Advertisement

شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية 003


شَرْح الشَّواهِد الشّعْرية في أُمَّات الكتب النّحويَّة «لأربعَةِ آلافِ شاهِدٍ شِعري»

خرجَ الشّواهد وَصنّفَها وَشرحَهَا
محمَّد محمَّد حَسن شُرّاب

[الجزء الثالث]

مؤسسة الرسالة
(/)

قافية الميم
1 - فما ترك الصّنع الذي قد صنعته … ولا الغيظ منّي ليس جلدا وأعظما
البيت للأحوص الأنصاري من قصيدة أرسلها إلى عمر بن عبد العزيز وهو منفي بجزيرة دهلك، والبيت شاهد على أن «ليس ولا يكون، وخلا، وعدا»، لا يستعملن في الاستثناء المفرّغ. وقد جاء التفريغ في ليس كما في البيت، فإن المستثنى منه محذوف، أي: ما ترك الصّنع شيئا إلا جلدا وأعظما، فالمنصوب بعد ليس خبرها.
[الخزانة/ 3/ 337].

2 - فهل لكم فيها إليّ فإنني … طبيب بما أعيا النّطاسيّ حذيما
البيت لأوس بن حجر. والتقدير: فهل لكم ميل فيها .. يعود الضمير إلى المعزى المذكورة في الأبيات السابقة. والبيت شاهد على حذف مضاف، أي: ابن حذيما، فحذف المضاف. وابن حذيم: طبيب مشهور عند العرب في الجاهلية.
[الخزانة/ 4/ 370، وشرح المفصل/ 3/ 25، والخصائص/ 2/ 453].

3 - فذلك إن يلق الكريهة يلقها … حميدا وإن يستغن يوما فربّما
.. فذلك .. الإشارة إلى الصعلوك في بيت أول المقطوعة:
لحا الله صعلوكا مناه وهمّه … من الدهر أن يلقى لبوسا ومطعما
أي: ذلك الصعلوك الذي يساور همه ولا يثنيه شيء عن الغزو للغنائم، إن أدركته المنيّة قبل بلوغ الأمنية لقيها محمودا إذ كان قد فعل ما وجب عليه. وإن نال الغنى يوما، فكثيرا ما يحمد أمره. والبيت الأول شاهد على أن الفعل قد يحذف بعد ربّما، والتقدير:
يحمد أمره. والبيت الشاهد منسوب إلى عروة بن الورد - ومنسوب إلى حاتم، وعند حاتم أبيات ميميّة فيها بعض ألفاظ البيت ... ولعروة بن الورد قصيدة رائية، وفيها البيت بألفاظه ما عدا القافية وهو:
(3/1)

فذلك إن يلق المنيّة يلقها … حميدا وإن يستغن يوما فأجدر
[الخزانة/ 10/ 9، وشرح التصريح/ 2/ 90، والمرزوقي/ 424، والأشموني/ 3/ 20، وابن عقيل/ 2/ 226].

4 - تأخّرت أستبقي الحياة فلم أجد … لنفسي حياة مثل أن أتقدّما
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا تقطر الدّما
... البيتان للحصين بن الحمام المريّ، من شعراء الجاهلية. يقول في البيت الأول:
نكصت على عقبي رغبة في الحياة، فرأيت الحياة في التقدم مثل قولهم: «الشجاع موقّى» أي: تتهيبه الأقران، فيتحامونه فيكون ذلك وقاية له.
ويقول في البيت الثاني: نتوجه نحو الأعداء في الحرب، ولا نعرض عنهم، فإذا جرحنا كانت الجراحات في مقدّمنا، لا في مؤخرنا، وسالت الدماء على أقدامنا لا على أعقابنا.
والشاهد في قوله: «تقطر الدما» ويروى:
يقطر الدّما: الدّما: بفتح الدال: فاعل مرفوع، والضمة مقدرة لأنه اسم مقصور.
وتقطر الدّما: أي: تقطر كلومنا الدم. فالدم مفعول به للفعل تقطر.
ونقطر الدّما: أي: نقطر دما من جراحنا. فالفعل بنون المتكلمين.
وتقطر الدّما: أي: الدماء، فقصر الممدود. فإن كان الفعل لازما، فالدما: فاعل وإن كان متعديا، فإنه مفعول به، والفاعل ضمير «كلومنا». [الخزانة/ 7/ 490، والمرزوقي/ 198، والشعر والشعراء/ 2/ 648].

5 - أما والدّماء المائرات تخالها … على قنّة العزّى وبالنّسر عندما
البيت للشاعر الجاهلي عمرو بن عبد الجنّ. وهو شاهد على أن لام التعريف قد تزاد في العلم. كما في قوله «النّسر» فقد ورد في القرآن، بدون الألف واللام.
[الخزانة/ 7/ 214].

6 - لأورث بعدي سنّة يقتدى بها … وأجلو عمى ذي شبهة إن توهّما
(3/6)

البيت للمتلمس، واسمه جرير بن عبد المسيح .. والبيت شاهد على أن اللام الداخلة على المضارع، لام الابتداء، دخلت على المضارع للتوكيد وليست في جواب القسم.
وقوله «لأورث»: مضارع أورث، يتعدى لمفعولين بالهمزة. الأول محذوف والتقدير لأورث الناس. وسنّة: المفعول الثاني. وجملة يقتدى بها: صفة لسنّة. وأجلو: معطوف على «أورث». والعمى: مستعار للضلالة. والشبهة: الظنّ المشتبه بالعلم، أو مشابهة الحق للباطل والباطل للحق من وجه، إذا حقق النظر فيه ذهب. والبيت من قصيدة مطلعها:
يعيّرني أمّي رجال ولا أرى … أخا كرم إلا بأن يتكرّما
ومن كان ذا عرض كريم فلم يصن … له حسبا كان اللئيم المذمّما
[الأصمعيات/ 246، والخزانة/ 10/ 58].

7 - هما إبلان فيهما ما علمتم … فأدّوهما إن شئتم أن نسالما
البيت للشاعر الجاهلي عوف بن عطية بن الخرع، وهو شاهد على أنه يجوز تثنية اسم الجمع على تأويل فرقتين وجماعتين. ولذلك ثنى «إبل». [الخزانة/ 7/ 569].

8 - خليليّ هبّا طالما قد رقدتما … أجدّكما لا تقضيان كراكما
هذا البيت من شعر قسّ بن ساعدة، أو عيسى بن قدامة الأسدي، أو الحسن بن الحارث، وقالوا: إن «جدّكما» منصوب بنزع الخافض، أو حال، أو مصدر حذف عامله وجوبا. [الخزانة/ 2/ 77، والمرزوقي/ 875، وشرح المفصل/ 1/ 116].

9 - نودي قم واركبن بأهلك إنّ … الله موف للناس ما زعما
البيت للنابغة الجعدي يذكر قصة نوح عليه السلام.
وهو شاهد على أن «زعم» قد يستعمل في التحقيق، فقوله «زعم» فعل ماض، والألف للإطلاق. ومعناه: القول، أو الضمان، أو الوعد. [الخزانة/ 9/ 131].

10 - رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع … فقلت - وأنكرت الوجوه - هم هم
.. البيت لأبي خراش الهذلي، واسمه خويلد، ذكره ابن حجر ممن أسلموا، ولم يرد
(3/7)

في خبر أنهم اجتمعوا بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم. والبيت من قصيدة ذكر فيها تفلّته من أعدائه حين صادفهم في
الطريق كامنين له وسرعة عدوه حتى نجا منهم. ورفوني: من رفوت الرجل:
إذا سكّنته.
والشاهد: في البيت «هم هم» على أنّ عدم مغايرة الخبر للمبتدأ إنما هو للدلالة على الشهرة، أي: هم الذين يطرونني ويطلبون دمي. ومثله قول أبي النجم العجلي: (أنا أبو النجم وشعري شعري). [الخصائص/ 1/ 247، والخزانة/ 1/ 440].

11 - عليك بأوساط الأمور فإنّها … طريق إلى نهج الصّواب قويم
ولا تك فيها مفرطا أو مفرّطا … كلا طرفي قصد الأمور ذميم
... ليس لهما قائل معروف، وهما نظم للحديث «الجاهل إمّا مفرط أو مفرّط»، وفيهما شاهد على أن «القصد» في الأمر خلاف القصور والإفراط، فإنه يقال: قصد في الأمر قصدا: توسط، وطلب الأشدّ ولم يجاوز الحدّ. [الخزانة/ 2/ 122].

12 - للفتى عقل يعيش به … حيث تهدي ساقه قدمه
... البيت لطرفة بن العبد. ويرى الأخفش أنّ «حيث» تأتي بمعنى «الحين» أي: ظرف زمان كما في البيت. وردّ عليه بأن المعنى في البيت «أين مشى» فجاءت مكانية على الأصل. [الخزانة/ 7/ 20].

13 - إنّ الخليفة إنّ الله سربله … لباس ملك به تزجى الخواتيم
.. هذا البيت لجرير .. وقوله: به تزجى الخواتيم: الخواتيم: جمع خاتام لغة في الخاتم. يريد أن سلاطين الآفاق يرسلون إليه خواتمهم خوفا منه فيضاف ملكهم إلى ملكه، ويروى «ترجى» بالراء.
والبيت شاهد على أنّ (إنّ) المكسورة يجوز أن تقع خبرا للأحرف الستة، ومنه قوله تعالى في سورة الحج آية (17): إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا، إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ..
الآية، وفي الموضوع جدل طويل مع أن رواية أخرى للبيت:
«يكفي الخليفة أنّ الله سربله ...» وعليه، لا شاهد فيه لما يريدون.
[الخزانة/ 10/ 364، واللسان «ختم»].
(3/8)

14 - لا ينعش الطرف إلا ما تخوّنه … داع يناديه باسم الماء مبغوم
البيت من قصيدة لذي الرّمة، تغزل فيها بمحبوبته خرقاء، ومطلعها:
أأن توهمت من خرقاء منزلة … ماء الصبابة من عينيك مسجوم
... وفي البيت الشاهد يصف غزالا، ويقول: إنه ناعس لا يرفع طرفه إلا أن تجيء أمه، وهي المتعهدة له، وقوله: ينعش، أي: يرفع، و «ما» مصدرية وقبلها «وقت» محذوف، أي: لا يرفع طرفه إلا وقت تعهدها إياه، بلفظة «ماء ماء» وحكى صوتها، ومبغوم: أي صوت مبغوم.
والشاهد في البيت أن لفظ «اسم» مقحم. [الخزانة/ 4/ 344].

15 - فإنّ الكثر أعياني قديما … ولم أقتر لدن أنّي غلام
البيت منسوب لعمرو بن حسان من بني الحارث بن همام .. وقوله: فإن الكثر أعياني: أي: طلب الغنى في أول أمري وحين شبابي، فلم أبلغ ما في نفسي منه، ومع ذلك فلم أكن فقيرا: فلا تأمرني بطلب المال وجمعه، وترك تفريقه فإني لا أبلغ نهاية الغنى بالمنع، ولا أفتقر بالبذل.
والبيت شاهد على أن الجملة بعد «لدن» يجوز تصديرها بحرف مصدري.
[الخزانة/ 7/ 112].

16 - العاطفون تحين ما من عاطف … والمسبغون يدا إذا ما أنعموا
البيت لأبي وجزة السعدي (يزيد بن عبيد) توفي سنة 130 ه، من قصيدة مدح بها آل الزبير بن العوام، والإشكال في قوله «تحين» وفيه تخريجات:
الأول: أنّ التاء من «تحين» بقية «لات» حذفت «لا» وبقيت التاء.
والثاني: أنّ التاء أصلها هاء السكت، لا حقه لقوله «العاطفون» والأصل (العاطفونه).
الثالث: أن «تحين» لغة في «حين» وأن قوله تعالى: لاتَ حِينَ مَناصٍ [ص: 3] التاء من تمام حين، و «لا» نافية للجنس. [الخزانة/ 4/ 175].

17 - باكرت حاجتها الدجاج بسحرة … لأعلّ منها حين هبّ نيامها
(3/9)

البيت من معلقة لبيد بن ربيعة. يتحدث عن الخمرة. يقول: بادرت بحاجتي إلى شربها وقت أصوات الديكة لأشرب منها مرة بعد مرّة، والبيت شاهد على أن «الدجاج» منصوب على الظرف بتقدير مضافين، أي: وقت صياح الدجاج، إذا كانت (باكرت) بمعنى «بكرت» لا، غالبت البكور. [الخزانة/ 3/ 104].

18 - أقضي اللّبانة لا أفرّط ريبة … أو أن يلوم بحاجة لوّامها
البيت للشاعر لبيد بن ربيعة: يقول: أقضي وطري ولا أفرط في طلب بغيتي ولا أدع ريبة إلا أن يلومني لائم. والمعنى: أنه لا يقصر، لكنه لا يمكنه الاحتراز عن لوم اللوام. والبيت شاهد على أنّ (أن) قد ظهرت بعد (أو) التي بمعنى (إلا أن). [الخزانة/ 8/ 576].

19 - فإنّا رأينا العرض أحوج ساعة … إلى الصّون من ريط يمان مسهّم
البيت من قصيدة لأوس بن حجر، والعرض: بكسر العين، هو موضع المدح والذم من الإنسان، ويدخل فيه الرجل نفسه وآباءه وأجداده، لأنّ كلّ ذلك مما يمدح به ويذمّ.
والمعنى: أنّ العرض يصان عند ترك السّفه في أقل من ساعة، إذا ملك نفسه، فكيف لا يصان إذا داوم عليه. والعرض أكثر احتياجا إلى الصّون من الثياب النفيسة، فإن عرض الرجل أحوج إلى الصيانة عن الدنس من الثوب الموشّى، وعنى بالساعة: ساعة الغضب والأنفة فإنه كثيرا ما أهلك الحلم وأتلفه وفي المثل «الغضب غول الحلم».
والبيت شاهد على أنه يجب أن يلي أفعل التفضيل إمّا «من» التفضيلية كما في قولهم:
زيد أفضل من عمرو، وإما معموله كما في البيت، فإنّ ساعة، ظرف لأحوج. [شرح المفصل/ 2/ 61، والشذور/ 415، والخزانة/ 8/ 263].

20 - تمشّي بها الدّرماء تسحب قصبها … كأن بطن حبلى ذات أونين متئم
وقبله:
وخيفاء ألقى الليث فيها ذراعه … فسرّت وساءت كلّ ماش ومصرم
.. والخيفاء: الروضة ... وألقى الليث .. الخ، أي: مطرت بنوء ذارع الأسد.
والماشي: صاحب الماشية، والمصرم: الذي لا مال له، لأن الماشي، يرعيها ماشيته،
(3/10)

والمصرم: يتلهف على ما يرى من حسنها وليس له ما يرعيها .. والدّرماء: الأرنب، سميت لتقارب خطوها، وقصبها: الأصل: المعى ويريد بطنها. يقول: فالأرنب كبر بطنها من أكل الكلأ وسمنت فكأنها حبلى. والأونان: العدلان. يقول: كأنّ عليها عدلين لخروج جنبيها وانتفاخهما.
والبيت الأول شاهد على أنّ (كأن) المخففة إذا وقع بعدها مفرد فاسمها يكون غير ضمير الشأن، والتقدير: كأن بطنها بطن حبلى. وإنما عدل عن ضمير الشأن، لأنّ خبره لا يكون إلا جملة. [الخزانة/ 10/ 408].

21 - فكلّا أراهم أصبحوا يعقلونه … صحيحات مال طالعات بمخرم
هذا البيت من معلقة زهير، يحكي ما كان بين عبس وذبيان في حرب داحس والغبراء.
وهو شاهد على أنه مما اشتغل الفعل فيه بنفس الضمير، إذ التقدير (يعقلون كلا).
[الخزانة/ 3/ 3].

22 - وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم … وما هو عنها بالحديث المرجّم
.. البيت من معلقة زهير. وهو شاهد على أنّ الظرف والجار والمجرور يعمل فيهما ما هو في غاية البعد من العمل، كحرف النفي والضّمير، كما في هذا البيت، فإن قوله (عنها) متعلق ب (هو) أي: ما حديثي عنها. فقد جعل الضمير كناية عن الحديث الذي هو قول. وقال قوم: إنّ الضمير راجع إلى العلم، أي: ما العلم عنها بالحديث .. أي: ما الخبر عنها بحديث يرجّم فيه بالظن، فقوله (هو) كناية عن العلم. [الخزانة/ 8/ 119].

23 - يمينا لنعم السيدان وجدتما … على كلّ حال من سحيل ومبرم
البيت لزهير من معلقته، وهو شاهد على أنه قد يدخل الفعل الناسخ على المخصوص بالمدح أو الذم، كما في هذا البيت، وأصله «لنعم السيدان أنتما» فدخل عليه الناسخ (وجد) فصار وجدتما فضمير التثنية نائب الفاعل لوجد، وهو المفعول الأول له، وقوله «لنعم السيدان» جواب القسم. والقسم وجوابه في موضع المفعول الثاني لوجد.
[الخزانة/ 9/ 387]، والسحيل والمبرم، كنايتان عن الأمر السهل والشديد.

24 - وكان طوى كشحا على مستكنّة … فلا هو أبداها ولم يتقدّم
(3/11)

هذا البيت لزهير بن أبي سلمى، من معلقته، وقبله:
لعمري لنعم الحيّ جرّ عليهم … بما لا يؤاتيهم حصين بن ضمضم
وجناية الحصين، أنه لما اصطلحت قبيلة ذبيان مع عبس امتنع حصين بن ضمضم من الصلح واستتر منها ثم عدا على رجل من عبس فقتله، وإنما مدح بني ذبيان لتحملهم الديات إصلاحا لذات البين.
وضمير كان وطوى، لحصين. والكشح: الخاصرة، وطوى كشحه عن فعلة، إذا أضمرها في نفسه. والمستكنة: المستترة. أي: أضمر على غدرة مستترة.
وقوله: فلا هو أبداها: المعنى، فلم يظهرها، ولم يتقدم فيها قبل مكانها.
والبيت شاهد على أنّ خبر (كان) يجوز أن يأتي ماضيا بدون تقدير (قد). [الخزانة/ 4/ 3].

25 - ومسكنها بين الفرات إلى اللّوى … إلى شعب ترعى بهنّ فعيهم
البيت للنابغة الجعدي الصحابي، وهو شاهد على جواز حذف حرف العطف، حيث حذف الواو من (إلى شعب) ..
وسمع أبو زيد من العرب من يقول: أكلت خبزا، لحما، تمرا. [الخزانة/ 11/ 25].

26 - وإلا فمن آل المرار فإنّهم … ملوك عظام من كرام أعاظم
... وقبله:
توسّمته لما رأيت مهابة … عليه وقلت: المرء من آل هاشم
... والبيتان من قطعة لأعرابي نزل عنده عبيد الله بن العباس، على غير معرفة فذبح الأعرابيّ شاته الوحيدة، وأكرم ضيفه، وقال فيه أبياتا.
والبيت الأول شاهد على أن أعاظم بمعنى عظام، وهو جمع «أعظم» بمعنى عظيم غير مراد به التفضيل، ولو كان مرادا به التفضيل للزم الإفراد والتذكير. [الخزانة/ 8/ 282].

27 - ثلاث مئين للملوك وفى بها … ردائي وجلّت عن وجوه الأهاتم
(3/12)

البيت للفرزدق ... وله قصة تقول: إنّ الفرزدق رهن رداءه بوفاء بني تميم، لثلاث ديات ... وكل دية مائة من الإبل.
والشاهد: أنه جاء ثلاث مئين في ضرورة الشعر، وهو الأصل في القياس ولكن العرب لم تجمع (مائة) مع الأعداد من 3 - 10، كما هو معهود في تمييز هذه الأعداد. ولكن البيت يروى:
فدى لسيوف من تميم وفى بها … ردائي وجلّت ...
[الخزانة/ 7/ 370].

28 - تداعين باسم الشّيب في متثلّم … جوانبه من بصرة وسلام
البيت لذي الرّمة (غيلان بن عقبة).
وقوله: تداعين: دعا بعض القلص بعضا، والشيب: حكاية أصوات مشافر الإبل عند الشرب، والصوت «شيب شيب»، جعل هذا الصوت مما يدعوهنّ إلى الشرب، والمتثلم: - المتهدم: أراد: الحوض. والبصرة: بفتح الباء، حجارة رخوة فيها بياض، وبه سميت «البصرة» والسّلام بكسر المهملة، جمع سلمة، بفتح السين وكسر اللام، وهي الحجارة.
والبيت شاهد على أنّ اسم الصوت (الشيب) إنما أعرب في هذا للتركيب، وإن كان بناؤها أصليا. بشرط إرادة اللفظ لا المعنى، كما يجوز إعراب الحروف إذا قصد ألفاظها، والإعراب مع اللام أكثر من البناء لكونه علامة الاسم الذي أصله الإعراب، لكنه لا توجبه بدليل (الآن) و (الذي) و (الخمسة عشر). [الخزانة/ 1/ 104].

29 - ندمت على لسان كان منّي … فليت بأنّه في جوف عكم
... البيت للحطيئة ... واللسان: الكلام، وكان: هنا تامة، بمعنى حدث وجرى.
والعكم: بكسر العين المهملة: العدل، وهو مثل الجوالق.
.. والبيت شاهد على أن الباء قد تزاد بعد ليت كما في البيت، وتكون أنّ مع الجار في موضع نصب، ويكون ما جرى في صلة أنّ قد سدّ مسدّ خبر ليت، كما أنها في «ظننت أنّ زيدا منطلق»، كذلك. [الخزانة/ 4/ 152].

30 - وساغ لي الشراب وكنت قبلا … أغصّ بنقطة الماء الحميم
(3/13)

هذا البيت من قطعة ليزيد بن الصّعق - من أهل الجاهلية .. ولها قصة. والحميم:
الماء الحار، والماء البارد. من الأضداد. ويريد هنا: البارد. يريد أنه قبل أن يأخذ بثأره كان يغصّ بالماء البارد، ويريد (يشرق) لأن الغصة من الطعام. وهو شاهد على أنّ «قبلا» أصله «قبل هذا» فحذف المضاف إليه، ولم ينو لفظه ولا معناه، ولهذا نكّر، فنوّن.
[الخزانة/ 1/ 426].

31 - نبئت عمرا غير شاكر نعمتي … والكفر مخبثة لنفس المنعم
.. البيت من معلقة عنترة. والكفر: الجحد. يقول: من أنعمت عليه نعمة فلم ينشرها ولم يشكرها فإنّ ذلك سبب لتغيّر نفس المنعم من الإنعام على كل أحد.
والبيت شاهد على أن «أعلم» وأخواتها مما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، ومنها نبئت:
التاء، نائب فاعل، وهو المفعول الأول. وعمرا: الثاني، وغير الثالث. [الخزانة/ 1/ 336].

32 - غادرته جزر السباع ينشنه … ما بين قلّة رأسه والمعصم
قوله: قلة الرأس: أعلاه، والمعصم: موضع السوار من الذراع، وكان الوجه أن يقول: ما بين قلة رأسه والقدم، فاستعار المعصم، لما فوق القدم من الساق، ربما لأنه محلّ الخلخال، كما أن المعصم محلّ السوار. والبيت شاهد على أنّ «غادر» ملحق بصيّر في العمل والمعنى، إذا كان ثاني المنصوبين معرفة كما في البيت، ويروى «وتركته جزر السباع»، والمعنى والعمل واحد. [الخزانة/ 9/ 165].

33 - ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى … والعيش بعد أولئك الأيام
.. البيت لجرير، من قصيدة هجا بها الفرزدق.
والبيت شاهد على أن (أولاء) يشار به إلى جمع، عاقلا كان أو غيره كما في البيت فإن أولاء أشير به إلى الأيام وهو جمع لغير من يعقل، كقوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [الاسراء: 36]، ويروى البيت (بعد أولئك الأقوام)، فلا شاهد فيه. [شرح المفصل/ 3/ 126، والأشموني ج 1/ 139].

34 - في لجّة غمرت أباك بحورها … في الجاهليّة كان والإسلام
(3/14)

البيت من قصيدة للفرزدق هجا بها جريرا .. وهو شاهد على أنّ (كان) زائدة بين المتعاطفين، لا عمل لها، ولا دلالة على مضيّ. [الأشموني/ 1/ 240، والخزانة/ 9/ 211].

35 - سيّان كسر رغيفه … أو كسر عظم من عظامه
.. البيت لأبي محمد اليزيدي، وهو يحيى بن المبارك بن المغيرة، كان مؤدّب المأمون ابن الرشيد، والبيت من قطعة يهجو بها بعض أهل عصره. وهو شاهد على أنّ (أو) فيه بمعنى «الواو». [الخزانة/ 11/ 71].

36 - كانت فريضة ما تقول كما … أنّ الزّناء فريضة الرّجم
نسبه ابن منظور إلى النابغة الجعدي .. ومحل الشاهد «أن الزناء فريضة الرجم». فإن هذه العبارة مقلوبة، وأصلها «الرجم فريضة الزنا [الخزانة/ 4/ 263، و 9/ 203، واللسان «زنا»].

37 - كفّاك كفّ لا تليق درهما … جودا وأخرى تعط بالسيف الدّما
أنشده ابن منظور ولم ينسبه، وفلان ما يليق بكفه درهم: من مثال: باع يبيع، أي: ما يحتبس، وما يبقى في كفه، ويقال: ما يليق: مثال أنال ينيل، أي: ما يحبس وما يبقى درهما أيضا ..
والشاهد: «تعط» أراد «تعطي» بالياء لأن الفعل مرفوع لا مجزوم فحذف الياء مجتزئا بالكسرة التي قبلها. [الإنصاف/ 387، واللسان «ليق»].

38 - فأصبحت بعد (خطّ) بهجتها … كأنّ قفرا رسومها قلما
أنشده ابن منظور ولم ينسبه. وما أظنّ عربيا قاله. يصف الشاعر الديار بالخلاء وارتحال الأنيس وذهاب المعالم وأصل نظام البيت: فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأنّ قلما خطّ رسومها، ففصل بين أصبح وخبرها: وبين المضاف والمضاف إليه، وبين الفعل ومفعوله. وبين كأنّ واسمها، وقدّم خبر كأنّ عليها وعلى اسمها .. فصار البيت أحجية وإليك تفكيك تركيبه:
1 - فأصبحت قفرا: قفرا خبر أصبح واسمها مستتر.
(3/15)

2 - بعد بهجتها: بعد: ظرف بهجتها مضاف إليه (وفصل الفعل خط بين المتضايفين).
3 - خطّ رسومها: خطّ: فعل ماض، رسومها: مفعول به، وجملة خط خبر كأنّ مقدم، وفاعله مستتر يعود إلى القلم.
4 - كأنّ قلما خط رسومها: كأنّ حرف مشبه بالفعل، قلما: اسمه وجملة خطّ خبره.
[الخصائص/ 1/ 330، والإنصاف/ 431، واللسان «خطط»].

39 - كلا أخوينا ذو رجال كأنّهم … أسود الشّرى من كلّ أغلب ضيغم
الشرى: موضع تنسب إليه الأسود، والأغلب، والضيغم: من أسماء الأسد، أو من صفاته.
والشاهد: كلا أخوينا ذو، أخبر عن «كلا» بالمفرد. فدلّ على أن «كلا» له جهة إفراد في اللفظ. [الإنصاف/ 422].

40 - كلا يومي أمامة يوم صدّ … وإن لم نأتها إلّا لماما
البيت لجرير بن عطية، وفلانا لا يزورنا إلا لماما. تريد أنه يزور في بعض الأحيان على غير مواظبة. ومحل الشاهد: كلا يومي أمامة يوم صد. فأخبر بيوم وهو مفرد عن «كلا». [الإنصاف/ 444، وشرح المفصل/ 1/ 54].

41 - إلى الملك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم
وذا الرأي حين تغمّ الأمور … بذات الصّليل وذات اللّجم
... القرم: أصله الجمل المكرم الذي أعدّ للضراب ثم أطلقوه على الرجل العظيم، وذات الصليل، وذات اللجم: معارك الحرب التي يسمع فيها صوت السيوف، وتقاد فيها الخيول، وفي البيت الأول شاهد على تتابع الصفات لموصوف واحد.
وفي البيت الثاني «ذا» حيث قطعه عما قبله إلى النصب بفعل محذوف تقديره «أمدح» أو أذكر، أو أعني. [الإنصاف/ 469، والخزانة/ 1/ 451، و 5/ 107].

42 - عرضنا نزال فلم ينزلوا … وكانت نزال عليهم أطم
قاله جريبة الفقعسي (اللسان - نزل) وقوله: أطم: أفعل تفضيل من قولهم «طمّ الأمر،
(3/16)

أي: تفاقم»، وأصله: طمّ الماء، أي: غمر.
والشاهد: نزال: المشتق من الفعل الثلاثي التام المتصرف على وزن (فعال) اسم فعل أمر ولكن «نزال» هنا أريد لفظها فجاءت في الشطر الأول مفعولا به، وجاءت في الشطر الثاني اسما لكان، وبقيت مبنيّة على الكسر للحكاية. [الإنصاف/ 535، والحماسة/ 776، واللسان «نزل»].

43 - أولئك قومي إن هجوني هجوتهم … وأعبد أن تهجى تميم بدارم
... البيت منسوب للفرزدق ... والشاهد «أعبد» فإنه فعل مضارع، ماضيه (عبد) من باب (فرح) ومعناه أنف وغضب قال الإمام علي «عبدت فصمتّ» أي: أنفت فسكتّ، وقد جاء البصريون بهذا البيت للاستشهاد به على أن «العابدين» بمعنى الآنفين، في قوله تعالى: قُلْ: إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ [الزخرف: 81]، وأنّ (إن) في الآية شرطية. ردا على الكوفيين القائلين بأنّ «إن» هنا، بمعنى (ما) النافية. [الإنصاف/ 637، واللسان - عبد].

44 - تمخّضت المنون له بيوم … أنى ولكلّ حاملة تمام
نسبه ابن منظور إلى عمرو بن حسان، وإلى خالد بن حقّ. وتمخض: أصل معناها:
تحرك. تمخض اللبن: تحرك. وتمخض الولد: تحرك في بطن أمه ... وقوله: أنى:
بالنون، أي: أدرك وبلغ مداه، وقوله: لكل حاملة تمام: تذييل.
والشاهد: حاملة: جاء بالوصف مؤنثا بالتاء مع أنه خاص بالمؤنث، لأنه جعله جاريا على الفعل، أي: حاملة شيئا، أي: يريد به الحدوث لا أنه قائم بصاحبه ومنسوب إليه ... فإذا أريد به الثبوت والنسبة فلا تلحق به التاء. فإن أردت بالحائض: الدم الذي يقطر منها أو أردت بمرضع أن ثديها في فم ولدها، لا بدّ أن تلحقها التاء، وعلى هذا صح أن تقول: حامل، وحاملة، ومرضع ومرضعة، وحائض وحائضة حسب المعنى الجاري فيه الكلام. [الخزانة/ 7/ 112] بقافية «ولكل حاملة غلام».

45 - ينباع من ذفرى غضوب جسرة … زيّافة مثل الفنيق المكدم
لعنترة بن شداد من معلقته. وقوله: ينباع: معناه: ينبع، تقول: نبع الماء والعرق، ينبع، من باب فتح، ومن باب نصر، وضرب.
(3/17)

والذفرى: بكسر الذال وسكون الفاء: العظم الذي خلف الأذن. وغضوب: هي الناقة.
وجسرة: الطويلة العظيمة الجسم. وزيّافة: السريعة السير. والفنيق: الفحل المكرم الذي لا يؤذى لكرامته على أهله. والمكدم: الفحل القوي.
والشاهد: ينباع: فإن أصله «ينبع» فلما اضطر لإقامة الوزن أشبع فتحة الباء فنشأت عن هذا الإشباع ألفا ووزنه «يفعال» وقيل إن «انباع» بمعنى سال، ومضارعه «ينباع» ولا شاهد فيه حينئذ «الخزانة/ 1/ 122».

46 - ولكنّ نصفا لو سببت وسبّني … بنو عبد شمس من مناف وهاشم
البيت للفرزدق، وقبله في الديوان:
وليس بعدل أن سببت مقاعسا … بآبائي الشّمّ الكرام الخضارم
والنصف، بالكسر والفتح: العدل. يقول: ليس من الإنصاف أن أسابّ مقاعسا بآبائي.
وذلك لضعتهم وشرفي، فلا أذم عرضي، بذم أعراضهم ولكن الإنصاف أن أسبّ أشراف قريش وتسبني. وبنو عبد شمس من أشراف قريش، أبوهم عبد مناف بن قصيّ، وهاشم وعبد شمس أخوان توأمان. فهاشم في البيت معطوف على عبد شمس، لا على مناف.
والشاهد: سببت وسبّني بنو عبد شمس «فإنّ هذه العبارة من باب الاشتغال حيث تقدم عاملان وهما قوله: سببت، وقوله: سبّني. وتأخر عنهما معمول واحد هو «بنو عبد شمس» والأول يطلبه مفعولا والثاني يطلبه فاعلا. وقد أعمل فيه الثاني. ولو أعمل الأول لقال: سببت وسبوني بني عبد شمس. وهذا يدل على أن إعمال العامل الثاني في باب التنازع جائز ولكنه ليس أولى من إعمال الأول. فقد يتكافأ العاملان في جواز الإعمال [سيبويه/ 1/ 79، والإنصاف/ 87، وشرح المفصّل/ 1/ 78.].

47 - قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمه … وعزّة ممطول معنّى غريمها
البيت لكثيرّ عزّة، كثير بن عبد الرحمن.
والشاهد: قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمه» .. فالعبارة من باب التنازع حيث تقدم «قضى - وفّى - وهما يطلبان «غريمه» مفعولا. وقد أعمل الشاعر العامل الثاني في لفظ المفعول، لأنه لو أعمل الأول لوجب أن يقول: قضى كل ذي دين فوفاه غريمه - على
(3/18)

أن يكون التقدير: قضى كلّ ذي دين غريمه فوفاه. [الإنصاف/ 90 - وشرح المفصل/ 1/ 80. والشذور/ 421 والهمع/ 2/ 111، والأشموني/ 2/ 101.].

48 - فلولا المزعجات من الليالي … لما ترك القطا طيب المنام
إذا قالت حذام فصدقوها … فإن القول ما قالت حذام
نسب البيتان للشاعر ديسم بن طارق أحد شعراء الجاهلية، ونسبهما ابن منظور إلى لجيم بن صعب، زوج حذام، وفيها يقولهما.
والقطا: طائر يشبه الحمام .. والمنام: النوم. والمعنى: هذه المرأة صادقة في كلّ ما تذكره من قول.
والشاهد: في البيت الثاني «حذام» فإن الرواية فيها بكسر الميم بدليل القوافي، وهي فاعل في الموضعين، مبني على
الكسر في محل جرّ - وهذه لغة أهل الحجاز، في بناء كلّ ما كان على هذا الوزن على الكسر، وفي لغة تميم تفصيل آخر.
[الخصائص/ 2/ 178 - وشرح المفصل/ 4/ 64، والشذور: 95، والأشموني/ 3/ 268 وشرح أبيات المغنى/ 4/ 329.].

49 - ومهما تكن عند امرئ من خليقة … وإن خالها تخفى على الناس - تعلم
هذا البيت لزهير بن أبي سلمى من معلقته. وفي هذا البيت خلاف حول «مهما» أهي حرف، أم اسم.
1 - فقال قوم إنها (حرف) وتكن فعل ناقص فعل الشرط. و «عند» ظرف متعلق بمحذوف خبرها. (من خليقة) من: حرف جر زائد، خليقة: اسم تكن. وإن خالها: إن شرطية خالها: فعل الشرط. والهاء مفعولها الأول، وتخفى: الجملة مفعوله الثاني.
وجواب الشرط محذوف - وتعلم: جواب شرط مهما.
2 - وقال آخرون: مهما: اسم شرط .. مبتدأ. وتكن: فعل الشرط، ناقص، واسمه مستتر يعود على مهما. (عند) الظرف خبر تكن. و (من خليقة) بيان لمهما، متعلقان بمحذوف حال منها.
3 - وقال آخرون: مهما: اسم شرط، خبر تكن مقدم. وتكن: فعل الشرط .. ومن
(3/19)

خليقة: من: زائدة. وخليقة: اسم تكن. والظرف «عند» متعلق بتكن.

50 - أقول لهم بالشّعب إذ يأسرونني … ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم
منسوب إلى سحيم بن وثيل اليربوعي، أو بعض أولاده، لأن فارس زهدم هو سحيم (وزهدم اسم فرس).
يقول: إنني حين وقعت في أيدي هؤلاء القوم أسيرا وصرت معهم في الشّعب، قلت لهم: ألم تعلموا أني ابن ذلك الرجل الفارس المشهور، يخوّفهم بأبيه، ويتهددهم بأنه لا يمكن أن يبقيه في أيديهم أسيرا ..
والشاهد في البيت: «تيأسوا» فإن هذه الكلمة بمعنى «تعلموا» ويؤيد ذلك. أنه روي في مكانه «ألم تعلموا» والأصل أن تكون الروايات المختلفة لفظا بمعنى واحد. وقد استشهد به النحاة على أن «ييأس» في قوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً [الرعد: 31]. بمعنى يعلم وبالتالي يدل هذا البيت على أن «أن» في الآية مخففة من الثقيلة لأنها مسبوقة بما يدل على العلم .. و «يئس» بمعنى «علم» لغة النّخع، وهوازن. [الكشاف، سورة الرعد].

51 - وكنت إذا غمزت قناة قوم … كسرت كعوبها أو تستقيما
قاله زياد الأعجم .. غمزت: الغمز: الجسّ. والكعوب: جمع كعب، وهو طرف الأنبوبة الناشز. أراد: أنه إذا هجا قوما وقال فيهم شعرا لم يترك لهم أديما صحيحا حتى يرجعوا عن معاداته، وضرب لذلك مثلا: حالة من يثقف الرماح فيجسها بيده، وما يزال بها حتى تعتدل أو يكسرها.
والشاهد: تستقيما: حيث نصب الفعل المضارع - وهو قوله «تستقيم، بأن المضمرة وجوبا بعد «أو» التي بمعنى «إلّا». - ولكن هذا البيت يروى مرفوع القافية مع مجموعة من الأبيات رواها صاحب الأغاني، حيث ينقض بها زياد الأعجم قصيدة للمغيرة بن حبناء مرفوعة القوافي .. والأصل في روايته بالنصب عن سيبويه وقد رواه سيبويه عمن يثق به منصوبا .. واعتذروا عن سيبويه باعتذارات تبعده عن الوهم .. وقصيدة المغيرة بن حبناء، مطلعها:
أزياد إنّك والذي أنا عبده … ما دون آدم من أب لك يعلم
(3/20)

أما أبيات زياد الأعجم فهي ثمانية، خمسة منها مضمومة القافية، وثلاثة مكسورة القافية فيها إقواء. وهذه بعض أبيات زياد:
ألم تر أنني أو ترت قوسي … لأبقع من كلاب بني تميم
عوى فرميته بسهام موت … كذاك يردّ ذو الحمق اللئيم
وكنت إذ غمزت ... … ... أو تستقيم
هم الحشو القليل لكلّ حيّ … وهم تبع كزائدة الظّليم
فلست بسابقي هربا ولمّا … تمرّ على نواجذك القدوم
انظر (شرح أبيات مغني اللبيب - للبغدادي ج 2/ 71] وانظر كتاب «الشعر والشعراء» لابن قتيبة ص 42، من المقدمة، وذكر عددا من الشواهد التي أوردها سيبويه على غير الوجه الذي قاله الشاعر، وعدّها ابن قتيبة من الغلط، ولم يعتذر لسيبويه.

52 - لاتنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم
قاله: أبو الأسود الدؤلي، وقبل هذا البيت قوله:
يا أيها الرجل المعلّم غيره … هلّا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السّقام وذي الضنى … كيما يصحّ به، وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يسمع ما تقول ويشتفى … بالقول منك وينفع التعليم
وقوله: عار عليك: مبتدأ وخبر - وعظيم: صفة للمبتدأ، والصفة سوغت الابتداء بالنكرة.
والشاهد: وتأتي .. حيث نصب المضارع بأن مضمرة وجوبا بعد الواو الدالة على المعية في جواب النهي. [شرح المفصّل/ 2/ 15، وشذور الذهب/ 238 وو سيبويه/ 1/ 424، والأشموني ج 2/ 207، وشرح أبيات المغني/ 6/ 112، والخزانة/ 8/ 564]. هذا والبيت الشاهد، يروى للأخطل، ويروى لسابق البربري، وللطرمّاح، وللمتوكّل الليثي. قلت: وهذا عيب في هذا الشاهد، وفي كلّ شاهد، تتعدد انتماءاته.
وما الفرق بين الشاهد المجهول القائل، والشاهد الذي ينسب لعدد من الشعراء كلاهما مجهول والفرق أن الشاهد المجهول القائل، لم ينحل لأحد من الشعراء، وأما المنسوب،
(3/21)

فهو منحول .. وما سمي الشاهد الشعريّ شاهدا، إلا لأنه معلوم الهويّة والنسبة، يشهد في قضية لغوية كالشاهد الذي يدعى للشهادة في قضية أمام القاضي، وإذا كان الشاهد غير معروف فإن القاضي لا يقبل شهادته، ثم إن البيت «لا تنه .. الخ» لا يصلح شاهدا على نصب المضارع بعد واو المعية، لأن وزن البيت (الكامل) يستقيم بتحريك الياء من (تأتي) وبإسكانها على أنه مرفوع.

53 - نصلّي للذي صلّت قريش … ونعبده وإن جحد العموم
مجهول القائل .. والشاهد: للذي صلّت قريش: حيث حذف من جملة الصلة «صلّت قريش» العائد إلى الاسم الموصول وهو قوله «الذي» المجرور محلا باللام. وهذا العائد ضمير مجرور بحرف جرّ، تقديره: صلت له. [قطر الندى/ 113.].

54 - وإنّ مولاي ذو يعاتبني … لا إحنة عنده ولا جرمه
ينصرني منك غير معتذر … يرمي ورائي بامسهم وامسلمه
منسوبان إلى بجير بن عتمة الطائي .. مولاي: أراد به الناصر والمعين. ذو يعاتبني.
أي: الذي يعاتبني. إحنة: حقد. جرمة: الجرم والجريمة. بامسهم. أراد بالسهم.
وامسلمة: بفتح السين وكسر اللام: الواحدة من السّلم، بفتح فكسر وهي الحجارة الصلبة.
والشاهد: بامسهم وامسلمه: أراد بالسهم والسلمة. فاستعمل «أم» حرفا دالا على التعريف مثل «أل» وهذه لغة جماعة من العرب، هم حمير، وروي عن رسول الله أنه قال «ليس من امبرّ امصيام في امسفر».
جوابا عمن سأله «هل من امبرّ امصيام في امسفر؟ -» وحديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رواه الإمام أحمد 5/ 434. والطبراني في معجمه من حديث كعب بن عاصم الأشقري، وسنده صحيح باللفظ نفسه .. وحدثني من أثق بنقله ممّن عمل في جنوب المملكة العربية السعودية، أن هذه اللغة ما زالت دارجة على ألسنة الناس هناك [شرح المفصل/ 9/ 17، والهمع/ 1/ 79، والأشموني/ 1/ 157، وشرح أبيات المغني/ 1/ 287].

55 - لا طيب للعيش ما دامت منغصّة … لذّاته بادّكار الموت والهرم
لا يعرف قائله ..
(3/22)

والشاهد فيه: «ما دامت منغّصة لذاته». نصب «منفصّعة على أنه خبر «ما دام» مقدم.
و «لذاته» اسمها مؤخر .. وقد أنكر ابن معطي في ألفيته تقديم خبر «ما دام» على اسمها .. وعدّوا هذا البيت ردا عليه. [الهمع/ 1/ 117، والأشموني/ 1/ 232، والعيني/ 2/ 20].

56 - لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف … إن ظالما أبدا وإن مظلوما
من كلام ليلى الأخيلية. وآل مطرّف، هم قوم ليلى الأخيلية .. تصف قومها بالعزّ والمنعة وتحذر من الإغارة عليهم - لأنّ المغير إذا كان ظالما لم يقدر على إيذائهم لشوكتهم. وإن كان مظلوما طالبا لثأر عندهم عجز عن «الانتصاف منهم .. قوله: الدهر:
ظرف زمان. والشاهد في الشطر الثاني: حيث حذف كان واسمها بعد إن الشرطية وأبقى خبرها .. وجواب الشرط محذوف في الموضعين. والشواهد على ذلك كثيرة [سيبويه/ 1/ 132، والعيني/ 2/ 47، والهمع/ 1/ 121، والحماسة/ 1609].

57 - ويوما توافينا بوجه مقسّم … كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم
قاله باعث بن صريم اليشكري .. ومعنى: توافينا: تجيئنا. وجه مقسّم: جميل مأخوذ من القسام - بفتح القاف والسين، وهو الجمال. تعطو: تمدّ عنقها لتتناول وارق السلم:
شجر السلم. يصف امرأة بأن لها وجها جميلا وعنقا كعنق الظبية طويلا.
والشاهد: «كأن ظبية» حيث يروى على ثلاثة أوجه: الأول: نصب ظبية على أنه اسم كأنّ، وخبرها محذوف. الثاني: رفع «ظبية» على أنه خبر كأن واسمها محذوف. فدلت الروايتان جميعا على أنه إذا خففت «كأن» جاز ذكر اسمها كما يجوز حذفه الثالث. جرّ «ظبية» وتكون الكاف حرف جرّ (وأن) زائدة وظبية مجرور بالكاف [سيبويه/ 1/ 281،
والإنصاف/ 52، وشرح المفصل/ 8/ 72، والشذور، والهمع/ 1/ 143، والأشموني/ 1/ 293].

58 - كأنّي من أخبار إنّ ولم يجز … له أحد في النحو أن يتقدّما
القائل أحد المتأخرين .. وهو ليس شاهدا نحويا وإنما هو بيان لقاعدة نحوية شبّه حاله بحال خبر (إنّ) إذا لم يكن ظرفا أو جارا ومجرورا، فإنه لا يتقدم على الاسم، أما إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا فإنه يتقدم قال تعالى: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً
(3/23)

[المزمل: 12] إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى [النازعات: 26] وقائل البيت: شرف الدين أبو العباس محمد بن نصر الله بن نصر بن الحسين بن عنين، توفي سنة 630 ه. ولد في دمشق وتوفي فيها.

59 - ولقد علمت لتأتينّ منيّتي … إنّ المنايا لا تطيش سهامها
من كلام لبيد بن ربيعة العامري، من معلقته.
والشاهد: «علمت لتأتينّ منيتي» حيث وقع الفعل الذي من شأنه أن ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر (علم) قبل لام القسم، فعلّق عن العمل في لفظ الجملة، فلم ينصب طرفيها وعمل في الجملة محلا. [سيبويه/ 1/ 456، والشذور، والهمع/ 1/ 154، والأشموني/ 2/ 30 وشرح أبيات المغنى/ 6/ 232].

60 - تنكّرت منّا بعد معرفة لمي … وبعد التّصافي والشّباب المكرّم
البيت لأوس بن حجر، يقول: إنك يا لميس قد أنكرتنا في الكبر والشيخوخة بعد المعرفة التي كانت بيننا زمن الشباب.
والشاهد: لمي «حيث رخّمه بحذف آخره وحده، وأصله «لميس» فلم يحذف إلا السين، لكون الحرف السابق عليها - وهو الياء - غير مسبوق إلا بحرفين والترخيم حذف آخر الاسم المنادى، وشرطه أن يكون معرفة، فإن كان مختوما بالتاء لم يشترط فيه علمية ولا زيادة على الثلاثة. وإن لم يكن مختوما بالتاء فله ثلاثة شروط: البناء على الضم، والعلمية، وأن يتجاوز ثلاثة أحرف.
والمحذوف للترخيم على ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون حرفا واحدا مثل جعف، وفاطم .. من جعفر وفاطمة. والثاني: أن يكون المحذوف حرفين فيما اجتمعت فيه أربعة شروط: أن يكون ما قبل الحرف الأخير زائدا وأن يكون معتلا وأن يكون ساكنا، وأن يكون قبله ثلاثة أحرف فما فوقها نحو سلمان ومنصور ومسكين.
والثالث أن يكون المحذوف كلمة برأسها في المركب المزجي: نحو معدي كرب وحضرموت، تقول: يا حضر.
[سيبويه/ 1/ 336].

61 - كلت كفّيه توالي دائما … بجيوش من عقاب ونعم
(3/24)

ليس منسوبا .. وقوله: توالي: أي تتابع. ومراد الشاعر أن إحدى يدي الممدوح تفيد النعم لأوليائه، والأخرى توقع النقم بأعدائه.
والشاهد: «كلت» يرى الكوفيون أنها مفرد «كلتا» بمعنى إحدى. والأقرب أن تكون «كلت» هي «كلتا» حذفت الألف للضرورة. إن كان قال هذا البيت شاعر.
ويبدو أنه مصنوع لتقوية مذهب الكوفيين فأعجب به بعض علماء النحو الذين يرفضون الاستشهاد بألفاظ الحديث النبوي، لزعمهم أن ألسنة العجم تداولته، ومع ذلك يستشهدون بمثل هذا البيت الذي لا يعرف قائله وربما صنعه رجل أعجمي من أهل النحو. [الخزانة/ 1/ 133].

62 - أرّقني الليلة برق بالتّهم … يالك برقا من يشقه لا يلم
رجز لم يسمّ قائله:
وقوله: بالتّهم: بفتح التاء والهاء: يريد تهامة.
وقوله: يشقه، من شاقني الشيء أي: جعلني مشتاقا.
وقوله: يا لك برقا: تعجّب من البرق واستعظام له. وإنما جعله البرق مشتاقا لأنّ حبيبته في تلك الأرض، وتذكّر بالبرق وميض ثناياها، فلم ينم. كما قال الشاعر:
تذكرت لمّا أن رأيت جبينها … هلال الدجى، والشيء بالشيء يذكر
والشاهد: «بالتّهم» وأنها بمعنى «تهامة» بكسر التاء، والنسبة إلى «تهم» بفتح التاء، تهام، فالألف عوض من إحدى يائي النسب، كما في يمان، إذ هو منسوب إلى «يمن» فقولنا: رجل تهام أي من أهل تهامة والأصل. تهميّ، لأن «تهما» قد وضع موضع تهامة لكنهم حذفوا إحدى ياءي النسبة وأبدلوا منها ألفا. [اللسان - تهم - والخصائص/ 2/ 111، والخزانة/ 1/ 154، وفي معجم هارون بقافية (لا ينم)].

63 - وا حرّ قلباه ممّن قلبه شبم … ومن بجسمي وحالي عنده سقم
- البيت للمتنبي - وا حرّ قلباه: أراد أن يقول: وا حرّ قلبي، بياء المتكلم ويلحق به ألف الندبة، وكان من حقه أن يقول: وا حرّ قلبياه، فيفتح ياء المتكلم، إلا أنه حذف
(3/25)

الياء .. والهاء للسكت. وقد ألحقها في الوصل وهي ضرورة. وشبم: بارد ..
وا: حرف نداء، للندبة. حرّ: منادى منصوب. وهو مضاف: و «قلب» مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على آخره .. والألف في «قلباه» للدلالة على الندبة والهاء للسكت.
وزيادتها في الوصل مخالف لما اتفق عليه أهل اللغة. أو ضرورة.
.. قلبه: مبتدأ، ومضاف إليه .. شبم: خبر المبتدأ، والجملة: صلة الموصول في «ممن» بمعنى «من الذي». - بجسمي: خبر مقدم .. سقم: مبتدأ مؤخر والجملة صلة الموصول الثاني.
والتمثيل بالبيت في قوله «وا حرّ قلباه» فإن هذا يدل على أن المندوب متوجع منه لأن العاشق يتوجع من حرارة قلبه.

64 - وتضيء في وجه الظلام منيرة … كجمانة البحريّ سلّ نظامها
من معلقة لبيد بن ربيعة العامري من أبيات يصف فيها بقرة من بقر الوحش:
.. تضيء: يريد أنها شديدة البياض. وجه الظلام: أوله. والجمانة: اللؤلؤة، البحري:
الغواص. نظامها: خيطها.
والشاهد: قوله: «منيرة» فإنه حال من فاعل «تضيء» ومعنى هذه الحال قد فهم من قوله «تضيء» لأن الإضاءة والإنارة بمعنى واحد تقريبا فتكون هذه الحال، مؤكدة لعاملها.
ومن أمثلة الحال المؤكدة: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة: 60] ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة: 25] وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: 33] فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً [النمل: 19].

65 - لعلّ الله فضّلكم علينا … بشيء أنّ أمّكم شريم
لا يعرف قائله .. وشريم: وصف مذموم لأمهم .. وامرأة شريم: شقّ مسلكاها فصارا شيئا واحدا ..
والشاهد هنا: لعلّ الله: حيث نسب ابن هشام البيت إلى بني عقيل، وهؤلاء يجرّون ب لعلّ. فلفظ الجلالة مجرور لفظا مرفوع محلا مبتدأ. وجملة فضلكم: خبره. أنّ أمّكم ..
أنّ ومعموليها في تأويل مصدر مجرور بدل من «شيء».
[الخزانة/ 10/ 422 والأشموني/ 2/ 204، والعيني/ 3/ 247].
(3/26)

66 - إنّي حلفت برافعين أكفّهم … بين الحطيم وبين حوضي زمزم
غير منسوب .. الحطيم: اسم لحجر البيت الحرام في مكة. والشاهد:
قوله: «برافعين أكفهم» حيث أعمل، جمع اسم الفاعل، وهو قوله «رافعين» عمل الفعل فنصب به المفعول به «أكفهم» لكونه معتمدا على موصوف محذوف، إذ التقدير:
حلفت برجال رافعين أكفهم .. والمحذوف المدلول عليه كالمذكور.

67 - أتاركة تدلّلها قطام … رضينا بالتّحية والسلام
مطلع قصيدة للنابغة الذبياني يمدح فيها عمرو بن هند ..
أتاركة: الهمزة للاستفهام. تاركة: مبتدأ. تدلّلها: مفعول به والهاء مضاف إليه.
قطام: فاعل سدّ مسدّ الخبر. مبني على الكسر في محل رفع.
والشاهد: قطام: على وزن فعال: معدول عن قاطمة، وهو مكسور في حالة الرفع فذلك دليل على أنه مبني .. ولكنه في مذهب بني تميم يجرّ بالفتحة .. [شرح المفصل/ 4/ 64].

68 - الليل والخيل والبيداء تعرفني … والسيف والرمح والقرطاس والقلم
قاله المتنبي، يصف نفسه بالشجاعة وبأنه كاتب عظيم ..
والتمثيل بالبيت لقوله: الخيل، والليل والبيداء والسيف والرمح والقرطاس والقلم.
فإن هذه الكلمات السبع أسماء بدليل دخول «أل» على كل واحدة منها أما دخولها على الفعل في قول الفرزدق «ما أنت بالحكم الترضى ..» فهو ضرورة قبيحة. وال: في ذلك اسم موصول، بمعنى الذي.

69 - أشارت بطرف العين خيفة أهلها … إشارة محزون ولم تتكلّم
فأيقنت أنّ الطرف قد قال مرحبا … وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم
لعمر بن أبي ربيعة ..
وقوله: خيفة: مفعول لأجله .. مرحبا: مفعول مطلق لفعل محذوف وتقديره: أرحب مرحبا، أي: أرحب بك ترحيبا. وأهلا وسهلا: كل منهما مفعول لفعل محذوف أي:
(3/27)

صادفت أهلا ولقيت مكانا سهلا. -
والشاهد: أن الإشارة يصح أن يطلق عليها في اللغة «كلام» وهو نوع من الكلام المعنوي، لأنه إنما نفى الكلام اللفظي بقوله: ولم تتكلم .. وأثبت الكلام المفهوم من النظر .. حيث أثبت للطرف كلاما.

70 - تزوّد منّا بين أذناه طعنة … دعته إلى هابي التّراب عقيم
نسبه في اللسان إلى هوبر الحارثي. - وهابي التراب: ما ارتفع ودقّ. ويقال موضع التراب إذا كان ترابه مثل الهباء. والمعنى: يصف رجلا قتله أبطالهم، ويذكر أنهم طعنوه طعنة واحدة فخرّ فيها ميتا لأنها طعنة خبير بموضع الطعن المميت .. وقد جاءت القافية «عقيم» بالرفع وهي في المعنى من أوصاف «طعنة» وتخرّج على أنها خبر لمبتدأ محذوف على أنها نعت مقطوع، والطعنة العقيم: النافذة ..
وقد روى ابن هشام في الشذور هذا البيت. شاهدا على لزوم المثنى الألف، وإعرابه بالحركات المقدرة، لأن «أذناه» في البيت مضاف إليه، وحقه الجرّ بالياء ولكنه رواه بالألف على هيئة الرفع -.
وذكر ابن هشام البيت لتوجيه قراءة «إنّ هذان لساحران» [طه: 63] على أنها لغة بلحارث، وخثعم ..
ولكن البيت مروي في اللسان مجرورا بالياء «بين أذنيه» ولا يختلّ وزن البيت. [شرح المفصل/ 3/ 128، والشذور، والهمع/ 1/ 40].

71 - ثمّ انقضت تلك السنون وأهلها … فكأنها وكأنّهم أحلام
البيت لأبي تمام .. المتوفى سنة 221 ه. يصف أيام سروره بلقاء أحبابه بأنها قصيرة ويشبهها بعد أن مضت بحلم يراه النائم، فكأنه خيال لا حقيقة له. وأبو تمام ممن لا يحتج بشعرهم في اللغة والنحو، ولكن بعض اللغويين أجاز. الاستئناس بشعره، لأنه حجة فيما يرويه في الحماسة، فيكون حجة فيما يقوله.
والشاهد: السنون فهي بدل من (تلك) وتلك فاعل في محل رفع .. وقد جاءت الكلمة بالواو، لأنها ملحق بجمع المذكر السالم. لأن مفردها «سنة».
(3/28)

72 - فلا لغو ولا تأثيم فيها … وما فاهوا به أبدا مقيم
من كلام أمية بن أبي الصلت، يصف الجنة.
وقوله: لا تأثيم: نسبة إلى الإثم وهو الحرام، تقول: أثّم محمد خالدا: أي: نسبه إلى الإثم .. والشاهد:
قوله: «فلا لغو ولا تأثيم فيها» حيث رفع الاسم الواقع بعد «لا» الأولى على أن «لا» مهملة. وفتح الاسم الواقع بعد «لا» الثابتة على أنها «لا» النافية للجنس عاملة عمل (إنّ). ويجوز أن يكون رفع ما بعد «لا» الأولى على أنها عاملة عمل ليس والمرفوع اسمها .. وهذا البيت يمثل أحد الوجوه الخمسة إذا تكررت «لا» وتكرر اسمها. ويمثلون بها ب «لا حول ولا قوة إلا بالله».
1 - لا حول ولا قوة: بفتح الاثنين «لا لغو فيها ولا تأثيم».
2 - لا حول ولا قوة: بفتح الأول ورفع الثاني. «لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب».
3 - لا حول ولا قوة: بفتح الأول ونصب الثاني «لا نسب اليوم ولا خلّة».
4 - لا حول ولا قوة: رفع الأول وفتح الثاني، «فلا لغو ولا تأثيم».
5 - لا حول ولا قوة: رفع الأول والثاني: «لا بيع فيه ولا خلّة».
[الشذور/ 88، والأشموني/ 2/ 11، والخزانة/ 4/ 494].

73 - سلام الله يا مطر عليها … وليس عليك يا مطر السلام
للأحوص بن محمد الأنصاري، وكان يهوى امرأة ويشبب بها ولا يفصح عنها فتزوجها رجل اسمه مطر، فغلب الوجد على الأحوص فقال هذا الشعر.
سلام: مبتدأ - عليها: خبر - يا مطر: منادى مبنى على الضم ونوّن للضرورة وليس عليك السلام: فعل ناقص، وعليك: خبره، والسلام: اسمه ..
والشاهد: يا مطر: حيث نوّن المنادى المفرد العلم وأبقاه على الضم حين اضطر لإقامة الوزن [الخزانة/ 2/ 192].

74 - فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه … مولى المخافة خلفها وأمامها
(3/29)

من معلقة لبيد بن ربيعة العامري، .. الفرجين: مثنى فرج، وهو الثغرة في الجبل، مولى المخافة: الموضع الذي فيه المخافة، أي: الخوف .. يصف بقرة وحشية سمعت صوت الصيادين فأخذت تعدو في الجبل، وهي كلما ذهبت إلى طريق حسبت أنه المكان الذي تجد فيه الصيادين، في الطريق الذي أمامها والطريق الذي خلفها.
كلا: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة لإضافته إلى الاسم الظاهر .. أنه مولى: المصدر المؤول سدّ مسدّ معمولي تحسب. وجملة تحسب: خبر «كلا» خلفها: بالرفع: بدل من «كلا» وأمامها: معطوف على «خلفها» بالرفع.
والشاهد: أمامها: بالرفع والقوافي مرفوعة، فدلّ ذلك على أنّ «أمام» من الظروف المتصرفة التي تخرج عن النصب على الظرفية وعن الجرّ بمن، إلى التأثر بالعوامل [سيبويه/ 1/ 202، وشرح المفصل/ 2/ 44، والشذور، والهمع/ 1/ 210].

75 - تولّى قتال المارقين بنفسه … وقد أسلماه، مبعد وحميم
من قصيدة عبيد الله بن قيس الرقيّات يرثي فيها مصعب بن الزبير .. المارقون:
الخارجون عن الدين. المبعد: الأجنبي. الحميم: الصديق.
والشاهد: أسلماه مبعد، حيث وصل بالفعل ألف التثنيه مع أن الفاعل اسم ظاهر مذكور بعده .. وهذه لغة جماعة من العرب .. وهي اللغة الموسومة بلغة «أكلوني البراغيث». ويرى جماعة أن الألف التي تلحق الفعل في حال التثنيه، والواو في حال الجمع .. هي حرف، علامة التثنية أو الجمع، كما أنّ التاء في «درست هند» علامة للتأنيث ..
ومن هذا الأسلوب الحديث «يتعاقبون فيكم ملائكة» وقد اعتمده ابن مالك أساسا لهذه اللغة، وصارت تسمى لغة «يتعاقبون فيكم» وهو حديث صحيح رواه الإمام مالك، والبخاري في مواضع متعددة. وخرّجوا عليه بعض الآيات القرآنية ومنها وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا .. [الأنبياء: 3] وفي إعرابه خلاف مشهور. [الشذور/ 177، والهمع/ 1/ 160، والأشموني/ 2/ 47، وشرح أبيات المغني/ 6/ 138].

76 - ما برئت من ريبة وذمّ … في حربنا إلّا بنات العمّ
رجز غير منسوب ..
(3/30)

والشاهد: «ما برئت إلا بنات العمّ» حيث وصل الفعل بتاء التأنيث مع كونه مفصولا من فاعله بإلا. ودخول التاء في هذه الحال مرجوح أو أنه ضرورة شعرية والرأي الأول أقوى، لكثرة الشواهد عليه. [الشذور/ 176، والهمع/ 2/ 171، والأشموني/ 2/ 52].

77 - ندم البغاة ولات ساعة مندم … والبغي مرتع مبتغيه وخيم
منسوب إلى عدد من الشعراء: لرجل من طيّئ دون تعيينه، وإلى محمد بن عيسى ابن طلحة بن عبد الله التيمي، وإلى مهلهل بن مالك الكناني.
والشاهد: ولات ساعة مندم: حيث أعمل لات في لفظ دال على الزمان وهو ساعة.
ولم يعمله في لفظ «حين» وللعلماء في إعمال «لات» «رأيان» أحدهما أنها لا تعمل إلا في لفظ «الحين». والثاني: أنها تعمل فيه وفيما رادفه من الساعة والأوان ونحوهما.
و «لات» حرف نفي يعمل عمل ليس. والواو: للحال واسمها محذوف. وساعة: خبر لات. والتقدير: ليست الساعة ساعة ندم. [الشذور، والعيني/ 2/ 146، والهمع/ 1/ 126، والأشموني/ 1/ 256].

78 - وكنت أرى زيدا كما قيل سيّدا … إذا أنّه عبد القفا واللهازم
من شواهد سيبويه التي لا يعرف قائلها. واللهازم: جمع لهزمة بكسر اللام والزاي - وهو طرف الحلقوم. ويقال: هي عظم ناتئ تحت الأذن.
وقوله: عبد القفا واللهازم. كناية عن الخسة والمهانة والذلة. لأن العبد يصفع على قفاه حتى يتورم، ويلكز حتى ينتأ له نتوء ..
قوله: أرى: بمعنى أظنّ: ينصب مفعولين. الأول: زيدا. والثاني: سيدا.
كما: الكاف حرف جر - ما: اسم موصول. وجملة: قيل: صلة الموصول.
إذا: فجائية: أنّه: أنّ واسمها. عبّد: خبر.
والشاهد: إذا أنه .. روي بفتح همزة «أنّ» - وهي ومعمولاها: مبتدأ. و «إذا» الفجائية: ظرف متعلق بمحذوف، خبر مقدم. وقيل: «إذا» حرف وخبر المبتدأ محذوف.
(3/31)

والوجه الثاني: كسر همزة إنّ على تقدير أنّ ما بعدها جملة غير محتاجة إلى شيء.
وعلى هذا يجوز. فتح همزة (أن) وكسرها، بعد إذا الفجائية [الخزانة/ 10/ 265].

79 - على حالة لو أنّ في القوم حاتما … على جوده لضنّ بالماء حاتم
.. للفرزدق يفخر بإيثاره بالماء غيره. ولكن البيت على هذه الرواية - بالضم - يكون فيه إقواء، لأن قافية القصيدة مجرورة، ويروى الشطر الثاني. على جوده ضنّت به نفس حاتم» وقبل البيت المرويّ:
فآثرته بالماء لما رأيت الذي به … على القوم أخشى لا حقات الملاوم
وقوله: على حالة: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير في قوله «آثرته» أقصد الضمير المستتر.
لو: حرف شرط. و «أنّ في القوم حاتما» مؤول بمصدر مرفوع فاعل لفعل الشرط المحذوف. على جوده: متعلقان ب (ضن) الآتي. (وعلى جوده) «على» هنا بمعنى «مع».
والبيت شاهد لغوي على أن كلمة (الحال) قد يؤنث لفظها فيقال «حالة» ولفظ «الحال» يذكر ويؤنث، والتأنيث هو الأفصح، يقال: حال حسن، وحال حسنة. [شذور الذهب/ 245].

80 - فيها اثنتان وأربعون حلوبة … سودا كخافية الغراب الأسحم
من معلقة عنترة بن شداد العبسي.
وحلوبة أي: محلوبة. تستعمل بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع.
والخافية: للطائر أربع خواف، وهو ريش الجناح مما يلي الظهر. والأسحم: الأسود.
والشاهد: «سودا» يروى بالنصب: ويحتمل ثلاثة أوجه: الأول. صفة لحلوبة والثاني: حال من العدد. الثالث: حال من حلوبة.
ويروى بالرفع: فهو نعت لقوله «اثنتان وأربعون» لأنهما بمنزلة قولك: «جاء زيد وعمر الظريفان».
(3/32)

والبيت شاهد على مجيء صاحب الحال نكرة محضة وهو «حلوبة» وتكون حلوبة بمعنى «حلائب» وقد يكون صاحب الحال «العدد» لأن معنى الجمع ملحوظ في العدد.

81 - لا يهولنّك اصطلاء لظى الحر … ب فمحذورها كأن قد ألمّا
لم يعرف قائله.
والشاهد: «كأن قد ألمّا» حيث استعمل فيه «كأن» المخففة وأعمله في اسم هو ضمير الشأن، وفي خبر هو جملة «ألمّا» مع فاعله، وفصل بين كأن والجملة الفعلية ب «قد» كما هو مشروط في القاعدة، وقد تفصل ب: لم نحو «كأن لم تغن بالأمس» [يونس: 24].
[شذور الذهب/ 286، والأشموني/ 1/ 294].

82 - بل بلد ملء الفجاج قتمه … لا يشترى كتّانه وجهرمه
من رجز رؤبة بن العجاج. والفجاج جمع فجّ وهو الطريق الواسع. قتمه: أصله:
قتامه: فخففه بحذف الألف، والقتام: الغبار.
والجهرم: البساط.
بل: حرف نائب عن «ربّ». بلد: مبتدأ مجرور لفظا مرفوع محلا. ملء: مبتدأ ثان.
قتمه: خبر المبتدأ الثاني. والجملة صفة لبلد وخبر المبتدأ الواقع بعد «بل» في بيت من أبيات القصيدة الآتية.
والشاهد: بل بلد: حيث حذف حرف الجر «ربّ» وأبقى عمله بعد (بل) وذلك قليل.
[الإنصاف/ 529، وشرح المفصل/ 8/ 105، وشرح أبيات المغني/ 3/ 3، والشذور، والهمع/ 2/ 36 والأشموني/ 2/ 232].

83 - فطلّقها فلست لها بكفء … وإلا يعل مفرقك الحسام
للأحوص محمد بن عبد الله الأنصاري. وهو صاحب الشاهد الذي يهجو فيه «مطرا» وقد سبق. والمفرق: وسط الرأس.
والشاهد: «وإلا يعل» حيث حذف فعل الشرط لكونه معلوما من سابق الكلام ولكون أداة الشرط «إن» المدغمة في «لا» النافية. ولا يجوز حذف فعل الشرط إلا على مثل هذه
(3/33)

الصورة. والكثير حذف جواب الشرط. [سيبويه/ 1/ 195، والإنصاف/ 72، والشذور، والهمع/ 2/ 62، والأشموني/ 4/ 25، وشرح أبيات المغنى/ 8/ 6].

84 - وإن أتاه خليل يوم مسغبة … يقول: لا غائب مالي ولا حرم
من قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح فيها هرم بن سنان. والمسغبة: الحاجة والفقر.
والحرم: الممنوع.
لا غائب: لا: نافية عاملة عمل ليس، أو ملغاة. غائب: اسم لا، أو مبتدأ. مالي:
فاعل: سدّ مسدّ الخبر.
الشاهد: «يقول» حيث جاء في جواب إن الشرطية، وهو مرفوع، وللعلماء فيه مذهبان: الأول: مذهب سيبويه الذي قال: إن هذا الفعل المرفوع ليس جوابا للشرط السابق ولكنه دليل على الجواب وهو على نية التقديم وإن تأخر في اللفظ فكأنه قال:
يقول لا غائب مالي إن أتاه خليل. الثاني: مذهب المبرد والكوفيين: ذهبوا إلى أنه جواب الشرط على تقدير الفاء أي: إن أتاه خليل فهو يقول. وهذا الخلاف إذا كان فعل الشرط ماضيا كما في البيت، أمّا إذا كان فعل الشرط مضارعا، فيجب جزم الجواب إلا في ضرورة شعرية قبيحة كما في قول جرير بن عبد الله البجلي.
يا أقرع بن حابس يا أقرع … إنّك إن يصرع أخوك تصرع
وشواهد أخرى عند سيبويه. [شرح أبيات المغني/ 6/ 290، وسيبويه/ 1/ 346، والإنصاف/ 625 والشذور، والهمع: 2/ 60، والأشموني/ 4/ 17.

85 - ومن يقترب منّا ويخضع نؤوه … ولا يخش ظلما ما أقام ولا هضما
غير منسوب.
والشاهد: «ويخضع» بالنصب. حيث جاء بعد الواو منصوبا مع أنه مسبوق بفعل الشرط المجزوم: وجواز النصب عند مجيء الفعل بعد الواو، على أنها واو المعية، والفعل منصوب بأن مضرة وجوبا بعد واو المعية. ويجوز فيه الجزم في غير بيت الشعر.
فإذا كان العطف على الجواب، جاز فيه النصب، والجزم، والرفع على الاستئناف.
وقد جاء قوله «ولا يخش» مجزوما بالعطف على الجواب [شرح أبيات
(3/34)

المغني/ 7/ 196، والشذور، والأشموني/ 4/ 251].

86 - ولقد نزلت فلا تظنّي غيره … منّي بمنزلة المحبّ المكرم
من معلقة عنترة بن شداد العبسي ..
ولقد: الواو: للقسم، والمقسم به محذوف واللام واقعة في جواب القسم. قد حرف تحقيق. وجملة نزلت جواب القسم .. مني: الجار والمجرور متعلقان ب نزلت ...
بمنزلة: الجار والمجرور متعلقان بنزلت. والمكرم: صفة للمحب. والشاهد:
قوله: فلا تظني غيره: حيث حذف المفعول به الثاني لظنّ اختصارا مع قيام الدليل على ذلك المحذوف وتقديره. ولقد نزلت فلا تظني غيره واقعا. [الخصائص/ 2/ 216، والخزانة/ 3/ 227، والشذور، والهمع/ 1/ 252].

87 - متى تقول القلص الرّواسما … يدنين أمّ قاسم وقاسما
قاله هدبه .. بن خشرم العذري. القلّص: جمع قلوص، بفتح القاف، وهي الشابة الفتية من الإبل، الرواسم: المسرعات في سيرهن مأخوذ من الرسيم وهو ضرب من سير الإبل السريع.
متى: اسم استفهام، متعلق بتقول. القلّص: مفعول أول، لتقول والرواسم:
صفة للقلّص. يدنين: مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة ونون النسوة فاعله.
وجملة (يدنين) مع فاعله ومفعوله في محل نصب مفعول ثان لتقول. وقاسما:
معطوف على «أمّ قاسم» بالنّصب.
والشاهد: تقول القلّص يدنين: حيث أجرى تقول، مجرى تظنّ فنصب به مفعولين. - واستخدام القول بمعنى الظن فيه مذهبان:
الأول يجيزه مطلقا فيقولون: قلت: زيدا منطلقا.
والثاني: يوجب الحكاية فيقول: «قلت زيد منطلق» ولا يجيز إجراء القول مجرى الظن إلا بثلاثة شروط: أحدها: أن تكون الصيغة «تقول» بتاء الخطاب. والثاني: أن يكون
(3/35)

مسبوقا باستفهام. والثالث: أن يكون الاستفهام متصلا بالفعل أو منفصلا عنه بظرف أو مجرور أو مفعول.
والبيت مثال على اتصال تقول بالاستفهام. [الشذور، والهمع/ 1/ 157، والأشموني/ 2/ 36].

88 - أبعد بعد تقول الدار جامعة … شملي بهم؟ أم تقول البعد محتوما
غير منسوب.
والشاهد: أبعد بعد تقول الدار جامعة ... حيث أعمل «تقول» عمل «تظن» وهو مضارع مبدوء بالتاء الدالة على الخطاب، ومسبوق بهمزة الاستفهام، وقد فصل بينه وبين هذه الهمزة بالظرف المتعلق بتقول. وفيه شاهد آخر لإجراء القول مجرى الظن وذلك في قوله «أم تقول البعد محتوما» والفعل في هذه الجملة مسبوق بأم المعادلة لهمزة الاستفهام. وهذا يدل على أنّ معادل الاستفهام مثل الاستفهام في هذا الموضع [شرح أبيات المغني/ 8/ 107، والشذور، والهمع/ 1/ 157، والأشموني/ 2/ 36].

89 - شتّان هذا والعناق والنوم … والمشرب البارد في ظلّ الدّوم
من كلام لقيط بن زرارة بن عدس، وهو أخو حاجب بن زرارة الذي يضرب المثل بقوسه. والدوم: شجر.
والشاهد: شتّان هذا: حيث استعمل «شتان» اسم فعل ماض بمعنى افترق. ورفع به فاعلا وهو «هذا» وعطف على الفاعل لما كان الافتراق لا يكون إلا بين شيئين فصاعدا.
[شرح المفصل/ 4/ 37، واللسان «دوم» والشذور/ 403].

90 - لشتّان ما بين اليزيدين في النّدى … يزيد سليم والأغرّ ابن حاتم
من قصيدة للشاعر ربيعة الرقي يمدح فيها يزيد بن حاتم المهلبي، ويذم يزيد بن أسيد السلمي، والاثنان وليا مصر في زمن الشاعر، أحدهما أعطاه، والآخر منعه.
لشتان: اللام للابتداء. وشتان: اسم فعل ماض بمعنى افترق. (ما) اسم موصول فاعل لشتّان. بين: ظرف مكان. في الندى: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل شتان. يزيد: بدل من اليزيدين.
(3/36)

الشاهد: شتان ما بين: فإنّ الأصمعي أنكر زيادة (ما) بعد شتان ولكن العلماء قبلوا هذا الأسلوب وخرّجوه على ما أعربنا. [شرح المفصل/ 4/ 37، والشذور، والخزانة/ 6/ 275].

91 - أظلوم إنّ مصابكم رجلا … أهدى السّلام تحيّة ظلم
نسبه بعضهم إلى العرجي، ونسبه آخرون إلى الحارث بن خالد المخزومي. والاثنان في العصر الأموي. وظلوم: اسم امرأة. وتروى: أظليم بالتصغير و «مصاب» بضم الميم في أوله، مصدر ميمي بمعنى الإصابة.
والهمزة في قوله: أظلوم: للنداء - ظلوم: منادى. مصابكم: اسم إنّ وهو مصدر بمعنى إصابتكم، ورجلا: مفعول بالمصدر. وأهدى السلام: جملة في موضع نصب على أنه صفة «رجلا». تحية: مفعول لأجله وظلم. خبر إنّ.
والشاهد: مصابكم رجلا: حيث أعمل المصدر الميمي الذي هو مصاب، عمل الفعل فرفع الفاعل الذي هو ضمير المخاطب - المضاف إليه - ونصب به المفعول به وهو «رجلا». ولهذا البيت حكاية شهيرة وقعت في مجلس أحد خلفاء بني العباس تدور حول خلاف الحضور حول «مصابكم رجلا» حيث صدحت به المغنية ناصبة فردّها أحد الحاضرين إلى الرفع «مصابكم رجل» وجرى في هذا مناظرة في حضرة الخليفة. وهي قصة جميلة، فيها فوائد جليلة من النواحي التاريخية والأدبية واللغوية، فلا تحرم نفسك من الاستمتاع بها. وهي موجودة في معجم الأدباء في ترجمة أبي عثمان المازني. وفي كتاب «شرح أبيات المغنى» روايات متعددة منها (ج 7/ 158)، وانظر «الشذور، والعيني/ 2/ 502 والتصريح/ 2/ 64، والهمع/ 2/ 94، والأشموني/ 2/ 288].

92 - قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمه … وعزّة ممطول معنّى غريمها
من شعر كثير بن عبد الرحمن المعروف بكثير عزّة.
وقضى: فعل ماض. كلّ: فاعل. ذي: مضاف إليه مجرور بالياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الستة. وفّى: فعل ماض، وفاعله مستتر، وغريمه: مفعول به.
وعزّة: الواو للحال عزّة: مبتدأ. ممطول خبر المبتدأ. والجملة حالية و «معنّى»: خبر ثان، غريمها: نائب فاعل تنازعه كل من العاملين. ممطول، و «معنّى». وهو موطن
(3/37)

الشاهد. وقد يعرب إعرابا يبعده عن التنازع: غريمها: مبتدأ. وممطول، ومعنّى خبران.
أو ممطول خبر ومعنّى: صفة له أو حال من ضميره. [الانصاف/ 90، وشرح المفصل/ 1/ 8 والشذور، والهمع: 2/ 111، والأشموني في/ 2/ 101].

93 - أو عدني بالسّجن والأداهم … رجلي فرجلي شثنة المناسم
منسوب إلى العديل بن الفرخ. وكان من حديثه أنه هجا الحجاج بن يوسف فلما خاف أن تناله يده، هرب إلى بلاد الروم، واستنجد بالقيصر، فحماه، فلما علم الحجاج بأمره بعث إلى القيصر يتهدده، فأرسله إليه.
ومعنى أوعدني: تهددني بشرّ. الآداهم: جمع أدهم، وهو القيد، شثنة: غليظة المناسم: جمع منسم - وزن مجلس - وأصله طرف خف البعير، فاستعمله في الإنسان وإنما حسن ذلك أنه أراد وصف رجليه بالقوة والجلادة والصبر على احتمال القيد.
والشاهد: أوعدني. رجلي: حيث أبدل الاسم الظاهر وهو قوله «رجلي» من ضمير الحاضر وهو ياء المتكلم - بدل بعض من كلّ.
وقوله: فرجلي. الفاء فاء الفصيحة. رجلي: مبتدأ. شثنة خبر. [شرح المفصل/ 3/ 70، والشذور، والعيني/ 4/ 190، والهمع/ 2/ 127، والأشموني/ 3/ 129 واللسان «وعد»].

94 - وندمان يزيد الكأس طيبا … سقيت وقد تغوّرت النجوم
من كلام البرج بن مسهر - يقوله في الحصين بن الحمام المري، وكانا نديمين.
والندمان: الذي ينادمك على الشراب ويشاركك فيه، ومؤنثه: ندمانة. أما «ندمان» من الندم فمؤنثه. «ندمى» مثل: ظمآن، وظمأى .. والكأس. مؤنث بدون علامة. ولا يقال كأس: إلا أن يكون فيه شراب، فإذا خلا من الشراب، فهو كوب. وتغوّرت النجوم:
غربت.
وقوله: وندمان: الواو واو ربّ. ندمان: مبتدأ مرفوع بضمة مقدره، يزيد: مضارع، وفاعله ضمير ندمان. والكأس: مفعول أول. وطيبا مفعول ثان ليزيد.
والجملة صفة ندمان. والرابط ضمير ب سقيت، محذوف.
(3/38)

ويصح إعراب «ندمان» مفعولا به لسقيت تقدم عليه، وهو الأرجح. وقد: الواو للحال - وقد: حرف تحقيق. تغورت النجوم: فعل ماض وفاعله والجملة حالية.
والشاهد: ندمان: حيث صرفه (نوّنه) مع أنه وصف في آخره ألف ونون زائدتان، وذلك بسبب أن مؤنث ندمان، ندمانه - بالتاء ومن شرط تأثير الوصفية ألا يكون الوصف مما مؤنثه بزيادة التاء عليه، فلو كان (ندمان) من الندم، امتنع من الصرف لأن مؤنثه (ندمى) مثل سكران، وسكرى. أما ندمان هنا: فهو الذي يرافقك على الشراب ويقال فيه «نديم» أيضا. [الشذور/ 453، والحماسة/ 1272، وشرح أبيات المغني/ 2/ 234].

95 - بأبه اقتدى عديّ في الكرم … ومن يشابه أبه فما ظلم
ينسب لرؤبة بن العجّاج، من أبيات يقال إنه مدح فيها عديّ بن حاتم الطائي ولا أظن أن رؤبة رأى عدي بن حاتم، حيث توفي عدي سنة 68 ه. وتوفي رؤبة سنة 145 ه.
وبين وفاة حاتم، ووفاة رؤبة سبعة وسبعون عاما، ولعله عديّ آخر من سلالة حاتم أو أنه ضربه مثلا للوراثة المحمودة.
وقوله: فما ظلم: يريد أنه لم يظلم أمه لأنه جاء على مثال أبيه الذي ينسب إليه، وذلك لأنه لو جاء مخالفا لما عليه أبوه لنسبه الناس إلى غيره فكان في ذلك ظلم لأمه واتهام لها.
والشاهد: بأبه ... ويشابه أبه: حيث جرّ الأول بالكسرة الظاهرة ونصب الثاني بالفتحة الظاهرة وهذا يدل على أن قوما من العرب يعربون هذا الاسم بالحركات الظاهرة، ولا يجلبون لها حروف العلة لتكون علامة إعراب.
[العيني/ 1/ 129، والتصريح/ 1/ 64، والهمع/ 1/ 39، والأشموني/ 1/ 170].

96 - غير لاه عداك فاطرح اللهو … ولا تغترر بعارض سلم
غير منسوب ... لاه: اسم فاعل من اللهو. اطرح: اترك. سلم. بفتح السين أو كسرها. أي: صلح وموادعة، وأضاف عارض إليه من إضافة الصفة للموصوف.
والمعنى: إن أعداءك غير غافلين عنك - بل يتربصون بك الدوائر فلا تركن إلى الغفلة ولا تغتر بما يبدو لك منهم من المهادنة وترك القتال فإنهم يأخذون في الأهبة والاستعداد.
(3/39)

غير: مبتدأ. لاه: مضاف إليه. عداك: عدى: فاعل «لاه» سدّ مسدّ خبر المبتدأ، لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد.
والشاهد: غير لاه عداك: حيث استغنى بفاعل «لاه» عن خبر المبتدأ وهو «غير» لأن المبتدأ المضاف لاسم الفاعل دال على النفي. فكأنه «ما» في قولك «ما قائم محمد» فالوصف مخصوص لفظا بإضافة المبتدأ إليه وهو في قوة المرفوع بالابتداء.
والإشكال هنا: أن النفي الذي سبق اسم الفاعل ليسوغ عمله، مركب مع اسم الفاعل تركيبا إضافيا لأنه اسم، فهو واسم الفاعل يكونان كلمة واحدة ... فلم يقع اسم الفاعل مبتدأ.
وانظر أيضا في حرف النون «غير مأسوف ... والحزن». [شرح أبيات مغنى البيب/ 8/ 44، والأشموني/ 1/ 191].

97 - ينام بإحدى مقلتيه ويتقي … بأخرى المنايا فهو يقظان نائم
قاله حميد بن ثور الهلالي من قطعة يصف فيها الذئب. ولكن القصيدة عينية وصحة الرواية «يقظان هاجع» وإنما ذكرته في حرف الميم لأنه روي كذلك في كتب النحو.
والشاهد: فهو يقظان هاجع» حيث أخبر عن مبتدأ واحد وهو قوله «هو» بخبرين، وهما: «يقظان هاجع». من غير عطف الثاني منهما على الأول. والشواهد على هذا كثيرة ومنها في القرآن «كلا إنها لظى نزاعة للشوى» [المعارج: 15]. [الأشموني/ 1/ 222، وديوان الشاعر، بقافية العين].

98 - فكيف إذا مررت بدار قوم … وجيران لنا كانوا كرام
من قصيدة للفرزدق يمدح فيها هشام بن عبد الملك.
كيف: اسم استفهام أشرب معنى التعجب في محل نصب حال من فاعل هو ضمير مستتر في فعل محذوف وتقدير الكلام. كيف أكون .. بدار: مجرور وقوم مضاف إليه وجيران: معطوفة - لنا: الجار والمجرور متعلقان بصفة لجيران. وكرام: صفة مجرورة لجيران. كانوا: زائدة لتوكيد المضي.
والشاهد: كانوا: حيث زيدت بين الصفة «كرام» والموصوف «جيران» وأنكر ابن هشام
(3/40)

والمبرّد زيادتها في هذا البيت، لأنها تزاد عادة مفردة و «كانوا» اتصل بها اسمها. ورأوا أن خبرها مقدم عليها وهو «لنا» ويكون الفصل بين الصفة والموصوف بالجملة. والمذهب الأول مذهب سيبويه. [سيبويه/ 1/ 192، والأشموني/ 1/ 240، وشرح أبيات المغني/ 5/ 168 والخزانة/ 9/ 217].

99 - أكثرت في العذل ملحّا دائما … لا تكثرن إنّي عسيت صائما
غير منسوب. والعذل: الملامة .. وألحّ: أي: أكثر. والمعنى: أيها العاذل الملحّ في عذله، إنه لا يمكن مقابلة كلامك بما يناسبه من السبّ فإنني صائم. وهو مقتبس من الحديث، فليقل إني صائم.
وفي البيت مسألتان:
1 - الأولى كونه مجهول القائل، ويستدل به على قاعدة نحوية.
2 - والثانية: موطن الاستشهاد.
أما كونه مجهول: فقد قال البغدادي في «شرح أبيات المغنى» ج 3/ 341.
الشاهد الذي جهل قائله إن أنشده ثقة كسيبويه وابن السّراج والمبرد، ونحوهم، فهو مقبول يعتمد عليه ولا يضر جهل قائله، فإن الثقة لو لم يعلم أنه من شعر من يصح الاستدلال به، ما أنشده.
أما موطن الاستشهاد، فهو عسيت صائما: حيث أجرى «عسى» مجرى «كان» فرفع بها الاسم ونصب الخبر وجاء بخبرها اسما «مفردا» والأصل أن يكون خبرها جملة فعلية فعلها مضارع.
وقال البغدادي: إنّ «عسى» هنا، فعل تام خبري، لا فعل ناقص إنشائي ويدلك على أنه خبري وقوعه خبرا ل (إنّ) ولا يجوز بالاتفاق «إنّ زيدا هل قائم».
وعلى هذا فالمعنى في البيت.
«إني رجوت أن أكون صائما» فصائما: خبر ل كان المحذوفة، وأن والفعل مفعول - لعسى، وسيبويه - يجيز حذف (أن والفعل) إذا قويت الدلالة على المحذوف [الخصائص/
(3/41)

1/ 68، وشرح المفصّل/ 7/ 14، 112، والأشموني/ 1/ 259. وشرح أبيات المغني/ 3/ 341].

100 - ما أعطياني ولا سألتهما … إلا وإنّي لحاجزي كرمي
من قصيدة لكثيّر عزّة يمدح فيها عبد الملك بن مروان وأخاه عبد العزيز. ومعنى «حاجزي» أي، مانعي. يريد أنه إذا سألهما وأعطياه، حجزه كرمه عن الإلحاف في السؤال.
وقوله: إلا وإني: إلا: أداة استثناء والمستثنى منه محذوف، أي: ما أعطياني ولا سألتهما في حالة من الأحوال. إني: إنّ واسمها والواو قبلهما للحال، وإنّ مكسورة الهمزة. لحاجزي: اللام للتوكيد حاجزي، حاجز: خبر إنّ مضاف إلى ياء المتكلم من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله. كرمي: فاعل بحاجز وجمله «إن» واسمها وخبرها في محل نصب حال، وهذه الحال في المعنى، مستثناة من عموم الأحوال، وكأنه قال: ما أعطياني ولا سألتهما في حالة إلا هذه.
والشاهد: إلا، وإني: حيث جاءت همزة إنّ مكسورة لأنها وقعت موضع الحال وسبب آخر، أنها دخلت اللام في خبرها، وهذا مثل قوله تعالى. «وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ» [الفرقان: 20] [سيبويه/ 1/ 472. والعيني/ 2/ 308، والهمع/ 1/ 246، والأشموني/ 1/ 275].

101 - ألا ارعواء لمن ولّت شبيبته … وآذنت بمشيب بعده هرم
غير منسوب.
والارعواء: الانتهاء والانكفاف.
ألا: الهمزة للاستفهام .. لا: نافية للجنس، وقصد بالحرفين جميعا: التوبيخ والإنكار. ارعواء: اسم «لا» - لمن: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر «لا» وموطن الشاهد: ألا .. حيث أبقى للا النافية عملها الذي تستحقه مع دخول همزة الاستفهام عليها لأنه قصد بالحرفين جميعا التوبيخ والإنكار. [شرح أبيات المغنى/ 2/ 92، والهمع/ 1/ 147، والأشموني/ 2/ 14].
(3/42)

102 - فلا تعدد المولى شريكك في الغنى … ولكنما المولى شريكك في العدم
البيت للنعمان بن بشير الأنصاري ... ومعنى «لا تعدد» لا تظن .. والمولى هنا معناه الحليف، أو الناصر. والعدم. بضم العين وسكون الدال. الفقر والمعنى: لا تظن أن صديقك هو الذي يشاطرك المودة أيام غناك، فإنما الصديق
الحقّ هو الذي يلوذ بك ويشاركك أيام فقرك.
والشاهد: فلا تعدد المولى شريكك. حيث استعمل المضارع من «عدّ» بمعنى ظنّ ونصب به مفعولين. أحدهما «المولى» والثاني «شريكك» [الهمع/ 1/ 148، والأشموني/ 2/ 22، والخزانة/ 3/ 57].

103 - فلم يدر إلّا الله ماهيّجت لنا … عشية آناء الدّيار وشامها
من شواهد سيبويه، ولم ينسبه، وهو من قصيدة لذي الرّمة غيلان بن عقبة ومطلعها:
مررنا على دار لميّة مرّة … وجاراتها قد كاد يعفو مقامها
آناء: على وزن آرام وآبار. أو «آناء» على وزن أعمال. إما جمع (نأي) وهو البعد أو جمع «نؤي. وهو الحفيرة تحفر حول الخباء لتمنع عنه المطر ... والشام: جمع شامة - وهي العلامة، وشام معطوف إما على آناء وإما على عشية.
والمعنى: لا يعلم إلا الله مقدار ما هيجنه فينا من كوامن الشوق هذه العشية التي قضيناها بجوار آثار دار المحبوبة وعلامات هذه الدار.
لم يدر: فعل مجزوم. الله: فاعل. ما: اسم موصول مفعول به ليدري وجملة «هيجت» صلة الموصول. لنا: الجار والمجرور متعلقان ب: هيجت. عشيّة: يجوز أن يكون فاعل «هيجت» آناء: مضاف إليه ... وشامها: معطوف على عشية إن جعلته فاعل «هيجت» ويجوز نصب «عشية» على الظرفية، و «آناء» فاعل هيجت، وحذف تنوين عشية ضرورة. ويكون «شامها» معطوفا على «آناء الديار». والإعراب الأول أقوى.
الشاهد: فلم يدر إلا الله ما .. حيث قدم الفاعل المحصور ب إلا على المفعول به وهذا رأي الكسائي. والجمهور على أنه ممنوع وعندهم أن «ما» اسم موصول، مفعول به
(3/43)

لفعل محذوف والتقدير: فلم يدر إلا الله، درى ما هيجت لنا. [الهمع/ 1/ 161، والأشموني/ 2/ 57].

104 - تزوّدت من ليلى بتكليم ساعة … فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها
منسوب إلى قيس بن الملوح صاحب ليلى.
فما زاد إلا: ما نافية. زاد: ماض - إلا: أداة حصر. ضعف: مفعول به ل زاد (ما) اسم موصول مضاف إليه. (بي) جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول.
كلامها: فاعل (زاد).
الشاهد: «فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها: حيث قدم المفعول به وهو «ضعف» على الفاعل وهو «كلامها» مع كون
المفعول منحصرا ب إلا. وهذا جائز عند الكسائي وأكثر البصريين. [الهمع/ 1/ 161، والأشموني/ 2/ 57].

105 - ولو أنّ مجدا أخلد الدّهر واحدا … من الناس أبقى مجده الدّهر مطعما
لحسان بن ثابت يرثي مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصيّ أحد أجواد مكة. يريد: أنه لا بقاء لأحد في هذه الدنيا مهما يكن نافعا لمجموع البشر.
لو: حرف شرط غير جازم. (أن مجدا أخلد) المصدر المؤول فاعل لفعل محذوف والتقدير: لو ثبت ... وهو فعل الشرط. الدهر: منصوب على الظرفية الزمانية. أبقى:
جواب الشرط. مجده: فاعل أبقى - والهاء: مضاف إليه يعود إلى «مطعم» المتأخر.
والشاهد: أبقى مجده مطعما: حيث أخر المفعول به - مطعما - عن الفاعل، وهو، «مجده» مع أنّ الفاعل مضاف إلى ضمير يعود إلى المفعول، فيقتضي أن يرجع الضمير إلى متأخر لفظا ورتبة.
ويبدو أن القول بأن المفعول به متأخر في الرتبة، ليس ثابتا، لأن المفعول به قد يتقدم في منازل لا يتطاول إليها الفاعل، حيث يتقدم كثيرا على الفعل فتقول: «الكتاب قرأت» والفاعل لا يتقدم. ويتقدم على الفاعل كثيرا فنقول: «قرأ الكتاب محمد». فهاتان منزلتان يتقدم فيها المفعول، وليس للفاعل إلا منزلة واحدة. ويتقدم المفعول به على الفاعل، لأهداف بلاغية، لا تذكر لتقدم الفاعل على المفعول .. حيث يتقدم الفاعل
(3/44)

فقط، لأنه الأصل، أو الركن وفيه نظر: لأن المفعول به قد يوجد قبل أن يوجد الفاعل - ولا أريد الفاعل الجسم - وإلا فالمفعول الجسم، هو موجود أيضا - ولكني أريد الفاعل (المعنى) بمعنى الفعل الخالق للمفعول ... والتصور الفلسفي:
أنّ زيدا موجود، ولكن لا يكون فاعلا قبل أن يفعل المفعول ... ثم يطرأ أمامه طارئ الفعل، فيوجد معنى الفاعل فيه ليفعله. وبهذا يسبق المفعول به الفاعل في رتبة خلق الأشياء. فمن أين جاءت إلى النحويين فكرة القول: إن الفاعل متقدم لفظا ورتبة والمفعول مؤخر في اللفظ والرتبة. لعلّ ذلك جاءهم من فكرة أن الله الخالق، متقدم، أو هو القديم، والمخلوق متأخر. ولكن هذا مردود: لأن الفاعل والمفعول في النحو، متعلقان بالناس والمخلوقين فقط. ثم إن خلق الله مكتوب في اللوح، وهو قديم، لأن «الخالق» من صفات الله القديمة، فيكون مخلوقه قديم محدث ولكنه محدث بالنظر إلى رؤيتنا له. والله أعلم. [الأشموني/ 2/ 58، وشرح أبيات المغني/ 7/ 71].

106 - تمرون الديار ولم تعوجوا … كلامكم عليّ إذا حرام
البيت لجرير بن عطية بن الخطفي.
والشاهد: تمرون الديار: حيث حذف الجار وأوصل الفعل اللازم إلى الاسم الذي كان مجرورا فنصبه وأصله «تمرون بالديار» ويسمى ذلك «الحذف والإيصال» وهذا قاصر على السماع، ولا يجوز ارتكابه في سعة الكلام إلا إذا كان المجرور مصدرا مؤولا من «أنّ» الناسخة مع اسمها وخبرها أو من «أن» المصدرية مع فعلها. [ابن عقيل/ 1/ 456، والهمع/ 1/ 83، والخزانة/ 9/ 118، والدرر/ 1/ 107].

107 - وأغفر عوراء الكريم ادّخاره … وأعرض عن شتم اللئيم تكرّما
من شعر حاتم الطائي. والعوراء: الكلمة القبيحة. ادخاره: استبقاء لمودته. وأعرض:
أصفح.
ادخاره: مفعول لأجله. وتكرّما: مفعول لأجله.
والشاهد: ادخاره: حيث وقع مفعولا لأجله مع أنه مضاف للضمير، ولو جرّه باللام فقال: لادخاره. لكان سائغا مقبولا. وهو ردّ على من زعم أن المفعول لأجله لا يكون
(3/45)

معرفة لا بإضافة، ولا بأل. [سيبويه/ 1/ 184، وشرح المفصل/ 2/ 54، وشرح التصريح/ 1/ 392].

108 - لا يركنن أحد إلى الإحجام … يوم الوغى متخّوفا لحمام
لقطري بن الفجاءة، أو الطرماح بن حكيم. والمعنى: لا ينبغي لأحد أن يميل إلى الإعراض عن اقتحام الحرب ويركن إلى التواني خوفا من الموت.
والشاهد: متخوّفا: حيث وقع حالا من النكرة التي هي قوله «أحد» والذي سوّغ ذلك وقوعها في حيّز. النهي. [ابن عقيل/ 2/ 80، والدرر/ 1/ 200، والمزورقي/ 136، وشرح التصريح/ 1/ 377، والأشموني/ 2/ 175].

109 - ولقد أراني للرّماح دريئة … من عن يميني تارة وأمامي
لقطري بن الفجاءة الخارجي.
وقوله: درئية: هي حلقة يرمي فيها المتعلم ويطعن للتدرب على إصابة الهدف. وأراد بهذه العبارة أنه جريء على اقتحام الأهوال. ومنازلة الأبطال. وأنه ثابت عند اللقاء، ولو أن الأعداء قصدوا إليه وتناولته رماحهم من كل جانب. وذكر اليمين، والأمام وحدهما وترك اليسار والظهر لأنه يعلم أن اليسار كاليمين وأن الظهر قد جرت العادة ألا يمكن الفارس منه أحدا بل لأن الطعن في الظهر دليل الفرار.
وقوله: أراني: مضارع، والياء مفعوله الأول - درئية مفعوله الثاني (من عن) من حرف جرّ - و «عن» اسم بمعنى
«جانب، مجرور بمن في محل جرّ.
وتارة: منصوب على الظرفية، بمعنى «مرة».
والشاهد: «من عن» حيث استعمل «عن» اسما بمعنى «جهة» .. بدليل دخول حرف الجرّ عليه. [شرح التصريح/ 2/ 19، والأشموني/ 2/ 226، وابن عقيل/ 2/ 130، والمرزوقي/ 136، والدرر/ 1/ 138].

110 - فإنّ الحمر من شرّ المطايا … كما الحبطات شرّ بني تميم
البيت لزياد الأعجم .. والحمر: الحمير، ويروى «فإن النيب» والنيب: جمع ناب،
(3/46)

وهي الناقة المسنة. والحبطات: بفتح الحاء وكسر الباء، هم بنو الحارث بن عمر بن تميم وكان أبوهم الحارث في سفر فأكل أكلا انتفخ منه بطنه فمات، فصار بنو تميم يعيّرون بالطعام حتى قال الشاعر في هجائهم:
إذا ما مات ميت من تميم … فسرّك أن يعيش فجئ بزاد
والبيت الشاهد معه بيتان مرفوعا القافية، فيكون فيه إقواء، والبيتان هما:
وأعلم أنني وأبا حميد. … كما النّشوان والرجل الحليم
أريد حباءه ويريد قتلي … وأعلم أنه الرجل اللئيم
والشاهد: كما الحبطات: حيث زيدت «ما» بعد الكاف، فمنعتها من جرّ ما بعدها ووقع بعدها جمله من مبتدأ وخبر: الحبطات: مبتدأ - شرّ: خبر. [الخزانة/ 10/ 208].

111 - وأعلم أنّني وأبا حميد … كما النشوان والرجل الحليم
لزياد الأعجم ... والنشوان: السكران: وأراد به لازمه وهو الذي يعيب كثيرا. ويقول ما لا يحتمل. بدليل ذكر الحليم في مقابلته.
والشاهد فيه «كما النشوان، على أنّ «ما» هنا، كفّت الكاف عن عمل الجرّ.
أقول: قد تعدّ الكاف هنا عاملة مع وجود (ما) وتكون النشوان - مجرورة، ويعطف عليها بالجر، ويكون الإقواء في البيت المرفوع القافية ... بل إن ما زعموه إقواء هو، من تحريف الرواة، وما أظن الشاعر يقوي في ثلاثة أبيات، فالإقواء أكثر ما يكون مبنيا على الوهم من الشاعر، لبعد المسافة بين القوافي. وربما كانت رواية البيت في الشطر الثاني «لكالنشوان والرجل الحليم» وعليه فلا شاهد في البيت وإذا صحت الأبيات الثلاثة التي منها هذا البيت، يكون الإقواء في القافية المرفوعة. ومن العجيب أن الأبيات الثلاثة التي منها هذا الشاهد جاءت على وزن وقافية الأبيات التي ذكرنا في سياقها البيت:
وكنت إذا غمزت قناة قوم … كسرت كعوبها أو تستقيما
وهي للشاعر نفسه، وفي هجاء بني تميم أيضا، وفي تلك الأبيات كان إقواء بين الرفع والجرّ. فهل كان زياد الأعجم ضعيف الذاكرة، قليل الذوق الأدبي. أم أن هذا من خلط
(3/47)

الرواة؟ الصحيح أن هذا من خلط الرواة، وأن البيت السابق برقم (111) عملت الكاف الجرّ، ولم تكف، وأن البيت الثالث يمكن روايته:
أريد حباءه ويريد قتلي … فأعلم فعله فعل اللئيم
لأنّ من يقابل الإحسان بالإساءة، يكون فعله فعل لئيم. [شرح أبيات المغني/ 4/ 125].

112 - ماويّ يا ربتما غارة … شعواء كاللّذعة بالميسم
قاله ضمرة النهشلي ... والغارة: من أغار القوم، أي: أسرعوا في السير للحرب.
شعواء: منتشرة متفرقة. اللذعة: مأخوذ من لذعته النار، أي: أحرقته. الميسم: ما يوسم به البعير، بالنار. أي: يعلم ليعرف وكان لكل قبيلة وسم مخصوص يطبعونه على إبلهم بالكيّ لتعرف.
ماويّ: منادى مرخّم. وحرف النداء محذوف، وأصله: يا ماوية ... يا ربتما: يا:
حرف تنبيه. ربتما: ربّ حرف جر شبيه بالزائد، والتاء لتأنيث اللفظ و «ما» زائدة. غارة:
مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره ... شعواء: صفة مجرورة بالفتحة، لأنه ممنوع من الصرف .. كاللذعة: الجار والمجرور صفة ثانية وخبر المبتدأ في بيت تال وهو قوله:
«ناهبتها الغنم».
والشاهد: ربتما غارة: حيث دخلت «ما» الزائدة على «ربّ» فلم تكفّها عن عمل الجرّ. [الإنصاف/ 105، وشرح المفصل/ 8/ 31، والهمع/ 2/ 38 والعيني/ 3/ 330، والخزانة/ 9/ 384].

113 - وننصر مولانا ونعلم أنّه … كما الناس مجروم عليه وجارم
قاله عمرو بن براقة الهمداني .. والمعنى: إننا نعين حليفنا ونساعده على عدوّه مع أننا نعلم أنه كسائر الناس، يجني، ويجنى عليه.
كما: الكاف، جارة وما: زائدة والناس مجرور، والجار والمجرور خبران. ومجروم:
خبر ثان.
وعليه: واقع موقع نائب الفاعل لمجروم. وجارم: معطوف.
(3/48)

والشاهد: كما الناس «زيدت» «ما» ولم تمنع الكاف من الجرّ. [الأشموني/ 2/ 231، والهمع/ 2/ 38، 130، والعيني/ 3/ 332، والمؤتلف/ 67].

114 - مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت … أعاليها مرّ الرياح النواسم
البيت لذي الرّمة غيلان بن عقبة. تسفّهت من قولهم: تسفّهت الرياح الغصون: إذا أمالتها وحركتها. النواسم: جمع ناسمة، وهي الرياح اللينة أول هبوبها، وأراد من الرماح الأغصان.
يقول: إنّ هؤلاء النسوة قد مشين في اهتزاز وتمايل، فهنّ يحاكين رماحا - أي غصونا - مرت بها ريح فأمالتها.
كما اهتزت: الكاف جارة، و «ما» مصدرية. والمصدر المؤول بها مع الفعل مجرور.
أعاليها: مفعول به لتسفهت ... مرّ: فاعل.
والنواسم. صفة الرياح مجرورة، لأن «الرياح» مضاف إليه مجرور.
والشاهد: قوله «تسفهت. مرّ الرياح ... حيث أنّث الفعل بتاء التأنيث مع أن فاعله مذكر وهو قوله «مرّ» والذي جلب له ذلك إنما هو المضاف إليه وهو «الرياح». حيث يمكن الاستغناء عن «المرّ» بالرياح فنقول تسفهت الرياح أعاليها». [سيبويه/ 1/ 25، والأشموني/ 2/ 248 واللسان «سفه»].

115 - ألا تسألون الناس أيّي وأيّكم … غداة التقينا كان خيرا وأكرما
لا يعرف قائله.
ألا: أداة استفتاح وتنبيه. - أيّي: أيّ: مبتدأ، وأيّ مضاف وياء المتكلم مضاف إليه - وأيكم: معطوف على أيّي. غداة: ظرف زمان.
وكان: فعل ناقص ... واسمه ضمير مستتر، والجملة خبر المبتدأ الذي هو «أيّ».
وجملة المبتدأ والخبر في محلّ نصب مفعول ثان ل: «تسألون» في أول البيت.
والشاهد: «أيّي. وأيكم: حيث أضاف «أيا» إلى المعرفة، وهي ضمير المتكلم في الأول وضمير المخاطبين في الثاني، والذي سوّغ ذلك تكرارها.
(3/49)

والاسم أي: من الأسماء التي تلازم الإضافة لفظا ومعنى، أو معنى ولا تضاف إلى مفرد معرفة إلا إذا تكررت كالمثال الشاهد أو قصدت الأجزاء كقولك: أيّ هند أحسن:
أي: أيّ أجزاء هند أحسن، فيقال: عيناها، أو أنفها.
وأيّ: تكون استفهامية وشرطية وصفة، وحالا، وموصولة.
أما الموصولة، فإنها تضاف غالبا إلى معرفة، تقول: يعجبني أيّهم قائم.
أما الصفة، فهي التي تكون صفة لنكرة ولا تضاف إلا إلى نكرة نحو مررت برجل أيّ رجل.
وأما الحال ... فلا تضاف إلا إلى نكرة، وتكون حالا بعد معرفة مثل «مررت بزيد أيّ فتى».
وأما الشرطية والاستفهامية، فتضافان إلى المعرفة وإلى النكرة مطلقا. واعلم أن «أي». إن كانت صفة أو حالا فهي ملازمة للإضافة لفظا ومعنى نحو «مررت برجل أيّ رجل، وبزيد أيّ فتى».
وإن كانت استفهامية أو شرطية أو موصولة: فهي ملازمة للإضافة معنى لا لفظا نحو:
أيّ رجل عندك؟ وأيّ عندك.
وأيّ رجل تضرب أضرب، وأيا، تضرب أضرب. ويعجبني أيّهم عندك، ويعجبني أيّ عندك [الأشموني/ 261].

116 - فريشي منكم وهواي معكم … وإن كانت زيارتكم لماما
البيت لجرير بن عطية من قصيدة يمدح فيها هشام بن عبد الملك بن مروان.
والريش: يطلق على عدة معان، منها: اللباس الفاخر. والخصب، والمعاش، والقوة.
لماما: بكسر اللام: متقطعة بعد كل حين مرة.
ريشي: مبتدأ - منكم: خبر. هواي: مبتدأ. معكم: ظرف متعلق بمحذوف خبر.
والشاهد: معكم: حيث سكّن العين من «مع». منهم من قال: ضرورة ومنهم من قال
(3/50)

إنها لغة «قيس». [سيبويه/ 2/ 45، وشرح المفصل/ 2/ 128، والأشموني/ 2/ 256].

117 - ولئن حلفت على يديك لأحلفن … بيمين - أصدق من يمينك - مقسم
للفرزدق همام بن غالب.
وقوله: على يديك: أراد على فعل يديك، فحذف المضاف، والمقصود: بفعل يديه العطاء والجود وسعة الإنفاق.
يقرر أنه متأكد من كرم المخاطب وجوده حتى إنه لو حلف عليه لكان حلفه يمين مقسم صادق لا يشوب حلفه شك.
وقوله: لئن: اللام موطئة للقسم. إن: شرطية ... وحلفت: فعل الشرط.
لأحلفن: اللام واقعة في جواب القسم. وأحلفن - جواب القسم مبني على الفتح وجواب الشرط محذوف يدل عليه
جواب القسم. بيمين: متعلقان بأحلف. أصدق: نعت ليمين. من يمينك - متعلقان بأصدق. ويمين الأول مضاف، ومقسم مضاف إليه.
وفي البيت شاهدان: الأول: قوله: بيمين - أصدق من يمينك - مقسم: حين فصل بين المضاف وهو يمين - والمضاف إليه وهو مقسم، بنعت المضاف، وهو «أصدق من يمينك، وأصل الكلام: بيمين مقسم أصدق من يمينك.
والثاني: قوله: لأحلفنّ: حيث أتى بجواب القسم وحذف جواب الشرط. لكون القسم الموطأ له باللام في قوله «لئن» مقدما على الشرط. [الأشموني/ 1/ 278].

118 - كأنّ برذون - أبا عصام … زيد حمار دقّ باللجام
لم ينسب. والمعنى: يصف برذون رجل اسمه «زيد» بأنه غير جيد ولا ممدوح وأنه لولا اللجام الذي يظهره من مظهر الخيل، لكان في نظر من يراه، حمارا، لصغره في عين الناظر ولضعفه.
الشاهد: كأنّ برذون أبا عصام، زيد: حيث فصل بين المضاف، وهو برذون والمضاف إليه وهو «زيد» بالنداء وهو قوله «أبا عصام» وأصل الكلام:
(3/51)

كأنّ برذون زيد، يا أبا عصام ... وهذا الفصل ضرورة قبيحة، لأنه يعقّد الكلام ويجعله ملتبسا، والكلام وجد للإفهام. [الهمع/ 2/ 53، والأشموني/ 2/ 278].

119 - حتى تهجّر في الرواح وهاجها … طلب المعقّب حقّه المظلوم
لبيد بن ربيعة العامري، يصف حمارا وحشيا وأتانه، شبه به ناقته.
وتهجّر: سار في وقت الهاجرة. الرواح: هو الوقت من زوال الشمس إلى الليل.
ويقابله الغدوّ .. هاجها: أزعجها. المعقّب: الذي يطلب حقه مرّة بعد أخرى المعنى:
يقول: إن هذا - المسحل - وهو حمار الوحش، قد عجل رواحه إلى الماء وقت اعتداد الهاجرة، وأزعج الأتان. وطلبها إلى الماء مثل طلب الغريم الذي مطله مدين يدين له، فهو يلحّ في طلبه المرة بعد الأخرى.
وقوله: تهجّر: فعل ماض فاعله مستتر يعود إلى الحمار الوحشي .. وهاجها: فعل ماض، وفاعله يعود على الحمار. والهاء: تعود على الأتان.
طلب: مصدر تشبيهي مفعول مطلق عامله «هاجها» أي: هاجها لكي تطلب الماء حثيثا، مثل طلب المعقّب. والمعقب: مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله .. حقه:
حق: مفعول به للمصدر الذي هو «طلب». ويجوز أن يكون مفعولا للمعقب، لأنه اسم فاعل، ومعناه الطالب،
والمظلوم نعت للمعقب باعتبار المحلّ، لأنه وإن كان مجرور اللفظ، مرفوع المحل، لأنه فاعل.
الشاهد: طلب المعقّب - المظلوم، حيث أضاف المصدر. وهو «طلب». إلى فاعله وهو المعقب، ثم أتبع الفاعل بالنعت وهو المظلوم «وجاء بهذا التابع مرفوعا، نظرا لمحلّ المتبوع. [الخزانة/ 2/ 240، وشرح التصريح/ 2/ 65، والأشموني/ 2/ 290، والهمع/ 2/ 145].

120 - وكم مالئ عينيه من شيء غيره … إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى
البيت لعمر بن أبي ربيعة.
والجمرة: مجتمع الحصى بمنى. البيض: جمع بيضاء - وهو صفة لموصوف
(3/52)

محذوف، أي: النساء البيض. الدمى جمع دمية. وهي الصورة من العاج، وبها تشبه النساء في الحسن والبياض، تخالطه صفرة.
المعنى: كثير من الناس يتطلعون إلى النساء الجميلات المشابهات للدمى من بياضهن وحسنهن وقت ذهابهن إلى الجمرات ولكن الناظر إليهنّ لا يفيد شيئا.
كم: خبرية، مبتدأ. مالئ: تمييز مجرور بمن المقدرة أو بإضافة كم إليه، عينيه:
مفعول به، لمالئ. من شيء: متعلقان بمالئ ... غيره: مضاف إليه.
إذا: ظرفية - راح: فعل ماض. نحو: ظرف مكان منصوب - البيض: فاعل (راح) كالدّمى: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من البيض.
الشاهد: «مالئ عينيه. حيث عمل اسم الفاعل وهو «مالئ» النصّب. في المفعول به بسبب كونه معتمدا على موصوف محذوف معلوم من الكلام وتقديره: وكم شخص مالئ. والمعمول هو «عينيه» فهو مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء. [سيبويه/ 1/ 165، هارون، وابن عقيل/ 2/ 193].

121 - وقال نبيّ المسلمين: تقدّموا … وأحبب إلينا أن تكون المقدّما
البيت للعباس بن مرداس .. أحد المؤلفة قلوبهم الذين أعطاهم رسول الله من سبي حنين مائة من الإبل.
الشاهد: قوله: «أحبب إلينا .. الخ -.
أحبب: فعل ماض جاء على صورة الأمر، للتعجب. إلينا: جار ومجرور متعلقان بأحبب - وقد فصل بين فعل التعجب وفاعله الآتي.
(أن تكون). المصدر المؤول المجرور بباء زائدة مقدرة، فاعل فعل التعجب وأصل الكلام وأحبب إلينا بكونك
المقدمة. ومثل هذا الشاهد.
أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته … ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
فإنّ المصدر المنسبك من «أن يحظى. مجرور بباء زائدة مقدرة وهو فاعل (أخلق) وقد فصل بينهما. بقوله: «بذي الصبر». [الهمع/ 2/ 90، والعيني/ 3/ 656].
(3/53)

122 - إني إذا ما حدث ألمّا … أقول: يا اللهمّ يا اللهمّا
هذا البيت لأمية بن أبي الصلت. وقيل: إنه لأبي خراش الهذلي. ويسبقه بيت مشهور.
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا … وأيّ عبد لك لا ألمّا
وقوله: ألمّا: في البيت الشاهد: بمعنى نزل. وألمّا: الثانية في البيت التالي: من قولهم ألمّ فلان بالذنب يريدون فعله أو قاربه.
والمعنى، يريد أنه كلما نزلت به حادثة وأصابه مكروه لجأ إلى الله في كشف ما يتنزل به.
وقوله: اللهم: منادى مبني على الضم في محل نصب والميم المشددة زائدة.
والشاهد: يا اللهم. حيث جمع بين حرف النداء والميم المشددة التي يؤتى بها للتعويض عن حرف النداء. وهذا شاذ. [الإنصاف/ 341، وشرح المفصل/ 2/ 16، وشرح المغني/ 4/ 397].

123 - يحسبه الجاهل ما لم يعلما … شيخا على كرسيّه معمّما
البيت لأبي الصمعاء مساور بن هند العبسي، وهو شاعر مخضرم.
وقوله: يحسبه: الضمير يعود على القمع - بكسر القاف وفتح الميم - وهو آلة تجعل في فم السقاء ونحوه، ويصبّ فيها اللبن، حيث يتحدث في أبيات سابقة عن غزارة الحليب الذي تحلبه النوق وكون هذا القمع يكسى بالرغوة العظيمة التي يصفها الشاعر في البيت الشاهد. فقال: «وقمعا يكسى ثمالا قشعما» والثمال: الرغوة، والقشعم العظيم الضخم. شبه القمع والرغوة التي تعلوه بشيخ معمم جالس على كرسي. وعدم الاطلاع على الأبيات السابقة، جعل بعض الشراح يظن أن الموصوف جبل قد عمّه النبات. وليس كذلك.
وقوله: ما لم يعلما: ما مصدرية. ولم: نافية جازمة، ويعلما: مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا للوقف.
والشاهد: «لم يعلما» حيث أكدّ المضارع المنفي بلم، وأصله ما لم يعلمن - فقلبت
(3/54)

النون ألفا للوقف، وهذا التوكيد لا يجوز إلا في الضرورة عند سيبويه. [سيبويه/ 2/ 152، والإنصاف/ 53، وشرح المفصل/ 9/ 42، والأشموني/ 3/ 218].

124 - فإن يهلك أبو قابوس يهلك … ربيع الناس والبلد الحرام
ونأخذ بعده بذناب عيش … أجبّ الظّهر ليس له سنام
البيتان للنابغة الذبياني، وكان النابغة قد وفد على النعمان بن المنذر، إبّان مرضه ولما أراد الدخول عليه منعه عصام بن شهبرة الجرمي صاحب النعمان ... فقال يخاطبه.
ألم أقسم عليك لتخبرنّي … أمحمول على النعش الهمام
فإني لا ألام على دخول … ولكن ما وراءك يا عصام
وبعدهما البيتان.
يهلك. من باب ضرب يضرب، فعل لازم يتعدى بالهمزة .. وأبو قابوس: كنية النعمان. و «قابوس» يمتنع من الصرف للعلمية والعجمة.
وقوله: والبلد الحرام: كنى به عن أمن الناس، وطمأنينتهم وراحة بالهم وذهاب خوفهم، وجعله كذلك لأنه سبب فيه. ذنابّ بكسر الذال .. وذناب كل شيء: عقبه وآخره. أجبّ الظهر: مقطوع السنام شبه الحياة بعد النعمان والعيش في ظلال غيره وما يلاقية الناس من المشقة، ببعير قد أضمره الهزال، وقطع الإعياء سنامه.
وقوله: ليس له سنام: فضل في الكلام يدل عليها سابقه.
والشاهد: «ونأخذ» حيث روي بالجزم والنصب والرفع: الجزم بالعطف على جواب.
الشرط «يهلك» في نهاية الشطر الأول.
ويروى بالنصب: فالواو للمعية، والفعل منصوب بأن وإنما ساغ ذلك، مع أن شرط النصب بعد واو المعية أن تكون واقعة بعد نفي أو طلب، لأن مضمون الجزاء، لم يتحقق وقوعه لكونه معلقا بالشرط، فأشبه الواقع بعد الاستفهام. ويروى بالرفع: فالواو للاستئناف.
وهذه الوجوه الثلاثة تجوز في الفعل المعطوف على جواب الشرط، بالواو والفاء ...
وفي هذا البيت تجوز الوجوه الثلاثة، لأن الوزن الشعري لا يأباها. [الأشموني/ 4/ 24، والخزانة/ 7/ 115].
(3/55)

125 - أتوا ناري فقلت منون أنتم … فقالوا الجنّ قلت: عموا ظلاما
فقلت: إلى الطعام فقال منهم … زعيم: نحسد الإنس الطعاما
قالها شمير بن الحارث، ذكر في البيتين أنّ الجنّ طرقته وقد أوقد نارا لطعامه فدعاهم إلى الأكل منه فلم يجيبوه وزعموا أنهم يحسدون الإنس في الأكل وأنهمّ فضلوا عليهم بأكل الطعام.
والشاهد «منون» حيث جمعه في الوصل ضرورة، وإنما يجمع في الوقف وهو جمع «من». [سيبويه/ 1/ 402، والخصائص/ 1/ 129، وشرح المفصّل/ 4/ 16].

126 - بنيّ إنّ البرّ شيء هيّن … المنطق الطّيّب والطّعيّم
ليس له قائل مسمّى، وإنما يرويه الثقات عن الأعراب، ولكن هذا الرجز يروى.
بنّي إنّ البر شيء هيّن … وجه طليق وكلام ليّن
أما الرواية التي ذكرتها وآخرها «الطعيم» بالميم تصغير الطعام، فهي شاهد على إعطاء الحرف حكم مقاربه في المخرج متى اجتمعا رويّين (هيّن) و «طعيّم» لتقارب الميم والنون في المخرج، فجعل قافية الميم مثل النون [شرح المفصل/ 10/ 35، 144. وشرح أبيات المغني/ 8/ 67].

127 - لا يبعد الله التّلبّب وال … غارات إذ قال الخميس نعم
من قصيدة للمرقش الأكبر في المفضليات، واسم الشاعر عوف بن سعد، وسمي المرقش لقوله:
الدار قفر والرسوم كما … رقّش في ظهر الأديم قلم
ومعنى رقش: زيّن، وحسّن، والمرقش الأصغر ابن أخيه. والاثنان جاهليان. ذكر ابن هشام البيت في الباب الخامس تحت عنوان «في ذكر الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها .. وذكر عشر جهات، وأولها وهي أهمها: أن يراعي المعرب ما يقتضيه ظاهر الصناعة ولا يراعى المعنى، وكثيرا ما تزل الأقدام بسبب ذلك».
وأول واجب على المعرب أن يفهم معنى ما يعربه، مفردا أو مركبا، ولهذا لا يجوز
(3/56)

إعراب فواتح السور على القول بأنها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. وحكى أن بعض المشايخ أعرب لتلميذ له البيت الشاهد فقال: «نعم» حرف جواب. ثم طلبا محل الشاهد في البيت فلم يجداه، فظهر لي حسن لغة كنانة في «نعم» الجوابية وهي «نعم» بكسر العين. يريد أننا لو أخذنا بلغة كنانة. ما حصل التباس في ذهن القارئ بين «نعم» واحد الأنعام، وبين «نعم» حرف الجواب. قال: وإنما «نعم» هنا واحد الأنعام، وهو خبر لمبتدأ محذوف، أي: هذه نعم».
ومعنى التلبب. لبس السلاح كله، والخميس الجيش. والنّعم: الإبل. أي: إذا قال الجيش: هذا نعم، فأغيروا عليه. ولفظ البيت يريد به الدوام والاستمرار. أي: أدام الله عليّ - لبس السلاح والغارة على أموال الناس. «وإذ» ظرف متعلق بالغارات. ومراده: لا يبعد الله عني. [شرح أبيات المغنى/ 7/ 142].

128 - وأنت التي حبّبت شغبا إلى بدا … إليّ وأوطاني بلاد سواهما
حللت بهذا حلّة ثم حلّة … بهذا فطاب الواديان كلاهما
البيتان لكثير عزّة. أوردهما أبو تمام في الحماسة .. وشغب: بفتح الشين وسكون الغين ضيعة كانت في نواحي وادي القرى (العلا). و «بدا» مثلها.
وذكروا البيت الأول شاهدا على أن «إلى» في الشطر الأول تدلّ على الترتيب بمنزلة الفاء. والذي دعا إلى هذا الفهم أنه رتب الحلول والنزول في البيت الثاني ولم يجعل نزولها في المكانين في وقت واحد. وقال أيضا: حببت شغبا إلى بدا. ولم يقل «من شغب إلى بدا» لتدل «إلى» على الغاية والنهاية ثم إن حبه يدخل فيه وادي «بدا». ولو قلنا إنّ «إلى» بمعنى الغاية، يقف الحب عند بداية «بدا» لأنها النهاية. قالوا: وقد تكون «إلى» هنا، بمعنى «مع» وهو أقوى، والله أعلم. [شرح أبيات المغني/ 4/ 28].

129 - ولو أنها عصفورة لحسبتها … مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما
البيت للعوّام بن شوذب من قصيدة، يقولها في يوم من أيام العرب في الجاهلية، وذكرها بعض الشراح في ديوان جرير، وهي ليست له. والشاعر يهجو خصومه بأنهم قد حلّ الرعب بهم حتى إنهم يظنون العصفورة خيلا مسوّمة. والعصفورة: الطير الصغير.
والهاء في «أنها» راجع إلى شيء معلوم من المقام.
(3/57)

و «حسبتها» بتاء الخطاب. وعبيد، بالتصغير، وأزنم، بطنان من بني يربوع لا ينصرفان.
ومسوّمة: أي خيلا مسومة. وهي المعلمة بعلامة.
والبيت شاهد على أن خبر «أنّ» الواقعة بعد «لو» جاء اسما. ردّا على من زعم أنه لا بدّ أن يكون خبر «أنّ» الواقعة بعد «لو» فعلا والشواهد على وقوعه اسما كثيرة ... وإنكار وقوع خبر «أن» في هذا المقام اسما، إذا أعربنا المصدر المؤول فاعلا لفعل محذوف تقديره «ثبت». أما من يعرب المصدر المؤول مبتدأ، فلا يشترط هذا الشرط [شرح أبيات المغني/ 5/ 97].

130 - أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا … وإلّا فكن في السّرّ والجهر مسلما
مجهول القائل.
والشاهد: أن جملة «لا تقيمنّ عندنا» بدل من جملة «ارحل». والثانية أوفى بتأدية المراد من الأولى [شرح أبيات المغني/ 6/ 200].

131 - إذا المرء عينا قرّ بالعيش مثريا … ولم يعن بالإحسان كان مذمّما
البيت منسوب لحسان بن ثابت رضي الله عنه وليس في ديوانه ... وإذا: ظرفية شرطية. المرء: فاعل لفعل الشرط المحذوف - عينا: تمييز وعامله «قرّ». مثريا: حال من المرء. والمذمم: ضد الممدوح.
والبيت شاهد على تقدم التمييز «عينا» على عامله المتصرف كالحال. وهو مذهب ابن مالك. [شرح أبيات المغني/ 7/ 25].

132 - تحلّم عن الأدنين واستبق ودّهم … ولن تستطيع الأمر حتى تحلّما
البيت منسوب لحاتم الطائي. ويروى: ولن تستطيع الحلم.
والبيت شاهد على أن «الأدنين» جمع «أدنى» بمعنى أقرب، لأن نونها مفتوحة أما المثنى فإن نونه مكسورة .. وفيه شاهد: على أن «تحلّم» لتكلف الحلم. لأن وزن «تفعّل» يكون لمن أدخل نفسه في الشيء وإن لم يكن من أهله، كما قالوا: تعرّب، وتقيّس، أي: أدخل نفسه في العرب والقيسيين. أما «تحلما» في آخر البيت، فهي مضارع، وأصله «تتحلم» بتائين ثم حذف التاء، وهو مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا والألف فيه
(3/58)

للإطلاق. [شرح أبيات المغنى 8/ 39].

133 - إنّ الذين قتلتم أمس سيّدهم … لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
قاله أبو مكعت، أخو بني سعد بن مالك. وإسناد نام إلى ضمير الليل مجاز، والمراد:
نوم أهله، أي: لا تحسبوهم سكتوا عنكم، وتركوا الأخذ بثأر سيدهم منكم، جعل سكوتهم عن الأخذ بثأر سيدهم نوما، على سبيل الاستعارة، وخصّ الليل، لأنه وقت إعمال الفكر والتدبير لأخذ الثأر بالغارة ونحوها، والبيت شاهد على أن جملة النهي وهي «لا تحسبوا» وقعت خبرا عن اسم إنّ، بتأويل لأنها جملة إنشائية، والخبر لا يكون إلا جملة خبرية. [شرح أبيات المغني/ 7/ 229].

134 - فلا تشلل يد فتكت بعمرو … فإنّك لن تذلّ ولن تضاما
قاله رجل من بني بكر بن وائل، في الجاهلية، ورواه أهل الثقة في النقل .. شلّت، وتشلل - بالبناء للمعلوم ولا يقال - شلّت يده. فهو فعل لازم يتعدى بالهمزة، فيقال أشلّ الله يده .. وأشلّت يده. بالبناء للمجهول. وفي البيت أسلوب الالتفات حيث دعا لصاحبه على الغيبة ثم خاطبه فقال: فإنك. والبيت شاهد على أنّ «لا» فيه للدعاء، دعا له بأن لا تشلّ يده. [شرح أبيات المغني/ ج 5/ 15].

135 - بآية يقدمون الخيل شعثا … كأنّ على سنابكها مداما
البيت للأعشى. الآية: العلامة. وشعث: متغيرة من السفر والجهد. والسنابك جمع سنبك، وهو مقدم الحافر. يقول: أبلغهم عني كذا، بعلاقة إقدامهم الخيل للقاء شعثا.
وشبه ما ينصبّ من عرقها ممتزجا بالدم على سنابكها، بالخمر أراد: أن ذلك لما صار عادة وأمرا لازما، صار علامة ...
والشاهد: إضافة «آية» إلى الجملة الفعلية على تأويل المصدر أي: بآية إقدامكم الخيل. [شرح أبيات المغني/ 6/ 277].

136 - ألا من مبلغ عنّي تميما … بآية ما يحبّون الطعاما
قاله يزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي يهجو بني تميم ..
والشاهد: بآية ما يحبون .. يرى سيبويه أن «ما» زائدة. وآية مضافة إلى الجملة
(3/59)

الفعلية. ويرى ابن جني أن «ما» مصدرية، وآية: مضافة إلى المصدر المؤول ... وقد هجا بني تميم بأنهم يحبون الطعام، لأن أحد سادتهم أكل طعاما فمات به. فعيروا أنهم يحبون الطعام منذ ذلك الوقت. [شرح أبيات المغنى/ 6/ 285].

137 - لا يلفك الراجوك إلا مظهرا … خلق الكرام ولو تكون عديما
ليس له قائل معروف ... يلفك: مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون. والكاف مفعوله الأول - ومظهرا: مفعوله الثاني. والراجوك: فاعل مرفوع بالواو، وحذفت النون للإضافة. خلق: مفعول - مظهرا».
والشاهد: ولو تكون عديما: على أن الفعل الذي بعد «لو» للاستقبال. يعني أن «لو» فيه بمعنى «إن» الشرطية والمضارع بعدها مستقبل لأنّ المعنى على الاستقبال.
يريد: لا يجدك أحد من السائلين إلا وأنت تظهر لهم خلقا جميلا مثل أخلاق الكرماء ولو كنت حالتئذ لا تملك شيئا.
والمعروف أنّ «لو» حرف شرط للمستقبل، فإذا دخل على الماضي يصرفه إلى المستقبل. وإذا وقع بعده مضارع فهو مستقبل المعنى].
[شرح أبيات المغني/ 5/ 44].

138 - إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا … وأيّ عبد لك لا ألمّا
قاله أمية بن أبي الصلت وقد هلك في عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم.
والشاهد: أن مجيء «لا» هنا، غير مكررة شاذ ... فإن «لا» إذا كان ما بعدها جملة اسمية صدرها معرفة أو نكرة ولم تعمل فيها، أو فعلا ماضيا لفظا وتقديرا، وجب تكرارها ... وقد دخلت في هذا الشاهد على الفعل الماضي «ألمّ» ولم تكرر. وهذا شاذ في حكم أهل النحو.
وقوله «ألمّ» ومضارعه يلمّ: أتى الفاحشة. يريد إن تغفر ذنوبنا فقد غفرت ذنوبا كثيرة فإن جميع عبادك خطاؤون. [شرح أبيات المغنى/ 4/ 397].

139 - سقتها الرواعد من صيّف … وإن من خريف فلن يعدما
البيت للنمر بن تولب الصحابي من قصيدة طويلة .. والرواعد: السحابة الممطرة وفيها
(3/60)

صوت الرعد غالبا. والصيّف، بالتشديد في الياء: المطر الذي يجيء في الصيف.
والخريف: أراد مطره.
والبيت شاهد على أن «إمّا» عند سيبويه مركبة من «إن» و «ما». وقد حذفت «ما» بعد (إن) في بداية الشطر الثاني. والأصل: إما من صيّف، وإما من خريف فحذف لضرورة الشعر «إما» الأولى و «ما» من إمّا الثانية. ولما حذفت «ما» رجعت النون المنقلبة ميما للإدغام، إلى أصلها. [شرح أبيات المغني/ 1/ 377].

140 - فإن أنت لاقيت في نجدة … فلا تتهيّبك أن تقدما
قاله النمر بن تولب الصحابي .. والنجدة: الشجاعة والبأس والقوة، وحذف مفعول «لاقيت» يريد لاقيت قوما ذوي نجدة في حرب ونحوها.
والشاهد: قوله: فلا تتهيبك: معناه، لا تتهيبها، فهو من المقلوب.

141 - فأقسم أن لو التقينا وأنتم … لكان لكم يوم من الشّرّ مظلم
قاله المسيب بن علس، يخاطب بني عامر بن ذهل بن ثعلبة، والمسيب: هو خال الأعشى ميمون ... والمسيّب: اسم
فاعل، لقّب به، لأنه كان يرعى إبل أبيه فسيّبها وقيل: إن اسمه زهير ... ومعنى البيت: لو التقينا متحاربين لأظلم نهاركم فصرتم منه في مثل الليل، وكان «تامة» أو ناقصة و «لكم» خبرها.
قال ابن هشام: إنّ «أن» الواقعة بين «لو» وفعل القسم، زائدة عند سيبويه. وقيل: هي حرف جيء به لربط الجواب بالقسم.
وفي البيت من ضرائر الشعر: العطف على ضمير الرفع المتّصل من غير تأكيده بضمير منفصل وكأن الوجه: أن يقال: التقينا نحن وأنتم.
وقوله: لكان لكم: جواب القسم وهو دليل جواب «لو» المحذوف ... أو هو جواب «لو» ولو مع جوابها جواب القسم. [شرح أبيات المغنى/ 1/ 153].

142 - فإن ترفقي يا هند فالرّفق أيمن … وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم
فأنت طلاق والطلاق عزيمة … ثلاث ومن يخرق أعقّ وأظلم
فبيني بها أن كنت غير رفيقة … وما لا مرئ بعد الثلاث مقدّم
(3/61)

هذه الأبيات من أبيات المسائل الفقهية النحوية، ولا يعلم قائلها، وإذا صحت الروايات التي تقال حولها، فإنها ترجع إلى القرن الثاني الهجري، لأن أكثر الروايات تذكرها زمن الرشيد، وقد توفي في العقد الأخير من القرن الثاني، ويذكر من أبطال رواياتها أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة، وقد توفي سنة 182 ه.
وقوله: فإن ترفقي: الرفق الملاءمة والملاطفة، ضد العنف. والخرق: بضم الأول وفعله من باب «قتل» ومن باب «فرح» إذا فعل شيئا فلم يرفق به، فهو أخرق وهي خرقاء والاسم الخرق بالضم. وأيمن: وصف بمعنى ذي يمن وبركة لا أنه أفعل تفضيل. وكذلك الأشأم، معناه ذو شآمة ونحوسة.
والعزيمة: بمعنى المعزوم عليه، أي: الذي وقع التصميم فكان واقعا قطعا. وهو في الاصطلاح: ضدّ. الرخصة. وأعقّ: أفعل تفضيل من العقوق ضد البرّ.
وقوله: ومن يخرق أعقّ. أعق: جواب الشرط ولكنه حذف الفاء والتقدير فهو أعقّ.
وهو من ضرورات الشعر القبيحة.
وقوله: فبيني: من البينونة، وهي الفراق. وضمير بها للثلاث أي: كوني ذات طلاق بائن بهذه التطليقات الثلاث. لكونك غير رفيقة.
أن: مفتوحة الهمزة مقدر قبلها لام العلة. ومقدّم: مصدر ميمي، أي: ليس لأحد تقدّم إلى العشرة والإلفة بعد إيقاع الثلاث. وقيل: معنى مقدّم: بمعنى مهر مقدّم. أي ليس له بعد الثلاث مهر يقدمه لمطلقة ثلاثا إلا بعد زوج آخر. فيكون مقدّم اسم مفعول ...
وتروي كتب النحو أن الرشيد أمير المؤمنين، كتب ليلة إلى أبي يوسف بهذه الأبيات.
وسأله: ماذا يلزمه: إذا رفع الثلاث وإذا نصبها حيث روي البيت الثاني: هكذا.
فأنت طلاق والطلاق عزيمة ثلاثا.
فأنت طلاق والطلاق عزيمة ثلاث.
قالوا: فتخوّف أبو يوسف الإجابة، لأنها مسألة نحوية فقهية. فسأل الكسائي عنها.
ويظنّ أنّ القصة مصنوعة، وصانعها من أنصار الكسائي، لأنه لا تليق نسبة الجهل إلى
(3/62)

أبي يوسف، وهو الإمام الذي أخذ علم أبي حنيفة. ولا يظنّ أن فقيها مجتهدا من أهل القرون الأولى، يحتاج إلى سؤال غيره في مسألة نحوية، فما تصدّر أبو يوسف هذه المنزلة إلا وهو متضلع من فنون العربية،. ولذلك نقل آخرون أن المرسل بالفتوى الكسائي إلى محمد بن الحسن، ولا دخل لأبي يوسف فيها.
وسواء أصحت القصة أم كانت ملفقة، فإننا نتطلع إلى المعاني التي تنشأ عن وجوه الإعراب ولا يهمنا من الذي قال وأفتى. فكلّ من ذكر في القصة، من أهل العلم، ولا نفضّل واحدا على آخر. ونبدأ في بيان الجواب:
الوجه الأول: أنت طلاق والطلاق عزيمة ثلاثا: برفع عزيمة ونصب «ثلاثا» وهنا يقع الطلاق ثلاثا. ويكون قوله «والطلاق عزيمة: مبتدأ وخبر، فكأنه قال: والطلاق مني جدّ غير لغو.
وقوله «ثلاثا: معناه: أنت طالق ثلاثا وما بين - طالق - وثلاثا: جملة معترضة.
الوجه الثاني: أنت طلاق والطلاق عزيمة ثلاث: بنصب عزيمة، ورفع ثلاث. وهنا تطلق طلقة واحدة. والطلاق: مبتدأ. ثلاث: خبر - عزيمة: بالنصب على إضمار فعل تقديره: أعزم عليك عزيمة. أو التقدير: والطلاق إذا كان عزيمة ثلاث -. فقوله: أنت طالق. مبتدأ وخبر، يكون قد أخبرها بطلاقها. ثم أخبر أن الطلاق مداه ثلاث طلقات.
وقال ابن هشام في المغني: الرفع والنصب محتمل لوقوع الثلاث ولوقوع الواحدة.
أما الرفع: فلأن أل: في الطلاق إما لمجاز الجنس كما نقول: «زيد الرجل» أي هو الرجل المعتدّ به. وإما للعهد الذكري كقوله تعالى: فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: 16]. أي: وهذا الطلاق المذكور عزيمة ثلاث. فعلى العهدية: تقع الثلاث.
وعلى الجنسية: تقع واحدة.
قال: وأما النصب: فلأنه محتمل لأن يكون على المفعول المطلق، وحينئذ يقتضي وقوع الطلاق الثلاث. إذ المعنى: أنت طالق ثلاثا - ثم اعترض بينهما بقوله: والطلاق عزيمة. ومحتمل لأن يكون «ثلاثا» حالا من الضمير المستتر في عزيمة وحينئذ لا يلزم وقوع الثلاث لأنّ المعنى. والطلاق عزيمة إذا كان ثلاثا، فإنما يقع مانواه ...
(3/63)

ثم قال: والذي نواه وأراده الشاعر. (الثلاث) لأن البيت الثالث يقول: فبيني بها.
[شرح أبيات المغني/ 1/ 324].

143 - أما والذي لا يعلم الغيب غيره … ومن هو يحيي العظم وهو رميم
لقد كنت أطوي البطن والزاد يشتهى … محافظة من أن يقال لئيم
وإني لأستحيي رفيقي ودونه … ودون يدي داجي الظلام بهيم
تروى لحاتم الطائي. وتروى لغيره ممن لم يسمّ.
وقوله في البيت الثالث. أستحيي: أي: أنقبض وأنزوي. يتعدى بنفسه وبالحرف فيقال: استحييت منه، واستحييته. يقول: إذا أكلت مع ضيفي في زمن الجدب أستحيي منه فأدع الأكل وأوثره بالطعام حتى يشبع وأوهمه أني آكل معه والحال أن ظلام الليل مانع من أن يرى كلّ منا يد الآخر. فجملة - (ودونه) إلى آخر البيت حال من الفاعل والمفعول معا.
وقوله: ودونه. أي: دون يده وفي هذا التفسير مبالغة، لأن ليل مضارب البادية لا يحول دون رؤية الإنسان ملاصقه وهذا الوصف يكون لمن يسكن البيوت المغلقة.
والشاهد في البيت الأول: على أنّ «أما» مثل «ألا» من مقدّمات اليمين. وجواب القسم في أول البيت الثاني. [شرح أبيات المغني/ 2/ 75].

144 - أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة … قليل بها الأصوات إلا بغامها
البيت من قصيدة للشاعر ذي الرّمة. يصف ناقته. وأنيخت ماض مبني للمجهول:
وأنختها: أبركتها. والبلدة الأولى: الصدر. والبلدة الثانية. الأرض. والبغام: بضم الباء:
هنا، صوت الناقة.
والشاهد: «إلا بغامها» على أن «إلّا» صفة للأصوات، وهي لتعريفها بلام الجنس شبيهة بالمنكر. ولما كانت «إلا» الوصفية في صورة الحرف الاستثنائي نقل إعرابها الذي تستحقه إلى ما بعدها: كأل الموصولة لما كانت في
صورة حرف التعريف نقل إعرابها أيضا إلى صلتها، وهو الوصف. فرفع: «بغامها» إنما هو بطريق النقل من «إلا» إليه، والمعنى: إنّ صوتا غير بغام الناقة قليل في تلك البلدة، وأما بغامها فهو كثير. والخلاصة: أن أحد أحوال «إلا» أن تكون صفة بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها، جمع منكّر، أو شبهه، ومثال
(3/64)

الجمع المنكر: قوله تعالى. لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22] فلا يصح كون «إلا» هنا للاستثناء لفساد المعنى. ولأنه لا يستثنى من الجمع المنكّر.
ومثال الجمع المنكر أيضا. «قليل بها الأصوات إلا بغامها» فإن تعريف الأصوات، تعريف الجنس. [شرح أبيات المغني/ 2/ 100].

145 - إذا هملت عيني لها قال صاحبي … بمثلك - هذا - لوعة وغرام
البيت قاله الشاعر ذو الرّمّة ...
وقوله: لها - أي لأطلال صاحبته. بمثلك: الجار والمجرور خبر مقدم. ولوعة:
مبتدأ مؤخر، وهذا، منادى بتقدير يا هذا. والشاهد حذف حرف النداء [شرح أبيات المغني/ 7/ 352].

146 - وكائن لنا فضلا عليكم ومنّة … قديما ولا تدرون ما منّ منعم
لم يعرف قائله.
والشاهد: أنه جاء فيه مميّز كائن منصوبا، على غير الغالب.
وقوله: ما منّ: (ما) مصدرية وصلت بالفعل الماضي، أي: لا تدرون منّة منعم.
[شرح أبيات المغني/ 4/ 167].

147 - ألا ياسنا برق على قلل الحمى … لهنّك من برق عليّ كريم
لم يسمّ قائله. وهو أول أبيات خمسة في التشوق إلى الديار. والسنا: بالقصر: ضوء البرق. والقلل: جمع قلة: أعلى الجبل وغيره. و «من برق» تمييز مجرور بمن. وكريم:
خبر لهنك. وكريم بمعنى عزيز ونفيس.
وقوله «لهنك». اللام للتوكيد. دخلت على إنّ، المقلوبة همزتها هاء. والبيت شاهد على أن لام التوكيد، موضعها في الأصل قبل «إنّ». وكان حقها في البيت أن تدخل على كريم فيقال: إنك لكريم. وقيل: إنّ «اللام» جواب قسم مقدر. وقيل. إنها زائدة. [شرح أبيات المغني/ 4/ 347].

148 - إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد … لها أبدا ما دام فيها الجراضم
(3/65)

منسوب للفرزدق. ومنسوب للوليد بن عقبة، أخي عثمان بن عفان لأمه والجراضم:
بضم الجيم - العظيم البطن أو الأكول.
والبيت شاهد على أنّ «لا» في البيت تحتمل النهي والدعاء. (ونعد) مضارع عاد، إذا رجع، واللام في «لها» بمعنى «إلى». [شرح أبيات المغنى/ 5/ 17].

149 - إذا غاب عنكم أسود العين كنتم … كراما وأنتم ما أقام ألائم
قاله الفرزدق. وأسود العين اسم جبل يقول: إنهم لا ينتقلون عن اللؤم إلى الكرم أبدا، لأنهم لا يفقدون هذا الجبل أبدا.
والبيت شاهد على أن واحد «ألائم» هو «ألأم» ليس أفعل تفضيل وإنما هو وصف بمعنى «لئيم». [شرح أبيات المغني/ 6/ 178].

150 - فلا تبدها باللّوم قبل سؤالها … لعلّ لها عذر وأنت تلوم
لم يسمّ قائله. وذكروه شاهدا على أن هذا القول أول لحن سمع بالبصرة.
وقوله: تبدها: أصله تبدأها. ولكنهم خرجوا هذا الذي قيل إنه لحن بأن اسم لعل ضمير الشأن، (لها عذر) مبتدأ وخبر، خبر لعلّ. [شرح أبيات المغني/ 5/ 173].

151 - صددت فأطولت الصدود وقلّما … وصال على طول الصّدود يدوم
قاله المرّار الفقعسي.
والشاهد: قلّما وصال. حيث دخلت «قلما» على الاسم «وصال» و «قلما» لا تدخل إلا على الأفعال. لأنها مركبة من «قلّ» المكفوف ب (ما). وهنا أولاها الشاعر فعلا مقدّرا، و «وصال» مرفوع ب: «يدوم» محذوفا مفسّرا بالمذكور. وقد يكون وليها جملة اسمية (وصال يدوم). والحق أن الشاعر تابع السليقة العربية التي ترفض الصنعة. فالتعبير سليم ولا غبار عليه. والقصور في القاعدة التي سنّوها، وجعلوا كلّ ما يخالفها شاذا أو ضرورة. والسليقة والطبيعة لا تقف عند زمن ولا مكان، ما دام القائل في العصر الذي يستشهد بكلام أهله. والمرّار الفقعسي أو الأسدي ابن سعيد بن حبيب من شعراء الدولة الأموية وأدرك الدولة العباسية. [شرح أبيات المغني/ برقم 508].
(3/66)

152 - وإنّ لساني شهدة يشتفى بها … وهوّ على من صبّه الله علقم
لا يعرف قائله. وفي البيت أربعة شواهد:
الأول: تشديد واو هوّ.
الثاني: تعليق الجار بالجامد، لتأويله بالمشتق، وذلك لأن قوله: هوّ علقم مبتدأ وخبر، والعلقم: الحنظل، وليس المراد هذا، بل المراد شديد أو صعب فلذلك علق به «على» المذكورة.
الثالث: جواز تقديم معمول الجامد المؤول بالمشتق إذا كان ظرفا.
الرابع: جواز حذف العائد المجرور بالحرف مع اختلاف المعلق. إذ التقدير: وهو علقم على من صبه الله عليه و (على) المذكورة متعلقة بعلقم، والمحذوفة متعلقة ب (صبّ). [شرح أبيات المغني/ 6/ 317].

153 - وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني … وأشمتّ بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس حتى تركتني … لهم غرضا أرمى وأنت سليم
فلو أنّ قولا يكلم الجسم قد بدا … بجسمي من قول الوشاة كلوم
هذه الأبيات الثلاثة أوردها أبو تمام في باب «النسيب» من الحماسة لامرأة أجابت بها قول ابن الدمينة:
وأنت التي كلّفتني دلج السّرى … وجون القطا بالجلهتين جثوم
وأنت التي قطعت قلبي حزازة … وقرّفت قرح القلب وهو كليم
وأنت التي أحفظت قومي فكلّهم … بعيد الرّضا داني الصدود كظيم
واسم المرأة أميمة، كان ابن الدمينة يعشقها ويهيم بها مدة، فلما وصلته تجنّى عليها وجعل ينقطع عنها ثم زارها يوما: فتعاتبا طويلا: فقال لها وقالت له، ما أثبتناه. والأبيات من رقيق العتاب، وعذب الشعر ولهذا أثبتّ الجوابين.
والشاهد في الشطر الأول من أبيات أميمة - ذكره ابن هشام في المغني تحت عنوان الأشياء التي تحتاج إلى رابط. ومنها «الجملة الموصول بها الأسماء» ولا يربطها غالبا إلا الضمير. إمّا مذكورا، أو مقدّرا. قال: وقد يربطها ظاهر يخلف الضمير كقوله:
(3/67)

(فيا ربّ ليلى في رحمة الله أطمع) وقد مضى في حرف العين.
وهو قليل. قالوا: وتقديره: وأنت الذي في رحمته - وقد كان يمكنهم أن يقدروا «في رحمتك» كقوله: (وأنت الذي، البيت الأول).
وكأنهم كرهوا بناء القليل على القليل إذ الغالب «أنت الذي فعل» وقولهم «فعلت» قليل. ولكن مع هذا مقيس. [شرح أبيات المغني/ 7/ 86].

154 - لقد كان في حول ثواء ثويته … تقضّى لبانات ويسأم سائم
البيت من قصيدة للأعشي ميمون عاتب بها يزيد بن مسهر الشيباني، وتهدده ومطلع القصيدة:
هريرة ودّعها وإن لام لائم … غداة غد أم أنت للبين واجم
لقد كان ... وهريرة: صاحبة الأعشى، قيل إنها صاحبة شعر. فقط، فهو لا يعرف امرأة بهذا الاسم، وهو منصوب بفعل محذوف يفسره الموجود. و «أم» منقطعة بمعنى «بل» والواجم: الشديد الحزن حتى لا يطيق على الكلام.
وفي البيت مجموعة من الفوائد والشواهد:
1 - ثواء: تروى بالجرّ. على أنه بدل اشتمال من حول. لأنّ الثواء في الحول.
والتقدير: لقد كان في ثواء حول ثويته.
2 - جملة «ثويته» صفة لثواء، والهاء عائدة على الثواء، وقيل: عائدة على «الحول» وهو الأقوى وهو مفعوله على السعة لأنّ الأصل ثويت فيه فاتسع بحذف الحرف. وعلى كلا الحالين: إذا جعلت الهاء عائدة على الثواء فلا بدّ من عائد على الحول، فتقدّر ضميرا آخر تقديره: ثويت فيه.
3 - يروى «ثواء» بالنصب: منصوب على المصدر أو مفعول لأجله.
4 - يروى «ثواء» بالرفع على أن يكون اسم كان، و «في حول» خبرها.
5 - ويسأم يروى بالرفع على أنه معطوف على «تقضّى» فعل مضارع مرفوع. ويروى «ويسأم» بالنصب - على أنّ «تقضّي» مصدر مرفوع اسم كان. و «يسأم» منصوب بأن
(3/68)

مضمرة بعد الواو، ليكون عطف المصدر المؤول على المصدر الصريح. [شرح أبيات المغني/ 7/ 91].

155 - وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه … بأن تسعدا والدّمع أشفاه ساجمه
مطلع قصيدة للمتنبي. الطاسم: الدارس.
خاطب صاحبيه وقد كانا عاهداه بأن يسعداه ببكائهما عند ربع أحبته فقال: وفاؤكما بإسعادي شبه للربيع ثم بيّن وجه الشبه بينهما بقوله: أشجاه طاسمه، يعني أن الربع إذا تقادم عهده فدرس، كان أشجى لزائره: أي: أبعث لشجوه وحزنه لأنه لا يتسلى به المحب كما يتسلى بالربع الواضح وكذلك الوفاء بالإسعاد إذا لم يكن بدمع ساجم أي:
هامل كان أبعث للحزن، فأراد: ابكيا معي بدمع ساجم، فإن الدمع أشفى للغليل إذا سجم كما أن الربع أشجى للمحب إذا عفا وطسم.
وقوله: بأن تسعدا: المصدر المجرور متعلق في المعنى بالوفاء لأنه أراد «وفاؤكما بأن تسعدا كالربع»، فلما فصل بينهما بأجنبي وجب عند النحويين تعليقه بمضمر، تقديره «وفيتما بأن تسعدا».
ووفاؤكما: مبتدأ. خبره كالربع. وفيه مجيء. الخبر عن اسم قبل أن تأتي مكملاته، وهو الجار والمجرور. [شرح أبيات المغني/ 7/ 167].

156 - أيا جبلي نعمان بالله خلّيا … نسيم الصّبا يخلص إليّ نسيمها
يروى للمجنون صاحب ليلى ونعمان: بفتح النون. واد بين مكة والطائف والبيت شاهد على أن «أيا» ترد لنداء البعيد، وقد تستخدم لنداء القريب حكما، فالمحب عند ما ينادي ديار المحبوبة، يجعلها قريبة منه وإن كانت بعيدة عنه، وفي هذا البيت يستحضر الشاعر مواطن الأحبة، ويتمثلها أمامه بل هي موصولة بذكرياته الكامنة في قلبه. [شرح أبيات المغنى/ 1/ 67. وشرح التصريح/ 1/ 152].

157 - ستعلم ليلى أيّ دين تداينت … وأيّ غريم: في التقاضي غريمها
القائل مجهول. أنشده ابن هشام على أنّ الصواب في إنشاده نصب «أيّ» الأولى بتداينت على أنها مفعول به، أو على المفعولية المطلقة، والتقدير. أي تداين تداينت.
(3/69)

ورفع «أيّ» الثانية بجعل جملتها معلقة على الجملة السابقة المعلقة على العمل فيها.
[شرح أبيات المغنى/ 6/ 270].

158 - زارت رويقة شعثا بعد ما هجعوا … لدى نواحل في أرساغها الخدم
فقمت للطيف مرتاعا فأرّقني … فقلت أهي سرت أم عادني حلم
من قصيدة للمّرار بن منقذ وهو شاعر أموي.
ورويقة: صاحبته. وشعثا أي: قوما شعثا. لدى نواحل: أي إبل نواحل والخدم:
سيور القدّ جمع خدمة.
والبيت شاهد على: أنّ «أم» الواقعة بعد همزة التسوية يمكن أن تقع بين جملتين فعليتين: فقوله: أهي. - هي: فاعل يفسره الفعل المذكور. وذلك لأن الجملة معادلة للجملة الفعلية بعد أم. وهذا تكلف ظاهر.
وفيه شاهد على إسكان هاء الضمير «هي» مع همزة الاستفهام. [شرح أبيات المغني/ ج 1/ 201].

159 - وما أصاحب من قوم فأذكرهم … إلا يزيدهم حبّا إليّ هم
البيت للمرار بن منقذ العدوي. قال ابن مالك: أصله يزيدون أنفسهم فحذف «أنفس» فصار «يزيدونهم» ثم فصل الفاعل وهو الواو فصار «هم» وأخّر بعد المفعول فصار:
يزيدهم حبا إليّ هم. فهم الأخيرة فاعل. «وهم» الأولى في الأصل مضافا إليه أو «أنفس» المحذوف هو المفعول المضاف و «هم» في المواضع الثلاثة ضمير قوم الشاعر، ولا يجوز أن يكون «هم» في «يزيدهم، مفعولا «وهم» الأخيرة فاعلا. [شرح أبيات المغني/ 3/ 275].

160 - أعن ترسّمت من خرقاء منزلة … ماء الصّبابة من عينيك مسجوم
وقوله: ترسمت: الترسّم: التفرس والتثبت في أثر الرسم.
وقوله: أعن: أصلها: أأن، والهمزة للاستفهام التقريري، وأن ترسمت في تأويل مصدر مجرور بلام محذوفة متعلقه بمسجوم والتقدير: ألأجل ترسمك ونظرك دارها التي نزلت فيها بكت عينك وأسالت دموعها. وخرقاء. اسم صاحبته.
(3/70)

والشاهد: أن «عن» هي أن المصدرية عند بني تميم، وتميم وأسد يحولون همزتها عينا. وذلك في (أن) وأنّ خاصة ولا يجوز مثل ذلك في المكسورة. وهي لغة مرجوجة.
قال ثعلب: ارتفعت قريش في الفصاحة عن «عنعنة تميم» وكشكشة ربيعة وكسكسة هوازن، وتضجّع قيس، وعجرفيّة ضبّة، وتلتلة بهراء.
أما العنعنة: أن تقول في موضع (أنّ) عن.
وأما تلتلة بهراء: فإنهم يقولون: تعلمون وتفعلون، بكسر أوائل الحروف.
وأما كشكشة ربيعة: فقولها مع ضمير المؤنث «إنّكش، ورأيتكش» تفعل هذا في الوقف فإذا وصلت أسقطت الشين.
وأما الكسكسة: فقولهم: أعطيتكس، ومنكس، وهذا أيضا في الوقف دون الوصل.
[شرح أبيات المغني/ 3/ 306].

161 - ما أطيب العيش لو أنّ الفتى حجر … تنبو الحوادث عنه وهو ملموم
قاله تميم بن مقبل، مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام.
وقوله: لو أن الفتى حجر. لم يرد أن يكون حجرا على الحقيقة وإنما أراد بقاءه وثباته مع مرور الحوادث عليه.
وتنبو: من نبا السيف عن الضريبة، إذا رجع من غير قطع.
والملموم: المجموع. والبيت شاهد على خبر أنّ الواقعة بعد «لو» فيه اسم جامد. وزعم بعض النحويين أنه لا بد أن يكون خبر أنّ الواقعة بعد «لو» فعلا. [شرح المغني/ 5/ 94].

162 - يغضي حياء ويغضى من مهابته … فما يكلّم إلا حين يبتسم
البيت للفرزدق من قصيدته التي يمدح فيها زين العابدين.
وفيه شاهد على أنّ «من» فيه للتعليل. ونائب الفاعل في قوله «يغضى» المبني للمجهول ضمير المصدر، وهو الإغضاء. ولا يكون «من مهابته» نائب فاعل لأنه مفعول لأجله، والمفعول لأجله لا يكون نائب فاعل. [شرح أبيات المغني/ 5/ 311].

163 - إن يستغيثوا بنا إن يذعروا يجدوا … منّا معاقل عزّ زانها كرم
(3/71)

لم يسمّ قائله. وذكروه شاهدا على أنه إذا اعترض شرط على آخر فإن الجواب المذكور للسابق. [شرح أبيات المغني/ 7/ 286].

164 - نطوّف ما نطوّف ثمّ نأوي … ذوو الأموال منّا والعديم
إلى حفر أسافلهنّ جوف … وأعلاهنّ صفّاح مقيم
قالهما البرج بن مسهر الطائي، وهما من مقطوعة في حماسة أبي تمّام. ويريد بالحفر، القبور، أي: آخر أمر ذي المال، والعديم إلى القبور، والعديم: هو من لا شيء له.
والصّفاح: الحجارة العراض.
وقوله: نطوّف: بالتشديد، للتكثير في الفعل و «ما» مصدرية زمانية، أي: نطوف مدة تطوافنا.
وقوله: إلى حفر: متعلق بنأوي. وفيه العيب الشعري المسمّى بالتضمين، وهو أن يتوقف معنى البيت الأولى على الثاني، وجوف: جمع أجوف، بمعنى: ذي جوف. وذكر ابن هشام البيتين على أن الرواية في «نأوي» بالنون، فلا يمكن أن يكون فاعله «ذوو».
فاحتيج إلى التأويل بجعله فاعلا لفعل مقدر مبدوء بياء الغيبة، يفسره «نأوي» والتقدير:
يأوي ذوو الأموال. فيكون مع ما بعده توكيدا لنأوي، بالنون .. ولكن الرواية المشهورة «يأوي» بالياء. [شرح أبيات المغني/ 7/ 215].

165 - فأصبح بطن مكّة مقشعرّا … كأنّ الأرض ليس بها هشام
من شعر للحارث بن أميّة الأصغر، رثى بها هشام بن المغيرة، وهشام، هو أبو عثمان ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وكان سيدا مطاعا في الجاهلية، وكانت تؤرخ قريش بموته كما تؤرخ بعام الفيل. والشاعر القائل، جاهلي. والبيت شاهد على أنّ «كأنّ» فيه عند الكوفيين للتحقيق. وقال المبرد في الكامل: يقول: هو وإن كان مات، فهو مدفون في الأرض، فقد كان يجب من أجله أن لا ينالها جدب. وهذا التفسير على قول من جعل «كأنّ» من هذا البيت بمعنى التعجب، فكأنه يعجب من إجداب الأرض وهشام مدفون فيها. وإنما كان ينبغي أن لا تجدب لكونه فيها.
وبعضهم يجعلها بمعنى «الشكّ» ومعناه: إن الأرض أجدبت حتى ظنّ وتوهم أن هشاما ليس مدفونا فيها. ومن ذهب إلى أنّ «كأنّ» هنا للتحقيق، يكون المعنى: إنّ الأرض
(3/72)

أجدبت وهشام ليس فيها، أي: ليس على ظهرها. وقيل: إن الكاف من كأن للتعليل المرادفة للام. أي «لأن الأرض ليس بها هشام». وعلى هذا حمل قوله تعالى وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ [القصص: 82] فقيل: معناه: أعجب لأنه لا يفلح الكافرون. [شرح أبيات المغني/ 4/ 169].

166 - ألا يا نخلة من ذات عرق … عليك ورحمة الله السلام
البيت للأحوص الأنصاري. وذات عرق، موضع بالحجاز.
وقوله «يا نخلة» منادى منكّر. والمنادى المنكّر يكون منصوبا. وقيل: نخلة: منادى مقصود، ولما نوّنها، نصبها حيث إن كل نكرة تؤنث، فلا تكون إلا منصوبة وإن كانت مقصودة معينة.
وسلم على النخلة: لأنه معهد أحبابه وملعبه مع أترابه. ويحتمل أن يكون كنى عن محبوبته بالنخلة لئلا يشهرها وخوفا من أهلها وأقاربها.
والشاهد: على أن عطف المقدم على متبوعه في الضرورة لا يكون إلا بالواو وأصله:
وعليك السلام ورحمة الله. [شرح أبيات المغني/ 6/ 53].

167 - فلا وأبي لنأتيها جميعا … ولو كانت بها عرب وروم
البيت لعبد الله بن رواحة من أبيات يحرض الناس على حرب الروم يوم مؤتة.
والشاهد «لنأتيها» وكان عليه أن يقول: «لنأتينها» باللام ونون التوكيد فترك نون التوكيد لضرورة الشعر. ورحم
الله أعلام النحو في القديم، فقد كانوا يبنون على تحريفات الخطاطين قواعد النحو الشاذة، لأنهم يعتمدون على البيت المفرد دون النظر إلى سوابقه ولواحقه، ولأنهم لم يحققوا النصّ الذي نقلوه، بمقارنته بروايات أخرى، فاعتمدوا أوّل رواية تقع لهم وهذا ما حصل في هذا البيت، حيث يروى البيت في السيرة: «فلا وأبي، مآب لنأتينها».
بنون التوكيد. ومآب: من قرى البلقاء، ولعلها التي تكتب اليوم «مؤاب» وينسب إليها المؤابيون. [شرح أبيات المغني/ 7/ 356].

168 - كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حسدا وبغيا إنّه لدميم
(3/73)

لأبي الأسود الدؤلي، من قصيدة مطلعها:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالقوم أعداء له وخصوم
والبيت شاهد على أنّ اللام من قوله «لوجهها» بمعنى «عن».
وعندي أنّ اللام بمعناها الأصلي، كقولك: قلت له. وتوجيه القول إلى الوجه أبلغ.
ويكون قوله: إنه لدميم. التفات. [شرح أبيات المغني/ 4/ 295].

169 - جالت لتصرعني فقلت لها اقصري … إنّي امرؤ صرعي عليك حرام
البيت لامرئ القيس من قصيدة ميمية مكسورة الحرف الأخير، في وصف ناقته فقوله: جالت: يعود الضمير على الناقة.
وقوله: اقصري: من القصر الذي هو الحبس، أي: احبسي جولانك.
وقوله: صرعي عليك حرام: المعنى أنه حاذق بالركوب، فهذه الناقة لا تقدر أن تصرعه. أو معناه: قد أتيت إليك من الإحسان مالا ينبغي لك معه أن تصرعيني، أي:
حرّم إحساني إليك صرعي عليك.
والشاهد: حرام: فحقه في الإعراب الرفع، ولكنه جاء برواية مجرورة، فقالوا: إنه أخرجه مخرج «حذام» قالوا: ولو رفعه بالإقواء كان أحسن. أو يكون ألحقها ياء النسب للمبالغة، وكان حقها أن تكتب «حرامي». [شرح أبيات المغني/ 8/ 64].

170 - ولقد علمت لتأتينّ منيّتي … إنّ المنايا لا تطيش سهامها
من شعر لبيد بن ربيعة.
والبيت شاهد على أن «علم» نزّل منزلة القسم وجملة «لتأتينّ» جوابه وحينئذ لا تقتضي معمولا، كأنه قال: والله
لتأتين منيتي. ويجوز أن تبقى «علم» على بابها، وتكون معلقة بلام القسم، ويكون لتأتينّ جوابا لقسم محذوف تقديره: ولقد علمت والله لتأتينّ منيّتي.
وجملتا القسم وجوابه، في موضع نصب ب علمت المعلّق. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 6/ 232].

171 - الشّعر صعب وطويل سلّمه … إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
(3/74)

زلّت به إلى الحضيض قدمه … يريد أن يعربه فيعجمه
فالشعر لا يستطيعه من يظلمه
هذا الرجز، للحطيئة جرول بن أوس. ومعناه: أن من لا يعرف أساليب الكلام ولا يستطيع توفية كلّ مقام حقّه من العبارة، إذا تعاطى الشعر، يريد أن يأتي به عربيا فصيحا، فيزلّ بسبب جهله بمقتضيات الأحوال فيعجمه - أي: يأتي به عجميا. لا رونق له ولا فصاحة.
وقوله: لا يستطيعه من يظلمه: يقول: من ليس من رجال الشعر، إذا تعاطى نظمه ظلمه ولم يستطع أن يأتي به كما ينبغي.
والشاهد: قوله: فيعجمه: برفع الميم من الفعل المضارع، لأن القوافي كلها مرفوعه.
والمعنى: فإذا هو يعجمه. ولا يجوز نصبه على تقدير «أن» عطفا على سابقه، لفساد المعنى، لأنه لا يريد إعجامه.
قالوا: إذا رأيت الفعل منصوبا، وبعده فعل قد نسّق عليه بواو أو فاء أو «ثم» أو «أو» فإن كان يشاكل معنى الفعل الذي قبله نسقته عليه وإن رأيته غير مشاكل معناه، استأنفته فرفعته. وهذا حال الفعل «فيعجمه» رفعه على المخالفة، لأنه يريد أن يعربه، ولا يريد أن يعجمه. [شرح أبيات المغني/ 4/ 57].

172 - يا سعد عمّ الماء ورد يدهمه … يوم تلاقى شاؤه ونعمه
واختلفت أفراسه وقتمه … فإنّما أنت أخ لا نعدمه
هذا رجز رواه ثعلب في مجالسه لأبي محمد الحذلمي الفقعسي.
والشاهد: جملة «لا نعدمه» فهي جملة دعائية جعلها صفة للنكرة، والجمل الإنشائية لا يوصف بها. وأولوها: بالقول، أو بالدعاء: يعني يقول له؛ أو مدعوّ له.
ولكنها قد تكون دعائية غير وصفية في هذا البيت، وأراد بقوله «أنت أخ» أنت الذي تمت له الصفات التي تكون في الأخ. ثم أتى بجملة الدعاء. [شرح أبيات المغني/ 7/ 226].

173 - إنّ من صاد عقعقا لمشوم … كيف من صاد عقعقان وبوم
(3/75)

لم يعرف قائله. والعقق: طائر أبلق بسواد وبياض، أذنب يعقعق بصوته، يشبه صوته العين والقاف ... ومشوم: أصله مشئوم.
والبيت آخر شاهد في «المغني» ذكره تحت عنوان «من ملح كلامهم تقارض اللفظين في الأحكام». ومنها إعطاء الفاعل حكم المفعول، وعكسه، عند أمن اللبس، من ذلك قولهم: «خرق الثوب المسمار» وكسر الزجاج الحجرّ.
وفي البيت الشاهد: رفع المفعول به «العقعقان» وهو مفعول به لصاد، و «بوم» معطوف على المفعول به المرفوع. [شرح أبيات المغني/ 8/ 128].

174 - وليس كليبيّ إذا جنّ ليله … إذا لم يجد ريح الأتان بنائم
يقول إذا اقلولى عليها واقردت … ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم
البيتان للفرزدق من قصيدة للفرزدق هجا بها جريرا، ورمى رهطه بإتيان الأتن.
ومعنى: اقلولى: ارتفع. وأقردت بالقاف: سكنت.
والشاهد في البيت الثاني: هل أخو. بدائم. على أن الاستفهام فيه بمعنى النفي ولذا زيدت الباء في خبر المبتدأ. وإنما تدخل الباء في خبر «ما» النافية فلما كانت النيّة في «هل» يراد بها الجحد، أدخلت لها الباء. [شرح المغني/ 6/ 56].

175 - ألم ترني عاهدت ربّي وإنني … لبين رتاج قائما ومقام
على حلفة لا أشتم الدهر مسلّما … ولا خارجا من فيّ زور كلام
البيتان للفرزدق.
وقوله: ألم ترني: الرؤية هنا علمية. وجملة وإنني - بكسر همزة إنّ حال من التاء من عاهدت. وبين رتاج: ظرف متعلق بمحذوف. خبر (أنّ) واللام للتوكيد. وقائما: حال من فاعل متعلق الظرف ويجوز رفعه على أنه خبر (أنّ) و «بين» متعلق به، ويجوز أن يكون خبرا، بعد خبر. ومقام: معطوف على رتاج. والرتاج: بكسر الراء الباب العظيم، وأراد به باب الكعبة. وأراد بالمقام مقام إبراهيم. ويقال: أرتج: على فلان: أي: أغلق عليه الكلام، وقولهم: «ارتجّ» بضم التاء وتشديد الجيم، ضعيف.
والحلفة: بالكسر، العهد، والفتح: المرة الواحدة من الحلف.
(3/76)

وقوله: على حلفة: حال من التاء في «عاهدت» متعلق بمحذوف تقديره: عاهدت ربي صادقا على حلفة.
والبيتان من قصيدة أعلن الفرزدق فيها توبته عن الهجو. وأقبل على الصلاح. ثم رجع إلى ما كان عليه.
والشاهد: «خارجا» على أنه معطوف على محل جملة «لا أشتم» الواقعة حالا. فكأنه قال: حلفت غير شاتم ولا خارجا. فيكون الذي عاهد عليه غير مذكور. أو جعل جملة «لا أشتم» في موضع المفعول الثاني لترني. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 6/ 241].

176 - فشدّ ولم تفزع بيوت كثيرة … لدى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم
.. البيت لزهير بن أبي سلمى من معلقته، يذكر ما فعله حصين بن ضمضم، حيث أضمر في نفسه قتل قاتل أخيه مع انعقاد الصلح بين القبيلتين عبس وذبيان وكاد أن ينتقض الصلح بين القبيلتين.
وقوله فشدّ: أي: حمل الحصين على ذلك الرجل العبسي وقتله.
وقوله: ولم تفزع بيوت: أي: لم يعلم أكثر قومه بفعله. يقول: لو علموا بفعله لفزعوا أي: لأغاثوا الرجل العبسي ولم يدعوا حصينا، يقتله. وإنما أراد زهير بقوله هذا، أن لا يفسدوا صلحهم بفعل حصين.
وقوله: حيث ألقت: أي حيث كانت شدة الأمر، يعني: موضع الحرب وأم قشعم:
كنية الحرب والمعنى: أنّ حصينا شدّ على الرجل العبسي فقتله بعد الصلح وحين حطت رحلها الحرب وسكنت.
ويقال: هو دعاء على الحصين، أي: عدا على الرجل بعد الصلح، وخالف الجماعة، فصيره الله إلى هذه الشدّة، ويكون معنى «ألقت: ثبتت وتمكنت».
والشاهد: أنّ حيث قد تخفض بغير «من» فإنها هنا خفضت بإضافة لدى إليها.
وقد تجر «حيث» ب «في» و «على» والباء وبإلى. فروي «إلى حيث ألقت». [شرح أبيات المغني/ 3/ 133].
(3/77)

177 - فمن مبلغ الأحلاف عنّي رسالة … وذبيان هل أقسمتم كلّ مقسم
البيت لزهير بن أبي سلمى من معلقته. ويروى: ألا أبلغ. والأحلاف. أسد وغطفان حلفاء ذبيان. وذبيان: معطوف: معطوف على الأحلاف.
وقوله: هل أقسمتم. معناه: هل أقسمتم كلّ إقسام أنكم تفعلون ما لا ينبغي. و «هل» بمعنى «قد» يقول: أبلغ ذبيان وحلفاءها وقل لهم: قد حلفتم على إبرام حبل الصلح كلّ حلف فتحرجوا من الحنث وتجنبّوه.
والشاهد: أن «هل» دخلت على الماضي، حيث يرى بعضهم أنّ الفعل المستفهم عنه لا يكون إلا مستقبلا. والبيت شاهد على كونه يأتي ماضيا.

178 - لعلّ التفاتا منك نحوي مقدّر … يمل بك من بعد القساوة للرّحم
مجهول القائل. ونحوي: أي: جهتي، وهو ظرف لمقدّر، وهو خبر لعلّ.
وقوله: يمل بك: الباء للتعدية، تساوق الهمزة، أي: يملك. والقساوة، غلظة القلب والرحم: بالضم، الرحمة. والبيت شاهد على جزم جواب «لعلّ» عند سقوط الفاء. وكلّ ما يجاب بالفاء فينتصب المضارع بعد الفاء، يصح أن يجاب بمضارع مجزوم إلا النفي، لأنّ غير النفي فيها طلب، والنفي خبر محض، والطلب أظهر في تضمن معنى الشرط إذا ذكر بعده ما يصلح للجزاء. [شرح أبيات المغني/ 3/ 388].

179 - تناوله بالرّمح ثمّ اتّنى له … فخرّ صريعا لليدين وللفم
من قصيدة لجابر بن حنيّ التغلبي، ذكر فيها قتل شرحبيل عمّ امرئ القيس وكان رأس قبيلة بكر يوم الكلاب، وهو من أشهر أيام العرب في الجاهلية وكان بين بكر وتغلب، ففخر الشاعر بذلك وقصيدته في «المفضليات» ص 209 - 212.
وقوله: تناوله بالرمح: الفاعل يعود على قاتل شرحبيل في بيت سابق.
وقوله: اتّنى: أراد: انثنى، فأدغم النون في الثاء ثم أبدلها تاء. والبيت شاهد على أنّ اللام من قوله «لليدين» بمعنى على، ومنه قوله تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ [الإسراء:
107] ومعنى خرّ لليدين: أي: على اليدين، وعلى الفم ومنهم من تأولها وأمثالها لتكون على معناها الأصلي، وهو الاستحقاق، بأنه لما كانت البدن تتقدمان سائر البدن صار
(3/78)

ذلك شبيها بما يسقط لسقوط غيره.

180 - أقول لعبد الله لمّا سقاؤنا … ونحن بوادي عبد شمس وها شم
قاله تميم بن رافع المخزومي.
وقوله: وها: حقها أن تكتب بالألف المقصورة، لأنها فعل ماض «وهى، يهي» بمعنى تخرّق، وانشقّ. وإنما رسم بالألف من أجل التعمية والإلغاز. لمجاورته عبد شمس.
وقوله: «شم» من قولك شمت البرق إذا نظرت إليه. والمعنى: أقول لما وهى سقاؤنا ونحن بوادي عبد شمس، ولم يبق فيه شيء من الماء، شم البرق. ومفعول «شم» محذوف، وهو البرق. وإنما أمره بالشيم ترجيا للمطر. وجملة «ونحن بوادي عبد شمس - حال من فاعل أقول» وذكر البيت ابن هشام على أنه من مشكل «لمّا» حيث يسأل السائل: أين فعلاها. والجواب: أن «سقاؤنا» فاعل بفعل محذوف يفسره «وهى» بمعنى تخرّق. والجواب محذوف تقديره: قلت. بدليل: قوله «أقول».
وجملة مقول القول، هي جملة «شم». وعدّ بعضهم «لما ظرفية» وليست شرطية، فلا تحتاج إلى جواب، والظرف متعلق ب (أقول). [شرح أبيات المغني/ 5/ 153].

181 - وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة … على رأسه تلقي اللسان من الفم
البيت لأبي حيّة النميري. والشطر الأول أخذه من الفرزدق برمته. والكبش: الرئيس، لأنه يقارع دون القوم ويحميهم. مدح نفسه أو قومه بالشجاعة. والبيت شاهد على أنّ «ما» كفّت «من» عن الجرّ. وإذا كفّت (من) ب (ما) أصبحت كلمة واحدة بمعنى «ربّ».
[شرح أبيات المغني/ 5/ 263، وسيبويه/ 1/ 477، والهمع/ 2/ 35، 38].

182 - ولولا بنوها حولها لخبطتها … كخبطة عصفور ولم أتلعثم
البيت لكعب بن مالك الأنصاري. وكان كعب بن مالك عتب على امرأته، فضربها حتى حال بنوها بينه وبينها ... فقال.
ونسبه بعضهم إلى الزبير بن العوّام، وكان الزبير رضي الله عنه ضرّابا للنساء، وكانت أسماء رابعة أربع نسوة عنده، فإذا غضب على إحداهنّ ضربها بعود المشجب حتى يكسره، وكان أولاد أسماء يحولون بينه وبين ضربها، ولا سيما ولده عبد الله. وكان
(3/79)

ذلك سبب فراقها وذلك أنها استغاثت مرة بولدها عبد الله فجاء يخلصها من أبيه، فقال:
«هي طالق إن حلت بيني وبينها، ففعل، وبانت منه» ... ولكن البيت لكعب بن مالك ...
والشاهد قوله «حولها» حيث وقع الظرف خبرا مذكورا بعد «لولا» وهذا قليل لأن خبر المبتدأ بعد لولا يكون محذوفا في الأغلب. [شرح أبيات المغني/ 6/ 309].

183 - وتشرق بالقول الذي قد أذعته … كما شرقت صدر القناة من الدّم
البيت للأعشى. يخاطب عمير بن عبد الله بن المنذر، وكان بينهما مهاجاة. وتشرق:
بالنصب عطفا على فعل منصوب في بيت سابق .. ومعنى تشرق: ينقطع كلامك في حلقك، يريد أنه ينقطع كلامك حتى لا تقدر على أن تتكلم لما تسمعه من هجائي لك، بسبب ما تذيعه وتنشره من السب والشتم لي.
.. كما شرقت صدر القناة، يريد: أنّ الدم إذا وقع على صدر القناة وكثر عليها لم يتجاوز الصدر إلى غيره لأنه يجمد عليه، فأراد أنّ كلامه يقف في حلقه ولا يمكنه إخراجه كما يقف الدم على صدر القناة فلا يذهب ...
و «ما» في «كما» مصدرية.
والشاهد: أن كلمة «صدر» اكتسبت التأنيث من القناة، بالإضافة ولذلك أنّث الفعل المسند إليه وهو «شرقت» لأن المضاف يكتسب من المضاف إليه عشرة أشياء: التعريف، والتنكير، والاستفهام، والشرط، والتأنيث والتذكير، والبناء، ومعنى الظرف من الزّمان والمكان، ومعنى المصدر وقد أشار ابن حزم إلى أثر الإضافة في المضاف في هذين البيتين.
تجنّب صديقا مثل «ما» واحذر الذي … يكون كعمرو بين عرب وأعجم
فإن صديق السوء يزري وشاهدي … كما شرقت صدر القناة من الدم
ومراده بمثل «ما» الكناية عن الرجل الناقص كنقص «ما» الموصولة، في حاجتها إلى التمام. وبعمر: الكناية عن الرجل المريد أخذ ما ليس له، كأخذ «عمرو» الواو في الخط.
وقوله: وشاهدي. الخ أن لفظ «صدر» المذكّر، لما صادق، أي: أضيف إلى لفظ
(3/80)

«القناة» المؤنث، أصابه السوء والزراية من هذا الصديق فجاء الفعل الذي أسند إليه مؤنثا، وهو «شرقت». [شرح أبيات المغني/ 7/ 140].

184 - لأجتذبن منهنّ قلبي تحلّما … على حين يستصبين كلّ حليم
.. لأجتذبن. اللام للقسم .. بل في جواب قسم مقدر .. تقديره: والله لأجتذبن.
ومنهنّ: أي: من هواهنّ. وتحلّما: أي يتحلّم: أي: أستخلص من هواهنّ باستعمال الحلم، والتأنيّ. وقوله: على حين الخ: أي: في زمان كمال حسنهنّ الذي يصبي العاقل والوقور إليهن.
والشاهد على أنّ «حين» اكتسب البناء من إضافته إلى الفعل المبني [المغني 7/ 125].

185 - ويرغب أن يبني المعالي خالد … ويرغب أن يرضى صنيع الألائم
.. الشاهد: (أن يبني) حيث سكّن آخر الفعل المنصوب المعتل بالياء، ضرورة وحسنها. مشاكلة «أن يرضى» في الشطر الثاني، ولكن «يرضى» مختوم بالألف وتقدر عليه الحركات. [شرح أبيات المغني/ 7/ 136].

186 - يا ليت شعري ولا منجى من الهرم … أم هل على العيش بعد الشيب من ندم
مطلع قصيدة لساعدة بن جؤية الهذلي، رثى بها قوما. والبيت شاهد على أنّ «أم» فيه زائدة. يريد: هل يندم أحد، على أن لا يعيش بعد أن يشيب، وهل على فوت العيش من ندم. وجملة (لا منجى من الهرم) معترضة. وجملة: هل على
العيش. في محل نصب بشعري، علّقت بالاستفهام. وخبر ليت محذوف تقديره: ليس علمي حاصل. [شرح أبيات المغني ج 1/ 284].

187 - حتّى شآها كليل موهنا عمل … بانت طرابا وبات الليل لم ينم
البيت من قصيدة لساعدة بن جؤيّة الهذلي ...
وقوله: شآها: يعني: شأى البقر، أي: سبقها وهيّجها. والضمير يعود على جماعة البقر في بيت سابق. والكليل: البرق الضعيف. وموهنا: بعد هدء من الليل. وعمل: ذو عمل لا يفتر البرق من اللمعان. وباتت طرابا: يعني البقر. وبات الليل: يعني البرق.
(3/81)

وعمل: دائب.
وقوله لم ينم: يعني أن البرق متصل من أول الليل إلى آخره. والبيت شاهد على أن «موهنا» ظرف لكليل، لا مفعول به، خلافا لسيبويه. [شرح أبيات المغني/ 6/ 324].

188 - سائل فوارس يربوع بشدّتنا … أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم
قاله زيد الخير (الخيل) الطائي الصحابي من أبيات قالها في إغارة على بني يربوع.
قوله: بشدّتنا: الباء بمعنى «عن» والشدّة: بفتح الشين، الحملة، والقاع: المستوي من الأرض.
والشاهد: أن «هل» فيه بمعنى «قد». [شرح أبيات المغني/ 6/ 67، وشرح المفصل/ 8/ 153، والهمع/ 2/ 77].

189 - ولا هداك إلى أرض كعالمها … ولا أعانك في عزم كعزّام
البيت لعمرو بن برّاقة، وهو شاعر جاهلي. وفي الأمثال «قتل أرضا عالمها» و «قتلت أرض جاهلها».
وذكر البيت ابن هشام في الباب السابع من المغني «في كيفية الإعراب». تقول: الكاف «من كعالمها» فاعل، ولا تقول «ك» فاعل. يريد أنك عند الإعراب تأتي باسم الحرف الذي يكون اسما. [شرح أبيات المغني/ 8/ 30].

190 - تبلت فؤادك في المنام خريدة … تسقي الضجيع ببارد بسّام
قاله حسان بن ثابت.
وقوله: تبلت فؤادك: أصابته بتبل، وهو الدخل والسقم وأراد بالبارد البسام: ثغرها.
والخريدة: الحيّية. والضجيع: هو الذي يضع جنبه على الأرض إلى جانبها. والمراد بالبارد البسام: الثغر والمفعول الثاني ل: «سقى» محذوف تقديره: تسقى الضجيع ريقها بثغر بارد بسام. - وتكون الباء للاستعانة. وقيل:
الباء زائدة في المفعول الثاني، على أن المراد بالبارد البسام: ريقها، من باب وصف الشيء بصفة محله، لأنّ التبسم صفة الثغر.
[شرح أبيات المغني/ 2/ 373].
(3/82)

191 - قومي هم قتلوا أميم أخي … وإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللا … ولئن سطوت لأوهنن عظمي
البيتان للحارث بن وعلة الذهلي ... وأميم: منادى مرخم أصله يا أميمة، وكانت تحرضه على أخذ الثأر وتلومه على تركه فاعتذر في ذلك بما قاله. حيث يقول: قومي هم الذين فجعوني بأخي فإذا رمت الانتصاف منهم عاد ذلك بالكناية في نفسي - لأن عزّ الرجل بعشيرته، وهذا الكلام تحزّن وتفجع، وليس بإخبار ... ويقول في البيت الثاني: إن تركت طلب الانتقام صفحت عن أمر عظيم وإن انتقمت منهم أوهنت عظمي.
والسطو: الأخذ بعنف. والجلل: من الأضداد: يكون الصغير والعظيم، وهو المراد هنا والله أعلم. [المرزوقي/ 204 واللسان «جلل» والهمع/ 2/ 72، وشرح أبيات المغني/ 3/ 75].

192 - حاشا أبا ثوبان إنّ به … ضنّا على الملحاة والشّتم
قاله الجميع الأسدي. والشاهد أنه روي ما بعد حاشا، بالنصب والجر. [الهمع/ 1/ 232، والدرر/ 1/ 196، والأشموني/ 2/ 165، وشرح المفصل/ 2/ 84].

193 - بطل كأنّ ثيابه في سرحة … يحذى نعال السّبت ليس بتوأم
لعنترة بن شداد من معلقته. بطل: بالجرّ - صفة لموصوف مجرور في بيت سابق ويجوز رفعه على تقدير هو بطل. والسرحه: الشجرة العظيمة، يريد أنه طويل القامة كامل الجسم، فكأن ثيابه على شجرة عالية. ويحذى: مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير، ونعال: مفعوله الثاني. والسبت: بكسر السين: جلود البقر خاصة، يريد أنه من الملوك.
الذين يحتذون النعال السبتية.
وقوله: ليس بتوأم: يريد أنه لم يزاحمه أحد في بطن أمه فيكون ضعيف الخلقة والشاهد أنّ «في» بمعنى «على». [شرح أبيات المغني/ 4/ 65].

194 - جادت عليه كلّ عين ثرّة … فتركن كلّ حديقة كالدّرهم
لعنترة بن شداد من معلقته ... وفي البيت مناظرة بين العلماء في «فتركن» هل يعود الضمير على «كل» أو على مجموع العيون المستفادة من الكلام.
(3/83)

والمعروف أنّ «كلّ» تأخذ معناها من المضاف إليه، وبناء على ذلك يعود الضمير إلى كلّ أو الوصف ... والظاهر في البيت أنّ قوله: فتركن يعود على كلّ، ومعناه أنّ «كل» لم تستفد الإفراد من المضاف إليه، ولكنّ التحقيق أنّ الضمير يعود على العيون التي دلّ عليها قوله: «كل عين ثرة» ولا يعود على (عين). [شرح أبيات المغني ج 4/ 221].

195 - يا شاة من قنص لمن حلّت له … حرمت عليّ وليتها لم تحرم
لعنترة بن شداد من معلقته. والمشهور من الرواية «يا شاة ما قنص» و «ما» زائدة.
والشاة: كناية عن المرأة والعرب تكني عنها بالنعجة. وقنص: مصدر بمعنى المفعول وهو مجرور بإضافة شاة إليه. وفي زيادة «ما» وتنكير «قنص» ما يدل على أنها صيد عظيم يغتبط بها من يحوزها.
وقوله: لمن حلت له: أي: لمن قدر عليها. فيكون في قوله: حرمت عليه: الدلالة على التحزن التام على فوات الغنيمة.
وعلى رواية «يا شاة «من» قنص» أن البيت شاهد على زيادة «من» وفي ذلك خلاف.
[شرح أبيات المغني/ 5/ 341].

196 - ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها … قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
لعنترة بن شداد من معلقته. وذكروا البيت شاهدا على أن الكاف في قوله «ويك» تالية ل «وي» اسم الفعل. بمعنى أتعجب. والكاف حرف خطاب، كالكاف في «رويدك».
وقال آخرون «ويك» بمعنى «ويلك» حذفت اللام، لكثرة استعمال هذه اللفظة. وعنتر:
منادى مرخم. [شرح أبيات المغني/ 6/ 148].

197 - يدعون عنتر والرماح كأنها … أشطان بئر في لبان الأدهم
لعنترة من معلقته.
والشاهد «عنتر» بالضم. على أنّ جملة (يا عنتر) بضم الراء. وتقديره: يا عنتر، محكية بقول محذوف. فإذا نصبنا «عنتر» فيه وجهان:
الأول: مفعول يدعون، ويكون الترخيم في غير النداء للضرورة.
(3/84)

الثاني: أن يكون منادى على لغة من ينتظر فتكون جملة المنادى محكية أيضا.

198 - لولا الحياء وأنّ رأسي قد عسا … فيه المشيب لزرت أمّ القاسم
من قصيدة لعدي بن الرقاع مدح بها الوليد بن عبد الملك. والبيت شاهد على أن «عسا» هنا بمعنى اشتد، لا «عسى» الجامدة. وفي رواية «عثا» فيه المشيب، ورواية أخرى «علا فيه المشيب». [شرح أبيات المغني ج 4/ 96] واللسان «عثا» وشرح التصريح/ 1/ 214، والشعر والشعراء/ 620].

199 - لو غيركم علق الزبير بحبله … أدّى الجوار إلى بني العوّام
من قصيدة لجرير هجا بها الفرزدق. والبيت يشير إلى غدر رهط الفرزدق بالزبير ابن العوام رضي الله عنه، منصرفه من وقعة الجمل، غدر به ابن جرموز وهو في طريقه إلى المدينة ..
والشاهد: قوله: لو غيركم. قال ابن هشام (غيركم) مرفوع بفعل يفسره ما بعده تقديره، لو علق غيركم. قال البغدادي: وهذا لا يصح، لأن المتعلق بالحبل ابن الزبير، لا «الغير».
وقيدّه غيره بالنصب بفعل مضمر، يفسره ما بعده، والمعنى: لو علق الزبير غيركم.
وإنما لم يجعل مفعولا مقدما لعلق المذكور لأنه استوفى معموله وهو قوله «بحبله» فيكون «غير» منصوبا بفعل آخر يفسره المذكور في باب الاشتغال، كقولك: زيد أمررت به.
[شرح أبيات المغني 5/ 76].

200 - احفظ وديعتك التي استودعتها … يوم الأعازب إن وصلت وإن لم
البيت لإبراهيم بن هرمة. وهو إبراهيم بن عليّ من أواخر من يحتج بشعرهم، وهو من مخضرمي الدولتين.
والبيت شاهد على أنّ مجزوم «لم» قد حذف لضرورة الشعر، تقديره وإن لم تصل.
ويوم الأعازب غير معروف. [شرح أبيات المغنى/ 5/ 151].

201 - ولا تلمني اليوم يا ابن عميّ … عند أبي الصّهباء أقصى همّي
(3/85)

بيض ثلاث كنعاج جمّ … يضحكن عن كالبرد المنهمّ
.. الرجز للعجّاج .. وأبو الصهّباء: كنية رجل. والهم: بالفتح، والهمة بالكسر: أول العزم، وهو الإرادة وقد يطلق على العزم القوي. وبيض: بالرفع: إما بدل من أقصى همي وإما خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو. والجملة جواب سؤال مقدر، وقيل: بيض:
بالجرّ: بدل من همي، وقيل: بيض: مبتدأ. وجملة يضحكن: خبر وقيل: خبر لمبتدأ محذوف أي: هنّ بيض. والبيض:
الحسان. والنعاج: جمع نعجة وهي الأنثى من الضأن. والعرب تكنى عن المرأة بالنعجة. والجمّ: جمع جماء وهي التي لا قرن لها.
وفائدة الوصف بجمّ نفي ما يكسبهنّ سماجة.
والبرد: حب الغمام. والمنهمّ: الذائب. شبه ثغر النساء بالبرد الذائب في اللطافة والجلاء.
والشاهد: يضحكن عن كالبرد ... على أن الكاف الاسمية لا تكون إلا في الشعر عند سيبويه - وهي هنا بمعنى مثل، مجرور بعن. [شرح أبيات المغني اللبيب/ 4/ 135، وشرح التصريح/ 2/ 18، والهمع/ 2/ 31 والأشموني/ 2/ 225].

202 - ولكنّني استبقيت أعراض مازن … وأيامها من مستنير ومظلم
أناسا بثغر لا تزال رماحهم … شوارع من غير العشيرة في الدّم
البيتان للفرزدق ... يذكر أنه استثنى بني مازن وهم من فزارة، مما هجا به قيسا وإنّ كانوا منهم، لفضلهم وشهرة أيامهم في حروبهم.
والثغر: موضع المخافة ... يقول: هم مقيمون في الثغر يذبّون عنه ويحمونه.
والشوارع: من شرع في الماء، أي: ورد. أي: يوقعون بأعدائهم دون أهلهم فيوردون رماحهم في دماء أعدائهم.
والشاهد: نصب «أناسا» على التعظيم والمدح، ولا يحسن نصبه حالا لأنه لا يتعلق بمعنى قبله يقع فيه [كتاب سيبويه ج 1/ 288].

203 - ولم أر ليلى بعد يوم تعرّضت … لنا بين أثواب الطّراف من الأدم
كلابيّة وبريّة حبتريّة … نأتك وخانت بالمواعيد والذّمم
أناسا عدى علّقت فيهم وليتني … طلبت الهوى في رأس ذي زلق أشم
(3/86)

من قول عمرو بن شأس الأسدي، كما في كتاب سيبويه.
وقوله: تعرضت: أي: بدت. والأثواب: الستور. والطراف: وزن كتاب: قبة من أدم تكون لأهل الغنى واليسار. والأدم: بالتحريك: جمع أديم وهو الجلد.
وقوله: كلابية ... الخ ينسبها إلى قبيلتها ثم حيّها ثم فصيلتها ورهطها. ونأتك: بعدت عنك، يقال: نآه، ونأى عنه. والباء في «بالمواعيد» زائدة.
وقوله أناسا: يعني القبائل التي نسبها إليها. وهم من بني عامر وكان بينهم وبين بني أسد قومه حروب ومغاورة، فجعلهم عدى لذلك. أي: علقها وهي بينهم فلا سبيل إليها، ولذا تمنّى أن يكون قد طلب هواه في رأس جبل أشمّ، أي:
مرتفع. ذو زلق: أملس لا تثبت عليه القدم، يقول: هي أبعد منالا من الأروى التي تألف شواهق الجبال.
وفي الأبيات من الشواهد: نصب «كلابية» وما بعدها، على التعظيم، لا على الحال.
ونصب أناسا على الاختصاص والتشنيع لا على الحال لفساد المعنى. [سيبويه/ 1/ 288].

204 - وأغفر عوراء الكريم ادّخاره … وأعرض عن شتم اللّئيم تكرّما
لحاتم الطائي ... والعوراء: الكلمة القبيحة أو الفعلة. ادخاره: أي إبقاء عليه أي: إذا جهل عليه الكريم احتمل جهله، وإذا شتمه اللئيم الدنيء أعرض عن شتمه إكراما لنفسه عنه.
والشاهد: نصب «ادّخاره» و «تكرّما» على المفعول له (لأجله). [الخزانة/ 3/ 122، وسيبويه/ 1/ 184، وشرح المفصل/ 2/ 54 والأشموني/ 2/ 189، وشرح التصريح/ 1/ 392].

205 - لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى … وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
.. البيت لحسان بن ثابت رضي الله عنه والغرّ: البيض. جمع غرّاء يريد: بياض الشحم. يقول: جفاننا معدة للضيفان ومساكين الحيّ بالغداة، وسيوفنا تقطر بالدم لنجدتنا وكثرة حروبنا.
والشاهد في البيت «الجفنات» و «أسيافنا» حيث ذكرت كتب تاريخ النقد قصة لقاء
(3/87)

حسان والنابغة والخنساء والأعشى في سوق عكاظ، وأن حسان بن ثابت أنشد النابغة القصيدة التي منها البيت، فعابه بأنه قال «الجفنات» و «أسيافنا» فقلل جفان قومه وأسيافهم - لأن - يزعمون - جمع المؤنث السالم، يدلّ على القلة، ووزن أفعال من جموع التكسر من جموع القلة. والحقيقة أنّ القصة موضوعة، لأنّ جمع المؤنث السالم يستعمل للقلّة والكثرة. وهي هنا للكثرة على رأي من يقول إنّ جمع المؤنث للقلة، لاقترانها بلام التعريف الجنسيّة.
وأما جمع القلة «أسياف» فإنّه إذا قرن بما يصرفه إلى معنى الكثرة انصرف إليها، كأن تسبق أل تعريف الجنس، أو يضاف إلى ما يدل على الكثرة وإضافة الأسياف إليهم «أسيافنا» صرفها إلى الكثرة. [سيبويه/ 2/ 181، وشرح المفصل/ 5/ 10، والأشموني/ 4/ 121. والخزانة/ 8/ 106].

206 - ولولا رجال من رزام أعزّة … وآل سبيع أو أسوءك علقما
قاله الحصين بن حمام المرّي.
والشاهد: أو أسوءك: حيث نصب الفعل بإضمار (أن) ليعطف اسم على اسم. قال سيبويه رحمه الله: يضمر أن، وذاك لأنه امتنع أن يجعل الفعل على «لولا» فأضمر «أن» كأنه قال: لولا ذاك أو لولا أن أسوءك. [الخزانة/ 3/ 324
وسيبويه/ 1/ 429.
والهمع/ 2/ 10، والأشموني/ 3/ 296، والمفضليات/ 66].

207 - لنا هضبة لا يدخل الذلّ وسطها … ويأوي إليها المستجير فيعصما
لطرفة بن العبد ...
والشاهد: نصب «يعصم» بعد الفاء في الضرورة لأن الفعل لم يسبق بطلب أو نفي.
ووجودهما أو وجود أحدهما شرط للنصب بأن مضمرة. [سيبويه 1/ 423].

208 - فما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنّه بنيان قوم تهدّما
للشاعر عبدة بن الطبيب من قصيدة يرثى بها قيس بن عاصم المنقري. يقول: مات بموته خلق كثير، وتقوّض بتقوّض بنيته وعزّه بنيان رفيع.
والشاهد: رفع «هلكه» بدلا من قيس، فعلى ذلك يكون. «هلك» منصوبا على خبر
(3/88)

كان، ويجوز رفعه على أنه مبتدأ، وهلك: خبره مرفوعا. [سيبويه/ 1/ 77، وشرح المفصل/ 3/ 65، والحماسة/ 792].

209 - هم القائلون الخير والآمرونه … إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما
رواه سيبويه وقال: وزعموا أنه مصنوع. ومحدث الأمر: حادثه. والمعظم: الأمر يعظم دفعه.
والشاهد: الجمع بين النون والضمير في «الآمرونه» مع أن حق الضمير أن يعاقب النون والتنوين لأنه بمنزلتهما في الضعف والاتصال. [سيبويه/ 1/ 96، وشرح المفصل/ 2/ 125، والهمع/ 2/ 157، والخزانة/ 4/ 169].

210 - هما - أخوا - في الحرب - من لا أخاله … إذا خاف يوما نبوة فدعاهما
القائلة عمرة الخثعمية ترثي ابنيها، كما في الحماسة. تقول: كانا ينصران من لا ناصر له من القوم إذا خشي نبوة من نبوات الدهر أو خشي أن ينبو عن مقاومة عدوّه، فدعاهما مستغيثا. والشاهد في البيت: الفصل بالجار والمجرور وهو «في الحرب» بين المضاف والمضاف إليه. [الإنصاف/ 434].

211 - ألم تر إنّي وابن أسود ليلة … لنسري إلى نارين يعلو سناهما
مجهول. والشاهد منه كسر همزة إنّ لمجيء اللام في خبرها ولولا اللام لفتحت لأنها مع اسمها وخبرها سدّت مسدّ مفعولي «ترى». وعن المازني أنه أجاز الفتح مطلقا. وعن الفراء أنه أجازه بشرط طول الكلام. [سيبويه/ 1/ 474،
والأشموني/ 1/ 275].

212 - ألا أضحت حبالكم دماما … وأضحت منك شاسعة أماما
البيت لجرير بن عطية - والحبال: حبال الوصل وأسبابه. والرمام: جمع رميم، وهو الخلق البالي والشاسعة: البعيدة.
والشاهد: فيه، ترخيم «أمامة» في غير النداء للضرورة، وترك الميم على لفظها مفتوحة وهي في موضع رفع. وسيبويه يجيز معاملة غير المنادي معاملة المنادى على وجهي الترخيم، والمبرد لا يجوّز في هذا إلا التصرف بوجوه الإعراب فقط. وقد نقدّر فعلا.
(3/89)

لنصب «اماما» به تقديره «أذكر». [سيبويه/ 1/ 343، والإنصاف/ 353، والأشموني/ 3/ 184، والخزانة/ 2/ 363].

213 - حدبت عليّ بطون ضنّة كلّها … إن ظالما فيهم وإن مظلوما
للنابغة الذبياني ...
والشاهد: نصب ظالما ومظلوما، على تقدير فعل يقتضيه الشرط، تقديره «كان».
[سيبويه/ 1/ 132، والأشموني/ 1/ 242].

214 - قد سألتني بنت عمرو عن ال … أرض التي تنكر أعلامها
لما رأت «ساتيدما» استعبرت … لله درّ اليوم من لامها
تذكرت أرضا بها أهلها … أخوالها فيها وأعمامها
الأبيات لعمرو بن قميئة. و «ساتيدما» جبل. واستعبرت: بكت من وحشة الغربة ولبعدها عن أراضي أهلها، وكان عمرو بن قميئة قد خرج مع امرئ القيس في رحلته المزعومة إلى ملك الروم. وزعم بعضهم أن عمرو بن قميئة يخاطب ابنته حيث صحبها في رحلته، وهذا باطل، فإن الشاعر يريد نفسه، فكنى عن نفسه بابنته. وقوله: «لله درّ من لامها: أي جعل الله عمل من يلومها في الأشياء الحسنة التي يرضاها. وإنما دعا للائمها بالخير، نكاية بها - لأنها فارقت أهلها باختيارها، فيكون هذا تسفيها لها بغربتها.
قلت: وكنت أول من لام امرأ القيس وصاحبه على هذه الرحلة، ولم أجد من لامه على ذلك قبلي، فرحلة امرئ القيس إلى ملك الروم إن صحّت، رحلة خبيثة. فإن كان عمرو قد ندم وتاب من مرافقته امرأ القيس، وكانت له دعوة مقبولة في جاهليته فأرجو أن ينالني شيء منها وإن لم يكن، وكان قوله للمدح فقط فلي حظ منه إن شاء الله. والشاهد في البيت الثاني. إضافة «درّ» إلى «من» مع الفصل بينهما بالظرف للضرورة، وامتنع نصب من - لأن
«درّ» ليس باسم فاعل ولا اسم فعل.
وفي البيت الثالث: نصب «أخوالها» وأعمامها بفعل مقدر تقديره «تذكرت». [سيبويه ج 1/ 91، والإنصاف 432، وشرح المفصل/ ج 2/ 46 و 3/ 19، 20].

215 - من سبأ الحاضرين مأرب إذ … يبنون من دون سيله العرما
(3/90)

سبأ: هم سبأ بن يشجب. الحاضرون: المقيمون على الماء. ومأرب: أرض باليمن والعرم: جمع عرمة، وهو السد.
والشاهد: ترك صرف «سبأ» على معنى القبيلة والأم، ولو أمكنه الصرف على معني الحيّ والأب لجاز، وقد قرئ بهما في القرآن الكريم «وجئتك من سبأ». [النمل: 22] [سيبويه/ 2/ 28، والإنصاف/ 502].

216 - عشيّة لا تغني الرّماح مكانها … ولا النّبل إلا المشرفيّ المصمّم
قاله الحصين بن الحمام المرّي.
وقوله: مكانها: ظرف لقوله «لا تغني» أي: في مكان استعمالها. والمشرفيّ: السيف.
والمصمم: الذي يمضي في صميم العظيم ويبريه. وإنما يلجؤون إلى السيوف حين تشتدّ الحرب ويلتحمون. والشاهد في البيت عند سيبويه: إبدال المشرفي - بالرفع - وهو السيف من الرماح والنبل، وإن لم يكن من جنسهما وذلك على المجاز. ولكن البيت مروي في قصيدة منصوبة الرويّ، في المفضليات رقم 12/ 65.

217 - فأقسم أن لو التقينا وأنتم … لكان لكم يوم من الشرّ مظلم
قاله المسيب بن علس.
والشاهد: إدخال «أن» توكيدا للقسم كما تدخل اللام بعده، ولذلك لا يجمع بينهما، فلا يقال: أقسم «لأن». [سيبويه/ 1/ 455، وشرح المفصل/ 9/ 94].

218 - تحلّل وعالج ذات نفسك وانظرن … أبا جعل لعلّما أنت حالم
قاله سويد بن كراع: .. يهزأ برجل توعده. وتحلل من يمينك: أي: اخرج منها وذلك أن يباشر من الفعل الذي يقسم عليه مقدارا يبرّ به قسمه ويحلله مثل أن يحلف على النزول في مكان، فلو وقع به وقعة خفيفة أجزأته. والتحلل أيضا أن يخرج من يمينه بكفارة، أو حنث يوجب الكفارة. ذات نفسك: أي: نفسك. طلب منه أن يعالج ما ذهب من عقله وتعاطيه ما ليس في وسعه ثم يقول: إنك كالحالم في وعيدك إيّاي.
والشاهد: إلغاء «لعل» لأنها جعلت مع «ما» من حروف الابتداء. [سيبويه/ 1/ 283، وشرح المفصّل/ 8/ 54].
(3/91)

219 - بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها … بني ثعل من ينكع العنز ظالم
في كتاب سيبويه: وقال الأسدي. ولم يعينه أحد. وبني ثعل: نداء. والنكع: المنع.
والشرب: بالكسر: الحظّ من الماء.
والشاهد: حذف الفاء من جواب الشرط ضرورة، وحسّن الحذف هنا، شبه «من» الشرطية، ب «من» الموصولة. [سيبويه/ 1/ 436، والأشموني/ 4/ 21].

220 - رأته على شيب القذال وأنّها … تواقع بعلا مرّة وتئيم
قاله ساعدة بن جؤيّة الهذلي. يصف امرأة فقدت ولدها الذي رزقته بعد أن شاب قذالها وبعد أن مرّت بتجارب الزواج والطلاق، فهي امرأة تنكح فتوطأ ومرة تطلق فتئيم والأيم: التي لا زوج لها، وقبل البيت:
وما وجدت وجدي بها أمّ واحد … على النأي شمطاء القذال عقيم
والشاهد في البيت: فتح «أنّ» حملا على «رأت» ولو كسرت على القطع لجاز.
[سيبويه/ 1/ 462].

221 - صددت فأطولت الصّدود وقلّما … وصال على طول الصّدود يدوم
لعمر بن أبي ربيعة. وفي البيت تقديم «وصال» وهو الفاعل على فعله يدوم «لأن «قلّ» هنا مكفوفة ب «ما» فلا تعمل في الفاعل، وجعله بعضهم فاعلا لفعل مقدر قبله، أي: قلّ، وصال. وبعضهم جعل «ما» بعد «قلّ» زائدة، لا كافة، فارتفع بها الفاعل. [سيبويه/ 1/ 2، والمغني/ برقم 508، والإنصاف/ 144].

222 - فرطن فلا ردّ لما بتّ وانقضى … ولكن بغوض أن يقال عديم
قاله مزاحم العقيلي. وصف كبره وذهاب شبابه وقوته، فيقول: فرطن: أي ذهبن، وتقدمن، فلا ردّ لما فات منهنّ. بتّ: قطع. بغوض: مبغض إلى الناس، فعول بمعنى مفعول. كجزور بمعنى مجزور. وعديم: عدم شبابه ويروى «تعوض» بالأمر: أي:
تعوض من شبابك حلما خشية أن يقال: هو عديم شباب وحلم.
والشاهد: رفع «ردّ» تشبيها ل «لا» بليس. [سيبويه/ 2/ 355].
(3/92)

223 - وكنّا ورثناه على عهد تبّع … طويلا (سواريه) شديدا دعائمه
قاله الفرزدق. وقبله:
وما زال باني العزّ منا وبيته … وفي الناس باني بيت عزّ وهادمه
يفخر بعزّ قومه ومجدهم أنهما قديمان قدم تبّع، وهو من ملوك اليمن القدماء والسوّاري: جمع سارية، وهي الأسطوانة من حجر أو آجر. والدعامة. عماد البيت الذي يقوم عليه، جعل المجد كالبناء المحكم.
والشاهد: حذف الهاء من «طويلة» و «شديدة» لأن فاعله مؤنث مجازي. [سيبويه/ 1/ 238].

224 - وإنّ بني حرب كما قد علمتم … مناط الثّريّا قد تعلّت نجومها
قائله الأحوص الأنصاري ... ومناط الثريا: متعلقها، من نطت الشيء أنوطه، إذا علقته وأراد ببني حرب آل أبي سفيان بن حرب، يقول: هم في ارتفاع منزلتهم وعلو مرتبتهم كالثريا إذا صارت على قمة الرأس.
والشاهد: نصب «مناط الثريا» على الظرف، مع اختصاصه، تشبيها له بالمكان.
[سيبويه/ 1/ 206].

225 - أهاجتك أطلال تعفّت رسومها … كما كتبت كاف تلوح وميمها
قاله: الراعي. شبه آثار الديار بحروف الكتاب.
والشاهد: تأنيث «كاف» حملا على معنى اللفظة .. ، والكلمة. [اللسان/ كوف، وسيبويه/ 2/ 31، وشرح المفصل/ 6/ 29].

226 - نبّئت عبد الله بالجوّ أصبحت … كراما مواليها لئيما صميمها
قاله الفرزدق. وعبد الله: قبيلة. والجوّ: اسم موضع. والصميم: الخالص بنسبه.
ويرى سيبويه أنّ نبئت يتعدى بالحرف فقط مع أنه يتعدى بنفسه وبالحرف كما في اللسان.
[سيبويه/ 1/ 17، والأشموني/ 2/ 70].

227 - لا الدار غيّرها بعدي الأنيس ولا … بالدار لو كلّمت ذا حاجة صمم
(3/93)

قاله زهير بن أبي سلمى. يصف دارا خلت من أهلها ولم يخلفهم غيرهم فيها فغيروا ما عرفه من آثارها ورسومها. ويقول: ليس بها صمم عن تحيتي، لأني تكلمت بقدر ما تسمع، ولكنها لم تكلمني ولا ردّت جوابي وشاهده: نصب «الدار» بتقدير فعل مفسر.
[سيبويه/ 1/ 73].

228 - هذا الجواد الذي يعطيك نائله … عفوا ويظلم أحيانا فيطّلم
لزهير بن أبي سلمى. يقوله لهرم بن سنان. والنائل: العطاء ويظلم: يسأل في حال العسر - فيكلف ما ليس في
وسعه. ويطلم. بالتشديد يحتمل ذلك الظلم ويتكلفه.
والشاهد: قلب الظاء من يظلم طاء مهملة - لأنّ حكم الإدغام أن يدغم الأول في الثاني ولا يراعى فيه أصل ولا زيادة -[شرح المفصل/ 10/ 47].

229 - هل ما علمت وما استودعت مكتوم … أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
أم هلّ كبير بكى لم يقض عبرته … إثر الأحبّة يوم البيّن مشكوم
لعلقمة بن عبدة. يقول: هل تبوح بما استودعتك من سرّها يأسا منها أو تصرم حبلها، أي: تقطعه لنأيها عنك وبعدها. ثم استأنف السؤال، فقال: أم هل تجازيك ببكائك على إثرها وأنت شيخ، وأراد بالكبير نفسه. والعبرة: الدمعة. لم يقضها: أي: هو دائم البكاء. والمشكوم المجازى، من الشكم، العطية عن مجازاة، فإن كانت العطية ابتداء فهي الشكر والشاهد: أن «أم» إذا جاءت بعد «هل» يجوز أن يعاد معها «هل» ويجوز أن لا يعاد. بخلاف أم إذا جاءت بعد اسم استفهام فإنه يجب أن يعاد معها ذلك الاسم. وقد اجتمع في البيتين إعادة «هل» وتركها. فإن «أم» الأولى جاءت بعد «هل» ولم تعد «هل» معها. وقد أعادها مع «أم» الثانية في البيت الثاني [الخزانة/ 11/ 294، وسيبويه/ 1/ 478، والهمع/ 2/ 233، والمفضليات/ 397].

230 - فأمّا كيّس فنجا ولكن … عسى يغترّ بي حمق لئيم
هدبة بن الخشرم العذريّ - والشاهد إسقاط «أن» بعد عسى ضرورة ورفع الفعل.
[سيبويه/ 1/ 478].

231 - أو كلّما وردت عكاظ قبيلة … بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم
(3/94)

قاله طريف بن تميم العنبري.
يقول: لشهرتي وفضلي في عشيرتي، كلما وردت سوقا من أسواق العرب كعكاظ تسامعت بي القبائل، وأرسلت كل قبيلة رسولا يتعرفني، والتوسم التثبّت في النظر ليتبيّن الشخص.
والشاهد: فيه: بناء «عارف» على «عريف» لإرادة الوصف بالمعرفة دون إرادة الفعل.
[سيبويه/ 2/ 215، والأصمعيات 127].

232 - عهدي بها الحيّ الجميع وفيهم … قبل التفرّق ميسر وندام
... قاله لبيد - والجميع: المجتمعون. والميسر: القمار على الجزور ليعود نفعه على المعوزين. والندام: المنادمة. أو:
الندام: جمع نديم، أو ندمان، وعهدي مبتدأ سدّ الحال مسدّ خبره. وهو جملة: «وفيهم ميسر» كما نقول: جلوسك متكئا وأكلك مرتفقا.
والشاهد: نصب «الحيّ» بعهدي - وهو، أي: «العهد» مصدر غير منون. [سيبويه 1/ 98].

233 - ولقد أبيت من الفتاة بمنزل … فأبيت لا حرج ولا محروم
من شعر الأخطل.
وقوله: بمنزل: أي في مكان قريب مكين. لا حرج: لا أنحرج من لذة. لا محروم:
لا أحرم ما اشتهي.
والشاهد: رفع «حرج» و «محروم». وهو في مذهب الخليل: على الحمل على الحكاية أي كالذي يقال له: لا حرج ولا محروم. ويجوز رفعه على إضمار خبر، أي: أبيت لا حرج ولا محروم في المكان الذي أبيت فيه. وكان وجه الكلام نصبهما على الخبر، أو الحال. [سيبويه/ 259، والإنصاف/ 710، وشرح المفصل/ 3/ 46].

234 - ما أبالي أنبّ بالحزن تيس … أم لحاني بظهر غيب لئيم
قاله حسان بن ثابت ... والحزن: ما غلظ من الأرض. وخصه لأن الجبال أخصب للمعز من السهول. لحاني: لا مني وشتمني. بظهر الغيب: في غيبتي. يقول: قد استوى
(3/95)

عندي نبيب التيس، ونيل اللئيم من عرضي بظهر الغيب، ونبيب التيس. صوته عند الهياج.
والشاهد: دخول «أم» معادلة للألف، ولا يجوز «أو» هنا، لأن قوله «ما أبالي» يفيد التسوية. [سيبويه/ 1/ 488، والخزانة/ 11/ 155].

235 - لئن كنت في جبّ ثمانين قامة … ورقّيت أسباب السماء بسلّم
ليستدرجنك القول حتى تهرّه … وتعلم أني عنك لست بمحرم
البيتان للأعشي يخاطب عمير بن عبد الله بن المنذر من بني ثعلبة، يقول: أنت لا تعتصم من هجائي بشيء، ولا يمكنك دفعه، فلئن جعلت في قرار الأرض أو أصعدت إلى السماء ليلحقنك من هجائي ما لا تطيقه. والجبّ: البئر القديمة. والاستدراج: إيقاع الإنسان في بليّة ما كان يشعر بها. وتهرّه: تكرهه. والمحرم: الذي قد دخل في الشهر الحرام. يقول: لست امتنع من هجائك في حال من الأحوال.
والشاهد: جعل ثمانين، وصفا لجبّ، لأنها نائبة مناب طويل وعميق. [سيبويه/ 1/ 230، وشرح المفصّل ج 2/ 74، واللسان «رقي»].

236 - تنكّرت منّا بعد معرفة لمي … وبعد التصابي والشباب المكرّم
لأوس بن حجر: يقول: أنكرتنا لمكان الكبر، بعد معرفة بنا زمان الشباب.
والشاهد: ترخيم «لميس» بحذف السين كما تحذف الهاء. ولميس: اسم امرأة، وأصل معناه المرأة اللينة الملمس. [سيبويه/ 1/ 336].

237 - وقدر ككفّ القرد لا مستعيرها … يعار ولا من يأتها يتدسّم
البيت لابن مقبل. هجا قوما فجعل قدرهم في ضآلتها ككفّ القرد يضنون بها على المستعير فارغة، ولا يجد طالب القرى فيها ما يتدسم به وذلك للؤمهم وبخلهم.
والشاهد: مجازاته بمن بعد «لا» لأنها تخالف ما النافية في أنها تكون لغوا وتقع بين الجار والمجرور فلا تغيّر الكلام عن حاله، فلذلك دخلت على جملة الشرط فلم يغيّر عمله. [سيبويه/ 1/ 441].

238 - ولكنني أغدو عليّ مفاضة … دلاص كأعيان الجراد المنظّم
(3/96)

قاله يزيد بن عبد المدان، والمفاضة: الدرع السابغة. والدلاص: البرّاقة وشبهها بعيون الجراد في الدقة وتقارب السرد. والمنظم: المجموع بعضه إلى بعض.
والشاهد: جمع عين على «أعيان» وهو القياس. لأن الضمة تستثقل في الياء كما تستثقل في الواو، إلا أن المستعمل في الكلام «أعين» على قياس «فعل» في الصحيح.
[سيبويه/ 2/ 176، واللسان «عين»].

239 - إذا لم تزل في كلّ دار عرفتها … لها واكف من دمع عينك يسجم
لبعض السلوقيين. أو لجرير وقافيته «يسكب».
والشاهد: الجزم بإذا في ضرورة الشعر. فالجواب «يسجم» مجزوم في جواب إذا هكذا رواه سيبويه. [سيبويه/ 1/ 434].

240 - فلست بشاويّ عليه دمامة … إذا ما غدا يغدو بقوس وأسهم
مجهول من أبيات سيبويه. أي: لست براع دميم المنظر سلاحه قوس وأسهم. ويعني أنه صاحب حرب وعتاد، والدمامة: حقارة المنظر.
والشاهد: في «شاوي» نسبة إلى الشاء، والوجه، شائي، كما يقال: كسائي وعطائي إلا أنه ردّ الهمزة إلى أصلها
وهو الواو، لأنهم يقولون الشوي في الشاء فجرى على مذهب من يبدل الهمزة في كساء فيقول: كساوي.
[سيبويه/ 2/ 84، واللسان «شوه»].

241 - منعت تميما منك أنّي أنا ابنها … وشاعرها المعروف عند المواسم
البيت للفرزدق يخاطب جريرا. وكلاهما تميميّ، إلا أنّه نفى عنها جريرا للؤمه عنده، واحتقاره له. فكأنه غير معدود في رهطه.
والشاهد: فتح «أنّي» على معنى «لأني» ويجوز كسرها على الاستئناف والقطع [سيبويه/ 1/ 464]

242 - أزيد أخا ورقاء إن كنت ثائرا … فقد عرضت أحناء حقّ فخاصم
ورقاء: حيّ من قيس، وتقول العرب. فلان أخو تميم، أي: من قومهم والثائر:
(3/97)

طالب الثأر. وأحناء الأمور: أطرافها ونواحيها جمع حنو. أي: إن كنت طالبا لثأرك فقد أمكنك ذلك فاطلبه وخاصم فيه.
والشاهد: نصب أخا ورقاء «جريا» على محل المنادى المفرد وهو النصب. [سيبويه/ 1/ 303، وشرح المفصّل/ 2/ 4، واللسان «حنا»].

243 - عمّرتك الله إلا ما ذكرت لنا … هل كنت جارتنا أيام ذي سلم
البيت للأحوص الأنصاري ...
عمرتك الله: أي: سألته تعميرك وطول بقائك. وقيل معناه: ذكّرتك به وأصله من عمارة الموضع، فكأنه جعل تذكيره عمارة لقلبه قال أبو حيان: والذي يكون بعد نشدتك الله، وعمرتك الله، أحد ستة أشياء: استفهام، وأمر، ونهي، وأن، وإلّا، ولمّا بمعنى إلّا، ثم قال، وإذا كان «إلا» أو، ما في معناها، فالفعل مثلها في صورة الموجب وهو منفي في المعنى: والمعنى: ما أسألك إلا كذا، فالمثبت لفظا منفيّ معنى ليأتي التفريغ ..
و «ما» زائدة. وذو سلم. موضع قرب المدينة النبوية. والشاهد. «عمّرتك الله» وضعت موضع «عمرك الله». [الأشموني/ 3/ 213 والهمع/ 2/ 78].

244 - يا حار لا تجهل على أشياخنا … إنّا ذوو السّورات والأحلام
قاله المهلهل بن ربيعة.
والشاهد ترخيم (حارث) فقال: يا حار. وذلك لكثرة الاستعمال. [سيبويه/ 1/ 335، وشرح المفصل/ 2/ 22].

245 - فصالحونا جميعا إن بدا لكم … ولا تقولوا لنا أمثالها عام
البيت للنابغة الذيباني، يقوله لبني عامر بن صعصعة، وكانوا عرضوا عليه وعلى قومه مقاطعة بني أسد ومحالفتهم دونهم فيقول لهم: صالحونا وإياهم جميعا إن شئتم، فلن ننفرد بصلح معكم دونهم.
والشاهد: في «عام» وهي ترخيم «عامر» وهو علم كثير الاستعمال. [سيبويه/ 1/ 5 / 33].
(3/98)

246 - قالت بنو عامر خالوا بني أسد … يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام
للنابغة الذبياني. وخالوا: منّ المخالاة، وهي المتاركة والمقاطعة، وكان بنو عامر قد بعثوا إلى حصن بن حذيفة الفزاري الذبياني وابنه عيينة أن يقطعوا حلف ما بينهم وبين بني أسد ويلحقونهم ببني كنانة على أن تحالف بنو عامر بني ذبيان، فهمّ عيينة بذلك، فقالت بنو ذبيان أخرجوا من فيكم من الحلفاء، ونخرج من فينا، فأبوا، فقال النابغة في ذلك قصيدة مطلعها هذا البيت. يا بؤس للجهل: يعني: ما أبأس الجهل على صاحبه وأضره له.
والشاهد: إقحام اللام بين المتضايفين توكيدا للإضافة في قوله (يا بؤس للجهل) [سيبويه/ 1/ 346، وشرح المفصل/ 3/ 68، والمرزوقي/ 1483، والهمع/ 1/ 173].

247 - أخذت بسجلهم فنفحت فيه … محافظة لهنّ إخا الذمّام
السّجل: الدلو ملأى ماء. نفحت: أعطيت. إخا الذمام: أي: إخاء الذمام والذمام:
الحقّ والحرمة. والتقدير: لأن حافظت إخاء الذمام، أي: راعيته وقارضت به، والمعنى أنه يقارضهن بما فعلن ...
والشاهد إعمال المصدر «محافظة» عمل الفعل. [سيبويه/ 1/ 97].

248 - إذا ما المرء كان أبوه عبس … فحسبك ما تريد إلى الكلام
لرجل من بني عبس ... نسب البلاغة والفصاحة إلى عبس لأنه منهم، وهم بنو عبس بن بغيض ... و (إلى) هنا، بمعنى «من» وفيها بعد، لأنها ضدها. والأجود أن يريد:
فحسبك ما تريد من الشرف إلى الكلام، أي مع الكلام. والبيت ذكره سيبويه في أعقاب إعراب حديث «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه». قال: ففيه ثلاثة أوجه: فالرفع وجهان والنصب وجه واحد. فأحد وجهي الرفع أن يكون المولود مضمرا في يكون - والأبوان هما، مبتدآن وما بعدهما مبني عليهما كأنه قال: - حتى يكون المولود أبواه اللذان يهودانه» ومن ذلك قول الشاعر .. البيت.
والوجه الآخر: أن تعمل «يكون» في «الأبوين» ويكون هما مبتدأ وما بعده خبرا له، والنصب على أن تجعل «هما» فصلا.
(3/99)

وفي «شرح أبيات سيبويه» للنحاس. رواية البيت «فحسبك ما تريد من الكلام» وقال:
فرفع الاسم والخبر ب (كان) ونقول: كان زيد قائم، وكان عمرو منطلق. وبنو عيسى وبنو أسد، وبنو قيس يقولون: كان فلان قائم. وإنما يفعلون ذلك على القصة والحديث والشأن، كأنك إذا قلت «كان زيد قائم» فمعناه: كان زيد من قصته وحديثه، وشأنه قائم.
وقال الآخر:
إذا متّ كان الناس نصفان: شامت … وآخر مثن بالذي كنت أصنع
والبيت الأخير مضى في قافية العين من هذا الكتاب. [سيبويه/ 1/ 396، واللسان «رود».

249 - إذا بعض السنين تعرّقتنا … كفى الأيتام فقد أبي اليتيم
قاله جرير في مدح هشام بن عبد الملك .. والسنة: الجدب. تعرقتنا: ذهبت بأموالنا كما يتعرق الآكل العظم فيذهب ما عليه من اللحم. أي: كفى اليتيم فقد أبيه.
والشاهد: تعرقتنا. أنث الفعل العائد فاعله على (بعض) لأنها مضافة إلى السنين المؤنثة. حيث أضيف بعض إلى مؤنث هو منه، لأن بعض السنين، سنين. [سيبويه/ 1/ 25، وشرح المفصل/ 5/ 96، واللسان «عرق» والخزانة/ 4/ 220].

250 - أبي الإسلام لا أب لي سواه … إذا افتخروا بقيس أو تميم
القائل: نهار بن توسعة اليشكري. يقول: إنما فخره بدينه لا بنسبه.
والشاهد: جعله الجار والمجرور خبر «لا» في قوله (لا أب لي) ولو كان قاصدا للإضافة وتوكيدها باللام الزائدة لقال: لا أبالي، فاحتاج إلى إضمار الخبر، كما يحتاج إليه في الإضافة إذا قال: (لا أباك) كما في قوله «وأيّ كريم لا أباك يخلّد. [سيبويه/ 1/ 348، وشرح المفصل/ 2/ 104، والهمع/ 1/ 145].

251 - لولا ابن حارثة الأمير لقد … أغضيت من شتمي على رغم
إلّا كمعرض المحسّر بكره … عمدا يسبّبني على الظلم
للنابغة الجعدي، يقول لرجل شتمه وله من الأمير مكانة، فلم يقدم على سبه والانتصار لمكانته، ثم استثنى رجلا آخر يقال له «معرض» فجعله ممن يباح له شتمه
(3/100)

لشتمه إياه ظلما.
يقول في البيت الأول لولا هذا الأمير ومكانك منه لشتمتك، فأغضيت من شتمي على رغم وهوان.
ويقول في البيت الثاني: أي: ولكنّ معرضا المحسر بكره، المكثر من سبّي مباح له سبّه. والتحسير: الإتعاب. والبكر: الفتى من الإبل. وهو لا يحتمل الإتعاب والتحسير لضعفه، فضربه مثلا في تقصيره عن مقاومته في السباب والهجاء ... وسبّبه: أكثر سبّه ...
والشاهد: إلّا كمعرض .. استخدمها بمعنى «لكن» وقال النحاس إن «إلا» بمعنى الواو. [سيبويه/ 1/ 368، واللسان «سب»].

252 - يا ذا المخوّفنا بمقتل شيخه … حجر تمنّي صاحب الأحلام
قاله عبيد بن الأبرص. يخاطب امرأ القيس بن حجر، وكان امرؤ القيس قد توعد بني أسد الذين قتلوا أباه، يقول: ما تمنيته لن يقع وإنما هو أضغاث أحلام.
والشاهد: وصف المنادى «ياذا» بالمضاف بعده، مع رفع المضاف. [سيبويه/ 1/ 307، والخزانة/ 2/ 212].

253 - ولقد خبطن بيوت يشكر خبطة … أخوالنا وهم بنو الأعمام
قاله مهلهل بن ربيعة.
وقوله: خبطن: يعني: الخيل وفرسانها والخبط: الضرب الشديد. والمراد بالبيوت:
القبائل والأحياء، وإنما ذكر العمومة لأنه من تغلب بن وائل، ويشكر: من بكر بن وائل.
والشاهد فيه: «أخوالنا» بالرفع، على القطع. ويجوز فيه النصب أيضا. [سيبويه/ 1/ 225، 248].

254 - لنا هضبة لا ينزل الذلّ وسطها … ويأوى إليها المستجير ليعصما
.. لطرفة بن العبد.
(3/101)

والشاهد: ليعصما: على أن اللام بمعنى الفاء - وليس كذلك وإنما هي على معناها الأصلي. [سيبويه/ 1/ 423، والخصائص/ 1/ 389].

255 - كذبت وبيت الله لو كنت صادقا … لما سبقتني بالبكاء الحمائم
قاله مجنون ليلى، وينسب إلى نصيب.
والشاهد دخول اللام على جواب «لو» المنفي. [المرزوقي/ 1289، والعيني/ 4/ 473].

256 - جزى الله عنّي، والجزاء بفضله … ربيعة خيرا ما أعفّ وأكرما
.. منسوب للإمام علي كرم الله وجهه .. وربيعة: مفعول جزى الأول. وخيرا مفعوله الثاني وجملة (والجزاء بفضله) من المبتدأ والخبر، معترضة بين الفعل ومفعوله.
والشاهد: حذف المتعجب منه المنصوب في قوله: ما أعفّ وأكرما. أي: ما أعفّهم وأكرمهم. [الهمع/ 2/ 91 والأشموني/ 3/ 20].

257 - يمينا لنعم السيدان وجدتما … على كلّ حال من سحيل ومبرم
لزهير بن أبي سلمى من معلقته يمدح هرم بن سنان والحارث بن عوف.
وقوله: وجدتما: التاء، نائب فاعل لوجد وهي مفعولها الأول. والجملة قبلها مفعولها الثاني. والأصل: نعم السيدان أنتما. فلما دخلت (وجد) اتصل الضمير. والسحيل:
السهل. وأصله الخيط غير المفتول. والمبرم: الصعب: وأصله الخيط المفتول. فكنى عن سهولة الأمر بالسحيل. وبالمبرم: عن صعوبته.
والشاهد: مباشرة المخصوص نواسخ المبتدأ والخبر. فالمخصوص هنا التاء في «وجدتما» وقد جاء نائب فاعل - وهو المفعول الأول - لوجد الذي ينصب مفعولين.

258 - نعم الفتى فجعت به إخوانه … يوم البقيع حوادث الأيام
والشاهد فيه حذف المخصوص بالمدح. أي: نعم الفتى فتى، فجعت حوادث الأيام به إخوانه يوم البقيع: فجملة: فجعت: في موضع رفع صفة ل «فتى» المحذوف - وهو المخصوص المحذوف .. [البيت لابن هرمة، أو لمحمد بن بشير الخارجي، أو عمير بن
(3/102)

عامر، في الخزانة/ 9/ 402، والمرزوقي/ 808].

259 - تخيّره فلم يعدل سواه … فنعم المرء من رجل تهامي
الشاهد: من رجل .. حيث اجتمع التمييز والفاعل الظاهر. وجاء التمييز مجرورا والغرض من مجيء التمييز هنا، التأكيد، لا التوضيح، كقوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً [التوبة: 36] فشهرا تمييز لم يذكر للبيان ورفع الإبهام لأن ذكر الشهور قبل العدد مزيل لإبهامه. وإنما أريد بذكر التمييز التأكيد. لأبي بكر بن الأسود.
[الأشموني/ 2/ 200، 3/ 35، وشرح التصريح/ 1/ 399، والهمع/ 2/ 86].

260 - إذا ما غضبنا غضبة مضريّة … هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
لبشار بن برد.
والشاهد: قطرت. فالضمير في «قطرت» يعود إلى السيوف التي يدل عليها سياق الكلام - فهي ليست مذكورة لا لفظا ولا معنى، وإنما يعينها سياق الكلام.

261 - وكائن ترى من صامت لك معجب … زيادته أو نقصه في التّكلم
لزهير بن أبي سلمى من معلقته.
والشاهد: وكائن. جاءت على هذه الصورة، لغة في «كأيّن» وهي في معنى «كم» الخبرية، ويكون مميزها مفردا مجرورا بمن، كما في البيت وقد ينصب قليلا كما في البيت التالي.

262 - وكائن لنا فضلا عليكم ومنّة … قديما ولا تدرون ما منّ منعم
الشاهد نصب تمييز «كائن» على قلّة. [الهمع/ 1/ 255، والأشموني/ 4/ 85 وشرح أبيات المغني/ 4/ 167].

263 - ألست بنعم الجار يؤلف بيته … أخا قلّة أو معدم المال مصرما
البيت لحسان بن ثابت .. والجار هنا: الذي يستجير به الناس من الفقر والحاجة ويؤلف بيته: بالبناء للمعلوم، أي: يجعل المقلّ يألف بيته وذلك ببذل العرف وبسط الكف، وأخو القلة: الفقير. المصرم: أراد به المعدم الذي لا يجد شيئا وأصله من
(3/103)

الصرم، الذي هو القطع.
والشاهد: «بنعم الجار» فإن الكوفيين استدلوا بهذا البيت على أن «نعم» اسم بمعنى «الممدوح» بدليل دخول حرف الجرّ عليه.
ولكن البصريين يرفضون ذلك، ويقولون إن «نعم، وبئس» فعلان - بدليل دخول تاء التأنيث عليهما. لقوله عليه السلام «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت» وتقول «بئست المرأة حمالة الحطب».
قالوا وحرف الجرّ قد يدخل على لفظ الفعل، ولكنه في التقدير داخل على الاسم ومنه قول الشاعر:
والله ما ليلي بنام صاحبه … ولا مخالط الليان جانبه
والتقدير: والله ما ليلي بليل مقول فيه نام صاحبه «وكذلك تأويل قول حسان: أي:
بجار مقول فيه نعم الجار». والحقّ في هذه المسألة مع البصريين. [شرح المفصّل/ 7/ 127، والإنصاف/ 97].

264 - ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما … ولا أبدا ما دام وصلك دائما
البيت للمرقّش - بكسر القاف - الأصغر، ربيعة بن سفيان صاحب فاطمة. لأن «فاطما» منادى مرخم.
والشاهد: ألا يا اسلمي حيث دخلت يا النداء على الفعل، والفعل لا ينادى، ولذلك يقدر منادى محذوف والتقدير: ألا يا فاطمة اسلمي. وعلى هذا فدخول حرف النداء على الفعل، لا يعني أنه اسم، وكذلك دخول (يا) على «نعم» لا يدل على اسميتها في قولهم «يا نعم المولى ويا نعم النصير» فالمنادى محذوف والتقدير: «يا الله نعم المولى.»، فلا يستقيم هذا الدليل للكوفيين على اسمية «نعم وبئس». [الإنصاف/ 100، والمفضليات/ 244، والشعر والشعراء، (ترجمته)].

265 - العاطفون تحين ما من عاطف … والمطعمون زمان أين المطعم
هذا البيت لأبي وجزة السّعدي - ووجزة - بالزاي.
(3/104)

والشاهد: «تحين» فقالوا إن بعض العرب يزيدون التاء في أول «حين» وفي أول «الآن» فيقولون «تالآن». ويقال إنّ التاء زائدة على «العاطفون» وأصلها هاء السكت «العاطفونه» ثم قلبت تاء حيث أبقاها في الوصل. [الانصاف/ 108 والأشموني/ 4/ 339 واللسان حين، والخزانة/ 4/ 175 وج 9/ 383].

266 - وتضيء في وجه الظلام منيرة … كجمانة البحريّ سلّ نظامها
قاله لبيد بن ربيعة. ووجه الظلام: أوله وكذا وجه النهار. والجمانة: واحدة الجمان، وهو حبّ من الفضة يعمل على شكل اللؤلؤة. وقد يسمى اللؤلؤ جمانا كما هنا، فإنه أراد بالجمانة اللؤلؤة البحرية نفسها، لأنه أضافها إلى البحري الذي يغوص عليها. والنظام:
الخيط ينظم فيه اللؤلؤ. يصف الشاعر بقرة وحشية بأنها يشرق لونها ليلا كلما تحركت، كما تشرق اللؤلؤة انقطع سلكها فسقطت. وإنما وصف اللؤلؤة بذلك. لأنها إذا انقطع خيطها فسقطت، كانت أضوأ وأشرق بسبب حركتها.
والشاهد: كجمانة البحريّ سلّ نظامها: فجمانة: نكرة أضيفت إلى البحري المعرف بأل الجنسية - والجملة «سلّ نظامها: يجوز فيها أن تكون نعتا والتقدير: مسلول نظامها» ويجوز أن تكون حالا «مسلو لا نظامها». [اللسان «جمن» والعيني/ 3/ 181].

267 - فإن المنيّة من يخشها … فسوف تصادفه أينما
الشاهد: حذف الشرط والجواب بعد «أينما» أي: أينما يذهب تصادفه.

268 - ما برئت من ريبة وذمّ … في حربنا إلا بنات العمّ
الشاهد: ما برئت. إلا بنات. وذلك أنه يجب تذكير الفعل مع الفاعل المؤنث، إذا فصل بينهما بإلا. وذلك لأن الفاعل في الحقيقة إنما هو المستثنى منه المحذوف إذ التقدير: ما برئ أحد. إلا بنات. فلما حذف الفاعل تفرغ الفعل لما بعد «إلا» فرفع ما بعدها على أنه فاعل في اللفظ لا في المعنى.
وفي البيت الشاهد أنّث الفعل المفصول ب إلا. وهو خاص بالشعر. [شذور الذهب/ 176، والأشموني/ 2/ 52، وشرح التصريح/ 1/ 279، والهمع/ 2/ 171].

269 - وكان طوى كشحا على مستكنّة … فلا هو أبداها ولم يتقدّم
(3/105)

الشاهد. وكان طوى. حيث جاء خبر «كان» جملة فعلية فعلها ماض، ولم يقترن ب (قد) وهو قليل، والبيت لزهير من معلقته، ويريد به الحصين بن ضمضم، الذي أضمر غدرا. [الخزانة/ 4/ 3، وشروح المعلقات].

270 - في لجّة غمرت أباك بحورها … في الجاهليّة «كان» والإسلام
البيت للفرزدق، يهجو جريرا. وهو شاهد على أن «كان» زائدة بين المتعاطفين، لا عمل لها، ولا دلالة على مضيّ. [الخزانة/ 9/ 211، والأشموني/ 1/ 240].

271 - فإن لم تك المرآة أبدت وسامة … فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
الشاهد: فإن لم تك. حذفت نون المضارع، وبعده حرف ساكن. وهو قليل ويكون في ضرورة الشعر. والأكثر أن تحذف نون المضارع إذا كان مجزوما بالسكون وأن لا يكون بعده ساكن. ولا ضمير متصل. مثال: «ألم أك جاركم ويكون بيني». والبيت لخنجر بن صخر الأسدي. [الخزانة/ 9/ 304، وشرح التصريح/ 1/ 196، والهمع/ 1/ 122].

272 - إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى … فليس بمغن عنه عقد الرّتائم
الرتائم: جمع رتيمة. وهو خيط يعقد في الأصبع للتذكير، وتجمع أيضا على «رتم» بضمتين.
والشاهد: إذا لم تك الحاجات. حيث حذفت نون المضارع المجزوم، وبعده حرف ساكن وهو في ضرورة الشعر. كما زعموا. ويروى «عقد التمائم». [الهمع/ 1/ 122، والدرر/ 1/ 93].

273 - يا لعنة الله على أهل الرّقم … أهل الحمير والوقير والخزم
هذا البيت لابن دارة سالم بن مسافع، ودارة أمه. والرّقم: بفتح الراء والقاف، جمع رقمه. والرقمة: نبات يقال إنه الخبازي. وقيل: الرقمة من العشب، العظام، تنبت في السهل ولا يكاد المال يأكلها إلا من حاجة. والوقير: صغار
الشاء. والخزم: جمع خزومة، وهي البقرة.
والشاهد «يا لعنة الله» حيث وقع بعد حرف النداء جملة مؤلفة من مبتدأ وخبر (لعنة الله
(3/106)

على أهل الرّقم». وذلك مبني على أنّ الرواية برفع «لعنة الله» ولو رويته بنصب اللعنة كان الكلام على تقدير عامل يعمل النصب وعلى تقدير المنادى بيا أيضا. وتقدير الكلام: «يا هؤلاء استدعي لعنة الله. والجار والمجرور متعلقان باللعنة - والتخريج الثاني أن تجعل (يا) للتنبيه، والتخريج الثالث على رواية النصب: أن تكون اللعنة هي المنادى، وكأنه قال: يا لعنة الله صبي على ...» كما نودي الأسف في قوله تعالى: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [يوسف: 84]. [الإنصاف/ 1/ 118، واللسان «خزم»].

274 - بحسبك أن قد سدت أخزم كلّها … لكل أناس سادة ودعائم
من أبيات رواها أبو تمام في الحماسة ولم يعزها. وحسبك: أي: كافيك. وسدتّ:
من السيادة. قال المرزوقي: والمعنى: كافيك أن ترأست على أخزم. ثم أزرى برياسته وبهم فقال: ولكل طائفة من الناس رؤساء، وعمد وهذا يجري مجرى الإلتفات، كأنه بعد ما قال ذلك التفت إلى من حوله يؤنسهم ويقول: ليس ذا بمنكر، فلكل قوم من يسوسهم ويدعمهم.
والشاهد «بحسبك» حيث زيدت الباء في المبتدأ الذي هو «حسب» الذي بمعنى «كافيك» وخبره المصدر المؤول. من أن المخففة وما وليها وكأنه قال: كافيك سيادتك أخزم كلها. والباء لا تزاد في المبتدأ إلا أن يكون المبتدأ لفظ «حسب». [الإنصاف/ 169].

275 - لقد ولد الأخيطل أمّ سوء … على باب استها صلب وشام
... هذا من مقذعات جرير. وتجرئه على هجاء الأخطل، بما لا يستطيع ردّه هو عيب في هجاء جرير لأن جريرا يعيّر الأخطل بدينه، ورموز دينه، والأخطل نصراني. وجرير مسلم، والدولة للإسلام، ولذلك لا يستطيع الأخطل أنّ يردّ الشتيمة بمثلها، وهذا من المواقف غير المتكافئة وقوله: صلب: جمع صليب - وشام جمع شامة وهي العلامة.
وقوله «استها» من الأسماء التي تكون همزتها همزة وصل.
والشاهد: «ولد الأخيطل أمّ سوء» ولد: ماض - والفاعل: أمّ: وهي مؤنثة، وترك تأنيث الفعل لوجود الفاصل بين الفعل والفاعل، بالمفعول به «الأخيطل» [الإنصاف/ 175].
(3/107)

276 - لعن الإله تعلّة بن مسافر … لعنا يشنّ عليه من قدّام
الشاهد «من قدّام» فهو من الجهات الست، وقطع عن الإضافة لفظا لا معنى مبني على الضم، والتقدير: من قدامه. [شرح التصريح/ 2/ 51، والأشموني/ 2/ 268، والهمع/ 1/ 210، والدرر/ 1/ 177].

277 - فسقى ديارك غير مفسدها … صوب الربيع وديمة تهمي
الشاهد: غير مفسدها. حيث تقدم الحال على صاحبه جوازا .. ولكن هذا التقديم لأمر بلاغي، من باب الاحتراس ... فإذا تأخر، فإن المعنى قد يفسد. والنحويون لا يهمهم إلا الشكل في التركيب. والبيت لطرفة بن العبد. [الهمع/ 1/ 241، والدرر/ 1/ 201].

278 - ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر … للحرب دائرة على ابني ضمضم
الشاهد: ولم تدر. فهي جملة حالية. فعلها مضارع منفي بلم، وجب ربطها بالواو.
والبيت لعنترة العبسي من معلقته. [العيني/ 3/ 198، والشعر والشعراء/ ترجمة الشاعر.
والخزانة/ 1/ 129].

279 - كأنّ فتات العهن - في كل منزل … نزلن به - حبّ الفنا لم يحطّم
.. العهن: الصوف. والفنا: عنب الثعلب وهو شجر له حب أحمر، كان النساء يتخذن منه القلائد وقد شبه الشاعر ما يتساقط من العهن - من هوادجهنّ - بهذا الحب الأحمر الذي لم يتحطم. والبيت لزهير بن أبي سلمى.
والشاهد: لم يحطّم: جملة حالية فعلها مضارع منفي بلم، ربطت بالضمير المستتر وحده. [الأشموني/ 2/ 191، والعيني/ 3/ 194].

280 - وخيفاء ألقى الليث فيها ذراعه … فسرّت وساءت كلّ ماش ومصرم
تمشّي بها الدّرماء تسحب قصبها … كأن بطن حبلى ذات أونين متئم
نسب البيتان لرجل من بني سعد بن زيد بن مناة، وهما أيضا في ملحق شعر ذي الرّمة غيلان بن عقبة. والخيفاء هنا: الأرض المختلفة ألوان النبات قد مطرت بنوء الأسد - زعموا - فسرّت من له ماشية، وساءت من كان مصرما، لا إبل له. والدرماء: الأرنب
(3/108)

يقول: سمنت حتى سحبت قصبها كأن بطنها بطن حبلى، متئم، والقصب: بضم القاف وسكون الصاد - المعي وأراد البطن، وذات أونين: الأون: العدل والخرج، وذات أونين ذات خرجين، ولعله أراد هنا ذات خاصرتين كبيرتين متعادلتين.
والشاهد «كأن بطن حبلى. حيث خفف كأن الدالة على التشبيه وجاء بعدها بالاسم مرفوعا على أنه خبرها واسمها محذوف، والتقدير: كأن بطنها بطن حبلى. ويجوز في «بطن» الجرّ - على أن الكاف حرف جرّ. و «أن» زائدة. ويجوز النصب على أن يكون «كأن» حرف تشبيه مخفف من الثقيل و «بطن» اسمها وخبره محذوف. [الإنصاف/ 204، والخزانة/ 10/ 408، واللسان «أون» و «درم»].

281 - فتعلّمي أن قد كلفت بكم … ثم افعلي ما شئت عن علم
قاله أبو صخر الهذلي، أو الحارث بن وعلة. وتعلّمي. أي: اعلمي واستيقني وهو ملازم لصيغة الأمر.
والشاهد: «فتعلمي أن قد كلفت» حيث جاء بأن المخفقة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، وخبرها جملة «كلفت بكم» ولكون هذه الجملة فعلية فعلها متصرف غير دعاء، فصل بينها وبين (أن بقد). [الإنصاف/ 205].

282 - ولست بلوّام على الأمر بعد ما … يفوت ولكن علّ أن أتقدما
.. نسبه ابن منظور لنافع بن سعد الغنوي.
والشاهد: «علّ» حيث استشهد البصريون بالبيت على أنّ حذف اللام من أول «لعلّ» يدل على أنها زائدة.
.. وليس الأمر كما قالوا: فقد تكونان لغتين. وكل واحدة مستقلة برأسها وقد يكون الأصل «لعلّ» وحذفت اللام ... فهذا جدل فيما لا فائدة فيه». [الإنصاف/ 219، والمرزوقي/ 1162].

283 - ألا يا صاحبيّ قفا لغنّا … يرى العرصات أو أثر الخيام
البيت للفرزدق.
(3/109)

وقوله: لغنّا - بالغين المعجمة - قالوا: إنها لغة في لعلّ، ويروى بالعين المهملة (لعنّا). [الإنصاف/ 225، وشرح التصريح/ 1/ 192].

284 - قد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى … ونمت وما ليل المطيّ بنائم
لجرير بن عطية.
والشاهد: «وما ليل المطيّ بنائم» حيث أسند النوم إلى ضمير مستتر يعود إلى الليل وجعل الليل نائما بسبب كونه ظرفا يقع فيه النوم. [الإنصاف/ 243، وسيبويه/ 1/ 80، والخزانة/ 1/ 465].

285 - أما ودماء مائرات تخالها … على قنّة العزّى وبالنّسر عند ما
وما سبّح الرهبان في كلّ بيعة … أبيل الأبيلين المسيح ابن مريما
لقد ذاق منا عامر يوم لعلع … حساما إذا ما هزّ بالكفّ صمّما
الأبيات لعمرو بن عبد الجنّ التنوخي، شاعر جاهلي قديم، خلف على ملك جذيمة ابن الأبرش بعد قتله.
والدماء المائرات: المائجات، يريد أنها كثيرة، والقنة: أعلى الجبل، والعزى اسم صنم ونسر: اسم صنم أيضا. وفي القرآن وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً [نوح: 23] وقد أدخل الشاعر عليه الألف واللام. والعندم هو دم الأخوين، ويقال: دم الغزال بلحاء شجر الأرطى يطبخان فتختضب به الجواري. والبيعة: بكسر الباء: معبد النصارى. والأبيل:
رئيس النصارى. أو الراهب. ولعلع: اسم موضع.
والشاهد: «النسر» حيث أدخل الشاعر الألف واللام على العلم الخاص للضرورة - وهذا ردّ على الكوفيين الذين يرون أن العدد المركب يعرف الجزآن منه وقالوا بجواز «الخمسة العشر درهما» على أنهم سمعوه من العرب فقيل لهم إن «أل» قد تزاد ولا يراد بها التعريف. [الخزانة/ 7/ 214، ومعجم المزرباني/ 210، واللسان «نسر»].

286 - وما عليك أن تقولي كلّما … صلّيت أو سبّحت يا الّلهما
أردد علينا شيخنا مسلّما
ثلاثة أبيات من الرجز المشطور، روتها كتب اللغة.
(3/110)

وقوله: «وما عليك» ما: استفهامية، مبتدأ. خبره الجار والمجرور (عليك) والمعنى:
أي شيء عليك. وشيخنا: أراد أبانا.
وقوله «يا اللهما». رسمت في بعض الكتب على هذه الصورة التي تراها، وفي بعضها «يا اللهمّ ما» على أن الميم في «ما» زائدة، والألف للاطلاق، نشأت عن مدّ الفتحة.
والشاهد «يا اللهمّ» حيث جمع بين حرف النداء، والميم المشددة، وزاد ميما مفردة بعد الميم المشددة، والجمع بين الميم المشددة في آخر لفظ الجلالة، وياء النداء مستهجن عند أهل النحو، لأن الميم جاءت عوضا عن ياء النداء، ولا يجمع بين العوض والمعوض منه. أقول: ولم يكن واحد منهم عند العرب أول ما نطقوها ليعرفوا السبب في زيادة الميم المشددة. والأحسن عدّها لغة في نداء اسم الله الأعظم، والجمع بين ياء النداء والميم المشددة، أبلغ من حذفها، لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. هذا ونداء لفظ الجلالة، قد ورد على أوجه:
الأول: وهو الأصل، والأكثر استعمالا: يا الله: تدخل حرف النداء على الاسم الجليل وتقطع الهمزة.
الثاني: يا الله. تجعل همزته همزة وصل.
الثالث: اللهمّ: بحذف حرف النداء وإلحاق الاسم بميم مشددة. قال البصريون. هي عوض عن حرف النداء، وقال الفرّاء، وآخرون: هي بقية كلمة، وأصل العبارة «يا الله أمنا بخير» قالوا: وشذّ الجمع بين ياء النداء، والميم المشددة فقال ابن مالك:
والأكثر اللهم بالتعويض … وشذّ يا اللهم في القريض
الوجه الرابع: أن تقول: «لاهمّ» فتحذف حرف النداء من أول الاسم الكريم وتجيء بالميم المشددة في آخره. وأكثر هذه الوجوه هو الوجه الثالث. وهو الذي ورد استعماله في القرآن الكريم.
أما إعراب اللهمّ. منادى مبني على الضم، وضمة الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد. والميم المشدّدة مفتوحة ...
وقوله تعالى: قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا [المائدة: 114] قال سيبويه: إن اللهم
(3/111)

كالصوت وإنه لا يوصف وإن «ربنا» منصوب على نداء آخر [الإنصاف/ 342، والخزانة/ 2/ 296].

287 - أقول وما قولي عليكم بسبّة … إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم
حفيرة إبراهيم يوم ابن هاجر … وركضة جبريل على عهد آدم
هذان البيتان لخويلد بن أسد بن عبد العزّى، وهو والد أم المؤمنين خديجة، وجدّ الزبير بن العوّام بن خويلد. وابن سلمى: هو عبد المطلب بن هاشم. وسلمى. من الخزرج.
والشاهد: «إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم» فإنه يدل على أن عبد المطلب ابن هاشم كان مشهورا بأنه حافر زمزم. فإذا قال قائل «وا من حفر بئر زمزماه» فكأنه قال: وا عبد المطلباه» وهذا جواب البصريين عن قول الكوفيين بجواز ندبة الأسماء الموصولة.
فالبصريون يمنعون ذلك لأنها مبهمة، والمبهمات والنكرات لا تندب - وأجاز ذلك الكوفيون، مستدلّين بمن قال: «وا من حفر زمزماه» فقال البصريون: إن «من» في هذا المثال، ليست مبهمة لأنها تدل على حافر زمزم وهو مشهور. [الإنصاف/ 363].

288 - وما خذل قومي فأخضع للعدا … ولكن إذا أدعوهم فهم هم
البيت غير منسوب، وهو في [«شرح التصريح/ 1/ 198، والأشموني/ 1/ 248»].
وقوله: ما خذل: ما: نافية. وخذل: جمع خاذل، وهو الذي يترك النصرة. وخذل:
خبر مقدم. وقومي: مبتدأ مؤخر. فأخضع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية.
وقوله: فهم هم: الفاء رابطة لجواب الشرط. و «هم هم» مبتدأ وخبر والجملة الاسمية جواب الشرط. ومعنى «فهم هم» الكاملون.
والبيت شاهد على إلغاء ما النافية، لأن الخبر تقدم على المبتدأ.

289 - لا ينسك الأسى تأسّيا فما … ما من حمام أحد معتصما
ليس للبيت قائل معروف. ومعناه: لا ينسك ما أصابك من الحزن على من فقدته أن تتأسى بمن سبقك ممّن فقد أحبابه. فليس أحد ممنوعا من الموت.
(3/112)

والبيت من شواهد الكوفيين على إعمال «ما» النافية الحجازية إذا تكررت. وهم يوردونه على تحقيق رواية النصب في البيت.
بني غدانة ما إن أنتم ذهبا … ولا صريفا ولكن أنتم الخزف
وعدّوا «إن» في البيت نافية. ومن زعم أنّ «ما» إذا تكررت يبطل عملها، جعل منفيّ «ما» الأولى محذوفا، أي: فما ينفعك الحزن.
ويظهر أن البيت ليس فيه تكرار: فالشاعر أنشد الجزء الأول من البيت، ثم سكت، ثم تخيّل سائلا يقول له: ماذا تريد أن تنفي فأجاب بإنشاد الجزء الثاني من البيت ففي الشطر الأول نفى صامتا، ثم جهر بالنفي. فالكلام على البدلية، والله أعلم. [الخزانة/ 4/ 120، والأشموني/ 3/ 83، والهمع/ 1/ 124، والدرر/ 1/ 95].

290 - من يعن بالحمد لم ينطق بما سفه … يحد عن سبيل المجد والكرم
ليس للبيت قائل معروف.
وقوله: بما. الباء حرف جر. و «ما» اسم موصول. و «سفه» خبر لمبتدأ محذوف والبيت شاهد على حذف العائد الذي يربط جملة الصلة بالاسم الموصول. والتقدير هنا:
بما هو سفه. [شرح التصريح/ 1/ 144، والأشموني/ 1/ 169، والهمع/ 1/ 90، والدرر/ 1/ 69].

291 - لو بأبانين جاء يخطبها … زمّل - ما - أنف خاطب بدم
البيت للمهلهل بن ربيعة، من قطعة قالها حين تنقّل في القبائل بعد حرب البسوس، حتى جاور قوما من مذحج يقال لهم «جنب» وخطبوا إليه أخته، وكان مهرهم الأدم.
وقوله «بأبانين» مثنى «أبان» فهما جبلان الأول: أبان الأبيض، والثاني أبان الأسود.
وقوله: «زمّل» من التزميل وهو الإخفاء واللف في الثوب. يقول: لو خطبها في بلادي لهشمت أنفه حتى كان يخفيه بالثوب. ويروى «ضرّج» بدل «زمّل».
والبيت شاهد على أن «ما» زائدة، بين العامل والمعمول. [شرح أبيات المغنى ج 5 /
(3/113)

41 والهمع/ 158، والدرر/ 2/ 221، والشعر والشعراء/ 1/ 299، واللسان «أبن» ومعجم البلدان «أبانين».

292 - تراه وقد فات الرّماة كأنّه … أمام الكلاب مصغي الخدّ أصلم
البيت لأبي خراش الهذلي في ديوان الهذليين ج 2/ 146، والخصائص ج 1/ 258.

293 - آت الموت تعلمون فلا ير … هبكم من لظى الحروب اضطرام
غير منسوب. والمعنى: تعلمون أنّ الموت آت فلا يخوفكم اضطرام نار الحرب.
وقوله (آت) اسم فاعل من «أتى» مرفوع بضمة مقدرة على أنه خبر مقدم. و «الموت» مبتدأ مؤخر. والجملة مفعول تعلمون وفيه.
الشاهد: حيث ألغى عمل تعلمون - من أفعال القلوب - لتأخره عن المعمول.
والفاء: جواب شرط محذوف، تقديره: إن كان الأمر كذلك - فلا يرهبكم، وهو نفي وليس بنهي. واضطرام: فاعله [الأشموني، وعليه العيني ج 2/ 28].

294 - لا أعدّ الإقتار عدما ولكن … فقد من قد رزئته الإعدام
البيت لأبي دواد الإيادي - جاهلي اسمه جارية بن الحجاج، أو حنطلة بن الشّرقيّ.
وكان في عصر كعب بن مامة الإيادي الذي آثر بنصيبه من الماء رفيقه النّمريّ، فمات عطشا فضرب به المثل في الجود، ورثاه أبو دواد بقصيدة منها البيت.
وأنشد النحويون البيت على عمل «عدّ، وأعدّ» عمل الأفعال التي تنصب مفعولين، والإقتار أولها، وعدما ثانيها، وهي هنا بمعنى (أعتقد). وأنكره بعضهم، وزعم أن «عدما» حال. [الخزانة ج 3/ 56 وج 9/ 590 والهمع ج 1/ 148].

295 - يلومونني في اشتراء النخيل … أهلي فكلّهم ألوم
البيت للشاعر أحيحة بن الجلاح الأوسي جاهلي. وقد أنشد النحويون البيت بقافية الميم والصحيح أنه من قطعة لامية، وقد مضى في حرف اللام بقافية (يعذل). ويذكرونه شاهدا على لغة (أكلوني البراغيث) وهي إظهار الفاعل بعد الضمير المتصل. (يلومونني
(3/114)

أهلي). [شرح أبيات المغني ج 6/ 132، والهمع ج 1/ 160، والأشموني ج 2/ 47، والدرر 1/ 142].

296 - وكذاكم مصير كلّ أناس … سوف حقّا تبليهم الأيام
البيت غير منسوب. وأنشده السيوطي شاهدا للمصدر المؤكد مضمون الجملة، الذي يحذف عامله (أي الفعل العامل فيه) وأن هذا المصدر لا يتقدم على الجملة التي يؤكّد مضمونها، لأن العامل فيه فعل يفسره مضمونها من جهة المعنى، وأجاز الزجاج توسيطه.
واستشهد بالبيت وأصله (سوف تبليهم الأيام حقّا). [الهمع ج 1/ 192، والدرر ج 1/ 166].

297 - ليت شعري وأين منّي ليت … أعلى العهد يلبن فبرام
البيت لأبي قطيفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط، كان يسكن المدينة النبوية أيام ابن الزبير فأخرجه عبد الله بن الزبير مع من أخرجهم من بني أمية، فسكن الشام، فقال أشعارا يحن فيها إلى معالم المدينة ويدعو إلى جمع الشمل. وقد زعم - شوقي ضيف - في كتابه (صدر الإسلام والعصر الأموي) أن الشاعر يحن إلى مجالس الغناء والشراب في المدينة، وهذا خطأ وقع فيه، لأنه لا يعرف معنى الحنين إلى الأوطان. ويلبن، وبرام:
من معالم وادي العقيق المبارك في المدينة.
وقد استعمل الشاعر (ليت) الثانية، وأراد لفظها، فوقعت اسما مرفوعا، يعرب مبتدأ.

298 - لئن كان - سلمى - الشيب بالصّدّ مغريا … لقد هوّن السّلوان عنها التّحلّم
.. لا يعرف قائل البيت. وأنشده الأشموني، شاهدا لولاية معمول خبر كان، الفعل.
وهو «سلمى» الذي يعرب مفعولا ل «مغريا»، ومغريا، خبر كان. وترتيب الكلام. لئن كان الشيب مغريا سلمى بالصّد» ... وهذا ضرورة. والتحلّم: تكلّف الحلم، وهو فاعل هوّن. وقيل: هو رؤيتها في الحلم، وهذا أقوى في هذا المقام، لأنّ الحلم، بمعنى سعة الصدر عند وقوع الأذى قد لا يكون له مكان في الغزل، والله أعلم. [الأشموني ج 1/ 238].

299 - معروريا رمض الرّضراض يركضه … والشمس حيرى لها في الجوّ تدويم
(3/115)

قاله ذو الرّمة، يصف جندبا، ومعروري، راكب، من اعرورى. والرمض: شدة الحرّ.
والرضراض. ما دقّ من الحصى. والرضراضة. حجارة ترضرض على وجه الأرض، أي:
تتحرك ولا تلبث، وقيل: أي: تتكسر. يقول: كأنها لا تمضي، أي: قد ركب حرّ الرضراض. ويركضه يضربه برجله، وكذا يفعل الجندب ومعنى قوله: والشمس حيرى:
أي: تقف الشمس (بالهاجرة) عن المسير مقدار ما تسير ستين فرسخا، تدور على مكانها، ويقال: تحير الماء في الروضة، إذا لم يكن له جهة يمضي فيها، يقول: كأنها متحيرة، لدورانها. والتدويم: الدوران. [اللسان «دوم»].

300 - كي تجنحون إلى سلم وما ثئرت … قتلاكم ولظى الهيجاء تضطرم
.. الشاهد في كي: فإنه بمعنى: كيف، كما يقال: سو، في سوف. أي: كيف تجنحون، أي تميلون إلى سلم وما ثئرت قتلاكم، جملة حالية، أي، ما قتل قاتلوهم.
ولظى الهيجاء: مبتدأ. وتضطرم خبره. والجملة حال أيضا. وتضطرم: أي: تشتعل.
[الأشموني ج 3/ 279، والهمع ج 1/ 214 والدرر ج 1/ 184].

301 - وقالوا أخانا لا تخشّع لظالم … عزيز ولا - ذا حقّ قومك - تظلم
البيت غير منسوب. وأنشده الأشموني شاهدا للفصل بين «لا» الناهية، الجازمة، وبين الفعل والمراد «لا» التي في الشطر الثاني.
وقوله: أخانا: منادى، أي: يا أخانا. وعزيز: صفة لظالم بمعنى قوي وترتيب الشطر الثاني: ولا تظلم ذا حقّ قومك. و «ذا» مفعول به، وحقّ مضاف إليه، وقومك مضاف إليه، وزعم العيني، أن «حقّ» مفعول ثان، وقوله يوحي بأن «ذا» اسم إشارة ومهما كان التقدير فاللفظ ركيك، والمعنى معقد.
[الأشموني ج 4/ 4، والهمع ج 2/ 56 والدر ج 2/ 71].

302 - أيها الشاتمي لتحسب مثلي … إنّما أنت في الضلال تهيم
البيت لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت. وأنشد الزمخشري في المفصل، هذا البيت للاستشهاد على أن ياء المتكلم في اسم الفاعل «الشاتمي» في محل جرّ بالاضافة. وردّ ابن يعيش في شرح المفصل هذا القول، فقال: إنها في محل نصب مفعول به. [شرح المفصل ج 2/ 123].
(3/116)

303 - لعمري وما عمري عليّ بهيّن … لبئس الفتى المدعوّ بالليل حاتم
البيت للشاعر يزيد بن قنافة الطائي، من أربعة أبيات في الحماسة في هجاء حاتم الطائي، وقد هرب ناجيا بنفسه، تاركا من تجب عليه حمايتهم يتعرضون لغارة الأعداء.
وكنت أظنّ أن حاتما لم يهج قطّ وأنه يجمع بين الكرم والشجاعة، فوجدته غير كريم البتة، لأن أعلى درجات الكرم أن تجود بنفسك دفاعا عن الحرمات. فهل يمكن القول:
إن الخرافة الرمزية في شخصية حاتم، تفوق الواقع والحقيقة.
.. وقوله: لعمري: مبتدأ، حذف خبره. لبئس: الجواب. والفتى: فاعل بئس وحاتم:
مخصوص بالذم. خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ وجملة الذم خبره مقدم. وقال بالليل لشدة الهول فيه.
وقوله: «المدعوّ» يرى كثير من النحويين أنه بدل من «الفتى» ولا يجوز كونه صفة، لأن نعم وبئس يرفعان من المعارف اسم الجنس، وما يدل على الجنس لا يوصف، ويرى ابن جني والمرزوقي وغيرهما تجويز كونه وصفا. لعلة ذكروها. [المرزوقي 1464، والأشموني ج 3/ 31، والهمع ج 2/ 84 والخزانة - ج 9/ 405].

304 - لئن كان النكاح أحلّ شيء … فإنّ نكاحها مطر حرام
البيت للأحوص الأنصاري، يزعم الرواة أن الأحوص قاله - مع الأبيات - في مطر، زوج أخت زوجته (عديله) وأظنّ أن قصتها مكذوبة، لأن مصدرها أبو الفرج الأصبهاني الكذاب.
وقوله: أحلّ شيء: هكذا رواه كثيرون على أن «أحلّ» اسم تفضيل، خبر كان. فإن كان لمعنى التفضيل، فهو ضعيف، لأن النكاح ليس أحلّ شيء في الحلال ... وإن كان بمعنى، الوصف أو المصدر فهو مقبول. ورواه الزجاجي (أحلّ شيئا) على أن (أحلّ) فعل ماض، وشيئا، مفعوله. ومع ذلك يبقى المعنى غامض، لأن الذي يحلّه النكاح ليس شيئا من الأشياء، وإنما يحلّ الاتصال بالمرأة التي عقد نكاحها.
وقوله «نكاحها مطرا» يروى بثلاثة وجوه: الرفع على أنه فاعل المصدر (نكاحها) ويكون المصدر مضافا إلى مفعوله. والنصب: على أنه مفعول المصدر، فيكون المصدر مضافا إلى فاعله. والجرّ: على أنه مضاف إليه - ووقع الفصل بين المتضايفين بضمير
(3/117)

الفاعل أو المفعول. مع أن الشاعر لم ينطق إلا بواحدة. وأظنها النصب فقط (نكاحها مطرا) وربما صحت صناعة، ولا تصحّ معنى. [الخزانة ج 2/ 151، وشرح أبيات المغني ج 8/ 41 والأشموني ج 2/ 279].

305 - جالت لتصرعني فقلت لها اقصري … إني امرؤ قتلي عليك حرام
البيت لامرئ القيس. وقد مضى بقافية مجرورة (حرام) وهو في [كتاب المغني لابن هشام برقم 1152 ص 892].

306 - نحو الأميلح من سمنان مبتكرا … بفتية فيهم المرّار والحكم
وقبل البيت:
بل ليت شعري متى أغدو تعارضني … جرداء سابحة أو سابح قدم
والبيتان من قصيدة مطلعها:
لا حبّذا أنت يا صنعاء من بلد … ولا شعوب هوى منّي ولا نقم
ونسبت إلى ثلاثة شعراء: زياد بن حمل، أو زياد بن منقذ، أو للمرّار بن سعيد الفقعسي قال البغدادي: والصواب أنها لزياد بن منقذ العدوي.
قوله: لا حبّذا. أسلوب ذمّ. وقد وجدت البيت في حماسة المرزوقي بدون (لا) هكذا: (حبذا) ويبدو أن واحدا ممن عمل في تنضيد الطباعة ساءه أن تذمّ صنعاء، لما له فيها من ذكريات طيبة، وشعوب، ونقم، موضعان باليمن.
وقوله: هوى مني: أي: لا أهواهما ولا أحنّ إليهما.
وقوله: بل ليت شعري: بل للإضراب عما قبله. وتعارضني: أي: أقودها فتسبقني من سلاسة قيادها والجرداء: الفرس القصيرة الشعر، وهو محمود في الخيل، وسابحة: كأنها تسبح في سيرها وجريها. وقدم: بمعنى متقدم، يوصف به المذكر والمؤنث.
وقوله في البيت الشاهد: نحو: ظرف متعلق بأغدو. والأمليح: اسم ماء. وسمنان:
ديار الشاعر. والمرّار والحكم، رجلان. والشاهد: سمنان: إما أن يكون بزيادة الألف والنون، وأصله (سمن) كما زيدا في «سلمان» وإما أن يكون مكرر اللام للإلحاق بزلزال،
(3/118)

ولا دليل في هذا البيت يمنع صرف سمنان على كونه (فعلان) لجواز كونه (فعلال) وامتناع صرفه لتأويله بالأرض، والبقعة لأنه اسم موضع. [الخزانة ج 5/ 249 - والمرزوقي 1402، وشرح شواهد الشافية ص 7].

307 - كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا … لما سبقتني بالبكاء الحمائم
وقبل البيت:
لقد هتفت في جنح ليل حمامة … على فنن وهنا وإني لنائم
البيتان للشاعر نصيب بن رباح، مولى عبد العزيز بن مروان. وجنح الليل: ما مال من الليل ووهنا بعد ساعة من الليل، وقوله: لما سبقتني: اشتمل على جواب القسم وجواب «لو». [المرزوقي 1289، والعيني ج 4/ 473].
قال أبو أحمد: وقد كثر في شعرهم ذكر شجو الحمام ونوحه وذكره إلفه، فقال عديّ بن الرّقاع:
فلو قبل مبكاها بكيت صبابة … بلبنى شفيت النفس قبل التّندّم
ولكن بكت قبلي فهاج لي البكا … بكاها فقلت: الفضل للمتقدّم
وقال حميد بن ثور:
وما هاج هذا الشّوق إلا حمامة … دعت ساق حرّ ترحة وترنّما
وساق حرّ: الذكر من القماريّ، سمي بصوته.
وقال الشماخ:
كادت تساقطني والرّحل إذ نطقت … حمامة فدعت ساقا على ساق
و «ساقا» يريد هو ذكر القماريّ. ولذلك قال بعضهم: إنّ «حرّ» هو فرخها.
وقال الكميت:
تغريد ساق على ساق يجاوبها … من الهواتف ذات الطّوق والعطل
أراد بالساق الأول، الحمامة، والثاني: ساق الشجرة.
(3/119)

وقال آخر:
ناحت مطوّقة بباب الطاق … فجرت سوابق دمعي المهراق
والمطوّقة: الحمامة التي في رقبتها طوق. والطاق: البناء.
وقال أبو فراس:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة … أيا جارتا هل تشعرين بحالي
ويربطون غالبا بين صوت الحمام والحزن لفراق الوطن والأحبّة، ويسمعون في صوت الحمام نحيب الفقد، وشجو الثكالى، وأنين المتيمين، ولكن أبا تمام الحكيم نبّه الشعراء إلى الحقيقة عند ما قال:
لا تشجينّ لها فإنّ بكاءها … ضحك وإن بكاءك استغرام
ولكن من الذي أعلم أبا تمام أن بكاءها ضحك، أليست الحمامة خلقا من خلق الله، يمكن أن تتألم للفقد، وتحسّ بالوجد، وقد أخبرنا الله أن هذه المخلوقات أمم أمثالنا، وربما كان لها، ما لنا من الفكر والأحاسيس، وفي القرآن قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ .. الآية [النمل: 18] وهذا يدل على الوعي بالكوارث، ومعرفة طرق الوقاية منها. وإن كان لها عقل مدبّر، فمن الأقرب أن يكون لها أحاسيس. وإذا كنّا لا نفرق بين صوت الحزن، وصوت الفرح، فلا يعني ذلك أنه غير موجود. بل هو موجود، ولذلك تعددت أحاسيس الشعراء بصوت الطيور، فمنهم من يراه نواحا، ومنهم من يراه خطبة، ومنهم من يراه غناء، ومنهم من رآه سجعا، ومنه
أخذوا اسم الكلام المسجوع. والموضوع طويل، وممتع يستحقّ أن تكتب فيه رسالة بل كتاب.

308 - ليت شعري هل ثم هل آتينّهم … أم يحولنّ دون ذاك حمام
منسوب للكميت بن زيد، أو للكميت بن معروف. والشاهد (هل ثمّ هل) حيث أكّد هل الأولى بهل الثانية وفصل بينهما بحرف العطف «ثمّ». قال السيوطي: فإن كان المؤكّد ضميرا متصلا أو حرفا غير جواب، لم يعد اختيارا إلا مع ما دخل عليه، لكونه كالجزء منه، نحو قمت قمت ... إنّ زيدا إنّ زيدا قائم. أو مفصولا بفاصل ما، ولو حرف عطف
(3/120)

وأنشد شطر البيت. [الهمع ج 2/ 125، والأشموني ج 3/ 83، والدرر ج 2/ 161].

309 - ولا أنبأنّ أنّ وجهك شانه … خموش وإن كان الحميم حميم
البيت لعبد قيس بن خفاف البرجمي، في الإيضاح ص 105، ونوادر أبي زيد ص 126.

310 - كأس عزيز من الأعناب عتّقها … لبعض أحيانها حانيّة حوم
وقبل البيت:
قد أشهد الشّرب فيهم مزهر رنم … والقوم تصرعهم صهباء خرطوم
البيتان للشاعر علقمة بن عبدة، وهو جاهليّ. من قصيدته التي مطلعها:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم … أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
والشّرب: جمع شارب. والمزهر: العود. والرنم: المترنم. والصهباء: خمر من عصير عنب أبيض. والخرطوم: أول ما ينزل منها صافية.
وقوله: كأس عزيز: أي: كأس ملك. ولبعض أحيانها: يقول: أعدها أهلها لفصح أو عيد، أو نحو ذلك. وتروى (أربابها). وحانيّة: بتشديد الياء. قوم خمارون، نسبوا إلى الحانة - دكان الخمر - الواحد (حاني) والحوم: بضم الحاء: الكثير، وهو لغة في الحوم، بفتح الحاء، مثل شهد، وشهد أو الحوم: جمع حائم، مثل «صبر» جمع صابر، فأصل الواو مضمومة فخففت، ويكون من حام يحوم، إذا طاف حولها. وهذا الشرح عن شروحات أحمد شاكر وعبد السلام هارون، للمفضليات. وشرحها محشّي كتاب ابن يعيش على غير هذا. [المفضلية رقم 120، وشرح المفصل ج 5/ 152، وكتاب سيبويه ج 2/ 72، واللسان، كأس، وحوم].

311 - يقلن حرام ما أحلّ بربّنا … وتترك أموال عليها الخواتم
البيت للأعشى. ومن شواهده (الخواتم) فقد أنشده ابن يعيش شاهدا على أن الألف إذا كانت ثانية في نحو «خاتم» وضارب، قلبت في جمع التكسير والتصغير واوا. [شرح المفصل ج 10/ 29، والخصائص ج 2/ 490].
(3/121)

312 - متى كان الخيام بذي طلوح … سقيت الغيث أيتها الخيامو
البيت لجرير، مطلع قصيدة هجا بها الأخطل. ومتى استفهام إنكاري. يقول: كأنّه لم يكن بذي طلوح خيام قطّ. وذو طلوح، واد، سمي به لكثرة شجر الطلح به، وهو شجر عظيم. وسقيت، بالبناء للمجهول وكسر التاء، والغيث بالنصب: المطر. دعا لخيام أحبابه بالسقيا على عادة العرب، فإنهم يدعون لمن أحبوا بالسقيا، والمراد: لازمه، وهو النضارة والحسن والبهجة. والبيت أنشده سيبويه في باب وجوه القوافي في الإنشاد. قال:
أمّا إذا ترنموا، فإنهم يلحقون الألف والواو والياء، ما ينون وما لا ينون، لأنهم أرادوا مدّ الصوت. وإنما ألحقوا هذه المدة من حروف الرويّ، لأن الشعر وضع للغناء والترنم، فألحقوا كل حرف الذي حركته منه. والشاهد هنا (الخيامو) بمدّ الضمة، لتصبح واوا عند الترنم بالشعر. [كتاب سيبويه ج 2/ 298، وشرح أبيات المغني للبغدادي ج 6/ 141 وشرح المفصل ج 9/ 78، والمرزوقي 617.

313 - خليليّ إنّ العامريّ لغارم … ولولاه ما قلّت لديّ الدراهم
البيت غير منسوب. وأنشد السيوطي شطره الثاني شاهدا على «لولا» الجارّة. الامتناعية إذا تلاها ضمير جرّ، نحو، لولاي، ولولاك ولولاه. قال سيبويه والجمهور: موضعه الجرّ بها. قالوا: ولا يجوز أن تكون الضمائر مرفوعة، لأنها ليست ضمائر رفع، ولا منصوبة، وإلا لجاز وصلها بنون الوقاية، مع ياء المتكلم، كالياء المتصلة بالحروف. وأما الأخفش والكوفية، فقالوا: موضع الضمير المتصل ب (لولا) الرفع على الابتداء، وذكروا عللهم في هذا الوجه [الهمع ج 2/ 33].

314 - سلامك ربّنا في كل فجر … بريئا ما تغنّثك الذّموم
البيت لأمية بن أبي الصلت.
وقوله: تغنثك: أي: ما تلزق بك ولا تنتسب إليك. والذّموم: العيوب. قال ابن منظور. والسّلام: البراءة من العيوب في قول أميّة.
وقوله «سلامك: بنصب الميم - فهو منصوب انتصاب حمدا وشكرا، بفعل محذوف.
[كتاب سيبويه ج 1/ 164، والخزانة ج 7/ 235، واللسان - غنث، وسلم وذمم والعيني ج 3/ 183].
(3/122)

315 - صل الذي والتي متّا بآصرة … وإن نأت عن مدى مرماهم الرّحم
.. البيت غير منسوب.
وقوله «متا» من مت، يمتّ، والألف للمثنى. قال السيوطي. قد ترد صلة بعد موصولين أو أكثر، فيكتفى بها. [الهمع ج 1/ 88].

316 - أما والّذي لا يعلم الغيب غيره … ومن هو يحيي العظم وهو رميم
البيت لحاتم الطائي. وأنشده ابن هشام في المغني شاهدا على أنّ «أما» أخت «ألا» من مقدمات اليمين، وتدل على التحقيق. وجواب القسم قوله.
لقد كنت أطوي البطن والزّاد يشتهى … محافظة من أن يقال لئيم
قلت: إن الذي فخر به حاتم، يفعله ألوف من الناس الفقراء في أيامنا، ولا يفاخرون به لأن الفخر، فيه لون من المنّ. [شرح أبيات المغنى ج 2/ 75، والمرزوقي 1715].

317 - داويّة ودجى ليل كأنّهما … يمّ تراطن في حافاته الرّوم
البيت لذي الرّمة. والشاهد: «داويّة» في النسب إلى الدوّ، بتشديد الواو وهي الأرض المستوية، وقيل هي أرض ملساء، ليس فيها جبل ولا رمل. قال ابن يعيش ونسبوا إلى «دوّ» داويّ، قلبوا من الواو الأولى الساكنة ألفا. ويجوز أن يكون بنى من الدوّ فاعلا (اسم فاعل) ثم نسب إليه، ولكن يروى البيت (دوّيّة) ويكون نسب إلى الأصل. [شرح المفصل ج 10/ 19، والعيني ج 1/ 413].

318 - أبا ثابت لا تعلقنك رماحنا … أبا ثابت فاذهب وعرضك سالم
البيت للأعشي. وهو في كتاب سيبويه ج 2/ 150 وشرح أبيات مغني اللبيب ج 7/ 94 وهو شاهد على النون التوكيدية الخفيفة في قوله «تعلقنك».

319 - لا تحرز المرء أحجاء البلاد ولا … تبنى له في السموات السّلاليم
البيت للشاعر: تميم بن أبيّ بن مقبل، ويختصر ب (ابن مقبل) أو تميم بن مقبل. وهو شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام.
وقوله: لا تحرز المرء: من أحرزه، إذا صانه وحفظه. والمرء: مفعوله. وأحجاء:
(3/123)

فاعله، وهو جمع حجا، بفتح الحاء، فجيم فألف مقصورة وأحجاء البلاد، نواحيها وأطرافها، أو الملاجئ التي يلتجأ إليها. والسلاليم: جمع سلّم، وقياسه السلالم والياء للإشباع زادها للضرورة. [شرح أبيات مغنى اللبيب ج 5/ 96 واللسان: حجا].

320 - لا الدار غيّرها بعد الأنيس ولا … بالدّار لو كلّمت ذا حاجة صمم
البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في كتاب سيبويه ج 1/ 73، والنحاس ص 52 قال أبو جعفر النحاس: هذا حجة لنصب الدار في الشطر الأول بفعل مضمر بين (لا) وبين «الدار» كأنه قال: لم يغيّر الدار بعد الأنيس.

321 - وددت وما تغني الودادة أنّني … بما في ضمير الحاجبيّة عالم
البيت لكثير عزّة ...
وقوله: (وما تغنى الودادة) أي تنفع، جملته معترضة بين وددت وبين معموله، وهو أنني عالم، المصدر المؤول. والحاجبية: هي عزّة محبوبة كثير، منسوبة إلى أحد أجدادها.
وقوله: وددت: تأتي بمعنى أحببته تقول: وددتّه: أي، أحببته. وتأتي بمعنى تمنيت.
والشاهد: أنّ (أنّ) المفتوحة يجوز أن تقع بعد فعل غير دال على العلم واليقين كما في البيت، خلافا للزمخشري في المفصل، فإن وددت هنا بمعنى: تمنيت فهو يقول، تمنيت أني عالم بما ينطوي عليه قلب هذه المرأة لي ... ويرى الزمخشري، أن (أنّ) المفتوحة المشددة، أو المخففة منها، لا تدخل إلا على فعل يشاكلها في التحقيق، فإن لم يكن كذلك نحو أطمع وأرجو وأخاف فيدخل على أن الناصبة للفعل. [الخزانة ج 8/ 383، والمرزوقي 1287].

322 - إنّ ابن حارث إن أشتق لرؤيته … أو أمتدحه فإنّ الناس قد علموا
البيت للشاعر أوس بن حبناء التميمي. والشاهد في (ابن حارث) حيث رخمه في غير النداء للضرورة، إذ أصله ابن حارثة، وأشتق: فعل الشرط. وجوابه (فإن الناس ..) ومفعول علم، محذوف، تقديره: علموا ذلك مني. [الأشموني ج 3/ 184 والإنصاف ص 354 والهمع ج 1/ 181، وكتاب سيبويه ج 1/ 343].
(3/124)

323 - هيهات خرقاء إلّا أن يقرّبها … ذو العرش والشّعشعانات العياهيم
البيت لذي الرمة، وخرقاء: صاحبته. والشعشعانات: الواحدة شعشعانة، وهي الناقة الخفيفة الطويلة، ولكن البيت قافيته بائية بلفظ «الهراجيب» جمع هرجاب، وهي الناقة الطويلة الضخمة، والعياهيم: الناقة الماضية. [اللسان «شعشع» وعهم، والخزانة/ 1/ 254].

324 - يهدي بها أكلف الخدّين مختبر … من الجمال كثير اللحم عيثوم
البيت للشاعر علقمة بن عبدة الفحل، والبيت من آخر قصيدة في المفضليات. وهو في البيت يتحدث عن إبله.
وقوله: يهدي بها: أي: يهديها، أي: يتقدمها. وأكلف الخدين: يعني فحلها، والكلفة: حمرة فيها سواد. ومختبر: بكسر الباء مجرب، وبفتحها: معروف بالنجابة.
والعيثوم: الضخم الجرم الكثير اللحم، وفيه الشاهد، [المفضليات برقم (120) وكتاب سيبويه ج 2/ 325، واللسان (عثم)].

325 - قتلنا ناجيا بقتيل عمرو … وخير الطالبي التّرة الغشوم
البيت غير منسوب. ولكن الشطر الثاني جاء في شعر منسوب إلى الوليد بن عقبة ابن أبي معيط، يزعم رواته أن الوليد يحرض معاوية على قتال عليّ. وهو شعر منحول مكذوب لأن مضمونه يكذبه، فهو يجعل من أسباب الدعوة إلى الحرب قوله:
فقومك بالمدينة قد تردّوا … فهم صرعى كأنهم الهشيم
وبنو أمية لم يصبهم بأس أثناء الفتنة بين معاوية وعلي، وإنما كان ذلك في أواخر عهد يزيد أثناء معركة الحرّة أيام يزيد.
وفي مادة (غشم) من اللسان، جاء الشطر الثاني (وجرّ الطالب الترة الغشوم) بإفراد (الطالب) فقال: بنصب الترة. قال: ويقال: ضرب غشمشم وغشوم. والغشوم: الذي يخبط الناس ويأخذ كل ما قدر عليه، وبه يستقيم الخبر (الغشوم) عن المبتدأ، كما رواه ابن منظور. والشطر الثاني أنشده السيوطي شاهدا على حذف نون جمع المذكر، لغير الإضافة قال: وتحدث النون لتقصير صلة الألف واللام. وأصله: وخير الطالبين الترة،
(3/125)

وبقي النصب بعد حذف النون، [الهمع ج 1/ 49، واللسان، غشم، وحلم].

326 - للو لا قاسم ويدا بسيل … لقد جرّت عليك يد غشوم
البيت غير منسوب، وليس له سابق أو لاحق. وقاسم وبسيل: رجلان. والبسيل في اللغة: الكريه الوجه وعلى هذا قد يكون بسيل صفة لموصوف محذوف.
وجرّت: من جرّ عليهم جريرة، أي: جنى جناية. وغشوم: جائرة. والغشم: الظلم والحرب غشوم. لأنها تنال غير الجاني. وقد أنشدوا البيت شاهدا على أن اللام الداخلة على «لولا» زائدة، وأما لام «لقد» بدون «لولا» فالمشهور أنها لام القسم. [اللسان - غشيم، والخزانة ج 10/ 333].

327 - بسلهبة صريحيّ أبوها … تهان بها الغلامة والغلام
البيت للشاعر أوس بن غلفاء الهجيمي يصف فرسا.
وقوله: بسلهبة: أي: فرس طويلة ولكن حقه أن يكون مرفوعا معطوفا بالواو على مرفوع (وسلهبة) لأن الشاعر، يعدّ وسائل الحرب، التي أعانته على الحرب فقال: أعان على الحرب زعف ومطرد ومركضة - هكذا جاءت في اللسان، وصريحي: فرس أصيل، أو منسوب إلى فرس اسمه «صريح» وتهان بها، وفي رواية و «لها» أي: يخدمها الغلام والغلامة. وفيه (الشاهد حيث زاد التاء على الغلام للفرق بين جنسي المذكر والمؤنث والمشهور أنه بلفظ واحد [شرح المفصل ج 5/ 97، واللسان (غلم) و «صرح»].

328 - ألم تسأل فتخبرك الرّسوم … على فرتاج والطّلل القديم
البيت للشاعر البرج بن مسهر الطائي، وهو في اللسان (فرتج) وكتاب سيبويه ج 1/ 421] وفرتاج: علم على مكان.
والشاهد: نصب تخبرك في جواب الاستفهام بأن مضمرة وجوبا بعد فاء السببية.

329 - شمّ مهاوين ... … ... لا خور ولا قزم
ورد في بعض المصادر مرفوع الميم، وهو مجرور (قزم) والبيت للكميت بن زيد أو لابن مقبل، فابحث عنه في الميم المكسورة.
(3/126)

330 - لا يصعب الأمر إلّا ريث يركبه … ولا يبيت على مال له قسم
البيت للحطيئة في ديوانه، والهمع ج 1/ 213 والدرر ج 1/ 182. ولكن شطره الثاني رواه ابن منظور عن الأصمعي هكذا (وكلّ أمر سوى الفحشاء يأتمر). وقال: إنه لأعشى باهلة. قال السيوطي: ريث: مصدر راث، يريث، إذا أبطأ، فإذا استعمل في معنى الزمان، جاز أن يضاف إلى الفعل. فلما خرجت إلى ظروف الزمان جاز فيها ما جاز في الزمان أنه مبنيّ كسائر أسماء الزمان المضافة إلى الفعل المبني، فلذا ذكرته في الظروف المبنيات، ومن شواهده (لا يصعب .. الخ) قلت: ولكنه أضيف هنا إلى فعل معرب (يركبه) فهل يكون هنا معربا؟ وأنه يبنى إذا جاء بعد فعل مبني، كقول الآخر
(خليليّ رفقا ريث أقضي لبانة؟).

331 - أو مسحل شنج عضادة سمحج … بسراته ندب لها وكلوم
وقبل البيت:
حرف أضرّ بها السّفار كأنّها … بعد الكلال مسدّم محجوم
والبيتان للشاعر لبيد بن ربيعة، يصف ناقته، والحرف: الضامر، وأضرّ بها السّفار:
أضناها وهزلها. والكلال: التعب. والمسدّم: الفحل من الإبل الذي حبس عن الضراب.
والمحجوم: المشدود الفم.
وقوله في الشاهد: أو مسحل: معطوف على مسدّم في البيت الذي سبقه والمسحل:
حمار الوحش. والشّنج: المتقبض في الأصل. ويراد به في البيت: الملازم. وعضادة:
جنب. والسّمحج: الأتان الطويلة. وسراتها: أعلاها والنّدب: الأثر. والكلوم:
الجراحات. يريد أن هذه الأتان بها آثار من عضّ الحمار كأنها جراحات. يقول: إن ناقتة كأنها مسحل ملازم جنب أتان لا يفارقها، وكأنّ هذه الناقة بعد ما كلّت بعير مسدّم أو مسحل موصوف بما ذكر.
والشاهد في البيت أن «شنج» اسم مبالغة عمل عمل فعله، فنصب «عضادة» وقد أنشد أنصار سيبويه البيت دفاعا عنه في مسألة عمل «فعل» من أوزان المبالغة وقد روى سيبويه في الموضوع: البيت:
حذر أمورا ... … ... من الأقدار
(3/127)

في حرف الراء. وقالوا: إن البيت مصنوع، وزعم المخالفون لسيبويه أن أبان اللاحقي الفاسق - في زمن هارون الرشيد، روى لهم أن سيبويه سأله عن شاهد في تعدّى «فعل» فعمل له هذا البيت. فعضد أنصار سيبويه موقفه بأن الشواهد على عمل «فعل» موجودة في غير ما ذكر. ومنها البيت الشاهد. ومنها في حرف الدال.
(أتاني أنهم مزقن عرضي ... لها فديد)
وهو لزيد الخيل الطائي الصحابي. قال أبو أحمد: وهذه الضجّة التي افتعلها خصوم سيبويه زوبعة في فنجان، بل هي أقل من ذلك، لأسباب:
الأول: لو فرضنا أنّ أبان بن عبد الحميد اللاحقي صنع البيت لسيبويه فإن هذا لا يمنع صحة التركيب، لأن المعنى يستقيم به، وكون أبان جاء في العصر الذي لا يستشهد بشعره، لا يمنع صحة كلامه، فهو شاعر مطبوع، والشاعر المطبوع يكون قد حفظ ونسي ولكنه تأثر بما حفظ. فما يصدر عنه من شعر تغلب عليه الصحة. وكون أبان فاسقا مطعونا عليه في دينه، لا يمنع الاستشهاد بشعره.
والثاني: الرواية التي تقول إنه من صناعة أبان، هي من رواية أبان نفسه، والرجل مطعون عليه، منغمس في الفجور حتى أذنيه، فكيف نقبل روايته في الطعن على سيبويه؟
الثالث: لا يحقّ لنحويّ أن يدّعي أنه سمع كل ما قالت العرب من الشعر، ومن سمع حجة على من لم يسمع.
فلا تلتفتنّ إلى كلّ ما تقرأ من المجادلات النحويّة، التي يفتعلها الخصوم، لأن التحاسد كان مستفحلا بين العلماء في ذلك العصر. والله أعلم. [الخزانة ج 8/ 169، وشرح المفصل ج 6/ 72، وسيبويه 1/ 57، والأشموني ج 2/ 298].

332 - فأمّا كيّس فنجا ولكن … عسى يغترّ بي حمق لئيم
البيت للمرّار بن سعيد الأسدي.
والشاهد: إسقاط «أن» من خبر «عسى». [شرح أبيات المغني ج 3/ 339 والخزانة ج 9/ 328، وكتاب سيبويه ج 1/ 478].

333 - أبا مالك هل لمتني مذ حضضتني … على القتل أم هل لامني لك لائم
(3/128)

الشاهد للجحّاف بن حكيم السلمي، من العصر الأموي. وأبا مالك، يريد الأخطل التغلبي وكان الأخطل عيّر الجحّاف بهزيمتهم وقتل رئيسهم في حروب جرت مع بني تغلب، فقال:
ألا سائل الجحاف هل هو ثائر … بقتلى أصيبوا من سليم وعامر
فكان من أثر ذلك، وقعة «البشر» التي قتل الحجاف فيها عددا كبيرا من بني تغلب و «البشر» ماء، أو موطن، كان لبني تغلب، بالقرب من الفرات. فقال الحجاف القصيدة التي منها البيت. وفي البيت جعل تعيير الأخطل له، لوما وحضا على الأخذ بالثأر. يقول للأخطل: أنت الذي حثثتني على قتل قومك.
وأنشد السيوطي الشطر الثاني شاهدا على دخول «أم» على «هل» وتكون بمعنى (بل) [الهمع ج 2/ 33، و «المؤتلف والمختلف» للآمدي ص 76].

334 - حبّ بالزّور الذي لا يرى … منه إلا صفحة أو لمام
البيت للطرمّاح. والزّور: بالفتح، الزائر، يستوي فيه المفرد وغيره. وصفحة كل شيء: جانبه. واللمام بالكسر، جمع لمه: بكسر اللام وتشديد الميم، وهو الشعر المجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهي جمّة، فإذا لم يبلغ شحمة الأذن، سمي وفرة.
والشاهد في «حبّ» أصلها حبب، نقلت حركة الباء إلى الحاء بعد سلب حركتها وأدغم. ويحوّل الفعل إلى هذه الصيغة لإرادة المدح أو الذمّ، ويعمل عمل «نعم وبئس» ويأخذ شروطهما في الفاعل وعدم التصرف. ويجوز في فاعل هذه الأفعال المحوّلة أن تزاد عليه الباء قلت: وتقول العامّة اليوم «ونعم بالله» فهل قاسوها على ما ذكر؟
وقوله: «حبّ بالزور» يجوز في الحاء، الضمّ، والفتح. [الهمع ج 2/ 89، والأشموني ج 3/ 39 والعيني 4/ 15، والدرر ج 2/ 119، واللسان (زور)].

335 - فالعين منّي كأن غرب تحطّ به … دهماء حاركها بالقتب محزوم
البيت لعلقمة بن عبدة الفحل، من المفضلية رقم (120) يصف بكاءه في أثر نأي الحبيب. والغرب: جلد ثور يتخذ دلوا. وتحط به: تعتمد في جذبها إياه على أحد
(3/129)

شقيها. والدهماء: الناقة. وجعلها دهماء لأن الدهم أقوى الإبل. والحارك: ملتقى الكتفين. والقتب: الرحل الصغير على سنام البعير، يضعونه لربط حبل الدلو به. يقول:
كأن عينيّ من كثرة دموعهما، غرب هذه حاله.
وأنشد السيوطي شطر البيت شاهدا على أن الإضافة قد تكون بتقدير «من» بدليل ظهورها بين المضاف والمضاف إليه، وكأن الأصل «فعيني كأن غرب» وقال ابن مالك:
إن الفصل بمن لا يدل على أن الإضافة بمعناها. [الهمع ج 2/ 46، والمفضليات ص 938، لشاكر وهارون].

336 - أو مذهب جدد على ألواحه … ألناطق المبروز والمختوم
المذهب: الشيء المطليّ بالذهب. والناطق: البيّن.
وقوله: المبروز: قال ابن منظور. وأبرز الكتاب، أخرجه، فهو مبروز، وأبرزه:
نشره، فهو مبرز، ومبروز، شاذّ على غير قياس، جاء على حذف الزائد. (قال لبيد ..
البيت) قال ابن جني: أراد، المبروز به ثم حذف حرف الجرّ، فارتفع الضمير واستتر من اسم المفعول.
قال: وأنشد بعضهم «المبرز» على احتمال الخزل في متفاعلن. قال أبو حاتم: إنما هو (الناطق المبرز والمختوم) مزاحف، فغيره الرواة فرارا من الزحاف. وقال بعضهم لعله «المزبور» وهو المكتوب.
وقوله (الناطق) بقطع همزة الوصل. وهذا جائز في ابتداء أنصاف الأبيات عند الوقف على آخر الشطر الأول. [اللسان - برز، ونطق وكتاب سيبويه ج 2/ 274 والخصائص ج 1/ 193] والبيت من شعر لبيد بن ربيعة.

337 - وقد علوت قتود الرّحل يسفعني … يوم تجيء به الجوزاء مسموم
البيت لعلقمة بن عبدة الفحل من المفضلية رقم (120) من شرح شاكر وهارون.
ويذكر هنا سيره في الهواجر. وقتود الرحل: عيدانه. ويسفعني: يصيبني حرّه. والجوزاء:
من بروج السماء ومسموم: فيه السّموم.

338 - هل ما علمت وما استودعت مكتوم … أم حبلها إذنأتك اليوم مصروم
(3/130)

339 - أم هل كبير بكى لم يقض عبرته … إثر الأحبّة يوم البين مشكوم
البيتان لعلقمة الفحل، وهما مطلع قصيدته الميميّة في المفضليات.
وقوله: هل ما .. الخ: هل دخلت على الجملة الاسمية فإن «ما» موصولة، مبتدأ.
و «ما» الثانية، معطوفة. ومكتوم: خبر المبتدأ، و «أم» حرف استئناف، بمعنى «بل» لأنها منقطعة وفيها معنى الهمزة، وجملة «حبلها مصروم» من المبتدأ والخبر استئنافية. وإذ:
تعليلية، متعلقة بمصروم، بمعنى مقطوع. والحبل: استعارة للوصل والمحبة. ونأتك:
أصله، نأت عنك، فحذف (عن) ووصل الضمير. ونأت: بعدت. والمعنى هل تكتم الحبيبة، وتحتفظ ما علمت من ودّ هالك، وما استودعته من قولها لك: أنا على العهد، لا أحول عنك. بل انصرم حبلها منك لبعدها عنك، فإن من غاب عن العين غاب عن القلب وهذه شيمة الغواني، كما قال كثير عزّة:
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها … فليس لمخضوب البنان يمين
وقوله: أم هل كبير: أم هنا منقطعة بمعنى «بل» ومجردة عن الاستفهام لدخولها على «هل» وكبير: مبتدأ، ومشكوم - بمعنى مجازى، خبره. وجملة بكى، صفة (كبير).
وعليه فإنّ دخول هل على «كبير» ليس ضرورة، كما زعم بعضهم. فالضرورة القبيحة، عند ما تدخل هل على اسم يليه فعل يكون محدّثا به، كقولك، هل زيد قام؟ والقاعدة العامة: إذا وقع بعد أدوات الاستفهام ما عدا الهمزة - اسم وفعل، فإنك تقدم الفعل على الاسم في سعة الكلام، ولا يجوز تقديم الاسم على الفعل إلا في ضرورة الشعر.
وما في البيت ليس منه، لأن (هل) هنا، داخلة على جملة اسمية نحو «هل زيد قائم».
وقوله «لم يقض عبرته» صفة ثانية ل (كبير) يريد: لم يشتف من البكاء، لأنّ في ذلك راحة. قال: «وإنّ شفائي عبرة» وقيل: معناه: لم ينفد ماء شؤونه ولم يخرج دمعه كلّه، لأنه إذا لم يخرجه كان أشدّ لأسفه واحتراق قلبه.
والشاهد في البيت الأول: أنه يجوز أن تأتي (هل) بعد «أم» وليس فيه جمع بين استفهامين، لأنّ أم مجردة عن الاستفهام، إذا وقع بعدها أداة استفهام. و «أم» المنقطعة، حرف استئناف بمعنى «بل» فقط، وليست عاطفة، كما يرى كثير من النحويين. ولكن ابن مالك يرى أنها قد تعطف المفرد كقول العرب «إنها لإبل أم شاء» فقال: هنا، لمجرد
(3/131)

الإضراب عاطفة ما بعدها على ما قبلها، كما يكون ما بعد «بل». وفي المسألة خلاف.
فانظر. [كتاب سيبويه ج 1/ 487، وشرح المفصل ج 4/ 18، وج 8/ 153، والهمع ج 2/ 77، 133].
قصّة ونقدها: نقل البغدادي في خزانته عن صاحب الأغاني قال: «مرّ رجل من مزينة على باب رجل من الأنصار، وكان يتّهم بامرأته، فلما حاذى بابه تنفّس ثم تمثل:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم … أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
فعلق الأنصاريّ به، فرفعه إلى عمر بن الخطاب، فاستعداه عليه، فقال له المتمثل:
وما عليّ إذا أنشدت بيت شعر؟ فقال له عمر: مالك لم تنشده قبل أن تبلغ إلى بابه؟
ولكنك عرضت به، مع ما تعلمه من القالة فيك. ثم أمر به فضرب عشرين سوطا» قلت:
القصة فيها رائحة الوضع، للأسباب التالية.
1 - لأن أبا الفرج صاحب الأغاني كاذب ولا تحمل أخباره محمل الجدّ.
2 - والقصة مروية عن العباس بن هشام عن أبيه: وأظنه يريد العباس بن هشام ابن عروة بن الزبير. وسند هشام إلى عهد عمر بن الخطاب منقطع، لأن جدهم عروة لم يرو عن أبيه الزبير المتوفى سنة 36 ه، فكيف يروي هشام عن عمر بن الخطاب المتوفى سنة 23 ه.
3 - في القصة أن الرجل المنشد متهم بامرأة الأنصاري: وهذا سبب علوقه به. ولكن الإمساك بالرجل لهذا السبب يجعل الزوج يتهم زوجته ويرميها بالزنى، بغير دليل: وهنا يستحق الزوج الجلد وليس المنشد. وإذا كان الزوج مثبتا التهمة على زوجه، فكيف يبقيها عنده؟
4 - وقول عمر «مع ما تعلم من القالة فيك» كأنّه يعيد ما يقوله الناس، وهذا لا يكون من عمر بن الخطاب لأنّ إعادة ما يقوله الناس من نوع إشاعة الفاحشة في المسلمين.
وهذا منهيّ عنه، فكيف يفعله عمر.
5 - المشهور في القصص التي تروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حكمه على أهل الريب، أنه كان يغرّبهم. فلماذا اكتفى بجلد الرجل عشرين. مع وصول أقوال الناس إلى عمر.
(3/132)

6 - إنّ تورية الرجل بهذا البيت عن علاقته بامرأة الأنصاري المزعومة، بعيدة، ولا تناسب الحال.
7 - قوله: فلما حاذى بابه تنفس ثم تمثّل لعل هذا هو الهدف من وضع القصة، وهو بيان كيفية إنشاد الشعر، فإن
المتيمّ الذي ينشد مثل هذا البيت، لا بدّ أن يملأ صدره بالهواء ثم يدخل على البيت، وهذا الاستنشاق، يناسب لفظ هل، فكأنه يقول. ها هل.
ليكون معبرا عن المعنى وحال المنشد. والله أعلم.

340 - حتّى تهجّر في الرواح وهاجها … طلب المعقّب حقّه المظلوم
البيت للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة يصف فيها حمارا وأتانا، كانا في خصب زمانا حتى إذا هاج النبات ونضبت المياه، وخاف أن ترشقه سهام من القناص، أسرع مع أتانه إلى كل نجد يرجوان فيه أطيب الكلأ وأهنأ الورد. وحتى: للغاية، والضمير في تهجّر إلى الحمار الوحشي في بيت سابق، وتهجر: سار في الهاجرة، وضميره للحمار وهاجها:
أي: أثارها في طلب الماء، والضمير لأتان مرافقة لذلك الحمار. وطلب: مفعول مطلق، وهو مصدر تشبيهي، أي: أثارها، وساقها أمامه متعقبا لها، ملصقا رأسه بمؤخرتها، كما يتبع المعقب المظلوم حقّه. وطلب: مصدر مضاف إلى فاعله وجاء بعده المفعول به فنصبه وهو (حقه) والمظلوم صفة المعقّب على المحل. هكذا قالوا. وربما كان في الجعبة أقوال أخرى. [الأشموني ج 2/ 290 واللسان - عقب والدرر ج 2/ 202 والعيني ج 3/ 513 والإنصاف 187 والهمع ج 2/ 145].

341 - فتعرّفوني إنّني أنا ذاكم … شاك سلاحي في الحوادث معلم
البيت لطريف بن تميم العنبري (جاهلي) والفارس المعلم: الذي أعلم نفسه في الحرب بعلامة إدلالا بجرأته. والشاهد فيه قلب «شاك» من «شائك» وهو الحديد ذو الشوكة والقوة. فشاك، من «شكا» وشائك، من «شوك» وهو المراد في وصف السلاح.
[الأصمعيات/ 128، وسيبويه/ 3/ 466، هارون].

342 - وقد أقود أمام الحيّ سلهبة … يهدي بها نسب في الحيّ معلوم
البيت لعلقمة بن عبده الفحل من المفضلية رقم (120). والسلهبة: الطويلة من الخيل. يهدي بها: يقدمها، أي: يقودها نسب لا ينقطع لأنها ذات عرق كريم.
(3/133)

343 - لحقت حلاق بهم على أكسائهم … ضرب الرّقاب ولا يهمّ المغنم
الشاهد للأخزم بن قارب الطائي، أو المقعد بن عمرو. وحلاق اسم للمنية معدول عن «الحالقة» وسميت بذلك لأنها تحلق وتستأصل.
وقوله: على أكسائهم، أي: على أدبارهم، واحدها كسء ونصب «ضرب الرقاب» لأنه وضعه موضع الفعل.
والشاهد: حلاق: مبني على الكسر، لأنه حصل فيها العدل والتأنيث، والصفة الغالبة.
[اللسان - حلق - وشرح المفصل ج 4/ 59].

344 - حتّى تذكّر بيضات وهيّجه … يوم الرذاد عليه الريح مغيوم
البيت لعلقمة بن عبدة الفحل من المفضلية رقم (120).
قوله: حتّى: تدل على الغاية، وفاعل تذكّر الظليم في بيت سابق، يشبه به ناقته. يقول إن هذا الظليم (ذكر النعام) بقي يرعى، حتى تذكّر بيضه، وهيّجه الرذاذ، وهو المطر الخفيف.
وقوله: الريح ... يروى (الدّجن) وهو إلباس الغيم السماء. والشاهد في (مغيوم) أي: فيه غيم، وأخرجه على أصله بدون إعلال، وأكثر ما يجيء معلّا فيقال «مغيم» وقالوا أيضا: مبيوع، من باع يبيع، ومطيوب، من طاب يطيب. [الأشموني ج 4/ 325 وشرح المفصّل ج 10/ 78، والخصائص ج 1/ 261].

345 - لا سافر النّيّ مدخول ولا هبج … عاري العظام عليه الودع منظوم
البيت لابن مقبل. وسافر: منكشف ظاهر من السفور. والنّي: بالفتح والكسر:
الشحم. والمدخول: المهزول. والهبج: المتورم، عنى الكثير الشحم. والودع: الخرز.
نعت امرأة فشبهها بظبي هذه صفته.
والشاهد فيه: رفع «منظوم» على الخبرية للودع. على تقدير: الودع منظوم عليه. ولو نصب «منظوم» على الحالية لجاز، واعتبار «عليه» خبر مقدم، والودع مبتدأ. [ديوان ابن مقبل، واللسان «هبج، وسفر» وسيبويه/ 2/ 90، هارون] ويروى البيت في القاموس والتاج:
(3/134)

لا سافر اللحم مدخول ولا هبج … كاسي العظام لطيف الكشح مهضوم
قال: وفرس سافر اللحم، أي: قليله. وكأنه يرى أن البيت وصف لفرس.

346 - عهدي بها الحيّ الجميع وفيهم … قبل التّفرّق ميسر وندام
البيت للشاعر لبيد بن ربيعة.
قوله: بها. الضمير يعود إلى أماكن ذكرها في أبيات سابقة. وعهدي: مبتدأ. والحيّ:
مفعول بعهدي، والجميع نعته. وفيهم قبل التفرّق ميسر: جملة ابتدائية في موضع نصب على الحال، سدّت مسدّ خبر المبتدأ، الذي هو «عهدي» على حد قولهم: وعهدي بزيد «قائما» وندام: يجوز أن يكون جمع نديم، كظريف، وظراف، ويجوز أن يكون جمع ندمان، كغرثان، وغراث. [اللسان حضر، وكتاب سيبويه 1/ 98].

347 - لا حبّذا أنت يا صنعاء من بلد … ولا شعوب هوى منّي ولا نقم
البيت لزياد بن منقذ العدوي، في [الخزانة ج 5/ 249، والمرزوقي 1402، والهمع ج 2/ 89].
والشاهد (لا حبذا) صارت فعل ذمّ، لسبقها ب (لا) وقد مضى شرحه في شاهد سابق
(نحو الأمليح .. المرار والحكم)

348 - فليتك يوم الملتقى ترينّني … لكي تعلمي أنّي امرؤ بك هائم
البيت غير منسوب إلى قائله.
والشاهد في «ترينني» حيث أكده بالنون الثقيلة لوقوع الفعل بعد التمني، وهو خبر ليت. [الأشموني ج 3/ 213، والهمع ج 2/ 78، والدر ج 2/ 96 والعيني ج 4/ 323].

349 - وكم قد فاتني بطل كريم … وياسر فتية سمح هضوم
الهضوم، المتهضم للناس، يعطيهم ماله. قال النحاس: هذا البيت حجة في أنه قد فصل بين «بطل» وبين «كم» ولم ينصب. وإذا فصل في باب كم، فالوجه النصب. يريد:
كم الخبرية. وإنما أراد: كم بطل قد فاتني. ويجوز أن تقول: كم فيها رجل». [كتاب
(3/135)

سيبويه 1/ 295، والنحاس ص 208] ونسب البيت للأشهب بن رميلة.

350 - أصرمت حبل الحيّ أم صرموا … يا صاح بل صرم الحبال هم
البيت لم ينسب لقائله. وأنشده السيوطي في الهمع ج 1/ 60. قال: قال سيبويه: لا تقع «أنا» في موضع التاء التي في «فعلت» لا يجوز أن يقال: فعل أنا. لأنهم استغنوا بالتاء عن «أنا» وأجاز غير سيبويه «فعل أنا» واختلف مجيزوه، فمنهم من قصره على الشعر وعليه الجرمي، ومنهم من أجازه في الشعر وغيره، وعليه المبرد، وادعى أن إجازته على معنى ليس في المتصل، لأنه يدخله معنى النفي والإيجاب، ومعناه: ما قام إلا أنا. وأنشد الأخفش الصغير، تقوية لذلك (البيت).

351 - هنّا وهنّا ومن وهنّا لهنّ بها … ذات الشمائل والأيمان هينوم
البيت لذي الرّمة. وهو من قصيدة يصف الفلاة. والهينوم: الصوت الخفيّ.
والشاهد: هنّا يروى بفتحة على هاء الثلاث. وروي بفتح الأول، وكسر الثاني. وضم الثالث، مع التشديد. والضمير في لهنّ للجنّ. وفي «بها» للأرجاء في البيت قبله (للجنّ بالليل في أرجائها زجل)، وذات: نصب على الظرفية، والعامل فيه، استقرّ المقدر في «بها». وهينوم: مبتدأ، خبره، لهنّ. و «هنّا» إشارة إلى المكان، ولكنها تختلف في القرب والبعد، فبالضم يشار إلى القريب، وبالآخرين إلى البعيد. [الأشموني والعيني ج 1/ 145، واللسان (هنا) والخصائص ج 3/ 38].

352 - هريرة ودّعها وإن لام لائم … غداة غد أم أنت للبين واجم
مطلع قصيدة للأعشى ميمون، عاتب بها يزيد بن مسهر الشيباني، وتهدده لسبب وقع بينهما. وهريرة: منصوب بفعل محذوف يفسره ودّعها، ويجوز رفعه، والأول أحسن.
وهريرة: بالتصغير قينة، وقيل: أمه سوداء كان الأعشى ينسب بها، وقيل: إنّ الأعشى سئل عنها، فقال: لا أعرفها وإنما هي اسم ألقي في روعي. وغداة: ظرف متعلق ب «ودّع» ويجوز أن يتعلق ب «لام». و «أم» منقطعة بمعنى «بل» والبين: الفراق. والواجم: الشديد الحزن حتى لا يطيق على الكلام. [شرح أبيات مغني اللبيب للبغدادي ج 7/ 94، وسيبويه ج 2/ 298].

353 - وكيد ضباع القفّ يأكلن جثّتي … وكيد خراش بعد ذلك ييتم
(3/136)

البيت لأبي خراش الهذلي، والقفّ: أصله ما ارتفع من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلا. وقد يعني صفة زائدة على ذلك من معالم الأرض. وخراش: ابن الشاعر.
والشاهد «كيد» روي شاهدا على أن بعض العرب قد يقول «كيد» من «كاد» و «زيل» من «زال» وهذا يعتمد على السماع. فلو قالوا «كاد» في البيت، يستقيم الوزن. [شرح المفصل ج 10/ 72 واللسان (كيد، وزيل)].

354 - فعلا فروع الأيهقان وأطفلت … بالجهلتين ظباؤها ونعامها
هذا هو البيت السادس من معلقة لبيد بن ربيعة. وقبل البيت يذكر الأطلال، وأن الأمطار جاءتها، فارتوت أرضها، وأنبتت، فعلا .. الخ. وعلا: ارتفع. والأيهقان قال الزوزني: هو الجرجير البرّي. وعلا: تروى: غلا، بالغين، من غلا، السعر، أي ارتفع، وغلا الصبيّ، شبّ. ويروى (فاعتمّ نور الأيهقان) والمعنى واحد. فاعتمّ بمعنى ارتفع.
ومن روى (علا) بالعين، رفع (فروع) على الفاعلية، ومنهم من نصب، على أن الفاعل ضمير مستتر يعود على السيل أو الماء. وفروع: مفعول به. وزعم المرزوقي، أن النصب ضعيف، لأنه لا يناسب المعنى، لأنه إذا علا السيل الفروع، فقد أفسد الحياة .. الخ قلت: هذا وهم لأن إطفال الظباء جاء بعد السيل، وإذا جاء السيل، واستنقع ماؤها أدى ذلك إلى ريّ النبات وارتفاعه، أكثر من ارتفاعه إذا جاء مطر فقط. وإذا ارتفع النبات وجدت الحيوانات مرعى، ومأوى.
وقوله: أطفلت، أي: ولدت أولادا. والجلهتان: جانبا الوادي .. وهذا يؤكد معنى النصب، لأن النبات علت فروعه على الشاطئين، وليس في أرض الوادي.
والشاهد: ونعامها: قالوا: ظاهره أنه معطوف على (ظباؤها) والظباء تلد، ولكن النعام يفرخ، أو يبيض .. والتوجيه أن (ونعامها) مرفوع بعامل محذوف، مناسب. والتقدير (وأفرخت نعامها) وتكون الواو عطفت جملة على جملة أو يكون الشاعر توسع في معنى (أطفلت) فصيّره كقولك «أنتجت» وما يؤدي مؤداه وحينئذ يصح تسلطه على الظباء والنعام. والمعنى الأخير هو الأقوى. [الإنصاف ص 611، والخصائص].

355 - أغلي السّباء بكلّ أدكن عاتق … أو جونة قدحت وفضّ ختامها
البيت للشاعر لبيد من معلقته، وهو البيت (59) وهو من جملة أبيات يفخر فيها أنه
(3/137)

يسامر الندماء، ويشتري الخمر إذا غلت وقلّ وجودها، يصف نفسه بأنه جواد.
وقوله: أغلي: من أغليت الشيء: اشتريته غاليا، وصيرته غاليا ووجدته غاليا.
والسّباء: شراء الخمر خاصة، يقال: سبأت الخمر أسبؤها سباء. اشتريتها. ولا يقال لغير الخمر. والأدكن: يريد زقّ الخمر الذي يضرب لونه إلى السواد. وعاتق: صفة «أدكن» وهو القديم.
وقوله: بكل، الباء ظرفية، متعلقة بحال محذوفة، إذ المراد أغلى سباء الخمر كائنة في أدكن. والجونة: الخابية، مطلية بالقار وقدحت: فيها ثلاثة معان: الأول: استخرج ما فيها من الخمر. والثاني مزجت. والثالث: ثقبت واستخرج ما فيها. وفضّ ختامها:
كسر. والختام: الطين يوضع على فمها.
وأنشدوا البيت شاهدا على أن «الواو» لا تدل على ترتيب، بل قد تدخل على متقدّم على ما قبله كما في البيت، فإن فضّ الختام قبل القدح - إذا قلنا إن القدح: استخراج الخمر، أو غرفه. قال أبو أحمد: وهذا كلام لا يصح مطلقا دون
قيد، لأن المعنى يأباه:
فإذا كانت الأشياء المتعاطفة مرتبة على بعضها، يكون الثاني مرحلة تالية بعد الأول، فإنه يحسن الترتيب لأنك إذا قلت: أكلت وطبخت، يكون فيه خلط، وكذلك إذا قلت: أكلت الثمرة وجنيتها. وفيه هذا البيت، فإن «قدحت» يكون معناها ثقبت، والقدح غير الفض، فإن القدح بمعنى الثقب، يكون بفتح فجوة صغيرة في الطين بمثقاب، أو بمقدح، ليسهل بعد ذلك فضّ الختام كلّه. وقد يكون قدحت: بمعنى أنه ضرب الطينة بمقدح لتكسر، وليسهل إزالة الختام، فهما إذن مرحلتان متتاليتان. وفي أسماء الآلة (مقدح، أو مقداح) وهو الحجر الذي يقدح به.
أما إذا لم يكن بين المتعاطفين ترتيب مرحلي، فلا بأس بالجمع دون ترتيب. فإذا أخبرنا عن مجيء الوفد، أو الضيوف نقول: جاءنا الليلة محمد، وأحمد، وخالد .. وقد يكون خالد هو المقدم. [الخزانة ج 11/ 3، وشرح المفصل ج 8/ 92، والعيني ج 4/ 125].

356 - غلب تشذّر بالذّحول كأنّها … جنّ البديّ رواسيا أقدامها
البيت للشاعر لبيد من معلقته، رقم (71) وهو في سياق أبيات يفخر فيها بنفسه.
(3/138)

ويشير إلى مناظرة جرت بينه وبين الربيع بن زياد في مجلس النعمان، ويذكر أنه كان في المجلس أصناف شتى من الناس ويصفهم، وغلب: تروى بالجرّ، والرفع. الواحد أغلب، وهو الغليظ العنق، كالأسد. وهو خبر لمبتدأ محذوف أي: هم غلب، يعود الضمير على القوم في المجلس. وتشذّر: أي: تتشذر: يريد، يهدد بعضهم بعضا. والذحول: جمع ذحل، وهو الحقد والضغن. ويروى (تشاذر) أي نظر بعضهم إلى بعض بمؤخر عينه.
والبديّ: اسم مكان، تضاف إليه الجنّ، ورواسيا: حال، وصرفه للضرورة، ومعناها الثوابت. وأقدامها: فاعل بالرواسي. يصف خصومه بالقوة، وكلما كان الخصم أقوى وأشدّ، كان قاهره أقوى وأشدّ. ويعقّب على وصف خصومه بقوله في البيت التالي:
أنكرت باطلها وبؤت بحقّها … عندي ولم يفخر عليّ كرامها
وأنشدوا البيت شاهدا على أن الباء في قوله (بالذحول) للسببية.

357 - فمضى وقدّمها وكانت عادة … منه - إذا هي عرّدت - إقدامها
البيت للشاعر لبيد من معلقته، برقم (33) وهو في سياق أبيات وصف فيها ناقته ثم شبهها بالحمار الوحشي. وهذا الحمار يسرع الجري في الصحراء بحثا عن الماء، ومعه أتانه. يقول: فمضى: فاعله ضمير يعود على الحمار،
وقدّمها: أي جعل أتانه أمامه.
وعرّدت: تركت الطريق وعدلت عنه.
واسم كان «إقدامها» في آخر البيت، مصدر أقدم إقداما. وعادة: خبرها مقدم وهي محل الخلاف قال الكوفيون: إنه لما أولى كان خبرها، وفرق بينها وبين اسمها، توهم التأنيث فأنث. وكان الكسائي يقول: إذا كان خبر كان مؤنثا واسمها مذكرا، وأوليتها الخبر، فمن العرب من يؤنث، كأنه يتوهم أن الاسم مؤنث، إذا كان الخبر مؤنثا.
وقال غير الكسائي: إنما بنى كلامه على، وكانت عادة تقدمتها، لأن التقدمة، مصدر قدّمها، إلا أنه انتهى إلى آخر القافية، فلم يجد التقدم تصلح لها، فقال «إقدامها».
قال أبو أحمد: وعندي قول ثالث: وهو أن يكون اسم كان مستتر تقديره، وكانت هذه الفعلة، عادة منه، وإقدامها: جواب إذا، حذفت فاؤه الرابطه، والتقدير: إذا هي عردت فإقدامها حاصل. أما قولهم: إن الشاعر توهم التأنيث، فأنّث، فهو مرفوض، لأن الكلام لا يبنى على الوهم، والشعراء أهل ذوق، وهم يعرفون آخر كلامهم من أوله. وخير من
(3/139)

هذه التأويلات أن نقول بجواز هذا الأسلوب لأنه يؤدي المعنى وليس فيه إلباس. ولا بأس بالقول: كانت عادة كرمه، وكان عادة كرمه. [الإنصاف ص 772، بتحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، رحمه الله تعالى].

358 - وقائلة نعم الفتى أنت من فتى … إذا المرضع العوجاء جال بريمها
البيت للشاعر الكروّس بن الحصن أو ابن زيد. والمرضع: المرأة التي ترضع.
والبريم: حبل تشدّ به المرأة وسطها. ويكون فيه لونان ومزين بجوهر. وجولانه على وسطها كناية عن هزالها. والعوجاء، بالواو، رواية العيني، وفي اللسان (عرجاء) بالراء.
وقائلة: أي: ربّ امرأة قائلة والشاهد (من فتى) حيث جمع بعد فعل المدح (نعم) بين الفاعل الظاهر والتمييز. نعم: فعل ماض الفتى: فاعله، أنت: مخصوص بالمدح ومن فتى: تمييز. [الأشموني ج 3/ 35، واللسان (برم)]. والشاعر الكروس إسلامي عاش أيام ولاية مروان بن الحكم على المدينة [المؤتلف والمختلف].

359 - ترّاك أمكنة إذا لم أرضها … أو يعتلق بعض النفوس حمامها
قاله لبيد بن ربيعة، في معلقته برقم (56) وهو في سياق أبيات يفخر فيها بنفسه.
وترّاك: مبالغة (تارك) خبر بعد خبر لأنّ في البيت السابق.
أولم تكن تدري نوار بأننّي … وصّال عقد حبائل جذّامها
وقوله: يعتلق: أي: يحبس. وبعض النفوس: يريد نفسه. والحمام: الموت.
والإشكال في قوله «أو يعتلق» بالجزم.
فقال قوم: إنه مجزوم على الأصل، لأن أصل الأفعال ألّا تعرب، وإنما أعربت للمضارعة. ولكن هل ذهبت المضارعة هنا؟
وقال قوم: إنه منصوب، لأن (أو) بمعنى إلّا أن، وأسكنه ردا إلى أصله. وهذا كسابقه، إلا أنه يجعل «أو» ناصبة.
والقول الثالث: أنه مجزوم عطفا على (لم أرضها) وهو الصحيح، فالمعنى: إني أترك الأمكنة إذا رأيت فيها ما يكره، أو إذا لم أرضها، أو لم يعتلق بعض ... (فأو) حرف عطف. [الخصائص ج 1/ 74، والمعلقات السبع، أو العشر، وشرح شواهد الشافية 415].
(3/140)

360 - ألا طرقتنا ميّة ابنة منذر … فما أرّق النّيّام إلا سلامها
يروى البيت لأبي الغمر الكلابي ... كما في اللسان (نوم) والعيني على حاشية الأشموني ج 4/ 328 فإن صحّ أنه لأبي الغمر، فإنه شديد الشبه ببيت لذي الرّمة، من الوزن والقافية والمعنى: يقول:
ألا خيّلت ميّ وقد نام صحبتي … فما نفّر التهويم إلا سلامها
ففي البيت الأول: طرقتنا. وطرق: أتى ليلا، وفي البيت الثاني: خيّلت: ومعناه أرتنا خيالها في المنام. والنوم يكون ليلا، في الغالب. وفي البيتين: اسم المحبوبة «ميّ» أو «ميّة» وهما اسمان لمسمى واحد، أو هما لغتان. ووازن الشطرين الأخيرين تجدهما متقاربين. وينشدون البيت المنسوب لأبي الغمر، شاهدا على أن «النيّام» جمع نائم، شاذ، والقياس (النّوّام» لأن عينه واو، من «النوم». [الأشموني ج 4/ 328 والخزانة ج 3/ 419، واللسان (نوم)].

361 - ألا طرقتنا ... … ... إلا كلامها
رواية أخرى في البيت السابق، بلفظ (كلامها).

362 - شهدنا فما نلقى لنا من كتيبة … يد الدهر إلا جبرئيل أمامها
هذا بيت مفرد منسوب إلى كعب بن مالك، وإلى حسان بن ثابت، ولم أر من نسبه إلى قصيدة لواحد من الشاعرين. مع وجود أبيات لكعب في السيرة من البحر الطويل، وقافيتها مرفوعة.
.. وقوله: شهدنا: أي: شهدنا غزوات النبي صلّى الله عليه وسلّم. و «يد الدهر» بمعنى مدى الدهر.
ظرف متعلق بقوله: نلقى،. (وجبرئيل) بفتح الجيم والهمز، قالوا: وهذه أجود اللغات فيه. ولكن قرئ قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا
لِجِبْرِيلَ
[البقرة: 97] بدون همز، فكيف يكون الهمز أجود اللغات فيه. وقالوا: معنى «جبريل» عبد الله. «جبر» العبد. و «إيل» الله تعالى. والبيت أنشده الرضي على أن الظرف الواقع خبرا، إذا كان معرفة يجوز رفعه بمرجوحية، والراجح نصبه. وجبرئيل: مبتدأ. وأمامها: بالرفع، خبره والجملة صفة للكتيبة. وعلى هذا يجوز أيضا نصب (أمامها) .. على أنه ظرف متعلق بمحذوف خبر ..
[الخزانة ج 1/ 414 واللسان (جبر)].
(3/141)

363 - وإنّي على ليلى لزار وإنّني … على ذاك فيما بيننا مستديمها
البيت لقيس بن الملوح. وزار: من زريت عليه زراية، إذا عتبت عليه، والمعنى: وإني لعاتب على ليلى، وإني مستديمها على ذلك العتب.
والشاهد: وصل إنّ بنون الوقاية مرة، وتجريدها مرة أخرى، والوجهان متساويان.
[شرح التصريح/ 1/ 112، والعيني/ 1/ 374، واللسان «دوم».].

364 - وإنّي لقوّام مقاوم لم يكن … جرير ولا مولى جرير يقومها
ينسب البيت للأخطل والفرزدق.
والشاهد قوله «مقاوم» جمع مقامة، وأصلها مجلس القوم، ومقامات الناس مجالسهم، ومن المجاز إطلاق المقامة على القوم يجتمعون في المجلس. والمشهور جمع المقامة على المقامات. [شرح المفصل ج 10/ 90، والخصائص ج 3/ 145].

365 - لقد زعموا أنّي جزعت عليهما … وهل جزع أن قلت: وا بأبا هما
الشاهد للشاعرة عمرة الخثعمّية، ترثي ابنيها. وقولها: زعموا: الزعم يستعمل كثيرا فيما لا حقيقة له، ولذلك قالت فيما حكت عن القوم: زعموا. تريد أن تظهر الإنكار والتكذيب فيما توهموه. فقالت: وهل جزع أن قلت: وا، بأبا، هما، تريد أن ما قالته يقوله كلّ من فقد عزيزا عليه. ولفظة «وا» حرف للندبة للتألم والتشكي. وقولها: بأبا هما» أرادت: بأبي هما، ففرّت من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فانقلبت ألفا، وأظنهم عدلوا إلى الألف لأنها تساعد على تضمين صوت البكاء قدرا من التألم والحزن، أكثر من الياء. وقولها: هل جزع ارتفع جزع على أنه خبر مقدم، و «أن قلت» في موضع المبتدأ تقديره «وهل جزع قولي كذا» وارتفع «هما» من «وا بأبا هما» في موضع المبتدأ. و «بأبا» خبره. ورواه بعضهم «بأناهما» أي: أفديهما بنفسي، وأنا، ضمير مرفوع، وقع موقع المجرور، وكقولهم
«هو كأنا، وأنا كهو». [الحماسة ص 1082، واللسان (أبى)، وشرح المفصل ج 2/ 12].

366 - ولدنا بني العنقاء وابني محرّق … فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
البيت لحسان بن ثابت، من قصيدة جاهلية. ولدنا: فعل وفاعل. بني: مفعول به.
(3/142)

وبني العنقاء وابني محرّق. من ملوك غساسنة الشام.
وقوله: أكرم بنا: تعجب، أي: ما أكرمنا خالا وما أكرمنا ابنا و «ما» زائدة. وقد زعموا أن النابغة عاب حسان بن ثابت، لأنه فخر بمن يلد ولم يفخر بمن ولده. والقصة هذه موضوعة لا تصحّ، وإنما وضعها المعلمون أو خصوم حسان. لأن الفخر بالأبناء، يدلّ على كمال الآباء، يريد أن يقول إنهم ذوو عرق لا ينجب إلا النجباء، والعرب تقول: تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس. وقد أثبت بطلان قصة نقد النابغة لحسان عند الكلام على البيت:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى … وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
وأثبت أهل الفطنة الأدبية أن جمع المؤنث يصلح للكثير والقليل وأن (أفعال) جمع القلّة، إذا أضيف إلى الضمير دلّ على الكثرة، وأن اللمعان في الضحى أقوى من يبرقن بالدجى، ويقطرن تساوي يجرين، بل لو قال يجرين لكان مستهجنا. [كتاب سيبويه ج 2/ 181، والخصائص ج 2/ 206 وشرح المفصل ج 5/ 10 والأشموني ج 4/ 121].

367 - وهل لي أمّ غيرها إن ذكرتها … أبى الله إلا أن أكون لها ابنما
البيت للشاعر المتلمس.
وقوله: لي أمّ: مبتدأ وخبر. وغيرها: بالرفع، صفه لأمّ. وجواب إن محذوف دلّ عليه الكلام السابق. و «أن» في الشطر الثاني مصدرية، والتقدير: إلا كوني ابنا لها، أي:
لأمي. و «ابنما» منصوب لأنه خبر كان وفيه الشاهد: فإن أصله «ابن» زيدت فيه الميم، للمبالغة، لأن زيادة الحروف يدل على زيادة المعنى. قلت: ولم أفهم معنى المبالغة في قوله «ابنما» والبيت من قصيدة، جاء في أولها:
يعيرني أمّي رجال ولا أرى … أخا كرم إلا بأن يتكرّما
ومن كان ذا عرض كريم فلم يصن … له حسبا كان اللئيم المذمّما
[الخزانة ج 10/ 58 - 59، والأشموني ج 4/ 276، والخصائص ج 2/ 182].

368 - لقيم بن لقمان من أخته … فكان ابن أخت له وابنما
(3/143)

من قصيدة للنمر بن تولب الصحابي. أولها:
سلا عن تذكّره تكتما … وكان رهينا بها مغرما
... سلا: فعل ماض. وتذكره: مصدر مضاف، وتكتما: اسم امرأة، منصوب بالمصدر. والقصيدة عدة أبياتها 23 بيتا. من 1 - 20: في الحكمة والموعظة. وفي الأبيات الثلاثة الأخيرة ترك ما كان فيه وسلك طريقا أخرى بلا مناسبة. ويذكر في الأبيات الثلاثة قصة غريبة، لا عبرة فيها ولا حكمة، ومنها البيت الشاهد: الذي يقول فيه: إنّ لقيم بن لقمان من أخته التي نام معها وهو لا يعلم، فأنجبت لقيما، فكان ابنا وابن أخت. وهي تشبه إلى حدّ بعيد القصة الاسرائيلية التي تزعم أن بنات لوط سقينه الخمر لينجبن منه. وقد نقل البغدادي في خزانته نقلا عن ابن حبيب، والجاحظ في البيان والتبيين والعيني، وجميعهم نقل ولم يضعّف أن أخت لقمان كانت عند رجل، وكانت تنجب ضعافا فاتفقت مع زوج لقمان، أن تسكر لقمان، وتنام مع أخيها. وقيل إن لقمان لم يكن ينجب، فاتفقت مع أخته أن تنام مع أخيها لتحمل منه، وهذا يعني أن امرأة لقمان التي لم تكن تنجب. وقالوا: إن لقمان هذا الذي تذكره العرب، هو لقمان بن عاد الأكبر، وليس المذكور في القرآن.
قلت: وهذه القصة الخرافية، ما كان لهؤلاء الأدباء أن يذكروها، وإذا ذكروها، كان عليهم أن يكذبوها لأنها لا يليق ذكرها في تاريخ العرب، ولا يليق وضعها على لسان الشاعر النمر بن تولب - بكسر اللام - الصحابي. وكان الأجدر بالبغدادي وهو الناقد الأدبي المجرب - أن ينفيها عن صاحبها وقد رأى أن الأبيات منقطعة عما قبلها، ولكن عدّ هذا نوعا من البديع سماه (الاقتضاب) فهذه الأبيات مصنوعة ومزادة على قصيدة النمر بن تولب، لأنها لا تجري مع سياق المعنى العام ولأنهم ذكروا أن النمر بن تولب عاش مئتي سنة، وخرف، وألقى على لسانه: انحروا للضيف أعطوا السائل، أصبحوا الراكب، فكان يقولها. قالوا: وألقى بعض البطّالين على لسانه «نيكوا الراكب» فكان يقولها. وهذا يعني أنه لم يكن يفهم ما يقول. وهم لم يعرفوا متى قال الشاعر هذه القصيدة، فلعله قالها في أواخر عمره عند ما خرف، وربما قال أحد البطالين هذه الأبيات وأنشدها أمام النمر، فزادها ورددها كما كان يعيد كل كلام يقال له. والأغلب، أن واحدا من صنّاع الشعر قالها، وزادها على القصيدة، أو أنها لم تكن من القصيدة فرآها الرواة مشابهة الوزن والقافية فألحقوها بها. ومن العجيب أن النحويين تلقفوا هذه الأبيات
(3/144)

وجعلوها شواهد. فقالوا: لقيم: مبتدأ و «من أخته» خبر، وهو خبر كاذب، ولا يحتمل إلا الكذب.
وقالوا: في قوله «فكان ابن أخت له وابنهما» دليل على جواز تعاطف الخبرين، المستقلّ كلّ منهما بنفسه، وهو كذب أيضا. لأنه يريد بنوة التربية، فلعلّ لقيما هذا - إن كان موجودا في التاريخ - أخذ الحكمة عن خاله، وتربى في
حجره، فكان كأنه ابنه.
وقوله: وابنما: هو ابن، زيدت عليه الميم. انظر [الخزانة ج 11 ص 100 - 108، والشعر والشعراء - ترجمة النمر بن تولب. والعيني 1/ 574].

369 - لا تملّنّ طاعة الله لا بل … طاعة الله ما حييت استديما
البيت غير منسوب. وهو في الدرر 2/ 188، والهمع 2/ 136. وأنشده السيوطي شاهدا لجواز زيادة «لا» قبل «بل» لتوكيد تقرير ما قبلها بعد النفي والنهي ... والبيت شاهد على زيادة «لا» بعد النهي، وقبل «بل» وهو قوله: «لا تملّنّ. لا، بل» وفي البيت «استديما» إن كان فعل أمر، كان حقه أن يقول «استدم» بحذف الياء لالتقاء الساكنين.

370 - إنّ إنّ الكريم يحلم ما لم … يرين من أجاره قد ضيما
البيت غير منسوب. والمعنى: إن الكريم يحلم مدة عدم رؤيته ضيم من أجاره.
والشاهد: إنّ إنّ، حيث كررت للتأكيد بغير اللفظ الذي وصلت به وهذا شاذ وكان حقه أن يقول: إنّ الكريم إنّ الكريم، أو إنّ الكريم إنّه، فيعاد ما دخل عليه الحرف أو ضميره. [الأشموني ج 3/ 82، الهمع ج 2/ 125، والدرر 2/ 161، والعيني].

371 - رأى برقا فأوضع فوق بكر … فلا بك ما أسال ولا أغاما
البيت لعمر بن يربوع بن حنظلة، في نوادر أبي زيد، وأوضع: أسرع. والبكر:
الناقة.
وقوله «بك» الباء للقسم. والكاف، ضمير الخطاب، مقسم به، وهو الشاهد: على أنّ أصل حروف القسم الباء، بدليل اختصاصها بالدخول على الضمائر، لأن الضمائر ترد الأشياء إلى أصولها أما الواو، فلا تقول معها «وك، وه». [الأشموني ج 8/ 34، وج 9/ 101، والخصائص ج 2/ 19، ونوادر أبي زيد ص 146].
(3/145)

372 - فأمّا الألى يسكنّ غور تهامة … فكلّ فتاة تترك الحجل أقصما
البيت بلا نسبة في العيني ج 1/ 453.

373 - فدع عنك ذكر اللهو واعمد بمدحة … لخير معدّ كلّها حيث انتمى
374 - لأعظمها قدرا وأكرمها أبا … وأحسنها وجها وأعلنها سما
ويروى البيت الثاني:
لأوضحها وجها وأكرمها أبا … وأسمحها كفّا وأبعدها سما
البيتان منسوبان لرجل من كلب، في المقصور والممدود للقالي. ص 200، ونوادر أبي زيد 166، وشرح شواهد الشافية 177، وأمالي ابن الشجري 2/ 66، واللسان (سما) قال ابن منظور: السما: مقصور: سما الرجل: بعد ذهاب اسمه، يعني: الصيت.
قال أبو أحمد: إن لم يكن صاحب الأوصاف المذكورة، محمدا صلّى الله عليه وسلّم، فمن يكون إذن؟

375 - مهامها وخروقا لا أنيس بها … إلا الضوابح والأصداء والبوما
البيت للأسود بن يعفر، من شعراء العصر الجاهلي. وهو آخر بيت في المفضلية رقم 125 ومطلعها:
قد أصبح الحبل من أسماء مصروما … بعد ائتلاف وحبّ كان مكتوما
والبيت الشاهد يسبقه بيت يذكر فيه أنه يقطع الفيافي على ناقة نشيطة قوية.
وقوله: مهامها: بدل من قوله «أرضا» في البيت السابق. والمهمه: القفر. والضوابح، جمع ضابح، وهو الثعلب، والأصداء: جمع صدى، وهو ذكر البوم والخروق في أول البيت، جمع خرق، وهي الفلاة التي تنخرق فيها الرياح.
والشاهد «إلا الضوابح» على الاستثناء المنقطع، لأن الضوابح وما بعده ليست من جنس الأنيس. [الخزانة ج 3/ 382، والمفضليات برقم 125 (شاكر وهارون)].

376 - كأنّ وحى الصّردان في جوف ضالة … تلهجم لحييه إذا ما تلهجما
البيت لحميد بن ثور الهلالي. الوحى: هو الصوت. والصّردان: واحدة الصّرد طائر
(3/146)

فوق العصفور، يصيد العصافير. والضالة: واحدة الضال؛ نوع من الشجر. وتلهجم مصدر تلهجم لحيا البعير إذا تحركا، يقول: كأنّ تلهجم لحيي هذا البعير، وحى الصّردان.
وقوله: وحى، بالألف: خبر كأنّ مقدم، وتلهجم اسمها مؤخر. [اللسان - صرد - ولهجم].

377 - ما الراحم القلب ظلّاما وإن ظلما … ولا الكريم بمنّاع وإن حرما
البيت لم ينسب إلى قائله.
والشاهد (الراحم القلب) حيث أضيف اسم الفاعل من الفعل المتعدي لواحد إلى فاعله، وحذف مفعوله، وهذا لا يجوز إلا إذا أمن اللبس، والجمهور يمنع هذا: أما إذا كان اسم الفاعل غير متعد، وقصد ثبوت معناه، عومل معاملة الصفة
المشبهة، وساغت إضافته إلى مرفوعه، فتقول: زيد قائم الأب، وزيد قائم الأب، وزيد قائم الأب برفع الأب، ونصبه وجره على حدّ (حسن الوجه). [الأشموني ج 2/ 303، والهمع ج 2/ 101 والدرر 2/ 136].

378 - إحدى بليّ وما هام الفؤاد بها … إلّا السّفاه وإلا ذكرة حلما
البيت للنابغة الذبياني. وبليّ - على وزن (فعيل) قبيلة عربية، وينسب إليها البلوي ...
والشاهد: إضافة إحدى إلى العلم، والأصل أن تضاف إلى غير علم، كقوله تعالى لَإِحْدَى الْكُبَرِ [المدثر: 35] وقوله إِحْدَى ابْنَتَيَّ [القصص: 27] [الهمع ج 2/ 150].

379 - وما هي إلّا في إزار وعلقة … مغار ابن همّام على حيّ خثعما
البيت لحميد بن ثور. والعلقة: بكسر العين: ثوب يعلق في الرقبة بدون جيب ولا كمّين.
والشاهد (مغار) من الفعل «أغار» وهذا الوزن يصلح أن يكون اسم مفعول، واسم زمان ومكان ومصدرا ميميّا. وقال النحاس: هذا حجة بأن جعل «مغار» وهو مفعل، ظرفا، وهو مصدر وإنما أراد من (أغار إغارة» فأقام مغار مقام إغارة، وجعلها ظرفا.
(3/147)

وقال ابن منظور: إنه محذوف المضاف، أي: وقت إغارة ابن همّام على حيّ خثعم، ألا تراه قد عدّاه إلى قوله (على حيّ خثعما). [اللسان - علق، ولحس - وشرح المفصل ج 6/ 109 وسيبويه ج 1/ 120، والنحاس ص 117، والخصائص ج 2/ 208].

380 - فو الله لو كنّا الشهود وغبتم … إذن لملأنا جوف جيرانهم دما
البيت بلا نسبة في الهمع ج 2/ 43، واستشهد به السيوطي على أنه إذا اجتمع قسم وشرط وأتي بجواب لا يصلح للقسم، فإنه جواب للشرط، والشرط وجوابه، جواب للقسم.

381 - غفلت ثم أتت ترقبه … فإذا هي بعظام ودما
وقبل البيت:
كأطوم فقدت برغزها … أعقبتها الغبس منه عدما
وهما لشاعر لا يعرف. والأطوم: البقرة الوحشية. والبرغز: ولدها. والغبس: جمع أغبس وهي الذئاب وقيل: هي الكلاب وأنشد السيوطي البيت شاهدا على أنّ «دما» اسم مقصور وهي لغة فيه. فهو مجرور بكسرة مقدرة لأنه معطوف على مجرور. وأنشده ابن يعيش على أن المبرد استدل به على أن الدم، أصله «فعل» بتحريك العين، ولامه ياء محذوفة، بدليل أن الشاعر لما اضطر أخرجه على أصله، وجاء به على الوضع الأول، فقوله «ودما» معطوف
على «عظام» والكسرة مقدرة على الألف، لأنه اسم مقصور، وأصله «دمي» تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، والدليل على أن اللام ياء قولهم في التثنية «دميان» وفي الفعل «دميت يده».
وقال ابن جني: إن «دما» هنا ليست «الدم» وإنما هي مصدر، دمي دما، كفرح فرحا وفيه حذف مضاف، أي: هي بعظام ذي دمى.
وانظر البيت (فلسنا على الأعقاب .... يقطر الدّما) فالمناقشة واحدة. [الخزانة ج 7/ 491 وشرح المفصل ج 5/ 84 والهمع ج 1/ 39].

382 - إذا شاء طالع مسجورة … ترى حولها النّبع والسّاسما
البيت للنمر بن تولب. والبيت في سياق أبيات من القصيدة، يقول: إن الموت لا يفرّ
(3/148)

منه أحد. ولو كان مخلوق ينجو من الموت، لنجا وعل في رأس جبل عال.
وقوله: طالع: يعود الضمير على الوعل، وطالعت الشيء: طلعت عليه، وأشرفت عليه. وقيل: طالع: يعني أتى. ومسجورة: مملوءة، ويريد العين من الماء. والنبع:
شجر يتخذ منه القوس. والساسم: شجر، يزعمون أن القوس تصنع منه، وينبت في الشواهق. [الخزانة ج 11/ 101 واللسان (سسم).] وانظر ما كتبناه عن القصيدة التي منها البيت في الشاهد «لقيم بن لقمان ... فكان ابن أخت له وابنما».

383 - أنا سيف العشيرة فاعرفوني … حميدا قد تذرّيت السّناما
البيت للشاعر حميد بن بحدل، أو حميد بن حريث بن بحدل، وهو شاعر إسلامي، عمته ميسون بنت بحدل أم يزيد بن معاوية، وهو من بني كلب بن وبرة من قضاعة، وهو الذي قاد قومه أيام الفتنة بعد موت يزيد بن معاوية.
وقوله: حميدا. بدل من ياء، اعرفوني، أو منصوب بإضمار فعل على المدح، كأنه قال: فاعرفوني مشهورا. وتذريت السنام: علوته من الذّروة، وهي أعلى السنام.
والبيت شاهد على أن ثبوت ألف «أنا» في الوصل عند غير بني تميم لا يكون إلا في الضرورة. [شرح المفصل ج 3/ 93، والخزانة ج 5/ 242، وشرح شواهد الشافية 232].

384 - فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى … مساغا لناباه الشجاع لصمّما
البيت للشاعر المتلمّس ... وهو في سياق قصيدة يعاتب فيها أخواله. وكان المتلمس ينزل عند أخواله، فأرادوا انتقاصه، فغض عن ذلك للرحم، وقال: لو هجوت قومي كنت كمن قطع بيده يده الأخرى. والبيت أنشده ابن يعيش
والأشموني شاهدا على أن قوما من العرب يلزمون المثنى الألف دائما. ولذلك قال: (لناباه) فاللام حرف جرّ. ناباه، مثنى ناب، ولو أجراه على المشهور لقال «لنابيه» وتعزى هذه اللغة، لكنانة، وبني الحارث ابن كعب، وبني العنبر، وبطون من ربيعة وزبيد وخثعم وهمدان وعذرة، وخرّج عليها قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [طه: 63] وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا وتران في ليلة». والشواهد الشعرية على هذه اللغة كثيرة، [انظر شرح المفصل ج 3/ 128] وفي الخزانة روي البيت «لنابيه» على الأصل، وكذلك في «المؤتلف والمختلف للآمدي». [الأشموني ج 1 /
(3/149)

79، والخزانة ج 10/ 58، وفيه قصيدة البيت، وشرح المفصل ج 3/ 128 - 129].

385 - أمن دمنتين عرّس الرّكب فيهما … بحقل الرّخامى قد أنى لبلاهما
386 - أقامت على ربعيهما جارتا صفا … كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما
البيتان للشمّاخ بن ضرار.
وقوله: أمن: الهمزة للاستفهام. ومن دمنتين: الجار متعلق بمحذوف، تقديره: أتحزن من دمنتين، رأيتهما فتذكرت من كان يحلّ بهما، و (من) للتعليل والاستفهام تقريري، والخطاب لنفسه، والدمنة، بالكسر: الموضع الذي أثر فيه الناس بنزولهم وإقامتهم فيه، أو ما بقي من آثار الديار. وعرّس: من التعريس: وهو نزول المسافرين في آخر الليل قليلا للاستراحة ثم يرتحلون. والحقل: المزرعة التي ليس عليها بناء ولا شجر.
والرّخامى: شجر وهو السدر البري. وبحقل الرخامى: حال من الضمير في «فيهما» وأنى: بالنون، فعل ماض بمعنى حان. والبلى: الفناء. واللام زائدة، أي: قد حان بلاهما. وقد روي (قد عفا كلاهما) والأول أصوب، لأن هذه تتكرر بعد قليل، وإنما يقع فيه من لا ينظر في الشعر كاملا.
وقوله «أقامت»: أي: بعد ارتحال أهلها، وعلى ربعيهما: الربع: الدار والمنزل والضمير المثنى، للدمنتين. وجارتا: فاعل، أقامت، وهو مضاف، وصفا: مضاف إليه.
والصّفا: الصخر الأملس، واحده صفاة، وقال: جارتا صفا: لأن الأثفيتين توضعان قريبا من الجبل، لتكون حجارة الجبل ثالثة لهما، وممسكة للقدر معهما، ولتصد الرياح عن النار، ولهذا تقول العرب: «رماه بثالثة الأثافي» أي: بالصخرة أو الجبل وقوله: كميتا الأعالي: هو صفة «جارتا صفا» وهو تركيب إضافي مثله. وكميتا: مثنى. كميت بالتصغير، من الكمتة، وهي الحمرة الشديدة المائلة إلى السواد. وأراد بالأعالي. أعالي الجارتين، يعني أن الأعالي من الأثفيتين لم تسودّ لبعدهما من مباشرة النار، فهي على لون الجبل. أو يريد: أن أعالي الأثافي ظهر فيها لون
الكمتة من ارتفاع النار إليها.
وقوله: جونتا مصطلاهما: نعت ثان، لقوله «جارتا صفا» وهو تركيب إضافي أيضا والجونة: السوداء - والجون: الأسود، وهو صفة مشبهة، ويأتي بمعنى الأبيض وليس بمراد هنا، والمصطلى: اسم مكان الصلاء، أي: الاحتراق بالنار، فيكون المصطلى:
(3/150)

موضع إحراق النار. يريد: أن أسافل الأثافي قد اسودّت من إيقاد النار بينهما. والضمير المثنى في مصطلاهما عند سيبويه لقوله «جارتا صفا».
والشاهد: جونتا مصطلاهما: فإن جونتا صفة مشبهة من جان يجون، أضيفت إلى ما أضيف إلى ضمير موصوفهما أعنى (مصطلاهما) وضمير مصطلاهما يعود إلى «جارتا» فهي حينئذ مثل: مررت برجل حسن وجهه، بالإضافة، والمبرد يمنعه مطلقا، وسيبويه يجيزه وأجازته الكوفية في السعة، وقد ذكر الأشموني لاستعمال الصفة المشهبة خمس عشرة صورة. [الأشموني ج 3/ 11 والخزانة ج 4/ 293 وسيبويه 1/ 102 وشرح المفصل ج 6/ 86، والهمع ج 2/ 99].

387 - تخيّرها أخو عانات شهرا … ورجّى خيرها عاما فعاما
البيت للأعشي ميمون، يصف الخمر. وعانات، لغة في «عانة» بلدة، لعلها تكون اليوم في إقليم العراق، وكان ينسب إليها الخمر.
والشاهد «عانات» لغة في «عانة» كما قالوا في عرفة، عرفات. وفيها ثلاث لغات:
الفتح بدون تنوين إذا كانت مجرورة والكسر بدون تنوين، والتنوين مع الجرّ. [الخزانة ج 1/ 56، واللسان (عان)].

388 - أصيب به فرعا سليم كلاهما … وعزّ علينا أن يصابا وعزّ ما
البيت للخنساء. وأنشده السيوطي شاهدا على حذف صلة الموصول الاسمي في قوله «وعزّ ما» أي: وعزّ ما أصيبا به. [الهمع ج 1/ 89 والدرر ج 1/ 68].

389 - هما سيّدانا يزعمان وإنّما … يسوداننا أن يسّرت غنماهما
وقبل البيت:
إنّ لنا شيخين لا ينفعاننا … غنيّين لا يجدي علينا غناهما
والبيتان لأبي أسيدة الدّبيري. يقول: ليس فيهما من السيادة إلا كونهما قد يسّرت غنماهما، والسّودد يوجب البذل
والعطاء والحراسة والحماية وحسن التدبير والحلم، وليس عندهما من ذلك شيء. ومعنى يسّرت: كثرت وكثر لبنها ونسلها. والبيت أنشده السيوطي شاهدا على إلغاء الفعل، يزعم، القلبي، لأنه تأخر عن معموليه. [الهمع ج 1 /
(3/151)

153 واللسان (يسر)].

390 - عجبت لها أنّى يكون غناؤها … فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما
البيت للشاعر حميد بن ثور، يصف حمامة. والمنطق هنا: مصدر ميمي، أي لم تفتح بنطقها فما. وأراد البكاء. قال: ولا يقال للحيوانات ناطق، إلا مقيدا أو على طريق التشبيه، كقول حميد بن ثور. [الخزانة ج 1/ 37، واللسان (فغر) و (غنا)].

391 - عهدتك ما تصبو وفيك شبيبة … فما لك بعد الشّيب صبّا متيّما
لم ينسب إلى قائله. وأنشده الأشموني شاهدا على أحد المواضع التي يمتنع فيها اقتران الجملة الحالية بالواو، وهو المضارع المنفي ب «ما» وهو قوله: «عهدتك ما تصبو» [الأشموني ج 2/ 189، والهمع ج 1/ 246، والدرر 1/ 203].

392 - وقد علموا ما هنّ كهي فكيف لي … سلوّ ولا أنفكّ صبّا متيّما
البيت غير منسوب إلى قائل. وأنشده السيوطي شاهدا على تسكين هاء «هي» بعد كاف الجرّ. وهو قوله «كهي» [الهمع ج 1/ 61، والدرر 1/ 37].

393 - ألا ربّ مأخوذ بإجرام غيره … فلا تسأمن هجران من كان مجرما
البيت غير منسوب وأنشده السيوطي شاهدا على جواز أن تسبق «ربّ» ب «ألا». [الهمع ج 2/ 28 والدرر ج 2/ 22].

394 - إذا رمت ممّن لا يريم متيّما … سلوّا فقد أبعدت في رومك المرمى
البيت غير منسوب، وأنشده السيوطي شاهدا لعمل «لا يريم» من «رام» عمل الأفعال الناقصة، وحاجتها إلى الاسم والخبر. [الهمع ج 1/ 112، والدرر 1/ 82].

395 - قليلا به ما يحمدنّك وارث … إذا نال ممّا كنت تجمع مغنما
البيت لحاتم الطائي. والضمير في «به» يرجع إلى المال، في قوله:
أهن للّذي تهوى التّلاد فإنّه … إذا متّ كان المال نهبا مقسّما
وقليلا: منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: حمدا قليلا، يحمدونك.
(3/152)

والشاهد: في تأكيد «يحمدنّك» بالنون الثقيلة - وهذا بعد «ما» الزائدة، قليل ولا سيما إذا لم يسبق ب (إن) الشرطية. [الأشموني ج 3/ 217، والهمع ج 2/ 78، والدرر 2/ 99، وشرح أبيات المغني ج 8/ 39]. وقافيته في شرح أبيات المغني (مقسما).

396 - قليلا به ... … ... مقسما
البيت السابق بقافية [مقسما).

397 - لقي ابني أخويه خائفا … منجديه فأصابوا مغنما
البيت غير منسوب وهو من المديد.
والشاهد في (خائفا، ومنجديه) حيث وقع خائفا حالا من (ابني) ومنجديه، حالا من (أخويه) والعامل فيهما «لقي» وهذا مثال لتعدد الحال، مع تعدد صاحبها. [الأشموني ج 2/ 184، والعيني 3/ 215].

398 - ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي … جعلت لهم فوق العرانين ميسما
قاله المتلمس، يعاتب أخواله.
وقوله: جعلت لهم .. الخ يقول، هجوتهم هجاء يلزمهم لزوم الميسم للأنف [الخزانة ج 10/ 59، والأصمعيات 245، والوحشيات 112].

399 - ومن لا يزل ينقاد للغيّ والصبّا … سيلفى على طول السلامة نادما
البيت غير منسوب. والغيّ: الضلال.
والشاهد: سيلفى: أي: سيوجد: فإنها جملة متصدرة بالسين، وقعت جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، وهذا قليل.
وقوله: نادما: مفعول ثان لسيلفى أو حال. [الأشموني ج 4/ 21، والعيني ج 4/ 433].

400 - فبادرت شربها عجلى مثابرة … حتى استقت دون محنى جيدها نغما
البيت غير منسوب. وفيه شاهد على إبدال الحروف. فقوله «نغما» أراد نغبا فأبدل
(3/153)

الميم من الباء، لقربهما، والنغب: جمع نغبة: بفتح النون وضمها، وهي الجرعة. وهذا الإبدال مع صحة وقوعه، يحتاج اثباته إلى صحة السماع أولا، وإلى تكرار السماع، لأنّ المرّة الواحدة، قد تكون من سبق اللسان، وبعض الناس يكون الإبدال بسبب عاهة في اللسان، أو أجهزة النطق. [شرح المفصل ج 10/ 35 والأشموني ج 4/ 340. ويروى في المصادر «فبادرت شاتها» ومحنى جيدها: لعله مصدر، يريد دون أن تحني جيدها.
[اللسان - نغب].

401 - فأمّا تميم، تميم بن مرّ … فألفاهم القوم روبى نياما
البيت لبشر بن أبي خازم، والرّوبى: الذين أتعبهم السفر والوجع، فاستثقلوا نوما أو الذين شربوا من الرائب فسكروا. واحدهم «روبان» أو رائب، واستشهد به سيبويه على أنّ حكم الاسم بعد «أمّا» حكمه في الابتداء، لأنها لا تعمل شيئا، فكأنها لم تذكر قبله.
[سيبويه/ 1/ 82 هارون].

402 - في المعقب البغي أهل البغي ما … ينهى امرأ حازما أن يسأما
ليس له قائل معروف. يريد أن في الشيء الذي يعقبه البغي أهل البغي، ما يمنع الرجل الضابط أن يسأم من سلوك طريق السداد، فالبغي (الأولى) فاعل، وأهل مفعوله الأول مؤخر، والهاء المحذوفة، مفعوله الثاني، مقدم، أي: المعقبة، فالمعقب. اسم فاعل من أعقب، وهو يتعدى إلى مفعولين، قال تعالى فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً. [التوبة: 77]
والشاهد: حذف العائد المنصوب، باسم الفاعل، وهو قليل.
وقوله «في المعقب». خبر مقدم و «ما» من قوله ما ينهى: مبتدأ. وينهى صلة الموصول وامرأ مفعول به وحازما صفته. وأن: مصدرية، والتقدير: ينهاه عن السآمة في سلوك طريق السداد. [الأشموني ج 1/ 171، والعيني 1/ 470].

403 - ضربت خماس ضربة عبشميّ … أدار سداس أن لا يستقيما
البيت مجهول. وأنشده السيوطي شاهدا على ورود «سداس» المعدول عن العدد ستة ردّا على من أنكره، [الهمع ج 1/ 26 والدرر ج 1/ 8].

404 - عيّوا بأمرهم كما … عيّت ببيضتها الحمامه
(3/154)

منسوب إلى عبيد بن الأبرص، وإلى غيره، ويقال: عيّ بأمره، وعيي، إذا لم يهتد لوجهه والإدغام أكثر، وتقول في الجمع: عيوا، مخففا، ويقال أيضا: عيّوا، بالتشديد.
[اللسان - عيا، وسيبويه ج 2/ 387، وشرح شواهد الشافية 356 وشرح المفصل ج 10/ 117].
والشاهد «عيّوا، وعيّت»: وإجراؤهما مجرى «ظنّوا، وظنت» ونحوهما من الصحيح ولذلك سلم من الاعتلال والحذف، لما لحقه من الإدغام. وبعد البيت:
وضعت لها عودين من … ضعة وآخر من ثمامه
وصف قومه بني أسد بأنهم يخرقون في أمورهم ويعجزون عن القيام بها، وضرب لهم المثل بخرق الحمامة وتفريطها في التمهيد لبيضها، لأنها لا تتخذ عشها إلا من كسار الأعواد، وربما طارت عنها العيدان، فتفرق عشها وسقطت البيضة، ولذلك قالوا في المثل «أخرق من حمامة». وقد بين خرقها في البيت الثاني، أي: جعلت لها مهادا من هذين الصنفين من الشجر. ولكن البيت يرويه أبو الفرج هكذا:
برمت بنو أسد كما … برمت ببيضتها النعامه
وبذلك، لا شاهد فيه. والبيت الشاهد، من أبيات عدتها اثنا عشر بيتا، أنشدها عبيد ابن الأبرص أمام حجر، والد امرئ القيس، وكان حجر له عليهم إتاوة سنوية، فأرسل جباته، فمنعوهم ذلك، وضربوهم فأرسل إليهم حجر، جيشا، قتل وضرب وأسر، وكان من المأسورين عبيد بن الأبرص فقال الأبيات يعتذر إلى الملك، فعفا عنهم، ثم كان مقتل حجر على يد بني أسد وتبعته الأحداث التالية في حياة الضلّيل امرئ القيس.

405 - فلم أرعاما عوض أكثر هالكا … ووجه غلام يسترى وغلامه
لا يعرف قائله.
وقوله «يسترى» بالسين المهملة: يقال: استريت الشيء اخترت سراته وأعلاه رتبة.
ويروى (يشترى) بالشين. ووجه: معطوف على «عاما» وكذلك غلامه. ولعلّ «غلامة» مؤنث غلام، انقلبت التاء المربوطة هاء للوقف. قال السيوطي: من الظروف المبنية «عوض» وهو للوقت المستقبل عموما كأبدا، وقد ترد للمضي كقوله (شطر البيت).
وبناؤه إما على الضمّ، كقبل، وبعد، أو على الفتح طلبا للخفة. أو على الكسر، على
(3/155)

أصل التقاء الساكنين، فإن أضيف إلى العائضين، كقولهم «لا أفعل ذلك عوض العائضين» أي: دهر الداهرين. أو أضيف إليه، أعرب في الحالتين. [الهمع ج 1/ 212، والدرر ج 1/ 183، وشرح أبيات مغني اللبيب ج 3/ 325].

406 - جزاني الزّهدمان جزاء سوء … وكنت المرء أجزى بالكرامه
لقيس بن زهير. وزهدم، والزهدم: الصقر، وزهدم: من أسماء الأسد. والزهدمان هنا: أخوان من بني عبس، هما زهدم، وقيس، أو زهدم، وكردم. وهما اللذان أدركا حاجب بن زرارة يوم جبلة ليأسراه فغلبهما عليه مالك ذو الرّقيبة القشيري، وفيها يقول قيس بن زهير (البيت) ولعلهم استشهدوا به في باب التغليب. [اللسان - زهدم].

407 - ألا، م، تقول الناعيات ألا، مه … ألا فاندبا أهل النّدى والكرامه
لم أعرف قائله، والبيت مصرّع. و «ألا» للتنبيه. و «م» أصلها «ما» الاستفهامية في محل رفع على الابتداء، والجملة
(تقول) خبره، هكذا قال العيني. وأحسن منه أن نجعل «ما» مفعول «تقول»، لأنه في معنى الجملة، أي: أيّ كلام تقول. والناعيات: جمع ناعية.
وفي رواية: «الناعيان» مثنى، الناعي، وهو الأنسب. لقوله «ألا فاندبا» وأكثر ما يخاطب الشعراء اثنين، ولو كانت «الناعيات» لقال: فاندبن.
والشاهد في: «ألا، مه» فإن الألف حذف في «ما» الاستفهامية، مع أنها غير مجرورة، للضرورة، إلا أنه أراد التصريع، فلم يمكن ذلك إلا بإدخال هاء السكت في آخرها.
ولكن لماذا حذفت الألف من «ما» الأولى، والوزن الشعري لا يرفضه؟. إن الضرورة فقط في (مه) في نهاية المصراع الأول. [الأشموني ج 4/ 216، والعيني، والهمع ج 2/ 217، والدرر ج 2/ 239].

408 - تذكّرت أرضا بها أهلها … أخوالها فيها وأعمامها
البيت لعمرو بن قميئة، في سياق أبيات يذكر فيها ندمه على متابعة امرئ القيس في رحلته المزعومة إلى ملك الروم، ويصف حزنه لفراقه وطنه، وضمير تذكّرت يعود إلى نفسه التي كنى عنها بابنته، فلا يعقل أن يصحب ابنته معه في رحلة طويلة شاقّة.
واستشهد سيبويه وغيره بهذا البيت على أنّ قوله أخوالها وأعمامها، منصوب بفعل مضمر، وهو تذكرت، لأن الكلام قد تمّ في قوله «تذكرت أرضا بها أهلها» ثم حمل ما
(3/156)

بعده على معنى التذكر. [الخزانة ج 4/ 407، وسيبويه ج 1/ 144، والخصائص ج 2/ 427 وشرح المفصل ج 1/ 126].

409 - شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة … يد الدهر إلا جبرئيل أمامها
هو لكعب، أو حسان، وقد مضى في الميم المضمومة.

410 - شمّ مهاوين أبدان الجزور مخا … ميص العشيّات لا خور ولا قزم
وقبل البيت:
يأوي إلى مجلس باد مكارمهم … لا مطمعي ظالم فيهم ولا ظلم
وقوله: يأوي: فاعله ضمير مستتر. والمجلس: موضع الجلوس، وقد أطلق هنا على أهله، تسمية للحالّ، باسم المحلّ، يقال: انفضّ المجلس. بدليل الأوصاف التالية، ولهذا عاد الضمير إليه من «مكارمهم» بجمع العقلاء. وباد:
بمعنى ظاهر، نعت سببي لمجلس.
وقوله: لا مطمعي: صفة ثانية لمجلس. وأصله مطمعين، حذفت نونه للإضافة.
وقوله: ولا ظلم: جمع ظلوم صفة ثالثة لمجلس. يريد: أن الناس قد عرفوا أنه من ظلمهم انتصفوا منه، فليس أحد يطمع في ظلمهم، ولا هم يظلمون أحدا.
وقوله: شمّ، جمع أشم: صفة رابعة لمجلس. وصفهم بالارتفاع إما في النسب أو الكرم أو القدر أو العزّة.
وقوله: مهاوين: صفة خامسة لمجلس، وهو مجرور بالفتحة، لأنه على صيغة منتهى الجموع، وهو جمع مهوان، مبالغة مهين، من أهانه، أي: أذله، والأبدان هنا: جمع بدن، وهو من الجسد ما عدا الرأس واليدين والرجلين، وإنما آثر ذكره على غيره، لإفادة زيادة وصفهم بالكرم، فإنهم إذا فرقوا أفضل لحم الجزور، فتفريق ما سواه يكون بالطريق الأولى، والإضافة، من إضافة بعض الشيء إلى كله، والجزور: يقع على الذكر والأنثى من الإبل خاصة، والجمع جزر، وجزائر، ولفظ الجزور أنثى، فيقال: رعت الجزور.
ومخاميص: صفة سادسة لمجلس مجرور بالكسرة لأنه مضاف، وهو جمع مخماص، مبالغة خميص، من خمص إذا جاع. والعشيات: جمع عشي، من صلاة المغرب إلى
(3/157)

العتمة يريد أنهم يؤخرون العشاء لأجل ضيف يطرق، فبطونهم خميصة في عشياتهم لتأخر الطعام عنهم.
وقوله: لا خور بالجر، صفة سابعة لمجلس والخور الضعفاء عند الشدة جمع أخور وقوله: ولا قزم: بالجرّ صفة ثامنة، وهو بفتح القاف والزاي. والقزم بالتحريك الدناءة والقماءة، والقزم: رذّال الناس وسفلتهم، يقال: رجل قزم والذكر والأنثى والواحد والجمع فيه سواء، لأنه في الأصل مصدر.
والشاهد: مهاوين، جمع مهوان، من أهان، وبناء مهوان من أفعل قليل نادر، والكثير من «فعل». وعلى أن ما جمع من اسم الفاعل، يعمل عمل المفرد، لأنه نصب «أبدان» على المفعولية.
والبيتان منسوبان للكميت بن زيد الأسدي، وإلى تميم بن أبيّ بن مقبل. [كتاب سيبويه ج 1/ 59، وشرح المفصل: ج 6/ 74، 76، والهمع ج 2/ 97، والعيني ج 3/ 569 والخزانة ج 8/ 150].

411 - لقد شهدت قيس فما كان نصرها … قتيبة إلا عضّها بالأباهم
البيت من قصيدة للفرزدق عدة أبياتها 158 بيتا، مدح بها سليمان بن عبد الملك، وهجا جريرا. وقيس: أبو قبيلة، ولجرير خؤولة في قيس، وقتيبة، هو ابن مسلم الباهلي. وكان قتل في خراسان سنة 96 ه. وكان واليا على خراسان
من قبل عبد الملك، وابنه الوليد ثلاث عشرة سنة ... فخلعه سليمان بن عبد الملك، وكانت فتنة قتل قتيبة فيها وباهلة فخذ من قيس.
وقوله: بالأباهم، جمع إبهام، والأصل أباهيم، حذفت ياؤه للضرورة.
وقوله: عضها بالأباهم: ذلك أن العاجز عن الانتقام، يعض إبهامه من غيظه.

412 - أتغضب إن أذنا قتيبة حزّتا … جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم؟
للفرزدق، من قصيدة البيت السابق. وقتيبة، هو ابن مسلم الباهلي. وابن خازم: هو عبد الله بن خازم السلمي، كان أمير خراسان من قبل ابن الزبير، ولما قتل مصعب ابن الزبير، كتب إليه عبد الملك يطلب منه البيعة، فامتنع، فكانت فتنة قتل فيها. وحزّ
(3/158)

الأذنين كناية عن القتل. وجهارا: أي: حزّا جهارا، أو غضبا جهارا. يريد أن قيسا غضبت من أمر يسير، ولم تغضب لأمر عظيم، وقد أنكر منها هذا على سبيل الاستهزاء.
وقوله: أتغضب: فاعل تغضب، ضمير قيس، وأنّث الّفعل لأنه أراد به القبيلة، والاستفهام للتعجب والتوبيخ، ويجوز أن يكون فاعل «تغضب» أنت، المستتر فيه، هو خطاب لجرير.
والإشكال في «إن» فقد رويت «إن» بكسر الهمزة، ونون ساكنة وزعم الكوفيون أنها بمعنى إذ، قالوا: وليست شرطية لأن الشرط مستقبل، وهذه القصة قد مضت. وأجاب الجمهور أنها شرطية، ويحمل المعنى على وجهين: أحدهما أن يكون على إقامة السبب مقام المسبّب، والأصل: أتغضب إن افتخر مفتخر بسبب كذا، إذ الافتخار بذلك يكون سببا للغضب، ومسببا عن الحزّ. والثاني: أن يكون على معنى التبيين، أي: أتغضب إن تبين في المستقبل أن أذني قتيبة حزتا فيما مضى وقرئت: أن: مفتوحة الهمزة، ساكنة النون: قال الخليل والمبرد:
الصواب أن أذناه، بفتح الهمزة من «أن» أي لأنّ أذنا. وهي عند الخليل أن الناصبة، وعند المبرد أنها «أن» المخففة من الثقيلة. [كتاب سيبويه ج 1/ 479، والصبان على الأشموني ج 4/ 9، وشرح أبيات مغني اللبيب ج 1/ 117، والمغني الشاهد رقم 28 ص 39].

413 - هو القين وابن القين، لا قين مثله … لبطح المساحي أو لجدل الأداهم
البيت لجرير.
وقوله: الأداهم: جمع الأدهم. وهو القيد، لسواده. وكسّروه، تكسير الأسماء، وإن كان في الأصل صفة، لأنه غلب غلبة الاسم. وبطح المساحي: طرق حديد الفؤوس يريد أن يقول إنهم يعملون بالحدادة.
أقول: لو كنت يا جرير حدادا، لاكتسبت قوتك من عمل يدك، وحفظت ماء وجهك، وجنبت نفسك الهوان والذل الذي جلبته لنفسك من المدح، إنك يا جرير بهذا الهجاء أشعت في العرب كره المهنة فجعلتهم يتخلفون عن ركب المدنية آلاف السنين. ولذلك فإن هذا الهجاء يكتب في ميزان سيئاتك يوم القيامة، لأنك ذممت الناس بما يجب أن يمدحوا به، ولأنك قذفت الناس بما ليس فيهم، فاستحققت الجلد ألف حدّ.

414 - لا يبرمون إذا ما الأفق جلّله … برد الشتاء من الإمحال كالأدم
البيت للنابغة الذبياني، وأنشده السيوطي شاهدا على وقوع الكاف، مفعولا به،
(3/159)

والتقدير جلله برد الشتاء مثل الأدم. [الهمع ج 2/ 31، والدرر ج 2/ 39].

415 - يا دار عبلة بالجواء تكلمي … وعمي صباحا دار عبلة واسلمي
لعنترة العبسي. واختلفوا في معنى «عمي» واشتقاقها. وهي كلمة تحية عند العرب يقال: عم صباحا، وعم مساء، وعم ظلاما، وزعم بعضهم أنه يقال: وعم، يعم، كوعد يعد، وذهب قوم إلى أنها من «نعم المطر» إذا كثر، ونعم البحر إذا كثر زبده كأنه يدعو لها بالسقيا وكثرة الخير. وقال الأصمعي والفراء: إنما هو دعاء بالنعيم والأهل ولم يذكر صاحب الصحاح مادة «وعم» قال: وقولهم «عم صباحا» كأنه محذوف من «نعم، ينعم» بالكسر. وزعم ابن مالك في التسهيل: أن «عم» فعل أمر غير متصرف.
قال أبو أحمد: لقد رحل علماء اللغة إلى البادية، فلماذا لم يسألوا أهلها عن معنى هذه الكلمة. ولو فعلوا، لكانوا أراحونا من عناء هذه التأويلات. والظاهر أنها من «عمّ»، يعمّ بمعنى شمل، ثم خففوا التشديد، ويريدون بالدعاء: أن يعمّ الخير ديار المحبوبة، أو الديار التي يحييها. والله أعلم.

416 - عيرات الفعال والحسب العدّ … إليهم محطوطة الأعكام
البيت من قصيدة للكميت بن زيد الأسدي، يمتدح بها آل البيت النبوي، أولها:
من لقلب متيّم مستهام … غير ما صبوة ولا أحلام
والعيرات: بكسر العين وفتح الراء، جمع عير، وهي الإبل تحمل الطعام والميرة.
قال: ابن يعيش: وسيبويه ذكره، عيرات بفتح الأول والثاني في الجمع على لغة هذيل نحو «أخو بيضات» وحكى ذلك عن العرب، ولا أعرف العير - بكسر العين - مؤنثا، إلا أن يكون جمع أعيرة بالتاء، فإنه يقال للذكر، من الحمر «عير» والأنثى «عيرة». والبيت ذكره صاحب المفصل شاهدا لفتح عين ما جمع بالألف والتاء، مما لا تاء فيه.
والظاهر أنها جمع «عير» بكسر العين، وهو جمع لا مفرد له من لفظه. وجمع بالألف والتاء على معنى «القافلة» قال ابن منظور: والعير: مؤنثة: القافلة.
والفعال: بالفتح: الكرم. والعدّ: بالكسر، الشيء الكثير، وماله مادة لا تنقطع.
والحسب: كرم الرجل.
(3/160)

وقوله: محطوطة الأعكام، أي: تركب الإبل بأعكامها، أي: بأحمالها، فيهم، بالحسب والرشد، والأفعال الحسنة. [شرح المفصل ج 5/ 34].

417 - وكريمة من آل قيس ألفته … حتّى تبذّخ فارتقى الأعلام
البيت لم ينسب إلى قائل ...
وقوله: ألفته: من باب ضرب: أعطيته ألفا. أما ما كان من الإلف فهو من باب «علم» وتبذّخ: تكبّر، وعلا، من البذخ، بفتحتين، وهو الكبر. والأعلام، جمع علم، وهو الجبل. قال العيني: وفيه ثلاث تعسفات: إدخال الهاء في كريمة، وهو صفة مذكر أي:
ربّ رجل كريم. وحذف التنوين من قيس - قلت: قد تكون هذه على معنى القبيلة) وحذف «إلى» في قوله «الأعلام» أي: إلى الأعلام، وذكره الأشموني شاهدا لقول ابن مالك: «وقد يجرّ بسوى ربّ لدى حذف» حيث أن ربّ قد تحذف، ويبقى مجرورها بالكسرة قال: وهذا بعضه، أي: بعض ما نبّه إليه ابن مالك، يروى غير مطرد، يقتصر فيه على السماع كقول رؤبة «وقد قيل له: كيف أصبحت؟ قال: خير، عافاك الله، والتقدير:
على خير. وقول الشاعر «أشارت كليب بالأكف الأصابع» أي: «إلى كليب» وذكر البيت: قلت: ولكن هذا البيت مفرد، ولم نعرف سياق قافيته. وربما قال القائل: فارتقى الأعلاما. [الأشموني ج 2/ 234، والهمع ج 2/ 36، والدرر ج 2/ 37، واللسان (ألف). وفيه أن التاء من (كريمة) للمبالغة.

418 - خالي ابن كبشة قد علمت مكانه … وأبو يزيد ورهطه أعمامي
البيت لامرئ القيس. قال السيوطي: ولا بدّ للجملة الواقعة حالا من رابط، وهو ضمير صاحبها، أو الواو، ويتعين الضمير في المؤكدة. (وأنشد شطر البيت الأول).
[الهمع ج 1/ 246، والدرر ج 1/ 203].

419 - ما خلتني زلت بعدكم ضمنا … أشكو إليكم حموّة الألم
لم يعرف قائله. والضّمن: الذي به ضمانة في جسده من زمانة أو بلاء أو كسر. تقول منه: رجل ضمن. وقد فصل
بين - ما - النافية، وبين «زال» فكانت جملة «خلتني» معترضة. [اللسان - ضمن. والعيني ج 2/ 386، والخزانة ج 9/ 152].

420 - أشارت بطرف العين خيفة أهلها … إشارة محزون ولم تتكلّم
(3/161)

فأيقنت أنّ الطرف قد قال مرحبا … وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم
البيتان لعمر بن أبي ربيعة. وفيهما أن الإشارة نوع من الكلام، أو أن الكلام قد يكون بالإشارة. [شذور الذهب، والخزانة ج 1/ 226].

421 - بكلّ قريشيّ عليه مهابة … سريع إلى داعي النّدى والتّكرّم
البيت بلا نسبة في سيبويه ج 2/ 70، والإنصاف ص 350، واللسان (قرش وشرح المفصل ج 6/ 11].
والشاهد «قريشيّ» في النسبة إلى قريش، فلم يحذف الياء فيقول: قرشيّ لأن كون الياء في وسط الكلمة يحصنها من الحذف، وهو الأصل والقياس، ولكنهم يغايرون ذلك ويعدلون عنه حين يقولون قرشي.

422 - قد أوبيت كلّ ماء فهي صاوية … مهما تصب أفقا من بارق تشم
البيت للشاعر ساعدة بن جؤيّة، من قصيدة رثى بها من أصيب من قومه يوم معيط، وهو شاعر مخضرم، وشعره محشوّ بالغريب والمعاني الغامضة، والبيت في سياق أبيات يذكر فيها أنه لا يخلد حيّ مهما طال أجله، وتحصّن في الجبال، وعاش في الفيافي البعيدة. ويضرب أمثلة بالوعول، وجماعات البقر الوحشي، والبيت في سياق وصف قطيع من البقر.
وقوله: أوبيت: أي منعت، أو منعت كلّ ماء، أي: قطع عنها. وصاوية: يبست من العطش. وفي رواية (طاوية).
وقوله: مهما .. الخ: أي: ناحية من بارق، أي: من سحاب فيه برق. وتشم: تنظر إليه. والضمير يرجع إلى القطيع، والإشكال في «مهما» وفيه آراء: الأول: أنها حرف شرط مثل «إن» - والثاني: أنها مفعول «تصب» واقفا: ظرف. ومن بارق: تفسير لمهما، أو متعلق بتصب، فمعناها التبعيض والمعنى: أيّ شيء تصب في أفق من البوارق تشم.
والثالث: مهما: ظرف زمان، والمعنى: أيّ وقت تصب بارقا من أفق، فقلب الكلام. أو «في أفق بارقا» فزاد «من» واستعمل «أفقا» ظرفا. [الخزانة ج 8/ 163، وشرح أبيات مغني اللبيب ج 5/ 345. والهمع ج 2/ 57 واللسان (أبي)].
(3/162)

423 - يذكّرني (حاميم) والرمح شاجر … فهلّاتلا «حاميم» قبل التّقدّم
هذا البيت، من أربعة أبيات، تنسب إلى ستة شعراء: كعب بن حدير النّقدي والمكعبر الأسدي، والمكعبر الضبي،
وشريح بن أوفى العنسي، وعصام بن المقشعر العبسي، والأشعث بن قيس الكندي. وفاعل يذكّرني: محمد بن طلحة بن عبيد الله القرشي المعروف بالسجّاد، لكثرة عبادته.
وقوله: يذكرني «حم» يقول قائل الأبيات: إنّ محمد بن طلحة، كان، حضر فتنة الجمل، مع عائشة، ولا يريد القتال. فإذا حمل عليه رجل ذكّره بآية من كتاب الله «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» من سورة الشورى، التي تبدأ بقوله تعالى حم فلم يؤثر تذكيره في الشاعر، فأقدم على قتله، يوم الجمل. وشجر الرمح:
اختلف، والتشجار: التخاصم.
قال الزمخشري: ما كان من أسماء السور على زنة مفرد ك (حم، وطس، ويس) فإنها موازنة لقابيل وهابيل، يجوز فيه الأمران: الإعراب والحكاية. وفي البيت أعرب حم ومنعها من الصرف، وهكذا كل ما أعرب من أخواتها، لاجتماع سببي منع الصرف فيها، وهما العلمية والتأنيث. [الاستيعاب - والكشاف ج 1/ 171، وشرح أبيات المغني ج 4/ 290].

424 - إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى … فليس بمغن عنه عقد التّمائم
البيت بلا نسبة.
والشاهد (إذا لم تك الحاجات) حيث حذف نون (تكن) مع اتصالها. [الهمع ج 1/ 22، والدرر ج 1/ 93].

425 - غداة طفت علماء بكر بن وائل … وعاجت صدور الخيل شطر تميم
منسوب لقطري بن الفجاءة الخارجي، ولغيره.
والشاهد: قوله «علماء» والمراد «على الماء» فهمزة الوصل تسقط للدرج، وألف (على) تحذف لالتقائها مع لام المعرفة، فصار اللفظ (علماء) فكرهوا المثلين، فحذفوا لام (على)، كما حذفوا اللام في «ظلت (ظللت) لاجتماع المثلين. [شرح المفصل
(3/163)

ج 10/ 154، وشرح شواهد الشافية].

426 - أقول لأمّ زنباع أقيمي … صدور الخيل شطر بني تميم
البيت لأبي جندب الهذلي، أو لأبي ذؤيب الهذلي أو لأبي زنباع الجذامي. قال السيوطي: ومما أهمل النحويون ذكره من الظروف التي لا تتصرف «شطر» بمعنى «نحو» وذكر البيت. [الهمع - ج 1/ 201 والدرر ج 1/ 170، واللسان (شطر) والمرزوقي 705 ومعنى أقيمي: اقصدي وتوجهي نحوهم.

427 - فقل للّت تلومك إنّ نفسي … أراها لا تعوّذ بالتميم
غير منسوب. والتميم: جمع تميمة، وهي التعويذة. وأنشدوه على أنّ الياء حذفت من التي، وسكّن تاؤها. [الخزانة ج 6/ 6، والهمع ج 1/ 82، والدرر ج 1/ 56].

428 - تبصر خليلي هل ترى من ظعائن … تحمّلن بالعلياء من فوق جرثم
البيت بهذه القافية لزهير بن أبي سلمى من معلقته. ولكن شطره الأول جاء في شعر غير زهير. ومنهم امرؤ القيس. وشطره الثاني عند امرئ القيس (سوالك نقبا بين حزمي شعبعب) والظعائن: جمع ظعينة، لأنها تظعن مع زوجها، من الظعن، وهو الارتحال.
وتبصّر: انظر. وخليلي: منادى مضاف إلى ياء المتكلم. وجرثم. مكان.
والشاهد: في «ظعائن» حيث صرفه، وهو غير مصروف، وهذا يفعله الشعراء.

429 - طويل متلّ العنق أشرف كاهلا … أشقّ رحيب الجوف معتدل الجرم
البيت لعمرو بن عمار النهدي.
وقوله: متلّ العنق: قال ابن منصور: المتلّ: الشديد من الناس والإبل، ورجل متلّ، إذا كان غليظا شديدا ... وأنشد البيت، وقال: عنى ما انتصب منه. وقال النحاس:
قوله: أشرف كاهلا. نصبه كنصب «ذهب صعدا» أخبر أن الإشراف والذّهاب كانا على هذه الحال. وقال: متلّ العنق: طويله. وعلى هذا تكون القراءة بتنوين «طويل» أي: هو طويل. [سيبويه ج 1/ 81، واللسان (تلل)].

430 - فليت سليمى في الممات ضجيعتي … هنالك أم في جنّة أم جهنّم
(3/164)

البيت مجهول القائل. يتمنى أن تكون معه سلمى بعد الموت، سواء كان في الجنة أو في النار وهنالك: اسم اشارة إلى «الممات» ويروى «في المنام» و «أم» في جنة، عطف على في المنام، ثم أضرب عن ذلك بقوله «أم جهنم» لأن «أم» ههنا بمعنى «بل».
والشاهد: مجيء أم المنقطعة بعد الخبر متجردة عن الاستفهام، لأن المعنى، بل في جهنم. وقد نقلت كلام العيني برمته، ولست راضيا عما قال. [الأشموني، وعليه العيني ج 3/ 105].

431 - عوجا على الطّلل القديم لأنّنا … نبكي الدّيار كما بكى ابن خذام
البيت لامرئ القيس. وتروى قافيته: كما أثبتنا، وتروى «حمام» وتروى «حذام» وابن (حذام) قالوا إنه شاعر قديم
في الزمن الغابر. ويستدلون بقوله «كما بكى» أن امرأ القيس ليس أول من بكى الديار، بشهادة امرئ القيس نفسه. ولذلك يسقط قولهم «أول من بكى واستبكى .. الخ» امرؤ القيس. لعل امرأ القيس أقدم من وصلنا شعره في بكاء الديار.
والشاهد النحوي في البيت «لأننا» قال السيوطي في «لعلّ» الحرف الناسخ ثلاث عشرة لغة، منها «لأنّ» بإبدال العين همزة واللام نونا وأنشد البيت. وعلى هذا تكون قراءه «لأننا» بفتح اللام، يريد لعلنا. وقال ابن رشيق في العمدة: يروى في البيت «لأننا» بمعنى لعلنا. ولم يذكر الإبدال. قال: وهي لغة امرئ القيس فيما زعم بعض المؤلفين، والذي كنت أعرف «لعنّنا» بالعين ونونين. قلت: ولعلّ هذا كله من تحريفات النحويين، فالبيت يروى على الأصل «لعلّنا» والله أعلم بما قاله امرؤ القيس. [الخزانة ج 4/ 378، والهمع ج 1/ 134].

432 - بذلنا مارن الخطيّ فيهم … وكلّ مهنّد ذكر حسام
433 - منا أن ذرّ قرن الشمس حتى … أغاث شريدهم فنن الظلام
ويروى الشطر الثاني من البيت الثاني «أغاب شريدهم قبر الظلام».
والشاهد «منا»: قال الكسائي والفرّاء: أصل «من» الجارة «منا» فحذفت الألف لكثرة الاستعمال، واستدلا بقوله (البيتان) قال: فردّ في البيتين «من» إلى أصلها لما احتاج إلى ذلك، فعلى هذا، هي ثلاثية، والجمهور أنها ثنائية. وأوّلوا البيت على أن «منا» مصدر، منى يمني، إذا قدّر، استعمل ظرفا، كخفوق النجم، أي: تقدير أن ذرّ قرن الشمس
(3/165)

وموازنته إلى أن غربت، وقال ابن مالك، هو لغة لبعض العرب. قالوا: وهي لغة قضاعة، وقد أنشد الكسائي البيتين عن بعض قضاعة. [اللسان - منن، والهمع ج 2/ 34 والدرر ج 2/ 34].

434 - لأجتذبن منهنّ قلبي تحلّما … على حين يستصبين كلّ حليم
لم يعرف قائله.
والشاهد «على حين» حين، ظرف مبهم، بني على الفتح؛ لأنه مضاف إلى جملة صدرها مبني، وهو «يستصبين» المبني على السكون لاتصاله بنون النسوة. والبناء في هذه الحال راجح، وليس واجبا، والبناء مرجوح إذا أضيفت الظروف المبهمة، إلى جملة صدرها معرب. [الهمع ج 1/ 218، والأشموني ج 2/ 256 والدرر ج 1/ 187].

435 - فساغ لي الشّراب وكنت قبلا … أكاد أغصّ بالماء الحميم
.. ينسب إلى يزيد بن الصعق، وإلى عبد الله بن يعرب. وهو في [الهمع ج 1/ 210 وشرح المفصل ج 4/ 88، وشرح
شذور الذهب، والأشموني ج 2/ 269، والعيني 3/ 435 والخزانة ج 1/ 426]. ومضى الكلام عليه في حرف التاء (الفرات) حيث يروى بهذه القافية. والماء الحميم، الماء الحار، والماء البارد، من الأضداد. والبيت مع أربعة أبيات ميميّة، في الخزانة.

436 - أبأنا بهم قتلى وما في دمائهم … وفاء وهنّ الشافيات الحوائم
البيت للفرزدق من قصيدة مذكورة في المناقضات، وفيها يذكر مقتل قتيبة بن مسلم الباهلي ويمدح سليمان بن عبد الملك يقول: ليس الشفاء في الدماء التي تهريقها السيوف وإنما الدماء هي الشافيات لأنه لولاها لما سفكت الدماء.
والشاهد في قوله: «الشافيات الحوائم» حيث دخلت الألف واللام على الشافيات التي هي مضافة إلى الحوائم، لأن الإضافة لفظية، كما في «الجعد الشعر» والمقصد أن «أل» لا تدخل على المضاف إلا إذا كانت الإضافة لفظية لم تفد تعريفا، ويكون المضاف مشتقا. قال ابن مالك رحمه الله:
ووصل أل بذا المضاف مغتفر … إن وصلت بالثان كالجعد الشعر
(3/166)

أو بالذي له أضيف الثاني … كزيد الضارب رأس الجاني
وقوله الحوائم. جمع حائمة. والحوائم: العطاش التي تحوم حول الماء. ولعله يريد هنا الطيور الحائمة حول القتلى. [الأشموني ج 2/ 245، والخزانة ج 7/ 373].

437 - بنا كالجوى مما نخاف وقد نرى … شفاء القلوب الصاديات الحوائم
لم يعرف قائله.
والشاهد وقوع الكاف مبتدأ. في قوله «بنا كالجوى» بنا: خبر مقدم والكاف بمعنى مثل، مبتدأ مؤخر. [الهمع ج 2/ 31، والدرر ج 2/ 39].

438 - أزيد أخا ورقاء إن كنت ثائرا … فقد عرضت أحناء حقّ فخاصم
البيت غير منسوب.
وقوله: أخا ورقاء: يريد: الذي ينتمي إلى ورقاء، فورقاء: حيّ من قيس والثائر:
طالب الدم. يقول: إن كنت طالبا لثأرك فقد أمكنك ذلك فاطلبه وخاصم فيه والأحناء:
الجوانب، جمع حنو، قال ابن يعيش: وإن كان تابع المنادى المبني على الضمّ مضافا، لم يكن فيه إلا النصب، صفة
كان أو غير صفة، مثال الصفة «يا زيد ذا الجمّة» ويا زيد أخانا. قال الشاعر: (البيت) والشاهد فيه نصب الصفة، لأنها مضافة. [شرح المفصل ج 2/ 4، وسيبويه ج 1/ 303، واللسان (حنا)].

439 - مضى ثلاث سنين منذ حلّ بها … وعام حلّت وهذا التّابع الخامي
وقبل البيت:
كم للمنازل من شهر وأعوام … بالمنحنى بين أنهار وآجام
البيتان، للحادرة، واسمه قطبة بن أوس.
والشاهد: «الخامي» ويريد «الخامس» ذكره السيوطي في باب الضرائر، والضرورة هنا: حذف السين من خامس، ولكن ابن منظور لم يقيدها بالضرورة. قال: ويقال: جاء فلان خامسا، وخاميا. [اللسان (خمس) والهمع ج 2/ 156].

440 - إذا شدّ العصابة ذات يوم … وقام إلى المجالس والخصوم
(3/167)

البيت لأبي قيس بن الأسلت، في الهمع ج 1/ 197، والدرر ج 1/ 168.
قال السيوطي: وألحق العرب أيضا بالممنوع التصرف في التزام النصب على الظرفية، (ذا) و (ذات) مضافين إلى زمان. وأنشد شطر البيت. والعصابة: العمامة، وكل ما يعصب به الرأس.

441 - وأربد فارس الهيجا إذا ما … تقعّرت المشاجر بالخيام
البيت للشاعر لبيد بن ربيعة. والمشاجر، مراكب النساء. [اللسان - هيج، وقعر، وشجر] وتروى القافية (الفئام، والقيام) والفئام: وطاء يكون للمشاجر، وقيل: هو الهودج الذي وسع أسفله بشيء زيد فيه وقيل: هو عكم مثل الجوالق صغير الفم يغطى به مركب المرأة، يجعل واحد من هذا الجانب وآخر من هذا الجانب. والجمع (فؤوم).
ومعنى: انقعرت: انقلبت فانصرعت. وذلك في شدة القتال عند الانهزام. وأربد: هو أخو لبيد لأمه (أربد بن قيس) وكان أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، غادرا، فدعا الله عليه فأصابته بعد منصرفه صاعقة، فأحرقته.

442 - فلن تستطيعوا أن تزيلوا الذي رسا … لها عند عال فوق سبعين دائم
لم أعرف قائله: وسبعين: مثنى «سبعة» من العدد. قال: السيوطي: ولا تثنى ولا تجمع أسماء العدد، خلافا للأخفش - غير مائة وألف. قال: واستدل الأخفش على ما أجازه وأنشد شطر البيت. لعله يريد الأرضين السبع، والسموات السبع. [الهمع 1/ 43].

443 - فعوّضني عنها غناي ولم تكن … تساوي عندي غير خمس دراهم
لم أعرف قائله.
والشاهد (تساوي) فعل مضارع مرفوع ظهرت على آخره الضمة مع أنه معتل الآخر بالياء، وحقه أن تقدر على آخره الضمة للثقل. وهذا ضرورة، أو شاذ ولا يقاس عليه [الهمع - ج 1/ 53، والدرر ج 1/ 30].

444 - ألا تنتهي عنّا ملوك وتتّقي … محارمنا لا يبأء الدّم بالدّم
البيت للشاعر التغلبي جابر بن حنيّ.
(3/168)

وقوله: لا يبأء: من أبأته، أبيئه، إباءة وهو أخذ القود والقصاص. وهو الجزاء. يقول جدار أن يباء الدم بالدم، ويروى: لا يبوء الدم بالدم، أي: حذار أن تبوء دماؤهم بدماء من قتلوه. وأنشد سيبويه البيت شاهدا على الجزم في جواب الطلب، فجزم «لا يبأء» لأنه جواب «ألا تنتهي» [سيبويه ج 1/ 450، والنحاس 294، واللسان (بوأ).

445 - الشاتمي عرضي ولم أشتمهما … والنّاذرين إذا لم ألقهما دمي
من معلقة عنترة بن شداد. وقبل البيت:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تكن … للحرب دائرة على ابني ضمضم
وابنا ضمضم: هما هرم وحصين ابنا ضمضم المرّيان، وكان عنترة قتل أباهما فكانا يتوعدانه.
وقوله: الشاتمي عرضي: أي: اللذان شتما عرضي. والنون حذفت من المثنى (الشاتمي) للتخفيف. تقول: جاء الضاربا زيد، والمعنى الضاربان زيدا. وإنما جاز أن تجمع بين الألف واللام والإضافة، لأن المعنى «الضاربان زيدا».
وقوله: إذا لم ألقهما: تقرأ همزة «القهما» دون تحقيق للوزن، ولذلك يروى (إذا لقيتمها) والناذرين: مثنى الناذر، من نذرت دم فلان إذا أبحته.
والشاهد (الناذرين) حيث عمل عمل فعله وهو مثنى اسم الفاعل. وتثنية اسم الفاعل وجمعه كالمفرد في العمل والشروط. [الأشموني ج 2/ 299، وشروح المعلقات].

446 - وتشرق بالقول الذي قد أذعته … كما شرقت صدر القناة من الدم
البيت للأعشى.
والشاهد (شرقت صدر القناة) فقد أنّث الفعل، مع أن الفاعل (صدر) مذكر، ولكنه لما أضافه للقناة سرى منها التأنيث إليه، فالمضاف يستفيد من المضاف إليه التأنيث. [الخزانة ج 5/ 106، والأشموني وعليه العيني ج 2/ 248] وسيبويه ج 1/ 25 واللسان - صدر. والهمع ج 2/ 49، والخصائص ج 2/ 417].

447 - تركنا أخا بكر ينوء بصدره … بصفين مخضوب الجبين من الدّم
(3/169)

منسوب لزيد بن عديّ بن زيد.
قال السيوطي: إذا سمي بالمثنى والجمع فهو باق على ما كان عليه قبل التسمية من الإعراب بالألف والواو والياء، وذكر أعلاما منها فلسطون وصفّون (يريد صفّين) ودارون (دارين). قال: كلها أعلام منقولة من الجمع فترفع بالواو وتنصب وتجر بالياء، وأنشد البيت شاهدا على «صفين» الموقع المشهور. قال: وفي الحديث «شهدت صفين، وبئست صفّون» قلت: وهذا إن صحّ في الأعلام المنقولة عن المسميات العربية، فإنه لا يصح في الأعلام ذات الأصل الأعجمي. فقد ذكر «فلسطين» وقال إنها منقولة من الجمع، والصحيح أنّ «فلسطين» لفظ أعجمي، وأصلها «بلست، أو بلستي. وعرّبها العرب بفلسطين، ويبدو أن هذا التعريب بالنون جاء في العهد الإسلامي، وأما في العصر الجاهلي فذكروها باسم «فلسط» وهو قريب من اللفظ الأعجمي، ولذلك نسبوا إليها «فلسطي» قال الشاعر يصف الخمر «تخله فلسطيا إذا ذقت طعمه» وقال ابن هرمة في العصر الإسلامي (كأس فلسطيّة معتقة). [الهمع ج 1/ 50، والدرر ج 1/ 24].

448 - أسمعتكم يوم أدعوني مربّأة … لولاكم ساغ لحمي عندها ودمي
لم يعرف قائله. وأنشده السيوطي شاهدا على استعمال «لولا» الامتناعية، حرف جرّ، إذا اتصلت بضمير جر «الكاف، والهاء، والياء ونا» [الهمع ج 2/ 33].

449 - لو عدّ قبر وقبر كنت أكرمهم … ميتا وأبعدهم عن منزل الذّام
البيت من أربعة أبيات، أوردها أبو تمام في الحماسة، ونسبها لعصام بن عبيد الزّمّاني.
ونسبها الجاحظ في البيان والتبيين لهمّام الرّقاشي، والشاعر يخاطب رجلا حجبه عن الدخول، وقدّم آخرين عليه، فقال قبل البيت:
أدخلت قبلي قوما لم يكن لهم … في الحقّ أن يلجوا الأبواب قدّامي
والذام: لغة في الذمّ، بالتشديد في الميم.
وأنشدوا البيت شاهدا على أن تعاطف المفردين (قبر وقبر) لقصد التكثير، إذ المراد لو عدّت القبور قبرا قبرا. ولم يرد قبرين فقط وإنما أراد الجنس متتابعا واحدا بعد واحد، يعني: إذا حصّلت أنساب الموتى، وجدتني أكرمهم نسبا وأبعدهم من الذمّ.
(3/170)

والشاعر عصام، جاهلي. وهو كاذب فيما قال، لأن أنساب الأنبياء عليهم السلام خير من نسبه. [الخزانة ج 7/ 473]، وحماسة المرزوقي 1122].

450 - أمن عمل الجرّاف أمس وظلمه … وعدوانه أعتبتمونا براسم
451 - أميري عداء إن حبسنا عليهما … بهائم مال أوديا بالبهائم
لعبد الرحمن بن جهم. والجرّاف: اسم رجل، وراسم كذلك. وكان الجرّاف ولي صدقات هؤلاء القوم فظلمهم، فشكوه، فعزل وولي راسم مكانه فظلم أكثر من الجرّاف.
والإعتاب: الإرضاء، وإزالة الشكوى. وروي (أعنتّمونا) من الإعنات، وهو الإيقاع في العنت والمشقة.
وقوله: (أميري عداء) نصب أميري، على الذمّ، والتقدير أذمّ أميري عداء. [اللسان - جرف، وسيبويه ج 1/ 288، والخزانة ج 2/ 196].

452 - فقلت لها أصبت حصاة قلبي … وربّت رمية من غير رامي
وقبل البيت:
رمتني يوم ذات الغمر سلمى … بسهم مطعم للصّيد لامي
والبيتان لم يعرف قائلهما. وسهم لامي: أي عليه ريش، وأصله مهموز العين. وحصاة القلب: حبته.
والشاهد (ربّت) على أن تاء التأنيث قد تلحق الحرف ربّ. [الخزانة ج 7/ 420].

453 - هما نفثا في فيّ من فمويهما … على النابح العاوي أشدّ رجام
البيت للفرزدق من قصيدته التي قالها آخر عمره تائبا إلى الله مما فرط منه من مهاجاته الناس وقذف المحصنات، وذمّ فيها إبليس لإغوائه إياه في شبابه وقبل البيت الشاهد:
وإنّ ابن إبليس وإبليس ألبنا … لهم بعذاب الناس كلّ غلام
وقوله: ألبنا: سقيا اللبن. يريد أنّ إبليس وابنه سقيا كلّ غلام من الشعراء هجاء وكلاما، خبيثا.
(3/171)

وقوله: هما نفثا: ضمير التثنية راجع إلى إبليس وابنه. ونفثا: أي: ألقيا على لساني.
والنابح: أراد به من يتعرض للهجو والسب من الشعراء، وأصله في الكلب ومثله العاوي، والرّجام: مصدر راجمه بالحجارة أي: راماه. جعل الهجاء كالمراجمة لجعله الهاجي كالكلب النابح. والبيت شاهد على أن الشاعر جمع بين
البدل والمبدل منه وهما الميم والواو في «فمويهما» وزعموا أن الميم في «فم» بدل من الواو في «فوه» فإذا رجعت الواو، كان يحسن أن تحذف الميم. وقولهم: هذا الحرف مبدل من ذاك أمر فرضي وليس وصفا لواقع. والأحسن أن تقول: إن الفم، هي لغة، وأن (فو) لغة وأن «فمو» لغة. والله أعلم. [سيبويه ج 2/ 83، والخصائص ج 1/ 170 و/ 3/ 147.
والإنصاف ص 345، والهمع ج 1/ 51].

454 - ليس الأخلاء بالمصغي مسامعهم … إلى الوشاة ولو كانوا ذوي رحم
البيت غير منسوب وهو في الهمع ج 2/ 48 والعيني ج 3/ 394.
وقوله: بالمصغي. جمع مذكر سالم، مفرده المصغي. حذفت النون للإضافة، أو للتخفيف، والذي سوغ تحلية المضاف المشتق بأل مع خلو المضاف إليه منها أنّ الإضافة لا تفيد تعريفا، وهذه الإضافة تكون في المثنى والمجموع.

455 - لولا ابن حارثة الأمير لقد … أغضيت من شتمي على رغمي
456 - إلا كمعرض المحسّر بكره … عمدا يسبّبني على الظّلم
... البيتان منسوبان للنابغة الجعدي: وهما في [اللسان (عرض، وسبّ، وحسر).
وسيبويه ج 1/ 368]. قال النحاس معقبا: كأنه قال: وكمعرض، فإلّا في معنى الواو (206) وفي اللسان: حسّر الدابة أتعبها. فقال: أراد إلا معرضا فزاد الكاف. وقال في (سبب) سبّبه: أكثر سبّه. وأراد إلا معرضا، فزاد الكاف، وهذا من الاستثناء المنقطع عن الأول، ومعناه: لكن معرضا.

457 - أرقت ولم تهجع لعيني هجعة … وو الله ما دهري بعسر ولا سقم
لم أعرف قائله، وأنشده السيوطي عن أبي حيان على أنه لو كان أصل واو القسم العطف ما دخلت عليها واو العطف في قول الشاعر (البيت) [الهمع ج 2/ 39 والدرر ج 2/ 44].
(3/172)

458 - فيه الرّماح وفيه كلّ سابغة … جدلاء محكمة من نسج سلّام
البيت منسوب للحطيئة في ديوانه. قال صاحب الأغاني: قدم حمّاد الراوية البصرة على بلال بن أبي بردة وهو عليها، فقال له: ما أطرفتني شيئا يا حماد، فعاد إليه فأنشده قول الحطيئة في أبي موسى، فقال له: ويحك أيمدح الحطيئة أبا موسى وأنا أروي شعره كله، ولا أعلم بهذه؟ أذعها، تذهب في الناس.
والسابغة: الدرع الضافية. والجدلاء: الدرع المحكمة النسيج. وسلّام: هو سليمان بن داود عليهما السلام. وفيه الشاهد: قال السيوطي: ومن الضرائر: العدول عن صيغة لأخرى. وأنشد شطر البيت، وقال: أي: سليمان.
قال أبو أحمد: وهذه من أقبح الضرائر التي قرأتها. بل هما ضرورتان في اسم واحد:
أولاهما: كونه قال «سلّام» بدل سليمان. وهذه غاية في اللبس. وسلّام: صيغة عربية وسليمان: صيغة أعجمية، ولا يخطر إلى ذهن القارئ أن يكون سلّام، هو سليمان.
والثانية: أن سليمان عليه السلام لم يشهر بصناعة أدوات الحرب، وإنما كانت الشهرة لأبيه، كما جاء في القرآن. وإنما شهر سليمان بالبناءات العظيمة، لأن الله سخّر له الجنّ، ولذلك نسب إليه النابغة بناء تدمر فقال: (يبنون تدمر بالصفّاح والجمد). قلت: سلّام:
عدل بها عن الصيغة العربية لسليمان، ولكنه لم يبعد كثيرا عن الصيغة العبرية - لأن اسمه بالعبرية (شلومو) ولعلها تعني السلام، ومنها (أور - شليم) لمدينة القدس، ومعناها مدينة السلام. وقد تبيّن أن من ينسب صناعة السلاح إلى (سليمان) يريد أباه داود، ففي لسان العرب ذكر بيت الحطيئة وذكر قول النابغة «ونسج سليم كلّ قضّا ذائل» قال: أراد نسج داود فجعله سليمان ثم غير الاسم فقال: سلّام، وسليم» ولكن «سليم» تشبه الترخيم، مع أن الترخيم لا يكون إلا في المنادى المضموم. [الهمع ج 2/ 156، واللسان - جدل، وسلم].

459 - هلّا تمنّن بوعد غير مخلفة … كما عهدتك في أيام ذي سلم
البيت لم نعرف قائله.
والشاهد: «هلا تمنّن» حيث أكد الفعل بنون التوكيد الخفيفة بعد حرف التحضيض، الدال على الطلب، وأصله «تمنين» خطاب للمؤنث فلما دخلت عليه هلّا التي للطلب
(3/173)

سقطت النون وصار: هلا تمني، ثم لما دخلت عليه نون التأكيد الخفيفة وهي ساكنة، التقى ساكنان وهما النون والياء، فحذف الياء فصار (تمنّن) وغير: منصوب على الحال.
وذي سلم: اسم موضع أو واد بالحجاز يكثر فيه شجر السلم ويكثر ذكره في شعر الحنين إلى الحجاز، وشعر المتشوقين إلى الديار المقدسة. فقال البوصيري في بردته:
أمن تذكر جيران بذي سلم … مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
[الأشموني ج 3/ 213، وعليه العيني، والهمع ج 2/ 78، والدرر ج 2/ 96].

460 - ومن هاب أسباب المنايا ينلنه … ولو رام أسباب السماء بسلّم
البيت لزهير من معلقته ويروى:
ومن يبغ أطراف الرماح ينلنه … ولو رام أن يرقى السماء بسلّم
يقول: من تعرض للرماح نالته. ورام: معناه حاول. والأسباب: النواحي. ويروى أيضا:
ومن هاب أسباب المنيّة يلقها … ولو رام أسباب السماء بسلّم
وإنما عنى بها من يهاب كراهة أن تناله، لأن المنايا تنال من يهابها ومن لا يهابها.
وهو نظير قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة: 8] والموت يلاقي من يفرّ ومن لا يفرّ.
وقوله ينلنه: في رواية الشاهد: النون للنسوة، لأن الضمير يعود على «أسباب المنايا».
[شرح المعلقات، واللسان (سلم، وسبب) والخصائص ج 3/ 324].

461 - أذلّا إذا شبّ العدا نار حربهم … وزهوا إذا ما يجنحون إلى السّلم
لم يعرف قائله. قال السيوطي: من المواضع التي يجب فيها حذف عامل المصدر، ما وقع في توبيخ، سواء كان مع استفهام، كقوله .. (البيت).
والمقصود في البيت «أذلا» و «زهوا» فهما منصوبان بفعل محذوف. [الهمع ج 1/ 192 والدرر ج 1/ 165].
(3/174)

462 - وأنا الذي قتّلت بكرا بالقنا … وتركت مرّة غير ذات سنام
البيت لمهلهل بن ربيعة ويروى الشطر الثاني (وتركت تغلب) والأول أقرب إلى ما يكون من تاريخ حرب البسوس. وقد استشهد به ابن يعيش، لإعادة الضمير على «الذي» بلفظ ضمير الحاضر، لجريان «الذي» على حاضر، وهو المتكلم، وإن كان لفظه من ألفاظ الغيبة. [شرح المفصل ج 4/ 25].

463 - كأنّا على أولاد أحقب لاحها … ورمي السّفى أنفاسها بسهام
جنوب ذوت عنها التناهي وأنزلت … بها يوم ذبّاب السّبيب صيام
البيتان للشاعر ذي الرّمة من قصيدة يمدح بها إبراهيم بن هشام المخزومي خال الخليفة هشام بن عبد الملك، وهو يصف الإبل التي أوصلته إلى الممدوح ويشبهها بالحمر الوحشية، فقوله: كأنا على أولاد .. الخ: يريد كأنا على حمر. والأحقب فحل في موضع الحقب منه بياض، ولاحها: غيرها، وأضمرها. والسفى: شوك، تأكله الحمر.
وأنفاسها: أراد مكان أنفاسها. وذلك أنها تأكل السفا، فيصيبها، فكأنها سهام. وجنوب:
أظنها ريح الجنوب، وذوت: جفّت. والتناهي: حيث ينتهي الماء، فيحتبس يقول:
الجنوب أنزلت بهذه الحمر، أي: أحلّت بها يوما شديد الحرّ، فهي تذب بأذنها من شدّة الحرّ، والسبيب: الذنب. والصيام: القائمة، والصائم الثابت في مكانه لا يبرحه.
والصيام: مجرور، لأنه صفة أولاد، أراد كأنه على أولاد أحقب صيام.
وقوله: لاحها: فعل ماض، والها: مفعوله. وجنوب: في البيت الثاني: هي الفاعل.
ورمي: معطوف على «جنوب».
وفيه الشاهد: وهو أنّه عطف الرمي على الجنوب وقدّم المعطوف على المعطوف عليه. [ديوان ذي الرّمة ج 2/ 1072، وسيبويه/ 1/ 266 والأشموني/ 3/ 118، وجاء فيه محرفا، برواية «خيام» برفع قافية البيت الثاني وجرّ قافية البيت الأول.

464 - تيمّمت همدان الذين هم هم … إذا ناب أمر جنّتي وسهامي
البيت منسوب لعليّ بن أبي طالب. قال السيوطي في الهمع ج 2/ 125: الثاني من قسمي التوكيد: لفظي، وهو بإعادة اللفظ الأول. وأنشد البيت.
والبيت من ستة أبيات أوردها ابن رشيق في العمدة (ج 1/ 34) قالها يوم صفّين،
(3/175)

يذكر همدان ونصرهم إياه .. وفيها يقول:
ولما رأيت الخيل ترجم بالقنا … نواصيّها حمر النحور دوامي
ونادى ابن هند في الكلاع وحمير … وكندة في لخم وحيّ جذام
تيممت همدان ... … ...
فخاضوا لظاها واستطاروا شرارها … وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام
فلو كنت بوّابا على باب جنّة … لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
قلت: وفي هذه الأبيات ما يدفع نسبتها إلى الإمام علي رضي الله عنه. منها: أن الأبيات ليس لها سند يوصلها إلى الإمام عليّ، وهي مرويّة في كتب المتأخرين ومنها:
قوله: ونادى ابن هند. ومعاوية ينسب إلى أبي سفيان، وإضافته إلى هند أمه، كأنه يعيره بها، لكونها شجعت على قتل حمزة، وأكلت من كبده، كما رووا ولكن هندا، أسلمت، وبايعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وعليّ بن أبي
طالب كان تقيّا عفيفا لا يكون منه، تعيير مسلم بماضيه قبل إسلامه، فالظاهر، بل المحقق أن كلّ من أسلم في العهد النبويّ، حسن إسلامه، ولم يبق في قلبه شيء من كفر.
ومنها: قوله: ونادى ابن هند في الكلاع .. الخ وتيممت همدان: وهذا معناه أن الحرب كانت عصبية قبلية. وجعل عليّ همدان جنّته وسهامه. الخ وعليّ لا يقول هذا لأنه كان يرى أن الحرب كانت في سبيل الحقّ، لا دفاعا عن شخصه، وإذا أيدّت همدان عليا، فإنما تدافع عن الحقّ الذي يمثله عليّ في رأيها.
ومنها قوله (وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام) فالشّرب: جماعة الشاربين. والمدام الخمر، وكأنه يجعلهم في الحرب، منتشين كشاربي الخمر. والإمام عليّ لن يقول هذا لأن فيه مدحا للخمر.
ومنها قوله: فلو كنت بوابا على باب جنة. الخ: وهذا لا يملكه الإمام عليّ، لأن دخول الجنة بأمر الله تعالى. ولو فرضنا أنه يقول هذا لمن قتل معه، باعتباره شهيدا، فهل يملك هذا لمن بقي منهم بعد المعركة. وكأنه ساوى بين أهل صفين وأهل بدر.
وهذا لم يقل به أحد. هذا، وقد شدّد البغدادي النكير على من طعن في نسبة الأشعار إلى عليّ بن أبي طالب مع كثرة ما روي له منها حتى كانت ديوانا. وقال: وأنا أعجب من
(3/176)

إنكار هؤلاء نسبة سائر أشعاره الكثيرة إليه الثابتة له بنقل العلماء المتقنين. الخ [شرح أبيات مغنى اللبيب ج 4/ 191 - 192].
وهو يردّ بهذا على رواة الشعر الذين أنكروا شعر الإمام علي.
فقال السيوطي: قال المرزباني في تاريخ النحاة: قال يونس: ما صحّ عندنا ولا بلغنا أن عليّ بن أبي طالب قال شعرا إلا هذين البيتين (وأنشد بيتين).
وفي القاموس المحيط قال: قال المازني: لم يصح أن عليا تكلم بشيء من الشعر غير هذين البيتين، وصوّبه الزمخشري. [القاموس باب (ودق)].
قلت: وما قاله يونس، والمازني، فهو الأقرب إلى الحقّ، فهؤلاء رواة أثبات في الشعر وأما الذين رووا أشعار عليّ، فلم يذكروا لها سندا، وأكثر ما يقولون: قال الإمام عليّ. ثم إن الأشعار التي أوردها ابن إسحاق في السيرة لا يصحّ منها إلا القليل، وهذا فيما نسب إلى شعراء يقولون الشعر، كحسان وكعب، وعبد الله بن رواحة أما من لم يشهر عنهم قول الشعر، فلم يصح منه إلا القليل جدا، وأكثره موضوع ومصنوع.
وأما ما رواه الإمام مسلم في كتاب الجهاد والسير من قول الإمام علي، لمرحب ملك خيبر.
أنا الذي سمّتني أمّي حيدره … كليث غابات كريه المنظرة
فهو رجز، وكان الرجز على لسان المجاهدين في المعارك، ولا تخلو سيرة بطل من أبطال العرب، من إنشاء الرجز في الحرب، أو التمثل به، وقد تمثل النبي صلّى الله عليه وسلّم بالرجز عند بناء المسجد، وعند حفر الخندق. والله أعلم.

465 - يا صاح إمّا تجدني غير ذي جدة … فما التخلّي عن الخلّان من شيمي
لم يعرف قائله.
وقوله: يا صاح: أي: يا صاحبي. منادى مفرد مرخم. وإمّا: أداة شرط إن+ ما، وتجدني: فعل الشرط، وفيه الشاهد: حيث ترك التوكيد بالنون مع وقوع الفعل بعد إمّا المركبة من إن وما، إما للضرورة، وإما أنه قليل. والياء في تجدني: مفعوله الأول.
وغير: مفعوله الثاني، والجدة: المال، والغنى. والفاء في «فما» في جواب الشرط
(3/177)

[الأشموني ج 3/ 216، والعيني 4/ 339].

466 - ظللنا بمستنّ الحرور كأنّنا … لدى فرس مستقبل الريح صائم
البيت لجرير. وعنى بمستنّ الحرور: موضع جري السراب، وقيل: موضع اشتداد حرّها ويجوز أن يكون مجرى الريح. والصائم من الخيل: القائم الساكن الذي لا يطعم شيئا. والصائم: القائم على قوائمه الأربع. والخلاف: هل تكون «صائم» صفة لفرس، أو صفة لمستقبل. قال ابن جني إن الوصف لا يوصف، ولهذا فلا تكون «صائم» صفة لمستقبل لأنه اسم فاعل بمنزلة الفعل والجملة، وإن كثرت الصفات فهي للأول.
وقال السيوطي: كل اسم قابل للوصف، وقد أجاز سيبويه «يا زيد الطويل ذو الجمة» على جعل «ذو الجمة» نعتا للطويل. وجعل صائما من قوله (لدى فرس - الخ) صفة لمستقبل وهو عامل. [الهمع ج 2/ 118 وسيبويه ج 1/ 211، والدرر ج 2/ 149].

467 - فرّت يهود وأسلمت جيرانها … صمّي لما فعلت يهود صمام
البيت للأسود بن يعفر - وهو جاهلي. ويهود: جرى من كلامهم مجرى القبيلة فهو معرفة مؤنث ممنوع من الصرف. ومعنى: صمّي: اخرسي. أمر من «صمم» من باب علم أصله «اصممي» بوزن اعلمي. والخطاب للداهية،
التي هي «صمام» على وزن فعال كقطام اسم للداهية، وصمام: منادى. ومعنى صمي يا صمام أي: زيدي يا داهية ومنهم من جعل الضمير في صمّي، للأذن، وصمام اسم فعل مثل نزال، أي: صمّي يا أذن لما فعلت يهود صمام، وعلى المعنى الثاني، استشهد به الأشموني، على التوكيد اللفظي، لتقوية اللفظ بموافقة معنى. [الأشموني ج 3/ 81، والعيني، واللسان، هود وصمم].

468 - صدّت كما صدّ عمّا لا يحلّ له … ساقي نصارى قبيل الفصح صوّام
البيت للنمر بن تولب. قال النحاس: جعل النصارى نكرة. يدلك على ذلك، أنه وصفهم بنكرة، فقال: صوّام، وجعل واحدهم: نصران - كسكران، وسكارى. والفصح:
أراد به عيد الفصح عند النصارى، وهو عيد نهاية الصوم عندهم. [النحاس ص 313، وكتاب سيبويه ج 2/ 29].

469 - أرى النّيك يجلو الهمّ والغمّ والعمى … ولا سيّما (إن نكت) بالمرس الضّخم
(3/178)

لم يعرف قائله. ولم أعرف معنى «المرس» فإن كان بكسر الراء، فهو صفة وإن كان بفتح الراء، فهو جمع مرسة، وهو الحبل. والبيت استشهد به السيوطي على فصل «لا سيما» عن مصحوبها بالجملة الشرطية، فتكون «ما» كافة. [الهمع ج 3/ 294، والدرر ج 3/ 185].

470 - ولقد خشيت بأن أموت ولم تكن … للحرب دائرة على ابني ضمضم
لعنترة في معلقته. وابنا ضمم، رجلان كانا يضمران له العداوة، ويتربصان به لأنه قتل أباهما. ضمضم.
وقوله: لم تكن يحتمل أن تكون «تكن» تامة، أي: لم تحدث وفيه رواية مشهورة
(ولم تدر للحرب دائرة)
وقد مضى البيت مع لاحقه بقافية (دمي).

471 - نرى أسهما للموت تصمي ولا تنمي … ولا نرعوي عن نقض - أهواؤنا - العزم
البيت غير منسوب. وتصمي: من أصميته إذا رميته فقتلته بحيث تراه. ولا تنمي: من أنميتّه، إذا رميته، فغاب عنك ثم مات. والمعنى: نرى أسهما للموت تقتل ولا تبطئ.
والارعواء: الكفّ عن القبيح.
والشاهد: عن نقض - أهواؤنا - العزم - حيث فصل «أهواؤنا» المرفوع بالمصدر، بين المضاف، وهو نقض، والمضاف إليه، وهو العزم، والتقدير: عن نقض العزم أهواؤنا، أي: عن أن ينقض أهواؤنا العزم. [الأشموني ج 2/ 279، والعيني].

472 - تزوّد منّا بين أذناه طعنة … دعته إلى هابي التراب عقيم
ينسب البيت إلى هوبر الحارثي: مضى هذا البيت في قافية الميم المرفوعة (عقيم) ويستشهدون به على استعمال المثنى بالألف دائما، كما ورد في البيت. ولكن بعض المصادر ترويه على اللغة القرشية (أذنيه)، فقد جاء في اللسان، مرتين، بالياء. وهذا يدلّ على أن سماع لغة الألف ليست موثوقة، أو ليست قوية. والذين رووا القافية مرفوعة أو مجرورة، لم يقولوا سبب الجرّ أو الرفع. فعقيم: معناه الذي لا يلد، أو التي لا تلد.
فأيّ شيء وصفت في البيت. وكونها صفة ل (طعنة) أقرب إلى المعنى، لكن طعنة (منصوبة ب (تزوّد)، ليس هناك من تأويل، إلا أن تكون (ضربة) مجرورة مبدلة من الضمير المجرور (منّا). وفي لسان العرب ذكر بيتا سابقا مجرور القافية، وهو:
(3/179)

بمصرعنا النعمان يوم تألبت … علينا تميم من شظى وصميم
ومع ذلك فإن ابن منظور يروي البيت مفردا في مادة (هبا) وضبط برفع القافية (عقيم) فإن صحت رواية الرفع فإن تخريجها يكون سهلا. وهو أن تكون «عقيم» فاعل «دعته» أي: دعته عقيم إلى هابي التراب. والعقيم: الحرب. [شرح المفصل ج 3/ 128 والهمع ج 1/ 40. واللسان - صرع، وهبا، وشظى]. قال في مادة «شظى» والشظى من الناس: الموالي، والتبّاع وشظى القوم، خلاف صميمهم، وهم الأتباع والدخلاء عليهم بالحلق، وروى هنا ثلاثة أبيات لهوبر الحارثي، أولها:
ألا هل أتى التّيم بن عبد مناءة … على الشنء فيما بيننا ابن تميم
وتلاحظ أن قافيته مجرورة، ولكنها جاءت قلقة مضطربة في غير محلها، وكأنها صناعة طالب علم مبتدئ، يعرف العروض، ولم يتمكن من اللغة، وأراد أن يقول الشعر، فقاله يدرّب نفسه على تركيب الوزن الشعري، دون النظر إلى صحة المعنى. والله أعلم.

473 - وإلّا أكن كلّ الشجاع فإنني … بضرب الطّلى والهام حقّ عليم
في حماسة أبي تمام، وقال بعض بني أسد. وقال التبريزي: قيل: لعبد العزيز ابن زرارة.
وقوله «كلّ الشجاع» أي: الكامل في معناه. والطّلى: الأعناق، الواحدة طلية. والباء في قوله: بضرب الطلى تعلّق، بقوله «عليم». وبهذا تقدم معمول المضاف إليه على المضاف. والمشهور أنه لا يقدم معمول المضاف إليه على المضاف، وقد أجازه بعضهم إذا كان المضاف كلمة (حقّ) كما في البيت. ذلك أن قوله «حقّ عليم» لا زيادة فيه إلا التوكيد فلم يقيّد بالمضاف، فحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ، فكأنه قال: «إنني بضرب الطلى عليم جدا» ومما
تقدم معمول المضاف إليه على المضاف في قطعة البيت الشاهد، قوله:
وإلّا أكن كلّ الجواد فإنني … على الزاد في الظلماء غير شتيم
فقوله على الزاد متعلق بشتيم، وهو مضاف إليه. والذي سوغه أن «غير» تساوي «لا» النافية، فحمل الكلام على المعنى، لا على اللفظ. [المرزوقي 83، والهمع ج 2/ 49].
(3/180)

474 - ونطعنهم حيث الكلى بعد ضربهم … ببيض المواضي حيث ليّ العمائم
لا يعرف قائله. والكلى، جمع كلية، أو كلوة، والمواضي: السيوف. وليّ: مصدر لوى العمامة على رأسه، أي: لفّها ومكان لفّ العمامة هو الرأس. وأنشدوه على ندرة إضافة «حيث» إلى المفرد، فتكون حيث بمعنى مكان، وليّ، مجرور بإضافة حيث إليه.
وفي خزانة الأدب ج 6/ 553، بحث ضاف حول هذا البيت. وانظر [شرح المفصل ج 4/ 90، والهمع ج 1/ 212، والأشموني ج 4/ 65].

475 - شغفت بك اللّت تيمتك فمثل ما … بك ما بها من لوعة وغرام
لا يعرف قائله. وأنشده السيوطي شاهدا على حذف ياء «التي» وكسر ما قبلها. مثال «اللّت» كما في البيت. ويظهر أن هذا الحذف لضرورة الوزن، في النطق فقط ولو رسمت الياء لكان أحسن. [الهمع ج 1/ 82].

476 - قلب من عيل صبره كيف يسلو … صاليا نار لوعة وغرام
منسوب لرجل من طي، وأنشده السيوطي شاهدا لوقوع الجملة الطلبية خبرا فقوله:
قلب: مبتدأ خبره (كيف يسلو). [الهمع ج 1/ 96، والدرر ج 1/ 73].

477 - فما أنت من قيس فتنبح دونها … ولا من تميم في اللها والغلاصم
البيت للفرزدق، من قصيدة يهجو بها جريرا. وقيس وتميم: قبيلتان، وصرفهما على معنى الأب، وقيس، إذا كانت مؤنثة، يجوز صرفها، لأنه ثلاثي ساكن الوسط مثل (هند) واللها: جمع لهاة، وهي لحمة حمراء في الحنك معلقة على عكدة اللسان، أو هي القطعة اللحمية المطبقة في أقصى سقف الفم. والغلاصم: جمع مفرده الغلصمة، وهو الموضع الناتئ في الحلق، وقيل: اللحمة التي بين الرأس والعنق، وقيل غير ذلك - ولا تخرج اللها والغلاصم عن منطقة الرأس والعنق. ولكن الحكم بأيها هي اللهاة، أو الغلصمة تحتاج إلى عالم بالتشريح. والشاعر مثّل باللها والغلاصم لأعالي القوم وجلّتهم.
ولذلك جاءت رواية أخرى للبيت على النحو التالي:

478 - وما أنت من قيس فتنبح دونها … ولا من تميم في الرؤوس الأعاظم
والبيت أنشده سيبويه شاهدا على النصب بعد الفاء (فتنبح) لأنها مسبوقة بنفي، وفي
(3/181)

كتاب النحاس وغيره (يقولون: النصب بالفاء) فجعلوها الناصبة، ونحن نقول اليوم:
منصوب بأن مضمرة بعد الفاء. وهو أمر مشكل لصغار المتعلمين الذين لا يعرفون التأويل، ولذلك فإن القول: النصب بالفاء، وحتى، ولام التعليل. أجود المذهبين.
[كتاب سيبويه ج 1/ 420، والنحاس 274، واللسان (غلم) والهمع ج 2/ 13].

479 - قد كنت أحسبني كأغنى واحد … نزل المدينة عن زراعة فوم
البيت منسوب لأبي محجن الثقفي. والفوم: أقوى الأقوال فيه «أنه الحنطة، وسائر الحبوب التي تختبز» والقول بأنه «الثوم» بالثاء، ضعيف جدا، قال ابن منظور وأزد السراة يسمون السنبل فوما، الواحدة فومة، والسنبل لا يقال إلا لنتاج القمح والشعير، ثم إنهم طلبوا ثلاثة أشياء تكوّن مائدة وهي العدس، والفوم (الخبز) والبصل. قال السيوطي:
تختصّ الأفعال القلبية بجواز إعمالها في ضميرين متصلين لمسمى واحد، فاعلا والآخر مفعولا نحو: ظننتني خارجا. وأنشد شطر البيت وفيه أحسبني: مضارع، وفاعله مستتر، والياء مفعول أول. [الهمع ج 1/ 156 واللسان (فوم).

480 - لم ألف بالدار ذا نطق سوى طلل … قد كاد يعفو وما بالعهد من قدم
البيت غير منسوب وأنشده السيوطي شاهدا لاستعمال «سوى» بمعنى «غير» للاستثناء.
[الهمع ج 1/ 202 والدرر ج 1/ 171، والعيني ج 3/ 119].

481 - فهم مثل الناس الذي يعرفونه … وأهل الوفا من حادث وقديم
لم يعرف قائله.
وقوله: مثل: بفتح الميم والثاء. أراد أن هؤلاء القوم الذين مدحتهم، يضربون مثلا للناس في كلّ حسن، وفي كل أنواع البرّ.
والشاهد قصر الممدود «الوفا» فأصله «الوفاء». [الأشموني ج 4/ 109، والهمع ج 2/ 156 والدرر ج 2/ 211].

482 - أسيّد ذو خريّطة نهارا … من المتلقّطي قرد القمام
البيت للفرزدق. والقرد: بالتحريك: ما تمعط من الوبر والصوف وتلبد، وقيل نفاية الصوف خاصة، ثم استعمل فيما سواه من الوبر والشعر والكتان. والخريّطة: مصغر
(3/182)

خرطة، وهو شبه الكيس، يصنع من قماش. والقمام: الكناسة، أو القمامة. قال ابن منظور: يعني بالأسيّد هنا «سوداء» وقال من المتلقطي قرد القمام، ليثبت أنها امرأة، لأنه لا يتتبع قرد القمام إلا النساء. قال: وهذا البيت مضمن لأنه قوله أسيدّ، فاعل بما قبله، ألا ترى أن قبله:
سيأتيهم بوحي القول عنّي … ويدخل رأسه تحت القرام
القرام: بكسر الراء، ثوب من صوف ملوّن فيه ألوان من العهن، وهو صفيق يتخذ سترا وقيل: هو الستر الرقيق، والقرام: سترفيه رقم ونقوش. والقرام: ثوب من صوف غليظ جدا يفرش في الهودج. وقيل غير ذلك مما لا يخرج عن المنسوج. قال ابن سيدة:
وذلك أنه لو قال، أسيّد ذو خريطة نهارا، ولم يتبعه ما بعده لظنّ رجلا فكان ذلك عارا بالفرزدق وبالنساء، فانتفى من هذا وبرأ النساء منه بأن قال: من المتلقطي قرد القمام، ليثبت أنها امرأة، لأنه لا تتبع قرد القمام إلا النساء، يقول: من اللائي يتتبعن القرد في القمامات ويلتقطنه ليغزلنه بعد أن يفنى غزلهن. عنى أنه يدسّها إلى من يحب.
والشاهد: المتلقطي قرد: حذف النون من جمع اسم الفاعل، لإضافته إلى «قرد» ولو أثبت النون لنصب ما بعده. [سيبويه/ 1/ 185، هارون، واللسان «قرد»].

483 - دمت الحميد فما تنفكّ منتصرا … على العدا في سبيل المجد والكرم
البيت غير منسوب. وأنشده السيوطي شاهدا على «أل» الزائدة في الأحوال وهو قوله:
(دمت الحميد) وهي زائدة غير لازمة، كالداخلة على بعض الأعلام، والأحوال والتمييز في قولهم «وطبت النفس يا قيس» وفي البيت: أصله (دمت حميدا) و «دام» تامة. لأنها لم تسبق ب (ما). [الهمع/ ج 1/ 80]. والدرر ج 1/ 53].

484 - نستوقد النّبل بالحضيض ونص … طاد نفوسا بنت على الكرم
في الحماسة: قال بعض بني بولان من طيّئ، ويسبق البيت بيت هو:
نحن حبسنا بني جديلة في … نار من الحرب جحمة الضّرم
يقول: حبسنا هؤلاء القوم على نار من الحرب شديدة الالتهاب.
وقوله: نستوقد النبل. من فصيح الكلام، كأنه جعل خروج النار من الحجر عند صدمة
(3/183)

النبل، استيقادا منهم. يقول: تنفذ سهامنا في الرّميّة حتى تصل إلى حضيض الجبل، فتخرج منه النار، لشدّة رمينا وقوة سواعدنا، ونصيد بها نفوسا مبنية على كرم، أي: نقتل الرؤساء، ومن تكرم نفسه وتعزّ حياته. فالحضيض: قرار الأرض عند سفح الجبل.
وقوله بنت: أصله بنيت، فأخرجه على لغة طيّئ، لأنهم يقولون في (بقي) «بقى» وفي «رضي» و «رضى» كأنهم يفرّون من الكسرة بعدها ياء إلى الفتحة، فتنقلب الياء ألفا. قال أبو أحمد:
قوله: كأنهم يفرّون .. الخ يعللون بهذا اللفظ (الفرار) كثيرا مما يفعله العرب من الإعلال والإبدال. وربّما كانت الكلمة غير دقيقة في وصف ما يحصل. وأنا أقول: إن لهجة القول، ينطق بها الناطق وهو لا يدري، ولعلّ ذلك من تأثير البيئة الجغرافية، وتأثير المكان والهواء، والماء، فتجد كل بقعة أو إقليم صغير، له طريقة في نطق بعض الحروف، تعرف إقليمه منها، وتبقى موروثة متناقلة حتى لو انتقل هؤلاء جماعيا إلى إقليم آخر، وسكنوا ... مجتمعين. وما يتركه قوم من طرق النطق، يتكلم به آخرون، فبعض الأقاليم يقولون (كيف حالك) بالألف في (حالك) وبعضهم ينطقها «حولك» وبعضهم يقول: خبز: بضم الباء، وبعضهم يقول: خبز، بكسر الباء و (بندورة) بسكون النون، وبندورة، بفتح النون. قالوا: وبلفظة بندورة، كان اليهود يميزون بين اللبناني والفلسطيني، عند ما اجتاحوا لبنان، في إحدى سنوات المحن التي توالت على الناس.
[الحماسة، بشرح المرزوقي ص 165 واللسان (بني)].

485 - كيف أصبحت كيف أمسيت ممّا … يغرس الودّ في فؤاد الكريم
لا يعرف قائله. وأنشده الأشموني والسيوطي شاهدا لحذف حرف العطف وبقاء المعطوف، أي: وكيف أمسيت. قال: ومنع ذلك ابن جني والسهيلي وابن الضائع لأن الحروف دالة على معاني في نفس المتكلم وإضمارها لا يفيد معناها، وقياسا على حروف النفي والتأكيد والتمني، فإنه لا يجوز حذفها. قلت: قد لا يكون المقصود مما ذكر في البيت العطف، وإنما يراد به معنى واحد وهو «التحية» كأنه قال: التحيّة تغرس -.
والجملة الثانية مبدلة من الأولى، وليس شرطا أن يقول العبارتين ليغرس الودّ. وكذلك الحديث الذي رواه السيوطي في الباب «تصدق رجل من ديناره، من درهمه من صاع برّه، من صاع تمره» فالمراد تصدق رجل بصدقة، من واحد مما ذكر.
(3/184)

قال الصبّان: وقد خرّج المانع حذف حرف العطف، في الأمثلة على بدل الإضراب، ويحتمل بعضها الاستئناف، كالبيت (كيف أصبحت ..). [الأشموني، وعليه العيني والصبان ج 3/ 116، والهمع ج 2/ 140، والخصائص ج 1/ 290 وج 2/ 280].

486 - كأنّ أخا الكتاب يجدّ خطا … بكاف في منازلها ولام
البيت غير منسوب في المقتضب للمبرد ج 1/ 237.

487 - ألا أيها الطير المربّة بالضّحى … على خالد لقد وقعت على لحم
البيت لواحد من الهذليين: أبي خراش، أو ابنه خراش، أو أبي ذؤيب. والبيت من قصيدة في رثاء خالد بن زهير، ابن أخت أبي ذؤيب، وكان مقتله في الجاهلية بسبب قصة حبّ فيها غدر. ملخصها: أن رجلا اسمه وهب بن جابر هوي امرأة من هذيل كان يقال لها أم عمرو، فاصطاد يوما ظبية، وقال فيها شعرا ثم أطلقها لأنها تشبه صاحبته فبلغ ذلك أم عمرو، فعطفت عليه، وكان رسولها إليه أبا ذؤيب - وكان صغيرا - فلما كبر وشب، رغبت فيه وتركت وهبا ... ففشا أمره، فكان يرسل إليها رسوله، ابن أخته خالد بن زهير، وبعد أمد هويت خالدا وتركت أبا ذؤيب، فدار بين الخال وابن أخته أشعار هجائية حول القصة، فاستغل وهب بن جابر فرصة ما كان بين أبي ذؤيب وابن أخته، فأرسل إليها ابنه عمرو بن وهب، فبذل لها المال، فعطفها على نفسه بالطمع، لكنها بقيت تسرّ الحب لخالد، وتظهر الودّ لعمرو، فجاء خالد يوما فوجد عمرا عندها فقتله. فبلغ الأمر وهب بن جابر، فمشوا إليه وقتلوه. - فقالوا الشعر في رثائه. والله أعلم.
وقوله: الطير المربّه: أي: المقيمة، تأكل من لحمه. وأنشدوا البيت شاهدا على أن الصفة ربما تنوى ولا تذكر - للعلم بها كما هنا، فإن التقدير: على لحم أيّ لحم وفي مطلع البيت روايات أخرى. انظر [الخزانة ج 5/ 75 - 86 وديوان الهذليين ج 2/ 154].

488 - فإمّا أعش حتى أدبّ على العصى … فو الله أنسى ليلتي بالمسالم
البيت لقيس بن العيزرة الهذلي، والعيزرة أمه، وهو قيس بن خويلد، جاهلي.
فإما: أداة شرط، وأعش: فعل الشرط، وأدبّ منصوب بحتى. والله: مقسم به مجرور وأنسى: أي: لا أنسى، حذف حرف النفي، وهذا كثير. قال السيوطي: إذا توالى شرط
(3/185)

وقسم وتقدمهما طالب خبر فالجواب للشرط، تقدم أو تأخر حتما نحو «زيد والله إن تقم يقم» وزيد إن يقم والله
أقم» فإذا لم يتقدمهما طالب خبر، فالجواب للسابق في الأصح، قسما كان أو شرطا، وجواب الآخر محذوف، نحو: والله إن قام زيد لأقومنّ» وإن يقم والله أقم. قال وجعل ابن مالك الجواب للقسم المؤخر إن اقترن بالفاء لدلالته على الاستئناف .. كما في البيت الشاهد.

489 - أتقول إنّك بالحياة ممتّع … وقد استبحت دم امرئ مستسلم
نسبوه إلى الفرزدق. والفرزدق لا يقول بيتا في رقّة هذا البيت، بل إنّ مثل الفرزدق ليس في قلبه ذرّة من العواطف الإنسانية النبيلة.
وقوله: أتقول: الهمزة للاستفهام الإنكاري.
والشاهد قوله: إنك ممتّع: يجوز فيه فتح همزة أنّ، وإعمال «تقول» عمل ظنّ ويجوز الكسر (إنك) على الحكاية، والواو في «وقد» للحال. [الأشموني ج 1/ 275].

490 - وليت فلم تقطع لدن أن وليتنا … قرابة ذي قربى ولا حقّ مسلم
لم يعرف قائله. قال السيوطي: ومنع ابن الدهّان من إضافة «لدن» إلى الجملة وأوّل ما ورد من ذلك على تقدير «أن» المصدرية، بدليل ظهورها معها. وأنشد البيت. [الهمع ج 1/ 215].

491 - هل تبلغنّي دارها شدنيّة … لعنت بمحروم الشّراب مصرّم
لعنترة من معلقته. وتبلغني: توصلني، ودارها: أي دار عبلة. شدنية: ناقة منسوبة إلى «شدن» بفتحتين، وهي حيّ باليمن، وقيل: أرض فيه. ومفهوم الشطر الثاني: إمّا أنه يدعو عليها أن لا تلد، وأن لا يكون من ضرعها لبن، لأن ذلك أقوى لها، وإما أنه يخبر عن هذه الناقة أنها كذلك.
والشاهد: تبلغنّي على أن النون الأولى نون التوكيد الخفيفة، والنون الثانية، للوقاية.
[الخزانة ج 5/ 369، وشروح المعلقات].

492 - ألم ترني عاهدت ربّي وإنّني … لبين رتاج قائما ومقام
(3/186)

البيت للفرزدق، من قصيدة يعلن فيها رجوعه عن الفسق وزور الكلام من الهجاء.
وقوله: ألم ترني: تنصب مفعولين، لأنها قلبية. وجملة إنني - بكسر الهمزة حال من التاء في عاهدت. وبين: خبر إنّ. وقائما: حال من فاعل متعلق الظرف، ومقام معطوف على رتاج، وهو الباب المغلق، والباب العظيم، وأراد به باب الكعبة، والمقام: مقام إبراهيم. والبيت سبق مع أخيه، بقافية (زور كلام). [شرح أبيات مغني اللبيب ج 6/ 241،
وشرح المفصل ج 2/ 59 وج 6/ 50، والخزانة ج 1/ 223 وج 4/ 463].

493 - لا ينعش الطّرف إلا ما تخوّنه … داع يناديه باسم الماء مبغوم
البيت لذي الرّمة. ومضى الكلام عليه في حرف الميم المضمومة، (مبغوم) وإنما أعدته في الميم المجرورة، لأنه جاء في الأشموني كذلك (مبغوم) والصحيح أنه مرفوع.
وهو في الخزانة ج 4/ 344، وشرح المفصل ج 3/ 14، والأشموني/ 3/ 212.

494 - وما يشعر الرمح الأصمّ كعوبه … بثروة رهط الأعيط المتظلّم
البيت للنابغة الجعدي. أي: من كان عزيزا كثير العدد فالرمح لا يشعر به ولا يباليه، بقوله متوعدا والثروة: كثرة العدد، وكثرة المال. والأعيط: الطويل. والمراد: المتطاول كبرا. والمتظلّم: الظالم. ويروى أنه لما قال هذا، أجابه المتوعّد: لكن حامله يشعر فيقدمه يا أبا ليلى، فأفحمه.
والشاهد: رفع «كعوبه» بالأصمّ، وإفراده تشبيها له بما يسلم جمعه من الصفات، وكان وجه الكلام أن يقول «الصمّ» لأن أصمّ لا يجمع جمع السلامة. [سيبويه/ 2/ 42، هارون، واللسان، عيط وظلم].

495 - وإنّي لأطوي الكشح من دون ما انطوى … وأقطع بالخرق الهبوع المراجم
البيت غير منسوب. والخرق: الصحراء. والهبوع: يقال: هبع بعنقه هبعا وهبوعا فهو هابع - وهبوع: إذا استعجل واستعان بعنقه. وأصل الكلام: أقطع الخرق بالهبوع. قال ابن منظور: إنما أراد وأقطع الخرق بالهبوع، فأتبع الجرّ الجرّ. وقال السيوطي: يجوز فصل الجار من مجروره، للضرورة، بالمفعول به. وأنشد البيت أي: وأقطع الخرق بالهبوع. [اللسان - هبع، والهمع ج 2/ 37].
(3/187)

496 - علّقتها عرضا وأقتل قومها … زعما لعمر أبيك ليس بمزعم
لعنترة بن شداد من معلقته. وعلّقتها: أي وقع في قلبي حبها، وكلفت بها. يقال:
علق فلان بفلانة، إذا تعلّق بها، وعشقها. وعرضا: أي فجأة من غير قصد له. وعرضا:
تعرب تمييز، وزعما: أي: طمعا. من زعم يزعم، بكسر العيّن إذا طمع. وزعما:
منصوب على المصدر، بفعل محذوف. والعمر، والعمر: الحياة: ولا يقسم به إلا بفتح العين. وهو مبتدأ خبره محذوف، واللام للتأكيد وخبره محذوف. والمزعم: المطمع خبر ليس، والباء زائدة.
والشاهد: وأقتل أهلها. وجملته وقعت حالا، وهو مضارع مثبت، وسبقته الواو.
والجملة الحالية إذا وقعت مضارعية يجب أن تخلو من الواو؛. وتلزم مع المضارع إذا كان مسبوقا بقد نحو وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [الصف: 5] فإذا كانت منفية وجب خلّوها من الواو. نحو (عهدتك ما تصبو) وفي مثال البيت أوجب ابن مالك جعل المضارع خبرا لمبتدأ محذوف فقال:
وذات بدء بمضارع ثبت … حوت ضميرا ومن الواو خلت
وذات واو بعدها انو مبتدا … له المضارع اجعلنّ مسندا
[شروح المعلقات، الأشموني ج 2/ 187].

497 - إذا ما نعشناه على الرّحل ينثني … مساليه عنه من وراء ومقدم
البيت لأبي حيّة النميري. وقبل البيت:
فما قام إلّا بين أيد تقيمه … كما عطفت ريح الصّبا خوط ساسم
وصف راكبا أدام السرى حتى غلبه النوم فطفق ينثني في عطفيه وناحيتيه سميّا (مسالين) لأنهما أسيلا، أي سهلا في طول وانحدار. ونعشناه: أي: رفعناه. وعنه: أي:
عن الرحل. من وراء ومقدم: أي: من مقدم الرحل ومؤخره.
والشاهد فيه: نصب «مساليه» على الظرف أي: في مساليه. ومسالاه: عطفاه.
[سيبويه/ 1/ 205، واللسان «مسل»].

498 - منعت تميما منك أنّي أنا ابنها … وشاعرها المعروف عند المواسم
(3/188)

البيت للفرزدق، يخاطب جريرا. وكلاهما تميمي، إلا أنه نفى عنها جريرا للؤمه عنده، واحتقاره له، فكأنه غير معدود في رهطه. والمواسم: جمع موسم، وهو المجتمع.
والشاهد فيه: فتح «أني» على معنى «لأنّي» ويجوز كسرها على الاستئناف والقطع.
[سيبويه/ 3/ 128].

499 - وبايعت أقواما وفيت بعهدهم … وببّة قد بايعته غير نادم
البيت منسوب للفرزدق في العيني/ 1/ 404، وليس في ديوان الفرزدق.

500 - إلّا الإفادة فاستولت ركائبنا … عند الجبابير بالبأساء والنّعم
البيت لتميم بن مقبل. والإفادة: الوفادة، وهي الوفود على السلطان. والجبابير: جمع جبار، وهو الملك. يقول: نفد
على السلطان فمرة ننال من خيره وإنعامه، ومرة نرجع خائبين مبتئسين من عنده. واستولت: أي: رجعت وعطفت.
والشاهد: إبدال واو «وفادة» همزة، استثقالا للابتداء بها مكسورة. [سيبويه/ 4/ 332، هارون، وشرح المفصل/ 10/ 14، واللسان «وفد»].

501 - كأنّما يقع البصريّ بينهم … من الطوائف والأعناق بالوذم
البيت منسوب لساعدة بن جؤيّة: يصف قوما هزموا فأعملت فيهم السيوف. وأراد بالبصري: سيفا طبع في «بصرى» بضم الباء وهي مدينة في محافظة «درعا» من سورية.
والطوائف: النواحي. والوذم: سيور تشدّ بها عراقي الدلو إلى آذانها، فشبه وقع السيوف بأعناقهم بوقعها بالوذم.
والشاهد: البصري. نسبه إلى «بصرى» ويجوز «بصروي» كما يقال: حبلى، وحبلوي.
[سيبويه/ 3/ 354 هارون وشرح أشعار الهذليين/ 1134].

502 - قد بتّ أحرسني وحدي ويمنعني … صوت السباع به يضبحن والهام
البيت، لأبي دواد الإيادي، الجاهلي. أو للنمر بن تولب، المخضرم ... ولكن يصحّ منه الشطر الثاني فقط، أما الشطر الأول فهو محرّف. وقد نقله ابن هشام في المغني بهذه الصورة، وابن عصفور في كتاب الضرائر. وشاهدهم فيه «أحرسني» على أنه عدّى
(3/189)

«أحرس» المسند لضمير المتكلم المتصل، إلى الضمير المتصل، وهو ياء المتكلم، مع أنه ليس من باب (ظنّ، وفقد، وعدم) وملخصه أن أفعال باب ظنّ، يصح أن يكون فاعلها ومفعولها واحدا، كقولك «أظنني فعلت كذا، وأحسبني قرأت كذا فالفاعل «أنا» و «ياء المتكلم» أنا. وقد استعمل الشاعر في البيت الفعل أحرس، استعمال ظن وأخواتها، وهذا غير جائز. ولكن الشاعر لم يقل الشطر الأول على هذه الصورة وإنما جاء في شعر للنمر بن تولب كما يأتي، مع بيت قبله:
ومنهل لا ينام القوم حضرته … من المخافة أجن ماؤه طامي
قد بت أحرسه ليلا ويسهرني … صوت السباع به يضبحن والهام
وقوله: ومنهل: أي: وربّ منهل. وحضرته: أي: من حضوره. وأجن: بفتح الألف وسكون الجيم. قد أنتن وتغيرت ريحه. وماء طام: أي: مرتفع لقلة الورّاد.
وقوله: والهام: معطوف بالجرّ على السباع، جمع هامة، وهو من طير الليل.
.. ومثل الرواية السابقة جاء في شعر لأبي دواد الإيادي، وبهذا لا يكون فيه شاهد فأنت تلاحظ، أنهم يحرّفون بيت الشعر، ويقيمون عليه وليمة نحوية. ومما حرفوه في البيت أيضا قوله «يضبحن» وهو من الضبح، بالضاد المعجمة، يقال ضبح الثعلب يضبح وكذلك البوم. فقال بعض النحويين: إن أصبح تكون زائدة واستشهد بهذا (البيت، فقال:
(يصبحن) بالصاد المهملة من أصبح. وانظر. [شرح أبيات مغني اللبيب ج 3/ 280] والمغني بالرقم 257].

503 - نزور امرأ أمّا الإله فيتقي … وأمّا بفعل الصّالحين فيأتمي
غير منسوب والشاهد «فيأتم» أصله «فيأتمّ» بتشديد الميم، فأبدل من الميم الثانية ياء.
[الأشموني ج 4/ 337، وشرح المفصل ج 10/ 24].

504 - ووطئتنا وطئا على حنق … وطء المقيّد نابت الهرم
البيت للشاعر الحارث بن وعلة الذّهلي .... وهو غير الحارث بن وعله الجرمي.
والهرم: ضرب من الحمض ترعاه الإبل. يقول: أثّرت فينا تأثير الحنق الغضبان، كما يؤثر البعير المقيّد إذا وطئ هذه الشجيرة، وخصّ المقيّد لأن وطأته أثقل، وخصّ الحنق لأن ضربته تكون قاتلة. وانتصبت (وطء) على البدل، أي: وطئا يشبه هذا الوطء وقال
(3/190)

السيوطي: منع الأخفش والمبرد وابن السراج، والأكثرون، عمل الفعل في مصدرين مؤكدّ، ومبيّن. ويخرجون الثاني على أنه بدل، ومن المسموع في ذلك: (وأنشد البيت) ولكن روى الشطر الثاني (وطء المقيّد ثابت القدم). وأتبعه بالقول: ولا يصحّ فيه البدل، لأن الثاني غير الأول، فيخرج على إضمار فعل. [الهمع ج 1/ 188].
هذا، والبيت الشاهد من سبعة أبيات جاءت في الحماسة ص 204، ومما تحسن روايته منها قوله؛ من أولها:
قومي هم قتلوا أميم أخي … فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللا … ولئن سطوت لأوهنن عظمي
لا تأمنن قوما ظلمتهم … وبدأتهم بالشّتم والرّغم
وقوله (أميم) منادى، مرخم أميمة. وأخي: مفعول قتلوا. فالمنادى معترض بين الفعل والمفعول.

505 - وكان طوى كشحا على مستكنّة … فلا هو أبداها ولم يتجمجم
لزهير من معلقته.
وقوله: كان طوى: فاعله مستتر يعود على الحصين بن ضمضم في بيت سابق وكان المذكور أبى أن يدخل في الصلح المعقود بين عبس وذبيان، واستتر فيهم ثم عدا على رجل من عبس فقتله. وجملة طوى: خبر كان، بتقدير (قد) عند المبرد، فهو يرى أنّ كان فعل ماض اسمها ضمير حصين، ولا يخبر عنه إلا باسم، أو بما ضارعه (مضارع) وخالفه أصحابه في هذا. والكشح: الجنب، ويريد أضمر في نفسه أمرا. والمستكنة:
أي: غدرة مستكنة، أي مستترة. ولم يتجمجم: أي: لم يدع التقدم فيما أضمر ولم يتردد في إنفاذه.
والشاهد في البيت مجيء خبر كان فعلا ماضيا بدون لفظ «قد». [الخزانة ج 3/ 14 وج 4/ 3، والهمع ج 1/ 148، وشرح المعلقات].

506 - كأنّ فتات العهن في كلّ منزل … نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم
لزهير من معلقته. والعهن: الصوف، وحبّ الفنا: ثمر لونه أحمر، يقال لشجرته عنب
(3/191)

الذئب يشبه فتات الصوف المتساقط من الهوادج، بحبّ الفنا قبل أن يكسر، فإذا كسر ذهب لونه الأحمر. والشاهد (لم يحطّم) ومع المضارع المنفي بلم حالا، مجردة من الواو. [الأشموني ج 2/ 191 والعيني على حاشية الأشموني. وشروح المعلقات].

507 - ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه … ولا يغنها يوما من الدهر يسأم
البيت لزهير من معلقته، وهو ثابت في بعض رواياتها، وساقط من بعضها.
وقوله: يستحمل الناس، يعني يحمل الناس على عيبه. ويروى: يسترحل الناس نفسه:
أراد: بجعل نفسه كالراحلة للناس يركبونه ويذمونه.
والشاهد فيه رفع (يستحمل) لأنه أراد من لا يزل مستحملا يكون من أمره ذلك. ولو رفع (يغنها) جاز وكان حسنا، كأنه قال: من لا يزل لا يغني نفسه. [سيبويه ج 1/ 445، والهمع ج 2/ 63، والخزانة ج 9/ 90].

508 - جريء متى يظلم يعاقب بظلمه … سريعا وإلّا يبد بالظلم يظلم
البيت لزهير من معلقته. وجريء: مجرور، صفة لموصوف مجرور في بيت سابق متى: شرطية. يظلم: فعل الشرط. يعاقب: الجواب. وسريعا: حال، أو صفة مصدر، أي: يعاقب عقابا سريعا. وإلّا: إن الشرطية، مع «لا» النافية. ويبد: أصلها يبدأ إلا أنه لما اضطر أبدل من الهمزة ألفا، ثم حذف الألف للجزم. قالوا: وهذا من أقبح الضرورات
يقول: هو شجاع، متى ظلم عاقب الظالم بظلمه سريعا فإن لم يظلمه أحد، ظلم الناس إظهارا لحسن بلائه. [شرح الزوزني، والخزانة ج 3/ 17 والهمع ج 1/ 52].

509 - فإذا شربت فإنني مستهلك … مالي وعرضي وافر لم يكلم
لعنترة من معلقته. يقول: فإذا شربت الخمر، فإنني أهلك مالي بجودي ولا أشين عرضي فأكون تام العرض، مهلك المال، لا يكلم عرضي، عيب عائب. يفتخر بأن سكره يحمله على محامد الأخلاق، ويكفه عن المثالب. وهو كاذب فيما قال. ولو أنه انهمك في شرب الخمر ما استطاع الدفاع عن القبيلة، وما كان له هذا الذكر في الشجاعة.
والبيت أنشده السيوطي في المواطن التي يحذف فيها الفاعل ويبنى الفعل للمجهول وهو (يكلم) لإقامة الوزن. وهذا خطأ من السيوطي. لأن الفعل يكلم، هنا، بني للمجهول
(3/192)

ليس لإقامة الوزن، وإنما لإرادة عموم نفي من يكلم عرضه، ولو أنني أردت التعبير بالنثر عن المعنى، ما اخترت إلا هذا الأسلوب، وليس في النثر إقامة وزن. [الهمع ج 1/ 162 وشرح الزوزني].

510 - أماويّ مهمن يسمعن في صديقه … أقاويل هذا الناس ماويّ يندم
هذا يشبه شعر حاتم الطائي، ولكن لم ينسب له ولا لغيره.
وقوله: أماويّ: منادى مرخم (ماوية) (ومهمن) مركبة من (مه+ من) اسم شرط، فعله الأول يسمعن، والثاني يندم، وماويّ الثانية، منادى، وحرف النداء محذوف. وهذا شاهد رواه الكوفيون، شاهدا لمجئ مهمن، بمعنى «من» تأييدا للقول بأن مهما مركبه من مه+ ما الشرطية ومن سمع حجة على من لم يسمع. ومما يدلّ على صحته، أن العامة في خان يونس يقولون: مهمن عملت ما يرضيك ويحذفون الفاء الرابطة وهو جائز واللغة منقولة بالسماع المتوارث. [الخزانة/ 9/ 16].

511 - يا دار أقوت بعد أصرامها … عاما وما يبكيك من عامها
البيت للطرّماح. والأصرام: جمع الصّرم، الفرقة من الناس ليسوا بالكثير. يقول:
خربت الديار، وذهب أهلها.
وقوله: وما يبكيك، يروى: وما يعنيك أي: وما يهمّك. قال النحاس: لم ينصب دارا كما تقول: يا رجلا ركب. لأنه إنما أراد: يا دار، كما تقول: يا رجل ويا زيد، ثم أقبل فأخبر عنها، فقال: أقوت بعد أصرامها، ولم يجعل أقوت وصفا للدار، كقولك يا دارا خربت. يريد أن يقول: إنه ناداها باعتبارها نكرة مقصودة، ولو أنه أراد أيّ دار، لنصبها، لأن
النكرة غير المقصودة تنصب.

512 - شمّ مهاوين أبدان الجزور … مخاميص العشيات لا خور ولا قزم
منسوب إلى الكميت بن زيد، وإلى تميم بن أبيّ بن مقبل. والأوصاف في البيت مجرورة لأن البيت الذي قبله كذلك: وهو:
يأوي إلى مجلس باد مكارمهم … لا مطمعي ظالم فيهم ولا ظلم
وقوله: يأوي. أي: أقام. وفاعله مستتر. والمجلس: موضع الجلوس، وأطلق هنا
(3/193)

على أهله. لعود الضمير إليهم.
وباد: نعت سببي لمجلس، لا مطمعي: صفة ثانية مجلس، وأصله: مطمعين، حذفت النون للإضافة. وظلم: جمع ظالم، صفة ثالثة لمجلس.
وشمّ: صفة رابعة، وهو جمع أشمّ، وصف من الشمم، وهو كناية عن العزة والأنفة ومهاوين: صفة خامسة لمجلس: جمع مهوان، من أهان، مبالغة مهين. ومخاميص جمع مخماص، مبالغة خميص، صفة سادسة لمجلس: والمخماص: الشديد الجوع. وإضافتها إلى العشيات، يعني مخاميص في العشيات. فهم يؤخرون العشاء لأجل ضيف يطرق.
والشاهد: نصب أبدان، بقوله: مهاوين، لأنه جمع مهوان، ومهوان تكثير مهين فعمل الجمع منه عمل المفرد. يريد أنهم يهينون للأضياف أبدان الجزور، جمع (بدن) يعني إنهم يطعمون الضيف أحسن ما في جسم الحيوان.
وفي البيت أيضا أن «مفعال» يعمل عمل فعله. [كتاب سيبويه ج 1/ 59 وشرح المفصل 6/ 74، والهمع ج 2/ 97].
وقد جاء البيت في الميم المضمومة، وأعدته في الميم المكسورة لأنه يروى بالقافيتين.

513 - نحن آل الله في بلدتنا … لم نزل آلا على عهد إرم
أنشده السيوطي شاهدا على أن (آل) من الأسماء التي تلازم الإضافة، غالبا.
وقد اجتمعت الإضافة، وعدم الإضافة. في البيت [الهمع/ 2/ 50، والدرر/ 2/ 62].

514 - روافده أكرم الرافدات … بخ لك بخّ لبحر خضمّ
البيت غير منسوب، وهو شاهد على مجيء (بخ) بتخفيف الخاء مع الكسر والتنوين.
وتشديدها مع التنوين. وبخ: كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء، وهو اسم فعل مضارع بمعنى أستحسن.
والخضم، الكثير العظيم الكثرة، وصف البيت بالكرم وأراد كرم من هو بيته. [الخزانة ج 6/ 424، وشرح المفصل ج 4/ 79].

515 - ترانا إذا أضمرتك البلا … د نجفى ويقطع منّا الرّحم
(3/194)

للأعشى ميمون من قصيدة يمدح بها قيس بن معد يكرب.
وقوله: ترانا: بضم النون من الرؤية بمعنى الظنّ. ونجفى: بضم النون من الجفوة، أي: نعامل بها. [الخزانة ج 4/ 447 والمرزوقي 1240، 1515].

516 - تقول هلكنا إن هلكت وإنّما … على الله أرزاق العباد كما زعم
قال السيوطي: فإن كانت (زعم) بمعنى «كفل» تعدت إلى واحد، والمصدر الزعامة، وأنشد البيت، والبيت لعمرو بن شأس. [الخزانة ج 9/ 131، والهمع ج 1/ 149].

517 - ومكن الضبّاب طعام العريب … ولا تشتهيه نفوس العجم
ومكن الضبّاب: المكن: بفتح وسكون، بيض الضبة، وقد أراد به هنا البيض مجردا والضّباب: جمع ضب، وهو حيوان تأكله العرب، ويعيّر به بنو تميم، قال الشاعر:
إذا ما تميميّ أتاك مفاخرا … فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضبّ
والشاهد: عريب. في تصغير العرب. ومن حقّ الاسم الثلاثي المؤنث بلا تاء عند تصغيره أن تزاد له تاء، للدلالة على المراد منه، والدليل على أن العرب مؤنث في المعنى قولهم: عرب بائدة وعاربة، ومستعربة، فيصفونه بالمؤنث. ويوجّه هنا، بأنه أراد الجيل من الناس. [شرح المفصل ج 4/ 127، واللسان (مكن).

518 - إلى المرء قيس أطيل السّرى … وآخذ من كلّ حيّ عصم
البيت للأعشي ميمون من قصيدة مدح بها قيس بن معد يكرب: ومطلعها:
أتهجر غانية أتلم … أم الحبل واه بها منجذم
أم الصّبر أحجى فإنّ امرأ … سينفعه علمه إن علم
ثم يصف الطريق، والناقة التي أوصلته إلى الممدوح فيقول:
ويهماء تعزف جنّاتها … مناهلها آجنات سدم
قطعت برسامة جسرة … عذافرة كالفنيق القطم
واليهماء - بالياء في أولها - الفلاة التي لا يهتدى إلى الطريق فيها، يصوّت فيها الجن ومناهلها فاسدة، ومدّفنة، وناقته رسامة: تؤثر في الطريق بمشيها، وهي جسرة قوية وفيها
(3/195)

نشاط مثل الفحل الهائج في وقت الضرّاب، ثم يقول: ذكرا فوائد الناقة:
تفرّج للمرء من همّه … ويشفى عليها الفؤاد السّقم
ثم يذكر البيت الشاهد:
وقوله إلى المرء: ال: في المرء لاستغراق خصائص الأفراد نحو زيد الرجل أي:
الكامل في هذه الصفة. وقيس: بدل من المرء. والسّرى: يكون أول الليل وأوسطه وآخره.
وقوله: وآخذ: معطوف على أطيل السرى، وعصم: جمع عصام، يعني عهدا يبلغ به ويعزّ به أو عصم: جمع عصمة: بكسر العين، وهو الحبل والسبب مثل قوله تعالى وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [الممتحنة: 10] وإنما كان يأخذ من كل قبيلة عهدا إلى قبيلة أخرى، لأن له في كل حيّ أعداء، ممن هجاهم أو ممن يكره ممدوحه، فيخشى القتل، فيأخذ عهدا، ليصل سالما إلى ممدوحه. وهذا من الخيوط الدقيقة التي تربط أجزاء القصائد القديمة، من غزل، ووصف طريق، ووصف ناقة، ووصف معاناة الطريق وإن شئت قلت: هي كالمقدمة الموسيقية التي تهيج وتشوق إلى سماع الإنشاد، فليست مبتوتة الصلة بما بعدها كما يزعم الجهلة الذين يقرؤن الشعر القديم، وينعقون وراء كل ناعق.
ومحل الشاهد في البيت: أن الشاعر وقف على المنصوب المنون بالسكون، ولم يبدل تنوينه ألفا. وكان القياس أن يقول: عصما: لأنه مفعول (آخذ) ولكن وقف عليه كما يوقف على المرفوع والمجرور. هذا: وفي القصيدة، صور إنسانية صادقة، تأخذ بمجامع قلب الغريب عن أبنائه، وتحثه إلى شدّ الرحال للعودة إليهم، لتغذيتهم بالحنان الأبويّ الذي لا يغني عنه مال الدنيا، يضعه تحت أقدامهم. فاستمع إلى أبياته التالية، وعش هذه التجربة:
تقول ابنتي حين جدّ الرحيل … أرانا سواء ومن قد يتم
فيا أبتا لا تزل عندنا … فإنا نخاف بأن نخترم
فلا رمت يا أبتا عندنا … فإنا بخير إذا لم ترم
ترانا إذا أضمرتك البلا … د نجفى ويقطع منا الرّحم
[الخزانة ج 4/ 446، والخصائص ج 2/ 97 وشرح المفصل ج 9/ 70، وديوان الأعشى].
(3/196)

519 - من خمر بيسان تخيّرتها … ترياقة توشك فتر العظام
البيت لحسان بن ثابت. وقبله:
نشربها صرفا وممزوجة … ثم نغنّي في بيوت الرّخام
وبيسان: بلدة كانت حتى سنة 1947 م غربي نهر الأردن، ثم أزيلت وصارت (بيت شآن) فنضب خمرها، واجتث نخلها، وتفرق أهلها أيدي سبا. ينسب إلى بيسان التابعي رجاء بن حيوه الكندي، حيث كانت كندة تسكنها قبل الفتح وبعده، وينسب إليها القاضي الفاضل وهذان الرجلان كان لهما يد بيضاء في تاريخ الإسلام. فرجاء، كان سببا في ولاية عمر بن عبد العزيز الخلافة، لإشارته على سليمان بن عبد الملك بأن يوليه، فكان وزير صدق، أخلص للأمة. والقاضي الفاضل: كان وزير صلاح الدين، وكاتبه، والناطق بلسانه والمبشر بفتوحاته. حتى قال صلاح الدين لرجال عسكره «ما فتحت البلاد بسيوفكم ولكن بقلم الفاضل».
لقد شهدت بيسان مواطئ أقدام الصحابة الذين فتحوها وطردوا الروم الغرباء منها، وكانت فيها وبجوارها معارك جهادية، تمدّ الأجيال بالأمثال. واليوم سنة 1993 م يطلب إخوان أبي رغال من لصوص «الأرض أن يرضوا عنهم، وقلبت الموازين، فصار اللص مالكا، والمالك لصّا، ويعترف للمعتدي بأنه صاحب الحقّ وليس معه حجة، وتنبذ كلّ الحجج، والصكوك التي يملكها أصحاب الحقّ. وكلّ هذا يفعله من تزعّم، أو زعّم، ليضع كرسي الزعامة فوق أنقاض المجد. وصدق من قال:
ومن أخذ (الزعامة) دون حقّ … يهون عليه تسليم البلاد
قف يا قلم. فهذا كتاب نحو وقواعد، وليس كتاب سياسة، فمالك تهبع في طريق غير الطريق الذي نهجته للكتاب. لبّيك وسعديك أيها المنادي، وها أناذا أعود إلى النحو لأقول:
الشاهد في البيت: توشك فتر: حيث جاء خبر توشك اسما مفردا والمشهور أنه يكون خبرها فعلا مضارعا موصولا بأن. قال ابن برى: هذا البيت محرف، والذي في شعره (تسرع فتر العظام) قال: وهو الصحيح لأن أوشك بابه أن يكون بعده أن والفعل، وقد تحذف أن بعده، ولكن يبقي الخبر مضارعا. والله أعلم. [اللسان: بيس - وشرح التصريح 1/ 204].
(3/197)

520 - أولئك إخواني الذين عرفتهم … وأخدانك اللاءات زيّن بالكتم
البيت غير منسوب. والكتم: بالتحريك مع الفتح نبات فيه حمرة، يخلط مع الحناء، فيكون اللون أسود وقد يخضب بالكتم وحده. والشاهد: اللاءات، حيث عدها السيوطي من ألفاظ الأسماء الموصولة لجمع المؤنث «التي» بدون ياء. ومراده: أصحابي من تعرف فضلهم، وأنت زير نساء.
ويروى: «وأخواتك» جمع أخت. ويريد أنهنّ غير مصونات. [الهمع/ 1/ 83].

521 - لا تشتم الناس كما لا تشتم
رجز لرؤبة بن العجاج. لا ناهية. وتشتم: مجزوم. وتشتم: الأخيرة بالبناء للمجهول مضارع مرفوع. وهو من شواهد البصريين على أن (كما) لا تنصب المضارع. وأن أصلها كاف التشبيه المكفوفة ب ما، قد تغير معناها بالتركيب، فصارت بمعنى لعلّ. [سيبويه ج 1/ 459، والإنصاف 591، والأشموني ج 3/ 282، والهمع ج 2/ 38] والكوفيون يروونه: (لا تشتموا الناس كما لا تشتموا) على أنها ناصبة.

522 - لا تظلموا الناس كما لا تظلموا
رجز لرؤبة بن العجاج. وهو حجة عند الكوفيين والمبرد أن (كما) أصلها (كيما) حذفت الياء تخفيفا، و «لا تظلموا» الأخير منصوب ب (كما)، وعلامة نصبه حذف النون والبصريون يمنعون ذلك، ويروون هذا البيت كسابقه، بالتوحيد. «لا تظلم الناس كما لا تظلم». [الإنصاف 587، والخزانة ج 8/ 500].

523 - هما اللّتا لو ولدت تميم … لقيل فخر لهم صميم
رجز منسوب للأخطل. هما: مبتدأ، واللتا (اللتان) خبره، بتقدير موصوف: أي: هما المرأتان اللتان. والجملة الشرطية صلة الموصول والعائد محذوف أي: ولدتهما. وتميم فاعل ولدت، وهو أبو قبيلة والصميم الخالص النقي، وهو صفة للمبتدأ (فخر) ولهم:
خبر المبتدأ والجملة مقول القول.
والشاهد: أن نون اللتان، حذفت لاستطالة الموصول بالصلة تخفيفا. وقالوا: هي لغة بني الحارث، وبعض بني ربيعة. [الخزانة ج 6/ 14، والهمع ج 1/ 49].
(3/198)

524 - باسم الذي في كلّ سورة سمه
رجز. والشاهد سمه: بضم السين، بدون همزة لغة في اسم وفيه لغات (اسم، بكسر الهمزة، و «أسم» بضم الهمزة و «سم» بكسر السين بدون همزة و «سم» بضم السين والبيت شاهده. ومن شواهد كسر السين بدون همزة. الشاهد
التالي [شرح المفصل ج 1/ 24].

525 - وعامنا أعجبنا مقدّمه … يدعى أبا السّمح وقرضاب سمه
رجز، يروى بضم السين وكسرها في «سمه». وقرضب الرجل إذا أكل شيئا يابسا فهو قرضاب. [شرح المفصل ج 1/ 24].

526 - كالحوت لا يرويه شيء يلقمه … يصبح ظمآن وفي البحر فمه
لرؤبة بن العجاج. وهذا مثل يضرب لمن عاش بخيلا شرها.
والشاهد (فمه) على أنه يقال في غير الأفصح، فمي وفمه، وفم زيد في جميع حالات الإضافة. بل إن إثبات الميم عند الإضافة فصيح فصاحة لا مزيد عليها، لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». [الخزانة ج 4/ 451 والهمع ج 1/ 40].

527 - أو كتبا بيّنّ من حاميما … قد علمت أبناء إبراهيما
رجز للحمّاني. يذكر أن القرآن وما اشتمل عليه من شأن رسالة الإسلام معلوم عند أهل الكتاب، وخصّ سور حاميم لكثرة ما فيها من قصص النبيين. وأراد بأبناء إبراهيم، أهل الكتاب من بني إسرائيل وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
والشاهد فيه: ترك صرف «حاميم». وعلله ابن سيده في «المخصص» بأن. «فاعيل» ليس من أبنية كلام العرب. [سيبويه/ 3/ 257، هارون].

528 - أكثرت في العذل ملحّا دائما … لا تكثرن إنّي عسيت صائما
رواه الثقات. يقول: أيها العاذل الملحّ في عذله، إنه لا يمكن مقابلة كلامك بما يناسبه من السبّ، فإني صائم، مقتبس من الحديث (فليقل إني صائم) والشاهد في قوله «صائما» فإنه اسم مفرد جيء به خبرا لعسى. والمعروف أن خبرها يكون مضارعا. وقد
(3/199)

استدل جماعة بالرجز، على أن «عسى» مثل «كان» في عملها.
وأجاب البغدادي: أن عسى التي تكون خبرها مضارعا هي عسى الدعائية الإنشائية، أما عسى في البيت فهي خبرية لدلالة وقوعها مع مرفوعها خبرا لإنّ، والإنشاء لا يقع خبرا فلا تقول. إن زيدا أهل قام. والراجز في البيت يخبر أنه صائم. والمعنى! إني رجوت أن أكون صائما، فصائما: خبر لكان وأن الفعل. مفعول لعسى ...
قلت: وتخريج البغدادي طويل، وقدّر حذفا كثيرا، والإعراب بدون حذف أقوى فعسى هنا فيها معنى الإنشاء والرجاء والدعاء، لأن الذي يؤدي عبادة، أو يكون عليها لا يكون متيقنا من تمامها، وقبولها، فإذا أخبر عن حاله، أجاب بصيغة الرجاء أن يكون من المقبول عملهم. وهذا كذلك أما كونها وقعت خبرا لإنّ، فهي لا تقاس على «إن زيدا هل حضر» لأن هل: حرف، وعسى: فعل، فكما تقول: إني أرجو الله أن أكون صائما وإن زيدا يرجو الله. وهو دعاء فكذلك يقال: إني عسى أن أفعل. ويؤيد هذا الرجز المثل المشهور «عسى الغوير أبؤسا» وتخريجه على غير هذا الوجه فيه تعنّت. [الخزانة ج 9/ 316، والخصائص ج 1/ 98 وشرح المفصل ج 7/ 14، 122، والهمع ج 1/ 130، والأشموني ج 1/ 259].

529 - كافا وميمين وسينا طاسما
هذا رجز روته الثقات. يشبه آثار الديار بحروف الكتاب، والطاسم: الدارس. والشاهد في تذكير «طاسم» وهو نعت للسين، لأنه أراد الحرف، ولو أمكنه التأنيث على معنى الكلمة لجاز، ويروى (كافا وميمين وسينا طامسا» والطامس، مثل الطاسم. وقد استشهد سيبويه بالرجز على تذكير الحروف واستشهد به ابن يعيش، على أن حروف المعجم إذا تعاطفت أعربت، فالأول والثالث منصوبان بالفتحة والثاني منصوب بالياء لأنه مثنى (ميم) [شرح المفصل ج 6/ 29، وسيبويه ج 2/ 31].

530 - كن لي لا عليّ يا ابن عمّا … نعش عزيزين ونكفى الهمّا
في العيني ج 4/ 250، والشاهد (يا ابن عمّا) وأصلها يا ابن (عمي).

531 - قم قائما قم قائما قم قائما … إنك لا ترجع إلا سالما
أنشده السيوطي شاهدا على التوكيد اللفظي، بإعادة لفظ الجملة ثلاث مرات. [الهمع ج 2/ 125].
(3/200)

532 - قد لفّها الليل بسوّاق حطم … ليس براعي إبل ولا غنم
في الحماسة: قال: ابن رميض العنبري.
وقوله: قد لفّها الليل: يريد الإبل، وجعل الفعل لليل على المجاز، والمعنى جمعها برجل متناهي القوة، عنيف السوق. وحطم: بناء للمبالغة وهو من الحطم، يعني الكسر:
يعني أنه لا يرفق بما يسوق رفق الرعاة لأن الراعي مكترى لاستصلاح مرعيّه وحفظ ما ضمّ إليه بجهده. [سيبويه ج 2/ 14، والمرزوقي 355].

533 - أقبلن من ثهلان أو وادي خيم … على قلاص مثل خيطان السّلم
هذا رجز لجرير.
وقوله: قلاص. جمع قلوص وهي الناقة الشابّة. وخيطان: جمع خوط وهو الغصن.
أراد أن القلاص هزلت من شدة السفر حتى صارت كأغصان السلم في الدقة والضمر - والبيت شاهد على أنه يجوز أن يقال في جمع المذكر العاقل المكسّر «الرجال كلهنّ» باعتبار أنّ. نون أقبلن، ضمير العقلاء الذكور: أي: الرجال أو الركب، وإنما أنث لتأويله بالجماعة. والدليل على أن مرجع الضمير إلى الذكور أنه قال فيما بعد:
حتى أنخناها إلى باب الحكم … خليفة الحجاج غير المتّهم
.. ويؤيد هذا القول، قول الفرزدق «بحوران يعصرن السليط أقاربه» هذا، والحكم المذكور في الرجز هو الحكم بن أيوب الثقفي، وكان ابن عمّ الحجاج وعامله على البصرة. وهذا أول شعره قاله جرير في مدح الحكم، ثم أوصله هذا إلى الحجاج.
[الخزانة ج 5/ 163].
(3/201)

قافية النون
1 - وإذا فلان مات عن أكرومة … رقعوا معاوز فقده بفلان
... البيت للمرّار الفقعسي. والمعاوز: جمع المعوز: الثوب الخلق. يقول: إذا مات منهم سيّد أقاموا موضعه سيّدا آخر.
والبيت شاهد على أنّ فلانا يجوز أن يأتي في غير الحكاية، فإن فلانا الأول، وقع فاعلا لفعل يفسره ما بعده. وفلانا الثاني جرّ بالباء. وهما وقعا في غير الحكاية.
[الخزانة/ 7/ 248، والأمالي للقالي/ 1/ 66].

2 - أيها المنكح الثّريّا سهيلا … عمرك الله كيف يلتقيان
هي شاميّة إذا ما استقلّت … وسهيل إذا استقلّ يماني
... البيتان لعمر بن أبي ربيعة ... والثريّا: هي بنت علي بن عبد الله بن الحارث ابن أمية الأصغر ... وسهيل: هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزّهري، وكنيته أبو الأبيض.
تزوج الثريا، فقال عمر بن أبي ربيعة يضرب لهما المثل بالكوكبين.
والبيت الأول شاهد على أن «عمرك الله» يستعمل في القسم السؤالي ويكون جوابه ما فيه الطلب، وهو هنا جملة (كيف يلتقيان) فإن الاستفهام طلب الفهم، وهو هنا تعجّبيّ.
[الخزانة/ 2/ 28، والشعر والشعراء/ 462، وشرح المفصل/ 9/ 91].
قال أبو أحمد: وليس في شعر القرن الأول، أرقّ وأعذب من شعر عمر بن أبي ربيعة.
وما زال حتى يومنا رقيقا سهلا، وكأنك تقرأ شعرا حديثا معاصرا وهو يأسرك بقصصه الغزلي، حيث يمثّل لك القصة شاخصة أمامك، ولم يحسن شاعر الحوار الشعري، كما أحسنه عمر، تقرأ قصيدته فيخيل إليك أنك أمام مشهد مسرحيّ حيّ. هذا هو الصحيح في الحكم على شعر عمر بن أبي ربيعة ولكن: هل لشعره واقع اجتماعي؟ وهل كانت
(3/203)

قصصه حقيقة؟ الجواب: ليس لمضمون قصصه واقع اجتماعي، فكل ما قاله خيال شاعر يتمنى، ولا يصل إلى ما يتمناه، ويذكر أسماء فتيات، ولا حقيقة لهنّ، قد يصادف وجود أسمائهن في الواقع، ولكن لا علاقة بين الاسم الشعري، والاسم الموجود في المجتمع.
وكل ما كتبه مؤرخو الأدب من تفسيرات، هو تأويلات أكثرها باطلة. ومما يدل على ذلك أنهم اختلفوا في تفسير اسم الثريا، واسم سهيل:
فقالوا: الثريا هي: بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية أو هي: الثريا بنت عبد لله بن الحارث، أو هي: الثريا بنت عبد الله بن محمد بن عبد الله. وأما سهيل: فقالوا: هو سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. أو سهيل بن عبد العزيز بن مروان.
وإذا صحت نسبة هذا الشعر إليه، فإن الثريا، وسهيلا، وهما الكوكبان، ضربهما مثلا لأي اثنين في ذهنه رأى أنهما ليسا كفأين للزواج، وليس فيهما تورية كما قالوا عن سهيل وثريا حقيقيين.
هذا، والقصص الذي يذكرونه عن علاقة الثريا الحقيقية، بعمر بن أبي ربيعة، قصص موضوع، لأنه ليس له سند يركن إليه، وليس في متنه ما يصدقّه العقل، لأن مثل هذه القصص لم تكن في الجاهلية، فكيف تكون في القرن الأول الإسلامي، وفي المدينة ومكة؟!

3 - لو كنت من مازن لم تستبح إبلي … بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا
إذن لقام بنصري معشر خشن … عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا
البيتان للشاعر قريط بن أنيف العنبري، وهو شاعر إسلامي. هذا ما نقله البغدادي في (خ/ 7/ 446). ونقل عن
التبريزي، أنه تتبّع كتب الشعراء فلم يظفر له بترجمة وإذا لم تكن له ترجمة، ولم يعرفه أحد، فكيف حكموا بأنه شاعر إسلامي. ولم يقولوا من أي العصور الإسلامية هو. مع أنّ مؤرخي الأدب يذكرون أحد أبيات المقطوعة التي منها البيتان، شاهدا على عقيدة «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» الجاهلية. وهو البيت:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم … في النائبات على ما قال برهانا
لعلّ الذي قال: إن الشاعر إسلامي، بنى حكمه على المعاني التي تشبه المعاني الإسلامية التي وردت في قول الشاعر: من المقطوعة.
(3/204)

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة … ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأنّ ربّك لم يخلق لخشيته … سواهم من جميع الناس إنسانا
ولكن قد تكون هذه المعاني معروفة في الجاهلية. وإن لم تكن معروفة، فإن الأبيات تكون ملفّقه، ففيها أبيات معانيها جاهلية صرفة، كالبيتين المذكورين للاستشهاد. والله أعلم. ويروى البيت الأول. (بنو الشقيقة) وهو الأصح. والشاعر قصد في الأبيات إلى بعث قومه على الانتقام من أعدائه، لا إلى ذمّهم وكيف يذمهم ووبال الذم راجع إليه (1).
وفي البيتين شاهدان: الأول: أنّ «بنون» أشبه جمع المكسّر لتغير مفرده في الجمع فجاز تأنيث الفعل المسند إليه، كما يجوز في «الأبناء» الذي هو جمع مكسر.
والثاني: أن «إذن» متضمنة لمعنى الشرط. وإذا كانت بمعنى الشرط الماضي جاز إجراؤها مجرى «لو» في إدخال اللام في جوابها كما في البيت. وفي هذا الشاهد أقوال أخرى.
قال المرزوقي: مازن بن مالك، هم بنو أخي العنبر، وإذا كان كذلك، فمدح هذا الشاعر لهم، يجري مجرى الافتخار بهم. وقصد الشاعر في هذه الأبيات إلى بعث قومه على الانتقام له من أعدائه، وتهييجهم وهزّهم، لا ذمّهم، وكيف يذمهم، ووبال الذمّ راجع إليه. [الخزانة/ 7/ 441، وج 8/ 446، والمرزوقي/ 23].

4 - فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم … وصاحب الرّكب عثمان بن عفّانا
البيت منسوب للشاعر كثيرّ بن عبد الله بن مالك النهشلي. شاعر مخضرم. وهو في رثاء عثمان بن عفّان رضي الله عنه.
وفيه شاهد على أنّ مجيء فاعل نعم نكرة مضافة إلى مثلها، قليل. [الخزانة/ 9/ 415، وشرح المفصل/ 7/ 131،
والدرر/ 2/ 113].

5 - فما وجدت بنات بني نزار … حلائل أسودين وأحمرينا
.. هذا البيت من قصيدة لحكيم الأعور ابن عيّاش الكلبي، من شعراء الشام هجا بها
__________
(1) أما الأعلم الشنتمري فيذكر في شرح حماسة أبي تمام أن الأبيات لأبي الغول الطّهوي وهو شاعر إسلامي (الناشر).
(3/205)

مضر، ورمى فيها امرأة الكميت بن زيد بأهل الحبس، لما فرّ منه بثياب امرأته. ونزار:
والد مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان.
والبيت شاهد على أنّ جمع «أسود، وأحمر» جمع تصحيح شاذ. فكل صفة لا تلحقها التاء فكأنها من قبيل الأسماء، فلذا لم يجمع هذا الجمع: (أفعل فعلاء، وفعلان فعلى) وأجاز بعضهم أن يقال «أحمرون وسكرانون» واستدل بهذا البيت، وهو من الشذوذ [الخزانة/ 1/ 178، والدرر/ 1/ 19 والأشموني/ 1/ 81، والهمع/ 1/ 45].

6 - وكان لنا فزارة عمّ سوء … وكنت له كشرّ بني الأخينا
منسوب إلى عقيل بن علّفة المرّيّ، من شعراء الدولة الأموية.
والبيت شاهد على أنّ «أخا» يجمع على «أخين» جمع مذكر سالما، كما يجمع (أب) على «أبين». [الخزانة/ 4/ 478].

7 - إليكم يا بني بكر إليكم … ألمّا تعرفوا منّا اليقينا
لعمرو بن كلثوم، من معلقته يخاطب بني عمه بكر بن وائل. وإليكم: اسم فعل، أي:
ابعدوا وتنحوا عنا إلى أقصى ما يمكن من البعد. وكررها تأكيدا للأولى.
والبيت شاهد على أن الهمزة الداخلة على «لمّا» للاستفهام التقريري أي: ألم تعرفوا منا إلى الآن الجدّ في الحرب عرفانا يقينا. أي: قد علمتم ذلك، فلم تتعرضوا لنا.
[الخزانة/ 9/ 10].

8 - وما إن طبّنا جبن ولكن … منايانا ودولة آخرينا
البيت من أبيات لفروة بن مسيك المراديّ. وهو صحابيّ أسلم عام الفتح. والطب - بالكسر هنا، بمعنى: العلة والسبب، أي: لم يكن سبب قتلنا، الجبن. وإنما كان ما جرى به القدر من حضور المنيّة، وانتقال الحال عنا والدولة.
والبيت شاهد على أنّ (ما الحجازية) إذا زيد بعدها (إن) لا تعمل عمل ليس، كما في هذا البيت. [الخزانة/ 4/ 112
والدرر/ 1/ 94 وشرح المفصل/ 8/ 129].

9 - فإن أدع اللواتي من أناس … أضاعوهنّ لا أدع الذينا
(3/206)

البيت للكميت من قصيدة طويلة هجا بها قبائل اليمن، تعصبا لمضر. والمعنى: إن أدع ذكر النساء، فلا أدع الذين، يريد الرجال، أي: إني تركت شتم النساء فلا أترك شتم الرجال ...
وهو شاهد على حذف صلة الموصول (الذين) وهذا لا يكون إلا عند ما تفهم صلة الموصول من السياق، كما في هذا البيت، أي: لا أدع الذين أضاعوا النساء. ولا يصحّ القول: جاء الذين. إذا لم يسبقه كلام لأنه كلام غير مفيد، هذا، وتقول العامة «يا ابن الذين.» ولا يذكرون الصلة. [الخزانة/ 6/ 157].

10 - وقائلة أسيت فقلت جير … أسيّ إنني من ذاك إنّه
لم أعرف قائل البيت.
وقوله: وقائلة: أي: وربّ امرأة قائلة. وأسيت: حزنت. وأسيّ: حزين، وزنا ومعنى. والتقدير: أنا أسيّ. وخبر إنني، محذوف. أي: إنني أسيّ من ذاك، أي: بسبب ذاك. وإنّه: بمعنى، نعم، والهاء للسكت، و «جير» بمعنى «نعم» أو بمعنى «حقا».
والشاهد قوله: «جير» فقال بعضهم: إن التنوين يدل على أن «جير» اسم وقال آخرون: «جير» حرف، والتنوين، لضرورة الشعر. [الخزانة/ 10/ 111 والدرر/ 2/ 52، والهمع/ 2/ 44، واللسان «أسا»].

11 - إنّ المنايا يطّلعن … على الأناس الآمنينا
البيت من قطعة منسوبة إلى (ذو جدن) من ملوك اليمن قبل الإسلام.
عاش ثلاثمائة سنة. ولا أدري من الذي سمعها ونقلها، فملوك اليمن موغلون في القدم ولا يعرف لهم تاريخ. ويذكر علماء اللغة، أن لغة اليمن في صدر الإسلام، لم تكن من اللهجة القرشية، فكيف بها في الزمن الغابر.
وأعجب من علماء النحو الذين يرفضون الاستشهاد بلغة الحديث الشريف التي رواها الثقات الضابطون، ويستشهدون بلغة الشعر الذي لا تعرف له نسبة صحيحة.
والشاهد في البيت أن اجتماع (أل) والهمزة في «الأناس» لا يكون إلا في الشعر، والقياس «الناس» فإنّ أصله «أناس» فحذفت الهمزة وعوض عنها (أل) إلا أنها ليست
(3/207)

لازمة، إذ يقال في السعة «ناس». وفي الموضوع آراء أخرى. [الخزانة/ 2/ 280].

12 - تنفكّ تسمع ما حيي … ت بهالك حتى تكونه
والمرء قد يرجو الحيا … ة مؤمّلا والموت دونه
البيتان منسوبان لخليفة بن براز، وهو جاهلي.
والمعنى: ما تزال تسمع: مات فلان، حتى تكون الهالك، والخطاب لغير معيّن. وقد أخذ بعضهم البيت الأول فقال:
يقال فلان مات في كلّ ساعة … ويوشك يوما أن تكون فلانا
وقوله: تنفك: أي: لا تنفكّ. وجملة تسمع خبر (لا تنفكّ) و «ما» مصدرية ظرفية.
والهاء في (تكونه) ضمير الهالك، والأكثر في خبر كان إذا كان ضميرا أن يكون منفصلا، وهذا من القليل.
والشاهد: أن حرف النفي من (تنفكّ) محذوف، والتقدير (لا تنفكّ) والأكثر أن يكون الحذف في جواب قسم، وأن يكون حرف النفي المحذوف (لا). [الخزانة/ 9/ 242] والهمع/ 1/ 111، والدرر/ 1/ 81 وشرح المفصل/ 7/ 109].

13 - أخذت بعين المال حتى نهكته … وبالدّين حتى ما أكاد أدان
وحتى سألت القرض عند ذوي الغنى … وردّ فلان حاجتي وفلان
البيتان لمعن بن أوس المزني، وللبيتين قصة مع عبيد الله بن عباس.
وقوله: نهكته: أي: أتلفته، يعني: تصرفت بالمال النّقد وأسرفت فيه إلى أن فني.
ويقول في الشطر الثاني: أخذت الدّين من هنا ومن هنا حتى ما بقي من يقرضني.
والبيت الثاني شاهد على أن «فلان» يجوز أن يأتي في غير الحكاية لأن «فلان» فاعل «ردّ». ويرى آخرون أن «فلان» لا تأتي إلا حكاية. ويرون أنه لا يقال: جاءني فلان، ولكن يقال: قال زيد: جاءني فلان. قال الله تعالى: يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا. [الفرقان: 27 - 28]. [الخزانة/ 7/ 253].

14 - وكان لنا أبو حسن عليّ … أبا برّا ونحن له بنين
(3/208)

البيت منسوب لسعيد بن قيس الهمداني، قاله في أحد أيام صفّين. من قصيدة ترافقها قصّة. وأظنّ القصة والشعر مكذوبين، لأن أخبار حرب الجمل وصفين دخلها كثير من الوضع والكذب.
وقوله: لنا: كان في الأصل نعتا لقوله «أبا برا» فلما قدم عليه صار حالا منه. ونحن:
مبتدأ. وبنين: خبره.
والبيت شاهد على رفع «بنين» بالضمة على النون، مع لزوم الياء. وقيل إنّه لا يكون إلا في الشعر، للضرورة.
[الخزانة/ 8/ 75].

15 - فليت لنا من ماء زمزم شربة … مبرّدة باتت على طهيان
هذا البيت من قصيدة ليعلى الأحول الأزديّ. شاعر إسلامي لصّ قال هذه القصيدة وهو محبوس بمكة عند نافع بن علقمة الكناني والي مكة في خلافة عبد الملك بن مروان. وهو يتشوق في الأبيات إلى دياره، ويفضل العيش فيها على العيش بمكة، شوقا لا بغضا حيث يقول:
وما بي بغض للبلاد ولا قلى … ولكنّ شوقا في سواه دعاني
ويقول:
وليت لنا بالجوز واللوز غيلة … جناها لنا من بطن حلية جاني
وليت لنا بالديك مكّاء روضة … على فنن من بطن حلية داني
وليت لنا من ماء زمزم. البيت.
وهو صادق في شوقه، لأن الوطن موطنه القلب، والحنين إليه غريزة في النفس.
وطهيان: في البيت الشاهد: جبل. والغيلة: بكسر الغين، ثمرة الأراك الرطبة، يفضلها على الجوز واللوز في مكة. وحلية: روضة في اليمن، وهي اليوم في جنوب السعودية.
والبيت شاهد على أنّ «من» قد تأتي للبدل، أي: فليت لنا شربة بدل ماء زمزم.
[الخزانة/ 9/ 453].

16 - علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم … بأبيض ماضي الشّفرتين يمان
(3/209)

فبتّ لدى البيت العتيق أريغه … ومطواي مشتاقان له أرقان
هذا البيت من قصيدة ليعلى الأحول الأزدي، قالها وهو محبوس في مكة أيام عبد الملك بن مروان. وأريغه: أطلبه. وفي رواية: أشيمه: أي: أنظر إليه. ومطواي: مثنى:
مطو، بكسر الميم وضمها: الصاحب.
والبيت شاهد على أن بني عقيل وبني كلاب يجوّزون تسكين الهاء، كما في قوله «له» بسكون الهاء. وهي لغة لأزد السراة أيضا ويروى البيت: (ومطواي من شوق له أرقان) وعليه، لا شاهد له. [الخزانة/ 2/ 224].

17 - غير مأسوف على زمن … ينقضي بالهمّ والحزن
البيت لأبي نواس، الحسن بن هانئ، وبعده:
إنّما يرجو الحياة فتى … عاش في أمن من المحن
وأبو نواس، ليس ممن يستشهد بكلامه، وإنما تأتي أبياته في كتب النحو للتمثيل.
وكذلك يكثر التمثيل بأبيات المتنبي مع أنه متأخر. والرأي عندي أن الاستشهاد بشعر المتنبي وأبي نواس خير من الاستشهاد بكثير من الشعر الذي يقال إنه جاهلي وهو غير معروف النسبة، أو معروف النسبة ولكنه غير موثوق بروايته، كالشعر الذي ينسب إلى ملوك اليمن وتبابعتهم وأمثالهم. والذي ينسب إلى الزبّاء.
والبيت، مثال لإجراء غير قائم الزيدان، مجرى (ما قائم الزيدان) لكونه بمعناه.
[الخزانة/ 1/ 345].

18 - لأصبح الحيّ أوبادا ولم يجدوا … عند التفرّق في الهيجا جمالين
وقبله:
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا … فكيف لو سعى عمرو عقالين
البيتان قالهما عمرو بن العدّاء الكلبيّ. وعمرو: في البيت الثاني، هو عمرو بن عتبة ابن أبي سفيان، استعمله معاوية بن أبي سفيان على صدقات كلب، فاعتدى عليهم.
وقوله: سعى: في الموضعين، من: سعى الرجل على الصدقة، أي: الزكاة، عمل في
(3/210)

أخذها من أربابها. وعقالا: وعقالين: منصوبان على الظرف: أراد: مدة عقال، ومدة عقالين. والعقال: صدقة عام. والسّبد: الشعر والوبر. وقولهم: ماله سبد ولا لبد:
فمعناه: ماله ذو سبد، وهي الإبل والمعز ولا ذو لبد: وهي الغنم. ثم كثر حتى صار مثلا مضروبا للفقر. وكيف: خبر لمبتدأ محذوف أي: كيف حالنا. يقول: تولى علينا هذا الرجل سنة في أخذ الزكاة، فلم يترك لنا شيئا لظلمه، فلو تولى سنتين علينا على أي حال. كنا نكون؟
وقوله: لأصبح: جواب قسم مقدر. والحيّ: القبيلة. والأوباد جمع وبد، بفتحتين:
شدة العيش وسوء الحال. وجمالين: تثنية «الجمال» جعل صنفا لترحّلهم، وصنفا لحربهم.
والشاهد: أنه يجوز تثنية الجمع المكسر، فإن «جمالين» مثنى «جمال» أي: قطيعين من الجمال. ومنه الحديث «مثل المنافق كالشاة العائرة بين غنمين». [الخزانة/ 7/ 581، وشرح المفصل/ 4/ 153، والهمع/ 1/ 42].

19 - الله أعطاك فضلا من عطيّته … على هن وهن فيما مضى وهن
البيت لإبراهيم بن هرمة. أدرك الدولتين ومات في مدة هارون الرشيد. و «فضلا:
الفضل: الزيادة، هنا، يقول: إن الله أعطاك فضلا على أبناء عمّك، أي: فضلّك عليهم.
وقوله: فيما مضى: أي: من الأزل. وعبّر عن كلّ واحد منهم - بهن، الموضوع لما يستقبح ذكره من أسماء الجنس وليس «هن» هنا، كناية عن علم كلّ من المفضولين، ولو كان كناية عنهم لما غضبوا على الشاعر، كما تقول القصة. والمخاطب في البيت حسن ابن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ولو كان الغضب لمجرد التفضيل، ما بلغ غضبهم مبلغا كبيرا.
والبيت شاهد على أنه قد يكنى بهن عن العلم الذي لا يراد التصريح به لغرض.
[الخزانة/ 7/ 265].

20 - عرفنا جعفرا وبني أبيه … وأنكرنا زعانف آخرين
البيت لجرير، يخاطب فضالة العرنيّ. وأنكرنا: (نا) فاعل. وزعانف مفعوله.
والزعانف: جمع زعنفه. والزعانف: الأتباع.
(3/211)

والبيت شاهد على أن نون الجمع قد تكسر في ضرورة الشعر كما في (آخرين).
[الخزانة/ 8/ 6، وشرح التصريح/ 1/ 79، والهمع/ 1/ 79، والأشموني/ 1/ 89].

21 - وماذا يدّري الشّعراء منّي … وقد جاوزت حدّ الأربعين
البيت للشاعر سحيم بن وثيل.
وقوله «يدّري» يقال: ادّراه، يدّريه، إذا ختله، وخدعه يقول: كيف يطمع الشعراء في خديعتي وقد جاوزت أربعين سنة، وقد جربت وعرفت الخديعة والمكر، فلا يتمّ عليّ شيء.
والبيت شاهد على أنّ نون الجمع قد تعرب بالحركة على النون كما في (الأربعين).
فقد جاءت «الأربعين» مكسورة النون، لأن البيت من قصيدة مكسورة القافية للشاعر:
سحيم بن وثيل الرياحي، مطلعها البيت المشهور:
أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا … متى أضع العمامة تعرفوني
وسحيم، شاعر مخضرم، عاش في الجاهلية أربعين سنة، وفي الاسلام ستين. [شرح المفصل/ 5/ 11، 13، وشرح التصريح/ 1/ 77، 99، والهمع/ 1/ 49، والأشموني/ 1/ 89 والأصمعيات/ 19، والخزانة/ 8/ 65].

22 - كلا يومي طوالة وصل أروى … ظنون، آن مطّرح الظّنون
للشماخ بن ضرار. وطوالة: موضع. وأروى: من أسماء النساء.
والشاهد: «كلا يومي طوالة وصل أروى، ظنون» فإن قوله: «وصل أروى» مبتدأ.
وقوله: «ظنون»: خبر المبتدأ وقد تقدم المبتدأ وتأخر الخبر على الأصل، ولكن قوله:
«كلا يومي طوالة» ظرف متعلق بظنون الذي هو الخبر وقد تقدم هذا الظرف على المبتدأ.
وتقديم المعمول يدل على أن العامل فيه يجوز أن يتقدم، فيكون في موضع هذا المعمول. فلما تقدم الظرف وهو معمول للخبر دلّ على أن الخبر العامل في هذا الظرف يجوز: أن يقع في الموضع الذي وقع فيه الظرف. [الإنصاف/ 67، وشرح المفصل/ 3/ 101].
(3/212)

23 - أصاب الملوك فأفناهم … وأخرج من بيته ذا جدن
للأعشى، صناجة العرب. وذو يزن: من ملوك حمير. وذا جدن: صاحب جدن وجدن: اسم قصر.
والشاهد: في «بيته» فالهاء من (بيته) يعود إلى «ذا جدن» ويروى (ذا يزن) وهو متأخر عن الضمير. وذلك يدل على أن العرب كانوا يعيدون الضمير على متأخر. [الإنصاف/ 69].

24 - ألا يا اسلمي قبل الفراق ظعينا … تحيّة من أمسى إليك حزينا
.. وقوله: يا اسلمي. المنادى محذوف تقديره: يا ظعينة اسلمي، لأن الفعل لا ينادى. وظعينا: منادى مرخم. يا ظعينة. على لغة من لا ينتظر. وتحية: يجوز نصبه على المفعول المطلق. أحييك تحية. ويجوز رفعه، خبرا لمبتدأ محذوف. [الإنصاف/ 101].

25 - امتلأ الحوض وقال قطني … مهلا، رويدا، قد ملأت بطني
قطني: اسم بمعنى: حسب: أو اسم فعل بمعنى: يكفي. ومهلا: مصدر نائب عن الفعل تقول: مهلا يا رجل، ومهلا يا رجلان. ويا رجال. وفي التأنيث كذلك بلفظ واحد، والمراد: أمهل وتريث. ورويدا: يأتي على واحد من أربعة أوجه: اسم فعل بمعنى «أرود» أي: أمهل. والثاني: مصدرا نائبا عن فعله. والثالث: أن يقع صفه كما تقول: سارسيرا رويدا. والرابع: أن يقع حالا كما تقول: ساروا رويدا. بحذف المصدر الذي نصبته على المفعول المطلق في الاستعمال الثالث.
ومحل الشاهد في البيت «قطني» حيث وصل نون الوقاية بقط عند إضافته لياء المتكلم، وليس «قط» فعلا. فدل ذلك على أن نون الوقاية قد تلحق بعض الأسماء، لغرض من الأغراض. والغرض هنا المحافظة على سكون «قط» حتى لا
يذهب ما بني عليه اللفظ وهو السكون - وعلى ذلك، فلحاق نون الوقاية لكلمة من الكلمات لا يدل على أنه فعل. [شرح المفصل/ 2/ 131، والأشموني/ 1/ 125 والخصائص/ 1/ 32].

26 - نعمت جزاء المتقين الجنة … دار الأماني والمنى والمنّه
(3/213)

جزاء: فاعل نعمت - والجنة: مبتدأ مؤخر، وجملة (نعم) خبر مقدم. دار: بدل من الجنة.
والشاهد: نعمت: فإن دخول تاء التأنيث الساكنة يدل على أن «نعم» فعل ماض.
[الشذور: 21].

27 - قالوا كلامك هندا وهي مصغية … يشفيك؟ قلت: صحيح ذاك لو كانا
مجهول.
وقوله: كلامك: مبتدأ - والكاف: مضاف إليه. هندا: مفعول به، لاسم المصدر «كلام». وهي مصغية - جملة حالية. يشفيك: الجملة خبر المبتدأ.
صحيح: خبر مقدم. ذاك: اسم الإشارة مبتدأ مؤخر. كان - فعل ماض تام بمعنى حصل.
والشاهد: كلامك هندا. حيث عمل (الكلام) عمل المصدر، التكليم، فنصب مفعولا به. [الشذور، والأشموني/ 2/ 288].

28 - إنّ الثمانين - وبلّغتها - … قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
من قصيدة لأبي المنهال عوف بن محلم الخزاعي - يقولها في مدح عبد الله بن طاهر - وكان قد دخل عليه فسلّم، وأجابه عبد الله، فلم يسمع، فلما أعلم بذلك، دنا منه، وارتجل هذه القصيدة.
وهو يعتذر عن عدم سماعه تحية الممدوح بأنه قد طعن في السن، ويدعو للممدوح أن يطيل الله في أجله.
والشاهد: وبلغتها: فإن هذه الجملة معترضة بين جزئي جملة، وهما اسم إن وخبرها.
والجملة المعترضة هنا دعائية لا محل لها من الإعراب. [الشذور، والهمع/ 1/ 248، وشرح أبيات المغني/ 6/ 199].

29 - نحمي حقيقتنا وبعض القوم يسقط بين بينا
لعبيد بن الأبرص الأسدي من كلمة يقولها لامرئ القيس. وكان بنو أسد قد قتلوا
(3/214)

حجرا أبا امرئ القيس فأنذرهم امرؤ القيس وهددهم وفي ذلك يقول عبيد من قصيدة الشاهد.
يا ذا المخوّفنا بقتل أبيه إذلالا وجبنا ....
والحقيقة: ما يجب على الرجل أن يحفظه ويحميه، كالنفس والعرض والمال.
والشاهد: (بين، بينا) حيث ركب الظرفين معا وجعلهما بمنزلة اسم واحد. فبناهما على فتح الجزئين لكونه أراد بهما معا الظرفية والظرف هنا، المركب متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في «يسقط» والتقدير: وبعض القوم يسقط (هو) متوسطا: أي:
واقعا في وسط المعركة. [شرح المفصل/ 4/ 117، والشذور/ 74، والهمع/ 2/ 229].

30 - تذكّر ما تذكر من سليمى … على حين التواصل غير دان
لم يعرف له قائل.
والشاهد: «على حين التواصل غير دان» حيث روي لفظ «حين» على وجهين: الأول:
الجرّ على أنه معرب، تأثر بالعامل الذي قبله وهو حرف الجر. والثاني: الفتح: على أنه مبني على الفتح في محل جرّ. وبعده جملة اسمية من مبتدأ وخبره، وهي في محل جرّ بإضافة حين إليها. فدل ذلك على أنّ لفظ «حين» وشبهه إذا أضيف إلى جملة اسمية.
جاز فيه وجهان البناء والإعراب ولكن الإعراب في هذه الحال أرجح من البناء. وتجويز الأمرين هو مذهب الكوفيين، ويرى البصريون أنّ الظرف يعرب إذا جاور معربا، ويبنى إذا جاور مبنيا. [الشذور/ 80، والهمع/ 1/ 218، والأشموني/ 2/ 257].

31 - ألم تريا أني حميت حقيقتي … وباشرت حدّ الموت والموت دونها
والشاهد: والموت دونها: الواو: للحال. الموت: مبتدأ. دون: بالرفع خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
والشاهد: رفع (دون) على أنه معرب متأثر بالعامل الذي هو المبتدأ - ويجوز فيه البناء على الفتح» إذا كانت القوافي منصوبة. [الشذور/ 81، والهمع/ 1/ 213، والحماسة/ 371، والبيت لموسى بن جابر.
(3/215)

32 - يحشر الناس لا بنين ولا آباء … إلّا وقد عنتهم شؤون
لم يعرف قائله.
قوله: لا بنين: لا: نافية للجنس، بنين: اسمها مبني على الياء، وخبرها محذوف. لا آباء: لا، واسمها مبني على الفتح والخبر محذوف. إلّا: استثناء. (وقد عنتهم شؤون) جملة حالية. وهذا الحال في المعنى مستثنى من عموم الأحوال.
والشاهد: لا بنين: حيث جاء اسم «لا» جمعا، فبني على الياء. خلافا للمبرد الذي يرى أن المثنى وجمع المذكر السالم،
يعربان إذا جاءا اسم «لا» النافية للجنس.
[الشذور/ 84، والهمع/ 1/ 146، والأشموني/ 2/ 7].

33 - يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت … لك الجنان وبوّئت المها العينا
منسوب إلى أبي بكر رضي الله عنه يقوله في طلحة بن عبيد الله - طلحة الفياض وكان قد قام في يوم أحد مقاما محمودا إذ دفع عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله: بوّئت: أراد هنا معنى أفردت بها. والمها: البقرة الوحشية، والعرب تستعيرها للمرأة. والعين: جمع عيناء وهي واسعة العينين. يا: أداة نداء. طلحة: منادى. يجوز ضمه وفتحه، فإن ضممته فهو مبني على الضمّ في محل نصب لأنه مفرد علم. وإن فتحته: فقيل: هو مبني على الضم المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الاتباع وقيل: هو منصوب بالفتحة لأنه مضاف إلى ما بعد ابن، ولفظ (ابن) مقحم وقيل: هو مع ابن مركبان تركيب (خمسة عشر) فهو مبني على فتح الجزئين. والأول أقوى.
وقوله «ابن» هو بالفتح: فإن ضممت طلحة فهو نعت له بالنظر إلى محله. وإن فتحت «طلحة» فهو نعت له بالنظر إلى محله أيضا، لأن فتحة طلحة، فتحة إتباع.
وقوله: المها: إما منصوب على نزع الخافض وإما مفعول ثاني ل «بوّئت».
والشاهد: يا طلحة بن عبيد الله. فإن المنادى هنا وهو طلحة، علم مفرد وقد وصف بابن وهذا الوصف مضاف إلى علم، وهو عبيد الله، وهذا العلم الثاني أبو العلم الأول، والمنادى إذا كان بهذه الصفة جاز فيه الضم على الأصل والفتح على أحد وجوه ثلاثة:
(3/216)

للاتباع، أو للبناء على فتح الجزئين - والإعراب، على أنّ «ابن» مقحمة بين المضاف والمضاف إليه. الشذور/ 114].

34 - أقاطن قوم سلمى أم نووا ظعنا … إن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا
والشاهد: أقاطن قوم: حيث اكتفى بالفاعل «قوم» عن خبر المبتدأ لكون ذلك المبتدأ وصفا معتمدا على أداة الاستفهام وهي الهمزة.
وقوله: فعجيب: الفاء: واقعة في جواب الشرط. عجيب: خبر مقدم. عيش: مبتدأ مؤخر. والجملة جواب الشرط. [شذور الذهب/ 181، وشرح التصريح/ 1/ 157].

35 - أنكرتها بعد أعوام مضين لها … لا الدار دارا ولا الجيران جيرانا
قوله: أنكرتها: أي: لم أعرفها لدثور علاماتها الدالة عليها. يصف دارا كان يلقى أحبابه فيها قبل مضي أعوام بأنه لما
مرّ بها لم يعرفها لتغيرها وذهاب معارفها.
والشاهد: لا الدار دارا. ولا الجيران جيرانا حيث أعمل «لا» في الموضعين عمل «ليس» مع أن اسمها في الموضعين معرفة. وحق اسمها التنكير. وقد جاء في شعر المتنبي:
«فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا». [شذور الذهب].

36 - صددت الكأس عنّا أمّ عمرو … وكان الكأس مجراها اليمينا
لعمرو بن كلثوم من معلقته. وكان: الواو: للحال، كان الكأس: كان واسمها.
مجراها: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة. اليمينا: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ.
وجملة المبتدأ والخبر خبر كان.
ويجوز أن يكون قوله «مجراها» بدلا من الكأس.
وقوله اليمينا: ظرف متعلق بمحذوف خبر كان.
والشاهد: «اليمينا» حيث نصبه على الظرف، وكونه خبر المبتدأ.

37 - إذا ما الغانيات برزن يوما … وزجّجن الحواجب والعيونا
(3/217)

للراعي النميري من قصيدة مطلعها:
أبت آيات حبّي أن تبينا … لنا خبرا، وأبكين الحزينا
والشاهد: والعيونا: فإن هذه الكلمة لا تصلح أن تكون معطوفة على ما قبلها عطف مفرد على مفرد، لانتفاء اشتراك المعطوف - وهو العيون - مع المعطوف عليه وهو الحواجب - في العامل، وهو «زججت، لأن التزجيح هو ترقيق الحواجب. ولا يصلح أن يكون قوله «العيون» مفعولا معه لأن الإخبار بالمعية هاهنا لا يفيد شيئا. ولذلك وجب واحد من أمرين: الأول: أن يتضمن العامل. زجج - معنى فعل آخر يصلح تسليطه عليهما مثل «جملن وحسّنّ. وحينئذ يكون الثاني معطوفا على الأول. والثاني: أن تجعل العيون مفعولا به لفعل محذوف، تقديره وكحلن. [الإنصاف/ 610، والشذور، والهمع/ 1/ 22، والأشموني/ 2/ 140، وشرح المفصل/ 6/ 92].

38 - إن يقل هنّ من بني عبد شمس … فحرى أن يكون، ذاك، وكانا
منسوب للأعشى ميمون. فحرى: الفاء واقعة في جواب الشرط حرى: فعل ماض ناقص. أن يكون: المصدر المؤول خبرها. ذاك: اسم الإشارة اسم حرى. ويكون: فعل تام فاعله مستتر. وكان: فعل تام، فاعله مستتر.
والشاهد: (حرى) حيث استعمل فعلا دالا على الرجاء. [الشذور/ 268، والهمع/ 1/ 128].

39 - لمّا تبيّن مين الكاشحين لكم … أنشأت أعرب عما كان مكنونا
الكاشحون: المبغضون. والمين: الكذب. وأنشأت: شرعت.
والشاهد: أنشأت أعرب: حيث أتى بخبر «أنشأ» فعلا مضارعا مجردا من أن المصدرية وذلك واجب في هذا الفعل وفي أفعال الشروع كلها. [الشذور: 277 والهمع/ 1/ 128].

40 - إن هو مستوليا على أحد … إلا على أضعف المجانين
غير منسوب.
(3/218)

والشاهد: إن هو مستوليا حيث أعمل «إن» النافية عمل ليس، فرفع بها الاسم، وهو الضمير المنفصل، ونصب بها الخبر وهو قوله «مستوليا» ويؤخذ من هذا الشاهد: أن «إن» النافية مثل «ما» من أنها لا تختص بالنكرات كما تختص بها «لا» فإن الاسم في البيت ضمير.
والشاعر يصف رجلا بالعجز وضعف التأثير فيقول: إنه ليس غالبا لأحد من الناس ولا مؤثرا فيه إلا أن يكون ذلك المغلوب والمؤثر فيه من ضعاف العقول. [الخزانة/ 4/ 166، والشذور، والهمع/ 1/ 125، والأشموني/ 1/ 255].

41 - ووجه مشرق اللون … كأن ثدياه حقّان
غير منسوب. والحقان: تثنية حقّ، وهو قطعة من خشب أو عاج تنحت أو تسوّى، شبه بهما الثديين في نهودهما واكتنازهما.
قوله: ووجه: يروى بالرفع على أن الواو للعطف والاسم معطوف على مذكور سابق ويروى بالجر على أن الواو واو ربّ، ووجه: مبتدأ. مرفوع بضمة مقدرة ومشرق: صفة.
والشاهد: كأن ثدياه حقان: حيث خفف كأن وحذف اسمه وجاء بخبره جملة اسمية من المبتدأ وخبره «ثدياه حقان». ولما كانت جملة الخبر اسمية لم يحتج إلى فاصل يفصلها من «كأن». [سيبويه/ 3/ 128، والشذور، والإنصاف/ 197، وشرح المفصل/ 8/ 72، والهمع/ 1/ 143 والخزانة/ 10، 398].

42 - ربّ وفّقني فلا أعدل عن … سنن الساعين في خير سنن
مجهول. والسّنن: بفتح السين والنون: الطريق.
والشاهد: فلا أعدل. حيث نصب المضارع «أعدل» بأن المضمرة وجوبا بعد فاء السببية الواقعة في جواب فعل الدعاء الذي هو «وفّق» ومنه يتبين أن الفصل بلا النافية بين الفاء والفعل لا يمنع من عمل النصب. [الشذور، والهمع/ 2/ 11، والأشموني/ 3/ 302].

43 - ألا رسول لنا منا فيخبرنا … ما بعد غايتنا من رأس مجرانا
لأمية بن أبي الصلت: يقول: إن الإنسان إذا مات لم يعرف مدة إقامته في القبر إلى أن
(3/219)

يبعث، فيتمنّى أن يجيئه رسول من الأموات يخبره بحقيقة ذلك ...
ألا: كلمة أصلها مركبة من همزة الاستفهام ولا النافية للجنس، وصار معناها التمني.
وبقي ل «لا» عملها بعد التركيب: رسول: اسمها مبني على الفتح وخبرها الجار والمجرور «لنا» ويروى لنا (منها) أي: من القبور. ما بعد: ما استفهامية مبتدأ. بعد:
خبر المبتدأ.
والشاهد: فيخبرنا: حيث نصب المضارع بأن مضمرة وجوبا بعد فاء السببية. الواقعة في جواب التمني المدلول عليه بقوله «ألا». [سيبويه/ 1/ 240، والشذور/ 309].

44 - فقلت ادعي وأدعو إنّ أندى … لصوت أن ينادي داعيان
يروى للأعشى، ويروى للحطيئة. ونسب إلى الفرزدق، ونسب إلى غيرهم.
وقوله: أندى: أفعل تفضيل من قولهم: ندي صوته يندى ندى: من باب فرح - إذا بعد أمده وامتدّ.
وقوله: ادعي: فعل أمر، والياء فاعله. وأدعو: مضارع منصوب بأن مضمرة بعد واو المعية. إنّ أندى: إنّ واسمها: لصوت: متعلقان ب «أندى» وقيل: اللام زائدة، وأندى:
مضاف، وصوت مضاف إليه. وخبر (إنّ) المصدر المؤول (أن ينادي داعيان) وداعيان:
فاعل، ينادي.
والشاهد: وأدعو: منصوب بأن مضمرة بعد واو المعية الواقعة في جواب الأمر. وقبل البيت الشاهد:
تقول حليلتي لما اشتكينا … سيدركنا بنو القرم الهجان
ويروى الشاهد: فقلت ادعي وأدع فإنّ أندى، أي: ولأدع، مجزوم بلام أمر محذوفة.
ولكن ابن قتيبة عاب هذه الرواية، وعدها من عيوب الإعراب في مقدمة كتاب «الشعر والشعراء». [سيبويه/ 1/ 226، والإنصاف/ 531، وشرح المفصل/ 7/ 33، وشرح المغني/ 6/ 229، والشذور].

45 - أبالموت الذي لا بدّ أنّي … ملاق - لا أباك - تخوّفيني
(3/220)

لأبي حية النميري.
وقوله: أبالموت: الهمزة للاستفهام - بالموت: جار ومجرور متعلقان بالفعل في آخر البيت. الذي: صفة للموت. لا بدّ: لا: النافية للجنس. بدّ: اسمها مبني على الفتح.
وقوله: (أني ملاق) أنّ واسمها وخبرها: مصدر مجرور بحرف جرّ محذوف، متعلقان بمحذوف خبر «لا». (لا أباك) أبا: اسم لا منصوب بالألف نيابة عن الفتحة، والكاف مضاف إليه. وخبر «لا» محذوف. تخوفيني: مضارع مرفوع بالنون المحذوفة تخفيفا، والنون الموجودة للوقاية والياء الأولى فاعل، والياء الثانية، مفعول به.
والشاهد: «لا أباك» حيث استعمل «أبا» اسما للا النافية للجنس وأضافه إلى ضمير المخاطبة، فيكون قولهم «لا أباك» من باب الإضافة واللام مقحمة بين المضاف والمضاف إليه، وهذا أحد أقوال كثيرة في هذا التعبير. ومثله قول الدارمي:
وقد مات شمّاخ ومات مزرّد … وأيّ كريم: لا أباك مخلّد
وفيه شاهد آخر: في «تخوفيني»: حيث حذف نون الرفع وأبقى نون الوقاية ومنهم من يثبت النونين. تخوفينني. ومنهم من يدغم فيقول: تخوفونّي. ومنهم من يرى أنّ المحذوف نون الوقاية، ونون الرفع باقية وهو الأنسب لعدم وقوع الالتباس. [شرح المفصل/ 2/ 105، والشذور والهمع/ 1/ 145].

46 - حيثما تستقم يقدر لك الل … ه نجاحا في غابر الأزمان
غير منسوب. وغابر الأزمان: باقيها.
والشاهد: حيثما تستقم يقدر: حيث جزم بحيثما فعلين. [الشذور، وشرح المغني/ 3/ 153].

47 - دعتني أخاها أمّ عمرو ولم أكن … أخاها، ولم أرضع لها بلبان
قاله عبد الرحمن بن الحكم، من أبيات يشبب فيها بامرأة مروان بن الحكم فيما زعموا.
دعتني: فعل ماض - والياء مفعوله الأول. أخاها: مفعوله الثاني ولم أكن أخاها:
الجملة حالية.
(3/221)

والشاهد: دعتني أخاها: حيث عدى الفعل (دعا) إلى مفعولين من غير توسط حرف الجر بينه وبين أحدهما. ودعا: هنا: بمعنى سمّى، فكأنه قال: سمته أخاها. فإن كان بمعنى «نادى» تعدت إلى واحد. [شرح المفصل/ 6/ 27 والشذور].

48 - أجهّالا تقول بني لؤيّ … لعمر أبيك أم متجاهلينا
قاله الكميت بن زيد الأسدي.
أجهّالا: الهمزة للاستفهام. جهّالا: مفعول ثان لتقول «الآتي» تقدم عليه. تقول:
بمعنى تظن: بني: مفعوله الأول. لعمر أبيك، اللام للابتداء. عمر: مبتدأ. وخبره محذوف وجوبا. أم متجاهلينا: معطوف على «أجهالا» في أول البيت.
والشاهد: إعمال «تقول» عمل «تظن» وهو مضارع مبدوء بتاء الخطاب ومسبوق بهمزة الاستفهام، وقد فصل بينه وبين الهمزة، بأحد المفعولين وهو قوله «أجهّالا». [سيبويه/ 1/ 63، وشرح المفصل/ 7/ 78، والشذور، والهمع/ 1/ 157، والأشموني 2/ 37].

49 - فلا أعني بذلك أسفليكم … ولكنّي أريد به الذّوينا
هنا البيت من قصيدة الكميت بن زيد هجا بها أهل اليمن تعصبا لمضر. والذوين:
الأذواء، وهم ملوك اليمن المسمون بذي يزن، وذي جدن وذي نواس وهم التبابعة.
يقول: لا أعني بهجوي إياكم أراذلكم وإنما أعني عليتكم وملوككم وفي البيت شواهد كثيرة.
1 - على أن الذوين داخل في حدّ الجمع، لأن واحده (ذو).
2 - وعلى أنّ قطع «ذو» عن الإضافة وإدخال اللام عليه شاذ.
3 - وعلى أن كسر عين الكلمة (الواو) من الذوين، مخالف للقاعدة، وكان حقها أن تفتح، لأن (ذوين) جمع «ذوى» فعينه مفتوحة. فلو سميت رجلا «ذو» لقلت هذا «ذوى» فتردّ ما ذهب منه لأنه لا يكون اسم على حرفين وسيبويه/ 2/ 43، والهمع/ 2/ 50، والدرر/ 2/ 62 والخزانة/ 1/ 140].

50 - ليت شعري مقيم العذر قومي … لي أم هم في الحبّ لي عاذلونا
البيت غير منسوب.
(3/222)

ليت شعري: ليت: واسمها، وخبرها محذوف أي: ليت علمي حاصل. مقيم: مبتدأ العذر: مفعوله. قومي: فاعل سدّ
مسدّ الخبر.
وفي البيت شاهدان:
الأول: مقيم العذر قومي. حيث أعمل اسم الفاعل (مقيم) عمل الفعل لكونه معتمدا على همزة استفهام محذوفة. والأصل «أمقيم .. ؟» والدليل على وجود الاستفهام قوله «ليت شعري» فإن هذه العبارة يقع بعدها الاستفهام البتة إما مذكورا وإما مقدّرا. ووجود (أم) فإنها تعادل الهمزة.
والشاهد الثاني: ليت شعري: وهي كلمة تساق عند التعجب من الأمر وإظهار غرابته.
وخبر ليت لا يذكر في هذا التركيب قال قوم: إنه محذوف بلا تقدير ولا تعويض. فتكون جملة الاستفهام بعده في محل نصب مفعول به «لشعري» كأنه قال: ليت علمي جواب هذا الاستفهام حاصل. وقال آخرون: الاستفهام قائم مقام خبر ليت. [الشذور، والهمع/ 2/ 95].

51 - ما رأيت امرأ أحبّ إليه … البذل منه إليك يا ابن سنان
مجهول. وليس لزهير كما يظنّ، وأظنه من صناعة النحويين على الشاهد: «أحبّ.
البذل» حيث رفع أفعل التفضيل «أحبّ» الاسم الظاهر غير السّببي. وهو «البذل» لكونه وقع وصفا لاسم جنس وهو قوله «امرأ» مسبوق بنفي (ما رأيت) والاسم الظاهر مفضل على نفسه باعتبارين: فالبذل باعتبار كونه محبوبا لابن سنان، غيره باعتبار كونه محبوبا لمن عدا ابن سنان. وهو مفضل في الحالة الأولى على نفسه في الحالة الثانية وهو الذي يعبّر عنه العلماء «بمسألة الكحل». [الشذور، والهمع/ 2/ 102].

52 - أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا … متى أضع العمامة تعرفوني
قاله: سحيم بن وثيل الرياحي. وتمثّل به الحجاج بن يوسف، وللحجاج فضل شهرة هذا البيت.
وجلا: أصله فعل ماض ثم سمّي به كما سمّي بيزيد ويشكر. وقيل هو فعل وهو مع فاعله، صفة لموصوف محذوف تقديره: أنا ابن رجل جلا الأمور وأوضحها. وقيل: هو «جلا» بالتنوين، مصدر أصله المدّ فقصره. والأصل أنا ابن جلاء. والمعنى: أنه واضح
(3/223)

ظاهر لا يخاف ولا يداهن وإنما هو شجاع. وحمله على المعنيين الثاني والثالث أولى، لأنّ حمله على الأول، معناه أنّ اسم أبي الشاعر «جلا» أو أحد أجداده وليس في آبائه من سمي بهذا الاسم، أو لقّب به.
أنا: مبتدأ. ابن: خبره. وجلا: مضاف إليه. إذا كان اسما علما. وطلّاع: معطوف على خبر المبتدأ بالرفع.
والشاهد: متى أضع. تعرفوني حيث جزم بمتى فعلين. الأول «أضع» والثاني تعرفوني. وعلامة جزم الجواب حذف
النون، والنون الموجودة، نون الوقاية، ولو كان مرفوعا لقال: تعرفونني.
وقوله: أضع. بمعنى أخلع العمامة. وقصة الحجاج تدل على ذلك، لأنه وقف على المنبر ملثّما ثم أزال اللثام. ووضعت المرأة ثوبها: خلعته وفي التعبيرات الدارجة اليوم:
وضعت السرج على الحصان، أو وضعت العمامة على رأسي. ولم أجد هذا الأسلوب في الأساليب المستعملة. وإنما يقال. وضع فلان الشيء: ألقاه من يده وحطّه، ضد رفعه.
ووضع الشيء إلى الأرض: أنزله. ووضع الشيء في المكان: أثبته. ووضع يده في الطعام: إذا جعل يأكله. ووضع عنه الأمر: أسقطه. ووضع الشيء وضعا: تركه. وعلى هذا نقول: وضعت العمامة أو العقال في رأسي، وليس على رأسي.
ويروى أنّ ملك اليمن (يحيى حميد الدين) علم أنّ مندوب اليمن في الجامعة العربية يخلع عمامته عند ما يجتمع بالناس، فأرسل إليه (متى أضع العمامة تعرفوني) والبيت في سياق خلع العمامة وليس إثباتها. ولكن قد يستشهد بالبيت في مجال «لبس العمامة» فكما أن خلع العمامة يوضّح لابسها، فكذلك لبس العمامة يعرّف بصاحبه، لأن العمامة زيّ وشعار به تعرف الأقوام ولذلك يمكن تفسير قول إمام اليمن بمعنى «متى أضع العمامة في رأسي، أو أضع رأسي في العمامة على القلب. وإنما ذكرت قصة إمام اليمن (المتوفى سنة 1948 م) لأنه كان أديبا ناظما، ولا يخفى عليه معنى بيت الشعر. وكان - رحمه الله - يرى الاعتماد على النفس في تعمير البلاد، ومن كلامه: «لأن تبقى البلاد خربة وهي تحكم نفسها أولى من أن تكون عامرة ويحكمها أجنبي». وصدق ظنه، فما جنينا من الانفتاح على حضارة الغرب إلا مزيدا من القيود والاستعمار. [سيبويه/ 2/ 7 /، وشرح المفصل/ 1/ 61، و 3/ 59، والخزانة/ 1/ 255 وشرح أبيات المغني/ 4/ 6 والهمع/ 1/ 30، والأشموني/ 3/ 260].
(3/224)

53 - صاح شمّر، ولا تزل ذاكر المو … ت فنسيانه ضلال مبين
غير منسوب. صاح: منادى مرخم بحرف نداء محذوف، وأصله - يا صاحبي. شمّر:
فعل أمر. لا تزل: لا: الناهية. تزل: مضارع مجزوم، وهو فعل ناقص واسمه مستتر، ذاكر: خبره.
وهو الشاهد: حيث عمل مضارع «زال» في الاسم والخبر، وهو مسبوق بالنهي، الذي هو أخو النفي.

54 - فو الله ما فارقتكم قاليا لكم … ولكنّ ما يقضى فسوف يكون
البيت للأفوه الأودي، في [الهمع/ 1/ 110، والأشموني/ 1/ 225].
البيت للأفوه الأودي، في [الهمع/ 1/ 110، والأشموني/ 1/ 225].
والشاهد: ولكنّ ما يقضى.
وقد توهم ابن هشام في «القطر» أنّ (لكنّ) مكفوفة ب (ما). وليس كذلك لأن «ما» هنا اسم موصول اسم لكنّ. وجملة سوف يكون: خبر لكن ويكون في آخر البيت: تامة، وفاعله مستتر.
وما أظنّ أن ابن هشام يغيب عنه هذا المعنى، ولعله من زيادات النساخين.

55 - أنا ابن أباة الضيم من آل مالك … وإن مالك كانت كرام المعادن
البيت للطرماح، الحكم بن حكيم. [في الهمع/ 1/ 141، والأشموني/ 1/ 289].
والشاهد: «وإن مالك: حيث خفف (إنّ) المؤكدة وأهملها فلم ينصب بها الاسم، بل جاء بعدها بالمبتدأ مرفوعا وبخبره. ولم يدخل اللام في خبرها لتكون فارقة بين النفي والإثبات. ولو أدخل اللام لقال: وإن مالك لكانت. وإنما لم يدخل اللام هنا، ارتكانا على انفهام المعنى ووضوحه لأنّ البيت مسوق للافتخار والتمدّح بكرم الآباء فلو حملت «إن» على أنها نافية لكان المعنى مناقضا لما سيق له البيت.

56 - ولست براجع ما فات مني … بلهف ولا بليت ولا لوانّي
لم يعرف قائله. وليس براجع. ليس واسمها وخبرها. والباء في «براجع» زائدة «ما» مفعول به لراجع. وفاعل «راجع» ضمير مستتر.
(3/225)

وقوله: بلهف: الباء حرف جرّ. والمجرور محذوف. ولهف: منادى مضاف لياء المتكلم بحرف نداء محذوف والتقدير: بقولي: يا لهفي والتقدير في قوله «بليت» بقولي:
يا ليتني.
والشاهد - بلهف - وبليت فإنهما مناديان بحرف نداء محذوف وأصل كل منهما مضاف لياء المتكلم ثم قلبت ياء المتكلم ألفا بعد أن قلبت الكسرة التي قبلها فتحة ثم حذفت من كلّ منهما الألف المنقلبة عن ياء المتكلم واكتفي بالفتحة التي قبلها.
والأحسن أن تعدّ «بلهف» بمعنى التلهف. وليت بمعنى التمني ويكون الإعراب للفظ نفسه - لهف: مجرور، وكذلك لفظ ليت. [الإنصاف/ 390، والأشموني/ 2/ 282، والخصائص/ 3/ 135].

57 - يا يزيدا لآمل نيل عزّ … وغنى بعد فاقة وهوان
غير منسوب.
وقوله: يا يزيدا: منادى مستغاث به مبني على الضم المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة المأتي بها من أجل الألف.
وهو الشاهد: حيث ألحق به الألف ولم يدخل عليه اللام في أوله، وهو مستغاث به. وحقه أن يقول: يا ليزيد. [الأشموني/ 3/ 166، وشرح أبيات المغني/ 6/ 158].

58 - ولقد علمت بأنّ دين محمد … من خير أديان البرية دينا
من كلام أبي طالب عم النبي صلّى الله عليه وسلّم.
ولقد: اللام موطئة للقسم ... وجملة علمت: جواب القسم ودينا: تمييز، وهو الشاهد. [الخزانة/ 2/ 76، وج 9/ 397].

59 - هل تذكرون إلى الدّيرين هجرتكم … ومسحكم صلبكم رحمان قربانا
البيت لجرير يهجو الأخطل النصراني من قصيدته التي مطلعها:
بان الخليط ولو طوعت ما بانا … وقطّعوا من حبال الوصل أقرانا
(3/226)

والشاهد. «رحمن» فهو معمول لقول محذوف وهذا القول المحذوف مصدر فيكون فيه إعمال المصدر وهو محذوف.
فقوله: رحمن: منادى بحرف نداء محذوف، وجملة النداء مقول لقول محذوف والتقدير: وقولكم يا رحمان.
قلت: هذا هجاء تافه. وما كان لجرير أن يشغل الناس به، لأنهم يعرفونه ولا يطربون لذكره. وهو أيضا، هجاء لا يؤذي الأخطل وبني تغلب، لأنهم يفعلونه وهم مؤمنون به، ويرون فيه عادة مستحسنة يربون أولادهم عليها.
ولو كان جرير بارعا في الهجاء - كما يزعم النّقاد - لجاءنا بما لم نعرف، وبما يعرفه المهجو ويكتمه، لأنه يرى فيه منقصة. وهجاء النصراني بنصرانيته، لا يعدّه النصراني عيبا، والإسلام الذي يؤمن به جرير، خيّر النصراني بين البقاء على دينه ونصرانيته، وبين الجزية، والجزية ليست عقوبة، ولكنها ضريبة حماية لهم، ولذلك، عند ما فتح خالد ابن الوليد حمص، وأخذ الجزية من أهلها، ثم سحب قواته منها، أعاد الجزية إلى أهلها، لأنّ ضريبة الجزية لا تجب إلا على من يكونون في حماية المسلمين. ولو أبيح للأخطل أن يجيب جريرا بمثل ما يهجوه به لعاب جريرا وقومه، بما يراه النصارى عيبا. فالمعركة الأدبية هنا ليست متكافئة. ومع ذلك كله، فإن هجاء النصارى وعيبهم بدينهم، ليس من المنهج الإسلامي، لأن الإسلام أبقاهم على دينهم وكفل لهم حماية أماكن عبادتهم. ولو نهج المسلمون المنهج الإسلامي الصحيح - بعد الصدر الأول - لاختار النصارى دين الإسلام، ولم يبق نصرانيّ.

60 - أعرف منها الجيد والعينانا … ومنخرين أشبها ظبيانا
قاله رجل من ضبّة، وقيل لرؤبة. وظبيان: اسم رجل. أراد: أشبها منخري ظبيان.
والشاهد في البيت: والعينانا: حيث فتح نون المثنى مع الألف، وحقّه «العينين» لأنه معطوف على منصوب. [شرح المفصل/ 3/ 129]. و [الهمع/ 1/ 49، والأشموني/ 1/ 90، والخزانة/ 7/ 452].

61 - أيها السائل عنهم وعني … لست من قيس ولا قيس مني
مجهول. أو موضوع.
(3/227)

والشاهد: عني - ومني. حيث حذف نون الوقاية منها شذوذا للضرورة.
فقوله «عني» بتخفيف النون وكذلك «مني». [الخزانة/ 5/ 380].

62 - قومي ذرا المجد بانوها وقد علمت … بكنه ذلك عدنان وقحطان
مجهول. وقومي: مبتدأ: ذرا: مبتدأ ثان. بانوها: خبر المبتدأ الثاني وجملة وقد علمت: حالية.
والشاهد: «قومي ذرا المجد بانوها»: حيث جاء بخبر المبتدأ مشتقا ولم يبرز الضمير لأمن اللبس. والتقدير: بانوها هم. [العيني/ 1/ 157، والهمع/ 1/ 96].

63 - لك العزّ إن مولاك عزّ وإن يهن … فأنت لدى بحبوحة الهون كائن
غير منسوب. والبحبوحة: وسط الشيء.
والشاهد: «كائن»: حيث صرح به وهو متعلق الظرف الواقع خبرا، شذوذا، وذلك لأن الأصل إذا كان الخبر ظرفا أو جارا ومجرورا أن يكون كل منهما متعلقا بكون عام واجب الحذف. وليس بشيء هذا، فإن الذوق لا يأباه. [الهمع/ 1/ 98 وج 2/ 108، وشرح أبيات المغني/ 6/ 342].

64 - لولا اصطبار لأودى كلّ ذي مقة … لمّا استقلّت مطاياهنّ للظّعن
غير منسوب.
والشاهد: «اصطبار» فإنه مبتدأ، مع كونه نكرة، والمسوّغ لوقوعه مبتدأ، وقوعه بعد «لولا» فحاجة لولا إلى الجواب يقلل شيوع النكرة.
وقوله: «أودى». هلك. والمقة: الحب. وفعله «ومق». [الهمع/ 1/ 101، والعيني/ 1/ 352، والتصريح/ 1/ 170].

65 - فأصبحوا والنّوى عالي معرّسهم … وليس كلّ النوى تلقي المساكين
البيت قاله «حميد الأرقط» وكان بخيلا فنزل به أضياف، فقدم لهم تمرا. يصف أضيافا نزلوا به فقراهم تمرا يقول: لما أصبحوا ظهر على مكان نزولهم نوى التمر كومة مرتفعة، مع أنهم لم يكونوا يرمون كل نواة يأكلون تمرها بل كانوا يلقون بعض النوى ويبلعون
(3/228)

بعضا، إشارة إلى كثرة ما قدم لهم منه وكثرة ما أكلوا. ووصفهم بالشره.
وقوله «ليس» فعل ناقص، واسمه ضمير شأن - كلّ: مفعول به مقدم لقوله «تلقي».
والمساكين: فاعل. والجملة (خبر ليس).
ويروى برفع «كلّ» وليس فعل ناقص، وكلّ اسمها. وجملة تلقي، الخبر. [سيبويه/ 1/ 35، والأشموني/ 1/ 239].

66 - نصرتك إذ لا صاحب غير خاذل … فبؤّئت حصنا بالكماة حصينا
غير منسوب.
والشاهد: لا صاحب غير خاذل. حيث أعمل «لا» عمل ليس واسمها وخبرها نكرتان.
[شرح أبيات المغني/ 4/ 378].

67 - قالت وكنت رجلا فطينا … هذا لعمر الله إسرائينا
.. البيت لأعرابي صاد ضبا، فأتى به أهله، فقالت له امرأته: هذا لعمر الله إسرائيل.
أي: هو ما مسخ من بني إسرائيل. ويروى «إسرائيل». وإسرائين: لغة في إسرائيل كما قالوا: جبرين، وإسماعين ... وما زالت هذه اللهجة موجودة في فلسطين.
قالت: فعل ماضي، والتاء للتأنيث. «وكنت رجلا فطينا» الجملة حالية. هذا: مفعول قالت: مفعول أول. لأنها بمعنى «ظنت» وإسرائينا مفعول ثان.
والشاهد: إعمال «قال» عمل ظنّ، فنصب مفعولين، ويجوز إعراب: هذا: مبتدأ - والخبر محذوف وتقديره: ممسوخ إسرائينا، وحذف المضاف وإبقاء المضاف إليه، مجرورا جائز، وإن كان قليلا.
[ابن عقيل 1/ 183 / الهمع/ 1/ 157، الأشموني/ 2/ 37].

68 - وما عليك إذا أخبرتني دنفا … وغاب بعلك يوما أن تعوديني
لرجل من بني كلاب وهو من مختار أبي تمام في ديوان الحماسة، ولكن رواية الحماسة:
وما عليك إذا خبّرتني دنفا … رهن المنية يوما أن تعودينا
(3/229)

وقوله: وما عليك: ما: اسم استفهام. عليك: الجار والمجرور خبر. أخبرتني ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل. وهو المفعول الأول والنون للوقاية ياء المتكلم مفعول ثان. دنفا: مفعول ثالث. وجملة (وغاب بعلك) حالية. على تقدير «قد غاب ...» (أن تعوديني) مصدر مجرور بفي محذوفة والتقدير «في عيادتي» وحذف حرف الجرّ هنا قياس.
والشاهد: أخبرتني دنفا، حيث أعمل «أخبر» في ثلاثة مفاعيل.

69 - فليت لي بهم قوما إذا ركبوا … شنّوا الإغارة فرسانا وركبانا
من أبيات لقريط بن أنيف من مختار أبي تمام في الحماسة يتمنى بدل قومه قوما آخرين من صفتهم أنهم إذا ركبوا للحرب تفرقوا لأجل الهجوم على الأعداء، ما بين فارس وراكب، وقصده حث قومه على قتال أعدائه وليس الهجاء.
والشاهد: الإغارة. حيث وقع مفعولا لأجله منصوبا مع اقترانه بأل. وهو ردّ على من يقول إنّ المفعول لأجله لا يكون إلا نكرة.
وقوله: فرسانا: حال من الواو في شنوا. وركبانا: معطوف عليه. [ابن عقيل/ 2/ 28 والهمع/ 1/ 195، والأشموني/ 2/ 220].

70 - ولا ينطق الفحشاء من كان منهم … إذا جلسوا منّا ولا من سوائنا
قاله المرّار بن سلامة العجلي.
وقوله: جلسوا منا: الجار والمجرور متعلقان ب (جلسوا) و (من) بمعنى «مع».
و «سواء» بالفتح والمدّ، مثل «سوى» بالقصر والكسر. وهي بمعنى «غير» ويرى قوم أنها ظرف مكان بمعنى «بدل» أو بمعنى «مكان» وقولنا مررت برجل سواك، أي: برجل مكانك، أي: يغنى غناءك ويسدّ مكانك. وهذا رأي البصريين، أما الكوفيّون. فيرون أنها تكون اسما، وتكون ظرفا، في الشعر وغير الشعر.
ومن أدله اسميتها دخول حرف الجرّ عليها، كما في البيت. أقول: وهذه المسألة، ليست مما يقال فيه «يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره»، وإنما تجوز في النثر أيضا. لأن نسبتها إلى الضرائر الشعرية، فيها إساءة إلى الشعر والشعراء، ولو تتبعنا مسائل الخلاف
(3/230)

في الشواهد التي وردت في هذا الكتاب، لوجدناها تعدّ بالمئين، وجعلها من الضرورات، يدلّ على ضعف الشعراء فلا يلجأ إلى الضرورات والرخص إلا الضعيف العاجز. وأحسن من هذا أن نعدّها لغات تجوز في الشعر والنثر.
[سيبويه/ 1/ 13، وابن عقيل/ 2/ 57، واللسان «سوا» والإنصاف/ 167، والأشموني/ 2/ 158].
والشاهد: «من سوائنا» حيث خرجت فيه عن الظرفية واستعملت مجرورة بمن متأثرة به، وهو من ضرورة الشعر وقد جعلها بمنزلة «غير».

71 - ولم يبق سوى العدوا … ن دنّاهم كما دانوا
البيت للفند الزمّاني من أبيات يقولها في حرب البسوس، واسم الفند شهل ابن شيبان بن ربيعة، وقبل البيت في ديوان الحماسة:
صفحنا عن بني ذهل … وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجع … ن قوما كالذي كانوا
فلما صرّح الشرّ … وأمسى وهو عريان
ولم يبق.
وقوله: دنّاهم: جازيناهم. وجملة «دنّاهم» جواب، لمّا في قوله (فلما صرّح).
والشاهد: قوله «سوى العدوان» حيث وقعت «سوى» فاعلا وخرجت عن الظرفية.
ويرى سيبويه والفراء أنّ «سوى» لا تكون إلا ظرفا فإذا قلت قام القوم سوى زيد.
فسوّى عندهم منصوبة على الظرفية، وهي مشعرة بالاستثناء ولا تخرج عن الظرفية إلا في ضرورة الشعر.
ويرى آخرون، منهم ابن مالك أنها تعامل معاملة «غير». من الرفع والنصب، والجرّ.
[المرزوقي/ 35، والدرر/ 1/ 170، والأشموني/ 2/ 159 / وابن عقيل/ 2/ 59].

72 - حاشا قريشا فإن الله فضلهم … على البرية بالإسلام والدين
البيت للفرزدق. والشاهد: قوله «حاشا قريشا»، فإنه استعمل «حاشا» فعلا ونصب به ما بعده، وأكثر النحوين على أن «حاشا» لا تسبقها «ما». وقد تسبقها «ما» على قلة.
(3/231)

[الهمع 1/ 232، والأشموني 2/ 165، وابن عقيل/ 2/ 66].

73 - نجيّت يا ربّ نوحا واستجبت له … في فلك ماخر في اليمّ مشحونا
وعاش يدعو بآيات مبيّنة … في قومه ألف عام غير خمسينا
لم يعرف قائلهما.
وقوله: مشحونا: حال من «فلك» وجملة يدعو حالية. - وألف: مفعول فيه. غير:
منصوب على الاستثناء أو على الحال.
والشاهد: «مشحونا» حيث وقع حالا من النكرة وهي قوله «فلك» والذي سوّغ مجيء الحال من النكرة أنها وصفت بقوله «ما خر» فقربت من المعرفة. [شرح التصريح/ 1/ 376، والأشموني/ 2/ 175، وابن عقيل/ 2/ 77].

74 - أتطمع فينا من أراق دماءنا … ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن
البيت لعمرو بن العاص.
يقوله: لمعاوية بن أبي سفيان، في شأن الحسن بن علي ... وأظنه مكذوبا على عمرو ابن العاص.
وقوله «لولاك» لولا: حرف امتناع لوجود، وجرّ. والكاف في محل جرّ بها ولها محل آخر هو الرفع بالابتداء كما هو مذهب سيبويه والخبر محذوف وجوبا. والتقدير: لولاك موجود وجملة المبتدأ والخبر شرط لولا.
والشاهد: قوله: لولاك. فإن فيه ردا على المبرّد الذي زعم أن «لولا» لم تجئ متصلة بضمائر الجرّ، كالكاف والهاء والياء. [الإنصاف/ 693، والأشموني/ 2/ 206].

75 - لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب … عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني
البيت لذي الاصبع حرثان بن الحارث العدواني.
وقوله: أفضلت: زدت. دياني: الديان: القاهر المالك للأمور الذي يجازي عليها.
تخزوني: تسومني الذل وتقهرني. والمعنى: لله ابن عمك، فلقد ساواك في الحسب وشابهك في رفعة الأصل، فما من مزية لك عليه ولا أنت مالك أمره والمدبر لشؤونه فتقهره وتذله.
(3/232)

لاه ... أصله «لله» جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ثم حذفت لام الجرّ وأبقى عمله شذوذا فصار «الله» ثم حذف أداة التعريف فصار كما ترى «لاه». ابن: مبتدأ مؤخر: أفضلت: فعل وفاعل.
والشاهد: «عني» فإن «عن» هنا، بمعنى «على» والسرّ في ذلك أن «أفضل» بمعنى زاد في الفضل إنما يتعدى بعلى. [الدرر/ 2/ 24، وشرح التصريح/ 2/ 15، والأشموني/ 2/ 223، والهمع/ 2/ 29 والإنصاف/ 394].

76 - إنك لو دعوتني ودوني … زوراء ذات مترع بيون
لقلت لبّيه لمن يدعوني
.. مجهول القائل ... والزوراء: الأرض البعيدة الأطراف. مترع: ممتد. بيون: بزنة صبور. البئر البعيدة القعر. - لبيه:
في هذا اللفظ التفات من الخطاب إلى الغيبة والأصل أن يقول: لقلت لك لبيك.
والشاهد: لبيه: حيث أضاف «لبّي» إلى ضمير الغائب وذاك شاذ. [ابن عقيل/ 2/ 150، وشرح التصريح/ 2/ 38 والهمع/ 1/ 190، والشذور/ 307].

77 - قد كنت داينت بها حسّانا … مخافة الإفلاس واللّيّانا
البيت لزياد العنبري. وينسب أيضا إلى رؤبة بن العجاج.
وقوله: داينت بها: أخذتها بدلا عن دين لي عنده. والضمير في بها، يعود إلى «أمة» الليّانا: بفتح اللام وتشديد الياء المثناة، المطل والتسويف في قضاء الدين.
يقول: قد كنت أخذت هذه الأمة من حسّان بدلا من دين لي عنده لمخافتي أن يفلس أو يمطلني فلا يؤديني حقي.
والشاهد: «الليّانا» حيث عطفه بالنصب على «الإفلاس» الذي أضيف المصدر إليه نظرا إلى محله ... ويجوز العطف على لفظه. [سيبويه/ 1/ 98، وشرح التصريح/ 2/ 65، وشرح المفصل/ 6/ 65، والأشموني/ 2/ 291].

78 - ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني … فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
(3/233)

نسبه الأصمعي في «الأصمعيات» إلى شمر بن عمر الحنفي. واللئيم: الشحيح الدنيء النفس يقول: والله إني لأمرّ على الرجل الدنيء النفس الذي من عادته أن يسبني، فأتركه وأذهب عنه وأرضى بقولي لنفسي: إنه لا يقصدني بهذا السباب.
والشاهد: «اللئيم يسبني» حيث وقعت الجملة نعتا للمعرفة وهو المقرون بأل، وساغ ذلك لأن أل - جنسية فهو قريب من النكرة.
وقوله «ثمّت» حرف عطف والتاء: لتأنيث اللفظ. [سيبويه/ 1/ 416 وشرح التصريح/ 2/ 111، والدرر/ 1/ 4، وابن عقيل/ 2/ 261، والأشموني/ 1/ 180].

79 - لعمرك ما أدري وإن كنت داريا … بسبع رمين الجمر أم بثمان
لعمر بن أبي ربيعة. ما أدري: ما: نافية. أدري: مضارع ينصب مفعولين. وقد علق عنهما بالهمزة المقدرة قبل قوله: (بسبع).
وقوله: وإن كنت داريا: الواو: للحال. و «إن» زائدة.
والشاهد: قوله: بسبع. أم بثمان. حيث حذف منه الهمزة. وأصل الكلام «أبسبع رمين» وإنما حذفها اعتمادا على
انسياق المعنى، وعدم خفائه. [سيبويه/ 1/ 485، والدرر/ 2/ 175، وابن عقيل/ 2/ 286، والهمع/ 2/ 132].

80 - وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها … ومالي بزفرات العشيّ يدان
البيت لعروة بن حزام أحد بني عذرة من قصيدة يقولها في عفراء ابنة عمه. ومطلعها:
خليليّ من عليا هلال بن عامر … بعفراء عوجا اليوم وانتظراني
والشاهد: زفرات. من الموضعين حيث سكن العين للضرورة إقامة للوزن وقياسها الفتح إتباعا لحركة فاء الكلمة وهي الزاي. [الأشموني/ 4/ 118، والهمع/ 1/ 24، وابن عقيل/ 3/ 158، وشرح التصريح/ 2/ 298].

81 - لسان السوء تهديها إلينا … وحنت وما حسبتك أن تحينا
لا يعرف قائله.
وقوله: تهديها: الضمير راجع إلى «لسان» المراد به كلمة السوء، وفي إطلاق الهدية
(3/234)

عليها تمليح. وحسبتك: ظننتك. وتحين، وحنت، كلاهما من الحين، وهو الهلاك.
وذكر ابن هشام البيت على أن الكاف في «حسبتك» حرف خطاب. والمصدر المؤول سد مسدّ مفعولي حسب. [الدرر/ 1/ 51، والهمع/ 1/ 77، والمغني/ 1/ 156].

82 - قالت له بالله يا ذا البردين … لمّا غنثت نفسا أو اثنين
لم يسمّ قائله. وغنث: من اللبن: أن يشرب ثم يتنفس. يقال: إذا شربت فاغنث ولا تعبّ.
والشاهد أن «لمّا» بمعنى (إلّا). [الدرر/ 1/ 200، والهمع/ 1/ 236، واللسان «غنث»].

83 - قالت بنات العمّ يا سلمى وإن … كان فقيرا معدما قالت وإن
منسوب إلى رؤبة ...
والشاهد «وإن» الأخيرة، على أنه حذف الشرط والجواب بعد «إن» الشرطية، لأنها أمّ الباب، أي: وإن كان كما تصفين فزوّجنيه. وأما «إن» الأولى فإنما حذف منها جوابها والتقدير: وإن كان فقيرا أترضين به؟ لأن «كان» فعل شرطها واسم كان مستتر فيها يعود إلى «بعل» في بيت مقدّم وهو:
قالت سليمى ليت لي بعلا يمن … يغسل جلدي وينسيني الحزن
وحاجة ما إن لها عندي ثمن … ميسورة قضاؤها منه ومن
وقولها: يمن، مضارع من المنّة، وخفف النون للضرورة. وهو بتقدير يمنّ عليّ.
وقولها: يغسل جلدي: تفسير لقولها «يمنّ» وقولها: وحاجة: منصوب بتقدير، ويقضي لي حاجة، وهي قضاء شهوة النوم. وكون هذه الحاجة لا ثمن لها عندها، لغلائها وعزتها. ميسورة: صفة حاجة، وأرادت قضاءها من البعل ومنّي، فحذف الياء من نون الوقاية ضرورة. [الدرر/ 2/ 78، 105، والهمع/ 2/ 62، وشرح التصريح/ 1/ 37، 195 والأشموني/ 1/ 33، 4/ 26].

84 - هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا … والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا
(3/235)

نسب لابن المعتز، وقيل: لأعرابي من بني تميم.
والشاهد: أن الجملة المضاف إليها «إذ» قد حذف عجزها، والتقدير: إذ ذاك كذلك.
وقوله: أفنانا: حال من «ليال» أو من ضمير منقلب.

85 - كانت منازل ألّاف عهدتهم … إذ نحن إذ ذاك دون الناس إخوانا
البيت للأخطل.
وهو شاهد على أنّ خبر المبتدأين بعد «إذ» في الموضعين محذوف. تقديره: إذ نحن متألفون إذ ذاك كائن. [شرح أبيات المغني/ 2/ 179].

86 - تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت … إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا
قاله: لقيط بن زرارة. وهو فارس جاهلي.
وقوله: تامت المرأة الرجل: إذا ذهبت بعقله. لو يحزنك: لو شرطية وجوابها محذوف يدل عليه تامت. وفؤادك: مفعول تامت. وإحدى: فاعله إن أضمرنا في «صنعت» ضميره على سبيل التنازع. و «ما» فاعل يحزنك. والمعنى: أنها لو أرادت حزنك بشيء مما تصنعه كتمنّع من المجيء إليك، لهيمتك. ولكنها قصدت سرورك.
فجاءت إليك.
والشاهد: «لو يحزنك» على أن «لو» تجزم في الشعر. [شرح أبيات المغني/ 5/ 109، والأشموني/ 4/ 14، 43].

87 - يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم … لا يستفقن إلى الدّيرين تحنانا
من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل النصراني. وخزر: جمع أخزر وهو الذي في عينه ضيق، وصغر، وهذا وصف العجم، فكأنه نسبه إلى العجم وأخرجه من العرب. والبال:
الحال والشأن. وتحنان: تمييز أو مفعول لأجله. والديرين: مثنى دير، وأراد ديرا واحدا.
والبيت شاهد على أن «ماذا» كله استفهام مركب في محل رفع على الابتداء. وبال:
خبره. [الدرر/ 1/ 59، والهمع/ 1/ 84، وشرح أبيات المغني/ 5/ 228].
(3/236)

88 - يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم … لاقى مباعدة منكم وحرمانا
البيت لجرير. من قصيدة هجا بها الأخطل.
والبيت شاهد على أنّ إضافة غابط إلى الضمير للتخفيف لا تفيده تعريفا بدليل دخول «ربّ» عليه وهي مختصة بالنكرة. يقول: ربّ رجل يظن أنا نظفر منكم بما رغبناه وأنكم تبذلون لنا من فضلكم ما أملناه، فيغبطنا على ذلك ولو طلب وصلكم كما نطلب لم يظفر منكم بشيء مما كان يرغب. [سيبويه/ 1/ 212، والدرر/ 2/ 56، وشرح التصريح/ 2/ 28 والأشموني 2/ 240، والهمع/ 2/ 47].

89 - يا حبذا جبل الريان من جبل … وحبذا ساكن الريان من كانا
وحبذا نفحات من يمانية … تأتيك من قبل الريّان أحيانا
البيتان لجرير.
وقوله: يا حبذا. يحتمل «يا» للنداء. والمنادى محذوف كأنه قال: يا قوم حبذا.
وقوله: من جبل: في موضع نصب على التمييز.
وقولهّ: «من كانا» من: فيه أقوال: قيل: هو تمييز، وما بعدها صفة وقيل: من:
إستفهامية خبر كان المقدم والتقدير: أي شيء كان فإني أحبه، وقيل: بدل من «ساكن» واسم كان مستتر عائد على «من» والخبر محذوف.
والبيت الثاني شاهد على أنه قيل: الاسم الذي بعد «حبذا» عطف بيان لذا، ويرده هذا البيت فإن المعرفة لا تبين بالنكرة.
وحبذا: فيها إعرابات: الأول: خبر مقدم .. وما بعدها مبتدأ، وقيل: حبذا: مبتدأ، خبرها ما بعدها. ويجوز كون المخصوص خبرا لمبتدأ محذوف [الهمع/ 2/ 88، والدرر/ 2/ 115، وشرح أبيات المغني/ 7/ 185].

90 - يا حبذا المال مبذولا بلا سرف … في أوجه البرّ إسرارا وإعلانا
والبيت شاهد: على أن «مبذولا» حال، لا تمييز. وتنفرد «حبذا» من «نعم» بدخول «يا» عليها وبكثرة وقوع تمييز أو حال قبل مخصوص حبذا وبعده. وجاءت الحال هنا بعد المخصوص.
(3/237)

[شرح أبيات مغني اللبيب/ 7/ 26].

91 - نزلتم منزل الأضياف منّا … فعجّلنا القرى أن تشتمونا
لعمرو بن كلثوم. وقوله: أن تشتمونا: أي: مخافة أن تشتمونا أو: لئلا تشتمونا.
والمعنى: جئتم للقتال فعاجلناكم بالحرب ولم ننتظركم أن تشتمونا، أو: عاجلناكم بالقتال قبل أن توقعوا بنا فتكونوا سببا لشتم الناس إيانا ... وقوله: منزل الأضياف: على التهكم، فاستعار القرى، للقتل.
والشاهد: (أن) فهي بمعنى «لئلا» .. وتشتمونا: مضارع منصوب، و «نا» في محل نصب. [ش أبيات مغني اللبيب/ 1/ 181].

92 - فجئت قبورهم بدءا ولمّا … فناديت القبور فلم تجبنه
لا يعرف قائله .. فانظر تخريجه في [الخزانة/ 10/ 113]:
وقوله: بدءا، البدء: السيد: سمي به لأنه يبدأ به في العدّ وغيره. يقول: ما كنت سيدا حين قتلوا بل صرت سيدا بعدهم.
والشاهد: أن مجزوم «لما» محذوف، تقديره: ولما أكن بدءا، أي: سيدا أو «ولما أسد». [شرح أبيات المغني/ 5/ 151، والخزانة/ 10/ 113].

93 - وقدّمت الأديم لراهشيه … وألفى قولها كذبا ومينا
البيت من قصيدة لعدي بن زيد العبادي، خاطب بها النعمان بن المنذر لما كان في حبسه، وعظه بها وحذره تقلب الدهر به. والأديم: النطع واللام بمعنى إلى. والراهشان:
عرقان في بطن الذراعين. وقدمت: من التقديم أي: أتت بالنطع إلى راهشيه لما فصدتهما، وضمير «قدمت» للزبّاء. وألفى، بمعنى وجد. والمين: بفتح الميم، الكذب، والشاعر يذكر للنعمان ما آل إليه أمر جذيمة الوضّاح وغدر الزبّاء به وأخذ قصير الثأر منها.
والشاهد: كذبا ومينا: على أنّ عطف المرادف إنما يكون بالواو فإن المين هو الكذب، وقد ذكر ابن هشام البيت، للاستشهاد به على أنّ الواو تختص بعطف الشيء على مرادفه.
ولعلّه يردّ على ابن مالك الذي يرى أنّ ذلك يكون أيضا ب «أو» وذكر ابن مالك منه قوله
(3/238)

تعالى وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً [النساء: 112].
والبيت مثال عند علماء المعاني للتطويل، وهو أن يكون اللفظ زائدا على أصل المراد، لا لفائدة، وقال الفرّاء في
«معاني القرآن» عند قوله تعالى وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ [البقرة: 53] إن العرب لتجمع بين الحرفين بمعنى واحد، إذا اختلف لفظهما «وذكر بيت عديّ بن زيد شاهدا. واستشهد ابن هشام في «المغني» على رأيه بآيات وحديث نبويّ.
قلت: قول أهل النحو، وقول علماء المعاني، في هذا العطف، فيه نظر: لأننا لو أخذنا بقولهم، لحكمنا على اللغة العربية بالفقر، ولجاء من يقول بإمكان الاستغناء عن أكثر من نصف مفردات اللغة العربية لأنّ غيرها يؤدي معناها. وهذا باطل، فالمترادفات في اللغة لا تقوم مقام بعضها البعض البعض لأنّ في كل مفردة معنى زائدا عن أختها مع وجود الاشتراك بينهما. فالبيت الذي ذكروه شاهدا يروى «كذبا مبينا» فلا ترادف. وما ذكروه من وجود الترادف في القرآن، لا يصح أن يكون لأنه ينافي إعجاز القرآن. وقد قال أبو سليمان الخطابي في كتاب «بيان إعجاز القرآن».
«إن في الكلام ألفاظا متقاربة في المعاني يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب، كالعلم والمعرفة، والحمد والشكر والبخل والشحّ، والنعت والصفة ..
الخ والأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء اللغة بخلاف ذلك، لأن لكل لفظة منها خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن كانا قد يشتركان في بعضها.». وانظر أمثلة الخصوصية للمفردات في كتاب «فقه اللغة وسرّ العربية» للثعالبي. [الهمع/ 2/ 129، والدرر/ 2/ 167، وشرح أبيات المغني/ 6/ 97].

94 - شجاك أظنّ ربع الظّاعنينا … ولم تعبأ بعذل العاذلينا
البيت شاهد على أن جملة «أظنّ» معترضة بين الفعل والفاعل. فمن رفع «ربع» جعله فاعل شجاك، وأظنّ ملغاة. ومن نصب «ربع» جعله مفعولا أول لظنّ وجملة شجاك مفعولا ثانيا مقدما وفاعله ضمير مستتر راجع إلى الربع: لأنه مؤخر لفظا مقدم تقديرا.
[شرح أبيات المغني/ 6/ 182، والهمع/ 1/ 153، والدرر/ 1/ 136، والأشموني/ 2/ 28].

95 - فمن تكن الحضارة أعجبته … فأيّ رجال بادية ترانا
(3/239)

البيت للشاعر القطامي. والحضارة: يريد الأمصار. تقول العرب: فلان حاضر، وفلان باد. وأيّ رجال. أي: اسم استفهام يدل على الكمال منصوب ب ترى. وأي الكمالية تضاف إلى النكرة تقول: مررت برجل أيّ رجل. إذا جعلته صفة. وأيّ رجل أخوك: إذا جعلته خبرا، ويراد به المدح والتفخيم. يقول القطامي: من أعجبته رجال الحضر، فأيّ
أناس بدو نحن. والمعنى: إنّا سادة البدو.
والشاهد في الشطر الأول: أنّ جواب اسم الشرط - المرفوع بالابتداء هنا محذوف، وبالتالي فإن الرابط محذوف، والتقدير: فلسنا على صفته. وبعد البيت الشاهد:
ومن ربط الجحاش فإنّ فينا … قنا سلبا وأفراسا حسانا
أغرن من الضّباب على حلال … وضبّة إنّه من حان حانا
وأحيانا على بكر أخينا … إذا ما لم نجد إلّا أخانا
وقوله: قنا سلبا: أي: رماحا طوالا. والضّباب، وضبه: قبيلتان. وحيّ حلال:
نازلون، كثيرون.
وقوله: من حان .. الخ أي من أهلك بغزونا فقد أهلك.
وقوله: وأحيانا على بكر .. الخ بكر، أخو تغلب، والشاعر القطامي تغلبي اسمه عمير بن شييم. يريد: أنهم لاعتيادهم الغارة لا يصبرون عنها، حتى إذا أعوزهم الأباعد، عطفوا على الأقارب. وهو يذكر صفة قبيلته وليس ذلك من طبائع العرب الجاهليين بعامّة. والقطامي شاعر إسلامي أموي فهو ابن أخت الأخطل المشهور، ولكن القطامي كان مسلما، والأخطل بقي على نصرانيته. [شرح أبيات المغني/ 7/ 95، والمرزوقي/ 1/ 347].

96 - نحن الألى فاجمع جمو … عك ثم جهّزهم إلينا
من قصيدة لعبيد بن الأبرص يردّ فيها على تهديد امرئ القيس حين قتل بنو أسد أباه ومطلعها؟ وبعض أبيات منها سبقت في هذا المعجم:
يا ذا المخوّفنا بقتل … أبيه إذلالا وحينا
أزعمت أنك قد قتلت … سراتنا كذبا ومينا
نحمي حقيقتنا وبعض القوم … يسقط بين بيننا
(3/240)

نحن الألى ... … .. البيت
ولقد أبحنا ما حميت … ولا مبيح لما حمينا
لا يبلغ الباني ولو … رفع الدعائم ما بنينا
وأوانس مثل الدّمى … حور العيون قد استبينا
إنّا لعمرك ما يضا … م حليفنا أبدا لدينا
والبيت الأول شاهد على أن صلة الموصول «الألى» محذوفة، تقديرها «نحن الألى عرفوا». وقد حذفت الصلة لشهرتها». [شرح التصريح/ 1/ 142، والهمع/ 1/ 89، والأشموني/ 1/ 161، وشرح أبيات المغني/ 2/ 193].

97 - فكفى بنا فضلا على من غيرنا … حبّ النبيّ محمد إيّانا
لكعب بن مالك الأنصاري.
والبيت شاهد على أنّ الباء زائدة في مفعول «كفى» المتعدية لواحد. وخرجه بعضهم على زيادة الباء في الفاعل و «حبّ النبي» بدل اشتمال من المجرور بالباء.
ومن جعل الباء زائدة في المفعول جعل «حبّ النبي» الفاعل.
وفيه شاهد آخر: على أن «من» في البيت نكرة موصوفة بمفرد وهو «غيرنا». وحبّ:
مصدر مضاف إلى فاعله. وإيانا: مفعوله. و «محمد» عطف بيان للنبي. و «فضلا»: تمييز.
[الخزانة/ 6/ 120، والدرر/ 1/ 70، وسيبويه/ 1/ 269، والهمع/ 1/ 92، وينسب أيضا لحسان بن ثابت، ولعبد الله بن رواحة، ولبشر بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك].

98 - والله لن يصلوا إليك بجمعهم … حتّى أوسّد في التراب دفينا
البيت لأبي طالبّ عم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
والبيت شاهد على أن «لن» مع منصوبها قد تقع جوابا للقسم بقلّة. كما في البيت.
[الخزانة/ 3/ 296، وشرح أبيات المغني/ 5/ 158، والهمع/ 2/ 41، والدرر/ 2/ 45].

99 - وأتى صواحبها فقلن هذا الذي … منح المودة غيرنا وجفانا
(3/241)

نسبه صاحب اللسان إلى «جميل».
والبيت شاهد على أنّ الأصل في «هذا» أذا الذي؟ فقلبت همزة الاستفهام هاء. ولذلك تضبط «هذا» بفتحتين متواليتين في البيت. [شرع المفصل/ 10/ 43].

100 - ويقلن شيب قد علا … ك وقد كبرت فقلت: إنّه
البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات. وهو شاهد عند من ذكره على أن «إنّ» المرسومة «إنّه» بمعنى «نعم» وقد بيّنت حركة النون بهاء السكت.
وقال آخرون: هي: «إنّه» المحذوفة الخبر كأنه قال: إن الشيب قد علاني، فأضمره.
[شرح أبيات المغني/ 1/ 188، والخزانة/ 11/ 213، وشرح المفصل/ 3/ 130].

101 - اللهم لولّا أنت ما اهتدينا … ولا تصّدقنا ولا صلّينا
فاغفر فداء لك ما أبقينا … وثبّت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينة علينا … إنّا إذا صيح بنا أتينا
إنّ الذين قد بغوا علينا … إذا أرادوا فتنة أبينا
ونحن عن فضلك ما استغنينا
هذا الرجز لعامر بن الأكوع الصحابي، قاله يحدو بالقوم عند خروج المسلمين إلى خيبر.
والشاهد في البيت الأخير، وإنما ذكرت ما سبق، لجمال تعبيره وصدق عاطفته، ولحصول البركة بإنشاده، ولحاجة المسلمين اليوم إلى مثل هذا الإنشاد يدفعهم إلى معركة الصراع مع العدو الكافر.
والبيت الأخير شاهد على أنّ «عن» متعلقة باستغنينا لضرورة الشعر لأن «ما» النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، لأن لها الصدر، كإن النافية دون «لا، ولم، ولن». وكلامهم هذا، في الصناعة المحضة والصناعة لا تقف أمام تدفق المعاني.
وقوله «فأنزلن». فيه شاهد على أن فعل الأمر يجوز توكيده بالنون من غير شرط ولو كان دعاء. [شرح أبيات المغني/ 2/ 250].
ويروى هذا الشعر لعبد الله بن رواحة.
(3/242)

102 - رجلان من مكة أخبرانا … إنا رأينا رجلا عريانا
مجهول. ورجلان - تثنية رجل، بسكون الجيم في المثنى، إمّا لغة وإمّا ضرورة.
والبيت شاهد على أنه روي بكسر همزة «إنّ» لأنه محكي بقول محذوف تقديره وقالا:
إنا. ولو لم يكن هذا التقدير لفتحنا همزة (أن). [شرح أبيات المغني/ 6/ 258].

103 - قد علمت سلمى وجاراتها … ما قطّر الفارس إلا أنا
البيت لعمرو بن معدي كرب. وكان قد شهد القادسية وهو ابن مئة وعشرين سنة.
ومعنى «قطّر» صرعه على أحد قطريه أي على أحد جانبيه. والقطر: الجانب. والشاهد:
إظهار «أنا» وانفصاله بعد «إلا» حيث لم يقدر على الضمير المتصل بالفعل. ومثله قول الفرزدق:
أنا الفارس الحامي الذّمار وإنما … يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
فعاملوا «إنما» معاملة النفي، وإلا، في فصل الضمير بعدها فكأنه قال: «ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا ..». [شرح أبيات المغني/ 5/ 256، وشرح المفصل/ 3/ 101 والمرزوقي/ 411، واللسان «قطر» وسيبويه/ 1/ 379].

104 - جود يمناك فاض في الخلق حتى … بائس دان بالإساءة دينا
قوله: دان بالإساءة: أي: تعبّد بها، أي: اتخذها عادة. والمعنى: إن جوده عمّ من أساء ومن لم يسئ.
والشاهد: أنّ (حتى) فيه عاطفة، عطفت «بائس» على الخلق. [الهمع/ 2/ 137، والدرر/ 2/ 189، والأشموني/ 3/ 98، وشرح أبيات المغني/ 3/ 113].

105 - لتقم أنت يا ابن خير قريش … فلتقضّي حوائج المسلمينا
مجهول القائل. والياء في «فلتقضي» للإشباع، نشأت من إشباع الكسرة لأن الفعل مجزوم. [شرح أبيات المغني/ 4/ 344، وشرح التصريح/ 1/ 55، والإنصاف/ 525].

106 - عافت الماء في الشتاء فقلنا … برّديه تصادفيه سخينا
(3/243)

من ألغاز ابن هشام. وبرّديه: أصله بل رديه. [شرح أبيات المغني/ 5/ 155].

107 - قول يا للرّجال ينهض منا … مسرعين الكهول والشّبّانا
البيت شاهد على أنّ جملة الاستغاثة وهي «يا للرجال» بفتح اللام، مضاف إليها وفي محل نصب لكونها محكية بالقول. وقول: مبتدأ وجملة ينهض: خبر المبتدأ. والكهول:
مفعول به ومسرعين: حال منه ومن الشبان. يقول: إذا استغاث بنا ملهوف فعند قوله: يا للرجال، يقوم الكبير والصغير لنصرته. [شرح أبيات المغني/ 6/ 288، والهمع/ 1/ 157، والدرر/ 1/ 139].

108 - فللموت تغذو الوالدات سخالها … كما لخراب الدور تبنى المساكن
البيت لأبي سعيد سابق بن عبد الله البربري، وهو من موالي بني أمية سكن الرقة ووفد على عمر بن عبد العزيز وله شعر في الزهد.
والبيت شاهد على أنّ اللام في للموت لام الصيرورة. [شرح أبيات المغني/ 4/ 295].

109 - وربّ السموات العلى وبروجها … والأرض وما فيها المقدّر كائن
شاهد على أن اللام في جواب القسم محذوف تقديره «للمقّدر كائن» و «ربّ» مجرور بواو القسم. [شرح أبيات
المغني/ 6/ 342، والهمع/ 2/ 42، والدرر/ 2/ 49].

110 - بلاد بها كنّا وكنّا نحبّها … إذ الناس ناس والزمان زمان
ويروى «إذ الناس ناس والبلاد بلاد». والبيت لرجل من قوم «عاد» كما ذكر الأصبهاني في أغانيه. ولا أدري من الذي حفظه عن قوم عاد. والبيت ذكره ابن هشام في المغني تحت عنوان «قولهم: إنّ النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، وإذا أعيدت معرفة أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كان الثاني عين الأول». [شرح أبيات المغني/ 8/ 20].

111 - ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه … تجري الرياح بما لا تشتهي السّفن
البيت للمتنبي. وذكروه على أن النفي هنا لسلب العموم. والمعنى: إن المرء لا يحصل له كل متمنياته بل إنما يحصل بعضها دون بعض. يريد: إن أعدائي لا يدركون ما
(3/244)

يتمنون بي، فالرياح لا تجري كلها على ما تريد السفن، يعني أهلها.

112 - إن يسمعوا سبّة طاروا بها فرحا … منّي وما سمعوا من صالح دفنوا
البيت لقعنب ابن أمّ صاحب الغطفاني، كان في أيام الوليد بن عبد الملك. وبعد البيت في الحماسة.
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به … وإن ذكرت بشرّ عندهم أذنوا
جهلا علينا وجبنا من عدوّهم … لبئست الخلّتان الجهل والجبن
قال ابن جني: يقبح أن يجزم حرف الشرط جزما يظهر إلى اللفظ ثم لا يكون جوابه مجزوما أو بالفاء، لكنّ هذا يجوز في الشعر. فأراد: إن يسمعوا عني ريبة، ففصل، ونحوه: إن تضرب توجعه زيدا على إعمال الأول.
وقوله: منّي: أراد من جهتي.
قوله: فرحا مفعول لأجله. قال المرزوقي وكان الواجب أن يقول: يطيروا بها فرحا، لأنه لا يجوز أن يعمل حرف الشرط. في الشرط بالجزم ويجعل الجواب ماضيا في الكلام. وإن كان يجوز في الشعر.
وقوله: صمّ: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم صمّ.
وقوله: أذنوا: أي: علموه. يقال: أذن يأذن أذنا. ويجوز أن يكون اشتقاقه من الأذن الحاسة. [الحماسة ج 3/ 1450، والأشموني/ 4/ 17، وشرح أبيات المغني/ 8/ 101].

113 - علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم … بأبيض ماضي الشّفرتين يمان
البيت شاهد على أن العلم ينكر ثم يضاف .. ومثله القول في التثنية من قولك جاء الزيدان. فأنت سلبته التعريف ثم
ثنيته لأن المعرفة لا تثنى. [شرح أبيات المغني/ 1/ 308، وشرح التصريح/ 1/ 153، والأشموني/ 1/ 186].

114 - سريت بهم حتى تكلّ مطيّهم … وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
لامرئ القيس.
وقوله: سريت بهم: الباء متعلقة بسريت. وتكلّ مطيهم: في موضع خفض بحتى.
(3/245)

هذا في رواية النصب. وأما رواية رفع «تكلّ» فعل تقديره بالماضي أو أن يكون بمعنى الحال.
وقوله: ما يقدن: خبر المبتدأ (الجياد). فحتى الثانية ابتدائية وما بعدها مرفوع.
[سيبويه/ 1/ 417، وشرح أبيات المغني/ 3/ 108، والأشموني/ 3/ 98، والدرر/ 2/ 188].

115 - قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان … وربع عفت آثاره منذ أزمان
لامرئ القيس.
وقوله: وعرفان: أي: معرفته منزل الحبيب. و «من» للتعليل.
والبيت شاهد على أنّ الكثير جرّ «منذ» للزمان الماضي. [شرح أبيات المغني/ 6/ 22، وشرح التصريح/ 2/ 17، والهمع/ 1/ 217، والأشموني/ 2/ 229].

116 - ألا ربّ مولود وليس له أب … وذي ولد لم يلده أبوان
وذي شامة غرّاء في حرّ وجهه … مجلّلة لا تنقضي لأوان
ويكمل في تسع وخمس شبابه … ويهرم في سبع معا وثمان
هذه ألغاز. في البيت الأول: عيسى، وآدم عليهما السلام وفي البيتين الثاني والثالث القمر.
وهي شاهد على أن ربّ للتقليل. لأن الملغز عنها كلها في غاية القلة. [وهي لرجل من أزد السراة، وقيل: لعمرو الجنبي في سيبويه/ 1/ 341، وشرح أبيات المغني/ 3/ 173، وشرح التصريح/ 2/ 18، وشرح المفصل/ 4/ 48، والأشموني/ 2/ 230].

117 - تحنّ فتبدي ما بها من صبابة … وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
ومع البيت قوله:
فمن يك لم يغرض فإني وناقتي … بحجر إلى أهل الحمى غرضان
وقوله: لم يغرض: لم يشتق. والصبابة: رقة الشوق. والأسى: بضم الهمزة جمع أسوة. كالعرى والعروة. والأسوة:
الاقتداء، وما يتأسى به الحزين ويتعزّى، أي: يتصبّر.
والبيتان لعروة بن حزام.
(3/246)

والبيت شاهد على أن «قضاني» أصله: قضى (عليّ) فحذف (على) ونصب ما بعدها على أنه مفعول به. [شرح أبيات المغني/ 3/ 227، واللسان «غرض» والدرر/ 2/ 22، وينسب لعروة بن حزام.

118 - وكلّ رفيقي كلّ رحل وإن هما … تعاطى القنا قوماهما أخوان
البيت للفرزدق.
وهو شاهد على أن «كلّ» هنا لإضافتها إلى المثنى رجع ضمير المثنى إليه، لأنه بحسب ما يضاف إليه. وأخوان: خبر «كلّ» وجملة (وإن هما تعاطى ..) معترضة. وتعاطى.
فعل مفرد وفاعله «قوماهما». وقد وهم ابن هشام في «المغني» واستشكل هذا البيت - ولكل جواد زلة - ويعجبني قول البغدادي بعد قول ابن هشام باستشكال البيت: «هذا على حدّ قولهم زنّاه فحدّه» وإنما استشكله لأنه ظنّ «قوما» مفردا منونا، وليس كذلك وإنما «قوماهما» مثنى قوم. [شرح أبيات المغني/ 4/ 208].

119 - تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني … نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
البيت للفرزدق من قصيدته التي يصف فيها لقاءه مع الذئب، وهي من عيون الشعر العربي.
والبيت شاهد على أنّ جملة (لا تخونني) يحتمل أن تكون جواب القسم الذي هو «عاهدتني» ويحتمل أن تكون حالا.
واستشهد به سيبويه على رجوع ضمير الاثنين من «يصطحبان» على «من» حملا على المعنى. لأنه أريد ب «من» اثنان. والنداء معترض بين (من) وصلتها. [شرح أبيات المغني/ 6/ 237].

120 - إلى الله أشكو بالمدينة حاجة … وبالشام أخرى كيف تلتقيان
وهو شاهد على أنّ جملة (كيف تلتقيان) بدل من مفرد وهو «حاجة» وهو أحسن من الاستئناف لأنه يشكو تعذر التقاء الحاجتين ولا يريد استقبال الاستفهام عنهما. [شرح أبيات المغني/ 4/ 272، وشرح التصريح/ 2/ 162، والأشموني/ 3/ 132، والهمع/ 2/ 128].
(3/247)

121 - رويد بني شيبان بعض وعيدكم … تلاقوا غدا خيلي على سفوان
تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغي … إذا ما غدت في المأزق المتداني
تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم … على ما جنت فيهم يد الحدثان
الأبيات للشاعر ودّاك بن ثميل المازني، شاعر إسلامي في الدولة المروانية.
وقوله: رويد: يروى بغير تنوين، فهو اسم فعل أمر. ويروى بالتنوين فهو مصدر منصوب، أي: أرود إروادا. وبنو شيبان. منصوب للنداء في الروايتين جميعا. ولا تجوز إضافة (رويد) إلى بني شيبان لأن اسم الفعل «رويد» لا يؤمر بها الغائب وإنما هي موضوعة لأمر الحاضر، تقول: عليك زيدا. ولا يجوز «عليه زيدا».
وقوله «بعض» منصوب بفعل مضمر دلّ عليه رويد فكأنه لما قال أرودوا يا بني شيبان، قال: كفّوا بعض الوعيد. وهذا تهكم. وتلاقوا: مجزوم على أنه جواب الأمر الذي دلّ عليه «رويد».
وقوله «غدا» لم يرد به اليوم الذي هو غد يومه وإنما دلّ به على تقريب الأمر.
وقوله: تلاقوا جيادا: بدل من تلاقوا الأول، ونبه بهذا على أن المراد بالخيل الفرسان.
وقوله: فتعرفوا: أي: من بلائهم ما يستدل به على حسن صبرهم. على ما جنت:
أي: على جناية، وموضعه نصب على الحال والعامل فيه «تعرفوا».
ويد الحدثان: مثل، وليس للحدثان يد، إنّما استعير لذلك. [شرح أبيات المغني/ 7/ 3 / وشرح المفصل/ 4/ 41، والعيني/ 4/ 321].

122 - خليليّ هل طبّ فإنّي وأنتما … وإن لم تبوحا بالهوى دنفان
خليلي: منادى مضاف. والطب: علاج الجسم والنفس. وهو مبتدأ محذوف الخبر.
والتقدير: هل عندكما طب. و «دنفان» خبر أنتما. وخبر «إني» محذوف والتقدير: فإني دنف. [شرح أبيات المغني/ 7/ 42 والتصريح/ 1/ 229، والأشموني/ 1/ 286].

123 - أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه … وقد حيل بين العير والنّزوان
البيت لصخر بن عمرو الشريد أخي الخنساء. وذلك أنه طعنه ربيعة الأسدي فمرض
(3/248)

زمانا حتى ملّته زوجته، فمرّ بها رجل، وكانت ذات خلق وأوراك فقال لها: كيف مريضكم، فقالت: لا حيّ فيرجى ولا ميت فينعى ثم قال لها: هل يباع الكفل؟ قالت:
نعم، عما قليل، وذلك بمسمع من صخر فقال لها: أما والله لئن قدرت لأقدمنّك قبلي، وقال لها: ناوليني السيف
أنظر إليه هل تقلّه يدي، فناولته فإذا هو لا يقلّه فقال:
أرى أمّ صخر لا تملّ عيادتي … وملّت سليمى موضعي ومكاني
فأيّ امرئ ساوى بأم حليلة … فلا عاش إلّا في شقى وهوان
أهمّ بأمر ... … .. البيت
وقوله: أهم بأمر الحزم. مراده قتل زوجته. و «لو» للتمني، والنزوان: بفتح النون والزاي، مصدر، نزا الحمار ينزو على أنثاه، إذا وثب عليها للجماع. والشطر الأخير مثل يضرب في منع الرجل مراده. والبيت ذكره ابن هشام في المغني تحت عنوان «الأمور التي يكتسبها الاسم بالإضافة، وهي أحد عشر. والحادي عشر هو البناء، وذلك في ثلاثة أبواب: أحدها، أن يكون المضاف مبهما، كغير ومثل، ودون. وفي البيت الشاهد قوله «حيل بين العير» على أن «بين» مفتوح الآخر فتحة بناء، ووقع نائب فاعل. ولكن قال الدّماميني: إن التأويل في هذا البيت متعيّن، إذ لا سبيل إلى أن يقال بأنّ فتحة «بين» فتحة بناء، لأنه مضاف إلى معرب، فيجب التأويل، بأن يدعى أن النائب عن الفاعل ضمير مصدر مقرب معهود، والمعنى: حيل الحول بين العير والنزوان. [شرح أبيات المغني/ 7/ 116، والخزانة/ 1/ 348، والأصمعيات/ ص 146، واللسان «نزا»].

124 - أنّى جزوا عامرا سوأى بفعلهم … أم كيف يجزونني السّوأى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به … رئمان أنف إذا ماضنّ باللّبن
الشاعر أفنون، ظالم بن معشر من شعراء تغلب في الجاهلية.
وقوله: أنّى جزوا. استفهام تعجبي. وأنّى: بمعنى كيف. والواو: ضمير عشيرته.
وعامر: أبو القبيلة، والمراد هنا القبيلة، وصرفه باعتبار الحيّ. والباء: للمقابلة.
والسّوأى: نقيض الحسنى، مؤنث الأسوأ. ولأجل القافية قابل السوأى بالحسن، وحقه «الحسنى». يقول: أتعجب لقومي كيف عاملوا بني عامر بالسوء في مقابلة فعلهم الجميل.
(3/249)

وقوله: أم كيف يجزونني: أم، للإضراب عن الأول، يقول: بل أتعجب من قومي كيف يعاملونني بالسوء حال كونه بدلا من الفعل الحسن. وأضرب عن الأول للإشارة إلى أنّ إساءتهم لبني عامر سهل بالنسبة إلى إساءتهم إليه.
وقوله: أم كيف ينفع: أم، هذه للإضراب أيضا، وكيف: للاستفهام الإنكاري والرئمان: بكسر الراء، والهمز: مصدر رئمت الناقة ولدها من باب فرح، إذا أحبته وعطفت عليه.
وقوله: إذا ما ضنّ: بالبناء للمجهول وفي الأمثال «لا أحبّ رئمان أنف وأمنع الضرع». يضرب لمن يظهر الشفقة ويمنع خيره. وأصله أنّ «العلوق» وهي الناقة التي تفقد ولدها بنحر أو موت، فيسلخ جلده ويحشى تبنا ويقدم إليها لترأمه أي لتعطف عليه ويدرّ لبنها فينتفع به، فهي تشمه بأنفها وينكره قلبها، فتعطف عليه ولا ترسل اللبن فشبّه ذاك بهذا.
وللبيتين في مجالس الخلفاء قصة بين الأصمعي والكسائي في حضرة الرشيد. حيث رأى الأصمعي أن «رئمان» بالرفع فقط.
وأما الكسائي فقال: فيها الرفع، والنصب. والجرّ.
أما الرفع: فعلى البدل من «ما» التي تعرب فاعلا في محل رفع.
والنصب: بالفعل «تعطي».
والجر: بدل من الهاء في «به» [شرح أبيات مغني اللبيب 1/ 240، والمفضليات/ 263، واللسان «سوأ» والخزانة/ 11/ 140].

125 - من يفعل الحسنات الله يشكرها … والشرّ بالشرّ عند الله مثلان
البيت منسوب لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، ونسب إلى كعب بن مالك.
والشاهد: الله يشكرها. فهو جواب الشرط (جملة اسمية) وحذف الفاء الرابطة للضرورة. والأصل: فالله يشكرها. وروي عن الأصمعي أنه قال: هذا البيت غيّره النحويون والرواية «من يفعل الخير فالرحمن يشكره» والبيت من روايات سيبويه، ولا يرضى أنصاره بقول الأصمعي، لأنه طعن في رواية الشيخ: وكثيرا ما يعتذرون عن سيبويه
(3/250)

بالقول: لقد روي له، أو روى الثقات له فأخذ به. فلماذا لا يكون هذا البيت كذلك ..
[شرح أبيات المغني/ 1/ 240].

126 - كفى بجسمي نحولا أنني رجل … لولا مخاطبتي إياك لم ترني
البيت للمتنبي. وذكروه مثالا لزيادة الباء في مفعول «كفى» وقد مرّ بيت كعب «فكفى ... إيانا». شرح أبيات المغنى/ 2/ 281].

127 - أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني … وفرّق الهجر بين الجفن والوسن
للمتنبي. ومثلوا به، لإعراب «أسفا» مفعولا من أجله، وكان القياس يقتضي مجيء اللام، إذ ليس هو لفاعل الفعل المعلل. فيكون حذفها لضرورة الشعر. [شرح أبيات المغني/ 7/ 190].

128 - لو في طهيّة أحلام لما عرضوا … دون الذي أنا أرميه ويرميني
البيت لجرير. يهجو الفرزدق. ودون: أمام. وأراد بالذي: الفرزدق.
والبيت شاهد على أن «لو» دخلت على جملة اسمية فيقدر كان الشأنية فتكون الجملة الاسمية في محل نصب خبرها وفي البيت دخول اللام في جواب «لو» المنفي. [شرح أبيات المغني/ 5/ 84].

129 - عندي اصطبار وأمّا أنني جزع … يوم النوى فلوجد كاد يبريني
وهو شاهد على أنه قد جاء خبر المبتدأ بعد «أمّا» مؤخرا فإن قوله: أنني جزع.
مصدر، (جزعي) والخبر، الجار والمجرور بعد الفاء. وجملة (كاد يبريني) صفة لوجد.
ويوم: متعلق ب جزع. وسبب هذا الشاهد، لأن المبتدأ جاء مصدرا مؤولا. والخبر جار ومجرور. وبدون «أما» يجب تقديم الخبر كقوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ.
[فصلت: 39]. [شرح أبيات المغني/ 5/ 93].

130 - فإمّا أن تكون أخي بصدق … فأعرف منك غثّي من سميني
وإلا فاطّرحني واتّخذني … عدوّا أتّقيك وتتّقيني
للمثقب العبدي، محصن بن ثعلبة. شاعر جاهلي.
(3/251)

وفي البيتين شاهد على أنه قد يستغنى عن «إمّا» الثانية بذكر ما يغني عنها وهو قوله هنا «وإلا» وهي إن الشرطية المدغمة «بلا» النافية والأصل: وإمّا أن تطرحني.
وقوله: فإما أن تكون، في تأويل مصدر مرفوع، خبر لمبتدأ محذوف تقديره: إمّا شأنك كونك أخا بحق. أو يكون مصدرا منصوبا مفعولا لفعل محذوف، والتقدير: اختر إما كونك أخا.
وقوله: بحقّ: نائب عن المفعول المطلق، أو صفة لأخي.
وقوله: فأعرف: بالنصب: معطوف على تكون. و «منك» في موضع الحال المقدمة من المفعول. و «من» الثانية للتمييز متعلقة بأعرف. [شرح أبيات المغني/ 2/ 12].

131 - وكلّ أخ مفارقه أخوه … لعمر أبيك إلّا الفرقدان
البيت منسوب لعمرو بن معدي كرب الزبيدي، ومنسوب إلى حضرمي بن عامر. الأول صحابي، والثاني صحابي
أيضا والفرقدان: نجمان قريبان من القطب وذكر ابن هشام البيت في باب «إلا» الاستثنائية التي يوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه إذا تعذّر الاستثناء. ونقل عن ابن الحاجب، أن الوصف بها في هذا البيت من الشذوذ، لأنه يجوز نصب الفرقدين على الاستثناء. قال السيرافي: تقديره: وكلّ أخ إلا الفرقدان مفارقه أخوه «وإلّا» صفة لكلّ. ومفارقه: خبره ولو كان صفة للأخ، لقال: الفرقدين. لأن ما بعد إلا يعرب بإعراب «غير» الذي يقع موقعه. فالمرفوع نعت «كلّ» والمخفوض نعت أخ. وذكر غيره وجوها من الإعراب.
أحدها: كلّ مبتدأ. مفارقه خبره. وأخوه: فاعل مفارقه.
الثاني: كل: مبتدأ، مفارقه: مبتدأ ثان. وأخوه: خبره والجملة خبر الأول.
الثالث: كلّ: مبتدأ وأخوه: مبتدأ ثان ومفارقه خبره، والجملة، خبر الأول.
الرابع: كل: مبتدأ، مفارقه: بدل منه وأخوه خبر كل، أي: مفارق كل أخ أخوه.
الخامس: أن يكون مفارقه، بدلا من «كل» وأخوه: مبتدأ. وكل أخ مفارقه. خبر مقدم.
وكلّ هذا العجن والخبز، لأنّ الشاعر، رفع «الفرقدان» وإذا ثبت أنه بيت مفرد، فإنه يصح أن تقول «الفرقدين» شعرا ونحوا. أو «الفرقدان» على الاستثناء، ويكون منصوبا على لغة من يبقي المثنى بالألف دائما. ولكن الصراع الفكري، وحب الانتصار في
(3/252)

المناظرات، جعل بعض النحويين يصنعون الأمثلة كما يحلو لهم لتوافق رأيهم. [شرح أبيات المغني/ 2/ 105].

132 - على حين انحنيت وشاب رأسي … فأيّ فتى دعوت وأيّ حين
والشاهد: على حين: حيث وردت «حين» بالفتح حيث بني الظرف لإضافته إلى جملة صدرها الفعل الماضي المبني. [الإنصاف/ 184].

133 - فلو أنّا على حجر ذبحنا … جرى الدّميان بالخبر اليقين
منسوب إلى المثقب العبدي.
والشاهد: «الدميان» جعل لام «دم» في المثنى «ياء» والتثنية والجمع ترد الأشياء إلى أصولها، فدل على أن الحرف المحذوف من «دم» ياء. والمشهور أنه واو في أشهر الأقوال. [الإنصاف/ 357، وشرح المفصل/ 4/ 151 وج 5/ 84، و 6/ 5، والأشموني/ 4/ 119، والخزانة/ 7/ 482، منسوب للشاعر علي بن بدّال].

134 - فإن أهلك فربّ فتى سيبكي … عليّ مهذّب رخص البنان
منسوب إلى جحدر اللص بن معاوية وهو شاهد على جواز استقبال ما بعد ربّ وليس بواجب دخولها على الماضي.
فإن قوله: سيبكي، مضارع مستقبل. ولكن الخلاف في جواز استقبال ما بعد «ربّ» إنما هو في جوابها العامل في موضع مجرورها. أما وقوع المستقبل صفة لمجرورها فلا يمنعه أحد. [شرح أبيات المغني/ 3/ 203].

135 - على ما قام يشتمني لئيم … كخنزير تمرّغ في دمان
لحسان بن ثابت في هجاء بني عابد. ولكن قافية الأبيات، دالية «في رماد». وروي أيضا: «ففيم تقول يشتمني لئيم» ولا شاهد فيه على ما ذكروه.
والبيت شاهد على أن ثبوت ألف «ما» الاستفهامية المجرورة لضرورة الشعر، وحقه أن يقول «علام». [شرح أبيات المغني/ 5/ 220].

136 - دعي ماذا علمت سأتقّيه … ولكن بالمغيّب نبئيني
(3/253)

مجهول.
والشاهد: في «ماذا» خلاف بين النحويين. قال سيبويه: وأما إجراؤهم «ذا» مع «ما» بمنزلة اسم واحد، فهو قولك «ماذا رأيت» تقول: خيرا كأنك قلت: ما رأيت، فلو كانت «ذا» لغوا لما قالت العرب «عما ذا تساءل» ولقالوا «عم ذا تسأل» ولكنهم جعلوا، ما، وذا، اسما واحدا، كما جعلوا ما، وإنّ حرفا واحدا حين قالوا «إنما» ومثل ذلك، حيثما في الجزاء. ولو كان «ذا» بمنزلة الذي، في ذا الموضع البتة، لكان الوجه في ماذا رأيت؟
إذا أراد الجواب يقول: خير، وقال الشاعر: دعي ماذا. البيت. فالذي لا يجوز في هذا الموضع، و «ما» لا يحسن أن تلغيها. [شرح أبيات المغني/ 5/ 230 والهمع/ 1/ 84، والعيني/ 1/ 488].

137 - أليس الليل يجمع أمّ عمرو … وإيّانا، فذاك بنا تداني
نعم، وأرى الهلال كما تراه … ويعلوها النهار كما علاني
البيتان لجحدر بن معاوية العكلي.
والبيتان شاهد على جواز الإجابة بنعم، في جواب الاستفهام المنفي عند أمن اللبس.
والأصل الإجابة ب (بلى) للايجاب، و «نعم» للنفي، ويروي البيت الثاني «بلى وأرى» وبهذا يبطل الاستشهاد. ويروى «أرى وضح الهلال كما تراه». [شرح أبيات المغني ج 6/ 58].

138 - مضت سنة لعام ولدت فيه … وعشر بعد ذاك وحجّتان
البيت للنابغة الجعدي من قصيدة هجا بها الأخطل. وصواب الرواية: «مضت مئة» وهو شاهد على أن رجوع الضمير الرابط من الجملة المضاف إليها إلى المضاف، نادر.
فإن الضمير «فيه» عائد على «عام» وجملة ولدت، مضاف إليه و «عام» مضاف. [شرح أبيات مغني اللبيب ج 7/ 253].

139 - ولقد رمقتك في المجالس كلّها … فإذا وأنت تعين من يبغيني
لأبي العيال الهذلي. مخضرم، أدرك الجاهلية وأسلم زمن عمر. والبيت شاهد على أن الواو فيه زائدة (فإذا وأنت) وزيادتها هنا متحتمة، لأن إذا الفجائية لا تدخل إلا على جملة اسمية يكون مبتدؤها مجرّدا من حرف العطف. [شرح أبيات المغني/ 6/ 126].
(3/254)

140 - ما تنقم الحرب العوان مني … بازل عامين حديث سنّي
لمثل هذا ولدتني أمّي
منسوبة إلى أبي جهل، في معركة بدر.
وقوله: ما تنقم. ما استفهامية إنكارية منصوبة المحل ب «تنقم» وتنقم بمعنى تكره.
وقيّد الحرب، بالعوان مبالغة بشجاعته. والعوان: المحاربة الثانية، يريد التجربة في الحرب. والبازل من الإبل الذي تم له ثماني سنين. ومعنى: بازل عامين: مرّ عليه بعد نزوله عامان، فهو متناهي القوة.
وفي قوله «بازل» وجوه: الرفع: على الاستئناف، خبر لمبتدأ محذوف أي: أنا بازل.
والجرّ: على الاتباع أي: بإبداله من ياء المتكلم في «منى».
والنصب: على الحال، من ياء المتكلم أيضا، وهذه الوجوه تجري أيضا.
في قوله «حديث سني» فإذا نوّن «حديث» يكون سني مضافا للياء فاعلا لحديث.
لاعتماده على المبتدأ المقدر، ويكون «حديث» خبرا بعد خبر. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 1/ 254، واللسان «بزل» ومجمع الزوائد/ 6/ 77].

141 - عمدا فعلت ذاك بيد أني … أخاف لو هلكت لم ترنّي
هذا الرجز قاله منظور بن حبّة.
وقوله: لم ترنّي: من الرنين، يقول: على أني أخاف ذاك. وأرنّت المرأة: صاحت.
قيل: بيد: هنا بمعنى «أجل» وقيل بمعنى «غير». وقيل معناها: «على» شرح أبيات المغني 3/ 23].

142 - كيف تراني قالبا مجنّي … أضرب أمري ظهره لبطن
قد قتل الله زيادا عنّى
هذا الرجز للفرزدق.
وقوله: قلب المجنّ: عبارة عن رميه من يده لعدم الاحتياج إليه. فإن الفرزدق هرب من البصرة إلى المدينة خوفا من زياد بن أبيه لغضبة كان غضبها زياد عليه. فلما جاء إلى
(3/255)

المدينة خبر موته ظهر بعد الاختفاء وأنشد هذه الأبيات الثلاثة إظهارا للشماتة وفرحا بسلامته منه.
والشاهد: قتله عني .. استخدم حرف الجرّ «عن» مع «قتل» لأن معنى: «قتل» صرف «والأصل» صرفه الله عني. فاستخدام حرف مكان حرف إنما يكون بتضمين الفعل معنى فعل آخر يصلح للمقام. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 8/ 86 والأشموني 2/ 95، والخصائص 2/ 310].

143 - يا ربّ من يبغض أذوادنا … رحن على بغضائه واغتدين
.. لعمرو بن قميئة .. والأذواد: جمع ذود. وهو القطيع من الإبل ما بين الثلاث إلى الثلاثين. يعني أنهم أعزاء لا يستطيع أحد صدّ إبلهم عن مرعى مما لهم من قوة ومنعة.
والشاهد: دخول «ربّ» على «من» دليل على قابليتها للتنكير، لأن ربّ لا تدخل إلا على نكرة فالجملة بعد «من» صفة لها. [سيبويه 1/ 270، وشرح المفصل 4/ 11].

144 - فهل يمنعنّي ارتيادي البلا … د حذر الموت أن يأتين
للأعشى، ميمون.
والشاهد: توكيد «يمنعنّي»: بالنون الثقيلة بعد الاستفهام لأنه غير موجب كالأمر، فيؤكد كما يؤكد الأمر. وفيه شاهد على حذف الياء في الوقف من «يأتيني» [سيبويه 2/ 151، وشرح المفصل 9/ 40، والهمع 2/ 78].

145 - فكونوا كمن واسى أخاه بنفسه … نعيش جميعا أو نموت كلانا
قاله معروف الدبيري.
والشاهد: رفع نعيش في جواب الطلب، على القطع [سيبويه 1/ 451].

146 - الحمد لله ممسانا ومصبحنا … بالخير صبّحنا ربي ومسّانا
لأمية بن أبي الصلت.
والشاهد: مجيئه ب: «ممسانا، ومصبحنا، بمعنى الإمساء والإصباح. أي: نحمده في مسائنا وصباحنا لأنه يوالي أنعامه علينا كل حين [سيبويه 2/ 250، وشرح المفصل 6/ 50].
(3/256)

147 - هبّت جنوبا فذكرى ما ذكرتكم … عند الصفاة التي شرقيّ حورانا
البيت لجرير يقول: كلما هبت الرياح من قبل الجنوب ذكر أهله وأحبابه لهبوبها من ناحيتهم. وحوران: صقع في ديار سورية. و «ما» في «ما ذكرتكم زائدة مؤكدة أي:
فذكرتكم ذكرى. والصفاة: الصخرة الملساء.
والبيت شاهد على استخدام «شرقيّ» ظرفا. ويجوز في غير هذا البيت أن لا تكون ظرفا.

148 - مبرأ من عيوب الناس كلّهم … فالله يرعى أبا حرب وإيّانا
من أبيات سيبويه التي لم ينسبها.
والشاهد: استعمال «إيّانا» الضمير المنفصل حيث لم يقدر على المتّصل [شرح المفصل 3/ 75، والهمع 1/ 63].

149 - بلونا فضل مالك يا ابن ليلى … فلم تك عند عسرتنا أخانا
أراك جمعت مسألة وحرصا … وعند الحقّ زحّارا أنانا
البيتان للمغيرة بن حبناء .. يخاطب أخاه صخرا وكنيته ابن ليلى. والمسألة يعني سؤال الناس عند الحق. أي: عند ما يلزمك من حق. والزحّار: الذي يئنّ عند السؤال لبخله.
وأنان: صفة على وزن «خفاف» مثل الأنين.
والشاهد: نصب زحارا، وهو مبالغة زاحر. موضع المصدر وهو الزحير الواقع بدلا من اللفظ بالفعل «تزحر» [اللسان - أنن، وسيبويه 1/ 171].

150 - فلما تبيّنّ أصواتنا … بكين وفدّيننا بالأبينا
لزياد بن واصل السلمي - شاعر جاهلي.
والشاهد: جمع أب، جمع سلامة على «أبين» وهو جمع غريب لأن جمع السلامة إنما يكون في الأعلام والصفات المشتقة. [سيبويه 2/ 101، وش المفصل 3/ 37، والخزانة 4/ 474].

151 - رويد عليا جدّ ما ثدي أمّهم … إلينا ولكن بغضهم متماين
(3/257)

عليّ: اسم قبيلة. وجدّ: قطع. وجدّ ثدي أمهم إلينا: أي: بيننا وبينهم خؤولة رحم وقرابة من قبل أمهم، وهم منقطعون إلينا بها. وإن كان في ودّهم لنا مين أي: كذب وملق. يذكر قطيعة كانت بينهم وبين هؤلاء على ما بينهم من قرابة وأخوة.
وشاهده: نصب «عليا» برويد على أنه اسم فعل أمر والبيت لمالك بن خالد الهذلي في شرح أشعار الهذليين/ 477 وسيبويه 1/ 124، واللسان «جود» و «مأن» والأشموني 3/ 202، وش المفصل 4/ 40.

152 - مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقي … أنّي جواد لأقوام وإن ضننوا
قاله قعنب بن أمّ صاحب، يقول: إنه جواد لا يصرفه العذل عن الجود وإن كان من يجود عليهم بخلاء، فليس يكفّه شيء عن سجيّته.
وقوله: «ضننوا»: أراد «ضنّوا فأظهر التضعيف ضرورة [سيبويه 1/ 11، واللسان «ضن»، والخصائص 1/ 160].

153 - ليت شعري مسافر بن أبي عم … رو وليت يقولها المحزون
لأبي طالب يرثي صديقه مسافر بن أبي عمرو. ومسافر: منادى مبني على الضم ويجوز فتحه لوصفه بابن المضاف إلى ما هو كالعلم لشهرته به.
والشاهد: إعراب «ليت» وتأنيثها لأنه جعلها اسما للكلمة. سيبويه 2/ 32، والخزانة 10/ 463].

154 - ما بالمدينة دار غير واحدة … دار الخليفة إلا دار مروان
البيت للفرزدق، عن سيبويه. ومروان هو مروان بن الحكم.
والشاهد: إجراء «غير» على «دار» نعتا لها، فلذا رفع ما بعد «إلا»، فما بعد إلا بدل من دار الأولى، ولو جعل «غير» استثناء بمنزلة «إلا» واحدة. لجاز نصبها على الاستثناء ورفعها على البدل. فإذا رفعت على البدل وجب نصب ما بعد «إلا» لأنه استثناء بعد استثناء. ومعنى «غير واحدة» إذا كانت نعتا هي مفضلة على دور. ودار الخليفة تبيين للدار الأولى وتكرير. [سيبويه 1/ 373]. ويروى «مروانا» بالنون المفتوحة.
(3/258)

155 - دع الخمر تشربها الغواة فإنني … رأيت أخاها مجزئا بمكانها
فإن لا يكنها أو تكنه فإنّه … أخوها غذته أمه بلبانها
... لأبي الأسود الدؤلي ..
وشاهده: - البيت الثاني - تصرّف كان تصرف الأفعال الحقيقية في عملها فيتصل بها ضمير خبرها اتصال ضمير المفعول بالفعل الحقيقي نحو «ضربني» وضربته.
قلت: وأنا لا أستبعد أن يكون البيتان مصنوعين ومنحولين، للاحتجاج بهما على قضية «النبيذ» أحلال هو أم حرام؟ لأن المفسرين اختلفوا في مراد الشاعر: فذكر بعضهم أن سبب هذا الشعر أن مولى لأبي الأسود الدؤلي كان يحمل تجارة إلى الأهواز، وكان إذا مضى إليها، تناول شيئا من الشراب، فاضطرب أمر البضاعة. فقال أبو الأسود هذا الشعر ينهاه عن شرب الخمر.
فاسم «يكنها» ضمير الأخ. و «ها» ضمير الخمر وهو خبر يكن، واسم تكنه ضمير الخمر، والهاء ضمير الأخ وهو خبر تكن. وأراد بأخي الخمر الزبيب يقول: دع الخمر، ولا تشربها، فإني رأيت الزبيب الذي هو أخوها ومن شجرتها مغنيا مكانها، فإلا يكن الزبيب الخمر أو تكن الخمر الزبيب، فإن الزبيب أخو الخمر، غذته أمه بلبانها، يعني أن الزبيب شرب من عروق الكرمة كما شرب العنب الذي عصر خمرا، وليس ثمة لبان وإنما هو استعارة.
وقال جماعة: أراد بأخي الخمر نبيذ الزبيب: فوصف نبيذ الزبيب وأطلقه على مذهب العراقيين في الأنبذة، وحثّ على شربه وترك الخمر بعينها للإجماع على تحريمها، وجعل الزبيب أصلا للخمر لأن أصلها الكرمة، واستعار اللّبان لما ذكره من الأخوة. وقال الزجّاج في تفسير قوله تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ ...» الآية [البقرة: 219]: وقد لبّس على أبي الأسود الدؤلي فقيل له: إن هذا المسكر الذي سمّوه بغير الخمر حلال، فظنّ أن ذلك كما قيل، ثم ردّه طبعه إلى أن حكم بأنهما واحد. فقال:
دع الخمر يشربها الغواة ... البيتين.
والذين قالوا: إنه أباح النبيذ، لا يصحّ قولهم، وكذلك لا يصحّ قول الزجاج بأنه لبّس عليه: فأبو الأسود تابعيّ ثقة عند أهل الحديث، وقالوا: إنه كان ذا دين وعقل ولسان
(3/259)

وبيان وفهم وذكاء وحزم. والحقّ أن كتب الأدب تقوّلت على أبي الأسود الأقاويل، وجعلته بطلا في كثير من قصصها الموضوعة. وقد نقل البغدادي في الخزانة (ج 5/ 330) عن كتاب «مساوئ الخمرة» لأبي القاسم عبد الرحمن السعدي المتوفى سنة 555 ه؛ أن أبا الأسود الدؤلي قال:
دع الخمر يشربها الغواة ... البيت.
فقيل له: فنبيذ الخمر؟ فقال:
فإلا يكنها أو تكنه .. البيت.
وعلى هذه الرواية، فلا تلبيس، ولا إباحة للنبيذ في البيتين. والله أعلم. [الإنصاف/ 823، وسيبويه 1/ 21، وش
المفصل 3/ 117].

156 - ما بال جهلك بعد الحلم والدّين … وقد علاك مشيب حين لا حين
البيت مطلع قصيدة لجرير هجا بها الفرزدق، والخطاب في البيت لنفسه. وبعد ظرف متعلق بجهلك. وحين: متعلق ب علاك. وجملة «وقد علاك مشيب» حال. والمشكل في البيت «حين لا حين» فقال سيبويه والرضيّ: إن «لا» زائدة لفظا ومعنى. وإنما أضاف الشاعر «حين» إلى «حين» لأنه قدّر أحدهما بمعنى التوقيت، فكأنه قال: حين وقت حدوثه ووجوبه.
ويجوز أن يكون المعنى: ما بال جهلك بعد الحلم والدين، حين لا حين جهل وصبا، فتكون «لا» لغوا في اللفظ، دون المعنى.
وقد رجح أبو علي الفارسي في «الحجة» أن تكون «لا» زائدة لفظا ومعنى، لأنك لو جعلت «لا» زائدة لفظا فقط، ونافية معنى، تكون قد نفيت ما أثبته قبلها .. وانظر تفصيلا أوسع في [الخزانة 4/ 47، وسيبويه 1/ 358 والدرر 1/ 168].

157 - إذا حاولت في أسد فجورا … فإنّي لست منك ولست منّ
وهم وردوا الجفار على تميم … وهم أصحاب يوم عكاظ إنّ
البيتان للنابغة الذبياني. ويقول البيت الأول لعيينة بن حصن الفزاري وكان بنو عبس قد قتلوا نضلة الأسدي، وقتلت بنو أسد منهم رجلين، فأراد عيينة عون بني عبس، وأن يخرج
(3/260)

بني أسد من حلف ذبيان، فأبى عليه النابغة ذلك وتوعده بهم. وأراد بالفجور، نقض الحلف.
وفي البيت الثاني يمدح بني أسد ويذكر فعالهم. والجفار: موضع كانت فيه وقعة لبني أسد على بني تميم، ففخر لهم بذلك على عيينة بن حصن الفزاري. والبيتان أنشدهما سيبويه في باب «ما يحذف من الأسماء من الياءات في الوقف التي لا تذهب في الوصل «ولا يلحقها تنوين» يقول: إنه سمع ممن يرويه عن العرب الموثوق بهم، أنهم يحذفون الياء من «منّ» في الوقف، ومن «إنّ» وأصلها: منّي، وإنّي ومنه قراءة «فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ» ورَبِّي أَهانَنِ [الفجر: 15، 16] على الوقف [سيبويه 4/ 186، هارون].

158 - من اجلك يا التي تيّمت قلبي … وأنت بخيلة بالودّ عنّي
البيت لا يعرف قائله، وليس له سابق، ولا لاحق، وقوله «من اجلك» يقرأ بنقل فتحة ألف «أجلك» إلى نون «من»
وقوله: من اجلك: علة معلولها محذوف، أي: من أجلك قاسيت ما قاسيت، أو خبر مبتدأ محذوف أي: من أجلك مقاساتي. وجملة: أنت بخيلة، حال، عاملها «تيّمت». وقوله «عني» أي: عليّ، من نيابة الحرف عن الحرف.
والشاهد: نداء ما فيه «أل» وهو «التي» تشبيها بقولهم: «يا الله». وقيل: هو على الحذف، والتقدير، يا أيتها التي تيمت قلبي. فحذف، وأقام النعت مقام المنعوت [سيبويه 2/ 197، هارون، والخزانة 2/ 293 وشرح المفصل 2/ 8، والهمع 1/ 174].

159 - ولي نفس أقول لها إذا ما … تنازعني لعلّي أو عساني
البيت لعمران بن حطّان، أحد رؤوس الخوارج، وهو من التابعين، خرّج له البخاري وأبو داود. وقالوا: إنما خرج البخاري عنه ما حدّث به قبل أن يبتدع. واعتذر أبو داود عن التخريج بأن الخوارج أصح أهل الأهواء حديثا عن قتادة. قلت: وربّما خرّجا له، لأن الخوارج يرون الكذب من الكبائر التي تخلّد في النار.
ويقول في البيت: إذا نازعتني نفسي في حملها على ما هو أصلح لها أقول لها:
طاوعيني لعلي أجد المراد والظفر. أو قلت لها: لعلي أفعل هذا الذي تدعوني إليه، فإذا قلت لها هذا القول طاوعتني.
والشاهد: عساني. استدل به سيبويه على كون الضمير وهو الياء منصوبا بلحوق نون
(3/261)

الوقاية في «عساني» ويستدل به على أن الكاف في «عساك» منصوبة، ولو كانت الكاف مجرورة لقال: «عساي» وفي المسألة تفصيل وخلاف، انظره في [الخزانة 5/ 349، وسيبويه 1/ 388، وشرح المفصل ح 3/ 10، 118، 120، والخصائص 3/ 25].

160 - ألا أبلغ بني خلف رسولا … أحقّا أنّ أخطلكم هجاني
البيت للنابغة الجعدي. بنو خلف: رهط الأخطل من بني تغلب، وكان بين النابغة وبين الأخطل مهاجاة. والرسول: الرسالة.
والشاهد: نصب «حقّا» على الظرفية، وفتح «أنّ» لأنها وما بعدها مبتدأ، خبره الظرف.
والتقدير أفي حق هجاني. ولا يجوز كسر همزة «إنّ» لأن الظرف لا يتقدم على إنّ المكسورة لانقطاعها عما قبلها. [سيبويه 3/ 137، هارون، والهمع 1/ 72، والأشموني 1/ 185].

161 - أعزز بنا وأكف إن دعينا … يوما إلى نصرة من يلينا
الشاهد فيه: حذف المتعجب منه المجرور بعد «أفعل» في قوله: «وأكف» أي: وأكف بنا.

162 - حبّذا الصبر شيمة لامرئ … رام مباراة مولع بالمغاني
المغاني: جمع مغنى، وهو المنزل الذي أقام به أهله، ثم ارتحلوا من «غني» بالمكان إذا أقام فيه.
والشاهد: تأخير التمييز عن المخصوص بالمدح، وهو قوله: «شيمة» في قوله حبذا الصبر شيمة.

163 - يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن … وإن لقيت معدّيا فعدناني
(3/262)

البيت لعمران بن حطان الخارجي كان لما طلبه السلطان يتنقل بين الناس، وينتسب في كل قوم إلى قومهم.
وقوله: فعدناني: أصله مشدد الياء فخففها للضرورة، وهو جواب الشرط مقترن بالفاء، والتقدير: فأنا عدناني [الخزانة 5/ 357].

164 - إذا المرء لم يخزن عليه لسانه … فليس على شيء سواه بخزّان
البيت شاهد على حذف الفعل بعد أداة الشرط، والمرء: فاعل لفعل محذوف، والبيت لامرئ القيس [الخزانة 1/ 79، و 8/ 550].

165 - خير اقترابي من المولى حليف رضا … وشرّ بعدي عنه وهو غضبان
المولى: ابن العمّ. والبيت شاهد على حذف الخبر وجوبا لوقوع المبتدأ اسم تفضيل مضاف إلى مصدر صريح خير اقترابي ... وشرّ بعدي ... وجاء الحال الذي سدّ مسدّ الخبر مفردا في الشطر الأول وهو (حليف) وجملة في الشطر الثاني وهو (وهو غضبان) [الهمع 1/ 107 والأشموني 1/ 219].

166 - تمنّوا لي الموت الذي يشعب الفتى … وكلّ امرئ والموت يلتقيان
.. يشعب الفتى: يغتال ويهلك.
والشاهد: وكل امرئ والموت يلتقيان أثبت خبر المبتدأ «كلّ» لعدم تعيّن وقوعه بعد واو بمعنى «مع» وهو قوله «يلتقيان» [الأشموني 1/ 217].

167 - تيقّنت أن ربّ امرئ، خيل خائنا … أمين، وخوّان يخال أمينا
امرئ: مجرور بربّ، وهو في محل رفع مبتدأ. وخيل: مجهول خال، ونائب فاعله، مفعوله الأول، وخائنا: مفعوله الثاني، والجملة صفة لامرئ. وأمين: خبره. أي: ربّ امرئ يظن خائنا وهو أمين، وربّ خائن يظنّ أمينا.
والشاهد: أن ربّ امرئ، خيل .. أن: مخففة من الثقيلة، جاءت بعدها جملة فعلية فعلها متصرف وهي. خيل، فوجب الفصل بينها وبين الفعل بفاصل وهذا الفاصل هنا «ربّ» وقد يفصل بقد، وحرف التنفيس، والنفي بلم، أو لن، أو لا. [الهمع 1/ 143، وح 2/ 26].
(3/263)

168 - يا ربّ لا تسلبنّي حبّها أبدا … ويرحم الله عبدا قال آمينا
منسوب إلى قيس بن الملوح. مجنون ليلى.
والشاهد: «آمينا» أو «آمين» على وزن فاعيل، وهي إحدى أربع لغات في لفظ «آمين» اسم فعل أمر. [شرح المفصل 4/ 34، والشذور، والأشموني 3/ 197، واللسان «أمن»].

169 - يا أمّ عبد الملك اصرميني … وبيّني صرمك أو صليني
لجميل صاحب بثينة. وأم عبد الملك، كنية بثينة. [الخزانة 1/ 397].

170 - طال ليلي وبتّ كالمجنون … واعترتني الهموم بالماطرون
هذا مطلع قصيدة، تنسب لأبي دهبل الجمحي (وهب بن زمعة) وتنسب إلى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. ويظهر أن القصيدة منحولة، أو أن قصتها موضوعة. حيث يزعم الرواة أن أبا دهبل قالها متغزلا في عاتكة بنت معاوية، أو رملة بنت معاوية وكذلك تروى المناسبة في نسبتها إلى عبد الرحمن بن حسان. وقلت: إن القصة موضوعة لأنهم يختلفون في اسم المرأة المتغزل بها، وهي غير مذكورة في الشعر، ويجعلون المرأة مرة أخت معاوية، ومرة ابنته. ويرويها ثعلب عن أبي دهبل دون أن يلصقها بمعاوية. وثعلب في أماليه، يعدّ أصدق رواة الأدب.
والماطرون: قالوا: إنه موضع أو قرية بناحية الشام، ولم يعرفه أحد. وهو محلّ الشاهد في البيت. حيث ذكر الرضي، أن أبا علي الفارسي قال: الماطرون مجرور بكسرة على النون. وليس هذا غريبا. فالماطرون، إن صح أنه علم على مكان فالواو والنون فيه أصليتان، لأنه اسم مفرد، ولم ينقل من الجمع ليوضع على المفرد. وربما كان اسما أعجميا. وقد توهّم بعضهم أن له شبها بجمع المذكر السالم المنتهي بالواو والنون، الذي يسمى به، وتجعل الحركة فيه على النون في آخره. وانظر البيت والقصيدة في [الخزانة 7/ 314].

171 - نجران إذ ما مثلها نجران ...
هذا نصف بيت من الرجز أو الكامل المضمر، وقد يكون بيتا مشطورا من الرجز وهو
(3/264)

من شواهد الهمع ح 1/ 124. ولم ينسبه إلى قائل.
وهو شاهد: على إعمال «ما» الحجازية، إذا تقدم خبرها على اسمها. فقوله: «مثلها» خبر مقدم. ونجران: اسمها مؤخر وقد سمع «ما مسيئا من أعتب» بنصب «مسيئا» ..
ومثله قول الفرزدق:
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم … إذ هم قريش، وإذ ما مثلهم بشر

172 - ومن حسد يجور عليّ قومي … وأيّ الدهر ذو لم يحسدوني
نسب البيت إلى حاتم الطائي. وهو شاهد على حذف العائد إلى الاسم الموصول والموصول هنا «ذو» وتقدير العائد المحذوف، «لم يحسدوني فيه» [الأشموني 1/ 174، والعيني 1/ 451، والتصريح 1/ 147].

173 - وبعض الحلم عند الجه … ل للذلّة إذعان
.. قائله: الفند الزّماني في حرب البسوس من قصيدة مطلعها [وهي في الحماسة رقم 2].
صفحنا عن بني ذهل … وقلنا القوم إخوان
واسم الشاعر: شهل بن شيبان ... والشاعر يعتذر من تركهم التحلّم مع الأقارب لمّا كان مفضيا إلى اكتساء الذل، واكتساب خضوع وعار. أو التقدير: بعض الحلم إذعان للذلة عند جهل الجاهل.
والشاهد «للذلة إذعان» قال ابن هشام: إن اللام متعلق. بإذعان محذوف يدل عليه الإذعان المذكور. لأن «الإذعان» مصدر، ولا يتقدم على المصدر معموله. قال هذا في ردّ أحد وجوه إعراب قولهم: «الإعراب لغة البيان» وما شابهه من التعريفات. فقد ظنّ أن «لغة» منصوب على نزع الخافض وأن يقدر المجرور متعلق بالخبر المتأخر «البيان».
وقد اختار ابن هشام أن يكون إعراب «لغة» حالا، مع التأويل البعيد. [الهمع/ 2/ 93، والأشموني/ 2/ 291، والحماسة/ 38].

174 - صفحنا عن بني ذهل … وقلنا: القوم إخوان
(3/265)

للشاعر الجاهلي: شهل بن شيبان الزّماني. ويلقب: الفند. والفند في اللغة. القطعة العظيمة من الجبل، وجمعه أفناد.
وصفحنا: عفونا. وحقيقته: أعرضنا عنهم وأوليناهم صفحة عنقنا.
والقوم: مبتدأ. إخوان: خبر. والجملة مقول القول. [الخزانة ج 3/ 431، والحماسة ص 32].

175 - فظلّ لنسوة النعمان منّا … على سفوان يوم أرونان
هذا البيت للنابغة الجعدي ... ولكنني سوف أشرحه في النون المكسورة، لأنه من قصيدة رويّها مكسور، وقد روته بعض المصادر بالنون المرفوعة، لأنها لم تنظر إلى البيت في سياقه. وهو في [اللسان - رون - والخزانة ج 10/ 279].

176 - إنّ حيث استقرّ من أنت راعي … ه حمى فيه عزّة وأمان
البيت غير منسوب. قال السيوطي: إنّ تصرّف «حيث» نادر، ومن وقوعها مجردة عن الظرفية: (وأنشد البيت) وقال: فحيث اسم إنّ. وقال أبو حيان: هذا خطأ، لأن كونها اسما لإنّ، تكون مبتدأ «ولم يسمع ذلك فيها البتة. بل اسم إنّ في البيت «حمى» وحيث، الخبر لأنه ظرف، والصحيح أن حيث لا تتصرف، فلا تكون فاعلا ولا مفعولا ..».
[الهمع ج 1/ 212].

177 - ألا من مبلغ حسّان عنّي … أطبّ كان داءك أم جنون
البيت لأبي قيس بن الأسلت. كان يهاجي حسان في الجاهلية. وقد اختلف في إسلامه.
يقول: أذهب عنك عقلك بسحر، حتى اجترأت على هجائي، أم أصابك جنون؟ فلم تدر ما صنعت. يعظم في نفس حسان ما يأتي من هجاء الأوس وشعرائها ويتوعده بالمقارضة. وكان حسان خزرجيا، وأبو قيس أوسيا. والطب: بالكسر معناه السحر.
والشاهد: (كان داءك أم جنون) على أنه يصح في بابي كان، وإنّ الإخبار بمعرفة عن نكرة ... فإن (داءك) خبر كان، مضاف إلى ضمير، والضمير من المعارف، فيكون (داء) معرفة. ومثله: «أظبي كان أمّك أم حمار». وقد حرّف الخبثاء البيت الشاهد في كتاب
(3/266)

النحاس (شرح أبيات سيبويه) فروى الشطر الثاني (أظبي كان أمّك أم حمار) مع أن بيت أبي الاسلت من قصيدة نونية، وهذا الشطر من قصيدة رائية، لثروان بن فزارة، وقد مضى في حرف الراء هذا: وقد قالوا إن بيت ثروان بن فزارة محرّف أيضا، وإن الأصل فيه.
فإنّك لا يضرّك بعد عام … أظبي ناك أمّك أم حمار
وربما قلبوا اللفظة من (ناك) إلى (كان) تحرّجا. مع أن قوله (أظبي كان أمك ..) فيه إشكال. ذلك أن الظبي والحمار ذكران، وهو يقول «أمك» وكان حقه أن يقول أبوك ...
فاعتذروا عن ذلك، بأن «الأم» معناها الأصل. ودار بينهم الجدل حول بيت محرف، ولم يكلفوا أنفسهم مراجعة الأصول للتثبت من الرواية. وصدق القائل:
إذا اجتمعوا على ألف وواو … وياء هاج بينهم جدال
[الخزانة ج 9/ 295، وسيبويه ج 1/ 23، واللسان (طبب).

178 - فأصبحت كنتيّا وهيّجت عاجنا … وشرّ خصال المرء كنت وعاجن
وما كنت كنتيا وما كنت عاجنا … وشرّ الرجال الكنتنيّ وعاجن
قد كنت كنتيّا فأصبحت عاجنا … وشرّ رجال الناس كنت وعاجن
فأصبحت كنتيّا وأصبحت عاجنا … وشرّ خصال المرء كنت وعاجن
وما أنتّ ك نتيّ وما أنا عاجن … وشرّ الرجال الكنتنيّ وعاجن
هذه خمس روايات لبيت واحد .. فالقافية واحدة (وعاجن) والبحر واحد (الطويل) وبداية الشطر الثاني واحدة (وشرّ) وبداية الشطر الأول تبدأ بفعل ناقص، ما عدا الأخير.
واتفقوا على معنى كلمة (عاجن) وهو الذي أسنّ، فإذا قام، عجن بيديه. يقال: خبز وعجن، وثنّى وثلث، وورّص، كله من نعت الكبير، وأعجن، وعجن، إذا أسنّ فلم يقم إلا عاجنا. وفي حديث ابن عمر. أنه كان يعجن في الصلاة، فقيل له: ما هذا فقال:
رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يعجن في الصلاة، أي: يعتمد على يديه إذا قام كما يفعل الذي يعجن العجين.
أما الكنتيّ: فهو منسوب إلى «كنت»، الفعل الناسخ مع التاء. فقال بعضهم: معناه الشديد القوي. لقوله: قد كنت كنتّيا فأصبحت عاجنا، وقيل: هو الشيخ الضعيف.
والحق أنه قويّ شديد باعتبار ما كان، لأن الكنتي: الذي يقول: كنت في شبابي كذا ..
(3/267)

وهو ضعيف باعتبار الحال الذي هو فيه، لأنه لا يقول كنت إلا في شيخوخته.
والشاهد: كنتي، وكنتنيّ: وهو النسبة إلى الجملة، باعتبار الفعل والفاعل شيئا واحدا ومن قال: كنتني: أدخل نون الوقاية ليسلم الفعل من الكسر، ولكن النسبة إليه أخرجته عن كونه فعلا، لأنه اسم وصف به الرجل الكبير، والدليل على اسميته أنه جاء غير منسوب إليه في البيت الأول، ونون في بعض الروايات فقالوا «كنت».
وهذا البيت نسبه السيوطي في الهمع إلى الأعشى، ولا أدري أيّ الأعشين أراد. [شرح المفصل ج 6/ 7، والهمع ج 2/ 193، واللسان (عجن، وكون]. هذا ويرى سيبويه أن القياس في النسبة إلى ما سبق (كوني) بإرجاعه إلى الأصل.

179 - عبّاس يا الملك المتوّج والذي … عرفت له بيت العلا عدنان
البيت مجهول القائل. ويظهر أن قائله متأخر جدا، فالخلفاء حتى نهاية بني أميّة ليس منهم من تسمّى أو تلقب بعباس، والطبقة العالية من خلفاء بني العباس، حتى المعتصم ليس فيهم من كان اسمه عباسا ... ولست متأكدا من المتأخرين لأنهم عرفوا بألقابهم.
والشاهد في البيت «يا الملك». فقد احتجت به الكوفية على جواز دخول حرف النداء على المعرف بأل، وأجيب عنه بأنه ضرورة، أو: المنادى فيه محذوف، تقديره يا أيها الملك. قال ابن مالك رحمه الله:
وباضطرار خصّ جمع يا وأل … إلا مع الله، ومحكيّ الجمل
ومثال محكي الجمل، ما سمّي به نحو «المنطلق زيد» تقول: «يا المنطلق زيد». وزاد المبرد ما سمّي به من موصول مبدوء بأل نحو «الذي» و «التي».
[الأشموني ج 3/ 147، والهمع ج 1/ 174، والدرر والعيني، بالتبعيّة].

180 - فلمّا صرّح الشّرّ … فأضحى وهو عريان
البيت للفند الزّمّاني، واسمه شهل بن شيبان بن ربيعة بن زمّان، فهو منسوب إلى جدّ أبيه والبيت من قطعة قالها في حرب البسوس، ومعنى صرّح: انكشف. وعريان. مثل لظهور الشرّ. وجملة (وهو عريان) الاسمية خبر أضحى. جاءت مقترنة بالواو ...
وجواب لمّا، في أول البيت، جاء في بيت لا حق هو:
(3/268)

ولم يبق سوى العدوا … ن دنّاهم كما دانوا
ومعنى: دنّاهم: جازيناهم. يقول: لما أصرّوا على البغي وأبوا أن يدعوا الظلم، لم يبق إلا أن نقاتلهم ونعتدي عليهم، كما اعتدوا علينا، جازيناهم بفعلهم القبيح، كما ابتدؤونا به وإطلاق المجازاة على فعلهم مشاكلة، على حدّ قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ، فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [البقرة: 194]. [الخزانة ج 3/ 431، والحماسة بشرح المرزوقي ص 32].

181 - داويت عين أبي الدّهيق بمطله … حتّى المصيف ويغلو القعدان
البيت أنشده الأنباري في «الإنصاف» ولم ينسبه إلى شاعر. وأبو الدهيق: كنية رجل.
والمطل: التسويف في قضاء الحاجة. والمصيف: زمان الصيف. ويغلو القعدان:
القعدان: جمع قعود: وهو ما اتخذه الراعي للركوب وحمل الزاد. أو الذي يقتعده الراعي في كل حاجة: والقعود من الإبل: هو البكر حين يركب. أي: يمكن ظهره من الركوب، وأدنى ذلك أن يأتي عليه سنتان، وهو اسم للذكر، والأنثى: قلوص. ويغلو: إذا ارتفع في سيره فجاوز حسن السير، هكذا شرحه أبو رجاء، ولكن ما العلاقة بين المصيف، وغلوّ القعدان في السير؟ ربما كان المراد: حتى تكبر الأبكار وتصبح قعدانا تركب، وربما كان المعنى: أن يغلو سعر القعدان، وهذا خلاف في غير محله، لأن موضوع الخلاف - بيت الشعر - لا تدري أهو قول شاعر، أم صناعة نحوي؟ فليس للبيت مصدر إلا نقل الأنباري عن البصريين، محتجين به لرأيهم في النصب بعد «حتى»: فهم
يقولون: إن الفعل بعدها منصوب بأن مقدرة بعد الواو العاطفة، ويكون منها والفعل مصدر مؤول، معطوف على المصيف المجرور بحتى.
أما الكوفيون: فيرون أن حتى تنصب الفعل بنفسها، لأنها إما أن تكون بمعنى كي، مثل: «أطع الله حتى يدخلك الجنة» أو بمعنى (إلى أن) كقولك: اذكر الله حتى تطلع الشمس، فإذا أخذ الحرف معنى الحرف الآخر عمل عمله. والحقّ في هذه المسألة مع الكوفيين، لأن إعمال الظاهر خير من إعمال المضمر. ولم نلتق العرب الأقدمين الذين نطقوها منصوبة، لنسألهم لماذا نصبتم، وما يتعلل به البصريون ضرب من الحكم على الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله. [الإنصاف ص 599].
(3/269)

182 - إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه … بنثّ وتكثير الوشاة قمين
لقيس بن الخطيم الأنصاري ... والنثّ: نشر الحديث، أو هو نشر الحديث الذي كتمه أحقّ من نشره. قال السيوطي: ولا تثبت همزة الوصل غير مبدوء بها إلا في ضرورة (وأنشد البيت) والمراد همزة (الاثنين) فإنها قطعت في الوصل لضرورة الوزن، وإنما يصح قطعها في ابتداء الكلام. [اللسان نثث، وقمن، والهمع ج 2/ 211].

183 - بك أو بي استعان خليل أمّا … أنا أو أنت ما ابتغى المستعين
البيت بلا نسبة في العيني/ 1/ 299.

184 - قد كان قومك يحسبونك سيّدا … وأخال أنّك سيّد معيون
قاله العباس بن مرداس. ومعنى معيون: أصيب بالعين. اسم مفعول من عانه، من باب باع يبيع، والقياس فيه، معين، مثل مبيع، فجاء به الشاعر على الأصل دون حذف.
وقوله: أنك سيد: المصدر المؤول حلّ محل مفعولي خال. [الأشموني ج 4/ 325، واللسان (عين) والخصائص ج 1/ 261].

185 - وذلك أنّ ألقكم قليل … لواحدنا أجل أيضا ومين
البيت لحسان بن ثابت رضي الله عنه. وأنشده السيوطي شاهدا على حذف همزة (مئين) في الضرورة. [الهمع ج 2/ 156، والدرر ج 2/ 210].

186 - ماذا الوقوف على نار وقد خمدت … يا طالما أوقدت في الحرب نيران
أنشده السيوطي في شرح شواهد المغني، ولم ينسبه.

187 - تردّ بحيّهل وعاج وإنّما … من العاج والحيّهل جنّ جنونها
منسوب إلى جهم بن العباس، قال البغداديّ في الخزانة: ولم أره إلا في شرح الرضي ولا أعرف جهما من هو.
والبيت شاهد على أن اسم الصوت إذا قصد به لفظه أعرب كما في البيت، فإن عاج وهو زجر للإبل لتسرع، لما قصد لفظه أعرب بالجرّ والتنوين في الشطر الأول، وبالجر والتعريف في الشطر الثاني .. أي: إنها ترد لسماع هذه الكلمة .. وقس على ذلك:
(3/270)

(حيّهل). [الخزانة ج 6/ 387].

188 - وخيل كفاها ولم يكفها … ثناء الرجال ووحدانها
البيت غير منسوب ... وقال السيوطي: إن الألفاظ المعدولة عن الأعداد على وزن فعال ومفعل، لم تستعملها العرب إلا نكرات. ولم يسمع تعريفها بأل، وقلّ إضافتها (وأنشد البيت) واللفظ المعدول في البيت هو «ثناء». [الهمع ج 1/ 27، والدرر ج 1/ 9 وشرح التصريح ج 2/ 215].

189 - أمرّت من الكتّان خيطا وأرسلت … رسولا إلى أخرى جريّا يعينها
الشاهد بلا نسبة في الخصائص ج 2/ 396] وقد فصل بين الصفة والموصوف (رسولا جريّا).

190 - يدعن نساءكم في الدّار نوحا … يندّمن البعولة والأبينا
البيت للشاعر غيلان بن سلمة الثقفي.
والشاهد جمع الأب جمع المذكر السالم فقوله (الأبين) جمع (أب) وأصله «أبو» وفي التثنية نقول: أبوان، وهذا دليل على أن المحذوف من (أب) هو الواو. ولكن بعض العرب تثنيه على حذفه فتقول (أبان) تثنية (أب) ويقولون في الجمع «أبون» وهذه الواو الموجودة للجمع، ويرفع بالواو وينصب ويجر بالياء. [اللسان أبي].

191 - وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة … يوما سراة كرام الناس فادعينا
البيت أحد أربعة أبيات في المفضليات برقم 128 منسوبة إلى المرقش الأكبر ... وهو أيضا في قصيدة أنشدها أبو تمام في الحماسة، وشرحها المرزوقي ص 110، ومنسوبة إلى بشامة بن حزن النهشلي. والله أعلم بمن قالها.
ومطلع أبيات الحماسة، البيت التالي:

192 - إنّا محيّوك يا سلمى فحيّينا … وإن سقيت كرام الناس فاسقينا
وقوله: إلى جلّى: جلّى: فعلى، أجراها مجرى الأسماء، ويراد بها جليلة، كما يراد بأفعل، فاعل، وفعيل. يقول: إن أشدت بذكر خيار الناس، بجليلة نابت أو مكرمة
(3/271)

عرضت، فأشيدي بذكرنا أيضا.
والشاهد (جلّى) فالظاهر أنها فعلى، مؤنث (أفعل) للتفضيل ... واسم التفضيل إذا نكّر يلزم أن تأتي بعده (من) الجارة. فنقول: زيد أفضل من عمرو. ولا تقول: زيد أفضل. وإذا عرّف خلا من مصاحبة (من) فلا يقال: زيد الأفضل من عمرو. وكذلك مؤنثة (فعلى) إذا خلت من مصاحبة ال: إمّا أن تعرف بالألف واللام، أو الإضافة وإما أن تقرن بمن. و (فعلى) جلّى في البيت جاءت خالية من التعريف ولم تقرن بمن قال ابن يعيش في توجيه البيت: الجيد أن تكون «جلّى» مصدرا كالرجعى، بمعنى الرجوع ...
وليس بتأنيث الأجلّ، لأنه إذا كان مصدرا جاز تعريفه وتنكيره. [الخزانة ج 8/ 301، وشرح المفصل ج 6/ 100، والحماسة بشرح المرزوقي 101].

193 - حاولت لوّا فقلت لها … إنّ لوّا ذاك أعيانا
[البيت للنمر بن تولب في ديوانه. والمقتضب 1/ 235].

194 - رقيّ بعمركم لا تهجرينا … ومنّينا المنى ثم امطلينا
البيت لعبيد الله بن قيس الرقيّات: ورقيّ: واحدة من الرقيات اللواتي شبب بهن، مرخم رقيّة. بعمركم: قسم. لا: ناهية. تهجرينا: مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون، والياء: فاعل. ونا: مفعول به. وأسلوب النهي، من أنواع الطلب أجيب به القسم. [الهمع ج 2/ 41، والدرر ج 2/ 45، وديوان الشاعر].

195 - ألا هبّي بصحنك فاصبحينا … ولا تبقي خمور الأندرينا
هذا مطلع معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي. ألا: للتنبيه، يفتتح بها الكلام. ويعربونها اليوم حرف استفتاح فقط، وهذا، عدول بالإعراب عن معناه، فالإعراب معناه الإفصاح والبيان، وإذا ذكرت عمل الحرف دون معناه، فما أعربت، فيحسن إضافة الحروف العاملة إلى معناها، واتباعه بالعمل. فيقال مثلا: «لم» حرف نفي وجزم و «لا» الناهية حرف نهي وجزم، وإنّ: حرف توكيد ونصب، وهكذا. وهبي: قومي من نومك ...
هكذا قال شارح المعلقات، وما أظنه يطلب أن تهب من نومها، وإنما يريد أن تنهض من قعودها وأن تبادره
بالشراب، لأنه قال: بصحنك، وكيف تهب بصحنها من نومها وليس معها الصحن، وإنما يكون هذا خطابا للجارية أو ساقية الخمر، والصحن: القدح الكبير
(3/272)

وقوله: فاصبحينا، أمر ماضيه صبح وصبحه، يصبحه صبحا، وصبحه سقاه صبوحا، فهو مصطبح. والصبوح في الأصل، كلّ ما أكل وشرب غدوة، ويقابله الغبوق في المساء.
وكذلك «الغداء» فإنه الطعام الذي يؤكل في الغداة. واستخدامه فيما نأكله من الطعام بعد الظهر، مولّد، كما أنه ليس من كلام العرب «الفطور، أو الإفطار لطعام الصباح، فالفطور خاص بشهر رمضان، أو لكل صائم يأكل عند مغيب الشمس. والأندرين: قالوا إنها بليدة في قضاء حلب، كانوا يجلبون منها الخمر في الجاهلية، ولا يعرفها الآن أحد، لأن ياقوت الحموي ذكرها وقال إنها خراب في أيامه.
هذا، وقد كانت معلقة عمرو بن كلثوم النشيد القومي لقبيلة تغلب، زمنا طويلا، وفي هذا يقول ابن شرف القيرواني في رسائل الانتقاد (رسائل البلغاء ص 316): وجعلتها تغلب قبلتها التي تصلي إليها، وملتها التي تعتمد عليها، فلم يتركوا إعادتها، ولا خلعوا عبادتها إلا بعد قول القائل:
ألهى بني تغلب عن كلّ مكرمة … قصيدة قالها عمرو بن كلثوم

196 - كأنّا يوم قرّى … إنّما نقتل إيّانا
197 - قتلنا منهم كلّ … فتى أبيض حسّانا
... البيتان لذي الإصبع العدواني - وهذا لقبه ونسبه. وأما اسمه فهو حرثان ابن محرّث. زعموا أن حيّة نهشت إصبعه فقيل له: ذو الإصبع، وزعموا أيضا أنه عاش ثلاث مئة سنة، كلها في الجاهلية.
وقوله: كأنا .. الخ. يحكي قصة حرب دارت بين قومه، وبين خصومهم، ربّما كان المتقاتلون ذوي قربى، لأنه جعل قتلهم، كأنهم يقتلون أنفسهم، وهذا الشعور لا يتحرك إلا إذا كان الخصم من أبناء العمّ. وفي هذا المعنى، وأوضح وأرقّ، قول الحارث ابن وعلة الذّهلي، الجاهلي: في الحماسة ص 204.
قومي هم قتلوا أميم أخي … فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللا … ولئن سطوت لأوهنن عظمي
وقرّى: بضمّ القاف وتشديد الرّاء: اسم مكان حدثت عنده الحرب.
(3/273)

وقوله: نقتل إيّانا أي: نقتل أنفسنا.
وقوله: أبيض: أي: نقيّ العرض. وحسّان: صيغة مبالغة من الحسن، مثل كبّار.
والشاهد في البيت الأول: إيّانا: فهو ضمير منفصل، وضعه موضع الضمير المتصل، لأنه لا يمكنه أن يأتي بالمتصل فيقول (نقتلنا) لأن الفعل لا يتعدى فاعله إلى ضميره، إلا أن يكون من أفعال القلوب. فأنت لا تقول: ضربتني، ولا أضربني ولا ضربتك، بفتح التاء، ولكن تقول: ضربت نفسي، وضربت نفسك، وذلك لئلا يكون الفاعل مفعولا في اللفظ، وأجازوا هذا في أفعال القلوب، فتقول: حسبتني في الدار. وفي فعلين آخرين هما: عدمتني، وفقدتني فكان حقه أن يقول نقتل أنفسنا. والمسوّغ لقوله: نقتل إيانا:
وقوع الضمير بعد معنى (إلا) وهو شاذ. وقد جوّزوا هذا في الشعر، ومنعوه في النثر.
وفي البيت الثاني: نصب أبيض، وحسّانا، صفتين لكلّ ... ولو كان في النثر لجاز أن يقول «حسّانين» وصفا لكل على معناها، لأن لفظها واحد ومعناها جمع. وقال البغدادي:
يجوز جرهما صفتين لفتى، وفتحتهما نيابة عن الكسرة لأنهما ممنوعان من الصرف.
ولكننا نسلم برأي البغدادي في «أبيض» ولا نسلم به في «حسّان» لأنهم اتفقوا على أنها مبالغة في الحسن، ومعنى هذا أن النون أصلية، فكيف نمنعه من الصرف، لعله جعلها مثل «حسّان» بفتح الحاء، وفيه وجهان. [كتاب سيبويه ج 1/ 271، 383، والخصائص ج 2/ 194، والإنصاف 699، وشرح المفصل ج 3/ 101].
ملاحظتان: الأولى: قولهم يجوز هذا في الشعر، ولا يجوز في النثر، يعجبني في الجواب عن هذا قول ابن فارس: «ما رأينا أميرا أو ذا شوكة أكرم شاعرا على ارتكاب ضرورة، فإمّا أن يأتي بشعر سالم، أو لا يعمل شيئا».
قال أبو أحمد: والقول بالضرورة الشعرية، من اصطلاحات النحويين ... ويقولون ذلك عند ما يجدون كلمة في بيت شعر خالفت ما وصلهم من الشواهد. تقول: وهل وصلهم كلّ ما قال العرب من الشعر؟
الملاحظة الثانية: البيتان المثبتان شاهدين: من الهزج، وهذا البحر قليل جدا. في الشعر القديم ... وإذا صحت نسبة الأبيات إلى العصر الجاهلي، فإنها تثبت أن بعض الأشعار كانوا يقولونها للغناء والإنشاد المصحوب بالرقص الجماعي، أو الرقص
(3/274)

الفردي ... وحاول أن تنشد البيتين وأنت جالس في مكانك دون أن تحرك أعضاء جسمك، فإنها تستعصي عليك، وتجدها قليلة التأثير، بل لا يمكنك إنشادها دون تطريب وتقطيع، كما يمكنك فعله في الأوزان الأخرى.

198 - أمّا الرحيل فدون بعد غد … فمتى تقول الدار تجمعنا
البيت لعمر بن أبي ربيعة. يقول: قد حان رحيلنا عمن نحب، ومفارقتنا في غد، وعبر عنه بقوله (دون بعد غد) فمتى تجمعنا الدار بعد هذا الافتراق فيما تظنّ وتعتقده.
والشاهد: نصب (الدار) بالفعل «تقول» لخروجها إلى معنى الظنّ. وقد شرط الزمخشري لاستعمال «تقول» بمعنى «تظن» أن يكون معه استفهام، وأن يكون القول فعلا للمخاطب، وأن لا يفصل بين أداة الاستفهام والفعل بغير الظرف. فإن لم تتحقق في الفعل هذه الشروط، يكون ما بعدها منقولا على الحكاية. وبنو سليم يعملون القول، عمل الظن مطلقا دون شروط. [كتاب سيبويه ج 1/ 63 - وشرح المفصل ج 7/ 79، والخزانة ج 2/ 349 وج 9/ 185].

199 - نوّلي قبل نأي داري جمانا … وصلينا كما زعمت تلانا
البيت لجميل بن معمر. وبعده:
إنّ خير المواصلين صفاء … من يوافي خليله حيث كانا
وقوله: نولي: يقال أناله، ونوّله معروفة، أي: أعطاه معروفة، وجمانا: منادى مرخم «جمانة» على لغة من ينتظر، فأبقى النون مفتوحة، ولذلك مدّها بالألف.
والشاهد: تلانا: في معنى «الآن». [اللسان - تلن، والإنصاف ص 110].

200 - بأيّة تيلك الدّمن الخوالي … عجبت منازلا لو تنطقينا
البيت غير منسوب. فأنشده السيوطي عن الفراء شاهدا على «تيلك» بكسر التاء واللام، لغة في «تلك» اسم الإشارة المؤنث. [الهمع ج 1/ 75 والدرر ج 1/ 49].

201 - تفقّأ فوقه القلع السّواري … وجنّ الخازباز به جنونا
البيت للشاعر عمرو بن أحمر الباهلي. أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم، ولكنه ليس
(3/275)

بصحابي، وحضر الدولة الأموية. والبيت، من أبيات يصف فيها نعاما يحفّ بيضات في روضة، ويصف الروضة بأن المطر قد سقاها غدقا، وطال النبات فيها وجنّ.
وقوله: تفقأ فوقه: أي فوق المكان الذي باضت فيه النعامة. وتفقأ: أي: تتفقأ أي:
تنشق السحائب فوق هذه الروضة، بالمطر. والقلع: جمع قلعة، وهي القطعة العظيمة من السحاب. والسواري: جمع سارية وهي السحابة التي تأتي ليلا. والخازباز: هنا نبت، وجنونه، طوله وسرعة نباته. و (به) أي: بهذا المكان. وهو لفظ «الهجل» في بيت سابق، بمعنى الأرض المنخفضة. وقد فسر بعضهم «الخازباز» بأنه الذبّان، وأن
جنونه، هو هزجه وطيرانه.
والشاهد: أن لام التعريف إذا دخلت على «الخازباز» لم تغير ما كان مبنيا عن بنائه، فهو مبني على الكسر. [سيبويه ج 2/ 52، والإنصاف ص 313 وشرح المفصل ج 4/ 121، والخزانة ج 6/ 242].

202 - ألا إنّ قلبي مع الظّاعنينا … حزين فمن ذا يعزّي الحزينا
البيت للشاعر أميّة بن أبي عائذ، شاعر إسلامي مخضرم، وفي الأغاني: أنه من شعراء الدولة الأموية وأحد مدّاحيهم، له في عبد الملك بن مروان وعبد العزيز قصائد مشهورة، وقد وفد إلى عبد العزيز بن مروان بمصر، وأنشده قصيدته التي أولها ..
ألا إنّ قلبي ... البيت.
وسار بمدحة عبد العز … يز ركبان مكة والمنجدونا
وقد ذهبوا كلّ أوب بها … فكلّ أناس بها معجبونا
محبّرة من صحيح الكلا … م ليست كما لفّق المحدثونا
وقد نقلت هذا، من خزانة الأدب بتحقيق العلّامة عبد السلام هارون ج 2/ 436 وعزا الأبيات في الحاشية إلى الأغاني ج 20/ 115 - 116، وقال: إن عددها أحد عشر بيتا وإلى شرح السكري لأشعار الهذليين.
ومع ذلك فإن الشيخ عبد السلام هارون - يرحمه الله - قد عزا البيت الشاهد إلى أمية ابن أبي الصلت. في كتابه «معجم شواهد العربية ج 1/ 390، وأحال إلى كتاب التصريح، وديوان الشاعر ... ولم يذكر الخزانة مصدرا.
(3/276)

قال أبو أحمد: وقد وقعت على هفوات مثل هذه في غير هذا الشاهد، ولكنني لم أكن أنبّه إليها حتى لا يظنّ ظانّ - ممن لا يفهم معنى النقد - أنني أنتقص شيخ التحقيق الأستاذ عبد السلام هارون. وأنا أحبّه وأرفع منزلته بين المحققين وأثق بما يكتب ولكنه ربما أوكل بعض أعماله إلى بعض المساعدين، فأوقع الشيخ في هذا الخطأ وهو بريء منه، لأن الخزانة من تحقيقه، وكتب ما كتب بقلمه وكتاب المعجم، منسوب إليه كل ما فيه. مع أن الطبعة الأولى من الخزانة سنة 1967 م والطبعة الأولى من المعجم سنة 1972 م، فالخزانة سابقة على المعجم. ونقلت عن الطبعة الثالثة من الخزانة سنة 1989 م، قبل وفاة عبد السلام هارون. هذا وقد نقل عن «معجم شواهد العربية» لعبد السلام هارون. صاحب «معجم شواهد النحو الشعرية» الدكتور حنا حدّاد، فوقع في الخطأ نفسه. مع أن الأخير لم يذكر كتاب عبد السلام مرجعا له، ولم يشر إلى اسمه في الكتاب كلّه وهو يزعم أنه رجع إلى مصادر الشواهد،
ولكنه كذّاب ومنكر للجميل، لأنه لم يعترف بالفضل لمن سبقه وقد صدر كتابه سنة 1984 م، وليس من المعقول أن الكتاب لم يصله وهو يزعم أنه في دائرة اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك بالأردن.

203 - لها فرط يكون ولا تراه … أماما من معرّسنا ودونا
البيت للنابغة الجعدي، يصف كتيبة إذا عرّست بمكان كان لها فرط، أي: فضول.
والشاهد تنكير «أمام» و «دون» وتنوينهما، لتمكنهما من التنكير. [سيبويه/ 3/ 291، هارون، واللسان «دون»].

204 - ما جاد رأيا ولا أجدى محاولة … إلا امرؤ لم يضع دنيا ولا دينا
البيت غير منسوب: وقال السيوطي: والأصحّ أنه لا تنازع في نحو: ما قام وقعد إلا زيد وقول الشاعر (البيت) بل هو من باب الحذف العام، لدلالة القرائن اللفظية عليه، والتقدير «أحد» حذف، واكتفي بقصده، ودلالة النفي والاستثناء.
وقيل: إنه من باب التنازع، لأن المحذوف فاعل، ولا يجوز حذفه، فتعين أن يكون من التنازع. [الهمع ج 2/ 110].

205 - يا للرّجال ذوي الألباب من نفر … لا يبرح السّفه المردي لهم دينا
غير منسوب. واللام الأولى في «للرجال» لام الاستغاثة، وهي مفتوحة.
(3/277)

والشاهد: «من نفر» وهو المستغاث من أجله. قال الأشموني: قد يجرّ المستغاث من أجله بمن. فقال الصبّان: إذا كان مستنصرا عليه، كما في البيت. لأن النفر، المستغاث من أجلهم يطلب الشاعر الاستنصار عليهم لأنهم أشرار. أما المستغاث له، الذي نستنصر من أجل إعانتهم، فلا يجرّ إلا باللام المكسورة. و «من» التي يجربها المستغاث من أجله، تكون سببية، وتعلق بفعل الدعاء، أو بفعل مفهوم. [الأشموني ج 3/ 165، والعيني على حاشيته. والهمع ج 1/ 180].

206 - ورثت مهلهلا والخير منه … زهيرا نعم ذخر الذّاخرينا
البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته. ومهلهلا: جدّ الشاعر من قبل أمّه. وهو المذكور في حرب البسوس، أخو كليب بن وائل الذي قتله جساس، وقامت الحرب من أجله.
وزهير جدّ الشاعر من قبل أبيه، وهو جدّ بعيد وليس الجدّ الأدنى.
وقوله: ورثت: مهلهلا. أي: ورث مجد مهلهل على تقدير مضاف وكذلك زهير.
وزهيرا: يعرب عطف بيان للخير. ونعم: فعل مدح. وفاعله «ذخر» والمخصوص بالمدح زهير. أي: نعم ذخر
الذاخرين مجد زهير.
والشاهد (والخير منه) وهو مشكل: فاسم التفضيل لا يستعمل إلا بمن إذا كان نكرة، فإذا عرّف أو أضيف خلا من «من» الجارة، وقد خرجوه على أن (ال) زائدة، و «من» في «منه» تفضلية. ويجوز أن يقدّر «أفعل» آخر عاريا من اللام - يتعلق به «من» والتقدير:
«والخير خيرا منه».
قال أبو أحمد: إن النحويين قد استعجلوا في إصدار الأحكام وتعميم القواعد، ولم يكن استقراؤهم النصوص كاملا، أو أنهم استقرؤوا ما وصل إليهم فظنوا أنه كلّ ما قالته العرب، فإذا جاءتهم بعد ذلك نصوص تخالف قواعدهم عزّ عليهم أن يرجعوا عنها، وأخذوا يؤولون ما يجدونه. وقد مضى معنا في هذا الحرف بيت الشاعر:
وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة … ... فادعينا
فجلّى، فعلى مؤنث أجلّ، وهو نكرة. ولم يقترن ب (من) فأولوه ليناسب القاعدة والبيت الشاهد: خالف القاعدة وجاء اسم التفضيل معرفا مقرونا بأل، فأوّلوه أيضا.
قلت: ولماذا لا يكون قول عمرو صحيحا، إذا صحت نسبته إليه، وبه نقول بجواز
(3/278)

الوجهين، وليس هناك مانع معنوي، ونحن نفهم التفضيل لو قال (خيرا) أو «الخير» فهذه القصيدة التي منها البيت، معلقة، وهم يزعمون أن المعلقات خير ما قيل من الشعر الجاهلي. ولكن لي تعليقة نقدية على هذا البيت غير ما ذكروا، وهي: أن البيت نظم بارد لا حياة فيه تهزّ المشاعر، وتزيد برودة البيت عند ما تقرأ معه البيت التالي الذي يعدد فيه بقية آبائه، وهو:
وعتّابا وكلثوما جميعا … بهم نلنا تراث الأكرمينا
فهو لم يزد على أن عدّ أسماء آبائه وأجداده، دون أن ينسب لهم عملا يحرك في نفس القارئ نوعا من التقدير لهم.
ثم إنه قال. مهلهلا، والخير منه: وما كان له أن يفاضل بين أجداده، ويجعل جدّه من ناحية أبيه خيرا من جده من ناحية أمه. وكان عليه أن يجعلهما فاضلين مع وجود التفاوت في المرتبة في النفس. وإذا كان زهير خيرا من مهلهل، فلماذا قدم مهلهلا في الذكر.
فكان بإمكانه أن يقدم المفضّل، زهيرا، ويتبعه بالمهلهل، ويستغنى عن لفظ التفضيل، وإذا كان هناك تفضيل عرفه السامع من السياق، لكونه قدّم زهيرا على المهلهل ... ولو أنه جاء باسم التفضيل دون أن يتبعه ب (من) التفضيلية، لقلنا إن اسم التفضيل، لا يراد به الزيادة في الدرجة. وأنه يريد به «الفاضل» حيث تخرج أحيانا صيغة
التفضيل عن معنى المفاضلة إلى معنى اسم الفاعل، كما قال الفرزدق:
إنّ الذي سمك السماء بنى لنا … بيتنا دعائمه أعزّ وأطول

207 - ومعزى هدبا يعلو … قران الأرض سودانا
البيت رواه الثقات ولم ينسبوه. وقران: بكسر القاف، زنة كتاب، جمع قرن، وهو أعلى الجبل. وسودان: جمع أسود، وهو صفة معزى. ومعزى: اسم للجمع، مفرده ما عزة، ومعزاة، وهي من الماعز، ذي الشعر من الغنم، خلاف الضأن.
وقوله: هدبا: بالباء، الموحدة التحتيّة، الكثير الهدب، ويعني به الشعر. والشاهد في البيت (معزى) والمفهوم من كلام سيبويه وابن يعيش: أنّ معزى، ألفها للإلحاق وليست للتأنيث ولذلك فهي مصروفة، فهي تنوّن، ولو كانت ألفها للتأنيث لمنعت من التنوين.
ووصفت بالمذكر، فقال «سودانا» جمع أسود. ومعنى الإلحاق: تكثير الكلمة وتطويلها،
(3/279)

بزيادة حروف على آخرها، لتلحق بغيرها في الوزن، ومعزى، ألحقت بدرهم.
ولكن يؤخذ من كلام سيبويه أنّ بعض العرب يمنعونها من الصرف ويعدونها مؤنثة، لأنه قال سألت يونس عن معزى، فيمن نوّن، وهذا ينبئ أن في العرب جماعة لا ينونونه. وفيه شاهد آخر، وهو «سودان» جمع أسود: قال ابن يعيش: يجمع أفعل، الذي مؤنثه فعلاء، على فعل، مثل أحمر وحمر، ويجمع على فعلان مثل حمران وسودان وأنشد البيت. [شرح المفصل ج 5/ 63 وج 9/ 147، وسيبويه ج 2/ 12 واللسان (قرن)].

208 - ما صاب قلبي وأضناه وتيّمه … إلا كواعب من ذهل بن شيبانا
قوله: صاب قلبي. لغة في أصاب. قال الأشموني: لا يتأتى التنازع في نحو «ما قام وقعد إلا زيد» وما ورد مما ظاهره جواز ذلك، مؤول ... وأنشد الصبان في حاشيته على الأشموني، البيت وقال: يؤول أنه من الحذف لدليل، لكن يلزم عليه حذف الفاعل، وأجيب بأنه سوّغ ذلك وجوده معنى، باعتبار المذكور. قال: وفيه ما فيه فتأمل. ويقصد أن الفاعل ركن، ولا يجوز حذفه، فتعين أن يكون من التنازع كما قال السيوطي في الهمع [الهمع ج 2/ 110، وحاشية الصبّان ج 2/ 109].

209 - يرى الرّاؤون بالشّفرات منها … كنار أبي حباحب والظّبينا
البيت للكميت بن زيد يصف السيوف. ونار أبي حباحب: الشرر الذي يسقط من الزناد، وقيل: هو ذباب يطير
بالليل، كأنه نار. وقد ترك الكميت صرفها، لأنه جعل حباحب اسما لمؤنث.
وقوله: والظبين: المعروف أن «الظبين» جمع ظبة. السيف، وهو طرفه، ويجمع على «الظّباة» أيضا. ولكن في عطفه إشكال. فقد جاء بعد نار أبي حباحب، وهذا يوهم أنه معطوف على «نار» المجرورة بالكاف. ولكن يبدو أن «والظبين» معطوف على «الشفرات» وتركيب البيت «يرى الراؤون من السيوف بالشفرات والظبين كنار أبي حباحب». فإن صحّ هذا التأويل، فإن الشاعر قد أرهق السامع والقارئ بهذا الفصل بين المتعاطفين. وحقّ الكلام الجيد، أن يسير فيه اللفظ والمعنى متعانقين. [اللسان - شفر، والخزانة ج 7/ 151].
(3/280)

210 - أقول وقد تلاحقت المطايا … كفاك القول إنّ عليك عينا
البيت لجرير. وتلاحقت المطايا: أي: لحق بعضها بعضا.
وقوله: كفاك القول: أي: ارفق وأمسك عن القول. [اللسان - لحق. والعيني/ 4/ 319].

211 - فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة … وابشر بذاك وقرّ منه عيونا
البيت لأبي طالب عمّ النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، يخاطب ابن أخيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله: اصدع بأمرك: أي: اجهر به. والغضاضة: الذلة والمنقصة. وابشر: بفتح الشين، لأنه يقال: بشر بكذا، يبشر، مثل فرح يفرح، زنة ومعنى، وهو الاستبشار أيضا، والمصدر البشور، ويتعدى بالحركة فيقال: بشرته، أبشره، من باب قتل في لغة تهامة وما والاها، والاسم منه البشر، بضم الباء، والتعدي بالتثقيل لغة عامة العرب.
وقوله: قرّ منه عيونا: أي: من أجله. وعيونا تمييز محول عن الفاعل. وفيه الشاهد.
وهو أنه يجوز جمع المثنى في التمييز إذا لم يلبس. إذ كان الظاهر أن يقال: وقرّ منه عينين، أو عينا، لكنه جمع، لعدم اللّبس، ولأن أقل الجمع اثنان، على رأي. [الخزانة ج 3/ 295].

212 - تذكّر حبّ ليلى لات حينا … وأمسى الشّيب قد قطع القرينا
البيت غير منسوب. قال السيوطي: ومن أحكام «لات» أنها قد يضاف إليها لفظا أو تقديرا. وأنشد شطر البيت شاهدا على المضاف المقدر. وتقديره في البيت: حين لات حين تذكّر. [الهمع ج 1/ 126].

213 - نعم الفتى عمدت إليه مطيّتي … في حين جدّ بنا المسير كلانا
البيت غير منسوب، وأنشده الأشموني شاهدا على إعراب «كلا» إعراب الاسم المقصور مطلقا. ولو جرى على القاعدة المتبعة لقال: كلينا، لأنها توكيد لمجرور.
[الأشموني ج 1/ 77].

214 - فإنّ الله يعلمني ووهبا … ويعلم أن سيلقاه كلانا
(3/281)

البيت للشاعر النمر بن تولب، شاعر إسلامي، أدرك الجاهلية والإسلام وأسلم.
والشاهد: إضافة «كلا» إلى «نا» وهو ضمير جمع، و «كلا» إنما يضاف إلى مثنى.
وذلك، لأن الاثنين والجمع في الكناية عن المتكلم واحد، أو هو للجمع، ولكن حمل الكلام على المعنى، لأنه عنى نفسه ووهبا.
وفيه شاهد آخر: وهو أنه عطف وهبا على الياء في يعلمني من غير تأكيد. لأن الضمير في يعلمني منصوب الموضع. فإن كان الضمير المعطوف عليه في محل رفع، لم يجز العطف عليه إلا بعد تأكيده. نحو: زيد قام هو وعمر، وقمت أنا وزيد. وقال تعالى اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة: 35]. [شرح المفصل ج 3/ 2، 77].

215 - لا ترج أو تخش غير الله إنّ أذى … واقيكه الله لا ينفكّ مأمونا
البيت غير منسوب.
والشاهد: واقيكه: حيث اتصل الضمير (الهاء) مع سبقه بضمير مجرور «الكاف» والفصل. أرجح، إذا كان العامل اسم فاعل كما في البيت. [شرح التصريح/ 1/ 107].

216 - مظاهرة نيّا عتيقا وعوططا … فقد أحكما خلقا لها متباينا
البيت غير منسوب. والنّيّ: الشحم. وعوطط: من عاطت الناقة، تعيط عياطا إذا لم تحمل سنين من غير عقر. قال: وربما كان اعتياط الناقة من كثر شحمها. وقالوا: عائط، وعيط، وعوطط، فبالغوا في ذلك. والعوطط عند سيبويه اسم في معنى المصدر قلبت فيه الياء واوا، وهو اسم مصدر من الاعتياط، وهو ألّا تحمل الناقة لسمنها وكثرة شحمها.
والشاهد: قلب الياء واوا في العوطط، لسكونها وانضمام ما قبلها، كما انقلبت في موقن، وأصله من اليقين. [سيبويه ج 2/ 377، واللسان (عيط)].

217 - ما بالمدينة دار غير واحدة … دار الخليفة إلّا دار مروانا
البيت للفرزدق، برواية سيبويه، وهو بيت مفرد، وتروى قافيته مجرورة، وتروى مفتوحة، وقد تكلمت عنه في النون المكسورة، فانظر في فهرس القوافي، لتعرف رقمه في هذا المعجم.
(3/282)

218 - لو علمنا إخلافكم عدة السل … م عدمتم على النّجاة معينا
البيت غير منسوب. وأنشده السيوطي شاهدا للمصدر الذي يقدّر بأن المخففة والفعل.
[الهمع ج 2/ 92].

219 - تهدّدنا وتوعدنا رويدا … متى كنّا لأمّك مقتوينا
البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته.
وقوله: تهددنا: الخطاب لعمرو بن هند، أحد ملوك العرب في الجاهلية. وكان عمرو بن كلثوم قتل عمرو بن هند، بسبب قصة فيها ما يصدّق، وفيها المصنوع، فلا بدّ أن الرواة أخذوها من بني تغلب، وبين الرواية والقصة وقت طويل. وإذا تناقل أهل مفخرة قصة المفخرة، يزيد فيها كلّ جيل ما لم يكن في الجيل السابق، لتصبح الحادثة الصغيرة أسطورة قوميّة، يستخدمونها في حث أبنائهم على الشجاعة والمجالدة، وقد قالوا إن بني تغلب كانوا يتفاخرون زمنا طويلا بقصة عمرو بن كلثوم، ويتناشدون القصيدة التي تحكي القصة، حتى وصل أمرهم إلى الانحطاط، فقال قائل:
ألهى بني تغلب عن كلّ مكرمة … قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
وفي عهد الضعف يكثر الخلق الفني لشخصيات خيالية، أو تضخيم شخصيات كان لها شأن يذكر في باب الشجاعة. ويبدو لي - والله أعلم - أن عصور الضعف التي حلت بالعرب المسلمين، هي التي ضخمت شخصية عنترة بن شداد، ومن لفّ لفّه من القصص الشعبي، وهي قصص رمزي يصنعه أهل الغيرة على الوطن، لحثّ الناس على الجهاد، وربما ألفّوا كتبا ونسبوها إلى شخصيات حقيقية في زمن سابق، كما فعلوا في كتاب «فتوح الشام» الذي نسبوه إلى الواقدي، وليس له صلة بالواقدي وإنما صنعه المؤلفون، ووضعوا فيه تاريخ فتح الشام بصورة تمزج الخيال بالواقع لحث الناس على طرد الصليبيين من بلاد الشام التي تضمخت بدماء الصحابة الفاتحين. وربما كان من الشخصيات التي جمعت بين الحقيقة والخيال: شخصية ضرار بن الأزور وأخته خولة، لأن ضرار بن الأزور قتل أيام حرب الردّة، فكيف يشارك في فتح الشام؟
نعود إلى البيت:
قوله: تهددنا: يروى بالمضارع كما أثبتّ ويروى: تهدّدنا وأوعدنا، بالجزم على أنه
(3/283)

أمر. وهذا استهزاء به، أي: ترفق في تهددنا وإيعادنا ولا تبالغ فيهما، متى كنا لأمك خدما حتى نهتم بتهديدك ووعيدك إيانا «ورويدا»: بالتنوين أحد استعمالات لفظ «رويد» ويعرب هنا مفعولا مطلقا منصوبا ناب عن فعله «أرود» والمشكل في البيت؛ كلمة «مقتوين» وإعرابه هنا خبر كان منصوب ولكن الإشكال في لفظه، فروي بكسر الواو، وفتحها. فقالوا: إن مقتوين جمع مقتويّ، بياء النسبة المشددة، فلما جمع جمع تصحيح حذفت ياء النسبة
والمقتويّ: بفتح الميم، نسبة إلى «المقتى، بفتح الميم، فقلبت الألف واوا في النسبة، كما تقول: معلوي، في النسبة إلى «معلى» والمقتى: مصدر ميمي قال الجوهري: القتو: الخدمة، وقد قتوت أقتو قتوا، ومقتى، أي: خدمت مثل غزوت أغزو غزوا ومغزى. ويقال للخادم «مقتويّ، بفتح الميم وتشديد الياء، كأنه منسوب إلى المقتى، ويجوز تخفيف ياء النسبة كما قال الشاعر «مقتوينا» وكان قياسه أن يقول:
«مقتويّون» كما اذا جمع «بصريّ وكوفي قيل: كوفيّون، وبصريّون».
وهناك رواية في الصحاح تجعل «مقتوين»، بكسر الواو بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع والمؤنث والمذكر: قال: وهم الذين يعملون للناس بطعام بطونهم، ومعرب بالحركة. وفي رواية بفتح الواو «مقتوين» ومعرب بالحركة أيضا. قلت: لعلها مشتقة من «القوت» بمعنى الطعام لأنها وضعت لمن يخدم القوم بطعام بطنه. لأن القوت هو ما يمسك الرمق من الرزق، والخادم يقوت بطنه، إنما يعمل ليحصل على ما يقوم به بدنه، فقتو، وقوت موحدة الحروف مختلفة الترتيب.
وقوله: متى كنّا لأمّك مقتوين: يشير إلى القصة التي تقول: إن أمّ عمرو بن هند طلبت من أم عمرو بن كلثوم أن تناولها شيئا، إذلالا لها، فاستغاثت الأم فسمع عمرو بن كلثوم الاستغاثة وهو في القبة مع الملك، فتناول سيفا معلقا لابن هند وقتله به، ونادى في بني تغلب فانتهبوا جميع ما في الرواق واستاقوا نجائبه وساروا نحو الجزيرة.
قلت: هذا لا يكون: لأن عمرو بن هند دعا عمرو بن كلثوم في مملكته. فهل كان عمرو بن هند، خاليا من الجند والحرس، ليكون ما كان. وإذا كان عمرو بن كلثوم قتل عمرو بن هند، فكيف يقول له في المعلقة:
أبا هند فلا تعجل علينا … وأنظرنا نخبرك اليقينا
بأنّا نورد الرايات بيضا … ونصدرهنّ حمرا قد روينا
(3/284)

وفي البيت الشاهد يخاطبه متوعدا.
قلت: إنّ قصة القصيدة مضطربة، ويروى في سببها روايات مختلفة. وربما كانت أبياتا مفرّقة قيلت في مناسبات متعددة ثم جمعت في سلك واحد، لكنها لا تخلو من زيادات لم يقلها عمرو، لأنّه لا يعقل أن يقول شعرا في مناسبات متعددة ويكون كله من الوزن والقافية. والله أعلم.

220 - وإنّا سوف تدركنا المنايا … مقدرة لنا ومقدّرينا
هذا البيت من معلقة عمرو بن كلثوم، ويأتي بعد المقدّمة الخمرية، وموقعه في القصيدة يجعله غريبا عمّا قبله، وعما بعده. يقول: سوف تدركنا مقادير موتنا، وقد قدرت تلك المقادير لنا، وقدّرنا لها. والبيت شاهد على أنه يجوز
عطف أحد حالي الفاعل، والمفعول على الآخر، فإنّ «مقدّرة» حال من الفاعل، وهو المنايا. ومقدّرين:
حال من المفعول، أي: ضمير المتكلم مع غيره: أي: تدركنا المنايا في حال كوننا مقدّرين لأوقاتها، وكونها مقدّرة لنا. والمنايا: جمع منية، وهي الموت وسمي منيّة، لأنه مقدر من «منى» له أي: قدّر. [الخزانة ج 3/ 177 والمعلقات السبع أو العشر].

221 - لا تنو إلا الذي خير فما شقيت … إلا نفوس الألى للشرّ ناوونا
غير منسوب. وهو في الأشموني أنشده شاهدا على حذف صدر جملة صلة الموصول من غير استطالة الصلة الذي اشترطوه لجواز الحذف. فالذي: اسم موصول. وخير خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو خير. والجملة صلة الموصول. وقد أجاز الكوفيون هذا الحذف، ومنه قراءة يحيى بن معمر «تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ» [الأنعام: 154] أي: الذي هو أحسن. وقراءة مالك بن دينار «ما بَعُوضَةً» [البقرة: 26] بالرفع. قلت: وإذا جاءت في القراءات ولو كانت شاذة، فإن ذلك يصح في الكلام. [الأشموني ج 1/ 168].

222 - لأنت معتاد في الهيجا مصابرة … يصلى بها كلّ من عاداك نيرانا
البيت بلا نسبة في العيني ج 3/ 485.
وقوله «معتاد» خبر المبتدأ «أنت» ومنعه من التنوين بدون علّة.

223 - فضمّ قواصي الأحياء منهم … فقد رجعوا كحيّ واحدينا
(3/285)

البيت للكميت بن زيد. وشاهده جمع «واحد» على «واحدين» بالواو والنون. وأراد به «مجتمعين». [اللسان: وحد، وديوان الكميت].

224 - أعاذل هل يأتي القبائل حظّها … من الموت أم خلّي لنا الموت وحدنا
البيت غير منسوب: قال السيوطي: مسألة: في أسماء لازمة الإضافة لاحتياجها إليها في فهم معناها. ومنها: الإضافة إلى ضمير «وحده» فلا يضاف إلى ظاهر وسواء ضمير الغائب وغيره، وتجب مطابقته لما قبله، وأنشد البيت في إضافة «وحدنا» مضافا إلى ضمير المتكلمين. [الهمع ج 2/ 50].

225 - متى عذتم بنا ولو فئة منّا … كفيتم ولم تخشوا هوانا ولا وهنا
البيت غير منسوب. وهو شاهد على حذف الحرف - حرف الجرّ - وبقاء عمله. وذكر الأشموني ثلاثة عشر موضعا
منها «في المعطوف عليه بحرف منفصل ب (لو) فقوله «ولو فئة» أي: ولو بفئة، أي: ولو عذتم بفئة. ولا يصح أن يكون الجرّ هنا بالعطف على «نا» لأن «لو» لا تدخل إلا على الجملة دون المفرد قال السيوطي في الهمع: بعد إنشاده البيت: وإن كان المعتاد في مثل هذا النصب كقولهم: آتني بدابة ولو حمارا» على تقدير ولو كان حمارا. [الهمع ج 2/ 37 والأشموني ج 2/ 234].

226 - إنّا بني نهشل - لا ندّعي لأب … عنه ولا هو بالأبناء يشرينا
في الحماسة: قال: بعض بني قيس بن ثعلبة. ويقال: إنها لبشامة بن جزء النهشلي.
وفي الخزانة (ابن حزن) وفي الشعر والشعراء (نهشل بن حرى).
قال البغدادي: والظاهر أنه إسلامي، كما يظهر من شرح المبرد لأبياته، أي: لتنبيهه على أنه أخذ بعض معانيه في القصيدة من شعراء إسلاميين
وقوله «ندّعي» يقال ادعى فلان في بني هاشم، إذا انتسب إليهم، وادعى عنهم، إذا عدل بنسبه عنهم، كما يقال: رغبت في كذا ورغبت عن كذا.
وقوله: (عنه) تعلق ب ندعي: أي: لا نرغب عن أبوته.
وقوله: لأب أي: من أجل أب.
وقوله: يشرينا: بمعنى: يبيعنا. يقال: شريت الشيء بمعنى بعته، واشتريته جميعا.
(3/286)

يقول: إننا لا نرغب عن أبينا فننتسب إلى غيره، وهو لا يرغب عنا فيتبنّى غيرنا ويبيعنا به، لأنه رضي كلّ منا بصاحبه، علما بأن الاختبار لا يعدوه، لو خيّر فاختار.
وقوله (بني نهشل) انتصب على إضمار فعل، كأنه قال: اذكر بني نهشل وهذا على المدح والاختصاص. وخبر إنّ، لا ندعي. ولو رفع فقال: (بنو نهشل) على أن يكون خبرا لإن لكان «لا ندعي» في موضع الحال. والفرق بين أن يكون اختصاصا وبين أن يكون خبرا، هو أنه لو جعله خبرا لكان قصده إلى تعريف نفسه عند المخاطب وكان لا يخلو فعله لذلك من خمول فيهم، أو جهل من المخاطب بشأنهم، فإذا جعل اختصاصا، فقد أمن هو الأمرين جميعا، فقال مفتخرا، إنا نذكر من لا يخفى شأنه، لا نفعل كذا وكذا. [المرزوقي ص 102، والخزانة ج 1/ 468، وشذور الذهب والمؤتلف والمختلف للآمدي ص 66].

227 - لئن كان حبّيك لي كاذبا … لقد كان حبّيك حقّا يقينا
البيت غير منسوب. وقال العيني: هو من أبيات الحماسة، ولا أدري أيّ حماسة يقصد. وقد فتشت عنه في حماسة
أبي تمام وفي شرحها للمرزوقي فلم أجده.
وقوله: لئن اللام موطئة للقسم، وتسمى المؤذنة أيضا، لأنها تؤذن بأن الجواب بعد أداة الشرط التي دخلت عليها، مبني على قسم قبلها. وقد جاءت «حبيك» في الشطرين.
قال العيني: وقد ضبط أكثرهم «لئن كان حبّك» بدون ضمير المتكلم، والتقدير: إن كان حبّك إياي، كاذبا، لقد كان حبي إياك حقا يقينا. قال: والصحيح أن حبيك في الشطر الأول بياء المتكلم، وأن حبيك مصدر مضاف إلى مفعوله وهو ياء المتكلم والكاف فاعله، وفيه الشاهد، حيث أتى بالاتصال عند اجتماع الضميرين، مع أن الفصل أرجح، والقياس: حبّك إياي، لكنه أتى بالاتصال للضرورة. ومنهم من جعل الشاهد في الشطر الثاني فقط، وهو الأقوى. [الأشموني ج 1/ 117، وفيها حاشية الصبان والعيني].

228 - ماذا عليك إذا خبّرتني دنفا … رهن المنيّة يوما أن تعودينا
البيت في الحماسة بشرح المرزوقي ص 1423 .. ويروى في كتب النحو بالنون المجرورة «تعوديني» فأثبته وشرحته هناك.

229 - إنّي أبيّ أبيّ ذو محافظة … وابن أبيّ أبيّ من أبيّين
(3/287)

البيت لذي الإصبع العدواني، وهو شاعر جاهلي. ونذكر بعد البيت بيتا ليعرف سبب سوق الشاهد: وهو قوله:
وأنتم معشر زيد على مئة … فأجمعوا كيدكم طرّا فكيدوني
فالقصيدة ذات رويّ مكسور، وجاءت كلمة «أبيين» جمع «أبيّ» مكسورة النون و «أبيين» جمع مذكر سالم، يرفع بالواو، وينصب ويجر بالباء ونونه دائما مفتوحة. فما الذي جاء بها مكسورة هنا؟ قال المبرد: إنه جعل جمع المذكر السالم، كباقي الجموع.
تظهر الحركة على آخره. وفي القرآن «إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ» [الحاقة: 36] بالجر بالحركة، فإن قال قائل إن غسلين مفرد فجوابه أن كل ما كان على بناء الجمع، فإعرابه إعراب الجمع، فعشرون تعرب إعراب الجمع وليس لها واحد، ويقولون: هذه فلسطون ورأيت فلسطين.
وهذا القول أجود وعلى هذا فإن إعراب جمع المذكر السالم بالحركة على النون لغة.
وقال ابن جني: إن الكسرة في «أبيين» للضرورة والجمع معرب بالحرف، فهو مجرور بالياء. [الخزانة ج 8/ 67، والمفضليات برقم 31].

230 - إنّ عمرا لا خير في اليوم عمرو … إنّ عمرا مكثّر الأحزان
أنشد السيوطي البيت شاهدا على الفصل بين حرف الجرّ، ومجروره بالظرف للضرورة. [الهمع ج 2/ 37].

231 - لنعم مؤئلا المولى إذا حذرت … بأساء ذي البغي واستيلاء ذي الإحن
غير منسوب. والمولى هنا: الله تعالى، والبأساء: الشدة. والبغي: الظلم. والإحن:
جمع إحنة، وهي الحقد.
والشاهد: نعم موئلا المولى: نعم فعل جامد، وفاعله مستتر موئلا تمييز. والمولى:
مخصوص بالمدح، مبتدأ. والجملة المقدمة خبره. [الأشموني ج 3/ 32].

232 - أخي حسبتك إيّاه وقد ملئت … أرجاء صدرك بالأضغان والإحن
البيت غير منسوب.
والشاهد (حسبتك إيّاه) حسب: فعل ماض ينصب مفعولين. أولهما الكاف، والثاني
(3/288)

«إياه» حيث انفصل الضمير، وهو اختيار الجمهور نظرا إلى أنه خبر في الأصل، واختارت طائفة الاتصال لكونه أخصر. وملخص القضية. أنه إذا اجتمع ضميران. والعامل فيهما ناسخ للابتداء، فقد اختار ابن مالك الاتصال لأنه الأصل. واختار سيبويه وطائفة الانفصال، لأن الضمير الثاني خبر في الأصل وحق الخبر الانفصال، وكلاهما مسموع، ففيم الخلاف؟. [الأشموني ج 1/ 119، وعليه العيني وشرح التصريح ج 1/ 107].

233 - دعتني أخاها بعد ما كان بيننا … من الأمر ما لا يفعل الأخوان
وقبل البيت:
دعتني أخاها أمّ عمرو ولم أكن … أخاها ولم أرضع لها بلبان
والبيتان غير منسوبين.
والشاهد في البيت الأول «أخوان» فهو في البيت مثنى أخ وأخت فثني تثنية المذكّر من باب التغليب. [شرح المفصل ج 6/ 27].

234 - فكأنها هي بعد غبّ كلالها … أو أسفع الخدّين شاة إران
للشاعر لبيد في وصف الناقة. والشاة هنا: الثور والإران: النشاط. والإران: الثور. أو الثور الوحشي، لأنه يؤارن البقرة، أي: يطلبها.
وقوله: فكأنها هي. أي: كأن ناقته تلك السفينة التي ذكرها في بيتين قبله. وغبّ كلالها، أي: بعد تعب تلك الناقة
بيوم: والسفعة: سواد يضرب إلى الحمرة. شبه الناقة بالسفينة، وبالثور الوحشي.
والشاهد: إظهار «هي» لأنّ «كأنّ» حرف لا يستكنّ فيه ضمير الرفع كما يستكن في الفعل. [سيبويه/ 2/ 353، هارون، واللسان (أرن، وشوه)].

235 - سريت بهم حتى تكلّ مطيّهم … وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان
البيت لامرئ القيس من قصيدة قالها عند ما تشقق لحمه من الحلّة المسمومة التي أرسلها قيصر له، فلبسها بعد خروجه من الحمام. وليته نفق قبل أن يفعل فعلته القذرة.
وفي «حتى تكلّ»، وجهان: الأول: النصب: على أن الجملة في موضع خفض بحتى
(3/289)

وتقديرها تقدير المصدر الساد عن الظرف كأنه قال: إلى حين كلال مطيهم والثاني: الرفع (حتى تكلّ) على أن ترفعه مقدرا بالماضي، بمعنى إلى أن كلت، أو أن يكون بمعنى الحال. ومن رفع جعل الجملة معطوفة على سريت، كأنه قال: سريت بهم حتى كلت، فهي حال محكية بعد زمان وقوعها.
وقوله: ما يقدن بأرسان: جملة في موضع رفع على خبر المبتدأ وكأنه قال: وحتى الجياد غير مقودات. ومعنى ما يقدن بأرسان: أنها قد أعيت، فلا تحتاج أن تقاد. وأما (حتى) الثانية فهي ابتدائية. [شرح أبيات مغني اللبيب ج 3/ 108، وشرح المفصل 7/ 31 و 8/ 15، 19 والهمع ج 2/ 136 والأشموني 3/ 98].

236 - فما جزعا وربّ الناس أبكي … ولا حرصا على الدنيا اعتراني
البيت نسبه الشنقيطي في «الدرر» لجحدر من قصيدته النونية التي كتبها وهو في سجن الحجاج، ولم أجد البيت فيما نقله البغدادي منها. والبيت أنشده السيوطي شاهدا على جواز تقديم المفعول له (لأجله) على عامله وهو قوله: فما جزعا أبكى. [الهمع ج 1/ 195].

237 - فنعم مزكأ من ضاقت مذاهبه … ونعم من هو في سرّ وإعلان
وقبل البيت:
وكيف أرهب أمرا أو أراع له … وقد زكأت إلى بشر بن مروان
لم يعرف قائلهما.
وقوله: زكأت: أي: لجأت. والمزكأ: الملجأ. والخلاف في «من» بعد نعم. هل هي اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو نكرة تامة قال ابن مالك: وما يدل على أنّ فاعل «نعم» قد يكون موصولا، ومضافا إلى موصول قول الشاعر «و
نعم مزكأ من ضاقت مذاهبه» فلو لم يكن في هذا إلا إسناد «نعم» إلى المضاف إلى، «من» لكان فيه حجة على صحة إسناد «نعم» إلى «من» لأن فاعل «نعم» لا يضاف في غير ندور إلى ما يصلح إسناد نعم إليه. فكيف وفيه «ونعم من هو». [شرح أبيات المغني ج 5/ 338 والهمع ج 1/ 92 والأشموني ج 1/ 155].
(3/290)

238 - فقد أروع قلوب الغانيات به … حتى يملن بأجياد وأعيان
البيت منسوب لرومي بن شريك الضبي في نوادر أبي زيد ص 22 وفي المقتضب 2/ 199، والمنصف ج 3/ 51].

239 - أيا ربّ من تغتشّه لك ناصح … ومنتصح بالغيب غير أمين
للشاعر عبد الله بن همّام. واغتششت فلانا: عددته غاشا.
البيت شاهد على وقوع «من» نكرة موصوفة. وأنكر بعضهم وقوعها نكرة موصوفة لأنها لا تستقل بنفسها. وردّ بأن من الصفات ما يلزم الموصوف نحو «الجماء الغفير» ويا أيها الرجل. و «من» من هذا القبيل. وزعم الكسائي أن العرب لا تستعمل (من) نكرة موصوفة إلا في موضع يختص بالنكرة كوقوعها بعد «ربّ» وذكر الفارسي أن «من» تقع نكرة تامة، بلا صلة ولا صفة ولا تضمن شرط ولا استفهام كقوله: «ونعم من هو في سرّ وإعلان» ولم يوافقه أحد على ذلك. قلت وقد ردّ ابن مالك شاهده، ورأى أن «من» اسم موصول في شاهد قبل هذا بشاهد. برقم 237 [الهمع ج 1/ 92 وسيبويه ج 1/ 271، واللسان (غشش) والدرر ج 1/ 69].

240 - أهلا بأهل وبيتا مثل بيتكم … وبالأناسين أبدال الأناسين
البيت منسوب في المخصص ج 1/ 16 لرويشد، وبلا نسبة في العيني ج 4/ 531.

241 - حسان مواضع النّقب الأعالي … غراث الوشح صامتة البرين
من قصيدة للطرمّاح عدتها سبعون بيتا كلها غزل ونسيب.
وقبله:
ظعائن كنت أعهدهنّ قدما … وهنّ لدى الأمانة غير خون
وحسان: جمع امرأة حسنة، بمعنى حسناء، والنقب. بضمتين جمع نقاب، ومواضع النّقب: الوجه. وأراد بالأعالي: ما يظهر للشمس من الوجه والعنق وأطرافه، فإنها، مع ظهورها للشمس والهواء والحرّ والبرد إذا كانت في غاية الحسن، ونهاية اللطف، فغيرها يكون أحسن. وغراث: جمع غرثان بمعنى الجوعان، وأراد لازمه وهو الهزيل. والوشح:
(3/291)

جمع وشاح، وهو شيء ينسج عريضا من أديم ويرصع بالجواهر، وتشدّه المرأة بين عاتقيها وكشحيها. يريد أنها دقيقة الخصر لا يملأ وشاحها، فكأنه غرثان. وصامتة: أي:
ساكتة، والبرين: جمع برة، كلّ حلقة من سوار أو قرط وخلخال، ويريد هنا الخلخال.
وسكوت البرة كناية عن امتلاء ساقيها لحما بحيث لا يتحرك ليسمع له صوت.
والشاهد (البرين) جمع برة، وأنه معرب بالحركة على النون. ولكن هذه لا يقال فيها «برون» لتكون مدعّمة لمن قال: (أربعين) بكسر النون، فالقياس فيها بعيد. [الخزانة ج 8/ 70].

242 - أصلمعة بن قلمعة بن فقع … لهنّك لا أبالك تزدريني
البيت لمغلس بن لقيط. وصلمع الشيء: قلعه من أصله. وصلمعة بن قلمعة كناية عمن لا يعرف، ولا يعرف أبوه. والفقع: أردأ أنواع الكمأة ويشبه به الرجل الذليل، فيقال: فقع قرقر. لأنه يخرج على وجه الأرض وتطأه الدواب بأرجلها.
وقوله لهنك: هي «لإنك» قلبت الهمزة هاء. والخلاف في «أصلمعة، وقلمعة»: هل يجوز ترخيمهما؟ فقال قوم لا يجوز لأنه كناية عن مجهول، وقال آخرون يجوز، لأنه علم، ألا ترى أنهم منعوه من الصرف للعلمية والتأنيث. [الهمع ج 1/ 182، واللسان (صلمع).

243 - ماذا عليك إذا خبّرتني دنفا … رهن المنيّة يوما أن تعوديني
أو تجعلي نطفة في القعب باردة … وتغمسي فاك فيها ثمّ تسقيني
البيتان في الحماسة غير منسوبين.
وقوله «دنفا»: أي: مشرفا على الهلاك. وانتصب على أنه مفعول ثالث ل: خبّر.
ويروى «أخبرتني» و «ماذا» لفظه استفهام ومعناه تقريع وبعث. وانتصب «رهن» لأنه صفة ل «دنفا» والمراد: أيّ شيء عليك من أن تعودينا، إذا أخبرتني عليلا.
وقوله: عليك يقتضي فعلا وذلك الفعل يعمل في «أن تعوديني» وقد حذف حرف الجرّ منه أي: لا عار عليك ولا ضرر من عيادتي، ولا من مداواتي بماء هذه صفته، فهلا فعلت.
(3/292)

وقوله: يوما ظرف لخبرتني.
والشاهد: خبّر: نصب ثلاثة مفاعيل الأول نائب فاعل، والثاني الياء والثالث دنفا.
[المرزوقي 1423، والأشموني ج 1/ 41، وفيه الشطر الثاني (وغاب بعلك يوما أن تعوديني) وهذا تحريف
وكذب، لأنه يدعوها أن تخون زوجها، وهو من تحريفات الفسّاق.

244 - إذا ذكرت عيني الزّمان الذي مضى … بصحراء فلج ظلّتا تكفان
البيت غير منسوب. وأنشده السيوطي شاهدا على أن المفرد قد يستعمل للدلالة على المثنى. فقال الشاعر: ذكرت عيني، أي: عيناي. ثم ثنى الضمير الراجع إلى العين في آخر البيت فقال: ظلتا تكفان. [الهمع ج 1/ 50].

245 - ألا يا ليتني حجرا بواد … أقام وليت أمّي لم تلدني
البيت غير منسوب، ونقله السيوطي مع عدد من الشواهد المسموعة في نصب ليت، الجزئين بعدها. ومنه «إنّ حراسنا أسدا». [الهمع ج 1/ 134].

246 - عمرك الله يا سعاد عديني … بعض ما أبتغي ولا تؤيسيني
البيت غير منسوب وأنشده السيوطي شاهدا على لفظ القسم المجاب بالطلب وهو قوله: عمرك الله عديني. [الهمع ج 2/ 45].

247 - رؤية الفكر ما يؤول له الأم … ر معين على اجتناب التّواني
البيت غير منسوب.
والشاهد: رؤية الفكر ما يؤول له. فرؤية: مبتدأ مؤنث، أضيف إلى «الفكر» المذكر، فاستفاد منه التذكير، فعاد الضمير عليه بقوله «له» ولم يقل «لها» وقال في الخبر «معين» ولم يقل «معينة». قال السيوطي: وقد يكتسب المضاف من المضاف إليه تأنيثا وتذكيرا، إن صح حذفه، ولم يختل الكلام به، وكان بعضا من المضاف إليه، أو كبعض منه.
وأنشد البيت الذي فيه الشاهد مطابقا للشروط. [الهمع ج 2/ 49، والأشموني ج 2/ 248].
(3/293)

248 - فإن أمس مكروبا فيا ربّ بهمة … كشفت إذا ما اسودّ وجه جبان
البيت لامرئ القيس من أبيات قالها بعد أن تقرح جلده، وأشرف على الهلاك.
والبهمة: بضم الباء: الأمر المشكل. وفي الهمع: «فتية» وهو كاذب فيما قال فلو كان شجاعا ما ذهب إلى قيصر الروم ليستعين به على قتل أبناء جلدته.
وأنشد السيوطي البيت شاهدا لدخول ياء النداء على «ربّ» واقعة صدر جواب شرط.
وهو قوله: فإن أمس. فيا ربّ. [الهمع ج 2/ 28].

249 - وكنت كذي رجلين رجل صحيحة … ورجل رمت فيها يد الحدثان
البيت للشاعر النجاشي الحارثي، لعله من المخضرمين، وقالوا إن هذا البيت سرقه كثيّر في بيته الذي يقول:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة … ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فارجع إلى بيت كثير في حرف التاء من هذا المعجم. [الخزانة ج 5/ 214] [واللسان أزد].

250 - ولا تبلى بسألتهم وإن هم … صلوا بالحرب حينا بعد حين
لأبي الغول الطّهويّ، وهو شاعر إسلامي كان في الدولة المروانية. والبيت من قطعة في الحماسة أولها:
فدت نفسي وما ملكت يميني … فوارس صدّقوا فيهم ظنوني
يصفهم بالاستمرار على حالة واحدة في مزاولة الحرب، وأن شجاعتهم لا تنقص ولا تبلى عند امتداد الشرّ واتصال البلاء. وأورد الرضيّ البيت شاهدا على أن أصل «حين حين» بالتركيب، حينا بعد حين، كما في البيت. [المرزوقي ص 40، والخزانة ج 6/ 433].

251 - فقلت له: لا والذي حجّ حاتم … أخونك عهدا إنّني غير خوّان
البيت لعريان بن سهلة الجرمي من شعراء الجاهلية.
وقوله: والذي: الواو للقسم، والذي مقسم به، وحج حاتم صلة الذي، والعائد
(3/294)

محذوف. وجملة أخونك جواب القسم بتقدير لا النافية، كقوله تعالى تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [يوسف: 25] والكاف مفعول أول. وعهدا مفعول ثان. وجملة: إنني غير خوّان: استئناف بياني. والمشكل قوله «حجّ حاتم» قالوا: إن أراد بالذي، الكعبة، فالضمير محذوف تقديره حجّه حاتم، لأن هذا الفعل متعدّ، قال تعالى فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ [البقرة: 158] وإن كان عنى بالذي «الله» فالتقدير: لا والذي حج له حاتم، فحذف (له) من الصلة. [الخزانة ج 6/ 56، وفي الحماسة بشرح المرزوقي ص 1628 تسعة أبيات للشاعر نفسه في موضوع البيت، ولكن البيت ليس منها. ورواية البيت الشاهد في نوادر أبي زيد 65 يبدأ بقوله:
فقال مجيبا والذي ... البيت.

252 - قد صرّح السّير عن كتمان وابتذلت … وقع المحاجن بالمهريّة الذّقن
البيت لابن مقبل، وكتمان: موضع أو اسم جبل: والمحاجن: جمع محجن: عصا معقوفة الطرف والمهرية: الإبل المنسوبة إلى مهرة بن حيدان، وهو أبو قبيلة.
والذّقن: جمع مفرد الذّقون من الإبل، وهي التي تميل ذقنها إلى الأرض تستعين بذلك على السير، وقيل: هي السريعة: وتقدير البيت: ابتزلت المهرية الذّقن بوقع المحاجن فيها نضربها بها، فقلب، وأنث الوقع، حيث كان من سبب المحاجن. [اللسان - ذقن - وكتم، والخصائص ج 2/ 418].

253 - رماني بأمر كنت منه ووالدي … بريئا ومن أجل الطّويّ رماني
البيت منسوب لابن أحمر، وإلى الأزرق بن طرفة بن العمرّد.
وقد رواه ابن منظور في لسان العرب في «جول» وأثبت «ومن جول الطويّ» بدل من أجل. قال: المعنى: رماني بأمر عاد عليه قبحه، لأن الذي يرمي من جول البئر يعود ما رمى به عليه. والجول بالضم: كلّ ناحية من نواحي البئر إلى أعلاها من أسفلها. قال:
ويروى: ومن أجل الطويّ. وهو الصحيح، لأن الشاعر كان بينه وبين خصمه حكومة في بئر، فقال خصمه، إنه لصّ ابن لصّ فقال هذه القصيدة وبعد البيت.
دعاني لصّا في لصوص وما دعا … بها والدي فيما مضى رجلان
(3/295)

والشاهد: برئيا: قال النحاس: وكان الوجه أن يقول: كنت منه ووالدي بريئين لأنهما اثنان، ولكن الثاني معلق بالأول، فحذف خبر الأول. [سيبويه ج 1/ 38 والنحاس:
ص 34، واللسان (جول).

254 - حالت وحيل بها وغيّر آيها … صرف البلى تجري بها الرّيحان
255 - ريح الجنوب مع الشّمال وتارة … رهم الربيع وواكف التّهتان
البيتان من رواية سيبويه ومن في طبقته.
وقوله: حالت، وحيل بها، أي: أتى عليها أحوال. والآي: المعالم والعلامات.
والريحان: مثنى ريح. والريح مؤنثة ولذلك أنث الفعل لها فقال: تجري. قال النحاس.
جعل الجنوب اسما، وأضاف إليها الريح فهذا يقول في لغته، هذه ريح دبور. [النحاس 312، واللسان، حول، وجنب].

256 - درس المنا بمتالع وأبان … فتقادمت بالحبس فالسّوبان
البيت منسوب للشاعر لبيد بن ربيعة العامري، وأنشدوه شاهدا على النقص المجحف في الكلمة، لأنه حذف الزاي واللام، من المنازل. قال أبو أحمد: لو أقسم رجل بالطلاق ثلاثا أن الشاعر لم يقل «المنا» ما طلقت زوجه. لأن الشاعر لم يقل (المنا) وإنما قال شيئا آخر على وزنها، يناسب السياق. [الهمع ج 2/ 156 واللسان «أبن»
والأشموني ج 3/ 161].

257 - أمسى أبان ذليلا بعد عزّته … وما أبان لمن أعلاج سودان
البيت غير منسوب، وأنشدوه شاهدا: لدخول اللام على خبر «ما» في قوله (لمن).
وهذا من نادر الكلام ومن شواذه. [الهمع ج 1/ 141، والأشموني ج 1/ 280].

258 - أشاء ما شئت حتّى لا أزال لما … لا أنت شائية من شأننا شاني
هذا لا يجدر به أن يسمّى شاهدا، لأنه لم يقله شاعر، وإنما قاله نحوي يهوى الألغاز.
فقوله. أشاء: مضارع، شاء، و «ما» بمعنى الذي مفعوله، وشئت: صلة الموصول.
وحتى: للغاية، تضمر بعدها (أن) تنصب «أزال» المضارع الناقص، واسمه مستتر. وخيره (شاني) في آخر البيت، بمعنى «كاره» وأخفى حركة النصب للإلغاز.
(3/296)

وقوله: لما للذي، متعلق بشاني في آخر البيت وأصل التركيب. حتى لا أزال شانيا لما لا .. «لا» نافية. وأنت مبتدأ، شائية بمعنى مريدة، من الفعل (شاء). من شأننا: مجرور متعلق ب شائية منفصلا عنها بفاصل، يجب تكرارها. ويرى المبرد، وابن كيسان، أنه لا يشترط التكرار مطلقا، عند إلغائها. قال العيني: بعد الكلام على رأي المبرد وابن كيسان، وأنهما لا يشترطان التكرار. قال: (واحتجّا به) أي احتجا بهذا البيت. وهل تصدق أن المبرّد يحتج بهذا البيت، بل لا يقول هذا البيت ناظم في عصر المبرّد. قلت:
إنّ العيني يقع في أوهام كثيرة، فلا تأخذنّ كل ما يقول وتثبّت من آرائه، فالمنقول، أن المبرد وابن كيسان احتجا بالبيت التالي:
بكت أسفا واسترجعت ثم آذنت … ركائبها أن لا إلينا رجوعها
وقد أثبتنا هذا الشاهد في حرف العين، وفيه الفصل بين «لا» واسمها بقوله «إلينا» والبيت من شواهد سيبويه. [الأشموني ج 2/ 4 والهمع ج 1/ 148، والعيني ج 2/ 325، والدرر ج 1/ 129].

259 - كأنّك من جمال بني أقيش … يقعقع خلف رجليه بشنّ
البيت من قصيدة للنابغة الذيباني. من قصيدة يلوم فيها عيينة بن حصن الفزاري لأنه أراد أن يعين بني عبس في قصة، مع أنه كان محالفا لبني ذبيان وبني أسد وهم الطرف الثاني في الموضوع. وبنو أقيش: حيّ من عكل، وجمالهم ضعاف تنفر من كل شيء تراه. ويقعقع: مبني للمجهول، والقعقعة: تحريك الشيء اليابس الصلب.
والشّن:
بالفتح: القربة البالية، وتقعقعها: يكون بوضع الحصا فيها وتحريكها فيسمع منها صوت، وهذا مما يزيد الإبل نفورا، ومنه المثل: «فلان لا يقعقع له بالشنّان» جمع شنّ. يضرب لمن لا يهتز به من حوادث الدهر. ولا يروعه ما لا حقيقة له، وقال الحجاج على منبر الكوفة «إني والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنّان».
والبيت شاهد على أن حذف الموصوف هنا بدون أن يكون بعضا من مجرور بمن أو «في» لضرورة الشعر. والتقدير: كأنك جمل من جمال بني أقيش. وهذا مثل لقيام.
الظرف مقام الموصوف. وقال بعضهم: إن هذا البيت شاهد على أن الموصوف بالجملة أو الظرف إذا كان بعضا من مجرور بمن أو «في» يجوز حذفه كثيرا وليس ضرورة شعرية.
وبيانه أنّ الموصوف يقدر هنا قبل «يقعقع» والجملة صفة له، أي: كأنك جمل يقعقع،
(3/297)

وهو بعض من المجرور بمن، ويكون قوله من جمال بني أقيش حالا من ضمير «يقعقع» الراجع إلى جمل المحذوف. وعلى المذهب الأول (من جمال) خبر كأن، [سيبويه ج 1/ 375، وشرح المفصل ج 1/ 61، ج 3/ 59، والأشموني ج 3/ 71، والخزانة ج 5/ 67].

260 - ما ترى الدّهر قد أباد معدّا … وأباد السّراة من عدنان
لم يعرف قائله. وقد أنشده السيوطي شاهدا على أنّ «أما» مثل «ألا» حرف تنبيه واستفتاح، وأن «أما» قد تحذف همزتها فيقال «ما» كما في البيت. [الهمع ج 2/ 70].

261 - ولو أنّ حيّا فائت الموت فاته … أخو الحرب فوق القارح العدوان
البيت للشاعر صخر بن عمرو السلمي. والقارح: الفرس الذي عمره خمس سنين.
والعدوان: بفتحات. شديد العدو. وأخو الحرب: ملازمها.
والشاهد فيه وقوع خبر أنّ بعد «لو» اسما، وهو قوله «فائت الموت» وموقع هذا الشاهد في قصة «لو» فهي تختص بمباشرة «أنّ» نحو «وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا» [البقرة: 103] واختلفوا في موقع المصدر من أنّ وما دخلت عليه. فقال قوم: مبتدأ ولا يحتاج إلى خبر. وقيل: الخبر محذوف. فقيل يقدّر مقدما أي: لو ثابت كذا وقال آخرون: يقدّر مؤخرا. وقال قوم: إنّ المصدر، (فاعل) لفعل مقدر تقديره «ثبت» ومن ثمّ قال قوم:
يجب أن يكون خبر «أنّ» فعلا ليكون عوضا عن المحذوف، فردّ بقوله تعالى وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
[لقمان: 27] فردّ من قال بضرورة أن يكون الخبر فعلا، بأنّ ذلك يكون في الخبر المشتق لا الجامد فردّ ابن مالك قول هؤلاء بأنه قد جاء اسما مشتقا، ومنه البيت. وعدّ صاحب المغني أن من الخبر المشتق قوله تعالى يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ. [الأحزاب: 20]
قال أبو أحمد: إن مثل هذه المناظرة ممتعة، وتدعو إلى البحث والتفكر ولولا مثل هذه المناظرات، لما وقعنا على هذه النصوص التي كانوا يبحثون عنها لتسجيل انتصار في حلبة الصراع النحوي. [الأشموني ج 4/ 40، واللسان (عدا)].

262 - يا لأناس أبوا إلّا مثابرة … على التّوغّل في بغي وعدوان
البيت غير منسوب. قال الأشموني: قد يحذف المستغاث، فيلي «يا» المستغاث من
(3/298)

أجله، لكونه غير صالح لأن يكون مستغاثا. وأورد البيت. وإنما كان ما ولي «يا» غير صالح لكونه مستغاثا، مع صحة نداء الناس في الجملة، لكونهم مهجّوين بالوصف الذي وصفهم به، فلم يقصدوا للإنتصار، لأن العامل لا يهجو من يستنصر به، والتقدير في البيت: يا لقومي لأناس». [الأشموني ج 3/ 167، وعليه العيني، والهمع ج 1/ 181، والدرر ج 1/ 156].

263 - رأيت بني البكريّ في حومة الوغي … كفا غري الأفواه عند عرين
البيت غير منسوب. قال السيوطي: الأصل في كلام العرب دلالة كل لفظ على ما وضع له فيدل المفرد على المفرد والمثنى على المثنى والجمع على جمع. وقد يخرج عن هذا الأصل، وذلك قسمان، مسموع ومقيس. أما المقيس: فهو ما أضيف إلى متضمنه وهو مثنى لفظا نحو قطعت رؤوس الكبشين، أي: رأسيهما. أو معنى نحو (البيت) أي:
كأسدين فاغرين أفواههما عند عرينهما.
فقوله: كفاغري: مثنى فاغر والذي سوّغ هذا أن البيت من الطويل، ولا يمكن قراءة (فاغري) على أنها جمع [الهمع ج 1/ 50 والدرر ج 1/ 25، وحاشية الشيخ ياسين ج 2/ 122].

264 - لا تظلموا مسورا فإنّه لكم … من الذين وفوا في السّر والعلن
البيت غير منسوب. قال السيوطي: مسألة: في جواز تقديم الظرف والجار والمجرور والمتعلق بالصلة على الموصول. وفيها مذاهب: منها: الجواز مع «أل» إذا جرّت بمن نحو: «وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ» [يوسف: 20] ومنها: المنع في غير (ال) مطلقا وفيها إذا لم تجرّ بمن، وعليه ابن مالك. قال السيوطي: ويدلّ للجواز في غير (ال) قوله
(البيت) والشاهد في الشطر الثاني وترتيب الشطر بدون تقديم، «من الذين وفوا في السرّ والعلن لكم» فلكم، متعلق بقوله «وفوا» وهو صلة الموصول. فيكون تقدم المتعلق على الصلة.
[الهمع ج 1/ 88، والدرر ج 1/ 66].

265 - تالله قد علمت نفس إذا قذفت … ريح الشتاء بيوت الحيّ بالعنن
البيت لزهير بن أبي سلمى. والعنن، جمع عنّة، وهي حظيرة من شجر تعمل حول البيت لترد الريح عنهم فإذا اشتدت الريح قلعتها فرمت بها على البيت.
(3/299)

قال بعض النحويين. حقّ الماضي المثبت المجاب به القسم أن يقرن باللام و «قد» والصحيح أنه يجوز الجمع بينهما، ويجوز حذف (قد) ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم «والذي نفسي بيده لوددت أن أقاتل» ويجوز أيضا حذف اللام وبقاء «قد» وشاهده البيت. (تالله قد).
وفي الهمع «تالله قد علمت قيس». [الخزانة ج 10/ 75، والهمع ج 2/ 42، وديوان زهير].

266 - إن يغنيا عنّي المستوطنا عدن … فإنني لست يوما عنهما بغني
البيت غير منسوب.
وقوله: يغنيا: بفتح النون، مضارع غني، بكسرها، أي: استغنى وأثبت الألف في «يغنيا» مع أنّ الفعل مسند إلى الظاهر «المستوطنا» على لغة «يتعاقبون فيكم ملائكة» والباء في «بغني» زائدة في خبر ليس، وتخفيف الياء للضرورة، وأصلها «غنيّ» بالتشديد.
والشاهد: «المستوطنا عدن» فالمستوطنا: مثنى «المستوطن» اسم فاعل مشتق. وأجاز ابن مالك أن يعرف الوصف المشتق بأل، إذا كان مضافا، ووجدت ال في المضاف إليه، أو مضاف إلى المضاف إلى المعرف بها، أو كان المضاف مثنى أو جمعا. والمثنى كما في البيت. فقال.
ووصل أل بذا المضاف مغتفر … إن وصلت بالثاني كالجعد الشّعر
أو بالذي له أضيف الثاني … كزيد الضارب رأس الجاني
وكونها في الوصف كاف إن وقع … مثنّى أو جمعا سبيله اتبع
[الأشموني ج 2/ 246 والهمع ج 2/ 48].

267 - … وكتمانها أكنى بأمّ فلان
شطر بيت ذكره ابن هشام في شذور الذهب/ 374، شاهدا على تعدية الفعل تكنى إلى مفعولين: الأول: نائب الفاعل،
الضمير المستتر، والثاني المجرور بحرف الجر.

268 - تراه كالثّغام يعلّ مسكا … يسوء الفاليات إذا فليني
لعمرو بن معد يكرب، قالها في امرأة لأبيه تزوجها بعده في الجاهلية. وقبل البيت:
(3/300)

تقول حليلتي لما قلتني … شرائج بين كدريّ وجون
وقلتني: كرهتني. وشرائج، جمع شريج، وهو الضّرب والنوع أو كل لونين مختلفين.
وقوله شرائج: خبر مبتدأ محذوف، أي: شعرك شرائج والكدريّ: الأغبر. والجون:
جمع جونة بالفتح، وهو مصدر الجون بالفتح وهو من الأضداد، يقال للأبيض والأسود.
تريد أن بعض شعره كدري، وبعضه جون.
وقوله: تراه: الفاعل يعود إلى الحليلة، بمعنى الزوجة. وتراه: أي الشعر. والثغام:
نبت له نور أبيض يشبه به الشيب. ويعلّ مسكا: يكثر فيه المسك. والفاليات: جمع الفالية، وهي التي تفلي الشعر، أي: تخرج القمل منه.
والشاهد: فليني: على أنه قد جاء حذف نون الوقاية مع نون الضمير للضرورة والأصل: فلينني، بنونين. إحداهما نون النسوة.
قلت: والدليل على أن هذه المرأة كانت زوجا لأبيه قوله في آخر الأبيات:
فلولا إخوتي وبنيّ منها … ملأت لها بذي شطب يميني
وذو شطب: هو السيف. يريد لولا إخواني منها وأبنائي لقتلتها بالسيف. [سيبويه ج 2/ 154، وشرح المفصل ج 3/ 19، والهمع ج 1/ 95، واللسان (فلا) والخزانة ج 5/ 371].

269 - لا تلمني عتيق حسبي الذي بي … إنّ بي يا عتيق ما قد كفاني
البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه.
والشاهد: عتيق. أراد: يا ابن أبي عتيق. حيث حذف المضاف، وخلفه المضاف إليه في إعرابه. [شرح التصريح/ 2/ 55].

270 - يطفن بحوزيّ المراتع لم يرع … بواديه من قرع القسيّ الكنائن
هذا البيت للطرمّاح بن حكيم. وهو في وصف بقر الوحش. وتطفن: أي: تدرن حوله. تقول: طاف الرجل بالقوم
وطاف عليهم، وأطاف أيضا: أي: استدار، وأطاف بالأمر: إذا أحاط به. وأصل الحوزي: المتوحد المتفرد وأراد به فحل البقر الوحشي،
(3/301)

الذي يصفه. والمراتع: جمع مرتع، مكان الرتع. يريد أنه منفرد بهذه الأماكن يرتع فيها ما شاء. ولم يرع: لم يخف والقرع: الضرب، والقسي: جمع قوس. والكنائن: جمع كنانة، وهي جراب توضع فيه السهام. ومحل الاستشهاد بالبيت «قرع القسيّ الكنائن» فإن الرواية بنصب القسي وجرّ الكنائن، فيكون تخريجه على أن قوله: قرع مصدر مضاف إلى قوله «الكنائن» الذي هو فاعل مصدر، وقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله «القسي» الذي هو مفعول المصدر. وهذا مثل قوله تعالى في قراءة ابن عامر وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [الأنعام 137] بنصب «أولادهم» وجرّ (شركائهم) على أن «قتل» مصدر مضاف إلى فاعله وهو قوله «شركائهم» وقد فصل بينهما بمفعول المصدر. وقد استشهد به الكوفيون على جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه، بغير الظرف وحرف الخفض. [الإنصاف 429، واللسان (حوز) والخصائص ج 2/ 406 والعيني ج 3/ 462].

271 - ذعرت به القطا ونفيت عنه … مقام الذئب كالرّجل اللّعين
البيت للشماخ بن ضرار من قصيدة مدح بها عرابة بن أوس.
وقبل البيت:
وماء قد وردت لوصل أروى … عليه الطير كالورق اللّجين
والورق اللجين، الورق المبلول الذي تلبد بعضه فوق بعض.
وقوله: ذعرت به القطا: يريد أنه جاء إلى الماء متنكرا. وذعرته: خوفته. ولقيت: أي طردت. وخص القطا، والذئب. لأن القطا أهدى الطير، والذئب أهدى السباع، وهما السابقان إلى الماء. واللعين: المطرود، المنفي المقصى. ويظهر أنه يريد أن يقول: إنني طردت عن هذا الماء إقامة الذئب، مشبها الرجل اللعين المطرود من قومه. وقد استشهد بهذا البيت على أن لفظ «مقام» مقحم. وليس كما قالوا، وإنما يريد طردت الذئب عن هذا الماء، فلا مقام له إما أنه شبهه في حال وجوده على الماء كالرجل اللعين، أو شبهه في حال طرد، يعني أنه طرده كما يطرد الرجل اللعين. [الخزانة ج 4/ 347، وشرح المفصل ج 3/ 13].

272 - ولا يجزون من حسن بسوءى … ولا يجزون من غلظ بلين
(3/302)

لأبي الغول الطّهويّ من شعراء الدولة المروانية. وهو يصف فوارس ذكرهم في أبيات سابقة. يقول: إنهم يعرفون مجاري الأمور ومقادير الأحوال فيوازنون الخشن بالخشن واللين باللين. وقد أنشد بعضهم البيت على أن «سوءى» مصدر، كالرجعى والبشرى وليس مؤنث أسوأ. ذلك أن اسم التفضيل إذا كان معرى من ال يجب اقترانه ب (من) فأراد أن يعتذر عن ذلك، بأن اسم التفضيل هنا لا يراد به التفضيل، وإنما يراد به المصدر، ولكن هذا اللفظ يروى بصور أخرى. ففي الحماسة (بسيء) يعني بسيّئ، فخفف، كما قالوا: هيّن، وهين وروي «بسوء» وفي كتاب الشعر والشعراء «ولا يجزون من خير بشرّ».
[الخزانة ج 8/ 314، وشرح المفصل ج 6/ 100، 200، والحماسة بشرح المرزوقي ص 40].

273 - كأنّ حمولهم لما استقلّت … ثلاثة أكلب يتطاردان
البيت غير منسوب، وأنشده الرضي على أن بعضهم أجاز وصف البعض دون البعض فهذا الشاعر، قال: يتطاردان. فوصف اثنين، وترك الثالث. وهذا لا يحتمله القياس.
وفي البيت مبالغة في الهجو، لأن الإبل التي يعدونها عندهم كثيرة، عدتها ثلاثة لا غير وأنها صغيرة في الجثة جدا حتى أنها مع ما عليها في مقدار جرم الكلاب وأنها ليس عليها ما يثقلها من الأثاث ولذلك تطارد لخفة ما عليها. وأن بعضها هزيل جدا لا يقدر على الطراد، وهو الثالث الذي لم يصفه. [الخزانة - ج 5/ 39].

274 - سقى العلم الفرد الذي في ظلاله … غزالان مكحولان مختضبان
البيت بلا نسبة في أمالي ابن الشجري ج 1/ 160، والمخّصص 16/ 188.

275 - أنا ابن أباة الضيم من آل مالك … وإن مالك كانت كرام المنازل
البيت للطرماح بن حكيم.
والشاهد: وإن مالك. فقد ألغيت (إنّ) بعد تسكينها ولم تقترن باللام الفارقة بينها وبين (إن) النافية والذي سوّغ ذلك القرينة المعنوية، فالشاعر يفخر بقبيلته. فذكر «مالك» في الشطر الأول وأراد جدّ القبيلة وذكره ثانيا وأراد القبيلة نفسها. [الأشموني ج 1/ 289 والهمع ج 1/ 141 والدرر ج 1/ 118].

276 - بثين الزمي، لا، إنّ، لا، إن لزمته … على كثرة الواشين أيّ معون
(3/303)

البيت لجميل. يقول: نعم العون قولك «لا» في ردّ الوشاة، وإن كثروا.
والشاهد: (معون) وأصلها «معونة» فحذف الهاء. [اللسان «عون» والخصائص ج 3/ 212].

277 - لولا فوارس تغلب ابنة وائل … ورد العدوّ عليك كلّ مكان
البيت للفرزدق. وتغلب أبو قبيلة وإنما يقولون: ابنة وائل، إنما يذهبون بالتأنيث إلى القبيلة. وعلى هذا تمنع تغلب من الصرف لثلاث علل. إما العلمية والتأنيث. إذا أردنا القبيلة. وإما العلمية ووزن الفعل، حتى لو أردنا الأب. [اللسان - غلب، والمقتضب ج 3/ 360، وديوان الشاعر].

278 - ونحن منعنا البحر أن تشربوا به … وقد كان منكم ماؤه بمكان
البيت غير منسوب.
وقوله: تشربوا به. والأصل: تشربوا منه. لأن الفعل شرب يتعدى بمن، ولكن الشاعر عدى الفعل بالباء، لأن شرب هنا بمعنى «روي» وروي تتعدى بالباء، فضمن شرب معنى روي، وعداه بالباء كما قال أبو ذؤيب:
شربن بماء البحر ثم ترفّعت … متى حبشيّات لهنّ نئيج
يصف سحابا شرب ماء البحر ثم صعد فأمطر، وروّين. وهذا يدلّ على أن العرب كانوا يعرفون أن السحاب يتكون من تبخّر ماء البحر إلا إذا أراد المبالغة في وصف كثرة ماء السحاب. [اللسان شرب والعيني. 3/ 173].

279 - ألا يا ديار الحيّ بالسّبعان … أملّ عليها بالبلى الملوان
280 - ألا يا ديار الحيّ بالسبعان … عفت حججا بعدي وهنّ ثماني
الأول ورد في شعر لتميم بن مقبل، وهو شاعر إسلامي والثاني ورد في شعر لشاعر جاهلي من بني عقيل. والاستشهاد بالشعر الأول على أن «السّبعان» أعرب بالحركة على النون مع لزوم الألف واذا نسب إليه قيل سبعاني. وهو اسم مكان. وهو في الأصل تثنية سبع، ولو أجراه مجرى المثنى لقال: بالسبعين، ولكنه أجراه مجرى عثمان وسلمان
(3/304)

وعمران ولعلّ الذي سوغ هذا، كونه أصبح علما مفردا.
وقوله: ألا: حرف تنبيه، يتأسف على ديار قومه بهذا المكان، ويخبر أن الملوين وهما الليل والنهار، أبلياها ودرساها. والحيّ: القبيلة.
وقوله: بالسبعان، متعلق بمحذوف، على أنه حال من ديار.
وقوله: أملّ عليها: فيه التفات، لأنه لم يقل عليك. وأملّ، من أمللت الكتاب أملّه.
أو من أمللت الرجل، إذا أضجرته وأكثرت عليه ما يؤذيه، كأن الليل والنهار أملاها من كثرة ما فعلا بها من البلى والأول أقوى، فأملّ عليها، بمعنى أملى عليها بمعنى أجبراها على البلى، فقد يقال: أملى عليه بأن يفعل كذا، أي أكرهه.
والملوان: الليل والنهار، ولا مفرد له. والباء في «بالبلى». زائدة، والمراد أملّ عليها أسباب البلى. [كتاب سيبويه ج 2/ 322 والخصائص ج 3/ 203، وشرح المفصل ج 5/ 144، والخزانة ج 7/ 302 والأشموني ج 4/ 309، وزهر الآداب 926].

281 - أيها السائل عنهم وعني … لست من قيس ولا قيس مني
البيت غير منسوب، وقالوا إنه لأحد النحويين.
والشاهد فيه حذف النون من (عنّي ومنّي) فجاء باللفظين مخففين، فالأول (عن والياء) والثاني من - والباء وإذا جرت الياء بمن وعن وجبت النون حفظا للسكون، لأنها الأصل فيما يبنى. وقيس جاءت ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث باعتبارها قبيلة. ومن قيس الأول خبر ليس. وقيس الثانية: مبتدأ لأن «لا» لا تعمل في المعارف، والبيت من بحر الرمل ولا يتأتى تشديد النون من عنّى ومني. [الخزانة ج 5/ 380، والأشموني ج 1/ 124، وشرح المفصل ج 3/ 125، والهمع ج 1/ 64].

282 - ألم تر أنّ البغّل يتبع إلفه … كما عامر واللؤم مؤتلفان
البيت غير منسوب. وذكره السيوطي شاهدا على أن «ما» كفت «الكاف» عن العمل، فدخلت على الجملة. قلت: إذا كان قوله «مؤتلفان» هي التي جعلتهم يقولون إن «ما» كفت الكاف، فإننا يمكن أن نقرأها «يأتلفان». [الهمع ج 2/ 38].

283 - ما سدّ حيّ ولا ميت مسدّهما … إلا الخلائف من بعد النبيّين
(3/305)

وقبل البيت:
إني لباك على ابني يوسف جزعا … ومثل فقدهما للدّين يبكيني
والبيتان نسبهما المبرد في الكامل إلى الفرزدق، في رثاء محمد أخي الحجاج ابن يوسف ومحمد ابن الحجاج بن يوسف، فإنه جاءه نعي أخيه يوم مات ابنه ولا أعلم سبب الموت، فإن كانا قد ماتا في معركة جهادية، أو ماتا مرابطين في جيش على الثغور، فإننا نقول: يرحمهما الله، مع المبالغة في تفضيلهما على الناس بعد الخلفاء. أما إذا ماتا حتف أنفهما، فإننا نقول للشاعر كذبت، لأننا لا نعلم للرجلين سوابق محمودة.
وللحجاج، على ما ذكروا من سفكه الدماء أعمال محمودة في الفتح، ولعلّ الله يغفر له بسببها ما اقترف من الذنوب وقد ذكر النحوّيون البيت الشاهد، لأنّ الشاعر كسر نون النبيين، فجره بالكسرة على النون مع أنه جمع مذكر
سالم، ويعرب بالواو والياء، فقال قائل: إنها ضرورة، وقال قائل إنهم يجرّون كل الجموع بالحركات، وقد جاءت أمثلة كثيرة لهذا الشاهد، يجرّون جمع المذكر السالم بالكسرة. وقد لاحظت أن أغلب الأمثلة جاءت في حال الجرّ ولم أجد مثالا في حال الرفع، فلم يقل واحد مثل «من المسلمون» ولذلك يمكن القول: لعلها لغة في هذا الجمع أن يجر بالكسرة حين يكون مجرورا بالياء. والله أعلم. [الخزانة ج 8/ 60، 66، وشرح المفصل ج 5/ 14، والهمع ج 1/ 49، والشعر ليس في ديوان الفرزدق].

284 - وأهجو من هجاني من سواهم … وأعرض منهم عمّن هجاني
البيت غير منسوب، وأنشده السيوطي شاهدا لتقديم متعلق الصلة على الاسم الموصول. وذلك في الشطر الثاني. قوله: منهم عمن هجاني. وأصل الكلام وأعرض عمن هجاني منهم. [الهمع ج 1/ 88].

285 - ربّه امرأ بك نال أمنع عزّة … وغنى بعيد خصاصة وهوان
البيت غير منسوب. وأنشده السيوطي شاهدا على أن «ربّ» تجرّ ضميرا ويجب كون هذا الضمير مفردا مذكرا، وإن كان المميز مثنى أو جمعا أو مؤنثا. وكونه يفسره نكرة منصوبة، مطابقة للمعنى الذي يقصده المتكلم، وتليه النكرة غير مفصولة عنه، فيقال: ربّه رجلا ورجالا، وربّه امرأة ورّبّه امرأتين .. وأنشد البيت.
(3/306)

والشاهد فيه: ربّه امرأ. [الهمع ج 2/ 27].

286 - جيء ثمّ حالف وقف بالقوم إنّهم … لمن أجاروا ذوو عزّ بلا هون
البيت غير منسوب، وأورده الأشموني شاهدا لإعمال الفعل الثالث عند التنازع والشاهد قوله: جيء ثم حالف وقف بالقوم. فأعمل «قف» وعدّاه بالحرف وحذف الضمير من، جيء، وحالف. [الأشموني ج 2/ 102].

287 - أألخير الذي أنا أبتغيه … أم الشّرّ الذي هو يبتغيني
البيت للمثقّب العبدي من قصيدة في المفضليات. وهو شاعر جاهلي قديم. وقبل البيت:
وما أدري إذا يمّمت أمرا … أريد الخير أيّهما يليني
وقوله: وما أدري: ما نافيه. وأدري: أعلم. وجملة: أيهما يليني: في محل المفعولين لأدري، لأنه معلق عن العمل باسم الاستفهام. ويممت أمرا: قصدت وجها وجملة يممت: حال من فاعل يممت.
وقوله: أألخير: بدل من أيّ في البيت السابق، ولهذا قرن بحرف الاستفهام. والهمزة الثانية من أألخير: همزة وصل دخلت عليها همزة الاستفهام، وكان القياس أن يستغني عنها، لكنها لم تحذف وخففت بتسهيلها بين بين، إذ لولا
ذلك لم يتزن البيت (من الوافر). [الخزانة ج 11/ 80، والمرزوقي 1587، والعيني ج 1/ 192 - وشرح أبيات مغني اللبيب. ج 2/ 13].

288 - ومن حسد يجور عليّ قومي … وأيّ الدّهر ذو لم يحسدوني
البيت لحاتم الطائي.
وقوله: من حسد: من للتعليل. أي: لأجل الحسد يجور عليّ قومي وقوله: وأي الدهر: أي استفهامية أضيفت إلى الدهر وذووا: الطائية اسم موصول. وجملة لم يحسدوني: صلتها والعائد محذوف، تقديره: لم يحسدوني في الطعام، كرم النفس، ولو جمع بينهما، لاستولى على قلوب قومه ولم يحسدوه. [الأشموني ج 1/ 174، ومعه العيني].
(3/307)

289 - ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا … وعائذا بك أن يعلوا فيطغوني
البيت لعبد الله بن الحارث السهمي.
وقوله: عائذا: قال سيبويه وقالوا: عائذا بالله من شرها، فوضعوا الاسم موضع المصدر، كأنه قال أعوذ بالله عائذا، وعياذا، وقال النحاس: هذا حجة لنصب (عائذ) كأنه قال: أعوذ عياذا. وعبد الله بن الحارث من الصحابة. ويعني بالذين طغوا، المشركين، الذين كانوا يضطهدون مسلمي مكة، واضطروهم للهجرة إلى الحبشة، يقول: أعوذ بك يا رب أن يعلوا المسلمين ويظهروا عليهم، فيطغوني وإياهم [سيبويه/ 1/ 342، هارون، والحماسة بشرح المرزوقي/ 475، واللسان «عوذ» والروض الأنف/ 1/ 208].

290 - تخذت غراز إثرهم دليلا … وفرّوا في الحجاز ليعجزوني
قاله أبو جندب بن مرّة الهذلي. وتخذت: أي: اتخذت. نصب مفعولين أولهما:
غراز، والثاني: دليلا. وغراز: اسم واد، أو مكان ومنع من الصرف للعلمية وتأنيث المكان. وربما كان المانع العلمية والعدل. وقيل: غراز: اسم رجل، والذي يوحي بهذا، أنه اتخذ غراز دليلا. فإن لم يكن رجلا. يكون بمعنى وجهة واتجاها أي: عرفت مكانهم ويممت نحو غراز، فكانت المعرفة كالدليل. وإثرهم: ظرف وفي الحجاز: بمعنى إلى الحجاز، ويعجزوني: منصوب بأن مضمرة بعد اللام وعلامة نصبه حذف النون، والنون الموجودة للوقاية. [الأشموني ج 2/ 25 وعليه العيني].

291 - تمنّوا لي الموت الذي يشعب الفتى … وكلّ امرئ والموت يجتمعان
البيت للفرزدق.
وقوله: يشعب: أي: يفرق، وكلّ: مبتدأ. والموت عطف عليه يلتقيان: خبره.
وفيه الشاهد: حيث أثبت فيه ذكر خبر المبتدأ المعطوف عليه بالواو، لأنها ليست صريحة في المعية، فلم يجب الحذف. وإذا كانت الواو صريحة في المعية، فلا يجوز إظهار الخبر نحو «كلّ ثوب وقيمته» لأن الواو وما بعدها قاما مقام (مع) وسدا مسدّ الخبر. [الأشموني ج 1/ 217، وفيه حاشية العيني، وشرح التصريح ج 1/ 180].

292 - محيّاه يلقى ينال السّؤال راجيه ريثما ينثني
(3/308)

ليس له قائل. وأورده السيوطي شاهدا للفصل بين الفعل، وريث ب (ما) وريث ظرف زمان يضاف إلى الفعل المبني، فيبنى. و «ما» التي فصلت بين الفعل وريث، قيل: زائدة، وقيل: مصدرية. [الهمع ج 1/ 213].

293 - وظلّ لنسوة النعمان منّا … على سفوان يوم أروناني
البيت للنابغة الجعدي، من قصيدة هجا بها الأخطل وبني سعد بن زيد مناة، ومدح بها كعب بن جعيل، وبعد البيت.
فأعتقنا حليلته وجئنا … بما قد كان جمّع من هجان
وسفوان: اسم ماء. وأروناني: شديد. والحليلة: الزوجة. والهجان: كرائم الأموال وأشرفها.
[الخزانة ج 10/ 279].

294 - وأنبئت قيسا ولم أبله … كما زعموا خير أهل اليمن
البيت من قصيدة للأعشى يمدح بها قيس بن معدي كرب.
والشاهد: أنبئت حيث نصب ثلاثة مفاعيل. التاء، وقيسا، وخير أهل اليمن.
وقوله: ولم أبله حال، أي: لم أختبره، من بلوته، إذا جربته واختبرته.
وقوله: كما زعموا، صفة لمصدر محذوف، أي: لم أبله بلوا مثل الذي زعموا. و «ما» موصولة والعائد محذوف، أي: كما زعموا فيه، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: كزعمهم فيه أنّه من خير أهل اليمن. [الأشموني ج 2/ 41، والعيني].

295 - لها ثنايا أربع حسان … وأربع فثغرها ثمان
رجز غير منسوب. وهو شاهد على أنّه قد تحذف الياء من «ثماني» ويجعل الإعراب على النون، واستشهد به الزمخشري على قراءة وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ [الرحمن: 24].
بحذف الياء من الجوار» ورفع الراء كما في «ثمان» وفي الحديث الذي رواه مسلم «صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين كسفت الشمس ثمان ركعات في أربع سجدات». يريد: ركع ثمان مرات. والثنايا: جمع ثنيّة، وهي أربع من مقدم الأسنان، ثنتان من فوق وثنتان من
(3/309)

تحت. وأراد بالأربع الثاني «الرّباعيات» بفتح الراء وتخفيف الياء، جمع رباعية، على وزن ثمانية، والرباعيات: أربع أسنان، ثنتان من يمين الثنيّة وواحدة من فوق وواحدة من تحت، وثنتان من شمالها. [الخزانة/ 7/ 367، وشرح التصريح/ 2/ 274].

296 - وصاني العجّاج فيما وصّني ..
لرؤبة بن العجاج.
والشاهد حذف الألف من وصاني، واكتفى عنها بالفتحة. [الخزانة/ 1/ 131، والإنصاف/ 449].

297 - ألا ليت اللحى كانت حشيشا … فترعاها خيول المسلمينا
البيت للشاعر يزيد بن ربيعة بن مفرّغ يقوله في هجاء عباد بن زياد. والشاهد:
فترعاها. فالفعل منصوب بأن مضمرة بعد الفاء. ويروى «فنعلفها». [الخزانة/ 4/ 326].
(3/310)

قافية الهاء
1 - واها لسلمى ثمّ واها واها … يا ليت عيناها لنا وفاها
منسوب إلى رؤبة بن العجاج، ولأبي النجم العجلي، ولأبي الغول الطهوي من أهل اليمن.
والبيت شاهد أن «واها» في المواضع الثلاثة، اسم فعل مضارع بمعنى أعجب مثل «وي» ومثل «وا» وقد رفع ضميرا مستترا فيه وجوبا تقديره «أنا» وفي البيت «عيناها» يروى بالألف، على لغة قوم من العرب يلزمون المثنى الألف في الأحوال كلها، وهو بهذا اللفظ، منصوب بفتحة مقدرة على الألف. ولو نصبه بالياء لصح شعرا ولغة، ولكنهم يروونه بالألف. [شرح أبيات المغني/ 6/ 144، والأشموني/ 3/ 17، وشرح التصريح/ 3/ 197].

2 - ألقى الصحيفة كي يخفّف رحله … والزاد حتى نعله ألقاها
منسوب إلى أبي مروان النحوي، يقوله في قصة المتلمس وفراره من عمرو بن هند وكان عمرو بن هند قد كتب له كتابا إلى عامله يأمره فيه بقتل المتلمس، وأوهم المتلمس أنه أمر له بعطاء عظيم، ففتحه، فلما علم ما فيه رمى به في النهر. وبعد البيت:
ومضى يظنّ بريد عمرو خلفه … خوفا وفارق أرضه وقلاها
والشاهد: «حتى نعله ألقاها» فمن شرط العطف بحتّى أن يكون المعطوف بها جزءا من المعطوف عليه، إما تحقيقا مثل «أكلت السمكة حتى رأسها» أو تقديرا، كما في البيت.
على رواية النصب. فإنّ النعل وإن لم تكن جزءا من الذي قبلها على وجه الحقيقة فهي جزء منه بسبب التأويل فيما قبلها، لأن معنى الكلام: ألقى كلّ شيء يثقله حتى نعله، ولا شك أن النعل بعض ما يثقله. ويجوز في البيت «رفع نعله» وتكون حتى ابتدائيه وما بعدها
(3/311)

مبتدأ وخبر. [سيبويه/ 1/ 50، وشرح التصريح/ 2/ 141، والأشموني/ 2/ 214، والهمع 2/ 24، وشرح المفصل 8/ 19].

3 - علفتها تبنا وماء باردا … حتى غدت همّالة عيناها
الشاهد: وماء: فإنه لا يمكن عطفه على ما قبله لكون العامل في المعطوف عليه لا يصح تسليطه على المعطوف مع بقاء معنى هذا العامل في حاله. وخرّجوه على أنه مفعول لفعل محذوف يناسبه. وقيل: مفعول معه. أو معطوف على ما سبقه عطف مفرد على مفرد، مع تضمين الفعل معنى، يصح أن يتسلط على المعطوف والمعطوف عليه جميعا.
وهو «أنلتها» أو قدّمت لها. والحق أنه لا يحتاج إلى تأويل، لأن العلف لا يكون بغير ماء، والماء لا يكون بغير علف. فالماء أيضا من العلف، وبخاصة إذا كان المأكول تبنا أو حبا. أما لو قال: علفتها العشب، أو الربيع. فإنه قد يستغني الراعي عن الماء. والله أعلم. [شرح أبيات المغني/ 7/ 323 وابن عقيل/ 2/ 44، والخصائص/ 2/ 431، والشذور/ 240، والأشموني/ 2/ 140 والمرزوقي/ 1147، وشرح التصريح/ 1/ 346، والهمع/ 2/ 130].

4 - إذا رضيت عليّ بنو قشير … لعمر الله أعجبني رضاها
البيت - للقحيف العقيلي من أبيات يمدح فيها حكيم بن المسيّب القشيري.
والشاهد: رضيت عليّ. فإنّ «على» فيه بمعنى «عن» لأن رضي يتعدى ب «عن». لقوله تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: 119] وقد حمل الشاعر (رضي) على ضده، وهو سخط فعّداه بالحرف الذي يتعدى به ضده، وهو «على» والعرب تحمل الشيء على ضده كما تحمله على نظيره. [شرح أبيات المغني/ 7/ 195، وشرح التصريح/ 2/ 14، وابن عقيل/ 2/ 126، والهمع/ 2/ 28].

5 - تقول عرسي وهي لي في عومره … بئس امرأ وإنني بئس المره
لا يعرف قائل هذا الرجز. والعومرة: الصياح والصخب.
والشاهد: بئس امرأ. حيث رفع بئس ضميرا مستترا، وقد فسّر التمييز بعده - امرأ - هذا الضمير. وخبر إنني - إما جملة بئس، وهو شاذ، لأنه جملة إنشائية أو مؤول على تقدير قول محذوف يقع خبرا لإنّ، وتقع هذه الجملة مقولة له. [الأشموني/ 3/ 32،
(3/312)

وقد مرّ في حرف الراء].

6 - أحجّاج لا تعطي العصاة مناهم … ولا الله يعطي للعصاة مناها
تقوله ليلى الأخيلية في مدح الحجاج بن يوسف.
والبيت شاهد على أنّ اللام زيدت شذوذا مع أحد المفعولين المتأخرين عن الفعل المتعدي. ويروى البيت (ولا الله لا يعطي العصاة مناها» ولا شاهد فيه. [شرح أبيات المغني/ 4/ 318، والهمع/ 2/ 33، وشرح التصريح/ 2/ 11].

7 - بربّك هل ضممت إليك ليلى … قبيل الصّبح أو قبّلت فاها
وهل مالت عليك ذؤابتاها … كمثل الأقحوانة في نداها
للمجنون العامري، وقد مرّ ذات يوم بزوج ليلى.
والبيت الأول شاهد على أن القسم الاستعطافي يجب أن يكون جوابه جملة إنشائية كما في البيت ... فإن جملة «هل ضممت» جواب قوله: بربك .. وهو قسم استعطافي.
[شرح أبيات المغني/ 4/ 318، والهمع/ 2/ 33، وشرح التصريح/ 2/ 11].

8 - عهدت سعاد ذات هوى معنّى … فزدت وعاد سلوانا هواها
.. ذات هوى - بالنصب، حال من مفعول عهدت، وهو سعاد. ومعنّى: حال من فاعل عهدت، وهو التاء. والمراد بالمعنّى: العاشق. يقول: كنت وسعاد متحابين فأما أنا، فصرت إلى ازدياد، وأما هي فصارت إلى السلو والنسيان. [شرح أبيات المغنى/ 7/ 195، والأشموني/ 1/ 863، والعيني/ 3/ 180].

9 - فما رجعت بخائبة ركاب … حكيم بن المسيّب منتهاها
قاله القحيف العقيلي في مدح حكيم بن المسيب القشيري. والقحيف شاعر إسلامي والبيت شاهد على أن الباء زيدت في الحال المنفية (بخائبة). [شرح أبيات المغني/ 2/ 391، والهمع/ 1/ 127، والخزانة/ 10/ 137].

10 - إنّ أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها
منسوب إلى أبي النجم، وقيل لغيره.
(3/313)

والبيت شاهد على استخدام المثنى بالألف دائما وهو «غايتاها» وحقه «غايتيها» واستخدام الأسماء الخمسة بالألف في قوله «وأبا أباها» وهو في الأصل، وأبا أبيها. وكان الظاهر أن يقول «بلغا في المجد غايتيه» بضمير المذكر الراجع إلى المجد، لكنه أنث الضمير لتأويل المجد بالأصالة، والمراد بالغايتين: الطرفان من شرف الأبوين، كما يقال:
أصيل الطرفين. [شرح أبيات المغني/ 1/ 193، وشرح التصريح/ 1/ 65، وابن عقيل/ 1/ 46، والهمع/ 1/ 39، والأشموني/ 1/ 70، والشذور/ 48، وشرح المفصل/ 1/ 53].

11 - وكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم … إلا نميرا أطاعت أمر غاويها
الظاعنين ولمّا يظعنوا أحدا … والقائلون، لمن دار نخلّيها
لابن حماط العكلي ... ونمير: قبيلة. والغاوي: المغوي ... أي يخافون عدوهم لقلتهم وذلتهم فيحملهم ذلك على الظعن والهجرة، ولما يظعنوا أحدا أي: لا يخافهم عدّوهم فيظعن عن داره خوفا.
وقوله: لمن دار نخليها: أي: إذا رحلوا عن دار لم يعرفوا من يحلها بعدهم، لخوفهم من القبائل طرّا.
والشاهد: نصب الظاعنين، بإضمار فعل، ورفع «القائلون» على إضمار مبتدأ، لما قصد من معنى الذم فيهما، ولو أراد الوصف لأجراه على ما قبله نعتا له. [سيبويه/ 1/ 249، والإنصاف/ 480، والخزانة/ 5/ 42].

12 - فأيّي ما وأيّك كان شرّا … فسيق إلى المقامة لا يراها
للعباس بن مرداس. والمقامة: بالضم: المجلس وجماعة الناس: والمراد: أعماه الله حتى صار يقاد إلى مجلسه - وجيء بالفاء في قوله: فسيق؛ لأنه دعاء، فهو كالأمر في وجوب الفاء.
والشاهد: إفراد (أي) لكل واحد من الاسمين وإخلاصهما له توكيدا والمستعمل إضافتها إليهما معا فيقال: أيّنا، و «ما» زائدة للتوكيد. وأيّي: مبتدأ، وأيّك: معطوف عليه، واسم كان ضمير، أي: أيّنا، وشرا: خبره. والجملة خبر المبتدأ. وجملة: لا يراها، حال من ضمير «سيق» ويروى «فقيد». يدعو على الشرّ منهما، أي: من كان منّا
(3/314)

شرا أعماه الله في الدنيا، فلا يبصر حتى يقاد إلى مجلسه [الخزانة/ 4/ 367، وسيبويه/ 1/ 399، وشرح المفصل/ 2/ 231].

13 - لعمرك ما إن أبو مالك … بوان ولا بضعيف قواه
هذا البيت، للشاعر المتنّخل الهذلي (مالك بن عويمر) شاعر جاهلي.
وقوله: لعمرك: اللام، لام الابتداء لتوكيد مضمون الجملة. وعمرك: بفتح العين:
بمعنى حياتك: مبتدأ خبره محذوف. وأبو مالك: هو أبو الشاعر واسمه عويمر. وان:
اسم فاعل من ونى في الأمر، بمعنى ضعف، وفتر. يريد: أن أباه كان جلدا شهما لا يكل أمره إلى أحد.
والبيت شاهد على أن الباء تزاد بعد ما النافية المكفوفة بإن اتفاقا وهذا يدل على أنه لا اختصاص لزيادة الباء في خبر ما الحجازية.
والبيت من قطعة يرثي بها أباه، ومنها بعد البيت الشاهد:
ولكنّه هيّن ليّن … كعالية الرّمح عرد نساه
إذا سدته سدت مطواعة … ومهما وكلت إليه كفاه
ألا من ينادي أبا مالك … أفي أمرنا هو أم في سواه
أبو مالك قاصر فقره … على نفسه ومشيع غناه
ومعنى كونه لينا كعالية الرمح، أنه إذا دعي أجاب كعالية الرمح، فإنه إذا هزّ الرمح اضطرب، وانهزّ للينه، وعرد شديد: والنّسا: عرق في الفخد، والضمير يعود لأبي مالك.
[الخزانة/ 4/ 146، والهمع/ 1/ 127، والأشموني/ 1/ 252 والشعر والشعراء/ 553، وقال: إن الشاعر يرثي أخاه].

14 - إذا ما ترعرع فينا الغلام … فما إن يقال له: من هوه؟
والشاهد: هوه: فإذا وقفت على «هو، وهي» قلت: هو، وهي، بإسكان الواو والياء، و «هوه، وهيه» بزيادة هاء السكت. وفي القرآن: وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ [القارعة: 10] وهذا في لغة من فتح الواو والياء في «هو وهي» في الوصل. أما من سكّنها في درج الكلام، فلا يقف بهاء السكت، بل بالواو والياء ساكنين، كما ينّطق بهما كذلك في الدّرج.
(3/315)

والبيت منسوب لحسان بن ثابت في قصة غريبة. فقد نقل البغدادي في خزانة الأدب (ج 2/ 428) أنّ السعلاة لقيت حسان بن ثابت في بعض طرقات المدينة، وهو غلام قبل أن يقول الشعر، فبركت على صدره، وقالت: أنت الذي يرجو قومك أن تكون شاعرهم؟
قال: نعم. قالت: فأنشدني ثلاثة أبيات على رويّ واحد، وإلا قتلتك، فقال:
إذا ما ترعرع فينا الغلام .. البيت.
إذا لم يسد قبل شدّ الإزار … فذلك فينا الذي لا هوه
ولي صاحب من بني الشيصبان … فحينا أقول وحينا هوه
فخلّت سبيله.
والسعلاة: ساحرة الجن، أو أنثى الغيلان. والشيصبان: ابن جنّي، من الجن.
وقد ذكرت قصة الأبيات التي منها الشاهد، لغرابتها، وتطلية القواعد النحوية وتسلية القارئ. وليس اعتقادا بصحتها. ولو أردنا أن نحقق صحة نسبة الأخبار الأدبية إلى أصحابها، لنفينا أكثر ما ورد في كتب الأدب. ومع ذلك فإننا نستمتع بقراءته، ولا نفكّر في صدقه أو كذبه، لأن الإمتاع الفني يتأثر بالنصّ ولا يبحث عن القائل. ولكننا عند ما نريد استنباط أحكام تاريخية من النصّ نحرص على تحقيق سنده ومتنه. وتاريخ اللغة من التواريخ التي يجب أن نحقق نصوصها. [شرح المفصل/ 9/ 84، واللسان «شصب].

15 - ولقد أرى تغنى به سيفانة … تصبي الحليم ومثلها أصباه
البيت لرجل من باهلة. وصف منزلا خلا من أهله. تغنى به: تقيم. والسيفانة: المرأة الممشوقة الشبيهة بالسيف في إرهافه، وتصبي الحليم: تدعو إلى الصبا. أراد: لقد أرى سيفانة، تغنى به سيفانة. فالفعل الأول معمل في المعنى فقط، والآخر معمل في اللفظ والمعنى. [سيبويه/ 1/ 77 هارون].

16 - أيا من لست أقلاه … ولا في البعد أنساه
لك الله على ذاك … لك الله لك الله
لا يعرف قائل هذا الهزج المرقص، وأنشدوه شاهدا على التوكيد اللفظي بتكرير الجملة. «لك الله، لك الله» ويروى الشطر الأول: أيا من لست ألقاه. وعلى الرواية
(3/316)

المثبتة «أقلاه» بمعنى أبغضه، قال العيني: يقلاه: لغة طيّئ، والبيت على لغتهم.
[الأشموني/ ج 3/ 80، والعيني في حاشيته. والهمع ج 2/ 175].

17 - فلا تصحب أخا الجهل … وإيّاك وإيّاه
لا يعرف قائل هذا الهزج وأنشده السيوطي في باب التحذير، وقال: ولا يكون المحذور ظاهرا ولا ضمير غائب، إلا وهو معطوف، وأنشد البيت شاهدا لضمير الغائب.
وأوّله بقوله «أي: باعد منه، وباعده منك». [الهمع ج 1/ 170، والدرر ج 1/ 145].

18 - إنما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه
لم يذكروا الشاعر الذي قاله. ويبدو أنه كلام قديم، فقد استشهد ابن منظور، بما يشبه البيت، ولم ينسبه، وهو قوله:
إنما يصطنع المعروف في الناس ذووه
قال ابن يعيش، يرحمه الله، في مبحث الأسماء الخمسة: وأما «ذو» فلا تستعمل إلا مضافة ولا تضاف إلا إلى اسم جنس من نحو «مال، وعقل» ونحوهما، ولا تضاف إلى صفة ولا مضمر فلا يقال: ذو صالح، ولا طالح، ولا يجوز «ذوه» و «ذوك» لأنها لم تدخل إلا وصلة إلى وصف الأسماء بالأجناس، كما دخلت «الذي» وصلة إلى وصف المعطوف بالجمل وكما أتي بأي، وصلة إلى نداء ما فيه ال، في قولك «أيها الرجل».
قال: وقد جاء مضافا إلى المضمر (وأنشد البيت) قال: والذي جسّر على ذلك كون الضمير عائدا إلى اسم الجنس، وأضعف من ذلك، قول من يقول: اللهم صل على محمد وذويه» لأن الضمير لا يعود إلى جنس، والذي حسنه قليلا: أنها ليست بصفة موجودة الموصوف، فجرت مجرى ما ليس بصفة ونقل ابن منظور عن ابن بري. قوله:
إذا خرجت (ذو) عن أن تكون وصلة إلى الوصف بأسماء الأجناس، لم يمتنع أن تدخل على الأعلام والمضمرات. ومن أمثلة الأعلام قولهم: ذو الخلصة. والخلصة، اسم علم لصنم، وذو كناية عن بيته، ومثله «ذو رعين، وذو جدن، وذو يزن» وهذه كلها أعلام.
[اللسان - ذو، وشرح المفصّل ج 1/ 53، ج 3/ 38، والهمع ج 2/ 50].

19 - ألا يا عمرو عمراه … وعمرو بن الزّبيراه
(3/317)

غير منسوب. ويظهر أنه كلام قديم، إن كان المنادى المندوب عمرو بن الزبير ابن العوّام. قال الأشموني: إنّ الهاء التي في آخر الاسم المندوب لا تثبت وصلا، وربما ثبتت في الضرورة، مضمومة ومكسورة، وأجاز الفرّاء إثباتها في الوصل، بالوجهين، ومنه قوله (وأنشد البيت). قال الصبّان: الشاهد في «عمراه» في نهاية الشطر الأول لأن محل الوصل العروض، وأما الضرب فمحل وقف (الزبيراه) وفي الوقف تزاد الهاء قال:
وقد يقال: العروض هنا مصرّعة، فهي في حكم الضرب، فتكون أيضا محل وقف فلا شاهد فيه، وعمرو الأول منادى، وعمراه، تأكيد للمنادى ومندوب. [الأشموني ج 3/ 171، والعيني].

20 - لها أشارير من لحم تتمّره … من الثّعالي ووخز من أرانيها
البيت للنمر بن تولب. يذكر راحلته، ويشبهها بعقاب. وقبل البيت:
كأنّ رحلي على شغواء حادرة … ظمياء قد بلّ من طلّ خوافيها
والشغواء: العقاب، سميت بذلك لاعوجاج منقارها. والشّغاء: العوج والحادرة:
الغليظة. والظمياء، فسرها ابن منظور مرة: المائلة إلى السواد. ومرة: العطشى الى الدّم.
والخوافي: قصار ريش جناحها.
وأشارير: جمع إشرارة، وهي القطعة من القديد. تتمّره، تيّبسه. والتتمير: أن يقطع اللحم صغارا ويجفف. والثعالي: الثعالب. والأراني: الأرانب. والوخز: شيء ليس بالكثير، قال ابن منظور: يقول: إن هذه العقاب تصيد الأرانب والثعالب. قلت: لكن قوله «من أرانيها»: يعني أرانبها، كأن الهاء تعود إلى الثعالي.
ولعله يريد: أن هذه العقاب تتمّر اللحم مما تأخذه مما تصيده الثعالب من الحيوانات الكبيرة التي لا تستطيع أكلها فيبقى منه شيء تأخذه العقاب. أما الأرانب لصغرها فإنها تأكلها، ولا يبقى منها إلّا «وخز» أي: قليل. و (من) قبل الثعالي للابتداء، كما تقول:
أخذت القلم من أحمد. أو تكون على حذف مضاف تقديره من لحم تتركه الثعالي، فتكون للتبعبض. وأما «من» الأخيره، فهي للتبعيض والله أعلم.
والشاهد في البيت: الثعالي، والأراني: أبدل من الباء - موحدة - (ياء) مثناة، قال بعضهم: يجوز في جمع ثعلب وأرنب: ثعال، وأران وقال سيبويه، لا يجوز إلا في
(3/318)

الشعر. [اللسان رنب، وثعلب، وتمر وسيبويه ج 1/ 344، وشرح المفصل/ ج 10/ 24، والأشموني ج 4/ 284 والهمع ج 1/ 181].

21 - يا باري القوس بريا لست تحسنها … لا تفسدنها وأعط القوس باريها
لم يعرف قائله. وآخره المثل المشهور «أعط القوس باريها» أي: استعن على عملك بأهل المعرفة والحذق فيه. وأوردوه، أو أوردوا المثل على أنه قد يقدّر النصب على الياء في السعة. فأعط: أمر، من أعطى الذي ينصب مفعولين. والقوس أولها، وباريها:
الثاني، وآخره ياء (باري) وحقّ الفتحة أن تظهر على الياء ولكن سكن الياء، وقدّر الفتحة. وهذا له أمثلة كثيرة في الشعر. ولكن سبب التقدير في البيت، لأنه مثل مروي على هذه الصورة. ولو قرأته بإظهار الفتحة لا يفسد البيت. ولكن يظهر أن البيت ركّب على المثل، ولم يكن المثل جزءا من البيت في الأصل. لأنه يروى في كتب الأمثال:
«أعط القوس باريها».
قال أبو أحمد: الأمثال العربية تمثل حال المجتمع، وكانت العرب أمّة حرب في جاهليتها وأمّة جهاد في إسلامها، فجاء هذا المثل واصفا جوانب من حياتها. وفي العصر الحديث، صارهمّ العرب لقمة الخبز فجاءت أمثلتهم في اتقان الصنعة تمثل اهتماماتهم، فقالوا في معنى «أعط القوس باريها»: «أعط الخبز لخبّازه ولو أكل نصفه». أرأيت الدّرك الأسفل الذي انحططنا إليه. أقول هذا في أواخر سنة 1413 ه، وأقول: لعلها سياسة فرضت علينا، لاستئصال روح الجهاد من نفوسنا، وإشغالنا بالطعام، دون أن نصل إلى الطعام إلا بشقّ الأنفس ومما يدلك على هذا، أنه عند ما تحركت الروح الجهادية في نفوس الشباب وصفوها، بالتطرف، وهم يذكرون التطرف في الدين، ولكنهم يريدون حماسة الجهاد للدفاع عن ... [الخزانة ج 8/ 349، وشرح شواهد الشافية 411] والبيت منسوب إلى الحطيئة وليس في ديوانه.

22 - بآية الخال منها عند برقعها … وقول ركبتها قض حين تثنيها
لمزاحم بن عمرو السّلولي. والآية: العلامة. والخال: شامة سوداء في البدن وقيل:
هي نكتة سوداء في البدن ويقال لما لا شخص له شامة، وما له شخص (خال) ولا فعل له. وأحسن ما يكون في الوجه، أو في الوجنة. فقال بعضهم يشبب بأسود أو سوداء:
(3/319)

الناس تعشق من خال بوجنته … فكيف إن كان حبّي كلّه خال
وقض: بكسر القاف، حكاية صوت الركبة إذا صاتت. والبيت أنشده السيوطي، شاهدا لإضافة «آية» بمعنى علامة، إلى الجملة، الاسمية.
فقوله: الخال: مبتدأ و «عند» خبره. [الهمع ج 2/ 50، واللسان (قضض)].

23 - صبحنا الخزرجيّة مرهفات … أبار ذوي أرومتها ذووها
البيت لكعب بن زهير.
وقوله: صبحنا: معناه أتيناهم وقت الصبح. والمرهفات السيوف القواطع. وأبار:
أفنى وأباد. والأرومة: الأصل.
والشاهد فيه «ذووها» فقد أضافها الشاعر إلى الضمير. ويعدون هذا شاذا لأن الأكثر، أن تضاف «ذو» إلى اسم جنس. كقولنا: فلان ذو مال، وذو عيال. وانظر في حرف الهاء الشاهد (إنما يعرف .. ذووه). فقد بسطنا القول في حكم «ذو». [شرح المفصل ج 1/ 53، وج 3/ 36، والهمع ج 2/ 50، وديوان الشاعر].

24 - أشدّ على الكتيبة لا أبالي … أحتفي كان فيها أم سواها
البيت للعباس بن مرداس. وقد احتج الكوفيون بالبيت على أن «سوى» تكون ظرفا وتكون اسما، واحتجوا على أنها تكون اسما بمنزلة «غير» ولا تلزم الظرفية أنهم يدخلون عليها حرف الجرّ. والتقدير في البيت: أحتفي كان فيها أم في سواها. ويرى البصريون أنها لا تكون إلا ظرفا، وأجابوا عن شواهد الكوفيين أنها من ضرورة الشعر. والحقّ في المسألة مع الكوفيين، لأنهم جاءوا بأربعة شواهد شعرية لشعراء فحول. وأربعة شهداء يثبت بهم حدّ الرّجم، فهي كافية لإثبات صحة كلام الكوفيين. أما قولهم: ضرورة شعرية فهذه مماحكة باطلة، لطخوا بها جبهة الشعر العربي الناصعة، حتى أصبح المرء يظنّ أن الشعر العربي، لا يساير لغة العرب، أو أن الشعراء يجهلون لغتهم، مع أن الشاعر لا يستعمل الكلمة إلا إذا مزجها بدمه وقلبه، وعرف أنها تكون ذات أثر في السامعين.
فالشاعر لا يقول لنفسه فقط وإنما يقول للناس، وبخاصة شعر الفخر والحرب، والغزل.
فإذا استخدم لفظة مما لا يألفه الناس، فكيف يصل أثر كلامه إلى الناس. [الخزانة، ج 3/ 438، والإنصاف ص 296].
(3/320)

25 - ما بال همّ عميد بات يطرقني … بالواد من هند إذ تعدو عواديها
البيت للشاعر، هبيرة بن وهب، أو كعب بن مالك. والعميد: والمعمود: الذي بلغ الحبّ منه، شبه بالسنام الذي انشدخ انشداخا، والواد: بدون الياء، هو الوادي، بالياء، ولكنهم قد يكتفون بالكسرة الدالة على الياء. [الإنصاف ص 389 والسيرة ص 612].

26 - إنّا - بني منقر - قوم ذوو حسب … فينا سراة بني سعد وناديها
البيت للشاعر عمرو بن الأهتم. وسراة القوم: أشرافهم. والنادي: المجلس. والشاهد - بني منقر - «بني» منصوب بفعل محذوف، تقدير أذكر أو أمدح، وإنّا: إنّ واسمها وقوم: خبرها. ولو رفع «بني» على الخبرية لجاز لغة ونحوا، ولكنه يكون أقلّ بلاغة.
[سيبويه ج 1/ 327، والنحاس 227، والهمع ج 1/ 171].

27 - وأشرب الماء ما بي نحوه عطش … إلّا لأنّ عيونه سيل واديها
البيت مجهول.
والشاهد «عيونه» بتسكين الهاء دون مدّ. وهذا كان يغتفر في الوقف، أما هذا، فقد أسكن في الوصل. وقالوا: إنها لغة لأزد السراة.
وقوله واديها: قد يفهم من عود الضمير المؤنث، أنه يقصد المحبوبة. ولكن الذي ذاق مرارة الغربة عن الوطن، وأحس بالظمأ إلى ربوعه، يفسر هاء التأنيث، أنها راجعة إلى الأرض، أو الربوع، أو الجبال. [الخزانة ج 5/ 270، وج 6/ 450، والخصائص/ ج 1/ 371، وج 2/ 18، والهمع ج 1/ 59 واللسان (ها)] ويروى أيضا «عيونه اسم واديها)].

28 - إنّي لأكني بأجبال عن اجبلها … وباسم أودية عن ذكر واديها
مجهول. وفيه أنه حرك نون «عن» ووصل همزة القطع في «أجبل» وأضاف «اسم» إلى الأودية، فاستعمل المفرد مكان الجمع، والأصل «بأسماء أودية». [الخصائص ج 3/ 59، والأغاني ج 5/ 1976، 1978].

29 - يا دار هند عفت إلا أثافيها … بين الطّويّ فصارات فواديها
(3/321)

البيت للحطيئة: الأثافي: جمع أثفية، وهي الحجارة التي توضع عليها القدر. والطويّ بتشديد الياء، وصارات: اسمان للمكانين. والاستثناء في إلا أثافيها: تام موجب - وحقه أن ينصب بتحريك الياء في أثافيها، لأن الياء تظهر عليها الفتحة ولكن الشاعر سكّن الياء وقدّر النصب، ضرورة. ويحتمل أن تكون «أثافيها» مرفوعة من قبيل الحمل على المعنى، لأن «عفت» بمعنى انمحت، وكأنه قال: لم يتبق إلا أثافيها، وهذان التأويلان على تقدير أن الأثافي، مخففة الياء المنقوصة (أثافي) بدون تشديد وإلا فهناك لغة أقوى بتشديد الياء (أثافيّها) ولكنها لا تصلح للقراءة هنا، مع صحة الوزن بها، لأن البيت مصرّع، فإذا قرأنا بالتحريك، والتشديد اختلفت موسيقا العروض عن الضرب. [ديوان الحطيئة، وسيبويه ج 2/ 55، وشرح المفصّل ج 10/ 102].

30 - قبيلة ألأم الأحياء أكرمها … وأغدر الناس بالجيران وافيها
لحسان بن ثابت. أنشده السيوطي شاهدا على جواز تقديم الخبر على المبتدأ إذا تساوى المبتدأ والخبر في التعريف. وهنا: أكرمها مبتدأ، وألأم خبر، أي: أكرمها ألأم الأحياء، وسوّغ التقديم وجود قرينة مانعة من التوهم بابتدائية الخبر، إذ المراد الإخبار عن «أكرمها» بأنه ألأم الأحياء. وعن «وافيها بأنه أغدر الناس». [الهمع/ 1/ 102، والدرر برقم «328».

31 - أليس عجيبا بأنّ الفتى … يصاب ببعض الذي في يديه
البيت لمحمود الورّاق بن الحسن - متوفى في خلافة المعتصم في حدود سنة 230 ه وأكثر شعره في الوعظ.
والبيت شاهد على أنّ الباء قد زيدت في اسم ليس المؤخر. وترتيب الكلام: أليس مصاب الفتى. عجيبا.
والبيت مع بيتين بعده، هما:
فمن بين باك له موجع … وبين معزّ مغذّ إليه
ويسلبه الشّيب شرخ الشباب … فليس يعزّيه خلق عليه
[شرح أبيات المغني ج 2/ 385، والمغني، وحاشية الأمير 1/ 102].

32 - لولا تعوجين يا سلمى على دنف … فتخمدي نار وجد كاد يفنيه
(3/322)

مجهول: ولولا: للتحضيض، والحث. وتعوجين: مضارع مرفوع بثبوت النون فتخمدي: الفاء سببية، وتخمدي مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء، في جواب الطلب الذي هو التحضيض ب «لولا» هنا. [الأشموني ج 3/ 303، والهمع ج 2/ 12].

33 - إذا سدته سدت مطواعة … ومهما وكلت إليه كفاه
البيت للمتنخّل الهذلي من قطعة يرثي بها أباه.
وقوله: سدته: ذكروا معنيين: الأول: إذا ساررته، من المساودة، التي هي المساررة.
والثاني: سدت من السيادة. يعني إذا كنت فوقه سيدا له، طاوعك ولم يحسدك، وإن وكلت إليه شيئا كفاك ولعلّ الذي جاء بالمعنى الأول، نظر إلى طبيعة العرب وحبّها السيادة، وكون الشاعر يرثي أباه، ويذكر له من محامد العرب ما يرفع شأنه.
والبيت شاهد على أن «مهما» اسم، بدليل رجوع الضمير إليه، وهو الهاء من كفاه، والضمير لا يرجع إلا إلى اسم وأما الضمير في إليه، فراجع إلى الممدوح. وكون «مهما» اسما، ظاهر في كل ما تعبر بها عنه، فلا داعي للخصام أو الخصومة، أو المخاصمة.
[الخزانة ج 4/ 147، وج 9/ 76، وشرح المفصل ج 7/ 43].

34 - يا با المغيرة ربّ أمر معضل … فرجته بالمكر منّي والدّها
البيت لأبي الأسود الدؤلي، في أمالي ابن الشجري 2/ 16، والمقرّب 2/ 199 وقد يروى من باب الألف اللينة.

35 - مبارك هو ومن سمّاه … على اسمك اللهمّ يا الله
رجز غير منسوب، في الإنصاف/ 339، واللسان «أله».

36 - عدا سليمى وعدا أباها
رجز غير منسوب. واستشهد به السيوطي في «الهمع» على أنّ «عدا» إذا نصب ما بعدها، فهي فعل، وما بعدها منصوب به على المفعولية. [الهمع/ 232، والدرر/ 1/ 196].

37 - طاروا علاهنّ فطر علاها … واشدد بمثنى حقب حقواها
(3/323)

هذا رجز غير منسوب. وطار القوم: أي: نفروا مسرعين. والمراد: ارتفعوا على إبلهم، فارتفع عليها. والحقب: حبل يشدّ به الرحل إلى بطن البعير. وحقواها مثنى حقو، هو الخصر ومشدّ الإزار.
والشاهد: علاهنّ، وعلاها: وهي لغة قوم من العرب لا يقلبون الألف ياء من «على» مع المضمر، في «علاهنّ»، وعلاها. والأصل: عليهنّ، وعليها. وكذلك في المثنى، فقال: «حقواها» بالألف، والأصل «حقويها» لأنه مثنى مفعول به. [الخزانة/ 7/ 113، وشرح المفصل/ 3/ 34، ونوادر أبي زيد/ 58، 164، والخصائص ج 2/ 269].

38 - تمدّ بالأعناق أو تلويها … وتشتكي لو أنّنا نشكيها
رجز غير منسوب. يصف إبلا قد أتعبها، فهي تمدّ أعناقها، والإبل إذا أعيت ذلّت ومدّت أعناقها أو لوتها.
وقوله: تشتكي. يقول: قد ظهر بهذه الإبل من الكلال ما لو كانت ناطقة لشكته وذكرته، فظهور مثل ذلك بها يقوم مقام شكوى اللسان. ونشكيها: بضم النون، مضارع أشكيته، إذا نزعت عنه شكاتيه. والرجز شاهد على أن مجيء المضارع خبر أنّ الواقعة بعد «لو» قليل. والكثير، الماضي. [الخزانة/ 11/ 316، والخصائص/ 3/ 77، واللسان «شكا»].

39 - في كلّ يوم ما وكلّ ليلاه … حتّى يقول من رآه إذ راه
يا ويحه من جمل ما أشقاه
رجز غير منسوب. واستشهدوا به على أن «ليلاه» قد استعملت قليلا، فلذلك جعلوا الليالي مجموعة عليها. وقال ابن جنّي في باب «الاستغناء بالشيء عن الشيء» ومن ذلك استغناؤهم بليلة عن «ليلاة» بالهاء المنقوطة، وعليها جاءت «ليال» و «راه» بحذف عين الفعل، وهي الهمزة. [شرح أبيات المغني/ 1/ 280، والخصائص/ 1/ 267، وشرح المفصل/ 5/ 73 واللسان «ليل»].
(3/324)

قافية الواو، والياء، والألف اللينة
1 - وكم موطن لولايّ طحت كما هوى … بأجرامه من قلّة النّيق منهوي
البيت من قصيدة ليزيد بن الحكم الثقفي، المتوفى سنة 105 ه عاتب فيها ابن عمّه.
وكم، لإنشاء التكثير، خبرها، تقديره «لي» والموطن: الموقف من مواقف الحرب.
وطاح: هلك والجملة وصف لموطن. وقد سدت مسدّ جواب لولا عند من يجعلها على بابها أو الجملة الشرطية كلها
في موضع الصفة. وهوى: سقط. والأجرام: جمع جرم بالكسر، وهو الجسد. والقلّة: ما استدار من رأس الجبل. والنيق: أعلى الجبل.
والشاهد: الإتيان بضمير الخفض بعد لولا، وهي من حروف الابتداء، ووجه ذلك أنّ المبتدأ بعد لولا لا يذكر خبره فأشبه المجرور في انفراده، والأكثر أن يقال، لولا أنت.
واختلفوا في موضع الياء والكاف بعد لولا فقال سيبويه، موضعه جرّ، وحكاه عن الخليل ويونس وقال الأخفش الكاف والياء في: لولاك ولولاي في موضع رفع. [الخزانة/ 5/ 336، وسيبويه/ 1/ 388، والخصائص/ 2/ 259، والانصاف/ 691، وشرح المفصل/ 3/ 118، والهمع/ 2/ 33، والأشموني/ 2/ 206 وحاشية ياسين/ 1/ 310].

2 - فليت كفافا كان خيرك كلّه … وشرّك عني ما ارتوى الماء مرتوي
من قصيدة البيت السابق، ليزيد بن الحكم الثقفي، ومطلعها:
تكاشرني كرها كأنّك ناصح … وعينك تبدي أنّ صدرك لي دوي
وقوله: دوي. أي: انطوى على حقد. قال ابن هشام: من مشكل باب «ليت» قول الشاعر. وإشكاله من أوجه:
1 - عدم ارتباط خبر ليت باسمها، إذ الظاهر أن «كفافا» اسم ليت وأن كان تامة وأنها وفاعلها الخبر. ولا ضمير في هذه الجملة.
(3/325)

2 - تعليقه (عن) بمرتوي.
3 - إيقاعه الماء فاعلا بارتوى، وإنما يقال: ارتوى الشارب.
والجواب: عن الأول: أن «كفافا» خبر ل «كان» مقدم عليها وهو بمعنى «كاف» واسم ليت محذوف للضرورة أي: فليتك أو: فليته أي: فليت الشأن، ومثله قول الشاعر:
عدي بن زيد.
فليت دفعت الهمّ عني ساعة … فبتنا على ما خيّلت ناعمي بال
[وقوله: على ما خيّلت: أي: على كل حال].
وخيرك: اسم كان. وكله توكيد له. والجملة: خبر ليت. وأما وشرّك: فيروى بالرفع، عطفا على «خيرك» فخبره إما محذوف تقديره «كفافا» فمرتو فاعل بارتوى. وإما مرتو، على أنه سكن للضرورة.
وروي بالنصب: (أي: وشرّك) إمّا على أنه اسم ل: ليت، محذوفة وسهل حذفها تقدم ذكرها. وإمّا على العطف على
اسم ليت المذكورة إن قدّر ضمير المخاطب، فأما ضمير الشأن فلا يعطف عليه لو ذكر: فكيف وهو محذوف. ومرتو على الوجهين:
مرفوع، إمّا لأنه خبر «ليت» المحذوفة، أو لأنه عطف على خبر «ليت» المذكورة والجواب عن الإشكال الثاني: بأنه ضمّن «مرتو» معنى (كافّ) لأنّ المرتوي يكفّ عن الشرب.
والجواب عن الإشكال الثالث: أنه إمّا على حذف مضاف، أي: شارب الماء وإمّا على جعل «الماء» مرتويا مجازا. ويروى «الماء» بالنصب على تقدير (من) كما في قوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الأعراف: 155]. ففاعل ارتوى على هذا «مرتو» كما تقول: ما شرب الماء شارب [الخزانة/ 10/ 472، والإنصاف/ 184، وشرح أبيات المغني ج 5/ 180].

3 - جمعت وفحشا غيبة ونميمة … ثلاث خلال لست منها بمرعوي
هذا البيت من قصيدة ليزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي، عاتب فيها ابن عمه عبد الرحمن بن عثمان بن أبي العاص. - وقيل: في عتاب أخيه عبد ربّه ابن الحكم.
(3/326)

والبيت شاهد على جواز تقدم المفعول معه على المعمول المصاحب. والأصل:
جمعت غيبة وفحشا. وهذا في ضرورة الشعر. [الخزانة/ 3/ 130، والخصائص/ 2/ 383، والهمع/ 1/ 220، والأشموني/ 2/ 137].

4 - يطالبني عمّي ثمانين ناقة … ومالي يا عفراء إلا ثمانيا
هذا البيت من قصيدة لعروة بن حزام العذري. وذكروه على أنّ الفرّاء يجيز النصب على الاستثناء المفرّغ، فإن المستثنى منه محذوف تقديره، ومالي نوق إلا ثمانيا.
ولكن هذا البيت من قصيدة نونية مكسورة النون، أولها:
خليليّ من عليا هلال بن عامر … بصنعاء عوجا اليوم وانتظراني
ورواية البيت:
يكلّفني عمي ثمانين بكرة … ومالي يا عفراء غير ثمان
وعلى هذا فالاستثناء على الطريقة المألوفة، وعروة بن حزام من عذرة أحد عشاق العرب المشهورين، كان في مدّة معاوية بن أبي سفيان أحب ابنة عمّه عفراء، ثم كانت لغيره، فقال في الحنين إليها شعرا رقيقا يعدّ. مع الشعر
العذريّ. من أعذب وأرق الشعر الذي قالته العرب. وأنت إن جعلت الأسماء في هذا الشعر رمزا، فإنك تجده ممثلا حالة كل من أحبّ. أحبّ وطنا فحرم منه وأحبّ أهلا فاغترب عنهم، وحنّ إليهم، وتشوّق إلى الأحضان الحانية. كلّ محبّ يصاب بما أصيب به عروة بن حزام، ويسليه من يسليه لعله ينسى، أو يصحّ فما إلى ذلك سبيل، وما يكون الدواء إلا باللقاء، وما أكثر ما ننشد مع عروة:
جعلت لعرّاف اليمامة حكمه … وعرّاف حجر إن هما شفياني
فما تركا من حيلة يعلمانها … ولا سلوة إلا بها سقياني
فقالا: شفاك الله والله ما لنا … بما حمّلت منك الضلوع يدان
وأنشد:
وعينان: ما أوفيت نشزا فتنظرا … بمأقيهما إلا هما تكفان
كأن قطاة علّقت بجناحها … على كبدي من شدّة الخفقان
(3/327)

5 - وإنّك إذ ما تأت ما أنت آمر … به تلف من إيّاه تأمر آتيا
والمعنى: إذا كنت تفعل ما تأمر الناس بفعله فإنهم يتأثرون بأوامرك فيفعلون ما تأمرهم به يريد: إنه ينبغي للإنسان أن لا يأمر بشيء إلا بعد أن يكون هو آتيا به.
والشاهد: إذما تأت. حيث جزم. بإذما فعلين، أولهما «تأت» وثانيهما «تلف».
[الأشموني/ 4/ 11].

6 - تعزّ فلا شيء على الأرض باقيا … ولا وزر مما قضى الله واقيا
الشاهد: قوله: لا شيء باقيا و «لا وزر واقيا» حيث أعمل، لا النافية في الموضعين عمل ليس. [الشذور، والهمع/ 1/ 125، والأشموني/ 1/ 253، وشرح أبيات المغني/ 4/ 377].

7 - إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى … فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
لأبي الطيب المتنبي. والتمثيل به في قوله: لا الحمد مكسوبا - ولا المال باقيا فإنه أعمل «لا» عمل ليس في الموضعين، مع كون اسمها في الموضعين معرفة وقد ذكر النحويون بيت المتنبي، لبيان خروجه على القاعدة، وأن جعل اسم «لا» العاملة عمل ليس معرفة خطأ. ولكن بعضهم أجازه مستدلا بقول النابغة الجعدي:
وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا … سواها، ولا عن حبّها متراخيا
وقول الآخر:
أنكرتها بعد أعوام مضين لها … لا الدار دارا ولا الجيران جيرانا
فلا محلّ بعد ذلك لتغليط المتنبي، لأنه على درجة من العلم بكلام العرب وأساليبهم. بحيث لا يقدم على الكلام إلا محتذيا بعض أساليبهم. [شرح أبيات المغني/ 4/ 382].

8 - فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغا … نداماي من نجران أن لا تلاقيا
هذا البيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي من قصيدة يقولها وقد أسر في إحدى الحروب. وهي من شعر المفضليات.
(3/328)

وقوله: عرضت: أتيت العروض، وهو مكة والمدينة وما حولهما، وقيل: هي جبال نجد ويروى: أيا .. وتكون حرف نداء.
والشاهد: أيا راكبا حيث جاء بالمنادى منصوبا لفظا، لكونه نكرة غير مقصودة فهو لا يريد راكبا بعينه. [سيبويه/ 1/ 312، والشذور، والمفضليات/ 156، والخزانة/ 2/ 194].

9 - عميرة ودّع إن تجهزت غازيا … كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
من مطلع قصيدة لسحيم عبد بني الحسحاس. وعميرة: اسم امرأة والمعنى: اترك مواصلة الغواني إذا كنت قد عزمت على أن تقطع ما بينك وبين شواغل الدنيا، ثم بيّن أن الإسلام والشيخوخة يردعان من لا يرتدع. ويروى أن عمر بن الخطاب سمعه فقال: لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك.
وهو قول لا يصحّ، لأن عمر بن الخطاب يعرف أن الشاعر لا يقدم أحد الرادعين حيث عطف بالواو، وهي لمطلق الجمع، ويعلم أيضا أن لفظ الإسلام لا يقدم على الشيب من حيث وزن البيت.
والشاهد: كفى الشيب ناهيا .. كفى: فعل ماض - والشيب: فاعل. ناهيا: حال من الشيب. وهو محل الشاهد: فإن الشاعر قد أتى بفاعل كفى غير مجرور بالباء الزائدة كما في قوله تعالى كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [الفتح: 28] فدل البيت على أن الباء غير لازمة في فاعل كفى، وهذا وجه مفارقة هذه الباء، للباء في فاعل «أفعل به» في التعجب فإن باء التعجب لا يجوز إسقاطها من الكلام [الخزانة/ 1/ 267، وسيبويه 1/ 230، والإنصاف/ 168، وشرح المفصل 2/ 115].

10 - لتقعدنّ مقعد القصيّ … منّي ذي القاذورة المقليّ
أو تحلفي بربّك العليّ … أني أبو ذيّالك الصّبيّ
هذا الرجز منسوب إلى رؤبة بن العجاج، وينسب إلى أعرابي قدم من سفر فوجد امرأته وضعت ولدا فأنكره.
والقصيّ: البعيد النائي. ذي القاذورة: المراد به، الذي لا يصاحبه الناس لسوء خلقه ويقال: هذا رجل قاذورة، وهذا رجل ذو قاذورة، إذا كان الناس يتحامون صحبته لسوء
(3/329)

أخلاقه، ودنيء طباعه. المقليّ: المكروه، من قولهم: قلاه، يقليه. إذا أبغضه، ويأتي من قلاه يقلوه، فهو واوي ويائي. ولكن اسم المفعول هنا من اليائي، وإلا لقال: مقلوّ.
لتقعدن: اللام في جواب قسم محذوف - تقعدن: مضارع مرفوع بالنون المحذوفة لتوالي الأمثال - وياء المؤنثة المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين: فاعل.
مقعد: مفعول فيه، ظرف مكان. ذي: نعت للقصي مجرورة بالياء.
أو: حرف عطف بمعنى إلا. تحلفي: مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد أو.
ذيّالك: اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف: حرف خطاب. والصبي: بدل منه.
والشاهد: أنّي: حيث يجوز في همزة (أن) الكسر والفتح، لكونها واقعة بعد فعل قسم، لا لام بعده.
أما الفتح: فعلى تأويل أنّ مع اسمها وخبرها بمصدر مجرور بحرف جرّ محذوف والتقدير: أو تحلفي على كوني أبا لهذا الصبي.
وأما الكسر: فعلى اعتبار إنّ واسمها وخبرها جملة لا محل لها، جواب القسم ووجه جواز الوجهين في هذا الموضع: أنّ القسم يستدعي جوابا. لا بدّ أن يكون جملة، ويستدعي محلوفا، عليه يكون مفردا، ويتعدى له فعل القسم بعلى، فإن قدرت (أنّ) بمصدر، كان هو المحلوف عليه وكان مفردا مجرورا بعلى محذوفة. وإن قدرت (إنّ) جملة فهي جواب القسم [الأشموني/ 1/ 276، والخزانة/ 11/ 275].

11 - ما حمّ من موت حمى واقيا … ولا ترى من أحد باقيا
لراجز مجهول: وحمّ: مبني للمجهول، أي: قدّر وتقول: أحمّ الله هذا الأمر وحمّه، إذا قدّر وقوعه. والمعنى: إن الله تعالى لم يقدر شيئا يحمي من الموت ولم يكتب الله لأحد الخلود.
ما: نافية: حمّ: مبني للمجهول. من موت: متعلقان ب واقيا بعده. حمى: نائب فاعل. واقيا حال من «حمى» من أحد: من زائدة. أحد: مفعول به لترى. باقيا حال من أحد. وهذا مبني على أنّ «ترى» بصرية فإذا عددت «ترى» قلبية كان قوله «باقيا» مفعولا ثانيا.
(3/330)

والشاهد: واقيا، وباقيا: حيث وقع كل منهما حالا من النكرة وهي «حمى» بالنسبة إلى «واقيا» و «أحد» بالنسبة ل «باقيا» والذي سوغ ذلك أن النكرة مسبوقة بالنفي في الموضعين [الأشموني/ 2/ 175، وابن عقيل/ 2/ 78].

12 - تقول ابنتي: إنّ انطلاقك واحدا … إلى الرّوع يوما تاركي لا أبا ليا
لمالك بن الريب من قصيدته التي يقول منها:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة … بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا
فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه … وليت الغضى ماشى الركاب لياليا
ومعنى الشاهد: أنّ ابنتي تقول لي: إن ذهابك إلى القتال منفردا يصيرني لا محالة بلا أب، لأنك تقتحم لظاها فتموت.
إن انطلاقك .. تاركي .. إن واسمها وخبرها. واحدا حال من الكاف التي هي ضمير المخاطب في «انطلاقك» لا أباليا: لا: نافية للجنس. أبا: اسمها، ليا: جار ومجرور خبر «لا» والجملة مفعول ثان لتارك. ويجوز أن يكون «أبا» اسم لا منصوبا بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم. واللام في «ليا» زائدة. وياء المتكلم مضاف إليه.: وخبر «لا» محذوف وكأنه قال: لا أبي موجود.
والشاهد: «واحدا» حيث وقع حالا من المضاف إليه وهو الكاف في (انطلاقك) والذي سوّغ هذا أنّ المضاف إلى الكاف مصدر يعمل عمل الفعل، فهو يتطلب فاعلا وهذه الكاف هي الفاعل، فكان المضاف عاملا في المضاف إليه ويصحّ أن يعمل في الحال لأنّه مصدر.
ويروى البيت:
تقول ابنتي لمّا رأت طول رحلتي … سفارك هذا تاركي لا أبا ليا
وعليه، فلا شاهد فيه، إذا كان الشاهد كلمة «واحدا». هذا وقصيدة البيت عدتها ثمانية وخمسون بيتا مطلعها:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة … بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا
وقالوا: إن مالك بن الريب، كان لصا يقطع الطريق، وعند ما ولّى معاوية، سعيد ابن
(3/331)

عثمان بن عفّان على خراسان لقيه في الطريق، فعرض عليه أن يغنيه ويستصحبه ويكف عما يفعل، فقبل مالك، فأجرى عليه سعيد خمسمائة دينار في كلّ شهر. ولذلك يقول في القصيدة:
ألم ترني بعت الضلالة بالهدى … وأصبحت في جيش ابن عفّان غازيا
[ولكن لماذا قال «ابن عفان» ولم يقل «ابن عثمان» والوزن واحد، والأب عثمان أشهر من الجدّ «عفّان» وقد نسبوا أحفاد عثمان إليه فقالوا «العثماني»].
وذكروا في سبب قول القصيدة أقوالا:
قالوا: مكث مالك بخراسان فمات هناك، فقال يذكر مرضه وغربته.
وقالوا: بل مات في غزو سعيد، طعن، فسقط وهو بآخر رمق.
وقالوا: بل مات في «خان» فرثته الجنّ لما رأت من غربته ووحدته، ووضعت الجنّ الصحيفة التي فيها القصيدة تحت رأسه.
قلت: وهذه أول مرّة أسمع فيها أن الجنّ تكتب .. نعم: لقد زعموا أنّ الجنّ قالت شعرا وأنشدته وسمعه من سمعه. ولكني لم أعرف أنهم كتبوا!!
ولعبد يغوث بن وقّاص، أحد فرسان الجاهلية وشعرائها، قصيدة، تتّحد مع قصيدة مالك بن الريب في الوزن والقافية والرويّ، مطلعها:
ألا لا تلوماني كفى اللّوم مابيا … وما لكما في اللّوم خير ولا ليا
ويتشابه في القصيدتين بيتان، حيث قال عبد يغوث:
فياراكبا إمّا عرضت فبلّغن … نداماي من نجران أن لا تلاقيا
وقال مالك بن الريب:
فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن … بني مالك والرّيب أن لا تلاقيا
وتتشابه المناسبتان، ذلك أن عبد يغوث، قال القصيدة، وهو في الأسر ينتظر الموت [الخزانة/ 2/ 203، والمفضليات/ 156، والأشموني/ 2/ 179، وابن عقيل/ 2/ 85].
(3/332)

13 - ومستبدل من بعد غضيا صريمة … فأحر به من طول فقر وأحريا
البيت غير منسوب. وغضيا: اسم للمئة من الإبل، ويروى «غضبى» بالباء، والأول أصح. والصّريمة: تصغير: صرمة، بكسر أوله، القطعة من الإبل ما بين العشرين والثلاثين وقد تقرأ بفتح الصاد، بمعنى القطعة من الإبل، والنخل ومن الأول قول عمر لحارس الحمى: «أدخل ربّ الصريمة والغنيمة» يريد صاحب الإبل القليلة. والغنم القليلة.
ومستبدل: مجرور بواو ربّ - وهو مبتدأ. وصريمة: مفعول به لمستبدل. فأحر: فعل ماض جاء على صيغة الأمر به: الباء زائدة والضمير فاعل أحر. ومن طول: من، بمعنى الباء، ويروى (لطول فقر). وأحريا: فعل ماض جاء على صورة الأمر والألف منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة وهو الشاهد. حيث أكد صيغة التعجب بالنون الخفيفة، وهو دليل على فعليتها، لأن التوكيد بالنون من خصائص الأفعال. وقد روعي في توكيده الصورة فقط، لأن الماضي لا يؤكد بالنون. [شرح أبيات المغني/ 6/ 39، والهمع/ 2/ 78 والأشموني/ 3/ 221].

14 - ألا حبّذا أهل الملا غير أنّه … إذا ذكرت ميّ فلا حبّذا هيا
البيت لكنزة أمّ شملة بن برد المنقري من أبيات تهجو فيها «ميّة» صاحبة ذي الرمة.
كذا قال أبو تمام في الحماسة. والملا: بالقصر: الفضاء الواسع. حبذا: فعل وفاعل والجملة خبر مقدم، وأهل: مبتدأ مؤخر. غير: نصب على الاستثناء. أنه: أنّ، وضمير القصة اسمها. - وجملة الشرط وجوابه خبر أنّ. لا حبذا: فعل وفاعل: خبر مقدم.
هي: مبتدأ مؤخر. والجملة جواب (إذا).
والشاهد: «حبذا أهل ..» ولا حبذا هيا - حيث استعمل حبذا للمدح مثل نعم و «لا حبذا» للذم استعمال «بئس». [الحماسة/ 1542، والهمع/ 2/ 89، والأشموني/ 3/ 4].

15 - مررت على وادي السّباع ولا أرى … كوادي السباع - حين يظلم - واديا
أقلّ به ركب أتوه تئيّة … وأخوف - إلا ما وقى الله - ساريا
البيتان لسحيم بن وثيل الرياحي. وادي السباع: موضع بطريق البصرة إلى المدينة وهو
(3/333)

الذي قتل فيه الزبير رضي الله عنه. تئيّة: بفتح التاء وكسر الهمزة وتشديد الياء، مصدر تأيّا بالمكان أي: توقف وتأنى.
يقول: مررت على وادي السباع فإذا هو واد قد أقبل ظلامه واشتد حندسه فلا تضاهيه أودية، ولا تماثله في تمهل من يرده من الركبان، ولا في ذعر المسافرين أو خوف القادمين عليه في أي وقت، إلا في الوقت الذي يقي الله السارين ويؤمن فزعمهم.
وقوله: ولا أرى. الواو للحال، والجملة حالية. وأرى: إما بصرية - فيكون - كوادي. متعلقان بمحذوف حال من «واديا» الآتي. وإذا قدرتها قلبية: يكون الجار والمجرور: المفعول الثاني - واديا: مفعول أول.
أقلّ: اسم تفضيل - على وزن أفعل نعت لقوله: واديا. (به) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من «ركب» بعده.
ركب: فاعل لأقلّ.
وجملة أتوه: صفة لركب تئيّة: تمييز لأفعل التفضيل. وأخوف: معطوف على أقلّ.
ساريا: تمييز لأفعل التفضيل «أخوف».
إلا ما وقى الله: إلا: ملغاة. ما: مصدرية ظرفية. وهي وما دخلت على مصدر منصوب على الظرفية الزمانية. وفيها رائحة - الاسم الموصول. والمستثنى منه محذوف.
والشاهد: أقلّ به ركب. حيث رفع أفعل التفضيل اسما ظاهرا.
والتمثيل بهذا الشعر لعمل اسم التفضيل في الظاهر أجمل من التمثيل بمسألة الكحل المصنوعة. [سيبويه/ 1/ 233، والخزانة/ 8/ 327].

16 - ألا طال كتماني بثينة حاجة … من الحاج ما تدري بثينة ما هيا
أحاذر أن تعلم بها فتردّها … فتتركها ثقلا عليّ كما هيا
من قصيدة لجميل العذري صاحب بثينة. وروى النحويون البيت الثاني بقوله: «أن تعلم» بجزم «تعلم» بعد «أن» للقول إنّ بعض العرب يجزمون بها. ولكن البيت مروي أيضا.
أخاف إذا أنبأتها أن تضيعها .. البيت ..
وبهذا لا شاهد فيه. [الهمع/ 2/ 3، والأشموني/ 3/ 385، وشرح أبيات المغني/ 1/ 121].
(3/334)

17 - تقول عجوز مدرجي متروّحا … على بابها من عند رحلي وغاديا
أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة … أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقلت لها: لا، إنّ أهلي لجيرة … لأكثبة الدّهنا جميعا وماليا
وما كنت مذ أبصرتني في خصومة … أراجع فيها يا ابنة العمّ قاضيا
هذه الأبيات للشاعر ذي الرّمة من قصيدة يمدح بها بلال بن أبي بردة.
وقوله: مدرجي. أي: ممرّي. ومدرجي: مبتدأ. ومتروحا: حال من ياء المتكلم في «مدرجي» وصح مجيء الحال من المضاف إليه لأن المضاف مصدر عامل في صاحب الحال والحال. وغاديا: معطوف على «متروحا». وخبر المبتدأ «على بابها» أو «من عند أهلي» ويجوز أن يكون محذوفا، لئلا نعطف على معمولات المصدر قبل أن يستكمل معمولاته.
وقوله: أذو زوجة. ذو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أذو زوجة أنت.
وقوله: بالمصر. صفة لزوجة. وثاويا: حال من الكاف إن كانت الرؤية بصرية ومفعول ثان! إن كانت الرؤية علمية وفي البيت دليل على صحة القول «زوجة الرجل» بتاء التأنيث وإن كان التذكير أقوى لوروده في القرآن. ويقال: زوجات الرسول عليه السلام. وهو جمع زوجة. أما زوج. فجمعها أزواج.
وقوله: فقلت لها: أي: فقلت للعجوز. إني لا زوجة لي هنا ولم أجئ في خصومة إنّ أهلي ومالي بأكثبة الدهناء.
قال ابن هشام في «المغني» أم المتصلة التي تستحق الجواب، إنما تجاب بالتعيين لأنها سؤال عنه، فإذا قيل: أزيد عندك أم عمرو، قيل في الجواب: زيد أو قيل: عمرو ولا يقال: «لا» ولا «نعم». فإن قلت: فقد قال ذو الرمة. «الأبيات».
قلت: ليس قوله: «لا» جوابا لسؤالها، بل ردّ لما توهمته من وقوع أحد الأمرين، كونه ذا زوجة، وكونه ذا خصومة، ولهذا لم يكتف بقوله «لا» إذ كان ردّ ما لم تلفظ به إنما يكون بالكلام التام فلهذا قال: «إنّ أهلي جيرة» و «ما كنت مذ أبصرتني» البيت. [شرح أبيات المغني/ 1/ 219].

18 - كأني وقد خلّفت تسعين حجّة … خلعت بها عن منكبيّ ردائيا
(3/335)

بدا لي أني لست مدرك ما مضى … ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
لزهير بن أبي سلمى: يقول: في البيت الثاني - وهو محلّ الشاهد - اعتبرت حال الزمان، فبدا لي أني لست أدرك ما فات منه ولا أسبق ما لم يجئ بعد فيه قبل وقته.
والمعنى أنّ الإنسان مدبّر لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا. والبيت الثاني شاهد - عند ابن هشام - على إبطال قول من قال: إنّ ناصب «إذا» ما في جوابها من فعل وشبهه، لأن تقدير الجواب في البيت: إذا كان جائيا فلا أسبقه، ولا يصح أن يقال: لأسبق شيئا وقت مجيئه. ويرى ابن هشام أن ناصب «إذا» شرطها، وهو قول المحققين. واستشهد سيبويه بهذا البيت على جرّ سابق، بالعطف على «مدرك» على توهم الباء فيه. [سيبويه/ 1/ 83، والخصائص/ 2/ 353، والإنصاف/ 191، و 395، وشرح المفصل/ 2/ 52 وشرح أبيات المغني/ 2/ 242. والهمع/ 2/ 141].

19 - أراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوى … فثمّ إذا أمسيت أمسيت غاديا
لزهير بن أبي سلمى، مع أخويه السابقين في قصيدة واحدة. والشاهد أنّ الفاء في قوله «فثم» زائدة، لما بين الفاء وثم من التنافي، فالفاء تدل على الاتّصال. وثمّ تدلّ على الانفصال. [شرح أبيات المغني/ 3/ 36، وشرح المفصل/ 8/ 69].

20 - وآس سراة الحيّ حيث لقيتهم … ولا تك عن حمل الرّباعة وانيا
للأعشى، ميمون. والرباعة: ما ناب من نائبة. وهو شاهد على أن «عن» فيه بمعنى «في .. لقوله تعالى وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي [طه: 42]. والبيت من قصيدة للأعشى تشتمل على نصائح وأمر بمكارم الأخلاق، وأولها:
ذريني لك الويلات آتي الغوانيا … متى كنت زرّاعا أسوق السّوانيا
وفي القصيدة أبيات ذات معان إسلامية خالصة، مع أن الشاعر جاهلي، يقال: إنه همّ بالإسلام فردّته قريش فمات كافرا، ولم يسمع القرآن. وجاء في القصيدة.
وإياك والميتات لا تقربنّها … كفى بكلام الله عن ذاك ناهيا
[انظر شرح أبيات مغني اللبيب ج 3/ 298].

21 - أتانا فلم نعدل سواه بغيره … نبيّ بدا في ظلمة الليل هاديا
(3/336)

نسبته كتب النحو، والمعاني لحسان بن ثابت. وجعلوه من مشكل الشعر، وانبروا لإيجاد التأويلات له، لأنه قال: «فلم نعدل سواه بغيره» وسواه، هو غيره فأيّ مدح في هذا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقال قوم: (سواه) مقحمة زائدة وقال آخرون، (سوى) بمعنى نفس، فيكون المعنى: فلم نعدل نفسه بغيره فيختلف عود الضمير، ويصح المعنى، وأحسن ما في هذه المعارك المفتعلة، أنها تجبر العلماء على التعمق في البحث، والإتيان بالمعاني الجديدة، والشواهد الجديدة ومما استحضروه من الشواهد على أنّ (سوى) بمعنى «نفس، قول الحطيئة:
أبى لك أقوام، أبى لك مجدهم … سوى المجد، فانظر صاغرا من تفاخره
وقول الآخر:
وكنت إذا مولاك خاف ظلامة … أتاك فلم يعدل سواك بناصر
ولكن تبيّن للباحثين فيما بعد، أن المعركة أثارها أهل الفتنة اللغوية وكانت فتنا مستحبّة - لأن البيت ليس لحسان بن ثابت، وإنما هو لعبد الله بن رواحة أو لكعب بن مالك من قصيدة رواها ابن هشام في السيرة: ورواية البيت هكذا:
أطعناه لم نعدله فينا بغيره .. البيت.
وفي رواية:
أطعنا ولم نعدله فينا بغيره.
ومعنى «لم نعدله» لم نسوّه. [شرح أبيات المغني/ 4/ 13].

22 - وقائلة خولان فانكح فتاتهم … وأكرومة الحيّين خلو كما هيا
خولان: حيّ باليمن. وجملتا: هذه خولان، فانكح فتاتهم: مقول القول. وعمل «قائلة» عمل اسم الفاعل لأنه معتمد على موصوف محذوف، أي: رب جماعة قائلة وربّ: للتكثير، وجوابها محذوف، أي: أدركتها. والأكرومة: فعل الكرم، مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: ومكرمة الحيّين، وأراد بالحيّين: حيّ أبيها وحيّ أمها. والخلو:
بالكسر: الخالية من الزوج.
(3/337)

وقوله: كما هيا: صفة لخلو، أي: كعهدها من بكارتها؟ فحذف المضاف إلى الهاء، ولما كانت الكاف لا تدخل على المضمر المتصل، جعل مكانه المنفصل، فصار: كهي، ثم زادوا «ما» عوضا عن المحذوف.
والشاهد: أن الفاء «فانكح، زائدة في خبر المبتدأ، وهو فانكح. ويرى سيبويه أنها غير زائدة والأصل: هذه خولان، فانكح فتاتهم. ومن جعل الفاء زائدة أجاز في خولان النصب والرفع. كقولك: زيدا فاضربه، وعلى قول سيبويه. الفاء إما لعطف الإنشاء على الخبر، وهو جائز فيما له محل من الإعراب، وإما لربط جواب شرط محذوف، أي: إذا كان كذلك فانكح. وقال السيرافي الجمل كلها يجوز أن تكون أجوبتها بالفاء، نحو «زيد أبوك فقم إليه». فإن كونه أباه سبب وعلة للقيام إليه. وكذلك الفاء في «فانكح» يدل على أن وجود هذه القبيلة علة لأن يتزوج منهم ويتقرب إليهم. [شرح أبيات المغني/ 4/ 37، وسيبويه/ 1/ 70].

23 - كلانا غنيّ عن أخيه حياته … ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. ووجد البيت في شعر لحارثة بن بدر وفي قصيدة: لسيّار بن هبيرة. انظر (شرح أبيات المغني، للبغدادي).
والبيت شاهد على أنّ مراعاة لفظ «كلا» هنا متعين. لأن معناها، كلّ منا غني عن أخيه، والضابط: أنه متى نسب إلى كل منهما حكم الآخر بالنسبة إليه، لا إلى ثالث، تعيّن الإفراد. [الأشموني/ 2/ 260، واللسان «غنا» وشرح أبيات المغني/ 4/ 266].

24 - لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا … أصم في نهار القيظ، للشمس باديا
وهو شاهد على أنّ اللام في «لئن» زائدة. والجواب للشرط، وقال الفرّاء إنّ الشرط قد يجاب مع تقدم القسم عليه.
وقوله «ما» حدثته: ما: اسم موصول. أي: الكلام الذي حدثته: بالبناء للمجهول.
والهاء: عائدة على «ما» وصادقا خبر كان. وأصم: جواب الشرط. وباديا: حال من فاعل: أصم. والجار والمجرور متعلقان بقوله: باديا. [شرح أبيات المغني/ 4/ 371].

25 - وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا … سواها ولا في حبّها متراخيا
(3/338)

للنابغة الجعدي حسان بن قيس. صحابي من المعمرين، وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنشده وقال له: لا فضّ فوك. والبيت شاهد على أن «لا» النافية العاملة عمل ليس، عملت في المعرفة. ويروى البيت:
وحلت سواد القلب لا أنا مبتغ .. البيت:
والقافية منصوبة ولا شك. لأنه مسبوق، وملحوق بقواف منصوبة. وعلى الرواية الثانية، فإن كانت «لا» عاملة، فإن «مبتغ» خبرها، وكان حقه أن ينصب، ولكن أسكن الياء في موضع النصب - وإذا كان كذلك فالنصب في قوله «متراخيا»: بالعطف على «مبتغ» لأنه منصوب الموضع.
فإن جعلت «لا» الأولى ملغاة، كان قوله: أنا مبتغ: مبتدأ وخبر، ولزم إعمال الثانية، ويكون اسمها محذوفا تقديره «ولا أنا عن حبها متراخيا» وحسن حذفه لتقدم ذكره. [شرح أبيات المغني/ 4/ 378، والهمع/ 1/ 125، والأشموني ج 2/ 253].

26 - لقيت المرورى والشناخيب دونه … وجبت هجيرا يترك الماء صاديا
للمتنبي من قصيدة يمدح فيها كافورا الأخشيدي. والمرورى: جمع المروراة وهي الفلاة الواسعة. والشناخيب: جمع شنخوب، وهي ناحية الجبل المشرفة وفيها حجارة ناتئة. والصادي: العطشان. يذكر ما لقي من التعب في الطريق إليه وما قاسى من حر الهواجر التي تيبّس الماء، والماء لا يكون صاديا، ولكنه مبالغة.

27 - يقولون لا تبعد وهم يدفنونني … وأين مكان البعد إلا مكانيا
لمالك بن الريب، من قصيدة رثى بها نفسه، وكان لصا ثم تاب وغزا، فاستشهد.
والبيت شاهد على أن «لا» فيه للدعاء. وقولهم للميت «لا تبعد: تنبيه على شدة الحاجة إليه، وتناهي الجزع وغلبة التحسّر عليه.

28 - وتضحك منّي شيخة عبشمية … كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا
من قصيدة لعبد يغوث الحارثي، مطلعها:
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا … فما لكما في اللوم خير ولا ليا
ألم تعلما أن الملامة نفعها … قليل وما لومي أخي من شماليا
(3/339)

أيا راكبا .... البيت سبق في هذا الباب. والقصيدة في «المفضليات». وكان الشاعر فارسا جاهليا. قال الجاحظ «ليس في الأرض أعجب من طرفة بن العبد، وعبد يغوث فإن ناقشنا جودة أشعارهما في وقت موتهما، فلم تكن دون سائر أشعارهما في حال الأمن والرفاهية» وكان عبد يغوث قد أسر يوم الكلاب الثاني، وأسره فتى من بني عبد شمس، فقالت أمه: من هذا، فقال عبد يغوث: أنا سيد القوم، فضحكت، وقالت:
قبّحك الله من سيد قوم حين أسرك هذا الأهوج وإليه أشار بقوله في البيت الشاهد.
وتضحك مني.
والشاهد: «لم ترى» يروى بالألف، على الإخبار، ولم يجزم - بحذف الألف - ضرورة ويروى: «لم تري» بالياء حيث رجع من الإخبار إلى الخطاب. وبذلك يكون مجزوما وعلامة جزمه حذف النون. [شرح المفصّل/ 5/ 97، وشرح أبيات المغني/ 5/ 137، والمفضليات].

29 - ولو أنّ واش باليمامة داره … وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا
البيت من شعر مجنون ليلى. واليمامة: في نواحي مدينة الرياض بالسعودية.
وحضرموت: معروفة في اليمن الجنوبي.
وقوله: اهتدى ليا: اللام بمعنى إلى.
والشاهد: أنّ واش: أصله «أن واشيا» فسكّن الياء لضرورة الشعر، ثم حذفها لالتقاء الساكنين، بسبب التنوين ويروى: «فلو كان واش» فلا شاهد فيه. [شرح أبيات المغني/ 5/ 189، والهمع/ 1/ 53، والأشموني/ 1/ 100].

30 - لما نافع يسعى اللبيب فلا تكن … لشيء بعيد نفعه الدّهر ساعيا
البيت شاهد على أن «ما» نكرة موصوفة «بنافع» في قوله «لما نافع» و «بعيد» بالجر صفة جرت على غير من هي له (نعت سببي)، ونفعه: فاعل بعيد. والدهر: ظرف لما بعده. [شرح أبيات المغني/ 5/ 212، والأشموني/ 1/ 154].

31 - فإمّا كرام موسرون لقيتهم … فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا
البيت لمنظور بن سحيم الفقعسي، شاعر إسلامي مخضرم. وقبل البيت:
(3/340)

ولست بهاج في القرى أهل منزل … على زادهم أبكي وأبكي البواكيا
فإما كرام موسرون ... البيت.
وإمّا كرام معسرون عذرتهم … وإمّا لئام فادّخرت حيائيا
وعرضي أبقى ما ادخرت ذخيرة … وبطني أطويه كطيّ ردائيا
ومعنى الشعر التمدح بالقناعة والكفّ عن أعراض الناس. يقول: الناس ثلاثة أنواع:
موسرون كرام، فاكتفي منهم بمقدار كفايتي. ومعسرون كرام، فأعذرهم وموسرون لئام فأكف عن ذمهم حياء.
وقوله: في القرى: بكسر القاف: طعام الضيف، وفي للسببية.
وقوله: على زادهم .. الخ صورته الإثبات ومعناه النفي، لأنه تفسير لخبر ليس. وإن قدّر خبرا ثانيا فلا إشكال. وذكر البكاء: تمثيل، والمعنى أنه لا يأسف لما يرى من الحرمان، أسف من يبكي ويبكي غيره.
وقوله: فإمّا: بكسر الهمزة. وهي: إمّا: التي في قولك: جاءني إما زيد وإمّا عمرو وأن الاسم بعدها خبر لمبتدأ مقدّر قبله، أي: فالناس إما كرام، بدليل قوله: وإمّا لئام، وجعلها بعضهم «إمّا» الشرطية المكونة من «إن» الشرطية و «ما» زائدة. والاسم بعدها معمول لفعل محذوف، وبعده فعل يفسر المحذوف. والجملتان: من قوله: لقيتهم، وعذرتهم، صفتان.
والشاهد: من ذي عندهم على أن «ذو» الموصولة، معربة في لغة طيئ. وإعرابها كإعراب الأسماء الستة بالحروف، فذو، مجرورة هنا بالياء.
ويروى «فحسبي من ذو عندهم» على أنه اسم موصول مبني، بلفظ واحد. [شرح أبيات المغني/ 6/ 250، وشرح التصريح/ 1/ 63، والأشموني/ 1/ 157، والمرزوقي/ 1158، والهمع/ 1/ 74].

32 - ألم تر أنّي يوم جوّ سويقة … بكيت فنادتني هنيدة ماليا
... البيت للفرزدق من قصيدة هجا بها جريرا وقومه. ويوم جوّ سويقة: من أيام العرب وحروبها. وجوّ سويقة: موضع قرب المدينة النبوية. ويروى «نعف سويقة»
(3/341)

والنعف: ما ارتفع عن الوادي إلى الأرض. وهنيدة عمة الفرزدق.
والشاهد: (ماليا) على أن الأصل «مالك» لأنه خطاب منها له، لكنه عدل عنه، فحكى قولها بالمعنى. [شرح أبيات المغني/ 6/ 262].

33 - عليّ إذا ما زرت ليلى بخفية … زيارة بيت الله رجلان حافيا
... البيت لمجنون ليلى قيس العامري ... ومن القصيدة قوله:
أصلّي فما أدري إذا ما ذكرتها … أللشرق أم للغرب كانت صلاتيا
أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها … أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا
على أنني راض بأن أحمل الهوى … وأخلص منه لا عليّ ولا ليا
واشترط في البيت الشاهد - الزيارة خفية، ليتمكن من الكلام معها. والرجلان:
الراجل، والجمع رجلى، ورجال.
والبيت شاهد على أن «رجلان - وحافيا» حالان متعددان من فاعل المصدر المحذوف، والأصل: زيارتي بيت الله، فلما حذف الفاعل، وهو الياء، أضيف المصدر إلى المفعول،. ويجوز أن يكون صاحب الحال، الياء في «عليّ» أو ضمير المتكلم في رواية: «نذرت إذا لاقيت ليلى». [شرح أبيات المغني 7/ 18، والأشموني/ 2/ 84، وشرح التصريح/ 1/ 385].

34 - ولست مقرّا للرجال ظلامة … أبى ذاك عمّي الأكرمان وخاليا
لا يعرف قائله. والشاعر يمدح نفسه بالعزّة، وأنه لا يقدر أحد على أن يظلمه.
والشاهد: «أبى ذاك عمي الأكرمان وخاليا» يريد أبى ذلك عمي وخالي الأكرمان فقدم النعت على أحد المنعوتين.
وقوله: مقرا اسم فاعل من أقرّ الشيء بحاله إذا تركه ولم يزله، وليس من الإقرار بمعنى الاعتراف. [شرح أبيات المغني/ 7/ 289، والهمع/ 2/ 120، والأشموني/ 3/ 58].

35 - بأهبة حزم لذ وإن كنت آمنا … فما كلّ حين من توالي مواليا
(3/342)

غير معروف القائل. والأهبة: التأهب: والحزم: التيقظ من جميع الأمور. و «لذ» فعل أمر من لاذ به، أي: اعتصم به. وكلّ حين: ظرف لتوالي والموالاة: مخالصة الودّ. و «من» اسم ما، ومواليا: خبرها. أي: إنّ «ما» عملت عمل ليس. و «من» اسم موصول في محل رفع اسمها. وكلّ حين: نصب على الظرف، وهو معمول الخبر «مواليا» فلما تقدم، لم يبطل عمل «ما».
وفيه الشاهد: لأن معمول الخبر إذا كان ظرفا أو مجرورا، لا يبطل به العمل إذا تقدم على اسمها. [شرح التصريح/ 1/ 199، والأشموني/ 1/ 249].

36 - فأبلوني بليّتكم لعلّي … أصالحكم وأستدرج نويّا
لأبي دواد الإيادي.
وقوله: أبلوني: أعطوني البليّة، وهي الناقة تربط عند قبر صاحبها حتى تموت. نويّا:
أصلها: نواي، والنوى: الجهة التي ينويها المسافر.
وقوله: استدرج: من قولك: رجع أدراجه، أي: من حيث جاء. وكان أبو دواد قد جاور هلال بن كعب. من تميم. فبينما الغلمان يلعبون في مستنقع ماء، غطّسوا ابن أبي دواد فمات فقال أبو دواد البيت الشاهد وقبله.
ألم تر أنني جاورت كعبا … وكان جوار بعض الناس غيّا
وأراد بكعب: كعب بن مامة الجواد المشهور.
والشاهد: أستدرج حيث جاء بالجزم. وليس قبله ما ظاهره الجزم ليعطف عليه فقيل:
سكنه، لكثرة الحركات. وقيل: حمل على موضع الفاء المحذوفة وما بعدها من «لعلي» لأنه مجزوم جواب الأمر. [شرح أبيات المغني/ 6/ 292].

37 - يا ربّ قائلة غدا … يا لهف أمّ معاويه
لهند بنت عتبة ترثي قتلى بدر من قومها المشركين. وقولها: يا ربّ: يجوز أن تكون «يا» للنداء لمنادى محذوف ويجوز أن تكون للتنبيه ورب للتكثير وجملة «يا لهف» مقولة بقائلة. والبيت شاهد على أن فيه دليلا على جواز استقبال ما بعد «ربّ» وليس بواجب دخولها على الماضي. فإن قائلة: مستقبل، لعمله في الظرف المستقبل. [شرح أبيات
(3/343)

المغني/ 3/ 202].

38 - إنّي إذا ما القوم كانوا أنجيه … واضطرب القوم اضطراب الأرشيه
وشدّ فوق بعضهم بالأروية … هناك أوصيني ولا توصي بيه
هذا الرجز في كتاب الحماسة لأبي تمام، ولم ينسبه، ونسبه المحقق إلى سحيم ابن وثيل اليربوعي. شاعر مخضرم عاش في الجاهلية أربعين سنة وفي الإسلام ستين سنة.
وقوله كانوا أنجية: جمع نجيّ، ويقع النجيّ للواحد والجمع. ومعنى كانوا أنجية أي:
صاروا فرقا لما حزبهم من الشرّ ودهمهم من الخوف يتناجون ويتشاورون.
وقوله: واضطرب القوم. أي: أخذهم القيام والقعود وفارقهم القرار والهدوّ فأقبل بعضهم يمشي إلى بعض.
فشبّه ميلانهم وترجحهم في اختلافهم بترجح الأرشية (الحبال) عند الاستقاء عليها من الآبار البعيدة القعر، وميلانها.
وقوله وشدّ فوق بعضهم بالأروية. يعني أنهم ركبوا الليل وداوموا السير فغلب النعاس على طائفة منهم حتى خيف عليهم السقوط، فشدّت الحبال فوقهم. والأروية: جمع الرّواء: وهو الحبل الذي يروى به، أي: يستقى. وفيه قيل: الراوية.
وقوله هناك أوصيني. الخطاب لأنثى. فالفعل مبني على حذف النون والمعنى: في ذلك الوقت يوجد الكفاء والغناء عندي ويحصل الصبر والمداومة مني، والمعنى: إني أهل لأن يوصى إليّ حينئذ في غيري ولا يوصى غيري بي.
وقوله: إني. إنّ واسمها وخبر إنّ أوصيني. وهو فعل أمر. وهو شاهد على صحة وقوع خبر اسم إنّ جملة إنشائية. [شرح أبيات المغني/ 7/ 231، والمرزوقي/ 656، واللسان «روى»].

39 - مهما لي الليلة مهما ليه … أودى بنعليّ وسرباليه
مطلع قصيدة للشاعر، عمرو بن ملقط الطائي. شاعر جاهلي.
وقوله: مهما: بمعنى (ما) الاستفهامية.
والشاهد: أن الباء زائدة في الفاعل للضرورة في قوله «بنعليّ» والأصل: أودى نعلاي.
(3/344)

وقد تكون الباء زائدة في المفعول به والفاعل مضمر. [شرح أبيات المغني/ 2/ 361، والهمع/ 2/ 58، واللسان «مهه»].

40 - ألفيتا عيناك عن القفا … أولى فأولى لك ذا واقيه
من قصيدة عمرو بن ملقط الطائي.
وقوله: أولى: كلمة تهديد بمعنى: وليك الشرّ، أي: قرب منك. مبتدأ، ولك: خبره.
وحذف خبر أولى الثانية للدليل، وكرر للتوكيد، والجملة معترضة بين صاحب الحال.
والحال: فإنّ «ذا واقية» حال من الكاف. وصح مجيء الحال من المضاف إليه، لكون المضاف جزءا من المضاف إليه. يصفه بالهروب ويقول: أنت ذو وقاية من عينيك عند فرارك تحترس بهما ولكثر تلفتك إلى خلفك حينئذ، صارت عيناك كأنهما في قفاك.
والبيت شاهد على أن الألف في «ألفيتا» حرف علامة الاثنين. وعيناك فاعل ألفيتا.
[شرح أبيات المغني/ 6/ 154، وشرح التصريح/ 1/ 275].

41 - أليس عجيبا بأنّ الفتى … يصاب ببعض الذي في يديه
البيت شاهد على أن الباء زيدت في اسم ليس المؤخر (بأن الفتى) يقول: أتعجب من أن الرجل يعزّى على تلف ماله ولا يعزى على تلف شبابه. ويفهم هذا المعنى من قوله بعد البيت السابق:
فمن بين باك له موجع … وبين معزّ مغذّ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشبا … ب فليس يعزّيه خلق عليه
والأبيات لمحمود الورّاق. متوفى في خلافة المعتصم. في حدود 230 ه وأكثر شعره في الوعظ، ومنه:
ما إن بكيت زمانا … إلا بكيت عليه
ولا ذممت صديقا … إلا رجعت إليه
[شرح أبيات المغني/ 2/ 385].

42 - أطربا وأنت قنّسريّ … والدهر بالإنسان دوّاريّ
(3/345)

من أرجوزة للعجاج. ولد في الجاهلية ومات في أيام الوليد بن عبد الملك، وهو أول من رفع الرجز وشبهه بالقصيد وجعل له أوائل.
والقنسري: المسنّ. ودوّاري: أراد: دوّار، وأدخل عليه ياء النسب والدوار الذي يدور بالناس من حالة إلى حالة.
والبيت استشهد به سيبويه على نصب «طربا» بفعل مضمر دلّ عليه الاستفهام لأنه بالفعل أولى. والتقدير: أتطرب طربا. وإنما ذكر المصدر دون الفعل لأنه أعمّ وأبلغ في المراد.
واستشهد به ابن مالك على وجوب حذف عامل المصدر الواقع في التوبيخ. فالمصدر منصوب بفعل محذوف وجملة (وأنت قنسري) حال من ضمير تطرب المحذوف. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 1/ 54، وسيبويه/ 1/ 170، والمرزوقي/ 1818 والهمع/ 1/ 192، 2/ 198].

43 - له ما رأت عين البصير وفوقه … سماء الإله فوق سبع سمائيا
لأمية بن أبي الصلت. وأرد بسماء الله: العرش وهو مبتدأ خبره الظرف في صدر البيت. وضمير فوقه عائد على «ما».
والشاهد: سمائيا: حيث حرّك الياء في الجرّ ضرورة. ويضاف إلى هذا ضرورتان أخريان: جمع سماء على فعائل -
مثل شمال وشمائل. والمستعمل فيها سماوات والأخرى أنه لم يغيرها إلى الفتح والقلب فيقول: سمايا، كما يقال: خطايا. [سيبويه 2/ 59، والخزانة 1/ 244].

44 - هي الدار إذ ميّ لأهلك جيرة … ليالي لا أمثالهنّ لياليا
قاله ذو الرّمة: يقول: هي الدار التي أحمل لها في نفسي أطيب الذكرى حيث كان الشمل مجتمعا والأحياء متجاورة زمن المرتبع، فليس كلياليها في التنعّم بالوصال والتئام الشمل.
والشاهد: نصب أمثالهنّ ب «لا» و «ليالي» على البيان لها ولو حمل على المعنى وهو الرفع لجاز. ويجوز نصب «ليالي» على التمييز، كما تقول: لا مثلك رجلا. وفيه قبح
(3/346)

لأن حكم التمييز أن يكون واحدا يؤدي عن الجميع. [سيبويه/ 1/ 352، وشرح المفصل/ 2/ 103].

45 - ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى … من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا
قاله زهير بن أبي سلمى: وبعده:
بدا لي أنّ الناس تفنى نفوسهم … وأموالهم ولا أرى الدهر فانيا
قال الشنتمري: وكذب، لا بدّ من فناء الدهر.
والشاهد: دخول «أو» العاطفة بعد الاستفهام على حدّ قولك: هل تقوم أو تقعد. ولو جاء بأم وجعلها استفهاما منقطعا لجاز كما تقول: هل تجلس أم تسير. بمعنى. بل هل تسير، استفهاما منقطعا بعد استفهام. [سيبويه/ 1/ 486].

46 - فلو كان عبد الله مولى هجوته … ولكنّ عبد الله مولى مواليا
قاله الفرزدق: يقوله لعبد الله بن أبي إسحاق النحوي، وكان يلحّن الفرزدق فهجاه بذلك، وكان عبد الله مولى آل الحضرمي، وآل الحضرمي كانوا حلفاء لبني عبد شمس بالولاء، يقول: لو كان ذليلا (مولى) لهجوته، ولكنه أذلّ من الذليل، لأنه مولى الموالي.
والشاهد: مولى مواليا: فالاسم المنقوص المستحق المنع من الصرف، كجوار، وغواش تحذف ياؤه رفعا وجرّا، وينوّن، نحو جاءت جوار ومررت بجوار وهؤلاء موال.
ويكون الجرّ بفتحة مقدرة على الياء المحذوفة، والرفع بضمة مقدرة عليها كذلك أما في حالة النصب فتثبت الياء مفتوحة.
وأما في بيت الفرزدق فقد أثبت الياء في حالة الجرّ. وكان حقه أن يقول: ولكن عبد الله مولى موال، بحذف يائها وتنوينها تنوين العوض. [سيبويه/ 2/ 58، واللسان «ولي» وشرح التصريح/ 2/ 229].

47 - ونحن اقتسمنا المال نصفين بيننا … فقلت لهم: هذا لها هاوذاليا
البيت قاله لبيد بن ربيعة.
والشاهد: الفصل بين «ها» و «ذا» بالواو والتقدير «وهذا لي» كما قالوا: هأنذا،
(3/347)

والتقدير هذا أنا. [شرح المفصل/ 8/ 114، والهمع/ 1/ 76، وسيبويه/ 2/ 354، هارون].

48 - لها بعد إسناد الكليم وهدئه … ورنّة من يبكي إذا كان باكيا
هدير هدير الثور ينفض رأسه … يذبّ بروقيه الكلاب الضواريا
للنابغة الجعدي. وصف طعنة جائفة تهدر عند خروج دمها وفوره. والكليم:
المجروح. والهدء: بالفتح: السكون والنوم. والرنة: الصوت بالبكاء. وإسناد الكليم:
إقعاده معتمدا بظهره على شيء ليمسكه. وينفض: أو ينغض: بالغين. يذب: يدفع.
والروق: القرن.
والشاهد: لها هدير هدير الثور: حيث نصب المصدر (هدير) الثاني بفعل متروك إظهاره، لأنه مصدر مشبه به. [سيبويه/ 1/ 178].

49 - وكانت قشير شامتا بصديقها … وآخر مرزيّا وآخر رازيا
للنابغة الجعدي ... قشير: قبيلة هجاهم فجعل منهم من يشمت بصديقه إذا أصيب بنكبة، ومن يرزأ الآخر للؤمهم واستطالة قويّهم على ضعيفهم. وأصل: مرزيا: مرزوءا خفف الهمزة بقلبها واوا ثم قلب تلك الواو ياء طلبا للخفة. كما قالوا: رحل معدوّ عليه ومعديّ عليه.
والشاهد: مرزيا. ورازيا حيث نصب الكلمتين على البدل من (شامت) ولولا ذلك لقال: مرزيّ عليه وراز، على الابتداء. [سيبويه/ 1/ 222، والخزانة/ 5/ 34].

50 - فتى كملت خيراته غير أنه … جواد فلا يبقي من المال باقيا
للنابغة الجعدي.
والشاهد: (غير أنه) استثنى جوده وإتلافه للمال من الخيرات التي كملت له، مبالغة في المدح، فجعلهما في اللفظ
كأنهما من غير الخيرات، كما جعل تفلّل السيوف من عيوب الممدوحين في قول النابغة الذيباني.
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم … بهنّ فلول من قراع الكتائب
[الخزانة/ 3/ 334، سيبويه/ 1/ 367، والحماسة/ 969].
(3/348)

51 - ألا ليت شعري هل تغيّرت الرّحا … رحا الحزن أو أضحت بفلج كما هيا
قاله مالك بن الريب عند ما حضرته الوفاة بخراسان. وهو مازني تميمي. والحزن: بلاد تميم وكذلك فلج. والرحا: مكان مستدير غليظ يكون بين الرمال ويروى البيت «أم أضحت».
والشاهد: أم أضحت: على الرواية الثانية، على الانقطاع والاستئناف. [سيبويه/ 1/ 487، والخزانة/ 11/ 294].

52 - أبلغ الحارث بن ظالم المو … عد والناذر النّذور عليّا
أنّما تقتل النيام ولا تقتل … يقظان ذا سلاح كميّا
لعمرو بن الإطنابة. كان الحارث بن ظالم توعده بالقتل ويشير إلى أنّ الحارث قتل خالد بن جعفر بن كلاب غيلة وهو نائم في قبته.
والشاهد: فتح «أنما» حملا على أبلغ وجريها مجرى (أنّ) لأنّ «ما» فيها صلة فلا تغيرها عن جواز الفتح والكسر فيها. [سيبويه/ 1/ 465، وشرح المفصل/ 7/ 56].

53 - كأنّ العقيليين حين لقيتهم … فراخ القطا لاقين أجدل بازيا
والشاهد: «أجدل» حيث منعه من الصرف، مع أنه اسم للصّقر وليس صفة وكذلك في البيت. وقد منعه من الصرف لامحا فيه معنى الصفة على وزن أفعل. وهي صفة القوة، والبيت للقطامي، أو لجعفر بن علبة الحارثي. [شرح التصريح/ 2/ 214، والأشموني/ 3/ 237].

54 - ماذا على من شمّ تربة أحمد … أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا
من كلام السيدة فاطمة رضي الله عنها، ترثى أباها محمدا صلّى الله عليه وسلّم. ويشم: بفتح الشين من باب (علم يعلم) هذه هي اللغة الفصحى، وفيها لغة أخرى، وهي ضمّ الشين من باب (ردّ يرد).
والغوالي. جمع غالية وهي أخلاط من الطيب.
والشاهد «أحمد» حيث صرف لضرورة الشعر.
(3/349)

55 - إذا كان لا يرضيك حتى تردّني … إلى قطريّ لا إخالك راضيا
أي: إذا كان ما تشاهده مني لا يرضيك. فاسم كان ضمير يعود إلى ما دلت عليه الحال، وفاعل يرضيك كذلك، وجملة يرضيك خبر كان. وقطري: هو ابن الفجاءة.
الخارجي.
والشاهد: حذف الفاعل عند ما دلت عليه الحال المشاهدة. وذلك في «يرضيك». والبيت لسوار بن المضرب يقوله حين هرب من الحجاج خوفا على نفسه. [شرح التصريح/ 1/ 272، والأشموني/ 2/ 45].

56 - لا هيثم الليلة للمطيّ … ولا فتى مثل ابن خيبريّ
والشاهد: لا هيثم. وقع اسم لا النافية للجنس معرفة مؤولة بنكرة يراد بها الجنس، لأنّ هيثم رجل مشهور بصفة. أي: لا حادي حسن الحداء كهيثم. ومنه قول عمر: قضية ولا أبا حسن لها: [الخزانة/ 4/ 59 وشرح المفصل/ 2/ 102، والهمع/ 1/ 145، والأشموني/ 2/ 4].

57 - متى أنام لا يؤرقني الكري … ليلا ولا أسمع أجراس المطي
الكري: المكاري، وهو الذي يكريك دابته. والكراء: الأجر، والأجراس جمع جرس، بالتحريك: وهو الجلجل الذي يعلق في عنق الدابة.
والشاهد: جزم يؤرقني، على، جواب الاستفهام. والرجز غير منسوب. [سيبويه/ 1/ 450، والخصائص/ 1/ 73، واللسان «مطا»].

58 - فاومأت إيماء خفيّا لحبتر … فلّله عينا حبتر أيّما فتى
البيت للراعي النميري. يقول: إني أشرت إلى حبتر (غلامه) إشارة خفيّة فما كان أحدّ بصره وأنفذه، لأنه رآني مع خفاء إشارتي.
والشاهد: «أيّما فتى» حيث أضاف «أيّ» الوصفية إلى النكرة. وتعرب «أيّ» هنا حالا من حبتر. و «ما» زائدة. وهذه إحدى حالتي «أيّ» الوصفية التي تضاف إلى النكرة - والحالة الثانية تعرب صفة إذا جاءت بعد نكرة كقولك: مررت برجل أيّ رجل. [سيبويه/ 1/ 302، الهمع/ 1/ 93، والأشموني/ 1/ 168. والحماسة/ 1502].
(3/350)

59 - ويركب يوم الرّوع منّا فوارس … بصيرون في طعن الأباهر والكلى
لزيد الخير (الخيل) الطائي. والأباهر والكلى: مقتلان. والأبهر عرق في المتن. أي:
هم بصراء عالمون بمواضع الطعن، والكلى: بضم الكاف، وللإنسان والحيوان كليتان والواحدة كلية: بضم الكاف.
والشاهد: «بصيرون في طعن ..» على أنّ في بمعنى الباء.
وقوله: يوم الروع منا، يروى: (فيها) أي: من أجلها. من أجل شيء تخاصموا فيه.
[شرح أبيات المغني/ 4/ 71].

60 - فلمّا تبيّنّا الهدى كان كلّنا … على طاعة الرحمن والحقّ والتّقى
للإمام علي كرم الله وجهه.
والشاهد: كان كلنا. على أنّ كلنا وقع اسما لكان. وحمله ابن مالك على أنه مبتدأ وما بعده خبر، وقدر في كان ضمير الشأن اسمها. [شرح أبيات المغني/ 4/ 190].

61 - على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي … لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى
البيت لمتمم بن نويرة من الصحابة. والبعوضة: اسم ماء في حمى «فيد» أو رملة في أرض طيّ. والبيت رثاء في أخيه مالك.
والبيت شاهد على حذف لام الأمر الجازمة من قوله: أويبك. والتقدير: أو ليبك. من بكى. ويرى سيبويه أنّ لام الأمر تعمل مضمرة.

62 - ثمّت لاح في الملبّين إلى … حيث تحجّى المأزمان ومنى
من مقصورة ابن دريد. وثمت: مخصومة بعطف الجمل بخلاف ثمّ فإنها تعطف المفرد والجملة. وتحجىّ بالمكان: إذا أقام فيه والمأزمان: جبلان بين المزدلفة وعرفة.
والشاهد: «حيث» على أنها تجردت هنا عن الظرفية إلى الاسمية. وصارت بمعنى «مكان» فالجملة بعدها صفة لها، وكان حقها أن تجرّ بالكسرة وتنون ولا وجه لبقاء (بنائها) على الضم. [شرح أبيات المغني/ 6/ 274].

63 - يا ظبية أشبه شيء بالمها … ترعى الخزامى بين أشجار النّقى
(3/351)

إمّا ترى رأسي حاكي لونه … طرّة صبح تحت أذيال الدجا
واشتعل، المبيضّ في مسودّه … مثل اشتعال النار في جزل الغضى
فكان كالليل البهيم حلّ في … أرجائه ضوء صباح فانجلى
من مطلع مقصورة ابن دريد.
والشاهد في البيت الثالث وإنما ذكرت هذه الأبيات لجمال لفظها وعذوبة رونقها ومائها، وسهولة الترنمّ بها.
والشاهد: ذكره ابن هشام في المغني، مثالا لتعلق المجرور بالفعل وبشبهه. فقال:
وقد تقدر (في) الأولى متعلقة بالمبيض فيكون تعلق الجارين بالاسم. ولكن تعلق الثاني بالاشتعال يرجح تعلق الأول بفعله لأنه اسم لمعنى التشبيه، وقد يجوز تعلق «في» الثانية بكون محذوف حالا من النار ويبعده أن الأصل عدم الحذف.
وفيه شاهد آخر وهو انتصاب «مثل» على الحال، من ضمير مصدر الفعل والتقدير:
واشتعل الاشتعال. ويرى بعضهم إعراب «مثل» نعتا لمصدر محذوف تقديره: اشتعالا مثل اشتعال النار.

64 - إنّ امرأ القيس جرى إلى مدى … فاعتاقه حمامه دون المدى
من مقصورة ابن دريد. وجرى إلى مدى: إلى غاية، وهي طلب الملك، ويدل عليه قوله لصاحبه.
فقلت له لا تبك عينك إنّما … نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
واعتاقه: حبسه. والحمام: بالكسر: الموت، ودون المدى: أي: دون تلك الغاية وهي طلب الموت. والمدى: يكتب بالياء.
قال ابن هشام. فإن المتبادر، تعلق «إلى» ب «جرى» ولو كان كذلك، لكان الجري قد انتهى إلى ذلك المدى، وذلك مناقض لقوله:
«فاعتاقه حمامه دون المدى»
وإنما (إلى مدى) متعلق بكون خاص، منصوب على الحال، أي: طالبا إلى مدى
(3/352)

ونظيره قوله أيضا يصف الحاج، من المقصورة نفسها لابن دريد.

65 - ينوي التي فضّلها ربّ العلا … لمّا دحا تربتها على البنى
ينوي: يقصد، وفاعله، ضمير يعود على مذكور في بيت سابق. وجملة ينوي صفة لهذا المذكور. والتي ينوي: هي مكة المكرمة. والبنى: بكسر الموحدة بعدها نون: جمع بنية: كقرب، جمع قربة، وفيها الضمّ أيضا فيكون، مثل «عرى» جمع عروة، وتكتب بالياء.
قال ابن هشام: فإن قوله «على البنى» متعلق، بأبعد الفعلين، وهو فضّل لا، بأقربهما، وهو «دحا» بمعنى «بسط» لفساد المعنى. [والبيت لابن دريد في المقصورة].

66 - فإن عثرت بعدها إن وألت … نفسي من هاتا، فقولا: لا، لعا
من مقصورة ابن دريد. فإن عثرت: أي: سقطت. ووألت، بالهمز: نجت ومضارعه «تئل» ومنه «الموئل» وهو الملجأ. وهاتا: بمعنى، هذه. قال الخليل: «لعا» كلمة تقال عند العثرة، وقال ابن سيده: كلمة يدعى بها للعاثر معناها، الارتفاع. وقال ابن السيّد.
وهو اسم فعل، مبنيّ على السكون، والتنوين فيه للتنكير. والفعل الذي يدل عليه «نعشك الله، ورفعك».
والمعنى: إن نجوت من هذه القصة، ثم إن عثرت ثانية، فقولا لي: لا لعا، أي: لا نجاة.
والبيت شاهد على أنه إذا اعترض شرط على آخر، فإن الجواب المذكور للسابق منهما. وجواب الثاني محذوف مدلول عليه بالشرط الأول وجوابه. كما قالوا: في الجواب المتأخر عن القسم والشرط.

67 - ومن مالئ عينيه من شيء غيره … إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى
لعمر بن أبي ربيعة. ومن شيء غيره: نساء غيره. والجمرة: موضع رمي الجمار بمنى. والبيض: النساء. والدمى: صور الرخام. شبه النساء بها لأن الصانع لا يدخر جهدا في تحسينها وتلطيفها، ولما لهنّ من السكينة والوقار.
والشاهد: إعمال «مالئ» عمل الفعل بعد تنوينه، لأنه في معناه ومن لفظه. [العيني/ 3/ 531].
(3/353)

68 - لم يعن بالعلياء إلا سيّدا … ولا شفى ذا الغيّ إلا ذو هدى
بالعلياء: مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه نائب فاعل «ليعن» وسيدا مفعول به له، وقد أناب المجرور مع وجود المفعول الصريح وحقه أن يقول: لم يعن بالعلياء إلا سيد.
الرجز، للعجاج، أو لرؤبة. ويروى الشطر الثاني «ولا جفا» «ويروى» «ولا شجى».
[شرح التصريح/ 1/ 291، والأشموني/ 2/ 68، وابن عقيل/ 1/ 171]. والدرر/ 1/ 144].

69 - إذا رمت ممّن لا يريم متيمّا … سلوّا فقد أبعدت في رومك المرمى
قوله: سلوّا: مفعول به لرمت.
والشاهد إعمال «لا يريم» عمل «ما يزال» الناقصة. والتقدير: لا يزال. أو لا يبرح، متيّما. [الهمع/ 1/ 112، والدرر/ 1/ 82].

70 - أطرق كرا أطرق كرا … إنّ النّعام في القرى
الكرا: الكروان: وقولهم: أطرق كرا مثل يضرب للرجل الحقير إذا تكلم في الموضوع الذي ليس له، ولا لأمثاله
الكلام فيه. كأنه قيل: اسكت يا حقير، فإنّ الأجلّاء أولى بهذا الكلام. وقيل: معناه: إنّ الكروان ذليل في الطير، والنعام عزيز، أي: اسكن عند الأعزة ولا تستشرف الذي لست له بندّ، ويشبه الأعزة بالنعام، والأذلة بالكروان.
والشاهد: أطرق «كرا» فإن كرا، منادى، حذف معه حرف النداء والكرا: ذكر الكروان، وليس مرخما للنداء.
وقلّ أن يحذف حرف النداء من النكرة المقصودة بالنداء. [الخزانة/ 2/ 374].

71 - يشكو إليّ جملي طول السّرى … صبر جميل فكلانا مبتلى
والشاهد: رفع «صبر» على الابتداء أي: وصبر جميل أمثل. أو: على الخبر أي:
أمرك صبر جميل. والبيت للراجز ملبد بن حرملة. [سيبويه/ 1/ 162، والأشموني/ 1/ 221].

72 - قد وعدتني أمّ عمرو أن تا … تدهن رأسي وتفلّيني وا
وتمسح القنفاء حتّى تنتا
(3/354)

رجز لحكيم بن معية التميمي. والقنفاء: الكمرة. وتنتا: أي: تنتأ وتبدو. وهو بفتح التاء وكسرها.
والرجز شاهد على حذف المعطوف وبقاء حرف العطف، لضرورة الشعر، ولأنه أعاد الحرف في أول البيت التالي، فجاز الغاء حرف العطف الأول بعد أن دعمه بحرف الإطلاق وأعاده، فعرف ما أراد بالأول. [الهمع/ 2/ 210، واللسان «نتأ، والخصائص/ 1/ 291].

73 - من اللّواتي والتي واللاتي … زعمن أني كبرت لداتي
البيت من الرجز، أنشده الرضيّ في شرح الكافية، ولم ينسبه. واستشهد به على أنّ جملة «زعمن» صلة الموصول الأخير، وصلة كلّ من الموصولين الأوّلين محذوفة للدلالة عليها بصلة الثالث. ومثله: قول العجّاج.
بعد اللّتيّا واللّتيّا والتي … إذا علتها أنفس تردّت
وقول سلمى بن ربيعة السّيدي:
ولقد رأبت ثأي العشيرة بينها … وكفيت جانبها اللّتيّا والّتي
واللتيّا: مصغرّ من التي، للتعظيم. وحذف الصلة من هذا الضرب من الموصولات لتعظيم الأمر وتفخيمه. [الخزانة/ 6/ 154].

74 - أغض ما اسطعت فالكريم الذيّ … يألف الحلم إن جفاه بذيّ
لا يعرف قائله، وقد ذكره السيوطي شاهدا على تشديد ياء الذي، لتكون (الّذيّ) مضمومة. وقال أبو حيّان: وظاهر
كلام ابن مالك أن الكسر والضمّ مع التشديد بناء، وبه صرّح بعض أصحابنا، وصرّح أيضا مع البناء بجواز الجري بوجوه الإعراب. [الهمع ج 1/ 82، والدرر ج 1/ 56].

75 - فكأنّها بين النساء سبيكة … تمشي بسدّة بيتها فتعيّ
البيت رواه الفرّاء في مسألة الإدغام: والسبيكة، قطعة مستطيلة من فضة وسدّة البيت:
بضم السين: بابه.
(3/355)

وقوله: فتعيّ: مضارع، أعيا، وهو في الأصل «تعيي، بيائين، وقبل الياء الأولى
ساكن. فلما أدغم الياء في الياء، اقترضت العين كسرة جارتها الياء، عند إرادة ادغامها في الياء الثانية. والفرّاء يرى جواز أن نقول: أعيا، يعيي، إذا سكن ما قبل الياء الأولى، ونقول: يعيّ، بالإدغام للمذكر، وتعيّ، بالإدغام للمؤنث، وأنشد البيت على جواز الإدغام، وأنكر عليه النحويون هذا المذهب، ووصفوا ما جاء في البيت بالشذوذ، وقالوا: إن هذا الإدغام يكون في الماضي فتقول: عيي، وعيّ، وحيي، وحيّ، مما عينه ولامه ياءان، لازم تحريكهما. ومضارعهما يعيا، ويحيا، وفي القرآن «وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» [الأنفال: 42] وفي القرآن أيضا «يُحْيِي وَيُمِيتُ» * بدون إدغام. قلت: ومسألة الإعلال والإدغام في حروف العلة من أكثر المسائل التي ثار حولها الجدل بين النحويين، ولذلك قال القائل:
إذا اجتمعوا على ألف وواو … وياء ثار بينهم جدال
[اللسان - عيا، والأشموني ج 4/ 349، والهمع ج 1/ 53].

76 - على أطرقا باليات الخيا … م إلّا الثّمام وإلّا العصي
البيت لأبي ذؤيب الهذلي خويلد بن خالد، جاهلي إسلامي من قصيدة أولها:
عرفت الدّيار كرقم الدواة … يزبرها الكاتب الحميري
يزبرها: يكتبها، وذكر الحميري: لأن الكتابة أصلها من اليمن. يقول: عرفت رسوم الديار وآثارها، خفيّة كآثار الخط القديم.
وقوله: على أطرقا: أراد: عرفت الديار على «أطرقا» والثمام: شجر يلقى على الخيام. والعصيّ: خشب بيوت الأعراب والخيمة عند العرب: بيت من عيدان. والثمام:
نبت ضعيف يحشى به خصاص البيوت ويستر به جوانب الخيمة، فالثمام والعصي استثناء من الخيام، ويكون الاستثناء متصلا.
وقوله: على أطرقا: نصب على الحال من الديار، وكذلك، باليات الخيام: حال.
وقوله: إلا الثمام: يروى برفع الثمام ونصبه، فمن نصب فهو استثناء من موجب ومن رفع، فبالابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: إلا الثمام وإلا العصي. لم تبل. ومن نصب
(3/356)

الثمام ورفع العصي، فإنه يحمله على المعنى، وذلك أنه لما قال: بليت إلا الثمام كان معناه: بقي الثمام، فعطف على المعنى وتوهّم اللفظ.
والشاهد في البيت: «أطرقا» بصيغة فعل الأمر مع ألف المثنى. فهو علم منقول عن هذا الفعل. وكأن الرجل كان يقول لصاحبيه في هذا المكان: أطرقا، مخافة ومهابة ومعنى: اطرقا: اسكتا. [الأشموني ج 1/ 132، والخزانة ج 7/ 336، 342 واللسان (طرق)، وشرح المفصل ج 1/ 29).

77 - وركضك لولا هو لقيت الذي لقوا … فأصبحت قد جاورت قوما أعاديا
البيت لم يعرف قائله. وذكره السيوطي شاهدا، على أن تسكين الواو من (هو) لغة قيس وأسد. و (هو) في البيت ساكنة الواو، والبيت من البحر الطويل، ولا يقرأ إلا بتسكين الواو من (هو) [الهمع ج 1/ 60 والدرر ج 1/ 37].

78 - وأركب حمارا بين سرج وفروة … وأعر من الخاتام صغرى شماليا
لامرأة من عقيل، وقبل البيت:
لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا … أصم في نهار القيظ للشمس باديا
وقد مضى هذا البيت، في حرف الياء شاهدا على الجزم في جواب الشرط مع سبق أداة الشرط باللام الموطئة للقسم، والأغلب في حال وجودها أن يكون الجواب للقسم، ويقدر جواب الشرط، أو يكتفى به.
والبيت الثاني: وأركب: معطوف بالجزم على أصم. وركوب الحمار على الهيئة التي ذكرت تكون لمن يندد به ويفضح بين الناس. وقولها: وأعر، مجزوم بحذف الياء للعطف على أصم، وهو مضارع أعراه إعراء، أي: جعله عاريا. والخاتام: لغة في الخاتم. وأراد بصغرى شماله: الخنصر، فإن الخاتم يكون زينة للشمال، فإن اليمين لها فضيلة اليمن - فجعل الخاتم في الشمال للتعادل. يقول: إن كان ما نقل لك عني من الحديث صحيحا، جعلني الله صائما في تلك الصفة، وأركبني حمارا للخزي والفضيحة وجعل خنصر شمالي عارية من حسنها وزينتها، بقطعها.
قال أبو أحمد:
وقوله «وأعر من الخاتام صغرى شماليا» يؤخذ منه أنّ وضع الخاتم في إصبع اليد
(3/357)

اليسرى عادة قديمة، فالمتزوج اليوم يضع خاتم الزواج في يده اليسرى وكذلك المرأة.
وفي أيام الخطبة يكون في اليمين ثم ينقل إلى الشمال بعد الزواج. [الخزانة ج 11/ 336، واللسان ختم، والأشموني ج 4/ 29 والهمع ج 2/ 43].

79 - من آل أبي موسى ترى الناس حوله … كأنّهم الكروان أبصرن بازيّا
البيت لذي الرّمة. قال البغدادي. وزعم الرياشي أن الكروان، والكروان، للواحد.
قال: ويردّه قول ذي الرّمة (البيت) لأن الشاعر قال: أبصرن فجعل الضمير جمعا، وهذا يدل على أن الكروان، للجمع. [الخزانة ج 2/ 377].

80 - ألا هل إلى ميّ سبيل وساعة … تكلّمني فيها شفاء لما بيا
نسبه هارون في معجمه إلى ذي الرمّة، وليس في الديوان، ولا في ملحقاته. وذكر أنه في الهمع ج 2/ 95 والذي في الهمع «هذا الشطر»: فإنّ كلامها شفاء لما بيا» ذكره السيوطي شاهدا لعمل اسم المصدر (كلامها).

81 - وقد يجمع الله الشّتيتين بعد ما … يظنّان كلّ الظّنّ ألّا تلاقيا
البيت لقيس بن الملوح، مجنون ليلى.
والشاهد: كلّ الظنّ. حيث نصب «كلّ» نيابة عن المصدر، لإضافته إلى المصدر (الظنّ) ويعرب نائب مفعول مطلق.
وقوله: ألّا: أن: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن (أنه) لا: نافية للجنس وتلاقي: اسمها وخبرها محذوف. وأن المخففة واسمها وخبرها سدّت مسدّ مفعولي (يظنان). [الأشموني ج 2/ 113، وعليه العيني واللسان (شتت). والخصائص ج 2/ 448].

82 - ألكني إليها عمرك الله يا فتى … بآية ما جاءت إلينا تهاديا
من قصيدة لسحيم عبد بني الحسحاس. وألكني إليها: معناه أبلغ رسالتي إليها.
والألوك: الرسالة. وعمرك الله: دعاء، منصوب بفعل محذوف تقديره: أسأل الله عمرك بمعنى تعميرك.
(3/358)

وقوله: بآية: علامة: وآية هنا مضافة إلى الجملة بعدها، أو إلى المصدر المؤول من (ما والفعل) وتهاديا: منصوب ب جاءت، إما على أنه مصدر وإما على أنه مصدر مؤول بالحال أي: جاءت متهادية.
هذا، وقالوا إن سحيما هذا كان عبدا حبشيا، ونسبوا إليه مع غيره أشياء يشكك في صحتها.
منها أنه كان يرتضخ لكنة حبشية، وأنه كان ينشد الشعر ويقول: أهشند والله يريد:
أحسنت. وأنه أنشد عمر قصيدته التي فيها (كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا) فقال له عمر: (لو قدمت الإسلام لأجزتك) فقال: ما سعرت - يعني ما شعرت أما كونه كان يرتضخ لكنة أعجمية في الجاهلية وهو يقول الشعر الممتاز، فهذا لا يكون لأن قوله الشعر، يعني أنه ولد بين العرب وأخذ لغتهم وأجاد نطقهم ونسي لهجة قومه. وميله إلى لهجة الحبشة الأعجمية يعني أنه جاء إلى الجزيرة كبيرا، فتعلم العربية. وهذا لا يؤهله لقول هذا الشعر الفصيح ولعله إذا قال «سعرت، أو أهشند» كان ذلك بسبب عيب خلقي في اللفظ، فصادف ذلك شبها باللكنة الأعجمية. وقد كذبوا على بلال أيضا وزعموا أنه كان يقول في الأذان (أسهد أن لا إله إلا الله) وهذا لم يثبت.
أما قولهم إن عمر قال له: لو قدمت الإسلام .. الخ لأجزتك: فهذا أيضا مشكوك فيه فعمر لم يكن يجيز الشعراء على قول الشعر، وإنما كان يعطي كل مسلم عطاءه من بيت مال المسلمين. وقول عمر لو قدّمت الإسلام .. الخ فإن عمر لا يقول هذا: لأنه يعلم أن هذا شعر، وتقديم الإسلام يفسد البيت. وأن الواو العاطفة لا تعني الترتيب ولا تعني أنه يجعل الشيب أكثر نهيا من الإسلام.
وكيف يجيزه عمر على هذه القصيدة، وفيها من الفحش والفجور، ما لو سمعه عمر لجلده وغربه عليه. اسمع ماذا يقول في قصته مع عمرة، أو (عميرة) يصف خلوة بها:
توسدني كفّا وتثني بمعصم … عليّ وتحوي رجلها من ورائيا
فما زال بردي طيّبا من ثيابها … إلى الحول حتى أنهج البرد باليا
وفي قصته أشياء كثيرة متناقضة، تجعله شخصية أقرب إلى الخيال.
وعلماء النحو واللغة والأدب الأقدمون، مع علوّ منزلتهم في فهم النص الأدبي
(3/359)

واللغوي، إلا أنهم يروون القصص الكاذب تاريخيا ولا يحققون فيه فلا يهمهم من القصة إلا النص الشعري أو الأدبي أما ما يقال حوله من القصص، فهذه لا تعنيهم، وقلما تجد أديبا يكذّب قصة أو يحقق في ما هيتها، ولذلك لا تأخذن كلّ ما يرويه الأدباء من القصص المتعلقة بالنصوص، على أنها تاريخ واقع، فخذ منهم الشعر، وفهم اللغة فقط واترك ما حوله من القصص. وقد عدّ ابن العربيّ في كتابه (العواصم) أهل الأدب من الكذابين ولم يوثّق منهم إلا (ثعلب) صاحب المجالس المشهورة. والله أعلم.
وانظر في قصة سحيم، مع تحليل النصوص التاريخية ونقدها: [شرح شواهد مغني اللبيب ج 2/ 338 - 344، والخزانة ج 2/ 99 - 106] وكلاهما للبغدادي.
قلت: وما رأيت في القديم والحديث أقدر على نقد الشعر وفهمه، كالبغدادي ولكن إذا روى القصص، نقل ولم يحقق.

83 - وأنت غريم لا أظنّ قضاءه … ولا العنزيّ القارظ الدّهر جائيا
أنشده الأشموني ولم ينسبه، وقال الصبان في حاشيته: قال بعضهم هو من كلام ذي الرّمة. وأنت: الخطاب للمحبوبة، والعنزي: منسوب إلى قبيلة عنزة، وهو أحد رجلين خرجا يجنيان القرظ، فلم يرجعا أصلا فضرب بهما المثل، في استحالة العودة، فقالوا:
لا يرجى إيابه حتى يؤوب العنزي القارظ، والقرظ: شجر يدبغ به.
والشاهد في البيت، تقديم المعطوف على المعطوف عليه، وتقدير الكلام: لا أظنّ قضاءه جائيا هو ولا العنزي. هكذا قدّره الأشموني، والله أعلم. [الأشموني ج 3/ 119].

84 - رضيت بك اللهمّ ربّا فلن أرى … أدين إلها غيرك الله راضيا
البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه، وشرح التصريح ج 2/ 165 والعيني ج 4/ 243. والشاهد: حذف يا النداء، من لفظ الجلالة، ولم يعوض في آخره الميم المشددة، في قوله «الله» وهذا نادر شاذ. وأدين: مضارع، دان بالشيء، والأصل: أن أدين، فحذفت أن، فارتفع المضارع، على حدّ قولهم: «تسمع بالمعيديّ» إلها: مفعوله.
وراضيا: منصوب برضيت، إما على الحالية من فاعله، أو على المفعولية المطلقة، على حدّ قولهم: قم قائما، أي: قياما، وعلى الوجهين، فهو مؤكد له، وما بينهما اعتراض.
(3/360)

وربّا: مفعول: رضيت، والمعنى: رضيت رضى بك ربا يا الله، فلن أرى أن أتخذ إلها غيرك يا الله.

85 - ألم تعلما أنّ الملامة نفعها قليل … وما لومي أخي من شماليا
البيت لعبد يغوث الحارثي اليمني من قصيدة قالها بعد أن أسر، يوم الكلاب الثاني، في الجاهلية. وزعموا أنهم عند ما همّوا بقتله، قال: اقتلوني قتلة كريمة: اسقوني الخمر ودعوني أنوح على نفسي، فسقوه خمرا وقطعوا عرقه الأكحل وتركوه ينزف، وتركوا عنده رجلين، فقالا له: جمعت أهل اليمن وجئت تقتلنا، كيف رأيت صنع الله بك، فقال القصيدة التي منها البيت ومطلعها:
ألا لا تلوماني كفى اللّوم ما بيا … فما لكما في اللوّم خير ولا ليا
فهو يخاطب اثنين حقيقة. واللوم: مفعول مقدم و «ما» فاعل مؤخر، أي كفى اللوم ما أنا فيه، فلا تحتاجون إلى
لومي مع ما ترون من إساري.
وشمال: في البيت الشاهد بكسر الشين، بمعنى الخلق والطبع، واستشهد به صاحب الشافيه أن «شمال» يأتي مفردا وجمعا، وفي هذا البيت جمع، أي: من شمائلي.
[الخزانة ج 2/ 197، واللسان: شمل].

86 - أبى الهجر أنّي قد أصابوا كريمتي … وأن ليس إهداء الخنا من شماليا
هذا البيت قاله صخر بن عمرو أخو الخنساء. وقبل البيت:
وقالوا ألا تهجو فوارس هاشم … ومالي وإهداء الخناثم ماليا
وكان قد قتل أخوه معاوية في حروب، فقال له الناس ألا تهجو هؤلاء الذين قتلوا أخاك. فأجابهم. ومالي ... وإهداء: انتصب بفعل مضمر، وتكريره «ماليا» دلالة على استقباحه لما دعي إليه.
وقوله: أبى الهجر: الهجر: الفحش والقول البذيء والهجر: مفعول به، وفاعله: أنيّ قد أصابوا، المصدر المؤول. والكريمة: التاء للمبالغة، وفي الحديث: إذا أتاكم كريمة قوم فأكرموه».
(3/361)

وقوله: وأن ليس: أن مخففة واسمها ضمير، وجملة «ليس» خبره. وموضع أن ومدخولها عطف بالرفع على أنّي الأولى. [الحماسة بشرح المرزوقي ص 1094].

87 - لقد أغدوا على أشق … ر يغتال الصّحاريّا
البيت للوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان.
وقوله: لقد أغدو: الغدو، ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس. والأشقر من الخيل الذي حمرته صافية، والشّقرة في الإنسان، حمرة يعلوها بياض ويغتال: يهلك. واستعار يغتال لقطع المسافة بسرعة شديدة. والصحراء: الفضاء الواسع.
والشاهد: أنه جمع صحراء، فلما قلبت الألف بعد الراء في الجمع ياء، قلبت الهمزة التي أصلها ألف التأنيث أيضا. فاجتمعت ياءان وأدغمت. [الإنصاف ص 816، والخزانة ج 7/ 424، وشرح المفصل ج 5/ 58].

88 - دعاهنّ ردفي فارعوين لصوته … كما رعت بالجوت الظماء الصواديا
89 - وأوده ردفي فارعوين لصوته … ... الصواديا
وقع البيت في شعري شاعرين. الأول في شعر عويف بن معاوية، من شعراء الدولة الأموية، وقيل له «عويف
القوافي» لقوله:
سأكذب من قد كان يزعم أنني … إذا قلت قولا لا أجيد القوافيا
وأما الثاني، فهو في شعر سحيم عبد بني الحسحاس - كما قال البغدادي - وهو شاعر مخضرم عاش الجاهلية والإسلام، واختلفوا في معنى بيت عويف: فقالوا: أراد بالرّدف:
تابعه من الجنّ، وضمير دعاهنّ: للقوافي: أي: دعا شيطاني القوافي فأجبنه وانثلن عليه، يعني: أن الشعر أطاعه، وكانوا يزعمون أن لكل شاعر تابعا من الجنّ يوحي له بالشعر.
والرّدف في الأصل: الذي يركب خلف الراكب والارعواء: النزوع عن الجهل، وحسن الرجوع عنه ورعت بالخطاب، وهو من قولهم: هذه شربة راع بها فؤادي، أي: برد بها غلّة روعي - بالضم - وهو القلب أو موضع الفزع منه وقيل: هو من راعه، بمعنى أعجبه. والظماء: جمع ظمآنة، وظمآن من ظمئ كفرح أي: عطش أو اشتد عطشه.
والصوادي: جمع صاديه، من الصدى وهو العطش. والجوت - صوت نداء الإبل للماء.
(3/362)

والمعنى الثاني للبيت: أن رديفه لما دعا النساء، اجتمعن ورجعن عما كنّ عليه من الشغل، كما لو دعت إلى الشرب الإبل، فالتففن وتضاممن للشرب. فضمير دعاهن للناس. والبيت مفرد، لا يمكن الحكم بأيّ المعنيين أصحّ.
وأما قول سحيم «أوده: فهو فعل ماض: أي: صاح بالإبل لتشرب.
والشاهد: أن بعض الأصوات قد يدخله أداة التعريف كما في (جوت) صوت دعاء الإبل، وأصله «جوت» مفتوح الجيم. فإما أن يبقى مبنيا على الكسر، أو على الضم، أو على الفتح، حيث يروى بالثلاث. وإما أن يعرب بالحركات، كما قال ابن الناظم في شرح الألفية. [الخزانة ج 6/ 381، وشرح المفصل ج 4/ 75، 82].

90 - وقد علمت عرسي مليكة أنني … أنا الليث معديّا عليه وعاديا
البيت للشاعر عبد يغوث الحارثي من أهل الجاهلية من قصيدة قالها يوم أسر.
وعرس الرجل: امرأته، ومليكه: عطف بيان أو بدل. من عرسي. أنني: سدت مسدّ مفعولي علمت.
والشاهد في «معدي». فهو من الفعل «عدا» يعدو. واسم المفعول منه «معدوّ» ولكنه جاء في البيت «معديّ» فقالوا: إنه شاذ، لأنه بناه من (عدي، يعدي) ولكن الرواية جاءت في الخزانة على الأصل «معدوّا» وكذلك جاء في المفضليات (معدوّا) فهو إذن من تحريفات الرواة، وجاء عند الزمخشري في المفصل (مغزيّا عليه وغازيا) وهو
مثل «معديّ» في حكمه.
وقوله: معديّا: حال. وعاديا. معطوف على الحال. [شرح المفصل ج 5/ 36، والأشموني ج 4/ 326، وسيبويه ج 2/ 382، واللسان (عدا) والمفضليات].

91 - علمتك منّانا فلست بآمل … نداك ولو ظمآن غرثان عاريا
لم أعرف قائله. وعلمت: بمعنى تيقنت نصبت مفعولين. الكاف - ومنانا.
وقوله «ولو ظمآن» شاهد على حذف كان واسمها بعد «لو» الشرطية. وظمآن خبر.
وغرثان: جائع. [الهمع ج 1/ 121، والأشموني ج 2/ 21].
(3/363)

92 - ضاحكا ما قبّلتها حين قالوا … نقضوا صكّها وردّت عليّا
في المقتضب 4/ 170.

93 - أبلغ الحارث بن ظالم المو … عد والناذر النّذور عليّا
94 - أنّما تقتل النيام ولا تقت … ل يقظان ذا السلاح كميّا
البيتان لعمرو بن الإطنابة الأنصاري، يقولهما للحارث بن ظالم المريّ وكان قد توعده بالقتل ونذر دمه إن ظفر به. وقال: تقتل النيام، لأن الحارث كان قد قتل خالد ابن جعفر بن كلاب غيلة وهو نائم في قبته.
والشاهد فيهما: أنما تقتل. بفتح همزة «أنما» ذلك أن «ما» إذا دخلت على (أنّ) تكفها عن العمل فيما بعدها، وتدخل على الجمل الفعلية، أو الاسمية، ولكنّ دخول «ما» عليها أعطاها حكمها في الفتح .. و «أنّما» وما بعدها في محل مفعول ثان ل «أبلغ» في البيت الأول. وإذا وقعت أن ومدخولها مفعولا تفتح، كما لو قلت: «أنّك تقتل» وقد أجاز سيبويه الكسر في «إنما» في البيت على الابتداء. [شرح المفصل ج 8/ 56، وسيبويه ج 1/ 465].

95 - يا أيها الذّكر الذي قد سؤتني … وفضحتني وطردت أمّ عياليا
البيت لأبي النجم العجلي في المقتضب 4/ 132 وأمالي ابن الشجري 2/ 152.

96 - أقاتلي الحّجاج إن لم أزر له … دراب وأترك عند هند فؤاديا
البيت لسوّار بن المضرّب السعدي. قاله عند ما قدم الحجاج الكوفة وأمر الناس باللحق بالمهلّب بن أبي صفرة، لقتال الخوارج. ودراب: هي درا بجرد: كورة في بلاد فارس.
[الخزانة ج 7/ 55، والدرر ج 1/ 159، والعيني ج 2/ 451] وقد أنشده السيوطي شاهدا على ترخيم المركب
المزجي في غير النداء للضرورة حيث رخم الشاعر «درا بجرد» وقال: (دراب) والمسألة خلافية في الجواز وعدمه. [انظرها في الهمع ج 1/ 182].

97 - أعان عليّ الدّهر إذ حلّ بركه … كفى الدهر لو وكّلته بي كافيا
(3/364)

البيت غير منسوب في الإنصاف ص 169. وبركه: صدره، وكلكله، شبه الدهر بالبعير.

98 - إذا أعجبتك الدّهر حال من امرئ … فدعه وواكل أمره واللياليا
وقوله «واكل» أمر من واكلت فلانا مواكلة، إذا اتكلت عليه واتكل هو عليك.
والشاهد في «واللياليا» حيث نصب لأنه مفعول معه، وهذا أرجح من يقول إنه منصوب باعتبار العطف: ومعنى أعجبتك: هنا: أوقعتك في عجب والفاعل: الحال.
وهذا البيت شاهد على أنّ «الحال» أي لفظه جاء هنا مؤنثا، لأن الفعل أنث له. وقد يأتي مذكرا. [الأشموني ج 2/ 139، 169 والعيني] والبيت لأفنون التغلبي في حماسة البحتري.

99 - لها بحقيل فالنّميرة منزل … ترى الوحش عوذات به ومتاليا
البيت للراعي. وحقيل: ونميرة: مكانان. والعوذات: النياق الحديثة العهد بالنتاج.
والمتالي: أصلها النياق تفطم أولادها فتتلوها، والولد تلو وجمعه أتلاء، ويقال كذلك لولد الحمار، وبالهاء للأنثى.
والشاهد في البيت: في جمع «عوذ» الذي هو جمع «عائذ» ثم جمع الجمع على «عوذات» جمع مؤنث وعوذات: هنا تعرب حالا منصوبة بالكسرة. لأن ترى: بصريّة.
[شرح المفصّل ج 5/ 77 واللسان (عوذ) و «تلا» وسيبويه ج 2/ 200].

100 - وقد شفّني أن لا يزال يروعني … خيالك إمّا طارقا أو مغاديا
منسوب للأخطل، وليس في ديوانه. والطارق: الذي يطرق ليلا. ومغاديا: في الصباح قال السيوطي: ويجب للحال إذا وقعت بعد (إمّا) أن تردف بأخرى، معادا معها «إمّا» أو «أو» كقوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان: 3].
وقول الشاعر: (البيت). قال: وإفرادها بعد إمّا ممنوع في النثر والنظم. [الهمع ج 1/ 245، والدرر ج 1/ 202].

101 - هببت ألوم القلب في طاعة الهوى … فلجّ كأنّي كنت باللوم مغريا
غير منسوب.
(3/365)

والشاهد قوله «هببت ألوم» حيث جاء هبّ من أفعال الشروع التي تحتاج إلى اسم وخبر. واسمه التاء، وخبره الفعل المضارع ألوم. [الهمع ج 1/ 128، والدرر ج 1/ 103، وشذور الذهب].

102 - فما برحت أقدامنا في مقامنا … ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا
قاله عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمّ النبي صلّى الله عليه وسلّم. ويحكي قصة يوم بدر ومبارزته الكفار، هو وعلي وحمزة. وهم المقصودون بثلاثتنا. وكان عبيدة قد قطعت رجله يوم بدر وتوفي بالصفراء في طريق العودة بعد بدر نحو المدينة. وأزيروا: مبني للمجهول من «أزار» ويريد بهم الكفار. والمنائيا: المنايا جمع منية.
والشاهد: مجيء «ثلاثتنا» بدلا من ضمير المتكلمين في «مقامنا» بدل كلّ من كلّ، حيث دلّ على الإحاطة.
وقوله: المنائيا، وحقه أن يقول: المنايا. [الأشموني ج 3/ 129، وج 4/ 292].

103 - قعيدكما الله الذي أنتما له … ألم تسمعا بالبيضتين المناديا
البيت للفرزدق، ونسبه ابن منظور مرة للفرزدق، ومرة لجرير، وقعيدكما: لفظ قسم، وهو مصدر استعمل منصوبا، بفعل مضمر، والمعنى: بصاحبك الذي هو صاحب كلّ نجوى، كما يقال: نشدتك الله. وقيل: إنه استعطاف وليس بقسم (والبيضتان) مكانان، كلاهما يسمى «البيضة».
وقوله: ألم تسمعا. جواب القسم. [اللسان - قعد، وبيض - والهمع ج 2/ 45، والدرر ج 2/ 54].

104 - بأهبة حزم لذ وإن كنت آمنا … فما كلّ حين من توالي مواليا
مجهول. والأهبة: الاستعداد. والحزم: ضبط الأمر. ولذ: من لاذ، يلوذ وبأهبة:
متعلق ب لذ. و «ما» نافية. كلّ: منصوب على الظرفية، لإضافته إلى الظرف والظرف متعلق ب (مواليا) خبر «ما» و «من» اسم «ما» وجاز تقدم معمول الخبر، على الاسم، لأنه ظرف. [الأشموني ج 1/ 249، والعيني وشرح التصريح ج 1/ 199].

105 - أقول لصاحبيّ وقد بدا لي … معالم منهما وهما نجيّا
(3/366)

قال السيوطي: تحذف نون المثنى وجمع المذكر السالم، للإضافة، ولشبه الإضافة كما في (اثني عشر) ولتقصير الصلة، صلة الألف واللام وما ثني وجمع من الأسماء الموصولة.
قال وحذفها فيما عدا ذلك ضرورة. وأنشد البيت.
والشاهد (وهما نجيّا) أي «نجيّان» تثنية «نجيّ». [الهمع ج 1/ 50، واللسان (نجا)].

106 - لعمر أبي دهماء زالت عزيزة … عليّ وإن قلّلت منها نصيبيا
مجهول.
والشاهد: تقدير النفي قبل «زال» وبقاء عملها. والتقدير: لا زالت عزيزة. [الهمع ج 1/ 11].

107 - فيا ليت شعري هل تغيّرت الرّحى … رحى المثل أو أمست بفلج كما هيا
لمالك بن الرّيب من قصيدته المشهورة التي مطلعها:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة … بجنب الغضى أزجي القلاص النّواجيا
والغضى: شجر. أزجي: أسوق. والقلاص: النوق. النواجي: السريعة جمع ناجية ورحى المثل: بضم الميم، موضع في فلج، وفلج موضع في طريق البصرة إلى مكة وفي رواية سيبويه «رحى الحزن» وأورده سيبويه في باب «أو» وقال: وكذلك سمعناه ممن ينشده من بني عمه. وقال: قال أناس أم أضحت. على أن «أم» هي المنقطعة. و «أم» إذا جاءت بعد «هل» يجوز أن يعاد معها هل، ويجوز أن لا يعاد. وفي البيت جاءت بدون تكرار «هل» لو وضعنا «أم» مكان «أو». [الخزانة ج 11/ 294، وسيبويه ج 1/ 487].

108 - خليليّ ما إن أنتما الصادقا هوى … إذا خفتما فيه عذولا وواشيا
لم يعرف قائله. قال السيوطي: وتحذف نون المثنى وجمع المذكر السالم، للإضافة ولشبه الإضافة في (اثنا عشر واثني عشر) ولتقصير الصلة: صلة الألف واللام، وما ثني أو جمع من الموصول. وأنشد البيت شاهدا على حذف النون من المثنى الذي يكون صلة (ال) وهو قوله: الصادقا. والأصل: الصادقان هوى. بتقدير: ما أنتما اللذان تصدقان
(3/367)

هوى. [الهمع ج 1/ 49، والدرر ج 1/ 23].

109 - فأشهد عند الله أن قد رأيتها … وعشرون منها إصبعا من ورائيا
زعموا أنّ هذا البيت لشاعر يدعى سحيما عبد بني الحسحاس، وأنه من القصيدة التي مطلعها:
عميرة ودع إن تجهزت غازيا … كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
وزعموا أن عمر بن الخطاب سمع منه القصيدة، ولم يعبه إلا في تقديم الشيب على الإسلام. وهذا كله كذب وبهتان. فكيف يسمعها عمر، وفيها هذا البيت المفحش، ولو أن الشاعر قاله في زوجته حليلته ما كان مرضيا. فهذا البيت يقول: إنها كانت تحتضنه بيديها ورجليها، فأصابع اليدين عشرة، وأصابع القدمين عشرة، والمجموع عشرون ومما يدلك على أن هذا البيت مصنوع، أنه جاء بالقافية نفسها، بصورة أخرى يقول:
توسدني كفّا وتثني بمعصم … عليّ وتحوي رجلها من ورائيا
وهنا تكون الأصابع التي وراءه عشر فقط لأن إحدى يديها تطوقه، وكفها وسادة له، وتحوي قدما واحدة وراءه.
وقد استشهدوا بالبيت للفصل بين العدد وتمييزه (عشرون - منها - إصبعا) وذلك للضرورة. ولو كان الذي قال هذا البيت شاعرا ما اقترف هذه الضرورة القبيحة - وإنما هذه صناعة نحوي سمج.
قلت: في التعليق على أبيات سابقة له: إن الأدباء، ورواة الأدب، لا يهمهم إلا أن يقال: إن هذا الشعر منسوب لفلان، ولا يحققون في قصة الشعر، ولذلك فإنهم يسخرون من عقول القرّاء عند ما يسجلون أحداثا كاذبة في كتبهم تنافي وتخالف الواقع التاريخي.
فزعموا أنّ سحيما هذا أحرقه أهل عميرة التي يشبب بها بالنار. ومتى كان هذا؟ في عهد الخلفاء الراشدين. ألم يكن هناك خليفة يحكم بما أنزل الله؟ وهل هناك حدّ للزنى أكثر من الرجم؟ ثم إنّ سحيما لم يثبت عليه الزنى، وإنما قال شعرا يذكر أنه فعل الفاحشة بعمرة. فهلّا ساقوه إلى الخليفة - وكان في أيام عثمان كما زعموا - فإن أقرّ على نفسه رجم إن كان محصنا وجلد وغرّب إن كان أعزبا. وإن لم يقرّ، ولم يشهد عليه شهود غرّب عن موطنه الذي فيه الحبيبة، كما روي أن عمر كان يفعل. وينقل ابن حجر في الإصابة -
(3/368)

وهذه غريبة منه - سبب قتله: أن يهوديا أسر امرأة من بني الحسحاس وجعلها في حصن له، فبلغ ذلك سحيما فأخذته الغيرة فخلص المرأة من اليهودي، وأوصلها إلى قومها.
فأرادت أن تكافئه، فكان بينهما هوى، وغزل ففطنوا له وقتلوه خشية العار.
أما القتل خشية العار، فهذا إما جاهلي، وإما أن يكون في العقود المتأخرة عن صدر الإسلام، لأن القصاص في عصر الخلفاء الراشدين، لم يكن إلا بحكم شرعي. وتقول قصته أنه قتل في عهد عثمان، وأنه خلّص امرأة من يهودي .. الخ. أين كان هذا اليهودي صاحب الحصن؟ والمعروف المشهور الثابت أنه لم يبق يهوديّ في الجزيرة العربية في عهد عمر بن الخطاب: أما المدينة التي تدور فيها أحداث قصته فقد خلت من اليهود تماما في العهد النبويّ، وبقيت قلّة في خيبر ووادي القرى، فلما تولى عمر أجلاهم، لأن رسول الله قال: لا يجتمع في جزيرة العرب دينان: فأين كان هذا اليهودي الذي يأسر الفتيات وله قوة وحصن؟.
وقد يقول قائل: ما بالك تخلط في هذا المعجم بين الشواهد النحوية والتاريخ؟ قلت:
وما أرهقت نفسي في إخراج هذا المعجم. إلا من أجل هذا، لأنني وجدت أكثر ما يرّوج من التاريخ الكاذب، عن طريق الشواهد النحوية.
وقولي هذا، لا يطعن في هذه الشواهد كلّ الطعن، ولكنني أطعن فيما حاكوه حول الشاهد من القصص.
فالبيت الشاهد، قد يكون قاله الشاعر المنسوب إليه ولكن الأدباء عند ما دونوا هذه الأشعار وصلتهم في عهد متأخر عن زمن قولها فأرادوا أن يقدموا مناسبة القول بين يدي النصّ، فضلوا وأضلوا، لأنهم لا يملكون أخبارا مسندة إلى زمن الشاعر. فلجأوا إلى أهل القصة وأخذوا منهم ما قالوه دون تحقيق.

110 - ولكلّ ما نال الفتى … قد نلته إلّا التحيّه
البيت لزهير بن جناب، وهو جاهليّ قديم، وكان قد عمّر طويلا، فقال قبل البيت الشاهد:
الموت خير للفتى … فليهلكن وبه بقيّه
من أن يرى الشيخ الكبير … يقاد يهدى بالعشيّه
(3/369)

قال المرزوقي. المراد بالتحيّة هنا: تحيّة الملوك خاصة، وهو قولهم: أبيت اللعن.
[المرزوقي ص 100، والشعر والشعراء، ترجمة الشاعر ص 294، واللسان (حيا) والخزانة ج 5/ 298].

111 - تبكيهم أسماء معولة … وتقول سلمى وا رزيّتيه
لعبيد الله بن قيس الرقيات. قال النحاس: أراد، وا رزيّتي، فأدخل الهاء لتحرك الياء.
[سيبويه ج 1/ 321، والنحاس 225، والعيني 4/ 274].

112 - فإياكم وحيّة بطن واد … هموز النّاب ليس لكم بسيّ
البيت للحطيئة من قصيدة مدح بها عديّ بن فزارة وعيينة بن حصن وحذيفة بن بدر.
وقوله: وإياكم وحيّة، إيّاكم: محذّر، وحيّة: محذّر منه منصوبان بفعلين، أي: أبعدوا أنفسكم، واحذروا الحية، وأراد بالحية نفسه يعني أنه يحمي ناحيته، ويتّقى منه، كما يتقى من الحيّة الحامية لبطن واديها وهموز: فعول من الهمز، بمعنى، الغمز والضغط.
والسيّ: المثل، أي لا تستوون معه، بل هو أشرف منكم.
وقوله: ليس لكم .. الخ هذا يدل على تذكير الحيّة. ولو كانت مؤنثة لقال:
ليست. والمشهور في رواية البيت بجرّ هموز. وقد استدل به سيبويه على جرّ الجوار، لأن هموز، نعت لحيّة المنصوبة، وجرّ لمجاورته لأحد المجرورين، وهو بطن، أو واد. [الخزانة ج 5/ 86، وشرح المفصل ج 2/ 85، واللسان (سوا)، والمرزوقي 417].

113 - منعّمة تصون إليك منها … كصونك من رداء شرعبيّ
[البيت للحطيئة في ديوانه، والخصائص ج 2/ 372].

114 - وليس المال فاعلمه بمال … وإن أغناك إلّا للذيّ
يريد به العلاء ويصطفيه … لأقرب أقربيه وللقصيّ
لا يعرف قائلهما. وجملة (يريد) في أول البيت الثاني، صلة الموصول (الذي) في آخر البيت الأول. والبيتان، ذكرا على أن «كسرة الياء المشددة من الذي، كسرة بناء. [الخزانة ج 5/ 504، والإنصاف ص 675، والهمع ج 1/ 82].
(3/370)

115 - وبلدة ليس بها طوريّ … ولا خلا الجنّ بها إنسيّ
هذا رجز للعجاج. تقول العرب، ما بالدار طوريّ ولا دوريّ، أي: أحد. ويروى «طوئيّ» والمعنى واحد. والرجز جاء به السيوطي شاهدا على جواز تقديم المستثنى على المستثنى منه. والتقدير: ولا بها إنسيّ خلا الجنّ. فالجنّ، مستثنى والإنسيّ، مستثنى منه. [الهمع ج 1/ 226، 232، وفيه أن «خلا» تنصب فتكون فعلا، وتجرّ فتكون حرفا، ولا متعلق لها. واللسان (طور، وطأى)].

116 - يا مرحباه بحمار ناجيه … إذا أتى قرّبته للسّانيه
يا مرحباه: المنادى محذوف، ومرحبا: مصدر منصوب بعامل محذوف، أي: صادف رحبا وسعة، حذف تنوينه، لنية الوقف، ثم بعد أن وصل به هاء السكت، عنّ له الوصل فوصل. وناجية: اسم رجل، وبنو ناجية قوم من العرب والباء بحمار متعلق بقوله مرحبا.
والسانية: الدلو العظيمة وأداتها، والنّاقة التي يسنى عليها، أي: يستقى عليها من البئر، وأراد بتقريب الحمار للسانية: أن يستقى عليه من البئر بالدلو العظيمة. وذكروا الرجز، على أن هاء السكت الواقعة بعد الألف، يضمها بعض العرب، ويفتحها في حالة الوصل في الشعر. [الخزانة ج 2/ 387، والخصائص ج 2/ 358، وشرح المفصل ج 9/ 46، والهمع ج 2/ 157].

117 - لا هيثم الليلة للمطيّ ....
رجز في كتب اللغة والنحو، ينسب لرجل لم يسمّ. وهيثم: اسم رجل كان حسن الحداء للإبل، أو جيد الرّعية. والمطيّ: الركائب.
ولا: نافية للجنس. وهي لا تدخل إلا على نكرات فكيف دخلت على العلم؟
وقد تأولوه بأحد تأويلين: الأول: على حذف مضاف، وهو «مثل» باعتبار أن الإضافة إلى العلم لم تعرّف المضاف
والتقدير: لا مثل هيثم.
والتأويل الثاني: بتأويل العلم باسم جنس، والمعنى: لا حادي للمطي. ومثله: لا حاتم اليوم، باعتبار حاتم مثلا للكرم لا يراد العلم. وقد نقول لا صلاح الدين للقدس.
وهذا الجزء من الرجز أحد أبيات تمثل بها الحجاج يوم دخل الكوفة، ومنها:
(3/371)

قد حشّها الليل بعصلبيّ … مهاجر ليس بأعرابيّ
أروع خرّاج من الدويّ … عمرّس كالمرس الملويّ
وحشها: حثها، والعصلبيّ: الشديد. ومهاجر: يريد خبيرا بالحياة. والأروع: الحديد الفؤاد. والدويّ: الصحراء. والعمرّس: الشديد. والمرس: الحبل. [الخزانة ج 4/ 57، وشرح المفصل ج 2/ 102، وسيبويه ج 1/ 354].

118 - وهي تنزّي دلوها تنزّيا … كما تنزّي شهلة صبيّا
رجز غير منسوب. وتنزّي: تحرك. والشهلة: العجوز. يصف ناقة، وشبه يديها إذا أخذت الدلو بهما لتخرجه من البئر بيدي امرأة عجوز ترقص صبيّا، وخصّ الشهلة، لأنها أضعف من الشابة.
والشاهد: تنزيّا: مصدر الفعل: نزّى، والقياس فيه «تنزية» على وزن تفعلة فحذف الهاء، حمله على ما هو بمعناه، أي: تحرك دلوها تحريكا. [التصريح/ 2/ 76، والأشموني/ 2/ 307، وابن عقيل/ 2/ 209، واللسان «نزا»].

119 - بنيته بعصبة من ماليا … أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا
الرجز لشاعر يثربي قديم، هو أحيحة بن الجلاح، يذكر الحصن الذي بناه في الموقع المسمى «العصبة» والشاهد كونه جعل الركب، ضد الرجل، وضد الرجل يدخل فيه راكب الفرس وراكب الحمار وغيرهما، وفيه ردّ على من قال: إن الركب، أصحاب الإبل، وأن الراكب يقال لراكب البعير خاصة. [الخزانة/ 6/ 253، وشرح المفصّل/ 5/ 77، واللسان «رجل»].

120 - ذكّرتني الطّعن وكنت ناسيا
لرهيم بن حزن الهلالي، في شرح شواهد الشافية/ 109.

121 - حيدة خالي ولقيط وعلي … وحاتم الطائيّ وهّاب المئي
لامرأة من بني عقيل. وحيدة، ولقيط، وعلي: أعلام أشخاص. وفي البيت حذف التنوين من «حاتم» للضرورة. وفيه حذف النون من «المئين» لضرورة الشعر.
[الخزانة/ 7/ 375، والإنصاف/ 663].
(3/372)

انتهى كتاب «شرح الشواهد الشعرية في أمّهات الكتب النحوية» الذي صنفته في حيّ النصر بالمدينة النبوية في السنوات الأخيرة من الجوار الطيب الذي انتهى جسما، ودام روحا سنة 1414 ه.
وفرغت من قراءة تجربة التنضيد في داريا الشام جوار أبي مسلم الخولاني، ليلة الاثنين الحادي والعشرين من ربيع المولد النبويّ 1417 ه الموافق الخامس من آب سنة 1996 م.
والحمد لله على نعمائه.
محمد محمد حسن شرّاب
(3/373)