Advertisement

سمط اللآلي في شرح أمالي القالي 001



الكتاب: سمط اللآلي في شرح أمالي القالي [هو كتاب شرح أمالي القالي / لأبي عبيد البكري؛ نسخه وصححه وحقق ما فيه وخرجه وأضاف إليه عبد العزيز الميمني]
المؤلف: أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي (المتوفى: 487هـ)
نسخه وصححه ونقحه وحقق ما فيه واستخرجه من بطون دواوين العلم: عبد العزيز الميمني
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكرى رحمه الله: الحمد لله حمداً يقتضي رضاه، ولا ينقضي مداه، وصلى الله على محمد نبيّه الذي اصطفاه. واختاره لرسالته واجتباه. وسلم تسليماً.
هذا كتاب شرحت فيه من النوادر التي أملّها أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي ما أغفل، وبيّنت من معاني منظومها ومنثورها ما أشكل، ووصلت من شواهدها وسائر أشعارها ما قطع، ونسبت من ذلك إلى قائليه ما أهمل، وكثيراً ما يرد البيت المفرد، والشعر الغفل المجرّد، على ما ذكرت في صدر كتابي المؤلف، في أبيات الغريب المصنّف، وذكرت اختلاف الروايات فيما نقله أبو علي ذكر مرجّح ناقد، ونبّهت على ما وهم فيه تنبيه منصف لا متعسّف ولا معاند، محتجّ على جميع ذلك بالدليل والشاهد، والمستعان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما بنا من نعمة فمن الله.
(1/3)

ع في صدر الكتاب حرفان من الغريب أحدهما " إذا أعطى أسنع والسنيع الحسن يقال امرأة سنيعة وقد سنعت وهي الجميلة اللينة المفاصل في كمال. وقال أبو عبيد عن أبي عمرو: السنيع الحسن. والسنع أيضاً الطول يقال رجل أسنع أي طويل وشرف أسنع أي مرتفع نباه. ويروي وإذا أعطى أشبع.
والثاني قوله: " مذلت بما كنت عليه شحيحاً يقال مذل فلان بسرّه إذا قلق ومذل بماله إذا جاد، قال الأسود بن يعفر:
ولقد أروح على التجار مرجلاً ... مذلاً بمالي ليّناً أجيادي
ويقال مذل ومذل بالفتح والكسر إذا لم يستقرّ في مكان.
قال أبو علي وهو إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سامان مولى عبد الملك بن مروان، مولده بمنازجرد من ديار بكر سنة 288 هذا وتوفي
(1/4)

بقرطبة في جمادى الأولى سنة 356 هـ: " قرأ أبو عمرو ما ننسخ من آية أو ننسأها إلى آخر ما ذكر في هذه الآية قال المؤلف: قرأ ابن كثير كما قرأ أبو عمرو وهي رواية مجاهد وعطاء، وقرأ الباقون من السبعة أو ننسها بضم النون وكسر السين وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وابن المسيّب والضحّاك. وهي في قراءة أبيّ ما ننسخ من آية أو ننسك بضم النون وبالكاف وفي قراءة سعيد أو ننسها بفتح النون. وكلهم قرأ ما ننسخ من آية بفتح النون من ننسخ إلا ابن عامر فإنه قرأ ما ننسخ بضم النون وكسر السين. واختلف المفسرون في معنى النسخ هنا. فقال السدّي هو قبضها وهو مثل قوله تعالى: " فينسخ الله ما يلقي الشيطان " أي يذهب به كما روى حمّاد بن سلمة عن داود ابن أبي هند عن أبي حرب ابن أبي الأسود عن أبيه عن أبي موسى الأشعري قال: نزلت سورة كنا
(1/5)

نشبّهها في الطول ببراءة فرفعت وحفظ منها " لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى إليهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب، ويتوب الله على من تاب ". وكما روى أصحاب الزهري عن الزهري عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف أن رهطاً من الأنصار من أصحاب النبيّ عليه السلام أخبروه أن رجلاً قام في جوف الليل يريد أن يفتتح سورة قد كان وعاها فلم يقدر منها على شيء فأتى باب النبي صلى الله عليه حين أصبح يسأله عن ذلك ثم جاء آخر وآخر حتى اجتمعوا فسأل بعضهم بعضاً ما جمعهم فأخبر بعضهم بعضاً بشأن تلك السورة ثم أذن لهم النبي عليه السلام فأخبروه وسألوه عن السورة فقال: نسخت البارحة، فنسخت من صدورهم ومن كل شئ كانت فيه. وقال آخرون منهم عطاء وغيره: ما ننسخ أي ما نكتبه لمحمد من اللوح ويقوّي هذا التأويل قراءة ابن عامر ما ننسخ أي ما ننسخك يا محمد. واختلفوا في قوله تعالى أو ننسها فقال الحسن وغيره هو من النسيان الذي يذهب بقراءتها من أصلها وبعملها فهو كالنسخ في أحد القولين. وقال السدّي معنى أو ننسها أي نتركها محكمة لا نبدّل حكمها ولغيّر فرضها وهو مروي عن ابن عباس، ويقوّي هذا التأويل قراءة من قرأ أو ننسها بفتح النون ومنه قوله سبحانه " نسوا الله فنسيهم " أي تركوه فتركهم لأن الله عز وجل لا يضلّ ولا ينسى. وقد أنكر قوم أن يكون الله عز وجل ينسى نبيّه شيئاً مما أوحى إليه واحتج بقوله " ولئن شئنا لنذهبنّ بالّذي أوحينا إليك " فلم يشإ الله أن يذهب منه بشيء. واحتج آخرون في جواز ذلك بقوله تعالى " سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ". والآيتان محكمتان إخبار خرج مخرج العموم إلا ما خصّ منه الاستثناء في الواحدة ويقوّي هذا أن عائشة قد روت أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ برجل يقرأ القرآن فقال: رحم الله هذا أذكرني آية كنت أنسيتها وأنه صلّى
(1/6)

الغداة فترك آية وفي القوم أبيّ بن كعب فقال يا رسول الله أنسخت آية كذا أم نسيتها؟ فضحك ثم قال بل نسيتها. وقول النبيّ صلى الله عليه وسلم من سرّه النساء في الأجل والسعة في الرزق فليصل رحمه ع هو مثل قوله في حديث آخر رواه البخاري قال أخبرنا إبراهيم ابن المنذر أخبرني محمد بن معن حدثني أبي عن سعيد ابن أبي سعيد عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سرّه أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه. وروى سفيان عن عبد الله بن يحيى عن عبد الله ابن أبي الجعد عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيد في العمر إلاّ البرّ، ولا يردّ القدر إلاّ الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. ورواه القاسم بن يحيى عن سليمان بن أرقم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن ثوبان وزاد " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنّها مصبحين ". وقال ابن الأعرابي تذاكروا صلة الرحم وأعرابيّ حاضر فقال منسأة للعمر مرضاة للربّ محبّة في الأهل. وروى ابن أبي مليكة عن أبي سعيد الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: البرّ والصلة وحسن الجوار عمارة للدنيا وزيادة في الأعمار. وقد ورد في بعض الحديث: أن الله يكتب لابن آدم أجلين إن وضل رحمه عمّر إلى أطول وإن لم يصل عمر إلى أقصرهما. وروى المدائني
عن بعض الصالحين أنه قال ما أشاء أن أصيب رزقاً إلاّ أصبته قال وكيف ذلك؟ قال أصل رحمي قال القتبي إن اعترض معترض على حديث النبي صلى الله عليه وسلم بقول الله عز وجل " فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " قيل له إن أهل النظر يذهبون في زيادة العمر إلى معنيين أحدهما السعة والزيادة في الرزق واحتجوا بأنه قد قيل الفقر هو الموت الأكبر، وجاء في بعض الحديث أن الله عز وجل أعلم موسى عليه السلام أنّه يميت عدوّه ثم رآه بعد يسدّ الخوص، فقال يا ربّ وعدتني أن تميته فقال قد فعلت قد أفقرته، وقالوا للمفلس ميّت الأحياء قال الشاعر: ن بعض الصالحين أنه قال ما أشاء أن أصيب رزقاً إلاّ أصبته قال وكيف ذلك؟ قال أصل رحمي قال القتبي إن اعترض معترض على حديث النبي صلى الله عليه وسلم بقول الله عز وجل " فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " قيل له إن أهل النظر يذهبون في زيادة العمر إلى معنيين أحدهما السعة والزيادة في الرزق واحتجوا بأنه قد
(1/7)

قيل الفقر هو الموت الأكبر، وجاء في بعض الحديث أن الله عز وجل أعلم موسى عليه السلام أنّه يميت عدوّه ثم رآه بعد يسدّ الخوص، فقال يا ربّ وعدتني أن تميته فقال قد فعلت قد أفقرته، وقالوا للمفلس ميّت الأحياء قال الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميّت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيباً ... كاسفا باله قليل الرجاء
وهذان البيتان لابن الرعلاء الغسّاني، فلما جاز أن يسمّي الفقر موتاً ويجعل نقصاً من الحياة جاز أن يسمّي الغنى حياة ويجعل زيادة في العمر. والمعنى الآخر أن الله يكتب أجل
(1/8)

العبد عنده مائة سنة ويجعل تركيبه وبنيته لتعمير ثمانين سنة فإذا وصل رحمه زاد الله في ذلك التركيب وتلك البنية ووصل ذلك النقص حتى يبلغ المائة وهي الأجل الذي لا مستأخر " عنه " ولا متقدّم. قال وهذا أعجب القولين إليّ لأن الله عز وجل قد فرغ من الرزق كما فرغ من الأجل فليس الزيادة في أحدهما بأعجب من الزيادة في الآخر. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: الصدقة تدفع القضاء المبرم. وقال بعض المفسرين في قول الله عز وجل: " ما يعمّر من معمّر ولا ينقص من عمره إلاّ في كتاب " أنه يكتب للإنسان أن يعمّر مائة سنة إن أطاع وتسعين إن عصى فأيّهما بلغ فهو في كتاب، نقل ذلك أبو جعفر ابن النحّاس. وقد قال كعب: لو دعا الله عمر لأخّر في أجله فانما يتوجّه قوله على هذا التأويل، والأكثر في تأويل الآية غير هذا وهو أن المعنى ولا ينقص من عمره بما يمضي من أجله لأن ذلك مكتوب بالساعة واليوم والشهر والسنة إلى آخر عمره. وقال بعضهم إن الهاء في عمره لمعمّر آخر. قال يحيى بن زياد: وهذا كما تقول عندي درهم ونصفه أي ونصف آخر.
وقال أبو علي قال الله عز وجل: " إنما النسيء زيادة في الكفر " وأورد معناه على ما ذكر أبو بكر. قال المؤلف لم يبيّن أبو بكر في روايته مذهب العرب في النسيء على حقيقته وذكر محمد بن حبيب البصري أن أول من نسأ حذيفة بن عبد بن
(1/9)

فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة ثم أبناؤه بعده توارثا أوّلهم قلع بن حذيفة، وآخرهم جنادة بن أميّة بن عوف بن قلع نسأ حتى جاء الإسلام وهم القلامس وكانوا يحسبون ما بين السنة الشمسية والقمرية فيكون عشرة أيام وعشرين ساعة فيجعلون النسيء بقدر ذلك فلا تختلف سنوهم. وقال الليثي: كان الذي انبرى للنسيء القلمّس وهو صفوان بن محرّث أحد بني مالك بن كنانة وكان له بذلك بملكة وأكل وتوارثه بنوه إلى الإسلام. وقال أبو جعفر الطبريّ: النسيء فعيل بمعنى مفعول أي المنسوء المؤخّر. وقال النحويون: هو مصدر كالنذير والنكير والنجيّ للمناجاة. قال الراعي:
طاوعته بعد ما طال النجيّ بنا ... وظنّ أنّي عليه غير منعاج
وهذا هو الصحيح.
وأنشد أبو علي أيضاً

ألسنا الناسئين على معد
(1/10)

ع هو لابن جذل الطعان عمير بن قيس الكناني يكنى أبا وافر شاعر جاهلي، وصلته:
لقد علمت معدّ أن قومي ... كرام الناس إنّ لهم كراما
ونحن الناسؤون على معدّ ... شهور الحلّ نجعلها حراما
وأيّ الناس فاتونا بوتر ... وأيّ الناس لم نعلك لجاما
يقول نمنعهم من الغيّ كما يمنع اللّجام الدابة من الجماح: وأنشد أبو علي أيضاً
وكنا الناسئين على معد
ع هو للكميت بن زيد بن الأخنس الأسدي يكنى أبا المستهلّ شاعر إسلامي، وصلته:
لنا حوض الحجيج وساقياه ... وموضع أرجل الركب النزول
ومطّرد الدماء وحيث يلقى ... من الشعر المضفّر والفليل
وكنا الناسئين على معدّ ... شهورهم الحرام إلى الحليل
نحرّم تارة ونحلّ أخرى ... وكان لنا الممرّ من السحيل
(1/11)

أسد: أسد كنانة فلذلك فخر الكميت بالنسيء وهو عمّ النضر بن كنانة الذي هو أبو قريش فلذلك فخر بالسقي والإطعام ومشاعر الحج. والفليلة الشعر المجتمع. والسحيل الخيط الذي يفتل فتلاً رخواً. والممرّ المبرم الشديد الفتل قال زهير:
على كل حال من سحيل ومبرم
وأنشد أبو علي:
نسأوا الشهور بها وكانوا أهلها
قال المؤلف هو لأميّة بن الأسكر الليثي شاعر جاهلي إسلامي قال يخاطب وهب بن معتب الثقفي، وقيل إنه للشويعر ربيعة بن عبس الليثي
أغضبت أن حلّت كنانة مغزلاً ... منعت به مجد الحلال الأوّل
نسأوا الشهور بها وكانوا أهلها ... من قبلكم والعزّ لم يتحوّل
وقوله بها: يعني بمكة. وقوله مجد الحلال يعني أنهم كانوا يحلّون ويحرّمون بالنسيء.
قال أبو علي وذكر اللحن فأنشد شاهدا على لحن القول في قوله سبحانه:
" ولتعرفنهم في لحن القول ": ... ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا
قال المؤلف: هو للقتّال الكلابي واسمه عبيد الله وقيل عبيد بن مجيب بن المضرحيّ
(1/12)

من أبي بكر ابن كلاب يكنى أبا المسيّب وغلب عليه هذا اللقب لتمرّده وفتكه. وزعم أبو زيد أنه جاهلي والصحيح أنه مخضرم لأن مروان بن الحكم أمر بحدّه وذكر ذلك أبو عبيدة وصدر البيت:
هل من معاشر غيركم أدعوهمو ... فلقد سئمت دعاء يال كلاب
ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا ... ووحيت وحيا ليس بالمرتاب
وأنشد أبو علي أيضاً في ذلك الباب للبيد:
متعوّد لحن يعيد بكفّه
هو لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب يكنى أبا عقيل مخضرم، وصلة البيت:
درس المنا بمتالع فأبان ... فتقادمت بالحبس فالسوبان
فنعاف صارة فالقنان كأنها ... زبر يرجعّها وليد يمان
متعوّد لحن يعيد بكفّه ... قاما على عسب ذبلن وبان
المنا: أراد المنازل وقد تكلّم فيه النحاة بما يغني عن الإعادة ومثله في الحذف قول علقمة:
كأن إبريقهم ظبي على شرفمفدّم بسبا الكتّان ملثوم
(1/13)

أراد بسبائب الكتان فحذف. وقال أبو زياد: المنى الحذاء يقال داري بمنى دار فلان فكأنه قال درس المحاذي لمتالع، وأنشد المفضّل شاهدا على أن المنا المنازل:
ليست مناها بأرض كان يبلغها ... بصاحب الهمّ إلا الناقة الأجد
ومتالع جبل لغنيّ وقيل متالع والحبس وأبان جبال بالبادية. والسوبان واد لبني تميم. والنعاف جمع نعف وهو ما انحدر عن سفح الجبل وارتفع عن المسيل. وصارة والقنان جبلان لبني فقعس ومن روى القنان بكسر القاف فهو جمع قنّة وهي الأكمة. والزبر الكتب وشبّه آثار الديار بكتب يعاد على كتابتها لتتبيّن وقال يمان لأن اليمن ريف وبه الكتّاب وليس بالبدو كتّاب. والعسب عسب النخل وهو سعفهاً وكانوا يكتبون فيها والذابل اليابس وفيه ندوّة. قال أبو حاتم عن الأصمعي: وكانوا يكتبون في العسب والبان والعرعر. والعسب جريد النخل الرطب فلذلك قال ذبلن.
قال أبو علي ومن اللحن الحديث الذي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر ما ذكر فيه.
قال المؤلف هذا الحديث مسند رواه مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي قال: إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلى فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فيه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً فانما أقطع له قطعة من النار انتهى الحديث في رواية مالك وباقي الحديث لم يروه مالك ورواه سفيان عن
(1/14)

أسامة بن زيد بن عبد الله بن رافع عن أم سلمة قال: اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان في أرض قد هلك وذهب من يعلمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجّته من الآخر: وذكر الحديث إلى آخره. والتوخّي لا يكون إلا في الخير، لا يقال توخيت شرّه، وهو التحرّي أي طلب الأحرى في الخير. وقال بعض اللغويين هو من الوخى والوخى الطريق الجادّة أي اقصدا طريق الحق. وقوله صلى الله عليه وسلم: إنما أنا بشر، هذا فيما لم يطلعه الله عليه فأما ما أعلمه الله إياه فهو فيه مباين لسائر البشر. وفيه أن الحكم لا يحلّ حراماً ولا يحرّم حلالاً لأن حكمه على الظاهر وحقيقة الأمور الباطنة إلى الله سبحانه قال تعالى: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أبغض الرجال إلى الله الخصم الألدّ. وقال: من خاصم فجر ومن فجر كفر.
وأنشد أبو علي بعد هذا:
وحديث ألذّه هو مما
قال المؤلف هذا البيت هو لمالك بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة الفزاري من شعراء الدولة الأموية يكنى أبا سعد. روى حماد عن أحمد بن داود السمني قال: ورد عليّ كتاب المتوكل وأنا على سواد الكوفة أن ابتع لي تلّ بونّي بما بلغت فأتيتها فإذا هي
(1/15)

قرية صغيرة على تلّ قد خرب ما حولها من الضياع فاتبعتها بعشرة آلاف درهم ولم أدر ما حمله على ذلك حتى بلغني أنه غنّي بشعر مالك بن أسماء فحرّكه لما كتب به. والشعر:
حبّذا ليلتي بتلّ بونّي ... إذ نسقّي شرابنا ونغنّي
من شراب كأنه دم جوف ... يترك الشيخ والفتى مرجحنا
ومررنا بنسوة عطرات ... وسماع وقرقف فنزلنا
وحديث ألذّه هو ممّا ... تشتهيه النفوس يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا
أمغطّي مني على بصري لل ... حبّ أم أنت أكمل الناس حسنا
وهذا البيت من قول الحكم الخضري خضر محارب
تقاسم ثوباها ففي الدرع رأدة ... وفي المرط لفّاوان ردفهما عبل
فوالله ما أدري أزيدت ملاحة ... وحسنا على النسوان أم ليس لي عقل
قوله يوزن وزناً أي ليس فيه إكثار. وقال عمرو بن بحر هذا الشعر لمالك بن أسماء
(1/16)

يقوله في استملاح اللحن في الكلام من بعض جواريه. وهذا من أوهام أبي عثمان المعدودة قال علي بن الحسين أخبرني يحيى بن علي المنجّم قال حدثني أبي قال قلت للجاحظ إني قرأت في فصل من كتابك المسمى كتاب البيان: أن مما يستحسن من النساء اللحن في الكلام وأنشدت بيتي مالك بن أسماء، قال هو كذلك. قلت أما سمعت بخبر هند بنت أسماء مع الحجاج حين لحنت في كلامها فعاب ذلك عليها فاحتجّت ببيتي أخيها فقال لها إنما أراد أخوك أن المرأة فطنة فهي تلحن بالكلام إلى غير المعنى في الظاهر لتورّي عنه ويفهمه من أرادت بالتعريض كما قال الله سبحانه " ولتعرفنهم في لحن القول " ولم يرد أخوك الخطأ في الكلام والخطأ لا يستحسن من أحد. فوجم الجاحظ وقال لو سقط إليّ هذا الخبر ما قلت ما تقدّم. قال فقلت له أصلحه قال الآن وقد سار الكتاب في الآفاق. وإنما أراد مالك بن أسماء معنى قول القطاميّ:
(1/17)

يقتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتّقين ولا مكنونه باد
فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي
وهو الذي ذهب إليه أبو الطيب في قوله:
وإذا الفتى ألقى الكلام معرّضاً ... في مجلس أخذ الكلام اللّذعني
قال أبو عليّ، ومنه قول عمر بن الخطاب تعلّموا الفرائض والسنّة واللحن.
قال المؤلف: مرّ عمر بن الخطّاب بقوم يتناضلون فقال لهم انتسئوا عن البيوت فإنّ للنّضال كلاماً لا يصلح أن يسمعه النساء قال ورمى أحدهم فأخطأ فقال له عمر أخطأت. فقال يا أمير المؤمنين نحن متعلّمين، فقال والله لخطأك في كلامك أشدّ عليّ من خطأك في نضالك احفظوا القرآن وتفقهوا في الدين وتعلّموا اللحن. هكذا رواه أبو عمر في كتاب الياقوت. وقوله العرم المسنّاة بلحن اليمن. المسنّاة السكر وهو السدّ وواحد العرم عرمة. وقال أبو حاتم هو جمع لا واحد له من لفظه قال الجعدي:
من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سليه العرما
(1/18)

والعرم فيما ذكر مما بنت بلقيس صاحبة سليمان، وقد نسب الأعشى بنيانه إلى حمير فقال:
ففي ذاك للمؤتسى أسوة ... ومأرب عفّى عليه العرم
رخام بناه لهم حمير ... إذا جاء موّارهم لم يرم
والمسنّاة في غير هذا الموضع ماء لبني شيبان قال الأعشى:
دعا قومه حولي فجاءوا لنصره ... وناديت قوماً بالمسنّاة غيّبا
وقال أبو عمر عن ثعلب عن ابن الأعرابي: العرم: الفأرة وأنشد أبو علي بعد هذا:
وما هاج هذا الشوق إلاّ حمامة ... تغنّت على خضراء سمر قيودها
قال المؤلف ع هذا الشعر لعليّ بن عميرة الجرميّ وبعد البيتين:
جزوع جمود العين دائمة البكا ... وكيف بكا ذي مقلة وجمودها
مطوّقة لم يضرب القين فضّة ... عليها ولم يعطل من الطوق جيدها
ولم تختلف الرواية عن أبي علي في خفض سمر قيودها فهو على ظاهره نعت لخضراء التي يعني بها الشجرة. وقيودها: أصولها. وهم يصفون ما كان متمكّن الريّ من الشجر بالحوّة والسواد قال الله تعالى في صفة الجنّتين " مدهامّتان " وقال اللغويون العمور والقيود ما بين الأسنان من اللثات كالشرف وأنشدوا للحسين بن مطير:
(1/19)

لمرتجّة الأرداف هيف خصورها ... عذاب ثناياها لطاف قيودها
والقيود ما حوالي منقار الطائر أيضاً قاله ابن الأعرابي. ويحتمل أن يريد موضع قيودها بمعنى ساقيها فحذف فيكون خفض سمر على الجوار في هذا التأويل. والضمير في قيودها راجع على الحمامة وإن كان المخفوض على الجواب لا يكون إلاّ متّصلاً بمخفوض ظاهر. وقوله على خضراء منصوب الظاهر. وفيه أيضاً اعتراض آخر: وذلك أنك لو قلت مررت برجال قائمين آباؤهم لم يجز إلا على لغة من قال أكلوني البراغيث لأنه قد جرى مجرى الفعل المقدّم إلا أنه أجوز وأسوغ إذا كان النعت مكسّراً لأن المكسّر كالواحد.
وقد روى بعضهم سمر قيودها بالرفع. وقوله: تقود الهوى من مسعد ويقودها: يريد تقود هوى مسعدها ويقودها مسعدها هذا إن كان أراد بالمسعد طائراً فإن كان أراد إنساناً فإن الضمير الفاعل في يقودها للهوى أي يقود الحمامة الهوى الذي بها إلى البكاء وأنشد أبو علي بعد هذا
لقد تركت فؤادك مستجنّاً ... مطوّقة على فنن تغنّى
قال المؤلف: هذا الشعر لبريه بن النعمان الأشعري مولى لهم ومعناه واضح.
وأنشد أبو عليّ:
وهاتفين بشجو بعد ما سجعت ... ورق الحمام بترجيع وإرنان
(1/20)

وفسر جميع ما ورد في هذه الأشعار الثلاثة من ألحان الحمام أن المراد بها اللغات.
ع وهذا وهم من أبي علي وإنما المراد به اللحن الذي هو ضرب من الأصوات المصوغة للتغّني، والدليل على ذلك قوله: مطوّقة على فنن تغنّى: وقول الآخر:
يردّدان لحوناً ذات ألوان
" إنما أراد ذات ألوان " من الترجيع كما قال في البيت قبله بترجيع وإرنان قال أبو علي " 1 - 8، 6 " وأصل اللحن أن تريد الشيء فتورّي عنه بقول آخر كقول رجل من بني العنبر وذكر الخبر بطوله.
ع هذا الأعور هو ناشب بن بشامة العنبري والذي كان في أيدي بني تميم من بني بكر الذي كنى عنه بقوله ليكرموا فلاناًهو حنظلة بن الطفيل المرثدي. وزاد غير أبي علي في آخره، وليرعوا حاجتي في ابني مالك بن حنظلة، وليعصوا همّام بن بشامة فإنه مشئوم، وليطيعوا هذيل بن الأخنس. ولم يرو " واسألوا الحارث عن خبري " فأبلغهم الرسالة فقالوا جنّ الأعور ولم يفهموا حتى سألوا هذيلاً فقال هذيل للرسول أخبرني بأوّل قصصه ففعل فقال: أمّا الرمل فقد أخبركم أنه أتاكم مالاً يحصى وكذلك النجوم والنيران، ثم فسّر سائر ما لحن به على ما ذكر أبو علي. قال وابنا مالك يأمركم أن تنذروهم فركبت بنو عمرو من الدهناء وأنذروا بني مالك فقالوا ما ندري ما تقول بنو الجعراء، والجعراء لقب بني
(1/21)

العنبر بن عمرو بن تميم فصبّحت اللهازم من بني بكر بني حنظلة وعلى الجيش أبجر بن جابر فهزمت بنو حنظلة، وأسر ضرار بن القعقاع فجزّوا ناصيته وخلّوه. وهذا اليوم هو الوقيط وهذه رواية أبي عبيد " ة ".
وفسّر أبو علي " 1 - 8، 7 " ما يحتاج إلى تفسيره في الخبر إلى قوله يريد بقوله إن العرفج قد أدبى أي أن الرجال قد استلأموا أي لبسوا الدروع.
ع ليس في قوله إن العرفج قد أدبى دليل على ما ذكره أبو علي عن الحرب ولا من عادة العرب أن يلبسوا الدروع إلا في حال الحرب وأما في بيوتها قبل الغزو فذلك غير معروف، وإنما أراد بذلك أن يؤذنهم بوقت الغزو وينبّههم على التيقّظ والحذر. قال أبو نصر إدباء العرفج أن يتّسق نبته ويتأزّر وإذا اتّسق النبت وتأزّر أمكن الغزو. وقال أبو زياد والعرفج نبت طيب الريح أغبر إلى الخضرة له زهرة صفراء ولا شوك له، ويقال له إذا اسودّ عوده حتى يستبين فيه النبات قد أقمل، فإذا زاد قليلاً قليلاً قيل قد ارقاطّ
(1/22)

فإذا زاد قليلاً قيل قد أدبى وهو حين قد صلح أن يؤكل. فإذا أعتم وطفحت خوصته وأكلأ قيل " قد " أخوص، فإذا ظهرت عليها خضرة النبات قيل عرفجة خاضبة. ومنابت العرفج يقال لها المشاقر وهي أيضاً الحومان وتكون في السهل والجبل.
قال أبو علي " 1 - 8، 7 " في قول الشاعر:

والناس كلّهم بكر إذا شبعوا
يريد أن الناس كلهم عدو لكم إذا شبعوا كبكر بن وائل.
قال المؤلف: ولم يرد الشاعر هذا المعنى لأن الناس كلهم لم يكونوا عدوّا لبني تميم ولا أقلهم إنما يريد أن الناس إذا شبعوا هاجت أضغانهم وطلبوا الطوائل والترات في أعدائهم فكانوا لهم كبكر بن وائل لبني تميم كما قال الشاعر. أنشده ثعلب عن ابن الأعرابي:
لو وصل الغيث لأبنينا امرأ ... كانت له قبّة سحق بجاد
(1/23)

يقول لو اتصل الغيث وأخصبنا لأغرنا على الملك فنأخذ متاعه وقبته إلى أن يحوجه إلى أن يسوّي قبّة من قطعة كساء. قال أبو عمرو وإنما يغيرون في الخصب لا في الجدب قال ومثله:
يا ابن هشام أهلك الناس اللبن ... فكلهم يسعى بسيف وقرن
يقول لما كثر الخصب سعى بعضهم إلى بعض بالسلاح. ومثله قول الآخر:
قوم إذا نبت الربيع لهم ... نبتت عداوتهم مع البقل
ومثله:
فقد جعل الوسميّ ينبت بيننا ... وبين بني رومان نبعا وشوحطا
ومثله:
وفي البقل إن لم يدفع الله شرّه ... شياطين ينزو بعضهن إلى بعض
(1/24)

وقال آخر:
قوم إذا اخضرّت نعالهم ... يتناهون تناهق الحمر
يعني يتناهقون من الأشر والبغي. وبعض الناس يتأول أن النعال هنا نعال الأقدام، وإنما النعال الأرضون الصلاب وأحدهما نعل وهو ما غلظ من الأرض، وإذا أخصب النعال فما ظنّك بالدماث، ومنه الحديث: إذا ابتلّت النعال فصلّوا في الرحال، معناه إذا تزلّقت الأرض فصلّوا في البيوت. والرحال ههنا المنازل والبيوت. ومثله:
إذا اخضرّت نعال بني غراب ... بغوا ووجدتهم أشرى لئاما
وروى عبد الرحمن عن عمه عن يونس أن قوما من الأعراب قدموا على ابن الزبير يطلبون الفرض فقال: ما أصنع بكم؟ والله إن سلاحكم لرثّ، وإن حديثكم لغثّ، وإنكم لأعداء في الخصب، عيال في الجدب. ومن أبيات المعاني في هذا الباب قول الشاعر:
جلبت غذيرة قوشة ابنة مخرم ... بطراً أشلّ أبا الحباب عشيرها
والعبد ينزو حين يربو بطنه ... حتى يمجّ ذراع كفّ ريرها
الغذيرة: ضرب من أطعمة العرب. يقول: طعام هذه المرأة أبطر عشيرها أبا الحباب لما شبع ربا بطنه فبغى فقطعت يده ومجّت ذراعه ريرها وهو المخّ الرقيق يقال له رير ورير
(1/25)

ومن هذا اللحن ما رواه غير واحد أن قوماً من العرب أسروا فتى من طيء فخرج أبوه في بعض الأشهر الحرم يريد آسريه ليكون يفديه، فأتاهم فاستاموا به شططا وابنه حاضر. فقال لهم الطائي: لا والذي جعل الفرقدين يطلعان ويغربان على جبلي طيء " لا أزيدكم على ما أعطيتكم " ثم انصرف إلى قومه فسألوه عن ابنه فقال لهم: قد ألقيت إليه كلمة إن كان لقنها فقد نجا؛ فلما جنّ الليل على الفتى انتهز فرصة من غفلة القوم فاستاق قطعة من إبلهم وخرج يؤمّ السمت الذي لحن له به أبوه حتى أتى قومه. وذكر الليثي أن رجلاً تزوّج امرأة وبعث إليها ثلاثين شاة وزقّ خمر، فذبح الرسول شاة وشرب بعض الزق، فلما أتى المرأة علمت أن الرجل لم يبعث إلاّ ثلاثين شاة وزقاّ مملوءاً خمراً، فقالت له: قل لصاحبك إن سحيما قد رثم وإن رسولك جاءني في المحاق؛ فلما أتاه بالرسالة قال يا عدوّ الله ذبحت من الشاة شاة وشربت من رأس الزقّ. أرادت أن ليلة تسع وعشرين هي ليلة المحاق. ورثم: كسر فوه. والرثم بياض الشفة العليا هذا أصله ثم استعمل في الهتم. وسحيم كناية عن الزقّ. ومن أغرب ما ورد في هذا الباب أن بكراً وتغلب لما سئموا الحرب وطال ذلك عليهم اتخذ مهلهل بن ربيعة عبدين فكان يغير بهما على قبائل بكر فسئم العبدان أيضاً
(1/26)

ذلك فأجمعا على قتل سيّدهما. فلما تيقّن مهلهل أنهما قاتلاه قال إن كنتما لابدّ فاعلين فأبلغا الحيّ وصيّتي ثم أنشأ يقول:
من مبلغ الأحياء أن مهلهلاً ... لله دركمو ودرّ أبيكمو
فقتلاه ثم رجعا إلى الحيّ فقالا إن مهلهلاً مات ودفنّاه بموضع كذا، قالوا فهل وصّى بشيء قالا نعم. قال وأنشدوا البيت فلم يدر القوم ما معنى ذلك حتى أتت ابنته وكانت غائبة عند زوجها في بعض الأحياء فأنشدوها ما قال أبوها فقالت إن أبي يخبركم أن العبدين قتلاه، ثم قالت إنما أراد
من مبلغ الأحياء أن مهلهلاً ... أمسى صريعاً في الضريح مجدّلا
لله دركمو ودر أبيكمو ... لا يبرح العبدان حتى يقتلا
وقيل في موت مهلهل غير ذلك وأن عمرو بن مالك عم المرقّش الأكبر عمرو بن سعد بن مالك أسر مهلهلاً فأحسن إساره وسقاه خمراً. فلما انتشى تغنّى بشعره في كليب فقال عمرو إنه لريّان، والله لا يشرب حتى يرد ربيب وهو جمل كان له يرد بعد عشرة في حمارّة القيظ فطلب ربيب فلم يقدر عليه حتى مات مهلهل عطشاً. وكان هبنّقة أحد بني قيس بن ثعلبة رهط المرقش يقول: لا يكون لي جمل إلا سمّيته ربيباً لقتله مهلهلاً. وعوف بن مالك أخو عمرو وهو الذي قال في يوم قضة:
في كل يوم موارد برك
(1/27)

فسمّى البرك. وقيل إن البيت الذي أنشدناه لمهلهل هو لمرقّش هذا الأكبر وذلك أنه كان يهوى ابنة عمّه أسماء فلمّا زوّجها أبوها من المرادي سار في طلبها ومعه رجل من غفل مع امرأته فمرض مرقّش فقال لزوجه اتركيه فأبت فعزم عليها فسمع مرقّش الأمر فكتب على مؤخرة الرحل:
يا صاحبي تلبّثاً لا تعجلا ... إن الرواح رهين أن لا تفعلا
فلعل لبثكما يفرّط سيّئا ... أو يسبق الإسراع سيباً مقبلا
يا راكباً إمّا عرضت فبلّغن ... أنس بن سعد إن لقيت وحرملا
لله درّكما ودرّ أبيكما ... إن أفلت الغفليّ حتى يقتلا
يفرّط: يقدم مأخوذ من الفارط وقال الخليل فرط عندما يجذر أي نجا وقلّما يستعمل إلا في الشدائد. وأنشد بيت مرقش. فرجع الغفلي وقال مات مرقّش ورأى حرملة وأنس أخوا مرقش الأبيات فخوّفا الغفلي فصدقهما فقتلاه وأتيا موضع أخيهما فوجداه ميّتاً عند أسماء وكان راعيها وجده فأتاها به وقد أكل الذئب أنفه. وروى أن عليّ ابن أبي طالب خطب الناس فقال: إنكم أكثرتم عليّ في قتل عثمان ألا وإن الله قتله وأنا معه فأرضاهم بظاهر قوله وهو يريد أن الله قتله وسيقتلني معه. وخرج المأمون يوماً وبيده رقعة فرمى بها إلى الوزراء والكتّاب وقال اقرأوا هذه الرقعة فجعلوا يقولون هذه رقعة عاشق إلى معشوق وفيها حرف
(1/28)

لسنا نعلم المراد به وهو " يا موسى " فقال المأمون عن الحرف سألت. فهم على ذلك إذ دخل إسحاق بن إبراهيم المصعبيّ فأمره المأمون بالنظر في الرقعة ففكّر فقال هذه رقعة إنسان اطّلع على سرّك فحذّر منه فقال وكيف ذلك. فقال لأن الله تعالى يقول: " يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين " قال المأمون: صدقت هذه رقعة فلانة الجارية وقفت على شيء تكلّمت به في أمر علي بن هشام فلحنت له وأنذرته وذلك قبل أن يوقع بعلي بن هشام.
وأنشد أبو علي بعد هذا " 1 - 9، 7 " لجميل:
فما صائب من نابل قذفت به
وهو جميل بن عبد الله بن معمر بن الحارث العذري ويعرف بابن قميئة وهي أم جدّه
(1/29)

معمّر شاعر من شعراء الدولة الأموية يكنى أبا عمرو وصلة البيت:
وما صائب من نابل قذفت به ... يد وممرّ العقدتين وثيق
له من خوافي النسر حمّ نظائر ... ونصل كنصل الزاعبيّ فتيق
على نبعة زوراء أما خطامها ... فمتن وأمّا عودها فعتيق
بأوشك قتلاً منك يوم رميتني ... نوافذ لم يظهر لهنّ خروق
ويروي: لم يعلم لهن طريق. زوراء: يعني القوس لانعطافها. وخطامها: وترها وإذا كان الوتر من المتن كان أشد له وأقوى لإرساله السهم كما أن عود القوس إذا عتق وقدم كان أجود له وأكرم ولذلك قال أوس بن حجر:
فمظّعها حولين ماء لحائها ... تعالى على ظهر العريش وتنزل
يقول يكنّها بالنهار من الشمس ويخرجها ليلاً لتضر بها الريح.
وأنشد أبو علي بعد هذا " 1 - 9، 7 " شاهداً على الحرد الذي هو القصد للجميح:
أمّا إذا حردت حردي فمجرية ... ضبطاء تسكن غيلا غير مقروب
قال المؤلف الجميح لقب واسمه منقذ بن الطمّاح الأسدي ويقال إنه لغير رشدة من شعراء بني أسد وفرسانهم جاهلي قتل يوم جبلة قال الأصمعي وأول هذا الشعر:
أمست أمامة صمتاً ما تكلّمنا ... مجنونة أم أحسّت أهل خرّوب
(1/30)

مرّت براكب ملهوز فقال لها ... ضرّى الجميح ومسيّه بتعذيب
ولو أصابت لقالت وهي صادقة ... إن الرياضة لا تنصبك للشيب
أما إذا حردت حردي فمجرية ... جرداء تمنع غيلاً غير مقروب
وإن يكن حادث يخشى فذو علق ... تظلّ تزجره من خشية الذيب
أمامة امرأة وأهل خرّوب قومها وهو موضع، ويروي صمتي على فعلي يقول رأت بعض أهلها فأفسدها، وقوله مرّت براكب ملهوز يقول براكب من أعدائي الذين هذا ميسم إبلهم فسامها الإضرار بي. وقوله مجرية يقول لبؤة ذات جراء، ومجر يصحّ مثل مرضع وهكذا رواه الأصمعي:
جرداء تمنع غيلاً غير مقروب
أي لا يقربه أحد والضبطاء من قولهم رجل أضبط إذا كان يعمل بيديه جيمعاً. والقلعة بقيرة وهي من ثياب الصبيان يقول هي عند الحوادث صبيّ يخشى عليها ما يخشى على الصبي لنحرقها وضعفها وقلة غنائها فإذا أمنت كانت اللبؤة الضبطاء في شدّتها وكثرة مضرّتها.
وأنشد أبو علي " 1 - 9، 7 ":
أقبل سيل جاء من أمر الله
قال المؤلف لا تحذف الألف من اسم الله عز وجل إلا في الوقف، وقال أبو حاتم: هذا البيت مصنوع صنعة من لا أحسن الله ذكره يعني قطرباً. وقوله المغلّة يحتمل أن يكون
(1/31)

من الغلة التي هي العطش وأن يكون من الغلة التي هي الريع والفائدة ويروى: جاء من عند الله وأنشد أبو علي " 1 - 9، 7 " لعباس بن مرداس:
وحارب فلان مولاك حارد نصره
قال المؤلف هو عباس بن مرداس ابن أبي عامر السلمى من بني سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان يكنى أبا الهيثم وأمّه الخنساء الشاعرة بنت عمرو بن الشريد وأمّ إخوته الثلاثة وكلّهم شاعر ولم تلد الخنساء إلا شاعراً ومن ولدها أبو شجرة وقال ابن الكلبي أم ولد مرداس جميعاً خنساء إلى العبّاس فإنها ليست أمّه ولم يذكر من أمّه. وذكر أبوالفرج عن رجاله أن الخنساء أمه وهو مخضرم وهو الذي قال: النبي صلى الله عليه وسلم حين أعطى المؤلفة قلوبهم من نفل جنين مائة مائة وأعطى العباس أباعر فسخطها وقال:
(1/32)

أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بينعيينة والأقرع
وقد كنت في الحرب ذا تدرإ ... فلم أعط شيأً ولم أمنع
وما كان حصن ولاحابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرىء منهم ... ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقطعوا عني لسانه. فزاده حتى رضى والعبيد اسم فرسه ويعني عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وروى مغيرة عن عامر الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينشد بيت عباس بين الأقرع وعيينة فقيل له إنما هو بين عيينة والأقرع فأعادهما بين الأقرع وعيينة. وصلة بيت الشاهد الذي أنشده أبو علي على ما رواه الرياشي.
أتشحذ أرماحاً بأيدي عدوّنا ... وتترك أرماحاً بهن نكايد
عليك بجار القوم عبد بن حبتر ... فلا ترشدن إلاّ وجارك راشد
إذا طالت النجوى بغير أولي النهى ... أضاعت وأصنعت خد من هو فارد
فحارب فان مولاك حارد نصره ... ففي السيف مولى نصره لا يحارد
عبد بن حبتر بطن من خزاعة، ويروي بغير أولي القوى.
وأنشد أبو علي في المحاردة " 1 - 9، 8 " أيضاً للكميت:
وحاردت النكد الجلاد " ولم يكن "
(1/33)

قال المؤلف: قد تقدم ذكر الكميت، وصلة البيت:
خضمّون أشراف بهاليل سادة ... مطاعيم أيسار إذا الناس أجدبوا
إذا ما المراضيع الخماص تأوّهت ... من القرّ إذ مثلان سعد وعقرب
وحاردت النكد الجلاد ولم يكن ... لعقبة قدر المستعيرين معقب
قوله إذ مثلان سعد وعقرب يقول صارت السعود مثل النحوس في شدة الزمان. والعقبة ما يردّه مستعير القدر في أسفله من المرق فهم لسوء الحال لا يعقبون ما استعاروا من القدور. وقال أبو عبيد النكد الغزيرات الألبان من الإبل وأنشد بيت الكميت. وقد ردّ عليه وقيل إنه صحّف والمكد بالميم هي الغزيرات الألبان الدائمة الحلاب، فأما النكد بالنون فهي التي لا ألبان لها قال الكميت أيضاً:
ووحوح في حضن الفتاة ضجيعها ... ولم يك في النكد المقاليت مشخب
وقيل هي التي لا يعيش لها ولد. وواحدة المكد مكود. والمشخب صوت اللبن عند الحلب. والوحوحة صوت نفس المقرور.
وأنشد أبو علي " 1 - 9، 8 " للأشهب بن رميلة:
أسود شرى لاقت أسود خفيّة
(1/34)

قال المؤلف هو الأشهب بن ثور ابن أبي حارثة من بني نهشل بن دارم ورميلة أمّه أمة بها يعرف وهو شارع مخضرم، وصلة البيت:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كلّ القوم يا أم خالد
هم ساعد الدهر الذي يتّقي به ... وما خير كفّ لا تنوء بساعد
أسود شرى لاقت أسود خفيّة ... تساقوا على حرد دماء الأساود
وقوله: إن الذي حانت بفلج، يريد الذين فأتى بواحد يدلّ على الجنس كما قال الله عز وجل: " والذي جاء بالصدق وصدّق به أولئك هم المتقون " وقال ابن كيسان: هذه لغة لربيعة يحذفون النون فيكون الجمع كالواحد حد لّما كان الأعراب فيما قبلها وأنشد:
يا ربّ عبس لا تبارك في أحد ... في قائم منهم ولا فيمن قعد
غير الذي قاموا بأطراف المسد
وقال أبو محمد ابن قتيبة في قولهم الذي لغة أخرى. اللّذ بلا ياء فمن ثنّى على هذه اللغة قال اللّذا في الرفع واللّذى في النصب والخفض واللذى في الجمع كما كان واحده، وهو اسم لا يدخله الأعراب حذفت النون من تثنيته وجمعه. قال الأخطل في تثنيته على هذه اللغة
أبني كليب إن عمّيّ اللّذا ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا
وقال الأشهب في جمعه على هذه اللغة: إن الذي حانت...... والشرى وخفيّة مأسدتان معروفتان. وقد نسب قوم هذا الشعر إلى الفرزدق وسببه أن ستّين من بني دارم لقوا عدادهم
(1/35)

من بني فراس بن غنم فاقتتلوا حتى ذهب من كل فريق ثلاثون. فقال شاعر بني دارم هذا. ومن نادر ما قيل في الحرد أنه الثقب قاله الشيباني في باب الحاء وأنشد لتأبّط شراّ:
أتركت أسعد للرماح دريئة ... هبلتك أمّك أيّ حرد ترقع
قال الفسويّ في هذا البيت: الحرد الثوب الخلق وروى غيرهما: أي جرد ترقع بالجيم وهو المعروف في الثوب الخلق.
قال أبو علي " 1 - 9، 8 " وحدثنا أبو بكر ابن دريد فرفعه إلى موسى بن محمد بن إبراهيم التّيمي عن أبيه عن جدّه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالساً وذكر الحديث.
قال المؤلف وهو حديث مسند وإبراهيم هو ابن الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تميم بن مرّة والحارث من جلّة الصحابة من المهاجرين الأولين. وقد فسّر أبو علي ما في الحديث من الغريب إلاّ قوله في البرق أم يشقّ شقاّ. قال اللغويون
(1/36)

شقّة أن يستطير فيها البرق من طرفها إلى طرفها فهو الذي لا يشكّ في مطره وجوده وإذا كان البرق في أسافلها لم يكد يصدق. وأما المسلسل في أعاليها فلا يكاد يخلف. وقال رجل من العرب لابنه وقد كبر وكان في داخل بيته تحت السماء: كيف تراها يا بنيّ؟ قال أراها قد تبهّرت وأرى برقها أسافلها، قال أخلفت يا بنيّ. يعني تبهّرت أضاءت.
وأنشد أبو علي " 1 - 10، 8 "
فدارت رحانا بفرسانهم
قال المؤلف البيت لربيعة بن مقروم بن قيس الضبيّ شاعر جاهلي إسلامي قال:
وساقت لنا مذحج بالكلاب ... مواليها كلّها والصميما
فدارت رحانا بفرسانهم ... فعادوا كأن لم يكونوا رميما
بطعن يجيش له عاند ... وضرب يفلّق هاما جثوما
يعين كلاب بني تميم ثم جمّعت اليمن فهزمتهم بني تميم وأسرت عبد يغوث. وأراد فعادوا رميماً كأن لم يكونوا. والعاند ما عند من الدم أي خرج على غير قصد لكثرته. والجثوم في الطير كالبروك في الإبل والربوض في الغنم.
وأنشد أبو علي " 1 - 10، 9 " شاهداً على الوميض قول امرئ القيس:
(1/37)

أعنّى على برق أراه وميض ... يضيء حبيّا في شماريخ بيض
قال المؤلف قيل أن امرأ القيس لقب. والقيس الشدّة بلغة اليمن قال الشاعر:
وأنت على الأعداء قيس وشدّة ... وللطارق العافي ربيع وجدول
ويروي:
وأنت على الأعداء قيس ونجدة ... وللطارق العافي هشام ونوفل
قيس ونجدة على هذه الرواية رجلان مذمومان. وهشام ونوفل رجلان محمودان. وأنّ اسمه حندج بن حجر بن الحرث بن عمرو بن حجر الأكبر ويكنى أبا الحرث. وأم امرئ القيس فاطمة بنت ربيعة بن الحرث أخت مهلهل وكليب ومن قبل خاله أتاه الشعر. وكذلك زهير خاله بشامة بن الغدير وهو القائل:
(1/38)

لا يعدم السائلون الخير أفعله ... إمّا نوالا وإمّا حسن مردود
ومن قبله أتاه الشعر. وكذلك الأعشى خاله أبو الفضّة المسيّب بن علس ومن قبله أتاه الشعر. وكذلك الفرزدق خاله العلاء بن قرظة وهو القائل:
إذا ما الدهر جرّ على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا
ومن قبله أتاه الشعر. وخفاف بن ندبة السلمى أتاه الشعر من قبل خاله تأبّط شرا وهو القائل يرثيه:
إنّ بالشعب الّذي دون سلع ... لقتيلا دمه ما يطلّ
وشعره كثير. ودريد بن الصمّة أتاه الشعر من قبل خاله عمرو بن معدي كرب. أمّ دريد ريحانة بنت معدي كرب التي يقول لها عمرو:
(1/39)

أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرّقني وأصحابي هجوع
وقيل إن امرئ القيس تملك بنت عمرو بن معدي كرب وهي التي عنى بقوله:
ألا هل أتاها والحوادث جمّة ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
والبيت أو القصيدة وبعده:
ويهدأ تارات سناه وتارة ... ينوء كتعتاب الكسير المهيض
الحبيّ: السحاب المتداني بعضه إلى بعض. والشماريخ: ما ارتفع من أعاليه ويروى في شماريخ بيض على الإضافة هذا قول الطوسي. وقال محمد بن حبيب: الحبيّ ما حبا من السحاب أي شخص وارتفع كحبوّ الرمل وهو إشرافه. والشماريخ رءوس الجبال. وينوء ينهض في ثقل. وكتعتاب هو من العتبان وهو أن يمشي على ثلاث قوائم يقال منه عتب يعتب. والمهيض: الذي قد جبر ثم أصابه بعد ذلك كسر أو عنت ولم يذكر أبو علي في البرق ومض وهي لغة جيدة فصيحة. قال الراجز:
يا أسم أسقاك البريق الوامض
(1/40)

وأنشد أبو علي " 1 - 10، 9 ":
بيادر الآثار أن تؤوبا
قال المؤلف وأول الرجز:
لا تسقه محضاً ولا حليباً ... إن لم تجده سابحاً يعبوبا
ذا ميعة يلتهم الجبوبا ... يبادر الآثار أن تؤوبا
وحاجب الجونة أن تغيبا ... بمجمرات قعّبت تقعيبا
كالذئب يتلو طعماً قريبا
اليعبوب: الكثير الجري. والمعية الحدّة والنشاط وصنف من الطيب يسمى ميعة
(1/41)

لحدّة رائحته. والجبوب الأرض وقيل ظاهر الأرض، يقول هذا الفرس من شدة جريه كأنه يبلع الأرض بلعاً كما قالوا جيش لهام كأنه يلتهم ما مرّ به. ويبادر الآثار أي آثار القوم الذين يطلبهم قبل أن يرجعوا إلى قومهم ومأمنهم. أن تؤوبا: أي أن ترجع إلى ما كانت عليه من الطموس إذ لا تستبين إلا على قرب عهد من الناس. ويروي يؤبا وتؤوبا بالتاء وبالياء ضبطها أبو علي في كتابه من نوادر ابن الأعرابي وصحح عليهما ورواه أبو العباس ثعلب عن الفرّاء يبادر الآثار جمع ثأر. وقال أبو العباس في الكتاب الكامل المتأوّب الذي يأتيك لطلب ثأره عندك فهذا التفسير على تلك الرواية وقد يكون تؤوب على هذه الرواية بمعنى تذهب لأن الرجوع ذهاب، يريد يبادر ثأره أن يذهب ويبطل. ورواه أبو بكر ابن دريد:
يبادر الأشباح أن تغيبا ... والجونة البيضاء أن تؤوبا
على أن ذلك كان ليلاً وقال الأصمعي: إنما سميت الشمس جونة لأنها تسودّ حين تغيب.
وأنشد أبو علي " 1 - 11، 9 ":
وسفر كان قليل الأوان ... وقال الأون الفتور
قال المؤلف يقال آن أونا رفق في سيره وأمره وآن في عيشه أونا ترفّه. وآن الشيء يئين أينا حان وأصله من الواو ولكنه من باب فعل يفعل مثل ولي يلي وجاء المصدر بالواو ليطّرد على فعله.
وأنشد أبو علي " 1 - 11، 9 " للفرزدق:
(1/42)

وجون عليه الجصّ فيه مريضة ... تطلّع منه النفس والموت حاضره
قال المؤلف وبعد البيت:
فما زلت حتى أصعدتني حبالها ... إليها وليلي قد تقارب آخره
فلم أر منزولاً به بعد هجعة ... ألذّ قرى لولا الذي قد نحا ذره
أحاذر بوّابين قد وكلا بها ... وأسمر من ساج تئطّ مسامره
وقوله مريضة: امرأة منعّمة قد فتّرها النعيم وكسّلها وثقّل جسمها. فكأنها لذلك مريضة كما قال الشمردل بن شريك:
يشبّهون سيوفاً في مضائهم ... وطول أنضية الأعناق والأمم
إذا غدا المسك يجري في مفارقهم ... راحوا تخالهم مرضى من الكرم
يعني من ترفّههم وشدة حيائهم. وقالت ليلى الأخيلية:
ومخرّق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيته ... وسط الخميس على الخميس زعيما
وهم يسمّون أيضاً فتور الطرف مرضاً وقال جرير:
إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لا يحيين قتلانا
وقوله تطلّع منه النفس: أي من أجله تخرج النفس، ويروي منها أي من أجل المرأة. والموت حاضره أي حاضر القصر، يعني أنه محروس لا يوصل إليه فمن أراد ذلك حضره
(1/43)

الموت. ويقال نفس فلان متطلّعة أي خائفة وجلة. والفرزدق لقب واسمه همّام بن غالب بن صعصعة من بني مجاشع بن دارم يكنى أبا فراس شاعر إسلامي لقي علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، وتوفي سنة عشرة ومائة وقيل أربع عشرة وقيل سنة اثنتي عشرة. ولّقب الفرزدق لغلظه وقصره شبّه بالفتيتة التي يشدّ بها النساء، والفرزدق رغيف ضخم يتخذ منه ذلك. وقيل إنما لّقب به لأنه كان غليظ الوجه جهمه. وقيل إنما سمّي الفرزدق بدهقان الحيرة لأنه كان يشبه في تيهه وأبّهته وكان الدهقان يسمى الفرزدق. ولقيه رجل فتجاهل عليه وقال له من تكون؟ قال أما تعرفني! قال لا. قال أنا الفرزدق ما أعرف الفرزدق إلا شيئاً تأكله النساء لتسمن به. قال الحمد لله الذي جعلني في بطون نسائكم.
أنشد أبو علي " 1 - 11، 9 " للأخطل:
ربيع حياً ما يستقلّ بحمله ... سؤوم ولا مستنكش البحر ناضبه
قال المؤلف الأخطل لقب واسمه غياث بن غوث من بني تغلب يكنى أبا مالك شاعر إسلاميّ، والبيت من شعره يمدح به الوليد بن عبد الملك وقبله:
إلى ملك لو خايل النيل أزحفت ... من النيل فوّاراته ومشاعبه
فإن أتعرّض للوليد فإنّه ... نماه إلى خير العروق مضاربه
نساء بني كعب وعبس ولدنه ... أجدن فنعم الحالبات حوالبه
(1/44)

ربيع حياً ما يستقلّ بحمله ... سؤوم ولا مستنكش البحر ناضبه
يعني كعب بن لؤيّ بن غالب. وقوله وعبس أم الوليد وأخيه سليمان ولاّدة بنت العبّاس بن جزء العبسي. وقوله لا يستقلّ بحمله سؤوم يعني الممدوح نفسه أي ليس بسؤوم ولا معي فيما تحمّله وقام به وكان أبو علي الفارسي يسمى هذا النحو من المعنى التجريد لأنه جرّد الممدوح من هذه الصفة ومثله قول الأعشى:
يا خير من يركب المطيّ ولا ... يشرب كأساً بكفّ من بخلا
وقوله طرفة:
جازت القوم إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور خدر
يعني بيعفور خدر من نفسها. وقول الآخر وهو الأخطل أيضاً:
بنزوة لصّ بعد ما مرّ مصعب ... بأشعث لا يفلى ولا هو مقمل
وهو نفسه هو الأشعث. وقال النابغة:
لم يحرموا حسن الغذاء وأمّهم ... طفحت عليك بناتق مذكار
وإذا استنكش البحر فقد انقطع وذهب ماؤه، يقال ماء لا ينكش أي لا ينزف. ويروى ولا مستنكش البحر بكسر الكاف ويقال استنكش الماء إذا قلّ ونضب. ويروى ولا مستبكأ البحر من البكء وهو القليل.
(1/45)

وأنشد أبو علي " 1 - 11، 9 ":
إنا ملوك حياً للتابعين لنا ... مثل الربيع إذا ما نبته نضرا
ع البيت لابن جذل الطعان من بني فراس بن غنم.

وذكر أبو علي " 1 - 11، 9 "
حديث عامر بن سعد عن أبيه
عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح قد أسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة. فأما حديث حرم المدينة فأسنده سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حرّم ما بين لابتي المدينة على لساني. ورواه مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة. وأما الحديث الموصول " بهذا " فروى مالك عن قطن بن وهب أن يحنّس مولى ابن الزبير أخبره أنه كان جالساً عند عبد الله بن عمر في الفتنة فجاءته مولاة له تسلّم عليه فقالت: يا أبا عبد الرحمن إني أردت الخروج واشتدّ علينا الزمان، فقال لها عبد الله: اقعدي لكاع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يصبر على لأوائها وشدّتها أحد إلاّ كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة. وقد رواه نافع عن ابن عمر. ورواه العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. وصالح ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. وما رواه أبو سعيد مولى المهريّ عن أبي سعيد الخدريّ. ورواه عثمان بن حكيم عن عامر
(1/46)

بن سعد عن أبيه كلّهم عن النبي صلى الله عليه وسلم خرّجه عنهم مسلم وغيره. وقوله كنت له شهيداً شفيعاً أو شهيداً يحتمل أن يكون أحد المحدثين شك أيّ الكلمتين قال، ويحتمل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلّم بالكلمتين جميعاً فيكون شهيداً بالصبر وبالخير أو يكون شفيعاً إن احتاج إلى الشفاعة، فكأنهما ضربان من الناس، ويحتمل أن تكون أو بمعنى الواو وقد حمل قوله تعالى " إلى مائة ألف أو يزيدون " على ذلك، وتكون الشفاعة على هذا التأويل الشفاعة بالإراحة من الموقف الشاملة للمؤمنين لأنهما شفاعتان والشفاعة الأخرى للمذنبين من أمّته. وأصل اللأواء من لأي إذا عطف وهي الشدة التي تعطف الناس بعضهم على بعض.
أنشد أبو علي " 1 - 11، 10 " لسلامة بن جندل:
حتى تركنا وما يثنى ظعائننا
قال المؤلف وقبل البيت:
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب
وشدّ كور على وجناء ناجية ... وشدّ سرج على جرداء سرحوب
يقال محبسها أدنى لمرتعها ... وإن تعادى ببكء كلّ محلوب
حتى تركنا وما يثنى ظعائننا ... يأخذن بين سواد الخطّ واللوب
قوله كان الصراخ له قرع الظنابيب: يريد الجدّ في نصرته. يقال قرع لذلك الأمر ظنبوبه إذا جدّ فيه ولم يفتر. قال السليك بن السلكة:
بخثعم ما بقيت وإن أبوه ... أوار بين بيشة والجفار
أوار تجمع الرجلان منه ... إذا ازدحمت ظنابيب الحضار
يريد إذا جدّ الحضار من قولهم قرع لذلك الأمر ظنبوبه. وتجمع الرجلان منه: يريد
(1/47)

الجدّ في العدو والانكماش يقال جمع رجليه إذا طلب عدو دابّته. قال عمرو بن معدي كرب:
ولقد أجمع رجليّ بها ... حذر الموت وإني لفرور
وقال كثير أنشده القتبي:
باقي الذماء إذا ملكت عنانه ... وإذا جمعت به أجشّ هزيم
ويعني السليك بالأوار الشدّة وأصله من توهّج النار. وقيل الظنبوب مسمار الرمح يريد إصلاح السلاح والجدّ في النصر. وقيل أراد قرع أسوق الإبل لتبرك فيشدّ عليها الرحال وتركب وتجنّب الخيل. والظنبوب مقدّم عظم الساق. ويؤيد هذا التأويل قوله بعد البيت:
وشدّ كور على وجناء ناجية ... وشدّ سرج على جرداء سرحوب
وقيل إن معناه الازدحام والجدّ في النفير فيقرع بعض أسوقهم بعضاً كما قال أبو الطيب:
يدمّي بعض أيدي الخيل بعضاً ... وما بعجاية أثر ارتهاش
(1/48)

والوجناء المجفرة الغليظة مأخوذ من الوجين وهو ما غلظ من الأرض. والسرحوب الطويلة. والضمير في قوله محبسها فيه قولان: فمن قال إنه راجع على الإبل فالمعنى محبسها على الحرب ومقاتلة العدوّ على الثغر حتى تجليه عنه أقرب وأدنى أن ترتع إبلنا وتخصب من أن نضيّع الثغر ونرسل إبلنا ترعى فيغار عليها فيذهب بها وإن كن تعادين أي توالين بذهاب الحلب، ومن قال إن الضمير راجع على الفرس فالمعنى أنها تحبس وتسقى اللبن ولا تترك ترود ترعى لكرامتها عليهم وإن قلّت الألبان فهي تؤثر باللبن في شدة الزمان. والخط بالبحرين وهو ما أشرف هناك على البحر وإليه تنسب الرماح الخطيّة. يقول اتسع لهن البلد بين الحرار والبحرين. وسلامة بن جندل بن عبد عمرو بن الحارث من بني سعد بن زيد مناة بن تميم جاهلي قديم من فرسان بني تميم وشعرائهم وكذلك أحمر بن جندل أخوه ويكنى سلامة أبا مالك.
وأنشد أبو علي " 1 - 11، 10 " للراعي:
وخادع المجد أقوام لهم ورق
قال المؤلف الراعي لقب وسمي الراعي بقوله:
(1/49)

ضعيف العصا بادي العروق تخاله ... عليها إذا ما أمحل الناس إصبعا
حذا إبل أن تتبع الريح مرّة ... يدعها ويخف الصوت حتى تريّعا
لها أمرها حتى إذا ما تبوّأت ... لأخفافها مرعى تبوّا مضجعا
فقيل رعى الرجل. واسمه عبيد بن حصين بن معاوية من بني نمير يكنى أبا جندل شاعر إسلامي وهم أهل بيت وسؤدد وقبل الشاهد:
اخترتك الناس إذ خبّت خلائقهم ... واعتلّ إلاّ المصفّى كلّ مسئول
وخادع المجد أقوام لهم ورق ... راح العضاه له والعرق مدخول
الورق المال قال كثيّر:
فما ورق الدنيا بباق لأهله ... ولا شدة البلوى بضربة لازم
ويقال تروّحت الشجرة وراحت وتربّلت وأخلفت واسم ذلك الورق الخلفة إذا أصابها ندى الليل فتقطرت في غير وقتها وذلك في دبر القيظ قال الشاعر:
(1/50)

وأكرم كريماً إن أتاك لحاجة ... لعاقبة إن العضاه تروّح
يقول الراعي ظهرت لهم ثروة فحسن ظاهرهم وباطن أمرهم بخلافه لأنهم لئام وأخلاقهم مذمومة كهذا الشجر الذي قد اخضرّ بندى الليل لا بندى الأصل فعرقه عطشان وظاهره أخضر ريّان.
وأنشد أبو علي " 1 - 11، 10 " لرؤبة:
لأواءها والأزل والمظاظا
وقبله:
إنا أناس نلزم الحفاظا ... إذ سئمت ربيعة الكظاظا
لأواءها والازل والمظاظا
ونسب رؤبة يأتي أثر هذا

وذكر أبو علي " 1 - 12، 10 "
حديث عبد الله بن عمرو
وهو حديث ثابت صحيح رواه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي العباس السائب " بن " فرّوخ الأعمى الشاعر عن عبد الله بن عمرو. وخرّجه محمد بن إسماعيل من طريق الأوزاعي بزيادة فقال: حدثنا أبو مقاتل حدثنا عبد الله أخبرنا الأوزاعي قال
(1/51)

حدثني يحيى ابن أبي كثير حدثني أبو سلمة ابن عبد الرحمن قال حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله بن عمرو، ألم أخبر أنّك تصوم النهار وتقوم الليل، فقلت بلى يا رسول الله، قال فلا تفعل، صم وأفطر وقم ونم فإنّ لجسدك عليك حقاً، وإن لعينيك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، وإنّ بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام فإنّ لك بكل حسنة عشرة أمثالها فإذن ذلك صيام الدهر كلّه. قال: قلت يا رسول الله إني أجد قوّة، قال فصم صيام نبي الله داود لا تزد عليه. قلت: وما كان صيام نبي الله داود؟ قال نصف الدهر. قال: فكان عبد الله يقول بعد ما كبر يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويروي نقنقت وتقتقت بالنون والتاء.
وأنشد أبو علي " 1 - 12، 10 " في تفسير هذا الحديث:
وأهلك مهر أبيك الدواء
قال المؤلف: قال الأصمعي هذا الشعر لرجل من نبي شيبان حليف في عبد القيس وقيل إن اسمه ثعلبة بن عمرو. وهي قصيدة والذي يتّصل بالشاهد منها قوله:
أأسماء لم تسألي عن أبيك ... والقوم قد كان فيهم خطوب
وأهلك مهر أبيك الدوا ... ء ليس له من طعام نصيب
خلا إنهم كلما أوردوا ... يضيّح قعباً عليه ذنوب
(1/52)

فتصبح حاجلة عينه ... لحنو استه في صلاه غيوب
لأقسم ينذر نذراً دمي ... وأقسمت إن نلته لا يؤوب
فأتبعته طعنة ثرّة ... يسيل على النحر منها صبيب
فإن قتلته فلم آله ... وإن ينج منها فجرح رغيب
هذا الشيباني طعن أبا أسماء هذه المذكورة وهي أم حزنة من بني سليمة بن عبد القيس. وقوله أأسماء لم تسألي، اكتفي بهمزة النداء عن همزة الاستفهام كما قال امرؤ القيس:
أصاح ترى برقاً أريك وميضه
والرواية عن أبي علي مهر أبيك بفتح الكاف والصحيح كسرها. والدواء: الصنعة وحسن القيام على الدابة. قال الشاعر وذكر فرسه وهو يزيد بن خذّاق:
وداويتها حتّى شتت حبشيّة ... كأنّ عليها سندساً وسدوسا
قوله حبشية: أي اخضرّت من العشب وذهبت شعرتها الأولى. وقيل أراد بالدواء اللبن وكان أحسن ما يقومون به على الخيل، وإنما أراد أهلكه فقد الدواء كما قال النابغة:
(1/53)

فأنّى لا ألام على دخول
أراد على ترك دخول وكذلك قول قيس بن رفاعة. وقد أنشده أبو علي أثر هذا:
أنا النذير لكم مني مناصحة ... كي لا ألام على نهى وإنذار
أي على ترك نهى ومثله قول جرير:
لما تذكّرت بالديرين أرّقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
أراد فقد صوت الدجاج ومثله قول الخنساء:
يا صخر ورّاد ماء قد تناذره ... أهل المياه وما في ورده عار
تريد وما في ترك رده عار لصعوبة مورده وإخافة موضعه. ثم قال الشاعر. لا نصيب للمهر من الطعام غير أنهم إذا أوردوا ضيحوا له قعباً بذنوب من ماء فسقوه. والحنو كل ما فيه اعوجاج كحنو الضلع واللحى والصلا ماعن يمين الذنب وشماله يقول غاب حنوه في صلاه من الهزال وهذا أبلغ ما وصف به الهزيل من الدواب وإنشاد أبي علي: لنو استه وصلاه غيوب لامعنى له ولا وجه لأن الصلاة لا يغيب ولايخفى وإنما يغيب لحنو ويغمض والصحيح لحنو استه في صلاة غيوب بحرف في وقوله طعنة ثرة أى كثيرة الدم من قولهم: عين ثرة ثم قال: إن قتلته الطعنة فلم أدع جهداً وإن سلم فقد تركت به جرحا رغيبا أى واسعا ويروى:
فأن قتلته فلم أرقه
وكانوايزعمون أن الطاعن إذا رقى المطعون برأ
(1/54)

كما قال زهير بن مسعود:
عشيةغادرت الحليس كأنما ... على النحر منه لون برد محبّر
فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت ... فطعنة لا غسّ ولا بمغمّر
وهو معنى قول حاتم الطائي أنشده ابن الأعرابي:
سلاحك مرقى فلا أنت ضائر ... عدوّا ولكن وجه مولاك تخمش
وأنشد أبو علي " 1 - 12، 11 " لرؤبة:
به تمطّت غول كلّ ميله
قال المؤلف وقبله:
ومخفق من لهله ولهله ... في مهمه أطرافه في مهمه
أعمى الهدى بالجاهلين العمّة ... به تمّطت غول كل ميله
بنا حراجيج المهاري النفّه ... يجذبنه بالنوع والتأوّه
مخفق: الموضع الذي يخفق فيه السراب. واللهله: المكان المستوي الذي ليس له علم. غول كل ميله: أي بعده يريد مكاناً بعيداً يغتال المشي فلا يستبين فيه ولا يكاد يقطع من بعده. والمهاري النفّه: قال أبو سعيد لم يجد موضعها إنما يقال رجل منفوه الفؤاد إذا
(1/55)

ضعف من صوم أو جهد. ويجذبنه: يريد يجذبن أنفسهن فيه. وقوله والتأوّه: مثل قول العبدي:
إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوّه آهة الرجل الحزين
وهو رؤبة بن عبد الله بن رؤبة بن لبيد من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، وعبد الله هو العجاج، وإنما لّقب العجاج لقوله:
حتى يعجّ عندها من عجعجا
يكنى رؤبة أبا الجحّاف ويكنى أبوه العجاج أبا الشعثاء وهما أرجز الناس، وأدرك العجاج أبا هريرة وروى عنه أحاديث.

وذكر أبو علي " 1 - 12، 11 "
خطبة عبد الملك وإنشاده شعر قيس بن رفاعة
من يصل ناري بلا ذنب ولا ترة ... يصلي بنار كريم غير غدّار
قال المؤلف هكذا رواه أبو علي قيس بن رفاعة في أماليه. ورويته في إصلاح المنطق عن يعقوب: أبو قيس ابن رفاعة وهو الصحيح واسمه دثار وأنشد له هناك:
منا الذي هو ما إن طرّ شاربه ... والعانسون ومنا المرد والشيب
(1/56)

وقد ذكره أبو علي بعد هذا في كتابه فقال: أبو قيس ابن رفاعة، وذلك في الحديث الذي رواه الثوري عن أبي عبيدة، قال: كان أبو قيس ابن رفاعة يفد سنة إلى النعمان اللخمي وسنة إلى الحارث ابن أبي شمر الغسّاني، فقال له يوماً وهو عنده: يا ابن رفاعة، بلغني أنك تفضّل النعمان عليّ، وساق الحديث إلى آخره. وهكذا ذكره ابن سلاّم أبو قيس. وهو من شعراء يهود من طبقة الربيع ابن أبي الحقيق النضيري ونظرائه. وهو شاعر مقلّ أحسبه جاهليّاً، وليس في الشعر الذي أنشده له عبد الملك مزيد. وقوله بلا ذنب ولا ترة يقول من صلى بناري أي من جاورني ولم يكن لي عنده ترة ولا أذنب عليّ ذنباً صلى بنار كريم لا يغدر جاره ولا يخفر ذمتّه، والنار تضرب مثلاً للمجاورة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا برئ من كل مسلم مع مشرك لا تتراءى ناراهما. أي لا تتدانى من قولك دورنا تناظر، وإذا أتيت موضع كذا فنظر إليك الجبل فخذ كذا. وقيل بل الناران مثل للحرب أي حرب المسلمين لله وحرب المشركين للشيطان، فكيف تتراءى. يقول: إنه لا يترك وتراً ولا يحلم عنه ولا يقصّر فيه كقوله في آخر الشعر: إني لدرّاك بأوتار الخ. وقوله: كي لا ألام على نهى: أراد على ترك نهى فحذف كما تقدم في قوله: وأهلك مهر أبيك الدواء. وقوله: لترجعنّ أحاديثا ملعّنة، أي مذمومة مبعّدة. وقوله: فإني له رهن بإصحار، أي لا أستتر عنه ولا أتحصّن منه بل أبدو له في البراز وأصحر إليه في الفضاء السهل كما قال الآخر:
(1/57)

متى ما تزرنا آخر الدهر تلقنا ... بقرقرة ملساء ليست بقردد
أي لم تجدنا متحصنين، والقردد " كلّ " رابية مشرفة.
وأنشد أبو علي " 1 - 13، 12 "
عدتني عن زيارتها العوادي
قال المؤلف: هو للنابغة الذبياني وأول الشعر:
نأت بسعاد عنك نوى شطون ... فبانت والفؤاد بها رهين
بتبل غير مطّلب لديها ... ولكنّ المحاين قد تحين
عدتني عن زيارتها العوادي ... وحالت دونها حرب زبون
وحلّت في بني القين بن جسر ... فقد نبغت لنا منهم شؤون
وبهذا البيت سمي النابغة وهو زياد بن معاوية بن جابر بن ضباب من بني ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان شاعر جاهلي يكنى أبا أمامة وأبا عقرب.
وأنشد أبو علي " 1 - 13، 12 "
كأنها وقد براها الأخماس
قال المؤلف: هذا الرجز للشمّاخ بن ضرار بن سنان ذبياني مخضرم يكنى أبا سعد، ويقال: إن اسمه معقل والشماخ لقب، وقيل اسمه الهيثم والأول أكثر قال:
(1/58)

كأنها وقد براها الأخماس ... ودلج الليل وهاد قسقاس
شرائج النبع براها القوّاس ... يهوي بهنّ بختريّ هوّاس
كأن حرّ الوجه منه قرطاس ... ليس لما ليس به بأس باس
ولا يضرّ البرّ ما قال الناس
قوله هوّاس: يغني يحطم ما مرّ به ومن هذا قيل للأسد هوّاس، وهذا كما قال الآخر:
قد لفّها الليل بسوّاق حطم
وأكثر الرواية وهاد قسقاس كما أنشدته أي دائب لا يفتر، ومنه قيل قرب قسقاس. والشريحة: الغصن من الشجرة.
وأنشد أبو علي " 1 - 14، 12 " لزيد الخيل:
يا بني الصيداء ردّوا فرسي
قال المؤلف بنو الصيداء من بني أسد وخبره أن فرساً جواداً ظلع لزيد في بعض غزواته فخلّفه في حيّ من الأحياء فأغارت بنو أسد على ذلك الحيّ فأخذته، فقال زيد البيتين وبعدهما:
لا تذيلوه فإني لم أكن ... يا بني الصيدا لمهري بمذيل
أحمل الزقّ على منسجه ... فيظلّ الضيف نشواناً يميل
ويروي أن حبيب بن خالد بن نضلة الفقعسيّ أنشد قول زيد هذا:
(1/59)

عوّدوا مهري الذي عوّدته فضحك وقال قولوا له: إنّا عوّدناه الذي عوّدته دفعناه إلى أوّل من يلقانا وهربنا، وهو زيد بن مهلهل بن " زيد بن " منهب طائيّ، وإنما سمي زيد الخيل لكثرة خيله لأنه لم يكن لأحد من قومه ولا لكثير من العرب إلاّ الفرس والفرسان، وكانت لزيد خيل كثيرة، فالتي ذكر منها في شعره ستة: الهطّال، والكميت، والورد، والكامل، وذؤول، ولاحق. ويكنى زيد أبا مكنف ويجوز في شعره التقييد والإطلاق وهذا لا يكون إلا في بعض ضروب الكامل وفي بعض الرمل وفي المتقارب.
مثال التقييد والإطلاق في الكامل:
أبنيّ لا تظلم بمكّة ... لا الصغير ولا الكبير
ومثاله في الرمل:
يا بني الصبداء
ومثاله في المتقارب:
وتهوي كجندلة المنجنيق ... يرمى بها السور يوم القتال
فهذه الأمثلة كلها يجوز فيها التقيد والإطلاق.
قال أبو علي " 1 - 14، 13 " الحوجاء الحاجة.
(1/60)

ع على حوجاء كسّرت حوائج وكان الأصل حواجي فنقلت، وحكى المطرّز حائجة وحوائج فهذا على أصله. قال أبو علي والوتر الذحل بكسر الواو لا غير ع هذا وهم منه الواو تفتح وتكسر في الذحل. قرأ حمزة والكسائي " والشفع والوتر " بكسر الواو، وقيل أراد الصلاة المكتوبة وهي شفع ووتر وقيل الشفع يوم عرفة والوتر يوم الأضحى. وقال ابن عباس الوتر آدم شفع بحوّاء. وقال قتادة الخلق كله شفع ووتر أقسم به الله تعالى.

وذكر أبو علي " 1 - 14، 13 "
خبر عبد الملك مع امرأته عاتكة
واستشهاده بشعر كثيّر
قال المؤلف: وهو كثيّر بن عبد الرحمن بن الأسود وكانت أمه جمعة وهو خزاعيّ رافضي المذهب يكنى أبا صخر من شعراء الدولة الأموية. وقرأ أبو علي الشعر المذكور وفيه:
ولكن مضى ذو مرّة متثبّت ... بسنّة حقّ واضح مستبينها
المستبين: هو الممدوح كأنه قال ذو مرّة متثبت بسنّة حق واضح مستبين منه الحقّ.
وأنشد له " 1 - 15، 14 " أيضاً متصلاً بذلك شعرا فيه: نبلت لها أبا الوليد نبالها أي أعددت لها نبالها جمع نبل. وقال يعقوب نبلت لذلك الأمر نبله ونبله ونبالته إذا أخذت له أهبته وفيه:
فما أسلموها عنوة عن مودّة ... ولكن بحدّ المشرفيّ استقالها
(1/61)

والعنوة: الطوع بلغة خزاعة وهذيل، وبلغة نجد القهر، يقول كثيّر: لم يسلموها طائعين عن مودّة وانشراح صدر ولكن كارهين عن غلبة وقهر. وبعد ما أنشده أبو علي يقول:
وإن أمير المؤمنين هو الذي ... غزا كامنات الودّ مني فنالها
تبلّج لما جئت واهتز ضاحكاً ... وبلّ رسالاتي إليه بلالها
وكان عبد الملك قد قال لعبد العزيز أخيه لم قبلت من كثيّر قوله:
وما زالت رقاك تسلّ ضغني ... وتخرج من مكامنها ضبابي
ويرقيني لك الراقون حتى ... أجابت حيّة تحت اللصاب
فبلغ ذلك كثيّراً فقال: والله لأقولن له مثلها فقال البيتين المذكورين.
وأنشد أبو علي " 1 - 15، 14 " للعباس بن الوليد بن عبد الملك أبياتاً قالها لمسلمة بن عبد الملك أوّلها:
ألا تقني الحياء أبا سعيد ... وتقصر عن ملاحاتي وعذل
(1/62)

ي
وفيها:
كقول المرء عمرو في القوافي ... لقيس حين خالف كل عدل
قال المؤلف: يعني قول عمرو بن معدي كرب الزّبيدي وزبيد من مذحج لقيس بن مكشوح المرادي وكانت بينهما منافسات:
تمنّاني ليلقاني قييس ... وددت وأينما منّي ودادي
تمنّاني وسابغة قميصي ... خروس الحسّ محكمة السّراد
مضاعفة تخيّرها سليم ... كأن قتيرها حدق الجراد
أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليك من مراد
يعني بسليم سليمان النبي عليه السلام. والقتير رؤوس مسامير الدرع، وإذا دقّت دلّت على ضيق الأخرات وذلك أحكم لها. وعذير الرجل: ما يحاول مما يعذر عليه. ويكنى عمرو أبا ثور وهو خال دريد بن الصمّة بن الحرث القشيري الشاعر الفارس. أمّ دريد ريحانة بنت معدي كرب وإياها أراد أخوها عمرو بقوله:
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرّقني وأصحابي هجوع
ومثل قوله أريد حباءه ويريد قتلي قول ابن الذئبة الثقفي:
ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي من سفاهته كسري
(1/63)

أظنّ خطوب الدهر بيني وبينه ... ستحمله مني على مركب وعر
وقول جميل:
ألا قم فانظرنّ أخاك رهناً ... لبثنة في حبائلها الصحاح
أريد صلاحها وتريد قتلي ... فشتّى بين قتلي والصلاح
وقول الحسين بن مطير:
فيا عجباً للناس يستشرفونني ... كأن لم يروا بعدي محبّاً ولا قبلي
ويا عجباً من حبّ من هو قاتلي ... كأني أجزيه المودّة من قتلي
وعمرو من فرسان العرب المشهورين في الجاهلية والإسلام أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ارتدّ بعد وفاته فيمن ارتدّ باليمن ثم أسلم وهاجر إلى العراق فشهد القادسية فحسن فيها أثره، وأوفده سعد ابن أبي وقّاص على عمر بالفتح. وأما قيس بن مكشوح فإن اسم المكشوح هبيرة بن عبد يغوث المرادي سمّي المكشوح لكيّ بطنه والكشح الكيّ، وإنما فعل ذلك مكراً بعمرو بن أمامة أخى عمرو بن هند في حديث طويل وقيل إنما سمي المكشوح لأنه ضرب على كشحه، ويكنى قيس أبا شداد وهو ابن أخت عمرو، وكان يناقضه في الجاهلية، وكانا في الإسلام متباغضين. وهو القائل لخاله عمرو بن معدي كرب:
فلولا قيتني لاقيت قرنا ... وودّعت الحبائب بالسلام
لعلّك موعدي بيني زبيد ... وما قامعت من تلك اللئام
ومثلك قد قرنت له يديه ... إلى اللحيين يمشي في الخطام
وقيس من الصحابة وله ذكر في الفتوحات وقتل بصفّين مع علي ابن أبي طالب عليه
(1/64)

السلام وهو كان حامل لواء بجيلة هناك لأنه بجلى حليف لمراد. وقد نسبه الطبري في مراد.
وهذا الشعر الذي أنشده أبو علي للعباس بن الوليد هو لعبد الرحمن بن الحكم يعاتب أخاه مروان بن الحكم، ذكر ذلك عليّ بن الحسين وإنما كتب به العباس متمثلاً ولم يغيّر منه إلا الكنية. والعباس ليس بشاعر ولا يحفظ له بيت فما فوقه، وإنما كان رجلاً بئيساً وهو فارس بني مروان. وعبد الرحمن بن الحكم شاعر مكثر محسن وهو الذي كان يهاجي عبد الرحمن بن حسان.
وأنشد أبو علي " 1 - 16، 14 " بعد هذا أبياتاً لخارجة بن فليح الملليّ أولها:
ألا طرقتنا والرفاق هجود ... فباتت بعلاّت النوال تجود
قال المؤلف هو فليح مولى أسلم. وملل التي ينسب إليها على مقربة من المدينة في شقّ الروحاء. شاعر مطبوع من شعراء الدولة العباسية. وقوله فباتت بعلات النوال تجود علات النوال ما تتابع منه.

ذكر أبو عليّ " 1 - 16، 15 " أن عبد الملك كتب إلى الحجاج: أنت عندي كسالم فلم يدر ما هو إلى آخر الخبر.
(1/65)

قال المؤلف اختلف الناس في الذي قال: يديرونني عن سالم. فقال قوم هو أبو الأسود الدؤلي يقوله في غلام له اسمه سالم قال:
يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
ولو بان من ملكي لبتّ مسهّداً ... ونبهان عمّا بي من الشجو نائم
أبا ثابت ساهمت في الحزم أهله ... فرأيك محمود وعهدك دائم
ونبهان بن عدي جار لأبي الأسود كان يديره على بيع سالم ويروم منه ذلك وأبو الأسود يأباه، ثم مات سالم فقال أبو الأسود هذا الشعر. وقال ابن الكلبي في كتاب النسب أن البيت لعبد الله بن معاوية الفزاري يقوله في ابنه الأشيم واسمه سالم. فأما أبو الأسود فاسمه ظالم بن عمرو بن سفيان من بني الدؤل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة. قال سيبويه في كتابه الدؤل في كنانة والدول غير مهموز في حنيفة والديل في عبد القيس وأبو الأسود شارع إسلامي أدرك علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، وروى عنه وهو أحد المشهورين بالتشيّع، وأول من وضع في النحو كتاباً لمّا كثر اللحن في المنطق. وأما شعر ابن مقبل فإن صلته على ما رواه محمد بن حبيب البصريّ:
إذا متّ فانعيني بما أنا أهله ... وذمّي الحياة كل عيش مترّح
(1/66)

وقولي فتى تشقى به الناب ردّها ... على رغمها أيسار صدق وأقدح
تخيّل فيها ذو وسوم كأنّما ... يطلّى بحصّ أو يصلّى فيضبح
غداً وهو مجدول وراح كأنه ... من الصكّ والتقليب في الكفّ أفطح
خروج من الغمّي إذا صكّ صكّة ... بدا والعيون المستكفّة تلمح
إذا امتنحته من معدّ عصابة ... غدا ربّه قبل المفيضين يقدح
قوله تخيل فيها يقول اختال فيها قدح فائز. ووسومه توشية فيه من نبعته. والحصّ الزعفران، قال: والضبح لهوجته على النار. ثم قال: غدوا به مجدولاً مدمجاً، ثم راحوا به لكثرة استعماله لفوزه كأنه أفطح، والفطح: العرض. والغميّ: الجماعة من القداح، يقول يخرج أوّلها من الربابة فائزاً، ومن روى المستكفّة بالكسر فلأن كل عين في كفّتها. يقال لوقبة العين كفّتها وغارها ولحجها ولحجها. ثم قال: إذا امتنحه ممتنح غداً يقدح ناراً قبل الإفاضة به ثقة بفوزه، وأول من نطق بهذا المعنى امرؤ القيس في قوله:
إذا ما ركبنا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب
فنقله ابن مقبل إلى صفة قدح كما تقدّم ونقله ابن المعتز إلى صفة جارح فقال:
(1/67)

قد وثق القوم له بما طلب ... فهو إذا جلّى لصيد واضطرب
عرّوا سكاكينهم من القرب
وابن مقبل هو تميم بن أبيّ بن مقبل من بني العجلان بن عبد الله بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة شاعر مخضرم يكنى أبا كعب. ومثل ما تقدم أن الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان يعظم له أمر قطريّ، فكتب إليه عبد الملك: أوصيك بما أوصى به البكري زيداً فلم يدر ما هو، فقال لحاجبه: ناد في الناس من أخبر الأمير بما أوصى به البكري زيداً فله عشرة آلاف درهم، ففعل فقال رجل أنا أخبره، فأدخل إلى الحجاج فقال له: قل، قال: نعم. إن موسى بن جابر الحنفي قال لابن عمه زيد:
أقول لزيد لا تترتر فإنهم ... يرون المنايا دون قتلك أو قتلي
فإن وضعوا حرباً فضعها وإن أبوا ... فشدّ وقود النار بالحطب الجزل
وإن عضّت الحرب الضروس بنابها ... فعرضة حدّ الحرب مثلك أو مثلي
فقال: صدق أمير المؤمنين عرضة الحرب مثله أو مثلي.
وأنشد أبو علي " 1 - 16، 15 " لامرئ القيس:
نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا
وصلة البيت بجمع رواية الطوسي والأصمعي:
فظلّ لنا يوم لذيذ ونعمة ... فقل في مقيل نحسه متغيّب
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقّب
نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهّب
(1/68)

إلى أن تروّحنا بلا متعنّت ... عليه كسيد الردهة المتأوّب
النعمة: التنّعم والنعمة اليد وما أنعم به عليك. وقوله فقل في مقيل تعجّب مما هم فيه من النعمة وأراد في مقيل متغيّب نحسه فقدّم وأخّر. والظباء والبقر عيونها سود في حال الحياة فإذا ماتت بدا بياضها فلذلك شبهها بالجزع الذي في بياض وسواد بعد ما موّتت. وهذا التشبيه من التشبيهات العقم التي لم يسبقه أحد إليها ولا تعاطاها أحد بعده. ولو قال الجزع وقام به البيت وأمسك عن قوله الذي لم يثقّب لكان من أبدع تشبيه وأحسنه، ثم زاده تتميماً وحسناً بقوله الذي لم يثقّب وكمل له بذلك نظم البيت ووضع القافية. وهذه الصناعة من الشعر تسمّى التبليغ لأنه أتى بمعنى زائد بلّغه إلى القافية. والمضهّب: الذي لم يبلغ نضجه من اللحم. وقال بعض أهل اللغة: لا يكون المشّ إلا المسح بالشيء الذي يفشّ الدسم. ومعنى هذا البيت أيضاً مما سبق إليه امرؤ القيس فتبعه الناس. قال عبدة بن الطبيب من بني عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم شاعر مقدّم مخضرم يكنى أبا يزيد قال:
لما وردنا رفعنا ظلّ أردية ... وفار للقوم باللحم المراجيل
ورد وأشقر لم ينهئه طابخه ... ما غيّر الغلي منه فهو مأكول
(1/69)

ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة ... أعرافهنّ لأيدينا مناديل
إلا أنه أتى بمعنى بيت امرئ القيس في بيتين. قوله لم ينهئه: أي لم ينضجه. والفائدة في قوله نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا أن العرب تتمدح بالتبذّل والتفل في موطنين في حال الحرب والصيد كما تتمدح بالتنعّم والتطيّب في حال الرفاهة والأمن. قال زياد بن حمل بن سعد أحد بني العدوّية وهم من بني تميم ويقال زياد بن منقذ بن سعد وهو المرّار العدويّ.
يا ليت شعري هل أغدو تعارضني ... جرداء سابحة أو سابح قدم
نحو الأميلح من سمنان مبتكرا ... في فتية فيهم المرّار والحكم
ليست عليهم إذا يغدون أردية ... إلا جياد قسيّ النبع واللجم
من غير فقر ولكن من تبذّلهم ... للصيد حين يصيح القانص اللحم
قال أبو علي " 1 - 16، 15 " العرب تقول:
" العير أوقى لدمه ".
(1/70)

قال المؤلف: ومن أمثالهم مثل هذا " جاحش عن خيط رقبته " والمجاحشة: المدافعة. وقولهم " حلأت حالئة عن كوعها " وهي التي تحلأ الأديم أي تأخذ بالشفرة من باطنه فإن خرقت قطعت كوعها.
وأنشد أبو علي " 1 - 17، 15 ":
ولقد مررت على قطيع هالك ... من مال أشعث ذي عيال مصرم
من بعد ما اعتلّت عليّ مطيّتي ... فأزحت علّتها فظلّت ترتمي
وقالا لهالك الضائع، والمصرم المقلّ، يقول: اعتلّت ناقتي فأصبت السوط فضربتها به فظلت ترتمي أي تترامى في سيرها.
ع هذا تفسير منكر وقول مردود قال أبو محمد ابن قتيبة: من قال إن القطيع السوط فقد أخطأ لأنه لو ضربها بالقطيع وقد أعيت قطعها عن السير وإنما القطيع قطيع الإبل، وهالك: ضائع. وأزاح علتها بأن أرعاها معها فأشبعها فظلّت ترتمي. وقال ابن السكّيت: إذا أعيت الناقة واعتلت ثم ضربها قطعها عن السير وإنما عنى بالقطيع الخبط. وقوله هالك: أي ليس عنده ربّه، يعني أنه علف مطيّته من الخبط وأشبعها من بعد ما أعيت فنشطت للسير وجدّت فيه.
(1/71)

قال أبو علي " 1 - 17، 16 " مكتوب في الحكمة: لتكن كلمتك ليّنة. الحديث.
قال المؤلف: هذا مما يروي من حكمة لقمان ووصيّته لابنه، ومثله من حكم العرب:
بنيّ إن البرّ شيء هيّن ... وجه طليق ولسان ليّن
وقال راجزهم:
بنيّ إن البر شيء هيّن ... المنطق الليّن والطعيّم
ومثل هذا يرد في القوافي لجفاة العرب. وأنشد ابن الأعرابيّ:
أزهر لم يولد لنجم الشحّ ... ميمّم البيت كريم السنخ
وأنشد الفرّاء:
إذا نزلت فاجعلاني وسطا ... إني كبير لا أطيق العنّدا
العند: الجانب. فأما لقمان فقد اختلف الناس فيه فقيل كان نبيّاً وقيل كان حكيماً وقيل كان رجلاً صالحاً، وقيل كان نجّاراً وقيل كان خياطاً، وقيل كان حبشيّاً غليظ المشافر، ولكن آتاه الله الحكمة، فلسنا نشكّ أنه كان حكيماً لقول الله تعالى: " ولقد آتينا لقمان الحكمة " وقد قيل أنه كان راعياً وأن إنساناً وقف عليه وهو في مجلسه فقال: ألست كنت ترعى معي في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث
(1/72)

والصمت عما لا يعنيني. وقد قيل أنه كان زمن داود وأنه كان يقتبس الحكمة من داود عليه السلام فأتاه الله إياها، وزعم بعضهم أنه كان مولى لبني الحسحاس من الأزد.
أنشد أبو علي " 1 - 17، 16 ":
وكم من مليم لم يصب بملامة
قال المؤلف: ينسبان إلى الأحوص بن محمد، ويقال أن اسمه عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت وعاصم أنصاري من الصحابة وهو حميّ الدبر وفي ذلك يقول الأحوص:
وأنا ابن الذي حمت لحمه الدبر ... قتيل اللحيان يوم الرجيع
ويكنى الأحوص أبا عاصم والصحيح أن البيتين لجميل وقد مضى ذكره.
قال أبو علي " 1 - 17، 16 " فيما رواه عن الكلبي قالت امرأة من العرب لثلاث بنات لها صفن ما تحببن من الأزواج.
قال المؤلف: قد أتى أبو علي على تفسير هذا الحديث إلا قولها: متمّم أيسار، وقول الأخرى: وإن أخلّ أحمض فأما قولها متمم أيسار فإن أكثر الأيسار سبعة على عدد القداح فيأخذ كل رجل قدحاً فإذا فعلوا ذلك فقد توحّدوها، قال النمر:
ولقد شهدت إذا القداح توحّدت ... وشهدت عند الليل موقد نارها
فإذا نقص عددهم عن ذلك أخذ الرجل الكريم منهم ما فضل من القداح، فيكون له حظّ الفائز منها وعليه غرم الخائب فكأنه قد تمّم عدد الأيسار بذلك. وكانت العرب تعدّ
(1/73)

ذلك فضيلة وتتمدّح به، وقال النابغة:
أنّي أتمّم أيساري وأمنحهم ... مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما
وقال ابن الأعرابي: إذا كان الرجل يفوز قدحه مرّة بعد أخرى ويطعم اللحم سمّي متمّماً، وبذلك سمّي متمّم بن نويرة. وأما قولها وإن أخلّ أحمض ففيه قولان أحدهما: أن التحميض أن يحول المرء من أمر إلى أمر يقال منه حمّضته وأحمضته، قال الطرمّاح:
لا يني يحمض العدوّ وذو الخلّة ... يشفى صداه بالإحماض
وقال العجاج:
جاؤا مخلّين فلاقوا حمضاً ... طاغين لا يزجر بعض بعضا
يعني أن الإبل يأكل الخلّة تشتهي الحمض فضربه مثلاً، يقول جاءوا يشتهون القتال فلاقوا من يقاتلهم ويشفيهم. والخلّة كل ما ليس بحمض والعرب تقول الخلّة خبز الإبل والحمض لحمها، ويقال فاكهتها. والحمضة الشهوة إلى الشيء وإنما أخذ من شهوة الإبل إلى الحمض إذا أجمت الخلّة، تقول المرأة إذا ملّت نعمة نقلها إلى مثلها. وحمله آخرون على حديث الليث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال قلت لابن عمر: كيف ترى في التحميض. قال: وما التحميض. قلت: أن يأتي الرجل المرأة في دبرها. قال: أو يفعل ذلك أحد من المسلمين. ويروى عن ابن عمر في حديث آخر: كنّا نشتري الجواري ونحمّض فيهنّ. وقولها بعد هذا وإن دسر أغمض يقوّي التأويل الأخير، والدسر الدفع، والإغماض الإيلاج الشديد، والغمض من الأرض الشديد الاطمئنان حتى يغيب من فيه.
وأنشد أبو علي " 1 - 18، 16 "
(1/74)

تكفيه حزّة فلذ إن ألمّ بها ... من الشواء ويروى شربة الغمر
قال المؤلف: البيت لأعشى باهلة من قصيدة يرثي بها المنتشر بن وهب الباهليّ، واسم الأعشى هذا عمرو بن الحارث ويكنى أبا قحافة. وقال قطرب: إنه للدعجاء بنت وهب وإنها هي التي ترثي أخاها المنتشر بالقصيدة المعروفة التي أولها:
إني أتتني لسان لا أسرّ بها ... من علو لا عجب فيها ولا سخر
وبعد البيت الشاهد:
لا يتأرّى لما في القدر يرقبه ... ولا تراه أمام القوم يقتفر
لا يغمز الساق من أين ومن وصب ... ولا يعضّ على شرسوفه الصفر
التأرّي: التحبّس والمكث. والاقتفار: أن يأكل خبزه قفاراً دون أدم جشعاً قبل أن يدرك الطعام. والصفر: حيّة في البطن تعضّ الشرسوف إذا جاع صاحبه. وقيل الصفر داء يعالج بقطع النائط. قال الراجز:
قطع الطبيب نائط المصفور
وكانت العرب تزعم أنه يعدي. وفي الحديث: لا عدوى ولا هامة ولا طيرة ولا
(1/75)

صفر. وقال قوم: معنى صفر في الحديث غير هذا ويروي:
ولا يزال أمام القفر يقتفر
أي لا يزال هادياً لهم متقدماً يقتفر الآثار.
وكان في حديث المنتشر وكان يغير على بني الحارث بن كعب فقتل منهم عمرو بن عاهان. فقالت نائحته تبكيه:
يا عين فابكي على عمرو بن عاهان ... لو كان قاتله غير الذي كانا
لو كان قاتله حيّاً نعجّ به ... لكن قاتله بهل بن بهلانا
ثم أغار المنتشر فقتل نائحة عمرو، وأسر صلاءة بن عمرو الحارثي، وكان من ساداتهم وقطّعه آراباً، فرصدته بنو الحارث حتى أخذوه، وكان الذي أصابه هند بن أسماء الحارثي، ففعلوا به ما فعل هو بصلاءة. قولها بهل بن بهلانا: هذا يقال للمحتقر ويقال للذي لا يعرف هيّان بن بيّان وصلمعة بن قلمعة.
وقال ابن دريد العشي من الشعراء ثمانية، وتتبّعتهم أنا فوجدتهم خمسة عشر أعشى وهم: أعشى بن بكر، وأعشى بني تغلب، وأعشى بني ربيعة، وأعشى همدان، وأعشى
(1/76)

شيبان، وأعشى باهلة، وأعشى بني الحرماز، وأعشى عكل، وأعشى عنزة، وأعشى طرود، وأعشى بني أسد، وأعشى بني عقيل، وأعشى بني مالك، وأعشى بني تميم، وأعشى بني سليم. وقد ذكرتهم بأنسابهم وأخبارهم ومتخيّر أشعارهم في كتابي الكبير الموسوم بكتاب الإحصاء لطبقات الشعراء.
وقال أبو علي " 1 - 18، 16 " في خطبة عتبة بن غزوان حين خطب.
ع هو عتبة بن غزوان بن الحارث بن جابر من بني مازن وهو من المهاجرين الأولين شهد بدراً وكان من الرماة المذكورين، وهو افتتح الأبلة واختط البصرة، وتوفي في خلافة عمر وهو حليف بني نوفل بن عبد مناف يكنى أبا غزوان، وتمام خطبته بعد قوله: كصبابة الإناء، فانتقلوا بخير ما يحضركم، فقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، وإنه لم تكن نبوّة قط إلا كان عاقبتها ملكاً وما منّا اليوم أحد إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار، فأعوذ بالله من أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله صغيراً. وقد روى صدر هذا الكلام عن عتبة بن غزوان عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد في كتاب الحكم والأمثال المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد حدثنا سليمان بن محمد الخزاعي حدثنا محمد بن حفص الوصابي حدثنا عبد العظيم بن حبيب الزبيدي
(1/77)

عن راشد بن سعد عن عتبة بن غزوان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الدنيا قد آذنت بصرم وولّت حذّاء فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابّها صاحبها وإنكم منتقلون إلى دار لا زوال فيها فانتقلوا بخير ما يحضركم. قلت: هو أبو عبيد عمر بن حفص الوصابي حمصي يروي عن محمد بن حمير روى عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل والوصابي بالباء في المحدثين غير واحد، والوصافي بالفاء أخت القاف واحد وهو عبد الله بن الوليد الوصافي منسوب إلى الوصاف بن عامر العجلي واسمه مالك.
وأنشد أبو علي " 1 - 18، 17 " للنابغة:
حذّاء مدبرة سكّاء مقبلة
قال المؤلف: هذا البيت من شعر النابغة في رواية بعض الرواة، وقد قيل إنه منحول وقبل البيت:
تدعو القطا وبه تدعى إذا انتسبت ... يا صدقها حين تدعوها فتنتسب
حذّاء مدبرة سكّاء مقبلة ... للماء في النحر منها نوطة عجب
تسقي أزيغب ترويه مجاجتها ... وذاك من ظمئها في ظمئه شرب
ويروى: إذا نسبت يعني أن صوتها قطاً قطاً وهذا كثير في أشعارهم، لذلك سمّت العرب صوتها القطقطة. وكل الطير سكّ: أي مصطلمة الآذان، ويقال للصغير الأذنين من الناس أسكّ والأنثى سكّاء والسكك أيضاً ضيق الصماخ من ذلك قول النابغة:
وتلك التي تستكّ منها المسامع
والنوطة: الحوصلة سميت بذلك لتعلّقها، وعجب: صفة في معنى عجيبة، والظمء: ما بين الشربتين. يقول يظمآن معاً: أي تذهب فتشرب ثم تجئ فتسقيه.
(1/78)

واسم النابغة زياد بن عمرو بن معاوية الذبياني. وقال ابن الأعرابي هو زياد بن معاوية بن ضباب فأنشده الأثرم قول النابغة يعني نفسه.
وقائلة من أمّها واهتدى لها ... زياد بن عمرو أمّها واهتدى لها
فقال له: نحن لا نرويه يعني القصيدة. ويكنى أبا أمامة وإنما سمي النابغة لأنه لم يقل الشعر إلاّ بعد أن كبر وساد قومه ولم يفجأهم إلاّ وقد نبغ عليهم بالشعر، وقال الآخرون: سمي ببيت قاله وهو:
وحلّت في بني القين بن جسر ... فقد نبغت لنا منهم شؤون
والنوابغ من الشعراء ثماينة: نابغة بني ذبيان هذا، والنابغة الجعدي، والنابغة الشيباني ونابغة بني الديّان، والنابغة الغنوي، والنابغة العدواني، والنابغة التغلبيّ، ونابغة بني جديلة، ليس منهم جاهلي إلا الذبيانيّ خاصّة.
أنشد أبو علي " 1 - 18، 17 " للحطئة:
(1/79)

فدى لابن حصن ما أريح فإنه ... ثمال اليتامى عصمة في المهالك
قال المؤلف: هذا أول الشعر وبعده:
سما لعكاظ من بعيد وأهلها ... بألفين حتى دسنهم بالسنابك
فباع بنيه بعضهم بخشارة ... وبعت لذبيان العلاء بمالك
قوله لابن حصن يعني عيينة بن حصن. ويروى ما أريح بفتح الحاء وما أريح بضمّها والرواح من لدن زوال الشمس إلى الليل ويروى بخسارة أي رضوا بالديات فكان ذلك عاراً وخساراً عليهم وأبيت أنت إلاّ إدراك ثأرك. والخشارة السفلة. وبعت بمعنى اشتريت. يقوله الحطئة لعيينة بن حصن الفزاري، وكانت بنو عامر قتلت ابنه مالكاً فغزاهم فأدرك بثأره وغنم وغنّم.
واسم الحطئة جرول بن أوس بن مالك من بني قطيعة بن عبس يكنى أبا مليكة لقّب الحطئة لقصره وقربه من الأرض. يقال حطأته إذا ضربته ضربة شديدة ألزقته بالأرض. وهو رواية زهير وهو جاهلي أو هو إسلاميّ ولا أراه أسلم إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأنشد أبو علي " 1 - 18، 17 " لأسامة بن الحارث:
كفيت النسا نسّال حرّ وديقة
قال المؤلف: قبل البيت وهو أول الأبيات:
عصاني أويس في الذهاب كما أبت ... عسوس صوى في ضرعها الغبر مانع
كفيت الناس نسّال حرّ وديقة ... إذا سكن الثمل الظباء الكواسع
عصاني فلم يردد عليّ بطاعة ... بمكث ولم تقبض عليه الأشاجع
(1/80)

أويس: رجل من قومه هاجر خلافة عمر. والعسوس: التي تمنع درّتها فقد منعت ذلك حتى صوى أي يبس، وكان موقع الكلام أن يقول عسوس مانع صوى في ضرعها الغبر لأن النكرة إذا وصفت بصفتين مفردة وجملة ينبغي أن تقدّم المفردة كقولك: هذا رجل ظريف قائم أخوه، وقد جاء تقديم الجملة قال الله سبحانه: " كتاب أنزلناه مبارك " وأراد لم يردد عليّ بطاعة جواباً فحذف المفعول ويحتمل أن يريد حمل الكلام على معناه أي لم يعد عليّ بطاعة. وأسامة بن الحارث بن حبيب يكنى أبا سهم من بني عمرو بن الحرث بن تميم من هذيل.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 18، 17 " لذي الرمّة:
وأدرك المتبقّي من ثميلته
صلة البيت قال ذو الرمّة وذكر حماراً وآتناً:
حتى إذا معمعان الصيف هبّ له ... بأجّة نشّ عنها الماء والرطب
وأدرك المتبقّي من ثميلته ... ومن ثمائلها واستنشئ الغرب
وصوّح البقل نأّج تجئ به ... هيف يمانية في مرّها نكب
معمعان الصيف: شدّته مأخوذ من معمعة النار. والأجّة والأجيج حفيف النار. قال الشاعر:
كأنّ تردّد أنفاسه ... أجيج ضرام زفته الشمال
واستنشئ الغرب شهوة للماء. والغرب ما سال من الدلو بين النهر والحوض. واستنشئ هو النشوة وهي الرائحة ولا حظّ لها في الهمز ولم يسمع استنشئ إلا مهموزاً. ونقيض هذا قولهم: الخابية لا تهمز وأصلها من خبأت.
وذو الرمّة لقب لقّب به لقوله في وتد:
(1/81)

لم يبق غير مثّل ركود ... وغير مرضوخ القفا موتود
أشعث باقي رمّة التقليد
وهو غيلان بن عقبة بن نهيس يكنى أبا الحرث شاعر إسلاميّ وصاحبته ميّ بنت عاصم بن طلبة بن قيس بن عاصم وتكنى أمّ بوراء.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 19، 17 " للأعشى:
بناجية كأتان الثميل ... تقضّي السرى بعد أين عسيرا
وبعد البيت:
جماليّة تغتلي بالرداف ... إذا كذب الآثمات الهجيرا
ويروى تعتلى بعين مهملة وقوله عسيرا أي تعسر بذنبها من نشاطها بعد سيرها الليل كلّه. وقال أبو عبيدة: عسير صعبة يقال ناقة عاسر وعسير، وقد عسرت تعسر إذا شالت بذنبها وناقة عسير أيضاً إذا لم تحمل سنتها وقد أعسرت. وتغتلي من الغلوّ وتجاوز الحدّ في الشيء، ومن روى تعتلى فمعناه تنهض وتطيق قال الشاعر:
(1/82)

فاعمد لما تعلو فمالك بالذي ... لا تستطيع من الأمور يدان
يقول اعمد لما تطيقه. والرداف جمع رديف. والكواذب التي لم تصدق السير.
والأعشى هو ميمون بن قيس بن جندل من بني سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة يكنى أبا بصير، وكان أبوه قيس يدعى قتيل الجوع لأنه دخل غاراً فوقعت صخرة فسدّت فم الغار فمات جوعاً. وأدرك الأعشى الإسلام في آخر عمره ورحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد الإسلام فلما أتى مكة قيل له إنه يحرّم الخمر فقال: أتمتّع منها سنة ثم أسلم فمات قبل ذلك بقرية من قرى اليمامة.
وأنشد أبو علي " 1 - 19، 18 " لمزرّد:
إذا مسّ خرشاء الثمالة أنفه
قال المؤلف: هو مزرّد بن ضرار وتقدّم نسبه ويكنى مزرّد أبا ضرار واسمه يزيد ومزرّد لقب لقّب به لقوله:
فقلت تزرّدها عبيد فإنّني ... لدرد الموالي في السنين مزرّد
وقال أحد هجاة الضيفان قال يذكر ضيفاً ضافه:
حلبنا له من أربع كنّ عندنا ... ثلاثاً وغزري لقحتي أمّ أصمعا
فلما رأينا ذاك لم يغن نقرة ... صببنا له ذا وطب عوبس أجمعا
إذا مسّ خرشاء الثمالة أنفه ... ثني مشفريه للصريح فأقنعا
(1/83)

أم أصمع: امرأة من أهل مزرّد. وعوبس: اسم ناقة غزيرة. وذا وطبها: ما فيه من اللبن، يقال للمرأة قد وضعت ذا بطنها: أي ولدها. والصريح: اللبن الذي قد خلص من الرغوة. والمشفر: للبعير فاستعاره هنا. وأقنع: رفع رأسه. قال الله سبحانه: " مقنعي رءوسهم " وإنما رفع رأسه ليشتفّ ما في الإناء.
وأنشد أبو علي " 1 - 19، 18 " لابن مقبل:
لمن الديار عرفتها بالساحل ... وكأنها ألواح سيف ثامل
قال المؤلف صلة البيت وإصلاح إنشاده:
سل المنازل كيف صرم الراحل ... أم هل تبين رسومها للسائل
عرّجت أسألها بقارعة الغضا ... وكأنها ألواح سيف ثامل
هكذا رواه أبو حاتم وأبو جعفر ابن حبيب وغيرهما. قالوا سل المنازل: هذا مزاحف وهو جائز. أقول وهذا الزحاف هو الذي يسمىّ الخرم، يقول: كيف يستطيع الراحل الرفيق أن يصرمك أي يمرّ بك فلا يقف عليك ولا يسألك. وقارعة الغضا: موضع. وثامل: قديم العهد بالصقال والتعاهد حتى ذهب فرنده وحسنه. وألواحه: ما لاح منه من بقيّة فرنده شبّه باقي الرسوم المتغيّرة به، وقد مضى ذكر تميم بن أبيّ بن مقبل ونسبه.
وأنشد أبو علي " 1 - 19، 18 ":
ممغوثة أعراضهم ممرطله ... كما تلاث في الهنا الثمله
وصلته:
وقد علمت فحشاء جهله ... ممغوثة أعراضهم ممرطله
(1/84)

في كل ماء آجن وسمله ... كما تلاث في الهناء الثمله
غرضت من جفيلهم أن أجفله
وهذا الرجز ينسب إلى الأصمعي. وقال أبو علي " 2 - 290، 286 " ممرطلة: مبلولة. وقال غيره يقال: مرطله لطخه. والمغث: العرك والدلك. واللوث: إدارة الشيء بعضه على بعض. يهجو قوماً ويصفهم بالدناءة والضعة، وقيل إنما أراد أنهم سقاة وأعراضهم على هذا التأويل أجسامهم وجفيلهم جمعهم.
وأنشد أبو علي " 1 - 19، 18 " لامرئ القيس:
فتملأ بيتنا أقطاً وسمنا
هذا الشعر يقوله امرؤ القيس حين ذهبت إبله وبقيت غنمه وكانت معزى:
إذا لم تكن إبل فمعزى ... كأنّ قرون جلّتها العصىّ
إذا ما قام حالبها أرنّت ... كأن الحيّ بينهم نعىّ
فتملأ بيتنا أقطاً وسمناً ... وحسبك من غنى شبع ورىّ
يقال معزى ساكنة الياء ومعزى منوّنة ويروى:
إذا مسّت محالبها أرنّت
يعني لأنسها بالحلب، وقد قيل في قول العرب: " أسمح من لافظة " أنها العنز لأنها إذا دعيت للحلب لفظت ما في فيها من العلف وأسرعت إلى الحالب. والرنين: الصوت وأكثر ما يستعمل في البكاء، فإن قيل كيف يجتمع قوله:
وحسبك من غنى شبع ورى
مع قوله:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
(1/85)

ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
فالجواب أن التقاءهما من جهة القناعة والجود بما وراءها حتى لا يشغل شعابه جدواه ولا يكون المرء جواداً محضاً حتى يقتنع باليسير ويجود بالكثير الخطير ويؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة كما وصف الله عز وجلّ بعض أصحاب نبيّه عليه السلام وكان طلحة بن عبيد الله يعطى حتى لا يجد ملبساً وقد منعه من الخروج إلى الصلاة أن لفّق له بين ثوبين. وقال عروة بن الورد:
إني امرؤ عافى إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافى إنائك واحد
اقسّم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد
يقول إن قوته الذي هو قوام رمقه ومقيم جسمه يطعمه ويؤثر به على نفسه وإنه عند الجهد وشدّة الزمان يحسو الماء ويسقي اللبن فإنما رغبة الجواد في المال ليهبه وطلبه له لينهبه وهذا هو المجد الذي أراد امرؤ القيس في الشعر الثاني. وكان قيس بن سعد بن عبادة يقول في دعائه اللهم إني أسلك حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلاّ بفعال ولا مجد إلاّ بمال. ونظر أبو الطيب إلى هذا المعنى فقال:
فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قلّ مجده
أنشد أبو علي " 1 - 20، 18 ":
وراحلة نحرت لشرب صدق ... وما ناديت أيسار الجزور
وبعده:
وخمر قد سبأت لهم بأخرى ... إذا ما ضنّ أرباب الخمور
والراحلة هي التي يختارها الرجل لمركبه على النجابة وتمام الخلق وحسن النظر وفي الحديث: الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة.
وأنشد أبو علي " 1 - 20، 19 " لمتمّم:
(1/86)

ولا برم تهدي النساء لعرسه ... إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا
قال المؤلف هو متمّم بن نويرة بن جمرة من بني يربوع بن حنظلة بن مالك بن يزيد مناة بن تميم شاعر جاهلي إسلاميّ يكنى أبا فجعان قاله ابن دريد. وقال ابن الكلبي: يكنى أبا تميم. وقال أبو الفرج: يكنى أبا نهشل ويرثي بهذا الشعر أخاه مالكاً وقتله ضرار بن الأزور الأسدي أمره بقتله خالد بن الوليد وأول القصيدة:
لعمري ما دهري بتأبين هالك ... ولا جزع مما أصاب فأوجعا
لقد كفّن المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيّات أروعا
ولا برم تهدي النساء لعرسه ... إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا
المنهال رجل ألقى ثوبه على مالك إذ قتل يستره به وكذلك كانوا يفعلون. قال أبو خراش الهذلي:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... خلا أنّه قد سلّ عن ماجد محض
وفي هذا البيت قول آخر سأذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. وقوله غير مبطان
(1/87)

العشيّات: قال يريد أنه لا يعجل بالعشاء لانتظار الضيفان وذلك وقت ورودهم. ومثله قول عبد الله بن عنمة يرثي بسطام بن قيس:
يقسّم ماله فينا وندعو ... أبا الصهباء إذ جنح الأصيل
وقالت الخنساء في معناه:
يذكّرني طلوع الشمس صخراً ... وأذكره لكل غروب شمس
طلوع الشمس وقت الغارة وغروبها وقت ورود الضيفان. وقيل بل أرادوا أنه وقت الميسر. والقشع: النطع. وقال أحمد بن عبيد: كل ما كان من أدم فهو قشع. ورواه الأخفش من حسّ الشتاء. ورواه أحمد من حسّ الشتاء بفتح الحاء وهو شدّة برده الذي ينثر حبّ النبات وورقه ومنه محسّه الدابة لأنها تنثر شعرها. يقول: يبس وصلب من شدّة البرد ويريد أن مالكاً يسر في وقت الجدب.
قال أبو علي " 1 - 20، 19 ": كان رجل برماً فجاء إلى امرأته وهي تأكل لحماً إلى آخر الحديث.
قال المؤلف: القران في الطعام مذموم في الجاهلية، منهيّ عنه في الإسلام إلا بعد الاستئذان، كذلك روى شعبة عن ابن سحيم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن القران إلا أن يستأذن الرجل أخاه وهو الجمع بين تمرتين. وقد ذهب أهل العلم في ذلك مذهبين. فقال طائفة: إنما نهى عنه لأنها طعمة خبيثة ودناءة لما فيها من الشره
(1/88)

والحرص على الأكل وليست من مكارم الأخلاق. وقالت طائفة: إنما النهي فيما اشترك فيه قوم فإذا اتّفقوا على القران فلا بأس بذلك. قالوا: وقد روى وكيع عن موسى بن دهقان قال: رأيت سالم بن عبد الله يأكل التمر كفّاً كفّاً.
وأنشد أبو علي " 1 - 20، 19 ":
بل لو شهدت الناس إذ تكمّوا ... بقدر حمّ لهم وحمّوا
قال المؤلف: الرجز للعجّاج يقوله في قتل مسعود بن عمرو العتكي من الأزد والشطران أول الرجز وبعدهما:
وغمّة لو لم تفرّج غمّوا ... إذ زعمت ربيعة القشعمّ
أن لن يرد همّهم إذ همّوا ... كيد الإله والجبال الصمّ
وقال الخطابي: يعني تكمّوا قتل كميّهم. والقشعم: المسنّ. وكان يقال ربيعة القشعم كأنه مسنّ ضخم. وكيد الإله جزاؤه لهم بكيدهم كما قال تعالى: " أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون ".
(1/89)

وأنشد أبو علي " 1 - 20، 19 ":
ولست بأطلس الثوبين يصبي
قال المؤلف: هذا البيت لأوس بن حجر وصلته:
عليّ أليّة عتقت قديماً ... فليس لها وإن طلبت مرام
بأن الغدر قد علمت معدّ ... عليّ وجارتي منّي حرام
ولست بأطلس الثوبين يصبي ... حليلته إذا هجع النيام
ولست بخابئ لغد طعاماً ... حذار غد لكلّ غد طعام
قوله بأطلس الثوبين: يعني أن الطلسة تلتبس بالظلام فتخفي ولو كان أبيض الثياب لنّمت عليه. والطلسة: كدرة في غبرة والذئب أطلس. وهذا كما قال جرير للفرزدق:
خرجت من العراق وأنت رجس ... تلبّس في الظلام ثياب غول
وأزني من قفيرة حين تمسي ... وألهج بالمآثم من فصيل
وقيل إنه أراد بالطلسة هنا دنس الثياب الذي هو كناية عن اقتراف الفواحش كما قال الراجز:
يا رب شيخ من لخيم قحم ... أو ذم حجّاً في ثياب دسم
ويقولون في ضد هذا طاهر الثوب كما قال امرؤ القيس:
(1/90)

ثياب بني عوف طهاري نقيّة ... وأوجههم يوم الكريهة غرّان
ويروى: يصبي أميرته، وهي جارته التي تؤامره في أمره ويؤامرها.
أنشد أبو علي " 1 - 20، 19 " لكثيّر:
وقلت لها بل أنت حنّة حوقل
صلة البيت:
تقول ابنة الضمريّ مالك شاحباً ... وقد تنبري للعين فيك المحاسن
جفوت فما تهوي حديثك أيّم ... ولا تجتديك الآنسات الحواضن
فقلت لها بل أنت حنّة حوقل ... جرى بالفرى بيني وبينك طابن
فصدّقته في كل حقّ وباطل ... أتاك به نمّ الأحاديث خائن
ابنة الضمري صاحبته عزّة الضمريّة تكنى أم بكر. وتنبري أي تعترض. وتجتديك أي تطلب ما عندك. والحوقل المسنّ، وقد حوقل أي أسنّ وكبر وهي الحوقلة، والحوقلة أيضاً سرعة المشي، والحوقلة الغرمول الليّن، والحوقل الذي أدبر عن النساء والحوقلة في غير هذا القارورة الطويلة العنق.
وأنشد أبو علي " 1 - 20، 19 " في الحنّة:
ما أنت بالحنّة الودود ولا ... عندك خير يرجى لملتمس
قال المؤلف: هذا البيت لقتادة اليشكري تزوّج أرنب الحنفيّة فلم تلد له، ونشزت عليه فطلّقها وقال:
(1/91)

تجهزي للطلاق واصطبري ... ذاك دواء الجوامح الشمس
ما أنت بالحنّة الولود ولا ... عندك خير يرجى لملتمس
لليلتي حين بنت طالقة ... ألذ عندي من ليلة العرس
هكذا صحة إنشاده:
ما أنت بالحنّة الولود
لا الودود كما أنشده أبو علي لما رود في الخبر، ذكر ذلك أبو عبيدة في كتاب النواشز من النساء، ويقوّي ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " تزوّجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة ".
وأنشد أبو علي " 1 - 20، 19 " بعد هذا:
وإن امرأ في الناس كنت ابن أمّه
ع الشعر للعجير السلوليّ وهو العجير بن عبد الله بن كعب بن عبيدة ويقال ابن عبيدة بن كعب من بني سلول بن مرّة بن صعصعة أخي عامر بن صعصعة وأمّ " بني " مرّة سلول بنت ذهل بن شيبان غلبت عليه " م " ويكنى العجير أبا الفرزدق وأبا الفيل شاعر من شعراء الدولة الأمويّة. وكان الضحاك بن عبد الله أخا العجير أنكح ابنته قطيّة رجلاً من باهلة
(1/92)

على ألف دينار، وذلك اختيار أمّ الجارية ورغبتها في المال، فأتاه أخوه العجير في نفر من قومه يكلّمونه في فسخ ذلك النكاح فأبى فغلبه العجير على الجارية فارتدفها ثم سار بها وقال في ذلك:
أليس أمير المؤمنين ابن أمّها ... وبالجزع آساد لهنّ عرين
وعاذت بحقوى خالد وابن أمّه ... ولله قد بتّت عليّ يمين
تنالونها أو تنشف الأرض منكم ... دماً خرّ منه ساعد وجبين
وإن امرأ في الناس كنت ابن أمّه ... تبدّل مني طلّة لغبين
دعتك إلى هجري فطاوعت أمرها ... فنفسك لا نفسي بذاك تهين
في خبر طويل.
(1/93)

وأنشد أبو علي " 1 - 21، 19 " بعد هذا:
ألا بكرت طلّتي تعذل ... وأسماء في قولها أعذل
قال المؤلف: لم أر عليهما مزيداً إلا أن غيره يروي: تريد أسيماء جمع التلاد، وهو أحسن وأشبه لقوله في البيت الأول: وأسماء في قولها أعذل، وهو اسم طلّته وقوله أعذل يريد أولى بالعذل.
وأنشد أبو علي " 1 - 21، 20 " للأسعر الجعفيّ:
لكن قعيدة بيتنا مجفوّة ... باد جناجن ولها غنى
قال المؤلف: الأسعر لقب واسمه مرثد بن حمران الجعفيّ يكنى أبا حمران وهو جاهلي لّقب بالأسعر لقوله:
فلا يدعني قومي لسعد بن مالك ... لئن أنا لم أسعر عليهم وأثقب
هو سعد بن مالك بن قيس بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة وهم قومه، وصلة البيت الشاهد:
أبلغ أبا حمران أن عشيرتي ... ناجوا وللقوم المناجين التوا
باعوا جوادهمو لتسمن أمّهم ... ولكي يعود على فراشهم فتى
علج إذا ما ابتزّ عنها ثوبها ... وتخامصت قالت له ماذا ترى
لكن قعيدة بيتنا مجفوّة ... باد جناجن صدرها ولها غن
(1/94)

ى
كقفي بعيشة أهلها وثّابة ... أو جرشع نهد المراكل والشوى
أراد أنهم أخذوا دية أبيهم فآثروا أمّهم باللبن وعيالهم على خيلهم، فإذا سمنت أمّهم زوّجوها. وتخامصت أدخلت يديه إلى بطنها لتريه أنها خميص. وقوله مجفوّة: يقول نؤثر هذه الفرس الوثابة أو الجرشع على قعيدة بيتنا فهي هزيلة باد جناجن صدرها على غناها. والجناجن: عظام الصدر واحدها جنجن وجنجن وقد قيل جنجون. والقفيّة: ما يؤثر به الضيف وذو الكرامة.
أنشد أبو علي " 1 - 21، 20 " للفرزدق:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
ع صلة البيت، وخبره كانت النوار بنت أعين بن ضبيعة بنت عم الفرزدق فخطبها رجل من بني دارم فرضيته، فأرسلت إلى الفرزدق أن زوّجني من هذا الرجل وكان وليّها. فقال لا أفعل أو تشهدي لي أنك قد رضيت بمن زوّجتك منه، ففعلت، فلما توثّق منها قال أرسلي إلى القوم فليأتوا، فلما غصّ مسجد بني مجاشع ببني دارم جاء الفرزدق فحمد الله وأثنى عليه ثم قال قد علمتم أن النوار ولّتني أمرها وأشهدكم أني قد زوّجتها نفسي فذئرت من ذلك، وأعياها أمراء البصرة أن يطلّقوها من الفرزدق وأعياها الشهود أن يشهدوا لها اتّقاء من الفرزدق، وأرادت الشخوص إلى ابن الزبير فلم يقدم أحد على حملها وكانت امرأة صالحة فأقامت معه على ذلك ولا تزال تشمئز منه وتقول ويحك إنما تزوّجت على خدعة ثم لا تزال تحلف بيمين موثّقة وتحنث فتجنّبت فراشه، فتزوّج عليها دهيمة بنت غنى
(1/95)

النمريّ. ثم إن قوماً من بني عديّ يقال لهم بنو النسير تحمّلوا النوار إلى مكة تريد ابن الزبير. فقال الفرزدق:
وقد سخطت مني النوار الذي ارتضى ... به قبلها الأزواج خاب رحيلها
أطاعت بني أم النسير فأصبحت ... على شارف ورقاء صعب ذلولها
وإن امرأ يمشي يخبّب زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
ومن دون أبوال الأسود بسالة ... وبسطة أيد يمنع الهضم طولها
وإن أمير المؤمنين لعالم ... بنا وبما وصّى العباد رسولها
وخبرهما لو استقصى لطال. ومثل قوله: كساع إلى أسد الشرى يستبيلها قول الأحوص:
وإن الذي يجري لسخطي وريبتي ... لك الويل ريح الكلب إن كنت تعقل
لكالمستبيل الأسد والموت دون ما ... يحاول من أبوالها إذ تبوّل
وأنشد أبو علي " 1 - 21، 20 ":
شرّ قرين للكبير بعلته
قال المؤلف: تمام هذه الأشطار وهذا هو الأول.
إذا رأته قد تولّت شرّته ... وانتقضت بعد الشباب مرّته
وهي عفرناة الشباب جبلته ... تدعو له الله بداء يكفته
ويروى:
تولغ كلباً سؤره أو تكفته
وتنتحي لحلقه فنسأته ... وتدفع الشيخ فتبدو جهوته
إنا مللناه وطالت صحبته والجهوة الدبر
(1/96)

وأنشد أبو علي " 1 - 21، 20 ":
مالي إذا أنزعها صأيت ... أكبر غيّرني أم بيت
ع هذا الراجز يصف جذبه للدلو. وصأيت من قولهم صأى الفرخ إذا سمعت له صوتاً ضعيفاً وإنما يريد أنينه من ثقل الدلو. وقوله أم بيت: لأن العزب أقوى وأشدّ كما قال الآخر:
خذها وأعط عمك السجيله ... إن لم يكن عمك ذا حليله
وأنشد يعقوب في مثله:
أما وربّ بثركم ومائها ... والعرمض اللازق في أرجائها
لأتركنّ أيّما بدائها
يقول: لا أعرض للتزويج فأضعف عن العمل. وقال الآخر في هذا المعنى أيضاً:
قد كنت بالشنّة ذا طماح ... على رؤس النهل الضواحي
إن لم يكن غيّرني نكاحي
الشنّة الدلو الخلق والقربة الخلق يقول قد كنت قوياً على أن أسقي إبلي قبلاً وهو أن يسقي على رؤوسها حين ترد ولم يكن قرى لها قبل في الحوض.
وأنشد أبو علي " 1 - 21، 20 ":
له شهلة شابت وما مسّ جيبها
قال المؤلف: هذا البيت لأبي حيّة الهيثم بن الربيع بن كثير النميري من شعراء
(1/97)

الدولتين " ومات في آخر خلافة المنصور ".
قال يعني صائداً وثوراً:
وغاداه من جلاّن ذئب مجاعة ... شقيّ به ضارورة وفقور
له طلّة شابت وما مسّ جيبها ... ولا راحتيها الشّثنتين عبير
لدن فطمت حتى على كل مفرق ... لها من سنيها الأربعين نكير
ذئب مجاعة يعني الصائد. وضارورة وضرورة واحد. وفقور جمع فقر.
أنش أبو علي " 1 - 21، 20 ":
كما تنزّي شهلة صبيّا
ع خصّ الشهلة لأنها أحنّ عليه وأرفق به وأعلم بترقيصه.
قال أبو علي " 1 - 22، 21 ":
الشعب أكبر من القبيلة.
قال المؤلف: كل الناس حكى الشعب بالفتح في القبيلة والشعب بالكسر في الجبل إلا بنداراً فإنه روى عن أبي عبيدة الكسر في القبيلة والفتح في الجبل.
أنشد أبو علي " 1 - 22، 21 ":
فتلك التي لا يبرح القلب حبّها
قال المؤلف: هو لأبي ذؤيب واسمه خويلد بن خالد بن محرّث أحد بني تميم بن
(1/98)

سعد بن هذيل شاعر جاهلي إسلامي مات أيام عثمان قال وذكر امرأة:
ولو كان ما عند ابن بجرة عندها ... من الخمر ما بلّت لهاتي بناطل
فتلك التي لا يبرح القلب حبّها ... ولا ذكرها ما أرزمت أمّ حائل
وحتى يؤوب القارظان كلاهما ... وينشر في الهلكى كليب لوائل
ابن بجرة خمّار معروف. والناطل: مكيال صغير تكال به الخمر. والقارظان: أحدهما يسمى عامر بن رهم بن هميم العنزي خرج يطلب القرظ فلم يعد، والثاني يذكر بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار. وكان حزيمة بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة عشق فاطمة بنت يذكر هذا فطلبها فلم يقدر عليها وخطبها فلم يصل إليها. فلما تصرّم الربيع ارتحلت فرجعت إلى منازلها، فقيل يا حزيمة: قد ارتحلت فاطمة.
(1/99)

فقال: أما ما دامت حيّة ففيها مطمع وأنشأ يقول:
إذا الجوزاء أردفت الثريّا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا
وحالت دون ذلك من هموم ... هموم تورث الداء الدفينا
ثم خرج يذكر وحزيمة يطلبان القرظ فمرّا بقليب فاستقيا، فسقطت الدلو فنزل يذكر ليخرجها، فلما صار إلى البئر منعه حزيمة الرشاء وقال زوّجني فاطمة، قال أعلى هذا الحال اقتساراً أخرجني أفعل، فتركه حتى مات فيها. ومن أجل يذكر وقعت الحرب بين بني نزار، وهي أول حرب وقعت بينهم جلت قضاعة عن منازلهم من تهامة، فهذان هما القارظان. وخبر كليب بن ربيعة معلوم.
قال أبو علي " 1 - 22، 21 " في أسنان الإبل الفصال ومنه الحديث: لا رضاع بعد فطام.
قال المؤلف: هذا الحديث يروي عن الزهري ومعناه أن ما كان من الرضاع بعد الحولين لم يقع به تحريم لقول الله سبحانه: " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " فإذا رضع صبيّ بعد أن يمضي له حولان امرأة لم يحرّم ذلك الرضاع شيئاً وإن طالت مدّته. وهذا مذهب عامّة العلماء وأئمة الفقهاء، واختلف في ذلك قول مالك قال في الموطّإ كقول هؤلاء، وروى عنه ابن القاسم أنه قال الرضاع الحولين والأيام بعد الحولين، وروى عنه الوليد بن مسلم أنه قال وما كان بعد الحولين من رضاع شهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر فهو من الحولين وما كان بعد ذلك فهو عبث. وقال أبو حنيفة وما كان بعد الحولين إلى ستة أشهر فهو رضاع.
(1/100)

قال أبو علي " 1 - 22، 21 ": فإذا أتى عليه حول فهو ابن مخاض لأن أمه لحقت بالمخاض وهي الحوامل.
قال المؤلف: إن قيل كيف جاز أن يقال له ابن مخاض وإنما المخاض الجماعة من الإبل الحوامل، والواحدة خلفة ولا يجوز أن يقال للواحدة مخاض؟ فالجواب أن المخاض ههنا المصدر، قال الله سبحانه: " فأجاءها المخاض " وكذلك المخاض بكسر الميم فإنما يعنون ابن ذات مخاض لأنه لا يقال ناقة مخاض ولا هذه مخاض، فليس من أسمائها ولا من صفاتها، والمخاض دنوّ الولاد يقال منه مخضت المرأة بكسر تمخض ومخضت على ما لم يسمّ فاعله تمخض.
قال أبو علي " 1 - 22، 21 ": فإذا دخل في الثانية فهو ابن لبون والأنثى بنت لبون.
قال المؤلف: فإذا جمعت استوى المذكر والمؤنث فقلت بنات لبون وكذلك جمع ابن كذا من كل مالا يعقل تقول بنات نعش واحدها ابن نعش وبنات أوبر واحدها ابن أوبر قال الشاعر:
ومن جني الأرض ما تأتي الرعاء به ... من ابن أوبر والمغرود والفقعه
وكذلك ابن عرس وبنات عرس.
(1/101)

قال أبو علي " 1 - 22، 21 ": وجمع حقّ وحقّة على حقاق.
قال المؤلف: وقد قيل في جمع حقّة حقائق قال الراجز:
إن لنا قلائصاً حقائقاً ... مستوسقات لو يجدن ساثقا
قال أبو علي " 1 - 23، 21 ": فإذا دخل في التاسعة فهو بازل.
ع والأنثى أيضاً يقال لها بازل وبازلة بالهاء وجمعها بوازل وجمع البازل بزّل.
أنشد أبو علي " 1 - 23، 22 " لرؤبة:
كم جاوزت من حيّة نضناض
قبل هذه الأشطار:
يقطع أجواز الفلا انقضاضي ... بالعيس فوق الشرك الرفاض
يخرجن من أجواز ليل غاض ... نضو قداح النابل النوّاض
يطرحن أمشاجاً من الإجهاض ... كم جاوزت من حيّة نضناض
وأسد في غيله قضقاض ... ليث على أقرانه ربّاض
قوله انقضاضي، يريد انحداره في المسير وانحطاطه. والشرك: طرائق الطرق وهي بنياته. والرفاض: المتفرقة يقال جاء بنو فلان رفضاً أي متفرّقين. وقوله نضو قداح: النضو الخروج وقد نضا ينضو. والنوّاض: المتذبذب وقد ناض ينوض وشبّه خروج الإبل من الليل بخروج السهام من القوس، وإذا خرج السهم من الرميّة فقد نضا ومنه نضوت القميص. وقوله غاض: يريد كأن الليل مغض إذا غمّض عينيه أغضى فأخرجه على هذا. والأمشاج أخلاط الماء والدم. والإجهاض: إلقاء الناقة ولدها قبل أن يتمّ يقال
(1/102)

أسقطت المرأة وأجهضت الناقة وأزلقت الرمكة وسبّطت النعجة؛ يمدح بهذا الشعر بلال ابن أبي بردة وفيه:
وأنت يا ابن القاضيين قاض ... والعرباض: الثقيل العظيم
وأنشد أبو علي " 1 - 23، 22 ": وأصبحت من سلمى كذا الداء لم يجد قال المؤلف: هما ليزيد بن الطثريّة وهو يزيد بن المنتشر بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة وأمّه من طثر بطن من عنز بن وائل بن قاسط ويكنى يزيد أبا المكشوح شاعراً إسلاميّ قال:
ومن يعلق البيض الكواعب قلبه ... ويبغضنه يدع الشقيّ المعذّبا
فمرّا على ظلاّمة الدين فانطقا ... بعذري إليها واذكراني تعجّبا
هبيني امرأ إمّا بريئاً ظلمته ... وإما مسيئاً تاب بعد وأعتبا
فلما أبت لا تقبل العذر وارتمى ... بها كذب الواشين شأواً مغرّبا
تعزّيت عنها بالصدود ولم أكن ... لمن ضنّ عني بالمودّة أقربا
وكنت كذى داء تبغّي لدائه ... طبيباً فلمّا لم يجده تطبّبا
فلما اشتفي مّما به علّ طبّه ... على نفسه من طول ما كان جرّبا
ويروي:
لمن ضنّ عني بالوصال مقرّبا
هكذا رواه أبو الحسن الطوسي
(1/103)

عن ابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني، ورواه أبو العباس الأحول لهدبة بن خشرم. قال هدبة:
وقد طالما علّقت ليلي مغمّراً ... وليداً إلى أن صار رأسك أشيبا
رأيتك من ليلي كذي الداء لم يجد ... طبيباً يداوي ما به فتطبّبا
فلما اشتفي مما به علّ طبّه ... على نفسه مما به فتطبّبا
فدع عنك أمرا قد تولىّ لشأنه ... وقضّب لبانات الهوى إذ تقضّبا
وكلا الشعرين ثابتان في ديواني أشعار الرجلين المذكورين.
وأنشد أبو علي " 1 - 23، 22 " لمحمد بن يسير:
لا تتبعن لوعة إثري ولا هلما
هو محمد بن يسير مولى بني رياش ويقال إنه منهم صليبة وبنو رياش من خثعم وقيل من جذام ولهم بالبصرة خطّة منهم العباس بن الفرج الرياشي ومحمد من شعراء الدولة العباسية يكنى أبا جعفر وكان عبد الله ابنه شاعراً أيضاً. ومثل قول محمد:
وأي شيء من الدنيا سمعت به ... إلا إذا صار في غاياته انقطعا
قول العرب " من بلغ غاية ما يحبّ فليتوقع غاية ما يكره " وقولهم: " كل ما أقام شخص، وكل ما ازداد نقص " وقال الراجز:
أسرع في نقص امرئ تمامه
وقال الشاعر:
(1/104)

إذا تمّ أمر دنا نقصه ... توقّع زوالا إذا قيل تمّ
ومثل قوله:
ومن يطيق مذكّ عند صبوته ... ومن يقوم لمستور إذا خلعا
قول الحارث بن وعلة:
الآن لّما ابيضّ مسربتي ... وعضضت من نابي على جذم
ترجو الأعادي أن أسالمها ... جهلاً توهّم صاحب الحلم
وقال الآخر وهو صالح بن عبد القدوس:
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى غيّه ... كذى الضنى عاد إلى نكسه
(1/105)

وقال الآخر:
أتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العنا رياضة الهرم
ومن أمثالهم في هذا المعنى: " عود يقلّح " و " عود يعلّم العنج " والمذكّي من الدوابّ الذي أتى عليه سنة بعد القروح، وأجرى مذك في النصب مجراه في الرفع، وهذا في الضرورات أشدّ من قول الآخر:
كأنّ أيديهن بالقاع القرق
فهذا إنما أسكن فتحة الياء خاصّة وهو كثير. وأما قوله: ومن يطيق مذكّ فإنه لما أسكن التقى الساكنان فحذف الياء المفتوحة المنوّنة جملة ثم نوّن الكاف، ومثله أنشد " هـ ابن " السيرافي.
وكسوت عار لحمه فتركته ... جذلان جاد قميصه ورداؤه
(1/106)

وغير أبي علي يرويه:
وهل يطاق مذكّ ... فيسلم من الضرورة
وأنشد أبو علي " 1 - 24، 23 ":
ولم أر هالكاً كبني صريم ... تلفّهم التهائم والنجود
ع بنو صريم وفيه:
وأكثر ناشئا مخراق حرب
مخراق صفة لناشئ وأنشد أبو علي " 1 - 24، 23 ":
أبت الروادف والثديّ لقمصها.
قال المؤلف: لا أعلم أحداً نسب هذا الشعر وقوله:
أبني حريث قد رأيت ظباءكم ... يبدين من خلل الستور بدورا
بحواجب وبأعين مكحولة ... وإذا ابتسمن فلؤلؤاً منثورا
أبت الروادف والثديّ لقمصها ... مسّ البطون وأن تمسّ ظهورا
فإذا الرياح مع العشيّ تناوحت ... نبهّن حاسدة وهجن غيورا
قوله فلؤلؤاً منثوراً، منصوب بفعل مضمر دلّ عليه ما قبله وهو يبدين كأنه قال: وإذا ابتسمن فلؤلؤاً يبدين. ومثل قوله: أبت الروادف والثديّ لقمصها قول الأعرابية في صفة بنتها: لا يمسّ قميصها منها إلاّ حلمتي ثدييها ورانفتي أليتيها. وقال جميل في معناه:
(1/107)

إذا ضربتها الريح في المرط أجفلت ... مآكمها والريح في المرط أفضح
ترى الزلّ يلعنّ الرياح إذا جرت ... وبثنة إن هبت الريح تفرح
ومثله للحسين بن مطير:
من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت ... بها مرطها أو زايل الحلى جيدها
وأنشد أبو علي " 1 - 24، 23 ":
وكنت مجاوراً لبني سعيد
ع قد رأيت هذا الشعر منسوباً إلى بعض أسد. وأحسبه يعني ببني سعيد آل سعيد بن العاص الأمويين. وكالبيت الآخر قول ابن همّام:
إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنوا ... ولكنّ حسن القول خالفه الفعل
وقال أبو تمام:
وأقلّ الأشياء محصول نفع ... صحّة القول والفعال مريض
وقال أيضاً:
ملقي الرجاء وملقي الرحل في نفر ... الجود عندهمو قول بلا عمل
وقال أبو الطيّب:
أرى أناساً ومحصولي على غنم ... وذكر جود ومحصولي على الكلم
وقال أيضاً:
جود الرجال من الأيدي وجودهمو ... من اللسان فلا كانوا ولا الجود
وأنشد أبو علي " 1 - 24، 23 " للأجدع الهمدانيّ:
وسألتني بركائبي ورجالها
(1/108)

ع الأجدع بن مالك جاهلي إسلاميّ وفد على عمر بن الخطّاب فقال: من أنت؟ قال: أنا الأجدع بن مالك بن أمية الهمدانيّ. فقال: أنت عبد الرحمن بن مالك وهو فارس شاعر قال: وعني بني الحارث وكانت امرأته منهم فأصاب فيهم وقتل من بني الحصيرة أربعة نفر فقالت له امرأته أين الإبل والغنم فقال:
أسألتني بنجائب ورحالها ... ونسيت قتل فوارس الأرباع
وبني الحصين ألم يرعك نعيّهم ... أهل اللواء وسادة المرباع
تلك الرزية لا قلائص أسلمت ... برحالها مشدودة الأنساع
يقول فيها:
خيلان من قومي ومن أعدائهم ... خفضوا أسنّتهم فكلّ ناع
خفضوا الأسنّة بينهم فتواسقوا ... يمشون في حلل من الأدراع
والخيل تنزو في الأعنّة بيننا ... نزو الظباء تحوّشت بالقاع
وكأنّ صرعاها كعاب مقامر ... ضربت على شزن فهنّ شواع
هكذا صحّة إنشاده أسألتني بركاب أو بنجائب ورحالها لا بركائبي كما أنشده أبو علي
(1/109)

لأنها إنما سألته عن إبل القوم ونجائبهم وما غنم لهم لا عن ركائب المسؤل، وصحة إنشاده أيضاً، أسألتني بالهمزة لا بالواو وهو أوّل الشعر يريد خفضوا أسنّتهم كما قال القتّال الكلابي:
نشدت زياداً والسفاهة كاسمها ... وذكرته أرحام سعر وهيثم
فلما رأيت أنه غير منته ... أملت له كفّي بلدن مقوّم
وقال الجعدي:
فلم نوقّف مشيلين الرماح ولم ... نوجد عواوير يوم الروع عزّالا
أي لم نرفعها ولكن خفضناها للطعان. قال ابن الكلبي في نسب بني الحارث بن كعب: ومنهم الحصين ذو الغصّة ابن يزيد بن شدّاد بن قنان رأس بني الحارث مائة سنة وكان يقال لبنيه فوارس الأرباع والأرباع أرض قتلهم بها همدان ولهم يقول الأجدع الهمداني:
ونسيت قتل فوارس الأرباع

ذكر أبو علي " 1 - 24، 23 "
حديث ذي فائش
وسؤاله لعلبة إلى آخره
ع ذو فائش مأخوذ من المفايشة وهي المفاخرة؛ وعلبة هذا هو علبة بن ربيعة بن عبد يغوث بن صلاءة الحارثي. وعبد يغوث هو الشاعر أسير يوم الكلاب وعلبة شاعر وابنه جعفر بن علبة شاعر، وعمّر علبة إلى أول دولة بني هاشم. وفي الخبر إذا شبهّت
(1/110)

الأعجاز بالحوارك معناه إذا لم يهتدوا للفرق بين أعجازها وحواركها دهشاً كما قال الشاعر:
يجعل الخيل كالسفين ويوفي ... عادياً فوق طرفه المشكول
يريد أن لجام السفينة السكّان وهو في مؤخرها، فهذا لجبنه وخوره يمضي باللجام إلى عجز ذنب فرسه. وقوله فوق طرفه المشكول، لأن الجبان أيضاً ربما ركب الفرس بشكاله من الذعر، وقال جرير:
لو قيل أين هواديها لما علموا ... قالوا لأعجازها هذي هواديها
وقيل: إن ذلك من الدهش والذعر، وقيل بل وصفهم بالجهل وأنهم ليسوا أصحاب خيل وهو الصحيح.
وأنشد أبو علي " 1 - 25، 24 " لمهلهل:
فلو نبش المقابر عن كليب
ع مهلهل اسمه امرؤ القيس بن ربيعة بن الحارث من بني تغلب بن وائل وقيل اسمه عديّ، والشاهد لذلك قوله:
ضربت صدرها إليّ وقالت ... يا عديّاً لقد وقتك الأواقي
ومن قال: إن اسمه امرؤ القيس يروي هذا البيت:
ضربت صدرها إليّ وقالت ... يا امرأ القيس حان وقت الفراق
(1/111)

" أ " ويقول: إن هذا إنما هو أخوه ويكنى أبا ربيعة وإنما لقّب مهلهلاً لأنه أول من هلهل الشعر أي رقّقه. وقال الطوسي: سمي مهلهلاً ببيت قاله لزهير بن جناب وهو:
لمّا توعّر في الكراع هجينهم ... هلهلت أثأر جابراً أو صنبلا
شاعر جاهلي، وهذا الشعر يقوله لّما أدرك بثأر أخيه كليب، واسم كليب وائل وكنيته أبو الماجدة، وإنما لّقب كليباً بالجرو الذي اتّخذه، قال مهلهل:
فلو نبش المقابر عن كليب ... فيخبر بالذنائب أيّ زير
بيوم الشعثمين لقرّ عيناً ... وكيف إياب من تحت القبور
بأني قد تركت بواردات ... بجيرا في دم مثل العبير
وهمّام بن مرّة قد تركنا ... عليه القشعمان من النسور
وهي كلمة طويلة. الشعثمان شعثم وشعيث ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة
(1/112)

واسم شعثم حارثة عن ابن السكّيت.
وأنشد أبو علي " 1 - 26، 25 ":
ينبي تجاليدي وأقتادها ... ناو كرأس الفدن المؤيد
قال المؤلف: هذا الشعر للمثقّب العبدي واسمه عائد بن محصن بن ثعلبة يكنى أبا عديّ، وإنما لقب المثقب لقوله:
ظهرن بكلّة وسدلن رقماً ... وثقبّن الوصاوص للعيون
وهو شاعر جاهليّ وقد نسب قاسم بن ثابت هذا البيت إلى رجل من الأزد أحد بني عوذ بن سود وهو وهم، وصلة البيت:
حتى تلوفيت بكليّة ... معجمة الحارك والمحفد
تعطيك مشياً حسناً مرّة ... جذبك بالمرود والمحصد
(1/113)

ينبي تجاليدي وأقتادها ... ناو كرأس الفدن المؤيد
ويروى تامكة الحارك. ولكّيّة من لكائك اللحم وهو شرائحه. والمرود ما ترودها به أي تصرفها. والفدن القصر. والمؤيد الموثّق المشدّد المشيّد. وناو سمين من النّيّ وهو الشحم ويروى ناق من النقي، ويروى ناب من الارتفاع. والفدن القصر شبّه به هذا السنام لعظمه.
وأنشد أبو علي " 1 - 26، 25 " للأسود بن يعفر:
إما تريني قد بليت وشفّني
ع هو الأسود بن يعفر بن عبد الأسود جاهليّ من بني نهشل بن دارم يكنى أبا الجراح كذلك نقل ابن دريد ورأيت لغيره أنه يكنى أبا نهشل، وقد يكون للرجل منهم كنيتان وكان أعمى ولذلك قال في هذا الشعر:
ومن الحوادث لا أبالك أنني ... ضربت عليّ الأرض بالأسداد
لا أهتدي فيها لموضع تلعة ... بين العراق وبين أرض مراد
قال فيها يخاطب امرأته:
إما تريني قد بليت وغاضني ... ما نيل من بصري ومن أجلادي
وعصيت أصحاب الصبابة والصبا ... وأطعت عاذلتي ولان قيادي
فلقد أروح على التجار مرجّلاً ... مذلاً بمالي ليناً أجيادي
هكذا رواه الأخفش، غاضني أي نقصني ومنه قول الله تعالى: " وما تغيض الأرحام وما تزداد " وقوله مذلاً بمالي، أي قلقاً بمالي حتى أنفقه. وقوله ليّناً أجيادي يريد لم أكبر
(1/114)

أنا شابّ وقال أجيادي وإنما له جيد لأنه جمعه وما حوله كما يقال شابت مفارقه وإنما له مفرق واحد.
وأنشد أبو علي " 1 - 26، 25 ":
هجوم عليها نفسه غير أنّه
ع هذا الشاعر يصف بيض نعام. قال الجرميّ هو ذو الرمّة وليس هذا الشعر في ديوانه وقبل البيت:
وبيض رفعنا بالضحى عن متونها ... سماوة جون كالخباء المقوّض
هجوم عليها نفسه غير أنه ... متى يرم في عينيه بالشبح ينهض
سماوة جون يعني الظليم شبّهه بالخباء المقوّض. وهجوم عليها نفسه، أي ملق فإذا رأى شخص إنسان نهض ونبذها. وأنشد سيبويه هذا البيت على إعمال فعول.
وأنشد أبو علي " 1 - 26، 25 " لساعدة:
موكّل بشدوف الصوم ينظرها
ع ساعدة بن جؤيّة من تميم بن سعد بن هذيل جاهلي إسلاميّ. الجؤوة لون مثل الصدأة والجؤوة أيضاً رقعة في المزادة، وقبل البيت الذي أنشده أبو علي:
تالله يبقى على الأيام ذو حيد ... أدفا صلود من الأوعال ذو خدم
يأوي إلى مشمخرّات مصعّدة ... شمّ بهن فروع القان والنشم
موكّل بشدوف الصوم ينظرها ... من المخاوف مخطوف الحشا زرم
حتى أتيح له رام بمحدلة جشء وبيض نواحيهن كالينم
(1/115)

ذو حيد أي في قرونه حيود. والأدفأ الذي في قرنه دفأ وهو كالحدب وهو أن ينحني إلى ظهره. والصلود الذي يسمع لقوائمه صوت على الصخرة ومن ثم قيل حجارة صلاّدة أي تسمع لها صوتاً. والقان والنشم شجرتان يتخذ منهما القياس. ويروي من المغارب وكل مكان يتوارى فيه ويستتر فهو مغرب والجمع مغارب. وقوله مخطوف الحشا زرم يقال زرم يزرم زرماً وأزرمه غيره وهو أن يقطع عليه البول والحاجة والأمر كلّه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " وقد أرادوا حمل الحسين بن عليّ من حجره وقد أخذ في البول: لا تزرموا ابني وقد فسّر الزرم في البيت الذي لا يتسقرّ في مكان. والمحدلة القوس التي غمز طائعاها حتى اطمأنّا من قولك رجل أحدل وهو أن يرتفع أحد منكبيه ويطمئنّ الآخر. والجشء القضيب الخفيف. والبيض السهام. والينم شجر له ورق كورق الخلاف.
وأنشد أبو علي " 1 - 26، 25 " للعجّاج:
صلب القناة سلهب القوميّة
قبل هذا الشطر:
إما تريني اليوم ذا رذيّة
فقد أروح غير ذي رثيّة ... صلب القناة سلهب القوميّة
أرى الرجال تحت منكبيّه ... لا أتشكّى رضف ركبتيّه
الرذيّة من الإبل العي الملقى لإعيائه. والرثيّة وجع المفاصل ويقال بالتخفيف والرضفة الفلكة المنطبقة على رأس الركبة وهي أيضاً الداغصة.
أنشد أبو علي " 1 - 26، 25 " للأعشى:
وإن معاوية الأكرمين ... حسان الوجوه طوال الأمم
ع قد مضى ذكر الأعشى وبعد البيت:
متى تدعهم للقاء الحرو ... ب تأتك خيل لهم غير جمّ
(1/116)

وأما إذا ركبوا فالوجو ... هـ في الروع من صدإ البيض حمّ
معاوية قبيلة من كندة. وقوله غير جمّ الأجمّ من الرجال الذي لا رمح معه. قال الشاعر:
ألم تعلم لحاك الله أني ... أجمّ إذا لقيت ذوي السلاح
فإذا لم يكن " معه " عصاً فهو باهل.
وأنشد أبو علي " 1 - 27، 26 " لذي الرمّة:
حتى كأن رياض القفّ ألبسها
ع قد مضى ذكر ذي الرمّة وصلة هذا البيت قال وذكر حماراً وأتناً:
تستنّ أعداء قريان تسنّمها ... غرّ الغمام ومرتجّاته السود
حتى كأن رياض القفّ ألبسها ... من وشى عبقر تجليل وتنجيد
الأعداء: النواحي. وقريان جمع قرىّ وهي مجاري الماء إلى الرياض من أشراف الأرض. والمرتجّ: السحاب الذي له رجّة بالرعد. واستنان الحمر حركتها ذاهبة وجائية في هذه المواضع. والقفّ ما ارتفع من الأرض. شبّه الزهر به بوشي عبقري في اختلاف ألوانه.
وأنشد أبو علي " 1 - 27، 26 " للنابغة:
يظل من خوفه الملاّح معتصما
ع قد مضى ذكر النابغة وصلة البيت قال يمدح النعمان:
فما الفرات إذا جاشت غواربه ... ترمي أواذيّه العبرين بالزبد
يمدّه كل واد مزبد لجب ... فيه حطام من الينبوت والحصد
يظلّ من خوفه الملاّح معتصماً ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد
يوماً بأجود منه سيب نافلة ... ولا يحول عطاء اليوم دون غد
وروى الأصمعي. إذا مدّت حوالبه، يعني أوديته التي تمدّه تزيد فيه. وأواذيّه: أمواجه واحدها آذيّ. وغواربه أعاليه ومتونه أخذ من غارب البعير وهو ما انحدر من سنامه إلى
(1/117)

عنقه، ويروى: كل واد مترع لجب. واللجب: الشديد الصوت ومنه جيش لجب. وروى أن صفيّة بنت عبد المطلب ضربت الزبير وهو غلام فعوقبت في ذلك فقالت:
من قال لي أبغضه فقد كذب ... لكنّني أضربه لكي يلبّ
ويهزم الجيش كميّاً ذا اللجب
والينبوت والحصد نبتان، ويروى الخضد بالضاد والخاء معجمتين وهو ما تكسّر من الشجر وتخضّد. والخيزرانة هنا السكّان، وقال أبو عمرو: الخيزرانة هنا المرديّ، وروى أبو عبيدة بالخيسفوجة وهي الشراع. والسيب: العطاء. والنافلة: الفضل، وروى أبو عبيدة بأجود منه سيب فاضلة. يقول: إذا أعطاك اليوم لم يمنعه ذلك من إعطائك غداً.
وأنشد أبو علي " 1 - 27، 26 " لأبي زبيد:
صادياً يستغيث غير مغاث
ع أبو زبيد اسمه حرملة بن المنذر بن معد يكرب الطائي شاعر جاهلي إسلامي،
(1/118)

وكان نصرانياً وزعم الطبري أنه مات مسلماً واحتج في ذلك برثائه لعثمان ولعلي ولأن الوليد بن عقبة أوصى بأن يدفن معه وكان نديمه. قال أبو زبيد من قصيدة يرثى بها اللّجلاج ابن اخته وكان من أحبّ الناس إليه فقتل:
غير أن اللجلاج هدّ جناحي ... يوم فارقته بأعلى الصعيد
عن يمين الطريق عند صدى حرّ ... أن يدعو بالويل غير معود
صادياً يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود
عند صدى يعني الهامة التي كانوا يزعمون. والعصرة والعصر الحرز والملجأ. ومن غريب ما اتفق في أمر هذا الصدى ما رواه أبو عبيدة من أن ليلى الأخيلية وهي ليلى بنت عبد الله بن كعب، وكان جدّها عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة يلقب الأخيل، فمرّت مع زوجها في بعض نجعهم بالموضع الذي فيه قبر توبة بن الحميّر وكانت مزوّجة في بني الأذلغ بن عباد بن عقيل، فقال لها زوجها لا بدّ أن أعوج بك إلى قبر توبة
(1/119)

بن الحميّر كي تسلّمي عليه حتى أرى هل يجيبك صداه كما زعم حيث يقول:
ولو أن ليلى الأخيليّة سلّمت ... عليّ ودوني تربة وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أوزقاً ... إليها صدى من جانب القبر صائح
فقالت وما تريد من رمّة وأحجار. فقال: لابدّ من ذلك، فعدل بها عن الطريق إلى القبر وذلك في يوم قائظ، فلما دنت راحلتها من القبر ورفعت صوتها بالسلام عليه إذا بطائر قد استظلّ بحجارة القبر من فيح الهاجرة فطار فنفّر راحلتها فوقصت بها فماتت. فكان ذلك ما ذكر من الصدى الذي يزقو إليها من جانب القبر. وتوبة بن الحميّر بن حزن الخفاجي وخفاجة هو ابن عمرو بن عقيل شاعر جاهلي " كذا والصواب إسلاميّ " وأنشد أبو علي " 1 - 27، 26 " لعبدة بن الطبيب:
عيهمة ينتحي في الأرض منسمها
ع قد مضى ذكر عبدة. قال يصف ناقة:
رعشاء تنهض بالذفري مواكبة ... في مرفقيها عن الدفيّن تفتيل
عيهمة ينتحي في الأرض منسمها ... كما انتحى في أديم الصرف إزميل
ترى الحصا مشفتراًّ عن مناسمها ... كما تلجلج بالوغل الغربيل
الرعشاء التي تهتز في سيرها لنشاطها وحدّتها. تنهض بالذفرى يريد أنها سامية الطرف. والذفرى: العظم خلف الأذن. ومواكبة " لا " تأخّر " عن " المواكب. ثم قال: إنها مفرجة لا يلحق مرفقها جنبها لأن ذلك عيب يكون منه الحازّ والضاغط. والعيهمة الشديدة
(1/120)

التامّة الخلق. والمنسم: طرف الخفّ. والصرف صبغ أحمر تصبغ به الجلود، قال سلمة بن الخرشب:
كميت غير محلفة ولكن ... كلون الصرف علّ به الأديم
معنى قوله غير محلفة أن المحلف من الخيل الكميت الأحمّ والأحوى لأنهما متدانيان في اللون حتى يشكّ فيهما فيحلف هذا أنه كميت أحمّ ويحلف هذا أنه أحوى. فيقول هذا الشاعر فرسي ليست من هذين اللونين ولكن هي خالصة اللون كلون الصرف أحمر صاف والعرب تقول " حضار والوزن محلفان " وهما نجمان يشبهان سهيلاً فإذا طلع أحدهما تحالف الرجلان أحدهما يحلف أنه سهيل ويحلف الآخر أنه ليس بسهيل. وزعم ابن عاصم في كتابه في الأنواء أن هذين النجمين يبدوان من كورة ريّة بالأندلس.
قال أبو علي " 1 - 28، 27 " عن ابن الكلبي قال لي أعرابي: ما معنى قول الله تعالى؟ " أإنّا لمردودون في الحافرة " إلى آخر ما أورده في ذلك.
قال المؤلف: التفسير الذي ذكره في الحافرة هو قول أكثر الناس، يقال رجع فلان على حافرته إذا رجع في الطريق الذي أخذ فيه، ورجع الشيخ على حافرته إذا خرف كأنه رجع إلى حال الطفولة، وقال مجاهد: الحافرة في الآية الأرض المحفورة كما قال عز وجل:
(1/121)

" من ماء دافق " وهو مدفوق وتكون في على هذا بمعنى من كأنه قال: أنبعث من قبورنا بعد البلى، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم عظاماً ناخرة، وعلى هذه القراءة يصح التفسير الذي ذكره أبو علي. فأما من قرأ نخرة وهي قراءة الباقين فمعناه بالية، وقد قيل في ناخرة أيضاً بالية يقال نخر العظم ينخر نخراً إذا بلى وهو عظم نخر وناخر وكذلك العود.
وأنشد أبو علي " 1 - 28، 27 ":
أحافرة على صلع وشيب ... معاذ الله من سفه وعار
والأعرابيّ الذي سأل ابن الكلبيّ هو رجل من همدان من بني مرهبة والذي يقول:
أقدم أخانهم على الأساوره
همدانيّ أيضاً. ونهم اسم صنم كان في الجاهلية وبه سميّ عبد نهم اسم رجل وهو أبو بطن من بني تميم منهم هذا الذي خاطبه الراجز وهو عبد نهم بن جشم بن عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم وهو رهط عبدة بن الطبيب. وقال ابن حبيب أخبرني أبو عبيدة قال: تميم كلها كانت تسمّى في الجاهلية عبد نهم ونهم صنم كانوا يعبدونه وقوله:
ولا تهولنك رجل نادرة
(1/122)

كان أحدهم قد ضربت رجله فندرت، أي بانت. وقوله:
فإنما قصرك ترب الساهرة
أي قصارك. وقال سيف بن عمر في حروب القادسيّة: كان في بعض تلك الأيام عشرة إخوة من بني كاهل بن أسد يقال لهم بنو حرب فجعل أحدهم يرتجز ويقول:
أنا ابن حرب ومعي مخراق ... أضربهم بصارم رقراق
إذ كره الموت أبو إسحاق ... وجاشت النفس على التراق
صبراً عفاق إنّه الفراق
يعني بأبي إسحاق سعد ابن أبي وقاص، ويعني بقوله عفاق أحد إخوته فأصيبت رجل هذا المرتجز يومئذ فأنشأ يقول:
صبراً عفاق إنها الأساوره ... صبراً ولا تذعرك رجل نادره
فإنما قصرك ترب الساهره ... حتى تعود بعدها في الحافرة
قال ابن الكلبي في أنساب همدان: ومنهم الحارث بن سميّ بن رؤاس بن دألان بن صعب بن الحارث بن مرهبة شهد القادسية وهو الذي يقول:
(1/123)

أقدم أخانهم على الأساوره ... ولا تهالنّ لروس نادره
فإنما قصرك ترب الساهره ... ثم تعود بعدها في الحافره
من بعد ما كنت عظاماً ناخره
وقال الهمداني: إن هذه الأشطار للحارث بن سميّ بن رؤاس الهمداني، وقد سأل الهمدانيّ أيضاً ابن الكلبي عن قوله تعالى: " فإذا هم بالساهرة " فقال: الساهرة الأرض التي لم توطأ هذا قول ابن الكلبي، وروى عن ابن عباس أنها الأرض المستوية وهي التي قال الله سبحانه فيها: " يوم تبدّل الأرض غير الأرض " وقال أبو عبيدة: هي الأرض كأنها سمّيت بهذا لأن فيها سهر الحيوان ونومهم، وهذا القول غير مخلّص وإنما سمّيت بذلك لأن عملها في النبات بالليل كعملها فيه بالنهار، والدليل على أن الساهرة الأرض قول أميّة ابن أبي الصلت يصف الجنّة:
وفيها لحم ساهرة وبحر ... وما فاهوا به لهمو مقيم
والأساورة واحدها إسوار: وهو الفارس من العجم ومعناه ذو الفرس أو عالي الفرس وقيل إنهم قوّاد الفرس. قالت الخنساء:
مثل الردينيّ لم تدنس شبيبته ... كأنه تحت طيّ البرد إسوار
ويقال أسوار بالضمّ.
(1/124)

وأنشد أبو علي " 1 - 28، 27 ":
يعصب فاه الريق أيّ عصب
ع وعصب الريق يكون من الجبن في مواطن الحرب ومن الحصر والعيّ في مواطن الجدال، قال الأعشى:
وإذا ما الأكسّ شبّه بالأر ... وق عند الهيجا وقلّ البصاق
ركبت منهم إلى الروع خيل ... غير ميل إذ يخطأ الأنفاق
الأكسّ: القصير الأسنان، والأورق: الطويل الأسنان يعني أنه يكلح فيظهر أسنانه كما قال الراجز:
إذا العوالي أخرجت أقصى الفم
وقال عامر بن معشر بن أسحم العبدي:
فداء خالتي لبني حيّ ... خصوصاً يوم كسّ القوم روق
وقال عبد الله بن سبرة الحرشي:
(1/125)

وكنّا فوراس يوم الهرير ... إذ مال سرجك فاستقدما
عطفنا وراءك أفراسنا ... وقد أسلم الشفتان الفما
وقال خداش بن زهير:
ويوم تخرج الأضراس فيه ... لأبطال الكماة به أوام
وهو معنى قول عنترة:
والخيل ساهمة الوجوه كأنما ... تسقى فوارسها نقيع الحنظل
وقلّة الريق مذمومة في الرجال والنساء، قال رؤبة يصف نفسه بربط الجأش وكثرة الريق:
عمداً أذرّي حسبي أن يشتما ... لا ظالم الناس ولا مظلّما
ولم أزل عن عرض قومي مرجما ... بهدر هدّار يمجّ البلغما
وقال آخر:
إني إذا ما زبّب الأشداق ... وكثر الضجاج واللقلاق
ثبت الجنان مرجم ودّاق
يقال زبّ وزبّب إذا اجتمع الريق في صماغيه عند الخصومة وكثرة الكلام ومنه خبر صعصعة بن صوحان أنّه كان في مجلس فتكلّم وأطال فقال له بعض القرشيين: جهدت نفسك أبا عمر حتى عرقت وزبّب صماغاك. فقال له صعصعة: إن العتاق لنضّاخة بالماء. والصماغان
(1/126)

ملتقى الشفتين عن يمين وشمال، وفي الحديث نظّفوا الصماغين لأنهما موضعا الملكين. وقالت بنت جرير: كنت أنشد أبي يزبّب شدقاي. وقال ابن أحمر:
هذا الثناء وأجدر أن أصاحبه ... وقد يدوّم ريق الطامع الأمل
وقال طرفة يصف امرأة:
وإذا تضحك تبدي حبباً ... كرضاب المسك بالماء الخصر
أراد حبباً من ريقها أي طرائق يقول ليس فوها بقليل الريق عاصب وإذا كان الفم لا ريق له كان خبيثاً. ورضاب المسك قطعه. وقال سويد ابن أبي كاهل:
حرّة تجلو شتيتاً واضحاً ... كشعاع الشمس في الغيم سطع
أبيض اللون لذيذاً طعمه ... طيّب الريق إذا الريق خدع
قال الأصمعي: خدع أي نقص وإذا نقص خثر وإذا خثر أنتن ومن ثمّ يخلف فم الصائم، وفي الحديث: إن قبل الدجال سنين خدّاعة أي ناقصة الزكاة ويقال للفرس إذا هرم ونقص حضره كان جواداً فخدع. وقال أبو زبيد:
إذا اللثى رقأت بعد الكرى وذوت ... وأحدث الريق بالأفواه عيّابا
جادت مناصبه شفّان غادية ... بسكرّ ورحيق شيب فانشابا
رقأت: أي ذهب ريقها وانقطع من رقوء الدم. وأحدث الريق: أي عدم الريق وهذا مثل قوله:
وأهلك مهر أبيك الدواء
(1/127)

أي عدمه. ومناصبه: أصول الأسنان، يقول هي كثيرة الريق في ذلك الوقت حتى كأن سحابة غادية جادته ببرد شيب بسكّر ورحيق. والجباب للإبل كالزبد للبقر والغنم.
وأنشد أبو علي " 1 - 28، 27 " للحطئة:
تفادي كماة الخيل من وقع رمحه
وأول الشعر:
إلاّ يكن مال يثاب فإنه ... سيأتي ثنائي زيداً ابن مهلهل
فما نلتنا غدراً ولكن صبحتنا ... غداة التقينا بالمضيق بأخيل
تفادي كماة الخيل من وقع رمحه ... تفادي خشاش الطير من وقع أجدل
يقوله لزيد الخيل بن مهلهل الطائي وقد مضى ذكره " ص 15 " وكان أسره فمنّ عليه. وقوله بأخيل: أي بشؤم والشقرّاق يدعى الأخيل وهو يشّاءم به، ويروى بأخيل جماعة خيل ومثل قوله: تفادي كماة الخيل قول ذي الرمّة:
من أل أبي موسى ترى القوم حوله ... كأنهم الكروان أبصرن بازيا
وأنشد أبو علي " 1 - 29، 28 " لأبي زبيد:
لها صواهل في صمّ السلام كما
ع قبل البيتين مما يتمّ به الكلام وينكشف المعنى:
يا بؤس للأرض ما غالت غوائلها ... من حكم عدل وجود غير مكفوف
على جنابيه من مظلومة قيم ... تعاورتها مساح كالمناسيف
لها صواهل في صمّ السلام كما ... صاح القسيّات في أيدي الصياريف
كأنهن بأيدي القوم في كبد ... طير تكشّف عن جون مزاحيف
(1/128)

يا ليت من سار بالأنباء كان له ... دون المنيّة ستر غير مكشوف
قوله من مظلومة يريد أنه حفر له بقفر وفي غير موضع حفر. قال الشاعر:
ألا لله ما مردي حروب ... حواه بين حضنيه الظليم
يعني رجلاً قتل فحفر له ودفن في غير موضع دفن. وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه. والقيم جمع قامة. والمناسيف جمع منسف، وهو الذي ينسف به الطعام. ويروى لها صلاصل. والقسيّ: الزائف من الدراهم سميّ بذلك لقسوته وصلابته وشدته من قولك: قسا يقسو. وقوله في كبد: أي في مشقّة وشدّة، وكذلك فسّره أبو عبيدة في قوله سبحانه: " لقد خلقنا الإنسان في كبد " وقال غيره الكبد اعتدال القامة، ويحتمل البيت أيضاً هذا التفسير الثاني. والمزاحيف المعيية: يعني إبلاً جوفا معيية فالطير تقع على ما دبر منها. وقوله: ستراً غير مكشوف يعني العمى.
وأنشد أبو علي " 1 - 29، 28 " للعلاء بن حذيفة الغنوي أبياتاً فيها:
وماذا عليكم أن أطاف بأرضكم ... مطالب دين أو نفته حروب
ع هذا العطف محمول على المعنى كأنه قال أطاف بأرضكم رجل طلب ديناً أو نفته حروب كما قال أبو الحسن الأخفش في قول الله تعالى: " أو كالذي مرّ على قرية " أنه محمول على المعنى لأن معنى قوله: " ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه " أرأيت كالذي حاجّ إبراهيم أو كالذي مرّ على قرية. ويروى أو بقته حروب.
وأنشد أبو علي " 1 - 29، 28 ":
(1/129)

لعمري لئن كنتم على النّأي والغنى ... بكم مثل ما بي إنكم لصديق
ع وفيها:
فما ذقت طعم النوم منذ هجرتكم ... ولا ساغ لي بين الجوانح ريق
هكذا رواه أبو علي " وما يجمع بين الأروى والنعام " كيف يقرّ على نفسه بالهجران وهو يدّعي من شدّة الوجد وزفرات الحبّ ما يدّعيه والرواية الصحيحة:
فما ذقت طعم النوم منذ نأيتم
ألا تراه يقول:
لئن كنتم على النأي والغنى
فأعلمك أنهم متباعدون غائبون والهجر إنما يكون بين المتدانيين لا بين المتباينين وفيها:
إذا زفرات الحبّ صعّدن في الحشا ... كررن فلم يعلم لهن طريق
شأن المتحيّر الضالّ الذي لا يتوجّه لسبيل ولا يهتدي لمقصد المضيّ في طريقه والرجوع والإقبال والإدبار، فلما كانت زفراته متواصلة لا تنفد ومصعدة كارّة تردّد شبّهها بمن حار عن سننه فلم يعلم طريقاً ولا علم له فيهتدي إليه: وأنشد أبو علي " 1 - 29، 28 " للهذليّ:
لا يسلمون قريحاً حلّ وسطهم ... يوم اللقاء ولا يشوون من قرحوا
ع البيت للمتنخّل واسمه مالك بن عمرو وقيل عويمر بن غنم من بني لحيان بن هذيل وقبل البيت:
لكن كبير بن هند يوم ذلكمو ... فتخ الشمائل في أيمانهم روح
تعلو السيوف بأيديهم جماجمهم ... كما يفلّق مرو الأمعز الصرح
(1/130)

لا يسلمون قريحاً. البيت وقوله فتخ الشمائل. أي هم باسطوها للرمي. والفتخ: لين في المفاصل. وفي أيمانهم روح: أي هم يضربون ضرباً يميل الكفّ من الروح الذي هو الفحج. وزعموا أن عمر بن الخطاب رحمه الله كان أروح. والأمعز: المكان الغليظ الكثير الحصى. والصرح الخالص. ولا يشوون من قرحوا: يقال أشواه إذا لم يصب مقتله، وشواه إذا أصاب منه المقتل، والشوى: القوائم.
أنشد أبو علي " 1 - 30، 29 " لعشرقة المحاربيّة:
ما لبس العشّاق من حلل الهوى ... ولا خلعوا إلا الثياب التي أبلى
قال المؤلف: هي أربعة أبيات أولها:
جريت مع العشّاق في حلبة الهوى ... ففتّهم سبقاً وجئت على رسلي
تسربلت ثوب الحبّ مذ أنا يافع ... ومتّعت منه بالصدود وبالوصل
وما لبس العشّاق من حلل الهوى ... ولا خلعوا إلاّ الثياب التي أبلى
ولا شربوا كأساً من الخمر مرّة ... ولا حلوة إلاّ وشربهمو فضلي
ويروى:
وما لبس العشاق ثوباً من الهوى
أنشد أبو علي " 1 - 30، 29 " للقطاميّ:
إلى حيزبون توقد النار بعد ما
ع اسم القطامي عمير بن شييم بن عمرو من بني تغلب، لقّب القطاميّ لقوله:
(1/131)

يصكّهن جانباً فجانباً ... صكّ القطاميّ القطا القواربا
وكان نصرانياً وهو شاعر إسلامي يكنى أبا سعيد، وهو أول من لقب صريع الغواني لقوله يعني نفسه:
لمستهلك قد كان من شدّة الهوى ... يموت ومن طول العدات الكواذب
صريع غوان راقهنّ ورقنه ... لدن شبّ حتى شاب سود الذوائب
وصلة الشاهد:
سأخبرك الأنباء عن أم منزل ... تضيّفتها بين العذيب فراسب
تعمّمت في طلّ وريح تلفّني ... وفي طرمساء غير ذات كواكب
إلى حيزبون توقد النار بعد ما ... تلّفعت الظلماء من كل جانب
فسلّمت والتسليم ليس يسوءها ... ولكنه حق على كل جانب
يهجو بهذا الشعر امرأة من محارب نزل بها فلم تقره. وأراد بالحيزبون العجوز التي لا خير عندها. والطرمساء والطلمساء: الليلة الظلماء.
وأنشد أبو علي " 1 - 30، 29 ":
لقد علمت سمراء أن حديثها
ع هذا الشعر لعمرو بن حكيم بن معيّة التميميّ من ربيعة الجوع شاعر إسلامي
(1/132)

وأول الأبيات:
خليليّ أمسى حبّ سمراء ممرضي ... ففي القلب مني وقدة وصدوع
ولو جاورتنا العام سمراء لم نبل ... على جدبنا أن لا يصوب ربيع
لقد علمت سمراء أن حديثها ... نجيع كما ماء السماء نجيع
ثم البيتان بعده. وقوله هفت كبد: أي خفّت فطاشت كما تهفو الريح بالشيء. وقد أنشد أبو علي هذه الأبيات في آخر كتابه للضحّاك بن عمارة وقد روى أيضاً بعضها لقيس بن ذريح. قال أحمد بن يحيى قال قيس بن ذريح:
مضى زمن والناس يستشفعون بي ... فهل لي إلى لبنى الغداة شفيع
ندمت على ما كان منّي ندامة ... كما يندم المغبون حين يبيع
فقدتك من نفس شعاع ألم أكن ... نهيتك عن هذا وأنت جميع
فقرّبت لي غير القريب وأشرفت ... هناك ثنايا ما لهنّ طلوع
فيا حجرات الحيّ حيث تحمّلوا ... بذي سلم لا جادكنّ ربيع
فلو لم يهجني الظاعنون لهاجني ... حمائم ورق في الديار وقوع
تداعين فاستبكين من كان ذا هوى ... نوائح ما تجري لهن دموع
إذا أمرتني العاذلات بهجرها ... أبت كبد من قولهن صديع
(1/133)

وكيف أطيع العاذلات وحبّها ... يؤرّقني والعاذلات هجوع
أنشد أبو علي " 1 - 30، 29 " لإبراهيم بن المدبّر:
ما دمية من مرمر صوّرت ... أو ظبية في خمر عاطف
ع هو إبراهيم بن محمد بن المدبّر، وكان يزعم أنه من بني ضبّة من أنفسهم، وقد زعموا أنهم من الفرس ولذلك قال الشاعر في مديحهم وهو أبو شارعة أحمد بن محمد:
لبني المدبّر إرث مكرمة ... تفترّ عنها العرب والعجم
قوم أنور شروان والدهم ... كسرى وسابور لهم عمّ
هو أنوشروان بن قباد بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام بن هرمز بن سابور الأكبر ابن أردشير، فسابور هذا جدّ أنوشروان وإنّما يعني ابن شراعة سابور ذا الأكتاف وهو سابور بن هرمز بن سابور الأكبر وهو عمّ جدّ أنوشروان. ويكنى إبراهيم أبا إسحاق، وهو شاعر حسن الشعر كثيره، وكذلك أخوه أحمد بن محمد بن المدبّر. ويكنى أحمد أبا الحسن ووزر إبراهيم للمعتمد.
وأنشد أبو علي " 1 - 30، 29 ":
الله يعلم والدنيا مفرّقة ... والعيش منتقل والدهر ذو دول
وأنشد أبو علي " 1 - 31، 30 ":
أعليّ ما ماء العذيب وبرده ... منّي على ظمإ وفقد شراب
ع عما لعمر ابن أبي ربيعة من كلمة له، وسينشدها أبو علي بكمالها بعد هذا " 2 - 26، 24 "
(1/134)

وأنشد أبو علي لأبي نخيلة " 1 - 31، 30 ":
أمسلم إني يا ابن كل خليفة
قال المؤلف إنما سميّ أبا نخيلة لأن أمه ولدته تحت نخلة، فهو اسمه، وكنيته أبو الجنيد هذا قول الأصمعي، وقال غيره اسمه يعمر وهو ابن حزم بن زائدة من بني حمّان بن عبد العزيّ بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وذكر دعبل أنه كان أسود. ويمدح بهذا الشعر مسلمة بن عبد الملك. والرجز أغلب على أبي نخيلة من الشعر وقوله:
ونبّهت من ذكري وما كان خاملاً
أخذه أبو تمام فكشف معناه وحسّنه بالصناعة فقال:
لقد زدت أوضاحي امتداداً ولم أكن ... بهيماً ولا أرضى من الأرض مجهلا
ولكن أياد صادفتني جسامها ... أغرّ فأوفت بي أغرّ محجّلا
وأنشد أبو علي " 1 - 31، 30 " لعبد الصمد بن المعذّل:
تمارضت كي أشجى وما بك علّة ... تريدين قتلي قد رضيت بذلك
نسبهما بعض الرواة إلى ابن الدمينة ووصلهما بالشعر الذي له وأوله:
(1/135)

سل البانة الغيناء بالأجرع الذي ... به البان هل حيّيت أطلال دارك
وهل قمت في أظلالهن عشيّة ... مقام أخي البأساء واخترت ذلك
وهي مما اختار أبو علي وسينشدها بعد هذا " 2 35، 33 "، وبعضها من اختيارات أبي تمّام في الحماسة. وابن الدمينة هو عبد الله بن عبيد الله أحد بني مبشّر بن أكلب بن ربيعة بن عفرس بن خلف بن أقبل وهو خثعم يكنى أبا السريّ غلبت عليه أمّه الدمينة بنت حذيفة السّلوليّة شاعر إسلاميّ.
أنشد أبو علي " 1 - 32، 31 " لأعرابيّ:
إذا وجدت أوار الحبّ في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
قال المؤلف: لم يختلف أحد أن هذين البيتين لعروة بن أذينة وأذينة لقب، واسمه يحيى بن مالك بن الحارث. وعروة هو الفقيه المحدّث الشاعر وكان شاعرً غزلاً مقدّماً من شعراء أهل المدينة وكان ثقة ثبتاً وروى عنه مالك وغيره. قال مالك حدثني عروة بن أذينة قال: خرجت مع جدّة لي عليها مشى إلى بيت الله الحرام حتى إذا كنّا ببعض الطريق عجزت فأرسلت مولى لها يسأل عبد الله بن عمر فخرجت معه فسأل عبد الله فقال له مرهاُ فلتركب ثم لتمش من حيث عجزت. وكان عروة شاعراً مجيداً ومن جلّة علماء المدينة. ووقفت عليه امرأة فقالت: أنت الذي يقال فيه الرجل الصالح وأنت تقول:
إذا وجدت أوار الحبّ في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
(1/136)

لا والله ما خرجا من قلب سليم وهو القائل:
قالت وأبثثتها وجدي فبحت به ... قد كنت عندي تحبّ الستر فاستر
ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطّي هواك وما ألقى على بصري
وأبو علي رحمه الله إذا جهل قائل الشعر نسبه إلى أعرابيّ كما أنشد بعد هذا الأعرابي إذا وجدت أوار الحبّ.

وذكر أبو علي " 1 - 31، 30 " قول كثيّر:
ورزئت عزّة فما أنسب.
قال المبرّد في كتاب الروضة: كان بشار عند الرواة غير محقّق في الحبّ، وكذلك كثيّر عزّة. ويروى أن عبد الملك بن مروان قال لكثيّر احلف لتصدقني فيما أسألك عنه. ففعل. فقال: اختر بين أن أزوّجك عزّة أو أعطيك ألف دينار. قال: بل الألف الدينار.
أنشد أبو علي " 1 - 32، 31 " لإسحاق بن إبراهيم الموصليّ:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك أمر ما إليه سبيل
ع هو إسحاق بن إبراهيم بن ميمون بن ماهان من الفرس ولهم بيت في العجم
(1/137)

وشرف. وكان ميمون نزل الكوفة في بني عبد الله بن دارم فمات في الطاعون الجارف فتخلّف إبراهيم طفلاً فكفله آل خزيمة بن خازم فبهذا السبب صار ولاؤه لبني تميم. يكنى إسحاق أبا محمد وهو شاعر متقدم وعالم متفنّن وأحذق خلق الله بالغناء. وكان أبوه إبراهيم حاذقاً بالغناء شاعراً. وإبراهيم هو الذي يعرف بالموصلي لأنه لما بدأ يطلب الغناء بالكوفة اشتدّ عليه أخواله فهرب إلى الموصل فلما انصرف قال له إخوانه: مرحباً بالفتى الموصلي فجرت عليه. وقوله: قلت لها اقصري يقال قصر عن الشيء وأقصر فجاء به على قصر ورأيته بخطّ أبي عليّ في أماليّ ابن الأنباري اقصدي وعليه بخطّه اقصدي إلى قول الحقّ.
أنشد أبو علي " 1 - 33، 32 " لأعرابي شعراً منه:
أبتغي إصلاح سعدي بجهدي ... وهي تسعى جهدها في فسادي
ع أصل هذا المعنى لعمرو بن معدي كرب في قوله، وقد تقدّم إنشاده موصولاً ص 13
أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
ثم تبعه الناس. فقال جميل:
ألا قم فانظرن أخاك رهناً ... لبثنة في حبائلها الصحاح
أريد صلاحها وتريد قتلي ... فشتّى بين قتلي والصلاح
وقال الحسين بن مطير:
ويا عجباً من حبّ من هو قاتلي ... كأني أجازيه المودّة من قتلي
ومن بيّنات الحبّ أن كان أهلها ... أحبّ إلى قلبي وعيني من أهلي
وينظر إلى هذا المعنى قول الأعشى، وهو مما سبق إليه أيضاً:
علّقتها عرضاً وعلّقت رجلاً غيري ... وعلّق أخرى غيرها الرجل
(1/138)

وقال عديّ بن الرقاع:
تبلتك أخت بني لؤيّ إذ رمت ... وأصاب نبلك إذ رميت سواها
وأعارها الحدثان منك مودّة ... وأعار غيرك ودّها وهواها
وقال كثيّر عزّة:
(1/139)

ويعذب لي من غيرها فأعافها ... مشارب فيها مقنع لو أريدها
وأمنحها أقصى هواي وإنّني ... على ثقة من أنّ حظّي صدودها
وقال آخر:
جننّا على ليلى وجنّت بغيرنا ... وأخرى بنامجنونة لا نريدها
وكيف يودّ القلب من لا يودّه ... بلى قد تريد النفس من لا يريدها
وأنشد أبو علي " 1 - 33، 32 " للعطوى يرثي أخاه:
لقد باكرته بالملام العواذل ... فما رقأت منه الدموع الهوامل
هو محمد بن عبد الرحمن ابن أبي عطيّة مولى بني ليث بن كنانة يكنى أبا عبد الرحمن من شعراء الدولة العباسية بصرى المولد والمنشأ.
وأنشد أبو علي " 1 - 33، 32 ":
أقول لصاحبي والعيس تخدى ... بنا بين المنيفة فالضمار
أنشده أبو تمام للصمّة بن عبد الله القشيري والد دريد وروايته: بين المنيفة فالغمار، وروى أيضاً بين القبيبة فالعمار.
أنشد أبو علي " 1 - 33، 32 " لابن أبي مرّة المكّيّ أبياتاً منها:
(1/140)

إن وصفوني فناحل الجسد ... أو فتّشوني فأبيض الكبد
ع هو أبو عمارة محمد بن أبي مرّة المكّيّ ويلقب بشمروخ شاعر من شعراء الدولة الهاشمية لا يتجاوز النسيب شاعر غزل. وقوله أبيض الكبد يريد أنه محبّ ناصح. وأسود الكبد العدوّ الكاشح.
قال الأعشى:
وما أجشمت من إتيان قوم ... هم الأعداء والأكباد سود
فإذ فارقتني فاستبدلي بي ... فتى يطعى الجزيل ويستفيد
وأنشد ابن الأعرابي في نحوه:
إنا وإن بني بكر لفي خلق ... أراه عما قليل سوف ينكشف
يزمّلون جنين الضغن بينهم ... فالضغن أسود في وجه به كلف
يزمّلون يسترون ويخفون. والجنين المستور في نفوسهم، فهم يجتهدون في ستره ولا ينستر. وقيل معنى أبيض الكبد أنه لفرط حبّه وشدة تباريحه قد استحالت كبده إلى البياض والكبد الصحيحة إنما تكون حمراء. والشاهد لهذا المعنى قول المؤمّل بن أميل بن أسيد المحاربي:
(1/141)

بليت لشقوتي بكم ... غلاماً ظاهر الجلد
فشيّب حبّكم رأسي ... وبيّض هجركم كبدي
وقوله جعلت كفى على فؤادي معنى قد كرّره فقال في أخرى فأحسن وتروى لغيره:
له من فوق وجنته ... يد ويد على الكبد
يسكّن قلبه بيد ... ويمسح دمعه بيد
ومن الشعر الذي أنشده أبو علي قوله:
لم أجن ذنباً كما زعمت فإن ... جنيت ذنباً فغير معتمد
قد تطرف العين كفّ صاحبها ... ولا يرى قطعها من الرشد
وأنشد علي بن الحسين " غ 20 - 58 " بعض أبيات ابن أبي مرة لأحمد بن يوسف الكاتب أنشد له:
كم ليلة فيك لا صباح لها ... أحييتها قابضاً على كبدي
قد غصّت العين بالدموع وقد ... وضعت خدّي على بنان يدي
وأنت خلو تنام في دعة ... شتّان بين الرقاد والسهد
كأن قلبي إذا ذكرتكم ... فريسة بين ساعدي أسد
وأنشد أبو علي " 1 - 34، 33 " لأعرابيّ:
وإني لأهواها وأهوى لقاءها
(1/142)

قال المؤلف: هذا الشعر للأحوص بلا خلاف وله خبر. وذلك أن يزيد بن عبد الملك لما استهتر بقينتيه وامتنع من الظهور إلى العامّة وعن صلاة الجمة لأمه مسلمة أخوه وعذله فارعوى وأراد المراجعة فبعثت سلاّمة إلى الأحوص أن يصنع شعراً تغنّى فيه فقال فيه:
وما العيش إلاّ ما تلذّ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
بكيت الصبى جهدي فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
وأشرفت في نشز من الأرض يافع ... وقد تشعف الأيفاع من كان مقصدا
فقلت ألا يا ليت أسماء أصقبت ... وهل قول ليت جامع ما تبدّدا
وإني لأهواها وأهوى لقاءها
فلما غنّت عند يزيد ضرب بخيزرانته الأرض وقال: صدقت صدقت قبّح الله مسلمة وقبّح ما جاء به وتمادى على غيّه. ومثل قوله وقد تشعف الأيفاع قول الآخر:
لا تشرفنّ يفاعاً إنه طرب ... ولا تغنّ إذا ما كنت مشتاقا
(1/143)

وإلى هذا ذهب أبو تمام في قوله يعني توفلس صاحب عمّورية:
ولّى وقد ألجم الخطيّ منطقه ... بسكته تحتها الأحشاء في صخب
موكّلاً بيفاع الأرض يفرعه ... من خفّه الخوف لا من خفّة الطرب
والمقصد المرمىّ بسهم الحبّ يقال رماه فأقصده إذا أصاب مقتله.
وأنشد أبو علي " 1 - 34، 33 " لأبي بكر ابن دريد:
بنا لا بك الوصب المولم
ع هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن الحسن أزدي إمام من أئمة اللغة وهو أشعر العلماء قاطبة بلا اختلاف.
وأنشد أبو علي " 1 - 35، 34 ":
يصيخ للنبأة أسماعه ... إصاخة الناشد للمنشد
قال المؤلف: البيت للمثقّب العبدي، وقد تقدم ذكره قال وذكر ناقته:
كأنها أسفع ذو جدّة ... يمسده الوبل وليل سد
كأنما ينظر في برقع ... من تحت روق سلب المرود
يصيخ للنبأة أسماعه ... إصاخة الناشد للمنشد
صرّ صماخيه لنكريّة ... من خلسة القانص والمؤسد
أسفع ذو جدّة. يعني ثوراً. يمسده: أي يطويه ويشدّده. والمعنى أنه أكل ما نبت
(1/144)

بعد الوبل وهذا السدى فمسد عنه. والسدى الندى ولا واحد له. ويروى كأنما ينظر من برقع يقول هو أبيض الوجه أسود العينين. والسلب الطويل. والمرود يعني طرف قرنه الذي به يذود عن نفسه. والموسد الذي يوسد كلبه أي يغريه بالصيد. وقد زعم أبو عبيدة أنه يقال نشدت الضالّة بمعنى أنشدتها أي عرّقتها، واستشهد على ذلك بقول أبي دؤاد:
ويصيخ أحياناً كما استمع ... المضلّ لصوت ناشد
ولم يجامع على ذلك. قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن بيت أبي دؤاد وقلت: أليس الناشد هو المضلّ؟ فقال: هذا كقولهم الثكلى تحبّ الثكلى كأنه يسمع صوتاً فيتأسىّ به وهو معنى قول الخنساء:
ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
وأنشد أبو علي " 1 - 35، 34 " لذي الرمّة:
جاءت من البيض زعراً لا لباس لها ... إلاّ الدهاس وأمّ برّة وأب
ع بعد البيت:
أشداقها كصدوع النبع في قلل ... مثل الدحاريج لم ينبت لها زغب
كأنّ أعناقها كرّاث سائفة ... طارت لفائفه أو هيشر سلب
شبه مناقرها وقد فتحت عنها بالصدوع في العصا كما قال علقمة:
(1/145)

فوه كشقّ العصا ما إن تبيّنه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلوم
والقلل يعني رؤسها. والدحاريج ما دحرجه الصبيان من بندق وغيره الواحدة دحروجة. وشبّه أعناقها في الطول والتثني بالكرّاث، والسائفة: ما استرقّ من الرمل. والهبشرة: شجرة لها ساق في رأسها كعبرة وهي شهباء. وسلب لا ورق عليها.
وأنشد أبو علي " 1 - 36، 34 ":
إليكم لا نكون لكم خلاة ... ولا نكع النقاوى إذ أحالا
ع نسب غير واحد هذا البيت إلى الراعي ولم يرو لنا في قصيدته التي على هذا الوزن والرويّ. خلاة واحدة الخلا، وهو الرطب والعرب تضربه مثلاً للضعيف فتقول: ما فلان في يديّ إلا كالخلاة. وقال غير أبي على النكع والنكع نبت شبيه بالطرثوث، ولذلك يقال رجل نكعة إذا كان أحمر أشقر، والذي نقله أبو علي هو قول ابن الأعرابيّ. وأحال أتى عليه حول. وقوله إليكم: أي ابعدوا عنا فلسنا بمنزلة الخلا لمختليه نحن أمنع من ذلك.
قال أبو علي " 1 - 36، 35 ": وأحمر عاتك هكذا الرواية بالتاء معجمة باثنتين وهو الصحيح، وبعضهم يقرأ عانك بالنون وهو خطأ، وإنما دخلت عليهم الداخلة من قول الخليل: والعانك من الرمل الأحمر، ويقال عتكت القوس إذا قدمت فاحمرّ عودها، وكذلك عتكت المرأة بالطيب إذا تضمّخت به، ومنه اشتقاق اسم عاتكة.
قال أبو علي " 1 - 36، 35 " تزوّج رجل من بني عامر بن صعصعة وذكر الحديث وأنشد فيه:
وحاذري ذا الريق في يميني
ع ذو الريق اسم سيفه تشبيهاً بالحية التي ريقها سمّ لا يبلّ سليمها. قال الراجز:
(1/146)

يهدي له الليل إذا ما ناما ... ولم يخف في ليله ظماما
ذا الريق لا يخطئه حماما
وسميّ أبو حيّة سيفه لعاب المنيّة هذا قول. وقال أبو عبيدة كان لمرّة بن ربيعة بن قريع بن عوف بن كعب سيف يقال له ذو الريقة لكثرة مائه، وهو الذي دلّ النابغة الذبياني النعمان عليه فأخذه منه فيكون سيف هذا العامري سميّ ذا الريق لكثرة مائه كما قال أبو عبيدة.
قال أبو علي " 1 - 36، 35 "
أحمر كالقرف وهو الأديم الأحمر
أنشد اللحياني:
أحمر كالقرف وأحوى أدعج
ع أنشده أبو عبيدة في كتاب الديباج في ألوان الخيل فقال: أشقر سلّغد وهو الذي خلصت شقرته. قال الراجز:
أشقر سلّغد وأحوى أدعج ... أصكّ أظما وحبقس أفلج
ورأيته أيضاً موصولاً على خلاف هذا قال:
يأتيك بالماء رشاء مدمج ... وما يخاف جاذب ومخلج
أحمر كالقرف وأحوى أدعج
قال أبو علي " 1 - 37، 35 " في صفة الأبيض حضّيّ.
(1/147)

ع قال الزبيدي: إنما هو حصّيّ بالصاد المهملة من الحصّ والحسّ بالسين والصاد وهو ضرب من الورس قال ابن كلثوم:
مشعشعة كأن الحصّ فيها
أنشد أبو علي " 1 - 37، 35 ":
واستنوكت وللشباب نوك
ع يريد أنها! متنوكته ثم قال ومن كان في حاله من الشباب فالنوك يصحبه.
أنشد أبو علي " 1 - 37، 36 ":
إمّا تريني اليوم نضوا خالصاً
ع الرجز لأبي محمد عبد الله بن ربعيّ بن خالد الفقعسي راجز إسلاميّ قال:
إما تريني اليوم ثلباً شاخصاً ... أسود حلبوباً وكنت وابصا
فقد طلبت الظعن الشواخصا ... على جمال تغمز المراهصا
غمزاً يبذّ جذبه الفرائصا
هكذا رواه الأصمعي. والمراهص الحجارة التي ترهص أخفافها.
قال أبو علي " 1 - 37، 36 ":
وأرمك رادنيّ.
ع رادنيّ من قولهم ليل مردن. أي مظلم.
وأنشد أبو علي " 1 - 37، 36 ":
معاوي إنّنا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
(1/148)

ع الشعر لعقيّبة بن هبيرة الأسدي شاعر جاهلي إسلاميّ قال يخاطب معاوية:
معاوي إننا بشر فأشجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديد
فهبها أمّة هلكت ضياعا ... يزيد أميرها وأبو يزيد
أكلتم أرضنا فجردتموها ... فهل من قائم أو من حصيد
وأنشد النحويون:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
بالنصب والقوافي مخفوضة كما ترى وأنشد أبو علي " 1 - 37، 36 " لرؤبة:
فبات والنفس من الحرص الفشق
قال رؤبة وذكر صائداً:
وقد بنى بيتاً خفيّ المنزبق ... مضطمراً كالقبر في البيت الأزق
(1/149)

أسّسه بين القريب والمعق ... فبات والحرص من النفس الفشق
في الزرب لو يمضغ شرياً ما بزق ... لمّا تسدّي في خفيّ المندمق
وأوفقت للرمي حشرات الرشق ... ساوي بأيديها ومن قصد اللمق
مشرعة ثلماء من سيل الشدق
هكذا رواه الأصمعي وابن السكّيت " والحرص من النفس " وعلى هذه الرواية يصحّ تفسير أبي علي لأنه قال: بات هذا الصائد في القترة وهي الناموس وهي الزرب أيضاً، وقد أبصر وحشاً فانتشرت نفسه، يعني انتشرت حرصاً. فأما انتشار الحرص فهو عدمه يقال منه فشق يفشق فشقاً، ويقال أيضاً فشقت الشيء أفشقه فشقاً إذا كسرته وهو راجع إلى هذا لأن ما تكسّر فقد تفرّق وانتشر، ورواه ابن الأعرابي وغيره كما رواه أبو علي:
فبات والنفس من الحرص الفشق
وتخرّج رواية أبي عليّ على غير تفسيره، وهو ما ذكره وفسّره سلمة عن الفرّاء عن الزبيريّة قالت: الفشق أسوأ الحرص. والمنزبق: المدخل، ومنه قولهم زبقته في السجن: أي أدخلته، والزابوقة: ناحية البيت. والأزق: الضيق. يقال أزقت الشيء أي ضيّقته. والمعق البعد. يقول أسّسه بين هذين لم يدنه فتنفر الوحش منه ولم يبعد فتصيف سهامه ولا تدرك الوحش. وقوله لّما تسدّي يعني الصائد. والمندمق: المدخل. واوفقت أي وضع الفوق في الوتر صيّر الواو وهي عين الفعل فاء الفعل وكان الأصل أن يقول وأفوقت. والحشر الملزّق القذذ أي ألطف ريشه. ويقال قوس رشيقة إذا كانت سريعة السهم. والرشق: المصدر. والرشق: الوجه الذي يريده. وقوله
(1/150)

ساوي بأيديها. أي الصائد حيال أيديها. واللمق: الطريق. وقوله مشرعة ثلماء: أي حيث انثلم الوادي فالحمير تشرع فيه وتدخل منه، والمشرعة: الطريق إلى الماء. والشدق: الميل في الوادي.
أنشد أبو علي " 1 - 38، 36 ":
نحن نطحناهم غداة الغرزين ... بالضابحات في غبار النقعين
ع اختلفوا في معنى الضبح في كتاب الله عز وجل: " والعاديات ضبحاً "، فقال أبو عبيدة: الضبح والضبع سواء يقال ضبح وضبع إذا حرّك ضبعيه في مشيه، وقيل هو عدو فوق التقريب وقال قوم بل الضبح الخضيعة التي تسمع في جوف الفرس وأنشد أبو عبيدة شاهداً على ذلك قوله:
وشوازباً قبّ البطون ... عوابساً يعدون ضبحاً
والخضيعة هي الوقيب، وهي الوعاق والوعيق، والزّعاق والزعيق، ونقله أبو علي الزغاق والزغيق بغين معجمة. وقال أبو عبيدة يقال من الوقيب وقب ولا فعل من الخضيعة.
وأنشد أبو علي " 1 - 38، 37 ":
إذا ما القلنسي والعمائم أخنست
ع صلة هذا البيت وهو للعجير السلوليّ وقد تقدم ذكره " ص 24 ":
فجئت وخصمي يعلكون نيوبهم ... كما صرفت تحت الشفا جزور
(1/151)

لدي ملك يستنفض القوم طرفه ... له فوق أعواد السرير زئير
إذا ما القلنسي والعمائم أدرجت ... وفيهن عن صلع الرجال حسور
وظلّ رداء العصب ملقى كأنه ... سلا فرس تحت الرجال عقير
لو أنّ الصخور الصمّ يسمعن صلقنا ... لرحن وفي أعراضهن فطور
قوله يستنفض القوم طرفه: أي إذا نظر إليهم أرعدوا من الفرق. ومعنى أخنست أزيلت وأخّرت وإنما يريد الخصام والجدال وعند الخصومة ما يكشف الرجل رأسه ويسقط رداؤه لأنه يزحف للخصام ويجثو للركب ويكثر الإشارة ويتابع الحركة ويعلك الأنياب كما قال:
فجئت وخصمي يعلكون نيابهم
وشبّه رداء العصب بالسلا لحمرته.
قال أبو علي " 1 - 38، 37 " في خبر بعد هذا: " وشابّ جميل الوجه ملوّح الجسم ".
ع يقال لاحه الحزن والسقم ولوّحه إذا غيّره من هذا قوله سبحانه: " لوّاحة للبشر " أي مغيّرة محرقة. وقال ابن مقبل:
عقاب عقنباة كأنّ وظيفها ... وخرطومها الأعلى بنار ملوّح
والملواح: الضامر، والملواح أيضاً: العريض الألواح كل عظم عريض.
وأنشد أبو علي " 1 - 38، 37 ":
سقى بلداً أمست سليمى تحلّه ... من المزن ما تروي به وتسيم
ع يقال سامت الماشية إذا دخل بعضها في بعض عند الراعي، وإنما يكون ذلك في الخصب وكثرة العشب. والسائمة: هي الراعية، وسام الرجل ماشيته إذا رعاها فهو
(1/152)

مسيم ولم يقولوا سائم خرج هذا من القياس، ويقال أسأم إذا كثرت سائمته وهو الذي أراد في البيت.
وأنشد أبو علي " 1 - 39، 37 " لذي الرمة:
كأن عرى المرجان منها تعلّقت
ع صلته:
فما زلت أطوي النفس حتى كأنها ... بذي الرمث لم تخطر على قلب ذاكر
حياء وإشفاقاً من الركب أن يروا ... دليلاً على مستودعات السرائر
لميّة إذ ميّ معان تحلّه ... فتاخ فحزوى في الخليط المجاور
إذا خشيت منه الصريمة أبرقت ... له برقة من خلّب غير ماطر
كأن عرى المرجان منها تعلّقت ... على أم خشف من ظباء المشاقر
بذي الرمث هو المكان الذي جمعهم فيه المرتبع. وقوله لميّة. أي هذه الأماكن لميّة. ومعان مكان تنزله ومعان مرفوع فتاخ. وتحلّه من صلة معان. وعرى المرجان يريد خروقه التي تكون فيها السلوك. والمرجان ما صغر من اللؤلؤ وهو أشدّ بياضاً وكذلك فسّر التنزيل.
وأنشد أبو علي " 1 - 39، 38 " أيضاً لذي الرمّة:
قف العنس في أطلال ميّة فاسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل
ع هذا أول الشعر وبعده:
أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجمان المفصّل
وما يوم حزوي إن بكيت صبابة ... لعرفان ربع أو لعرفان منزل
بأوّل ما هاجت لك الشوق دمنة ... بأجرع مرباع مربّ محلّل
مربّ أي موضع إقامة وحلول يقال ربّ بالمكان وأربّ إذا أقام به.
(1/153)

وأنشد أبو علي " 1 - 39، 38 " لكثيّرة:
فأسحق برداه ومحّ قميصه
ع صلته:
أمنّي صرمت الحبل لّما رأيتني ... طريد خطوب طوّحته الطوائح
فأسحق برداه ومحّ قميصه ... فأثوابه ليست لهنّ مضارح
فأعرضت إن الغدر منكن شيمة ... وفجع الأمين بغتة وهو ناصح
فلا تجبهيه ويب غيرك إنّه ... فتى عن دنيّات الخلائق نازح
المضارع والموادع والمباذل واحد يقول ليس له ما يتبذّل به ويصون ثيابه، وهذا من قولهم:
إلبس جديدك إني لابس خلقي ... ولا جديد لمن لا يلبس الخلقا
وقيل المضارح فضول الثوب. سميّت بذلك لأنها تضرح أي تدفع بالأرجل والضرح الدفع بالرجل خاصّة قال امرؤ القيس:
(1/154)

فاليد سابحة والرجل ضارحة ... والعين قادحة والبطن مقبوب
وهي أول ما يخلق من الثوب.
وأنشد أبو علي " 1 - 39، 38 " للعجّاج:
ما هاج أحزاناً وشجواً قد شجا ... من طلل كالأتحميّ أنهجا
ع هذان الشطران أول الرجز وبعدهما:
أمسى لعافي الرامسات مدرجا ... واتّخذته النائجات منأجا
واستبدلت رسومه سفنّجا ... كالحبشيّ التفّ أو تسبّجا
في شملة أو ذات زفّ عوهجا
الأتحمي موضع باليمن تعمل فيه البرود وتنسب إليه وهي برود عصب غير وشى وإنما شبّهه بالأتحميّ من أجل الخطوط التي فيه. والنائحات الرياح التي تمرّ مرّاً سريعاً يقال نأجت تنأج نأجاً والسفنّج الواسع الخطو وأراد به هنا الظليم. وتسبّجاً لبس سبجة وهي ثوب أسود من صوف وقيل هو مخطّط بسواد وبياض مثل البقيرة تلبسه الجواري، وقال الأصمعي تسبّجا لبس القميص وهو بالفارسية شبى، وقد صحّف أبو عبيدة في هذا الاسم فرواه السبجة وجمعها سباج ثياب من جلود وإنما هي السبحة بالحاء المهملة والسبحة بالحاء ثوب من جلود وهو الذي عنى الهذلي بقوله:
(1/155)

إذا عاد المسارح كالسباح
يريد عادت من الجدب ملساً لا نبات بها.
وأنشد أبو علي " 1 - 39، 38 " للأعشى:
قالت قتيلة ما لجسمك شاحباً ... وأرى ثيابك باليات همّدا
ع وبعد البيت:
أذللت نفسك بعد تكرمة لها ... أو كنت ذا عوز ومنتظرا غدا
أو غاب ربّك فاعترتك خصاصة ... فعل ربّك أن يعود مؤيّدا
وأول القصيدة:
أثوى وقصّر ليلة ليزوّدا ... فمضى وأخلف من قتيلة موعدا
يقولها لكسرى حين أراد منهم رهائن وفيها:
آليت لا نعطيه من أبنائنا ... رهناً فيفسدهم كما قد أفسدا
حتى يقيدك من بنيه رهينة ... نعش ويرهنك السماك الفرقدا
وأنشد أبو علي " 1 - 39، 38 ":
أتيح لها أقيدر ذو حشيف
هو لصخر بن عبد الله الملّقب بصخر الغيّ الهذلي يرثي بهذا الشعر ابنه وأوله:
(1/156)

أرقت فبت لم أذق المناما ... وليلي لا أحسّ له انصراما
لعمرك والمنايا غالبات ... وما تغني التميمات الحماما
أرى الأيام لا تبقي كريماً ... ولا العصم الأوابد والنعاما
ولا العصم العواقل في صخور ... كسين على فراسنها خداما
أتيح لها أقيدر ذو حشيف ... إذا سامت على الملقات سامي
خفيّ الشخص مقتدر عليها ... يسنّ على ثمائلها السماما
قوله أقيدر تصغير أقدر هو من الرجال القصير العنق، ومن الخيل الذي تقع رجلاه موضع يديه. وسامت: أي استمرّت في سيرها. والملقات: صخور ملس. والثميلة موضع الطعام وأصله بقيّة الطعام. ويسنّ يصبّ، وكذلك يشنّ بالسين والشين، وقد فرّق بينهما بعض أهل اللغة. فقال: السنّ بالسين المهملة فيما لا تفترق أجزاؤه والشّنّ بالشين المعجمة فيما افترقت أجزاؤه، تقول سننت الدرع على نفسي وشننت عليهم الغارة.
وأنشد أبو علي " 1 - 39، 38 " للمتنخّل:
وقد حال دون دريسيه مأوّبة ... مسع لها بعضاه الأرض تهزيز
صلته:
لو جاءني بائس جوعان مهتلك ... من بؤس الناس عنه الخير محجوز
قد حال دون دريسيه
لبات أسوة حجّاج وإخوته ... في مالنا أو له فضل وتمزيز
وفيها يقول:
لا درّ درّي إن أطعمت نازلكم ... قرف الحتيّ وعندي البرّ مكنوز
قوله تمزيز من قولهم هذا أمزّ من هذا أي أفضل منه. قال الأصمعي: ليس للعرب
(1/157)

زائية أفضل من قصيدة الشمّاخ، ولو طالت قصيدة المتنخّل لكانت خيراً منها، وقد تقدم 34 نسب المتنخّل ويكنى أبا واثلة وحجاج وإخوته بنوه.
وأنشد أبو علي " 1 - 40، 38 " لتأبط شرّاً
نهضت إليها من جثوم كأنها ... عجوز عليها هدمل ذات خيعل
ع قبله:
ومرقبة يا أمّ عمرو طمرّة ... مذبذبة فوق المراقب عيطل
نهضت إليها من جثوم كأنها ... عجوز عليها هدمها ذات خيعل
هكذا رواه أبو عبيدة هدمها والهدم الثوب الخلق. وقوله: مذبذبة يعني مشرفة والذبذبة التعلّق والاضطراب كأنها من طولها وإشراقها معلّقة أو متعلّقة فوق المراقب ويروى مذبذبة بالفتح. وقوله: من جثوم أي من بروك وكمون ورواية أبي عبيدة من جثوم بفتح الجيم وقال: هو من جثمت الطائر والتراب إذا جمعته. والخيعل قميص قصير من أدم يخاط أحد جانبيه ويترك الآخر.
واسم تأبّط شراّ ثابت بن جابر بن خالد بن سفيان أحد بني فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان يكنى أبا زهير. وقال ابن الأعرابي: هو أحد غربان العرب. وإنما لقّب
(1/158)

تأبط شرّاً لأن أمّه رأته قد وضع جفير سهامه تحت إبطه وأخذ القوس فقالت: لقد تأبّط شرّاً، وقال أبو عمرو: لقّب بذلك لأنهم زعموا أنه قتل الغول ثم جاء بها في جوف الليل إلى أصحابه وألقاها عندهم من تحت حضنه فقالوا له: لقد تأبّط شراً. فقال في ذلك جابر:
تأبّط شراً ثم راح أو اغتدى ... يطالع غنماً أو يسيف إلى ذحل
ويروى:
يوائم غنماً أو يسيف إلى ذحل
وقيل إن أمّه قالت له: مالك لا تأتينا بشيء كما يفعل أخوتك فصاد أفاعي وأتاها بها فقلن لها ما جاءك به متأبّطاً. فقالت شرّا.
وأنشد أبو علي " 1 - 40، 38 " للكميت:
فأصبح باقي عيشنا وكأنه ... لواصفه هدم الخباء المرعبل
ع لم يقل المؤلف هنا شيئاً.
وأنشد أبو علي " 1 - 40، 38 " لشاعر قديم:
وعاذلة هبّت بليل تلومني ... ولم يغتمزني قبل ذاك عذول
قال المؤلف: هذا الشعر لبعض فزارة ورأيت عن أبي تمام في نوادر ابن الأنباريّ بخطّ أبي علي ومن هناك نقله وعنه رواه: ولم تغتمزني قبل ذاك عذول بالتاء. والاغتماز
(1/159)

الاستضعاف وبخطه هناك: فلا تتبعي العين الغويّة. وبخطه فإنني له بالخصال الصالحات وصول. وروى أبو تمام: ولا خير في حسن الجسوم ونبلها. وقوله: فلا تتبعي العين الغويّة أي لا تتبعي عينك فيما تبعثك عليه من النظر إلى ذوي المناظر فربّ منظر لا حسب له ولا غناء عنده وفيه:
فإن لا يكن جسمي طويلاً فإنّني ... له بالفعال الصالحات وصول
قال محمد بن الحسن الزبيدي: الجيّد الفعال بكسر الفاء جمع فعلة بفتح الفاء ولذلك قال الصالحات ولكن الرواية الفعال بالفتح.
وأنشد أبو علي " 1 - 41، 39 " لابن الروميّ:
وذخرته للدهر أعلم أنه
ع هو علي بن العباس بن جريج الرومي وجريج مولى عبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور أبي جعفر وكان علي يتشيّع للطالبيّين ويبغض مواليه وهذا الشعر يرثي به محمد بن نصر بن بسّام. ومن مختاره:
أودي محمد بن نصر بعد ما ... ضربت به في فضله الأمثال
ملك تنافست العلى في عمره ... وتنافست في يومه الآجال
من لم يعاين سير نعش محمد ... لم يدر كيف تسيّر الأجبال
وذخرته للدهر أعلم أنه ... كالحصن فيه لمن يؤول مآل
وتمتّعت نفسي بروح رجائه ... زمناً طويلاً والتمتع مال
ورأيته كالشمس إن هي لم تنل ... فضياؤها والرفق منه ينال
لهفي لفقدك يا محمد إنّه ... فقدت به النفحات والأنفال
(1/160)

بالله أقسم أن عمرك م انقضى ... حتى انقضى الإحسان والإجمال
وقوله: من لم يعاين سير نعش محمد هذا المعنى أول من نطق به ابن المعتزّ في رثائه عبيد الله بن سليمان قال:
قد استوى الناس ومات الكمال ... وصاح صرف الدهر أين الرجال
هذا أبو القاسم في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال
وتلاه ابن الرومي بقوله هذا وتلاهما الرضى فقال في رثائه الصاحب:
أكذا المنون تقطّر الأبطالا ... وكذا الزمان يضعضع الأجبالا
جبل تسنّمت البلاد هضابه ... حتى إذا ملأ الأقالم زالا
وقوله ورأيته كالشمس إشارة إلى أنه لم يفد من نيله شيأ وشبيه به قول أبي تمام:
وآسى على جيحان لو غاض ماؤه ... وإن كان ذوداً غير ذودي ناهله
وأنشد أبو علي " 1 - 41، 39 " لسعيد بن حميد:
أهاب وأستحي وأرقب وعده ... فلا هو يبداني ولا أنا أسأل
هو الشمس مجراها بعيد وضوءها ... قريب وقلبي بالبعيد موكّل
ع هو سعيد بن حميد بن سعيد بن بحر من الأولاد الدهاقين وأصله من النهروان، وكان يقول إنه مولى بني سامة بن لؤيّ ويكنى سعيد أبا عثمان وهو كاتب شاعر فصيح كان
(1/161)

أبوه حميد شاعراً أيضاً. وقد كرّر سعيد معنى هذا الشعر في أشعاره فقال: وقد دخلت عليه فضل الشاعرة فسألها أن تقيم فاعتذرت:
تقرّبنا الآمال ثم تعوقها ... مماطلة الدنيا بها واعتلالها
فأصبحت كالشمس المنيرة ضوءها ... قريب ولكن أين منّا منالها
وقد كرّر الشعراء هذا المعنى فقال البحتري في المديح:
دنوت توضعاً وبعدت قدراً ... فشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامي ... ويدنو الضوء منها والشّعاع
ومما يجانس هذا في المعنى قول علي بن الجهم:
وقلن لنا نحن الأهلّة إنما ... نضيء لمن يسري إلينا ولا نقري
فلا بذل إلاّ ما تزوّد ناظر ... ولا وصل إلا بالخيال الذي يسري
وأنشد أبو علي " 1 - 41، 39 " لامرأة:
يا من بمقتله زهى الدهر ... قد كان فيك تضاءل الأمر
ع قولها زهى: تريد زهى لغة طائية، والمعنى أن الزمان زهى وانتخى بإصابته غرّة من هذا الميّت لأنه كان يجير على الدهور ويكفي خطوبه ويدفع مكروهه ويصرف صروفه، فكأن ذلك عناد بينهما وتضاد من أمرهما، وقد بيّن هذا بعض الشعراء فقال:
(1/162)

أسأت إلى النوائب فاستثارت ... فأنت قتيل ثأر النائبات
وكنت تجير من صرف الليالي ... فصار مطالباً لك بالترات
" والأصل فيه قول أبي نواس في آل برمك:
لم يظلم الدهر إذ توالت ... فيهم مصيباته دراكا
كانوا يجيرون من يعادي ... منه فعاداهم لذا كا "
ولله درّ أبي الطيّب في قوله:
تفيت الليالي كلّ شيء أخذته ... وهنّ لما يأخذن منك غوارم
إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاً ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
فجعل الممدوح والزمان كقرنين متساجلين وجعل للمدوح الغلبة والفلج. وأما قولها:
زعموا قتلت وما لهم خبر
فإنها تعني أصحابه الذين غادروه ونجوا واعتذروا في قتله، وزعموا أنهم لم يكن لهم خبر بأمره وقولها:
وإذا رقدت فأنت منتبه
تريد يقظته وشهامته كما قال تأبّط شراً
إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل ... له كاليء من قلب شيحان فاتك
وقولها:
وإذا انتبهت فوجهك البدر
لأن المعهود في وجه الهابّ من نومته العبوس والبسور والكسل وقلّة النشاط.
وأنشد أبو علي " 1 - 41، 40 " شعراً فيه:
(1/163)

قوم تخيّر طيب العيش رائدهم ... فأصبحوا يلحفون الأرض بالحلل
هذا كقول طرفة:
فإذا ما شربوها وانتشوا ... وهبوا كلّ أمون وطمّر
ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هدّاب الأزر
وقال آخر:
أيّام ألحف مئزري عفر الملا ... وأغضّ كلّ مرجّل ريّان
وقال عروة المرّار أبو هانئ بن عروة:
أرجّل جمّتي وأجرّ ذيلي ... وتحمل شكّتي أفق كميت
أمشّي في سراة بني غطيف ... إذا ما سامني ضيم أبيت
ودخل هانئ على معاوية رضي الله عنه وهو لا يعرفه وكان نذر دمه لإجارته كثير بن شهبا المذحجيّ، وكان معاوية ولاّه خراسان فاختان مالاً كثيراً وهرب واستجار بهانئ فأجاره، فقال معاوية لهانئ: من أنت؟ قال: أنا هانئ بن عروة. قال: ليس هذا بيوم يقول فيه أبوك: ارجّل جمّتي قال هانئ: أنا اليوم أعزّ مني ذلك اليوم. قال بم ذلك؟ قال: بالإسلام يا أمير المؤمنين. قال: أين كثير بن شهاب؟ قال: عندي يا أمير المؤمنين.
(1/164)

قال: انظر ما اختاته فخذ منه بعضاً وسوّغه بعضاً. هذا كان مذهب العرب وبه كانوا يمتدحون حتى جاء الله بالإسلام. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فضل الإزار في النار. فصار الفضل في التشمير. وقوله صلى الله عليه وسلم: فضل الإزار في النار إنما ذلك لمن يسحبه خيلاء وكبراً، كما روى موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن أحد شقيّ إزاري ليسترخي إلاّ أن أتعاهد ذلك منه، فقال صلى الله عليه وسلم: لست ممن يصنعه خيلاء. خرّجه البخاري وغيره. وكانت إزرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنصاف سوقهم والقميص فوق ذلك. وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيّوب قال: كانت الشهرة فيما مضى في تذييلها، والشهرة اليوم في تقصيرها، وأبيح للمرأة إسبال الإزار وأن ترسله من ورائها ذراعاً لئلا ينكشف قدماها عند المشي. وروى أن عبد الله بن الزبير قاتل يوم أصيب حتى بقي وحده. فقالت له امرأته: ألا تخرج فأقاتل معك فأنشدها:
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جرّ الذيول
وخرج هشام وهو سوقة إلى بيت المقدس فمرّ بدمشق فلقيه محمد بن الضحّاك بن قيس الفهري وهو واليها يومئذ وعلى هشام ثياب يجرّها. فقال له: أما رأيت أمير المؤمنين عبد الملك؟ يعرّض له بجرّ ثيابه. فقال هشام: بلى. قال: فيكف رأيته. قال: مهجّراً مشمّراً قال: فما بالك أنت؟ قال: فعلت هذا لقول الشاعر:
قصير الثياب فاحش عند بيته ... وشرّ قريش مركّبا
(1/165)

يعرّض له بأن أباه الضحاك هجى بهذا الشعر.
وأنشد أبو علي " 1 - 42، 40 ":
سأشكر عمراً ما تراخت منيّتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلّت
ع الشعر لأبي الأسود الدؤلي وكان عند عمرو بن سعيد بن العاص فبينا هو يحدّثه إذ ظهركمّ قميصه من تحت جبّته وبه خرق، فلما انصرف بعث إليه بعشرة آلاف درهم ومائة ثوب فقال هذا الشعر. وقال الليثي: الشعر لمحمد بن سعيد مولى. وذكر علي بن الحسين أن الشعر لعبد الله بن الزبير الأسديّ وأنه أتى عمرو بن أبان بن عثمان فسأله فقال لوكيله اقترض لنا مالاً فقال: ما يعطيناه التجّار. فقال: أربحهم فاقترض ثمانية آلاف باثني عشر ألفاً فهو أوّل من تعيّن فقال فيه ابن الزبير:
سأشكر عمراً ما تراخت منيّتي
وقوله:
رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها ... كان رأى تحت ثيابه ثوباً رثّاً
وأما الشعر الذي لأبي الأسود في هذا المعنى بلا اختلاف فقوله:
كساك ولم تستكسه فشكرته ... أخ لك يعطيك الجزيل وياصر
وإنّ أحقّ الناس إن كنت مادحاً ... بحمدك من أعطاك والعرض وافر
(1/166)

ويروى: والوجه وافر. وكان من خبر هذا الشعر أن عبيد الله بن زياد وقيل: المنذر بن الجارود رأى علي أبي الأسود مقطّعة يطيل لبسها. فقال له في ذلك فقال: " ربّ مملوك لا يستطاع فراقه " فصارت مثلاً فأهدى إليه ثياباً. فقال أبو الأسود الشعر.
وأنشد أبو علي " 1 - 42، 41 ":
إني حمدت بني شيبان إذ خمدت ... نيران قومي وفيهم شبّت النار
ع الشعر ليزيد بن حمار السّكوني. وقوله إذ خمدت نيران قومي: يريد نار الحرب لمدافعتهم عنه، ويحتمل أن يريد نار القرى لمّا ذكر المحل في البيت الثاني. وقوله حتى يكون عزيزاً من نفوسهم: يريد كأنه من عزّته من نفوسهم أي منهم لا جار لهم أو أن
(1/167)

يبين جميعاً: يريد موفور الماء مجتمعه وهو مختار لفراقهم لا من ضيم لحقه منهم ولا إخفار لذمّته فيهم.
وأنشد أبو علي " 1 - 42 " 41 ":
نزلت على آل المهلّب شاتياً ... غريباً عن الأوطان في زمن المحل
فما زال بي إحسانهم وافتقادهم ... وبرّهمو حتى حسبتهمو أهلي
ع هذان البيتان لأبي الهنديّ وهو عبد الملك بن عبد القدّوس بن شبث بن ربعيّ الرياحي، وقال علي بن الحسين اسمه غالب بن عبد القدوس شاعر إسلاميّ وقد أدرك أوّل الدولة الهاشمية وقيل بل الشعر لبكير بن الأخنس بن شهاب.

وذكر أبو علي " 1 - 43، 41 "
قول الأعرابي في صفة الفرس
وإذا استدبر فهقل خاضب.
قال المؤلف: تشبّه الخيل بالسباع لسعة أهبها وشدّة وثبها وبالظباء لطول أعناقها وجمال مقادمها وعرى قوائمها وتحديد عراقيبها وأطرها قال الشاعر:
إذا ردّ البصير الطرف فيها ... رأى خلق الظباء مع السباع
وقال الأجدع الهمداني:
والخيل تنزو في الأعنّة بيننا ... نزو الظباء تحوّشت بالقاع
وقال امرئ القيس:
كتيس ظباء الحلّب انفرجت له ... عقاب تدلّت من شماريخ ثهلان
وتشبّه بالظباء أيضاً لأن الظبي إذا مشى كأنه ينصبّ إلى ما بين يديه وكذلك الوعل قال الشاعر:
(1/168)

يبكون نضلة بالرماح على ... جرد تكدّس مشية العصم
وقال مهلهل:
وخيل تكدّس بالدارعين ... مشى الوعول على الظاهره
وأما تشبيهها بالنعام فأكثر ما تشبّه بنعامتين متتابعتين لأنه إذا مشى ارتفعت عنقه مرّة وعجزه أخرى. وكذلك النعامتان إذا مشت المتقدّمة ارتفع الصدر وإذا مشت المتأخرّة ارتفع العجز. قال أبو دؤاد:
يمشي كمشي نعامتين ... تتابعان أشقّ شاخص
وقال آخر:
يمشي كمشي نعامة تبعت ... أخرى إذا هي راعها خطب
(1/169)

ومثل قول الأعرابي إذا استدبرته فهقل خاضب إلى آخره قول الآخر، وقد سئل أي الخيل أجود. فقال: الذي إذا استقبلته قعد، وإذا استدبرته ورد، وإذا استعرضته اطّرد. وسأل المهدي معن بن درّاج. أيّ الخيل أفضل؟ فقال: الذي إذا استقبلته قلت نافر، وإذا استدبرته قلت زاخر، وإذا استعرضته قلت زافر. ولاستحسانهم سعة جلودها يقول أبو الطيب رحمه الله:
وعيني إلى أذني أغرّ كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب
له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيئ على صدر رحيب وتذهب
وقال الجعدي:
ولوحاً ذراعين في بركة ... إلى جؤجؤ رهل المنكب
وأنشد أبو علي " 1 - 43، 41 " لحسّان:
لعمرك إن إلّك من قريش ... كإلّ السقب من رأل النعام
ع هذا أو الشعر وبعده:
وأنت منوّط فيهم هجين ... كما نيط السرائح بالخدام
يقوله لأبي سفيان الحارث بن عبد المطّلب. والسرائح القدّ. وقد زعم بعضهم أن هذا الشعر يقوله حسّان لعقبة ابن أبي عمرو بن أميّة وذكروا أنه كان لزنية ولذلك قال له عمر حين أمر رسول الله بضرب عنقه فقال: أأقتل من بين قريش صبراً فقال
(1/170)

عمر: " حنّ قدح ليس منها " فقال: من للصبية يا محمد؟ فقال: النار. فولده يعرفون بصبية النار. وقد قيل في نفي عقبة عن نسبه غير هذا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: وهل أنت إلاّ يهوديّ من صفورية. على ما يأتي بعد 164. وقد عاب ناس على حسّان هذا البيت وقالوا إنه أراد التبعيد فذكر شيئين قد يتشابهان من وجوه ألا تسمع قول الشاعر:
كمثل نعامة تدعى بعيراً ... تعاظمه إذا ما قيل طيري
وإن قيل احملي قالت فإنّي ... من الطير المربّة بالوكور
وحسّان لم يرد التبعيد كما ظنّ هذا المنتقد وإنما أراد تضعيف نسبه في قريش وأنه حين وجد أدنى سبب اعتزى إلى ذلك النسب.
وهو حسّان بن ثابت بن المنذر الأنصاري يكنى أبا الوليد. قال القتبي ويكنى أيضاً أبا الحسام. وقال غيره إنما كان يلّقب الحسام وجرت عليه في الإسلام. وأمّه الفريعة خزرجية غلبت عليه، وهو جاهلي إسلامي متقدم الإسلام إلا أنه لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهداً لجبنه. عاش في الجاهلية ستّين سنة وفي الإسلام ستين سنة ومات في خلافة معاوية. واتّفقت العرب على أن أشعر أهل المدر أهل يثرب ثم عبد القيس ثم ثقيف
(1/171)

وعلى أن أشعر أهل يثرب حسّان. وقال الأصمعي الشعر نكر بابه الشرّ فإذا دخل في الخبر ضعف، هذا حسّان فحل من الفحول فلما جاء الإسلام سقط شعره.
وأنشد أبو علي " 1 - 43، 42 ":
لمن زحلوفة زلّ
في كتاب الجمهرة في حرف أل ل أنه لامرئ القيس. قال ثعلب عن ابن الأعرابيّ: هذه لعبة للصبيان يجتمعون فيأخذون خشبة فيجعلوها على قوز من الرمل، ثم يجلس على أحد طرفيها جماعة وعلى الآخر جماعة فأي الجماعة التي كانت أثقل وأوزن شالت الأخرى حتى تخاف السقوط فينادون بأصحاب الطرف الآخر ألا خلّوا ألا خلّوا، أي تخفّفوا من عددكم حتى نساويكم، قال ومن رواه ألا حلّوا بالحاء فقد صحّف، قال وهذه أرجوحة عند العرب ومثلها الدوداة وهذه الزحلوفة مثلها قال: ثم يخرجون من هذه اللعبة إلى أخرى يقال لها: جلخ جلب. وقال بعض صبيانهم: لا أحسن اللعب إلاّ جلخ جلب أو أكل إنفحة بيضاء مصلحة في ضغن مقدحة قال ثعلب: ولم يأت على مثال جلخ جلب إلا إبل وإطل. والضغن الجانب. والمقدحة المغرفة. قال المؤلف: وكان شيوخنا يتلّقون هذا الرجز على أنه كناية عن القبر استعار له اسم الأرجوحة للاستفال فيه من العلوّ وهو موضع انهلال العين بالبكاء ولا موضع له في التفسير الآخر، ويصحّ على هذا التأويل الرواية ألا حلّوا بالحاء مهملة ويصحّ ترتيب الآخر والأوّل، فأما الترجّح على الخشبة فليس هنالك آخر ولا أول. وقال أبو الفتح ابن جني ويروى:
بها الفتيان تنسلّ
وهذا
(1/172)

أيضاً يقوّي التأويل الآخر ويؤيّده وقال:
بها العينان تهنلّ
ولم يقل تنهلاّن لمّا كانتا مصطحبتين وكانت كل واحدة منها لا تنفرد عن الأخرى كما قال سلميّ بن ربيعة:
فكأن في العينين حبّ قرنفل ... أو سنبلاً كحلت به فانهلّت
قال أبو بكر: قال الكلبي كل اسم في العرب في آخره إلّ أو إيل فهو مضاف إلى الله عزّ وجل نحو شرحبيل وشراحيل وشهميل، وما أشبه ذلك إلاّ زنجيلاً وهو الرجل النحيف قال:
لمّا رأت بعيلها زنجيلا
وقد خفف العرب الإلّ قال الأعشى:
أبيض لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رحماً ولا يخون إلا
وأنشد أبو علي " 1 - 43، 42 " عن يعقوب:
مهر أبي الحبحاب لا تشلّى ... بارك فيك الله من ذي ألّ
ع وبعدهما:
ومن موصيّ لم يضع قولاً لي ... ليس عليها مزيد
قال أصحاب أبي علي وقّفناه على قوله: بارك فيك الله من ذي ألّ فأبى الإكسر الكاف.
(1/173)

فقلنا هلاّ قال من ذات ألّ فقال: أخرج التذكير على الشيء أو الأمر ومثل هذا جائز وهو كثير. قال الأسود بن يعفر:
إن المنيّة والحتوف كلاهما ... يوفي المخارم يرقبان سوادي
فذكّر كلاهما على أن المعنى أن المنيّة والحتوف شيآن أو أمران قال: ومنه قول رؤبة:
فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنّه في الجلد توليع البهق
قال أبو عبيدة قلت لرؤبة: إن أردت الخطوط فقل كأنها، وإن أردت البلق فقل كأنه قال فضرب بيده على كتفي وقال كأن ذلك توليع في الجلد ع والحجّة لأبي على المجانسة لما سئل عنه ووقف عليه ما أنشده الكوفيون:
قامت تبكّيه على قبره ... من لي من بعدك يا عامر
تركتني في الدار ذا غربة ... قد ذلّ من ليس له ناصر
قالوا: إنما قالت ذا غربة لأن الياء في قولها تركتني ونحوه تكون ضميراً للذكر والأنثى وكذلك الكاف في قوله بارك فيك عند الوقف وكسرها في الوصل فرق ضعيف وهذا لمراعاة اللفظ وإن كان المعنى مؤنثاً، كما راعوا اللفظ في نقيض هذا وإن كان المعنى مذكّراً. قال معقل بن خويلد:
ولا يستسقط الأقوام مني ... نصيبهم ويترك لي نصيب
إذا ما البوهة الهوكاء أعيا ... فلا يدري أيصعد أم يصوب
فإنما قال الهوكاء لتأنيث البوهة ولا يجوز أن يقال رجل هوكاء. وكذلك قول
(1/174)

شريح بن بجير الثعلبيّ:
وعنترة الفلحاء جاء ملأماً ... كأنك فند من عماية أسود
لو قال زيد أو عمرو مكان عنترة لم يجز أن يقول الفلحاء. ومن تأنيث اللفظ قول الشاعر يعني القراد:
وما ذكر فإن يكبر فأنثى ... شديد الأزم ليس بذي ضروس
يعني أنه إذا عظم قيل له حلمة والحلمة إنما هي مؤنثة اللفظ لا مؤنثة المعنى ومثله قول الآخر:
إنا وجدنا بني سلمى بمنزلة ... مثل القراد على حاليه في الناس
وهذا من أخبث الهجاء. يقول إنهم يولدون ذكراناً فإذا شبوّا صاروا إلى حال الإناث. والصحيح في الشطرين اللذين أنشدهما أبو علي: " لا تشلّ " بغير إثبات الياء و " بارك فيك الله " بفتح الكاف لقوله: من ذي ألّ. وقوله بعدهما: ومن موصّي لم يضع قولاً لي ولم يقل من موصّاة ولأن ترخيم المضاف لا يجوز وإن رخّم فإنما يلقى الترخيم على الاسم الثاني فلا يقدّر في قوله: مهر أبي الحبحاب أنه أراد مهرة أبي الحبحاب. قال ثابت بن محمد: روى الكوفيون هذا الرجز لا تشلّى مثبتة في الخطّ وبارك فيك بكسر الكاف على أنه يخاطب مهرة، ورواه البصريون: لا تشلّى بغيرياء وبارك فيك الله بفتح الكاف على أنه يخاطب مهراً ذكراً. وفي رواية الكوفيّين ضرورتان إحداهما ترخيم المضاف، والثانية تذكير المؤنث في قوله: من ذي ألّ وكان حقّه أن يقول من ذات ألّ. وأيضاً فإن من رخّم مضافاً فإنما ألقى الترخيم على الاسم الثاني ولم ير في شعر ترخيم الاسم الأول. أنشد سيبويه:
(1/175)

ألا يا أمّ فارع لا تلومي ... على شيء رفعت به سماعي
وقال زهير:
خذوا حظّكم يا آل عكرم واذكروا ... أواصرنا والرحم بالغيب تذكر
قال ثابت وهذا الذي ذكرته إنما وجدته عن أبي محمد السيرافيّ ولد أبي سعيد، وكان أعلم من أبيه.
وأنشد أبو علي " 1 - 44، 42 " للأعشى:
تهادى كما قد رأيت البهيرا
صلته:
وتفترّ عن مشرق بارد ... كشوك السيال أسفّ النؤورا
ويروى:
وتفترّ عن مشرق واضح ... كنور الأقاحي أسفّ النؤورا
كأن القرنفل والزنجبيل ... باتا بفيها وأرياً مشورا
وإن هي ناءت تريد القيام ... تهادى كما قد رأيت البهيرا
السيال شجر شديد بياض الشوك. والنؤور: شحم يحرق ويصيّر في الوشوم. وقال أبو عبيدة: نؤور مشتق من النار وهمزات الواو لضمّتها والعرب تستحسن اللعس في الشفاه واللثات، ولذلك كانوا يشمونها وقال النابغة:
(1/176)

تجلو بقادمتي حمامة أيكة ... برداً أسفّ لثاته بالإثمد
كالأقحوان غداة غبّ سمائه ... جفّت أعاليه ند
وهذا أبدع ما ورد في معناه. وقوله تهادى: أي تتمايل في مشيتها بدنا ونعمة. ويروى تأتّي: أي ترفق وتأنّى أيضاً بالنون. وروى أبو عبيدة:
تنوء كما قد رأيت البهيرا
أي تنهض بثقل وهذا كما قال في أخرى:
غرّاء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينا كما يمشى الوجى الوجل
كأن مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السحابة لا ريث ولا عجل
يكاد يصرعها لولا تشدّدهاإذا تقوم إلى جاراتها الكسل
أنشد أبو علي " 1 - 44، 43 ":
إذا ما اجتلى الراني إليها بطرفه ... غروب ثناياها أنار وأظلما
هذا البيت للحصين بن الحمام بن ربيعة المرّيّ شاعر جاهلي يكنى أبا يزيد، وزعم أبو عبيدة أنه أدرك الإسلام واحتجّ على ذلك بقوله:
أعوذ بربي من المخزيات ... يوم ترى النفس أعمالها
وخفّ الموازين بالكافرين ... وزلزلت الأرض زلزالها
ونادي مناد بأهل القبور ... فهبّوا ليبرز أثقالها
والثغر يوصف بالنور واللمعان ويشبّه بالمهي والبرق قال المسيّب بن علس:
(1/177)

إذ تستبيك بأصلتيّ ناعم ... قامت لتفتنه بغير قناع
ومها يرفّ كأنه إذ ذقته ... عانيّة شجّت بماء يراع
يرفّ أي يبرق. وعانيّة خمر من خمر عانات. وماء يراع يعني ماء الأنهار لأنه أخفّ من ماء البئار واليراع ينبت على الأنهار. وقال السمهريّ في تشبيهه بالبرق:
وبيضاء مكسال لعوب خريدة ... لذيذ لدى ليل التمام شمامها
كأنّ وميض البرق بيني وبينها ... إذا حان من خلف الحجاب ابتسامها
وقال الخبز أرزّي فأحسن:
ومن طاعتي إيّاه أمطر ناظري ... له حين يبدي من ثناياه لي برقا
كأن دموعي تبصر الوصل هارباً ... فمن أجل ذا تجري لتدركه سبقا
أخذه أبو الطيب فقال:
تبلّ خدّيّ كلّما ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها
ما نفضت في يدي غدائرها ... جعلته في العبير أفواها
أنشد أبو علي " 1 - 44، 43 ":
يا عمرو كم من مهرة عربيّة ... من الناس قد بليت بوغد يقودها
قال المؤلف: في هذا الشعر تخليط فمنه أبيات من شعر ابن الدمينة الذي أوّله:
هل الله عاف عن ذنوب تسلّفت ... أوالله إن لم يعف عنها معيدها
(1/178)

وأبيات من شعر الحسين بن مطير الذي أوله في بعض الروايات:
خليليّ ما بالعيش عتب لو أنّنا ... وجدنا لأيّام الحمى من يعيدها
وقد اختار العلماء والمؤلّفون من كلا الشعرين أبياتاً. وفي الشعر المذكور أبيات مجهولة لا يدري قائلها. وقوله:
يا عمرو كم من مهرة عربيّة
هو مثل قول هند بنت النعمان بن بشير الأنصاري في زوجها روح بن زنباع:
وهل هند إلاّ مهرة عربيّة ... سليلة أفراس تجلّلها بغل
فإن نتجت مهراً كريماً فبالحرى ... وإن يك إقراف فما أنجب الفحل
وقال الليثي إن اسمها حمدة أو حميدة وروايته وهل كنت إلاّ مهرة عربيّة. كانت عند روح بن زنباع هذا وهما يمانيّان يجمعهما النسب والدار ولو كانت نزارية وهو قحطانيّ قيل هذا لما بين نزار وقحطان، وروح سيّد يمانية الشأم يومئذ وقائدها وخطيبها ومحربها وشجاعها، وإنما قالت ذلك لأنه كان مسّه يوم المرج أسر وقيل بل مسّه قبل ذلك في حرب غسّان فافتدى فقالت له قول العربية الشريفة للمولى وعيّرته بالإقراف. وهذا مثل قول
(1/179)

عقيل بن علّفة أحد بني غيظ بن مرّة لعثمان بن حيّان المرّيّ وهو أحد بني مالك بن مرّة فهما ابنا عمّ حين قال له عثمان وهو أمير المدينة: زوّجني ابنتك. فقال: أناقتي أصلحك الله فظن أنه لم يسمع فرفع عثمان صوته: زوّجني ابنتك: فرفع عقيل صوته فقال: أناقتي أصلحك الله فقال: أنت أعرابي جاهل أحمق وأمر بإخراجه. وكان عثمان قد مسّه أو أباه أسر فأنشأ عقيل يقول:
كنّا بني غيظ رجالاً فأصبحت ... بنو مالك غيظاً وصرنا لمالك
لحي الله دهراً ذعذع المال كلّه ... وسوّد أستاه الإماء العوارك
وذكر علي بن الحسين أن حميدة هذه لما قالت في زوجها روح بن زنباع:
بكى الخزّ من روح وأنكر جلده ... وعجّت عجيجاً من جذام المطارف
وقال العباء نحن كنّا ثيابهم ... وأكسية كدريّة وقطائف
طلّقها روح وقال سلّط الله عليك بعلا يشرب الخمر ويقيؤها في حجرك فتزوجها بعده الفيض ابن أبي عقيل الثقفي، فكان يسكر ويقيء في حجرها فقالت فيه:
سمّيت فيضاً وما شيء تفيض به ... إلاّ بسلحك بين الباب والدار
وقالت فيه وما أنا إلا مهرة عربية رجعنا إلى تفسير الشعر الأوّل قوله قد بليت أراد بليت فخّفف وغير أبي على يروي قد بلّت من قولهم: بللت به أبلّ بلالة وبلولا صليت به وهذه الرواية أحسن. وقوله مبتّلة الأعجاز الرواية في شعر الحسين بن مطير مخصّرة الأوساط وهو أحسن لقرب الأوساط
(1/180)

من الصدور التي هي مواضع العقود. وقوله ولي نظرة بعد الصدود من الهوى الرواية في شعر ابن الدمينة ولى نظرة لولا الصدود من الجوى. لقوله قبل هذا البيت:
إذا جئتها وسط النساء منحتها ... صدوداً كأن القلب ليس يريدها
وقوله:
فلو أن ما أبقيت مني معلّق ... بعود ثمام ما تأوّد عودها
هو من بالغ ما ورد في صفة النحول لأن الثمام من أضعف النبت وأدقّه عوداً، ولذلك تقول العرب في الشيء تقرّبه " على طرف الثمام " وقول قيس بن معاذ من بالغ ما ورد في هذا الباب ويروى لمحمد بن نمير الثقفي:
ولم أر ليلى غير موقف ساعة ... ببطن منى ترمي جمار المحصّب
ويبدي الحصا منها إذا قذفت به ... من البرد أطراف البنان المخضّب
فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصبح في أعقاب نجم مغرّب
ألا إنما غادرت يا أمّ مالك ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب
ونظر المؤمّل إلى هذا المعنى فقال:
قد صرت من ضعفي إلى حالة ... تجري لها آماق حسّادي
يكاد جسمي من نحول الضنى ... يحمله أنفاس عوّادي
وقد أفرط المحدثون في هذا فقال التمّار:
(1/181)

قد كان لي فيما مضى خاتم ... والآن لو شئت تمنطقت به
أنحلني الحبّ فلو زجّ بي ... في مقلة النائم لم ينتبه
وقال ابن دريد:
إن الذي أبقيت من جسمه ... يا متلف الصبّ ولم تشعر
صبابة لو أنّها قطرة ... تجول في جفنك لم تقطر
حتى أتى أبو الطيّب فقال:
أراك ظننت السلك جسمي فعقته ... عليك بدرّ عن لقاء الترائب
ولو قلم ألقيت في شقّ رأسه ... من السقم ما غيّرت من خطّ كاتب
فهذا معدوم ألبتّة غير موجود لأن أدقّ ما يكون من الشعر وأحقر ما تدركه حاسّة البصر يغيّر الخطّ.
وأنشد أبو علي " 1 - 45، 43 ":
يلقي السيوف بوجهه وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر
هذا الشعر ينسب إلى ابن المولى محمد بن عبد الله بن مسلم مولى بني عمرو بن عوف من شعراء الدولتين ويوصل به بيت خامس وهو:
وإذا الفوارس عدّدت أبطالها ... عدّوه في أبطالهم بالخنصر
وأكثر مذاهب الشعراء المديح بلبس الدروع وشكّة السلاح وكمال البزّة. قال النابغة:
(1/182)

سهكين من صدإ الحديد كأنّهم ... تحت السنوّر جنّة البقّار
وقال مسلم بن الوليد يمدح بعض آل المهلّب:
تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يأتي على عجل
فجعله ملتزماً للبسها وغير عار منها. وقال الأعشى فذهب مذهب الأوّل:
وإذا تجئ كتيبة ملمومة ... خرساء يغشى الذائدون نهالها
كنت المقدّم غير لابس جنّة ... بالسيف تضرب معلماً أبطالها
وعلمت أن النفس تلقى حتفها ... ما كان خالقها المليك قضى لها
يمدح بهذا الشعر قيس بن معدي كرب الكنديّ. ولما أنشد كثيّر عبد الملك بن مروان قوله:
على ابن العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدّي سردها وأذالها
" يؤود ضئيل القوم حمل قتيرها ... ويستضلع القرم الأشمّ احتمالها "
قال له عبد اللمك: هلاّ قلت كما قال الأعشى؟
كنت المقدّم غير لابس جنّة
فقال له كثيّر: كلاّ. إن الأعشى وصف صاحبه بالخرق ووصفتك بالحزم. وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم درع إذا علّقت بزرافينها شمّرت وإذا أرسلت مسّت الأرض، وكان لا يشاهد الحروب إلاّ بها، وقد ظاهر في بعض تلك المواطن بين درعين وذلك يوم
(1/183)

أحد ومن أمثال العرب: " المستلئم أحزم من المستسلم " وأنشد أبو علي " 1 - 45، 44 ":
لقد هزئت منّي بنجران أن رأت ... مقامي في الكبلين أمّ أبان
ع هو لعطارد بن قرّان قاله أبو عبيدة في كتاب الصعاليك، وفيها ولا رجلاً " يرمى به الرجوان " هذه كناية عمن عرض للاستقاء ثم جعل لكل مهنة وابتذال، وقيل إنه كناية عمن يعرّض للهلكة. وفيه لا يقضى لحين أوان. أي لا يهيّأ في الوقت الذي يراد.
وأنشد أبو علي " 1 - 46، 44 " لعمرو بن الأيهم:
وتراهن شزّباً كسعالي ... يتطلّعن من ثغور النقاب
ع هو عمرو بن الأيهم بن أفلت التغلبي نصرانيّ شاعر إسلاميّ، ويقال إن اسمه عمير وقيل للأخطل وهو يموت على من تخلّف قومك قال على العميرين يريد القطاميّ عمير بن أشيم وعمير بن الأيهم. وبعد البيت الشاهد:
ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلى وضرب الرقاب
(1/184)

قاتل الله قيس عيلان طرّاً ... مالهم دون غدرة من حجاب
وأول الشعر:
لمن الدار قد عفت ومحاها ... نسج ريح وصائبات السحاب
وأنشد أبو علي " 1 - 46، 45 ":
ولست بصادر عن بيت جاري ... صدور العير غمّره الورود
ع الشعر لعقيل بن علّفة وقبله:
تناهوا فاسألوا ابن أبي لبيد ... أأعتبه الضبارمة النجيد
ولستم فاعلين إخال حتى ... ينال أقاصي الحطب الوقود
وأبغض من وضعت إليّ فيهلساني معشر عنهم أذود
ولست بسائل جارات بيتي ... أغياب رجالك أم شهود
ولست بصادر عن بيت جاري ... صدور العير غمّره الورود
ولا ألقي لذي الودعات سوطي ... لألهية وريبته أريد
هكذا أنشده أبو تمام. وقال الرياشي هكذا جاء بها أبو تمام. وقوله ولست بسائل جارات بيتي وما بعده ليس لعقيل هو لابن أبي نمير القتّالي من بني مرّة. ولم يبيّن أبو علي معنى غمّره الورود وإنما أراد أنه لم يرو وصدر ملتفتاً إلى الماء فيقول لا ألتفت إلى بيت جارتي كما يلتفت الحمار إلى الماء إذا صدر غير ريّان. ويروى وربّته أريد وهو أحسن. وربّته أمه.
وهو عقيل بن علّفة بن الحارث بن معاوية ذبياني يكنى أبا العميس وأبا الجرباء.
(1/185)

شاعر مجيد من شعراء الدولة الأمويّة، وكان أهوج جافيا شديد الهوج والعجرفيّة لا يرى أن له كفؤاً وله في ذلك أخبار كثيرة.
وأنشد أبو علي " 1 - 46، 45 " لمسكين الدرامي:
لا آخذ الصبيان ألثمهم ... والأمر قد يغزي به الأمر
هو ربيعة بن عامر بن أنيف ومسكين لقب ولذلك قال:
وسميّت مسكيناً وكانت لجاجة ... وإني لمسكين إلى الله راغب
وصلة بيته المذكور على ما أنشده ابن السكيت وغيره من روايات مختلفة:
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضرّ جاراً لي أجاوره ... أن لا يكون لبابه ستر
(1/186)

لا آخذ الصبيان ألثمهم ... والأمر قد يغزي به الأمر
ومخاصم قاومت في كبد ... مثل الدهان فكان لي العذر
يغزى أي يقصد من قولهم قد عرفت مغزاك ويرى يغري به الأمر ويعنى به الأمر. الدهان الأديم الأملس أي مقاومته في مقام مزلّة فثبتت قدمي فيه. والكبد المشقّة والعذر النجح. وأنشد صاعد في مثل هذا المعنى:
إذا رأيت صبيّ القوم يلثمه ... ضخم المناكب لا عمّ ولا خال
فاحفط ثيابك منه أن يدنّسها ... ولا يغرّنك حسن الحال والمال
وأنشد أبو علي " 1 - 47، 45 " لعمارة بن عقيل:
لا شيء يدفع حقّ خصم شاغب ... إلاّ كحلف عبيدة بن سميدع
ع قوله إلا كحلف عبيدة هكذا الرواية بكسر الحاء وهو الصواب لأن هذا ما تنقل حركته عند التخفيف كما يقال في كبد كبد وفي عضد عضد هذا الأفصح، وقد قالوا كبد وعضد فتركوا حركة أولهما على حالها فيجوز على هذا إلا كحلف عبيدة. وقد وردت حروف
(1/187)

لا يجوز فيها غير النقل مثل قولهم في لعب لعب ولم يقولوا لعب وورد أيضاً ما لم يسمع فيه نقل مثل قولهم في تخفيف رجل رجل ولم يقولوا رجل. وقوله كاهتزاز الأشجع الأشجع الحية القصيرة الذنب الخبيث والأشجع أيضاً من الإبل السريع نقل القوائم وقيل هو الذي به جنون. وهذا الشعر من حسن ما ورد في اليمين الفاجرة وكذلك قول الشمّاخ:
يقولون لي فاحلف ولست بحالف ... أخادعهم عنها لكيما أنالها
ففرّجت همّ الصدر مني بحلفة ... كما شقّت الشقراء عنها جلالها
وقال ابن الروميّ في ذلك فأحسن:
وإني لذو حلف كاذب ... إذا ما استمحت وفي المال ضيق
وهل من جناح على معسر ... يدافع بالله ما لا يطيق
وقال أيضاً أي ابن الرومي وأبدع ما شاء:
إذا حلّت على ضيق ديوني ... وباكرني التجار وخوّفوني
دفعتهم بمن لو شاء أدّى ... حقوقهم إليهم منذ حين
وقال آخر من المحدثين:
(1/188)

إذا حلّفوني بالغموس منحتهم ... يميناً كأخلاق الرداء الممزّق
وإن حلّفوني بالطلاق رددتها ... كأحسن ما كانت كأن لم تطلّق
وإن حلّفوني بالعتاق فعالم ... سحيم غلامي أنه غير معتق
أنشد أبو علي " 1 - 47، 45 ":
إلاّ رواكد بينهن خصاصة ... سفع المناكب كلّهن قد اصطلى
ع وهذا الشعر للرخيم العبدي وفيه يقول:
ومجوّف بلقاً ملكت عنانه ... يعدو على خمس قوائمه زكا
وقد فسّر أبو علي معناه ومثله قول أبيتمّام ومنه أخذه:
صهصلق في الصهيل تحسبه ... أشرج حلقومه على جرس
تصيد عشراً من النعام به ... بواحد الشدّ واحد النفس
وأنشد أبو علي " 1 - 48، 46 " للأحوص شعراً فيه:
أو تدبري تكدر معيشتنا ... وتصدّعي متلائم الشعب
ع يقال كدر الشيء يكدر وكدر يكدر. والشعب هنا الاجتماع ومنه شعبت الإناء أشعبه شعباً إذا لأمته ورأبته والمشعب المثقب الذي يثقب به والشعب أيضاً الافتراق ومنه قيل للمنيّة شعوب اسم من أسمائها لا تدخله الألف واللام. قال أبو بكر ابن دريد وليس هذا من الأضداد إنما هي لغة لقوم.
(1/189)

وأنشد أبو علي " 1 - 48، 47 ":
ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد هصور
اختلف العلماء في عزو هذا الشعر فأنشده أبو تمام لعباس بن مرداس السلميّ ونسبه ابن الأعرابي والرياشيّ إلى معوّد الحكماء. وقال عمرو ابن أبي عمرو النوقانيّ وقد نسب إلى ربيعة الرقّيّ والصحيح من هذا والله أعلم أنه لمعوّد الحكماء وهو معاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب سميّ معوّد الحكماء بقوله:
سأعقلها وتحملها غنيّ ... وأورث مجدها أبداً كلابا
أعوّد مثلها الحكماء بعدي ... إذا ما معضل الحدثان نابا
ومعاوية خامس خمسة من إخوته كلهم ساد ووسم بخصلة حميدة عرف بها وأمهم أم البنين بنت عمرو بن عامر فارس الضحياء واسمها الحيا وهي التي يضرب بها المثل فيقال: " أنجب من أمّ البنين " ولدت لمالك بن جعفر عامراً ملاعب الأسنّة أبا براء وطفيل الخيل فارس قرزل والد عامر بن الطفيل وربيع المقترين ربيعة والد لبيد ونزّال المضيق سلمى
(1/190)

ومعود الحكماء معاوية. وقيل بل التي ولدتهم بنت رياح بن خالد الجرميّ. وقال لبيد يفخر بها:
نحن بنو أمّ البنين الأربعة
إنما قال أربعة وهم خمسة لأن وزن الشعر لم يطّرد له إلاّ بالأربعة. قال ابن دريد لا يعرف الخلاف في الجاهلية إلا في نفر يسير منهم أبو جهل ابن هشام ولهذا قيل له " مصفّراً استه " وقابوس بن المنذر عمّ النعمان ويلّقب جيب العروس وطفيل بن مالك هذا. وقال قطرب في قول المخبّل:
يحجّون سبّ الزبرقان المزعفرا
نسبه إلى الأبنة وأول الشعر في رواية ابن الأعرابيّ:
(1/191)

يفاخر بكثرتها قريط ... وقبلك والد الحجل الصقور
شرار الطير أكثرها فراخاً ... وأمّ الصقر مقلات نزور
فإن أك في عديدكمو قليلاً ... فإني في عدوّكمو كثير
وأنشده أبو تمام كما أنشده أبو علي إلاّ أنه قال:
يصرّفه الصبيّ لكلّ وجه ... ويحبسه على الخسف الجرير
وروى فلا غير لديه ولا نكير. وزاد في آخره.
فإن أك في شراركمو قليلاً ... فإني في خياركمو كثير
وفيه فيخلف ظنّك الرجل الطرير وهو ذو المنظر والهيئة وأصله التحديد يقال طررت السكّين إذا أحددتها. ومثله قول طرفة:
وكائن ترى من يلمعيّ محظرب ... وليس له عند العزائم جول
وأنشد أبو علي " 1 - 49، 47 " لعبد الله بن سبرة:
ويل أمّ جار غداة الروع فارقني ... أهون عليّ به إذ بان فانقطعا
وهو عبد الله بن سبرة الحرشي ثم القيسيّ. وكان من خبر هذا الشعر أنه خرج إلى أرض الروم مع المسلمين يتبعون جمعاً للروم هزموهم حتى انتهوا إلى جسر خلطاس فحمى
(1/192)

الروم قائدهم وتخلّف وراءهم فجعل لا يبرز له أحد إلاّ قتله فملما رأى عبد الله ذلك نزل إلى الروميّ، وقد نكل الناس عنه فلما رآه الروميّ مشى كل واحد منهما إلى صاحبه والناس ينظرون فبدره الروميّ إلى الضربة فأصاب يد ابن سبرة وعانقه ابن سبرة واعتقله فصرعه وقعد على صدره فناشدهم الله أن يمسكوا عنه حتى يقتله هو بيده ويتّئر منه فقتله وقال في ذلك الشعر. وقوله ولو تقارب مني الموت فاكتنعا معناه اقترب واجتمع. وامتصعا اجتلدا وهو المصاع. وذرّية رونقه. وقال النمريّ يعني فرنده نسبة إلى الذرّ ويروى عن درّيّة وهو اللمعان نسبة إلى الدرّ. والطبع الصدأ. واشتفّ شرب آخر نفسه. وقوله هدّاب مخملة يعني قطيفة. وأزرق أحمر نعت للروميّ. وروى أبو علي لم يمشط ورواه ابن الأعرابيّ لم يشمط وقد صلعا، وكذلك رواه قاسم بن أصبغ عن ابن قتيبة وهو الصحيح لأن المعنى حصّت البيضة هامته فصلع وليس ذلك من كبر يعني لم يصلع من كبر لأنه لم يشمط بعد. ومن روى لم يمشط فهو تصحيف لا محالة. وقال ثعلب الأطربون البطريق وقال ابن قتيبة: هو اسم رجل روميّ. والجذمور: أصل الإصبع، والجذمور والجذمار قطعة تبقى من السعفة إذا قطعت. وآنسوا: أبصروا. وأوصاله الواحد وصل وهو كل عضو تامّ. وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي في الجذمور أصل الإصبع بيتاً مجانساً لقول ابن سبرة، وهو من أبيات المعاني:
(1/193)

وكنت إذا أدررت منها حلوبة ... بجذمور ما أبقى لك السيف تغضب
قال هذا رجل قطعت أصابعه وبقيت أصولها فأخذ ديتها إبلاً فيقول متى تدرر منها حلباً تذكّر فاعل هذا بك فتغضب. ويروى:
لعلك يوماً إن أثرت خليّة
وأنشد أبو علي " 1 - 49، 48 " لجرير الديلي:
كأنما خلقت كفّاه من حجر ... فليس بين يديه والندى عمل
ع ومثل هذا قول أبي الشمقمق في سعيد بن سلم:
هيهات تضرب في حديد بارد ... إن كنت تطمع في نوال سعيد
والله لو ملك البحار بأسرها ... وأتاه سلم في زمان مدود
يبغيه منها شربة لطهوره ... لأبي وقال تيمّمن بصعيد
وذكر أبو علي " 1 - 50، 48 " عن يونس خبره مع شبيل بن عروة الضبعيّ عند أبي عمرو.
(1/194)

ع وكان شبيل نسّابة لغويّاً وهو صاحب القصيدة اللاميّة الطويلة، وكان رافضياً سبعين سنة ثم انتقل خارجيّاً صفريّاً. ويونس بن حبيب مولى لبني ضبّة يكنى أبا عبد الرحمن وكان من أهل جبل وكان النحو أغلب عليه أخذ عن أبي عمرو. وقال أبو زيد: ما رأيت أبذل للعلم من يونس. قال أبو علي أمليت خبر يونس بالمعنى ولم آت به على لفظه. ورواه قاسم بن ثابت عن محمد بن عبد الله العذري عن أبي حاتم عن أبي عبيدة عن يونس وزاد فيه قال يونس: فلما خرج شبيل عاتبني أبو عمرو وقال: ما أردت إلى رجل شريف تأبسه. قال: إني والله ما ملكت نفسي فقال: أما سلّطت على تقويم الناس! قال أبو زيد: أبسته ووقمته وقهرته بمعنى قال العجّاج:
ليوث غاب لم ترم بأبس
وأنشد أبو علي " 1 - 50، 49 " للأحيمر السعدي:
وقالت أرى ربع القوام وشاقها ... طويل القناة بالضحاء نؤوم
وهو الأحيمر بن فلان بن الحارث بن يزيد السعدي من شعراء الدولتين، وكان لصّاً خارجاً وهو القائل:
(1/195)

وإني لأستحي من الله أن أرى ... أجرّر حبلاً ليس فيه بعير
وأن أسأل الحبس اللئيم بعيره ... وبعران ربيّ في البلاد كثير
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوّت إنسان فكدت أطير
وأنشد أبو علي: 1 - 50، 49 ":
حللنا آمنين بخير عيش ... ولم يشعر بنا واش يكيد
ع أنشدها أبو الفرج لبشّار وقد نسبت إلى عروة بن أذينة وهو بشّار بن برد مولى بني عقيل، ويقال مولى بني سدوس يكنى أبا معاذ ويلّقب بالمرعّث وكان أكمه وهو أشعر المحدثين، ورأس المطبوعين غير المكلّفين. واعتذاره من البكاء في هذا الشعر أحسن ما ورد في معناه ثم قول خالد الكاتب:
شيّعتهم فاسترابوابي فقلت لهم ... إنّي بعثت مع الأجمال أحدوها
(1/196)

وسينشدها أبو علي بعد هذا. وقال ابن المرزبان في كتابه في أخبار الشعراء أن أبا العتاهية زار بشّار بن برد. فقال له بشار: يا أبا العتاهية والله إنّي لأستحسن اعتذارك في البكاء إذ تقول:
كم من صديق لي أسا ... رقه البكاء من الحياء
فإذا تأمل لا مني ... فأقول ما بي من بكاء
لكن ذهبت لأرتدي ... فطرفت عيني بالرداء
فقال أبو العتاهية: ما غرفته إلاّ من بحرك وأنت المبرّ السابق حيث تقول:
وقالوا قد بكيت فقلت كلاّ ... وهل يبكي من الطرب الجليد
ع أول من نطق بهذا المعنى وديعة بن درّة جاهلي قديم قال:
لقد قيل من طول اعتلالي بالبكا ... أجدّك لا تلقي لعينيك قاذيا
بلى إن بالجزع الذي بين منشد ... وموبولة لو كان يلقى مداوياً
أخذه الحطئة فقال:
إذا ما العين فاض الدمع منها ... أقول بها قذى وهو البكاء
ثم أخذ المحدثون فحسّنوه منهم بشار وأبو العتاهية وخالد الكاتب في الأشعار المذكورة، ومنهم ابن أبي فنن فإنه قال:
(1/197)

ولمّا أبت عيناي أن تملكا البكا ... وأن تحبسا سحّ الدموع السواكب
تثاءبت كي لا ينكر الدمع منكر ... ولكن قليلاً ما بقاء التثاؤب

وذكر أبو علي " 1 - 51، 50 "
خبر عمرو بن بحر الجاحظ
إذ أتاه رسول المتوكّل وفيه: " ما تقولون في رجل له شقّان: أحدهما لوغرز بالمسالّ ما أحسّ، والثاني يمرّ به الذباب فيغّوث ".
ع رواه غير أبي علي: أحدهما لوغرز بالمسالّ ما اكترث، والثاني إن مرّ به الذباب غوّث وأنشد أبو علي في هذا الخبر لعوف بن محلّم:
يا ابن الذي دان له المشرقان ... طرّاً وقد دان له المغربان
ع هو عوف بن محلّم مولى بني أميّة ويقال مولى بني شيبان الجزري الحرّاني يكنى أبا محلّم هكذا قال محمد بن داود وقال يحيى بن محمد الصولي ويكنى أبا المنهال شاعر مجيد من شعراء الدولة الهاشميّة أدرك سنّاً بالجزيرة ثم قدم العراق واتّصل بذي اليمينين فأيسر آخر عمره وكان سبب اتصاله به أنه نادى على الجسر ببغداد أيام الفتنة بهذه الأبيات:
عجبت لحرّاقة ابن الحسين ... كيف تعوم ولا تغرق
(1/198)

وتجران من تحتها واحد ... وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانها ... وقد مسّها كيف لا تورق
وقوله قبل اصفرار البنان يعني قبل الموت كما قال الآخر وهو لبيد:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل
وقال عبيد:
قد أترك القرن مصفرّاً أنامله ... كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد
وقال الأعشى:
قد أترك القرن مصفرّاً أنامله ... وقد يشيط على أرماحنا البطل
وقال آخر:
قد أترك القرن مصفرّاً أنامله ... يميد في الرمح ميد المائح الأسن
وأنشد أبو علي " 1 - 52، 51 ":
رمى الإدلاج أيسر مرفقيها ... بأشعث مثل أشلاء اللجام
ع البيت لذي الرمّة وصلته.
ألمّ خيال ميّة بعد وهن ... بظمأى الآل خاشعة السنام
رمى الإدلاج أيسر مرفقيها ... بأشعث مثل أشلاء اللجام
أناخ فما توسّد غير كفّ ... ثنى ببنانها طرف الزمام
(1/199)

صريع تنائف ورفيق صرعى ... توفّوا قبل آجال الحمام
الآل الشخص: يعني أنها ناحلة الجسم وفسّر أبو عليّ البيت وأغفل تفسير أغمضه، وذلك تخصيصه لأيسر مرفقيها دون اليمين، وإنما أراد أنهم ينامون على أيمانهم فيتوسّدون أياسر المطيّ لتكون وجوههم ووجوه الإبل في جهة واحدة فيكتلئوا بأبصارها لأنها أبصر وأسهر ولو ناموا على أيامنهم ثم توسّدوا أيامن المطيّ لكانت وجوههم إلى أعجازها. والنوم على اليمين لوجهين أحدهما أن ابتداء كل عمل باليمين هو الوجه والاختيار في الجاهلية والإسلام والثاني أن شقّ الشمال هو مناط السيف والجفير والقوس فلا يمكن الاضطجاع عليه وليس ذلك المعرّس بموضع طمأنينة ولا مكان خلع سلاح. وقال ذو الرمّة في هذا المعنى بعينه.
جنحن على أردافهن وهوّموا ... سحيراً على أعضادهن المياسر
وفي الاكتلاء بعين المطيّة يقول الشاعر قال القتبيّ وهو كعب بن زهير:
أنخت قلوصي واكتلأت بعينها ... وآمرت نفسي أيّ أمريّ أفعل
وأنشد يعقوب في الأبيات مثله:
لها حرس منها إذا احترست به ... جعلت فلا أدهى احتراسي احتراسها
لها حرس يعين عينيها وأذنيها يقول جعلت احتراسي احتراسها فلا أدهى لأنّها أسمع منيّ.
وأنشد أبو علي " 1 - 53، 52 ":
وجمّة تسألني أعطيت
(1/200)

ع هذه الأشطار قد نسبها قوم إلى العجّاج ونسبها آخرون إلى أبي محمد الفقعسيّ وكذلك قال يعقوب أنها للحذلميّ وسينشدها أبو علي بعد هذا " 2 - 248، 244 " بكمالها. وقال أحمد بن يحيى قلت لأبي عبد الله لم قال لا أدري وقد درى وعلم قال يقول إن: يكن خبري خيراً استراب بي صديقي وزاد حسد عدوّي فطلبني بالغوائل وإن يكن شراّ حزن صديقي وشمت عدوّي فكتمانه على كل حال أنفع.
وأنشد أبو علي " 1 - 53، 52 ":
لو قد تركتك لم تنخ بك جمّة ... ترجو العطاء ولم يزرك خليل
يقول لو قد تركتك وأخفرتك فلم أنصرك وأمنع منك لأغير عليك فذهبت إبلك فلم تنخ بك جمّة تسألك عوناً في حمالة ولا زارك خليل يرجو منك عارفة: قال أبو علي " 1 - 53، 52 " في حديث الأعرابي الذي سئل عن بنيه فقال: " غشمشم وما غشمشم " ولم يفسّره.
ع وهو الذي يركب رأسه ولا يثنيه شيء. وقال فيه عشرّب وما عشرّب ولم يفسره وهو الغليظ الشديد.
وأنشد أبو علي " 1 - 53، 52 " لذي الرمّة:
كأنها جمل وهم وما بقيت
ع وقبله:
أخا تنائف أغفى عند ساهمة ... بأخلق الدّفّ من تصديرها جلب
تشكو الخشاش ومجرى النسعتين كما ... أنّ المريض إلى عوّاده الوصب
كأنها جمل وهم وما بقيت ... إلاّ النّحيزة والألواح والعصب
(1/201)

ساهمة أي ضامرة. وبأخلق الدفّ يريد بموضع أملس من الجنب به جلب من تصديرها والتصدير حزام الرحل وهو الغرضة. والخشاش خشبة في الأنف يناط إليها الزمام فإن كان حبلاً فهو عران وإن كان حلقة صفر أو فضّة فهي برة. والنسعتان الحقب والتصدير وشكواها ما يتبين عليها من هملان عينها وكثرة صريفها كما قال الشّماخ:
وتشكو بعين ما أكلّ ركابها ... وقيل المنادي أصبح القوم أدلجى
وقال المثقّب في ذلك فخرج عن باب المجاز والاستدلال إلى باب المحاورة الصحيحة والخطاب:
إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوّه آهة الرجل الحزين
أكلّ الدهر حلّ وارتحال ... أما تبقى عليّ وما تقيني
وأهل الحكمة من كل أمّة يجعلون كل دليل قولاً قال زهير: أمن أم أو في دمنة لم تكلّم كلامها أن يبين لها رسم ويظهر أثر فلما عدم ذلك منها جعلها غير متكلّمة. وقال آخر:
يا لا حد الميّت في قبره ... خاطبك القبر ولم تفهم
وقوله كأنها جمل وهم هو الذكر من الإبل أعظم خلقاً من الأنثى ولذلك قالوا ناقة جماليّة. والوهم: العظيم الخلق. والنحيزة: الطبيعة. والألواح: العظام العريضة. يقول قد كانت قبل ذلك أضخم فبراها السفر.
وأنشد أبو علي " 1 - 54، 53 " للراعي:
من أمر ذي بدوات لا تزال له ... بزلاء يعي بها الجثّامة اللبد
(1/202)

ع وقبله:
تطاول الليل من هم تضيّفني ... دون الأصارم لم يشعر به أحد
إلاّ نحيّة آراب تقلّبني ... كما تقلّب في قرموصه الصرد
في صدر ذي بدوات. هكذا رواه الأصمعي وأبو عبيدة وغيرهما. والأصارم جمع أصرام والأصرام جمع صرم وهو ما بين العشرين بيتاً إلى الثلاثين. والآراب جمع أرب وهو الحاجة. والجثّامة البليد الذي لا يتّجه لشيء مأخوذ من الجثوم. واللبد اللازم لموضعه وطائر يسمّى اللبد لأنه يلزق بالأرض. ويروى في البيت الجثّامة اللبد. وبدوات جمع واحدها بداة وكانت العرب تقول للرجل الحازم فلان ذو بدوات أي ذو آراء تظهر فيختار أجودها.
وأنشد أبو علي " 1 - 54، 53 " لأعرابيّ:
أشاقتك البوارق والجنوب ... ومن علوى الرياح لها هبوب
وفيها:
وشمت البارقات فقلت جيدت ... جبال البتر أو مطر القليب
هكذا رواه أبو عليّ وغيره ينشده جبال البثر بالباء الموحدة المفتوحة وبالثاء المعجمة
(1/203)

بثلاث. والبثر ماءة بذات عرق. قال أبو جندب:
إلى أنّي نساق وقد بلغنا ... ظماء عن سميحة ماء بئر
وفيه:
ورقط الطير مطعمها الجنوب
رقطها: سباعها البزاة والصقور، ويروى: مطعمها الجيوب وهي القلوب، ومنه قولهم: فلان ناصح الجيب.
وأنشد أبو علي " 1 - 54، 53 " لحجيّة بن المضرّب:
إذا كنت سألاً عن المجد والعلا ... وأين العطاء الجزل والنائل الغمر
يمدح يعفر بن زرعة.
ع حجيّة بن المضرّب الكندي شاعر من شعرائهم وكان نصرانيّاً أدرك الجاهلية والإسلام وإنما قيل لأبيه المضرّب لأنه ضرّب بسيف عدة ضربات فما أحاك فيه. وقوله "
(1/204)

أحد الأملوك أملوك ردمان " فالأملوك قبيلة من حمير. وقال الخطابي: الأملوك واحد وهو دون الملك. وردمان: مدينة باليمن. وقال فيه:
ولو كان في الأرض البسيطة منهم ... لمختبط عاف لما عرف الفقر
المختبط: الذي يسأل الرجل من غير معرفة كانت بينهما ولا يد سلفت منه إليه، يقال اختبطت فلاناً فخبطني بخير وأصله من اختباط الورق للسائمة. وقال علقمة:
وفي كل حيّ قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب
شأس أخوه: وفي البيت حذف، المعنى ولو كان في الأرض البسيطة منهم مثله فحذف، ومثله قوله سبحانه: " وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته " ومثله: " وإن منكم إلا واردها ". وقال العجير السلوليّ:
وما الدهر إلاّ تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
أراد فمنهما تارة. وقال الراجز:
لو قلت ما في قومها ولم تئثم يفضلها في حسب وميسم
ولا يجوز مثل هذا الحذف إلاّ مع من أو في لدلالتهما على التبعيض. ومثله في المعنى قول البحتري:
قوم يمجّ دماً على أرماحهم ... يوم الوغى المستسلم المستلئم
(1/205)

لو كان في الدنيا قبيل آخر ... بإزائهم ما كان فيهم معدم
وقال فيه:
وما ضاع معروف يكافئه شكر
هذا من قول العرب: " كل شكر وإن قلّ كفاء لكل معروف وإن جلّ " وقال ورقة بن نوفل:
إرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوماً فتدركه العواقب قد نمى
يجزيك أو يثني عليك وإنّ مني ... أثني عليك بما فعلت فقد جزى
وأنشد أبو علي " 1 - 55، 54 ":
سقي دمنتين ليس لي بهما عهد ... بحيث التقى الدارات والجرع الكبد
ع هذه القصيدة تعزى إلى بعض بني أسد ويزاد في آخرها بيتان وهما:
هل الحبّ إلاّ زفرة بعد ذكرة ... وحرّ على الأحشاء ليس له برد
وفيض دموع العين يسكب كلّما ... بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو
ويروى: وفيض دموع العين يا ذلف كلما. قوله والجرع الكبد الجرع والأجرع والجرعاء الأرض ذات الحزونة. والكبد جمع أكبد وهو كل ما ضخم وعظم. وقوله:
(1/206)

وألين من مسّ الرخامات هكذا الرواية برفع وألين وهو الصحيح. فإن كان ألين صفة للبنان فهو معطوف على المسواك لأن البنان يورده وهو الوجه وإن كان صفة للشفة فهو معطوف على قوله البرد، ويكون المراد بألين فوها لأن الشفتين توصفان باللين والرقّة ويكره فيهما الجسوء والغلظ فإن كان أراد بألين البنان فقوله: بمارنه معناه ليّنه وكل لدن مارن. يقال: ما أحسن مرانة الثوب أي لدونته ولذلك قيل لما لأن من الأنف مارن فيقول: إن بنانها مضمّخ مطيّب. وإن كان أراد بألين الفم فإنه يعني بمارنه الأنف، وكانت نساء العرب تتلّغم بالطيب فتضعه على الأنف وما حوالي الفم قال ذو الرمّة:
تثني النقاب على عرنين أرنبة ... شمّاء مارنها بالمسك مرثوم
مرثوم أي ملطوخ كما يقال رثم أنفه إذا دقّه فأدماه. وقال هدبة:
تضمّخن بالجاديّ حتى كأنما الأنوف ... إذا استعرضتهن رواعف
وقد قرأه قوم وألين بالنصب عطفاً على عوارض فيكون على هذه الرواية يعني الفم لا غير. والرخامي نبت من ذكور البقل ينبت في الأرض الرخوة له عروق بيض تتبّعها الثيران فتحفر عنها تأكلها قال ابن مقبل: تظلّ الرخامى غضّة من مراده: وجمعه رخاميات واضطرّ فقال: رخامات. وهذا كما قالوا في أخريات أخرات قال أبو العيال:
إذا سنن الكتيبة صدّ ... عن أخراتها العصب
وأنشد ابن الأعرابيّ:
ويتّقي السيف بأخراته ... من دون كفّ الجار والمعصم
(1/207)

وفيه:
فرى نائبات الدهر بيني وبينها ... وفرى هنا بمعنى أفسد وهذا شاهد
للمبرّد لأنه قال: فرى وأفرى بمعنى أفسد. وقوله: بيني وبينها يعني وصلها وهو المفريّ.
وأنشد أبو علي " 1 - 55، 54 " لأبي الهندي:
قل للسريّ أبي قيس أتهجرنا ... ودارنا أصبحت من داركم صددا
ع أبو الهندي هو عبد المؤمن بن عبد القدّوس بن شبث بن ربعيّ الرياحي. وقال أبو الفرج اسمه غالب بن عبد القدوس شاعر إسلامي وقد أدرك أول الدولة الهاشميّة وكان مغرماً بالشراب، وكان يشارب قيس ابن أبي الوليد الكنانيّ فاستعدي أبو الوليد عليهما فهربا منه. وقال أبو الهندي هذا الشعر. وكان أبو الوليد ناسكاً. ويلحق بالشعر بيت رابع وهو:
أما رأيت أخا الأجمال منجدلاً ... إذا تعلّى على كرسيّه سجدا
أخا الأجمال: النعمان وكان منع من اقتناء هجان الإبل وهي كرامها البيض منها وكان لا يقتنيها سواه، فلذلك قال أخا الأجمال أي صاحبها. منجلاً: بعني انتشاء وسكراً، وقول أبي الهندي هذا مأخوذ من قول إياس بن الأرتّ:
أعاذل لو شربت الخمر حتّى ... يكون لكل أنملة دبيب
إذاً لعذرتني وعلمت أني ... بما أتلفت من مالي مصيب
وأنشد أبو علي " 1 - 56، 55 " لزهراء الأعرابيّة:
(1/208)

وجدي بجمل على أني أجمجمه ... وجد السقيم ببرء بعد إدناف
أو وجد ثكلى أصاب الموت واحدها ... أو وجد مشتعب من بين ألاّف
ع الوجد يكون في الحبّ والحزن معاً بفتح الواو، فأما في المال فيقال وجدت وجداً ووجداً ووجداً هذا قول الفرّاء وجدة أيضاً. ومعنى الوجد هنا الحزن، تقول حزني لفقد جمل حزن السقيم المدنف بعدم البرء، أو حزن الثكلى بفقد ولدها الواحد أو حزن مقتطع من ألاّفه لبعدهم.
وأنشد أبو علي " 1 - 56، 55 ":
فما وجدت على إلف أفارقه ... وجدي عليك وقد فارقت ألاّفا
ع ألاّف: جمع آلف فإن أردت جمع إلف قلت آلافا، يقال منه ألفته وآلفته.
وأنشد أبو علي " 1 - 56، 55 ":
أقول لصاحبيّ بأرض نجد ... وجدّ مسيرنا ودنا الطروق
ع أراد ودنا وقت الطروق وهو الليل فحذف، ولا يقال طرق إلاّ ليلا.
أنشد أبو علي " 1 - 56، 55 " لإسحاق بن إبراهيم:
طربت إلى الأصيبية الصغار ... وهاجك منهم قرب المزار
ع قال إسحاق انحدرت مع الوثائق إلى النجف، ثم انحدرنا إلى الصالحيّة التي يقول فيها أبو نواس:
فالصالحيّة من أكناف كلواذا
(1/209)

فذكرت بغداذ فقلت:
أتبكي على بغداذ وهي قريبة ... فيكف إذا ما ازددت عنها غداً بعدا
لعمرك ما فارقت بغداذ عن قلى ... لو أنّا وجدنا من فراق لها بدّا
كفى حزناً أن رحت لم استطع لها ... وداعاً ولم أحدث بساكنها عهدا
وغنّيته فيه. فقال اشتقت يا إسحاق، فقلت لا يا أمير المؤمنين: ولكن من أجل الصبية. وقد حضرني بيتان فقال هاتهما فقلت:
طربت إلى الأصيبية الصغار
فاستحسنهما وقال يا إسحاق سر إلى بغداذ فأقم مع ولدك شهراً ثم عد إلينا، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم. قوله الأصيبية هو تصغير صبية لأن أصله أصبية مثل أجربة جمع جريب ويصغّر أيضاً صبيّة على لقظه. وأنشد النحويون في ذلك:
صبية على الدخان رمكا
وأنشد أبو علي " 1 - 56، 55 " لطفيل:
أناس إذا ما أنكر الكلب أهله
ع هو طفيل بن عوف بن ضبيس الغنوي ويكنى أبا قرّان ويسمى محبرّا لتحسينه شعره شاعر جاهلي وهو أنعت الناس للخيل، وصلة بيته:
مجاورة عبد المدان ومن يكن ... مجاورهم بالقهر لم يتطلّع
أناس إذا ما أنكر الكلب أهله ... حموا جارهم من كل شنعاء مضلع
(1/210)

وإن شلّت الأحياء بات ثويّهم ... على خير حال آمناً لم يفزّع
القهر جبل في بلاد بني الحارث بن كعب. ولم يتطلّع أي لم يستطع ظلمه ولم تطلعه أمور يكرهها. وإن شلّت أي طردت إبل أحياء بات جارهم آمناً من أن تطرد إبله. وفي إنكار الكلب يقول عيينة بن أسماء بن خارجة يهجو:
لو كنت أحمل خمراً يوم زرتكمو ... لم ينكر الكلب أني صاحب الدار
لكن أتيت وريح المسك يفغمني ... وعنبر الهند مشبوب على النار
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني ... وكان يعرف ريح الزقّ والقار
وأنشد أبو علي " 1 - 56، 56 " لذي الرمّة:
إذا أنتجت منها المهاري تشابهت
ع صلته:
خدبّ الشوى لم يعد في آل مخلف ... أن اخضرّ أو أن زمّ بالأنف بازله
يصف بعيراً ومضى في صفته ثم قال:
سواء على ربّ العشار الذي له ... أجنّتها سقبانه وحوائله
إذا نتجت منه المهاري تشابهت ... على العوذ إلاّ بالأنوف سلائله
هكذا الشعر إذا نتجت منه لا منها كما أنشده أبو علي. ولا يجوز أن يقال نتج من الناقة سقب إنما تنتجه الناقة من البعير. وأيضاً فإنه لو كان إذا نتجت منها المهاري لقال تشابهت عليها لأنها هي. قوله خدبّ الشوى أي ضخم القوائم عظيمها وأراد لم يعد أن
(1/211)

طلع بازله وهو في شخص مخلف: والآل الشخص فقدّم وأخّر. والمخلف الذي أتى عليه حول بعد البزول. وقوله زمّ بالأنف يريد حين ارتفع وهذه استعارة. والناب إذا طلع يكون أخضر كأنه ورقة آس قال أبو النجم:
أخضر صرّافاً كحدّ المعول
وهذا البيت أغمض معنى وأحوج إلى التفسير من البيت الذي جاء به أبو عليّ. ثم قال هذا البعير كريم النسل فسواء على ربّه أأذكر أو آنث. والحائل الأنثى من أولاد الإبل.

وذكر أبو علي " 1 - 57، 56 "
خبر مقّاس العائديّ مع هشام بن عبد الملك
ع قال الأخفش هو مقاس بن عمرو بن عثمان بن ربيعة بن عائدة قريش، وبنو عائدة يقولون إنه خزيمة بن لؤيّ بن غالب بن فهر. فهم عائدة قريش وهم في بني أبي ربيعة ابن ذهل بن شيبان. ومقّاس لقب واسمه مسهر ويكنى أبا جلدة وزعم صاعد بن الحسن أنه مسهر بن النعمان بن عمرو من أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان فهو على قوله حليف لعائذة
(1/212)

قريش ولذلك قيل له عائذيّ وهذا خطأ. وقال ابن الكلبي اسمه يعمر بن عمرو لقب مقّاساً بقوله:
مقست لهم ليل التمام بفتية ... إلى أن بدا خيط من الفجر طالع
ويروى:
مقست بهم ليل التمام مشمرّا
مقست بهم بمعنى دخلت بهم. وذكر اللغويون أن اشتقاق اسمه من قولهم مقست نفسه وتمّقست أي غثت. وهو شاعر مجيد مقلّ قال:
ثم زادوني عذاباً ... نزعوا عني طساسي
قال أبو علي قال لي أبو الميّاس: الطساس الأظفار ولم أجد أحداً من مشايخنا يعرفه.
قال المؤلف قد عرفه الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقال:
كأن الحميم على جسمها ... إذا اغترفته بأطساسها
جمان يجول على فضّة ... جلته حدائد دوّاسها
يعني إذا كفّته بأطراف أصابعها وأظفارها تطرحه عن جسمها. وأكثر الناس يمرّ على هذا البيت صفحاً ولا يدري ما معنى إذا اغترفته بأطساسها. وإنما نبّه الوليد على هذا التشبيه امرؤ القيس بقوله:
إذا ما استحمّت كان فضل حميمها ... على متنتيها كالجمان على الحال
(1/213)

أنشد أبو علي " 1 - 57، 56 " لدكين الراجز:
لم أر بؤساً مثل هذا العام
ع هود كين بن رجاء الفقيمي راجز إسلاميّ. وقوله: " أرهنت ورهنت يقالان " قال غيره يقال رهنت في الرهن وأرهنت في القمار والمخاطرة ففرّق بينهما ويقال أرهنتك الشيء أعطيتكه لترهنه وأرهنت بالسلعة: غاليت بها.
قال أبو علي: الحتامة البقيّة من كل شيء.
ع والمعروف أن الحتامة ما بقي على المائدة من الطعام يقال: تحتّمت أكلت الحتامة وفي الحديث: من أكل وتحتّم دخل الجنة. وهي الحثالة أيضاً.
وأنشد أبو علي " 1 - 58، 57 " للشمّاخ:
فإن كرهت هجائي فاجتنب سخطي
ع وصلته:
نبّئت أن ربيعاً أن رعى إبلاً ... يهدي إليّ خناه ثاني الجيد
وإن كرهت هجائي فاجتنب سخطي ... لا يدركنّك إفراعي وتصعيدي
وإن أبيت فإني واضع قدمي ... على مراغم نفّاخ اللغاديد
يعني ربيع بن علباء السلميّ. أن رعى إبلاً أي: كثرت إبله ليس أنه يرعاها بنفسه. واللغاديد تنتفخ من الإنسان عند الغضب. ومثل قوله: أن رعى إبلاً قول البعيث يهجو جريراً:
أأن أمرعت معزي عطيّة وارتعت ... تلاعاً من المرّوت أحوى جميعها
تعرّضت لي حتى صككتك صكّة ... على الرأس يكبو لليدين أميمها
(1/214)

وأنشد أبو علي " 1 - 58، 57 ":
نفرعه فرعاً ولسنا نعتله
ع هو لأبي النجم في أرجوزته المشهورة في الرهان وصلته:
يبري لنا طاو كريم أبجله ... تبوّع الذئب خبيباً عسله
نفرعه فرعاً ولسنا نعتله ... مرّاً نفدّيه ومرّاً نعذله
نعتله: أي نتلّه كما يتلّ الرجل إلى السلطان ونعذله لنشاطه وإتعابه لنا.
وأنشد أبو علي " 1 - 58، 57 " للأعشى:
صددت عن الأعداء يوم عباعب ... صدود المذاكي أفرعتها المساحل
ع قبله:
متى تأتنا تعدو بسرجك لقوة ... صيود تجنّبنا ورأسك مائل
صددت عن الأعداء
يقوله الأعشى لقيس بن مسعود بن خالد الشّيبانيّ، ويعيّره فرار اليوم المذكور.
وأنشد أبو علي " 1 - 58، 58 " لأوس بن حجر:
وشبّه الهيدب العبام
ع قبله:
والحافظ الناس في تحوط إذا ... لم يرسلوا خلف عائذ ربعاً
وعزّت الشمأل الرياح وقد ... أمسى كميع الفتاة ملتفعا
وشبّه الهيدب العبام من الأقوام سقباً مجلّلاً فرعا
السّنة إذا عمّت بالجدب فهي تحوط. واللفاع اللحاف. يقول أمسى كميع الفتاة مجانباً لها لا يريدها من الجهد وشدّة الزمان. والهيدب الذي عليه أهدام أي خلقان تذبذب
(1/215)

كأنه هيدب السحاب. والعبام الكليل اللسان وقيل العبام الغليظ الخلقة في حمق. وقوله مجلّلاً فرعا ويروى ملبّساً فرعا يريد جلد فرع تلبسه سقباً آخر لكي تدرّ أمّه عليه فشبّه الرجل بما عليه من تلك الأهدام والثياب لشدّة البرد بهذا السقب المجلّل بهذا الجلد. ومثل قوله مجلّلاً فرعاً قول الراجز:
كأن خزّاً تحته وقزّاً ... أوفرشاً محشوّة إوزّاً
أراد ريش إوزّ.
أنشد أبو علي " 1 - 59، 58 " للهذليّ:
يقرّبه النهض النجيح لما يرى ... ومنه بدوّ مرّة ومثول
ع هذا البيت لخويلد بن مرّة يكنى أبا خراش يصف صقراً يصيد أرنباً وبعده:
(1/216)

فأهوى لها في الجوّ فاختلّ قلبها ... صيود لحبّات القلوب قتول
وأنشد أبو علي " 1 - 59، 58 " للنابغة الذبياني:
وكلّ مدجّج كالليث يسمو
ع صلته:
وهم زحفوا لغسّان بزحف ... رحيب السرب أرعن مرثعن
بكلّ مجرّب كالليث يسمو ... على أوصال ذيّال رفنّ
وضمر كالقداح مسوّمات ... عليها معشر أشباه جنّ
قال أبو علي: ذيّال طويل الذنب يعني بها بني أسد وكانوا حلفاء بني ذبيان. رحيب السرب: أي واسع الطريق حيث سرب يعني كثرته. والمرثعنّ الثقيل لا يكاد يبرح من كثرته. وقال أبو عمر مرثعنّ: مضطرب من كثرته. والمدجّج: الفارس المتكفّر في شكّته مأخوذ من الدجّة وهي الظلمة، وليل دجوج وديجوج. وقوله أشباه جنّ: يريد في المضاء والجرأة وأنّهم لا يتهيّبون شيئاً والعرب إذا بالغت في الصفة بالشهامة أو بالحسن جعلته من الجنّ كأنه خارج عن حدّ الآدميّين، ألا تسمع قول قيس بن زهير، وقيل بل قاله حاتم الطائي في بني زياد الكملة من فاطمة بنت الخرشب:
بنو جنّيّة ولدت سيوفاً ... قواطع كلّها ذكر صنيع
وقال أبو الطيب في النسيب:
إنسيّة الأنساب إن هي حصّلت ... جنّيّة الأبوين ما لم تنسب
وقال آخر في الجرأة والشدّة وهو أبو جويرية:
(1/217)

جنّ إذا فزعوا إنس إذا أمنوا ... مرزّؤون بهاليل إذا احتشدوا
وقال الفرزدق:
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتخالنا جنّاً إذا ما نجهل
وقول أبي علي: ذيّال طويل الذنب قول محذوف لا يكون ذيّالاً حتى يكون طويلاً طويل الذنب فإن كان قصيراً طويل الذنب فهو ذائل، أو ذيّال الذنب فيضيفون.
وأنشد أبو علي " 1 - 59، 58 " لذي الرمّة:
إذا ابن أبي موسى بلالاً بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر
ع وقبله:
أقول لها إذ شمّر الليل واستوت ... بها البيد واستنّت عليها الحرائر
تشمير الليل: ذهابه وقلوصه. واستوت بها البيد: أي سارت في سوائها ومعظمها، يخاطب بهذا ناقته وبئس ما جزاها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة التي هاجرت إليه من مكة على ناقة فقالت: إني نذرت إن بلّغتني إليك أن أنحرها. فقال بئس ما جزيتها. وإنما تبع ذو الرمّة في هذا الشماخ فإنه قال يمدح عرابة بن أوس:
(1/218)

إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين
فنعم المرتجى رحلت إليه ... رحى حيزومها كرحى الطحين
وغرض الشاعر في ذلك أنه لا يبالي لأن الممدوح يحمله ويعطيه. والمذهب الأحمد في ذلك قول عبد الله بن رواحة حين خرج في جيش مؤتة:
إذا بلّغتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذمّ ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وتبعه داود بن سلم فقال يمدح قثم بن العبّاس:
نجوت من حلّ ومن رحلة ... يا ناق إن قرّبتني من قثم
إنك إن بلّغتنيه غدا ... عاش لنا اليسر ومات العدم
وتبعهما أبو نواس فقال وأحسن:
وإذا المطيّ بنا بلغن محمّداً ... فظهورهن على الرجال حرام
قربننا من خير من وطئ الثرى ... فلها علينا حرمة وذمام
وأنشد أبو علي " 1 - 59، 58 " لامرئ القيس:
فيالك من ليل كأن نجومه.
ع صلته:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
فيالك من ليل كأن نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
كأن الثريّا علّقت في مصامها ... بأمراس كتّان إلى صمّ جندل
قوله ألا انجل: العرب إذا برمت بشيء أو ضجرت منه خاطبته بمثل هذا وإن كان
(1/219)

لا يجدي وإنما ذلك استراحة حتى قال بشر وهو يصف ثوراً قد تقوّض عليه كناسه في ليلة قرّة مطيرة:
فبات يقول أصبح ليل حتى ... تجلّى عن صريمته الظلام
كأن الثور من ضجره بطول الليل يخاطبه بهذا. والمصام المكان الذي لا تبرح منه كمصام الفرس وهو مربطه وأصله من صام إذا قام ولم يرم موضعه. وهذه المعاني مما سبق إليها امرؤ القيس فتبعه الناس قال الطرمّاح في معنى البيت الأول:
ألا أيها الليل الطويل ألا اصبح ... ببمّ وما الإصباح فيك بأروح
على أن للعينين في الصبح راحة ... بطرحهما طرفيهما كلّ مطرح
وقال آخر في معنى البيت الثاني:
أراقب في السماء بنات نعش ... ولو أسطيع كنت لهن حادي
كأن الليل أوثق جانباه ... وأوسطه بأمراس شداد
وأنشد أبو علي " 1 - 59، 59 " للأعشى:
نبيّ يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
وقبله:
متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تريحي وتلقي من فواضله ندا
نبيّ يرى ما لا ترون إلخ.
له صدقات ما تغبّ ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا
(1/220)

يمدح بهذا الشعر النبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة يريد المدينة والوفود على النبيّ ليسلم فقالت له كفّار قريش ما قد تقدم ذكره " ص 22 " وأنشد أبو علي " 1 - 60، 59 " للهذليّ:
ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسي لمن رقدا
ع هو لعبد مناف بن ربع الهذليّ وهو أول الشعر وبعده:
كلتاهما أبطنت أحشاؤها قصباً ... من بطن حلية لا رطباً ولا نقدا
إذا تجاوب نوح قامتا معه ... ضرباً أليماً بسبت يلعج الجلدا
يقوله في أختيه وبكائهما على أبيهما يقول كأن في أجوافهما قصبالمزامير من شدة البكاء. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يبكي في صلاته حتى يسمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل. ويلعج: أي يحرق.
أنشد أبو علي " 1 - 60، 60 " لعديّ بن زيد:
ربّ نار بتّ أرمقها
ع وصلته:
يا لبيني أوقدي النارا ... إنّ من تهوين قد حارا
ربّ نار بتّ أرمقها ... تقضم الهنديّ والغارا
عندها ظبي يؤرّثها ... عاقد في الجيد تقصارا
شادن في عينه حور ... وتخال الوجه دينارا
الهندي يعني الألنجوج ويؤرّثها أي يوقدها ويشبّها. والتقصار القلادة.
وهو عديّ نب زيد بن حمار بن أيوب من بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم جاهلي
(1/221)

ّ من أهالي الحيرة يكنى أبا عمير. وأيّوب جدّه أوّل من سمّى من العرب بأيّوب. وقال ابن دريد: وإنما قيل لقوم عديّ العباد لأنهم قوم شتّى اجتمعوا على النصرانيّة وأنفوا من أن يقل لهم العبيد فتسمّوا بالعباد. وقال الطبري في قوله تعالى: " وقومهما لنا عابدون " معناها مطيعون ومنه قيل لأهل الحيرة العباد لأنهم كانوا طاعة لملوك العجم، والعرب تقول رجل عابد إذا دان للملك. وقال أحمد بن أبي يعقوب إنما سميّ نصارى الحيرة العباد لأنه وفد على كسرى خمسة منهم فقال للأول: ما اسمك؟ قال: عبد المسيح. وقال للثاني: ما اسمك؟ قال: عبد ياليل. وقال للثالث: ما اسمك؟ فقال: عبد عمرو. وقال للرابع: ما اسمك؟ قال: عبد ياسوع. وقال للخامس: ما اسمك؟ قال: عبد الله. فقال: أنتم عباد كلّكم فسمّوا عباداً. قال كراع: معنى عبد ياسوع عبد الله قال القطاميّ:
وقد كنت تدعى عبد ياسوع مرّة ... فأخلفت والإخلاف من سيّئ الذكر
وأنشد أبو علي " 1 - 61، 60 " لبشر:
فعدّ طلابها وتعزّ عنها ... بحرف قد تغير إذا تبوع
وبعده:
عذافرة تخيّل في سراها ... لها قمع وطلاّع رفيع
كأن الرحل منها فوق جأب ... شنون حين يقرعها القطيع
(1/222)

عذافرة: شديدة. تخيّل في سراها من النشاط. والقمع: السنام. وجاب: أي غليظ يعني حمار وحش. والسنون: بين السمين والمهزول. والقطيع: السوط.
وأنشد أبو علي " 1 - 61، 60 " لكثيّر:
إذا قلت أسلو غارت العين بالبكا
ع صلته:
إذا ذكرتها النفس ظلّت كأنّما ... عليها من الورد التهاميّ أفكل
وظلّت دموع العين تجري كأنها ... بوادي القرى من يابس الثغر تكحل
إذا قيل مهلاً غارت العين بالبكا ... غراء ومدّتها مدامع حفّل
ورواية اليزيدي عن محمد بن حبيب:
وآدتها مدامع بهّل
يقول كأن عينيه كحلتا بثغر فهي تسيل. والثغر: ضرب من النبت فيه حرارة يلذع العين إذا أصابتها، ثم قال: وإذا نهى عن البكاء غارت عينه من الغراء وهي الملاجّة، يقال غاراني فلان إذا لاججته فصنع مثل ما تصنع. ومن روى آدتها: فمعناه أعانتها ومدّتها. وبهّل: مطلقة من قولهم ناقة باهل إذا لم يكن لها صرار.
وأنشد أبو علي " 1 - 61، 60 " للهذليّ:
فرميت فوق ملاءة محبوكة
ع البيت لساعدة بن العجلان من بني تميم بن سعد بن هذيل وقبله:
يا رمية ما قد رميت مرشّة ... أرطاة ثم عبأت لابن الأجدع
فرميت فوق ملاءة محبوكة ... وأبنت للأشهاد حزّة أدّعى
مرشّة لها رشاش من الدم أي نضح وقيل أراد بها الدرع وصحيح عبارة الحزّة القطعة من الوقت لأن الحزّ القطع.
وأنشد أبو علي " 1 - 62، 61 ":
فقد أودى إذا بلغ النسيس
(1/223)

ع هو لأبي زبيد وصلته:
ولكنّي ضبارمة جموح ... على الأعداء مجترئ خبوس
متى تضمم يداه إليه قرناً ... فقد أودى إذا بلغ النسيس
الخباسة: الغنيمة، والخبوس: الكثير الغنم. وقيل في النسيس أنه الجهد، وقيل النسيس أصل كل شئ.
قال أبو علي " 1 - 62، 62 " لما مات حصين بن الحمام سمعوا صارخاً يصيخ من جبل ويقول:
ألا ذهب الحلو الحلال الحلاحل ... ومن عنده حزم وعزم ونائل
ومن عنده فضل إذا القوم أفحموا ... تصيب مرادي قوله ما يحاول
ع إذا قالت العرب فلان حلال فإنما يريدون أنه ليس عليه أليّة في ماله يحرم بها عليه بذله من قولك رجل حلال إذا خرج من إحرامه، وكذلك الشهر الحلال الذي ليس من الأشهر الحرم ومثل هذا البيت قول الآخر وهو عكرشة أبو الشغب:
رأيت رباطاً حين تمّ شبابه ... وولّى شبابي ليس في برّه عتب
إذا كان أولاد الرجال مرارة ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
وقال جرير فبيّن ما ذكرته:
ولا خير في مال عليه أليّة ... ولا في يمين عقّدت بالمآثم
(1/224)

وأنشد ابن الأعرابي لرجل يخاطب امرأة:
فلا وأبيك لا أولى عليها ... فتمنع طالباً منيّ يمين
فإني لست منك ولست منّي ... إذا ما طار من مالي الثمين
وقال الأقرع بن معاذ في مثله:
إنّ لنا صرمة تلفي محبّسة ... فيها معاد وفي أربابها كرم
تسلّف الجار شرباً وهي حائمة ... ولا يبيت على أعناقها قسم
ونسبهما صاعد إلى الحكم الخضريّ وقال بشّار يهجو بخلاف ذلك:
إذا جئته في حاجة سدّ بابه ... فلم تلقه إلاّ وأنت كمين
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا ... وفي كل معروف عليك يمين
ويرويه أبو علي: ألا ذهب الحلو الخلال الحلاحل على الإضافة بالخاء معجمة جمع خلة. وقوله: تصيب مرادي قوله ما يحاول. المرداة حجر يرمى به يقال رديت الرجل أرديه إذا رميته، والمرداة أيضاً حجر يكون عند جحر الضبّ، يقال في المثل " كل ضبّ
(1/225)

عند مرداته " أي يقرب منه حتفه لأنه يرمي به فيقتل. ومعنى المثل لا تأمن الآفات والغير فإن الآفات معدّة مع كل أحد، والضبّ سيء الهداية فذلك الحجر يهتدي به إليه ويقال راديت الرجل ورادسته إذا راميته.
والحصين المؤبّن بهذا الشعر هو الحصين بن الحمام بن ربيعة بن مساب مرّيّ من بني سهم بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان وهو سيّد بني سهم، وكان شاعراً فارساً وهو جاهلي وزعم أبو عبيدة أنه أدرك الإسلام وكان يقال له مانع الضيم وقدم ابن ابنه على عبد الملك بن مروان، فاستأذن عليه وقال: أنا ابن مانع الضيم، فقال هذا لا يكون إلاّ ابن حصين بن الحمام أو ابن عروة بن الورد.
وأنشد أبو علي " 1 - 63، 63 ":
يقرّ بعيني أن أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأبرق المتقاود
ع هذا الشعر لنبهان بن عكّيّ العبشميّ. وقوله فيه:
وألصق أحشائي ببرد ترابه
هذا مذهب لكثير من الشعراء الاستشفاء بالملامسة وإلصاق الأحشاء بمواطن الأحبّة، وقد أنشد أبو علي متّصلاً بهذا لّما كان مجانساً له:
أمسّ العين ما مسّت يداها ... لعلّ العين تبرأ من قذاها
وقال المدائني: رئى عروة بن حزام عند حياض عفراء وقد ألصق قلبه بأرجائها كالمستشفي بذلك. فقال له رجل ما هذا الذي تصنع بنفسك؟ فأجابه:
بي اليأس أو داء الهيام أصابني ... فإيّاك عني لا يكن بك ما بيا
لمّا رآه جاهلاً بدائه دعا له أن لا يبتلي به ولم يؤاخذه بعتابه. وقال أبو الطيّب:
(1/226)

وليلاً توسّدنا الثويّة تحته ... كانّ ثراها عنبر في المرافق
بلاد إذا زار الحسان بغيرها ... حصى تربها ثقبّنه للمخانق
صار الثرى عنده عنبراً، والحصى جوهراً والملمس الخشن ليّناً، والمشمّ التفل طيبّاً. وما أحسن ما نظم بعض المحدثين معنى بيت أبي الطيب. فقال في صفة روضة وهو المنازيّ كاتب أبي مروان صاحب ميّا فارقين:
وقانا وقدة الرمضاء روض ... وقاه مضاعف الظل العميم
قصدنا نحوه فحنا علينا ... حنوّ الوالدات على اليتيم
يراعى الشمس أنّى قابلتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم
وسقّانا على ظمإ زلالاً ... ألذّ من المدام مع الكريم
تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم
فهذه أبرع عبارة وأبزغ إشارة. ومن استشفاء الأحبّة بما ماسّ المحبوب قول أعرابي من بني كلاب:
ماذا عليك إذا خبّرتني دنفا ... رهن المنيّة يوماً أن تعوديني
فتجلى نطفة في القعب باردة ... فتغمسي فاك فيها ثمّ تسقيني
وأنشد أبو علي " 1 - 63، 63 ":
آل ليلى إنّ ضيفكمو ... ضائع في الحيّ مذ نزلا
ع أنشدهما ابن مقسم في نوادره لأبي العتاهية وفي أخبار ابن عيينة أن الشعر له وقبل البيتين في رواية من ذكر أنه لابن عينية:
(1/227)

أقبلت دنيا فواجذلا ... جذل الغازي إذا قفلا
وإذا ولّت فواحزنا ... حزن الوالي إذا عزلا
وأنشد أبو علي " 1 - 63، 63 ":
إن كان غرّك إطراقي أبا حسن ... فالسيف يطرق حيناً قبل هزّته
ع إطراقه أنّه لا يضطرب قبل أن يهزّ.
وأنشد أبو علي " 1 - 64، 63 ":
يا مرّ يا خير أخ ... نازعت درّ الحلمة
الشعر لسالم بن دارة قاله ابن الأعرابي في كتاب الألفاظ وأنشده:
يا قرّ يا خير أخ
هكذا في أصل أبي علي في كتاب النوادر لابن الأنباري بخطّ أبي علي:
يا عمرو يا خير فتى
وروى ابن الأنباري:
يا خير من أوقد للأ ... ضياف ناراً جحمه
ضيفك لا يشقى به ... إلاّ العسير السنمه
بخطّ أبي علي في ذلك الكتاب: العسير الناقة التي لم ترض، والأشبه أن تكون العسير هنا الناقة التي لم تكمل سنتها فذلك أقوى لها وأكثر لنقيها وهو لا يعقر إلاّ خيارها
(1/228)

أو تكون التي شالت بذنبها للّقاح لأن النفس أشحّ عليها. ورزمة لها رزمة: أي صوت من شدّة المطر. والينمة: نبت طيّب الريح وأنشد ثعلب:
يا رب بيضاء على مهشّمه ... أعجبها أكل البعير الينمه
مهشّمة: موضع. وأعجبها: أصارها إلى التعجّب منه.
وأنشد أبو علي " 1 - 64، 64 " للأخطل:
أضماً وهزّ لهنّ رمحي رأسه
وصلته قال يصف الثور والكلاب:
حتى إذا ما الثور أفرخ روعه ... وأفاق أقبل نحوها يتذمّر
فعرفن حين رأينه متحمّساً ... يمشي بنفس محارب ما يذعر
أضماً يهزّ لهن رمحي رأسه ... أن قد أتيح لهنّ موت أحمر
أفرخ روعه: أي ذهب فزعه. ويتذمّر: أي يهمهم كذلك قال أبو عبيدة وقال غيره يتذمّر: أي يحضّ نفسه على الإقدام يقال تذامر القوم إذا حضّض بعضهم بعضاً، وذمرته أنا حضضته. ومتحمّس: متشدّد. وحمس الوغا: أي اشتدّ، والموت الأحمر الشديد. وفي الحديث: كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن أحد أقرب إلى العدوّ منه، أي اشتدّ البأس، وقال قوم: الموت الأحمر هو القتل لما فيه من الدم، والموت الأغبر: هو الموت جوعاً وذلك أنه يغبرّ في عينه كلّ شيء.
وأنشد أبو علي " 1 - 64، 64 " للهذليّ:
كأن محرّباً من أسد ترج
ع الشعر لأبي ذؤيب خويلد بن خالد بن محرّث الهذلي جاهلي إسلامي وقبل البيت:
فإنك إن تنازلني تنازل ... فلا تكذبك بالموت الكذوب
كأن محرّباً من أسد ترج ... ينازلهم لنابيه قبيب
(1/229)

يريد لا تكذبك نفسك وهي الكذوب، ومثله قول العبديّ:
فأقبل نحوي على قدرة ... فلّما دنا أكذبته الكذوب
وقبيب: صوت وهو القبقبة وأنشد:
قبقبة الجرّ بكفّ المستقي
يريد صوت الجرّة.
وأنشد أبو علي:
ومؤتضم عليّ لأن جدّي ... يبذّ جدوده المتقدمينا
وأنشد أبو علي " 1 - 65، 64 " لرؤبة:
وطامح النخوة مستكتّ
قبله:
فإن تريني أحتمي بالسكت ... فقد أقوم بالمقام الثبت
أشجع من ذي لبد بخبت ... يدقّ صلبات العظام رفتي
وطامح النخوة مستكتّ ... طأطأ من شيطانه التعتيّ
صكّي عرانين العدى وصتّي ... حتى ترى البيّن كالأرتّ
قوله أحتمي بالسكت: يقول أمتنع من أن أتكلّم لأني قد كبرت فأخاف أن أفنّد. وخبت: موضع بعينه مأسدة. والرّفت الدقّ والكسر. وقال الأصمعي: المستكتّ العظيم في نفسه وقيل هو الغضبان. وروايته طأطأ من شيطانه المعتّي من العتوّ وهو الصحيح وتوجّه رواية أبي علي على أنه أراد ذي التعتّي فحذف. وقال الأصمعي الصتّ الصكّ ولا يصرف. وقال غيره: الصتّ والصّيت الجلبة والصياح. وقيل الصت الرفع. وقيل الضرب باليد.
وأنشد أبو علي " 1 - 65، 65 " لرؤبة:
وقد ترى ذا حاجة مؤتضّا
(1/230)

ع قبله:
داينت أروى والديون تقضي ... فمطلت بعضاً وأدّت بعضا
وهي ترى ذا حاجة مؤتضّا ... ذا معض لولا يردّ المعضا
المؤتضّ الملجأ المضطرّ يقال أضّني ذلك الأمر يؤضّني. وقال الأصمعي: المعض الكراهية يقال معض يمعض معضاً ومعضا. وقال ابن دريد: يقال أمعضه الأمر ومعضه إذا مضّه.
وأنشد أبو علي " 1 - 65، 65 ":
أبصرت ثمّ جامعاً قد هرّا
ع جامع اسم رام. وهي للمرّار الفقعسي وهو المرّار بن سعيد بن حبيب بن خالد بن نضلة الأشجّ ابن جحوان بن فقعس يكنى أبا حسّان شاعر إسلاميّ. والمرّارون من الشعراء سبعة، المرّار الفقعسي هذا، والمرّار العدويّ، والمرّار العجلي، والمرّار الطائيّ، والمرّار الشيبانيّ، والمرّار الكلبي، والمرّار الحرشي، وقد جمعتهم في كتاب الإحصاء لطبقات الشعراء.
وأنشد أبو علي " 1 - 65، 65 ":
إذا رآني قد أتيت قرطبا ... وجال في جحاشه وطرطبا
(1/231)

وأنشد أبو علي " 1 - 65، 65 " لذي الرمّة:
ظلّت تفالي وظلّ الجون مصطخماً ... كأنّه بتناهي الرّوض محجوم
ع وبعده:
حتّى إذا حان من خضر قوادمه ... ذي جدتين يكفّ الطرف تغييم
خلّي لها سرب أولاها وهيّجها ... من خلفها لاحق الصقلين همهيم
يعني العير والأتن. ورواية أبي العباس:
وظلّ الجأب مكتئباً ... كأنه عن سرار الأرض محجوم
ظلّت تفالي يفلي بعضها بعضاً، والحمار مكتئب لأنها تضرحه من أجل أنها حوامل. وسرار الأرض أكرمها وأخلقها للنبات. يقول منعه إفراط العطش أن يأكل لأنه إنما يأكل اليبيس فصار بمنزلة المحجوم من الإبل وهو المكموم الفم. وخضر قوادمه: يعني الليل والأخضر الأسود عند العرب، قال سبحانه في صفة الجنّتين بشدّة الخضرة: " مدهامّتان ". وقوادمه: أوائله. والجدّة: طريقة ممتدّة مثل الطرّة. وجعل إلباس الليل الأرض بمنزلة الغيم. خلّي لها سرب أولاها: أي خلاّها تتبع أواخرها سوابقها لما أرادت من الورد. وهيّجها: حثّها لطلب الماء. وهمهيم: ذو هماهم يردّدها في صدره. والتناهي في رواية أبي علي جمع تنهية وهي مواضع تنهبط ويجتمع إليها ماء السيل.
وأنشد أبو علي " 1 - 65، 65 ":
قوم إذا اشتجر القنا ... جعلوا القلوب لها مسالك
(1/232)

اللابسين قلوبهم ... فوق الدروع لدفع ذلك
هذه إشارة إلى أنهم يقدّمون المدافعة بجنن الرأي والسياسة قبل المدافعة بجنن السلاح والبزّة لّما كان الحزم والتدبير وصحّة النظر في الأمور إنما تكون بالعقل والقلب هو الذي يعقل به كما قال الله سبحانه: " أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها " وقد بيّن هذا المعنى ابن نباتة بقوله:
لبسوا القلوب على الدروع حزامة ... منهم فليس تقلّم الأظفار
وقال أبو تمام:
من كل أروع ترتاح المنون له ... إذا تجرّد لا نكس ولا جحد
إذا رأوا للمنايا عارضاً لبسوا ... من اليقين دروعاً مالها زرد
فاليقين هنا بإزاء الحزامة في قول ابن نباتة والرأي هو المقدّم في الحروب كما قال أبو الطيّب:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أوّل وهي المحلّ الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مرّة ... بلغت من العلياء كلّ مكان
وقول ابن نباتة:
فليس تقلّم الأظفار
يعني لا يفلّ لهم حدّ ولا تخضد لهم شوكة كما قال الذبياني:
وبنو فزارة لا محالة أنهم ... آتوك غير مقلّمي الأظفار
وقال معن بن أوس:
(1/233)

وذي رحم قلّمت أظفار ضغنه ... بحلمي عنه وهو ليس له حلم

وذكر أبو علي " 1 - 66، 66 " خبر الأصمعي قال: بينا أنا بحمى ضريّة إذ وقف عليّ غلام من بني أسد إلى آخره.
ع قال بعض الرواة: ضريّة التي نسب إليها الحمى ضريّة بنت نزار بن معدّ بن عدنان. وقيل هي خندف زوج اليأس بن مضر وأم طابخة ومدركة وقمعة. وخندف: لقب. والخندفة مشية الذي يقلّب قدميه كأنه يعزف بهما ولتلقيبهما خبر، والصحيح أن اسم خندف ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وقوله حريقيص: الحرقوص دويّبة مجذّعة تشبّه بها أطراف السياط، يقال لمن يضرب أخذته الحراقيص وقيل الحرقوص شبيه بالبرغوث وربما نبت له جناحان فطار. وقال أبو عمر المطرّز وهي دويّبة تألف أرحام الأبكار. قال الراجز في ذلك:
ويلك يا حرقوص مهلاً مهلاً ... أإبلاً أعطتني أم نخلا
وقال آخر:
مالقي الأبكار من حرقوص ... من مارد لصّ من اللصوص
يدخل بين الغلق المرصوص ... من غير مهر غال أو رخيص
(1/234)

والحرقوص أيضاً: نواة البسرة الخضراء، والحرقوص أيضاً: طرف السوط، يقال للمضروب أخذته الحراقيص، وبكل ذلك يحتمل أن يسمّي الرجل. وقال محمد بن يزيد: كان اسم ذي الثديّة الذي أنذر به النبيّ صلى الله عليه وسلم وقتله عليّ رضي الله عنه حرقوصاً، وأنشد للرهين المراديّ الخارجيّ:
وأسأل الله بيع النفس محتسباً ... حتى ألاقي في الفردوس حرقوصا
وفي الخبر: أنشدك لمرّارنا، قد تقدّم ذكر المرّارين وهو الأسديّ منهم وهو الفقعسيّ وفي الشعر:
سكنوا شبيثاً والأحصّ وأصبحت ... نزلت منازلهم بنو ذبيان
وفيه:
وإذا فلان مات عن أكرومة ... رقعوا معاوز فقده بفلان
هذا مثل قول نهشل بن حرّيّ:
وليس يهلك منا سيّد أبداً ... إلاّ افتلينا غلاماً سيّداً فينا
وقول أوس بن حجر:
إذا مقرم منا ذرى حدّ نابه ... تخمّط فينا ناب آخر مقرم
وقول أبي الطمحان:
(1/235)

وإنّي من القوم الذين همو همو ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه
" قلت وقول السموأل:
إذا سيّد منا خلا قام سيّد ... قؤول لما قال الكرام فعول "
وأنشد أبو علي " 1 - 66، 66 " للأعشى:
زنادك خير زناد الملوك ... صادف منهن مرخ عفارا
ع بعده:
فإن يقدحوا يجدوا عندها ... زنادهمو كابيات قصارا
ولو رمت تقدح في ليلة ... حصاة بنبع لأوريت نارا
يقال في المثل: " أرخ يديك واسترخ إن الزناد من مرخ " يضرب لمن طلب حاجة فيؤمن أن لا يلحّ فيها فإن صاحبه كريم. والكابية من الزناد التي لا توري. وروى أبو عبيدة:
ولو بتّ تقدح في ظلمة صفاة بنبع ... والصفا لا توري وكذلك النبع.
قال أبو علي: الأعلى زند والأسفل زندة.
وقد جعل أميّة ابن أبي الصلت الزندة طروقة فقال:
والأرض نوّخها الإله طروقة ... للماء حتى كلّ زند مسفد
وأنشد أبو علي " 1 - 67، 66 " للعجّاج:
عاين حيّاً كالحراج نعمه
وقبله قال وذكر جيشاً غزاهم:
(1/236)

بات يقاسي أمره أمبرمه ... أعصمه أم السحيل أعصمه
حتى إذا الليل تجلّت ظلمه ... عاين حيّاً كالحراج نعمه
يكون أقصى شلّه محر نجمه
المبرم المفتول. والسحيل خيط واحد غير مفتول، يقول بات يقاسي أن يشنّ الغارة عليهم ولا يتمكّث ولا ينظر وهو السحيل أو يمكث وهو المبرم. وقد فسّر أبو علي باقيه. ومثله لزهير:
إذا شلّ رعيان الجميع مخافة ... نقول جهاراً ويحكم لا تنفّروا
على رسلكم إنا سنعدي وراءكم ... وتمنعكم أرماحنا أو سنعذر
يعني نعدي خيلنا.

وذكر أبو علي " 1 - 67، 67 "
خبر حضرميّ بن عامر وابن عمّه جزء
ومن الرواة من يقول حصن بن عامر، كذلك قال ابن الأعرابيّ. فأما جزء فهو جزء من فاتك الأسدي.
وأنشد أبو علي " 1 - 68، 68 " ليزيد بن الحكم الثقفيّ:
تكاشرني كرهاً كأنك ناصح ... وعينك تبدي أنّ صدرك لي دو
القصيدة إلى آخرها.
(1/237)

ع هو يزيد بن الحكم بن عثمان ابن أبي العاص الثقفي وعثمان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا نسبه ابن الأعرابيّ. وقال غيره إنه يزيد بن الحكم ابن أبي العاص وأن عثمان الصاحب عمّه ويكنى يزيد أبا خالد. وقوله: أن صدرك لي دو هو فعل من الدوي وهو المرض، وليس من لفظ الداء لأن الفعل من الداء داء يداء داء فهو داء مثل قولك كبش صاف. وقال الشاعر في الدوي الذي هو المرض:
باض النعام به فبقّر أهله ... إلاّ المقيم على الدوي المتأفّن
وللكاشرة المضاحكة ومنه قول أبي الدرداء: إنا لنكشّر في وجوه قوم وإن قلوبنا لتقليهم. وقوله: فليت كفافاً كان خيرك كله البيت: قال ابن جني في المسائل الحلبيّات يريد فليته أو فليتك. وقوله كفافاً خبر كان وهذا كما قال:
إنّ من يدخل الكنيسة يوماً ... يلق فيها جآذراً وظباء
قال ويروى البيت برفع الماء ورفع الشرّ ونصبه، فإذا نصب شرّك رفع الماء. ومرتو أيضاً مرفوع لأنه خبر شرّك المنصوب بليت والماء مرفوع على هذا بفعله الذي
(1/238)

هو ارتوى: أي ما ارتوى شارب الماء. وإذا رفع شرّك عطفه على قوله خيرك، ورفعه بكان ونصب مرتو: أي ليتك كان شرّك عني مرتوياً أي مقلعاً فيستغني عنه كما تقول رويت رويت من كذا أي انصرفت عنه وزالت حاجتي إليه، فينتصب هنا على أنه خبر كان كما ارتفع هناك على أنه خبر ليت والماء مرفوع أيضاً بفعله كالوجه الأول. وأما ما ارتوى الماء مرتو بنصب الماء ورفع مرتو فلا نظر فيه. قوله ما ارتوى الماء مرتو. يقال روى الرجل لأهله وارتوى إذا استقى لهم الماء. وروى غير أبي علي بعد قوله:
فكلّ مجتو قرب مجتو
لعلّك أن تنأى بأرضك نيّة ... وإلاّ فإنيّ غير أرضك منتو
وقوله:
وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلّة النيق منهو
لا يجيز المبرّد لولاي ولولاك، ولا يجوز عنده إلاّ على الانفصال لولا أنا، ولولا أنت، وسيبويه يجيز فيه الاتّصال، وزعم أن الكاف في موضع جرّ، وإذا أظهرت كان ما بعد لولا مرفوعاً. وقال ابن كيسان: الكاف في موضع رفع لا جرّ قال: والضمير إذا علم موضعه ساغ فيه ذلك، ألا ترى أنك تقول أنا كأنت فأنت وهو ضمير رفع في موضع خفض، فكذلك يكون ضمير الخفض في موضع رفع إذا امن فيه اللبس. وقوله أو أخو مغلة لو: يقال لوى يلوي لوى، وهو أن يلتوي مصرانه فلا يحدث. وقوله: فياشر من يدحو الدحو البسط، يقال دحا يدحو ويدحي، والمدحاة خشبة يدحى بها. وقوله كما كتمت داء ابنها أمّ مدّو: فسّره أبو علي تفسيراً غير مقنع وأيّ نسبة بين دواية اللبن
(1/239)

واللجام في اللفظ أو في المعنىوما يجعل ذلك إلى هذا وإنما أرادت أمّه أن تلبس على أمّ خطبه وتوهما أنه أراد بقوله أدّوي أخرج إلى الدوّيّة، فأجابته على هذا المعنى تعلمه موضع اللجام ليرى أنه صاحب ركوب وصيد، وفهم الغلام غرض أمّه فاستمرّ لما لحنت له به. وهذا من المعارض الحسنة. وروى قتادة عن مطرّف عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " في المعارض مندوحة عن الكذب " ومن أحسن ما ورد في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي طلائع المشركين وهو في نفر يسير من أصحابه. فقال المشركون ممن أنتم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء من المياه، فنظر بعضهم إلى بعض وقال: أحياء البادية كثير وانصرفوا. أراد النبي عليه السلام قول الله عز وجل: " فلينظر الإنسان ممّ خلق خلق من ماء دافق ". ودخل بعض الزهّاد على بعض الجبابرة فأحضر له اللهو والمغنّين، فجعل الزاهد يقول للمغني كلما فرغ من غناء أحسنت ليرفع عن نفسه شرّ ذلك الجبّار. فلما خرج الزاهد قيل له في ذلك. فقال إنما كنت أقول أحسنت إذا سكت. وأراد رجل الوصول إلى المأمون في ظلامة فلم يصل إليه، فقال على الباب: أنا أحمد النبيّ المبعوث، فكتب بذلك صاحب الخبر يذكر أن رجلاً تنبّأ فأدخل على المأمون فقال له ما تقول فذكر ظلامته. فقال له ما تقول فيما حكى عنك؟ قال وما هو؟ قال ذكروا أنك تقول إنك نبيّ قال معاذ الله إنما قلت إني أحمد النبيّ المبعوث أفلست يا أمير المؤمنين ممن يحمده قال نعم، واستظرفه ونظر في أمره.
وأراد بعض الأمراء أن يولّي إبراهيم النخعيّ القضاء وعلم أنه لا يتخلّص منه بالإباء من
(1/240)

ذلك فقال له: والله ما أبصر إلاّ ما بصّرني غيري يعني الله تبارك وتعالى يوهمه العمى فتخلّص منه. وخرج شريح من عند زياد وهو يجود بنفسه، فقيل له كيف تركت الأمير؟ قال: تركته يأمر وينهي يوهمهم أنه لا بأس عليه فلم يلبثوا أن نعى لهم، فقيل له في ذلك فقال: نعم تركته يأمر بالوصيّة وينهى عن البكاء.
وقال أبو علي " 1 - 69، 69 " دخل الأحوص على يزيد بن عبد الملك فقال له يزيد: لو لم تمتّ إلينا بحرمة، ولا جدّدت لنا مدحاً غير أنك مقتصر على بيتيك لاستوجبت عندنا جزيل الصلة ثم أنشد يزيد:
وإني لأستحييكمو أن يقودني ... إلى غيركم من سائر الناس مطمع
وأن أجتدي للنفع غيرك منهم ... وأنت إمام للبريّة مقنع
ع قد تقدم ذكر الأحوص 19، وإنما قال هذا الشعر في عمر بن عبد العزيز لا في يزيد بن عبد الملك. ونظم أبو تمام هذا المعنى في أحسن نظام فقال:
رأيت رجائي فيك وحدك همّة ... ولكنّه في سائر الناس مطمع
وقال آخر وأظنه إبراهيم بن العبّاس:
إذا طمع يوماً غزاني منحته ... كتائب يأس كرّهاً وطرادها
سوى طمع يدني إليك فإنه ... يبلّغ أسباب العلا من أرادها
(1/241)

وقال الخريمي في نحوه:
عطاؤك زين لامرئ إن أصبته ... بخير وما كلّ العطاء يزين
وليس بعار بامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين
وقال أبو الطيّب:
وقبض نواله شرف وعزّ ... وقبض نوال بعض الناس ذام
وأنشد أبو علي " 1 - 69، 69 ":
إني رأيتك كالورقاء يوحشها ... قرب الأليف وتغشاه إذا نحرا
ع فسّر أبو علي معناه ولم يبيّنه. وقال الورقاء: ذئبة تنفر من الذئب وهو حيّ، وتغشاه إذا رأت به الدم. وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي قول العجّاج في مثله:
ولا تكوني يا ابنة الأشمّ ... ورقاء دّمي ذئبها المدميّ
قال ابن الأعرابي قال لي أبو المكارم: إن الذئاب إذا رأت ذئباً قد عقر وظهر دمه أكبّت عليه تقطّعه وتمزّقه وأنثاه معها، فيقول هذا لامرأته لا تكوني إذا رأيت الناس
(1/242)

قد ظلموني عليّ معهم فتكوني كهذه الذئبة، وهذا هو التفسير الصحيح لا ما ذكره أبو علي من أن الذئبة تنفر من الذئب وهي حيّ، وهذا خلاف المعهود المعقول، وكيف يسمّى أليفاً من يوحش قربه وإنما الأليف من يوحش بعده ويؤنس قربه. ومثل هذا قول الفرزدق:
وكنت كذئب السوء لما رأى دماً ... بصاحبه يوماً أحال على الدم
وقول العجير:
فتى ليس لابن العمّ كالذئب إن رأى ... بصاحبه يوماً دماً فهو آكله
وأنشد أبو علي " 1 - 69، 70 " لأبي حيّة النميريّ:
بدا يوم رحنا
وأوّل القصيدة على ما أنشده جماعة من الرواة أثبتها لجودتها:
ألا يا غراب البين فيم تصيح ... فصوتك مشنوء إليّ قبيح
وكلّ غداة تنتحي لك تنتحي ... إليّ فتلقاني وأنت مشيح
تخبّرني أن لست لاقي نعمة ... بعدت ولا أمسي لديك نصيح
وإن لم تهجني ذات يوم فإنه ... ستغنيك ورقاء السراة صدوح
تذكّرت والذكرى شعوف لذي الهوى ... وهنّ بصحرا الخبيت جنوح
حبيباً عداك النأي عنه فأسلبت ... على النحر عين بالدموع سفوح
إذا هي أفنت ماءها اليوم أصبحت ... غداً وهي ريّاً المئقيين نضوح
لعيناك يوم البين أسرع واكفاً ... من الفتن الممطور وهو مروح
ونسوة شحشاح غيور يهبنه ... أخي حذر يلهون وهو مشيح
(1/243)

ظللت وقد ولّوا بليل وقلّصت ... بهم جلّة فتل المرافق روح
فلاقيتهم يوماً على قطريّة ... وللعيس مما في الخدور دليح
فقلن ولم يشعرن أني سمعته ... وهن بأبواب الخدور جنوح
أهذا الذي غنّى بسمراء حقبة ... أتاح له منها السقام متيح
وقائلة أولينه البخل إنه ... لما شاء من ذرو الكلام فصيح
وقائلة لولا الهوى ما تجشّمت ... به نحوكم عبر السفار طليح
جرى يوم سرنا عامدين لأرضنا. على التوالي إلى قوله وقالوا دم. المشيح والشحشاح والشحشحان: المواظب على الشيء المجدّ فيه. وكذلك رواه غير أبي علي: من ذرو الكلام: أي شئ تسمعه خفيّ. وقطريّة: إبل منسوبة إلى قطر وهي بالبحرين. ودليح: ثقيل يقال مرّ يدلح إذا مرّ متثاقلاً. وقوله أو لينه البخل: هذه النون هي نون جمع المؤنث كما تقول ارمينه يا نسوة. وعقاب بإعقاب: بالكسر بخطّ أبي عليّ. وقوله: ودام لنا حلو الصفاء صريح: حلو الصفاء: هو نعت لشيء محذوف ولولا ذلك مانعته بعد بصريح كأنه عهد حلو الصفاء أو ودّ.
وأبو حيّة: هو الهيثم بن الرّبيع بن كثير بن جناب النميري من شعراء الدولتين وهو شاعر محسن على لوثة كانت فيه.
وأنشد أبو علي " 1 - 70، 70 " لابن أبي فنن:
ولما أبت عيناي أن تملكا البكا ... وأن تحبسا سحّ الدموع السواكب
تثاءبت كي لا ينكر الدمع منكر ... ولكن قليلاً ما بقاء التثاؤب
(1/244)

هو أحمد ابن أبي فنن، واسم أبي فنن صالح مولى للربيع بن يونس، يكنى أحمد أبا عبد الله وكان أسود، وهو شاعر مجيد من شعراء بغداد وكانت له أغراض مستطرفة ومعان مستحكمة منها قوله:
وحياة هجرك غير معتمد ... إلاّ رجاء الحنث في الحلف
ما أنت أحسن ما رأيت ولا ... كلفي بحبّك منتهى كلفي
أراد أنها أحسن من رأى وأن كلفه بها فوق كل كلف، فأقسم بحياة هجرها وتوخيّ الخلاف في الجواب لعل الهجر يموت وإن كان ابن المعتزّ قد أشار إلى هذا المعنى بقوله:
وحياة عاذلتي لقد صارمته ... وكذبت بل واصلته وحياته
إلاّ أن ذلك أحسن وقائله أقدم والفضل للمتقدم لأن ابن أبي فنن إنما شهر بالشعر في أيام المتوكّل، واستفرغ شعره في الفتح بن خاقان.
وأنشد أبو علي " 1 - 70، 70 " متّصلاً بما ذكرنا شعراً أوله:
يقولون ليلى بالمغيب أمينة ... له وهو راع سرّها وأمينها
فإن تك ليلى استودعتني أمانة ... فلا وأبى أعدائها لا أخونها
ع هذا قسم إن كان على مذهب ابن أبي فنن فإنه سيخونها وإن كان على حقيقة القسم فأي حقّ لأبي أعدائها. وقد قال بعضهم إن حيّ الشاعر كانوا حرباً لحيّ المرأة وأبو أعدائها أبو حيّ الشاعر نفسه.
قال أبو علي " 71، 71 " في قول إسحاق:
إن ترى شيباً علاني فإنّي ... مع ذاك الشيب حلو مزير
(1/245)

وفيه قول رابع قيل إذا كان الرجل شديد القلب رابط الجأش فهو مزير. وهذا التبيين أوقع هنا لقوله بعده:
قد يفلّ السيف وهو جراز ... ويصول الليث وهو عقير
وأنشد أبو علي " 1 - 71، 71 " للجعديّ:
يصممّ وهو مأثور جراز ... إذا جمعت لقائمه اليدان
ع قبله:
وقد أبقت صروف الدهر منّي ... كما يبقي من السيف اليماني
يصمّم. وبعده:
مضى عصر وما يشرى بمال ... ولو سيقت به مائتا هجان
ورواية أبي علي عن إبراهيم بن محمد بن عرفة: تحسّر وهو مأثور جراز. كذا نقلته من خطّ أبي عليّ. وقوله تحسّر أي نحل ورقّت حديدته. مأثور فيه أثر والأثر الفرند. وقوله إذا جمعت بقائمه اليدان: يريد اليد العضو والأيد القوّة فثنّى على الأخفّ. فقال اليدان لأن اليد لا تغني إلاّ بالشدّة.
قال:
وترى الحسام على جرآءة حدّهمثل الجبان بكفّ كل جبان
وقال أبو الطيّب:
وما السيف إلاّ بزّغاد لزينة ... إذا لم يكن أمضى من السيف حامله
(1/246)

وقال أبو تمام:
وقد يكهم السيف المسمّى منيّة ... وقد يرجع المرء المظفّر خائبا
فآفة ذا أن لا يصادف مضرباً ... وآفة ذا أن لا يصادف ضارباً
وما يشري: أي لا يباع. ويشرى يكون أيضاً بمعنى يشتري وكذلك بعت يكون بالمعنيين. مائتا هجان: يعني الإبل الكرام البيض. وهجان يقع على الواحد والجميع.
والنابغة هذا هو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة يكنى أبا ليلى صحب النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه ومدحه ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض ما استحسنه من شعره وهو قوله:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال لا يفضض الله فاك فعاش مائتين وعشرين سنة لم تنقضّ له ثنيّة أي لم تتحرّك عاش ثلاثة قرون والقرن ثمانون سنة وقال في ذلك:
صحبت أناساً فأفنيتهم ... وأفنيت بعد أناس أناسا
(1/247)

ثلاثة أهلين أفنيتهم ... وكان الإله هو المستآسا
وتحنّف في الجاهلية وهجر الأوثان والأزلام وكان يصوم ويستغفر قال:
الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما
وأنشد أبو علي " 1 - 71، 71 " للأسود بن يعفر:
وكنت إذا ما قرّب الزاد مولعاً ... بكلّ كميت جلده لم يوسّف
ع قال الأسود يهجو عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع وكان عقال قد أضاف طهويّاً فنحر له وجعل ذلك اللحم خزيراً فأكثر عقال من الأكل فعيّره الأسود ذلك فقال:
ليبك عقالاً كل كسر مؤرّب ... مذاخره للآكل المتحيف
فتجعل أيد في حناجر أقنعت ... لعادتها من الخزير المغرّف
وكنت إذا ما قرّب الزاد مولعاً
هكذا الرواية في أماليّ أبي علي وكنت بالضمّ وكذلك الرواية في شعر الأسود يصف نفسه أنه يكتفي في زاده بالتمر عن الخزير وعن أكسار البعير يقال كسر مؤرّب أي عظيم تامّ لحمه. وقد رواه قوم بفتح التاء.
وهو الأسود بن يعفر ويقال يعفر بضم الياء والعين هكذا مختار بعض اللغويين ابن عبد الأسود بن جندل بن نهشل بن دارم شاعر جاهليّ يكنى أبا نهشل.
(1/248)

وأنشد أبو علي " 1 - 72، 71 " لهدبة بن خشرم:
طربت وأنت أحياناً طروب ... وكيف وقد تعلاّك المشيب
يجدّ النأي ذكرك في فؤادي ... إذا ذهلت عن النأي القلوب
ع عن هنا بمعنى من أجل. وفيها:
ألا ليت الرياح مسخّرات ... بحاجتنا تباكر أو تؤوب
وبخطّ أبي عليّ تصبّح أو تؤوب. وقوله:
فإنا قد حللنا دار بلوى
هذا الشعر وغيره يقوله في سجن عثمان بالمدينة لأنه أصاب دم رجل من قومه يقال له زيادة بن زيد وكان لزيادة ابن صغير يسمّى المسور، فلم يزل هدبة مسجوناً حتى أدرك المسور فبذل له أشراف أهل المدينة عشر ديات في أبيه ليخلّصوا هدبة فأبى إلاّ القود، وكان زيادة أبوه كلما نازع هدبة فيما كان بينهما قال:
سأجزيكمو ما دمت حيّاً فإن أمت ... فيوم لكم نحس إذا شبّ مسور
فكان كما قال قتله مسور صبراً. قال ابن المسيّب هدبة أول مصبور بالمدينة بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهم خبر طويل. وهو هدبة بن خشرم بن كرز بن حجير
(1/249)

من سعد هذيم وهو سعد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة.
وأنشد أبو علي " 1 - 72، 72 " للمتلمّس:
ألم تر أن الجون أصبح راسياً
صلته:
وما الناس إلاّ ما رأوا وتحدّثوا ... وما العجز إلاّ أن يضاموا فيجلسوا
ألم تر أنّ الجون أصبح راسياً ... تطيف به الأيام ما يتأيّس
عصى تبّعاً أيام أهلكت القرى ... يطان عليه بالصفيح ويكلس
الجون: حصن اليمامة سمّي بذلك للونه، ويزعمون أن تبّعاً لمّا غزا القرى أعياه هذا الحصن. وروى الأصمعي:
يطان على صمّ الصفيح ويكلس
يقول فالناس على خلاف ذلك ليسوا حجارة، فلا ينبغي لهم قبول الضيم رجاء الحياة.
واسم المتلمّس جرير بن عبد المسيح بن عبد الله من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان. ولقّب المتلمّس ببيت قاله في هذا الشعر وهو:
فهذا أوان العرض حيّ ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس
وأنشد أبو علي " 1 - 72، 72 " للطريف العنبريّ:
إن قناتي لنبع ما يؤيّسها ... عضّ الثقاف ولا دهن ولا نار
ع وبعده:
وإن جاري لا يرضى لمنعته ... بأن يكون له من غيرنا جار
(1/250)

وهو طريف بن تميم العنبري يكنى أبا عمرو فارس من فرسان بني تميم شاعر مقلّ جاهليّ قتله حمصيصة الشيبانيّ بشراحيل الشيباني من بني أبي ربيعة.
وقال أبو علي " 1 - 73، 72 " اجتمع طريف بن العاصي الدوسي وهو جدّ طفيل ذي النور ابن عمرو بن طريف والحارث بن سفيان بن لجإ بن منهب عند بعض مقاول حمير فتفاخرا، فقال الملك للحارث: يا حار ألا تخبرني بالسبب الذي أخرجكم عن قومكم وذكر الحديث إلى آخره.
ع هو الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاصي بن ثعلبة بن سليم بن فهم الدوسيّ وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إن قومي غلب عليهم الزنا فادع الله عليهم. فقال: اللهم اهد دوساً. فقال يا رسول الله: اجعل لي آية يهتدون بها. فقال: اللهم نوّر له: فسطع نور بين عينيه. فقال: يا رب أخاف أن يقولوا مثلة، فتحوّل إلى طرف سوطه، فلما وفد على قومه بالسراة جعلوا يقولون إن الجبل ليلتهب ناراً، وكان أبو هريرة ممن اهتدى بتلك العلامة في بعض الحديث. وفيه: " واسم صاحبهم عنقش " عنقش النون فيه زائدة، يقال عقشت بالشيء: جمعته، وعقشت العود: ثنيته، فجمعت طرفيه وأنكر الخليل عنقشاً وقال: إنه مصنوع. وأنشد في الخبر:
وإن كلام المرء في غير كنهه ... كالنّبل تهوي ليس فيها نصالها
(1/251)

إذا لم يكن عليها نصال طاشت فلم تقرطس وعارت يميناً وشمالاً. فضرب ذلك مثلاً للكلام في غير كنهه كما قال المتوكل:
الشعر لبّ المرء يعرضه ... والقول مثل مواقع النبل
منها المقصّر عن رميّته ... ونوافذ يذهبن بالخصل
" ومثل هذا قول الآخر:
وإنما الشعر لبّ المرء يعرضه ... على المجالس إن كيساً وإن حمقاً "
وأنشد أبو علي " 1 - 75، 75 " للبيد:
رعى خرزات الملك عشرين حجّة
وصلته:
وغسّان زلّت يوم جلّق زلّة ... بسيّدها والأريحي الحلاحل
رعى خرزات الملك عشرين حجّة ... وعشرين حتى فاد والشعب شامل
فأضحى كأحلام النيام نعيمهم ... وأيّ نعيم خلته لا يزايل
ويروى وسيّدها. قوله: رعى خرزات الملك: يريد تاج الملك أي ساس الملك أربعين سنة. وذكر أبو عبيدة أن الملك كان إذا مضى لملكه عام زاد في تاجه خرزة فكان يعلم سنو ملكه بعدد خرزاته. وقوله:
وأي نعيم خلته لا يزايل
هذا كقوله في استفتاح القصيدة:
(1/252)

ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
وأنشد أبو علي " 76، 75 " للأعشى:
جيادك في الصيف في نعمة ... تصان الجلال وتنطي الشعيرا
ع وبعده:
سواهم جذعانها كاجلام ... أقرح منها القياد النسورا
ينازعن أرسانهنّ الرواة ... شعثاً إذا ما علون الثغورا
قال ثعلب في قوله: جيادك في الصيف يضعّف هذا البيت من شعر الأعشى ويستهجن وهو يمدح به هوذة بن عليّ أحد الملوك المتوّجين وقد كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كتب إلى الملوك. ونظيره في الهجنة قول النابغة الذبياني يمدح النعمان:
ويأمر لليحموم كلّ عشيّة ... بقتّ وتعليق وقد كاد يسنق
والجلام: تيوس من الظباء. والرواة: الخدّام الذين يشدّون بالأروية.
وأنشد أبو علي " 1 - 76، 75 ":
الباغي الحرب يسعى نحوها ترعاً ... حتى إذا ذاق منها جاحماً بردا
قوله برد: معناه ثبت، ومنه قولهم برد فلان كذا: أي ثبت. قال الراجز:
(1/253)

اليوم يوم بارد سمومه ... من جزع اليوم فلا ألومه
أي ثابت حرّه وشدّته.
وأنشد أبو علي " 1 - 76، 76 " للأعشى أيضاً:
حتى إذا لمع الدليل بثوبه
ع قبله:
طال القياد لها فلم تر تابعاً ... للخيل ذا رسن ولا أعطى لها
وسمعت أكثر ما يقال لها اقدمي ... والنصّ والإيجاف كان صقالها
حتى إذا لمع الدليل بثوبه ... سقيت وصبّ رواتها أشوالها
يقول بعدت الغارة حتى أزحفت الخيل فرسنوا منها ما يطمعون في انقياده وعطّلوا بقيّتها، فربما تبع المرسنون وربما قام فترك. وقوله والنصّ والإيجاف كان صقالها هذا مثل قول علقمة:
تراد على دمن الحياض فإن أبت ... فإن المندّى رحلة وركوب
ثم قال: فلما لمع الربيء وساروا إلى الغارة سقوا خيلهم ثم صبّوا بقيّة الماء ليقاتلوا على ماء القوم كما فعل قيس بن عاصم يوم مسلّحة.
وأنشد أبو علي " 1 - 76، 76 " لذي الرمّة:
يقطّع موضوع الحديث ابتسامها
ع صلته:
من الواضحات البيض تجري عقودها ... على ظبية من رمل فاردة بكر
(1/254)

تبسّم إيماض الغمامة جنّها ... رواق من الظّلماء في منطق نزر
يقطّع موضوع الحديث ابتسامها ... تقطّع ماء المزن في نزف الخمر
يريد على ظبية بكر من رمل فاردة أي رملة انقطعت من معظم الرمل. وقوله: تبسّم إيماض الغمامة: يقول كأن ابتسامها لمع برق في غمامة. وجنّها رواق من الظلماء: أي ألبسها يعني لعس شفتيها ولمى لثاتها كما قال ابن المعتزّ:
لما تفرّى أفق الضياء ... مثل ابتسام الشفة اللمياء
فجعل الشفة بإزاء الليل، واللعس بإزاء الصبح، وكأن ابن المعتز إنما أخذ هذا من قول أبي تمام في المديح بثبات الجنان في الحرب فنقله إلى النسيب:
أنسى ابتسامك والألوان كاسفة ... تبسّم الصبح في داج من الظلم
وقوله في منطق نزر: كأنه مع قلّة كلام كما قال في أخرى:
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هواء ولا نزر
وقال ابن أحمر:
تضع الحديث على مواضعه ... وكلامها من بعد ذا نزر
موضوع الحديث: مخفوضه. يقول: تبسّم في خلال حديثها، فيقطع ذلك التبسّم حديثها فشبّه طيب حديثها بطيب ماء السماء ممزوجاً بالخمر، والخمر إذا شجّت بالماء تقطّعت وعلاها حباب ثم سكنت.
وأنشد أبو علي " 1 - 77، 76 " لأبي ذؤيب:
يقولون لما جشّت البئر أوردوا
ع قال أبو ذؤيب يصف القبر وما يؤول إليه أمره من إيراده إيّاه:
وقد بعثوا فرّاطهم فتأثّلوا ... قليباً سفاها كالإماء القواعد
(1/255)

يقولون لّما جشّت البئر أوردوا ... وليس بها أدنى ذفاف لوارد
فكنت ذنوب البئر لّما تبسّلت ... وسربلت أكفاني ووسّدت ساعدي
شبّه الذين يتقدّمون لحر قبره بالفرّاط الذين يتقدّمون لإصلاح الحياض والدلاء، وجعل القبر كالقليب الذي ينبط وهو البئر، والتذكير في القليب أعرف. وسفاهاً: مدرها. وجعلها كالإماء القواعد لأنهن مستوفزات للخدمة لسن بمطمئنّات ولذلك خصّ الإماء. وجشّت: كبست وأصلحت. ثم كان هو ذنوب تلك البئر التي تورد فيها. وتبسّلت: كره منظرها. والذفاف: البلل اليسير السريع الجفوف، وأصل الذفّ السرعة.
وأنشد أبو علي " 1 - 77، 76 " لسوّار بن حبّان المنقريّ:
ونحن حفزنا الحوافزان بطعنة ... كسته نجيعاً من دم الجوف أحمرا
ع هذا وهم من أبي علي أو ممّن أنشده البيت، وإنما هو من دم الجوف أشكلا.
وبعده:
وحمران قيس أنزلته رماحنا ... فعالج غلاّ في ذراعيه مقفلا
قضى الله أنّا يوم نقتسم العلا ... أحقّ بها منكم فأعطى وأفضلا
وهو سوّار بن حبّان المنقري شاعر جاهلي إسلاميّ. وحمران الذي ذكر هو حمران
(1/256)

بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد. يقول هذا الشعر في يوم جدود.
وأنشد أبو علي " 1 - 77، 76 " للكميت:
وجاءت حوادث في مثلها.
ع صلته:
فهذا لهذا ولما رأت ... أن ليس عن رحلة مزحل
وجاءت حوادث في مثلها ... يقال لمثلي ويهاً فل
جعلت المطيّ دواء الهموم ... وذو الطبّ يعلم ما يجعل
يقول هذا الكلام لما أنبأتك به. وفل أراد يا فلان فحذف الألف والنون وترك ما بقي اسماً على حياله يعمل فيه الإعراب قال الراجز:
في لجّة أمسك فلاناً عن فل
ولو كان قول الكميت على الترخيم لقال فلا لأنك إذا رخّمت اسماً قبل آخر حرف منه ياء ساكنة أو واو ساكنة أو ألف حذفتها مع آخر حرف منه إذا كان ما يبقى على ثلاثة أحرف أو أكثر، فإن كان ما يبقي حرفين لم تحذفها تقول في عباد يا عبا وفي زياد يا زيا وفي ثمود يا ثمو وفي سعيد يا سعي.
وأنشد أبو علي " 1 - 77، 77 ":
واهاً لريّا ثمّ واهاً واها ... يا ليت عينيها لنا وفاها
(1/257)

ع وتمامه:
بثمن نرضي به أباها
وأنشد أبو علي " 1 - 77، 77 " للعجّاج:
عف فلا لاص ولا ملصيّ
ع وقبله:
إني امرؤ عن جارتي كفيّ ... عن الأذى إنّ الأذى مقليّ
وعن تبغّي سرّها غني ... عفّ فلا لاص ولا ملصيّ
كفيّ: أي غنيّ يقول لا أوذيها لأن الأذى مقليّ. وعن تبغّي سرّها: السرّ النكاح ويكبون ما استسرّ به أي لا أطلب أخبارها. لا لاص ولا ملصيّ: يقول لست بشاتم ولا مشتوم.
أنشد أبو علي " 1 - 78، 77 " لرجل من بني كلاب شعراً فيه:
أصدّ عن البيت الذي فيه قاتلي ... وأهجره حتى كأنّي قاتله
ع ومثل هذا قول ابن الدمينة:
وإنّك من بيت إليّ لمعجب ... وأحسن في عيني من البيت عامره
أصدّ حياء أن يلجّ بي الهوى ... وفيك المنى لولا عدوّ أحاذره
وقال آخر:
أمرّ مجنّباً عن بيت ليلى ... ولم ألمم به وبي الغليل
(1/258)

أمرّ مجنّباً وهواي فيه ... فطرفي عنه منكسر كليل
وقلبي فيه معتقل فهل لي ... إلى قلبي وساكنه سبيل
وأحسن ما ورد في هذا المعنى قول الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكّل
إنّي لأمنحك الصدود وإنني ... قسماً إليك مع الصدود لأميل
يعني عاتكة بنت عبد الله بن معاوية ابن أبي سفيان وعبد الله هو الذي يلّقب بمنقّث.
وكانت عاتكة هذه عند يزيد بن عبد الملك بن مروان. وأم يزيد هذا عاتكة بنت يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان. ولهذا البيت الأول خبر طريف يدخل في باب التعريض اللطيف واللحن الخفيّ الظريف. وذلك أن المنصور أبا جعفر لما أتى البصرة اختار رجلاً من أهلها أديباً فصيحاً عالماً بأهلها وأخبارهم ليقفه على دور أشراف أهل البصرة ويعلمه أخبارهم،
(1/259)

فكان يركب معه البصريّ ليلاً، فإذا مرّ المنصور بدار فسأل عن صاحبها قال يا أمير المؤمنين هذه دار فلان، وكان من خبره كذا وكذا وكان من أمره كذا، وكان البصري لأدبه لا يبدؤه بلفظ حتى يكون جواباً لسؤاله، فأمر له المنصور في بعض تلك الليالي بصلة فتعقّب عليها فيها المأمور بها وهو الربيع بن يونس وقال لابدّ من معاودته فأمسك البصريّ عن ذلك وتمادى على حاله من مسايرة المنصور ومسامرته. فمرّ في بعض تلك الليالي بدار عاتكة. فقال مبتدئاً: يا أمير المؤمنين وهذه دار عاتكة التي يقول فيها الأحوص:
يا دار عاتكة التي أتعزّل
وسلّم وانصرف. فأنكر المنصور هذا من حاله ومن ابتدائه بذكره وفكّر في أمره، فعرض الشعر على نفسه فإذا فيه يمدح عمر بن عبد العزيز:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق الحديث يقول مالا يفعل
قال يا ربيع أدفعت إلى الرجل ما أمرنا له به. فقال لا يا أمير المؤمنين. قال: فليدفع إليه مضاعفاً، وهذا من تعريض هذا البصري كقول الشاعر:
ألا ربّ من أطنبت في ذمّ غيره ... لديه على فعل أتاه على عمد
ليعلم عند الفكر في ذاك أنّني ... نصحت له فيما أتيت به جهدي
وأنشد أبو علي " 1 - 78، 77 " لزهير:
كما استغاث بسيء فزّغيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك
ع وقبله. قال وذكر القطاة:
حتى استغاثت بماء لا رشاء له ... من الأباطح في حافاته البرك
مكلّل بأصول النبت تنسجه ... ريح خريق لضاحي مائه حبك
كما استغاث بسيء فزّغيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك
السيء: ما كان من اللبن قبل أن تدرّ الناقة. والحشك:
(1/260)

الناقة بلبنها فحرّك الشين ضرورة. يقول يخاف الفصيل أن ينظر إليه الراعي فلا يدعه يشرب فانتهز فرصته.
وهو زهير ابن أبي سلمى واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح المزنيّ من مزينة مضر وزهير شاعر جاهليّ يكنى أبا بجير. وأكثر الناس يقول إنه أشعر الشعراء.
وأنشد أبو علي " 1 - 78، 78 " لأيمن بن خريم:
وصهباء جرجانيّة لم يطف بها ... حنيف ولم تنغر بها ساعة قدر
قال المؤلف: والصحيح أن هذا الشّعر للأقيشر كذلك قال ابن قتيبة وغيره وهو ثابت في ديوان شعره.
والأقيشر: لقب غلب عليه لأنه كان أحمر أقشر. واسمه المغيرة بن أسود بن وهب من بني أسد بن خزيمة يكنى أبا معرّض ويقال أبا معرض مخفّف شاعر إسلاميّ.
(1/261)

فأما أيمن فهو أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي وخريم له صحبة وهو ممّن اعتزل الجمل وصفّين وما بعدهما من الأحداث وهو منسوب إلى جدّه الأعلى لأنه خريم بن الأخرم بن شدّاد بن عمرو بن فاتك، وكان أيمن فارساً شريفاً، وكان يتشيّع، وكان به وضح، وقوله فيها:
أتاني بها يحيى وقد نمت نومة ... وقد غابت الشّعرى وقد جنح النسر
روى غيره وقد غابت الشعرى وقد طلع النسر، وهو الصحيح لأن الشعرى العبور إذا كانت في أفق المغرب كان النسر الواقع طالعاً من أفق المشرق على نحو سبع درجات وكان النسر الطائر لم يطلع، وإذا كانت الشعرى الغميصاء في أفق المغرب كان النسر الواقع حينئذ غير مكبّد فكيف أن يكون جانحاً، وكان النسر الطائر حينئذ في أفق المشرق طالعاً على نحو سبع درجات أيضاً، فرواية أبي علي لا تصحّ عند التدبرّ ألبتّة، فكأن النسر الواقع نظير للشعرى العبور. قال الشاعر:
وإنّي وعبد الله بعد اجتماعنا ... لكالنسر والشعرى بشرق ومغرب
يلوح إذا غابت من الشرق شخصهوإن تلح الشعرى له يتغيّب
وقال أبو نواس:
وخمّارة نبّهتها بعد هجعة ... وقد لاحت الجوزاء وانغمس النسر
فقالت من الطرّاق قلت عصابة ... خفاف الأداوي يبتغي لهم الخمر
(1/262)

والشعرى سابقة في الطلوع للجوزاء ولذلك سمّيت كلب الجبّار والجبّار اسم للجوزاء. ويروى:
وقد لاحت الشعرى وقد جنح النسر.
وقوله:
ولم يحضر القسّ المهينم نارها.
الهينمة، والهتملة: الكلام الخفيّ. قالت الكميت:
ولا أشهد الهجر والقائليه ... إذا هم بهينمة هتملوا
وقوله:
فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى ... وإن مدّ أسباب الحياة له العمر
يقال نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة، ونفست عليه به إذا لم تره أهلاً له، ومثل هذا المعنى قول الأعور الشّنيّ:
إذا ما المرء قصّر ثم مرّتعليه الأربعون من الرجال
ويروى من الخوالي.
ولم يلحق بصالحهم فدعه ... فليس بلاحق أخرى الليالي
ويروى هذا الشعر ليزيد بن خذّاق.
وأنشد أبو علي " 1 - 79، 78 " لابن الدمينة شعراً فيه:
وكم لائم لولا نفاسة حبّها ... عليك لما باليت أنّك خابره
ع يحتمل أن يريد لولا نفاسة حبّها لصرت إلى ما يدعوني إليه من هجرها حتى أختبر ذلك ويحتمل أن يريد لولا نفاسة حبّها ما كنت أبالي أن يراها فيهيم بها ويعذرني في حبّها، ولكني أنفس عليه ذلك فيكون كقول بعض المحدثين وهو ابن وكيع:
أبصره عاذلي عليه ... ولم يكن قبل ذا رآه
فقال لي لو هويت هذا ... ما لامك الناس في هواه
قل لي إلى من عدلت عنه ... فليس أهل الهوى سواه
(1/263)

فصار من حيث ليس يدري ... يأمر بالحبّ من بهاه
وينظر إلى هذا المعنى قول القائل وهو علي بن عبد الله الجعفري من ولد جعفر ابن أبي طالب:
ولما بدا لي أنها لا تودّني ... وأنّ هواها ليس عني بمنجل
تمنّيت أن تبلى بغيري لعلّها ... تذوق حرارات الهوى فترقّ لي
وهذا مذهب مهجور فيه ما فيه. ويروى بيت ابن الدمينة وكم قائل فيكون الضمير على هذا في قوله خابره عائداً على حبها، والمعنى لولا أنك تنفس حبّها على نفسك إن جادت لك بالوصال لما باليت أن تنال لذّتك منها، ويقوّي هذا التأويل وهذه الرواية قوله موصولاً بالبيت:
أحبّك يا ليلى على غير ريبة ... وما خير حبّ لا تعفّ سرائره
وفيه:
فماذا الذي يشفي من الحبّ بعدما ... تشرّبه بطن الفؤاد وظاهره
هذا مثل قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم فالتأم الفطور
وابن الدمينة هو عبد الله بن عبيد الله أحد بني عامر بن تميم الله وأمّه الدمينة بنت حذيفة السلوليّة شاعر متقدم من شعراء الدولة الأمويّة.
وأنشد أبو علي " 1 - 79، 79 " لأبي الطريف:
أتهجرون فتى أغرى بكم تيهاً
ع هو أبو الطريف علي بن سليمان السلميّ اليماميّ شاعر مطبوع وبخط أبي علي شيّعتهم فاسترابوا بي بالباء ويعلو كذا صعداً وصعدا معاً و " قلت التنفّس للإدلاج نحوكمو "
(1/264)

و " ماء عيني جار " هذا كله بخطّه. وهذا الشعر الذي نسبه إلى أبي الطريف هو ثابت في ديوان شعر خالد الكاتب وأوّله هناك:
زمّوا المطيّ غداة البين وارتحلوا ... وخلّفوني على الأطلال أبكيها
وأنشد أبو علي " 1 - 79، 79 " لأبي بكر ابن دريد:
قلب تقطّع فاستحال نجيعاً ... فجرى فصار مع الدموع دموعاً
ع قد كرّر هذا المعنى فقال:
لا تحسبي دمعي تحدّر إنما ... نفسي جرت في دمعي المتحدّر
وأول من سبق إلى هذا المعنى أبو حيّة النميري قال:
نظرت كأنّي من وراء زجاجة ... إلى الدار من ماء الصبابة أنظر
فعيناي طوراً تغرقان من البكا ... فأعشى وطوراً تحسران فأبصر
وليس الذي يهمي من العين دمعها ... ولكنه نفس تذوب فتقطر
وفيه:
عجباً لنار ضرّمت في صدره ... فاستنبطت من جفنه ينبوعا
نبّهه على هذا المعنى أبو تمّام بقوله في صفة برق:
(1/265)

يا سهم للبرق الذي استطارا ... ثاب على رغم الدّجى نهارا
آض لنا ماء وكان نارا ... أرضى الثرى وأسخط الغبارا
وأصحاب المعاني ينشدون في مثله:
نار تجدّد للعيدان نضرتها ... والنار تلفح عيدانا فتحترق
وسيأتي هذا الشعر بكماله إن شاء الله " 1 - 183، 180 ".
وأنشد أبو علي " 1 - 80، 79 ":
نسى الأمانة من مخافة لقّح
وهو للراعي وقد مضى ذكره. وقبل البيت قال يشكو إلى عبد الملك بن مروان المصدّقين:
إن الذين أمرتهم أن يعدلوا ... لم يفعلوا مما أمرت فتيلا
أخذوا المخاض من العشار غلبّة ... ظلماً وتكتب للأمير أفيلا
أخذوا العريف فقطّعوا حيزومه ... بالأصبحيّة قائماً مغلولا
حتى إذا لم يتركوا لعظامه ... لحماً ولا لفؤاده معقولا
نسي الأمانة من مخافة لقّح ... شمس تركن بضيعه مجزولا
وأنشد أبو علي " 1 - 81، 81 ":
تربّعت في حرض وحمض
ع هو لأبي محمد الفقعسيّ وقد مضى ذكره وبعدها أو بعد أشطار منها:
كأن صوت شخبها المرفضّ ... كشيش أفعى أجمعت لعضّ
(1/266)

فهي تحكّ بعضها البعض
يصف غزرها وصوت شخبها لكثرة لبنها بكشيش الأفعى وكشيشها بجلدها وفحيحها بفيها.
وأنشد أبو علي " 1 - 82، 81 " لسلمى بن ربيعة:
حلّت تماضر غربة فاحتلّت ... فلجاً وأهلك باللوى فالحلّة
ع هكذا رواه أبو عليّ سلمى ولم يختلف الرواة أنه سلميّ بضم السين وتشديد الياء وهو سلميّ بن ربيعة بن زبّان بن عامر من بني ضبّة شاعر جاهلي، وابناه أبيّ وغويّة شاعران. وفلج: واد بطريق البصرة إلى مكّة. والحلّة: بفتح الحاء موضع حزن وصخور متصل رمل بجلد في بلاد بني ضبّة. وقوله:
وكأن في العينين حبّ قرنفل ... كحلت به أو سنبلا فانهلّت
هكذا رواه أبو تمام وهي أحسن من رواية أبي علي، لأنه يلزمه على روايته أن يقول كحلت بهما وقال كحلت به ولم يقل كحلتا ولا انهلّتا لأن الشّيئين إذا اصطحبا وقام كل واحد منها مقام صاحبه جرى كثيراً عليهما ما يجري على الواحد كما قال:
(1/267)

لمن زحلوفة زلّ ... بها العينان تنهلّ
ولم يقل تنهلاّن. وقال الفرزدق:
ولو بخلت يداي بها وضنّت ... لكان عليّ للقدر الخيار
وقوله:
يسدد أبينوها الأصاغر خلّتي
إنما أضاف الخلّة إلى نفسه لأنه كان يسدّها وقوله:
تربت يداك وهل رأيت لقومه ... مثلي على يسري وحين تعلّتي
رجلاً إذا ما النائبات غشينه
قوله مثلي يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون مفعول رأيت فينتصب رجلا حينئذ على التمييز كقولك: لي مثله عبداً تقديره وهل رأيت مثلي من الرجال الذين إذا غشوا كفوا، والآخر أن يكون أراد هل رأيت رجلامثلي، فلما قدّم مثلي وهو نكرة نصب على الحال. واللام في قوله: له معلّقة بنفس رأيت كقولك: رأيت لبني فلان نعماً. ومناخ نازلة: يعني الأضياف. والجمى والمطا: عرق في الظهر. وقوله: واستعجلت هزم القدور فملّت، وروى غير أبي علي نصب القدور، والمعنى أنها للجوع لم تنتظر الطبيخ فملّت اللحم على النار. واللتيّا والّتي: كناية عن الداهية. والتزم هذا الشاعر اللام قبل التاء من هذه الأبيات وليست بواجبة لأن الرويّ إنما هو التاء، وقد يلتزم المدلّ مالا يجب عليه ثقة بنفسه وشجاعة في لفظه، وذلك موجود كثير.
وأنشد أبو علي " 1 - 83، 82 " للأعشى:
غير ميل ولا عواوير في الهيجا
(1/268)

ع قبله:
جندك التالد العتيق من السادات ... أهل القباب والآكال
غير ميل ولا عواوير في الهيجا ... ولا عزّل ولا أكفال
ودروع من نسج داود في الحيّ ... وسوقاً يحملن فوق الجبال
يمدح بهذا الشعر الأسود بن المنذر. وذكر أبو علي الأكشف والأميل ولم يذكر الذي لا رمح له وهو الأجمّ، ولا الذي لا قوس معه وهو الأنكب، ويروى في الهيجا وسوقاً، والوسوق: الأحمال واحدها وسق.
وأنشد أبو علي " 1 - 83، 83 " شعراً منه:
إذا قيل أين المشتفي بدمائهم ... وأين الروابي والفروع المعاقل
المشتفي بدمائهم فيه معنيان أحدهما: أنه من أصاب منهم واحداً بثأره فهو له شفاء ولقتيله بواء، والدم الكريم هو الثأر المنيم كما قال الشاعر أنشده الأشناندانيّ:
لا يشربون دماءهم بأكفّهم ... إن الدماء الشافيات تكال
يقول إذا قتل منهم قتيل لم يأخذوا ديته إبلاً فيشربوا ألبانها. وقوله:
إن الدماء الشافيات تكال
يقول لا يرضى فيها إلا بالمكايلة وأخذ دم كما قال الآخر وهو أبو قيس ابن الأسلت الأنصاري:
لا نألم القتل ونجزى به ال ... أعداء كيل الصّاع بالصّاع
والمعنى الآخر: أنهم كانوا يرون أن الرجل إذا عضّه الكلب الكلب ففصد له شريف القوم نفسه وشرب من دمه شفي كما قال الشاعر وهو الحطئة:
(1/269)

بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاء
وقال الفرزدق في ذلك:
ولو شرب الكلمى المراض دماءنا ... شفتها وذو الداء الذي هو أدنف
وفيها قبل هذا:
وإذ لا ترود العين عنّا لبغية ... ولا يتخطّانا المروع الموائل
يقال فلان يوائل من كذا: أي ينجو منه. قال الشماخ:
توائل من مصكّ أنصبته ... حوالب أسهريه بالذنين
وفيه:
فأصبحت مثل النسر تحت جناحه ... قوادم صارتها إليه الحبائل
صارتها: أي أمالتها وضمّتها. قال الله سبحانه: " فصرهن إليك " وفيه:
ولكنّ قومي عزّهم سفهاؤهم ... على الرأي حتى ليس للرأي حامل
هذا كقول الأفوه:
لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
وقال أبو فراس الحمداني فأحسن:
كيف يرجى الفلاح من أمر قوم ... ضيّعوا الحزم فيه أيّ مضاع
بمطاع المقال غير سديد ... وسديد المقال غير مطاع
وأنشد أبو علي " 1 - 84، 83 ":
(1/270)

تودّ عدوّي ثم تزعم أنني ... صديقك إنّ الرأي منك لعازب
وليس أخي من ودّني رأي عينه ... ولكن أخي من ودّني وهو غائب
ع قد نسب هذان البيتان إلى بشار وما أحسن قول الآخر في معناهما:
أخوك الذي إن سرّك الأمر سرّه ... وإن غبت عنه ظلّ وهو حزين
يقرّب من قرّبت من ذي مودّة ... ويقصي الذي أقصيته ويهين
وقال آخر:
وإن معشر دبّت إليك عداوة ... عقاربهم دبّت إليهم عقاربي
(1/271)

وقال ابن المعتزّ:
لم يبق مما فاتني كسبه ... إلا فتى يسلم لي قلبه
ينأى فلا يذهله نأيه ... عني ولا يفسده قربه
يكون حسبي من جميع الورى ... في كل حال وأنا حسبه
وقال آخر:
فإنّ من الخلاّن من تشحط النوى ... به وهو راع للحفاظ أمين
ومنهم كعبد القين أمّا لقاؤه ... فحلو وأمّا غيبه فظنون
وقال آخر:
عليّ لأخداني رقيب من الصفا ... تبيد الليالي وهو ليس يبيد
وإنّي لأستحي أخي أن أبرّه ... قريباً وأن أجفوه وهو بعيد
وقال المغيرة بن حبناء:
أخوك الذي لا ينقض الدهر عهده ... ولا عند صرف الدهر يزورّ جانبه
وليس الذي يلقاك بالبشر والرضى ... وإن غبت عنه لسّعتك عقاربه
وأنشد أبو علي " 1 - 84، 83 ":
أحبّ بلاد الله ما بين منعج ... إليّ وسلمى أن يصوب سحابها
ع وهما لامرأة من طئ وقبلهما:
(1/272)

ألم تعلمي يا دار بلجاء أنّني ... إذا أخصبت أو كان جدباً جنابها
أحبّ بلاد الله
وتقدير الكلام في هذين البيتين أحبّ صوب سحاب بلاد الله إلى سحاب بلاد بها عقّ الشباب تمائمي ما بين سلمى ومنعج: يريد وسط سلمى ومنعج. فأحبّ ابتداء وأن يصوب بدل منه، وما بين ظرف وبلاد خبر الابتداء. ورواية أبي علي حلّ الشباب تمائمي. ورواه غيره: عقّ الشباب تمائمي. وقال ابن ميّادة في معناهما فأحسن:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بحرّة حزوى حيث ربّتني أهلي
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وحلّلن عني حين أدركني عقلي
وأنشد أبو علي " 1 - 84، 84 ":
منعّمة يحار الطرف فيها ... كأن حديثها سكر الشباب
يريد أنها تصبي بحديثها فيحدث لسامعه من التصابي والجذل مثل سكر الشباب، لأن الشباب في بلهنية. وفيه:
من المتصديّات لغير سوء ... تسيل إذا مشت سيل الحباب
ع ويروى الحباب بفتح الحاء، وكان أبو القاسم ابن الإفليليّ يأبى إلاّ ضمّها.
(1/273)

وتشبيه المشي بالحباب حباب الماء أفشى وأعرف. قال امرؤ القيس:
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالاً على حال
وقال ابن الروميّ:
قضيت ذلك من قولي إلى فنق ... تلهو بمكتحل طوراً ومختضب
جاءت تدافع في وشى لها حسن ... تدافع الماء في وشى من الحبب
وقال الراجز:
مالك لا تذكر أو تزور ... بيضاء بين حاجبيها نور
تمشي كما يطّرد الغدير
وقال ابن أبي ربيعة في مشية الحباب الحيّة:
(1/274)

فلمّا فقدت الصوت منهم وأطفئت ... مصابيح شبّت بالعشاء وأنوّر
وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... وروّح رعيان ونوّم سمّر
وخفّض عني الصوت أقبلت مشية ... الحباب وركني خيفة القوم أزور
هكذا نقلته من كتاب أبي علي الذي بخطّ ابن سعدان، وفي الطرّة: " الحباب الحيّة " وأنشد أبو علي " 1 - 84، 84 ":
حديث لو أنّ الميت يوحي ببعضه ... لأصبح حيّاً بعد ما ضمّه القبر
هذا من قول توبة بن الحميّر، وقد تقدّم إنشاده وخبره " ص 31 ":
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت
ومن قول الأعشى. وقال العلماء: إنه أكذب بيت قالته العرب:
لو أسندت ميتاً إلى صدرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس ممّا رأوا ... يا عجباً للميّت الناشر
وأنشد أبو علي " 1 - 84، 84 ":
وحديثها كالقطر يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا
ع ورواية أبي علي: تتايعت بالياء وهي رواية جيّدة لأن التتايع أخصّ بالشرّ.
وأنشد أبو علي " 1 - 85، 84 " لابن الروميّ شعراً منه:
شرك العقول ونزهة ما مثلها ... للمطمئنّ وعقلة المستوفز
ع روى غيره ونهزة ما مثلها.
وأنشد أبو علي " 1 - 85، 84 " لبشّار:
(1/275)

وكأن رفض حديثها ... قطع الرياض كسين زهراً
ع كان بشار قد وعدته هوى له أن تزوره ليلة فأخلفته فكتب إليها:
يا ليلتي تزداد نكراً ... من حبّ من أحببت بكرا
حوراء إن نظرت إليك ... سقتك بالعينين خمرا
وكأن رفض حديثها
ورفض حديثها: قطعه ومتفرّقه. ورفوض الناس فرقهم. قال الراجز:
من أسد أو من رفوض الناس
وروى غير أبي علي:
وكأنّ نبذ حديثها.
وأنشد أبو علي " 1 - 85، 85 " لأبي علي البصير:
غناؤك عندي يميت الطرب ... وضربك للعود يحيي الكرب
ع أبو علي البصير: هو الفضل بن جعفر بن الفضل شاعر ظريف محسن من شعراء الدولة الهاشميّة وبليغ مفتنّ. وقال بعض الشعراء في مثل هذا المعنى:
ومغنّ كلّما غنّاك ... صوتاً قلت أشرك
فحزناً إذ تغنيّ ... وطربنا حين أمسك
ومثل قوله:
ولو مازج النار في حرّها ... حديثك أطفأ منها اللهب
ما أنشده عبد الصمد الكوفي. قال أنشدني الصنوبريّ:
إذا جواريك غنّوا ... فاطرح علينا دثارا
(1/276)

واريتهم وحقيق ... لقبحهم أن يوارى
قد قلت إذ قال صحبي ... لم يضربون ستارا
" لو اطّلعت عليهم ... ولّيت منهم فرارا "
وقال كشاجم:
غناء فريج بأرض الحجاز ... يطيب وأمّا بحمص فلا
لبرد الغناء وبرد الهواء ... فإن جمعاً خفت أن يقتلا
وقال ابن الروميّ:
غنّى فلم يبق لنا جبّة ... محشوّة إلاّ لبسناها
فلو ترانا لو نرى جمرة ... من شدّة البرد أكلناها
وقال أبان اللاحقيّ في قيان أبي النضير
قيان أبي النضير مثلّجات ... غناء مثل شعر أبي النضير
فإن رمت الغناء لديه فاصبر ... إذا ما جئته للزمهرير
وأنشد أبو علي " 1 - 86، 85 " للأشتر النخعيّ:
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
ع الأشتر: اسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث فارس شاعر أدرك الجاهليّة
(1/277)

والإسلام وهو أحد أصحاب عليّ رضي الله عنه وذوي النصرة والحميّة. واتفق العلماء أن هذا الاستفتاح أحسن قسم أقسم به شاعر وبعده قول الآخر في رواية من ينشده كما أنا ذاكره:
وإذا تأمّل شخص ضيف مقبل ... متسربلاً أثواب محل أغبر
أومي إلى الكوماء هذا طارق ... فعقرت ركن المجد إن لم تعقري
ورواية أبي علي " 1 - 45، 43 ":
نحرتني الأعداء إن تنحري
وقد تقدم فيما سلف من الكتاب ومن حسن القسم في النسيب قول ابن الروميّ:
لا وألحاظ العيون الساهره ... بين أهداب الجفون الفاتره
ما تولّى آل وهب دولة ... فرآها الله إلاّ ظاهره
(1/278)

وقول البحتري وهو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد من بحتر بن عتود بن عنيز بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طئ سميّ بذلك لأنه أول من طوى المناهل:
أما وضحكتها عن واضح رتل ... تنبي عوارضه عن بارد شبم
لقد كتمت هواها لو يطاوعني ... دمع لجوج ووجد غير منكتم
ومن القسم في الهجاء قول دعبل فأفرط وتعدّى:
أيشتمني من حيّ كلب عبيدها ... وحيّ كلاب تقطع الصلوات
فإن أنا لم أعلم كلاباً بأنّها ... كلاب وأن الموت من نقماتي
فكان إذن من قيس عيلان والدي ... وأميّ إذن من نسوة الحبطات
وأنشد أبو علي " 1 - 86، 86 ":
ولكنّ عبد الله لمّا حوى الغنى ... وصار له من بين أخوته مال
ع قال الأصبهاني: إنهما لإبراهيم بن العباس الصولي يقولهما في عبد الله أخيه، وكان قاسمه ماله.

وذكر أبو علي " 1 - 86، 86 " عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاصي
حديث ليلى الأخيلية مع الحجّاج.
ع هو عنبسة بن سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أميّة بن عبد شمس، وكان
(1/279)

آثر الناس عند الحجاج، وطلع له ابن فسمّاه الحجاج باسمه، وكان على جانب من البخل عظيم، وله فيه أخبار طريفة. دخل به على الحجاج وهو طفل فأعطاه دراهم، فسأله أن يشدّها بخيط، فكلما شدّها سأله المبالغة في الشدّ حتى عقد اثنتي عشرة عقدة، فعجب الناس من شأنه. ثم دخل عليه عنبسة فأخبره بما رأى من ابنه. فقال له عنبسة: إن رأيته أيها الأمير فاسأله ما صنع بالدراهم، فأرسل فيه الحجاج وقال: ما صنعت بالدراهم التي أعطيتك. قال: عمدت إلى أغمض بيت في الدار فحفرت فيه حفيرة ثم دفنتها فيها، وملأت البيت تبناً وقلت لها: هذا آخر عهدك بالدنيا. قال: فما أردت بملء البيت تبناً. قال: إن أرادها اللصوص لم يفرغوا بإخراج التبن حتى يدركهم الصباح فيفضحهم، فازداد الحجاج عجباً من ضبطه وسرّبه ووهب له مالاً. ومرّ بالحجاج بن عنبسة رجل في يوم صرّ وهو يرعد، فقال: ما الذي أخرجك من بيتك في مثل هذا اليوم؟ قال: خرجت أشتري لزوجتي برداً. قال: لا كسا الله عريها، أما لها برد؟ قال: نعم ولكنه خلق. قال: ارقعه مادام فيه مستمتع، فإذا لم تبق فيه بقيّة فماطلها أربعة أشهر وعشراعدّة المتوفيّ عنها زوجها. وروى في حديث ليلى مع الحجاج قاسم بن ثابت: قال إسماعيل الآمدي عن محمد بن حاتم النحوي عن الهيثم بن عديّ عن أبي عمرة الأنصاري عن الشعبي أنه شهدها عند الحجاج وفيه " وقال الحجاج: ما جاء بك؟ قالت إخلاف النجوم وكثرة الغروم ". وقول ليلى:
أعدّ لهم مسمومة فارسيّة ... بأيدي رجال يحلبون صراها
تعني نصال الرماح والسهام كأنها مسقية سمّاً من أصابته لم ينج منها، وقيل إنها أرادت
(1/280)

بمسمومة الدروع أي ضيّقة الحلق دقيقة النسج من سمّ الخياط. وهذا التفسير يبطله عجز البيت وقول توبة:
لنفسي تقاها أو عليها فجورها
أو هنا بمعنى الواو وقد مضت أمثلته وقولها:
لتبك العذارى من خفاجة نسوة
نسوة تبيين وارتفاعه بفعل مضمر كأنها قالت تبكيه نسوة. وقولها:
كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص يفحصن الحصا بالكراكر
إنما يفعلن ذلك من شدة الحر يطلبن برد الأرض لينلنه. وفي الحديث " 1 - 89، 89 " وكان محصن الفقعسيّ من جلساء الحجاج. المحصن: هو المكتل وهو الزبيل الصغير سميّ به. وفيه وكانت ليلى تهجوه ويهجوها، كانا يتهاجيان وقد غلّبت عليه، وكان سبب تهاجيهما أنّ الجعدي كان يذكر يومي رحرحان وهو يهاجي سوّار بن أوفى بن سبرة ويفخر عليه بأيام بني جعدة في قوله:
هلاّ سألت بيومي رحرحان وقد ... ظنّنت هوازن أنّ العزّ قد زالا
تلك المكارم لاقعبان من لبن ... شيباً بماء فعادا بعد أبوالا
فقالت ليلى:
(1/281)

وما كنت لو قاذفت جلّ عشيرتي ... لأذكر وطبي حازر قد تمّثلا
تريد قد تجنّب. فلما أتى النابغة أبيات ليلى قال:
ألا حيّياً ليلى وقولاً لها هلا ... فقد ركبت أيراً أغرّ محجّلا
بريذينة بلّ البراذين ثفرها ... وقد شربت في آخر الصيف إيّلا
فأجابته ليلى:
أنابغ لم تنبغ ولم تك أوّلا ... وكنت صنيّاً بين صدّين مجهلا
أعيرتني داء بأمّك مثله ... وأيّ جواد لا يقال له هلا
قوله هلا: زجر للخيل، وإنما أراد به النابغة زجر الحجر إذا لم تقرّ للفحل. وقوله: وقد شربت: يعني البراذين في آخر الصيف أيّلاً يعني لبن إيّل، ويقال إن من شرب ألبانها اغتلم. قال جرير:
أجعثن لولا قيت عمران شارباً ... على الحبّة الخضراء ألبان أيّل
ويقال له أيضاً أيّل بالضم سميّ بذلك لأنه يؤول إلى الجبال يتحصّن فيها. وقال قطرب: الأيّل من اللبن الذي قد أخذ في الخثورة وتغيّر طعمه عن طعم الحليب. وأنشد بيت النابغة هذا. وقال الخليل: آل الشيء يؤول أولا فهو آئل أي خثر، وبول آئل: أي خاثر وجمعه أيّل كصائم وصيّم، وكان الأصل أوّل وصوّم ولكن قد يجمع الشيء على لفظه ولا ينظر إلى أصله. فمن تأوّل في البيت أنه أراد خائر اللبن فإنما هو على هذا التفسير أيّل بضم الهمزة. ونقله
(1/282)

قطرب إيّل بكسر الهمزة. والصدّان: ناحيتا الجبل أو الوادي والواحد صدّ. وقوله: " فماتت بقومس ويقال بحلوان ".
ع وقال أبو عمرو ابن العلاء ماتت بساوة. قال أبو الفرج: وهذا غلط والصحيح ما رواه المدائني أنها أقبلت من سفر ومعها زوجها وهي في هودج فقالت والله لا أبرح حتى أسلّم على توبة، فجعل الزوج يمنعها وهي تأبى إلاّ أن تلمّ به، فصعدت أكمة فيها قبر توبة فقالت: السلام عليك يا توبة، ثم حوّلت وجهها إلى القوم فقالت: ما عرفته كذب قطّ قبل هذه. قيل وكيف؟ قالت أليس القائل:
ولو أن ليلى الأخيليّة سلّمت ... عليّ ودوني تربة وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقاً ... إليها صدى من جانب القبر صائح
وكانت في جانب القبر بومة كامنة فلما رأت الهودج واضطرابه نفرت فطارت في وجه الجمل فرمى بليلى على رأسها فماتت. وقد تقدم هذا الخبر " ص 31 " بمعناه على ما رواه أبو عبيدة، وهذا الذي أوردته هي رواية أبي الفرج الأصبهانيّ عن رجاله عن المدائنيّ. وهي ليلى بنت عبد الله بن الرحّال وهو شدّاد بن كعب بن معاوية وهو الأخيل من بني ربيعة بن عامر بن صعصعة.
(1/283)

وأنشد أبو علي " 1 - 90، 90 " للأعشى:
رب رفد هرقته ذلك اليوم
ع كان الأسود بن المنذر وقيل المنذر بن الأسود قد غزا الحليفين أسداً وذبيان ثم أغار على الطفّ فأصاب نعماً وسبي من بني ضبيعة بن قيس بن ثعلبة والأعشى غائب، فلما قدم وجد الحيّ مباحاً فأتاه فأنشده وسأله أن يهب له الأسرى ويحملهم ففعل، فأنشده الأعشى قصيدته التي أوّلها:
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي فما يردّ سؤالي
وفيها:
ربّ رفد هرقته ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقتال
وشيوخ حربي بشطّي أريك ... ونساء كأنهنّ السعالي
وشريكين في كثير من الما ... ل وكانا محالفي إقلال
يقول استقت إبله فذهب ما كان يحلبه في الرفد فتلك إراقته. وهذا كقول امرئ القيس في أحد الأقوال:
فأفلتهنّ علباء جريضاً ... ولو ألفينه صفر الوطاب
وحربي: جمع حريب وهو الذي قد حرب ماله. وروى أبو عبيدة: وشيوخ صرعى.
وقوله:
وشريكين في كثير من المال
يقول كانا فقيرين فلما غزوا معك استغنيا وأنشد أبو علي " 1 - 91، 91 " للنمر شاهداً على قولهم: " ماله سعنة ولا معنة " على أن المعن اليسير الهيّن والسعن الكثير:
ولا ضيّعته فألام فيه
صلته:
يلوم أخي على إهلاك مالي ... وما إن غاله ظهري وبطني
ولا ضيّعته فألام فيه ... فإن ضياع مالك غير معن
ولكن كل مختبط فقير ... يقول ألا استمع أنبئك شأني
(1/284)

وفي كتاب العين ما يخلف قول أبي علي في السعن والمعن قال: السعن شيء يتخذ من الآدم شبه دلو إلاّ أنه مستطيل مستدير ربما جعلت له قوائم ينبذ فيه، وقد يكون على تلك الخلقة من الدلاء صغير يسمى السعن والجمع السعنة والأسعان، والسعن ظلّة يتّخذها أهل عمان فوق سطوحهم من جل الندى والومد والجمع السعون والسعن الودك والمعن العروف. ابن الأعرابي في قوله:
فإن ضياع مالك غير معن
أي غير حزم من قولك أمعن لي بحقّي أي أقرّبه وانقاد. وأمعن الماء إذا جرى وهو النمر بن تولب بن أقيش من عكل واسم عكل عوف بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة بن اليأس بن مضر شاعر جاهليّ إسلاميّ، وكان يسمّى الكيس لجودة شعره، ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم وحسن إسلامه، وكتب له كتاباً كان في أيدي أهله. وروى عنه أنه قال: صوم شهر الصبر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر يذهبن كثيراً من وحر الصدر.
وأنشد أبو علي " 1 - 91، 91 " لزهير:
والستر دون الفاحشات ولا
(1/285)

ع قبله:
أثنى عليك بما علمت وما ... سلّفت في النجدات والذكر
والستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر
النجعدات جمع نجدة: وهي الشدائد، وكالبيت الآخر قول الحكيم، وقد سئل المروءة؟ فقال: أن لا تعمل في السرّ عملاً تستحي منه في العلانية. وقول الشاعر:
وإذا أظهرت أمراً حسناً ... فليكن أحسن منه ما تسرّ
فمسرّ الخير موسوم به ... ومسرّ الشر موسوم بشرّ
وقال آخر:
فإن الله لا يخفى عليه ... علانية تراد ولا سرار
وأنشد أبو علي " 1 - 92، 91 " لرجل من بني تميم:
ولما رأين بني عاصم ... دعون الذي كنّ أنسيته
فأبدين ما كنّ حسّرنه ... وستّرن ما كنّ يبدينه
ع هذا التميمي هو ذو الخرق الطهويّ وإنما أنشده العلماء
ذكرن الذي كن أنسينه
وهذه الرواية أشبه بتفسير أبي علي يصف نساء سبين فأنسين الحياء. وقوله: فلما رأين بني عاصم استيقنّ أنهن قد استنقذن فراجعن حياءهن. وفيها مع ذلك الصناعة التي تسمى المطابقة، ولا يدخل الدعاء هنا ولا هناك مدعوّ. ومثله في المعنى قول الآخر وهو باعث بن صريم اليشكريّ:
(1/286)

وخمار غانية شددت برأسها ... أصلاً وكان منشرّاً بشمالها
فلمثل ما منّتك نفسك خالياً ... منحتك يشكر أهلها وفصالها
وقول رجل من بني عجل:
ويوم يبيل النساء الدما ... جعلت رداءك فيه خمارا
ففرّجت عنهن ما يتّقين ... وكنت المحامي والمستجارا
الرداء: السيف. يقول استنقذهن بسيفه فكأنّه قد وضع به خمراً على رؤسهنّ لأنهن كنّ مكشّفات الرؤس. ويبيل الدما: أي يسقط الحبالى أجنّتهن فيبيل الدماء يسيلها وأنشد ثعلب في مثله:
تركنا بالعويند من حسين ... نساء الحي يلقطن الجمانا
حسين: جبل. يقول فزع النساء من الغارة فهربن فانقطع الجمان، فلما جئنا وأغثناهنّ رجعن فلقطن الجمان الذي سقط لهن في الفزع.
(1/287)

وأنشد أبو علي " 1 - 93، 92 " في خبر مرثد الخير مع الرجلين من قومه:
إذاً ما علوا قالوا أبونا وأمّنا ... وليس لهم عالين أمّ ولا أب
ع يقول إذا ما غلبوا وعلوا استنصروا بنا واستنجدونا وذكّرونا الآباء والأمّهات أوالأرحام والأواصر، وإذا كانوا هم الغالبين العالين نسوا تلك الأواصر وتركوا الصلة وقطعوا تلك الأرحام فصاروا كمن لا يجمعنا بهم أمّ ولا أب. وعالين حال من الضمير في قوله لهم. ومثله قول رجل من بني عبد مناة بن كنانة:
هل في القضيّة أن إذا استغنيتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشدائد بالشدائد مرّة ... أشجتكمو فأنا الحبيب الأقرب
عجباً لتلك قضيّة وإقامتي ... فيكم على تلك القضيّة أعجب
فإذا تكون شديدة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
ذا كم وجدّكم الصغار بعينه ... لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب
ومثله قول عطية بن عمرو العنبريّ من أصحاب المهلّب:
يدعى رجال للعطاء وإنّما ... يدعى عطيّة للطعان الأجرد
ومثله قول جرير لجدّه الخطفي وقسم ماله على ولده وقصّر لجرير فسأله أن يلحقه بهم فلم يفعل فقال:
(1/288)

وقائلة والدمع يحدر كحلها ... أبعد جرير تكرمون المواليا
فأنت أبي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت يوماً فلست أباليا
وإني لأستحي أخي أن أرى له ... عليّ من الحقّ الذي لا يرى ليا
وأنشد أبو عليّ " 1 - 93، 93 " في ذلك الخبر:
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب
ع هو لحرثان بن السموأل الملّقب ذا الإصبع العدواني لقّب بذلك لأن حيّة لسعت إصبعه فقطعها. قال لابن عمّ له يسمّى عمراً:
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت ديّاني فتخزوني
ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ... ولا بنفسك في العزّاء تكفيني
قال الأصمعي العرب تقول العطش في الرأس وأنشد:
قد علمت أنّي مروّي هامها ... ومذهب الغليل من أوامها
إذا جعلت الدلو في خطامها
(1/289)

وقال آخر:
فيا ربّ إن أهلك ولم ترو هامتي ... بليلي أمت لا قبر أعطش من قبري
والمعنى إن لا تدع شتمي أضربك على هامتك حيث تعطش. وقوله لاه ابن عمك يريد الله ابن عمك، ورواه أحمد بن عبيد لاه ابن عمّك بالخفض وقال هو قسم كقولك ربّ ابن عمك. ويروى لا أفضلت في حسب ولا أفضلت في خلق ومعناه لم تفضل ولا تأتي مع الأفعال الماضية بمعنى لم كثيراً قال الله عز وجل: " فلا اقتحم العقبة " وفي الحديث " أرأيت من لا شرب ولا أكل ولا صاح فاستهلّ أليس ذلك بطلّ ". والديّان: القائم بالأمور. وقوله تخزوني: يريد تسوسني يقال خزاه يخزوه إذا ساسه ودبّر أمره يقول له أنت لا تفضلني في حسب ولست بالقائم بأمري ولا السائس لي، ولا تقوت عيالي في جهد ولا تكفيني بنفسك في شدّة وضيق، فما يحملك على إصغاري وشتمي وتنقّصي.
وأنشد أبو علي " 1 - 94، 93و2 - 18، 16 " لأوس بن حجر في تفسير غريب الخبر المذكور:
غنيّ تأوّي بأولادها ... لتهلك جذم تميم بن مرّ
ع هو أوس بن حجر بن معبد بن حزم أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم يكنى أبا شريح شاعر جاهليّ. يقول هذا الشعر في حرب كانت بينهم وبين أسد وغنّى وبعد البيت:
وخندف أقرب بأنسابهم ... ولكنّنا أهل بيت كثر
فإن تصلونا نواصلكمو ... وإن تصرمونا فإنّا صبر
ويروى غنّى تعاوى: يريد تجتمع. وقوله:
ولكننا أهل بيت كثر
يقول:
ما أقرب أنسابنا ولكنّنا كثرنا فتقاطعنا.
(1/290)

وأنشد أبو علي " 1 - 94، 93 " عن يعقوب:
وخطيب قوم قدّموه أمامهم ... ثقة به متخمّط تياح
يعني نفسه وأنشد أبو علي " 1 - 94، 94 " لنصيب:
وقلت لركب قافلين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب
ع نصيب: يكنى أبا الحجناء وكان عبداً أسود لرجل من أهل القرى فكاتب على نفسه، ثم أتى عبد العزيز بن مروان فمدحه فوصله عبد العزيز وأدّى عنه ما كاتب به فصار له ولاؤه. وقال قوم إنه من بليّ من قضاعة وكانت أمّه أمة سوداء فوقع بها سيّدها فأولدها نصيباً فاستعبده عمّه بعد موت أبيه وباعه من عبد العزيز بن مروان. وخبر هذا الشعر أنّ الفرزدق دخل على سليمان بن عبد الملك وهو وليّ عهد ونصيب عنده، فقال سليمان: أنشدني يا أبا فراس، وإنما أراد أن ينشده بعض ما امتدحه به فأنشده يفخر:
وركب كأنّ الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب
(1/291)

سروا يخبطون الريح وهي تلفّهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا أبصروا ناراً يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب
فغضب سليمان وأقبل على نصيب فقال: أنشد مولاك يا نصيب فأنشده:
أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب
فقال سليمان أحسنت، ثم أقبل على الفرزدق فقال ما تقول في هذا؟ فقال هو أشعر أهل جلدته وأمر سليمان لنصيب بصلة ولم يصل الفرزدق فخرج وهو يقول:
خير الشعر أشرفه رجالا ... وشرّ الشعر ما قال العبيد
هكذا روى محمد بن يزيد. وقيل إن صاحب هذه المقالة في نصيب أيمن بن خريم بين يدي عبد الملك بن مروان.
وقال أبو علي " 1 - 94، 94 ": الهوّة الجوبة.
ع والجوبة كل منفتق بين جبلين والهوّة والمهواة واحد قال ذو الرمّة:
وبيت بمهواة هتكت سماءه ... إلى كوكب يزوي له الوجه شاربه
يعني بالبيت بيت العنكبوت هتكه بالدلو إلى كوكب الماء وهو معظمه.
وأنشد أبو علي " 1 - 94، 94 " لجرير:
فلا توبسوا بيني وبينكم الثرى
ع هو جرير بن عطيّة بن الخطفي وهو حذيفة بن بدر أحد بني يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وإنّما سميّ جدّه الخطفي بقوله يصف إبلا:
(1/292)

يرفعن بالليل إذا ما أسدفا ... أعناق جنّان وهاماً رجّفا
وعنقاً باقي الرسيم خيطفي
وكان الخطفي من النسّابين العالمين بأيام العرب ويكنى جرير أبا حرزة. وقبل البيت:
أثعلب أولى حلفة ما ذكرتكم ... بسوء ولكني عتبت على بكر
أثعلب إنّي لم أزل مذ عرفتكم ... أرى لكم ستراً فلا تهتكوا ستري
" فلا توبسوا بيني وبينكم الثرى " ... فإن الذي بيني وبينكم مثري
يعني ثعلبة بن سعد بن ضبّة وبكر بن سعد بن ضبّة، وقال الفرزدق في هذا المعنى:
وكان الثرى المعروف بيني وبينكم ... قديماً فأمسى لا يبلّ ولا يثرى
وقال أبو نخيلة:
فانزع وكلّ وادع لم يجهد ... والشرب صاف والثرى جعد ند
وأنشد أبو علي " 1 - 95، 94 " لابن مقبل:
وثروة من رجال لو رأيتهم
ع وقبله:
نحن المقيمون لم تشخص ظعائننا ... لا نستجير ومن يحلل بنا يجر
منّا ببادية الأعراب كر كرة ... إلى كراكر بالأمصار والحضر
وثروة من رجال لو رأيتهمو ... لقلت إحدى حراج الجرّ من أقر
كراكر جماعات يقال للقوم إذا كانوا كثيراً كر كرة. والحرجة: الشجر الكثير
(1/293)

الملتفّ. والجرّ: أسفل الجبل إذا كان كثير الصخور وإلاّ فليس بجرّ. وأقر: اسم جبل بين مكة والطائف.
وأنشد أبو علي " 1 - 95، 95 ":
كيف نومي على الفراش ولمّا ... تشمل الشّأم غارة شعواء
ع الشعر لعبيد الله بن قيس بن شريح أحد بني عمرو بن عامر بن لؤيّ المعروف بابن قيس الرقيّات، وإنما نسب إلى الرقيّات لأنه كان يشبّب بثلاث نسوة اسم كل واحدة منهن رقيّة، ويكنى عبيد الله أبا هاشم وأبا هشام. وهذا البيت من شعر له يمدح به مصعب بن الزبير وقبله:
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك رحمة ليس فيه ... جبروت ولا له كبرياء
يتّقي الله في الأمور وقد أفلح ... من كان همّه الإتّقاء
كيف نومي على الفراش ولّما ... تشمل الشأم غارة شعواء
وكان مع مصعب، وله فيه أشعار كثيرة وكان عبد الملك قد جعل على قتله جعلا بعد أن قتل مصعب فهرب عبيد الله بن قيس فلحق بعبد الله بن جعفر وأنشده شعراً منه:
تقدّت بي الشهباء نحو ابن جعفر ... سواء عليها ليلها ونهارها
(1/294)

فوالله لولا أن تزور ابن جعفر ... لكان قليلاً في دمشق قرارها
فقال له عبد الله بن جعفر إذا دخلت معي على عبد الملك فكل أكلاً يستشنعه ففعل فقال عبد الملك من هذا يا أبا جعفر؟ قال هذا أكذب الناس إن قيل. قال ومن هو؟ قال الذي يقول:
ما نقموا من بني أميّة إلاّ ... أنّهم يحلمون إن غضبوا
وأنّهم معدن الملوك فما ... تصلح إلاّ عليهم العرب
فقال عبد الملك قد عفونا عنه ولا يأخذ مع المسلمين عطاء أبداً. فكان عبد الله بن جعفر إذا خرج عطاؤه أعطاه إيّاه. وهذان البيتان من شعر يمدح به عبد الملك، ولّما أنشده إيّاه فبلغ إلى قوله:
إن الفنيق الذي أبوه أبو العا ... صي عليه الوقار والحجب
يعتدل التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب
قال له أتقول لمصعب:
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن وجهه الظلماء
(1/295)

وتقول لي:
يعتدل التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنّه الذهب
وأنشد أبو عليّ " 1 - 95، 95 " للبعيث:
إذا قاسها الآسي النطاسيّ أدبرت ... غثيثتها وازداد وهياً هزومها
ع البعيث اسمه خداش بن بشر بن خالد من بني مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وإنما سميّ البعيث بقوله:
تبعّث منّي ما تبعّث بعد ما ... أمرّت قواي واستمرّ عزيمي
وهو شاعر إسلاميّ. قال يهجو جريراً:
تعرّضت لي حتى صككتك صكّة ... على الرأس يكبو لليدين أميمها
إذا قاسها الآسي النطاسيّ أرعشت ... أنامل آسيها وجاشت هزومها
هكذا رواه أبو يوسف عن أبي عبيدة. والأميم: المأموم وهو الذي وصلت الضربة إلى أمّ دماغه وهي الجلدة الرقيقة التي ألبست الدماغ. والآسي: المداوي ويقال للدواء الإساء. والنطاسيّ: العالم وأصله من التنطّس وهو المبالغة في الأمور والتأنّق فيها قال العجّاج:
ولهوة اللاهي ولو تنطّسا
والهزوم: الصدوع ويقال تهزّمت القربة إذا تكسّرت ومنه اشتقاق الهزيمة، وفي الحديث إن زمزم هزمة جبرئيل: أي ضرب برجله فنبع الماء.
(1/296)

وأنشد أبو علي " 1 - 95، 95 " للبيد:
تطير عدائد الأشراك شفعاً
ع وقبله:
وأيقنت التفرّق يوم قالوا ... تقسّم مال أربد بالسهام
تطير عدائد الأشراك شفعا ... ووترا والزعامة للغلام
العديدة: النصيب مأخوذ من العدد. والزعامة: الرئاسة. يريد أن المال من الميراث بين الرجال والنساء شفع للذكر ووتر للأنثى، والرئاسة للرجل دونهن ينفرد بها. وقال أبو عمرو: الزعامة الدرع. ورواية أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابيّ:
تطير غدائر الأشراك شفعاً
بالغين معجمة وقال: الغديرة هي الحصّة. وقال غيره هي الفضلة. وهذا الشعر يرثي به لبيد أربد أخاه لأمه وهو أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب ويكنى أبا المغوار. وقال ابن دريد يكنى أبا الحزاز وأمّهما فاطمة بنت زهير بن جعونة، وقيل أسماء بنت زهير سباها قيس فولدت له أربد، ثم تزوّجها ربيعة فولدت له لبيداً وحراماً. وكان من حديثه أنه خرج مع عامر بن الطفيل في وفد بني عامر يريدون النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقال عامر لأربد: لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تطأ العرب عقبي أو أطأ عقب هذا الفتى من قريش فإذا قدمنا على الرجل فإني شاغله عنك فاعله أنت بالسيف. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عامر يقول: يا محمد خالّني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا والله حتى تؤمن بالله وحده. وجعل يكلّمه
(1/297)

وينتظر من أربد ما كان أمر به وأربد لا يجير شيئاً، فلّما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له عامر: والله لأملأنّها عليك خيلاً جرداً ورجالاً مرداً، فدعا عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عامر لإربد: ويلك أين ما كنت أمرتك به؟ فقال: والله ما هممت بذلك إلاّ دخلت بيني وبين الرجل حتى لا أرى غيرك، أفأضربك بالسيف. ثم انصرفوا فأمّا عامر فأصابه الطاعون وهو نازل في حيّ من بني سلول، فجعل يقول: أغدّة كغدّة البعير، وموتاً في بيت سلوليّة وأمّا أربد فأصابته في طريقه صاعقة قتلته، ففي ذلك يقول لبيد:
أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماك والأسد
فجّعني الرعد والصواعق بال ... فارس يوم الكريهة النجد
وأنشد أبو علي " 1 - 95، 95 " لذي الرمّة:
فيا لك من خدّ أسيل ومنطق
وصلته:
تراءى لنا من بين سجفين لمحة ... غزال أحم العين بيض ترائبه
إذا نازعتك القول ميّة أو بدا ... لك الوجه منها أو نضا الدرع سالبه
فيا لك من خدّ أسيل ومنطق ... رخيم ومن خلق تعلّل جادبه
ألا لا أرى مثل الهوى داء مسلم ... كريم ولا مثل الهوى ليم صاحبه
وأنشد أبو علي " 1 - 95، 95 " لمهلهل:
نبّئت أنّ النار بعدك أوقدت ... واستبّ بعدك يا كليب المجلس
(1/298)

صلته:
ذهب الخيار من المعاشر كلّهم ... واستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتنازعوا في أمر كل عظيمة ... لو كنت شاهد أمرهم لم ينبسوا
أبني ربيعة من يقوم مقامه ... أم ن يردّ على الضريك ويحبس
هكذا رواه يعقوب بن السكّيت ويروى في كل أمر عظيمة. ومعنى:
نبئت أنّ النار بعدك أوقدت
أنه كان لا توقد بحضرته نار لعظم ناره وعمومه بطعامه وقيل إنه أراد نار الحرب التي كانت ثارت بينهم بقتل كليب فركدت أحقاباً: وأنشد أبو علي " 1 - 96، 96 ":
إذا تخازرت وما بي من خزر
ع هذا الرجز لأرطاة بن سهيّة وهو أرطاة بن زفر بن جزء بن شدّاد أحد بني مرّة بن نشبة بن غيظ بن مرّة. وأمّه سهيّة كلبيّة، وكانت أخيذة غلبت عليه، وهو شاعر إسلاميّ. قال الشعر زمن معاوية ابن أبي سفيان وبقي إلى زمن سليمان أو بعده. ويلي قوله ألفيتني ألوى:
ذا نهمة في المصمئلاّت الكبر ... أبذى إذا بوذيت من كلب ذكر
أعقر بوّال يغذّى في الشجر ... حمّال ما حمّلت من خير وشر
حيّة واد بين قفّ وحجر
(1/299)

وبعض الناس يرويها لأبي غطفان الصادريّ ومن قال إنها لعمرو بن العاصي فقد أخطأ وإنما قالها عمرو متمثّلاً.
وأنشد أبو علي " 1 - 97، 96 " للكميت:
أبرق وأرعد يا يزي ... د فما وعيدك لي بضائر
ع وبعده:
هل أنت إلاّ الفقع فق ... ع القاع للحجل النوافر
أنشأت تنطق في الأمو ... ر كوافد الرخم المداور
إن قيل يا رخم انطقي ... في الطير إنّك شرّ طائر
هي من القواطع.
فأتت بما هي أهله ... والعيّ من شلل المحاضر
هذا البيت أوهم الجاحظ فقال في صدر كتابه: العرب تقول: لاعيّا ولا شللا. وذكر ذلك في باب العيّ وما اتّصل به وإنما المثل من العرب " لا عميّ ولا شللاً " تقوله للرامي إذا أصاب لأن الرمي بيديه والإصابة ببصره، فتدعو له أن لا تشل يداه ولا يعمى بصره.
(1/300)

وقوله كوافد الرخم: الرخم من قواطع الطير. وروى ابن قتيبة كوافد الرخم الدوائر وقال هي التي تدور إذا حلّقت. وقوله إن قيل يا رخم انطقي: أراد قول الناس إنّك من طير الله فانطقي. قال وصيّر العيّ كالشلل.
وأنشد أبو علي " 1 - 97، 96 ":
إذا جاوزت من ذات عرق ثنيّة ... فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد
ع ونسبه غير واحد للمتلمّس. والمحفوظ للمتلمّس إنما هو قوله:
إنّ الخيانة والمغالة والخنا ... والغدر أتركه ببلدة مفسد
ملك يلاعب أمّه وقطينها ... رخو المفاصل أيره كالمرود
فإذا حللت ودون بيتي ساوة ... فابرق بأرضك ما بدا لك وارعد
يهجو بهذا الشعر عمرو بن هند الملك وكان ينادمه هو وطرفة فهجواه، فكتب لهما إلى عامله بالبحرين كتابين أوهمهما أنه أمر لهما فيهما بجوائز، وهو قد أمره فيهما بقتلهما، فخرجا إذا كانا بالنحف إذا هما بشيخ على يسار الطريق وهو يحدث ويأكل من خبز في يده ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه. فقال المتلمّس: ما رأيت كاليوم شيخاً أحمق.
(1/301)

فقال الشيخ: ما رأيت من حمقى؟ أخرج الداء وآكل الدواء وأقتل الأعداء، أحمق والله منّي من يحمل حتفه بيده. فاستراب المتلمس بقوله، واطّلع عليهما غلام حيريّ. فقال المتلمّس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم. ففكّ الصحيفة ودفعها إليه فإذا فيها " أما بعد فإذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيّاً " فقال لطرفة ادفع إليه صحيفتك فإن فيها مثل الذي في صحيفتي. فقال طرفة: كلاّ ما كن ليجتريء عليّ فقذف المتلمّس بصحيفته في نهر الحيرة وقال:
قذفت بها في النهر من جنب كافر ... كذلك أقنو كلّ قطّ مضلّل
رضيت لها لما رأيت مدادها ... يسيل بها التيار في كل جدول
فضرب المثل بصحيفة المتلمّس. وأخذ نحو الشأم، وأخذ طرفة نحو البحرين فقتل وخيّر في القتل، فاختار أن يسقى الخمر وتفصد أكحلاه ففعل به ذلك حتى مات نزفاً وقال البحتري:
وكذاك طرفة حين أوجس ضربة ... في الرأس هان عليه فصد الأكحل
وهلك المتلمّس ببصري في الجاهليّة، وكان له ابن شاعر يسمى عبد المنّان أدرك الإسلام. وكافر اسم نهر الحيرة، وقد مضى ذكر المتلمّس ونسبه.
وأنشد أبو علي " 1 - 97، 97 ":
فما شبه عمرو غير أغثم فاجر ... أبى مذ دجا الإسلام لا يتحنّف
ع هذا البيت لكبشة أخت عمرو بن معدي كرب تقوله لأخيها عمرو. والأغثم هنا الذي غلب بياض شيبه على سواد شعره، ويروى غير أغتم بالتاء معجمة باثنتين من الغتمة وهي الجهالة. وأصل التحنّف: الميل والعدول، وإنما سمّي المسلم حنيفاً لعدوله من دين
(1/302)

إلى دين، وسمّيت الحنيفية لأنها مالت عن اليهودية والنصرانيّة. والحنف في القدمين أن تميل كلّ واحدة منهما بإبهامها على صاحبتها. ولّما خرج عتبة بن ربيعة لينصر عير قريش كنت تخرج خوالف قريش في الليل إلى أبي قبيس، فسمعوا في الليلة التي أوقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صبيحتها بأهل بدر صائحاً يقول:
أزار الحنيفيّون بدراً وقيعة ... سينقض منها ركن كسرى وقيصرا
أبادت رجالاً من قريش وجرّدت ... خرائد يلطمن الترائب حسّرا
أيا ويل من أمسي عدوّ محمد ... لقد جار عن قصد الهدى وتحيّرا
فقالوا ما الحنيفيّون؟ فقال بعضهم: إنّ محمداً يقول جئت بالدين الحنيف دين إبراهيم عليه السلام، فأرّخوا تلك الليلة فإذا هي الليلة التي ذكرنا. وكانت كبشة قد أنكرت على عمرو أخذ دية أخيهما عبد الله ولها في ذلك أشعار منها قولها:
أرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه لا تتركوا لهم دمي
ولا تأخذوا منهم إفالاً وأبكراً ... وأترك في بيت بصعدة مظلم
ودع عنك عمراً إن عمراً مسالم ... وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم
وقد أنشده أبو علي كاملاً بعد هذا " 3 - 194، 190 ".
هنا تم الثلث الأول من تجزئة مؤلّفه والله يعين على التمام
(1/303)

وأنشد أبو علي " 1 - 98، 97 ":
خليليّ إن الدار غفر لذي الهوى
نسب يعقوب هذا البيت إلى الهذليّ ولا أعلمه في أشعار هذيل، وقد جمعت منها كلّ رواية إلاّ أن يكون في شعر أبي خراش الذي أوّله:
أرقت لحزن ضافني بعد هجعة ... على خالد فالعين دائمة السجم
وقال الأصمعي بل قالها خراش قال وهي في رواية بعضهم سبعة أبيات، وبعضهم يجعلها قصيدتين. فلعل هذا البيت الشاهد في القصيدة الساقطة. وهذه القصيدة التي ذكرت أولها ليست فيما رواه أبو عليّ هي رواية السكّري. وقد روى أبو علي لأبي خراش قصيدة أخرى على هذا الرويّ والعروض أوّلها:
لقد علمت أمّ الأديبر أنّني ... أقول لها هذّي ولا تذخري لحمى
وأنشد أبو علي " 1 - 98، 98 ":
فهي الأليلة إن قتلت خؤولتي ... وهي الأليلة إن هم لم يقتلوا
وهو لحجل بن نضلة وقبله:
(1/304)

تحتي الأغرّ وفوق جلدي نثرة ... زغف تردّ السيف وهو مفلّل
ومقارب الكعبين أسمر عاتر ... فيه سنان كالقدامى منجل
ومهنّد في متنه حرجيّة ... عضب إذا مسّ الضريبة مقصل
حرجية: آثار دقاق جداًّ.
ع هذا الشاعر لا يجد كفؤاً يثأر به إلاّ خؤولته يقول فإن لم أدرك بثأري فثكل، وإن أثّأرت فثكل على ثكل. والأليلة أيضاً في غير هذا صرخة النفساء عند الطلق. ومثل هذا البيت في المعنى قول قيس بن زهير:
شفيت النفس من حمل بن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني
فإن أك قد بردت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلاّ بناني
ومثل قول الحرث بن وعلة وكانت بنو شيبان قتلت أخاه:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللاً ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
(1/305)

وأنشد أبو علي " 1 - 98، 98 " لابن ميّادة:
وقولاً لها ما تأمرين بعاشق
ع ابن ميّادة هو الرمّاح بن أبرد بن ثريان بن سراقة من بني مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان وأمّه ميّادة غلبت عليه. وشعراء غطفان في الإسلام المنسوبون إلى أمّهاتهم ثلاثة هذا أحدهم وشبيب بن البرصاء وأبوه يزيد وأرطاة بن سهيّة وأبوه زفر. ويكنى ابن ميّادة أبا حرملة وهو شاعر إسلاميّ قال:
خليليّ سيراً واذكرا الله ترشداً ... وسيراً ببطن النسع حيث يسيل
وقولاً لها ما تأمرين لوامق ... له بعد نومات العيون أليل
تبدّلت والإبدال واف وناقص ... ومالك عندي قد علمت بديل
قال أبو علي " 1 - 98، 98 ": سمعت خرير الماء وأليله وقسيبه أي صوت جريه.
ع وقال غيره لا يكون القسيب إلاّ صوته تحت ورق أو قماش. وقال آخرون تحت شجر أو حشيش وأنشدوا لعبيد:
أو جدول في ظلال نخل ... للماء من تحته قسيب
(1/306)

والغقيق: صوته إذا كان في مضيق.
وأنشد أبو علي " 1 - 98، 98 " لابن أحمر:
أزاحمهم بالباب إذ يدفعونني ... وبالظّهر منّي من قرا الباب عاذر
وهو عمرو بن أحمر بن فرّاص بن معن باهلي شاعر إسلاميّ يكنى أبا الخطّاب قال:
فجئت وقد قام الخصوم كأنّهم ... قروم تسامى بينهن الحناجر
فما زلت حتى أدحض الخصم حجّتي ... وقد مسّ ظهري من قرى الباب عاذر
هكذا رواه غير واحد. وقرى الباب: ظهره كأنه أطبق عليه. وأدحض: أي أغرب وأزهق. ويريد بالحناجر الكلام لأنه منها يكون. وتسامى: أي ارتفع وعلا. وكان خاصم في حمالة كانت بينهم فصولحوا عليها. ومن العاذر الأثر قولهم:
إن اللئيم بفعله معذور
أي موسوم وقال أبو علي " 1 - 99، 98 ": ومكشّم مقطوع.
ع أكثر ما يقع الكشم في اللغة على قطع الأنف والأذن يقال رجل أكشم إذا كان مقطوع الأنف أو الأذن. فأمّا الذي يخصّ الأذن فالصلم، والذي يخصّ الأنف الجدع، والذي يخصّ اليد الجذم.
أنش أبو علي " 1 - 99، 98 " لأبي العميثل:
(1/307)

لقيت ابنة السّهمي زينب عن عفر ... ونحن حرام مسى عاشرة العشر
ع قال أبو علي اسم أبي العميثل عبد الله بن خالد وقال أبو بكر الصوليّ اسمه خويلد بن خالد وهو مولى لبني العباس. قال دعبل: وكان أعرابياً فصيحاً وهو شاعر مكثر وبعد البيتين:
فكلّمتها ثنتين كالثلج منهما ... على اللوح والأخرى أحرّ من الجمر
اللوح: العطش. ويروى على القلب يعني السلام في أول اللقاء والسلام عند الوداع وقال أبو العباس: " مغذّ وذو فتر ": يرفق بها لأنها امرأة ويسرع بي لأني رجل.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 99، 99 " لحندج بن حندج:
في ليل صول تناهي العرض والطّول
ع حندج هذا مرّي شاعر مقلّ إسلاميّ والحندج ما تراكب من الرمل وقيل: الحندجة رملة طيّبة تنبت ألواناً من النبات. وقوله بالسوط مقتول: إنما أراد أن ضرب السوط لا يجهز على الحيّة فهو يضطرب ويتململ وإن كان لا ترجى له حياة، ومن لم ترج له حياة فهو مقتول.
وأنشد أبو علي " 1 - 100، 99 " لبشار:
خليلّي ما بال الدجى لا تزحزح ... وما لعمود الصبح لا يتوضّح
(1/308)

أضلّ؟ النهار المستنير طريقه ... أم الدهر ليل كلّه ليس يبرح
وطال عليّ الليل حتّى كأنّه ... بليلين موصول فما يتزحزح
ع وتمام الشعر وهو كلّه مختار:
كأنّ الدجى زادت وما زادت الدجى ... ولكن أطال الليل همّ مبرّح
لقد هاج دمعي نازح بنزوحه ... ونومي إذا ما نوّم الناس أنزح
وأنشد أبو علي " 1 - 100، 100 " لعديّ بن الرقاع:
وكأن ليلي حين تغرب شمسه ... بسواد آخر غيره موصول
هو عديّ بن زيد بن مالك بن عثمان بن الرقاع بن عاملة. وعاملة اسمه الحارث. وقد اختلف في نسب عاملة فقيل هو من زيد بن كهلان بن سبأ، وقيل هو من قضاعة، وقيل من ربيعة. وعديّ شاعر إسلاميّ يكنى أبا داود وبعد البيت:
أرعى النجوم إذا تغيّب كوكب ... أبصرت آخر كالسّراج يجول
وأنشد أبو علي " 1 - 100، 100 " لبشار:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفي عنيّ الكرى طيف ألمّ
هذا أوّل الأبيات وبعده:
وإذا قلت لها جودي لنا ... حرجت بالصمت عن لا ونعم
(1/309)

ختم الحبّ لها في عنقي ... موضع الخاتم من أهل الذمم
خفّفي عنّا قليلاً واعلمي ... أنّنا يا هند من لحم ودم
ويروى أن مروان ابن أبي حفصة قال قلت لبشّار وقد أنشدني هذا الشعر: هلاّ قلت خرست بالصّمت عن لا ونعم! فقال لي: لو كنت في عقلك لقلته أتطيّر على من أحبّه بالخرس؟ وسأل بعض الرواة أبا عمر وابن العلاء من أبدع الناس بيتاً؟ قال الذي يقول:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفي عنّي الكرى طيف ألمّ
قلت: فمن أمدح الناس؟ قال الذي يقول:
لمست بكفي كفّه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفّه يعدى
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي
قال: فمن أهجى الناس؟ قال الذي يقول:
رأيت السهيلين استوى الجود فيهما ... على بعد ذا من ذاك في حكم حاكم
سهيل بن عثمان يجود بما له ... كما جاد بالوجعا سهيل بن حاتم
وهذه كلها لبشّار على اختلاف في بيتي المدح فإنها قد رويت لابن الخيّاط في المهديّ.
وأنشد أبو علي " 1 - 101، 100 " لبشار أيضاً:
(1/310)

لا أظلم الليل ولا أدّعى ... أن نجوم الليل ليست تغور
ليلي كما شاءت فإن لم تجد ... طال وإن جادت فليلي قصير
ع وبعدهما بيت ثالث لا يقصر عنهما وهو:
تصرّف الليل على حكمها ... فهو على ما صرّفته يدور
وأنشد أبو علي " 1 - 101، 100 " لخالد الكاتب:
رقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحبّ بلا آخر
هو خالد بن يزيد يكنى أبا الهيثم خراساني الدار بغداديّ المنشأ، وكان يهاجي أبا تمّام وكان أحد كتّاب الجيش. وأما سعيد بن حميد فقد مضى ذكره. ومن حسن ما ورد في
(1/311)

طول الليل قول الوليد بن يزيد: حدّث إسحاق بن إبراهيم. قال: دخلت على الرشيد وهو مستلق على قفاه وهو يقول: أحسن والله فتى قريش وظريفها وشاعرها. قلت: فيم ذلك يا أمير المؤمنين. قال في قوله:
لا أسأل الله تغييراً لما فعلت ... نامت وقد أسهرت عينيّ عيناها
فالليل أطول شيء حين أفقدها ... والليل أقصر شيء حين ألقاها
ثم قال: أتعرفه؟ فقلت بصوت ضعيف: لا. فقال: بحقيّ عليك. قلت: نعم هو الوليد بن يزيد. فقال لي: استر ما سمعت مني وإنه ليستحقّ أكثر مما وصفته به. ومثله قول سليمان ابن أبي دباكل، وقد نسب إلى غيره:
وقالوا لا يضيرك نأي شهر ... فقلت لصاحبيّ فما يضير
يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقي فيه قصير
وأنشد أبو عليّ " 1 - 102، 101 " للأعشى:
أهوى لها ضابئ في الأرض مفتحص
ع وقبله:
كأنها بعد ما جدّ النجاء بها ... بالشيّطين مهاة تبتغي ذرعا
أهوى لها ضابئ في الأرض مفتحص ... للّحم قد ما خفيّ الشخص قد خشعا
فظلّ يخدعها عن نفس واحدها ... في أرض قيّ بفعل مثله خدعا
كأنها يعني ناقته. والشيّطان واديان بني بكر بن حنظلة. ومهاة بقرة. والذرع ولدها لأنه يذرع في المشي ليلحق أمّه. ومفتحص متخذ أفحوصاً. وقيّ أرض ملساء قفر لا شئ فيها.
(1/312)

وأنشد أبو علي " 1 - 102، 101 " للعبّاس بن الأحنف:
أيها الراقدون حولي أعينوني
هو العبّاس بن الأحنف بن الأسود بن قدامة من بني عديّ بن حنيفة وقيل من بني الديل بن حنيفة يكنى أبا الفضل والشاهد أنه حنفي قوله.
فإن تقتلوني لا تفوتوا بمهجتي ... مصاليت قومي من حنيفة أو عجل
وهو شاعر غزل من شعراء الدولة الهاشميّة ولم يكن يتجاوز النسيب إلى مديح ولا هجاء. وقوله وائتجارا: هو افتعال من الأجر وفي حديث عمر رحم الله من ائتجر على يتيم بفقده يريد بفقده مؤدّباً له.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 102، 101 " لسويد ابن أبي كاهل:
وإذا ما قلت ليل قد مضى ... عطف الأوّل منه فرجع
ع اختلف في اسم أبي كاهل فقيل اسمه شبيب وقيل غطيف وهو ابن حارثة بن حسل من يشكر ويكنى سويد أبا سعد قال:
(1/313)

أنا أبو سعد إذا الليل دجا ... دخلت في سرباله ثم النجا
وهو شاعر جاهلي إسلاميّ. وقوله:
مغرب اللون إذا الليل انقشع
يعني الصبح، وإنما شبّه بالمغرب من الخيل وهو الذي تتّسع غرّته في وجهه حتى تجاوز عينيه. ولذلك قال ابن المعتزّ:
والصبح قد أسفر أو لم يسفر ... حتّى بدا في ثوبه المعصفر
كأنه غرّة مهر أشقر
وقال ذو الرمّة في نحوه:
وقد لاح للساري الذي كمّل السرى ... على أخريات الليل فتق مشهرّ
كمثل الحصان الأنبط البطن قائماً ... تمايل عنه الجلّ واللون أشقر

ذكر أبو علي " 1 - 102، 102 "
حديث الأوس والخزرج
ع وهما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر مزيقياء ابن عامر ماء السماء ابن حارثة الغطريف ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد. فولد مالك بن أوس بعد هذا الحديث خمسة: عمراً وعوفاً ومرّة وجشم وامرأ القيس، وأمّهم هند بنت الخزرج.
(1/314)

قال أبو علي " 1 - 103، 102 ": ومن أيمانهم: لا والذي شقهّن خمسا ع وزاد غير أبي علي " وألهمهنّ لمساً " قال: ويقولون لا والذي أخرج قائبة من قوب، يعنون فرخاً من بيضة.
ع قلب أبو علي قول العرب وإنما يقولون قوباً من قائبة أي فرخاً من بيضة. كذا حكاه الخليل. وقال ابن دريد: يقال تخلّصت قائبة من قوب أي بيضة من فرخ، فعبارتهما سواء وهذا هو الصحيح. وأصله من تقوّب الشيء إذا تقلّع وقوّبته تقويباً ومنه اشتقاق القوباء لتقلّع الجلد عنها. وإنما لبس على أبي عليّ قولهم " تخلّصت قائبة من قوب " وهو مثل من أمثالهم أي تخلّصت بيضة من فرخ.
وأنشد أبو علي " 1 - 103، 103 " بيتاً لأبي ذؤيب قد تقدم موصولاً مفسّراً " ص 62 " قال أبو علي: المقتفّ الآخذ بعجلة ومنه سميّ القفّاف.
ع وقال غيره: الاقتفاف في الطعام مثل الاشتفاف في الشراب، وهو أن يستقصي ما في الإناء حتى لا يترك فيه شيئاً فإذا استأصل ما على الخوان فهو الاحتفاف. فأما القفّاف فهو الذي يقفّ أي يسرق وآخر ينظر إليه والذي يقفّ لا يشعر به ذكر ذلك إبراهيم بن السريّ في كتاب فعلت وأفعلت. وقال غيره: القفّاف الذي يختان الدراهم بين أصابعه.
وأنشد أبو علي " 1 - 103، 103 " للبيد:
(1/315)

نعلّهم كلّما ينمي لهم سلف ... بالمشرفيّ ولولا ذاك قد أمروا
ع وبعده:
والنيب إن تعر منّي رمّة خلقاً ... بعد الممات فإنّي كنت أتّئر
وقوله: نعلّهم يريد نعاودهم بالقتل، جعله مثل العلل في الشرب الذي هو بعد النهل. وقوله: والنيب إن تعر مني رمّة خلقاً قال أصحاب المعاني: إن الإبل لا تصيب عظماً إلاّ لاكته تتملّح بالعظم ومن أمثالهم: " لولا أن يضيّع الفتيان الذمّة لخبّرتها بما تجد الإبل في الرمّة " يقول فإن لاكت الإبل عظمي بعد موتي فإني كنت أنحرها وأطعمها وأعملها في طلب المكارم وأجهدها. والاتّئار لا يكون إلاّ بعد وقوع الشيء فجاء به مقدّماً قبل وجوبه لعلمه أنه لابدّ من كونه. وقيل المعنى إن أصبحت ميّتاً فبما كنت أتّئر في أعدائي وأدركه من المطالب. ويقال أتّئر بالتاء وأثّئر كما يقال يطّلم ويظّلم.
وأنشد أبو علي " 1 - 104، 103 ": أمّ جوار ضنؤها غير أمر ع قال ابن الأعرابيّ: قال أعرابيّ يصف عجوزاً:
أمّ جوار ضنؤها غير أمر ... صهصلق الصوت بعينيها صبر
شائلة أصداغها ما تختمر ... تبادر الضيف بعود مشفترّ
تعدو عليهن بعود منكسر ... حتى يفرّ أهلها كلّ مفرّ
(1/316)

لو نحرت في بيتها عشر جزر ... لأصبحت من لحمهنّ تعتذر
بحلف سحّ ودمع منهمر
قوله صهصلق: أي صلبة الصوت شديدته، وقال صهصلق صخابة وفي صوتها بحّة من إتعابها له. بعينيها صبر: قال ابن الأعرابي: هي عمشاء، وقال غيره تتمارض عليه وتطلى حول عينيها صبراً. وقوله: شائلة أصداغها يقول: ممّا تهارش وتقاتل وتناصى جاراتها كما قال الآخر:
شائلة الأصداغ يهفو طاقها ... كأنما ساق غراب ساقها
والطاق: الطيلسان. يهفو: يسقط ههنا وههنا من شغلها بالشرّ. وقوله بعود مشفترّ: أي منكسر من كثرة ما تضرب به وتقاتل. وقوله عليهن: يريد على صواحبها. وقال ابن الأعرابي أنشدني أبو المكارم: أم جواز ضنؤها غير أمر بكسر الضاد أي أصلها غير كريم.
وأنشد أبو علي " 1 - 104، 103 ":
والإثم من شرّ ما يصال به ... والبرّ كالغيث نبته أمر
قال أبو علي " 1 - 104، 103 ": قال الله عز وجل: " وإذا أردنا أن نهلك قرية آمرنا مترفيها " بالمد أي كثّرنا. وقال أبو عبيدة: " خير المال سكّة مأبورة أو مهرة مأمورة "
(1/317)

والمأمورة الكثيرة الولد من آمرها: أي كثّرها. وكان ينبغي أن يكون مؤمرة ولكنه أتبع مأبورة. والسكّة: السطر من النخل. والمأبورة: المصلحة، وقد قرئ أمرنا على مثال فعلنا.
ع هذا كلام من يعتقد أن القراءة المشهورة آمرنا بالمدّ ولا اختلاف بين السبعة الأئمة في أنها أمرنا بالقصر، وهذه هي القراءة المقدّمة والأصل. ويقال في غيرها من الشواذّ: " وقد قرئ بكذا " ومعناها أمرناهم بالطاعة ففسقوا كما تقول: أمرتك فعصيتني، وقد علم أن الله تعالى لا يأمر إلاّ بالعدل والإحسان كما قال في محكم كتابه. وقيل معنى أمرنا وآمرنا واحد: أي كثّرنا، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " خير المال سكّة مأبورة ومهرة مأمورة " وهذا الحديث نسبه أبو علي إلى أبي عبيدة وهو للنبيّ عليه السلام ولا ينبغي لعالم أن يجهل هذا، وقراءة الجماعة هي المرويّة عن الصحابة والتابعين إلا الحسن فإنه قرأ آمرنا بالمدّ، وكذلك قرأ الأعرج وإلاّ أبا العالية الرياحيّ فإنه قرأ أمّرنا بالتشديد وقد رويت عن عليّ بن أبي طالب، وهذه القراءة تحتمل وجهين أحدهما: أن يكون المعنى جعلنا لهم إمرة وسلطاناً، والآخر: أن يكون المعنى كثّرنا فتكون بمعنى آمرنا وبمعنى أمرنا على أحد الوجهين. وقال الكسائي: ويحتمل أن يكون أمرنا بالتخفيف غير ممدود بمعنى أمّرنا بالتشديد من الإمارة. فكانت هذه القراءة الاختيار لما اجتمعت فيها المعاني الثلاثة. ومترفوها فسّاقها، وقيل جبابرتها.
وأنشد أبو علي " 1 - 104، 104 " لطرفة:
فالهبيت لا فؤاد له
(1/318)

ع صلته:
لا ترى إلا فتى بطلاً ... آخذاً قرناً فملتزمه
فالهبيت لا فؤاد له ... واللبيب ثبته نقمه
للفتى لبّ يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه
قال أبو عمرو: الهبيت: المهبوت وهو المبهوت سواء. ويروى والثبيت ثبته نقمه. يقول من ثبت فقد انتقم، يريد أنه لا يقدر على أكثر من الثبوت وهو مثل ضربه لشدّة الحرب، ومن روى ثبته فهمه يريد أن فهمه يثبت عقله، ومن روى ثبته قيمه يريد قوامه وملاك أمره. ويروى قلبه قيمه. ثم قال: من كان لبيباً فتى متصرّفاً عاش حيثما نقلته قدمه من أرض غربة أو غيرها.
وهو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل شاعر جاهلي يكنى أبا عمرو، وهو المعروف بابن العشرين لأنه قتل وهو ابن عشرين عاماً. وقد تقدم ذكر مقتله عند ذكر المتلّمس ص 72 وأنشد أبو علي " 1 - 105، 104 " لطفيل:
وراكضة ما تستجنّ بجنّة ... بعير حلال غادرته مجعفل
ع وبعده:
فقلنا لها لمّا رأينا الذي بها ... من الشرّ لا تستوهلي وتأمّلي
هذا الشعر قاله في يوم حرس يذكّر بلاء قومه بني جعفر ويعاتبهم. والراكضة
(1/319)

التي عنى هي بنت طفيل بن مالك فارس قرزل، وذلك أنها خرجت عريانة مذعورة فاعرورت بعيراً لها لتهرب عليه وغادرت حلالها مطروحاً وهو مركب من مراكب النساء فلم ترحله للعجلة والذعر. وقوله لا تستوهلي: أي لا تفزعي، والوهل: الفزع. وتأمّلي من يحميك: يعني قومه.
وأنشد أبو علي " 1 - 105، 104 " للبيد:
فلم أر يوماً كان أكثر باكياً
ع هذا الشعر يذكر فيه من هلك من آبائه وأهل بيته فقال يذكر أباه ربيعة:
وأن ربيع المقترين رزئته ... بذي علق فاقني حياءك واصبري
ثم قال:
فلم أر يوماً كان أكثر باكياً ... وحسناء قامت عن طراف مجوّر
تبلّ خموش الوجه كلّ كريمة ... عوان وبكر تحت قرّ مخدّر
ربيعة قتلته بنو أسد يوم ثنيّة ذي علق. وقوله عن طراف مجوّر: كان السيّد إذا قتل فيهم لم يبق لقومه بيت إلاّ هتك، ولما قتل بسطام بن قيس لم يبق في بكر بن وائل بيت إلاّ هجم أي هدم. والطراف لا يكون إلاّ من أدم. ولّما جاء نعيّ الحسين رحمه الله ومن كان معه. قال مروان: " يوم بيوم الحفض المجوّر " أي يوم بيوم عثمان، ثم تمثّل بقول الأسديّ:
عجّت نساء بني زبيد عجّة ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
وهذا يوم كان بين بني أسد وبين بني الحارث بن كعب ونهد وجرم فانتفجت يومئذ لبني الحارث أرنب فتفاءلوا بها وقالوا ظفرنا بهم. والقرّ: الهودج. والمخدّر الذي وضع عليه الخدر: أي ستر. هذا قول محمد بن حبيب في بيت الأسدي وسيأتي فيه غير هذا " ص 87
(1/320)

" وأنشد أبو علي " 1 - 105، 104 " لابن قيس الرقيّات:
كالشارب النشوان قطّره ... سمل الزقاق تسيل عبرتيه
ع وقبله:
إنّ المصائب بالمدينة قد ... أوجعنني وقرعن مروتيه
وأتى كتاب من يزيد وقد ... شدّ الحزام بسرج بغلتيه
ينعى أسامة لي وأخوته ... فظللت مستكّاً مسامعيه
كالشارب النشوان قطّره ... سمل الزقاق تفيض عبرتيه
يرثي به سعداً وأسامة ابني أخيه قتلا يوم الحرّة.
وأنشد أبو علي " 1 - 105، 105 " لرؤبة:
ومن غمزنا عزّه تبركعا
صلته:
ومن همزنا عظمه تلعلعا ... ومن أبحنا عزّه تبركعا
على استه زوبعة أو زوبعا ... زحفي مزاحيف وصرعى خفّعا
تلعلع إذا ضعف من مرض أو تعب. وقال عبد الرحمن عن عمّه تلعلع: تكسّر واضطرب. وقال: الزوبعة داء يأخذ الفصال، فكأنه يريد صرع قال ويقال زوبعة: قصر في العرقوب هكذا أورده بالزاي كما رواه القاليّ. وقال ابن دريد في الاشتقاق: الروبع
(1/321)

بالراء المهملة: الرجل الضعيف واستشهد بهذا الرجز. وقال ثعلب في المجالس: الروبع وجع يأخذ في القوائم فيقعد. وقال غيره الروبع: الفصيل الذي لا ينبعث. والمعروف في الزوبعة بالزاي أنها ريح تدور في الأرض لا تقصد وجهاً واحداً وتحمل الغبار. والتزبّع: سوء الخلق وقلّة الاستقامة ومنه اشتقّ زنباع. ويقال انخفع الرجل على فراشه إذا اعتراه كالغشي من الضعف.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 105، 105 " لرؤبة أيضاً:
لواحق الأقراب فيها كالمقق
ع قال رؤبة يصف:
قبّ من التعداء حقب في سوق ... لواحق الأقراب فيها كالمقق
سوّى مساحيهنّ تقطيط الحقق ... تفليل ما قارعن من سمر الطرق
قبّ: ضمر من العدو، وكذلك لواحق الأقراب: وهي الخواصر. وقوله فيها كالمقق: الكاف زائدة كما قال أميّة ابن أبي عائذ:
وإني بليلى والديار التي أرى ... كالمبتلي المعنى بشوق موكّل
أراد للمبتلي المعنى: وذهب أبو الحسن الأخفش في قول الله سبحانه: " أو كالذي مرّ على قرية " إلى زيادة الكاف. ومساحيهن: حوافرهنّ لأنهن يسحين بها الأرض أي يقشرنها وسكّن الياء ضرورة وقد مضت أمثلته. وأراد بتقطيط الحقق: أي كما تقطّ فلما سقط حرف الجرّ انتصب الفعل. والتفليل: هو الذي سوّاها. والطرق: جمع طرقة فأراد من شداد الأرض بعضها فوق بعض.
(1/322)

وذكر أبو علي " 1 - 105، 105 "
خبر أبي جويرية مع خالد بن عبد الله
ع هو أبو جويرية عيسى بن أوس العبدي أحد بني عبد الله بن مالك بن عامر بن الحارث بن أنمار بن عامر بن ربيعة بن نزار شاعر محسن. وجنيد الممدوح هو الجنيد بن عبد الرحمن بن عمرو من ولد سنان ابن أبي حارثة المرّي. والشعر ثلاثة أبيات آخرها:
لم تزل غاية الكرام فلمّا ... متّ مات الندى ومات الكرام
وقوله:
لو كان يقعد فوق النجم من كرم ... قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا
اهتدمه ابن أبي حفصة فقال:
لو كان يعقد فوق النجم من كرم ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عبّاس
وقول أبي جويرية:
لو خلّد الجود أقواماً ذوي حسب ... فيما يحاول من آجالهم خلدوا
أراد فيما يحاول من إتيان آجالهم وأخذه من قول زهير:
فلو أنّ مجداً يخلد المرء لم يمت ... ولكنّ مجد المرء ليس بمخلد
فأما قوله:
جنّ إذا فزعوا إنس إذا أمنوا
فقد تقدّم القول فيه وفي أمثلته 54 وأنشد أبو علي " 1 - 106، 106 " للشمّاخ:
أعاش ما لأهلك لا أراهم
ع قد فسّر أبو علي معناهما وقال الفارسي في كتاب الحجّة أن لا في قوله: لا أراهم زائدة. فالمعنى على هذا أن الشاعر ابتدأ المرأة بهذا المقال وليس بجواب فغيرها إضاعة أهلها
(1/323)

المال وتفريطهم في إصلاحه. وزعم ابن الأعرابي أن عائشة هذه هي بنت عثمان بن عفّان كان الشمّاخ يأتيها فيحدّثها فربما وجد عندها من لا يقدر على محادثتها من أجله فكنى بالهجان هنا عن عائشة فقال: مالي لا أرى أهلك يضيّعونك؟ أي لا يغفلونك، ثم قال متعجباً! وكيف يضيع مضيع مالا يضيع إن أغفله كهذه الإبل التي هذه صفتها فهي إن أغفلها صاحبها لم تستضرّ بالصقيع وشدّة الزمان الذي يهلك الهزلي في مثله، يعني أن هذه المرأة كريمة فكرمها حافظ لها من أن تأتي سوءاً وإن لم يكن لها حفيظ.
وقال أبو علي " 1 - 106، 106 " إن أصل المثل في قولهم: " سبق السيف العذل " للحارث بن ظالم وهذا وهم. وإنما أصله لضبّة بن أدّ والمقتول الحارث بن كعب، وكان لضبّة ابنان سعد وسعيد فخرجا في بغاء إبل فكان ضبّة كلما رأى شخصاً قال " أسعد أم سعيد " فرجع سعد ولم يرجع سعيد، فبينا ضبّة يسير مع الحارث بن كعب في الشهر الحرام إذ قال له قتلت في هذا المكان فتى من هيئته كذا، قال ناولني سيفه فناوله فقال: " الحديث ذو شجون " وضربه حتى قتله فليم على قتله في الشهر الحرام فقال: " سبق السيف العذل " وقال الفرزدق:
فلا تأمننّ الحرب إن استعارها ... كضبّة إذ قال الحديث شجون
(1/324)

فضبّة كلّها ترجع إلى سعد. وكان لضبّة ابن ثالث يسمىّ باسلاً وهو أبو الديلم وقال جرير فنظم هذا المثل:
تكلّفني ردّ العواقب بعدما ... سبقن كسبق السيف ما قال عاذله
وأنشد أبو علي " 1 - 107، 107 " للشماخ:
إذا ما استافهنّ ضربن منه ... مكان الرمح من أنف القدوع
وأنشد أبو علي " 1 - 107، 107 " لعبد الصمد بن المعذّل في أخيه أحمد بعد أن كتب إليه أحمد كتاباً ذكره:
أطاع الفريضة والسّنّة ... فتاه على الإنس والجنّة
هما ابنا المعذّل بن غيلان بن الحكم عبديّ من بني عبد القيس وهما شاعران من شعراء الدولة الهاشميّة وعبد الصمد أشعر وأحمد فقيه مالكي وله كتاب سمّاه بكتاب العلّة ينصر فيه مذهب مالك. وذكر علي بن الحسين أنه كان معتزليّاً، ويكنى أحمد أبا الفضل
(1/325)

ويكنى عبد الصمد أبا القاسم. ويروى في كتاب أحمد زيادة بعد قوله: وعمّ أذاك: " وصرت كالإصبع الزائدة إن قطعت آلمت، وإن تركت شانت، وصرت كأبي العاقّ ". وبلغ أحمد عن أخيه شيء غّمه وأوجعه. فقال: ما عسيت أن أقول في من لفح بين قدر وتنوّر، وربّي بين زقّ وطنبور. وكانت أم عبد الصمد طبّاخة.
وأنشد أبو علي " 1 - 107، 107 " للأضبط:
لكم همّ من الهموم سعه ... والمسي والصبح لا فلاح معه
ع هو الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد رهط الزبر قان بن بدر جاهليّ قديم، وهو الذي أساء قومه مجاورته فانتقل عنهم إلى آخرين ففعلوا مثل ذلك فقال: " أينما أوجّه ألق سعداً ". وقال: " بكل واد بنو سعد ". وقال أبو الفرج: أنشد أبو عبيدة وخلف الأحمر شعر الأضبط هذا فلم يعرفا منه إلا قوله:
واقنع من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عيناً بعيشه نفعه
وعجز بيت آخر وهو قوله:
يا قوم من عاذري من الخدعة
(1/326)

والخدعة قوم من سعد بن زيد مناة بن تميم. وفيه:
وصل حبال البعيد إن وصل ... الحبل وأقص القريب إن قطعه
قال أبو عليّ: قال أبوالعباس ثعلب وكان الأصمعي ينشده:
فصلنّ البعيد إن وصل الحبل
ع هذا الإنشاد الذي نسبه إلى الأصمعيّ لا يجوز لأن البيت يكون حينئذ من العروض الخفيف والشعر من المنسرح والأصمعي لا يجهل هذا. ويروى في هذا الشعر بيت زائد وهو:
قد يرقع الثوب غير لابسه ... ويلبس الثوب غير من رقعه
والفلاح في قوله لا فلاح معه: البقاء والعيش قال عبيد بن الأبرص:
أفلح بما شئت فقد يد ... رك بالضعف وقد يخدع الأريب
والفلاح: الفوز ومنه قولهم في الأذان حيّ على الفلاح. وقوله:
وصل حبال البعيد إن وصل ... الحبل وأقص القريب إن قطعه
أخذه الأعشى فقال:
ولا تدن وصلاً من أخ متباعد ... ولا تنأ عن ذي بغضة إن تقرّبا
فإنّ القريب من يقرّب نفسه ... لعمر أبيك الخير لا من تنسّبا
وأنشد أبو علي " 1 - 108، 108 " لأبي النجم:
أغد لعنّا في الرهان نرسله
ع وصلته:
(1/327)

فقلت للسائس قده أعجله ... واغد لعنّا في الرهان نرسله
فظلّ مجنوباً وظلّ جمله ... بين شعيبين وزاد يزمله
أغرّ في البرقوع باد حجله ... تعلو به الحزن وما يسهّله
قوله أعجله: أراد أعجله فلما وقف على الهاء فسكّنها ألقى حركتها على اللام. وقوله فظلّ مجنوباً: لا يركب. وجمله يزمل: أي يحمل الزاد والعلف. واسم أبي النجم الفضل بن قدامة بن عبيد الله عجليّ من بني عجل بن لجيم بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل.
وأنشد أبو علي " 1 - 108، 108 " لمحمود الورّاق:
فاجاك من وفد الشباب نذير ... والدهر من أخلاقه التغيير
هو محمود بن الحسن الورّاق البغدادي مولى بني زهرة يكنى أبا حسن، شاعر كثير الشعر جيّده وعامّته في الحكم والمواعظ والزهد.
أنشد أبو علي " 1 - 108، 108 " لداود بن جهوة:
أقاسي البلى لا أستريح إلى غد ... فيأتي غد إلاّ بكيت على أمس
هكذا ثبت عن أبي علي ابن جهوة وأنشد ابن الجرّاح وغيره هذا الشعر لداود بن جمهور لم يختلفوا في ذلك، ولم أر جهوة اسماً إلاّ هذا فإن كان معلوماً فهي من أجهى الطريق
(1/328)

إذا استبان والجهوة والجهوة: الدبر لغة يمانية يقال فتح الله جهوته. قال الراجز:
شرّ قرين للكبير نعلته ... تولغ كلباً سؤره أو تكفته
وتدفع الشيخ فتبدو جهوته
وأخذ ابن الرومي معنى قول الشاعر:
وأنكرت شمس الشّيب في ليل لمّتي ... لعمري لليلى كان أحسن من شمسي
فقال:
وجار على ليل الشباب فضامه ... نهار مشيب سرمد ليس ينفد
وعزّاك عن ليل الشباب معاشر ... وقالوا نهار الشيب أهدى وأرشد
وكان نهار المرء أهدى لرشده ... ولكنّ ظلّ الليل أندى وأبرد
وهذه القصيدة كثيرة النوادر قليلة الحشو على طولها وينتهي عدد أبياتها إلى أربعمائة بيت يمدح فيها صاعداً ويذكر الموفّق وصاحب الزنج. فمن النادر فيها قوله يصف الدنيا:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنّها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنّه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدّد
ومن ذلك قوله في المديح:
تراه عن الحرب العوان بمعزل ... وآراؤه فيها وإن غاب شهد
(1/329)

كما احتجب المقدار والحكم حكمه ... على الناس طرّاً ليس عنه معرّد
فتى روحه ضوء بسيط كيانه ... ومسكن ذاك الروح نور مجسّد
صفا ونفى عنه القذى فكأنّه ... إذا ما استكفّته العقول مصعّد
كأنّ أباه حين سمّاه صاعداً ... رأى كيف يرقى في المعالي ويصعد
وأنشد أبو علي " 1 - 109، 109 " للعكوّك:
جلال مشيب نزل ... وأنس شباب رحل
ع هو عليّ بن جبلة بن عبد الرحمن الأبناوي من أبناء الشيعة الخراسانيّة يكنى أبا الحسن، والأصمعيّ لّقبه بالعكوّك بين يدي الرشيد، وذلك أن عليا دخل على الرشيد فأنشده شعراً حسناً فحسده الأصمعيّ لما رأى من إقبال الرشيد عليه فقال له: إيه يا عكوّك. فقال له على في مجلس أمير المؤمنين: تلّقب الناس يا ابن راعي الضأن العشرين ألست من باهلة. والعكوّك في كلام العرب: الغليظ السمين. وكان على إذا ذكر الأصمعي بمحضره سبّه. وكان العكوّك ضريراً أبرص. وكان شاعراً مطبوعاً عذب اللفظ جزله.
(1/330)

وأنشد أبو علي " 1 - 109، 109 " لأبي دلف:
نظرت إليّ بعين من لم يعدل ... لمّا تمكّن طرفها من مقتلي
ع أبو دلف هو القاسم بن عيسى بن إدريس أحد بني عجل بن لجيم بن صعب بن عليّ بن بكر، وهو ممن جمع إلى محلّه الشامخ في الشجاعة وعظيم الغناء في المشاهد حسن الأدب وجودة الشعر ومحض الجود. ومن مختار شعره في الشيب أيضاً قوله:
في كل يوم أرى بيضاء قد طلعت ... كأنّما طلعت في ناظر البصر
لئن قصصتك بالمقراض عن بصري ... لما قرضتك عن همّي ولا فكري
ومن مختار ما ورد في قرض طلائع المشيب قول كشاجم:
نظرت إلى المرآة فروّعتني ... طلائع شيبتين ألمّتا بي
فأمّا شيبة ففزعت منها ... إلى المقراض من حبّ التصابي
وأما شيبة فعفوت عنها ... لتشهد بالبراءة من خضابي
فيالك من مشيب قد تبدّي ... أقمت به الدليل على شبابي
(1/331)

وأنشد أبو عليّ " 1 - 109، 110 ":
حنتني حانيات الدهر حتى ... كأنّي خاتل أدنو لصيد
ع هذا الشعر لأبي الطمحان وهو حنظلة بن الشرقيّ أحد بني القين بن جسر من قضاعة وهو شاعر جاهليّ إسلاميّ وكان نديماً للزبير بن عبد المطلّب وترباً له، وكان خبيث الدّين جيّد الشعر. ومثل هذا المعنى قول سلمىّ بن غويّة بن سلميّ بن ربيعة الضّبيّ:
هزئت زنيبة أن رأت ثرمى ... وأن انحنى لتقادم ظهري
حتّى كأنّي خاتل قنصاً ... والمرء بعد تمامه يحري
وقول ربيعة بن مقروم:
ودلفت من كبر كأنّي خاتل ... قنصاً يدبّ لصيد وحش مختل
والعرب تقول لمن انحنى ظهره من الكبر " قد قاد العنز " و " رقع الشنّ ".
(1/332)

" وحمل رميح أبي سعد " قال راجزهم:
يا ويح هذا الرأس كيف اهتزّاً ... وحيص موقاه وقاد العنزا
يقول ضعف بصره فإذا أراد أن ينظر خرّز عينيه فكأنّهما مخيطتان.
وأنشد أبو علي " 1 - 109، 110 " غير منسوب:
وعائب عابني بشيب ... لم يعد لمّا ألمّ وقته
ع وهما لمحمد بن عبد الملك الزيّات وزير الواثق ذكر ذلك الصوليّ وغيره. أخذه من قول يونس النحوي وقد لقيه رجل كان يتّهم مودّته ويونس قد كبر وهو يهادي بين رجلين. فقال له: يا أبا عبد الرحمن أبلغت ما أرى. قال: هو ما ترى فلا بلغته.
وأنشد أبو علي " 1 - 110، 110 " لدعبل:
أهلاً وسهلاً بالمشيب فإنّه ... سمة العفيف وحلية المتحرّج
ع هو دعبل بن علي بن رزين بن سليمان خزاعيّ يكنى أبا عليّ كوفيّ شاعر
(1/333)

مبرّز من شعراء الدولة الهاشمية. ومن مختار شعره في المشيب وهو مضادّ لهذا في المعنى قوله:
أين الشباب وأيّة سلكا ... لا أين يطلب ضلّ بل هلكا
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
قد كان يضحك في شبيبته ... فأتى المشيب فقلّما ضحكا
وأحسن ما ورد في الترحيب بالشيب على مذهب الشعر الأول قول أحمد بن زياد الكاتب:
ولمّا رأيت الشيب حلّ بياضه ... بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا
ولو خلت أنّي إن كففت تحيّتي ... تنكّب عنّي رمت أن يتنكّبا
ولكن إذا ما حلّ كره فسامحت ... به النفس يوماً كان للكره أذهبا
وقال مسلم بن الوليد في نحوه:
الشّيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيء على البغضاء مودود
يمضي الشباب وقد يأتي له خلف ... والشيب يذهب مفقوداً لمفقود
(1/334)

وأنشد أبو علي " 1 - 110، 111 " لأبي هفّان:
تعجّبت درّ من شيبي فقلت لها ... لا تعجبي فبياض الصبح في السّدف
أبو هفّان هو عبد الله بن أحمد بن حرب المهزميّ العبدي، راوية عالم بالشعر والغريب وشعره جيّد إلاّ أنه مقلّ، وهو من شعراء الدولة الهاشميّة ومثل قوله:
وزادها عجباً أن رحت في سمل ... وما درت درّ أنّ الدّرّ في الصدف
قوله أيضاً:
لعمري لئن بيّعت في دار غربة ... ثيابي أن ضاقت عليّ المآكل
فما أنا إلاّ السّيف يأكل جفنه ... له حلية من نفسه وهو عاطل
وأنشد أبو علي " 1 - 111، 111 " لرجل من خزاعة:
قد كنت أرتاع للبيضاء أبصرها ... من شعر رأسي فقد أيقنت بالبلق
ع هذا الشعر لأبي الأسود الدؤليّ كذلك قال محمد بن يزيد وغيره وهو ثابت في ديوان شعر أبي الأسود. ورواه محمد:
قد كنت أرتاع للبيضاء في حلك ... فالآن أرتاع للسوداء في يقق
وهذه هي الرواية الجيّدة التي لا يجهل فضلها منتقد. أخذ هذا المعنى أبو تمام فقال:
شاب رأسي وما رأيت مشيب ال ... رأس إلاّ من فضل شيب الفؤاد
(1/335)

طال إنكاري البياض وإن عمّ ... رت شيئاً أنكرت لون السواد
وحسّنه أبو الطيّب فقال:
راعتك رائعة البياض بعارضي ... ولو أنّها الأولى لراع الأسحم
لو كان يمكنني سفرت عن الصبي ... فالشيب من قبل الأوان تلثّم
وفيه:
شيب تغيّبه عمن تغرّ به ... كبيعك الثوب مطويّاً على خرق
ظاهره أنه غير صحيح المقابلة، وصحّة مقابلة التشبيه فيه أن يقول كطيّك الثوب على خرق عند البيع. وتوجيه ذلك أنه لما كان البيع سبباً لطيّه على الخرق وقع التشبيه عليه.
وأنشد أبو علي " 1 - 112، 112 " لمنصور النمريّ:
ما واجه الشيب من عين وإن ومقت ... إلاّ لها نبوة عنه ومرتدع
ع لم ينشد أبو علي غيره وبعده:
ما كنت أوفى شبابي كنه غرّته ... حتّى انقضى فإذا الدنيا له تبع
وهو منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك من النمر بن قاسط، وهو تلميذ كلثوم العتّابي وراويته وبمذهبه تشبّه في الشعر. وشعره هذا من أحسن ما بكى به الشباب. ومن أحسن ما قيل في ذلك أيضاً قول محمد بن حازم الباهليّ:
(1/336)

لا تكذبنّ! فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل
كفاك بالشيب ذنباً عند غانية ... وبالشبّاب شفيعاً أيّها الرجل
وأبكى بيت ورد في فقد الشّباب قول أبي الغصن الأسدي أو غيره:
أتأمل رجعة الدنيا سفاهاً ... وقد صار الشّباب إلى ذهاب
فليت الباكيات بكلّ أرض ... جمعن لنا فنحن على الشّباب
وأنشد أبو علي " 1 - 112، 112 ":
والشّيب إن يحلل فإنّ وراءه ... عمراً يكون خلاله متنفّس
ع قال الأصمعي: دخلت على الرشيد وهو ينظر إلى شيبه في مرآة فأنشدته، وذكر هذين البيتين فقال: ما صنع شيئاً إنما أخذه من قول امرئ القيس:
ألا إن بعد العدم للمرء قنوة ... وبعد المشيب طول عمر وملبساً
ومن جيّد ما ورد في هذا المعنى قول ابن مقبل:
وتنكّرت شيبي فقلت لها ... ليس المشيب بناقص عمري
سيّان شيبي والشّباب إذا ... ما كنت من أجلي على قدر
فهذا مذهب من لم يحفل بحلوله. وقال رجل من الأزد في ذلك:
(1/337)

ولقد أقول لشيبة أبصرتها ... في مفرقي فمنحتها إعراضي
عنّي إليك! فلست منتهياً ولو ... عمّمت منك مفارقي ببياض
هل لي سوى عشرين عاماً قد مضت ... مع ستّة في إثرهن مواض
ولقلّما أرتاع منك وإنّني ... فيما هويت وإن وزعت لماض
فعليك ما اسطعت الظّهور بلّمتي ... وعليّ أن ألقاك بالمقراض
وقال أبو نواس:
وإذا عددت سنّي كم هي لم أجد ... للشّيب عذراً أن يلمّ براسي
وقال إبراهيم بن المهديّ ونسبها أبو تمام إلى ابن مفرّغ:
يقولون هل بعد الثلاثين ملعب ... فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب
لقد جلّ قدر الشيب إن كان كلما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب
وقال حفص العليميّ:
أقول لحلمي لا تزعني عن الصبى ... وللشيب لا تذعر عليّ الغوانيا
طلبت الهوى العذريّ حتّى وجدته ... وسيّرت في نجديّه ما كفانيا
وقول أبي الطيّب في الشيب حكمة بالغة:
مشبّ الذي يبكي الشباب مشيبه ... فكيف توقيّه وبانيه هادمه
وتكملة العيش الصبى وعقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمه
وما خضب الناس البياض لأنّه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
(1/338)

وأنشد أبو علي " 1 - 112، 113 ":
وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنّه أصلاب قوم تقصّف
ع هذا الشعر للعطويّ أبي عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عطيّة الكنانيّ مولى لهم بصرى. قال أبو يعقوب توفيّ أحمد ابن أبي دؤاد. فقال العطوى يرثيه من قصيدة ارتجلها وأنشد البيتين: وأنشد أبو علي " 1 - 112، 113 " لبعض العرب:
دببت للمجد والساعون قد بلغوا ... جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
ع هذا الشعر لحوط بن رئاب الأسديّ شاعر إسلاميّ وأحسبه أدرك الجاهلية. ورواية ابن الأعرابي دببت للمجد: يعني نفسه كذلك نقلته من نوادره بخطّ الحامض أبي موسى أصل أبي عليّ. وقوله:
وألقوا دونه الأزرا
يعني دون أن يبلغوه تخفّفاً للجري فلم ينالوه. وبخطّ أبي عليّ في الكتب التي أملى منها النوادر فكابدوا المجد بالفاء.
قال أبو علي " 1 - 113، 113 ": أنشدني غير واحد من أصحاب أبي العبّاس قال: أنشدنا أبو العبّاس المبرّد لابن المعذّل:
سألنا عن ثمالة كلّ حيّ ... فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهاله
(1/339)

ع المبرّد هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير بن حسّان ثماليّ وثمالة هو أسلم بن أحجن بن كعب بن حارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد يكنى أبا العباس. وقال أبو بكر ابن أبي الأزهر كان أبو العباس من العلم وغزارة الأدب وكثرة الحفظ وفصاحة اللسان وبراعة البيان وملوكيّة المجالسة وكرم المعاشرة وبلاغة المكاتبة وحلاوة المخاطبة وعذوبة المنطق وصحّة النظر وحسن الخطّ على ما ليس عليه أحد ممّن تقدّمه أو تأخّر عنه. قال عليّ بن حمزة: كان أبو العباس يروي ما هجى به من مثل هذا وشبهه ليثبت نسبه في ثمالة.
وأنشد أبو علي " 1 - 113، 113 ":
فلو أبصرت دارك في محلّ ... يحلّ الحزن فيه والسرور
ع هما لسليمان ابن أبي دباكل الخزاعي. وقد تقدم له من هذا الشعر أبيات " ص 74 "

وذكر أبو علي " 1 - 113، 113 "
خبر الأعرابيّ المسترفد
ع ومن فصيح ما ورد لهم في ذلك ما رواه ابن الأعرابيّ. قال: وفد أعرابي فقال: يا أهل الغضارة حقب السحاب، وانقشع الرباب، واستأسدت الذئاب، وزرم الثمر، وباد الولد وكنت كثير العفاة، صخب السقاة، عظيم الدلاة، لا أتضاءل إلى الزمان، ولا أحفل بالحدثان، حيّ حلال، وعدد ومال، ثم تقرّقنا أيدي سبا، بعد فقد الآباء والأبناء، وكنت
(1/340)

حسن الشارة، خصيب الدارة، سليم الجارة. وكان محلى حمى، وفرسي أساً، قضى الله ولا رجعان لما قضى سواف المال، وشتات الرجال، وتغيّر الحال، فأعينوا من شخصه شاهده، وفقره سائقه وقائده.
وأنشد أبو علي " 1 - 114، 114 " للتغلبيّ:
خلع الملوك وسار تحت لوائه
ع هو مهلهل بن ربيعة وقد زعم بعضهم أنه لشرحبيل بن مالك أحد بني عصم ذكر ذلك يعقوب، وقد رأيته منسوباً إلى عمرو بن الأيهم التغلبي. وقد تقدّم ذكر مهلهل " ص 29 " وذكر ابن الأيهم " ص 46 " وقبل البيت:
وأغرّ من ولد الأراقم ماجد ... صلت الجبين معاود الإقدام
خلع الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرى وعراعر الأقوام
وهذه كناية عن شداد الرجال الصابرين على اللأواء ومضض الحروب، ويروى: وعراعر بالفتح وهو جمع عراعر: يعني سادة القوم وأعلامهم مأخوذ من عرعرة الجبل. والأراقم: هم جشم ومالك وعمرو وثعلبة والحارث ومعاوية بنو بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل. ومرّ كاهن بأمّهم وهم ستّة في قطيفة لها فقالت له: انظر إلي بنيّ هؤلاء فنظر وقال: لكأنّما رموني بعيون الأراقم. وأمّهم مارية بنت حمار من بني عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.
وأنشد أبو علي " 1 - 114، 114 " لرؤبة:
أو كاحتلاق النورة الجموش
(1/341)

ع قال يصف سنة جدب:
حصّاً تنقّى المال بالتحويش ... دقّاً كرفش الوضم المرفوش
أو كاحتلاق النورة الجموش
حصّا: تحصّ المال أي تحلقه. والتحويش: التنقّص. والوضم: اسم من أسماء الخوان ثم سميّ به كلّ ما طرح عليه اللحم. والرفش: كل ما يؤكل على الخوان، وأصله حطم الأكل.
وأنشد أبو علي " 1 - 114، 114 ":
عداني أن أزورك أنّ بهمي ... عجايا كلّها إلاّ قليلا
قد رأيت هذا البيت منسوباً إلى أرطاة بن سهيّة المرّيّ.
وأنشد أبو علي " 1 - 114، 115 ":
قريب ثراه لا ينال عدوّه ... له نبطاً عند الهوان قطوب
ع هذا البيت لكعب بن سعد الغنويّ. وقد أنشد أبو علي القصيدة بكاملها " 2 - 150، 148 " والصحيح آبي الهوان قطوب لأنه إذا قال عند الهوان يكون قد
(1/342)

أثبت أنّه مهان مذال وإنما يقطب عند نزول ذلك به، وهم يقولون في المديح: فلان آبى الضيم وآبى الهوان وآبى الظلم، ومن هذا قولهم: رجل أبيّ. وقال معبد بن علقمة:
فقل لزهير إن شتمت سراتنا ... فلسنا بشتّامين للمتشتّم
ولكنّنا نأبى الظلام ونعتصي ... بكل رقيق الشفرتين مصمّم
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلّم
وأنشد أبو علي " 1 - 115، 115 ":
إذا جعجعوا بين الإناخة والحبس
ع اختلف في عزو هذا البيت فقيل هو لعمرو بن معدي كرب، وقيل هو لأوس بن حجر. فمن عزاه إلى أوس أنشده:
أجاعلة أمّ الحصين خزاية ... عليّ فراري أن لقيت بني عبس
ورهط بني عمرو وعمرو بن عامر ... وتيماً فجاشت من لقائهم نفسي
كأنّ جلود النمر جيبت عليهم ... إذا جعجعوا بين الإناخة والحبس
ومن نسبه إلى عمرو أنشده:
أجاعلة أمّ الثوير خزاية
لقونا فضمّوا جانبينا بصادق ... من الطّعن حشّ النار في الحطب اليبس
لقيت أبا شأس وشأساً ومالكاً ... أولئك جاشت من لقائهم نفسي
كأنّ جلود النمر جيبت عليهم ... إذا جعجعوا بين الإناخة والحبس
وما بالفرار اليوم عار على الفتى ... إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس
ويروى:
وليس يعاب المرء من جبن يومه ... إذا عرفت
(1/343)

منه الشجاعة بالأمس
والقول الأول في بيت الشاهد أثبت. يقول إذا تحيّر الناس في أن ينيخوا ثابتين أو يشلّوا ناجين، فهم من الجرأة كأن جلود النمر جيبت عليهم أي هم نمور. والحبس: أن يحبس على غير علف. وقوله:
كأن جلود النمر جيبت عليهم إلخ
كما تقول فلان شابّ في مسك شيخ، وكما قال شرحبيل بن مالك التغلبي:
أبينا أبينا أن تغنّوا بعامر ... كما قلتم زبّان في مسك ثعلب
يريد كما قلتم إنّ زبّان جبان روّاغ كأنه ثعلب. وقال آخر:
فيوماً ترانا في مسوك جيادنا ... ويوماً ترانا في مسوك الثعالب
يريد فيوماً ترانا في طباع الخيل من الشدّة والجرأة والإقدام والصبر، ويوماً نروغ ونجبن إذا كان ذلك أحزم. وهذا البيت أعني قول عمرو:
وما بالفرار اليوم عار على الفتى ... إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس
مثل قوله أيضاً:
ولقد أجمع رجليّ بها ... حذر الموت وإني لفرور
ولقد أعطفها كارهة ... حين للنّفس من الموت هرير
وقال عامر بن الطفيل:
أقول لنفس لا يجاد بمثلها ... أقليّ الشكوك إنني غير مدبر
(1/344)

وقال آخر:
أقاتل ما كان القتال حزامة ... وأنجو إذا لم ينج إلا المكيّس
وأنشد أبو عليّ " 1 - 115، 115 ":
وغملي نصيّ بالمتان كأنّها ... ثعالب موتي جلدها قد تزلّعا
ع هذا البيت للراعي وقبله:
إذا أخلف الصوب الربيع وصالها ... عراد وحاذ ملبس كلّ أجرعا
وغملي نصيّ. وصالها: أي اتّصل. والعراد والحاذ: ضربان من النبات وهما من الحمض. والأجرع والجرعاء: الرملة الليّنة. وغملي نصيّ: بعضه على بعض. والغميل: المكان الممتلئ من الحليّ ويقال رجل مغمول ومغمون إذا غطّي ليعرق، وبسر مغمول إذا ألقي عليه ماء وغطّي ليدرك. والنصيّ: رطب الحليّ فإذا جفّ فهو الحليّ وهو من أفضل المراعي فشبّه سنمته لحمرتها بأوبار الثعالب. وهذا البيت الشاهد اهتدمه الراعي من قول طفيل الغنوي، قال طفيل:
ابت إبلي ماء الحياض وآلفت ... تفاطير وسميّ وأحناء مكرع
وغملي نصيّ بالمتان كأنّها ... ثعالب موتى جلدها لم ينزّع
تفاطير: نبذ من نبت الوسميّ، يقال ظهر في وجه الرجل تفاطير الشباب: أي نبذ من بثر.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 115، 116 ":
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
ع هو للحطئة يمدح بعض آل شمّاس، ولما أنشد عمر بن الخطاب هذا البيت
(1/345)

قال: تلك نار موسى عليه السلام. وقبله:
يرى البخل لا يبقي على المرء ماله ... ويعلم أنّ المرء غير مخلّد
كسوب ومتلاف إذا ما سألته ... تهلّل واهتزّ اهتزاز المهنّد
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
وأنشد أبو عليّ " 1 - 116، 117 ":
اقبلن من أعلى جفاف بسحر ... يحملن صلالاً كأعيان البقر
وأنشد أبو علي " 1 - 116، 117 " لزيد الخيل:
نصول بكلّ أبيض مشرفيّ ... على اللاتي بقي فيهن ماء
وذكر الافتظاظ.
ع وكانوا إذا أرادوا توغّل الفلوات التي لا ماء فيها سقوا الإبل على أتمّ أظمائها ثم قطعوا مشافرها لئلا ترعى أو خزموها فإذا احتاجوا إلى الماء افتظّواكروشها فشربوا ثميلتها. قال أبو اللّحّام التغلبيّ.
(1/346)

سقينا الإبل عشراً بعد غبّ ... ووكّرنا المزاد من الجلود
وقطّعنا مشافرها وخفنا ... أجرّتها فما اجترّت بعود
وقال مالك بن نويرة في ذلك:
إن لا كن لاقيت يوم مخطّط ... فقد خبّر الرّكبان ما أتودد
يخال لهم إذ يعصرون فظوظها ... بدجلة أو فيض الأبلة مورد
إذا ما استبالوا الخيل كانت أكفّهم ... وقائع للأبوال والماء أبرد
وأنشد أبو علي في مثل ذلك " 1 - 116، 117 ":
وشربة لوح لم أجد لسقائها ... بدون ذباب السيف أو شفرة حلاّ
ع ويروى: لشقائها عن غير أبي علي. ومثله لآخر:
ويهماء يستاف الدليل ترابها ... وليس بها إلاّ اليمانيّ مخلف
بستافه: يشمّه هل به أثر لراكب أو واطئ. والمخلف: المستقي. يقول لا يوصل فيه إلى استقاء ولا سقي إلا بالسيف اليمانيّ. وأنشد ابن الأعرابي في معناه لعلقمة بن عبدة:
(1/347)

وقد أصاحب فتياناً شرابهم ... خضر المزاد ولحم فيه تنشيم
خضر المزاد: يعني الكروش لمّا حملت الماء سمّاها مزاداً. وتنشيم: تغيّر.
وأنشد أبو علي " 1 - 117، 117 ":
أحقاً عباد الله أن لست ناظراً ... إلى قرقري يوماً وأعلامها الغبر
كأنّ فؤادي كلّما مرّ راكب ... جناح عقاب رام نهضاً إلى وكر
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقة ... دعاك الهوى واهتاج قلبك للذكر
فيا راكب الوجناء أبت مسلّماً ... ولا زلت من ريب الحوادث في ستر
إذا ما أتيت العرض فاهتف بجوّه ... سقيت على شحط النوى سبل القطر
فإنّك من واد إليّ مرجّب ... وإن كنت لا تزدار إلاّ على عفر
خلّط أبو عليّ في هذا الشعر وهو من شعرين مختلفين لرجلين، فثلاثة الأبيات منها ليحيى بن طالب على ما أنا ذاكره، وثلاثة الأبيات منها لقيس بن معاذ. وكان يحيى بن طالب الحنفيّ سخيّاً كريماً يقري الأضياف ويطعم الطعام فركبه الدين الفادح فجلاً عن اليمامة إلى بغداد يسأل السلطان قضاء دينه، فأراد رجل من اليمامة الشخوص من بغداذ إلى اليمامة فشيّعه يحيى بن طالب، فلمّا جلس في الزورق ذرفت عيناه وأنشأ يقول:
أحقاً عباد الله أن لست ناظراً ... إلى قرقري يوماً وأعلامها الخضر
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقة ... دعاك الهوى واهتاج قلبك للذكر
أقول لموسى والدموع كأنّها ... جداول ماء في مساربها تجري
ألا هل لشيخ وابن ستّين حجّة ... بكى طرباً نحو اليمامة من عذر؟
(1/348)

كأن فؤادي كما مرّ راكب ... جناح غراب رام نهضاً إلى وكر
يزهدني في كلّ خير صنعته ... إلى الناس ما جرّبت من قلّة الشكر
فيا حزناً ماذا أجنّ من الهوى ... ومن مضمر الشوق الدخيل إلى حجر
تعزّيت عنها كارهاً فتركتها ... وكان فراقيها أمرّ من الصبر
هكذا صحّة إنشاده الخضر لا الغبر كما أنشده أبو علي، وكيف يحنّ إلى أوطان يصفها بالجدب والاغبرار. وقد ذكر أبو عليّ خبر يحيى هذا " 1 - 122، 123 " وأنشد له هذا الشعر ولكنه نسي ولولا نسيانه لاعتذر. قال علي بن الحسين: يحيى بن طالب من أهل اليمامة من بني حنيفة، شاعر مقلّ من شعراء الدولة العباسية، قال ولم يقع إليّ نسبه وزاد في آخر هذه الأبيات:
مداينة السلطان باب مذلّة ... وأشبه شيء بالقنوع وبالفقر
إذا أنت لم تنظر لنفسك خالياً ... أحاطت بك الأحزان من حيث لا تدري
وأما أبيات قيس بن معاذ فإنها:
فيا راكب الوجناء أبت مسلّماً ... ولا زلت من ريب الحوادث في ستر
إذا ما أتيت العرض فاهتف بجوّه ... سقيت على شحط النوى سبل القطر
(1/349)

فإنّك من واد إليّ مرجّب ... وإن كان لا تزدار إلا على ذكر
لعلّ الذي يقضي الأمور بعلمه ... سيصرفني يوماً إليه على قدر
فتفتر عين ما تملّ من البكا ... ويسكن قلب ما ينهنه بالزجر
وقد اختلف في اسم المجنون واسم أبيه أشدّ اختلاف، فقيل قيس بن معاذ، وقيل قيس بن الملوّح وقيل إن الملوّح هو معاذ، وقال أبو عبيدة: اسم المجنون البختري بن الجعد، وقال أبو العالية: اسمه الأقرع، وقال أبو الفرج: الصحيح أنه قيس بن مرّ بن قيس بن عدس أحد بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقال الأصمعي: رجلان ما عرفا في الدنيا إلاّ بالاسم: مجنون بني عامر وابن القريّة. وقد أخبر غير واحد أنه رآه وخاطبه، وقد رآه نوفل بن مساحق في استيحاشه واستنشده:
أتبكي على ليلى ونفسك باعدت ... مزارك من ريّا وشعباً كما معا

وذكر أبو عليّ في نسب الأصمعي أعصر بن سعد.
ع وأعصر هو منبّه بن سعد بن قيس عيلان وإنما سميّ أعصر بقوله:
قالت عميرة ما لرأسك بعد ما ... فقد الشباب أتى بلون منكر
(1/350)

أعمير إنّ أباك غيرّ لونه ... مرّ الليالي واختلاف الأعصر
والأصمعي هو عبد الملك بن قريب بن أصمع، واختلف فيما بعد أصمع باهليّ، وباهلة هو سعد مناة بن مالك بن أعصر غلبت عليه أمّه باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة من مذحج، وأصيب أصمع بالأهواز وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال في الحديث " فجاء بصيدانة " الصيدان: برام حجارة، والصيدان: ضرب من حجر الفضّة، والقطعة منه صيدانة، وبيت أبي ذؤيب:
وسود من الصيدان فيها مذانب النّ ... ضار إذا لم نستفدها نعارها
يروى بفتح الصاد وكسرها، فمن رواه بالفتح جعله جمع صيداء، وهي البرمة من الحجارة، والصيداء: الصخرة، ومن رواه الصيدان بالكسر جعله جمع صاد وهو النحاس والصفر كما يقال تاج وتيجان. واستدلّ أبو الفتح على أن عين الصيدان ياء وليست كياء عيدان برواية من روى صيدان بالفتح. والصيدان: الملك. والصّيدان: من أسماء الثعلب.
وأنشد أبو علي في الحديث شعراً منه:
وفيهنّ من بخت النساء سبحلة ... تكاد على غرّ السحاب تروق
(1/351)

ع البخت من أكرم الإبل وأعظمه أجساماً فاستعاره للنساء، والمرأة تشبّه بالسحابة لفتور مشيها وعلوّ قدرها وامتناعها ممن أراد نيلها، ولما يرجى من صوبها كما يرتجي من هذه وصلها، والشعر للشّمردل بن شريك اليربوعي.
وأنشد أبو علي " 1 - 118، 118 " لمسكين الدارميّ:
ربّ مهزول سمين عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب
ع وبعده البيت:
كسبته الورق البيض أباً ... ولقد كان وما يدعى لأب
أصبحت صاحبتي طمّاحة ... قرمت بل هي وحمى للصخب
أصبحت تتفل في شحم الذرا ... وتعدّ اللّوم درّاً ينتهب
لا تلمها إنّها من نسوة ... ملحها موضوعة فوق الركب
كشموس الخيل يبدو شغبها ... كلّما قيل لها هال وهب
وهذه الأبيات المعنويّة قد أنشدها أبو علي " 1 - 138، 138 " وفسّرها. وأخذ معنى البيت الأول ابن المعتزّ فقال:
إذا كنت ذا ثروة من غنى ... فأنت المسوّد في العالم
وحسبك من نسب صورة ... تخبّر أنّك من آدم
ومن أمثال العرب " وجدان الرقين يغطّي أفن الأفين " أخذه حسّان فقال:
(1/352)

ربّ علم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم
وقال آخر:
كأنّ الغنى في أهله بورك الغنى ... بغير لسان ناطق بلسان
ومرّ رجل غنيّ على ابن شهاب فتحرّك له وأكرمه فلما انصرف قيل له: أكانت لك إليه حاجة؟ قال: لا ولكّني رأيت المال مهيباً.
وأنشد أبو علي " 1 - 118، 119 " لحسّان:
فإنّ أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمّد منكم وقاء
ع قال حسّان من قصيدة يخاطب أبا سفيان ابن الحارث بن عبد المطّلب ويهجوه:
هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
فإنّ أبى ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
أتهجوه ولست له بكفء ... فشرّكما لخيركما الفداء
وروى أن حسّان لما أنشد النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا الشعر قال له لما أنشد الأول من هذه الأبيات: جزاؤك على الله الجنة، وقال له لما أنشد الثاني: وقاك الله حرّ النار، فأما البيت الثالث فهو أنصف بيت قالته العرب، وكذلك قول الحصين بن الحمام المرّي:
(1/353)

نطاردهم نستودع البيض فيهم ... ويستودعونا السمهريّ المقوّما
وأنشد أبو علي " 1 - 119، 119 " لذي الرمّة:
أدنى تقاذفه التقريب أو خبب ... كما تدهدى من العرض الجلاميد
ع وصلته قال وذكر الحمار والأتن:
حتى إذا ما استقلّ النجم في غلس ... وأحصد البقل ملويّ ومحصود
راحت يقحّمها ذو أزمل وسقت ... له الفرائش والسلب القياديد
أدنى تقاذفه التقريب أو خبب ... كما تدهدى من العرض الجلاميد
أراد بالنجم الثريا وارتفاعها مكبّدة ذلك الوقت في آخر شهري ناجر. والملويّ: اليابس من البقل ويقحّمها: يدخلها من موضع إلى آخر. وأزمله: صوته. ووسقت: أي احتوت على مائه. والفرائش: جمع فريش وهي الحديثة النتاج. والسلب: جمع سلوب وهي التي اختلجت أولادها عنها. والقياديد: الطوال والواحدة قيدود.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 119، 119 " لرؤبة:
إنا إذا قدنا القوم عرضا
ع وبعده:
لم نبق من بغى الأعادي عضّا ... نشّذب عن خندف حتى ترضى
وليس دين الله بالمعضّى
يقال للرجل إذا كان شديد المعارضة ألدّ الخصومة عضّ. ونشذب: ننفي كما يشذب عن الجذع كربه. وقوله بالمعضّى: هو من قول الله سبحانه " الذين جعلوا القرآن عضين ".
(1/354)

وأنشد أبو عليّ " 1 - 119، 120 " لجرير:
أتذكر حين تصقل عارضيها ... بفرع بشامة سقي البشام
ع صلته:
بنفسي من تجنّبه عزيز ... عليّ ومن زيادته لمام
ومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النيام
أتنسى إذ تودّعنا سليمى ... بفرع بشامة سقي البشام
هكذا رواه الزيادي عن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 120، 120 ":
حمراء من معرّضات الغربان ... تقدمها كلّ علاة عليان
ع هذا وهم منه وإنما هو:
يقدمها كلّ علاة عليان ... حمراء من معرّضات الغربان
لا ترعوى لمنزل وإن حان
لأن الضمير في يقدمها راجع على رفقة ذكرها، ولو كانت هذه الحمراء يقدمها كل علاة عليان لم تكن من معرّضات الغربان لأنها حينئذ تكون متأخّرة. قال يعقوب: وقوله لا ترعوى لمنزل: يقول تتباعد من الحادي أبداً فتقع الغربان على حملها لأنها قد أمنت أن يحذفها الحادي. والعراضة: إطعامك الرجل شيئاً من ميرتك. ثم قال: لا ترجع نشاطاً
(1/355)

لنزول وإن حان نزولها. قال غيره: والحمر أجلد الإبل. والمعرّضات: الإبل التي تقدم الإبل فتقع الغربان عليها فتأكل مما تحمله، إذ ليس هناك من يطردها لبعد الحادي عنها فكأنها قد أهدت إلى الغربان العراضة، والعراضة: هديّة القادم خاصّة. والعلاة: الشديدة الصلبة مشبّهة بالعلاة وهي السندان. والعليان المشرفة. ومثله في المعنى قول الآخر:
قد قلت قولاً للغراب إذ حجل ... عليك بالقود المسانيف الأول
تغدّ ما شئت على غير عجل ... التمر في البئر وفي ظهر الجمل
قال ثعلب: سألت ابن الأعرابي أيّ شيء يقول. قال: يقول يا غراب إن أفنيت ما عليها من التمر فإنّ الماء إذا استقى من البئر على ظهر الجمل ثم سقي به النخل خرج الرطب وجاء التمر. والرجز الذي أنشده أبو علي لرجل من غطفان كذلك نقل في كتاب البارع.

ذكر أبو علي " 1 - 120، 120 "
سجع العرب في الشعرى
ع الإمّر: ولد الضأن الصغير والأنثى إمّرة. والعراض: الآثار يعني الإبل الواسعة الخفاف. والمعمر: المنزل بدار معاش، والعرب إذا قلّلت مال الرجل قالت: " ماله إمّر ولا إمّرة ". ويحتمل أن يريد بالشعرى في هذا الحديث الشعرى العبور أو الشعرى الغميصاء لأنهما يطلعان معاً، وللشعرى زمنان لكل زمان منهما حال مخالف للآخر وكل ذلك
(1/356)

منسوب إليها، فمنها زمان طلوعها بالغداة وأوّل ذلك لعشرين يوماً من تمّور وهو وقت صميم الحر، فوغراته وبوارحه منسوبة إليها. قال ساجعهم: " إذا طلعت الشعرى نشف الثرى وأجن الصرى وجعل صاحب النخل يرى ". أجن الصرى: أي تغيّر الماء المجتمع في الغدران والمناقع لشدّة الحرّ وانقطاع الموادّ عنه، وتبيّن صاحب النخل ثمرة نخله لأنه حينئذ يكبر. وقال الفرزدق:
وأوقدت الشعرى مع الصبح نارها ... وأضحت محولاً جلدها يتوسّف
والزمان الثاني وقت طلوعها عشاء وذلك في كانون الآخر إذا كان النوء للذراع وهو وقت صميم البرد. فأصراره وصنابره منسوبة إليها، وهذا الوقت هو الذي أراد الساجع بقوله:
إذا طلعت الشعرى سفراً
يعني سفر العشاء قبل دخول الظلام وذلك على أثر الوسميّ والوليّ، فإن أخلف الوسميّ ثم الوليّ بعده وأتى الشتاء بكلبه وأخوت النجوم فذلك محل لا شك فيه. ولا يجوز أن يريد بذلك طلوعها صبحاً في شدة لأن ذلك الوقت ليس من أزمنة الأمطار. وقال أبو حنيفة: ظنّ قوم أن الساجع أراد طلوع الشعرى بالغداة وقد أخطأوا في ذلك، وحكاه بعضهم عن مؤرّج، فإن كان صدق فإن مؤرّجاً كان قليل المعرفة بهذا الفنّ لأنّ طلوعها بالغداة في صميم الحرّ، فأي زمان مطر
(1/357)

هذا وهو إن جاء ضرّ. ولا يجوز أيضاً أن يكون أراد أن يخبرك أنه إذا لم يكن في السنة قطر إلى هذا الوقت فتوقّع الجدب وخذ في الحيلة قبل الهلكة وأنت قد هلكت قبل بلوغه واستغنيت عن الأمر والإنذار، وإنما جهل هذا من جهله لأنه سبق إلى وهمه سفر الغداة لأنه أكثر في الكلام. والسفران سواء الشفق مثل الفجر لا فرق بينهما، لونهما سواء، ومدّتهما واحدة لأن ابتداء هذا مثل انقضاء ذلك، وانقضاء هذا مثل ابتداء ذلك. وقد ذكرت العرب سفر العشيّ، قال شاعرهم:
هاجت عليه من الأشراط نافجة ... بفلتة بين إظلام وإسفار
فيقول هذا الساجع إذا لم تر في هذا الوقت مطراً فأسيء الظنّ بسنتك ولا تغذونّ إمّراً ولا تتشاغل بالغنم فإنّك لا تفوت بها المحلل، وعليك الإبل فاطلب بها مواقع الغيث ومواضع العشب فإنّك تدركها بها وإن بعدت. وإنما خصّ الضأن بالذكر وإن كان أراد جميع الغنم لأنها أعجز عن الطلب من المعز. والمعز تدرك ما لا تدركه الضأن، وروى أبو عمرو الشيباني: إذا طلعت الشعرى سفراً ولم تر مطراً فلا تحلق فيها إمّرة ولا إمّراً ولا سقيباً ولا ذكراً. يقول: لا ترسل في إبلك إمّرة يدبّرها، وهو الرجل الضعيف الذي لا عقل له إلا ما أمرته به. وأنشد الأصمعيّ:
ولست بذي رثية إمّر ... إذا قيد مستكرهاً أصحبا
والشعرى العبور: هي كلب الجبّار، والجبّار: هو الجوزاء، والذئاب تكلب عند طلوعها، وقال سنان بن ثابت بن قرّة: إنما سمّيت العبور نجم الكلب لأنها في الفم مثل
(1/358)

صورة الكلب. وقال بقراط في كتبه: إذا طلع نجم الكلب فلا تستعمل الدواء المسهل.
والعرب تقول: إن سهيلاً والشعريين كانوا مجتمعين فانحدر سهيل فصار يمانياً. وتبعته العبور فعبرت المجرّة، وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل حتى غمصت عينها.
وأنشد أبو علي " 1 - 120، 120 " للراعي:
نجائب لا يلقحن إلاّ يعارة
ع وصلته:
فعجنا لذكراها وتشبيه صوتها ... قلاصاً بمجهول الفلاة صواديا
نجائب لا يلقحن إلاّ يعارة ... عراضاً ولا يشرين إلاّ غواليا
توهّم أن يكون سمع صوتاً والشعراء يفعلون هذا، قال امرؤ القيس، فتوهّم أن يكون رأى ناراً:
تنوّرتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال
وقال أبو جبلة: ربما قالوا القلاص وهم يريدون الإبل لا يقصدون إلى القلاص بعينها.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 121، 121 " لذي الرمّة:
عطاء فتى بني وبني أبوه ... فأعرض في المكارم واستطالا
وصلته:
ومنتاب أناخ إلى بلال ... فلا زهداً أصاب ولا اعتلالا
يعوّضه الألوف مصتّمات ... مع البيض الكواعب والحلالا
عطاء فتى بني وبني أبوه ... فأعرض في المكارم واستطالا
يعني بلال ابن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري. ومصتّمات: مكمّلات والصتم من الرجال الكامل. والحلال: جمع حلّة كما قالوا قلّة وقلال. وأنكر ابن الأنباري في كتاب الحاء له أن يجمع حلّة على حلال وإنما جمعها حلل فلم يبق بعد هذا إلا أن يريد بالحلال متاع
(1/359)

الرحل، قال الأعشى:
فكأنّها لم تلق ستّة أشهر ... بؤساً إذا ألقت إليك حلالها
وقال الشاعر:
وراكضة ما تستجنّ بجنّة ... بغير حلال غادرته مجحفل
يريد أنه يهب الإبل بمراكبها.
وأنشد أبو علي " 1 - 121، 121 " لعبد الله ذي البجادين:
تعرّضي مدارجاً وسومي
ع هو عبد الله بن عبد غنم بن عفيف مزنيّ وهو عمّ عبد الله بن مغفّل بن عبد غنم ولقّب ذا البجادين لأنه أتى عمّاً له حين ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمّاه إنه قذف في قلبي محبّة هذا الرجل وإنّي لا أراني إلاّ خارجاً إليه. فقال له عمّه: لئن فعلت لأسلبنّك ما أصبته، وكان عمّه كثير المال مئناثاً فزوّجه بنتاً له وكان في عياله، فلما خشي أن يلحق بالنبيّ قبض جميع ما كان عنده وتركه عرياناً إلا ما يواري عورته، فأتى أمّه فشكا ذلك إليها فأعطته بجادها وهو شقّة من شعر، فقطعه بنصفين فادّرع أحدهما وارتدى الآخر وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ماصلى الله عليه وسلم فقال عبد العزّي. فقال بل عبد الله ذو البجادين فأسلم. وكان شديد الاجتهاد في العبادة. ولم يرو عنه شيء لأنه مات في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان حداؤه برسول الله صلى الله عليه وسلم في غزو تبوك. وقوله:
تعرّ ض الجوزاء للنجوم
يريد أنها إذا طلعت استقبلتك بأنفها قائمة وإذا كبّدت في السماء تعرّضت كأنها جانحة. قال امرؤ القيس:
(1/360)

إذا ما الثريّا في السماء تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل
ومعنى سومي: ادخلي في معظم الركب. وقيل معناه ارتفعي، وقيل معناه استمرّي من قولهم: سامت الإبل في المرعى أي استمرّت.
وأنشد أبو علي " 1 - 121، 121 ":
ليست بسنهاء ولا رجّبيّة ... ولكن عراياً في السنين الجوانح
ع وهذا الشعر لسويد بن الصامت وقد نسب إلى أحيحة بن الجلاح والأول أثبت. ولقي سويد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز وعرض عليه الإسلام، وزعم قومه أنّه أسلم ومات قبل الهجرة وهو شيخ كبير قال:
أدين وما ديني عليكم بمغرم ... ولكن على الشمّ الجلاد القراوح
على كلّ خوّار كأنّ جذوعها ... طلين بقار أو بحمأة مائح
ليست بسنهاء ولا رجّبيّة
أدين: يريد أستقرض. والجلاد الصبر: القويّة على العطش، يريد النخل وأصله في الإبل، والقراوح: جمع قرواح وهو الأجرد الذي قد شذّب كربه، وأصله الأرض التي لا تنبت. والخوّار: الناقة الغزيرة. وطلين بقار: يريد أنّ الجذع إذا اسودّ كان أصلب له. ومعنى رجّبية هنا لم تبن عليها رجبة، وهي حظيرة تبنى حول النخلة يمنع بها من ثمرها. والسنهاء: التي تحمل سنة وتخلف أخرى. وقال أبو حنيفة عن الأصمعي: السنهاء التي أصابتها السنة. يقول: ليست بسنهاء
(1/361)

ولا ممنوعة الثمرة ولكن أعريها الناس في جوائح السنين.
وأنشد أبو علي " 1 - 121، 122 " لقعنب ابن أمّ صاحب:
صمّ إذا سمعوا خيراً ذكرت به
ع هو قعنب بن ضمرة ابن أمّ صاحب من شعراء الدولة الأموية قال:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً ... عنّي وما سمعوا من صالح دفنوا
صمّ إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
جهلاً عليّ وجبناً عن عدوّهم ... لبئست الخلّتان الجهل والجبن
وأنشد أبو علي " 1 - 122، 122 " لأميّة ابن أبي الصلت:
له داع بمكّة مشمعل
ع وهو أميّة ابن أبي الصلت واسمه عبد الله بن أبي ربيعة ابن عوف وقيل ابن عمرو ثقفيّ، وثقيف هو قسيّ بن منبّه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، جاهليّ أدرك الإسلام ومات كافراً ويكنى أبا عثمان. ويمدح بهذا الشعر عبد الله بن جدعان وكان يطعم الناس بمكّة، فوفد على عبد المدان بن الديّان بالشأم فأكل عنده في جملة طعامه الخبيص والفالوذق ومدحه فقال:
ولقد رأيت الباذلين وفعلهم ... فرأيت أكرمهم بني الديّان
ورأيت من عبد المدان خلائقاً ... فضل الأنام بهنّ عبد مدان
البرّ يلبك بالشهاد طعامه ... لا ما يعلّلنا بنو جدعان
فبلغ ذلك ابن جدعان فأرسل إلى الشأم في العسل وفيمن يعمله، وأطعم الناس بمكة الخبيص وهو أول من أطعمه بها. وحباً أميّة ووصله، فقال يمدحه من قصيدة:
(1/362)

لكلّ قبيلة هاد ورأس ... وأنت الرأس تقدم كلّ هاد
عماد الخيف قد علمت معدّ ... وإنّ البيت يرفع بالعماد
له داع بمكة مشمعلّ ... وآخر فوق دارته ينادي
إلى ردح من الشيزي ملاء ... لباب البرّ يلبك بالشهاد
ومالي لا أحييّه وعندي ... مواهب يطّلعن من النجاد
مشمعلّ: خفيف سريع. قال ابن أخت تأبّط شرّاً:
فاحتسوا أنفاس نوم فلّما ... هوّموا رعهمو فاشمعلّوا

وأنشد أبو علي " 1 - 122، 123 " ليحيى بن طالب في خبر ذكره قد تقدّم ذكر بعضه " 1 - 117، 117 " شعراً منه:
فأشرب من ماء الحجيلاء شربة ... يداوي بها قبل الممات غليل
ع الحجيلاء: ماء لخثعم، والحجيلاء في غير هذا الموضع الماء الذي لا تأخذه الشمس.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 123، 124 " لجميل شعراً منه:
علّقتني بهوى منهم فقد جعلت ... من الفراق حصاة القلب تنصدع
ع في كتاب أبي علي بخطّه الذي قرأ فيه على أبي بكر ابن دريد فقد كربت. وحصاة القلب: موضع شدّته وصلابته، والحصاة العقل أيضاً قال:
وإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل
قال أبو علي " 1 - 124، 124 " ويقال " ويقال ماء ولا كصدّاء ".
(1/363)

ع قال الخليل: ومنهم من يضمّ الصاد فيقول صدّى. وقال وهي ركيّة ليس عند العرب أعذب منها وإنما سمّيت صدّاء لأنها تصدّ من شرب منها عن غيرها، وكان محمد بن يزيد يقول هي صداء على وزن صدعاع. وأنشد ابن الأعرابيّ:
كصاحب صدّاء الذي ليس رائياً ... كصدّاء ماء ذاقه الدهر شارب
ومثل هذا من أمثالهم " مرعى ولا كالسعدان " وهو نبت تغزر عليه الألبان. فأما قولهم " فتى ولا كمالك " فقد اختلف في مالك هذا من هو؟ فقيل هو مالك بن نويرة وقيل هو مالك بن أوس بن حارثة.
وأنشد أبو علي " 1 - 124، 124 " لرجل من بني كلاب:
فلما قضينا غصّة من حديثنا ... وقد فاض من بعد الحديث المدامع
وفيه:
كأن لم تجاورنا أمام ولم تقم
ع أمام فاعلة بتجاورنا مرخّمة في غير النداء، ولو خاطبها لقال كأن لم تجاورينا.
وفيه:
وإنّ نسيم الريح من مدرج الصبا ... لأوراب قلب شفّه الحبّ نافع
يقال درجت الريح إذا كان لها أثر في الرمل، وهي ريح دروج.
وأنشد أبو علي " 1 - 124، 125 " للأفوه الأوديّ:
بمهمه ما لأنيس به ... حسّ وما فيه له من رسيس
وبعده:
لا يفزع البهمة سرحانها ... ولا رواياها حياض الأنيس
(1/364)

والمرء ما تصلح له ليلة ... بالسعد تفسده ليالي النحوس
يقول ليس بهذه الفلاة سرحان أصلاً. ورواياها: يعني القطا تحمل الماء إلى فراخها يقول لا تعرف على هدايتها حياض الأنيس. والأفوه: هو صلاءة بن عمرو بن مالك بن الحارث أوديّ وأود هو ابن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج، ومذحج أمّه ولدته عند أكمة تسمّى مذحج فسميّ بها، ويكنى الأفواه أبا ربيعة وهو جاهلي قديم، وذكر بعض المؤرّخين أنه أدرك المسيح عليه السلام.
وأنشد أبو علي " 1 - 125، 125 " لرجل من بني كلاب:
تحنّ إلى الرمل اليماني صبابة ... وهذا لعمري لو رضيت كثيب
فأين الأراك الدوح والسدر والغضا ... ومستخبر عمن تحبّ قريب
هناك يغنّينا الحمام ونجتني ... جني اللهو يحلولي لنا ويطيب
ع هذه أبيات لا يبين لها معنى إلاّ بالبيت الأوّل الذي أسقطه أبو علي منها وهو:
أقول له لّما رمى بنصيحة ... عرا القلب منها عند ذاك وجيب
(1/365)

تحن إلى الرمل
فقوله تحنّ إلى الرمل هي النصيحة إلى آخر البيت فراجعه هذا الشاعر المنصوح فأين الأراك الدوح إلى آخر الشعر.
وأنشد أبو علي " 1 - 125، 125 ":
رفعنا الخموش عن وجوه نسائنا ... إلى نسوة منهم فأبدين مجلدا
ع رأيته منسوباً إلى الحطئة ولم يقع في ديوان شعره.
وأنشد أبو علي " 1 - 125، 126 " لعمرو بن معدي كرب:
عجّت نساء بني زبيد عجّة
ع هذا وهم إذا نسب إلى عمرو، والصحيح نساء بني زياد لأنّ نساء بني زبيد هنّ نساؤه، وبنو زياد بطن من بلحارث بن كعب. وخبر هذا الشعر أنّ جرماً ونهداً كانتا في بني الحارث مجاورتين، فقلت جرم رجلاً من أشراف بني الحارث يقال له معاذ بن يزيد فارتحلوا فتحوّلوا مع بني زبيد رهط عمرو، فخرجت بنو الحارث يطلبون بدمهم ومعهم جيرانهم بنو نهد فعيّ عمرو جرما لبني نهد، وتعبّي هو وقومه لبني الحارث، فزعموا أنّ جرماً كرهت دماء بني نهد فانهزمت وفلّت يومئذ زبيد، ففي ذلك يقول عمرو يلوم جرماً
لحى الله جرماً كلّما ذرّ شارق ... وجوه كلاب هارشت فازبأرّت
فلم تغن جرم نهدها إذ تلاقتا ... ولكنّ جرماً في اللقاء ابذعرّت
فلو أنّ قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكنّ الرماح أجرّت
(1/366)

ثم إنّ عمراً غزا بني الحارث فأصاب فيهم وانتصف منهم وقال:
لمّا رأوني في الكتيفة مقبلاً ... وسط الكتيبة مثل ضوء الكوكب
واستيقنوا منّا بوقع صادق ... هربوا وليس أوان ساعة مهرب
عجّت نساء بني زياد عجّة ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
هكذا روى أبو الحسن الطوسي. وقال ابن حبيب إنّ البيت الآخر لرجل من بني أسد وقد تقدم ذلك " 76 ". وقال أبو علي في تفسير البيت: الأرنب: موضع وهذا غير معلوم وإنما المحفوظ في الموضع الأرانب على لفظ الجمع قال المخبّل:
كما قال سعد إذ يقود به ابنه ... كبرت فجنّبني الأرانب صعصعا
وإنما انتفجت في تلك الغزاة أرنب فتفاءلوا بالظفر فظفروا فعرف بيوم الأرنب، وقد مضى خبره " ص76 ". والعرب تتيمّن بالأرانب إذا انتفجت لهم يقال فنجت الأرنب.
وأنشد أبو علي " 1 - 126، 126 ":
خرجن حريرات وأبدين مجلداً ... ودارت عليهنّ المقرّمة الصّفر
ع البيت للفرزدق وقبله:
غداة أحلّت لابن أصرم طعنة ... حصين عبيطات السدائف والخمر
بها فارق ابن الجون ملكاً وسلّبت ... نساء علي ابن الجون حرّبها الدّهر
خرجن حريرات وأبدين مجلداً ... ودارت عليهن المقرّمة الصفر
حصين بن الجون ضبيّ كان نذر أن لا يأكل لحماً ولا يشرب خمراً حتى يقتل ابن الجون الكندي فقتله. وقوله غداة أحلّت: هذا على كلامين: يقول لما أحلّت الطعنة اللحم حلّت
(1/367)

الخمر. وهكذا رواه شقران وفسّره:
طعنة عبيطات السدائف والخمر
ورواه أبو عبيدة:
طعنة عبيطات السدائف والخمر
وقال هذا مقلوب: الفعل للطعنة ولكنّه احتاج إلى القافية فجعل الطعنة في موضع المفعول كما قال الجعديّ:
كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم
ويروى:
نساء على ابن الجون أوجهها زهر
ويروى:
ودارت عليهنّ المكتّبة
أي التي كتب عليها أسماء أصحابها.

ذكر أبو علي " 1 - 126، 126 "
حديث خولة وبني رئام قومها
ع وهي خولة بنت الأحبّ، وقولها:
يا خير معتمد وأمنع ملجإ ... وأعزّ منتقم وأدرك طالب
جاءت به على قولهم: هو درّاك أوتار. وقولها:
جاءتك وافدة الثكالى تعتلي ... بسوادها فوق الفضاء الناضب
السواد: الشخص. قال الأسود:
إنّ المنيّة والحتوف كلاهما ... يوفي المخارم يرقبان سوادي
وجمعه أسودة وأساود. قال الشاعر:
أساود صرعى لم يوسّد قتليها
(1/368)

وقول مرضاوي:
وإنّي زعيم أن أروّى هامهم ... وأظمئ هاماً ما انسرى الليل بالفجر
هو من قولك سروت ثوبي: أي خلعته، فيريد ما انكشف الليل بالفجر.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 128، 128 ":
أدوت له لآخذه ... فهيهات الفتى حذرا
ع هيهات: اسم بعد. والفتى مرتفع بفعله كأنه قال بعد الفتى. وقال مالك بن خالد
فهيهات ناس من أناس ديارهم ... دفاق ودار الآخرين الأوائن
أي بعد ناس من ناس. قال الشاعر:
فهيهات هيهات العقيق وأهله ... وهيهات وصل بالعقيق نواصله
وهيهات أحد الأسماء التي بمعنى الفعل في الخبر وهي عزيزة ومنها حسّ اسم أتألّم، ودهدرّين اسم بطل، وأفّ اسم أتضجّر، وهمهام وحمحام اسم فني، وسرعان اسم سرع، وكذلك وشكان اسم وشك. وهكذا رواه أكثرهم حذراً بالنصب وإعرابه على وجهين على الحال من الفتى والعامل فيه هيهات، وعلى الحال من الهاء في قوله لآخذه، ورواه المفضل بن سلمة عن الأصمعيّ بالرفع فهيهات الفتى حذر وإعرابه بيّن.
وقولهم هو يحرق عليه الأرّم قال أبو علي يعني الأسنان ع والأسنان هي الأزّم بالزاي معجمة وقد فرّق بينهما أبو عبيد فقال ومن أمثالهم "
(1/369)

هو يعضّ عليه الأرّم " قال والأرّم الحصى ويقال الأضراس، فأما الأسنان فهي الأزّم بالزاي لأن الأزم بها يكون. وقال ابن قتيبة: ذهب أبو عبيد إلى الأزم وهو العضّ وأغفل الأرم وهو الأكل، يقال أرم البعير يأرم أرماً، ويقال إن الأرّم الأصابع سمّيت بذلك لأن الأكل بها يكون. ومثل هذا المثل قولهم: " هو يكسر عليه أرعاظ النبل ".
قال أبو علي والعرب تقول: " طلب الأبلق العقوق فلما فاته أراد بيض الأنوق " ع فجاء به كلاماً منثوراً وإنما يروى للعرب بيتاً موزوناً، روى المدائني وغيره أن رجلاً أتى معاوية وهو يخطب. فقال: زوّجني أمّك. قال: الأمر إليها، وقد أبت أن تزوّج. فقال: فافرض لي ولمعشري فتمثّل معاوية:
طلب الأبلق العقوق فلّما ... لم ينله أراد بيض الأنوق
ويشهد لذلك أنّ المثل الذي أورده أبو علي مغيّر من الموزون. قوله فيه: أراد بيض الأنوق لأن ضرورة الوزن حملت الشاعر على أن يضع أراد مكان طلب ولولا ذلك لكان رجوع آخر الكلام على أوّله أعدل لقسمته، ومع ذلك فإنّ الإرادة قد تكون مضمرة غير ظاهرة والطلب لا يكون إلاّ لما بدا بفعال أو مقال.
قال أبو علي " 1 - 128، 128 " الذفر يكون في النتن والطيب، وهو حدّة الرائحة، والدفر بفتح الفاء لا يكون إلاّ في النتن ومنه قيل للدنيا أمّ دفر وللأمة يا دفار.
(1/370)

ع ظاهر كلام أبي علي أنه أنكر في النتن إسكان الفاء، وقد تناقض فقال ومنه قيل للدنيا أم دفر فحكاه بالإسكان ولم يحكه أحد إلاّ كذلك، وعامّة اللغويّين ذكروا الدفر: النتن بتسكين الفاء.
وأنشد أبو علي " 1 - 127، 127 " لمرضاوي بن سعوة المهريّ في خبر ذكر فيه شعراً فيه:
قسمت رماح بني أبيهم بينهم ... جرع الردى بمخارص وقواضب
قال أبو علي " 1 - 129، 129 ": المخارص: واحدها مخرص، وهو سكيّن كبير شبه المنجل يقطع به الشجر.
ع وأيّ مدخل للمنجل مع القواضب وهي السيوف، أو أيّ شجر هناك يقطع إلاّ قمم الرجال، وإنما المخارص هنا الرماح وهي الخرصان واحدها خرص وخرص، قال ابن دريد: ويقال للخرصان أيضاً مخارص واحدها مخرص. قال حميد الأرقط:
يعضّ منها الظلف الدئيا ... عضّ الثقاف المخرص الخطّيّا
يعني الرمح نفسه. وقال امرؤ القيس في الخرص:
أحزن لو أسهل أخزيته ... بعامل في خرص ذابل
يعني رمحاً وقال أبو علي " 1 - 129، 129 ": الوئيّة: القدر العظيمة.
(1/371)

ع يقال: وئيّة ووئيّة بكسر الواو، كما قالوا: رئيّ ورئيّ فيتبعون أوّله كسر الهمزة وكثيراً ما يكون ذلك مع حرف الحلق، ولغة في بعير بعير. والقدر الصغيرة هي الكفت ومن أمثالهم " كفت إلى وئيّة " كما قالوا " ضغث على إبّالة ". واستشهد أبو علي ببيت للأعشى، وبآخر للعدوانيّ وقد تقدم ذكرهما " 22، 69 ".
وأنشد أبو علي " 1 - 130، 130 " لابن محلّم شعراً أوله:
أفي كل عام غربة ونزوح ... أما للنوى من ونية فتريح
وأسقط منه مختاره وذلك بعد قوله:
وناحت وفرخاها بحيث تراها ... ومن دون أفراخي مهامه فيح
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك ميّاد ففيم تنوح
أفق لا تنح من غير شيء فإنّني ... بكيت زماناً والفؤاد صحيح
ولوعاً فشطّت غربة دار زينب ... فها أنا أبكي والفؤاد قريح
وفيه:
فإنّ الغنى مدني الفتى من صديقه ... وعدم الغنى بالمقترين نزوح
أخذ هذا المعنى من قول إياس بن القائف:
(1/372)

يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... وترمي النّوى بالمقترين المراميا
وقد تقدّم ذكر ابن محلم " 49 " وتقدّم ذكر توبة الذي ذكره بعد ابن محلّم " 31، 68 " وأنشد أبو علي " 1 - 131، 131 ":
ألا قاتل الله الحمامة غدوة ... على الغصن ماذا هيّجت حين خنّت
وبعدها:
فلو هملت عين دماً من صبابة ... إذاً هملت عيني دماً واستهلّت
فما برحت حتّى بكيت لنوحها ... وقلت ترى هذي الحمامة حنّت
والبيت الذي أنشده أبو علي حين حنّت إنما هو حين غنّت لأنه أحسن في المعنى ولأن بعده ترى هذه الحمامة حنّت ولا يحسن هنا غنّت، والشعر لمراد الطائي قاله ابن عبد الصمد.
وأنشد أبو علي " 1 - 131، 131 " للعوّام بن عقبة:
أأن سجعت في بطن واد حمامة ... تجاوب أخرى ماء عينيك غاسق
ع هو العوّام بن عقبة بن كعب بن زهير ابن أبي سلمى هكذا نسبه دعبل شاعر مفلق مقلّ من شعراء الحجاز وهو القائل:
(1/373)

ألا ليت شعري هل تغيّر بعدنا ... ملاحة عيني أمّ عمرو وجيدها
وهل بليت أثوابها بعد جدّة ... ألا حبّذا أخلاقها وجديدها
نظرت إليها نظرة ما يسرّني ... بها حمر أنعام البلاد وسودها
والعوّام من المعرقين في الشعر لأنهم خمسة شعراء في نسق. وكان ربيعة أبو سلمى شاعراً. وقوله ماء عينيك غاسق: يريد سائلاً وأكثر ما يستعمل في سيلان الجرح، وفسّر الغسّاق في التنزيل: صديد أهل النار.
وأنشد أبو علي " 1 - 131، 131 " لرجل من بني نهشل:
أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه ... وأصبر عنها إنّني لصبور
ع الضمير في قوله عنها عائد على الإلف: لأنه يقع على المذكر والمؤنث بلفظ واحد ويروى فقدان إلفه المعنى أيبكي حمام الأيك فقدان إلفه وأصبر عن فقدانه. وهذا النهشلي أكذب نفسه وصدّق الحمام كما قال نصيب:
لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... على فنن تبكي وإنّي لنائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقاً ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم
وقال عوف بن محلّم يكذّب الحمام ويصدّق نفسه:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك ميّاد ففيم تنوح

ذكر أبو عليّ " 1 - 132، 132 ": " أينما أذهب ألق سعدا ".
ع وفسّره بخلاف تفسير ابن الكلبي والقاسم بن سلاّم أبي عبيد وغيرهما، فقال: كان غاضب الأضبط بن قريع سعداً فجاور في غيرهم فآذوه. وقال أبو عبيد: معناه أن سادات كلّ قوم يلقون من قومهم الذين هم دونهم في المنزلة مثل ما لقيت أنا من قومي من الأذى
(1/374)

والمكروه. فهذا على أن الأصبط لم يلق من غير قومه مكروهاً لا كما فسّر أبو علي. وذكر قولهم " محسنة فهيلي ".
ع وأصله أن رجلاً ضاف امرأة ومع جراب فيه سويق، فخرج لحاجته فجعلت تحثي من جرابه في جرابها، فلّما أحسّت به جعلت تهيل من جرابها في جرابه فقال: " محسنة فهيلي ".
وأنشد أبو عليّ " 1 - 132، 132 ":
سفيراً خروج أدلجا لم يعرّسا ... ولم تكتحل بالنوم عين تراها
ع يعني من السرور بهما والجذل بالنظر إلى مواقعهما والأنس بصوبهما، وقد زعم بعضهم أنه يروي:
ولم تكتحل بالنوم عين ثراها
لأن الأرض عاملة أبداً لا تنام، ولذلك سمّيت الساهرة كما قال معاوية: " خير المال عين خرّارة في أرض خوّارة " تسهر إذا نمت وتشهد إذا غبت. وذكر أن معاوية انتبه من رقدة فأنبه عمرو بن العاصي. فقال عمرو: ما بقي من لذّتك يا أمير المؤمنين. قال: عين ساهرة لعين نائمة وعين خرّارة في أرض خوّارة فما بقي من لذّتك يا أبا عبد الله. قال: أن أبيت معرساً بعقيلة من عقائل العرب. وقال: لوردان ما بقي من لذّتك. فقال: إفضال على الإخوان. قال معاوية: أنا أحقّ بها منك. قال: قد أمكنك قرى. ويروى:
ولا نازلاً يقري قرى كقراهما
(1/375)

وضيفين جاءآ من بعيد فقرّبا ... على فرش حتى اطمأنّا كلاهما
قريناهما ثم انتزعنا قراهما ... لضيفين جاءآ من بعيد سواهما
يعني الرحيين، وقراهما: اللهوة التي تقذف فيهما.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 133، 133 " لحميد بن ثور:
إذا نادى قرينته حمام ... جرى لصبابتي دمع سفوح
ع هو حميد بن ثور بن عبد الله بن عامر ابن أبي ربيعة ابن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة يكنى أبا لاحق شاعر إسلاميّ.

وذكر أبو علي " 1 - 133، 134 "
خبر خنافر
وأنه حالف جودان الفرصميّ وفرصم حيّ من مهرة بن حيدان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. قال ابن دريد: منهم العجيل الفرصميّ وفد على النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو عبيد القاسم بن سلاّم: وفد على النبي صلى الله عليه وسلم زهير بن فرصم، والفرصم: من الإبل الضخمة. ورواه بعضهم:
(1/376)

رضم بضاد معجمة. وفيه ذ هوى هويّ العقاب. يقال هوى يهوي هويّاً إذا هبط، وهوى يهوي هويّاً بالضم إذا صعد قاله الخطّابي والاختيار هنا فتح الهاء. وشصار من شصر الناقة وهو تزنيدها إذا دحقت رحمها. وشاصر وماصر. والأحقب من النفر الذين استمعوا القرآن وهم من جنّ نصيبين. وقوله من ذلك الإحرّين: هو جمع حرّة على غير قياس كأن واحدة إحرّة وإن لم يقل ذلك سيبويه. وقوله:
وقد أمنتني بعد ذاك يحابر ... بما كنت أغشى المنديات يحابراً
المنديات: المخزيات كأن صاحبها يندي عند ذكرها خجلاً أي يعرق.
وأنشد أبو علي " 1 - 136، 135 ":
ألم أظلف عن الشعراء عرضي ... كما ظلف الوسيقة بالكراع
ع نسب ابن السكّيت هذا البيت إلى عوف بن الأحوص ونسبه غيره إلى عوف بن الخرع. وقوله كما ظلف الوسيقة: يقال ظلف القوم آثارهم إذا مشوا في غلظ أو حجارة حتى تخفي آثارهم. والكراغ: قطعة من الحرّة تستدقّ وتمتدّ في السهل وهو مؤنثة. يقول أمنع من الشعراء عرضي أن يؤثّروا فيه كما يظلف الخارب هذه الوسيقة إذا خشي أن يتبع فيرى أثره. قال يعقوب: الظلف: الموضع الغليظ الذي لا يؤدّي أثراً، وظلف بها أخذ بها في ظلف من الأرض. وعوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن عامر بن صعصعة يكنى أبا يزيد شاعر جاهليّ. وعوف الآخر عوف بن عطيّة بن الخرع التيميّ من تيم الرباب وهم تيم بن عبد مناة بن أدّ جاهلي إسلاميّ.
(1/377)

وأنشد أبو عليّ " 1 - 136، 136 ":
فيا جحمتا بكّى على أمّ واهب ... أكيلة قلّوب ببعض المذانب
ع وبعد البيت:
أشبّ لها القلّيب من بطن قرقري ... وقد تجلب الشيء البعيد الجوالب
فلم يبق منها غير نصف عجانها ... وشنترة منها وإحدى الذوائب
قال أبو زيد قال السعدي: هذه الأبيات يقولها رجل من أهل اليمن في أمّ له أكلها الذئب وهو القلّوب والقلّيب بلغتهم. والعجان: بلغتهم موصل العنق في الرأس. وأنشد الخليل في الجحمتين لبعض شعرائهم:
ففاضت دموع الجحمتين بعبرة ... على الزبّ حتى الزبّ في الماء غامس
والزبّ: اللحية بلغتهم. والأنثيان: عندهم الأذنان. وأنشد ابن قتيبة:
وكنّا إذا القيسيّ نبّ عتوده ... ضربناه دون الأنثيين على الكرد
(1/378)

والفقحة: الراحة بلغتهم.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 136، 136 " لقيس بن ذريح:
سأصرم لبني حبل وصلك مجملاً ... وإن كان صرم الحبل منك يروع
وفي بعض النسخ لقيس المجنون.
ع وقد تقدّم ذكر المجنون ونسبه. وأما ابن ذريح فهو قيس بن ذريح بن الحباب بن سنّة من بني ليث بن بكر بن عبد مناة. وقيس هذا رضيع الحسين بن عليّ رضي الله عنهما أرضعت الحسين أمّ قيس، وكان منزل قومه في ظاهر المدينة. وصاحبة قيس لبني بنت الحباب الكعبيّة وهو أحد العشّاق المشهورين. وقوله فيه:
وخيماتك اللاتي يمنعرج اللوى ... بلين بلى لم تبلهن ربوع
قال ابن دريد قوله: لم تبلهن ربوع غلط والصواب لم تبله، وله تأويل بعيد يخرّج عليه، ذكر أبو علي الفارسيّ في كتاب التذكرة أنه أراد لم تبل بلاهنّ ربوع، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقال غيره: إنما قال لم تبلهنّ لتشبّث البلى بالخيمات كما قال الفرزدق الصواب جرير:
لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشّع
وهذا الشعر قد رويت منه أبيات لجميل في قصيدته التي أوّلها:
(1/379)

أعائدة يا بثن أيّامنا الألي ... بذي الظلم أم لا ما لهنّ رجوع
وفيه:
سقى طللينا يا بثين بحاجر ... على الهجر منّي صيّف وربيع
ودورك يا ليلى وإن كنّ بعدنا ... بلين بلى لم تبلهن ربوع
وخيماتك اللاتي بمنعرج اللوى ... لقمريّها بالمشرقين سجيع
وفي هذا الشعر:
وما كاد قلبي بعد أيّام جاورت ... إليّ بأجزاع الثديّ يريع
الثديّ: واد بتهامة بفتح الدال على لفظ تصغير ثدي، ورواه أبو علي الثديّ بكسر الدال على لفظ جمع ثدى وهذا غير محفوظ. وفيه:
وقالوا مطيع للضلال تبوع
وقالوا مضيع أي مضيع للرشد تبوع للغيّ والضلال.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 137، 137 " لمجنون بني عامر:
راحوا يصيدون الظباء وإنّني ... لأرى تصيّدها عليّ حراما
ع وهذا معنى قد تكررّ له. روى الهيثم بن عديّ أنّ قيساً نظر إلى ظبية مشدودة في حبل يسوقها قانصها، فدمعت عيناه وأعطاه بها قلوصاً، فخلّى عنها وولّت هاربة. فقال في ذلك:
أيا شبه ليلى لا تراعي فإنّني ... لك اليوم من وحشيّة لصديق
ويا شبه ليلى لو تقيمين ساعة ... لعل فؤادي من جواه يفيق
تفرّ وقد أطلقتها من وثاقها ... فأنت لليلى لو علمت طليق
وأنشد أبو عليّ " 1 - 138، 138 " شعر مسكين الدراميّ، وقد تقدمّ موصولاً " 83 " ومضى ذكر مسكين " 47 " وفيه:
" ملجها موضوعة فوق الركب "
(1/380)

ع قال ابن الأنباري: الملح مؤنثة وتصغيرها مليحة، وأنشد قول مسكين وقيل إن الملح جمع ملحة كما قالوا: ذهب طيّبة جمع ذهبة، ومسك عطرة جمع مسكة.
قال أبو عليّ " 1 - 139، 139 " إن رجلاً أغلظ لعمرو بن سعيد بن العاصي.
ع قيل إن هذا الرجل هو الوليد بن عقبة ابن أبي معيط، وقيل إنه عبد الرحمن ابن أمّ الحكم الثقفي. وقوله: ولا رخو الملاكة: هو مفعلة من لاكه يلوكه إذا مضغه وهو كقول الحجاج: إنّ أمير المؤمنين نثر كنانته وعجم عيدانها فوجدني أصلبها عوداً وأمرّها مكسراً.
وقال الشاعر وهو الطريف العنبريّ:
إنّ قناتي لنبع ما يؤيّسها ... عضّ الثقاف ولا دهن ولا نار
وقوله إني ساكن الليل: يعني أنّه لا يمشي في الليل بريبة، يعرّض بصاحبه الذي قال له صاحب ظلمات.
وأنشد أبو علي " 1 - 139، 139 " لذي الرمّة:
خراعيب أملود كأنّ بنانها
ع وصلته:
تذكّرني ميّاً من الظبي عينه ... مراراً وفاهاً الأقحوان المنوّر
وفي المرط من ميّ توالي صريمة ... وفي الطوق ظبي واضح الجيد أحور
وفي العاج منها والدماليج والبرى ... قناً مالئ للعين ريّان عبهر
خراعيب أملود كأنّ بنانها ... بنات النقا تخفي مراراً وتظهر
توالي صريمة: أي مآخرها، والصريمة الفرادي من الرمل. والقنا هنا: الأوصال التؤام لما عليها من اللحم. وعبهر: يملأ عين الناظر إليه لحسنه فلا يدع في الطرف فضلاً إلاّ استغرقه لأنه لا يرى عاباً. والخرعوب: كلّ ليّن ينثنّي من قضيب وغيره. وامرأة خرعوبة
(1/381)

وخرعبة. وبنات النقا: دوابّ صغار تشبّه بها الأنامل، وهي الأساريع التي عنى امرؤ القيس بقوله:
وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
وأنشد أبو عليّ " 1 - 139، 139 " لحميد بن ثور:
عجبت لها أنّى يكون غناؤها
ع وصلته:
وما هاج هذا الشوق إلاّ حمامة ... دعت ساق حرّ ترحة وترنّما
محلاّة طوق لم يكن من تميمة ... ولا ضرب صوّاغ بكفّيه درهما
عجبت لها أنّى يكون غناؤها ... فصيحاً ولم تغفر لمنطقها فما
تغنّت على غصن عشاء فلم تدع ... لنائحة في نوحها متلوّما
فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيّاً شاقه صوت أعجما
ومثل البيت الآخر قول أبي تمام وقد سمع غناء حسناً عند منصرفه عن عبد الله بن طاهر إلاّ أنه لم يفهم معانيه فقال:
حمدتك ليلة شرفت وطابت ... أقام سهادها ومضى كراها
(1/382)

سمعت بها غناء كان أولى ... بأن يقتاد نفسي من غناها
ولم أفهم معانيه ولكن ... ورت كبدي فلم أجهل شجاها
فكنت كأنني أعمى معنّى ... يحبّ الغانيات وما يراها
وأنشد أبو عليّ " 1 - 139، 139 " للعجاج:
إن ينزلوا بالسهل بعد الشأس
وقبله:
وما أراهم جزّعاً بحسّ ... عطف البلايا المسّ بعد المس
إن يسمهرّ والضراس الضرس ... وينزلوا بالسهل بعد الشأس
عطف البلايا: يقول تعطف البلايا عليهم المرّة بعد المرّة. والاسمهرار: الشدّة. والضراس: معاضّة الحروب إياهم.
وأنشد أبو عليّ 1 - 140، 140 ":
بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي ... وقلت ومثلي بالبكاء جدير
ع وهما للعباس بن الأحنف وبعدهما:
فجاوبنني من فوق غصن أراكة ... ألا كلّنا يا مستعير معير
وأي قطاة لم تعرك جناحها ... فعاشت ببؤسي والجناح كسير
وأنشد أبو عليّ " 1 - 140، 140 " لأبي المطراد العنبريّ:
(1/383)

أيا أبرقي مغنى بثينة أسعدا ... فتى مقصداً بالشوق فهو عميد
وهي لعبيد بن أيّوب العنبري والمحفوظ في كنيته أبو المطراب بالباء، وكان يتحدّث إلى امرأة من بني ضبّة يقال لها بثينة فضربه ابنا حبيب الضّبّيّان فقال:
بأيّ فتى يا ابني حبيب بللتما ... إذا ثار يوماً للغبار عمود
بمنخرق السربال كالسيد لا يني ... يقاد لحرب أو تراه يقود
أقلّ بنو الإنسان حين عدوتم ... على من يثير الجنّ وهي هجود
أيا أبرقي مغنى بثينة أسعدا ... فتى مقصداً بالشوق فهو عميد
أقلّ بنو الإنسان: أي أقلّ بنو آدم إذ صنعتم بنا ما صنعتم. وعبيد: شاعر إسلاميّ وكان لصّاً مبرّاً فنذر السلطان دمه وخلعه قومه، فاستصحب الوحوش وأنس بها وأنست به، وله في ذلك أشعار كثيرة، وكان يزعم أنه يرافق الغول والسعلاة فمن ذلك قوله:
فلله درّ الغول أيّ رفيقة ... لصاحب فقر خائف يتستّر
أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حواليّ نيراناً تبوخ وتزهر
وأنشد أبو علي " 1 - 141، 141 " لأبي العباس المبرّد في أبي العباس ثعلب:
أقسم بالمبتسم العذب ... ومشتكى الصبّ إلى الصبّ
ع كان المبرّد شاعراً فصيحاً ولم يكن لثعلب شعر إلا البيت النادر الشاذّ. يروى أن المبرّد مرض. فقال ثعلب لأصحابه: قد وجبت علينا عيادته على ما بيننا وبينه فقوموا بنا إليه
(1/384)

فجاءوا منزله، فلمّا أعلم المبرد بهم واستؤذن لهم قيل ليس بحاضر، فتناول ثعلب قطعة من خزف وكتب على بابه:
وأعجب شيء سمعنا به ... عليل يعاد ولا يوجد
وقال أحمد بن إسحاق: كان محمد بن يزيد يحبّ أن يجتمع بأحمد بن يحيى ويستكثر منه وكان أحمد يمتنع من ذلك، فقلت لختنه الدينوريّ: لم يفعل هذا؟ فقال: إنّ محمداً حسن العبارة، حلو الإشارة، فصيح اللسان، ظاهر البيان، وأحمد مذهبه مذهب المعلّمين، فإذا اجتمعا في مجلس حكم لهذا على الظاهر حتى يعرف الباطن. قال: وبأحمد ومحمد هذين ختم تأريخ الأدباء، وكانا كما قال بعض المحدثين:
أيا طالب العلم لا تجهلن ... وعذ بالمبرّد أو ثعلب
علوم الخلائق مقرونة ... بهذين في الشرق والمغرب
وقد مضى ذكر المبرّد " ص 80 ". وأما ثعلب فهو أحمد بن يحيى بن زيد مولى بني شيبان وكان ثقة وحافظاً.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 141، 141 ":
إقرأ على الوشل السلام وقل له ... كل المشارب مذهجرت ذميم
(1/385)

ع وهذا الشعر لأبي القمقام الأسدي وبعده:
تسري الصبا فتبيت في ألواذه ... ويظلّ فيه من الجنوب نسيم
سقيا لظّلك بالعشي وبالضحى
وأنشد أبو عليّ " 1 - 142، 141 " لهلال المازنيّ:
أقول لناقتي عجلي وحنّت ... إلى الوقبي ونحن على جراد
ع هو هلال بن خثعم المازني شاعر إسلاميّ. والوقبي بإسكان القاف ذكره ابن دريد وقال: إنه يمدّ ويقصر، وذكره ابن الأنباري الوقبي بتحريك القاف مقصوراً والشاهد له قول أبي محمد الفقعسيّ:
فالحزم حزم الوقبي فذا الحضر ... بحيث يلقى راكس سلع الستر
وقال أبو عبيدة كانت الوقبي لبكر على آباد الدهر فغلبتهم عليها بنو مازن بعون عبد الله بن عامر صاحب البصرة لهم فهي في أيديهم إلى اليوم. وجراد موضع فيما يلي فيد. وحكاه ابن دريد جرادى على وزن فعالى، قال أبو علي القالي ولم أسمعه إلاّ منه. وقال آخر في معنى هذا الشعر:
حنّت فشاقتني برجع حنينها ... وأزيدها شوقاً برجع حنيني
نضوين مقترنين بين مهامه ... طوياً الضلوع على جوى مكنون
لو خبّرت عنّي الضلوع لخبّرت ... عن مستقرّ صبابة المحزون
وأنشد أبو عليّ " 1 - 142، 142 " لأبي كبير الهذليّ:
نضع السيوف على طوائف منهم
(1/386)

ع أبو كبير هو عامر بن الحليس شاعر جاهلي وصلة البيت:
ولقد شهدت الحيّ بعد رقادهم ... تفلي جماجمهم بكلّ مقلّل
حتى رأيتهمو كأنّ سحابة ... صابت عليهم ودقها لم يشمل
نضع السيوف على طوائف منهم ... فنقيم منهم ميل من لم يعدل
نغدو فنترك في المزاحف من ثوى ... ونمرّ في العرقات من لم يقتل
قوله بعد رقادهم: كأنهم بيتوا. وتفلي: تعلي. ومقلّل: له قلّة وهي القبيعة أي الرئاس، ويروى بكل مؤلّل. وقوله لم يشمل لأن الشمالي إذا أصابته انقشع. والعرقة: حبل مضفور مثل ضفر النسعة.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 143، 142 " لابن الزبعري:
وأقمنا ميل بدر فاعتدل
ع وصلته:
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأهل
حين ألقت بقباء بركها ... واستحرّ القتل في عبد الأشل
وقتلنا الضعف من أشرافهم ... وأقمنا ميل بدر فاعتدل
يتأسف أن لا يكون مشركو قريش المقتولون يوم بدر شهدوا هزيمة المسلمين يوم أحد. وهو عبد الله بن الزبعري بن قيس بن عديّ بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ، وهو آخر شعراء قريش المعدودين وكان يهجو المسلمين ويحرّض عليهم
(1/387)

كفار قريش وأسلم يوم الفتح فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه إسلامه وعفا عما سلف له وقال عند إسلامه:
يا رسول المليك إنّ لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور
وهي أبيات ستذكر في موضعها " 2 - 217، 213 " إن شاء الله تعالى.

وذكر أبو علي " 1 - 143، 142 "
خبر مصاد بن مذعور القينيّ
ع وفيه مما لم يفسّره: فحطّت إحداهن ثم طرقت الأخرى. فالخطّة في التراب: هي الأكرات ومنه سميّ الأكره وهم الفلاّحون وأصل الكلمة فارسيّ. والطرق بالحصى: هو الصرف بالحبّ. قال لبيد:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع
وقولها:
لا أبرح فتى إن جدّ في طلب
يقال أبرح في الشيء وبرّح إذا بلغ وأفرط وأتى بالبرح: وهو الشدّة، ويقال أبرحت من أراد اللحوق بك: أي لقي دون ذلك برحاً.
قال الشنفري:
فإن يك من جنّ لأبرح طارقاً ... وإن يك إنساً ما كذا الإنس تفعل
ومنه قولهم ضرب مبرّح. وقال الأعشى:
أقول لها حين جدّ الرحيل ... أبرحت ربّاً وأبرحت جارا
وقال عباس بن مرداس:
وقرّة يحميهم إذا ما تبدّدوا ... ويطعنهم شزراً فأبرحت فارسا
(1/388)

وجواب قولها:
إن جدّ في طلب
قولها أبرح فتى أي أتى بالشدّة.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 144، 144 ":
منّا الذي ربع الجيوش لصلبه ... عشرون وهو يعدّ في الأحياء
ع والبيت لأبي النجم من قصيدته التي أوّلها:
علق الهوى بحبائل الشعثاء ... والموت بعض حبائل الأهواء
ولّما أنشد عبد الملك هذه القصيدة وقيل لسليمان فأتى على هذا البيت:
منا الذي ربع الجيوش لصلبه
قال له الخليفة: قف فإن كنت صدقت في هذا فحسبك به فخراً. وكان الفرزدق حاضراً فقال: أنا أعرف منهم ستة عشر ومن ولد ولده أربعة.
وأنشد أبو علي " 1 - 144، 144 ":
لك المرباع منها والصفايا
ع وهذا البيت لعبد الله بن عنمة الضّبيّ يرثي بسطام بن قيس الشيبانيّ وقتله بنو ضبّة. وكان ابن عنمة مجاوراً في بني شيبان فرثى بسطاماً حذراً على نفسه فأحسن وقبل البيت:
يقسّم ماله فينا وندعو ... أبا الصهباء إذ جنح الأصيل
أجدّك لن تراه ولا تراه ... تخبّ به عذافرة ذمول
إلى ميعاد أرعن مكفهرّ ... تضمّر في جوانبه الخيول
لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول
(1/389)

النشيطة: ما انتشطه الجيش قبل الغنيمة يكون للرئيس. والفضول: ما فضل على القسمة. والصفايا: ما اصطفاه الرئيس لنفسه كالجارية والفرس. وفي الحديث: كانت صفيّة بنت حيّ من الصفيّ.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 144، 144 " للحطئة:
لعمري لعزّت حاجة لو طلبتها ... أمامي وأخرى لو ربعت لها خلفي
ع وقبله:
يقولون يستغني ووالله ما الغنى ... من المال إلاّ ما يعفّ وما يكفي
لعمري لشدّت حاجة لو علمتها ... أمامي وأخرى لو ربعت لها خلفي
فهلاّ أمرت ابني هشام فيربعا ... على ما أصابا من مئين ومن ألف
هكذا الرواية في البيت لعمري لشدّت يريد عظمت واشتدّ مطلبها يذهب به مذهب التعجّب. وأراد ابني هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانا يتّجران ببلاد الروم وفارس وبلاد الحبشة.
وأنشد أبو علي " 1 - 144، 144 " لرؤبة:
هاجت ومثلي نوله أن يربعا
هذا أول الرجز وبعده:
حمامة هاجت حماماً سجّعاً ... أبكت أبا الشعثاء والسميدعا
معنى نوله ينبغي وأصله من التناول كأنه قال: تناول كذا وكذا، فإذا قال لا نولك فكأنه قال اقصد، هذا قول سيبويه وغيره من اللغويين، وفي كتاب العين: نولك: معناه حقّك، ورأيت لابن السكيت عن ابن الأعرابي قال: إذا جاء أن مع قولك نولك فلك أن ترفع نولك وتنصب وإلا فلا يكون إلاّ الرفع وأنشد:
هاجت ومثلي نوله أن يربعا
(1/390)

رفعا ونصبا وأنشد:
أأن زمّ أجمال وفارق جيرة ... عنيت بنا ما كان نولك تفعل
رفعاً لا غير وروى عن أبي علي ما كان نولك بفتح اللام وكذلك وقع في أصله من كتاب الإبدال لابن السكيت " ص7 " وهو مذهب الكوفيين معناه ما كان منفعة لك أن تفعل أي ما كان منفعة لك هذا الفعل ولا حظّاً، والنول: المنفعة والحظّ تقول قد نلت الرجل إذا نفعته، وقد نال فلان فلاناً إذا نفعه. وقال ابن الأنباري في إعراب هذه المسألة وجهان ما كان نولك أن تفعل بنصب النول على خبر كان ورفع أن بكان وهو أجود كما قال الله تعالى " ما كان حجّتهم إلا أن قالوا "، والوجه الآخر أن يجعل النول اسم كان وأن خبرها وكذلك قرأ الحسن، والوجه عند البصريّين ما كان نولك بالرفع. قال سيبويه تقول نولك أن تفعل لأنهم جعلوه معاقباً لقولهم ينبغي لك أن تفعل كذا وصار بدلاً منه فدخل فيه ما دخل في ينبغي.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 145، 144 ":
وعلبة نازعتها رباعي ... وعلبة عند مقيل الراعي
يريد علبة نازعها فصاله أي حلب ورضعت هي وعلبة أخرى أبقاها في الموضع الذي يأوي إليه الراعي إذا قال أعدّها للضيفان والقرى. وقال عيسى بن عمر كره استقصاء الحلب إبقاء على الرباع. وقال اليزيدي أنشدني الطوسيّ:
ما إن بلعت اليوم من بلاع ... غير ثمان علب تباع
وعلبة نازعتها رباعي ... وعلبة هرقتها بالقاع
(1/391)

وقال القاع المكان الواسع يعني بطنه.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 145، 144 " لذي الرمّة بيتين أولها قد تقدم ذكره " ص40 "، وأما الثاني فصلته قال وذكر الثور:
إذا ذابت الشمس اتّقى صقراتها ... بأفنان مربوع الصريمة معبل
يحفّره عن كلّ ساق دفينة ... يثير الكباب الجعد عن متن محمل
ذوبان الشمس: لعابها وهو شيء تراه مثل نسج العنكبوت يتطاير في الهاجرة. والصقرات: شدّة الحرّ. والصريمة: رملة منقطعة عن الرمل. وأعبل شجرها: إذا بدأ في التوريق والخضرة. والعبل: اسم الورق. وأعبل أيضاً: إذا سقط ورقه وهما قولان الأول قول أبي نصر، والثاني قول الأصمعيّ، واحتجّ أبو نصر ببيت ذي الرمّة هذا وقال إن كان الإعبال سقوط الورق فكيف يستظلّ بها وهي جرداء عارية، وقال الأصمعي إنما أراد أنه يتوقّى الشمس بالأغصان يصف الثور بالجلد على حرّ الشمس. والكباب: الثرى الذي قد لزم بعضه بعضاً. والجعد مثله. وشبّه عرق الأرطاة لحمرته وطوله بمحمل السيف وهذا كما قال سحيم العبد:
يثير ويبدي عن عروق كأنّها ... أعنّة خرّاز جديداً وباليا
وأنشد أبو علي " 1 - 145، 145 " للهذليّ:
من المربعين ومن آزل ... إذا جنّه الليل كالناحط
ع هذا الشعر لأسامة بن الحرث وقد تقدم ذكره " ص21 " وأما البيت فصلته:
(1/392)

إذا بلغوا مصرهم عجّلوا ... من الموت بالهميع الذاعط
من المربعين ومن الخ، الهميع: الموت المعجّل. والذاعط: الذابح ضربه مثلاً. وربع هي المعروفة وأربع قليلة وقال أبو الفتح من المربعين أي جعلوا من أولئك الذين حمّوا الربع. ومن آزل: يقول من رجل في أزل وفي ضيق. والناحط: الذي يزفر وهو مثل الأنين من شدة الذي به من المرض.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 145، 145 ":
واعرورت العلط العرضيّ تركضه ... أمّ الفوارس بالدئداء والربعه
ع هذا البيت من قصيد أنشدها الأصمعي في كتب شتّى. قال أبو الحسين عليّ بن أحمد المهلّبيّ: أنشدناها أبو إسحاق النجيرميّ قال أنشدنا اليزيدي عن عمّه قال أنشدنا ابن أخي الأصمعي عن عمّه. قال أبو الحسين المهلّبي هذه القصيدة للأصمعيّ، وقبل هذا البيت منها:
هلاّ سألت جزاك الله صالحة ... إذ أصبحت ليس في حافاتها قزعه
(1/393)

أيّ امرئ أنا في عسر وفي يسر ... إذا رأيت وجوه القوم ممتقعه
واعرورت العلط العرضيّ تركضه ... أمّ الفوارس بالدئداء والربعه
قوله ليس في حافاتها: يعني السماء وإن لم يتقدم لها ذكر كما قال تعالى: " حتّى توارت بالحجاب ". والقزع: قطع السحاب. والعلط: البعير الذي لا وسم عليه. والعطل: المرأة التي لا حلى عليها وربما قالوا في الذي لا وسم عليه معطول. قال السليك:
يا ربّ نهب قد حويت معطول
وإنما يترك غير موسوم لوجهين: إمّا أن يكون من خيارها فيشفق عليه من الكيّ، أو يكون من صغارها التي لم ترض وهذا هو الذي أراد في البيت. وأمّ الفوارس التي بنوها فرسان يحمونها اعرورت هذا البكر الصعب لمفاجأة الغارة لها فما حال من لا حماة لها.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 146، 145 " للأخطل:
ما في معدّ فتى يغني رباعته
ع وصلته قال الأخطل يمدح مصقلة بن هبيرة الشيبانيّ:
ضخم تعلّق أشناق الديات به ... إذا المئون أمرّت فوقه حملاً
ما في معدّ فتى يغني رباعته ... إذا يهمّ بأمر صالح فعلا
أغرّ لا يحسب الدنيا تخلّده ... ولا يقول لشيء فات ما فعلا؟
(1/394)

الشنق ما دون الدية وجمعه أشناق.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 146، 145 " للعجّاج:
رباعياً مرتبعاً أو شوقبا
ع صلته:
كأنّ تحتي أخدريّاً أحقبا ... رباعياً مرتبعاً أو شوقبا
شذّب عن عانته ما شذّبا ... من الجحاش واستفزّ التولبا
أخدريّ: حمار من حمر الوحش يقال لها بنات أخدر كانت بين العراق وكاظمة. ورباعياً: يعني الحمار. مرتبعاً: يرتبع في الربيع. والشوقب: الطويل. وشذّب: أي نفى ويقال جذع مشذّب إذا أخذ ما عليه من الليف ونفي عنه. والجحش فوق التولب في سنّه. واستفزّ: أي استخفّ يقول فرّقها عنها غيرة عليها.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 146، 146 ":
يا ليت أمّ الفيض كانت صاحبي
ع وتمامها:
وقبضت منّي على الرواجب
قوله مكان من أنشأ: أراد من أنشأ أي أقبل فخفّف الهمزة كما قرئ سال سايل وقال هذا على لغة من قال سلت في سألت وقد قيل إنه من السيلان وحذف الهمزة من أصلها كثير قال أبو خراش:
(1/395)

وما بعد أن قد هدّني الدهر هدّة ... تضال لها جسمي ورقّ لها عظمي
أراد تضاءل وحكى أبو زيد لاب لك يريد لا أب لك. وقوله تحت ليل ضارب: يقال يوم ضارب وليل ضارب إذا كانا طويلين. وقوله بكفّ خاضب: أراد بكفّ خضيب فأخرجه مخرج عيشة راضية أي مرضيّة وماء دافق أي مدفوق وأنشد ابن الأعرابيّ:
لو صاحبتني ذات خلق ثوهد ... ورابعتني واتّخذنا باليد
إذاً لقالت ليتني لم اولد
وأنشد أبو عليّ " 1 - 147، 146 " لرؤبة:
دعوت ربّ العزّة القدّوسا
ع هذه الأشطار أوّل الرجز يمدح بها أبان بن الوليد وكان صاحب كرمان فوفد عليه يستمنحه في دين أثقله وبعدها:
والدين يحمى هاجساً مهجوساً ... مغس الطبيب الطعنة المغوسا
الهاجس: ما هجس في الصدر من أحزان وفكر. والمغس: الطعن. يقول كما يمغس الطبيب: أي كما يطعن في الجرح.
وفي شعر مصادر " 1 - 144، 143 " مما لم يفسّره أبو عليّ قوله:
فيا واثقاً بالدهر كن غير آمن ... لما تنتضيه الباهضات الفوادح
يقال بهظه الأمر بهظاً إذا غلبه وأثقله وقوله:
مجيرك منه الصبر إن كنت صابراً ... وإلاّ كما يهوى العدوّ المكاشح
أراد وإلاّ تصبر فحذف الجواب لدليل أول الكلام عليه، وكما خبر لابتداء مضمر، أراد وإلاّ أنت كما يهوى العدوّ المكاشح.
(1/396)

وذكر أبو عليّ " 1 - 147، 147 " قدوم الوفد على هشام بن عبد الملك، وفيهم إسماعيل ابن أبي الجهم. وذكر كلامه وكلام هشام إلى قوله:
هكذا فليكن القرشي
رواه أحمد بن عبيد. قال أخبرني هشام بن الكلبي عن أبي محمد ابن سفيان القرشيّ عن أبيه قال: كنّا عند هشام بن عبد الملك وقد قدم عليه وفد أهل الحجاز، وكان شباب الكتّاب إذا قدم الوفود حضروا لاستماع بلاغة خطبائهم، فحضرت كلامهم رجلاً رجلاً حتى قام محمد ابن أبي الجهم ابن حذيفة العدويّ، وكان أكبر القوم سنّاً فقال: أصلح الله أمير المؤمنين إن خطباء قريش قد قالت فيك وأطنبت. وذكر الحديث إلى آخر ما ذكره أبو علي وزاد قال ثم قال هشام: إنا والله لنحبّ الحقّ إذا نزل كما نكره الإسراف والبخل، وما نعطي تبذيراً ولا نمنع تقتيراً وما نحن إلاّ خزّان الله في بلاده وأمناؤه على عباده، فإذا أذن أعطينا وإذا منع أبينا، ولو كان كلّ قائل يصدق وكل سائل يستحق ما جبهنا طالباً ولا رددنا سائلاً، فاسأل الذي في يده ما استحفظنا أن يجريه على أيدينا فإنه يفتح الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بعباده خبير بصير. هكذا قال أحمد " محمد بن أبي الجهم " وقال أبو علي إسماعيل ابن أبي الجهم.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 148، 147 " لابن أحمر:
كالكواكب الأزهر انشقّت دجنّته
ع وصلته:
يهدي الجيوش ويهدي الله شيمته ... في طرمس البيد سامي الطرف معتدل
كالكواكب الأزهر انشقّت دجنّته ... في الناس لا رهق فيه ولا بخل
هاد ضياء منير فاصل فلج ... قضاؤه سنّة وقوله مثل
(1/397)

يمدح بهذا الشعر النعمان بن بشير الأنصاريّ. والطرمساء والطلمساء: الليلة المظلمة. ومعتدل: قاصد عن الجور. فلج: يفلج بحجّته. وفاصل: يفصل الحقّ من الباطل.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 148، 148 " لابن هرمة:
خير الرجال المرهّقون كما ... خير تلاع البلاد أكلؤها
ع وهو إبراهيم بن عليّ بن سلمة بن هرمة من خلج قريش. والخلج هو قيس بن الحارث بن فهر سمّوا بذلك لأنهم كانوا في عدوان ثم في هوزان، فلما استخلف عمر أتوه ليفرض لهم فأنكر نسبهم. فلما استخلف عثمان أتوه فأثبتهم في بني الحارث بن فهر فسمّوا بذلك الخلج لأنّهم اختلجوا ممّن كانوا معه، وقيل سمّوا بذلك لأنّهم نزلوا بالمدينة على خلج جمع خليج. وابن هرمة من متقدّمي الشعراء وممن أدرك الدولتين الأمويّة والهاشميّة يكنى أبا إسحاق وصلة بيت ابن هرمة:
مرتع ذودي من البلاد إذا ... ما شاع جدب البلاد أكلؤها
يكنّ ضيفي إذا تأوّبني ... أوسع أبياتنا وأدفؤها
خير الرجال المرهّقون كما ... خير تلاع البلاد أوطؤها
وهكذا صحّة إنشاد الشاهد.
(1/398)

وأنشد أبو علي " 1 - 148، 148 " لأبي صخر الهذليّ:
لليلى بذات الجيش دار عرفتها ... وأخرى بذات البيت آياتها سطر
ع وهو عبد الله بن أسلم السهميّ أحد بني سهم بن مرّة بن معاوية بن هذيل شاعر إسلاميّ من شعراء الدولة الأموية وفي الشعر:
وقفت بربعيها فعيّ جوابها ... فكدت وعيني دمعها سرب همر
هكذا قرأ أبو علي وثبتت الرواية عنه، وصوابه فقلت، ولروايته وجه تخرّج عليه وهو حذف الجواب كأنه قال: فكدت أهلك أو أقضى كما حذف الجواب في قوله تعالى: " ولو أن قرآناً سيّرت به الجبال " ويحتمل أن يكون قوله: فكدت من قولك هو يكيد بنفسه بمعنى يجود بنفسه ولا يكون في الكلام حذف. ورواية الناس ما أنبأتك به. وفيها:
خليليّ هل يستخبر الرمث والغضا ... وطلح الكدا من بطن مرّان والسّدر
هكذا قرأ أبو عليّ يستخبر بفتح الياء لم تختلف الرواية عنه في ذلك، وإنما يصحّ المعنى بأن يكون هل يستخبر بضم الياء لأن الرمث لا يستخبر. وقال أبو علي هكذا أنشدناه أبو بكر ابن الأنباري. وطلح الكدا: بفتح الكاف أظنّه أراد كداء فقصّر للضرورة.
ع وهو لا يجوز لأن كداء معرفة لا تدخلها الألف واللام وكداء هي عرفة بعينها وكديّ: جبل قريب من كداء. قال الشاعر:
(1/399)

أقفرت بعد عبد شمس كداء ... فكديّ فالركن فالبطحاء
وفيها:
لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها ... بتاتاً لأخرى الدهر ما طلع الفجر
فما هو إلاّ أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لديّ ولا نكر
ذكر الحاتميّ أن كثيراّ اهتدم هذين البيتين فقال:
وإنّي لآتيها وفي النفس هجرها ... بتاتاً لأخرى الدهر أو لتثيب
فما هو إلاّ أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب
ولا أعلم هذين البيتين في شعر كثيّر وقد نسبا إلى مجنون بني عامر في شعر أوّله:
حلفت لها بالمشعرين وزمزم ... وذو العرش فوق المقسمين رقيب
لئن كان برد الماء حرّان صادياً ... إليّ حبيباً إنّها لحبيب
قوله أو لتثيب: بعض العرب يقسم على الحال ويحذف النون وقد حمل بعضهم قراءة من قرأ لأقسم بيوم القيامة على ذلك. وفيها:
مخافة أنّي قد علمت لئن بدا
ويروى مخافة بالنصب لإضافته إلى غير متمكن كما قرأوا من عذاب يومئذ وفيها:
وإنّي لتعروني لذكراك فترة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
تعروني ههنا من العرواء يقال رجل معروّ إذا أصابته العرواء، وأراد أن يقول:
وإنّي لتعروني لذكرك عرواء
فلم يستقم له فقال:
وإنّي لتعروني لذكرك فترة
(1/400)

فجاء بالضد كما قال الشاعر، وقد نقله أبو علي عنه في هذا الكتاب " 1 - 186، 183 ":
كأنّي طريف العين يوم تطالعت ... بنا الرمل سلاّف القلاص الضوامر
حذاراً على القلب الذي لا يضيره ... أحاذر وشك البين أم لم يحاذر
قال أبو علي في كتاب البارع أراد بقوله لا يضيره: لا ينفعه. فلما لم يستقم له الشعر جاء بالضدّ لمّا دلّ عليه المعنى ثقة بفهم المخاطب وكذلك بيت أبي صخر قد دلّ عليه اللفظ وهو قوله وإنّي لتعروني وفهم المعنى بتشبيه وهو قوله كما انتفض العصفور. وحقيقة الفترة في اللغة الضعفة تصيب المفاصل من مرض أو كبر، وقد بيّن عروة بن حزام معنى هذه الفترة التي يجدها العاشق فقال:
عشيّة لا عفراء منك بعيدة ... فتسلو ولا عفراء منك قريب
وإنّي لتغشاني لذكراك فترة ... لها بين جلدي والعظام دبيب
يريد أبو صخر أنه يعروه انتفاض عند ذكرها كما ينتفض المرء من الشيء يهابه والأمر يحذره وكما قال العجير السلوليّ وقد تقدّم إنشاده " 39 ":
لدي ملك يستنفض القوم طرفه ... له فوق أعواد السرير زئير
يريد أنه إذا نظر إلى أحدهم أرعد هيبة وأهرع إعظاماً له وهذا من قول أبي صخر كما قال نصيب:
إهابك إجلالاً وما بك قدرة ... عليّ ولكن ملء عين حبيبها
وقال الآخر:
وإنّي لأستحييك حتّى كأنّما ... عليّ بظهر الغيب منك رقيب
(1/401)

وقال قوم إن معنى بيت أبي صخر:
وإنّي لتعروني لذكراك فترة بعد حركة
ورعدة كفترة العصفور أثر انتفاضة وحركته فأوقع تشبيه الفترة في اللفظ على الانتفاض من البلل اختصاراً وثقة بفهم المخاطب، ونظيره في الاختصار لعلم المخاطب قوله عزّ من قائل " ومن الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع " فأوقع تشبيه الكّفار على الناعق بالغنم وإنما شبّههم في الحقيقة بالمنعوق به الذي لا يعقل ولا يعرف معنى النعيق وجعل المؤمنين في دعائهم الكفّار إلى الإيمان وهم لا يسمعون ولا يعقلون كالناعق بالغنم، والمعنى مثلكم أيّها المؤمنون ومثل الكفّار كمثل الناعق والمنعوق به هذا مذهب البصريين في الآية. وخصّ العصفور في البيت لضعفه وصغر جرمه وقصر ريشه فهو إذا أصابه القطر وانتفض انتفش ريشه فدخل الماء خلاله لرقّته فالماء لا يزال يتوصّل وهو لا يزال ينتفض. وهذا من المعاني التي سبق إليها أبو صخر، ويستحسن في هذا المعنى قول محمد بن هانئ:
ولي سكن تأتي الحوادث دونه ... فيبعد عن عيني ويقرب من فكري
إذا ذكرته النفس جاشت لذكره ... كما عثر الساقي بجام من الخمر
وقوله:
على رمث في البحر ليس لنا وفر
الرمث: أعواد يضمّ بعضهن إلى بعض كالطوف يركب عليها البحر. والطوف: قرب تنفخ ويشدّ بعضها إلى بعض يحمل عليها. وقوله:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها
ع قال أصحاب المعاني يريد أنّ الدهر قصر بقربها ووصلها فكأنه كان ساعياً جارياً وكأن اختلاف الملوين بينهما سدّ فلمّا فقد ذلك سكن أي طال. والسعي إنما يكون مصدر سعي بالقدم فأما إذا سعى بالبغي فمصدره السعاية ومن هذا البيت أخذ
(1/402)

أبو الطيّب قوله:
ذكرت به وصلاً كأن لم أفز به ... وعيشاً كأنّي كنت أقطعه وثبا
فأتى بالوثب بإزاء السعي، وذكر وصلاً كأن لم يفز به لقصر أمره وسرعة فناء مدّته وقال آخر:
ظللنا عند دار أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب
وقال شبرمة بن الطفيل:
ويوم شديد الحرّ قصّر طوله ... دم الزقّ عنّا واصطفاق المزاهر
ويروى كظلّ الرمح. وقول أبي صخر:
هجرتك حتى قلت ما يعرف القلى ... وزرتك حتى قلت ليس له صبر
أراد ما يعرف القلى المتعاهد أي الذي يستبقي به سبب للتواصل فحذف الصفة كما تقول لبائع اشتطّ في سومه أنت ما تعرف البيع، وقد قيل إنّ ما ههنا بمعنى الذي وهذا ليس بشيء لا في المعنى ولا في صناعة الكلام لأن مقابلة النفي بالنفي أولى. وقوله:
تباريح حبّ خامر القلب أو سحر
من مذهبهم أنهم إذا أرادوا المبالغة في ذكر الحبّ والهوى جعلوه سحراً. قال رجل من بني ربيعة:
هل الوجد إلاّ أن قلبي لو دنا ... من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر
فإن كنت مطبوباً فلا زلت هكذا ... وإن كنت مسحوراً فلا برأ السحر
وقال أبو عطاء:
فوالله ما أدري وإنّي لصادق ... أداء عراني من حبابك أم سحر
(1/403)

فإن كان سحر فاعذريني على الهوى ... وإن كان داء غيره فلك العذر
وأنشد أبو عليّ " 1 - 150، 150 " لأعرابيّ شعراً فيه:
ولئن غضبت لأشربنّ بواحدي
ع وبعده في غير روايته:
ولئن عصيت لأشربن بك إنني ... ماض على قسمي بعهدي موف
وأنشد أبو عليّ " 1 - 151، 150 " لذي الرمّة:
كأنّ أعجازها والريط يعصبها ... بين البرين وأعناق العواهيج
ع وقبلها:
يا حادي بنت فضّاض أما لكما ... حتى نكلّمها همّ بتعريج
خود كأنّ اهتزاز الريح مشيتها ... لفّاء ممكورة من غير تهبيج
كأن أعجازها
الممكورة التي إذا لمستها لم تكد تجد عظماً، ويقال المكر في الساق خاصّة.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 151، 151 " في خبر سنمّار:
جزاء سنمار بما كان يعمل
ع وتمامه:
جزاني جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء سنمّار بما كان يعمل
(1/404)

والملك الذي فعل به ذلك هو النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس، وقيل إنه صاحب الخورنق وإنه لما علا على الخورنق ورأى بنياناً لم ير مثله، وخاف إن هو استبقاه أن يعمل لغيره مثله رمى به من أعلى القصر. فقال في ذلك الكلبيّ في شئ كان بينه وبين بعض الملوك:
جزاني جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء سنّمار وما كان ذا ذنب
سوى رصّه البنيان سبعين حجّة ... يعلّى عليه بالقراميد والسكب
فلما رأى البنيان تمّ سحوقه ... وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب
وظنّ سنمّار به كلّ حبوة ... وفاز لديه بالمودّة والقرب
فقال اقذفوا بالعلج من رأس شاهق ... فذاك لعمر الله من أعظم الخطب
قال كراع السكب: النحاس وقال ابن الأعرابي وقد أنشد قول أبي الطمحان:
وإنّي لأرجو ملحها في بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبر
جزاء سنمّار جزوها وربّها ... وبالله والنعمى جزاء المكّفر
قال سنمّار عبد روميّ وهو الذي بنى الحصن لأحيحة بن الجلاح: وأنشد أبو عليّ " 1 - 152، 151 ":
طوال الأيادي والحوادي كأنّها ... سماحيج قبّ طار عنها نسالها
(1/405)

ع هذا الشاعر يصف خيلاً شبّهها في طولها وارتفاعها بإبل سماحيج: أي طوال طار عنها نسالها لسمنها. وهذا البيت حجّة في جمع اليد العضو على أياد، وأياد جمع أيد فهو جمع الجمع، وكذلك قول القحيف العقيليّ:
ومن أعجب الدنيا إليّ زجاجة ... تظلّ أيادي المنتشين بها فتلا
قال أبو علي والحوادي: الأرجل التي تتلو الأيدي وتحدوها. وروى غيره طوال الأيادي والهوادي بالهاء: أي المقادم وهو الصحيح لأن الأيدي إذا طالت طالت الأرجل لا محالة إذ لا يجوز أن تختلف إلاّ ما يذكر من خلق الزرافة أن رجليها أقصر من يديها، وخلق الأرانب على خلاف ذلك أرجلها أطول من أيديها، وأما الهوادي فقد تكون قصاراً مع طول القوائم. ولا أعلم أحداً روى هذا البيت إلاّ طوال الأيادي والهوادي لا الحوادي ولولا أن أبا علي فسّره لقيل إنه وهم من الناقل، والهوادي هي التي توصف بالطول.
قال طفيل:
طوال الهوادي والمتون صليبة ... مغاوير فيها للأريب معقّب
(1/406)

وأنشد أبو علي " 1 - 152، 152 ":
لو كنت من زوفن أو بنيها
ع هكذا رواه أبو علي زوفن بالزاي وذكره ابن دريد في الاشتقاق " ص 192 " دوفن بالدال وهو مشتقّ من الدفن. ودوفن من ضبيعة بن ربيعة بن نزار وهم رهط المتلمّس الشاعر ورهط الحارث بن عبد الله بن دوفن الأضجم سيّد بني ضبيعة في الجاهلية، وكذلك ذكره ابن ولاّد وغيرهما وهو الصحيح. وزوفن وهم من ناقلة لا يعرف في العرب زوفن بالزاي.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 152، 152 " للنابغة:
لم يحرموا حسن الغذاء وأمّهم
ع وقبله:
جمع يظلّ به الفضاء معضّلا ... يدع الإكام كأنهنّ صحارى
لم يحرموا حسن الغذاء وأمّهم ... طفحت عليك بناتق مذكار
يخاطب بهذا الشعر زرعة بن عمرو بن خويلد أخا يزيد بن عمرو بن الصعق. وقوله: طفحت عليك: أي اتّسعت ونثرت ولداً كثيراً.
قال أبو عليّ " 1 - 152، 152 " كان لرجل من مقاول حمير ابنان إلى آخر ما أورده من خبره.
ع المقاول والأقوال هم الذين دون الملك الأعظم، فمن جمع قيلا على أقيال جعله من تقيّل أباه أي أتّبعه كما قال تبّع من الأتّباع، ومن جمعه على أقوال أخذه من قال يقول، لأنه صاحب القول المسموع المعمول.
وأنشد أبو علي " 1 - 155، 154 " في تفسير هذا الخبر لذي الرمّة:
لها بشر مثل الحرير
ع وصلته:
تميميّة حلاّلة كلّ شتوة ... بحيث التقى الصمّان والعقد العفر
(1/407)

تطيب بها الأرواح حتّى كأنّما ... يخوض الدجى من برد أنفاسها العطر
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولين بالألباب ما تفعل الخمر
وروى أبو العباس رقيق الحواشي. وقوله: من برد أنفاسها: يعني أنفاس الرياح. والهراء: هو هذر الكلام وسقطه.
ومما لم يفسّره أبو علي من هذا الحديث " 1 - 154، 153 " قوله: الضعيف الجنان الجعد البنان ع قال بعض اللغويين: الجنان: النفس. سميّت بذلك لأن الجسم يجنّها، وقال آخرون: الجنان: روع القلب، وروعه ورواعه: ذهنه. ومنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ روح القدس نفث في روعي أنّ نفساً لا تموت حتى تستكمل أجلها وزقها. فأما جعد البنان: فهو كناية عن البخيل وإشارة إلى انقباض اليد، ويقولون في ضدّه سبط البنان: أي منبسط اليد جواد، ووصف الله تعالى نفسه فقال: " بل يداه مبسوطتان " وقال الشاعر:
سبط البنان إذا احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والسماط قيام
وقال العطوي:
فعدت وما فلّ الحجاب عزيمتي ... إلى شكر سبط الراحتين أريب
وقد يكون أيضاً جعد البنان كناية عن صغر اليد وكزازتها وقصر الأصابع وذلك مذموم عندهم قال:
فقبّلت رأساً لم يكن رأس سيّد ... وكفّاً ككفّ الضبّ أو هي أحقر
ومما لم يفسّره " 1 - 154، 153 " الخبوط والخروط. والخبوط من الخيل الذي
(1/408)

يخبط بيديه. ويقال خبط بيده ورمح برجله ونفح أيضاً بيده، وزبنت الناقة برجلها، فأما الخروط فهو الذي يجذب رسنه من يد ممسكه وهو الخراط.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 156، " للحسين بن مطير:
فيا عجباً للناس يستشرفونني
ع قوله يستشرفونني معناه يرفعون أبصارهم إليّ وأنا على شرف من الأرض. والقول الثاني في يستشرفونني قد ذكره أبو عليّ. وقال الحسين بن علي البصري وروى بعضهم يستشرفونني أي ينسبون إليّ الشرف والرواية الأولى أصحّ. وقوله:
كأن لم يروا بعدي محبّاً ولا قبلي
يريد بعد إذ أحببت هذا ولا قبله. كقولك للرجل ينظر إلى سيف متعجبّاً كأن لم تر قبله ولا بعده مثله. تريد قبل أن رأيته وبعده ولم ترد قبل أن يطبع ولا بعد أن يفقد ويعدم. وهو الحسين بن مطير بن مكمل مولى لبني سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد. وكان مكمل عبداً فأعتقه مولاه. وكان الحسين من ساكني زبالة، وكان رواية وكلامه ومذهبه يشبه كلام الأعراب ومذاهبهم. وهو شاعر متقدم من شعراء الدولتين.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 156، 156 ":
إنّ التي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
ع اختلف في نسبة هذا الشعر فقيل إنه لعروة بن أذينة، وقيل إنه لبشار، وقد تقدّم ذكرهما " 36، 74 ". وقوله فصاغها بلبانه فأدقّها وأجلّها، وروى غير أبي علي بلباقة، يقال رجل لبق ولبيق: وهو الحاذق بالشيء والمصدر اللباقة واللبق. قال الشاعر:
(1/409)

وكان بتصريف القناة لبيقا
وقال ابن الأعرابي: ومعنى قوله فأدقّها وأجلّها: دقّ منها حاجباها وأنفها وخصرها، وجلّ عضداها وساقاها وبوصها. وهذا كما قال آخر:
فدقّت وجلّت واسبكرّت وأكملت ... فلو جنّ إنسان من الحسن جنّت
وقوله:
ما كان أكثرها لنا وأقلّها
يريد أن تحيّتها وإن كانت نزرة قليلة فإنّها عندنا كثيرة جليلة، وهذا كما قال العباس بن قطن:
أليس قليلاً نظرة إن نظرتها ... إليك وكلاّ! ليس منك قليل
وكما قال ابن إسحاق بن إبراهيم:
هل إلى نظرة إليك سبيل ... يشف منها الجوى ويرو الغليل
إنّ ما قلّ منك يكثر عندي ... وكثير ممن تحبّ القليل
وقال آخر:
......... ولكن ... قليلك ما يقال له قليل
وأنشد أبو عليّ " 1 - 157، 156 " لابن الدمينة:
ولّما لحقنا بالحمول ودونها ... خميص الحشا توهي القميص عواتقه
ع قال ابن الأعرابيّ وأبو عمرو والأصمعيّ هذا الشعر لابن الطثريّة غصبه عليه ابن الدمينة وقد تقدّم ذكرهما " 27، 64 " وقوله:
توهي القميص عواتقه
يعني لزومه حمل السيف فيؤثّر نجاده في عاتقه، وهذا كما قالت أخت ابن الطثريّة:
(1/410)

فتى لا ترى قدّ القميص بخصره ... ولكنّما توهي القميص كواهله
والعرب تتمدح بذلك وترى أن تمام زيّها وكما لأبّهتها في تقلّد السيوف ولبس العمائم. وقال الأحنف: لا تزال العرب عرباً ما لبست العمائم وتقلّدت السيوف ولم تر الحلم ذلاًّ. وكانوا يقولون: عمائم العرب تيجانها، وحباها حيطانها. وقال امرؤ القيس:
تجافى عن المأثور بيني وبينها ... وتدني عليّ السابريّ المضلّعا
وقال عنترة:
وسيفي كالعقيقة وهو كمعي ... سلاحي لا أفلّ ولا فطارا
والكمع: الضجيج. وقال أبو تمام في مثله:
عاتق معتق من الهون إلاّ ... من حمالات مغرم أو نجاد
للحمالات والحمائل فيه ... كلحوب الموارد الأعداد
وروى أبو تمام في شعر ابن الدمينة:
قليل قذى العينين تعلم أنّه ... هو الموت إن لم تصر عنّا بوائقه
وإن لم تسر عنّا بالصاد والسين. وقوله قليل قذى العينين: يصفه بحدّة البصر وبعد النظر فلا يمكن معه اختلاس ولا انتهاز فرصة. وروى أبو تمام أيضاً: فرافقته مقدار ميل وهو أحسن لقوله بعد:
وليتني على رغمه ما دام حيّاً أرافقه
فيتوازن اللفظ وتأتي فيه الصناعة التي تسمى الترديد.

وذكر أبو عليّ " 1 - 157، 156 "
خبر خلف الأحمر
(1/411)

ع وهو خلف بن حيّان مولى أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري يكنى أبا محرز وكان من أعلم الناس وأقدرهم على قافية. وقد ذكر أبو علي طرفاً من فضائله في الحديث. وروى محمد بن الحسين عن أبي عليّ قال: كنت أتعصّب كثيراً للأصمعي فكنت أسأل أبا بكر ابن دريد كثيراً عن خلف والأصمعيّ أيّهما أعلم، فيقول لي: خلف، فلمّا أكثرت عليه انتهزني وقال أين الثماد من البحور. وروى ابن المغازلي قال أخبرنا عيسى بن إسماعيل قال: سمعت الأصمعي يقول وذكر خلفاً فقال: ذهبت بشاشة الشعر بعد خلف الأحمر، فقيل له كيف وأنت حيّ؟ فقال إن خلفاً كان يحسن جميعه وما أحسن منه إلاّ الحواشي. وكان الأصمعي أبصر منه بالنحو. وأنشد في الخبر " 1 - 157، 156 ":
قد عشت في الدهر ألواناً على طرق ... شتّى وقاسيت فيها اللين والفظعا
(1/412)

كلاّ بلوت فلا النعماء تبطرني ... ولا تخشّعت من لأوائها جزعا
لا يملأ الهول صدري قبل موقعه ... ولا أضيق به ذرعاً إذا وقعا
لا يبرح المرء يستقري مضاجعه ... حتى يبيت بأقصاهنّ مضطجعا
وليس يبرح يستصفي مشاربه ... حتى يجرّع من رنق البلى جرعا
فامنع جفونك طول الليل رقدتها ... واقدع حشاك لذيذ الطعم والشبعا
واستشعر البرّ والتقوى بعدّتها ... حتّى تنال بهنّ الفوز والرفعا
وأنشد أبو علي الثلاثة الأبيات من أول هذا الشعر:
قد عشت في الدهر
والبيتين اللذين يليانه لمعاوية ابن أبي سفيان في آخر كتابه الأماليّ " 2 - 308، 304 " وروايته:
قاسيت فيها اللين والطبعا.

وذكر أبو عليّ " 1 - 157، 156 " أول القصيدة المنسوبة إلى الشنفري.
أقيموا بني أمّي صدور ما حكم ... فإنّي إلى قوم سواكم لأميل
ع يقول خذوا في أمركم يقال للرجل إذا سار وتوجّه أقام صدر مطيّه. وقوله:
فإنّي إلى أهل سواكم لأميل
كان نازلاً في فهم وعدوان وكان أهله من الأزد. وبعده:
فقد حمّت الحاجات والليل مقمر ... وشدّت لطيّاتي مطيّ وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متحوّل
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ ... سرى راغباً أو راهباً وهو يعقل
(1/413)

والشنفري شاعر جاهليّ أحد بني الحجر بن الهنء من الأزد، وهو من صعاليك العرب وفتّاكهم.
وأنشد للجعدي " 1 - 158، 157 ":
كأنّ مقطّ شراسيفه ... إلى طرف القنب فالمنقب
وبعدهما:
ويصهل في مثل جوف الرّكىّ ... صهيلاً يبيّن للمعرب
الشراسيف: مقاطّ الأضلاع. والمنقب: الموضع الذي ينقب البيطار في بطنه يستخرج منه الماء. يقول: إن ذلك الموضع منه ليس بمسترخ. وقوله لطمن بترس: يعني عجمن ولذلك قال: لم يثقب. وقوله شديد الصفاق بالخفض والرفع لأن قبل أبيات منه:
بعاري النواهق صلت الجبين ... يستنّ كالتيس في الحلّب
والناهقان: العظمان اللذان في مجاري الدمع، ثم مضى في صفة أعضائه حتى قال كأنّ مقطّ شراسيفه.
وأنشد للنمر " 1 - 158، 157 ":
(1/414)

ألمّ بصحبتي وهم هجود ... خيال طارق من أمّ حصن
ع وبعدهما:
ألم ترها تريك غداة قامت ... بملء العين من كرم وحسن
سقيّة بين أنهار ودور ... وزرع نابت وكروم جفن
لها ما تشتهي عسل مصفيّ ... إذا شاءت وحوّاري بسمن
فقلت وكيف صادتني سليمى ... ولّما أرمها حتّى رمتني
من رفع سقيّة فالباء في قوله: بملء العين زائدة، ومن نصب أوقع الفعل عليها وكانت الباء غير زائدة.
وأنشد لأبي كبير " 1 - 158، 157 ":
وأخو الأباءة إذ رأى خلاّنه
ع صلته:
هل أسوة لك في رجال صرّعوا ... بتلاع تريم هامهم لم تقبر
وأخو الأباءة إذ رأى خلاّنه ... تلّى شفاعاً حوله بالإذخر
لّما رأى أن ليس عنهم مقصر ... قصر الشمال بكلّ أبيض مطحر
وأخو الأباءة: يعني نفسه. وتلّى: جمع تليل. وقصر الشمال: يقول حبس شماله يرمى. والمطحر: سهم بعيد الذهاب.
(1/415)

وأنشد أبو علي " 1 - 159، 158 " للبيد:
وبقيت في خلف كجلد الأجرب
ع وصلته:
قضّ اللبانة لا أبالك واذهب ... والحق بأسرتك الكرام الغيّب
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتأكّلون مغالة وخيانة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
التأكّل: وقوع بعضهم على بعض، واغتيال بعضهم لبعض، وخيانة بعضهم بعضاً. وروى عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أنشدت بيت لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم
فقالت فكيف لو أدرك لبيد زاننا هذا؟ قال عروة: فكيف لو أدركت عائشة زماننا هذا؟ وأنشد أبو عليّ " 1 - 159، 158 ":
وجيئا من الباب المجاف تواتراً ... وإن تقعد بالخلف فالخلف أوسع

وذكر أبو عليّ " 1 - 159، 158 "
حديث الأعرابيّ الذي حبق فتشوّر
قال الأصمعيّ قول العامّة تشوّر بمعنى خجل باطل ليس من كلام العرب أظنّه فارسيّاً. وقد حبق رجل بحضرة عمر بن الخطّاب فتغافل عنه حتى حضرت الصلاة فقال عزمت على من كانت منه هذه الريح إلاّ قام فتوضّأ فلم يقم أحد، ثم أعاد فلم يقم أحد. فقال جرير بن عبد الله البجليّ: لو عزمت علينا يا أمير المؤمنين أن نتوضّأ جميعاً كان ذلك لفاعله فريضة
(1/416)

ولغيره برّاً ونافلة وكان أستر على الرجل. فقال: جازاك الله خيراً فما عرفتك إلاّ سيّداً في الجاهلية فقيهاً في الإسلام، قوموا فتوضّأوا، فقام القوم فتوضأوا. وحبق كاتب لعمر بن عبد العزيز بين يديه فرمى بقلمه واستحيا ممّا جاء به. فقال عمر: لا عليك خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليذهب روعك فما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي. وحضر مجلس يزيد بن المهلّب رجل تميميّ، وقد جرّد يزيد رجلاً من الأزد ليضربه، فلما وقع السوط بجنبه حبق، فقال التميميّ ماله لعنه الله؟ أما أنّه لو كان من عدنان ما حبق لوقع السوط بجنبه فسمعها يزيد فقال تعصّباً للأزد: والله لأضربنك حتى تضرط. فقال والله لا ترى ذلك أبداً ولتجدنّها كما قال الأعشى:
كتوم الرغاء إذا هجّرت ... وكانت بقيّة ذود كتم
فقيل له الأمير قد أقسم ليضربنّك أو تفعل فما عليك قال: كلاّ إنها كما قال الكميت:
كتوم إذا ضجّ المطيّ كأنما ... تكرّم عن أخلاقهن وترغب
وضرط أبو الأسود عند معاوية فقال: استرها عليّ فحدّث بها معاوية عمراً فدخل أبو الأسود على معاوية وعنده عمرو. فقال له عمرو ما فعلت ضرطتك؟ فقال ذهبت كما تذهب الريح فلتة من شيخ ألان الدهر أعصابه، وكلّ أجوف ضروط، ثم أقبل على معاوية فقال: إن امرأ ضعفت أمانته عن كتمان ضرطة لحقيق أن لا يؤمن على أمور المسلمين. وأخذ عبد الله بن عليّ ب عبد الله بن عبّاس أسيراً من أصحاب مروان فشهر عليه السيف ليقتل، فضرط ضرطة شنيعة فسقط السيف من يد السيّاف، ونفرت دابّة عبد الله فقال له: إذهب فأنت طليق ضرطتك. فقال هذا والله الإدبار كنّا ندافع الموت بأسيافنا فصرنا ندافعه بأدبارنا.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 160، 158 " لذي الرمّة:
(1/417)

ومستخلفات من بلاد تنوفة ... لمصفرّة الأشداق حمر الحواصل
ع وبعده:
صدرن بما أسأرت من ماء آجن ... صرى ليس من أعطانه غير حائل
الصرى: من الماء المجتمع الذي طال مكثه، ومنه الشاة المصرّاة التي حفلت بلبنها. والأعطان: جمع عطن وهي مبارك الإبل بعد الشرب. ويعني بالحائل البعر يقول ليس منه إلاّ ما قد أتى عليه حول حتى يبس وابيضّ، وإنما يريد أن هذا الماء بعيد العهد بالناس.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 161، 160 ":
فأقع كما أقعى أبوك على استه ... رأى أن ريماً فوقه لا يعادله
ع وبعده:
فإن كنت لم تصبح بحظّك راضياً ... فدع عنك حظّي إنني عنك شاغله
والشعر للمخبّل السعدي يهجو الزبرقان بن بدر. والمخبّل اسمه ربيعة بن مالك سعدي من بني شماس بن لأي ابن أنف الناقة يكنى أبا يزيد شاعر إسلاميّ.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 161، 160 " لمالك بن الريب المزني:
إذا متّ فاعتادي القبور فسلّمي ... على الريم أسقيت السحاب الغواديا
ع هذا وهم من أبي عليّ إنما مالك مازنيّ لا مزنيّ، وهو مالك بن الريب بن
(1/418)

حوط بن قرط من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم بن مرّ يكنى أبا عقبة. وأما مزينة فهو ابن مرّ بن ادّ بن طابخة بن اليأس بن مضر، منهم النعمان بن مقرّن، ومعقل بن يسار، وزهير الشاعر. وهذا البيت الذي أنشده أبو علي من قصيدة لمالك يرثي بها نفسه وكان سعيد بن عثمان بن عفّان لّما ولاّه معاوية خراسان قد استصحب مالك بن الريب، وكان من أجمل العرب جمالاً وأبينهم بياناً فمات هناك وقيل بل طعن فسقط وهو بآخر رمق فقال هذه القصيدة. وصلة البيت منها:
فيا ليت شعري هل بكت أمّ مالك ... كما كنت لو عالوا نعيّك باكيا
إذا متّ فاعتادي القبور فسلّمي ... على الرمس أسقيت السحاب الغواديا
رهينة أحجار وترب تضمّنت ... قرارتها مني العظام البواليا
ويروى فسلّمي على الرّيم أي القبر، والأولى رواية أبي عبيدة. وزعم بعض الرواة أن الجنّ رثته بهذا الشعر.
وأنشد أبو علي " 1 - 161، 160 ":
وكنت كعظم الريم لم يدر جازر ... على أيّ بد أي مقسم اللحم يجعل
ع اختلف في هذا البيت فقيل إنه للطرمّاح بن حكيم وقيل إنه لأبي شمر ابن
(1/419)

حجر بن وائل بن ربيعة بن ربيعة الحضرميّ، وصلته:
ولو شهد الصفّين بالعين مرثد ... إذاً لرآنا في الوغى غير عزّل
وما أنت في صدري بغمر أجنّة ... ولا بقذى في مقلتي متجلجل
أبوكم لئيم غير حرّ وأمّكم ... بريدة إن ساءتكم لم تبدّل
وأنتم كعظم الريم لم يدر جازر ... على أيّ بدأي مقسم اللحم يجعل
وأنشد يعقوب: على أيّ بدأي مقسم اللحم يوضع وهو خطأ. والأبداء: الأعضاء واحدها بدء.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 161، 160 ":
إذا علون أربعاً بأربع
ع الجعجع: المكان الذي لا يطمئنّ عليه من جلس فيه وكذلك الجعجاع. وموصيّة: موصولة. وأننّ: من الإعياء والجهد، وإنما يريد عند بروكهنّ. والأشطار لحكيم بن معيّة.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 162، 160 " لكعب بن زهير:
ثنت أربعاً منها على ظهر أربع ... فهنّ بمثنيّاتهنّ ثمان
(1/420)

ع لا أعلم هذا البيت لكعب وقد جمعت من شعره كلّ رواية ومعناه ظاهر وقد رأيته منسوباً إلى ودّاك بن ثميل، وأخلق بهذا القول أن يكون صواباً. والبيت من قصيدته التي يقول فيها:
مقاديم وصّالون في الروع خطوهم ... بكل رقيق الشفرتين يمان
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأيّة حرب أم لأيّ مكان
وقد تقدم نسب كعب " 63 " عند ذكر أبيه زهير ويكنى أبا المضرّب وهو جاهلي إسلاميّ، وكان يهجو المسلمين وينال من النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدم عليه فأسلم ومدحه بقصيدته التي أولها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يفد مكبول
ويجير بن زهير أخوه أقدم إسلاماً منه، وكان أيضاً شاعراً أمّهما كبشة بنت عمّار من بني سحيم.

وذكر أبو علي " 1 - 162، 160 "
قول هيت تقبل بأربع وتدبر بثمان
ع وخبره أنه كان بالمدينة ثلاثة من المخنّثين يدخلون على النساء فلا يحجبن هيت وهرم وماتع، وكان هيت يدخل على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فدخل يوماً دار أمّ سلمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندها فأقبل على أخي أمّ سلمة عبد الله ابن أبي أميّة ابن المغيرة فقال إن فتح الله عليكم الطائف فاسأل أن تنفّل على بادنة بنت غيلان بن سلمة بن معتّب فإنها مبتّلة هيفاء، شموع نجلاء، تناصف وجهها في القسامة، وتجرأ معتدلاً في الوسامة، إن قامت تثنّت، وإن قعدت تبنّت، وإن تكلّمت تغنّت، أعلاها قضيب،
(1/421)

وأسفلها كثيب، تقبل بأربع وتدبر بثمان، مع ثغر كالأقحوان، ونتوء ينتبيئ بين فخذيها كالقعب المكفإ. فهي كما قال قيس بن الخطيم:
تغترق الطرف وهي لاهية ... كأنما شفّ وجهها نزف
بين شكول النساء خلقتها ... قصد فلا جبلة ولا قضف
فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: مالك سباك الله؛ ما كنت أحسبك إلاّ من غير أولي الإربة من الرجال. ثم أمر أن يسيّر إلى خاخ وبقي مسيّراً هناك إلى أيام عثمان فردّه إلى المدينة. وقال إسحاق بن إبراهيم: قيل لنعيمان المخنّث كيف رأيت عائشة بنت طلحة؟ قال أحسن البشر، قال صفها قال: تناصف وجهها في القسامة، وتجزّأ معتدلاً في الوسامة، إن مشت تثّنت، وإن قعدت تبنّت، وإن تكلّمت تغّنت. قوله تبنّت: التبنّي تباعد ما بين الفخذين، يقال تبنّت الناقة إذا باعدت ما بين فخذيها عند الحلب. وقيل معنى تبنت صارت كأنها بنيان من عظمها.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 162، 161 " للعرجيّ:
وما أنس م الأشياء لا أنس موقفاً ... لنا ولها بالسفح دون ثبير
ع العرجيّ هو عبد الله بن عمرو بن عثمان سميّ العرجي لأنه ولد بالعرج من مكة.
(1/422)

وقيل بل كان له فيه مال فكان يكثر الاختلاف إليه فشهر به، يكنى أبا عمرو، شاعر مطبوع في النسيب.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 163، 161 ":
وما أنس م الأشياء لا أنس قولها ... وأدمعها يذرين حشو المكاحل
تمتّع بذا اليوم القصير فإنّه ... رهين بأيّام الشهور الأطاول
ع هذا الشعر عزاه أبو تمام إلى قيس بن ذريح، ونسبه ابن الأعرابي إلى ابن ميّادة وذلك أنه أنشد لعلقمة بن عبدة:
تراءت وأستار من البيت دونها ... إلينا وحانت غفلة المتفقّد
بعيني مهاة يحدر الدمع منهما ... بريمين شتّى من دموع وإثمد
ثم قال: فسرقه ابن ميّادة فقال:
وما أنس م الأشياء
ثم قال: فسرقه بعض المحدثين فقال:
خذي عدّة للبين إنّي راحل ... قرى أمل يجديك والله صانع
فسحّت بسمطي لؤلؤ خلط إثمد ... على الخدّ إلاّ ما تكفّ الأصابع
وأنشد أبو علي " 1 - 163، 161 ":
شيّب أيّام الفراق مفارقي ... وأنشزن نفسي فوق حيث تكون
ع هذا الشعر لجميل وهي قصيدة، ورأيت بخطّ أبي عليّ هذا البيت. قال: أراد بلغت الحلقوم وموضعها الصدر. ويروى:
إلى النازع المشتاق كيف يكون
والنازع: البعيد الذي فارق أصحابه فقصر: أي حبس فهو دائم الحنين إليها.
(1/423)

وأنشد أبو عليّ " 1 - 163، 162 " أشعاراً لقيس بن ذريح، ومجنون بني عامر، وقد مرّ ذكرهما " 89، 83 " وقال في خلالها ثم مرّ المجنون فأجمز في الصحراء.
ع يقال أجمز الرجل عدواً وكذلك البعير، والإجمار: السعي. قال الخطابي: سمّيت الجمرات لأن إبليس عرض لآدم عليه السلام فرماه بحصاة فأجمر بين يديه. وقال غيره: سمّيت الجمرات لاجتماعها وكثرتها، ومنه جمرات العرب وهي أربع: بنو الحارث بن كعب، وبنو عبس، وبنو تميم، وبنو ضبّة، طفئت منها جمرتان لأنهما حالفتا وهما بنو الحارث وبنو عبس، وبقيت جمرتان. والجمز: بالزاي ضرب من سير الإبل فيه سرعة وهو أشدّ من العنق. وفي الحديث: كانوا يأمرون الذين يحملون الجنازة بالجمز، فكان ذلك كالسّنّة حتى مات عثمان ابن أبي العاصي الثقفي وكان سقي بطنه فسير به سيراً رويداً، فترك الناس السنّة الأولى بعد ذلك وبذلك سمّيت الجمّازة من الإبل. وكانت أم جعفر قد خشيت موت الرشيد في بعض أسفارها معه فأمرت بالحثّ في طلبه فسارت بها راحلتها ضروباً من السير حتى وقعت على الجمز فوجدته سيراً سهلاً تستلذّه مع سرعته فأمرت بلزومه فاتّخذت الجمّازات مذ ذلك. وقوله فيها " 1 - 164، 162 ":
وعذّبه الهوى حتى براه ... كبرى القين بالسّفن القداحا
السّفن: المبرد لأنه يسفن أي يقشر، وبذلك سمّيت السفينة لأنها تقشر وجه الماء.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 164، 163 " لابن مرّة المكّيّ:
(1/424)

ساعة ولّى شمت العاذل
ع وهذا الشعر في ديوان خالد الكاتب، وقد مضى ذكر ابن أبي مرّة " 37 " وذكر خلد " 74 ".
وأنشد أبو عليّ " 1 - 165، 164 " للمجنون:
أمزمعة ليلى ببين ولم تمت ... كأنّك عمّا قد أظلّك غافل
ع وبعدهما:
وإنّك ممنوع التصبّر والعزا ... إذا بعدت ممّن تحبّ المنازل
وأنشد " 1 - 166، 164 " لحبيب:
لو كان في البين إذ بانوا لهم دعة ... لكان بينهم من أعظم الضرر
ع وهذا الشعر لم يروه عنه أحد من الرواة المشهورين برواية شعره. وهو أبو تمّام حبيب بن أوس بن ثابت طائيّ من أنفسهم، شاعر متقدّم لطيف الفطنة دقيق المعاني، وله مذهب في المطابقة والبديع، بذّ فيه الشعراء وغبّر في وجوه السوابق.
وأنشد أبو علي " 1 - 166، 165 " للحسين بن مطير:
لقد كنت جلداً قبل أن توقد النوى ... على كبدي ناراً بطئاً خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرّمت ... ولكنّ شوقاً كلّ يوم يزيدها
ع ويروى لتصرّمت بصاد مهملة، فمن رواه بالضاد المعجمة فمعناه: لو تركت لم تزل
(1/425)

متضرّمة: متّصلة الوقود، فكيف بزيادتها ضراماً كلّ يوم، ومن رواه بصاد مهملة فمعناه: لو تركت لخمدت وهمدت، ولكنها تذكى كلّ يوم، وهما مذهبان للشعراء والأول أبلغ. وفيه:
فقد جعلت في حبّة القلب والحشى ... عهاد الهوى تولي بشوق يعيدها
قال أبو علي: قال ابن الأعرابي: بشوق بعيدها بالباء.
ع فينبغي أن يكون على هذه الرواية يولي بالياء أخت الواو لا تولي بالتاء، لأنه المعنى يولي بعيدها بشوق. وفيه:
عذاب ثناياها عجاف قيودها
وقد تقدّم القول في القيود والضمير عائد إلى اللثات. وفيه:
بصفر تراقيها وحمر أكفّها
في هذه الصفرة قولان. أحدهما: أنه أراد اصفرارها بما عليها من الحلى، والثاني: أنه أراد اصفرارها بما عليها من الطيب وأنها رادعة. وقال الحسن بن هانئ في مثله:
وقد غلبتها عبرة فدموعها ... على خدّها بيض وفي نحرها صفر
وقال بشار:
وصفراء مثل الزعفران شربتها ... على نحر صفراء الترائب رود
وفيه:
يمنّيننا حتى ترفّ قلوبنا ... رفيف الخزامي بات طلّ يجودها
قال ابن الأعرابي ترفّ قلوبنا: أي تبرق وليس للبريق هنا معنى، وبريق القلب شيء غير معروف ولا محسوس ولا مرئيّ، وإنما ترفّ هنا تتحرك ثقة بنيل المنى منهن حركة اختلاج لا حركة خفقان لأن الخفقان إنما يكون من الذعر. قال الراجز:
لم أدر إلاّ الظنّ طنّ الغائب ... أبك أم بالغيب رفّ حاجبي
أراد اختلج، وشبّه الشاعر تلك الحركة بحركة الخزامي إذا ثقلت بالطلّ وهي حركّة ضعيفة. وقال الأصمعي في كتاب الأمثال له في قولهم: " هو يحف له ويرفّ " أي هو يقوم له
(1/426)

ويقعد، وينصح له ويشفق، ويراد بيحفّ له: أي تسمع له حفيفاً، ويقال رفّ الشجر يرفّ إذا كان له كالاهتزاز من النضارة والريّ، ويقال ورف يرف وريفاً في معناه، وقيل الوريف البريق.
وأنشد أبو علي " 1 - 167، 165 " لابن ميّادة:
كأنّ فؤادي في يد ضبثت به ... محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه
ع الضبث: القبض وبذلك سمّيت مخالب الأسد مضابث وسمّي هو ضبّاثاً.
وأنشد " 1 - 167، 166 " للبحتريّ:
الله جارك في انطلاقك ... تلقاء شأمك أو عراقك
ع هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد من بني بحتر بن عتود بن عنيز بن سلامان بن ثعل الطائيّ ويروى عنين بن سلامان بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طئ، شاعر متقدّم لا يعدل به أحد.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 169، 167 " لمسلم بن الوليد:
وإنّي وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الورع فارقه النصل
ع هو مسلم بن الوليد مولى أبي امامة أسعد بن زرارة الخزرجيّ يكنى أبا الوليد
(1/427)

ويلّقب صريع الغواني وذلك أنه أنشد الرشيد:
سأنقاد للّذات متّبع الهوى ... لأمضي همّا أو أصيب فتى مثلي
وما العيش إلاّ أن تروح مع الصبي ... وتغدو صريع الكأس والأعين النجل
فلقبه صريع الغواني فجرت عليه، وهو شاعر كوفي من شعراء الدولة الهاشميّة، وفيه:
أما والحبالات الممرّات بيننا ... وسائل أدّتها المودّة والوصل
يروي الممرّات بكسر الميم الثانية والممرّات بفتحها، فمن كسرها فهي الناصبة لقوله وسائل، ومن فتحها جعل وسائل بدلاً من الحبالات. وفيه:
يذكّرنيك الدّين والفضل والحجى ... وقيل الخنى والحلم والعلم والجهل
وهذا أخذه من قول أبي الشغب العبسيّ يرثي بني الزهراء، واسمه عكرشة العبسيّ وقيل يرثي بنيه:
غطارفة زهر مضوا لسبيلهم ... ألهفي على تلك الغطارفة الزهر
يذكّرنيهم كلّ خير رأيته ... وشرّ فما أنفكّ منهم على ذكر
وقوله:
وليس له إلاّ بني خالد أهل
يعني بني خالد بن برمك، وإسماعيل رجل منهم.
وأنشد أبو علي " 1 - 170، 168 " بعد هذا بيتاً لأبي ذؤيب قد تقدم ذكره " ص 62، 75 " وأنشد أبو علي " 1 - 171، 169 " لحميد بن ثور:
ولقد نظرت إلى أغرّ مشهرّ ... بكر توسّن بالخميلة عوناً
ع وبعد قوله متسنّم سنماتها:
(1/428)

بتنا نراقبه وبات يلفّنا ... عمد السنام مقدّماً عثنونا
لقح العجاف له. والعمد: الذي يعضّ الحمل غاربه وسنامه حتى ينفضخ فجعل الغيث كرمّ تلك العمدة قال لبيد:
فبات السيل يركب جانبيه ... من البقّار كالعمد الثقال
قال أبو عليّ " 1 - 172، 170 " في حديث الأصمعي مع الأعرابيّ: فألقي كساءه كان اكتفل به.
ع والكفل: كساء يعقد طرفاه يركب عليه الرديف، وقيل كساء يدار حول سنام البعير ثم يركب عليه وهو الحويّ والحويّة. وفي شعر هذا الأسدي:
تجلّلت عاراً لا يزال يشبّه ... شباب الرجال نقرهم والقصائد
هكذا الرواية عن أبي علي التي لا اختلاف فيها ويروى نثرهم والقصائد. وفي بعض طرر الكتب وأخبرني من أثق به أنّ صاعد بن الحسن كان يردّ هذه الرواية في البيت ويقول إنّ الصحيح:
تجلّلت عاراً لا يزال يشبّه ... سباب الرجال نثره والقصائد
سباب بسين مهملة يريد نثر السباب ونظمه. قال ولا وجه لتخصيص شباب الرجال هنا لأن مشايخهم أعلم بالمناقب والمثالب وأروى للممادح والمذامّ، قال وأما ذكر النظم والنثر
(1/429)

فقد حصر جميع الكلام وطابق بين الألفاظ. وما بال ذكر النقر مع القصائد. وقال المحتجّ لأبي عليّ النقر هنا الغناء وهو للشباب دون الكهول، وقيل إن معنى النقر هنا السبّ والعيب ومنه قول امرأة من العرب لزوجها مرّ بي على بني نظّري ولا تمرّ بي على بنات نقّري، تعني العيّابات السبّابات. تقول مرّ بي على الرجال الذين يقنعون بالنظر دون السببّ. وقيل معنى بنات نقّرى هنا من التنقير وهو البحث والفتش عن الأخبار. ورواية صاعد بيّنة جليّة وعن ذلك التكلف غنيّة.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 172، 170 ":
تعزّ فإنّ الصبر بالحرّ أجمل ... وليس على ريب الزمان معوّل
ع هذه الأبيات لإبراهيم بن كنيف النبهانيّ شاعر إسلاميّ.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 173، 171 ":
إذا ما فقدتم أسود العين كنتم ... كراماً وأنتم ما أقام ألائم
ع وبعده:
يخبّر ركبان البلاد بلؤمكم ... وتقرى به الضيف اللقاح العواتم
غثاء كثير لا عزيمة عندكم ... سوى أنّ خيلاناً عليها العمائم
قال ابن قتيبة أسود: جبل. والعين: المنظر. وهذا خلاف قول أبي علي. وخيلان: جمع خيال أي ليسوا شيئاً. وقوله وتقرى به الضيف اللقاح العواتم: يعني أن الرعاة يشتغلون
(1/430)

بذكر لؤمهم وإنشاد هجوهم إن إراحة الإبل من مراعيها فلا يحلبونها إلاّ معتمين وذلك وقت ورود الضيفان فكأن لؤمهم هو الذي قراهم. وقيل بل أراد أن أهل الأندية يتشاغلون بذكر لؤمكم عن حلب لقاحهم حتى يمسوا فإذا طرقهم الضيف صادف الألبان في ضروعها لم تحلب.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 173، 171 " لعديّ بن زيد:
أحال عليه بالقناة غلامنا ... فأذرع به لخلّة الشاة راقعا
ع وقبله:
فصادفنا في الصبح علج مصرّد ... إذا ما غدا يخاله الغرّ صاعدا
يطيف بستّ كالقسيّ قوارب ... فأيأس إذا أدبرن من كان طامعا
أحال عليه العلج الحمار. يقول يحسبه الغرّ ظالماً لنشاطه حتى رآه بعد فأيأسه. والشاة هنا: الحمار. والعرب تسمّى الحمار والثور والبقرة والظبية كل واحدة منها شاة. قال الأعشى:
فلما أضاء الصبح قام مبادراً ... وحان انطلاق الشاة من حيث خيّما
يعني الثور.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 174، 172 " لزهير بيتاً قد تقدّم ذكره " 63 ".
وأنشد أبو عليّ " 1 - 174، 172 " لرؤبة: مشتبه الأعلام لمّاع الخفق: وأنشد أبو عليّ " 1 - 175، 173 ":
نستنّ بالضرو من براقش أو ... هيلان أو ناضر من العتم
ع هذا الشعر للجعديّ. وقبل البيت:
(1/431)

كأنّ فاهاً إذا توسّن من ... طيب مشمّ وحسن مبتسم
ركّب في السام والزبيب أقا ... حيّ كثيب تندي من الرهم
تستنّ بالضرو من براقش أو ... هيلان أو ناضر من العتم
توسّن: أي قبّل بعد الوسن. فشبّه لثاتها بالسام وهو عرق الذهب، وثغرها بالأقاحيّ، وريقها بخمر الزبيب فحذف المضاف وهو الخمر وأقام المضاف إليه مقامه بالأقاحي. وقال إبراهيم بن عرفة: السام: عرق المعدن الذي تكون فيه الفضّة، وهو أسود شبّه اللثات به لحوّتها.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 175، 173 " لطفيل:
إذا ما غدا لم يسقط الروع رمحه ... ولم يشهد الهيجا بألوث معصم
ع وقبله:
وما جاورت إلاّ أشمّ معاوداً ... كفاية ما قيل أكف غير مذمّم
إذا ما غدا. الألوث الذي فيه لوثة: أي استرخاء. وقوله: ولم يشهد الهيجا بألوث: يعني من نفسه، وهذا من باب التجريد وقد مرت نظائره " 11 ".
وأنشد أبو علي " 1 - 175، 173 " لعلقمة بن عبدة:
رغا فوقهم سقب السماء فداحص
(1/432)

ع وصلته:
فوالله لولا فارس الجون منهم ... لآبوا خزايا والإياب حبيب
فجالدتهم حتى اتّقوني بكبشهم ... وقد حان من شمس النهار غروب
رغا فوقهم سقب السماء فداحص ... بشكّته لم يستلب وسليب
فارس الجون: الحارث ابن أبي شمر الغسّاني وهو الممدوح، وكان أسر أخاه شأساً في هذه الحرب، فرحل إليه يطلبه منه وفيه يقول في آخر القصيدة:
وفي كلّ حيّ قد خبطت بنعمة ... فحقّ لشأس من نداك ذنوب
فلا تحرمنّي نائلاً عن جنابة ... فإنّي امرؤ وسط القباب غريب
عن جنابة: أي عن بعد غربة. فقال له الملك: نعم وأذنبة، وقد خيّرتك بين الحباء الجزل وبين اساري بني تميم. فقال: عرّضتني لألسن بني تميم، دعني اليوم أنظر في أمري، فأتاهم في السجن فأخبرهم. فقالوا: ويلك تدعنا عناة وتنصرف. قال: فإنّ الملك سيحملكم ويكسوكم ويزوّدكم، فإذا صرنا إلى الحيّ فلي الحملان وباقي الزاد والكسوة، ففعلوا. وهو علقمة بن عبدة بن النعمان بن قيس أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، ولا تحفظ له كنية، شاعر جاهليّ.
وأنشد أبو علي " 1 - 176، 174 ":
محلّها إن عكف الشفيف ... الزرب والعنّة والكنيف
قال أبو عليّ: ومنه قيل للبعير معنّى.
(1/433)

ع إذا هاج الفحل ولم يكن كريماً خافوه على كرام الإبل فنجّفوا ثيله بنجاف وجعلوه في العنّة، فلا يزال يرغو ويهدّر ويحنّ ولا يضرب، وهو السدم المعنّي. قال الوليد بن عقبة وكتب بها إلى معاوية:
قطعت الدهر كالسدم المعنّي ... تهدّر في دمشق ولا تريم
وإنّك والكتاب إلى عليّ ... كدابغة وقد حلم الأديم
وأنشد أبو عليّ " 1 - 176، 174 ":
وكلّ فتى وإن أمشى فأثرى ... ستخلجه عن الدنيا منون
ع البيت للنابغة الذبياني وقبله:
فإن تك قد نأت ونأيت عنها ... فأصبح واهنا حبل متين
فكلّ قرينة ومقرّ إلف ... مفارقه إلى الشحط القرين
وكلّ فتى.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 176، 174 ":
يصدّ الكرام المصرمون سواءها
ع هذا الشعر للمعلوط بن بدل القريعيّ ثم السعديّ شاعر إسلاميّ. وصلة البيت:
أعاذل ما يدريك أنّ ربّ هجمة ... لها فوق أصواء المتان فديد
يصدّ الكرام المصرمون سواءها ... وذو الحقّ عن أقرانها سيحيد
وكائن رأينا من غنّى مذمّم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد
ويروى:
لأخفافها فوق الفلاة فديد
والأصواء: جمع صوى، والصوى: جمع صوّة
(1/434)

وهي علم من حجارة يكون في علويّ الأرض. والفديد: شدّة الوطء على الأرض من نشاط ومرح. وفي الحديث: " إن الأرض تقول وقد كنت تمشي فوق فدّادا ". والهجمة: من الإبل ما بين الثمانين إلى المائة. وهذا الشاعر عيّرته امرأته قلّة إبله فقال لها: ربّ كثير الإبل يلؤم فيها ويضنّ بحقوقها فالناس منصرفون عنها وعن أمثالها من إبل البخلاء فيموتون مذمّمين، وربّ قليل المال آسي فيما ملكت يداه وأعطى مما يجده فمات حميداً فقيداً. وقوله سواءها: يريد قصدها حكاه الفرّاء قال السواء القصد يقول: إذا حان قصد سبيلها صدّ عنها، ويحتمل أيضاً أن يكون قوله سواءها بمعنى حذاءها. يقال زيد سواء عمرو أي حذاؤه.
وأنشد أبو عليّ ط1 - 177، 174 ":
وربّت غارة أو ضعت فيها ... كسحّ الهاجريّ جريم تمر
ع الهاجريّ: رجل منسوب إلى هجر علي غير قياس، وخصّ هجر لكثرة تمرها. والجريم: من التمر المصروم وهو الجرام والصّرام والجداد. والعرب تشبّه شنّ الغارات بنثر التمر، قال ضمرة بن ضمرة النهشليّ:
الآن ساغ لي الشراب ولم أكن ... آتي التجار ولا أشدّ تكلّمي
حتى صبحت على الشقوق بغارة ... كالتمر ينثر من جريم الجرّم
والبيت لدريد بن الصمّة وصلته:
أسرّك أن يكون الدهر وجهاً ... عليك بسيبه يغدو ويسري
وإن لا ترزئي أهلاً ومالاً ... يضرّك هلكه ويطول عمري
(1/435)

لقد كذبتك نفسك فاكذبيها ... فإن جزعاً وإن إجمال صبر
متى ما أمس في جدث مقيماً ... بمهجرة من البلدان قفر
فربّت غارة أوضعت فيها ... كسحّ الهاجريّ جريم تمر
ويروى:
كسحّ الخزرجيّ جريم تمر.
والأنصار أصحاب نخل وتمر
وأنشد أبو علي " 1 - 177، 175 " لأبي كبير بيتاً قد تقدّم ذكره ومضى موصولاً " ص 98 ": وأنشد أبو علي " 1 - 177، 175 ":
إلاّ بجيش لا يكتّ عديده
ع هذا البيت لربيعة أبي ذؤاب رجل من بني نصر بن قعين ثم من بني أسد يرثي ابنه ذؤاباً وهو جاهليّ قال:
أبلغ قبائل جعفر إن جئتها ... ما إن أحاول جعفر بن كلاب
أن الهوادة والمودّة بيننا ... خلق كسحق اليمنة المنجاب
إلاّ بجيش لا يكت عديده ... سود الجلود من الحديد غضاب
جعفر بن كلاب من بني عامر إنما يعني جعفر بن ثعلبة بن يربوع رهط عتيبة بن الحارث بن شهاب.
قال أبو عليّ " 1 - 177، 175 " ومن أمثالهم: كلا جانبي هرشي لهن طريق ع وهذا عجز بيت وصدره:
(1/436)

طريق قفا هرشي وآخر تحته ... كلا جانبي هرشي لهن طريق
ويروى:
خذا بطن هرشي أو قفاها فإنّه ... كلا جانبي هرشي لهن طريق
وهرشي: ثنيّة يرى منها البحر، وهي قريبة من الجحفة وفي المنتصف بين مكة والمدينة، وعلما المنتصف بين مكة والمدينة دون عقبة هرشي بميل، وفي مسيل هرشي مسجد للنبيّ عليه السلام.
قال ويقال: " ضغث على إبّالة ".
ع قال أعرابي يخاطب الذئب وكان عاث في غنمه:
في كلّ يوم من ذؤاله ... ضغث يزيد على إباله
فلأحشونّك مشقصاًأوساً أويس من الهباله
ذؤالة: اسم الذئب وكذلك أويس. والأوس: العطيّة يقال أسته أوساً، يقول أحشونّك بهذا المشقص أي أصيب به حشاك عوضاً من الغنيمة وهي الهبالة. يقال اهتبل فلان غفلة فلان: أي اغتنمها.
وأنشد أبو علي " 1 - 178، 176 ":
فما أراهم جزّعاً بحسّ ... عطف البلايا المسّ بعد المسّ
ع هذا الرجز للعجّاج وقد تقدّم إنشاده " 90 ".
وأنشد أبو علي " 1 - 178، 176 ":
ربّ شريب لك ذي حساس
ع أسقط أبو عليّ منها الرابع وهو بعد الأول:
شرابه كالحزّ بالمواسي ... أقعس يمشي مشية النفاس
(1/437)

وأنشد أبو علي " 1 - 178، 176 " للعجّاج:
في معدل الملك القديم الكرس
وصلته:
قد علم القدّوس مولى القدس ... أنّ أبا العبّاس أولى نفس
بمعدن الملك القديم الكرس ... ليس بمقلوع ولا منحس
حتى تزول هضبات قدس
الكرس: المتكارس بعضه فوق بعض وإنما يعني اجتماعه وقدمه. وقدس: من ضخام جبال نجد.
وأنشد أبو علي " 1 - 178، 176 " لأبي زبيد:
خلا إن العتاق من المطايا ... حسين به فهنّ إليه شوس
ع وقبله:
فباتوا يدلجون وبات يسري ... بصير بالدجى هاد هموس
إلى أن عرّسوا وأغبّ عنهم ... قريباً ما يحسّ له حسيس
وأنشد أبو علي " 1 - 178، 176 " للقطاميّ:
أخوك الذي لا يملك الحسّ نفسه ... وترفضّ عند المحفظات الكتائف
ع وبعده:
فنحن الزمام القائد المهتدي به ... ومن غيرنا المولى التبيع المحالف
وأنشد أبو عليّ " 1 - 179، 176 ":
إذا تجافين عن النسائج ... تجافي البيض عن الدمالج
(1/438)

وأنشد أبو علي " 1 - 179، 177 " لعبيد:
يا من لبرق أبيت الليل أرقبه ... في عارض كمضيء الصبح لمّاح
ع هو عبيد بن الأبرص بن جشم بن عامر الأسدي شاعر جاهليّ يكنى أبا دودان وأبا زياد، وقد اختلف في هذا الشعر فبعضهم يرويه لعبيد، وبعضهم يرويه لأوس بن حجر، وهو ثابت في ديوانيهما بخلاف يسير. وفيه من الغريب قوله: لّما علا شطباً وهو جبل معروف. وقوله: أقراب أبلق فإنّه يعني أن البرق إذا برق رأيت الذي يضيئه لك من السحاب أبيض والباقي أسود. قاله أبو حنيفة فلذلك شبّه بياضه بأقراب الأبلق الذي باقيه أدهم، وقد تقدّم مطلب هذا البيت. والقرواح: الأرض البارزة التي لا يسترها شيء. ومحفله: موضع اجتماع مائه. واللهاميم: الغزيرات الألبان. وقوله قد همّت بإرشاح: يقال أرشحت الناقة إذا شبّ ولدها، وقيل إذا أطاق ولدها يمشي معها. وقوله تزجي مرابيعها: المرباع: الناقة التي تضع في ربعيّة النتاج وهو أوله وإنما يعني أولادها.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 180، 177 " للحمّانيّ:
دمن كأنّ رياضها ... يكسين أعلام المطارف
ع الحمّانيّ هو عليّ بن محمد العلويّ الحمّانيّ يكنى أبا الحسين شاعر من شعراء الدولة الهاشمية وكان نزل الكوفة في بني حمّان فنسب إليهم وغلب عليه الحمّانيّ. وأوّل الشعر:
كم وقفة لك بالخور ... نق لا توازي بالمواقف
(1/439)

بين الغدير إلى السدي ... ر إلى ديارات الأساقف
دمن كأنّ رياضها.
وقوله:
طرر الوصائف يلتقي ... ن بها إلى طرر الوطائف
الطرّة: أن يقطع للجارية من مقدّم ناصيتها كالطرّة تحت التاج لا يبلغ حاجبيها، وقد تتخذ من رامك. وقوله: بأربعة ذوارف هذا لكثرة الدمع حتى يسحّ من الموق واللحاظ.
وأنشد أبو علي " 1 - 180، 178 " لعبيد شعراً فيه:
جوناً تكفكفه الصبا ... وهناً وتمريه خريقه
ع الخريق: الريح الشديدة، وانخرقت: اشتدّ هبوبها. وفيه:
ودنا يضيء ربابه ... غاباً يضرّمه حريقه
كنى بالغاب عن السحاب تشبيهاً لها بالآجام. والغاب: جمع غابة وهي الأجمة، وقيل بل أراد إضاءة غاب يضرّمه حريقه. فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كما قال الفارسي في بيت الأعشى:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
أراد اغتماض ليلة أرمد وليس بظرف، ونسب الاغتماض إلى الليل كما قال عز وجل: " بل مكر الليل والنهار ". ويحتمل أن يريد عبيد كغاب يضرّمه حريقه فحذف حرف الصفة ونصب.
وأنشد أبو علي " 1 - 180، 178 " لكثيّر:
تسمع الرعد في المخيلة منها ... مثل هزم القروم في الأشوال
ع المخيلة: هي ذات الخلاقة بالمطر يريد سحابة ذات مخيلة، ويقال أخالت إذا تخيّل فيها المطر فهي مخيلة، والبيت يحتملهما إلاّ أن الرواية بالفتح عن أبي عليّ، ورواهما اليزيديّ معاً في شعر كثيّر. ويقال سغّم وسعّم بالغين معجمة ومهملة إذا روّى، ورجل مسغّم ومسعّم إذا كان حسن الغذاء، وكذلك مسرهف ومسرهد وضدّه مجحن وجحن ومقرقم وجدع.
(1/440)

وأنشد أيضاً لكثيّر " 1 - 181، 178 ":
أهاجك برق آخر الليل واصب ... تضمّنه فرش الجبا فالمسارب
ع الواصب: الدائم الدائب، وفلاة واصبة لا غاية لها. وفيه:
تألّق واحمومي وخيّم بالربى ... أحمّ الذرى ذو هيدب متراكب
احمومي: أي أسودّ. وخيّم: أقام. وهيدبه: ما تدلّى منه لثقله فكأنه على وجه الأرض كما قال عبيد:
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح
وكما قال زهير السكب:
إذا الله لم يسق إلاّ الكرام ... فسقّى وجوه بني حنبل
فسقّى ديارهم باكراً ... من الغيث في الزمن الممحل
كأن الرباب دوين السحاب ... نعام يعلّق بالأرجل
وهو زهير بن عروة بن جلهمة المازنيّ سمّي زهير السكب بقوله:
برق يضئ خلال البيت أسكوب
وقال معقر بن حمار لابنته وهي تقوده وقد كفّ بصره وسمع صوت رعد: يا بنيّة أي شيء ترين؟ قالت: سحماء عقاّقة، كأنها حولاء ناقة، ذات هيدب دان، وسيروان. فقال يا بنيّة: وائلي بي إلى قفلة فإنها لا تنبت إلاّ بمنجاة من السيل وفيه:
(1/441)

إذا حرّكته الريح أرزم جانب ... بلا هزق منه وأومض جانب
أرزم: أراد صوت رعده. والهزق: الخفّة يريد أنه بطئ السير وقيل الهزق شدّة الرّعد، والهزق: أيضاً كثرة الضحك. وأومض: يريد إيماضه بالبرق كما أومضت بعينها خريع وهي الفاجرة، وقيل هي التي تتثنّى في مشبتها وكلّ ليّن خريع. وقوله لا يذكر السير أهله: لا ينتجعون غيثاً غيره. والجادب: العائب.
وأنشد أبو علي " 1 - 181، 178 " لابن المعتزّ:
ترى مواقعه في الأرض لائحة ... مثل الدراهم تبدو ثم تستتر
ع يحتمل أن يريد غدران الماء ثم تنضب، ويحتمل أن يريد ما يكون عنه من النزّ ثم يذهب. وقيل في قول عنترة:
جادت عليها كل عين ثرّة ... فتركن كلّ حديقة كالدرهم
أنه أراد امتلأت ماء فصارت في بياض الدرهم. وقيل إنه أراد حسن نباتها فشبّهه بنقش الدرهم وحسنه. ولولا قول ابن المعتزّ:
ترى مواقعه في الأرض
لاحتمل أن يريد مواقع القطر في الماء وما يحدث عنها من تلك الأشكال المستديرة ولحسّن هذا التأويل قوله: ثمّ تستتر وجانس قول بعض المحدثين يصف خبّازاً:
ما أنس لا أنس خبّازاً مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللحظ بالبصر
ما بين رؤيتها في كفّه كرة ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلاّ بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء ترمي فيه بالحجر
وأنشد أبو عليّ " 1 - 181، 179 ":
فجادت ليلها سحّاً ووبلاً ... وهطلاً مثل أفواه الجراح
(1/442)

هذا الشعر لابن المعتزّ وهو من التشبيه المقلوب. ومثله قول ذي الرمّة:
ورمل كأوراك العذارى قطعته ... وقد جللّته المظلمات الحنادس
وقول الآخر وهو أبو محمد المكّيّ:
كأنّ نيراننا في جنب قلعتهم ... مصبّغات على أرسان قصّار
أخذه أبو تمّام فقال:
نار يساور جسه من حرّها ... لهب كما عصفرت شقّ إزار
وأنشد أبو عليّ " 1 - 181، 179 " لأبي الغمر:
نسجته الجنوب وهي صناع ... فترقّى كأنّه حبشيّ
ع أبو الغمر هذا كاتب كان لأبي دلف العجليّ أو لابن عمّه من شعراء الجبل. وقوله كان يقروها يريد يتبعها. والقريّ: مجرى الماء إلى الروضة وجمعه قريان وأنشد أبو عليّ " 1 - 182، 179 ":
كأنّه لّما وهي سقاؤه ... وانهلّ من كلّ غمام ماؤه
حمّ إذا حمّشه قلاؤه
ع هكذا الرواية عنه حمّشه بالحاء المهملة وقال حمّشه أحرقه، وروى غيره جمشّه: بالجيم من قولهم سنة جموش إذا أحرقت النبت، وجمّشت النورة الجسد إذا أحرقته. وصلة هذه الأشطار:
في إثر غيث بلغت أنباؤه ... أحبار من يعجبه انتواؤه
كأنّه لمّا وهي سقاؤه ... وانصبّ من كلّ غمام ماؤه
(1/443)

حمّ إذا حمّشه قلاّؤه ... فهو يرى كما نمى غثاؤه
بالجدّ حيث ارّتقبت معزاؤه ... قطائف الموصل أو عباؤه
الجدّ: الجدد، وارتقبت: أشرفت.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 182، 179 ":
سرى كاقتذاء الطير والليل ضارب ... بأرواقه والصبح قد كاد يسطع
ع اقتذاؤها: تغميضها عينيها وفتحها كما يفعل من يريد إخراج القذى من عينيه ويروى كاحتساء الطير.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 182، 180 ":
أرقت لبرق سرى موهناً ... خفيّ كغمزك بالحاجب
ع هو لعبد الله بن العبّاس بن الفضل بن الربيع بن يونس والربيع وزير أبي جعفر المنصور، والفضل ابنه وزير الرشيد والأمين. وعبد الله شاعر مطبوع مليح المذاهب في شعره من الشعراء الأولين المترفين وأولاد النعم المرفّهين، وكان مع ذلك مغنيّاً محسناً ويكنى أبا العبّاس. قال ابن عباس: كنّا عند الواثق في يوم دجن ولاح برق واستطار. فقال الواثق: قولوا في هذا شيئاً فبدرهم عبد الله فقال البيتين وصنعفيهما غناء شرب الواثق عليه بقيّة يومه ووصله بصلة سنيّة.
(1/444)

وأنشد أبو علي " 1 - 183، 180 ":
نار تجدّد للعيدان نضرتها ... والنار تلفح عيداناً فتحترق
ع وقبله:
فقمت أخبره بالغيث لم يره ... والبرق إذ أنا محزون به أرق
لّما اكفهرّ شريقيّ اللوى وأوى ... إلى تواليه من سفّاره رفق
تربّص الليل حتى قال شائمه ... على الرويشد أو خرجائه يدق
ألقى على ذات أحفار كلاكله ... وشبّ نيرانه وانجاب يأتلق
ناراً يعاود منها العود جدّته ... والنار تلفح عيداناً فتحترق
وهذا الشعر ينسب إلى ابن ميّادة. وقال البحتري في معناه ومعنى قول أبي تمّام:
فسقاهم وإن أطالت نواهم ... خلفة الدهر ليله ونهاره
كلّ جود إذا التظى البرق فيه ... أوقدت للعيون بالماء ناره
وأنشد أبو علي " 1 - 183، 180 " للطائيّ:
يا سهم للبرق الذي استطارا
(1/445)

ع هو سهم بن أوس أخو حبيب بن أوس وسهم كان ينشد أشعاره لأن حبيباً كان تمتاماً.
وأنشد أبو علي " 1 - 184، 181 " للعجّاج:
ماء قرىّ مدّة قرىّ
ع قال يصف الليل:
ومخدر الأبصار أخدريّ ... لجّ كأنّ ثنيه مثنىّ
كأنّه والهول عسكريّ ... إذا تبارى وهو ضحضاحيّ
ماء قرىّ مدّة قرىّ ... غبّ سماء فهو رقراقيّ
مخدر الأبصار كأنه جعلها في خدر فمنعها أن تبصر. والأخدريّ: الأسود. ثم قال كأنّه لجّة بحر لتكاثف ظلمته. والهول عسكريّ: أي معسكر عليهم لا يفارقهم. والضحضاح: الرقيق. والرقراقيّ: الترقرق.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 184، 181 ":
رعى غير مذعور بهنّ وراقه ... لعاع تهاداه الدكادك واعد
قد نسب هذا البيت إلى ابن ميّادة ولا أعلمه في شعره، ولكن له بيت آخر شاهد على هذه اللفظة وهو قوله:
من كان أخطاه الربيع فإنّه ... نصر الحجاز بغيث عبد الواحد
سبقت أواخره أوائل نوره ... بمشرّع عذب ونبت واعد
ونسبه أبو حاتم عن الأصمعي في كتاب الشجر والنبات " 22 " إلى سويد بن كراع، وكذلك قال أبو حنيفة إنه لسويد بن كراع، وقد نسبه غيرهما إلى ابن الرقاع. فأما
(1/446)

قول الشاعر:
كاد اللعاع من الحوذان يسحطها ... ورجرج بين لحييها خناطيل
فقال ابن الأنباري في كتاب الحاء هو لجران العود النميريّ. وأنشد قبله:
لمّا ثغا الثغوة الأولى فأسمعها ... ودونه شقّة ميلان أو ميل
كاد اللعاع من الحوذان يسحطها ... ورجرج بين لحييها خناطيل
وكذلك أنشده أبو علي في البارع لجران العود ثم رأيت بعد هذا في قصيدة لابن مقبل هذا البيت الشاهد، وهي قصيدة أوّلها:
لم يبق من كبدي شيئاً أعيش به ... طول الصبابة والبيض الهراكيل
يقول فيها:
كأنّها حين ينضو الدرع مئزرها ... سبيكة لم تنقّصها المثاقيل
أو نعجة من إراخ الرمل خذّلها ... عن إلفها واضح الخدّين مكحول
قالت لها النفس كوني عند مولده ... إنّ المسيكين إن جاوزت مأكول
حتى احتوى بكرها بالجزع مطّرد ... هملّع كهلال الشهر هذلول
كأنّ ما بين أذنيه وزبرته ... من صبغه في دماء الجوف منديل
(1/447)

لّما ثغا الثغوة الأولى فأسمعها ... ودونه شقّة ميلان أو ميل
كاد اللعاع من الحوذان يسحطها
هملّع: خفيف. كهلال الشهر: دقيق ضامر. وهذلول: سريع يعني الذئب. وقوله كاد اللعاع: يقول كادت تغصّ بالحوذان أي تغصّ بما لا يغصّ به من حزنها على ولدها. واللعاع: بقل ناعم في أوّل ما يبدو، ويقال إنما الدنيا لعاعة. وكاد يسحطها: أي يذبحها. ورجرج: يعني لعابها يترجرج في فيها فهي لا تسيغ اللعاع بلعابها وإنما يسيغ الطعام اللعاب. وخناطيل: قطع متفرّقة.
وأنشد أبو علي " 1 - 184، 181 ":
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضاباً
ع يليه:
بكلّ مقلّص عبل شواه ... إذا وضعت أعنّتهن ثابا
ومحفزة الحزام بمرفقيها ... كشاة الربل أفلتت الكلابا
والشعر لمعاوية بن مالك معوّد الحكماء وقد مضى ذكره " ص 47 ".
وأنشد أبو عليّ " 1 - 184، 181 ":
يقيم أمورها ويذب عنها ... ويترك جدبها أبداً مريعا
وأنشد أبو عليّ " 184، 182 " لأبي ذؤيب:
قصر الصبوح لها فشرّج لحمها
ع وصلته:
تعدو به خوصاء يفصم جريها ... حلق الرحالة فهي رخو تمزع
قصر الصبوح لها فشرّج لحمها ... بالنيّ فهي تثوخ فيها الإصبع
(1/448)

تأبى بدرّتها إذا ما استكرهت ... إلاّ الحميم فإنّه يتبضّع
خوصاء: غائرة العينين ساهمة الوجه يفصم جريها: يقول إذا عدت فزفرت فصمت الحزام. وهي رخو: أي سهلة الجرى. تمزع: تسرع وقال أبو عبيدة: المزع أوّل العدو. وقوله فشرّج لحمها: أي صار لحمها وشحمها شريجين. وقال أبو بكر قال الأصمعي: هذه كانت سمّنت للأضحى، وهذيل ليسوا بأصحاب خيل، والجيّد قول امرئ القيس:
بعجلزة قد أترز الجرى لحمها ... كميت كأنّها هراوة منوال
أترز: أي أيبس: وقد عيب أيضاً قوله تأبى بدرّتها وقيل هذه حرون. وقال قوم إنما أراد أنّها عزيزة النفس لا تعطي ما عندها على الاستكراه إلاّ العرق فإنه يتبضّع ويتبصّع: أي يسيل قليلاً قليلاً، وهو المحمود في الخيل أن لا يكون هشّاً ولا صلوداً.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 185، 182 ":
لمّا رأى الرمل وقيزان الغضا
ع هذا رجل حضريّ لّما رأى القفر بكى وأبكى.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 185، 182 " لأبي ذؤيب:
أم ما لجسمك لا يلائم مضجعاً
وصلته:
أمن المنون وريبة تتوجّع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع
قالت أمامة ما لجسمك شاحباً ... منذ ابتليت ومثل مالك ينفع
أم ما لجسمك لا يلائم مضجعاً ... إلا أقضّ عليك ذاك المضجع
هذا الشعر يرثي به بنيه. والمنون هنا: الدهر فلذلك ذكّره، ومن أراد به المنيّة أنثّه. وقال الأخفش: المنون مؤنّثة وهي جماعة لا واحدة لها. وقال الأصمعي: المنون واحد لا جماعة له. وقوله: ومثل مالك ينفع المعنى: ما لجسمك شاحباً ومثل مالك لا تكون معه ضيعة
(1/449)

ولا هزال ولا شحوب لأنه واسع مبذول، وهذا كما قال كعب بن سعد الغنوي:
تقول سليمى ما لجسمك شاحباً ... كأنّك يحميك الطعام طبيب
وقال النمر بن تولب:
وفي جسم راعيها هزال كأنّه ... شحوب وما من قلّة الطعم يهزل
وقوله: إلا أقضّ عليك ذاك المضجع: أي تجده كأنّ فيه قضّة: وهي الحصا الصغار.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 185، 183 ":
مسحوا لحاهم ثم قالوا سالموا ... يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللحى
ع هذا البيت للأسعر بن مالك الجعفيّ شاعر جاهليّ وقد تقدّم ذكره " 25 " وصلة البيت:
وإذا رأيت مسالماً ومحارباً ... فليبغني عند المحارب من بغى
إخوان صدق ما رأوك بغبطة ... فإذا افتقرت فقد هوى بك ما هوى
مسحوا لحاهم ثم قالوا سالموا ... يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللحى
قال الأصمعي: هذا سنّة العرب كان أحدهم إذا أراد أن يخطب مسح لحيته وعثنونه، وقال أبو عمر: سألنا ثعلباً عن هذا البيت فقلنا ما كان يصنع فيهم؟ قال: يحلق لحاهم مجازاة لهم على الموادعة، وسيأتي هذا البيت على خلاف هذا " 135 ".
وأنشد أبو عليّ " 1 - 186، 183 " شعراً فيه:
(1/450)

أمين فأدّى الله ركباً إليهم ... بخير ووقاّهم حمام المقادر
وروى عبد الرزّاق عن بشر بن رافع عن أبي عبد الله عن أبي هريرة قال: أمين اسم من أسماء الله تعالى قال: والألف فيه حرف نداء، والعرب تقول: أفلان وآفلان. وقال ابن قتيبة وغيره عن مجاهد أمين: هو اسم من أسماء الله تعالى. أقول أنا وكان يلزم على هذا أن يكون مضموماً. وقال آخرون: إنه اسم للفعل بني علي الفتح من أجل الياء وأصله السكون مثل رويد ومعناه استجب كما أنّ رويداً بمعنى أمهل، وقيل معناه اللهم افعل. وقال ابن عبّاس والحسن: معنى أمين: ذلك يكون. وفيه:
حذاراً على القلب الذي لا يضيره ... أحاذر وشك البين أم لم يحاذر
هذا بيت اختلف فيه فقيل إنه أراد بالقلب قلب محبوبته، ولو أراد نفسه لكان متناقضاً، ومحبوبته هي التي لا تسأل عن بين ولا تلاق ولا هجر ولا وصال. وقال أبو علي في الكتاب البارع، وقد أنشد الأبيات مستشهداً على قصر أمين فقال: أراد بقوله لا يضيره: لا ينفعه فلما لم يستقم له الشعر جاء بالضدّ ضرورة.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 186، 183 " لجميل:
خليليّ هل في نظرة بعد توبة ... أداوي بها قلبي عليّ فجور
ع يعني بعد توبة من لمم أو قراف. وفيه:
وكيف بأعداء كأنّ عيونهم ... إذا حان إتياني بثينة عور
هذا من قول الأعشى:
يريد يغضّ الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيه عليّ المحاجم
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلاّ وأنفك راغم
وقال عنترة فأحسن:
(1/451)

إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأنّ الشمس من قبلي تدور
أخذه ابن الطثريّة فقال:
إذا ما رآني مقبلاً غضّ طرفه ... كأنّ شعاع الشمس دوني تقابله
وفيه:
وإنّي وإن أصبحت بالحبّ عالماً ... على ما بعيني من قذى لخبير
يقول هو خبير بأنه مغطّى على بصره للحبّ لا تخفي عليه غوايته فيه، وضرب القذى لذلك مثلاً، ويروى:
على ما بعيني من عشا
يريد أن الحبّ أعشاه عن تبيّن الرشد وهذا كما قال مالك بن أسماء:
أمغطّي منّي على بصري لل ... حبّ أم أنت أكمل الناس حسنا
والمثل السائر: " حبّك الشيء يعمي ويصمّ ". ومن هذا الباب قول الشاعر:
قل لنصر والمرء في دولة الس ... لطان أعمى مادام يدعى الأميرا
فإذا زالت الولاية عنه ... واستوى بالرجال صار بصيرا
وقال آخر:
والمرء يعمى عمّن يحبّ فإن ... أقصر عن بعض ما به أبصر
وأنشد أبو عليّ " 1 - 187، 184 ":
كأنّ خوق قرطها المعقوب
ع المعقوب: الذي فيه العقاب: وهو الخيط الذي يشدّ في طرف حلقة القرط ثم يشدّ في حلقة القرط الآخر لئلا يسقط أحدهما ذكر ذلك ابن دريد في كتاب الملاحن " 61 " هذا هو التفسير الصحيح لا ما ذكره أبو عليّ من شدّة بالعقب إذا خشوا أن يزيغ فإن
(1/452)

قرطاً يشدّ بعقب ينبغي أن يكون من خشب. وهذا الرجز لسيّار الأبانيّ قال:
أعار عند السنّ والمشيب ... ما شئت من شمردل نجيب
أعارهم من سلفع صخوب ... يابسة الظنبوب والكعوب
كأنّ خوق قرطها المعقوب ... على دباة أو على يعسوب
تشتمني في أن أقول توبي
قوله أعار: يعني الله سبحانه ورزقه عند كبره أولاداً جساماً نجباء. والشمردل: الطويل الحسن الجسم يقول هؤلاء الأولاد من امرأة سلفع وهي الصخّابة البذيئة. وقوله على دباة: يعني قصر عنقها وصفها بالوقص. والدبا: صغار الجراد.
وأنشد أبو علي " 1 - 187، 185 " لسلامة بن جندل:
ولّى حثيثاً وهذا الشيب يطلبه.
ع وصلته:
ولّى الشباب حميداً ذو التعاجيب ... ولّى وذلك شيء غير مطلوب
ولّى حثيثاً وهذا الشيب يطلبه ... لو كان يدركه ركض اليعاقيب
التعاجيب: العجب جمع لا واحد له كما قالوا التعاشيب وتباشير الصبح. والمعنى كان الشباب يعجب الناظرين إليه ويروقهم. ثم قال أودي فكرّر اللفظ على التوجّع والتفجّع. وقال أبو عبيد اليعاقيب: ذكور الحجل وأنشد البيت، وخصّها لسرعة طيرانها يقول: لو كان يدرك الشباب ركض اليعاقيب لطلبناه فحذف الجواب. ويروى ركض اليعاقيب بالنصب بمعنى دلّ عليه قوله ولّى حثيثاً يركض ركض اليعاقيب، أو بمعنى دلّ عليه قوله وهذا الشيب
(1/453)

يطلب. وهو سلامة بن جندل بن عبد عمرو بن الحارث بن مقاعس التميميّ شاعر جاهليّ يكنى أبا مالك.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 187، 185 " لذي الرمّة:
ألهاه آء وتنّوم وعقبته
ع وصلته:
أذاك أم خاضب بالسيّ مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب
شخت الجزارة مثل البيت سائره ... من المسوح خدبّ شوقب خشب
ألهاه آء وتنّوم وعقبته ... من لائح المرو والمرعى له عقب
الخاضب: الظليم الذي قد اخضرّت ساقاه وأطراف ركبتيه من أكله الزهر فذلك خضابه. وأبو ثلاثين: يعني ثلاثين بيضة. والجزارة: عنقه وساقاه وكذلك هو من كل ذات أربع. وأراد سائره مثل البيت من المسوح يريد بيتاً من شعر شبّهه به لسواده. وخدبّ: ضخم. وشوقب: طويل. وخشب: جاف. وسيف خشيب: حديث الصنعة لم يحكم. والأخشب: الغليظ من الأرض. والآء والتنّوم: نبتان. والمرو: حجارة رقاق بيض برّاقة.
وأنشد أبو علي " 1 - 188، 185 " لطفيل:
عناجيج من آل الوجيه ولاحق ... مغاوير فيها للأريب معقّب
ع وقبله:
وخيل كأمثال السراح مضونة ... ذخائر ما أبقى الغراب ومذهب
عناجيج من آل الوجيه ولاحق ... مغاوير فيها للأريب معقّب
ويروى:
طوال الهوادي والمتون صليبة ... مغاوير فيها للأريب معقّب
(1/454)

الغراب ومذهب: فحلان كريمان كانا لغنّى. ويحمد من الفرس طول عنقه واشتداد مركبّها في الكاهل. قال أبو النجم:
قد كاد هاديها يكون شطرها
ويقال فرس مغوار إذا كان شديد الدفعة في الغارة. والأريب: ذو الإربة وهي الرأي والمكيدة، والإربة: أيضاً الحاجة. والسراح: جمع سرحان وهو الذئب.
وأنشد لطفيل أيضاً " 1 - 188، 185 ":
كريمة حرّ الوجه لم تدع هالكا ... من القوم هلكاً في غد غير معقب
ع وبعده:
أسيلة مجرى الدمع خمصانة الحشا ... برود الثنايا ذات خلق مشرعب
ترى العين ما تهوى وفيها زيادة ... من الحسن إذ تبدو وملهى لملعب
من نصب غير معقب فهو نعت لقوله هلكاً أو هالكاً، ومن خفضه فهو نعت لقوله في غد
كما تقول نهاره صائم وليله قائم و ... إنّما هي إقبال وإدبار
وقد فسّر أبو علي معناه. ومثله قول نهشل بن حرّيّ:
وليس يهلك منّا سيّد أبداً ... إلاّ افتلينا غلاماً سيّداً فينا
وقول أوس:
وإن سيّد منا ذراً حدّ نابه ... تخمّط فينا ناب آخر مقرم
وقول أبي الطمحان:
وإنّي من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه
وقول الآخر وهو المرّار الأسديّ:
وإذا فلان مات عن أكرومة ... رقعوا معاوز فقده بفلان
(1/455)

وقوله ذات خلق مشرعب: أي محسّن مأخوذ من الوشي الشرعبيّ. وقوله وفيها زيادة: أي زيادة من الحسن على ما تهوي العين. وملهى لملعب: أي للعب وهما مصدران.
وأنشد أبو علي " 1 - 188، 186 " لدريد:
إذا عقب القدور عددن مالاً ... يحبّ حلائل الأبرام عرسى
ع سينشد أبو عليّ هذه القصيدة بكمالها ويأتي بخبرها " 2 - 164، 162 ".
وأنشد أبو على " 1 - 189، 186 ":
لا تطعم الغسل والأدهان لّمته ... ولا الذريرة إلاّ عقبة القمر
ع هذا الشعر لرجل من بني عامر وبعد البيت:
إذا تربّد أعلى جلده فزعاً ... رأى العدوّ عليه جلدة النمر
قال ابن الأعرابي: عقبة القمر: نجم يقارن القمر في السنة مرّة، يقول يفعل ذلك في الحين مرّة، وقوله فزعاً: يريد مغيثاً كما قال الشّماخ:
إذا دعت غوثها ضرّاتها فزعت ... أطباق نيّ على الأثباج منضود
وأنشد أبو علي " 1 - 189، 186 ":
أيا والي سجن اليمامة أشرفا ... بي القصر أنظر نظرة هل أرى نجدا
وفيه:
أمن أجل أعرابيّة في عباءة ... تبكيّ على نجد وتبلي كذا وجدا
ع كذا في موضع المصدر أي تبلي بلى كهذا البلى فحذف وأقام الصفة مقام الموصوف.
وفيه:
من اللابسات الريط يظهرنه كيدا
وهذا قبيح لا يجوز وهو أشدّ من الإقواء والسناد لأن الياء والواو إذا انفتح ما قبلهما لم يكونا إلاّ رويّاً نحو لهو وبغى، وكذلك إذا تّحرّكتا نحو ظبية وعروة. فإذا قال يظهرنه كيداً فقد لزمت الياء في جميع روىّ الشعر، ولا تكون الواو
(1/456)

ولا الياء في هذه المواضع التي ذكرناها تأسيساً ولا ردفاً. والسناد الذي ذكرت هو: أن تأتي بقافية مردّفة ومعها أخرى غير مردّفة كما قال العجّاج:
يا دار سلمى يا اسلمي ثمّ اسلمي
وفيها:
فخندف هامة هذا العالم
ويروى أنّ العجّاج كان ينشده فخندف هامة هذا العألم بالهمز ليسلم من السناد. ومن بديع ما سمعه الناس في تفضيل نساء البداوة مع حلاوة وطلاوة، وصحّة معنى، وقرب مأخذ، وجودة لفظ قول أبي الطيّب:
من الجآذر في زيّ الأعاريب ... حمر الحلى والمطايا والجلابيب
إن كنت تسأل شكّاً في معارفها ... فم رماك بتسهيد وتعذيب
ثم قال:
ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويّات الرعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب
أين المعيز من الآرام ناظرة ... وغير ناظرة في الحسن والطيب
ومن هوى كلّ من ليست مموّهة ... تركت لون مشيبي غير مخضوب
فلو لم تفضّل البادية بشعر إلاّ هذا لكان فيه مقنع وكفاية.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 189، 187 " لمعدان بن مضرّب الكنديّ
إن كان ما بلّغت عنّي فلامني ... صديقي وشلّت من يديّ الأنامل
ع وهذا الشعر لمعدان بن جوّاس بن فروة السكونيّ ثم الكندي بلا اختلاف، ولا يعلم شاعر اسمه معدان بن مضرّب إنما هو حجيّة بن المضرّب وهو أيضاً سكونيّ
(1/457)

وابن ابن أخيه أيضاً شاعر جوّاس بن سلمة بن المنذر بن المضرّب. وروى القرميسيّ عن الآمديّ عن أبي العبّاس المبرّد أنه لحجيّة بن المضرّب قالهما لبعض الملوك وبلغه عنه شيء، وهذا مما التبس على أبي عليّ حفظه. وفيه:
وكفّنت وحدي منذراً بردائه ... وصادف حوطاً من أعاديّ قاتل
منذر ابنه وحوط أخوه. وقوله وحدي: أي أكون غريباً حيث لا أجد معيناً. وقوله بردائه: أي لا يجد سواه وهذا يحقّق الغربة. وشبيه بهذا قول امرئ القيس:
فإمّا تريني في رحالة جابر ... على حرج كالقرّ تخفق أكفاني
يريد ثيابه التي أيقن أنه سيكفّن فيها حين سمّ وليس يجد سواها. وإنما قال من أعاديّ ولم يقل من أعاديه لتكون الفجيعة أعظم والمصيبة أكبر.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 190، 187 " للأعرابيّ:
وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة ... غزال أحمّ المقلتين ربيب
ع هما لابن الدمينة، وكذلك البيتان اللذان أنشد بعدهما يرويان أيضاً لابن الدمينة وهما:
هجرتك أياماً بذي الغمر إنّني ... على هجر أيّام بدي الغمر نادم
وأنشد أبو علي " 1 - 192، 189 ":
(1/458)

ويأخذه الهداج إذا هداه ... وليد الحيّ في يده الرداء
ع هو للحطئة وقبله:
إذا ذهب الشباب فبان منه ... فليس لما مضى منه بقاء
يصبّ إلى الحياة ويشتهيها ... وفي طول الحياة له عناء
ويأخذه الهداج. ويقال الهداج الهداج بفتح الهاء وكسرها. وقوله في يده الرداء: يعني في يد الوليد لضعف الشيخ وسقوطه عنه.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 192، 189 ":
وهدجاناً لم يكن من مشيتي
وأنشد أبو علي " 1 - 192، 189 " لأوس:
فأعقب خيراً كلّ أهوج مهرج ... وكلّ مفدّاة العلالة صلدم
ع وقبله:
(1/459)

بأرعن مثل الطود غير أشابة ... تناجز أولاه ولم يتصرّم
ويخلجنهم من كلّ صمد ورجلة ... وكلّ غبيط بالمغيرة مفعم
فأعقب خيراً كلّ أهوج مهرج
يصف جيشاً. وكل أنف تقدّم من جبل أو غلظ فهو رعن. يقول لم ينفذ أوله لثقله فآخره واقف، وقال مرة ينفذ أوله ولا ينقضي آخره لكثرته. والصمد: الغلظ من الأرض لا يبلغ أن يكون جبلاً، والرجل: أماكن سهلة مطمئنة تنبت نباتاً ليّناً. والغبط: أماكن ترتفع أطرافها وتنهبط بطونها كأنها الغبط وهي أقتاب الهودج.
وأنشد أبو علي " 1 - 192، 189 ":
من كلّ هرّاج نبيل محزمه
ع وبعده:
تمّت ذفاري ليته ولهزمه ... إلى صميم آرز معرنزمه
الرجز لرؤبة. الذفريان: الجيدان الناتئان عن يمين القمحدوة وشمالها. والليت: صفحة العنق وآرز: غليظ متقبّض. والمعرنزم: المجتمع.
قال أبو علي " 1 - 192، 189 " قال أبو بكر: انثروا كأنه انفعال من ينثره نثراً ع هذا وهم بيّن لأن نون نثر أصلية ونون انفعال زائدة وإنما هو انفعال من الثرّ وهو الغزير الكثير ومنه قولهم عين ثرّة، ويحتمل أن يكون افعلال من نثر إن كان مسموعاً.
وأنشد أبو علي " 1 - 193 " 190 " لرؤبة:
يرمى الجلاميد بجلمود مدقّ
ع وقبله:
(1/460)

إذا تتلاّهن صلصال الصعق ... يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ
مماتن غايتها بعد النزق ... حشرج في الجوف صهيلاً أو شهق
يصف الحمار والأتن. صلصال من صلصلة الحديد. والصعق: شدّة الصوت. والمماتن: المطاول يقول هو يباريها إذا عجلت. والنزقة: الدفعة الأولى، ثم يطاولها الغاية. والحشرجة: صوت لا يخرج صافياً. والسحيل: صوت في البحّة. ومثله في صفة الحمار قال الشّماخ:
متى ما تقع أرساغه مطمئنّة ... على حجر يرفضّ أو يتدحرج
وأنشد أبو علي " 1 - 193، 190 " للصمّة القشيريّ: حننت إلى ريّا ونفسك باعدت ع هو الصمّة بن عبد الله بن الطفيل بن قرّة من بني قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، شاعر إسلاميّ بدويّ مقل من شعراء الدولة الأمويّة. فأما الصمّتان الكبيران فجاهليّان. وكان من خبر هذا الشعر أن الصمة لمّا خطب بنت عمّه ريّا العامريّة اشتطّ عليه أبوها في المهر، فسأل أباه أن يعينه فأبى، وسأل عشيرته فأعطوه، فأتى عمّه بالإبل فقال لا أقبلها إلاّ من مال أبيك، وعاود أباه فمنعه، فلما رأى ذلك منهما قطع عقل الإبل
(1/461)

وأرسلها فعاد كل بعير إلى إلافه منها وتحمّل الصمّة راحلاً. فقالت بنت عمّه لمّا رأته راحلاً: تالله ما رأيت كاليوم فتى باعته عشيرته بأبعرة، ومضى حتى لحق بالشأم فقال وقد طال مقامه واشتاق ريّا وندم على فعله فقال:
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت ... مزارك من ريّا وشعبا كما معا
وفي الشعر زيادة لا ينبغي أن تحذف لجودتها وانتظام الكلام بها وهي بعد قوله:
تلفتّ نحو الحيّ حتّى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتاً وأخدعا
ألا يا خليليّ اللّذان تواصيا ... بلومي إلا أن أطيع وأسمعا
قفا ودّعا نجداً ومن حلّ بالحمى ... وقلّ لنجد عندنا أن يودّعا
ومنه:
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معاً
وساق الشارح في ذكر أبيات من القصيدة ونظائر فأوردها وشرح ما يحتاج إليه
(1/462)

في المقام ثم قال وأنشد أبو علي، ولم يثبت البيت هنا، إلى أن نقل شعرا:
يقول لي دار الأحبّة قد دنت ... وأنت كئيب إنّ ذا لعجيب
فقلت وما تغنى ديار تقاربت ... إذا لم يكن بين القلوب قريب
قال أبو عليّ " 1 - 195، 192 " ومن كلام العرب " الحسن أحمر " أي من أراد الحسن صبر على أشياء يكرهها.
ع فمعنى أحمر على هذا التأويل شديد وقد تقدم القول في ذلك " 57 " وذكرنا حديث عليّ: كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن أحد أقرب إلى العدوّ منه. وقال الأشتر يوم صفّين: من أراد الموت الأحمر فليتّبعني. وفي المثل الذي ذكره تأويل آخر وهو أنّ المراد به اللون، والعرب تسمّى المرأة الحسناء حمراء. قال جرير وسئل عن الأخطل فقال: هو أوصفنا للخمر والحمر: يعني حسان النساء. وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمّى عائشة: الحميراء. قال الأصمعي وغيره: الحمراء: المرأة الجميلة الحسناء. وقال سيبويه وهذه الصفة لّما كثر استعمالهم لها لزمت فصارت كالاسم كالأدهم والأجدل. وقيل لأعرابي تمنّه! فقال: حمراء مكسال، من بنات الأقيال. وكذلك تقول العرب أيضاً
(1/463)

للرجل البارع الحسن: أحمر وقّاد. ومنه حديث مسمع بن يزيد قال: مررت بالمدينة زمن عثمان ومعي نوف الغفاري، وكان أعلم الناس بالحدثان، فمرّ بنا مروان بن الحكم فقال لي: يا مسمع أترى هذا؟ قلت: نعم. قال: هو صاحب الأمر إذا مرج أمر الناس. قال مسمع: فتأمّلته فإذا هو أحمر وقّاد. وأصل هذه الصفة الغالبة من اللون وظهور الدم في الوجه لاشكّ فيه، ألا تراهم يشبّهون المرأة الحسناء بالنار. قالت الأعرابية وقد سئلت عن بنتها: والله لهي أحسن من النار الموقدة في الليلة القرّة. وقال الشاعر وهو من أبيات المعاني في النار:
وحمراء غبراء الفروع منيفة ... بها توصف الحسناء أو هي أجمل
وقال أبو نواس:
وذات خدّ مورّد ... قوهيّة المتجرّد
تأمّل العين منها ... محاسناً ليس تنفد
وبيّن بشار بن برد أن المراد بالمثل ما ذكرناه بقوله:
وإذا خرجت تقنّعي ... بالحمر إنّ الحسن أحمر
ولذلك كانت العرب تلبس العروس الثياب الحمر، قال الأسديّ:
ألبست أثواب العروس سراتهم ... من بعد ما لبسوا ثياب الآئب
يعني قتلاهم المضّرجين بالدماء فكأنهم قد لبسوا ثياب العروس المعروفة بالحمرة من بعد أن كان لبسهم الدروع، وهي ثياب الذي آب من الخطئة إلى التوبة وأناب، يعني داود عليه السلام.

وذكر أبو عليّ " 1 - 195، 192 " قولهم: من حفّنا أو رفّنا فليتّرك وخبر المثل.
(1/464)

ع ونقص مما أورده أنّ المرأة لما غطّت رأس النعامة بثوبها ثم انصرفت إلى الحيّ لتأخذ شفرة فقالت لهم هذه المقالة وأتت موضع النعامة وجدتها قد أساغت الصعرور وذهبت بثوبها. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: " فلان يحفّنا ويرفّنا " أي يعطينا ويميرنا، وقد تقدم القول في هذا عند إنشاد أبي علي قول الحسين بن مطير يمنيننا حتى ترفّ قلوبنا ص " 101 ".
وأنشد أبو عليّ " 1 - 195، 192 " للنابغة:
وكيف تصادق من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب
ع هو النابغة الجعديّ. وقبله:
وبعض الأخلاّء عند البلا ... ء والرزء " أروغ من ثعلب "
وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب
رآك ببثّ فلم يلتفت ... إليك وقال كذاك أدأب
أراد كخلالة أبي مرحب فحذف كما قال النابغة الذبيانيّ:
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل
يريد مخافة وعل. وقال ابن الأعرابي: يقال للرجل الحسن الوجه لا باطن له أبو مرحب.
وقال محمد بن يزيد: أبو مرحب وأبو جعدة: الذئب.
وأنشد أبو علي " 1 - 195، 192 " لأوفى بن مطر:
ألا أبلغا خلّتي جابراً ... بأنّ خليلك لم يقتل
ع وبعده:
تخطّأت النبل أحشاءه ... وأخرّ يومي فلم يعجل
(1/465)

فليتك لم تك من مازن ... وأنّك في الرحم لم تحمل
وهي أبيات. وخبرها أن ثلاثة نفر من العرب خرجوا ليغيروا على بني أسد وهم: أوفى بن مطر الخزاعيّ هذا، وجابر ومالك، الرزاميّان فلقوا عدادهم، فقتل مالك وارتثّ أو في جريحاً. فقال أو في لجابر احملني، قال إنّ بني أسد قريب وأنت ميّت لا محالة، وأن يقتل واحد خير من أن يقتل اثنان. فتركه ونجا وأتى الحيّ فأخبرهم أن أوفى قد قتل، وتحامل أوفى إلى بعض المياه فتعالج بها حتى برأ، ثم أقبل، فلما دنا من الحيّ قال رجل من القوم رجل من القوم وجابر فيهم لولا أن الموتى لم يأن بعثها لأنبأتكم أن هذا أوفى، فانسلّ جابر من القوم استحياء من الكذبة، فما يدري أين وقع هو وولده إلى الساعة، وخبّر أو في بمقالته فقال هذا الشعر.
وأنشد أبو علي " 1 - 195، 192 ":
شبعت من نوم وزاحت علّتي
ع وتمامها:
فدهنت رأسي وبلّت لحيتي
يريد أنه احتلم فاغتسل.
وأنشد أبو علي " 1 - 196، 193 " لأوس بن حجر:
لهلك فضالة لا تستوي ... الفقود ولا خلّة الذاهب
ع وقبله:
ألم تكسف الشمس والبدر ... والكواكب للرجل الواجب
وهذا أول الشعر يرثي فضاله بن كلدة. الواجب: الساقط الذاهب من قولهم: وجبت الشمس إذا غابت.
وأنشد أبو علي " 1 - 196، 193 " لزهير:
وإن أتاه خليل يوم مسغبة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم
ع وقبله:
(1/466)

إنّ البخيل ملوم حيث كان ... ولكنّ الجواد على علاّته هرم
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفواً ويظلم أحياناً فيطّلم
وإن أتاه خليل. أبو عبيدة حرم: إذا كان يحرم ماله ولا يعطي منه، وحرم: أي حرام فكأن الحرم اسم مثل الحرام والحرم النعث.
وأنشد أبو علي " 1 - 197، 193 " للعجّاج:
جاءوا مخلّين فلاقوا حمضاً
وصلته:
فجمّعوا منهم قضيضاً قضّا
جاءوا مخلّين فلاقوا حمضاً ... طاغين لا يزجر بعض بعضا
يعني أصحاب ابن الأشعث. يقال جاء بنو فلان قضّها بقضيضها أي بجماعتها. وقوله جاءوا مخلّين: يريد جاءوا مشتهين القتال فلاقوا من يقاتلهم ويشفيهم، وقد تقدم القول فيه " 19 ".
وأنشد أبو علي " 1 - 197، 194 ":
قد عمّ في دعائه وخلاً ... وخطّ كاتباه واستملاّ
وأنشد أبو علي " 1 - 197، 194 ":
عهدت بها الحيّ الجميع فأصبحوا ... أتوا داعياً لله عمّ وخلّلا
المحفوظ في هذا قول النابغة الجعديّ:
كأنّك لم تسمع ولم تك شاهداً ... غداة أتى الداعي فعمّ وخلّلا
صريخاً على حيّ ابن مروان صبّحوا ... وحيّ الحريش استنطقا فتحمّلا
وأنشد أبو عليّ " 1 - 197، 194 ":
نبذ الجؤار وضلّ هدية روقه ... لّما اختللت فؤاده بالمطرد
(1/467)

المطرد رمح صغير يطرد به الوحش. والبيت لابن أحمر وقبله:
فانقضّ منكدراً كأنّ إرانه ... قبس تقطّع دون كفّ الموقد
نبذ الجؤار
يصف ثوراً اقتنصه.
وأنشد أبو علي " 1 - 197، 194 " للنمر:
هلاّ سألت بعادياء وبيته ... والخلّ والخمر التي لم تمنع
ع وصلته:
قامت تبكّي أن سبأت لفتية ... زقّاً وخابية بعود مقطع
أتبكيّاً من كلّ شيء هيّن ... سفهاً بكاء العين ما لم تدمع
هلاّ سألت بعادياء وبيته ... والخلّ والخمر التي لم تمنع
لا تجزعي إن منفس أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
المقطع: الذي قد ذهب به الضراب، وإنما يخبر أنها لامته فيما لا خطر له، ثم قال سفه تبكّيك من كل شيء لا يحزنك ولا تدمع له عينك. وعادياء: هو أبو السموأل الغساني. يقول لم يبق عادياء وبيته وما كان فيه من الغنى فكذلك أنا. ومعنى الخلّ والخمر على ما فسرّه أبو علي أن: خيره مبذول لمن والاه وشرّه عتيد لمن عاداه. وقال أبو عبيدة الخلّ في قول النمر العداء، والخمر النعمة وحسن الحال، يقول أعطى عادياء من الدنيا ما بين الخلّ والخمر لم يعدم شيئاً. لم تمنع أي لم يمنعها هو ولم تمنعه. والعداء: في قول أبي عبيدة الظلم يقال عدا عليه عدواً وعدوّاً وعداء وعدواناً. والمنفس: من المال الذي ينافس فيه ويضنّ به.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 198، 195 ":
ولّما مضى شهر وعشر لعيرها ... وقالوا تجيء الآن قد حان حينها
(1/468)

ع وروى ابن الأعرابي البيت الآخر:
فما برحت تقريه أعناء وجهها ... وجبهتها حتّى ثنته قرونها
أعناء: أي جوانب وجهها وجبهتها.
وأنشد أبو علي " 1 - 158، 159 " لعمر:
يا ليتني قد أجزت الحبل نحوكمو ... حبل المعرّف أو جاوزت ذا عشر
وفيه:
كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم ... يا أشبه الناس كلّ الناس بالقمر
إنّي لأجذل أن أمشي مقابله ... حبّاً لرؤية من أشبهت في الصور
ع هذا كقول ابن المعتزّ:
موسومة بالحسن معشوقة ... تميت من شاءت وتحييه
بات يرينيها هلال الدجى ... حتّى إذا غاب أرتنيه
وإن كان فائدة كلامه أن وجهها مثل البدر فما أحسن كلامه وترتيبه.
وقال آخر:
إذا حجبت لم يكفك البدر فقدها ... وتكفيك فقد البدر إن حجب البدر
وحسبك من خمر تفوتك ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمر
وأنشد أبو عليّ " 1 - 199، 196 " للبعيث:
(1/469)

ألا طرقت ليلى الرفاق بغمرة ... ومن دون ليلى يذبل فالقعاقع
ع هذا البيت خلّطه أبو علي من بيتين، وصحّة إنشاده وموضوعه:
ألا طرقت ليلى الركاب بغمرة ... وقد بهر الليل النجوم الطوالع
وأنّي اهتدت ليلى لعوج مناخة ... ومن دون ليلى يذبل فالقعاقع
وأنشد بعده:
على حين ضمّ الليل من كل جانب ... جناحيه وانصبّ النجوم الخواضع
وهذا البيت أيضاً على غير وجهه إنما هو:
وانقض النجوم الطوالع
لأن الخواضع منصّبة فكيف يستقيم أن يقول: وانصبّ النجم المنصبّ لأن الخاضع المطأطئ رأسه الخافض له. وكذلك فسّر في التنزيل، وإنما يريد الشاعر أن الليل قد أدبر وانقضّ للغروب ما كان طالعاً في أوله من الكواكب ألا ترى قوله:
على حين ضمّ الليل من كل جانب ... جناحيه
أي كفت ظلمته وضمّ منتشرها مدبراً، وأيضاً فإنّ الذي يلي هذا البيت قوله:
بكى صاحبي من حاجة عرضت له ... وهنّ بأعلى ذي سدير خواضع
فلو كان الذي قبله كما أنشده أبو علي لكان هذا من الإيطاء على أحد القولين، ومعنى خواضع في هذا البيت ذقن والذقن: التي تهوي رأسها إلى الأرض تخفضه وتسرع في سيرها. وغمرة: فصل نجد من تهامة من طريق الكوفة. ويذبل: جبل لباهلة وكذلك القعاقع جبال لهم. وبعد ما أنشده أبو علي من هذا الشعر أبيات مختارة وهي:
وما الحبّ إلا مثل ما قد وجدته ... ولا جزع إلا كما أنت جازع
فقولا لليلى ترجع الودّ بيننا ... وهل ودّ ليلى إن طلبناه راجع
(1/470)

ألا يا لقومي كلّ ما حمّ واقع ... وللطير مجرى والجنوب مضاجع
وليس لشيء حاول الله جمعه ... مشتّ ولا ما فرّق الله جامع
وقول الفتى للشيء يفعله غداً ... وليس له علم بما الله صانع
وما من حبيب دائم لحبيبه ... ولافرقة إلاّ به الدهر فاجع
وأنشد أبو علي " 1 - 199، 196 " لابن الطثريّة:
عقيليّة أمّا ملاث إزارها ... فدعص وأما خصرها فبتيل
ع قال أبو بكر الصولي هذا الشعر للعباس بن قطن الهلاليّ وما أخلق هذا القول بالصواب لأن هذا الشعر لم يقع في ديوان شعر ابن الطثريّة، وقد جمعت منه كل رواية رواية الأصمعي ورواية الطوسي عن ابن الأعرابيّ وعن أبي عمرو الشيبانيّ. وفيه:
أليس قليلاً نظرة إن نظرتها ... إليك وكلاّ ليس منك قليل
هكذا الرواية هنا، وروى غير أبي علي:
وكلّ ليس منك قليل
أي كلّ قليل ليس منك. ويروى:
وكلّ منك غير قليل
وفيه:
فما كلّ يوم لي بأرضك حاجة ... ولا كلّ يوم لي إليك رسول
(1/471)

هكذا رواه أبو علي وهو خلاف ما روى الجماعة إنما هو وصول وهو الصحيح من جهة المعنى ومن جهة البيت المتصل به وهو:
إذا لم يكن بيني وبينك مرسل ... فريح الصبا منّي إليك رسول
أيا قرّة العين التي ليت إنّها ... لنا بجميع الصالحات بديل
سلي هل أحلّ الله من قتل مسلم ... بغير دم أم هل عليّ قتيل
فأقسم لو ملّكتك الدهر كلّه ... لمتّ ولّما يشف منك غليل
وهذه الزيادة رواها ابن عبد الصمد الكوفيّ في سماعاته إلاّ قوله:
إذا لم يكن بيني وبينك مرسل
فإنه من رواية الرياشيّ.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 200، 196 " لإسحاق بن إبراهيم:
هل إلى نظرة إليك سبيل ... يرو منها الصدى ويشف الغليل
إنّ ما قلّ منك يكثر عندي ... وكثير ممن تحبّ القليل
قال إسحاق: أنشدتهما الأصمعيّ. فقال: هذا والله الديباج الخسروانيّ. قال فقلت له: إنهما لليلتهما فقال أفسدتهما.
ع كأن الأصمعي اعتقد أن البيتين من أشعار العرب، فلما قال له إسحاق إنهما لليلتهما علم أنه صاحبهما فنقص بذلك عنده طيبهما وسقطت في نفسه منزلتهما، أو يكون
(1/472)

الأصمعي يرى أنّ مثل هذا الشعر لا يجيب قائله إلاّ بعد رويّة وفكرة طويلة، فلما قال إنهما لليلتهما اتّهمه أنه انتحلهما. كتب رجل إلى ابن المقفّع:
هل لذي حاجة إليك سبيل ... لا كثير جلوسه بل قليل
فأجابه:
أنت يا صاحب الكتاب ثقيل ... وكثير من الثقيل القليل
وأنشد أبو عليّ " 1 - 200، 197 " لطهمان بن عمرو:
ولو أنّ ليلى الحارثيّة سلّمت ... عليّ مسجّي في الثياب أسوق
ع هو طهمان بن عمرو الكلابي، شاعر إسلاميّ، وهو أحد صعاليك العرب وفتّاكهم.
وأنشد أبو علي " 1 - 201، 198 " للشّماخ:
وكلّ خليل غير هاضم نفسه ... لوصل خليل صارم أو معارز
ع وقبله:
عفا بطن قوّ من سليمى فعالز ... فذات الغضا فالمشرفات النواشز
هذا أول الشعر، وبعده:
وكلّ خليل غير هاضم نفسه
وقد ذكر ابو علي معناه، وحكى عن غلمة من العرب كانوا يتراقون بالبيض أن أحدهم قال لصاحبه: اعرز لي عنها أي افرج عنها يديك.
(1/473)

قال أبو علي " 1 - 201، 198 ": قال رجل لعبد الملك وذكر الخبر إلى قوله: وإذّ بلغتك فقدي.
ع هكذا رواه أبو عليّ، والصحيح أنّ المخاطب بهذا معاوية ابن أبي سفيان والمتكلم عبد العزيز بن زرارة الكلابي، كذلك روى أبو حاتم في نوادره عن العتبي وذكر الخبر إلى قوله: احطط عن راحلتك فقد بلغت. وزاد فقال عبد العزيز بن زرارة:
دخلت على معاوية بن حرب ... وذلك إذ يئست من الدخول
وما نلت الدخول عليه حتى ... حللت محلّة الرجل الذليل
وأغضيت الجفون على قذاها ... ولم أسمع إلى قال وقيل
فأمّلت الذي أدركت منه ... بمكث والخطاء مع العجول
ولو أنّي عجلت سفهت رائي ... فلم أك بالعجول ولا الجهول
وفي غير هذه الرواية أنّ عبد العزيز لّما دخل عليه قال يا أمير المؤمنين إنّي صحبتك على الرجاء وأقمت ببابك على التأميل، واحتملت جفوتك بالصبر، ورأيت قوماً قرّبهم الحظّ، وآخرين باعدهم الحرمان فلا ينبغي لصاحب الحظّ أن يأمن ولا لصاحب الحرمان أن ييأس. فقال معاوية إني لأرى شاهداً يدلّ على غائب، انبذوا إليه عهداً من هذه العهود. فأخذه وخرج وهو يقول:
دخلت على معاوية بن حرب
وقوله:
وإذ بلغتك فقدي
أي حسبي. وقد تزاد فيه النون وقاية لآخر الحرف، قال حميد الأرقط:
(1/474)

قدني من نصر الخبيبين قدي
فأتى باللغتين. وتأتي قط أيضاً بمعنى حسب وكفى تقول قط عبد الله درهم، وقط درهم، وقطني درهم. قال الراجز:
إمتلأ الحوض وقال قطني ... مهلاً رويداً قد ملأت بطني
وقال الخليل قال أهل البصرة: الصواب فيه الخفض على معنى حسب عبد الله قط عبد الله درهم، وهي هاهنا مخفّفة، فأما في الزمان والعدد فلا تكون إلاّ مشدّدة.
قال أبو عليّ " 1 - 202، 199 " قيل لابنة الخسّ: ما أحدّ شئ. قالت: ضرس جائع يقذف في معي جائع.
ع ولم يروه أحد كما قال أبو عليّ، إنما هو ضرس جائع يقذف في معي نائع. هكذا رواه ابن الأعرابي ورواه اللحياني: ضرس قاطع يقذف في معي جائع. والضرس يذكّر ويؤنّث. والذي رواه أبو علي مردود بوجوه منها أن الجوع لا ينسب إلى الضرس وإن سومح في هذا على المجاز، فقد يكون جائعاً ولا يكون قاطعاً. وأيضاً فإن صفة المعي بالجوع تغني عن صفة الضرس بالجوع، إذ لا يجوز أن يكون أحدهما شبعان والآخر غرثان. ومع هذا فإنّ تكرير اللفظ لمعنى واحد من العيّ الذي سمعت به ولا سيّما في سجع المسجوع وكانت هند أفصح من ذلك. وهي هند بنت الخسّ بن حابس بن قريط الإياديّة يقال الخسّ والخصّ بالسين والصاد والخسف بالفاء، والعرب تسمّي النجوم التي لا تغرب
(1/475)

محوبنات نعش والفرقدين والجدي والقطب الخسّان وزنه فعلان.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 202، 199 ":
وخمار غانية شددت برأسها ... أصلاً وكان منشّراً بشمالها
ع قد تقدّمت أمثلته في هذا الكتاب وذكر هناك معها. فإن قلت لم خصّ الشمال دون اليمين؟ قيل: لأن اليمين هي التي يستعان بها في العدو وتخلّى للدفع والذبّ وهي في ذلك كله أقوى من الشمال، فشمرة الساعي الناجي وحملة لشيء إن حمل إنما يكون بشماله. وهذا البيت لباعث بن صريم اليشكري يقوله في يوم الحاجر وصلته:
سائل أسيّد هل ثأرث بوائل ... أم هل شفيت النفس من بلبالها
إذ أرسلوني مائحاً لدلائهم ... فملأتها علقاً إلى أسبالها
فلمثل ما منّتك نفسك خالياً ... منعتك يشكر أهلها وفضالها
وخمار غانية شددت برأسها ... أصلاً وكان منشّراً بشمالها
وعقيلة يسعى عليها قيّم ... متغطرس أبديت عن خلخالها
قد قدت أوّل عنفوان رعيلها ... فلففتها بكتيبة أمثالها
وكتيب سفع الوجوه بواسل ... كالأسد حين تذبّ عن أشبالها
متغطرس: متكبّر. وقوله أبديت عن خلخالها: أي أغرت على حيّها فأحوجتها إلى رفع ذيلها والتشمير للهرب والفرار. وهذا كما قال الآخر:
لعمري لنعم الحيّ حيّ بني كعب ... إذا نزل الخلخال منزلة القلب
(1/476)

أي إذا شمّرن للسعي فبدت خلاخيلهن كما تبدو أسورتهنّ. وقيل إنّه أراد أنّها تخفّفت للنجاء فوضعت خلخالها في يدها، وقيل إنه أشار إلى الدهش والحيرة فرقاً فلم تتّجه للبس خلخالها ولا علمت موضعه من موضع سوارها.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 202، 199 ":
ومرقصة رددت الخيل عنها ... وقد همّت بإلقاء الزمام
ع هو لعنترة وبعد:
فقلت لها ارفعي منه وسيري ... وقد قرن الجزائز بالخدام
وهذا من أبيات المعاني ويروى الجزاجز بالجيم مكان الياء بالحزام بالحاء والزاي. فمن روى الجزائز أراد العهون التي تعلّق على مراكب النساء الواحدة جزازة وجزيزة. والخدام سيور تشدّ في رسغ البعير. ومن روى الجزاجز فإنّه يعني المذاكير أي قد صار الحزام بثيل البعير لشدة سيرها. وقيل إن الجزاجز والجزائز واحد، وهي خصل من صوف تعلّق بالهودج يزيّن بها.

وذكر أبو علي " 1 - 203، 199 "
قول المأمون في خبر إبراهيم بن المهديّ
لقد حببّت إليّ العفو حتى خفت أن لا أؤجر عليه.
ع ليس الحرص على الحسنات والهوى في إيثار الصالحات بناقص أجراً، بل ذلك بالزيادة فيه أحرى، لطيب النفس به ومساعدة الباطن للظاهر عليه. قال عمر بن عبد العزيز
(1/477)

رضي الله عنه ما شئ ألذّ عندي من هوى وافق حقاً. وفي الحديث المأثور: اللذّة في غير محرّم عبادة. والمثل السائر " إذا وافق الهوى الحقّ أرضيت الخالق والخلق " وقالوا أيضاً إذا وافق هواك رشادك فقد أحرزت معادك. وأول شعر إبراهيم:
أعنيك يا خير من يعني لمؤتلف ... من الثناء ائتلاف الدرّ في النظم
أثنى عليك بما أوليت من نعم ... وما شكرتك إن لم أثن بالنعم
رددت مالي ولم تبخل عليّ به
رددت ذلك أجراً فاحتسبت به ... قربي إلى الله في الإسلام والرحم
تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به ... فلا عدمناك من عاف ومنتقم
وفيه:
هما الحياتان من وفر ومن عدم
هكذا رواه أبو علي، وغيره يرويه من موت ومن عدم لأنه لو لم يردد ماله لكان عديماً، ولو لم يحقن دمه لكان فقيداً، ولا أعلم للرواية الأخرى وجهاً. وقال هبة الله بن إبراهيم أوّل شعر كتب أبي به إلى المأمون قوله:
أيا منعماً لم يزل مفضلاً ... أدام الضنا سخطك الدائم
فأستغفر الله من زلّتي ... فإنّي من جرمها واجم
يزلّ الحليم ويكبو الجواد ... وتنبو لدي الضربة الصارم
فها أنا ذا العائد المستجير ... فاحكم بما شئت يا حاكم
عصيت وتبت كما قد عصى ... وتاب إلى ربّه آدم
قال فحلّل له أكثر ما كان في نفسه.
(1/478)

أول الجزء الثاني من تجزئة البكري
وذكر أبو علي " 203، 200 " قولهم:
أصرد من عنز جرباء
ع لأنها لا تدفأ لتمرّط شعرها ورقّة جلدها، وقال حمزة بن الحسن الأصفهاني: وبعضهم يقول: أصرد من عين حرباء وكأنّ هذا تصحيف للمثل الأول إلاّ أنه مخلص حسن لأن الحرباء يستقبل الشمس أبداً بعينه يستجلب إليه الدفء.
وقولهم: " أنجد من رأى حضناً " ع حضن: جبل في ديار بني عامر فمن أقبل منه فقد أنجد ومن خلّفه فقد أتهم. وقولهم: " ربضك منك وإن كان سماراً ". ع قال ابن الأعرابي في نوادره الربض: قيّم بيته. والسمار: الكثيرة الماء كأنّه ضربه مثلاً للإنسان المذق. وقال غيره الربض والربض: ما أويت إليه من امرأة وقرابة، وقال ابن دريد أو منزل. والمعنى في المثل أهلك منك وإن كان ممزوجاً بأخلاق تكرهها، وأخبرني بعض من لقيته من العلماء أنّه رأى في تفسير هذا المثل معناه حبلك منك وإن كان سماراً. والسمار: ضرب من الأميل وهو الريش، والعامة تقول له سمّار. والربض: الحبل وجمعه أرباض. قال ذو الرمّة:
إذا غرّقت أرباضها ثنى بكرة ... بتيهاء لم تصبح رؤوماً سلوبها
وليس للسمار الذي هو اللبن الممذوق فعل يتصرّف. وقولهم: " أعييتني بأشر فكيف
(1/479)

أرجوك بدردر ". ع أصل هذا المثل أن دغة - وهي ماوية بنت مغنج وهو ربيعة بن عجل. قال المفضل بن سلمة: من قال مغنج بالغين معجمة فتح الميم ومن قال بالعين مهملة كسر الميم - زوّجت في بني العنب رنب عمرو بن تميم من عمرو بن جندب بن العنبر فلما ضربها المخاض ظنّت أنها تريد الخلاء فبرزت إلى بعض الغيطان فولدت واستهلّ الوليد، فانصرفت إلى الرحل وهي تظنّ أنها أحدثت، وقالت لضرّتها: يا هنتاه هل يفتح الجعرفاه؟ قالت: نعم ويدعو أباه. فبنو العنبر تسبّ بها فيقال لهم بنو الجعراء، ويضرب بحمقها المثل، فيقال " أحمق من دغة " ومن حمقها أنها نظرت إلى زوجها يقبّل بنتها منه ويقول بأبي دردرك فذهبت ودقّت أسنانها بفهر، ثم جاءته وقالت: كيف ترى دردري. فقال: " أعييتني بأشر فكيف بدردر " أي إنما كان أحسن شيء فيك أسنانك وكنت مع ذلك غير حظيّة عندي فكيف إذا فسد أحسن شيء فيك، ويقال بل قال لها ذلك حين سقطت أسنانها من الكبر.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 204، 200 ":
وقد علتني ذرأة بادي بدي
ع هو لأبي نخيلة. وصلته:
كيف التصابي فعل من لم يهتد ... وقد علتني ذرأة بادي بدي
ورثية تنهض في تشدّدي ... بعد انتهاضي في الشباب الأملد
وبعد ما أذكر من تأوّدي ... وبعد تمشائي وتطويحي يدي
(1/480)

الرثية: وجع المفاصل، والأملد والأملود: المتثّني وكذلك المتأوّد. وتمشاي: مشي وتطويحي يدي: أي أطوّح بها حيث أخطر يعني اختيالا. وقوله: بادي بدي: يريد أوّل شيء، يصلح أن يكون حالاً وأن يكون ظرفاً.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 204، 201 " لأوس بن حجر:
وإن مقرم منا ذرا حدّ نابه ... تخمّط فينا ناب آخر مقرم
ع وصلته:
أرى حرب أقوام تدق وحربنا ... تجلّ فنعروري بها كلّ معظم
ترى الأرض منّا بالفضاء مريضة ... معضّلة منا بجمع عرمرم
وإن مقرم منّا ذرا حدّ نابه
يقال عضّلت الناقة بولدها إذا نشب فلم يخرج.
يقول إذا سرنا في الموضع الواسع نشبنا فيه لكثرتنا، كما قال الآخر:
بجمهور يحار الطرف فيه ... يظلّ معضّلا منه الفضاء
وأنشد أبو عليّ " 1 - 204، 201 " لابن أحمر:
لها منخل تدري إذا عصفت به
ع وقبله:
أربّت عليها كلّ هوجاء سهوة ... زفوف التوالي رحبة المتنسّم
تبيت ولم تهجع فيصبح ذيلها ... له ثائب يشقي به كل مخرم
لها منخل تدري إذا عصفت به ... أهابيّ سفساف من الترب توأم
هوجاء: تركب رأسها لا تنثني. سهوة: ليّنة. والمتنسّم: الموضع الذي تهبّ فيه. وكل شيء فعله فاعل ليلاً يقال فيه بات يفعل كذا وإن لم يكن ثمّ نوم، قال:
باتت ربيعة لا تعرّس ليلها ... عنّي وليلى عن ربيعة نائم
وكلّ شيء يفعله نهاراً يقال ظلّ يفعل. والثائب: الشيء يثوب بعد الشيء. ومنقطع كلّ
(1/481)

غلظ مخرم. وقوله لها منخل: هذا مثل. وأهابيّ جمع أهباء وأهباء جمع هباء. وسفساف: دقيق. وتوأم: تراب مشتبه لا يعرف ذا من ذا.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 204، 201 ":
عمداً أذرّي حسبي أن يشتما ... بهدر هدّار يمجّ البلغما
ع الرجز لرؤبة وقد تقدم موصولا " 33 ".
وأنشد أبو عليّ " 1 - 204، 201 ":
على كلّ هتّافة المذروين ... صفراء مضجعة في الشمال
ع هو لأميّة ابن أبي عائذ وقبله قال يصف رامياً:
تراح يداه بمحشورة ... خواظي القداح عجاف النصال
كخشرم دبر له أزمل ... أو الجمر حشّ بصلب جزال
على عجس هتافة المذروين ... زوراء مضجعة في الشمال
هكذا رواه الأصمعي والسكري على عجس هتّافة لا على كلّ هتافة كما أنشده أبو علي ولأنّه إنما يرمي عن قوس واحدة لا عن كلّ هتّافة. قال الأصمعي: يقال يداه تراحان إلى المعروف فجاء به على هذا. وخواظ: ممتلئة ليست بدقاق. والخشرم: جماعة النحل والدبر. وحشّ: أوقد، والعرب تشبّه متابعة الرمي عند استشرائه واحتدامه بسعر اللهب واضطرامه، فتقول: ضرب هبر، وطعن نثر، ورمى سعر، قال كعب بن مالك يشبّه الضرب بذلك:
من سرّه ضرب يرعبل بعضه ... بعضاً كمعمعة الأباء المحرق
وأنشد أبو عليّ " 1 - 205، 201 " لعنترة:
(1/482)

أحولي تنفض استك مذرويها ... لتقتلني فها أنا ذا عمارا
ع هذا أوله وبعده:
متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا
وسيفي صارم قبضت عليه ... أشاجع لا ترى فيها انتشارا
حسام كالعقيقة وهو كمعي ... سلاحي لا أفلّ ولا فطارا
يخاطب به عمارة بن زياد العبسي وهو عمارة الوهّاب، وكان بلغه أنّه يقول لقومه قد أكثرتم ذكر هذا العبد، وددت أنّي لقيته خالياً حتى يعلم أنّه عبد. وروى أن عنترة وقف ينشد:
إذ يتّقون بي الأسنّة لم أخم ... عنها ولكنّي تضايق مقدمي
فبوّأ له عمارة بن زياد الرمح وقال نحن نتّقي بك الأسنّة يا ابن السوداء. فقال له عنترة: اغفرها وكان عنترة حاسراً أعزل فذهب واستلأم وركب فرسه، ثم أقبل حتى وقف موقفه الأوّل وأنشد البيت:
إذ يتّقون بي الأسنّة
فتغافل عنه عمارة حين رآه في سلاحه، فقال عنترة:
أحولي تنفض استك مذرويها
والروانف: أعلى الأليتين. وتستطاراً: منصوب على الجواب بالواو كما تقول: إن تكرمني يكرمك بكر ويحبوك عمرو، أي يجتمع لك إكرام بكر مع حباء عمرو. وفي تستطارا ضمير المخاطب، ويحتمل أن يكون الألف ضمير الاثنين يعني الرانفتين أو الأليتين وسقطت النون للجزم، أو لأنه منصوب على الجواب بالواو كما تقدّم. والكمع: الضجيع. والفطار: المتشقّق.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 205، 202 " لمعقّر بن حمار البارقيّ: إذا استرخت عماد الحيّ شدّت ع اسم معقّر عمرو بن حمار بن شجنة بارقي، شاعر جاهليّ. وقد قيل اسمه عامر حليف
(1/483)

لبني نمير، وبارق هو سعد بن عديّ بن حارثة بن عمرو مزيقياء ابن عامر، وإنما لقّب معقّراً لقوله:
لها ناهض في الوكر قد مهدت له ... كما مهدت للبعل حسناء عاقر
وصلة البيت:
وذبيانيّة وصّت بنيها ... بأن كذب القراطف والقروف
تجّهزهم بما وجدت وقالت ... بنيّ فكلّكم بطل مسيف
فأخلفنا مودّتها فقاظت ... ومأقي عينها حذل نطوف
إذا استرخت حبال البيت شدّت ... ولا يثني لقائمة وظيف
هكذا أنشده أبو عبيدة ووصله. مدح بهذه القصيدة بني نمير بن عامر بن صعصعة، وذكر ما فعلوا ببني ذبيان يوم شعب جبلة، وكانت الذبيانيّة وصّت بنيها أن يغنموا القطائف وهي القراطف والقروف وهي أوعية من أدم ينتبذ فيها. والمسيف: الذي وقع السواف في ماله، والمسيف أيضاً الذي معه سيف. قال فأخلفنا هواها فقتلناهم فقاظت دامعة العين حزينة القلب في حيّ هاربين خائفين غير مطمئنّين، لا ينيخون بعيراً، ولا يثنون له وظيفاً، خوفاً وفرقاً ونجاء وهرباً.
وأنشد أبو علي " 1 - 206، 202 " لجميل:
وقالوا لا يضيرك ناي شهر ... فقلت لصاحبيّ فما يضير
(1/484)

ع اختلف فيهما أشدّ اختلاف فأنشدهما أبو تمّام لرجل من خزاعة. وقال الرياشي: هو سليمان ابن أبي دباكل الخزاعيّ، وقال دعبل هما لأبي سعيدة الأسلميّ، وقد رويا لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ورويا لجميل وهما في ديوانه.
وأنشد أبو علي " 1 - 206، 203 " لابن الدمينة:
ألا لا أرى وادي المياه يثيب ... ولا النفس عن وادي المياه تطيب
الصحيح أنّ هذا الشعر لمالك بن الصمصامة بن سعد بن مالك أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة شاعر بدويّ إسلاميّ مقلّ، وكان فارساً جواداً جميل الوجه يهوي جنوب بنت محصن الجعديّة، وكان أخوها الأصبغ بن محصن من فرسان العرب وأهل النجدة فيهم، فنمى إليه نبذ من خبر مالك فآلي يميناً جزماً لئن بلغه أنه عرض لها أو زارها ليقتلّنه، فبلغ ذلك مالكاً فقال هذا الشعر. هكذا رواه المدائني وأبو عمرو الشيبانيّ.
وأنشد أبو علي " 1 - 206، 203 ":
صفراء من بقر الجواء كأنّما ... ترك الحياء بها رداع سقيم
هذا مذهب كثير للعرب. قال ذو الرمّة:
(1/485)

حكلاء في برج صفراء في نعج ... كأنّها فضّة قد شبابها ذهب
أي خالطها. قال: وذلك أحسن لها إذ كان لونها درّيّاً كما قال الراجز:
بيضاء صفراء اصفرار العاج ... في نعج منها وفي انبلاج
والبرج: سعة العين. والنعج: البياض. وأما قول الأعشى:
ترضيك من دلّ ومن ... حسن مخالطه غراره
بيضاء ضحوتها وصف ... راء العشيّة كالعراره
ففيه قولان: أحدهما أنها تمسى رادعة وتغتسل بالغداة فتصبح بيضاء. والقول الآخر أنها لرقّة بشرتها وصفاء لونها تتلوّن بلون الهواء وتحكيه كما تحكى المرآة. والمهاة والهواء عند الطفل يصفرّ باصفرار الشمس ويتوضّح عند الصباح لبياضها. قال أسقفّ نجران:
منع البقاء تصرّف الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسى
وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس
وقال ابن الروميّ:
إذا رنّقت شمس الأصيل ونفّضت ... على الأفق الغربي ورساً مزعزعاً
ولاحظت النوّار وهي مريضة ... وقد وضعت خدّاً إلى الأرض أضرعا
كما لاحظت عوّاده عين مدنف ... توجّع من أوصابه ما توجّعا
وقال أبو تمام في محمد بن يوسف حين سافر إلى مكة:
خير الأخلاّء خير الأرض همّته ... وأفضل الركب يقرو أفضل السبل
(1/486)

حطّت إلى عمدة الإسلام أرحله ... والشمس قد نفضت ورساً على الأصل
وقال آخر في مذهب قول الأعشى:
لتعلمن بيضاء صفراء الأصل ... أنّي سأغني اليوم ما أغني رجل
وأنشد أبو عليّ " 1 - 207، 203 ":
لك الله إنّي واصل ما وصلتني ... ومثن بما أوليتني ومثيب
ع قوله لك معلّقة بفعل القسم المضمر كأنه قال: أقسم لك بالله فلما حذف الباء أوصل الفعل فنصب، ويروى لك الله بالرفع أنّي واصل بفتح الهمزة المعنى لك الله شاهد أو كفيل على أنّي واصل ما وصلتني.

وذكر أبو عليّ " 1 - 207، 204 ":
من حرّم الخمر في الجاهليّة
فذكر منهم عامر بن الظرب.
ع وهو أحد حكّام قيس في الجاهليّة. والثاني غيلان بن سلمة الثقفي. وحكّام قريش ثلاثة: عبد المطّلب، وأبو طالب، والعاصي بن وائل. وحكّام تميم أربعة: أكثم بن صيفيّ وحاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس، وضمرة بن ضمرة إلاّ إن ضمرة حكم فأخذ رشوة فغدر. ولبني أسد حاكم واحد ربيعة بن حذار أحد بني سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد. وذكر فيهم قيس بن عاصم وهو شاعر فارس جاهليّ إسلاميّ، وهو أحد حلماء العرب
(1/487)

وسادتهم، وهو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر من بني سعد بن زيد مناة بن تميم يكنى أبا علي، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح وأسلم وحسن إسلامه وروى عنه أحاديث.
وأنشد هناك " 1 - 208، 204 " لصفوان بن أميّة:
رأيت الخمر صالحة وفيهامناقب تفسد الرجل الكريما
فلا والله أشربها حياتي ... ولا أشفى بها أبداً سقيما
هكذا رواه أبو عليّ، وتقديم الكلام:
رأيت الخمر صالحة تفسد الرجل الكريم
وفيها مناقب فهما خبران. وروى غير أبي علي: وفيها:
معايب تفسد الرجل الكريما
فهذا بيّن مقبول.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 209، 205 " لامرئ القيس:
أيقتلني وقد شغفت فؤادها
ع قبله:
فأصبحت معشوقاً وأصبح بعلها ... عليه القتام سيّئ الظنّ والبال
يغطّ غطيط البكر شدّ خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتّال
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وليس بذي سيف فيقتلني به ... وليس بذي رمح وليس بنبّال
أيقتلني وقد شغفت فؤادها ... كما شغف المهنوأة الرجل الطالي
(1/488)

ويروى:
كاسف الوجه والبال
والبال: الحال. وهذه الرواية أشبه بقوله عليه القتام: أي الغبار، ووجه الكئيب المحزون مغبرّ، ووجه الجذل المسرور مسفر. قال الله سبحانه: " وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة " أي يعلوها سواد. وقوله غطيط البكر: يعني عند رياضته وهو مصعب. ومسنونة: يعني سهاماً محدّدة الأزجّة. وزرق: صافية مجلوّة. والأغوال: همرجة من همرجة الجنّ وإنما أراد التهويل. والنبّال: هو الذي يعمل النبل، وإنما أراد أن يقول وليس بنابل وهو صاحب النبل فلم يستقم له. ويروى:
وقد قطرت فؤادها
من القطران والمعنى فيهما واحد.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 209، 205 " للنابغة:
وقد حال همّ دون ذلك شاغل ... ولوج الشغاف تبتغيه الأصابع
ع يليه:
وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضواجع
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السمّ قاطع
يسهّد من ليل التمام سليمها ... لحلى النساء في يديه قعاقع
دون ذلك: يعني دون الصبا والغزل. وقال أبو عبيدة: الشغاف في البيت وعاء القلب. وعيد أبي قابوس: هو الهمّ الذي ذكر. وأبو قابوس: النعمان بن المنذر. وكنهه: قدره، وقال ابن الأعرابيّ: حقيقة أمره، أي لم أكن بلغت ما يغضب عليّ فيه. وراكس: واد وقيل جبل في ديار بني مازن. والضاجعة والمحنية والحجون والجزع: كله منعطف الوادي مثل عراقيل دجلة. وقوله ضئيلة: يعني حيّة دقيقة قد اشتدّ سمّها وقلّ لحمها كما قال الراجز:
(1/489)

لميمة من حنش أعمى أصمّ ... قد عاش حتى صار ما يمشي بدم
فكلّ ما أسار منه الدهر سمّ
والعرب تقول: " رماه الله بأفعى حارية ": أي قد رجعت من غلظ إلى دقّة. ويروى:
يسهّر في ليل التمام.
وإنّما يعلّق على السليم الحلى لئلاّ ينام فتسري فيه الحمة. وكان لحليهم جلاجل وجرس وصلصلة. قال الأعشى:
تسمع للحلى وسواساً إذا انصرفت ... كما استعان بريح عشرق زجل
وقال الصقيل العقيليّ: إنّما يعلّق عليه الحلى سبعة أيّام لتنفر عنه الحمة كما يفعل بالذي يشري جلده فيلبس المزعفر، وسميّ سليماً تفؤّلاً له بالسلامة. الفرّاء: بنو أسد يقولون إنما سمّي سليماً لأنه أسلم لما به.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 209، 205 " للحارث بن حلّزة:
طرق الخيال ولا كليلة مدلج ... سدكاً بأرحلنا ولم يتعرّج
ع وبعده:
(1/490)

أنّي اهتديت وكنت غير رجيلة ... والقوم قد قطعوا متان السجسج
المدلج: الذي أسرى الليل كلّه. ولم يتعرّج: لم يأخذ يمنة ولا يسرة. وغير رجيلة: أي غير قويّة على المشي. ورجع بالمخاطبة على المرأة. والسجسج: المكان الواسع الصلب المستوي.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 209، 206 " لرؤبة:
والملغ يلكى بالكلام الأملغ
ع وقبله:
فلا تقسني بامرئ مستولغ ... أحمق أو ساقطة مزغزغ
أسلغ يدعى للّئيم الأسلغ ... والملغ يلكى بالكلام الأملغ
مستولغ: كأنّه حرّض حتى جعل يلغ في كل شيء. ومزغزغ: هو المغموز.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 209، 206 " لكعب بن زهير:
دربوا كما دربت أسود خفيّة
وصلته:
من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار
الذائدين الناس عن أديانهم ... بالمشرفيّ وبالقنا الخطّار
دربوا كما دربت أسود خفيّة ... غلب الرقاب من الأسود ضوار
وأنشد أبو عليّ " 1 - 209، 206 " للعجّاج في لذم إذا لزم:
يقتسر الأقوام بالتغممّ ... قسر عزيز بالأكال ملذم
ع هكذا رواه أبو عليّ بالتغمّم بالغين المعجمة لم تختلف الرواية عنه في ذلك وهو وهم، وإنما هو بالتقممّ بالقاف: أي الركوب والاعتلاء. كذلك رواه أبو حاتم وعبد الرحمن عن الأصمعيّ وفسّره بما ذكرته، وهو الذي لا يصحّ غيره. وصلة الشطرين:
إذا بذخت أركان عزّ فدغم ... ذي شرفات دوسري مرجم
يقتسر الأقران بالتقمّم ... قسر عزيز بالأكال ملذم
(1/491)

إن أحجمت أقرانه لم يحجم ... ولم يرضه رائض بمخطم
بذخت: ارتفعت. والباذخ: الجبل المرتفع. وفدغم: ضخم. ودوسري مثله. ومرجم: شديد الرجم. والتقمّم: الركوب والاعتلاء. والأقران: جمع قرن، وهذه أحسن من رواية أبي عليّ لأن الأقوام يقع على المسالم والمحارب، والأقران إنما تكون في الحرب وما أشبهها من المنافرات وطلب الطوائل. والأكال: الحظّ والنصيب. ويقال فلان ذو أكل أي ذو حظّ من الدنيا.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 209، 206 " لأوس بن حجر:
فما زال حتّى نالها وهو معصم ... على موطن لو زال عنها تفصّلا
ع قال أوس يذكر رجلاً توصّل إلى عود قوس في شاهق يقطعه:
ومبضوعة في رأس نيق شظيّة ... بطود تراه بالسحاب مكلّلا
ثم قال:
فويق جبيل شامخ الرأس لم يكن ... ليبلغه حتى يكلّ ويعملا
وأبصر ألهاباً من الطود دونها ... ترى بين رأسي كلّ نيقين مهبلا
فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكّلا
وقد أكلت أظفاره الصخر كلّما ... تعايا عليه طول مرقى توصّلا
فما زال حتّى نالها وهو معصم ... على موطن لو زلّ عنه تفصّلا
هكذا الصواب لو زلّ عنه: عن الموطن وهو الموضع الذي صار إليه. ورواية أبي علي
(1/492)

لو زال عنها لا وجه لها. قوله: فويق جبيل صغّره لأنه قلّ عرضه ودقّ وذهب في السماء صاعداً وهو أشدّ لتوقله. والمهبل المهواة. وأشرط فيها نفسه: جعلها علماً للهلاك وأشراط الساعة علاماتها. وقوله: وقد أكلت أظفاره الصخر التذكير في الصخر أعرف.
قال أبو عليّ " 1 - 210، 206 ": كتب رجل من أهل البصرة إلى صديق له وذكره إلى قوله: ومبالغتك في الاعتذار ع الاعتذار هنا الإعذار، وكذلك وقع في غير كتاب أبي عليّ، والإعذار: المبالغة في الطلب، والتعذير التقصير فيه. وفي آخره: ولا أصون عنك شكري. ويروى: ولا أصور بالراء. كذلك في كتاب الزبيديّ أي لا أميله ولا أعدل به عنك.

وذكر أبو عليّ " 1 - 210، 206 " قول الأعرابيّة:
نغلي اللحم غريضا ونهينه نضيجا
ولم يفسّره. ع وإنّما تريد أنهم يغالون به في الميسر ثم يبذلونه ويقرونه طبيخاً. قال الشاعر:
وإنّي لأغلي اللحم نيئاً وإنّني ... لممّن يهين اللحم وهو نضيج
وقال رجل من قيس:
نغالي اللحم للأضياف نيئاً ... ونرخصه إذا نضج القدور
وقال زهير في المغالاة بالميسر:
هنالك إن يستخلبوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
(1/493)

وأنشد أبو عليّ " 1 - 210، 206 ":
فتى لا يعدّ الرسل يقضي مذمّة ... إذا نزل الأضياف أو ينحر الجزرا
ع هذا من أوهام أبي عليّ إنما هو:
أو تنحر الجزر
وقوافي الشعر مرفوعة. وقبله:
فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنى ... وإن قلّ مالاً لم يؤد متنه الفقر
فتى لا يعدّ المال ربّاً ولا ترى ... له جفوة إن نال مالاً ولا كبر
فتى لا يعدّ الرسل يقضي ذمامه ... إذا نزل الأضياف أو تنحر الجزر
والشعر للأبيرد اليربوعيّ يرثي أخاه بريداً. وهو الأبيرد بن المعذّر بن عمرو بن قيس من بني رياح بن يربوع بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، شاعر إسلاميّ في أول الدولة الأمويّة.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 210، 207 ":
لو أنّ حولي من تميم رجلا
ع كان صخر قد أغار على بني المصطلق وهم فخذ من خزاعة فأحاطوا به فجرح واستبطأ أصحابه فأنشأ يقول:
لو أنّ أصحابي بنو خناعه ... أهل الندى والجود والبراعه
(1/494)

تحت جلود البقر القرّاعه ... لمنعوا من هذه اليراعة
وقال أيضاً:
لو أنّ حولي من قريم رجلاً ... بيض الوجوه يحملون النبلا
لمنعوني نجدة أو رسلا
وقتل صخر في ذلك اليوم. قوله القرّاعة: يعني التراس الصلاب وأنشد:
ومجنإ أسمر قرّاع
وقريم: حيّ من هذيل كذلك رواه الأصمعي والسكّريّ، وتميم أيضاً منهم وهو تميم بن سعد بن هذيل.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 210، 207 " للأعشى:
سقى دياراً لها قد أصبحت غرضاً ... زوراً تجانف عنها القود والرسل
ع وقبله:
يا من رأى عارضاً قد بتّ أرمقه ... كأنّما البرق في حافاته الشعل
فقلت للركب في درنا وقد ثملوا ... شيموا وكيف يشيم الشارب الثمل
قالوا نمار فبطن الخال جادهما ... فالعسجديّة فالأبلاء فالرجل
ثم ذكر مواضع وقال:
سقى دياراً لها قد أصبحت غرضاً
ويروى: قد أصبحت عزباً أي عازبة. والقود: الخيل. والرسل: الإبل.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 211، 208 ":
ذد الدمع حتّى يظعن الحيّ إنّما ... دموعك إن نمّت عليك دليل
(1/495)

هما للمجنون من كلمة له.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 211، 208 ":
وينظر من بين الدموع بمقلة ... رمى الشوق في إنسانها فهو ساهر
قال أبو علي عند قراءة البيت عليه أسكن الياء ضرورة ولا يجوز في غير الشعر. ع وغير أبي عليّ يرويه رمى الشوق بفتح الميم لغة لطئ ولا ضرورة فيه. قال زيد الخيل:
أفي كلّ عام مأتم تبعثونه ... على محمر ثوّبتموه وما رضى
يريد وما رضى. ومحمر: فرس هجين.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 212، 208 ":
نظرت كأنّي من وراء زجاجة ... إلى الدار من فرط الصبابة أنظر
ع وبعدهما:
فلا مقلتي من غامر الماء تنجلي ... ولا دمعتي من شدّة الوجد تقطر
هكذا أنشده إبراهيم ابن أبي عون وأنشده غيره:
وليس الذي يهمي من العين دمعها ... ولكنّه نفس تذوب وتقطر
والشعر لأبي حيّة النميري. ومثل قوله:
فلا مقلتي من غامر الماء تنجلي
قول البحتريّ:
وقفنا والعيون مشغّلات ... يغالب دمعها نظر كليل
نهته رقبة الواشين حتّى ... تعلّق لا يغيض ولا يسيل
(1/496)

وقوله:
ولا دمعتي من شدّة الوجد تقطر
أول من ذكر أن شدّة الوجد يجمد الدّمع كثيّر قال:
أقول لدمع العين أمعن لعلّه ... بما لا يرى من غائب الوجد يشهد
فلم أدر أنّ العين قبل فراقها ... غداة الشبا من لاعج الوجد تجمد
ولم أر مثل العين ضنّت بمائها ... عليّ ولا مثلي على الدمع يحسد

وذكر أبو علي " 1 - 212، 208 " قول بشّار: مازال غلام من بني حنيفة يدخل نفسه فينا.
ع هذا الغلام هو عبّاس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة، وقيل ابن الأسود بن قدامة من بني عديّ بن حنيفة وقل من بني الديل بن حنيفة شاعر من شعراء الدولة الهاشميّة ولم يكن يتجاوز النسيب إلى مديح ولا هجاء، يكنى أبا الفضل.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 212، 209 ":
ومن طاعتي إياه أمطر ناظري ... له حين يبدي من ثناياه لي برقا
ع وهما للخبزرزّيّ وبعدهما:
سأستعمل البقيا على من أحبّه ... وإن كان ما أبقى عليّ ولا أستبقي
فلولا الهوى لم يملك الحرّ طائعاً ... ولولا الهوى لم يغلب الباطل الحقّا
وإنما نهج له السبيل بعض المحدثين بقوله:
لّما بكيت استرابوني فقلت لهم ... سقوط نجم المعالي نوء أجفاني
(1/497)

والخبزرزّيّ هو أبو القاسم نصر بن أحمد بن نصر بصريّ الدار من شعراء الدولة الهاشميّة أحد المطبوعين المجوّدين، وكان لا يعدل به أحد في زمانه، وقد تقدّم أبا الطيّب الذي ألمّ فيه بهذا المعنى وهو:
كل جريح ترجى سلامته ... إلاّ جريحاً دهته عيناها
تبلّ خدّيّ كلّما ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها
وإلى نحو هذا ذهب أصحاب المعاني في قول مجنون بني عامر:
فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصبح في أعقاب نجم مغرّب
وهو الساقط الذي له النوء: قال أبو علي " 1 - 212، 209 " وكان ابن دريد يستحسن قول أبي نواس:
لا جزى الله دمع عيني خيراً ... وجزى الله كلّ خير لساني
ع وهذا الشعر للعباس بن الأحنف لا لأبي نواس بلا اختلاف.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 213، 210 ":
ولذّ كطعم الصرخديّ تركته ... بأرض العدي من خشية الحدثان
(1/498)

ع ومن مختار ما ورد من أبيات المعاني في النوم أيضاً قول رجل من هوازن:
قاسمت جنّان الفلاة ففتّهم ... بمهجة نفسي واستبدّوا بصاحبي
ولم أحتمل عاراً ولكنّ نجدة ... غداري شقيق النفس بين السّباسب
وأنشد أبو عليّ " 1 - 214، 210 ":
ومستنبح بات الصدى يستتيهه ... فتاه وجوز الليل مضطرب الكسر
ع هو لرجل من بني الحارث بن كعب. وقوله وجوز الليل مضطرب الكسر: جوزه وسطه. وكسره جانبه. والكسر: أيضاً الشقّة السفلى من الخباء، يقال أرض ذات كسور: أي ذات صعود وهبوط وفيه:
وكادت تطير الشول عرفان صوته ... ولم تمس إلاّ وهي خائفة العقر
ع ظاهر قوله وكادت تطير الشول عرفان صوته أنه يريد سروراً بقدومه، فلما نحرها وعقرها له عاد ذلك السرور خوفاً وحزناً، لأن المعروف أن يقال طار فرحاً ولا يقال طار فزعاً فإن كان مقولاً فهو وجه المعنى في البيت، وكان ينبغي أن يقول ولم تصبح إلاّ وهي خائفة العقر لأنه إنما نزل به ليلاً وقراه ليلاً ولا يجب أن يؤخّر النحر إلى الغد فإن ذلك لؤم. والمعلوم أن توصف الإبل بكراهة قدوم الضيفان، وإنما تحبّ ذلك الكلاب كما قال الآخر:
ومستنبح تهوي مساقط رأسه ... إلى كلّ صوت فهو للسمع أصور
حبيب إلى كلب الكريم مناخه ... كريه إلى الكوماء والكلب أبصر
ويروى:
بغيض إلى الكوماء
وقال ابن هرمة:
(1/499)

ومستنبح تسكشط الريح ثوبه ... ليسقط عنه وهو بالثوب معصم
عوى في سواد الليل بعد اعتسافه ... لينبح كلب أو ليسمع نوم
فجاوبه مستسمع الصوت للقرى ... له مع إتيان المهبيّن مطعم
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلاً ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم
المهبيّن: الأضياف الموقظون للنوّام. وقال ابن هرمة:
وفرحة من كلاب الحيّ يتبعها ... شحم يزفّ به الراعي وترعيب
وما أحسن قول ابن هرمة أيضاً ويروى لغيره:
استوص خيراً به فإنّ له ... عندي يداً لا أزال أحمدها
يدلّ ضيفي عليّ في غسق ... الليل إذا النار نام موقدها
قال أبو عليّ " 1 - 214، 211 ": حكى عن بعضهم أنّه قال: دخلت على الناطفيّ فبشرني ببشر حسن ع هذا أبو خالد الناطفيّ صاحب عنان الشاعرة اليمامية، وكانت بارعة الأدب سريعة البديهة. كان فحول الشعراء يساجلونها فتنتصب منهم. واشتراها الرشيد بعد موت الناطفيّ في سوق من يزيد، وعليها رداء رشيديّ ومسرور الخادم يتزايد فيها مع الناس بمائتي ألف وخمسين ألفاً، وأولدها الرشيد ولدين ماتا صغيرين. وقالت عنان ترثي الناطفيّ:
يا موت أفنيت القرون ولم تزل ... حتّى سقيت بكأسك النطّافا
يا ناطفيّ وأنت عنّا نازح ... ما كنت أوّل من دعوه فوافى
وأنشد أبو عليّ " 1 - 214، 211 " عن اللحيانيّ:
خفاهنّ من أنفاقهن كأنما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب
(1/500)

قال وغير اللحياني يرويه من سحاب مجلّب أي مصوّت. ع وقبله:
ترى الفأر في مستعكد الأرض لا حباً ... على جدد الصحراء من شد ملهب
يقول مرّ الفرس وله حفيف فخرجت الفأر من جحرتهنّ حسبنه مطراً. والمستعكد: الغلظ من الأرض ويقال مرّ يحلب إذا عدا. ويروى:
من عشى مجلّب
ومجلّب بالجيم أي له جلبة من شدّة المطر. والشعر لامرئ القيس.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 215، 212 ":
صوّى لها ذا كدنة جلذيّا ... أخيف كانت أمّه صفيّا
ع وبعدهما:
وقد رعى الربيع والربليّا ... وعمما من عامه عاميّا
التصوية: تحفيل الناقة بلبنها وهي هنا تحفيل الفحل بمائه للضراب. والكدنة: اللحم ويقال السنام. والجلذيّ: الشديد، ويقال جلذيّ بكسر الجيم وقال الراجز:
لتقربنّ قرباً جلذيّاً
أي شديداً. وكانت أمّه صفيّاً: أي كثرة الدر فهو أقوى له.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 216، 212 " للهذليّ:
فلا تقعدنّ على زخّة ... وتضمر في القلب وجداً وخيفا
ع هو لصخر الغيّ وقبله:
فإنّ ابن تربي إذا زرتكم ... أراه يدافع قولاً عنيفاً
(1/501)

قد أفنى أنامله أزمه ... فأمسى يعضّ عليّ الوظيفا
فلا تقعدن. ابن تربي: كأنّه يهجّن أمّه وهو تفعل من الرنوّ، والرنوّ: إدامة النظر أي ترنو ويربي إليها للريبة. والوظيف: هنا مثل وإنما يريد كفّه حين ذهبت أصابعه. والخيف: جمع خيفة من الخوف. قال أبو عليّ: ومنه قيل للمرأة مزخّة.
ع قال الراجز في المزخّة:
أفلح من كانت له مزخّة ... يزخّها ثمّ ينام الفخّة
أي ينام حتى يغطّ في نومه من الفخيخ وهو أرفع غطيط النائم.
قال أبو علي " 1 - 216، 213 " قال خالد بن صفوان لبعض الولاة: قدمت فأعطيت كلاّ بقسطه من وجهك وكرامتك حتّى كأنّك لست من أحد أو حتى كأنّك من كل أحد.
ع قوله: حتّى كأنّك لست من أحد: يريد أنّه ليس للقريب عنده فضل على البعيد. وقوله: أو حتّى كأنك من كل أحد أي حتى كأنّ الناس أقاربك في إحسانك إليهم وعمومك بذلك لهم.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 216، 213 ":
ولّما أبى إلاّ جماحاً فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل
ع هذا الشعر أنشده أبو تمّام وغيره غير منسوب، وقد رأيته منسوباً إلى الحسين بن مطير ولا أدري ما صحّة ذلك.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 217، 214 ":
ولقد أتاني عن تميم أنّهم ... ذئروا لقتلى عامر وتغضّبوا
(1/502)

ع هو لعبيد بن الأبرص. وبعده:
رغم لعمر أبيك عندي ضائع ... أنّي يهون عليّ أن لا يعتبوا
وخبره أن أسداً وطئاً وغطفان أوقعت يوم النسار ببني عامر وبني تميم وهم حلفاء، ففرّت بنو تميم وثبتت بنو عامر فقتلوا قتلاً شديداً، وفي ذلك يقول عبيد من هذا الشعر:
ولقد تطاول بالنسار لعامر ... يوم تشيب له الرؤوس عصبصب
والنسار عن يمين الحمي، فغضبت بنو تميم لبني عامر، فتجمّعوا ولقوا أسداً وحلفاءها يوم الجفار، فلقيت منهم أشدّ مما لقيت بنو عامر. فقال بشر ابن أبي خازم:
غضبت تميم أن يقتّل عامر ... يوم النسار فأعتبوا بالصيلم
فقال ضمرة بن ضمرة النهشلي: الخمر عليّ حرام حتى يكون به يوم يكافئه، فأغار عليهم يوم ذات الشقوق وهي بديار بني أسد فقتلهم. وقال في ذلك:
ألآن ساغ لي الشراب ولم أكن ... آتي التجار ولا أشدّ تكلّمي
حتّى صبحت علي الشقوق بغارة ... كالتمر ينثر في جريم الجرّم
وأنشد أبو عليّ " 1 - 218، 214 ":
الرمح لا أملأ كفيّ به ... واللبد لا أتبع تزواله
ع وبعده:
والدرع لا أبغي بها ثروة ... كلّ امرئ مستودع ماله
آليت لا أدفن قتلاكمو ... فدخّنوا المرء وسرباله
(1/503)

والشعر لعمرو بن الحارث بن همّام أحد بني تيم اللات بن ثعلبة، ويعرف عمرو بابن زيّابة قال:
يا لهف زيّابة للحارث ... الصابح فالغانم فالآئب
يعني أمّ نفسه. والحارث هو الحارث بن همّام تأسّف أن صبحهم فغنم وآب سالماً. وقال محمد بن داود: إنه ابن زبابة ببائين كلّ واحدة منهما معجمة بواحدة مخفّفتين. قال: والزبابة فأرة من فأر الحرّة. قال الحارث بن حلّزة:
وهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعدا
والبيت الذي أنشدنا له آنفاً لا يستقيم على ما قال. وعمرو هذا شاعر جاهليّ. وقوله: الرمح لا أملأ كفّي به قد فسّره أبو عليّ. وفيه قول آخر: وهو أنّه أراد أطعن به اختلاساً كقول الفند الزمّانيّ:
(1/504)

وقد أختلس الضربة ... لا يدمي لها نصلي
وقال آخر:
ومدجّج سبقت يداي له ... تحت العجاج بطعنة خلس
فأما قوله:
والدرع لا أبغي بها ثروة
والثروة: كثرة المال. يقول لا أبيع الدرع وإن أرغبت وأكثر لي ثمنها لأن المال وديعة تسترجع. قال الله عز وجل: " وأنفقوا ممّا جعلكم مستخلفين فيه ". يقول علام أبيع درعي بما لا يبقي ولا أبقى عليه.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 220، 216 ":
قد قلت للبدر واستعبرت حين بدا ... يا بدر ما فيك لي من وجهها خلف
تبدو لنا كلّما شئنا محاسنها ... والبدر ينقص أحياناً وينكسف
ع وقد رواهما غير أبي عليّ رويّ آخر فقال مكان من وجهها خلف بدل ومكان ينقص أحياناً وينكسف ويكتمل.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 220، 217 " لجميل:
فإنّ يك جثماني بأرض سواكمو ... فإنّ فؤادي عندك اليوم أجمع
يروى بأرض سواكمو: على الإضافة وهذا بيّن، ويروى بأرض سواكمو: منوّن يريد بأرض سوى أرضكم فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 221، 217 ":
ولمّا بدا لي منك ميل على العدى ... سواي ولم يحدث سواك بديل
ع روى غير أبي علي:
ميل مع العدى عليّ
كذلك أنشده أبو تمّام وغيره
(1/505)

وهو الصحيح. وسواي: على رواية أبي عليّ بمعنى قصدي. وأنشد اللغويّون في سوى بمعنى قصد:
فلأصرفنّ سوى حذيفة مدحتي ... لفتى العشيّ وفارس الأجراف
وأنا أشهد أن قائل هذا البيت إنما قال:
فلأصرفنّ إلى حذيفة
وسوى موضوع، وأنشدوا أيضاً:
لو تمنّت حبيبتي ما عدتني ... أو تمنّيت ما عدوت سواها
وأنا أقول: إن سواها بمعنى غيرها ليس إلاّ.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 221، 217 " للحسن بن وهب:
بأبي كرهت النار لّما أوقدت ... فعلمت ما معناك في إبعادها
ع والحسن هو الحسن بن وهب بن سعيد الحارثيّ الكاتب يكنى أبا علي، شاعر محسن وبليغ مفتنّ. كتب الحسن للخلفاء ولم يزر، ووزر أخوه سليمان بن وهب للمعتزّ والمهتدي.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 222، 218 " لأبي الشيص:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخّر عنه ولا متقدّم
وأبو الشيص لقب. والشيص: رديء التمر. وهو كوفيّ من مقدّمي شعراء عصره وإنما أخمل
(1/506)

ذكره وقوعه بين مسلم بن الوليد وأشجع وأبي نواس، ولو لم يكن له إلاّ هذا الشعر لاستحقّ به التقديم واستوجب التفضيل إن صحّ له. وقال أبو الفرج علي بن الحسين: حدثني اليزيدي قال: حدثني محمد بن الحسن الزّرقيّ قال: حدثني عبد الله بن شبيب قال: أنشدني علي بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب لنفسه وكان شاعراً غزلاً:
وقف الهوى بي حيث أنت
وهذا هو الصحيح لأن الشعر المذكور لم يقع في ديوان شعر أبي الشيص ولا رواه أحد عنه كما روى عن علي بن عبد الله.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 222، 218 ":
ولو نظروا بين الجوانح والحشا ... رأوا من كتاب الحبّ في كبدي سطرا
ولو جرّبوا ما قد لقيت من الهوى ... إذن عذروني أو جعلت لهم عذرا
جعلت وما بي من صدود ولا قلى ... أزوركمو يوماً وأهجركم شهرا
ع يقول: لو جرّبوا ما قد لقيت لعذروني فما عذلوني أو جعلت لهم عذراً فلم أفعل بهم ما فعلوا بي لعلمي بما يلقون. وقال قوم: إنّ أو هنا بمعنى الواو والمعنى على هذا لعذروني ولكانوا معذورين بعضهم من بعض، فكأنّه هو الجاعل لهم عذراً إذ حملهم على تجربة الهوى. وأسقط أبو علي من هذا الشعر البيت الذي به يقوم معنى البيت الآخر لأنه جواب له ولا فائدة له إلاّ بذكره وهو:
ولّما رأيت الكاشحين تتبّعوا ... هوانا وأبدوا دوننا نظراً شزرا
جعلت وما بي من صدود ولا قلى ... أزوركمو يوماً وأهجركم شهرا
ويروى: وأهجركم عشرا
ولولا هذا البيت المسقط لكان البيت الذي أنشده أبو عليّ لغواً ومنقطعاً مما قبله كأنه ليس من الشعر.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 222، 218 " لإسحاق بن إبراهيم الموصليّ:
(1/507)

أخاف عليها العين من طول وصلها ... فأهجرها الشهرين خوفاً من الهجر
وفيه:
وما كان هجراني لها عن ملالة ... ولكنّني أمّلت عاقبة الصبر
وروى غيره:
ولكنّني جرّبت نفسي على الصبر
وقال أبو بكر الصولي: قال لي المبرّد: عمّك إبراهيم بن العبّاس أحزم رأياً من خاله عباس بن الأحنف في قوله:
وحدّثت نفسي بالفراق أروضها ... فقالت رويداً لا أغرّك من صبري
فقلت لها فالهجر والبين واحد ... فقالت أأمني بالفراق وبالهجر
وقال عبّاس:
كان خروجي من عندكم قدراً ... وحادثاً من حوادث الزمن
من قبل أن أعرض الفراق على ... نفسي وأن أستعدّ للحزن
وأنشد أحمد بن يحيى في معنى شعر عبّاس هذا:
فلو كنت أدري أنّ ما كان كائن ... حذرتك أيام الفؤاد سليم
ولكن حسبت الهجر شيئاً أطيقه ... إذا رمت أو حاولت أمر عزيمي
(1/508)

وقال الفزاريّ في معنى قول إسحاق بن إبراهيم:
وأعرض حتى يحسب الناس أنّما ... بي الهجر لا والله ما بي لك الهجر
ولكن أروض النفس أنظر هل لها ... إذا فارقت يوماً أحبّتها صبر
وقال الحسين بن مطير:
قضى الله يا أسماء أن لست زائلاً ... أحبّكم أو يغمض العين مغمض
إذا أنا رضت النفس في ودّ غيركم ... أتى حبّكم من دونه يتعرّض
وقال نصيب:
وإنّي لأستحي كثيراً فأتّقى ... عيوناً وأستبقي المودّة بالهجر
وأنذر بالهجران نفسي أروضها ... لأعلم عند الهجر هل لي من صبر
وأنشد أبو علي " 1 - 223، 219 " لأبي العميثل:
أيّام ألحف مئزري عفر الملا ... وأغضّ كلّ مرجلّ ريّان
وأنشد أبو عليّ " 1 - 223، 219 " للأعشى:
ولقد أرجّل لمّتي بعشيّة ... للشرب قبل سنابك المرتاد
ع وبعده:
والبيض قد عنست وطال جراؤها ... ونشأن في قنّ وفي أذواد
(1/509)

ولقد أخالهن ما يمنعنني ... عصراً يملن عليّ بالأجساد
قبل سنابك المرتاد: يقول قبل رجوع الرائد على فرسه عشيّة. ويروى: قبل سبائك المرتاد أي دراهم الذي يشتري لهم الشراب يرتاد جيّده. ويقال جارية بيّنة الجراء. ونشأن لي قنّ: أي هنّ مستغنيات بإمائهنّ يكفينهن. ويروى: طوراً يملن وأنشد أبو عليّ " 1 - 224، 220 " لأوس:
وأبيض صوليّاً كأنّ غراره ... تأكل برق في حبيّ تأكّلا
ع وقبله:
وإنّي امرؤ أعددت للحرب بعدما ... رأيت لها ناباً من الشرّ أعصلا
أصمّ ردينيّاً كأنّ كعوبه ... نوى القسب عرّاصاً مزجّاً منصّلا
وأملس صوليّاً كنهي قرارة ... أحسّ بقاع فنح ريح فأجفلا
وأبيض هنديّاً كأنّ غراره ... تلألؤ برق في حبّي تكلّلا
إذا سلّ من جفن تأكّل أثره ... على مثل مصحاة اللجين تأكّلا
هكذا صحّة إنشاده، وقد خلّط أبو عليّ في صدر البيت وعجزه فمزجه من ثلاثة أبيات على ما أنا مورده: قال أوس: وإنّي امرؤ فوضع أبو علي مكان " أبيض هندياً " " أبيض صوليّا " وهو وهم لأن الصوليّ من نعت الدرع لا من نعت السيف نسبها إلى رجل أعمى أو إلى صول الموضع المعروف. وكذلك قوله: في حبيّ تأكّلا إنما هو تكلّلا فأتى به من قوله في البيت الآخر: تأكّل أثره على مثل مصحاة اللجين تأكّلا. والتأكل لا يكون في صفة البرق إنّما يكون في صفة فرند السيف، والتكلّل والإنكلال في صفة البرق معروف وهو كالضحك والابتسام، وأيضاً فإنّ في البيت الثاني تأكّل أثره وقافيته تأكّلا وذلك بصفة الفرند أوقع. قال ابن مفرغ في ضحك البرق:
(1/510)

الريح تبكي شجوها ... والبرق يضحك في غمامه
والمصحاة: إناء من لجين يشرب فيه مشتق من الصحو تفؤلاً له بذلك.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 224، 220 " شعراً فيه:
عليّ نذور يوم تبرز خالياً ... لعيني وأيّام كثير أصومها
ع رجع عن إخبارها إلى الإخبار عنها فلذلك قال يوم تبرز ولم يقل تبرزين، وقوله خالياً: أراد مكاناً خالياً فأقام الصفة مقام الموصوف.
وذكر أبو عليّ " 1 - 224، 220 " عن المفضل بن محمد قال: لّما قدم بغاء ببني نمير أسرى. ع كان هذا الذي ذكر سنة اثنتين وثلاثين ومائتين آخر أيام الواثق، وذلك أنّ عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير امتدح الواثق بقصيدة فأمر له بثلاثين ألف درهم، ثم كلّم عمارة الواثق في بني نمير وأخبره بعيثهم وإفسادهم في الأرض وغاراتهم على اليمامة وغيرها، فكتب الواثق إلى بغاء وهو بالمدينة يأمره بحربهم، وهم قتلوا أبا نصر ابن حميد بن عبد الحميد الطوسيّ الذي رثاه الطائيّ. فسار إليهم حتى وافاهم في بطن نخل من عمل اليمامة،
(1/511)

فهزمه بنو نمير حتى بلغوا معسكره وأيقن بالهلكة، ثم تشاغلوا بالنهب حتى ثاب إلى بغاء من كان انكشف من أصحابه فكرّوا علي بني نمير فهزموهم وقتلوا منهم زهاء ألف وخمسمائة، وحمل إلى بغداد منهم نحو ألفي رجل ومن بني كلاب وبني مرّة وفزارة فطفئت مذ ذاك جمرة بني نمير وكانت إحدى الجمرتين الباقيتين. وقال شاعر بني نمير يومئذ:
قرّبوا الأبلق لي يوم الوغى ... قد أتاكم جيش موسى بن بغا
وأنشد أبو عليّ " 1 - 225، 221 " في الخبر:
رمى قلبه البرق الملاليّ رمية ... بذكر الحمى وهناً فبات يهيم
هكذا رواه أبو عليّ وقال: ملال: موضع نسب البرق إليه. وغيره ينشده:
البرق الملألئ
بالهمز من التلألؤ وذكر أبو عليّ " 1 - 226، 222 " حديث رملة بنت معاوية مع وزجها عمرو بن عثمان بن عفّان. ع روى غير واحد أن عمرو بن عثمان هذا اشتكى، فكان العوّاد يدخلون عليه ويخرجون، ويتخلّف مروان بن الحكم عنده فيطيل، فأنكرت ذلك رملة بنت معاوية امرأة عمرو فخرقت كوّة فاستمعت على مروان فسمعته وهو يقول لعمرو: ما أخذ هؤلاء يعني بني حرب الخلافة إلا باسم أبيك، فما يمنعك أن تنهض بحقّك؟ فلنحن أكثر منهم رجالاً
(1/512)

منّا فلان ومنهم فلان حتّى عدّد فضول رجالهم على رجال بني حرب، فلمّا برأ عمرو تجهّز للحجّ وتجهّزت رملة لزيارة أبيها، فلما خرج عمرو خرجت رملة فقدمت على أبيها فأخبرته الخبر وقالت: ما زال يعدّ فضل رجال أبي العاصي على بني حرب حتّى عدّ ابنيّ فتمنّيت أنّهما ماتا. فكتب معاوية إلى مروان:
أواضع رجل فوق رجل تعدّنا ... عديد الحصا ما إن تزال تكاثر
وأمّكم تزجى تؤاماً لعلها ... وأمّ الكرام نزرة الولد عاقر
أشهد يا مروان أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا بلغ ولد الحكم ثلاثين اتّخذوا مال الله دولاً، ودين الله دغلاً، وعباد الله خولاً، فإذا بلغوا تسعة وتسعين كان هلاكهم. فكتب إليه مروان أما بعد: يا معاوية فإني أبو عشرة، وأخو عشرة، وعمّ عشرة. وابناها اللذان ذكرت من عمرو هما خالد وعثمان. وقول معاوية لها: آل أبي سفيان أقلّ حظاّ في الرجال من أن تكوني رجلاً. يريد أن الولد تبع لأبيه لا حق به في نسبه لا تبع لأمّه. يريد معاوية لو كنت رجلاً كانا لاحقين بنا في نسبنا وتابعين لنا، ولكنّا أقلّ حظّا في الرجال من ذلك. يعني من أن تكون رملة رجلاً فيكون هو وابناه من آل أبي سفيان رجالاً. وفي رملة هذه وأختها هند بنتي معاوية يقول عبد الرحمن بن الحكم:
أؤمّل هنداً أن يموت ابن عامر ... ورملة يوماً أن يطلّقها عمرو
وكانت هند عند عبد الله بن عامر بن كريز.
وذكر أبو عليّ " 1 - 226، 222 " عن الأصمعيّ قال: دخل رجل من العرب على رجل من أهل الحضر. فقال له الحضريّ: هل لك أن أعلّمك سورة من كتاب الله؟ قال:
(1/513)

إنّي أحسن من كتاب الله ما إن عملت به كفاني. قال وما تحسن؟ قال: أحسن سوراً. ووقّف عليه أبو علي فأبى سواه وقال هكذا الرواية ع وإنما هو خمس سور لقول الحضري بعد أن قرأ له: فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، وإنّا أعطيناك الكوثر إقرأ السورتين ولو لم يتقدّم توقيت لما طالبه بسورة ولا اثنتين.
وأنشد أبو علي " 1 - 227، 223 ":
استودع العلم قرطاساً فضيّعه ... وبئس مستودع العلم القراطيس
ع أحسن ما ورد في هذا قول محمد بن يسير يعيب نفسه بكثرة جمع الكتب:
أما لو أعي كلّ ما أسمع ... وأحفظ من ذاك ما أجمع
ولم أستفد غير ما قد جمعت ... لقيل هو العالم المقنع
(1/514)

ولكنّ نفسي إلى كلّ نوع ... من العلم تسمعه تنزع
فلا أنا أحفظ ما قد جمعت ... ولا أنا من جمعه أشبع
وأحضر بالعيّ في مجلس ... وعلمي في الكتب مستودع
فمن يك في علمه هكذا ... يكن دهره القهقري يرجع
إذا لم تكن حافظاً واعياً ... فجمعك للكتب ما ينفع
وله في نقيض هذا المعنى:
إذا ما غدا الطلاّب للعلم ما لهم ... من الحظّ إلاّ ما يدوّن في الكتب
غدوت بتشمير وجدّ عليهم ... فمحبرتي أذني ودفترها قلبي
قال أبو عليّ " 1 - 227، 223 " كان الأصمعي كثيراً ما يقول: من قعد به حسبه نهض به أدبه ع حدّث يحيى بن أكتم. قال: كنت جالساً مع المأمون في مكان من القصر يرى الناس ولا يرونه، حتّى أقبل من باب القصر شابّ حسن الوجه يتبختر في مشيته فقال: من هذا؟ قلت: لا أعرفه حتّى يقرب. فقال: ليس يخلو أن يكون هاشميّاً أو نحويّاً. فتقدّم فإذا هو نحويّ. فقال: ألم أقل لك يا يحيى إن النحو قد ألبس أصحابه حلّة من البهاء والهيبة كادوا يكونون في الشرف مثل بني هاشم، يا يحيى: من قعد به حسبه نهض به أدبه.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 228، 223 " لخارجة بن فليح المللّي:
أحنّ إلى ليلى وقد شطّ وليها ... كما حنّ محبوس عن الإلف نازع
(1/515)

إذا خوّفتني النفس بالنّأي تارة ... وبالهجر أخرى أكذبتها المطامع
الولي: القرب. يقال دار فلان ولي دار فلان إذا كانت تليها، والدار وليّة: أي قريبة. وقوله: كذبتها المطامع يقال أكذبت الرجل: وجدته كاذباً، وكذّبته: رددت عليه قوله وجعلته باطلاً، بهذا يستقيم المعنى في البيت. وربما قالوا أكذبته بمعنى كذّبته.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 228، 224 ":
وأحسن أيّام الهوى يومك الذي ... تروّع بالتحريش فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحبّ سخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
ع وهو لأبي حفص الشطرنجيّ. وما أبدع ما نقل معناهما أبو الطيّب وأوجز فقال:
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه ... وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتّقي
وقال رجل من بني جعدة:
لا خير في الحبّ وقفاً لا تحرّكه ... عوارض اليأس أو يرتاحه الطمع
لو كان لي صبرها أو عندها جزعي ... لكنت أملك ما آتي وما أدع
وقال اللجلاج الحارثيّ في ضدّ هذا المذهب:
(1/516)


مددت حبل غرور غير مؤيسة ... فوق الأكفّ فلا جود ولا بخل
واليأس أروح من غيث تطمّعنا ... منه مخايل ما يلفي لها بلل
وقال ابن أبي زرعة فلم يصرّح باختيار أحد المذهبين:
فكأنّي بين الوصال وبين الهجر ... ممّن مقامه الأعراف
في محلّ بين الجنان وبين النار ... طوراً يرجو وطوراً يخاف
وابن أبي زرعة هو محمد، وقيل المعليّ بن سلمة ابن أبي زرعة الكنانيّ الدمشقيّ وهو وديك الجنّ شاعر الشأم. وأبو حفص هو عمر بن عبد العزيز وكان عبد العزيز من موالي المنصور، وكان اسمه أعجميّاً فلما كبر وتأدّب غيّره بعبد العزيز. وكان عمر مشغوفاً بالشطرنج فنسب إليها، وهو شاعر عليّة بنت المهديّ وكان منقطعاً إليها، وكان شاعراً غزلاً وأديباً ظريفاً.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 229، 225 ":
وإذا تباشرك الهمو ... م فإنّها كال وناجز
(1/517)

وأنشد أبو عليّ " 1 - 231، 226 ":
رأيت شخصك في نومي يعانقني ... كما يعانق لام الكاتب الالفا
ع هو لبكر بن خارجة وقبله:
يا من إذا قرأ الإنجيل ظلّ له ... قلب الحنيف عن الإسلام منصرفا
وأنشد أبو عليّ " 1 - 231، 226 " لبشّار:
فبتنا معاً لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصّبح دوني حاجب وستور
وأنشد أبو عليّ " 231، 226 " لابن الجهم:
فبتنا جميعاً لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرّب
ع وقبله:
رعى الله ليلاً ضمّناً بعد فرقة ... وأدنى فؤاداً من فؤاد معذّب
(1/518)

وأنشد أبو عليّ " 1 - 231، 227 " لابن الرّومي:
وفاحم وارد يقبّل ممشاة ... إذا اختال مرسلاً عذره
ع هكذا الرواية بالعين المهملة والذال المعجمة جمع عذرة وهي الخصلة من الشعر. وقال ثابت: العذر شعرات ما بين القفا إلى وسط العنق واحدتها عذرة. والغديرة: بالغين المعجمة والدال المهملة القرن من الشعر وجمعها غدائر، هذا الأعرف، وقد قيل غدرة وغدر مثل غدرة وعذر، فالأحسن على هذا أن يكون إذا اختال مرسلاً غدره لأن الغدائر هي المرسلة، وهي كل ما ضفر من الشعر، ألا تراه يقول: كالليل من مفارقه وأين شعرات القفا من المفارق. والوارد من الشعر الذي يرد الكفل وما تحته. وقوله منحدراً لا يذمّ منحدره هكذا روى عن أبي عليّ بالياء، وروى غيره: لا نذمّ منحدره بالنون: أي انحداره وقوله:
حتى تناهي إلى مواطئه ... يلثم من كل موطئ عفره
أخذه ابن مطران وزاد عليه فقال:
ظباء أعارتها المها حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيون الجآذر
فمن حسن ذاك المشي جاءت فقبّلت ... مواطئ من أقدامهنّ الغدائر
وأنشد أبو عليّ " 1 - 231، 227 " لبكر بن النطّاح:
(1/519)

بيضاء تسحب من قيام فرعها
ع هو بكر بن النطّاح الحنفي يكنى أبا وائل يماميّ الدار. قال أبو هفّان: أدركت الناس يقولون إنّ الشعر ختم ببكر بن النطّاح. وقال أبو العتاهية يرثيه:
مات ابن نطّاح أبو وائل ... بكر فأضحى الشعر قد ماتا
وأنشد أبو عليّ " 1 - 231، 227 " لمسلم:
أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلة ... كأنّ دجاها من قرونك تنشر
ع وبعده:
نصبت لها حتى تجلّت بغرّة ... كغرّة يحيى حين يذكر جعفر
وهذا من بارع الاستطراد إلى المديح.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 231، 227 " لأبي نواس:
ضعيفة كرّ الطرف تحسب أنّها ... قريبة عهد بالإفاقة من سقم
وأنشد " 1 - 232، 227 " لابن المعتزّ:
ويجرح أحشائي بعين مريضة ... كما لان متن السيف والحدّ قاطع
(1/520)

ع وقبله:
عليم بما يخفي ضميري من الهوى ... جواد بهجراني وللوصل مانع
وأنشد أبو عليّ " 1 - 232، 228 " لعديّ بن الرقاع:
وكأنّها بين النساء أعارها
ع وصلته:
لولا الحياء وأنّ رأسي قد علا ... فيه المشيب لزرت أمّ القاسم
وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصده النعاس فرنّقت ... في عينه سنة وليس بنائم
يصطاد يقظان القلوب حديثها ... وتطير بهجتها بروح الحالم
الاقصاد: أن يصيبه السّهم فيقتله وهو هنا استعارة، أي أقصده النعاس فأنامه. فرنّقت: دارت وما جت. والسنة بقيّة آخر النعاس. ومن بديع ما ورد في هذا الباب قول البحتريّ:
غداة تثنّت للوداع وسلّمت ... بعينين موصول بجفنيهما السحر
توهّمتها ألوي بأجفانها الكرى ... كرى النّوم أو مالت بأعطافها الخمر
وأنشد أبو عليّ " 1 - 232، 228 " لبشّار:
يا أطيب الناس ريقاً غير مختبر ... إلاّ شهادة أطراف المساويك
ع مثله قول ابن الروميّ:
تعنّت بالمسواك أبيض صافياً ... يكاد عذاري الدرّ منه تحدّر
(1/521)

وما سرّ عيدان الأراك بريقها ... تأوّدها في أيكها تتهصّر
وما ذقته إلاّ بشيم ابتسامها ... وكم مخبر يبديه للعين منظر
وقال أبو تمّام:
تعطيك منطقها فتعلم أنّه ... بجنى عذوبته يمرّ بثغرها
وأصل هذا المعنى لأبي صعترة البولانيّ قال:
وما نطفة من حبّ مزن تقاذفت ... به جنبتا الجوديّ والليل دامس
فلّما أقرّته اللصاب تنفّست ... شمال بأعلى متنه فهو قارس
بأطيب من فيها وما ذقت طعمه ... ولكنّني فيما ترى العين فارس
(1/522)

حبّ مزن: أي برداً. وقارس: من القراسة. ومن قول مرّار بن هبّاش الطائيّ:
فما ماء مزن في ذرا متمنّع ... حمى ورده وعر بن ولصوب
بأطيب من فيها وما ذقت طعمه ... سوى أن أرى بيضا لهنّ غروب
وقول بشّار:
منّيتنا زورة في النوم واحدة ... ثنّي ولا تجعليها بيضة الديك
زعموا أن الديك يبيض بيضة واحدة في عمره لا يزيد عليها، وهي بيضة العقر التي عنى الشاعر بقوله أيضاً:
باح لساني بمضمر السرّ ... وذاك أني أقول بالدّهر
وليس بعد الممات منقلب ... وإنما الموت بيضة العقر
وهذا شعر دهريّ زنديق. وقال عروة الرحّال:
فإن أنفلت من عمر صعبة سالماً ... تكن من نساء الناس لي بيضة العقر
وقد قيل إن بيضة الديك العقر هي التي تجرّب بها المرأة أثيّب هي أم بكر، وإنما يفعل بها ذلك مرّة في العمر. وغير أبي على يروى هذا البيت: قد زرتنا زورة في النوم واحدة ثنّي، وهذه الرواية أصحّ معنى لأنه أثبت زورة وسأل أن تثنّى، وعلى رواية أبي عليّ إنما منّته في النوم زورة لم تف بها فكيف يسألها أن تثنيّ ما لم يتقدّم له إفراد إلا إن كان يريد أن تمنّيه مرّة أخرى وهذا لا يتمعنى. وقول بشّار:
يا رحمة الله حلّى في منازلنا
كان اسم المرأة رحمة. ومن مختار ما ورد في هذا المعنى
(1/523)

ومقدّمه قول البحتري:
وما تعتريها آفة بشريّة ... من النّوم إلا أنها تتخثّر
كذلك أنفاس الرياح بسحرة ... تطيب وأنفاس الورى تتغيّر
وتبعه التهامي فقال وأبدع:
يحكى جنى الأقحوان الغضّ مبسمها ... في اللون والريح والتفليج والأشر
لو لم يكن أقحواناً ثغر مبسمها ... ما كان يزداد طيباً ساعة السحر
وأنشد أبو عليّ " 1 - 233، 229 " للمؤمّل:
أتاني الكرى ليلاً بشخص أحبّه ... أضاءت له الآفاق والليل مظلم
ع هو المؤمّل بن أميل بن أسيد المحاربيّ شاعر كوفيّ من مخضرمي شعراء الدولتين. والذي فتح للشعراء القول في طروق الخيال بأحسن عبارة وأحلى إشارة قيس بن الخطيم بقوله:
أنّي سربت وكنت غير سروب ... وتقرّب الأحلام غير قريب
ما تمنعي يقظي فقد تولينه ... في النوم غير مصرّد محسوب
كان المنى بلقائها فلقيتها ... فلهوت من لهو امرئ مكذوب
(1/524)

فرأيت مثل الشمس عند طلوعها ... في الحسن أو كدنوّها لغروب
وقال أبو تمّام فملّح:
استزارته فكرتي في المنام ... فأتاها في خفية واكتتام
الليالي أحفى بقلبي إذا ما ... جرحته النوى من الأيّام
يا لها ليلة تزاورت الأر ... واح فيها سرّاً من الأجسام
مجلس لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنّا في دعوة الأحلام
وأنشد أبو عليّ " 1 - 233، 229 " لعليّ بن يحيى المنجّم:
بأبي والله من طرقاً ... كابتسام البرق إذ خفقا
ع هو عليّ بن يحيى بن يحيى ابن أبي منصور المنجّم أدرك المأمون ورثاه، وكان ابنه يحيى بن عليّ بن يحيى شاعراً أيضاً.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 234، 230 " للناجم:
طالبت من شرّد نومي وذعر
ع الناجم: هو محمد بن سعيد المضريّ شاعر مجيد.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 232، 230 " لعليّ بن الجهم:
وقلن لنا نحن الأهلّة إنّما ... نضيء لمن يسري إلينا ولا نقري
ع وقبلهما:
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
أعدن لي الشوق القديم ولم أكن ... سلوت ولكن زدن جمراً على جمر
(1/525)

سلمن وأسلمن القلوب كأنما ... كستك بأطراف المثقفة السمر
وقلن لنا نحن الأهلّة إنما.
وقد تقدّم إنشاده مع نظرائه 42 وهو علي بن الجهم بن مسعود بن أسيد من بني سامة بن لؤيّ بن غالب، وقريش تنفيهم عن النسب وتنسبهم إلى أمّهم ناجية وهي امرأة سامة، وعليّ شاعر من شعراء الدولة الهاشميّة.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 234، 230 ":
من كفّ جارية كأنّ بنانها ... من فضّة قد طرّفت عنّابا
ع هذا وإن لم يكن فيه وهم من أبى عليّ وسهو فإنه إغفال وتضييع لأن قوله: من كفّ جارية متعلّق بما قبله وإلاّ فما هذا الذي يكون من كفّ جارية لعلّه وكز أو لكز، وقبل البيت ما يفهم به الغرض وتستوفي به الفائدة وهو:
هبّوا فقد عذب النسيم وطابا ... والدهر يذهب بالنعيم ذهابا
حثّوا على حسن الصبوح فقد نضا ... نور الصباح من الدجى جلبابا
(1/526)

من كفّ جارية كأنّ بنانها
فالحثّ على الصبوح هو من كف الجارية. والشعر لعكّاشة العميّ وهو عكّاشة بن عبد الصمد من أهل البصرة من بني العمّ، وأصل بني العمّ كالمدفوع يقال إنّهم نزلوا ببني تميم بالبصرة أيّام عمر بن الخطّاب فأسلموا وغزوا مع المسلمين وحسن يلاؤهم. فقال الناس لهم: أنتم وإن لم تكونوا من العرب إخواننا وبنو العمّ، فعرفوا بذلك فصاروا في جملة العرب. قال معدان الأشقريّ:
وجدنا آل سامة في قريش ... كمثل العمّ في سلفي تميم
وقال جرير:
ما للفرزدق من عزّ يلوذ به ... سوى بني العمّ في أيديهم الخشب
سيروا بني العمّ فالأهواز منزلكم ... ونهر تيري فما تدريكم العرب
وعكّاشة شاعر مقلّ من شعراء الدولة الهاشميّة، وأخوه أبو العذافر العميّ شاعر أيضاً.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 235، 230 " في العود:
وكأنّه في حجرها ولد لها ... ضمّته بين ترائب ولبان
ع ومثله للناجم:
إذا احتضنت عودها عاتب ... ناغته أحسن أن يعربا
(1/527)

وتعرك من أذنه إن هفا ... وفي الحق تأديب من أذنبا
وقد أدّب الناس أمثاله ... ولكنه رأس من أدّبا
تدغدغ في مهل بطنه ... فيحضرنا ضحكاً معجباً
وأنشد أبو عليّ " 1 - 236، 232 ":
وشبابي قد كان من لذّة العيش ... فأودي وغاله ابنا سمير
وأنشد أبو عليّ " 1 - 236، 232 " لأبي زبيد:
فلحى الله طالب الصلح منّا ... ما أطاف المبسّ بالدهماء
قبله:
فاصدقوني أسوقة أم ملوك ... أنتم والملوك أهل رباء
أم طمعتم بأن تريقوا دمانا ... ثم أنتم بنخوة في السّماء
قبّح الله طالب الصلح منّا.
ولحي الجازعين في أثر القتلى ... ولا ظهّروا على الأعداء
يخاطب بهذا الشعر بني بكر، وذلك أنّ رجلاً من بني عجل يقال له المكّاء نزل برجل من بني طئ فأكرمه الطائيّ، وسقاه فتفاخرا، وغلبت الخمر الطائيّ فقتله العجليّ، وسار من ساعته، فأصبحت طئ وصاحبهم قتيل فقالوا: إن نصب الرجل يكن قوداً بأخينا وإلا فما نريد أن يكون بيننا وبين بكر حرب. ثم بلغهم أن بني بكر فخروا بما فعل المكّاء، فقال أبو زبيد شعره الذي منه هذه الأبيات.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 236، 232 " للمرّار الفقعسيّ:
لا يشترون بهجعة هجموا بها ... ودواء أعينهم خلود الأوجس
ع الشعر للمرّار بن منقذ العدويّ لا للمرّار بن سعيد الفقعسيّ، وقد تقدّم ذكرهما " 18، 57 ".
(1/528)

وصلة البيت:
فتناوموا شيأ وقالوا عرّسوا ... في غير تنئمة بغير معرّس
فكأنّ أرحلنا بوهد معشب ... بلوى عنيزة من مفيض الترمس
في حيث خالطت الخزامي عرفجاً ... يأتيك قابس أهله لم يقبس
لا يشترون بهجعة هجعوا بها ... ودواء أعينهم خلود الأوجس
فرفعت رأسي للرحيل ولا أرى ... كاليوم مصبح مورد متغلّس
قوله غير تنئمة: أي لم يرفعوا بذلك أصواتهم ولكن إشارة أشار بعضهم إلى بعض. بغير معرّس: أي لم يكن موضع تعريس، ولكنّا لما وجدنا لذّة النوم كأنّا في روضة هذه صفتها. وقوله:
يأتيك قابس أهله لم يقبس
وصف خصب الوادي ولدونة العيدان ورطوبة الورق. وقوله:
ولا أرى كاليوم مصبح مورد
أي موضع ورود يصبّحونه أثقل عليهم لشدّة نعاسهم.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 237، 232 ":
قد ورد الماء بليل قيس ... نعم وفي أمّ البنين كيس
على الطعام ما غبا غبيس
ع رواه ثعلب عن ابن الأعرابيّ: وفي أمّ زبير كيس وقال ابن الأعرابي عن
(1/529)

المفضّل الغبيس الدهر. وغبا: بقي. فأما قولهم: " سجيس عجيس " فذكر ابن الأعرابي أن الدّهر سميّ عجيساً لأنه ينعجس: أي يبطئ ولا ينفد أبداً، قال: وسجيس الدهر: طوله.
قال أبو عليّ " 1 - 237، 233 " ولا أفعله السمر والقمر. ع معناه ما أظلم الليل وطلع القمر، وقال أبو عبيد أي ما كان السمر وطلع القمر. ثم كثر ذلك في كلامهم حتى سمّوا الليل والنهار ابن سمير، فيقولون لا أكلّمه ما سمرا بنا سمير، وقال أبو زيد: ابنا سمير الليل والنّهار، والسمير: الدهر. غيره: وهما أيضاً ابنا جمير سميّا بذلك للاجتماع، يقال جمّر شعره إذا جمعه وضفره. فأما ابن جمير، فالليلة التي لا يرى القمر فيها قال الشاعر:
نهارهم ظمآن ضاح وليلهم ... وإن كان بدراً ظلمة ابن جمير
وأنشد أبو عليّ " 1 - 237، 233 " لأبي ذؤيب.
فتلك التي لا يبرح القلب حبّها ... ولا ذكرها ما أرزمت أمّ حائل
بعده:
وحتّى يؤوب القارظان كلاهما ... وينشر في الهلكى كليب لوائل
وقد تقدّم إنشاده بأتم من هذه الصلة 26.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 237، 233 ":
لقلت من القول مالا يزال ... يؤثر عني يد المسند
ع اختلف في هذا الشعر، فرواه الطوسيّ لامرئ القيس، وقال ابن حبيب: قال
(1/530)

ابن الكلبي هو لعمرو بن معدي كرب قاله في قتله بني مازن بأخيه عبد الله وإخراجهم عن بلادهم، ثم رجعوا بعد ذلك وندم عمرو على قتالهم. وأول الشعر:
تطاول ليلى بالأثمد ... ونام الخليّ ولم أرقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبإ جاءني ... وأنبئته عن أبي الأسود
ولو عنا نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد
لقلت من القول ما لا يزا ... ل يؤثر عنيّ يد المسند
النثا: يكون في الخير والشر وهو مقصور والثّناء ممدود لا يكون إلاّ في الخير. يقول أن المرء يبلغ بلسانه من هجاء وذمّ وغير ذلك ما يبلغ السيف إذا ضرب به.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 237، 233 " للأعشى:
ألست منتهياً عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطّت الإبل
قبله:
أبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل
ألست منتهياً: يعني يزيد بن مسهر الشيبانيّ. تأتكل: أي تتحرّق وتلتهب من الغيظ.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 237، 233 " للصلتان:
ما لبّث الفتيان أن عصفا بهم ... ولكلّ حصن يسّراً مفتاحاً
ع الصلتان: لقب وهو قثم بن خبيئة هكذا نقل ابن قتيبة. وقال الآمدي عن أبي عبيدة: قثم بن خثيم وهو أحد بني محارب بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن
(1/531)

عبد القيس، وهو الذي حكم بين جرير والفرزدق بقصيدته التي أوّلها:
أنا الصلتانيّ الذي قد علمتم ... متى ما يحكّم فهو بالحق صادع
وقد وهم أبو علي في نسبة هذا البيت إلى الصلتان، وإنما هو للنابغة الذبيانيّ من قصيدة معروفة. وقبله:
بعد ابن جفنة وابن هاتك عرشه ... والحارثين تلوّمنّ فلاحا
ولقد ترى أن الذي هو غالهم ... قد بذّ حمير قبل والصبّاحا
ما لبّث الفتيان. هؤلاء المذكورون من ملوك اليمن وملوك الشأم. وقوله تلؤّمنّ فلاحاً: أي تنتظرنّ.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 238، 233 ":
ولا يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمّما
ع هو لحميد بن ثور. وقبله:
أرى بصري قد رابني بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
ولا يلبث العصران: يقول إنّ الصحّة والسلامة مؤدّيتان إلى الهرم وهو الداء الذي لا دواء له كما قال النمر:
تدارك ما قبل الشباب وبعده ... حوادث أيّام تمرّ وأغفل
يودّ الفتى طول السلامة جاهداً ... فكيف يرى طول السّلامة يفعل
يودّ الفتى بعد اعتدال وصحّة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
وإذا كان العصران في قول حميد الغداة والعشيّ فالأحسن النصب في قوله: يوماً وليلة على
(1/532)

الظرف لهما، وإذا أردت بالعصرين الليل والنّهار فالأحسن أن ترفع يوم وليلة على البدل منهما.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 238، 233 " لابن مقبل:
ألا يا ديار الحيّ بالسبعان ... أملّ عليها بالبلى الملوان
ع وبعده:
نهار وليل دائم ملواهما ... على كل حال الدهر يختلفان
لم يأت على فعلان إلا السبعان اسم موضع. وأملّ: أي دأب ولازم، ومن هذا قيل للدين ملّة لأنّها طريقة تلازم. وقال الأصمعي: أملّ في معنى أملي: أي طال. وقوله: دائب ملواهما: يريد الغداة والعشيّ.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 238، 234 " عن ابن الأعرابيّ:
ذخرت أبا عمرو لقومك كلّهم ... سجيس اللّيالي عندنا أكرم الذخر
وأنشد أبو عليّ " 1 - 238، 234 ":
تسألني عن السنين كم لي
ع هي لرؤبة وصلتها:
لّما ازدرت نقدي وقلّت إبلي ... تألهّت واتّصلت بعكل
خطبي وهزّت رأسها تستبلي ... تسألني عن السنين كم لي؟
فقلت لو عمّرت سنّ الحسل ... أو عمر نوح زمن الفطحل
(1/533)

والصخر مبتل كطين الوحل ... كنت رهين هرم أو قتل
الحسل: ولد الضبّ والضبّ يكنى أبا حسل. وقال ابن الأعرابي: لم يسمع بزمن الفطحل إلاّ في شعر رؤبة هذا.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 238، 234 ":
تباري قرحة مثل ال ... وتيرة لم تكن مغدا
وأنشد أبو عليّ " 1 - 238، 234 ":
فذاحت بالوتائر ثم بدّت ... يديها عند جانبها تهيل
ع هو لساعدة بن جؤيّة وقبله:
إذا ما زار مجنأة عليها ... ثقال الصخر والخشب القطيل
وغودو ثاوياً فتأوّبته ... مذرّعة أميم لها فليل
تبيت الليل لا يخفي عليها ... حمار حيث جرّ ولا قتيل
فذاحت بالوتائر.
هنالك حين تتركه ويغدو ... سليباً ليس في يده فتيل
يقول إذا ما زار قبره. والمجنأ: المحدودب. والقطيل: المقطوع. وبهذا البيت سمّي ساعدة القطيل. ومذرّعة: يعني ضبعاً بذراعيها توقيف، والضبع مخطّطة بسواد قال:
دفوع للقبور بمنكبيها ... كأنّ بوجهها تحميم قار
(1/534)

وقوله حين يتركه يعني المال وتقدّم ذكره.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 239، 234 " لزهير:
نجاء مجدّ ليس فيه وتيرة ... وتذبيبها عنها بأسحم مذود
ع قبله:
وأنقذها من غمرة الموت أنّها ... رأت أنّها إن تنظر النبل تقصد
نجاء مجدّ ليس فيه وتيرة.
وجدّت فألقت بينهن وبينها ... غباراً كما ثارت دواخن غرقد
يعني البقرة والصائد الرامي وكلابه. وقوله إن تنظر النبل: أي تنتظر صاحب النبل أقصدها بالسهام فقتلها. وتذبيبها عنها: أي تذبّ عن نفسها بقرنيها الكلاب.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 239، 235 ":
قرينة سبع إن تواترن مرّة ... ضربن فصفّت أرؤس وجنوب
ع وقبله:
فجاءت ومسقاها الذي وردت به ... إلى الصدر مشدود العظام كتيب
قرينة سبع: وهو آخر الشعر، والشعر لحميد بن ثور. مسقاها: حوصلتها. والعظام: الرابط. والكئيب: المحزون.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 239، 235 " للنمر:
أشاقتك أطلال دوارس من دعد ... خلاء مغانيها كحاشية البرد
(1/535)

على أنّها قالت عشيّة زرتها ... هبلت ألم ينبت لذا حلمه بعدي
وبعدهما:
ألست بشيخ قد خطمت بلحية ... فتقصر عن جهل الغرانقة المرد
وإني كما قد تعلمين لأتّقي ... تقاي وأعطى من تلادي للحمد
وقوله كحاشية البرد: شبّه آثار الدار بحاشية البرد الموشّي لأن الحاشية تعلم وتزيّن. ويروى ألم ينبت له. وضرس الحلم: هو الناجذ. قال أبو حاتم: والفرس تسمّيها خرد دندان، معنى دندان: الأضراس، وخرد: هو العقل، أي أضراس العقل. والغرانقة: الفتيان قال ولا يقال غرنوق إلاّ للطويل منهم. ويروى:
وأشرى من تلادي بالحمد
وأنشد أبو عليّ " 1 - 239، 235 " للبيد:
وسانيت من ذي بهجة ورقيته ... عليه السموط عابس متغضّب
ع وصلته:
فكائن رأيت من ملوك وسوقة ... وصاحبت من وفد كريم وموكب
وسانيت من ذي بهجة
ففارقته والودّ بيني وبينه ... بحسن الثناء من وراء المغيّب
السموط هنا: نظم التاج من خرز وجوهر، ويروى سنّيت. والتسنية: الرفق والتسهيل. يريد ملكاً أتاه في أمر فرفق به حتى صار إلى ما يريد. وهذا كما قال أوس بن حجر:
ورقّيته حتّمات الملو ... ك بين السرادق والحاجب
قال أبو حاتم عن الأصمعيّ: يقول إذا حلف الملك على أمر حتم يحاذر رقاه وسهّله حتى يرجع عنه.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 239، 235 ":
إذا الله سنّي عقد أمر تيسّرا
(1/536)

وأنشده أيضاً في آخر كتابه عند ذكره خبر معاوية مع روح بن زنباع " 2 - 259، 255 " إذا الله سنّي عقد شيء تيسّرا ع وأنشده يعقوب وغيره: إذا الله سنّي حلّ عقد تيسّرا وصدر البيت:
فلا تيأسا واستغورا الله إنّه ... إذا الله سنّي حلّ عقد تيسّرا
استغورا: أي سلاه الغيرة وهي الميرة أي سلاه الرزق وتسهيل أسبابه.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 240، 235 " لنصيب:
تقيمه تارة وتقعده ... كما يفاني الشموس قائدها
ع والبيت للكميت في أشهر قصائده لا لنصيب وأوّلها:
هل زائر للهموم ذائدها ... عن ساهر ليلة يساهدها
بات لها راعياً تفارطه ... أوراد همّ شتّى مواردها
أهون منها ذياد خامسة ... في الورد أو فيلق يجالدها
تقيمه تارة وتقعده.
يقول أهون على الزائر الذي استزاره لهمومه ذياد ناقة عن الماء قد وردته بعد خمس أو كتيبة يضاربها وهي الفيلق. يقال كتيبة فيلق إذا كانت كثيرة السلاح، قال الأعشى:
في فيلق جأواء ملمومة ... تقذف بالدارع والحاسر
وقوله: تقيمه تارة يريد الهموم المذكورة في أوّل الشعر وأنشد أبو عليّ " 1 - 240، 235 " لمزرّد:
(1/537)

ظللنا نصادى أمّنا عن حميتها ... كأهل الشموس كلّهم يتودّد
ع وبعده:
فجاءت بها شكلاء ذات أسرّة ... تكاد عليها ربّة النحى تكمد
شكلاء: أي فيها لونان بياض من السمن الجامد وحمرة من الربّ، يعني سمنة زغرتها من النحي أي عصرتها. وأسرّة: طرائق من الربّ.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 240، 236 " للعجّاج:
يكاد ينسلّ من التصدير
صلته:
بناعج كالمجدل المجدور ... عولي بالطين وبالآجور
يعني بعيراً، ثم مضى في صفته وقال:
يكاد ينسلّ من التصدير ... على مدالاتي والتوقير
تدافع الأتيّ بالقرقور ... هيّأة للعوم والتمهير
نجّاره بالخشب المنجور ... والقير والضبّات بعد القير
المجدل: القصر. والمجدور: العريض الجدار العاليه. والآجور: الآجر. والتصدير: البطان. يقول لولا مداراتي إيّاه لا نسلّ من تصديره لسرعته. والأتيّ: السيل يأتي من بلد آخر. والقرقور: السفين. والتمهير: السباحة.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 240، 236 " لطفيل:
يرادى على فأس اللجام كأنّما ... يرادى به مرقاة جذع مشذّب
ع وقبله:
أنخنا فسمناها النطاف فشارب ... قليلاً وآب: صدّ عن كلّ مشرب
(1/538)

يرادى: يريد أنخنا الإبل لنسقي الخيل بقايا الماء في المزاد وهي النطاف وتهيأنا للغارة. وقوله: فشارب قليلاً وآب. يقول: هي مجرّبة قد علمت أنه يغار عليها فطرادها بعد الشرب من الزمع والحرص على الغارة. وقيل في قوله: يرادى أنه يريد به يداري فقلب، أي كأنّما يعالج بعلاجه جذع في طوله.
وأنشد أبو عليّ " 240، 236 ":
ظللنا معاً جارين نحترس الثأي ... يسائرني من نطفة وأسائره
ع هذا البيت لشاعر من بلهجيم، وقال الجرميّ: هو لأبي سدرة الأعرابي. وصلته:
تحسّب هوّاس وأيقن أنّني ... بها مفتد من واحد لا أغامره
ظللنا معاً جارين نحترس الثأي ... يسائرني من نطفة وأسائره
فقلت له فاهاً لفيك! فإنّها ... قلوص امرئ قاريك ما أنت حاذره
قوله: يسائرني يريد يسأر لي وأسأر له. وقوله: فاها لفيك: كأنّه همّ بقلوصه فقال له الخيبة لفيك! وقوله: قاريك ما أنت حاذره إشارة إلى السهام وسائر السلاح. وهذا البيت من أبيات الكتاب.

وذكر أبو عليّ " 1 - 241، 236 " خبر أبي الجهم ابن حذيفة مع معاوية، وقوله: نحن عندك يا أمير المؤمنين كما قال عبد المسيح لابن عبد كلال:
(1/539)

نميل على جوانبه كأنّا ... نميل إذا نميل على أبينا
ع وأسقط أول الحديث الذي حمله على الاستشهاد بالبيتين، وهو أن أبا جهم دخل على معاوية بعد عام الجماعة فسلّم عليه فلم يردّ معاوية، فقبض أبو جهم على ثوبه وقال: سلّم يا معاوية فلعهدي بأمّك قد عرضت عليّ نفسها بعكاظ لأتزوّجها. فقال له معاوية: لو تزوّجتها وجدتها حرّة حصاناً وكنت لها كفأ كريماً، فحينئذ قال له: نحن عندك يا أمير المؤمنين كما قال عبد المسيح. وروى الحسن بن عبد الرحيم أن أبا جهم قال لمعاوية: لقد جئت أخطب أمّك قبل أبيك وقبل زوجها حفص بن المغيرة، ثم تزوّجها أبوك فأتت بك وبإخوتك. فقال له معاوية: إنها كانت تستكرم الأزواج ويقال الخداج. وزعم المدائني أن هنداً كانت من المتخيّرات على أعينهنّ، روى ذلك عن ابن إسحاق. قال المدائني: وروى ابن عيّاش عن محمد بن المنتشر قال: سمعت شيخاً من قريش زمن ابن الزبير والشيخ يومئذ ابن مائة وثلاثين سنة يقول: ما رأيت معاوية قطّ إلا وذكرت مسافر ابن أبي عمرو، لكان أشبه به من الماء بالماء قال: وكان أبو سفيان دميماً قصيراً أخفش العينين قال: وروى زحر بن حصن عن جدّه حميد بن منهب الطائيّ قال: كان الفاكه بن المغيرة من فتيان قريش، وكان له بيت للضيافة، وكانت تحته هند بنت عتبة، فقال معها يوماً من الأيام، ثم عرضت له حاجة فذهب لها، وجاء رجل من الناس فولج ذلك البيت، فلما بصر بامرأة نائمة ولّى هارباً وبصر الفاكه به وهو خارج من البيت فأتى هنداً فركلها برجله وقال: من هذا الذي كان معك؟ قال: والله ما كان معي نم أحد ولا انتبهت حتى أنبهتني، فقذفها
(1/540)

بالفاحشة وقال: الحقي بأهلك. فأتت أباها عتبة فذكرت ذلك له. فقال لها يا بنيّة إن يكن الرجل صادقاً دسست إليه من يغتاله، وإن يكن كاذباً حاكمته إلى كاهن اليمن. فحلفت له أنه لكاذب. فأتاه عتبة فقال أيها الرجل: إنك قد رميت ابنتي بما لا قرار معه، ولا بدّ من محاكمتك إلى كاهن اليمن. فاتّعدا ليوم من الأيام، فخرج الفاكه في جماعة من مخزوم وخرج عتبة في جماعة من بني أميّة، فلمّا شارفوا الكاهن تغيّر وجه هند. فقال لها أبوها: إني قد أرى ما بوجهك من التغيّر فألاّ كان هذا! قبل أن يشتهر في الناس مسيرنا. فقالت: والله يا أبت ماذاك لشيء تكرهه، ولكني أعلم أنكم تأتون بشراً يخطئ ويصيب، ولست آمن أن يسمني بميسم سوء. قال فإني سأخبره. فصفر بفرسه فودي فأولج في إحليله حبّة برّ وأوكى عليها بسير. فصبّحوا الكاهن. فنحر لهم وأكرمهم. فقال له عتبة بن ربيعة: إني قد خبأت لك خبيئاً. قال ثمرة في كمرة. قال: أريد أبين من هذا. قال له: حبّة برّ في إحليل مهر: قال صدقت، انظر في أمر هؤلاء النسوة، وقد أجلس هنداً مع صواحب لها، فجعل يمسّ كفّ واحدة واحدة ويشمّ رأسها حتى انتهى إلى هند، فقال لها قومي غير خزياً ولا زانية لتلدنّ ملكاً يقال له معاوية. فنهضت فتعلق بها الفاكه. فقالت: إليك عنّي فوالله لأحرصنّ أن يكون من غيرك. فتزوّجها أبو سفيان فجاءت بمعاوية. هكذا في بعض الروايات أن زوج هند الفاكه بن المغيرة، وفي بعضها حفص بن المغيرة. ولمّا طلّقها زوجها قالت لأبيها: يا أبت إنّي امرأة قد ملكت أمري فلا تزوجّني رجلاً حتى تعرضه عليّ. قال لك ذلك. ثم قال لها إنك قد خطبك رجلان من قومك ولست مسميّاً لك واحداً منهما حتى أصفه لك. أما الأول ففي الشرف الصميم والحسب الكريم تخالين به هوجاً من غفلته وذلك إسجاح من شيمته حسن الصحابة، سريع الإجابة، إن تابعته تبعك وإن
(1/541)

ملت كان معك، تقضين عليه في ماله، وتكتفين برأيك عن مشورته، وأما الآخر ففي الحسب الحسيب، والرأي الأريب، بدر أرومته، وعزّ عشيرته، يؤدّب أهله ولا يؤدّبونه، إن اتّبعوه أسهل، وإن جانبوه توعّر عليهم، شديد الغيرة، سريع الطيرة، صعب حجاب القبّة، وإن حاجّ فغير منزور، وإن نوزع فغير مقسور. قد بيّنت لك كليهما. قالت: أمّا الأوّل فسيّد مضياع لكريمته، موات لها فيما عسى أن تغتصّ أن تلين بعد إبائها، وتضيع تحت خبائها، إن جاءته بولد أحمقت، وإن أنجبت فعن خطإ ما أنجبت. أطو ذكر هذا عنّي لا تسمّه لي. وأما الآخر فبعل الحرّة الكريمة، إنّي لأخلاق هذا لوامقة، وإنّي له لموافقة، وإنّي لآخذ بأدب البعل مع لزوم قبّتي وقلّة تلّفتي، وإن السليل بيني وبينه لحريّ أن يكون المدافع عن حريم عشيرته، الذائد عن كتيبته، المحامي عن حقيقتها، المثيب
لأرومتها، غير مواكل ولا زمّيل عند صعصعة الحروب. قال ذاك أبو سفيان ابن حرب. قالت: زوّجه ولا تلقني إلقاء السلس، ولا تسمه سوم الضرس، ثم استخر الله في السماء يخر لك في القضاء. وأبو جهم اسمه عامر وقيل عمير وقيل عبيد بن حذيفة بن غانم بن عامر، قرشيّ من بني عديّ بن كعب، أسلم يوم فتح مكة، وهو من معمّري قريش، بني في الكعبة مرّتين مرّة في الجاهليّة ومرة حين بناها ابن الزبير، ومات في تلك الفتنة، وهو أحد الأربعة الذين دفنوا عثمان رحمه الله. وأما عبد المسيح فهو عبد المسيح بن عسلة، وعسلة أمّه بنت عامر الغسّاني وهو عبد المسيح بن حكيم بن عفير أحد بني مرّة بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان شاعر جاهليّ. تها، غير مواكل ولا زمّيل عند صعصعة الحروب. قال ذاك أبو سفيان ابن حرب. قالت: زوّجه ولا تلقني إلقاء السلس، ولا تسمه سوم الضرس، ثم استخر الله في السماء يخر لك في القضاء. وأبو جهم اسمه عامر وقيل عمير وقيل عبيد بن حذيفة بن غانم بن عامر، قرشيّ من بني عديّ بن كعب، أسلم يوم فتح مكة، وهو من معمّري قريش، بني في الكعبة مرّتين مرّة في الجاهليّة ومرة حين بناها ابن الزبير، ومات في تلك الفتنة، وهو أحد الأربعة الذين دفنوا عثمان رحمه الله. وأما عبد المسيح فهو عبد المسيح بن عسلة، وعسلة أمّه بنت عامر الغسّاني
(1/542)

وهو عبد المسيح بن حكيم بن عفير أحد بني مرّة بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان شاعر جاهليّ.
وذكر أبو عليّ " 1 - 241، 237 " خبر أسيد بن عنقاء وعميلة الفزاري ع وهما جاهليّان. وعميلة من سادات فزارة، وهو عميلة بن كلدة بن هلال بن حزن بن عمرو بن جابر بن خشين بن لأي بن عصيم بن شمخ بن فزارة بن ذبيان. ومن ولده الربيع بن عميلة وهو من جلة المحدثين، وكذلك ولده الدكين بن الربيع. وقد اختلف في اسم ابن عنقاء فقيل أسيد، وقال السكري اسمه قيس بن بجرة يعرف بأمه عنقاء. وقوله فيه:
غلام رماه الله بالخير يافعاً ... له سيمياء لا تشقّ على البصر
قال أبو علي ورواه ابن الأنباري: رماه الله بالحسن، قال الرياشي لا يروى بيت ابن عنقاء رماه الله بالحسن إلاّ أعمى البصيرة، لأن الحسن مولود. وروى غير أبي علي في الشعر زيادة وهي:
كريم نمته للمكارم حرّة ... فجاء ولا بخل لديه ولا حصر
وروى ابن شبّة قال قال العتبي سأل عويف القوافي في حمالة، فمرّ به عبد الرحمن بن محمد بن مروان، فقال له: لا تسأل أحداً وصر إلىّ أكفك، فأتاه فاحتملها، فقال عويف يمدحه: غلام رماه الله بالخير يافعاً وأنشد الأبيات كلّها إلاّ البيت الأوّل.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 242، 238 ":
(1/543)

إذا غدا المسك يجري في مفارقهم ... راحوا كأنهم مرضى من الكرم
وأنشد له أمثلة. ع وهذان البيتان للشمردل بن شريك بن عبد الله أحد بني ثعلبة بن يربوع، شاعر إسلاميّ من شعراء الدولة الأمويّة. وغرض الشاعر في هذا المعنى صفة الممدوح بالحياء الشديد والحلم، وكأنهما من إماتة نفس هذا الممدوح وإزالتهما عنه الأشر قد غادراه سقيماً. وقال أبو عبد الله النمريّ وقد أنشد بيت أبي دهبل الجمحيّ:
نزر الكلام من الحياء تخاله ... ضمناً وليس بجسمه سقم
قال نزر الكلام من الحياء لئلاّ يظنّ ذلك عيّاً، وقال تخاله ضمناً: وإنما يريد أنه يؤثر على نفسه بزاده ويطوي فكأنه سقيم لنجابته وهو صحيح كما قال الآخر:
يبيت كأنه أشلاء سوط ... وفوق جفانه شحم ركام
وأنشد أبو عليّ " 1 - 242، 238 ":
أحلام عاد لا يخاف جليسهم ... إذا نطقوا العوراء غرب لسان
ع هذا الشعر لودّاك بن ثميل المازنيّ. وقبل البيتين:
مقاديم وصّالون في الروع خطوهم ... بكلّ رقيق الشفرتين يمان
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأيّة حرب أو لأيّ مكان
(1/544)

أحلام عاد الشعر ومثل قوله: إذا استنجدوا قول الطفيل:
بخيل إذا قيل اركبوا لم يقل لهم ... عواوير يخشون الردى أين نركب
ولكن يجاب المستغيث وخيلهم ... عليها كماة بالمنيّة تضرب
وقول أبي الغول: الصواب قريط
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
وأنشد أبو عليّ " 1 - 243، 238 " لبكر بن النطّاح يمدح خربان بن عيسى:
لم ينقطع أحد إليك بودّه ... إلاّ اتّقته نوائب الحدثان
قد مضى ذكر ابن النطّاح. فأما خربان الممدوح وأنشد أبو عليّ " 1 - 243، 239 " لأبي الأسد:
ولائمة لامتك يا فيض في الندى ... فقلت لها هل يقدح اللوم في البحر
ع وزاد أبو الفرج في آخره:
كأنّ وفود الفيض لمّا تحمّلوا ... إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر
وأبو الأسد هو نباتة بن عبد الله الشيبانيّ، من أهل الدينور من شعراء الدولة الهاشميّة. والفيض الذي ذكره هو الفيض ابن أبي صالح وزير المهديّ، انقطع أبو الأسد إليه بعد عزله عن الوزارة ولزومه منزله أيّام الرشيد.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 244، 239 " للعرندس الكلابيّ يمدح بني عمرو الغنوييّن. قال
(1/545)

وكان الأصمعي يقول هذا المحال كلابيّ يمدح غنويّاً:
هينون لينون أيسار ذوو كرم ... سوّاس مكرمة أبناء أيسار
ع ذكر أبو تمّام أن الذي كان يقول هذا المحال هو أبو عبيدة. وروى محمد بن يزيد هذا الشعر لعبيد بن العرندس لا لأبيه يمدح قوماً نزل بهم ولم يذكر ممّن هم. وإنما أنكر أبو عبيدة أن يكون كلابي يمدح غنوياّ، لأن فزارة كانت قد أوقت ببني أبي بكر ابن كلاب وجيرانهم من محارب وقعة عظيمة ثم أدركتهم غنيّ فاستنقذتهم، ففي ذلك يقول طفيل الغنويّ:
وحيّ أبي بكر تداركن بعد ما ... أذاعت بسرب الحيّ عنقاء مغرب
تداركن: يعني خيلهم. وأذاعت فرّقت. فلمّا قتلت طئ قيس الندامي الغنويّ وقتلت عبس هريم بن سنان الغنوي استغاثت غنيّ ببني أبي بكر وبني محارب، فقعدوا عنهم ولم يحلبوهم فلم يزالوا بعد ذلك متدابرين متغاورين. ولّما أدرك طفيل ثأر قيس الندامي في طئ قال من جملة كلمته:
فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر ... من الغيظ في أكبادنا والتحوّب
التحوّب: التوجّع. وبات فلان بحيبة سوء.
(1/546)

وأنشد أبو عليّ " 1 - 244، 240 " للنمر:
لقد غدوت بصهبي وهي ملهبة ... إلهابها كضرام النار في الشيح
ع وهذا أوّل الشعر، وقد مرّ أبو عليّ على آخره، وترتيب إنشاده بعد البيت:
جالت لتسنحني يسراً فقلت لها ... على يمينك! إني غير مسنوح
ثم استمرّت تريد الريح مصعدة ... نحو الجنوب فعزّتها على الريح
يا ويل صهبي قبيل الريح مهذبة ... بين النجاد وبين الجزع ذي الصوح
والشاهد لاستقبال الطريدة الريح قول مضرّس الأسديّ:
وما استنكرت من وحش بقفر ... رأين الإنس فاستقبلن ريحاً
والإهذاب: أشدّ العدو، وكذلك الإلهاب. والنجاد: ما ارتفع من الأرض في غلظ. والصوح: صفح الجبل، وكذا سنده وعرضه.
وذكر أبو عليّ " 1 - 246، 241 " خبر الزياديّ عن المطّلب بن المطّلب ابن أبي وداعة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر على باب بني شيبة فمرّ رجل وهو ينشد:
يا أيّها الرّجل المحوّل رحله ... هلاّ نزلت بآل عبد الدار
(1/547)

ع الزيادي هو محمد بن يزيد بن زياد الكلبي. ولا يعلم للمطّلب ابن أبي وداعة ابن يسمى المطّلب، وإنما يروى عنه كثير ابنه وابن ابنه كثير بن كثير بن المطّلب عن أبيه عن جدّه، وأراد أبو علي كثير بن كثير بن المطّلب ابن أبي وداعة، فقال المطّلب بن المطّلب ابن أبي وداعة، وإنما هو المطّلب ابن أبي وداعة والله أعلم. واسم أبي وداعة الحارث بن ضبيرة بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص، وأسر أبو وداعة يوم بدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن له بمكة ابناً كيّساً، فافتدى المطّلب أباه بأربعة آلاف درهم. وهو أوّل من افتدى من أسرى بدر، وأسلم هو وابنه يوم الفتح. وروى غير واحد عن كثير بن كثير بن المطّلب عن أبيه عن جدّه المطّلب قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلّي حذو الركن الأسود والرجال والنساء يمرّون بين يديه ما بينه وبينهم سترة. وفي الشعر:
الخالطين فقيرهم بغنيّهم ... حتى يعود فقيرهم كالكافي
هذا هو المدح الصحيح والمذهب المستحسن كما قالت خرنق بنت هفّان من بني قيس بن ثعلبة:
لا يبعدن قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك ... والطيّبون معاقد الأزر
والخالطين نحيتهم بنضارهم ... وذوي الغنى منهم بذي الفقر
وهذا البيت يروى لحاتم الطائي أيضاً في أبيات أولها:
إن كنت كارهة لعيشتنا ... هاتا فحلّي في بني بدر
(1/548)

الضاربين لدى أعنّتهم ... والطاعنين وخيلهم تجري
والخالطين نحيتهم بنضارهم ... وذوي الغنى منهم بذي الفقر
وعيب على زهير قوله:
على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلّين السماحة والبذل
فأثبت فيهم مقلّين. وروى أبو عمر المطرّز قال أخبرني أبو جعفر ابن أنس الكرباسيّ عن رجاله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي ذات يوم في طريق من طرقات مكّة فسمع جارية تنشد:
كانت قريش بيضة فتفلّقت ... فالمحّ خالصه لعبد الدار
فأقبل على أبي بكر فقال أهكذا قال الشاعر، قال فداك أبي وأمّي! إنما قال:
فالمحّ خالصه لعبد مناف
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم: وليس ميل الرجل إلى أهله بعصبيّة. والعرب تقول هو بيضة البلد يمدحونه بذلك، وتقول للآخر: هو بيضة البلد يذمّونه به. فالممدوح يراد به البيضة التي يحتضنها الظليم ويصونها ويوقّيها لأنّ فيها فرخه، والمذموم يراد به البيضة المنبوذه بالعراء المذرة التي لا حائط لها ولا يدري لها أب وهي تريكة الظليم. قال الرّمّانيّ: إذا كانت النسبة إلى مثل المدينة والبصرة فبيضة البلد مدح، وإن نسبت إلى البلاد التي أهلها أهل ضعة فبيضة البلد ذمّ. قال حسّان في المدح:
أمسى الجلابيب قد عزّوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
أي واحد البلد، وكان المنافقون يسمّون المهاجرين الجلابيب، فلما قال حسّان هذا
(1/549)

الشعر اعترضه صفوان بن المطّل فضربه بالسيف، فأعلموا النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال لحسّان: أحسن في الذي أصابك، فقال: هي لك، فأعطاه النبيّ عوضاً بيرحي، وهي قصر بني جديلة اليوم، وسيرين فهي أم عبد الرحمن بن حسّان. وفي بعض النسخ من الأمالي ببيت زائد في الشّعر الفائيّ وهو:
منهم عليّ والنبيّ محمّد ... القائلان هلمّ للأضياف
وهذا بيت محدث ذكر أبو نصر أن جده صالحاً أبا غالب ألحقه به. واسم أبي نصر هارون بن موسى بن صالح بن جندل القيسيّ، أندلسيّ أصله من الثغر من حصن مجريط، سكن قرطبة إلى أن مات.
وذكر أبو علي " 1 - 246، 242 " خبر داود بن سلم مع حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية ع وهو داود بن سلم الأسود مولى تيم بن مرّة، حجازي مدنيّ شاعر مجيد رقيق الشعر حسنه، أدرك آخر أيام بني أميّة وأوّل أمر بني هاشم وكان يعرف بداود الأدلم.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 247، 242 " للنمر بن تولب:
تضّمنت أدواء العشيرة بينها ... وأنت على أعواد نعش تقلّب
ع يرثي أخاه الحرث بن تولب. وبعده:
(1/550)

كأنّ امرأ في الناس كنت ابن أمّه ... على فلج من بحر دجلة مطنب
يعني بما كان فيه من الخير والسعة. ومطنب بعيد الذهاب شديد الجري لا ينقطع.

وذكر أبو عليّ " 1 - 247، 243 "
خبر أبي العتاهية مع عمر بن العلاء
والأبيات التي شبّب بها هي:
يا صاح قد عظم البلاء وطالا ... وازددت بعدك صبوة وخبالا
حمّلت ممّن لا أنوّه باسمه ... ثقلاً كأنّ به عليّ جبالا
ماذا لقيت من الهوى وسقامه ... فيها تبارك ربّنا وتعالى
أكثرت في شعري عليك من الرقي ... وضربت في شعري لك الأمثالا
فأبيت إلاّ جفوة وتمنّعا ... وأبيت إلاّ صبوة وضلالا
إني أمنت من الزمان وريبه ... لّما علقت من الأمير حبالا
وأبو العتاهية هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان مولى عنزة، لقّب أبا العتاهية لأن المهدي قال له يوماً: أنت إنسان متحذلق متعتّه، فاشتقّت له من ذلك كنية غلبت عليه، ويقال للمتحذلق عتاهية كما يقال للطويل شناحيّة. وعمر بن العلاء ممدوحه هو أحد قوّاد المهديّ كان عامله على طبرستان، وهو مولى عمرو بن حريث، وكان عمر جواداً شجاعاً، وفيه يقول بشّار يمدحه:
إذا أرّقتك جسام الأمور ... فنبّه لها عمراً ثمّ نم
فتى لا ينام على دمنة ... ولا يشرب الماء إلاّ بدم
(1/551)

دعاني إلى عمر جوده ... وقول العشيرة بحر خضمّ
ولولا الذي خبّروا لم أكن ... لأمدح ريحانة قبل شمّ
وعمرو بن حريث المخزوميّ مولى عمر أحد الصحابة، له عقب بالكوفة وذكر عظيم، وأمّه بنت هشام بن خلف الكنانيّ كان شريفاً في الجاهليّة، وهو الذي بال على رأس النعمان بن المنذر، وذلك أن النعمان كان على دين العرب فحجّ فرآه هشام، فقال: أهذا ملك العرب قالوا: نعم، فبال على رأسه ليذلّ، فتحوّل النعمان عن دين العرب وتنصّر.
وذكر أبو علي " 1 - 248، 244 " قولهم: أجود من لافظة ع والمعروف أسمح من لافظة وفيه خمسة أقوال أحدها: ما ذكر أبو عليّ أنه يراد به البحر لأنه يلفظ بالدرّة التي لا قيمة لها جلالة والهاء للمبالغة، وقال بعضهم: هي العنز التي تشلى للحلب فتجيئ لافظة ما في فيها من العلف فرحاً منها بالحلب. وقال بعضهم: هي الحمامة لأنّها تخرج ما في بطنها لفرخها، وقال آخرون: هي الرحى لأنّها تلفظ ما تطحنه أي تقذف به، وقال قوم: هو الدّيك لأنه يأخذ الحبّة بمنقاره فلا يأكلها ولكن يلقيها إلى الدجاج. قال أبو الحسن المدائني: لا يقال للديك لافظة إلاّ ما دام شابّاً لإيثاره بالحبّ الدجاج، قال: ومرّ إياس بن معاوية بديك يلقي له حبّ لم يفرّقه. فقال: ينبغي أن يكون هذا الدّيك هرماً، لأن الهرم إذا القي له الحبّ لم يفرّقه، لتجتمع الدجاج لأنّه لا حاجة له فيهنّ، فليس له همّة إلاّ نفسه، فنظر الديك فوجد كذلك.
(1/552)

وذكر " 1 - 248، 244 " قلولهم: أجبن من صافر وفسّره فقال: أراد بصافر ما يصفر من الطير، وإنما وصف بالجبن لأنّه ليس من سباعها. ع الصحيح أنّ الصافر هو الصفرد طائر من خشاش الطير يعلّق نفسه من الشجر ويصفر طول ليله خوفاً من أن ينام فيسقط، ويقال أيضاً أجبن من صفرد، ولو كان الصافر ما عدا السباع لساغ أن يقال أجبن من حمام، وأجبن من يمام، وكذلك سائر ما يصاد وما لا يصاد من الرهام. وذكر ابن الأعرابي أنّهم أرادوا بالصافر المصفور به فقلبوه، أي إذا صفر به هرب، كما يقال جبان ما يلوي على الصفير. وذكر أبو عبيدة أن الصافر في المثل هو الذي يصفر بالمرأة للريبة، فهووجل مخافة أن يظهر عليه، واستشهد عليه بقول الكميت بن زيد:
أرجو لكم أن تكونوا في مودّتكم ... كلباً كورهاء تقلى كلّ صفّار
لّما أجابت صفيراً كان آيتها ... من قابس شيّط الوجعاء بالنار
وحديث ذلك أن رجلاً من العرب كان يعتاد امرأة وهي جالسة مع بنيها وزوجها فيصفر لها، فعند ذلك تخرج عجيزتها من وراء البيت وهي تحدّث ولدها فيقضي منها وطره، ثم إن بعض بنيها أحسّ منها بذلك فجاء ليلاً فصفر بها ومعه مسمار محمي، فلما فعلت فعلها كوى به
(1/553)

صرعها، ثم إن الخل جاءها بعد ليال فصفر بها، فقالت: قد قلينا صفيركم، فضرب به الكميت مثلاً.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 248، 244 ":
قد علمت إن لم أجد معيناً ... لأخلطنّ بالخلوق طينا
ع وأنشد غير أبي عليّ في مثله:
قام على المركوّ ساق يفعمه ... مختلطاً عشرقه وكر كمه.
فريحه يدعو على من يظلمه
يصف عروساً ضعف زوجها عن السقي فاستعان بها فأعانته. والعشرق: نبات طيّب الريح تستعمله العرائس. والكر كم: شبيه بالورس تصبغ به الثياب.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 249، 244 " لابن أحمر:
وإن قال غاو من تنوخ قصيدة ... بها جرب عدّت عليّ بزوبرا
(1/554)

ع وبعده:
وينطقها غيري وأكلف جرمها ... فهذا قضاء حقّه أن يغيّرا
قال الأصمعي إن ابن أحمر كان قال:
أبا خالد هدّب خميلك لن ترى ... بعينيك وفداً آخر الدهر جائيا
ولا طاعة حتى تشاجر بالقنا ... قناً ورجالاً عاقدين النواصيا
يهجو يزيد بن معاوية. قوله هدّب خميلك: يقول أصلح ثوبك وتزيّن فليس عندك غير ذلك. فطلب فاعتذر بهذا الشعر. وزوبر: اسم معرفة مؤنّث في الأصل وقع علماً بمعناه فلم يصرف. عدّت عليّ بزوبرا: أي بكلّيتها كما جعل سبحان علماً لمعنى البراءة في قوله:
أقول لّما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر
فلّما اجتمع فيهما التأنيث والتعريف لم يصرفا.
وأنشد " 1 - 249، 245 " لابن أحمر أيضاً:
وإنما العيش بربّانه ... وأنت من أفنانه مقتفر
ع وقبله وهو أوّل الشعر:
قد بكرت عاذلتي بكرة ... تزعم أنّي بالصبا مشتهر
وإنما العيش
يريد أن عاذلته قالت له: قد شهرت بالصبا وأنت مسنّ به، وإنما الصبا والعيش بأوّله وجدّته أزمان أنت من أفنانه أي من نواحيه واحدها فنن مقتفر: أي واجد ما طلبت. يقال خرج في طلب إبله فاقتفر آثارها: أي وجد آثارها فاتّبعها، ويروى:
وأنت من أفنانه معتصر.
(1/555)

وأنشد أبو عليّ " 1 - 250، 245 " للذبياني:
مجلّتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب
ع وقبله:
لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم ... من الناس والأحلام غير عوازب
قال أبو علي: من روى مجلّتهم أراد الصحيفة كذا روى عنه مجلّة وإنما هو مجلّة، قال أبو عبيدة: كل كتاب عند العرب مجلّة بكسر الجيم وقد روى غيره فيه الفتح. وقوله فما يرجون: أي ما يخافون، من قوله تعالى: " مالكم لا ترجون لله وقارا ". أي ما يخافون غير أحداث الدنيا وثق لهم بما عند الله. ويروى: غيث العواقب بالغين معجمة والثاء. وروى أبو عمرو: مخافتهم ذات الإله أي يخافون ما نهى الله عنه. ويمدح النابغة بهذا الشعر عمرو بن الحارث الأعرج ابن الحارث الأكبر ابن أبي شمر الغسّانيّ.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 250، 246 ":
فلا ذا جلال هبنه لجلاله ... ولا ذا ضياع كنّ بتركن للفقر
ع هو لهدبة بن خشرم. وقبله:
رأيت أخا الدنيا وإن كان خافضاً ... أخا سفر يسري به وهو لا يدري
وللأرض كم من صالح قد تلمّأت ... عليه فوارته بلمّاعة قفر
وأنشد أبو عليّ " 1 - 250، 246 " لجميل:
(1/556)

رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الغداة من جلله
ع هذا أوّل الشعر وبعده:
موحشاً ما ترى به أحداً ... تنتسج الريح ترب معتدله
واقفاً في رباع أمّ جبير ... من ضحى يومه إلى أصله
وأنشد أبو عليّ " 1 - 250، 246 ":
وغيد نشاوى من كرى فوق شزّب ... من الليل قد نبّهتهم من جلالكا
ع هذا البيت منسوب إلى أخي الكلحبة اليربوعيّ.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 251، 246 ":
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
ع ويروى:
بفخّ وحولي إذخر وجليل
وهذا من حديث مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لّما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما فقلت: يا أبه كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: وكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول:
كلّ امرئ مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال يقول:
ألا ليت شعري أهل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
(1/557)

وهل أردن يوماً مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: أللهمّ حبّب إلينا المدينة كبّنا مكّة أو أشدّ، أللهمّ وصحّحها وبارك لنا في صاعها ومدّها وانقل حمّاها واجعلها بالجحفة. ويروى في غير هذه الرواية: بفخّ. ويروى:
وهل يبدون لي شامة وقفيل ... وهذه كلها مواضع بمكة وما يليها.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 251، 246 ":
أنا ابن جلاّ وطلاّع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
ع البيت لسحيم بن وثيل الرياحيّ. وقبله:
وماذا يدّري الشعراء منّي ... وقد جاوزت رأس الأربعين
أخو خمسين مجتمع أشدّى ... ونجّذني مداورة السنين
وأنشد أبو عليّ " 1 - 251، 246 " للعجّاج:
لاقوا به الحجّاج والإصحارا.
ع وصلته:
ألم يروا إذ حلّقوا الأشعارا ... وأفسدوا في دينهم ضرارا
عاثور أمر فلقوا عثارا ... يبغون كسراً فلقوا انكسارا
لاقوا به الحجّاج والإصحارا ... به ابن أجلي وافق الإسفارا
فما قضى أمراً ولا أحارا ... في الحرب إلاّ ربّه استخارا
قوله حلّقوا الأشعارا: يعني تشبّهوا بالخوارج في حلق رؤوسهم وإنما يريد أن يقبّح
(1/558)

أمرهم. وضرارا: أي مضارّة. وعاثور: فاعول من العثار، يريد ألم عاثور أمر أي فاسده. لاقوا به أي بأمرهم، فالهاء عائدة على الأمر لا على المكان، ويحتمل أن ترجع على المكان وإن لم يتقدّم له ذكر لدلالة الانكسار على موضع كسروا فيه. يريد جاؤا ليكسروا الحجّاج وجيشه فكسروا. ويروى فلقوا اكتسارا. وقوله ابن أجلى: أي منكشف الأمر ظاهر الشأن.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 251، 247 " لأبي دؤاد:
بل تأمّل وأنت أبصر منّي ... قصد دير السوى بعين جليّة
بعده:
لمن الظعن بالضحى واردات ... جدول الماء ثمّ رحن عشيّه
مظهرات رقماً تهال له العين ... وعقلاً وعقمة فارسيّة
دير السوى: موضع معروف. والعقل: ضرب من الوشى. والعقمة: الكلل جمع كلّة.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 251، 247 " للنابغة:
فآب مضلّوه بعين جليّة ... وغودر بالجولان حزم ونائل
ع يرثي النابغة بهذا الشعر النعمان بن الحارث بن الحارث ابن أبي شمر أبا حجر وقبله:
سقى الغيث قبراً بين بصري وجاسم ... ثوى فيه جود فاضل ونوافل
وغيّب فيه يوم راحوا بخيرهم ... أبو حجر ذاك المليك الحلاحل
فآب مضلّوه البيت اختلف في معناه وفي لفظه. فقال ابن الأعرابيّ: مضلّوه دافنوه من قول الله تعالى: " أإذا ضللنا في الأرض ". وقال أبو عمرو: مضلّوه هم الذين ينقلون الموتى يقال لهم مضلّون. وروى عن الأصمعيّ مصلوه بالصاد مهملة يريد جاء قوم بالخبر وجاء قوم بعدهم بخبر آخر جلا الشكّ في الخبر الأوّل، جعلهم بمنزلة المصلّي من الخيل، وهو الذي يتلو السابق. وقال أبو عبيدة: مصلّوه يعني أصحاب الصلوة وهم الرهبان. قال: وقوله بعين
(1/559)

جليّة أي علموا أنه في الجنّة. وقال أبو الحسن الطوسي: وقد سمعت من يروى مصلّوه بالصاد مكسورة مهملة من الصلّة، والصلّة الأرض ولا أحفظ من رواه.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 251، 247 " لبكر بن النطّاح:
ولو خذلت أمواله جود كفّه
ع كان بكر قد قصد مالك بن طوق فمدحه، فلم يرض ثوابه فخرج من عنده، وقال يهجوه:
فليت جدي مالك كلّه ... وما يرتجي منه من مطلب
أصبت بأضعاف أضعافه ... ولم أنتجعه ولم أرغب
أسأت اختياري فقلّ الثواب ... لي الذنب جهلاً ولم يذنب
فلما بلغ ذلك مالكاً بعث في طلبه، فلحقوه فردّوه، فلما نظر إليه قام فتلقّاه وقال: يا أخي عجلت علينا وإنما بعثنا إليك بنفقة وعوّلنا بك على ما يتلوها، فاعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه، ثم أعطاه حتى أرضاه، فقال بكر يمدحه:
أقول لمرتاد ندي غير مالك ... كفى بذل هذا الخلق بعض عداته
فتى جاد بالأموال في كلّ جانب ... وأنهبها في عوده وبداته
ولو خذلت أمواله جود كفّه ... لقاسم من يرجوه شطر حياته
ولو لم يجد في العمر قسماً لزائر ... وجاز له الإعطاء من حسناته
لجاد بها من غير كفر بربّه ... وشاركهم في صومه وصلاته
وأنشد أبو عليّ " 1 - 251، 247 " لبكر أيضاً:
وإذا بدا لك قاسم يوم الوغى ... يختال خلت أمامه قنديلا
(1/560)

ع هذا الشعر يمدح به أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي، وذلك أنّ أبا دلف لقي أكراداً قطعوا الطريق في عمله وقد ارتدف منهم فارس رفيقاً له، فطعنهما جميعاً فانتظمهما بطعنته، فذلك قول بكر في هذا الشعر:
قالوا وينظم فارسين بطعنة ... يوم اللقاء ولا يراه جليلا
وقال الليثي: إن هذا الشعر لبكر بن عمرو مولى بني تغلب، وروايته:
بطل تناول فارسين بطعنة ... فرأيتموه أتى بذاك جليلا
وهذه الرواية أحسن وأوقع بقوله:
لا تعجبوا لو كان طول قناته ... ميلاً إذن نظم الفوارس ميلا
لأن الرواية الثانية لا تقتضي تعجّباً.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 252، 247 ":
يا عصمة العرب التي لو لم تكن ... حيّاً إذاً كانت بغير عماد
ع هذا الشعر منسوب إلى عليّ بن جبلة.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 252، 248 " لليلى:
يا أيّها السدم الملوّي رأسه ... ليقود من أهل الحجاز بريما
ع قال أبو عمرو الشيبانيّ: تعرّض ليلى في هذا الشعر بابن الزبير. والبريم: الجيش الذين أبرموا أمرهم، ويقال الذي فيه أخلاط من القبائل، لأن البريم من الخيوط هو الذي فيه ألوان. وقولها: لوجدته مرؤوماً: أي متعطّفاً عليه كما ترأم الناقة ولدها. وقولها:
لا تقربنّ الدهر آل مطرّف
ويروى آل مصرّف. ويروى: لا ظالماً فيهم ولا مظلوماً منهم
(1/561)

وهذه الرواية هي الجيّدة لوجهين أحدهما: أنّها أفادت معنى حسناً، لأنه قد يكون ظالماً أو مظلوماً من غيرهم، فيستجير بهم لردّ ظلامته أو لاستدفاع مكروه عقوبته، فلا بدّ لهم من إجارته. والوجه الثاني أن قوله: لا تقربن الدهر قد أغنى عن قوله: أبداً فصار حشواً لا يفيد معنى. وروى أبو عمرو بعد قولها ولا مظلوماً:
هبلتك أمّك لو حللت بلادهم ... لقيت بكارتك الحقاق قروما
لتعمّدتك كتائب من عامر ... وأرتك في وضح النهار نجوما
وترى رباط الخيل ... ومخرّقاً عنه القميص تخاله
تغمّدتك بالغين معجمة: أي احتملتك ومن رواه بالعين مهملة أراد قصدتك. وهذه الرواية أيضاً هي المختارة أعني عطف قوله: ومخرّقاً على ما قبله، وكذلك رواه أبو تمّام، قوم رباط الخيل وسط بيوتهم ثم قال: ومخرّق بالرفع نسقاً على ما قبله، ولم تختلف الرواية عن أبي عليّ في خفض ومخرّق على معنى: وربّ مخرّق، فهو على هذا منقطع مما قبله يعني به رجل مجهول، والشاعر إنّما يريد به الخليع المتقدّم الذكر، ألا ترى قوله:
قوم رباط الخيل وسط بيوتهم
ثم قال:
ومخرّق عنه القميص تخاله
وسط البيوت. وفي قولها: ومخرّق عنه القميص قولان أحدهما: أن ذلك إشارة إلى جذب العفاة له، والثاني أنه يؤثر بجيّد ثيابه فيكسوها، ويكتفي بمعاوزها كما قال رجل من بني سعد:
ومحتضر المنافع أريحيّ ... نبيل في معاوزه طوال
ورواية أبي عليّ في معاوزة طوال وهي رواية مردودة. وقولها حتّى تحوّل ذا
(1/562)

الهضاب يسوما رواه أبو عمرو وغيره ذا الضبّاب وهو الصحيح، لأن يسوم جبل منيف في أرض نخلة من الشام يعرف بذي الضباب، وذلك أن الضباب لا يفارقه وإلاّ فكل جبل ذو هضاب.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 253، 248 " للمتنخّل:
عقّوا بسهم فلم يشعر به أحد ... ثم استفاؤا وقالوا حبّذا الوضح
ع هذا الشعر يهجو به ناساً من قومه كانوا مع ابنه حجّاج يوم قتل. وقبل البيت:
لا ينسئ الله منّا معشراً شهدوا ... يوم الأميلح لا غابوا ولا جرحوا
لا غيّبوا شلوا حجّاج ولا شهدوا ... حمّ القتال فلا تسأل بما افتضحوا
لكن كبير بن هند يوم ذلكمو ... فتخ الشمائل في أيمانهم روح
عقّوا بسهم. قوله لا ينسئ الله: أي لا يؤخّر الله موتهم. وشلو كل شئ: بقيّته، وحمّ القتال وحمّ كلّ شئ: معظمه. ولم يبيّن أبو علي معنى التعقية. ولا علمه على حقيقته، وقد بيّن أبو العباس ثعلب معنى التعقية فقال: إن العقيقة سهم الاعتذار، قال: وسألت ابن الأعرابيّ عن سهم الاعتذار فقال قالت العرب: إن أصل هذا أن يقتل الرجل من القبيلة فيطالب القاتل بدمه فيجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بدية مكمّلة، ويسألونهم العفو وقبول الدية، فإن كان أولياؤه ذوي قوّة أبوا ذلك وإلاّ قالوا لهم إن بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي، فيقول الآخرون ما علامتكم؟ فيقولون أن نأخذ سهماً فنرمي به نحو السماء فإن رجع إلينا مضرّجاً دماً فقد نهينا عن أخذ الدية وإن رجع كما صعد فقد أمرنا
(1/563)

بأخذها. قال ابن الأعرابيّ قال أبو المكارم وغيره: فما رجع السهم قطّ إلاّ نقيّاً، ولكنهم لهم في هذا المقال عذر عند الجهّال. ولذلك قال شاعر قبيل فعل هذا ولم يشاهده ولا رضيه:
عقّوا بسهم ثم قالوا سالموا ... يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللحى
هكذا أنشده وقد تقدم إنشاد أبي عليّ له " 1 - 185، 183 ":
مسحوا لحاهم ثم قالوا سالموا
وكبير بن هند قبيلة من هذيل. وسيذكر أبو علي معنى البيت أثر هذا " 1 - 256، 252 ".
وذكر أبو عليّ " 1 - 253، 249 " كتاب الحسن بن سهل إلى القاضي ابن سماعة فيه ولا يبيع نصيب يومه بحرمان غده. ع يريد لا يبيع حظّه من يومه الحاضر بحظّه من غده الذي هو أمل لا يدري هل يدركه أم لا؟ وإن أدركه هل يتفرّغ له بقواطع الزمن. وفي بعض الحكم: أمس أجل واليوم عمل وغداً أمل.
وذكر أبو عليّ " 1 - 254، 249 " ما بالدار لاعي قرو ولم يفسره ع واللاعي اللاحس والقرو أسفل النخلة ينقر فينبذ فيه. وقال أبو عبيدة: القرو القدح وأنشد للأعشى:
وأنت بين القرو والعاصر
فالمعنى بها لاحس قدح أي ما بها أحد.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 254، 250 " لعبيد:
(1/564)

فعردة فقفا حبرّ ... ليس بها منهم عريب
ع وقبله:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيّات فالذنوب
فراكس فثعيلبات ... فذات فرقين فالقليب
وهذه مواضع كلّها بديار بني أسد، وقد حلّيتها وحدّدتها في كتابي المعروف بكتاب معجم ما استعجم، وكذلك جميع ما وقع منها في الأشعار وجميع ما ورد في كتب الآثار والتواريخ والأخبار والحمد لله.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 254، 250 ":
هل تعرف المنزل من ذات الهوج ... ليس بها من الأنيس دبّيج
ع هذان الشطران لرجل من بني سعد. وبعدهما: غيّرها الدهر وريح سيهوج.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 254، 250 " لجرير:
وبلدة ليس بها ديّار ... تنشقّ في مجهولها الأبصار
ع يقول تبرق فيها الأبصار: أي تفتّح العيون فزعاً وذعراً. ولا أعلم هذين الشطرين في شئ من شعر جرير.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 255، 250 ":
تلك القرون ورثنا الأرض بعدهم ... فما يحسّ عليها منهم أرم
هذا البيت غير محفوظ وإنما أنشد اللغويّون شاهداً على هذا القول زهير:
(1/565)

دار لأسماء بالغمرين ماثلة ... كالوحي ليس بها من أهلها أرم
وأنشد أبو عليّ " 1 - 255، 250 ":
يميناً أرى من آل زبّان وابراً ... فيفلت مني دون منقطع الحبل
ع منقطع: مصدر يريد دون قطعي حبله أي حبل عاتقه أو حبل وريده، فأضاف المصدر إلى المفعول كما قال الله عز وجل: " لقد ظلمك بسؤال نعجتك " يريد بسؤاله نعجتك.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 255، 251 ":
فوالله لا تنفكّ منّا عداوة ... ولا منهم ما دام من نسلنا شفر
ع البيت لأبي طالب ابن عبد المطلب.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 255، 251 " للعجّاج:
وبلدة ليس بها طوئيّ ... ولا خلا الجنّ بها إنسيّ
صلته:
وخفقة ليس بها طوئيّ ... ولا خلا الجنّ بها إنسيّ
يلقى وبئس الأنس الجنيّ ... دويّة لهولها دويّ
للريح في أقرابها هوىّ ... همّي ومضبور القرى مهريّ
هكذا صحة إنشاده:
وخفقة ليس بها طوئيّ
لأن قبله:
وبلدة نياطها نطيّ
نطيّ: أي بعيد. والخفقة: البلدة الواسعة التي تخفق فيها الريح. والأقراب: الجوانب. والمضبور: المشدود. والقرى: الظهر.
(1/566)

وأنشد أبو عليّ 1 - 255، 251 ":
أجدّ الحيّ واحتملوا سراعاً ... فما بالدار إذ ظعنوا كتيع
ع البيت لبشر ابن أبي خازم. وصلته:
ألا ظعن الخليط غداة ريعوا ... بشبوة والمطيّ بنا خضوع
أجدّوا البين واحتملوا سراعا ... فما بالدار إذ ظعنوا كتيع
كأن حدوجهم لما استقلّوا ... ببطن الواديين دم نجيع
ريعوا: هيجوا للسير وحرّكوا. وخضوع: واقفة خاضعة أعناقها. والحدوج: مراكب للنساء. والنجيع: الطريّ. شبّه حمرة الرقم الذي جلّلت به الحدوج بحمرة الدم. وينشد أيضاً في الكتيع لعمرو بن معدي كرب:
وكم من غائط من دون سلمى ... قليل الإنس ليس به كتيع
وأنشد أبو عليّ " 1 - 255، 251 ":
لبّثت قليلاً يلحق الداريّون
ع وهكذا أنشده أبو عبيد في الغريب المصنّف وأنشده ابن الأعرابيّ وأبو عمرو وغيرهما:
ضحّ رويداً يلحق الداريّون
قالوا يريد ارع إبلك ضحى، وهذا مثل أي كفّ الطرد حتى يلحق أصحاب الدار، ومثله:
ضحّ رويداً يحلق الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل
(1/567)

يعني حمل بن بدر الفزاريّ.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 256، 251 ":
إذا رآني واحداً أو في عين
ع ورواه ابن الأعرابيّ:
إذا رآني واحداً أوفى عين ... أطرق من خوفي إطراق الطّحن
قال وفيها:
وإن أتاها ذو فلاق وحشن ... تعارض الكلب إذا الكلب رشن
قال والطحن دويّبة بيضاء كالعظاية الصغيرة تأتي الرمل فتجعل فيها داره ثم تغيب فيها. قال والفلاق: لبن قد خثر وحمض حتى تفلّق وهو الممذقرّ. والحشن: وسخ القدر من داخله وتراكب بعضه على بعض. ورشن: أتاهم ليأكل، والراشن الداخل مع القوم وهو الواغل.
وأنشد " 1 - 256، 251 " بعده بيت المتنخّل وقد تقدّم موصولاً " ص 135 ".
وأنشد أبو عليّ " 1 - 256، 252 ":
إن سعيد الجدّ من بات ليلة ... وأصبح لم يؤشب ببعض الكبائر
ع وهي لعبد الرحمن بن حسّان ذكر ذلك الصوليّ. ع ورأيت أبياتاً من هذا الشعر منسوبة إلى محمد بن يسير. وهذا البيت الأوّل مأخوذ من قول حسّان بن ثابت:
(1/568)

وإن امرأ أمسى وأصبح سالماً ... من الناس إلاّ ما جنى لسعيد
وذكر أبو عليّ " 1 - 258، 253 " خطبة الأعرابيّ الذي ولاّه جعفر بن سليمان بعض مياههم وفيها: قدّموا بعضاً يكن لكم كلاّ ولا تخلّفوا كلاّ يكن عليكم كلاّ. ورواه آخرون: قدّموا بعضاً يكن لكم فرضاً ولا تخلّقوا كلاّ يكن عليكم كلاّ. وروى الرياشي عن الأصمعي هذا الخبر بخلاف ما رواه أبو علي عن ابن دريد عن عبد الرحمن عن عمّه. فقال: كنّا في حلقة يونس فجاء أعرابيّان فسلّما فقال أحدهما: إن الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء فخذوا لمقرّكم من ممرّكم ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم
قدّموا بعضاً يكن لكم فرضاً ولا تخلّفوا كلاّ يكن عليكم كلاً
وتصدّقوا علينا فإنّ الله يجزي المتصدّقين ولا يضيع أجر المحسنين، فأخرج رجل منهم درهماً فأعطاه، فقلب ظهره لبطنه ثم أقبل على صاحبه فقال:
نشبي وما جمّعت من صفد ... وحويت من سبد ومن لبد
همم تقاذفت الهموم بها ... فنزعن من بلد إلى بلد
من لم يكن لله متّهماً ... لم يمس محتاجاً إلى أحد
يا روح من حسمت قناعته ... سبب المطامع من غد وغد
قال ثم رمى بالدرهم ومضى فجمعنا له شيئاً وتبعناه فأبى أن يأخذه. وقال الليثي: إن هذا الشعر لحسين الأشقر مولى باهلة، ولعل هذا الأعرابيّ جاء به متمثلاً.
(1/569)

وأنشد أبو عليّ " 1 - 258، 254 ":
وعازب قد علا التهويل جنبته ... لا تنفع النعل في رقراقه الحافي
ع وصلته:
مستأسد النبت معلول أطاوله ... كأنّ زاهره تلوين أفواف
باكرته قبل أن تلغى عصافره ... مستخفياً صاحبي وغيره الخافي
لا ينفع الوحش منه إن تحذّره ... كأنّه معلق فيها بخطّاف
والشعر لعبد المسيح بن عسلة وقد تقدّم ذكره " 129 " وقوله: مستخفياً صاحبي: أي فرسي أخفيه لئلا تعلم به الوحش فتنفر، ومثله لا يخفي لإشرافه وبدنه، وقيل لنشاطه وصهيله وتحصّنه. ومن البيت الآخر أخذ النابغة قوله في اعتذاره إلى النعمان:
فإنّك كاللّيل الذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأي عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع
وعبد المسيح أقدم منه.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 459، 454 " لعبد الله بن مصعب:
وإنّي وإن أقصرت من عير بغضة ... لراع لأسباب المودّة حافظ
ع هو عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، يكنى أبا بكر مدنيّ شاعر فصيح، استعمله الرشيد على المدينة وأفاد منه مالاً جليلاً. وعبد الله هذا هو الذي يلّقب عائد الكلب غلب عليه ذلك لقوله:
مالي مرضت فلم يعدني عائد ... منكم ويمرض كلبكم فأعود
(1/570)

وأشدّ من مرضي عليّ صدودكم ... وصدود كلبكم عليّ شديد
قد والذي سمك السماء بقدرة ... غلب العزاء وادرك المجلود
وهجي بذلك حتى قال العبّاس بن عتبة العلوي:
إن الزمان الذي أهدى لنا العجبا ... من عائد الكلب أفنى الدين والحسبا
وأنشد أبو عليّ " 1 - 259، 255 " قصيدة ذي الإصبع العدوانيّ، وقد مضى من أوّلها أبيات ومضى القول فيها 69. ومنها:
عنّي إليك فما أمّي براعية ... ترعى المخاض وما رأيي بمغبون
ع إنما خصّ رعية المخاض لأنها أشدّ من رعية غيرها فلا يمتهن فيها إلاّ من حقر ولم يبال به. وروى غير أبي علي بعد قوله:
والله لو كرهت كفيّ مصاحبتي ... إذاً لقلت لها من ساعدي بيني
ثم انثنيت على الأخرى فقلت لها ... إن تسعديني وإلاّ مثلها كوني
وفيها:
وأنتم معشر زيد على مائة
زيد زيادة وهو مصدر زاد يزيد زيداً، وقيل إنه جمع زائد كما يقال صاحب وصحب وراكب وركب. وفيها:
بل ربّ حيّ شديد الشغب ذي لجب ... دعوتهم راهناً منهم ومرهون
يريد غالباً منهم ومغلوباً. وخفض قوله ومرهون على توهّم حرف الجرّ كأنه قال من راهن ومن مرهون، وأنشد النحويّون في مثله لزهير:
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى ... ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا
(1/571)

على توهّم الباء في مدرك، ومثله للفرزدق:
وما زرت سلمى أن تكون حبيبة ... إليّ ولا دين بها أنا طالبه
كأنه قال: لكونها حبيبة ولا لدين، هذا قول الأخفش. وصحّة إعرابه عندي أن يكون تقديره بل ربّ حيّ شديد الشغب ذي لجب مدعوّ ومرهون دعوتهم راهناً منهم، لأن قوله دعوتهم دالّ على مدعوّ.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 261، 257 لهميان:
قد أسأرت في الحوض حضجاً حاضجاً
ع هو هميان بن قحافة أحد بني عوافة بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وقيل أحد بني عامر بن عبيد بن الحارث وهو مقاعس، راجز محسن إسلاميّ. وصلة الشطر:
فصبّحت جابية صهارجاً ... تحسبه جلد السماء خارجاً
قد أسأرت في الحوض حضجاً حاضجا ... قد عاد من أنفاسها رجارجا
تسمع في أجوافها لجالجا ... أزاملاً وزجلاً هزامجا
قوله جلد السماء: يعني صفاء الماء وطيبه وهو يوصف بالزرقة في تلك الحال كما قال:
فألقت عصا التيسار عنها وخيّمت ... بأرجاء عذب الماء زرق محافره
(1/572)

وقال يعقوب: ما بالحوض حضج وحضج: بالفتح والكسر وهي البقيّة. والرجارج: الذي يتقطّع يذهب ويجئ، وتفسير أبي عليّ قول آخر وهو قول أبي عبيد. ولجالج: كما يلجلج الكلام فلا يبين. والأزامل: جمع أزمل وهو الصوت. والهزامج: المتدارك من الصوت من هزمج إذا مرّ يترنّم ترنّماً متداركاً.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 261، 257 و2 - 44، 41 " لابن مقبل:
كاد اللعاع من الحوذان يسحطها ... ورجرج بين لحييها خناطيل
ع يصف بقرة فقدت ولدها فكاد اللعاع وهو ألين المرعى يسحطها: أي يغصّها، يقال أكل طعاماً فسحطه أي أغصّه. والسحط والشحط في غير هذا الموضع الذبح الوجيّ وإنما ذلك لولهها على ولدها وأسفها على طلاها. وقال أبو حنيفة: إذا ظهر البقل شيأ قيل برض فهو بارض ثم يكون لعاعاً يقال ألعّت الأرض وتلعّت الماشية اللعاع رعته. والحوذان: من أحرار البقل طيّب يأكله الناس، قال ابن أبي دؤاد:
أعاشني بعدك واد مبقل ... آكل من حوذانه وأنسل
قال أبو حنيفة وقد أنشد البيت: والرجرج أيضا من ناعم البقل. وصلة البيت قال يصف امرأة:
أو نعجة من إراخ الرّمل خذّلها ... عن إلفها واضح الخدّين مكحول
قالت لها النفس كوني عند مولده ... إنّ المسيكين إن جاوزت مأكول
حتى احتوى بكرها بالجزع مطّرد ... هملّع كهلال الشهر هذلول
(1/573)

كأنّ ما بين أذنيه وزبرته ... من صبغه في دماء الجوف منديل
لّما أتت مفرس المسكين تطلبه ... وحولها قطع منه خراديل
كاد اللعاع
هملّع: خفيف. كهلال الشهر: أي دقيق ضامر. وهذلول: سريع يعني الذئب. وخراديل: قطع لا واحد لها من لفظها. قال وقد يقال خردلة خردلة شديدة، فالخراديل والخناطيل القطع المتفرّقة وكذلك الرعابيل، والخناطيل في غير هذا الموصع طائفة من الإبل والدوابّ. وقال غير أبي حنيفة: رجرج يعني لعابها يترجرج في فيها وإنما يسيغ الطعام اللعاب، ويقال للماء الذي تعبث فيه الإبل حتى يخثر ويتمطّط رجرجة، قال الراجز:
فأسأرت في الحوض حضجاً حاضجاً ... قد عاد من أنفاسها رجارجا
والكتيبة الرجراجة: التي تموج. وأنشد ابن الأنباري في كتاب الحاء هذا البيت الشاهد لجران العود النميري وأنشد قبله:
لما ثغا الثغوة الأولى فأسمعها ... ودونه شقّة ميلان أو ميل
كاد اللعاع من الحوذان يسحطها ... ورجرج بين لحييها خناطيل
وأنشد أبو عليّ " 1 - 262، 258 " قول ابن الإطنابة في حديث معاوية:
أبت لي عفّتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وفيه:
وقولي كلّما جشأت وجاشت ... مكانّك! تحمدي أو تستريحي
ع وروى غير واحد:
وقولي كلّما جشأت لنفسي
وهو أحسن من
(1/574)

وجهين أحدهما: أن جشأت وجاشت بمعنى واحد معناهما الارتفاع، والثاني رجوع الضمير على مذكور. وروى ابن داحة وابن دأب معاً في هذا الحديث بعد قوله: فما تمنعني إلا أبيات ابن الإطنابة وأنشداها. قال فقلت: الله لتحامينّ عن الشاة والبعير ولأفرّنّ عن الملك فصبرت حتى آل الأمر إلى ما آل إليه. ومن هذا البيت أخذ قطريّ بن الفجاءة قوله:
أقول لها وقد طارت شعاعاً ... من الأبطال ويحك لا تراعي
فإنّك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي
وابن الإطنابة هو عامر وقيل عمرو بن زيد مناة بن مالك ابن الأغرّ الخزرجيّ شاعر جاهليّ. والإطنابة: أمّه، والإطنابة المظلّة وهي أيضاً سير يوضع على فرض الوتر من القوس.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 262، 258 ":
ألا أيّها الناهي فزارة بعد ما ... أجدّت لغزو إنما أنت حالم
(1/575)

ع الشعر لبعض بني فزارة يقوله في الحرب التي كانت بينهم وبين كلب. وفيه:
أبى كلّ ذي تبل يبيت بهمّه ... ويمنع منه النوم إذ أنت نائم
ويروى: أرى كل ذي تبل، والوجه الأول، ويروى ويمنع منه النوم: يعني التبل منعه النوم. وهذا البيت أنشده في خبر المفضّل الضّبيّ قال: كنت مع إبراهيم بن عبد الله بن عبد الله بن حسن صاحب أبي جعفر في اليوم الذي قتل فيه، فلما رأى البياض يقلّ والسواد يكثر قال أنشدني شيأ يهوّن عليّ بعض ما أرى، فأنشدته هذه الأبيات فرأيته يتطالل في سرجه، ثم حمل حملة كانت آخر العهد به. ع هكذا صحّت الرواية عن أبي علي يتطالل بإظهار التضعيف وإنما هو يتطالّ كما تقول يتقاصّ ويترادّ ولا يجوز إظهار التضعيف إلاّ في ضرورة الشعر، قال قعنب ابن أمّ صاحب:
مهلاً أعاذل قد جرّبت من خلقي ... أنّي أجود لأقوام وإن ضننوا
وقد يأتي ذلك لازدواج اللّفظ وتقابله كما روى في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: أيّتكنّ صاحبة الجمل الأزبب تنبحها كلاب الحوأب؟ وأنشد أبو عليّ " 1 - 263، 259 " لأبي سعيد المخزوميّ:
من لي بردّ الصبا واللهو والغزل ... هيهات ما فات من أيّامك الأول
وفيها:
ما لي وللدمنة البوغاء أندبها.
ع والبوغاء: التراب الدقيق، قال الشاعر:
لعمرك لولا هاشم ما تعفّرت ... ببغدان في بوغائها القدمان
(1/576)

والبوغاء أيضا: شذى الطيب يقال ارتفعت بوغاء الطيب وفيه:
مالي أرى ذمّتي يستمطرون دمي
يريد مالي أرى أهل عهدي يستبطؤن قيامي ثم قال:
كيف السبيل إلى ورد خبعثنة؟
والخبعثنة: التارّ البدن القويّ. وفيه:
بالليل مشتمل بالجمر مكتحل
عين الشجاع توصف بالحمرة في الحرب من الجرأة والغضب فتغلب الحمرة على بياضها وهذا مشاهد معلوم. قال ضرار بن الخطّاب الفهريّ:
بيض كرام كأنّ أعينهم ... تكحل فوق الهياج بالعلق
وقال زيد الخيل:
هلاّ سألت بني نبهان ما حسبي ... يوم الهياج إذا ما احمرّت الحدق
وقد يوصف أيضاً طرف الجبان بالحمرة لا حدقته وذلك لانقلاب حماليقه من الفزع.
وقال المرّار:
إنّي إذا طرف الجبان احمرّا
وكان خير الخصلتين الشرّا ... أكون ثم أسدا وبرا
ولايشرب الماء إلا من قليب دم ... ولا يبيت له جار على وجل
هذا كقول بشّار في عمر بن العلاء:
إذا حزبتك صعاب الأمور ... فنبّه لها عمراً ثمّ نم
فتى لا يبيت على دمنة ... ولا يشرب الماء إلاّ بدم
قيل إنه أراد بقوله: من قليب دم يده كأنها تسيل دماً لكثرة سفكه دم أعدائه، وقيل أراد يغلب الناس على المياه والمحاضر فيسفك دماء من غالبه عليها. وهذا كما قال أبو تمام:
(1/577)

ذرى المنبر الصعب من فرشه ... ونار الوغى ناره للصلاء
معرّسه في ظلال السيوف ... ومشربه من نجيع الدماء
وكشف أبو الطيّب هذا المعنى فقال:
تعوّد أن لا تقضم الحبّ خيله ... إذا الهام لم ترفع جنوب العلائق
ولا يرد الغدران إلاّ وماؤها ... من الدم كالريحان تحت الشقائق
وأبو سعيد هو عيسى بن خالد بن الوليد، من ولد الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، بغداذي كثير الشعر جيّده، وهو المهاجي لدعبل، وكان دعبل ينفيه ويعرّفه بالدعيّ.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 263، 260 " للفند الزمّاني:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
وفيه:
فلّما صرّح الشرّ ... فأمسى وهو عريان
ع وغيره يرويه فأضحى وهو خير لأن الشيء في الضحى أشهر وهو قد ربط آخر الكلام بقوله صرّح. وفيه:
مشينا مشية الليث ... غدا والليث غضبان
غداً بالغين معجمة، كذلك رواه أبو عليّ وهو الصواب، ومن روى شددنا شدّة الليث يكون الاختيار عدا لأن السبع يغدو جائعاً وتغدو المواشي أيضاً سارحة من مراحها ويبرز
(1/578)

الصيد أيضاً من مجاثمه وجحرته وكنسه ومكامنه، قال رؤبة:
كأنه ليث عرين هوّاس ... عادته خبط وعضّ همّاس
يغدو بأشبال أبوها الهرماس
ومن روى مشينا مشية الليث، لم يصلح أن يقول عدا، لأن الليث لا يكون ماشياً عادياً في حال. فإن قيل عدا هنا من العدوان، فالجواب أن الليث لا يمشي في حال عدوانه، وإنما يشدّ شداّ وهذا بيّن واضح. ومن روى شددنا شدّة الليث جاز أن يقول عدا من العدوان لا من العدو، لأن الشدّ هو العدو الذي قيل في بيت عبد يغوث:
أنا الليث معديّاً عليه وعادياً
وفيه:
بضرب فيه تخضيع ... وتوهين وإقران
تخضيع: إذلال من الخضوع وقيل صوت، ومنه الخضيعة وهو الصوت الذي يسمع من جوف الفرس. والإقران: اللين. ومن رواه بضرب فيه تفجيع وتأييم وإرنان فهو من آمت المرأة إذا قتل عنها زوجها أو مات. وإرنان: من الرنين في البكاء يقال: رنّ وأرنّ. والفند هو شهل وليس في العرب شهل بشين معجمة غيره بن شيبان بن ربيعة بن زمّان بن مالك بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، جاهليّ قديم.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 264، 260 " لأبي الغول الطهويّ:
(1/579)

فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدّقوا فيهم ظنوني
ع يريد صدّقوا في أنفسهم ظنوني، فالظنون مفعولة، وروى غير أبي عليّ صدّقت فيهم ظنوني فالظنون على هذه الرواية فاعلة، ويروى صدّقت بضم الصاد فتكون الظنون مفعولة.
وفيه:
فوارس لا يملّون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبون
الزبن لا يكون إلاّ بالثفنات، يريد الحرب التي لا تقبل الصلح كالناقة التي تدفع الحالب. وفيه:
ولا تبلى بسالتهم وإن هم ... صلوا بالحرب حيناً بعد حين
تبلى من البلى، وروى غيره ولا تبلى بضم التاء من الابتلاء وهو الاختبار أي: لا يختبر ما عندهم من النجدة والبأس وإن طال أمد الحرب لكثرة ما عندهم من ذلك، ويجوز على هذه الرواية إلاّ بعد حين. وفيه:
فنكّب عنهم درأ الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون
هذا مثل قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقال الفرزدق:
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتخالنا جنّاً إذا ما نجهل
(1/580)

وقال خلف بن خليفة:
عليهم وقار الحلم حتى كأنّما ... وليدهم من فضل هيبته كهل
إذا استجهلوا لم يعزب الحلم عنهم ... وإن آثروا أن يجهلوا عظم الجهل
وله أمثلة في التنزيل. وفيه:
ولا يرعون أكناف الهوينا ... إذا حلّوا ولا روض الهدون
الهوينا: لا تكبير لها ومثلها قولهم: يا حديّاك: أي تحدّيك، ومثلها الهديّا: السّهم يرمى أثر السّهم. والهوينا: الدعة والخفض. والهدون: السكون والطمأنينة. يقول: هؤلاء القوم من عزّهم ومنعتهم لا يرعون الأماكن التي أباحتها المسالمة ووطأتها المهادنة، ولكن يرعون النواحي المتحاماة والأرضين الممتنعة، كقول أبي النّجم يصف إبلاً:
تبقّلت من أوّل التبقّل ... بين رماحي مالك ونهشل
وأنشد أبو عليّ " 1 - 265، 261 " لقيس بن زهير:
ألم تر أن خير الناس أضحى ... على جفر الهباءة ما يريم
ع يرثي حذيفة وحملاً ابني بدر بن عمرو بن جؤيّة بن لوذان بن عديّ بن فزارة بن
(1/581)

ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان. وقيس هو قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، ويكنى قيس أبا هند، شاعر فارس جاهليّ، وهو الذي راهن حذيفة بن بدر، فأجرى حذيفة الخطّار والحنفاء، وأجرى قيس داحساً والغبراء، هذا الأكثر، وقيل بل أجرى قيس داحساً وأجرى حذيفة الغبراء، واتّفقا على أن يكون المضمار أربعين والغاية مائة غلوة والمجرى من ذات الإصاد، فلما أتيا المدى وأرسلا الخيل عارضاها، فقال حذيفة: خدعتك يا قيس. فقال قيس: ترك الخداع من أجرى من المائة فأرسلها مثلاً، ثم ركضا ساعة فجعلت خيل حذيفة تندر خيل قيس. فقال: سبقتك يا قيس، فقال: رويداً يعلون الجدد فأرسلها مثلاً، ثم ركضا ساعة، فقال حذيفة: سبقتك يا قيس، فقال: جرى المذكيات غلاب فأرسلها مثلاً. وجعلت بنو فزارة كميناً بالثنيّة فاستقبلوا داحساً فلطموه وهو السابق وأمسكوه ثم لطموا الغبراء وهي السابقة ثم أرسلوا داحساً فتمطّر في آثارها: أي أسرع وجعل يندرها فرساً فرساً حتى سبق إلى الغاية مصلّياً للغبراء، ولو تباعدت الغاية سبق الغبراء، فاستقبلها بنو فزارة فلطموها وحلأوها عن البركة ثم لطموا داحساً وقد جاءا متواليين، وكان الذي لطمه عمير بن نضلة فسمّي جاسئاً، وجفّت يده. وجاء قيس وحذيفة آخر الناس، وقد دفعت بنو فزارة عبساً عن سبقهم ولم تطقهم عبس، لأن من شهد منهم أبيات غير كثيرة.
(1/582)

فلما رأى ذلك قيس احتمل عنهم في من معه من بني عبس. ثم إن قيساً أغار فلقي عوف بن بدر أخا حذيفة لأبيه وأمّه فقتله وأخذ إبله، فهمّوا بالقتال وغضبوا، فحمل الربيع بن زياد دية عوف مائة عشراء متلية واصطلح الناس. وكانت معاذة بنت بدر أخت حذيفة بن بدر وإخوته تحت الربيع. ثم إن مالك بن زهير أخا قيس تزوّج في بني فزارة، فدسّ عليه حذيفة قرواشاً في نفر من قومه فقتلوه وأخذوا سيفه ذا النون، فثارت الحرب بين عبس وذبيان، فقتل في أوّل يوم من حربهم حذيفة وحمل ابنا بدر في جفر الهباءة، قتل الحارث بن زهير حملاً وأخذ منه ذا النون سيف أخيه مالك، وشاركه في قتله عمرو بن الأسلع العبسيّ. وقال الحارث:
تركت على الهباءة غير فخر ... حذيفة حوله قصد العوالي
ويخبرهم مكان النون منّي ... وما أعطيته عرق الخلال
فركدت الحرب بينهم عشرين عاماً. وقول قيس:
وقد يستجهل الرجل الحليم
يعني يحمل على الجهل كما يقال: يستغضب إذا حمل على الغضب. وهذا كما قال البحتريّ:
إذا أحرجت ذا كرم تخطّى ... إليك ببعض أخلاق اللئام
وقال الطائي:
أخرجتموه بكره من سجيّته ... والنار قد تنتضى من ناضر السلم
وقال قيس أيضاً يرثي حذيفة وحملاً:
شفيت النفس من حمل بن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني
فإن أك قد بردت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلاّ بناني
(1/583)

وذكر أبو عليّ " 1 - 265، 261 " حديث الأصمعي مع الأعرابية التي نزل بها وقد مات ولدها، قال فأنشدتها أبيات نويرة بن حصين المازني يرثي ابنه:
إني أريىء الشامتين تجلّدي ... وإني لكالطاوي الجناح على كسر
جاء بقوله أريئ على الأصل راء الرجل الشيء، وأراءه غيره فهو يريئه.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 266، 262 " للحارث بن وعلة:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت أصابني سهمي
وفيه:
أن يأبروا نخلاً لغيرهم ... والشيء تحقره وقد ينمى
ع الأبر: التلقيح ومعناه كقولهم: ربّ ساع لقاعد يقول: نغير عليك فنحربك ونقتلك، فنشفي أعداءك منك، حتى يبلغوا من ذلك ما لم يكونوا ليدركوه بجهدهم، فكأن سعينا كان لهم، ونكون في ذلك كأنا أصلحنا أمر غيرنا، وقيل المعنى غير هذا، وإنما أراد نقتلك ونملك أرضك ونأبر نخلك، والأول أجود، وليس كل من قتل واحداً ملك أرضه بل ذلك شيء لا يكاد يقع. وفيه:
وزعمتم أن لا حلوم لنا ... إن العصا قرعت لذي الحلم
قرع العصا: مثل في التنبيه، وكان أحد حكّام العرب قد أسنّ فكان يهم في حكمه، فإذا قرعت له العصا استيقظ وثاب حلمه، فذو الحلم الحكم. يقول: إن كنّا لا حلوم لنا ولا منّة
(1/584)

فينا فاقرع لنا العصا تنبّه حلومنا. وهذا هزء بالمخاطب لا استرشاد، وكذا قوله:
وتركتنا لحما على وضم
وأوّل من قرعت له العصا عامر بن الظرب العدوانيّ، وربيعة تقول هو قيس بن خالد ذي الجدّين، وتميم تقول هو ربيعة بن مخاشن أحد بني أسيّد بن عمرو بن تميم، وأهل اليمن يقولون هو عمرو بن حممة الدوسيّ. وفيه:
ووطئتنا وطأ على حنق ... وطأ المقيّد نابت الهرم
الهرم: نبت من الحمض مثل الحيّهلة ممتلئ ماء فأيّ شيء يمسّه فيخضده، وخصّ النابت منه لأنّه أرقّ وأضعف. والشاعر هو الحارث بن وعلة بن عبد الله من بني جرم بن ربّان وهو علاف الذي تنسب إليه الرحال بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وقال إسحاق بن إبراهيم: هو الحارث بن وعلة بن يثربيّ أحد بني ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل. والدليل على صحّة هذا النّسب أن أخاه المنذر بن وعلة قتلته بنو شيبان، فذلك قوله:
قومي هم قتلوا أميم أخي
وهكذا ينسبه أكثر الناس الحارث بن وعلة الذهلي، وكذلك هو في الحماسة حيثما ذكر، ولعلّه كان مجاوراً في جرم، ويكنى الحارث أبا مجالد.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 267، 263 " لهشام أخي ذي الرمّة:
تعزّيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين ملآن مترع
(1/585)

ع اختلف في قائل هذا الشعر واختلف في إخوة ذي الرمّة، فنسب أكثر العلماء هذا الشعر إلى مسعود أخي ذي الرمّة يرثي به أوفى وغيلان أخويه. وقال إسحاق بن إبراهيم وعبد الله بن مسلم أنهم كانوا أربعة إخوة لأمّ وأب غيلان ومسعود وهشام وأوفى، وكلّهم شعراء كان أحدهم يقول الأبيات فيزيد فيها ذو الرمّة ويغلب عليها. وقال علي بن الحسين عن ابن حبيب وابن الأعرابيّ إخوة ذي الرمّة مسعود وهشام وجرفاس، ولم يكن فيهم من اسمه أوفى، وإنّ مسعوداً منهم رثى بشعره هذا أخاه غيلان وأوفى بن دلهم ابن عمّهما، وما أخلق هذا القول بالصواب. وممن نسب هذا الشعر إلى هشام أبو تمّام وأبو العبّاس محمد بن يزيد، وأما الذي رثى به مسعود أخاه من غير اختلاف فقوله:
إلى الله أشكو لا إلى الناس أنني ... وليلى كلانا موجع مات واحده
غصصت بريقي حين جاء نعيّه ... وبالماء حتى حرّ في الصدر بارده
قال أبو عمرو ابن العلاء أنشدنيه مسعود لنفسه، قلت له: ومن ليلى؟ قال بنت أخي غيلان.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 267، 264 " لدكين:
كأنّ غرّ متنه إذ نجنبه
وصلته يليه:
من بعد يوم كامل نأوّبه ... سير صناع في خريز تكلبه
(1/586)

قاظ بظلّ وبمحض يحلبه ... في علف يأكله ويشربه
راكدة مخلاته ومحلبه
يصف رقّة جلد هذا الفرس ولين بشرته ولطف مكاسرها ورقّتها حتى كأنها سير خارزة من لطفها. وقوله: راكدة مخلاته ومحلبة يريد أن له من علفه مأكلاً ومنه مشرب. وراكدة: ثابتة دائمة.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 267، 264 " للهذليّ:
سديد العير لم يدحض عليه ال ... غرار فقدحه زعل دروج
ع وقبله:
دلفت لها بسهم غير وغل ... نحيض لم تخوّنه الشروج
سديد العير: دلفت لها: يعني الطريدة. والوغل: الضعيف. والنحيض: الذي أرقّت شفرتاه من السهام ولم تخنه الشروج: لم يأته خون من شروجه التي في القدح أي شقوقه. ويقال: خانته أمّه إذا أتاه من قبلها الفساد. والشعر للداخل وهو زهير بن حرام أحد بني مرّة بن سهم بن معاوية.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 268، 264 " للشماخ بن ضرار:
ولما رأيت الأمر عرش هويّة
ع وصلته:
تذكّرت لّما أثقل الدين كاهلي ... وحاز يزيد ماله وتعذّرا
رجالاً مضوا عني فلست مقايضاً ... بهم أبداً من سائر الناس معشرا
ولّما رأيت الأمر عرش هويّة ... تسلّيت حاجات الفؤاد بشمّرا
وقرّبت مبراة كأنّ ضلوعها ... من الماسخيّات القسيّ الموترّا
(1/587)

يزيد هو أخوه مزرّد بن ضرار، يقول: هو ميّز ماله من مالي وتعذّر عليّ بما في يده. وقوله فلست مقايضاً: يقال قايض فلان فلاناً أي بادله قال أبو طالب:
إذا سفهت أحلام قوم تبدّلوا ... بني خلف قيضابنا والغياطل
أي بدلاً. والهويّة: البئر. وقال خالد: هويّة بالضمّ وأهويّة. وعرشها: خشبات تقام عليها للمستقي، يقول: لمّا رأيت الأمر أظلّني كما أظلّت هذه البئر تلك الخشبات: يعني علت عليها ركبت ناقتي وتسلّيت. وروى إبراهيم بن محمد عن أحمد بن يحيى:
ولّما رأيت الأمر عرّش هونه
وزعم قوم أن الأول تصحيف. وشمّر: اسم ناقته بنصب الشين عن الأصمعي وبكسرها عن أبي عمرو. والمبراة: الناقة التي جعلت لها برة، وشبّه ضلوعها في إجفارها وطولها وانحنائها بقسيّ من قسيّ ماسخة وهم حيّ من الأزد عرفوا بأمّهم بنت الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد وتلّقب ماسخة.
وذكر أبو عليّ " 1 - 268، 265 " إيفاد المهلّب لكعب بن معدان علي الحجّاج.
ع هو كعب بن معدان الأشقريّ، والأشاقر قبيلة من الأزد. قال أبو البهاء الأزديّ:
(1/588)

قل للمهلّب إن نابتك نائبة ... فادع الأشاقر وانهض بالجراميز
وكعب فارس شاعر خطيب معدود في جلّة أصحاب المهلّب والمذكورين في حروب الأزارقة يكنى أبا مالك. وروى العتبي أنه لما وفد هذه الوفادة على الحجاج استفتح القول بإنشاده قصيدته التي أوّلها:
يا حفص إنّي عداني عنكم السفر ... وقد سهرت فأردي عيني السهر
ومرّ في القصيدة يذكر وقائعهم مع المهلّب حتى انتهى إلى قوله:
خبوا كمينهم بالسفح إذ نزلوا ... بكازرون فما عزّوا ولا نصروا
باتت كتائبنا تردي مسلّمة ... حول المهلّب حتى نوّر القمر
هناك ولّوا خزايا بعدما هزموا ... وحال دونهم الأنهار والجدر
تأبى علينا حزازات النفوس فما ... نبقى عليهم ولا يبقون إن قدروا
قال فضحك الحجّاج له وقال: إنك لمنصف يا كعب، أخطيب أنت أم شاعر؟ قال شاعر خطيب، فسأله كيف كان محاربة المهلّب للقوم، وساق الحديث إلى آخره بمعناه. قال ثم قال: كيف كان بنو المهلّب؟ قال حماة الحريم نهاراً، وفرسان الليل تيقّظاً. قال: فأين السماع من العيان؟ قال: السماع دون العيان، قال صفهم رجلاً رجلاً، قال: المغيرة فارسهم وسيّدهم نار ذاكية، وصعدة عالية. وكفى بيزيد فارساً شجاعاً ليث غاب، وبحر جمّ العباب. وجوادهم قبيصة ليث المغار، وحامي الذمار. ولا يستحي البطل أن يفرّ من مدرك، وكيف لا يفرّ من الموت الحاضر، والأسد الخادر، وعبد الملك سمّ ناقع، وسيف قاطع. وحبيب موت ذعاف إنما هو طود شامخ، وعزّ باذخ. وكفاك بالمفضّل نجدة ليث هرّار، وبحر موّار. ومحمد ليث غاب، وحسام ضراب. قال: فأيّهم أفضل؟ قال: هم كالحلقة المفرغة لا يعرف
(1/589)

طرفاها. قال: كيف جماعة الناس؟ قال: هم على أحسن حال أدركوا ما رجوا، وأمنوا ما خافوا، وأرضاهم العدل، وأغناهم النفل.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 269، 265 " شعر قطريّ بن الفجاءة:
يا ربّ ظلّ عقاب قد وقيت بها
ع اختلف في اسم الفجاءة فقيل اسمه جعونة، وقيل مازن بن يزيد بن زياد بن حنثر، أحد بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، سميّ الفجاءة لأنه غاب دهراً باليمن ثم جاءهم فجاءة. وقطريّ شاعر فارس ورأس من رؤوس الخوارج، وممن سميّ فيهم بأمير المؤمنين.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 269، 266 ":
وأشعث قد قدّ السفار قميصه ... يجرّ شواء بالعصا غير منضج
ع الشعر للشمّاخ هكذا اتّفقت الرواية عن أبي علي يجرّ والجماعة تروي: وجرّ شواء نسقاً على قوله: قدّ السفار قال الأصمعي: كان هذا مما أعان على تخريق ثيابه. كذلك رواه أبو حاتم عن الأصمعيّ وأبي عمرو الشيبانيّ، وأبو محمد عن خالد بن كلثوم، وإبراهيم بن محمد عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابيّ، والعباس بن الفرج عن أبي تمّام. وقوله
(1/590)

غير منضج: أراد لسرعة السير وجدّه بهم وإعجاله لهم عن إنضاجه، كما قال امرؤ القيس:
نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهّب
وهذا إنما يكون في حال السفار لا في غيره، ورواية أبي عليّ تقتضي أن ذلك شأنه في جميع أحواله، وهذا بالذّم أشبه، لأنه إذا فعل ذلك في حال الطمأنينة دلّ على الجشع وشدّة الحرص على الطعام. وروى أبو عبد الله بن أبي العباس: فتى يملأ الشيزي ويروى نديمه، وهي رواية أفادت معنى ثالثاً: يجانس ما قبله من إطعام وسقي، ومن روى: ويروى سنانه فذلك في معنى. ويضرب في رأس الكميّ المدجّج فلم يفد البيت أكثر من معنيين.
وقوله في البيت: وأنشد أبو عليّ " 1 - 270، 266 " لعبد الرحمن بن زيد:
يؤسى عن زيادة كلّ حيّ ... خليّ ما تأوّبه الهموم
ع وعبد الرحمن هو أخو زيادة بن زيد بن مالك بن عامر بن قرّة أحد بني سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. وقد تقدم خبر هدبة بن خشرم 61 وقتله لزيادة بن زيد. فلما سجن هدبة في دم زيادة جعل القرشيّون يكلّمون عبد الرحمن أخاه في أمر هدبة وأضعفوا له الدية حتى بلغت عشراً، منهم سعيد بن العاصي، وعبد الله بن عمر، والحسين بن عليّ، وعمرو بن عثمان بن عفّان، فلما أكثروا عليه أنشدهم
(1/591)

هذا الشعر. وفيه:
غشوم حين يبصر مستفاد
هكذا ثبتت الرواية عن أبي عليّ، ورواه أبو العباس الأحول:
غشوم حين يبصر مستفاداً
وهذا بيّن المعنى يريد أنه منتهز للفرصة إذا رأى أنه مستفيد من عدوّه فائدة غشم فانتهزها، أو مدرك فيه بغية وثب فنالها. ورواه بعضهم:
حين يبصر مستقاداً
بالقاف يريد مستقاداً منه وممّن له عنده ثار، ويقوّي هذه الرواية عجز البيت:
وخير الطالبي الترة الغشوم
وهي رواية مقبولة حسنة. وقد روى:
غشوم حين ينصر مستقاد
ينصر بالنون، والمعنى أنه يطلب منه لعزّته نصره، وأن يقيد ممن يجب عليه القود، ويستعدي على من تعدّى. فلما أنشدها هدبة قال: إن فيه مطمعاً بعد فعاودوه. فقال عبد الرحمن حين عاودوه:
باست امرئ واست التي زحرت به ... إذا نال مالاً من أخ وهو ثائره
وإنّي وإن ظنّ الرجال ظنونهم ... على صبر أمر لم تشعّب مصادره
وهي أبيات فلما أنشدها هدبة قال: دعوه فوالله لا يقبل عقلاً أبداً جزيتم خيراً. فأقام هدبة في السجن ستّ سنين، حتى أدرك المسور بن زيادة، ومات عبد الرحمن في خلال ذلك، وكان المسور هو الذي تولّى قتل هدبة، وقد تقدّم ذكر ذلك 61. وذكر المدائني أن المسور قد كان اختار العفو وأخذ الدية، حتى قالت له أمّه والله لئن لم تقتل هدبة لأنكحنّه، فيكون قد قتل أباك ثم ينكح أمّك فتسب بذلك يد المسند، فلفته ذلك عن مذهبه، ومضى على الاتّئار من هدبة وقتله.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 270، 267 " لأبي الهيذام في أخيه:
(1/592)

سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا ... فإنّ بها ما يدرك الماجد الوترا
ع هو أبو الهيذام عامر بن عمارة بن خريم المرّيّ، وخريم هذا هو المعروف بخريم الناعم، وإليهم ينسب أبو يعقوب الخريمي الشاعر، وكان مولى لأخي أبي الهيذام عثمان بن عمارة، وأبو الهيذام شاميّ شاعر فحل وفارس مشهور، وكان عامل للرشيد بسحستان قتل أخا لأبي الهيذام فرثاه بهذا الشعر، وزاد فيه محمد بن داود بيتاً في آخره. وهو:
ولكنّني أشفى الفؤاد بغارة ... ألهّب في قطري جوانبها جمرا
فخرج أبو الهيذام وجمع جمعاً وغلظ أمره واشتدّت شوكته وأعي الحيل فيه، حتى احتيل له من قبل صديق له يقال له عامر، كتب إليه فأرغبه وضمن له ولاية البلد، فاستنام إليه فشدّ علي أبي الهيذام فقيّده، وحمل إلى الرشيد وهو بالرقّة، فقال لمّا دخل عليه:
أفي عامر لا قدّس الله عامراً ... تبيت تغنّيني السلاسل والكبل
فهل نحن إلاّ أهل سمع وطاعة ... وهل أنت إلاّ السيّد الحكم العدل
فأحسن أمير المؤمنين فإنّه ... أبى الله إلا أن يكون لك الفضل
فمنّ عليه الرشيد وأطلقه.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 270، 267 " لابن الروميّ في النرجس:
خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلاً تورّدها عليه شاهد
(1/593)

وفيها:
اطلب بعينك في الملاح سميّة
وروى غيره: اطلب بعفوك وهو أحسن لأن هذه الرواية تفيد معنى يريد أن ذلك كثير يجده بعفوه من غير جهد، وكثيراً ما يسمّون بنرجس. قال شاعرهم في جارية:
كنت أبغيك في البسا ... تين شوقاً لرؤيتك
فإذا نرجس ينا ... دي بلفظ كلفظتك
أنا أشبه لمن هوي ... ت فخذني لبغيتك
فجنيناك ناضراً ... وبعثنا إليك بك
وفيها:
فتأمّل الأخوين من أدناهما ... شبهاً بوالده فذاك الماجد
وروى غيره:
فانظر إلى الولدين من أدناهما
ع وقد ردّ عليه أحمد بن يونس الكاتب فقال:
يا من يشبّه نرجساً بنواظر ... دعج تنبّه إن فهمك راقد
إن القياس لمن يصحّ قياسه ... بين العيون وبينه متباعد
والورد أشبه بالخدود حكاية ... فعلام تجحد فضله يا جاحد
ملك قصير عمره مستأهل ... بخلوده لو أنّ حيّاً خالد
إن قلت إن الورد فرد في اسمه ... ما في الملاح له سميّ واحد
فالشمس تفرد في اسمها والمشتري ... والبدر يشرك في اسمه وعطارد
زهر النجوم تروقنا بضيائها ... ولها منافع بعد ذا وعوائد
وخليفة إن غاب ناب بنفحه ... وبنفعه أبداً مقيم راكد
إن كنت تنكر ما ذكرنا بعدما ... وضحت عليه دلائل وشواهد
فانظر إلى المصفرّ لوناً منهما ... وافطن فما يصفرّ إلا الحاسد
هذا ما اخترت منها.
(1/594)

وأنشد أبو عليّ " 1 - 271، 268 " للأخيطل:
سقياً لأرض إذا ما شئت نبّهني ... بعد الهدوء بها قرع النواقيس
ع هو محمد بن عبد الله يعرف بالأخيطل ويلّقب برقوقي، غلام من أهل الأهواز أديب جيّد الشعر يكنى أبا بكر، وكان مصيب التشبيه، ومما يستجاد له قوله في صفة مصلوب صلبه الحسن بن رجاء بالأهواز:
كأنّه عاشق قد مدّ بسطته ... يوم الفراق إلى توديع محتمل
أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطّية من الكسل
وأنشد أبو عليّ " 1 - 472، 469 " للسموأل بن عادياء:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل
ع اختلف الناس في هذه القصيدة، فمنهم من ينسبها إلى عبد الله بن عبد الرحمن، وقيل ابن عبد الرحيم الأزديّ شاعر شأميّ إسلاميّ، ومنهم من يعزوها إلى السموأل بن غريض بن عادياء اليهودي. من ولد الكاهن بن هارون بن عمران، وبنو قريظة وبنو النضير هما المعروفان بالكاهنين، نسبوا إلى جدّهم الكاهن بن هارون بن عمران، كما قيل العمران والحسنان. وروى عن دارم بن عقال وهو من ولد السموأل أنه السموأل بن غريض
(1/595)

بن عادياء بن رفاعة بن ثعلبة بن كعب بن عمرو مزيقياء ابن عامر ماء السماء. وهذا محال لأن الأعشى أدرك شريح بن السموأل وأدرك الإسلام، وعمرو بن عامر قديم لا يجوز أن يكون بنيه وبين السموأل أربعة آباء ولا عشرة إلاّ أكثر والله أعلم. والأصحّ أن أمّ السموأل كانت من غسّان لا أبوه، والسموأل هو صاحب الحصن المعروف بتيماء، وبه يضرب المثل في الوفاء. وقد ذكر ذلك وخبره الأعشى في شعره بأحسن اقتصاص، وبيت السموأل بيت الشعر في يهود، فإنه شاعر وأبوه شاعر وأخوه سعية بن غريض شاعر متقدّم مجيد. قوله:
فكل رداء يرتديه جميل
يريد لا يضرّه إخلاق الثياب، إذا كان عرضه سليماً من العاب. وبعده بيت لم يروه أبو عليّ وهو:
إذا المرء لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
وفيه:
وإنّا أناس لا نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يريد بني عامر بن صعصعة، وبنو سلول هم بنو مرّة بن صعصعة أخي عامر، غلبت عليهم أمّهم سلول بنت ذهل بن شيبان. وهذا من أحسن ما ورد في الاستطراد من مدح إلى ذمّ، وقول بكر بن النطّاح يمدح مالك بن طوق:
فتى شقيت أمواله بسماحه ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب
وفيه:
وما مات منّا سيّد حتف أنفه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل
(1/596)

وأوّل من نطق بهذا اللفظ مات فلان حتف أنفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدلّ أن الشعر إسلاميّ، وقد رواه قوم:
وما مات منّا سيّد في فراشه.
وفيه:
صفونا فلم نكدر وأخلص سرّنا ... إناث أطالت حملنا وفحول
يعني أصلنا، يقال إن فلاناً ليضرب في سرّ: أي في أصل جيّد، ومنه سرارة الوادي: أي أكرمه وقيل أوسطه. وفيه:
فإنّ بني الدّيّان قطب لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول
يريد أنهم أهل حضر وقصور وجنّات، وأنهم لا يظعنون في طلب نجعة كما تفعل الأعراب، ومثله قول حسّان:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
وقال آخر:
لله درّ ثقيف أيّ منزلة ... حلّوا بها بين سهل الأرض والجبل
قوم تخيّر طيب العيش رائدهم ... فأصبحوا يلحفون الأرض بالحلل
ليسوا كمن كانت الترحال همّته ... أخبث بعيش على حلّ ومرتحل!
وقد تقدمّ إنشاده 42، وقال رجل من بني تميم:
لكسرى كان أعقل من تميم ... ليالي فرّ من بلد الضباب
فأنزل نسله ببلاد ريف ... وأشجار وأنهار عذاب
وصار بنو أبيه بها ملوكاً ... وصرنا نحن أمثال الكلاب
فلا رحم الإله صدي تميم ... فقد أزرى بنا في كلّ باب
(1/597)

والعربي يأنف أن يقال له يا أعرابيّ لجفاء العرب وعنجهيّتهم، قال الشاعر:
يسمّوننا الأعراب والعرب اسمنا ... وأسماؤهم فينا رقاب المزاود
رقاب المزاود إشارة إلى أنهم موال وهم الحمر، ولم يبعث الله عزّ وجلّ نبيّنا إلاّ من أهل القرى والمدر لا من أهل البدو والوبر، قال الله تعالى: " وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى "، ولذلك قال خليد عينين العبدي الهجريّ منتصراً للصلتان العبديّ، وكان الصلتان قد فضّل في قصيدته التي تقدّم إنشاد أبي عليّ لها " 2 - 143، 141 " الفرزدق في الحسب وجريراً في الشعر، فقال جرير:
أقول ولم أملك سوابق عبرة ... متى كان حكم الله في كرب النخل
فأجابه خليد:
وأيّ نبيّ كان من غير قومه ... وهل كان حكم الله إلاّ مع الرسل
وأنشد أبو عليّ " 1 - 273، 270 " للفرزدق:
يفلّقن هاماً لم تنله سيوفنا ... بأسيافنا هام الملوك القماقم
ع أنكر أبو علي تذكير الهام، وزعم أنه لم يؤثر عن العرب فيه تذكير، ولم يقل أحد منهم: الهام فلّقته وهو يرويه في شعر عنترة ويروّي:
والهام يندر في الصعيد كأنّما ... يلقى السيوف به رؤوس الحنظل
(1/598)

وقال طفيل وهو يرويه أيضاً:
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وينقع من هام الرجال بمشرب
وقال النابغة ولا تكاد تجد أحداً إلاّ وهو يحفظه ويرويه:
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كإيزاع المخاض الضوارب
ولو أنكر المعنى دون اللفظ كان أولى، لأن قوله: يفلّقن هاماً لم تنله سيوفنا، ثم قوله:
بأسيافنا تناقض.
وقبل بيت الفرزدق:
فدى لسيوف من تميم وفي بها ... ردائي وجلّت عن وجوه الأهاتم
شفين حرارات النفوس ولم تدع ... علينا مقالاً في وفاء للائم
يفلّقن هاماً لم تنله سيوفنا.
الأهاتم آل الأهتم بن سنان بن خالد بن منقر. ويروى حزازات النفوس. يقول هذا في قتل وكيع قتيبة بن مسلم.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 274، 271 " لمطيع بن إياس يرثي يحيى بن زياد الحارثي:
(1/599)

وينادونه وقد صمّ عنهم ... ثم قالوا وللنساء نحيب
ع وهو مطيع بن إياس ابن أبي قزعة سلم بن نوفل من بني الدؤل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وقيل من بني ليث بن بكر بن عبد مناة، والدؤل وليث أخوان لأب وأمّ، أمّهما أمّ خارجة عمرة بنت سعد بن عبد الله أنماريّة، وهو أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، وبعض ولد أنمار هم بجيلة، غلبت عليهم أمّهم بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة، وأم خارجة منهم، وهي التي يضرب بها المثل فيقال: أسرع من نكاح أم خارجة، وكان الرجل يقول لها: خطب، فتقول: نكح، وقد ولدت في عدّة بطون من العرب، حتى لو قال قائل إنّه لا يكاد يتخلّص من ولادتها كبير أحد لكان مقارباً، وروى أن بعض أزواجها طلّقها فدخل بها ابن لها عن حيّة إلى حيّها فرفع لها راكب، فلما تبيّنته قالت لابنها: هذا خاطب لي لا شكّ فيه، أفتراه يعجلني أن أحلّ، ماله ألّ وغلّ. وكانت حسناء مقبولة، فالرجال يحبّونها ولا يصبرون على ما تطلبهم من الباءة، فيطلّقونها. وسلم بن نوفل جدّ مطيع هو الذي يقول فيه الشاعر:
يسوّد أقوام وليسوا بسادة ... بل السيّد المعروف سلم بن نوفل
وهذا البيت لرجل من قومه جنى عليه جناية تستجهل الحليم فسيق إليه مصفوداً، فقال له ما آمنك من انتقامي؟ قال له الجاني: أصلحك الله إنما سودّناك لتغفر ذنوبنا، وتعفو عن جهّالنا. فقال: قد غفرت ذنبك وعفوت عنك واحتملت جهلك. فولىّ الجاني وهو يقول:
يسوّد أقوام وليسوا بسادة
ويكنى مطيع أبا سلم أدرك الدولتين، وكان شاعراً
(1/600)

ظريفاً حلو العشرة مليح النادرة، وكان متّهماً بالزندقة، وكان يحيى بن زياد هذا الحارثيّ وحمّاد الرّاوية وحمّاد عجرد وابن المقفّع ووالبة بن الحباب كذا، وكانوا جميعاً يتنادمون لا يفترقون، ولا يستأثر أحدهم على الآخر بمال ولا ملك شيء قلّ أو كثر، وكانوا جميعاً يرهّقون في دينهم.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 274، 271 " لأبي خراش:
حمدت إلاهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشرّ أحسن من بعض
ع عروة أخوه أصيب، وخراش ابنه نجا، وفيه:
فوالله لا أنسى قتيلاً رزئته ... بجانب قوسي ما مشيت على الأرض
هكذا يرويه أبو عليّ قوسي بفتح القاف، وغيره يأبى إلاّ ضمّها. وقال في هذا البيت:
لا أنسى قتيلاً رزئته
وقال في الذي يليه:
بلى إنّها تعفو الكلوم وإنّما ... نوكل بالأدنى وإن جلّ ما يمضى
رجع من قوله الأوّل إلى ما هو أصحّ، قال الأصمعي: هذا بيت حكمة يقول إنما نذكر الحديث من المصيبة وإن جلّ الذي قبله فقد نسيناه، وضدّ هذا قول أخي ذي الرمّة:
ولم تنسني أوفي المصيبات بعده ... ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
وفيه:
ولم أدر من ألقي عليه رداءه ... خلا أنّه قد سلّ عن ماجد محض
قيل في هذا البيت ثلاثة أقوال، قال قوم: إنّ عروة لمّا قتل ألقي عليه رداءه رجل من القوم فكفّنه به، وقال آخرون: بل الذي ألقي عليه الرجل رداءه خراش، وذلك أن رجلاً من
(1/601)

ثمالة ألقي عليه رداءه ليشكل عليهم، وقد شغل القوم بقتل عروة وقال له: كيف دلالتك قال: قطاة، قال: انج، وعطف القوم عليه فلم يروه، وقيل بل ألقي عليه رداءه إجارة له. وكذلك كانوا يفعلون، وهذا مثل قول البريق يذكر رجلاً منّ عليه.
ولمّا رأيت أنّه متعبّط ... دعوت بني بدر ولحّفته بردي
وقال أبو عبيدة: لا أعرف شاعراً مدح من لا يعرف إلاّ أبا خراش بهذا البيت.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 275، 271 " لأبي عطاء السندي يرثي يزيد بن عمر بن هبيرة:
ألا إن عيناً لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود
ع كان أبو جعفر المنصور قتل يزيد غدراً بعد أن كتب إليه أماناً، فلما حمل رأسه إليه قال بعضهم للحرسيّ: أترى طينة رأسه ما أعظمها؟ فقال له: طينة أمانه كانت أعظم. وأبو عطاء هو أفلح بن يسار مولى لبني أسد، وكان يسار سنديّاً أعجمياً لا يفصح، وأبو عطاء ابنه عبد أسود، منشؤه الكوفة لا يكاد يفصح أيضاً بين لثغة ولكنة، وهو مع ذلك من أحسن الناس بديهة وأشدّهم عارضة وتقدّماً، شاعر فحل في طبقته أدرك الدولتين، وكان من شعراء بني أميّة وشيعتهم، وهجا بني هاشم ومات عقب أيام المنصور. ودخل يوماً على
(1/602)

المنصور وهو يسحب الوشى والخزّ. فقال له المنصور: أنّي لك هذا يا أبا عطاء؟ فقال: كنت ألبس هذا في الزمن الصالح، فلم تنكره في الزمن الطالخ، ثم ولّى ذاهباً فاستخفى فما ظهر حتى مات المنصور، فمما قال في بني هاشم:
بني هاشم عودوا إلى نخلاتكم ... فقد قام سعر التمر صاع بدرهم
فإن قلتم رهط النبيّ صدقتم ... فهذي النصارى رهط عيسى بن مريم
وأنشد أبو عليّ لأعرابيّة:
لعمرك ما الرزيّة فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزيّة فقد قرم ... يموت لموته بشر كثير
موت البشر هنا العيلة واليأس من النوال وانقطاع الرجاء من الرفد بموت ذلك الكريم القرم، كما قال الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميّت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيباً ... كاسفاً باله قليل الرخاء
وقال الآخر:
ماذا أجال وثيرة بن سماك ... من دمع باكية عليه وباك
ذهب الذي كانت معلّقة به ... حدق العفاة وأنفس الهلاّك
يعني الهلاّك جهداً وضياعاً، وكالبيت الأول من هذين البيتين قول الأسود بن زمعة في ابنه
(1/603)

زمعة، وكان قتل يوم بدر وحرّمت قريش البكاء على قتلى بدر لئلا يشمت بها، فسمع الأسود بكاء في جوف الليل، فقال: انظروا هل أحلّت قريش البكاء حتى أبكي سجلاً أو سجلين على زمعة، فقالوا: لا إنما هي امرأة أضلّت بعيراً فهي تبكي، فقال:
أتبكي أن يضلّ لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود
فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود
ألا قد ساد بعدهم رجال ... ولولا أهل بدر لم يسودوا
وأنشد أبو عليّ " 1 - 276، 273 " لابن الروميّ:
ما يبالي أصمّمت شفرتاه ... في محزّ أم جارتا عن محزّ
ع أخذه من قول أبي الهول:
ما يبالي إذا الضريبة حانت ... أشمال سطت به أم يمين
نعم مخراق ذي الحفيظة في الهي ... جاء يعصي به ونعم القرين
وفيه:
مثله أحوج الشجاع إلى الدر ... ع فغالي بها على كلّ بزّ
وكرّر هذا المعنى فقال:
يقول القائلون إذا رأوه ... لأمر ما تغوليت الدروع
وقال البحتري في صفة سيف فأجاد:
(1/604)

ماض وإن لم تمضه يد ضارب ... بطل ومصقول وإن لم يصقل
يغشى الوغى والترس ليس بجنّة ... من حدّه والدرع ليس بمعقل
مصغ إلى حكم الردى فإذا مضى ... لم يلتفت وإذا قضى لم يعدل
متوقّد يبري بأوّل ضربة ... ما أدركت ولو أنّها في يذبل
وإذا أصاب فكلّ شيء مقتل ... وإذا أصيب فما له من مقتل
وأنشد " 1 - 277، 273 " لعبدة بن الطبيب:
أوردته القوم قد ران النعاس بهم
ع وصلته:
ومنهل آجن في جمّة بعر ... مما تسوق إليه الريح مجلول
كأنّه في دلاء القوم إذ نهزوا ... حمّ على ودك في القدر مجمول
أوردته القوم قد ران النعاس بهم ... فقلت إذا نهلوا من جمّة قيلوا
قال أبو علي ران: غلب. ع قوله مجلول: أي ملفوظ عنه الجلّة وهي البعر. والحمّ: ما بقي من الشحم إذا أذيب، شبّه الماء عند اغترافه القوم بالشحم المجمول وهو المذاب.

وذكر أبو علي " 1 - 277، 274 "
خبر عرابة مع معاوية
وإنشاده شعر حاتم، وفيه:
وإنّي مذموم إذا قيل حاتم ... نبا نبوة إن الكريم يعنّف
ع يريد أن الكريم يعنّف واللئيم لا يعنّف، وهذا مثل قولهم: إنما يعاتب الأديم ذو البشرة وقال الشاعر:
(1/605)

وإذا عتبت على اللئيم ولمته ... في بعض ما يأتي فأنت ملوم
وإذا جريت مع السفينة كما جرى ... فكلا كما في جريه مذموم
وقال عبد الصمد بن المعذّل في نحوه:
عذرك عندي بك مبسوط ... والذنب عن مثلك محطوط
ليس بمسخوط فعال امرئ ... كل الذي يأتيه مسخوط
وحاتم هو ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج، أحد بني ثعل بن عمرو بن الغوث بن طئ، يكنى أبا سفّانة وأبا عديّ، فارس شاعر جاهليّ، وأحد الأجواد الذين يضرب بهم المثل بل هو أشهرهم، وهم ثلاثة: حاتم بن عبد الله، وكعب بن مامة، وهرم بن سنان، وهم أرماق المقوين، وكان حاتم ظفرا إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا قامر سبق، وإذا أسر أطلق، وإذا أثرى أنفق. وذكر أنه لا يعرف ميّت قرى أضيافه سواه، وذلك: أن ركبا من العرب نزلوا بموضع قبره وقد نفد زادهم، وفيهم رجل يكنى أبا خيبريّ، فجعل يقول: أبا سفّانة! ألا تقري أضيافك، أبا سفّانة! إنّ أضيافك جياع مقوون، يعيدها ليلته، فلما نام ثار من نومه وهو يقول: واراحلتاه! عقرت والله ناقتي! فقال له أصحابه وكيف؟ قال: رأيت أبا سفّانة قد انشقّ عنه قبره فاستوى قائماً ينشدني:
أبا خيبريّ وأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة لوّامها
وماذا تريد إلى رمّة ... بدوّيّة صخب هامها
تبغّي أذاها وإعسارها ... وحولك عوف وأنعامها
ثم عمد إلى سيفه وانتضاه من غمده، فعقر به ناقتي وقال دونكم: فما أيقظني إلاّ رغاؤها،
(1/606)

وإذا بالناقة ترغو ما تنبعث ولا بها حراك، فقالوا: قد والله قراك حاتم، فنحروها وأكلوا وتزوّدوا، واقتسم القول متاع أبي خيبري على إبلهم واستمرّوا لوجهتهم، فلما صاروا في الظهيرة، وضح لهم راكب يجنب بعيراً يؤمّ سمتهم حتى التقوا، فقال لهم: أفيكم أبو خيبري، قالوا: نعم، قال: فإنّ عديّ بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول له: إن أبا خيبري وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته، فعوّضه منها وزده بكراً يحمل عليه متاعه، وهذه الناقة! وهذا البكر! فارتحل أبو خيبريّ الناقة، وتخفّف هو وأصحابه من أزوادهم وأمتعتهم على البكر، ومضوا بأتمّ قرى. وأدرك عديّ بن حاتم النبيّ صلى الله عليه وسلم وحسن إسلامه، وروى عنه وكان يحدّث بهذا الخبر بعد إسلامه. وقد روى أنّ هذه الأبيات إنما كان ينشدها حاتم ابنه عديّاً حين أمره أن يعوّض أبا خيبريّ بناقته وأمره أن ينشده إياها.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 278، 274 " للشمّاخ:
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين
ع معنى باليمين هنا: بالقوّة، وقيل معناها بالحقّ، أي لأنه أحقّ بها، وبكلى القولين فسّرت الآية أعني قوله تعالى: " لأخذنا منه باليمين " قيل بالقوّة وقيل بالحقّ، وأما قوله تعالى: " فراغ عليهم ضرباً باليمين " ففيه ثلاثة أقوال: القولان المذكوران، والثالث أنه أراد باليمين التي أقسم بها ليكيدنّها، وذلك قوله تعالى حكاية عنه " وتالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولّوا مدبرين " فأما قوله تعالى: " إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين " فقيل معنى اليمين هنا القوّة، ويؤيّد هذا التأويل قوله تعالى: " وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً طاغين " أي ليس كما قلتم إنا أكرهناكم وقوينا عليكم. وفيه قول ثان وهو أنه أراد بقوله: عن اليمين من جهة الدين، لأن إبليس قال: " لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم " قال المفسّرون: من أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين
(1/607)

فلبس عليه الحقّ وشكّكه في اليقين، ومن أتاه من جهة الشمال أتاه من قبل الشهوات، وزيّن له إتيان السيئات، ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة والمآب، والثواب والعقاب، ومن أتاه من خلفه خوّفه الفقر على نفسه وعلى من تخلّف من بعده، فلم يصل رحماً ولم يؤدّ زكاة.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 278، 275 " للعجير السلوليّ:
تركنا أبا الأضياف في ليلة الصّبا ... بمرّ ومردى كلّ خصم يجادله
ع يرثي العجير بهذا الشعر رجلاً من قومه يقال له سليمان بن خالد بن كعب، هلك بمرّ الظهران وهو صادر إلى المدينة. وبيتان من هذا الشعر قد اختلف في قائلهما أشدّ اختلاف. وهما قوله:
فتى قدّ قدّ السيف لا متضائل ... ولا رهن لبّاته وبآدله
يسرّك مظلوماً ويرضيك ظالماً ... وكلّ الذي حمّلته فهو حامله
فقال السكّري: إنهما لثور بن الطثريّة يرثي أخاه يزيد، وأنشدهما في أبيات أوّلها:
أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري ... مقيماً وقد غالت يزيد غوائله
وأنشد أبو تمام هذه الأبيات لزينب بنت الطثريّة ترثي أخاها، وقيل إنّها لأمّ يزيد ترثي ابنها، وقيل إن البيتين للأبيرد اليربوعي. وقوله:
فتى ليس لابن العمّ كالذئب
قد مضت أمثلته والقول في معناه 59. وقوله:
يسرّك مظلوماً ويرضيك ظالماً
(1/608)

يريد إن ظلمت أدرك بثأرك ونصرك، وإن ظلمت أذمّ لك وخفرك وأنشد أبو عليّ " 1 - 279، 275 " للحسين بن مطير:
ألمّا على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعاً ثمّ مربعا
ع يرثي معن بن زائدة. ومن مختاره قوله يخاطب ابنه ولم ينشده أبو عليّ:
تعزّ أبا العبّاس عنه! ولا يكن ... عزاؤك من معن بأن تتضعضعا
فما مات من كنت ابنه لا ولا الذي ... له مثل ما أسدى أبوك وما سعى
تمنّى أناس شأوه من ضلالهم ... فأضحوا على الأذقان صرعى وظلّعا
وفيما أنشده:
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
يريد أن عطاءه كان جزيلاً وافراً وسابغاً فاضلاً، فلما مات بقي في أيدي الناس منه ما عاشوا به، ويحتمل أن يريد أنّه أوصى للناس بالمال، وشبّه عيشهم في معروفه بعد موته بمجرى السيل بعد انقضائه يكون مرعى ومتبقّلاً، ومثله:
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما رعيت بعد الربيع مسائله
يهمز ولا يهمز.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 279، 276 " للبيد:
يحيلون السجال على السجال
(1/609)

ع وقبله:
كأنّ دموعه غرباً سناة ... يحيلون السجال على السجال
إذا أرووا بها زرعاً وقضباً ... أمالوها على خور طوال
القضب: الفصفصة، يقول: إذا أرووا بها زرعاً وقضباً أمالوها على النخل. والخور: الغزار الكثيرة الحمل كالناقة الخوّارة، وهي الصفيّ الغزيرة اللبن.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 279، 276 " لمسلم بن الوليد:
قبر بحلوان استسرّ ضريحه ... خطراً تقاصر دونه الأخطار
يرثي به يزيد بن مزيد الشيبانيّ. وتمام الشعر:
أبقى الزمان على معدّ بعده ... حزناً كعمر الدهر ليس يغار
قال أبو علي " 1 - 279، 276 ": أنشدنا ابن در ستويه قال أنشدني عبد الله بن جوان صاحب الزياديّ: ع كان ثابت بن محمد الجرجانيّ يقول: جوان اسم فارسي ومعناه: صغير السنّ أي فتى، وكان من أعلم الناس بالفارسيّة.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 281، 277 " لرجل من بني شيبان:
وما أنا من ريب الزمان بجبّإ ... ولا أنا من سيب الإله بيائس
ع وقبله:
أبكي على الدعاء في كلّ شتوة ... ولهفي على بشر سمام الفوارس
والشعر لمفروق بن عمرو الشيبانيّ، وكان قيس والدعّاء وبشر إخوته، هلكوا في غزوة بارق
(1/610)

بشطّ الفرات في طاعون شيرويه، فبكاهم مفروق. وقوله: في كل شتوة يريد أن الدعاء كان جوادا مطعاماً في الشتاء عند انقطاع الألبان وقلة الزاد.
وقوله:
وما أنا من ريب المنون بجبّإ
يعني أن ما أصابه من المصائب قد هوّن عليه أمر النون، وهو مع ذلك غير يائس من فضل الله عزّ وجلّ.
وأنشد أبو عليّ لحميد بن ثور:
ليست إذا سمنت بجايئة ... عنها العيون كريهة المسّ
ع وغيره يرويه إذا رمقت وهو أحسن لأن العين إنما تجبأ عن المرأة العجفاء لا عن السمينة، وكذلك كراهية المسّ. وقد وصف حميد من ضخم صاحبته التي ينسب بها ما لم يصفه شاعر ولا ذكره ذاكر فقال: وبعده:
وكأنّما كسيت قلائدها ... وحشيّة نظرت إلى الإنس
وأنشد أبو عليّ " 1 - 281، 278 " لبعض البصريّين:
كم من فتى تحمد أخلاقه ... ويسكن العافون في ذمّته
ع ومن جيّد ما ورد في الحجاب والحاجب قول أبي هفّان:
الله يعلم أنني لك شاكر ... والحرّ للفعل الكريم شكور
لكن رأيت بباب دارك جفوة ... فيها لحسن فعالكم تكدير
(1/611)

وقال العطوي أو غيره:
يا أبا موسى وأنت فتى ... ماجد محض ضرائبه
كن على منهاج معرفة ... إنّ وجه المرء حاجبه
وبه تبدو محاسنه ... وبه تبدو معايبه
وأرى بالباب معترضاً ... حاجباً يزورّ جانبه
ليس إنساناً فأعذره ... إنما الإنسان صاحبه
وقال أبو تمام:
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... كعهدي به حتى يلين قليلا
إذا لم أجد يوماً إلى الإذن سلّما ... وجدت إلى ترك اللقاء سبيلا
وقال آخر:
وإن كان لابدّ من حجبة ... ومن حاجب فاجعلوه رفيقا
(1/612)

يقابل من جاءكم بالجميل ... فيأتي صديقاً ويمضي صديقا
ومن حسن ما خاطب مجوب محتجباً قول العطويّ:
إذا أنت لم ترسل وجئت فلم أصل ... ملأت بعذر منك سمع لبيب
أتيتك مشتاقاً فلم أر حاجباً ... ولا ناظراً إلاّ بوجه غضوب
كأنّي غريم مقتض أو كأنّني ... طلوع رقيب أو صدود حبيب
فعدت وما فلّ الحجاب عزيمتي ... إلى شكر سبط الراحتين أريب
عليّ له الإخلاص ما ردع الهوى ... أصالة رأي أو وقار مشيب
وأنشد أبو عليّ " 1 - 281، 278 " لرجل كوفيّ يجهو المغيرة بن شعبة:
إذا راح في قبطيّة متأزّراً ... فقل جعل يستنّ في لبن محض
إذا نسب الناس إلى القبط قلت: قبطيّ بكسر القاف، وتنسب إليهم الثياب فتقول: قبطيّ بضم القاف للفرق. ومن مختار ما ورد في القصر والهجو به قول الحزين الكناني: وقد جمعه مجلس مع كثيّر، وكان كثيّر قصيراً لا يبلغ ضروع الإبل، وكان إذا دخل على عبد الملك قال له: تطأطأ لا يصب رأسك السقف. ولذلك قال له لما رآه: تسمع بالمعيديّ لا أن تراه لقماءته. فقال كثيّر للحزين: إنّك لا تحسن أن تهجو. فقال له الحزين: إن أبحت لي أن أقول قلت. قال: وما عسى أن تقول. فقال:
لقد علقت زبّ الذباب كثيّراً ... أساود لا يطنينه وأراقم
(1/613)

قصير الثياب فاحش عند بيته ... يعضّ القراد باسنه وهو قائم
ويروى:
يكاد كثير من تقارب شخصه ... يعضّ
وكان كثيّر يلّقب زبّ الذباب لقصره. وقال آخر يهجوه:
لعمرك ما زبّ الذباب كثيّر ... بفحل ولا آباؤه بفحول
وأنشد أبو عليّ " 1 - 282، 278 " للفرزدق يهجو إبراهيم بن عربيّ:
ترى منبر العبد اللئيم كأنّما ... ثلاثة غربان عليه وقوع
وأنشد أبو عليّ " 1 - 282، 279 " لعبد الصمد بن المعذّل في ابن أخيه:
لو كان يعطي المنى الأعمام في ابن أخ ... أصبحت في جوف قرقور إلى الصين
وتمامها:
لا يحمدونك في خلق ولا خلق ... إذا رأوك ولا دنيا ولا دين
ع ومثله في المعنى قول ابن الروميّ في ابن لصديق له:
الله يعلم أن لو كنت لي ولداً ... لما حبستك إلا في المطامير
يا من إذا ما رأته عين والده ... وسط الرجال تقاهم بالمعاذير
ومثل قول عبد الصمد:
وكان أحظى له لو كان متّزراً ... في السالفات على غرمول عنّين
(1/614)

قول الحسن وفيه بعض الغلوّ:
فرحمة الله على آدم ... رحمة من عمّ ومن خصّصا
لو كان يدري أنّه خارج ... مثلك من إحليله لاختصى
ومثل قوله:
إن القلوب لتطوي منك يا ابن أخي ... إذا رأتك على مثل السكاكين
قول ... في القلب وخز مثل وخز السنان
وقال ابن بسّام أو غيره:
ثقيل يطالعنا من أمم ... إذا سرّه رغم أنفي ألمّ
لنظرته وخزة في الحشى ... كوخز المحاجم في الملتزم
وأنشد أبو عليّ " 1 - 284، 280 " للمقنّع الكندي:
يعاتبني في الدين قومي وإنما ... تداينت في أشياء تكسبهم حمدا
ع وهو محمد بن عميرة ويقال ابن عمير ابن أبي شمر ابن فرعان، كنديّ شاعر إسلاميّ، قال الهيثم بن عديّ كان المقنّع أحسن الناس وجهاً فإذا سفر لقع، أي أصابته العين فيمرض ويلحقه عنت، فكن لا يمشي إلاّ مقنّعاً. وأنشد يعقوب بن السكّيت هذا الشعر لحاتم، وزاد في أوله:
(1/615)

أصارمتي أني وصلت حبالها ... وصرّمت من بعد التصافي لها هندا
وسلمى وليلى والنوار وزينبا ... وجملاً وظبياً واجتنبت لها دعدا
وإن الذي بيني وبين بني أبي
وفي روايته تقديم وتأخير، وبعد هذا البيت الأول في رواية أبي عليّ بيتان، لم يروهما أبو علي ولا يعقوب فيما رواه لحاتم، وهما:
ألم ير قومي كيف أوسر مرّة ... وأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا
فما زادني الإقتار منهم تقرّبا ... وما زادني فضل الغني منهم بعدا
وهذا من قول الأبيرد اليربوعيّ:
فتى كان يدينه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
ولله درّ إبراهيم بن العبّاس في قوله:
أراك إذا أيسرت خيّمت عندنا ... مقيماً وإن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلاّ البدر إن قلّ ضوءه ... أغبّ وإن زاد الضياء أقاما
وكرّر هذا المعنى فقال:
أسد ضار على أعدائه ... وأب برّ إذا ما قدرا
يعرف الأبعد إن أثرى ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا
وفي شعر المقنّع:
وفي فرس نهد عتيق جعلته ... حجاباً لبيتي ثم أخدمته عبدا
(1/616)

لم يرد بقوله: جعلته حجاباً لبيتي أني أحجب به بيتي من ناظر، وإنما يريد أنه نصب عينيه وأكبر همّه، كما قال الآخر:
يسدّون أبواب البيوت بضمّر ... إلى عنن مستوثقات الأواصر
العنّة: الحظيرة، وقريب منه قول الآخر:
يزين البيت مشدوداً ... ويشفي قرم الركب
وأنشد أبو عليّ " 1 - 284، 281 " لجحدر اللصّ قصيدة، منها:
أليس الليل يجمع أمّ عمرو ... وإيّانا فذاك بنا تدان
نعم وترى الهلال كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني
ع هذا من أيسر ما يقنع به المشوق ويتعلّق به المتتوّق. ومثله قول رجل من بني تميم:
كلانا يرى الجوزاء يا علو إن بدت ... ونجم الثريّا والمزار بعيد
وكيف بكم يا علو أهلاً ودونكم ... لجاج يغمّصن السفين وبيد
وقال رجل من بني رياح:
(1/617)

كفى حزناً أن لا يزال يعودني ... على النأي طيف من خيالك يا نعم
وأنت مكان النجم منّا وهل لنا ... من النجم إلاّ أن يقابلنا النجم
وأنشدهما أبو علي بعد " 2 - 29، 26 " لمحرز العكليّ. وقال قيس بن ذريح:
أليست لبيني تحت سقف يكنّها ... وإيّاي هذا إذ نأت لي نافع
ويلبسنا الليل البهيم إذا دجا ... ونبصر ضوء الفجر والفجر ساطع
وقال آخر:
لقد زاد الهلال إليّ حبّاً ... عيون تلتقي عند الهلال
إذا ما لاح وهو شفاً صغير ... نظرن إليه من خلل الحجال
وقال جميل:
أقلّب طرفي في السماء لعلّها ... يوافق طرفي طرفها حين تنظر
وقال المعلوط فأخنى:
وما نلت منها محرماً غير أنّني ... إذا هي بالت بلت حيث تبول
وفيه:
أحاذر صولة الحجّاج ظلماً ... وما الحجّاج ظلاّم لجان
يريد أنه يوقع الحدود مواقعها، ولا يتجاوز بها مواضعها، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، يعني أن جنايته لا توجب عليه ما يحذره من وقع مصقول يمان. وأنشد صاعد بن الحسن لسوّار بن المضرّب الكلابي جاهليّ هكذا قال، وإنما هو سعديّ من سعد بني تميم قصيدة طويلة أوّلها:
(1/618)

أليس الله يعلم أن قلبي ... يحبّك أيّها البرق اليماني
وفي تضاعيفها جميع هذا الشعر الذي نسبه أبو علي إلى جحدر، إلاّ سبعة أبيات من آخرها، وذلك قوله:
فما بين التفرّق غير سبع
إلى آخر الشعر. ثم إن الحجاج أرسل على جحدر أسداً قد جوّعه له ثلاثاً، فبطش جحدر بالأسد فقتله، فعفا عنه الحجّاج ووصله وجعله في صحابته لما رأى من جرأته وشدّته.
وأنشد أبو علي " 1 - 285، 282 " لأبي العتاهية:
لا تفخرنّ بلحية ... كثرت منابتها طويلة
ع من جيّد ما ورد في الهجاء بطول اللحية قول ابن الروميّ:
ولحية يحملها مائق ... مثل الشراعين إذا أشرعا
تقوده الريح بها صاغراً ... قوداً حثيثاً يتعب الأخدعا
لو غاض في البحر بها غوصة ... صاد بها حيتانه أجمعا
وقال الناجم:
لابن شاهين لحية ... طوله شطر طولها
فهو الدهر كلّه ... عاثر في فضولها
وذكر أبو علي " 1 - 286، 283 " خطبة ابن الزبير التي أنشد فيها:
(1/619)

قد جرّبوني ثم جرّبوني
ع هذا الرجل لجميل. وأوّله:
أنا جميل فتعرّفوني ... تالله ما جئت لتنكروني
ولا تغيّبت فتسألوني ... بحر يدقّ رجح السفين
تنحلّ أحقاد الرجال دوني ... قد جرّبوني ثم جرّبوني
وأنشد أبو عليّ " 1 - 286، 283 ":
نهار شراحيل بن طود يريبني ... وليل أبي ليلى أمرّ وأعلق
ع هو للأعشى وبعده:
وما كنت شاجرداً ولكن حسبتني ... إذا مسحل سدّى لي القول أنطق
شريكان فيما بيننا من هوادة ... صفيّان جنّيّ وإنس موفّق
وروى أبي عبيدة شاقرداً: وهو المتعلّم. ومسحل: شيطانه، وحسبتني: هنا في معنى اليقين.
وروى أبو عبيدة:
إنسيّ وجنّ موفّق
وأنشد أبو عليّ " 1 - 287، 283 " لأعرابيّ:
خطبت فقالوا هات عشرين بكرة ... ودرعاً وجلباباً فهذا هو المهر
ع رواه غيره:
ودرعاً وجلباباً فذا أيسر المهر
فيكون أبلغ في المعنى، ويسلم الشعر من الإقواء.
وأنشد أبو عليّ " 1 - 287، 284 ":
وشعثاء غبراء الفروع منيفة ... بها توصف الحسناء أو هي أجمل
(1/620)

ع وهما لرجل من بني سعد. ومثل هذا في الإلغاز، وتشبيه المرأة الحسناء بالنار قول الآخر.
ومشوبة لا يقبس الجار ربّها ... ولا طارق الظلماء منها يؤنّس
متى ما يزرها زائر يلق عندها ... عقيلة داريّ من العجم تفرس
يعني امرأة شبّهها بنار مشبوبة من حسنها كما قال العجّاج:
ومن قريش كل مشبوب أغرّ
ثم ألغز فقال:
لا يقبس الجار ربّها
يعني زوجها، أي لا يبديها حتى يراها الجار فيقبس من حسنها. والعقيلة: الخيار من كل شيء أراد مسكاً أو طيباً نسبه إلى دارين. وتفرس: تشقّ فتفوح، أي لا تعدو أن يكون عندها طيب.
تم هنا شرح الجزء الأوّل من الأماليّ
(1/621)

//بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثاني
شرح الجزء الثاني من الأمالي
أنشد أبو علي لمتتم بن نويرة شعرا، منه:
فقلت له إن إن الشجي يبعث الشجي ... فدعني فهذا كله قبر مالك
ع قد مضى ذكر متمم، ويروى: إن الأسى والأسى الحزن، وكلا المعنيين واحد، يقول: إذا رأيت محزونا أذكرني حزني، أو قبرا أذكرني قبر أخي، وهذا قريب من قولهم: العاشية تهيج الآيية ويروى: إن الأسى - بضم الهمزة - يبعث الأسى بفتحها، وهذه رواية أبي تمام، ولها وجهان، أحدهما: أن يكون الأسى جمع أسوة وهي التعزية، يقول: تعزيتكم تبعث حزني، ويجوز أن يكون قيل له لك اسوة في فلان وقد قتل أخوه، وفي فلان وقد قتل حميمه، فعرف فضل أخيه على المفقودين فبعث ذلك حزنه.
ويقوي هذه الرواية قوله في البيت الأول:
لقد لامني عند القبور على البكا
ويروي:
لقبر ثوى بين اللوى فالدوانك
وهذه مواضع في ديار بني أسد، وكذلك الملا المذكور في أول الحديث، قال متمم أيضاً:
قاظت أثال إلى الملا وتربعت ... بالحزن عازبة تسن وتودع
(1/625)

وأنشد أبو علي لفاطمة بنت الأحجم:
قد كنت لي جبلا ألوذ بظله
ع قال السكري هذا الشعر لليلى بنت يزيد بن الصعق، ترثي ابنها قيس بن زياد ابن أبي سفيان ابن عوف بن كعب، وقال الأخفش: إنه لامرأة من كندة. وأوله في رواية من رواه لفاطمة كما قال أبو علي:
يا عين جودي عند كل صباح ... جودي بأربعة على الجراح
والجراح: زوجها.
وفيه:
وإذا دعت قمرية شجناً لها
أخبرني غير واحد عن أبي العلاء المعري أنه كان يرد هذه الرواية ويقول: إنها تصحيف وينشده:
وإذا دعت قمرية شجباً لها
يعني فرخها الهالك وهو الهديل، والشجب: الهلاك، والشجب: الهالك. وهذه رواية حسنة مقبولة، والحق أحق أن يتبع. وكان الأحجم بن دندنة أحد سادات العرب. ويقال الأجحم بتقديم الجيم، قال ابن دريد جحم إذا فتح عينيه كالشاخص، وبذلك سمى الرجل أجحم، وقال الخليل الأجحم: الشديد حمرة العين مع
(1/626)

سعة وكان الأجحم قد تزوج خالدة بنت هاشم بن عبد المطلب، وهي أم فاطمه هذه.
وأنشد أبو علي للنابغة الجعدي:
ألم تعلمي أني رزئت محارباً
قد مضى ذكر الجعدي. وتمام الشعر وهو كله مختار:
يقول لمن يلحاه في بذل ماله ... أأنفق أيامي وأترك ماليا
يدر العروق بالسنان ويشتري ... من الحمد ما يبقى وإن كان غاليا
وحوح: هو وحوح بن عبد الله أخو النابغة لأمه. ومحارب: هو محارب بن قيس بن عدس من أشراف قومه. وهي كلمة.
وأنشد أبو علي:
أبا عمرو لم أصبر ولي فيك حيلة ... ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر
ع هو لعبد الله بن أراكة الثقفي يرثي أخاه عمرو بن أراكة، وكان ابن عباس قد استخلفه على اليمن، وشخص إلى علي رضوان الله عليه، فوجه معاوية إلى اليمن ونواحيها بشر بن أرطاة أحد بني عامر بن لؤي، فقتل عمرا، فجزع عليه أخوه ورثاه بشعر منه هذان البيتان، وفيلهما مما ينتظم به المعنى:
لعمري لئن أتبعت عينيك ما مضى ... من الدهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستنفدن ماء الشؤون بأسره ... ولو كنت تمريهن من ثبج البحر
(1/627)

أيا عمرو ولم أصبر وأنشد أبو علي لكعب بن زهير:
لقد ولى أليته جوى ... معاشر غير مطلول أخوها
ع قد مضى ذكر زهير ابن أبي سلمى. ويكنى ابنه كعب أبا المضرب، وهو شاعر مخضرم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ومدحه بقصيدته المشهورة:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
وبعد قوله: فإن تهلك حوى:
وما ساءت ظنونك يوم تولى ... بأرماح وفي لك مشرعوها
وآخر الشعر:
فما عتر الظباء بحي كعب ... ولا الخمسون قصر طالبوها
وكان حوى هذا قال لقاتليه وقد أسروه: والله إن قتلتموني ليقتلن منكم خمسون رجلا، فبلغ ذلك قومه فبروا يمينه وصدقوا قوله. وأما قوله: فما عتر الظباء فإن العتيرة: ذبيحة كانوا يذبحونها لأصنامهم من الغنم، وربما ضنوا بالغنم، فصادوا مكانها ظباء اتخذوها عتائر، يقول: أرقنا دماء قاتليه، ولم يفادوا بالظباء ولا وفوا بها كما كانت العرب تفعل في نذورها وعتائرها بالغنم تفديها بالظباء. وقال يعقوب كان من خبر هذا الشعر: أن الأوس من الأنصار كانوا حلفاء مزينة، فمر رجل من مزينة يقال له حوى ويقال جوى بالجيم على الأوس والخزرج، وهم يقتتلون في حرب بعاث، فدخل مع حلفائه فأصيب، فمر ثابت أبو حسان الشاعر فقال: يا أخا مزينة ما طرحك هذا المطرح؟ إنك لمن قوم ما يحمدونك. فقال حوى وهو يجود بنفسه: أعطى الله عهدا أن يقتل بي منكم خمسون ليس فيهم أعور ولا
(1/628)

أعرج، فسارت كلمته حتى أتت عمق، وهي أرض مزينة، فثاروا، فبلغ ثابتا أن مزينة قد أتتهم تطلب بدم حوى، فقال ثابت:
جاءت مزينة من عمق لتقرعنا ... فرى مزين وفي أستاهك الفتل
فتلقتهم مزينة ورئيسهم مقرن بن عائذ أبو النعمان بن مقرن فاقتتلوا، فقتل من الأنصار عشرة، وأسر ثابت، فآلى مقرن أن لا يفديه إلا بتبيس أجم أسود، فغضبت الأنصار من ذلك وأبوه، فلما رأوا أنه ليس من ذلك بد أتوا ثابتا، فقالوا ما ترى؟ فقال ادفعوا إليهم أخاهم يعني التيس، وخذوا أخاكم يعني نفسه. وقال في ذلك مقرن أبياتا منها:
وعن اعتناقي ثابتا في مشهد ... متنافس فيه الشجاعة للفتى
فشريته بأجم أسود حالك ... وكذاك كان فداؤه فيما مضى
وقال الحسن بن علي النمري
حي كعب قبيلة لحوى.
وأنشد أبو علي:
رأيت رباطا حين تم شبابه ... وولى شبابي ليس في بره عتب
ع قال الرياشي هذا الشعر لأبي الشغب، واسمه عكرشة العبسي. وقوله:
إذا كان أولاد الرجال حزازة ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
الحزازة: الغيظ. ورواه الترمذي: إذا كان أولاد الرجال حرارة برائين مهملتين، ورواه السكري مرارة؛ وهو أحسن في صناعة الشعر لقوله: فأنت الحلال الحلو. وقد مضى القول في معنى الحلال حيث أنشد أبو علي: ألا ذهب الحلو الحلال الحلاحل.
(1/629)

وفيه:
كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب
البارح: الريح الحارة، وإنما أراد الشاعر أن الغصن في ذلك الزمان ألين منه في الشتاء.
وأنشد أبو علي لأطارة بن سهية يهجو شبيب بن البرصاء:
من مبلغ فتيان مرة أنه ... هجاني ابن برصاء العجان شبيب
فلو كنت مرياً عميت فأسهلت ... كداك ولكن المريب مريب
قال أبو علي: سألت ابن دريد عن هذا البيت، فقال: كان أبوه أعمى وجده أعمى وجد أبيه أعمى، يقول فلو لم تكن مدخول النسب كنت أعمى كآبائك.
ع لأبي على سهوان فيما رواه أحدهما: إنشاده
فلو كنت مريا
وإنما هو: فلو كنت عوفيا لأن أرطاة وشبيبا مريان على ما نورده، والعمى إنما هو فاش في بني عوف من بني مرة إذا أسن الرجل منهم عمي وقل من يفلت فيهم من ذلك، ولو قال: فلو كنت مريا لكان هو أيضا قد انتفى من نسبه، لأنه مرى ولم يكن أعمى. وأما السهو الثاني: فإنشاده الأربعة الأبيات لأرطاة، وإنما الآخران لشبيب، يرد على أرطاة، وهو الأصح، لأن شبيبا كان أفضل من أرطاة بيتا، وكان أرطاة أفضل منه نفسا، فعمى شبيب بعد موت أرطاة، فكان يقول: ليت ابن سهية كان حياً فيعلم أني عوفي. وهذان شاعران مقدمان إسلاميان من بني مرة غلبت عليهما أمهاتهما، وهو أرطاة بن زفر بن عبد الله بن مالك، وأمه سهية بنت زامل، وقيل إنها سبية من كلب كانت لضرار بن الأزور، ثم صارت إلى زفر وهي حامل، فجاءت بأرطاة. وأما شبيب فهو شبيب بن يزيد بن حمزة، ويقال جبرة، وأمه قرصافة
(1/630)

بنت الحارث بن عوف ابن أبي حارثة، وهو ابن خالة عقيل بن علفة، أم عقيل عمرة بنت الحارث، لقبت البرصاء لشدة بياضها ولم يكن بها برص، ولذلك قال شبيب:
أنا ابن برصاء بها أجيب ... ما في هجان اللون ما تعيب
وقيل إنما سميت بذلك لبرص حدث بها، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبها إلى أبيها فقال: إن بها وضحاً، فأصابها ذلك ولم يكن بها.
وذكر أبو علي خبر سالم بن قحفان العنبري، وقوله لامرأته: هاتي حبلا، فقالت: ما عندي حبل.
ع قال غير أبي علي: فأعطته خمارها، فأنشأ سالم يقول:
لقد بكرت أم الوليد تلومني ... ولم أجترم جرما فقلت لها مهلا
ولا تعذليني في العطاء ويسري ... لكل بعير جاء طالبه حبلا
وذكر باقي الشعر. قال فأجابته امرأته:
وتقسم ليلى يا ابن قحفان بالذي ... تكفل بالأرزاق في السهل والجبل
تزال حبال مبرومات أعدها ... لها ما مشي يوما على خفه جمل
فأعط ولا تبخل لمن جاء طالبا ... فعندي لها خطم وقد زاحت العلل
وفي شعر سالم:
فإني لا تبكي على إفالها
هذا من قول ضمرة بن ضمرة، وهو:
أرأيت إن صرخت بليل هامتي ... وخرجت منها بالباً أثوابي
هل تخمشن إبلي على وجوهها ... أو تعصبن رؤسها بسلاب
والسلاب: عصائب سود، يقال امرأة مسلبة: إذا لبست السواد محدا، وفيه: أصاخت فلم تأخذ سلاحا ولا نبلا يقول لم تمتنع من نحري لها وإعطائي إياها لحسنها
(1/631)

وسمنها، ولا رغبني ذلك فيها فيكفني عن بذلها، وهذا كما قال الفر