Advertisement

زهر الأكم في الأمثال والحكم 002

بسم الله الرحمن الرحيم
باب الثاء
الثابت يكسر الوثبات.
الثابت: الرزانة والحلم، وهو ضد الخفة والطيش. والوثبات: جمع وثبة، وهي الصولة والانتقام. وهذا مثل ظاهر المعنى، وهو مصنوع فيما أظن.

أثقف من سنورٍ.
يقال ثقف الرجل، بضم القاف، يثقف ثقافة، فهو ثقف وثقيف؛ وثقف، بكسرها، يثقف ثقفا، فهو ثقف وثقف، كندس وندسٍ، إذا كان حاذقا فطنا خفيفا. ومنه، حديث أنس: وكان غلاما ثقفا. والسنور، على وزن جردحل: الهر المعروف، والأنثى سنورة، وله أسماء كثيرة، حتى حكي أنَّ أعرابياً صاده ولم يعرفه. فلقيه إنسان، فقال له: ما هذا السنور؟ ثم لقيه أخر، فقال: ما هذا القط؟ ثم آخر، ثم آخر. فلما رأى كثرة أسمائه ظن أن ذلك لخير عظيم فيه، فقال: أبيعه، لعل الله تعالى يرزقني مالاً كثيراً. فلما وقفه في السوق قيل له: بكم تبيعه؟ قال: بمائة دينار. فقيل له إنّه لا يساوي إلا نصف درهم. فرمى به وقال: لعنه الله! ما اكثر أسمائه، وأقل بركته! وهو في الخفة وسرعة الاختطاف النهاية. فمن ثم ضرب به المثل.

أثقل رأساً من فهدٍ.
الفهد، بفتح الفاء وسكون الهاء بعدها دال مهملة، الحيوان المعروف الذي يتصيد به، وهو سبع، ويزعمون إنّه متولد من بين الأسد والنمر. وفهد الرجل، بالكسر تشبه بالفهد في نومه وتمدده، كما في حديث أم زرع: إنَّ دخل فهد وإنَّ خرج أسد. ويقال فهد أيضاً إذا نام وتغافل عما يجب تعهده. والفهد كثير النوم ثقيله، ومن ثم قالوا: أنوم من فهد، وأثقل رأساً من فهد.
(2/5)

مثقل استعان بذقنه.
المثقل، من الثقل المذكور، وهو ضد الخفة. ويقال: ثقل الشيء بالضم، يثقل، ثقلاً، على مقال عنب، فهو ثقيل؛ وثقله تثقيلا؛ وأثقله تثقيلا؛ وأثقله. والاستعانة: طلب العون. والذقن، بفتحتين والذال معجمة: معجم اللحيين من اسفل.
يضرب هذا المثل للذليل يستعين بمثله أو أذل منه. وأصله في البعير يحمل عليه الثقل فلا يستطيع إنَّ ينهض به، فيضرب بذقنه على الأرض، معتمدا عليه ليقوم.

أثقل من حديث معادٍ.
الثقل تقدم؛ والحديث: الخبر؛ والمعاد: الذي سمعته ثم أعيد عليك مرة أخرى فهو يثقل على السماع كثيرا لعدم الداعي إلى سماعه، مع الملل الحاصل للنفس من تكراره. والنفس للطافتها وروحانيتها اكثر من البدن تألما بالاذاية واقل صبرا واحتمالا، فلا تكاد ترتاح إلاّ إلى ما فيه غذاؤها، من علوم تستحصلها، أو غرائب ولطائف تتفكه بها. فإذا عمدت ذلك غلبها الضجر، ونفرت غاية النفر؛ ومن ثم تستثقل الكلام المعاد وتمل منه، ولو كان في نفسه بليغا عجيبا، إذ لم يبق لها حظ فيه. وكان عدم الملل في كتاب الله تعالى، مع معاودته على مرور الليلي والأيام، معجزة ظاهرة للعيان؛ ومن ثم قيل: كل مكرر مملول إلاّ القرآن. ومما قيل في ثقيل:
يا ثقيلاُ على القلوب إذا عن ... لها أيقنت بطول الجهاد!
يا قذى في العيون يا غلة بين ... تراقي حرارة في الفؤاد!
يا طلوع العذول يا بين ألف ... يا غريما أتى على الميعاد!
يا ركوما في يوم غيم وصيف ... يا وجوه التجار يوم الكساد!
خل عنا فإنما أنت فينا ... وأو عمرو وكالحديث المعاد!
وامض في غير صحبة الله ما عشت ... ملقى من كل فج وواد
يتخطى بك المهامه والبيد ... دليل أعمى كثير الرقاد
(2/6)

وقال بعضهم في صفة ثقيل: هو أثقل من دواء بلا علة، وأبغض من خراج بلا غلة؛ قد خرج عن حدّثني الاعتدال، وذهب من ذات اليمين إلى ذات الشمال؛ يحكي ثقل الحديث المعاد، ويمشي على القلوب والأكباد؛ إذا نظرت إلى مشيته أنشدت:
مشى فدعا من ثقله الحوت ربه ... وقال: إلاهي زيدت الأرض ثامنه!
وقد يستحسن إعادة الحديث، لا لذاته بل لأمر عارض فيه للنفس أرب أما رغبة في كلام المتكلم خصوصا، أو في نغمته، أو في النظر إليه، أو في دوام جلوسه، أو عدم قضاء الوطر من ذلك الكلام أو نحو ذلك، ومن ثم يستعدا حديث المحبين والمغنين، كما قيل:
وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
ولهذا الشعر حديث عجيب: ذكروا إنَّ رجلاً خرج في طلب إبل له أضلها. قال: فبينما أنا في واد إذ سمعت صوت منشد ينشد: وكنت إذا ما جئت سعدي أزورها " البيتين ". فدنوت من الصوت، فإذا أنا براعٍ قد ضم غنما له تحت شجرة وهو يترنم، فسلمت عليه، فرد علي السلام وقال: من الرجل؟ فقلت: منقطع مه المسالك، أتاك يستعين بك ويستجير. فقال: أهلاً ومرحبا، انزل على الرحب! فعندي وطاء وطي وطعام غير بطي. فنزلت فنزع شملته، فبسطها تحتي ثم أتاني بتمر وزبد ولبن وخبز، ثم قال: اعذرني في هذا الوقت! فقلت: والله إنَّ هذا لخير كثير! فمال إلى فرسي فربطه وساقه وعلق عليه. وفلما أكلت صليت واستندت فبينما أنا بين النائم واليقظان، إذ أقبلت من فوق الوادي جارية أطلعت الشمس في غير أوان طلوعها، فوثب الفتى إليها، وجعل يقبل الأرض حتى وصل إليها. فأخذ في حديث مستلذ، مع شكوى وزفرات، وأنا متناوم، وهما لا يهم أحدهما لصاحبه بقبيح. ولم يزالا كذلك حتى طلع الفجر، فعانقها وتنفس الصعداء وبكيا، ثم قال لها: يا ابنة العم، بالله لا تبطئي علي كما أبطأت الليلة! فقالت يا أبن العم، ما علمت أني أنتظر الرقباء والوشاة حتى يناموا؟ فودعها وافترقا، وكل منهما ينظر لصاحبه ويبكي. فبكيت رحمة لهما ثم قلت في نفسي: أستضيفه الليلة الأخرى حتى أنظر ما يكون من أمرهما. فلما أصبحنا قلت له: جعلني الله فداك الأعمال بخواتمها، وقد نالني أمس تعب، واحب إنَّ أستريح عندك اليوم. فقال:
(2/7)

على الرحب والسعة! لو بقيت عندي بقية عمرك ما وجدتني إلاّ كما تحب. فعمد إلى شاه فذبحها وشواها، فقدمها إلي فأكلت وأكل معي إلاّ إنّه أكل، أكل من لا يريد أكلا. فلما أزل معه نهاري ذلك، ولم أر أشفق منه على غنمه ولا ألين جانبا ولا أحلى كلاما منه؛ إلاّ إنّه كالولهان، ولم أعلمه بشيء مما رأيت. فلما أقبل الليل وطأ وطائي، وصليت وأعلمته إني أريد الهجوع لتعبي. فقال: نم هنيئا! فتناومت فقام ينتظرها إلى هنيئة من الليل وأبطأت. فلما حان وقت مجيئها قلق قلقاً شديداً، فبكى ثم جاء فحركني فأوهمته إني كنت نائما، فقال: يا أخي، هل رأيت الجارية التي كانت تتعهدني ز جاءتني البارحة؟ قلت: قد رأيتها. قال تلك ابنة عمي واعز الناس علي، وإني لها محب وعاشق، وهي كذلك وأكثر. ومنعني أبوها من تزويجها لفقري وفاقتي، وتكبر علي، فصرت راعيا بسببها، فكانت تزورني كل ليلة. وقد حان وقت مجيئها، واشتغل قلبي عليها، وتحدثني نفسي إنَّ الأسد قد افترسها، ثم انشأ يقول:
ما بال مية لا تأتي لعادتها؟ ... أعاقها طرب أم شدها شغل؟
نفسي فداؤك قد أحللت بي سقما ... تكاد كم حره الأعضاء تنفصل!
ثم ذهب فغاب عني ساعة، ثم أتى بشيء فطرحة بين يدي، فإذا بالجارية قتلها الأسد وأكل أعضائها وشوه خلقتها. ثم اخذ السيف وانطلق. فغاب عني ساعة، فإذا هو قد جاء برأس الأسد، فطرحه ناحية ثم قال:
ألا أيها الليث المدل بنفسه ... هلكت لقد جريت حقا لك الشرا!
أخلفتني فرداً وقد كنت آنسا ... وقد عادت الأيام من بعدها صفرا
ثم قال: بالله يا أخي إلاّ ما سمعت مني، فإني ميت لا محالة! فإذا أنا مت فكفني في عباتي، وضم إلي ما بقي من أعضائها، وادفنا في قبر واحد. وخذ شويهاتي هؤلاء وعصاي وثيابي، فسوف تأتيك عجوز، فأعطها ذلك فهي والدتي. وقال لها: مات ولدك كمداً، فإنها تموت عند ذلك، فادفنها إلى جانب قبرنا، وعلى الدنيا منا السلام! فلم يكن إلاّ قليلا حتى صاح صيحة، ووضع يده على صدره فمات من ساعته. ففعلت به جميع ما أوصاني وبت حزينا باكيا فلما أصبحنا، أقبلت عجوز ولهى، فسألتني عنه، فأخبرته خبره، فجعلت تبكي حتى إذا أقبل الليل شهقت شهقة فارقت
(2/8)

الدنيا. فدفنتها إليه وبت الليلة الرابعة. فلما أصبحت ركبت فرسي وسقت الغنم وإذا أنا بهاتف يقول:
كنا على ظهرها والدهر يجمعنا ... والشمل مجتمع والدار والوطن
ففرق الدهر بالتفريق ألفتنا ... فصار يجمعنا في بطنها الكفن
قال: فأتيت الحي ودفعت الغنم لبني عمهم وانصرفت.

أثقل من حمل الدهيم.
الثقل تقدم؛ والحمل معروف والدهيم على وزن زبير: اسم ناقة عمرو بن الريان الهذلي قتل هو واخوته فحملت رؤوسهم عليها. وتقدمت هذه القصة في حرف الهمزة فقالوا: أشأم من دهيم، وأثقل من حمل دهيم.
وظهر كلام الصحاح أنَّ قولهم للداهية الدهيم وأم الدهيم مأخوذ من هذا.

أثقل من الزواقي.
الثقل مر؛ والزقاء: الصياح. ثقال: زقا الصدا، ويزقو ويزقي زقاء وزقيا إذا صاح. قال:
ولو أنَّ ليلى الأخيلية سلمت ... علي وفوقي جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقى ... إليها الصدى من جانب القبر صائح
الزواقي في المثل: الديكة وجمع زاق وزاقية. وكانوا يسمرون بالليل، فإذا صاحت الديكة تفرقوا، فيستثقلونها بذلك فقالوا: أثقل من الزواقي.

أثقل من مغن وسطٍ.
الثقل مر، والمغني اسم فاعل من الغناء، وبالمد، وهو الصوت. والوسط يكون تارة اسماً غير وصف. فإن كان بالتحريك، فاسم صريح لمّا بين طرفي الشيء، وإنَّ كان بالسكون فظرف، كقول عنترة:
ما راعني إلاّ حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم
ويقال: كل موضع صلح فيه بين فهو بالتسكين، وإلاّ فبالفتح. وقيل: هما جاريان فيما
(2/9)

كان مصمتا كالحلقة؛ فإنَ كان متبادلين الأجزاء فبالسكون فقط. قال صاحب الفصيح فيما يثقل ويخفف باختلاف المعنى: تقول جلس وسط القوم يعني بينهم أي بالتسكين وجلس وسط الدار، وأحتجم وسط رأسه، أي بالتحريك وهذا الذي قلنا أولاً. وقد يكون الوسط وصفا، أما بمعنى الأعدال كقوله تعالى:) وكذلك جعلناكم أمة وسطا (. وأما بمعنى التوسط بين أمرين، ومنه المثل. قال السهيلي: الوسط من أوصاف المدح والتفضيل، ولكن في موضعين: في ذكر النسب وفي ذكر الشهادة. أما النسب فلأن أوسط القبيلة أعرقها وأولاها بالصميم وأبعدها عن الأطراف وأجدر ألا تضاف إليه الدعوة، لأن الآباء والأمهات قد أحاطوا به من كل جانب، فكان الوسط، من أجل هذا، مدحا في النسب بهذا السبب. وأما الشهادة فنحو قوله سبحانه قال:) أوسطهم. وجعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس (فكان هذا مدحا في الشهادة، لأنها غاية العدالة في الشاهد أن يكون وسطا كالميزان لا يميل مع أحد، بل يصمم على الحق تصميما، لا يجذبه هوى ولا تميل به الرغبة ولا رهبة من هاهنا ولا من هاهنا، فكان وصفه بالوسط غاية في التزكية والتعديل. وظن كثير من الناس أنَّ معنى الأوساط الأفضل على الإطلاق، وقالوا: معنى الصلاة الوسطى الفضلى. وليس كذلك، بل هو في جميع الأوصاف لا مدح ولا ذم، كما يقتضيه لفظ التوسط. فإذا كان وسطا في السمن فهو بين الممخة والعجفاء، والوسط في الجمال بين الحسناء والشوهاء إلى غير ذلك من الأوصاف، لا تعطي مدحا ولا ذما. غير انهم قالوا في المثل: أثقل من مغن وسط على الذم، لأنه إنَّ كان مجيداً جدا أمتع وأطرب؛ وإنَّ كان بارد جداً أضحك وألهى، وذلك أيضاً مما يمتع. قال الجاحظ: " وإنّما الكرب الذي يجثم على القلوب ويأخذ بالأنفاس الغناء البارد الذي لا يمتع لحسن ولا يضحك بلهو " انتهى. وقال أبن رشيق: " قال بعضهم: الشعر شعران: جيد محكك، ورديء مضحك. ولا شيء أثقل من الشعر الوسط والغناء الوسط ". وقد قال أبن الرومي يهجو أبن طيفور:
عدمتك يا أبي الطاهر ... وأطعمت ثكلك من شاعر
فما أنت سخن ولا بارد ... وما بين هذا سوى الفاتر
وأنت كذاك تغثي النفوس ... تغثية الفاتر الخاثر
(2/10)

ونحو هذا قول الآخر:
مسيخ مليخ كلحم الحوار ... فلا أنت حلو ولا أنت مر!
وسيأتي هذا المعنى بعد إن شاء الله تعالى.

أثقل من الفيل.
الثقل مر؛ والفيل بالكسر الحيوان المعروف وثقله معروف. ومما قال بعض الثقلاء يخاطب ثقيلا:
أنت يا هذا ثقيل ... وثقيل وثقيل
أنت في المنظر إنسان ... وفي المخبر فيل
ولو تعرضت لظل ... فسد الظل الظليل!
وقال الأخر:
فما الفيل تحمله ميتا ... بأثقل من بعض جلاسنا!
ويحكى إنَّ الأعمش كان ينشد هذا البيت عندما يستثقل جليسا، وزعموا إنّه قال: من فاتته ركعتا الفجر فليلعن الثقلاء! وإنّه نقش على خاتمه: يا مقيت، أبرمت فقم!، فإذا أستثقل جليسا ناوله إياه؛ وإنّه قال له رجل يوما: مم عمشت عيناك؟ فقال: من النظر إلى الثقلاء!.
وفي حق الثقلاء قال: جالينوس: لكل شيء حمى، وحمى الروح النظر إلى الثقيل. وقيل له: لم صار الرجل ثقيل أثقل من الحمل الثقيل؟ فقال: لأن ثقله على القلب دون الجوارح، والحمل الثقيل يستعين القلب عليه بالجوارح. وقال زياد بن عبد الله: قيل للشافعي: هل يمرض الروح؟ قال: نعم، من ظل الثقلاء. قال: فمررت به يوما وهو بين ثقلين، فقلت له: كيف الروح؟ فقال: في النزع! كان بعضهم إذا رأى ثقيلاً يقول: قد جاءكم جبل. فإذا جلس قال: قد وقع عليكم! قيل لبعض الظرفاء، وكان له ثلاثة بنين ثقلاء: أي بنيك أثقل؟ فقال: ليس بعد الكبير أثقل من الصغير إلاّ الوسط. وكان بشار يأتيه ثقيل يقال له أبو سفيان. فسئل عنه بشار
(2/11)

يوما فقال: لا ادري لم لا تحمل الأمانة أرض حملته، ولا كيف احتاجت إلى الجبال بعدما أقلته! كأن قربه أيام المصائب وليالي النوائب؛ وكأن عشرته فقد الحبائب، وسوء العواقب. ثم أنشد:
ربما يثقل الجليس وإنَّ كان ... خفيفا في كفة الميزان
ولقد قلت حين وتد في البيت ... ثقيل أربى على ثهلان
كيف لا تحمل الأمانة ارضٌ ... حملت فوقها أبا سفيان؟
وكان لبشار أيضاً صديق يقال له هلال، فقال لبشار يوما: يا أبا معاذ! إنَّ الله لم يذهب بصر أحد إلاّ عوضه منه شيئاً، فما عوضك؟ قال: الطويل العريض. قال: وما هو؟ قال: إلاّ أراك ولا أرى الثقلاء أمثالك! ثم قال: يا هلال، أتطيعني في نصيحة أخصك بها؟ قال: نعم! قال: انك كنت تسرق الحمير زمانا، ثم تبت وصرت رافضيا؛ فعد إلى سرقة الحمير، فهي والله خير لك من الرفض! وفي هلال هـ يقول بشار:
وكيف يحق لي بصري وسمعي ... وحولي عسكران من الثقال
قعودا عند دسكرتي وداري ... كأن لهم علي فضول مال؟
إذا ما شئت صبحني هلال ... وأي الناس أثقل من هلال؟
واستأذن بعض الثقلاء على أبن المبارك، فلم يأذن له. فكتب إليه ذلك الثقيل:
هل لذي حاجة إليك سبيل؟ ... لا طويل قعوده بل قليل!
فأجابه أبن مبارك:
أنت يا صاحب الكتاب ثقيل! ... وقليل من الثقيل طويل!
ووصف بعض الأذكياء ثقيلاً فقال: هو ثقيل السكون بغيض الحركة، كثير الشؤم قليل البركة، كأنه ثقل الدين، ووجع العين. وما أحقه بقول القائل:
ثقيل يطالعنا من أمم ... إذا سره رغم انفي ألم
لنظرته وخزة في القلوب ... كوخز المحاجم في الملتزم
أقول له إذ أتى: لا أتى ... ولا حملته إلينا قدم
عدمت خيالك لا من عمى ... وسمع كلامك لا من صمم!
(2/12)

ووصف أخر ثقيلاً فقال: هو بين الجفن والعين قذاة، وبين القدم والنعل حصاة. ما أشبه طلعته إلاّ بغداة الفراق أو كتاب طلاق أو طلعة الرقيب أو موت الحبيب!
مشتمل بالبغض لا تنثني ... إليه طوعا لحظة الرامق
يظل في مجلسنا مبرما ... أثقل من واشٍ علىالعاشق
وذكر عند العباس بن الحسن العلوي ثقيل يقال له أبو عمار، فقال: ما الحمام على الأصرار، وحول الدين على الأقدار، وشدة السقم في الأسفار، بأثقل على النفس من طلعة أبي عمار. وانشد:
تحمل منه الأرض أضعاف ما ... يحمله الحوت من الأرض
وقال الأخر:
إلمام كل ثقيل قد أضر بنا ... نروم نقصهم والشيء يزداد
ومن يخف علينا لا يلم بنا ... وللثقيل مع الساعات تزداد
وقال الأخر:
وثقيل أشد من ثقل الموت ... ومن شدة العذاب الأليم
ولو عصت ربها الجحيم لمّا كان ... سواه عقوبة للجحيم
وقال جحظة البرمكي في صفة ثقيل:
يا لفظة النعي بموت الخليل ... يا وقفة التوديع بين الحمول
يا شربة اليارج يا أجرة المنزل ... يا وجه العدو الثقيل
يا طلعة النعش ويا منزلا ... أقفر من بعد الأنيس الحلول
يا نهضة المحبوب من غضبةٍ ... يا نعمة قد آذنت بالرحيل
ويا كتابا جاء من مخلف ... للوعد مملوء بعذر طويل
يا بكرة الثكلى إلى حفرة ... مستودع فيها عزيز الثكول
يا وثبة الحافظ مستعجلا ... بصرفه القينات عند الأصيل
(2/13)

ويا طبيب قد أتى باكراً ... على أخي سقم بماء البقول
يا شوكة في قدم رخصةٍ ... ليس إلى إخراجها من سبيل
يا عشرة المجذوم في رحله ... ويا صعود السعر عند المعيل
يا ردة الحاجب عن قسوة ... يا نكسة بعد برء العليل!
وقال آخر في ثقيل:
ليس من الناس ولكنه ... يحسبه الناس من الناس
أثقل في انفس أصحابه ... من جبل رأسي على رأسِ
وقال أخر:
يا من تبرمت الدنيا بطلعته ... كما تبرمت الأجفان بالسهدِ
إني لأذكره حينا فأحسبه ... من ثقله جالسا مني على كبدي
وقال الآخر:
نظر العين نحوه ... علم الله يمرض
فإذا ما أردتم ... أن تروه فغمضوا
لا تصبكم ملمة ... والملمات تعرض
وقال الآخر:
شخصك من مقلة النديم ... أوحش من نحسة النجوم
يا رجلا وجهه علينا ... أثقل من منة اللئيم
إني لأرجو بما أقاسي ... منك خلاصي من الجحيم
والشعر في هذا المعنى كثير. وقد قال المفسرون نزلت آية في الثقلاء: فإذا طعمتم فانتشروا. أد بهم الله بذلك. وكان حماد بن سلمة إذا رأى ثقيلا قال: ربنا اكشف عنا العذاب أنا مؤمنون. وذكر الأعمش ثقيلا كان يجلس إلى جانبه فقال: والله إني لأبغض شقي الذي يليه مني. وقال سهل بن هارون: من ثقل عليك بنفسه وأغمك بحديثه أو سؤاله فأعره عينا عمياء أذنا صماء. وأنشد أيضاً في ذلك:
هذا فتى أثقل من أحد ... يصبح من يلقاه في جهد
علامة البغض على وجهه ... بينة مذ كان في المهد
(2/14)

لو دخل النار طفا حرها ... ومات من فيها من برد
وفي الاستبراد قال آخر في قينة:
ولو مازج النار في حرها ... حديثك اخمد منها اللهب
وقال كشاجم:
غناء بريح بأرض الحجاز ... يطيب وأما بحمص فلا
لبرد الغناء وبرد الهواء ... فإنَ جمعا خفت أن يقتلا
ولقي برد الخيار المغنى أبا العباس المبرد على الجسر في يوم ثلج فقال له: أنت المبرد وأنا برد الخيار واليوم كما ترى اعتزلنا لا يهلك الناس الفالج بسببنا. وأذكرني هذا قول أبن الخطيب: بياض بمقدار نصف صفحة في النسخ كلها.

ثكل أرأمها ولدا.
الثكل بضم الثاء: الهلاك والموت وفقد الأحبة وفقد الأولاد وهذا هو الكثير الاستعمال. يقال: ثكله بكسر الكاف ثكلا فهو ثكلان وهي ثكلى مثل سكرى. قالت الحماسية:
سيتركها قوم ويصلى بحرها ... بنو نسوة للثكل مصطبرات
ويحكى إنَّ عمير بن جندب مات قبيل الإسلام. فجهزوه ثم كشف القناع عن رأسه فقال: أين القصل؟ والقصل بالقاف على الصحيح وبالصاد المهملة واللام على مثال صرد وهو أحد بني عمه. فقالوا: سبحان الله مر آنفا فما حاجتك إليه؟ فقال: أتيت فقيل لي: لامك الهبل إلاّ ترى إلى حفرتك تنثل وقد كادت أمك تثكل؟ أنَّ رأيت إنَّ حولناك إلى محول ثم غيب في حفرتك القصل الذي مشى فاحزأل ثم ملأناها من الجندل؟ أنَّ تعبد ربك وتصل وتترك سبيل من أشرك وضل؟ فقلت: نعم فأفاق عمير وتزوج وولد له الأولاد. ولبث القصل ثلاثا ثم مات ودفن في قبر عمير.
(2/15)

وقال أسماء المرية:
أيا جبلي وادي عريعرة التي ... نأت عن ثوى قومي وحق قدومها
ألا خليا مجرى الجنوب لعله ... يداوي فؤادي من جواه نسيمها
وكيف تداوي الريح شوقا مماطلا ... وعينا طويلا بالدموع سجومها
وقولا لركبان تميمية غدت ... إلى البيت ترجو أن تحط جرومها
بأن بأكناف الرغام غريبة ... مولهة ثكلى طويلا نئيمها
مفجعة أحشاؤها من جوى الهوى ... وتبريح شوق عاكف ما يريمها
والإرآم: التحبيب والتعطيف. يقال: رئم فلان كذا بالكسر يرأمه: احبه وألفه ورئمت الناقة ولدها رئما: عطفت عليه وأرأمتها: عطفتها على غير ولدها أو على البو وهو الجلد يحشى لها لتدر عليه. قال:
رئمت لسلمى بوضيم وإنني ... قديما لآبي الضيم وأبن أباة
وقال الحماسي:
ومولى جلت عنه الموالي كأنه ... من البؤس مطلي به القار أجرب
رئمت إذا لم ترأم البازل ابنها ... ولم يك فيها للمبسين محلب
وقال الآخر:
أنى جزوا عامرا سوءا بفعلهم ... أم كيف يجزونني السوأى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضن باللبن
والولد معروف. والمثل لبيهس المعروف بنعامة. وكان من حديثه أنه خرج مع أخوة له سبعة فلقيهم قوم في موضع يقال له الأثلاث فقتلوهم إلاّ بيهسا وكان أصغرهم. فاستحقروه واستبقوه ثم احتملوه معهم حتى إذا قام قائم الظهيرة نزلوا فنحروا ناقة من وسيقتهم فأكلوا منها ثم قال قائلهم: ظلموا لحم جزوركم فقال بيهس: لكن على الأثلاث لحم لا يظلل يعني لحوم إخوانه المقتولين فأرسلها مثلا. فقال أحدهم: إني لأسمع من هذا الإنسان أمر يوشك أن يكون وراءه شر: فاقتلوه فقال زعيمهم: أيعد علينا هذا بقتيل؟ خلوه لصغر سنه فهو أحقر من ذلك فاحتملوه حتى إذا بلغوا به سمت الحي قالوا له: ائت أهلك وانع إخوانك فانطلق
(2/16)

حتى دخل على أمه فقالت له: أين اخوتك؟ قال: قتلوا. فقالت: وما الذي أتى بك دونهم؟ فقال لها: لو خيرتك القوم لاخترت! فأرسلها مثلا. وكانت تبغضه لكثرة شره، وتحب اخوته. فلما فقدتهم أحبته ورئمته. فقال حينئذ: ثكل أرأمها ولداً، أي عطفها على هذا الولد - يعني نفسه - ولا رققها عليه ولا آلفها إياه إلاّ ثكلها أولادها الباقين، وفقدها أولادها المحبوبين. ومضرب المثل من هذا المعنى ظاهر. ثم جمعت له أمه تراث اخوته وأعطته إياه. فجعل يدير فيه وكان يقول: يا حبذا التراث لولا الذلة! فسارت مثلا. وصنع بعض أهل الحواء عرسا وحضره صبيان الحي، فلما رآهم بيهس يلعبون تجرد عن ثيابه وجعل يرقص معهم. فأتته أمه فقال له: ما هذا يا بيهس؟ فقال:
البس لكل حالةٍ لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها!
فذهبت مثلا. فبينما هو ذات يوم يرعى غنما له إذ ألجأه الحر إلى غار يستظل فيه. فرأى قتلة اخوته وهم عشرة قد عقلوا إبلهم على طرف الغار وقالوا. فخلى غنمه وبادر إلى الحي فأخذ سلاحه وأتى خالاً له يقال له أبو حنش وكان جبانا. فقال له: أبا حنش هل لك في ظباء تصطادهن ألجئهن الحر إلى عار؟ قال: نعم. فتنكب قوسك وحيهلاً ورائي! فأقبل به حتى هجم على فم الغار. وخاف بيهس أن يهرب خاله، فصاح على القوم حتى ثاروا. فتقدم بيهس وتبعه خاله علماً منه إنّه غير ناج إن فر وقتلا القوم ورجعا بسلاحهم إلى الحي، وقد ثأر بيهس باخوته. فكان من لقي خاله يقول له: ما اشجعك أبا حنش! فيقول له: مكره أخاك لا بطل! فذهبت مثلا. ويقال إنَّ مدركي الأوتار في الجاهلية ثلاثة: قيصر بن سعد - تقدم أمره - وسيف بن ذي يزن الحميري - وسنذكره - وبيهس هذا. قال الشاعر:
من يطلب الأوتار ما أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهسُ
وإنّما لقب بنعامة لطول رجليه فرأته أمه يوما فقالت: نعامة والله! فقال: نعامة عرفتني، نسأها الله! أي أخر في أجلها. وقيل لصممه، وكان أصم أصلع، والعرب، والعرب
(2/17)

تصف النعامة بذلك، يزعمون إنّه مصلمٌ لا أذن له ولا يسمع الأصوات أما حقيقة أو إنّه لا يلتفت إليها. قال علقمة يصف الظليم:
فوهٌ كشف العصا لأياً تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلومُ
وقال زهير:
كأن الرجل منها فوق صعلٍ ... من الظلماء جؤجؤهُ هواءُ
أسكن مصلمُ الأذنين أجنى ... له بالسيِّ تنومٌ وآء
وقال عنترة:؟ فكأنني أطس الإكام عشيةً بقريب بين المنسمين مصلمِ
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

الثور يحمي أنفه بروقه.
الثور بفتح الثاء وسون الواو، معروف يطلق على الانسي والوحشي. والحماية: المنع والحفظ، يقال: حماه من كذا يحميه منعه وحفظه. والروق بالفتح القرن.
والمعنى أنَّ الثور يدافع عن نفسه بقرنه، فيضرب فقط الحث على حفظ الحريم، والدب بما أمكن. وتقدم في كلام عمرو بن أمامة حيث قال:
لقد عرفت الموت قبل ذوقه: ... إنَّ الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مقاتلٌ عن طوفه ... كالثور يحمي أنفه بروقه
وفي خبر أبن إسحاق عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قدمها وهي أوباً أرض الله من الحمى. فأصاب أصحابه منها بلاء، وصرف ذلك عن نبيه. قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال موليا أبي بكر في بيت واحد فأصابتهم الحمى. فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلاّ الله من شدة الوعك. فدنوت من أبي بكر فقالت له: كيف تجدك يا أبتِ؟ قال:
(2/18)

كل امرئ مصبحٌ في أهله ... والموت أدنى من شراك نعلهِ
قالت: فقلت والله ما يدري أبي ما يقول! قالت: ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إنَّ الجبان حتفه من فوقهِ
كل امرئ مجاهٌ بطوقه ... كالثور يحمي جلده بروقهِ
قالت: فقلت والله ما يدري عامر ما يقول! قال: وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته فقال:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي أذخرٌ وجليلُ؟
وهل أردن يوما مياه مجنةٍ ... وهل يبدون لي شامةٌ وطفيلُ؟
قالت: فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت منهم وقلت. إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل وباءها إلى مهيعة. ومهيعة الجحفة.
والظاهر أنَّ عامرا رضي الله عنه تمثل بالشعر وإن كان فيه بعض مخالفة. وبعد كتبي هذا رأيت السهيلي قال: يذكر قول عامر: لقد وجدت الموت قبل ذوقه أنه لعمرو بن أمامة. انتهى. وهو ما استظهرناه قبل. وقول بلال: بوادٍ يروى بفخٍّ أيضاً وفخ موضع بمكة فيه ماء وفيه اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم لدخول مكة وفيه قال الشاعر:
ماذا بفخ من الإشراق والطيبِ ... ومن جوار نقياتٍ رعابيبِ
ومجنة سوق من أسواق العرب؛ وشامة وطفيل عينان من الماء وقيل جبلان. قال السهيلي: وفي هذا الخبر وما ذكر من حنينهم إلى مكة ما جبلت عليه النفوس من حب الوطن والحنين إلية وما كانوا عليه من الحنين إلى الاوطان الذي هو جبلة في البشر كما روي في حديث أصيل الغفاري ويقال فيه الهذلي حين قدم مكة فسألته عائشة: كيف تركت مكة يا أصيل؟ فقال: تركتها د ابيضت أباطحها وأحجر ثمامها وأعذق إذخرها وأمشر سلمها فاغرورقت عين رسول الله صلى الله عليه
(2/19)

وسلم وقال: لا تشوقنا يا أصيل! ويروى أيضاً أنه قال له: دع القلوب تقر! وفي هذا المعنى قول الآخر::
إلاّ ليت شعري هل أبيتن ليلهٌ ... بوادي الخزامي حيث ربتني أهلي
بلادٌ بها نيطت علي تمائمي ... وقطعن عني حين أدركني عقلي
انتهى كلام السهيلي. وهذا المعنى مستوفي في هذا الكتاب في غير هذا الموضع.
ثار حَابِلُهُم على نَابِلِهِم
الثور: الهيجان والوثب: ثار يثور ثوراً فهو ثائر وأثرته وثورته واستثرته.
والحابل يطلق على من شد الشيء بحبل، ومنه المثل الآتي: يا حابل اذكر حلاًّ! وعلى من نصب الحبالة للصيد أو أخذه فيها. يقال: حبل الصيد واحتبله: إذا أخذه أو نصب له. والنابل والنبل: صاحب النبل وصانعه. والنبل: السهم قال امرؤ القيس:
نطعتهم سلكي ومخلوجة ... كرك لأمين على نابلِ
أي نطعنهم طعنا مستقيما وطعنا معوجا من كل وجه. كرك لأمين أي كردك لأمين أي سهمين على نابل أي على رامٍ في السرعة. وقال أيضاً:
وليس بذي رمحٍ فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال
ويقال إنَّ الحابل في هذا المثل السدى والنابل الطعمة: فإذا قيل في القوم إنهم

ثار حابلهم على نابلهم كان معناه أنهم أشتجروا وأوقدوا الشر فيما بينهم.
ومما يلتحق بهذا الباب قولك: أثقل من الحديد ومن الرصاص ومن حلول الدين مع الاقتار، ونحو ذلك وهو مطرد. وقولهم: ثل عرش فلان إذا هوى أمره وتضعضع عزه وذهب ملكه. قال زهير:
تداركتما الأحلاف قد ثل عرشهم ... وذبيان قد زلت بأقدامهم النعلُ
وثلَّ اللهُ عرشه: فعل به ذلك. وقال الأخر:
(2/20)

إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
والعرش سرير الملك، وسقف البيت، والعز وقوام الأمر ومنه ما ذكر.
ولنذكر بعض ما تيسر من الشعر. قال أبن الرومي:
يا مادح الحقد محتالا له شبه ... لقد سلكت إليه مسلكا وعثا
يا دافن الحقد في ضعفي حنوانحه ... ساء الدفين الذي أضحت له جدثا
الحقد داء دوي لا دواء له ... يدوي الصدور إذا ما جمره حرثا
فأستشفينه بصفح أو معاتبة ... فإنما يبرئ المصدور ما نفثا
إنَّ القبيح وإنَّ ضيعت ظاهره ... يعود ما لم منه مرة شعثا
كم زخرف القول ذو زور ولبسه ... على القلوب ولكن قل ما لبثا
وإنّما قال ذلك لأنّه قال: أيضاً في مدح الحقد:
لئن كنت في حفظي لمّا أنا مودع ... من الخير والشر انتحيت على عرضي
لمّا عبتني إلاّ بفضل أمانة ... ورب امرئ يزري على خلقٍ محض
ولولا الحقود المستكنات لم يكن ... لينقض وتراً آخر الدهر ذو نقض
وما الحقد إلاّ توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
فحيث ترى حقدا على ذي إساءة ... فثم ترى شكرا على حسن القرض
واخذ ذلك من قول أبن صالح، حين أتي به الرشيد وهو في قيوده، فقال له يحيى بن خالد وأراد أنَّ يسكته: بلغني انك حقود! فقال له: أيها الوزير، إنَّ كان الحقد هو بقاء الخير والشر، انهما لباقيان في قلبي! ويروى إنّه قال له: إنّما صدري خزانة لحفظ ما استودعت من خير وشر. فقال الرشيد: تالله ما رأيت أحداً احتج للحقد بمثل ما احتج به! وقال الأخر:
ما طلب فرع أصله خبيث ... ولا زكا من مجده حديث
وقال الأخر:
إنَّ قوما يلحون في حب سعدي ... لا يكادون يفقهون حديثاً
سمعوا وصفها فلاموا عليها ... وأخذوا طيبا وأعطوا خبيثا
(2/21)

وتقدم هذا المعنى قبل مستوفي.
وقال أبو دلامة:
إنَّ الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإنَّ بحثوا عني ففيهم مباحث
وكانت لرجل عنده شهادة في الحق، فلما طلبه بالأداء قال له: إنَّ شهادتي لا تنفعك عند القاضي. فقال له الرجل: لابد من شهادتك! فشهد أبو دلامة وانصرف وهو يقول الشعر المذكور. فحكم القاضي بشهادته وغرم المشهود عليه المال حتى قبضه المشهود له، فغرمه القاضي للمشهود عليه خوفا من ظلمه ليجمع المصلحتين. وقيل إنَّ أبا دلامة استأجر طبيبا ليعالج ابناً له مبلغ من الأجرة، فلما داواه قال للطبيب: إنّه ليس عندي ما أعطيك، ولكن أذهب وادع بهذا المبلغ على من شئت! وقيل إنّه قال له ادع على فلان اليهودي به، وإني وأبني نشهد لك! فأدعى الطبيب على اليهودي، فجاء أبو دلامة وابنه يشهدان له عند القاضي أبن أبي ليلى أو أبن أبي شبرقة فلما علم أبو دلامة أن القاضي لا يجيز شهادتهما أنشد بحيث يسمعه القاضي ما مر. فلما سمع القاضي ذلك حكم بشهادتهما خوفا من أذاه، وغرم ذلك المبلغ للمحكوم عليه، والله اعلم.
ومن هذا المعنى ما ذكر أبن رشيق عن العتبي من أن رجلا من أهل المدينة ادعى حقاً على رجل، فدعاه إلى أبن حنظب، القاضي المدينة، فقال: من يشهد بما تقول؟ فقال: زنقطة فلما ولى قال القاضي: ما شهادته له إلاّ كشهادته عليه. فلما جاء زنقطة أقبل على القاضي وقال له: فداك أبي وأمي! أحسن والله الشاعر حيث يقول:
من الحنظبيين الذين وجوههم ... دنانير مما شيف في أرض قيصرا
فأقبل القاضي على الكاتب وقال: كبير ورب السماء! ما أحسبه شهد إلاّ بالحق. أجز شهادته! وقال الصفدي:
صبري الذي اقتسمته غربة ونوى ... كأنما لهما في ذاك ميراث
وكل يومٍ على ما فيه من هرمٍ ... يلقى صروف الليالي وهي أحداث
وقال أبن الحداد يرثي:
(2/22)

شمس الظهيرة هل تدرين ما حدثا؟ ... شمس العشيرة حلت مغربا حدثا
انظر ثبيراً هل أنهدت جوانبه ... لحادث في ثبير الحلم قد حدثا
ومن المستحسن في باب الرثاء قول أبي الفرج الجوزي، وقد ليم على اكتحاله يوم عاشوراء:
ولائم لي على اكتحالي ... يوم أراقوا دم الحسين
فقلت: كفوا! أحق شيءٍ ... فيه بلبس السواد عبني
وقال الأخر يرثي بعض الأمراء:
كان الأمير نظام الدين لؤلؤة ... قد صاغها الله من مجد ومن شرف
عزت فلم تقدر الأيام قيمتها ... فردها غيرة منه إلى الصدف
وقمل الآخر في غلام له يلقب بالسيف:
ستذرف أجفاني عليك دموعها ... ولا غرو أن تبكي على السيف أجفان
بكتك عيون الشهب إذ كنت بدرها ... وغالك من قبل التتمة نقصان
وشقت يمين الصبح فيك عن الدجا ... قميصا فأضحى وهو للحزن عريان
وقال الزمخشري يرثي شيخه:
وقائلةٍ: ما هذه الدرر التي ... تناثر من عينيك سمطين سمطين؟
فقلت: هو الدر الذي قد حشا به ... أبو مضر أذني تساقط من عيني
وقول أبن الحداد:
شقيقك غيب في لحده ... وتشرق يا بدر من بعده!
فهلا خسفت فكان الخسوف ... حداداً لبست على فقده؟
وقول أبن المعتز:
لم تمت أنت إنّما مات من لم ... يبق للمجد والسماحة ذكرا
لست مستسقيا لقبرك غيثا ... كيف يسقى وقد تضمن بحرا؟
وقول العطوي في رجل كان يعول أناسا كثيرين فمات:
وليس صرير النعش ما تسمونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف
وليس فتيت المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف
(2/23)

وقال أبن عبدون الوراق:
قبرٌ بسوسة قد قبرت به الفتى ... أدرجت قلبي في مدارج لحده
أسكنته سكنى ورحت كأنني ... في الأرض لا بشراً أرى من بعده
صمت عليَّ مسامعي في وجهه ... ز صعقت من صعق الصراخ ورعده
وجهدت أن أبكي فلم أجد البكا ... فسكت سكتة صارمٍ في غمده
هبني بكيت له وما يجدي البكا؟ ... ماءٌ بخدي والتراب بخده!
وهذا الباب كثير لا يأتي عليه الحصر.
ومن أشهر المراثي وأحسنها مرثية أبي الحسن الأنباري في أبي بقية حين قتله عضد الدولة وصلبه وأولها:
علوٌّفي الحياة وفي الممات: ... لحقٌ أنت إحدى المعجزاتِ!
وهي مشهورة معروفة. ولمّا اشتهرت ووصلت إلى عضد الدولة وأنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب! وقال أبن نباتة في النسيب:
يا رب خالٍ على خدِّ الحبيب له ... في العاشقين كما شاء الهوى عبثُ
أورثته حبة القلب القتيل به ... وكان عندي أنَّ الخال لا يرثُ!
وفي الخال قول الحاجري:
عجبت لخالٍ يعبد النار دائماً ... بخدك لم يحق بها وهو كافرُ
وأعجب من ذا الله تعالى طرفك منذرٌ ... يصدق في آياته وهو ساحرُ
وما أخضر ذاك الخد نبتاً وإنما ... لكثرة ما شقت عليه المرائرُ
ومذ أخبروني أنَّ قدك بانةٌ ... تيقنت أنَّ القلب مني طائرُ
وفي القد قول الآخر::
بروحي معشوق الجمال فما له ... شبيه ولا في حبه لي لائمُ
تثنى فمات الغصن من حسد من حسدٍ له ... ألم تره ناحت عليه الحمائمُ؟
وقول الآخر:
(2/24)

قلت للأهيف الذي فضح الغصن ... كلام الوشاة ما ينبغي لك
قال: قول الوشاة عندي ريحٌ ... قلت: أخشى على غصن أن يستميلك
ويشبه هذا ما حكي أنَّ رجلا دخل دارا ينظرها ليشتريها فسمع في بعض خشبها صوتا فقال: ما هذا؟ فقال صاحب الدار: أعزك الله! هذا السقف يسبح لله عز وجل. فقال: أخشى أن يلحقه الخشوع فيسجد.
وقال لبن خفاجة:
وعشيِّ أنسٍ أضجعتني نشوةٌ ... فيه تمهد مضجعي وتدمثُ
خلعت عليَّ بها الأراكة ظلها ... والغصن يصغي والحمام يحدثُ
والشمس تجنح للغروب مريضةً ... والرعد يرقي والغمامة تنفثُ
ومما يستلذ في هذا المعنى قول الآخر:
عرج بمنعرج الكثيب الأعفر ... بين الفرات وبين شط الكوثرِ
ولتغتبقها قهوةٌ ذهبيةٌ ... من راحتي أحوى المدامع أحوارِ
وعشية كم كنت أرقب وقتها ... سمحت بها الأيام بعد يعذرِ
نلنا بها آمالنا في روضةٍ ... تهدي لناشقها نسيم العنبرِ
والورق يشدو والأراكة تنثني ... والشمس ترفل في قميصٍ أصفرِ
والروض بين مفضض ومذهبٍ ... والزهور بين مدرهم ومدنرِ
والنهر مصقول الأبطاح والربا ... والشط بين مزعفرٍ ومعصفرِ
وكأنه وكأن خضرة شطه ... سيف يسل على بساط أخضرِ
وكأنما ذاك الحباب فرنده ... مهما طفا في صفحة كالجوهرِ
وكأنه وجهاته محفوفةٌ ... بالورد والريحان خد معذرِ
نهرٌ اصفر وجه الشمس عند غروبها ... إلاّ لفرقة حسن هذا المنظرِ
وقول مالك بن المرحل:
(2/25)

وعشيةٍ سبق الصباح عشاءها ... قصراً فما أمست حتى أسفرا
مسكينةٍ لبست خلى ذهبيةً ... وجلا تبسمها نقاباً أحمرا
وكأن شهب الجم بعض حليها ... عثرت به من سعةٍ فتكسرا
وقال أبو النصر عبد الجبار:
عليك بأغباب الوصال فضده ... يعيد حبال الوصل منك رثاثا
فلو كلف الإنسان رؤية وجهه ... لطلقه بعد الثلاث ثلاثا
ومثله قول الآخر:
عليك بإغباب الزيارة إنها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
وسيأتي هذا المعنى إن شاء الله تعالى وقال الحموي:
أنَّ قوماً يلحون في حب سعدى ... لا يكادون يفقهون حديثا
سمعوا وصفها ولاموا عليها ... أخذوا طيباً وأعطوا خبيثا
وهذا من الاقتباس وهو أن يؤتى في الكلام المنثور أو المنظوم بلفظ يشبه لفظ القرآن أو الحديث غير منوي به إنّه قرآن أو حديث. ولا بد من هذا القيد الآخر: ولذلك ساغ سوق اللفظ مع تغيير فيه أو في معناه ولا يلزم فيه كفر تبديل القرآن ولا خلاف نقل الحديث بالمعنى. ولنذكر طرفا من ذلك هاهنا: فمن الاقتباس من القرآن في النثر قول الحريري: فلم يكن إلاّ كلمح البصر أو هو أقرب حتى أنشد فأغرب. وهو في الشعر أكثر. ثم إنّه قد يكون اللفظ المقتبس بيتا كاملا كقول أبي محمد بن السيد البطليوسي في بعض مواضعه:
خففوا ثقل الخطايا ... أفلح القوم المخففون!
كيف تعطون من الباقي ... وبالفاني تضنون؟
لن ينالوا البر حتى ... تنفقوا مما تحبون!
وقول أبن العفيف:
يا عاشقين حاذروا ... مبتسما من ثغره!
(2/26)

فطرفه الساحر قد ... شككتم في أمره
يريد أن يخرجكم ... من أرضكم بسحره
وقد يكون شطر البيت كقول أبي فراس:
قد كان بدر السماء حسناً ... والناس في حبه سواءُ
لا تعجبوا! ربما قديرٌ ... يزيد في الخلق ما يشاءُ
وقول محيي الدين البغدادي:
إن لا مني من رلا رآه فقد ... جار على الغائب في الحكمِ
وإن لحاني من رآه فقد ... أضله الله على علمِ
وقول أبن الدماميني وقد رأى جرة خمر كسرت فساحت الخمر على الأرض:
كسروا الجرة عمداً ... ملؤوا الأرض شرابا
قلت والإسلام ديني: ... ليتني كنت ترابا!
وقلت أنا في نحو هذا أخذا منه:
عثرت هيفاء تحكي ... بدر تمٍّ حين غابا
قبَّلَ التراب لماها ... ونضا عنها النقابا
وجنى ورداً ونداً ... وارتوى منها رضابا
قلت لمّا عانقته: ليتني كنت ترابا!
وقد يكون أقل من الشطر الثاني كقول أبن النبيه:
قل لراسي الجفون إنَّ لجفني ... في بحار الدموع سبحا طويلا
وهي قصيدة على هذا النمط، أخذ قوافيها من سورة المزمل.
ولابن سهل الإسرائيلي قصيدة أخرى مثلها، اخذ قوافيها من سورة مريم، وكلتاهما مشورة. ومن ذلك قول بعضهم:
إذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحب: ميعاد السلو المقابر
سيبقى لها في مضمر القلب والحشى ... سرائر ود يوم تبلى السرائر
وقولنا:
في ظيبة هيفاء من أجفانها ... سحر الجفون البابلي تواتراً
(2/27)

فإذا انتضت من جفنها غضبين من ... جفنين قلنا: ساحران تظاهراً
وفي التورية في الجفنين. وهذا الاقتباس هنا مما اختلف فيه الأصل والفرع معنى من جهة الحقيقة والمجاز. ومثله قول أبن الرومي يخاطب رجلا مدحه ولم يثبه:
لئن أخطأت في مدحك ... ما أخطأت في منعي:
لقد أنزلت حاجتي ... بوادٍ غير ذي زرعٍ
فأنه جعل مجازا عن الرجل الذي لا خير فيه وهو في الآية حقيقة.
ومن الاقتباس في الحديث قول بعضهم:
قال لي إنَّ رقيبي ... سيئ الخلق فداره
قلت: دعني وجهك ... الجنة حفت بالمكاره
أخذ من الحديث: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. وقول بعضهم في غلام اسمه بدر فيه تورية:
يا بدر أهلك جاروا ... وعلموك التجري
وقبحوا لك وصلي ... وحسنوا لك هجري
فليفعلوا ما أرادوا ... فإنهم أهل بدر!
اخذ من الحديث: لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم! وقول بعضهم:
ومهفهفٍ يزري على القمر ... وجناته روض في الزهر
خالسته نوار وجنته ... وأخذ منها على حذر
فأخافني قوم فقلت لهم: ... لا قطع في ثمر ولا كثر
فقوله: لا قطعتم في ثمر ولا كثر هو لفظ حديث. والكثر جمار النخل. وقد زاد بعضهم الاقتباس من الفقه، وزاد أخرون الاقتباس من سائر العلوم. فمن الاقتباس من علم الفقه قول أبي تمام:
إنَّ حراما قبول مدحتنا ... وترك ما نرتجي من الصفد
مثل الدنانير بالدراهم في ... الصرف حرام إلاّ يدا بيدِ
(2/28)

شرطت عليهم عند تسليم مهجتي ... وعند انعقاد البيع قربا يواصل
فلما أردت الأخذ بالشرط عرضوا ... وقالوا يصح البيع والشرط باطل
وقول مالك بن المرحل موريا:
مذهبي تقبيل خد مذهبٍ ... صاحبي ماذا ترى في مذهبي؟
لا تخالف مالكا في رأيه ... فيه يأخذ أهل المغرب!
وقول أبن العفيف:
قضاة الحسن ما صنعي بطرف ... تمنى مثله الرشا الربيب؟
رمى فأصاب قلبي باجتهادٍ ... صدقتم: كل مجتهد مصيب!
وقول أبي عبد الله الشران، وقد كان عند أبن جماعة إعذار، فدعا البلد، ولم يدع الشران فكتب إليه الشران:
ماذا أعد المجد من أعذاره ... في ترك دعوتنا إلى إعذاره؟
إنَّ كان رسم دون محضرنا اكتفى ... لا بد إنَّ يبقى على إعذاره
ومن الاقتباس من علم قول أبي بكر بن حجة الحموي:
أيا عرب الوادي المنيع حجابه ... وأعني به قلبي الذي به خيموا
رفعتم قبابا نصب عيني نحوها ... تجر ذيول النوق والقلب يجزم
منعتم تحيات السلام لموتنا ... غراما وقد متنا فصلوا وسلموا!
وقول البوصيري:
خفضت كل مقام بالإضافة إذ ... نوديت بالرفع مثل المفرد العلم
وقول بهاء الدين زهير:
يقولون لي أنت الذي طار ذكره ... فمن صادر يثنى عليك ووارد
هبوني كما قد تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منكم وعوائدي؟
ومرض شرف الدين بن عنين، فكتب إلى الملك المعظم بن المكل العادل:
انظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلاف
أنا كالذي يحتاج ما يحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي
فلما بلغه البيتان، نهض إلى زيارته واستصحب ألف دينار. فلما دخل عليه وعاينه قال له: أنت كالذي هو موصول، يحتاج إلى صلة وعائد، فهذه الصلة وأنا العائد.
(2/29)

وقول السليماني:
وإني الذي أقصيته وهجرته ... فهل صلة أو عائد منك للذي؟
وقولنا من أبيات:
فلم يكن عن ذلك فعلي معربا ... تغنيت بالماضي من الحال والأمر
وفولنا من أخرى:
قصر الهناء أسى لغير ضرورةٍ ... لولا نواكم، والهوى ممدود
ومن أظرف ما وقع في ذلك قول أبن جابر يخاطب معزولا عن ولاية:
فلا تغضبن إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفه!
ومن الاقتباس من علم الحديث قول أبن جابر:
نقل المسواك فيما قد روى ... أنَّ ذاك الريق مسك وعسل
قلت: عن من؟ قال: عن مبسمها ... قلت: هذا خبر صح وجل
مذ تبدى جوهر الثغر لنا ... صح في حسن لدينا ما نقل
وقولنا في هذا المعنى:
نقل النسيم عن الأرائك محدثا ... عن ثغر سلمى الأشنب الواضح
وحديثه المروي أنَّ رضابه ... عسل ومسك شوبا بالراح
يفتر العقدين من برد صفا ... ولآلئٍ منضودة وأقاح
صدقا أحاديث الصحيحين اعتلت ... عن ريبة تغزى لها من لاح
ومن الاقتباس من علم أصول الفقه قول أبن جابر:
جئتها طالبا لسالف وعد ... فأجابت: لقد جهلت الطريقه
إنّما موعدي مجاز فقلت: الأصل ... في سائر الكلام الحقيقه
وقوله أيضاً:
لا تعجبوا من عموم الحب في الرشإٍ ... كل الجمال له في الناس مخصوص
بدر ولكن إلى الغزلان منتسب ... قد نص ذلك جيد منه منصوص!
وقول آخر:
(2/30)

كيف لي بالسلو عنها وقلبي ... قد هوى حمله بمهوى الخرص؟
ما تعصيت ظاهر الصبر إلاّ ... ردني جيدها بأوضح نص
وقول أبي بكر بن حجة، رحمه الله تعالى، وهو في الفنين معاً.
بوادي حماة الشام أيمن الشط ... وحقك تطوى شقة الهم بالبسط
بلاد إذا ما ذقت كوثر مائها ... أهيم كأني قد ثملت بإسفنط
فمن يجتهد في أنَّ بالأرض بقعة ... تماثلها قل: أنت مجتهد مخطي
وصوب حديثي مائها وهوائها ... فإن أحاديث الصحيحين ما تخطي
ومن الاقتباس من علم الكلام قول أبن جابر:
عرض الحب دون جوهر ذاك ... الثغر من أكبر المحال بجود:
أجمع الناظرون في ذاك أنَّ لا ... عرض دون جوهر في الوجود
وقولنا من أبيات:
فالجسم بالٍ ذو وبالٍ بعدكم ... أبدا به عرض الشحوب جديد
وفي هذا البيت الجناس بين بالٍ وبالٍ، والاقتباس في الجسم والعرض، ومراعاة النظير بذلك الاعتبار، والطباق بين البلى والجدة.
ومن الاقتباس من علم المنطق قول أبن جابر:
مقدمات الرقيب كيف غدت ... عند لقاء الحبيب متصله
تمنعا الجمع والخلو معا ... وإنّما ذاك حكم منفصله
وقول أبن الخطيب:
حتى إذا فرض الجلاد جداله ... ورأيت ريح النصر ذات هبوب
قدمت سالبة العدو وبعدها ... أخرى بعز النصر ذات وجوب
وإذا توسط حد سيفك عندها ... جزئي قياسك فزت بالمطلوب
وقول الآخر:
يا دمع أجفاني أطرد يا حر ... أضلاعي أتقد يا قرح اكبادي أنتك
(2/31)

ويقل إتلاف النفوس تلفها ... لفوات حظ منك لم يستدرك
أملي يشك وعفوكم متواطئ ... فأصار من متواطئ لمشكك
مالي سواك لمن أمد يد الرجا ... متمسكا يا ملجأ المتمسك!
ومن الاقتباس من علم العروض قول الآخر:
له جيش نصر قد نضى السعد دونه ... صوارم روع لا تلقيها القوانس
إذا ما قوافي الخيل فيه تداركت ... فأبشر بنصر بحره متكاوس!
وقولنا من قصيدة:
سلام طويل الحب فيكم مديده ... فليس بذي نهك وليس بذي شطر
وقولنا أيضاً في التغزل:
يا شادنا يصيد أساد غيل ... بقوس صدغين وسهم كحيل
بم استبحت دمي الحرم في ... قتلي وحرمت وصالي الحليل؟
وقطع سببي من ودا ... دك وذا لا يرضينه الخليل
وفي الخليل التورية وفي الأبيات أنواع أخرى من البديع ظاهرة.
ومن الاقتباس من علم الهيئة قول الغزالي:
يا حسن ليلتنا التي قد زارنا ... فيها فأنجز ما مضى من وعده!
قومت شمس جماله فوجدتها ... في عقرب الصدغ الذي في خده
وقوله أيضاً:
حلت عقارب صدغه من خده ... قمرا يجل به عن التشبيه
ولقد عهدناه يحل ببرجها ... ومن العجائب كيف حلت فيه!
ومن الاقتباس من علم الهندسة قول أبن جابر:
محيط بشكل الملاحة حسنه ... كأن به أقليدسا يتحدث
فعارضه خط استواءٍ وخاله ... به نقطة والشكل شكل مثلث
ومن الاقتباس من علم الخط قول أبن جابر أيضاً:
(2/32)

فوق خديه للعذار طريق ... قد بدا تحته بياض وحمره
قيل ماذا؟ فقلت: أشكال حسنٍ ... تقتضني أنَّ أبيع قلبي بنظره
واعلم أنَّ معظم ما نشدنا، لك إنَّ تجعله من باب الإيهام تورية أو توجهها لا من باب الاقتباس والخطب سهل.
ومما جمع ثلاثة فنون مما مر قول بعضهم:
دارست قلبي الصبر أعتده ... عن عاصم لي منك أو نافع
فلم يكن يرفع ما حل بي ... ورب فعل ليس بالرافع
ضل بي المذهب يا مالكي ... فهل لذلك الوجه من شافع؟
ومثل هذا قول الآخر:
من شافع لي عند مالك مهجتي؟ ... مالي سوى حبي وليس بنافعي
فمن المحقق أن مذهب مالكٍ ... لا تستقيم لديه حجه شافعي
وهذا الباب أكثر من أن يأتي عليه الحصر.
وقال أبن العربي، وقد وقف عليه مليح وهو في مجلس فهز ومحا بيده، ارتجالا:
يهز علي الرمح ظبي مهفهف ... لعوب بألباب البرية عابث
فلو كان رمحا واحدا لا تقينه ... ولكنه رمح وثان وثالث!
وهذا غاية في القوة العارضة أنسجاما وحسن سبك وصحة معنى، الارتجال وصعوبة القافية. وقد وقع إشكال لجماعة من الأدباء في الشعر وما أريد فيه، وذلك من حيث لم يعتد استعمال الرمح في العيون؛ وإلاّ فهو بين واضح.
وقلت أنا:
لا يلهينك من فتى سرباله ... وبهاء منظره ورونق نفثه
أو تقتحمه من رثاثة زيه ... فتجول في إطرائه أو مغثه
حتى تبين قدره عن فره ... ولجينه عن بحثه
وتميز عن طول الزمان هشيمه ... من غضه وسمينه من غثه
ونفاذه غرض النوائب إنَّ دجت ... من طيشه ووفاء من ملثه
ومقام ما أستودعه من كامن ... الأسرار في كتمانه أو نثه
(2/33)

وترى إذا ما شمت بارق وعده ... أن قد مطرت بوبله أو دثه
وترى جلية قوله إما روى ... نبا لدى تهذيبه أو مقثه
وترى بمرجاس البصيرة غوره ... في وده للأصدقاء ودعثه
فهناك إن احمدته فلتصفه ... ودا وإلاّ فلتحد عن وعثه
فلرب ذي ورم يروق رواؤه ... حسنا وسوف تمجه في دأثه
ولرب مرعى مونق في دمنة ... وإذا شممت صددت عنه لخبثه
ولرب حسي ترتوي من عذبه ... عفوا وتكدي أو تشوب بنبثه
ومهند ذكر حسام باتر ... خلق الجفير من الحوادث رثه
أزرت به مرآته وإذا انتضي ... أرضاك مشهده ومرأى جثه
هذا وإنَّ المرء ليس بحاصد ... أبدا سوى ما قد أتى من حرثه
ولسوف يجني كل ما هو غارس ... في دهره من كرمه أو رمثه
ويرى مغبة سعيه مذخورة ... لمآبه من رمثه أو عيثه
النفث: المراد به الكلام. والإطراء: المبالغ في المدح والمغث ضده واللجين مصغرا: الفضة واللجين مثل أمير زبد أفواه الإبل وما سقط من الورق عند الخبط. وأطلق اللجين واللجين على محمود الأخلاق ومذمومها كما يقولون: إنَّ فلان لا يفرق بين لجين الكلام ولجينه أي بين جيده ورديئه؟ والنفاذ والطيش أصلها في السهام وذكرهما مع ذكر الغرض في النوائب استعارة وفي الغرض مع ذلك توجيه. والملث: الوعد بلا نية الوفاء. والدث: المطر الضعيف. والمرجاس: حجر يرمى في البئر ليعلم به عمقها وفيه أقوال أخرى. واحمدت الرجل: وجدته محمودا وكذا اذممته: فإنَ قلته بلا همزة كان بمعنى الثناء والمناسب هنا الأول. والدأث بفتح الدال المهملة وسكون الهمزة: الأكل والحسي: بئر غير غارقة بمستنقع فيها الماء وينبع منها واكدى الحافر: بلغ كديه في حفره. والرمث بكسر الراء: شجرة معروفة من أشجار البادية وليس لها من الثمرة ما للكرم وهو ضجر العنب فكني بالكرم والرمث عن السعي الذي يجدى نفعا والذي لا نفع فيه كغارس
(2/34)

الرمث المذكور. والمث بفتح الراء: الأصلاح وضده العيث وهو الإفساد.
وقول الآخر:
ليل البراغيث داء لا دواء له ... لا بارك الله في ليل البراغيث
كأنهن بجسمي إذ علقن به ... أيدي الشهود على مال المواريث
وقال أبن شرف في معناه:
لك منزل كملت ستارته ... للهو لكن تحت ذاك حديث
غنى الذباب وظل يزهو حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث
ومثله قول الآخر:
ليل البراغيث والبعوض ... ليل طويل بلا غموض
فذاك ينزو بغير رقص ... وذا يغني بلا عروض
وقول أعرابي بات بمصر فآذاه البرغوث:
تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بأرض الغضا ليلي علي يطول
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث علي سبيل
وقول الكناني ملغزا فيه:
ومعشر يستحل الناس قتلهم ... كما استحلوا دم الحجاج في الحرم
إذا سفكت دما منهم فما سفكت ... يداي من دمه المسفوك غير دمي
وقول أبن سكرة في مليح يعرف بابن برغوث:
بليت ولا أقول بمن لأني ... متى ما قلت من هو يعشقوه
حبيبي قد نفى عني رقادي ... فإنَ غمضت أيقضني أبوه
وقال البستي:
لا در در نوازل الأحداث ... نقلت احبتنا إلى الأجداث
فغدت مآنسنا وهن مقابر ... وغدت مدائحنا وهن مراث
وفي هذا القدر من الباب كفاية. والله يقول الحق وهذا يهدي السبيل.
(2/35)

باب الجيم
أجبن من صافر.
الجبن: الخور وهيبة الأقدام على الأمور. يقال: جبن بالضم يجبن جبنا بالضم وبضمتين وجبانة بالفتح فهو جبان بوزن سحاب وجبان كشداد وجبين كأمير والجمع جبناء. وهي جبان وجبانة وجبين. والصافر: المصوت يقال: صفر يصفر صفيرا إذا صوت فهو صافر وصفار. قال:

خلا لكِ الجو فبيضي واصفري
ويقال الصافر للخشاش والبغاث من الطير وهو ما يصيد منها. واختلف في المراد من الصافر في هذا المثل فقيل أريد كل صافر من الطير ولا يكون الصفير إلاّ في ضعافها وجشاشها ويوصف بالجبن لكثرة ما يتقي من جوارح الجو ومصايد الأرض. وقيل الصافر طائر بعينه إذ أمسى تعلق بالشجرة برجليه ونكس رأسه خوفا من أن ينام فيؤخذ فيبيت منكوسا ولا يزال يصيح حتى يصبح. وقيل: الصافر هنا بمعنى المصفور به وهو الذي ينذر بالصفير فيفزع ويهرب كما قالوا: ما بالدار صافر أي مصفور به قال الشاعر:
خلت الديار فما بها ... ممن عهدت بهن صافر
وعليه يكون فاعلا بمعنى مفعول كما في دافق أي مدفوق وراحلة أي مرحولة وذلك في المثال المذكور. والبيت محتمل غير متعين. وقيل: الصافر هو الذي يصفر للمرأة بالريبة وهو موصف بالجبن ساعتئذ لوجله وحذره أن يطلع عليه. قال الكميت:
(2/37)

أرجو لكم أن تكونوا في مودتكم ... كلبا كورهاء تقلى كل صفار
لمّا أجابت صفيرا كان آتيها ... من قابس شيط الوجعاء بالنار
وهذه المرأة التي ذكرها الكميت وضرب بها المثل امرأة من العرب كان من حديثها إنَّ رجلا كان يعتادها فكان يأتيها وهي جالسة مع زوجها وبنيها فيصفر لها فإذا سمعت صفيره أخرجت إليه عجيزتها من وراء البيت وهي تحدث ولدها فيقضي منها وطره ويرجع. ثم إنَّ بعض بنيها فطن للأمر فلما جاء صاحبها وصفر بها فأخرجت عجيزتها على العادة فأخذ مسمارا محمى كان معه فكوى به صدغها حتى أحست بالموت وتجلدت. فلما جاء الخدن بعد ذلك وصفر بها قالت: لقد قلينا صفيركم فضرب بها الكميت المثل.

أجبن من الكروان.
الجبن تقدم. والكروان بفتحتين طائر يشبه البط لا ينام الليل. وقيل هو الحجل. وانشد الجوهري:
يا كروان صك فاكبأنا ... فشن بالسلح فلما شنا
بل الذنابي عبسا مبنا
ويقال: أراد به الحبارى يصكه النازي فيتقيه بسلحه ويقال هو الكركي. ويقال للأنثى كروانة. ويقال للذكر الكرا ومنه المثل الآتي: أطرق كرا. وثقال إنّه سمي بالكرا وبالنعاس ضد ما كان عليه لمّا مر من إنّه لا ينام وهو أيضاً موصف بالجبن الكثير والفزع من سباع الطير كما قال الشاعر في خالد بن صوفان:
ترى خطباء الناس يوم ارتجاله ... كأنهم الكروان عاين اجدلا
والكروان بالكسر فالسكون جمع الكروان السابق. وقال الآخر:
أمير أبو موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان ابصرن بازيا
وسيأتي الكلام عن قولهم: أطرق كرا إن شاء الله تعالى.

أجبن من المنزوف ضرطا.
الجبن مر والنزف: النزح. يقال نزفت ماء العين انزفه أي نزحته
(2/38)

كله ونزفت البئر فهي منزوفة. ويقال: نزفة عبرة الرجل بكسر الزاي إذا فنيت وانزفها الشوق. ويقال: نزف فلان دمه بالبناء للمجهول إذا سال عليه سيلانا مفرطا ونزف الدم فهو منزوف فيها. والضرط بالفتح والضراط بالضم صوت الريح. يقال: ضرط بالكسر ضراطا وضرطا فهو ضراط كشداد وضروط كصبور وضروط كسنور. واختلف في المنزوف ضرطا فقيل إنَّ نسوة كن لم يكن لهن أزواج فزوج إحداهن رجلا فكان ينام الصبحة فإذا آتيته بالصبوح ونبهنه قال: لو نبهتني لعادية أي الخيل فلما اكثر من ذلك قلن بينهن: إنَّ صاحبنا لشجاع فتعالين فآتينه بالصبوح على العادة فقال: لو لعادية نبهتنني كما كان يقول. فقلن له: هذا نواصي الخيل فجعل يقول: الخيل الخيل ويضرط حتى مات. وقيل إنَّ المنزوف ضرطا دابة بالبادية إذا صيح عليها وقع عليها الضراط فلا تزال تضرط حتى تموت. وقيل إنّه رجل خرج مع رفيق له. فبينما هما في فلاة إذ لاحت لهما شجرة فقال: أرى قوما رصدونا. فقال رفيقه: إنّما هي عشرة أي شجرة والعشر بضم العين وفتح الشين شجر يحشى في المخاد وهو أجود ما يقتدح به. فظنه يقول عشرة بالفتح. فجعل يقول: وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات.

أجبن من النعامة.
الجبن مر والنعامة: واحدة النعام وهو معروف اسم جنس مثل حمام وحمامة وجراد وجرادة والذكر منه يقال له ظليم. والنعام يوصف بالجبن كثيرا. ويقال إنَّ النعامة إذا خافت من موضع لا ترجع إليه أبداً. وقال الشاعر في الحجاج:
أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى؟ ... بل كان قلبك في جناحي طائر
وللشعر قصة تذكر بعد إن شاء الله تعالى.
(2/39)

الجحش لمّا بذك الأعيار!
الجحش ولد الحمار اهليا كان أو وحشيا والأنثى جحشة والجمع جحاش. قال زهير يصف حمار وحش:
وقد خرم الطراد عنه جحاشه ... فلم يبق إلاّ نفسه وحلاله
والبذ بالذال المعجمة الغلبة. يقال بذك هذا الأمر أي غلبك. قال علقمة يصف بقرة وحشية:
تعفق بالأرطى لها وأرادها ... رجال فبذت نبلهم وكليب
والأعيار جمع عير بفتح العين وهو الحمار أهليا كان أو وحشيا. قال امرؤ القيس في الوحشي:
كأني وردفي والقراب ونمرقي ... على ظهر عير وادر الخبرات
وقال الآخر في الأهلي:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلاّ الأذلان عير الحي والوتد
ويجمع أيضاً على معيورات.
ومعنى المثل إنّه إذا غلبتك الاعيار ولم تدركها فعليك بالجحاش. وذلك إنَّ الصائد إذا أثار طريدة من الوحش فإنَ الكبار القوية منها تسبق وتتأخر الصغار. فإذا اعجزته الكبار السوابق فمن حقه إنَّ يظفر بالصغار ولا يفرط فيها. فيضرب في الرجل يطلب الأمر العظيم الخطير فيفوته فيقال له: اطلب ما دون ذلك أمالا وترجع خائب كما قيل:
إذا حاجة ولتك لا تستطيعها ... فخذ طرفا من غيرها حين تسبق
ولفظ الجحش في المثل يكون منصوبا على الأغراء أي: عليك بالجحش ويجوز أن يرفع على الابتداء أو الخبر أي: الجحش حسبك أو حسبك الجحش.

جدك كدك.
الجد بالفتح: الرزق والحظ. ورجل مجدود: ذو حظ. والكد بالفتح: الشدة والإلحاح. ومعنى المثل انك إنّما تعيش وتنال بمالك من الحظوة والبخت لا بتعبك وكدك فإنَ الكد لا ينفع مع الحرمان كما قيل:
(2/40)

عش بجد ولا يضرنك نوك ... إنّما عيش من ترى بالجدود
وكما قلت أنا:
كم لبيب ذي نجدة مالت هزلا ... وغبي تحتفه ألف هان
وتقدم في هذا المعنى مستوفى وسيأتي أيضاً.
قيل: وأول من قال في هذا المثل حاتم بن عميرة الهمداني. وكان بعث ابنيه: الحسل وعاجية في تجارة لوجهتين مختلفتين. فذهب الحسل حتى لقيه قوم من بني أسد فأسروه واخذوا ماله. وسار أخوه أياما حتى وقع على مال الحسل فاتبعه حتى بلغ نجران فنادى في قومه همدان فأخذه من أيدي سالبيه قبل إنَّ يبلغ إلى موضع متجره. وكانت الإبل موسومة بسمة ابيهما وعرفوا إنَّ ما كان من المتاع له فأخذه ورجع إلى أهله. وقال في ذلك:
كفاني الله بعد السير إني ... رأيت الخير في السفر القريب
وهذا القرب نلنا خيرا ... ولم نلق الخسارة في الدؤوب
فلما رجع تباشر به أهله وانتظروا الحسل. فلما ابطأ عنهم بعث أبوه أخا له يقال له شاكر في طلبه والبحث عنه. فلما دنا شاكر من الأرض التي فيها الحسل وكان الحسل علئفا يجزر الطير فقال الحسل:
تبشرني بالنجاة القطاة ... وقول الغراب لها شاهد
تقول: أل قد دنا نارح ... فداء له الطارف التالد
أخا لم تكن أمنا أمه ... ولكن أبونا أب واحد
تداركني زلفة حاتم ... فنعم المرب الوالد
تداركني بك يا شاكر ... ومن بك الملك الماجد
فسأل عنه شاكر حتى عرف مكانه فاشتراه منهم بأربعين بازلا. فلما رجع به واخبر بما لقي من بلاء قال أبوه: اسع بجدك لا بكدك وهذا المثل قولهم: عارك بجد أودع وسيأتي:

جدع مازن انفه بكفه.
يأتي هذا في الكاف وهو هناك البق.
(2/41)

أجرأ من خاصي خصاف.
الجراة على وزن الجرعة الشجاعة والأقدام. تقول: جرؤ بالضم، جرأة وجراءة، فهو جريء. وجرأته على الأمر تجرئة، فأتجر عليه. وتقول: خصيت الفحل أخصيه خصاء، وبالكسر والمد إذا سللت خصييه، فهو خصي. وخصاف على وزن كتاب أو وزن قطام: اسم فرس كان لحمل بن بدر بن عوف بن بكر بن وائل، طلبه منه المنذر بن امرئ القيس ليستحلفه، فخصاه بين يديه لجرأته ومنعه منه، فسمي خاصي خصاف وقيل من خاصي خصافٍ.

أجرأ من خاصي الأسد.
الأسد معروف. وخاصي الأسد تزعم العرب إنّه رجل مر به الاسد، فوجده يحرث بثورين بادنين، فقال له: يا حراث ما اسمن ثوريك! فبم أسمنتهما وما أطعمتهما؟ فقال له الحارث: إني خصيتهما فسمنا لأجل ذلك. فقال الأسد: فهل لك إنَّ تخصيني عسى إنَّ اسمن سمنهما؟ فقال له: نعم! وأمكنه الأسد من نفسه، فخصاه الحراث وزعموا إنّه مر عنه الأسد ودمه يسيل، حتى رقى ربوة فأقعى فيها حزينا ينظر إلى الحراث. فبينما هو كذلك إذا بثعلب مر به، قال له: مالي أراك حزينا يا أبا الحارث؟ فذكر له ما فعل به الحراث، وما دهمه من المثل الخصاء. فقال له الثعلب: هل لك في أنَّ آتي الحراث واستدبره، عسى أن تمكنني منه فرصة فأثئر لك؟ قال: نعم! فداك أبي وأمي. فمضى الثعلب وجعل يراوغ الحراث ويطيف به. فتناول الحراث حجرا وقذفه به فدق فخذه. فأتى الأسد وهو على ثلاث قوائم، فأقعى معه على الرابية يشكوان بثهما وما دهيا به من ذلك الحراث حتى مرت بهما نغرة فقالت لهما: ما لكما على هذه الحال؟ فأخبراها خبرهما، فقال لهما: أنا أتيه، فأستدبره حتى أدخل في أنفه. فجاءت إليه، وتغافل الحراث عنها حتى دنت منه قبص عليها واخذ عودا فدسه في آستها وأرسلها، فجاءت إلى الأسد والثعلب وهي شر من حالهما، قد سد العود دبرها
(2/42)

ومنعها وأثقلها عن الطيران، فبينما الثلاثة جلوس على الربوة يتشاكون، جاءت امرأة الحراث بغذائه. فتقدم إليها، ورفع رجليها، وجعل يطؤها، وهي بمرأى من تلك الحيوانات. فقال الأسد: ما ترون هذا المشؤوم يفعل بهذه المرأة المسكينة، والله إني لأظنه يخصيها. فقال الثعلب: ما أظنه إلا يكسر فخذها، فقالت لا والله! بل يدخل في آستها عودا. فكانت النغرة أقربهن إلى الصدق ظنا. وقيل إنَّ خاصي الأسد هو الإصبع التي يفرس بها من براثينه. حكاه البكري عن القاسم بن ثابت، والله اعلم.

أجرأ من فارس خصاف.
خصاف، بفتح الخاء على مثال قطام، وهي كانت لملك بن عمرو الغساني. وخصاف بوزن كتاب: حصان كان لشهير بن ربيعة الباهلي

جرب ثم باعد أو قرب.
هذا مثل مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى. ومثله قول الشاعر:
ابل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمن فعالهم وتفقد
فإذا ظفرت بذي اللبابة والعلى ... فبه اليدين قرير عين فاشدد

يجري بليق ويذم.
الجريان: العدو، وهو معروف؛ وبليق مصغر اسم فرس كان سباقا، وكان مع ذلك يذم، فيضرب به المثل في المحسن يذم.

جري المذكي حسرات عنه الحمر.
الجري تقدم؛ والمذكي من الخيل المسن. يقال: ذكى الفرس، تذكية بذال معجمة إذا أسن. والمذاكي من الخيل: التي أتى على قروحها سنة أو سنتان. والحمر جمع حمار. والمعنى أنَّ الحمار لا يستطيع أنَّ يسابق القارح من الخيل، بل
(2/43)

والبرذون، كما قال زهير يمدح هرم بن سنان:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... مضارب حتى إذا ما ضربوا اعتنقا
فضل الجياد على الخيل البطاء فلا ... يعطي بذلك ممنوقا ولا نزقا
يضرب هذا المثل في الرجل البارع المبرز على غيره في الفضل.

جري المذكيات غلاب.
المثل من معنى ما قبله. والجري تقدم؛ وكذا المذكيات من الخيل. والغلاب: المغالبة، كأنها تغالب الجري. ويروى غلاء أي مغالاة في السير. والغلاء، بكسر الغين أيضاً، جمع غلوة، وقد روي المثل بذلك. والغلوة من كل غاية مقدار رمية السهم. وهذا المثل قاله قيس بن زهير، وذلك إنّه لمّا تراهن هو وحمل بن بدر على ما مر في هذه القصة، فأرسلا فرسيهما: فرس قيس وهو داحس، وفرس حمل وهو الغبراء، على ما في ذلك من الاضطراب، ظهرت الغبراء على داحس. فقال حمل بن بدر: سبقتك يا قيس! فقال قيس: رويدا! يعدوان الجدد، فأرسلها مثلا. فلما خرجا عن الجدد وصار في الوعث، برز على الغبراء. فقال قيس حينئذ: جري المذكيات غلاب أو غلاء كما مر فذهبت مثلا.

جروا له الخطير ما أنجز لكم!
الجر: السحب على الأرض مثلا. وجرت الفرس بمقوده، والجمل بزمامه، فانجر؛ والخطير، بالخاء المعجمة والطاء المهملة على مثال أمير زمام الناقة وجديلها. يسمى بذلك لأنّه يخطر أي يهتز عند مشيها. وبذلك يمس الرمح خطارا. والجديل ما كان من جلود، وقد يقال لغيره. والحبل إذا كان من خوص سمي شريطاٍ، وإذا كان من كتان سمي مرسا، كما قال امروء القيس:
كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل
وإذا كان من ليف فهو مسد. وهذا المثل يروى عن عمار بن ياسر، رضي الله عنه إنّه قاله في عثمان، رضي الله عنه، حين أنكر عليه الناس ما أنكروا، أي أتبعوه ما كان فيه
(2/44)

موضع متبع.

اجر الأمور على إذلالها!
الأمور جمع أمر؛ والإذلال، بالذال المعجمة، جمع ذال بالكسر وذل الطريق: محجته. والمعنى: أجر الأمور على مجاريها ومسالكها. ويضرب في الأمر بحسن التدبير ويقال أيضاً: إنَّ أمور الله جارية إذلالها وعلى إذلالها، أي على مجاريها. ويقال: دعه على إذلاله أي حاله؛ وجاء على إذلاله، أي على وجهه.
؟ التجريد لغير نكاح مثله.
التجريد معروف. تقول: جردت زيدا من ثيابه، وتجرد هو من ثيابه؛ وكذا النكاح. ومثله: النقص والمثلة: النقص والعيب والشين. والمعنى أنَّ تجريد العورة لغير النكاح عيب. ويضرب في وضع الأشياء في غير موضعها. وذكروا أن المثل لرقاش بنت عمرو بن ثعلب بن وائل وكانت شريفة عاقلة. فتزوجها كعب بن مالك بن تيم الله، فقال لها: اخلعي درعك؟ فقالت: خلع الدرع بيد الزوجز فقال: اخلعي درعك لأنظر إليك؟! فقالت: يا أبن عم: إنَّ التجريد لغير نكاح مثلةٌ! فأرسلها مثلا. فطلقها مكانها، فحملت إلى أهلها، فمرت بذهل أبن شيبان بن ثعلبة، فسلم عليها وخطبها إلى نفسها، فقالت لخادمها: انظري أيبعثر أم يقعر إذا بال؟ فنظرت الأمة فقالت لمولاتها: يقعر. فتزوجته.
ويحكى أيضاً إنَّ عثمان بن عفان رضي الله عنه، لمّا تزوج نائلة بنت الفرافصة بن الاحوص الكلبية، وساقها إليه أخوها، فأدخلت عليه، وخلا بها وقال لها: تقومين إلي أم أقوم إليك؟ فقالت: ما قطعت إليك عرض السمواة وأنا احب إنَّ تقطع إلي عرض البساط. فقامت وجلست إليه، فقال لها: لا يسؤنك ما ترين من شيبي، فإن وراءه ما تحبين. قالت: إني لمن نسوة أحب رجالهن السيد الكهل. إلى أن قال لها: ضعي الخمار! فوضعته. فقال لها: اخلعي الدرع! فخلعته. فقال لها: اخلعي الإزار!
(2/45)

قالت: ذلك إليك! فلما دخل على عثمان، رضي الله عنه، يوم الدار، أكبت عليه وجعلت تنافحح بيدها حتى أصيبت بجراحات. فلما قتل رحمه الله، رثته فقالت:
إلاّ إنَّ خير الناس بعد ثلاثةٍ ... قتيل التحبي الذي جاء من مصر
ومالي لا تبكين وتبكي قرابتي ... وقد حجبت عنا فضول أبي عمر؟
ويروى هذا الشعر أيضاً للوليد بن عقبة، وللكميت. والتحبي هو كنانة أبن بشر قاتل عثمان، رضي الله عنه. وهو منسوب إلى تجيب، بضم التاء وفتحها، بطن من كندة. فلما انقضت عدتها خطبها معاوية، فقالت لنسائها: ما يعجب الرجال مني؟ قلن لها: ثناياك. فعمدت إلى فهرٍ فدقت به ثنيتها وبعثت بهما إلى معاوية، فكف. ولم تزل محداً بعد قتل عثمان حتى لحقت به.

أجرى من ذبابٍ.
الجريان مر، والذباب معروف، والواحدة ذبابة، وجمع القلة أذبةٌ. قال الشاعر: ضرابة بالمشفر الأذبة وجمع الكثرة ذبان، بالكسر كغربان قال امرؤ القيس:
عصافير وذبان ودودٌ ... وأجرا من مجلحة الذئاب
ولا يخفى ماله من الجريان وسرعة الدوران وخفة الطيران.

جزاه جزاء سنمار.
الجزاء: المكافأة. وثقول: جزيت فلانا، أجزيه؛ وجازيته مجازاة وسنمار بكسر السين المهملة والنون، وشد والميم بعدها ألف فراء: اسم رجل، وهو إسكاف كان النعمان الأكبر، لمّا أراد أن يبني الخورنق لسابور، ليكون ولده فيها معه، اتخذ هذا الإسكاف، فبناه له وأحسن رصفه، وأبدع وصفها، وأكملها في عشرين حولا. فلما أتم بنائها، وأعجب الناس بحسنها، قال الأسكاف: إني لو شئت جعلت القصر يدور مع الشمس حيثما دارت. فقال الملك: انك لتحسن أنَّ تبني أجمل منه؟ فطرحه من أعلاه. فضرب به المثل لمن يجزي الإحسان بالإساءة. قال الشاعر:
(2/46)

جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
سوى رصفه البنيان عشرين حجة ... يعل عليه بالقرامد والسكب
فلما انتهى البنيان يوم تمامه ... وأض كمثل الطود والباذخ الصعب
رمى بسنمار على حق رأسه ... وذاك لعمر الله من أعظم الذنب!
وقال الأخر:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبرٍ ... وحسن فعلٍ كما يجزى سنمار
وقيل إنَّ سنمار هو غلام لأحيحة بنى أطما فلما فرغ قال: أحكمته! فقال: إني لأعرف حجرا لو انتزع لتقوض من آخره. فسأله عن الحجر، فأراه إياه، فدفعه احيحة من الأطم فخر ميتا. وفي النوادر إنّه إنسان عمل أطما لبعض الملوك، فقال له إنَّ نزع هذا الحجر تداعى البناء كله. فرمي من فوقه لئلا يعلم به أحد غيره وأنشد: جزاء سنمار بما كان يفعل.

تجشى لقيم من غير شبعٍ.
التجشي: تنفس المعدة، ويكون عند الشبع. ولقيم اسم رجل؛ والشبع بوزن عنب معروف. والمثل ظاهر المعنى، يضرب في التشبع بما لم يعط. وهو كقولهم: عاطٍ بغير نوطٍ وقولهم: كالحادي وليس له بعير؛ وسيأتيان.

أجلسته عندي فاتكأ.
الجلوس معروف، وكذا الاتكاء. هذا المثل يضرب في عادة السوء يعتادها صاحبها. وهو كقولهم: أعطي العبد كراعا فطلب ذراعا.

جلى محباً نظره.
التجلية: الإبداء والإظهار؛ والمحب خلاف المبغض؛ والنظر البصر. والمعنى إنّ نظر الإنسان يظهر ما انطوى عليه من محبة أو بغض. ومثله قولهم: شاهد
(2/47)

البغض اللحظ؛ وقول الشاعر:
فإنَ تك في عدو أو صديقٍ ... تخبرك العيون عن القلوب
وقول الآخر:
خذ من العيش ما كفى ... ومن الدهر ما صفا
عين من لا يريد وصلك ... تبدي لك الجفا
وقول الآخر:
تخفي العداوة وهي غير خفية ... نظر العدو بما أسر يبوح
وقالوا: إنَّ يعبر عن الإنسان اللسان، وعن المودة والبغض العيان

جمع بين الأروى والنعام.
الجمع ضد التفريق؛ وتقدم تفسير كل من الأروى والنعام في هذا الكتاب. وهذا المثل يضرب في الجمع بين أمرين متنافيين، والتأليف بين شيئين متخالفين. يقال: تكلم زيد فجمع بين الأروى والنعام، وذلك لأن الأروى مسكنها قنن الجبال، كما قال امرؤ القيس:
تلاعب أولاد الوعول رباعها ... دوين السماء في رؤوس المجادل
والنعام مسكنها السهل من الأرض، فلا يجتمعان؛ وكذا الأروى والبقر.
وسئل أعرابي عن صفة مطر فقال: استقل سد مع انتشار الطفل فشط واحزال؛ ثم أكفهرت أرجاؤه، واحمومت أرحاؤه، وابذعرت فوارقه، وتضاحكت بوارقه، واستطار وادقه، وارتقت حؤبه، وارتعن هيدبه، وحشكت أخلاقه، واستقلت أردافه، وانتشرت أكنافه؛ مرتجس، والبرق مختلس، والماء منبجس فأترع الغدر وانتبث الوجر وخلط الأوعال وبالآجال، وقرن الصيران بالرئال: فالأودية هدير والشراج خرير، والتلاع زفير؛ وحط النبع العتم، والقلل الشم، إلى القيعان الصحم. فلم يبق في القلل إلا معصم مجرنثم، أو داحص مجرجم، وذلك من فضل رب العالمين، على عباده المذنبين!
(2/48)

قوله استقل سد: السد بضم السين: السحاب المظلم؛ وكذا الجراد لأنّه يسد الأفق. واستقل: ارتفع؛ والطفل بفتحتين، والعشي إلى المغرب؛ وشصا ارتفاع، يقال: شصا الزق إذا امتلأ فارتفعت قوائمه؛ واحزأل: ارتفع أيضاً، وهو بالحاء المهملة والزاي؛ واكفهرت تراكم؛ أرجاؤه: نواحيه، وأحموت: اسودت؛ أرحاؤه: جمع رحى، وهي الوسيط. وابذعرت بذال معجمة: تفرقت؛ فوارقه: جمع فارق، وهي القطعة من السحاب الخارجة عن معظمه. والفارق في الأصل: الناقة تند عن الإبل عند نتاجها. واستطار: انتشر؛ وادقه: الوادق الذي كثر ماؤه، أو الذي دنا من الأرض. وارتتقت: التأمت؛ حؤبه: فرجه. وارتعن: استرخى؛ هيدبه: ما تدلى منه إلى الأرض، كهدب القيظفة. وحشكت: امتلأت؛ أخلاقه: ضروعه، جمع خلف وهو ما يقبض عليه الحالب من ضرع الناقة والبقرة. واستقلت: ارتفعت؛ أردافه: مآخره. هذه كلها استعارات. وأكنافه: نواحيه. ومرتجس: مصوت ومختلس: كأنه لشدة لمعانه يختلس الأبصار، ومنحبس: منفجر واترع: ملأ والغدر، بضمتين، جمع غدير والواجر، بضمتين جمع وجار وهو الحجر يلجه الثعلب والضبع وانتبثها بالثاء المثلثة، اخرج نباتها وأصل النبيثة تراب البئر؛ والأوعال جمع وعل وهو التيس الجبلي، والآجال جمع أجل، بكسر فسكون وهو القطيع من بقر الوحش. يقول: أن هذا المطر لشدته جمع بين الأوعال التي مساكنها قنن الجبال، وبين البقر التي مساكنها القيعان. والصيران جمع صوار، وهو القطيع من بفر الوحش، والرئال: فراخ النعام، جمع رأل، بفتح فسكون، وهي تسكن الجلد من الأرض، والصيران تسكن الرمال والقيعان فجمع بينهما أيضا لشدته والهدير: الصوت؛ والشراج مجاري الماء من الحرار، واحدها شرج، والتلاع: الشعاب التي يجري بها الماء من الجبال، وأحدها تلعة بفتح السكون والنبع شجر تتخذ منه القسي؛ والعتم بعين مهملة وتاء مثناة على مثال جرف: الزيتون الجبلي؛ والقلل أعالي الجبال، والشم المرتفعة؛ والقيعان جمع قاع وهو الأرض المطمئنة والصحم: التي تعلوها حمرة، جمع أصحم والمعصم: الذي استمسك بالجبال وتمنع فيها من الأوعال. يقال: فارس معتصم إذا أخذ بعرف فرسه، والمجرنثم: المنقبض، والداحص الذي يفحص برجليه عند الموت. قال علقمة:
(2/49)

رغا فوقهم سقب السماء فداحص ... بشكته لم يستلب وسليب
والمجرم مصدوع.

جمع بين الضب والنون.
الضب حيوان معروف، وجمعه ضباب وأضب، وكنيته أبو حسل، والحسل ولده، كما سيأتي، والنون: الحوت، وجمعه نينان. وهذا المثل كالذي قبله في المعنى، لأن الضب حيوان بري، ولا يرد الماء ويلازم الصحراء، واكثر ما يكون في الكدى، كما قال خالد أبن علقمة:
ترى الشر قد أفنى دواءر وهجه ... كضب الكدى أفنى براثنيه الحفر
وقال الأخر:
فلله أرض يعلم الضب إنّها ... بعيد من الآفات طيبة البقل
بنى بيته فيها على رأس كدية ... وكل امرئٍ في حرفة العيش ذو عقل
ومن عجيب أمره إنّه يعيش سبعمائة سنة ولا تسقط له سن، وهو لا يشرب الماء. ويقال إنّه يبول في كل أربعين يوماً مرة. ومن كلام العرب: لا أفعل ذلك حتى يرد الضب، كما يقولون: حتى يشيب الغراب. ومن الكلام الموضوع على ألسنة العجماوات، قالت السمكة: رد يا ضب! فقال:
أصبح قلبي صردا ... لا يشتهي إنَّ يردا
والنون حيوان بحري لا يفارق الماء أبداً، فلا يجتمعان. قال الصابئ:
الضب والنون قد يرجى اجتماعهما ... وليس يرجى اجتماع المال والأدب
وقال الأخر:
ولو انهم جاءوا بشيء مقارب ... لقلت: هو الشكل الموافق للشكل
ولكنهم جاءوا بحيتان لجة ... تقامس والمدعو فينا أبا الحسل
ولمّا بين الضب والنون من التنافي والتقابل، قال حاتم الأصم أو غيره:
(2/50)

وكيف أخاف الفقر والله رازقي ... ورازق هذا الخلق في العسر واليسر؟
تكفل بالأرزاق للخلق كلهم ... وللضب في البيدا وللحوت في البحر
ولوضوح ذلك يقال، عند التجهيل: فلان لا يفترق بين الضب والنون.

أجمل من المذهب.
الجمال: الحسن؛ حمل الشخص، بالضم، ويجمل فهو جميل، والمذهب هو أبن عدنان، كان فائقا في الجمال والبهاء. فضربت العرب بجماله المثل.

الجمل من جوفه يجتز.
الجمل بفتحتين من الإبل معروف، والجرة بكسر الجيم وتفتح، ما يخرجه البعير من جوفه، فيأكله ثانية. ويقال: اجتر الجمل فعل ذلك، يجتر اجترارا. وهذا المثل يضرب لمن يأكل من كسبه، أو ينتفع بشيء يعود منه الضرر.

تجنب روضة وأحال يعدو.
التجنب معروف، والإحالة هنا الإقبال. يقال: أحال عليه بالسوط، أي أقبل عليه. قال الشاعر:
وكنت كذئب السوء لمّا رأى دماً ... يصاحبه يوما أحال على الدم
ومعناه: تجنب الخصب واختار الضيق. يضرب في الرجل تعرض عليه الكرامة فيختار الهوان.

أجن من دقة.
الجنون معروف. يقال: جن الرجل، بالبناء للمفعول، فهو مجنون، وأجن من كذا، بنوه من فعل المفعول شذوذاً، كما قالوا: أشغل من ذات النحيين، وأزهى من ديك، وسيأتيان، ودقة، بضم الدال المهملة وتشديد القاف، اسم رجل، وهو دقة بن عبابة يضرب بجنونه المثل.
(2/51)

أجود من لافظة.
الجود معروف، ضد البخل. ويقال أيضاً: أسمح من لافظة؛ والسماح هو الجود. واختلف في اللافظة، فقيل: البحر لأنها تلفظ بالدرة الجليلة التي لا قيمة لها والهاء للمبالغة. قال الشاعر:
يداك يد خيرها يرتجى ... وأخرها لأعدائها غائظه
فأما التي خيرها يرتجى ... فأجود جوداً من اللافظه
وأما التي شرها يتقى ... فنفس العدو بها فائظه
وقال الأخر:
تجود فتجزل قبل السؤال ... وكفك اسمح من لافظه
وقيل: اللافظة الرحى، لأنها تلفظ ما تطحنه ولا تبقي. وقيل إنّها العنز، وجودها إنّها تدعى إلى الحلب، وهي تعلف، فتلقي ما فيها. وتقبل إلى الحالب. وقيل إنّها الحمامة لأنها تخرج ما في بطنها لفرخها. وقيل هي الديك، لأنّه يأخذ الحبة بمنقاره، فلا يأكلها، ولكن يلقيها إلى الدجاجة، إلاّ المسن منها، فإنه لاستغنائه عن الدجاج يأكل الحب دونها ويمنعها منه.

الجواد يكبو.
الجواد هو الكريم من الخيل يجود بما في طاقته من الجري. والكبو: العثار. يقال: كبا، يكبو كبوا وكبوا. ويقال في هذا المثل أيضاً: لكل جواد كبوة، وهو إنَّ الكامل لا ينبغي إنَّ بذم إذا وقعت منه هفوة، كقولهم في المثل الآخر: لا تدعم الحسناء ذاما. وسيأتي جميع ذلك. وقال أبو بكر بن دريد رحمه الله تعالى:
والطرف يجتاز المدى وربما ... عن لمعداه عثار فكبا
وقلت أنا:
وكريم الجياد يكبو وما في ... كبوة للجواد من نقصان
(2/52)

أجناؤها أبناؤها.
الأجناء جمع جان. يقال: جنى فلان على فلان، يجني عليه فهو جان وهو جناء وأجناء. وهذا الثاني نادر إذ لا يجمع فاعل على أفعال والبناء جمع بان وهو نادر والمعنى أنَّ الذي جنوا على هذه الدار مثلا بالهدم هم الذين كانوا بنوها. ومضرب المثل من هذا واضح. قال الجوهري: وأنا أضن أنَّ أصل المثل: جناتها بناتها لأن فاعلا لا يجمع على أفعال؛ أما الأشهاد والأصحاب فإنما هو جمع شهد وصحب إلاّ أن يكون هذا من النوادر لأنّه يجيء في الأمثال ما لا يجيء في غيرها. انتهى. وهو ظاهر.

يجني من الشوك الثمر.
تقدم تفسير هذه الألفاظ في الباب الأول. والمعنى أنك إذا ظلمت فأحذر الانتصار والانتقام!

تجمع الحرة ولا تأكل بثدييها.
الجوع ضد الشبع. والحرة ضد الأمة والأكل معروف؛ وكذا الثدي وجمعه ثديّ. قال الشاعر:
أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورها
ويحكى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. ومعناه أنَّ الحرة قد يصيبها ألم الجوع وشدة الاضطراب ولا تؤجر نفسها على الإرضاع لتأكل أجر رضاعتها، فتلزم نفسها الاصطبار صونا لنفسها عن الهوان ة الابتذال. فيضرب في الحر يصون نفسه عن قبيح المكاسب ولا تمنعه شدة فقره وحاجته أن يلزم صيانته ويحفظ مروءته.
وأصل المثل للحارث الأزدي أو الأسدي وكان خطب إلى علقمة بن حفص الطائي بنته
(2/53)

ريا بنت علقمة وكان الحارث شيخا. فقال علقمة لامرأته: اختبري ما عند ابنتك! فقالت لابنتها: أي بنية أي الرجال أحب إليك: الكهل الجحجاح الواصل المياح أم الفتى الوضاح الذهول الطماح؟ قالت: بل الفتى. قالت: إنَّ الفتى يغريك وإنَّ الشيخ يمريك. قالت: يا أمتاه إنَّ الفتاة يحب الفتى كحب الرعاء أنق الكلا. قالت: يا بنية إنَّ الفتى شديد الحجاب كثير العتاب. قالت: يا أمتاه أخاف من الشيخ أن يدنس ثيابي ويبلي شبابي ويشمت بي أترابي! فلم تزل بها أمها حتى غلبتها على رأيها فتزوجها الحارث وأرتحل إلى أهله. فبينما هو ذات يوم بفنائه وهي إلى جنبه إذ أقبل شاب من بني أسد. فتنفست الصعداء ثم بكت. فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: مالي وللشيوخ الناهضين كالفروخ من كل حقول فنيخ؟ فقال: ثكلتك أمك! تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. ثم قال: وأبيك! لرب غارة شهدتها وسبيئة أرفدتها وخمرة شربتها فلحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك! وقال أبو عبيد في هذا المثل إنّه من أمثال أكثم بن صيفي. قال: وهو مثل قديم لكن العامة ابتذلته وحولته فقالت: ولا تأكل ثدييها يعني بإسقاط حرف الجر. قال بعض العلماء: ليس هذا بشيء إنّما بثدييها ومعناه عندهم الرضاع. يقال لا تكون ظئر القوم على جعل تأخذه منهم. انتهى.
وقال بعض الأمة: إنَّ العرب كانوا يعدون أخذ الأجر على الرضاع سبة ولذلك قيل: تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها. وقال العلماء: بثدييها. والقولان صحيحان لأنها إذا أكلت ثمن لبنها فكأنها قد أكلت ثدييها. قال الراجز:
إنَّ لنا أحمرة عجافاً ... يأكلن كل ليلةٍ أكافا
أي: نبيع كل ليلة أكافاً من أكفتها ونعلفها ثمنه. قال: وكذلك قول الآخر في وصف إبل: نطعمها إذا شتت أولادها أي أثمان أولادها. انتهى.
وقال السهيلي في الروض: والتماس الأجر على الرضاع لم يكن محمودا عند أكثر نساء العرب حتى جرى المثل: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. وكان عند بعضهم لا بأس به فكانت حليمة وسيطة في بني سعد كريمة من كرائم قومها بدليل اختارها الله إياها لرضاع نبيه صلى الله عليه وسلم كما اختار أشرف البطون والأصلاب. والرضاع كالنسب لأنّه يغير الطباع.
(2/54)

وفي المسند عن عائشة ترفعه: لا تسترضعوا الحمى فإنَ اللبن يورث! ويحتمل أن تكون حليمة وقومها طلبن الرضعاء للأزمة التي أصابتهم والسند الشهباء التي أقحمتهم اضطرارا. قال: وأما دفع قريش وغيرهم من أشراف العرب أولادهم إلى المراضع فقد يكون ذلك لوجوه: أحدها تفريغ النساء إلى الأزواج كما قال عمار بن ياسر لأم سلمة وكان أخاها من الرضاعة حين انتزع من حجرها زينب بنت لبي سليمة فقال: دعي هذه المقبوحة المشقوحة التي آذيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم! وقد يكون ذلك منهم أيضاً لينشأ الطفل في الأعراب فيكون أفصح للسانه، وأجلد لجسده وأجدر أن لا يفارق الهئة المعدية كما قال عمر: تمعددوا وتمعززوا واخشوشنوا! وقد قال عليه الصلاة والسلام لأبي بكر حين قال له: ما رأيت أفصح منك يا رسول الله فقال: وما يمنعني وأنا من قريش وأرضعت في بني سعد؟ فهذا ونحوه كان يحملهم على دفع الرضعاء إلى الأعرابيات. وقد ذكر أنَّ عبد الملك بن مروان كان يقل: أضر بنا حب الوليد! لأن الوليد كان لحانا وكان سليمان فصيحا لأن الوليد أقام مع أمه وسليمان وغيره من أخوته أسكنوا البادية فتعربوا ثم أدبوا فتأدبوا. انتهى. وقد قلت في نظم المثل المذكور من قصيدة:
يعرى الفتى ويجوع وهو يرى ... متجملاً بالصبر والبشرِ
والحرة الشماء ربتما ... جاعت ولم ترضع على أحرِ

جوع كلبك يتبعك!
الجوع تقدم. وجوعت فلانا وأجوعته: تركته بلا طعام حتى جاع؛ والكلب معروف؛ وكذا الاتباع. والمثل ظاهر المعنى. قيل: وأوّل من قاله ملك من ملوك حمير كان جبارا عنيفا على أهل مملكته يغصبهم أموالهم وما في أيديهم. وكانت الكهنة تخبره أنهم سيقتلونه وهو لا يبالي بذلك. وسمعت امرأة له أصوات السؤال فقالت له: إني لأرحم هؤلاء لمّا يلقون من الجهد ونحن في العيش الرغد وإني أخاف أن يكونوا عليك سباعاً بعد أم كانوا لك أتباعا! فرد عليها: جوع كلبك يتبعك! فأرسلها مثلا. ثم إنّه لبث كذلك زمانا ثم أغزاهم مع أخيه فغنموا ولم يقسم فيهم شيئا. فقالوا
(2/55)

لأخي: قد ترى ما نحن فيه من الجهد ونحن نكره خروج الملك منكم إلى غيركم فساعدنا على قتل أخيك وأجلس مكانه! وعرف أخوه بغيه واعتداءه فأجابهم إلى ذلك فوثبوا عليه وقتلوه. فيقال إنّه مر به رجل يقال له عامر بن جذيمة وهو مقتول وقد سمع قوله: جوع كلبك يتبعك! فقال: ربما أكل الكلب مجوعه إذا لم ينل شبعه! وقال لبو جعفر المنصور يوما لقواده: صدق الإعرابي حيث يقول: أجع كلبك يتبعك! فقال له أبو العباس الطوسي منهم: يا أمير المؤمنين أخشى أن يلوح له رجل برغيف فيتبعه ويدعك!

أجوع من ذئب.
الذئب معروف يهمز ويخفف والأنثى ذئبية. قال الشاعر:
فصرت كنعجة تضحي وتمسي ... تردد بين أخبث ذئبين
والذئب يوصفل بالجوع المفرط ومن ثم يقال للجوع داء الذئب. يقال: رماه الله بداء الذئب أي الجوع. وهو مع ذلك شديد الصبر عليه وربما اكتفى بالنسيم. ويقال إنّه إذا ألح عليه الجوع عوى فتجتمع عليه الذئاب فتحمل على إنسان حملة واحدة وكل منها حريص عليه؛ إلاّ إنّه إذا أدمي منها واحد وثبت عليه البواقي وتركت الإنسان. ومن ثم قال الشاعر يعاتب صديقا له أعان عليه في أمر نزل به:
وكنت كذئب السوء لمّا رأى دماً ... بصاحبه يوماً أحال على الدمِ
وقال العجير السلولي:
تركنا أبا الأضياف في ليلة الدجى ... بمر ومردى كل خصمٍ يجادله
تركنا فتى قد أيقن الجوع أنه ... إذا ما ثوى في أرحل القوم قاتله
فتى قُدَّ قَدَّ السيف لا متضائلٌ ... ولا رهلٌ لماته وبآدله
إذا القوم أموا بيته فهو عامرٌ ... لأحسن ما ظنوا به فهو فاعله
جوادٌ بدنياه بخيلٌ بعرضه ... عطوفٌ على المولى قليلٌ غوائله
(2/56)

فتى ليس لابن العم كالذئب إن رأى ... بصاحبه يوما دماً فهو آكله
إذا جد عند الجد أرضاك جده ... وذو باطل إن شئت أرضاك باطله
يسرك مظلوما ويرضيك ظالما ... وكل الذي حملته فهو حامله

أجوع من كلبة حومل.
الكلبة الأنثى من الكلاب معروفة؛ وحوامله بالحاء المهملة على مثل جوهر امرأة من العرب كانت لها كلبة تجوعها بالنهار وهي تحرسها بالليل. فكانت تربطها بالليل للحراسة وتطردها بالنهار وتقول: التمسي لا ملتمس لك! حتى طال عليها الأمر فأكلت ذنبها جوعا. قال الشاعر:
كما رضيت جوعا وسوء ولاية ... لكلبتها في أول الدهر حومل

أجوع من لقوةٍ.
اللقوة بفتح اللام: الكلبة. وفيها يقال: أجوع من لقوة قاله بعض الناس. والمعروف في كتب اللغة أنَّ اللقوة بالفتح وتكسر المرأة السريعة اللقاح كالناقة. ومنه المثل الآتي: لقوة صادقت قبيساً؛ وكذا العقاب الأنثى. قال امرؤ القيس:
كأني بفتخاء الجناحين لقوة ... صيود من العقبان طأطأت شملالي
وقال أبو عبيدة: سميت العقاب لشدة لسعة أشداقها. وكأنه عنده مأخوذ من اللقوة، وهو الداء المعروف الذي يصيب في الجه. يقال لقي الرجل بالبناء للمفعول، فهو ملقو.

أجول من قطربٍ.
يقال: جال جولانا فهو جائل وجوال؛ والقطرب طائر يبيت سائراً لا ينام الليل كله. ويقال دويبة. ويقال إنّه دويبة لا تستريح نهارها سعيا. وكان محمد بن المستنير النحوي يبكر إلى مجلس سيبويه فلا يفتح الباب إلاّ وجده فقال له: ما أنت إلاّ قطرب ليل! فبقي عليه قطرب لقبا. ويطلق القطرب أيضاً على الذئب الأمعط وعلى الفأر وعلى
(2/57)

اللص وعلى ذكر الغيلان وغير ذلك من المعاني.
وذكر أبن ظفر أنَّ القطرب حيوان يكون بالصعيد من أرض مصر يظهر للمنفرد من الناس فربما صده عن نفسه إن كان شجاعا وإلاّ لم يزل به حتى ينكحه فإذا نكحه داد دبره فهلك. وهو إذا رأوا من ظهر له قطرب قالوا: امنكوح أم مروع؟ فإن قال منكوح أيسوا وإن قال مروع عالجوه والله اعلم. وسيأتي ذكر نحو هذا الحيوان في قولهم ألوط من عدار في حرف اللام، إن شاء الله تعالى.

الجار قبل الدار.
روي هذا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق. ويروى: الجار والرفيق مرفوعين والنصب فيهما حسن، أي: التمس الجار قبل الدار والتمس الرفيق قبل الطريق. وقال أبو تمام في هذا المعنى:
من مبلغ أبناء يعرب كلها ... أني أبتنيت الجار قبل المنزلِ؟
ووقال الأخر:
يقولون: قبل الدار جارٌ موافقٌ ... وقبل الطريق النهج أنس طريق
فقالت: وندمان الفتى قبل كأسه ... فما حث كأس الخمر مثل صديق
وقال الأخر في المعنى:
يلومونني أن بعت بالرخص منزلي ... ولم يعلموا جاراً هناك ينغصُ
فقالت لهم: بعض الملام! فإنما ... بجيرانها تغلو الديار وترخصُ

جاء بالضح والريح
المجيء معروف والضح بكسر الضاد المعجمة بعدها حاء مهملة مشددة يطلق على الشمس وما طلعت عليه الشمس. وفي الحديث: لا يقعدن أحدكم بين الضح والظل فانه مقعد الشيطان. ذكره في الصحاح وأنشد لذي الرمة:
غدا أكهب الأعلى وراح: إنّه ... من الضح واستقباله الشمس أخضرُ
أي استقباله عين الشمس. وقال علقمة: أبيض أبرزه للضحى راقبه.
والريح معروفة. ومعنى جاء بالضح والريح: جاء بما طلعت عليه الشمس وما جرت
(2/58)

عليه الريح. يقال ذلك عندما يجيء بالشيء الكثير. قال في الصحاح: والعامة تقول: جاء بالضيح والريح يعني الضيح بالياء المثناة من تحت. قال: وليس بشيء. انتهى. ومثله لصاحب القاموس.

جاء بالحظر الرطب.
الحظر بالظاء المشالة على مثال كتف الشجر المحتظر به والشوك الرطب. والرطب خلاف اليابس فيقال: جاء فلان بالحظر الرطب أي بكثرة من المال والناس وقيل بالكذب المستبشع. ويقال أيضاً: أوقد فلان في الحظر الرطب إذا بم ووقع في الحظر الرطب إذا وقع فيما لا طاقة له به. وذلك كله ظاهر.
جاء بالطم والرم.
الطم بكسر الطاء المهملة قيل الماء وقيل ما على وجه الماء وقيل ما ساقه من الغثاء ويطلق أيضاً على البحر وعلى العدد الكثير وعلى العجب وغير ذلك من المعاني. والرم بكسر الراء: ما يحمله من الغثاء أو ما على وجه الأرض من فتات الحشيش. ومعنى جاء بالطم والرم: جاء بالمال الكثير. وقيل: بالرطب واليابس أو بالتراب والماء أو بالبحر والثرى. وقال بعض الناس: الطم بالكسر إذا كان مع الرم؛ فإذا أفرد فتح فقيل: جاء بالطم مفتوحا كما قالوا: هنأني بالطعام ومراني؛ فإذا أفردوا لم يقولوا إلاّ أمراني.

جاء بما صأى وصمت.
يقال: صأى الفرخ وغيره يصأى كسعى يسعى صئيا على مثل فعيل إذا صوَّت. قال:
مالي إذا أنزعها صأيت؟ ... أكبرٌ غيرني أم بيتُ؟
وصمت يصمت ككتب يكتب صكتا وصموتا إذا سكت. فيقال: جاء بما صأى وبما صمت بحذف الموصول الثاني اختصارا كقول حسان رضي الله عنه:
(2/59)

أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء؟
أي: من يهجوه ومن يمدحه لاستحالة اجتماع الوصفين في موصوف واحد، وكذا الصئي والصمت لا يجتمعان. والصامت من المال: الذهب والفضة، والناطق: الإبل مثلا. ومنه قولهم: حصل الناطق والصامت، وهلك الحاسد والشامت. وقد يقال: جاء بما صاء وصمت. وصاء مقلوب صأي، كما قالوا: راء في رأي. ومنه قولهم في المثل الآخر في العقرب: تلدغ وتضيء.

جاء صريم سحرٍ
أي خائبا آيسا.

جاء يضرب أسدريه.
ويقال أيضاً: جاء يضرب اصدريه بالصاد وازدريه بالزاي والمعنى في الجميع واحد. والإصدران عرقان تحت الصدغين، وقيل المنكبان، وقيل العطفان، ويقال: جاء يضرب اصدريه، أو اسدريه، أي يضرب عطفيه ومنكبيه. ومعناه: جاء فارغا ليس بيديه شيء ولم يقض حاجة. فإذا قضاها قيل: جاء ثانياً من عنانه.
ويروى أنَّ الحسن البصري، رضي الله عنه، رأى الناس يوم عيد يضحكون فقال: تلقى أحدكم أبيض بضا، يلمح في الباطل ملخاً، ينفض مذرويه، ويضرب أصدريه، يقول: هاأنا ذا فاعرفوني! قد عرفناك، فمقتك الله ومقت الصالحون! ومعنى يلمح في الباطل يلج فيه؛ وقيل يتثنى.

جاء يفري ويقد.
الفري: القطع. تقول: فريت الشيء، أفريه، فريا إذا قطعته على
(2/60)

وجه الإصلاح. وأفريته إذا قطعته على وجه الإفساد. قال زهير:
ولانت تفري ما خلقت، وبعض ... القوم يخلف ثم لا يفري
أصله أنَّ الرجل يخلق الأديم أي يتهيأ لإصلاحه ويقدره، ثم يفري أي يقطعه. لذلك يقول: انك إذا تهيأت لأمر أنفذته وأمضيته، وكثير من الناس يهم ولا يفعل. وقيل: إنَّ فرى وأفرى، بمعنى واحد، وكل ذلك يكون في القطع للإصلاح والإفساد وتقول: فريت المزادة إذا خلقتها وصنعتها. قال الراجز:
شلت يدا فارية فرتها ... مسك شبوب ثم وفرتها
لو كانت الساقي صغرتها
والقد: القطع طولاً. يقال الأديم إذا شقه طولا. ومعنى: جاء يفري ويقد: جاء يعمل عملا محكما. ويقال أيضاً: هو يفري ويقد. ويقال: يفري الفري، بمعناه.

جاء بأم الربيق، على أريق.
أم الربيق: الداهية؛ والأريق أصله وريق بالواو فقبلت همزة. والوريق تصغير أورق، تصغير الترخيم، كما يقال في أسود سويد، وفي أحمر حمير، وفي أدرد دريد. والأورق من الأبل ما في لونه بياض إلى سواد. وقيل: كان أصله أن يقول أوريق على أصله، فحذفت الواو ليزدوج الكلام. ويقال إنّه من أطيب لحما لا حملاً وسيراً. وقيل لابنه الخس: أي الجمال شر؟ فقالت: الأورق. وزعموا أن رجلا رأى غولا على جمل أورق فقال: جاء بأم الربيق على أريق، أي الغول على جمل أورق، فضرب مثلا في جناية عظيم الدواهي.

جاءوا مخلين فلاقوا حمضاً.
يقال: أخل الرجل إذا رعى إبلى في الخلة والخلة، بضم الخاء المعجمة: كل ما فيه حلاوة من النبات. مقابله الحمض، بفتح الحاء المهملة. ويقال: الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها أو لحمها. وجاءوا مخلين: جاءوا وقد أكلت إبلهم الخلة.
(2/61)

وهذا المثل يضرب لكل من جاء متهددا فصادف ما يقمع تهدده. وسنزيده بيانا بعد في محلة من الشعر إن شاء الله تعالى.

جاءوا على بكرة أبيهم.
البكرة بالفتح فالسكون: الفتية من الإبل والفتى منها بكر. وكان يقال البكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس؛ والبكرة بمنزلة الفتاة؛ والقلوص بمنزلة الجارية الشابة؛ والبعير بمنزلة الإنسان؛ والجمل بمنزلة الرجل؛ والناقة بمنزلة المرأة. والبكرة أيضا بكرة الدلو التي يستقى منها. واختلف في معنى هذا المثل فقيل: معنى جاءوا على بكرة ابيهم: جاءوا مجتمعين لم يتخلف منهم أحد. وليس هناك بكرة على الحقيقة. وفي الحديث جاءت هوازن على بكرة أبيها. وقيل هو وصف بالقلة والذلة أي جاءوا بحيث تكفيهم واحدة يركبون عليها وذكر الأب احتقارا.
وقيل إنَّ أصل هذا المثل أنَّ قوما قتلوا فحملوا على بكرة أبيهم فقيل فيهم ذلك ثم صار مثلا للقوم يجيئون معا. وقيل إنَّ البكرة هاهنا هي بكرة الدلو والمعنى: جاءوا بعضهم في اثر بعض كدوران البكرة على نسق واحد. وقيل: لأريد بالبكرة الطريقة أي: جاءوا على طريقة أبيهم يقتفون أثره.

جاء ينفض مذرويه.
النفض معروف؛ والمذرى الخشبة التي ينقى بها الزرع؛ والمذروان جانبا الرأس، وما يقع عليه الوتر في القوس من أعلى وأسفل. قال بعض هذيل:
على كل هتافة المذروين ... صفراء مضجعة في الشمالِ
والمذروان أيضاً طرفا الأليتين. قال عنترة لعمار بن زياد:
أحولي تنفض أستك مذريها؟ ... لتقتلي فها أنذا عمارا!
أي: يا عمارة! ولا واحد للمذروين في شيء من من هذه المعاني. وقيل إنَّ واحده مذرى ورد بأنه لو كان كذلك لقيل في التثنية مذريان بالياء لا بالواو. وهذا بحسب الظهور
(2/62)

والرجحان؛ وإلاّ فلا مانع من أن يكون هذا من الشواذ.
ومعنى جاء ينفض مذرويه: جاء ينفض طرفيه. ويقال ذلك إذا وصف بالخيلاء. وأكثر أهل اللغة يقولون: معناه إنّه جاء متهددا، وهذا المفهوم من قول عنترة السابق؛ والخيلاء هو المفهوم من كلام البصري السابق.

جاء على غبيراء الظهر.
الغبيراء تصغير الغبراء مؤنث الأغبر. والمراد هنا الأرض ذات الغبرة. والظهر جلاف البطن. ويقال أيضاً: ترك فلان أباه على غبيراء الظهر. ومعناه أنه لم ينجح سعيه ولا ظفر بحاجته بمنزلة الرجل الطالب المرعى فصادف أرضا مغبرة الظهر مجدبة لا كلأ فيها ولا ماء. والتصغير في المثل للتعظيم كقوله:
وكأنَّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهيةٌ تصفر منها الأناملُ

جاء وقد لفظ لجامه.
اللفظ الرمي؛ واللجام معروف. فقيل: جاء فلان من حاجته وقد لفظ لجامه إذا رجع منها وهو مجهود من الأعياء والعطش. ويقال أيضاً: جاء وقد دلق لجامه.

جاء وقد قرض رباطه.
هذا كالذي قبله قاله أبو غبيد. وقال غيره: اكثر ما يقال ذلك في الموت. يقال: فلان قد قرض رباطه ولعق إصبعه وعطست به اللجم وضحا ظله. كل ذلك يقال إذا مات.

جاءوا قضهم بقضيهم.
معناه جاءوا جميعا. يقال بنصب قضهم على نية المصدر أو الحال؛ وبرفعه.
(2/63)

ويقال أيضاً بفتح القاف وكسرها. قال حصين بن الحمام المري:
وجاءت جحاش قضها بقضيضها ... وجمع عوال ما أدق والأما
وجحاش على مثل كتاب أبو حي من غطفان وهو جحاش بن ثعلبة بن سع بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان رهط الشماخ. وقال الآخر:
أتتني سليم قضها بقضيضها ... تمسح حواي بالبقيع سبالها
ويقال أيضاً جاءوا قضهم وقضيضهم بالواو وقد قيل: القض: هو الصغير من الحصان، والقضيض: الكبير منه. والمعنى: جاءوا صغيرهم وكبيرهم. وقيل القض بمعنى القاض، والقضيض بمعنى المقضوض.
ومما يلتحق بهذا الباب قولهم في الرجل: جحيش وحده وهو ذم؛ والجحيش تصغير جحش، وقد تقدم. وقولهم أجد فلان بها أمراً! أي أجد أمره بها، بنصب أمر على التمييز كما قالوا: قررت بها عينا أي قرت بها عيني. وقولهم:

أجدك تقول هذا؟
بنصب جد أي أيجد منك؟ فانتصب على طرح الباء؛ أو أتجد جدك؟ فانتصب على المصدر. قال الشاعر:
أجدك ما لعينك لا تنام؟ ... كأن جفونها فيها كلامُ!
وقولهم:

أجدت من هذا الأمر قروني
أي تركته. وقولهم: جعلوا الأرض عليه حيص بيص، وحيصا بيصا. أي ضيقوا عليه ومنعوه من التصرف. وقولهم للرجل:
(2/64)

جعد القفا.
أي لئيم الحسب وجعد البنان، أي بخيل، وقولهم: جاء بالأمر على قناديده، أي من وجهه. وقولهم: جاء بذات الرعد والصليل، أي جاء بالحرب لأن هديرها يشبه الرعد، وفيها صليل السلاح كما قال مهلهل:
فلولا الريح أسمع من بنجدٍ ... صليل البيض تقرع بالذكور
وقولهم: جاء بالصقر والبقر على مثال زفر فيها وبالصقارى والبقارى بفتح الراء فيها مع ضم الأول أي بالكذب الصراح وهو اسم لمّا لا يعرف. وقولهم: جاء به من حسه وبسه، مثلثي الأول أي من جهده وطاقته. وقولهم: جاء مضطرب العنان، أي منهزما منفرداً. وقولهم:
(2/65)

جاء ولكن لم يجيء لعصره.
بضم العين أي لم يجيء حين المجيء.
ومن الأمثال المحدثة:

الجواب ما ترى لا ما تسمع!
واصله إنَّ أبا يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن أحد الملوك الموحدين بمراكش كان بينه وبين الادفونش النصراني صاحب طليطلة لعنه الله مكاتبات. فكان منها رسالة كتب بها الادفونش إلى الأمير يعقوب يتوعده ويتهدده ويطلب منه بعض الحصون من إنشاء وزيره أبن النجار وهي:
" باسمك اللهم فاطر السماوات والأرض وصلى الله على السيد المسيح وروح الله وكلمته الفصيح. أما بعد فانه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب وعقل لازب انك أمير الملة الحنيفة كما أنا أمير الملة النصرانية. وقد علمت ما عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل والتكاسل وإهمالهم أمر الرعية وإخلادهم إلى الأمنية. وأنا أسموهم بحكم القهر إخلاء الديار وإسباء الذراري وأمثل بالرجال وأذيقهم عذاب الهون وشديد النكال. ولا عذر في لك في التخلف عن نصرتهم إذا أمكنتك يد القدرة وساعدك وعسا كرك وجنودك رأي وخبرة. وانتم تزعمون إنَّ الله تعالى قد رفض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم الآن خفف الله عنكم وعلم إنَّ فيكم ضعفا رحمة منه ومنا ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا إذ لا تستطيعون دفاعا ولا تملكون امتناعا. وقد حكي عنك انك أخذت في الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال وتماطل نفسك سنة بعد أخرى وتقدم رجلا وتؤخر أخرى. فلا ادري أكان الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما وعدك به ربك إلى آخر الرسالة وفيها طول فلما وصل الكتاب إلى أمير المسلمين مزقه وكتب على قطعة منه: ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم أذلة وهم صاغرون. الجواب ما ترى لا ما تسمع وتمثل ببيت أبي الطيب في مدح سيف الدولة:
(2/66)

ولا كتب إلاّ المشرفية عنده ... ولا رسل إلاّ الخميس العرمرم
ثم ضرب السرادقات من يومه بظاهر البلد وأمر باستنفار الجيوش من الأمصار وعبر من زقاق سبتة ودخل بلاد الإفرج فكسرهم كسرة شنيعة وعاد بغنائمهم رحمه الله تعالى ثم رأيت الحصري ذكر هذا الكلام عن المعتصم العباسي قال: كتب إليه ملك الروم كتابا يتهدده فيه فأمر بجوابه. فلما قرء عليه لم يرض بما فيه فقال لبعض الكتاب: اكتب: أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما تضمنه خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع. وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار. قال: وهذا نظير قول قطري بن الفجاءة إلى الحجاج وقد كتب إليه كتابا يتهدده فيه فأجاب: أما بعد، فالحمد لله الذي لو شاء لجمع بين شخصينا فعلمت مثاقفة الرجال، من تسطير المقال والسلام. انتهى.
ومن معنى هذا المثل قول عنترة:
ومكروب كشفت الكرب عنه ... بطعنة فيصل لمّا دعاني
دعاني دعوة والخيل تردي ... فما أدري أباسمي أم كناني؟
فلم أمسك بسمعي إذ دعاني ... ولكن قد أبان له لساني
فكان إجابتي إياه أني ... عطفت عليه خوار العنانِ
بأسمر من الخط لدن ... وأبيض صارم ذكر يمانِ
أي: كان جوابه له حين دعاني واستغاث بي أن عطفت عليه فرسا خوارا العنان أي سهل العنان يعني مرتاضا قد اعتاد الخول في الحرب والولوج في المضايق وذلك بأسمر ألخ. .، أي برمح وسيف صفتهما ما ذكر. ومنه قول الحماسي:
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
وقول الآخر:
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيبِ
أي الاجتهاد في نصرته. وقرع الظنبوب كناية عن ذلك وقد تقدم. ومن أمثال العامة قولهم:
(2/67)

جزاؤه على حماره.
وقولهم: جاء يعينه في قبر أمه فهرب بالفارس.
ومعناه ظاهر.
ولنذكر في هذا الباب ما تيسر من الشعر. قال الحماسي محمد بن بشير:
كم من فتى قصرت في الرزق خطوته ... ألفيته بسهام الرزق قد فلجا!
إنَّ الأمر إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كل ما ارتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا!
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأباب أن يلجا!
قدر لرجلك قبل الخطو موضعها: ... فمن علا زلقا عن غرة زلجا!
وقال عبد الله بن الزبير الأسدي:
لا أحسب الشر جاراً لا يفارقني ... ولا أحز على ما فاتني الودجا
ولا نزلت من المكروه منزلة ... إلاّ وثقت بأن ألقى لها فرجا
وحز الودج: قطعه. وضربه مثلا للغم على ما فات من عرض الدنيا.
وقال أبو تمام الطائي:
اصبري أيتها النفس: ... فإنَ الصبر أحجا
نهنهي الحزن فإنَ ... الحزن إن لم ينه لجا
والبسي اليأس من الناس ... فإنَ اليأس ملجا
ربما خاب رجاء ... وأتى ما ليس يرجى
وقال أيضاً يهجو يوسف السراج:
ووجه البحر يعرف من بعيد ... إذا يسجو، فكيف إذا يموجُ؟
وقال الأخر:
(2/68)

وإني لأغضي مقلتي على الأذى ... وألبس ثوب الصبر أبيض أبلجا
وإني لادعوا الله والأمر ضيق ... علي فما ينفك إنَّ يتفرجا
وكم من فتى ضاقت عليه وجوهه ... أصاب لها في دعوة الله مخرجا!
وقال الأخر:
إذا تضايق أمر فأنتظر فرجا: ... فأضيق الأمر أدناه إلى الفرج!
وقال الأخر:
رب أمر عز مطالبه ... قربته ساعة الفرج
وقال الأخر:
ديار عليها من بشاشة أهلها ... جمال تسر الناظرين وتبهج
وقال الأخر:
رأى البيت يدعى بالحرام فحجه ... ولو كان يدعى بالحلال لمّا حجا
وقال الأخر:
علي إني وإنَّ لاقيت شرا ... لخيرك بعد ذاك الشر راج
وقال الأخر:
كم عالم لم يلج بالعام باب غنى ... وجاهل قبل طرق الباب ولجا!
وقال الأخر:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
ومثله قول الآخر:
من راقب الناس مات عما ... وفاز باللذة الجسور
وقال الأخر:
يا نفس صبراً فعقبى الصبر صالحة ... لابد إنَّ يأتي الرحمان بالفرج!
وقال الأخر:
ولي فرس بالحلم للحلم ملجم ... ولي فرس بالجهل للجهل مسرج
فمن رام تقويمي فإني مقوم ... ومن رام تعويجي فإني معوج
(2/69)

وينسب هذا لصالح بن جناح. وقبله:
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجاهل في بعض الأحايين أحوج
وما كنت أرضى الجاهل خدنا وصاحبا ... ولكني أرضى به حين أحرج
ولي فرس بالخير للخير ملجم ... وإلي فرس بالشر للشر مسرج
وبعده:
فإن قال بعض الناس في سماجة ... فقد صدقوا، والذل بالحر أسمج
ونحوه قول النابغة الجعدي:
ولا خير في حلمٍ إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوة إنَّ يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... أريب إذا ما أورد الأمر أصدرا
وقول الآخر:
إذا أغضبت ذا كرم تخطى ... إليك ببعض أفعال اللئيم
وقول الآخر:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقول الآخر:
ولا خير في حلم إذا ذل جانبه
وقول الآخر:
والعاقل النحرير محتاج إلى ... أن يستعين بجاهل معتوه
وقول الآخر:
ولربما أعتضد الحليم بجاهل: ... لا خير في يمنى بغير يسار!
وقال الإمام أبو الفضل يوسف بن النحوي، قدس الله سره!:
والرفق يدوم لصاحبه ... والخرق يصير إلى الهرج
وقال:
خيار الخلق هداتهم ... وسواهم من همج الهمج
(2/70)

ومن أظرف ما يحكى فيما يناسب هذا المعنى ما حدث به عن الزهري قال: دخلت على عبد الملك بن مروان، فقال: من أين أقبلت يا زهري؟ قال قلت: من مكة. قال: فمن خلفت بها يسود أهلها؟ قلت؟ عطاء بن أبي رباح. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي قال: وبم سادهم؟ قلت بالديانة والرواية. فقال أن أهل الديانة والرواية ينبغي أن يسودوا الناس. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كيسان قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فبم سادهم؟ قلت: بما ساد به عطاء. قال: من كان كذلك ينبغي أنَّ يسود الناس. قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي. فقال كما قال في الأولين. قال فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول الدمشقي. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبد نبوي أعتقته امرأة من هذيل. فقال كما قال: قمن يسود أهل لجزيرة؟ قلت ميمون بن مهران. قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي. فقال كما قال. ثم قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن البصري. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي قال: ويلك! فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب. فقال: ويلك يا زهري! فرجت عني الله! : تسودون الموالي على العرب حتى يخطب بها على المنابر وإن العرب تحتها! قال قلت: يا أمير المؤمنين، أمر الله ودينه. فمن حفظه ساد، ومن ضيعه سقط! وقالت جارية من العرب ماتت أمها وأضرت بها زوجة أبيها:
ولو يأتي رسولي أم سعدٍ ... أتى أمي ومن يعينه حاج
ولكن قد أتى من بيني ودي ... وبين وداده غلق الرتاج
ومن لا يؤذه ألم برأسي ... وما الرئمان إلاّ بالنتاج
وقال أم الضحاك المحاربية:
حديث لو أنَّ اللحم يصلى بحره ... طريا، إذا أضحى به وهو منضج
وكانت تحت رجل من الضباب وهي تحبه حبا شديدا، ثم طلقها فقالت:
(2/71)

هل القلب إنَّ لاقى الضبابي خاليا ... لدى الركن أو عند الصفا متحرج؟
وأعجلنا قرب المزار وبيننا ... حديث كتشنيج المريض مزعج
وقال الأخر:
لقد علمت أم الصبيين إنني ... إلى الضيف قوام السنان خروج
إذا المرغث العوجاء بات يعزها ... على ضرعها ذو توءمين لوهج
وإني لأغلي اللحم نيا وإنني ... لممن يهين اللحم وهو نضيج
يريد: إني آخذها جيدة غالية الثمن، فأنحرها وأخلي بينها وبين الناس تهاونا بها، كما قال الآخر:
وإني لأغلي لحما وهي نية ... ويرخص عندي لحمها حين تذبح
وقال الحارث اليشكري:
قلت لعمرو حين أرسلته ... وقد حبا من دونها عالج:
لا تكسع الشول بأغبارها: ... إنك لا تدري من الناتج
وأصيب لأضيافك ألبانها ... فإن شر اللبن الوالج!
يقول: لا يبق اللبن في الضروع هذه النوق! والأغبار جمع غبر وهو بقية اللبن في الضرع، كانت العرب تفعل ذلك لسمن الأولاد التي في بطونها. وأصببه للناس، فإنك لا تدري من ينتجها، ولعلك تموت فيبقى ذلك للوارث! ومثله قول الآخر:
وإن درت نياقك فاحتلبها ... فما تدري الفصيل لمن يكون
وهذا كما في الحديث: يقول أبن آدم مالي مالي، ومالك من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت. ومنه قول النمر أبن تولب:
أعاذل إنَّ يصبح صداي بقفرة ... بعيد نآني صاحبي وقريبي
تري أن ما أبقيت لم أك ربه ... وإنَّ الذي أنفقت كان نصيبي
وذي إبل يسعى ويحسبها له ... أخي نصب في رعيها ودؤوب
غدت وغد رب سواه يقودها ... وبدل أحجارا وجال قليب
(2/72)

قوله: جال قليب، جال: الناحية، كما قال مهلهل:
كأن رماحه أشطان بئر ... بعيد بين جاليها جرور
ومنه قول الآخر أيضاً:
قأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بأفعال إنَّ الثناء هو الخلد!
وقول حاتم:
أماوي إنَّ يصبح صداي بقفرةٍ ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
ترى أن ما أبقيت لم أك ربه ... وأن يدي مما بخلت به صفر
وقال أبن فارس اللغوي:
وقالوا: كيف أنت؟ فقلت خير: ... تقضى حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا: ... عسى يوما يكون لها انفراج
نديمي هرتي وسروور قلبي ... دفاتري ومعشوقي السراج
وقال أبو محمّد الحريري:
تعارجت لا رغبة في العرج ... ولكن لأقرع باب الفرج
وألقي حبلي على غاربي ... وأسلكت مسلك من قد مرج
فإن لامني القوم قلت: أعذروا ... فليس على أعرج من حرج!
وقال أيضاً:
ما الحج سيرك تأويبا وإدلاجا ... ولا اعتيامك اجمالا واحداجا
الحج إنَّ تقصد البيت الحرام على ... تجريد الحج لا تقضي به حاجا
وتمتطي كاهل الإنصاف متخذاً ... ردع الهوى هاديا والحق منهاجا
وإنَّ تواسي ما أوتيت مقدرة ... من مد كفا إلى جدواك محتاجا
فهذه إنَّ حوتها حجه كملت ... وإنَّ خلا الحج منها كان إخداجا
حسب المرائين غبنا غرسوا ... وما جنوا ولقوا كدا وإزعاجا
وإنهم حرموا أجرا ومحمدة ... وألحموا عرضهم من عاب أو هاجى
أخي فأبغ بما تبديه من قربٍ ... وجه المهيمن ولاجا وخراجا
(2/73)

فليس تخفى على الرحمان خافية ... إنَّ اخلص العبد في الطاعات أو داجى
وبادر الموت بالحسنى تقدمها: ... فما ينهه داعي الموت إن فاجا
واقن التواضع خلقا لا تزايله ... عنك الليالي ولو ألبسنك التاجا
ولا تشم كل خال لاح بارقه ... ولو تراءى هتون السكب ثجاجا
ما كل داع بأهل أن يصاخ له ... كم قد أصم بنعي بعض من ناجى
وما اللبيب سوى من بات مقتنعا ... ببلغة تدرج الأيام إدراجا
فكل كثرة إلى قل مغبته ... وكل ناز إلى لين وإن هاجا
وقال أيضاً في وصف سروج:
بلدة يوجد فيها ... كل شيء ويروج
ووردها من سلسبيل ... وصحاريها مروج
وبنوها ومغانيهم ... نجوم وبروج
حبذا نفحة ريا ... ها ومرآها البهيج
وأزاهير رباها ... حين تنجاب الثلوج
وقال الآخر:
لو ركبت البحور صارت فجاجا ... لا ترى في متونها أمواجا
ولو إني وضعت ياقوتة حمراء ... في راحتي صارت زجاجا
ولو إني ردت عذبا فراتا ... عاد لا شك فيه ملحا أجاجا
ومثله قول الآخر:
لو وردت البحار أطلب ماء ... جف قبل الورود ماء البحار
أو لمست العود النضير بكفي ... لذوى بعد نضرة واخضرار
أو رمى باسمي النجوم الدراري ... لا نزوى ضوؤها عن الأبصار
ولو إني بعت القناديل يوما ... لبدا الليل في ضياء النهار
(2/74)

وقال الآخر:
ولمل التمست الرزق فانجذ حبله ... ولم يصف لي من بحره العذب مشرب
خطبت إلى الإعدام إحدى بناته ... فزوجنيها الفقر إذ جئت أخطب
فلو تهت في البيداء والليل مسبل ... علي جنا حيه لمّا لاح كوكب
ولو جفت شرا فاستترت بظلمة ... لأقبل ضوء الشمس من حيث يغرب
ولو جاد إنسان علي بدرهم ... لعدت إلى رحلي وفي الكف عقرب
ولو يمطر الناس الدنانير لم يكن ... بشيء سوى الحصباء رأسي يحصب
وأن يقترف ذنبا ببرقة مذهب ... فإنَ برأسي ذلك الذنب يعصب
وإن أر خيرا في المنام فنازح ... وإن أر شرا فهو مني مقرب
أمامي من الحرمان جيش عرمرم ... ومنه ورائي جحفل حين أركب
وقول الآخر:
أحمد الله لو أقل قط يابدر ... ويا موسى ويا كافور
لا ولا قيل قد أتاك من ... الضيعة بر موفر وشعير
أنا خلو من الممالك والأملاك ... جلد على البلايا صبور
ليس إلاّ كسيرة وقديح ... وقميص أتت عليه الدهور
وقول الآخر:
سل عن الرزق يا أبا العباس ... وجماح الزمن بالأكياس
لو من الناس ساعدتي الدهر ... ولكنني من النسناس
لو هوت صخرة من الجو جاءت ... تتخطى الأنام تطلب رأسي
لا وحق الإله ما ابصر الشمس ... بعيني من شدة الإفلاس
وقول الآخر:
برزت من المنازل والقباب ... فلم يعسر على أحد طلابي
فمنزلي الفضاء وسقف بيتي ... سماء الله أو قطع سحاب
فأنت إذا أردت دخلت بيتي ... علي مسلما من غير باب
لأني لم أجد مصراع باب ... يكون من السماء إلى التراب
ولا انشق الثرى عن عود تخت ... أؤمل أن اشد به ثيابي
(2/75)

ولا خفت الأباق على عبدي ... ولا خفت الهلاك على دوابي
وفي ذا راحة وفراغ بال ... فدأب الدهر ذا أبداً ودابي
وقول الآخر:
قد أراح الله من هم ... طويل وعذاب
فاسترحنا من عيال ... وعبيد ودواب
وغدو ورواح ... وهجاء وعتاب
وقول الآخر:
كسدت شواشينا وقل معاشنا ... فسعودنا مقرونة بنحوس
فكأنما قطعت رؤوس الناس أو ... خلقوا لشقوتنا بغير رؤوس
وقول الآخر:
أنا في حال تعالى الله ... ربي أي حال:
ليس لي شيء إذا قيل ... لمن ذا قلت: ذالي
فأرضي الله فرشي ... والسماوات ظلالي
ولقد اهزلت حتى ... محت الشمس خيالي
ولقد أفلست حتى ... حل أكلي بعيالي
من رأى شيئاً محالا ... فأنا نفس المحال
لو بقي في الناس حر ... لم اكن في مثل حالي
وقول الآخر:
ليس إغلاقي لبابي إنَّ لي ... فيه ما أخشى عليه السرقا
إنّما أغلقه كي لا يرى ... سوء حالي من يمر الطرقا
منزل أوطنه الفقر فلو ... يدخل السارق فيه سرقا
وقيل لبعض أجلاف المشايم: كيف المعاش؟ فقال: يوما يرزق ويوما لا يرزق. وليته هو مضروب ألف سوط وإنَّ الله لم يخلقه وقيل له: فلعل الله قد ذخر لك بهذا أجرا في الآخرة. فقال: أيهما اكرم على الله الدنيا أم الآخرة؟ فقيل له: الآخرة. فقال: هو لم يعطني الهينة عليه فيعطيني تلك الكريمة عليه!
(2/76)

وقيل لآخر: أتعرف ربك؟ فقال: وكيف لا اعرف من أجاعني واعراني؟ وقيل لآخر وقد رئي مغتنما: ما غمك؟ فقال: سوء الحال وكثرة العيال. فقال له: لا تغتنم فإنهم عيال الله. فقال: صدقتم ولكن كنت أحب أن يكون الوكيل عليهم غيري! وقال بعضهم: كان لآدم عليه السلام غلام يخدمه فنحن معاشر المحارفين من نسل ذلك الغلام ولا نسب بيننا وبين آدم فإنَ الله يقول: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات. وليس فينا ولا عندنا شيء من هذه الخصال فلو كنا بني آدم لكان لنا حظ من هذه الأشياء! واستقى قوم يوم الخميس فمطروا. فنظر إليهم بعض المشائيم وهم منصرفون فرحين بالسقايا فقال: والله ما بي إلاّ انهم يظنون إنَّ الله استجاب لهم. والله ما مطروا إلاّ أني غسلت ثيابي اليوم والله ما غسلتها قط إلاّ تغيمت السماء ومطرة ولا بأس فليرجعوا إلى خميس آخر: فإنَ مطروا فليحلقوا لحيتي! وقال أبو العباس أحمد المقري الفاسي يخاطب التاج التونسي:
والله ما انصفتنا يا تاج: ... فسقامنا لدوائكم مجتاج
فقضية قد ركبت بشروطها ... أفممكن أن يخلف الإنتاج
وقال الآخر:
ولم أر شيئاً بعد ليلى ألذه ... ولا منهلا أروى به فأعيج
يقال: ما عجت بالدواء أي لم انتفع به. ويزعم كثير من اللغويين والنحويين إنّه لا يستعمل إلاّ في النفي كما مثلنا وكما في قول كثير:
قلما نفعت نفسي بما أمروا به ... ولا عجبت من أقاويلهم بفتيل
والبيت المذكور يرده إلاّ إنَّ يتأول إنّه لمّا كان الموصوف منفيا كانت الصفة وما عطف عليها أيضاً في معنى النفي والله اعلم.
وقال الآخر في الأوصاف:
في ليلة أكل المحاق هلالها ... حتى تبدى مثل وقوف العاج
والصبح يتلو المشتري فكأنه ... عريان يمشي في الدجا بسراج
ومثله قول الآخر:
يا رب ليل رقبناه وقد طلعت ... بقية البدر في أولى بشائره
كأنما ادهم الإظلام حين نجا ... من أشهب الصبح خلى نعل حافره
(2/77)

وقول الآخر:
فكأن الليل حين لوى ... هاربا والصبح قد لاحا
كلة سوداء احرقها ... عامد أوقد مصباحا
وقول الآخر:
سرى والصبح تحت الليل باد ... كطرف أبلق تحت الجلال
بكأس من زجاج فيه أسد ... فرائسهن الباب الرجال
وقول الآخر:
وفتيان سروا والليل داج ... وضوء الصبح مهتم الطلوع
كأن بزاتهم أمراء جيش ... على أكتافهم صدأ الدروع
وقال الآخر:
لفتاة تسرنا في المثاني ... وعجوز تسرنا في المزاج
أخذت من رؤوس قوم كرام ... ثأرها بين أرجل الأعلاج
ومثله قول أبي بكر بن زهير:
وموسدين على الأكتاف خدودهم ... قد غالهم ضوء الصباح وغالني
ما زلت اسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالي
وخمر تحسن كيف تأخذ ثأرها: ... إني أملت إناءها فأمالني
وقال الآخر:
ولرب حان قد أدرت بديره ... خمر الصبا مزجت بصفو خموره
في فتية جعلوا الزقاق وكاءهم ... متضارعين تخشعا لكثيره
يهدي إلينا الراح كل مصفق ... كالخشف خفرة التماح خفيره
وإلى علي بطرفه وبكفه ... فأمال من رأسي لعب كبيره
وتزنم الناقوس عند صلاتهم ... ففتحت من عيني لرجع هديره
والشعر في أوصاف الخمر كثيرة وأكثره يتنزه عن ذكره وسيأتي كثير منه.
وقال أبو الفرج جعفر اليماني:
(2/78)

عارض أقبل في ليل الدجى ... يتهادى كتهادي ذي الوجا
بددت ريح الصبا لؤلؤه ... فانبرى بوقد عنه سرجا
ومثله قول أبن الخطيب:
أخفى مسالكها الظلام فأوقدت ... من برقها كي تهتدي مصباحا
وكأنَّ صوت الرعد خلف سحابها ... حادٍ إذا ونت الركائب صاحا
وتقدم استيفاء هذا المعنى في الباب الأول. وقال الأخر:
قالوا: تبدى شعره فأجبتهم: ... لابد من علم على الديباج!
والبدر أبهر ما يكون ضياؤه ... إن كان ملتحفا بليلٍ داجِ
ومن هذا المعنى قول الآخر:
ومهفهفٍ علق السقام بطرفه ... وسرى فعرس في معاقد خصره
مزقت أستار الظلام بثغره ... ثم أنثنيت أحوكها من شعره
وقال أبن صارة:
ومهفهفٍ أبصرت في أطرافه ... قمرا بآفاق الملاحة يشرقُ
يقضي على المهجات منه صعدة ... متألق فيها سنان أزرقُ
وقول الآخر:
ومعذرٍ عبث العذار بخده ... ظلماً فشان ضياءه بظلامه
كسفت محاسنه لأربع عشرة ... وكذا كسوف البدر عند تمامه
وقال أبن رشيق:
همت عذاراه بتقبيله ... فاستل من عينيه سيفينِ
وقامت الحرب على ساقها ... بين أميرين قتولين:
فذلك المحمر من خده ... دماءُ ما بين الفريقينِ
وقال الأخر:
وأغيد من أبناء لمطة شادنٍ ... ينوء كما يعطو بخطوته البانُ
ذؤابته مهراقةٌ خلف ظهره ... كما التف بالغصن المنعم ثعبانُ
(2/79)

وقول الآخر:
ومهفهفٍ كالغصن إلاّ أنه ... سلب التثني النوم عن أثنائه
أضحى ينام وقد تورد خده ... عرقا فقلت: الورد رش بمائه!
وقول الآخر:
غزال إنسٍ كم استدنيته فنأى ... عني وأعرض مزوراً بجانبه!
طالت علي ليلٍ من هواه كما ... طالت عليه ليالٍ من ذوائبه
وقال الصنوبري:
ما أخطأت نوناته من صدغه ... شيئاً ولا ألفاته من قده
فكأنما أنقاسه من شعره ... وكأنما قرطاسه من خده
وهذا المعنى كثير. وقال الأخر:
كأنَّ الثريا راحةٌ تشبر الدجى ... لتخبر طال الليل أم قد تعرضا
عجبت لليلٍ بين شرقٍ ومغربٍ ... يقاس بشبر كيف يرجى له انقضا
وقول الآخر:
كأنَّ بهرام وقد عارضت ... منه الثريا نظر المشتري
ياقوتةٌ يعرضها بائعٌ ... في كفه والمشتري مشتري
وقول الآخر:
وقد لاح من الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا
وقال الأخر:
وغريبتة الإنشاء صرنا فوقها ... والبحر يسكن تارة ويموجُ
عجبا تؤم بها معاهدنا التي ... كرمت فعاج الأنس حيث نعوجُ!
وقد استطال النور فوق الماء من ... شمس الأصيل فلاح وهو بهيجُ
فكأنَّ متن البحر ذائب فضةٍ ... قد سال فيه من النضار خليجُ
(2/80)

ومثله قول الآخر:
لو أبصرت عيناك زورق فتيةٍ ... يبدي لهم لمح السرور مراحه
وقد استداروا تحت ظل شعاعه ... كلٌ يمد بكأس راحٍ راحهُ
لحسبته خوف العواصف طائراً ... مد الحنان على بنيه جناحهُ
وقال أبن الخطيب:
إنَّ الهوى لشكايةٌ معروفة ... صبر التصبر من أجل علاجها
والنفس إن ألفت مرارة طعمه ... يوما ضمنت لها صلاح خراجها
وقال السبتي:
يا ساءلاً عن مذهبي عامداً ... ليقتدي فيه بمنهاجي
منهاجي العدل وقمع الهوى: ... فهل لمنهاجي من هاجِ؟
وقال أبو الحسن بن رشيق:
ولقد ذكرتك في السفينة والردى ... متوقع بتلاطم الأمواجِ
والجو يهطل والرياح عواصفٌ ... والليل مسود الذوائب داجِ
وعلى السواحل للأعادي غارةٌ ... يتوقفون لغارة وهياجِ
وعلت لأصحاب السفينة ضجةٌ ... وأنا وذكرك في أل تناجِ
ومثله وهو أصله قول عنترة:
ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ ... مني وبيض الهند تقطر بالدمِ
وقول الأرجاني:
وإني لأرعاكم على القرب والنوى ... وأذكركم بين القنا والقنابلِ
وقول الآخر:
إلاّ من مبلغ المحبوب أني ... وقفت وللظبا حولي صليلُ
وأني جلت في جيش الأعادي ... برمح وهو في ذكري يجولُ؟
وقول الآخر:
أرسلتها والعوالي في الطلا ترد ... في موقفٍ فيه ينسى الوالد الولدُ
وما نسيتك والأرواح سائلةٌ ... على السيف ونار الحرب تتقدُ
(2/81)

وقوله:
ولقد ذكرتك والصوارم لمع ... من حولنا والسمهرية شرع
وعلى مكفاحة والعدو ففي الحشا ... شوق إليك تضيق عنه الأضلع
ومن الصبا وهلم جرا شيمتي ... حفظ الوداد فيف عنه أرجع؟
وقول الصفي الحلي:
ولقد ذكرتك والعجاج كأنه ... منا وبين معفر في معفر
والشمس بين مجدل في جندلٍ ... منا وبين وجهك أو مساء مقمر
وتعطرت أرض الكفاح كأنما ... فتقت لنا ريح الجلاد بعنبر
وقوله أيضاً:
ولقد ذكرتك والسيوف مواطر ... كالسحب من وبل النجيع وطله
فوجدت أنسا عند ذكرك كاملا ... في موقف يخشى الفتى من ظله
وقلوه أيضاً:
ولقد ذكرتك والجماجم وقع ... تحت السنابك والأكف تطير
والهام في أفق العجاجة حوم ... فكأنها فوق النسور نسور
فأعتادتني من طيب ذكرك نشوة ... وبدت علي بشاشة وسرور
فظننت أني في مجالس لذتي ... والراح تجلى والكؤوس تدور
وقول أثير الدين بن حيان:
لقد ذكرتك والبحر الخضم طغت ... أمواجه والورى منه على سفر
في ليلة أسدلت جلباب ظلمتها ... وغار كوكبها عن أعين البشر
والماء تحت وفوق المزن وأكفه ... والبرق يستل أسيافا من الشرر
والروح من حزن راحت وقد وردت ... صدري فيالك من ورد بلا صدر!
هذا وشخصك لا ينفك في خلدي ... ولا في فؤادي وفي سمعي وفي بصري
(2/82)

ويقرب من هذا قولي:
إلاّ ليت شعري هل أرى من ثنية ... عضها كموصوف الكتائب تشرف؟
وهل أردن من سلسبيل مواردٍ ... هناك كالمعسول المباسم تشرف؟
وهل أرين مغنى الدلاء عيشة ... كأن بنياه بجاد مفوف؟
ذكرتكم وهنا وإني لمدلج ... بأجواز أقطار الصحاري أطوف
فقلت وقلبي ضمن شجو ولوعة ... وجفني بمنثور الجمان يكفكف:
أدار سقيك الوبل غير مبرحٍ ... ولا برحت عنك الحوادث تصرف
لقد هجت للقلب العميد صبابة ... تكاد لها صم الجبال تقصف!
وقول الصفدي:
ولقد ذكرتكم بحرب ينثني ... عن بأسها الليث الهزبر الأغلب
والصافنات بركضها قد أنشأت ... ليلا وكل سنا سنان كوكب
والبيض تنثر كل ما نظم القنا ... والنبل يترب والعجاج يترب
وحشاشة الأبطال قد تلفت ظما ... ودم الفوارس مستهل صيب
والنفس قد سالت على حد الظبا ... وأنا بذكركم أميل وأطرب
وقول الآخر يصف الشمس في الغيم:
وتنقبت بخفيف غيم أبيضٍ ... هي فيه بين تخفر وتغنج
كتنفس الحسناء في المرأة إذ ... كلمت ولم تتزوج
ومن هذا المعنى قول أبن طباطبا العلوي:
متى أبصرت شمسا تحت غيمٍ ... ترى المرآة في كف الحسود
تقابلها فتلبسها غشاء ... بأنفاس تزايد في الصعود
وقال الوزير المهلبي:
أما ترى الشمس وهي طالعة ... تمنع منا إدامة النظر؟
حمراء صفراء في تلونها ... كأنها تشتكي من السهر
مثل عروس غداة ليلتها ... تمسك مرآتها من القمر
(2/83)

وقوله:
والشمس خيراً خلف غيم عارض ... فكأنها في ضوء ليل مقمر
وقوله:
الشمس من مشرقها قد بدت ... نيرة ليس لها حاجب
كأنها فوهية أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب
وقول أبن المعتز:
والشمس كالمرآة في كف الأشل
وقول أبي حفص بن برد، ومنه أخذ:
كأن شعاع الشمس في كل غدوةٍ ... على ورق الأشجار أوّل طالع
دنانير في كف الأشل يضمها ... لقبض فتهوي من فروج الأصابع
ونحو هذا قول الآخر في الخمر:
كانت سراج أناس يهتدون بها ... في سالف الدهر قبل النار والنور
تهتز في الكأس من ضعف ومن هرمٍ ... كأنها قبس في كف مقرور
وقول أبن الرومي في الشمس:
كأن جنوح الشمس عند غروبها ... وقد جنحت في مجنح الليل تمرض
محاجر عين مس أجفانا الكرى ... ترنق فيها النوم وهي تغمض
وقال أبن خفاجة:
والنقع يكسر من سنى شمس الضح: ... فكأنه صدا على دينار
وقال إبراهيم بن العباس الصولي:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج
كملت فلما استكملت حلقاتها ... فخرجت وكان يضنها لا تفرج
وكان يقال: ما رددهما من نزلت به نازلة به إلاّ فرج الله عنه.
وقال الأخر:
رويدك! فالهموم لها رتاج ... وعن كثب يكون لها انفراج
ألم تر أنَّ طول الليل لمّا ... تناهى حان للصبح انبلاج؟
(2/84)

وقال أبو فراس:
ألا، ربما ضاق بأهله ... وأمكن من بيت الأسنة مخرج
ومثله قوله أيضاً:
خفض عليك ولا تكن قلق الحشا ... مما يكون وعله وعساه!
فالدهر أقصر مدة مما ترى ... وعساك أنَّ تكفى الذي تخشاه
وقول الآخر:
تربص بيومك ما في غدٍ ... فإن العواقيب قد تعقب
لعل غدا من أخيه حمى ... يلم لك الصداع أو يرأب
وقال الحجاج:
دعها سماوية تجري على قدرٍ ... لا تفسد برأي منك أرضي
وقول أبن حميدس:
ما أغفل الفيلسوف عن طرقٍ ... ليس لأهل العقول منسلكه!
من سلم الأمر للإله نجا ... ومن عدا القصد واقع الهلكه
وقول الآخر:
لا تضف في الأمور ذرعا فقد ... يكشف عنها بغير احتيال
ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال
وقصة أبي عمرو بن لعلاء في هذا الشعر، حيث ألزمه الحجاج أنَّ يأتي بشاهد على قراءته غرفة فسمع هذا الشعر مقرونا بنعي الحجاج، معروفة.
وقال الأخر:
إذا دجا خطب وأيقنت من ... صعب بأن الأمر يأتي عسير
ينعكس الأمر ويأتي كما ... شئت: فسبحان اللطيف الخبير!
وقول الآخر:
لا تشك! فالأيام حبلى ربما ... جاءتك من أعجوبة بجنين
فكذا تصاريف الزمان: مشقة ... في راحةٍ وخشونة في اللين!
ما ضاع يونس بالعراء مجرداً ... في ظل نابتة من اليقطين
(2/85)

وقول الآخر:
والليالي كما علمت حبالى ... مقربات يلدن كل عجيب
وقول الآخر:
الدهر لا ينفك عن حدثانه ... والمرء منقاد لحكم زمانه
فدع الزمان فانه لم يعتمد ... لجلالة أحد ولا لهوانه!
كالمزن لم يخصص بنافع صوبه ... أفقا ولم يخش أذى طوفانه
لكن لباريه بواطن حكمةٍ ... في ظاهر الأضداد من أكوانه
وقول الآخر:
دع المنى! ربما نيلت بلا طلبٍ ... وربما وقع الحرمان من المهن!
وقول الآخر:
الدهر كالطيف بؤساه وأنعمه ... من غير قصد: فلا تمدح ولا تذم
لا تسأل الدهر في غماء يكشفها: ... فلو سألت دوام البؤس لم يدم!
وقوله: ولا تذم، إنَّ كان بكسر الذال من قولك ذامه يذمه ذيما وذاما أي عابه فهو صحيح؛ وإنَّ كان بضمها من قولك ذمه يذمه فهو مذموم فلحن أو ضرورة بشيعة.
وقول أبي بكر الخوارزمي:
ما أثقل الدهر على من ركبه ... حدثني عنه لسان التجربه!
لا تحمدن الدهر لشيء سببه ... فانه لم يعتمد بالهبه
وإنّما أخطأ فيك مذهبه ... كالسيل إذ يسقي مكاناً أخربه!
والسم يستشفي به من شربه
قلت: وشعر هذين الشاعرين ينحو منحى زهير إذ يقول:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
لا سيما الشاعر الأول. ولا شك إنَّ ما ذكره زهير خطأ وجهل بالتدبير الرباني، والتصريف الاختياري، وأنَّ كل ذلك واقع عن علم وسبق مشيئة. وإنَّ كان يمكن أنَّ يتأول الكلام لو صدر من موحد بأن ذلك بحسب الصورة الظاهرة. ومثل المنايا صروف الدهر وحوادثه سواء.
(2/86)

ويشبه قول الخوارزمي:
لا تمدحن أبن عباد وإن هطلت ... كفاه بالجود حتى أخجل الديما!
فإنها خطراتٌ من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
وكتب البيتين فوضعهما حيث يجلس الصاحب ثم ارتحل من وقته. فلما وقف الصاحب عليهما فال:
أقول لركبٍ من خراسان أقبلوا ... أمات خوارزميكم؟ قيل لي نعم!
فقلت: اكتبوا بالجص من فوق قبره: ... إلاّ لعن الرحمن من يكفر النعم!
ومثل ما تقدم قول الآخر:
من يصحب الدهر لا يعدم تقلبه ... والشوك ينبت فيه الورد والآسُ
تمر حينا وتحلو لي حوادثه ... فقلما جرحت إلاّ انثنت تأسو
وقول الآخر:
لا تجزعن لعسرةٍ من بعدها ... يسران وعد ليس فيه خلافُ!
كم عسرة ضاق الفتى لنزولها ... لله في أعطافها ألطف!
وقول الآخر:
تصبر للعواقب واحتسبها ... فأنت من العواقب قافي اثنتينِ
تريحك بالمنى أو بالمنايا ... فإنَ الموت إحدى الراحتين!
وقول الأبيوردي:
تنكر لي دهري ولم يدر إنني ... أعز وأنَّ الحادثات تهونُ
فبات يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكونُ
وقولنا من قصيدة:
فإذا عرتك الحادثات فثق ... بمليكها ذي الخلق والأمرِ
واصبر لروح الله مرتجيا ... فلتحمدن عواقب الصبرِ
إنَّ اصطبار المرء مفتتحٌ ... متغلق البأساء والعسرُ
ومنفس عنه الكروب إذا ... ضاقت بهن جوانح الصدرِ
كم من حزين بات مكتئباً ... متعسر الأحشاء ذا زفرِ
(2/87)

ما يرتجى جلباب ليلته ... أن ينزوي طرفاه بالسفرِ
فاتته ألطافٌ منفسةٌ ... لفؤاده من حيث لا يدري
ولكم بعيد الضيق من سعةٍ ... ولكم بعيد العسر من يسرِ!
هل بعد معتكر الظلام سوى ... بلج الصباح وطلعة الفجرِ
أو بعد ظمأة هجمةٍ وردت ... إلاّ ارتواء جانب الغدرِ
أو بعد خانقة التلاع سوى ... فيح الفجاج وفسحة البهرِ؟
وقول الآخر:
أمقتولة الأجفان مالك والهاً ... ألم ترك الأيام نجما هوى قبلي؟
أقلي بكاءً: لستِ أول حرةٍ ... طوت بالأسى كشحا على مضض الثكلِ
وفي أم موسى عبرةٌ إذ رمت به ... إلى اليم في التابوت فاعتبري واسلي
ولله فينا علم غيبٍ وحسبنا ... به عند جور الدهر من حكم عدلِ
والشعر في هذا المعنى اكثر من أن يحصى.
وقال الغري:
قالوا: بعدت ولم تقرب فقلت لهم: ... بعدي عن الناس في هذا الزمان حجا
لولا التباعد بين الحاجبين به ... بان افتراقهما لم نعرف البلجا
ومثله قول الارجاني:
أسفت على عمرٍ تصرم ضائعاً ... وجدت بدمعٍ يستهل هتونِ
وآنسني بعدي من الناس جانباً ... وإن هم على أحداقهو حملوني
ولمّا غدا عنا على جفن ناظري ... لقاء الورى من صاحبٍ وخدينِ
ألفت الفضا مستوطناً ظهر ناقةٍ ... تلف سهولاً دائماً بحزونِ
وما سرت إلاّ في الهواجر وحدها ... كراهة ظل أن يكون قريني
وقول أبي العلاء المعري:
فظم بسائر الإخوان شراً ... ولا تأمن على سرٍ فؤادا:
فلو خبرتهم الجوزاء خبري ... لمّا طلعت مخافة أن تكادا!
وقوله أيضاً:
جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ودِّ امرئ غرضا
(2/88)

وقول أبن القلاقس:
اعلق بأطراف الوداد فانه ... من دافع الأمواج مات غريقا
وإذا انتهى الإخلاص أوجب 1ده: إنَّ التجمع ينتج التفريقا!
وقول أبن الرومي، وهو المثل المشهور في هذا:
عدوك من صديقك مستفادٌ: ... فلا تستكثرن من الصحابِ
فإنَ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشرابِ!
وقول الآخر:
جزى الله خيراً كل من ليس بيننا ... ولا بينه ودٌ ولا متعارفُ
فما نالني ضيمٌ ولا مسني أذى ... من الناس إلاّ من فتى كنت آلفُ!
وقول الآخر:
أحذر عدوك مرةً ... وأحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الزمان ... فكان أعرف بالمضرة!
وقول أبن سناء الملك:
أبى الهر إلاّ ضد ما أنا طالبٌ: ... فيا ليت مني مكن الله ضده!
يعد الفتى إخوانه لزمانه ... وأعدى له من خوفه من أعده
وقولي من قصيدة:
وبنو دهرك العضال من الداء ... العديم الأساة ذو الأزمانِ
وأضر الأدواء من تتولاه ... وتحجوه أقرب الإخوانِ
إنما الأقرباء في الناس جساسٌ ... عليك في السر والإعلانِ
يخبرون العورات حفظاً وإعداداً ... ليوم البأساء والشنآنِ
وقول الأنصاري الأول:
ألا رب من تحجو صديقاً ولو ترى ... مقاتله بالغيب ساءك ما يفري:
لسانٌ له كالشهد ما دمت حاضراً ... وبالغيب مطرورٌ على ثعرة النحرِ
وقولي من قصيدة:
فتوخ في الناس الوفي إذا ... عاشرتهم وحذار الله تعالى الغدرِ!
واسبرهم قبل الإخاء ولا ... تغتر في الإخوان بالسبرِ!
(2/89)

كم من أخٍ مذق الوداد على ... ما فيه من إجنٍ ومن سبرِ
إن تلقه فالشهد مقولته ... وإذا تعيب يكون كالصبرِ
يسمى بوجهك تستميل وإن ... أدبرت عنه فكية الظهرِ
وإذا الزمان دعاك نائبه ... العازي إليه ترجى البرِ
فسيحتبيك بوعد غانيةٍ ... أو وعد عرقوبٍ جنى التمرِ
وإذا تعود يظل مكتلحاً ... متغيظاً ينزو ويستشري
وإذا تصادف ذا الصفا فكن ... منه ولو صافحك ذا حذرِ
وأسم سوائم سمعه طرقاً ... مطروقةً من مسرح السرِ
وصن السرارة واللباب ولا ... تبذل له منه سوى القشرِ
فلربما يلوي الزمان به ... فيكون أبص فيك بالضرِ
وقول الآخر:
فاقت بيوسفها الدنيا وفاح لها ... طيب طوى المسك في نشر لها أرجِ
فإنَ يشاركه في اسم الملك طائفةٌ ... فإنَ شمس الضحى من جملة السرجِ
ويتمثل بالبيت الثاني. ومثله في المعنى قول الآخر:
وفي البساتين أفنانٌ منوعةٌ ... وليس يقطف إلاّ الورد والزهرُ
وفي السماء نجومٌ ما لها عددٌ ... وليس يخسف إلاّ الشمس والقمرُ
وقول أبي الطيب:
فإنَ تفق الأنام وأنت منهم ... فأن المسك بعض دم الغزال
وقول الآخر:
وقد يسمى سماء كل مرتفعٍ ... وإنّما الفضل حيث الشمس والقمرُ
وقول الآخر:
الناس كالناس إلاّ تجربهم ... وللبصيرة حكم ليس للبصرِ
والأيك مشتبهاتٌ في منابتها ... وإنّما يقع التفضل في الثمرِ
وقول الآخر:
وقد يتقارب الوصفان جداً ... وموصوفاهما متباعدانِ
(2/90)

وقول الآخر:
قد يبعد الشيء من شيء يناسبه ... إنَّ السماء نظير الماء في الزرقِ
وقول الآخر:
دع ما تناسب في الأبصار ظاهره ... ولا تقل بقياس غير مطردِ
فصدمه المتنافي لا اعتداد بها ... شتان ما بين مهتزٍّ ومرتعدِ
وقول الآخر:
قد تشبه الحالة الأخرى وبينهما ... إذا تأملت فرقٌ عن سواك خفي
فربما صفق المسرور من طربٍ ... وربما صفق المحزون من أسفِ
وقول الآخر:
لقد عرض الحمام لنا بسجعٍ ... إذا أصغى له ركبٌ تلاحى
شجا قلب الخلي فقال غني ... وبرَّحَ بالشجي فقال ناحا
وقال الشيخ عمر بن الفارض:
لا كان وجدٌ به الأماق جامدةٌ ... ولا غرامٌ به الأشواق لم تهجِ
وقال الراعي:
ومرسلٍ ورسولٍ غير متهمٍ ... وحاجةٍ غير مزجاةٍ من الحاجِ
طاوعته بعدما طال النجي بنا ... وظن أني عليه غير منعاجِ
ما زال يفتح أبواباً ويغلقها ... دوني وأفتح باباً بعد إرتاجِ
حتى أضاء سراجٌ دونه بقرٌ ... حمر الأنامل عين طرفها ساجِ
يا نعمها ليلةٌ حتى تخونها ... داعٍ دعا في فروع الصبح سحاجِ
لمّا دعا الدعوة الأولى فأسمعني ... أخذت بردي وأستمررت أدراجي
وقال الأخر:
ما زلت ابغي الحي أتبع ظلهم ... حتى دفعت إلى ربيبة هودجِ
قالت: وعيش أبي وحرمة أخوتي ... لأنبهن الحي إن أم تخرجِ
فخرجت خيفة قولها فتبسمت ... فعلمت أنَّ يمينها لم تحرجِ
(2/91)

فلثمت فاها آخذاً بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرجِ
قوله ماء الحشرج أي الماء الجاري على الحجارة.
وقال عمر بن أبي ربيعة:
قد كنت حملتني عيظا أعالجه ... فإنَ تقدني فقد عنيتني حججا
حتى لو اسطيع مما قد فعلت بنا ... أكلت لحمك من غيظٍ وما نضجا
وقبل هذين البيتين:
يا ربة البغلة الشهباء هل لكم ... أن ترحمي عمراً لا ترهقي حرجا؟
قلت: بدائك مت أو عش تعالجه ... فما نرى لك فيما عندنا فرجل!
وبعدهما:
فقلت: لا والذي حج الحجيج له ... ما مج قلبك من قلبي وما مهجا
ولا رأى القلب من شيء يسر به ... مذبان منزلكم منا وما ثلجا
كالشمس صورتها غراء واضحةٌ ... تعشي إذا برزت من حسنها السرجا
ضنت بنائلها عنه فقد تركت ... من غير جرم أبا الخطاب مختلجا
وقال بعض المجان:
إذا مررت بوادٍ لا أنس به ... فاضرب عميرة لا عارٌ ولا حرجُ
ضرب العميرة هي الخضخضة وهي الاستمناء باليد وشبهه. وكذب هذا القائل: فإنَ في الخضخضة لحرجا وعاراً وإنما محرمة عند جماهير الناس وفيها قول بعض الأعراب:
إن تبخلي بالركب المحلوق ... فإنَ عندي راحتي وريقي
والركب بفتحتين وتقدم تفسيره.
وقول الآخر:
كفي ورجلي لا عدمت كليهما ... أصبحت أغنى من يروح ويغتدي
أمشي على هذه وأنكح هذه ... فمطيتي رجلي وجاريتي يدي!
وقول الآخر:
خطبت إلى ساعدي راحتي ... وما كنت من شر خاطفيها
وما إن تكلفت من مهرها ... سوى ريقةٍ أجتزي بها
(2/92)

فإن شئت أوتى بها ثيباً ... وبكراً إذا شئت أوتى بها
وقال بعضهم: مررت على برذعة الموسوس، وقد أدخل رأسه في جيبه يتخضض. فضربته برجلي، فانكشف فإذا هم منعض، فقلت: ما هذا؟ فقال: أما ترى في ذلك الروشن؟ وأشار إلى باب في علية فإذا جارية جميلة تتطلع. فقال: إني دعوتها فلما لم تجبني أجبتها. فقلت: قبحك الله! ووليت عنه. فلم ألبث أن لحق فقال: قضيت الحاجة على رغم أنفك وأنشد:
أأنكرت ما عاينت من كف دالك ... وهل ينكر التداليك في قول مالك؟
لقد أمن الدلاك من أن تنالهم ... حدود الزنى في واضحات المسالك
وأني قد سكنت غربة غلمتي ... بحسن العيون والثدي الفوالك
وكذب هذا الأحمق على مالك رضي الله عنه: فإنَ حرمة الاستمناء هي مذهبه وكذا مذهب الشافعي وغيره. وإنّما رويت رخصة عن عمر بن دينار إن صحت الحكاية عنه. وروى عن أبن عباس إنّه فال في الخضخضة: هي خير من الزنا.
قلت: وليس في هذا الكلام ما يقضي حليتها، إذ ليست المحرمات كلها في درجة واحدة بل مقطوع بتفاوت ما بينها: فإنَ الزنى نفسه وهو محرم إجماعا على درجات بعضها أشد من بعض. ألا ترى إنَّ الزنا بحرة مطاوعة لا زوج لها ولا أهل يسبون بفعلها ة لا ترجو ولدا أخف من الزنى بغيرها وإن كان الكل حراما لأن الحق إذا انفرد وتمحض لله تعالى أخف مما إذا انضم إليه حق المزني بها المكره أو حق الزوج أو حق الأهل أو حق السيد في الأضرار بهم، ونحو ذلك من الحقوق. وهو أيضاً في الآيسة أخف منه في الولود، لمّا في الثانية من مزيد المفسدة باختلاط الأنساب وهو الحكمة الأصلية في التحريم. والمعلوم أنَّ الخضخضة ليست بمحل لهذه المفسدة لا تحقيقا ولا مظنة؛ ولكن فيها تضييع البذر وهو ماء النسل في وجهه فلتكن هي أخف. ولهذا المبحث محل يليق به وليس من غرضنا الآن التعرض له.
وقلت أنا:
إذا لحظتك عين المرء يوماً ... بدا منه صفاءٌ أو ضجاجُ
وأنبت فيه عن حبٍّ ورغضٍ ... كما ينبي عن الماء الزجاجُ
الصفاء بالكسر: المصفاة؛ والضجاج بالكسر: المضاجة، وهي المشاوره.
(2/93)

وقلت أيضاً:
لكل أخي داء دواءٌ يعده ... وأعيت دواء الضغن كل معالجِ
إذا آنس النعمى تضاعفت داؤه ... وآض بغيظ للجوانح زامجِ
وإن آنس البأساء اصبح شامتاً ... بقلبٍ من الشحناء والهزء رامجِ
تقول: زمجت القربة إذا ملأتها وزمج الغيظ للجوانح مجاز. والمراج: الممتلئ الريان وهو هنا مجاز أيضاً.
وقلت أيضاً:
أرى الورى وصروف الدهر تخضمها ... مثل السفين تداعت فوقها اللججُ
وهم رمايا مناياها فلا وزرٌ ... عنها ولا ملجأٌ منها ولا وحجُ
كأنما هي حوض والورى وردٌ ... عطشى أناخوا عليه دائما وحجوا
أو مثل هيمٍ لخمسٍ تغتشيه فلم ... يعن الياد لها عنه ولا العنجُ
الخضم: الأكل ويستعمل في ملء الفم بالمأكول وهو مجاز هنا عن الاستئصال والوحج: الملجأ وهو عطف تفسير. والورد بضمتين جمع ورود؛ وحجوا: أقاموا. يقال: حجي به أي أولع به ولزمه. وبينه وبين الوحج الأول جناس تام بين الاسم والفعل. والهيم: الإبل يصيبها الهيام. والخمس بالكسر: زمان ورودها. والذياد: الطرد؛ والهنج بالتحريك: اسم من العنج بالسكون وهو أن يشد الراكب خطام البعير فيرده على رجليه.
(2/94)

باب الحاء المهملة
أحب الحديث أصدقه.
الحب معروف. تقول: أحببت الرجل فهو محبوب على غير قياس. وقد يقال محب وهو قليل. قال عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرمِ
وقد يقال حببته ثلاثيا أحبه بالكسر فهو محبوب. أنشد الجوهري في الصحاح:
أحب أبا مروان من أجل تمره ... وأعلم أنَّ الرفق بالمرء أرفقُ
ووالله لولا تمره ما حببته ... ولو كان أدنى من عبيدٍ ومشرقِ
وليس عندهم مضعف متعد يتمحض فيه الكسر غير هذا. والحديث معروف أيضاً. والصدق ضد الكذب. وهذا كلام يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا جاءته هوازن تطلب منه أن يرد إليها ما أخذ منها من السبايا والأموال يوم حنين. فقال: أحب الحديث إلى الله أصدقه، أو: خير الحديث، إنَّ معي من يرون فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال. فاختاروا السبي وقالوا: لا نعدل بالأحساب شيئا. والقصة مشهورة في المغازي.
وقال كعب بن مالك رضي الله عنه:
أبلغ قريشاً وخير القول أصدقه ... والصدق عند ذوي الألباب مقبولُ

حبك الشيء يعمي ويصم.
الحب مر؛ والعمى معروف وأعميته: فعلت به ذلك. وكذا الصمم وأصممته.
(2/95)

وهذا أيضاً يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم. والعمى هنا يحتمل أن يكون عمى البصر وهو ظاهر أو عمى البصيرة وهو أدق وأليق.
والمعنى أنَّ المرء إذا أحب شيئا غلبت محبته على قلبه فلا يرى رشده ولا ينظر عاقبته ولا يسمع عاذله. والصمم هنا مجاز أيضاً عن عدم الإصغاء إلى المسموع وعدم الاهتبال به والانتفاع به. فكأنه أصم لا يسمع كما قال تعالى:) صمٌ بكمٌ عميٌ (. وقال الشاغر:
صمٌ إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بشرٍّ عنهم أذنوا
وقال الأخر:
فأصممت عمراً وأعميته ... عن الجود والفخر يوم الفخار
وفي معنى المثل قال الإمام البوصيري رحمه الله تعالى:
محضتني النصح لكن لست أسمعه ... إنَّ المحب عن العذال في صممِ
وهذا المثل يضرب في الحذر من اتباع الهوى وما يؤمر به من اجتنابه.
وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم: جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم! وقال الشاعر:
إذا طالبتك النفس يوماً بشهوةٍ ... وكان عليها للخلاف طريقُ
فخالف هواها ما استطعت فإنما ... هواها عدوٌ والخلاف صديقُ
وقال الأخر:
وفي الحلم والإسلام للمرء وازعٌ ... وفي ترك طاعات الفؤاد المتيمِ
بصائر رشدٍ للفتى مستبينةٌ ... وأخلاق صدق علمها في التعلمِ
وفي هذا المعنى ما لا يحصى من الشعر والنثر يأتي في الحكم إن شاء الله تعالى

حبل فلان يفتل.
الحبل بالفتح فالسكون: الرباط وهو معروف. وجمعه حبال وأحبال. قال الشاعر:
(2/96)

أمن أجل حبلٍ لا أباك ضربته ... بمنسأةٍ؟ قد جر حبلك أحبالا
وفتل الحبل معروف. قال امرؤ القيس:
فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل!
أي بكل حبل أحكم فتله. ويقال: حبله يفتل إذا كان مقبلا على أمر.

حتفها تحمل ضأنٌ بأظلافها.
الحتف: الموت. والأظلاف جمع ظلف بالكسر وتقدم تفسيره. وهذا المثل يضرب في الهلاك يجتلبه القدر غمدان الإنسان أو يجره على نفسه. وأصله أنَّ النعمان بن المنذر عمد إلى كبش فعلق في عنقه مدية وأرسله يرعى ونذر أن يقتل من تعرض له. فكان الكبش يخرج ولا يمس. ثم مر على أرقم بن علباء اليشكري وقيل على علباء بن أرقم اليشكري فقال: كبش يحمل حتفه بأظلافه! ووثب عليه فذبحه وأشتواه. فقال في ذلك شعرا طويلا منه:
أخوف بالنعمان حتى كأنني ... ذبحت له خالاً كريما أو أبن عمُ
وقال أبو عبيد إنَّ هذا المثل تمثل به حريث بن حسان الشيباني بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم لقيلة التميمية وكان قدم بها الذي النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في قصة طويلة حتى قالت قيلة: فقدمنا تعني مع حريث على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصليت معه الغداة حتى إذا طلعت الشمس دنوت. فقال رجل: السلام عليك يا رسول الله! فقال رسول الله: وعليك السلام! وهو قاعد القرفصاء. فقالت: فتقدم صاحبي فبايعه على الإسلام فقال: يا رسول الله اكتب لي بالدهناء. فقال: يا غلام اكتب له. قالت: فشخص بي وكانت وطني وداري. فقلت: يا رسول الله الدهناء مقيد الجمل ومرعى الغنم وهذه نساء بني تميم وراء ذلك. قال: صدقت المسكينة! المسلم أخو المسلم يسمعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان. وقال رسول الله صلى
(2/97)

الله عليه وسلم: أيلام أبن هذه أن يفصل الخطة وينتصر من وراء الحجر؟ انتهى.
وهذا المثل هم مثل قولهم: بحث عن حتفه بظلفه وتقدم.

حتَّام تكرع ولا تنفع؟
حتى هنا حرف جر دخلت على ما الأستفهامية. ويقال كرع في الماء وفي الإناء بفتح الراء وكسرها كروعا وكرعا إذا تناول بفيه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء. والكرع بفتحتين: الماء يكرع فيه يجتمع من ماء السماء في غدير أو نحوه. قال عدي أبن الرقاع يصف راعي الإبل:
يسنها ابلٌ ما إن يجزئها ... جزءاً شديداً وما أن ترتوي كرعا
ويقال: نقع الرجل بالشراب وبالخبز بفتح القاف إذا استشفى به من غليله. قال كثير:
فما نقعت نفسي بما أمروا به ... ولا عجت من أقوالهم بفتيلِ
والمثل ظاهر معنى ومضرباً.

المحاجزة قبل المنازلة.
ويقال أيضاً: أن أردت المحاجزة فقبل النازلة. يقال حجزه عن الأمر إذا كفه عنه وصرفه فأنحجز هو. وحجز بين الناس فصل بينهم. وتحاجز القوم كف بعضهم عن بعضا. والحجز بفتحتين الذين يمنعون بعض الناس عن بعض ويفصلون بينهم جمع حاجز. ويقال: نجز حاجته وأنجزها: قضاها. والمناجزة المقابلة. وتناجز القوم تلاحموا وتقاتلوا. والمعنى إنَّ المحاجزة والمسالمة إنّما تكون قبل المناجزة والوقوع. فيضرب عند الحزم والفرار ممن لا يطاق أو عند طلب الصلح بعد القتال.
(2/98)

حدأ حدأ وراءك بندقةٌ.
الحداأة بكسر الحاء وفتح الدال المهملة بعدها همزة: الطائر المعروف جمعه حدأٌ مثل عنبة وعنب. قال الراجز: كما تدانى الحدأ الأوي.
وقال الأخر:
وتباىالألى يستلئمون على الألى ... تراهن يوم الروع كالحدأ القبلِ
وضمير تبلي للمنون في البيت قبله. يقول: إنَّ المنية تبلي الين يستلئمون أي يلبسون اللأمات للقتال على الألى أي على النساء اللأئي تراهن يوم الروع أي يوم الفزع كالحدأ القبل جمع قبلاء وهي الناظرة بمقدمة العين. يصفهن بالإشفاق على أزواجهن فهن ينظرن إليهم هل سلموا. والبندقة بالضم هي التي يرمى بها. وحدأ في المثل أصله: يا حدأة وراءك بندقة! أي أحذري بندقة الرامي تصبك! وقيل إنَّ حدأ هي حدأ بن نمرة وبندقة هي بندقة بن مظلة وهما قبيلتان من سعد العشيرة. وكانت حدأ تنزل الكوفة فأغاروا على بندقة وكانوا ينزلون باليمن فنالوا منهم ثم كرت بندقة على حدأة فانحوا عليهم فصار يضرب لمن يفزع بعدوه أو يبلى بنظيره. ومن الناس من يرويه: حدا حدا بفتح الحاء غير مهموز على مثل عصا ويقول هو اسم القبيلة.
ويروى: حدث حديثين المرأة فإنَ أبت فعشرة. والحديثان والأربعة والعشرة أعداد معروفة. والمرأة فيها أربع لغات. يقال امرأة ومرأة ومرة ومراة. ويروى: حدث المرأة حديثين فإن لم تفهم فأربع. يقال: يربع إذا وقف وحبس. والمعنى: حدث حتى إذا كررت الحديث فلم يفهم عنك فأمسك ولا تتعب نفسك!
(2/99)

يضرب في سوء السمع والإجابة. وهذا المعنى ظاهر في الرواية الأخيرة. وأما الروايتان الأوليتان فأولهما رواية أبي عبيد. قال البكري: وتصح على حذف يريد حدث حديثين المرأة فإن لم تفهم فأربعة لا تفهمها. وعلى الرواية الأخرى: فعشرة لا تفهمها. انتهى.
قلت: وهذا المثل من الأمثال الموضوعة على ألسنة العجماوات. زعموا أنَّ الأرنب التقطت ثمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا إلى الضب يختصمان. فقالت الأرنب: يا أبا الحسل! فقال: سميعا دعوت. قالت: أتيناك انختصم إليك فأخرج إلينا. قال: في بيته يؤتى الحكم. قالت: إني وجدت ثمرة. قال: حلوة فكليها. فقالت: فاختلسها مني الثعلب. قال: لنفسه سعى. قالت: فلطمته. قال: حقك أخذت. قالت فلطمني. قال: حر انتصر. قالت: فاقض بيننا! قال: حدث امرأة حديثين فإن لم تفهم فأربعة! وهذه المقالة المنسوبة إلى الضب كلها أمثال سائرة.

حديث خرافة يا أم عمرو!
الحديث معروف. وخرافة على مثل أسامة، رجل من عذرة استهوته الجن ثم نجا. فكان يخبر بأمور غريبة فكذبوه وقالوا: حديث خرافة ثم ضربوا به المثل وجعلوه لكل حديث مستملح أو لكل حديث لا حقيقة له. وهو مثل سائر قديما وحديثا. وقيل إنَّ خرافة كان له تابع من الجن فكان يخبره بأشياء عجيبة فيتحدث بها فتكون كما ذكر فنسبوه إليه الأحاديث الصادقة المعجبة الصادقة. قال الجوهري: ويروى عنه صلى الله عليه وسلم إنّه قال: وخرافة حق. انتهى.
وذكر بعض الأدباء إنّه روي بسند متصل إلى عائشة رضي الله عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: حدثني بحديث خرافة! فقال: رحم الله خرافة! كان رجلا صالحا فأخبرني أنه خرج ذات ليلة فلقي ثلاثة نفر من الجن فأسروه فقال أحدهم: نعفو عنه. وقال آخر: نقتله. وقال آخر: نستعبده. فبينما هم يتشاورون في أمره ورد عليهم رجل فقال: السلام عليكم! فقالوا وعليكم السلام! قال: وما أنتم عليه؟ قالوا: نفر من الجن أسرنا هذا فنحن نتآمر في
(2/100)

أمره. قال: إن حدثتكم حديثا عجبا أنَّ تشركوني فيه؟ قالوا: نعم! قال: إني كنت ذا نعمة فزالت وركبني دين فخرجت هاربا. فأصابني عطش شديد فصرت إلى بئر فسبرت لأشرب فصاح بي صائح منها ولم أشرب. فغلبني العطش فعدت فصاح بي ثم عدت الثالثة فصاح بي فشربت ولم ألتفته. فقال: اللهم إن كان رجلا فحوله امرأة وإن كان امرأة فحولها رجلا. فإذا أنا امرأة فأتيت مدينة فتزوجني رجل فولدت منه ولدين. ثم تقت إلى بلدي فمررت بالبئر التي شربت منها فصاح بي كما صاح أولا. فشربت ولم ألتفت. فدعا كالأول فعدت رجلا كما كنت. فأتيت بلدي فتزوجت امرأة فولدت لي منها ولدان: فلي اثنان من ظهري واثنان من بطني. فقالوا: إنَّ هذا لعجب! أنت شريكنا فيه. فبينما هم يتشاورون ورد عليهم ثور يطير. فلما جاوزهم إذا برجل بيده خشبة يحضر في أثره. فوقف عليهم فسألهم فردوا عليه مثل مردهم على صاحبهم فقال: إن حدثتكم بحديث أعجب من هذا أنَّ تشركوني فيه؟ قالوا: نعم! قال: كان لي عم وكان لعمي عجل يربيه فأفلت فقال: أيكم رده فابنتي له. فأخذت خشبتي هذه وائتزرت ثم أحضرت في أثره وأنا غلام. وقد شبت فلا أنا ألحقه ولا هو ينكل. فقالوا: إنَّ هذا لعجب! أنت شريكنا فيه. فبينما هم كذلك ورد عليهم رجل على فرس له أنثى وغلام له على فرس. فسلم كما سلم صاحباه فردوا عليه كردهم على صاحبيه. فسألهم فأخبروه فقال: إن حدثتكم بحديث أعجب من هذا أنَّ تشركوني فيه؟ قالوا نعم! قال: كانت لي أم خبيثة. ثم قال للفرس الأنثى التي تحته: أنَّ كذلك؟ فقالت: نعم! وكنا نتهمها بهذا العبد وأشار إلى الفرس تحت غلامه: أنَّ هكذا؟ فقال برأسه نعم! فوجهت غلامي هذا الراكب على هذا الفرس في بعض حاجاتي فحبسه عندها فأغفى فرأى في منامه
(2/101)

كأنها صاحت صائحة فإذا هو بجرذ قد خرج فقالت: أسجد! فسجد. ثم قالت: اكرب! فكرب. ثم قالت: ازرع! فزرع. ثم قالت: ادرس! فدرس. ثم دعت برحى فطحنت قدح سويق فأتت به الغلام وقالت له: ائت به مولاك! فأتاني به. فاحتلت عليها حتى سقيتها القدح فإذا هي فرس أنثى وإذا هو فرس ذكر. أكذلك؟ فقالت الفرس الأنثى برأسها: نعم! وقال الفرس برأسه: نعم! فقالوا: إنَّ هذا أعجب شيء سمعناه أنت شريكنا! فاجتمع رأيهم فأعتقوا خرافة. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بهذا الحديث. فما جاء من الأحاديث المحالية نسب إلى خرافة صاحب الحديث. انتهى.
وقال في الصحاح: الراء في خرافة خفيفة ولا يدخله الألف واللام لأنه معرفة علم؛ إلاّ أن تريد به الخرافات الموضوعة من حديث الليل. انتهى.
وقد استعمل اليوم في عرفنا اسما للحديث المستملح. يقول الرجل لصاحبه: اذكر لي خرافة أي حديثا من ذلك النوع ويحلى بالألف واللام لذلك.

الحديث شجون.
ويقال أيضاً ذو شجون. والشجون بضم الشين جمع شجن بفتح فسكون وهو الطريق في الوادي. والشواجن والشجون أيضاً: الأودية الكثيرة الشجر. قال:
لمّا رأيت عدي القوم يسلبهم ... طلح الشواجن والطرفاء والسلم
أو جمع شجنة بكسر الشين وهي الصدع في الجبل. والشجن بفتحتين غصن الشجرة المشتبك والشعبة في كل شيء والحاجة حيثما كانت. يقال لي بموضع كذا شجن. قال الراجز:
إني سأبدي لك فيما ابدي ... لي شجنان: شجن بنجد
وشجن لي في بلاد السند
(2/102)

والجمع أيضاً شجون. والشجنة أيضاً مثلثة الشين والعروق المشتبكة. يقال: بيني وبين فلان شجنة رحم أي قرابة مشتبكة.
وفي الحديث: الرحم شجنة من الله أي مشتبكة اشتباك العروق.
ومعنى المثل إنَّ الحديث ذو فنون وأغراض وطرق يدخل بعضها في بعض ويتشعب بعضها من بعض كالطرق المشتبكة المتقاطعة أو الأغصان والعروق. يضرب في الحديث سيذكر به حديث غيره. ومن ثم يضربه القصاص والأئمة عند استطراد المسائل والخروج من غرض إلى آخر. وقال الفرزدق:
وإن كنت قد سألت دوني فلا تقم ... بأرض بها بنت الهوى تكون
فلا تأمنن الحرب إذا استعارها ... كضبة إذ قال: الحديث شجون
والاستعارة بالسين والعين المهملتين من استعار النار. وروي اشتغار بالشين والغين المعجمتين أي هيجانها وثورانها وانتشارها ومن قولك: شغر برجله. يقول: إنَّ الحرب سببها الكلام كما قال الآخر:
فإنَّ النار بالزندين تورى ... وإنَّ الحرب أولها كلام
ويقال الحرب أولها نجوى وأوسطها شكوى وآخرها بلوى.
وقلت مضمنا لهذا المثل في غرض:
تمنى بأوباش فتوح مدائن ... وذاك لعمري ضلة وجنون
فأضحى كعمر إذ ترجى مراده ... بجيش مراد والحديث شجون
وتقدم خبر عمرو بن أمامة مع مراد في الباب الأول.

حدث عن البحر ولا حرج!
البحر معروف والحرج بفتحتين الضيق والاثم. وهذا يروى في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنّه قال: حدثوا عن البحر ولا حرج أي حديث لا حرج عليكم في التحديث عنه فتكون الجملة حالية. وقد جعل هذا مثلا في الشيء الكثير الذي لا ينحصر أو لا يكاد بمعنى إنَّ المحدث عنه لا يضيق عليه المجال ولا يعزوه مقال.
(2/103)

وورد من هذا النحو أيضاً حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج وفي ذلك تأويلات ذكرها المحدثون ولا حاجة إلى التعرض لها. والمقصود من التمثيل واضح.
وقال أبن اللبانة:
وألغوا حديث البحر عند حديثه ... فكم بين ذي مد وكم بين ذي جزر

حدث عن معن ولا حرج!
وهو معن بن زائدة الشيباني الجواد المعورف.

الحديد بالحديد يفل.
الحديد معروف وكذا الفل. وهذا المثل يضرب في الرجل القوي يلقى قرينه في البسالة والنجدة. وكان الوليد بن طريف الشيباني لمّا خرج على الرشيد اشتدت شوكته فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فقتله. فقال بكر بن النطاح:
وائل بعضها يقتل بعضا ... لا يفل الحديد إلاّ الحديد
لو تلقى الوليد غير يزيد ... لغدا ظاهرا عليه الوليد
ولمّا قتل الوليد رثته أخته الفارعة بنت طريف بشعرها المعروف منه:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على أبن دريف؟
فتى لا يعد الزاد إلاّ من التقى ... ولا المال إلاّ من قنى وسيوف
وهي قصيد معروفة.

الحذر قبل إرسال السهم.
الحذر بفتحتين والحذر بكسر فسكون الاحتراز. يقال حذر بالكسر يحذر فهو حذر والإرسال: الإطلاق والمراد هنا الرمي والسهم معروف. وهذا من الأمثال العجماوية أيضاً.
زعموا إنَّ غرابا رأى رجلا فوق سهما ليضرب به. فأراد ابنه أن يطير فقال له: يا بني اثبت حتى تعلم ما يريد الرجل. فقال له ابنه: يا أبت الحذر قبل إرسال السهم
(2/104)

فذهبت مثلا. وهو يحسن أن يضرب عند الأمر بالاحتراز والاستعداد للمحذور قبل وقوعه وقبل فوات محل الحذر. وذلك ظاهر.

أحذر من ضب حرشته.
الحذر مر والضب الحيوان المعروف والحرش صيادته. يقال: حرش الضب يحرشه حرشا فهو حارش وذلك أن يحرك يده في فم جحره ليظنه حية فيخرج ذنبه ليضرب بها فيقبض على ذنبه ويمتلخه من الجحر قال الشاعر:
وأخدع من ضب إذا جاء حارش ... أعد له عند الذنابة عقربا
ومن هذا المثل الآتي: هذا اجل من الحرش.
أحذر من غراب.
الحذر تقدم والغراب معروف وتقدم أيضاً ويضرب به المثل في شدة الحذر وذلك معروف مشهور.
وقد قال بعض الحكماء: أخذت من كل شيء أحسنه حتى انتهى بي الأمر إلى الكلب والهرة والخنزير والغراب. فقيل له: ما أخذت من الكلب؟ قال: إلفه لأهله وذبه عن صاحبه. فقيل له: ما أخذت من الهرة؟ قال: حسن تأنيها وتملقاها عن المسألة. فقيل: ما أخذت من الخنزير؟ قال: بكوره من حوائجه. فقيل: ما أخذت من الغراب؟ قال: شدة حذره.

حذو النعل بالنعل.
تقول: حذوت النعل أحذوها حذوا إذا قطعتها وقدرتها وحذوت النعل بالنعل إذا قدرتها وقطعتها عليها. والنعل معروفة. والمثل يضرب في التساوي والتشابه. تقول في الشيئين يستويان: هما حذو النعل وذلك لأن كلا من النعلين تقدر بالأخرى وتقاس بقالبها. ومن ذلك قول الهذلي:
(2/105)

وتأملت السبت الذي أحذوله ... فأنظر بمثل حذائه أخذولي
ويقال أيضاً: احتذيت حذو فلان أي فعلت فعله.

الحرب خدعة.
الحرب معروف مؤنث وقد يذكر. ويقال رجل حرب ومحرب أي شديد الحرب شجاع ورجل حرب أي عدو للواحد والجميع وللأنثى أيضاً. قال نصيب:
وقولا لها: يا أم عثمان خلتي ... اسلم لنا في حبنا أنت أم حرب؟
والخدع الختل. يقال: خدعه يخدعه أي ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم. ولفظ خدعة هاهنا روي مثلثا والذي في الصحاح الفتح والضم مع سكون الدال. قال والفتح افصح. وروي أيضاً خدعة على مثال همزة. والمعنى إنّها تنقضي بخدعة. والذي يقتضيه الاتقاق لغة في هذا الضبط إنَّ الخدعة بضم الخاء وصف. فإن كان بفتح الدال كهمزة فهو وصف للرجل يكون كثير الخدع للناس. وإن كان بسكونها فهو وصف للذي يخدع. والخدعة بفتح فسكون مصدر وهو المرة من الخدع وبالكسر للهيئة من ذلك. وهذا الكلام يروى حديثا.

الحرب سجال.
الحرب مر والسجال يكون جمع سجل بفتح السين وسكون المعجمة وهو الدلو فيها ماء. ولا يقال لها سجل إلاّ وفيها ماء والمساجلة: المفاخرة والمباراة في السقي بالسجال. قال الفضل بن عباس بن عتيبة بن أبي لهب وقد وقف على زمزم:
من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب
ثم استعملت المساجلة في المعارضة والمباراة في كل شيء من سبق أو رمي أو غير ذلك. وتساجلا: تباريا.
ومعنى المثل إنَّ الحوب دول بين الناس: سجل منها على هؤلاء وسجل على هؤلاء كما قال أبو سفيان لهرقل لمّا قال له: كيف الحرب بينكم وبينه؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان: الحرب بيننا وبينه جال: يدال علينا مرة وندال عليهم أخرى. وقال زهير:
(2/106)

تهامون نجديون كيدا ونجعة لك ... ليس أناس من وقائعهم سجل
وقد يضرب في غير الحروب من كل ما يشبهها من نزاع وجدال مثلا. ولفظ السجال في المثل جمع كما فسرنا أوّلاً. ولا يصح أن يكون مصدرا أي الحرب هو مساجلة. وحاصل الأمر واحد.

حرب عوان.
اعلم إنَّ العرب ضربوا للحرب المثل بأوصاف شتى: فمن السائر من ذلك العوان واللأقح والرباعية. يقولون: حرب عوان وحرب لاقح وحرب رباعية. أما العوان فاصلها في النساء وهي النصف في سنها وكذا في سائر الحيوانات. قال تعالى: لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك. ويقال العوان التي لها زوج. قال النابغة:
ومن يتربص الحدثان تنزل ... بمولاه عوان غير بكر
وهذا أيضاً نحتمل. والجمع عون بالضم. واشتقاق العوان من العون وهو القوة لأنها عرضة للأعانة إن استعينت. وأما العوان من الحروب فهي التي كانت قوتل فيها مأخوذ من عوان النساء كأنهم جعلوها في المرة الأولى بكرا ثم تصير ثيبا. قال أبو جهل يرتجز يوم بدر:
ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سن
لمثل هذا ولدتني أمي
وقال زهير:
إذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل
وقال الحماسي موسى بن جابر:
وإن رفعوا الحرب العوان التي ترى ... فعرضة نار الحرب مثلك أو مثلي
ومعلوم انهم ما وصفوها بالعوان إلاّ للمبالغة وإرادة إنّها شديدة لا مجرد إنّها قوتل فيها مرة. وكان ذلك لأجل إنَّ المبتكرة يخف أمرها لعدم استحكام الضغائن فيها بعد بخلاف التي تقدمها قتلا غرس في القلوب الضغائن وأحفظها وأكثر الأوتار. فذلك مظنة
(2/107)

الاشتداد مع عظم العود إلى الحروب على النفس ونفور النفوس منه وكراهيتها له كما قال الآخر:
الحرب أوّل ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ... عادت عجوز غير ذات حليل
شمطاء ينكر لونها وتغيرت ... مكروهة للشم والتقبيل
وأما تشبيه الأولى بالبكر والثانية بالعوان فذلك يكون لثلاثة اوجه: الوجه الأول إنَّ البكر من النساء هي التي لم تتقدم ممارستها ومخالطتها بخلاف العوان. وهذا بين وإليه أشار حبيب في التعبير عنها بالثيب حيث قال:
ولا اجتلبت بكر من الحرب ناهد ... ولا ثيب إلاّ منهم لها خطب
الثاني إنَّ البكر لصغر سنها وجسمها في الحملة تشبه المرة الأولى لخفتها والعوان لعظم جسمها في الجملة وسنها تشبه الثانية لقوتها واشتدادها. وهذا من التوهم الخيالي.
الثالث إنَّ البكر اسهل لغرتها وقناعتها بما تجد ولا كذلك العوان: فإنّها لاحتكاكها وتجربتها وطموح عينها اصعب محاورة واشد معاشرة وأدهى نكرا واعظم مكرا وهذا واضح. وقد يوصف بالعوان الأرض التي أصيبت بالمطر مرة بعد أخرى تشبيها كالذي مر. قال الحميد بن ثور الهلالي:
ولقد نظرت إلى أغر مشهر ... بكر توسن بالخميلة عونا
متسنم سنمتها متفجس ... بالدهر يملأ أنفسا وعيونا
لقح العجاف له لخامس خمسة ... وشربن بعد تحلئ فروينا
أراد بالأعر سحابا أبيض وبكونه بكرا أنه لم يمطر قبل ذلك وأراد بالخميلة الرمل ذات الشجر والعون جمع عوان وهي الأرض التي أصابها المطر مرة. ومعنى توسنها طرقها هذا السحاب ليلا عند الوسن أي النوم تقول: توسنت الرجل إذ أتيته وهو وسنان. والسنمات العظام الأسنمة من الإبل وأطلقها هنا على التلال والأكم. وقوله متنسم يريد يتسنمها أي يعلوها كالفحل الذي يتسنم الاينق. وقوله:
(2/108)

متفجس أي متبكر بالدهر، أي رعده، تشبيها بهدر البعير؛ والعجاف أراد بها الأرضين المجدبة مجازاً؛ ومعنى لقحت حملت؛ أي أنبت عشبها. وقوله بعد تجلئ أي شربت بعد امتناع من الماء زمانا، من قولك: حلأته، أي دفعته وطردته. وأما اللاقح فأصلها في الحيوان أيضاً. يقال: لقحت الناقة بالكسر إذا حملت وألقحها الفحل، فهي لاقح ولقوح ولقحة بالكسرو يفتح. وحمع اللاقح لواقح ويجمع اللقوح لقح، وجمع اللقحة لقح، كقربة وقرب ولقح. وثم ضربوها مثلاً للحرب إذا عظمت واشتدت تشبيها لها بالناقة إذا جملت فعظم بطنها. قالت الفارغة بنت طريف:
ولم تسع يوم الحرب والحرب لاقح ... وسمر القنا ينكزنها بأنوف
ومنه قول زهير السابق: إذا لقحت حرب عوان مضرة.
ومن أبلغ ما ورد في هذا المعنى قوله أيضاً في ميميته، حيث وصف الحرب فقال:
وما الحرب إلاّ ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا ضريتموها فتضرم
فتعكرتم عرك الرحا بثفالها ... وتلقح كشافا ثم تحمل فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشام كلهم ... كأحمر عادٍ ثم ترضع فتفطم
فتغلغل لكم مالا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم
قوله تبعثوها ذميمة أي مذمومة، وكان الأفصح أن يقول ذميما، بغير هاء. ويروى بالدال المهملة، أي حقيرة، إشارة إلى معنى ما تقدم في قول الآخر: الحرب أول ما تكون فتية. وقوله عرك الرحا بثفالها، أي وهي على ثفالها. والثفال بالثاء المثلثة مكسورة ما يجعل تحت الرحا حال الطحن، يريد: تعرككم عرك الرحا إذا كانت طاحنة. وقوله تلقح كشافا: الكشاف إنَّ يحمل الفحل على الناقة سنتين ولاء أو كل سنة، أو أن تلقح حين تنتج، أو أن يضربها وهي حامل. وهي ناقة كشوفة، وقد كشفت تكشف، كشفا. وأراد أن هذه الحرب كلما خمدت عاجت. وقوله فتتئم، أي تأتي من حملها بتوءمين، وهذا تهويل وتعظيم لامر الحرب، وإيهام أنَّ شرها متكرر وهولها متضاعف. وشبهها بالناقة لما تقدم، ولأنها أيضاً يطول أمرها فتكون بمنزلة الناقة التي تضرب، ثم تحمل، ثم تنتج، ثم تفطم. وقيل لأنها يتحلب منها من الدماء مثل ما يتحلب من الناقة من اللبن. وقوله فتنتج لكم غلمان أشأم، فوضع أشأم
(2/109)

موضع المصدر، أو غلمان شؤم أشأم على المبالغة، ونحو شغل شاغل، وليل أليل؛ أو غلمان امرئ أشأم. وقوله كلهم كأحمر عاد يعني عاقر الناقة، وهو يضرب به المثل في الشؤم، وأراد أحمر ثمود، فأضافه إلى عاد غلطا، كما قال الآخر: مثل النصارى قتلوا المسيحا وقيل ليس بغلط، لأن ثمود يقال لها عاد الآخرة، وهو دهم عاد الأولى. قال: تعالى:) وإنّه أهلك عاداً الأولى (. وأما الرباعية بياء مخففة فهي أيضاً في الإبل، وهي في السن التي بين الناب والثنية. ويقال للذي ألقى رباعية ربع، وجمعه ربع، كقذال وقذل. ويقال للغنم في السنة الرابعة أربعت، وللبقر وذات الحافر في الخامسة، ولذات الخف في السابعة. وتقدم ذكر أسنان الإبل إنَّ الرباعي منها والرباعية بين الثني والسدس. ويقال: جمل وفرس رباع ورباع، ونظيره ثمانٍ وثمانٌ، ونشاحٍ وناشحٌ، وجوارٍ وجوارٌ؛ والأنثى رباعية، وتوصف الحرب بالرباعية لشدتها وقوتها. قال الشاعر:
إنها حرب رباعية ... مثلها آتي الفتى عبره
وقيل لأمرأة من العرب

الحر إذا خودع تخادع، وإذا عظم تواضع.
هذا مثل مصنوع، فيما أظن، وهو ظاهر المعنى. ومثله قول الشاعر:
إذا مدح الكريم يزيد خيراً ... وإنَّ مدح اللئيم فلا يزيد

حرة تحت قرة.
يقال: حر الرجل يحر، كظل يظل، حراراً وحرة، فهو حران وهي حرى، إذا عطش. الحرة في المثل مكسورة للازدواج. والقر بضم القاف البرد، أو برد الشتاء خاصة؛ والقرة بالكسر ما أصابك منه. وهذا المثل يضرب للأمر يظهر وبعده أمر خفي. وأصل الحرة تحت القرة إنّها العطش مع البرد وهو إذ ذاك ينحاز إلى الجوف فيكون سعيرا ومع ذلك لا يظهر من حال صاحبه لمّا هو فيه من البرد إنّه عطشان.
(2/110)

ويقال: اشد العطش حرة تحتب قرة ويقال أجد حرة تحت قرة ورماه الله بالحيرة تحت القرة.
وفي الأمثال العامة قولهم: الشتاء على قرني والعطش قتلني. وهذا يضرب لأمر آخر.

احر من دمع المقلات.
الحرارة ضد البرد كالحر والحرورة. يقال: حر اليوم يحر كمل يمل وحر يحر كفر يفر حرارة فهو حار والدمع معروف والمقلات من النساء التي لا يعيش لها ولد ومن النوق التي تضع ولدا تم لا تحمل مشتق من القلت بفتحتين وهو الهلاك. يقال قلت يقلت كفرح يفرح قلتا إذا هلك. وفي الخبر: المسافر ومتاعه على قلت إلاّ ما وقى الله تعالى. والمقلتة: المهلكة والقلات على وزن مفعال والجمع مقاليت كمقياس ومقاييس ومصباح ومصابيح قال طرفة:
لا تلمني إنّها من نسوة ... رقد الصيف مقاليت نزر
الرقد جمع رقود يعني أنهن مكفيات فهن يرقدن ولا يخدمن ولا يسعين وهن مقاليت لا تعيش أولادهن فيتحملن مؤنتهم وهن نزر أي قلائل الأولاد بالأصلة جمع نزور: فهن بذلك نعمات الأجسام نظائف الأذيال فائقات الكمال. وقال جرير في المفرد:
خشاش الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور
ووصف دمعه المقلات بالحرارة لأنها تبكي حزنا على أولادها وهم يصفون دمعة الحزن بالحرارة ومن ثم يقولون في الدعاء على الرجل اسخن الله عينه ويصفون دمعة الفرح بالبرد ومن ثم يقولون: قرت عين فلان في السرور والفرح وأقر الله عينه!
(2/111)

أحر من القرع
الحرارة تقدمت والقرع بفتحتين بثر أبيض يخرج من أعناق الفصلان وقوائمها ودواؤه الملح وحباب ألبان الإبل. فإذا لم يجدوا ملحا نتفوا أوبارها ونضحوا جلودها بالماء ومنه المثل. قال في الصحاح: وربما قالوا أحر من القرع بالتسكين يعنون به قرع الميسم وهو المكواة. قال:
كأن على كبدي قرعة ... حذارا من البين ما تبرد
قال: والعامة تريد به هذا القرع الذي يؤكل. انتهى.
قلت: وإنّما توهموا المأكول لأنّه تشتد حرارته إذا طبخ وتطول ولا يبرد بعد زمن حتى قالوا في زعاماتهم وأمثالهم: قال الذئب: لا آمنك يا قرع ولو كنت في الماء.

حر انتصر.
الحر بالضم خلاف العبد وحر كل شيء خياره والحر الجيد. يقال: ما هذا من فلان بحر أي جيد. قال طرفة بن العبد:
لا يكن حبك حبا قاتلا: ... ليس هذا منك ماوي بجر
وقال امرؤ القيس:
لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر ... ولا مقصر يوما فيأتيني بقر
والنصر الإعانة نصره على عدوه ينصره نصرا: أعانه وأستنصر: طلب النصر وانتصر منه: انتقم. وتقدم هذا المثل وإنّه من الأمثال التي نسبت إلى الضب في تحاكم الثعلب والأرنب إليه. يضرب للرجل يظلم فينتقم.

أحرس من الكركي.
يقال: حرس الشيء بالفتح يحرسه حراسة حفظه والكركي على مثال الجندي طائر معروف جمعه كراكي يوصف بالحذر والحراسة.
ويزعمون إنَّ الكركي تحرس مداولة فيبقى الذي يحرس منها لا ينام. ويهتف بصوت
(2/112)

خفي ينذر إنّه حارس حتى إذ قضى نوبته قام الذي كان نائما. ويقال إنّه لا يطأ الأرض أبداً إلاّ بأحدى رجليه ويعلق الأخرى ولا يضعها على الأرض وإن وضعها وضعها وضعا خفيفا مخافة أن تخسف به.

محترس من مثله وهو حارس.
الحرس والحراسة تقدم. وتقول: احترست منه وتحرست إذا تحفظت. وهذا المثل يضرب لمن يعيب الخبيث وهذا أخبث منه.
واصله شعر عبد الله بن همام يقول لرجل كان على شرط الكوفة للحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي يقال له الحمارس وهو:
أقلي علي اللوم يا ابنة مالك ... وذمي زمانا ساد فيه الحمارس
فساع من السلطان يسعى عليهم ... ومحترس ومن مثله وهو حارس
وكم قائل: ما بال مثلك راجلا؟ ... فقلت له: من أجل أنك فارس
إذا لم يكن صدر المجالس سيد ... فلا خير فيمن صدرته المجالس
ويروى: وذمي زمانا ساد فيه الفلاقس وهو جمع فلنقس. والفلنقس من أمة عربية وأبوه مولى. وقيل من أبواه عربيان وجدتاه أمتان. وقيل من أبواه موليان معا.

أحرص من نملة.
الحرص: الجشع يقال حرص يحرص كضرب يضرب وحرص يحرص كسمع يسمع حرصا. والنملة واحدة النمل وهو معروف. يقال إنّه ليس في الحيوانات من يحتكر الإنسان والعقعق والنمل والفأر. والنمل عظيم الاحتياط في الاحتكار. يقال إنّه إذا احتكر ما يخاف عليه أن ينبت قسمه نصفين وإذا خاف العفن على الحبوب أخرجه إلى ظاهر الأرض فنشره. وأكثر ما يفعل ذلك ليلا بضوء القمر.
(2/113)

حرق عليه الأرم.
الحرق: البرد. يقال: حرق الشيء يحرقه كقتله يقتله إذ برده وحك بعضه ببعض وحرق نابه يحرقه: حكه بأسنانه حتى سمع له صريف والأرم بضم الهمزة وفتح الراء المشدد على مثال ركع الأسنان أو أطراف الأصابع. والأرم أيضاً الحصا فيقال: فلان يحرق عليك الأرم أي تغيظ وأشتد غيظه. قال الراجز:
نبئت أحماء سليمى إنّما ... باتوا غضابا يحرقون الأرما
وقال زهير في معناه:
أبى الضيم والنعمان يحرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله
وقال الآخر:
يلوك من حرد عليك الأرما
أي يعلك أسنانه أو أصابعه. وقد قيل: الأرم هنا الشفاه ويحتمل الحصى وكل ذلك صحيح لأنّه يكون من شأن المتغيظ كما كان عد الحصى شأن الهموم في قول امرئ القيس:
ظلت ردائي فوق رأسي قاعدا ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي
وسميت الاسنان أرما من الأرم وهو الأكل إذ بها يكون. يقال: أرم ما على المائدة إذا اكله فلم يبق منه شيئاً. وهذا المثل هو مثل المثل الآتي: فلان يكسر عليك الفوق والأرعاظ.

حرك خشاشه.
التحريك معروف والخشاش بكسر الخاء المعجمة ما يدخل في عظم أنف البعير من خشب وهو إذا حرك تضرر البعير بذلك فيقال: حركت خشاش فلان أي
(2/114)

فعلت به فعلا يؤذيه ويغضبه. ويطلق الخشاش أيضاً على الغضب نفسه وعلى معان أخرى لا تناسب المحل.
وأما الخشاش بمعنى الحشرات فمثلث الأول.

حرك لها حوارها تحن.
الحوار بضم الحاء على وزن أوار ولد الناقة قبل أن يفصل وتقدم الحنين الشوق. يقال: حن إليه يحن بالكسر فهو حان وحنان إذا تاقت إليه نفسه. وهذا المثل قاله عمرو بن العاصي لمعاوية رحمهما الله حين أراد أن يستنصر بأهل الشام. وهو مثل المثل السابق: الإيناس قبل الابساس. وفي كلام أبي الوليد بن زيدون يخاطب أبن جهور: فما أبسست بك إلاّ لتدر وحركت لك الحور إلاّ لتحن.

حزت حازة من كوعها.
يضرب في اشتغال القوم بأمرهم عن غيره. ولم اقف له على أصل.

أحزم من الحرباء.
الحزم ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة. حزم الرجل بالضم يحزم حرامة فهو حازم وهم حزمة وحزماء والحرباء على مثال علباء والأنثى حرباءة والألف للإلحاق بالقرطاس: دويبة برية لها سنام يشبه سنام البعير وهي تستقبل الشمس أبداً بعينها وتدور معها كيف ما دارت قال كعب بن زهير رضي الله عنه:
يوم يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحية بالشمس مملول
وقال أبن الرومي:
ما ذاك إلاّ إنّها شمس الضحى ... أبداً يكون رقيبها الحرباء
قيل: ويتلون بألوان من صفرة وحمرة وخضرة كما قال الشاعر:
وقد جعل الحرباء يصفر لونه ... ويخضر من لفح الهجير غباغبه
(2/115)

ويوصف بالحزم والتحفظ، وذلك إنّه لا يزال متمسكا بأصل الشجرة، فلا يرسله حتى يستمسك بآخر.
قال الشاعر:
إني أتيح له حرباء تنضبةٍ ... لا يرسل الساق إلاّ ممسكا ساقا
أي لا يرسل ساقا من شجرة إلاّ في حالة إمساكه ساقاً آخر. والتنضبة شجر يتعلق به الحرباء. فهو مضاف إليه، كما تقول ذئب غضا.
ويروى أنَّ رجلا خاصم أبن عمه إلى معاوية، رضي الله عنه، فلما سمع حججه قال له: أنت كما قال الشاعر، وانشد البيت المذكور، وضربه مثلا لمّا هو فيه من اللدد والاحتجاج، بحيث لا يرسل حجة إلاّ متمسك بأخرى.

أحزم من عقابٍ.
الحزم مر؛ والعقاب تقدم في حرب الباء أيضاً، وهو يوصف بالحزم. وقالوا: من حزمه إنّه يخرج من بيضته على جبل عال، ولا يتحرك من مكانه ذلك حتى ينبت ريشه جميعا ويتكامل ولو تحرك قبل ذلك سقط.
أذكر في هذا المعنى ما أخبر صاحب التشوف في ترجمة الشيخ أبي مهدي الدغوغي، رحمهما الله ونفعنا بهما، قال: حدثني داود بن الخالق حدثني وين الخير قال: كنت بمسجد أبي مهدي ادرس القرآن. فكان يقعد عندي ويدلني على طريق الآخرة. فجاءه ليلة بعض إخوانه. فلما صلينا العتمة تأخرا في المسجد إلى إنَّ انصرف الناس. فخرجنا من أحد أبواب المسجد، فشدا على أنفسهما أثوابهما وتلثما. فرأيتهما وثبا من الأرض كهيئة الغرانيق الثقيلة تطير على وجه الأرض. ومازالا يعلوان في الهواء إلى أنَّ غابا عني، فانكسرت انكسارا عظيما ونالتني حسرة القصور عن أحوال الرجال، وتكاسلت عن القرآن، وبقيت مفكرا طول ليلتي. فلما كان وقت صلاة الصبح صلى معنا أبو مهدي مع صاحبه صلاة الصبح. ثم جاء وقعد عندي على عادته، فرآني منكسرا متكاسلا عن القرآن، فقال: مالك لا تقرأ؟ فسكت. فقال: لعلك رأيتني البارحة؟ فهملت عيناي بالدموع، فقلت له: رأيتكما وأريد أن أصحبكما إذا ذهبتما. فقال لي: يا بني إنَّ الفرخ إذا نبت رغبه لم يطر مع الطير حتى يكمل نبات ريشه! قال. فلما كان ذات ليلة قال لي:
(2/116)

اذهب إلى فلان في بلد تانوريت وهو بلد بني سمائل وقل له يأتيني لأصلي معه الصبح الآن، وبينهما مسيرة يومين، وقد قرب طلوع الفجر! قال. قلت في نفسي: كيف يمكن هذا؟ ثم تذكرت أحواله، فمشيت وتبعني ووادعني ورجع. فمشيت قليلا وأدركني شبه السنة، فما شعرت إلاّ وأنا أعاين مسجد تانوريت. فخرج إلي منه رجل فقال: بعثك إلي شيخ أبو مهدي؟ فقلت له نعم: وامرني أن أعلمك أن تصلي معه بمسجده الآن صلاة الصبح. فقال لي: تقدم! ودار حول المسجد، وغاب عني، وانقلبت راجعا. فأصابني أيضاً شبه السنة، فإذا أنا على قرب من مسجد أبي مهدي. فدخلت المسجد، فوجدت أبا مهدي وصاحبه يتحدثان وقد صليا صلاة الصبح. فصليت وظننت أني قد لحقت بالشيخ فأتيته. فقال لي: يا بني! أرأيت بعض ما يرى الرجال؟ فقلت له: يا سيدي، عسى أنَّ أصحبك في مسيرك إذ سرت طار الطائر الصغير قبل استكمال نبات ريشه مع الطائر الوافر الريش، فإنما يسير ميلين ويسقط في القفر، فيلتقطه الرعيان. وإنَّ جاء الرجال ليصلون إلى موضع لو طار الطائر إلى إنَّ يسقط ريشه وينبت آخر فطار حتى يسقط فينبت آخر، فطار حتى يسقط فينبت آخر، وما وصل موصل عباد الله الصالحين في طرفة عين.

أحزم من قرلى.
ويقال أيضاً: أحذر من قرلى؛ ويقال أيضاً: احزم أو أحذر من قرلى، إنَّ رأى خيرا تدلى، وإنَّ رأى شراً تولى أو تعلى.
الحزم تقدم، وكذا الحذر. والقرلى بكسر القاف والراء، وبعد اللام ألف مقصورة، ويحكى أيضاً في القاف التثليث، طائر شديد الحذر، ولا يرى إلاّ على وجه الماء على جانب يهوي بإحدى عينيه إلى الماء طعماً ويرفع الأخرى حذراً. فإنَّ رأى في الماء ما يصاد من السمك، أنقض عليه انقضاض السهم؛ وإنَّ رأى جارحا ذهب. ومن ثم: يقال: إنَّ رأى خيراً تدلى أي إلى الماء، وإنَّ رأى شرا أي ما يخافه تولى فراراً منه. وقيل: إنَّ قرلى في هذا المثل رجل من العرب كان لا يفوته طعام أحد، فحيثما كان الطعام
(2/117)

في ناحية توجه إليه؛ غير إنّه إنَّ صادف في طريقه خصوما مثلا ترك ذلك الطريق ولم يمر به. ومن ثم قالوا: اطمع من قرلي، والمراد به هذا الرجل. قيل: ويمكن إنَّ يكون هذا الرجل شبه بهذا الطائر، وسمي باسمه.

حسبك من شر سماعه.
يقال: احسبني الشيء يحسبني إحسابا، فهو محسب، أي كفاني. قال الشاعر:
إذا ما رأى في الناس حسنا يفوقها ... وفيهن حسن لو تأملت محسب
وقال الأخر:
وتقفي وليد الحي إنَّ كان جائعا ... وتحسبه إنَّ كان ليس بجائع
وقالت الخنساء:
يكبون العشار لمن أتاهم ... إذا لم تحسب المائة الوليدا
وهذا الشيء حساب، أي كافٍ. قال تعالى:) عطاء حسابنا (. وحسبك درهم، أي يكفيك. قال تعالى:) حسبك الله (. وقال الشاعر:
إذا كانت الهيجاء واشتقت العصا ... فحسبك والضحك سيف مهند!
أي يكفيك ويكفي الضحاك.
وقال امرؤ القيس:
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وري
وهذا الشعر ينسبه الناس لامرئ القيس، وهو في ديوانه وقبله:
ألا إلاّ تكن ابل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي
وجاد لها الربيع بواقصاتٍ ... فآرام وجاد لها الولي
إذا مشت حوالبها أرنت ... كأن القوم صبحهم نعي
فتوسع أهلها أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى وشبع وري
(2/118)

وسبب قوله ذلك أنَّ بني النبهان، لمّا لم يقدروا أنَّ يفتكوا له إبله التي أخذتها جذيلة وأخذت منهم رواحله التي ركبوها في رد الإبل، استحيوا من ذلك فوهبوا له المعزى التي وصفها. وكان الأصمعي ينكر نسبة هذا الشعر لامرئ القيس ويقول: امرؤ القيس لا يقول مثل هذا، واحسبه للحطيئة. وسبب إنكاره قوله: وحسبك من غنى شبع وري، فإن هذا مناف لحال امرئ القيس ولمّا كان يقول في شعره من أنَّ مطلوبه الملك، لا ما دونه، كقوله:
ولو إنّما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
قلت: وأنت خبير بأنه، مع حالته هذه، لا بعد في أنَّ يقول لوجهين: أحدهما أنَّ يقوله استهزاء ببني نبهان، حيث أغير عليه في جوارهم، ثم ركبوا رواحله في رد إبله، فانتزعت منهم زيادة على ما ذهب من الإبل، فوقعوا في هوان عظيم وذله وصغار. ثم لم ينتصروا وجعلوا يعطونه معزى عن الإبل العكر والرواحل النجب، فعظم أمر المعزى ضحكا منهم، وذلك هجاهم حيث يقول:
فدع عنك نهبا صيح في حجراته ... ولكن حديثا ما حديث الرواحل!
كأن دثار حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل
وأعجبني مشي الخزقة خالدٍ ... كمشي أتان حلئت في المناهل
خالد هذا هو الذي مشى في ردها فانتزعت منه الرواحل.
الثاني إنَّ يريد ظاهره، وهو إنّها كافية، قائمة مقام الإبل الذاهبة شبعا وريا. ولا يعني إنَّ ذلك منيته وبغيته من الدنيا، وإنَّ ذلك كاف من يطلب العيش، ولا يعني نفسه.
وقال نصيب:
وقال رجال: حسبه من طلابها ... فقلت: كذبتم ليس لي دونها حسب!
وقبل هذا البيت قوله:
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ... وقل إنَّ تمثيلنا ملك القلب
وقل: إنَّ ننل بالود منك محبة ... فلا مثل ما لاقيت في حبكم حب
وقل في تجنيها: لك الذنب إنّما ... عتابك من عاتبت فيما له عتب
فمن شاء رام الصرم أوقال ظالما ... لذي وده ذنب وليس له ذنب
(2/119)

خليلي من كعب ألما هيتما ... بزينب لا تفقدكما أبدا كعب
من اليوم زوارها فإن ركبنا ... غداة غدٍ عنها وعن أهلها نكب
وقولا لها: يا أم عثمان خلتي ... أسلم لنا في حبنا أنت أم حرب؟
وقال رجال: حسبه من طلابها " البيت " وكان جرير يقول: " وددت أني سبقت أبن السوداء إلى هذه الأبيات! " يعني نصيبا.
وقال الأعرابي:
وحسبك من خمر يفوتك ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمر!
ولهذا الشعر حطاية ظريفة عن بعض أصحاب الأصمعي قال: ما رأيت كأعرابي وقف علينا وسلم وقال: أيكم الأصمعي؟ فقال له: هاأنا ذا! قال: أنت الذي يزعم هؤلاء انك أعرفهم بالشعر؟ قال: فمن هو اعلم مني؟ قال: أنشدوني من شعر أهل الحضر حتى أريه من شعرنا، فأنشده شعراً قيل في مسلمة بن عبد الملك:
أمسلم أنت البحر إنَّ جاء واردٌ ... وليث إذا ما الحرب طار عقابها
وأنت كسيف الهندواني إنَّ غدت ... حوادث من حرب يعب عبابها
ولا خلقت أكرومة في امرئ له ... ولا غاية إلاّ إليك مآبها
كأنك ديدان عليها موكل ... بها وعلى كفيك يجري حسابها
إليك رحلنا العيس إذ لم نجد لها ... أخاثقةٍ يجرى لديه ثوابها
فتبسم الأعرابي وهز رأسه، فظننا إنّه استحسن الشعر، ثم قال: هذا شعر مهلهل النسج، خطؤه من صوابه: تشبهون الملك بالأسد، والأسد أبخر قبيح المنظر، وبالبحر، والبحر مر صعب، وبالسيف، وربما خان ونبا. هلا أنشدتموني كما قال صبي منا؟ فقال له الأصمعي: ما قال؟ فأنشد:
إذا سألت الورى عن كل مكرمةٍ ... لم يعز أكرمها إلاّ إلى الهول
فتى جواد أذاب المال نائله ... فالنيل يشكوا لديه كثرة النيل
والموت يكره إنَّ يلقى منيته ... في كره عند لف الخيل بالخيل
لو زاحم الشمس أبقى كاسفة ... أو زاحم الصم ألجاها إلى الميل
(2/120)

أمضى من النجم إنَّ نابته نائبةٌ ... وعند أعدائه أجرى من السيلِ
يقصر المجد عنه في مكارمه ... كما يقصر عن أفعاله قولي
قال اللراوي: فبهتنا والله بما رأينا. فتأنى قليلا ثم قال: ألا تنشدني يا أصمعي شعرا ترتاح إليه النفس؟ فأنشدته قول عدي بن الرقاع:
وناعمةٍ تجلو بعود أراكةٍ ... مؤشرةٍ يسبي المعانق طيبها
كأن بها خمراً بماء غمامةٍ ... إذا ارتشفت بعد المنام غروبها
أراك إلى نجد تحن وإنما ... هوى كل نفسٍ حيث كان حبيبها
فتبسم الأعرابي وقال: هذا قريب من الأول. ألا أنشدتني كما قلت:
تعلقتها بكراً وعلقت حبها ... وقلبي من كل الورى فارغٌ بكرُ
إذا احتجبت لم يكفك البدر فقدها ... وتكفيك فقد البدر إن حجب البدرُ
وما الصبر عنها إن صبرت وجدته ... جميلاً ولا في مثلها يحسن الصبرُ
وحسبك من خمر يفوتك ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمرُ
ولو أنَّ جلد الذر لامس جلدها ... لكان للمس الذر في جلها أثرُ
ولو لم يكن للبدر ضداً جمالها ... وتفضله في حسنها لصفا البدرُ
قال: الراوي: فقال لنا الأصمعي: اكتبوا ما سمعتم ولو بأطراف المدى في رقاق الأكباد! انتهى.
ويقال أيضاً: حسبك بكذا. قال أبو تمام:
نامت همومي عني حين قات لها: ... حسبي أبو دلفٍ حبي به وكفى!
وقال العباس بن الأحنف:
إن كان يرضيكم عذابي وأن ... أموت بالهجران والكربِ
فالسمع والطاعة مني لكم ... حسبي بما ترضون لي حسبي
والشر ضد الخير؛ أنَّ الشر يكفيك منه سماعه وإن لم تعاينه إما على معنى أنَّ الشر من
(2/121)

شناعته وقبحه يتبين بسماعه وإن لم تعانيه؛ أو أنه يحصل لك اتهام ما به من مجرد سماعه وإن لم تقدم عليه ولا انتسبت إليه؛ أو يكفي فيما انتسب إليك من الشر سماع الناس له وإن لم يعانوه. وهذا ما ذكر أبو عبيد أنَّ هذا المثل يضرب فيما يحذر من العار والعيب والمقالة السوء وإن كانت باطلا كقول الآخر:
قد فيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباً ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا؟
وإما على معنى الأمر أي: اكتف من الشر بسماعه ولا تعانيه والله أعلم.
والمثل لأم الربيع بن زياد العبسي وكان ابنها الربيع أخذ من قيس بن زهير درعا فعرض قيس لأم الربيع وهي على راحلتها في طريق فأراد أن يقبضها في الدرع فقالت: أين عزب عنك عقلك يا قيس؟ أترى بني زياد مصالحيك وقد ذهبت بأمهم يمينا وشمالا وقال الناس ما قالوا؟ إنَّ حسبك من شر سماعه. فذهبت كلمتها مثلا.
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب من شعراء الحماسة:
سائل بنا في قومنا ... وليكف من شر سماعه
قيساً وما جمعوا لنا ... في مجمع باقٍ شناعه
وبعده:
فيه السنور والقنا ... والكبش ملتمع قناعه
بعكاظ يعيش الناظر ... ين إذا هم لمحوا شعاعه
فيه قتلنا مالكاً ... قسراً وأسلمه رعاعه
ومجندلاً غادرنه ... بالقاع تنهشه ضباعه
تصف بهذا الكلام حرب الفجار بين قريش بعكاظ. وأرادت بقولها: وليكف من شر سماعه: أنا أوقعنا بهم من الشر ما ظاهر غني عن السؤال عنه والأخبار به.

تحسبها حمقاء وهي باخسٌ.
تقول: حسبت زيدا عالما بالكسر أحسبه وأحسبه محسبة ومحسبه وحسباناً بالكسر إذا ظننته؛ والحمقاء مؤنث الأحمق؛ والباخس من البخس وهو النقص والظلم. يقال: بخسه حقه يبخسه بخسا فهو باخس
(2/122)

وهي باخسة وباخس أيضاً. وورد به المثل وهو جائز كما قالوا: ناقة بازل ومغذ في السير وحائل. ومن شاء أن يؤنث في المثل أنث وهو الأصل.
وأصل هذا المثل أنَّ رجلا خلط بماله مال امرأة يظنها حمقاء فطمع فيها. فلما تقاسما أخذت جميع حقها ثم لم ترض بذلك فشكته حتى افتدى منها من المال بما أحبت. ثم إنَّ الناس ظنوا إنّه يغبنها فلاموه وقالوا له: كيف تخدع امرأة؟ فقال عند ذلك: تحسبها حمقاء وهي باخس أي ظالمة فذهبت مثلا يضرب في الرجل يتباله أو يطيل الصمت حتى يظن به التغفل وهو ذو دهاء ومكر. ونحوه قولهم: مخرنبق لينباع كما يأتي:

أحس وذق!
الحسو الشربي. تقول: حسا الرجل المرق يحسوه إذا شربه شيئا بعد شيء. وكذا تحساه. وحسا الطائر الماء يحسوه. قيل: ولا يقال شربه؛ والذوق معروف. والمثل يقال لمن تعرض للمكروه فوقع فيه ومعناه ظاهر.

الحسن أحمر.
الحسن: الجمال وهو معروف؛ والحمرة معروفة. ويريد بهذا المثل أنَّ من أراد الحسن صبر على أشياء يكرهها.
محسنةٌ فهيلي!
الإحسان في الفعل ونحوه ضد الإساءة؛ والهيل التفريغ والصب. يقال: هال عليه التراب يهيله هيلا وأهاله إهالة إذا صبه. وكل شيء صبه من غير كيل فقد هاله.
قيل: وأصل المثل أنَّ الهائلة بنت منقذ من بني عمرو بن سعد بن زيد مناة أم جساس بن مرة وهي أخت البسوس بنت منقذ التي كانت الحرب عليها بين وائل أربعين سنة ورد عليها ضيف ومعه جراب فيه دقيق. فقامت الهائلة وأخذت وعاء عندها كان فيه دقيق لتأخذ
(2/123)

من وعاء الضيف دقيقا. فجاء الضيف فلما بصرت به جعلت تأخذ من وعائها فتهيل في وعاء الضيف. فقال: ما تصنعين؟ فقالت: أهيل من هذا في هذا. فقال:

محسنة فهيلي! فسميت الهائلة بذلك وذهب قوله مثلا يضرب في استقامة الأمر قاله أبو عبيد. وقال غيره: يضرب للرجل يسيء في فعل فعله فيؤمر بذلك على سبيل الهزء به وهذا أظهر وأنسب بالأصل المذكور. نعم! يمكن أن ينقل إلى الجد حتى يقال للرجل يحسن حقيقة على وجه الاستزادة من فعله.

أحسن من طاووس.
الحسن مر؛ والطاووس على وزن قابوس طائر معروف بديع الشكل رائق الحسن وفي طبعه مع ذلك الزهو والخيلاء والإعجاب بريشه. وكان يقال: إنَّ الطاووس في الطير كالفرس في الدواب عزا وحسنا. وقال بعض الرجاز في وصفه:
سبحان من مِن خلقه الطاووس ... طير على أشكاله رئيسُ!
كأنه في نفسه عروس ... في الريش منه ركبت فلوسُ
تشرق في داراتها شموس ... في الرأس منه شجر مغروسُ
كأنه بنفسج يميس ... أو هو زهر جرم ينوسُ

أحشك وتروثني!
الحشيش ما يبس من الكلأ؛ وحششته أنا: قطعته؛ وحششت الفرس: ألقيت إليه الحشيش؛ والروث معروف. يقال: راثت الدابة تروث روثا. وهذا المثل يضرب لمن أحسنت إليه فأساء إليك. فانه قد صار بمنزلة الفرس إذا ألقيت إليه الحشيش فلطخك بروثه. وهذا ظاهر.

أحشفاً وسوء كيلةٍ؟
الحشف بفتحتين أردأ التمر. قال امرؤ القيس:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
(2/124)

وكليلة بكسر الكاف الهيئة من الكيل. يقال: كال له الطعام، وكاله إياه كيلا؛ وكال كيلة واحدة بالفتح وكيلة حسنة أو قبيحة بالكسر ومعنى المثل: أتجمع على أنَّ تعطيني حشفا وتكيل لي سيئة؟ ويضرب للأمر يكره من جهتين. وكان أصله إنَّ رجلاص اشترى تمرا من عند آخر فأتاه بتمر رديء، ثم أساء له الكيل مع ذلك، فقال له ذلك.
احطط عن راحلتك فقد بلغت!

الحفائظ تحلل الأحقاد.
الحفائظ جمع حفيظة، وهو الغضب والحمية، والأحقاد جمع حقود والمعنى انك إذا رأيت حميك وقريب يظلم، وفي قلبك عليه ضغن، دعتك الحمية إلى نصره وزال عن قلبك ما فيه من بغضه، كما قال الشاعر:
أخوك الذي لا تملك الحس نفسه ... وترفض عند المحفظات الكتائف
وسيأتي زيادة في هذا المعنى.

الحق أبلج، والباطل لجلج.
الحق خلاف الباطل؛ والأبلج الواضح، ويقال الصبح بالفتح يبلج بالضم بلوجاء، وبلجت الشيء فتحته وأوضحته؛ وصبح أبلج: مشرق ومضيء. قال الراجز: حتى بدت أعناق صبح أبلجا.
وكذا الحق أبلج أي واضح ظاهر لا التباس به؛ واللجلجة والتلجيج: التردد في الكلام. ويقال: تلجلجت اللقمة في حلقه، أي ترددت ولم تنسغ. قال زهير:
تلجلج مضغة فيها أنيض ... أصلت فهي تحت الكشح داء
(2/125)

والمعنى إنَّ الباطل يردد من غير إنَّ ينفذ، وهو ظاهر.

تحقره وينتأ!
الحقر: الإذلال تقول: حقرت الرجل حقرا كضربته ضربا وحقرته تحقيرا، واحتقرته واستحقرته؛ وتقول: حقر الرجل كجلس وحقر يحقر ككرم إذا ذل والنتوء: الارتفاع، وتقول: نتأ الشيء ينتأ وتنوءاً إذا انتفخ وارتفع وقد تقول: نتأ ينتو، بغير همز. ومعنى المثل انك تحقره وتزدريه لسكونه، وهو يرتفع ويخادعك. وهذا مثل المثل السابق: تحسبها حمقاء وهي باخس.

حقك أخذت.
تقدم في كلام الضب مع الأرنب والثعلب وهو ظاهر المعنى.

تحككت العقرب بالأفعى.
الحك معروف، حككت الشيء، وحككن الشيء بالشيء، وتحاك الشيئان: حك كل منهما صاحبه، واحتككت بهذا الشيء: حككت نفسي عليه، وفلان يتحكك بي: يتعرض لشري؛ والعقرب معروف، يذكر ويؤنث، والأنثى منه عقرباء بالمد غير مصروف وعقربة والذكر عقربان. قال الشاعر:
كأن مرعى أمكم إذ غدت ... عقربة يكومها عقربان
ومرعى اسم الأم ويكومها ينزو عليها. والأفعى حية خبيثة. قال الراجز:
كأن صوت شخبها المرفض ... كشيش أفعى أجمعت لعض
والذكر افعوان بضم الهمزة والعين قال الراجز:
قد سالم الحيات منه القدما ... الأفعوان والشجاع الشجعما
(2/126)

ومغنى تحكك العقرب بالأفعى لصقت بها وحلقت حواليها أو تعرضت لشرها. يضرب لمن يصارع أو ينازع أو يخاصم من هو أقوى منه أو يتشبه بغيره ويحكي فعله ولا يقوى قوته.

احتك حكم الصبي على أهله!
الحكم: القضاء، ويقال: حكمت عليه بكذا حكما. وتقول: حكمته تحكيما إذا أذنت له أنَّ يحكم، فتحتم هو واحتكم. ولما كان الصبي مقبولا ما حكم به على أهله، ومسموعا ما طلب منهم، ومغتفرا ما تحامل به عليهم، ضرب الناس بحمه المثل في الناس كل من تسمع مقالته، ويتحمل انبساطه عليك، وتغفر دالته. كان أبو سفيان إذا نزل به جار قال له: انك قد اخترتني جاراً، واخترت داري داراً، فجناية يدك على دونك، فإن جنت يد فأحتكم علي حكم الصبي على أهله! وقال الشاعر:
ولا تحكما حكم الصبي فأنه ... كثير على ظهر الطريق مجاهله
ومن كلام أبي بكر بن القبرطانة يحق لي أنَّ أذهب شططا، وأتكلم منبسطا، وأبين غرضي كله ومذهبي، وأحتكم على مكارمه تحكم الصبي، وأبلغ بك كل أمل وأرب، وأملأ دلوي في رجائك إلى عقد الكرب. وأشار بهذا الأخير إلى قول القائل:
من يساجلني ماجداً ... يملا الدلو إلى عقد الكرب

أحكى من قردٍ.
يقال: حكيت الحديث وحكوته بالياء والواو ذكرته وحكيته عن فلان: نقلته عنه، وحاكيت قلانا وفعلت مثل فعله؛ والقرد بكسر القاف وسكون الراء معروف جمعه أقراد وقرود وقرد. وهذا الحيوان مع قبحه في الغاية من الإلهام والحذق بمحاكاة غيره وبالحرف وغيرها: فهو يعلم الخياطة والصياغة
(2/127)

وغير ذلك؛ ويعلم حفظ الأمتعة وحراسة الحوانيت ونحوها؛ ويحاكي الإنسان في جميع أفعاله ما خلا النطق كما قال أبو الطيب:
يريدون شأوي في كلام وإنّما ... يحاكي الفتى في ما خلا المنطق القرد

حلأت حالئه عن كوعها.
يقال: خلا الجلد، بالفتح يحلؤه إذا قشرته أو إذا نزع تحليئه، والتحليء ما أفسده السكين من الجلد أو ما يبقى من الصفاق على باطنه عند السلخ؛ والكوع: رأس الزند الذي يلي الإبهام؛ والكرسوع: رأس الزند الذي يلي الخنصر.
ومعنى المثل أنَّ المرأة إذا حلأت الأديم، فإنَّ رفقت سلمت وإنَّ خرقت قطعت بالشفرة كوعها. فيضرب غي حذر الإنسان على نفسه.

أحلبت أم أجلبت؟
يقال: أحلب الرجل بالحاء المهملة إذا ولدت إبله إناثا لأنها تحلب، وأجلب بالجيم إذا ولدت ابله ذكوراً لأن أولادها تجلب إلى السوق فتباع.

حلبت صرام.
الحلب بالتسكين استخراج ما في الضرع من اللبن حلب الشاة بالفتح يحلبها حلبا؛ وصرام على مثال غراب آخر اللبن بعد التغريز يحتاج إليه الرجل فيحلبه ضرورة. فضرب ذلك مثلا لاستخراج آخر ما في النفس، فإذا قيل: حلبت صرام، فكأنه قيل: بلغ العر آخره. قال الشاعر:
ألا أبلغ بني سعد رسولا ... ومولاهم فقد حلبت صرام
والصرام أيضاً اسم من أسماء الحرب والداهية.
(2/128)

لتحلبنها مصرا!
الحلب تقدم؛ والمصر بالفتح والسكون حلب جميع ما في الضرع حتى لا يبقى شيء. والتمضر حلب بقايا اللبن. وشاة أو الناقة مصور بطيئة خروج اللبن. وهذا المثل يضرب في توعد العدو، وكأنك تقول له: انك لا تنال مني شيئاً، وإنّما أنت بمنزله من يحلب الشاه الممصورة فوضعت المصدر موضع المفعول أي: لتحلبنها ممصورة لا لبن فيها كما يقال: ضرب الأمير.

حلف له بالمحرجات.
الحلف معروف يقال: حلف بالفتح يحلف حلفا بالكسر ككذب؛ والمحرجات: الأيمان الموقعة في الحرج وهو الإثم والضيق. ويقال: المحرجات الثلاث وهي الطلاق والعتاق والمشي إلى مكةز وقيل: هي الطلاق ثلاثا.

حلم الأديم
الأديم الجلد. ويقال: حلم الأديم بالكسر يحلم إذا فسد ووقع فيه دود. ثم يضرب للأمر يتناهى فساده. قال الوليد بن عقبة يخاطب معاوية رحمه الله تعالى:
فإنك والكتاب إلي علي ... كدباغة وقد حلم الأديم
وسيأتي تتمة هذا الشعر.
وأول من قال هذا المثل خالد بن معاوية بن سنان السعدي، وذلك إنه استب، وهو بنو تميم، عند النعمان بن المنذر، فقال خالد يرتجز فيهم:
دوما بني غنم ولن تدوما ... لنا ولا سيدكم مرحوم
غنا سراة وسطنا قروم ... قد حملت أحسابنا تدوم
في الحرب حتى حلم الأديم
فذهب قوله حلم الأديم مثلاً. وقال لهم أيضاً:
(2/129)

إنَّ لنا يا أهل غنم علما ... أفواه أفراس أكلن هشما
استاه أم يغتدين لحما ... تركتم خير قويس سهما
فذهب هذا أيضاً مثلا وسيأتي.
ثم أنَّ شاعر غنم رجز بخالد أيضاً ومع خالد أخ له. فاستعدوا عليه النعمان فقال خالد: أبيت العن! إذا أركب أنا وأخي ناقة ثم نتعرض لهم فإن استطاعوا فليعقروا بنا! فأعجب النعمان ذلك وقال: قد أعطوكم بحقكم. قالوا: قد رضينا. فقال النعمان: أما والله لتجدنه ألوى بعيد المستمر! فأرسلها مثلا وسيأتي.
ثم إنَّ خالدا وأخاه أكتفلا ناقتهما بكفل وتأخر أحدهما إلى العجز وجعل وجهه مما يلي الذنب وتقدم الآخر إلى الكتف وجعل كل واحد منهما يذبب بسيفه فلم يخلصوا إلى أن يعقروا بهما.

أحلم من فرخ الطائر.
الحلم بالكسر الأنات والعقل. يقال: حلم بالضم يحلم حلما فهو حليم وهم حلماء وأحلام؛ وجمع الحلم حلوم وأحلام؛ وافرخ معروف جمعه أفراخ وفراخ. ونسب الحلم إلى فرخ الطائر لأنّه يخرج من البيضة على قنة الجبل ثم لا يتحرك حتى يتم نبات ريشه؛ ولو تحرك سقط. وتقدم في قولهم: أحزم من عقاب ومن فرخ العقاب وهو المقصود هنا.

الحمد مغنم والمذمة مغرم.
هذا المثل ظاهر المعنى إفرادا وتركيبا يضرب عند اكتساب المحامد واجتناب المذام. ومثله قول مالك بن جرير: وإنَّ قليل الذم غير قليل وقبله:
أجود على العافي وأحذر ذمه ... إذا ضن بالمعروف كل بخيلِ
ومثله قول عبيد:
الخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت في زادِ
(2/130)

وقول الحماسي:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد!
إذا ما صنعت الزاد فلتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي
أخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمات الأحداث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعى بادي الخصاصة والجهد؟
وللموت خيرٌ من زيادة باخل ... يلاحظ أطراف الأكل على عمدِ
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما في إلاّ يلك من شيمة العبدِ
وقول حاتم:
أكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف صاحبي حين حاجاتنا معا
أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا
وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
وإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وقول عمرو بن الأهتم:
وكل كريم يتقي الذم بالقرى ... وللخير بين الصالحين طريقُ
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيقُ
وقول الآخر:
ألا يكن عظمي طويلاً فإنني ... له بالخصال الصالحات وصولُ
ولا خير في حسن الجسوم وطولها ... إذا لم تزن حسن الجسوم عقولُ
إذا قد رأينا من فروع طويلة ... تموت إذا لم يحيهن أصولُ
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وإما وجهه فجميلُ
والشعر في هذا المعنى لا يحصر.

أحمق ما يتوجه.
الحمق قلة العقل. حمق الرجل بالضم وحماقة وانحمق واستحمق فهو أحمق وهم حماق وحمق بضمتين وحمقى
(2/131)

وحماقى؛ وتوجه: أقبل وولى وكبر. ويقال: أحمق ما يتوجه أي ما يحسن أن يأتي الغائط لحمقه.

أحمق من جهبر.
الحمق مر؛ والجهبر أنثى الدب وهو دويبة معروفة يصطاد بها يزعمون أنها تترك ولدها وترضع ولد الضبع فوصفت بالحمق.
واعلم أنهم بنوا صيغة التفضيل من حمق وهو من الخارج عن القياس: فإنَّ نحو هذه المادة لا يبنى منها قياس كما قرر في محله.

أحمق من جهيزة.
جهيزة بالجيم أوله والزاي آخره على وزن صحيفة هي أم شبيب بن زيد الشيباني الخارجي. كان أبوه يزيد اشتراها من السبي فقال لها: أسلمي! فأبت فضربها فلم تسلم فواقعها فحملت فلما أحست بالولد تحرك في بطنها قالت: إنَّ في بطني شيئا ينفر. فقال الناس حينئذ: أحمق من جهيزة وضرب بها المثل في الحمق.
وقيل إنَّ جهيزة هي عرس الذئب تدع ولدها وترضع ولد الضبع. وفيها أو في مثلها ورد قول الشاعر:
كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بني بطنها هذا الضلال على قصد!
وجهيزة أيضاً امرأة حمقاء. واجمع قوم يخطبون في الصلح بين حيين في دم لكي يرضوا بالدية. فبينما هم كذلك قالت جهيزة: ظفر بالقاتل ولي المقتول فقتله فقالوا: قطعت جهيزة قول كل خطيب!

أحمق من أبي غبشان.
أبو غبشان بفتح الغين المعجمة وتضم أيضاً وبسكون الباء الموحدة رجل من خزاعة كان يلي سدانة الكعبة قبل قريش. فاجتمع هو وقصي في شرب بالطائف فأسكره قصي ثم اشترى منه المفاتيح بزق خمر وأشهد عليه. ودفعها قصي لابنه عبد
(2/132)

الدار وأرسله في الحين إلى مكة. ثم أفاق أبو غباشة من سكره وهو أندم من الكسعي فضرب به المثل في الحمق وفي الندم وخسارة الصفقة كما يأتي.

أحمق من حبارى.
الحبارى بضم الحاء وبألف مقصورة للتأنيث طائر معروف يقع على الذكر والأنثى ويوصف بالحمق.
وفي كلام عثمان رضي الله عنه: كل شيء يحفظ ولده حتى الحبارى! وإنّما خصها بالذكر لأنها مشهورة بالحمق ومع ذلك تحب ولدها وتطعمه وتعلمه الطيران كسائر الحيوانات.

أحمق من دغة.
الحمق مر ودغة بدال مهملة وغين معجمة مخففة على مثال ثبة وكرة والأصل دغي أو دغو. وهي امرأة من بني عجل وهي مارية بنت مغنج ومغنج هو ربيعة بن عجل. ودغة حمقاء مشتهرة بذلك ولذلك ضرب بها المثل.
وكان من حمقها إنّها تزوجت في بني العنبر بن عمرو بن تميم. فلما أخذها الطلق ظنت إنّها تريد الخلاء فانطلقت إلى بعض الغيطان تتبرز فولدت واستهل الولد ورجعت إلى بيتها تقدر إنّها أحدثت. فقالت لضرتها: يا هنتاه هل يفتح الجعرافة؟ قالت: نعم ويدعو أباه فمضت ضرتها وأخذت الولد. فبنو العبير يدعون بذلك بني الجعراء وصار ذلك لقبا لهم.
ونظرت يوما إلى زوجها يقبل بنته ويقول: بأبي درادرك والدرادرك مغارز الأسنان. فذهبت هي ودقت أسنانها بفهر حتى بدت درادراها فجاءت زوجها وقالت له: كيف ترى درادري؟ فقال لها: أعييتني بأشر فكيف بدردر؟ وهو مثل سيأتي. وقال أبو نواس:
وما لبكر بن وائل عصم ... إلاّ بحمقائها وكاذبها
وقد خطأ أبو العباس المبرد أبا نواس في هذا وقال إنّه أراد بالحمقاء هبنقة القيسي ولا يقال للرجل حمقاء. ورد عليه بانه أراد دغة العجلية وعجل في بكر بن وائل.
(2/133)

قال شمس الدين بن خلكان رحمه الله تعالى: وقد رأيت المبرد في المنام وأنا بالاسكندرية وفي سنة ست وثلاثين وستمائة وعندي الله تعالى ذاك الكامل للمبرد وكتاب العقد الفريد لابن عبد ربة. فرأيت في العقد في ترجمة ما غلط فيه على الشعراء وذكر أبياتا نسبوا أصحابها إلى الغلط ولم يغلطوا وإنّما وقع الغلط ممن غلطهم منها ما ذكر المبرد في الروضة من تغليط أبي نواس في البيت السابق والغلط إنّما هو من المبرد كما قررنا. قال: فلما كان بعد ليال قلائل من وقوفي على هذه الفائدة رأيت كأني بمدينة حلب في مدرسة القاضي بهاء الدين وكأننا صلينا الظهر جماعة. فلما فرغنا أردت الخروج فرأيت في أخريات الموضع رجلا واقفا يصلي فقال لي بعض الحاضرين: هذا أبو العباس المبرد. فجئت إليه وقعدت إلى جانبه انتظر فراغه. فلما فرغ سلمت عليه فقلت له: أنا في هذا الزمان أطالع كتابك الكامل. فقال لي: رأيت كتابي الروضة؟ فقلت: لا. وما كنت رأيتها قبل ذلك. فقال لي: قم حتى أريك إياه فقمت وصعد بي إلى بيته. فدخلنا ورأيت فيه كتب كثيرة. فقعد يفتش عليه وقعدت أنا ناحية. فأخرج مجلدا ودفعه لي ففتحته وتركته في حجري فقلت له: قد أخذوا عليك. فقال: أي شيء أخذوا؟ فقلت له: انك نسبت أبا نواس إلى الغلط في بيت كذا وأنشدته إياه. فقال: نعم غلط في هذا. فقلت؟ إنّه لم يغلط بل هو على صواب ونسبوك أنت إلى الغلط في تغليطه. فقال: وكيف هذا؟ فعرفته ما قاله صاحب العقد. فعض على رأس سبابته وبقي ساعة ينظر إلي وهو في صورة خجلان حتى استيقظت من منامي وهو على تلك الحال. انتهى ملخصا.

أحمق من رجلة.
الرجلة بكسر الراء وسكون الجيم: ضرب من النبات معروف ينبت في حميل السيل فيقتلعه فيوصف لذلك بالحمق. ويقال له بقلة الحمقاء والبقلة اللينة والبقلة المباركة. وقيل إنَّ البقلة المباركة هي الهندباء. وقولهم بقلة الحمقاء أضيف منه الموصوف إلى الصفة في الظاهر كقولهم: مسجد الجامع وصلاة الأولى.
(2/134)

أحمق من رخمة.
الرخمة بفتح الراء والخاء المعجمة طائر معروف جمعه رخم ويقال له الانوق كما مر. ومن تم يقال لها ذات الاسمين. وهي تتمنع في قلل الجبال كما تقدم وتتحرز ومع ذلك تحمق. قال الكميت:
وذات أسمين والألوان شتى ... تحمق وهي كيسة الحويل
وذكر الروافض عند الشعبي فقال: لو كانوا من الدواب لكانوا حمرا ومن الطير لكانوا رخما. والرخمة من لئام الطير ولئام الطير فيما يزعمون ثلاثة: الرخمة والغراب والبومة.

أحمق من صاحب ضأن ثمانين.
الضأن بسكون الهمزة وفتحها جمع ضائن مثل ركب لراكب وحرس لحارس والضائن خلاف الماعز من الغنم والأنثى ضائنة. ويقال: أضأن الرجل كثرت عند الضأن وثمانون عقد معلوم من العدد وصاحب ضأن ثمانين قالوا هو رجل بشر كسرى فقال له كسرى: سل مني ما شئت فقال: أسألك ضأنا ثمانين فقال: أحمق من صاحب ضأن ثمانين. وقيل إنّه رجل حكمه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أيما أحب إليك: ثمانون من الضأن أو أدعو الله تعالى أن يجمعك معي في الجنة. فقال: بل ثمانون من الضأن. فقال صلى الله عليه وسلم: أعطوه إياه ثم قال صلى الله عليه وسلم: إنَّ صاحبة موسى كانت أعقل منك. وذلك إنَّ عجوزا دلته على عظام يوسف عليه السلام فقال لها موسى عليه السلام: أيما احب إليك: أسأل الله أن تكوني معي في الجنة أو مائة من الغنم؟ فقالت: الجنة.
ويروى أيضاً إنَّ رجلا وقف على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم حنين فقال: إنَّ لي عندك موعدا يا رسول الله قال: صدقت فاحتكم ما شئت قال: إني أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها.
(2/135)

فقال صلى الله عليه وسلم: هي لك وقد احتكمت يسيرا. ولصاحبة موسى عليه السلام التي دلته على عظام يوسف عليه السلام كانت أحزم منك حين حكمها موسى فقالت: حكمي أن تردني شابة وأدخل مع الجنة.
وفي هذا الرجل يقال: أقنع من صاحب الثمانين وراعيها كما سيأتي.

أحمق من ضبع.
الضبع على مثال سبع معروف يقع على الذر والأنثى وهو مؤنث اللفظ. والذكر بخصوصه ضبعان بالكسر والأنثى ضبعانة ولا يقال ضبعة. وقيل يقال. ويقال للذكر منه أيضاً ذريح بكسر الذال المعجمة.
والضبع توصف بالحمق. ومن حمقها فيما يزعمون أن الصائد إذا أراد أن يصيدها رمى بحجر في وجارها فتحسبه شيئاً فتخرج إليه. وإنّها أيضاً يقال لها وهي في الوجار: خامري أم عامر أي أسترى كما سيأتي. فتبقى حتى يدخل إليها ويقيدها برجلها ويخرجها. ويقال لها أيضاً وهي في الوجار: اطرحي أم طريف خامري أم عامر أبشري: بجراد عظلى وشاة هزلي فتبقى حتى تقبض. ومن الناس من يرى إنَّ هذه من خرافات العرب فقط. وأهل زمانا أيضاً يزعمون إنَّ الصيادين إذا اجتمعوا حول وجاره وجعل بعضها يقول: ما هي هما وما هنا شيء فتتلبث هي حتى تقبض وإنّهم أيضاً قد يرونها فيعظمونها ويهولون أمرها ويقولون: ما هذا السبع؟ وما هذه الداهية؟ ونحو ذلك. فتبقى تنتفخ وتتعظم في نفسها ولا تفر حتى يقبضوها.
ومن شهرة حمقها على سائر الدواب يقول العرب يقال المثال الآخر في الشيء يدعى وضوحه جدا: ما يخفى هذا الأمر على الضبع.

أحمق من ناطح الصخرة.
النطح دفع الشيء بالقرون والصخرة واحد الصخور المعروفة وناطح الصخرة هو الوعل والوعل هو التيس الجبلي كما مر جمعه أوعال ووعول. قال
(2/136)

امرؤ القيس:
تلاعب أولاد الوعول رباعها ... دوين السماء في رؤوس المجادل
وقال أمية بن أبي الصلت:
كل حي وإن تطاول دهرا ... آئل أمره إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا
يحكى إنَّ أمية لمّا احتضر غشي عليه ثم أفاق فقال: لبيكما لبيكما أنا إذا لديكما: لا عشيرتي تحميني ولا مالي يفديني ثم غشي عليه. فلما أفاق قال: كل حي...... البيتين ففاظت نفسه. وهما من شعره الحكيم.
ويروى إنَّ عمرو بن العاصي تمثل بهما. وكان لمّا حضرته الوفاة قال له ابنه: يا أبتاه! انك كنت تقول: يا ليتني ألقى رجلا عاقلا لبيبا عند نزول الموت به حتى يصف لي ما يجد وأنت ذلك الرجل: فصف لي الموت! فقال: يا بني كأن السماء قد انطبقت على الأرض وكأني بينهما أتنفس من سم إبرة وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي. ثم أنشأ يقول: ليتني كنت......البيت. ومثل هذا عن عبد الملك بن مروان لمّا احتضر وكان في قصره مشرفا على الناس. فنظر فرأى بعض الغسالين يغسل الثياب فقال: ليتني كنت نثل هذا الغسال أكتسب قوتي يوم بيوم ولم أكن وليت الخلافة ثم تمثل بالبيتين السابقين فمات.
ويحكى إنّه لمّا بلغت قصته هذه بعض أهل زمانه قال: الحمد لله الذي جعلهم عند الموت يعني الرؤساء يتمنون ما نحن فيه ولم يجعلنا نتمنى ما هم فيه.
وقالوا في الوعل ناطح الصخرة لقول الأعشى:
كناطح صخرة يوما ليقلعها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وقول الآخر:
فرشني لا أكونن ومدحتني ... كناطح يوما صخرة بعسيل

أحمق من نعامة.
النعامة معروف وتقدم ما فيه. والنعامة توصف بالحمق وذلك إنّها تخرج طلبا
(2/137)

للطعم وتدع بيضها. فمتى وجدت بيض نعامة أخرى حضنتها ونسيت بيضها. وفي ذلك يقول أبن هرمة:
وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زنداً شحاحا
كتاركةٍ بيضها بالعراء ... وملحقة بيض أخرى جناحا
ومن حمقها إنَّ الصائد إذا أدركها أدخلت رأسها في كثيب رمل تقدر أنها اختفت عنه بذلك وهي بادية له. ومع ذلك فكان لها في بيضها أمر عجيب، وذلك إنّها تبيضها زوحا وتضعها فتقسمها قسمين: فقسما تحضنه وقسما تتركه يكون غذاء لمّا يكون من الأفراخ، على ترتيب في ذلك ووضع عجيب. فسبحان القادر على ما يشاء والملهم كل حي منافعه.
وأما قول علقمة:
حتى تلافى وقرن مرتفع ... أدحي عريسين فيه البيض مركوم
فقد قيل إنّه غلط لأن بيض النعام لا يكون مركوما، أي بعضه على بعض، كما قلنا.

أحمق من هبنقة.
ويقال أيضا أحمق من ذي الودعات؛ وهبنقة بالفتحات مع تشديد النون. هو يزيد بن ثروان القيسي. ويقال له ذو الودعات ولقب بذلك لأنه كان يتقلد الودع، والودع بفتحتين خرز أبيض يستخرج من البحر، الواحد ودعة والجمع ودع وتسكن الدال أيضاً وودعات.
وقال الشاعر في المفرد:
أسن من جلفزيز عوزم خلقٍ ... والحلم حلم صبي يمرس الودعه
والجلفزيزي العجوز والناقة الهرمة؛ والعوزم العجوز والناقة المسنة فيها بقية. ومعنى يمرس الودعة: يمصها. ويقول إنه كبير الجسم، صغير العقل. وقال: الآخر في الجمع، مسكنا ومحركا:
إنَّ الرواة بلا فهم لمّا حفظوا ... مثل الجمال عليها يحمل الودع:
لا الودع ينفعه حمل الجمال له ... ولا الجمال بحمل الودع تنتفع
(2/138)

قيل: الودع أشتق له من الودع وهو الترك، لمّا قالوا من البحر يتركه، وذلك إنّه يقذفه حيوانا فيموت ويصلب صلابة الحجر، ويعلق للعين. فكان هبنقة أتخذ قلادة من ودع وعظام خزف يجعلها في عنقه، وكان طويل اللحية. فقيل له: لم تعلق هذا؟ فقال: لئلا أضل. ثم إنَّ أخا له سرقها ذات ليلة وتقلدها. فلما صبح هبنقة ورآها في عنق أخيه فقال له: يا أخي، أنت أنا، فمن أنا؟ فضرب به المثل في الحمق.
وقد حكيت عنه أخبار كثيرة في الحمق: منها أنه أشترى له أخوة بقرة بأربع أعنز. فلما ركبها وأعجبه عدوها، التفت إلى أخيه فقال له: زدهم عنزاً! فضرب به مثلا للمعطي بعد وجوب البيع. ثم إنّه سار بالبقرة حتى مر بأرنب تحت شجرة، ففزع منها، وركض البقرة حتى تجاوزها فقال:
الله نجاني ونجى البقرة ... من جاحظ العينين تحت الشجرة
ومنها إنّه مان إذا رعى الإبل رد السمان منها إلى المرعى، ونحى المهازيل وقال: لا اصلح ما افسد الله! ومنها إنّه اختصم إليه بنو راسب والطفاوة في غلام تنازعه الفريقان، فقال: اذهبوا فاطرحوه في النهر: فإنَّ طفا فوق الماء فهو للطفاوة، وإنَّ رسب فيه فهو لبني راسب. وهذه أيضاً تحكى عن غير هبنقة، كما سيأتي، والله اعلم. ومنها إنّه ضل له بعير فقال: من جاء به فله بعيران. فقيل له: أتجعل في بعير بعيرين؟ فقال انكم لا تعرفون حلاوة الوجدان! وقال اليزيدي:
عش بجد ولا يضرنك نوك: ... إنّما عيش من ترى بالجدود
رب ذي إربة مقل من المال ... وذي عنجهية مجدود
عش بجد وكن هبنقة القيسي ... أو مثل شيبة بن الوليد!
وسبب قول اليزيدي هذا الشعر إنّه تناظر، هو والكسائي، في مجلس المهدي، وكان شيبة أبن الوليد حاضرا فتعصب للكسائي وتحامل على اليزيدي فهجاه.

يحمل شن ويفدي لكيز.
الحمل معروف، تقول: حملت الشيء أحمله حملا كضربته أضربه
(2/139)

ضربا؛ وشن اسم رجل وهو شن بن أفصى بن عبد القيس بن جديلة؛ وتقول فديت الرجل تفديه إذا قلت له: جعلت فداءك. قال امرؤ القيس:
فيا رب مكروب كررت وراءه ... وعانٍ فككت الغل عنه ففداني
والعرب تقول في التفدية: فدتك نفسي، وأبي وأمي، وطارفي وتالدي. وتقول: فديت الرجل ثلاثيا، وفاديته إذا فككته؛ ولكيز بالزاي، على مثل زبير هو أبن أفصى، أخو شن المذكور. وكان شن وأخو لكيز مع أمهما ليلى بنت قرآن في سفره، فنزلا بموضع يقال له ذو طوى. فلما أرادت الرحيل فدت لكيز، ثم دعت شناً ليحملها. فحملها وهو غضبان حتى إذا كانا بالثنية رمى بها عن بعيرها وقال: يحمل شن ويفدى لكيز! فذهبت ويضرب في وضع الشيء غير موضعه. ثم فقط عليك بجعرات أمك يا لكيز!.
ومثل هذا المثل، المثل الآتي: هيل خير حالبيك تنطحين، وقول الشاعر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب!
كما مر. وكل ذلك يضرب في الخطأ في مكافئة المحسن بالإساءة والمسيء بالاحسان.

الحمى أضرعتني إليك!
الحمي مرض معروف. يقال: حم الرجل بضم الأول وأحمته الله، فهو محموم؛ والاضراع: الإذلال. يقال: ضرع إليه بالفتح يضرع ضراعة: ذل وخضع، وأضرعة الغير. وهذا المثل يضرب عند الذل للحاجة.
قال: أبو علي القالي: إنّما قيل هذا لأن صاب الحاجة تأخذه رعشة، من الحرص على حاجته. ويقول: فهذا الذي في من القل هو الذي أضرعني؛ والقل الرعدة. انتهى. وقوله: القل الرعدة، يعني بكسر القاف. وحصل ما ذكر أنَّ ما طلبه من الحرص المزعج له إزعاج الحمى هو الذي أضر وأذله، كما قال الآخر: أذل الحرص أعناق الرجال وهو ظاهر
(2/140)

الحمى أضرعتني للنوم.
هذا المثل كالذي قبله في المعنى، وهو هو بعينه. وأوّل من قاله قرين بن مصاد الكلبي. وكان لصا مبيراً حتى إنّه كان يقال له الذئب لشدة لصوصيته. وكان له أخوان: مرارة ومرة؛ وإنَّ مرارة خرج يتصيد الأروى في جبل يقال له أبلق، فأختطفه الجن. فانطلق مرة أخوه بأثره حتى إذا كان بذلك المكان اختطف أيضاً. وكان قرين غائبا فلما قدم وعلم بأمر أخويه أقسم لا يشرب خمراً ولا يمس رأسه غسلا حتى يطلب أخويه. فتكتب قوسه وانطلق إلى ذلك المكان. فمكث فيه سبعة أيام لا ينام ولا يرى شيئاً حتى كان اليوم الثامن، فإذا هو بظليم فرماه وأصابه، واستقبل الظليم حتى صار في أسفل الجبل. فلما وجبت الشمس بصر بشخص قام على صخرة ينادي:
يا أيها الرامي الظليم الأسود ... ثبت مراميك ولمّا ترشد!
فأجابه قرين:
يا أيها الهاتف فوق الصخرة ... كم عبرة هجيتها وعبرة
بقتلكم مرارة ومرة ... فرقت جمعا وتركت صخرة!
فذهب الجني وتوارى عنه هونا من الليل. فأصابت قرينا حمى فغلبته عينه فنام. فأتاه الجني فاحتمله وقال: ما أنامك، وقد كنت حذرا؟ فقال قرين: الحمى أضرعتني للنوم. ثم أنطلق به حتى أتى حاضر الجن. فلما كان في وجه الصبح، خلى سبيله، فقال قرين عند ذلك:
ألا من بلغ فتيان قومي ... بما لاقيت بعدهم جميعا؟
غزوت الجن أطالبهم بثأري ... لأسقيهم به سما نقيعا
فيرض لي ظليم بعد سبعٍ ... فأرميه فأتركه صريعا
وكنت إذا القروم تعاورني ... جريء الصدر معتز منيعا
بنى لي معشري وجدود صدق ... بذروة شامخ بيتا منيعا
وعزا سامعا ثبت الرواسي ... ترى شم الجبال خضوعا
(2/141)

حمي الوطيس.
تقدم في باب الهمزة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي في الأمثال الحديثة.

أحمى من مجير الجراد.
الحماية: المنع. وتقول: حميت الشيء أحميه حماية إذا حفظته ومنعته.
قال جرير:
حميت حمى تهامة بعد نجدٍ ... وما شيء حميت بمستباح
وتقول: أجرت الرجال أخيره إذا منعته من أن يظلم، فهو جار. وقال الشاعر:
وكنت إذا جاري دعا لمضيفةٍ ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري
وجار الرجل واستجار: طلب أنَّ يجار؛ والجراد معروف، واحده جرادة للذكر والأنثى، ومجير الجراد هو مدلج بن سويد الطائي. وذكروا إنّه بينما هو ذات يوم في ظل خيمة إذ رأى قوما من طيء قد أقبلوا ومعهم الأوعية، فقال: ما شأنكم فقالوا: جراد بات بفنائك، فجئنا نأخذه. فلما سمع ذلك، قام إلى فرسه فركبه وتسلح وقال لهم: أيكون الجراد بفنائي وتريدون أخذه؟ والله لا يعرض له أحد منكم إلاّ قتلته! فلم يزل يحرسه حتى طلعت عليه الشمس وطار، فقال: شأنكم الآن به، فقد تحول الآن عن جواري! فضرب به المثل.

حن حنين الثكلى
تقدم معنى الحنين: التي فقدت ولدها وتقدم أيضاً. وحنين الثكلى شديد، كما تقدم في قولهم: أحر من دمع المقلات. وقالت أسماء المرية:
فإن بأكناف الرغام غريبه ... مولهة ثكلى طويلا نئيمها
وقال الخنساء في الثكلى من الإبل وحنينها:
فما عجول على من تحن له ... لها حنينان: إعلان وإسرار
(2/142)

ترتع ما غفلت إذا أذكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
يوما بأوجع مني يوم فارقني ... صخر وللدهر إحلاءٌ وإمرار
ونحوه قول عبد الله بن الزبير الأسدي:
رمى الحدثان نسوة آل زيدٍ ... بمقدارٍ سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضاً ... ورد وجوههن البيض سودا
فإنك لو سمعت دعاء باكيةٍ حزينٍ ... أبان الهر وأحدها الفقيدا

حنَّ قدحٌ ليس منها.
هذا المثل يضرب للرجل يدخل نفسه في القوم وليس منهم أو يمتدح بالشيء ليس من أهله. يروى أنَّ عقبة بن أبي معيط لمّا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله قال: أأقتل من بين قريش؟ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حن قدح ليس منها! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهل أنت إلاّ يهودي من صفورية؟ وذلك أنهم ذكروا أنَّ أمية بن عبد شمس خرج إلى الشام وأقام بها عشر سنين. فوقع على أمة يهودية للخم من صفورية يقال لها ترنى فولدت له ذكرا فاستلحقه أمية وكناه أبا عمرو وهو أبو أبي معيط.

حنت ولا تهنت.
هذا المثل لمازن بم مالك بن عمرو بن تميم وذلك أنَّ الهيجمانة بنت العنبر بن عمرو بن تميم بن مر كان عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم كان يزورها. فنهاه قومها عن ذلك فأبى حتى وقعت الحرب بين قومه وقومها. فأغار عليهم عبد شمس في جيشه فعلمت به الهيلمانة فأخبرت أباها. وكانوا يعرفون إعجاب الهيلمانة به كإعجابه بها. فلما قالت هذه المقالة لأبيها قال مازن بن مالك: حنت ولا تهنت! وأنى لها مقروع؟ ومقروع عبد شمس كان يلقب به، لأن القريع والمقروع في كلام العرب هو المختار
(2/143)

فقال لها أبوها عند ذلك: أي بنية اصدقيني! كذلك هو؟ فانه لا رأي لمكذوب. فقالت: ثكلتك إن أكن صدقتك فانج لا أخالك ناجيا! فذهبت كلمة مازن وكلمته وكلومتها أمثالا. فقال مازن: حنت ولا تهنت أراد أنها إنما كان غرضها أن تذكر عبد شمس ليجري اسمه على لسانها حبينا إليه وشوقا لا شفقة على قومها ولا نصحا لأبيها ولا تحذيرا. وقوله: ولا تهنت دعاء عليها أي: لا هناها الله بذلك! وأراد: لا تهنأت بالهمز من الهناء ثم خفف الهمزة وقلبها ألفاً ثم حذف الألف لملاقاة التاء الساكنة كما في نظائره.
قيل: ويحتمل أن يريد: ولات هنا أي ليس هذا الوقت أو: أنَّ ذلك ولا حينه كما قال الأعشى:
لات هنا ذكرى جبيرة أم من ... جاء منها بطائف الأهوال!
أي ليس هذا حين ذكرها يأسا منها. وكما قال الراعي:
أفي أثر الأظعان عينك تطمح؟ ... نعم! لات هنا إنَّ قلبك متيح!
وكما قال جحل بن نضلة الباهلي:
حنت نوار ولات هنا حنت ... وبدا الذي كانت نوار أحنت
لمّا رأت ماء السلى شربا لها ... والفرث يعصر في الإناء أرنت
وفي إعرابه كلام مبين في علم النحو. والتاء في لات لتأنيث الكلمة كما قيل في رب وثم ربت وثمت. وقيل إنها بدل من الألف لأن التاء تبدل من الألف عند الوقف وعند السجع كما قيل:
من بعدما وبعدما وبعدمت ... صارت نفوس القوم عند الغلصمت

حورٌ في محارةٍ
الحور بضم الحاء وفتحها وهو مضموما: الهلاك والنقصان ومفتوحا النقصان أيضاً والرجوع. يقال: حار إليه بحور حورا: رجع. قال مهلهل بن ربيعة التغلبي:
(2/144)

أليلتنا بذي حسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري!
أي: لا ترجعي! والمحاورة النقصان أيضاً.
ومعنى المثل: نقصان في نقصان. يقال للرجل يكون أمره في إدبار أو للرجل ينقص بعد الزيادة ويكون صالحا فيفسد ولمن لا يصلح. ومن ورود الحور بمعنى النقصان قول الشاعر:
واستعجلوا عن خفيف المضغ فازدروا ... والذم يبقى وزاد القوم في حورِ

حيل بين العير والنزوان.
تقول: حال الشيء بيني وبين كذا يحول حيلولة: منعني منه؛ وحيل بين زيد وبين كذا. قال تعالى) وحيلَ بينهم وبينَ ما يشتهونِ (؛ والعير بالفتح الحمار وسيد القوم أيضاً؛ والنزوان مصدر قولك: نزا الفحل على الأنثى ينزو عليها نزوا ونزوانا.
والمثل يضرب للرجل يعوقه عن مطلبه عائق. وهو قول صخر بن عمرو بن الشريد:
أهم بفعل الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
وسنذكره وما يتعلق به في الأمثال الشعرية إن شاء الله تعالى.

حال الجريض دون القريض.
الجرض الريق يغص به. يقال: جرض الرجل بريقه يجرض كفرح يفرح إذا ابتلعه بجهد على هم وحزن؛ والجريض الاختناق بالريق على الموت. قال امرؤ القيس:
كأن الفتى لم يغن في الناس ساعة ... إذا اختلف اللحيان عند الجريضِ
ويقال: هو يجرض على نفسه أي يكاد يقضي ومن ذلك قول امرئ القيس أيضاً:
وأفلتهن علباء جريضاً ... ولو أدركته صفر الوطاب
والقريض: الشعر.
ومعنى المثل أنَّ الاختناق بالريق منع من قول الشعر فيضرب في كل أمر يعوق عنه عائق.
(2/145)

وأوّل من قاله جوشن الكلابي. وكان أبوه منعه من قول الشعر فمرض حزنا فرق له أبوه وقد أشرف فقال له يا بني انطق بما أحببت! فقال: هيهات! حال الجريض دون القريض. قيل: وأنشد:
عذريك من أبيك بضيق صدري ... فما تغني بيوت الشعر عني!
وقيل أول من قاله عبيد بن الأبرص حين وفد على النعمان في يوم بؤسه وأيقن بالموت وقال له النعمان: أنشدني! فقد كان يعجبني شعرك فقال عبيد: حال الجرض دون القريض! وقد تقدمت قصته في حرف الهمزة مستوفاة.
وقال أبو محمد الحريري رحمه الله تعالى:
ما بات جارٌ لهم ساغباً ... ولا لروع قال: حال الجريض

حوَّل حابله على نابله.
الحابل هنا السدى؛ والنابل اللحمة وقد تقدما. ومعنى حول حابله على نابله جعل أعلاه أسفله وهو ظاهر.

حوالينا لا علينا.
يتمثل به كثيرا وهو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم حين استصحى فقال: اللهم حوالينا ولا علينا! أي أنزل المطر حوالينا ولا تنزله علينا! والحديث مشهور.
وقال مشيرا إلى ذلك على طريق الاقتباس الصاحب بن عباد:
أقول وقد رأيت لها سحابا ... من الهجران مقبلة إلينا
وقد سحت عزاليها يهطل: ... حوالينا الصدود ولا علينا!
وتقول: جلست حول الرجل وحوليه وحواليه وأحواله مفتوحات الأول وكلها بمعنى واحد.
(2/146)

حيث لا يضع الراقي أنفه.
حيث من ظروف المكان؛ والوضع: الطرح والجعل. تقول: وضعت الشيء أضعه بفتح الضاد فيهما؛ والرقية بضم الراء العوذة رقاه يرقيه رقيا فهو له نفث في عوذته. قال عروة بن حزم:
فما تركا من رقية يعلمونها ... ولا شربة إلاّ بها سقياني
وهذا المثل يضرب في الأمر لا يدنى ولا يقرب منه.
قال أبو علي القالي: وكأنهم يرون أنَّ أصل ذلك ملسوعا لسعا في آستة فلم يقدر الراقي أن يقرب أنفه مما هناك. انتهى.
قالت: وأورده أبو عبيد في أمثاله بلفظ جرحه حيث لا يضع الراقي أنفه وقال إنّه يضرب في الجناية لا دواء لها. فقال البكري عن أبن الكلبي: أوّل من نطق بهذا المثل امرأة من العرب وأظنها زوجة حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم أو بنته وكان حنظلة شيخا كبيرا. فأصابتهم ليلة ريح ومطر وبرق. فخرجت تصلح طنب بيتها وعليها صدار. فأكبت على الطنب وبرقت السماء برقة فأبصرها مالك بن عمرو بن تميم وهي مجيبة فشد عليها حتى خالطها فقالت:
يا حنظل بن مالك لحرها ... يشفى بها من ليلةٍ وقرها!
فأقبل بنوها وزوجها فقالوا لها: مالك؟ فقالت: لدغت. قالوا: أينه؟ فقالت: حيث لا يضع الراقي أنفه. فذهبت مثلا. ومات حنظلة بن مالك فتزوجها مالك بن تميم صاحب اللدغة فولدت له نفرا.

أحير من برغوث.
تقول: حار الرجل يحار حَيرة وحِيرة وتحيرا: إذا نظر فلم يهتد؛ والبرغوث بضم الباء معروف. قال الأعرابي:
إلاّ ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث علي سبيلُ؟
وهو يطير إلى وراء وذلك من لطف الله تعالى به ليرى من يكيده.
(2/147)

أحير من ضب.
الحيرة تقدمت، والضب معروف يوصف بالحيرة، وذلك انهم يزعمون إنَّ في طبعه النسيان وعدم الهداية، ولذلك يحفر حجره عند صخرة، أو في أكمة ليلا يضل عنه إذا خرج لطلب الطعام، وذلك توجد براثينه كليلة من حفرة الكدى والأماكن الصلبة، كما قال خالد بن علقمة:
ترى الشر قد أفنى دوائر وجهه ... كضب الكدى أفنى براثينه الحفر
وتقدم شيء من هذا في الباء.

الحية من الحيية.
الحية معروف يقع على الذكر والأنثى، والتاء فيه للوحدة من الجنس، كالبطة والدجاجة وحكى بعض الأقدمين: رأيت حيا على حية، أي ذكر على أنثى.
ومعنى المثل أنَّ الأمر العظيم ينشأ عن الأمر الصغير، وهو كقولهم: العصا من العصية، وسيأتي. وقريب من قولهم: إنَّ السقط يحرق الحرجة، وقد تقدم. وقد جعل بعضهم نظير هذا المعنى من كتاب الله قوله تعالى:) ولا يلدوا إلاّ فاجرا كفارا (.

أحيى من ضب.
يقال: حيي الشيء بالكسر يحيى حياة فهو حي؛ والضب معروف ووصف بكثرة الحياة وطول عمره. فقد ذكر إنّه يعيش سبعمائة سنة أو أكثر، ولا تسقط له سن، ويبول كل أربعين يوما مرة واحدة. قال الشاعر:
إنك لو عمرت عمر الحسل ... أو عمر نوح زمن الفطحل
والصخر مبتل كطين الوحل
والحسل بالكسر ولد الضب ومن ثم يقال للضب أبو حسل؛ والفطحل على مثال هزبر فيما يزعمون: زمان كانت الصخر فيه رطبة.
(2/148)

ومما يلحق بهذا الكتاب قولهم:

حبا وكرامة.
يقول الرجل لآجر إذا طلبه شيئاً: نعم وحبا وكرامة. ويقال أيضاً: حبة وكرامة. والحبة بضم الحاء بمعنى الحب؛ والكرامة من الإكرام، ويقال أيضاً: حبا وكرامة، وحبا وكرمانا بضمها وقيل المراد بالحب هنا الحب الذي هو الجرة العظيمة وهي الخابية والكرامة غطاء الجرة.
وقد يقال: أفعل كذا حبا وكرامة لك بالفتح وكرما وكرمة وكرمى وكرمة عين بضم الكل وليس له فعل ظاهر. وقولهم:

حطني القصا.
أي تباعد عني، والقصا البعد، ويقال قصا الشيء يقصو قصوا، وقصي الرجل عن جواري بالكسر يقصي قصى أي تباعد. والقصا أيضاً فناء الدار ويمد والناحية. يقال. ذهبت قصا فلان، أي ناحيته. وقال الشاعر:
فحاطونا القصا ولقد رأونا ... قريبا حيث يستمع السرار
قال في الصحاح، عن الأصمعي: معنى حاطونا القصى أي تباعدوا عنا وهم حولنا وما كنا بالبعد منهم لو أرادوا أنَّ يدنوا منا. انتهى. وقولهم:

تحللت عقد فلانٍ.
أي سكن غضبه. ومن الأمثال المشتهرة في هذا الباب على ألسنه الناس قولهم:

أحسن من نار القرى.
كانت خولة بنت منظور بن زيان أجمل نساء قومها، فقدمت المدينة لزيارة أختها زوجة عبد الله بن الزبير، فسمع الناس بها فخطبوها وفيهم الحسن بن علي رضي الله عنه. فجعلت
(2/149)

أمرها بيدي أختها، فوكلت أبن الزبير فزوجها من الحسن. فلما بلغ الخبر أباها جاء المدينة فركز رأيته عند المسجد ونادى: يا آل قيس! فلم يبقى قيسي إلاّ دخل تحت رايته. فبلغ ذلك الحسن فجاء إليه فقال له: شأنك بابنتك! فجاءها فحملها معه. فلما خرجا قالت له: أو يرضى أحد بمثل فعلك؟ الحسن بن علي وفاطمة، وسبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد شباب أهل الجنة، أين تجد مثله؟ فقال: صدقت، ولكن تعالي ننزل بقبا. فإن كان له غرض فيك فسيلحقنا! فبينما هم هنالك اقبل الحسن والحسن وأبن جعفر وأبن العباس، فردها إليه. فولدت للحسن الحسن المثنى، أكبر ولده. ولم تزل عنده حتى مات. فكثر خطابها، فقالت: والله لا كان لي حمء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم! فكشفت القناع وبرزت للرجال في هيئة المتجالات، فيئسوا منها عند ذلك. وكانت معروفة بفعل الخير والتفضل ويقصدها الناس في حوائجهم فتقضيها. وعاشت كثيراً.
فحكي عن معبد المغني قال: جئتها ألتمس معروفا، وهي عجوز، وغنيتها شعراً قاله فيها بعض من أراد تزويجها وهي شابة فلم تنكحه ومنه:
قفا في دار خولة فاسألاها ... تقادم عهدها وهجرتماها
بمحلال كأن المسك فيه ... إذا فاحت بأبطحه صباها
فطربت وأهتزت وقالت: يا عبد بني قطن، أنا والله يومئذ أحسن من نار القرى في عين التائه الصدي! وقولهم:

أحقر من ذباب وأحقر من قلامة.
وهو ما يزال من الظفر. وهذا باب مطرد. وقولهم:

أحير من طير في شبكة.
يريدون الطير المقنوص في شبكة الشديد الاضطراب والموجان؛ وقولهم:

أحير من بقة في حقة.
ونحو هذا.
(2/150)

ومن الأمثال العامية قولهم:

حل عبستك، ما أردت خبزتك!
يضربون للرجل يعجز إنَّ يجامل الناس بحسن خلقه فضلا عن إنَّ يسامح بنداه. وقولهم:

الحمار حماري وأنا أركب من وراء!
وقد آن أنَّ نذكر في هذا الباب ما يتيسر من الشعر. قال الشاعر:
أخاك أخاك، إنَّ من لا أخاله ... مساع إلى الهيجا بغير سلاح
وإنَّ أبن عم المرء فأعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح؟
وقال الآخر:
وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء ... وملحفة بيض أخرى جناحا
يريد النعامة، وقد تقدم ذلك فيها.
وقال عروة بن الورد:
وقلت بقوم في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا وإنَّ رزح
تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم ... إلى مستراح من حمام مبرح
وسيأتي ما يناسب هذا المعنى، إن شاء الله.
ومن يكن مثلي ذا عيال ومقترا ... يغرر ويطرح نفسه كل مطرح
ويبلغ عذرا أو يصيب رغيبة ... ومبلغ نفس مثل منجح
والكنيف حظيرة تعمل للماشية تحفظ فيها؛ والرزح جمع رازح وهو الساقط المعيي هزالا، وهو نعت القوم؛ والحمام بكسر الحاء الموت وجعله مبرحا أي شاقا لطوله لأنهم يبقون حتى يموتوا جوعا.
وذلك أنَّ عروة مر بقوم من أهله قد جهدوا على أنفسهم حظيرة، فقال لهم: ما هذا؟ قالوا: أنا جهدنا وخفنا على أنفسنا السباع، فعملنا هذا نبقى فيه حتى نموت. فلامهم على ذلك واستنهضهم لطلب الرزق. فسار بهم حتى نزلوا ماء يقال له ماوان لبنى فزارة. فمر بهم راكب معه ظعينة على بعير ومائة ناقة. فقام إليه عروة فقاتله حتى قتله.
(2/151)

فأخذ ذلك وقسمه على أصحابه.
وقوله: ومبلغ نفس عذرها مثل منجح: مثل سائر عند القوم: ويريد به أنَّ من جد في الطلب، عانى المشقة والتعب، فهو إنَّ ظفر فذلك ما يسعى إليه، وإنَّ لم يظفر فلا ملامة عليه، كما قال امرؤ القيس: نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وقال أبن هرمة:
يحب المديح أبو ثابتٍ ... ويفرق من صلة المادح
كبكر تشهى لذيذ النكاح ... وتجزع من صولة الناكح
وقال الحماسي عمرو بن الاطنابة الأنصاري:
أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وخذي الحمد بالثمن الربيح
وإجشامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت: ... مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرضٍ صحيح
الإجشام: الإكراه على تحمل المشقة؛ والمشيح والشائح: الجاد في الأمر؛ وجشأت نفس الرجل: تحركت واضطربت من جزع أو حزن؛ وجاشت: ماجت واضطربت، ومنه الجيش، لموجانه بعضه في بعض؛ والمآثر ما يذكر عن الإنسان ويؤثر عنه؛ والعرض الصحيح: الذي لم يتعلق به عيب فيمرضه.
وقال جميل بن معمر:
أريد صلاحها وتريد قتلي ... فشتى بين قتلي والصلاح!
وقبله:
تنادى آل بثنة بالرواح ... وقد تركوا فؤادك غير صاح
فيا لك منظرا ومسير ركبٍ ... شجاني حين أمعن في الفياحي
ويا لك خلة ظفرت بعقلي ... كما ظفر المقامر بالقداح!
وبعده أريد صلاحها " البيت "
لعمر أبيك لا تجدن عهدي ... كعهدك في المودة والسماح
(2/152)

ولو أرسلت تستهدين نفسي ... أتاك بها رسول في سراح
وقال أبو الطيب:
وما ترك الشعر إلاّ إنّه ... تقصر على نفسي وصف الأمير المدائح
قلت: وما أحق أنَّ يتمثل بك بهذا عند ترك الاشتغال بمديح النبي صلى الله عليه وسلم! فإن أكثر الفحول تركوه واشتغلوا بمديح غيره. وما ذلك إلاّ عجزاً: فإن نباهة مكانه صلى الله عليه وسلم، وجلالة جانبه تبهر العقل وتحير الفكر، فلا يستطيع إنَّ يجول فيه، ولو جال لقصر. وقد ذكر أبن الخطيب رحمه الله هذا المعنى في صدر كتاب السحر والشعر له، بعد إنَّ ذكر مقطعات لبعض الأدباء في مدحه صلى الله عليه وسلم، فقال وكما أنَّ الشعر لم يتعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي له لئلا يرتاب المبطلون، وذلك في حقه الكامل، بخلاف غيره، كذلك يبعد أو يمتنع أنَّ وجد قسم السحر في مدحه، إذ أصله الإغياء والمحاكاة والخيال والتمجين، حتى قال: ووقار جانبه صلى الله عليه وسلم يبهر النفس ويمنع من استرسالها في ذلك. فالمجيد فيه من عول على نصاعة اللفظ، وقصد الحق، وقرب المعنى، وإيثار الجد. انتهى. قلت: ومن أسباب ذلك إنَّ المديح إنّما يحسن لاشتماله على المحاسن وأوصاف كمال للممدوح، ويتفطن لها الشاعر دون غيره، ويبالغ فيها أكثر مما يستحق الممدوح ويظن به.
وقد علم في حق النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ كل ما يتخيله الشاعر من المحاسن والكمالات، فالنبي صلى الله عليه وسلم زائد على ذلك وارفع منه إذ لا يبقى فوق كماله صلى الله عليه وسلم إلاّ كمال الألوهية، وليس لأحد أنَّ يثبته له، فلم يبق للشاعر إلاّ إنَّ يبين ما هو عليه أو أنقص، وكلاهما لا طائل فيه، مع أن إتيان قدره صلى الله عليه وسلم نتعذر عادة، إذ لا تصل إليه العقول فليس إلاّ القصور. ولله در القائل:
ما قصر الشعراء فيك تعمدا ... بل دق في أفكارهم معناكا
نعم! يمكن الإتيان بشيء من حلاه صلى الله عليه وسلم وأوصفه على نوع من الغرابة وضرب من المبالغة، بحسب ما يرى الناس من حاله صلى الله عليه وسلم.
(2/153)

وقال أيضاً:
أيكون الهجان غير هجان؟ ... أيكون الصراح غير صراح؟
جهلوني وإنَّ عمرت قليلاً ... نسبتي لهم رؤوس الرماح
وقال أيضاً:
تخفي العداوة وهي غير خفيةٍ ... نظر العدو بما أسر يبوح
وقال أيضاً:
فقلت لكل حي يوم سوء ... وإنَّ حرص النفوس على الفلاح
وقال أبو العلاء المعري:
وأمراض المواعد أعلمتني ... بأن وراءها سقما صحيحا
وقال:
أعباد المسيح يخاف صحبي ... ونحن عبيد من خلق المسيحا
وقال:
وما للمسك في أنَّ فاح حظ ... ولكن حظنا في أنَّ يفوحا
وقال:
وذلك إنَّ شعرك طال شعري: ... فما نلت النسيب ولا المديحا
ومن لم يستطع علام رضوى ... لينزل بعضها نزل السفوحا
وهذا في معنى ما مر لأبي الطيب: وقال الشاعر:
إذا أبطا رسولك فارج يسرا: ... ففي إبطائه أثر النجاح!
وهذا يشبه قول أبي الطيب:
ومن الخير بطئ سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام
وقال الآخر:
إذا أنت لم تصلح لنفسك لم تجد ... لها أحداً من سائر الناس يصلح
وقال الآخر:
جبينك والعمامة والثنايا ... صباح في صباح في صباحٍ
(2/154)

وقال الآخر:
دع الناس طرا واهجر الناس كلهم ... إذا كنت في أخلاقهم لا تسامح!
وقال الآخر:
صديق بلا عيب قليل وجوده ... وذكر عيوب الأصدقاء قبيح
وقال الآخر:
طلبت بك التكثير قلة ... وقد يخسر الإنسان في طلب الربح
وقال الآخر:
كأنني الجزار في فعله: ... ما قال بسم الله إلاّ ذبح
وقال الآخر:
كن في أمان الله من خاطر: ... مثلك لا يهجى ولا يمدح
وقال الآخر:
ليس عاراً بان يقال مقل: ... إنّما العار أنَّ يقال شحيح
ومثله قول الآخر:
ألم تعلمني يا عمرك الله إنني ... كريم على حين الكرام قليل
وإني لا أخزى إذا قيل مملق ... كريم وأخزى أنَّ يقال بخيل
قول الآخر من شعراء الحماسة:
أجلك قوم حين صرت إلى الغنى ... وكل غني في العيون جليل
وليس الغنى إلاّ غنى زين الفتى ... عشية يقرى أو غداة ينيل
وقال إحسان بن حنظلة:
تلك ابنة العدوي قالت باطلا ... أزرى بقومك قلة الأموال
أنا لعمرك أبيك يحمد ضيفنا ... ويسود مقترنا على الإقلال
وقول الآخر:
لنا حمد أرباب المئين ولا يرى ... إلى بيتنا مال مع الليل رائح
وقول الآخر:
بكر العواذل بالسواد يلمنني ... جهلا يقلن: ألا ترى ما صنع؟
فأتيت مالك في السفاه، وإنما ... أمر السفاهة ما أمرنك أجمع
(2/155)

وقتود ناجية وضعت بقفرة ... والطير عاشية العوافي وقع
بمهند ذي حليةٍ جردته ... يبرى الأصم من الكعوب ويقطع
لتنوب نائبة فيعلم إنني ... ممن يغر على الثناء فيخدع
إني مقسم ما ملكت فجاعل ... أجراً لآخره ودنيا تنفع
وقول أبي زياد الأعرابي:
له نار تشب على يفاعٍ ... إذا النيران ألبست القناعا
ولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا
وقول الآخر:
وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفة أوسع
وقال الآخر:
وتبا لمن بخلت نفسه ... بشيء يؤول إلى المستراح
أي: المرحاض: وقال الآخر:
وشيئان معدومان في الأرض: درهم ... حلال، وخل في الحقيقة ناصح
وقال الآخر:
ويؤلمني جميل لا أكافا ... عليه كأنه عندي قبيح
وقال الآخر:
هجوت زهيرا ثم أني مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح
وقال الآخر:
لا يصحب الإنسان في قبره ... غير التقى والعمل الصالح
وقال الآخر:
وما العيش إلاّ في خمول مع الغنى ... وعافية تغدوا بها وتروح
وقال الآخر:
وما كل حين يصدق المرء ظنه ... ولا كل أصحاب التجارة يربح
وقال معن بن أوس:
رأيت رجالا يكرهون بناتهم ... وفيهن لا تكذب نساء صوالح
وفيهن والأيام يعثرن بالفتى ... عوائد لا يمللنه ونوائح
(2/156)

وقال الآخر:
ولا تفش سري إلاّ إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا!
فإني رأيت غواة الرجال لا يتركون أديما صحيحا
وقيل: وكان أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه يتمثل بهذين البيتين كثيرا، وقيل انهما له. والأديم: الجلد، استعير هنا للعرض، وجعل لام الوشاة سهاما يرما بها الأعراض حتى تهتكها. ومثله قول أبن الخياط:
فلا تعدل إلى الواشين سمعا ... فإنَّ كلام أكثرهم كلام
وإنَّ الود عندهم نفاق ... إذا طاوعتهم والحمد ذام
وأقوال إذا سمعت سهام ... تقصر عن موقعها السهام
فلما نصحوا لمجدك بل مراداً ... لمّا قد ساءني قعودا وقاموا
فليتك تسمع القولين حتى ... تبين في من الحق الخصام!
وقالت فاطمة بنت الأحجم الخزاعية ترثي أخاها وقيل ليلى بنت يزيد بن الصعق ترثي ابنها قيس بن زياد:
لقد كنت لي جبلا ألوذ بظله ... فتركتني أضحى بأجرد ضاح
قد كنت ذات حمية ما عشت لي ... أمشي البراز وكنت أنت جناحي
فاليوم أخضع للذليل وأتقي ... منه وأدفع ظالمي بالراح
وأغض من بصري وأعلم إنّه ... قد مات خير فوارس ورماح
وإذا دعت قمرية شجبنا لها ... يوما على فنن دعوت صباحي
وتمثلت بها فاطمة أم السبطين رضي الله عنها يوم وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم. ومعنى: دعوت صباحي أي قلت: وأسوء صباحاه! لعدم ناصري فيه. وفي معنى الأول قول أبي الوفاء يرثي غازي:
أيا تاركي ألقى العدو مسلما ... متى ساءني بالجد قمت ألاعبه
وقال سعد بن قيس:
كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح
فالهم بيضات الخدور ... هناك لا النعم المراح
(2/157)

والضمير في كشفت للحرب في قوله:
يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا
وكشف الساق كناية عن اشتدادها، أخذ من كشف الرجل عن ساقه وتشميره إذا جد في الأمر، كما قيل:
وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... اشمر حتى ينصف الساق مئزري
والصارح: الخالص أصله اللبن الذي ذهبت رغوته، كما مر؛ فالهم بيضات الخدور الخ. . فيه وجهان: أحدهما إنّه يقول: أما حينئذ لا نبالي بأموالنا أن تذهب، وإنّما همنا الدفع عن حريمنا؛ والآخر: إنَّ يريد: أنا ظهرنا على العدو ولم نلتفت إلى أموالهم وأخذها، وإنما همنا منهم القتل والسباء وهو أفخر.
وقال أحد بني يشكر:
إلاّ أبلغ بني ذهل رسولا ... وخص إلى سراة بني البطاح
بأنا قد فتلنا بالمعلى ... عتيبة منكم وأبا الجلاح
فإن ترضوا فأنا قد رضينا ... وإنَّ تأبوا فأطراف الرماح
مقومة وبيض مرهفات ... تبين جماجما وبنان راح
وقال الحيض بيض:
ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأسارى وطالما ... غدونا على الأسرى فنعفو ونصفح
ويحكى عن بعضهم قال: رأيت الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في المنام، فقلت له: يا أمير المؤمنين، تفتحون مكة وتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يؤثم على ولدك الحسين مآثم؟ فقال لي: أسمعت أبيات الصيفي في هذا، وهو الحيص بيض؟ فقلت: لا. قال: اسمعنا منه! قال: فانتبهت، فلما أصبحت بادرت إلى دار الحيص بيص فأخبرته بالقصة فبكى وحلف بالله ما خرجت من فيه إلى أحد وما نظمها إلاّ في ليلته، فأنشدني: ملكنا فكان العفو منا البيتين.
وقال الحماسي أحد بني الحارث بن كعب:
لنا حمد أرباب المئين ولا يرى ... إلى بيتنا مال مع الليل رائح
(2/158)

وقال مالك بن أسماء، من شعراء الحماسة أيضاً:
وحسبك تهمة ببرئ قومهم ... يضم على أخي سقم جناحا
وقبله:
هجوت الأدعياء فنا صبتني ... معاشر خلتها عربا صحاحا
فقلت لهم وقد نجوت طويلا ... إلى وما أجبت لهم نباحا
أمنهم أنتم فأكف عنكم ... وأدفع عنكم الشتم الصراحا؟
وحسبك " البيت "
والمناصبة: المعاداة. ويقول: إنَّ عاديتموني بسببهم وذهبتم عنهم، فأنتم منهم ولا أهجوكم للؤمكم، وكفى بكم ريبة إنَّ تضموا الجناح على المريبين.
وقال الآخر:
وإني لأغلي لحمها وهي حية ... ويرخص عندي لحمها حين تذبح
بذا فآندبيني فإنني ... فتى تعتريني هزة حين امدح
وتقدم هذا الشعر وما كان بمعناه.
وقال الآخر:
ونصر الفتى في الحرب أعداء قومه ... على قومة للمرء ذي الطعم فاضح
وقبله:
دعاني أبو نصر وأهدى نصيحة ... إلي ومما أنَّ تعز النصائح
لأجزر لحمي كلب نبهان كالذي ... دعا القاسطي حتفه وهو نازح
أو البرجمي حين أهداه حينه ... لنار عليها موقدان وذابح
ورأي أبي سعد وإنَّ كان حازما ... بصير وإنَّ ضاقت عليه المسارح
أعان به ملعون نبهان سيفه ... على قومه والقول عاق وجارح
ونصر الفتى في الحرب " البيت "
وقوله: لأجزر لحمي أي: أصير نفسي جزرة، والجزرة البدنة تنحر. قال: عنترة:
إنَّ يعفرا مهري فإنَّ أباهما ... جزر لخامعة ونسر قشعم
(2/159)

والقاسطي الذي ذكره هو أحد القارضين الهالكين، وسيأتي فيهما المثل؛ والبرجمي هو وافد البراجم المتقدم؛ وقوله: للمرء ذي العقل والمعرفة. وقال الحماسي أشجع السلمي:
مضى أبن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلاّ له فيه مادح
وما كنت أدري ما فواضل كفه ... على الناس حتى غيبته الصفائح
فاصبح في لحد من الأرض ميتا ... وكان به حيا تضيق الصحاصح
فما أنا من رزء، وإنَّ جل، جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح
كأن لم يمت حي سواك ولم تقم ... على أحد إلاّ عليك النوائح!
وقال أبن المعتز:
كما يخلق الثوب الجديد ابتذاله ... كذا يخلق المرء العيون الطوامح
ومن هذا قولهم: طول المجالسة يخلق: وقد قال أزدشير لأبنه: لا تمكن الناس من نفسك: فإن أجرا الناس على الأسود أكثرهم لها معاينة! وقال أبو بكر بن النطاحي في المدح:
يتلقى الندى بوجه حيي ... وصدور القنى يوجه وقاح
هكذا هكذا، المعالي: ... طرق الجد غير طرق المازح!
والبيت الثاني ذهب مثلا سائرا. وقال مجد الدين الاربلي:
طرفي وقلبي: ذا يسيل دما، وذا ... بين الورى أنت العليم بقرحه
وهما بحبك شاهدان وإنّما ... تعديل كل منهما في جرحه
ونحو هذا من التوجيه قول الآخر:
زرت الإمام الشافعي ولم أكن ... يوما زيارة قبره بالتارك
فوجدت مولاي الحبيب يزوره ... فظفرت عند الشافعي بمالك
وقول الآخر:
وعاطيته علم البديع وخده ... يعلمني تلوينه علم جابر
وصفحت من شوقي مدونة الرضى ... لثغر فأفتاني بنص الجواهر
وقول الآخر:
لا غزو إنَّ يصلي الفؤاد ببعدكم ... نارا تؤججها يد التذكار:
(2/160)

قلبي إذا غبتم يصور شخصكم ... فيه وكل مصور في النار!
وقال الآخر في هذا المعنى:
إلاّ إنَّ حالي في هواك خفيفة ... ولكن لعيني بالصبابة تبريح
عجبت لدمع لا يزال مرويا ... فيقبل في آثاره وهو مطروح
وأعجب من ذا أن خدي شاهد ... يصادق في أقواله وهو مجروح
وقال أيضاً:
ومحكم اللحطات في مهج الورى ... تحكيم نار هواه بين جوانحي
جريح الفؤاد فطار من ولع به ... فكيف الخلاص لطائر من جارح؟
ومثله أيضا قوله:
أحادثه بالفكر فهو منادمي ... على الدهر لا أبغي عليه بديلا
تملك قلبي فهو رهن اعتقاله ... فمن شاء يبصر مالكا وعقيلا
وتقدم لنا هذا المعنى في حرف الثاء، مستوفى، وسنعيد منه كثيرا.
وقال القاضي أبو الفضل عايض رحمه الله:
انظر إلى الزرع وخاماته ... تحكي وقد ماست أمام الرياح
كتبة خضراء مهزومة ... شقائق النعمان فيها جراح
ومثله قوا الآخر:
فتح الشقائق جرحها ومغنمها ... وشيء الربيع، وقلاها من الثمر
لأجل هذا إذا هبت طلائعه ... تدرع النهر واهتزت قنا الشجر
ونحو هذا من حسن التعليل في هذا المعنى قولي:
إنَّ بين الغمام والزهر الغض ... لرحما قديمة وإخاء
بان إلف عن إلفه فتوارى ... في الثرى ذا وذاك حل السماء
فإذا ما لغمام زارت جانبا ... أذنت فيه بالحبيب اللقاء
ذكرت عهده القديم فحنت ... عند لقياه فاستهلت بكاء
فترى الزهر بارزا من خباياه ... يحيى الوفود والأصدقاء
بادي البشر والبشاشة جذلا ... ن لبوسا من كل لون رداء
ثملا من شموس شمس الضحى ... وهو على بسط سندس خضراء
(2/161)

راقصات والصبا تهنيه والو ... رق غواني القيان تشدو غناء
وما رأيت أحدا ولا أظنه سيبقي إلى هذا المعنى، ولا تصريحا ولا تلويحا.
وقال الحسن بن هانئ:
مازلت أشرب روح الزق في لطفٍ ... وأستميح دما من غير مجروح
حتى أغديت ولي روحان في جسدي ... والزق مطرح جسم بلا روح
وقال أيضاً في هذا المعنى:
أذكى السراج وساقي القوم يمزجها ... فلاح في البيت كالمصباح مصباح
كدنا على علمنا للشك نسأله: ... أراحنا نارنا أم نارنا الراح؟
وسيأتي هذا المعنى مستوف في بعد. وقال أبن الخياط في صفحة الحساب:
أخفى مسالكها الظلام فأوقدت من برقها كي تهدي مصباحا
وكان صوت الرعد خلف سحابها ... حادٍ إذا ونت الركائب صاحا
وتقدم هذا المعنى في حرف الهمزة. وقال عبد الله بن المعتز:
كأن سماءنا لمّا تجلت ... خلال نجومها عند الصباح
رياض بنفسج خضل ثراه ... تفتح بينه نور الأقاح
وقال أبن الزقاق:
فبت وقد زارت بأنعم ليلة ... تعانقني حتى الصباح صباح
على عاتقي من ساعديها حمائل ... وفي خصرها من ساعدي وشاح
وقال إدريس بن اليماني:
ثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح
حفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح
وقال الآخر في وصف الروض:
ورياض من الشقائق أضحت ... تتهادى بها نسيم الرياح
زرتها والغمام يجلد منها ... زهرات تفوق لون الراح
قلت: ما ذنبها؟ فقال مجيبا: ... سرقت حمرة الخدود الملاح!
وقال الآخر في زورق:
لو أبصرت عيناك زورق فتيةٍ ... بيدي لهم لمح السرور مراحة
(2/162)

وقد استداروا تحت ظل شراعه ... كل يمد بكأس راح راحه
لحسبته خوف العواصف طائرا ... مد الحنان على بنيه جناحه
وقال أبن الرومي:
قالت: علا الناس إلاّ أنت قلت لها: ... كذاك يسفل في الميزان مارجحا
وقال أبو إسحاق بن الحاج:
يا مالكي بصبيح وجهٍ حسنه ... أربى على فلق الصباح الأوضح
ما شك قلبي فيك أنك مالك ... لمّا عرفت وسامة بالإصباحِ
وقال سيف الدولة:
لا أواخذك بالجفاء فإني ... واثقٌ منك بالوفاء الصريحِ
فجميل العدو غير جميلٍ ... وقبيح الصديق غير قبيحي!
وقال مهيار:
اذكرونا مثل ذكرانا لكم ... رب ذكرى قربت من نزحا
وارحموا صبا إذا غنى بكم ... شرب الدمع وعاف القدحا
وقال شرف الدين الحموي شيخ الشيوخ:
حديثي في المحبة ليس يبرح: ... فدعني من حديث اللوم واسرح
فما لك مطمع ببراح قلبي ... عن الحب الذي أعيا وبرح
فكم من لائم ألحى إلى أن ... تأمل من هويت فما تنحنح
فيا لله ما أشهى وأبهى ... ويا لله ما أحلى وأملح!
له طرفٌ يقول: الحرب أحرى ... ولي قلبٌ يقول: الصلح أصلح
سألت سواره المثري فنادى ... فقير وشاحه: الله يفتح
وماس من القوام بغصن بان ... إذا أنشدت أغزالي ترنح
وحياني بألحاظٍ مراضٍ ... صحيحاتٍ فأمرضني وصحح
أعاتبه فلا يصغي لعتبي ... ولا أسلو فأتركه وأربح
وقال عبد المحسن الصوري:
وأخٍ مسه نزولي بقرحٍ ... مثل ما مسني من الجوع قرحُ
(2/163)

بت ضيفاً له كما حكم الد ... هر وفي حكمه على الحر قبحُ
فابتداني يقول وهو من السكر ... ة بالهم طافحٌ ليس يصحو:
لم تغربت؟ قلت: قال رسول ... الله والقول منه نصح ونجح:
سافروا تغنموا. فقال: وقد قال ... تمام الحديث: صوموا تصحوا!
وقال أبن الوردي:
قد عجبنا لأميرٍ ... ظلم الناس وسبح
فهو كالجزار فيهم ... يذكر الله ويذبح
وقال شهاب الدين الخفاجي وهو من باب التورية اللطيفة:
وصفت خصره الذي ... أخفاه ردف راجحُ
قالوا: وصف جبينه ... فقالت: ذاك واضح!
وقال أيضاً وفيه نحو ما في الذي قبله من التورية:
لله أيام الصبا والهوى ... لله أيام النجا والنجاح!
ذاك زمان مر حلو الجنى ... ظفرت منه بحبيب وراح
وقال أبو محمد الحريري:
لزمان السفار وجبت القفار ... وعفت النفار لأجنبي الفرح
وخصت السيول ورضت الخيول ... لجر ذيول الصبا والمرح
ومطت الوقار وبعت العقار ... لحسو العقار ورشف القدح
ولولا الطماح إلى شرب راح ... لمّا كان باح فميبالملح
ولا كان ساق دهئي الرفاق ... لأرض العراق بحملي السبح
فلا تغضبن ولا تصخبن ... ولا تعتبن فعذري وضح
ولا تعجبن لشيخ أبن ... بمغنى أغن ودن طفح:
فإنَّ المدام تقوي العظام ... وتشفي السقام وتنفي الترح
وأصفى السرور إذا ما الوقور ... أماط ستور الحيا وأطرح
وأحلى الغرام إذا المستهام ... أزال اكتتام الهوى وافتضح
فبح بهواك وبرد حشاك ... فزند أساك به قد قدح
وداوي الكلوم وسل الهموم ... ببنت الكروم التي تقترح
(2/164)

وخص العبوق بساق ... بلاء المشوق إذا ما طمح
وشاد يشيد بصوت تميد ... جبال الحديد له إن صدح
وعاص النصح الذي لا يبيح ... وصال المليح إذا ما سمح
وجل في المحال ولو بالمحال ... وجع ما يقال وخذ ما صلح
وفارق أباك إذا ما أباك ... ومد الشباك وصد من سنح
وصاف الخليل وناف البخيل ... وأول الجميل ووال المنح
ولذلك بالمتاب أمام الذهاب ... فمن دق باب كريم فتح
وقال أيضاً:
نهاني الشيب عما فيه أفراحي ... فكيف أجمع بين الراح والراحِ؟
وهل يجوز اصطباحٌ من معتقةٍ ... وقد أنار مشيب الرأس إصباحي
أنَّ ليت لا خامرتني الخمر ما علقت ... روحي بجسمي وألفاظي بإفصاحي
ولا اكتست لي بكاسات السلاف يدٌ ... ولا أجلت قداحي بين أقداح
ولا صرفت إلى صرفٍ مشعشعة ... همي ولا رحت مرتاحا إلى راح
ولا نظمت على مشمولة أبداً ... شملي ولا اخترت ندماناً سوى الصاحي
محا المشيب مراحي حين خط على ... رأسي: فأبغض به من كتاب ماح!
ولاح يلحى على جري العنان إلى ... ملهى: فسحقاً له من لائح لاح!
ولو لهوت وفودي شائب لخفى ... بين المصابيح من غسان مصباحي
قومٌ سجاياهم توقير ضيفهم ... والشيب ضيفٌ له التوقير يا صاح!
وقال أيضاً:
أعدد لحسادك حدّثني السلاح ... وأورد الأمل ورد السماح
وصارم اللهو ووصل المهى ... وأعمل الكوم وسمر الرماح
واسع لإدراك محل سما ... عماده لا لادراع المراح
والله ما السؤدد حسنو الطلا ... ولا مراد الحمد رؤد رداح
واها لحر صده واسع ... وهمه ما سر أهل الصلاح
(2/165)

مورده حلو لسؤاله ... وماله ما سألوه مطاح
ما اسمع للآمل ؤداً ولا ما طله والمطل لؤم صراح
ولا أطاع اللهو لمّا دعا ... ولا كسا راحا له كأس راح
سوده إصلاحه سرة ... وردعه أهواءه والطماح
وحصل المدح له علمه ... ما مهر الحور مهور الملاح
وقال عوف بن محلم:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضرٌ ... وغصنك ميادٌ ففيم تنوحُ؟
أفق لا تنح من غير شيء فإنني ... بكيت زمانا والفؤاد صحيحُ
ولوعاً فشطت غربة دار زينب ... فها أنا أبكي والفؤاد جريحُ
وزعموا إنّه خرج مع عبد الله بن طاهر في بعض غزواته فسمع عبد الله يوما وهما يتسايران صوت حمامة فأنشد أبيات عوف ثم التفت إلى عوف وقال له: هل حضرك شيء في هذا المعنى وهذه القافية؟ فقال عوف:
أفي كل عامٍ غربةٌ ونزوح؟ ... أما للنوى من ونيةٍ فتروحُ؟
لقد ظلم البين القذوف ركائبي: ... فهل أرين البين وهو طليحُ؟
وأرقني بالري نوح حمامةٍ ... فنحت وذو الشوق الغريب ينوحُ
على أنها ناحت ولم تدر عبرةً ... ونحت وأسراب الدموع سفوحُ
وناحت جود عبد الله أن يعكس النوى ... فتلقى عصا التسيار وهي طريحُ
فإنَّ الغنى يدني الفتى من صديقه ... وعدم الغنى بالقترين نزوحُ
فرق له عبد الله وصرفه إلى أهله بعطاء جزيل وقال: يصلك عطاؤك كل سنة لموضعك.
وللشعراء قديما وحديثا الإكثار من ذكر الحمام والفواخت والورشان في أشعارهم واستحسان أصواتها. فمن مستحسن ما للأولين في ذلك قول الشاعر:
سيغنيك عن مزمار آل مخارق ... وبربطهم تغريد تلك الحمائمِ
بأيكة ناظر تجاوبن بالضحى ... على شاهقات آفلاتٍ نواعمِ
(2/166)

قول الآخر:
أحن إلى حوائط ذات عرقٍ ... لتغريد الفواخت والحمامِ
ألم بها بكل فتى كريمٍ ... من الفتيان مخلوع الزمامِ
إذا غنت على الأغصان ورقٌ ... أجبناها بإعمال المدامِ
وقول أبي صخر:
ولمّا دعت غورية الأيك سجعت ... فسجع دموعي يستهل ويستشري
يذكرني شجي دعاء حمامةٍ ... ويبعث لوعات الصبابة في صدري
بكت حزناً رزء الهديل وشفني ... فراق حبيب ضاق عن فقده صبري
وقول الآخر:
أيها البلبل المغرد في النخ ... ليس غريبا من أهله حيرانا
أفراقا تشكوه أم ظلت تعو ... فوق أفنان نخلك الورشانا؟
هاج لي شجوك المغرد شجواً ... رب صوتٍ يهيج الأحزانا
وقول حميد بن ثور:
وما هاج هذا الصوت إلاّ حمامةٌ ... دعت ساق حر ترحةً وترنما
محلاة طوقٍ لم يكن بتميمةٍ ... ولا ضرب صواغٍ بكفيه درهما
تغنت على غصنٍ عشاءً فلم تدع ... لنائحةٍ في نوحها متلوما
إذا حركته الريح أو مال ميلةً ... تغنت عليه مائلاً ومقوما
عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما
فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربياً شاقه صوت أعجما!
وقول الآخر:
ومن بستان إبراهيم حنت ... حمائم بينها فننٌ رطيبُ
وقول عدي بن الرقاع:
ومما شجاني أنني كنت نائماً ... أعلل من برد الكرى بالتنسمِ
إلى أن دعوت ورقاء في غصن أيكةٍ ... تردد مبكاها بحسن الترنمِ
(2/167)

فلو قيل مبكاها بكيت صبابةً ... بسعي شفيت النفس قبل التندمِ
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها فقلت: الفضل للمتقدمِ
وقال المجنون:
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني ... بقول يحل العصم سهل الاباطحِ
تجافيت عني حين لا لي حيلةٌ ... وخلفت ما خلفت بين الجوانحِ
وزعموا أنَّ رجلا دخل بني عامر يسأل عن المجنون فقيل له إنّه في هذه لبصحراء قد استوحش وإنّه إذا رآك نفر منك؛ ولكن إذا رأيته فاجلس كأنك لا تقصده فانه يجلس إليك. فإذا جلس إليك فإن كان عندك شيء من شعرا بن ذريح فاذكره فانه يصغي إليك. قال: ففعلت ذلك. فلما جلس إلي قالت: ما أشعر قيس بن ذريح حيث يقول:
وإني لمفنٍ دمع عيني بالبكا ... حذاراً لمّا قد كان أو هو كائنُ
وقالوا: غداً أو بعد ذاك بليلةٍ ... فراق حبيبٍ بان أو هو بائنُ
وما كنت أخشى أن تكون منيتي ... بكفي إلاّ الله تعالى ما حان حائنُ
قال: فبكى طويلا ثم قال: أنا والله أشعر منه حيث أقول:
أبى القلب إلاّ حبها عامريةً ... لها كنيةً عمرو وليس لها عمرُ
تكاد يدي تندى إذا لمستها ... وينبت في أطرافها الورق الخضرُ
عجبت لسعي الهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الهرُ
ثم أوغل في الصحراء وتركني فانصرفت. فلما كان الغد رجعت فقلت: ما أشعر قيسا حيث يقول:
يبيت ويضحى كل يومٍ وليلةٍ ... على منهج تبكي عليه القبائلُ
قتيلٌ للبنى صدع الحب قلبه ... وفي الحب شغلٌ للمحبين شاغلُ
فبكى أيضاً طويلا ثم قال: أنا والله أشعر منه حيث أقول:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... معرقةً تضحى لديك وتخصرُ
وأخيلتها من مخها فكأنها ... قوارير في أجوافها الريح تصفرُ
إذا سمعت ذكر الفراق تقطعت ... علائقها مما تخاف وتحذرُ
ثم قام هاربا وتركني. فانصرفت ثم عدت في الغد فقلت: ما أشعر قيسا حيث يقول:
هبوني امرءاً إن تحسنوا فهو شكرٌ ... لذاك وإن لم تحسنوا فهو صافحُ
(2/168)

فأن يك قومٌ قد أساؤوا بهجرنا ... فإنَّ الذي بيني وبينك صالحُ
فبكى أيضاً طويلا ثم قال: أما والله أشعر منه حيث أقول: وأدنيني حتى إذا ما سبيتني " البيتين ". ثم فر عني وانصرف. وعدت من الغد فلم أجده فأخبرت قومه فانطلقوا يطلبونه فوجدوه بعد يومين ميتا في شعراء بين حجرين.
قلت: وفي البيتين المذكورين قال جرير لمّا أنشده إياها بعض أصحابه وهما متوجهان إلى الشام: لو كان النخير يصلح لنخرت حتى يسمعني هشام على سريره من هاهنا! وقال أبن الدمينة:
إلاّ يا حمى وادي المياه قتلتني ... أباحك لي قبل الممات مبيحي
ولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني ... بها كبداً ليست بذات قروحِ
أبى الناس ريب الناس لا يشترونها ... ومن ذا الذي يشتري دوى بصحيحِ؟
والدوى: المريض الشديد المرض والمرض الشديد أيضاً والأحمق.
وينشد هذا الشعلا أيضاً على إسقاط البيت الأول وزيادة آخر وهو:
أئن من الشوق الذي في جوانحي ... أنين غصيص بالشراب جريحِ
ويحكى عن إبراهيم الموصلي المغني المشهور أنه قال: سألت الرشيد أن يهب لي يوما أخلو فيه بنفسي وكان أمره أن لا يتغيب عنه يوما أصلا قال: فقال لي إني أستثقل يوم السبت فآله فيه بما شئت! قال: فأعددت يوما شرابا وأطعمة منتخبة وأصبحت عازما على أن لا آذن لأحد. فأمرت البواب بإغلاق الأبواب وجلست وحولي جواري والخدم يترددون بين يدي فإذا أنا بشيخ ذي هيئة وجمال حسن الثياب بيده عكازة مقمعة بفضة وقد سطع منه ريح المسك حتى ملأ البيت. قال: فامتلأت غيظا على البوابو عزمت على غقوبته. فسلم علي الشيخ بأحسن السلام فرددت عليه وأمرته بالجلوس. فجلس فأخذ في أحاديث العرب وذكر أيامها وأشعارها حتى أذهب ما بقلبي. وقلت: لعل البواب عرف أدبه فأراد مسرتي به فقلت له: هل لك في الطعام؟ فأبى. فقلت: هل لك في الشراب؟ فقال: ما أكرهه. فشربت وسقيته فقال: يا أبا إسحاق وهل لك أن تغني لنا من صنعك؟ فقد نبغت فيها عند الخاص والعام وأحسن فيها ما استطعت حتى نكافئك بمثلها! فأخذت العود وغنيته أصواتا حسانا في كلها يقول: أحسنت يا سيدي! ويطرب ويستزيدني. ثم وضعت العود فقال: أتأذن لعبدك في الغناء؟
(2/169)

فاستصعبت لكني أذنت له. فلما أخذ العود وجسه خلته والله ينطق بلسان عربي. ثم اندفع يغني:
ولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني
إلى آخر الأبيات الثلاثة المتقدمه. فو الله لقد ظننت أنَّ الحيطان والأبواب وكل ما في البيت يغني معه حتى خلت عظامي وثيابي تجاوبه وبقيت مبهوتا لا أستطيع الكلام لمّا خالط قلبي. ثم غنى:
ألا يا حمامات اللوى عدن عودة ... فأني إلى أصواتكن حزينُ
فعدن فلما عدن كدن يمتنني ... وكدت بأسراري لهن أبينُ
دعون بترديد الهدير كأنما ... شربن الحميا أو بهن جنونُ
فلم تر عيني مثلهن حمائما ... بكين ولم تدمع لهن عيونُ
فكاد والله عقلي يذهب طربا وارتياحا لمّا سمعت. ثم غنى:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجد. ... فقد زادني مسراك وجدا على وجدِ
لقد زعموا أنَّ المحب إذا دنا ... يمل وأنَّ النأي يشفي من المجدِ
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أنَّ قرب الدار خيرٌ من البعدِ
على أنَّ قرب الدار ليس بنافعٍ ... إذا كان من تهواه ليس بذي ودِ
ثم قال: يا إبراهيم هذا الشعر الماخوري فانح نحوه في غنائك وعلمه جواريك! فقلت: أعده علي! فقال: لست تحتاج إلى إعادته. فغاب عن بصري فارتعت وقمت إلى السيف فجردته وعدوت نحو الباب فوجدته مغلقا. فسألت البواب عن الشيخ فقال: والله ما دخل علي اليوم أحد! فرجعت متحيرا فإذا هو هتف بي من بعض جوانب البيت: لا بأس عليك أبا إسحاق! فقال هو إبليس اخترت مندمتك اليوم فلا ترع! فال إبراهيم: فركبت من فوري إلى الرشيد وقلت: لا أطرفه بطرفة أحسن من هذه! فلما دخلت حدثته الحديث فقال: ويحك غن لي ما غناك! فأخذت العود وغنيته إياها كأنها من محفوظاتي. فطرب الرشيد وجلس للشرب ولم يكن عزم عليه وأمر لي بصلة وقال: الشيخ كان أعلم حيث قال إنك أخذتها. فليته متعنا بنفسه يوما كما أمتعك! انتهى. قوله الماخوري: هو نسبة إلى الماخور وهو بيت الريبة معرب. وقيل إنّه عربي من مخرت السفينة الماء لتردد الناس إليه. وقال أبن عبد المنان:
(2/170)

صبحته عند المساء فقال لي: ... ماذا الصباح وظن ذاك مزاحا
فأجبته: إشراق وجهك غرني ... حتى توهمت المساء صباحا
وسبب قوله هذا الشعر إنّه دخل وهو ثمل على السلطان أحمد المريني عشية فصبحه. فنظر السلطان إليه نظر منكر، وقال له: أي وقت هذا؟ وأي معنى للصباح فيه؟ فأفاق من سكره وانشد ما مر ارتجالا، وهذه بديهة لا بأس بها.
ومثله ما يحكى إنّه وقع ليحيى بن أكثم، وكان الأمين بن الرشيد شرب يوما مع عبد الله بن ظاهر، ومعهما يحيى. فتغامزا عليه، وأمر الساقي فأكثر له حتى أسكره. وكان بين أيديهم ردم من رياحين. فأمر يحيى فدفن فيه، وأمر قينة أنَّ تغني عند رأسه بيتين علمهما. فغنت:
ناديته وهو ميت لا حراك به ... مكفن في ثياب من رياحين
فقلت: قم؟ قال: رجلي لا تطاوعني ... وقلت: خذ! قال: كفي لا تواتيني
فأنتبه يحيى لصوت العود وصوت الجارية، فأخذ العود منها وغنى:
يا سيدي وأمير الناس كلهم ... قد جار في حكمه من كان يسقيني
إني غفلت عن الساقي فصيرني ... كما رأيت سليب العقل والدين
لا أستطيع نهوضا قد وهى بدني ... ولا أجيب لداع حين يدعوني!
وقال أبو الفتح البستي:
أفد طبعك المكدود بالجد راحة ... يجم وعلله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بقدر الذي يعطى الطعام من الملح
وقال آخر في معناه:
ممازحة الصديق تزيد ودا ... إذا كانت تضاف إلى الملاحه
فمازح من تحب وتصطفيه ... فمزحك مع صديق في راحه
وقال الآخر في المدح:
إذا نزل الضيف ليلا بهم ... رأى أوجها لاح منها الصباح
كرام الوجوه لمن أمهم ... وعند وجوه الكرام السماح
وهذا من العكس، وهو عند أهل البديع قسمان: تعاكس الكلم وتعاكس الحروف.
فمن الأول في النثر قولهم: عادات السادات سادات العادات: وقولهم عقول الملوك
(2/171)

ملوك العقول؛ وكلام الملوك ملوك الكلام؛ وفول بعضهم، وقد قيل له لا خير في السرف، لا سرف في الخير، ونحو هذا. وفي الشعر ما مر وقول صاحب الحلية:
خير الليالي ليالي الخير في إضمٍ ... والقوم قد بلغوا أقصى مرادهم
وقول أبي الطيب:
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
وقول أبن جابر:
عطفت قدها النضير فقالت: ... هل رأيتم لحسن هذا نظيرا؟
بذلت للمحب يوم وصالٍ ... فرأينا وصال يوم كثيرا
ونحوه وهو كثير.
ومن التالي في النثر كقوله تعالى:) كل في فلك (وقوله تعالى:) وربك فكبر (وقول العماد الاصبهاني للقاضي الفاضل: سر، فلا كبا بك الفرس! وقول بعضهم:
سرو حماة بربها محروس؛ وقولك أرض خضراء ورمح أحمر، ونحو ذلك وهو كثير.
ومن الشعر قول الشاعر:
مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم؟
ومن النوع الأول قولي في أبيات:
نتائج أبناء كرام غطارفٍ ... كرام بنين ماجدين كبار
وقول الآخر:
إذا المرء لم يمدح بحسن فعاله ... فمادحه يهذي وإنَّ كان يفصح
وقول الآخر في معناه:
وما شرف أنَّ يمدح المرء نفسه ... ولكن أعمالاً تذم وتمدح
وقول الآخر يروي لأبن الفارض، رضي الله عنه:
خليلي إنَّ زرتما منزلي ... ولم ترياه فسيحا فسيحا،
وإنَّ رمتا منطقي من فمي ... ولم ترياه فصيحا فصيحا،
وقول أبي بكر بن عمار في الاستعطاف:
سجاياك إنَّ عافيت واسمح ... وعذرك إنَّ عاقبت أجلى وأوضح
وإنَّ كان بين الخطيتين مزية ... فأنت إلى الأدنى من الله أجنح
(2/172)

وقال أبو عيسى بن لبون في النسيب:
سقى أرضا نووها كل مزن ... وسايرهم سرور وارتياح
فما ألوى بهم ملل ولكن ... صروف الدهر والقدر المتاح
سأبكي بعدهم حزنا عليهم ... بدمع في أعنته جماح
وقال أيضاً:
يا رب ليل شربنا فيه صافية ... حمراء في لونها تنفي التباريحا
ترى الفراش على الأكواس ساقطة ... كأنها أبصرت منها مصابيحا
وقال أبو محمّد بن عبدون:
سقاها الحيا من مغان فساح ... فكم لي بها من معان فصاح؟
وحلى أكاليل تلك الربى ... ووشى معاطف تلك البطاح
فما أنس لا أنس عهدي بها ... وجري فيها ذيول المراح
ونومي على حبرات الرياض ... يجاذب بردي مر الرياح
ولم أعط أمرا النهى طاعة ... ولم أصغ سمعا إلى لحي لاح
وليل كراجعة طرف المريب ... لم أدرله شفقا من صباح
وقلت أنا:
أم والمهيمن إنني من بعدكم ... لكطائر قد قُدَّ منه جناح
أوديتم بمحبكم من بعدكم ... أو ليس على المضر جناح؟
قد كان فيهم أعصرا بوصالهم ... قد طبن روح للنفوس وراح
فكأنني صبرا سقيت فكيف لي ... صبر وقد زموا المطي وراحوا؟
وقلت أيضاً:
نقل النسيم عن الأراك محدثا ... عن ثغر سلمى الأشنب الوضاح
وحديثه المروي إنَّ رضابه ... عسل ومسك شوبا بالراح
صدقا أحاديث الصحيح قد اعتلت ... عن ريبة تعزى لها من لاح
وقال بعض السادات الصوفية رضي الله عنهم:
قد كنت أحسب إنَّ وصلك يشترى ... بنفائس الأموال والأرواح
حتى رأيتك تجتبي وتخص من ... تختاره بنفائس الأرباح
(2/173)

فعلمت انك لا تزال بحيلة ... ولويت رأسي تحت طي جناح
وجعلت في عشق الغرام إقامتي ... أبدا وفيه تحويلي ورواحي
وقال الآخر:
أبداً نحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى كمال جمالكم ترتاح
وارحمة للعاشقين تحملوا ... ألم المحبة والهوى فضاح
بالسير إن باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء البائحين تباح
وقال الآخر:
راحوا فبانت راحتي ... صفرا وأضحى حبهم لي راحا
فتحوا على القلب الغموم وأغلقوا ... باب السرور وضيعوا المفتاحا
وقال بشار:
خليلي ما بال الدجى لا تزحزح ... وما لعمود الصباح لا يتوضح؟
أضل النهار المستنير طريقه؟ ... أم الدهر ليل كله ليس يبرح؟
وطال علي الليل حتى كأنه ... بليلين موصول فما يتزحزح
واعلم إنَّ الشعراء في الليل قديما وحديثا مقصدين مختلفين لباعثين متباينين: فتارة يستطيلونه ويستبطئون الإصباح وذلك لأجل الاختناق بتباريح الأشواق عند احتساء كأس الفراق المر المذاق وتارة يستقصرونه ويودون أن لو دام وذلك عند اجتناء ثمرات الوصال والاشتغال بلذات الإقبال. فمن الأول قول مهلهل:
أليلتنا بذي حسم أنبري ... إذا أنت أنقضيت فلا تحوري
ولم يحضرني لمن قبله شيء في هذا الباب. وقول امرئ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لمّا تمطا بجوزه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
إلاّ أيّها الليل الطويل إلاّ أنجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل
كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل
(2/174)

وقوله أيضاً:
أعني على التهمام والذكرات ... يبتن على ذي الهم معتكرات
بليل التمام أو وصلن بمثله ... مقياسة أيامها نكرات
وهو أوّل من أبدع في هذا الباب فيما علمنا. وقول النابغة:
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع
يسهد من ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
تناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طورا وطورا تراجع
وقوله أيضاً:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنص ... وليس الذي يرعى النجوم بآءب
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف في الحزن من كل جانب
وقوله أيضاً:
كتمتك ليلا بالجمومين ساهرا ... وهمين هما مستكنا وظاهرا
أحاديث نفس تشتكي ما يربها ... وورد هموم لن يجدن مصادرا
وقوله أيضاً:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب
فبت كأن العائدات فرشنني ... هراسا به يعلى فراشي ويقشب
وقول جندح:
في ليل صول تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالليل موصل
لا فارق الصبح كفي إن ظفرت به ... وإن بدت غرة منه وتحجيل
لساهر طال في صول تململه ... كأنه حية بالسوط مفتول
حتى أرى الصبح قد لاحت مخائله ... والليل قد مزقت عنه السراويل
ليل تحير ما ينطح في جهة ... كأنه فوق متن الأرض مشكول
نجومه ركد ليست بزائلة ... كأنما هن في الجو القناديل
ما أقدر الله أن يدنى على شحط ... من داره الحزن ممن داره صول
الله يطوي بساط الأرض بينهما ... حتى يرى الربع منه وهو مأهول
(2/175)

وقول الحصري:
يا ليل الصب متى غده ... أقيام الساعة موعده؟
وقول الآخر:
إلاّ هل على الليل الطويل معين ... إذا نزحت دار وحن حزين؟
أكابد هذا الليل حتى كأنما ... على نجمه إلاّ يغور يمين
وتالله ما فارقتكم قاليا لكم ... ولكن ما يقضي فسوف يكون
وقول الآخر:
ما لنجوم الليل لا تغرب ... كأنها من خلفها تجذب؟
روادك ما غار في غربها ... ولا بدا من شرقها كوكب
وقول العباس بن الأحنف:
أيّها الراقدون حولي أعينوني ... على الليل حسبه وآئتجارا
حدثوني عن النهار حديثا ... أوصفوه فقد نسيت النهارا
وقال السويد بن أبي كاهل:
وإذا ما قلت ليل قد مضى ... عطف الأول منه فرجع
يسحب الليل نجوما ظلعا ... فتواليها بطيآت التبع
ويزجيها على إبطائها ... مغرب اللون إذا الليل انقشع
وقول أبن الرومي:
رب ليل كأنه الدهر طولا ... قد تناهى فليس فيه مزيد
ذي نجوم كأنهن نجوم الشيب ... ليست لكن تزيد
وقول سعيد بن حميد:
يا ليل بل يا أبد ... أنام عندك غد؟
يا ليل لو تلقى الذي ... ألقى بها أو تجد
قصر من طولك أو ... ضعف منك الجلد
أشكو إلى ظالمة ... تشكو الذي لا تجد
وقف عندها ناظري ... وقف عنها السهد
(2/176)

وقول الآخر:
يخيل إلي إنَّ الشهب في الدجى ... وشدت بأهداب إليهن أجفان
وقول الآخر:
رب ليل أمد من نفس العاشق ... طولا قطعته بآنتحاب
وحديث ألذ ممن نظر الوامق ... بدلته بسوء العتاب
وقول أبن شهيد:
وبتنا نراعي الليل لم يطو برده ... ولم يجن شيب الصبح في فزعه وخطا
تراه كملك الزنج من فرط كبره ... إذا رام مشيا في تبختره أبطا
مطلا على الآفاق تاجه ... وقد علق الجوزاء من أذنه قرطا
وقال بعضهم: كان علي بن الجهم يستنشدني شعر خالد الكاتب فأنشده فيقول: ما صنع شيئاً حتى أنشدته يوما له:
رقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر
ولم تدر بعد ذهاب الرقاد ... ما صنع الدمع من ناظري
فقال: قاتله الله لقد أدمن الرمي حتى أصاب الغرة.
ومن الاعتبار الثاني قول الأعرابي:
وليل لم يقصره رقاد ... وقصر طوله وصل الحبيب
وقول أبن المستوفي:
حسد الليل الصباح لمّا ضمنا ... غيظا ففرق بيننا داعيه
وقول الآخر:
رأيت في المنام أقل بخلا ... وأطوع منك في غير المنام
فليت الصبح زال فلا نراه ... وليت الليل يبقى ألف عام
ولو إنَّ النعاس يباع حينا ... لأغليت التعاس على النيام
وقول القاضي الفاضل وهو السحر حقا:
بتنا جميعا كيف شاء الهوى ... وربما لا يمكن الشرح
بوابنا الليل وقلنا له: ... إن غبت عنا دخل الصبح
(2/177)

وقول أبن الصمد بن المعذل:
أقول وجنح الدجى ملبد ... ولليل في كل فج يدُ
ونحن ضجيعان في مسجدٍ ... فلله ما ضمنا المسجدُ:
قيا ليلة الوصل لا تبعدي ... كما ليلة الهجر لا تنفدُ
ويا غد إن كنت لي راحما ... فلا تدن من ليلتي يا غدُ!
وقول الآخر:
شباب المرء ثوبٌ مستعار ... وأيام الصبا أبداً قصارُ
ولأجل الاعتبالرين كان قول الأعرابي:
تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بأرض الغضا ليلي علي يطولُ
وقول أبي الوليد بن زيدون:
أجل إنَّ ليلي فوق شاطئ بيطة ... لأقصر من ليلي بآنة فالبطحا
وقول عمر بن أبي ربيعة:
فيالك من ليلٍ تقاصر طوله ... وما كان ليلي قبل ذلك يقصرُ
ومن الثاني أيضاً قال الآخر:
لله أيام الشباب وعصره ... لو يستعار جديده فيعارُ
ما كان أقصر ليله ونهاره ... وكذاك أيام السرور قصارُ!
وقول أبي بكر بن دريد:
يا رب يومٍ جمعت قطريه لي ... بنت ثمانين عروساً تجتلى
وقد شرح الاعتبارين الوليد بن يزيد في قوله:
لا أسأل الله تغييراً لمّا فعلت ... نامت وقد أسهرت عيني عيناها
فالليل أطول شيء حين أفقدها ... والليل أقصر شيء حين ألقاها
والآخر في قوله:
أخو الهوى يستطيل الليل من أرقٍ ... والليل في طوله جارٍ على قدر
ليل الهوى سنةٌ في الهجر مدته ... لكنه سِنةٌ في الوصل من قصر
والآخر في قوله:
ليلي وليلى سواءٌ في اختلافهما ... قد صيراني جميعاً في الهوى مثلا
(2/178)

يجود بالطول ليلي كلما بخلت ... بالطول ليلى وإن جادت به بخلا
وقول جميل:
وقالوا: لا يضرك نأي شهرٍ ... فقالت صاحبي: فمن يضيرُ؟
يطول اليوم إن شحطت نواها ... وحولٌ نلتقي فيه قصيرُ
وقول بشار:
لا أظلم الليل ولا أدعي ... أنَّ نجوم الليل ليست تغيورُ
ليلي كما شاءت فإن لم تجد ... طال وإن جادت فليلي قصيرُ
تصرف الليل على حكمها ... فهو على ما صرفته يدورُ
وقول الآخر:
تعالوا أعينوني على الليل إنه ... على كل عينٍ لا تنام طويل!
وقول الآخر:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيفٌ ألم
وقول الفرزدق:
يقولون طال الليل والليل لم يطل ... ولكن من يبكي من الشوق يسهرُ
وهذا المعنى أكثر من أن يستقصى. وترقى عن الاعتبارات قول بعض العارفين المحبين:
لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من
لو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعي النجوم كنت مخلا
إنَّ للعاشقين عن قصر الليل ... وعن طوله من الهم شغلا
وقال أبن حمديس الصقلي في مجونه:
قم هاتها من كف ذات الوشاح ... فقد نعى الليل بشير الصباح
باكر إلى اللذات واركب لها ... سوابق اللهو ذوات المراح
من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الاقاح!
وقال أيضاً:
بت منها مستعيراً قبلاً ... كن لي منها على الهر اقتراح
وأروى غلل الشوق بما ... لم يكن في قدرة الماء القراح
(2/179)

وقال الآخر:
سل المفتي المكي هل في تزاور ... وضمة مشتاق الفؤاء جناحُ
فقال: معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراحُ
والمعنى هنا بالمفتي هو عطاء بن أبي رباح الإمام الفقيه المشهور أحد الكبراء من التابعين. وكان بمكة مفتيا.
قال شمس الدين بن خلكان في تأريخه: لمّا بلغه هذان البيتان قال: والله ما قلت شيئا من هذا! وقال فخر الدين التكريتي:
وما ذات طوق في فروع أراكةٍ ... لها رنةٌ تحت الدجى وصدوحُ
ترامت بها أيدي النوى وتمكنت ... لها فرقةٌ من أهلها ونزوحُ
فحلت بزوراء العراق وزغبها ... بعسفان ثار منهم وطليحُ
تحن إليهم كلما ذر شارقٌ ... وتسجع في جنح الدجا وتنوحُ
إذا ذكرتهم هيجت ذا بلابل ... وكادت بمكتوم الغرام تبوحُ
بأبرح من وجدي بذكراكم متى ... تألق برقٌ أو تنسم ريحُ
وقال أبن الزيات:
سماعاً يا عباد الله مني ... وكفوا عن ملاحظة الملاحِ
فإنَّ الحب آخره المنايا ... وآخره يهيج بالمزاحِ
وقالوا: دع مراقبة الثريا ... ونم فالليل مسود الجناحِ
فقلت: وهل أفاق القلب حتى ... أفرق بين ليلي والصباحِ؟
وقال مؤيد الدين الموصلي:
يا قالة الشعر قد نصحت لكم ... ولست أدهى إلاّ من النصحِ
فقد ذهب الدهر بالكرام وفي ... ذاك أمورٌ طويلة الشرحِ
وأنتم تمدحون بالحسن والظرف ... وجوها في غاية القبحِ
وتطلبون السماح من رجلٍ ... قد طبعت نفسه على الشحِّ
(2/180)

من هاهنا تحرمون كدكم ... لأنكم تكذبون في المدحِ
صونوا القوافي فما أرى أحداً ... يعثر فيه الرجاء بالنجاحِ
فإن شككتم فيما أقول لكم ... فكذبوني بواحد سمحِ!
ونحو هذا البيت في المعنى ما حكي أنَّ بعض ظرفاء السؤال مر بقوم يأكلون فقال لهم: يا بخلاء! فأنكروا عليه. فلما سمع إنكارهم قال لهم: كذبوني بلقمة! وقال أبن ميادة:
فنظرن من خلل الحجال بأعينٍ ... مرضى يخالطها السقام صحاحِ
وأرشن حين أردن أن يرمينني ... نبلاً بلا ريشٍ ولا بقداحِ
وقال آخر يخاطب الناس:
تبعتم السابح في لجه ... ورعتم في الجو ذات الجناح
هذا وأنتم غرضٌ للردى ... فكيف لو خلدتم يا قباحِ؟
وقال أبن الساعاتي:
وكم فيك من عذراء زفت ... لفهمك في غدو أو رواحِ
من الغيد الحسان بلا شبيهٍ ... فكيف يفوتها حظ القباحِ؟
وقال الآخر:
وإذا الفتى من دهره كملت له ... خمسون وهو إلى التفى لم يجنحِ
طلعت عليه المخزيات وقلن قد ... أرضيتنا فكذاك كن لا تبرحِ
وإذا رأى إبليس صورته بدت ... حيى وقال: فديت من لم يفلحِ
ومثله قول التهامي:
إذا بلغ الفتى عشرين عاماً ... وأعجزه الفخار فلا اعتذارُ
إذا ما أوّل الخطي أعطى ... فما يرجى لآخره انتظارُ
وقول الآخر:
وصهباء جرجانية لم يطف بها ... حنيف ولم تنغر بها ساعة قدرُ
أتاني بها يحيى وقد نمت نومةً ... وقد غابت الشعرى وقد طلع النسرُ
فقالت اغتبقها أو لغيري فاسقها ... فما أنا بعد الشيب ويحك والخمرُ
إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياءٌ ولا سترُ
(2/181)

فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى ... ولو جر أسباب الحياة له الهرُ
وقال الآخر:
وقولوا: في الهجاء عليك إثمٌ ... وليس الإثم إلاّ في المديح
لأني إن مدحت كذباً ... وأهجو حين أهجو بالصحيحِ
وقال الآخر:
قالوا: تعشقها عمياء قلت لهم: ... ما شأنها ذاك في عيني ولا قدحا
بل زاد وجدي فيها أنها أبداً ... لا تعرف الشيب في فودي إذا وضحا
إن يجرح السيف مسلولا فلا عجبٌ ... وإنّما العجب سيفٌ مغمدٌ جرحا
كأنما هي بستان خلوت به ... ونام حارسه سكران قد طفحا
تفتح الورد فيه من كمائمه ... والنرجس الغض فيه بعد ما انفتحا
ومثله قول أبن سناء الملك:
فتنتني مكفوفةٌ ناظرها ... كتبا لي من الجراح أمانا
فهي لم تسلل الجفون حساماً ... لا ولم تحمل الفتور سنانا
وهي بكر العينين محصنة الأجفان ... ما افتض ميلها الأجفانا
قصرت عشقها علي فلم تع ... شق فلاناً إذ لم تعلين فلانا
عميت من الهوى وأرتحل الانسا ... ن من عينها وأخلى المكانا
علمت غيرتي عليها فخافت ... أن تسمي غيري لها إنسانا
وقال أبن قاضي ميلة:
وكيف لا تدركه نشوةٌ ... واللحظ راح وجنى الريق راح؟
لو لم تكن ريقه خمرةً ... لمّا تثنى عطفه وهو صاح
وقال أبن نباتة السعدي:
وغانية هذه الدنيا فسادٌ ... فكيف نكون منها في صلاحِ؟
هي الخرقاء تنقص بعد نسجٍ ... فما فيها لحيي من فلاحِ
وسيأتي هذا المعنى مستوفي في الحكم إن شاء الله تعالى.
وقال الآخر وكان أبو بكر بن دريد يتمثل به كثيرا أو هو قائله:
فواحزناً إنَّ الحياة لذيذةٌ ... ولا عملٌ يرضي به الله صالحُ
(2/182)

وقلت أنا:
تصبر إن أصابك نبل عوض ... وضاق عليك متسع البراح
فإنَّ الدهر ليس بذي اصطبار ... عليك بل التول والبراح
وإنَّ الخطب أسرع من ذناب ... بمنسجم يسيل إلى سراحي
وما أمر يضيق عليك إلاّ ... بآخره يصير إلى سراح
فكم أمسيت ذا حزن وأصبحت ... تصبح مسرور كؤوس راح
العوض: الدهر كما قال الحماسي:
ولولا نبل عوض في ... خضماتي وأوصالي
لطاعنت صدور الخيل ... طعنا ليس بالآلي
والبراح: المتسع من الأرض لا زرع فيها ولا شجر والبراح في البيت الثاني: الزوال مصدر برح مكانه أي زال عنه والذناب مسيل بين التلعتين والسراحي بالياء الكثمانية جمع سرحان وهو هنا وسط الحوض والسراح في البيت بعده الانسراح والانفراج وتصبح تستقي تقول: صبحت زيدا إذا سقيته الصبوح فهو مصبوح وقولي مسرور فحذفت نون من وهو جائز فصيح.
ولنكتف بهذا القدر والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
(2/183)

باب الخاء المعجمة
خبأة خير من يفعة سوء.
الخبأ الستر تقول: خبأت الشيء خبأ وخبيئة إذا سترته والخبأة على مثال همزة المرأة تلازم بيتها. وفي الصحاح: الخبأ المرأة تطلع ثم تختبئ. واليفع التل والمرتفع من الأرض ووصف للغلام. يقال: غلام يفع بفتحتين ويفعة.
والمعنى إنَّ بنتا تلزم بيتها تخبأ فيه خير من غلام يفعة لا خير فيه وهو واضح. والمسوغ للابتداء بالنكرة في هذا وما يشبهه نحو تمرة خير من جرادة القصد إلى العموم ذكره أبن مالك في شرحه على التسهيل. وهو أحسن من التعبير بأن المسوغ كونه مثلا إذ لا يكون مثلا إلاّ بعد حين. وهو مفتقر أول وهلة إلى المسوغ مع إنَّ كونه مثلا وإن حصل ابتداء لا يناسب أن يكون مسوغا بوجه كما لا يخفى إذ التسويغ إنّما هو بالتخصيص أو التعميم المخرج للقضية عن الإهمال المحض لفظا ومعنى. نعم المعنى قد يفهم بقرائن وإن لم يكن ثم مسوغ ظاهر فيكفي ذلك ويمكن أن يدعى إنَّ هذا المثل ونحوه من ذلك. مع إنّه في مثلنا يدعى إنَّ الميوغ كون المبتدأ وصفا لمحذوف هو المبتدأ حقيقة. فإنَّ المعنى امرأة خبأة خير من غلام يفعة. وفي المسألة كلام وليس من غرضنا ولا هذا محله.

خبط خبط عشواء.
الخبط: الضرب يقال: خبط البعير الأرض إذا ضربها برجله. والعشى بالقصر سوء البصر بالليل. يقال: عشى بالكسر يعشى وعشى أيضاً عشى فهو أعشى وهي عشواء. والعشواء في المثل الناقة الضعيفة البصر والتي لا
(2/185)

تبصر أمامها وهي تضرب وتخبط بيديها كل شيء فيضرب بها المثل. ويقال: خبط فلان هذا الأمر خبط عشواء وذلك إذا دخل فيه بغير بصيرة وهو ظاهر.

خبقة خبقة ترق عين بقة.
الخبق على مثال هجف وعلى مثال فلز الطويل من الرجال والخيل. وقيل: الخبق من الخيل: السريع والخبق أيضاً الرجل الوثاب. وهكذا وقع هذا الكلام في القاموس. والذي في الصحاح: حزقة حزقة ترق عين بقة. والحزقة الرجل القصير أو الذي يقارب الخطو لضعف بدنه. يقال: رجل حزق على مثال عتل ورجل حزقة. قال الشاعر في الأول:
حزق إذا ما القوم ابدوا فكاهة ... تفكر آإياه بعون أم قردا
وقال امرؤ القيس في الثاني:
وأعجبني مشي الجزقة خالد ... كمشي أتان حلئت في المناهل
حلئت: منعت وطردت والترقي: الصعود والبق: البعوض أو أعظمها. قال ذو الرمة يذكر خيلا:
قياما تذوذ البق عن نخراتها ... بنهز كإيماء الرؤوس الموانع
النخرات بالنون والخاء المعجمة مخارج النفس من الأنوف ونهزات الدابة برأسها إذا ذبت به.
وروي في الحديث إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يرقص أحد سبطيه فيقول: حزقة حزقة ترق عين بقة وقوله: ثرق أي اصعد إلى النماء. ويقال أيضاً: رجل حبقة بالحاء المهملة وبسرتين مشددة القاف أي قصر. ورجل حبق على مثال صرد أي ضعيف العقل. وكذا امرأة حبقة. قل الراجز:
حبقة يتبعها شيخ حبق ... وإن يوفقها لخير لا تفق
(2/186)

أخدع من ضب.
الخدع: الختل. يقال: خدعه خدعا إذا ختله وأراد به المكروه من حيث لا يشعر واختدعه أيضاً اتداع فانخدع هو والاسم الخديعة. والضب تقدم ما فيه وهو يوصف بالخديعة والمكر. قال الشاعر:
وأخدع من ضب إذا جاء حارش ... أعد له عند الذنابة عقربا
وإنّما قال ذلك لأنهم يزعمون إنَّ بين الضب والعقرب ألفة فتأوي إلى حجره فمن مد يده إليه لسعته.
قال المبرد في الكامل: العرب تزعم إنّه ليس من ضب إلاّ في جحره عقرب. فهو لا يأكل ولد العقرب وهي لا تضربه فهي مسالمة له وهو مسالم لها. وأنشد البيت السابق.

مخرنبق لينباع.
الآخرنباق: انقماع الرجل المريب واللصوق بالأرض والسكوت والإطراق والانبياع: سيلان العرق. يقال: انباع العرق إذا سال ويقال: انباعت الحية إذا بسطت نفسها بعد تحويها لتساور.
ومعنى مخرنبق لينباع: مطرق وساكت ليثب إذا أصاب فرصة. والمعنى إنّه ساكت لداهية يريدها. ويضرب في الرجل يطيل الصمت حتى يسحب مغفلا وهو ذو نكراء. والمخرنبق: اللاصق بالأرض لينباع ليثب. أو المخرنبق: الساكت على ريبة لينباع ليظهر ما طوله من الشر. والمقصد واحد. ويروى: مخرنبق لينباع ومعناه ليندفع. وقيل ليأتي بالبائقة أي الداهية. ويروى لينباغ بالمعجمة أي ليتحرك بالشر الذي في طيه فيظهره كأنه من تبوغ الدم بمعنى هاج أو من تبوغ زيد إذا غلب.
وفي معنى هذا المثل قول النابغة الذبياني:
لقد نهيت بني ذبيان عن أقر ... وعن ترفعهم في كل أصفار
وقلت يا قوم إنَّ الليث منقبض ... على براثينه لوثبة الضاري
(2/187)

قوله: عن اقر هو موضع. وقوله: في كل أصفار هو جمع صفر بالتحريك اسم الشهر، وكان صفر يومئذ في زمن الربيع، وقيل غير ذلك. وأراد بالليث النعمان بن حارث الأكبر الغساني أو أخاه عمرو بن الحارث. وقوله: لوثبة الضاري - بالإضافة أي لوثبه الأسد الضاري، ويروى للوثبة الضار، فيكون الضاري وصفا لليث.
ومثل ذلك أيضاً قول أبن الرومي:
سكت سكوتا كان رهنا بوثبة ... عموسٍ كذاك الليث للوثب يلبد
وسيأتي أمثال من هذا المعنى كثيرة، وتقدم بعضها.

تخرسي يا نفس لا مخرس لك.
الخرس بالضم طعام الولادة. قال الراجز:
كل طعام تشتهي ربيعة ... الخرس والأعذار والنقيعه
والخرسة بالضم أيضاً طعام النفاس نفسها. وتقول: خرست على المرأة تخريساً إذا أطعمت في ولادتها، وتخرست هي اتخذت ذلك لنفسها، وخرست جعل لها الخرسة. قال الهذلي:
إذا النفساء لم تخرس ببكرها ... غلاما ولم يسكت بحتر فطيمها
الحتر: الشيء القليل الحقير، أي لهم شيء يسكتون به الصبي من الطعام ولو قليلا لشدة المجاعة. وكانت امرأة ولدت ولم يكن لها من يهتم بأمره فقالت: تخرسي يا نفس لا مخرس لك! فذهب مثلا يضرب عند اعتناء المرء بنفسه.

خرقاء ذات نيقةٍ.
الخرق بالضم عدم الرفق في الأمور، وعدم إتقان الصنعة والحمق. خرق الرجل بالكسر والضم فهو اخرق وهي خرقاء. قال:
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... سهيل أذاعت غزلها في القرائب
ويريد أنَّ المرأة الخرقاء لا تشتغل بالغزل في الصيف بل تتمادى على التسويق والتفريط، حتى إذا طلع سهيل وذلك حين يقبل البرد قامت إلى قرائبها ليعنها، وجعلت
(2/188)

تفرق بينهن غزلها. فيسما سهيلا بكوكب الخرقاء لهذه العلاقة. وذات بمعنى صاحبة. والنيقة بكسر الأول اسم من التنوق. يقال: تنوق الرجل في الشيء يتنوق إذا تأنق فيه، أي تخير.
والمعنى إنّها خرقاء، ومع ذلك تتأنق. فيضرب في الجاهل بالشيء يدعي فيه المعرفة ويتخير في الإرادة.

الخرق شؤم.
تقدم أنَّ الخرق يكون عدم الرفق في الأمور بتناولها على غير وجهها، مع عجلة وإفراط تجاوز مقدار. والشؤم بضم الشين وسكون الهمزة ضد اليمن.
والمعنى أنَّ من خرق في أمر فلا بد أنَّ يعود عليه شؤمه. وهذا الكلام يروى حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنّه قال: " الرفق يمن والخرق شؤم ". وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الله يحب الرفق في الأمر كله ". وقال: " ما كان الرفق في شيء قط إلاّ زانه، وما كان الخرق في شيء إلاّ شانه ". وقال: " يا عائشة، من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من خير الدنيا والآخرة ". وقال صلى الله عليه وسلم: " إذا أحب الله تعالى أهل بيت أدخل عليهم الرفق ". وقال صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الله تعالى ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق، وإذا احب الله تعالى عبدا أعطاه الرفق، وما من أهل بيت يحرمون الرفق إلاّ قد حرموا ". وقال صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الله تعالى رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف ". وقال صلى الله عليه وسلم: " يا عائشة ارفقي فإنَّ الله تعالى إذا أراد بأهل بيت كرامة دلهم علي باب الرفق ". وقال صلى الله عليه وسلم: " من يحرم الرفق يحرم الخير كله ". وقال صلى الله عليه وسلم: " التأني من الله والعجلة من الشيطان ". وقال
(2/189)

صلى الله عليه وسلم: " إنَّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإنَّ المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ".
وما أحسن قول أبي الفضل بن النحوي في هذا:
والرفق يدوم لصاحبه ... والخرق يصير إلى الهرج

خرقاء عيابة.
العيابة: التي تعيب الناس كثيرا. وهذا مثل للأحمق وذي العيوب، يعيب غيره وينسى عيوبه. قال إسماعيل بن القاسم:
يا من يعيب وعيبه متشعب ... كم فيك من عيب وأنت تعيب!
لله درك كيف أنت وغاية ... يدعوك ربك عندها فتجيب؟
وفي الحديث: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس!

أخرق من حمامةٍ.
الخرق مر، والحمام أيضاً تقدم ما فيه، ووصف بالخرق لأن الحمامة تبيض على أعواد ولا تحكم عشها، فربما وقع بيضها فتكسر. وقد تأتي إلى غصن شجرة فتبني عليه عشها في الموضع الذي يحركه الريح، فلا يكاد يسلم بيضها. قال عبيد بن الأبرص:
عيوا بأمرهم كما ... عيت ببيضها الحمامة
جعلت لها عودين من ... نش وآخر من ثمامة
ويقال أيضاً: أحمق من حمامةٍ.
خرقاء وجدت صوفاً.
تقدم أنَّ الخرق يكون بمعنى عدم الإتقان؛ والمرأة الخرقاء من هذا المعنى ضد الصناع؛ والصوف معروف، البعض منه صوفة.
ومعنى المثل أنَّ المرأة غير الصناع إذا وجدت صوفا عاثت فيه وودرته. يضرب مثلا
(2/190)

للأحمق يجد مالا فيضيعه ويتلفه، أو لمن يخرق في كل ما وجده وتمكن منه. يحكى إنَّ الحسن رضي الله عنه لقي سباج وهو يسرع، فجل الحسن يومئ إليه بإصبعه كفعل الغازلة ويقول:

خرقاء وجدت صوفا.
وهذا المثل كالمثل الآخر الآتي: عبد وخلى في يديه.

أخسر صفة من أبي غبشان.
الخسارة ضد الربح. خسر الرجل بالكسر يخسر خسراً وخسارة: وأبو غبشان هو الخزاعي. وتقدم هذا المثل وما كان من قصته في حرف الحاء المهملة.

خش ذؤالة بالحبالة.
الخشية: الخوف، خشي بالكسر يخسى خشية؛ وخشية أنا تخشية: خوفة؛ وخشى فلانا تخشية: خوفه؛ وذؤالة بذال معجمة، على مثال ثمامة الذئب، مأخوذ من الذالان، وهو مشية فيها إسراع أو خفة وميس. يقال: ذال يذال ذال وذالانا إذا مشي تلك المشية؛ والحبالة: التي يصاد بها.
والمعنى: خوف الذئب بالحبالة. ويضرب عند الأمر بالتهديد والتبريق.

خشية خير من ملء وادٍ حباً.
أي: أن تخاف أرفع لمقدارك وأسمى لجانبك من أن تحب.
وهذا كقولهم: رهبوتى، خير من رحموتى؛ وقول الغضبان بن القبعثري للحجاج: أو فرق خير من حبين، وسيأتي.

أخطأت اسكت الحفرة.
الخطأ ضد الصواب. ويقال: أخطأ يخطئ إخطاء فهو مخطئ؛ ويقال
(2/191)

خطئ بالكسر يخطأ إذا سلك سبيل الخطأ، عامدا أو غير عامد، فهو خاطئ. وقيل: الخاطئ هو المتعمد؛ والاست بهمزة الوصل والسته: الدبر أو حلقته؛ والحفرة بضم الحاء معروفة. وهذا المثل يضرب لمن يحيد عن الصواب في مقصده، ويضع الشيء في غير موضعه. ومعناه ظاهر.

أخطأ من ذبابٍ.
الخطأ مر، وكذا الذباب، ووصف بالخطأ لأنه يقع في الهلاك بنفسه: فقد يسقط في الماء الحار فيموت، أو في الشيء الذي يلتزق به ولا يخلص منه.

أخطأ من فراشٍ.
الفراش بفتح الفاء بوزن سحاب هو الذي يتهافت على السراج، واحده فراشة. ووصف بالخطأ أيضاً كما ذكر في الذباب، لأنه يلقي نفسه على السراج والنار كلها فيحترق. وقال الشاعر:
جهالة سنور وخطأ فراشةٍ ... وانك من كلب التهارش أجهل
وفي الحديث: إنكم تتهافتون في النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وما احسن من قول الأدباء:
لهيب الخدين بدا لطرفي ... هوى قلبي عليه كالفراش
فأحرقه فصار عليه خالا ... وها أثر الدخان على الحواشي
وقول الآخر:
جلت محاسنه عن كل تشبيه ... وجل عن واصف في الحسن يحكيه
أنظر إلى حسنه واستغن عن صفةٍ ... سبحان خالق سبحان باريه!
النرجس الغض والورد الجني له ... والأقحوان النضير الضوء في فيه
دعا بألحاظه قلبي إلى عطبي ... فجاءه مسرعا طوعا يلبيه
مثل الفراشة تأتي إذ ترى لهبا ... إلى السراج فتلقي نفسها فيه
(2/192)

الخنفساء إذا مست نتنت.
الخنفساء: الدويبة السوداء المعروفة. يقال إنها خنفساء وخنفس وخنفسة ونونها زائدة. والنتن قبح الرائحة. يقال: نتن الشيء بالضم وأنتن فهو منتن. والخنفساء معروفة بالنتن فيضرب ذلك مثلا للرجل المشتمل على الخبث والعيب وإنّه يترك ويجتنب. والمعنى: لا تفتش ما عنده فانه يؤذيك بنتن معايبه!

أخف حلماً من بعير.
الخف ضد الثقل. خف الشيء يخف خفة فهو خفيف. والقياس خافٌ كدب يدب فهو داب. ولكن حملوا الخفة على ضدها وهو الثقل خفيف كما قالوا: ثقيل. والحلم تقدم. والبعير معروف. وهذا كما قال الحماسي:
لقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعيرُ
يصرفه الصبي بكل وحهٍ ... ويحسبه على الخسف الجريرُ

أخف حلما من عصفورٍ.
الحلم مر، والعصفور: الطائر الصغير المعروف وهو على أنواع كثيرة. والأنثى عصفورة. قال الشاعر:
كعصفورة في كف طفلٍ يسومها ... حياض المنايا وهو يلهو ويلعبُ
ويضرب المثل في خفة الحلم بالعصفور ولا خفاء بذلك. قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
لا باس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير!
وقال الآخر:
إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحا ... عني وما سمعوا من صالح دفنوا
مثل العصافير أحلاماً ومقدرةً ... لو يوزنون بزف الريش ما وزنوا
(2/193)

أخف رأساً من ذئبٍ.
الذئب معروف ويوصف بخفة الرأس ويعنون في النوم لمّا يزعمون من أنه لا ينام إلاّ بإحدى مقلتيه كما قيل:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجعُ
وقالوا أيضاً: أخف رأسا من الذباب ومن الطائر.

أخف من لا على اللسانِ.
الخفة مرت ولا: حرف نفي وهي خفيفة على اللسان. فيضرب المثل بذلك في الخفة وهو يحتمل أن تكون الخفة من جهة اللفظ لقلته وهو ظاهر، أو من جهة المعنى لملائمة الإنكار للطبع غالبا وخفة التبري والتنصل على النفس في أكثر الأمور أو منهما معا. ويقال أيضاً: كلا ولا في التعبير عن السرعة والخفة. قال:
يكون نزول القوم فيها كلا ولا ... غشاشاً ولا يدنون رحلاً إلى رحلِ
غشاشا: أي على عجل. وقال الآخر:
وأروع أهداه لي الليل والفلا ... وحس بمس الأرض لكن كلا ولا

أخف من يراعةٍ.
اليراعة بفتح الياء المثناة من تحت ثم راء ثم ألف ثم عين مهملة واحد اليراع وهو يطلق على طائر يطير بالليل كأنه نار. وهو في هذا المثل يجوز أن يراد به القصبة وأن يراد به الطائر.
والمعنى الأول هو مراد البلغاء والأدباء عند وصف أحد بالكتابة. وقولهم مثلا: إنَّ فلان من أرباب اليراعة وفرسان اليراعة وهذا في الشعر والنثر لا يحصى.

تخلصت قائبةٌ من قوبٍ.
التخلص: النجاة. خلص الرجل تخلصا فتخلص هو: نجا؛ والقابية: البيضه؛ والقوب: الفرخ؛ وأما بالفتح فمصدر. يقال: قاب
(2/194)

الطائر بيضته إذا فلقها، قوبا، فانقابت هي وتقوبت.
ومعنى تخلصت قابية من قوب على هذا: تخلصت البيضة من الفرخ. يضرب لمن انفصل من صاحبه. وعليه ففي المثل قلب لأن الذي يتخلص هو الفرخ لا البيضة؛ غير أنه يصح إسناده إلى البيضة باعتبار كما تقول: تخلصت الحامل من ذي بطنها. وقيل إنَّ القائبة الفرخ والقوب البيضة؛ فلا قلب والأول أنسب.
ولفظ المثل عند الجوهري: برئت قائبة من قوبٍ. وهذا اللفظ لا يكون معه قلب على كلا التفسيرين لأن نسبة البراءة إليها معا صحيحة.
وحكي أنَّ أعرابيا استخفر أحداً فقال له: إذا بلغت بكل مكان كذا فبرئت قائبة من قوب أي فقد تخلصت من خفارتك.

اختلط الحابل بالنابل.
الاختلاط معروف؛ والحابل الذي يصيد بالحبل؛ والنابل الذي يصيد بالنبل فيضرب ذلك في اختلاط الرأي ويقال الحابل هنا هو السدى والنابل الطعمة وهذا كما مر في قولهم: حول حابله على نابله.

اختلط الخاثر بالزباد.
هذا المثل كالذي قبله. والخاثر ضد القيق. يقال: خثر اللبن بالضم والكسر فهو حاثر. والزباد على مثال رمان نبت والزباد أيضاً من اللبن ما لا خير فيه. فكأن المعنى أنه اختلط الجيد بالرديء والصحيح بالسقيم.
وقال البكري في شرح الأمثال: الزباد نبت كانوا يضعون ورقه على ظرف اللبن. ويقال أيضاً: زبدت المرأة الصوف والشعر إذا نفسته. فيحتمل أن يريد في المثل أنَّ خاثر اللبن اختلط بمنفوش الصوف فلا يؤكل. انتهى. وما ذكرناه أوّلاً أظهر والله أعلم.

خلع الدرع بيد الزوج.
هذا مثل يضرب عند الخطأ في وضع الأشياء غير موضعها وتقدمت قصته ومن قاله في حرف الجيم عند قولهم: التجريد لغير نكاح مثله، فأنظره هنالك.
(2/195)

أخلف من صقرٍ.
يقال: خلف فم الصائم بفتح الآم يخلف خلوفا وخلوفة بضمهما؛ وأخلف إذا تغير رائحته. ومنه: نومة الضحى مخلفة للفم.
وفي الحديث أيضاً: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. والصقر: الطائر المعروف وتقدم. ضربوا المثل بخبث رائحة فمه.

أخلف من عرقوبٍ.
أخلف اسم تفضيل من الإخلاف في الوعد. لكن المعروف فيه الرباعي. يقال: أخلفني فلان ما وعدني وهو أن يثول شيئا ولا يفعله على الاستقبال. وقد يقال: أخلفه إذا وجد وعده خلفا. قال الأعشى:
أثوى وفصر ليلة ليزودا ... فمضت وأخلف من قتيلة موعدا
أي مضت الليلة.
نعم يجوز بناء اسم التفضيل من الرباعي على أفعل عند بعض المحققين كأعطى. وعرقوب رجل من العمالقة وعد أخاه تمرا فأخلفه وسيأتي. قال علقمة:
وقد وعتك موعداً لو وفت به ... مواعيد عرقوبٍ أخاه بيثربِ
وقال كعب بن زهير رضي الله عنه:
كانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلا ... وما مواعيدها إلاّ الأباطيلُ
وقلت أنا من قصيدة:
فسيحتبيك بوعدٍ غانيةٍ ... أو وعد عرقوب جنى التمر

خله درج الضب!
التخلية: الترك والدرج بفتحتين الطريق؛ والضب معروف.
والمثل يضرب في الأنفة من مصاحبة من يرغب عن صحبته.
والمعنى: خله يذهب حيث شاء وقيل معناه الذهاب، كأنه قيل: يذهب ذهاب
(2/196)

الضب! أي خله كخلال الضب! لأن الضب أسوأ الحيوان هداية ولذلك يضرب به المثل فيقال. أضل من ضب. ويقال أيضاً: خل درج الضب! أي خل طريقه لئلا يمر بين يديك فتنتفخ! وهذا قريب في المعنى مما تقدم من قولهم: الخنفساء إذا مست نتنت، كما مر ذلك.

خلي سبيل من وهى سقاؤه!
التخلية مرت، وتقول: خليت سبيل الرجل إذا تركته ولم تتعرض له. ووهى السقاء بالفتح يهي وهياً: تمزق. والسقاء بالكسر والمد القربة.
قال الشاعر:
أقول لعبد الله لمّا سقاؤنا ... ونحن بوادي عبد شمس وهي: شم!
أي أقول له حين وهى سقاؤنا ونحن بوادي عبد شمس: شم البرق! أي انظر إليه! فشم، في آخر البيت فعل أمر وهو معمول القول. وهذا المثل قد يروى رجزاً فيقال:
خل سبيل من وهى سقاؤه ... ومن هريق بالفلاة ماؤه
يقال: أرقت وهرقت بقلب الهمزة هاء فأنا مريق ومهريق بفتح الهاء وكان القياس حذف الهاء لأنها في مكان همزة أفعل وهي تحذف في المضارع لكنها لمّا صارت هاء ذهب الثقل فبقيت. قال الشاعر:
فظللت كالمهريق فضلة مائه ... في ظل هاجرةٍ للمع سرابِ
وقد يقال: أهرقته بتسكين الهاء والجمع بين الهمزة وبدلها تناسيا لأصل فأنا مهريق بالسكون أيضاً. قال:
فصرت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آل فرق رابية صلدِ
والفلاة: القفرة والجمع فلى وفلوات.
وهذا المثل كالذي قبله مضربا. وقد قيل إنّه يضرب في الرجل لا يستقيم في أمره وإنّه لا ينبغي أن يعاني. وقيل إنه يضرب في اقتناء السر بمعنى إنّه إذا باح صاحبك بسرك ونضح به كما ينضح هذا السقاء الواهي بالماء فدعه عنك ولا تؤاخه ولا تصاحبه فلا خير لك فيه! وهذا مناسب لتشبيههم من لا يكتم السر بالغربال كما قال الحطيئة:
(2/197)

أغربالاً إذا استودعت سراً ... وكانونا على المتحدثينا؟

خلاؤك أقنى لحيائك.
الخلاء بفتح الخاء والمد يطلق مصدرا من قولك: خلا المكان وغيره يخلو خلاء وخلوا. ومكان حالٍ وخلاء: لا أحد به. قال حسان رضي الله عنه:
عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء
وقد يطلق على المتوضأ كما في الحديث ويطلق على المكان القفر لا شيء به وهو المراد. قال زهير:
فأما ما فريق العقد منها ... فمن أدماء مرتعها الخلاءُ
والحياء بالمد معروف وقني الرجل الحياء وقناه بالكسر والفتح وأقناه واقتناه: لزمه وحفظه. قال عنترة:
قامت تخوفني الختوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزلِ
فأجبتها: إنَّ المنية منهل ... لا بد أن أسقى بكأس المنهلِ
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتلِ!
أي: الزمي حياءك واحفظيه ولا تضيعيه! وقال العطوي:
أيقني جميل الصبر من هد ركنه ... وهيض جناحاه وجد الأنامل؟
ومعنى المثل أنَّ منزلك إذا خلوت به هو ألزم وأحفظ لحيائك.

الخلة تدعو إلى السلة.
الخلة بفتح الخاء الحاجة والخصاصة والفقر. قال:
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلتِ
ويقال للرجل إذا مات: اللهم أخلف على أهله بخير واسدد خلته! أي فرجته التي تركها. قال أوس بن حجر:
لهلك فضالة لا تستوي ... الفقود ولا خلة الذاهب
(2/198)

يقول: إنّه كان سيدا فلما مات ترك ثلمة لم تسد. تقول: خل الرجل وأخل به بالضم إذا احتاج. ورجل مخل ومختل وخليل أي فقير. قال زهير:
وإن أتاه خليلٌ يوم مسألة ... يقول: لا غائبٌ مالي ولا حرم
واختل إليه: احتجاج. وفي كلام أبن مسعود: عليكم بالعلم! فإنَّ أحدكم لا يدري متى يختل، أي متى يحتاج الناس إلى ما عنده، وما أخلك إليه، أي ما أحوجك! والأخل الأفقر. ويقولون: " الأخل فالأخل، أي الأفقر فالأفقر ". والسلة بفتح السين: السرقة وكذا الاسلال. ويقال في بني سلة أي سرقة. والمعنى أنَّ الحاجة والخصاصة تدعوا إلى السرقة وتلجئ إليها، عياذاً بالله تعالى! وأما الخلة بضم الخاء فهي الصداقة. والصديق أيضاً للذكر والأنثى، ورجل خلة لي وامرأة خلة. وقال امرؤ القيس:
وكان لها في سالف الدهر خلة ... يسارق بالطرف الخباء المسترا
أي خليل. وقال الآخر:
ألا أبلغها خلتي جابراً ... بأن خليك لم يقتل!
وقال الآخر:
شبعت من نوم وزاحت علتي ... وطرفي في المنام خلتي
ما علمت إنّها ألمت ... حتى قضت حاجتها وولت
أي خليلتي.

خلا لك الجو فبيضي واصفري!
الجو معروف، وباضت الدجاجة ونحوها، تبيض؛ وصفر الطائر، يصفر، صفيراً: صوت.
وهذا المثل يضرب للأمر يقدر عليه الإنسان متمكنا. وأوّل من قاله كليب بن ربيعة التغلبي الوائلي في شعر له، وذلك إنّه كان له حمي لا يقرب، فباضت فيه قبرة؛ والقبرة بضم القاف وفتح الباء المشددة الطائر المعروف؛ فأجاره وقال يخاطبها:
(2/199)

يالك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري!
وانقري ما شئت أنَّ تنقري!
وذلك إنّه إنّما يصفر الطائر ويتغنى في الخصب. فدخلت ناقة البسوس الحمى، فوطئت بيض القبرة، فرمى كليب ضرعها، فقتل جساس كليبا، وهاجت من ذلك حرب البسوس بين بني وائل أربعين سنة. وفي ذلك يقول الشاعر:
كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وايسر جرما منك ضرج بالدم
رمى ضرع ناب فأسمر بطعنةٍ ... كحاشية البرد اليماني المسهم
وسيأتي تتمة هذا الحديث.
وقيل إنَّ أوّل من قاله طرفة بن العبد وذلك إنّه قال لأمه وهو غلام: إني أريد صيد القنابر، فابعثي أمتك مع البهم! القنابر جمع قنبرة وهي القبرة، فقالت له أمه: يا بني إنَّ المضيع من وكل ماله وأضاع عياله. ثم إنّها أرسلت أمتها مع البهم. وخرج طرفة وصاحب له معهما فخ، حتى أتيا مكانا كانا يعهدان به القنابر كثيرة. فنصب الفخ، وتنحيا غير بعيدين. فجعلت قبرة تحوم حول الفخ، ثم فقرته فأخطأها. فأقبل طرفة نحو فخه وهو يقول: قد يعثر الجواد، وتمحل البلاد، ويذهب التلاد، ويضعف الجلاد. ثم نصب فخه، فوقعت القنابر حول الفخ، وهي تحيد عنه وتلقط ما أصابت. فلما طال ذلك به، ضجر وانتزع فخه وهو يقول:
قاتلكن الله من قنابر ... مهتديات بالفلا نوافر
ولا سقيتن معين الماطر ... ولا رعيتن جنوب الحاجر!
وانصرف هو وصاحبه راجعين. ثم التفت فإذا القنابر قد سقطن بالموضع الذي نصب فيه فخه يلتقطن، فقال: يا لك من قبرة. . الأبيات المذكورة. فلما أتى منزله، ورأته أمه لم شيئاً، فقالت له: حدك اليوم حاد، وصدك صاد! فقال لها طرفة:
ما كنت محدوداً إذا غدوت ... وما رأيت مثل ما لقيت
من طائر ظل بنا يحوت ... ينصب في اللوح فما يفوت
يكاد من رهبتنا يموت!
فقالت أمه: إني لأرجو أنَّ تكون شاعرا، وأنَّ تشبه خالك! وحات، ويحوت: أسرع.
(2/200)

ورد أنَّ أبن عباس رضي الله عنهما، تمثل بهذا المثل، وذلك حين خرج الحسين، رضي الله عنه، إلى العراق، فلقي أبن عباس أبن الزبير، فقال له: خلا لك الجو فبيضي وأصفري. وهذا حسين يخرج إلى العراق ويخلي لك الحجاز!

خامري أم عامر!
خامري: معناه تستري وتغطي، كأنه من التخمير وهو التغطية والستر. ومنه الخمرو الخمار؛ وأم عام: الضبع. قال:
ومن يجعل المعروف من دون أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
وسيأتي. وللضبع كنى كثيرة: يقال لها أم عامر وأم عمرو، وأم الهنبر وأم خنور؛ ويقال لها أيضاً: حضاجر بفتح الحاء على وزن الجمع، وجعار، وجيال؛ ويقال لها الموقفة. قال معاوية بن زهير:
فدونكم بني لأيٍ أخاكم ... ودوني مالكا يا أم عمر
فلولا مشهدي قامت عليه ... موقفة القوائم أم أجر!
أردنا موقفة القوائم أنَّ في قوائمها الأوقاف، وهي الخلاخل، جمع وقف، ويعني السواد الذي في قوائمها. ويقال: الجارية موقفة: لبست الوقف. والاجري جمع حرو، وهب أولادها. ومثلها قول الهذلي:
وغودر ثاويا وتأوبته ... موقفت أميم، لها فليل
وقال لها عرفاء والخامعة أي العرجاء قال الشنفري:
ولي دونكم أهلون: سيد عملس ... وأرقط زهول وعرفاء جيئل
وقال الآخر:
يا لهف من عرفاء ذات فليلةٍ ... جاءت إلي على ثلاث تخمع
وتظل تنشطني وتلحم أجريا ... وسط العرين وليس حي يدفع!
لو كان سيفي باليمين دفعتها ... عني ولم أوكل وجنبي الأضيع
وقال عنترة:
إنَّ يعقرا مهري فإنَّ أباهما ... جزر لخامعة ونسر قشعم
(2/201)

ولذلك قال أبن المهلب: الضبعة العرجاء، فلحن في قوله الضبعة، إذ لا قال كما مر.
ويقال إنَّ الذي بها من العرج ليس عرجا حقيقة، وإنّما يتخيل كذلك للناظر من إفراط الرطوبة في أحد جانبيها. الضبع أحمق الحيوان، كما مر ذلك في الحاء. وهي أفسقها أيضاً وأشبقها. ويزعمون إنّها لا يمر بها حيوان من نوعها إلاّ علاها، وإنّها تقلب الميت على قفاه وتستعمل كمرته، ولذلك يقال لها حين تصطاد: أبشري أم عامر بجراد عضال، كمر الرجال! ويخدعونها بذلك. وقال الشاعر:
فلو مات منهم جرحنا لأصبحت ... ضباع بأكناف الشريب عرائسا
وقولهم في هذا المثل: خامري أم عامر، تقدم انهم يقولونه للضبع عند الاصطياد يخدعونها به. فبقي مثلا للمغرور ومن عرف الدنيا وتقلبها ونقضها ما أبرمت وسلبها ما وهبت، ثم يسكن إليها مع ذلك ويغتر بها كما تغتر الضبع بقول القائل: خامري أم عامر. وقال البهاء زهير يشير إليه:
يا هذه لا تغطي ... والله مالي فيك خاطر
خدعوك بالقول المحا ... ل فصح انك أم عامر

الخنق يخرج الورق.
الخنق بفتح الخاء وكسر النون، كالكذب مصدر. يقال: خنقته بفتح النون خنقا، فهو خنق أيضاً وخنيق ومخنوق؛ وخنقته فاختنق.
والخناق بالكسر الحبل يختنق به وبالضم: داء يمتنع معه نفوذ النفس إلى الرئة والقلب. والورق بوزن كتف: الدراهم المضروبة، ويقال لها الرقة بحذف الواو على مثال عدة، والورق بفتحتين والورق بسكون وتثليث الواو.
والمعنى انك إذا اشتدت على الرجل وضيق عليه أعطاك وهذا دأب الدنيء لا يسمح إلاّ رهبة أو رغبة، كما قيل:
رأيتك مثل الجوز يمنع لبه ... صحيحا ويعطا لبه حين يكسر
(2/202)

خير الأمور أوساطها.
الخير هنا اسم تفضيل. يقال: فلان أخير من فلان. وتحذف الهمزة غالبا فيقال: خيرٌ منه. فإن أطلق تناول جميع أوصاف المدح، وإن قيد بشيء تقيد؛ والأمور جمع أمر وهو عام؛ والأوساط جمع وسط بمعنى متوسط بين طرفين.
وهذا الكلام يروى حديثا وهو من جوامع كلمه التي أعطيها صلى الله عليه وسلم وهو متناول لأمور من الديانات والأخلاق والآداب والسياسات والمعاشرات والمعاملات تعجز عقول الخلق عن إحصائها. وقد صنف ذوو البصائر من أهل العلم في تفاصيل ذلك دواوين. وهو بحر لا ساحل له، جمع له صلى الله عليه وسلم في جملة واحدة كما قال صلى الله عليه وسلم: أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا.
قال الجاحظ: ينبغي للرجل أن يكون سخيا لا يبلغ التبذير حائطا لا يبلغ البخل شجاعا لا يبلغ الهوج محترسا لا يبلغ الجبن حييا لا يبلغ العجز ماضيا لا يبلغ القحة قوالا لا يبلغ الهذر صموتا لا يبلغ العي حليما لا يبلغ الذل منتصرا لا يبلغ الظلم وقورا لا يبلغ البلادة نافذا لا يبلغ الطيش. قال: ثم وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع ذلك في كلمة واحدة وهي قوله عليه السلام: خير الأمور أوساطها وما ذلك إلاّ لأنّه صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم. انتهى. وإلى هذا أشار بعض الشعراء بقوله:
عليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا!
والآخر بقوله:
لا تذهبن في الأمور فرطا ... وكن من الناس جميعاً وسطا!
والمعري في قوله:
فإن كنت تهوى العيش فبالغ توسطا ... فعند التناهي يقصر المتطاولُ
توقى البدور النقص وهي أهلة ... ويدركها النقصان وهي كواملُ
(2/203)

خير العشاء سوافره.
خير: تقدم؛ والعشاء بالفتح والمد طعام العشي. ولا يخرجه التأخير عن كونه عشاء كما قال الحطيئة:
وآنيت العشاء إلى سهيلٍ ... أو الشعرى فطال بي الإناء
وآنيته: جعلت أناه أي وقته ذلك الزمان المتأخر. ويروى: وأكريت العشاء. . الخ فطال بي الكراء أي أخرت؛ والسوافر جمع سافرة يقال أسفرت الشمس وسفرت إذا أضاءت وسفرت المرأة عن وجهها: كشفت عنه. والمراد أنَّ خير العشاء ما أكل منه بضوء النهار وكأن اللقمة حينئذ تسفر للظلام عن وجهها.
وهذا المثل يكلم به الأصمعي للرشيد. ذكر بعض الأدباء عن أبي بكر بن شقير النحوي قال: دخلنا على محمد اليزيدي وهو يتغدى فقال: يا أبا بكر خير الغداء بواكره فما خير العشاء؟ فقلت: لا أدري. فقال: دخلت على عبيد الله بن سليمان وهو يتغدى فقال: خير الغداء بواكره فخير العشاء ماذا؟ فقلت لا أدري. فقال: دخلت على حسين الخادم وهو يتغدى فقال: يا أبا القاسم خير الغداء بواكره فخير العشاء ماذا؟ فقلت: لا أدري. فقال: كنت بحضرة الرشيد وهو يتغدى فدخل الأصمعي فقال: يا أصمعي خير الغداء بواكره فخير العشاء مادا؟ فقال: بواصره ومعناه ما يبصر من الطعام. انتهى.
وزعما أنَّ تأخير العشاء يورث ضعفا بالبصر. ومن ثم قال أبو بكر بن دريد:
وأرى العشا في العين ... أكثر ما يكون من العشاءِ
العشا الأول بألف مقصورة وهو ضعف البصر وبالمد الطعام. وقال كشجام:
ونديم مخالفٍ ... لا يشاء الذي أشا
هو في الصحو لي أخ ... وعدوٌ إذا انتشا
اقترحت العشاء يو ... ماً عليه فاندهشا
ساعة ثم قال لي: ... العشا يورث العشا!
وورد في بعض الأحاديث نهيا عن ترك العشاء: لا تدعوا العشاء ولو بكف من حشف فإن تركه مهرمةٌ.
(2/204)

خير العلم ما حوضر به
المحاضرة: المذاكرة. والمعنى أنَّ خير العلم ما حصل الإنسان في صدره فوجده عند المحاضرة وكان عدة له عند المذاكرة. ويقال حرف في قلبك خير من ألف في كتبك. ويقال: لا خير في علم لا تعبر به الأودية ولا تعمر به الأندية. ويقال: حفظ سطرين خير من حمل وقرين ومذاكرة اثنين خير من هذين. وينسب للشافعي:
علمي معي حيثما مشيت يتبعني ... وعاؤه القلب لا بيتي وصندوقي
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السوق كان العلم في السوق
وقال الآخر:
عليك بالحفظ دون الكتب تجمعها ... فإن للكتب آفات تفرقها
الماء يغرقها والنار تحرقها ... والفأر يخرقها واللص يسرقه
لكن قد يولع المرء بالحفظ حتى يفوته تصور المعاني فيكون كالحمار يحمل أسفارا. ولذلك روي في الخبر: همة السفهاء الرواية وهمة العلماء الدراية. وقال أبن مسعود: كونوا للعلم وعاة ولا تكونوا له رواة فقد يروى ما لا يدرى ويدرى ما لا يروى. وحدث الحسن البصري بحديث. فقال له رجل: عمن؟ فقال: وما تصنع بعمن؟ قد نالتك عطيته وقامت عليك حجته. وربما وثق بصدره ولم يقيد فيطرأ عليه النسيان ويضيع علمه ولذلك ورد في الخبر: قيدوا العلم بالكتاب.
وورد أنَّ رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كثرة النسيان فقال له استعمل يدك أي اكتب! وشاع في أمثال الناس: ينسى الرأس ولا ينسى الكراس.

خير الغداء بواكره.
الغداء بالفتح والمد والدال مهملة ضد العشاء وتقدم هذا. والمراد أنَّ خير الغداء أيضاً ما ابتك به. ولهذا علة وتحقيق يذكر في الطب. ومنهم من رأى في الغداء
(2/205)

التأخير. ويروى قول علي كرم الله وجهه أو غيره من الحكماء: من أراد النساء ولا نساء فليكر الغداء وليبكر العشاء وليخفف الرداء وليقلل غشيان النساء. انتهى. قوله فليكر الغداء: أي يؤخره كما في بيت الحطيئة. وأراد بتخفيف الرداء أن يجنب نفسه ثقل الدين: فإن هم الدين يهرم كما قال: لا هم إلاّ هم الدين ولا وجع إلاّ وجع العين.

خير الغنى القنوع وشر الفقر الخضوع.
الغنى بكسر الغين وألف مقصورة ضد الفقر. قال:
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلتِ
وقد يمد للضرورة. قال:
سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناءُ
والقنوع: السؤال والتذلل للمسؤول. وقد قنع الجل بالفتح قنوعا فهو قانع وقنيع. قال:
لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أخف من القنوع
والمفاقر جمع فقر على غير قياس مثل مذاكير لذكر ومحاسن لحسن على ما في ذلك من كلام عند النحويين. ومنه قول النابغة:
فأهلي فداء لامرئ إن أتيته ... تقبل معروفي وسد المفاقرا
وقال عدي بن زيد العبادي:
وما خنت ذا عهد وأنت بعهده ... ولم أحرم المضطر إذ جاء قانعا
أي سائلا. وفي كلامهم: نسال الله القناعة ونعوذ به من القنوع.
وقلت في هذه المادة من قصيدة:
إن دعا القنوع ليس بشافيه ... هذا المرء نيل اقصى الأماني
ومن اعتز بالقناعة أمسى ... في نعيم وعزة وأمانِ
وقد يكون القنوع بمعنى القناعة وهو الرضى بالقسم على الضد وهذا هو المراد في المثل. قال الشاعر:
وقالوا قد ذهبت فقلت كلا ... ولكني أعزني القنوعُ
(2/206)

والقانع: الراضي. قال لبيد:
فمهم سعيد آخذٌ بنصيبه ... ومنهم شقى بالمعيشة قانعُ
ويقال إنما سمي السائل قانعا لنه يرضى بما أعطي وإ، كان قليلا. فيكون معنى القنوع والقناعة واحد أبدا؛ غير أنَّ فعل القناعة هو بالكسر يقال قنع بالكسر يقنع قناعة فهو قنع وقانع وقنوع وقنيع. ة الفقر بفتح الفاء الحاجة: والخضوع: التذلل.
ومعنى المثل واضح في صيانة الحر نفسه عن خسيس المكاسب. وهو من كلام أوس بن حارثة.
روي أنه عاش دهرا وليس له إلاّ ابنه مالك. وكان لأخيه الخزرج خمسة أولاد: عمرو وعوف وجشم والحارث وكعب. فلما احتضر أوس قال له قومه: كنا نأمرك بالزواج في شببك فلم تتزوج حتى حضرك الموت. فقال: الأوس: لم يهلك هالك ترك مثل مالك يعني مالك بن أوس ولده وإن كان الخزرج ذا عدد وليس لمالك ولد. فلعل الذي استخرج العذف من الجريمة والنار من الوثيمة أن يجعل لمالك مسلا ورجالا بسلا يا مالك المنية ولا الدنية والعتاب قبل العقاب والتجلد لا التبلد! وأعلم أنَّ القبر خير من الفقر؛ وشر شارب المشتف وأقبح طاعم المقتف؛ وذهاب البصر خير من كثير من النظر؛ ومن كرم الكريم الدفاع عن الحريم ومن قل ذل ومن أمر فل. وخير الغنى القناعة وشر الفقر الضراعة؛ والدهر يومان: فيوم لك ويوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصبر فكلاهما سينحسر. فإنما تعز من ترى ويعزك من لا ترى. ولو كان الموت يشترى لسلم منه أهل الدنيا ولكن الناس فيه مستوون: الشريف الأبلج واللئيم المعلهج؛ والموت المفيت خير من أن يقال لك هبيت. وكيف بسلامة من ليست له إقامة؟ وشر من المصيبة سوء الخلف وكل مجموع إلى تلف. حياك إلاهك! انتهى.
فنشر الله من مالك بعدد بني الخزرج. والعذق بالفتح النخلة نفسها وبالكسر كباستها كما مر في الهمزة؛ والجريمة النواة؛ والوثيمة الموطوءة من الحجارة بحوافر الخيل ونحوها من الوثم وهو الكسر كما قال عنترة:
(2/207)

خطارة غب السرى موارة ... تطس الاكام بذات خف ميثمِ
وهذا الكلام يحلف به العرب يقولون: لا والذي أخرج العذق من الجريمة والنار من الوثيمة! ومن أيمانهم أيضاً: لا والذي شقهن خمسا من واحد! أي الأصابع ولا والذي أخرج قابية من قوب! أي فرخا من بيضة كما مر؛ و: لا والذي وجهي زمم بيته! بفتحتيناي تلقاءه وتجاهه؛ والبسل: الشجعان وأحدهم باسل والبسالة: الشجاعة؛ والمشتف هو المستقصي ما في إنائه ومنه حديث أم زرع: إن شرب اشتف. والمقتف: الآخذ للشيء بعجلة؛ وأمر الرجل: كثر عدده؛ وتعز: تغلب؛ والمعلهج: المتناهي في الدناءة واللؤم، وقيل هو العريق فيه اللئيم بن اللئيم، والهبيت: الأحمق الضعيف، ويقال له الجبان المخلوع القلب. وضده الثبيت. قال طرفة:
فالهبيت لا فؤاد له ... والثبيت قلبه قيمه
ويروى: فهمه قيمه.
وقد علمت أنَّ لفظ المثل في هذه الوصية التي سردنا من كلام أوس: خير الغنى والقناعة، وشر الفقر الضراعة. ورواية المثل على هذا الوجه هو رأي من لا يرى أنَّ القنوع يكون بمعنى القناعة، وبذلك اعترض البكري على أبي عبيد في إيراده المثل على الالفظ السابق، وقد علمت مما مر إنّه صحيح ومثل هذا المثل قول الفارعة بنت طريف ترثي أخاها:
فتى لا يعد الزاد إلاّ من التقى ... ولا مال إلاّ من قنى وسيوف
وقول الأبيرد اليربوعي:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
وقول إبراهيم بن العباس الصولي:
أسد ضار إذا استنجدته ... وأب بر إذا ما قدرا
يعرف الأبعد إنَّ أثرى ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا
وقوله أيضاً:
(2/208)

ولكن الجواد أبا هشام ... نقي الجيب مأمون المغيب
بطي عنك ما استغنيت عنه ... وطلاع عليك مع الخطوب
وقول الآخر:
إذا أعطشتك اكف اللئام ... كفتك القناعة شبعا وريا
فكن رجلا رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا
فإنَّ إراقة ماء الحيا ... ة دون إراقة ما المحيا!
وتقدم ما في ذكر القناعة من الشعر وسيأتي أيضاً كثيرا، إن شاء الله تعالى! ووصية أوس المذكورة مشتملة على أمثال عدة، وقد نبهنا على غريبها، والباقي واضح

خير ما رد في أهلٍ ومالٍ
هذا يستعمل في الدعاء بالخير للقادم من سفر. والمعنى: جعل الله ما جئت به خير ما رجع به الغائب! وقيل: المعنى أنَّ مجيئك بنفسك خير مارد في أهلك ومالك.

خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة.
المال معروف؛ والسكة بالكسر: الحديد التي تضرب عليها الدراهم، والتي يحرث بها. وتطلق أيضاً على السطر من الأشجار؛ والمأبورة: المصلحة، يقال: أبر نخلة، يأبره، أبارا وغبارة ككتب كتبا وكتابا وكتابة؛ وأبرة تأبير: ألقحه وأصلحه؛ وأئتبر الرجل: طلب غيره أنَّ يأبره له. فقال طرفة:
ولي الأصل الذي في مثله ... يصلح الآبر زرع المؤتبر
وتأبرت النخل: قبلت الإبار. قال الراجز:
تأبري يا خير فسيل ... إذ ضن أهل النخل بالفحول!
والمهرة معروف، والمأمورة: كثيرة النسل والنتاج. تقول: آمرته بالمد: كثرته. فكان القيلس أنَّ يقال مؤمرة، كما تقول أعمرتها فهي معمرة؛ ولكنه قيل مأمورة إتباعا لمأبورة، كما قيل لا دريت ولا تليت أي تلوت وأرجعن مازورات، غير ما جورات أي مزورات. على إنّه قد يقال أمرته كنصرته
(2/209)

فهو مامور، كثرته، وهو لغية. وقد قيل بذلك في قوله تعالى:) وإذا أردنا أنَّ نهلك قرية أمرنا مترفيها (. أي كثرنا. ويقال: أمر القوم بالكسر أي كثروا ومنه قول أوس بن حارثة السابق: من أمر فل، وقول الآخر:
نعلهم كلما يبني لهم سلف ... بالمشرفي ولولا ذاك قد أمروا
وقول أبي وجرة: أمرون لا يرثون سهم القعدد أي كثيرون اسم فاعل أمر. وقول الآخر: أم جوار ضنؤها غير أمر أي نسلها. وقول الآخر:
والإثم من شر ما يصال به ... والبر كالغيث نسله أمر
والسكة هنا أريد بها الأشجار. والمعنى أنَّ خير المال نخيل قمت عليه وأصلحته، أو فرس ولود. وقيل: أريد بالسكة الحديدة التي يحرث بها. ومعنى مأبورة: مصلحة. والمعنى أنَّ خير المال الحرث والبطن. وأعلم أن هذا الكلام ذكره اللغويون، وظاهر كلامهم إنّه من كلام العرب. وفي الصحاح إنّه حديث، والله أعلم! ووري في الحديث أيضاً من هذا المعنى: خير المال عين ساهرة لعين نائمة. وروي: تسعة أعشار الرزق في التجارة. ووري إنّه صلى الله عليه وسلم كان يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، ويأمر الفقراء باتخاذ الدجاج. وقات ابنه الخس: مائة من المعز قني، ومائة من الضأن غنى، ومائة من الإبل مني.

الخيل تجري على مساويها.
الخيل جماعة الأفراس. قال عنترة:
والخيل تقحم الخبار عوابسا ... ما بين شيظمة وأجرد شيظم
ولا واحد لها. وحكى بعض اللغويين في واحده خائل من الختيال وهو التبختر. والخيل أيضاً جماعة الفرسان. قال امرؤ القيس:
فيا رب مكروب كررت وراءه ... وطاعنت عنه الخيل حتى تنفسا
(2/210)

وقال الآخر:
علام تقول الرمح يثقل عاتقي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت؟
والجري معروف والمساوي: المعائب قيل لا واحد لها وقيل جمع مسوء على غير قايس والإظهار إنّه جمع مساءة كما تقول في منارة منائر قال الشاعر في المفرد:
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك
وقول الآخر في الجمع:
وعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
يقال ساء يسوؤه سوءا بالفتح وسوءا وسوائية كعلانية وسواية بحذف الهمزة ومساء ومساءة ومسائية ومساية إذا فعل به ما يكره. وهذا المثل يضرب في حماية الحريم والدفاع عنه مع الضرر والخوف. والمعنى أن الخيل وإن كانت بها أواصب وعيوب فإنَّ كرمها مع ذلك يحملها على الجري. فذلك الحر من الرجال يحمي حريمه على ما فيه من علة. وقيل إنَّ المراد بالمثل إنَّ الرجل يستمع به وفيه الخصال المكروهة وهو ظاهر.

الخيل اعلم بفرسانها.
الخيل تقدم والفرسان جمع فارس والفارس صاحب الفرس كما قالوا لابن وتامر لصاحب اللبن والتمر. ويجمع على فوارس. قال عنترة:
فإنَّ يك عبد الله لاقى فوارس ... يردون خال العارض المتوقد
والفراسة بالفتح والفروسة والفروسية الحذق بركوب الخيل وأمورها. وقد فرس الرجل بالضم يفرس. قال أبن ظفر: وليس من ركب الفرس له حكم الفراسة عند العرب ولكن الفارس عندهم من أحسن الجلاد على الفرس واشتهر بالشجاعة كعمرو بن معدي كرب وربيعة بن مكدم وملاعب الأسنة وعنترة العبسي وأضرابهم. فهؤلاء فرسان العرب. قال الشاعر:
لعمر أبيك الخير إني لخادم ... لضيفي وإني إن ركبت لفارس
فلم يمتدح بنفس الركوب. انتهى.
(2/211)

والمثل يضرب لمن يظن إنَّ عنده غنى ولا غنى عنده.

الخيل أعلم من فرسانها.
هذا المثل يضرب لمن تظن به ظنا فتجده على ما ظننت هكذا قال بعض العلماء. ويحتمل إنَّ هذين المثلين واحد وإنّما وقع التحريف في أحدهما. والتفسير الثاني انسب بالأول كما لا يخفى.

أخيل من مذالة.
يقال: خال الرجل يخال واختال إذا تكبر وتبختر عجبا فهو خال وخائل وخال كقاص مقلوبا ومختال. والإذالة بالذال المعجمة: الإهانة. يقال: أذلت الرجل فهو مذال. قال زيد الخيل يخاطب بني الصيداء وكان غزا غزوة فطلع بعض خيله فأدركوه فأخذوه:
يا بني الصيداء ردوا فرسي ... إنّما يصنع هذا بالذليل
لا تذيلوه فإني لم أكن ... يا بني الصيدا لمهري بالمذيل
عودوه كالذي عودته ... دلج الليل وإطاء القتيل
ويحكى إنَّ أبا تمام الطائي خرج قاصدا البصرة وفيها عبد الصمد بن المعذل. فلما سمع عبد المد بقدومه إليه كتب إليه:
أنت بين اثنتين تبرز للناس ... وكلتاهما بوجه مذال
لست تنفك راجيا لوصال ... من حبيب أو طالبا لنوال
أي ماء لحر وجهك يبقى ... بين ذل الهوى وذل السؤال؟
فلما وقف أبو تمام على الأبيات رجع وقال: شغل هذا ما وراءه ولا حاجة لنا فيه. وقريب من هذا قول بعضهم في هجو أبي الطيب المتنبي:
أي فضل لشاعر يطلب الفضل ... من الناس بكرة وعشيا؟
عاش حينا يبيع في الكوفة الماء ... وحينا يبيع ماء المحيا
وإنّما قال: ذلك لمِا يحكى إنَّ أبا الطيب المتنبي كان سقاء بالكوفة والله اعلم.
(2/212)

ونحو الأول قول الإسعري في مجونه الهجوية:
أنت بين اثنين يا نجل يعقوب ... وكلتاهما مقر السيادة
لست تنفك راغبا عرد عبد ... مستبطرا أو حاملا خف عادة
أي ماء لحر وجهك يبقى ... بين ذل البغا وذل القيادة
والمذالة في هذا المثل أرادوا بها الأمة لأنها تذال أي تمتهن بالخدمة ويرها وهي أكثر خلق الله اختيالا وتبخترا وعجبا وذلك من ضعف عقلها وسقاطة نفسها ونقصان همتها فإنَّ الهموم بقدر الهمم.
ومما يلتحق بهذا الباب قولهم:

أخرجت له حريشتي
أي ملك يدي. وقولك مثلا:

أخشن من ليفة.
والخشونة ضد اللين والليف بالكسر ليف النخل وهو معروف والواحدة ليفة بالهاء وهذا المعنى مطرد كما مر في نظائره.
ومن هذا الباب قولهم:

خفة الظهر أحد اليسارين.
جعلوا خفة الظهر كنية عن عدم أو قلة الحقوق اللازمة والنفقات الواجبة فإنّها للزومها كالشيء المحمول على الظهر يخف ويثقل. ولا فرق في إنَّ الأحمال المحسوسة يحملها البدن المحسوس والحقوق تحملها اللطيفة الروحانية من البدن وهي القلب وهذه أقل صبرا على الثقل للطافتها. واليسار: الغنى. وثنى بحسب حقيقته ومجازه لا تفاق اللفظ. وقد قالوا من هذا النحو: الغربة أحد السباءين واللبن أحد اللحمين وتعجيل اليأس أحد اليسرين والشعر أحد الوجهين أي النظر إلى الشعر كالنظر إلى الوجه والحمية إحدى الموتتين أي امتتاع الطعام والقلم أحد اللسانين والخال أحد الأبوين والراوية أحد الهاجيين
(2/213)

أي رواية الهجو كقائله. وهذا كله من تثنية الحقيقة والمجاز. وفي ذلك خلاف عند النحويين والمشهور المنع والصحيح جوازه وإنّه لا يشترط اتفاق معنى المثنيين بل اللفظ فقط.
ومما يشهد لصحته هذا الذي ذكرناه من الأمثلة فإنّها أمثال من كلام العرب ودليله من الشعر قول الشاعر:
كم ليث اعتنى لي أشبل غرثت ... فكأنني أعظم الليثين إقداما
أي كان أعظم الليثين إقداما إياي. وقول الآخر:
يداك كفت إحداهما كل بائس ... وأخراهما كفت أذى كل معتد
وإن كان في هذا المثل ضعيف. ومما يدل عليه قول جحدر: ليث وليث في محل ضنك إذ لا فرق بين نحو هذا العطف وبين التثنية فانه أصلها. وليس هذا محل تحرير المسألة والاحتجاج لها.
وقولهم أيضاً:

خفيف الحاذ.
الحاذ بالذال المعجمة الظهر. وألفه عن واو والذال لام الكلمة ومحل الأعراب وليس بعدها ياء كما يصحف. ومعنى خفيف الحاذ: قليل الماء والعيال. وفي الحديث: مؤمن خفيف الحاذ. وقولهم:

خفيف الرداء.
أي قليل العيال والدين. والرداء بالكسر والمد يطلق على الملحفة المعروفة وعلى السيف والقوس وعلى الجهل وعلى ما زان وما شان وعلى الضد وعلى الوشاح وعلى الدين. ومما يحسن أن يتمثل به في هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد:
(2/214)

خلط عليك الأمر.
والقصة مشهورة وقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

هو يخبأ وأبوه يكنز.
وذلك إنَّ خبيئة بن كناز ولي في خلافته الابلة فقال عمر رضي الله عنه: لا حاجة لنا وهو يخبأ وأبوه يكنز.
ومن الأمثال المولدة قولهم:

اخط الحسن يزيد من الحق وضوحا.
بمعنى إنّه إذا أجيد الخط وبينت الحروف تبينت الألفاظ المؤدية للمعاني وانشرحت النفس وانبسطت إليها وأقبلت عليها فكان قبولها للمعاني أتم وفهمها لها أكثر. وقد قالوا: الخط الحسن أحد اللسانين. وقالوا حسن الخط إحدى الفصاحتين. وقال جعفر بن يحيى: الخط بسط الحكم: به تفصل شذورها وينتظم منثورها. وقال المبرد: رداءة الخط زمانة الأدب. وقال الإمام الماوردي: خطوط العلماء في الأغلب رديئة لاشتغالهم بالعلم حتى قال الفضل أبن سهل: من سعادة المرء رداءة خطه أي لئلا يشغله تعلم الخط عن تعلم العلم. قيل: والأسباب المخلة بالخط ثمانية: إسقاط ألفاظ منه أو زيادة ألفاظ فيه أو إسقاط بعض حروف الكلم أو زيادة حروف أثناءها أو وصل المفصول أو فصل الموصول أو تغيير الحرف حتى يشتبه حرف بغيره أو ضعف الخط جملة أو إهمال النقط أو الشكل.
قيل: وقد استقبح الكتاب النقط والشكل في مكاتبهم ورأوا ذلك من تقصير الكتاب وسوء نظرتهم في فهم المكتوب لا سيما مكاتبات الرؤساء. كما حكي إنَّ بعض كتاب الديوان حاسب عاملا فشكاه في رقعته إلى عبيد الله بن سليمان فوقع فيها: هذا هذاء. فظن العامل إنَّ عبيد الله أراد: هذا هذا إثباتا لذلك القول كما تقول في إثبات الشيء هو هو. فحمل الرقعة للذي يحاسبه فخفي عليه ما يقتضي التوقيع فطيف به على الكتاب فلم يفهموه. فرد إلى عبيد الله. فشدد الثانية وكتب تحتها: والله
(2/215)

المستعان استعظاما لقصور نظرهم.
واستحسن آخرون لنقط والشكل، وقالوا: المعجمة كالبرود المعلمة. وقالوا: إعجام الخط يمنع استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله. وقيل، رب علم لم تعجم فصوله فاستعجم محصوله.

آلات الكتابة وأصناف الكتب.
وإذ أنجز بنا الكلام في الخط فلنكمل الغرض بذكر ما تيسر من آلات الكتابة، ومعنى الكتاب، والبراءة، والطبع، والتوقيع، والعنوان، وأصناف الكتاب، وجملة من شعر الأدباء في ذلك، وهذا باب واسع ألف فيه الناس. لكن نشير نحن إلى جملة يسيرة على وجه الاختصار وينتفع بها.
فمن الآلات الدواة ووزنها فعلة كالشجرة، ثم قلبت الياء ألفا فصارت كفتاة وقناة، ز الجمع دويات كقنوات ودوي كقنى. قال الشاعر:
لمن الدار كخط باللدوى؟ ... أنكر المعروف منها وأمحى
ودوي بضم الأول على فعول كما يقال قني وعصي في الجمع. قال الشاعر
عرفت الديار كرقم الدوي ... حبره الكتاب الحميري
وقال الآخر:
وكم تركت ديار الشرك تحسبها ... تلقى الدوي على أطلالها ليقا
واشتقاقها من الدواء، لأن بها صلاح أمر الكاتب. واشتقها بعض الأدباء من قولك: دوي الرجل بالكسر دوي إذا مرض فقال:
أما الدواة فأدوى حملها جسدي ... وحرف الحظ تحريف من القلم
أي أمرضه. ونحو هذا الاشتقاق لا يعتمد عليه. ويقال لصانعها مدو، كما يقال لصانع القني مقني، ولبائعها دواء كحناط لبائع الحنطة، ولحاملها داوٍ كسائف لصاحب السيف ولمتخذها مدو، وقد أدوى دواة. ولمّا تصان به صوان وغشاء وغلاف وما تسد به صمام وسداد وعفاص، وكذا غيرها يقال لصفوتها إذ أنفشت لتعمل فيها
(2/216)

قبل أنَّ تبلّ، البوهة بالضم، وإذا بلت فهي الليقة، وقد تسمى به قبل ذلك مجازاً. ولقت الدواة فهي ملقية، وألقتها فهي ملاقة. فإنَّ كانت من قطن فهي العطبة والكرسفة، والقطن كله يقال له ذلك. ولمدادها نقس بكسر الأول، ويفتح. والمداد يذكر ويؤنث. ومددت الدواة مداً: جعلته فيها؛ وأمددتها: زدتها منه؛ واستمددت: أخذت بالقلم من المداد؛ وأمددت فلانا من دواتي: أعطيته. ويقال للدواة محبرة بالفتح لأنها محل الحبر بالكسر وهو النقس؛ ويقال لها النون والجمع أنوان ونينان؛ ويقال لها الرقيم أيضا. وأمهت الدواة وموهتها جعلت فيها ماء.
ومنها القلم، والجمع قلام وأقلام كجبال وأجبال. ويقال له المزبر والمذبر بالذال المعجمة لأنه يزبر به ويذر أي يتب وقيل الذبر، بمعنى القراءة. ويقال للقصبة يراعة وأباءة والجمع يراع واباء؛ ويقال لعقدة الكعوب: فإنَّ كانت فيه عقدة تشينه فهي الابنة؛ ولمّا بين العقد الأنابيب، وكذا في الرماح. ويقال لطرفي القلم اللذين يكتب بهما السنان والشعيرتان، والواحد سن وشعيرة. فإنَّ سويا في القطع فهو قلم مبسوط، وإنَّ جعل أحدهما أطول فهو محرف.
ومنها السكين والمقص. قال أبن عبد ربه: ينبغي للكتاب أنَّ يصلح آلته التي لا بد له منها، وأداته التي لا تتم صناعته إلاّ بها، وهي دواته. فلينعم ربها وإصلاحها، وثم يتخير من أنابيب القصب أقله عقدة، وأكتافه لحما، وأصلبه قشرا، وأعد له استواء. ويجعل لقرطاسه سكينا ليكون عونا على بري أقلامه، ويبريها من ناحية نبات القصب. انتهى.
ويقال السكين والمدية والمجزاة والمبراة والفالية والشلقاء بالكسر والمد، وغير ذلك ويقال المقص والمقراض والمقطع بكسر أوائلها والجلم، وأكثر ما يقال بالتثنية. قال الشاعر:
ولولا نوال من يزيد بن مزيد ... لصوت في حافاتها الجلمان
يعني لحيته. وجاء فيه الأفراد. قال سالم بن وابصة:
داويت صدرا طويلا غمرة حقداً ... منه وقلمت أظفارا بلا جلم
وقال أعرابي:
فعليك ما استطعت الظهور بلمتي ... وعلي أنَّ ألقاك بالمقراض
(2/217)

وأما الكتاب فهو مكتوب ويقال له الزبور والزبير والذبير. قال امرؤ القيس:
... كخط زبور في مصاحف رهبانِ
وقيل: الزبور في هذا البيت هو الكتاب وهو الظاهر. فإن كان ما يكتب فيه من جلود فهو رق وقرطاس بكسر القاف وضمها؛ وإن كان من خرق فهو كاغد بدال مهملة وروي بمعجمة. وقد يستعمل القرطاس في الكل. ويقال لمّا يكتب الصحيفة والمهرق على وزن مكرم والجمع مهارق. قال الأعشى:
ربي كريم لا يغير نعمة ... وإذا تنوشد بالمهارق أنشدا
والقضيمة. قال امرؤ القيس:
... وبين شبوبٍ كالقضيمة قرهبِ
والسجل والصك والقط. وكذا كتب الجوائز والصلات والجمع صكوك وقطوط. قال الأعشى:
ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفقُ
وقال المتلمس:
ألقيتها بالثني من جنب كافر ... كذلك أقنو كل قط مضللِ
فإن كتب فيها بعد محو فهي طرس. ونمقت الكتاب نمقا ونمقته تنميقا، وحبرته ورقشته وزورته تحبيرا وترقيشا وتزويرا؛ وكذا زبرجته وزخرفته زبرجة وزخرفة أي كتبته كتابة حسنة. فإذا نقطه قلت وشمه وشما، وأعجمته إعجاما ورقشته ترقيشا. قال طرفة:
كسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشيمه
فاا أفسد الخط قلت مجمجه وشرمجه وهلهله ولهلهه مجمجة وشرمجة وهلهلة ولهلهة وثبجه تثبيجا. وإذا لم يبينه قلت دحمسه دحمسة ومجمجه وعقمه عقما وعقله عقلا. فإذا أدق الحرف وقارب بعضها بعض قلت قرمط وقرصع قرمطة وقرصعة. فإذا مد الحروف قلت مشق مشقا وقيل المشق سرعة الكتابة وخفتها. فإن نقص شيئا فألحقه فهو لحق وجمعه إلحاق.
(2/218)

قال الشاعر:
عورٌ وحولٌ وثالثٌ لهم ... كأنه بين أسطر لحقُ
فإن وضعت عليه بعد الكتب ترابا قلت تربته تتريبا وأتربته إترابا؛ أو نشارة قلت نشرته تنشيرا.
وأما البراءة فهي في الأصل مصدر قولك: برئت من الأمر بالكسر براءة أي تبرأت؛ وأما هذه البراءة المستعملة في صناعة الكتاب فقال أبو محمد بن السيد رحمه الله: سميت بذلك لمعنيين: أحدهما أن يكون من قولهم برئت إليه من الدين براءة إذا أعطيته ما كان له عندك وبرئت إليه من الأمر براءة إذا تخلف عنه فكأن المرغوب إليه يتبرأ إلى الراغب مما أمله لديه ويتخلى له عما رغب فيه إليه. وقيل إنّما كان الأصل في ذلك أنَّ الجاني كان إذا جنى جناية يستحق عليها العقاب ثم عفا عنه الملك كتب له أمانا مما كان يتوقعه ويخافه فكان يقال: كتبت لفلان براءة أي أمانا ثم ضار مثلا واستعار في غير ذلك. قال: وقد جرت عادة الكتاب ألا يكتبوا في صدر البراءة: بسم الله الحمن الرحيم اقتداء بسورة براءة التي كتبت في المصحف من غير بسملة.
وأما الطبع فهو طبع الكتاب. تقول: طبعت الكتاب طبعا وختمته ختما وأفقته أفقا ومن ذلك قول الأعشى السابق: يعطي القطوط ويأفق أي يختم ويقال لمّا يطبع به طابع. قيل: وأول من طبع الكتب عمرو بن هند وذلك أنه لمّا أعطى المتلمس الصحيفة ليقتل ثم استقرأها فهرب كما سيأتي حديثه أمر عمرو بعد ذلك بالكتب تختم. فكان يؤتى بالكتاب مطبوعا فقيل من عني به فلذلك سمي العنوان عنوانا. ثم لمّا كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابا إلى ملك الروم ولم يختمه قيل له إنه لا يقرؤه إن لم يكن مختوما. فأمر أن يعمل له خاتم وينقش على فصه: محمد رسول الله فصار الختم سنة في الإسلام. وقيل أول من ختم الكتاب سليمان أبن داود عليه السلام. وقيل في تأويل قوله تعالى: إني ألقي إلي كتاب كريم أي مختوم. وأكرمت الكتاب ختمته وهو أول من افتتح كتابه بالبسملة. قيل: وكانت العرب تقول في افتتاح كتبها وكلامها. باسمك اللهم! فجري الأمر على ذلك في صدر الإسلام حتى نزلت: بسم الله مجراها ومرساها فكتب رسول الله
(2/219)

صلى الله عليه وسلم: بسم الله حتى نزلت قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فكتب: بسم الله الرحمن. ثم نزلت: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم فصارت سنة إلى يومنا هذا.
وأوّل من كتب من فلان إلى فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار ذلك سنة يكتب الكتاب ويبدأ باسمه قبل اسم من يخاطبه ولا يكتب لقبا ولا كنية حتى ولي عمر بن الخطاب وتسمى بأمير المؤمنين فكتب من أمير المؤمنين عمر. فجرت السنة بذلك إلى أيام الوليد بن عبد الملك فكان الوليد أوّل من اكتنى في كتبه وأوّل من عظم الخط والكتب وجود القراطيس. ولذلك قال أبو نواس:
سبط مشارفها رقيق جطمها ... وكأن سائر خلفها بنيانُ
واحتازها لون جرى في جلدها ... يقف كقرطاس الوليد هجانُ
فجرت سنة الوليد بذلك إلى أيام عمر بن عبد العزيز ويزيد الكامل فإنهما لمّا وليا ردا الأمر إلى ما كان عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمن أحابه رضوان الله عليهم. فلما ولي مروان رجع إلى أمر الوليد فجرى الأمر عليه. ذكر ذلك أبو محمد بن السيد رحمه الله تعالى.
وأما التوقيع فهو ما يلحق بالكتاب بعد الفراغ منه ممن رفع إليه كالسلطان ونحوه من ولاة الأمر كما إذا رفعت إلى السلطان أو إلى الوالي شكاة فكتب تحت الكتاب أو على ظهره: ينظر في أمر هذا أو: يستوفى لهذا حقه أو نحو ذلك. فهذا توقيع.
ورفع إلى جعفر بن يحيى كتاب يشتكى فيه بعامل فكتب على ظهره: يا هذا قد قل شاكروك وكثر شاكوك فإما اعتدلت وإما اعتزلت! ورفع إلى الصاحب بن عباد كتاب فيه: إنَّ إنسانا هلك وترك يتيما وأموالا جليلة لا تصلح لليتيم وقصد الكاتب إغراء الصاحب. فأخذها فوقع الصاحب فيها: الهالك رحمه الله وو اليتيم أصلحه الله والمال ثمرة الله والساعي لعنه الله! ونحو هذا من التوقيعات. والتوقيع في الأصل التأثر في الشيء. يقال: حمار موقع الظهر أي أصابته في ظهره دبرة فسمي هذا توقيعا لنه تأثر في الكتاب حسنا أو في الأمر معنى؛ أو في الوقوع لأنه سبب لوقوع الأمر المذكور أو لأنه إقاع لذلك المكتوب: فتوقيع كذا بمعنى إيقاعه.
(2/220)

وأما العنوان فهو ما يجعل عليه ليستدل به عليه ويقال قيه: عنوان وعنيان بضم الأول فيهما وكسره. وأصله عنان على مثل رمان لأنّه مشتق من قولك: عن لي الأمر يعن إذا عرض لأنّه هو يعرض للكتاب من ناحية وعننه وعنونه وعناه: كتب عنوانه. ويقال فيه أيضاً علوان باللام وعلون الكتاب وعلاه تعلية: كتب عنوانه وكل ظاهر شيء استدلت به على باطنه فهو عنوان له. قال الشاعر:
رأيت لسان المرء رائد عقله ... وعنوانه فانظر بماذا تعنون!
وقال الآخر:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
وما أصناف الكتب فكثيرة منها: كاتب التدبير وهو أجلها وأعلاها درجة وهو كاتب السلطان الذي يكتب سره؛ ومنها كاتب أرباب الأحكام وأجلها كاتب القاضي ثم كاتب صاحب المظالم ثم كاتب صاحب الديوان وهو الخراج ثم كاتب صاحب الشرطة؛ ومنها كاتب العامل وكاتب المجلس إلى غير وكل واحد منها له أحكام وآداب ذكرت في محلها.
ولهم أقلام مختلفة اصطلحوا عليها في الكتابة. انتهى. مجموعها بحسب ما ذكروا إلى أحد وعشرين وهي الجليل والسجلى ويسمى قلم الثلثين والقلم الرئاسي والنصف وخفيف النصف والثلث وخفيف الثلث والمسلسل وغبار الحلبة وصغير الغبار وهو قلم المؤامرات وقلم القصص والحوائجي والمحدث والمدمج وثقيل الطومار وخفيف الطومار والشامي ومفتح الشامي والمنثور وخفيف المنثور وقلم الجزم.
واختلف في أوّل من كتب: فقيل آدم عليه السلام كتب الصحف قبل موته بثلاثمائة سنة في طين ثم طبخه. فلما كان بعد الطوفان أصاب كل قوم كتابهم؛ وقيل أوّل من كتب إدريس عليه السلام؛ وقيل أوّل من وضع الكتابة إسماعيل عليه السلام وضعها بلفظه ومنطقه؛ وقيل أوّل من كتب قوم من الأوائل أسمائهم أبجد هوز حطي إلى آخرها. وكانوا ملوك مدين وقيل هم أبجد هوز إلى قرست ملوك مدين فوضعوا الكتابة العربية على عدد حروف أسمائهم وكان سيدهم كلمن فهلكوا يوم الظلة فقالت ابنة كلمن ترثيه:
(2/221)

كلمن هدم ركني ... هلكه وسط المحله
سيد القوم أتاه ... الحتف نارٌ وسط ظله
جعلت نارٌ عليهم ... دراهم كالمضمحله
ويروى أيضاً:
ألا يا شعيب قد نطقت مقالةً ... سبقت بها عمراً وحي بني عمرِ
ملوك بني حطي هوز منهم ... وسعفص أهل للمكارم والفخرِ
وقيل هم ملوك الجن الذين سكنوا الأرض قبل آدم عليه السلام فألقيت إلى العرب؛ وقيل أسماء ملوك الجبابرة.
وقيل أوّل من وضع الخط العربي نفر من طيء من بولان وهم: مرامر بن مرة وأسلم بن سدرة وعامر بن حدرة. فساروا إلى مكة فتعلمه منهم شيبة بن ربيعة بن حرب بن عبد شمس وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهشام بن المغيرة المخزومي. ثم أتوا الأنبار فتعلمه نفر منهم. ثم أتوا الحيرة فتعلمه منهم جماعة منهم: سفيان بن مجاشع بن عبد الله بن دارم وولده يسموه بالكوفة بني الكاتب. ثم أتوا الشام فعلموه جماعة فانتهت الكتابة إلى رجلين من أهل الشام يقال لهما الضحاك وإسحاق بن حماد واخترع منه خطا أخف فسماه الثلثين السابق. ثم جعل الناس يختصرون ويغيرون حتى انتهى إلى ما مر. وليس هذا محل تفصيل هذا.
وأما ما قيل من الشعر في وصف الكتاب أو الأقلام أو المحابر أو تفضيل القلم على السيف أو العكس فأكثر من أن يحصى. وقد وضعت في ذلك موضوعات مستقلة. فمن مستحسن ذلك قول أبي الفتح البستي:
إن هز أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كل كمي هز عاملهُ
وإن أقر على رقٍّ أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام لهُ
وقال الآخر:
يمسك الفرس رمحا بيدٍ ... وأنا أمسك فيه قصبه
فكلانا فارسٌفي شأنه: ... إنَّ الأقلام رماحُ الكتبه
(2/222)

وقول الآخر:
وما روض الربيع وقد زهاه ... ندى الأشجار يأرج بالغداةِ
بأوضاع أو بأبسط من نسيمٍ ... توديه الأفاوه من دواةِ
وقول الآخر في خلاف هذا:
دعي في الكتابة لا رويٌ ... له فيما يعد ولا بديهُ
كأن دواته من ريق فيه ... تلاق فريحها أبداً كريهُ!
وقول بعضهم وقد نظر إلى فتى عليه أثر المداد وهو يستره:
لا تجزعن من المداد فإنه ... عطر الرجال وحلية الكتاب!
ويقال: أثر المداد دليل على الفضل حتى إنَّ عبيد الله بن سليمان رأى صفرة زعفران في ثوبه فطلاها بالحبر وقال: المداد أحسن بنا من الزعفران! وأنشد:
إنما الزعفران عطر العذارى ... ومداد الدوات عطر الرجالِ
وقول الآخر يهجو كاتبا:
حمارٌ في الكتابة يدعيها ... كدعوى آل حربٍ في زيادِ
فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو غرقت ثوبك في المدادِ!
وقال بعضهم: كنت عند إبراهيم بن العباس وهو يكتب كتابا فوقعت من القلم نقطة مفسدة فمسحها بكمه فتعجبت فقال: لا تعجب! المال فرع والقلم أصل والأصل أحوج من الفرع إلى المراعات وبهذا السواد جاءت الثياب. ثم أطرق قليلا فأنشد:
إذا ما الفكر ولد حسن لفظٍ ... وأسلمه الوجود إلى العيانِ
ووشاه فنمنمه مشدٍ ... فصيحٌ في المقال بلا لسانِ
ترى حلل البيان منشراتٍ ... تجلى بينها صور المعاني
وكتب سليمان بن وهب بقلم صلب واعتمد عليه فصر تحت يده فقال:
إذا ما التقينا وانتضينا صوارماً ... يكاد يصم السامعين صريرها
تساقط في القرطاس منها بدائعٌ ... كمثل اللآلي نظمها ونثرها
تقود أبيات البيان بفطنةٍ ... يكشف عن وجه البلاغة نورها
تظل المنايا والعطايا شوارعاً ... تدور بما شئنا وتمضي أمورها
إذا ما خطوب الدهر أرخت ستورها ... تجلت بنا عما تسر ستورها
(2/223)

وقول أبي تمام يمدح محمد بن عبد الملك الزيات من قصيدة:
لك القلم الأعلى الذي بشباته ... يصاب من الأمر الكلى والمفاصلُ
له الخلوات اللاء لولا نجيها ... لمّا اختلفت للملك تلك المحافلُ
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنا اشتارته أيدٍ عواسلُ
له ريقٌ طل ولكن وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابلُ
فصيحٌ إذا استنطقته وهو راكبٌ ... وأعجم إن خاطبته وهو راجلُ
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافلُ
اطاعته أطراف القنى وتقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافلُ
إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافلُ
وقد رفدته الخنصران وسددت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأناملُ
رأيت جليلاً شأنه وهو مرهقٌ ... ضنى وسميناً خطبه وهو ناحلُ
وقول أبي الفتح البستي:
إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم ... وعدوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتاب مجداً ورفعةً ... مدى الدهر أنَّ الله أقسم بالقلم
وقول البحتري:
تعنو له وزراء الملك قاطبةً ... وعادة السيف أن يستخدم القلما
وقول الآخر:
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأممُ
فالموت والموت لا شيء يقابله ... ما زال يتبلع ما يجري به القلمُ
بذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أنَّ السيوف لها مذ أرهفت خدمُ
وقول أبي الطيب مناقضا لهذا:
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي: ... المجد للسيف ليس المجد للقلمِ
اكتب بذا أبداً بعد الكتاب لها ... فإنما نحن للأسياف كالخدمِ
وقول سليمان بن جرير النمري في نحوه:
جهابذةٌ وكتابٌ وليسوا ... بفرسان الكريهة والطعانِ
ستذكرني وتعرفني إذا ما ... تلاقى الحلقان من الباطنِ
(2/224)

وقول كشاجم:
هنيئاً لأصحاب السيف بطالةً ... تقضى بها أيامهم في التنعمِ!
وكم فيهم من دائم الأمن لم يرع ... بحربٍ ولم ينهد لقرن مصممِ
وكل ذوي الأقلام في كل ساعةٍ ... سيوفهم ايست تجف من الدمِ
وقول الآخر في مدح القلم وأهله:
قومٌ إذا أدخلوا الأقلام من قصبٍ ... ثم استمدوا بها ماء المنياتِ
نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ... ما لا ينال بحد المشرفياتِ
وقول البحتري يمدح الحسن بن وهب ويصف أقلامه:
وإذا تألق في الني كلامه ... المصقول خلت لسانه من عضبهِ
وإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجى في كتبهِ
فاللفظ يقرب فهمه في بعده ... منا ويبعد نيله في قربهِ
حكمٌ فسائحها خلال بنانه ... متدفق وقليلها من قلبهِ
فكأنها والسمع معقودٌ بها ... شخص الحبيب بدا لعين محبهِ
وقوله أيضاً في أبن الزيات:
لتصرفت في الكتابة حتى ... عطل الناس فن عبد الحميدِ
في نظام من البلاغة ما شك ... امرؤ أنه نظام فريدِ
وبديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديدِ
ما أعيرت منه بطون القراطيس ... وما حملت طهور البريدِ
حزن مستعمل الكلام أخباراً ... وتجنبن ظلمة التعقيدِ
كالعذارى غدون في الحلل الصفر ... إذا رحن في الخطوب السودِ
ومن أمثال الأدباء قولهم:

أخف من دينار يحيى.
وهو يحيى بن علي أعطى بعض الأدباء دينار خفيفا فقال فيه عدة مقاطع منها:
دينار يحيى زائد النقصان ... فيه علامة سكة الحرمانِ
(2/225)

قد راق منظره ورق خياله ... فكأنه روح بلا جثمان
أهداه مكتتما إلي برقعةٍ ... فوجدته أخفى من الكتمان!
ومن أمثال العامة قولهم:

خالف تعرف!
ونحوه قول الشاعر:
خلافا لرأي من فيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم: خالف فتذكر!
ويظهر من هذا البيت إنَّ المثل قديم، والبيت انشده الجاحظ.
ولنلم الآن بشيء في هذا الباب. قال الشاعر:
تركت النبيذ لأهل النبيذ ... وأصبحت أشرب ماء نقاخا
شراب النبيئين والمرسلين ... ومن لا يحاول منه اطباخا
رأيت النبيذ يدل العزيز ... ويكسو التقي النقي اتساخا
فهبني عذرت الفتى جاهلا ... فما العذر فيه إذا المرء شاخا؟
قوله ماء نقاخا، أي بارداً عذبا صافيا، وهو بضم النون وبالقاف على مثال غراب. وقال الآخر:
نعوذ بالله من أناسٍ ... تشيخوا قبل إنَّ يشيخوا
تقوسوا وانحنوا رياء ... فأحذرهم: انهم فخوخ!
وأشار بهذا التمثل في الرياء إلى نحو ما حكي في الإسرائيليات إنَّ عصفورة على فخ فقالت له: مالي اراك منحنيا؟ قال:: لكثرة صلاتي انحنيت. قالت: فمالي أراك بادية عظامك؟ قال: لكثرة صيامي، بدت عظامي! قالت: فما هذا الصوف عليك؟ قال: لزهادتي لبست الصوف. قالت: فما هذه العصا عندك؟ قال: أتوكؤ عليها وأقضي بها حوائجي. قالت: فما هذه الحبة في يدك؟ قال: قربان إنَّ مر بي مسكين أناوله إياها. قالت: فإني مسكينة. قال: خذيها! فقبضت على الحبة فإذا الفخ في عنقها، فصاحت: قعى! قعى! وتفسيره: لا غرني مراءٍ بعدك أبداً! ومما جاء في الرياء، أعاذنا الله منه!، قوله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:
(2/226)

" الرياء ". يقول عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤونهم في الدنيا، فانظروا كيف تجدون عندهم الجزاء. وقوله صلى الله عليه وسلم: " من راأى، راأى الله به، ومن سمع، سمع الله به ". وقوله صلى الله عليه وسلم: " من أسر سريرة ألبسه الله رداءها، خيرا فخير وإنَّ شرا فشر. والآيات والأحاديث والآثار في ذم الرياء والتنفير عنه لا تحصى وهي مشهورة. وفي معنى ذلك قول الشاعر:
وإذا أظهرت شيئاً حسنا ... فليكن أحسن منه ما تسر
فمسر الخير موسم به ... ومسر الشر موسوم بشر
وقول الآخر في المتشابهين:
أهل الرياء لبستهم ناموسكم ... كالذئب يدلج في الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمذهب مالك ... وقستم الأموال بابن القاسم
وركبتم شهب البغال بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم
وقول الآخر:
قل للأمام سنا الأئمة مالكٍ ... نور العيون ونزهة الأسماع:
لله درك من همام ماجد ... قد كنت راعينا فنعم الراعي!
فمضيت محمود النقيبة طاهرا ... وتركتنا قنصا لشر سباع
أكلوا بك الدنيا وأنت بمعزلٍ ... طاوي الحشا متكفت الأضلاع
تشكوك دنيا لم تزل بك برة ... ماذا رفعت بها من الأوضاع
وقال محمود الوراق لابن أخته:
تصوف كي يقال له أمين ... وما معنى التصوف والأمانة؟
ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانة
وقول الآخر:
صلى وصام لأمر كان يطلبه ... ومذ حواه فما صلى ولا صاما!
وقول الآخر:
شمر ثيابك واستعد لقابل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم
(2/227)

وعليك بالغنوي فاجلس عنده ... حتى تصيب وديعة ليتيمِ!
وقول الآخر:
لا شيء أخسر صفقة من عالمٍ ... لعبت به الدنيا مع الجهالِ
فغدا يفرق دينه أيدي سبا ... ويديه حرصاً بجمع المالِ
لا خير في كسب الحرام وقلما ... يرجى الخلاص لكاسب الحلالِ
فخذ الكفاف ولا تكن ذا فضلةٍ ... فالفضل تسأل عنه أي سؤالِ!
وقول بعضهم وقد رأى ثم افتضح نعوذ بالله!:
بينا أنا في توبتي مفبلاً ... قد شبهوني بابن روادِ
وقد حملت العلم مستظهراً ... وحدوثوا عني بإسنادِ
الله تعالى خطر الشيطان بي جطوة ... نكست منها في أبي جادِ
وقال آخر يخاطب معزولا:
ولوك إذ علموا بجهلك منصباً ... علموا بأنك عن قليل تبرحُ
طبخوا بنار العزل قلبك بعد ذا ... وكذا القلوب على المناصب تطبخُ
وقال الآخر في حمام:
حمامكم قيمته أسود ... هربت منه وأنا صارخُ
قد سلخت جسمي أظافره ... يا قوم هذا الأسود السالخُ
وفي هذين الشعرين التورية وهي إن يذكر الشاعر لفظاله مهنيان: قريب وبعيد. ويريد البعيد نحو قوله تعالى: الرحمن على العرشِ استوى فإنَّ المراد أحد معنيي الاستواء وهو الاستيلاء قهرا وغلبة وهو المعنى الأبعد لأنّه مجاز وتسمى التورية إيهاما. فإن كان المعنيان مستويين سمي ذلك توجيها. وقد تقدم في ذلك جملة من الشعر في الأبواب السابقة ونحن نريد هنا من مستحسن ذلك قول بعضهم يهنيءبعيد النحو:
تهن بعيد النحو وابق ممتعاً ... بأمثاله سامي العلى نافذ الأمرِ!
تقلدنا فيه قلائد أنعمٍ ... واحسن ما تبدو القلائد في النحرِ
وقول الآخر:
بروحي أفدي خاله فوق خده ... وما أنا في الدنيا فأفديه بالمالِ
(2/228)

تبارك من أخلى من الشعر خده ... وأسكن كل الحسن في ذلك الخالِ
وقول الآخر:
مهفهف القد إذا ما انثنى ... قال ولا يخشى من الود
ما أنت كفلي يا كثيب اللوى ... ولست يا غصن النقا قدي!
لو نلت من خده تقبيلةً ... تزين الريحان بالوردِ
وقول الآخر:
قلت للأهيف الذي فضح الغصن ... كلام الوشاة ما ينبغي لك
قال: قول الوشاة عندي ريحٌ ... قلت: أخشى يا غصن أن تستميلك!
وقول الآخر:
تهاون شمس الين بي وهو صاحبٌ ... وأظهر لي أضعاف ما يظهر العدا
نزلت به أبغي النا وهو طالعٌ ... وعند طلوع الشمس يرتفع الندا!
وقول الآخر في حق النبي صلى الله عليه وسلم:
يا عين إن بعد الحبيب وداده ... ونأت مرابعه وشط مزارهُ
فلقد ظفرت من الزمان بطائلٍ ... إن لم تريه فهذه آثارهُ
وقول الآخر:
عاينته ودموعي غير جاريةٍ ... لأن دمعي من طول البكا نشفا
فقال: لم أدر وكف الدمع قلت له: ... حسيبك الله يا بدر الجا وكفا!
وقول الصفدي مع حسن التضمين:
ملكت كتابا أخلق الدهر جلده ... وما أحدٌ في دهره بمخلدُ
إذا عاينت كتبي الصحيحة حاله ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلد!
وقول أبي بكر بن حجة:
عزمت على السلو لطول هجري ... فجاءتني عوارضه تعارض
وكان العذر يقبل في سلوي ... ولكن ما سلمت من العوارض
وقول البدر الدماميني:
وبي وجنةٌ حمراء زاد صفاؤها ... فأبدت صفات أبع الحسن كونها
فدع لائمي فيها عن الحب جهده ... فما أنا بالسالي صفاها ولونها
(2/229)

وقول أبن جعفر العسقلاني:
قد جئت في علم الأصول لنا وفي ... علم الفروع بخالص الابريز
برزت في هذا وفي هذا على ... الرازي بالإحسان والتبريزي
وقوله:
خليلي ولى العمر منا ولم نتب ... وننوي فعال الصالحين ولكنا
فحتى متى نبني بيوتا مشيدة ... وأعمارنا منا تهد وما تبنا؟
وقول المعمار:
إنَّ قام يتلو سورة الشمس المنيرة في ضحاها
يا حسنه فكأنه القمر المنير إذا تلاها
وقوله:
تملك قلبي صارم قد هويته ... من الهند معسول اللمى أهيف القد
أقول لصاحبي حين يرنو بلحظه: ... خذوا حذركم قد سل صارمه الهندي
وقول الآخر:
يا من تولى قاضيا ... هذا قضاء أم قدر؟
عذرك في نسياننا ... أنَّ القضا يعمي البصر!
وقول أبن العفيف:
ليس خليليا ولكنه ... يضرم في الأحشاء نار الخليل
يا ردفه جرت على خصره ... وفقا به ما أنت إلاّ ثقيل!
وقوله مما يكتب على كأس:
أدور لتقبيل الندامى ولم أزل ... أجود للندامى وأنفاسي
وأكسو أكف الشرب ثوبا مذهب ... فمن أجل هذا لقبوني بالكأس
وقوله في مليح خيالي:
خيالي أخاف الهجر منه ... وليس أراه يرغب في وصالي
وكنت عهدتني قدما شجاعا ... فمالي صرت أفزع من خيالي؟
وما قيل في التورية والتوجيه أكثر من إنَّ يحصى. ولولا خوف الإطالة لأوردنا من مستحسن ذلك ما يكون جزءا مستقلا، وليس ذلك من غرضنا. وأنا أذكر هنا بعض ما اتفق لي نظمه
(2/230)

في باب التورية أو التوجيه من غير تعبئة لنزول هذا الميدان، ومطاردة هؤلاء الفرسان. فمن ذلك قولي:
بنفسي من أضحى فؤادي طائرا ... على غصن من قده اللدن ميال
على روضة من خده الخال عارض ... وأبهج روض ما علا عارض الخال
وفيه التورية بالطائر من حيث إنّه اسم فاعل أو اسم ذي الجناح على التشبيه وحرف الجر بعده للتعليل على الأول والاستعلاء على الثاني، والتوريه بالخال من حيث إنّه النقطة أو الغيم المخيل بالمطر مع الجناس بين على وعلا والعكس.
وقولي:
مررت على بالٍ من الربع دارس ... بكل ربابٍ عارض اسحم خال
ففاضت شؤون الجفن من ذكر حيرتي ... وثار هواهم إذ مررت على البال
وفيه التورية بالخال من حيث إنّه وصف للدارس من الخلو أو وصف للرباب بمعنى المخيل كما مر. والتورية بالبال آخراً من حيث إنّه راجع إلى الربع من البلى أو إنّه الفكر والخاطر ومعمول مررت عليهن محذوف عي عليه.
وقولي:
وعاذل عن الهوى عادل ... يدعو لأمر في الهوى إمر
قال أسلهم واصبر فكم ذائق ... أمر في الهجر من الصبر
وزع عنان القلب عما جرى ... عليه من بلواء أو يجري
فأي عذر في اتباع الصبا؟ ... قلت له إنَّ الهوى عذري
وفيه التورية بالصبر من حيث إنّه معناه أو إنّه المر المعروف. وأصله صبر ثم خفف بالتسكين والتورية يجري من حيث إنّه من الجريان بقرينة العنان أو إنّه من الوقوع. والمعنى عليهما واضح. والتورية بالعذر من حيث إنّه الاعتذار أضيف إلى ياء المتكلم أونسوب إلى بني عذرة، وهو الهوى الشديد، والمعيان ظاهران وقولي:
قال العذول إذ بدا ... بعارض معذر:
الوجه الاعتزال عن ... هذا الوجيه الأشعر
فقلت: ذلك الوجه ... يبقى فيه فضل نظر
(2/231)

وفيه التورية في الاشعر مع الاعتزال من حيث إنّه وصف كأحمر أي ذو شعر أو بياء النسبة، والتورية في النظر والوجه من حيث إنّه نظر البصر أو نظر البصيرة، والوجه وجه الحبيب أو وجه الدليل.
وقولي من قصيدة زمن الصبا أخاطب شيخنا الإمام الهمام أمتعني الله به:
وفينا معان بينت قدم الهوى ... فليس لعمري بالبديع إلى الصدر
وقد أعربت جزما بنصب أدلة ... فيرفع ما بينى على الظن من هجر
فإنَّ لم يكن عن ذلك فعلي معربا ... تغنيت بالماضي من الحال والأمر
وهذه التوريات واضحة كلها، وقد وقع لي مثل هذا النوع كثيرا ولم أذكره.
وقولي من قصيدة أخرى موريا بالعباب و " الجوهري " من كتب اللغة:
وعبرت من لجج العلوم عبابها ... حتى أنثنيت بمنفسات الجوهر
وهذه القصيدة خاطبت بها بعض فضلاء العصر. فلما وقف عليها استحسنها هو وجماعة من الفضلاء الواقفين عليها غاية. وكان من أغبياء الطلبة بعضهم من لم يرتق فهمه إلى ألفاظها، فضلاً عن معاينتها، فتعلل لنفسه القاصرة بأنها مشتملة على الوحشي من اللغة. فلما بلغني ذلك قلت:
تسامى لأذيالي مذال ولم أكن ... لكل ذليل بالذلول ولا السهل
ورام مرامات امرئ طالما علا ... على الحزن من فيح البلاغة والسهل
وأرسلتها غراء ليس يذيمها ... سوى العمي عن شمس الظهيرة والجهل
فأنكر جهلا ما حوته رسالتي ... ولا غرو فالتكذيب شان أبي جهل!
وفيه التورية بابي جهل مع الجناسات الكثيرة. والجهل بضم فسكون جمع جاهل. وتخلف بعض أصحابي عن مجلس الدرس في اليوم المسمى بالعجوز، وآخر ينير، حبسه البرد، فكتبت إليه على سبيل المطايبة:
أعجزت عنا العجوز ولم يكن ... رجل لتمنعه عجوز عائده؟
وعدلت عن أبكار فكري بكرة ... اتباع بكر بالعجوز الباردة؟
وفيه التورية بالعائدة من حيث إنّه وصف للعجوز أي صارفة وعائقة وإنّه معمول المنع بمعنى العطية والصلة، وفي العجوز أيضاً بين اليوم والمرأة بقرينة ذكر الرجل. وينشد أيضاً عجوز جالدة أو فائدة، وفي كليهما التورية: فالجالدة إما بمعنى ذات الجليد، من
(2/232)

قولك جلدت الأرض بالكسر، تجلد فهمي جلدة والجالدة، اعتباراً للعجوز بمعنى اليوم على قصد الليلة أو الصبيحة أو البكرة؛ وإما بمعنى المدافعة والمقاتلة، من قولك جلدته بالعصا: ضربته، اعتبارا للعجوز بمعنى المرأة؛ والفائدة إما بمعنى الإفادة وهو معمول المنع، أو بمعنى الهالكة، من قولك: فاد يفيد، فيدا، إذا هلك ومات، اعتبارا للعجوز بمعنى المرأة وإنّها هرمة فانية، فكيف تغلب الرجل؟ والتورية في العجوز الباردة واضحة؟ وأعلم أنَّ التورية والتوجيه أعلى فنون البديع وأجلها وأدقها، وهو أحد معاريض البلغاء الذي يرفلون به في الحلل الرقائق، وينجون بفسحتها من المضائق. فمن أظرف ما وقع من ذلك ما روي عن خالد بن الوليد، رضي الله عنه، إنّه لمّا نزل على الحيرة أتاه عبد المسيح الغساني، وهو أبن ثلاثمائة وخمسين سنة. فلما مثل بين يديه قال له: انعم صباحا أيها الأمير! فقال له خالد: قد أغنى الله عن تحيتكم بسلام عليكم. ثم قال له خالد: من أين أقصى أثرك أيّها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي. قال: من أين خرجت؟ قال من بطن أمي. قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض. قال: فيم أنت؟ قال: في ثيابي. قال: أتعقل؟ قال: أي والله، وأقيد. قال: أبن كم أنت؟ قال: أبن رجل وامرأة. قال: كم سنك؟ قال: اثنان وثلاثون بيض ضرس وغضيض. قال: كم لك من السنين؟ قال: السنون كلها لله. قال: كم أتى عليك؟ قال: لو أتى علي شيء لقتلني. قال: كم عمرك؟ قال: لا يعلمه إلا الله. فقال خالد: ما رأيت كاليوم إنسانا أسأله عن شيء وهو ينحوا في غيره. فقال: ما أجبتك إلا عن مسألتك. وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال له الأعرابي: من أنتم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء، والقصة مشهورة.
وما روي من أنَّ رجلا وقف بباب المأمون ليشكو فلم يجد من يدخله فصاح: أنا أحمد المصطفى النبي المبعوث! فأخذ وأدخل على المأمون وقيل له إنّه تنبأ عن أمره فذكر شكواه فقال له: ما هذا الذي حكي عنك؟ قال: ما هو؟ قال: انهم قالوا إنك تنبأت. قال: معاذ الله! إنّما قلت: أنا أحمد المصطفى النبي المبعوث، وأنت يا أمير المؤمنين تحمده، وكذلك هؤلاء. فاستظرفه المأمون وأمر بأنصافه.
وما روي عن بشار بن برد من أنه خاط له رجل أعور يعرف بعمرو بردا فلم يعجبه فقال له:
(2/233)

ما هذه الخياطة؟ قال له: خطته لك كذلك لتلبسه إنَّ شئت على وجهه، وإنَّ شئت من باطنه. فقال له بشار: وأنا قد قلت فيك شعرا، إنَّ شئت جعلته مدحا وإنَّ شئت جعلته هجوا، ثم انشد:
خاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء
فأحاجي الناس طرا ... أمديح أم هجاء!
ويروى:
خاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء
فسل الناس جميعا ... أمديح أم هجاء!
وهو على نصب الجزأين بليت.
وما روي إنّه نشأ ببغداد غلامان أحدهما أبن حجام والآخر أبن مراق، فبرعا في الأدب. فخرجا ليلة وهما ثملان من نبيذ. فأخذهما العسس فأتوا بهما إلى صاحبهما. فلما مثلا بين يديه قال لهما: ما أخرجكما جوف الليل؟ فقالا: القدر والقضاء. فقال من أنتما؟ فقال أبن المراق:
أنا أبن الذي لا تنزل الدهر قدره ... وإنَّ نزلت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود
وقال أبن الحجام:
أنا أبن من ذلت الرقاب له ... ما بين مخزومها وهاشمها
تأتيه طوعا إليه خاضعة ... يأخذ من مالها ومن دمها
فقال في نفسه: الأول من أبناء الكرام، والثاني من أبناء الملوك. فقال لأعوانه: خلوا عنهما، فإنه بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّه قال: اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم. فلما انصرفا أخبر بأمرهما، فاسترجعهما بالغد وقال لهما: ويحكما! خدعتماني. فقالا: ما خدعناك إلاّ بما هو صفة والدينا. فلما تأمل كلامهما وجده صدقا وقال: انطلقا! من لم ين منكما شريف فلقد كان ظريفا. وما روي عن أبي الفرج الجوزي، رضي الله عنه، إنّه كان في مجلسه في السنية والشيعة، فسأله سائل، أي الناس كان احب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر أم علي؟ فتغافل، فقيل ما عندك! فقال: أحبهما إليه من كانت ابنته تحته.
(2/234)

ويروى: أفضلهما من كانت ابنته تحته على إنَّ السؤال كان على الأفضلية. ففهم السنية أبا بكر وفهم الشيعة عليا ورضي الفريقان. ومحاسن هذا النوع أكثر من أن تحصى. وقد خرجنا عن الغرض فلنعد إلى المقصود. وقال أبو محمّد الحريري:
يقولون إنَّ جمال الفتى ... وزينته أدب راسخ
وما أن يزين سوى المكثرين ... ومن طود سودده شامخ
فأما الفقير فخير له ... من الأدب القرص والكامخ
وأي جمال له أن يقال ... أديب يعلم أو ناسخ
الكامخ: شيء يؤتدم به أو طعام يتخذ من الحنطة واللبن على أنواع والعرب كانت لا تعرفه. وقدم لأعرابي فقال: ما هذا؟ فقيل له: كامخ. فقال: مم صنع؟ فقيل: من الحنطة واللبن. فقال: أبوان كريمان وما أنجبا وقلت:
إذا المرء إن أرضيته كان لي أخا ... وإن أس عادني فما هولي بأخ
فلا خير في ود امرئ ليس صافيا ... تراه بأدران المساوي قد اتسخ
ولا خير في ود يكون تكلفا ... ولا في ودود حيث لنت له شمخ
وما الود إلاّ ما تكنفه الحشا ... متى تهزز الأحداث أغصانه رسخ
وقلت أيضاً في هذا المعنى:
ولا تبت من فتى على ثقة ... ولا يغرن حجاك من آخى
حتى تراه لدى النوائب إن ... قاضيه في الحاجات هل ساخى
وعند سعي الوشى هل ثبتت ... رجلا حشاة في الود أم ساخا
سخى الأول فاعل من السخاء وهو الكرم وساخ الثاني من ساخ يسوخ ويسيخ إذا هوى في الطين ونحوه وفيهما يكون الجناس التام.
ولنكتف بهذا القدر من هذا الباب والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
(2/235)

باب الدال المهملة
دردب لمّا عضه الثقاف.
الدردبة عدو على الخوف وهو أن يجري ويلتفت وراءه من الخوف. وعضضت الشيء بالكسر كعلمت وبالفتح كمعت: أمسكته بأسناني أو بلساني ثم يستعمل العض فيما يشبه هذا من إلمام الحوادث ووقع الخطوب: والثقاف بالكسر الخصام والمجادلة. ويقال: ثقفة كعلمه إذا صادفه أو أخذه أو أدركه وظفر به. قال الشاعر:
من يثقفن منهم فليس بآئب ... أبداً وقتل بني قتيبة شاف
وقال ذو الكلب الهذلي:
فإما تثقفوني فاقتلوني ... فإنَّ أثقف فسوف ترون بالي
والثقاف أيضاً بالكسر الخشبة تسوى بها الرماح وهو المقصود في هذا المثل. فمعنى دردب لمّا عضه الثقاف: خضع وذل. ومضربه واضح. وقال عمرو بن كلثوم:
إذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولتهم عشوزنة زبونا
وثقف الرمح بالثقاف تثقيفا: سويته وقومته فهو مثقف ومقوم.

دفعت إليه الشيء برمته.
الدفع هنا الإعطاء. والرمة بالضم القطعة من الحبل البالية. ودفع رجل لآخر بعيرا في رقبته حبل فقيل: دفعه إليه برمته وذهب مثلا لكل من أعطى الشيء أو أخذه بأجمعه. قال الأعشى يخاطب خمارا:
(2/237)

فقلت له: هذه هاتها ... بأدماء في حبل مقدادها

دع بنيات الطريق.
دع: معناه اترك أصله الودع وهو الترك لكن لم يستعمل هذا المصدر إلاّ قليلا كقوله صلى الله عليه وسلم: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعة الحديث. ولم يستعمل منه أيضاً الماضي إلاّ قليلا كقوله صلى الله عليه وسلم: دعوا الحبشة ما ودعوكم. وقرئ: ما ودعك ربك وما قلى، بالتخفيف من هذا وإنّما المستعمل منه كثيراً المضارع والأمر وهما بفتح عين الكلمة لمكان حرف الحلق نحو قع ويقع. وقد علمت من هذا إنَّ حق هذا الحرف أن يذكر في باب الواو ولكن كتبناه في هذا الباب تقريبا لمّا أن الواو مستهلكة لا تظهر كما مر نظيره في حرف التاء. وبنيات الطريق الطرق الصغار المتشعبة عن الطريق الكبيرة وكأنها بنات لها من حيث إنها تنشأت عنها وخرجت منها. ثم أطلقوا بنيات الطريق على الأباطيل فضرب المثل عند أمر الرجل أن يقصد معظم الشأن ويدع سفساف الأمور. قال أبن منادر في قاضي البصرة:
أي قاض أنت للنقض ... وتعطيل الحقوق؟
يدع الحق ويهوي ... في بنيات الطريق

دعوا دما ضيعه أهله!
الدم معروف وفيه لغات: يقال دم وهي الفصحاء وأصله دمو ودمي فحذفت اللام. ويقال دم بالتضعيف كقوله:
أهان دمك فرغا بعد عزته ... يا عمرو بغيك إصرار على الحسد؟
قد شقيت شقاء لا انقضاء له ... وسعد مرديك موفور على الابد
ويقال دمى بالقصر مثل فتى وعصى كقوله:
كأطوم فقدت برزغها ... أعقبتها الغبس منها عدما
(2/238)

غفلت ثم أتت تطلبه ... فإذا هي بعظام ودما
الأطوام بوزن صبور البقرة والبرزغ ولدها والتضييع معروف. وهذا المثل من كلام جذيمة الأبرش المتقدم ذكره.
وكانت الزباء لمّا احتالت على قتلته كما مر قيل لها: احتفظي بدمه فإنه إن يضع وتقع منه قطرة بالأرض طلبت بثأره. فلما قبضت على جذيمة وأجلس على النطع وجعل الخدم يقطعن رواشيه قالت الزباء: لا تضيعن دم الملك! فقال جذيمة: دعوا دما ضيعه أهله! والمعنى: اتركوا دما أراقه أهله! أي مستحقوه وهم الزباء أي فلا يهولنكم ضياعه ولا يهمكم حفظه ولا تتخوفوا إذا ضاع أن تطالبوا به لأنكم لم تريقوه ظلما. وهذا كما في الرواية الآخرى: لا يحزنك دم أرقه أهله! يخاطب الزباء. وتقدمت القصة مستوفاة. وجذيمة يحتمل أن يكون في هذه الرواية عبر بتضييع الدم عن إراقته مجازا ليشاكل لفظ الزباء؛ ويحتمل أن يريد معناه لصحته في المعنى؛ وقد يكون جذيمة أراد أهله هو وأنهم ضيعوا دمه فيقول: إنَّ دما جمعه وواليه ز خانه ناصره وحاميه جدير أن يحتفظ عليه وأن يضيع ولا يلتفت إليه.

دعوا دعوةً كوكبيةً.
الدعاء: الرغبة إلى الله تعالى دعا له وعليه يدعو دعاء والمرة منه دعوة. والكوكبية: قرية كان أهلها ظلمهم عامل فدعوا عليه دعوة فمات عقبها فضرب المثل بذلك.
ومما يشبه هذا ما حكاه صاحب المدخل أنَّ قرية من أعمال السودان كان أهلها إذا ولى عليهم سلطان عاملا فانبسط عليهم دعوا فهلك. فلما أعيا السلطان أمرهم وتحير قام إليه بعض الحاضرين فقال: أنا ألي عليهم! فولاه السلطان بعد أن عرفه بكنه الأمر. فذهب ذلك الوالي فغصب ملحا واستصحبه معه ولم يكن في بلد السودان الملح. فلما بلغ موضع عمله قعد في المسجد ولم يصعد إلى موضع الأمير. فقالوا له: ألا تصعد إلى موضعك؟ فقال: إنما جئت على أن أكون واحدا منكم وأباشركم ولا أصدر إلاّ عن
(2/239)

رأيكم أو كما قال. وبقى على ذلك حتى أعجبهم وحسنوا به الظن. فتمارض حينئذ فسألوه عن موجب مرضه فقال لهم: موجب المرض فقد الملح. فقالوا: نأتيك بالملح. فقال: لا أعرف أصله وإنَّ عندي ملحا بالبلد أعرف جهته وأصله فلعله يكون فيه الشفاء. فإن أردتم أن أرسل من يأتي به وإلاّ فلا. فأذنوا له فأرسل إليه حتى بلغه ففرقه عليهم على وجه التبرك. فلما علم أنهم قد أكلوه قام إليهم ومد اليد إليهم وطلع إلى موضع الولاية حينئذ. وكان قبل يخشى من دعائهم لاقتياتهم الحلال الصرف. فلما دخل أجوافهم ذلك الملح علم أنَّ دعاءهم لا يسمع عليه وكان في القوم رجلان تفطنا لذلك فلم يأكلا ملحهما. فلما ظهر أمره أتياه بما عندهما لم يفسد شيئا منه. فلما علم أنهما قد بقيا هرب خوفا منهما.
ومثل هذا حكي عن الحجاج لمّا دخل العراق واليا وكانوا لا يلي عليهم أحد ويظلمهم إلاّ دعوا فهلك. فلما خاف الحجاج من دعائهم طلب منهم أن يأتوه كلهم ببيضة بيضة لحاجة ذكرها وقعد على الصحن. فكل من أتى ببيضة أمره أن يطرحها في الصحن. فاستخفوا البيض منه وفعلوا ما أمرهم. فلما اجتمع البيض واختلط أمرهم أن يأخذ كل واحد بيضة وأراهم أنه قد بدا له في ذلك ورجع عما أراد. فأخذ كل واحد بيضة من البيض ولا يدري عين بيضته. فلما علم الحجاج أنهم تصرفوا في ذلك مد يده إليهم فدعوا عليه فمنعوا الإجابة. قال رحمه الله تعالى: ولأجل هذا كثرت المظالم وكثر الدعاء على فاعلها وقلت الإجابة أو عدمت.

دفن البنات من المكرمات.
الدفن معروف؛ والبنات جمع بنت؛ والمكرمة فعل الكرم.
وهذا المثل مشهور ومثله المثل الآخر: نعم الصهر القبر! وقال الشاعر مضمنا المثل:
القبر أخفى سترةٍ للبنات ... ودفنها يروى من المكرمات
أما رأيت الله عز اسمه ... قد وضع النعش بجنب البنات!
وقول الآخر:
أحب بنيتي وأود أني ... دفنت بنيتي في قعر لحدِ
(2/240)

وشبه هذا قول الأمير أبن أبي حفصة:
وفي الدار خافي صبيةٌ قد تركتهم ... يطلبون إطلال الفراخ من الوكرِ
جنيت على روحي بروحي جنايةً ... فأثقلت ظهري بالذي خف من ظهرِ
والشعر في هذا المعنى كثير.

دقك بالمنحاز حبَّ القلقلِ.
الدق معروف. والمحاز بالحاء المهملة وبالزاي الهاون وهو المهراس. ونحزت الشيء: دققته. والقلقل بقافين مكسورين على مثل زبرج: نبن له حب اسود اصلب ما يكون من الحبوب حسن الشم. قال أبو النجم:
وآضتِ البهمى كنبل الصقيل ... وطارت الريح يبيس القلقلِ
وقد يقال في هذا المثل بفائين مضمومتين وهو الفلفل المعروف من الأبزار وجعله الأصمعي تصحيفا من العامة. ومن الناس من ادعى أنَّ هذا هو الصواب وأنَّ الأول هو التصحيف لأن حب القلقل بالقاف لا يدق. وهذا المثل يضرب في الإلحاح على الشحيح والحمل عليه وكأنه شطر بيت من الرجز.
دقوا بينهم عطر منشمٍ.
الدق مر؛ والعطر بالكسر معروف؛ ومنشم على مثال مجلس وعلى مثال مقعد قيل ويروى أيضاً مشئم بالهمز؛ ومن شم مفصولة. واختلف في معناه: فقيل منشم اسم الشر؛ وقيل المنشم يكون في سنبل العطر يسمى قرون السنان وهو سم ساعة. وقيل منشم اسم امرأة. واختلف في اشتقاقه أيضاً: فقيل منشم وضِع وضع الأعلام؛ وقيل مشتق من قولهم: نشم في الشيء إذا بدأ وأخذ فيه ويستعمل في الشر. وقيل هو مركب من اسم وفعل والأصل من شم على أنَّ شم فعل ماض من شم الرائحة وهو صلة من. ثم وصل وحذف الميم الثانية من الفعل وجعل الأعراب على الأولى. وعلى رواية مشأم فهو من الشؤم. واختلف أيضاً
(2/241)

في سبب المثل ومعناه: فقيل إنَّ منشم اسم امرأة وهي بنت الوجيه وكانت عطارة بمكة. وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا الحرب تطيبوا من طيبها فكثرت القتلى فجعلوا يقولون: أشئم من عطر منشم.
وقيل كانوا إذا أرادوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها وتحالفوا أن يستميتوا في الحرب ولا يولوا. فكانوا إذا دخلوا الحرب بطيب تلك المرأة يقول الناس:

دقوا بينهم عطر منشم. فلما كثر منهم هذا القول صار مثلا للشر العظيم. قال زهير:
تداركتما عبسا وذبيان بعد ما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشمِ
وقيل إنَّ منشم امرأة كانت تبيع الحنوط فسموا حنوطها عطرا في قولهم عطر منشم لأنهم أرادوا عطر الموتى. وأما من ذهب إلى أنه مركب فزعم أنَّ امرأة من العرب كانت تبيع العطر فورد عليها بعض أحياء العرب فأخذوا عطرها وفضحوها. فلحقها قومها ووضعوا السيف فيهم وجعلوا يقولون: اقتلوا من شم منطيبها! فبقي من شم اسما مركبا من هذا.
وقيل إنَّ سبب المثل قتال يوم حليمة الذي قيل فيه: ما يوم حليمة بس. وكانت فيه الحرب بين الحارث بن أبي شمر ملك الشام وبين المنذر بن المنذر بن امرئ القيس ملك العراق. وأخرجت حليمة إلى المعركة مراكن الطيب فكانت تطيب الداخلين في الحرب فقاتلوا من أجل ذلك حتى تفانوا. وسيأتي شرح هذه القصة.

دمث لنفسك قبل النوم مضطجعاً!
التدميث: التسهيل. يقال: مكان دمث كفرح أي لين سهل. ودمث الشيء بالكسر يدمث دماثة فهو دمث. ودمثته أنا تدميثا: سهلته ولينته؛ والمضطجع بالفتح مكان الاضطجاع.
والمعنى أنك إذا أردت أن تنام فسو المكان ولينه وأزل ما فيه من الخشونة قبل اضطجاعك! يضرب في الاستعداد للنوائب قبل نزولها. ومثله قول تأبط شرا:
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً ... به الأمر إلاّ وهو للقصد مبصرُ
وقول الآخر:
ولكن من لا يلق أمراً ينوبه ... بعدته ينزل به وهو أعزلُ
(2/242)

وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في عمر رضي الله عنه: كان والله أحوذيا نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها. ويروى إنَّ من رأى عمر أبن الخطاب علم أنه خلق غناءً للاسلام. كان والله أحوذياً. . الخ

الدم لا ينام.
هذا المثل من كلام قصير بن سعد لجذامة حيث شاورهم على الخروج إلى الزباء فقال له قصير: إنَّ الزباء قتلت أباها والدم لا ينام وتقدم ذلك مشروحا. والمراد أنَّ من كان له قبلك ثأرٌ وثبت له عندك دم لا يغفل عنك وعن أخذ ثأره منك ليلا ولا نهارا ولا يكن منه سلم صحيح ولا مصافحة خالصة أبدا.

دهدرين، سعد القين.
دهدرين بضم الدالين وفتح الراء المشددة، وقد اختلف فيه: فقيل هو اسم مبنى بصيغة المثنى؛ وقيل هو تثنية دهدر وهو الباطل. ويقال أيضاً دهدن بالنون على وزنه. قال الراجز:
لأجعلن لابنه عمرو فنا ... حتى يعود مهرها دهدنا
وهو في هذا المثل منصوب بفعل مضمر وسعد منادى وهو قين كان ادعى أنَّ اسمه سعد زمانا ثم تبين كذبه والقين وصف له فقيل له ذلك أي جمعت كذبا إلى كذب يا سعد الحداد! وقيل إنَّ دهدرين اسم فعل مبني بمعنى بطل كما بني شتان وهيهان وسعد فاعله والقين وصف له. والمعنى: بطل سعد القين. والمراد بطلان استعماله لتشاغل الناس عنه بالقحط. وحذف تنوين سعد في هذا الوجه تخفيفا لكثرة الاستعمال نحو: ولا ذاكر الله إلاّ قليلا. وقيل إنَّ دهدرين موضعه رفع على الابتداء كأنه قيل: كلامك باطل أو فعلك باطل. وكذلك سعد أي أنت سعد القين أي مثله. وقيل إنّه مركب وأصله ده أمر من الدهاء وكان الأصل دهى ثم قلب فقيل داه بجعل اللام موضع العين كما قيل: لاع ولائع ودرين من قولك: در الشيء إذا تتابع. والمعنى: بالغ في الكذب يا سعد! وقد قيل إنه حداد عجمي يدور في اليمن. وكان إذا كسد في مخلاف قال بالفارسية: ده بدرود أي بالوداع
(2/243)

يخبرهم إنّه يخرج غدا ليستعملوه، فعرفوا به المثل في الكذب والباطل. وقالوا: إذا سمعت بسرى القين فانه مصبح، وقد تقدم ورواه بعضهم: دهدرين وسعد اليقين بالواو ونصب سعد. وروى آخرون: دهدرى مقصود بغير نون التثنية، وقالوا موضعه في ضرب المثل إذا رد على مخبر خبره، أو على فعله، أو حمق أحمق. وروى آخرون: دهدرين ساعد اليقين.
والمقصود من ذلك كله واحد وهو الباطل باللغو. فيضرب عند التكذيب للحديث وادعاء بطلان الأمر. وقال أبو زيد: يقال للرجل يهزأ به: طرطبين ودهدرين ودهدرا وسعد القين.
وللنا في هذا اللفظ أقاويل هذا حاصلها، والله اعلم.

الدهر حبلى لا يدرى ما تلد.
الدهر بفتح فسكون، وتحرك الهاء الزمان الطويل، والزمان الممدود، أو ألف سنة: هذا قول اللغويين. وللفلاسفة فيه كلام بيناه في علم الكلام؛ والحبلى: الحامل. قال امرؤ القيس:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا ... وألهيتها عن ذي تمائم محول
حبلت المرأة بالكسر، حبلاً، فهي حابلة، والجمع حبلة؛ وحبلى، والجمع حبليات وحبلى، والولادة معروفة. والمعنى أنَّ الدهر، لا نبهام الأقدار الجارية فيه، وخفاء التصاريف الواقعة بذويه، شيبه الحلبى المنبهم أمر ذي بطنها، لا تعرف له ذكروة ولا أنوثة، ولا كمال ولا نقص، ولا حسن ولا قبح، حتى تلد فيتبين ذلك. وكذا الدهر لا يعرف فيما يأتي به من الأقدار والحوادث، أخير أم شر، وزيادة أم نقص، وسعة أم ضيق، حتى يقع ذلك فيظهر.

أدهى من ثعلبٍ.
الدهاء والدهي: المكر وجودة الرأي. ورجل داهٍ ودهٍ وداهية، والجمع دهاة ودهون. وقد دهي الرجل بالكسر، دهيا ودهاء ودهاءة، وتدهى: فَعَلَ
(2/244)

فِعْلَ الدهاء؛ والثعلب: الحيوان المعروف، وتقدم فيه كلام. وهو موصوف بالمكر والاحتيال مشهور بذلك، ومن مكره إنّه إذا رأى الغلبة عليه تماوت حتى لا يشك في موته فإذا غفل عنه وثب هاربا.
ومن مكره المحكي في الخرافات عند العرب انهم قالوا: إنَّ الضبع صادت ثعلبا فقالت: أخيرك يا ثعلب بين خصلتين، فاختر أيهما شئت. قال: ماهما؟ قالت: أما أنَّ أكلك، وأما أنَّ أنكحك. فقال الثعلب: أما تذكرين يوم نكحتك؟ فقالت: متى؟ وانفتح فوها. فأفلت الثعلب وهرب. فضربوا به المثل بذلك وقالوا: عرض عليك خصلتي الثعلب. وقالوا أيضاً: إنَّ الثعلب اطلع على بئر وهو عطشان، وعليها رشاء ودلوان، فقعد في الدلو العليا، فانحدرت به إلى البئر حتى شرب وبقي هناك، فإذا بضبع اطلعت على البئر، فرأت بياض القمر انتصف الماء، والذئب قاعد في ضوئه، فقالت له: ما تصنع هنا؟ فقال لها: إني أكلت نصف هذه الجيفة وبقي نصفها وبقي نصفها، فانزلي تأكليها! قالت: وكيف انزل؟ قال: تقعدين في الدلو الآخرى. فلما التقيا في وسط البئر قالت له ما هذا؟ قال: كذا التجارب تختلف! فضربوا ذلك المختلفين في الأمور. ومثل هذه الحكايات كثير.

دار الفسوق جدث، وحديثه حدث.
هذا مثل مصنوع فيما أظن وهو ظاهر المعنى؛ والجدث بالجيم القبر. قال الشاعر:
جدث يكون مقامه ... أبداً بمختلف الرياح
والجمع أجداث واجدث. قال الآخر: أنشده الجوهري:
عرفت بأجدث فنعاف عرق ... علامات كتحبير النماط

دون ذلك خرط القتاد
دون نقيض فوق وبمعنى أمام. ويكون ظرفا للمكان عن الغاية فيما يضاف اليه، ثم يطلق على كل رتبة أدنى من أخرى في الأمكنة والأزمنة والمعاني؛ والخرط النزع، وتقول: خرطت الشجرة خرطا إذا انتزعت الورق منها اجتذابا؛ والقتاد على
(2/245)

مثال سحاب شجر صلب شوكه كالإبر شديد، يضرب به المثل كما قال أبو تمام:
نثا خبر كأن القلب أمسى ... يجر به على شوك القتاد
وقال أيضاً:
غدت تستجير الدمع حوف نوى غد ... وعاد قتاد عندها كل مرقد
وخرطه أشد شيء، فضرب المثل به. وتقدم مثله في حرف الهمزة. قال أبو المظفر:
يا كم يساجلني وليس بمدرك ... شأوي وأين له جلالة منصبي
لا تتعبن فدون ما حلولته ... خرط القتاد وامتطاء الكوكب!
جدي معاوية الأغر سمت به ... جرثومة من طينها خلق النبي
وروثته شرفا رفعت مناره ... فبنو أمية يفخرون به وبي
وقال الآخر:
مال أبن دارة دونه لعفاته ... خرط القتاد والتمس الفرقد
مال لزوم الجميع يمنع صرفه ... في راحة مثل المنادى المفرد

دون ذا وينفق الحمار!
دون تقدم معناه، والنفاق: الروجان، تقول، نفق البيع بالفتح ينفق، نفاقا على مثال سحاب إذا راج؛ ونفقت الدابة أو الرجل: مات؛ والحمار معروف. ودخل رحل السوق بحمار له يبيعه. فقام رجل يقال له أبو يار يمدح الحمار، وجعل يقول: إنَّ حافره جلمود، وإنَّ ظهره حديد. فقال صاحبه: شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار! فذهب مثلا يضرب للمفرط في الثناء والمدح. ومعنى شاكه: شابه وقارب في المدح ولا تفرط من المشاكهة وهي المشابهة. وسيأتي المثل في الشبن. إن شاء الله.
ومن أمثال العامة في هذا الباب قولهم:

دجاجة وتركل.
يضرب لاستبعاد الصولة من الضعيف، والدجاجة معروفة مثلة الأول والجمع دجاج، والركل ضرب الأرض برجل واحدة، وركض الفرس بالرجل، والأرض المركلة
(2/246)

المكدود بحوافر الدواب. قال امرؤ القيس يصف فرسا:
مسح إذا ما السحابات على الونى ... أثرن غبارا بالكديد المركل
ويستعمل الركل، في لسان العرب، في الضرب بالرجل مطلقا، وهو المراد.
ثم نذكر من الشعر في هذا الباب ما تيسر، والله المستعان.
قال طرفة بن العبد:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وإلى معنى هذا البيت أشار أبن شرف في لاميته بقوله:
لا تسأل الناس والأيام عن خبر ... هما يبثانك الأخبار تطفيلا!
وقال دريد بن الصمة:
وهل أنا إلاّ من غزية إنَّ غوت ... غويت وإنَّ ترشد غزية أرشد
وغزية قبيلة، وهي فيما أظن بفتح المعجمة وكسر الزاي. وهكذا رأيته في نسخة من الصحاح مضبوطا بالقلم، ويؤيده ما في القاموس من انهم يسمون غازية وغزية كغنية ولم يثبت في أسمائهم غزية. بلفظ التصغير. وقال من هذه القصيدة أيضاً:
أمرتهم أمري بمنزعج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلاّ ضحى الغد
وتمثل بهذا البيت أمير المؤمنين على كرم الله وجهه على المنبر، في قصة التحكيم حين وقع ما وقع من الحكمين يعاتب أهل العراق ويوبخهم على سفاهة رأيهم في ذلك وتوجيههم أبا موسى الأشعر، والقصة مشهورة. وعلى هذا البيت نبه أبن شرف بقوله في لاميته:
يرى البليد البلايا بعد ما نزلت ... وذو الذكاء يرى الأشياء تبخيلا وقال الأسود بن يعفر:
جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد
ونظمه أبن شرف في لاميته بقوله:
بادوا كأنهم للفرقة اتعدوا ... فلم يكن ذلك الميعاد ممطولا
وقال الآخر:
أجل إذا طالبت في طلب ... فالجد يغني عنك لا الكد!
(2/247)

ونظمه أبن شرف بقوله:
والجد يغني الفتى عم كد مهجته ... فليغتد تكثير حرص المرء تقيلا!
وقال الشاعر:
السيف يقطع وهو ذو صدإٍ ... والحد يفري الهام لا الغمد
ونظمه أبن شرف بقوله:
والنفس جوهرة ملبوسها صدف ... والسيف يقطع رذل الغمد مفلولا
وقال:
هل تنفعن السيف حليته ... يوم الجلاد إذا نبا الحد
ونظمه أبن شرف بقوله:
ورب سيف كهامٍ لا مضاء له ... وقد تراه محلى المد مصقولا
وقال الآخر:
وإنَّ أمرءاً يمسي ويصبح سالما ... من الناس إلاّ ما جنى لسعيد
ونظمه أبن شرف بقوله:
ومن يعاقب بما تجني يداه بلا ... ظلم التجني فقد نال اليد الطولى
وقال الآخر:
وغيظ على الأيام كالنار في الحشى ... ولكنه غيظ الأسير على القد
ونظمه أبن شرف بقوله:
لنا على الدهر غيظ ليس ينفعنا ... غيظ الأسير أسير القد مغلولا
وقال الآخر:
ماذا لقيت من الدنيا وأجبه ... إني بما أنا باك منه محسودا!
ونظمه أبن شرف بقوله:
قل للحسود على أشياء تحزنني: ... خذها احتقاراً وتهويناً وترذيلا!
(2/248)

وقال بعض العرب:
إذا الرجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبرٍ أعضادها
وجعلت أوصابها تعتادها ... فهن زروع قد دنا حصادها
وقال الآخر:
لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي!
وما أحسن قول عز الدين المقدسي في كتابه كلام الطيور والأزهار على لسان الغراب:
أنوح على ذهاب العمر مني ... وحق أن أنوح وأن أنادي
وأندب كلما عاينت ربعا ... حدا بهم لوشك البين حادِ
يعنفني الجهول إذا رآني ... وقد ألبست أثواب الحدادِ
فقلت له: اتعظ بلسان حالي ... فإني قد نصحتك باجتهادِ!
وها أنا كالخطيب وليس عيباً ... على الخطباء أثواب السوادِ
ألم ترني إذا عاينت ركباً ... أنادي بالنوى في كل نادِ
أنوح على الطول فلم يجبني ... بساحتها سوى خرس الجمادِ
فأكثر في نواحيها نواحي ... من البين المفتت للفؤادِ
فما من شاهدٍ في الكون إلاّ ... عليه من شهود الغيب نادِ
فكم من رائحٍ فيها وغادٍ ... ينادي من دنوٍّ أو بعادِ
لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي!
وقال الحطيئة: وما قلت إلاّ بالذي علمت سعدُ وهذا مثل مشهور وصدر البيت:
وتعذلني أبناء سعدٍ عليهم
وهذا البيت من جملة أبيات له وهي من جيد شعره. يقول فيها:
وإنَّ التي نكبتها عن معاشرٍ ... عليَّ غضابٍ أن صددت كما صدوا
أتت آل شماش بن لأيٍ وإنّما ... أتاهم بها الأحلام والحسب العدُ
فإنَّ الشقي من تعادي صدورهم ... وذو الجد من لانوا إليه ومن ودوا
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجدُ
(2/249)

أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا!
أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعمى عليهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
وإن قال مولاهم على جل حادثٍ ... من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا
فكيف ولم أعلمهم خذلوك ... على معظمٍ ولا أديمكم قدوا؟
مطاعين في الهيجا مكاشيف للدجى ... بنى لهم آبائهم وبنى الجدُ
فمن مبلغ أبناء سعدٍ فقد سعى ... إلى السورة العليا لهم حازمٌ جلدُ
رأى مجد أقوامٍ أضيع فحثهم ... على مجدهم لمّا رأى أنه الجهدُ
وتعذلني أبناء سعدٍ " البيت "
وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:
ما لامرئٍ خاض في بحر الهوى عمر ... إلاّ وللبين فيه السهل والجدُ
كما نما البين من إلحاحه أبداً ... على النفوس أخ للموت أو ولدُ
وقال يخاطب محمد بن يوسف:
واعذر حسودك فيما قد خصصت به ... إنَّ العلى حسنٌ في مثلها الحسدُ!
وقال أيضاً في وداعه لعلي بن الجهم يمدحه:
هي فرقةٌ من صاحب لك ماجدٍ ... فغداً إذابة كل دمعٍ جامدِ
فافزع إلى ذخر الشؤون وغربه: فالدمع يذهب بعض جهد الجاهدِ
فإذا فقدت أخاً فلم تفقد له ... دمعاً ولا صبراً فلست بفاقدِ
ومنها:
إن يكد مطرف الإخاء فإننا ... نغدو ونسري في إخاءٍ تالدِ
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذبٌ تحدر من غمامٍ واحدِ
أو نفترق نسباً يؤلف بيننا ... أدبٌ أقمناه مقام الوالدِ
وقال أيضاً من قصيدة أخرى:
سقته ذعافاً غارة الدهر فيهم ... وسم الليلي فوق سم الأساودِ
(2/250)

ومنها:
غدا قاصدا للحمد حتى أصابه ... وكم من مصيبٍ قصده غير قاصد!
ومنها:
يصد عن الدنيا إذا عنَّ سؤددٌ ... ولو برزت في زي عذراء ناهد
إذا المرء لم يزهد وقد صبغت له ... بعصفرها الدنيا فليس بزاهد
وقال أيضاً من أخرى:
إذا انصرف المحزون قد فل صبره ... سؤال المغاني فالبكاء له ردُ
ومنها:
نوى كانقضاض النجم كانت نتيجة ... من الهزل يوماً إنَّ هزل الهوى جدُ
فلا تحسبا هندا لها العذر وحدها ... سجية نفسٍ كل غانيةٍ هندُ
ومنها:
وقدٌ من الأيام وهي قديرةٌ ... وشر السجايا قدرةٌ حازها حقدُ
إساءة دهرٍ أذكرت حسن فعاله ... إلي ولولا الشري لم يعرف الشهدُ
وقال أيضاً:
ومن يأذن إلى الساعين يسلق ... مسامعه بألسنةٍ حدادِ
وقال أيضاً:
ولكم عدوقال لي متمثلاً: ... كم من ودودٍ ليس بالمودودِ!
ومنها:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسودِ
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العودِ
لولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النعمى على المحسودِ
يعطي لها البشرى الكريم ويحتبي ... بردائها في المحفل المشهودِ
بشرى الغنى أبي البنات تتابعت ... بشراه بالفارس المولودِ
وقال أيضاً:
وإني رأيت الوسم في خلق الفتى ... هو الوسم لا ما كان في الشعر والجلدِ
(2/251)

وقال أيضاً:
ولكنني لم أحو وفراً مجمعاً ... ففزت به إلاّ بشملٍ مبددِ
ولم تعطني الأيام نوما مسكناً ... ألذ به إلاّ بنوم مشردِ
وطول مقام المرء في الحي مخلقٌ ... لديباجته فاغترب تتجددِ!
فإني رأيت الشمس زيدت محبةً ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمدِ
ومنها:
وليس يجلي الكرب رأي مسددٌ ... إذا هو لم يؤنس برمح مسددِ
ومنها:
محاسن أصناف المغنين جمةٌ ... وما قصبات السيف إلاّ لمعبدِ
وقال ابيضا:
أحلى الرجال من النساء مواقعاً ... من كان أشبههم بهن خدودا
حتى إذا ما الشعر سود وجهه ... كان المسود بينهن مسودا
ومنه:
ما إن ترى الأحساب بيضاً وضحاً ... إلاّ بحيث ترى المنايا سودا
ومنها:
أيقنت أنَّ من السماح شجاعةٌ ... تدمي وأنَّ من الشجاعة جودا؟
ومنها:
إنَّ القوافي والمساعي لم تزل ... مثل النظام إذا أصاب فريدا
هي جوهرٌ نثرٌ فإن ألفته ... بالشعر صار قلائداً وعقودا
في كل معتركٍ وكل مقامٍ ... يأخذن منه ذمةً وعقودا
وقال أيضاً:
شاب رأسي وما رأيت مشيب ... الرأس من فضل شيب الفؤادِ
وكذاك الرؤوس في كل بؤسٍ ... ونعيمٍ طلائع الأجسادِ
طال إنكاري البياض وإن عمر ... ت شيئا أنكرت لون السوادِ!
ومنها:
وضياء الأمور أفسح في الطرف ... وفي القلب من ضياء البلادِ
(2/252)

ومنها:
غير أنَّ الربى إلى سبل الأنواء ... أدنى والحظ حظ الوهادِ!
ومنها:
كأنَّ شيء غثٌ إذا عاد والمعروف ... غث ما كان غير معادِ
وقال أيضاً:
وما شيء من الأشياء أمضى ... على المهجات من رأي سديدِ
وقال أيضاً:
لم تنكرين مع الفراق تبلدي ... وبراعة المشتاق أن يتبلدا؟
وقال أيضاً:
والسيف أعمى غير أنَّ غراره ... يقظٌ إذا هادٍ نحاه لهادِ
ومنها:
ومن العجائب شاعرٌ قعدت به ... هماته أوضاع عند جوادِ
وقال أيضاً:
ما كل من شاء استمرت بالندى ... يده ولا استوطا فراش الجودِ
وقال أيضاً:
وكذا المنايا يطأن بمنسمٍ ... إلاّ على أعناق أهل الؤددِ
وقال أيضاً:
لو يعلم الناس علمي بالزمان وما ... عاثت يداه لمّا ربوا ولا ولدوا!
وقال أبو الطيب أحمد بن الحسن المتنبي:
فما ترجي النفوس من زمن ... أحمد حاليه غير محمودِ
إنَّ نيوب الزمان تعرفني ... أنا الذي طال عجمها عودي
وفي ما قارع الخطوب وما ... آنسني بالمصائب السودِ
وقال أيضاً من قصيدة:
إذا كنت تخشى العار في كل خلوةٍ ... فلم تتصباك الحسان الخرائدُ
ومنها:
أهم بشيءٍ والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطاردِ
(2/253)

وحيدٌ من الخلان في كل بلدةٍ ... إذا عظم المطلوب قل المساعدُ
ومنها:
ولكن إذا يحمل القلب كفه ... على حالةٍ لم يحمل الكف ساعدُ
ومنها:
أحقهم بالسيف من ضرب الطلا ... وبالأمن من هانت عليه الشدائدِ
ومنها:
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ
ونظمه أبن شرف بقوله:
وموت قومٍ حياةٌ عند غيرهم ... وقد أبى الدهر بين الناس تعديلا
ومنها:
وكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائدُ
ومنها:
فإنَّ قليل الحب بالعقل صالحٌ ... وإنَّ كثير الحب بالجهل فاسدُ
وقال أيضاً من أخرى:
لكل امرئ من دهره ما تعمدا
ومنها:
ومن يجعل الضرغام في الصيد بازه ... تصيده الضرغام فيمن تصيدا
ونظمه أبن شرف بقوله:
ولا تضمن ليثاً كي تصيد به ... فتغتدي خاتلاً للصيد مختولا
ومنها:
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع النى في موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندا
ومنها:
(2/254)

ودع كل صوتٍ غير صوتي فإنني ... أنا الصئح المحكي والآخر الصدا
ومنها:
وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيداً تقيدا
وقال أيضاً:
يا عاذل العاشقين دع فئةً ... أضلها الله كيف ترشدها
ومنها:
فعد بها لا عدمتها أبداً: ... خير صلات الكريم أعودها
وقال أيضاً:
عش عزيزا أو من وأنت كريمٌ ... بين طعن القنا وخفق البنودِ!
فرؤوس الرماح أذهب للغيظ ... وأشفى لغل صدر الحقودِ
لا كما قد حييت غير حميدٍ ... وإذا مت، مت غير فقيدِ
فاطلب العز في لظى ودر الذل ... ولو كان في جنان الخلدِ!
يقتل العاجز الجبان وقد يعجز ... عن قطعٍ بخنق المولودِ
ويوقى الفتى المخش وقد خوَّ ... ض في ماء لبه الصنديدِ
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودِ
وقال أيضاً:
يفنى الكلام ولا يحيط بفضلكم ... أيحيط ما يفنى بما لا ينفذُ؟
وقال أيضاً:
وكم للهوى من فتى مندف ... وكم للنوى من قتيل شهيدِ!
ومنها:
فما لك تقبل زور الكلام ... وقدر الشهادة قدر الشهودِ؟
وقال أيضاً:
وما ماضي الشباب بمسترد ... ولا يومٌ يمر بمستعادِ
ومنها:
فإنَّ الجرح ينفر بعد حينٍ ... إذا كان البناء على فسادِ
(2/255)

وإنَّ الماء يخرج من جمادٍ ... وإنَّ النار تخرج من زنادِ
وقال أيضاً:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخٍ ... كأنهم من طول ما التثموا مردُ
ثقالٍ إذا لاقوا خفافٍ إذا دعوا ... كثيرٍ إذا شدوا قليلٍ إذا عدوا
ومنها:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صدلقته بدُ
يروح ويغدو كارها بوصاله ... وتضطره الأيام والزمان النكدُ
وزعموا أنه قد قيل له إذ تنبأ: لكل نبي معجزة فما معجزتك؟ فقال: هذا البيت.
وقال أيضاً:
من خص بالذم الفراق فإنني ... من لا يرى في الهر شيئاً يحمدُ
وقال أيضاً:
إذا غدرت حسناء أوفت بعدها ... ومن عهدها أن لا يدوم لها عهدُ
وإن عشقت كانت أشد صبابةً ... وإن فركت فاذهب فما فركها قصدُ
وإن حقدت لم يبق في قلبها رضى ... وإن رضيت لم يبق في قلبها حقدُ
كذلك أخلاق النساء وربما ... يصل بها الهدي ويخفى بها الرشدُ
ومنها:
يرمون شأوي في الكلام وإنما ... يحاكي الفتى فيما سوى المنطق القردُ
ومنها:
وأصبح شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقدُ
وقال أيضاً:
أبى خلق الدنيا تدميه ... فما طلبي منها حبيبا تردهُ
وأسرع مفعولٍ فعلت تغيراً ... تكلف شيء في طباعك ضدهُ
ونظم الأول أبن شرف بقوله:
قد يحتني الدهر من كفيك ما اجتنتا ... فكيف ما كان عن كفيك معزولا؟
(2/256)

ومنها:
وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده
ومثله قول الإمام الشافعي رضي الله عنه:
وأحق خلق الله بالهم امرؤٌ ... ذو همة يبلى بعيشٍ ضيقِ
وبعده:
فلا ينحلل في المجد مالك كله ... فينحل نجدٌ كان بالمل عقدهُ
ودبره تدبير الذي المجد كفه ... إذا حارب الأعداء والمال زندهُ
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجدهُ
ونظم هذا أبن شرف بقوله:
لا مال إلاّ بمجدٍ فالتمسه ولا ... مالٌاذا لم يكن بالمجد مشمولا
هكذا وجدته وكأنه تحريف وإنّما قال هكذا:
لا مال إلاّ بمجدٍ فالتمسه ولا ... مجدٌ إذا لم يكن بالمال مشمولا
أو هكذا:
لا مجد إلاّ بمالٍ فالتمسه ولا ... مالٌ إذا لم يكن بالمج مشمولا
ومنها:
إذا كنت في شك من السيف فابله: ... فإنما تنفيه وإما تعدهُ
وما الصارم الهني إلاّ كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمدهُ
وقال أيضاً:
حسم الصلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحسادِ
ومنها:
وكلام الوشاة ليس على الأحباب ... سلطانه على الأضدادِ
إنما تنجح المقالة في المرء ... إذا وافقت هوى في القادِ
ومنها:
قد يصيب الفتى المشير ولم يجهد ... ويشوي الصاب بعد اجتهادِ
ومنها:
وإذا الحلم لم يكن في طباعٍ ... لم يحلم تقادم الميلادِ
(2/257)

ومنها:
إنما أنت والد والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولادِ
ومنها:
هذه دولة المكارم والرأ ... فة والمجد والندى والأيادي
ومنها:
كيف لا يطرق الطريق لسيلٍ ... ضيقٍ عن أتيه كل وادِ
وقال أيضاً:
إذا أردت كميت اللون صافيةً ... وجتها وحبيب النفس مفقودُ
ماذا لقيت من الدنيا وأجبه؟ ... أني بما أنا باكٍ منه محسودُ
ومنها:
العبد ليس لحر صالح بأخٍ ... لو أنه في ثياب الحر مولودُ
لا تشتري العبد إلاّ والعصا معه ... إنَّ العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ!
ما كنت أحسبني أحيى إلى زمنٍ ... يسيء بي فيه كلبٌ وهو محمودُ
ومنها:
إنَّ امرءاً أمه حبلى تدبره ... لمستضامٌ سخين العين مفؤودُ
وعندها لذلك طعم الموت شاربه ... إنَّ المنية عند الذل قنديدُ
وقال أيضاً:
إنَّ في الموج للغريق لعذراً ... واضحا أن يفوقه تعداده
وقال أيضاً:
وغيظٌ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير على القدِّ
ومنها:
وليس حياء الوجه في الذئب شيمةً ... ولكنه من شيمة الأسد الوردِ
وقال أيضاً:
رأوك لمّا بلوك نابتةً ... يأكلها قبل أهله الرائدُ
(2/258)

وخل زياً لمن يحققه: ... ما كل دامٍ جبينه عابدُ
ومنها:
فالأمر لله رب مجتهدٍ ... ما خاب إلاّ لأنه جاهدُ
وقال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري:
غير مجدٍ في ملتي واعتقادي ... نوح باكٍ ولا ترنم شادِ
وشبيهٌ صوت النعي إذا قيس ... بصوت البسير في كل نادِ
ومنها:
تعبٌ كلها الحياة فما أعجب ... إلاّ من راغبٍ في ازديادِ!
إنَّ حزناً في ساعة الموت أضعا ... فقط سرور في ساعة الميلادِ
خلق الناس للبقاء فضلت ... أمةٌ يحسبونهم للنفادِ
إنّما ينقلون من دار أعما ... لٍ إلى دار شقوةٍ أو رشادِ
ضجعة الموت رقدةٌ يستريح ... الجسم فيها والعيش مثل السهادِ
ومنها:
زحلٌ أشرف الكواكب داراً ... من لقاء الردى على ميعادِ
والنار المريخ من حدثان ... الدهر مطفٍ وإن علت في اتقادِ
ومنها:
وإذا البحر غاض عني ولم أرو ... فلا ري بادخار الثمادِ
كل بيتٍ للهدم ما تبنتني الور ... قاء والسيد الرفيع العمادِ
والفتى ظاعنٌ ويكفيه ظل ... السدر ضرب الأطناب والأوتادِ
بان أمر الإله واختاف النا ... سُ فداعٍ إلى الضلال وهادِ
والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدثٌ من جمادِ
واللبيب اللبيب من ليس يغتر ... بكونٍ مصيره للفساديِ
وقال أيضاً:
أحسن بالأحد من وجده ... صبرٌ يعين النار في زنده
ومن أبى في الرزء إلاّ الأسى ... كان أساه منتهى جهدهِ
(2/259)

ومنها:
والشيء لا يكثر مداحه ... إلاّ إذا قيس إلى ضدهِ
لولا عضى نجدٍ وقلامه ... لم يثن بالطيب على رندهِ
ليس الذي يبكي على وصله ... مثل الذي يبكي على فقدهِ
والطرف يرتاح إلى غمضه ... وليس يرتاح إلى سهدهِ
ومنها:
إن لم يكن رشد الفتى نافعاً ... فغيه أنفع من رشدهِ
ومنها:
لو عرف الإنسان مقداره ... لم يفخر المولى على عبدهِ
أمس الذي مر على قربه ... يعجز أهل الأرض عن ردهِ
ومنها:
سلم إلى الله فكل الذي ... ساءك أو سرك من عندهِ
لا يعدم الأسمر في غابه ... حتفاً ولا الأبيض في غمدهِ
وقال أيضاً:
أفوق البدر يوضع لي مهاد ... أم الجوزاء تحت يدي وسادُ؟
قنعت فخلت أنَّ النجم دوني ... وسيان التقنع والجهادِ
وأطربني الشباب غداة ولى ... فليت سنيه صوتٌ يستعادُ!
وليس صباً يعاد وراء شيبٍ ... بأعوز من أخي ثقةٍ يفادُ
ومنها:
سفاهٌ ذاد عنك الناس حلمٌ ... وغيٌ فيه منفعةٌ ورشادُ
وقال أيضاً:
ثلاثة أيامٍ هي الدهر كله ... وما هو غير الأمس واليوم والغدِ
ومنها:
وقد يجتدى نيل الغمام وإنّما ... من البحر فيما يزعم الناس يجتدي
ويهدي الدليل القوم والليل مظلمٌ ... ولكنه بالنجوم يهدي ويهتدي
(2/260)

ومنها:
وليس قضيب الهند إلاّ كنابتٍ ... من القصب في كف الهدان المعردِ
الهدان على مثال كتاب: الجبان ويقال هو الأحمق الثقيل.
ومنها:
أرى المجد سيفاً والقريض نجاده ... ولولا نجاد السيف لم يتقلدِ
وخير حمالات السيوف حمالٌ ... تحلت بأبكار الثناء المخلدِ
وقال أيضاً:
كذاك الليالي ما يجدن بمطلبٍ ... لخلقٍ ولا يبقين شيئاً على عهدِ
وقال أيضاً:
أرى العنقاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا!
وما نهنهت في طلبٍ ولكن ... هي الأيام لا تعطي قيادا
فلا تلم السوابق والمطايا ... إذا غرضٌ من الأغراض حادا
ومنها:
إذا ما النار لم تطعم ضراما ... فأوشك أن تمر بها رمادا
فظن بسائر الأخوانشراً ... ولا تأمن على سرٍّ فؤادا
فلو خبرتهم الجوزاء خبري ... لمّا طلعت مخافة أن تكادا
تجنبت الأنام فما أواخي ... وزدت عن العدو فما أعادى
ولمّا أن تجهمني زماني ... جريت مع الزمان كما أرادا
وقال أيضاً يخاطب خاله وقد سافر إلى المغرب:
ظعنت لتستفيد أخاً وفياً ... وضيعت القديم المستفادا
وقال طرفة بن العبد:
وظلم ذوي القربى أشد وضاضةً ... على الحر من وقع الحسام المهندِ
وقال عدي بن زيد:
إذا كنت في قومٍ فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه: ... فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي
إذا ما رأيت الشر يبعث أهله ... وقام جنلت الشر للشر فاقعدِ
(2/261)

وقال الأعشى:
إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله ... فترصد للموت الذي كان أرصدا
وقال المهلبي:
وكيف جحود القلب والعين تشهدُ؟
وقال أيضاً:
ولا خير فيمن لا يدم له عهدُ
وقال الخريمي:
وحسبك مني أن أود فأجهدا
وقال الخوارزمي:
لا تصحب الكسلان في حاجاته ... كم صالحٍ بفساد آخر يفسدُ!
عدوى البليد إلى الجليد سريعةٌ ... والجمر يوضع في الرماد فيخمدُ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
حسنٌ في كل عينٍ من تود
وقال أيضاً:
وكل ريحٍ لها هبوبٌ ... يوما فلا بد من ركودِ
وقال الآخر:
إذا أكل الأحباب لحمي بغيبةٍ ... فأهون منه ما ستأكله الدودُ!
وقال الآخر:
إذا قل عقل المرء قلت همومه ... ومن لم يكن ذا مقلةٍ كيف يرمدُ؟
وقال الآخر:
إذا كان غير الله للمرء عدةً ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد
وقال الآخر:
تخونون عهدي في الهوى وأحبكم ... كذا الورد محبوبٌ وليس له عهد
(2/262)

وقال الآخر:
تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي!
وقال الآخر:
تصافحت الأكف وكان أشهى ... إلينا لو تصافحت الخدودُ
وقال الآخر:
تعدون ذنباً واحداً إن جنيته ... عليكم ولا أحصي ذنوبكم عدا
وقال أبو الطيب:
تفضلت الأيام بالجمع بيننا ... فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد
وقال الآخر:
ثوبي على من كسوت في نظري ... أزين من كونه على جسدي
وقال الآخر:
جامل عدوك ما استطعت فإنما ... بالرفق يطمع في صلاح الفاسد!
وقال الآخر:
جدلي يعفوك يا من دأبه الجود ... فالجود عندك مأمول ومعهود
وقال الآخر:
جعلت إليك يا ربي انقطاعي ... إذا انقطع العباد إلى العبادِ
وقال الآخر:
حاشاك أن يقبض الزمان يدي ... عن نيل سؤالٍ وأنت لي عضدُ
ومثله:
حاشاك يا قوتي ويا سندي ... يضعف ركني وأنت لي سندُ
وقال الآخر:
حسبي بقلبي شاهدٌ لك في الهوى ... والقلب أعدل شاهدٍ يشهدُ
وقال الآخر:
ذو العقل يسخو بعيش ساعته ... وبالذي بعدها تشح يده
غيره:
رأيت دنو الدار ليس بنافعٍ ... إذا كان ما بين الفؤاد بعيدا
(2/263)

غيره:
رسول الله كذبه الأعادي ... فلا تجزع لتكذيب الجحودِ!
غيره:
رينك الله في القلوب كما ... زين في قلب والدٍ ولدا
غيره:
سقى الله أياماً تقضت بقربكم ... كأني بها قد كنت في جنة الخلدِ!
غيره:
سقى الله دهراً لم أبت فيه ليلةً ... من العمر إلاّ من حبيبٍ على وعدِ!
غيره:
صحح لنا والدةً أولاً ... وأنت في حل من الوالدِ
غيره:
صل من دنا وتناس من بعدا: ... لا تكرهن على الهوى أحدا!
غيره:
طعم عيشي مرٌ إذا لم تزرني أبداً ... قصير عمر الأعادي والمواعيدِ
غيره:
قد جن أصحابك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائدة!
غيره:
قد حفظوا القرآن واستعملوا ... ما فيه إلاّ سورة المائدة!
غيره:
قد يصاد القطا ويغدو سليما ... ويحل البلاء بالصيادِ
غيره:
قلَّ الثقات فإن ظفرت بواحدٍ ... فاشدد يديك وأين ذاك الواحدُ؟
غيره:
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفسادِ
(2/264)

غيره:
كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الحسادِ
غيره:
كلما زادت الذبالة ضوءاً ... كان أدنى لها إلى الإخمادِ
غيره:
كلما قلت أعتق الشكر رقي ... صيرتني لك المكارم عبدا
غيره:
كلوا اليوم من رزق الإله وابشروا: ... فإنَّ على الرحمن رزقكم غدا!
غيره:
كم تائه بولايةٍ ... وبعزله يغدو البريد!
غيره:
لأخرجن من الدنيا وحبكم ... بين الجوانح لم يشعر به أحد
غيره:
لمائدةٍ موضوعةٍ ألف عائبٍ ... وعيب التي لم توضع الدهر واحدُ
غيره:
لم أبك من زمن أشكو مساءته ... إلاّ بكيت عليه حين أفقده
غيره:
لو علمنا مجيئكم لفرشنا ... تحت أقدامكم بساط الخدودِ
غيره:
ليس في العلمين أفقنع مني ... أنا أرضى بنظرةٍ من بعيدِ
غيره:
ما كلف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يدٌ إلاّ بما تجدُ
غيره:
معاتبة الأحباب تحسن مرةً ... فإن أكثروا منها تؤول إلى الصدِّ
غيره:
من لم يبت والحب حشو فؤاده ... لم يدر كيف تفتت الأكبادِ
(2/265)

غيره:
نعم الإله على العباد كثيرةٌ ... وأجلهن نجابة الأولادِ
غيره:
وأحسن من وجه الصنيعة شكرها ... وأقبح من حرمان نعمى جحودها
غيره:
وإذا صفا لك من زمانك واحدٌ ... فهو المراد وأين ذاك الواحدُ؟
غيره:
وحدثتني يا سعد عنها فزدتني ... شجوناً فزدني من حديثك يا سعدُ!
غيره:
ودع ظلم العباد فليس شيءٌ ... أضر عليك من ظلم العبادِ!
غيره:
وكل أخٍ عند الهوينا ملاطفٌ ... ولكنما الإخوان عند الشدائدِ
غيره:
وكنت من الناس في محفلٍ ... فقد صرت في محفلٍ من قرودِ!
غيره:
ولا بدلي من خفةٍ في وصاله ... فمن لي بخلٍّ أودع العقل عندهُ؟
غيره:
ولرب عودٍ قد يشق لمسجدٍ ... نصفاً وآخره لبيت يهودي!
غيره:
ولربما نال المراد مرفهٌ ... لم يسع فيه وخاب سعي الجاهدِ
غيره:
وليس قريباً من تخاف بعاده ... ولا من يرجى قربه ببعيدِ
غيره:
وما الدهر إلاّ ما ترى: فتى علت ... يداك بدنيا فاصطنع بهما يدا!
غيره:
وما الشعر إلاّ روضةٌ راق زهرها ... ولا سيما إن كان قد وقع الندا
(2/266)

غيره:
وما المال والأيام إلاّ معرةٌ: ... فما استطعت من معروفها فتزودِ
غيره:
وما حملت من ناقةٍ فوق راحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمدِ
وهذا أصدق بيت قاله شاعر بعد قول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل!
غيره:
وما كان طرفي بالسهاد معودا ... ولكنه لمّا هجرتم تعودا
غيره:
وما ماضي الشباب بمسترد ... ولا يومٌ يسر بمستعادِ
غيره:
ويفسد بالإكثار ما هو صالحٌ ... ويصلح بالإقلال ما هو فاسدُ
غيره:
لا تحقرن صغيراً في تقلبه ... إنَّ البعوضة تدمي مقلة الأسد!
غيره:
وللشرارة نارٌ حين تضرمها ... وربما أضرمت ناراً على بلدِ
غيره:
لا تلق إلا بليلٍ من تواعده: فالشمس نمامةٌ والبدر قوادُ
غيره:
لا يحسد المرء إلاّ من فضائله ... لا عاش من عاش يوماً غير محسودِ!
غيره:
يا أخلاي هل يعود التداني ... منكم بالحمى يعود رقادُ؟
غيره:
يا رب من أسخطنا بجهده ... قد سرنا جهلاً بغير قصدهِ
(2/267)

غيره:
يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرك لنا عوداً وحرق عودا!
غيره:
يا من يعد الميتين تعجباً ... عما قليل سوف تدخل في العدد
غيره:
يجود بالنفس إذ ضن الجبان بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ
غيره:
يدبر بالنجوم وليس يدري ... ورب النجم يفعل ما يريدُ
غيره:
يرى عاقبات الرأي والأمر عازبٌ ... كأن له في اليوم عينا على غدِ
ومثله:
يرى العواقب في أثناء فكرته ... كأن أفكاره بالغيب كهانُ
غيره:
يشرون مثل ثيابه وعبيده ... أفيقدرون على شراء أسوده؟
غيره:
إلهي على كل الأمور لك الحمد ... فليس لمّا أوليت من نعمٍ حدُ!
وقال ابن أبي عيينة:
كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الحسادِ
ومثله قول حبيب:
أجرؤ لكني نظرت فلم أجد ... أجرأ يفي بشماتة الأعداءِ
وقال الآخر:
لم يبق إلا نفس خافت ... ومقلةٌ إنسانها باهتُ
ومدنفٌ تصرم أحشاؤه ... بالنار إلاّ أنه ساكتُ
رق له الشامت مما به: ... يا ويح من يرثي له الشامتُ!
ويروى أنه قيل لأيوب عليه السلام: أي شيء كان في بلائك أشد عليك؟ فقال: شماتة الأعداء!
(2/268)

وقال علقمة الفحل:
ويلم لذات الشباب معيشته ... مع تاكثر يعطاه الفتى المتلف الندي
وقد يقصر القل الفتى دون همه ... وقد كان لولا القل طلاع أنجدِ
القل بالضم: الإقلال؛ وهمه: ما يهم بفعله من المكارم والعطايا فيمنعه الفقر من ذلك كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه:
أرى نفسي تتوق إلى أمورٍ ... يقصر دون مبلغها مالي
فنفسي لا تطاوعني لبخلٍ ... ومالي لا يبلغني فعالي
وقال أيضاً:
يا لهف نفسي على ملٍ أفرقه ... على المقلين من أهل المروءاتِ
إنَّ اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي من إحدى المصيباتِ
وفلان طلاع أنجد أي ذو أفعال كريمة ومآثر عظيمة؛ والأنجد جمع نجد وهو ما ارتفع من الأرض جعل طلوعه كناية عن البروز والاستعلاء وعدم الاستتار كقول الآخر:
أنا أبن جلا وطلاع الثنايا
وقول دريد بن الصمة:
كميش الازار خارجٌ نصف ساقه ... بعيدٌ من السوءات طلاع أنجدِ
وقال الآخر:
لعمري ما يدري الفتى أي يومه ... وإن كان محروساً على الرشد أرشدُ
أفي عاجلات الأمر أم آجلاته ... أم اليوم أدنى للسعادة أم غدُ؟
وقال المثقب:
وللموت خيرٌ للفتى من حياته ... إذا لم يثب للأمر إلاّ بقائدِ
ويروى:
إذا لم يطق علياء إلاّ بقائدِ
وبعده:
فعالج جسيمات الأمور ولا تكن ... هبيت الفؤاد همه للوسائدِ
إذا الريح جاءت بالحمام تشله ... هذاليله شل القلاص الطرائدِ
(2/269)

وأعقب نوء المرزمين بغبرةٍ ... وقطر قليل الماء بالليل باردِ
كفى حاجة الأضياف حتى يريحها ... على الحي منا كل أروع ماجدِ
تراه لتفريج الأمور ولفها ... لمّا نال من معروفها غير زاهدِ
وليس أخونا عند شيء يخافه ... ولا عند خيرٍ إن رجاه بواحدِ
إذا قيل من للمعضلات أجابه ... عظام اللهى منا طوال السواعدِ
الهبيت الفؤاد: الضعيف، والهذاليل جمع هذلول وهو ما طال من الرمال. وهذاليل الريح: ما امتد منها؛ والمرزمان نجمان مع الشعريين.
وقال حارث بن عمرو:
إذا هتف العصفور طار فؤاده ... وليثٌ حديد الناب عند الثرائدِ
وهذا الشعر هجا به أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. فقال عبد الملك بن مروان يوما لأمية هذا: مالك ولحرثان بن عمرو إذ يقول فيك: إذا هتف العصفور " البيت "؟ فقال: يا أمير المؤمنين وجب عليه حدّثني فأقمته عليه. فقال: هلا درأت بالشبهات عنه؟ فقال: كان حده أبين وكان زعمه علي أهون. فقال عبد الملك: يا بني أمية! أحسابكم أنسابكم لا تعرضوها للجهال: فإنه باق ما بقي الدهر والله ما يسرني أني هجيت بهذا البيت وأن لي ما طلعت عليه الشمس:
تبيتون في المشتى ملئ بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
وما يبالي من مدح بهذين البيتين إلاّ يمدح بغيرهما:
هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذلُ
قلت: وهذان البيتان لزهير وقبلهما:
إذا السنة الشهباء بالناس أجحفت ... ونال كرام المال في الجحرة الأكلُ
رأيت ذوي الحاجات حول بيتهم ... قطينا بها حتى إذا نبت البقلُ
هنالك " البيت "
وبعده
وفيهم مقاماتٌ حسانٌ وجوههم ... وأنديةٌ ينتابها القول والفعلُ
(2/270)

على مكثريهم " البيت " قوله: إن يستخبلوا، الاستخبال أن يستعير الرجل من آخر إبلا يحلبها ويشرب ألبانها فإذا أخصب ردها. وأنكر بعضهم هذا اللفظ وقال: لعله قال يستخولوا والاستخوال يملكها إياه.
وقوله: أن ييسروا يغلوا، يريد أنهم إذا يسروا بالقداح أعطوا سمان الإبل وأغلاها ثمنا. وتقدم هذا المعنى. وقال أعرابي كان يمنعه أبوه من الضرب في الأرض وطلب المعيشة شفقة عليه فكتب إلى أبيه:
ألا خلني أذهب لشأني ولا أكن ... على الناس كلا إنَّ ذا لشديدُ
أرى الضرب في البلاد يغني معاشرا ... ولم أر من يجدي عليه قعودُ
أتمنعني خوف المنايا ولم أكن ... لأهرب مما ليس عنه محيدُ؟
فدعني أجول في البلاد لعلني ... أسر صديقاً أو يساء حسودُ
فلو كنت ذا مالٍ لقرب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت أنت سديدُ
وسياتي ما قيل في هذا المعنى بعد إن شاء الله تعالى وقال كلثوم بن عمرو:
إنَّ الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنياً وهو مجهودُ
وللبخيل على أمواله عللٌ ... زرق العيون عليها أوجهٌ سودُ
وكان كلثوم هذا كتب إلى صديق له: أما بعد أطال الله بقاءك وجعله يمتد بك إلى رضوانه والجنة! فإنك كنت عندنا روضة من رياض الكرم تبتهج النفوس لها وتستريح القلوب إليها. وكنا نعفيها من النجعة استتماما لزهرتها وشفقة على خضرتها وادخارا لثمرتها حتى اصابها سنة كانت عندي قطعة من سني يوسف واشتد علينا كدها وغابت عنا فضلها وكذبتنا غيومها وأخلفتنا بروقها وفقدنا صالح الإخوان فيها فانتجعتك وأنا بانتجاعي إياك شديد الشفقة عليك مع علمي بأنك نعم موضع الزاد وأنك نغطي عين الحاسد. والله يعلم أني ما أعدك إلاّ في حومة الأهل. وأعلم أنَّ الكريم إذا استحيا من إعطاء القليل ولم يحضره الكثير لم يعرف
(2/271)

جوده ولم تظهر همته. وأنا أقول في ذلك:
ظل اليسار إلى العباس ممدود ... وقلبه أبداً بالمحل ممدودُ
إن الكريم. . الخ قيل: فشاطره ماله حتى أعطاه إحدى نعليه ونصف قيمة خاتمه.
واجتمع جماعة بباب دار عدي بن الرقاع فخرجت إليهم بنية له صغيرة فقالت لهم: ما تريدون؟ فقالوا لها: نريد أباك. فقالت: وما حاجتكم به؟ فقالوا: جئنا إليه نهاجيه. فقالت على الفور:
تجمعتم من كل أوب ووجهةٍ ... على واحدٍ لا زلتم قرن واحدِ
وقال أبو مسلم الخرساني:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
ما زلت أسعى بجدي في دمارهم ... والقوم في غفلة الأيام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومةٍ لم ينمها قبلهم أحدِ
ومن رعى غنما في أرض مسبعةٍ ... ونام عنها تولى رعيها الأسدُ
وقال الآخر:
وأكرم نفسي إن أهنها لأنها ... وحقك لم تكرم على أحدٍ بعدي
حدث الأصمعي قال: مررت في بعض سكك الكوفة فإذا رجل خرج من حش على كتفه جرة وهو يقول: وأكرم نفسي " البيت ". قال: فقلت له: أبمثل هذا تكرمها؟ قال: نعم! وأستغني عن مسألة مثلك. فصاح: يا أصمعي! فالتفت فقال:
لنقل الصخر من قلل الجبال ... أحب إلي من منن الرجال
يقول الناس كسب فيه عارٌ ... وكل العار في ذل السؤال!
وقال الآخر:
يا أيها الأخوان أوصيكم ... وصية الوالد والوالدة
لا تنقلوا الأقدام إلاّ إلى ... من ترتجي من عنده فائدة
إما لعلم تستفيدونه ... أو لكريم عنده مائدة!
(2/272)

وروي عن الأصمعي قال: لقيني أبو عمرو بن العلاء وأنا ماشٍ في بعض أزقة البصرة فقال: إلى أين يا أصمعي؟ قلت: لزيارة بعض إخواني. فقال: يا أصمعي إن كان لفائدة أو لمائدة وإلاّ فلا! وقال الآخر:
ولمّا رأيت الدهر أنحت صروفه ... علي وأوهت بالذخائر والعقد
حذفت فصول العيش حتى رددتها ... إلى القوت خوفاً أن أجاء إلى أحد
وقلت لنفسي: أبشري وتوكلي ... على قاسم الأرزاق والواحد الصمد
فإلا تكن عندي دراهم جمةٌ ... فعندي بحول الله ما شئت من جلد
وقال الآخر:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم: ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا عيطاً بما يجدُ
أنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدرا منها ولا أردُ
وقال أبو نواس:
قد كنت عدتي التي أسطو بها ... ويدي إذا أشتد الزمان وساعدي
فرميت منك بضد ما أملته ... والماء يشرق بالزلال الباردِ
وقال أبن الضرير النهرواني:
لا بارك الله في الطعام إذا ... كان هلاك النفوس في المعدِ
كم دخلت لقمةٌ حشى شرهٍ ... فأخرجت روحه من الجسدِ
وقال الوزير المهلبي في غلام قدمه معز الدولة على سرية من أبيات:
جعلوه قائد عسكرٍ: ... ضاع الرعيل ومن يقوده
وقال أبو الفتح أبن جني النحوي وقيل أبو منصور الديلمي:
صدودك عني ولا ذنب لي ... يدل على نيةٍ فاسدة
فقد وحياتك مما بكيت ... خشيت على عيني الواحدة
وقال الإمام السهروردي لمّا ضعف وكبر:
يا رب لا تحيني إلى زمنٍ ... أكون فيه كلأ على أحدِ
خذني قبل أن أقول لمن ... ألقاه عند القيام: خذ بيدي!
(2/273)

وقال أبو محمد اليزيدي:
عش بجد ولا يضرنك نوكٌ: ... إنما عيش من ترى بالجدودِ
رب ذي إربةٍ مقل من الما ... لِو ذي عنجهيةٍ مجدودِ
عش بجدٍّ وكن هبنقة القيس ... أو مثل شيبة بن الوليدِ
وسبب قوله ذلك أنه تناظر هو والكسائي في مجلس المهدي وكان شيبة بن الوليد حاضرا فتعصب للكسائي وتحامل على اليزيدي فهجاه بذلك والله اعلم. وقال السلامي يصف الدرع:
يا رب سابغة حبتني نعمةً ... كافأتها بالسوء غير منفندِ
أضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وظللت أبذل لكل مهندِ
وقال الآخر:
أخٌلك ما مودته بمذقٍ ... إذا ما عاد فقر أخيك عادا
سألناه الجزل فما تلكى ... وأعطى فوق منيتنا وزادا
فعدنا ثم عدنا ثم عدنا ... فأعطى ثم عدت له فجادا
مرارا ما نعود إليه إلاّ ... تبسم ضاحكا وثنى الوسادا
وقال الآخر:
هجرتك لا قلي مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدودِ
كهجر الحائمات الورد لمّا ... رأت أنَّ المنية في الورود
تغيظ نفسها ظلماً وتخشى ... حماماً فهي تنظر من بعدِ
تصد بوجه ذي البغضاء عنه ... وترمقه بألحاظ الورودِ
وقال أبو نواس:
ليس من الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحدِ
وهذا المعنى سبق إليه جرير فقال:
إذا غضبت عليك بنو تميمٍ ... رأيت الناس كلهم غضابا
إلاّ إنَّ قول أبي نواس أشمل. ومن هذا المعنى قول السلامي:
فبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهرُ
(2/274)

وأخذه الأرجاني فقال:
قد زرته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار
ومنه أيضاً قول أبي الطيب:
هي الغرض الاقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
وبيتا السلامي والارجاني أساس وأفخم مع انتقاض الزمن من بيت أبي الطيب إلاّ إنَّ قوله: وأنت الخلائق إن لم يقصره العرف ويقوم مقام قول أبي نواس في الشمول. وهذا المعنى موجود في بعض أبيات البوصيري في البردة في حق النبي صلى الله عليه وسلم. وقول الأفوه الأودي:
بني معاشر لم يبنوا لقومهم ... وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا
لا يرشدون ولن يرعوا لمرشدهم ... فالجهل منهم معا والغي ميعاد
أضحوا كقيل بن عمرو في عشيرته ... إذ أهلكت بالذي قد قدمت عاد
ويروى: كانوا كمثل لقيم في عشيرته إذ أهلكت............. البيت.
أو بعده كقدار حين تابعه ... على الغواية أقوام فقد بادوا
والبيت لا يبنى إلاّ له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمع أوتاد وأعمدة ... وسكان بلغوا الأمر الذي كادوا
وإن تجمع أقوام ذوو حسب ... اصطاد أمرهم بالرشد مصطاد
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جالهم سادوا
ونظمه أبن شرف بقوله:
إذا تساوى الورى ضاعوا وحفظهم ... أن يجعلوا فاضلا منهم ومفضولا
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولت فبالأشرار تنقاد
ونظمه أبن شرف بقوله:
فإن هم سودوا جهالهم هلكوا ... هلك الدليل إذا ما ضل مدلولا
وقد علمت إنَّ ما يطابق آخر شطر البيت قبله:
إذا تولى سراة القوم أمرهم ... نما على ذاك أمر القوم فازدادوا
(2/275)

أمارة الغني أن تلقى الجميع لدى ... الابرام للأمر والأذناب اكتاد
وبعده:
حان الرحيل إلى قوم وإن بعدوا ... فهم صلاح لمرتاد وإرشاد
فسوف أجعل بعد الأرض دونكم ... وإن دنت رحم منكم وميلاد
إنَّ النجاة إذا ما كنت في تفر ... من لجة الغم أبعاد فأبعاد
والخير تزداد منه ما لقيت به ... والشر يكفيك منه قلما زاد
وقال بشار:
فخير منك ما لا خير فيه ... وخير من زيارتكم قعودي
وسبب قوله ذلك إنّه تعشق امرأة فراسها مرارا. فلما ألح عليها شكته إلى زوجها فقال لها: أجيبيه وعديه أن يأتي هنا فوجهت إليه فجاء وزوجها معها ويشار لا يشعر فجعلا يتحدثان ثم قال لها بشار: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة. فقال:
أمامة قد وصفت لنا بحسن ... وإنا نراك فالمسينا
فأخذت يده ووضعتها على أير زوجها وقد أنعط من حسن ما سمع من حديثهما. ففزع ووثب قائما وقال:
علي ألية ما دمت حيا ... أمسك طائعا إلاّ بعود
ولا اهدي لأرض أنت فيها ... سلام الله إلاّ من بعيد
طلبت غنيمة فوضعت كفي ... على أير أشد من الحديد
فخير منك............... البيت.
ومثل هذا البيت في المعنى قول طرفة:
فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور
من الزمرات أسبل قادماها ... وضرتها مركنة درور
يشاركنا لنا رخلان فيها ... وتعلوها الكباش فما تنور
يقول: ليت لنا بدل هذا الملك وهو عمرو بن هند رغوثا أي شاة ترضع من الزمرات أي القليلات الصوف وضرتها أي لحم ضرعها مركنة مجتمعة ويعني إنّها قليلة الصوف صغيرة الجسم ومع ذلك يرضعها رخلان أي ولدان لها وهي هزيلة تعلوها
(2/276)

الكباش للسفاد فما تنور أي ما تستطيع أن تنفر لهزلها. ومعلوم أنها إذا كانت على هذه الأوصاف لم يكن بها خير من صوف ولا لبن ولا لحم ومع ذلك فهي خير لنا من هذا الملك. وهذا الشعر كان سبب قتل عمرو بن هند طرفة، وسنشرح قصته بعد إن شاء الله تعالى. وقال عبيد بن الأبرص:
لأعرفنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي!
وهو مثل سائر يضرب للرجل يضيع حق أخيه في حياته ثم يبكيه بعد الموت.
يروى عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في بعض أسفاره فإذا بركب على الطريق فقال: ما وراءك؟ قال: أمر جليل. قال: ويحك ما هو؟ قال: مات خالد بن الوليد! فاسترجع عمر استرجاعاً طويلا فقالت له: يا أمير المؤمنين:
ألا أراك بعيد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي؟
فقال: يا طلحة لا تؤنبني! وقال من شعراء الحماسة عمرو بن معدي كرب الزبيدي:
ليس الجمال بمئزرٍ ... فاعلم وإن رديت بردا!
إنَّ الجمال معادنٌ ... ومناقبٌ أورثن مجدا
ومنها:
كل امرئٍ يجري إلى ... يوم الهياج بما استعدا
ومنها:
كم من أخٍ لي ماجدٍ ... بوأته بيدي لحدا
ما إن جزعت ولا هلعت ... ولا يرد بكاي زندا
ألبسته أثوابه ... وخلقت يوم خلقت جلدا
أغني غناء الميتين ... أعد للأعداء عدا
ذهب الذين أحبهم ... وبقي مثل السيف فردا
وقال العباس بن مرداس السلمي:
إذا طالت النجوى بغير أولى النهى ... أضاعت وأصغت خد من هو فاردُ
(2/277)

فحارب فإنَّ مولاك حارد نصره ... ففي السيف مولى نصره لا يحارد
الفارد: المنفرد؛ وحارد نصره: قل من قولك: حاردت الإبل إذا قل درها.
وقال العباب العجلي:
لعل الذي قاد النوى أنيردها ... إلينا وقد يدني البعيد من البعد
وعل النوى في الدار تجمع بيننا ... وهل يجمع السيفان ويحكفي غمد؟
ومنها:
فكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آل فوق رابيةٍ صلدِ
كمرضعةً أولاد أخرى وضيعت ... بني بطنها هذا الضلال عن القصدِ!
وقال عقيل بن علفة المري:
وأبغض من وضعت إلي فيه ... لساني معشر عنهم أذودُ
ولست بسائل جارات بيتي ... أغياب رجالك أم شهودُ
ولا ملق لذي الودعات سوطي ... ألاعبه وريبته أريدُ
ولست بصادر عن بيت جاري ... صدور العير غمره الورود
العير: الحمار؛ والتغمير: أن يشرب دون ري. يقول: لست بخارج من بيت جاري مريبا ألتفت وأتحير خشية أن أرى كالعير المزعج عن الماء قبل أن يروي أوّ لا أخرج متلفتا عاملا على العود إلى الريبة مرة أخرى كالعير المتلفت إلى الماء لبقاء العطش. وقال قيس بن كلثوم:
قد يخطم الفحل قسراً بعد عزته ... وقد يرد على مكروهه الأسد
الخطم: أن يشد على البعير خطامه فيملك بذلك. وقال تأبط شرا:
وإنك لو أصلحت ما أنت مفسدٌ ... توددت الأقصى الذي تتوددُ
وكان لك أبن العم يحمي ذمامه ... ويمنعه حين الفرائص ترعد
أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك لها والمستعدون رقدُ
وقال الفرزدق:
وفي الأرض عن ذي الجود منأى ومبعدٌ ... وكل بلاد أوطنت كبلادِ
(2/278)

وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن خلفنا حفير زياد؟
وقال غسان بن وعلة:
إذا كنت في سعد وأمك منهم ... غريبا فلا يغررك خالك من سعدِ
فإنَّ أبن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأبٍ جلدِ
وقال شبيل الفزاري:
وما عن ذلةٍ غلبوا ولكن ... كذلك الأسد تفرسها الأسود
وقال دريد بن الصمة:
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل: ابعد
وكان الأصمعي يقول: هذا أحسن بيت قالته العرب! ومنها:
وهون وجدي إنما هو فارط ... أمامي وأني هامة اليوم أو غد
وقال عبد الله بن ثعلبة:
لكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد
وما إن يزال رسم دار قد أخلقت ... وعهد لميت بالفناء جديد
فهم جيرة الأحياء أما محلهم ... فدان وأما الملتقى فبعيد
وقال الآخر في أبن له:
ألام على تبكيه ... وألمسه فلا أجده
وكيف يلام محزون ... كبير فاته ولده؟
وقال رجل من خثعم:
خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
وهذا مثل مشهور. روي أنَّ حارثة بن الغداني خرج ومعه كعب مولاه. فجعل لا يمر بمجلس من بني تميم إلاّ قالوا: مرحبا بسيدنا! فقال كعب: ما سمعت قط كلاما أقر لعيني من هذا! فقال حارثة: ما سمعت كلاما أكره إلي منه! وتمثل بالبيت.
ويروى أيضاً أنَّ أمة مرت بابن جريج أحد علماء المدينة وهو يصلي وقد خط خطا بين يديه. فقالت: وا عجبا لهذا الشيخ وجهله بالسنة! فأشار إليها أن قفي! فلما أن قضى صلاته قال: ما رأيت من جهلي؟ فقالت: إنك تخط خطا تصلي عليه وقد
(2/279)

حدثتني مولاتي عن أمها عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم إنّه قال: الخط الباطل لأن العبد إذا كبر تكبيرة الاحرام سدت ما بين السماء والأرض. فسألها أن تقفوه لمولاتها. ففعلت فحدثته بذلك وقالت: أتجهل وأنت من علماء المدينة؟ فقال عند ذلك: خلت الديار فسدت غير مسود.......البيت وقال الآخر:
إنَّ المساءة للمسرة موعد ... أختان رهن للعشية أو غد
فإذا سمعت بهالك فيتقنن ... إنَّ السبيل سبيله فتزود
وقال رجل من بني قريع:
متى ما ير الناس الغني وجاره ... فقير يقولوا: عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاط قسمت وجدود
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
وكائن رأينا من غني مذمم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد
وقال المقنع الكندي:
يعاتبني في الدين قومي وإنّما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
ألم ير قومي كيف أوسر مرة ... وأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا
فما زادني الاقتدار منهم تقربا ... ولا زادني فضل الغنى منهم بعدا
أسد به ما قد أخلوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطلقوا لها سدا
ومنها:
وإنَّ الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا
أراهم إلى نصري بطاء وإن هم ... دعوني إلى نصر أتيت لهم شدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن يهدوموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
وإن رجزوا طيرا بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
(2/280)

لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
وإني لعبد الضعيف ما دام نازلا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
وقال محمّد بن أبي شحاذ الضبي:
إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت مالك حامد
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما ... يريب من الأدنى رماك الأباعد
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك بروق جمة ورواعد
إذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزل ... جنيبا كما استتلى الجنيبة قائد
وقل غناء عنك مال جمعته ... إذا صار ميراثا وواراك لاحد
إذا أنت لم تترك طعاما تحبه ... ولا مجلس تدعى إليه الولائد
تجللت عارا لا يزال يشبه ... سباب الرجال نثرهم والقصائد
وقال أعرابي قتل أخوه ابنا له فقرب إليه ليقتنص منه فألقى السيف من يده وقال:
أقول للنفس تأساء وتعزية: ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه: ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وقال أحد بني فقعس:
وذوي ضباب مظهرين عداوة ... قرحى القلوب معاودي الأفناد
ناسيتهم بغضاءهم وتركتهم ... وهم إذا ذكر الصديق أعادي
كيما أعدهم لأبعد منهم ... ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد
الضباب: جمع ضب هو الحقد.
وقال الآخر:
تمنى لي الموت المعجل خالد ... ولا خير فيمن ليس يعرف حاسده
وقال الآخر:
وانك لا تدري إذا جاء سائل ... أأنت بما تعطيه أم هو أسعد؟
عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلا أن يكون له غد
وفي كثرة الأيدي على الجهل زاجر ... وللحلم أبقى للرجال وأعود
وقال شبيب بن البرصاء:
(2/281)

إذا المرء أعراه الصديق بدا له ... بأرض الأعادي بعض ألوانه الربد
أعراه: انفرد به وأفضى به العراء. يقول: إذا أنفرد الرجل بمن يعتده صديقا وصار معه في بلاد العدو فاحتاج إلى نصرته ومشورته أنكشف له أمره وبان له حينئذ أنه عدو له أم صديق. والربد الغبر المظلمة. ضربه مثلا لمّا يخى من الصداقة والعداوة. وقال الحسن بن المطير:
كنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها
خليلي ما بالعيش عتب لو أننا ... وجدنا لأيام الحمى من يعيدها
وقال الآخر:
هل الحب إلاّ زفرة بعد زفرة ... وحر على الأحشاء ليس له برد؟
غيره:
وما كل ما في النفس للناس مظهر ... ولا كل مالا تستطيع تذود
وقال آخر من الحارث بن كعب:
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلاّ فقد عشنا بها زمنا رغدا
وقال حطائط أخو الأسود بن يعفر:
أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا
وقال يزيد الحارثي:
وإذا الفتى لاقى الحمام رأيته ... لولا الثناء كأنه لم يولد
وقال آخر وتروى لقيس بن عاصم رضي الله عنه:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي
أخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعي بادي الخصاصة والجهد؟
وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وإني بعد الضيف ما دمت ثاويا ... وما في إلاّ تلك من شيمة العبد
وقال الآخر:
ونبئت ركبان الطريق تناذروا ... عقيلا إذا حلوا الذناب فصر خدا
(2/282)

فتى يجعل المحض الصريح لبطنه ... شعارا ويقري الضيف عضبا مهندا
وقال الآخر:
وأنا لنجفو الضيف من غير علة ... مخافة أن يغري بنا فيعود
غري: كلف.
وقال الأسود بن يعفر:
ولقد علمت لو إنَّ علمي نافع ... إنَّ السبيل سبيل ذي الأعواد
ماذا أؤمل بعد آل محرق؟ ... تركوا منازلهم وبعد إياد
أرض الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذو الشرفات من سنداد
جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد
ولقد غنوا فيها بأكرم غنية ... في ظل ملك ثابت الأوتاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاذ
وتقدم بعض هذا الشعر. وذو الأعواد رجل أسمه غوي بن سلامة أو سلامة بن غوي وقيل غير ذلك. وكان له خراج على مضر. فلما شاخ وضعف كان يحمل على سرير ويطاف به على مياه العرب فيجيبها. وقيل هو جد لأكثم بن صيفي الحكيم المعروف. وكان أعز أهل زمانه فكان لا يأتي سريره خائف إلاّ أمن وجائع إلاّ شبع. ومثل هذا الشعر ما روي إنّه وجد في حفير رجل عليه خفان وعند رأسه لوح فيه مكتوب: أنا عبد المسيح بن حيان بن نفيلة:
حلبت الدهر أشطره حياتي ... ونلت من المنى فوق المزيد
وكافحت الأمور وكافحتني ... ولم أخضع لمعضلة كؤود
وكدت أنال بالشرف الثريا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود
ودخل أرطأة بن سهيل على عبد الملك: كيف حالك؟ وكان قد أسن فقال: ضعف حالي وقل مالي وكثر مني ما كنت أحب أن يقل وقل مني ما كنت أحب أن يكثر قال: فكيف أنت في شعرك؟ قال: والله ما أغضب ولا أطرب ولا أرهب. وما الشعر إلاّ من نتائج هذه على إنني القائل:
رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبقى المية حين تأتي ... على نفس أبن آدم من مزيد
وأعلم أنها عمال قليل ... ستوفي نذراها بأبي الوليد
(2/283)

فارتاع عبد الملك ثم قال: بل توفي نذرها بك ويلك مالي ولك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا ترع والله ما عنيت إلاّ نفسي فقال: أما والله لتلمن بي وأبو الوليد كنية لعبد الملك وكنية لأرطأ أيضاً. وقال الآخر:
لنا عز ومرمانا قريب ... ومولى لا يدب مع القراد
وقوله لا يدب مع القراد أشار به إلى رجل من العرب كان يخرج ومعه شنة فيها قردان فيشدهما في ذنب بعير من الإبل فإذا قرصته القردان نفر فنفرت الإبل لقعقة الشن. فإذا نفرت أستل منها بعيرا فذهب به.
وقال الآخر:
ستبكي المخاض الجرب إن مات هيثم ... وكل البواكي غيرهن جمود
يقول إنّه كان بخيلا يستبقينه وينحرهن: فهن يبكين عليه إن مات لمّا أحسن إليهن ولا يبكي عليه أحد من الناس لعدم خيره وإحسانه. وهذا من أقبح الهجو غير أنَّ في قوله جمود مغمزا. وضد هذا من المدح قول الآخر:
قتيلان لا تبكي المخاض عليهما ... إذا شعبت من قرمل وأفان
والأفاني جمع افانية والأفانية والقرمل نبتان يرعيان. وقال الآخر:
إذا جاوزت من ذات عرق ثنية ... فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد
ونحوه قول الفرزدق السابق:
وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد؟
وتقدم تفسير رعد وبرق بما أغنى عن إعادته. ونحوه قال الآخر:
يا جل ما بعدت عليك بلدنا ... فابرق بأرضك ما بدا لك وأرعد
وقال الآخر:
ما قام عمرو في الولاية ... قائما حتى قعد
وسبب هذا أنَّ بعض الوزراء قلد أبن حجاج ولاة فخرج إليها يوم الخميس وتبعه عزله يوم الأحد فقال فيه:
يا من إذا نظر الهلال ... إلى محاسنه سجد
وإذا رأته الشمس كادت ... أن تموت من الحسد
(2/284)

يوم الخميس بعثتني ... وصرفتني يوم الأحد
والناس قد غنوا علي ... كما خرجت من البلد
ما قام عمرو........ البيت وقال جميل:
فأقسم طرفي بينهن فيسوى ... وفي الصدر بينهن بعيد
وقال أيضاً:
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيى إذا فارقتها فيعود
وهذان البيتان من قصيدة لجميل يقول فيها:
إلاّ ليت أيام الصفاء جديد ... ودهراً تولى يا بثين يعود
فتغنى كما كنا نكون وأنتم ... صديق وإذ ما تبذلين زهيد!
وما أنس من أشياء لا أنس قولها ... وقد قربت نضوي أمصر تريد؟
ولا قولها: لولا العيون التي ترى ... أتيتك فاعذرني فدتك جدود!
خليلي ما أخفي من الوجد ظاهر ... ودمعي بما أخفي الغداة شهيد
ألا قد رأى الله أنَّ رب عبرةٍ ... إذا الدار شطت بيننا ستزيد
إذا قلت: ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت: ثابت ويزيد
وإنَّ قلت: ردي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت: ذاك منك بعيد
فلا أنا مردود بما جئت طالبا ... ولا حبها فيما يبيد يبيد،
جزتك الجوازي يا بثين ملامة ... إذا ما خليل بان وهو حميد
وقلت لها: بيني وبينك فأعلمي ... من الله ميثاق له وعهود
وقد كان حبيكم طريفا وتالداً ... وما الحب إلاّ طارف وتليد
وإنَّ عروض الوصل بيني وبينها ... وإنَّ سهلته بالمنى لصعود
فأفنيت عيشي بانتظاري نوالها ... وأبلت بذاك الدهر وهو جديد
فليت وشاة الناس بيني وبينها ... يدوف لهم سما طماطم سود
وليت لهم في كل ممسىً وشارقٍ ... تصاعق أكباد لهم وقيود!
ويحسب نسوان من الجهل أنني ... إذا جئت إياهن كنت أريد
(2/285)

وبعده:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادِ القرى إني إذا لسعيد!
وهل أهبطن أرضا تظل رياحها ... لها بالثنايا القاويات وئيد
وهل ألقين سعدي من الدهر مرة ... ومارث من حبل الصفاء جديد؟
وهل تلتقي الأهواء من بعد يأسةٍ ... وقد تطلب الحاجات وهي بعيد؟
وهل أزجرن حرفا علاة شملة ... بخرق تباريها سواهم سود
على ظهر مرهوب كأن ستوره ... إذا جاز هلاك الطريق رقود
سبتني بعيني جؤذر وسط ربربٍ ... وصدر كفاثور اللجين وجيد
تزيف كما زافت إلى سلفاتها ... مباهية طي الوشاح ميود
إذا جئتها يوما من الدهر زائراً ... تعرض منقوصا اليدين صدود
يصد ويغضي عن هواي ويجتني ... ذنوبا علينا إنّه لعنود
فأصرمها خوفا كأني مجانب ... ويغفل عنا مرة فنعود
فمن يعط في الدنيا قرينا كمثلها ... فذاك في عيش الحياة رشيد!
وبعده:
يقولون: جاهد يا جميل بغزوة! ... وأي جهاد غيرهن أريد؟
لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل بينهن شهيد
فمن كان في حبي بثينة يمتري ... فبرقاء ذي ضالٍ علي شهيد
ألم تعلمي يا أم ذي الودع أنني ... أضاحك ذكراكم وأنت صلود؟
وقال الآخر:
إذا كنت تهوي الحمد والمجد مولعا ... بأفعال ذي غي فلست براشد
ولست وإنَّ أغيى أباك مجادة ... إذا لم ترم ما أسلفاه بماجد
وقوله: اباك، أي أبواك، فثني لفظ الأب من غير إنَّ يرد لأمه. وقال الآخر:
شريت برداً ولولا ما تكنفني ... من الحوادث ما فارقته أبداً!
وقال الآخر:
(2/286)

أتعجب أن رأيت علي دنيا؟
وقال الأشهب بن رحيلة:
أسود شرى لاقت أسود خيفة ... تساقت على حرد دماء الأساود
وقال الآخر:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند!
وقال أعرابي في السجن:
أيا واليي سجن اليمامة أشرفا ... بي القصر أنظر نظرة هل أري ونجدا!
فقال اليمانيان لمّا تبينا ... سوابق دمع ما ملكت لها رداً:
أمن أجل أعرابية ذات بردة ... تبكي على نجد وتبلى كذا وجدا؟
لعمري لأعرابية في عباءةٍ ... تحل دماثا من سوقية أو فردا
أحب إلى القلب الذي لج في الهوى ... من اللأبسات الريط يظهرن كيدا
وقال الآخر، ويقال الشافعي، رضي الله عنه:
تمنى رجال أنَّ أموت فأن أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحد!
يقال: لست في هذا الأمر بأوحد، أي لا أخص به: وقال الآخر، ويقال هو هاتف سمع لمّا ولي عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه:
من الآن قد طابت وقر قرارها ... على عمد المهدي قام عمودها
وقال يزيد بن الصقيل العقيلي، وكان يسرق الإبل ثم تاب:
ألا قل لأرباب المخائض أهملوا ... فقد تاب عما تعلمون يزيد
وإنَّ أمرءاً ينجو من النار بعدما ... تزود من أعمالها لسعيد!
وتقدم هذا الثاني. والإهمال ترك الإبل بلا راع. وقال الآخر:
تمنيتم مائتي فارسٍ ... فردكم فارس واحد
وقبلها:
فليت لها بارتباط الخيول ... ضأناً لها حالب قاعد!
ألا هل أتاها على نأيها ... بما فضحت قومها غامد؟
وغامد أبو قبيلة، وهو غامد بين نصر بن الأزد بن الغوث، فهاجم هذا الشاعر. وقال حاتم:
(2/287)

وإنَّ الكريم من تلفت حوله ... وإنَّ اللئيم دائم الطرف أقود
وقال نبهان العبشمي:
يقر بعيني إنَّ أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأبرق المتقاود
وأنَّ أرد الماء الذي شربت به ... سليمى وقد مل السرى كل واخد
وأخلط أحشائي ببرد ترابه ... وإنَّ كان مخلوطا بسم الأساود!
والعقدات واحد العقدة - بكسر القاف وفتحها وهو ما تراكم من الرمل وانعقد؛ والأبرق حجارة يخالطها رمل أو طين؛ والنتقاود: المنقاد المستقيم؛ الأساود جمع أسود، وهو الأسود السالخ. وقال أبو الحسن بن أبي الطيب:
لا تنكري يا عز إنَّ ذل الفتى ... ذو الأصل واستعلى خسيس المتحد
إنَّ البزاة رؤوسهن عواطل ... والتاج معقود برأس الهدهد
وقال الحارث بن كلدة:
ولقد رأيت معاشرا ... جمعوا لهم مالا وولدا
وهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعدا
الناس وجهالهم الحائرين. وقوله: لا تسمع الآذان رعدا، أي لا تسمع آذانهم صوت الرعد لصممهم، فأقام الألف واللام مقام ضمير وقال الآخر:
فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بأفعالنا إنَّ الثناء هو الخلد!
ومثله قول الآخر:
فإذا باغتم أرضكم فتحدثوا ... ومن الحديث مثالب وخلود!
وتقدم ذكر هذا المعنى. وقال: أبن اللبانة يمدح المعتمد:
لقد ضم أمر الملك حتى كأنه ... نطاق بخصر أو سوار على زند
وحسن طعم العيش حتى أعاده ... ألذ من الإغفاء في عقب السهد
وحسب الليالي إنّها في زمانه ... بمنزله الخيلان في صفحة الخد
توقد عن نارين للحرب والقرى ... وقام على طودين للحلم والمجد
وجاءت به الأيام تاجر سؤددٍ ... يبيع نفيسات المواهب بالحمد
يغيث في محل يعينك في ردى ... يروعك في درع يروق في برد
(2/288)

جمال وإجمال وسبق وصولة ... كشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرعد!
وقال أيضاً:
إليه وإلاّ قيودا قدم السرى ... وفيه وإلاّ أخرسوا ألسن الحمد
وعنه أفيضوا، إنّه مشعر الهدى ... وحوليه طوفوا: إنّه كعبة القصد
وألغوا حديث البحر عند حديثه: ... فكم بين ذي جزر وكم بين ذي مد!
وقال الآخر:
قلدتني منك الجميل قلائد ... ورحمتي حتى سبتك والدا
والله لو جاز السجود لمحسنٍ ... ما كنت إلاّ راكعا لك ساجدا!
وقال أبو جعفر البطروني:
وما زلت أجني منك والدهر ممحل ... ولا ثمر يجنى ولا زرع يحصد
ثمار أيادٍ دانيات قطوفها ... لأغصانها ظل علينا ممدد
ترى جاريا ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري لا تزال تغرد
وقال أبن اللبانة أيضاً:
وهو صبح وربيع وحيا ... ويجتلى أو يجتنى أو يجتدى
وهو طود وشهاب ولظى ... مارسا أو ماسرى أو ماعدا
وقال بكر بن النطاح:
ملأت يدي من الدنيا مراراً ... فما طمع العواذل في قيادي
وما وجبت علي زكاة مالٍ ... وهل تجب الزكاة على الجواد؟
وقال الآخر:
بفعالي عرفت لا بمقالي ... وبذاتي شرفت لا بجدود
إنَّ رأيي ورأيت بلغاني ... غايتي هذه بحكم السعود
وقال أبن الخطيب:
تعجلت وخط الشيب في زمن الصبا ... لخوضي غمار الهم في طلب المجد
فمهما رأيتهم شيبة فوق مفرقي ... فلا تنكروها إنّها شيبة الحمد!
وقال أبن الحداد، وللشعر حكاية:
شقيقك غيب في لحده ... وتطلع يا بدر من بعده
(2/289)

فهلا خسفت فكان الخسوف ... حداداً لبست على فقده؟
وقال آخر في التعزية:
لابد من فقد ومن فاقد ... هيهات ما في الناس من خالد
كن المعزي لا المعزى به ... إنَّ كان لابد من الواحد!
وقال الوزير المهلبي:
خليلي إني للثريا لحاسد ... وإني على ريب الزمان لواجد
أيبقى جميعا شملها وهي سبعة ... وأفقد من أحببته وهو واحد؟
وقال الآخر:
دهى الله مصرا وسكانها ... وفتت أكبادهم وبالحسد!
متى يرتجي مفلس عندهم ... غنى وعلى كل فلس أسد؟
وقال الآخر:
ما للمعيل وللسفار وإنما ... يجلى بوصل البيد من هو فارد
فالشمس تجتاب السماء فريدة ... وأبو بنات النعش فيها راكد
وقال أبن سكرة:
قيل: ما أعددت للبرد ... وقد جاء بشده؟
قلت: دراعة عري ... تحتها جبة رعده
وقال الآخر:
بين اللثام وصدغه المعقود ... خمران: من ريق ومن عنقود
يلوى على زرد العذار دلاله: ... كم فتنةٍ بين اللوى وزرود!
وقال الآخر:
أهلا بطيفك زائراً أو عائد ... تفديك نفسي غائبا أو شاهدا!
يا من على طيف الخيال أحالني ... أتظن طرفي مثل طرفك راقدا؟
ما نمت لكن الخيال يلم بي ... فيجله طرفي فيطرق ساجداً
وقال الراضي بن عباد:
مروا بنا أصلا من غير ميعاد ... وأوقدوا نار قلبي أي إيقاد
لا غزو إنَّ زاد في قلبي مرورهم ... فرؤية الماء تذكي غلة الصاد!
(2/290)

وقال الآخر:
قالوا: خسرت القلب حين علقته ... وربحت فيه شماتة الحساد
فأجابهم: لا تعذلوني إنني ... صانعته عن مهجتي بفؤاد!
وقال بعض المشارقة:
ألحاظكم تجرحنا في الحشا ... ولحظنا يجرحكم في الخدود
جرح بجرح فاحسبوا ذابذا ... فما الذي أوجب جرح الصدود؟
وقال أبو العباس بن الفياض:
قم اسقني بين الناي والعود ... ولا تبع طيب مفقود بموجود
نحن الشهود وصوت العود خاطبنا ... فزوج أبن غمام بنت عنقود!
وقال أبو البركات في غرناطة:
رعى الله من غرناطة متبوءاً ... يسر كئيبا أو يجير طريدا!
تبرم منها صاحبي عندما رأى ... مسارحها بالبرد عدن جليدا
هي الثغر صان الله من أهله به ... وما خير ثغر لا يكون برودا
وقال أبن الحجاج في صاحب وليمة أبطأ بالطعام فيها.
يا جائيا في داره ذاهبا ... لغير معنى لا ولا فائدة
قد جن أصحابك من جوعهم ... فأقراً عليهم سورة المائدة!
وتقدم بعضه. وقال الآخر:
مال أبن دارة دونه لعفاته ... خرط القتاد والتماس الفرقد
مال لزوم الجيمع يمنع صرفه ... في راحةٍ مثل المنادى المفرد
وقال الآخر:
فأكثر من الإخوان للدهر عدة: ... فكثرة در العقد من شرف العقد
وعظم صغير القوم وأبدا بحقه: ... فمن خنصري كفيك تبدأ في العد!
وقال الآخر:
ألا! إنّه كلنا بائد ... وأي بني آدم خالد؟
وبدؤهم كان من وبهم ... وكل إلى ربه عائد
فيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
(2/291)

ولله في كل تحريكةٍ ... وتسكينة أبداً شاهد
وفي كل شيء له آية ... تدل على إنّه واحد
وقال البستاني:
أبوك حوى العليا وأنت مبرز ... عليه إذا نازعته قصب المجد
وللخمر معنى ليس في الكرم مثله ... وللنار نور ليس يوجد في الزند
وقال أبو القاسم الاصبهاني:
أصبحت صبا دنفا ... بين عناء وكمد
أعوذ من شر الهوى ... بقل هو الله أحد!
وقال ابن الجهم:
انفس حرة ونحن عبيد ... إنَّ رق الهوى لرق شديد
لي حبيب نأى الهجر عني ... وأشد الهوى القريب البعيد
وقال الآخر:
وكم ليلة بت من حبكم ... تطول على طرفي الساهد
كأن نجوم الدجى في الدجى ... صوار تفرقن عن صائد
وقال أبن الرومي:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلاّ فما يبكه منها وإنّها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد؟
وقال الآخر في التورية:
تقول سليمى إذ رأت شيب لمتي: ... لقد حال من ذلك الشباب سواده
وما تنر الحسناء من خط كاتب ... إذا ابيض من طول الكتاب مداده
وقال كثير:
فإنَّ تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد!
وكل خليل زارني فهو قائل: ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد!
وتقدم أنَّ بن عبد الملك تمثل به على قبر جاريته حبابة لمّا ماتت: وقال أبو جعفر المنصور العباسي، وله قصة ستأتي في اللام:
(2/292)

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة: ... فإنَّ فساد الرأي إنَّ يترددا
ولا تمهل الأعداء يوما بقدرة ... وحاذرهم أنَّ يملكوا مثلها غدا!
وسبب ذلك أنَّ جارية له أهدت إليه تفاحة بعد إنَّ طيبتها، وكتبت عليها:
هدية مني إلى المهدي ... تفاحة تقطف من خدي
محمرة مصفرة طيبت ... كأنها من جنة الخلد!
وقال عروة بن أذينة، رضي الله عنه:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم ابترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهرة ... فمن لنار على الأحشاء تتقد؟
وقال الإمام الشافعي، رضي الله عنه، فيما زعموا:
خذوا بدمي ذلك الغزال فانه ... رماني بسهمي مقلتيه على عمد
ولا تقتلوه أنني أنا عبيده ... وفي مذهبي لا يقتل الحر بالعبد!
وقال القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي، رحمه الله:
ونائمة قبلتها فتنبهت ... وقالت: تعالوا فاطلبوا اللص بالحد!
فقلت لها: إني لثمتك غاضبا ... وما حكموا في غاضب بسوى الرد
خذيها وكفي لي عن إثم ظلامتي ... وإنَّ أنتِ لم ترضي فألفا من العد
فقالت: قصاص يشهد العقل إنّه ... على كبد الجاني ألذ من الشهد
فباتت يميني وهي هيمان خصرها ... وباتت يساري وهي واسطة العقد
وقالت: ألم أخبر بأنك زاهد؟ ... فقلت: بلى ما زلت أزهد في الزهد
وقال مسكين الدارمي:
قل للملحة في الخمار الأسود: ... ماذا فعلت بزاهد متعبد؟
قد كان شمر للصلاة إزاره ... حتى قعدت له بباب المسجد
ردي عليه صلاته وصيامه ... لا تفتنيه بحق جاه محمد!
وزعموا إنّه كان مشتهرا بالمجون، فنسك ولزم المسجد، وصار من العباد. فورد بعض تجار العراق على المدينة، على سكانها الصلاة والسلام، بسلة فيها خمر مختلفة الألوان. فباعها
(2/293)

جميعا إلاّ الأسود من الخمر. فتحير في أمرها وجاء نحو المسجد وسلأل عن من به من أهل الخير. فدل على مسكن الدارمي المذكور. فجاء وشكا إليه أمره وسأله الدعاء بتيسير بيع اللون فدفعها له وقال له: غن بها حيثما أمكنك فإنّها لى! فذهب يغني بها في سكك المدينة فظن الناس إنّه ترك التنسك وعاد إلى المجون ولامه أصحابه في ذلك فقال: ولتعلمن نبأه بعد حين! وشاع في المدينه أنَّ الدارمي تعشق صاحبة الخمار الأسود فبيعت بذلك خمر التاجر وعاد الدارمي إلى نسكه.
وهو القائل:
وسميت مسكيناً وما بي حاجةٌ ... وإني لمسكين إلى الله راغبُ
وإني امرؤ لا اسأل الناس ما لهم ... بشعر ولا تعيي على المكاسبُ
وينسب إلى القاضي التنوخي في معارضة أبيات الخمار المذكورة:
قل للمليحة في الخمار المذهب: ... أفسدت نسك أخي التقي المترهبِ
نور الخمار ونور خدك تحته ... عجباً لوجهك كيف لم يتلهب!
وجمعت بين المذهبين فلم يكن ... للحسن عن نهجيهما من مذهبِ
وإذا أتت عين اتسرق نظرة ... قال الشعاع لها اذهبي لا تذهبي!
وقال الفرزدق:
وخير الشعر أشرفه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيدُ
وسبب قوله ذلك إنّه اجتمع مع نصيب الشاعر الأسدي في مجلس سليمان بن عبد المكل فقال الفرزدق شعرا يفخر فيه بأبيه ومنه:
وركبٍ كأن الريح تطلب عندهم ... لهاترةً من جذبها بالعصائبِ
سروا يخبطون الريح وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائبِ
إذا آنسوا ناراً يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالبِ!
فأعرض سليمان كالمغضب ففطن له نصيب فقال له: أيأذن أمير المؤمنين أن أقول؟ قال: قل! فقال نصيب:
(2/294)

أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قاربُ
قفوا خبروني عن سليمان إنني ... لمعروفه من أهل ودان طالبُ
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائبُ
وقالوا: تركناه وفي كل ليلةٍ ... يطوف به من طالب العرف راغبُ
فلو كان فوق الناس حيٌّ فعاله ... كفعلك أو في الفضل منك يقاربُ
لقلنا له شبهٌ ولكن تعذرت ... سواك على المستشفعين المطالبُ
هو البدر والناس الكواكب حوله ... وهل تسبه البدر المنير الكواكبُ
فطرب سليمان وأمر لنصيب بعسرة آلاف. ثم التفت إلى الفرزدق فقال: كيف ترى يا أبا فراس؟ فقال: هو أشعر أهل جلدته. فقال سليمان: وأهل جلدتك! فغضب الفرزدق وقال:
وخير الشعر أشرفه رجالاً ... وشر الشعر ما قال العبيد!
وعن دعبل قال: نودي بالنفير فخرجت مع الناس فإذا فتى يجر رمحه بين يدي فقال: يا دعبل اسمع مني! وأنشد:
أنا في أمري رشاد ... بين حب وجهادِ
بدني يغزو عدوي ... والهوى يغزو فؤادي!
ثم قال: كيف ترى؟ قلت: جيد والله! فقال: ما خرجت إلاّ هاربا من الحب! ثم قاتل حتى قتل.
وقالت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تخاطب زوجها عمر بن عمر بن عبد العزيز حيث اشتغل بأمور الخلافة ولم يتفرغ لها:
ألا يا أيها الملك الذي قد ... سبى عقلي وهام به فؤادي
أراك وسعت كل الناس عدلاً ... وجرت علي من بين العبادِ
وأعطيت الرعية كل فضل ... وما أعطيتني غير السهادِ
وقال الآخر:
نحن قوم تذيبنا الأعين النجل ... على أننا نذيب الحديدا
نقتل الأسد ثم تقتلنا البيض ... المصروفات أوجهاً وخدودا
وتراني لدى الكريمة أحراراً ... وفي السلم للحسان عبيدا
(2/295)

وزعموا أنَّ العلوي قائل هذا الشعر حاصر قلعة حتى كاد يقتحمها. وكانت فيها امرأة ذات حسن وجمال فقالت لأهلها: أنا أكفيكم أمره! فتبرقعت وخرجت نحو العسكر وقالت: أبلغوني إلى الأمير! فأبلغوها إليه فقالت: أنت القائل:
نحن قوم تذيبنا الأعين
فقال: نعم! فنزعت البرقع عن وجهها وقالت: أحسنا ترى أم قبيحاً؟ فقال: والله ما أرى إلاّ حسنا! فقالت: ما حق المولى على عبده؟ فقال: السمع والطاعة. فقالت: فأرحل عنا وانصرف راشداً قال: نعم: وأمر بالرحيل. فقال له أهل العسكر: إنَّ المدينة بأيدينا. فقال: لا سبيل إلى الإقامة ساعة واحدة. ثم خطب تلك المرأة وتزوجها، فكانت عنده أحظى نسائه.
وقال الآخر في الثقلاء:
إلمام كل ثقيل قد أضر بنا ... نروم نقصهم والشيء يزداد
ومن يخف علينا لا يلم بنا ... وللثقيل على الساعات ترداد
وقال الآخر:
إذا هز الكريم يزيد خيراً ... وإنَّ هو اللئيم فلا يزيد
وروي أنَّ أعرابيا وقف على مروان بن الحكم، وهو يفرض العطاء بالمدينة، فقال له: أفرض لي! فقال: قد طوي الكتاب! فقال له الأعرابي: أما علمت إني القائل: إذا هز الكريم؟ فقال: نشدتك الله، وأنت القائل له؟ قال: نعم! فقال مروان: افرضوا عليه ما يرضيه! وقال الآخر:
لا يوجد الخير إلاّ في معادنه ... والشر حيث طلبت الشر موجود
ويحكى عن جعفر بن يحيى إنّه في بعض أسفاره عرض عليه مماليك رجل جفاه السلطان، وفيهم غلام جميل. قال: فقلت له: ما اسمك؟ قال: ماهر. قلت وما صنعتك؟ قال: الأدب والشعر والغناء، وما شئت من بعد. فسألت عن ثمنه فقيل خمسمائة دينار على الضرورة. فوزنت ثمنه وسألته إنَّ يسمعني شيئاً من غنائه. فأخذ العود واندفع يغني:
حملتم جبال الحب فوقي وإنني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف
ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدهر يذرف؟
(2/296)

فأطربني غناؤه وشجاني، فأجرته وخلعت عليه، وأمرته بمعادلتي. فلما أجزت منزل مولاه بمقدار ميل أنشأ يقول:
وما كنت أخشى معبدا أنَّ يبيعني ... بشيء ولو أضحت أنامله صفراً
أخوهم ومولاهم وحامل سيرهم ... ومن قد ثوى فيهم وعاشرهم دهرا
أشوق ولمّا يمض لي غير ساعةٍ ... فكيف إذا سار المطي بنا شهرا؟
فقلت له: يا غلام، أتعرف منزل مولاك من هنا؟ فقال: وهل تخفى معالم الحب؟ فقالت: أذهب فأنت حر لوجه الله! ووهبت له ألف دينار. فقال لي زميلي: أمثل هذا يعتق؟ فقلت له ويحك! وهل مثله يملك؟ فأنطلق وهو يقول:
لا يوجد الخير إلاّ في معادنه
وقال محمد بن عبد الملك الزيات:
وأي امرئ سمى بها قط نفسه ... ففارقها حتى يغيب في اللحد؟
وكان سبب ذلك أنَّ إبراهيم بن المهدي اقترض من التجار أموالا كثيرة ببغداد. فيها لعبد الملك الزيات عشرة آلاف دينار. فلما لم يتم لها أمر الخلافة لوى التجار أموالهم. فصنع محمد أبن عبد الملك قصيدة يخاطب المأمون، وهذا صغير، منها:
تذكر أمير المؤمنين قيامة ... بإيمائه في الهزل منه وفي الجد
ووالله ما من توبةٍ نزعت به ... إليك ولا ميل إليك ولا ود
ومن صك تسليم الخلافة سمعه ... ينادي به بين السماطين عن بعد؟
وأي امرئ سمى بها قط نفسه
وعرضها على إبراهيم وقال له: إما أنصفت أبي، وإما أنشدتها المأمون! فأذى إلى أبيه ماله دون سائر التجار، واستحلفه على كتمانها، فحلف له، وهذا من فوائد الشعر. وقال أبن الرومي يمدح النرجس:
للنرجس الفضل المبين وإنَّ أبى ... آبٍ وحاد عن طريقة حائد
وللنرجس احتاز الملاحة كلها ... وله فضائل جمة وفوائد
ومنها:
شتان بين اصنين: هذا موعد ... بتسلب الدنيا وهذا واعد!
(2/297)

وسيأتي تتمة هذا الشعر وما عورض به وما قيل في ذلك، إن شاء الله.
وقال الآخر:
وتحت البراقع مقلوبها ... تدب على ورد خد ندي
وقال الآخر:
إذا أنت وليت الخؤون أمانة ... فأنك قد أسندتها شر مسند!
وقال الآخر يصف الكتب:
لنا جلساء لا يمل حديثهم ... ألباء مأمونون غيبا ومشهدا
ويفيدوننا من علمهم علم من مضى ... وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا
فلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة ... ولا تتقي منهم لسانا ولا يداً
فإنَّ قلت: أموات فلست بكاذب ... وإنَّ قلت: أحياء فلست مفندا!
وقال الآخر:
علي لأخواني رقيب من الصفا ... تبيد الليالي وهو ليس يبيد
يذكرنيهم في مغيب ومشهد ... فسيان منهم غائب وشهيد
وإني لأستحيي أخي أنَّ أبره ... قريبا وأنَّ أجفوه وهو بعيد
وقال الآخر:
رأيت صلاح المرء يصلح حاله ... ويعيدهم داء الفساد إذا فسد
ويعظم في الدنيا بفضل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد
وقال الآخر:
أرى صاحب النسوان يسحب أنها ... سواء، وبون بينهن بعيد
فمنهن جنات تفيء ظلالها ... ومنهن نيران لهن وقود!
وقريب من هذا قول الأعرابي:
وإنَّ من النسوان من هي روضة ... تهيج الرياض دونها وتصوح
غيره:
وكل أخس عند الهواينا ملاطف ... ولكنما الأخوان عند الشداد!
غيره:
(2/298)

ما خطب من حرم الإرادة وادعا ... مثل الذي حر الإرادة جاهدا
غيره:
ولقد أصرف الفؤاد عن الشيء ... حياء وحبة في السواد
غيره:
عود لسانك قول الصدق تحظ به ... إنَّ اللسان لمّا عودت معتاد
موكل بتقاضي ما سننت له ... في الخير والشر فأنظر كيف ترتاد!
وقال أبو الفتح البستي:
تكلم وسدد ما استطعت فإنما ... كلامك حي والسكوت جماد!
فإنَّ لم تجد قولا سديداً تقوله ... فصمتك عن غير السداد سداد
وقال أبن الرومي. وقد سمع رجلا يثني عن آخر مبالغا:
إذا ما وصفت أمرءا لامرئٍ ... فلا تغل في وصفه وأقصد
فإنك إنَّ تغل تغل، الظنون ... فيه إلى الآمد الأبعد
غيره:
ألم تر أن الدهر من سوء فعله ... يكدر ما أعطى ويسلب ما أسدى
فمن سره ألا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقدا
غيره:
إنّما الدنيا هبات ... وعوار مستردة
شدة بعد رخاء ... ورخاء بعد شدة
غيره:
لو إنَّ ما انتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا!
لكنني عالم إني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا
غيره:
صل من دنا وتناس من بعدا ... لا تكرهن على الهوى أحدا
قد أكثرت حواء إذ ولدت ... إذا جفا ولد فخذ ولدا!
غيره:
(2/299)

إذا اجتمع الناس في واحدٍس ... وخالقهم في الرضى واحدُ
فقد دل إجماعهم دونه ... على عقله أنه فاسدُ
غيره:
وإخوان اتخذتهم درعاً ... فكانوا ولكن للأعادي
وخلتهم سهاما صائباتٍ ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا: قد صفت منا قلوبٌ ... لقد صدقوا ولكن من ودادي
وقالوا: قد سعينا لك سعيٍ ... لقد صدقوا ولكن في فسادي!
وقال أبو محمد الحريري:
ولمّا تعامى الدهر وهو أبو الورى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده
تعامت حتى قيل إني أخو عمى ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده!
وله: والشبل في البخر مثل الأسد وله أيضاً:
من ضامه أو ضاره دهره ... فليقصد القاضي في صعده
سماحه أزرى بمن قبله ... وعدله أتعب من بعده
وله أيضاً:
خذها إليك وصيةً ... لم يوصها قبلي أحد
غراء حاويةً خلاصات ... المعاني والزبد
نقحتها تنقيح من ... محض النصيحة واجتهد
واعمل بما مثلته ... عمل اللبيب أخي الرشد
حتى يقول الناس هذا ... الشبل من ذاك الأسد
وقال أبن الساعاتي:
حددت بجفنيها على رشف ريقها ... ومن شرب الصهباء يلزم بالحدِّ
وقال شرف الدين الحموي:
ونحن معاشرٌ نأبى الدنيا ... ونلبس من صوان العرض بردا
نعانق من رماح الخط باناً ... وننشق من سيوف الهند وردا
(2/300)

وقال المتلمس:
إنَّ الهمان حمار الذل يألفه ... والحر ينكره والفيل والأسدُ
ولا يقيم بدار الذل يألفها ... إلاّ الأذلان: عير الحي والوتدُ
هذا على الخسف مربوطٌ برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحدُ
وقال أبن قلاقس:
إنَّ مقام المرء في بيته ... مثل مقام الميت في لحده
فواصل الرحلة نحو الغنى ... فالسيف لا يقطع في غمده
والنار لا يحرق مشبوبها ... إلاّ إذا ما طار عن زنده
غيره:
قد تعففت وارتضيت بترفيع ... زماني وقلت إني وحدي
لا لأني أنفت مع ذا من الكد ... ية أين الكرام حتى أكدي
وقال أبو دلف:
أطيب الطيبات قتل الأعادي ... واختيالي على متون الجيادِ
ورسولٌ يأتي بوعد حبيبٍ ... وحبيبٌ يأتي بلا ميعاديِ
وسببه أنه قد قيل لأعرابي: ما أمتع لذات الدنيا؟ فقال: بيضاء رعبوبة بالشحم مكروبة بالمسك مشبوبة. وسئل الأعشى فقال: صهباء صافية يمزجها ساقية من صوب غادية. وسئل طرفة عن ذلك فقال: مركب وطي وثوبٌ بهي وطعامٌ شهي. قال بعضهم: فحدثت بذلك أبا دلف فقال: أطيب الطيبات. . البيتين وقال: وحدثت بذلك حميدا الطوسي فقال:
فلولا ثلاثٌ هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكري إذا نادى المضاف مجنباً ... كسيد الغضى نبهته المتوردِ
وتقصير يوم الدجن والدجن معجبٌ ... ببهكنةٍ تحت الطرف النعمدِ
(2/301)

قال: وحدثت بذلك الزبير بن عبد الله فقال: ما أدري ما أقول ولكني أقول:
فاقبل من الدهر ما أتاك به ... من قر عيناً بعيشه نفعه
قلت: والأبيات الأربعة التي أنشدها حميد ليست له وإنّما تمثل بها وهي لطرفة بن العبد من قصيدته الدالية المشهورة؛ وكذا البيت الذي أنشده الزبير هو لشاعر قديم وسيأتي ذكره مع غيره في موضعه. وشيع طرفة في ذكر الثلاث جماعة من الفضلاء. فمن ذلك قول عز الدين بن هبة الله المعتزلي معارضا:
لولا ثلاث لم أخف صرعتي ... ليست كما قال فتى العبدِ
أن أنصر التوحيد والعدل في ... كل مكان باذلاً جهدي
وأن أناجي الله مستمتعاً ... بخلوة أحلى من الشهدِ
وإن أتيه الدهر كبراً على ... لئيم " بياض " الخدِّ
لذلك أهوى لا فتاة ولا ... خمراً ولا ذا ميعةٍ نهدِ
وقول الآخر:
لولا ثلاثٌ هن والله من ... أكبر آمالي في الدنيا
حجٌ لبيت الله أرجو به ... أن يقبل التوبة والسعيا
والعلم تحصيلا ونشراً لمّا ... رويت أو سعت الورى ريا
وأهل ود أسأل الله أن ... يمتع بالبقيا إلى اللقيا
ما كنت أخشى الموت أني أتى ... بل لم أكن التذ بالمحيا
وقال اثير الدين:
أما إنه لولا ثلاث أحبها ... تمنيت أني لا أعد من الأحيا
فمنهن صوني النفس عن كل جاهل ... لئيم فلا أمشي إلى بابه مشيا
ومنها رجائي أن أفوز بتوبةٍ ... تكفر لي ذنباً وتنجح لي سعيا
أتترك نصاً للرسول وتقتدي ... بشخصٍ لقد بدلت بالرشد الغيا؟
وقول الصفدي:
لولا ثلاث هن أقصى المنى ... لم أهب الموت الذي يردي
تكميل ذاتي بالعلوم التي ... تنفعني أن صرت في لحدي
(2/302)

والعي في رد الحقوق التي ... أصاحبي نلت بها قصدي
وأن أرى الأعداء في صرعةٍ ... لقيتها في جمعهم وحدي
فبعدها اليوم الذي حم لي ... عندي استوى في القرب والبعدِ
وقولي أنا من هذا الباب:
لولا ثلاث فوائدٍ ترجى لمّا ... أحببت تنفيس الحياة إلى مدا
قربٌ من المولى وعلم نافعٌ ... وأجٌ يؤازرني ويشفع لي غدا
وذكر الجاحظ أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنشده رجل قول طرفة المذكور فقال: لولا أن أسير في سبيل الله وأضع جبهتي لله وأجالس أقواما ينتقون أطايب الحديث كما ينتقون أطايب الثمار لم أبال أن أكون قد مت. قال: عامر بن عبد الله القيسي: ما آسى من العراق إلاّ على ثلاث: على ظمأ الهواجر وتجاوب المؤذنين وإخوان لي منهم الأسود بن كلثوم. وقال إعرابي:
لولا ثلاث هن عيش الدهر: ... الماء والنوم وأم عمرو
لمّا خشيت من مضيق القبر وقال الآخر:
صنت نفسي عما يليق بمثلي ... وتحصنت بالجفاء الشديدِ
ما يساوي قضاء حقِّ الموالي ... ما يقاس من سوء خلق العبيدِ
وقال البحتري:
ولست ترى شوك القتادة خائفاً ... سموم الرياح الآخذات من الرندِ
ولا كلب محوماً وإن طال عمره ... ألا إنّما الحمى على الأسد الوردِ
غيره:
لقد كسدت سوق الفضائل كلها ... وللهزل أحظى في الزمان من الجدِّ
فلست أرى إلاّ كريماً يفر من ... لئيم وحراً يشتكي الضيم من عبدِ
غيره:
وما زال هذا الدهر يلحن في الورى: ... فيرفع مجروراً ويخفض مبتدا
(2/303)

وقال أبن سناء الملك:
أبى الدهر إلاّ ضد ما أنا طالبٌ ... فيا ليت مني مكن الله ضدهُ
يعد الفتى إخوانه لزمانه ... وأعدا له من خوفه من أعدهُ
غيره:
تحفظ من ثيابك ثم صنها ... ة إلاّ سوف تلبسها حدادا
وميز عن زمانك كل حينٍ ... ونافر أهله تسد العبادا
وضن بسائر الأجناس خيراً ... وأما جنس آدم فالبعادا
أرادوني بجمعهم فردوا ... على الأعقاب قد نكصوا فرادى
وعادوا بعد ذا إخوان صدقٍ ... كبعض عقاربٍ رجعوا جدادا
وقال الأرجواني:
أرى بين أيامي وشعري قد بدا ... لتعجيل أتلافى خلافاً يجددُ
فقد أصبحت سوداً وشعري أبيضاً ... وعهدي بها بيضاً وشعري اسودُ
وقال بعض أهل المجون:
تعشقته شيخاً كأن مشيبه ... على وجنتيه ياسمينٌ على وردِ
أخا العقل يدري ما يراد من النهى ... أمنت عليه من رقيبٍ ومن ضدِّ
غيره:
لام العواذل إذ عشقت فتى له ... سبعون عاماً غير عامٍ واحدِ
لا تعذلوني في هواه فإنني ... عاينت فيه لمحةً من والدي
قيل لبعض أهل المجون: لم لا تميل الذي النسوان؟ قال: أذكر أمي فاستحي. فقيل له: لم لا تذكر بالذكور أباك؟ وعكس هذا الشاعر ذلك المعنى. ومن هذا النمط قول بهاء الدين بن النحاس:
قالوا: حبيبك قد تبدى شيبه ... فإلام قلبك في هواه يهيم؟
قال: اقصروا فالآن تم جماله ... وبدا سفاه فتى عليه يلزمُ
الصبح عرته وشعر عذراه ... ليلٌ ونبت الشيب فيه نجومُ
وقول أبن الوكيل وهو لطيف لولا عيب القافية:
(2/304)

شب وجدي بشائبٍ ... من سنا البدر أوجهُ
كلما شاب ينحني ... بيض الله وجههُ
وقال الصفدي:
عشقت شيخاً بديع حسنٍ ... لام على حبه العذولُ
كأن ياقوت وجنتيه ... لا شيب فيها جبال لولوُ
أي لؤلؤ. وقال الآخر:
شمس الضحى يعشى العيون ضياؤها ... إلاّ إذا روقت بعينٍ واحدة
فلذاك تاه العور واحتقروا الورى ... فاعرف قضيتهم وخذها فائدة
نقصان جارحةٍ أعانت أختها ... فكأنها قويت بعينٍ زائدة
وقال أبو نواس:
إني وما جمعت من صفد ... وحويت من سبدٍ ومن لبدِ
هممٌ تصرفت الخطوب بها ... فنزعت من بلدٍ إلى بلدِ
يا ويح مذ حسمت قناعته ... سبب المطامع عن غدٍ فغدِ
لو لم يكن لله متهما ... لم يمس محتاجاً إلى أحدِ
وقال محمد بن كنانة الأسدي:
ومن عجب الدنيا تيقنك البلا ... وأنك فيها للبقاء مريدُ
إذا اعتادت النفس الرضاع من الهوى ... فإنَّ فطام النفس عنه شديدُ
وقال الإمام البوصيري رحمه الله تعالى يمدح الشيخ أبا العباس المرسي رحمه الله تعالى ونفع به:
قل للذين تكلفوا زي التقى ... وتخيروا للدرس ألف مجلدِ:
لا تحسبوا كحل الجفون بحيلةٍ ... إنَّ المهى لم تكتحل بالاثمدِ!
الكحل بفتحتين أن يعلو منابت الأشفار سوادٌ خلقةً أو أن تسود مواضع الكحل. يقال: كحلت بالكسر فهي حكلاء وهو أكحل. وهذا مثل قول الآخر: ليس التكحل في العينين كالكحل وسيأتي. وقال الآخر:
(2/305)

وكنا كزوجٍ من قطا في مفازةٍ ... لدى خفض عيش معجب مونق رغدِ
أصابها ريب الزمان فأفردا ... ولم نر شيئاً قط أوحش من فردِ
حكي عن أبي الموءل قال: دخلت منزل نخاس في شراء جارية فسمعت في بيت بإزاء البيت الذي فيه صوت جارية وهي تقول: وكنا كزوجٍ. . " البيتين " فقلت للنخاس: اعرض علي هذه المنشدة! فقال: إنها شعثة مرهاء حزينة. فقلت: ولم ذاك؟ قال: اشتريتها من ميراث فهي باكية على مولاها. ثم لم ألبث أن أنشدت:
وكنا كغصني بانةٍ وسط روضةٍ ... نشم جنى الرضات في عيشةٍ رغدِ
فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطعٌ ... فيا فردةً باتت تحنُ إلى فردِ
قال أبو السموءل: فكتبت إلى عبد الله بن طاهر أخبره بخبرها فكتب إلي أن ألق هذا البيت عليها فإن أجابت فاشتريها ولو بخراج خراسان! والبيت هو:
قريبٌ صد بعيد وصلٍ ... جعلته منه لي ملاذا
قال: فألقيته فقالت في سرعة:
فعاتبوه فذاب شوقاً ... ومات عشقاً فكان ماذا؟
قال: فاشتريتها وحملتها إليه فماتت في الطريق فكانت إحدى الحسرات.
وقال عمرو بن معدي كرب:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مرادِ
وهذا مثل مشهور كان علي كرم الله وجهه فيما يروون يتمثل به عندما يرى ابن ملجم. وتمثل به غيره أيضاً كما في حرف الهمزة. والعذير: العاذر والحال التي تحاولها لتعذر عليها. والعرب يقولون: عذريك من فلان وينصبونه بعامل لا يظهر. والمعنى: هلم من يعذرك من فلان فيلومه ولا يلومك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من يعذرني من أناس أبنو أهلي في حديث الافك. وقال زيد الخيل:
أمرتحلٌ قومي المشارق غدوةً ... وأترك في بيتٍ بفردة منجدِ؟
إلاّ رب يومٍ لو مرضت لعادني ... عوائد من لم يبر منهن يجهدِ
(2/306)

فليت اللواتي عدنني لم يعدنني ... وليت اللواتي غبن عني شهدي!
وقال أعرابي:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبتردُ
هبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقدُ
وقال الآخر:
ما لعيني كحلت بالسهاد ... ولجنبي نائيا عن وسادي؟
لا أذوق النوم إلاّ غراراً ... مثل حسو الطير ماء التمادِ
ابتغي إصلاح سعدى بجهدٍ ... وهي تسعى جهدها في فسادي
فتتاركنا على غير شيء ... ربما أفسد طول التمادي
وقال المعتد بن عباد في باب الغزل:
أباح لطيفي طيفها الخد والنهدا ... فعض به تفاحةً واجتنى وردا
ولو قدرت زارت على حال يقظةٍ ... ولكن حجاب البين ما بيننا مدا
أما وجدت عنا الشجون معرساً ... ولا وجدت منا خطوب النوى بدا؟
سقى الله صوب القطر أم عبيدةٍ ... كما قد سقت قلبي على حرة بردا
هي الظبي جيداً والغزالة مقلةً ... وروض الربا عرفاً وغصن النقى قدا
وقال الرئيس أبو مروان بن رزين:
وروضٍ كساه الطل وشياً مجددا ... فأضحى مقيماً للنفس ومقعدا
إذا صافحته الريح خلت غصونه ... رواقص في خضر من العشب ميدا
إذا ما انسكب الماء عاينت خلته ... وقد كسرته راحة الريح مبردا
وإن سكنت عنه حسبت صفاءه ... حساماً صقيلاً صافي المتن جردا
وغنت به ورق الحمائم بيننا ... غناءً ينسيك الغريض ومعبدا
فلا تجفون الدهر ما دام مستعداً ... ومد إلى ما قد حباك به يدا
وخذها مداماً من غزالٍ كأنه ... إذا ما سقى بدرٌ يحمل فرقدا
وقال أبو بكر بن عمار من قصيدة:
وما هذه الأشعار إلاّ مجامرٌ ... تضوع فيها للنوى قطع الند
وقال أيضاً:
(2/307)

تبرعت بالمعروف قبل سؤاله ... وعدت بما أوليت والعود أحمد
وقال أبو الحسن بن الحاج اللورقي يتغزل في معذر:
وقد كان ينبت زهر الرياض ... فأصبح ينبت شوك القتادِ
أين لي متى كان بدر التمام ... يدرك بالكون أو بالفسادِ
وهل كنت في الملك من عبد شمسٍ ... فأخفى عليك ظهور السوادِ؟
وقال أبو محمد بن عبد البر في مجذوم:
مات من كنا نراه أبداً ... سالم العقل سقيم الجسدِ
بحر سقمٍ ماج في أعضائه ... فرمي في جلده بالزبدِ
كان مثل السيف إلاّ أنه ... حسد الدهر عليه فصدي
وقال أبو بكر بن الملح:
والروض يبعث بالنسيم كأنما ... أهداه يضرب لاصطباحك موعدا
سكران من ماء النعيم فكلما ... غناه طائره وأطرب رددا
يأوي إلى زهر كأن عيونه ... رقباء تعقد للأحبة مرصدا
زهر يبوح به اخضرار ذباته ... كالزهر أسرجها الظلام وأوقدا
ويبيت في فنن توهم ظله ... بالصبح في عين القرارة مرودا
قد خف موقعه عليه وربما ... مسح النسيم بعطفه فتأودا
وقال الفقيه أبو الحسن بن زنباع:
ومن يطفي بنزر الماء ناراً ... فليس يزيدها إلاّ اتقادا
وقال أبو جعفر التطيلي:
تنافس الناس في الدنيا وقد علموا ... أن سوف تقتلهم لذاتها بددا
تبادروها وقد آذتهم فشلاً ... وكلثروها وقد أحصتهم عددا
قل للمحدث عن لقمان اة لبدٍ ... لم يترك الموت لقماناً ولا لبدا
ولا الذي همه البنيان يرفعه ... إنَّ الردى لم يغادر في الشرى اسدا
ما لابن آدم لا تفنى مطالبه ... يرجو غداً وعسى إلاّ يعيش غدا؟
وقال الآخر:
(2/308)

باح مجنون عامرٍ بهواه ... وكتمت الهوى فمت بوجدي
فإذا كان في القيامة نودي: ... من قتيل الهوى؟ تقدمت وحدي!
وقال الآخر:
يقولون: إنَّ الحب كالنار في الحشى ... لقد كذبوا فالنار تذكو وتخمد
وما هو إلاّ جذوة مس عودها ... تسعر قلبا للمشوق وتوقد!
وقال الآخر:
أمسك ملامك عني إنني كمد ... إذ لم تجد في الهوى يوما كما أجد
إنَّ لم تصدق دموعي في الذي شهدت ... فأنظر إلى جسدي إنَّ كان لي جسد
يا ويح أهل الهوى إني لأرحمهم ... تبلى الجسوم وأثواب الهوى جدد
لولا ترحمهم أيقنت انهم ... يشقون دهرهم أضعاف ما سعدوا!
وقال الآخر:
كفى حزنا إني مقيم بلذةٍ ... وأحباب قلبي نازحون بعيد
أقلب طرفي في الديار فلا أرى ... وجوها لأحبابي الذين أريد!
وقد قلت في غرض الباب قصيدة، فرأيت إنَّ أثبتها هنا، وإنَّ كان فيها بعض ول، وهي:
أبى الدهر إلاّ أنَّ يجوز على القصد ... وأنَّ يعكس الآمال في كل ما يبدي
ويبسط بين الفرقدين يد النوى ... ويدني الثريا من سهيل على بعد
ويسمو بالوهد الحضيض على الذرى ... ويسفل بالطود السمي على الوهد
ويستبدل البردي في الطعن بالقنا ... وغصن النفى الأملود بالصارم الهندي
وأنَّ يجعل العقبان في الجو طعمة ... لورقاء والضبعان مفترس الأسد
ويهدي بالضب القطاة ركية ... على العشر والسمع النتائف بالخلد
ويرفع أقدار اللئام على الألى ... لهم فدم في المجد والشرف العد
ويلوي تدبير الورى كل مائقٍ ... وفضل الغنى كل امرئ شكس نكد
أجل إنّها الأحداث تجري مدارة ... مقاليدها في قبضة الصمد الفرد!
مقادير منه أبرمت عن مشيئةٍ ... قديما وعن علم محيط وعن قصد
وعدل وأحكام مبين وحكمة ... تحار النهي في نيل فياضها المد
وليست بما تهوى النفوس صروفها ... ولا حذر المحتال في صرفها يجدي
(2/309)

ولا يحرم الوفر الفتى بجهالةٍ ... وعجز ولا يحظى بعقل ولا كد
ولكنها الأرزاق أعددن للفتى ... قديما على قدر الشقاوة والجد
فكائن رأينا من حليم مفتر ... عليه وغمر بات في عيشةٍ رغد
أراني عروفا بالزمان فمن يكن ... كمثلي لم يصبح على الدهر ذا نقد
ولم يبتئس إنَّ مسه بمضوفةٍ ... ولم يزه بالدنيا إذا فاز بالوجد
وقد قرعتني الحادثات فلم تلن ... قناتي لغمز من شابها ولا لهد
وما رسنني حتى نزعن عن امرئٍ ... بعيد الهوى ثبت الحشا حازم جلد
إذا ظفرت كفاه لو يزه فاخراً ... وإنَّ نيل لم يضرع ولم يمس ذا وجد
فأصبحت لا آسى على فقد هالكٍ ... ولا يعتريني بين غانية رأد
ولا أبتغي امرئ عن تكلف ... وإنَّ كان حسن العهد ديني لذي ود
ولو ملني من الدهر معصمي ... لفارقته طوعا ولم يشكه عضدي
ورب غبي يزدريني إنَّ رأى ... شحوبي من حادث آونةٍ لد
ولم يدر أنَّ الأجرد النهد فضله ... بإحضاره لا باللجام ولا اللبد
وأنَّ الحسام الهندواني إنّما ... بمضربه يعتام لا جده الغمد
وأنَّ وراء الوهم لن يبق عزة ... عليه إذا ما قاده أصغر الولد
الوهم: الجمل العظيم الذلول، ورواؤه: منظره.
وإنَّ براٍ الهدهد التاج وهو لم ... يفز بالذي للباز والنسر من مجد
وإنَّ بهار الدفل كالورد منظراً ... وحسنا وبعد الخبر محمدة الورد
وغمر جهول يرتجي نيل منصبي ... رجاء حضيض أنَّ سيرقي إلى النجد
يصبو إلى ما نلته مثل ما صبا ... حصور إلى ما نيل من عذر الخرد
ويسعى إلى إدراك شأوي كما سعت ... أتان خريع خلف صافنةٍ جرد
وغرته مني لينة وبشاشةٍ ... كما غر غمراً كشرة الأسد الورد
ومن مد للبدر المنير يمينه ... ليمسكه فيلبسن ضيعة المد!
وذي ثروة يستأمني بلعاعةٍ ... ليقتادني قود الوديق إلى الورد
ولم يدر إني أجتوي الأري شابه ... هوان وأستحلي بعز جنى الهبد
وأنَّ لست للباغي ضيما بمصحب ... ولا باذل ماء وجهي على شكدِ
(2/310)

وإني لو أرتاد ما ضاق مذهبي ... بحول ولم يصلد لمفلقة زندي
ولكن صون النفس عن كل موردٍ ... تهان به أحظى بعزته عندي
وإني لفضاض السجايا دميثها ... لالفي ونشاب إذا شئت اللغد
وأنَّ لساني الصبر ما لم أزمه ... وإنَّ كان أحلى للودود من الشهد
وإني لو هاجيت دان أبن غالبٍ ... لأمري ولم يعرض لسيلي فتى العبد
ولو ثلاث هن أجررن مقولي ... عن الشر وائتمت به جدد الجد:
فمنها تحاشى أنَّ يمر به الخنا ... فإن الخنا من شيمة الدانيء الهد
ومنها تجافي أنَّ أناصب معشرا ... لئاما فمن لؤم مناصبة الوغد
ومنها التحامي عن وعيد التي إلى ... مداها جميع العالمين على وخد
وما المرء إلاّ حيث حل برحله ... فكن نازلا بالنفس في يفع الحمد
وكن رابئا عن كل ورد دنيةٍ ... بنفسك تغشاه مع الشرع الورد
وحم بجانب الورد إنَّ كنت صاديا ... فإنَّ تسرب فلتوله صفحة الصد
كما أعرضت كدر عن الماء عندما ... توجسن ذعرا فانثنين على جهد
ولا تك كالعير الوديق يؤمه ... فيحلأ عنه بالهراوى وباللكد!
فإنَّ حايض العز تغشى سخينة ... وإنَّ حايض الذل تقلى على برد
وما ضيم غير الفقع يوطأ بمنسمٍ ... على قرقر من غير نكر ولا رد
وغير تريك بيضة بلدية ... وغير أتان الحي تعصى أو الود
وكن حافظا بالغيب والسخط والرضى ... لعهد مصافيك الهوى دائم الود!
ألم بنا إلمامة بعد هداةٍ ... من الليل طيف من أميمة أو هند
سرى ورواق من دجى الليل منطب ... بما لو سرته الريح ضلت من البعد
فلم أر مثل الطيف جواب لاحبٍ ... بلا سائق يحدو ولا سابق يهدي
ولا والجا لا يغلق الباب دونه ... ولا يتلقى منه بسرور ولا سد
وأمن من لحظ الرقيب وريبه ... إذا زار ونه الرقيب على رصد!
فهيج أشجانا من القلب وانثنى بلا طائل منها عتيد ولا وعد
بأسرع من لحظ الجفون إذا رنا ... إليك وبالبرق والوميض من الرعد
فيا ليت شعري والحوادث جمة ... وعهد الغواني كالسراب على صلد!
(2/311)

أقامت على ما بيننا من صبابةٍ ... أميمة أم غيت مودتها بعدي؟
فخال من الأخدان كل مساعدٍ ... على أي حالٍ خضته صادق العهد
حليم غضيض الطرف عما يربيه ... سليم الحشا من هاجس الضغن والحقد!
فإنَّ وداد المرء كالظل زائل ... إذا لم يكن بين الجوانح عن عقد
وإنَّ حبال الوصل منقوضة العرى ... إذا لم تكن في القلب محكمة المسد
وإنَّ بناء شدته وأشتده ... لواهٍ إذا لم يرس عن ثابت العمد
وإنَّ ركيا ردته ووردته ... لغور إذا لم يزك من باطن المد
فهل تستوي عادية بخميلةٍ ... بها الماء عد دائم بحسى ثمد؟
وإنَّ أليف المرء إلف مشاكل ... وأحسن شيء ضمك الند للند
ولا تطمعن من غير شكل مودة ... تودم ويجني الود فيها على الود!
فإنَّ السجايا في الأنام سوية ... وشتى وبدع صحبة الضد للضد
وانك ما أبصرت أسداً أليفة ... لحمر وغربانا تحن إلى العفد
وما المرء إلاّ أبن الثرى فمراحه ... وإنَّ عاش أزمانا إلى ذلك المهد
وعمر الفتى المضمار بينا جواده ... يباري مداه إذ هوى في هوى اللحد
وبينا الفتى يزهو بمال وأسرةٍ ... إذا هو يشجى بالرزايا وبالفقد
إذا ما سمعت الدهر عولة حائر ... فكن حائر فكن راصد أمثالها إنّها تعدي
وقلت أيضاً:
أستغفر الله قد ضيعت نحوكم ... خطا وذلك من أخطائي السددا
سلكت فيها خباراً بل وطئت بها ... شوك القتاد ولم أسلك بها جددا
لو كنت أعلم ما ألقى ببابكم ... جعلت تصفيد رجلي دونكم صفدا
وقال الآخر:
إنَّ وصفوني فناحل الجسد ... أو فتشوني فأبيض الكبد
أضعف وجدي وزاد في سقمي ... أنا لست أشكو الهوى إلى أحد
أهٍ من الحب أهٍ من كبدي ... إنَّ لم أمت في غد فبعد غد
جعلت كفي على فؤادي من ... حر الهوى وانطويت فوق يدي
كأن قلبي إذا ذكرتكم ... فريسة بين ساعدي أسد!
(2/312)

وقال الآخر:
تغرب أمري فانفردت بغربة ... فصرت فريدا في البرية أوحدا
تسرمد وقتي فكيف فهو مسرمد ... وأفنيت عني فصرت مجددا
وقال الآخر:
لو كنت املك طرفي ما نظرت به ... من بعد فرقتكم يوما إلى أحد
ولست أعتده من بعدكم نظراً ... لأنه نظر من ناظري رمد
وقال الآخر:
تزود من الدنيا النقاخ ولن ترى ... بوادي الغضا ماء نقاخا ولا وردا
ونل من نسيم ألبان والرند نفحة ... وهيهات وادٍ ينبت ألبان والرندا!
وكرر إلى تجدٍ بطرفك أنه ... متى تغد لا تنظر عقيقا ولا نجدا!
وقال الآخر:
أكلف القلب أنَّ يهوى وألزمه ... صبرا وذلك جمع بين أضداد
وأكتم الركب أوطاري وأسأله ... حاجات نفسي لقد أتعبت روادي
هل مخبر عنده من منكر خبر ... وكيف يعلم حال الرائح الغادي؟
فإنَّ رويت أحاديث الذين مضوا ... فعن نسيم الصبا والبرق إسنادي
وقال الآخر:
زعموا أنَّ من تباعد يسلو ... ولقد زادني التباعد وجدا
إنَّ وجدي بكم وإنَّ طال عهدي ... وجد يعقوب حين فارق عهدا
خليلي إنَّ الجزع أضحى ترابه ... من الطيب كافورا وأغصانه رندا
وأصبح ماء البحر خمراً وأصبحت ... حجارة دراً وأوراقه وردا
وما ذاك إلاّ إنَّ مشت بجانبه ... أميمة أو جرت بتربته بردا
وهذا الشعر يتمثل به السادات في انخراق العوائد واستحالة الأشياء ببركة من جاورها ومسها أو استدعاها من الصالحين.
وذكر صاحب التشوف رحمه الله تعالى عن بعض الناس قال: كنت أتوضأ في البحر على
(2/313)

قرب من الشيخ أبي عبد الله الصنهاجي، المعروف بابن أمغار. قال: وكان أبو عبد الله شرع في الوضوء من البحر، فتطعمت ماء البحر فوجدته حلوا، فقلت له: يا أبا عبد الله، إنَّ ماء هذا البحر حلو! فقال لي: هو كما قلت! وقال بعض الناس: كنت بالحرم الشريف مكة، فخرجت وقت السحر لأشرب من زمزم، فوجدت شيخا قد أخذ الدلو فشرب وأفضل، فوجدت الماء أحلى من العسل والسكر. فلما كان الغد، خرجت في ذلك الوقت أيضا إلى زمزم، فوجدت صاحبي. فلما شرب، أخذت الفضلة، فتعلقت به وقلت: سألتك بالله إلاّ أخبرتني من أنت! قال: أنا سفيان الثوري، واستر علي!
وحدث صاحب التشوف أيضاً عن بعضهم قال: مررت بالشيخ أبي موسى الدكالي السلاوي المشهور، وهو يأكل عسلوجا من عسالج الكلخ. فناولنيه فأكلته فوجدته طيبا. وعن أبي الحسن الأنصاري، المعروف بابن الصائغ، قال: زرت الشيخ أبا يعزى، فلما كان غروب الشمس خرجت للضوء مع جماعة، فبعدنا عن القرية، فحال الأسد بيننا وبين القرية. فقيل للشيخ أبي عز: حال الأسد بين أصحابك وبين القرية. فأخذ الشيخ عصاه بيده وجعل يضرب الأسد، ففر أمامه وقربنا منه، فجعل يأكل عيون الدفلى، فقال لترجمانه: قل لأبي الحسن: ما تقولون انتم معشر الفقهاء فيمن يأكل الدفلى؟ فقلت له: قل له: يقولون: من أكل الدفلى طرد الأسد! فأعلمه الترجمان بقولي، فرأيته يبتسم.
ومن هذا ما حدثني به بعض الثقات، وإنَّ بساحل حاحة، عند ضريح الشيخ أبي العباس أحمد الهشتوكي، المعروف بالسائح، تلميذ الشيخ سيدي سعيد بن عبد المنعم المناني. قال: حدثني فلان وكان أصحاب أبي العباس قال: جئت مع أبي العباس عند هبوطه إلى هذا الساحل، فأتينا على مصلى الشيخ محمد بن سليمان الجزولي، وكان مصلاه معروفا هناك بشاطئ البحر يزار. قال: فأقمنا في المصلى يومين أوقال ثلاثة. واحسبه قال - قال: لا نطعم شيئاً حتى أحسست بجوع شديد. فقال لي أبو العباس: قم إلى الضرو فخذ لنا من أوراقه! والضرو شجر معروف أوراقه أمر شيء. قال فقمت إلى الشجرة منها، فملأت حجري من الورق، وجئت به إليه فطرحته أمامه وأحسبه قال - قال: فحركه، فعاد زبيبا ولوز. قال: فأكلنا حتى اكتفينا. فلما قمنا من ذلك الموضع ومررنا على قرب من موضع الشجرة، تركت الشيخ حتى أدبر، فانسللت منه
(2/314)

وأتيت الشجرة، فاقتطفت قبضة من أوراقها وجعلتها في فمي ومضغتها، فوجدتها أمر شيء، فمججتها، واتبعت الشيخ فأدركته يتوضأ في شعب هنالك. فلما رآني جعل يبتسم وقال لي: أفعلت كيت وكيت؟ قلت نعم! فقال لي ما معناه: أفتحسب أنَّ لا اله إلاّ الله في أفواه الرجل سواء؟ وقد وقع مثل هذا لإبراهيم بن أدهم. وحكايات الصالحين في نحو هذا لا تنحصر، وإنّما أردنا أنَّ نتبرك ببعض ذلك، نفعنا الله بمحبتهم وحشرنا في زمرتهم! وهذا القدر يكفي، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.
(2/315)