعنى: تشبيه ريح فمها بريح الخمر الطيبة، وهو ذوق فاسد؛ لأن رائحة الخمر كريهة عند من لا يشربها.
وقوله: شجّت: بالبناء للمجهول، ونائب الفاعل ضمير الخمر، أي: مزجت. والجملة حال من الراح، بتقدير «قد».
وقوله: بذي شبم، أي: بماء ذي شبم، أي: ماء بارد. ومحنية: ما انعطف من الوادي وانحنى منه. والأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصا. والمشمول: الذي هبت عليه ريح الشمال. وجملة «وهو مشمول»: حال من ضمير «أضحى» التامة، ولا مانع أن تكون ناقصة مع الجملة الحالية. فإن قوله: «بأبطح» صالح لأن يكون خبرا ل «أضحى».

184 - وما سعاد غداة البين إذ رحلوا … إلا أغنّ غضيض الطرف مكحول
لكعب بن زهير، وهو البيت الثاني بعد المطلع. والغداة: مقابل العشيّ، والمراد هنا مطلق الزمن. وإذ: بدل من «غداة». وجمع ضمير «سعاد» في «رحلوا»، باعتبار قومها.
والأغنّ: من وصف الظبي، والغنّة: صوت لذيذ يخرج من الأنف، شبهها بالظبي في النفور. والطرف: العين. والغض: فتور وانكسار يكون في الأجفان.
والشاهد قول ابن هشام: إن بعضهم قال: «غداة البين» ظرف للنفي، وأما ابن هشام في شرح القصيدة، فيرى أن تعلق الظرف ب «كاف» التشبيه المحذوفة. وأصل الكلام:
«سعاد كاغنّ ...»، ولأن حرف التشبيه مقدر بعد «إلا»، وما بعد «إلا» لا يعمل فيما قبلها، رأى ابن هشام تقديره مقدما داخلا على «سعاد»، أي: «وما كسعاد إلا ظبيّ ...» على التشبيه المقلوب. ويرى البغدادي: تعلقه بمضاف محذوف،
(2/281)

والتقدير: وما وصف سعاد غداة البين إلا كوصف ظبي.
وقوله: «وما سعاد»، قال ابن هشام: الواو عاطفة على الفعلية «بانت سعاد»، لا على الاسمية «فقلبي اليوم متبول». وسعاد: مبتدأ، لا اسم ل «ما»؛ لانتقاض النفي ب «إلا»، والأصل: «وما هي»، فأناب الظاهر عن المضمر، والذي سهله أنهما في جملتين وفي بيتين، وأن بينهما جملة فاصلة، وأن اسم المحبوب يتلذذ بإعادته.

185 - كأنّ أوب ذراعيها إذا عرقت … وقد تلفّع بالقور العساقيل
شدّ النهار ذراعا عيطل نصف … قامت فجاوبها نكد مثاكيل
لكعب بن زهير، يصف ناقته التي تبلغه إلى سعاد.
كأنّ: حرف ناسخ، اسمها «أوب»، وخبرها «ذراعا» في البيت الثاني.
والتلفع: الاشتمال والتجلل. والقور: جمع قارة، وهي الجبل الصغير. والعساقيل:
اسم لأوائل السراب، جاء بلفظ الجمع ولا واحد له من لفظه. وقال: تلفع بالقور العساقيل، وإنما المعنى: تلفع القور بالعساقيل، فقلب.
وقوله: إذا عرقت، كناية عن وقت الهاجرة وشدة الحر.
وشدّ النهار: بالنصب، ارتفاعه، منصوب على الظرف. والعيطل: المرأة الطويلة.
والنّصف: التي بين الشابة والكهلة. والنكد: جمع نكداء، التي لا يعيش لها ولد.
والمثاكيل: جمع مثكال، وهي الكثيرة الثكل، أي: التي مات لها أولاد كثير.
والمعنى: كأنّ ذراعي هذه الناقة في سرعتها في السير ذراعا هذه المرأة في اللطم لما فقدت ولدها، وجاوبها نساء فقدن أولادهن؛ لأنّ النساء المثاكيل إذا جاوبنها كان ذلك أقوى لحزنها، وأنشط في ترجيع يديها عند النوح.
فهو يصف سرعة الناقة وقت الهاجرة، ويشبه ذراعي الناقة وهي تتابع سيرها بذراعي هذه المرأة وهي تتابع اللطم. وهي صورة تدل على دقة ملاحظة الشاعر.
والشاهد في البيت الأول القلب.
(2/282)

186 - وربّما فات قوما جلّ أمرهم … من التأنّي وكان الحزم لو عجلوا
نسبه بعضهم للأعشى، ولا يوجد في شعره، ونسبه السيوطي للقطامي التغلبي.
وقوله: ربما: للتكثير؛ لأن البيت في ذم التأني، ومدح العجلة. ومن التأني: من، للتعليل. والبيت شاهد على أن «لو» مصدرية، فيكون «الحزم» اسم كان. ولو عجلوا:
في تأويل مصدر منصوب، «يكون» خبرها، والتقدير: وكان الحزم عجلتهم، ولا يجوز جعل «لو» هنا شرطية، لعدم دليل الجواب. [الأشموني/ 4/ 34، وشرح أبيات المغني/ 5/ 75].

187 - هي الشّفاء لدائي لو ظفرت بها … وليس منها شفاء النفس مبذول
ينسب البيت لكعب بن زهير، من قصيدته المشهورة «بانت سعاد»، ويروى لهشام أخي ذي الرّمة، هشام بن عقبة.
والشاهد: أن اسم «ليس» ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرها، وفي «مبذول» ضمير يرجع إلى المبتدأ. ويجوز أن تجعل «ليس» غير عاملة، وهي لغة لبعض العرب، و «الباء» في «بها» متعلقة ب ظفرت. و «منها» متعلقان ب «مبذول»،
ويجوز في «لو» أن تكون للشرط، والجواب محذوف، ويجوز أن تكون للتمني، كأنه قال: يا ليتني ظفرت بها أو برؤيتها، وليست تبذل لي شيئا أشتفي به من نظرة أو سلام. [سيبويه/ 1/ 36، وشرح المفصل/ 3/ 116، والهمع/ 1/ 111، وشرح أبيات المغني/ 5/ 209].

188 - أبلغ قريشا وخير القول أصدقه … والصّدق عند ذوي الألباب مقبول
أن قد قتلنا بقتلانا سراتكم … أهل اللواء ففيما يكثر القيل
من شعر كعب بن مالك رضي الله عنه، من قصيدة أجاب بها ضرار بن الخطاب وعمرو بن العاص لما افتخرا بانكشاف المسلمين يوم أحد.
والشاهد: أنّ ثبوت ألف «ما» الاستفهامية المجرورة، ضرورة شعرية. وذلك في البيت الثاني «ففيما». وأن: مخففة، واسمها ضمير شأن. و «الباء» في قوله: ب «قتلانا»، للمقابلة. وأهل اللواء: بدل من سراتكم، وهم بنو عبد الدار من مشركي قريش، وكانوا أصحاب اللواء في وقعة بدر، وفي وقعة أحد. [شرح أبيات المغني/ 5/ 223، والخزانة/ 6/ 101، 105، 106].
(2/283)

189 - إمّا ترينا حفاة لا نعال لنا … إنّا كذلك ما نحفى وننتعل
قاله الأعشى ميمون، من معلقته ودّع هريرة، وقبله:
قالت هريرة لما جئت زائرها … ويلي عليك وويلي منك يا رجل
والبيت الثاني: أخنث بيت قالته العرب وزائرها: حال من التاء. وإنما قالت له كذا؛ لسوء حاله. وقولها: ويلي عليك، أي: لفقرك. وقولها: وويلي منك، أي: لعدم استفادتي منك شيئا. ثم أخذ في تبيين سبب سوء حاله بأنه أفنى ماله في لذاته، فأجابها بقوله: إمّا ترينا حفاة ... الخ، فيكون بتقدير القول، أي: فقلت لها.
والشاهد: أنّ «ما» زيدت في موضعين من البيت: الأول: في «إمّا»، أصله: «إن ما»، والثاني: «ما» في: «ما نحفى»، ويروى: «إنا كذلك قد نحفى»، فتكون زائدة في موضع واحد، وقوله: إمّا: اللام الموطئة مقدرة قبل «إن» وجملة «إنا كذلك»: جواب القسم المقدر، وهو دليل جواب الشرط. والذي دلنا على أن هذه الجملة جواب القسم عدم اقترانها ب «الفاء»؛ لتكون جوابا للشرط، وقيل: «إنّا كذلك»، جواب الشرط، وحذفت «الفاء». وجملة «لا يغال لنا»: صفة «حفاة»، والمعنى: إن ترينا نستغني مرة ونفتقر أخرى، فكذلك سبيلنا. [شرح أبيات المغني/ 5/ 282].

190 - إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا … أو تنزلون فإنّا معشر نزل
قاله الأعشى، من قصيدته «ودع هريرة». وقوله: نزل: جمع نازل، ونزولهم عن الخيل يكون لضيق المعركة، ينزلون فيقاتلون على أقدامهم، وفي ذلك الوقت يتداعون: نزال.
والبيت ذكره ابن هشام، تحت عنوان: كثيرا ما يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل. حيث رفع «تنزلون» مع أن الفعل معطوف على «تركبوا» المجزوم. وقال سيبويه: ذلك من العطف على التوهم، فكأنه قال: أتركبون فذلك عادتنا، أو تنزلون فنحن معروفون بذلك. وقال يونس: أراد أو أنتم تنزلون، فعطف الجملة الاسمية على جملة الشرط. [سيبويه/ 1/ 429، وشرح المغني/ 8/ 103].

191 - فاذهب فأيّ فتى في الناس أحرزه … من حتفه ظلم دعج ولا جبل
قاله: المتنخّل، مالك بن عويمر، شاعر جاهلي، من قصيدة رثى بها ابنه أثيلة.
(2/284)

فاذهب: يخاطب ولده. أحرزه: جعله في حرز منيع يمنع من الوصول إليه. ومن حتفه:
متعلق ب «أحرزه». والظلم، جمع ظلماء، وهي الليالي السود، والدعج: جمع دعجاء، وهي الشديدة السواد. وإنما نسب الإحراز إلى الليل والجبل؛ لأن الليل المظلم ساتر، ولا يهتدى إلى الهارب فيه، فكأن الليل أحرزه، وكذلك الجبل، يحرز من الوصول إليه إذا كان صعب المرتقى.
والشاهد: أنّ «أيّا» للاستفهام الإنكاري، بمعنى النفي، والمعنى: لا يحرز الفتى من موته ظلم ولا جبل. [شرح المغني/ 6/ 76].

192 - اعتاد قلبك من سلمى عوائده … وهاج أحزانك المكنونة الطّلل
ربع قواء أذاع المعصرات به … وكلّ حيران سار ماؤه خضل
الشعر لعمر بن أبي ربيعة. وقوله: من سلمى، أي: من أجل حب سلمى. وعوائده:
جمع عائدة، وهو ما تعوده من وجده بها وشوقه إليها. والربع: المنزل. والقواء: القفر.
ومعنى أذاع: فرّق ونشر، ومنه إذاعة السرّ وهو نشره. والمعصرات: السحائب ذوات المطر، ويقال: الرياح، أي: غيرته وأزالت بهجته الأمطار بما محت منه والرياح بما أذرت عليه. وأراد بالحيران: سحابا تردد بمطره عليه ولازمه، فجعله كالحيران لذلك، والخضل: الغزير، وسار: الذي ينشأ بالليل ويسير، وهو من نعت حيران، وماؤه: مبتدأ، وخضل: خبره.
والشاهد: أن قوله: «ربع»، بتقدير: «هو ربع»، وليس بدلا من الطلل؛ لأن الربع أكثر من الطلل، وإنما يبدل الأقل من الأكثر للبيان، لا الأكثر من الأقل، ولو نصب على تقدير «أعني»، لكان حسنا. [شرح المغني/ 7/ 266].

193 - قليل منك يكفيني ولكن … قليلك لا يقال له قليل
هو لأحد المتأخرين، أحمد بن علي الميكالي، ومثلوا به على أنّ «كفى» التي بمعنى أجزأ وأغنى، متعدية كما في البيت. [شرح المغني/ 2/ 342].

194 - أما تنفكّ تركبني بلومى … لهجت بها كما لهج الفصيل
أتنسى - لا هداك الله - سلمى … وعهد شبابها الحسن الجميل
كأنّ وقد أتى حول كميل … أثافيها حمامات مثول
(2/285)

قالها أبو الغول الطّهوي. واللومى: من اللوم، مصدر أنث بالألف المقصورة. ولهج بالشيء: تولع به واعتاده. والفصيل: المفصول عن الرضاع من أولاد النوق. وحول كميل، أي: كامل. والأثافي: الأحجار التي تنصب عليها القدر، فتسودّ من النار والدخان، شبهها بالحمامات القائمة على رجلها، وقد مرّ عليها حول بعد ارتحال سلمى.
وجملة: «لا هداك الله»، اعتراضية بين الفعل والمفعول. وجملة: «وعهد شبابها الحسن»، المبتدأ والخبر حال من سلمى.
والشاهد في البيت الثالث: على أنّ جملة «وقد أتى حول» معترضة بين «كأنّ» واسمها، فمنهم من جعلها جملة اعتراضية لا محل لها، ومنهم من جعلها حالا من معنى التشبيه في «كأنّ». [شرح أبيات المغني/ 6/ 216].

195 - ليس العطاء من الفضول سماحة … حتّى تجود وما لديك قليل
قاله المقنّع الكندي، محمد بن عمير، من شعراء الدولة الأموية. قيل له المقنع؛ لأنه من أجمل الناس وجها، وأمدهم قامة، وكان إذا سفر عن وجهه، أصيب بالعين، فكان يتقنّع دهره فسمّي المقنّع، وهو القائل:
ولا أحمل الحقد القديم عليهم … وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم … وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
يعيرني بالدّين قومي وإنما … ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
وقوله: يعيرني بالدين، فيه دليل على جواز القول: عيرته كذا، وعيرته بكذا، وذكر ابن هشام البيت شاهدا على أنّ «حتى» فيه بمعنى «إلا»، ويجوز أن تبقى بمعنى الغاية. والمعنى: إن إعطاءك من زيادات مالك لا يعدّ سماحة إلا أن تعطي في حال قلة المال، أو إلى أن تعطي ومالك قليل. [شرح أبيات المغني/ 3/ 100].

196 - ولو انّ ما عالجت لين فؤاده … فقسا استلين به للان الجندل
للأحوص بن محمد الأنصاري، من قصيدة مدح بها عمر بن عبد العزيز، ومطلعها:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل … خوف العدى وبه الفؤاد موكّل
وقبل البيت:
أصبحت أمنحك الصدود وإنني … قسما إليك مع الصدود لأميل
(2/286)

فصددت عنك وما صددت لبغضة … أخشى مقالة كاشح لا يعقل
ومعنى البيت الشاهد: لو أنّ الذي عالجت به لين فؤاد الكاشح، استلنت به الجندل، للان، فلم يؤثر، بل قسا واشتدّ أكثر مما كان قبل.
وقوله: ولو انّ: بفتح واو «لو» وحذف فتحة «أنّ»؛ لاستقامة وزن الشطر على البحر الكامل، وإذا حققنا الهمزة، وسكنا الواو، صار الشطر من البحر الطويل، والبيت شاهد على حذف العائد بعد «عالجت»، والأصل: لو أن ما عالجت به، فحذف العائد المجرور على خلاف القياس، اكتفاء بالمذكور بعد «استلين»، فإنه عائد على «ما» الموصولة أيضا، وجملة «عالجت» صلة، و «لين»: مفعوله، ويجوز أن يكون مفعوله ضمير «الكاشح»، و «لين»: مفعولا لأجله. فقسا: معطوف على «عالجت» بالفاء، وفاعله ضمير «الكاشح».
وقوله «استلين»، يروى بالبناء للمجهول، والجندل: نائب فاعل، وفاعل «لان» ضمير.
والأقوى أن يكون «استلين» مبنيا للمعلوم، مع تخفيف وتسهيل الهمزة، وفاعله ضمير المتكلم، والجملة خبر «أنّ»، ومفعوله محذوف، وهو ضمير الجندل، وهذا من باب التنازع؛ لأن «استلين» و «لان» عاملان يطلبان الجندل معمولا، والأول يطلبه مفعولا، والثاني يطلبه فاعلا، فأعمل الثاني لقربه، وأضمر للثاني وحذف؛ لأنه فضلة. وقوله «للان» جواب «لو». [شرح المغني/ 6/ 246].

197 - يا عمرو إنّك قد مللت صحابتي … وصحابتيك - إخال ذاك - قليل
مجهول القائل. وقوله: مللت، يتعدى بنفسه كما هنا، وب «من»، يقال: مللته ومللت منه. وصحابة: بفتح أوله: مصدر صاحبه، وصحابتي: مصدر مضاف إلى المفعول، وفاعله محذوف، أي: صحابتك إياي، وصحابتيك: مبتدأ، بتقدير مضاف، وخبره «قليل»، والتقدير: ومدة صحابتيك قليل، وجملة «إخال ذاك»: معترضة و «ذاك»: إشارة إلى مصدر إخال، أي: إخال ذاك الخيل، والبيت جعله ابن مالك شاهدا على وقوع اسم الإشارة مصدرا مؤكّدا للفعل من غير نعته بمصدر. [شرح أبيات المغني/ 7/ 354].

198 - يا ربّ يوم لي لا أظلّله … أرمض من تحت وأضحى من عله
قاله الأعرابي أبو ثروان - عباسي - وقوله: لا أظلله، أي: لا أظلل فيه. وأرمض: من
(2/287)

الرمضاء. وأضحى: أصابه حرّ الشمس. والرجز شاهد على أن «الهاء» في «عله»:
للسكت، وأصله: (من عل) بالبناء على الضم. [شرح المغني/ 3/ 353].

199 - وجهك البدر لا بل الشمس لو لم … يقض للشمس كسفة أو أفول
غير معروف، وهو شاهد على أنه يزاد «لا» قبل «بل» بعد الإيجاب؛ لتوكيد الإضراب، و «بل» عاطفة عند البصريين خلافا للكوفيين. [شرح أبيات المغني/ 3/ 12].

200 - أفاطم مهلا بعض هذا التدلل … وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
البيت لامرئ القيس من معلقته.
وقوله: أفاطم: الهمزة لنداء القريب، وفاطم: بالفتح، منادى مرخم على لغة من ينتظر، وفاطمة: هي عنيزة المذكورة في قوله: «ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة». ومهلا:
رفقا، وهو مفعول مطلق، وأصله: أمهلي إمهالا، فحذف عامله، وجعله نائبا عن فعله.
و «بعض»: منصوب بالمصدر، أي: أخريه عن هذا الوقت. وأزمع: صمّم وجزم.
والصرم: الهجر. والإجمال: الإحسان. يقول لها: إن كان هذا منك تدلّلا، فأقصري، وإن كان عن بغضة، فأجملي. ونقل ابن عساكر عن الإصبغ بن عبد العزيز قال: سألت نصيبا، أي بيت قالته العرب أنسب (أغزل)؟ فقال: قول امرئ القيس (وذكر البيت).
وليس كما قال، بل هو كما قال الباقلاني في «إعجاز القرآن» (ص 256): في هذا البيت ركاكة جدا، وتأنيث ورقة، ولكن فيها تخنيث، ولعلّ قائلا يقول: كلام النساء بما يلائمهن من الطبع أوقع وأغزل، وليس كذلك؛ لأنك تجد الشعراء في الشعر المؤنث لم يعدلوا عن رصانة قولهم، والمصراع الثاني منقطع عن الأول، لا يلائمه ولا يوافقه، وهذا يبين لك إذا عرضت معه البيت الذي تقدمه، وكيف ينكر عليها تدللها، والمتغزل يطرب على دلال الحبيب وتدلّله.
قلت: إن امرأ القيس كان يطلب الجسد، ولذلك لا يريد من صاحبته التدلل والتمنع الذي يستعذبه المحبون الصادقون. [شرح أبيات المغني/ 1/ 13].

201 - فيا ربّ يوم قد لهوت وليلة … بآنسة كأنها خطّ تمثال
قاله امرؤ القيس وقوله: يا: ليست للنداء، وإنما هي للتنبيه كالداخلة على «ليت»
(2/288)

و «حبذا». والآنسة: المرأة التي تأنس بحديثك، والتمثال: الصورة، شبه صاحبته بصورة الصنم المنقوشة في حسن المنظر وتناسب الأعضاء.
والشاهد: أن «ربّ» فيه للتكثير. [شرح المغني/ 3/ 61].

202 - ألا ربّ يوم صالح لك منهما … ولا سيّما يوم بدارة جلجل
من معلقة امرئ القيس. وقوله: منهما: الضمير يعود إلى امرأتين في بيت قبله.
ودارة جلجل: اسم مكان.
وقوله: ولا سيما: فيه شاهد على أن هذا التركيب لا بدّ أن يسبق ب «الواو» قبل «لا» «ولا سيما»، ويجوز في الاسم الذي بعد «ولا سيما» الجرّ، والرفع مطلقا، والنصب أيضا إذا كان نكرة، وروي البيت ب «هنّ»، والجرّ أرجحها، وهو على الاضافة، و «ما» زائدة بينهما. والرفع على أنه خبر لمضمر محذوف، و «ما» موصولة، أو نكرة موصوفة بالجملة، والتقدير: ولا مثل الذي هو يوم. والنصب على التمييز، وجوّز ابن مالك:
نصب «يوما» على الظرف، وجعله «صلة» ل «ما»، وبدارة جلجل: صفة ل «يوما». [شرح أبيات المغني/ 3/ 216].

203 - دع عنك نهبا صيح في حجراته … ولكن حديثا ما حديث الرواحل
لامرئ القيس. والنهب: المال المنهوب. والحجرات: النواحي. والشطر الأول مثل يضرب لمن ذهب من ماله شيء، ثم ذهب بعده ما هو أجلّ منه. والرواحل: مجموع الركائب، كان امرؤ القيس قد فقدها، وكان ضاع له مال، فأرسل أحدهم برواحله لطلبه، فأضاعها، فقال: ولكن حديثي حديثا، و «ما»: استفهامية مبتدأ، وحديث: خبره.
والبيت شاهد عند ابن هشام على أن «عنك» هنا اسم بمعنى «جانب»؛ حيث كان مجرورها وفاعل متعلقها ضميرين لمسمى واحد، وأنكر ذلك النحويون. [شرح أبيات المغني/ 3/ 315].

204 - ألا عم صباحا أيها الطلل البالي … وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وهل يعمن من كان أحدث عهده … ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال
لامرئ القيس وقوله: عم، هذه الكلمة تحية عند العرب، كأنه مأخوذ من «نعم»،
(2/289)

وهو فعل أمر، وصباحا: ظرف. وقوله: وهل يعمن: استفهام انكاري. والعصر:
بضمتين، لغة في العصر، وهو الدهر. وثلاثة أحوال: تعاقب أحوال المناخ عليه. والبيت الثاني شاهد على أن «في» الثانية بمعنى «من»، ويجوز أن تكون بمعنى «مع». [شرح أبيات مغني اللبيب/ 4/ 77].

205 - حلفت لها بالله حلفة فاجر … لناموا فما إن من حديث ولا صالي
قاله امرؤ القيس. وقوله: إن من، إن: زائدة، و «من» زائدة في المبتدأ، وخبره محذوف، أي: مستيقظ. والحديث: بمعنى المحادث، أو بمعنى الكلام فيقدر مضاف، أي: ذي حديث. والبيت شاهد على أن «لام» جواب القسم تدخل بدون «قد» على الماضي البعيد الواقع جواب القسم.

206 - ويوم عقرت للعذارى مطيّتي … فيا عجبا من رحلها المتحمّل
قاله امرؤ القيس. والرحل: ما يعد للرحيل. وقوله: المتحمل: اسم مفعول؛ لأنه لما عقر بعيره وشواه للعذارى فرق رحله على رواحلهن، فحملنه وركب هو مع بنت عمه فاطمة على بعيرها. والبيت شاهد على أن «اللام» في: «للعذارى» للتعليل. [شرح أبيات المغني/ 4/ 102].

207 - فيا لك من ليل كأنّ نجومه … بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
قاله امرؤ القيس. يقول: إن نجوم الليل لا تفارق محالها، فكأنها مربوطة بكل حبل محكم الفتل في هذا الجبل «يذبل»، وإنما استطال الليل؛ لمقاساة الأحزان فيه. ويذبل:
ممنوع من الصرف؛ للعلمية ووزن الفعل، وجرّه ضرورة.
وقوله: يا لك: الأصل: يا إياك، أو يا أنت، ثم لما دخلت عليه «لام» الجر للتعجب، انقلب الضمير المنفصل المنصوب أو المرفوع ضميرا متصلا مخفوضا، ف «اللام» فيه للتعجب تدخل على المنادى إذا تعجب منه. وقال بعضهم: «اللام» للاستغاثة، استغاث به منه لطوله كأنه قال: يا ليل ما أطولك. وقوله: من ليل: تمييز مجرور ب «من»، وقيل:
«من» زائدة؛ ولهذا يعطف على موضع مجرورها بالنصب. وقوله: بكلّ: متعلقة ب «شدّت». [شرح أبيات المغني/ 4/ 301].
(2/290)

208 - كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا … لدى وكرها العنّاب والحشف البالي
قاله امرؤ القيس، يصف وكر العقاب، وصفها بكثرة صيدها للطيور، تأخذ قلوبها لتغذي بها فراخها، واليابس منها، هو الفاضل من الغذاء. والبيت شاهد على أن قوله: «رطبا» حال، وعاملها حرف التشبيه لما فيه من معنى الفعل.
[شرح أبيات المغني/ 4/ 322].

209 - كأنّ دثارا حلّقت بلبونه … عقاب تنوفى لا عقاب القواعل
قاله امرؤ القيس. ودثار: اسم راعي إبل امرئ القيس. وتنوفى: جبل عال، وأخبث العقبان ما آوى في الجبال المشرفة، وهذا مثل: أراد كأن دثارا ذهبت بلبونه آفة، وأراد أنه أغير عليه من قبل تنوفى. والقواعل: جبال صغار. والبيت شاهد على أن «لا» فيه عطفت على معمول الماضي، وفيه ردّ على من منعه، حيث منع الزجاج أن يعطف ب «لا» بعد الفعل الماضي. [شرح المغني/ 4/ 383].

210 - تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا … عليّ حراصا لو يشرّون مقتلي
قاله امرؤ القيس. وقوله: يشرّون، أي: يظهرون، ومعناه: ليس يقتل مثلي خفاء.
فيكون قتلهم إيّاه هو الإظهار، ويروي: يسرّون ب «السين» المهملة بالمعنى نفسه.
والشاهد: أن «لو» فيه مصدرية، والمصدر المؤول من «لو» والفعل مجرور على أنه بدل اشتمال من الضمير المجرور ب «على»، ولا تقع «لو» المصدرية غالبا إلا بعد مفهم «تمنّ»، كقول قتيلة بنت النّضر: «ما كان ضرّك لو مننت». [الخزانة/ 11/ 238].

211 - فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها … لما نسجتها من جنوب وشمأل
البيت الثاني من معلقة امرئ القيس، وتوضح والمقراة: مكانان. وقوله: لما نسجتها:
تعليل لعدم العفاء والاندراس؛ لأن الريحين إذا اختلفا على الرسم، لم يعفواه، فواحدة تغطي، والثانية تكشف.
والبيت شاهد على أنّ قوله: «من جنوب» بيان وتفسير للضمير المستتر في «نسجت».
[شرح المغني/ 5/ 349].

212 - ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة … فقالت: لك الويلات إنك مرجلي
(2/291)

قاله امرؤ القيس، في يوم دارة جلجل. وقوله: ويوم: معطوف على قوله: ولا سيما يوم، قبل البيت، ولكنه بني؛ لإضافته إلى الفعل الماضي المبني. والخدر: أراد هودج عنيزة؛ حيث ركب على راحلتها بعد أن عقر راحلته للعذارى. وقولها: إنك مرجلي، أي: تجعلني أمشي راجلة؛ حيث كان يميل عليها ويلاعبها.
والشاهد: «عنيزة»، أنه لا ينصرف، ونوّن هنا للضرورة. [شرح المغني/ 6/ 52].

213 - وإنّ شفائي عبرة مهراقة … وهل عند رسم دارس من معوّل
من مطلع معلقة امرئ القيس. والبيت شاهد على أنّ «هل» لكونها للنفي، كانت الجملة بعدها خبرية، فصح عطفها على الخبرية التي قبلها. [شرح المغني/ 6/ 66].

214 - فظلّ طهاة اللحم من بين منضج … صفيف شواء أو قدير معجّل
لامرئ القيس، يصف صيدا صادوه وأخذوا يهيئونه طعاما. والصفيف: المصفوف على الحجارة لينضج، وهو المسمى بالكباب. وقدير معجّل، أي: يطبخونه في القدر، وقال: «إنه معجّل»، لأنهم كانوا يستحسنون تعجيل ما كان من الصيد. و «من بين»:
للتفصيل. والبيت شاهد على أن البغداديين أجازوا اتباع المنصوب بمجرور؛ حيث قال:
«منضج صفيف شواء»، فنصب، ثم قال: أو قدير، قال الفرّاء: وهو مثل قوله تعالى:
جاعل الليل سكنا والشمس والقمر. الآية [الأنعام: 96]. فالليل: في موضع نصب في المعنى، فردّ الشمس والقمر على معناه؛ لمّا فرّق بينهما ب «سكنا»، فإذا لم يفرّق بينهما، آثروا الخفض، وقد يجوز النصب وإن لم يحل بينهما بشيء، كقول الشاعر:
بينا نحن ننظره أتانا … معلّق وفضة وزناد راعي
قلت: أما القول في البيت، فإن «أو قدير» معطوف على «منضج» بلا ضرورة، والتقدير: «ومن بين منضج قدير»، ثم حذف «منضج»، وأقام «قدير» مقامه في الإعراب، كما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ. [يوسف: 82]. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 7/ 13، والأشموني/ 3/ 107].

215 - خرجت بها أمشي تجرّ وراءنا … على أثرينا ذيل مرط مرحّل
لامرئ القيس من معلقته. وقوله: خرجت بها، أي: أخرجتها، ف «الباء» للتعدية.
(2/292)

وأثرينا: بالتثنية. والمرط: بالكسر، كساء من خزّ، وقد تسمى الملاءة مرطا، وإنما تجر ذيل المرط ليخفى الأثر، ولا يعرف موضعها، والمرحّل: الثوب الذي فيه صور الرحال من الوشي، وهو يصف إحدى مغامراته مع النساء. والبيت شاهد على أنّ جملة «أمشي» حال من التاء في «خرجت» وجملة «تجر وراءنا» حال من الضمير «بها». [شرح أبيات المغني/ 7/ 194].

216 - إذا قامتا تضوّع المسك منهما … نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل
لامرئ القيس من معلقته. والضمير في «قامتا» لأم الحويرث وجارتها، وفي البيت حذف تقديره: تضوع المسك تضوعا مثل تضوّع نسيم الصّبا. ونسيم: بالنصب، قيل منصوب على المصدر، وقد ينصب على الحالية، والتقدير:
مثل نسيم. وجملة «جاءت»:
بتقدير «قد» حال من الصبا. [شرح المغني/ 7/ 290].

217 - فقلت يمين الله أبرح قاعدا … ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي
لامرئ القيس. ويمين: يروى مرفوعا ومنصوبا، أما الرفع: فعلى الابتداء، والخبر محذوف، وأما النصب: فعلى أنّ أصله: أحلف بيمين الله، فلما حذفت «الباء»، وصل فعل القسم إليه بنفسه، ثم حذف فعل القسم، وبقي منصوبا. والبيت شاهد على حذف «لا» النافية من جواب القسم، والأصل: لا أبرح قاعدا. [شرح المغني/ 7/ 332].

218 - فقالوا لنا ثنتان لا بدّ منهما … صدور رماح أشرعت أو سلاسل
البيت لجعفر بن علّبة الحارثي في حماسة أبي تمام، يريد: إن الأعداء لما رأوني هناك مع رجال قليلة طمعوا فيّ، وقالوا: نخيّرك بين شيئين، إما الأسر، وإما القتال.
وقوله: لنا ثنتان، أي: لنا حالتان ثنتان. وثنتان: مبتدأ، ولنا: خبر، وصدور رماح وسلاسل: بدل منهما.
والبيت شاهد على أن «أو» فيه للتقسيم، أي: يكون بعضنا كذا، وبعضنا كذا، والشاعر جعفر بن علبة من مخضرمي الدولتين، وقيل: توفي في زمن هشام بن عبد الملك.
[شرح أبيات المغني/ 2/ 59].

219 - وترمينني بالطّرف أي: أنت مذنب … وتقلينني لكنّ إياك لا أقلي
(2/293)

مجهول. وقوله: لكن إياك، لكنّ: من أخوات «إنّ» واسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة بعدها خبرها، وإياك: مفعول مقدم على الفعل؛ للحصر.
والشاهد: أنّ «أي» في البيت تفسير للجملة قبله. [شرح أبيات المغني/ 2/ 141].

220 - وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
البيت لأبي طالب عمّ النبي صلّى الله عليه وسلّم، من قصيدة طويلة قالها في الشّعب لما اعتزل قريشا مع بني هاشم وبني عبد المطلب، وهي في السيرة النبوية لابن هشام. قال البغدادي:
وهي قصيدة بليغة جدا، لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى.
وقوله: وأبيض: العرب تمدح السادة بالبياض، ولا يريدون بياض اللون، وإنما يريدون النقاء من العيوب، وربما أرادوا به طلاقة الوجه. والثمال بالكسر: العماد والملجأ. والبيت في مدح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وذكره
ابن هشام شاهدا على أن «ربّ» المقدرة بعد «الواو» للتقليل. وهذا وهم ممن قال ذلك؛ لأنهم كثيرا ما يعتمدون على البيت المفرد، والحقيقة أن «الواو» عاطفة، و «أبيض» معطوف على مفعول في البيت السابق.
وهو قوله:
وما ترك قوم لا أبالك سيدا … يحوط الذّمار غير ذرب مواكل
فأبيض معطوف على «سيدا» المنصوب بالمصدر «ترك». [شرح المغني/ 3/ 168].

221 - أريد لأنسى ذكرها فكأنّما … تمثّل لي بكل سبيل
لكثيّر عزّة.
والشاهد: «اللام» في «لأنسى»، قيل: زائدة، وقيل: للتعليل. ومفعول «أريد»، محذوف، أي: أريد السلوّ. وقال الخليل وسيبويه: الفعل مقدر بمصدر مرفوع بالابتداء، و «اللام» وما بعدها خبر، أي: إرادتي للنسيان. [المغني/ 4/ 308].

222 - ويلحينني في اللهو أن لا أحبّه … وللهو داع دائب غير غافل
قاله الأحوص بن محمد الأنصاري. وقبل البيت:
(2/294)

ألا يا لقومي قد أشطّت عواذلي … ويزعمن أن أودى بحقّي باطلي
نادى قومه على وجه الاستغاثة من عواذله في تجاوزهنّ وركوبهن الشطط في لومه على حبّه الحسان، والميل إلى اللهو مع وجود باعث ذلك فيه، وهو الشباب والعشق، فلا يمكنه قبول نصحهنّ مع وجود هذا الباعث. فيتعين أن تكون «لا» زائدة؛ لأن الناصح إنما يلومه على الاشتغال بأسباب المحبة واللهو، لا على ترك ذلك. [شرح أبيات المغني/ 5/ 8 والجنى الداني/ 302].

223 - ألا زعمت أسماء أن لا أحبّها … فقلت بلى لولا ينازعني شغلي
قاله أبو ذؤيب الهذلي. قال ابن مالك: وقد يلي الفعل «لولا» غير مفهمة تحضيضا.
فيؤول ب (لو لم)، أو تجعل المختصة بالأسماء والفعل صلة ل (أن) مقدرة كهذا البيت.
فتكون في التأويل كلمتين، لا كلمة مركبة من كلمتين. وعلى الوجهين لا بدّ من الجواب، و «لا» من الأول بمعنى «لم»، وفي الثاني جزء كلمة، وقدّر «أن» في الوجه الثاني حتى يؤول منها ومن الفعل اسم، فإن «لولا» الامتناعية لا يليها إلا الاسم. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 5/ 127].

224 - فأضحت مغانيها قفارا رسومها … كأن لم - سوى أهل من الوحش - تؤهل
قاله ذو الرّمة. والأصل: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش، ففصل بين «لم» والفعل، فولي «لم» معمول مجزومها اضطرارا. وسوى: في مذهب سيبويه ظرف مكان لازم النصب، وعلى مذهب غيره يعرب هنا مفعولا مقدما. [شرح أبيات المغني/ 5/ 143 والهمع/ 2/ 56، والخصائص/ 2/ 410].

225 - وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها … إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي
من قصيدة لذي الرّمة. واعتذارها للضيف أن لا يرى فيها محلبا من شدة الجدب، فإذا كانت كذلك، عقرتها.
والشاهد: الفعل «يجرح»، حيث صار الفعل لازما؛ لأنه ضمن معنى فعل لازم، وهو:
«يعيث»، أو «يفسد». والضمير في «ذي ضروعها» يعود إلى الناقة. [شرح أبيات المغني/ 7/ 132].
(2/295)

226 - فقولا لها قولا رفيقا لعلّها … سترحمني من زفرة وعويل
مجهول.
والشاهد اقتران خبر «لعل» بالسين قليلا. [شرح أبيات المغني/ 5/ 177].

227 - فليت دفعت الهمّ عنّي ساعة … فنمنا على ما خيّلت ناعمي بال
البيت لعدي بن زيد العبادي، كاتب النعمان.
وقوله: «على ما خيلّت»، هذا التركيب قد صار كالمثل في استعماله بالماضي، وجعل فاعله ضمير النفس المعلومة من المقام، ومعناه: «على ما أرت وأوهمت»، وأصل ذلك في السحاب يقال: قد خيّلت السحابة وتخيّلت، إذا أرت أنها ماطرة، أو معناه «على ما أرت الحال وشبهت»، فأضمر الحال، أو «على ما أرتك نفسك أنه الصواب». ويقال:
«على ما تخيّلت وخيّلت».
والبيت شاهد على أن اسم «ليت» محذوف سواء أكان ضمير شأن، أو ضمير مخاطب. وهو قليل في الكلام. [شرح أبيات المغني/ 5/ 184].

228 - فلست بآتيه ولا أستطيعه … ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
من قصيدة للنجاشي الحارثي، قيس بن عمرو بن مالك. عاصر الإمام علي.
والشاهد: «ولاك»، على أن أصله: «ولكن اسقني»، فحذفت النون؛ لضرورة الشعر.
[شرح أبيات المغني/ 5/ 194].

229 - أنا الفارس الحامي الذّمار وإنّما … يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
البيت للفرزدق، من قصيدة هجا بها جريرا، ومراده أنه الذي يدافع عن أحسابهم لا غيره، ولو قال: وإنما أدافع عن
أحسابهم، لكان معناه: إنه يدافع عن أحسابهم لا عن أحساب غيرهم، وهو غير مراده.
والشاهد: أنهم عاملوا «إنما» معاملة النفي و «إلّا» في فصل الضمير. [شرح أبيات المغني/ 5/ 248].

230 - ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل … وضنّت علينا والضنين من البخل
(2/296)

البيت للبعيث خداش بن بشر، من مجاشع، عاصر جريرا، وكان بينهما مناضلة بالشعر.
وقوله: والضنين من البخل، كقولك: أنت من أهل الجود، وأنت من الكرم تريد: من أهل الجود والكرم.
وهو شاهد على أنّ فيه مبالغة بكون البخيل مخلوفا من البخل. [شرح أبيات المغني/ 5/ 265].

231 - أراني - ولا كفران لله أيّة … لنفسي - قد طالبت غير منيل
مجهول القائل. اختلف النحويون هل يعترض بأكثر من جملة. فقال أبو علي: لا يعترض بأكثر من جملة، وجعل أيّة منصوبة باسم «لا»، أي: ولا أكفر الله رحمة مني لنفسي. وأيّة: مصدر أويت له، إذا رحمته ورفقت به. أما ابن جني، فأقرّ بوجود جملتين معترضتين، إحداهما: لا كفران لله، والأخرى: قوله: «أيّة»، أي: آويت لنفسي أيّة، معناه: رحمتها. [شرح أبيات المغني/ 6/ 225].

232 - لعمرك والخطوب مغيّرات … وفي طول المعاشرة التّقالي
لقد باليت مظعن أمّ أوفى … ولكن أمّ أوفى لا تبالي
البيتان لزهير بن أبي سلمى. وفي البيتين شاهد على وقوع الاعتراض بجملتين بين القسم «لعمرك»، وجوابه «لقد باليت» الأولى: والخطوب مغيرات، والثانية: «وفي طول المعاشرة التقالي»، وفي البيت شاهد على استخدام «أبالي» بدون نفي في الشطر الأول من البيت الثاني، والغالب فيه أن يستخدم مع النفي، فتقول: لا أباليه، ولا أبالي به، فيتعدى بنفسه، و «بالباء». [شرح المغني/ 6/ 227].

233 - إذا أحسن ابن العمّ بعد إساءة … فلست لشرّي فعله بحمول
مجهول. وهو شاهد على القلب، والتقدير: فلست لشرّ فعليه، فقلب. [شرح المغني/ 8/ 123].

234 - كائن دعيت إلى بأساء داهمة … فما انبعثت بمزؤود ولا وكل
غير معروف. والبأساء: الحرب. والمزؤود: المذعور. والوكل: العاجز الذي يكل
(2/297)

أمره إلى غيره. وفيه شاهد على زيادة «الباء» في الحال «بمزؤود»، والأصل: فما انبعثت مزؤودا ولا وكلا، فزيدت «الباء»، وعطف على مجرورها. [شرح المغني/ 2/ 393].

235 - وما هجرتك لا، بل زادني شغفا … هجر وبعد تراخى لا إلى أجل
لا يعرف قائله. والبيت شاهد على أنّ «لا» تزاد بعد النفي؛ لتوكيد تقرير ما قبلها، وليست «بل» للعطف هنا؛ لأنّ ما بعدها جملة. وزاد: يتعدى إلى مفعولين، أحدهما:
الياء، وثانيهما: شغفا. وهجر: فاعل زادني. وتراخى: ماض، معناه: تطاول وامتدّ.
والأجل هنا: المدّة. [شرح المغني/ 3/ 14].

236 - لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت … حمامة في غصون ذات أوقال
من قصيدة لأبي قيس بن الأسلت الأوسي، الجاهلي، عاصر الإسلام، واختلف في إسلامه. وهو هنا يتحدث عن ناقته. الشّرب: مفعول به، و «غير»: فاعله بني على الفتح. وقوله: في غصون: بمعنى «على»، وذات: صفة لغصون بالجرّ. والأوقال: جمع وقل، وهو ثمر الدوم إذا يبس. يريد: أن الناقة ما منعها من الشرب إلا صوت الحمامة، فنفرت، ومراده أنها حديدة النفس يخامرها فزع وذعر؛ لحدة نفسها، وذلك محمود فيها.
[الخزانة/ 3/ 406، وشرح المغني/ 3/ 395].

237 - وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني … ثوبي فأنهض نهض الشّارب الثّمل
للشاعر عمرو بن أحمر من شعراء العصر الأموي، من أبيات وصف بها الشيخوخة، وضعف الحواس، وعجز القوى، ولكن قافية الأبيات رائية، وآخره «السّكر». والفعل جعلت: من أفعال الشروع. فأنهض: معطوف على يثقلني. والبيت شاهد على أنّ «ثوبي» بدل اشتمال من «تاء» «جعلت». والفعل «يثقلني» خبر للفعل «جعل»، وتقدير «إذا» ظرفية. وإذا قدرنا خبر «جعل» جملة «إذا ما قمت»، تعرب ثوبي فاعلا. [شرح أبيات المغني/ 7/ 213].

238 - ولو نعطى الخيار لما افترقنا … ولكن لا خيار مع الليالي
البيت شاهد على أن «اللام» دخلت بقلّة على جواب «لو» المنفي. [شرح المغني/ 5/ 111].
(2/298)

239 - بكيت وما بكا رجل حزين … على ربعين مسلوب وبال
البيت لابن ميّادة. والربعين: تثنية ربع، وهو المنزل. والمسلوب: الذي سلب بهجته بخلائه من أهله.
والبيت شاهد على أن عطف الصفات المفرقة مع اجتماع منعوتها لا تكون إلا ب «الواو». وذكر سيبويه البيت على أنه يجوز في النعتين: مسلوب وبال، الجرّ، نعتين لربعين، والرفع، لإمكان التبعيض منهما والقطع. والتقدير: أحدهما مسلوب والآخر بال. [شرح المغني/ 6/ 78].

240 - أكلت بنيك أكل الضبّ حتى … وجدت مرارة الكلأ الوبيل
البيت للشاعر أرطاة بن سهيّة. يقوله لرجل طرد بنيه فتفرقوا في البلاد وبقي وحده، فاعتدى الناس عليه، ولم يستطع دفاعا.
والبيت شاهد على أنّ «الأكل» هنا بمعنى العدوان والظلم. [شرح أبيات المغني/ 6/ 134].

241 - لما أغفلت شكرك فاصطنعني … فكيف ومن عطائك جلّ مالي
البيت للنابغة الذبياني، من قصيدة يعتذر فيها للنعمان بن المنذر، وقبله:
فلا عمر الذي أثني عليه … وما رفع الحجيج على ألال
ألال: جبل عند عرفات.
والبيت شاهد على أنّ لام الابتداء دخلت على «ما» النافية؛ لشبهها صورة ل «ما» الموصولة، وهو شاذ. [شرح المغني/ 8/ 56].

242 - أم لا سبيل إلى الشباب وذكره … أشهى إليّ من الرّحيق السّلسل
البيت لأبي كبير الهذلي عامر بن حليس، شاعر صحابي.
والبيت شاهد أنّ «إلى» فيه بمعنى «عند»، أو على تضمين «أشهى» معنى «أقرب».
[شرح أبيات المغني/ 2/ 136].
(2/299)

243 - فأتت به حوش الفؤاد مبطّنا … سهدا إذا ما نام ليل الهوجل
لأبي كبير الهذلي.
وقوله: فأتت به، أي: فولدته. والهوجل: الوخم الثقيل، وأتت به: يعني: أمه.
حوش الفؤاد: وحشي الفؤاد. مبطنا: خميص البطن. سهدا: يقوظا لا ينام. وضمر البطن محمود في الذكور.
والشاهد أنّ إضافة «حوش» إلى الفؤاد، لفظية لا تفيد تعريفا، بدليل أنه حال من «الهاء». [شرح أبيات المغني/ 7/ 98].

244 - ممّن حملن به وهنّ عواقد … حبك النّطاق فشبّ غير مهبّل
حملت به في ليلة مزؤودة … كرها وعقد نطاقها لم يحلل
من قصيدة لأبي كبير الهذلي، وكان قد تزوج أمّ تأبط شرا وكان غلاما صغيرا، فلما رآه كثير الدخول على أمه تنكّر
له، وعرف ذلك أبو كبير في وجهه إلى أن ترعرع الغلام، فقال أبو كبير لأمه: ويحك قد والله رابني أمر هذا الغلام ولا آمنه، فلا أقربك، قالت له:
فاحتل عليه حتى تقتله، فاحتال عليه أبو كبير للخروج إلى الغزو، فخرجا، وأخذ يتحيّن منه غرّة ليقتلة، فلم يستطع، فرجعا إلى الحيّ وترك أبو كبير أمّ تأبط شرا. والقصة إن صدقت، أعظمت في عيني مكانة تأبط شرا، وجعلت منزلة أمّه في الدّرك، وبغّضت أبا كبير الجاهلي، ولا شك أنه بعد إسلامه قد تغيرت طباعه، والقصة قد تصدق فيما قيل عن تأبط شرا، وما زال هذا الشعور موجودا في الأبناء، فهم لا يريدون أن يروا غير أبيهم في البيت، ولا تصدق فيما قيل عن أمّ تأبط شرّا؛ لأنّ حبّ الأم المتعة لا يجعلها تقتل ابنها. وقوله: ممن حملن: النون ضمير النساء، وقال: «به» فردّ الضمير على لفظ «من»، ولو ردّ على المعنى لقال: «بهم».
وعدى «حمل» ب «الباء»، وهو متعد بنفسه؛ لأنه ضمّنه معنى «حبلت». وعواقد: جمع عاقدة. والحبك: جمع حباك - بكسر أوله - ما يشد به النطاق مثل «التكة». والنطاق: شقة تلبسها المرأة وتشدّ وسطها ثم ترسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة، والأسفل ينجرّ على الأرض. والمهبّل: المثقل باللحم، وقيل: المعتوه. يتحدث عن تأبط شرّا، يقول: إن أمه حملت به وهي تخدم، وكانت العرب تستحب أن تطأ النساء وهنّ متعبات أو فزعات؛
(2/300)

ليغلب ماء الرجل فيجيء الولد مذكّرا، فوصف أنها حبلت به وهي عاقدة حبك النطاق.
وقيل: المعنى: إنه من الفتيان الذين حملت بهم أمهاتهم وهنّ غير مستعدات للفراش، فنشأ محمودا مرضيا. وحكى عن بعضهم: إذا أردت أن تنجب المرأة، فأغضبها عند الجماع؛ ولذلك يقال في ولد المذعورة: إنه لا يطاق، قال الشاعر:
تسنّمها غضبى فجاء مسهّدا … وأنفع أولاد الرجال المسهّد
وليلة مزؤودة: ذات فزع، فمن نصب مزؤودة، فإنما أراد المرأة، ومن خفض أراد الليلة.
والشاهد في البيت الأول: تضمين «حملت» معنى «حبلت»، فتعدى بحرف الجرّ.
[شرح أبيات المغني/ 8/ 82، وسيبويه/ 1/ 56، والانصاف/ 489، وشرح المفصل/ 6/ 74، والأشموني/ 2/ 299، والحماسة/ 87].

245 - استغن ما أغناك ربّك بالغنى … وإذا تصبك خصاصة فتجمّل
من قصيدة لعبد قيس بن خفاف، في المفضليات، والأصمعيات، وهو شاعر جاهلي، واختلط بعض أبيات القصيدة
بأبيات قصيدة للحارثة بن بدر الغداني، في أمالي الشريف المرتضى، والأخير عاصر النبي عليه السّلام وهو صبيّ، وليس بصحابي. والبيت شاهد على أن «إذا» لا تجزم إلا في الشعر كما في البيت، ولكن ابن مالك يرى جواز جزمها في النثر، وجعل منه قوله عليه السّلام لعلي وفاطمة: «إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعا وثلاثين». وابن مالك رحمه الله على حقّ فيما قال، فهو أول من نبه إلى ضرورة الاستشهاد بالحديث الشريف في النحو، مع عدم الالتفات إلى من قال: إن الحديث مرويّ بالمعنى، وجلّ رواته من العجم، ولا شكّ أن نصوص الحديث الصحيحة، خير من عشرات الشواهد الشعرية المجهولة القائل. [المفضليات/ 385، والهمع/ 206، وشرح المغني/ 2/ 222].

246 - يغشون حتى ما تهرّ كلابهم … لا يسألون عن السواد المقبل
البيت لحسان بن ثابت في مدح الغساسنة، وذكروه شاهدا على أن «حتى» فيه ابتدائية، لذلك ارتفع الفعل؛ لأنها دخلت على جملة، ولو كانت الجارة، لانتصب الفعل. [شرح المغني/ 3/ 124].
(2/301)

247 - زعم العواذل أنني في غمرة … صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي
لم يعرف قائله. وهو شاهد على أن قوله: «صدقوا» ... الخ، استئناف بياني، كأنه قيل: هل صدقوا، فقال: صدقوا، والغمرة - بالفتح - الشدّة. [شرح المغني/ 6/ 180].

248 - ذاك الذي وأبيك تعرف مالك … والحقّ يدفع ترّهات الباطل
قاله جرير من مقطوعة هجا بها يحيى بن عقبة الطهوي، وكان يروى عليه شعر الفرزدق.
وقوله: ذاك الذي، ذاك: إشارة للفرزدق، مبتدأ، والذي: خبره. وجملة «تعرف مالك» من الفعل والفاعل: صلة «الذي»، والعائد محذوف، أي: تعرفه مالك، وأنّث «تعرف»؛ لأنه أراد ب «مالك»: القبيلة.
وقوله: والحقّ يدفع، يعني: أن الفرزدق في اتصافه بما ذكرته من المناقب الجليلة هو الحق الذي يهشم دفاع الباطل، وهو مع كونه كذا، فقد قتلته بهجوي، فكيف حالكم عندي.
والبيت شاهد على أنّ جملة «وأبيك» القسمية، اعترض بها بين الموصول وصلته.
[شرح أبيات المغني/ 6/ 214، والهمع/ 1/ 88، والخصائص/ 1/ 336].

249 - ومنهل وردته عن منهل … قفر به الأعطان لم تسهّل
رجز ينسب إلى عبد الله بن رواحة، وينسب الجزء الأول للعجاج.
ومنهل: ورب منهل. والأعطان: جمع عطن - بفتحتين -، وهو مبرك الإبل حول الحوض.
وقوله: «لم تسهل» يريد: توعرت وصارت فيها الحجارة.
والشاهد: أن «عن» في البيت بمعنى «بعد». [شرح أبيات المغني/ 3/ 293].

250 - وبدّلت والدهر ذو تبدّل … هيفا دبورا بالصّبا والشّمأل
من أرجوزة لأبي النجم العجلي. وبدّلت: بالبناء للمجهول، ونائب الفاعل ضمير
(2/302)

الريح. والهيف: ريح تهبّ بين الجنوب والدبور، وهي حارة. والدبور: ريح تهب من ناحية المغرب. والصبا: من المشرق.
وقوله: بالصبا: أي: ذهبت ريح الصّبا والشمأل، وهبت علينا الهيف والدبور، ف «الباء» دخلت على المتروك.
والشاهد أنه فصل بجملة «والدهر ذو تبدّل» بين الفعل ومفعوله؛ لتسديد الكلام وتوكيده. [شرح أبيات المغني/ 6/ 185، والهمع/ 1/ 248].

251 - كلّ امرئ مصبّح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله
رجز للحكيم بن الحارث بن نهيك النهشلي، شاعر جاهلي، وتمثل بالرجز أبو بكر - رضي الله عنه - عند ما أصيب بحمى المدينة أول الهجرة.
وهو شاهد على أن «كل» معناها بحسب ما تضاف إليه. ومعنى «مصبّح» أي: مصاب بالموت صباحا، أو يقال له وهو مقيم بأهله: صبّحك الله بالخير، وقد يفجؤه الموت في بقية النهار. والمعنى: إن الموت أقرب إلى الشخص من شراك نعله لرجله. [شرح أبيات المغني/ 4/ 194].

252 - تساور سوّارا إلى المجد والعلا … وفي ذمّتي لئن فعلت ليفعلا
قالته ليلى الأخيلية في هجائها للنابغة الجعدي. وتساور: تواثب وتغالب. والسّوّار:
الطّلاب لمعالي الأمور المتجه بنفسه إليها. عنت به سيدا من أهلها كان النابغة قد عارضه مفاخرا له.
والشاهد: «ليفعلا»، بالنون الخفيفة المبدلة ألفا. [سيبويه/ 2/ 151، والعيني/ 1/ 569].

253 - قروم تسامى عند باب دفاعه … كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا
قاله النابغة الجعدي. وصف قوما اجتمعوا لدى باب ملك محجّب؛ للتخاصم، وجعل دفاع الحجاب لمن وقفوا وحجبوا شبيها بأن يؤخذ الرجل الكريم ثم يقتل. والقروم:
السادة. تسامى، أي: تتسامى وترتفع، بمعنى يفخر بعضهم على بعض.
والشاهد: حذف «ما» ضرورة من قوله: «كأن تؤخذ»، والتقدير «كما أنه». وقيل:
(2/303)

«كأن» هنا الناصبة للمضارع، بدليل العطف على الفعل بعدها بالنصب في قوله: «فيقتلا».
وقيل: «فيقتلا» منصوب بعد «فاء» السببية في الإيجاب. [سيبويه/ 1/ 470].

254 - فقال: امكثي حتى يسار لعلنا … نحجّ معا قالت: أعاما وقابله
طلب منها الانتظار حتى يوسر فيستطيع الحج، فأنكرت ذلك وقالت: أأنتظر هذا العام والعام القابل.
والشاهد: في «يسار» إذ عدلت عن «الميسرة». [سيبويه/ 2/ 39، وشرح المفصل/ 4/ 55، والهمع/ 1/ 29، واللسان «يسر»].

255 - أتتني سليم قضّها بقضيضها … تمسّح حولي بالبقيع سبالها
قاله الشماخ بن ضرار. وسليم: قبيلة امرأته، وكان قد ضربها وكسر يدها فشكاه قومها إلى عثمان بن عفان، فأنكر ما ادعوا، فأمر كثير بن الصلت أن يستحلفه على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ففعل، وسجل ذلك في شعره. ومعنى قضها بقضيضها: منقضا آخرهم على أولهم. والسبال: جمع سبلة، مقدم اللحية، وكانوا إذا تأهبوا للكلام، مسحوا لحاهم، ولا سيما عند التهديد والوعيد. والبقيع: موضع مقبرة المدينة النبوية.
والشاهد: نصب «قضّها» على الحال مع أنه معرفة؛ لأنه مصدر منبئ عن فعل.
[سيبويه/ 1/ 188، واللسان «قضض»، والخزانة/ 3/ 194].

256 - كذبتك عينك أم رأيت بواسط … غلس الظلام من الرّباب خيالا
قاله الأخطل. كذبتك عينك: خيّل إليك. ثم رجع عن ذلك، فقال: أم رأيت بواسط، وواسط: مكان بين البصرة والكوفة.
والشاهد: إتيانه ب «أم» منقطعة بعد الخبر، ويجوز أن تحذف «ألف» الاستفهام ضرورة؛ لدلالة «أم» عليها، والتقدير: أكذبتك عينك أم رأيت. [سيبويه/ 1/ 484، وشرح أبيات المغني/ 1/ 235].

257 - إنّ لكم أصل البلاد وفرعها … فالخير فيكم ثابتا مبذولا
غير معروف.
(2/304)

والشاهد: نصب «ثابت» على الحالية، والجار والمجرور هو خبر «الخير»، ولو رفع «ثابت» على الخبرية، لجاز.
[سيبويه/ 1/ 262].

258 - إنّ محلّا وإنّ مرتحلا … وإنّ في السّفر ما مضى مهلا
قاله الأعشى، أي: إنّ لنا محلا في الدنيا، أي: حلولا، وإن لنا مرتحلا، أي:
ارتحالا عنها إلى غيرها، وهو الموت أو الآخرة. والسّفر: المسافرون، أي: من رحلوا عن الدنيا. والمهل: الإبطاء. والمراد: عدم الرجوع. يقول: في رحيل هؤلاء إبطاء وعدم عودة.
والشاهد: حذف خبر «إنّ» لقرينة علم السامع في: «إنّ محلا وإنّ مرتحلا».
[سيبويه/ 1/ 284، والخصائص/ 2/ 273، وشرح المفصل/ 1/ 103، وشرح أبيات المغني/ 2/ 161].

259 - على أنني بعد ما قد مضى … ثلاثون للهجر حولا كميلا
يذكّرنيك حنين العجول … ونوح الحمامة تدعو هديلا
البيتان للعباس بن مرداس .. والعجول: كصبور، الواله التي فقدت ولدها؛ لعجلتها في ذهابها وجيئتها جزعا، تقال للنساء وللإبل كما هنا. والهديل: صوت الحمامة.
يقول: إذا حنت واله من الإبل، أو ناحت حمامة، رقّت نفسي فكنت منك على تذكار.
والشاهد في البيت الأول: وهو الفصل بين «ثلاثين» و «حولا» بالمجرور ضرورة. وهذا تقوية لجواز الفصل بين «كم» وتمييزها عوضا لما منعته من التصرف في الكلام بالتقديم والتأخير، فهي واجبة التقديم أما «الثلاثون» ونحوها، فلما لها من التصرف بالتقديم والتأخير وفقدان الصدارة، وجب اتصال التمييز بها إلا في الضرورة. [سيبويه/ 1/ 292، والإنصاف/ 308، وشرح المفصل/ 4/ 130، وشرح أبيات المغني/ 7/ 203].

260 - ألام على لوّ ولو كنت عالما … بأذناب لوّ لم تفتني أوائله
قاله أبو زبيد. و «أذناب لو»، يعني: أواخرها وعواقبها. يقول: إني ألام على التمنّي فأتركه لذلك، مع أن كثيرا من الأماني ما يصدق، فلو أيقنت بصدق ما أتمناه، لأخذت في أوائله، وتعلقت بأسبابه.
(2/305)

والشاهد: تضعيف «لو» حين جعلت اسما، وذكر «لو» حملا على معنى الحرف.
[سيبويه/ 2/ 33، وشرح المفصل/ 6/ 31، والهمع/ 1/ 5].

261 - فيا لك من دار تحمّل أهلها … أيادي سبا بعدي وطال احتيالها
قاله ذو الرّمة. تحمل أهلها: ارتحلوا. والمراد ارتحلوا متفرقين في كل وجه. طال احتيالها: طال مرور الأحوال
والسنين عليها فتغيرت.
والشاهد: «أيادي سبا» حيث أضاف «أيادي» إلى «سبا» ونونها كما يقال في معد يكرب، وكان حق «الياء» أن تكون مفتوحة، لكنهم سكنوها استخفافا كما سكنت ياء «معد يكرب» والأكثر في هذا التركيب، أن يكون مركبا كالأعداد المركبة، ويعرب حالا.
[سيبويه/ 2/ 54، واللسان «يدي، وحول»].

262 - في فتية كسيوف الهند قد علموا … أن هالك كلّ من يحفى وينتعل
قاله الأعشى، يذكر نداماه ويشبههم بسيوف الهند في مضائها، وأنهم يبادرون اللذات قبل أن يحين الأجل الذي يدرك كل الناس.
والشاهد: إضمار اسم «أن» المخففة، والتقدير: أنه هالك. [سيبويه/ 1/ 282، والخصائص/ 2/ 441، والإنصاف/ 199، وشرح المفصل/ 8/ 74].

263 - أأن رأت رجلا أعشى أضرّ به … ريب المنون ودهر مفسد خبل
قاله الأعشى. وريب المنون: صرفه وما يريب منه. والمنون: الدهر. والخبل:
الشديد الفساد. والشاهد: حذف الجار قبل «أن» أي: ألأن.
[سيبويه 1/ 476، والإنصاف/ 327، وشرح المفصل/ 3/ 83].

264 - وما صرفتك حتى قلت معلنة … لا ناقة لي في هذا ولا جمل
قاله الراعي النميري. وعجز البيت مثل يضرب عند التبرّي من الأمر، والتخلي عنه.
والشاهد: رفع ما بعد «لا» على الابتداء والخبر؛ وذلك لتكرارها، ولو نصب على الإعمال، لجاز والرفع أكثر؛ لأن ذلك جواب لمن قال: ألك في هذا ناقة أو جمل، فقلت: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، فجرى ما بعد «لا» في الجواب مجراه في السؤال.
(2/306)

[سيبويه/ 1/ 354، وشرح المفصل/ 2/ 111، والأشموني/ 2/ 11].

265 - أمّلت خيرك هل تأتي قواعده … فاليوم قصّر عن تلقائك الأمل
البيت للراعي. يقول: كنت آمل من خيرك، وأترقب في لهفة ما هو أقلّ مما حصلت عليه الآن عند لقائك، فقد أعطيتني فوق ما كنت آمل.
والشاهد: في «تلقائك» بالكسر، بمعنى اللقيان. والمطرد في المصادر إذا بنيت للمبالغة بزيادة «التاء» أن تأتي
على تفعال بفتح التاء، نحو: التقتال، والتضراب، إلا التلقاء والتبيان فإنهما شذا، فأتيا بالكسر تشبيها لهما بالأسماء غير المصادر نحو:
التمساح، والتّقصار، وهو القلادة. [سيبويه/ 2/ 245].

266 - كم نالني منهم فضلا على عدم … إذ لا أكاد من الإقتار أحتمل
قاله القطامي.
والشاهد: نصب «فضلا» على التمييز، حين فصل بينها وبين «كم» الخبرية بفاصل.
[سيبويه/ 1/ 195، والإنصاف/ 305، وشرح المفصل/ 4/ 129، والهمع/ 1/ 255، والأشموني/ 4/ 82].

267 - إذ هي أحوى من الرّبعيّ حاجبه … والعين بالإثمد الحاريّ مكحول
قاله طفيل الغنويّ. أحوى: يعني ظبيا أحوى، أراد من ذلك الجنس، وما نتج في الربيع أحسن ذاك وأفضله، وهو الذي في لونه سفعة، شبه صاحبته بها. والرّبعي: ما نتج في الربيع. والعين، أي: وعينه. ف «أل»: بدل من الضمير. والحاريّ: المنسوب إلى الحيرة على غير قياس.
والشاهد: تذكير «مكحول»، وهو خبر عن «العين» المؤنثة ضرورة؛ لأن العين بمعنى الطرف، وهو مذكر. [سيبويه/ 1/ 240، والإنصاف/ 775، وشرح المفصل/ 10/ 18].

268 - ولا تشتم المولى وتبلغ أذاته … فإنك إن تفعل تسفّه وتجهل
قاله جرير. والمولى هنا: ابن العم. والأذاة: الأذى. وسفهه: نسبه إلى السفه، وهو الجهل وخفة الحلم.
(2/307)

والشاهد: جزم «تبلغ»؛ لأنه داخل في النهي. [سيبويه/ 1/ 425، وشرح المفصل/ 7/ 33].

269 - ومالكم والفرط لا تقربونه … وقد خلته أدنى مردّ لعاقل
منسوب إلى عبد مناف بن ربع الهذلي. والفرط: طريق بتهامة. يقول: قد عجزتم أن تقربوا هذا المكان، ولو قربتموه، لمنعتكم منه وقتلتكم. وخلته: علمته. والعاقل:
المتحصّن في المعقل، يعني أنّ هذا المكان يرد عن المتحصن فيه أعداءه.
والشاهد: نصب «الفرط»، والتقدير: مالكم وقربكم الفرط، أو وملابستكم الفرط.
[سيبويه/ 1/ 155، ومعجم البلدان «الفرط»].

270 - فمالك والتّلدّد حول نجد … وقد غصّت تهامة بالرّجال
قاله مسكين الدارمي. والتلدد: الذهاب والمجيء حيرة. غصت: تملأت. يقول:
مالك تقيم بنجد، وتتردد فيها مع جدبها وتترك تهامة وقد غصت بمن فيها؛ لخصبها وطيبها.
والشاهد: نصب «التلدد» بتقدير الملابسة. [سيبويه/ 1/ 155، والأشموني/ 2/ 126،

271 - أراني - ولا كفران لله - إنّما … أواخي من الأقوام كلّ بخيل
قاله كثير عزّة. والكفران: جحود النعمة. جعل تعلقه بالنساء خاصة وهنّ موسومات بالبخل على الرجال، حكما عاما في مواخاته لكل بخيل مبالغة، كأنه لا يواخي غيرهن.
والشاهد: كسر «إنما»، لوقوعها موقع الجملة النائبة عن المفعول الثاني.
[سيبويه/ 1/ 466، والخصائص/ 1/ 338، وشرح المفصل/ 8/ 55، والهمع/ 1/ 247].

272 - وما أنا للشيء الذي ليس نافعي … ويغضب منه صاحبي بقؤول
قاله كعب الغنوي. وتقديره: وما أنا بقؤول للشيء غير النافع، ولأن يغضب منه صاحبي، أي: لست بقؤول لما يؤدي إلى غضبه؛ لأنه لا يقول الغضب، وإنما يقول ما يؤدي إلى الغضب. ويجوز: «ويغضب» عطفا على صلة الذي، وهو أظهر وأحسن.
(2/308)

فالنصب في: «ويغضب» بإضمار «أن» بعد الحرف العاطف. [سيبويه/ 1/ 426، وشرح المفصل/ 7/ 36، والأصمعيات/ 76].

273 - لما تمكّن دنياهم أطاعهم … في أيّ نحو يميلوا دينه يمل
قاله عبد الله بن همّام السّلولي، يصف رجلا اتّصل بالسلاطين، فأضاع دينه في اتباع أمرهم ولزوم طاعتهم. وتمكن دنياهم، أي: من دنياهم. فحذف حرف الجرّ ووصل.
ويجوز أن تكون «دنياهم» فاعلا ل «تمكن»، وذكّر الفعل لجعل الدنيا في معنى الزمان والحال.
والشاهد: دخول حرف الجرّ على «أيّ» - وهي للجزاء - لم يغيرها عن عملها.
[سيبويه/ 1/ 442، والأشموني/ 4/ 10، واللسان «مكن»].

274 - ثلاثة أنفس وثلاث ذود … لقد جار الزمان على عيالي
قاله الحطيئة، يأسى على ثلاث ذود له، أي: نوق كان يتقوت بألبانها ويقوم بها على عياله، فضلت عنه فقال هذا. والذّود: اسم واحد مؤنث منقول من المصدر يقع على الجمع، فيضاف العدد إليه كما يضاف إلى الجموع.
والشاهد: «في ثلاثة أنفس»، حيث أنث «الثلاثة» مع أن النفس مؤنثة، وذلك لأنه حملها على معنى الشخص المذكر. [سيبويه/ 2/ 175، والإنصاف/ 10/ 77، والهمع/ 1/ 253، والأشموني/ 4/ 63].

275 - وأنت مكانك من وائل … مكان القراد من است الجمل
قاله الأخطل. وائل: قبيلة كعب بن جعيل التغلبي، الذي يهجوه الأخطل. والقراد:
دويبة تعض الإبل. جعل مكانه من وائل شبيها بمكان القراد في است الجمل في الخسة والدناءة.
والشاهد فيه: رفع «مكان» الثاني؛ لأنه خبر عن الأول لا ظرف له. ولو جعل الآخر ظرفا، جاز، ولكن الشاعر رفع؛ لأنه أراد أن يشبه مكانه بذلك المكان.
[الخزانة/ 1/ 460، و 3/ 50، والمقتضب/ 4/ 350، والمؤتلف/ 84].

276 - أنصب للمنية تعتريهم … رجالي أم هم درج السيول
(2/309)

قاله ابن هرمة. يقول باكيا على قومه؛ لكثرة من فقد منهم. والنصب: بالضم، أي:
الشيء المنصوب. وتعتريهم: تغشاهم. ودرج السيول: الموضع الذي ينحدر فيه السيل إلى آخره حتى يستقرّ. والمعنى: كأنهم كانوا في ممرّ السيل فاجترفهم.
والشاهد: نصب «درج السيول» على الظرف. وزعم يونس أن أناسا يقولون: «هم درج السيول»، بالرفع. [سيبويه/ 1/ 206، والخزانة/ 1/ 424].

277 - إني بحبلك واصل حبلي … وبريش نبلك رائش نبلي
قاله امرؤ القيس. وراش السهم: ركّب فيه الريش، والنبل: السهام، لا واحد له من لفظه. يقول لها: أمري من أمرك وهواي من هواك، وهذان مثلان ضربهما للمودة والمواصلة.
وشاهده: تنوين «واصل»، و «رائش»، ونصب ما بعدهما تشبيها بالفعل المضارع؛ لأنهما في معناه ومن لفظه، فجريا مجراه في العمل، كما جرى مجراهما في الإعراب.
[سيبويه/ 1/ 83].

278 - إنّي انصببت من السماء عليكم … حتى اختطفتك يا فرزدق من عل
قاله جرير، يهجو الفرزدق. ومعناه: أخذتك أخذ مقتدر ظاهر عليك. يريد: غلبته إيّاه في الشعر.
والشاهد: أن «عل» بمعنى «فوق». [سيبويه/ 2/ 309].

279 - ما إن يمسّ الأرض إلا منكب … منه وحرف السّاق طيّ المحمل
قاله أبو كبير الهذلي. ما إن، إن: زائدة لتوكيد النفي. نعت رجلا بالضمر، فشبهه في طيّ كشحه وإرهاف خلقه بالمحمل، وهو حمالة السيف، ويقول: إنه إذا اضطجع، لم يمس الأرض إلا منكبه وحرف ساقه؛ لأنه خميص البطن
فلا ينال بطنه الأرض.
والمنكب: مجتمع رأس العضد والكتف.
والشاهد فيه: نصب «طيّ المحمل» بإضمار فعل دلّ عليه قوله: ما إن يمس الأرض إلا منكب منه وحرف الساق؛ لأن هذا القول يدل على أنه طوي طيّا. [سيبويه/ 1/ 180، والإنصاف/ 230، والأشموني/ 1/ 121، والخصائص/ 2/ 309].
(2/310)

280 - الحرب أول ما تكون فتيّة … تسعى ببزّتها لكلّ جهول
قاله عمرو بن معد يكرب. وفتيّة: بضم الفاء، تصغير فتاة، أي: تبدأ صغيرة ثم تذكو ويشتد ضرامها. والبزة: بالكسر: اللباس، يعني: أن الحرب تغرّ من لم يجربها حتى يدخل فيها فتهلكه.
والشاهد: رفع «أول» ونصب «فتيّة» والعكس، ورفعهما جميعا، ونصبهما على تقديرات مختلفة: فتقدير الأول: الحرب أول أحوالها إذا كانت فتيّة، ف «فتيّة» فيه حال ناب مناب الخبر للمبتدأ الثاني. وتقدير الثاني: الحرب في أول أحوالها فتيّة، ف «أول» نصب على الظرفية. [سيبويه/ 1/ 200، والحماسة/ 252، 368].

281 - ويأوي إلى نسوة عطّل … وشعث مراضيع مثل السّعالي
قاله أمية بن أبي عائذ الهذلي. وصف صائدا يسعى لعياله، فيعزب عن نسائه في طلب الوحش، ثم يأوي إليهنّ. والسعالي: جمع سعلاة، وهي الغول، تشبه فيها المرأة القبيحة الوجه.
والشاهد: عطف «شعث» على «عطّل» ب «الواو» لا «الفاء»؛ لأن «الفاء» تفيد التفرقة ورواه سيبويه أيضا بالنصب «شعثا» على أنه منصوب على الترحم.
والبيت من قصيدة عدتها ستة وسبعون بيتا، مطلعها الشاهد التالي، وأمية، شاعر اسلامي مخضرم. وفي الأغاني، أنه أموي، وفد على عبد العزيز بن مروان بمصر، وطال مقامه عنده، وكان يأنس به، فتشوق إلى البادية وإلى أهله، فأذن له ووصله. فدلّ بفعله هذا، على أنه شاعر أصيل؛ حيث فضل أهله وباديته على ترف الحاضرة، وأعطى مثلا لحبّ الوطن، ولو كان بادية.
[سيبويه/ 1/ 199، 250، وشرح المفصل/ 2/ 18، والأشموني/ 3/ 69، والخزانة/ 2/ 426].

282 - ألا يا لقوم لطيف الخيال … أرّق من نازح ذي دلال
قاله أمية بن أبي عائذ الهذلي. والطيف: ما يطيف بالإنسان في نومه من خيال من يهوى. ونازح: بعيد. والدلال: الجرأة في غنج، والبيت مطلع القصيدة.
(2/311)

والشاهد فيه: فتح «اللام» الأولى وكسر الثانية فرقا بين المستغاث به والمستغاث من أجله. [الخزانة/ 2/ 429، وسيبويه/ 1/ 319].

283 - وأكذب النّفس إذا حدّثتها … إنّ صدق النّفس يزري بالأمل
قاله لبيد بن ربيعة. قالوا: ومن الأفعال الجامدة «كذب» التي تستعمل للإغراء بالشيء والحثّ عليه، ويراد بها الأمر به ولزومه وإتيانه، لا الإخبار عنه، ومنه قولهم: كذبك الأمر، وكذب عليك، يريدون الإغراء به والحمل على إتيانه، أي: عليك به فالزمه وائته، وقولهم: كذبك الصيد، أي: أمنك، فارمه، وأصل المعنى: كذب فيما أراك وخدعك ولم يصدقك، فلا تصدقه فيما أراك، بل عليك به والزمه وائته، ثم جرى هذا الكلام مجرى الأمر بالشيء والإغراء به والحث عليه والحضّ على لزومه وإتيانه من غير التفات إلى أصل المعنى؛ لأنه جرى مجرى المثل، والأمثال لا يلاحظ فيها أصل معناها وما قيلت بسببه، وإنما يلاحظ فيها المعنى المجازي الذي نقلت إليه. وهذا الكلام إما من قولهم: كذبته عينه، أي: أرته ما لا حقيقة له. وإما من قولهم: «كذب نفسه، وكذبته نفسه»، إذا غرّها أو غرّته، وحدثها أو حدثته بالأماني البعيدة.
ومعنى البيت: نشطها وقوّها ومتنها، ولا تثبطها، فإنك إن صدقتها، أي: ثبطتها وفترتها، كان ذلك داعيا إلى عجزها وكلالها وفتورها خشية التعب في سبيل ما أنت تريده. [الحماسة/ 148، والخزانة/ 5/ 112].

284 - حجبت تحيّتها فقلت لصاحبي … ما كان أكثرها لنا وأقلّها
البيت شاهد على زيادة «كان» بين «ما» وفعل التعجب.

285 - أقيم بدار الحزم ما دام حزمها … وأحر إذا حالت بأن أتحوّلا
البيت لأوس بن حجر.
والبيت شاهد على الفصل بين فعل التعجب «أحر» والمتعجب منه بالظرف «إذا»، وهو هنا ظرف محض لم يتضمن معنى الشرط، ومتعلق بآخر. [الأشموني/ 3/ 24، والعيني/ 3/ 659، والتصريح/ 2/ 90].

286 - فنعم ابن أخت القوم غير مكذّب … زهير حسام مفرد من حمائل
(2/312)

البيت من قصيدة أبي طالب عمّ النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وفي البيت شاهد على فاعل «نعم» المضاف إلى اسم أضيف إلى مقترن ب «أل»، وهذه القصيدة تطول في بعض
المراجع، وتقصر في بعضها، وهي في السيرة النبوية لابن هشام تزيد على ثمانين بيتا، ومهما كان الأمر، فإن أصل القصيدة صحيح، لما روى البخاري في صحيحه (ك 15) عن عبد الله بن دينار قال: سمعت عبد الله بن عمر يتمثل بشعر أبي طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... البيت. وعن سالم عن أبيه ربّما ذكرت قول الشاعر - وأنا أنظر إلى وجه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب -:
وأبيض يستسقى ... البيت.
وهو قول أبي طالب، وهذا يدلّ على صحة نسبة القصيدة، أو بعضها إلى أبي طالب، وإذا كنا لا نملك سندا صحيحا لبقية أبيات القصيدة، فإننا نقرر أن أبا طالب لم يقتصر على هذا البيت من القصيدة، وإنما قال مجموعة من أبياتها، ونرى أن الصحيح والمنحول من أبياتها صحيح المعنى، بل كلّ ما قيل في مدح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوافق صفاته النبوية الشريفة، ولا يصدق مدح في مخلوق، كما يصدق في محمد صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنه الإنسان الذي اختاره الله للنبوة والرسالة، وأكمل له خلقه وخلقه، وقد قال أبو طالب هذه القصيدة عند ما حصر المشركون بني هاشم وبني عبد المطلب في الشّعب، قال ابن كثير: وهي قصيدة بليغة جدا، لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى، وقد أحببت أن أورد منها أبياتا مختارة مشروحة، محبّة في النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فاخترت ما اختاره منها البغدادي في خزانة الأدب، مع شرحه وإعرابه، وهذا هو المختار كما أثبته البغدادي: [الخزانة/ 2/ 59].

287 - خليليّ ما أذني لأوّل عاذل … بصغواء في حقّ ولا عند باطل
بصغواء: خبر «ما» النافية. وهي حجازية؛ ولذا زيدت «الباء»، والصغّو: الميل، وأصغيت إلى فلان: إذا ملت بسمعك نحوه. ولأوّل عاذل: متعلّق ب «صغواء»، و «في حقّ» متعلق ب «عاذل»، أي: لا أميل بأذني لأوّل عاذل في الحق، وإنما قيّد العاذل بالأوّل؛ لأنه إذا لم يقبل عذل العاذل الأوّل، فمن باب أولى أن لا يقبل عذل العاذل الثاني، فإنّ النفس
(2/313)

إذا كانت خالية الذهن، ففي الغالب أن يستقرّ فيها أول ما يرد عليها.

288 - خليليّ إن الرأي ليس بشركة … ولا نهنه عند الأمور البلابل
أراد أن الرأي الجيد يكون بمشاركة العقلاء، فإن لم يتشاركوا - بأن كانوا متباغضين -، لم ينتج شيئا. والرأي ما لم يتخمّر في العقول كان فطيرا. والنهنه: بنونين وهاءين كجعفر المضيء والنيّر الشفّاف الذي يظهر الأشياء على
جليّتها وأصله: الثوب الرقيق النسج، ومن شأنه أن لا يمنع النظر إلى ما وراءه، وهو معطوف على شركة. والبلابل: إمّا جمع بلبلة بفتح الباءين، أو جمع بلبال بفتحهما، وهما بمعنى الهمّ ووساوس الصدر، كزلازل جمع زلزلة وزلزال بالفتح، وهو إما على حذف مضاف أي: ذات البلابل، أو إنها بدل من الأمور.

289 - ولمّا رأيت القوم لاودّ عندهم … وقد قطّعوا كلّ العرى والوسائل
أراد بالقوم: كفار قريش. والعرا: جمع عروة، وهي معروفة، وأراد بها هنا: ما يتمسّك به من العهود مجازا مرسلا. والوسائل: جمع وسيلة، وهي ما يتقرّب به.

290 - وقد صارحونا بالعداوة والأذى … وقد طاوعوا أمر العدوّ المزايل
صارحونا: كاشفونا بالعداوة صريحا، والصّراحة وإن كانت لازمة لكنها لمّا نقلت إلى باب المفاعلة تعدّت. والمزايل: اسم فاعل من زايله مزايلة وزيالا: فارقه وباينه، وإنما يكون العدوّ مفارقا، إذا صرّح بالعداوة فلا تمكن العشرة. ومن قال: المزايل: المعالج، وظنّه من المزاولة لم يصب.

291 - وقد حالفوا قوما علينا أظنّة … يعضّون غيظا خلفنا بالأنامل
حالفوا قوما: مثل «صارحونا» في أنه كان لازما وتعدّى إلى المفعول بنقله إلى باب المفاعلة. والتحالف: التعاهد والتعاقد على أن يكون الأمر واحدا في النّصرة والحماية، وبينهما حلف، أي: عهد، والحليف: المعاهد. و «علينا»: متعلق ب «حالفوا». والأظنّة: جمع ظنين، وهو الرجل المتّهم، والظنّة: - بالكسر - التّهمة، والجمع الظّنن، يقال منه: أظنّة وأظنّة بالطاء والظاء إذا اتّهمه. قال الشاطبي في شرح الألفية: «أفعلة قياس في كل اسم مذكر رباعي فيه مدة ثالثة، فهذه أربعة أوصاف معتبرة، فإن كان صفة لم يجمع قياسا على أفعلة، فإن جاء عليه، فمحفوظ لا يقاس عليه، قالوا في شحيح: أشحّة، وفي ظنين:
(2/314)

أظنّة. قال تعالى: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ. [الأحزاب: 19]، وقال أبو طالب (وأنشد هذا البيت):

292 - صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة … وأبيض عضب من تراث المقاول
الصّبر: الحبس. والسّمراء: القناة. والسّمحة: اللّدنة اللينة التي تسمح بالهزّ والانعطاف. والأبيض: السيف. والعضب: القاطع. والمقاول: جمع مقول بكسر الميم، الرئيس، وهو دون الملك، كذا في المصباح عن ابن الأنباري. وقال السّهيلي في الروض الأنف: أراد بالمقاول آباءه، شبههم بالملوك ولم يكونوا ملوكا ولا كان فيهم ملك، بدليل حديث أبي سفيان حين قال له هرقل: هل كان في آبائه من ملك؟ فقال: لا. ويحتمل أن يكون هذا السيف من
هبات الملوك لأبيه؛ فقد وهب ابن ذي يزن لعبد المطلب هبات جزيلة حين وفد عليه مع قريش يهنّئونه بظفره بالحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعامين.

293 - وأحضرت عند البيت رهطى وإخوتي … وأمسكت من أثوابه بالوصائل
الوصائل: ثياب مخطّطة يمانية، كان البيت يكسى بها.

294 - قياما معا مستقبلين رتاجه … لدى حيث يقضي حلفه كلّ نافل
الرتاج: الباب العظيم، وهو مفعول مستقبلين. والنافل: فاعل من النافلة. وهو التطوّع.

295 - أعوذ بربّ الناس من كلّ طاعن … علينا بسوء أو ملحّ بباطل
ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة … ومن ملحق في الدين ما لم نحاول
ملحّ: اسم فاعل من ألحّ على الشيء، إذا أقبل عليه مواظبا. والمعيبة: العيب والنقيصة. ونحاول: نريد.

296 - وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه … وراق لبرّ في حراء ونازل
ثور: معطوف على «ربّ الناس»، وهو و «ثبير» و «حراء»: جبال بمكة. والبرّ: خلاف الإثم، وهو رواية ابن إسحاق وغيره. وروى ابن هشام: «ليرقى» وهو خطأ؛ لأن الراقي لا
(2/315)

يرقى، وإنما هو لبرّ أي: في طلب برّ، أقسم بطالب البرّ بصعوده في حراء؛ للتعبّد فيه، وبالنازل منه.

297 - وبالبيت حقّ البيت من بطن مكّة … وبالله، إنّ الله ليس بغافل
وبالحجر الأسود إذ يمسحونه … إذا اكتنفوه بالضّحى والأصائل
قال السهيلي: «وقوله بالحجر الأسود» فيه زحاف يسمى الكفّ، وهو حذف النون من مفاعيلن، وهو بعد «الواو» من الأسود. والأصائل: جمع أصيلة، والأصل: جمع أصيل؛ وذلك لأن فعائل جمع فعيلة. والأصيلة: لغة معروفة في «الأصيل» انتهى. وهو ما بعد صلاة العصر إلى الغروب.

298 - وموطئ إبراهيم في الصّخر رطبة … على قدميه حافيا غير ناعل
موطئ إبراهيم عليه السّلام: هو موضع قدمه حين غسلت كنّته رأسه وهو راكب، فاعتمد بقدمه على الصخرة حين أمال رأسه ليغسل، وكانت سارة قد أخذت عليه عهدا حين استأذنها في أن يطالع ما تركه بمكّة، فحلف لها أنه لا ينزل عن دابّته، ولا يزيد على السّلام واستطلاع الحال غيرة من سارة عليه من هاجر، فحين اعتمد على الصخرة ألقى الله فيها أثر قدمه آية. قال تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ. [آل عمران: 97]، أي: منها مقام إبراهيم. ومن جعل «مقام
إبراهيم» بدلا من «آيات» قال: المقام، جمع مقامة. وقيل: بل هو أثر قدمه حين رفع القواعد من البيت وهو قائم عليه.

299 - وأشواط بين المروتين إلى الصفا … وما فيهما من صورة وتماثل
هو جمع تمثال، وأصله تماثيل، فحذف الياء.

300 - ومن حجّ بيت الله من كلّ راكب، … ومن كلّ ذي نذر، ومن كل راجل
فهل بعد هذا من معاذ لعائذ … وهل من معيذ يتّقي الله عادل
المعاذ بالفتح: اسم مكان من عاذ فلان بكذا، إذا لجأ إليه واعتصم به. والمعيذ: اسم فاعل من أعاذه بالله، أي: عصمه به. وعادل: صفة معيذ، بمعنى: غير جائر.

301 - يطاع بنا العدا، وودّوا لو أنّنا … تسدّ بنا أبواب ترك وكابل
العدا: بضم العين وكسرها، اسم جمع للعدوّ ضد الصديق، وروي «الأعدا»، وهو جمع
(2/316)

عدوّ. وتسدّ بنا، أي: علينا. والترك وكابل بضم الباء: صنفان من العجم.

302 - كذبتم وبيت الله نترك مكّة … ونظعن إلّا أمركم في بلابل
أي والله لا نترك مكة ولا نظعن منها، لكن أمركم في هموم ووساوس صدر. وروي:
(في تلاتل) بالمثناة الفوقية، جمع تلتلة، وهو الاضطراب والحركة.

303 - كذبتم وبيت الله نبزى محمدا … ولمّا نطاعن دونه ونناضل
الواو: للقسم، ونبزى: جواب القسم على تقدير لا النافية، فإنها يجوز حذفها في الجواب كقوله تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا. [يوسف: 85]، أي: لا تفتؤ. ونبزى بالبناء للمفعول، أي: نغلب ونقهر عليه، يقال: أبزى فلان بفلان إذا غلبه وقهره، كذا في الصحاح. فهو بالباء والزاي المنقوطة. ومحمدا: منصوب بنزع الباء. ولما: نافية جازمة، والجملة المنفية حال من نائب فاعل «نبزى». والطعن يكون بالرمح، والنضال يكون بالسهم.

304 - ونسلمه حتّى نصرّع حوله … ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ونسلمه بالرفع: معطوف على «نبزى»، أي: لا نسلمه، من أسلمه بمعنى سلّمه لفلان، أو من أسلمه بمعنى خذله. ونصرّع ونذهل بالبناء للمفعول. والحلائل: جمع حليلة، وهي الزوجة.
قال ابن هشام في السيرة: قال عبيدة بن الحارث بن المطّلب لمّا أصيب في قطع رجله يوم بدر: أما والله لو أدرك
أبا طالب هذا اليوم، لعلم أني أحقّ بما قال منه حيث يقول:
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... البيت وما بعده.

305 - وينهض قوم في الحديد إليكم … نهوض الروايا تحت ذات الصّلاصل
وينهض بفتح الياء: وهو منصوب معطوفا على نصرّع، والنهوض في الحديد عبارة عن لبسه واستعماله في الحرب. والروايا: جمع راوية، وهو البعير أو البغل أو الحمار الذي يستقى عليه. وذات الصلاصل: هي المزادة التي ينقل فيها الماء، وتسميها العامة الراوية، والصّلاصل: جمع صلصلة بضم الصادين، وهي بقيّة الماء في الإداوة. يريد: أن الرجال
(2/317)

- مثقلين بالحديد - كالجمال التي تحمل المياه مثقلة، شبّه قعقعة الحديد بصلصلة الماء في المزادات.

306 - وحتّى نرى ذا الضغن يركب ردعه … من الطّعن فعل الأنكب المتحامل
نرى بالنون: من رؤية العين. والضّغن بالكسر: الحقد. وجملة «يركب»: حال من مفعول «نرى». يقال للقتيل: ركب ردعه، إذا خرّ لوجهه على دمه. والرّدع: بفتح الراء وسكون الدال، اللّطخ والأثر من الدم والزعفران. «ومن الطعن» متعلّق ب «يركب».
والأنكب: المائل إلى جهة، وأراد: كفعل الأنكب، في الصحاح: «والنكب»، بفتحتين:
داء يأخذ الإبل في مناكبها فتظلع منه وتمشي منحرفة، يقال: نكب البعير بالكسر ينكب نكبا فهو أنكب. وهو من صفة المتطاول الجائر. والمتحامل بالمهملة: الجائر والظالم.

307 - وإنّا لعمر الله إن جدّ ما أرى … لتلتبسن أسيافنا بالأماثل
عمر الله: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: قسمي، وجملة «لتلتبسن»: جواب القسم، والجملة القسمية خبر «إن».
وقوله: «إن جدّ»، إن: شرطيّة، وجدّ: بمعنى لجّ ودام وعظم. وما: موصولة، وأرى: من رؤية البصر، والمفعول محذوف وهو العائد، وجواب الشرط محذوف وجوبا؛ لسدّ جواب القسم محلّه. والالتباس: الاختلاط والملابسة، و «النون» الخفيفة للتوكيد، وأسيافنا: فاعل تلتبس. والأماثل: الأشراف، جمع أمثل. والمعنى: إن دام هذا العناد الذي أراه تنل سيوفنا أشرافكم.

308 - بكفّي فتى مثل الشهاب سميدع … أخي ثقة حامي الحقيقة باسل
بكفّي: تثنية كفّ، و «الباء» متعلقة بقوله: تلتبس. وقد حقّق الله ما تفرّسه أبو طالب يوم بدر.
وقوله: مثل الشهاب، يريد أنه شجيع لا يقاومه أحد في الحرب، كأنه شعلة نار يحرق من يقرب منه. والسّميدع بفتح
السين؛ وضمّها خطأ، وبفتح الدال المهملة وإعجامها لا أصل له، خلافا لصاحب القاموس؛ ومعناه: السيّد الموطّأ الأكناف.
قال المبرّد في أول الكامل: «معنى موطّأ الأكناف»: أن ناحيته يتمكّن فيها صاحبها غير
(2/318)

مؤذى ولا ناب به موضعه. والتوطئة: التذليل والتمهيد، يقال: دابّة وطيء افتى، وهو الذي لا يحرّك راكبه في مسيره، وفراش وطيء، إذا كان وثيرا لا يؤذي جنب النائم عليه.
قال أبو العباس: حدّثني العباس بن الفرج الرياشيّ، قال: حدثني الأصمعي، قال:
قيل لأعرابيّ، وهو المنتجع بن نبهان: ما السّميدع؟ فقال: السيّد الموطأ الأكناف. وتأويل الأكناف: الجوانب، يقال في المثل: فلان في كنف فلان، كما يقال: فلان في ظلّ فلان، وفي ذرا فلان، وفي حيّز فلان». انتهى.
والثقة: مصدر وثقت به أثق بكسرهما، إذا ائتمنته. والأخ يستعمل بمعنى الملازم والمداوم. والحقيقة: ما يحقّ على الرجل أن يحميه. والباسل: الشجيع الشديد الذي يمتنع أن يأخذه أحد في الحرب، والمصدر البسالة، وفعله بسل بالضم. وأراد بصاحب هذه الصفات الفاضلة: محمّدا صلّى الله عليه وسلّم.

309 - وما ترك قوم لا أبا لك سيّدا … يحوط الذّمار غير ذرب مواكل
ما: استفهامية تعجبيّة مبتدأ عند سيبويه وترك: خبر المبتدأ، وعند الأخفش بالعكس.
وقوله: لا أبالك، يستعمل كناية عن المدح والذم، ووجه الأوّل: أن يراد نفي نظير الممدوح بنفي أبيه، ووجه الثاني: أن يراد أنّه مجهول النسب. والمعنيان محتملان هنا.
والسّيد: من السيادة، وهو المجد والشرف، وحاطه يحوطه حوطا: رعاه. وفي الصحاح: وقولهم فلان حامي الذمار، أي: إذا ذمر وغضب حمى، وفلان أمنع ذمارا من فلان، ويقال: الذّمار ما وراء الرجل مما يحقّ عليه أن يحميه؛ لأنهم قالوا: حامي الذمار كما قالوا: حامي الحقيقة. وسمي ذمارا؛ لأنه يجب على أهله التذمر له، وسمّيت حقيقة؛ لأنه يحقّ على أهلها الدفع عنها، وظلّ يتذمر على فلان: إذا تنكّر له وأوعده، والذّرب: بفتح الذال المعجمة وكسر الراء - لكنّه سكّنه هنا - وهو الفاحش البذّي اللسان.
والمواكل: اسم فاعل من واكلت فلانا مواكلة، إذا اتّكلت عليه واتّكل هو عليك، ورجل وكل بفتحتين، ووكلة كهمزة، وتكلة، أي: عاجز يكل أمره إلى غيره ويتّكل عليه.

310 - وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
أبيض: معطوف على سيّد المنصوب بالمصدر قبله، وهو من عطف الصفات التي موصوفها واحد، هكذا أعربه الزركشي في نكته على البخاريّ المسمّى بالتنقيح لألفاظ
(2/319)

الجامع الصحيح، قال: لا يجوز غير هذا، وتبعه ابن حجر في فتح الباري، وكذلك الدمامينيّ في تعليق المصابيح على الجامع الصحيح، وفي حاشيته على مغني اللبيب أيضا. وزعم ابن هشام في المغني: أن أبيض مجرور بربّ مقدرة وأنّها للتقليل.
والصواب الأوّل: فإن المعنى ليس على التنكير، بل الموصوف بهذا الوصف واحد معلوم، والأبيض هنا: بمعنى الكريم. قال السّمين في عمدة الحافظ: عبّر عن الكرم بالبياض، فيقال: له عندي يد بيضاء، أي: معروف، وأورد هذا البيت، والبياض أشرف الألوان، وهو أصلها؛ إذ هو قابل لجميعها، وقد كنى به عن السّرور والبشر، وبالسّواد عن الغمّ، ولما كان البياض أفضل الألوان قالوا: البياض أفضل، والسواد أهول، والحمرة أجمل، والصفرة أشكل.
ويستسقى: بالبناء للمفعول؛ والجملة صفة أبيض. والثّمال: العماد والملجأ والمطعم والمغني والكافي. والعصمة: ما يعتصم به ويتمسّك. قال الزركشيّ: يجوز فيهما النصب والرفع. والأرامل: جمع أرملة، وهي التي لا زوج لها؛ لافتقارها إلى من ينفق عليها، وأصله من أرمل الرجل: إذا نفد زاده وافتقر، فهو مرمل. وجاء أرمل على غير قياس، قال الأزهريّ: لا يقال للمرأة أرملة إلّا إذا كانت فقيرة، فإن كانت موسرة، فليست بأرملة، والجمع أرامل، حتى قيل رجل أرمل إذا لم يكن له زوج، قال ابن الأنباري:
وهو قليل؛ لأنه لا يذهب بفقد امرأته، لأنها لم تكن قيّمة عليه، وقال ابن السكيت:
الأرامل: المساكين، رجالا كانوا أو نساء.
قال السهيلي في الروض الأنف: «فإن قيل: كيف قال أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه، ولم يره قطّ استسقي به، إنّما كانت استسقاءاته عليه الصلاة والسّلام بالمدينة في سفر وحضر، وفيها شوهد ما كان من سرعة إجابة الله له؟ فالجواب: أن أبا طالب قد شاهد من ذلك في حياة عبد المطّلب ما دلّه على ما قال». انتهى.
وردّه بعضهم بأن قضيّة الاستسقاء متكرّرة؛ إذ واقعة أبي طالب كان الاستسقاء به عند الكعبة، وواقعة عبد المطّلب كان أوّلها أنهم أمروا باستلام الركن، ثم بصعودهم جبل أبي قبيس؛ ليدعو عبد المطلب ومعه النبي صلّى الله عليه وسلّم ويؤمّن القوم، فسقوا به.
قال ابن هشام في السيرة: «حدثني من أثق به قال: أقحط أهل المدينة فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فشكوا ذلك إليه، فصعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المنبر فاستسقى، فما لبث أن جاء من
(2/320)

المطر ما أتاه أهل الضواحي يشكون منه الغرق، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم حوالينا ولا علينا»! فانجاب السحاب عن المدينة فصار حواليها كالإكليل، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسرّه». فقال له بعض أصحابه (وهو علي رضي الله عنه):
كأنك أردت يا رسول الله قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه .. البيت.
قال: «أجل»!. انتهى.
وبتصديق النبي صلّى الله عليه وسلّم كون هذا البيت لأبي طالب - وعليه اتفق أهل السير - سقط ما أورده الدّميري في شرح المنهاج في باب الاستسقاء عن الطبراني وابن سعد: أن عبد المطّلب استسقى بالنبي صلّى الله عليه وسلّم فسقوا؛ ولذلك يقول عبد المطلب فيه يمدحه:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه .. البيت.
قال ابن حجر الهيثمي في شرح الهمزيّة: «وسبب غلط الدّميريّ في نسبة هذا البيت لعبد المطلب: أن رقيقة (براء مضمومة وقافين) بنت أبي صيفيّ بن هاشم، وهي التي سمعت الهاتف في النوم أو في اليقظة - لما تتابعت على قريش سنون أهلكتهم - يصرخ:
يا معشر قريش، إن هذا النبيّ المبعوث قد أظلّتكم أيامه، فحيّهلا بالحيا والخصب، ثم أمرهم بأن يستسقوا به. وذكر كيفيّة يطول ذكرها. فلما ذكرت الرواية في القصّة أنشأت تمدح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأبيات آخرها:
مبارك الأمر يستسقى الغمام به … ما في الأنام له عدل ولا خطر
فإنّ الدّميري لما رأى هذا البيت في رواية قصّة عبد المطلب التي رواها الطبراني - وهو يشبه بيت أبي طالب؛ إذ في كلّ استسقاء الغمام به - توهّم أن بيت أبي طالب لعبد المطلب. وإنما هو لرقيقة المذكورة. والحكم عليه بأنه عين المنسوب لأبي طالب ليس كذلك، بل شتّان ما بينهما. فتأمّل هذا المحلّ فإنه مهمّ. وقد اغترّ بكلام الدّميريّ من لا خبرة له بالسير». انتهى.

311 - يلوذ به الهلّاك من آل هاشم … فهم عنده في رحمة وفواضل
يلوذ: صفة أخرى لموصوف «سيد». والهلاك: الفقراء والصعاليك الذين ينتابون الناس
(2/321)

طلبا لمعروفهم من سوء الحال، وهو جمع هالك، قال جميل:
أبيت مع الهلّاك ضيفا لأهلها … وأهلي قريب موسعون ذوو فضل
وقال زياد بن حمل:
ترى الأرامل والهلّاك تتبعه … يستنّ منه عليهم وابل رذم

312 - جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا … عقوبة شر عاجلا غير آجل
نوفل هو ابن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ، وهو ابن العدويّة، وكان من شياطين قريش، قتله علي بن أبي طالب يوم بدر.

313 - بميزان قسط لا يخسّ شعيرة … له شاهد من نفسه غير عائل
بميزان: متعلّق بجزى الله. والقسط بالكسر: العدل. وخسّ يخسّ من باب ضرب، إذا نقص وخفّ وزنه، فلم يعادل ما يقابله. وله، أي: للميزان، شاهد أي: لسان من نفسه، أي: من نفس القسط غير عائل: صفة شاهد أي: غير مائل، يقال: عال الميزان يعول، إذا مال. كذا في العباب، وأنشد هذا البيت كذا:
بميزان صدق لا يغلّ شعيرة … له شاهد ... البيت

314 - ونحن الصّميم من ذؤابة هاشم … وآل قصيّ في الخطوب الأوائل
الصميم: الخالص من كل شيء. والذؤابة: الجماعة العالية، وأصله: الخصلة من شعر الرأس.

315 - وكلّ صديق وابن أخت نعدّه … لعمري، وجدنا غبّه غير طائل
الغبّ بالكسر: العاقبة. ويقال: هذا الأمر لا طائل فيه، إذا لم يكن فيه غناء ومزيّة؛ مأخوذ من الطّول بمعنى الفضل.

316 - سوى أن رهطا من كلاب بن مرّة … براء إلينا من معقّة خاذل
قال السهيلي: «يقال قوم براء بالضم، وبراء بالفتح، وبراء بالكسر. فأما براء بالكسر:
فجمع برئ مثل كريم وكرام، وأما براء: فمصدر مثل سلام، و «الهمزة» فيه وفي الذي قبله لام الفعل، ويقال: رجل براء، ورجلان براء، وإذا كسرتها أو ضممت، لم يجز إلّا في
(2/322)

الجمع، وأما براء بضم الباء فالأصل فيه: برآء مثل كرماء، واستثقلوا اجتماع الهمزتين فحذفوا الأولى، وكان وزنه فعلاء، فلما حذفوا التي هي «لام» الفعل، صار وزنه «فعاء» وانصرف؛ لأنه أشبه «فعالا». والمعقّة بفتح الميم:
مصدر بمعنى العقوق.

317 - ونعم ابن أخت القوم غير مكذّب … زهير حساما مفردا من حمائل
قال ابن هشام في السيرة: «زهير هو ابن أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب». انتهى.
وزهير: - هو المخصوص بالمدح - مبتدأ، وجملة «نعم ابن أخت القوم»: هو الخبر، وغير مكذّب بالنصب: حال من فاعل نعم، وهو «ابن». ومكذّب: على صيغة اسم المفعول، يقال: كذّبته بالتشديد، إذا نسبته إلى الكذب ووجدته كاذبا، أي: هو صادق في مودّته لم يلف كاذبا فيها. والحسام: السيف القاطع، وهو منصوب على المدح بفعل محذوف، أي: يشبه الحسام المسلول في المضاء. ورواه العيني في شرح شواهد الألفية:
(حسام مفرد) برفعهما، وقال: «حسام صفة لزهير، وقوله: «مفردا من حمائل» صفة للحسام؛ وهذا على تقدير صحّة الرواية خبط عشواء، فإن زهيرا علم وحساما نكرة.
والمفرد: المجرد. والحمائل: جمع حمالة، وهي علاقة السيف، مثل المحمل بكسر الميم، هذا قول الخليل. وقال الأصمعي: حمائل السيف لا واحد لها من لفظها، وإنما واحدها محمل كذا في العباب.
وهذا البيت استشهد به شرّاح الألفية على أنّ فاعل «نعم» مظهر، مضاف إلى ما أضيف إلى المعرّف باللام.

318 - أشمّ، من الشمّ البهاليل ينتمي … إلى حسب في حومة المجد فاضل
الشمم: ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه، وهذا مما يمدح به، وهو أشمّ من قوم شمّ. والبهاليل: جمع بهلول بالضم، قال الصاغاني: والبهلول من الرجال:
الضحّاك، وقال ابن عبّاد: هو الحييّ الكريم. وينتمي: ينتسب. وفاضل بالضاد المعجمة:
صفة حسب.

319 - لعمري، لقد كلّفت وجدا بأحمد … وإخوته دأب المحبّ المواصل
كلّفت بالبناء للمفعول والتشديد: مبالغة كلفت به كلفا، من باب تعب، إذا أحببته
(2/323)

وأولعت به. ووجدا، أي: كلف وجد، يقال: وجدت به وجدا، إذا حزنت عليه، وب «أحمد» متعلّق بكلّفت؛ وهو اسم نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم. ويجوز أن يكون من كلّفته الأمر فتكلّفه، مثل حمّلته فتحمّله وزنا ومعنى مع مشقّة، فوجدا: مفعوله الثاني، وبدون التضعيف متعدّ لواحد، يقال: كلفت الأمر من باب تعب: حملته على مشقّة. وأراد
بإخوته: أولاده جعفرا وعقيلا وعليّا رضي الله عنهم؛ فإن أبا طالب كان عمّ النبي صلّى الله عليه وسلّم، والعمّ أب، فأولاده إخوة النبي صلّى الله عليه وسلّم. ودأب: مصدر منصوب بفعله المحذوف أي ودأبت دأب المحبّ، يقال فلان دأب في عمله، إذا جدّ وتعب.

320 - فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها … وزينا لمن ولّاه ذبّ المشاكل
الذّبّ: الدفع. والمشاكل: جمع مشكلة.

321 - فمن مثله في الناس! أيّ مومّل … إذا قاسه الحكّام عند التفاضل!
«أيّ»: هي الدالة على الكمال، خبر مبتدأ محذوف، أي هو؛ والمؤمّل: الذي يرجى لكلّ خير. والتفاضل بالضاد المعجمة: وهو التغالب بالفضل.

322 - حليم رشيد عادل غير طائش … يوالي إلها ليس عنه بغافل
أي هو حليم. والطّيش: النزق والخفّة ويوالي إلها، أي: يتخذه وليّا، وهو فعيل بمعنى فاعل، من وليه، إذا قام به. ومنه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا. [البقرة: 257].

323 - فأيّده ربّ العباد بنصره … وأظهر دينا حقّه غير ناصل
الحقّ: خلاف الباطل، وهو مصدر حقّ الشيء، من باب ضرب وقتل، إذا وجب وثبت. والناصل: الزائل المضمحلّ، يقال: نصل السهم، إذا خرج منه النصل، ونصل الشعر ينصل نصولا: زال عنه الخضاب.

324 - فو الله، لولا أن أجيء بسبّة … تجرّ على أشياخنا في القبائل
لكنّا اتّبعناه على كلّ حالة … من الدهر جدا غير قول التهازل
تقدم شرحهما أوّلا في شواهد سابقة.

325 - لقد علموا أنّ ابننا لا مكذّب … لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
(2/324)

في النهاية: «يقال عنيت بحاجتك أعنى بها فأنا بها معنيّ، وعنيت بها فأنا عان، والأول أكثر، أي: اهتممت بها واشتغلت»، انتهى. وهو من باب تعب.

326 - فأصبح فينا أحمد في أرومة … يقصّر عنها سورة المتطاول
تنوين «أحمد» للضرورة. والأرومة: بفتح الهمزة وضم الراء المهملة، الأصل، والسّورة بالضم: المنزلة، وبفتح السين: السطوة والاعتداء. والمتطاول: من الطّول بالفتح، وهو الفضل، وهذا بالنسبة إلى المنزلة، أو من تطاول
عليه، إذا قهره وغلبه، وهذا بالنسبة إلى السّطوة.

327 - حدبت بنفسي دونه وحميته … ودافعت عنه بالذّرا والكلاكل
حدب عليه كفرح، وتحدب عليه أيضا بمعنى: تعطّف عليه. وحقيقته جعل نفسه كالأحدب بالانحناء أمامه؛ ليتلقّى عنه ما يؤذيه. ودونه: أمامه. والذّرا بالضم: أعالي الشيء، جمع ذروة بكسر الذال وضمها. والكلاكل: جمع كلكل كجعفر، بمعنى الصدر.

328 - يمينا لأبغض كلّ امرئ … يزخرف قولا ولا يفعل
البيت شاهد على امتناع توكيد الفعل ب «النون» بعد القسم؛ لأنه يدل على الحال، وهو الفعل «أبغض». [الأشموني/ 3/ 215].

329 - أحيا؟ وأيسر ما قاسيت ما قتلا … والبين جار على ضعفي وما عدلا
قاله أبو الطيب المتنبي، والشاهد «أحيا»، حيث حذفت «همزة» الاستفهام، والأصل أحيا؟.

330 - ولبست سربال الشباب أزورها … ولنعم كان شبيبة المحتال
البيت شاهد على زيادة «كان» بين نعم، وفاعلها. [الأشموني/ 1/ 440].

331 - أتوني فقالوا: يا جميل، تبدّلت … بثينة أبدالا، فقلت: لعلّها
جميل بثينة. والأبدال: جمع بدل. والبيت شاهد على حذف خبر «لعلّ».
[الهمع/ 1/ 136، والدرر/ 1/ 113].

332 - وما زلت سبّاقا إلى كل غاية … بها يبتغى في الناس مجد وإجلال
(2/325)

وما قصّرت بي في التسامي خؤولة … ولكنّ عمّي الطيب الأصل والخال
أي: والخال هو الطيب الأصل أيضا. والخؤولة: جمع خال، كالعمومة: جمع عمّ، أو هي على معنى المصدر للخال. ولكنّ: هنا، ليست للاستدراك؛ إذ لا معنى له هنا وإنما هي للتوكيد. والطيب: خبر عن اسم «لكن»، أي: لكن عمي هو الطيب الأصل، والخال كذلك. والمعنى: لم تقصّر بي عن نيل المجد خؤولة ولا عمومة، ولكني أفتخر بنفسي وما أكسبه من الفضائل. يريد أنه حصل له السؤدد من ناحيتين: الأولى: من نفسه، وهي أنه ما زال كثير السبق إلى جميع الغايات التي يطلب بها الشرف في الناس.
[الهمع/ 2/ 144، والأشموني/ 1/ 287].

333 - وبنت كرام قد نكحنا ولم يكن … لنا خاطب إلا السّنان وعامله
البيت شاهد على الاستثناء المنقطع، وأن بني تميم يجيزون البدلية فيه إذا صح تفرغ العامل قبله له وتسلطه عليه. فلو قلت: «ولم يكن لنا إلا السنان وعامله»، صح. ولذلك يعرب «السنان» هنا بدلا من «خاطب». [الأشموني/ 2/ 147، والعيني/ 3/ 110].

334 - حيّتك عزّة بعد الهجر وانصرفت … فحيّ ويحك، من حيّاك يا جمل
ليت التحيّة كانت لي فأشكرها … مكان يا جمل حيّيت يا رجل
يخاطب الشاعر جمله، والمعنى: ليت تحيتها للجمل كانت لي، بأن تقول: مكان حييت يا جمل، حييت يا رجل.
والبيت الثاني شاهد على جواز تنوين المنادى المفرد المبني على الضم في الشعر، وهو قوله: «يا جمل». [شرح المفصل/ 1/ 129، والهمع/ 1/ 173، والأشموني/ 3/ 144].

335 - لو يشأ طار به ذو ميعة … لاحق الآطال نهد ذو خصل
قاله علقمة الفحل. والميعة: النشاط. يريد فرسا. والآطال: جمع إطل، وهو الخاصرة. والخصل: لفائف الشعر.
والبيت شاهد على عمل «لو» الجزم، حيث جاء الفعل «يشأ» مجزوما. [شرح أبيات المغني/ 5/ 105، والهمع/ 2/ 64، والأشموني/ 4/ 14].

336 - إن الكريم، وأبيك يعتمل … إن لم يجد يوما على من يتكل
(2/326)

الراجز لم يعين. وهو شاهد على زيادة «على» للتعويض. قال ابن جني: أراد: «من يتكل عليه»، فحذف «عليه»، وزاد «على» قبل «من» عوضا، ويحتمل أن يكون الكلام تم عند قوله: «إن لم يجد يوما»، ثم قال: على من يتكل، وتكون «من» استفهامية. [سيبويه/ 1/ 443، والخصائص/ 2/ 305، وشرح أبيات المغني/ 3/ 241، والأشموني/ 2/ 222].

337 - لمتى صلحت ليقضين لك صالح … ولتجزينّ إذا جزيت جميلا
البيت شاهد على دخول «اللام» الموطئة للقسم على «متى» الشرطية، بدليل توكيد جواب الشرط بالنون. [الهمع/ 2/ 44، وشرح أبيات المغني/ 4/ 363].

338 - غذوتك مولودا وعلتك يافعا … تعلّ بما أدني إليك وتنهل
لأمية بن أبي الصلت، وقيل: لابن عبد الأعلى، وقيل: لأبي العباس الأعمى.
[الحماسة/ 753].

339 - وما حالة إلا سيصرف حالها … إلى حالة أخرى وسوف تزول
البيت شاهد على أن «السين» مقتطعة من «سوف»، وأن مدة التسويف قد تكون واحدة في الاثنتين؛ لأن العرب عبرت عن المعنى الواحد الواقع في الوقت الواحد ب «سيفعل»، و «سوف يفعل»، كما في البيت. [الهمع/ 2/ 72، والدرر/ 2/ 89].

340 - فما مثله فيهم ولا كان قبله … وليس يكون الدّهر ما دام يذبل
قاله حسان بن ثابت. ويذبل: اسم جبل.
والبيت شاهد على أن «ليس» تنفي المستقبل أيضا، وليست مخصوصة بنفي الحال.
وقد تنفي الماضي أيضا كما حكى سيبويه: «ليس خلق الله مثله». [الهمع/ 1/ 8، والعيني/ 2/ 20].

341 - هيا أمّ عمرو هل لي اليوم عندكم … بغيبة أبصار الوشاة سبيل
البيت شاهد على «هيا»، حرف نداء ينادى بها البعيد مسافة وحكما. [الهمع/ 1/ 172، والدرر/ 148].
(2/327)

342 - لو كان في قلبي كقدر قلامة … حبّا لغيرك ما أتتك رسائلي
البيت شاهد على اسمية «الكاف»، ووقوعها هنا اسما لكان.
والبيت منسوب إلى جميل بثينة، وإلى أبي كبير الهذلي. [الهمع/ 2/ 31، والدرر/ 2/ 29].

343 - فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن … إلا كلمّة بارق بخيال
والبيت شاهد على زيادة الواو في قوله: «فإذا وذلك»، وأصله: فإذا ذلك.
والبيت لابن مقبل. والواو زائدة أيضا في البيت التالي. [الخزانة/ 11/ 58].

344 - فإذا وذلك ليس إلا ذكره … وإذا مضى شيء كأن لم يفعل
والبيت لأبي كبير الهذلي، وهو شاهد على زيادة «الواو» في: «فإذا وذلك».
[الخصائص/ 2/ 171، وديوان الهذليين/ 2/ 100].

345 - ولو كنت تعطي حين تسأل سامحت … لك النفس واحلولاك كلّ خليل
أجل، لا، ولكن أنت أشأم من مشى … وأسأل من صماء ذات صليل
قوله: «واحلولاك»: استحلاه، من الحلاوة، كما يقال: استجاده من الجودة. واحلولت الجارية تحلولي، إذا استحليت واحلولاها الرجل. والصّماء: الأرض، وصليلها: صوت دخول الماء فيها، والأرض الصماء، يتسرب الماء إلى داخلها ولا يؤثر فيها ولا ترتوي.
والبيت الثاني شاهد على أن «أجل» حرف جواب مثل «نعم»، تكون لتصديق الخبر، ولتحقيق الطلب. [المنصف/ 1/ 82].

346 - جزى ربّه عنّي عديّ بن حاتم … جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
نسب إلى أبي الأسود الدؤلي، يهجو عديّ بن حاتم الطائي، وما أظنّه يصحّ، فأبو الأسود رجل صالح، وعديّ بن حاتم صحابي، ولا يكون من أبي الأسود أن يهجو صحابيا، وقيل: للنابغة الجعدي، وقيل لغيرهما.
والشاهد: «ربّه عديّ بن حاتم»، حيث أعاد الضمير من الفاعل المتقدم على المفعول المتأخر، فكان هذا الضمير عائدا على متأخر في اللفظ والرتبة، وهو شاذ عند جمهور
(2/328)

النحاة الذين يعتمدون على الصناعة، ولكنه سائغ لا شذوذ فيه؛ لأن المفعول به كثيرا ما يتقدم على الفاعل، وعلى الفعل أيضا، فرتبته متقدمة في كثير من أحواله. [الخزانة/ 1/ 277].

347 - أيّهذان كلا زاديكما … ودعاني واغلا في من يغل
دعاني: اتركاني. واغلا: الواغل: الرجل الذي يدخل على القوم وهم يشربون من غير أن يدعى. و «يغل» أصله: «يوغل»، فحذف الواو؛ لوقوعها بين الياء المفتوحة والكسر.
مثل (وعد يعد).
والشاهد: «أيهذان»، أيّ: منادى، والهاء: للتنبيه، ذان: مرفوع بالألف، صفة ل «أيّ» المنادى، ونعت «أيّ» المنادى باسم الإشارة الذي للمثنى قليل. وحقه أن ينعت باسم محلى بالألف واللام. [شرح شذور الذهب/ 154، والهمع/ 1/ 175، والدرر/ 1/ 152].

348 - محمّد تفد نفسك كلّ نفس … إذا ما خفت من شيء تبالا
منسوب إلى أبي طالب، أو إلى ابنه علي بن أبي طالب. والتبالا: سوء العاقبة، أو الهلاك. وأصل تائه «واو»، فأصله: الوبال. مثل: تجاه، وتخمة.
والشاهد: «تفد» جاء مجزوما ولم يسبقه جازم، فقدّروا له «لام» الدعاء (الأمر) محذوفة، وأصله: لتفد. وقيل: حذفت «لامه» للضرورة. [الانصاف/ 530، وشرح المفصل/ 7/ 25، وشذور الذهب/ 211، والأشموني/ 4/ 5].

349 - فاليوم أشرب غير مستحقب … إثما من الله ولا واغل
من شعر امرئ القيس. ومستحقب: أصله الذي يجمع حاجاته في الحقيبة والمراد:
غير مكتسب. والواغل: الذي يدخل على القوم وهم يشربون من غير أن يدعى.
والشاهد: «أشرب»، جاء مجزوما بلا جازم، ويروى البيت:
حلّت لي الخمر وكنت امرأ … عن شربها في شغل شاغل
فاليوم أسقى غير مستحقب … إثما من الله ولا واغل
والرواية الأولى، لسيبويه، والرواية الثانية عند المبرّد في «الكامل»، وفي رواية «فاليوم
(2/329)

فاشرب»، وقد قالوا في الردّ على من أنكر على سيبويه روايته: إنّ القياس لا يأبى ذهاب حركة الإعراب في المنقول عن العرب، وقد قرأت القرّاء: ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ. [يوسف: 11] بالادغام، وخط في المصحف ب «نون» واحدة فلم ينكر ذلك أحد، فكما جاز ذهابها للإدغام، فكذا ينبغي أن لا ينكر ذهابها للتخفيف، وقرأ ابن محارب: وبعولتهن أحق بردهن. [البقرة: 228] بإسكان التاء، وقرأ الأعمش: وما يعدهم الشيطان. [النساء: 12] بإسكان الدال. [الخزانة/ 8/ 253، وشرح المفصل/ 1/ 48، وشرح الذهب/ 212].

350 - وما حقّ الذي يعثو نهارا … ويسرق ليله إلا نكالا
يعثو: يفسد. والنكال: العقوبة. والبيت شاهد على عمل «ما» الحجازية إذا انتقض نفيها ب «إلّا». فقوله: «ما» نافية، حقّ: اسمها، ونكالا: خبرها. ومثله قول الشاعر:
وما الدهر إلا منجنونا بأهله … وما صاحب الحاجات إلا معذّبا
والبيت الشاهد للشاعر مغلس بن لقيط الأسدي، شاعر جاهلي. [الهمع ج 1/ 123].

351 - بينما نحن بالأراك معا … إذ أتى راكب على جمله
البيت لجميل العذري.
والشاهد: «بينما»، حيث كفت «ما» «بين» عن الإضافة إلى المفرد، فجاءت بعده الجملة الاسمية (نحن بالأراك). [شرح أبيات المغني/ 5/ 272، والمرزوقي/ 1784].

352 - وكلّ أبيّ باسل غير أنني … إذا عرضت أولى الطرائد أبسل
من لامية العرب للشّنفرى، ولا أعلم من الذي سماها لامية العرب، ولعلّ ذلك كان في وقت متأخر بعد ظهور لامية العجم للطغرائي، والله أعلم.
وقوله: وكلّ أبيّ، أي: كل واحد من الوحش؛ لأنه زعم في قصيدته أنه اتخذ الوحش أهلا له دون أهله من قبيلته.
والأبيّ: الصعب الممتنع. والباسل: الشجاع. وقوله في نهاية البيت: «أبسل»، أفعل تفضيل. والطرائد: جمع الطريدة، والمراد هنا: الفرسان ومطاردة الأقران في الحرب، إذا حمل بعضهم على بعض.
(2/330)

والشاهد: (غير)، على أنها تستعمل في الاستثناء المتّصل. [الخزانة/ 3/ 340].

353 - فإمّا تريني كابنة الرّمل ضاحيا … على رقّة أحفى ولا أتنعّل
البيت غير منسوب. وابنة الرمل: يعني: الناقة، وضاحيا: ملاقيا حرّ الشمس، وعلى رقة: يعني: مع رقة جلد قدمي. والبيت شاهد لمجيء الفعل بعد «إمّا»، غير مؤكد بالنون. [الأشموني ج 3/ 216].

354 - بأوشك منه أن يساور قرنه … إذا شال عن خفض العوالي الأسافل
البيت بلا نسبة في الهمع، وأنشده السيوطي شاهدا لاشتقاق اسم التفضيل من الفعل أوشك، وهو «بأوشك»، والمعروف أن أفعال المقاربة لا يأتي منها إلا الماضي والمضارع.

355 - فإن تبتئس بالشّنفرى أمّ قسطل … لما اغتبطت بالشّنفرى قبل أطول
البيت للشنفرى. وقسطل: الغبار، وأم قسطل: كنية الحرب. واغتبطت: فاعله أم قسطل. وقبل: مبني على الضم، أي: قبل موته. وقوله: لما: ما: مصدرية، مؤولة مع الفعل بالمبتدأ، وأطول: خبره. والتقدير: لزمن اغتباطها بالشنفرى قبل موته، أطول من زمن بؤسها بموته.
والشاهد: «فإن تبتئس»، وهو وقوع المضارع شرطا ل «إن» التي لا جواب لها في الظاهر ضرورة. والقياس: فإن ابتئست، فإن جملة «لما ابتئست»: جواب قسم مقدر، و «لام» التوطئة قبل إن مقدرة، والتقدير: فو الله لئن لم تبتئس، وجواب الشرط محذوف وجوبا مدلول عليه بجواب القسم. وقوله تبتئس بالشنفرى: الباء للسببية، أي: بسبب فراق الشنفرى، وهو صاحب هذه القصيدة التي تسمى لامية العرب. [الخزانة ج 11/ 349].

356 - إني لأمنحك الصّدود وإنني … قسما إليك مع الصّدود لأميل
البيت للأحوص، الأنصاري من قصيدته التي يمدح بها عمر بن عبد العزيز، ومطلعها:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل … حذر العدى وبه الفؤاد موكّل
وزعم الأدباء أن عاتكة التي يتغزل بها، هي عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وهذا كذب؛ لأن الأحوص يقول هذا حوالي سنة مائة، ويزيد توفي حوالي ستين، وينت يزيد لن تكون
(2/331)

محلّ غزل. وقد قال بعضهم: إن رجلا كان ينزل قرى بين الأشراف، كنى عنها بعاتكة، وقيل: عاتكة بنت عبد الله بن يزيد، والحقيقة أنها امرأة في خيال الشاعر واستحسن هذا الاسم، فجعله اسما لها.
والشاهد في البيت: على أنّ «قسما» تأكيد للحاصل من الكلام السابق، بسبب «إنّ» و «اللام»، يعني أن «قسما» تأكيد لما في قوله: (وإنني مع الصدود لأميل إليك)، من معنى القسم لما فيه من التحقيق والتأكيد من «إنّ» و «لام» التأكيد، فلما كان في الجملة منهما تحقيق، والقسم أيضا تحقيق، صار كأنه قال: أقسم قسما. [كتاب سيبويه ج 1/ 190، والخزانة ج 2/ 47، وج 4/ 15، وشرح المفصل ج 1/ 116].

357 - فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب … لعلّك تهديك القرون الأوائل
قاله لبيد بن ربيعة.
والشاهد: رفع الاسم الذي تدخل عليه أداة الشرط على الفاعلية، إذا لم يكن للفعل بعده حاجة إليه. والتقدير في البيت: وإن لم تنتفع بعلمك، لم ينفعك علمك، فلما حذف الفعل، برز الضمير وانفصل. [الأشموني ج 2/ 75، والخزانة ج 3/ 34].

358 - فبادرن الديار يزفن فيها … وبئس من المليحات البديل
البيت لرفاعة الفقعسي، وهو في الهمع ج 2/ 85. وقوله: يزفن: لعلّ معناه:
يسرعن، من وزف يزف، وقرئ: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: 94] بتخفيف «الفاء»، مثل زفّ يزفّ.
والشاهد: الفصل بين «بئس» وفاعلها بمعمول الفاعل، والتقدير: «بئس البديل من المليحات».

359 - أبلغ يزيد بني شيبان مألكة … أبا ثبيت أما تنفكّ تأتكل
البيت للاعشى. في ديوانه، واللسان «ألك»، والخصائص ج 2/ 288. والمألكة:
الرسالة. وقوله في القافية: تأتكل، قال ابن منظور: من الألوك، مقلوب ألك، وأصله تأتلك.

360 - وتشرب أساري القطا الكدر بعد ما … سرت قربا أحناؤها تتصلصل
(2/332)

البيت للشنفرى، من لامية العرب. والأسآر: جمع سؤر، وهو بقية الماء، يريد أنه يسبق القطا إذا سايرها في طلب الماء؛ لسرعته، فترد بعده وتشرب سؤره، مع أن القطا أسرع الطير ورودا. والقطا الكدر: الغبر الألوان. و «قربا»: حال من ضمير «سرت».
والقرب: السير إلى الماء بينك وبينه ليلة، أو سير الليل؛ لورود الماء. وأحناؤها:
جوانبها، و «تتصلصل»: يسمع لها صوت من شدة العطش. [الخزانة ج 7/ 747، والعيني ج 3/ 206].

361 - فعبّت غشاشا ثم مرّت كأنّها … مع الصبح ركب من أحاظة مجفل
للشنفرى من اللامية، بعد البيت السابق. وعبّت: شربت بلا مصّ. وغشاشا: على عجلة. والركب: ركبان من الإبل خاصة. يقول: وردت القطا على عجل، ثم صدرت في بقايا من الظلمة في الفجر، وهذا يدل على قوة سرعتها. ومجفل: مسرع، صفة ثانية لركب، و «من أحاظة»: صفة أولى. وأحاظة: قبيلة من الأزد. وقيل: أحاظة: موضع.
والشاهد: أن اسم الجمع بعضه كالركب يجوز تذكيره وتأنيثه، وفي الشعر جاء مذكرا، فإنه عاد الضمير عليه من «مجفل» بالتذكير، ولو أنّث، لقال: مجفلة. [الخزانة/ ج 7/ 286، وشرح شواهد الشافية/ 148].

362 - زيادتنا نعمان لا تنسينّها … تق الله فينا والكتاب الذي تتلو
للشاعر عبد الله بن همّام السلولي.
والشاهد: «تق الله» يريد: اتق الله. [اللسان «وقى»، والخصائص ج 2/ 286، وج 3/ 89].

363 - وما حالة إلا سيصرف حالها … إلى حالة أخرى وسوف تزول
البيت بلا نسبة في الهمع ج 2/ 72. وأنشده شاهدا لتعاقب «السين» و «سوف» على المعنى الواحد في الوقت الواحد، خلافا للبصريين الذين قالوا: إن زمن المضارع مع «السين» أضيق منه مع «سوف».

364 - جوابا به تنجو اعتمد فوربّنا … لعن عمل أسلفت لا غير تسأل
البيت بلا نسبة في الأشموني ج 3/ 267، والهمع ج 1/ 210، ورواية الشطر الثاني:
«فعن عمل».
(2/333)

والشاهد: «لا غير»، (غير) مبني على الضمّ؛ لانقطاعه عن الإضافة. وفيه ردّ على ابن هشام الذي شرط أن تقع بعد ليس، وأن قول الفقهاء: (لا غير)، لحن. فهذا البيت أنشده ابن مالك شاهدا لصحة البناء بعد «لا» النافية.

365 - يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم … ولا حبال محبّ واصل تصل
البيت غير منسوب. واستشهد به السيوطي على أن الشاعر حذف «بين»، وأقام «قرنا» مكانها، والأصل: «ما بين قرن إلى قدم». [الهمع/ 2/ 131].

366 - ماذا - ولا عتب في المقدور - رمت أما … يكفيك بالنّجح أم خسرو تضليل
البيت في الهمع ج 1/ 88، وأنشده شاهدا لجواز الفصل بين الموصول والصلة بجملة الاعتراض. وهذا على اعتبار
أن «ذا» من «ماذا»، موصولة. ويحتمل أن تكون «ماذا» كلها استفهامية.

367 - فيوما يوافين الهوى غير ماضي … ويوما ترى منهنّ غولا تغوّل
البيت لجرير، من قصيدة يهجو بها الأخطل. ويوافين، أي: يجازين، ويروى أيضا:
(يجازين)، من المجازاة، ويروى: (يجارين)، بالراء المهملة، أي: يجارين الهوى بألسنتهنّ ولا يمضينه.
والشاهد: قوله: (غير ماضي)، حيث حركت «الياء» للضرورة. ويروى: (غير ماصبى)، من صبا يصبو بالصاد المهملة، أي: من غير صبى منهن إليّ. ويبدو أنه هو الصحيح، وأن بعض النحويين حرفوه، وهي رواية ديوانه، وعلى هذا لا شاهد فيه. والغول: أخبث السعالي. وأصل تغوّل: تتغوّل، فحذفت إحدى التاءين، من تغولت الإنسان الغول، أي:
ذهبت به وأهلكته، والمعنى: أنه يصفهن بأنهن يوما يجازين العشاق بوصل متقطّع، ويوما يهلكنهم بالصدود والهجران. [الأشموني ج 1/ 100، وشرح المفصل ج 10/ 101، وكتاب سيبويه ج 2/ 59، وروايته: (فيوما يوافيني الهوى غير ماضي)].

368 - فإن يك من جنّ لأبرح طارقا … وإنّ يك إنسا ماكها الإنس تفعل
البيت للشنفرى من لامية العرب.
وقوله: «فإن يك من جنّ»، اسم «يك» ضمير يعود على الطارق المفهوم من المقام،
(2/334)

والطارق: الذي يأتي ليلا، ومن جنّ: خبره. وقيل: اسمها مضمر فيها، أي: إن كان المرء، ومن جنّ: خبره، أي: جنيّا. و «اللام» في «لأبرح» جواب قسم محذوف، أي:
والله لأبرح، وجوابه أغنى عن جواب الشرط. وطارقا: تمييز. ويجوز أن يكون حالا من الضمير في «أبرح»، وهو الطارق. و «الكاف» يجوز أن تكون اسما، فموضعها نصب ب «تفعل»، أي: ما تفعل الإنس مثلها، والضمير عائد على الفعلة التي وجدت. والإنس:
مبتدأ، وتفعل: خبره.
والبيت شاهد على أن أداة الشرط إذا لم يكن لها جواب في الظاهر، يجب أن يكون شرطها ماضيا لفظا ومعنى، نحو: «أكرمك إن أتيتني»، و «أكرمك إن لم تقطعني». وقد يجيء في الشعر مستقبلا، كما في البيت. [الخزانة ج 11/ 343، والهمع ج 2/ 30، والعيني 3/ 269]. و «أبرح» في البيت: فعل ماض، بمعنى البرح، وهو الشدّة.

369 - ولي دونكم أهلون سيد عملّس … وأرقط زهلول وعرفاء جيأل
من لامية الشنفرى الموسومة بلامية العرب. والخطاب إلى بني قومه. وبدأها بقوله:
أقيموا بني أمّي صدور مطيّكم … فإني إلى قوم سواكم لأميل
ومعنى «أقيموا صدور مطيكم»: يقال: أقام صدر مطيته، إذا جدّ في السير، وكذلك إذا جدّ في أيّ أمر كان. يؤذن قومه بالرحيل، وأن غفلتهم عنه، توجب مفارقتهم. وبني أمي: منادى، وأضاف الأبناء إلى الأم؛ لأنها أشدّ شفقة، كما قيل في قوله تعالى حكاية عن هارون: يَا بْنَ أُمَّ. [طه: 94]، وأميل: بمعنى مائل. وبعد المطلع إلى البيت الشاهد قوله:
فقد حمّت الحاجات والليل مقمر … وشدّت لطيّات مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى … وفيها لمن خاف القلى متحوّل
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ … سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
ولي دونكم ...
فهو يعلم أهله بالرحيل؛ لأنهم لم يؤدوا واجبهم نحوه، ولم يحفظوا له حقّه في المودّة، ويقرر أن في الأرض متسعا للعيش. وفي الأرض أهل يأنس بهم غير أهله ويريد بهم:
وحوش الصحراء. وقوله: ولي دونكم، «دون» بمعنى «غير». ولي: خبر مقدم، وأهلون:
(2/335)

مبتدأ مؤخر، ودون: ظرف، كان صفة ل (أهلون)، فلما تقدم صار حالا منه. وسيد:
خبر مبتدأ محذوف، أي: هم سيد، والسّيد: بكسر السين، مشترك بين الأسد والذئب، ومراده هنا: الذئب؛ ولهذا عينه بالوصف فقال: عملّس، وهو القوي على السير السريع.
وأرقط: ما فيه نقط بياض وسواد، مشترك بين حيوانات، منها النمر والحية، وأراد النمر.
ولهذا وصفه بزهلول، وهو الأملس. والعرفاء: مؤنث الأعرف، ويقال للضبع: عرفاء؛ لكثرة شعر رقبتها، وجيأل: بدل من عرفاء، وهو اسم للضبع، معرفة بلا «ألف» و «لام».
يقول: اتخذت هذه الوحوش أهلا بدلا منكم؛ لأنها تحميني من الأعداء، ولا تخذلني في حال الضيق، وهذا تعريض بعشيرته في أنهم لا حماية لهم كهذه الحيوانات، ولا غيرة لهم على من جاورهم، وأكّد هذا المعنى في البيت التالي بقوله:
هم الأهل لا مستودع السّرّ ذائع … لديهم ولا الجاني بما جرّ يخذل
قلت: وقد لخّص أحدهم ما قاله الشنفرى في البيت:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى … وصوّت رعيان فكدت أطير
قال أبو أحمد: وقصيدة الشنفرى، عجيبة في نسجها، فأنت تقرأ مطلعها وأبياتا بعده فتجدها تسيل عذوبة ورقة وسهولة، وتتدفق عاطفتها، فتأخذ بمجامع القلب المجرّب، فإذا أو غلت في قراءتها، صدمتك بخشونتها وغرابة ألفاظها، وهذه الظاهرة فيها قولان:
الأول: وفيه نحسن الظنّ، وننسب القصيدة إلى صاحبها؛ ذلك أن مطلع القصيدة يعبر الشاعر فيه عن نفسه المتألمة، فهو شعر ذاتي، يقدم لك قطعة من قلب الانسان.
والإنسان إذا تألم، عبّر صادقا، وكان شعره يمثل عاطفته. والعواطف لا يفترق فيها الناس، يستوي فيها الحضري، والبدوي، والمتوحش؛ لأن العواطف أودعها الله في كلّ إنسان. وأما خشونة القسم الثاني من القصيدة، فسببه أنه يصف البيئة البدوية الخشنة بصحرائها، وحيوانها. فهو يصف ما تراه عينه، ويقع ماثلا على الأرض دون أن يمتزج به.
والثاني: ربما كانت المقدمة مصنوعة؛ لأنها أشبه بشعر العصر العباسي، وبقية القصيدة هو الصحيح. وربما كان العكس. ومما شجعني على القول الأخير، أن القالي قال في أماليه: «إن القصيدة المنسوبة إلى الشنفرى التي أولها ... هي من المقدمات في الحسن
(2/336)

والفصاحة والطول. [ج 1/ 156] فقال: (المنسوبة)، ولم يضف القصيدة إلى الشنفرى، والله أعلم بالحقيقة.
والشاهد في البيت: (أهلون)، فقد جمع «أهل» في البيت، جمعا سالما، وإن كان «أهل» في البيت، غير علم لمذكر عاقل، ولا صفة له، لكنه جمعه هذا الجمع؛ لتنزيله هذه الوحوش الثلاثة منزلة الأهل الحقيقي. [شرح المفصل ج 5/ 31، والخزانة ج 8/ 55، وج 3/ 340].

370 - وما قصّرت بي في التّسامي خؤولة … ولكنّ عمّي الطيب الأصل والخال
البيت غير منسوب، وقبله في الروايات:
وما زلت سبّاقا إلى كلّ غاية … بها يبتغى في الناس مجد وإجلال
والخؤولة: بضم الخاء، إما بمعنى المصدر، كالعمومة، أو جمع خال، كالعمومة جمع عمّ. والمعنى: أنه حصل على السؤدد من وجهين: أحدهما: من قبل نفسه، وهو كونه سباقا إلى غاية المفاخر، والآخر: من جهتي أبيه وأمه، وإلى
الثاني أشار بقوله: (خؤولة)، وأما الأول، فلأن في البيت حذفا تقديره: ولا عمومة، يدل على ذلك عجز البيت.
والشاهد: في قوله: والخال، حيث عطف على محل «عمّي»؛ لأنه في الأصل مبتدأ، والتقدير: والخال طيب الأصل كذلك، والدليل على الرفع، القافية، فإنها مرفوعة، وهذا العطف مشروط بأن تستكمل الأداة الناسخة خبرها، والأصل فيه: ل «إنّ»، وحمل عليه «لكنّ». قال ابن مالك:
وجائز رفعك معطوفا على … منصوب إنّ بعد أن تستكملا
وألحقت بأنّ لكنّ وأن … من دون ليت ولعلّ وكأن
[الأشموني ج 1/ 287، والهمع ج 2/ 124].

371 - إنّ الكريم لمن ترجوه ذو جدة … ولو تعذّر إيسار وتنويل
البيت بلا نسبة في [العيني ج 2/ 242، وشواهد التوضيح 152].

372 - صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو … وأقفر من سلمى التعانيق والثقل
(2/337)

البيت مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى، وهي في ديوانه ص 111، وشرح شواهد الشافية/ 233.

373 - أتي الفواحش عندهم معروفة … ولديهم ترك الجميل جميل
نسبه العيني للفرزدق، يذم به قوم الأخطل. يقول: إن إتيان الفواحش عند قوم الأخطل معروف.
والشاهد: في «معروفة»، حيث أنّثها، مع أنها خبر لقوله: «أتي الفواحش»؛ لأنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه. [الأشموني ج 2/ 248].

374 - فما وجد النّهديّ وجدا وجدته … ولا وجد العذريّ قبل جميل
البيت غير منسوب، والنهديّ: المنسوب إلى نهد، وهي قبيلة يمانية.
والشاهد: «قبل»، أراد: «قبلي»، فإنه يروى بحذف «ياء» المتكلم، مكتفيا بالكسرة التي قبلها للدلالة عليها. ويجوز «قبل» بضم «اللام» على حذف المضاف إليه، ونيّة معناه. [الإنصاف ص 545، والهمع ج 2/ 210].

375 - لقد ألّب الواشون ألبا لبينهم … فترب لأفواه الوشاة وجندل
البيت غير منسوب.
والشاهد: «فترب لأفواه». فترب: مبتدأ، و «لأفواه»: خبره. وهو تركيب موضوع في الدعاء، والأكثر فيه «فترب» أن يكون منصوبا بفعل محذوف، فيقال: «تربا لك وجندلا»؛ لأنهم أجروه مجرى المصادر المنصوبة في هذا الأسلوب،
كقولهم: «سقيا ورعيا»، ومع رفعه بقي فيه معنى الدعاء، مثل قولك: (سلام عليك). [كتاب سيبويه ج 1/ 158، وشرح المفصل ج 1/ 122].

376 - لقد لقيت قريظة ما سآها … وحلّ بدارها ذلّ ذليل
البيت منسوب في اللسان وكتاب سيبويه لكعب بن مالك، وهو كذلك في ديوانه، وينسب لحسان بن ثابت في ديوانه. وكثير من الأشعار الي ذكرت في الغزوات النبوية، تنسب لأكثر من شاعر، ولعلهم لم يقولوها، وإنما هي من اختراع الرواة. وقوله:
(2/338)

سآها: قال سيبويه: هو مقلوب (ساءها). وذلّ ذليل: إما أن يكون على المبالغة، وإما أن يكون في معنى مذلّ. [كتاب سيبويه ج 2/ 130، واللسان «سأى، وذلل»].

377 - بها العين والآرام لا عدّ عندها … ولا كرع إلا المغارات والرّبل
البيت لذي الرّمة في ديوانه، وكتاب سيبويه ج 1/ 352. وقوله: «لا عدّ عندها»، العدّ: بكسر العين، ماء الأرض الغزير، وقيل: نبع من الأرض، وقيل: الماء القديم الذي لا ينتزح. والكرع: بفتح الكاف والراء، ماء السماء. والرّبل: ضروب من الشجر، إذا برد الزمان عليها وأدبر الصيف، تفطرت بورق أخضر من غير مطر. يصف فلاة لا ماء بها إلا ما غار من ماء السماء، فالمغارات: جمع مغارة، حيث يغور ماء السماء.
والشاهد: رفع «كرع» عطفا على موضع الاسم المنصوب ب «لا» والتقدير: لا فيها عدّ ولا كرع، ولو نصب حملا على اللفظ، لجاز.
[سيبويه ج 2/ 291، هارون].

378 - علّقتها عرضا وعلّقت رجلا … غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل
البيت للأعشى، وقوله: علقتها عرضا: إذا هوي امرأة، أي: اعترضت له فرآها بغتة، من غير قصد لرؤيتها، فعلقها من غير قصد، وقال ابن السكيت في معنى علقتها عرضا، أي: كانت عرضا من الأعراض اعترضني من غير أن أطلبه، والبيت يتمثل به لمن تحبّه، ثم يقبل على غيرك، ثم يعرض الآخر عنه.

379 - ليت التحيّة كانت لي فأشكرها … مكان يا جمل حيّيت يا رجل
البيت لكثير عزّة: وقوله: فأشكرها: منصوب ب «أن» مضمرة بعد «فاء» السببية؛ لأنه في جواب التمني. و «مكان»: منصوب على الظرفية.
والشاهد: «يا جمل»، حيث نونه مضموما وحقّه البناء على الضم بدون تنوين. ويروى بالنصب، والأول أشهر.
ويا رجل: بضم بلا تنوين، لأنه منادى مفرد معرفة بالقصد (نكرة مقصودة). [الأشموني ج 3/ 144، والهمع ج 1/ 173، والشعر والشعراء ص 418]. وقصة البيت: أن كثيرا مرّ بربع عزّة فقال: السّلام عليك يا عزّة، فقالت: عليك السّلام يا جمل، فقال كثير: يخاطب جمله:
(2/339)

حيّتك عزّة بعد الهجر وانصرفت … فحيّ ويحك من حيّاك يا جمل
لو كنت حيّيتها ما زلت ذا مقة … عندي وما مسّك الإدلاج والعمل
ليت ... الخ، وفي الشعر والشعراء «يا جملا».
قال أبو أحمد: وقصة كثير مع عزّة، جميلة وممتعة من الناحية الفنيّة فقط. وقلت:
من الناحية الفنيّة؛ لأن كثيرا من أخبارهما موضوع وضعا فنيّا، ولا حقيقة له. فإذا مررت أيها القارئ بقصة كثير، وأحببت أن تقضي معها ساعات، فانس أن ذلك تاريخ واقع، وانس أن كثيّرا كان في القرن الأول. وإنما هو كثير كان يعيش في الدنيا. وإذا أسقطها تاريخيا، لا يعني ذلك أنها تسقط أدبيا، بل هي من روائع الأدب، ولا يشترط في الأدب أن يكون واقعا، بل يشترط فيه إمكان وقوعه، ويمثل نماذج إنسانية في مكان ما من العالم، والله أعلم.

380 - ربّاء شمّاء لا يأوي لقلّتها … إلا السحاب وإلّا الأوب والسّبل
البيت آخر قصيدة للمتنخّل الهذلي، رثى بها ابنه.
وقوله: «ربّاء»، صيغة مبالغة على وزن فعّال من ربأ يربأ، إذا صار ربيئة لهم، وربأت القوم، أي: رقبتهم؛ وذلك إذا كنت لهم طليعة فوق شرف. وقيل: من ربأت الجبل، إذا صعدته. وشماء: مؤنث أشم. يريد: هضبة شماء، من الشمم، وهو الارتفاع. وقد أضاف «ربّاء»، إلى «شماء»، كقولنا: «كطلاع أنجد، أو طلاع الثنايا». وضرب ذلك مثلا لمن هو ركّاب للصعاب في الأمور. ويريد ابنه. والقلّة: رأس الجبل، يريد: أنّ هذه الهضبة لا يصل إليها إلا السحاب؛ لارتفاعه.
والأوب: قيل: إنّه النحل حين تؤوب، أي: ترجع، ويروى: «النّوب»، وهو النحل أيضا. وقيل: هو المطر؛ لأنه بخار الماء ارتفع من الأرض، ثم آب إليها؛ وذلك أن العرب كانت ترى أن السحاب يحمل الماء من البحر، ثم يرجعه إليه.
والسّبل: المطر المنسبل، أي: النازل.
والبيت شاهد على أن الموصوف قد يحذف مع قرينة دالة عليه، كما في البيت.
والتقدير: رجل ربّاء هضبة شماء، فحذف الموصوف، وأقيم الوصف مقامه في الموضعين. [شرح المفصل ج 3 /
58، واللسان «أوب» والخزانة ج 5/ 3].
(2/340)

381 - مشغوفة بك قد شغفت وإنّما … حمّ الفراق فما إليك سبيل
البيت غير منسوب. والشاهد «مشغوفة»، حيث وقع حالا من المجرور، وهو «الكاف» في «بك»، وقد منع كثير من النحويين تقدم الحال على صاحبها المجرور، وأجازه ابن مالك، وذكر الأشموني البيت شاهدا لذلك. قال العيني: والتقدير: قد شغفت بك حال كوني مشغوفة، وهو توجيه بارد، وتركيب ركيك. [الأشموني ومعه العيني ج 2/ 177].

382 - مخلّفة لا يستطاع ارتقاؤها … وليس إلى منها النزول سبيل
غير منسوب، وهو في [الأشموني ج 2/ 236، والخصائص ج 2/ 395].
وذكروه شاهدا للفصل بين حرف الجرّ ومجروره، ففصل بين (إلى) و (النزول) بحرف الجرّ والمجرور، «منها». قلت: وهذا شعر لم يقله شاعر، ولا تستقيم اللغة بالتقاط الشواهد لها من أفواه تجّار الكلام، وصنّاع التراكيب.

383 - وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها … فليس إلى حسن الثناء سبيل
البيت للشاعر عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي، شاعر إسلامي. وهو البيت الثاني من قطعة أوردها أبو تمام في الحماسة، ومضى البيت الأول (إذا المرء .. جميل)، يقول: إذا المرء لم يحمل ظلم نفسه عليها، ولم يصبرها على مكارهها، فليس له طريق إلى الثناء الحسن، وهو يشير إلى كظم الغيظ واستعمال الحلم، وترك الظلم والبغي مع ذويه. قال المرزوقي: ويبعد عن طريق المعنى أن يريد بقوله: «ضيمها»، ضيم غيرها لها، فأضاف المصدر إلى المفعول؛ لأن احتمال ضيم الغير لهم يأنفون منه، ويعدونه تذللا.
والشاهد في البيت «وإن هو». قال السيوطي: ويتعين انفصال الضمير في صور.
رابعها: أن يضمر عامله. وذكر شطر البيت. قلت: وهذا على رواية التبريزي، أما الرواية في المرزوقي: (إذا المرء لم يحمل على النفس ضيمها).
قال أبو أحمد: وينسب بعضهم قطعة البيت إلى السموأل بن عاديا اليهودي. وهذا لا يصحّ؛ لأن اليهود ليس من أعرافهم ما جاء في الأبيات. فهو في أول القطعة يدعو إلى الابتعاد عن اللؤم، واليهود يربون أبناءهم على اللؤم. وهو يزعم في بيت من القطعة أنهم لا يرون القتل سبّة، واليهود جبناء. وقالوا: إن السموأل يضرب به المثل في الوفاء.
واليهود لا يعرفون الوفاء، وإنما قامت حياتهم على الغدر؛ لأن الغدر من صفات
(2/341)

الجبناء. وقد ضربوا به المثل بالوفاء؛ لأنه أسلم ابنه حتى قتل ولم يخن أمانته في أدراع أودعها عنده امرؤ القيس. وهذه قصة لم تثبت، وإن ثبتت، فإنه يكون قد رفض تسليم الدروع طمعا فيها؛ لأنه علم بموت امريء القيس، فقتل ابنه من أجل دروع.
فإن كان يهوديا عرقا، فإنه لا يعرف إلا الغدر؛ لأنه من نسل إخوة يوسف، الذين غدروا بأخيهم الأصغر ورموه في البئر، وجلّ بني إسرائيل واليهود من نسل هؤلاء الغادرين، وقلة قليلة جدا من غيرهم، إما أنهم تنصروا، أو أسلموا وتركوا دين بني إسرائيل؛ لأنه يصيبهم بمعرّة، وإن كان عربيا تهوّد، فهو كذلك يكون غادرا، لأنهم يعلمون أبناءهم الغدر، ولا يعيشون إلا به، فيكون اكتسب الغدر بالتربية. [المرزوقي ص 111، والهمع ج 1/ 63].

384 - أنا جدّا جدّا ولهوك يزدا … د إذن ما إلى اتفاق سبيل
الكلام غير منسوب، وهو في الهمع ج 1/ 192. قال السيوطي: من المواضع التي يجب فيها حذف عامل المصدر، ما وقع في توبيخ سواء كان مع استفهام، أم دونه.
ومنها ما وقع تفصيل عاقبة طلب أو خبر. ومنها ما وقع نائبا عن خبر اسم عين بالتكرير.
وذكر البيت شاهدا للتكرير، قال: والتقدير: أجدّ جدا.

385 - فلا وأبيك خير منك إنّي … ليؤذيني التحمحم والصهيل
البيت منسوب لشاعر جاهلي، اسمه شمير بن الحارث الضبي، وقيل: سمير بالسين، والبيت من قطعة نقلها البغدادي عن نوادر أبي زيد، وفيها يذكر الشاعر الخيل، ويذكر حبّه له ورغبته في اقتنائه.
وقوله: «فلا وأبيك». «الكاف»: مكسورة، خطاب لامرأة لامته على حبّ الخيل، و «لا»: نفي لما زعمته المرأة. والواو: للقسم. وجملة: «إني ليؤذيني»: جوابا لقسم، ومعناه: يؤذيني وليس هو لي ملك، أو يؤذيني فقد التحمحم. والتحمحم: صوت الفرس إذا طلب العلف. والصهيل: صوته مطلقا.
والبيت شاهد على أن «خير» بالجر، بدل من «أبيك»، بتقدير الموصوف، أي: رجل خير منك، وهذا البدل، بدل كلّ من كلّ، ومع اعتبار الموصوف، يكون الإبدال جاريا على القاعدة، وهي أنه إذا كان البدل نكرة من معرفة، يجب وصفها، كقوله تعالى:
(2/342)

بِالنَّاصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ. [العلق: 15، 16]، وهذا على رواية الجرّ، وفيه رواية أخرى: وهي رفع «خير»، فمن روى: «خير منك» بالرفع، فكأنه قال: هو خير منك.
[الخزانة ج 5/ 179].

386 - أهاجيتم حسّان عند ذكائه … فغيّ لأولاد الحماس طويل
البيت لحسان بن ثابت. والذكاء: انتهاء السنّ واجتماع العقل، والغيّ: الضلال.
والحماس بالكسر: بطن من بني الحارث بن كعب، وهم رهط النجاشي الذي كان يهاجيه حسان. وهذا البيت من رواية سيبويه، من بحر الطويل. ورواية الديوان، من قطعة من الكامل، وهذه صورته:
هاجيتم حسّان عند ذكائه … غيّ لمن ولد الحماس طويل
والشاهد فيه: رفع «غيّ» على الابتداء، وهو نكرة، لما فيه من معنى الدعاء لو قلت:
«غيّا». [سيبويه/ 1/ 314، هارون].

387 - ألا حبّذا عاذري في الهوى … ولا حبّذا الجاهل العاذل
البيت غير منسوب.
والشاهد: «لا حبذا»، دخلت «لا» على «حبذا» فجعلتها تساوي «بئس» في المعنى والعمل. والفرق بين «بئس»، و «لا حبذا»، أن «لا حبذا»، تفيد الذمّ، وأن المذموم مكروه، أما «بئس»، فتفيد الذمّ فقط، وقل ذلك في الفرق بين «نعم» و «حبذا». [الهمع ج 2/ 89، والعيني 4/ 16].

388 - نحن الفوارس يوم العين ضاحية … جنبي فطيمة لا ميل ولا عزل
البيت للأعشى. وقوله: «يوم العين»، في كتاب سيبويه «يوم الحنو»، وفي رواية أخرى: «يوم اللعن». وفطيمة: امرأة مذكورة في ذلك اليوم، دافع قومها عنها.
والشاهد: «جنبي فطيمة»، نصب جنبي على الظرف، قال السيوطي: الذي يصلح للظرفية، ويتعدى إليه الفعل من الأمكنة أربعة أنواع: الثاني منها: ما لا يعرف حقيقته بنفسه، بل بما يضاف إليه، ك «مكان» و «ناحية»، وك «جنبي» في قوله: (البيت). [الهمع ج 1/ 199، وكتاب سيبويه ج 1/ 202، والنحاس ص 162، والخزانة ج 8/ 398].
(2/343)

389 - بكت عيني وحقّ لها بكاها … وما يغني البكاء ولا العويل
البيت منسوب لشعراء الرسول عليه الصلاة والسّلام الثلاثة، حسان بن ثابت، وعبد الله ابن رواحة، وكعب بن
مالك. وهو من أبيات في رثاء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وبعد البيت:
على أسد الإله غداة قالوا: … أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعا … هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى لك الأركان هدّت … وأنت الماجد البرّ الوصول
عليك سلام ربّك في جنان … مخالطها نعيم لا يزول؟
هذا، وتلاحظ في الأبيات صنعة لا تقع على ألسنة شعراء العهد النبوي الثلاثة، وخذ مثلا: البيت الأخير، قوله: (في جنان مخالطها نعيم لا يزول)، فقوله: «مخالطها»، لا يصح؛ لأن الجنان نعيمها كله لا يزول.
والشاهد في البيت الأول: «بكاها والبكاء». قالوا: إذا مددت البكاء، أردت الصوت الذي يكون مع البكاء، وإذا قصرت، أردت الدموع وخروجها. [اللسان «بكى»، والسيرة النبوية، وشرح شواهد الشافية ص 66، ومجالس ثعلب ص 109].

390 - فما تدوم على حال تكون بها … كما تلوّن في أثوابها الغول
من قصيدة كعب بن زهير، التي قيل إنه أنشدها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المسجد، وليس لهذا الخبر سند صحيح. وهو يصف صاحبته سعاد بأنها لا تدوم على حال بسبب ما جبلت عليه من تلك الأخلاق. وما: نافية، وتدوم: فعل تام. وكما تلون: الكاف: نعت لمصدر محذوف، وما: مصدرية، أي: تتلون سعاد تلونا كتلون الغول. والغول: جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أنها تتراءى للناس في الفلاة، فتتغول تغولا، أي تتلون في صور شتى، وقد أبطل النبي صلّى الله عليه وسلّم زعمهم بقوله: «لا غول»، لا لا تستطيع الغول أن تضل أحدا. [الخزانة ج 1/ 310، والشعر والشعراء، والسيرة النبوية].

391 - السالك الثّغرة اليقظان كالئها … مشي الهلوك عليها الخيعل الفضل
البيت للمنتخل الهذلي، من قصيدة رثى بها ابنه، وقوله: السالك: أي: هو السالك.
ويجوز نصبه على المدح، أي: أعني السالك. والثغرة: الموضع يخاف دخول العدو
(2/344)

منه. وكالئها: حافظها. والهلوك من النساء: التي تتبختر وتتكسر في مشيتها، وقيل: هي الفاجرة التي تتواقع على الرجال. والخيعل: ثوب يخاط أحد شقيه ويترك الآخر.
والفضل: المرأة إذا كان عليها قميص ورداء، وليس عليها إزار ولا سراويل. يقول: هو الذي من شأنه سلوك
موضع المخافة، يمشي متمكنا غير خائف ولا هيوب، كمشي المرأة المتبخترة الفضل. والثغرة: منصوب بالسالك، كقولك: الضارب الرجل، ويجوز خفضها.
واليقظان: صفة «الثغرة» نصبتها أو خفضتها، وارتفع به «كالئها». ومشي: منصوب بتقدير: تمشي مشي الهلوك، وقد ينصب بالسالك؛ لأن السالك يقطع الأرض بالمشي.
والشاهد: «الفضل»، نعت للهلوك على الموضع؛ لأنها فاعلة للمصدر الذي أضيف إليها.
والتقدير: تمشي كما تمشي الهلوك الفضل. وإذا صحّ أن «الفضل»، صفة ل «لخيعل»، فلا شاهد فيه. وحول البيت نقاش نحوي طويل في [الخزانة ج 5/ 12 - 13، وص 101 - 103]، فاحرص على قراءته. [الأشموني والعيني ج 2/ 290، والخزانة كما سبق].
قال أبو أحمد: إن تشبيه الشاعر ابنه الشجاع البطل بالمرأة الهلوك في مشيتها، بعيد عن الذوق. فذاك شجاع لا يدخل الخوف قلبه لشجاعته، ولقدرته على منازلة الأعداء.
وأما الهلوك، فإن شجاعتها مستمدة من كونها خلعت ربقة الحياء، تدلّ بفجورها، والبون بعيد بين الاثنين.

392 - فقلت للركب لمّا أن علا بهم … من عن يمين الحبيّا نظرة قبل
البيت للقطامي. والحبيّا: مكان، قيل: في الشام وقيل: في الحجاز. وقبل:
بفتحتين، أي: مقابلة.
والشاهد: اسمية «عن»، لدخول حرف الجرّ عليها، «من عن يمين ...». [شرح المفصل ج 8/ 41، والخزانة ج 6/ 482]، والبيت من قصيدة في مدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وكان واليا في المدينة لمروان بن محمد.

393 - محا حبّها حبّ الألى كنّ قبلها … وحلّت مكانا لم يكن حلّ من قبل
قاله مجنون ليلى، قيس بن الملوح.
(2/345)

والشاهد: (الألى)، حيث استعمل «الألى» موضع «اللاتي»، وهذا البيت لم يقله مجنون ليلى؛ لأن مجانين بني عذرة لم يحبوا إلا محبوباتهم، ولم يتعلقوا إلا بهنّ، ولم يتزوجوا من قبلهن ولا من بعدهنّ،. فكيف يمحو حبّها (أي: حبّ ليلى) حبّ النساء قبلها. [الأشموني ج 1/ 149].

394 - فإن تبخل سدوس بدرهميها … فإنّ الرّيح طيّبة قبول
البيت للأخطل. وسدوس: قبيلة بخلت على الأخطل بدفع درهمين في حمالة. فقال معاتبا. وعني بقوله: «إن الريح»
.. ، أن قد طاب لي ركوب البحر، والانصراف عنكم مستغنيا عن درهميكم.
والشاهد: منع «سدوس» من الصرف حملا على معنى القبيلة، ورواية الديوان: «فإن تمنع سدوس درهميها»، بالصرف على معنى الحيّ. [سيبويه/ 3/ 248، هارون].

395 - أماويّ إني ربّ واحد أمّه … ملكت فلا أسر لديّ ولا قتل
البيت لحاتم الطائي، وقد روي هذا البيت بقافية «اللام»، كما في الهمع ج 2/ 26، وروي الشطر الثاني أيضا: (قتلت فلا غرم عليّ ولا جدل). والروايتان غير صحيحتين؛ لأن البيت من قصيدة رائية، وقد تكلمنا على البيت في حرف الراء، بقافية: (ولا أسر).

396 - ثلاثة أحباب فحبّ علاقة … وحبّ تملّاق وحبّ هو القتل
البيت غير منسوب، ولكنه مروي في كتب الثقات. يريد: أنه جمع أنواع المحبة؛ حبّ علاقة، وهو أصفى المودة. وحب تملّاق، وهو التودد. وحبّ هو القتل، يريد:
الغلوّ في ذلك.
والشاهد قوله: «تملّاق»، جاء به على «تملق» مطاوع «ملق». [شرح المفصل ج 6/ 47].

397 - فما كان بين الخير لو جاء سالما … أبو حجر إلا ليال قلائل
البيت للنابغة الذبياني. من قصيدة يرثي بها النعمان بن الحارث الغساني. وكان: فعل ناقص. وليال: اسمها. وبين الخير: خبرها، تقديره: ما كان بين الخير وبيني، وفيه الشاهد، حيث حذف فيه المعطوف بالواو. وسالما: حال. وأبو حجر: كنية النعمان، وقلائل بالرفع: صفة ليال. [الأشموني والعيني ج 3/ 116].
(2/346)

398 - فلم يجدا إلّا مناخ مطيّة … تجافى بها زور نبيل وكلكل
399 - ومفحصها عنها الحصى بجرانها … ومثنى نواج لم يخنهنّ مفصل
400 - وسمر ظماء واترتهنّ بعد ما … مضت هجعة عن آخر اللّيل ذبّل
هذه الأبيات الثلاثة، لكعب بن زهير.
وقوله: فلم يجدا، يعني: الغراب والذئب، وقد ذكرهما في قوله قبل ذلك ببيتين:
غراب وذئب ينظران متى أرى … مناخ مبيت أو مقيل لمنزل
يقول: لم يجدا بالمنزل إلا موضع إناخة مطيته، وقد تجافى بها عن أن يمس بطنها الأرض؛ لضمرها. والزور: ما بين ذراعيها من صدرها.
وقوله: ومفحصها: المفحص: موضع فحصها الحصى عند البروك، والفحص:
البحث، أي: تفحص الأرض عنها بجرانها، وهو ما ولي الأرض من عنقها. والمثنى:
موضع الثني، يعني: موضع قوائمها حين ثنيها للبروك.
والنواجي: السريعة. ولم يخنهن مفصل، أي: مفاصلها قوية تمنح أرجلها التماسك والشدة.
والسمر في البيت الثالث: يعني البعر.
وظماء: يابسة؛ وذلك لأن الناقة قد عدمت المرعى الرطب، ولم تشرب الماء أياما؛ لأنها في فلاة.
واترتهنّ: تابعت بينهن عند انبعاثها.
والهجعة: النومة في الليل، يعني: نومة المسافر في آخر الليل.
والذبل: جمع ذابلة، أراد به اليبس أيضا، وهو من صفة السمر.
والشاهد في البيت الثالث: رفع «السمر» حملا على المعنى، كأنه قال: في ذلك المكان كذا وكذا، وكان الوجه النصب، لو أمكنه. وتفسير هذا التخريج: أن الشاعر قال:
فلم يجدا إلا مناخ: مفعول به منصوب.
(2/347)

ومفحصها: معطوف بالنصب.
ومثنى نواج: مثنى معطوف منصوب، ونواج: مضاف إليه. ثم قال: وسمر: بالرفع.
فاقتضى التوجيه؛ لأنه جاء بالقافية «ذبّل» مرفوعة، وهي من صفة «سمر»، فكأنّ الشاعر قطع العطف، واستأنف بقوله: «وسمر»، فقدّر الكلام: «وثمّ سمر ظماء»، أي: وهناك سمر ظماء. [سيبويه/ 1/ 173، هارون].

401 - متى ما يفد كسبا يكن كلّ كسبه … له مطعم من صدر يوم ومأكل
في كتابه سيبويه ج 1/ 396، بدون نسبة. قال هارون: والشاهد فيه: إضمار اسم «يكن»، والتقدير: يكن هو كل كسبه له مطعم ومأكل من صدر يومه، أي: أوله.
[ج 2/ 394، هارون].

402 - ألا قالت أمامة يوم غول … تقطّع يا ابن غلفاء الحبال
ذريني إنّما خطئي وصوبي … عليّ وإنّ ما أنفقت مال
للشاعر أوس بن غلفاء التميمي، شاعر جاهلي. وغول: جبل، ويوم غول: وقعة لضبّة على بني كلاب.
والشاهد: «مال». قال ابن قتيبة: وبعض أصحاب الإعراب يرى أنه أراد: إنما أنفقت مالي، فرفع، ويحتج لذلك بما ليس فيه حجة. قال: وإنما يريد: إن ما أنفقت مال، والمال يستخلف، ولم أتلف عرضا. وفي الهمع للسيوطي: أن «مال» أصلها: «مالي»، فحذف ياء المتكلم، فرفع. والصواب ما ذكره ابن قتيبة، وأبو زيد الأنصاري. [الشعر والشعراء ص 531، والهمع ج 2/ 53، والخزانة ج 8/ 313].

403 - لقد بسملت ليلى غداة لقيتها … ألا حبّذا ذاك الحبيب المبسمل
البيت بلا نسبة.
والشاهد: «ذاك الحبيب». قال السيوطي: ويجوز كون مخصوص «حبذا» اسم إشارة، وذكر شطر البيت. [الهمع ج 2/ 89].

404 - كما ما امرؤ في معشر غير قومه … ضعيف الكلام شخصه متضائل
(2/348)

البيت غير منسوب، وأنشده السيوطي في الهمع ج 2/ 157، شاهدا في فصل «الضرائر»، قال: ومنها زيادة «ما» بعد «كما».

405 - فلهو أخوف عندي إذ أكلّمه … وقيل إنّك منسوب ومسؤول
البيت لكعب بن زهير. وأنشد السيوطي شطره الأول في باب أفعل التفضيل، المصوغ من الفعل المبني للمجهول، وقال: وجوزه ابن مالك من فعل المفعول إذا أمن من اللبس، كأزهى من ديك، وأشغل من ذات النّحيين. [الهمع ج 2/ 166].

406 - نرجو فواضل ربّ سيبه حسن … وكلّ خير لديه فهو مسؤول
البيت لعبدة بن الطبيب. وأنشده السيوطي شاهدا لجواز دخول «الفاء» على خبر المبتدأ، إذا كان المبتدأ مضافا إلى النكرة المذكورة، وهو مشعر بمجازاة (أي شرط).
[الهمع ج 1/ 109].

407 - شجّت بذي شبم من ماء محنية … صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
البيت لكعب بن زهير، من قصيدة (بانت سعاد). وقوله: شجت: أي: مزجت والضمير يعود للخمر. بذي شبم: بماء ذي برد. والمحنية: ما انحنى من الوادي فيه رمل وحصى صغار. وهو يشبه ريق صاحبته بخمرة هذه صفتها.
قلت: وكيف يزعم الرواة أن كعب بن زهير أنشدها رسول الله في المسجد؟ زعموا أن كعبا قالها قبل تحريم الخمر.
ولكن الخمر كانت مذمومة قبل أن يحرمها الله، فلم يكن من اللائق أن يمدحها شاعر في المسجد. وقالوا: إن كعبا أنشد رسول الله قصيدته بعد حنين، وحنين بعد الفتح، وقد حرّمت الخمر في الروايات المشهورة عام الفتح. إن حسان بن ثابت له قصائد إسلامية مبدوءة بالخمر (الهمزية) قالها قبل تحريم الخمر، ولكنهم لم يرووا أنه أنشدها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكانت قصائده دفاعا عن المسلمين، وهجاء للمشركين.
الحقّ: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لم يسمع مطلع قصيدة كعب الغزلية، وإن كان صح أن رسول الله سمع منه، إنما سمع أبياتا في الاعتذار فقط. والشاهد أن «أضحى» تامة.

408 - فتلك ولاة السّوء قد طال مكثها … فحتّام حتام العناء المطوّل
البيت للكميت، من قصيدة هاشمية في مدح بني هاشم، وذمّ بني أميّة. وأنشدوا البيت
(2/349)

شاهدا على أن «ما» الاستفهامية، يحذف ألفها إذا جرّت بحرف جرّ.
وقوله: فتلك ولاة السوء: مبتدأ، وخبره. وجملة «طال مكثها»: إما خبر آخر، وإما حال من الولاة. والعامل، ما في اسم الإشارة من معنى الفعل. والأجود أن يكون «ولاة» بدلا من اسم الإشارة، وجملة «وقد طال مكثها» الخبر؛ لأنه محط الفائدة.
والولاة: جمع وال، وهو الذي يتولى أمور الناس من الخلفاء، والعمال، والقضاة.
وقوله: فحتام: الجار والمجرور خبر مقدم. والعناء: مبتدأ مؤخر. و (حتام) الثانية:
توكيد لفظي.
قلت: وقد بالغ الكميت في ذكر المساوى. ودفعه إلى ذلك هوى لا يعرف الاعتدال والتوسط.
والحقّ: أنّ خلفاء بني أمية - نستثني منهم معاوية، وعمر بن عبد العزيز - لهم حسنات ولهم سيئات، وربما غلبت حسناتهم على سيئاتهم، ومن حسناتهم: استمرار الفتوح الإسلامية في أيامهم. وقوله في القصيدة: (وعطلت الأحكام ... الخ)، هذا كذب؛ لأن أركان الاسلام الخمسة كانت مطبقة، ولم يجرؤ أحد على تعطيل واحد منها. [الهمع ج 2/ 8، 125، والصبان على الأشموني 3/ 80، وشرح أبيات المغني ج 5/ 215].

409 - حتى إذا رجب تولّى وانقضى … وجماديان وجاء شهر مقبل
البيت لأبي العيال الهذلي، في أشعار الهذليين. قال السيوطي: والأجود، إذا ثنى العلم أو جمع أن يحلّى ب «الألف» و «اللام» عوضا عما سلب من تعريف العلمية. ويستثنى نحو: جماديين، اسميّ الشهر، فإن التثنية لم تسلبهما العلمية؛
ولذلك لم تدخل عليهما «الألف» و «اللام»، وأنشد البيت في الهمع ج 1/ 42، ولكن ابن منظور قال في اللسان:
(والجماديان) اسمان معرفة لشهرين. فعرفهما ب «أل». ولكن لماذا ذكر رجب قبل جماديين، والترتيب الزمني يقتضي التقديم؟

410 - ولّى وصرّعن من حيث التبسن به … مضرّجات بأجراح ومقتول
البيت لعبدة بن الطيب.
والشاهد: جمع «جرح» على «أجراح»، والبيت من قصيدته المفضلية التي مطلعها:
(2/350)

هل حبل خولة بعد الهجر موصول … أم أنت عنها بعيد الدار مشغول
وفاعل «ولّى» في البيت الشاهد: الثور، الذي وصفه في القصيدة. أي: ولّى الثور وصرعت الكلاب. والتبسن، أي: اختلطن. [المفضليات رقم 26]، وقافية البيت في اللسان مجرورة (ومقتول).

411 - ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة … أعرافهنّ لأيدينا مناديل
لعبدة بن الطبيب، من قصيدة البيت السابق. وعبدة بن الطبيب مخضرم، حضر الإسلام وأسلم، وشارك في الفتوح، وقال هذه القصيدة بعد معركة القادسية.
والجرد: الخيل القصار الشعر. والمسوّمة: المعلّمة. مناديل: يريد أنهم يمسحون أيديهم من وضر الطعام بأعرافها. وقال عبد الملك بن مروان يوما لجلسائه: أيّ المناديل أشرف، فقال قائل: مناديل مصر، كأنها غرقئ البيض، وقال آخرون: مناديل اليمن، كأنها نور الربيع. فقال عبد الملك: هي مناديل أخي بني سعد، عبدة بن الطبيب، وذكر هذا البيت. [المفضليات رقم 26، والإنصاف ص 106].

412 - سرى بعد ما غار الثّريّا وبعد ما … كأنّ الثريّا حلّة الغور منخل
البيت في كتاب [سيبويه ج 1/ 405، هارون] بدون نسبة. يصف طارقا سرى ليلا بعد أن غارت الثريا في أول الليل، وذلك في استقبال زمن القيظ، وشبه الثريا في اجتماعها واستدارة نجومها بالمنخل. والغور: مصدر غار، أي: غاب، وحلّة الغور: أي: قصده.
وفيه الشاهد، حيث رواه سيبويه في باب: «ما ينتصب من الأماكن والوقت».

413 - عليها أسود ضاريات لبوسهم … سوابيغ بيض لا يخرّقها النّبل
البيت لزهير بن أبي سلمى. وعليها: أي: على الخيل. والضاريات: جمع ضارية، من ضرى إذا اجتزأ. ولبوسهم:
مبتدأ. وسوابيغ: خبره، أي: كوامل. وفيه الشاهد. فإن هذا الجمع شاذ، والقياس: سوابغ، بدون «ياء»؛ لأنه جمع سابغة. وبيض: صفته، أي:
صقلية. [الأشموني ج 4/ 152، والهمع ج 2/ 182].

414 - وهل ينبت الخطيّ إلّا وشيجه … وتغرس إلّا في منابتها النّخل
البيت لزهير بن أبي سلمى، من قصيدة مدح بها سنان ابن أبي حارثة المرّي. وقبل البيت:
(2/351)

فما يك من خير أتوه فإنّما … توارثه آباء آبائهم قبل
والخطي: الرمح، نسبه إلى الخطّ، وكانوا يقولون: جزيرة بالبحرين ترفأ إليها سفن الرماح، وهم لا يقصدون (البحرين) اليوم. وربما كانت في نواحي القطيف من شرقي السعودية؛ لأن البحرين كانت تشمل المنطقة الشرقية من السعودية كلها. والوشيج: القنا الملتف في منبته، واحدته: وشيجة. يقول: لا ينبت القناة إلا القناة، اي: لا ينبت الشيء إلا جنسه، ولا يغرس النخل إلا بحيث تنبت وتصلح، وكذلك لا يولد الكرام إلا في موضع كريم، يريد: لا يلد الكريم إلا كريما، ولا يتربى إلا في موضع كريم، كما لا ينبت القناة إلا القناة، ولا ينبت النخل في غير مغارسه، فضرب ذلك مثلا؛ لأنهم كرماء أولاد كرماء، والبيت غاية في البلاغة.

415 - قد كان في جيف بدجلة حرّقت … أو في الذين على الرّحوب شغول
وكأنّ عافية النسور عليهم … حجّ بأسفل ذي المجاز نزول
البيتان لجرير يهجو الأخطل، ويذكر ما صنعه الجحاف بن حكيم السّلمي من قتل بني تغلب قوم الأخطل باليسر، وهو ماء لبني تميم. يقول: لما كثرت قتلى بني تغلب، جافت الأرض، فحرّقوا ليزول نتنهم. والرّحوب: ماء لبني تغلب. وعافية النسور: هي الغاشية التي تغشى لحومهم. وذو المجاز: سوق من أسواق العرب.
والشاهد: «حجّ» بضم الحاء، جمع حاج، مثل بازل، وبزل. قال ابن منظور:
والمشهور في رواية البيت: «حج» بالكسر، وهو اسم الحاج. [اللسان «حجّ»، وديوان جرير/ 104].

416 - قامت تلوم وبعض اللوم آونة … ممّا يضرّ ولا يبقى له نغل
البيت بلا نسبة في الهمع ج 1/ 129، وأنشده السيوطي شاهدا لاستعمال «قام» من أفعال الشروع، قال: وزاد ثعلب في أفعال الشروع «قام»، وأنشده، فنسبه إلى ثعلب.
والنّغل: الضغن.

417 - إذا قلت مهلا غارت العين بالبكا … غراء ومدّتها مدامع نهّل
البيت لكثير عزّة. وأنشده الأشموني في باب المقصور والممدود، على أن غراء:
مصدر غاريت بين الشيئين غراء، إذا واليت، لا مصدر، غريت بالشيء أغري به، إذا
(2/352)

تماديت فيه في غضبك، وانظر العيني أيضا، وفيه شرح يطول. [الأشموني والعيني ج 4/ 106]. ويروى أيضا: «مدامع حفّل».

418 - إذا قلت ... … ... حفّل
هو البيت السابق، كما في الديوان والسمط. 223.

419 - ألم تسمعي أي عبد في رونق الضّحى … بكاء حمامات لهنّ هديل
البيت لكثير عزّة، وقد مضى في حرف الراء المضمومة «هدير»؛ لأنه من قصيدة رائية.

420 - وقفت بربع الدار قد غيّر البلى … معارفها والسّاريات الهواطل
للنابغة الذبياني، من قصيدة يرثي بها النعمان بن الحارث.
والشاهد في: «قد غيّر البلى»، حيث وقع حالا، وهو ماض مقرون ب «قد»، دون «الواو»، وهو قليل بالنسبة إلى مجيئه بهما. [الأشموني وعليه العيني والصبّان ج 2/ 190].

421 - ولا زال قبر بين تبنى وجاسم … عليه من الوسميّ جود ووابل
فينبت حوذانا وعوفا منوّرا … سأتبعه من خير ما قال قائل
البيتان للنابغة الذبياني، في رثاء النعمان بن الحارث الغساني. وتبنى: بلدة بحوران، من أعمال دمشق، وكذلك «جاسم»: موضع قريب من دمشق. والجود والوابل: أغزر المطر. وخصّ الوسميّ؛ لأنه أطرف المطر عندهم؛ لإتيانه عقب القيظ. والبيت الأول في الديوان:
سقى الغيث قبرا بين بصرى وجاسم … بغيث من الوسميّ قطر ووابل
قال ياقوت: قصد الشعراء بالاستسقاء للقبور - وإن كان الميت لا ينتفع به - أن ينزله الناس، فيمرون على ذلك القبر، فيرحمون من فيه.
والحوذان والعوف: نباتان طيبا الريح، والحوذان أطيب. سأتبعه: أي: سأثني عليه بخير القول، وأذكره بأحسن الذكر.
والشاهد: «ولا زال ... فينبت». فقوله: ولا زال: دعاء.
(2/353)

وقوله: فينبت: جاء مرفوعا بعد الفاء؛ لأنه لم يشأ أن يجعله سببا، وإنما جعله خبرا ولم يجعله جوابا.
قال سيبويه: وذلك أنه لم يرد أن يجعل النبات جوابا لقوله: «ولا زال»، ولا أن يكون متعلقا به، ولكنه دعا، ثم أخبر بقصة السحاب، كأنه قال: فذاك ينبت حوذانا. قال الخليل: ولو نصب «فينبت»، لجاز. ولكنا تلقيناه مرفوعا. [سيبويه/ 3/ 36، هارون].

422 - فشايع وسط ذودك مستقنّا … لتحسب سيّدا ضبعا تنول
البيت للأعلم الهذلي. والمستقنّ: الذي يقيم في الإبل يشرب ألبانها، ويكون معها حيث ذهبت، من «القنّ»، لعله العبد. وقد أنشده السيوطي شاهدا لحذف أداة النداء قبل اسم الجنس، والتقدير: يا ضبعا. وفي «لسان العرب» عن الأزهري: معنى قوله: مستقنا ضبعا تنول، أي: مستخدما امرأة كأنها ضبع. وعلى هذا تكون «ضبعا» منصوب ب «مستقنا»، والقافية في اللسان «تنول» بالنون، وفي الهمع «تبول» بالباء. [اللسان «قنن»، والهمع ج 1/ 174، والخصائص 3/ 196].

423 - يهز الهرانع عقده عند الخصى … بأذلّ حيث يكون من يتذلّل
وقبل البيت:
إنّا لنضرب رأس كل قبيلة … وأبوك خلف أتانه يتقمّل
والبيتان للفرزدق، من قصيدة يهجو فيها جريرا. يقول في البيت الأول: نحن لعزّنا وكثرتنا نحارب كلّ قبيلة ونقطع رؤوسها، وأبوك لذله وعجزه يقتل قمله خلف أتانه (أنثى الحمار). والبيت الشاهد تفسير للبيت الذي قبله، ولكنه تفسير يشبه بمن يلقم السائل حجرا، ويقول له: اسكت؛ لأنه فسّره بكلام موغل في البداوة والحوشية، وما أظنّ عامة الناس في زمانه فهموا مراده، وما يستطيع أحد في زماننا أن يفهمه دون الرجوع إلى المصادر، ولو كان أحد أعضاء مجامع اللغة العربية في دمشق والقاهرة وبغداد. وإليك فكك غامضة:
يهز: مضارع وهز وهزا، إذا نزع القملة وقصعها.
الهرانع: مفعول «يهز» مقدم على الفاعل، جمع هرنع، وهو القمل، الواحدة هرنعة،
(2/354)

وقيل: واحده الهرنوع، وهو القملة الضخمة، ويقال: الصغيرة.
وعقد: فاعل «يهز»، وهو بفتح العين وسكون القاف، والضمير راجع إلى قوله: (وأبوك)، وهو هيئة تناول القملة
بإصبعين: الإبهام والسبّابة. وعند الخصى: ظرف لقوله: «يهز».
وقوله: بأذلّ: «الباء» بمعنى «في»، متعلقة بمحذوف على أنه حال من ضمير (عقده)، يقول:
نحن لعزّنا وكثرتنا نحارب كل قبيله، وأبوك لذله يقتل قمله خلف أتانه، فهو يتناول قملة بإصبعه من بين أفخاذه، حالة كونه جالسا في أحقر موضع يجلس فيه الذليل، وهو خلف الأتان، فنحن نقتل الأبطال، وأبوك يقتل القمل والصئبان، فشتان ما بيني وبينك.
والشاهد: في «حيث»، فقد قال الفارسي: إن جملة «يكون» صفة ل «حيث»، لا أنها مضاف إليه؛ لأن «حيث» هنا اسم بمعنى موضع، لا أنها باقية على ظرفيتها، والتقدير:
بأذل موضع. ومثلها اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ. [الأنعام: 124]. [الخزانة ج 6/ 533، واللسان «هرنع»].

424 - ولا خالف داريّة متغزّل … يروح ويغدو داهنا يتكحّل
البيت للشنفرى من لاميته (لامية العرب). وقوله: «ولا خالف» بالجرّ، معطوف على مجرور قبله، ولم أذكر ما قبل البيت ليعرف المعطوف عليه؛ لأن الأبيات السابقة خشنة جافة صلده، كلّ كلمة فيها تشبه صخرة تيس الأعشى في قوله: (كناطح صخرة)، توهن عقل القارئ قبل أن يدرك مراميها. وهذا يؤيد ملاحظة سابقة قلتها في شاهد سابق من هذه القصيدة، أن مطلع القصيدة لا يتفق مع بقيتها، فالمطلع سهل رقيق، وما بعده قاس صلب.
وقوله: خالف: بالخاء المعجمة، من لا خير فيه، وداريّة: بالجرّ، صفة ل «خالف»، وهو المقيم في داره، لا يفارقها و «التاء» زائدة للمبالغة. والداريّ: العطار أيضا، منسوب إلى دارين، في نواحي القطيف من شرق السعودية، وكانت فيها سوق يحمل إليها مسك، قال الزمخشري: ويحتملها كلامه؛ لأن العطار يكتسب من ريح عطره، فيصير بمنزلة المتعطّر.
فالمعنى: لست ممن يتشاغل بتطييب بدنه وثوبه، أو يلازم زوجته، فيكتسب من طيبها.
والمتغزل: الذي يغازل النساء. وجملة «يروح»: صفة متغزل، أو حال من ضميره.
والشاهد: يروح ويغدو: إن كانا بمعنى يدخل في الرواح والغداة، فهما تامان.
والمنصوب «داهنا» حال. اسم فاعل من الدّهن، وهو استعمال الدهن. وإن كانا بمعنى
(2/355)

(يكون في الرواح والغداة) فهما ناقصان، و «داهنا»: خبر «يغدو»، وخبر «يروح» محذوف. وجملة «يتكحل»: إما خبر بعد خبر، أو حال من ضمير «داهن»، أو صفة له، ويجوز أن يكون داهنا: خبر يروح، وجملة «يتكحل»: خبر
«يغدو»، فلا حذف.
فائدة: شاع أن الرواح، لا يكون بمعنى الرجوع في المساء، وليس كذلك، بل الرواح والغدو عند العرب يستعملان في المسير، أي وقت كان، من ليل أو نهار، وعليه قوله عليه السّلام: «من راح إلى الجمعة أول النهار، فله كذا»، أي: من ذهب. وعلى هذا لا خطأ في قولنا: «رحت إلى السوق، أو رحت إلى المدرسة». [الخزانة ج 9/ 197].

425 - وليلة نحس يصطلي القوس ربّها … وأقطعه الّلاتي بها يتنبّل
البيت للشنفرى من لاميته.
وقوله: وليلة نحس: النحس: ضد السعد، وأراد به البرد، وجملة «يصطلى»: في موضع الصفة ل «ليلة». وربّها، أي: صاحبها: فاعل مؤخر. والقوس: منصوب بنزع الخافض؛ لأنه يقال: اصطليت بالنار، فهو على حذف مضاف أيضا، أي: يصطلى بنار القوس. والقوس: مؤنث سماعي، ولذا أعاد ضميرها مؤنثا. والاصطلاء: التدفؤ بالنار، وهو أن يجلس (البردان) قريبا من النار؛ لتصل حرارتها إليه. وأقطعه: بالنصب عطفا على «القوس»، وهو جمع «قطع»، بكسر القاف، وهو سهم يكون نصله قصيرا عريضا.
ويتنبّل: يرمي بها، وإذا اصطلى الأعرابيّ بقوسه وسهامه لشدة البرد، فليس وراء ذلك في الشدة شيء.
والشاهد: «وليلة»، ليلة: مجرورة ب «واو» ربّ المحذوفة، و «واو» ربّ: إن كانت في أثناء القصيدة، فهي للعطف على سابق، كهذا البيت، فإنه من أواخر قصيدة لامية الشنفرى، و «الواو» فيه للعطف، والمعطوف عليه متقدم عليه بثلاثين بيتا.
وجواب ربّ في بيت تال هو:
دعست على بغش ... ومعنى دعست: دفعت دفعا بإسراع وعجلة. فليلة: مجرورة لفظا منصوبة محلا على الظرفية ل «دعست»، وقدّمت عليه؛ لأنها جرّت بربّ الواجبة التصدر. فالمعطوف ب «الواو»، هو «دعست»، لا «ليلة»، وكان التقدير: ودعست ليلة نحس. والمعطوف عليه، بعد عشرين بيتا من أول القصيدة، وهو:
(2/356)

أديم مطال الجوع حتى أميته … وأضرب عنه الذكر صفحا فأذهل
قلت: هذا شاهد قويّ على وحدة القصيدة العربية، وترابطها، وليست متفككة كما زعموا، وليس البيت وحدتها، بل البيت فيها لبنة، تكون مع غيرها البنيان الشعري المتين. [الخزانة ج 10/ 34].

426 - إن يبخلوا أو يجبنوا … أو يغدروا لا يحفلوا
يغدوا عليك مرجّلي … ن كأنهم لم يفعلوا
لبعض بني أسد، عن أهل الرواية.
وقوله: لا يحفلوا: من قولهم: ما حفل بكذا، أي: ما يبالي، ولا يكترث.
والمرجّل: اسم مفعول، من الترجيل، وهو مشط الشعر تليينه بالدهن ونحوه. ومحلّ الشاهد: لا يحفلوا يغدوا عليك. فإن الفعل الثاني، وهو «يغدوا»، مجزوم؛ لأنه بدل من الفعل الأول، وهو «لا يحفلوا»، وتفسير له. ويغدوا: الواو للجماعة، هو في الرفع «يغدون». [كتاب سيبويه ج 1/ 446، والخزانة ج 9/ 91، والإنصاف ص 584، وشرح المفصل ج 1/ 36، والمرزوقي/ 515].

427 - فما مثله فيهم ولا كان قبله … وليس يكون الدهر ما دام يذبل
البيت لحسان بن ثابت. ويذبل: اسم جبل.
والشاهد: وليس يكون، قال السيوطي: وزعم ابن مالك أن المضارع المنفي بليس، أو «ما»، أو «إن»، قد يكون مستقبلا على قلّة، وذكر شطر البيت، والأكثر أن يكون المضارع للحال، إذا نفي بالأدوات الثلاثة؛ لأنها موضوعة لنفي الحال. [الهمع ج 1/ 8، والعيني ج 2/ 2].

428 - غدا طاويا يعارض الرّيح هافيا … يخوت بأذناب الشّعاب ويعسل
البيت للشنفرى من لاميته (لامية العرب)، وقبل البيت:
وأغدو على القوت الزهيد كما غدا … أزلّ تهاداه التنائف أطحل
أغدو: أذهب غدوة، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، ثم كثر حتى استعمل
(2/357)

في الذهاب أيّ وقت كان. وعلى: القوت: على للتعليل، بمعنى «اللام»، ومنه قوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ. [البقرة: 185]. والزهيد: القليل. والأزل:
الذئب. تهاداه: تتخذه هدية. والتنائف: جمع تنوفة، وهي الفلاة، أي: كلما خرج من فلاة، دخل في أخرى. والأطحل: لون بين الغبرة والسواد، ببياض قليل، أو الذي لونه لون الطحال. فهو يشبه نفسه بذئب يغدو للبحث عن قوته.
وقوله: غدا طاويا: يحتمل أن يكون بمعنى ذهب غدوة، أو يكون بمعنى دخل في الغدوة، أو يكون بمعنى ذهب أي وقت كان، مجازا، فغدا: على هذه الوجوه تكون تامة، وطاويا؛ حالا من ضمير «غدا» الراجع إلى «أزلّ» الذئب. ويحتمل أن يكون بمعنى:
(يكون في الغدوة)، فيكون «غدا» من الأفعال الناقصة، وطاويا: خبرها. ويعارض الريح: يستقبلها في عرضها، ويصادمها. ومنه المعارضة بمعنى المخالفة. وهافيا:
يحتمل أن يكون من هفا الظبي، إذا اشتد عدوه، ومن هفا الطير، أي: خفق بجناحيه وطار، ويحتمل أن يكون من: الهفو، وهو الجوع. ويخوت، أي: يختلس. بأذناب:
«الباء»: بمعنى «في». والشعاب: جمع شعب، وهو الطريق في الجبل، أو جمع شعبة، وهو المسيل الصغير. ويعسل: من العسل، وهو الخبب، وهو الاسراع في السير.
والشاهد في: «غدا»، وذكرنا وجوهه في الشرح. [الخزانة ج 9/ 190].

429 - فهل لك أو من والد لك قبلنا … يوشّح أولاد العشار ويفضل
البيت لأبي أمية الهذلي. ويوشح: يزين. ويفضل: من الإفضال، وهو الإحسان.
والشاهد في: «فهل لك أو من والد» والتقدير: فهل لك من أخ. أو من والد، فحذف المعطوف عليه. و «من» في الموضعين: زائدة. وحذف المعطوف عليه قبل «أو»، نادر، والكثير الحذف قبل «الواو»، وقليل مع «الفاء». [الأشموني ج 3/ 118، والهمع ج 2/ 140].

430 - بنزوة لصّ بعد ما مرّ مصعب … بأشعث لا يفلى ولا هو يقمل
البيت للأخطل. في [العيني ج 2/ 5، والخصائص ج 2/ 475].

431 - أردت لكيما لا ترى لي عثرة … ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل
(2/358)

البيت بلا نسبة. وأنشده السيوطي في الهمع، شاهدا لجواز الفصل بين «كي» والفعل ب «ما» الزائدة، و «لا» النافية.
وأنشد البغدادي في الخزانة الشطر الأول بصورة: «أردت لكيما أن ترى لي عثرة»، شاهدا للجمع بين «اللام»، و «كي»، و «أن»، ونقله عن الفرّاء في إعراب القرآن، قال:
أنشدني أبو ثروان، وقال: جمع بينهن؛ لاتفاقهنّ في المعنى، واختلافهنّ في اللفظ.
[الخزانة ج 8/ 486، والهمع ج 2/ 5].

432 - فلئن بان أهله … لبما كان يؤهل
لعمر بن أبي ربيعة. قال السيوطي: وشذّ دخول «اللام» مع «بما» في الماضي المجاب به القسم، وأنشد البيت.
وأنشده البغدادي على أن «بما» بمعنى «ربّما»، أو مرادفتها، وأن «لام» الجواب قد تقترن بها، إذا كان الجواب ماضيا، وأنشده مرة أخرى وقال: والماضي المتصرف إذا وقع جواب قسم، فالأكثر أن يقترن ب «اللام» مع «قد»، أو «ربّما» أو «بما»، مرادفة «ربّما»، وأنشده. [الخزانة ج 10/ 76، و 11/ 344، والهمع ج 2/ 42].

433 - أتاني على القعساء عادل وطبه … بخصي لئيم واست عبد تعادله
البيت للفرزدق. ويذكرونه شاهدا على أنه يقال: الخصيتان، والخصييان، وأن الواحد من الخصيين: «خصي»، كما في البيت.
ويقال أيضا: خصية، ويقال في التثنية: خصيتان، وخصيان، وقيل: الخصيتان ب «التاء»، البيضتان، والخصيان بدون «تاء» الجلدتان اللتان فيهما البيضتان. [الخزانة ج 7/ 529]، ولكن رواية البيت في الديوان، وكتاب سيبويه: «برجلي هجين»، وفي أبيات سيبويه للنحاس: (برجل لئيم).
والشاهد فيه: ترك التنوين من «عادل»، وهو يريد «يعدل»، ولو جاء على الأصل، لقال: عادلا وطبه، ولكنه حذف التنوين استخفافا، وأضافه إلى ما بعده. [النحاس ص 108، وكتاب سيبويه ج 1/ 84] والقعساء: الناقة المحدودبة من الهزال. والوطب:
سقاء اللبن. وعدل وطبه برجليه واسته، أي: جعلهما عدلا له، أي: جعل وطبه في ناحية من الراحلة معادلا له، والعدلان: ما يوضعان على جنبي البعير.

434 - ديار سليمى إذ تصيدك بالمنى … وإذ حبل سلمى منك دان تواصله
(2/359)

البيت لطرفة بن العبد. وأنشد السيوطي الشطر الأول شاهدا لحذف ناصب المفعول به، إذا كان لفظ (دار، أو ديار الأحبة)؛ والتقدير: اذكر ديار سلمى. ويروى شطر البيت الأول: «ديار لسلمى إذ تعيدك بالمنى». برفع (ديار). وقد شرط بعضهم لجواز حذف العامل، أن يكون لفظ الدار مضافا إلى اسم المحبوبة. [الهمع ج 1/ 168، وديوان طرفة].

435 - إذا غاب عنّا غاب عنّا ربيعنا … وإن شهد أجدى خيره ونوافله
البيت للأخطل. وهو في كتاب سيبويه في باب: «ما يسكن استخفافا»، وفي البيت لفظ الفعل «شهد» ساكن الوسط. وأراد: «شهد»، فسكّن «الهاء» وحول حركتها إلى ما قبلها، وهي «الشين»، في لغة من كسرها. [كتاب سيبويه ج 2/ 259، والهمع ج 2/ 84].

436 - إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا … وإن شهد أجري فيضه وجداوله
هو البيت السابق، في رواية أخرى.

437 - يسرّك مظلوما ويرضيك ظالما … وكلّ الذي حمّلته فهو حامله
البيت الخامس من قطعة في حماسة أبي تمام، قالها العجير السّلولي، واسمه عمير بن عبد الله، من شعراء الدولة الأموية. وقوله: مظلوما: حال من المفعول به (الكاف)، وظالما: كذلك. والشطر الأول فيه معنى: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما». وفيه شاهد على اقتران خبر المبتدأ ب «الفاء» كلّ: مبتدأ، فهو حامله: الخبر. والمسوغ لذلك؛ كون المبتدأ مضافا إلى الاسم الموصول. [الهمع ج 1/ 110، والمرزوقي ص 921].

438 - هممت ولم أفعل وكدت وليتني … تركت على عثمان تبكي حلائله
البيت لضابئ البرجمي، من قطعة قالها وهو في السجن أيام عثمان بن عفان. وكان ضابيء استعار كلبا لقنص الوحش من قوم، فطال مكثه عنده، فطلبوه وأخذوه، فغضب ورمى أمهم بالكلب، فرفعوا أمره إلى عثمان بن عفّان، وكان يحبس على الهجاء، ثم قال ضابئ أبياتا فيها شكوى، فأطلق عثمان سراحه، فتربص لقتل عثمان، فأعاده إلى الحبس، فمات فيه، فقال قطعة منها البيت الشاهد. وفيه أن خبر «كدت»، محذوف، والتقدير: وكدت أفعل. [الخزانة ج 9/ 323].

439 - وقائلة تجني عليّ أظنّه … سيودي به ترحاله وحوائله
(2/360)

مضى بقافية: (وجعائله).

440 - فهيّج الحيّ من كلب فظلّ لهم … يوم كثير تناديه وحيّهله
ليس له قائل معروف. وهيّج: بمعنى فرّق. وفاعله: ضمير الجيش، المذكور في كلام سابق. والحيّ: القبيلة، مفعول به. وقوله: (من كلب) قبيلة، ويروى: (من دار)، وربما كان «دار» اسم مكان. وظلّ: استمرّ. ويوم: فاعل «ظلّ». وتناديه: مصدر، فاعل كثير وحيّهله: معطوف عليه مرفوع «اللام»، ويجوز أن يكون فاعل «هيج» ضمير غراب البين، المذكور قبل. وظلّ: بمعنى: ألقى عليهم ظلّه، وروي: (فظلّلهم)، ومعناه: دنا منهم يوم، وحقيقته: ألقى عليهم ظلّه.
والشاهد: «وحيّهله»، بضم «اللام»، على أنّ الضمة حركة إعراب؛ حيث جعله اسما للصوت، وإن كان في الأصل مركبا من جزئين، فأجراه مجرى الاسم المركب (معد يكرب، وحضرموت)، والأصل فيه: أنه اسم فعل أمر. [كتاب سيبويه ج 2/ 52، وشرح المفصل ج 4/ 46، والخزانة ج 6/ 266].

441 - إذا قام قوم يسألون مليكهم … عطاء فدهماء الذي أنا سائله
البيت بلا نسبة في شرح شواهد الشافية 322.

442 - ولا تحرم المولى الكريم فإنّه … أخوك ولا تدري لعنّك سائله
البيت بلا نسبة. وأنشده السيوطي في الهمع ج 1/ 134، شاهدا لإحدى اللغات في (لعلّ)، بإبدال «اللام» الثانية نونا (لعنّ).

443 - ترى النّعرات الزّرق تحت لبانه … أحاد ومثنى أضعفتها صواهله
البيت لابن مقبل. والنّعرات: مفرد النّعرة: وهي ذبابة تسقط على الدواب فتؤذيها، ويروى: (الخضر حول لبانه). وأضعفتها، أي: قتلها صهيله.
والشاهد: «أحاد ومثنى»،: وهما عددان معدولان عن واحد واثنين. قال السيوطي:
ولم تستعمل العرب هذه الألفاظ إلا نكرات خبرا، نحو: صلاة الليل مثنى مثنى، أو صفة نحو: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى. [فاطر: 1]، أو حالا، نحو: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى. [النساء: 3]. [الهمع ج 1/ 26، واللسان «نعر»].
(2/361)

444 - فأطعمنا من لحمها وسنامها … شواء وخير الخير ما كان عاجله
الشاهد بلا نسبة في العيني ج 4/ 124.
وقوله: و «خير الخير»، لعله: «وخير البرّ». وقريب من هذا المعنى، قول المسهر التميمي الشاعر، حين وفد على يزيد بن حاتم بإفريقية:
إليك قصرنا النّصف من صلواتنا … مسيرة شهر ثم شهر نواصله
فلا نحن نخشى أن يخيب رجاؤنا … لديك ولكن أهنأ البرّ عاجله
[عن الخزانة ج 6/ 295].

445 - وبنت كرام قد نكحنا ولم يكن … لنا خاطب إلا السّنان وعامله
البيت للفرزدق. وبنت: منصوب بفعل مقدر يفسره الظاهر. و «الواو» في: (ولم يكن)، للحال. وخاطب: اسم يكن. لنا: خبره. وعامل السنان: ما يلي السنان.
والشاهد: «إلا السنان»، بالرفع. على أنه بدل من «خاطب»، على لغة بني تميم؛ فهم يجيزون البدل من الاستثناء المنقطع، فيقولون: ما قام احد إلا حمار، وما مررت بأحد إلا حمار. والمشهور في هذا النوع: النصب؛ لأن البدل ليس من جنس المبدل منه.
ولكن قوله: «إلا السنان»، لا ينطبق عليه صفة الاستثناء المنقطع. فهو لا يريد السنان، وإنما يريد أهل السنان.
[الأشموني ج 2/ 147، وعليه العيني والصبان].

446 - فقال: امكثي حتى يسار لعلّنا … نحجّ معا قالت: أعاما وقابلة
البيت لحميد الأرقط.
والشاهد: «يسار»، بكسر الراء، مبني على الكسر؛ لأنه معدول عن المصدر، وهو الميسرة. يقال: انظرني حتى يسار.
[كتاب سيبويه ج 2/ 39، والهمع ج 1/ 29، واللسان «يسر»].

447 - فقلت تعلّم أنّ للصيد غرّة … وإلا تضيعها فإنّك قاتله
البيت لزهير بن أبي سلمى.
(2/362)

والشاهد: «تعلّم»، بمعنى: (اعلم)، نصب مفعولين. سدّ مسدهما المصدر المؤول من (أنّ للصيد غرّة)، وهذا أكثر استعمالها. [الأشموني ج 2/ 24].

448 - لقد خطّ روميّ ولا زعماته … لعتبة خطّا لم تطبّق مفاصله
البيت لذي الرّمة، من قصيدة في ديوانه برقم (41).
والشاهد: «ولا زعماته»، فهذا مثل يقال لمن يزعم زعمات ويصح غيرها، فلما صحّ خلاف قوله، قيل: «هذا ولا زعماتك»، أي: هذا هو الحقّ، ولا أتوهم زعماتك، أي:
ما زعمته، والزعم: قول عن اعتقاد. ولا يجوز ظهور هذا العامل الذي هو: «أتوهم»؛ لأنه جرى مثلا. [الأشموني ج 2/ 27، واللسان (طبق)]، ومعنى لم تطبق مفاصله، أي:
لم يصب.

449 - فلأيا بلأي ما حملنا غلامنا … على ظهر محبوك ظماء مفاصله
البيت لزهير بن أبي سلمى، يصف فرسا بالنشاط وشدة الخلق، فيقول: لم نستطع حمل غلامنا عليه ليصيد إلا بعد لأي؛ لشدة تفزعه ونشاطه. واللأي: البطء. والمحبوك:
الشديد الخلق. والظماء ها هنا: القليلة اللحم. وأصل الظمأ: العطش.
والشاهد: نصب «لأيا» على المصدر الموضوع موضع الحال، وتقديره: حملنا وليدنا مبطئين ملتئين. وأنشده سيبويه في باب: «ما ينتصب من المصادر؛ لأنه حال وقع فيه الأمر فانتصب؛ لأنه موقوع فيه الأمر». قال: وذلك
قولك: قتلته صبرا، ولقيته فجاءة ومفاجأة، ولقيته عيانا، وكلمته مشافهة، وأتيته ركضا وعدوا ومشيا، وأخذت عنه سمعا وسماعا. [سيبويه/ 1/ 371، هارون].

450 - فيالك من ذي حاجة حيل دونها … وما كلّ ما يهوى امرؤ هو نائله
البيت لطرفة بن العبد. و «الفاء»: للعطف، و «يا»: للتنبيه، ليست للنداء، و «اللام»:
للاستغاثة. ومن ذي حاجة: يتعلق بمحذوف.
والشاهد في: «حيل»، فإن النائب عن الفاعل فيه ضمير المصدر، والتقدير: حيل هو، أي: الحوؤل. و «ما» الأولى: للنفي والثانية: موصولة، والعائد محذوف، أي: يهواه.
[الأشموني ج 2/ 65].
(2/363)

451 - بيناه في دار صدق قد أقام بها … حينا يعلّلنا وما نعلّله
البيت بلا نسبة.
والشاهد: «بيناه»، قالوا: إن أصلها: «بينا هو»، وأن «الهاء» من بقية «هو» المحذوفة، واستدل به الكوفيون أن «هو»، أصلها: «الهاء» فقط، بدليل حذف «الواو». [كتاب سيبويه ج 1/ 12، والهمع ج 1/ 61، والإنصاف ص 678، و 513، والخزانة ج 5/ 265].

452 - فبيناه يشري رحله قال قائل … لمن جمل رخو الملاط ذلول
مضى في حرف «الباء»، بقافية (نجيب)، والذي في شعره رويّه «لام» كما هنا. وهو للعجير السلولي، وانظر الإنصاف ص 512.

453 - وهمّ رجال يشفعوا لي فلم أجد … شفيعا إليه غير جود يعادله
البيت بلا نسبة في الهمع ج 2/ 17، وأنشده السيوطي شاهدا لحذف «أن»، وبقاء عملها في الفعل «يشفعوا».

454 - وكرّار خلف المحجرين جواده … إذا لم يحام دون أنثى حليلها
البيت للأخطل، من قصيدة مدح بها همّام بن مطرّف التغلبي.
وكرّار: بالرفع، معطوف على مرفوع في بيت سابق. وكرّار: فعّال، من كرّ الفارس، إذا فرّ للجولان ثم عاد للقتال، وضمنه معنى العطف والدفع؛ ولهذا تعدى إلى المفعول.
والمحجرين: اسم مفعول، من أحجره، أي: ألجأه إلى دخول حجره، أي: يكرّ كرّا كثيرا جواده خلف المحجرين؛ ليحامي عنهم، ويقاتل في أدبارهم.
والجواد: الفرس الكريم. وصف صاحبه بالشجاعة والإقدام؛ يقول: إذا فرّ الرجال عن نسائهم، قاتل عنهم وحماهم.
والشاهد في الشطر الأول: وفيه روايتان:
الأولى: أنه قد فصل اسم الفاعل «كرّار» المضاف إلى مفعوله، عنه بظرف، والأصل:
وكرار جواده خلف المحجرين. وهذه رواية الفرّاء.
(2/364)

والثانية: عن سيبويه، أن «كرّار»: مضاف إلى خلف، و «جواده»: منصوب ب «كرّار».
[كتاب سيبويه ج 1/ 90، ومعاني الفرّاء ج 2/ 81، والخزانة ج 8/ 210].

455 - ولسنا إذا عدّ الحصى بأقلّة … وإنّ معدّ اليوم مود ذليلها
البيت منسوب إلى الأعشى في بعض المصادر. والحصى: يضرب مثلا في الكثرة.
والمودي: الهالك، تقول: أودى، يودي، فهو مود، تريد: هلك، فهو هالك. يقول: إذا كثر عدد الأشراف، وأهل المجد، والعدد لم يكن عددنا قليلا، فنهلك ونذهب ونضيع سدى من القلة والذلة.
والشاهد: «معدّ»، حيث منعه من الصرف. فإن كان المراد الحيّ، أو الرجل الذي اسمه «معدّ»، لم يكن فيه إلا سبب واحد من أسباب منع الصرف، فيكون منعه للضرورة.
وإن كان المراد القبيلة، كان الصرف على القاعدة المطردة، والثاني هو الأرجح؛ لأنه أعاد الضمير مؤنثا على «معدّ» في قوله: «مود ذليلها». [الإنصاف ص 505، وكتاب سيبويه ج 2/ 27].

456 - تبيّن لي أنّ القماءة ذلّة … وأنّ أعزّاء الرجال طيالها
البيت للشاعر أثال بن عبدة بن الطبيب. وقوله: تبيّن لي: جواب «لمّا» في البيت السابق:
ولمّا التقى الصفّان واختلف القنا … نهالا وأسباب المنايا نهالها
وقوله: إن القماءة، القماءة: من قمؤ الرجل، إذا صغر.
والشاهد: «في طيالها»، حيث جاء ب «الياء»، والقياس: «طوالها»، ولكن البيت مروي ب «الواو» «طوالها». قال البغدادي: والعرب تمدح بالطول، وتذمّ بالقصر، وذكر البيتين.
[الخزانة ج 9/ 488، والأشموني ج 4/ 304، واللسان «طول»].

457 - وأنتم لهذا الناس كالقبلة التي … بها أن يضلّ الناس يهدى ضلالها
البيت للفرزدق في ديوانه، و [كتاب سيبويه ج 1/ 15، هارون]. وقال: «لهذا الناس»؛ لأن لفظ الناس، واحد في معنى الجمع. يقول: أنتم كالقبلة التي يهتدي بها الضلال، وأسند الفعل إلى الضلال مجازا، والمراد: يهدى الناس الضالون، وقال: أن يضل
(2/365)

الناس، توكيدا؛ ولأن الضلال سبب الهدى، كما تقول: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، فالإعداد للدعم، وإنما ذكر ميل الحائط؛ لأنه السبب، و «الهاء» في «ضلالها»، عائدة إلى الناس؛ لأنهم جماعة، أو للقبلة على معنى، يهدى الضلّال عنها.
والشاهد: رفع «يهدى»؛ لأن «أن» ليست من حروف الجزاء (الشرط).

458 - ويها فدى لكم أمّي وما ولدت … حاموا على مجدكم وأكفوا من اتّكلا
البيت لحاتم الطائي. وقوله: ويها: إغراء يستخدم للواحد والاثنين، والجمع المذكر والمؤنث. وهو تحريض، كما يقال: دونك يا فلان. [اللسان «ويه»، وشرح المفصل ج 4/ 72].

459 - أبو حنش يؤرّقني وطلق … وعمّار وآونة أثالا
أراهم رفقتي حتى إذا ما … تجافى الليل وانخزل انخزالا
إذا أنا كالذي يجري لورد … إلى آل فلم يدرك بلالا
الأبيات لعمرو بن أحمر الباهلي، يذكر جماعة من قومه لحقوا بالشام، فصار يراهم إذا أتى أول الليل. قال العيني: «أبو حنش»: كنية رجل، مبتدأ، وخبره: يؤرقني. وطلق وعمار وأثالا: عطف على «أبو حنش» بالرفع. وأثالا: مرخم أثالة، في غير النداء.
قال أبو أحمد: وأنا أرى غير ما رآه العيني، فقد روى النحاس في «شرح أبيات سيبويه» بيتا قبل الأبيات، وثانيها البيت الأول هنا، كما يلي:
أرى ذا شيبة حمّال ثقل … وأبيض مثل صدر الرمح نالا
يؤرقنا أبو حنش وطلق … وعمار وآونة أثالا
وزعم النحاس أن «أثالا» مرخم أثالة، وليس في الاسم ترخيم.
فقوله: أرى: ينصب مفعولين، ذا: أولهما، ويؤرقنا في البيت الثاني: المفعول الثاني.
وإذا لم تكن الرؤية قلبية، يأخذ مفعولا وحالا.
وقوله: أبو حنش: إنما هي: (أبا حنش)، بالنصب على البدلية من «ذا شيبة»، و «طلقا» بالنصب و «عمارا» بالنصب و «أثالا» منصوب بالعطف أيضا، والفتحة على «اللام» و «الألف» للإطلاق. وقد يكون النصب بتقدير: أقصد أبا حنش؛ ذلك أن اسم «أثال» موجود في
(2/366)

أعلام العرب، ومنهم ثمامة بن أثال، ملك اليمامة الصحابي. وأثال بن عبده بن الطبيب، وليس في البيت الأول من شواهدهم إلا الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه ب (آونة)، وهذا ليس بغريب ولا ممجوج؛ لأنه لا يؤدي إلى لبس المعنى.
وقوله: أراهم، في البيت الثاني، استشهد الأشموني به على أنّ «رأى» الحلمية، تنصب مفعولين مثل «علم» القلبية، و «هم»، مفعوله الأول، و «رفقتي»، مفعوله الثاني.
وربما احتمل ما قاله، ويحتمل كون الرؤية بالعين؛ لأنه شبه رؤيته لهم برؤية «الآل» السراب، والسراب يرى بالعين، لا بالقلب. ويحتمل أن تكون «رفقتي» حالا. فالرفقة:
بمعنى المرافقين، اسم فاعل، وإضافته غير محضة، فلا يستفيد التعريف. و «إذا» الأولى:
شرطية، والثانية: فجائية. وأنا: مبتدأ، وكالذي: خبره. [الأشموني ج 2/ 34، وكتاب سيبويه ج 1/ 343، والنحاس 236، والإنصاف ص 354، والخصائص ج 2/ 378].

460 - ذريني وعلمي بالأمور وشيمتي … فما طائري يوما عليك بأخيلا
البيت لحسان بن ثابت.
وقوله: «وعلمي» الواو، بمعنى: مع. بأخيلا: «الباء»: زائدة في خبر «ما» التي بمعنى «ليس». وأخيلا: هو الشاهد، حيث منع الصرف؛ لوزن الفعل، ولمح الصفة، والأخيل:
طير يسمى الشقراق، والعرب تتشاءم به، يقال: هو أشأم من أخيل. [الأشموني ج 1/ 237، واللسان «خيل»، والعيني على حاشية الأشموني].

461 - فواعديه سرحتي مالك … أو الرّبا بينهما أسهلا
البيت لعمر بن أبي ربيعة، وضعه على لسان صاحبته، حيث أرسلت إليه أمتها لتواعده وتعيّن له موعد الملاقاة،
وبعد البيت:
إن جاء فليأت على بغلة … إني أخاف المهر أن يصهلا
ونصب الفعل «واعديه» مفعولين: الأول: الهاء، والثاني: سرحتي مالك. والسرحة:
واحدة السرح، وهو كلّ شجر عظيم لا شوك له.
والشاهد: «أسهلا»، فهو منصوب، فما الذي نصبه؟ قال الرضي: إنه مفعول لفعل محذوف، وهو صفة وموصوفه محذوف أيضا، أي: قولي ائت مكانا أسهل. وقال غيره:
(2/367)

التقدير: ائتي أسهل الأمرين عليك، على أنّ الذي واعدها عمر، والخطاب للأنثى.
وأنا أرى: - إن صحت الرواية - بأن «أسهلا»، فعل ماض، والألف للتثنية. مشتق من الأرض السّهل، فيقال: أسهل، إذا أتى السّهل، تريد: مكانين أسهلا، أي: جاءا في سهل فلا يفتضح أمرهما. وقلت: إن صحت الرواية؛ لأن أبا الفرج الأصبهاني روى البيت هكذا: «سلمى عديه سرحتي مالك أو الربا دونهما منزلا»، ومنزلا: إما بدل من «الربا»، أو حال منه. وسلمى: منادى، وعليه فلا خلاف. [الخزانة ج 2/ 120، وكتاب سيبويه ج 1/ 143، والأغاني ج 8/ 144، أو ترجمة عمر بن أبي ربيعة].

462 - أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا … قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا
البيت للأخطل، من قصيدة يفتخر بقومه ويهجو جريرا. وقوله: أبني: الهمزة للنداء.
وبنو كليب: رهط جرير. ويقصد الأخطل ب «عمّيه»: عمرو بن كلثوم التغلبي، قاتل عمرو ابن هند ملك العرب، وعصم أبي حنش، قاتل شرحبيل بن عمرو بن حجر، وهي عمومة مجازية؛ لأنهما أعمام آبائه.
والشاهد: «اللذا»، وأصله: «اللذان» حذفت النون تخفيفا. [الخزانة ج 6/ 6، وكتاب سيبويه ج 1/ 95، وشرح المفصل ج 3/ 154، والهمع ج 1/ 49].

463 - أخذوا المخاض من الفصيل غلبّة … ظلما ويكتب للأمير أفيلا
البيت من قصيدة للراعي النميري، مدح بها عبد الملك بن مروان، وشكا فيها من السعاة الذين يأخذون الزكاة. وكان يقع منهم ظلم على أصحاب الأموال، فيأخذون منهم أكثر مما فرض. والناقة المخاض: التي ضربها الفحل، والفصيل: ابنها. والأفيل: الفصيل.
يريد أن السعاة يأخذون المخاض، ويكتبون للأمير أنهم أخذوا فصيلا. وفي البيت شاهدان: الأول: أن «من» بمعنى
«بدل»، يعني: أخذوا المخاض بدل الفصيل، والثاني:
غلبّة: مصدر «غلب»، وهو منصوب في موضع الحال من الضمير في أخذوا، وظلما مثله.
ويكتب: مبني للمجهول. وأفيلا: منصوب بفعل مقدر، أي: يكتب للأمير: أفيلا أخذوا.
[شرح أبيات المغني ج 5/ 325، وشرح المفصل ج 6/ 44، والأشموني ج 2/ 212].

464 - حتى لحقنا بهم تعدي فوارسنا … كأنّنا رعن قفّ يرفع الآلا
البيت للنابغة الجعدي.
(2/368)

وقوله: تعدي، أي: تستحضر خيلها. والرّعن: أنف الجبل. والقف: الجبل، غير أنه ليس بطويل في السماء، فيه إشراف على ما حوله، وما أشرف منه على الأرض حجارة، تحت الحجارة أيضا حجارة، ولا تلقى قفّا إلا وفيه حجارة متقلعة عظام مثل الإبل البروك، ويكون في القف رياض وقيعان. والآل: الذي تراه في أول النهار وآخره، كأنه يرفع الشخوص، وليس هو السراب.
والشاهد: «يرفع الآلا»، أراد: يرفعه الآل، فقلبه، وربما كان من باب نصب الفاعل، ورفع المفعول به، كما تقول: خرق الثوب المسمار. [اللسان «أول»، والخصائص ج 1/ 134، وشرح أبيات المغني ج 2/ 324].

465 - وليس الموافيني ليرفد خائبا … فإنّ له أضعاف ما كان أمّلا
البيت بلا نسبة. يقول: ليس الذي يأتيني ليطلب العطاء يرجع خائبا، وإنما يأخذ أضعاف ما أمّل.
والشاهد: «ليس الموافيني»، على أن «النون» للوقاية. قال الأشموني: للتنبيه على أصل متروك؛ وذلك لأن الأصل أن تصحب نون الوقاية الأسماء المعربة المضافة إلى «ياء» المتكلم؛ لتقيها خفاء الإعراب، فلما منعوها ذلك، نبهوا عليه في بعض الأسماء المعربة المشابهة للفعل. وهو تعليل بارد؛ لأن العربيّ - الذي قال ما قال - لم يكن يفكر إلا في المعنى فقط. والأحسن أن يقال: إن «نون» الوقاية، تأتي قبل «ياء» المتكلم في المشتقات.
والموافي: اسم «ليس»،. وخائبا: خبرها. ما: موصولة. وكان: صلته، واسمها: مستتر، وأمّل: خبرها، والألف: للاطلاق. [الأشموني ج 1/ 126، والهمع ج 1/ 65].

466 - علمت بسطك للمعروف خير يد … فلا أرى فيك إلا باسطا أملا
البيت بلا نسبة في الهمع ج 2/ 92، وهو شاهد على عمل المصدر (بسطك خير يد).

467 - لم نرحّب بأن شخصت ولكن … مرحبا بالرّضاء منك وأهلا
البيت بلا نسبة في الإنصاف ص 748. وشخص الرجل، إذا ذهب من بلد إلى بلد.
ومحل الشاهد «الرضاء»، فإن أصله: «الرضا»: مقصورا، ولكن الشاعر لما اضطر لإقامة الوزن، مدّه. واستشهد الكوفيون به على جواز مدّ المقصور. ولكن قد يكون الاسم «الرضاء»، بالمدّ.
(2/369)

468 - لو أنّ عصم عمايتين ويذبل … سمعا حديثك أنزلا الأوعالا
البيت لجرير. والعصم: الوعول. وجعلت عصما؛ لبياض في أيديها. ويذبل: جبل.
وعمايتين: جبل واحد.
والشاهد في «عمايتين»، قال صاحب الكشاف: وكل مثنى، أو مجموع من الأعلام فتعريفه ب «اللام» إلا نحو: «أبانين» و «عمايتين». وقال ابن يعيش: وحال «عمايتين»، وهما جبلان متناوحان حال «أبانين»، وذكر البيت. فجعلهما جبلين في ناحية واحدة، والمشهور أنه جبل واحد ثني. [شرح أبيات المغني ج 4/ 210، وشرح المفصل ج 1/ 46، والهمع ج 1/ 42].

469 - بريذينة بلّ البراذين ثفرها … وقد شربت في أوّل الصّيف أيّلا
البيت للنابغة الجعدي، الصحابي، من أبيات هجا بها ليلى الأخيلية. وبريذينة: مصغر البرذونة، وهو التركي من الخيل، وهو خلاف العراب. والثّفر: ب «الفاء»، هو لكل ذي مخلب بمنزلة الفرج، والحيا للناقة، وربما استعير لغيرها. والأيل: بضم الهمزة وتشديد الياء المفتوحة، جمع آيل، وهو اللبن الخاثر. وقيل: الأيّل: بفتح الهمزة وتشديد الياء، وهو الذكر من الأوعال، وأراد: لبن أيل، وخصه؛ لأنه يهيّج الغلمة. وقيل: البول الخاثر من أبوال الأروى، إذا شربته المرأة اغتلمت، وهو يغلم ويقوّي على النكاح، وقبل البيت:
ذري عنك تهجاء الرجال وأقبلي … إلى أذلقيّ يملأ استك فيشلا
والأذلقيّ: يريد: أير أذلقيّ، والأذلق: السنان المسنون المحدّد، والفيشل: رأس الذكر، أو الذكر العظيم الكمرة.
وقد ذكرت البيت السابق، مع ما فيه من الفحش؛ لأقول: إنّ أخبار ليلى الأخيلية، وتوبة بن الحميّر، مصدرها الرئيس، كتاب الأغاني، وهو من أكذب خلق الله، وقصتها مع النابغة، وقوله الشعر فيها، لا يخلو من كذب واختراع، فالنابغة رووا أنه لقي النبي صلّى الله عليه وسلّم، ودعا له: «لا يفضض الله فاك»، فعاش أكثر من مائتي سنة، ولم تسقط له سنّ، أو أن أسنانه كانت تنبت كلما سقطت. ودعاء الرسول إن صحّ لا يريد به الأسنان، وإنما يريد به حسن القول. فإما أن النابغة، لم يلق رسول الله، ولم يسمع رسول الله شعره، ولم يدع
(2/370)

له، وإما أن يكون النابغة، لم يقل ما قال في ليلى الأخيلية. [انظر: الشعر والشعراء، ترجمة ليلى، والخزانة ج 6/ 239].

470 - كن للخليل نصيرا جار أو عدلا … ولا تشحّ عليه جاد أو بخلا
البيت غير منسوب.
والشاهد: «جار»: فعل ماض، وقع حالا بدون «قد» و «الواو»؛ لكونه متلوّ ب «أو». ومثله «جاد». قال الأشموني: وهو من المواضع التي تمتنع فيها «الواو». ومنها الماضي التالي «إلا»، نحو: «ما تكلم زيد إلا قال خيرا». [الأشموني ج 2/ 188، والهمع/ ج 1/ 246].

471 - ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرم … ولا جفا قطّ إلّا جبّأ بطلا
البيت بلا نسبة. والجبّأ: الجبان.
والشاهد: «إلّا لئيم»، و «إلا جبّأ»، فقد تقدم الفاعل المحصور ب «إلا»، على المفعول به، ويرى الجمهور وجوب تأخيره. [الأشموني ج 2/ 57، والهمع ج 1/ 161].

472 - فأقسم بالله الذي اهتزّ عرشه … على فوق سبع لا أعلّمه بطلا
البيت لأبي صخر الهذلي، في شرح أشعار الهذليين، والهمع ج 1/ 210. وأنشده السيوطي شاهدا لجرّ «فوق» ب «على»، وهو شاذ، والأكثر نصبه، أو جرّه ب «من».

473 - غير أنّا لم يأتنا بيقين … فنرجّي ونكثر التأميلا
منسوب إلى العنبري، أو بعض الحارثيين، وكلاهما مجهول. وأنشدوه شاهدا على أن ما بعد «الفاء» (فنرجّي)، على القطع والاستئناف، أي: فنحن نرجي. والمعنى: أنه لم يأت باليقين، فنحن نرجو خلاف ما أتي به؛ لانتفاء اليقين عما أتى به، ولو جزمه أو نصبه، لفسد معناه؛ لأنه يصير منتفيا على حدته كالأول إذا جزم، ومنفيا على الجمع إذا نصب، وإنما المراد إثباته، وهذه فلسفة غير مفهومة. [شرح المفصل ج 7/ 37، وكتاب سيبويه ج 1/ 419، والمغني رقم 365، والخزانة ج 8/ 338].

474 - كأنّ قرون الشمس عند ارتفاعها … وقد صادفت قرنا من النجم أعزلا
تردّد فيه ضوؤها وشعاعها … فأحصن وأزين لامرئ إن تسربلا
(2/371)

البيتان لأوس بن حجر، من قصيدة يصف فيها أسلحته، أولها:
صحا قلبه عن سكره فتأمّلا … وكان بذكرى أمّ عمرو موكّلا
وقوله: إن تسربلا، أراد: أن تسربل بها، يصف الدرع، يعني: إنك إذا نظرت إليها، وجدتها صافية برّاقة، كأن شعاع الشمس وقع عليها في أيام طلوع الأعزل، والهواء صاف.
وقوله: تردد فيه، يعني: الدرع، فذكّره للّفظ، والغالب عليها التأنيث. [اللسان «عزل»].
ولكن السيوطي في الهمع، استشهد بالشطر الثاني من البيت الثاني؛ لحذف «الباء» الجارة ل «أفعل» التعجب مع «أن» المصدرية، وعلى هذا تكون «أن» مفتوحة الهمزة؛ لتكون مصدرية، وفي اللسان، جاءت مكسورة على أنها شرطية. [الهمع ج 2/ 90].

475 - فويق جبيل شامخ لن تناله … بقنّته حتى تكلّ وتعملا
البيت من قصيدة لأوس بن حجر، يصف فيها سلاحه من سيف ورمح وقوس. والبيت من مجموعة أبيات وصف فيها قوسه، وقصة الحصول عليه، والمكان الذي نبت فيه، إلى أن يقول: فويق جبيل. وفويق: تصغير فوق، وهو ظرف متعلق في بيت سابق.
وقوله: وتعمل، أي: تجتهد في العمل، فهو مضمّن معنى الاجتهاد؛ ولهذا لم يتعدّ.
وقنة الجبل: أعلاه.
والشاهد: «جبيل»، على أنّ تصغيره هنا للتقليل، وليس للتحقير؛ لأن التحقير ينافي المعنى الذي أراده الشاعر، وربما أراد: أن الجبل صغير العرض، دقيق الرأس، شاق المصعد؛ لطوله وعلوّه. [شرح أبيات المغني ج 3/ 177، والأشموني ج 4/ 157].

476 - وكوم تنعم الأضياف عينا … وتصبح في مباركها ثقالا
البيت للفرزدق، وهو في [كتاب سيبويه ج 2/ 227، واللسان «نعم»]، وهو مطلع قصيدة يمدح بها سعيد بن العاص.
والكوم: جمع أكوم وكوماء، وهي الناقة العظيمة السنام. والأضياف: بالرفع، فاعل، أي: تنعم بهن الأضياف؛ لأنهم يشربون من ألبانها، وبالنصب: على نزع الخافض، أي:
تنعم بها عينا؛ لأمنها من النحر، لكثرة ألبانها، فلا ينحرها أربابها لذلك. والشاهد:
مجيء مضارع «نعم» على «ينعم»، بكسر العين على الندرة.
(2/372)

477 - فوربّي لسوف يجزى الذي أس … لفه المرء سيئا أو جميلا
البيت غير منسوب. وهو شاهد على امتناع «نون» التوكيد، للفصل بين لام القسم والفعل ب «سوف». [شرح التصريح/ 2/ 204].

478 - هل تعرف اليوم رسم الدار والطّللا … كما عرفت بجفن الصّيقل الخللا
دار لمروة إذ أهلي وأهلهم … بالكانسيّة نرعى اللهو والغزلا
البيتان لعمر بن أبي ربيعة. قال النحاس: لم يقل: دارا، وقد قال: هل تعرف رسم الدار؛ لأنه لم يعطفه على الفعل، ولكنه ابتدأ به، كأنه قال: تلك دار. [كتاب سيبويه ج 1/ 142، والنحاس 128، واللسان «كنس»].
في البيت الأول، شبه رسوم الدار في اختلافها، أو حسنها في عينه، بخلل جفون السيف التي صنعها صيقل، والخلل: جمع خلة بالكسر، وهي بطانة يغشى بها، تنقش بالذهب. والصيقل: شحاذ السيوف وجلّاؤها.

479 - أريت امرأ كنت لم أبله … أتاني فقال اتّخذني خليلا
البيت لأبي الأسود الدؤلي، من أبيات يحكي فيها قصة امرأة تزوجها، ثم ظهرت على غير ما يحبّ.
وقوله: أريت، بمعنى: أخبرني، وأصل «الهمزة» فيه للاستفهام. وريت: أصله:
رأيت، حذفت «الهمزة» وهي عين الفعل تخفيفا. وأبله: من بلاه يبلوه، إذا جربه واختبره. [الخزانة ج 11/ 379].

480 - أيّ حين تلمّ بي تلق ما شئ … ت من الخير فاتخذني خليلا
البيت بلا نسبة في الهمع ج 1/ 92. وأنشده السيوطي شاهدا لمجيء «أيّ» اسم شرط؛ حيث جزمت فعلين، الأول: تلمّ، والثاني: تلق.

481 - فتى هو حقّا غير ملغ فريضة … ولا تتخذ يوما سواه خليلا
البيت في الهمع في ج 2/ 49. وأنشده السيوطي شاهدا لجواز تقديم معمول المضاف إليه على المضاف، إذا كان المضاف (غير) النافية. قال السيوطي: ولا يقدم على
(2/373)

المضاف، معمول المضاف إليه؛ لأنه من تمامه، كما لا يتقدم المضاف إليه على المضاف، وجوز الزمخشري وابن مالك التقديم على (غير) النافية مطلقا، نحو: «زيد عمرا غير ضارب»، وأنشد البيت. ولم يذكر للبيت قائلا.

482 - أناو رجالك قتل امرئ … من العزّ في حبّك اعتاض ذلّا
البيت بلا نسبة في الهمع ج 2/ 95. وأنشده السيوطي (الشطر الأول) شاهدا لإعمال اسم الفاعل المعتمد على
استفهام، وهو قوله: «أناو رجالك»، المعتمد على الاستفهام الحرفي.

483 - فكأنّ ريّضها إذا استقبلتها … كانت معوّدة الرّكاب ذلولا
البيت للراعي النميري، من قصيدة مدح بها عبد الملك بن مروان، وشكا فيها من السعاة الذين يأخذون الزكاة. والريّض من الدواب: الذي لم يقبل الرياضة، ولم يمهر المشية، ولم يذلّ لراكبه، أو هو ضد الذلول، سميت باعتبار ما تؤول إليه تفاؤلا. يصف الشاعر نوقا، فيذكر أن الصعبة منها كأنها قد عودت الرحيل، وذللت بالركوب.
والشاهد: ورود «ريّض»، بغير «هاء» التأنيث. [سيبويه/ 3/ 643، هارون].

484 - نصروك قومي فاعتززت بنصرهم … ولو أنّهم خذلوك كنت ذليلا
البيت غير منسوب. وهو شاهد على لغة: (يتعاقبون فيكم ملائكة)، بإظهار الفاعل مع وجود الضمير المتصل. وسماها بعضهم لغة: (أكلوني البراغيث)، والحق أنها صحيحة فصيحة. [الأشموني ج 2/ 47].

485 - ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم … خيلا تكرّ عليكم ورجالا
البيت لجرير، من قصيدة يهجو فيها الأخطل، مطلعها:
حيّ الغداة برامة الأطلالا … رسما تحمّل أهله فأحالا
قبل البيت الشاهد:
أنسيت يومك بالجزيرة بعد ما … كانت عواقبه عليك وبالا
حملت عليك حماة قيس خيلها … شعثا عوابس تحمل الأبطالا
(2/374)

يشير إلى يوم «الكحيل»، الذي كان لقيس على تغلب.
[ديوان جرير/ 53].

486 - لا تحبسنّك أثوابي فقد جمعت … هذا ردائي مطويّا وسربالا
البيت غير منسوب. أثوابي: فاعل للفعل تحبسنّك. هذا: مبتدأ، وردائي: خبره، ومطويّا: حال من ردائي.
والشاهد: «وسربالا»، حيث نصب على أنه مفعول معه ولم يتقدمه الفعل، وإنما تقدمه ما يتضمن معناه، وهو: «مطويّا»، وأجاز أبو علي، أن يكون العامل «هذا». [الأشموني وعليه العيني ج 2/ 136، وشرح التصريح 1/ 343].

487 - وجدنا الصالحين لهم جزاء … وجنّات وعينا سلسبيلا
البيت في كتاب سيبويه ج 1/ 146، لعبد العزيز الكلابي، وفي كتاب النحاس ص 132.
قال النحاس: هذا حجة في أنه حمل (جنات وعينا) على المعنى، فنصب، كأنه قال:
وجدنا للصالحين جنات وعينا، ولولا ذلك، لقال: لهم جزاء وجنات وعين وسلسبيل.

488 - طرن انقطاعة أوتار محظربة … في أقوس نازعتها أيمن شملا
البيت منسوب لرجل اسمه الأزرق العنبري. وصف طيرا، فشبه صوت طيرانها مسرعة، بصوت أوتار انقطعت عند الجذب والنزع عن القوس، وأوقع التشبيه على الانقطاع؛ لأنه سبب الصوت المشبه به، وأنّث الانقطاع؛ لتحديد المرة الواحدة منه.
والمحظربة: الشديدة الفتل. والأقوس: جمع قوس.
وقوله: نازعتها أيمن شملا، أي: جذبت هذه إلى ناحية، وهذه إلى ناحية أخرى؛ لأن جاذب الوتر تخالف يمينه شماله في جذبه، وتنازعها فيه.
والشاهد: «أقوس»، جمع قوس، وشملا: في جمع شمال قياسا على جدار وجدر؛ لأن البناء واحد. والمستعمل في جمع قوس: أقواس، وفي جمع شمال: أشمل، في القليل؛ لأن «الشمال» مؤنثة، وشمائل في الكثرة. [شرح المفصل ج 5/ 34، وكتاب سيبويه
(2/375)

ج 2/ 194، واللسان «شمل» وشرح شواهد الشافية].

489 - ألكني إلى قومي السّلام رسالة … بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا
ولا سيئي زيّ إذا ما تلبّسوا … إلى حاجة يوما مخيّسة بزلا
البيتان للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، له صحبة، وشهد القادسية، وله فيها أشعار.
وقوله: ألكني، أي: بلغهم عني، ويظهر أنه بحذف جار، أي: ألك عني، وهو من الألوكة: الرسالة. ورسالة: بدل من السّلام. والآية: العلامة. ما: نافية والعزل: جمع أعزل، وهو الذي ليس معه سلاح. وسيئي: منصوب عطفا على خبر «كان» المتقدم، والزّي: الهيئة. وتلبسوا، أي: لبسوا ثيابهم. وإلى حاجة: متعلق به. والمخيسة: المذللة من الإبل، ونصبها بإضمار فعل، كأنه قال: إذا ما تلبسوا وركبوا مخيسة، وقد تنصب «تلبسوا»، ويكون تقديره: إذا لبسوا يوما مخيسة، يريد: شدوا الرحال عليها وزينوها.
والبزل: جمع بازل، وهو الذي مضت له تسع سنين، ودخل في العاشرة. وكان الشاعر تغرب عن قومه، فحمّل رجلا منهم السّلام، وجعل آية كونه منهم، معرفته بهم بما وصفهم به من القوة على العدو، ووفادتهم على الملوك بأحسن الزي. وفي البيت الأول: شاهد على أن «آية»، مضافة إلى الجملة الفعلية المنفية. وفي البيت الثاني:
إضافة «سيئي» إلى «زيّ»، وهو نكرة في باب الصفة المشبهة، ويجوز «سيئي الزي»، و «سيئين زيّا». [شرح أبيات المغني ج 6/ 281، والهمع ج 2/ 50، وكتاب سيبويه ج 1/ 101، واللسان «ألك»].

490 - وقد وسطت مالكا وحنظلا … صيّابها والعدد المجلجلا
البيت بلا نسبة في كتاب سيبويه، وهو لغيلان بن حريث.
والشاهد: ترخيم «حنظلة» وهو غير منادى. والصيّاب: الكرام.
وقوله: وسطتهم، أي: توسطتهم في الشرف. ومالك: هو مالك بن حنظلة بن تميم.
[سيبويه/ 2/ 269، هارون، واللسان «صيب»، ومجالس ثعلب/ 306].

491 - فلا ترى بعلا ولا حلائلا … كه ولا كهنّ إلا حاظلا
رجز لرؤبة، من أرجوزة في مدح سليمان بن علي. يصف في البيت حمارا وأتنه.
(2/376)

والحاظل: المانع من التزويج؛ لأن الحمار يمنع أتنه من حمار آخر يريدهن، يعني: أن تلك الأتن جديرات بأن يمنعهن هذا العير.
والشاهد: دخول «الكاف» على الضمير «كه»، «وكهن». [سيبويه/ 2/ 384، هارون].

492 - تظلّ الشمس كاسفة عليه … كآبة أنّها فقدت عقيلا
البيت غير منسوب. وقد أضاف «كآبة» إلى «أنها»، كأنه قال: كآبة فقدها، كقوله عزّ وجلّ: فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها. [الحشر: 17]، أي: فكان عاقبتهما خلودهما. [كتاب سيبويه ج 1/ 477، والنحاس ص 306].

493 - تنصّفه البريّة وهو سام … وتلفي العالمون له عيالا
البيت في الهمع ج 1/ 47، وأنشده السيوطي ردا على من زعم أن «العالمون» مبني على فتح النون، وليس معربا؛ لأنه لم يقع إلا ملازم «الياء»، قال: وردّ بقوله: وأنشد البيت، ولم ينسبه.

494 - لو شئت قد نقع الفؤاد بمشرب … يدع الحوائم لا يجدن غليلا
البيت من قصيدة لجرير، هجا بها الفرزدق.
وقوله: لو شئت: خطاب لامرأة. ونقع: روي. والحائم: الطالب للحاجة. والغليل:
العطش. والمشرب: مصدر ميمي، وأراد به: ماء ريقها. والبيت شاهد على أن جواب «لو»، قد اقترن «بقد»، وهو
غريب. [شرح أبيات المغني ج 5/ 114، والهمع ج 2/ 66، والأشموني ج 4/ 341، وشرح المفصل 10/ 60].

495 - سادوا البلاد وأصبحوا في آدم … بلغوا بها بيض الوجوه فحولا
البيت غير منسوب، وهو في [كتاب سيبويه ج 2/ 28، واللسان «أنس»، والهمع ج 1/ 35]. قال السيوطي: وقد يؤنث اسم الأب على حذف مضاف مؤنث، فلا يمنع من الصرف (كقول ... البيت)، أي: في قبائل آدم، وأولاد آدم، فحذف المضاف، ثم أنث آدم، فأعاد الضمير إليه مؤنثا في قوله: «بلغوا بها»، ولم يمنعه الصرف؛ لأنه راعى المضاف المحذوف.
(2/377)

496 - بنصركم نحن كنتم واثقين وقد … أغرى العدى بكم استسلامكم فشلا
البيت غير منسوب في [الهمع ج 1/ 63]. وأنشده السيوطي شاهدا في إحدى حالات تعيّن انفصال الضمير، إذا رفع بمصدر مضاف إلى المنصوب، مثل: (عجبت من ضربك هو) وقال ... البيت. ولفظ الشاهد «بنصركم نحن».

497 - إذا كنت معنيّا بمجد وسودد … فلا تك إلا المجمل القول والفعلا
البيت بلا نسبة في [الهمع ج 2/ 96]. وأنشده السيوطي شاهدا لعمل اسم الفاعل المحلى ب «أل» الدال على الحال. وهو قوله: (المجمل القول)، والدليل على نصبه المفعول؛ عطفه «الفعلا» عليه.

498 - دع المغمّر لا تسأل بمصرعه … واسأل بمصقلة البكريّ ما فعلا
البيت للأخطل، ورواه سيبويه بسكون «اللام» من «فعلا»؛ حيث لم يرد الترنم؛ ومدّ الصوت. والمغمر: لقب رجل. ولا تسأل بمصرعه، أي: عن مصرعه، ومصقله: هو ابن هبيرة، من شجعان العرب. [سيبويه/ 4/ 208، هارون].

499 - قالت فطيمة حلّ شعرك مدحه … أفبعد كندة تمدحنّ قبيلا
البيت لامرئ القيس في ديوانه، وهو بلا نسبة (شطره الثاني) في كتاب [سيبويه ج 2/ 151، والهمع ج 2/ 78، والأشموني ج 3/ 214، والخزانة ج 11/ 383]، وهو شاهد لتوكيد الفعل (تمدحنّ) بالنون؛ لوقوعه بعد الاستفهام، وهو الهمزة.

500 - لقيتم بالجزيرة خيل قيس … فقلتم مارسرجس لا قتالا
البيت لجرير، وهو شاهد للمركب المزجي، ويجوز فيه إضافة الأول إلى الثاني، فإن أضفت، أعربت الأول بما يستحقه من الاعراب، ونظرت في الثاني، فإن كان مما يتصرف، صرفته وإن كان مما لا ينصرف، لم تصرفه. ومار سرجس: علم أعجمي، مركب من «مار»، و «سرجس»، والمضاف إليه، الجزء الثاني لا يتصرف. ويجوز في الشاهد، بناؤه على الضم، على أن يجعل الثاني من تمام الأول بمنزلة «هاء» التأنيث من المذكر.
ومعنى البيت: فقلتم: يا مارسرجس، لا نقاتلهم، جبنا وخورا، يقول هذا لبني تغلب
(2/378)

في محاربتهم لقيس عيلان، ومارسرجس، اسم نبطي، سمى تغلب به، نفيا لهم عن العرب. ورواية البيت في الديوان:
قال الأخيطل إذ رأى راياتهم … يا مارسرجس لا نريد قتالا
[شرح المفصل/ 1/ 65، وسيبويه/ 2/ 50، وديوان جرير/ 57].

501 - فألفيته غير مستعتب … ولا ذاكر الله إلا قليلا
البيت لأبي الأسود الدؤلي من قصيدة يحكي فيها قصة امرأة، زينت له أن يتزوجها، فكانت على غير ما ظّن. وألفى: بمعنى: وجد، ينصب مفعولين. والمستعتب: اسم فاعل، الراجع بالإعتاب، والمعنى: ذكّرته ما كان بيننا من العهود، وعاتبته على تركها، فوجدته غير طالب رضائي. و «ذاكر»: بالنصب عطفا على «غير». ولفظ الجلالة:
منصوب ب «ذاكر» اسم الفاعل.
والشاهد: أن حذف التنوين من «ذاكر»؛ لضرورة الشعر. [كتاب سيبويه ج 1/ 85، والخزانة ج 11/ 374، وشرح المفصل ج 2/ 5، والإنصاف ص 659].

502 - ولو أنها إياك عضّتك مثلها … جررت على ما شئت نحرا وكلكلا
البيت للمرّار الأسدي، يصف داهية شديدة، يقول لمخاطبه: لو أصابك مثلها، لصرعت على الأرض، وجررت على ما شئت منها نحرك وصدرك.
والشاهد: نصب «إياك» بفعل فسّره ما بعده، يقدّر بعد «إيّاك»؛ لأنه ضمير منفصل لا يجوز اتصاله بالفعل. [سيبويه/ 1/ 150، هارون].

503 - إنّ لكم أصل البلاد وفرعها … فالخير فيكم ثابتا مبذولا
البيت في كتاب سيبويه بلا نسبة [ج 1/ 262، وكتاب النحاس ص 192]، قال النحاس: هذا حجة لنصب «ثابت مبذول»، كقولك: «الرجل عندك قائما»، ونصبه على الحال؛ لأن الكلام قد تمّ دونه.

504 - إنّ الألى وصفوا قومي لهم فبهم … هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا
البيت في [الأشموني ج 3/ 136]، غير منسوب. قال الصبّان: قومي: خبر «إنّ». «لهم»:
(2/379)

متعلق بصلة الموصول، وهي: «وصفوا»، فيكون قد فصل بين العامل والمعمول بأجنبي؛ للضرورة.

505 - عددت قشيرا إذ فخرت فلم أسأ … بذاك ولم أزعمك عن ذاك معزلا
البيت للنابغة الجعدي، يخاطب رجلا من قشير، وهم إخوة جعدة قبيلة النابغة، يقول:
إن عددت سادات قشير مفاخرا، فإن ذلك لن يسوءني، ولم أظنك ذا معزل عن ذلك.
فمعزلا: منصوب على المفعولية، بتقدير مضاف، أو على الظرف الواقع موقع المفعول الثاني، وشاهده: إعمال «زعم».
[سيبويه/ 1/ 121، هارون].

506 - حتى إذا لم يتركوا لعظامه … لحما ولا لفؤاده معقولا
البيت للراعي النميري في ديوانه، وهو شاهد لمجيء المصدر على زنة اسم المفعول في الثلاثي، نحو: جلد جلدا، ومجلودا، و «معقول» في البيت. [الأشموني ج 2/ 310].

507 - تحنّن عليّ هداك الملي … ك فإنّ لكلّ مقام مقالا
البيت للحطيئة. وأنشده السيوطي شاهدا للنطق بفعل المصدر المثنى (حنانيك).
[الهمع ج 1/ 189، واللسان «حنن»].

508 - بنيت مرافقهنّ فوق مزلّة … لا يستطيع بها القراد مقيلا
البيت للراعي النميري، وهو في [كتاب سيبويه ج 2/ 247، والنحاس 330]، قال النحاس: يريد «قيلولة»، فوضع المقيل، وهو المكان، موضع المصدر.
وفي حاشية هارون: أن «مقيل»، مصدر ميمي. وينعت الشاعر نوقا ملس الجلود، ولا يجد القراد فيهنّ موضعا يثبت فيه؛ لشدة امّلاسهن. والمزلة: الموضع الذي يزل فيه، أي: يزلق.

509 - أزمان قومي والجماعة كالذي … منع الرّحالة أن تميل مميلا
البيت للراعي النميري، عبيد بن حصين، ولقب الراعي؛ لكثرة وصفه الإبل في شعره.
والبيت من قصيدة مدح بها عبد الملك، وشكا فيها من السعاة الذين يأخذون الزكاة.
(2/380)

وقوله: أزمان: منصوب على الظرفية، وعامل النصب في بيت سابق، وهو قوله:
من نعمة الرحمن لا من حيلتي … إنّي أعدّ له عليّ فضولا
والجماعة: بالنصب، مفعول معه، على تقدير: أزمان كان قومي والجماعة، على تقدير، إضمار الفعل. [كتاب
سيبويه ج 1/ 154، والهمع ج 1/ 122، والأشموني ج 2/ 138].

510 - وما شنّتا خرقاء واهيتا الكلى … سقى فيهما ساق ولمّا تبلّلا
بأضيع من عينيك للدمع كلّما … تعرّفت دارا أو توهّمت منزلا
البيتان الذي الرّمة، في [الأمالي للقالي ج 1/ 208، والمقرب ج 1/ 73، واللسان «سقى»].

511 - دعوت امرأ أيّ امرئ فأجابني … وكنت وإيّاه ملاذا وموئلا
البيت غير منسوب في [الهمع ج 1/ 92]، وهو شاهد لمجيء «أي»، صفة لنكرة.

512 - عهدت مغيثا مغنيا من أجرته … فلم أتخذ إلا فناءك موئلا
البيت غير منسوب.
والشاهد: «مغيثا»، من الإغاثة، و «مغنيا» من الإغناء، فإنهما حالان تنازعا في (من أجرته)، و «الفاء» في قوله: «فلم»، للتعليل، أي: فلأجل ذلك لم أتخذ موئلا.
[الأشموني ج 2/ 99، وعليه العيني].

513 - ما المجد إلّا قد تبيّن أنّه … بندى وحلم لا يزال مؤثّلا
البيت بلا نسبة. قال السيوطي: يلي إلّا في النفي فعل مضارع مطلقا، سواء تقدمها فعل أو اسم، ويليها ماض بشرط أن يتقدمها فعل نحو: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا .... * [الحجر: 11 ويس: 30]. وقال ابن مالك: ويغني عن تقديم فعل، اقتران الماضي ب «قد»، كقوله: (البيت)؛ لأنه تقرّبه من الحال، فأشبه المضارع. [الهمع ج 1/ 230]. والبيت كما في الهمع من الكامل، وجاء في غيره من الطويل: «وما المجد ... ببذل وحلم».

514 - أنجب أيام والداه به … إذ نجلاه فنعم ما نجلا
البيت للأعشى، يمدح رجلا. وأنجب الرجل، إذا ولد نجيبا. ونجلاه: من النجل،
(2/381)

وهو النّسل، ونجلا: الألف: ضمير الاثنين، والمخصوص محذوف.
والشاهد: الفصل بين المضاف «أيام» والمضاف إليه بالفاعل «والداه»، والتقدير:
أنجب والداه به أيام إذ نجلاه. [الأشموني ج 2/ 277، والهمع ج 2/ 53].

515 - يوما تراها كشبه أردية ال … عصب ويوما أديمها نغلا
البيت للأعشى، من قصيدة مدح بها سلامة ذا فائش الحميري.
وقوله: يوما تراها: يعود الضمير على الأرض في بيت سابق. و «الكاف»: زائدة.
وأردية: جمع رداء. والعصب، برد يصبغ غزله ثم ينسج. شبه الأرض به إذا أخصبت، وبالأديم النّغل إذا أجدبت. ونغل الأديم إذا فسد. [شرح أبيات المغني ج 2/ 163، واللسان «نغل» والخصائص ج 2/ 395].

516 - فأقبل على رهطي ورهطك نبتحث … مساعينا حتى نرى كيف تفعلا
البيت للنابغة الجعدي. والرهط: العصابة دون العشرة، وقيل: بل إلى الأربعين.
ونبتحث: مجزوم، جواب الأمر، أي: نفتش، والتقدير: عن مساعينا؛ لأنه لا يقال إلا بحث عنه.
والشاهد: «كيف نفعلا»، أصله: «نفعلن»، بنون التوكيد الخفيفة، أكده لوقوع الفعل بعد اسم الاستفهام، فأبدل «النون» «ألفا»: لأجل القافية. [الأشموني ج 3/ 214، وكتاب سيبويه ج 2/ 151، والهمع ج 2/ 78].

517 - ألا يا عباد الله قلبي متيّم … بأحسن من صلّى وأفضلهم نفلا
البيت غير منسوب في [الهمع ج 2/ 70]. وأنشد السيوطي شطره الأول شاهدا لورود «ألا» الاستفتاحية قبل النداء كثيرا.

518 - خلا أنّ حيّا من قريش تفضّلوا … على الناس أو أنّ الأكارم نهشلا
البيت منسوب للأخطل، وليس في ديوانه. وخلا: من أدوات الاستثناء. والحيّ:
القبيلة.
قالوا: وكأنه أراد بتنكيره بني هاشم. وهذا مشكوك فيه. لأن الذي يمدح بني هاشم
(2/382)

ويفضلهم على الناس، يجعلهم يرجحون بسبب النبوّة التي كانت فيهم، والأخطل لا يؤمن بالنبوة المحمدية. ونهشل: أبو قبيلة، بدل من الأكارم. وقد أنشدوا البيت ردّا على الكوفيين في اشتراطهم لحذف الخبر، تنكير الاسم (يقصدون خبر إنّ)، وردا على الفرّاء في اشتراطه تكرير «إنّ»، حيث - زعموا - أن خبر «أنّ» في البيت محذوف، واسمها «الأكارم» معرفة. وهو ردّ مردود عليهم؛ لأنّ الكوفيين يشترطون هذا في «إنّ» المكسورة. ثم إن هذا البيت لا يعلم قائله على وجه اليقين، ولسنا متأكدين أن هذا البيت آخر القصيدة. فافهم أن البصريين وأنصارهم يتعلقون بأوهى الأسباب للردّ على الكوفيين، وقد ظلم الكوفيون عند ما نحيّ نحوهم، بل ظلمت العربية بهذا التعصب الذي لا يخلو من هوى سياسي، أو عقديّ. [شرح المفصل ج 1/ 104، والخصائص ج 2/ 374، والخزانة ج 10/ 461].

519 - الودّ أنت المستحقّة صفوه … منّي وإن لم أرج منك نوالا
البيت غير منسوب. الودّ: مبتدأ. وأنت: مبتدأ ثان، والمستحقة صفوه: خبره، والجملة: خبر الأول، وفيه الشاهد: فإن
«المستحقة»، مضاف إلى صفوه، وهو مضاف لضمير ما هو مقرون ب «أل»، وهو «الودّ». وزعم المبرد أن مثل هذا لا يجوز فيه إلا النصب. والصحيح جواز الجرّ كما في الشاهد. قلت: ومن الذي سمع من الشاعر جرّ «صفوه»، فإن النصب في «صفوه» قويّ. [الأشموني ج 2/ 246، والهمع ج 1/ 48، والعيني ج 3/ 392].

520 - فلم أر مثلها خباسة واحد … ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
البيت منسوب لعامر بن جوين الطائي، من أبيات قالها عند ما نزل عنده امرؤ القيس بماله، فهمّ عامر أن يغدر به، فتحمل امرؤ القيس وارتحل.
وقوله: فلم أر مثلها. قالوا: يريد: مثل هند أخت امرئ القيس، وربما كان يريد أموال امرئ القيس.
والخباسة: بضم الخاء، الغنيمة. يقول: لم أر مثل هذه الغنيمة، غنيمة رجل واحد، وإنما يحوي هذه الغنيمة جيش عظيم. ونهنهت: كففت نفسي عن أخذ هذه الغنيمة، بعد ما كدت آخذها. و «الهاء» في «أفعله»، ضمير المصدر، أي: بعد ما كدت أفعل الفعل.
والمشكل في البيت «أفعله»، فالقوافي قبل البيت منصوبة، واللام من «أفعله»، منصوبة، فما
(2/383)

الذي نصبها، وهو فعل مضارع لم يسبقه ناصب؟ فقال سيبويه وآخرون: إن الفعل منصوب ب «أن» مصدرية محذوفة، وعلامة نصبه الفتحة، مع أنهم يقولون: إن دخول «أن» على خبر «كاد» ضرورة في الشعر، فالحذف ضرورة بعد ضرورة. والذين يتأولون كلام سيبويه دائما؛ ليكون صحيحا قالوا: إن الشاعر أجرى «كاد» مجرى «عسى»، و «عسى» تدخل «أن» في خبرها. وقال آخرون: إن الفتحة للبناء، فالفعل مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون توكيد خفيفة، ثم حذفت «النون»، وأصله «أفعلنه»، وفي هذا التخريج توكيد الفعل بدون سبب موجب، أو مجبر للتوكيد. وقال المبرد: أصله:
«أفعلها»، فالفعل مرفوع ثم حذف «الألف»، ونقل حركة «الهاء» لما قبلها.
قلت: وتخريجاتهم كلها باطلة تقوم على الوهم؛ لأنهم لم يسمعوا هذا الشعر من صاحبه، ولا تحققوا أن البيت قاله ذاك العربيّ، فقصة امرئ القيس فيها كثير من الخلط والتخليط، وهي بعيدة عن زمن الرواية، ونحن نقول: ربما زاد أحدهم هذا البيت؛ لغرض في نفسه، وأراد أن يماحك النحويين، ويوقع البلبلة بينهم، وربّما قال هذا الشعر المنسوب إليه حقا، ولكنه وقع في الوهم فنصب. وإنني ليشتد عجبي من النحويين الذين يلتمسون الأعذار لشعر لا يعلم من سمعه من صاحبه، وهم ينقضّون كالضواري على نصّ حديث نبويّ، أو قراءة من القراءات، ويصفون رواة الحديث والقراءات بما لا يليق من أوصاف، مع أن الزمن بين رواية الحديث وتدوينه كانت قصيرة، بل الزمن
بين الصحابة وتدوين اللغة والنحو، ليس بشاسع كما هو بين قول الشعر واستنباط النحو. مع العلم أن الحرص على لفظ الحديث والقراءات أشدّ من الحرص على لفظ الشعر، ولكن يظهر أن الخصومة هي التي أفرزت هذه الأحكام، فأهل الحديث لا يثقون برواية أهل اللغة، وقلّما تجد راوي شعر أو لغة موثقا في رواية الحديث، فأراد اللغويون أن يكيلوا الصاع صاعين، فقالوا ما قالوا، ولو أنهم أنصفوا، لكانت القراءات والأحاديث مقدّمة على رواية الشعر؛ لأنها أحدث عهدا وأقرب زمنا، ورواة الحديث والقراءات أوثق وأصدق، والله أعلم. [كتاب سيبويه ج 1/ 155، والإنصاف ص 561، والهمع ج 1/ 58 وج 2/ 17، والأشموني ج 1/ 261، واللسان «خبس»].

521 - مزّقوا جيب فتاتهم … لم يبالوا حرمة الرّجله
البيت منسوب لطرفة بن العبد. واستشهدوا بالبيت على أنه قد جاء عن العرب، «رجله»، ب «التاء»؛ للفرق بين جنس المذكر والمؤنث. [شرح المفصل ج 5/ 98، واللسان «رجل»].
(2/384)

522 - أبى الله للشّمّ الألاء كأنّهم … سيوف أجاد القين يوما صقالها
البيت لكثيّر عزّة. والألاء: أحد جمعي «الذي»، يمدّ كما في البيت، ويقصر، فيقال:
«الألى»، والدليل على أنه للجمع. المذكر أنه وصف به المذكّر «الشم»، جمع «أشمّ».
والقين: الحداد، وهو فاعل «أجاد». وصقالها: مفعول أجاد. [الأشموني ج 1/ 149، والهمع ج 1/ 83، والعيني ج 1/ 459].

523 - وداهية من دواهي المنون … يحسبها الناس لا فالها
دفعت سنا برقها إذ بدت … وكنت على الجهد حمّالها
البيتان لعامر بن جوين الطائي، من أهل الجاهلية. ومعنى: (لا فالها)، يريد: لا فم لها، ويقصد: لا مدخل لمعاناتها والتداوي منها، أي: هي داهية مشكلة. والمنون:
الموت، و «فا»: منصوب ب «لا» النافية. و «اللام» في «لها» مقحمة. والخبر محذوف، أي: في الدنيا، أو فيما يعلمه الناس على تخريج «لا أبالك». والسنا: في البيت الثاني:
الضوء. يريد أنه دفع شرّها والتهاب نارها حين أقبلت، وكان هو حمال أثقالها. [الخزانة ج 2/ 117، واللسان «فوه»، وكتاب سيبويه ج 1/ 159].

524 - عتوا إذ أجبناهم إلى السّلم رأفة … فسقناهم سوق البغاث الأجادل
البيت بلا نسبة في [الأشموني ج 2/ 276، والعيني ج 3/ 465].
وعتوا: أفسدوا، وإذ: بمعنى حين. والسلم: الصلح. والأجادل: جمع أجدل. لعله الصقر.
والشاهد: «سوق البغاث الأجادل». وأصله: (سوق الأجادل البغاث)، ففصل بين المضاف (سوق)، والمضاف إليه (الأجادل)، بمفعول المضاف، وهو (البغاث).
فالبغاث: طير صغير، يصاد ولا يصيد. وهذه إحدى الحالات التي جوزوا فيها الفصل بين المتضايفين، وهي أن يكون المضاف مصدرا، والمضاف إليه فاعله، والفاصل مفعوله، ومنه قوله تعالى في قراءة ابن عامر: قتل أولادهم شركائهم.
[الأنعام: 137]. [الأشموني ج 2/ 276، والعيني ج 3/ 465].

525 - ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال … وقبل منايا باكرات وآجال
(2/385)

البيت للشماخ، معقل بن ضرار الغطفاني، من قصيدة رثى بها بكير بن شدّاد الليثي، وكان قتل في فتوح أذربيجان. والشماخ، مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وله صحبة، وشهد القادسية، وغزا مع سعيد بن العاص حتى فتح أذربيجان، واستشهد في غزوة (موقان) زمن عثمان بن عفان. وسنجال: قرية من قرى أرمينية. يقول: اسقياني قبل هذه الوقعة، وقبل هذه المنايا المقدرة، علما منه أن ربّما قتل فيها، هو أو أحد أودّائه، فيشغله ذلك عن اللذات.
والشاهد: دخول «ياء» النداء على الفعل. فقيل «يا»: حرف نداء، والمنادى مقدر، والتقدير هنا: (يا هذان اسقياني). وقيل: هي حرف تنبيه، ولا منادى. [شرح المفصل ج 8/ 115، وشرح أبيات المغني ج 6/ 168، وكتاب سيبويه ج 2/ 307، ومعجم البلدان].

526 - وما هجرتك، لا، بل زادني شغفا … هجر وبعد تراخى لا إلى أجل
البيت بلا نسبة.
والشاهد: زيادة «لا» قبل «بل»؛ لتوكيد تقريرها ما قبلها بعد النفي. [الأشموني ج 3/ 113، والهمع ج 1/ 136].

527 - وهل يعمن من كان أحدث عهده … ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال
البيت لامرئ القيس، وقبله:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي … وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وعم صباحا: تحيتهم في الجاهلية، وقد تكون من (أنعم صباحا). ويعمن: مضارع مبني على الفتح. والعصر: لغة في العصر، وهو الدهر، والخالي. الماضي.
والشاهد: «في ثلاثة». قالوا: «في»، بمعنى «من»، على أن «الأحوال» جمع «حول»، وهو العام، أو بمعنى «مع». ولعلها كانت «من» فصحفوها؛ ليختلفوا حولها. والحق أنها «في» الظرفية؛ لأن «الأحوال» جمع «حال». وأراد ب «الأحوال»: تقلبات الزمن، من مطر، ورياح، وقدم. الأقوى أن الشطر مصنوع؛ لأنه كلام بارد لا حياة فيه، ولماذا اختار ثلاثين شهرا، وهل كان امرؤ القيس فارغ البال لعدّ الشهور؟ إنه لم يكن يعرف أمسه من غده؛
(2/386)

لأن شخصيته التي صورتها كتب الأدب، تجعله لا يفيق من سكره وفسقه وضلاله، من أين له رؤية القمر الذي يعدون به الليالي؟ [شرح أبيات المغني ج 4/ 77، والأشموني ج 2/ 219، والهمع ج 2/ 30].

528 - فقالت سباك الله إنّك فاضحي … ألست ترى السّمّار والناس أحوالي
البيت لامرئ القيس، وقبله:
سموت إليها بعد ما نام أهلها … سموّ حباب الماء حالا على حال
والسموّ: العلوّ، وأراد به: النهوض. يقول: جئت إليها بعد ما نام أهلها. والحباب:
بالفتح، النفاخات التي تعلو الماء، وقيل: الطرائق التي في الماء، كأنها الوشي.
وقولها: سباك الله: أبعدك وأذهبك إلى غربة، وقيل: لعنك الله. وأحوالي: أطرافي، جمع حول. وقد أنشد السيوطي الشطر الثاني في باب: الظروف المكانية التي عدم فيه التصرف، فلم يخرج عن الظرفية. ومنها: حول، وحوالي، وحولي، وحوالى، وأحوال، وأحوالي. [الهمع ج 1/ 201، وشرح أبيات المغني ج 4/ 103].

529 - إذا هي لم تستك بعود أراكة … تنخّل، فاستاكت به عود إسحل
البيت لعمر بن أبي ربيعة، أو لطفيل الغنوي، أو للمقنّع الكندي. قال العيني:
والصواب أنه لطفيل الغنوي، من قصيدة يصف فيها امرأة تدعى سعدى.
وقوله: تنخّل: مجهول، جواب الشرط، يعني: اختير.
والشاهد فيه، وفي «استاكت»، حيث تنازعا في «عود إسحل»، فأعمل الأول، وأضمر الثاني. و «به»: في محل النصب على أنه مفعول «فاستاكت»، و «الفاء» للعطف.
والإسحل: بكسر الهمزة، والحاء مفتوحة أو مكسورة، روايتان، شجر يتخذ منه السواك.
وكأن تركيب البيت هكذا: إذا هي لم تستك بعود أراكة، اختير عود إسحل، فاستاكت به.
قلت: والشاعر بهذا البيت، لم يتغزل، وإنما يتصنع الغزل؛ لأن غزله لا ينساب كالماء الرقراق. [الأشموني ج 2/ 105، وشرح المفصل ج 1/ 79، وكتاب سيبويه ج 1/ 40، والهمع ج 1/ 66].
(2/387)

530 - أغرّ الثنايا أحمّ اللّثات … يحسّنها سوك الإسحل
أغرّ: أبيض. وأحمّ: من الحمة، وهي لون بين الدهمة والكمتة (الحمرة). والسّوك:
جمع سواك. والإسحل: شجر.
والشاهد: «سوك»، بضم السين والواو. والقياس فيه سكون الواو «سوك». [الأشموني ج 4/ 130، واللسان، «سوك»]. والبيت لعبد الرحمن بن حسان.

531 - أجبيل إنّ أباك كارب يومه … فإذا دعيت إلى العظائم فاعجل
البيت من قصيدة لعبد قيس بن خفاف، شاعر جاهلي، والقصيدة برقم 116 في المفضليات، وكلها في دعوى ابنه إلى الكرم والبرّ، ولكنّ نظمها بارد وفاتر، لا تحس فيه بحرارة الشعر، وتشبه النظم العلمي في العصر العباسي، أو نظم المواعظ، ولعلّ هذا الذي جعل السيوطي يقول: إن الشاعر إسلامي.
والشاهد: «كارب يومه»، حيث استعمل من «كرب»، اسم الفاعل وقد أوله الجوهري أنه اسم فاعل من (كرب) التامة في نحو قولهم: كرب الشتاء، أي: قرب، وليس هو من «كرب» من أفعال المقاربة التي تستدعى الاسم والخبر. وإذا كانت ناقصة، فإن «كارب» أضيف إلى الاسم، والخبر محذوف، أي: كارب يومه أن يأتي. [الأشموني ج 1/ 265، وشرح أبيات المغني ج 2/ 223].

532 - وإنا لنرجو عاجلا منك مثل ما … رجوناه قدما من ذويك الأفاضل
البيت للأحوص الأنصاري.
والشاهد: «من ذويك»، فقد أنشد السيوطي شطر البيت شاهدا لجواز إضافة (ذوو) إلى ضمير، والأصل فيه أن يضاف إلى اسم جنس، أو إلى العلم سماعا. [الهمع ج 2/ 50، واللسان (ذو)].

533 - ربّ رفد هرقته ذلك اليو … م وأسرى من معشر أقيال
البيت للأعشى ميمون، يمدح الأسود بن المنذر. والرفد، بكسر الراء: القدح الضخم، وإراقة الرفد: كناية عن القتل والإماتة. والبيت شاهد على أن الأكثر مراعاة الأصل في
(2/388)

وقوع صفة مجرور «ربّ»، جملة فعلية، سواء كانت مذكورة أو مقدرة، وقد اجتمعا في هذا البيت، فجملة «هرقته»، صفة ل «رفد».
وقوله: وأسرى: مجرور ب «ربّ» المذكورة بطريق التبعية، و «من معشر»: متعلق ب «أسرى» وصفة «أسرى» محذوفة تقديره: (حصلت لك)، ولا جواب ل «ربّ» في الموضعين؛ لأن معنى الكلام تام لا يفتقر إلى شيء سوى الصفة المقدرة. وفي المعنى أن «من معشر» صفة ل «أسرى»، ولا يجوز أن يتعلق به؛ لئلا يخلو مجرور «ربّ» من صفة. [شرح المفصل ج 8/ 28، والهمع ج 1/ 9، وشرح أبيات المغني ج 7/ 233، والخزانة ج 9/ 559].

534 - ربّ رفد هرقته ذلك اليو … م وأسرى من معشر أقتال
هو البيت السابق برواية القافية (أقتال)، ب «التاء»، جمع (قتل)، بكسر «القاف» وله معنيان أحدهما: العدوّ المقاتل. والثاني: الشبه والنظير في المقاتلة. أما الأقيال: بالياء، فهو جمع «قيل»، وهو الملك، قيل: مطلقا، وقيل: خاص بملوك حمير.

535 - غير ميل ولا عواوير في الهيجا … ولا عزّل ولا أكفال
للأعشى، من قصيدته التي مطلعها:
ما بكاء الكبير بالأطلال … وسؤالي وما تردّ سؤالي
وقوله: ميل: جمع أميل، وهو الذي لا سلاح له. والعواوير: جمع «عوّار»، وهو الجبان. والأكفال: الذين لا يثبتون على الخيل.
والشاهد: «عواوير»، جمع «عوّار»، وهو جمع تكسير، وحقه ب «الواو» و «النون».
[شرح المفصل ج 5/ 67، واللسان «عور»].

536 - هوينني وهويت الغانيات إلى … أن شبت فانصرفت عنهنّ آمالي
البيت بلا نسبة.
والشاهد: «هوينني وهويت»، حيث تنازعا في «الغانيات»، فأعمل الثاني وأضمر في الأول، وهو جمع «غانية»، وهي المرأة التي تستغني بجمالها عن الحلي. [الأشموني ج 2/ 104].
(2/389)

537 - ظنّي بهم كعسى وهم بتنوفة … يتنازعون جوائز الأمثال
البيت لابن مقبل، وهو شاعر إسلامي.
وقوله: ظنّي بهم، أي: يقيني بهم. فالظنّ هنا: بمعنى اليقين، كقوله تعالى في سورة القيامة: وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ. [الآية:
28]. وظني: مبتدأ: خبره «كعسى»، أي: يقيني بهم، كشكّ في حال كونهم في الفلاة (التنوفة)، إذ لست أعلم الغيب، يريد أنه لا يقين له بهم. ويتنازعون: يتجاذبون. وجوائز الأمثال، أي: الأمثال السائرة في البلاد من جاز البلاد، قطعها، وهو كقولنا: يتجاذبون أطراف الحديث، ويروى: جوائب الأمثال.
والمشكل في البيت «كعسى»، هل هي بمعنى اليقين، أو بمعنى الشك. فقد افترقوا شيعا حول الجوابين. وأنا أرجح أن ابن مقبل لم يقل هذا البيت، وإن كان قاله، لم يقل:
(ظني بهم كعسى)، لأن ابن مقبل شاعر مخضرم، وكان جوّاب صحارى، وإفراد «عسى» بصفتها فعلا، لم يكن إلا عند المتأخرين، ثم إنه شبه «الظنّ»، وهو اسم ب «عسى»، وهو فعل، فنحن لا نقول: أكلي كشرب. [الخزانة ج 9/ 313، وشرح المفصل ج 7/ 120، واللسان «جوز، عسى»].

538 - ولكنما أسعى لمجد مؤثّل … وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
البيت لامرئ القيس.
والشاهد: «لكنّما»، ألغيت بدخول «ما» عليها، ودخلت على الفعل، فلم تعد مختصة بالدخول على الأسماء. [الهمع ج 1/ 143].

539 - لأجهدنّ فإمّا درء واقعة … تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل
البيت غير منسوب. وأنشده السيوطي في الهمع من مواضع حذف عامل المصدر إذا وقع في تفصيل عاقبة خبر. فقوله: «درء»، و «بلوغ»، مصدران منصوبان لفعلين محذوفين. [الهمع/ 1/ 192].

540 - إلى ماجد الآباء قرم عثمثم … إلى عطن رحب المباءة آهل
لذي الرّمة، وهو في كتاب سيبويه ج 2/ 90، وفي ملحق الديوان، الشطر الثاني فقط.
والعطن: مبرك الإبل عند الماء. والمباءة: المنزل، من باء يبوء، إذا رجع.
(2/390)

والشاهد: «آهل»، بمعنى: ذي أهل. وقد استشهد به سيبويه في باب «الإضافة تحذف فيه ياءي الإضافة؛ وذلك إذا جعلته صاحب شيء يزاوله، أو ذا شيء».
ويريد بالإضافة هنا النسب. وهو يذكر أمثلة من النسب بدون «ياء» النسبة، وجعل «ياء» النسبة ياءين؛ لأنها مشدّدة. قال سي