Advertisement

زهر الأكم في الأمثال والحكم 003

باب الذال المعجمة
الذئب يغبط بذي بطنه.
الذئب معروف، مهموز، ويترك همزه تخفيفا؛ والأنثى ذيبة. والغبطة: المسرة، وتكون للحسد تارة، وهو أن يتمنى إنَّ يعطى ما للغير من النعمة مع زوالها عن الغير وهو مذموم، وتارة لا مع محبة زوالها عن الغير وهو المحمود. والغبطة بهذا المعنى خلاف الحسد. ويقال: غبطة يغبطه كضربة يضربه، وغبطة يغبطه كسمعة يسمعة؛ غبطة. والبطن معروف وذو البطن: صاحب البطن، وهو ما فيه.
ومعنى المثل إنَّ الذئب يضن به أبدا الشبع والبطنة لمّا يروى من عدوه على الناس والمواشي، ولا يظن به الجوع، وإنَّ كان مجهودا من الجوع. فيضرب للرجل يتهم بالمال ولا مال له.
ومثل هذا قول الشاعر:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائع
ونحو هذا في أمثال العامة قولهم: من رأى الجمل الأبيض ظنه كله شحما.

ذياب في ثيابٍ.
الثياب جمع ثوب. وهذا المثل مشهور في ذم الناس وانهم كالذياب مكراً وخداعا وإنَّ كانوا في الصورة خلافها.
وروي إنّه لمّا ولد عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهن نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: هو، هو! فلما سمعت بذلك أمه أسماء، رضي الله عنها، أمسكت عن
(3/7)

إرضاعه. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعيه ولو بماء عينيك، كبش بين ذياب، وذياب عليها ثياب، ليمنعن البيت أو ليقتلن دونه! انتهى. وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذم علماء السوء إنّه أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون الكباش وقلوبهم كقلوب الذياب، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، إياي يخدعون، وبي يستهزئون، لأتيحن لهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران. انتهى.
قال الشاعر:
وأنت كجرو الذيب ليس بآلف ... أبى الذيب إلاّ إنَّ يخون ويظلما!

الذيب يكنى أبا جعدة.
الذيب مر، والكنية والكنوة بضم الكاف وكسرها فيهما: الاسم. وكنيت الرجل أبا فلان، وكنيته بالتضعيف، وأكنيته، كنيته بالكسر والضم سميته به. وكنيته بابي فلان أيضاً. وأبو جعدة: كنية الذيب. ويقال: أبو جعادة أيضاً. قال الشاعر:
فقالت له: يا أبا جعادة إنَّ تمت ... تمت سيئ الأخلاق لا تتنقل
وكني الذيب أبا جعدة، وإنَّ لم تكن له بنت تسمى بذلك. ومن ثم قال الكميت يصفه:
ومستطعم يكنى بغير بناته ... جعلت له حظا من الزاد أوفرا
والجعدة يكون وصفا للمؤنث، من الجعودة في الشعر، ضد البسوطة، والمذكر جعد. والجعد أيضاً الثرى الندي. وقول امرئ القيس:
ويأكلن بهمى جعدة حبشية ... ويشربن برد الماء في السبرات
(3/8)

أراد به الندية، أي بهمى ندية حبشية، أي شديدة الخضرة تضرب إلى السواد. ورجل جعد: كريم أو بخيل. وجعد اليدين: بخيل. والجعدة أيضاً نبت ينبت على شاطئ الأنهار، وهو المراد في المثل. ويقال إنّه نبت طيب الريح، ينبت في الربيع ويجف سريعا. والجعدة أيضاً: الشاة. فقيل كني الذئب بها لكثرة افتراسه إياها، وقيل: كني أبا جعدة لأنه بخيل يقال له الجعد كما مر. وانشدوا: أخشى أبا جعد وأم العمر يعني الذيب. وقيل من النبت السابق.
ومعنى المثل أنَّ الذيب كنيته حسنة وفعله خبيث منكر. يضرب للرجل يظهر لك إكراما وهو يريد بك غائلة.
ويروى هذا المثل أيضاً: هي الخمر تكنى الطلاء كما الذيب بكنى أبا جعدة.
ويحكى إنّه لعبيد بن الأبرص لمّا هم المنذر بن ماء السماء بقتله قال له عبيد: وقالوا:
هي الخمر تكنى الطلا ... كما الذيب يكنى أبا جعدة
ويروى:
هي الخمر يكنوها بالطلا ... كما الذيب يكنى أبا جعدة
أي إنّه يظهر لي الإكرام وهو يريد قتلي، كما إنَّ الخمر وإنَّ سموها الطلاء وحسنوا أسمها ففعلها قبيح. وكذا الذئب وإنَّ كان اسمه حسنا فإنَّ فعله قبيح. ويحكى عن أبن الزبير سئل عن المتعة فقال: الذيب يكنى أبا جعدة. والمعنى أنَّ المتعة حسنة الاسم قبيحة المعنى، لأنها طلاق، كما أن الذئب حسن الاسم قبيح المعنى.

ذكرتني الطعن وكنت ناسيا.
الذكر والتذاكر: الحفظ للشيء، وذكره وتذكره إياه بالتضعيف،
(3/9)

وأذكرته. وما زال مني على ذكر بالضم والكسر أي تذكر. والطعن: الضرب بالرمح أو نحوه، والوخز به، طعنه بالفتح يطعنه بالفتح والضم طعنا: ضربه، فهو مطعون وطعين، والنسيان ضد الحفظ، نسي الأمر بالكسر ينساه، نسيا ونسيانا ونساوة بكسر الثلاثة ونسوة بالفتح: ضد حفظه؟ وهذا المثل يضرب في ذكر الشيء بغيره، وفي الرجل يسمع كلمة فيتذكر بها شيئاً. وأصله فيما يقال إنَّ رجلا حمل على آخر ليقتله، وكان مع المحمول عليه الرمح، فنسيه دهشا، فقال له الحامل: ألق الرمح! فقال عند ذاك: ذكرتني الطعن وكنت ناسيا أي ذكرتني ما اطعن به: أو ذكرتني الطعن بتذكير الرمح الذي أطعن به فذهبت مثلا. ثم كر عليه فهزمه.
ويقال إنَّ الحامل في هذا القصة هو صخر لن عمرو بن الشريد، والمحمول عليه هو يزيد أبن الصعق. وقد ذكر ذلك أبو عبيد، إلاّ إنّه قال: فكر عليه فقتله أو هزمه على الشك فوهمه البكري بما ثبت من أنَّ صخرا إنّما مات بطعنة ربيعة بن ثور الأسدي. وسيأتي لنا ذكر قصته، إن شاء الله تعالى.
ويروى أيضاً إنَّ رهيم بن حزم الهلالي عرج بأهله وماله يريد النقلة في بلاد من أرض إلى أرض. فبينما هو يسير إذ لقيه ثلاثون رجلا من تغلب، فقال لهم: يا بني تغلب، شأنكم بالمال وخلوا الظعينة! فقالوا: قد رضينا إنَّ ألقيت الرمح! فقال: وإنَّ لرمحي لمعي! فقتل رجلا وصرع آخر وقال ذلك.

ذكر ما فات يكدر الأوقات.
وهذا مثل مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى، وقريب من قولهم: ذكر أيام الجفاء في أيام الصفاء جفاء.
(3/10)

مذكية تقاس بالجذاع.
المذكي من الخيل: المسن الذي جاوز القراح بعام، كما مر في الجيم. والجذاع جمع جذعة وهو الصغير السن، والقياس: اعتبار الشيء بالشيء وإلحاقه به في أمر. وهذا المثل يضرب عند الخطأ في التشبيه وقياس الكبير بالصغير. واشتهر في هذا المعنى على ألسنه الناس قولهم:

قياس البيض على الباذنجان.
وزعموا إنَّ أصله رجلا كان ساق إلى آخر باذنجانا أو نحوه، فوجد مسكنه مغلقا ولم يجد صاحبه هناك، فلم يمكنه إنَّ يدخل إلى المسكن ما أتى به. فلما جاء صاحبه قال له: إذا جئت بشيء من ذلك فأرمه من الخوخة إلى البيت قم إنّه يوما اتفق لهذا أنَّ جاء ببيض فرماه من الخوخة، عملا بوصية صاحبه وظن إنَّ البيض والباذنجان سوء. فوقع البيض وانكسر وفسد، وذهب ذلك مثلا.

أذكى من إياس.
الذكاء سرعة الفطنة: يقال ذكي الرجل يذكى كرضي يرضى، وذكى يذكى كسعى يسعى، وذكو يذكو ككرم يكرم ذكاء بالمد فهو ذكي. وإياس بوزن كتاب هو إياس بن معاوية بن قرة، قاضي البصرة. كان أعجوبة الزمان في الذكاء وسرعة الجواب. ومن ثم قال أبو تمام.
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
ولذكاء إياس وفراسته وفطنته أخبار عجيبة وحكايات غريبة. ومن أوّل ما كان يعرف به من ذكائه إنّه دخل الشام وهو صغير ونازع رجلا في أمر وقدمه إلى القاضي عبد الملك بن مروان، وكان القاضي يعرف الرجل فقال لإياس: أما تستحي إنَّ تقود شيخا كبيرا؟ فقال: الحق اكبر منه! قال القاضي: اسكت! قال إياس: فمن يتكلم بحجتي إذا سكت؟ فقال له القاضي
(3/11)

ما أظنك تتكلم بحق حتى تقوم. قال إياس: أشهد أن لا إله إلاّ الله وإنَّ محمّد رسول الله! فوثب القاضي قائما ودخل على عبد الملك فأخبره خبره. فقال له عبد الملك أقض حاجته! وأصرفه عن الشام لا يفسد علينا الناس! ثم ولي القضاء في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وكان سبب ذلك إنَّ عمر بعث رجلا من أهل الشام فقال له: اجمع بين القاسم وربيعة وإياس، فول القضاء أيهما انفذ! فجمع بينهما وتمنع كل منهما. فقال إياس للشامي وعن القاسم فقيهي المصر: الحسن وأبن سيرين! فعلم القاسم إنّه إنَّ سألهما أشارا به. فقال للشامي: لا تسل! فوالله الذي لا إله إلاّ هو إنَّ إياس لأفضل مني وأعلم بالقضاء. فإنَّ كنت ممن يصدق فينبغي لك إنَّ تصدق قولي، وإنَّ كنت كاذبا فما يحل لك أنَّ توليني القضاء وأنا كاذب! فقال إياس للشامي: إنك جئت رجل فأقمته على شفير جهنم، فافتدى نفسه من النار بيمين كاذب سيستغفر الله غز وجل منها وينجو من النار. فقال الشامي: أما إذ فطنت لها فأنا أوليك القضاء. فاستقضاه. وكان إياس قيل له: إنَّ فيك عيبين: إعجابا بقولك وعجلة في الجواب. فقال: أما الإعجاب، أليس يعجبكم ما أقول؟ قالوا: بلى! قال: فأنا أحق بالإعجاب بقولي، وأما العجلة، فكم هذه؟ وأمد أصابع يده فقالوا: خمس قال: عجلتم الجواب ولم تعدوها إصبعاً، إصبعاً. قالوا: وكيف نعد ما نعلم؟ قال: كذلك أنا في الحكم! وسيأتي شيء من أخباره وفراسته بعد، إن شاء الله تعالى.

ذليل عاذ بقرملةٍ.
الذل ضد العز، ذل الرجل يذل فهو ذليل، والعياذ: الالتجاء، ويقول: عاذ به يعوذ بذال معجمة عوذا وعياذا ومعاذا ومعاذة. والقرملة شجرة ضعيفة لا شوك لها، تنفتح إذا وطئت، والجمع قرمل. قال الشاعر:
قتيلان لا تبكي المخاض عليهما: ... إذا شبعت من قرمل وأفان
(3/12)

وهذا المثل يضرب في الضعيف يلتجئ إلى أضعف منه أو مثله، والذليل يأوى إلى أذل منه. قال جرير:
كان الفرزدق إذ يعوذ بخاله ... مثل الذليل يعوذ تحت القرمل
ويقال أيضاً في المثل:

ضعيف عاد بقرملةٍ.
ومثله قول العامة: أستند المريض إلى المريض.

أذل من بيضة البلد.
الذل مر، والبيضة معروفة واحدة البيض؛ والبلد بفتحتين أدحي النعام، وهو حفرة يتخذها في الأرض لبيضه. قال علقمة يصف الظليم:
حتى توافى وقرن الشمس مرتفع ... أدحي عريسين في البيض مركوم
وبيضة البلد يقال بيضته التي يتركها فيه، ضرب بها المثل في الذلة لأنها لا تمتنع من كل من ظفر بها، كما قيل: فقع القرقر، على ما يأتي. قال الشاعر:
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا بن الرقاع ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة أنَّ تدري لكم نسبا ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد
وجوز أبو عبيدة في قولهم: كان فلان بيضة البلد أنَّ يراد به المدح على ما قيل في بيضة القعر، كما سيأتي. وزعم البكري إنّه قد ضرب هذا ثلا للمنفرد عن أهله وأسرته، فلا يكون مدحا ولا ذما، وانشده:
لو كان حوض حمار ما شربت به ... إلاّ بأذن حمار أخر الأبد
لكنه حوض من أودى بأخوته ... ريب الزمان فأضحى بيضة البلد!
وفيه نظر: لأنَّ الشاعر يخبر بأنه قد هان وذل بذهاب اخوته وأنصاره، لا بمجرد فقد الأنصار وإنّه منفرد.
(3/13)

أذل من حمارٍ.
الحمار معروف، وهو يوصف بالذلة والهوان، كما يوصف بالجهل والبلادة. قال الشاعر:
ولا يقيم على الضيم يراد به ... إلاّ الأذلان: عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد
والخسف: الهوان، كما قيل:
حراجيح ما تنفك إلاّ مناخة ... على النفس أو نرمي بها بلدا قفرا
والزمة: القطعة من الحبل. وقوله في الوتد، يشج أي يضرب على رأسه، فلا يرثي له أحد، أي لا يرق له أحد ولا يحمه، ومثله قول عبد الرحمان بن حسان بن ثابت الأنصاري يهاجي عبد الرحمن بن الحكم بن العاصي الأموي:
فأما قولك: الخلفاء منا ... فهم منعوا وريدك من وداج
ولولاهم لكنت كركب بحرٍ ... هوى في مظلم الغمرات داج
وكنت أذل من وتد بقاع ... يشج رأسه بالفهر واج
ولمّا وقع هذا بينهم كتب معاوية، رضي الله عنه، إلى مروان بن الحكم إنَّ يؤد بهما، وكانا قد تقاذفا. فضرب عبد الرحمن بن حسان ثمانين، وضرب أخاه عشرين. فقيل لعبد الرحمن بن حسان: قد أمكنك في مروان ما تريد، فشنع أمره وارفعه إلى معاوية! فقال: إذا، والله، لا أفعل، وقد حدني كما يحد الرجال الأحرار، وجعل أخاه كنصف عبد، فأوجعه بهذا الكلام.

أذل من حمار قبان.
ويقال: عير قبان دويبة صغيرة من دواب الأرض؛ وقبان بفتح القاف والباء المشددة، على وزن فعلان، من قب، وكأنه من القبب وهو ضمور البطن. قال الشاعر:
يمشين مشي قطا البطاح تأود ... قب البطون رواجح الأكفال
وذلك لضمور بطنه. والدليل على إنّه فعلان منع الصرف فيه. قال الشاعر:
(3/14)

يا عجبا لقد رأيت عجبا: ... حمار قبان يسوق أرنبا
خالطها يمنعها أن تذهبا ... فقال: أردفيني! قالت: مرحبا!
ولو كان فعلا لصرفه إلاّ أن يلاحظ فيه تركيبا.

أذل من السقبان بين الحلائب.
السقبان بالضم جمع سقب بفتح فسكون، وهو ولد الناقة مطلقا أو ساعة يولد. قال علقمة:
رغا فوقهم سقب السماء فداحص ... بشكته لم يستلب وسليبُ
أراد أبن ناقة ثمود والأنثى سقبة. وقيل: السقب مخصوص بالذكر ولا يقال للأنثى سقبة وإنّما يقال لها حائل وأمها أم حائل كما مر. وجمع السقب: أسقب وسقوب وسقاب وسقبان. وناقة مسقاب إذا كانت عادتها أن تلد السقبان. قال الراجز: غراء مسقاب لفحل أسقب.
والحلائب جمع حلوبة والحلوبة من النوق المحلبة. قال الشاعر يرثي رجلا:
يبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوبُ
وجمع الحلوب والحلوبة الحلائب. وضربوا المثل بالسقبان بين الحلائب أي بين النوق التي تحلب لأنها تقبض وتردد وتدفع وتشدد فينالها الهوان والصغار.

أذل من فراشٍ.
الفراش بفتح الفاء وتقدم في حرف الخاء.

أذل من فقع بقرقرةٍ.
الفقع بفتح فسكون الكمأة البضاء الرخوة وتكسر الفاء. وجمع الكل فقعة كعنبة قاله الجوهري. والقرقرة والقرقر: الأرض المطمئنة اللينة فيقال للذليل أذل من فقع بقرقرة وهو فقع بقرقرلأنه لا يتمنع على من يجتنبه أو
(3/15)

لأنه يوطأ بارجل الناس والبهائم ويمتهن. وينسب للنابغة بهجو النعمان بن المنذر:
حدثوني بني الشقيقة ما ... يمنع فقعاً بقرقر أن يزولا؟
وقال بعض العرب لقوم: ما أنتم إلى ريف فتأكلوه، ولا إلى فلاة فتعصموه ولا إلى وزر فينجيكم! فأنتم نهزة لمن رامكم ولعقة لمن قصدكم وغرض لمن رماكم كالفقعة الشرباخ يشدخها الواطئ ويذريها السافي. الشراخ الفاسدة المسترخية.

ذهبوا أيادي سبأ.
الذهاب معروف يقال: ذهب بالفتح يذهب ذهابا والأيادي جمع أيد والأيدي جمع يد وهو بمعنى الجارحة وبمعنى النعمة وبمعنى الطريق. وسبأ قيل أبو قبائل اليمن وهو لقب وأسمه عبد شمس بن يشجب بن يعرب وسمي سبأ قيل لأنه أول من سبى السبي. وقيل سبأ اسم أمهم وتسمى البلدة سبأ باسم سكانها وكانت أخصب بلاد الله كما الله تعالى:) جنتانِ عن يمينٍ وشمال (. قيل: وكانت مسافة شهر في شهر للراكب المجد يسير الماشي في الجنان من أولها إلى آخرها لا يفارقه الظل، مع تدفق الماء وصفاء الهواء واتساع الفضاء. فمكثوا مدة في أمن لا يعاني ملك إلاّ قصموه. وكانت في بدء الأمر تركبها السيول فجمع ملك حمير أهل مملكته وشاورهم فاتخذوا سدا في بدء جريان الماء ورصفوه بالحجارة والحديد وجعلوا فيه مخارق للماء. فإذا جاءت السيول انقسمت على وجه يعمهم نفعه في الجنات والمزروعات. ويقال بانيه لقمان بن عاد ووقع في شعر الأعشى أنَّ حميرا هو بناه حيث قال:
رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء ماؤها لم يرم
فلما كفرو نعم الله تعالى ورأوا ملكهم لا يبيده شيء وعبدوا الشمس سلط الله على سدهم فأرة فخرقته وأرسل عليهم السيل فمزقهم الله كل ممزق وأباد خضراءهم كما قال في القرآن.
فحكي أنه لمّا انتهى الملك إلى عمرو بن عامر المعروف بمزيقياء وسمي بذلك
(3/16)

لأنه كان يلبس حلة حتى إذا أمسى مزقها أنفة من أن تعاد عليه أو يلبسها غيره أو لأنه مزق الأزد في البلاد. وكان أخوه عمران كاهنا فأتته كاهنة وأخبرته بدنو فساد السد وفيض السيل وأنذرته فقال لها: وما آية ذلك: فقالت: إذا رأيت جرذا يكثر بيده الحفر ويقلب برجليه الصخر فاعلم أنه قد اقترب الأمر. قال: وما الأمر؟ قالت: وعد من الله ينزل فيغيرك يا عمرو! ثم إنَّ عمرا يوما نظر في السد فرأى جرذا يقلب صخرة ما يقلبها خمسون رجلا. فرجع وهو يقول:
أبصرت أمرا هاج لي برح السقم ... من جرذ كفحل خنزير أجم
له مخاليب وأنياب قضم
فأجمع على الخروج منها. واحتال في بيع ماله وإنَّ لا ينكر الناس عليه. فقال لابنه: إني صانع طعاما وداع إليه أهل مأرب، فأردد على كلامي إذا تكلمت! ففعل ورد عليه ابنه أقبح الرد، فتغاضب عمرو وصاح: واذلاه! يجيبني صبي! وحلف ألا يقيم ببلد فيه ضيم فيه. فجعل يبيع أمواله وقومه يقولون بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو قبل إنَّ يرضى! واشتروا منه. فلما باع واجتمعت له أمواله أخبرهم خبر السد والسيل، وأجمعوا على الجلاء، فقال لهم عمران: إني أصف لكم بلدانا، فاختاروا أيّها شئتم، من كان منكم ذا غنم بعيد، وجمل غير شرود، فليلحق بالشرود، فليلحق بالشعب من كؤود! فلحق به همدان. ثم قال: ومن كان منكم ذا سياسة وصبر، على أزمات الدهر، فليلحق ببطن مر! فلحق به خزاعة. قال: ومن منكم يريد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل! فنزلها الاوس والخزرج. قال: ومن كان يريد الخمر والخمير، والأمر والتأمير، فليلحق ببصرى وسدير! وهي أرض الشام. فلحق بها غسان. قال: ومن كان منكم يريد الثياب والرقاق والخيل العتاق، والذهب والأوراق، فليلحق بالعراق فلق بها ملك بن فهم الأزدي. وتخلف مالك اليماني في قومه حتى أخرجهم السيل منها، فنزلوا نجران وانتسبوا في مذحج، ودخلت جماعة منهم على معد، فأخرجتهم معد بعد حروب، ونزلوا بجبل السراة، على تخوم الشام. فلما
(3/17)

تفرقت قبائل سبأ هذا التفرق، وتمزقوا هذا التمزق، ضربت العرب بهم المثل فقالوا: ذهب القوم أيدي سبأ وأيادي سبأ، أي تفرقوا في كل طريق ووجهة، إما على أنَّ اليد بمعنى الجارحة، لأنهم كانوا، إذ كانوا مجتمعين، يدا واحدة. فلما تفرقوا صارت اليد أيادي كثيرة؛ أو بمعنى النعمة، أي تفرقوا تفرق نعم سبأ، أو كائنين كنعم أهل سبأ، أو بمعنى الطريق، أي تفرقوا في كل طريق أهل سبا، حيث تمزقوا، وأيدي سبأ جعل اسما مركبا كمعدي كرب وسكنت الياء تخفيفا وإنَّ انتصب.

ذهبوا تحت كوكبٍ.
هذا كالذي قبله في المعنى أيضاً، وهو التفرق، وألفاظه ظاهرة.

ذهب دمه أدراج الرياح.
الذهاب مر، وكذلك الدم، والأدراج جمع درج بفتحتين وهو الطريق تقول رجعت أدراجي أي في الطريق الذي جئت فيه. والرياح جمع ريح، قلبت الواو ياء في المفرد والجمع لانكسار ما قبلها. وهذا المثل يقال في بطلان الشيء. فإذا قيل: ذهب دمه أدراج الرياح، أريد إنّه ذهب هدراً. والمعنى إنّه مسالك الرياح الذاهبة أو كان في مسالكها فنسفته وأذهبته. وكذا في غير الدم.

ذهبت هيف لأديانها.
الذهاب مر، والهيف بالفتح ريح حارة تهب من نحو اليمن نكباء بين الجنوب والدبورز قال ذو الرمة: هيف اليمانية في مرها نكب وهي تيبس ما مرت به وتعطش الحيوان. الهيف أيضاً شدة العطش، والأول المراد والأديان جمع دين بكسر الدال وله معان كثيرة: منها العادة، وهو المراد هنا. قال امرؤ القيس:
كدينك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل
(3/18)

أي كعادتك. ويروي كدابك، بمعناه. وقال الآخر:
تقول إذا درأت لها وضيني: ... أهذا دينه أبدا وديني؟
ومعنى ذهبت هيف لأديانها: ذهبت لعدتها، لأنها تجفف كل شيء. فيضرب عند تفرق القوم ليس لشأنه، أو لمن يلزم عادته. وقال أبو عبيد: يضرب في نظر الرجل لنفسه وإقباله على شهوته وهواه. وقيل إنّه يضرب الشيء إذا انقضى.

الذود إلى الذود ابل.
الذود بفتح الذال وسكون الواو بعدها دال مهملة، من الإبل ما بين الثلاث والعشر، مؤنث ولا واحد له، والجمع أذواد. قال النابغة:
لعمرك ما خشيت على يزيدٍ ... من الفخر المضلل ما أتاني
كأنَّ التاج معصوبا عليه ... لأذواد أصبن بذي أبان
وقال امرؤ القيس:
أرى المرء ذا الأذواد محرضا ... كإحراض بكر في الديار مريض
والإبل معروف، لا واحد له، وقد تسكن الباء. قال:
ألبان إبل تعله بن مسافرٍ ... ما دام يملكها علي حرام
والجمع آبال.
والمعنى أنَّ الذود وهي القليلة العدد مجموعة إلى ذود أخرى تكون إبلا. أو إلى بمعنى مع، أي الذود مع الذود. يضرب عند اجتماع القليل إلى القليل، وإنّه يكون كثيرا. وتقدم مثله.

ذلك الفحل لا يقدح انفه.
ذلك: إشارة إلى البعيد، شخصا كان أو مكانا. وأصله ذوي، أو ذيي، وعلى الخلاف المعروف في علم النحو؛ والفحل من الإبل معروف، ويكون في غيرها، والجمع فحول وفحال وفحالة. قال: فحالة تطرد عن شوالها
(3/19)

والقدع بالدال المهملة: الكف والضرب. تقول: قدعت الفرس إذا كبحته؛ وقدعتالفحل إذا ضربت أنفه بالرمح حتى يرجع وذلك إذا كان غير كريم فيريد أن يطرق الناقة الكريمة فيضرب حتى يرجع. قال الشماخ:
إذا ما استافهن ضربن منه ... مكان الرمح من أنف القدوعِ
يصف حمارا يستاف أتنا أي يشمهن لأنَّ الاستياف والسوف هو الشم كما قال امرؤ القيس:
على لاحبٍ لا يهتدي بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا
ومن ذلك سميت المسافة من الأرض لأنَّ الدليل يشم التراب ليعرف أين هو. وقوله: وكان الرمح أي المكان الذي يصيبه الرمح من أنف القدوع. والقدوع: المقدوع وهذا البناء يكون بمعنى مفعول أو بمعنى فاعل أيضاً. فمن الأول قولهم: دابة ركوب وناقة حلوب وحوار رغوث وفحل قدوع أي مركوبة ومحلوبة ومرغث ومقدوع؛ ومن الثاني قولهم: قدوع وركوب للدوابو ناقة رغوث أي قادع وراكب ومرغث. وقال الحجاج في خطبة له: أيها الناس اقدعوا هذه الأنفس فإنّها أسأل شيء إذا أعطيت وأمنع شيء إذا سئلت. فرحم الله امرءاً جعل لنفسه خطاماً وزماما فقادها إلى طاعة الله وعطفها بزمامها عن معصية الله! فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه.
وهذا المثل قاله ورقة بن نوفل بن خويلد لمّا قيل له إنَّ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم خطب خديجة بنت خويلد فقال ورقة: ذلك الفحل لا يقدع أنفه أي كريم يروم كريمة فلا سبيل إلى التعرض له دونها وصده عنها وهو أشرف أكفائها. ويقال إنّه تمثل به فقط. ويقال: تمثل به أبو سفيان ن حرب لمّا خطب النبي صلى الله عليه وسلم ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان. فقيل له إنَّ محمدا تزوج ابنتك وأبو سفيان يومئذ مشرك فقال ذلك؛ غير أنَّ اللفظ المروي من كلام أبي سفيان هو: الفحل لا يقدع أنفه والله أعلم.
(3/20)

ومن هذا الباب قولهم:

ذهب دمه خضراً مضراً.
بكسرها وسكون الضاد المعجمة أي هدراً.
وقولهم:

لأذهبن فإما هلك وإما ملكٌ.
ومعناه قول امرئ القيس:
بكى صاحبي لمّا رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا!
وقولك:

أذهل من صبٍّ.
والذهول: الغفلة والنسيان والصب: العاشق ذو الصبابة وهو لمّا به يغلب عليه ذلك.
ومما يجري على ألسنة القراء تمثلا قول الله تعالى إخبارا عن نبيه موسى عليه السلام:

ذلك ما كنا نبغِ.
وينبغي أن يكون المتمثل بشيء نحو هذا أن يلاحظ فيه ما يلاحظ عند الاقتباس ليكون أحفظ للأدب وأبعد عن الإسفاف والتبذل وترك كله أحوط وأسلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم:

ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً.
ويحكى أنه لمّا نصب معاوية رضي الله عنه ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء. فجعل الناس يسلمون على معاوية ويميلون إلى يزيد حتى جاء رجل ففعل
(3/21)

ذلك. ثم رجع إلى معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين اعلم أنك لو لم تول هذا أمر المسلمين لأضعتها. وكان الأحنف بن قيس جالسا فقال له معاوية: مالك لا تقول يا أبا بحر؟ وهي كنية الأحنف. فقال الأحنف: أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت. فقال معاوية: جزاك الله عن الطاعة خيرا! وأمر له بألوف. فلما خرج الأحنف لقيه ذلك الرجل بالباب فقال له: يا أبا بحر إني لأعلم إنَّ شر من خلق الله هذا وابنه ولكنهم استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال. فلسنا نطمع في استرجاعها إلاّ بما سمعت! فقال له الأحنف: يا هذا أمسك! فإنَّ المجهين خليق أن لا يكون عند الله وجسها.
وقول عمر رضي الله عنه:

ذلك الظن بك يا أبا إسحاق!
وهو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة رضي الله عنه لمّا شكاه أهل الكوفة فقال له عمر رضي الله عنه: إنهم شكوك في كل شيء حتى الصلاة! فقال: إني أفعل ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل أركد في الأولين وأحذف في الأخيرين. فقال عمر: ذلك الظن بك! وأما الشعر، فقال ضابئ:
لكل جديد لذة غير إنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ!
وقال الآخر:
طلبت الجميع ففات الجميع ... فمن طول حرصك لا ذا وذا!
غيره:
ما زال جيش الحب يغزو قلبه ... حتى وهى وتقطعت أفلاذه!
وقال الصابئ:
والعمر مثل الكأس ير ... سب في أواخره القذا
ومنه قول أبن النبيه:
خذ من زمانك ما أعطاك مغتبطا ... وأنت ناه لهذا الدهر آمره
فالعمر كالكأس تستحلى أوائله ... لكنه ربما مجت أواخره!
ويقال إنّه لمّا سمع أبن التعاويذي قول الصابئ، قال:
(3/22)

من شبه العمر كأسا يقر ... قذاه ويرسب في أسفله
فإني رأيت القذى طافيا ... على صفحة الكأس من أوله!
ومن ذلك قول الفاضل:
إليك بعد انقضاء اللهو واللعب ... عني فلم أربي ما يقتضي أربي
فالعمر كالكأس والأيام تمزجه ... والشيب فيه موضع الحبب
أقول إذ فاض فيض فضته: ... يا وحشة لشباب ذاهب الذهبِ!
وقول الخالدي:
لقد فرحت بما عاينت من عدم ... خوف القبيحين من كبر ومن بطر
وربما الأعمى بحالته ... لأنه قد نجا من طيرة العور
ولست أبكي على شيء منيت به ... يبكي على الشيب من يأسى على العمر
وما بكيت زماني وهو يصعدني ... فكيف أشكره في حال منحدر؟
وقال الشيخ أبن فارض، رحمه الله:
أهوى رشا هواه للروح غذا ... ما أحسن فعله ولو كان أذى
لم أنس وقد قلت له الوصل متى ... مولاي إذا مت أسى قال إذا
وقال أبو نواس في مجونه، عفا الله عنا وعنه!
وقائل: هل تريد الحج قلت له: ... نعم إذا فنيت لذات بغداد
وكيف بالحج لي ما دمت منغمسا ... في بيت قوادةٍ أو بيت نباذ؟
ومثله قول الآخر:
ألم ترني وبشار حججنا ... وكان الحج من خير التجارة؟
خرجنا طالبي سفر بعيد ... فمال بنا الطريق إلى زرارة
فآب الناس قد حجوا وبروا ... وأبنا موقرين من الخسارة!
ونحوه ما يحكى أنَّ موسى بن داود الهاشمي عزم على الحج، فقال لأبي دلامة:
احجج معي ولك عشرة آلاف درهم! فقال له: هاتها! فدفعها إليه فقبضها وهرب إلى
(3/23)

السواد، فجعل ينفقها هنالك في شرب الخمر. فطلبه موسى فلم يجده وخشي فوت الحج فخرج. فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة خارجا من قرية إلى أخرى سكران. فأمر به فأخذوه وقيد وطرح في محمل بين يديه. فلما سار غير بعيد اقبل على موسى وقال:
يا أيها الناس قولوا أجمعون معا: ... صلى الإله على موسى بن داود
كأنَّ ديباجتي خديه من ذهبٍ ... إذا بذلك في أثوابه السود
إني أعوذ بداود وأعظمه ... من أنَّ أكلف حجا يا أبن داود
خبرت أنَّ طريق الحج معطشة ... من الشراب وما بتصريد
والله ما في من أجر فتطلبه ... ولا الثناء على ديني بمحمود!
فقال موسى: ألقوه على المحمل، لعنه الله! فألقي به إلى قصفة بالسواد حتى أنفق المال. وقد قلت أنا قصيدة أكثرها يتعلق بالباب، فأثبت هنا، وهي:
هام الفؤاد بسعدي بعدما نزحت ... وأصبح الصبر عنها وهو مجذوذ
والعين منها سوابق الدموع على ... ميدان خد رديات مهابيذ
وأصبحت في الحشى من بينها حرق ... يصلى بها لن جراحات مغاذيذ
كأنما القلب إذ بانت ركائبها ... من الجوى صلب في النار محنوذ
وكنت قدما بها في روضة أنف ... من الوداد ثراها الدهر مرذوذ
أيام ورد المنى عذب مشاربه ... وغصن الود مهصور ومجبوذ
وإذ غفت مقل الأحداث وابتسمت ... سن المنى ولنا في الدهر تلميد
(3/24)

فلم يدم والغواني عهد وصلتها ... آل: من أغتر منه فهو موقوذ
لو إنّها أحكمت حبل الوصال مسا ... لم يأته الصبح إلاّ وهو مهذوذ
وما يمنين من جدوى ومن صلةٍ ... خضراء في الحزن مرعاها معاويذ
إنَّ الهوى لجة سهل مشارعها ... لكن يعز بها ناجٍ ومنقوذ
وما الفتى غير خلو عن عمايته ... ذو همة ذيله للجد مشموذ
عاط كؤوس رشاد لا كؤوس الهوى ... فالغي مطرح والرشاد مأخوذ
سام إلى كل ما يعلى مزاوله ... كما سما عن حضيض الأرض خنذيذ
فالعون مورده مر مذاقته ... وإنَّ حلا وأجاج العز ملذوذ
وما المنى بالهوى يجرين بل بمنى ... ما أحد كل ما يرجوه مفلوذ
والدهر مخلوجة أحداثه تركت ... فكر اللبيب لديها وهو مبذوذ
دجى حوالك لا يجلو مغالقها ... إلاّ فطين ذكي القلب خنذيذ
وللمفكر آيات تبصره ... لا يقطع السيف إلاّ وهو مشحوذ
والناس في الحب أخياف وأكثرهم ... وإنَّ بدا منهم ود ملاويذ
بور مناكيس لا يزكوا معاشرهم ... جريب يعادون عرا كلما حوذوا
فلا منوح نوالا إنَّ هم سئلوا ... في الجهل عندهم التحقيق منبوذ
سبحان إنَّ ليس يحز وفر الغنى حصير ... وباقل عندهم إنَّ جد خنذيذ
(3/25)

فلا تثق إنَّ هم ذموا وإنَّ مدحوا: ... فهم عن الرشد عمي أو مماليذ
والصدق أشرف خيم أنت لابسه ... وخير ما يحتلي الصيد المشاويذ
وخير ذخر الفتى دهر قناعته ... فذاك أوثق ما عض النواجيذ
وعفة وندى يحمي مسارحه ... إنَّ تتحاماه ألسن ملاجيذ
والمرء يمضي ويبقي بعده نبأ ... مدح يخلد أو نيل منافيذ
والموت حتم لديه الكل مرتهن ... إذا أتى الحتم لم تجد التعاويذ
وقلت أيضاً:
تحل بسبط الخلق واحتمل الأذى ... من الناس إنَّ عاشرتهم ودع البذا
وكن مغضيا عما يريبك باذلاً ... نداك ولا تغلل يديك فتنبذا
فإنَّ بني الدنيا بنو الحاج ما أجتنوا ... من العود إلاّ مثمرا غصنه غذا
وإني رأيت الحوض يغشى إذا صفا ... ويلقى إذا كان المشوب أو الوذا
وللنحل فضلا دون كل ذبابةٍ ... وللمسك والكافور عم كل ذي شذا
على أنَّ هذا الجيل آساد بيشة ... ملاذك منهم للحسام مشحذا
متى تعتلق أظفارهم كاهل أمرئ ... أصاروه رهنا للبلايا وللأذا
وإنَّ يعلقوا قلبا أعاروه حيرة ... وإنَّ يركبوا ظهرا تفتا أو ارتذا
فمن يستطع عنهم نوى فليجافهم ... بعاد ومن ألفى معاذاً تعوذا
فإنَّ البحار الخضر تحمى ظهورها ... زخورا وتعلوها مع الركدة الشذا
وتعدوا على الشاء الذياب بلا حمى ... وأكبادها من مربض الليث تهتذا
وما ذل إلاّ الفقع يوطأ بقرقر ... وإلاّ حمار الحي إنَّ رمته خذا
(3/26)

وذو الهمة العلياء من ليس جاعلا ... مقادته للجاهل النذل مأخذا
ولا تارك الأقذار تعلوا ذيولته ... إليه ولا في عرضه الناس لجذا
ولنكتف بهذا المقدار. من هذا المضمار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل!
(3/27)

باب الراء
أراك بشرا، ما أحار مشفر.
الرؤية: الإبصار. تقول: رأيت الشيء أراه. وأصله أرءاه، فألقيت حركة الهمزة على الراء وحذفت الهمزة. والعرب يلتزمون النقل في هذه الكلمة إلاّ تيم اللات. قال شاعرهم:
أري عيني ما لم ترءياه: ... كلانا عالم بالترهات
والبشر بفتحتين: الإنسان، وظاهر الجلد كالبشرة، وهو المراد. والحور. الرجوع، وأحارة: رده، وتقول: طحنت فمما أحارت شيئاً، أي فما ردت شيئاً من الدقيق. والمشفر بوزن منبر، ويفتح للبعير بمنزلة الشفة للإنسان.
ومعنى المثل أنَّ رؤية الظاهر تغنيك عن رؤية الباطن. وأصله في البعير، وانك إذا رأيت بشرته وجسمه دلك ما به من سمن أو هزال، على ما احار مشفره، أي على كيفية أكله.

أريها السهى وتريني القمر!
الرؤية مرث، والسهى بالضم والقصر نجم خفي في بنات نعش الصغرى. والقمر معروف وجمع بينه وبين السهى لمّا بين وصفيهما من المقابلة بالتضاد، لأنَّ القمر غاية الظهور، والسهى في غاية الخفاء. فضرب بهما المثل في الأمر الجلي والخفي.
وهذا المثل يصح لك إنَّ تضربه من ترمز له وتشير وهو يفصح، أو في من تنحو به منحى اللطائف والدقائق وهو يتبع الظواهر، أو من تأتيه بالأمر المستغرب العزيز ويأتيك بالأمر المبتذل المطروق، ونحو ذلك، والله اعلم!
(3/29)

رأي الشيخ خير من مشهد الغلام.
الرأي: الاعتقاد، والجمع آراء ورئى. والشيخ والغلام معروفان. وهذا الكلام يحكي عن علي، كرم الله وجهه، وهو تفضيل للسن، في ملاقاة الخطوب، على الشباب.
وللعرب في هذا مذهبان: تارة يمتدحون بالسن والتجريب، وتارة بالشباب والقوة. فمن الأول كلام علي المذكور، وقول الشاعر وهو زهير بن مسعود:
فلم أرقه إنَّ ينج منها، وإنَّ يمت ... فطعنة لاغس ولا بمغمر
الغس: اللئيم والمغمر: الذي لا تجريب له ولا سن. وقول إلي الطيب:
سأطلب حقي بالقنا ومشائخٍ ... كأنهم من طول ما التمثوا مرد
ومن ذلك قول حارثة بن سراقة الكندي، حين منعوه الزكاة أيام الردة: يمنعها شيخ بخديه شيب، لا يحذر الريب. ومن الثاني قول عامر بن الطفيل يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: والله لأمنعنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا! وذلك لحالتين مختلفتين: فأنهم إذا أرادوا الحزم وحسن الذي رأي والتدبير والتأني والثبات إذا اشتدت الخطوب، فالشيوخ أولى؛ وإذا أرادوا الجلادة والقوة، فالشباب أولى، مع أنَّ كلا من الأمرين قد يوجد في كل من الطرفين: فانه كما لا خير في رأي الشباب الغمر الجاهل، لا خير في رأي الشيخ الخرف. ومن ثم قيل في الحكمة: إياك ومشاورة شاب معجب برأيه، أو كبير قد أخذ الدهر من عقله كما أخذ من جسمه! وأما قول قطري بن الفجاءة:
ولقد أراني للرمح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي
حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أحناء سرجي أو عنان لجامي
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الأقدام
فقد فسر بمعنين: أحدهما وهو الظاهر من العبارة إنّه يقول: انصرفت وقد أصبت من أعدائي ما أحب من القتل والفتك والكناية، ولم أصب أنا منهم، بل انصرفت سالما وأنا جذع البصيرة، أي قويها، كامل المريرة، لم يضعف عزمي ولا هنت بنيتي بما أصاب
(3/30)

جسمي من الجراحة، وأنا أيضاً قارح الأقداح أي كامله شديده لأنَّ القارح من الخيل الذي تناهت سنه وكملت قوته.
والثاني هي الخفي أنه يقول: أصبت من الأعداء وانصرفت عنهم وأنا لم أصب أي لم أوجد جذع البصيرة قارح الأقدام بل وجدت قارح البصيرة جذع الأقدام؛ لأنَّ بصيرة القارح المجرب هي التي لا تضطرب ولا تستحيل وبصيرة الجذع أي الصغير لا تثبت ولا تدوم وإقدام الجذع قوي ماض لأنّه لا ينثني ولا يردعه شيء.
واستظهار هذا التفسير الثاني الذي امتدح فيه بالسن على الأول الجلي إنّه يستحيل أن يقول: انصرفت ولم أصب من أعدائي بشيء. وكيف وهو يقول قبله: حتى خصبت بما تحذر من دمي: أحناء سرجي؟ فهذا اعتراف بأنه أصيب بالجرح. فكيف ينقض كلاوه؟ وأجيب من قبل أهل المذهب الأول بأنه أراد بقوله: لم اصب لم أقتل. يقال: فلان أصيب أي قتل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في أمرئه: أميركم زيد: فإنَّ أصيب فجعفر فإنَّ أصيب فعبد الله بن رواحة. فقتلوا كلهم.
وقال أصحاب الرأي الثاني: كيف يحسن منه أن يقول: أقتل وهو ينشدهم الشعر والمصيبة تطلق على أعم من القتل؟ قال تعالى:) الذين أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنَّا لله وإنَّ إليه راجعون (.
قلت: وهذا الكلام ضعيف إذ لا مانع من أن يقول افتخارا: قتلتهم وأهلكتهم ولم يقتلوني. وأما عموم المصيبة فغير مانع من التخصيص بقرينة المقام وسياق الكلام مع أن استنكافه من يكون إقدامه قارح ورضاه بإقدام الجذع مخول فإنَّ العرب ما زالت تفضل القارح على الجذع كما قال زهير:
يفضله إذا اجتهدا عليها ... تمام السن منه والذكاء
ولذلك قيل في المثل: مذكية تقاس بالجذاع. وقيل أيضاً: جري المذكيات غلابٌ، ة قد تقدم في هذا الكتاب معاً.
وقول زهير بن مسعود السابق: فلم أرقه إن ينج منها يريد الطعنة التي طعن.
(3/31)

وقبل البيت:
عشية غادرت الجليس كأنما ... على النحر منه لون بردٍ محبرِ
جمعت له كفي بلدنٍ يزينه ... سنان كمصباح الدجى المستعرِ
فلم أرقه " البيت " وإنّما قال هذا لأنَّ العرب كانت تزعم أنَّ المطعون يبرأ إذا نفث عليه الطاعن ورقاه. قال عنترة:
فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحق له الفقدُ
وقال عمرو بن ثعلب الشيباني:
أتبعته طعنة مرةً ... يسيل على النحر منها صبيبُ
فإن ينجُ منها فلم أرقه ... وإن قتلته فجرحٌ رعيبُ

ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل؟
الفتيان جمع فتى. ودخل الرجل بالفتح والكسر: نيته ومذهبه من جميع أمره. وكذا دخيله ودخلله ودخيلاؤه.
ومعنى المثل أنك قد ترى الرجال حسان الظواهر والزي ولا تعرف حقيقة أمرهم وحال باطنهم. يضرب لمن له منظر حسن ولا خير عنده.
قيل: وأوّل من نطق به غنمة أو عثمة بنت مطرود البجلية وكانت امرأة عاقلة ذات رأي مسموع في قومها. وكانت لها أخت يقال لها خود ذات جمال وكمال. فقدم عليهم ذات مرة خمسة أخوة من غامد بطن من أزد يخطبون أختها خودا وهم في زي مونق لابسو الحلل اليمانية على النجائب المهرية والرحال العلافية مكسوة بالثياب العبقرية. فأنزلهم أبوها وأكرمهم. ثم غدوا عليه خاطبين معهم الشعثاء كاهنة لهم. فقال لهم مطرود: أقيموا حتى نرى رأينا. ثم دخل على بنته فقال: ما ترين؟ فقالت: أنكحني على قدري ولا تشطط في وهري: فإن تخط أحلامهم لا تخط أحسابهم. لعلي أصيب ولدا وأكثر عددا! فخرج إليهم وقال لهم: اخبروني عن أفضلكم؟ فقالت له الشعثاء: اسمع أخبرك عنهم! هم أخوة كلهم أسوة. أما الكبير فعمرو بحر غمر،
(3/32)

سيد صقر يقصر دونه الفخر؛ وأما الذي يليه فعاصم صلد صارم أبي حازم جيشه غانم وجاره سالم؛ وأما الذي يليه فوثاب ليث غاب سريع الجواب عتيد الصواب كريم النصاب؛ وأما الذي يليه فمدرك بذول لمّا يملك عزوف عما يترك يغني ويهلك؛ وأما الذي يليه فجندل مقل لمّا يحمل يعطي ويبذل لا يخيم ولا ينكل. فأبلغها أباها ذلك فشاورت أختها غنمة فيهم فقالت: ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل؟ اسمعي كلمة ناصحة: إنَّ شر الغريبة يعلن وخيرها يدفن فأنكحي في القرباء ولا تغررك أجسام الغرباء! فلم تقبل منها وأرسلت إلى أبيها: أنكحني مدركا. فأنكحها منه على مائة بعير برعاتها. فحملها مدرك فلم يلبث معها إلاّ قليلا حتى أغار على غامد فوارس من بني كنانة فاقتتلوا ساعة ثم انكشف زوجها وقومه فسباها بنو مالك أبن كنانة فيمن سبوا وجعلت تبكي. فقيل لها: وما يبكيك؟ أعلى فراق زوجك؟ قالت: قبحه الله! قالوا: لقد كان جميلا. قالت: قبح الله جماله لا منعة معه! إنّما أبكي على عصياني أختي. وأخبرتهم خبرها. فقال رجل منهم يقال له أبو نواي وكان أسود أفوه مضطرب الخلق: أترضين بي على أن أمنعك من ذؤبان العرب؟ فقالت لأصحابه: أنَّ كذلك هو؟ قالوا: نعم! إنه مع ما ترين ليمنع الخليلة وينقب القبيلة. قالت: هذا أجمل جمالا وأكمل كمالا قد رضيت إياه. وقال الشاعر:
ترى الفتيان كالنخل ... وما يدريك ما الدخلُ؟
وكلٌ في الهوى ليثٌ ... وما في نلبه فسلُ
وليس الشأن في الوصل ... ولكن أن يرى الفضلُ!
وقالت الأخرى:
وقالت قولةً أخني ... وحجوا لها عقلُ
ترى الفتيان كالنخل ... وما يدرك ما الدخل؟

أرى القدر، سابق الحذر
هذا المثل ظاهر المعنى وهو من كلام جذيمة الأبرش وسبق في شرح قصته مع الزباء.
(3/33)

أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى.
يضرب عند التردد في الأمر. وأصله أنَّ الرجل مثلا إذا قام ليذهب إلى جهة ثم يبدو له ويتحير فتارة يريد الذهاب فيقدم وتارة لا يريد فيؤخر. وهذا ظاهر في المقصود لكن قولهم: يقدم رجلاً ويؤخر أخرى يحتمل باعتبار دلالة عبارته في أصلها أربعة أمور: إحداها أن يكون المعنى أنه يقف في مكانه ويحرك إحدى رجليه: فتارة يقدمها لأرادة الذهاب وتارة يؤخرها رجوعا عن الذهاب حتى توازي أختها مكا كانت أولا. وعلى هذا فلفظ الأخرى فيه تجوز بأن يجعل الشخص الواحد متعددا حالتيه ولفظ التأخير أيضاً لم يصح فيه إلاّ بالنسبة.
الثاني أن يكون المعنى أنه يقدم رجلا لأرادة الذهاب ثم يبدو له أن لا يذهب فيبقى واقفا على تلك الحال إحدى رجليه متقدمة والأخرى متأخرة عنها. وعلى هذا ففي لفظ التأخير تجوز إذ معناه إبقاؤها متأخرة نحو: يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا على وجه.
الثالث أن يكون المعنى أنه يقدم إحدى رجليه إلى القدام ويؤخر الخرى إلى الوراء. وهذا ظاهر اللفظ ولكن لا وجه له ولا وجود من خارج.
الرابع أن يكون المعنى أنه يقدم إحدى رجليه وتبقى الأخرى متأخرة ثم يقدم هذه وتبقى الأخرى وهكذا. وهذا أيضاً ظاهر من اللفظ لكن لا يصح أيضاً هنا لأنّه حالة الماشي لا الوقوف المتردد. فقد علمت أنَّ في العبارة عند تفتيشها تجوزا وخفاء مع وضوح المراد.

أراك الكواكب بالنهار.
الكواكب: النجوم. وهي لا ترى عادة بالنهار لغلبة ضوء الشمس عليها فضرب المثل برؤيتها نهارا عند اشتداد الأمر وملاقاة ما لم يعتد ويضن أو غلبة الهم والحزن.
(3/34)

وأصل ذلك أنَّ الحرب إذا اشتدت ارتفع النقع وتراكم في الجو وسد الأفق واستحدث الظلام فربما ستر ضوء الشمس إذا كانت في أحد الجانبين فتظهر النجوم من الجانب البعيد عنها.
وزعموا أنَّ النجوم ظهرت يوم حليمة فضرب ذلك مثلا. قال طرفة بن العبد:
إن تنوله فقد تمنعه ... وتريه النجم يجري في الظهر
وقال الأعشى:
رجعت بما رمت مستحسراً ... ترى للكواكب ظهراً وميضا
وللفرزدق:
لعمري لقد سار أبن شيبة سيرةً ... أرتك نجوم الليل واضحةً تجري
فأصبحت قد صبحت على ظهر خالدٍ ... شآبيب لم يرسلن من سبل القطرِ
وهذا المثل باق اليوم في ألسنة العوام يقولون: أراني فلان النجوم في السماء أو النجوم في النهار إذا أراه شدة ومكرا وأناله من المكروه ما لم يعهد به ذكراً.

لأرينك لمحاً باصراً!
ويقال أيضاً: دون ذلك لمح باصر. يضرب في التهدد والايعاد. واللمح: النظر. فقيل: المعنى نظر مفزع وقيل هو النظر بتحديق شديد. وقيل: المعنى لأرينك نظراً صادقاً! وقال البكري: معنى المثل: لأرينك من أعادي لك أمرا واضحا جليا. وباصر في تأويل عيشة راضية أي مرضية وماء دافق أي مدفوق. وكذلك سر كاتم. انتهى.
وهو ظاهر لكن إذا تؤول الباصر فلا بد أن يتناول اللمح أيضاً. وكأنه لذلك فسر بالأمر الجلي الواضح ولا إشكال أنه يبصر.

الرأي مع الجماعة.
هذا أيضاً من كلام جذيمة في قصته السابقة كما مر وهو ظاهر.
(3/35)

أرى الموت في الغرائر السود.
الغرائر جمع غرارة بكسر الغين وهي الجوالق. والسود جمع سوداء.
وهذا الكلام للزباء حين رأت إبل قصير وعمرو موقرة بالرجال في الجوالق.
وتقدمت القصة مشروحة فلتراجع! وأطلقت الموت على سببه الفاعلي وهم الرجال القاتلون مجازاً.

أرنيها نَمِرَة أُرِكها مَطِرَة.
يقال: نمر السحاب بالكسر ينمر كفرح يفرح إذا صار أرقط على لون النمر وقولهم نمرة وصف للسحاب. وقياسه نمراء والمذكر أنمر كحمراء وأحمر كما قالوا للفرس أنمر إذا صار على لون النمر. وبكنهم جاءوا به على فعل نحو قوله تعالى:) فأخرجنا منه خضراً (أي أخضر. والمطر: ماء السحاب؛ ومطرتهم السحاب: أصابتهم بمطر؛ ويوم ممطر ومطر بوزن كتف: ذو مطر. ومعنى المثل: تكفل لي بوجود السحاب الأرقط وأنا أتكفل لك بالمطر حينئذ. يضرب لمّا يتيقن وقوعه إذا ظهرت مخائله ولاحت إمارته.

رُبَّ أخٍ لم تلدهُ أمك!
رب حرفٌ جار يدل على الكثرة والقلة معا أو على إحداهما فقط أو أكثر أو لا يدل على شيء منهما إلاّ بالقرائن خلاف شهير في النحو لا نطيل بذكره ولا بشواهده، والأخ معروف وفيه لغات معروفة.
وأصل المثل أنَّ لقمان بن عاد رأى مع امرأة رجلا يلاعبها وتلاعبهٍ خاليين ومعهما صبي صغير يبكي وهما مقبلان على شأنهما لا يكترثان به. فقال لها: من الرجل؟ قالت: أخي فقال حينئذ: رُبَّ أخٍ لم تلده أمك! تكذيبا لها في دعواها. يقال: إنه أخوك في الصداقة والمودة لا بالقرابة والنسب.
وقريب من هذه الحكاية ما حكي عن بعضهم أنه دخل عليه رجل نصراني ومعه
(3/36)

فتى وسيم من أهل ملته فقال له: من هذا الفتى؟ فقال: بعض إخواني. فأنشد حينئذ:
دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبانِ
دعتني أخاها بعد ما كان بيننا ... من الأمر ما لا يصنع الأخوانِ
وقال أيضاً في معنى هذا المثل: رُبَّ بعيدٍ أقرب من قريبِ. وقالوا: القريب من قرب نفعه. وقالوا: القريب من تقرب لا من تنسب. وقال حبيب:
ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم ... وبلوت ما وصفوا من الأسبابِ
فإذا القرابة لا تقرب قاطعاً ... وإذا المودة أقرب الأنسابِ
وقال أبن هرمة في نحو هذا:
هش إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدب الخدامِ
فإذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحامِ
غيره:
ذو الود مني وذو القربى بمنزلةٍ ... وإخواني أسوة عندي لخلاني
أحبة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكان واحدٍ وغدت ... أجسامنا بعراقٍ أو خراسانِ
وقال حبيب أيضاً:
أو نفترق نسباً يؤلف بيننا ... أدبٌ أقمناه مقام الوالدِ
وتقدم هذا وما يشبه وسيأتي أيضاً منه إن شاء الله تعالى

رُبَّ أكلةٍ منعت أكلاتٍ
الأكل معروف؛ والأكلة بالفتح: المرة منه وبالضم: شيء يؤكل وما يجعله الأكل في فيه.
والمعنى أنَّ الإنسان ربما أكل شيئاً فأداه إلى ترك الأكل مدة بهيضة وتخمة أو مرض مثلا. قال أبي هرمة:
(3/37)

وربت أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعةٍ أكلات دهرِ
وكم من طالبٍ يسعى لشيء ... وفيه هلاكه لو كان يدري!
ويضرب في كل من اقتحم شيئا يفوت عليه بسببه ما هو أكثر منه أو أشرف كمن رضي من عرض الدنيا الفاني بما فوت عليه من الآخرة ونعيمها المقيم عياذاً بالله!

رُبَّ رميةٍ من غير رامٍ.
الرمية فعلة من الرمي. يقال: رمى يرمي رميا ورمية ورمى السهم عن القوي وعلى القوس أيضاً رميا ورمية بالكسر ولا تقل: رميت بالقوس. ورماه مراماة ورماء؛ وارتمى القوم وتراموا.
ومعنى المثل أنَّ الغرض قد يصيبه من ليس من أهل الرماية. فيضرب عندما يتفق الشيء لمن ليس من شأنه أن يصدر منه. وقد يحذف رُبَّ فيقال: رمية من غير رامٍ.
ويذكر أنَّ المثل لحكيم بن عبد يغوث المنقري وكان من أرمى الناس. فحلف يوما ليعقرن الصيد حتما. فخرج بقوسه فرمى فلم يعقر شيئاً فبات ليله بأسوأ حال وفعل في اليوم الثاني كذلك فلم يعقر شيئاً فلما أصبح قال لقومه: ما أنتم صانعون؟ فإني قاتل اليوم نفسي إن لم أعقر مهاة! فقال له ابنه: يا أبت احملني معك أرفدك! فانطلقا فإذا هما بمهاة فرماها فأخطئها. ثم تعرضت له أخرى فقال له ابنه: يا أبت ناولني القوس! فغضب حكيم وهم أن يعلوه بها. فقال له ابنه: أحمد بحمدك فإنَّ سهمي سهمك! فناوله القوس فرماها الابن فلم يخطئ. فقال عند ذلك حكيم: رُبَّ رمية من غير رامٍ! وإلى هذه القصة أشار بعضهم بقوله:
رماها مطعمٌ من غير علمٍ ... بمس القوس لم يخطئ صلاها
وكان أبوه قد آلي عليها ... فلم يبرر أليته مهاها
ومطعم هو أبن حكيم المذكور. وقال أبن ظفر: هذا مثل عامي وأصله قولهم: مع الخواطئ سهمٌ صائبٌ.
(3/38)

رُبَّ ساعٍ لقاعدٍ.
الساعي: الكاسب سعى يسعى سعياً والقاعد ضده مجازاً من القعود الذي لزوم الأرض. ومعنى المثل أنَّ المرء ربما سعى في جمع المال أو إدراك الحاجة حتى إذا تهيأ ذلك رزقه بعض من لم يسعى فيه دون الساعي. فيضرب في اكتساب المرء ما لغيره من المال ونحوه.
وأوّل من قاله النابغة الذبياني وكان وفد على النعمان بن المنذر في وفود العرب ومنهم رجل من عبس يقال له شقيق فمات عنده. فلما حبا الوفود بعث إلى أهل شقيق مثل ما حبا به الوفود فقال النابغة: رُبَّ ساعٍ لقاعدٍ. وقال في يخاطب النعمان:
أبقيت للعبسي فضلا ونعمة ... ومحمدة من باقيات المحامدِ
أنى أهله منه حباءٌ ونعمةٌ ... ورُبَّ امرئ يسعى لآخر قاعدِ
وقيل: أوّل من قاله معاوية وذلك أنه قال يوماص لابنه يزيد بن معاوية: هل بقى في نفسك. من الدنيا؟ قال: نعم أم خالد! وهي امرأة عبد الله بن عامر بن كريز عامل معاوية على البصرة. فأمر عمرو بن العاصي أن يكتب إليه يشير عليه بالوفادة على أمير المؤمنين معاوية لعله يعمل له في تزويج بنته هند بنت معاوية. فخف لذلك أبن عامر حتى وصل إليه فأزلفه معاوية وقربه ثم غفل عنه. فساء ذلك عبد الله واشتكى إلى عمرو بن العاصي فقال عمرو إنّه كره أن يدخل بنته على ضرة فطلق أم خالد وأقام أياماً. فقال معاوية: إنَّ أهل البصرة تواترت كتبهم يذكرون اضطراباً في البلد! وأمره بالعود إلى عمله ووعده بإنفاذ ما ابتدأه فانصرف أبن عامر. فلما انقضت عدة أم خالد بعث معاوية أبا هريرة إلى المدينة يخطبها على يزيد. فلما دخل المدينة بدأ بالمسجد فصلى وألم بالقبر فسلم ودعا ثم مال إلى حلقة الحسن والحسين فسلم وقعد فسألوه فأخبرهم فقال له الحسن: اذكرني لها! فذهب حتى استأذن على أم خالد وخبرها بما بعث له وبما أوصاه به الحسن. فقالت: بأيهما تشير يا عماه؟ قال: أرددت الأمر إلي؟
(3/39)

قالت: نعم! قال: فأرى إلاّ تؤثري أحدا على من رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح فاه ويلثم ثناياه يعني الحسن رضي الله عنه وبلغ الخبر معاوية فقال: رُبَّ ساعٍ لقاعدٍ واعلمي أم خالد. وكأنه شعر من مجزر الخفيف. ونحوه قول الشاعر:
وما الناس إلاّ جامع لمضيعٍ ... وذو تعبٍ يسعى لآخر نائمِ!

رُبَّ سامعٍ خبري لم يسمع عذري
يضرب في العذر يكون لك ولا يمكنك أن تبديه. وهو ظاهر مادة وصورة. ومثل ذلك في المعنى قول منصور النمري:
لعل له عذراً وأنت تلوم: ... وكم من ملومٍ وهو غير مليمِ
يقال ألام يليم فهو مليم إذا أتى بما يلام عليه وليم فهو ملوم إذا عتب وعذل.

رُبَّ سامعٍ عذري لم يسمع قفوتي.
العذر بالكسر العذر كما مر في الهمزة. والقفوة: القذف. يقال: قفاه يقفوه قفواً إذا رماه بفجور. وفي الحديث: لا حدّثني إلاّ في القفو البين قاله في الصحاح. وقفاه أيضاً: رماه بقبيح. والاسم من ذلك كله قفوة بالكسر كما في المثل.
يضرب عند اعتذار المرء من شيء لم يعلم منه بعد فيكون ذلك الاعتذار تسميعا بنفسه. ويمكن أن يرد أحد المثلين إلى الآخر فيكون واحداً.
(3/40)

رُبَّ شدٍّ في الكرز!
الشد بالفتح: العدو وكذا الاشتداد. قال الراجز:
هذا أوان الشد ... فاشتدي زيم!
والكرز على مثل قفل: خرج الراعي ويسمى الكبش الذي يحمله الراعي علية الكراز. قال الراجز:
يا ليت أني وسبيعاً في غنم ... والخروج منها فوق كراز أجم!
ولا يكون الكراز فيما يزعمون إلاّ أجم لأنَّ الأقرن يشتغل بالنطاح عن حمله.
وذكر ابن علي القالي في النوادر أنَّ الكرز الجوالق والأول هو المعروف.
وأصل المثل أنَّ رجلا خرج يركض فرسا فألقت مهراً فأخذه وجعله في كرز بين يديه. فقال له رجل: لم تحمله؟ وما تصنع به؟ فقال: رُبَّ شد في الكرز! أي رُبَّ عدو وسبق واشتداد في هذا المهر الذي في الكرز كما قد كان ذلك في أمه! فذهبت مثلا يضرب في الرجل ونحوه يحتقر عندك وله مخبر تعلم به أنت. وإنّما جعل الشد في الكرز على طريق الكنانة لأنَّ ذا الشد فيه كما قال الأول:
إنَّ السماحة والمروءة والندى ... في قبةٍ ضربت على أبن الحشرجِ
والآخر:
إن السماحة والمروءة ضمنا ... قبراً بمرؤ على الطريق الواضحِ

رُبَّ صلفٍ تحت الراعدةِ.
الصلف: قلة النزل في الطعام وقلة الماء. يقال: سحاب صلف على مثل كتف: كثير الرعد قليل الماء؛ والراعدة: السحاب ذات الرعد.
والمعنى أنَّ السحاب ربما رعدت ولم يكن منها خير. يضرب للبخيل مع سعة ذات اليد. وقيل للرجل يكثر الكلام والمدح لنفسه ولا خير عنده. وقيل لمن يتوعد ثم لا يقوم به وهو صالح للكل. وقد اعترض على قائل الأول بان السحاب إذا كثر فيها الماء لم يقل لها صلف.
(3/41)

قلت: يعني فلا يشبه بها الرجل الكثير المال لبخله. ويجاب بأن قلة الماء المسمى بالصلف إنّما هو باعتبار النزول إلى الأرض. فصح تشبيه البخيل بذلك وإن مثر ماله باعتبار قلة ما يخرج من يده. وإن أريد بالصلف أن لا يكون ماء في السحابة نفسها أصلا فالمراد حينئذ التشبيه باعتبار ما فيها من أصوات الرعد والبرق فإنه مظنة السقي؛ كما أنَّ كثرة المال مظنة النفع. وضمن هذا المثل أبن الشبل البغدادي ذا يقول:
صحة المرء للسقام طريقٌ ... وطريق الفنا هو البقاءُ
بالذي نغتذي نموت ونحيى ... أقتل الداء للنفس الدواءُ
ما لقينا من غدر دنيا فلا كا ... نت ولا كان أخذها والعطاءُ
صلفٌ تحت راعدٍ وسحابٌ ... كرعت منه مومسٌ خرقاءُ
راجعٌ جودها عليها فمهما ... يهب الصبح يسترد المساءُ
ليت شعري حلمٌ تمر به الأيام ... أم ليس تعقل الأشياءُ
من فساد يكون في عالم الكون ... فما للنفوس منها اتقاءُ
وقليلاً ما تصحب المهجة الجسم ... ففيم الشقا وفيم العناءُ
قبح اله لذة لشقانا ... نالها الأمهات والآباءُ
نحن لولا المجود لم نألم الفقد ... فإجادها علينا بلاءُ
وضمنته أنا أيضاً في قصيدة يأتي في هذا الباب فقلت:
ولربَّ ذي رعدٍ على صلفٍ ... ومهدرٍ في العنة الحجرِ

رُبَّ طمع يهدي إلى طبع.
الطمع: الحرص طمع فيه بالكسر طمعا وطماعا وطماعية، والطبع بفتحتين: الدنس والوسخ الشديد والشين والعيب.
والمعنى أنَّ الطمع لا يزال بصاحبه حتى يتلطخ بكل ريب ويتلوث بكل عيب. قال: الشاعر:
(3/42)

لا خير في طمع يهدي إلى طبع ... وغفةٌ من قوام العيش تكفيني
الغفة بضم الغين المعجمة بعدها فاء: البلغة من العيش. ويقال للفأر أيضاً لأنّه بلغة للسنور. وأما العفة بالعين المهملة المضمومة فهي بقية اللبن في الضرع ومعناه صحيح في البيت أيضاً. وسيأتي ما في ذم الطمع والحرص مستوفي إن شاء الله تعالى.

رُبَّ عجلةٍ تهبُ ريثاً.
العجلة معروفة. يقال: عجل بالكسر يعجل عجلاً وعجلة فهو عجل بالكسر وعجلان؛ والهبة: العطية. وهب الشيء يهبه بالفتح فيهما هبة. والريث بالمثلثة: البطء. يقال: راث ريثاً. أي رُبَّ عجلة منك تعطيك ريثا وتهب لك بطئاً.
والمعنى أنَّ الرجل ربما عجل في أمر ليفعله سريعا فأداه عجله إلى البطء وذلك بسبب تضييع ما ينبغي أن يحافظ عليه فيضطر إلى العودة إليه ثانيا. وعبر بلفظ الهبة مجازا لمّا كان ذلك سببا لذلك.
ويقال في المثل: رُبَّ عجلة وهبت ريثا وتهب ريثا بلفظ الماضي والمضارع والمعنى واحد.
ورأيت في نسخة عتيقة من نوادر أبي علي القالي: تهب ريثا مضموم الهاء مشدد الباء بضبط القلم على إنّه من الهبوب. وهو يفيد المعنى غير أنَّ الأول أوضح في المقصد وكأنَّ هذا تصحيف والله اعلم. وهذا المثل في ألسنة العوام اليوم موجود معناة يقولون: من عجل أبطأ.

رُبَّ قول أشد من صول.
القول معروف والصول: القهر والسطوة والاستطالة. صال عليه يصول صولا. والمعنى إنّه رُبَّ كلام يعاب به الإنسان هو أشد عليه من الصولة. وهذا من كلام أكثم بن صيفي.
(3/43)

ويحكى في مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم إنّه لمّا هجاه المشركون قال لحسان رضي الله عنه: اهجهم، فهجاؤك اشد عليهم من وقع السهام في غبش الظلام! ومثله قول الشاعر: القول ينفذ من مالا تنفذ الإبر وقول الآخر:
وقد يرجى لجرح السيف برء ... وجرح الدهر ما جرح اللسان
وقالوا: اللسان، أجرح جوارح الإنسان.
وقال الصاحب: حفظ اللسان، راحة الإنسان، فحفظه حفظ الشكر للإحسان، فآفة الإنسان في اللسان! وقال امرؤ القيس:
إذا المرء لم يحزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان

رب مملول لا يستطيع فراقه.
الملل معروف. وهذا من كلام أبي الأسود، وكان دخل في ثوب خلق على بعض أصدقائه. فلما رآه قال له: يا أبا الأسود آن لهذا الثوب أنَّ يبدل؟ فقال أبو الأسود: رب مملولٍ. . الخ. ثم أرسل إليه بعد ذلك أثوابا. فقال أبو الأسود يمدحه:
كساك ولم تستكسه فشكرته ... أخ لك يعطيك الجزيل وياصر
وإنَّ أحق الناس إنَّ كنت شاكرا ... بشكرك من أعطاك والوجه وافر

الرباح، مع السماح.
الرباح والربح واحد. قال الشاعر:
رأيت التقى والجود خير تجارةٍ ... رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
والسماح والسماحة: والجود والكرم.
(3/44)

والمعنى إنَّ السماح يربح. ويأتي إن شاء الله ما في هذا المعنى.

أربع على ظلعك!
يقال: ربع يربع إذا وقف وتحبس. ويقال أربع على نفسك، أي ارفق. وفي الحديث: أربعوا على أنفسهم! والظلع بالظاء المشالة في البعير ونحوه: غمزة برجله في مشيته. يقال: ظلع البير بالفتح يظلع.
قال أبو ذؤيب يذكر فرسا:
يعدوا به نهش المشاش كأنه ... صدع سليم رجعه لا يظلع
فهو ظالع والأنثى ظالعة.
وقول النابغة الذبياني:
أتوعد عبدا لم يخنك أمانة ... وتترك عبدا ظالما وهو ظالع
يروى بالمشالة وفسر بالجائر المذنب، من الظالع في البعير، وهو غمز برجله لداءٍ يصيبه، وبالضاد المعجمة، وهو الجائر المائل عن الحق.
ومعنى المثل انك ظالع، فأرفق بنفسك في مشيتك لأجل ما بك من الظلع! فيضرب للضعيف، وإنّه ينبغي له أنَّ ينتهي عما لا يطيق.
وحكى أبو علي إنّه اجتمع طريف بن العاصي الدوسي والحارث بن ذبيان عند بعض مقاول حمير فتفاخر، فقال الملك للحارث: يا حار، ألا تخبرني بالسبب الذي أخرجكم من قومكم حتى لحقتم بالنمر بن عثمان؟ فقال: أخبرك أيّها الملك: خرج هيجان منا يرعيان غنما لهما، فتشاولا بسيفهما، فأصاب صاحبهم عقب صاحبنا، فعاث فيه السيف فنزف فمات. فسألونا أخذ دية صاحبنا دية الهجين، وهي نصف دية الصريح، فأبى قومي، وكان لنا رباء عليهم، فأبينا إلاّ دية الصريح، وأبوا إلاّ دية الهجين.
(3/45)

وكان اسم هجيننا بن زبراء صاحبهم عنقش بن مهيرة، وهي سوداء أيضاً. فتفاقم الأمرين الحيين، فقال رجل منا:
حلومكم يا قوم لا تعزبنها ... ولا تقطعوا أرحامكم بالتدابر
وأودى إلى الأقوام عقل أبن عمهم ... ولا ترهقونهم سبة في العشائر
فإنَّ أبن زبراء الذي فاد لم يكن ... بدون حليف أو أسيد بن جابر
فإنَّ لم تعطوا الحق فالسيف بيننا ... وبينكم والسيف أجور جائر
فتضافروا علينا حسدا، فأجمع ذوو الحجا منا أن نلحق بطن من الأزد، فلحقنا بالنمر بن عثمان. فوالله ما فت في أعضادنا نأينا عنهم، ولقد أثارنا بصاحبنا وهم رأغمون، فوثب طريف بن العاصي من مجلسه، فجلس بازاء الحارث ثم قال: تالله ما سمعت كاليوم قولا أبعد من الصواب، ولا اقرب من خطل، ولا أجلب لقذع، من قول هذا. والله، أيها الملك، ما قتلوا بهجينهم بذجا، ولا رموا ودجا، ولا أنطوا به عقلا، ولا اجتفروا به خشلا. ولقد أخرجهم الحق عن أصلهم، وأجلاهم عن محلهم، حتى الإزعاج، ولجئوا إلى ضيق الولاج، قلا وذلا! فقال الحارث: أتسمع يا طريف؟ وإني والله ما أخالك كافا غرب لسانك، ولا منهنها شرة نزوانك، حتى أسطو بك سطوة تكف طماحك، وترد جماحك، وتكبت تترعك، وتقمع تسرعك! فقال طريف: مهلا يا حار، لا تعرض لطمحة استناني، وذرب سناني شبابي، وميسم سبابي، فتكون كالأظل الموطوء، والعجب الموجوء! فقال الحارث: إياي تخاطب بهذا القول؟ فوالله لو وطئتك لأسختك، ولو وهطتك لآوهطك، ولو نفحتك لأفدتك! فقال طريف متمثلا:
وإنَّ كلام المرء في غير كنهه ... لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها!
أما والأصنام المحجوبة، والأنصاب المنصوبة، لئن لم تربع على ظلع وتقف عند قدرك، لأدعن حزنك سهلا، وغمرك ضحلا، وصفاك وحلا! فقال الحارث: أما والله لورمت ذلك لمرغت بالحضيض، وأعصصت بالجريض، وضاقت عليك الرحاب، وتقطعت بك الأسباب، ولألفيت لقنى تهاداه الروامس، بالسهب الطامس
(3/46)

فقال طريف: دون ما ناجتك به نفسك مقارعة أبطال، وحياض أهوال، وحفز إعجال، يمنع معه تطأ من الإمهال! فقال الملك: أيّها عنكما، فما رأيت كاليوم نقال رجلين لم يقصبا ولم يثلبا، ولم يلصوا ولم يقفوا! انتهى.
قوله: مقاول، والمقاول: الملوك دون الملك الأعظم؛ وكذا الأقيال والأقوال. وقال امرؤ القيس:
وماذا عليه إنَّ ذكرت أوانسا ... كغزلان رمل في محاريب أقوال؟
وتشاولا: تضاربا؛ وعاث السيف: افسد: ونزف: سال دمه حتى ضعف. والهجين من الناس: الذي أبوه عربي وأمه غير عربية؛ والمقرف عكسه؛ والصريح: الخالص الطرفين، والرباء: زيادة العقل: الدية وأرهقه: كلفته، وفاد: مات. قال لبيد:
رعى خزرات المكل عشرين حجة ... وعشرين حتى فاد والشيب شامل
وفت: أوهى وأضعف، وأثارنا: افتعلنا، من الثأر، والخطل: الخطأ، والقذع: الكلام القبيح، والبذج: الخروف، الفارسي معرب، وأنطوا: أعطوا. قال الأعشى:
جياد في الصيف في نعمةٍ ... تصان الجلال وتنطى الشعيرا
واجتفؤوا: صرعوا، يقال: جفاه إذا صرعه، والخشل مسكنا ومحركا شجر المقل الواحد خشلة، والقل: القلة والذل: الذلة، والنزوالن: الوثوب: والتترع: التسرع إلى الشر، يقال: تترع تترعا إذا كان سريعا إلى الشر، وطمحة السيل: دفعته، والذرب: الحدة، والأظل: اسفل خف البعير، والعجب: أصل الذئب، وهصته: كسرته؛ وأوهطته: صرعته؛ وتربع: تكف وترفق، كما مر، والظلع: الغمز؛ والضحل: الماء القليل، والضيض: القرار الأسفل، والروامس: الرياح، ترمس، أي تدفن. والحفر: الدفع. وقول الملك: يقصبا، أي يشتما، والقصب: القطع ويلصوا: يقذا، يقال: لصا إليه إذا أنضم إليه لريبة، ولصا المرأة يلصوها: قذفها، ويقفوا: يرميا بالقبيح، قفوته أقفوه: رميته بالقبيح أو قذفته.
وذكر الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في الأحياء إنَّ عمر بن هبيرة دعا بفقهاء أهل البصرة وأهل الكوفة وأهل المدينة وأهل الشام وقرائها، فجعل يسألهم، وكلهم عامراص الشعبي، فجعل لا يسأله عن شيء إلاّ وجد عنده فيه علما. ثم أقبل على الحسن البصري، فسأله
(3/47)

ثم قال: هما هذان: هذا رجل أهل الكوفة يعني الشعبي وهذا رجل أهل البصرة يعني الحسن. فأمر الحاجب، فأخرج الناس وخلا بالشعبي والحسن. فأقبل على الشعبي وقال: يا أبا عمرو، إني أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم، فأنا احب حفظهم وتعهد ما يصلحهم من النصيحة لهم. وقد يبلغني عن العصابة من أهل الديار الأمر أخذ عليهم فأقبض طائفة فأضعه في بيت المال ومن نيتي إني رد عليهم، فيبلغ أمير المؤمنين إني قبضته على ذلك من النحو، فيكتب إلي أنَّ لا ترده، فلا أستطيع رد أمره ولا إنفاذ كتابه، وإنّما أنا رجل مأمور على الطاعة، فهل علي في هذا تبعة وفي أشباهه من الأمور، والنية فيها على ما ذكرت؟ قال الشعبي: فقلت، أصلح الله الأمير، إنّما السلطان والدي يخطئ ويصيب. قال: فسر بقولي وأعجب له ورأيت البشر في وجهه، قال: فلله الحمد! ثم أقبل على الحسن فقال: ما تقول يا أبا سعيد؟ قد سمعت قول الأمير يقول إنَّه أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليه ورجل مأمور على الطاعة أبتليت بالرعية ولزمني حقهم والنصيحة لهم والتعهد لمّا يصلحهم، وحق الرعية لازم لك وحق أنَّ تحوطهم بالنصيحة. وإني سمعت عبد الرحمان ب سمرة القرشي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من استرعي رعية فلم يحفظها بالنصيحة حرم عليه الجنة. وتقول إنّما قبضت من عطاياهم إرادة صلاحهم واستبطالهم وإنَّ يرجعوا إلى طاعتهم، فيبلغ أمير المؤمنين إني قبضتها على ذلك النحوا فيكتب إلي إنَّ لا ترده، فلا أستطيع رد أمره ولا أستطيع إنفاذ كتابه، وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين، والله أحق أنَّ تطيع ولا طاعة في معصية الله. فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله غز وجل، فإنَّ وجدته موافقا لكتاب الله عز وجل فأنفذه! يا أبن هبيرة، واتق الله، فأنه يوشك إنَّ يأتيك رسول من رب العلمين يزيلك عن سريرك، ويخرجك عن سعة قصرك إلى مضيق فبرك، فتدع سلطانك ودينك خلف ظهرك، وتقدم على ربك وتنزل على عملك! يا أبن هبيرة وإنَّ الله
(3/48)

يمنعك من يزيد، وإنَّ يزيد لا يمنعك من الله، وإنَّ أمر الله فوق كل أمر، وإنّه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأس الله الذي لا يرده عن القوم المجرمين. فقال أبن هبيرة: أربع على ظلعك أيّها الشيخ عن ذكر أمير المؤمنين! فإنَّ أمير المؤمنين صاحب العلم وصاحب الحلم وصاحب الفضل؛ وإنّما ولاه الله ولاية هذه الأمة لعلمه به وما يعلم من فضله ونيته. قال الحسن، يا أبن هبيرة، الحساب من ورائك سوطا بسوط، وعصا بعصا، والله بالمرصاد. يا أبن هبيرة انك أنَّ تلقى من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر أخرتك خير من أنَّ تلفى رجلا يغرك ويمنيك!
فقام أبن هبيرة وقد بسر وجهه وتغير لونه. قال الشعبي: فقلت: يا أبا سعيد، أغضبت الأمير وأوغرت صدره وحرمتنا معروفه وصلته. قال: إليك عني يا عامر! قال: فخرجت إلى الحسن الطرف والتحف، وكانت له المنزلة، واستخف بنا وجفينا، فكان أهلا لمّا أدى إليه، وكنا أهلا أنَّ يفعل ذلك بنا. فما رأيت مثل الحسن فما رأيت من العلماء إلاّ مثال الفرس العربي بين المقاريف، وما شهدنا مشهدا إلاّ برز علينا، وقال لله عز وجل وقلنا مقاربة. قال عامر الشعبي: وأنا أعاهد الله أنَّ أشهد سلطانا بعد هذا المجلس فأجابه!

يرتع وسطا ويربض حجرة.
الترع معروف، وكذا الوسط. وتقدم ما فيه من الفرق: والرابض بفتحتين ما حول المدينة والجمع أرباض. قال:
حتى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الروم والصلبان والبيع
والربض أيضاً مأوى الغنم. قال العجاج يصف ثورا وحشيا: واعتاد أرباضا لها آري والربض أيضاً كان ما يأوي إليه الإنسان من أهل ومسكن ونحوه. قال:
جاء الشتاء ولمّا تخذ ربضاً ... يا ويح نفسي من حفر القراميص!
(3/49)

وربضت الشاة بالفتح تربض ربضا وربضة وربوضا، وهو في الشاة كالبروك في الإبل؛ والحجرة بالفتح فسكون: الناحية والجمع حجر وحجرات. وأما الحجرة بالضم فحظيرة الإبل والغرفة.
وهذا المثل يضرب في المرء يشاركك عند النعمة والرخاء والفرح، ويجنبك عند البلاء والكربة والاحتياج، تشبيها بالشاة تدخل الوسط عند الأكل، وعند الفراغ تعتزل إلى ناحية.

رجع بخفي حنينٍ.
الرجوع معروف. والخف بالضم: الذي يلبس، والجمع خفاف؛ والحنين كزبير إسكاف من أهل الحيرة، ساومه أعرابي خفين حتى أحرجه ولم يشترهما. فغضب الأسكاف ورجع بخفيه إلى طريق الأعرابي، فوضع أحد الخفين على الطريق، ثم مر ساعة فوضع الآخر، وكمن فجاء الأعرابي وقف على الخف الأول في الطريق فقال: ما أشبه هذا الخف بخفي حنين! لو كان معه الآخر لأخذتهما. ثم سار حتى وجد الآخر، فندم على أنَّ فرط في الأول، فأناخ راحلته وأخذ هذا وعقل راحلته ورجع إلى الأول ليأخذه، فخرج حنين إلى الراحلة فأخذها وما معها ومضى لوجهه. فجاء الأعرابي بالخفين إلى أهله، فإذا قيل له: بم جئت؟ قال: بخفي حنين، فضربوه مثلا لمن رجع بالخيبة وآب بالخسران.
وقيل: حنين هو رجل أدعى إلى أسد بن هاشم بن عبد مناف، فأتى عبد المطلب وعليه خفان أحمران، فقال: يا عم: أنا أبن أسد بن هاشم بن عبد مناف. فقال عبد المطلب: لا، وثياب هاشم! ما أعرف شمائل هاشم فيك، فارجع! فقالوا: رجع حنين بخفيه، فذهب مثلا.
وقيل هو لص إنَّ أخذ فصلب. فجاءت أمه نحوه وعليه خفان، فنزعتهما ورجعت فقبل: رجعت بخفي حنين، أي رضيت منه بذلك.

رجع بصحيفة الملتمس.
الصحيفة بفتح الصاد المهملة: الكتاب والجمع صحائف وصحف، على
(3/50)

غير قياس؛ والملتمس: شاعر معروف، وهو جرير لن عبد المسيح. ولقب بالملتمس لقوله:
وذلك أوان العرض طن ذبابه ... زنابيره والأزرق الملتمس
وصحيفته: كتاب كتب له عمرو بن هند يذهب إلى عامله بالبحرين ليقتل، وأوهمه أنَّ المكتوب فيها الحباء يأخذه من العامل. فضرب المثل بهذه الصحيفة لمن يستحصب هلاكه وهو يضنه نفعا.
وشرح هذه القصة أنَّ طرفة بن العبد الشاعر المشهور البكري الوائلي، هجا عمرو بن هند مضرط الحجارة لمتقدم ذكره قوله:
فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور
من زمرات أسبل قادمها ... وضرتها مركنة درور
يشاركنا لها رحلان فيها ... تعلوها الكباش فما تنور
لعمرك إنَّ قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير
قسمت الدهر في زمن رخي ... كذاك الدهر يقصد أو يجور
لنا يوم وللكروان يوم ... تطر المائسات وما نطير
فما يومنا فنظل ركبنا ... وقوفا ما نحل وما نسير
وما يومهن فيوم سوءٍ ... يطاردهن بالحدب الصقور
وتقدم بعض هذه الأبيات، وقوله قسمت الدهر، الخ. . إشارة إلى ما يحكى أنَّ عمرو بن هند كان دأبه أنه يصطاد يوما ويوما يقف الناس ببابه: فإنَّ اشتهى حديث رجل منهم أذن له. فلبث على ذلك دهره. وكان لطرفة أخت تزوجها عبد عمرو، وعبد عمرو هذا كان أقرب الناس إلى عمرو بن هند منزلة. فجاءت أخت طرفة يوما تشكو زوجها هذا، فهجاه طرفة بقوله:
يا عجبا من عبد عمرو وبغيه ... لقد رام ظلمي عبد عمرو فأنعما
(3/51)

ولا خير فيه غير أنَّ قيل واجد ... وإنَّ له كشحا إذا قام أهضما
وإنَّ نساء الحي يركضن حوله ... يقلن: عسيب من سرارة ملهما
له شربتان بالنهار وأربع ... من الليل حتى آض سخدا مورما
ويشرب جزيرة يغمر المحض قلبه ... وإنَّ أعطه أترك لقلبي مجثما
كأنَّ السلاح فوق شعبة بانة ... ترى نفخا ورد لأسرة أصحما
وكان عبد عمرو أجمل أهل زمانه جسما وكشحا، وذلك وصفه بالكشح الأهضم، أي الضامر العسيب: عسيب النخل. وملهم: موضع باليمن ذو نخل، وسرارته أكرم موضع فيه، وكذا سرارة كل واد. والسخد: الورم وقيل السلا. شبه جسده في نعمته ورجرجته بالورم أو السلا المنتفخ؛ والنفخ: انتفاخ البطن، وقوله: ورد الأسرة، أي أسرته مرودة بالطيب والزعفران حتى صار أصحم، وهو الأحمر المائل إلى السواد. وهذا كله من أوصاف النساء، لا الرجال، وهو هجو خبيث. ثم إنَّ عمرو بن هند خرج يوما إلى الصيد ومعه عبد عمرو، فرمى عمرو حماراً فقعره، فقال لعبد عمرو: أنزل فاذبحه! فنزل وعالجه فأعياه الحمار وضحك منه عمرو بن هند وقال: لقد أبصرك طرفة حين قال: ولا خير فيه. . " البيت ". فيروى إنّه لمّا قال له ذلك، قال عبد عمرو، أبيت اللعن! ما قال لك أشد مما قال لي. قال: وما قال؟ فأنشده الأبيات السابقة. فغضب عمرو وقال: قد بلغ من أمره أن يقول! فأرسل إليه ليكتب له إلى رجل من عبد القيس بالبحرين، وهو المعلى، وكان عامله عليها، ليقتله. فقال بعض جلسائه: إنّه حليف المتلمس، فإنَّ أوقعت بطرفة هجاك المتلمس. فأرسل عمرو إلى طرفة والمتلمس، فأرسل عمرو إلى طرفة والمتلمس معا، فأتياه، وهو بالبقة، قريبا من الحيرة، فكتب إلى عاملة بالبحرين ليقتلهما، وأخفي ذلك عنهما أنَّ ارتياح عمرو لي ولك لأمر مريب، وإنَّ انطلاقي بصحيفة لا أدري ما فيها لغرور فقال طرفة: أنك لمسيء الظن. وما تخشى من صحيفة إنَّ كان فيها الذي وعدناه، وإلاّ رجعنا إليه، فأبى المتلمس، وأبى طرفة أنَّ يجيبه، ففض المتلمس خاتم صحيفته
(3/52)

وقام إلى من أهل الحيرة يستقي فدفعها إليه، فقرأها الغلام فقال: أنت المتلمس؟ قال: نعم! قال: النجاء! النجاء! قد أمر بقتلك. فجاء بالصحيفة حتى قذفها في نهر الحيرة، ثم قال:
ألقيتها بالثنى من جنب كافر ... كذلك أقنوا كل قط مضلل
رضيت لمّا بالماء لمّا رأيتها ... يجور بها التيار في كل جدول
وقيل انهما مرا في طريقهما ذلك على رجل يتغدى وهو يقضي حاجة الإنسان ويلفي ثوبه. فقال المتلمس: ما رأيت أحمق من هذا. فقال وما رأيت من حمقي؟ إنّما آكل غذائي وأخرج دائي وأقتل أعدائي. وهل الأحمق إلاّ من يحمل حتفه على كتفه؟ أو كلاما نحو هذا. فحينئذ إستراب المتلمس أمر الصحيفة فاستقرأها كما مر، ثم قال لطرفة: تعلم أن في كتابك مثل ما في كتابي؟ فقال طرفة: لئن اجترأ عليك، ما كان ليقدم علي. فلما أعياه طرفة وأبى أن يطيعه، وخرج الملتمس من فوره ذلك إلى الشام هاربا وقال:
من مبلغ الشعراء عن إخوانهم ... نبأ فتصدقهم بذلك الأنفس
أودى الذي علق الصحيفة منهما ... ونجا حذار حياته المتلمس
ولقد نصحت له فرد نصيحتي ... وجرت له بعد السعادة أنحس
وفي ذلك قيل:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها
وخرج طرفة حتى أتى صاحب البحرين بكتابه، فدفعه إليه، فقال صاحب البحرين: إني رجل في حسن وبيني وبين أهلك إخاء قديم، فأهرب إذا خرجت من عندي، فقد أمرت بقتلك! فإن كتابك إنَّ قرئ لم أجد بدا من قتلك! فأبى وطن إنّه لا يجترئ على قتله. فحبسه حتى قتله. وفيه يقول طرفة، يخاطب العامل:
أبا منذر كانت غرورا صحيفتي ... ولم أعطكم في الطوع مالي ولا عرضي
آيا منذر أفنيت فأستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض!

رجع فلان إلى قرواه.
وروي: القروي بألف مقصورة. يقال: رجع فلان على قرواه، أي رجع إلى خلق
(3/53)

كان يعتاده. يضرب في عادة السوء يتركها صاحبها ثم يرجع إليها. والمعروف في اللغة: القرواء بالمد وهو العادة.
ويروى هذا حديثا: لا ترجع هذه الأمة على قروائها أي على أمرها الأول والله أعلم.

رزمةٌ ولا درة فيها.
الرزمة بفتحتين صوت الناقة عندما ترأم ولدها تخرجه من حلقها ولا تفتح به فاها؛ والدرة فعلة من درت الناقة باللبن تدر.
يضرب هذا المثل لمن يعد ولا يفي كالناقة تروم وتحن ولا تدر ولا خير في ذلك ورزمة خبر مبتدأ يقدر بحسب المقام.

الرشف أنقع.
الرشف: المص. يقال: رشف الماء يرشفه كنصر ينصر ورشف يرشف كسمع يسمع رشفا وارتشافه وترشه إذا مصه ونقع الرجل بالشراب ينقع بالفتح فيها: استقى به وأنقعه الماء: أرواه. والمعنى أنَّ امتصاص الماء وترشفه شيئا فشيئا هو أنقع للنفس وأقطع للعطش ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمص وقال إنّه أهنى وامرئ ونهى عن العب.
فيضرب في ترك العجلة في الأمر.

ارضَ من المركب بالتعليق!
الرضى ضد السخط رضي بالكسر يرضى. والمركب هنا إما أن يراد به الركوب ومن للبدل كقوله:
لو أنَّ لي بهم قوماً إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرساناً وركباناً
والمعنى: ارضَ بدل ركوبك بأن تعلق أمتعتك. وأما أن يراد به المركوب ومن
(3/54)

على بابها أي: ارضَ من هذا المركوب بان تعلق أمتعتك عليك أو بان تتعلق به في عقبتك ونوبتك. فيضرب عند الأمر بالقناعة بادراك اليسر من الحاجة والرضى بصغير الأمر دون عظيمه.

مرعى ولا أكولة.
المرعى: مفعل من الرعي يقال رعت الماشية بالفتح رعيا ومرعى ويطلق المرعى أيضاً على المكان وعلى النبات المرعي؛ وهو الرعي أيضاً بكسر الراء.
قال زهير:
تربع بالقنان وكل فج ... طباه الرعي منه والخلاءُ
أي دعاه إليه ما فيه من الرعي أبي الكلأ والخلوة. والأكل معروف وهو أكول وهي أكولة فإنَّ علم الموصوف من الكلام كان القياس حذف الهاء كغيره من نظائره.
والمعنى أنَّ هذا مرعى أي نبات كثير ولم توجد ماشية ترعاه أو مكان ذو رعي ولا راعية له. يضرب في المال الكثير يجده الرجل ولم يجد من ينفقه عليه.
وقال الشاعر في معنى المثل الأصلي:
أرعت الأرض لو أنَّ مالاً ... لو أنَّ نوقاً لك أو جمالا
أو ثلة من غنمٍ إمالا
أي: إن كنت لا تجد غيرها.
ومن اللطائف في هذا ما أنشده أبو علي البغدادي من قول الشاعر:
فجنبت الجيوش أبا زينبٍ ... وجاد على مسارحك السحابُ
فإنَّ البيت يحتمل أن يريد فيه الدعاء للمذكور على ما يبدو في بادئ الرأي بان يرزق العافية والأمن والخصب والدعة؛ ويحتمل أن يريد به الدعاء عليه بأن يفقر ويسلب المال حتى لا يكون له شيء تقصده الجيوش عليه وتتوجه بسببه الغارات إليه ويخصب مع ذلك حواليه حتى يكثر أسفه وحزنه إذ لا راعية له. وهذا الوجه هو الأصح وهو من أحسن معاريض البلغاء.
(3/55)

مرعى ولا كالسعدان.
المرعى تقدم: والسعدان بوزن سكران: نبت شديد الشوك.
وفي الحديث في وصف جهنم أعاذنا الله منها: إنَّ فيها كلاليب مثل شوك السعدان.
وقيل لرجل من أهل البادية خرج عنها: أترجع إلى البادية؟ فقال: أما ما دام شوك السعدان مستلقيا فلا! يعني: لا ارجع إليها أبدا لأنَّ شوك السعدان لا يفارقها.
ويحكى عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وذكره أبو العباس المبرد إنّه قال: دخلت على أبي بكر رضي الله عنه في علته التي مات منها فقلت: إني أراك بارئا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما إني على ذلك لشديد الوجع ولمّا لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي. إني وليت أموركم خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير وأتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان! والذي نفسي بيده لأنَّ يقوم أحدكم فتضرب عنقه في غير حق خير له من أن يخوض في غمرات الدنيا! يا هادي الطريق جرت إنما هو والله الفجر أو البحر! فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله فإنَّ هذا يهيضك إلى ما بك. فو الله ما زلت صالحا مصلحا لا تأسى على شيء فاتك من الدنيا ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلاّ خيرا! قوله: نضائد الديباج هو الوسائد جمع نضيدة أي المنضودة المجموع بعضها إلى بعض. قال الراجز:
وقربت خدامها الوسائدا ... حتى إذا ما علوا النضائدا
سبحتُ ربي قائماً وقاعدا
والصوف الأذربي منسوب إلى أذربيجان؛ وقوله: إنّما هو الفجر أو البحر يريد: إن تربصت حتى يضيء لك الفجر الطريق عرفت قصدك وإن خبطت الظلماء وركبت متن عشواء ضللت. وضرب ذلك مثلا للدنيا وتحييرها أربابها.
(3/56)

ويذكر في بعض الأخبار إنّه يؤمر بالكافر يوم القيامة فيسحب على حسك السعدان. وهذا النبت من أفضل مراعي الإبل يسمنها ويغذيها غذاء حسنا. قال النابغة:
الوهاب المائة الأبكار زينها ... سعدان يوضح في أوبارها اللبد
ولذلك ضربت به العرب المثل.
وقال أبو علي البصير يمدح عبيد الله بن خاقان وله:
يا وزراء السلطان ... أنتم وآل خافان
كبعض ما روينا ... في سالفات الأزمان
ماء ولا كصدى ... مرعى ولا كالسعدان
وهذان مثلان: ومثلهما:

فتى ولا كمالكٍ.
وهي كلها تضرب في الشيء يكون الفضل وغيره أفضل منه. وسيأتي بقيتها إن شاء الله تعالى.
قيل: وأوّل من قال: مرعى ولا كالسعدان امرأة من طيء تزوجها امرؤ القيس بن حجر الكندي وكان القيس مفركا. فقال لها يوما: أين أنا من زوجك الأول؟ فقالت: مرعى ولا كالسعدان! وكانت هذه المرأة تزوجها قبل ذلك رجل آخر ففضلته على امرئ القيس. قيل: وهذا الرجل هو قيس بن مسعود بن قيس بن خالد وهو الذي يقال له ذو الجدين لأنّه كان له جد عند الملوك وجد في الحروب. وقيل لأنّه أسر أسرين شريفين كان لهما فداء كثير ولم يؤسر أحد في زمانه أشرف منها ولا أكثر فداء فسمي ذا الجدين. وإياه يعني الحماسي بقوله:
أيا بنت عبد الله وابنة مالكِ ... ويا أبنت ذي الجدين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فلتمسي له ... أكيلاً فإني لست أكله وحدي!

رعى فأقصبَ.
الرعي تقدم؛ والقصب: القطع ومنه قيل للجزار قصاب لأنّه يقطع
(3/57)

اللحم. وتقول: قصبت البعير وغيره إذا قطعت عليه شربه قبل أن يروي؛ وقصب البعير أيضاً شربه إذا امتنع منه قبل أن يروي فهو بعير قاصب. قال الراجز: وهن مثل القاصبات القمحِ وأقصب الرجل إذا فعلت إبله ذلك فيقال: رعى فأقصب مثلا للراعي المسيء الرعي وذلك أنه إذا أساء رعيها فخلت أجوافها من الكلأ امتنعت من الشرب إذ لا تشرب على جوع فكان امتناعها من الماء كناية عن تجويعه إياها.

الرغبُ شؤمٌ والرفقُ يمنٌ.
تقدم معنى هذا المثل عند الكلام على ضده وهو قولهم:

الخرق شؤمٌ.
وتقدم ذلك في الحديث.

ارقَ على ظلعك!
يقال: ارقِ بفتح القاف وكسرها وبالهمزة. أما على الأول فمن الرقي وهو الصعود.
والمعنى: تكلف ما تطيق لأنَّ الرقي في السلم إذا كان يظلع يرفق بنسه. ويقال عند أمر الإنسان أن يبصر ما فيه من العيب والنقص ولا يتجاوز الحد في وعيده ويتخطى المقدار في تهديده.
وأما على الثاني فهو من الرقية وكأنك تقول له: لا ظلع بي أنا أداويه ولكن ارق أنت ما فيك من الظلع! وأما على الثالث فمن القوء. يقال: رقأ الدمع يرقأ إذا سكن ورقأ بين القوم: أصلح.
فيحتمل أن يكون من الأول أي: ارفق بنفسك واعمل على فيك من ضعف! أو الثاني أي: اصلح ما فيك من العيب أولاً!
(3/58)

ارقَ على ظلعك أن يهاضَ!
هذا كالذي قبله؛ والهيض أن يكون العظم قد جبر من كسر ثم يكسر ثانيا. قال امرؤ القيس:
ويهدأ تاراتٍ سناه وتارةً ... ينوء كعتاب الكسير المهيضِ
وقال الآخر:
ومولى كمولى الزبر قان دملته ... كما دملت ساقٌ تهاض بها وقرُ

يرقم الماء.
الرقم: الكتب. فيضرب في الاستقامة والحذق. ويقال: فلان يرقم يرقم الماء أي إذا بلغ من حذقه إنّه يرقم حيث لا يثبت الرقم. قال أوس بن حجر:
سأرقم في الماء القراح إليكم ... على نأيكم إن كان للماء راقمُ
وقد يقال: يرقم على الماء لإرادة أنه لا يثبت من عمله على شيء.

رقةٌ ينتجها ذنب خيرٌ من حسنةٍ يتبعها عجب.
هذا فيما أظن مثل مصنوع وهو نحو قول الشيخ تاج الدين أبن عطاء الله في حكمه: معصية أورثتك ذلا وانكسارا خيرٌ من طاعة أورثتك عزا واستكبارا.
وليس هذا محل تقرير هذا المعنى.

ركب جناحي النعامة.
الركوب معروف ركب بالكسر ركوبا الجناح للطائر معروف. والنعامة تقدم ما فيها. وهذا المثل يقال لمن جد في أمر كانهزام أو غيره. قال الشماخ:
فمن يسع أو يركب جناحي نعامةٍ ... ليدرك ما قد قدمت بالأمس يسبق
(3/59)

وهذا الشعر مرثي به عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أبيات معروفة.

ركب ذنب البعير.
ذنب كأنَّ شيء بفتحتين: مؤخره والجمع أذناب والبعير معروف وتقدم ذكر مرتبته في أسنان الإبل.
ويقال هذا المثل للإنسان يرضى بالهوان ويقنع بالنقص كالذي لم يجد مستقرا على ظهر البعير وإنّما ارتدف على الذنب. وقول النابغة:
فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر الحرامُ
ونأخذ بعده بذناب عيشٍ ... أجب الظهر الله تعالى له سنامُ
يحتمل أي يريد أنه تعلق بعيش صفته ما ذكر ويحتمل أن يريد مع ذلك أنه ما تمسك منه إلاّ بالذنب فيكون من هذا النمط.

ركب ذنب الريح.
يقال للذي يسبق فلا يدرك.

ركب متن عشواء.
العشواء: الضعيفة البصر وهي مؤنث الأعشى. ومن ركب متنها خبط وخلط.
وتقدم هذا في قولهم: خبط خبطَ عشواء.

رمتني بدائها وانسلت.
كان سعد بن زيد مناة بن تميم تزوج رهم بنت الخزرج بن تيم الله بن رفيدة بن كلب بن وبرة. وكانت من أجمل النساء فولدت له مالك بن سعد. وكان ضرائرها إذا ساببنها يقلن لها: يا عفلاء! فشكت ذلك إلى أمها فقالت: ابدئيهن بعفلك إذا سببت فأرسلتها مثلا. ثم إنها سابتها واحدة من ضرائرها
(3/60)

يوما بعد ذلك فقالت لها رهم: يا عفلاء! كما وصتها أمها. فقالت الضرة حينئذ: رمتني بدائها وانسلت! فذهب مثلا يضرب في تعييرك صاحبك بعيب هو فيك.
ونحو هذا قول العامة اليوم: قولي لها قبل أن تقول لك! وكان أصله فيما زعموا أنَّ امرأة عوراء سابت امرأة فقامت بنية للعوراء فقالت لأمها: يا أم قولي لها: يا عوراء قبل أن تقوله لك! وكان يقال لبني مالك بن سعد بنو العفلاء وبهم عرض النقري في قوله:
ما في الدوائر من رجلي من عتل ... عند الرهان ولا اكوى من العفلِ!

رماه الله بداء الذيب.
داء الذيب هو الجوع والذيب أصبر السباع على الجوع.

رماه الله بأفعى حاريةٍ!
الأفعى معروفة. والحارية: الناقصة. تقول: حرى الشيء يحري حريا: نقص وأحواه الزمان والحاوية: الأفعى التي نقص جسمها من الكبر فلم يبق إلاّ رأسها ونفسها وسمها وذلك أخبث ما تكون فدعي بها.

رعاه بأقحاف رأسه.
الأقحاف جمع قحف بكسر القاف وسكون الحاء المهملة وهو العظم فوق الدماغ. ويقال هو ما انفلق من الجمجمة فبان ولا يقال لجميع الجمجمة قحف إلاّ أن يتكسر فيقال للمتكسر قحف إذا بان. والجمع أقحاف وقحوف. والمعنى: رماه بالدواهي المهلكة. يقال للرجل تسكته بداهية توردها عليه.
وقيل المعنى: رماه بنفسه ونطحه عما يحاوله.
فعلى الأول يكون المعنى إنّه لمّا رماه بالداهي فكأنه رماه بأفلاق رأسه إذ رماه بما
(3/61)

يؤول إلى ذلك. ويكون الضمير المضاف إليه للرمي. فتقول مثلا: رميت زيدا بأفلاق رأسه.
وعلى الثاني يكون المعنى إنّه باشر دفاعه بنفسه فشبه نفسه بالكبش الناطح برأسه والتعبير بالأقحاف حينئذ للمبالغة بأن كل جزء باشر النطح. والضمير يكون على هذا للرامي فتقول: رميت زيدا بأقحاف رأسي والله أعلم.
ومثله قولهم: رماه بثالثة الأثافي.
قال خفاف بن ندبة:
وإنَّ قصيدة شنعاء مني ... إذا حضرت كثالثة الأثافي

أرمى من أبن تقن.
أبن تقن بكسر التاء المثناة وسكون القاف بعدها نون رجل كان جيد الرمي يضرب به المثل. قال الراجز:
يرمي بها أرمى من أبن تقنِ
وأبن تقن هذا هو عمرو بن تقن الذي قيل فيه: لا فتى إلاّ عمرو! وسيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه مشروحاً.
ووقع في الصحاح والقاموس أنَّ التقن هو رجل كان راميا جيد الرمي وكأنه مسامحة. ثم رأيت للشنتمري في شرح قول الحماسي:
أهلك عاداً وقبله ... أهلك طسماً وذا جدونِ
وأهل جاش ومأربٍ ... وحتى لقمان والتقونِ
قال: التقون جمع تقن وهو رجل من عاد وفيه قيل: أرمى من أبن تقن.

الأرواح جنود مجندةٌ.
هذا يروى حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.
(3/62)

وهذا إخبار بأنَّ بين الأرواح تارة تناسبا باطنيا يوجب الالتئام والتوافق وتارة تباينا يوجب الوحشة والاختلاف بإذن الله تعالى وهو مشاهد مجرب. ومن ثم قال أبو الطيب:
أصدق نفس المرء من قبل جسمه ... وأعرفها في فعله والتكلم
وقال الآخر:
وقائل لي: لم تفارقتما؟ ... فقلت قولاً فيه إنصافُ
لم يك من شكلي ففارقته ... والناس أشكالٌ وآلافُ
وقال طرفة في أبيات:
وأنت امرؤ منا ولست بخيرنا ... جوادٌ على الأقصى وأنت بخيلُ
وأنت على الأدنى شمالٌ عريةٌ ... شآميةٌ تزوي الوجوه بليل
وأنت على الأقصى صبا غير قرةٍ ... تذاءب منها ومرزغٌ ومسيلُ
وأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليلُ
وأنَّ لسان المرء ما لم يكن له ... حصاةٌ على عوراته لدليلُ
وأنَّ امرءاً لم يعف يوما فكاهةً ... لمن لم يرد سوءاً بها لجهولُ
تعارف أرواح الرجال إذا التقت: فمنهم عدوٌ يتقى وخليلُ
وقال المجنون:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعدها كنا نطافاً وفي المهدِ
وقال أبن الرومي:
ذو الود مني وذو القربى بمنزلةٍ ... وأخوتي أسوةٌ عندي لخلانُ
أحبةٌ جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكانٍ واحدٍ وغدت ... أجسامنا بعاقٍ أو خراسانِ
والشعر في هذا المعنى لا يحصى. ومثله المثل الآتي: وافق شنٌ طبقة.

استراح من لا عقل له.
الاستراحة ضد التعب. تقول: أرحت الرجل فاستراح؛ وإنّما استراح الذي
(3/63)

لا عقل له لأنَّ النفس إذا خليت أخلدت إلى الشهوات الحاضرة ولا تبالي بعزمة وتستنكف عن منقصة كالبهيمة والعقل ينزع بها إلى طلب الكمال والتحلي بالحمد والتخلي عما يذم. وفي ذلك أتعابهاً لجسمها عن مألوفها المستذل واقتحام الأخطاء بها لاكتساب الثناء والفضل وإطالة الهموم والأفكار عليها نظراً في عواقب الأمور واحترازا عما يشين ويضير. وليس قال الحماسي:
يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا!
وقال الآخر:
وقائلةٍ: لم عركت الهموم ... وأمرك ممتثل في الأمم؟
فقلت: ذريني على حالتي ... فإنَّ الهموم بقدر الهمم!
وسمع الأحنف رجلا يقول: ما أبالي أمدحت أم هجيت! فقال: استرحت من حيث تعب الكرام! ومما ورد في العقل وفضله أنَّ أدم لمّا أهبط إلى الأرض خير في ثلاث: الحياء والدين والعقل. فاختار العقل: الحياء والدين أمران أن لا تفارق العقل.
وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ثلاث من حرمهن فقد حرم خير الدنيا والآخرة: عقل يداري به الناس وحلم يداري به السفيه وورع يحجزه عن المحارم.
وفي حكمة داود عليه السلام: على العقل أن يكون عارفا بزمانه مالكا للسانه مقبلا على شأنه.
وقال علي رضي الله عنه: لا مال أعود من العقل ولا فقر أشد من الجهل ولا وحدة أوحش من الجهل ولا مظاهر أحسن من المشاورة ولا حسب كحسب الخلق.
وقال مطرف بن الشخير: عقول الناس على قدر أزمانهم.
ويقول: ثلاثة تدل على عقول أهلها: الكتاب والرسول والهدية.
وذكر المغيرة يوما عمر فقال: كان والله أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع.
(3/64)

وفي كتاب كلية ودمنة: رأس العقل التمييز بين الكائن والممتنع.
وقال الحجاج يوما: العاقل من يعرف عيبه. فقال له عبد الملك بن مروان: فما عيبك يا حجاج؟ قال: حسود حقود. فقال عبد الملك: ما في إبليس شر من هاتين! ويقال: لا دين لمن لا عقل له.
وقال علي رضي الله عنه: لا تؤاخ الأحمق ولا الفاجر. أما الأحمق فدخوله عليك وخروجه من عندك شين، وأما الفاجر فيزين لك فعله ويود أنَّ تكون مثله.
وقال أيوب بن القرية إنَّ نطق أصاب، وإنَّ سئل أجاب؛ والأحمق إنَّ تكلم عجل، وإنَّ سئل ذهل. والفاجر إنَّ ائتمنته خانك، وإنَّ صحبته شانك.
وقال عمر بن عبد العزيز: لا يعدم الأحمق خصلتين: كثرة الالتفات وسرعة الجواب. وقال الحسن: هجر الأحمق قربة. وقال: لا يتم دين امرئ حتى يتم عقله. وفي الحكمة: ينبغي للعاقل أنَّ يتمسك بست خصال: أن يحوط دينه، ويصون عرضه، ويصل رحمه، ويحفظ جاره، ويرعى إخوانه، ويخزن عن البذاء لسانه. ويقال: الفقر بالعقل، والرزق بالجهل.
ويحكى إنّه قيل لعيسى عليه السلام: يا روح الله، تبرئ ألاكمه والأبرص وتحيي الموتى، فما دواء الأحمق؟ قال: ذلك أعياني! وكان كسرى إذا غضب على عاقل سجنه مع جاهل.
وقال سهل بن هارون: ثلاثة من المجانين، وإنَّ كانوا عقلاء: الغضبان، والغرثان والسكران. وفي الخبر: العاقل إنَّ تكلم غنم، وإنَّ سكت سلم.
ومما ينسب لعلي رضي الله عنه:
يقاس المرء بالمرء ... إذا المرء ما شانه
فلا تصحب أخا الجاهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهلٍ أردى ... حليما حين أخاه
وللشيء على الشيء ... نظائر وأشباه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
(3/65)

وصالح بن عبد القدوس:
ولأنَّ يعادي عاقلا خير له ... من إنَّ يكون صديق أحمق
فآربا بنفسك أنَّ تصادق أحمق ... إنَّ الصديق على الصديق مصدق
ولغيره:
عدوك ذو العقل أبقى عليك ... وأجدى من الصاحب الأحمق
ولغيره:
قد عرفناك باختيارك إذ كان ... دليلا على اللبيب اختياره
ولآخر:
تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولا تلقهم بالعقل إنَّ كنت ذا عقل!
ولآخر:
إنَّ جئت أرضاً أهلها كلهم ... عور فغمض عينك الواحده!
وقال هشام بن عبد الملك: يعرف الأحمق بأربع: طول اللحية، وشناعة الكنية، ونقش الخاتم، وإفراط الشهوة.
ودخل عليه يوما رجل طويل اللحية فقال: انظروا فيه غيرها! فسئل عن كنيته فقال: أبو الياقوت. فقيل: وما نقش خاتمك؟ قال: وجاءوا على قميصه بدم كذبٍ.
ويحكى مثل هذه القصة عن معاوية وإنّها وقعت له مع رجل إلاّ إنّه قال في الكنية: أبو الكوكب الدري، ونقش الخاتم: وتفقد الطير. وتقدم شبه هذا للمأمون العباسي مع آخر، في حرف التاء.
وقيل:
ألا إنَّ عقل المرء عينا فؤاده ... فإنَّ لم يكن عقل فلن يبصر القلب
آخر:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلاّ صورة اللحم والدم!
وسيأتي في أجوبه الحمقى ومضحكاتهم شيء كثير.

أراد بيض الأنوق!
يضرب عند إرادة الممتنع. وتقدم في الباء وما فيه.
(3/66)

أردت عمراً وأراد الله خارجة!
كثيراً ما يتمثل به عندما تقصد إيقاع شيء ثم لم يتفق لك وأوقعت شيئاً آخر مكانه. وهو من كلام أحد الخوارج الذي أرسلوه إلى مصر ليقتل عمرو بن العاصي، حيث اتفقوا على قتله وقتل أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ومعاوية رضي الله عنه. فذهب إلى كل واحد من الثلاثة من يقتله. فأما على كرم الله وجهه فقتل وفاز؛ وما معاوية فأصيب ونجا وقال في ذلك:
نجوت وقد بل المرادي سيفه ... من أبن أبي شيخ الأبطاح طالب
وأما عمرو فاستخلف خارجة المذكور، فنجا وقتل خارجة. فقال القاتل: أردت عمراً وأراد الله خارجة، أي أردت قتل عمر فلم يتفق إذ لم يرده الله تعالى، وأراد الله إنَّ أقتل خارجة، فوقع ما أراد الله تعالى:
فما شئت كان وإنَّ لم أشأ ... وما شئت أم لم تشأ لم يكن
والقصة مشهورة فلا نطيل بها.
وما احسن قول أبن عبودن في قصيدته:
وليتها إذ فدت عمراً بخارجةٍ ... فدت عليا بما شاءت من البشر!

رويد الغزو ينمرق!
رويدا: مهلاً، وهو مصغر رود. يقال: أورد الرجل إرواد ومورداً ورويداً إذا رفق. ويكون لفظ رويداً على أوجه: اسم فعل أمر بمعنى أمهل، وتدخل عليه الكاف، نحو: رويدا زيداً، ورويد كني؛ وصفة، نحو سار سيراُ رويدا؛ وحالا، نحو: سار القوم رويدا، وهو محتمل لمّا قبله؛ ومصدرا، نحو: رويد زيد، بالإضافة. والغزو معروف. وهو أما منصوب إنَّ جعل رويد اسم فعل مجرور إنَّ جعل مصدرا. والمروق: الخروج. يقال: مرق السهم وغيره، أي خرج. وفي الحديث: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
(3/67)

والمراد هنا خروج الولد. كانت امرأة تغزو، فحلبت فذكر لها الغزو فقالت: رويد الغزو ينمرق! أي أمهل الغزو حتى يخرج الولد!

رويداً يعدوان الجدد!
العداء: المجاوزة. والجدد من الأرض خلاف الوعث. وتقدم هذا المثل من كلام قيس بن زهير في رهان بينه وبين بني بدر. والضمير في يعدوان للفرسين المجريين.

روغي جعار.
الروغان: الحيودة. يقال: راغ الرجل، وراغ الرجل، وراغ الثعلب بالعين المعجمة يروغ رواغا إذا مال وحاد عن الشيء، وجعار علم على الضبع، وتقدم ما فيه. وقد يقال روغي جعار وانظر أين المفر. ويضرب في فرار الجبان، أو للذي يهرب ولا يقدر إنَّ ينفلت.

أروغ من ثعالة.
ثعالة بالضم اسم لجنس الثعلب، معروفة، وروغان الثعلب في غاية الخفة والسرعة. فضرب به المثل. يقال: أروغ من ثعالة، اورغ من ثعلب، وراغ روغان الثعلب. قال الشاعر:
فأحتلت حين صرفتني ... والمرء يعجز لا محاله
والدهر يلعب بالفتى ... والدهر أروغ من ثعاله
والمرء يكسب ماله ... والشح يورثه الكساله
والعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه المقاله
وقال الآخر في الثعلب:
(3/68)

وكل خل لي خاللته ... لا ترك الله له واضحه
كلهم أروغ من ثعلبٍ ... ما أشبه الليلة بالبارحة!
يحكى أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قال يوما وهو على المنبر: إنَّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ولم يروغوا روغان الثعلب.
ولمّا هزم المهلب بن أبي صفرة عبد ربه الأصغر وأجلى قطريا حتى أخرجه من كرمان نحو أرض خرسان، وأوفد على الحجاج كعب بن معدان الأشقري. فقال له الحجاج: كيف كان محاربة المهلب للقوم؟ قال: كان إذا وجد الفرصة سار كما يسور الليث، وإذا دهمته الطمحة راغ كما يروغ الثعلب، وإذا ماده القوم صبر صبر، الدهر قال: وكيف كان فيكم؟ قال: كان لنا منه إشفاق الوالد الحدب، وله مناطاعة الوالد البر. قال: فكيف أفلتكم قطري؟ قال: كدنا ببعضنا ما كدناه به، والأجل أحصن جنة وأنقذ عدة. قال: فكيف أتبعتم عبد ربه وتركتموه؟ قال: آثرنا الحد على الفل، وكانت سلامة الجند أجب الينا من شجب العدو. فقال له الحجاج: أكنت أعددت هذا الجواب قبل لقائي؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله! قوله: شجب العدو، أي هلاكه. يقال شجب الرجل يشجب شجبا. قال امرؤ القيس:
وقالت: بنفسي شباب له ... ولمته قبل أنَّ يشجب

الراوية أحد الهاجين.
يقال: روي الشعر بالفتح يرويه، فهو راوٍ، ورواية بزيادة الهاء للمبالغة، كما في مدركة وعلامة، ورويته أنا تروية. والهجو والهجاء معروف. ويعنون بهذا الكلام إنَّ من روى الهجو في الناس فهو كمن قاله أوّلاً، فيمون أحد الهاجين، كما يقال في الغيبة إنَّ المستمع شريك القائل إذا لم ينكر ولا عذر، فكيف يمن يحكي ويأثره؟ كما قيل:
لعمرك ما سب الأمير عدوه ... ولكنما سب الأمير المبالغ!
(3/69)

ولأجل ما وقع للنابغة الذبياني في بني سيار، وكان النابغة قد نهى قومه إنَّ يرتعبوا حمى نعمان بن الحارث الغساني، فعصوه، وترعبوه، فأغار عليهم. وقال النابغة في ذلك:
لقد نهيت بني ذبيان عن أقر ... وعن تربعهم في كل أصفار
وقلت: يا قوم إنَّ الليث منقبض ... على براثنه لوثبة الضاري
وهي قطعة مشهورة، منها:
أما عصيت فأني غير منفلتٍ ... مني اللصاب فجنبا حرة النار
أو أضع البيت في سوداء مظلمةٍ ... تقيد العير لا يسري بها الساري
يريد إنّه يلج الشعاب الضيفة أو المهامه الفيح حتى لا يصل إليه الجيش، ثم إنّه لم يفعل ذلك حتى أصابه الغارة مع قومه وأسر بعض أهله فيمن أسر. فقال في ذلك بدر بن حزاز الفزاري يعير النابغة:
أبلغ زياداً وحين المرء مردكه ... وإنَّ تكيس أو كان أبن احذار
اضطرك الحرز من ليلى إلى بردس ... تختاره معقلا عن شج أعيار
حتى لقيت أبن كهف اللؤم في لجيبٍ ... ينفي العصافير والغربان جرار
فالآن فاسع بأقوام غررتهم ... بني ضباب ودع عنك أبن سيار
قد كان وافد أقوام فجاء بهم ... وانتاش عانيه من أهل ذي قار!
ثم إنَّ النابغة بلغه إنَّ زبان وخزيمة أبني سيار أعانا بدرا ورويا شعره، فقال في ذلك:
إلاّ من مبلغ عني خزيما ... وزبان الذي لم يرع صهري؟
فأياكم وعورا داميات ... كأنَّ صلاءهن صلاء جمر!
فإني قد أتاني ما صنعتم ... وما رشحتم من شعر بدر
فلم يك نولكم إنَّ تشقذوني ... ودوني عازب بلاد حجر
(3/70)

فإن جوابها في كل يومٍ ... ألم بأنفس منكم ووفر
ومن يتربص الحدثان تنزل ... بمولاه عوان غير بكر

روت حزم، فإذا استوضحت فأعزم!
يقال: رويت في الأمر بالتضعيف: نظرت فيه وتفكرت، والحزم والحزامة: ضبط الأمر والأخذ فيه بالقوة والجد. يقال: حزام الرجل بالضم يحزم حزامة فهو حازم. واستيضاح الشيء: استكشافه أو جعله واضحا. والعزم معروف.
ومعنى المثل أنَّ من حزم الإنسان إنَّ يتروى في الأمر ويتفكر في مجاريه وعواقبه إذا أراد أنَّ يأتيه، حتى إذا تبين له إنّه محمود فليقدم عليه بعزم ولا يتوان فيه حتى يدرك فتور فيتعطل.

أروى من نملةٍ.
يقال: روي من الماء بالكسر يروى ريا، فهو ريان، والنملة واحدة النمل، وهو معروف. وإنّما وصفت بالري لأنها تكون في الفلوت فلا ترد الفلوات، وهذا من المجاز.

أروى من نعامةٍ.
النعامة معروفة، وتقدم الكلام عليها. ووصفت بالري أيضاً لمّا يزعمون من إنّها لا تشرب الماء ولا تطلبه، وإنَّ رأته شربته عبثاً.

رهبوتى خير من رحموتى.
الرهب: الخوف. يقال: رهب بالكسر وهبة ورهبا بالضم والفتح ورهبا بفتحتين والاسم منه رهباء بالمد وبالقصر مضموما ومفتوحا. ويقال رهبوت بزيادة تاء للمبالغة كملكوت، ورهبوتى بألف مقصورة، والرحمة:
(3/71)

العطف والرقة رحمة بالكسر رحمة، ورحما بالضم وبضمتين ومرحمة؛ والرحموت من الرحمة استعمل للازدواج.
والمعنى انك أنَّ ترهب خير لك من إنَّ ترحم، لأن المرهوب عزيز ممتنع، والمرحوم بمحل عدوان العادين.

تربع وتدسع
ومما يلتحق بهذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته يروى عن ربه تعالى يقول لعبده: المثل أوتك مالا وأفضل عليك، فماذا قدمت؟ وفي رواية: ألم أوتك مالا وجعلتك تربع وتدسع؟ فقوله: تربع وتدسع تمثيل. وأصله في الرئيس من العرب كان يربع قومه، أي يأخذ المرباع وهو ربع المغنم إذا غزوا؛ ويدسع، أي يعطي الدسيعة وهي العطية. ومنه قولهم: فلان ضخم الدسيعة.
وقولهم:

رجع عوده على بدئه.
أي رجع في طريق الذي جاء منه. ويقال أيضاً: رجع في عوده وبدئه، وفي عودته وبدئته، عودا وبدءاً.
وقولهم:

مرحبا وسهلاً.
أي صادفت سعة. ويقال أيضا: مرحبك الله ومسهلك! ومرحبا بك الله ومسهلاً! وقولهم في الايعاد والتهديد:

رعد فلان وابرق.
وتقدم ما فيه.
(3/72)

وقولهم:

أرقع ما أوهيت!
أي أصلح ما أفسدت. وأصله في السقاء ونحوه إذا أوهاه أي خرقه رقعه.
وقولهم:

ركب فلان عرعره،
أي ساء خلقه، والعرعر ما بين المنخرين، وعرعرة الأنف: أعلاه. وكذا عرعرة الجبل وعرعرة السنام. كل ذلك بضم العين. وهذا مثل قولهم:

ركب رأسه.
وقولهم:

رماه بالذربين
أي بالشر والخلاف.
وقولهم:

رويد الشعر يغب!
يقال: غب الرجل وأغب إذا بات.
ومن الأمثال الجارية على الألسن قولهم:

رب حليةٍ، انفع من قبيلة.
ولنذكر في هذا الباب من الأمثال الشعرية ما تيسر وما جرى على مثالها، وأنتسج على منوالها
(3/73)

قال البارقي:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافرُ
وقبله:
وحلت سليمى في هضاب وأيكةٍ ... فليس عليها يوم ذلك قادرُ
قيل: كان يزيد بن عبد الملك يقول: ما يقر عيني بما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة وحبابة جاريتان لبعض أهل الحجاز حتى اشتريتا له. فلما اجتمعتا في ملكه قال: أنا اليوم كما قال الشاعر: فألقت عصاها. . " البيت ". ثم قال: ما يشاء بعد من أمور الدنيا فليفتني.
ويقال لمّا بويع لأبي العباس السفاح قام خطيبا فسقط القضيب من يده فتطير من ذلك. فقام رجل وأخذ القضيب ومسحه إليه وأنشد: فألقت عصاها. . " البيت ".
وقيل إنَّ قتيبة بن مسلم لمّا قدم واليا على خراسان رقي المنبر ليخطب فسقطت المخصرة من يده فتطير من ذلك. فقام بعض الأعراب فمسحها وناوله إياها وقال: أيّها الأمير ليس كما ظن العدو وساء الصديق ولكنه كما قال الشاعر: وألقت عصاها. . " البيت "! فسري عنه. وقيل هو القائل ذلك.
ومثل هذا ما روي أنَّ خالد بن يزيد لمّا دخل الموصل واليا عليها اندق منه اللواء في بعض أبوابها فتطير من ذلك فبادره أبو الشمقمق وكان معه قائلا:
ما كان مندق اللواء لطيرة ... تخشى ولا سوء يكون معجلا
لكن هذا الرمح أضعف متنه ... خطر الولاية واستقل الموصلا
فسرى عن خالد وكتب صاحب البريد بذلك الذي المأمون فزاده ديار ربيعة فأعطى أبا الشمقمق عشرة آلاف درهم. ومثل ذلك ما يحكى أنَّ طاهر بن الحسين لمّا خرج لقتال علي بن عيسى بن ماهان وفي كمه دراهم يفرقها على الضعفاء وغفل عنها فأسبل كمه فتبددت فتطير بذلك. فأنشده شاعر كان معه:
هذا تفرق جمعهم لا عيره ... وذهابها منه ذهاب الهمِ
شيء يكون الهم نصف حروفه ... لا خير في إمساكه في كمِ
(3/74)

والعرب ضربت المثل بإلقاء العصى في الاستقرار والراحة من الأسفار ولذلك قال حبيب:
كريمٌ إذا ألقى عصاه مخيماً ... بأرضٍ فقد ألقى بها رحله المجدُ
وقال أبن عنين:
ولمّا استقرت في ذراه بي النوى ... وألقت عصاها بين مزدحم الوفد
تنصل دهري واستراح من الوجى ... قلوصي ونامت مقلتي وعلا جدي
وقال عمارة اليمني:
إنَّ الكفالة والوزارة لم تزل ... يومي إليك بفعلها وتشارُ
كانت مسافرة إليك وتبعد ... الأخطار ما لم تركب الأخطارُ
حتى إذا نزلت عليك وشاهدت ... ملكاً يزين الملك منه سوارُ
ألقت عصاها في ذراه وعريت ... عنها السروج محطة الأكوارُ
وقال صردر:
على رسلكم في الهجر إنَّ عصابةً ... إذا ظفرت بالحب ضل ضميرها
سواءٌ على المشتاق والهجر حظها ... أألقت عصاها أم أجد بكورها
وقال أيضاً:
أنعمت في نعماء مطمئنة ... تحكم الفؤاد في أطرافهِ
ألقت عصاها وارتمت ركابها ... في سرر الوادي وفي شعافه
قال الحسين بن إبراهيم:
ألا ليت شعري هل أقولن مرة ... وقد سكنت مما أجن الضمائرُ
ومالي إلى باب المحجب حاجةٌ ... وما بي عما يخفض العرض زاجرُ
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافرُ
وقال الآخر:
إذا لم ير الإنسان عند قدومه ... محياك مثل البدر والبدر سافرُ
فأقسم ما ألقت عصاها يد النوى ... ولا قر عيناً بالإياب المسافرُ
وقال كليب بن ربيعة أو طرفة:
(3/75)

يا لك من قبرةٍ بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري!
وتقدم ذكر هذا وما فيه.
وقال المجنون:
أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
وتقدم ما يشبه في حرف الباء.
ومثله أيضاً قول الآخر:
فإن تدعي نجداً أدعه ومن به ... وإن نسكني نجداً فيا حبذا نجدُ!
وقبل هذا البيت:
سقى دمنتين ليس لي بها عهد ... بحيث التقي الدارات والجرع الكبدُ
فيا ربوة الربعين حييت ربوةً ... على النأى منا واستهل بك الرعدُ
قضيت الغواني غير أنَّ مودةً ... لذلفاء ما قضيت آخرها بعدُ
إذا ورد المسواك ضمآن بالضحى ... عوارض منها ظل يخصره البدُ
وألين من مس الرخامات يلتقي ... بمارنه الجادي والعنبر الوردُ
جرى نائبات الدهر بيني وبينها ... وصرف الليالي مثل ما جرت البردُ
فإن تدعي نجداً. . " البيت " وبعده:
وإن كان يوم الوعد أدنى لقائنا ... فلا تعذلني أن أقول متى الوعدُ
وقال تأبط شراً:
وأبت إلى بهمٍ وما كدت آئباً ... وكم مثلها غادرتها وهي تصفرُ!
والشطر الثاني مثل سائر في عدم الاكتراث بالشيء.
ومن لطائف شرف الدين الحلاوي أنه أنشد بين يديه لغز في الشبابة وهو:
وناطقةٍ خرساء بادٍ شحوبها ... تكنفها عشرٌ وعنهن تخبرُ
يلذ إلى الأسماع رجع حديثها ... إذا سد منها منخر جاش منخرُ
(3/76)

وهذا الشطر الأخير لتأبط شرا أيضاً ضمنه فأجاب في الحال:
نهاني النهى والشيب عن وصل مثلها ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفرُ!
ضمن تضمينا حسنا ونقل المعنى إلى الشبابة فوقعت لفظة تصفر أحسن موقع.
وقال الآخر:

كم ترك الأول للآخر!
وهو مثل مشهور ضمنه أبو تمام في قوله:
يقول من تقرع أسماعه ... كم ترك الأول للآخر!
أو هو المخترع.
وضده قول الآخر:
لم يدع من مضى ... للذي قد غبر
فضل علم سوى ... أخذه بالأثر
وقال الآخر:
سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرسٌ تحتك أم حمارُ
غيره:
فيا عطشى والماء الزلال أخوضه ... ويا وحشتي والمؤنسون كثيرُ!
وقال بعض الأعراب:
دببت للمجد والساعون قد بلغوا ... جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم ... وعانق المجد من وافى ومن صبرا
لا تحسب المج تمراً أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا!
وقال الأخطل:
قومٌ إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء وإن باتت بأطهارِ
حكى أبو العباس المبرد في الكامل أنَّ صاحب اليمن بعث إلى عبد الملك بن مروان بجارية وكتب معها: إني وجهت إلى أمير المؤمنين بجارية اشتريتها بمال عظيم ولم ير مثلها. وكان ذلك وقت محاربتهم لابن الأشعث. فلما دخل بالجارية على عبد الملك رأى وجها جميلا وخلقا نبيلا. فألقى إليها قضيبا كان في يده فنكست لتأخذه فرأى من جسمها
(3/77)

ما بهره. فلما هم بها أعلمه الآذن أنَّ رسول الحجاج بالباب. فأذن له ونحى الجارية فأعطاه كتابا من عبد الرحمن بن الأشعث فيه سطور أربعة:
سائل مجاور هل جنيت لهم ... حربا تزيل بين الجيرة الخلط؟
وهل سموت بجرار له لجبٌ ... جم الصواهل بين الحم والفرط؟
وهل تركت نساء الحي ضاحيةً ... في ساحة الدار يستوفدن بالقنطِ
وتحته:
قتل الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرى وعراعر الأقوامِ
فكتب إليه عبد الملك كتابا وجعل في طيه جوابا لابن الأشعث:
ما بال من أسعى لأجبر كسره ... حفاظاً وينوي من سفاهته كسري؟
أظن خطوب الدهر بيني وبينهم ... ستحملهم مني على مركبٍ وعرِ
وإني وإياهم كمن نبة القطا ... ولو لم تنبه باتت الطير لا تسري
أناة وحلما وانتظارا بهم غداً ... وما أنا بالواني ولا الضارع الغمرِ
قال: ثم بات يقلب كف الجارية ويقول: ما أفدت فائدة أحب إلي منك! فتقول: ما بالك يا أمير المؤمنين وما يمنعك؟ فقال: ما قاله الأخطل لأني إن خرجت منه كنت ألأم العرب: قومٌ إذا حاربوا. . " البيت " فما إليك سبيل أو يحكم الله بيني وبين عدو الرحمن بن الأشعث. فلم يقربها حتى قُتل عبد الرحمن.
وقال الآخر:
الله يشكر ما مننت به ... إذ كان يقصر دونه شكري
غيره:
إلهي زد في عمره من حياتنا ... وأعمرنا حتى يطول له العمرُ!
غيره:
أبى الله تدبير أبن آدم نفسه ... وأن يكون المرء إلاّ مدبرا
(3/78)

غيره:
أخاف عليك من سيف ورمح ... طميل العمر بينهما قصرُ
غيره:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً ... ندمت على التفريط في زمن البذر
غيره:
إذا صح عون الله للمرء لم يكن عسيرٌ من الآمال إلاّ تيسرا
غيره:
إذا لم تكن في منزل المرء حرةٌ ... تدبره ضاعت مصالح داره
غيره:
تبقى المنابر بعد القوم باقية ... ويذهب المال والأيام والعمرُ
غيره:
تشتاقكم كل أرض تنزلون بها ... كأنكم لبقاع الأرض أمطارُ
غيره:
تعب المنجم حيث أفنى عمره ... في علم ما لا يدرك الأفكارُ
غيره:
تميز البعض في الألفاظ إن نطقوا ... وتعرف الحذق في الألفاظ إن نظروا
غيره:
تنسى مرارة كل نازلة ... بحلاوة في النهي والأمرِ
غيره:
ثقة الفتى بزمانه ... ثقة محللة العرى
غيره:
ثلاثةٌ موصوفةٌ تجلو البصر: ... الماء والوجه المليح والخضر
غيره:
(3/79)

جار الزمان علينا في تقلبه ... وأي دهر على الأحرار لم يجرِ؟
غيره:
جاء البشير مبشراً بقدومكم ... فملئت من قول البشير سرورا
غيره:
جاور إذا جاورت بحراً يا فتى ... فالجار يشرف قدرة بالجارِ!
غيره:
حبي لكم طبعٌ بغير تكلفٍ ... والطبع في الإنسان لا يتغيرُ
غيره:
خاطر بنفسك لا تقعد بمعجزةٍ ... فليس حرٌ على عجزٍ بمعذورِ!
غيره:
خذ ما صفا لك فالحياة غرور ... والدهر يعدل تارة ويجورُ
غيره:
خير ما ساعد الرجال نساءٌ ... صالحات يكن خلف الستورِ
غيره:
دخولك من باب الهمى إن أردته ... يسير ولكن الخروج عسيرُ
غيره:
دع النوم للنوام إنك إن تنم ... فإنك نصف العمر تغبن خاسرا
غيره:
ذروني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقيرُ
غيره:
رأيت بلاد الله وهي عريضةٌ ... على الخائف المذعور أضيق من القبر
غيره:
رأيتك مثل الجوز يمنع لبه ... صحيحا ويعطي لبه حين يكسرُ
غيره:
رُبَّ فقير غني نفسٍ ... وذي غنى بائس فقيرُ
(3/80)

غيره:
ردك الله إلينا سالماً ... بعد غنمٍ ونجاحٍ وظفر
غيره:
زرتني قبل أن أزورك شوقاً ... فلك الفضل زائراً ومزورا!
غيره:
زعمتم بأن الصبر أكرم صاحبٍ ... صدقتم ولكن قد تقضى به العمرُ
غيره:
سأكتم حاجتي عن الناس كلهم ... ولكنها للناس تبدو وتظهرُ
غيره:
سرور شهرٍ وغم دهرٍ ... ووزن وهرٍ ودق ظهرِ
غيره:
سيصرف الله ما تخشى وتحذره ... فاصبر قليلاً فعقبى صبرك الظفرُ
غيره:
شباب المرء ثوبٌ مستعارٌ ... وأيام الصبا أبداً قصارُ
غيره:
صفقةٌ غير خاسرة ... بيع دنيا بآخره
غيره:
ضيعت وقت في المحال ... فلا تضيع وقت غيرك!
غيره:
عبارتنا شتى وحسنك واحدٌ ... وكلٌ إلى ذاك الجمال يسيرُ
غيره:
عتبت على عمرو فلما فقدته ... وجربت أقواماً بكيت على عمرو
غيره:
على المرء أن يسعى لمّا فيه نفعه ... وليس عليه أن يساعده الدهرُ!
غيره:
(3/81)

قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المخبرِ
غيره:
قد كنت أبكي وداري منك دانيةٌ ... فكيف صبري وقد شطت بي الدار؟
غيره:
قد كنت أسمع ما أرى فيروعني ... واليوم ليس بروعي ما أنظر!
غيره:
قد كنت أحذر من دهري وأحذره ... حتى قدمت فزال الروع والحذرُ
غيره:
قضى الله في بعض المكارم للفتى ... بخيرٍ وفي بعض الهوى ما يحذرُ
غيره:
قف أنا في الطريق إن لم تزرنا ... وقفةٌ في الطريق نصف الزيارة!
غيره:
قومٌ إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار
غيره:
كأن العام ليس بعام حجٍّ ... تغيرت المواسم والدهورُ
غيره:
كفا حسودي جهلاً أنه رجلٌ ... معاندٌ لقضاء الله والقدرُ
غيره:
كل امرئٌ حسن في عين والده ... والخنفساء تسمي بنتها القمرُ
غيره:
كل عيبٍ تراه في الغير بالظن ... له فيك باليقين نظيرُ
غيره:
كنت من كربتي أفر إليهم ... فهم كربتي فأين الفرار
غيره:
لا تستسهلن الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلاّ لصابرِ
(3/82)

غيره:
لقد طال هذا القيل والقال بيننا ... وما طال قول الشرح إلاّ ليقصرا
غيره:
لقد كنت محتاجا إلى موت زوجتي ... ولكن قرين السوء باقٍ معمرُ
غيره:
لكم الأرض كلها فأعيروا ... عبدكم ما احتوى عليه جداره!
غيره:
لي النقاب على القباح فريضةٌ ... وعلى الملاح خطيئة لا تغفرُ
غيره:
ليس ارتحالك في كسب العلا سفراً ... بل المقام على ذل هو السفرُ
غيره:
ليس التفضل منك أمراً نادراً ... لكن مثلك في التفضل نادرُ
غيره:
ليس السعيد الذي دنياه مسعدة ... إنَّ السعيد الذي ينجو من النار
غيره:
ليس ما ليست له حيلةٌ ... موجودةٌ خيرٌ من الصبرِ
غيره:
ما العمر ما طالت به الدهور ... العمر ما تم به السرورُ
غيره:
ما بال دارك حين تدخل جنة ... وبباب دارك منكرٌ ونكيرُ؟
غيره:
ما حك جسمك غير ظفرك ... فتول أنت جميع أمرك!
غيره:
ما ذاق طعم الغنى فلا قناع له ... ولا ترى قانعاً في الناس مفتقرا
(3/83)

غيره:
ما كان ذاك العيش إلا سكرة ... لذاتها ذهبت وحل خمارها
غيره:
ما كل من زار الحمى سمع الندا ... من أهله: أهلاً بهذا الزائر!
غيره:
ما يضر البحر أمسى زاجراً ... إن رمى فيه سفينةٌ بحجر!
غيره:
متى تقضي حاجات من ليس واصلاً ... إلى حاجة حتى تكون له أخرى
غيره:
محن الفتى يخبرن على فضل الفتى ... والنار مخبرةٌ بفضل العنبر
غيره:
مفتاح باب الفج الصبر ... وكل عسر بعده يسرُ
غيره:
من أبرم الأمر بلا تدبير ... صيره الدهر إلى تدميرِ
غيره:
من كان يهوى منظراً بلا خبر ... فما له أوفق من عشق القمر
غيره:
نزلوا والخدود بيضٌ فلما ... أزف البين عدن بالدمع حمرا
غيره:
وأحمق خلق الله من جرب أمراً ... وعاد إلى تجربته مرة أخرى
غيره:
وإذا أتتك مصيبةٌ فاصبر فقد ... عظمت مصيبة مبتلى لا يصبرُ
غيره:
وإذا بغى باغٍ عليك بجهله ... فاقتله بالمعروف لا بالمنكر!
غيره:
(3/84)

وإذا ظلمت ولي بكم متعلقٌ ... فعلى علاكم لا علي العارُ
غيره:
وإذا عتبت على الصديق شكوته ... سراً إليه وفي المحافل أشكرُ
غيره:
وإذا لم يكن من الذل بدٌ ... فالق بالذل إن لقيت الكبارا!
غيره:
وأفرح كلما يزداد مالٌ ... ولا أبكي على نقصان عمرِ!
غيره:
والمعروف من يأته يحمد عواقبه: ما ضل عرفٌ وإن أوليته حجرا!
غيره:
والعمر كالكأس تستحلى أوائله ... لكنه ربما مجت أواخره
غيره:
والنجم تستصغر الأبصار صورته ... والذنب للعين لا للنجم في الصغر
غيره:
ورُبَّ جوادٍ امسك الله دوده ... كما يمسك الله السحاب من القطر
غيره:
وقى الله مولانا جميع المكاره ... ولا دار صرف الدهر يوماً بداره
غيره:
وقد زعمت ليلى بأني فاجرٌ ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها!
غيره:
وقد يهلك الإنسان من باب أمنه ... وينجو بأمن الله من حيث يحذرُ
غيره:
وكل من أعيتك أخلاقه ... دواؤه الصبر أو الهجرُ
(3/85)

غيره:
وكل أذى فمصبورٌ عليه ... وليس على قرين السوء صبرُ!
غيره:
وكم من أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعة أكلات دهر!
غيره:
وكم من طالبٍ يسعى لرزقٍ ... وفيه هلاكه لو كان يدري
غيره:
وكنت أمشي على ثنتين معتدلاً ... فصرت أمشي على أخرى من الشجر
غيره:
وكيف يذهب عن سمعي وعن بصري ... من كان مثل سواد القلب والبصر؟
غيره:
ولازم الصمت إن سئلت وقل: ... لا علم عندي بالجهل مستترا
غيره:
ولست أخاف الفقر ما عشت في غدٍ ... لكل غدٍ رزق من الله باكر
غيره:
ولم أر بعد الدين خيراً من الغنى ... ولم ار بعد الكفر شراً من الفقر
غيره:
وما الزين في لبس الثياب وإنما ... يزين الفتى مخبره حين يخبر
غيره:
وما عسرة فاصبر لها إن لقيتها ... بباقية إلاّ سيعقبها يسرُ
غيره:
وما كنت أرضى أن أعيش ببلدة ... وتنأى ولكن لا يغالب مقدار
غيره:
وما من نعمة شملت كريماً ... كنعمة عورةٍ سترت بقيرِ
غيره:
ومن كان ذا عذرٍ قبلت أعذاره ... وإن لم يكن عذرٌ فعندي له عذرُ
(3/86)

غيره:
ومن يكن الغراب له دليلا ... فما غير الغراب له مصير
غيره:
ونعلم أنَّ المال غادٍ ورائح ... وخير من المال الأحاديث والذكر
غيره:
وهون عندي ما ألاقي من الأذى ... بأنك أنت المبتلى والمقدر!
غيره:
ويخبرني عن غائب الأمر هديه ... كفى الهدي عما غيب المرء مخبر!
غيره:
ويعرف فضل عقول الرجال ... بتدريبها وبآثارها
غيره:
هي الضلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إنَّ تقويم الضلوع انكسارها
غيره:
هي المقادير فلمني أو فزد ... إنَّ كنت أخطأت فما أخطأ القدر
غيره:
لا تعاشر إلاّ الأكابر واعلم ... أنَّ في عشرة الصغار صغارا
غيره:
يا ليل طل يا شوق دم: ... إني على الحالين صابر!
غيره:
يفر من المنية كل حينٍ ... وما يغنى عن الموت الفرار!
غيره:
يلقى الحسود تجلدي فيسوءه ... إني على ريب الحوادث أصبر
غيره:
(3/87)

يمينك منها اليمن واليسر في اليسرى ... فبشرى لمن يرجو الندى منهما بشرى!
غيره:
ينال الفتى ما لم يؤمل وربما ... أتاحت له الأيام ما لم يحاذر
غيره:
ينسى صنائعه وعده ... ويبيت في إنجازه يتفكر
وقال أبو الأسود:
وإنَّ أحق الناس إنَّ كنت شاكراً ... بشكرك من أعطاك والوجه وافر
وتقدم تمام هذا الشعر وسببه.
ومثله قول الآخر:
وفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير خالِ
أعطاك قبل سؤاله ... كفاك مكروه السؤال
وقول أبي تمام:
وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي!
وقول أبي نواس:
إذا العشرون من شعبان ولت ... فواصل شرب ليلك بالنهار
ولا تشرب بأقداح صغار: ... فقد ضاق الزمان على الصغار!
يضربه الواعظ السادة الصوفية عندما يدبر الشباب ويقبل المشيب، ويكاد يذوي الغصن الرطيب، في الإكثار من القربات، والجد في العمل، وتلافي الخير قبل فوات الأجل، وكذا ما يشبه من كل ما يطلب اغتنام الفرصة فيه قبل فواته.
وقال أيضاً:
ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى: ... فلا خير في اللذات من دونها ستر!
وإنّما قال: وقل لي هي الخمر، لأنه إذا سمعها عندما نظر إليها التذ مسمعه باسمها، ومنظره بشخصها، وأشرابت نفسه إليها، فتلقتها بأعظم لذة.
(3/88)

وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي من قصيدة:
لا شيء ضائر عاشق، فإذا نأى ... عنه الحبيب فكل شيء ضائره
ومنها:
أبكر فقد بكرت عليك بمدحه ... غرر القصائد: خير أمرٍ باكره
ومنها:
وإذا الفتى المامول انجح عقله ... في نفسه ونداه أنجح شاعره
وقال أيضاً:
عفت آياتهن وأي ربعٍ ... يكون له على الزمن الخيار
ومنها:
كذاك لكل سائلةٍ قرار
وبعده:
مضى الأملاك وانقرضوا وأضحت ... سراة ملوكنا وهم تجار
وقوف في الظلام الذم تحمى ... دراهمهم ولا يحمي الذمار
فلو ذهبت سنات الدهر عنه وألقي عن مناكبه الدثار
لعدل قسمة الأيام فينا ... ولكن دهرنا هذا حمار!
ومنها:
وأي النار ليس له شرار؟
ومنها:
وكان المطل في بدءٍ وعودٍ ... دخلنا للصنيعة وهي نار
نسيب البخل مذ كان وإلاّ ... يكن نسب فبينهما جوار
لذلك قيل بعض المنع أدنى ... إلى مجدٍ وبعض الجود عار
وقال أيضاً:
شر الأوائل والأواخر ذمة ... لم تصطنع وصنيعة لم تشكر
وقال أيضاً:
(3/89)

إنَّ الكرام كثير في البلاد وإنَّ ... قلوا كما غيرهم قلو وإنَّ كثروا
لا يدهمنك من دهمائهم عدد ... فإنَّ جلهم أو كلهم بقر
وكلما أمست الأخطار بينهم ... هلكى تبين من أمسى له خطر
لو لم تصادف شيات البهم أكثر ما ... في الخيال لم تحمد الأوضاح والغرر
ومنها:
بالشعر طول إذا أصطكت مصادره ... في معشر وبه قصر
وقال أيضاً:
والبخل حلو ولكن غبه مضر ... فاكظم فلا إلاّ وزنبرو!
وقال أيضاً يرثي بن حميد:
فاثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها: من تحتك أخمص الحشر
غدا غدوة والحمد نسج ردائه ... فلم ينصرف إلاّ وأكفانه الأجر
تردى ثياب الموت حمراً فما أتى ... لها الليل إلاّ وهي من سندس خضر!
وقال أيضاً من أخرى:
سيأكلنا الدهر الذي غال من مضى ... ولا تنقضي الأشياء أو يوكل الدهر
وأكثر حالات أبن آدم خلفة ... يضل إذا فكرت في كنهها الفكر
فيفرح بالشيء المعار بقاؤه ... ويحزن لمّا صار وهو له ذخر
عليك بثوب الصبر إذ فيه ملبس ... فإنَّ ابنك المحمود بعد ابنك الصبر
وما أوحش الرحمان ساحة عبده ... إذا عاشر الجلى ومؤنسه الأجر!
وقال أيضاً:
إنّما البشر روضة فإذا كان ... ببذل فروضة وغدير
فاقسم اللحظ بيننا إنَّ في اللحظ ... لعنوان ما يجن الضمير!
وقال أيضاً:
فلا تمكن المطل من ذمة الندى ... فبئس أخو الأيدي الغزار وجارها
فإنَّ الأيادي الصالحات كبارها ... إذا وقعت تحت المطال صغارها
وما نفع من قد مات بالأمس صاديا ... إذا ما سماء اليوم طال انهمارها
(3/90)

وما العرف بالتسويف إلاّ كنخلة ... تسليت عنها حين شط قرارها
وخير عادات الحر مختصراتها ... كما إنَّ خيرات الليالي قصارها
وقال أيضاً:
وما القفر بالبيد الخواء بل التي ... نأت بي وفيها ساكنوها هي القفر
ومن قامر الأيام على ثمراتها ... فأحجم بها أن تنجلي ولها القمر
فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي ... أساء ففي سوء القضاء لي العذر
ومنها:
هل المجد إلاّ الجود والبأس والشعر
وقال أبو الطيب:
وما في سطوة الأرباب عيبٌ ... ولا في ذلة العبدان عار
وقال أيضاً:
إني لأعلم واللبيب خبير ... أنَّ الحياة وإن حرصت غرورُ
ورأيت كلاً ما يعلل نفسه ... بتعلة وإلى الفناء يصير
ومنها:
إنَّ المحب على البعاد يزور
وبعده:
وقنعت باللقيا وأوّل نظرةٍ ... إنَّ القليل من الحبيب كثيرُ
وقال أيضاً:
فلو كنت امرءاً تهجى هجونا ... ولكن ضاق فترٌ عن مسيرِ
الفتر بالكسر: ما بين طرف الإبهام وطرف السبابة إذا فتحتها. وضربه مثلا.
وقال أيضاً:
ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... مفترق جاران دارهما عمرُ
(3/91)

ولا تحسبن المجد زقاً وقينةً ... فما المجد إلاّ السيف والفتكة البكرُ
وتضريب أعناق الملوك وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجرُ
وتركك في الدنيا دوياً كأنما ... تداول سمع المرء أنمله العشرُ
إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقصٍ ... بلاهبةٍ فالفضل فيمن له الشكرُ
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقرُ
ومنها:
وإني مثل قول الحكيم: أعظم ما على الإنسان إعظام ذوي الدناءة. ونحو البيت الأول قول الحكيم: من قصر عن أخذ لذاته عدمها وعدم صحة جسمه. ونحو السادس قول الحكيم: من أفنى مدته في جمع المال خوف العدم فقد اسلم نفسه إلى العدم.
ونظم أبن شرف معنى البيت الأخير فقال:
ومنفق العمر في الأموال يجمعها ... مستعجل فقره لوما وتسفيلا
غيره:
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى
وقال فيه أبن شرف:
وكل من ليس يدري كنه قيمته ... فالناس فيه يحقون الأقاويلا
غيره:
طوى الدهر ما بيني وبين محمدٍ ... وليس لمّا تطوي المنية ناشر
وقال أبن شرف:
قد يوصل الشيء مقطوعا وما قطعت ... يد المنون فلن تلقاه موصولا
غيره:
من عاش أخلقت الأيام جدته ... وخانه ثقاته: السمع والبصر
(3/92)

وقال أبن شرف:
ومثال يطل عمره يفقد أحبته ... حتى الجوارح والصبر الذي عيلا
غيره:
عليَّ نحت المعاني من معادنها ... وما عليَّ إذا لم تفهم البقر!
وينشد:
عليَّ نحت القوافي من مقاطعها ... وما عليَّ لهم أن تفهم البقرُ!
وقال أبن شرف:
وناطقٍ بصوابٍ ما عليه سوى ... ما قال إن أخطئوا ظناً وتأويلا

لطيفة:
ذكر العلامة محمد بن مرزوق في صدر شرح الجمل أنَّ العلامة أبا القاسم الشيرازي شارح لبن الحاجب الأصلي والعلامة الكاتبي شارح المحصل أرادا ذات مرة أن يحضرا مجلس أبي عبد الله الخنوجي بحيث يخفي مكانهما. فغيرا حالتهما وحضرا عنده وأرادا أبحاثا. فكان من ملح ما صار بينهما أنهما لم ينصفاه في بعض أبحاثه وادعيا عدم بيان قوله وجعلا يستعيدان كلامه بزعمهما. فأنشد لهما:
عليَّ نحت المعاني من معادنها ... وما عليَّ إذا لم تفهم البقرُ!
بفتح تاء " تفهم " مبنيا للفاعل. فقلا له: ضم التاء! يعني ليبني للمفعول.
فقال: حينئذ يكون أحدكما شيرازيا والآخر كاتبيا! فقلا: نعم! فتناصفا.
وقال أبو العلاء المعري في قصيدة:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
وهذا المعنى وقع لعلي بن جبلة قال: زرت أبا دلف في الجبل. فلما حللت الكرخ أظهر من بري وإكرامي أمرا مفرطا حتى تأخرت عنه تأخرا كثيرا. فوصل معقل بن عيسى فقال: يقول لك الأمير: انقطعت عني وأحسبك استقللت بري فلا يغضبنك ذلك فسأزيد فيه حتى ترضى! فقلت: والله ما قطعي عنه إلاّ إفراطه! وكتبت له:
(3/93)

هجرتك لو أهجرك من كفر نعمةٍ ... وهل يرجى نيلي الزيادة في الكفرِ!
ولكنني لمّا أتيتك زائراً ... فأفرطت في بري عجزت عن الشكرِ
فما لآن لا أتيك إلاّ مسلما ... أزورك في الشهرين يوما أو الشهرِ
فإن زدتني برا تزيدني جفوة ... ولم تلقني طول الحياة إلى الحشرِ
فلما وصلت إليه قال: قاتله الله ما أشعره وأدق معانيه! فأجابني لوقته وكان حسن البديهة:
ألا رُبَّ ضيفٍ طارقٍ بسطته ... وأنسته قبل الضيافة بالبشرِ
أتاني يرجيني فما حال دونه ... ودون القرى والعرف من نيله ستري
وجدت له فضلاً عليَّ بقصده ... إليَّ وبراً زاد فيه على برِ
فزودته مالاً يقل بقاؤه ... وزودني مدحاً يدوم مدى الدهرِ
وبعث إليَّ بها وبألف دينار مع وصيفة فقلت حينئذ:
إنما الدنيا أبو دلفٍ ... بين باديه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلفٍ ... ولت الدنيا على أثره
ملكٌ تندى أنامله ... كانبلاج النوء عن مطره
مستهل عن مواهبه ... كابتسام الروض عن زهره
جبلٌ عزت مناكبه ... أمنت عدنان في ثغره
كل من في الأرض من عربٍ ... بين باديه ومحتضره
مستعيرٌ منه مكرمةً ... يكتسبها مفتخره
ويقال إنَّ البيت الثاني هو الذي أحفظ المأمون على أبن جبلة حتى سل لسانه من قفاه وقوله: وجدت له فضلا عليَّ. . " البيت ". أوّل من رأينا استعمل هذا المعنى في الشعر الحارث أبن عوف المري صاحب الحملات بين عبس وذبيان حيث يقول:
كم من يدٍ لا أودي حق نعمتها ... عندي لمختبطٍ طار ومن منن
(3/94)

إذا جاء يسعى إلى رحلي لأسعفه ... أليس قد ظن بي خيراً ولم يرني؟
وقوله: فزودته مالاً يقل بقائه. . " البيت " هو معنى ما حكي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنّه قال لإحدى بنات هرم بن سنان المري: ما أعطى أبوك زهيرا إذا امتدحه؟ فقالت: أعطاه مالا وأثاثا أفناه الدهر. فقال أمير المؤمنين: لكن ما أعطاكم زهير لا يفنيه الدهر أو كلاما نحو هذا. وتقدم شيء منه وسيأتي.
ومنها:
حسنت نظم كلامٍ توصفين به ... ومنزلا بك معمورا من الخفر
فالحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشَّعر
ومنها:
والخل كالماء يبدى لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدرِ
ومنها:
فلا يغرنك بشرٌ من سواه بدا ... وإن أنار فكم نورٍ بلا ثمر
ومنها:
وافقتهم في اختلاف من زمانكم ... والبدر في الوهن مثل البدر في السحر
المرقدون بنجدٍ نار بالديةٍ ... لا يحضرون وفقد العز في الحضر
ومنها:
فالعين يسلم منها ما رأت فنبت ... عنه وتلحق ما تهوى من الصور
ومنها:
هاجت نميرٌ فهاجت منكم ذا لبد ... والليث أفتك أفعالا من النمرِ
هموا فأموا فلما شارفوا وقفوا ... كوقفة العير بين الورد والصدر
ومنها:
والنجم تستصغر الأبصار صورته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
ومنها:
(3/95)

والمرء ما لم تفد نفعا إقامته ... غيمٌ حمى الشمس لم يمطر ولم يسر
ومنها:
والكبر والحمد ضدان اتفاقهما ... مثل اتفاق فتاء السن والكبر
يجني تزايد هذا من تناقص ذا ... والليل إن طال غال اليوم بالقصر
خف الورى وأقرتكم حلومكم ... والجمر تعدم فيه خفة الشرر
وقال أيضاً:
جمال المجد أن يثنى عليه ... ولولا الشمس ما عرف النهار
وللماء فضيلة كل حينٍ ... ولا سيما إذا اشتد الأوار
ومنها:
وليس يزيد في جري المذاكي ... ركابٌ فوقه ذهبٌ ممارُ
ورُبَّ مطوقٍ بالتبر يكبو ... بفارسه وللنقع اعتكارُ
وزندٍ عاطلٍ يحظى بمدحٍ ... ويحرمه الذي فيه سوارُ
وقال إبراهيم بن نصر القاضي:
جود الكريم إذا ما كان عن عدةٍ ... وقد تأخر من لم يسلم عن الكدر
إنَّ السحائب لا تجدي بوارقها ... نفعا إذا هي لم تمطر على الأثر
وماطل الموعد مذمومٌو إن سمحت ... يداه من بعد طول المظل بالبدر
يا دوحة الجود لا عتب على رجلٍ ... يهزها وهو محتاج إلى الثمر!
وقال إبراهيم الصولي:
دنت باناسٍ عن تناء زيارةٌ ... وشط بليلى عن دنو مزارها
وإنَّ مقيمات بمنعرج اللوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها
وقال أبن دارج القسطلي من قصيدة:
ألم تعلمي أنَّ الثواء هو النوى ... وأنَّ بيوت العاجزين قبور
وقال أبو نواس في الخصيب يمدحه في قصيدة:
فما فاته جودٌ ولا حلَّ دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصيرُ
وإني جديرٌ إذ بلغتك بالمنى ... وأنت بما أملتُ منك جديرُ
(3/96)

فإن تواني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عادرٌ وشكورُ
وقال الصاحب إسماعيل بن عباد:
رق الزجاج ورقت الخمر ... فتشابهتا فتشاكل الأمرُ
فكأنما خمرٌ ولا قدحٌ ... وكأنما قدحٌ ولا خمرُ
وقال أبو الفضل بن الحنزابة:
من أحمل النفس أحياها وروحها ... ولم يبت طاوياً منها على ضجرِ
إنَّ الرياح إذا اشتدت عواصفها ... فليس ترمي سوى العلي من الشجرِ
وقال أبو نواس:
تكثر ما استطعت من الخطايا ... فانك بالغٌ رباً غفورا
ستبصر إن وردت عليه عفوا ... وتلقى سيداً ملكاً كبيرا
تعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار السرورا!
وقال الطغراني لمّا ولد له مولود بعدما بلغ سبعا وخمسين من عمره:
هذا الصغير الذي وافى على كبر ... أقر عيني ولكن زاد في فكري
سبعٌ وخمسون لو مرت على حجرٍ ... لبان تأثيرها في صفحة الحجرِ
وقال عروة بن اذينة:
قالت وأبثتها سري فبحت به ... قد كنت عندي تحت الستر فاستتر!
ألست تبصر من حولي؟ فقالت لها: ... غطي هواك وما ألقى على بصري!
وهذا مثل مشهور عند الصوفية وأهل المحبة والمشاهدة والفناء رضي الله عنهم.
يحكى أنَّ السيدة سكينة بنت الحسين رضي الله عنها وعن أسلافها مرت يوما بعروة هذا وكان من أعيان العلماء وكبار الصالحين فقالت له: أنت القائل: قالت وأبثتها سري. . " البيت "؟ فقال: نعم! فالتفتت إلى جوار لها كن معها فقالت: هنَّ هن حرائر إن كان خرج هذا عن قلب سليم قط! ومن ملح ما جرى بينها وبينه أيضاً إنّه مات لعروة أخ يقال له بكر فرثاه عروة بقوله:
سرى همي وهو المرء يسري ... وغاب النجم إلاّ قيد فترِ
(3/97)

أرقب في المجرة لك نجمٍ ... تعرص أو على المجرات يجري
لهم ما أراك له قريباً ... كأن القلب أبطن حر جمرِ
على بكر أخي فارقت بكراً ... وأي العيش يصلح بعد بكر؟
فلما سمعت سكينة هذا الشعر قالت: ومن بكر هذا؟ فوصف لها. قالت: أهو ذلك الأسيد الذي كان يمر بنا؟ قالوا: نعم! قالت: لقد طاب بعده كل شيء حتى الخبز والزيت! والأسيد تصغير أسد.
ويحكى أنَّ بعض المغنين غنى بهذا الشعر عند الوليد بن يزيد بن عبد الله الملك الأموي في مجلس أنسه فقال: من يقول هذا؟ قيل: عروة بن أذينة. فقال: وأي عيش بعد بكر هذا العيش الذي نحن فيه؟ واله لقد حجز واسعاً.
وقال عبد الله بن المعتز:
فكان ما كان مما لست اذكره ... فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر!
وهذا مثل مشهور. وقبله قوله:
سقى المطيرة ذات الظل والشجر ... ودير عبدون هطال من مطر
فطالما نبهتني للصبوح بها ... في غرة الفجر والعصفور لم يطر
أصوات رهبان دير في صلاتهم ... سود المدامع نعارون بالسحر
مزنرين على الأوساط قد جعلوا ... على الرؤوس أكاليلاً من الشعر
كم فيهم من مليح الوجه مكتحل ... بالسحر يكسر جفنيه على حور
لاحظته بالهوى حتى استعاد له ... طوعاً وأسلمني الميعاد بالنظر
وجاءني في قميص الليل مستتراً ... يستعجل الخطو من خوفٍ ومن حذر
فقمت أفرش خدي في الطريق له ... ذلاً وأسحب أذيالي على الأثر
ولاح ضوء هلالٍ كاد يفضحها ... مثل القلامة قد قصت من الظفر
فكان ما كان. . " البيت " وقال عبد الله بن طاهر:
(3/98)

اغتفر زلتي لتحرز فضل ... الشكر مني ولا يفوتك أحري
لا تكلني إلى التوسل بالعذر ... لعلي ألا أقوم بعذرِ!
وقال أبو نواس في مدح أهل البيت:
مطهرون نقياتٌ جيوبهم ... تجري الصلاة عليهم إنما ذكروا
من لم يكن علويا حين تنسبه ... فما له في قديم الدهر مفتخرُ
الله لمّا برا خلقاً فأتفنهم ... صفاكم واصطفاكم أيها البشرُ
فأنتم الملأ الأعلى وعندكم ... علم الكتاب وما جاء به السورُ
وقال القاضي الجرجاني:
وقالوا: توصل بالخضوع إلى الغنى! ... وما علموا أنَّ الخضوع هو الفقرُ
وبيني وبين المال شيئان حرما ... عليَّ الغنى: نفسي الأبية والدهرُ
وإن قيل هذا أليس أبصرت دونه ... مواقف خيرٌ من وقفي بها العسرُ
وقال الفضل بن الربيع:
عسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بتصريف حالٍ والزمان عثورُ
فتقضي لباناتٌ وتشفى حسائفٌ ... وتحدث من بعد الأمور أمرُ!
وقال الأمير قابوس:
قل للذي بصروف الدهر عيرنا: ... هل حارب الدهر إلاّ من له خطرُ؟
أما ترى البحر تعلو فوقه جيفٌ ... وتستقر بأقصى قعره الدررُ؟
فإن تكن عبثت أيدي الزمان بنا ... ونالنا من تمادي بؤسه ضررُ
ففي السماء بجوم مالها عددٌ ... وليس يكسف إلاّ الشمس والقمرُ
وحدثني بعض الأصحاب أنَّ ملك مراكش كتب إلى المعتمد بن عباد حين اعتقله بمدينة أغمات بقول الآخر:
حسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدرُ
وساعدتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدرُ
فأجابه المعتمد من سجنه:
من ذا الذي بصروف الدهر عيرنا؟ ... لا ينكر الدهر إلاّ من له القدرُ
(3/99)

وفي البساتين أفانٌ منوعةٌ ... وليس يقطف إلاّ الورد والزهرُ
وفي السماء نجومٌ مالها عددٌ ... وليس يخسف إلاّ الشمس والقمرُ
والله أعلم بالمخترع! وقال الآخر وينسب لعثمان رضي الله عنه:
غنى النفس يغني النفس حتى يكفها ... وإن عضها حتى يضر بها الفقرُ
وما عسرةٌ فاصبر لها إن لقيتها ... بكائنةٍ إلاّ ويتبعها اليسرُ
وقال أيضاً:
تفنى اللذات ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعرُ
تبقى عواقب سوءٍ من معقبها ... لا خير في لذةٍ من بعدها النارُ
وقال أبن رفاعة وكان عبد الملك بن مروان لمّا قتل المصعب بن الزبير ودخل الكوفة فصعد المنبر وقال: أيها الناس إنَّ الحرب صعبة وإنَّ السلم أمن ومسرة: فاستقيموا على سبيل الهدى ودعوا الأهواء الموجبة للردى وتجنبوا فراق جماعة المسلمين ولا تكلفونا أفعال المهاجرين الأولين وأنتم لم تعملوا عملهم ولم تسلكوا سبيلهم ولا اظنكو تزدادون بعد الموعظة إلاّ صعوبة ولن تزداد وابعد الأعذار إليكم إلاّ عقوبة. فمن عاد عدنا وإن زاد زدنا وإنَّا معكم كما قال أبو قيس بن رفاعة:
من يصل ناري بلا ذنبٍ ولا ترةٍ ... يصل بنار كريمٍ غير غدارِ
أنا النذير لكم مني مجاهرة ... كي لا ألام على نهيٍ وإنذارِ
فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا ... أن سوف تلقون خزياً ظاهر العارِ
لا ترجعن أحاديثاً ملفقةً ... لهو المقيم ولهو المدلج الساري
من كان في نفسها حوجاء يطلبها ... عندي فإني له رهنٌ بإضمارِ
أقيم عوجته إن كان ذا عوجٍ ... كما يقوم قدح النبعة الباري
وصاحب الوتر ليس الدهر يدركه ... عندي وإني لدراكٌ بأوتارِ
وقال الآخر:
(3/100)

رأيتك إن أرسلت طرفك رائداً ... لقلبك يوماً أعجبتك المناظرُ
رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ ... عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ
وهذا مثل مشهور.
وعن الأصمعي قال: كنت في بعض مياه العرب فسمعت الناس يقولون: جاءت! جاءت! فنظر فإذا جارية وردت الماء ما رأى الراؤون مثلها. فلما رأت إلحاح الناس بالنظر إليها أرسلت برقعا كأنه غمامة غطت شمسا. فقالت لها: تمنعين الناس من النظر إلى هذا الوجه الحسن؟ فقالت: رايتك إن أرسلت طرفك. . " البيتين "
فنظر إليها أعرابي فقال: أنا والله ممن ولى صبره! ثم أنشد:
أوحشية العينين أين لك الأهل؟ ... أب الحزن حلوا أم محلهم السهلُ؟
وأية أرض أخرجتك فإنني ... أراك من الفردوس أنسأك الأصلُ
أم البدر أنشأك المنير فإن يكن ... لبدر الدجى نسلٌ فأنت له نسلُ
حسنت فأما الوجه منك فمشرقٌ ... وعينان كحلاوان زينهما كحلُ
قفي خبرينا ما طعمت وما الذي ... شربت ومن أين استقل بك الرحلُ
فإنَّ علامات الجنان مبنيةٌ ... عليك وإنَّ الشك يشبهه الشكلُ
وقال:
فإنا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضعٍ تمرا إلى أرض خيبرا
وقال يحيى بن طالب الحنفي:
تعزيت عنها كارها فتركتها ... وكان فريقها أمرَّ من الصبرِ
وكان يحيى هذا سخيا جوادا. ثم إنّه ركبه دين فادح فجلا عن اليمامة إلى بغداد يسأل السلطان في قضاء دينه. فأراد رجل من أهل اليمامة الشخوص إليها من بغداد فشيعه يحيى. فلما جلس الرجل في الزورق ذرفت عينا يحيى فأنشأ يقول:
أحقاً عباد الله أن لست ناظراً ... إلى قرقرا يوماً وأعلامها الخضر؟
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقةٌ ... دعاك الهوى واهتاج قلبك للذكرِ
أقول لموسى والدموع كأنها ... جداول ماء في مساربها تجري:
(3/101)

ألا هل لشيخٍ وأبن ستين حجةً ... بكى طرباً نحو اليمامة من عذر؟
كأن فؤادي كلما مر راكبٌ ... جناح غرابٍ رام نهضاً إلى وكرِ
يزهدني في كل خيرٍ صنعته ... إلى الناس ما جربت من قلة الشكرِ
فيا حزناً ماذا أجن من الهوى ... ومن مضمر الشوق الدخيل إلى حجر؟
تعزيت عنها كارها. . " البيت " وحجر بالفتح قصبة اليمامة.
ثم إنَّ الرشيد غني بشعر ليحيى هذا وهو:
أيا أثلات القاع من بطن توضحٍ ... حنيني إلى أطلالكن ويلُ
ويا أثلات القاع قد مل صحبتي ... مسيري فهل في ظلكن مقيلُ؟
ويا أثلات القاع قلبي موكلٌ ... بكن وجدوى نيلكن قليلُ
ألا هل إلى شم الخزامى ونظرةٍ ... إلى قرقرا قبل الممات سبيلُ؟
فأشرب من ماء الحجيلاء شربةً ... يداوي بها قبل الممات عليلُ
أحدث عنك النفس أن لست راجعاً ... إليك فحزني في الفؤادي دخيلُ
أريد هبوطا نحوكم فيردني ... إذا رمته دينٌ عليَّ ثقيلُ
فقال الرشيد: يقضى دينه! فلتمس فإذا هو مات قبل ذلك بشهر.
وقالت جارية تخاطب نفسها:
إذا لم يكن للأمر عند حيلةٌ ... ولم يجدي بداً من الصبر فاصبري!
وكانت هذه الجارية لرجل من قيس عيلان فكان بها كلفا. ثم أصابته حاجة وجهد فقالت له: لو بعتني فلو نلت طائلا عدت به عليك! فأخرجها للبيع وعرضت على أبن معمر المذحجي فأعجبته فاشتراها بمائة ألف درهم. فلما مضت لتدخل القصر ودعت مولاها وأنشدته:
هنيئاً لك المال الذي قد أصبته ... ولم يبق في كفي إلاّ تفكري
أقول لنفسي وهي في كرب عيشةٍ ... أقلي فقد بان الحبيب أو اكثري!
إذا لم يكن للأمر عندك. . " البيت " فأجابها مولاها:
(3/102)

فلولا نبو الدهر عني لم يكن ... لفرقتنا شيء سوى الموت فاعذري
أؤوب بحزن من فراقك موجع ... أناجي به قلباً طويل التفكرِ؟
عليك سلامٌ لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلاّ أن يشاء أبن معمرِ
فقال له: خذ بيدها فهي لك وثمنها! وقال الخليل بن أحمد:
إن منت لست معي فالذكر منك معي ... يرعاك قلبي وإن غيبت عن بصري
العين تفقد من تهوى وتبصره ... وناظر القرب لا يخلو من النظر
وهو مثل مشهور للصوفية:
أما والذي لو شاء لم يخلف الهوى ... لئن غبت عن عيني لمّا غبت عن قلبي
يوهمنيك الشوق حتى كأنما ... أناجيك من قربٍ وإن لم يكن قربي
وقال الآخر:
أبلغ أخانا تولى الله صحبته ... أني وإن كنت لا ألقاه ألقاه
وإنَّ قلبي موصولٌ برؤيته ... وإن تباعد عن مثواي مثواه
وقال الآخر:
إذا اشتاقت العينان منك بنظرةٍ ... تمثلت لي في القلب من كل جانبِ
وحكي عن الإمام الشبلي رضي الله عنه أنه رأى يوما مجنونا والصبيان خلفة يرمونه بالحجارة وقد أدموا وجهه وشجوا رأسه. فأخذ الشبلي يزجرهم عنه فقالوا له: يا شيخ دعنا نقتله فإنه كافر! فقال لهم: وما الذي بان لكم من كفره؟ فقالوا: يزعم أنه يرى ربه ويحادثه. فقال: أمسكوا عليَّ قليلا! فتقدم الشبلي فوجده يتحدث ويضحك ويقول في أثناء ذلك: هذا جميل منك تسلط عليَّ الصبيان ليشغلوني عنك! فقال: يا شبلي وما الذي قالوا؟ قال: تقول إنك ترى ربك وتحدثه. فصاح صيحة عظيمة ثم قال: يا شبلي نعم وحق من تيمني بحبه وهيمني بين بعده وقربه! لو احتجب عني طرفة عين لتقطعت من البين. ثم ولى وهو يقول:
لئن غبت عن عيني وشط بك النوى ... فأنت بقلبي حاضرٌ وقريبُ
(3/103)

أراك بعين الوهم في مضمر الحشا ... وليس على عين الفؤاد رقيبُ
خيالك في وهمي وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيبُ؟
وقال سويد بن الصامت:
ألا ربما تدعوا صديقاً ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري
لسانٌ له كالشهد ما دمت حاضراً ... وبالغيب مطرورٌ على ثغرة النحر
قوله " مطرور " أي محدود تقول: طررت السكين. والثغرة بضم المثلثة وسكون الغين المعجمة نقرة النحر بين الترقوتين.
غيره:
كم من أخً لك لست نكره ... ما دمت من دنياك في سترِ
متصنعٍ لك في مودته ... يلقاك بالترحيب والبشرِ
يطري الوفاء وذا الوفاء ويلحي ... الغدر مجتهداً وذا الغدرِ
فإذا عدا والدهر ذو غيرٍ ... دهر عليك عدا مع الدهرِ
فارفض بإجمال مودة من ... يقلي المقل ويعشق المثري
وعليك من حاله واحدٌ ... في العسر إما كنت واليسرِ
لا تخلطنهم بغيرهم ... من يخلط العقبان بالصقرِ
غيره:
اخط مع الهر إذا ما خطا ... واجر مع الهر كما يجري
من سابق الدهر كبا كبوة ... لم يستقلها آخر الهرِ
ليس لما ليست له حيلةٌ ... موجودةٌ خيرٌ من الصبرِ
ويروى:
حيلةٌ ما ليست حيلةٌ ... حسن عزاء النفس والصبرِ
وقال المخزومي:
العيب في الجاهل المغمور مغمور ... وعيب ذي الشرف المذكور مذكور
كفوفةِ الظفر تخفي من حقارتها ... ومثلها في سواد العين مشهور
(3/104)

ونحوه قول إبراهيم بن المهدي:
لولا الحياء وأنني مشهور ... والعيب بالرجل الكبير كبير
لحللت منزله الذي يحتله ... ولكان منزلنا هو المهجورُ
وقال أبو سليمان الخطابي:
أنست بوحدتي ولزمت بيتي ... فدام الأنس لي ونما السرورُ
وأدبني الزمان فلا أبالي ... هجرت فلا أزار ولا أزورُ
ولست بسائل ما دمت حياً ... أسار الجيش أم ركب الأميرُ
غيره:
لصيد اللخم في البحر ... وصيد الأسد في البرِ
وقضم الثلج في القر ... ونقل الصخر في الحرِ
وإقدام على الموت ... وتحويل إلى القبرِ
لأشهى في طلاب العز ... ممن عاش في الفقرِ
اللخم بالخاء المعجمة حيوان بحري يصعب المنال.
غيره:
خاطر بنفسك لا تقعد بمعجزة ... فليس حرٌ على عجزٍ بمعذورِ
إن لم تنل في مقام ما تحاوله ... فأبل عذراً بإدلاج وتهجيرِ
لن يبلغ المرء بالإحجام حاجته ... حتى يباشرها منه بتغريرِ
حتى يواصل في أنحاء مطلبها ... سهلا بحزن وأنجاداً بتغويرِ
غيره:
لعمرك ما الزية فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعيرُ
ولكن الرزية موت نفس ... يموت بموتها بشر كثيرُ
ونحوه قول الآخر في قيس بن عاصم المنقري رضي الله عنه:
فما كان قيسٌ هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قومٍ تهدما
غيره:
(3/105)

ومن يجعل المعروف من دون أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
وسيأتي تتميم هذا الشعر وشرح قصته في الكاف إن شاء الله تعالى.
وقال شيخ من الأعراب نظر إلى امرأته تتصنع وهي عجوز:
عجوزٌ ترجى أن يكون فتيةً ... وقد لحب الجنبان واحد ودب الظهرُ
تدس إلى العطار سلعة بيتها ... وهل يصلح العطار ما أفسد الدهرُ؟
وزيد فيه:
وما غرني إلاّ خضابٌ بكفها ... ونجلٌ بعينيها وأثوابها الطهرُ
وجاؤوا بها قبل المحاق بليلةٍ ... فكان محاقها كله ذلك الشهرُ!
فقالت امرأته مجيبة:
ألم تر أنَّ الناب تحلب علبةً ... ويترك ثلبٌ لاضرابٌ ولا ظهرُ؟
ثم استغاثت بالنساء واستغاث بالرجال فإذا هم خلوف فاجتمع عليه النساء فضربنه.
قوله: لحب الجنبان أي قل لحمهما يقال لحب الرجل بالكسر إذا أنحله الكبر.
قوله: سلعة بيتها يريد السويق والدقيق ونحوهما والعرب تقول لكل عرض سلعة والناب: الناقة المسنة. والعلبة بالضم: القدح العظيم من الخشب أو من جلود الإبل يحلب فيه والثلب بالثاء المثلثة على مثال قرد: الجمل إذا سقطت أسنانه هرما وتناثر شعر ذنبه تقول: إنَّ الأنثى فيها نفع وإن أسنت بخلاف الذكر إذا أسن.
وقال بعض الأدباء:
وأتم الأشياء حسناً ونوراً ... بكر شكر زفت إلى صهر بر
ما قرآن السعدين في الحوت أبهى ... منظراً من قرآن بر وشكر!
وقال سعد بن ناشب:
تفدني فيما ترى من شراستي ... وشدة نفسي أم سعدٍ وما تدري
فقلت لها: إنَّ الكريم وإن حلا ... ليلفى على حالٍ أمر من الصبرِ
وفي اللين ضعفٌ والشراسة هيبةٌ ... ومن لا يهب يحمل على مركب وعرِ
وما بي على من لأنَّ لي من فظاظةٍ ... ولكنني فظ أبي على القسرِ
(3/106)

أقيم صغى ذي الميل حتى أرده ... وأخطمه حتى يعود إلى القدرِ
فإن تعذليني تعذلي بي مرزءاً ... كريم نثا الإعسار مشترك اليسرِ
إذا هم ألقى بين عينيه همه ... وصمم تصميم الريجي ذي الأثرِ
قوله: كريم نثا الإعسار بتقديم النون: ذكر الرجل بجميل أو قبيح فهو مشترك. يقول إنه يثني عليه في الإعسار بخير وكرم وعفة والأثر بفتح الهمزة وكسرها: فرند السيف وهو رونقه وماؤه.
وقال سالم بن وابصة:
أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه ... كأنَّ به عن كل فاحشةٍ وقرا
سليم دواعي الصدر لا باسطاً آذى ... ولا مانعاً خيراً ولا ناطقاً هجرا
إذا ما أتت من صاحبٍ لك زلةٌ ... فكن أنت محتالاً لزلته عذرا
غني النفس ما يكفيك من سد خلةٍ ... وإن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقرا
وقال كثير وكان قد دخل على عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى فقال له: أأنت كثير؟ قال: نعم! قال: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه! قال: يا أمير المؤمنين كل عند محله رحب الفناء شامخ البناء عالي السناء. ثم أنشأ يقول:
ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد عصورُ
ويعجبك الطرير إذا تراه ... فيخيل ظنك الرجل الطريرُ
بغاث الطير أطولها رقاباً ... ولم تطل البزاة ولا الصقورُ
خشاش الطير أكثرها فراخاً ... وأم الصقر مقلات نزورُ
ضعاف الأسد أكثرها زئيراً ... وأصرمها اللواتي لا تزيرُ
وقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعيرُ
ينوخ ثم يضرب بالهراوى ... فلا عرفٌ لديه ولا نكيرُ
يقوده الصبي بكل أرضٍ ... وينحه على الترب الصغيرُ
فما عظم الرجال لهم بزينٍ ... ولكن زينتهم كرمٌ وخيرُ
فقال عبد الملك: لله دره ما أفصح لسانه! وأضبط جنانه! وأطول عنانه! والله إني لأظنه كما وصف نفسه! قوله: أسدٌ هصور الهصر بالصاد المهملة: الكسر
(3/107)

والجذب. والمقلات: التي لا يعيش لها الأولاد. والنزور: القليلة الولد كما مر. والطرير من الرجال: ذو المنظر والرواء الحسن. والخير بالكسر: الكرم والشرف والأصل ونسب هذا الشعر أيضاً لغير كثير وهو في الحماسة.
وقال الزبرقان من بدر:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي مربض المستأسد الضاري
يحكى أنَّ عمر بن أبي ربيعة بينما هو يطوف إذ بصر بامرأة في الطواف فأعجبته فكلمها فنفرت وقالت: إليك عني فإني في حرم الله وفي موضع عظيم الحرمة! فلما ألح عليها وشغلها عن الطواف ذهبت إلى بعض محارمها فقالت له: احضر معي تريني المناسك! فجاء معها فلما رآه عمر تباعد عنها فتمثلت حينئذ بهذا البيت. فبلغ المنصور خبرها فقال: وددت لو لم تبق بنت في خدرها إلاّ سمعته.
وقال الحماسي:
ومن أنتم آنا نسينا من أنتم ... وريحكم من أي ريح الأعاصير؟
فأنتم إلى جئتم مع البقل والدبا ... فطار وهذا شخصكم غير طائرِ
الدبا بالدال المهملة وبالباء الموحدة المفتوحتين: أصغر الجرد والنمل الواحد دباة. قال الراجز:
كأنَّ خرق قرصها المعقوب ... على دباة أو على يعسوب
وقال الآخر:
يا قلب إنك من أسماء مغرور ... فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكيرُ؟
حتى متى أنت منها مدنف ولهٌ ... لا يستبيك سواها البدن الحور؟
تأتي أمور فما تدري أعاجلها ... خيرٌ لنفسك أم ما فيه تأخيرُ
فاستقدر الله خيراً وارضينَّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسيرُ
وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌ ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصيرُ
(3/108)

يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابة في الحي مسرور
حتى كأن لم يكن إلاّ تذكره ... والدهر أينما حالٍ دهاريرُ
فذاك آخر عمر من أخيك إذا ... ما ضمنت شلوه اللحد الحناشيرُ
وقال الآخر:
نصبرت مغلوباً وإني لصابرٌ ... كما صبر الضمآن في البلد القفرُ
وقبله:
يا عمرو لم اصبر ولي فيك حيلةٌ ... ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبرِ!
غيره:
وإنَّ سعيد الجد من بات ليلةً ... واصبح لم يشوب ببعض الكبائر
فمولاك لا يهضم لديك وإنّما ... هضيمة مولى المرء جدع المناخرِ
وجارك لا يذممك الله تعالى مسبةً ... على المرء في الأدنين ذم المجاورِ
فإن قلت فاعلم ما تقول فإنه ... إلى سامع ممن تعادي وآثرِ
فإنك لا تستطيع رد مقالةٍ ... شأتك وزلت عن فكاهة فاغرِ
كما ليس رامٍ بعد إرسال سهمه ... على رده قبل الوقوع بقادرِ
إذا أنت عاديت الرجال فلا تزل ... على حذر لا خير في غير حاذرِ
ومن لا يصانع في أمور كثيرةٍ ... يضرس بأنيابٍ ويوطأ بحافرِ
ترى المرء مخلوقا وللعين حظها ... وليس بإحناء الأمور بحابرِ
فذلك كماء البحر لست مسيغه ... ويعجب منه ساجياً كل ناظرِ
وتلقى الأصيل الفاضل الراي جسمه ... إذا ما مشى في القوم ليس بقاهرِ
كذلك جفن رث عن طول مكثه ... على حدّثني مفترق الغرارين باترِ
وعاش بعينيه لمّا لا يناله ... كساع برجليه لأدراك طائرِ
ومستنزل حرباع غير ثروةٍ ... كمقتحم في البحر ليس بماهرِ
وملتمس وداً لمن لا يوده ... كمعتذر يوماً إلى غير عاذرِ
(3/109)

ومتخذ عذراً فعاد ملالة ... كوالي اليتامى ما لهم غير وافرِ
فسارع إذا سافرت في الحمد واعلمن ... بأن ثناء الركب حظ المسافرِ
وطاوعهم فيما أرادوا وقل لهم: ... فداً للذي رمتم كلال الأباعرِ
وإن كنت ذا حظ من المال فالتمس ... به الأجر وأرفع ذكر أهل المقابرِ
فإني رأيت المال يفنى وذكره ... كظل يقيك حر الهواجرِ
وقال عروة بن المرد المعروف بعروة الصعاليك العبسي:
لحى الله صعلوكاً إذا جن ليله ... مصافي المشاش آلفاً كل مجزرِ
ينام ثقيلاً ثم يصبح قاعداً ... يحت الحصى عن جنبه المتعفرِ
يعين نساء الحي ما يستعنه ... فيمضي طليحاً كالبعير المحسرِ
ولكن صعلوكاً صفيحة وجهه ... كضوء سراج القابس المتنورِ
مطلاً على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهرِ
وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المنتظرِ
فذلك إن يلق المنية يلقاها ... حميداً وإن يستغن يوما فأجدرِ
وقال الشريف الرضي:
أودى وما أودت مناقبه ... ومن الرجال معمر الذكرِ
غيره:
طربت إلى الأصيبية الصغار ... وهاجك منهم قرب المزارِ
وأبرح ما يكون الشوق يوماً ... إذا دنت الديار من الديارِ
وقال كثير:
وقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغيرُ؟
تغير جسمي والخليقة مثلما ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبرُ
(3/110)

دخلت عزة هذه على عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى فقال: أنت عزة كثير؟ قالت: أنا أم بكر الضمرية. فقال لها: أتروين قول كثير: وقد زعمت. . " البيتين "؟ فقالت: لا اروي هذا ولكني أروي قوله:
صفوحاً فما تلقاك إلاّ بخيلةً ... فمن مل منها ذلك الوصل ملتِ
وهذا البيت من تائية كثير المشهورة التي مطلعها:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلتِ!
وقال الآخر:
ما للكواعب يا عيساء قد جعلت ... تزور عني وتطوي دوني الحجرُ
قد كنت فتاح أبوابٍ مغلقةٍ ... ذب الرياد إذا ما خولس النظرُ
فقد جعلت أرى الشخصين أربعة ... والواحد اثنين مما بورك البصرُ
وكنت أمشي على رجلين معتدلاً ... فصرت أمشي على أخرى من الشجر
غيره:
خبروها بأنني قد تزوجت ... فظلت تكاتم الغيظ سرا
وبعده:
ثم قالت لأختها ولأخرى ... جزعاً: ليته تزوج عشرا
وأشارت إلى نساء لديها ... لا ترى دونهن للسر سترا
ما لقلبي كأنه ليس مني ... وعظامي أخال فيهن فترا
من حديث نكى إلي فظيعٍ ... خلت في القلب من تلظيه جمرا؟
غيره:
شربنا من الرازي حتى كأننا ... ملوك لهم بر العراقين والنحرُ
فلما انجلت شمس النهار رأينا ... تولى الغنى عنا وعاودنا الفقرُ!
ومثله قول الأعرابي:
ولقد شربت الراح حتى خلتني ... لمّا خرجت أجر فضل المئزرِ
قابوس أو عمرو بن هند ما تلا ... يجبني له ما دون دارة قيصرِ
(3/111)

وقال لقيط بن زرارة:
شربت الخمر حتى خلت أني ... أبو قابوس أو عبد المدانِ
أمشي في بني عدس بن بدر ... رخي البال منطلق اللسانِ
غيره:
إني هزئت من أم الغمر إذ هزئت ... من شيب رأسي وما بالشيب من عارِ
ما شقوة المرء بالإقتار يقتره ... ولا سعادته يوما بإكثارِ
إنَّ الشقي الذي في النار منزله ... والفوز فوز الذي ينجو من النارِ
أعوذ بالله من أمر يزين لي ... لوم العشيرة أو يدني من العارِ
وخير دنيا تنسي شر آخرةٍ ... وسوف ينبئني الجبار أخباري
لا أقرب البيت أحبو من مؤخره ... ولا أكسر في أبن العم أظافري
إن يحجب الله أبصاراً أراقبها ... فقد يرى الله حال المدلج الساري
قوله: لا أقرب البيت. . الخ أي لا آتي لرؤيته كقول الآخر:
ولست بصادر من بيت جارٍ ... كفعل الغير غمره الورود
يقال: تغمره الشارب إذا لم يرو فهو يلتفت وراءه وكذا المريب وتقدم هذا قوله: ولا أكسر في أبن العم أظفاري أي لا أغتابه كقول الحطيئة:
ملوا قراه وهرته كلابهم ... وجرحوه بأنيابٍ وأضراسِ
وقال جرير:
فلا تبوسوا بيني وبينكم الثرى ... فإنَّ الذي بيني وبينكم مثر
وقال عبد الحميد بن يحيى الكاتب:
أسر وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره؟
وسيأتي سبب هذا الشعر في الأعيان إن شاء الله تعالى.
غيره:
إذا كنت في نجد وطيب نعمة ... تذكرت أهلي باللوى فمحسر
وإن كنت فيهم زدت شوقاً ولوزعة ... إلى ساكني نجد وعيل تصبري
لقد طال ما بين الفريقين موقفي ... فمن لي بنجد بين أهلي ومعشري؟
(3/112)

غيره:
أوليتني نعيما أبوح بشكرها ... وكفيتني كل الأمور بأسها
فلأشكرنك ما حييت وإن أمت ... فلتشكرنك أعظمي في قبرها
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
إذا المشكلات تصدين لي ... كشفت حقائقها بالنظر
وإن برقت من فخيل الصواب ... عمياء لا تجتليها الفكر
مقنعةٌ بغروب الأمر ... وضعت عليها ضحيح الفقر
لساناً كشقشقة الأرحبي ... أو كالحسام اليماني الذكر
وقلباً إذا استنطقته الغيوب ... ابر عليها بود درر
ولست بإمعةٍ في الرجال ... يسائل هذا وذا ما الخبر
ولكنني مذرن الأصغرين ... يبين مع ما مضى ما غبر
يروى إنّه سئل عن نازلة فدخل مبادرا ثم خرج في حداء ورداء وهو متبسم. فقيل له: يا أمير المؤمنين إنك كنت إذا سئلت عن المسألة تكون فيها كالسكة المحماة. قال: إني كنت حاقنا ولا رأي لحاقن! ثم أنشأ يقول: إذا المشكلات تصدين. . " الأبيات ".
وقال أبو العباس التطيلي:
والناس كالناس إلاّ أن تجربهم ... وللبصيرة حكم ليس للبصر
كالأيك مشتبهات في منابتها ... وإنما يع التفضيل بالثمر
وقال التهامي في مثله:
ومن الرجال مجاهلٌ ومعالم ... ومن النجوم غوامض ودراري
والناس مشتبهون في إرادهم ... وتفاضل الأقوام في الإصدار
ولربما اعتضد الحليم بجاهل ... لا خير في يمنى بغير يسار
وقال القاضي الجليس المصري:
ومن عجب أنَّ السيوف لديهم ... تحيض دماء والسيوف ذكور
وأعجب من ذا أنها بأكفالهم ... تؤجج ناراً والكف بجور
وقال أبن المعتز في التعزية:
(3/113)

لم تمت أنت مات من لم ... يبق للمجد والمكارم ذكرا
لست مستسقيا لقبرك غيثا ... كيف يسقى وقد تضمن بحرا؟
وقال الآخر:
وأصبر حتى يحسب الناس إنني ... بي الهجر لا والله ما بي لكم هجر!
ولكن أروض النفس أخبر هل لها ... على فرقة من بعد أحبابها صبر
وقال الآخر:
لا غرو أنَّ يصلى بهجركم ... ناراً تؤججها يد التذكار
قبلي إذا غبتم يصور شخصكم ... فيه وكل مصور في النار
وقال أبن الخطيب:
بلد يحف به الرياض كأنه ... وجه جميل والرياض عذاره
وكأنما واديه معصم فضة ... ومن الجسور المحكمات سواره
وقال أبو الربيع:
فتح الشقاق جراحها ومغنمها ... وشي الربيع، وقتلاها من الثمر
لأجل هذا إذا هبت طلائه ... تدرع النهر واهتزت قنى الشجر
وقال القاضي الشريف:
واحور وسنان الجفون مرابط ... سبى حسنه لب الحبيب وصبره
حمى ثغره عني بسيف لحاظه ... ولا غرو أنَّ يحمي المرابط ثغره!
وقال إبراهيم أبن المهدي:
إذا كلمتني بالعيون الفواتر ... رددت عليها بالدموع البوادر
فلم يعلم الواشون ما دار بيننا ... وقد قضيت حاجتنا بالضمائر
وقال الخوارزمي:
عليك بإظهار التجلد للعدا ... ولا تظهرن منك الذبول فتحقرا!
ألست ترى الريحان يشع يانعا ... ويطرح في الميضات مهما تغيرا؟
وقال الآخر:
تواضع إذا نلت المعالي علا ... وتكتسب الشكر الجميل من الورى
(3/114)

فلن يشكر الغيث الربيع محله ... قرين الثريا أو يعود إلى الثرى
وقال صالح بن شرف:
الدهر لا يبقى على حالةٍ ... لكنه يقبل أو يدبر
فإنَّ تلقاك بمكروهه ... فأصبر فإنَّ الدهر لا يصبر!
وقال الرصافي:
صون الفتى وجهه أوقى لهمته ... والرزق جارٍ على حد ومقدار
قنعت، وامتد مالي فالسماء يدي ... وبدرها درهمي والشمس ديناري
وقال أبن طباطبا العلوي:
قالت: أراك خضبت الشيب، قلت لها: ... سترته عنك يا سمعي ويا بصري
فاستضحكت ثم قالت من تعجبها: ... تكاثر الغش حتى صار في الشعر!
وقال الآخر:
إنَّ الليالي الأنام مناهل ... تطوي وتنشر بينها الأغمار
فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار
وقال الآخر:
النار آخر دينار نطقت به ... والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما ما لم يكن ورعا ... مقلب القلب بين الهم والنار
وقال عبد الله بن طاهر:
إلى كم يكون الهجر في كل ساعةٍ ... وكم لا تملين القطيعة والهجرا!
رويدك إنَّ الدهر فيه كفاية: ... بتفريق ذات البين، فانتظر الدهرا!
وقال قيس بن الذريح:
لو إنَّ امرءاً أخفى الهوى عن ضميره ... لمت ولم يشعر بذاك ضمير
ولكن سألقى الله والقلب لم يبح ... بسرك والمستخبرون كثير!
وقال أبن خفاجة:
أرى الناس يولون الغني كرامةً ... وإنَّ لم يكن أهلا لرفعة مقدار
ويولون عن وجه الفقير وجوههم ... وإنَّ كان أهلا أم يلاقى باكبار
بنو الدهر جاءتهم أحاديث جمة ... فما صححوا إلاّ حديث أبن دينار!
(3/115)

وقال أبن معروف:
أحذر عدوك مرة ... وأحذر صديقك ألف مرة
فلربما أنقلب الصديق ... فكان أعلم بالضمرة!
وقال البستي:
إذا حيوان كان طعمة ضده ... توقاه كالفأر الذي يحذر الهرا
ولا شك أنَّ المرء دهره ... فما باله يا ويحه يا من الدهرا؟
وقال الآخر:
إذا ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار!
لطيفة: حكي عن الجاحظ قال: عبر يوما على معلم الكتاب، فرأيت هيئة حسنة. وقام إلي وأجلسني معه، ففاتحته القرآن هو فيه ماهر. ففاتحته النحو فوجدته ماهرا، ثم في أشعار العرب واللغة كاملا في كل ما يراد منه، فقلت: قوى والله هذا عزمي الكتاب مغلقا. فسألت عنه فقيل: مات له ميت. فسرت إليه لأعزيه، فدققت الباب عليه، فخرجت جارية وقالت: ما تريد؟ فقلت: أريد مولاك. فقالت: هو جالس وحده في العزا، ما يعطي الطريق لأحد. فقلت: قولي له: صديقك فلان. فدخلت وخرجت وقالت: ادخل! فدخلت وقلت له: أعظم الله أجرك! لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، وهذا سبيل لابد منه، فعليك بالصبر! ثم قلت له: هذا الميت ولدك؟ قال: لا. قلت: والدك؟ قال: لا. قلت: أخوك؟ قال: لا. قلت: فمن؟ قال: صفيتي. فقلت في نفسي: هذا أول المناحس! ثم قلت: سبحان الله! النساء كثير، وتجد أحسن منها. فقال لي وكأني رأيتها؟ فقلت: وهذه منحسة ثانية! ثم قلت: وكيف عشقت من لم تره؟ فقال: كنت في الطارمة فسمعت مفنيا يقول:
يا أم عمرو جزاك الله مكرمة ... دري علي فؤادي أينما كانا!
فقلت في نفسي: لولا إنَّ أم عمرو هذا ما في الدنيا مثلها، ما قيل فيها هذا الشعر! فعلق قلبي بها.
فلما كان بعد أيام، مر بي ذلك الرجل وهو يقول:
(3/116)

إذا ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار!
فعلمت إنّها ماتت. فحزنت ليها وجلست للعزاء منذ ثلاثة أيام. قال الجاحظ: فعادت عزيمتي وقويت على إبقاء الدفتر بأم عمرو.
وقال النابغة الجعدي:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوة إنَّ يكدرا
ولا خير في رأي إذا لم تكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
يروى إنّه لمّا انشد قصيدته هذه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وبلغ هذا الموضع قال له صلى الله عليه وسلم: لا يفضض الله فاك! فعاش مائة وعشرين سنة، لم تنفض له ثنية ببركة عليه الصلاة والسلام. وقال المكيالي:
إنَّ كنت تأنس بالحبيب وقربه ... فأصبر على حكم الرقيب وداره!
إنَّ الرقيب إذا صبرت لذله ... بواك في ربع الحبيب وداره
وقال التغري رحمه الله:
من لي بزوره أحمد الهادي الذي ... من زاره غفرت له أوزاره؟
وأحط رحلي في جوار محمّد ... لمقام عز لا يضام جواره
حوم عظيم عظمت حرامته ... واختال في خلع الرضى زواره
وقال أيضاً:
يا خير خلق الله دعوة نازح ... بانت حبته وشط مزاره
وتقسمته يد النوى فبمغرب ... أوطانه وبمشرق أوطاره
وقال:
لأولي الحجي رفع الحجاب فشاهدوا ... قمر الحجاز تلألأت أنواره
واستنقشوا أرج النسيم فساقهم ... شوقا لنجد شيحه وعراره
وقال آخر يهجو قاضي بلده:
لا مثل قاضي رأيناه ببلدتنا ... في الجهل منه وفي الجور الورى حاورا
فهو من النفر الأدين منزلةٍ ... من حاكم منه وفي الجور الورى حاورا
مسذوم بذال معجمة بلد بحمص، أو هو قرية قوم لوط. وقاضي سذوم المشهور هو
(3/117)

الذي زعموا إنّه شكا إليه رجل مر بقوم ومعه امرأته على حمار. فضربوا الحمار وقطعوا ذنبه، فتخبط وطرح المرأة فأسقطت جنينا. فقال له: ادفع إليهم امرأتك يطؤونها حتى تحل ويردونها إليك: وأعطهم الحمار يستخدمونه حتى ينبت ذنبه ويردونه إليك! فيقال إنَّ الرجل دعا عليهم، فسخف بهم ولم يبق من أهل سذوم أحد.
وقال محي الدين الاسكندراني:
ومقعد أنَّ الرئاسة في الكبر ... فأصبح ممقوتا به وهو لا يدري
يجر ذيول العجب طالب رفعة ... ألا فأعجبوا من طالب الرفع بالجر!
وقال العرجي العثماني:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر!
ويحكى إنّه كان فتى يجاور الأمام أبا حنيفة، رضي الله عنه، وكان يشرب كل ليلة، فإذا دب فيه الشراب جعل يغني. فكان أبو حنيفة يقوم من الليل ويسهر على النظر ويانس بغنائه. وكان أكثر ما يغني بقول العرجي هذا: أضاعوني وأي فتى أضاعوا. . الخ.
وبعده:
كأني لم اكن فيهم وسيطا ... ولم تك نسبتي في آب عمر
ثم ن الفتى خرج ليلة فأخذ العسس وحبس، فقد أبو حنيفة صوته في تلك الليلة. فلما أصبح سأل عنه فقيل إنّه محبوس، فدعا بدابته وركب إلى الأمير عيسى بن موسى. فلما استأذن عليه قال: أئذنوا له وأدخلوه راكبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ بساطي! ففعلوا، فوسع له الأمير في مجلسه وأجلسه معه وقال: ما حاجتك؟ قال: جار لي أخذه العسس، فأمر بتخليته! قال: نعم، وكل من أخذ معه في تلك الليلة! فأطلقوا جميعا، وقيل إنّه بعد ثلاث ليال من حبسه. فقال الأمير: وكل من أخذ من تلك الليلة إلى وقتنا. وأطلق الجميع. فلما خرجوا دعا أبو حنيفة بالفتى فقال له: ألست كنت تغني أضاعوني وأي فتى أضاعوا، فهل أضعناك؟ قال: لا والله! بل حفظت وز رعيت جزاك الله خيرا، وعلي عهد الله ألا اشرب الخمر أبداً! وتاب إلى الله تعالى. وقال إسحاق الموصلي:
(3/118)

لاح بالمفرق منك القتير ... وذوى غصن الشباب النضير
هزئت أسماء مني وقالت: ... أنت يا أبن المصلي كبير!
ورأت شيبا علاني فأنت ... وأبن ستين بشيب جدير
إنَّ تري شيباً علاني فإنني ... مع ذاك الشيب حلو مزير
قد يفل السيف وهو جراز ... ويصول الليث وهو عقير
وقوله: حلو مزير، المزير: المعظم المكرم، وقيل الظريف؛ والسيف الجراز: القاطع. وقال الربيع بن ضبع الفزاري:
فارقنا قبل أنَّ نارقه ... لمّا قضى من جماعنا وطرا
والضمير للشباب.
وقبله:
أقفر من مية الحديب إلى ... الرحبين إلاّ الظباء والبقرا؟
كأنها درة منعمة ... من نسوة كن قبلها درراً
أصبح مني الشباب مبتكرا ... إنَّ ينأ عني فقد ثوى عصرا
وبعده:
أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إنَّ نفرا
والذيب أخشاه إنَّ مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا
ها أنا ذا آمل الخلود وقد ... أدركت عمري ومولدي حجرا
أبا امرئ القيس قد سمعت به ... هيهات هيهات طال ذا عمرا
وقال أعرابي من ضبة، قدم البصرة وخطب امرأة فاشترطوا عليه الصداق:
خطبت فقالوا: هات عشرين بكرة ... ودرعا وجلبابا فهذا هو المهر
وثوبين مرويين في كل شتوةٍ ... فقلت: الزنى خير من الحرب القسر!
وقال خنافر بن التوأم الحميري:
وكان مضلي من هديت برشده ... فلله مغو عاد بالرشد آمرا!
وقصته في إسلامه مشهورة في السير، فلا نطيل بسردها.
(3/119)

غيره:
إني رأيتك كالورقاء يستوحشها ... قرب الأليف إذا نحرا
غيره:
فإنَّ تبك للبرق الذي هيج الهوى ... أعنك وإنَّ تصبر فلست بصابر
وقبله:
سقى الله حيا بين صارة والحمى ... حمى فيد صوب المدجنات المواطر
أمين فادى الله ركبا إليهم ... بخير ووقاهم حمام المقادر
كأني طريف العين يوم تطاولت ... بنا الرمل سلاف القلاص الضوافر
حذار على القلب الذي لا يضره ... احاذر وشك البين أم لم يحاذر
أقول لقمقام بن زيد: أما ترى ... سنا البرق يبدو للعيون النواظر؟
فإنَّ تبك. . " البيت "
غيره:
وما تعرف الأعراب مشيا بأرضها ... فكيف ببيت من رخام ومرمر؟
وهذا القائل أعرابي دخل البصرة على أبن عم له. فلما كان يوم الجمعة رآه البصري أشعث، فقال له: إنَّ الناس يتطهرون للجمعة ويتنظفون ويلبسون أحسن الملابس، فتعال ادخلك الحمام لتتنظف من شظف البادية وتتطهر للصلاة! فدخل معه الحمام، فعندما وطئ الأعرابي فرش أوّل بين الحمام لم يحشن المشي عليها لملاستها، فزلق وسقط وصدف حرف مدخل البيت وشجه الحرف في وجهه شجة منكرة، فخرج مذعور ودمه يسيل وهو ينشد:
وقالوا: تطهر إنّه يوم جمعة! ... فأبت من الحمام غير مطهر
تزودت منه شجة فوق حاجبي ... بغير جهاد بئس ما كان مجتري!
يقول لي الأعراب حين رأينني: ... به لا بظبي بالصريمة أعفر
وما تعرف الأعراب. . " البيت "
غيره:
تمنع من شميم عرار نجد ... فما بعد العيشة من عرار!
وقبله:
(3/120)

أقول لصاحبي والعيس تحذى ... بنابين المنيفة فالضمار
وبعده:
ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضه بعد القطار
وهلك إذ يحل الحي نجداً ... وأنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين وما شعرنا ... بإنصاف لهن ولا سرار
وإنّما نسوق مثل هذا لأنه ما من موضع أو أمر إلاّ ولك إنَّ تعتبره لنفسك نجدا، وما من طيب بل وما من خير إلاّ ولك أنَّ تعتبره عراراً، وتعتبر اغتنامه شميما، فتضرب هذا في انتهاز الفرصة من الشيء قبل فواته. وكثير ما نورد مثل هذا أو أغمض منه في هذا الكتاب، والذكي السديد يفقهه، والغبي البليد ينجهه.
وقال أبو صخر الهذلي:
إلاّ أيّها الركب النخبون هل لكم ... بساكن أجزاع الحمى لعدنا خبر؟
وقبله:
لليلى بذات الجيش دار عرفتها ... وأخرى بذات البين آياتها سطر
كأنهما ملآن لم يتغيرا ... وقد مر للدارين من بعدنا عصر
وقفت برسميها فعي جوابها فقلت وعيني دمعها سرب همر:
ألا أيّها الركب. . " البيت "
فقالوا طوينا ذاك ليلا وإن يكن ... به بعض من تهوى فما شعر السفر
وفي النوادر لأبي على عن أبي العباس: قال عبد الله بن شبيب: حدثني أم المغوار الباهلية قالت: كنت بفناء بيتي في السحر، فمر بنا ركب، فتمثلت بهذا البيت: إلاّ أيّها الركب. . " البيت "، فأجابني غلام من صدر راحته:
فقالوا: طوينا ذلك ليلا وإن يكن ... به بعض من تهوى فما شعر السفر
خليلي هل يستخبر المرث والغضا ... وطلح الكدى من بطن مران السدر؟
وقال المعتمد بن عباد، وقد رأى قمرية تنوح بين يديها وكر فيه طائرتان يترنمن:
بكت أنَّ رأت إلفين ضمهما وكر ... مساء وقد أخنى على إلفها الدهر
(3/121)

ناحت وباحت واستراحت بسرها ... وما نطقت حرفا بيوم به سر
فمالي لا أبكي أم القلب صخرة ... وكم صخرة في الأرض يجري بها نهر!
بكت واحداً لم يشجها غير فقده ... وأبكي لآلاف عديدهم كثر
بني صغير أو خليل موافق ... يمزق ذا قفر ويغرق ذا بحر
وقال أيضا يخاطب نفسه من أبيات مشهورة:
قد كان إنَّ تأمره ممتثلا ... فردك الدهر منهيا ومأموراً
من بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بأحلام مغروراً
وقال الراضي بالله لأبنه يخاطبه:
لا يكرثنك خطب الحادث الجاري ... فما عليك بذاك الخطب من عار
ماذا على ضيغم أمضى عزيمته ... إنَّ خانه حد أنياب وأظفار؟
لئن أتوك فمن جبن ومن خور ... قد ينهض العير نحو الضيغم الضاري
وقال الوزير أبو محمد بن عبدون يرثي بيني المظفر مشهورة:
ما لليالي أقال الله عثرتنا ... من الليالي وخانتها يد الغير
تسر بالشيء لكن كي تغر به ... كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر؟
كم دوله وليت بالنصر خدمتها ... لم تبق منها وسل ذكراك بالخبر!
هوت بدار وفلت غرب قاتله ... وكان عضبا على الأيام ذا أثر
واسترجعت من بني ساسن ما وهبت ... ولم تدع لبني يونان من أثر
وأتبعت أختها طسما وعاد على ... عادٍ وجرهم منها ناقص المرر
وما أقالت ذوي الهيئات من يمن ... ولا أجارت ذوي الغايات من مضر
ومزقت سبئا في كل قاصية ... فما التقى رائح منها بمبتكر
وأنفذ في كليب حكمها ورمت ... مهلهلا بين سمع الأرض والبصر
ولم ثرد على الضليل صحته ... ولا ثنت أسدا عن ربها حجر
ودوخت آل ذبيان وجيرتهم ... لخما وعضت بني بدر على النهر
وألحقت بعدي بالعراق على ... يد ابنه أحمر العينين والشعر
وبلغت يزد جرد الصين وأختزلت ... عنه سوى الفرس جمع الترك والخزر
(3/122)

ومزقت جعفرا بالبيض واختلست ... من غيله حمزة الظلام للجرز
وأشرفت بخيب فوق فارغة ... وألصقت طلحة الفياض بالعفر
وأجزرت سيف أشقاها أبا حسنٍ ... وأمكنت من حسين راحتي شمر
وليتها إذ فدت عمراً بخارجةٍ ... فدت عيها بما شاءت من البشر!
وما رعت لأبي اليقظان صحبته ... ولم تزود إلاّ الضيح في الغمر
وفي أبن هند وفي أبن المصطفى حسن ... أتت بمعضلة الألباب والفكر
فبعضنا قائل ما أغتاله أحد ... وبعضنا ساكت لم يموت من حصر
وعممت بالردى أبي انس ... ولم ترد الردى عنه قنا زفر
وأنزلت معصما من رأس شاهقةٍ ... كانت به مهجة المختار في وزر
ولم تراقب مكان الزبير ولا ... رعت عياذته بالبيت والحجر
ولم تدع لآبي الذبان قاضبة ... ليس لها عمرو بمنتصر
وأظفرت بالوليد ين اليزيد ولم ... تبق الخلافة بين الكأس والوتر
ولم تعد قضب السفاح نابية ... عن رأس مروان أو أشياعة الفخر
وأسبلت دمعه الروح الأمين على ... دم هريق لآل المصطفى هدر
وأشرقت جعفر والفضل ينظره ... والشيخ يحيى بريق الصارم الذكر
ولا وفت بمعهود المستعين ولا ... بما تأكد للمعتز من مرر
وأوثقت في عراها كل معتمدٍ ... وأشرقت بقذاها كل مقتدر
وروعت كل مأمون ومؤتمن ... وأسلمت كل منصور ومنتصر
وقال الحاجب أبو مروان بن رزين، وقد سقط عن الفرس:
إني سقطت ولا جبن ولا خور ... وليس يدفع ما قد شاءه الذكر
لا يمشين عدوي إنَّ سقطت فقد ... تكبوا الجياد وينبو الصارم الذكر
هذا الكسوف يرى تأثيره أبدا ... ولا يعاب به شمس ولا قمر!
وقال أبو بكر بن عمار:
(3/123)

قالوا: اضر بك الهوى فأجبتهم: ... يا حبذاه وحبذا إضراره!
قلبي هو أختار السقام لنفسه ... زيا فخلوه وما يختاره!
عيرتموني بالنحول وإنّما ... شرف المهند وما ترق شفاره!
وقال الوزير أبو القاسم بن الجد:
عجبت لمن يهوى من الدر تومة ... وقد سال في أرجاء معدنه التبر!
وقال الوزير الفقيه أبن سراج:
بث الصنائع لا تحفل بموقعها ... فيمن نأى أو دنا ما كنت مقتدرا
كالغيث ليس يبالي حيثما انسكبت ... منه الغمام تربا كان أو حجرا
وقال الحماسي:
ولا يكشف الغماء إلاّ أبن حرةٍ ... يرى غمرات الموت ثم يزورها
وقال تأبط شراً:
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا ... به الخطب إلاّ وهو للخطب مبصر
فذاك قريع الدهر ما عشت حول ... إذا سد منه منخر جاش منخر
ومنها:
هما خطنا أما إسار ومنة ... وأما دم والقتل بالحر أجدر
وقال القطامي:
وما يعلم الغيب أمرؤ قبل إنَّ يرى ... والأمر حتى تستبين دوابره
دوابر الأمر: أواخره، جمع دابرة، كالعواقب.
وقال عبد الله بن سبرة:
إذا شالت الجوزاء والنجم طالع ... فكل مخاضات الفرات معابر
وإني إذا ضن الأمير ببابه ... على الإذن من نفسي إذا شئت قادر
وقال أبن حبناء التميمي:
إذا المرء اولاك الهوان فأوله ... هوانا وإنَّ كانت قريبا أواصره
(3/124)

إذا أنت عاديت أمرءاً فاطفر له ... على عثرة إنَّ امكنتك عواثره
فان أنت لن تقدر على إنَّ تهينه ... فذره إلى يوم الذي أنت قادره
وقارب إذا ما لم تك لك حيلة ... وصمم إذا أيقنت انك عاقره
وقال جميل بن عبد الله:
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء صدق يلقهم حيث سيرا
أرى كل عود نابتا في أرومة ... أبى منبت العيدان إنَّ يتغيروا
وكل كسير يعلم الناس إنّه ... سوى عظم سوء لا ترى فيه مجبرا
فلا تأمن النوكى وإنَّ كان أهلهم ... وراء عدولات وكنت بقيصر!
وقوله: يعلم الناس إنّه، أي إنّه لا ينجبر سوى عظم سوء، بحذف خبر إنَّ للعلم به.
وقال التميمي يرثي منصور بن زياد:
يثني عليك لسان من لم توله ... خيرا لأنك بالثناء جدير
وقال سلمة الجعدي يرثي أخاه:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
وقال مسافع العبسي:
وليس وراء الشيء شيء يرده ... عليك إذا ولى سوى الصبر فاصبر
وقال منقذ الكلابي:
الدهر لاءم بين ألفتنا ... وكذلك فرق بيننا الدهر
وكذاك يفعل في تصرفه ... والدهر ليس يناله وتر
كنت الضنين بمن فجعت به ... وسلوت حين تقادم الأمر
ولخير حظك في المصيبة إنَّ ... يلقاك عند نزولها الصبر
غيره:
إياك والأمر الذي إنَّ توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر
فما حسن إنَّ يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر!
(3/125)

وقال أبن البرصاء المري:
تبين أعقاب الأمور إذا مضت ... وتقبل أشبها عليك صدورها
وقال الآخر:
رأيت أخا الدنيا وإنَّ كان خافضا ... على سفر يسري به وهو لا يدري
مقيمين في دار نروح ونغتدي ... بلا أهبة الثاوي المقيم ولا سفر
وقال الرقاشي:
إلاّ ليقل من شاء ما شاء إنّما ... يلام الفتى فيما استطاع من الأمر!
وقال الآخر، من الحماسيين:
فإنك واستبضاعك الشعر نحوها ... كمستبضع تمرا إلى أرض خيبرا
وتقدم إنشاده، على غير هذا الوجه، لغير هذا الحماسي.
غيره:
وجاءت للقتال بنو هليكٍ ... فسحي يا أسماء بغير قطر!
وهذا الشاعر استعظم مجيء هؤلاء للقتال، لصغر شأنهم وهوانهم وحقارتهم عنده، فقال: سحي يا أسماء بغير قطر، أي بدم لا يقطر، استهزاء بهم وسخرية.
غيره:
ومن عجب إنَّ الصوارم في الوغى ... تحيض بأيدي القوم وهي ذكور
وأعجب منه إنّها بأكفهم ... تسعر ناراً والأكف بحور!
وقال يزيد بن مفرع الحميري
سقى الله دارا لي وأرضا تركتها ... إلى جنب دار معقل بن يسار
أبو ملك جار لها وأبن برثن ... فيالك جاري ذلة وصغار!
وذكر أبو العباس المربرد في الكامل أن سليمان بن على سأل خالد بن صفوان عن ابنيه جعفر ومحمد فقال: كيف إحمادك جوارهما يا أبا صفوان؟ فقال خالد متمثلا بهذا البيت:
أبو ملك جار لها وأبن برثن ... فيالك جاري ذلة وصغار!
قال: فأعرض عنه سليمان. وكان هذا من احلم الناس وأكرمهم وهو في ذلك
(3/126)

الوقت والي البصرة وعم الخليفة المنصور. قال: وكان خالد بن صفوان ممن إذا عرض له القول قال: وكان الحسن رحمه الله تعالى يقال: لسان العاقل من وراء قلبه فإن عرض له القول نظر فإن كان له أن يقول قال وإن كان عليه القول أمسك. ولسان الأحمق إمام قلبه فإذا عرض له القول فال عليه أو له.
وقال الآخر:
نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عيناً لغيرك دمعها مدرارُ
من ذا يعيرك عينه تبكي بها ... أرأيت عيناً للبكاء تعار؟
وقال حجية بن مضر يمدح يعفر بن زرعة أحد الملوك، ملوك ردمان:
شكرت لكم آلاءكم وبلاءكم ... وما ضاع معروف يكافئه شكرُ
وقبله:
إذا كنت سئَّالاً عن المجد والعلا ... وأين العطاء الجزل والنائل الغمرُ
فنقب عن الملوك وأهتف بيعفر ... وعش جار ظل لا يغالبه الدهرُ
أولئك قومٌ شيد الله فخرهم ... فما فوقه فخرٌ وإن عظم الفخرُ
أناس إذا ما الدهر أظلم وجهه ... فأيديهم بيض وأوجههم زهرُ
يصونون أحساباً ومجداً مؤثلاً ... ببذل أكف دونها المزن والبحرُ
سموا في المعاليرتبة فوق رتبةٍ ... أحلتهم حيث النعائم والنسرُ
أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت ... لنورهم الشمس المضيئة والبدرُ
فلو لامس الصخر الأصم أكفهم ... لفاضت ينابيع الندى ذلك الصخرُ
ولو كان في الأرض البسيطة منهم ... لمختبط عافٍ لمّا عرف الفقرُ
شكرت لكم. . " البيت " وقلت أنا معرضاً بقوم يغشون طغاما ليصيبوا منهم طعاما:
إنَّا أناس لست تبصرنا ... نتحين الطعام التي تزري
يعري الفتى ويجوع وهو يرى ... متجملاً بالصبر والبشرِ
(3/127)

والحرة الشماء ربما ... جاعت ولم ترضع على أجرِ
والمورد العذب الفرات إذا ... راثته حمرٌ سيم بالهجرِ
وإذا ترى طيراً بمزبلةٍ ... فالطير غير الباز والصقرِ
وإذا رأيت المرء محتسياً ... كأس الهوان فليس بالحرِ
ووقف عليها جماعة من فضلاء العصر فاستحسنوها غاية فحاولت أن أزيد عليها شيئا من هذا النمط يتم به الغرض فانجر الأمر بها حتى كانت قصيدة رأيت أن أثبتها هنا على طولها لأنها كلها أمثال وحكم وهي:
والحر حياته بسوى ... عز الجناب ورفعة القدر
لا بالطعام ولا الشرب ولا ... استلقائه بأرائك وثر
وإذا تزايلك الحياة فما ... من عيشة تبقى ولا عمر
وسؤال ذي لؤم وذي بخل ... ورجاء نعشته من العثر
أنكى لقلب أخي المروءة من ... إصلائه بلوافح الجمر
وأشد من عد الرمال ومن ... نقل الجبال ومحمل الصخر
واضر من كل النوائب إن ... عظمت عليك وكل ما شر
وتقلد للمن من يده ... غل على هاديك في الأسر
بل وخزة في القلب ناكئة ... بل طعنة في لبة النحر
وغناك عنه بالقناعة في ... حاليك من يسر ومن عسر
أجدى من الملك الذي جمعت ... أبناء هرمز غابر الهر
وألذ من سنة الشباب على ... جدة ومن وثرٍ على وثر
ولباس صونك عن تملقه ... أبهى من الأستبرق الخضر
وحلى الوقار عليك أجمل من ... أن تحتلي بقلائد النصر
وصبابة من ماء وجهك أنفس ... من رحيق سلسل غمر
(3/128)

فإذا عرتك الحادثات فثق ... بمليكها ذي الخلق والأمر
واصبر لروح الله مرتجياً ... فلتحمدن عواقب الصبر
إنَّ اصطبار المرء مفتتح ... متغلق البأساء والعسر
ومنفس عنه الكروب إذا ... ضاقت بهن جوانح الصدر
كم من حزين بات مكتئباً ... متسعر الأحشاء ذا أفر
لا يرتجي جلباب ليلته ... أن ينثني طرفاه بالسفر
فأتته ألطاف منفسة ... لفؤاده من حيث لا يدري
ولكم بعيد الضيق من سعة ... ولكم بعيد العسر من يسر
هل بعد معترك الظلام سوى ... بلج الصباح وطلعة الفجر
أو بعد ظمأة هجمة وردت ... غير ارتواء جانب الغدرِ
أو بعد خانقة التلاع سوى ... فيح الفجاج وفسحة البهر
وإذا تحاول نيل مكرمة ... فانهض إليها نهضة الشمر
وأركب جواد الجد مكتفيا ... ذيل الملالة منك والفتر
فلربَّ ذي أمل على ملل ... ومهدر في العنة الحجر
والربَّ ذي رعد على صلف ... فتراه يخلق ثم لا يفري
ومخاطراً بالنفس فيه فما ... يرجى الخطير بغير ذي خطر
وأعلم بأنَّ الغوص في لجج ... خضر يخف لجالب الدر
وتعسف القنن الصعاب علي ... خصب يخف لحالب الدَّر
ولدى الرياح الكثر بحمد ما ... جاب المفاوز صاحب التجر
ولدى الصباح يكون مغتبطا ... وينال بغيته الذي يسري
وتسنمن ذرى الأمور ولا ... تخلد إلى سفسافها الخضر
واعلم بأنك ما استطبت جنى ... إلاّ لطيب الجذر والبذر
(3/129)

والكرم يجدي المجتني عنباً ... والشوك لا يجدي سوى الشصر
ولكم ترى مرعى ولست ترى ... كرعاية السعدان والثغر
والناس كالغوغاء هائمة ... لو كان يبلو الناس ذو خبر
والمرء كل المرء بينهم ... ذو الملبس الزاهي وذو الوفر
لا ينظرون إلى الوفاء ولا ... فصل الذكاء وثاقب الفكر
لو أقبلت دغة لهش لها ... كل إذا راحت إلى دثر
أو جاء قيس يستغيث صدى ... لم يسق إن أمسى أخا فقر
لم يدروا أنَّ الكمال لذي ... فضل الندى والحلم والحجر
لا ذي الحلى المسبور مائله ... أعطافه بالزهو والكبر
فالعجب بالملبوس من سخف ... في اللب وهو لربة الخدر
والسيف ليس يشينه خلق ... في الجفن وهو العضب ذو الأثر
وكذا ذبول المتن ليس يرى ... عيبا على الخطية السمر
والطرف ليس يعاب من ضمر ... يعشاه بعد تداول الحصر
ولكم ترى نبتاً يلد على ... شحبٍ وكم من ناعم مر
ولكم ترى دمناً تعاف إذا ... تشتم وهي أنيقة الزهر
فتوخ في الناس الوفى إذا ... عاشرتهم وحذار ذا الغدر
واسبرهم قبل الإخاء ولا ... تغتر في الأخوان بالسبر
كم من أخ مذق الوداد على ... ما فيه من إحن ومن سبر
إن تلقه فالشهد مقوله ... وإذا تغيب يكون كالصبر
سيمى بوجهك تستميل وأن ... أدبرت عنه فكية الظهر
وإذا الزمان دعاك نائبه ... العاري إليه ترجى البر
فسيحتبيك بوعد غانيةٍ ... أو وعد عرقوب جنى التمر
(3/130)

وإذا تعود يظل مكتلحاً ... متغيظاً ينزو ويستشري
وإذا تصادف ذا الصفاء فكن ... منه ولو صافاك ذا حذر
وأسم سوائم سرحه طرراً ... مطروقةً من مسرح السر
وصن السرارة واللباب ولا ... تبذل له منه سوى القشر
فلربما يلوي الزمان به ... فيكون أبصر فيك بالضر
وإذا تصاحب أو تجالس أو ... تستب فالتمس ذوي القدر
فصداقة النبهاء مفخرة ... وكذا نواؤهم من الفخر
وصداقة اللؤماء معقبةٌ ... لؤما كمثل حكاك ذي العر
والساقط الداني مشاتمه ... كالبائع العقيان بالصفر
والحظ والمقدار ما حصرا ... في ذي الذكاء يبيت يستمري
بل قسمة أزلية نشأت ... بيدي مدبرها على قدر
وإذا نظرت وجدت في قرنٍ ... غمر الغنى وجهالة الغمر
وترى اللبيب يبيت في ضففٍ ... بهمومه متقسم الفكر
ليكون فضل حجى الفتى عوضاً ... عن فضل مال الأنوك الكثر
وتكون أحكام الإله جرت ... في الخلق عن غلبٍ وعن قسر
والمرء ممدودٌ له أجلٌ ... فسح مداه نصائب القبر
يسدي ويلحم في مزاولة ... ما ليس يدركه مدى العمر
ويبيع بالآل المعين وبالخزف ... الكسير نضائد التبر
وأمن تبدل زائلا صدرا ... من دائم قد باء بالخسر
فأعد لليوم الذي خضعت ... فيه الطلا لرواجف الذعر
وتحولت فيه الذين هم ... قنن الذرى شمما إلى الذر
وتدوسهم أقدام طائفةٍ ... كانت لديهم موقع السخر
وازمم ركابك للرحيل غداً ... إنَّ الخليط غدوا على ظهر
(3/131)

وتسل عن ليلى فقد أزفت ... عنها النوى ومضاضة الهجر!
وتخل عن كل الآلاف إلى ... ألفا ألف واصل بر!
وتسوغن بجميل صبرك ما ... تسقى بغيرهم من الصبر
وف بالعهود ولا تكن ألفا ... نقضا ولو قبضا على جمر!
واعلم بان الوجه ذو شحط ... ومخاوف ومجاهل غبر!
فارتد خفير إنابة ولجا ... والعلم خريتا إذا تسري!
وتزودن وخير زادك من ... تقوى المهيمين سامع الأمر!
وأجعل مزاد الصدق محكمة ... وتخيرين نجائب الصبر!
وتخير الرفقاء مجتنبا ... قرب الددان وصحبة المزري
وإذا ارتحلت فلا تشذ وسر ... وسط الخليط ومعظم السفر!
وحذار رحلك يقتفي سبلا ... عن نهجهم فيضل في القفر!
وارع البطاح إذا مرعن ولا ... تترقين بحالق وعر!
وإذا الرياح عصفن في شرفٍ ... فلتسهلن أو غل في جحر!
وإذا ظمئت ففي الأصيل فرد ... فردا عن الضوضاء والكدر!
وإذا رأيت سفينة خرقت ... فتأن لا تجعل إلى النكر!
وإذا تكون نزيل ذي كرم س ... رحب الذرى متفضل غمر
لا يعدم العافي نداه ولا ... يعتل عن ذهل ولا فقر
فأرح فؤادك أنَّ يكون به ... هم إلى زاد على ذكر!
وحذار أنَّ يلقاك مرتجيا ... ما يجتنيه سواه من جبر
وكن الخلي وأنت ضائفه ... عار النزيل على الذي يقري!
وإذا الهوى ناواك محتفلا ... ومجمعا بمعسكر مجر
فلتعددن ما استطعت من وجل ... وضارعة فتدال بالنصر
(3/132)

واستمددن من واهب رؤوفٍ ... نورا يقيك مداحض الحكر
وكل الأمور إليه ملتجئا ... متبريا ملحول والارز!
وإذا حللت بساطه فغدا ... يسقيك صرف عتيقة الخمر
فلترعين أدب الجليس ولا ... تغتل حجاك غوائل السكر!
وإذا مليك الدار في طرفٍ ... منها أناخ مطاك أو عقر
فالزم مناخك أو يحوله ... برضى الجنان وغاية السكر
ولتعتزز بحماه معتصما ... ناهيك من سند ومن حظر!
وثقن بما أولاك من عدة ... فالنقد موعد مفضل مثري!
وتجلى في ثوبي عبودته ... ناهيك من شمم ومن ذكر!
وتحل بالخلق الجميل على ... لقيا الورى وحوادث العصر!
ولتلقهم وحشاك مشربه ... صاف من الشحناء والغمر!
وبليغ نصحك للقصي وللأدنى ... سوي السر والهجر
واجعل معاقرة المنون على ... بالٍ فيا ناهيك من ذخر!
وقال الآخر:
إلى كم يكون الصد في كل ساعةٍ ... وكم لا تملين القطيعة والهجرا؟
رويدك إنَّ الدهر فيه كفاية ... لتفريق ذات البين فأنظر الدهرا!
وقال الآخر:
هب النسيم فأهدى نشرهم سحرا ... وأزهر الروض من أنفاسهم عطرا
إني وإنَّ أبعدت عني منازلهم ... فلا أزال أروي عنهم الخبرا
قل للسعيد الذي يحظى برؤيتهم: ... أني لتحسد عيني فيكم النظرا
غيره:
وحقكم مالي على فقدكم صبر ... وما طاب لي عيش ولم يصف لي سر
(3/133)

وكيف يسر القلب يوما بلذةٍ ... ومنزلكم يا سادتي منزل قفر
فما الدار دار مذ نأيتم ولا الكرى ... لذيذ وحلو العيش بعدكم مر
غيره:
لو كان لي مسعد بالراح يسعدني ... لمّا انتظرت بشرب الراح إفطارا
الراح أشرف شيء أنت شاربه ... فاشرب ولو حملتك الراح أوزارا
يا من يلوم على صهباء صافيةٍ ... دع الجنان ودعني أسكن النارا!
وفي لطائف المنن للتاج أبن عطاء الله أنَّ هذا الشعر أنشده منشد بين يدي الشيخ. فأنكر عنك هذا. فإنه محجوب! انتهى بالمعنى وهو بين، فإنَّ الخمر خمران، والنار ناران، والجنان جنانان. فكل يشرب بحسب ذوقه، ويقهم بمقتضى قصده.
وقال الآخر:
هلا رأيت وقائع الدهر ... أفلا تسئ الظن بالعمر؟
بينا الفتى كالطرود تمنعه ... هضباته والعضب ذو الأثر
يأبى الدنية في عشيرته ... ويجاذب الأيدي على الفخر
زل الزمان بوطء أخمصه ... ومواطئ الأقدام للعثر
غيره:
أين الملوك وما بنوه وشيدوا؟ ... ماتوا جميعا في التراب وساروا
آثارهم تنبيك عن أخبارهم ... هذي هي الأطلال والأخبار
إنَّ سلت عنهم قل لنفسك بعدهم ... لم يبق إلاّ الواحد القهار!
غيره:
يا راقد الليل مسرور بأوله ... إنَّ الحوادث قد يطرقن إسحارا
! وله:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء أعتصار
غيره:
(3/134)

الناس شتى إذا ما أنت ذقتهم ... لا يستوون كما لا يستوي الشجر
هذا له ثمر حلو مذاقته ... وذاك ليس له طعم ولا ثمر
وقال النمر بن تولب:
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
سلم الخاسر:
من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور
أبن المعتز:
لا تأمنوا من بعد خير شرا ... كم غصن أخضر صار جمرا!
الصنوبري:
محن الفتى يخبرن عن فضل الفتى ... كالنار تخبرنا بفض العنبر
غيره:
كم كافر بالله أمواله ... تزداد أضعافا على كفره
والمؤمن ليس له درهم ... يزداد أيمانا على فقره!
غيره:
يا صاح إنَّ من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر
فطنا بكل مصيبة حاله ... وإذا أصيب بدينه لم يشعر!
وقال الآخر:
عتبت على الدنيا لتقيد جاهل ... وتأخير ذي علم فقالت خذ العذرا
بنو الجهل أبنائي وكل فضيلة ... فأبناؤها أبناء ضرتي والأخرى
وقال الآخر:
غائظ صديقك تكشف عن ضمائره ... وتهتك السر عن محجوب أستار
فالعود يبنيك عن مكنون باطنه ... دخانه حين تدنيه من النار!
(3/135)

وهكذا كقول الحكيم: إذا أردت إنَّ تعرف صديقك فأغضبه! وذلك لأن الرضى يصلح معه كل أحد، ولا يصلح على الغضب إلاّ الأصفياء الصادقون، وقليل ما هم.
غيره:
سقى الله أياما لنا لسن رجعا ... وسقيا لعصر العامرية من عصر
ليالي أعطيت البطالة مقودي ... تمر الليالي والشهور وما ندري!
حكى أبو علي البغدادي في نوادره عن أبي بكر بن دريد عن حاتم قال: كان فتى من أهل البصرة يختلف معنا إلى الأصمعي فافتقده، فلقيت أباه فسألته عنه فقال: سألني عن بيتين كان الأصمعي يرددهما:
سقى الله أياما " البيتين "
فقلت له: يا بني، انك لست بعاشق، ولولا ذلك لعرفت ما يفعله الذكر بصاحبه! قال: فبعثته عشق لجاجا.
ولنكتف بهذا القدر من الباب مخافة السآمة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
(3/136)

باب الزاي الموحدة
زبيب وأنت حصرم.
هذا مثل مشهور، غير إنّه مولد. وهو من كلام أبي علي الفارسي، قاله لأبي الفتح عثمان بن جني لمّا مر به وهو في حلقته. فلما قال له ذلك قام أبو فتح فترك حلقته وتبعه حتى تمهر. ذكر ذلك شمس الدين بن خلكان، رحمه الله تعالى. ويضرب فيمن يتعاطى رتبة قبل إنَّ يصل إليها.
ومنه قول أبن النقيب:
إذا صرصر البازي فلا ديك يصرخ ... ولا فاخت في أيكة يترنم
وما الموت إلاّ طيب طعمه إذا ... تدايك فروج وزبب حصرم

زاحم بعودٍ أو دع!
المزاحمة معروفة. يقال زحمته على كذا، زحمته، وزاحمته، وازدحم القوم على هذا الأمر وتزاحموا عليه، ازدحاما وزحاما ومزاحمة. والعود بفتح العين المهملة وسكون الواو: المسن من الذي جاور البازل والمخلف سنا. قال امرؤ القيس:
على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا
والجمع عودة كزوجة، والأنثى عودة، والجمع عود البعير تعويدا: بلغ ذلك. والعود أيضا: الطريق القديم. قال الراجز:
عود على عود لأقوام أوّل ... يموت بالترك ويحيا بالعمل
أي جمل مسن على طريق قديم. وفي الصحاح: وبما قالوا: سؤدد عود أي قديم وانشد للطرماح:
(3/137)

هل المجد إلاّ العود والندى ... ورأب الثأي والصبر عند المواطن؟
والمراد من المثل المعنى الأول، وهو التمثيل والتشبيه. والمعنى انك إذا حاولت أمرا أو زاولت حربا، ينبغي لك أنَّ تستعين عليه بأهل السن والمعرفة والتجريب. فإنَّ رأي المشايخ كثيرا ما كان أنفع من مشاهد الشباب، على إنَّ مشهد الشيوخ وأهل البصيرة والصدق أيضاً هو المشهد، كما قال أبو الطيب:
سأطلب حقي بالقنى ومشايخٍ ... كأنهم من طول ما ألتثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا
وعلى أسلوب هذا المثل ما يقال: قائل بسعد أو بجد وإلاّ فلا!

زعموا مطية الكذب.
الزعم: الظن، يقال: زعم كذا وكذا واقعا، يزعمه. قال: زعمتني شيخا وليس بشيخ. .
وقال كثير
وقد زعمت إني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير؟
ولها معان أخرى مراده هنا. والمطية: الناقة التي يركب مطاها أي ظهرها. قال امرؤ القيس:
ويوم عقرب للعذارى مطيتي ... فيا عجبا من رحلها المتحمل!
ويحك إنَّ أبن عمر، رضي الله عنهما، قال: رأيت رجلا يطوف بالبيت حاملا أمه على ظهره وهو يقول:
إني لها مطية لا تذعر ... إذا الركاب نفرت لا تنفر
ما حملت وأرضعتني أكثر ... الله ربي ذو الجلال أكبر!
وذكر في الصحاح أنَّ المطية تؤنث وتذكر، وانشد على التذكير لربيعة بن مقروم الضبي جاهلي
(3/138)

ومطية ملث الظلام بعثته ... يشكو الكلال إلي دامي الأظلل
وكان المطية على هذا هو المركوب، جملا كان أو ناقة. وجمع المطية مطي ومطايا. قال امرؤ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يفدن بأرسان
وفي الحديث رواية يشكو إنَّ يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم فلا يجدون عالما من عالم المدينة.
وقال جرير:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمبن بطون راح؟
ومنه قول إلي نؤاس:
وإذا المطي بنا بلغن محمّداً ... فظهورهن على الرجال حرام
ومنه قول أبي دلامة:
إنَّ المطايا تشكيك إذا أراد إنَّ يتحدث قال: زعموا كذا وكذا، وزعموا إنَّ الأمر كذا وإنَّ كذا واقع. فلما كان هذا اللفظ يقدمه إمام كلامه ويتوصل به إلى حاجته، جعل مطية تشبيها بالمطية المركوبة، بالجمع التواصل بهما إلى الغرض. ثم انهم قالوا: إنّما يقال هكذا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه، وإنّما يجري على الألسن، وأكثر ما يكون ذلك كذب.
وفي الحديث: حسب الرجل من الكذب أنَّ يتحدث بكل ما سمع. فجعل زعموا مطية للكذب، أي للتحديث به من اجل هذا. وقد يعتبر به من يعتمد الكذب لسهولته إذ ذاك وتستره حيث لم يتعين المكذوب عليه ولا المنقول عنه حتى يفتضح الناقل عند سؤاله.
فائدتان. الأولى قال الجلال السيوطي في كتابه الهمع: قولهم زعموا مطية الكذب لم أقف عليه شيء من كتب الأمثال. وذكر بعضهم إنّه روى: مظنة الكذب بالظاء المعجمة والنون. وإخراج أبن أبي حاتم في تفيسره، عن صفوان بن عمرو
(3/139)

الكلابي، قال: بئس مطية المسلم زعموا مطية الشيطان. واخرج أبن سعد في الطبقات، من طريق الأعمش عن شريح القاضي قال: زعموا كنية الكذب. انتهى.
وذكر بعضهم: زعموا مطية الكذب حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم: لا يوجد زعم فصيح الكلام إلاّ عبارة عن الكذب، أو قول انفرد به قائله، أو تبقى عهدته على الزاعم. ففي ذلك ما ينجوا إلى تضعيف وقول سيبويه: زعم الخليل كذا، وإنّما يجيء فيما تفرد الخليل به. انتهى.
قلت: ولم يكن يأتي به سيبويه على إنَّ ذلك كذب، بل من اجل ذلك التفرد وبقاء العهدة فقط. وقد يأتي زعم مع القطع بصدق الزاعم، كما في السير من قول سعد، رضي الله عنه، للقريشي بمكة إنَّ محمّد يزعم إنّه قاتلك، ولم يكن المخبر يش في صدق محمّد صلى الله عليه وسلم، بل أيقن القريشي مع كفره بذلك فقال: أنا لا نكذب محمّد في خبره. والقصة مشهورة.
الثانية: قول جرير السابق. قالوا: هو امدح بيت قالته العرب. وكان امتدح به عبد الملك بن مروان من قصيدة، وكان أولها أنَّ قال: أتصحو أم فؤادك غير صاح فقال عبد الملك: بل فؤادك! ثم تمادى في الإنشاد إلى إنَّ قال:
تعزت أم حزرة ثم قالت: ... رأيت الواردين ذوي امتياح
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالجناح
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح؟
فطرب الملك وأخذته الأريحية وكان متكئا فجلس وقال: من مدحنا فليمدحنا بمثل هذا أو ليسكت! ثم قال: يا جرير، أترى أم حزرة ترويها مائة ناقة سود الحدق؟
(3/140)

فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ الإبل إباق ونحن مشايخ ليس بأحدنا فضل على راحلته. فلو أمرت بالرعاة؟ فأمر له بثمانية أعبد وكنت بين يدي عبد الملك صحاف فضة يقرعها بقضيب بيده. فقال جرير: والمحالب، يا أمير المؤمنين؟ وأشار إلى صفحة منها. فنبذها إليه بالقضيب. وفي ذلك قال جرير:
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم منٌّ ولا سرف!
قلت: وما ذكر في بيت جرير هو بحسب ما فيه من شمول بذكر العالمين، وإلاّ فلزهير أبيات هي الغرر في جبهات المديح، كقوله:
بل اذكرن خير قيس كلها حسبا ... وخيرها نائلا وخيرها خلقا
فانه يجمع أوصافا من المديح مع السبك العجيب والاتساق البديع. إلاّ إنّه خصصه بقيس وهو لا يوجب كبير قصور، لأنَّ العناية بتفضيل الممدوح وتعليته إنّما هي بحسب أقرانه ومزاحميه في الشرف، مع إنَّ هذا اقرب إلى الصدق، وليس الكذب البشع بممدوح في الشعر. إلاّ إنَّ يريد جرير رهط الممدوح جميعا حتى يدخل النبي صلى الله عليه وسلم فيكون كلامة صدقا. وقوله:
إنَّ تلق يوما على علاته هرما ... تلق السماحة منه والندى خلقا
فإنَّه ترك إثبات السماحة والندى للممدوح إلى إثبات كونهما من سجايا وخلائقه، إيهاما لكون ثبوتهما ليس متوقف العقول، لاتضاحه كالنهار، واشتهاره غاية الاشتهار. ووقع لزهير غير هذا ولغيره أيضاً مما يطول تتبعه.
قالوا: وأهجى بيت قالته العرب قول الأخطل يهجو جريرا:
قوم إذا أستنبح الضيفان كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار!
وبعده:
فتمسك البول بخلا إنَّ تجود به ... فما تبول لهم إلاّ بمقدار!
وتقدم هذا: واحكم بيت قالته العرب قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار ما لم تزود
(3/141)

وأحمق بيت قول أبي محجن:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمةٍ ... تروي عظامي عند عروقها!
ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا مت ألا أذوقها
وأغزل بيت قالته العرب قول جرير:
إنَّ العيون التي في طرفها حورٌ ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
وبعده:
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن اضعف خلق الله أركانا
قلت: وأصدق بيت قالته العرب قبل النبي صلى الله عليه وسلم قول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وبعده قول الآخر:
وما حملت من ناقةٍ فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمدِ
عجيبة. أبو العتاهية في شعره السابق امتدح عمر بن علاء فأمر له بسبعين ألف درهم وأمر من حضره من خدمه وغلمانه أن يخلعوا عليه حتى لم يقدر على القيام لمّا عليه من الثياب. ثم إنَّ جماعة من الشعراء كانوا بباب عمر فقال بعضهم: يا عجبا للأمير! يعطي أبا العتاهية سبعين ألفا. فبلغ ذلك عمر فقال: غليَّ بهم! فأدخلوا عليه. فقال: ما أحسد بعضكم لبعض يا معشر الشعراء! إنَّ أحدكم يأتينا يريد مدحنا فيشبب بصديقه في قصيدته بخمسين بيتا فما يبلغنا حتى يذهب لذاذة مدحه ورونق شعره. وقد أتانا أبو العتاهية فشبب ببيتين ثم قال:
إني أمنت من الزمان وريبته ... لمّا علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله ... لحذوا له حر الوجوه نعلا
ما كان هذا الجود حتى كنت يا ... عمراً ولو يوماً تزول لزالا
إنَّ المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسباً ورمالا
(3/142)

فإذا أتيت بنا أتيت مخفة ... وإذا رجعن بنا رجعن ثقالا
ويذكر إنّه لمّا امتدحه قال له: أقم حتى أنظر في أمرك! فأقام أياما فلم ير شيئا. وكان عمر ينتظر مالا من وجه فأبطأ عليه. فكتب إليه أبو العتاهية:
يا أبن العلاء ويا أبن القرم مرداس ... إني امتدحتك في صحبي وجلاسي
أثنيت عليك ولي حال تكذبني ... فيما أقول فاستحيي من الناس
حتى إذا قيل ما أعطاك من صفدٍ ... طأطأت من سوء حالٍ عندها رأسي
فقال عمر لحاجبه: اكفيه أياما! فقال له الحاجب كلاما دفعه به وقال: تنتظر! فكتب إليه:
أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر
أصابتك عين في سخائك صلبةٌ ... ويا رُبَّ عين صلبة تفلق الحجر
سنرقيك بالأشعار حتى تملها ... فإن لم تفق منها رقيناك بالسور
فضحك عمر وقال لصاحب بيت ماله: كم عندك؟ قال: سبعون ألف درهم. فقال: ادفعها إليه! ويقال إنّه قال له: اعذرني عنده ولا تدخله عليَّ فإني أستحي منه!

زندان في وعاءٍ.
الزند بفتح الأول العود الذي يقدح به. والوعاء معروف. يضرب هذا في تساوي الرجلين فيقال: هما زندان في وعاء وكزندين في وعاء.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ولا يكاد يوضع في المدح. إنما هو في موضع الخساسة والدناءة.
فقال البكري: لا أعلم لم جعل في موضع الدناءة إلا أن يتناولوا فيه قولهم اللئيم مزند والتزنيد: التضييق.
قلت: ولا يخفى بعده. والمزند بصيغة اسم المفعول وهو البخل الضيق. قال الحماسي:
ومن الرجال أسنة مثال ذروبة ... ومزندون شهودهم كالغائب
وقد أتى الحريري في مقامته البغدادية بهذا المثل في مطلق الاستواء أو في الاستواء في
(3/143)

المدح بالحذق والذكاء. فقال أبن ظفر: المشهور استعماله يعني هذا المثل في الحقارة والخساسة.

أزكن من إياسٍ.
الزكن: العلم تقول: زكنته بالكسر أزكنته زكنا إذا علمته. قال أبن أم صاحب: ويروى: زنكنت منهم على مثل الذي علموا.
والزكن أيضاً: التفرس وهو علم خاص. وإياس هو أبن معاوية قاضي البصرة. وضرب به المثل في الفراسة والذكاء وله في ذلك أخبار كثيرة تقدمت جملة منها في ذكائه من حرف الذال. وكان يحكى أنه قال: تعلمت الزكن من أمي وكانت خرسانية وأهل بيتها يزكنون أي يتفرسون. قيل: وقد ألف في أخباره كتاب يسمى " زكن إياس ".

أزنى من قرد.
الزنى بالزاي المكسورة والنون معروف يمد ويقصر. قيل: والقصر لغة الحجاز لقوله تعالى:) ولا تقربوا الزنى (والمد لغة نجد كقول الفرزدق:
أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكر
وزنى الرجل بالفتح يزني زنى وزاني مزاناة وزناء. وفي عد الكبائر: وأن تزاني حليلة جارك. والقرد بكسر القاف معروف وتقدم في الحاء وهو يوصف بالزنى. وقد وقع في السيرة إنّه زنى قرد في الجاهلية فرجمته القردة. وزعموا أنَّ القرد أزنى الحيوان.
وقيل إنَّ المعنى في هذا المثل ليس القرد المعروف بل رجلا من هذيل يقال له قرد بن معاوية وبه ضرب المثل والله تعالى أعلم!
(3/144)

أزهى من طاووس.
الزهو: الإعجاب والتكبر. يقال: زهي بالبناء للمفعول يزهى فهو مزهو. ويقال أيضاً: زهى بالفتح يزهو زهوا. وهي لغة حكمها أبن دريد. والطاووس: الطائر المعروف وتقدم في الحاء. وإنّما وصف بالزهو لمّا مر من أنَّ طبعه حب الزهو لنفسه والخيلاء والإعجاب بريشه: ثم إنهم بنوا اسم التفضيل هنا من فعل المفعول وعلى الشذوذ كما قالوا: أشغل من ذات النحويين وأجن من دغة وأولع من قرد. وتعجبوا منه أيضاً فقالوا: ما أزهاه! وما أشغله! وما أجنه! وهو مسموع في هذه الألفاظ ونحوها. ولا يقال في المضروب والمجروح ونحوهما: أضرب من كذا ولا أجرح ولا: ما اضربه! وأجرحه! ومن الشاذ قول سبويه رحمه الله تعالى: واعلم أنَّ العرب يقدمون ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى وهو من عناهم وعنوا به فهم معنيين به.
قال الإمام السهيلي رحمه الله تعالى: وسبب جوازه يعني في الأفعال المذكورة دون غيرها أنَّ المفعول فيها فاعل في المعنى: فالمزهو متكبر في المعنى. وكذلك المنحو والمشغول مشتغل وفاعل لشغله والمعني بالأمر كذلك والمجنون كالأحمق فيقال: ما أجنه! كما يقال ما أحمقه! وليس كذلك وضروب ولا مركوب ولا مشتوم ولا ممدوح فلا يقال في شيء منه: ما أفعله ولا: هو أفعل من كذا.
قال: فإنَّ قلت: فعلى هذا القياس كان ينبغي أيضاً أن يؤمر فيه بغير اللام كمأمور الفاعل إذ قلتم إنه فاعل في المعنى يعني وليس الأمر كذلك لأنك إنما تقول في أمر المخاطب من عني وزهي وشغل: لتعن ولتزه ولتشغل! كما يؤمر الغائب في سائر الأفعال.
قال: فالجواب أنَّ الأمر إنّما هو بلفظ المستقبل وهو: تضرب وتخرج. فإذا أمرت حذفت حرف المضارعة وبقيت حروف الفعل على بنيتها. وليس كذلك زهيت فأنت تزهى ولا شغلت فأنت تشغل. لأنك لو حذفت منه حرف المضارع لبقي لفظ الفعل على بنية لست للغائب ولا للمخاطب لأنَّ بنية الأمر للمخاطب: أفعل وبنيته للغائب:
(3/145)

فليفعل. والبنية التي قدرناها لا تصلح لواحد منها لأنك كنت تقول: أزه من زهت ومنت تقول من شغلت: أشغلت فتخرج من باب شغلت فأنت مشغول إلى باب شغلت غيرك فلم يستقم فيه الأمر بالام. انتهى. وهو حسن وهذا في زهي إنّما هو على أنَّ التفضيل جاء فيه على اللغة المشهورة. وإنّما على أنه على اللغة الثانية التي ذكرها أبن دريد فلا شذوذ فيه.
قال الجوهي بعد ذكره هذه اللغة: ومنه قولهم ما أزهاه وليس هذا من زهي لأنَّ اسم المفعول لا يتعجب منه. انتهى.

أزهى من ديكٍ.
تقدم الزهو. والديك بكسر الدال المهملة معروف جمعه ديكة وديوك. وهو موصوف بالزهو والتبختر والتمايل في مشيته وذلك معروف فيه.

أزهى من غرابٍ.
الزهو مر وكذا الغراب وهو أيضاً موصوف بالزهو. قال الشاعر:
لذا صاحبٌ مولع بالخلاف ... كثير الخطاء قليل الصواب
ألج لجاجاً من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب

زوجٌ من عود، خيرٌ من قعود.
الزوج ضد الفرد. والزوج أيضاً بعل المرأة وهي أيضاً زوجة. فالزوج للذكر والأنثى هذا هو الفصيح. قال تعالى:) أسكن أنتَ وزوجكَ الجنة (وقد يقال زوجة. قال الفرزدق:
وإنَّ الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساعٍ إلى أسد الشرا يستبيلها!
وتقدم هذا. والعود بضم العين المهملة: معروف جمعه عيدان وأعواد والقعود: الجلوس وقد يفرق بينهما فيقال: القعود ضد القيام. فإذا كان أحد واقفا قيل له: أقعد! ولا يقال: اجلس! وإذا كان مضطجعا ثم استوى جالسا قيل: إنّه قد جلس.
(3/146)

ومعنى المثل أنَّ التزوج ولو بأدنى زوج خير من البقاء بلا زوج. قالته بنت همام بن مرة الوائلي البكري. وكان له فيما زعموا أربع بنات. فكان يخطبن إليه فيستأمرهن فيمنعهن الحياء أن يأذن فلا يزوجن. وكانت أمهن تأمره بتزويجهن فلا يفعل. فخرج ذات ليلة إلى متحدث لهن فجعل يستمع حديثهن وهن لا يعلمن. فقلن: تعالين نتمن ولنصدق! فقالت الكبرى:
إلاّ ليت زوجي من أناس ذوي غنى ... حديث الشباب طيب النشر والعطرِ
طبيبٌ بأدواء النساء كأنه ... خليفة جانٍ لا يبيت على وترِ!
فقلن لها: انك تحبين رجلا ليس في قومك. وقالت الثانية:
ألا هل أرها مرة وضجيعها ... أشم كماضي الشفرتين مهندِ
لصوقٌ بأكباد النساء واصله ... إذا ما انتهى من أهل سري ومحتدي؟
وقالت الثالثة:
ألا ليته على الجفان مدلب ... له جفنةٌ تشفى بها النيب والجزرُ
به محكمات الشيب من غير كبرةٍ ... تشين فلا العاني ولا الضرع الغمرُ!
فقلن لها: تحبين رجلا شريفا. فقلن للصغرى: تمني أنت! فقالت: ما أريد شيئا. فقلن: والله لا تبرحين حتى نعلم ما في نفسك! فقالت: زوجٌ من عودٍ خيرٌ من قعودٍ. فلما سمع أبوهن ذلك زوجهن.
وهكذا حكي عن بعضهم هذه القصة. والذي ذكر صاحب القاموس في اللغة أنَّ همام بن مرة له ثلاث بنات وآلا على نفسه ألا يزوجهن. فلما عنسن قالت إحداهن بيتا وأسمعته إياه متجاهلة. فقالت:
أهمام بن مرة إنَّ همي ... لفي الآئي يكون مع الرجالِ
فأعطاها سيفا وقال: هذا يكون مع الرجال! فقالت أخرى: ما صنعت شيئا ولكني أقول:
أهمام بن مرة إنَّ همي ... لفي قنفاء مشرفة القذال
والقنفاء تطلق عند العرب على الغليظة من آذان المعزى كأنها نعل مخصوف. وتطلق
(3/147)

على الكمرة العظيمة وهو مراد القافية. فقال أبوها: وما قنفاء؟ تريدين معزى. فقالت الصغرى: ما صنعتما شيئا ولكني أقول:
أهمام بن مرة إنَّ همي ... لفي عردٍ أسد به مبالي
فقال: أخزاكن الله! وزوجهن. والعرد بفتح العين وسكون الراء: الذكر.
ويحكى أيضاً في نحو هذه القصة أنَّ رجلا من العرب كان له ثلاث بنات قد عضلهن ومنعهن الأكفاء. فقالت إحداهن: إن أقام أبونا على هذا الرأي فارقنا وقد ذهب حظ الرجال منا فينبغي لنا أن نعرض له بما في نفوسنا وكان يدخل إلى كل واحدة منهن يوما. فلما دخل على الكبرى تحادثا ساعة. فلما أراد الانصراف أنشدت:
أيزجر لاهينا ويحلى على الصبا ... وما نحن والفتيان إلاّ شقائقُ؟
يؤبن حييَّاتٍ مراراً كثيرةً ... وتنباق أحياناً بهن البوائقُ
فلما سمع الشعر ساءه. ثم دخل على الوسطى فتحادثا. فلما أراد الانصراف أنشدت:
ألا أيها افتيان إنَّ فتاتكم ... دهاها سماع العاشقين فخنت
فدونكم أبغوها فتى غير زملٍ ... وإلاّ صبت تلك الفتاة وجنت!
فلما سمع الشعر ساءه. ثم دخل على الصغرى في يومها. فلما أراد الانصراف أنشدت:
أما كان في ثنتين ما يزع الفتى ... ويعقل هذا الشيخ إن كان يعقلُ
فما هو إلاّ الحل أو طلب الصبا ... ولابد منه فائتمر كيف تفعلُ!

زر غباً، تزدد حباً!
الزيارة معروفه والغب في الماء أن ترد الإبل يوما وتدع يوما. فهي إبل غابة وغواب وغب كل شيء: عاقبته.
وأما في الزيارة فقال الجوهري: قال الحسن: الغب في الزيارة كل أسبوع. يقال: زر غبا تزدد حبا. انتهى. وهذا الكلام قد يروى حديثا مرفوعا وهو أمر بأوسط الأمور وأفضلها في الزيارة المحبة للمحبة ودوام الوصل. ووراء ذلك طرفان كلاهما مذموم:
(3/148)

أحدهما الإكثار من الزيارة والإفراط فيها وهو يوجب السأم والملل والضجر. والثاني الإقلال منها جدا والإفراط في الغيبة والقطيعة. وهو يوجب الوحشة والتقاطع والتباعد. ونظم بعض الشعراء الكلام المذكور فقال:
إذا شئت أن تلقى فزر متتابعاً ... وإن شئت أن تزدد حباً فزر غبا
وقال الثعالبي:
عليك بإقلال الزيارة إنما ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
فإني رأيت القطر يسأم دائماً ... ويطلب بالأيدي إذا هو أمسكا!
وقال أبو العتاهية:
أقلل زيارتك الصديق ولا تطل ... إتيانه فيلح في هجرانه!
إنَّ الصديق يلج في غشيانه ... لصديقه فيمل في غشيانه
حتى تراه بعد طول سروره ... وكأنه متبرم بمكانه
وإذا تولى عن صيانة نفسه ... رجلٌ تنقص واستخف بشانه
وقالوا: قلة الزيارة أمان من الملالة. وقالوا في الطرف الآخر يرك الزيارة سبب القطيعة. وينسب لعلي كرم الله وجهه:
الصبر من كرم الطبيعة ... والمن مفسدة الصنيعة
ترك التعاهد للصديق ... يكون داعية القطيعة

زيادة الأمل تقتضي نقصان العمل.
هذا مثل مصنوع فيما أظن وهو ظاهر المعنى.

زدهم عنزاً
الزيد والزيادة معروف. يقال: زدته الشيء أزيده زيادة وزيدا وأزددت كذا
(3/149)

أزديادا. والعنز بفتح العين وسكون النون الأنثى من المعز ومن الظباء والأوعال. والعنز أيضاً اسم فرس وهي التي في قول الشاعر:
دلفت له بصدر العنز لمّا ... تحامته الفوارس والجالُ
والعنز أيضاً اسم قبيلة من هوازن وهي التي في قول الآخر:
وقاتلت العنز نصف النهار ... ثم تولت مع الصادر
والعنز أيضاً الأكمة السوداء وهي في قول رؤبة: وارم أخرس فوق عنزٍ وأراد بالإرم العلم المبني من حجارة وبكونه أخرس أنه بناء أصم. وقوله: فوق عنز أي أكمة.
وعنز أيضاً امرأة من طسم سبيت فحملوها في هودج وألطفوها بالقول والفعل فقالت: هذا شر يومي! أي: حين صرت أكرم للسباء. وقال الشاعر:
شر يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدجٍ جملا
وسيأتي. والمراد هنا العنز من المعز وقائله هبنقة القيسي الأحمق ذو الوداعات. وكان أخوه اشترى له بقرة بأربع أعنز فركبها وركضها. فلما أعجبه عدوها التفت إلى أخيه فقال: زدهم عنزاً! فصار مثلا يضرب في الإعطاء بعد إمضاء البيع.
ويحكى إنّه سار بها فرأى أرنبا تحت شجرة ففزع منها وركض البقرة وقال:
الله نجاني ونجى البقرة ... من جاحظ العينين تحت الشجرة!
وأخباره في الحمق كثيرة تقدم بعضها في الحاء.

زين في عين واله ولده.
يضرب في عجب الرجل برهطه وعترته ونحو ذلك. وهو في قول الشاعر:
نعمَ ضجيع الفتى إذا برد ... الليل سحيراً قرقف الصرد
زينها الله في الفؤاد كما ... زين في عين والدٍ ولد!
ومثله في أمثلة العامة قولهم:
(3/150)

كل خنفس عند أمه غزالٌ
ومن قمل العرب:

كل فتاةٍ بأبيها معجبةٌ.
وسيأتي.
ولنذكر بعض الشعر في هذا الباب. قال أبن الرومي:
خير ما استعصمت به الكف عضبٌ ... ذكرٌ حده أنبث المهزِّ
ما تأملته بعينيك إلا ... أرعت صفحاته من غير هزِّ
مثله أفزع الشجاع إلى الدرع ... فغالى بها على كل بزِّ
ما يبالي أصممت شفرتاه ... في محزٍّ أم حارتاً عن محزِّ
وقال أبو الطيب يمدح علي بن صالح الروذباري:
ليس كل السراة بالروذ باري ... ولا كل من يطير ببازِ
وقال الآخر:
إذا ما اعتز ذو علم بعلمٍ ... فعلم الفقه أشرف في اعتزاز
فكم طيب يفوح ولا كمسكٍ ... وكم طير يطير ولا كباز
وقال بعض السادة:
رجال الله قد سعدوا وفازو ... ونالوا رحمة المولى وحازوا
رجالٌ طلقوا لادنيا بتاتا ... ولو جاز الرجوع لمّا استجازوا
بدا علم النجاة فميزوه ... يحركهم بدار وانحفازُ
فبعضٌ تشرق الأمطار منه ... وبعضٌ تستنير به النفازُ
تميز كل ذي دنيا بدنيا ... وهم لهم بدينهم امتيازُ
وما عزوا بمخلوق ولكن ... لهم بالخالق الأحد اعتزازُ
أردت لحاقهم فعجزت عنهم ... وحدت عن الإجازة إذ أجازوا
أتطمع في اللحاق ولا نهوضٌ ... وتفرح بالرحيل ولا حفازُ؟
(3/151)

وأنت أخوهم نسباً ولكن ... طرازٌ فوقه ذاك الطرازُ
دع الدنيا فلست لهم بندٍّ ... وهل تخفى الحقيقة والمجازُ؟
وقال الآخر:
لي صديق هو عندي عوزٌ ... من سداد لا سداد من عوز
وجهه يذكرني دار البلا ... كلما أقبل نحوي وغمز
وإذا جالسني جر عني ... عصص الموت بكربٍ وعلز
يصف الود إذا شاهدني ... فإذا غاب وشى بي وهمز
كحمار السوء يبدي مرحاً ... وإذا سيق إلى الحمل غمز
ليتني أعطيت منه بدلاً ... بنصيبي شر أولاد المعز
قد رضينا بيضةً فاسدةً ... عوضاً منه إذا البيع نجز
العوز بفتحتين: الحاجة. تقول: عوز الشيء بالكسر أي لم يوجد. وسداد الشيء: ما يسد به. تقول: هو سداد من عوز ووجدت سدادا من عيش أي ما تسد به الخلة وهو بكسر السين والفتح ضعيف أو لحن. والسداد بالفتح: الصواب. والعلز بفتحتين: القلق والضيق. تقول: علز بالكسر علزا في مرضه.
وقال الآخر:
أرضنا اللت آوت ذوي الفقر والذل ... فاضوا ذوي غنى واعتزاز
قوله: اللت بسكون التاء لغة في التي الموصول.
وقال أبن الرومي:
وحديثهما السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ود المحدث إنما لم توجز
شرك العقول ونزهةٌ ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المستوفز
ونحوه في ذكر الحديث قول الآخر:
وحديثها كالقطر يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حياً ... ويقول من فرحٍ هيا ربَّا!
وقول الآخر:
(3/152)

فبتنا على رغم الحسود وبيننا ... حديثٌ كمثل المسك شيبت به الخمرُ
حديثٌ لو أنَّ الميت نودي ببعصه ... لأصبح حياً بعدما ضمه القبرُ
وقول الآخر:
منعمةٌ يحار الطرف فيها ... كأنَّ حديثها سكر الشرابِ
من المتصديات لغير سوءٍ ... تسيل إذا مشت سيل الحبابِ
وقول الآخر:
وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها ... أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثةٌ لو تعيدها
وتقدمت قصة هذا الشعر. وقول بشار:
وكأنَّ رفض حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا
وكأنَّ تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا
وتخال ما جمعت عليه ... ثيابها ذهباً وعطرا
وكأنها برد الشراب ... صفا ووافق منك فطرا
وفي استكراه الحديث قول أبي علي البصير:
غنائك عندي يميت الطرب ... وضربك بالعود يحيي الكرب
ولم أر قبلك من قينةٍ ... تغني فأحسبها تنتحب
ولا شاهد الناس أنسية ... سواك لها بدن من خشب
ووجهٌ رقيبٌ على نفسه ... ينفر عنه عيون الريب
ولو مازج النار في حرها ... حديثك أخمد منه اللهب
فكيف تصدين عن عاشقٍ ... يودك لو كان كلباً كلب
وقال الآخر:
أويت في الدهليز مذ أربعٍ ... ولم أكن آوي الدهاليزا
خبزي من السوق وشعري لكم ... تلك لعمري قسمةٌ ضيزا
وقالت أنا:
إذا كنت مرتاداً أخاً ذا صداقةٍ ... فلا تصحبن إلا البقال أنت رائزُ
(3/153)

فعيب الفتى غيبٌ إذا تركته ... وعند احتكاك الجدل تبدو الغرائزُ
وإنَّ إخلاء الرفاهة جمةٌ ... ولكن إخوان الكروب معاوزُ
وقلت على وجه التلميح والمطايبة لبعضهم:
أتهمز يا أبن الأسود اسمي آفكاً ... فهل حسن لولا الضلالةُ يهمزُ؟
نعم تهمز الأنذال مثلك كلما ... تعاورها نظم القريض وتلمزُ
فهل أنت عن تلك السفاهة مقصرٌ ... فتنجو من سيل له أنت مركزُ؟
وإلا فبحري لا تدركه الدلا ... ومتن قناتي لا يرى فيه مغمزُ
توافيك مني بكرة وعشية ... قوافي بها طمر الهجاء يطرزُ
على أنَّ هجو النذل مثلك شائنٌ ... وما الهجو إلاّ الهجو للكفء يبرزُ
وإذ لست بالكفء الكريم فلا يكن ... بقلبك مني أو لحائي معلزُ
ولعل هذا القدر يكفينا من هذا الباب. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
(3/154)

باب السين المهملة
المسألة أخر كسب المرء.
السؤال: الطلب والسؤل بالضم مهموزا ومخففا: ما تسأله؛ وسألته الشيء وعنه وبه سؤالا ومسأله وتسآلا. وقد يقال سال مخفف الهمز قال الشاعر:
ومرهقٍ سال إمتناعاً بأصدته ... لم يستعن وحوامي الموت تغشاه
الأصدة: قميص صغير يلبس تحت الثوب والكسب معروف.
وهذا من أمثال أكثم بن صيفي في استقباح مسألة الناس. قاله أبو عبيد القاسم بن سلام. وقال البكري: بل هو من كلام قيس بن عاصم قال لبنيه: إياكم ومسألة الناس فإنها أخر كسب الرجل! قال: وأخر على وزن فعل ومعناه أبعد من الخير وأرذله.
ومن حديث الزهري عن أبي سلمة وسعيد أنَّ رجلا من أسلم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الأخر زنى أي الأبعد. قال: ولا يحسن أن يقال هنا آخر بالمد الذي هو نقيض أول لأنَّ ذلك إباحة للمسألة وإن يكون من آخر ما يكسب به المرء والمسألة مكروهة منهي عنها في الجاهلية والإسلام وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحتطب المرء على ظهره ولا يسأل الناس. انتهى.
والذي في الصحاح: يقال في الشتم أبعد الله الأخر بقصر الهمزة وكسر الخاء وهو قريب مما مر ودليل على صحته.

أسائر اليوم وقد زال الظهر؟
السائر: الباقي وقد يستعمل بمعنى الجميع وتقدم ما فيه. والظهر معروف والهمزة للاستفهام الإنكاري.
(3/155)

وسبب هذا قوما أغير عليهم فاستصرخوا ببني عمهم فأبطؤوا عنهم حتى أسروا وذهب بهم. فجاؤوا يسألون عنهم فقال لهم المسؤول: أسائر القوم وقد زال الظهر؟ أي كيف تطمعون فيما بعد وقد تبين لكم اليأس والفوات؟ وذلك أنَّ من كانت حاجته اليوم جميعه ثم زال الظهر وجب أن ييأس من الحاجة كما ييأس منها بغروب الشمس.

تسألني برامتين سلجماً
السؤال تقدم ورامة اسم موضع. قال زهير:
لمن طلل برامتة لا يريم؟ ... عفا وخلا له حقبٌ قديمُ!
وثنوه في هذا المثل اتساعاً.
ومثله قول الآخر:
لمن الديار برامتين فعاقل؟ ... دست وغير أيّها القطرُ!
وهذه الثنية هكذا شائعة في أسماء المواضع عند العرب.
ومثله قول ورقة:
ببطن المكتين على رجائي ... حديثك أن أرى منه خروجا
وإنّما يريد مكة.
وقول الفرزدق: عشية سال المربدان كلاهما وإنّما يريد مربد البصرة.
وجعل السهيل من هذا قول زهير:
ودارٌ لها بالرقمتين كأنها ... مراجع وشم في نواشر معصم
وقول عنترة:
شربت بماء الدحر ضين فأصبحت ... زوراء تنقر عن حياض اليلمِ
في اصح القولين.
(3/156)

وقال أيضاً:
كيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلنا بالغليم؟
وقولهم: صدنا بقنوين. ويقال: عنيزة اسم موضع وقنا اسم جبل وقال غيره: عنيزتان اسم موضع وأما الدحرضان فهو على التغليب لمائين: أحدهما يقال له دحرض والآخر: وسيع فثناهما الشاعر وغلب لفظ أحدهما على الآخر كالقمرين.
وحكى الجوهري أول كلامه أنَّ الدحرض اسم موضع وهو يوافق ما قال السهلي وأما الرقمان في قول زهير ففي شرح ديوان الشعراء هما موضعان: أحدهما قرب المدينة والآخر قرب البصرة. فأراد أنَّ الدارين بين الرقمتين كما تقول: فلان بمكة أي بين بيوت مكة.
وفي القاموس: الرقمتان روضتان بناحية الصمان. والرقمة أيضاً الوادي والروضة ومنه قول زهير عند الجوهري. ويحتمل أن يوافق ما قال السهلي أو يخالفه إذ لا مانع من أن يريد روضتين. فتجيء التثنية على بابها. ووجه تثنية الموضع الواحد في كل ما مر الإشارة إلى جانبيه.
قال السهلي وأحسن ما تكون هذه التثنية إذا كانت في ذكر جنة أو بستان فتسميتها جنتين في فصيح الكلام إشعاراً بأن لها وجهين وأنك كلما دخلتها ونظرت يمينا وشمالا رأيت من كلا الطرفين ما يملأ العين قرة والصدر مسرة.
وفي التنزيل: جنتان عن يمينٍ وشمالٍ إلى قوله: وبدلناهم بجنتهم جنتين. وفيه: جعلنا لأحدهما جنتينِ من أعناب وفي آخرها: ودخل جنته فأفر بعد ما ثنى وهي هي. قال: وقد حمل بعض الفقهاء على قوله سبحانه: ولمن خاف مقام ربه جنتان. انتهى.
ومن هذا والله أعلم أيضاً عمايتان في قول الآخر:
لو أنَّ عصم عمايتين ويذبلٍ ... سمعا حديثك أنزلا الأوعالا!
وإن وقع في كلام أبن مالك في شرح " التسهيل " وأتباعه أنهما جبلان فإنَّ الذي في متون اللغة المتداولة أنَّ عماية جبل من جبال هذيل وليس فيهما ذكر الجبلين. وكما
(3/157)

ثنت العرب البقاع للمعنى السابق كذلك جمعتهما أيضاً إشارة إلى جواب الذي إلا أنَّ الجمع أقل.
ومنه قول مطرود بن كعب الخزاعي:
وهاشمٍ في ضريح عند بلقعةٍ ... تسفي الرياح عليه وسط غزاتِ
يعني غزة وهو بلد بفلسطين مات به هاشم بن عبد الله مناف.
ومثله: بغاذين من بغذان كما وقع في شعر بعض المولدين. ولأبي الطيب معه قصة ذكرها صاحب العمدة. ويرد هنا سؤال هو أنَّ العلم إذا ثني سلب التعيين فجازت تحليته بال. وهذه التثنيات المذكورات في أعلام البقاع ليست على وجهها: فإنها في اللفظ تثنية وفي المعنى إفراد إلا على حال واعتبار. والظاهر أنَّ الوجه الذي به تسوغ التثنية وقد مر شرحه يسوغ به إدخال الألف واللام وبذلك الوجه كان اللفظ مثنى لفظا ومعنى. ويدل لهذا قول السابق المكتين. على أنا لو سلمنا أنه تثنية في اللفظ خاصة دون المعنى منعنا دخول الألف واللام إذ التثنية الملزومة كما تزاد في المفرد العلم نحو:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً ... شديداً بأعباء الخلافة كاهله
والسلجم نبت بوزن جعفر. والسلجم أيضاً: الطويل من الخيل أو الرجال.
والسلجم أيضاً: البئر العادية الكثيرة الماء.
وهذا المثل لم اقف له بعد على تفسير وكأنه شطر رجز. والظاهر أنَّ المراد بالسلجم فيه النبت أو البئر وإنّه استباقاً لسؤال ذلك وطلبه في هذا المكان الذي هو رامة لعدمه فيه. فيكون على معنى المثل الآتي: تسألني أبا الوليد جملا يمشي رويدا ويكون أولا في طلب ما لا يكون. ومثله قول العامة:

في دار البقر تصيب التبن.
(3/158)

أسأل من قرثع.
السؤال تقدم؛ وقرثع بثاء مثلثة على مثل جعفر رجل من تغلب ثم من أوس كان من أشد الناس سؤالا فضرب به المثل.

سبني واصدق.
السب: الشتم. والسب أيضاً: الطعن في السبة أي الاست. قال:
وما كان ذنب بني مالكٍ ... بأن سب منهم غلامٌ فسبَّ
أي شتم فعقر. وتساب الرجلان: تشاتما أو تقاطعا. والسبة بالضم: العار ومن يسبه الناس كثيرا؛ والسببة كهمزة من يسبهم؛ والسب بالكسر الكثرة وسبك من يسابك. قال حسان:
لا تسبنني فلست بسبي ... أنَّ سبي من الرجال الكريم
والصدق ضد الكذب. والمعنى أنك إذا ساببتني وجانبت الكذب فلا أبالي.

سبَّ من سبكَ يا هبَّارُ!
يتمثل به كثيرا وهو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكان هبار بن الأسود تبع زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجت من مكة مهاجرة فروعها وأسقطت ذا بطنها في قصة مشهورة في السير. ثم أسلم وصحب النبي صلى الله عليه وسلم فكان المسلمون يسبونه بما فعل حتى شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: سبَّ من سبك يا هبار! فكف الناس عن سبه بعد.

سبق السيف العذل!
السبق معروف والسيف كذلك والعذل بالذال المعجمة: الملامة؛ والعذل بالتحريك الاسم منه. وهذا المثل يضرب في الأمر يفوت ولا يطمع في تداركه وتلافيه.
(3/159)

وأصله أنَّ الحارث بن ظالم ضرب رجلا بسيفه فقتله فأخبر بعذره فقال: سبق السيف العذل! وقيل إنَّ أصله إنَّ سعداً وسعيداً، أبني ضبة بن أد خرجا في طلب لهما، فرجع سعد وفقد سعيد. وكان ضبة إذا رأى شخصا مقبلا قال: أسعد أم سعيد؟ ثم إنّه في بعض مسائره أتى مكانا ومعه الحارث بن كعب في شهر الحرام، فقال: قتلت هنا فتى صفته كيت وكيت، وأخذت منه هذا السيف. فتناوله ضبة فعرفه فقال: إنَّ الحديث ذو شجون، ثم ضربه فقتله، فعذل فقال: سبق السيف العذل! وقال جرير:
يكلفني رد الغراب بعد ما ... سبقن كسبق السيف ما قال عاذله
وذكر البكري أبو عبيد إنَّ أوّل من قال: سبق السبق العذل، خريم بن نوفل الهمداني، وذلك أنَّ النعمان بن ثواب العبدي كان له بنون: سعد وسعيد وساعدة. فأما سعد فكان رجلا شجاعا بطلا؛ وأما سعيد فكان جوادا سمحا ذا إخوان وصنائع؛ وأما ساعدة فكان صاحب شراب وندمان. وكان أبوهم النعمان ذا شرف. وكان يوصيهم ويحملهم على أدبه. فقال لسعد، وكان صاحب حرب: إنَّ الصارم ينبو، والجواد يكبو، والأثر يعفو، والحليم يهفو. فإذا شهدت حربا فرأيت نارها تستعر، وبحرها يزخر، وبطلها يخط، وضعيفها يبصر فإياك أنَّ تكون صدي رماحها ونطيح نطاحها! وأعلم عند ذلك انهم ينصرون! ثم قال لسعيد، وكان جواداً: يا بني إنّه يبخل الجواد، ويصلد الزناد، ويحمد الثماد، وتحمل البلاد. فلا تدع إنَّ تجرب إخوانك وتبلوا أخدانك! ثم قال لساعدة: يا بني، إنَّ كثرة الشراب يفسد القلب ويقل الكسب، ويحدث اللغب. فأنظر نديمك واحم حريمك، وأعن غريمك. واعلم أن الظمأ القامح، خير من الري الفاضح. وعليك بالقصد، فإنَّ فيه بلاغا!
ثم إنَّ النعمان توفي، فقال سعيد: آخذن بأدب أبي ولابلون أوثق أخوتي في نفسي! وعمد إلى كبش فذبحه، ثم أضجعه في قبته وغشاه ثوبا. ثم دعا رجلا كان
(3/160)

أوثق إخوانه في نفسه فقال: يا أبا فلان، إنّما أخوك من صديقك بعهده أحاطك برفده، وأقام معك بجهده، وسواك بولده. قال: صدقت! قال: فأني قتلت فلانا فما عندك؟ قال: فالسوأة السوأى وقعت فيها وانغمست. قال: فتريد ماذا؟ قال: أريد أنَّ تعينني عليه حتى أغيبه. قال: لست لك في ذلك بصاحب! فتركه وانطلق. ثم دعا سعيد رجلا آخر من إخوانه يقال له خريم بن نوفل فقال: يا خريم، ما عندك؟ قال: ما يسرك. قال: فإني قتلت قلانا. قال: فتريد ماذا؟ قال: أريد أنَّ تعينني حتى أغيبه. قال: لهان ما فزعت فيه إلى أخيك! ثم قال، وعبد لسعيد معهما: هل أطلع على هذا عبدك هذا؟ فقال: لا. فأهوى خريم بالسيف إلى العبد فقتله وقال: ليس عبد بأخ لك! ففزع لذلك سعيد وقال: ما صنعت إنما أردت تجربتك. فقال خريم: سبق السيف العذل! انتهى.
وقال الطغرائي:
إنَّ كان ينجع شيء في ثباتهم ... على العهود فسبق السيف للعذل

سبقك بها عكاشة.
يتمثل بها كثيرا، وهو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. لمّا ذكر الدين يدخلون الجنة بغير حساب، قام إليه عكاشة بن محصن، رضي الله عنه، فقال: أمنهم أنا، يا رسول الله، أو أدع الله أنَّ يجعلني منهم؟ فقال: نعم! فقام رجل آخر فقال مثل ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: سبقك عكاشة. والحديث مشهور معروف ما فيه من المعنى.

سحابة صيفٍ عن قليلٍ تقشع.
سد أبن بيضٍ الطريق.
السد ضد الفتح معروف، وإنَّ أبن بيض بكسر الباء، وقيل بالفتح رجل من عاد تاجر
(3/161)

عقر ناقته على ثنية فسد بها الطريق ومنع الناس من سلوكها. ويقال إنَّ أبن بيض لمّا حضرته الوفاة قال لابنه: لا تقارب لقمان في أرضه! فإذا مت فسر بأهلك ومالك حتى إذا كنت في ثنية كذا فاقطعها بأهلك واترك فيها للقمان حقه، فإنَّ له عندنا في كل عام حلة وجارية وراحلة. فإنَّ هو قبلة فهو حقه عرفناه له لا جارته وخفارته؛ وإنَّ هو لم يقبل وبغى، أخذه الله تعالى ببغيه. فلما مات، فعل الفتى ما أمره به. فأتى لقمان الثنية وأخذ ذلك وقال: سد أبن بيض الطريق! وقال عمر بن الابرد في ذلك:
سددنا كما سد أبن بيض سبيلها ... فلم يجدوا عند الثنية مطلعا

سداد في كفافٍ، أفضل من غنى مع إسرافٍ.
هذا مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى. وتقدم ضبط السداد.

يسدي ويلحم.
السداد من الثوب معروف. واسديت الثوب وسديته. واللحمة بضم اللام من الثوب: ما سوى السدا. وألحمت الثوب: نسجته. ثم جعل مثلا في الاشتغال بالشيء وإتمامه، كما قالوا في المثل الآخر: ألحم ما أسديت! أي تمم ما ابتدأت وقال أبو تمام في الأول: وقلت أنا من قصيدة تقدم إنشادها:
يسدي ويلحم في مزاولهٍ ... ما ليس يدركه مدى العمر

السراح، من النجاح.
السراح بالفتح اسم من التسريح وهو التطليق سرحت المرأة تسريحا والنجاح معروف. والمعنى انك إذا لم تقدر على قضاء حاجة إنسان فأيسته بمرة، كان ذلك بمنزلة ما لو قضيت مطلوبه.
(3/162)

سرك أسيرك، فإنَّ نطقت به كنت أسيره،
هذا من الأمثال الحكيمة في حفظ السر.
ومثله ما روي أنَّ معاوية رضي الله عنه أسر إلى الوليد بن عقبة حديثا فقال الوليد لأبيه: يا أبت إنَّ أمير المؤمنين أسر إلى حديثا وما أراه يطوي عنك ما بسط إلى غيرك. قال: فلا تحدثني به فإنَّ من كتم سره كان الخيار له ومن أفشاه كان الخيار عليه! قال: قلت: يا أبت وإن هذا لديك بين الجل وبين أبيه؟ قال: لا والله يا بني! ولكن أحب أن لا تلل لسانك بأحاديث. قال: فأتيت معاوية فحدثته فقال: يا وليد أعتقك أخي من رق الخطأ!.
وحكى الإمام الغزالي رحمه الله تعالى قال: اجتمع أربعة ملوك: ملك الهند والصين وكسرى وقيصر فقال أحدهم: أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل. وقال الآخر: إني إذا تكلمت بكلمة ملكتني ولم أملكها وإذا لم أتكلم ملكتها ولم تملكني. وقال الثالث: عجبت للمتكلم إن رجعت عليه كلمته ضرته وإن لم ترجع لم تنفعه. وقال الرابع: أنا على رد ما لم أقل أقدر على رد ما قلت.
وسيأتي إتمام هذا المعنى في الحكم بأشبع من هذا إن شاء الله تعالى.

أسرع من نكاح أم خارجة.
السرعة بالضم والسرع بفتحتين والسرع بوزن عنب ضد البطء. سرع الرجل بالضم فهو سريع؛ وأسرع أيضاً فهو مسرع. قيل: وأصل الرباعي التعدي بنفسه أي أسرع نفسه أو مشيه كما في الحديث: فليسرع المشي! لكنه يحذف لظهوره.
والنكاح بالكسر: الوطء والعقد أيضاً. يقال: نكحها ينكح بالفتح والكسر؛ ونكحت هي أيضاً فهي ناكح أي ذات زوج قال تعالى: حتى تنكح زوجا غيره. وقال الشاعر:
لصلصلة اللجام برأس طرفٍ ... أحب إلي من أن تنكحيني
(3/163)

واستنكحها بمعنى نكحها؛ وأنكحها: زوجها والاسم منه النكح بالكسر والضم وهي كلمة كانت العرب تتزوج بها. يقول الخاطب: خطبٌ بكسر الخاء وضمها ويقول المخطوب: نكح بكسر النون أيضاً وضمها؛ وأم خارجة امرأة من بجيلة ولدت قبائل كثيرة من العرب واسمها عمرة بنت سعد وخارجة ابنها.
قال في الصحاح: ولا يعلم ممن هو ويقال هو خارجو بن بكر بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان. وكانت أم خارجة من الشهوة والشبق إلى الرجال في غاية. فكان يقال لها: خطبٌ فتقول: نكحٌ فقالوا: أسرع من نكاح إم خارجة.
ويحكى أنَّ السيد الحميري خرج يوما سكران، فلقي بنت فجاءة بن عمرو بن قطري الخارجية، وكانت حسناء. فأوقفها وانشد من شعره، فأعجب كل واحد منهما صاحبه ثم خطبها، فقالت: كيف يكون هذا ونحن على ظهر الطريق؟ قال: يكون كنكاح أم خارجة، قيل لها: خطب، قالت: نكح. فاستضحكت وقالت: ننظر في هذا، وعلى ذلك فمن أنت؟ فقال:
إنَّ تسأليني بقومي تسألي رجلاً ... في ذروة العز من أجواد ذي يمن
ثم الولاء الذي أرجو النجاة به ... من كبة النار للهادي أبي حسن
فقالت: لا شيء أعجب من هذا: يماني وتميمية، ورافضي وإباضية، فكيف يجتمعان؟ فقال: بحسن رأيك في تسخو نفسك، ولا يذكر أحدنا سلفا ولا مذهبا. قالت: أفليس التزويج إذا علم انكشف معه المستور؟ قال: إنّما أعرض عليك. قالت وما هي؟ قال: المتعة التي لا يعلم بها أحد. قالت: تلك أخت الزنى. قال: تلك أخت الزنى. قال: أعيذك بالله إنَّ تكفري بعد الإيمان! قالت: وكيف؟ قال لها:) فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة (. فقالت: استخير الله وأقلدك إذ كنت صاحب قياس وتفتيش. فانصرفت معه وبات معرسا بها. وبلغ أهلها من الخوارج أمرها، فتوعدوها بالقتل وقالوا: تزوجت بكافر. فجحدت وكانت تخلف إليه مرة وتواصله.
قلت: وأين هاتان المرأتان من أم حكيم الخارجية؟ وكانت اجمل نساء زمانها ومن أشجع الناس وأحسنهم بديهة. خطبها جماعة من أشراف الخوارج، فردتهم. وهي القائلة
ألا إنَّ وجها حسن الله خلقه ... لأجدر أنَّ تلقى به الحسن جامعا
(3/164)

وأكرم هذا الحرم عن أنَّ يناله ... تورك فحل همه أنَّ يجامعا
وكانت مع قطري بن الفجاءة في عسكر الأباضية. فكانت ترتجز في تلك الحروب وتقول:
أحمل رأساً قد سئمت حمله ... وقد مللت دهنه وغسله
ألا فتى يحمل عني ثقله؟
والخوارج يفدونها بالآباء والأمهات. وكان قطري يشبب بها وفي ذلك يقول في وقعة دولاب:
لعمرك إني في الحياة لزاهدٌ ... وفي العيش ما لم ألق أم حكيمِ
من الخفرات البيض لم ير مثلها ... شفاء لذي بث ولا لسقيمِ
لعمرك إني يوم ألطم وجهها ... على نائبات الدهر جد لئيمِ
ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت ... طعان فتى في الحرب غير ذميمِ
غداة طفت علماء بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل نحو تميمِ
فلم أر يوما كان أكثر مقطعاً ... يمج دماً من فائضٍ وكليمِ
وضاربةٍ خداً كربواً على فتى ... أغر نجيب الأمهات كريمِ
أصيب بدولاب ولم يك موطناً ... له أرض دولاب ودير حميمِ
فلو شهدتني يوم ذاك وخيلنا ... تبيح من الكفار كل حريمِ
رأت فتية باعوا الإله نفوسهم ... بجنات عدنٍ عنده ونعيمِ

سرعان ذا إهالة!
السرعة تقدمت. ويقال: سرعان ذا خروجا مثلثة السين أي سرع هذا خروجا. ويقال: لسرعان ما صنعت كذا! أي ما أسرع! والإهالة: الشحم أو ما أذيب منه أو الزيت وكل ما ائتدم به وهمزتها أصلية ورجل مستأهل: آخذ الإهالة أو آكل لها. قال:
لا بل كلبي يا أم واستأهلي ... إنَّ الذي أنفقت من ماله!
(3/165)

وأصل المثل أنَّ رجلا كانت له نعجة عجفاء يسيل رغامها من أنفها فقيل له: ما هذا؟ قال: ودكها يظن الرغام شحما. فقال السائل: سرعان ذا إهالة! ونصب إهالة أما على التمييز المحول من الفاعل أي: سرع إهالة هذه أو على الحال أي: سرع هذا الرغام حال كونه إهالة فيضرب لمن يخبر بكينونة الشيء قبل وقته.
وسمعت قديما من بعض الأشياخ أنَّ أصل هذا أنَّ أعرابية كان لها أبن أحمق فذهب فوجد نعجة عجفاء فاشتراها فقال لأمه: إني اشتريت نعجة سمينة. فلما أخرجها إلى أمه ورغامها يسيل من أنفها قال لها: انظري إلى إهالة ما علفتها! فقالت أمه: سرعان ذا إهالة.

أسرع من تلمض ورلٍ.
يقال: لمظ بالظاء المشالة وتلمظ إذا تتبع بقية الطعام في فيه بطرف لسانه أو أخرج لسانه فمسح به شفته؛ واللماظة بالضم: البقية التي يتلمظها. قال الشاعر يصف الدنيا: لماظة أيامٍ كأحلام نائمٍ والورل بفتحتين والراء المهملة حيوان كالضب جمعه أورال وورلان. وهو سريع التلمظ أي الأكل بطرف اللسان.

أسرع السحب في المسير الجهام.
هذا شطر بيت لأبي الطيب وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى

أسرق من زبابةٍ
السرقة معروفة سرق الشيء بالفتح يسرقه سرقا بفتحتين وسرقة كنبقة.
(3/166)

والزباب بالزاي وباءين موجودتين والواحدة زبابة: فارة صماء عظيمة تسرق ويضرب بها المثل في السرقة وشبه بها الجاهل. قال الشاعر:
وقد رأيت معاشراً ... جمعوا لهم مالا وولدا
وهم زباب حائرٌ ... لا تسمع الآذان رعدا
أي لا تسم آذانهم رعدا لصممهم. وحذف الضمير من اللفظ أو استغنى عنه بالألف واللام على ما عرف في المذهبين. ويعني أنَّ من الناس من رزق أموالا وأولادا وهو ما هو في الجهل والحيرة والدناءة. وذلك من الدليل على أنَّ الله تعالى هو مستند الأرزاق لا العقول والحيل وإنّه تعالى لم يجعل الدنيا الدنية مقصورة على العقل الشريف ولا كفأاً له.

أسرى من جندبٍ.
السرى بوزن الهدى: سير الليل. يقال: سرى يسري سرى ومسرى وأسرى إذا مشى فيه؛ والجندب بضمتين ويجوز فتح الدال ضرب من الجراد الجمع جنادب. قال كعب رضي الله عنه:
وفال للقوم حاديهم وقد جعلت ... ورق الجنادب يركض الحصا قيلوا

أسرى من قنفذٍ
السرى تقدم؛ والقنفذ بالذال المعجمة بوزن جندب معروف والأنثى قنفذة ويقال له الأنقذ وتقدم في حرف الباء وأنه يسري الليل ولا يكاد يظهر إلاّ فيه.

أسعدٌ أم سعيدٌ؟
هذا يقولنه مثلا في السؤال أي هذا الشيء مما يحب أم مما يكره؟ وأصل ذلك أنَّ سعداً وسعيداً أبني ضبة بن أد خرجا في طلب إبل لهما. فرجع سعد وفقد سعيد وتقدمت الحكاية في هذا الباب فصار سعيد يتشاءم به.
(3/167)

وقد روي عن عبد الله بن الحارث قال: بعثني أبي وبعث العباس ابنه الفضل رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه أن يجعل لنا السقاية. فلما أتيناهما منصرفين قالا: ما وراءكما؟ أسع أم سعيد؟ قالا ووقع مثل ذلك لبيهس المعروف بنعامة إذ قتل أخوته. ذكر ذلك كله أبو عبيد القاسم بن أمثاله.

السعيد من وعظ بغيره.
هذا مثل في الأمر بحسن التدبير. وتمامه: والشقي من وعظ بنفسه. ويروى الأول حديثا والله اعلم. وفي معناه ما أنشد الجاحظ:
لا أعرفنك إنَّ أرسلت قافية ... تلقى المعاذير إنَّ لم تنفع العذر
إنَّ السعيد له في غيره عظة ... وفي التجارب تحكيم ومعتبر

أسفد من ديكٍ.
يقال: سفد الذكر على الأنثى يسفد كضرب يضرب وسفد يسفد كعلم يعلم، سفاداً، إذا نزل عليها؛ والديك معروف، وهو كثير السفاد.

أسفد من هجرسٍ.
الهجرس بالكسر ولد الثعلب، وقيل هو الثعلب والقرد والدب، وقيل كل ما يعس بالليل مما دون الثعلب وفوق اليربوع.
وفي المثل أيضا: أغلم من هجرس، والغلمة: شهوة النكاح وسيأتي، وأزنى من هجرس وتقدم.
والهجرس أيضاً: أبن كليب بن ربيعة التغلبي، ذكر في حرب البسوس.

سفيه لم يجد مسافها.
السفه والسفاه والسفاهة بالفتح ضد الحلم أو الخفة أو الجهل، وسفهه
(3/168)

تسفيها: نسبه إليه، وسافهه مسافهة: شاتمه وسابه، وسافه الشراب: أسرف فيه. والمثل عند الجوهري من المعنى الأول. وكذا أبو عبيد، ذكره في أمثال الملاحة والتشاتم قال البكري: وهذا المثل يروى عن الحسن بن علي إنّه قاله لفلان. وأنشد في نحو ذلك لحاجب بن زرارة:
أغركم إني بأحسن شيمة ... وفيق وإني بالفواحش أخرق
وانك قد فاحشتني فغلبتني ... هنيئا مريئا أنت بالفاحش أرفق
ومثلي إذا لم يجز أفضل سعيه ... تكلم نعماه بفيها فتنطق

سقط العشاء به على سرحانٍ.
السقوط معروف؛ والعشاء بفتح العين المهملة والمد طعام العشي كالعشى بالكسر جمعه أعشية؛ وعشوت الرجل وأغشيته وعشيته تعشية: أطعمته ذلك، وتعشى هوقال: الفرزدق:
تعش فأن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من، يا ذئب، يصطحبان
وهو عيشان؛ والعشى بالقصر سوء البصر بالليل والنهار، كالعشاوة أو العمى، عيشي بالكسر يعشى، وعشا يعشو، فهو عش، وأعشى، هي عشواء؛ والسرحان بالكسر: الذئب. قال امرؤ القيس:
له إبطا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تنفل
وهو بلغة هذيل الأسد، قال الشاعر يرثي ميتا:
هباط أودية حمال ألوية ... شهاد أندية سرحان فتيان
وهذا المثل يضرب للرجل يطلب حاجة فيقع في الهلكة.
واختلفوا في أصله فقيل دابة خرجت تلتمس العشاء، فوقعت على الأسد أو على الذئب فأكلها.
وقيل رجل خرج كذلك، فوقع عليه.
وقيل إنَّ سرحانا اسم رجل، وهو سرحان بن متعب اليربوعي. وكان فاتكاً، فحمى واديا فجاء عوف الأسدي فقال: لأرعين إبلي بهذا الوادي! فرعاها فأتاه سرحان فقتله، وقال هداة بن متعب، أخوه، لامرأة الأسدي يقال لها نصيحة:
(3/169)

أبلغ نصيحة أنَّ راعي إبلها ... سقط العشاء به على سرحان
سقط العشاء به على مقتمرٍ ... طلق اليدين معاود لطان
وعلى هذا كله، فالعشاء بالمد.
وقيل أنَّ أصله أنَّ رجلا أعشى البصر وقع ذئب فأكله. وعليه، فيكون العشى مقصورا.

اسق أخاك النمري يصطبح!
السقي معروف، يقال: سقيته وأسقيته، وسقيته تسقيه.
وقيل أسقيته: دللته على الماء، وأسقيت ماشيته أو أرضه: جعلت لها ماء. وسقاها الله غيثا: أنزله عليه، واستسقيته أنا: قلت له: سقاك الله أو سقيا! قال امرؤ القيس:
فأسقي به أختي ضعيفة إذ نأت ... وإذ بعد المزار غير القريض
أي أدعو لها بالسقيا.
أي ادعوا لها بالسقيا.
وقال ذو الرمة: فما زلت أسقي ربعها وأخاطبه وقلت أنا في هذا المادة:
سقى الله أطلالا بأكثبة الحمى ... من العارض الهتان صوب عهاد
بلاد بها حلت سليمى وأهلها ... فحل فؤادي عندها وودادي
وإني متى أسقيتها أو بكيتها ... هيما فما أسقيت غير فؤادي!
ويجوز أنَّ يقع أحدهما موقع الآخر كما قال لبيد:
سقى قومي بين مجد وأسقى ... نمير والقبائل من هلال
والنمري بفتح الميم نسبة إلى النمر بن قاسط بكسر الميم، وهو أبو قبيلة من جذيلة. وإنّما فتحت الميم في النسبة، كنظائوه، كراهية توالي ما هو في حكم الكسرات.
(3/170)

وأصطبح الرجل: شرب الصبوح بالفتح، وهو ما يشرب صباحا؛ وأصبح أيضا: أوقد المصباح.
ولم أقف بعد على تفسير هذا المثل، وأظن أنَّ معناه إنّه لثقله إذا سقيته انتظر للصبوح فيكون كالمثل السابق: أجلسته عندي فاتكاً، والمثل الآتي: أطعم العبد الكراع، فيطمع في الذراع!

اسق رقاش إنّها سقاية!
السقي مر؛ ورقاش اسم أمرأة، ويقال ساقية وسقاءة بالتشديد فيهما وجاز في الياء القلب وعدمه، نظر إلى اعتبار زيادة هاء التأنيث وإلى لزومها في هذا البناء. ويضرب للمحسن أي: احسنوا إليه لكونه محسنا. قال الحماسي:

سكت ألفا، والنطق خلفا.
السكوت معروف؛ والألف عدد معروف؛ والنطق خلاف السكوت؛ والخلف نقيض القدام. والخلف أيضاً الرديء من الكلام ومنه المثل. ومعناه: سكت عن ألف كلمة صواب ثم نطق بخطأ. وهكذا فسروه.
وحكوا أنَّ أعرابيا جلس مع قوم، فحبق حبقة فتشور، فأشار بإبهامه إلى أسته وقال: إنّها خلف نطقت خلفا! وهذا صحيح في لفظ الخلف في المثل. وأما في لفظ الألف، فالذي يظهر منه لا. وادبيهة أنَّ المراد به ألف سنة أو نحو ذلك من الأزمان، ويكون المراد الأخبار عن إطالة السكوت، لا حقيقة الألف. وكأنه قيل: إنّه أطال السكوت ثم لمّا تكلم لم ينطق إلاّ بالرديء من الكلام. ومن هذا يحكى إنَّ شابا كان يجالس الأحنف وكان صموتا، فأعجب الأحنف ذلك منه. ثم خلت الحلقة يوما فقال له: يا أبن أخي، مالك لا تتكلم؟ فقال: يا عم، أرأيت لو أنَّ رجلا سقط من شرفة هذا المسجد، أيضره شيء؟ فقال الأحنف: ليتنا تركناك، يا أبن أخي!
(3/171)

ثم انشد متمثلا:
وكائن ترى من صامت معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... ولم يبق إلاّ صورة اللحم والدم!
ويحكى أيضاً إنَّ رجلا كان يكثر مجالسه أبي يوسف ويطيل الصمت. فقال له أبو يوسف يوما: إلاّ تسأل؟ فقال: بلى! متى يفطر الصائم؟ فقال: إذا غربت الشمس. قال: فإن لم تغرب إلى نصف الليل؟ فضحك أبو يوسف وتمثل بقول أبي الخطفا:
عجبت لإزراء الغبي بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالعلم اعلما
وفي الصمت ستر للغبي وإنّما ... صحيفة لب المرء إنَّ يتكلما
ومن معنى هذا الشعر قول الآخر:
المرء يعجبني وما كلمته ... ويقال لي: هذا اللبيب اللهذم
فإذا قدحت زناده وسبرته ... في كف زاف كما يزف الدرهم
وقول الآخر:
ترى الناس أشباها إذا جلسوا معا ... وفي الناس زيف مثل زيف الدراهم
وقال عدي بن الرقاع:
الناس أشباه وبين حلومهم ... بون كذلك تشابه الأشياء
ومن معنى الحكايتين المذكورتين، من سؤال المغافلين، ما يحكى عن الإمام الماوردي، رحمه الله، قال: كنت بمجلس درسي بالبصرة، فدخل علي شيخ مسن قد ناهز الثمانين أو جاوزها، قال: قصدتك بمسألة اخترتك لها. فقلت: ما هي؟ وظننت إنّه يسأل عن حادثة نزلت به. فقال عن طالع إبليس وطالع آدم من النجوم ما هو؟ فإنَّ هذين لعظيم شأنهما، لا يسأل عنهما إلاّ علماء الدين. قال، فعجبت وعجب من في المجلس من سؤاله. وبادر إليه قوم منهم بالإنكار والاستخفاف، فكففتهم وقلت: هذا لا يقنع مع ما ظهر من حاله، إلاّ بجواب مثله! فأقبلت عليه وقلت: يا هذا، إنَّ النجمين يزعمون إنَّ نجوم الناس لا تعرف إلاّ بمعرفة مواليدهم. فإنَّ ظفرنا بمن يعرف وقت ميلادهما أخبرك بالطالع. فقال: جزاك الله خيرا! وانصرف مسرورا. فلما كان بعد أيام
(3/172)

عاد وقال: ما وجدت إلى وقتي هذا من يعرف مولدهما.

أسكت من سمكةٍ.
السمكة بفتحتين: واحدة السمك وهو الحوت.

أسلح من حبارى.
السلاح بالضم كغراب: النجو يقال: سلح الرجل وغيره يستلح كمنع يمنع. والحبارى: الطائر المعروف.
وذكروا إنَّ للحباري خزانة في دبرها فيها أبدا سلح رقيق فمتى ألحت عليها الجوارح سلحت عليها فينتف ريشها، وفي ذلك هلاكها. قالوا: فجعل سلحها سلاحا لها.
وقال الشاعر:
وهم تركوك أسلح من حباري ... رأت صقرا وأشرد من نعام

أسلح من دجاجٍ.
الدجاج مثلث الدال المهملة معروف، واحدة دجاجة. ويقال: أسلح من الحباري حال الخوف، وأسلح من دجاج حال الأمن.

السلطان كالنار.
هذا من الأمثال الحكيمة، وتمامه: إنَّ باعدتها بطل نفعها، وإنَّ قاربتها عظم ضررها، وسيأتي في الحكم، إن شاء الله تعالى، استيفاء هذا المعنى.

أسمع من حيةٍ.
السمع حس الأذن، يقال: سمعه بالكسر يسمعه سمعا وسماعا وسماعة وسماعية، وتسمع وأستمع، ورجل سميع: سامع أو مسمع. قال
(3/173)

عمرو بن معدي كرب:
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع؟
حية. وهي موصوفة بالسماع القوي.

اسمع من دلدلٍ.
الدلدل بالدالين مهملتين، على مثال جندب: القنفذ، أو أعظم القنافذ. والدلدل أيضاً: الاضطراب. أنشد في الصحاح، لأبي معدان الباهلي:
جاء الحزائم والزبائن دلدلاٍ ... لا سابقين ولا مع القطان
أي: لا إلى هؤلاء ولا الذي هؤلاء.

أسمع من سمعٍ.
ويقال: اسمع من السمع الأزل، والسمع بكسر فسكون: ولد الذئب من الضبع وهو سبع مركب من هذين، فاستفاد قوة الضبع وجرأة الذئب. ويوصف بقوة السمع. قال الأعراب:
تراه حديد الطرف أبلج واضحا ... أغر طويل البياع أسمع من سمع
ويوصف أيضاً بالسرعة. يقال إنّه في عدوه أسرع من الطير، ووثبته تزيد على ثلاثين ذراعا.
وفي بعض المجامع إنَّ ربيعة بن أبي مراد قال: أخبرني خالي قال: لمّا أظهر الله علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشعبنا في كل شعب، لا يلوي حميم على حميم. فبينما أنا في بعض الشعاب قد رأيت ثعلبا قد تحوى عليه أرقم، والثعلب يعدو عدواً شديدا فانحنيت عليه بحجر فما أخطأه. فانتهيت إليه فإذا الثعلب سبقني بنفسه، وإذا الأرقم تقطع وهو يضرب. فقمت أنظر اليه، فهتف بي هاتف ما سمعت
(3/174)

أفصح من صوته يقول: تعسا لك وبؤسا! قد قتلت رمسا ووترت تيسا! ثم قال: يا دامر، يا دامر! فأجابه مجيب من العدوة الأخرى: لبيك لبيك بادر إلى بني الغدافر، فاخبرهم بما صنع الكافر! فناديت: إني لم أشعر، وأنا عائد بك فأجرني! فقال: كلا، والحرم الأمين، لا أجير من قاتل المسلمين، وعبد عبر رب عالمين! قال. فناديت: إني مسلم! فقال: إنَّ أسلمت سقط عنك القصاص، وفزت بالخلاص، وإلاّ فلات حين مناص! قال. فقلت إنَّ لا اله إلاّ الله، وأشهد إنَّ محمّد رسول الله. قال. فقال: نجوت وهديت، ولولا ذلك لرديت. فأرجع من حيث جئت! قال: فرجعت أقفو أدراجي، فإذا هو يقول: امتط السمع الأزل، فقد بدا إليك هنالك أبو عامر يتبع بك ألفان. قال. فالتفت فإذا سمع كالأسد، فركبه فمر ينسل حتى أتى إلى تل عظيم فاسندني إلى تل فأشرفت منه خيل المسلمين، فنزلت عنه وصوب من الحدور نحوهم. فلما دنوت منهم خرج إلي فارس فقال: ألق سلاحك، لا أم لك! فألقيت سلاحي فقال: ما أنت؟ قلت مسلم: فقال سلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته! فقلت: وعليك السلام والرحمة والبركة، من أبو عامر؟ قال: أنا هو. قلت: الحمد لله! قال: لا بأس عليك! هؤلاء إخوانك من المسلمين. ثم قال: إني رأيت بأعلى التل فارسا، فأين فرسك؟ قال: فقصصت عليه القصة، فأعجبه ما سمع مني، وسرت مع القوم أقفو آثار هوزان حتى بلغوا من الله ما أرادوا.

أسمع من فرخ عقابٍ.
الفرخ ولد الطائر والأنثى فرخة والجمع أفرخ وأفراخ. قال الحطيئة:
ماذا أقول لأفراخ بذي مرخٍ ... حرم الحواصل لا ماء ولا شجر؟
يعني أولاده، والعقاب: الطائر المعروف، وتقدم الكلام عليها في حرف الباء.

أسمع من قرادٍ.
القراد كالغراب معروف جمعه قردان، وقردت البعير تقريداً: أزلت عنه القراد والتقريد أيضاً: الجذاع وأصله في البعير إذا أراد أنَّ يأخذه وهو صعب قردة
(3/175)

أوّلاً ليرتاح إليه فيأخذه.
قال الشاعر: وهم يمنعون جارهم أنَّ يقردا وقال الحطيئة:
لعمرك ما قراد بني كليب ... إذا نزع القراد بمستطاع
ويزعمون إنَّ القراد يسمع وطء أخفاف الإبل، من مسيرة يوم، فيتحرك لها ويزعمون أيضاً انهم ربما رحلوا عن ديارهم بالبادية وتركوها خالية، والقردان منتشرة في أعطان الإبل، ثم لا يخلفهم فيها ولا يعودون إلى تلك الديار إلاّ بعد عشر سنين وعشرين سنة فيجدون القردان حية وقد أحست بروائح الإبل قبل إنَّ توافيها فتتحرك لها. ومن ثم قالوا: اعمر من قراد، أيضاً.

اسمع جعجعة ولا أرى طحنا.
الجعجعة صوت الرحى، وتطلق أيضاً بمعنى الحبس والتضييق، كما في كتاب أبن زياد: جعجع بالحسين رضي الله عنه! والطحن معروف، وتقول طحنت البر بالفتح إذا صيرته دقيقا والطحن بالكسر الدقيق نفسه، ومنه المثل. والمعنى: اسمع صوت الرحى ولا أرى دقيقا. يضرب في سماع جلبة لا يعقبها نفع، وفي الجبان يوعد ولا يوقع، والبخيل يعد ولا يفي.

تسمع بالمعيدي خير من إنَّ تراه.
المعيدي تصغير المعدي مشدد بالدال، ثم خففت عند التصغير كراهية اجتماع السكانين. قال النابغة:
ضلت حلومهم عنهم وغرهم ... سن المعيدي في رعي وتعزيب
وهذا على ما وقع في الصحاح وغيره من المعيدي في هذا المثل إلى معد
(3/176)

بالتشديد وقيل: المعيدي نسبة إلى معدٍ بسكون العين وتخفيف الدال، وهي قبيلة. وتصغيرها معيد. والمعيدي المذكور رجل من هذه القبيلة كان فاتكا يغير على مال النعمان بن المنذر، فيأخذه ولا يقدرون. فأعجب به النعمان لشجاعته وإقدامه فأمنه. فلما حضر بين يديه ورآه، استزرى مرآته، لأنه كان دميم الخلقة، فقال: لأن تسمع بالمعيدي خير من أنَّ تراه! فقال: أبيت اللعن، إنَّ الرجال بجزر، وإنّما يعيش المرء بأصغريه: قلبه ولسانه! فأعجب النعمان كلامه وعفا عنه، وجعل من خواصه إلى أنَّ مات.
وقوله: تسمع، مضارع ينسبك مع أنَّ مقدرة بالمصدر. وربما أظهرت فقيل: أنَّ تسمع بالمعيدي. وهذا المصدر مبتدأ مخبر عنه بما بعده.
والمعنى: إنَّ سماعك بالمعيدي خير من رؤيتك إياه. ويضرب للرجل يكون له صيت وذكر حسن، فإذا رأيته اقتحمته عينك، وكان عند خبره دون خبره. وقيل: معناه أسمع به ولا تره، على الأمر.
وذكر أبو عبيد أنَّ هذا المثل أول ما قيل لجشم بن عمرو بن النهدي المعروف بالصقعب النهدي، قال فيه النعمان بن المنذر. قال: وهذا على من قال إنَّ قضاعة من معد، لأن نهداً من قضاعة. والقصعب المذكور هو الذي ضرب به المثل فقيل: أقتل من صيحة الصقعب. زعموا إنّه صاح في بطن أمه، وإنّه صاح بقوم فهلكوا عن أخرهم.
وقيل: المثل للنعمان بن ماء السماء، قاله لشقة بن جمرة التميمي، وذلك إنّه سمع بذكره، فلما رآه اقتحمته عينه، فقال أن تسمع بالمعيدي خير من أنَّ تراه! فقال شقة، أيّها الملك، إنَّ الرجل لا تكال بالقفزان ولا توزن بالميزان، ولست بمسوك يسقى فيها الماء، وإنّما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، إنَّ قال قال، ببيان وإنَّ صال صال، بجنان! فاعجب المنذر لمّا سمع منه وقال: أنت ضمرة بن ضمرة! وذكر شمس الدين بن خلكان أنَّ أبا محمّد القاسم بن علي الحريري، رحمه الله، جاءه إنسان يزوره ويأخذ عنه شيئاً، وكان الحريري دميم الخلقة جدا. فلما رآه الرجل استزرى خلقته ففهم الحريري ذلك. فلما طلب الرجل إنَّ يملي عليه قال له: اكتب:
ما أنت أوّل سار غرة قمر ... ورائد أعجبته خضرة الدمن
(3/177)

فأختر لنفسك غيري إنني رجل ... مثل المعيدي فأسمع بي ولا تراني!
انتهى.
ويزاد في هذه القصة أنَّ الرجل قال:
كانت مسائلة الركبان تخبرنا ... عن قاسم بن علي أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري!
وربما جعل في هذا الشعر، مكان القاسم بن علي، أحمد بن علي، وإنّه قيل في أحمد بن علي، أحد الفقهاء، وإنَّ قائله لقي الزمخشري فأنشده إياه. فذكر له الزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم إنّه قال: ما بلغني عن رجل ثم لقيته إلاّ وجدته دون ما بلغني عنه، إلاّ ما كان من زيد الخيل، فأني وجدته فوق ما قيل عنه، أو كلاما هذا معناه كال عهدي به.
وحدثني الرئيس الأجل أبو عبد الله محمّد الحاج بن محمّد بن أبي بكر أنَّ رجلا كان يحضر مجلس والده ويطيل الصمت لا يتكلم ولا يعرفه أحد. ومكث ذلك مدة، ثم كتب رقعة بخط رفيع فائق وذهب. فأخذوا الرقعة فإذا فيها مكتوب:
كانت مسائلة الركبان تخبرنا ... عن مجدكم وثناكم أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري

أستسمن ذا ورم.
تقول: استسمنت الشيء إذا عددته سمينا؛ والورم نتوء وانتفاخ في الجسد يقال، ورم الجسد بالكسر ورما، تورم واستسمن ذي ورم هو إنَّ يرى الحجم الناتئ من علة فيحسب ذلك سمنا وشحما.
والمثل مشهور عند المتأخرين يضربونه عند خطأ الرأي في أستجادة القبيح واستحسان الخبيث واستصواب الخطأ لأمارة وهمية كاذبة: قال أبو الطيب:
أعيذها نظرات منك صادقة ... أنَّ تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم
(3/178)

وفي المقامات الحريرية: قد استسمنت ذا ورم ونفخت في غير ضرم.

سمن كلبك يجوع أهله.
الكمن ضد الهزل يمن كفرح سمنا وسمانة فهو سامن وسمين وسمنته تسمينا؛ والكلب كل سبع عقور إلا إنّه غلب على النابح المعروف؛ والجوع معروف.
يضرب هذا المثل في الرجل يأكل مال غيره فيسمن وينعم. وأصله أنَّ الكلب إذا وقع الموتان والهلاك سمن هو بالك الجيف وأهله جياع.
وقيل إنَّ رجلا سئل رهنا فرهن أهله ثم تمكن من أموال من رهنهم فاستاقها وترك أهله. وحكى أبو علي البغدادي أنَّ رجلا من أهل الشام كان مع الحجاج يحضر طعامه فكتب إلى امرأته يعلمها بذلك. فكتبت إليه:
أتهدي لي القرطاس والخبز حاجتي ... وأنت على باب الأمير بطينُ!
إذا غبت لم تذكر صديقاً وإن تقدم ... فأنت على ما في يديك ضنينُ
فأنت ككلب السوء جوع أهله ... فيهزل أهل البيت وهو سمينُ

سمنكم في أديمكم.
السمن بفتح فسكون معروف؛ والأديم هنا فسره بعضهم بالزق وأنكر ذلك آخرون وقالوا: الأديم هنا الطعام المأدوم فعيل بمعنى مفعول فيقال أديم ومأدوم كما يقال قتيل ومقتول. وعلى كل حال فمعناه أنَّ خيرهم موقوف عليهم وفضلهم راجع إليهم فيضرب للبخيل ومن لا يتعداه خيره ومن ينفق على نفسه دون غيره. وقد يقال: سمنكم هريق في أيديكم وهو معناه.

سمن كلبك يأكلك!
التسمين معروف تقدم؛ والكلب مر أيضاً.
وهذا مثل قديم مشهور. وقد تمثل به غب بن أبي ركن المنافقين في غزوة بني
(3/179)

المصطلق حيث اختصم المهاجرين والأنصار فقال أبن أبي: ما نحن وهؤلاء يعني المهاجرين إلاّ كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك! وفيها قال: لا تنفقوا على أصحاب محمد! وقال: لئن رجعنا إلى المدينة لتخرجن الأعز منها الأذل كما ذكر الله جل اسمه في سورة المنافقين.
ولفظ المثل إما أن يكون على معنى الإخبار كأنه قيل: إن سمنت كلبك أكلك كما في الآخر: اسق أخاك النمري يصطبح! أي إن سقيته اصطبح وقد تقدم وأما أن يكون إنشاء على ظاهره كأنه قيل: سمن كلبك ليأكلك! كما يقال: اضرب عبدك يستقم! أي ليستقيم على معنى قولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب! وهو أيضاً راجع إلى الخبر بهذا الاعتبار وفي معنى المثل قول الشاعر:
أعلمه الرماية كل حينٍ ... فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافيةً هجاني!
ثم رأيت في عماد البلاغة أنَّ الكلب المضروب به المثل لرجل من طسم وذلك إنّه ارتبط كلبا وجعل يشبعه اللبن رجاء أن يصطاد به ثم أبطأ عليه طعامه فوثب على مولاه فافترسه فصار مثلا في كفران النعمة ومجازاة المحين بالإساءة وفيه قيل: سمن كلبك يأكلك! وقال مالك بن أسماء:
هم سمنوا كلباً ليأكل بعضهم ... ولو ظفروا بالحزم لم يسمن الكلبُ!

استنت الفصال حتى القرعى!
يقال: استن الفرس وغيره إذا قمص وهو أن يرفع يديه ويضعها معا ويعجن برجليه؛ والفصل جمع فصيل من الإبل معروف؛ والقرعى جمع أقرع والقرع داء يصيب الفصلان في أعناقها وتقدم تفسيره في حرف الحاء تقول: منه قرع الفصيل بالكسر قرعا فهو أقرع والأنثى قرعاء ودواؤه أن ينضح الفصيل بالماء ويجر في أرض سبخة أو مرشوشة بملح فتقول: قرعت الفصيل تقريعا إذا فعلت به ذلك فهو مقروع
(3/180)

قال أوس بن حجر:
لدى كل أخدود يغادرن دارعا ... يجركما جر الفصيل المقروعُ
والقرعى لا يمكنها الاستنان فيضرب هذا المثل في الضعيف يباري القوي وعند تمدح الرجل بالشيء ليس من أهله. وقد قيل إنَّ استنت هنا معناه سمنت من قولهم: سن الراعي إبله إذا أحسن رعيها وأسمنها وكأنه صقلها بذلك وزينها. قال النابغة:
ضلت حلومهم عنهم وغرهم ... سن المعيدي في رعي وتعزيب
وهو على مضربه أيضاً بأن يراعى في الكلام نوع تهكم وسخرية.

سواءٌ عليك هو والقفرُ.
يضرب للبخيل الذي لا خير عنده إذا نعت بمعنى إنّه بمنزلة القفار الممحلة. قال ذو الروه:
تخط إلى القفر امرأ القيس إنّه ... سواءٌ على الضيف امرؤ القيس والقفر!
يحب امرؤ القيس القرى أن يناله ... ويأبى مقاريها إذا طلع النسرُ
النسر: أول الليل يطلع عند شدة البرد وكلب الزمان.

سوء الاستمساك خيرٌ من حسن الصرعة.
يقال: ساءه يسوءه إذا فعل به ما يكدره ولاسم منه السوء بالضم ويقال: استمسك يه ومسك وامسك وتمسك احتبس وأتصم به والصرع: الطرح في الأرض؛ صرعه صرعا وصرعة. والصرعة بالكسر: النوع من ذلك ومنه المثل. ويروى فيه بالفتح على معنى المرة.
وهذا المثل يضرب على في المداراة والتودد. قاله أبو عبيد القاسم بن سلام وقال: معناه لأن يزل الإنسان وهو عامل بوجه العمل وطريق الإحسان والصواب خير من أن تأتيه الإصابة وهو عامل بالإساءة والخرق. وهذا التفسير لا يعطيه المثل ولا يدل عليه ولا يتم
(3/181)

وضربه المذكور به وإنّما معناه كما قال غيره: لأن يستمسك ولا يصرع وإن كان سيء الاستمساك خير من أن يصرع ولو صرعة حسنة لا تضره. وهو واضح ومضربه أيضاً على هذا النحو ظاهر.

سوء الاكتساب يمنع الانتساب.
هذا ظاهر.

أساء سمعاً فأساء جابةً.
الإساءة ضد الإحسان؛ والسمع تقدم؛ والجابة اسم من الإجابة يقال: أجابه إجابة والاسم الجابة كالطاعة والطاقة بمعنى الإطاعة والإطاقة. قال الشاعر:
وما من تهتفين به لنصرٍ ... بأقرب جابة لك من هديلِ
يضرب في سوء المسألة والإجابة في المنطق والإجابة على غير فهم. ونظمه أبو العتاهية فقال:
إذا ما لم يكن لك حسن فهمٍ ... أسأت إجابة فأسأت سمعا
ولست الدهر متسعاً لحل ... إذا ما ضقت بالإنصاف ذرعا
أساف حتى ما يشتكي السواف.
يقال: ساف المال يسوف إذا هلك؛ والسواف كسحاب موتانٌ في الإبل وقيل بالضم أو هو بالفتح في الناس والمال وبالضم مرض في الإبل ويجوز فتحه؛ وأساف الرجل: هلك ماله. قال:
فأبل واسترخى به الخطب بعدما ... أساف ولولا سعينا لم يؤبل
غيره: أساف من المال التلاد وأعدما ويضرب فيمن تعود الحوادث.
(3/182)

سال قضيبٌ حديداً.
قضيب اسم واد باليمن وقد تقدم هذا وقصته هذا وقصته في حرف الهمزة.
ومما يلحق بهذا الباب قولهم في الدعاء:

سلط الله عليه الورى وحمى خيبرا!
والورى بالتحريك اسم من قولك: ورى القيح جوفه يريه إذا أكله؛ وقولهم:

سله من كذا سل الشعرة من العجين.
يحكى أنه لمّا هم حسان بن ثابت رضي الله عنه أن يهجو أهل مكة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف وأنا منهم؟ أو كما قال صلى الله عليه وسلم فقال حسان: لأسلنك سل الشعرة من العجين! وأتي بعض الملوك في الصدر الأول برجل وضاع يضع الحديث كذبا فقال اضربوا عنقه! فذهبوا به ليقتلوه. فلما خرجوا قال لهم: أنظروني حتى أجرد كلامي وأسقطه من دواوين الحديث لئلا يلبس على الناس! فرجعوا إلى الملك وشاوروه فقال لهم: اقتلوه! فإنَّ هنا رجالا يسلون كلامه سل الشعرة من العجين. وقولك مثلا:

أسلط من ذئبٍ متنمرٍ.
وقولهم:

السؤدد مع السواد.
أي إنّما يحصل زمان الفتوة وسواد الشعر. ونحوه قول الحماسي:
إذا المرء أعيته السيادة ناشئاً ... فمطلبها كهلاً عليه عسيرُ
وقولك مثلا:

أسير من المثلِ.
(3/183)

ونحو ذلك.
ومن أمثال العمامة قولهم:

اسأل السائل عن طيب اللبن!
يضربون في مخالط الشيء المعنى له إنّه اعرف به. وقولهم:

سخر البخيل يدبر عليك!
وأما الشعر فقالوا: تحسبها حمقاء وهي باخس وتقدم في الحاء. وقال جرير:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
وتقدم تفسير أبن اللبون والبازل والقرن بفتحتين: الحبل يجمع فيه البعيران. ومنه قول جرير:
وأبلغ خليفتنا إنَّ كنت لاقيه إني لدى الباب كالمشدود في قرن!
ولززت البعير وغيره لزا ولزازاً، وألأززته: شددته وألصقته؛ والقناعيس جمع قنعاس بالكسر وهو العظيم من الإبل.
وقال الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوائزه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
وقبله:
لمّا بدا لي منكم عيب أنفسكم ... ولم يكن لجراحي منكم آس
أزمعت يأسا مريحا من نوالكم ... ولن ترى طاردا للحر كالياس
جارا لقوم أطالوا هون منزله ... وغادروه مقيما بين أرماس
ملوا قراه وهرته كلابهم ... وجرحوه بأنياب وأضراس
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... وأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
(3/184)

من يفعل الخير. . " البيت "
وخاطب بهذا الشعر الزبرقان، وعليه سجنه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه. وقال زيد الخيل:
أقاتل حتى لا أرى مقاتلا ... وأنجو إذا لم ينج إلاّ المكيس
يروى مقاتلا بكسر التاء، وبفتحها على معنى موضع القتال.
وقال أوس بن حجر:
وليس فرار اليوم عاراً على الفتى ... إذا عرفت منه شجاعة بالأمس
ومثلهما قول عمرو بن معدي كرب:
ولقد اجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور
ولقد أعطفها كارهة ... حين للقوم من الموت هرير
آخر:
رب مغروس يعاش به ... عدمته كف مغترسه
وكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه
المأتم بالتاء المثناة من فوق، على وزن مقعد كل مجتمع في حزن أو فرح، وقيل خاس بالنساء، وقيل بالشواب. وأطلق هنا على مجتمع الحزن. وأما المأثم بالثاء المثلثة فهو مفعل ما لا يحل كالاثم؛ والعرس بضمتين: طعام الوليمة. قال الراجز:
أنا وجدنا عرس الحناط ... لئيمة مذمومة الحواط
ويخفف. والعرس بالفتح: الإقامة في الفرح، والعمود في وسط الفسطاط؛ والعرس بفتحتين الدهش؛ والعرس بالكسر: زوج الرجل؛ ولبؤة الأسد، وزوج المرأة أيضاً. وأما العروس فوصف يقع على الذكر والأنثى، ما داما في أعراسهما. والمعنى أنَّ حزن الدهر قريب من فرحه، كما أنَّ فرحه قريب من حزنه، وكذا الصحة والعافية والضيق والسعة ونحو ذلك.
(3/185)

وقال الآخر:
إنَّ كنت لا ترجى ولا تتقى ... فأنت كالميت في رمسه
ونظمها أبن شرف فقال:
إنَّ لم تضر ولم تنفع فكن حجرا ... أو ميتا عن أمور العيش مشغولا
وقال صالح بن عبد القدوس:
وإنَّ من أدنته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه ناضرا مونقا ... بعد الذي أبصرت من يبسه
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في الثرى رمسه
ونظم هذا الأخير أبن شرف فقال:
ومن يعش وهو مطبوع على خلقٍ ... لاقى به التراب مضموما ومنقولا
وقال الآخر:
من يزرع الخير يحصد ما يسر به ... وزارع الشر منكوس على الرأس
وقال الآخر:
ما أقبح الكذب المذموم صاحبه ... وأحسن الصدق عند الله والناس
وقال العباس بن الأحنف:
وما مر يوم أرتجي فيه راحه ... فأخبره إلاّ بكيت على أمس
ولمحمود:
أخو البشر محمود على كل حالةٍ ... ولن يعدم البغضاء من كان عابسا
ويسرع بخل المرء في هتك عرضه ... ولم أر مثل الجود للعرض حارسا
غيره:
يا حبذا الوحدة من أنيس ... إذا خشيت من أذى الجليس!
غيره:
لا تترك الحزم في أمر تحاذره ... فإنَّ أصبت فما الحزم من باس!
العجز ضعف وما بالحزم من ضرر ... وأزم الحزم سوء الظن بالناس
غيره:
(3/186)

وما نكد الدنيا على طيب ظلها ... وقرب حماها العذب شيء سوى الإنس؟
غيره:
يا راكب الفرس السامي يحكى لونه القبس
لا أنت تبقى على سيف ولا فرس ... وليس يبقى عليك السيف والفرس!
غيره:
أقول له حين ودعته ... وكل بعبرته ملبس:
لئن رجعت عنك أجسامنا ... لقد سافرت معك الأنفس!
وللخنساء:
ترى الأمور سواء وهي مقبلة ... وفي عواقبها تبيان ما التبسا
ترى الجليس يقول القول تحبسه ... نصحا وهيهات ما نصحا به التمسا
ويحكى أنَّ أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه استنشدها فأنشدته هذا الشعر، فقال لها: أنت أشعر كل ذات هنٍ! فقالت: وكل ذي خصيين! قيل: وكان بشار يقول: ما قالت امرأة شعرا إلاّ ظهر عليه الضعف. فقيل له: حتى الخنساء؟ فقال: لا! تلك لها أربع خصى! غيره:
تعب يدوم لذي الرجاء مع الهوى ... خير له من راحة في اليأس
وهذا خلاف ما طلب امرؤ القيس في قوله:
أماوي هل لي عندكم من معرس ... أم الصرم تختارين بالوصل نيأس؟
أبيني لنا، إنَّ الصريمة راحة ... من الشك ذي المخلوجة المتلبس
لكن طلب البيان من طول الضجر، ولا يقضي أن يكون التأييس خيرا من لا ترجيه.
غيره:
ثنيت عزمي عن الدنيا وساكنها ... فأسعد الناس من لا يعرف الناسا
غيره:
جفوت أناسا كنت آمل قربهم ... وما بالجفا عند الضرورة من باس
(3/187)

غيره:
حفظ اللسان سلامة للرأس ... والصمت عز في جميع الناس
غيره:
رأيتك لا تهوين لا دراهمي ... عليك سلام الله قد ينفذ الكيس!
غيره:
صدر المجالس حيث حل لبيبها ... فكن اللبيب وأنت صدر المجالس!
غيره:
ضحوك السن إنَّ نطقوا بخير ... وعند الشر مطراق عبوس
غيره:
قالوا: نفوس الدار سكناها ... وانتم عندي نفوس النفوس!
غيره:
لولا محبتكم لمّا عاتبتكم ... ولكنتم عندي كبعض الناس
غيره:
لو نظر الناس لأحوالهم ... لاشتغل الناس عن الناس
غيره:
ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم ... إذا نظرت ولم أبصرك في الناس
غيره:
ما بال دينك ترضى أنَّ تدنسه ... وثوب جسمك مغسول من الدنس؟
غيره:
ما هذه أوّل ما مر بي ... كم مثلها مر على رأسي!
غيره:
من لا رأى مصرا ولا أهلها ... فلا رأى الدنيا ولا الناسا
غيره:
نسيت مودتي أنَّ طال عهدي ... نعم! قد قيل: طول العمر ينسي!
(3/188)

غيره:
وما من هالك في الناس إلاّ ... ورأس هلاكه طلب الرياسه
وقال أبو تمام:
ما في النجوم سوى تعلة باطل ... قدمت وأسس إفكها تأسيسا
إنَّ الملوك هم كواكبنا التي ... تخفى وتطلع أسعدا ونحوسا
ومنها:
لو أنَّ أسباب العفاف بلا تقى ... نفعت لقد نفعت إذا إبليسا!
وقال أيضاً:
والدمع فيه خاذل ومواسي
ومنها:
لا تنسين تلك العهود فإنما ... سميت إنسانا لأنك ناس
وقال أيضاً:
أرى الآفاتٍ قد كتبن على رأسي ... بأقلام شيب في مهارق انقاسي
فإنَّ تسأليني من يخط حروفها ... فكف الليالي تستمد بأنفاسي
جرت في قلوب الغانيات لشيبتي ... قشعريرة من بعد لين وإيناس
وقد كنت أجرى في حشاهن مرة ... مجاري صافي الماء في قضب الآس
فإنَّ أمس من حظ الكواعب آيسا ... فآخر آمال العباد إلى الياس!
وقال الآخر:
الكلب أعلى قيمة ... وهو النهاية في الخساسة
ممن ينازع في الرئاسة ... قبل أوقات الرئاسة
غيره:
استودع العلم قرطاس فضيعه ... وبئس مستودع العلم القراطيس!
قال أبو علي العبادي في نوادره: وسمع يونس رجلا ينشد هذا البيت فقال: قاتله الله! ما أشد صبابته بالعلم وصيانته للحفظ! إنَّ علمك من روحك ومالك من بدنك، فصن علمك صيانة روحك، ومالك صيانة بدنك.
(3/189)

وقال محمد بن إبراهيم يخاطب بعض أهله:
أظنك أطغاك الغنى فنيستني ... ونفسك والدنيا الدنية قد تنسي
فإنَّ كنت تعلو عند نفسك بالغنى ... فإني سيعليني عليك غنى نفسي
وقال أعرابي سأل آخر حاجة، فتشاغل عنه:
كدحت بأظفاري وأعلمت معولي ... فصادفت جلمود من الصخر أملسا
وأقبلت أنَّ أنعاه حتى رأيته ... يفوق فواق الموت ثم تنفسا
تشاغل لمّا جئت في وجه حاجتي ... وأطرف حتى قلت: قد مات أو عسا
فقلت له: لا بأس لست براجع ... فأفرخ تعلوه السمادير مبلسا
السمادير: أم يتراءى للإنسان عند السكر.
غيره:
لئن درست أسباب ما كان بيننا ... من الود ما شوقي إليك بدارس
وما أنا من أنَّ يجمع الله بيننا ... على خير ما كنا عليه بآيس
وقال أحد بني شيبان:
وما أنا من ريب المنون بجبا ... وما أنا من سيب الإله بآيس
يقال: جبأ عن كذا يجبأ عنه، إذا هابه، ورجل جبأ.
وقال مهلهل:
نبئت إنَّ النار بعد أوقدت ... واستب معدك يا كليب المجلس
وتكلموا في أمر كل عظيمة ... لو كنت حاضر أمرهم لم ينسبوا!
قوله المجلس أي الجالسون، والنبس: النطق، يقال نبس فلان.
غيره:
والشيب إنَّ يحلل فإنَّ وراءه ... عمراً يكون خلاله متنفس
لم ينتقص مني المشيب قلامة ... الآن حين بدا ألب وأكيس
ومثله، في مدح الشيب، قول الآخر:
لا يرعك المشيب يا بنت عبد ... الله، فالشيب حلة ووقار
إنّما يحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلاها الأنوار!
(3/190)

وسنذكر بعد ما قيل في الشيب، إن شاء الله.
وقالت الخنساء:
ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي!
وقالت أيضاً:
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي
وهذان البيتان من قطعة لها تعارض فيها دريد بن الصمة، وكان دريد خطب الخنساء في حياة أخويها. فأراد أخوها معاوية إنَّ يزوجها، وكان أخوها صخر غائبا في غزاة له، فأبت وقالت: لا حجة لي به! فأراد أنَّ يكرهها، فقالت:
تباكرني حميدة كل يومٍ ... بما يولي معاوية بن عمرو
فلا أعط من نفسي نصيبا ... لقد أودى الزمان إذا بصخر
أتكرهني هبلت على دريدٍ ... وقد أحرمت سيد آل بدر
معاذ الله يرصعني حبركى ... قصير الشبر من جشم بن بكر
يرى مجدا ومكرمة أتاها ... إذا عشى الصديق جريم تمر
الحبركي: القصير الجرلين، الطويل الظهر؛ والقصير الشبر: القليل الخير والعطاء. فقال دريد:
لمن طلل بذات الخمس أمسى ... عفا بين العقيق فبطن طرس؟
أشبهها غمامة يوم دجن ... تلألأ برقها أو ضوء شمس؟
فأقسم ما سمعت كوجد عمرو ... بذات الخال من جن وانس
وقاك الله يا ابنة آل عمرو ... من الفتيان أمثالي ونفسي
فلا تلدي ولا ينكحك مثلي ... إذا ما ليلة طرقت بنحس
وقالت إنّه شيخ كبير ... وهل خبرتها أني أبن أمس؟
تريد أفيحج الرجلين شثناً ... يقلع بالجديرة كل كرس
إذا عقب القدور عددن مالا ... أحب حلائل الإبرام عرس
وقد علم المراضع في جمادي ... إذا استعجلن عن حز بنهس
بأني لا أبيت بغير لحم ... وأبدأ بالأرامل حين أمسي
(3/191)

وإني لا يهر الضيف كلبي ... ولا جاري يبيت خبيث نفس
واصفر من قداح النبع فرع ... به علمان من عقب وضرس
دفعت إلى المفيض إذا تستقلوا ... على الركبات مطلع كل شمس
فلما مات صخر قالت الخنساء تعارض دريدا في كلمته:
يؤرقني التذكر حين أمسي ... ويردعني مع الأحزان نكسي
على صخر، وأي فتى كصخر ... ليوم كريه وطعان خلس
وعان طارق أو مستضيف ... يروع قلبه من كل جرس
ولم أر مثله رزءاً لجن ... ولم أر مثله رزءاً لإنس
أشد على صروف الدهر منه ... وأفضل في الخطوب لكل لبس
ألا يا صخر لا أنساك حتى ... أفارق مهجتي ويشق رمسي!
ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
ولكن لا أزال أرى عجولا ... تساعدن نائحا في يوم نحس
تفجع والها تبكي أخاها ... صبيحة رزئه أو غب أمس
يذكرني طلوع الشمس صخراً ... وأبكيه لكل غروب شمس
وقال أبو علي، عن أبن دريد: طلوع الشمس للغارات وغروبها للضيفان.
وقال الآخر:
تقوس بعد مر العمر ظهري ... وداستني الليالي أي دوس
فأمشي والعصا تهوي أمامي ... كأنَّ مواءها وتر لقوسي
ونحوه الآخر:
قوس ظهري المشيب والكبر ... والدهر يا عمرو كله غير
كأنني والعصا تدب معي ... قوس لها وهي يدي وتر
غيره:
إذا تمنيت بت الليل مغتبطا ... إنَّ المنى رأس أموال المفاليس
غيره:
الله يعدل والآمال كاذبة ... وكل هذا المنى في القلب وسواس
(3/192)

ومثله لحبيب:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
ولغيره:
منى إنَّ تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلاّ فقد عشنا بها زمنا رغداً
ولمسلم:
لولا منى العاشقين ماتوا ... غما وبغض المنى غرور
وقال الصابئ:
وكم من يد بيضاء حازت جمالها ... يد لك لا تسود إلاّ من النقس
إذا رشقت بيض الصحائف خلتها ... تطرز بالظلماء أردية الشمس!
أبن المعتز:
إني إذا لم أجد يوما مراسلة ... وضاقت بي منتهى أمري وملتمسي
لمرسل عبرة في إثرها نفس ... يا ليت شعري هل يأتيكم نفسي؟
وقال أبو محمّد الحريري، رحمه الله تعالى:
جزيت من أعلق بي وده ... جزاء من يبني على اسه
وكلت للخل كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه
ولم أخسره وشر الورى ... من يومه أخسر من أمسه
وكل من يطلب عندي جنى ... فماله إلاّ جنى غرسه
لا ابتغي الغبن ولا أنثني ... بصفقة المغبون في حسه
ولست بالموجب حقا لمن ... لا يوجب الحق على نفسه
ورب مذاق الهوى خالني ... أصدقه الود على لبسه
وما درى من جهله إنني ... أقضي غريمين الدين من جنسه
فأهجر من أستبغاك هجر القلى ... وهبه كالملحود في رمسه
والبس لمن في وصله لبسة ... لباس من يرغب في انسه
ولا ترج الود ممن يرى ... انك محتاج إلى فلسه!
وله أيضاً:
(3/193)

حيارى يميد بهم شجونهم ... كأنهم آرتضعوا الخندريسا
أسالوا الغروب وعطوا الجيوب ... وصكوا الخدود وشجوا الرؤوسا
وله أيضاً:
لعمرك ما الإنسان إلاّ أبن يومه ... على ما تجلى يومه لا أبن أمسه
وما الفخر بالعظام الرميم وإنّما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه!
وقال أيضاً:
لبست لكل زمان لبوسا ... ولابست صرفيه نعمى وبوسا
وعاشرت الرواة أدير الكلام ... وبين السقاة أدير الكؤوسا
وطورا بوعظي أسيل الدموع ... وطورا بلهوي أسر النفوسا
وأقري المسامع أما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا
وإنَّ شئت أرعف كفي اليراع ... فساقط دراً يحلي الطروسا
وكم مشكلات حكين إليها ... خفاء فبصرن بكشفي شموسا
وكم ملح لي خلبن العقول ... وأسأرن في كل قلب رسيسا!
وعذراء فهمت بها فانثنى ... عليها الثناء طليقا حبيسا
على إنني من زماني خصصت ... بكيد ولا كيد فرعون موسى
يسعر لي كل يوم وغى ... أطأ من لظاها وطيسا وطيسا،
ويطرقني بالخطوب التي ... يذبن القوى ويشبن الرؤوسا
ويدني إلى البعيد البغيض ... ويبعد عني القريب الأنيسا
ولولا خساسة أخلاقه ... لمّا كان حظي منه خسيسا
وقال أيضاً:
وليس كفء البدر غير الشمس
ومنها:
والفقريلجي الحر حين يمسي ... إلى التجلي في لباس اللباس
وله:
(3/194)

ما لي مقر بأرض ... ولا قرار لعنسي
يوما بنجد ويوما ... بالشام أضحي وأمسي
أزجي الزمان بقوت ... منغص مسخس
فلا أبيت وعندي ... فلس ومن لي بفلس؟
ومن يعش مثل عيشي ... باع الحياة ببخس!
غيره:
لا يصعبن عليك في طلب العلا ... طول التنقل أو فراق المكنس
فالبدر لو لم ينتقل عن برجه ... ما كان يعرف نوره في الحندس
والخمر يحجب نورها في دنها ... وتروق مهما نقلت للأكؤس
وقال أبن المرزبان:
كم ليلةٍ أحييتها ومؤانسي ... طرف الحديث وطيب حث الأكؤس
شبهت بدر سمائها لمّا دنت ... منه الثريا في ملاءة سندس
ملكا مهيبا قاعدا في روضةٍ ... حياه بعض الزائرين بنرجس
غيره:
ولم أدخل الحمام يوم فراقهم ... لأجل نعيم قد رضيت ببوسي
ولكم لتجري عبرة مطمئنة ... فأبكي ولا يدري بذلك جليسي
غيره:
تذكر أخي إنَّ فرق الدهر بيننا ... أخا في هواك الآن أصبح أو أمسى
ولا تنس بعد البعد حق مودتي ... فمثلي لا يَنسى ومثلك لا يُنسى!
غيره:
أدرها على أمن ولا تخش من باس ... وإنَّ خددت آذانها ورق الآسي
وما هي إلاّ ضاحكات غمائم ... لواعب من ومض البروق بمقباس
ووفد رياح زعزع النهر مرة ... كما وطئت درعا سنابك أفراس
غيره:
بلد أغارته الحمامة طوقها ... وكساه ريش جناحه الطاووس
(3/195)

فكأنما الأنهار فيه مدامة ... وكأنَّ ساحات الديار كؤوس
غيره:
أكره إنَّ أدنو من داركم ... لأنني أخشى على نفسي
ضرسي طحون وعلى خبزكم ... من أكل مثلي آية الكرسي
هو الذي أقعدني عنكم ... فكيف أمشي ومعي ضرسي؟
غيره:
أفرط نسياني إلى غاية ... لم يدع النسيان لي حسا
فصؤت مهما عرضت حاجة ... مهمة ضمنتها الطرسا
وصرت أنسى الطرس في راحتي ... وصرت أنسى إنني أنسى!
غيره:
علي ثياب دون قيمتها الفلس ... وفيهن نفس دون فيمتها الأنس
فثوبك مثل الشمس من دونها الدجا ... وثوبي مثل من تحته الشمس!
وقال أبو الطيب:
ألذ من المذام الخندريس ... وأحلى من معطاة الكؤوس
معاطاة الصفائح والعوالي ... وأقحامي خميسا في خميس
فموت في الوغى عيشي لأني ... رأيت العيش في أرب النفوس!
وقال أيضاً يخاطب محمّد بن زريق الطروسي:
إني نثرت عليك درا فانتقد ... كثر المدلس فأحذر التدليسا!
ومنها:
خير الطيور على القصور وشرها ... يأوي الخراب ويسكن الناووسا
لو جادت الدنيا فدتك بنفيسها ... أو جاهدت كتبت عليك حبيسا
وقال أيضاً:
أنوك من عبد ومن عرسه ... من حكم العبد على نفسه
وإنّما يظهر تحكيمه ... تحكم الإفساد في حسه
(3/196)

ما من يرى انك في وعده ... كمن يرى انك في حبسه
العبد لا تفضل أخلاقه ... عن فرجه المنتن أو ضرسه
لا ينجز الميعاد في يومه ... ولا يعي ما قال في أمسه
وإنّما تحتال في جذبه ... كأنك الملاح في قلسه
فلا ترج الخير عند امرئٍ ... جالت يد النخاس في رأسه
وإنَّ عراك الشك في نفسه ... بحال فأنظر إلى جنسه!
وقال أبو العلاء المعري:
لا يوهمك أنَّ الشعر لي خلق ... وإنني بالقوافي دائم الأنس
فإنما كان إلمامي بساحتها ... في الدهر إلمام طير الماء بالعلس
العلس: حب معروف وطير الماء لا تأكل الحبوب، وإنّما تصطاد السمك الصغار. وأراد بذلك التبرئة من قول الشعر.
وقال أسقف نجران:
منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها حمراء صافيه ... وغروبها صفراء كالورس
تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت في النفس
لطيفة: حدث بعض الأدباء عن الأصمعي قال: حضرت مجلس الرشيد، وعند مسلم بن الوليد إذ دخل أبو نواس فقال له: ما أحدثت بعدنا؟ يا أبا نواس! فقال: يا أمير المؤمنين، ولو في الخمر؟ فقال: قاتلك الله، ولو في الخمر! فأنشده:
يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم أنم!
وفيها قوله:
فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم
حتى أتى على أخرها. فقال: أحسنت يا غلام، أعطه عشرة آلاف وعشر خلع! فأخذها وخرج. فلما خرجنا من عنده قال مسلم بن الوليد: ألم تريا أبا سعيد إلى الحسن بن هانئ كيف سرق من شعري وأخذ به مالا وخلعا؟ فقالت: وأي معنى سرق؟ قال: قوله:
(3/197)

فتمشت في مفاصلهم. . " البيت ". فقلت: وأي شيء قلت؟ قال: قلت:
غراء في فرعها ليل على قمرٍ ... على قضيب على غصن النقا الدهس
أذكى من المسك أنفاساً وبهجتها ... أرق ديباجة ًمن رقة النفسِ
كأنَّ قلبي وشاحها إذا خطرت ... وقلبها قلبها في الصمت والخرسِ
تجري محبتها في قلبِ وامقها ... جري السلافة في أعضاء منتكسِ
فقلت: ممن سرقت أنت هذا المعنى؟ فقال: لا أعلم أنني أخذته من أحد. فقالت: بلى! من عمر بن أبي ربيعة حيث يقول:
أما والراقصات بذات عرقٍ ... وربَّ البيت والركن العتيقِ
وزمزم والطواف ومشعريها ... ومشتاقٍ يحن إلى مشوقِ
لقد دب الهوى لك في فؤادي ... دبيب دم الحياة إلى العروقِ
قال: ممن سرق عمر بن أبي ربيعة؟ قلت: من بعض العذريين حيث يقول:
واشرب قلبي حبها ومشى به ... كمشي حميم الكأس في عقل شاربِ
ودب هواها في عظامي وحبها ... كما دب في الملسوع سم العقاربِ
فقال لي: من أخذ هذا العذاري؟ قلت: من أسقف نجران يعني السابق.
وقال أبو الفتح البستي:
يا أكثر الناس إحسانا إلى الناس ... وأكرم الناس إغضاء عن الناس
نسيت عهدك والنسيان مغتفر ... فاغفر فأول ناس أوّل الناس!
وقال مسلم بن الوليد في تفضيل الورد:
كم من يد للورد مشهورة ... عندي وليس كيد النرجس
الورد يأتي ووجوه الربى ... تضحك عن ذي برد أملس
وقد تحلق بعقود الندى ... ثابتة في الأرض لم تغرس
ولن ترى النرجس حتى ترى ... روض الخزامى رثة الملبس
وتخلف النكباء ما جددت ... أيدي الغوادي في سنا السندس
وهناك يأتيك غريبا على ... شوقٍ من الأعين والأنفس
غيره:
(3/198)

من أحسن الظن بأعدائه ... تجرع الهم بلا كاس
قال الصفدي: ولو كنت ناظم هذا البيت لقلت: من احسن الظن بأحبابه، ولم اقل: بأعدائه.
ولله در القائل:
جزى الله خيرا كل من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا متعرف
فلا نالني ضيم ولا مسني أذى ... من الناس إلاّ من فتى كنت أعرف!
وقال: يقال إنَّ رجلا كان على عهد كسرى يقول: من يشري ثلاث كلمات بألف؟ ولا يجد، إلى أن اتصل بكسرى، فأحضره وسأله عنها فقال: ليس في الناس كلهم خير. قال: صدقت! ثم ماذا؟ فقال: ولا بد منهم! قال: صدقت! ثم ماذا؟ قال: فألبسهم على حذر! فقال قد استوجبت المال، فخذه! قال: لا حاجة لي به، وإنّما أردت أن أرى من يشتري الحكمة! وقال أبو فراس:
مالي أعاتب دهري أين يذهب بي؟ ... قد صرح الدهر لي بالمنع والياس
أبغي الوفاء بدهر لا وفاء به ... كأنني جاهل بالدهر والناس
ونحوه في المعنى قوله أيضاً:
أين الخليل الذي يرضيك باطنه ... مع الخطوب كما يرضيك ظاهره؟
وقول أبن الساعاتي:
لا يغرنك لتودد من قوم ... فإنَّ الوداد منهم نفاق
والقلوب الغلاظ لا ينزع الأحقاد ... منها إلاّ السيوف الرقاق
وقول آخر:
لا تثق من آدمي ... في وداد بصفاء!
كيف ترجو منه صفواً ... وهو من طين وماء؟
وقول الآخر:
ومن يك اصله ماء وطينا ... بعيد من جلبته الصفاء
وقال أبن قلاقس:
(3/199)

غاض الوفاء وفاض ماء ... الغدر أنهارا وغدرا
وتطابق الأقوام في ... أقوالهم سراً وجهرا
فأنظر بعينيك هل ترى ... عرفا وليس تراه نكرا!
وهو من قول الطغرائي:
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفجرت ... مسافة الخلف بين القول والعمل
وما أعدل قول محي الدين بن تميم في هذا:
لك الخير كم صاحبت في الناس صحبا ... فما نالني منهم سوى الهم والعنا
وجربت أبناء الزمان فلم أجد ... فتى منهم عند المضيق ولا أنا!
ومثله لبعضهم:
طفت زمانا على من ينصفني فلما أنصفت خنته أنا
وتتميم هذا الغرض في موضع آخر، إن شاء الله تعالى.
غيره:
لم يكفني في الرأي خيبة منظري ... حتى حرمت لذاذة الإيناس
كالأعور المسكين أعدم عينه ... وأعتاض منها بغضة في الناس
ووقال الآخر: محي الدين محمّد بن تميم في مليح ينسى كثيرا:
بروحي الذي نسيانه صار عادة ... وأفرط حتى كاد يعدمه الحشا
فلو إنّه بالهجر أضحى مهددي ... لمّا ساءني علما به إنّه ينسى
وقال الآخر:
والله ما طلعت شمس ولا غربت ... إلاّ وأنت مني وقلبي ووسواسي
ولا جلست إلى قوم أحدثهم ... إلاّ وأنت حديثي بين جلاسي
ولا هممت بشرب الماء من ظمأ ... إلاّ رأيتن خيالاً منك في الكأس!
وقال الآخر:
إنَّ صحبنا الملوك تاهوا علينا ... واستخفوا جهلا بحق الجليس
أو صحبنا التجار عدنا إلى البؤس ... وصرنا إلى عديد الفلوس
فلزمنا البيوت نستعمل الحبر ... ونملا به وجوه الطروس
(3/200)

وقعنا بما رزقنا فصرنا ... أمراء على الملوك الرؤوس!
فقال آخر، مذيلاً لهذا الشعر:
لو تركنا وذاك كنا ظفرنا ... من أمانينا بعلق نفيس
غير أنَّ الزمان أعني بنيه ... حسودا على حياة النفوس
وقلت أنا:
إني امرؤ لا أنثني غبنا ... يوم المصاع بصفقة الوكس
وإذا استطان البون من فرق ... لا ينزوي خلدي على رجس
وإذا الزمان أحال نائبه ... حالي عففته فلم يحل نفسي
وإذا تطاول لم
وإذا استطاب الهون محتسبا ... نذل فلست تراه في كأسي
أرعى الهبيد على القنان ولا ... أرعى بوهد أطيب الخلس
وألذ آنية المياه إذا ... كان الفرات يشاب بالكرس
وإذا استينت الخسف في بلدٍ ... يوما ومت لغيره عنسي
إنَّ البلاد لذي الحجى وطن ... والناس كلهم بنو جنس
ويحكى إنَّ أبن سكرة في آخر أمره، لمّا مات الوزير المهلبي، سأل: ما أعددت للشتوة؟ فقال:
قيل: ما أعددت للبرد ... فقد جاء بشده؟
قلت: دراعة عري ... تحتها جبة رعده!
(3/201)

وقلت أنا فيها، وجعلتها ثمانيا:
إذا أومض البرق اليماني وأظنبت ... على الأرض من جنون الولي قباب
فلد بثمان هن في الدهر للفتى ... وقاء إذا ما نالها وحجاب:
كباب وكانون وكن وكاعب ... وكأس وكيس وكسوة وكتاب!
وجمع بعضهم للصيق راآت ثمانية قابل بها كافات الشتاء، فقال:
عندي فديتك راآت ثمانية ... ألقى بها الحر إنَّ وافى وردا:
رب وروح وريحان وريق رشا ... ورفرف ورياض ناعم وردا
وقد فتن الأدباء في هذا الغرض، فجمعوا هذا النمط أعداد، كقول بعضهم:
رمتنا يد الأيام عن قوس خطبها ... بسبع وهل ناج من السبع سالم:
غلاء وغارات وغزوة وغربة ... وغم وغدر ثم غبن ملازم!
وكقول أبن التعاويذي:
إذا اجتمعت في مجلس الشرب سبعة ... فبادر فما التأخير عنه صواب:
شواء وشمام وشهد وشادن ... وشمع وشاد مطرب وشراب!
وقول الآخر:
عجل إلي فعندي سبعة كملت ... وليس فيها اللذات أعوان:
طار وطبل وطنبور وطاس طلا ... وطفلة وطباهيج وطنان
وقوله:
جاء الخريف وعندي من حوائجه ... سبع بهن قوام السمع والبصر:
موز ومن ومحبوب ومائدة ... ة مسمع ومدام طيب ومري
وقول الصفدي:
إذا تبين لي في مصر واجتمعت ... سبع فإني في اللذات سلطان:
خدر وخمر وخاتون وخادمها ... وخلسة وخلاعات وخلان
وقوله:
ثمانية إنَّ يسمح الدهر لي بها ... فليس عليها بعد ذلك مطلوب:
مقام ومشروب ومزح ومأكل ... ومله ومشموم ومال ومحبوب
(3/202)

وقوله:
إلى متى أنا لا انفك في بلدٍ ... ورهن جيمات جورٍ كلها عطب:
الجوع والجري والجريان والجدري ... والجهل والجبن والجرذان والجرب؟
وقول الآخر:
إذا كان في اسم المرء شين هوت به ... إلى الشر فليحذر أذاه المحاذر:
شريف وشيعي وشيخ وشاهد ... وشمر وشريب وشرح وشاعر
سوى الشافعي أو شاهد راق حسنه ... كذا الشهداء المتقون وشاكر
وهذه الأشعار، كما ترى، الكثير من أصحابها يقصد إلى إحراز غرض يفوته أغراض، فتجده إذا وفى بذلك الغرض تعلل به ولم يتحرز عن اللفظ الخسيس، ولا عن المقصد السقيم، ولا عن التركيب المختل، والسبك الركيك والحشو، وغير ذلك مما ينبئ إنَّ قائله متكلف رازم العارضة لين الجلدة، غير مطبوع.
وقال أعرابي يهجو قوما من طيء:
ولمّا أن رأيت بني خريقٍ ... جلوسا ليس بينهم جليس
يئست من التي أقبلت أبغي ... لديهم إنني رجل يؤوس
إذا ما قلت: أيهم لأي ... تشابهت المناكب والرؤوس!
قوله: ليس بينهم جليس، أي لا ينتجع الناس معروفهم فليس فيهم غيرهم وهذا من أقبح الهجو.
وقال أبو بكر الخوارزمي:
يا من يحاول صرف الراح يشربها ... ولا يفك لمّا يلقاه قرطاس
الكأس والكيس لم يقض امتلاؤهما ... ففرغ الكيس حتى تملأ الكاسا!
وقال عمرو بن معدي كرب:
أتوعدني كأنك ذو رعين ... بأنعم عيشة أو ذو نواس؟
فلا تفخر بملكك، كل ملك ... يصير لذلةٍ بعد الشماس!
ولنكتف بهذا القدر من هذا الباب! والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
(3/203)

باب الشين المعجمة
أشأم من البسوس.
الشؤم ضد اليمن، الشؤم الرجل بالضم على قومه وشئم عليهم بالبناء للمجهول: صار شؤما عليهم، وهو مشؤوم ومشوم والجمع مشائيم. قال الشاعر:
مشائيم ليسوا مصالحين عشيرة ... ولا ناعب إلاّ ببين غرابها
وشأمهم وشأم عليهم بالفتحح فيهما فهو شائم؛ والبسوس بالفتح الناقة لا تدر إلاّ بالابساس أي التلطف بها بأن يقال لها: بس، بس! كما مر. والبسوس أيضاً امرأة مشومة، وهي المضروب بها المثل.
وكانت هذه المرأة أعطي زوجها ثلاث دعوات مستجابات، فقالت له: اجعل لي واحدة منهم! قال:: نعم فما تريدين؟ قالت: أدع الله أن يجعلني اجمل امرأة في بني إسرائيل! ففعل فرغبت عنه وهت بسيئ فدعا الله إنَّ يجعلها كلبة نباحة. فجاءه بنوها وقالوا: ما لنا على هذا من قرار يعيرنا بها الناس، فادع الله إنَّ يعدها إلى حالها! فدعا لها فهبت الدعوات كلها بشؤمها.

أشأم من بني بسوس.
ويقال أشام من البسوس. والبسوس أيضاً اسم امرأة من العرب، وهي خالة جساس بن مرة. وكان لمرة هذا عشرة من الولد، منهم جساس، ونضلة والحارث وهمام بنو مرة وهم من بني بكر بن وائل. وكان كليب بن ربيعة التغلبي من العزة والشرف في وائل بالمحل الذي لم يدرك وكان تحت كليب جليلة بنت مرة أخت جساس وكان لكليب حمى حماه لا يقربه أحد. ثم إنَّ جساس جاءته خالته البسوس فنزلت عليه،
(3/205)

وكان لها أبن، وناقة يقال لها سراب بفصيلها. فدخلت سراب حمى كليب، فوجدها فيه وقد كسرت بيض حمر قد أجارها. فرماها بسهم فأصاب ضرعها. ويقال إنّه سأل عن الناقة فقيل له إنّها لخالة جساس، فقال: أو يبلغ من قدره إنَّ يجير دون إذني؟ وكان لا يجير أحد إلاّ بإذن كليب. فقال: يا غلام، ارم ضرعها! فرماه بسهم وقتل فصيلها، ونفى ابل جساس عن المياه وطردها على شبيث والاحص، وهما ماءان، حتى بلغ غدير الذئاب، فجاء جساس فقال: نفيت عن المياه مالي حتى تهلكه! فقال كليب: أنا للمياه شاغلون فقال استحللت تلك الإبل! فعطف عليه جساس فرسه فطعنه. فلما أحس بالموت قال: يا جساس، اسقني ماء! فقال: تجاوزت شبيبا والأحص! وآحتز رأسه وجاء مسرعا. فقالت أخته لأبيه: إنَّ جساس جاء خارجة ركبتها. فقال: والله وا خرجتا إلاّ لأمر! فلما بلغه قال: ما وراءك؟ قال: طعنت طعنت لتشغلن شيوخ وائل رقصا! قال: فتلت كليباً؟ قال: نعم! قال: وددت انك وأخوتك متم قبل هذا! ما بنا إلاّ أنَّ تتشاءمنا وائل! ثم لقيه أخوه نضلة فقال:
وإني قد جنيت عليك حربا ... تغيض الشيخ بالماء القراح
فأجابه نضلة:
فإنَّ تك قد جنيت علي حربا ... فلا وانٍ ولا رث السلاح
وكان أخوه همام قد آخى مهلهلا، أخا كليب، وعاهده إلاّ يكتمه شيئاً. فجاءته أمه له وعنده مهلهل، فأسرت إليه الخبر. فقال الملهل: ما قالت؟ فلم يخبره، فذكر العهد فقال أخبرت أنَّ جساسا قتل أخاك كليبا. فقال: أست أخيك أضيق من ذلك! فقال مهلهل في ثأر أخيه، واجتمعت أشراف تغلي وأتوا مرة فتكلموا في القصاص من جساس وإخوانه. فذهب مرة إلى الدية فغضبت تغلب ووقعت الحرب بينهم أربعين سنه حتى ضربت بها العرب المثل الشؤم والشدة. وهي التي يقال لها حرب البسوس. ومن جملة ما وقع بينهم خمس وقائع عظام، أولاها يوم عنيزة، وهو المذكور في قصيدة مهلهل الرائية المشهورة، حيث قال:
كأنا غدوة وبني أبينا ... ببطن عنيزة رحيا مدير
(3/206)

وآخرها قتل جساس بن مرة. وكان سبب قتله أنَّ نساء تغلب لمّا اجتمعن للمأتم على كليب، قلن لأخت كليب: رحلي جليلة عن مأتمك، فإنَّ قيامها عار علينا وشماتة بنا! فقالت لها: اخرجي يا هذه عن مأتمنا، فإنك شقيقة قاتلنا! فرحلت وهي حامل. فولدت غلاما وسمته هرجسا، ورباه جساس، فكان لا يعرف أبا غيره، فزوجه ابنته. فوقع يوما بينه وبين بكري كلام، فقال البكري: ما أنت بمنته حتى الحقك بأبيك فأمسك عنه ودخل إلى أمه فسألها الخبر. فلما أوى إلى فراشه وضع أنفه بين ثديي زوجته وتنفس تنفسة نفط ما بين ثدييها من حرارتها. فقامت الجارية فزعة ودخلت إلى أبيها فأخبرته فقال: ثائر ورب الكعبة! فلما أصبح أرسل إلى الهجرس فأتاه فقال: إنما لأنت ولدي ومعي وقد كانت الحرب في أبيك زمنا طويلا حتى تفانيا وقد اصطلحنا الآن. فانطلق معي حتى نأخذ عليك ما أخذ علينا! فقال: نعم ولكن مثلي لا يأتي قومه إلاّ بسلاح! فأتيا جماعة من قومهما فقص عليهم جساس ما كانوا فيه من البلاء وما صاروا إليه من العافية ثم قال: هذا أبن أختي قد جاء ليدخل فيما دخلتم فيه. فلما قربوا الدم أخذ بوسط رمحه وقال: وفرسي وأذنيه ورمحي ونصليه وسيفي وغراريه ودرعي وزريه! لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه. ثم طعن جساسا فقتله ولحق بقومه. فكان آخر قتيل نتهم.
وفي هذه القصة اضطراب كغيرها من الحكايات الجاهلية.

أشأم من خوتعة.
خوتعة بالتاء المثناة على مثل جوهرة هو رجل من بني عقيلة ذل كنيف بن عمر التغلبي وأصحابه على بني الزبان الذهلي لترةً كانت لهم في عمرو بن الزبان فقتلهم. وتقدم شرح القصة وما يعرف به وجه الشؤم في حرف الهمزة.

أشأم من الأخيل.
الأخيل هو الشقراق وقيل طائر آخر وهو مشؤوم وجمعه خيلٌ بكسر الخاء.
(3/207)

أشأم من داحس.
داحس بوزن فاعل فرس لقيس بن زهير وعليه وقعت المسابقة بينه وبين أبني حذيفة حتى هاجت الحرب بذلك بين عبس وذبيان أربعين سنة. ويقال لهذه الحرب حرب داحس. وتقدم تفسير القصة في حرف التاء.

أشأم من الدهيم.
الدهيم بوزن الزبير الداهية؛ والدهيم أيضاً: الأحمق؛ والدهيم أيضاً: ناقة عمرو بن الزبان الذهلي قتل هو واخوته وحملت رؤوسهم عليها وقالوا: أشأم من الدهيم. وتقدم أنَّ خوتعة هو الذي ذل عليهم. والقصة في حرف الهمزة.
وذكر أبو عبيد أنَّ هذا هو الأصل في إطلاق الدهيم على الداهية.
وذكر البكري أيضاً هذه القصة فقال: كان من خبر الدهيم أنَّ مالك بن كرمة الشيباني لقي كنيف بن عمرو وكان مالك نحيفا وكان كنيف ضخما. فلما أراد مالك أسر كنيف اقتحم كنيف عن فرسه لينزل إليه مالك فيبطش به. فأوجره مالك السنان وقال: والله لتستاسرن أو لأقتلنك. فأدركهما عمرو بن الزبان فاختصما فيه هو ومالك فقالا: قد حكمنا كنيفا. فقال: من اسرك يا كنيف؟ فقال: والله لولا مالك لكنت في أهلي! فلطمه عمرو بن الزبان فغضب مالك وقال: أتلطم أسيري؟ ثم قال: إنَّ فاءك يا كنيف مائة ناقة وقد وهبتها لك بلطمة عمرو وجهك! فجز ناصيته وأطلقه. ولم يزل كنيف يطلب عمرو بن الزبان باللطمة حتى دله عليه رجل من عقيلة وقد ند لهم إبل. فخرج عمرو واخوته في طلبها وأدركها وذبحوا حوارا واشتووه وجعلوا يأكلون. فغشيهم كنيف في ضعف عددهم. فلما كشف كنيف عن وجهه قال له عمرو: يا كنيف إنَّ في خدي وفاء من خدك وما في بكر بن وائل أكرم من خدي. فلا تشب الحرب بيننا وبينك! فقال: كلا! أو أقتلك وأقتل اخوتك. فقتلهم وجعل رؤوسهم في مخال وعلقها على ناقة لهم يقال لها الدهيم فجاءت الناقة إلى الحي على نحو ما ذكرنا في الهمزة. فضرب حمل الدهيم مثلا في البلايا العظام.
(3/208)

أشأم من سراب.
سراب بوزن قطام هي ناقة البسوس خالة جساس بن مرة قاتل كليب وبسببها وقعت حرب البسوس. فتشاءمت العرب بها وتقدم آنفا شرح القصة. وهذا المثل هو المحفوظ في هذه القصة.
وأما قولنا أوّلاً: أشأم من بني بسوس فهو على ما وقع في كلام بعض الأدباء وليس بجيد لأن المتشاءم به هو إما البسوس نفسها لا بنوها وأما ناقتها سراب كما هنا. ولو قيل: أشأم من بني مرة وهم جساس وإخوته لكن أيضاً صحيحا كما قال مرة لجساس حين قتل كليبا: ما بنا إلاّ أن تتشاءم منا أشياخ وائل! وقدم هذا كله.

أشأم من الشقراء.
الشقراء مؤنث أشقر وهي هنا علم فرس شيطان بن لاطم قتلت وقتل صاحبها فقالوا: أشأم من الشقراء. وفيها كلام تقدم في الهمزة.

أشأم من طويس.
طويس على مثل زبير مخنث كان بالمدينة وكان اسمه طاووسا. فلما تخنث سمي طويسا وهو مصغره بحذف الزوائد ويكنى أبا عبد المنعم. ويقال إنه أول من غنى في الإسلام. وكان يقول: إنَّ أمي كانت تمشي بالنمائم بين النساء الأنصار فولدتني في الليلة التي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفطمتني يوم مات أبو بكر وبلغت الحلم يوم مات عمر وتزوجت يوم قتل عثمان وولد لي يوم قتل علي. فمن مثلي؟ ويقال إنه قال: يا أهل المدينة توقوا الدجال ما دمت بين أظهركم فإذا مت فقد أمنتم لأني ولدت في الليلة التي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ ما مر. وكان يقول في نفسه: أنا أبو عبد المنعم أنا طاووس الجحيم أنا أشأم من يمشي على ظهر الحطيم إلى غير ذلك مما لا نطول به من أخباره.
(3/209)

أشأم من عطر منشمٍ.
العطر بالكسر معروف وتقدم في حرف الباء؛ ومنشم على مثل مجلس امرأة كانت بمكة عطارة وهي بنت المجية. وكانت خزاعة وجرهم إذا اقتتلوا تطيبوا من عطرها. فكانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فقالوا:

أشأم من عطر منشم.
وقال زهير بن أبي سلمى:
تداركتما عبساً وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشمِ
والمنشم أيضاً بكسر الشين وفتحها عطر صعب القرآن وقيل هو قرون السنبل سم ساعة وحمل عليه بيت زهير المذكور.

أشأم من غراب البين.
غراب البين قيل هو الحمر النقار والرجلين وقيل الأبقع منها وهو الذي في صدره بياض. قال عنترة:
ضعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى بينهم الغراب الأبقعُ
وإنّما قال ذلك لأنه سمع نعيبه قبل رحيلهم فتشاءم به والعرب تتشاءم به. وسموه غراب بين لأنه بان عن نوح عليه السلام لمّا وجهه لتنظر إلى الماء فذهب ولم يرجع ولذلك تشاءموا به. وقيل لأنّه ينعب في منازلهم إذا بانو عنها وينزل في مواضع إقامتهم إذا ارتحلوا منها. فلما كان يوجد عند بينونتهم اشتقوا له اسما من البينونه وتشاءموا به لإنذاره بالبين وإعلامه بالفراق من كلام عنترة. وعلى هذا كل غراب فهو غراب البين. وقد قيل إنّما اشتقت الغربة والاغتراب والغريب من الغراب وأهل الزجر يلمحون ذلك ويتطيرون به كما قال قائلهم:
وصاح غرابٌ فوق أعواد بانةٍ ... بأخبار أحبابي فقسمني الفكر
فقلت: غراب لاغترابٍ وبانةٌ ... ببين النوى تلك العيافة والزجرُ
وهبت جنوبٌ باجتنابي منهم ... وهاجت صباً قلت: الصبابةُ والهجر!
وقال الإمام المقدسي في وصف غراب البين: هو غراب أسود ينوح نوح الحزين
(3/210)

المصاب وينعق بين الخلان والأحباب إن رأى شملا مجتمعا أنذر بشتاته ربعاً عامرا أنذر بخرابه ودروس عرصاته يعرف النازل والساكن بخراب الدور والمساكن ويحذر الآكل غصة المأكل ويبشر الراحل بقرب المراحل ينعق بصوت فيه تحزين كما يصيح بالتأذين. وأنشد على لسان حاله:
أنوح على ذهاب العم مني ... وحق أن أنوح وأن أنادي
وأندب كلما عاينت ربعاً ... حدا بهم أوشك البين حادي
وتقدم تمام هذه القصيدة في الدال.

أشأم من قدارٍ.
قدار بالقاف والدال المهملة على مثل غراب هو قدار بن سالف عاقر الناقة والقدار: الجزار. وقد قيل إنَّ قدارا هذا كان جزارا.
وقد يقال في المثل: أشأم من أحمر ثمود وهو قدار المذكور. قال زهير:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطمِ
قيل: أراد " أحمر ثمود " فغلط. وقيل ثمود من عاد وكان من خبره في عقر الناقة على اختصار أنَّ ثمودا كانت تبني على طول أعمارها. فاتخذوا من الجبال بيوتا يسكنوها في الشتاء كما قال الله تعالى وبنو قصرا يسكنونها في الصيف. فلما بعث الله إليهم صالحا على نبينا وعليه الصلاة والسلام قال له زعيمهم: إن كنت صادقا فأظفر لنا من هذه الصخرة ناقة على صفة كيت وكيت! فأتى الصخرة فتمخضت كالحامل وانشقت عن الناقة ثم تلاها سقبها. فآمن به كثير منهم. فكان شربها يوما وشربهم يوما. فإذا كان يوم شربها حلبوها فملؤوا من لبنها كل إناء ووعاء. فلما امتنعت إياهم من الماء في يوم شربها استثقلوها. وكان فيهم امرأتان: عنزة وصدوق بذلنا أنفسهما لقدار على أن يعقر الناقة. وكان قدار أشقر أزرق قصيرا. وكان له صديق يعينه على الفساد في الأرض وكانا في تسعة من أهل الفساد. فضرب قدار عرقوبها بسيفه وضرب صاحبه العرقوب الآخر والتهموا لحمها. فخرجت ثمود إلى صالح وتزعم أنها لا ذنب لها.
(3/211)

فقال: انظروا هل تدركون فصيلها، فعسى أنَّ يرفع العذاب! فالتمسوه، فصعد إلى جبل يقال له الغارة، وطال الجبل به السماء حتى ما تناله الطير وبكى، ثم أستقبلهم ورغا ثلاثا صالح: دعوة أجهلها ذاك تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. ذلك وعد غير مكذوب! وآية ذلك أنَّ تصبح وجوههم في اليوم الأول مصفرة، وفي الثاني محمرة، وفي الثالث مسودة. فلما رأوا صدقه في أوّل يوم أرادوا قتله، فمنع منهم. فلما رأوا صدقه في الثالث تجملوا وتكفنوا وبكوا وضجوا، وجعلوا ينظرون من أين يأتيهم في ديارهم جاثمين. فعقروها يوم الأربعاء وأصيبوا يوم الأحد.
قيل: وإنّما أصيبوا والمذنب بعضهم، لأنهم رضوا فعله، أي فصاروا كلهم مذنبين بذلك. وبلدهم بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الجبشي. وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بقريتهم ونهى الناس عن دخولها، ولمّا رأى صالح إنّها دار سخط ارتحل بمن معه إلى مكة. فلم يزالوا بها حتى توفاهم الله تعالى. قيل: قبورهم في غربي البيت بين دار الندوة والحجر. وقال الشاعر:
كانت ثمود ذوي عز ومكرمةٍ ... ما إنَّ يضام لهم في الناس من جار
فأهلكوا ناقة كانت لربهم ... قد أنذروها فكانوا غير أبرار
وقال الآخر في المثل المذكور:
وكان أضر فيهم من سهيل ... إذا أوفى وأشأم من قدار
ومراد هذا الشاعر،، بصدر البيت، ما يزعمون من إنَّ أكثر موت البهائم يكون عند طلوع سهيل. قال أبو الطيب:
وتنكر موتهم وأنا سهيل ... طلعت بموت أولاد الزناء
وقال أبو العلاء:
لا تحسبي إبلي سهلا طالعا ... بالشام فالمرئي شعلة قابس
بل وغير البهائم أيضا، كما قال الأول: بال سهيل في الفضيخ ففسد
(3/212)

أشأم من قاشرٍ.
قاشر بالقاف والشين على وزن صاحب قال الجوهري: وهو فحل كان لبني عوافة بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وكانت لقومه ابل تذكر. فاسطرقوه رجاء أنَّ تؤنث، فماتت الإبل والنسل. وقال الحريري: هو فحل كان في بعض قبائل سعد بن زيد أبن مناة، ما طرق إبلا إلاّ ماتت.
وقيل: المراد به العام المجدب. وسمي قاشر لقشرة وجه الأرض من النبات. انتهى. قلت: والمعروف في اللغة إنَّ العام المجدب يقال له القاشور. قال الراجز:
وابعث عليهم سنة قاشوره ... تحتلق المال أحتلاق النورة!
والقاشور أيضاً: المشؤوم. ويقال: قشرتم إذا شأمهم.

شب عمرو عن الطوق.
الشباب: الفتاء يقال شب الغلام يشيب شباباً؛ وعمرو هو أبن عدي بن نصر اللخمي، أبن أخت جذيمة، أوّل ملوك لخم بالحيرة، بعد خاله جذيمة، كما تقدم ذلك في قتله للزباء؛ والطوق بالفتح حلي يجعل للعنق، وكل ما أستدار بالشيء. وكان من خبر عمرو في الطوق إنَّ جذيمة بلغه أنَّ غلاما من لخم يقال له عدي بن نصر عند أخواله من أيادٍ غاية في الظرف والأدب. وكان جذيمة قد أغار على أياد، فسرقت أياد صنمين كانا لجذيمة مشهورين. ثم عاهدوا على أنَّ يردوا إليه صنمية وأنَّ لا يغزوهم أبدا في قصة مشهورة. فشرط عليهم أنَّ يبعثوا مع الصنمين بالغلام الموصوف. فلما انتهى إليه ولاه مجلسه وكأسه والقيام على رأسه. فتعشقته رقاش بنت مالك، أخت جذيمة فقالت له: يا عدي، إذا سقيتهم فأمزج لهم وعرق الملك! أي امزج له قليلا كالمعروق فإذا أخذت منه الخمر فأخطبني له وأشهد الجماعة؟ ففعل الغلام، وزوجه جذيمة وأشهد عليه. فانطلق إليها وعرفها. فعلمت إنّه سينكر إذا أفاق، فقالت له: أدخل لأهلك! فبات عدي معرسا بها، وأصبح في ثياب جدد. ودخل على جذيمة فقال:
(3/213)

ما هذه الآثار، يا عدي؟ قال: آثار العرس. قال: أي عرس؟ قال: عرس رقاش. فنخر جذيمة وأكب لوجهه غضبا. فهرب عدي ولحق بقومه، وبقي هناك حتى مات وقيل: بل أدركه جذيمة فقتله وبعث إلى أخته رقاش يقول:
حدثيني وأنت لا تكذبيني ... أبحر زنيت أم بهجين؟
أم بعبد فأنت أله لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون؟
فقالت له: زوجتني كفئاً كريما من أبناء الملوك! وقالت تجيبه:
أنت زوجتني وما كنت أدري ... وأتاني النساء للتزيين
ذاك من شربك المدامة صرفا ... وتماديك في الصبا والمجون!
ثم إنّه جعلها في قصره، فاشتملت على حمل، فولدت وسمته عمرا ورشحته، فلما ترعرع حلته وعطرته وألبسته كسوة وأزارته خاله. فأعجب به وألقيت عليه منه محبة وقيل تبناه، وكان لا يولد له. وخرج جذيمة في عام مخصب وبسط له في روضة، وخرج عمرو بن عدي في غلمة يجنتون الكمأ، فكان منهم من وجد طيبة أكلها، وعمرو إذا أصابها خبأها. ثم أقبلوا يسرعون، وعمرو يقدمهم وهو يقول:
هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه!
فالتزمه جذيمة وحباه.
ثم إنَّ الجن استهوت عمراً ففقد فطلبه جذيمة في آفاق الأرض، فلم يسمع له خبرا حتى أقبل رجلان من بلقين وهما مالك وعقيل، ابنا فالح من الشام يريدان الملك بهدية ومعهما قينة يقال لها أم عمرو. فبينما هما على ماء، وقد هيأت لهما القينة طعاما وجعلا يأكلان، إذ أقبل رجل أشعت الرأس قد طالت أظفاره وساءت حاله. فناولته القينة طعاما وسقت صاحبيها. فقال عمرو: اسقني! فقال: لا تطعم العبد الكراع، فيطمع في الذراع! وأوكت سقاءها. فقال عمرو:
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصحابك الذي لا تصحبينا!
فقالا له: من أنت يا فتى؟ قال أنا عمرو بن عدي. فأخذاه وغسلا رأسه وقلما أظفاره وأخذا من شعره وقالا: ما كنا لنهدي إلى الملك هدية هي عنده أنفس ولا هو عليها أكثر
(3/214)

صفدا من أبن أخته! وحملاه معهما حتى بلغاه جذيمة. فسر به سروراً شديداً وصرفه إلى أمه وقال: تمنيا علي! فقلا: منادمتك، ما بقيت وما بقينا. فنادمهما. ويقال انهما أقاما في منادمه أربعين سنة يحدثانه، فما أعادا عليه حديثا. وهما ندما جذيمة المشهوران المضروب بهما المثل في شدة الألفة والمصاحبة، في قول أبي خراش:
تقول: أراه بعد عروة لا هيا ... وذلك زرء لو علمت جليل
فلا تحسبني أنَّ قد تناسيت عهده ولكن صبري يا أميم جميل
ألم تعلمي أنَّ قد تفرق قبلنا ... نديما صفاء: مالك وعقيل؟
وفي قول متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا:
وكنا كندماني جذيمة حقبه ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا
فلما تفرقا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا!
وفي قول بعض المحدثين:
نحن كنا في التصافي ... مثل ندماني جذيمه
فأتى الصرم بيوم ... دونه يوم حليمه
تقدح الأيام حتى ... في المودات القديمه
وكان قبل ذلك جذيمة لا ينادم أحدا، زهوا وكبرا، ويقول: هو أعظم من أن ينادم إلاّ الفرقدين! فكان يشرب كأسا ويريق للفرقدين كأسا. ثم إنَّ رقاش أخذت ابنها عمرا وأدخلته الحمام. فلما خرج ألبسته من فاخر الثياب وجعلت في عنقه طوقا من ذهب كان له، وأمرته بزيارة خاله. فلما رأى جذيمة لحيته، والطوق في عنقه، قال: شب عمرو عن الطوق! وقيل إنّها لمّا أرادت أنَّ تعيد الطوق عن عنقه قال لها جذيمة: كبر عمرو عن الطوق! فذهبت مثلا يضرب للابس ما دون قدره.

أشبه من الغراب بالغراب.
أشبه بالكسر والشبه بفتحتين، والشبيه: المثل، وجمعه اشباه؛ وشابهه، وأشبهه: ماثله؛ واشتبها وتشابها: تماثلا؛ وشبهته إياه وبه تشبيها مثله؛ والغراب تقدم. ولمّا كانت الغرابان غالبا على صفة واحدة
(3/215)

ولون واحد، وحصل بينها تشابه مطرد وتساو متفق، فضربوا بتساويها المثل فقالوا: فلان أشبه بفلان من الغراب بالغراب: ومنه قول الغرابة، من المبتدعة، إنَّ عليا أشبه النبي صلى الله عليه وسلم من الغراب بالغراب. وبدعتهم معروفة تحاشينا عن تلويث الكتاب بها، لعنهم الله وأخلى منهم الأرض!

أشبه شرج شرجا لو إنَّ أسميراً.
الشبه مر، والشرج بفتح الشين المعجمة وسكون الراء بعدها جيم واد باليمن والشرج مسيل الماء من الحرة إلى السهل مطلقا، وله معان أخر. وأما الشرج بفتحتين فهو مسيل الوادي، وأسمير تصغير اسمر بضم الميم والأسمر جمع سمرة وهو الشجر المعروف يقال سمرة والجمع سمر وسمرات وأسمر، وتصغيره أسيمر.
وهذا المثل يضرب في الشيئين يتشابهان ويفترقان. وكان أصله أنَّ لقمان بن عدا قال للقيم بن لقمان: أقم هاهنا حتى أنطلق إلى الإبل! فنحر لقيم جور فأكلها ولم يخبئ شيئاً للقمان، فخاف لومه فحرق ما حوله من السمر الذي بهذا الوادي، وهو شرج ليخفي ذلك المكان. فلما جاء لقمان: جعلت الإبل تثيل الجمر بأخفافها، فعرف لقمان ذلك المكان وأنكر ذهاب السمر منه، فال حينئذ: أشبه شرج شرجا لو إنّه أسيمرا!

شتى تؤوب الحلبة.
الشتى جمع شتيت، وهو المفترق. وقال رؤبه يصف إبلا:
جاءت معا وأطرقت شتيتا ... وهي تثير الساطع السختيتا
والأوب: الرجوع يقال: آب يؤوب أوبا وإيابا والحلبة جمع حالب وحلب الناقة والشاة معروف.
والمعنى انهم إذا ذهبوا اجتمعوا، وإذا قضوا مآربهم رجعوا متفرقين. ومضربه ظاهر.
(3/216)

أشجع من الديك.
الشجاعة معروفة، شجع الرجل بالضم فهو شجاع كغراب والديك معروف

يشج مرة ويأسو أخرى
الشج معروف، والأسو: المداواة، أساه، يأسوه أسوا: داواه، وآسى بين القوم أصلح، فمعنى المثل إنّه يفسد أحيانا ويصلح أحيانا، ويضرب لمن يصيب مرة ويخطئ أخرى، أو يضر مرة وينفع أخرى، ونحو ذلك ونظمه صالح بن عبد القدوس فقال:
قل للذي لست أدري من تلومه: ... أناصح أم على عيش يداجيني؟
إني لأكثر مما سمتني عجبا ... يد تشج وأخرى منك تأسوني
لو كنت أعلم منك الودهان له ... علي بعض الذي أصبحت توليني
لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني
أرضى عن المرء ما أصفى مودته ... وليس شيء من البغضاء يرضيني
لا أبتغي ود يبغي مقاطعتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني

الشجاع موقى والجبان ملقى.
معناه إنَّ الشجاع مع إقدامه وتعطيه المهالك بنفسه، محفوظ غالبا والجبان مع مثرة حذره هالك قال البكري: وهذا كما روي عن أبي بكر وعن علي، رضي الله عنهما: أحرص على الموت توهب لك الحياة! وقال الشاعر:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... انفسي حياة مثل أنَّ أتقدما
انتهى.
قلت: ومثله شاع اليوم في ألسنه العامة، يقولون: متى طلب الرجل إنَّ يموت لم يجد قاتلا؛ غير أنَّ ما ذكره البكري في البيت الحصين بن الحمام المذكور
(3/217)

محتمل وأظهر منه إنَّ يريد بالحياة عند التقدم ما يكتسبه من شرف الذكر الباقي بعده. فإنَّ بقاء الاسم والذكر والمآثر والمفاخر حياة انفع عند ذوي الهمم من حياة الجسم مع سبة الفرار واللوم. فكأنه يقول: تأخرت أستبقي حياة جسمي فبدالي الله تعالى الحياة الأخرى افضل لي. ولو كان على ما قاله البكري لم يكن لافتخاره محل لأنّه إنّما يطلب الحياة بإقدامه ولم يقدم شجاعة ولقاء بأس فإقدامه كالفرار ولا فضيلة له وهذا باطل. وقد قال بعد هذا البيت:
وليس على الإدبار تدمى كلومنا ... وكان على أقدامنا تقطر الدما
وقول أبي الطيب:
يرى الجبناء أنَّ الجبن حزمٌ ... وتلك خديعة الطبع اللئيمِ
وحتما.

شحمتي في قلعي.
الشحمة: القطعة من الشحم وهو معروف؛ والقلع بفتح القاف وسكون اللام وتحرك أيضاً شيء يجعل فيه الراعي زاده وأداته يشبه الكنف بكسر الكاف وهو وعاء أدوات الراعي. قال الراجز:
يا ليت أني وقشاماً نلتقي ... وهو على ظهر البعير الأورقِ
وأنا فوق ذات غربٍ خيفق ... ثم اتقي وأي عصر اتقي
بعلبةٍ وقلعه المعلقِِ
يضرب هذا المثل في الشيء يكون في ملكك وحوزك تتصرف فيه كيف شئت كما أنَّ الشحمة إذا كانت في قلعك كذلك.

شحيمةٌ في حلقي.
الشحيمة تصغير الشحمة وتقدم؛ والحلق بفتح الحاء المهملة الحلقوم. وهذا المثل مما وضع على لسان الذئب. يقولون: قيل للذئب: ما رأيك في غنيمة ترعاها جويرية؟ قال: شحيمةٌ في حلقي يعني إنّها حاصلة بلا تعب
(3/218)

وصغرها تقللا واستسهالا. قيل: فغنيمة يرعاها غليم. قال شعراء في إبطي أخشى حظواته. الشعراء ذباب أزرق له لدغ يقع على الإبل والدواب والحظوات سهام صغار من قصب لينة يتعلم بها الغلمان؛ وكذلك الجماح ولا نصل له.
قال الشاعر:
أصابت حبة القلب ... بسهم غير جماحِ

شحمة الرُكى.
شحمة الرُكى على وزن ربى وهو الذي يذوب سريعا. يضرب لمن يعينك في الحاجات.

اشد من الفرس.
الشدة بالكسر اسم من الاشتداد. واشتد الأمر فهو مشتد؛ والفرس معروف وتقدم.

أشد من الفيل.
الفيل بالكسر معروف.

أشد من الدَّلم.
الدَّلم بفتحتين والدال المهملة شيء يشبه الحية يكون بالحجاز. وقيل نوع من القرد.

اشتدي زيم!
الاشتداد هنا العدو؛ وزيم بكسر الزاي ز فتح الياء المثناة من تحت بوزن عنب اسم فرس. وهذا في شعر للحطم القيسي يقول:
(3/219)

هذا أوان الشد فاشتري زيم وتمثل به الحجاج في خطبته الكوفية.
قال أبو العباس المبرد في الكامل: حدثني الثوري في إسناد ذكره آخره عبد الملك أبن عمر الليثي قال: بينما نحن بالمسجد الجامع بالكوفة وأهل الكوفة إذ ذاك في حال حسنة يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه إذ أتانا آت فقال: هذا الحجاج قد قدم أميرا على العراق! فإذا به قد دخل المسجد معتماً بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه متقلدا سيفاً متنكباً قوساً يؤم المنبر فمكث ساعة لا يتكلم. فقال الناس بعضهم لبعض: قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق! حتى قال عمير بن ضابئ البرجمي: ألا أصبه لكم؟ فقالوا: أمهل حتى تنظر! فلما رأى عيون الناس أليه حسر اللثام عن فيه ونهض فقال:
أنا أبن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني!
ثم قال: يا أهل الكوفة أني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها كأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى! ثم تمثل فقال:
هذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبلٍ ولا غنم ... ولا بجزارٍ على ظهر وضم
ثم قال:
قد لفا الليل بعصلبي ... أوزع خراجٍ من الدوي
مهاجرٍ ليس بأعرابي
وقال:
قد شمرت عن ساقها فشدوا ... وجدت الحرب بكم فجدوا
والقوس فيها وترعد ... مثل ذراع البكر أو اشد!
أي: والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنان ولا يغمز جانبي كتغماز التين. ولق فررت عن ذكاء وفتشت عن تجربة. وإنَّ أمير المؤمنين نثر كنانته
(3/220)

فعجم عيدانها فوجدني أمرها عودا واصلبها مكسرا فرماكم بي لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال. والله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل! فإنكم كأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف. وإني والله ما أقول إلاّ وفيت ولا أهم إلاّ أمضيت ولا أخلق إلاّ فريت! وإنَّ أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وأن أوجهكم إلى محاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة وإني اقسم بالله لا أجد رجلا تخلف بعد أخذه عطاءه بثلاثة أيام إلاّ ضربت عنقه! يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين1 فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين. . فلم يقل أحدٌ منهم شيئا. فقال الحجاج: اكفف يا غلام! ثم أقبل على الناس فقال: أسلم عليكم أمير المؤمنين فلم تردوا عليه شيئا؟ هذا أدب أبن لهيعة! أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمن! اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين! فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم! لم يبق أحد في المسجد إلاّ وقال: على أمير المؤمنين السلام! ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم. فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبرا فقال: أيها الأمير إني من الضعف على ما ترى ولي أبن هو أقوى مني على الأسفار أتقبله بدلا مني؟ فقال له الحجاج: نفعل أيّها الشيخ! فلما ولى قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا. قال: هذا عمير بن ضابئ البرجمي الذي يقول:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله
ودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولا فوطئ بطنه فكسر ضلعين من أضلاعه. فقال: ردوه! فقال له الحجاج: أيها الشيخ هلا بعثت إلى أمير المؤمنين بدلا يوم الدار إنَّ في قتلك أيّها الشيخ لصلاحاً للمسلمين! يا حرس اضربا عنقه! فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيرتحل ويأمر وليه أن يلحقه بزاده. وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي:
تجهز فإما أن تزور أبن ضابئ ... عميراً وإما أن تزور المهلبا
(3/221)

هما خطتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثلج أشهبا
فأضحى ولو كانت خرسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي اقربا!
وفي هذه القصة ألفاظ تخفى. فقوله: أنا أبن جلا، أي المنكشف الأمر، وهو لسحيم بن واثلة وفيه كلام يأتي من حرف النون، إن شاء الله تعالى.
وقوله، أرى رؤوسا قد أينعت، أي أدركت، يقال: أينعت الثمرة إيناعا وينعت أيضاً ينعا. قال تعالى:) انظروا إلى ثمرة إذا أثمر وينعه (. وقال الشاعر في الفعل:
ولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا
خرفه حتى إذا أرتبعت ... ذكرت من جلت بيعا
في قباب حول دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا
وقوله: هذا أوان الشد فاشتدي زيم! وهي فرس كما مر. وقال المبرد: يعني فرسا أو ناقة.
وقوله: بسواق حطم، الحطم: الذي لا يبقي من السير شيئاً، ويهلك المال بذلك. ومنه قيل النار التي لا تبقي حطمة.
وقوله: على ظهر وضم، والوضم بفتحتين كل ما يقطع عليه اللحم. وتقدم في التاء. قال الشاعر:
وفتيان صدق حسان الوجوه لا يجدون لشي ألم
من آل المغيرة لا يشهدون عند المجازر لحم الوضم
وقوله: بعصلبي، العصلب بالعين والصاد المهملتين، على مثال جحدب، والعصلبي بياء النسبة، والعصلوب: القوي الشديد الخلق، العظيم؛ وأروع أي ذكي.
وقوله: خراج من الدوي الدو بتشديد الواو؛ والدوى والداوية: الفلاة لا علم فيها ولا أمارة. قال الحطيئة:
وأنى اهتدت والدو بيني وبينها ... وما خلت ساري الليل بالدو يهتدي
يريد: بخروجه من الدو أنَّ يخرج من كل غماء وشدة على طريق التمثيل.
(3/222)

وقوله: وتر عرد، أي شديد. ويقال أيضاً عرند بالنون.
وقوله: ما يقعقع لي بالشان، واحدتها شن بالفتح، ويقال أيضاً شنة وهي قربة البالية اليابسة، فيقعقع بها فتنفر الإبل من صوتها. وضرب ذلك مثلا لنفسه في الثبات. قال النابغة:
كأنك من جمال بني أقيشٍ ... يقعقع بين رجليها بشن
وقوله: فررت عن ذكاء هنا تمام السن. ومنه قول أبن زهير: جري المذكيات غلاب.
ويطلق الذكاء أيضاً على حدة القلب. ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
يفضله إذا اجتهدا عليها ... تمام السن منه والذكاء
وقوله: عجم عيدانها، أي مضغها ليعرف الأصلب. قال النابغة:
فظل يعجم أعلى الروق منقبضا ... في حالك اللون صدق غير ذي أود
وقال علقمة:
سلاءه كعصل النهدي غل بها ... ذو فيئة من نوى قرآن معجوم
وقوله: طالما أوضعتم الأضياع: ضرب من السير.
وقول الأسدي: فأضحى ولو كانت خرسان دونه أي دون سفره فإنه يراها قريبة لخوفه وطاعته. وأما قول ضابئ بن الحارث: هممت ولم أفعل. . " البيت "، فكان من قصته إنّه وجب عليه حبس وأدب عند عثمان رضي الله عنه، فعثر عليه، فأحسن أدبه، فقال في ذلك:
وقائلة: إنَّ مات في السجن ضابئ ... لنعم الفتى تخلو به وتواصله!
وقائلة: لا يبعدن ذلك الفتى ... ولا تبعدن أخلاقه وشمائله
وقائلة: لا يبعدن الله ضابئا ... إذا الخصم لم يوجد له من يقاوله!
فلا تتبعي إنَّ هلكت ملامة ... فليس بعار قتل من لا أقاتله!
هممت ولم أفعل. . " البيت "
وما الفتك ما أمرت فيه الذي ... تخبر من لاقيت انك فاعله
(3/223)

ويشبه ما وقع لابن ضابئ ما وقع لأبي شجرة السلمي، وكان من فتاك العرب. فأذى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ليحمله، فقال له عمر: ومن أنت؟ قال: أنا أبو شجرة السلمي. فقال له عمر: ألست القائل، حيث ارتددت:
ورويت رمحي من كتيبة خالدٍ ... وإني لأرجو بعدها أعمرا
وعارضتها شهبا تخطر بالقنا ... ترى البيض في حافاتها والسنورا؟
ثم أنحى عليه بالدرة. فسعى إلى ناقة وحل عقالها وأقبل بها حرة بني سليم باحث سير هربا من الدرة وهو يقول:
قد ضن عنها أبو حفص بنائله ... وكل مختبط يوما له ورق
فمال يضربني حتى خذيت له ... وجال من دوني بعض الرغبة الشفق
ثم التفت إليها وهي حانية ... مثل الرتاج أنا ما لزه الغلق
في أبيات.
وقوله: وكل متخبط يوما له ورق، أي كل مسؤول فله فضل يسيده، ونوال يوليه وأصل في الشجرة انك تختبطها ببعضها ونحوها، فيسقط ورقها. قال زهير:
وليس مانع ذي قربى ولا رحمٍ ... يوما ومعدم من خابط ورقا
قوله: حتى خذيت له، يقال: خذاله، وخذئ له بالفتح والكسر مهموزا واستخذى له، إذا خضع له وانقاد؛ وخذا يخذوا وخذوا إذا استرخى وخذيت أذنه بالكسر تخذى، إذا استرخت من أصلها وانكسرت، مقبلة على الوجه. فيحتمل أنَّ يكون قوله: خذيت له، من المهموز أو غيره.

اشتدي أزمة تنفرجي!
الاشتداد تقدم، والأزمة: الشدة والقحط، يقال: أصابتهم سنة أزمتهم أزما، أي استأصلتهم، وأزم الدهر إي اشتد وقل خيره؛ وأزم الرجل بصاحبه: لزمه، وألزمه: عضه؛ والانفراج: الانفتاح والاتساع. وهذا اللفظ حديث يروى. ولمّا كانت الحكمة الإلهية جرت بتنقلات الحوادث وتحولات الأحوال، وعدم استقرارها على حال، صارت الشدة إذا تناهت لم يعقبها إلاّ الفرج، كما أنَّ الفرج إذا تناهى لم يعقبه
(3/224)

إلاّ شدة فصارت الشدة مفتاح الفرج وسببا فيه بهذا الاعتبار. فإذا طلبت الشدة فذاك طلب الفرج، وإقامة للسبب مقام المسبب. قال تعالى:) فإن مع العسر يسرا (. وفي الحديث الآخر: احفظ الله يحفظك! احفظ الله تجده أمامك! تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة! وأعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك لم يكن ليصيبك! وأعلم أنَّ النصر مع الصبر، وإنَّ الفرج مع الكرب، وإنَّ مع العسر يسراً! وقال الشاعر:
ضاقت ولو لم تضق لمّا انفرجت ... فالعسر مفتاح كل ميسور
غيره:
خفض الجأش واصبرن رويداً ... فالرزايا إذا توالت تولت!
وقيل: وكان الإمام سحنون يقول إذا ضاقت عليه أمر ضيقي تفرجي يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين!

شراب بأمقعٍ.
الشراب معروف، وتثلث شينه، شرب بالكسر شربا وتشرابا، فهو شارب وشراب للمبالغة وأشربته أنا. وقيل: الشرب بالفتح مصدر وبالكسر والضم اسمان والشرب بالكسر أيضاً الحظ من الماء؛ والمقع بفتح الميم وسكون القاف: أشد الشرب. وفلان شراب بأمقع، أي معاود للأمور، يأتيها حتى يبلغ أقصى مراده

شراب بأنقع.
الانقع جمع نقع بفتح والنون وسكون القاف، وهو الماء المستنقع. وهذا أيضاً يضرب لمن جرب الأمور وعودها، كالذي قبله، أو للداهي المنكر، لأن الدليل إذا عرف الفلوت حذف بسلوك الطرق إلى الماء، وعرف أين يهتدي إلى الأنقع حتى يشرب منها
(3/225)

أشرد من نعامةٍ.
الشرود: الفرار؛ والنعام معروف، ولا أسرع منه عند شروده. قال:
وهم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقراً وأشرد من نعام
غيره:
وولو سراعا كشد النعام ... ولم يكشفوا عن ملك حصيرا
غيره: وكانوا نعاما عند ذلك منفرا والعرب تضرب به المثل في الجبن أيضاً مع ذلك، كما قال عمران بن حطان:
أسد علي في الحروب نعامةٌ ... فتخاء تنفر من صفير الصافر
وكما قال محكم اليمامة: إنَّ خالد لقي أسداً وغطفان، فأشار عليهم بذباب السيف، فكانوا كالنعام الجافل، أو كما قال:

أشرد من ورلٍ.
الشرود مر، والورل بفتحتين حيوان على خلقة الضب وهو أعظم منه وتقدم في حرف السين.
فائدة: ذكر بعضهم، إنّه لا يجتمع الراء واللام في لغة العرب إلاّ في أربعة ألفاظ: الورل المذكور وأرل اسم جبل والغرلة وهي القلفة، وجرل وهو ضرب من الحجارة. انتهى.
قلت: أما الورل فقد ذكرنا ضبطه، وأما أرل فبضمتين، وهو اسم جبل واسم موضع ببلد فزارة أيضا، وأما الغرلة فبضم الغين وسكون الراء. ورجل أرغل والجمع غرل، كما في الحديث: يحشر الناس حفاة عراة غرلا؛ وأما الجرل فبالجيم والراء المفتوحتين وهو الحجارة أو مع الشجر أو مع المكان الصلب الغليظ، جرل المكان بالكسر فر جرل ككتف والجمع أجرال.
(3/226)

شر الرأي الدبري.
شر أسم تفضيل. يقال: هذا أشر من هذا وشر منه بغير همز تخفيفا، كما يقال: هذا خير من هذا، وهو الأكثر استعمالا؛ والرأي: الاعتقاد، جمعه آراء ورئي، والدبري بفتحتين: الرأي الذي يسنح للإنسان أخرا، بعد فوات الحاجة. والدبري أيضاً: الصلاة آخر وقتها. قيل: والضم فيها من لحن المحدثين.

شر الرعاء الحطمة.
الحطمة على مثال همزة من الرعاة: الذي يهلك الماشية ويهشم بعضها ببعض، من الحطم، وهو الكسر ويضرب في سوء السياسة.
قال في الصحاح إنّه مثل، ومثله قول الراجز:
لقد لفها الليل بسواق حطم ... ليس يراعي إبل ولا غنم
ووهمه صاحب القاموس وقال أنه حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: وليس فيه كبير وهم، إذا لا منافاة. وكذلك وقع لأبي عبيد في كتابه إنّه مثل من أمثالهم.
وقال البكري في شرحه إنّه كلام يروى في حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال الحسن: دخل العائد بن عمرو المزني وكان من صالحي أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم، على عبيد الله بن زياد فقال له: إي بني، إني سمت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من شر الرعاء الحطمة. فإياك أنَّ تكون منهم! قال عبيد الله: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم! قال: وهل كانت فيهم نخالة؟ وإنّما النخالة بعدهم في غيرهم. فائدة: إذا كان راعي الإبل أو الماشية كلها اخرق يظلمها قيل له حطمة، كما مر؛ وإذا كان رفيقا بها يحسن رعايتها قيل له ترعية وترعاية. وقيل أنَّ هذا لمن كانت صناعته وصناعة آبائه رعاية الإبل.
(3/227)

شر السير القحقحة.
السير معروف، والقحقحة: السير المتعب. ويقال قهقهة بقلب الحاء هاء ومنه قول رؤبة:
يصبحن بعد القرب القهقهة ... بالهيف من ذاك البعيد الأمقه
قال أبو علي البغدادي في نوادره: قال مطرف بن الشخير لأبنه: عليك بالقصد وإياك وسير القحقحة! يريد الأتعاب.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: قيما يضرب من الأمثال في التوسط في الأمور: منه قول مطرف بن عبد الله بن الشخير: الحسنة بين السيئين وخير الأمور أوساطها، وشر الأمور سير القحقحة. انتهى.
قال البكري: قال مطرف يوصي ابنه: يا عبد اله، إنَّ هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق ولا تنغص إلى نفسك عبادة ربك! فإنَّ الحسنة بين سيئتين، وخير الأمور أوساطها، وشر السير القحقحة، وإنَّ المنبت لا أرض قطع ولا ظهر أبقى انتهى.
قال: ومن قوله: إنَّ هذا الدين متين. . إلى آخر الحديث، مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسير بيت في هذا قول الشاعر:
عليك بأوساط الأمور فأنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا!

الشر ألجأه إلى مخ العراقيب.
ويقال أيضاً:

شر ما أجاءك إلى مخة عرقوبٍ.
الشر نقيض الخير؛ ولجأ الرجل إلى كذا بالفتح والكسر لا ذبه وألجأته إليه: أضطررته وأجأته إليه أيضا بمناه؛ والمخ نقى العظم وعظم ممخ: ذو
(3/228)

نقي؛ والعراقيب جمع عرقوب، وهو العصب فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يديها، وكل ذات أربع فعرقوباها في رجليها، وركبتاها في يديها. والمعنى أنَّ الشر هو الذي ألجأك إلى سؤال اللئام. فيضرب عند الاضطرار إلى المسألة البخيل. وإنّما خص العرقوب لأنه شر المخاخ، كما إنّه شر العظام، كما قال الاخطل لكعب بن جعيل:
وسميت كعبا بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل

شر المال مالا يزكى ولا يذكى.
المال: معروف، والتزكية إخراج الزكاة والتذكية الذبح للأكل. والموصوف بما ذكر الحمار ونحوه، لأنّه لا زكاة فيه وزكاة له.

شر أهر ذانابٍ.
الشر تقدم؛ وهر الكلب يهر هريرا: صوت ولم ينبح. قال حسان، رضي الله عنه:
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
غيره:
ويغشون حتى ترى كلبهم ... يهاب الهرير وينسى النباحا
وذو الناب: الكلاب؛ وأهررته أنا: حملته على الهرير.
وهذا المثل يضرب عند ظهور أمارات الشر وتبين مخائله.
وأصله أنَّ قائله سمع هريرا الكلب في الليل، فأشفق من طارق بشر، فقال ذلك تعظيما للحال وتهويلا للأمر عند نفسه ومستمعه، أي: ما أهر ذا ناب إلاّ شر عظيم.
ولأحل هذا الوصف المنوي، حسن الابتداء بلفظة " شر " حتى حصل من ذلك الحصر.

شر يوميها وأغواه لها.
هذا يضرب عند إظهار البر باللسان لمن يراد به الغوائل. وهو شطر بيت تمامه:
(3/229)

ركبت غز بحدج جملا
وسيأتي في حرف اللام استيفاء الكلام عليه إن شاء الله تعالى.

الشرط أملك، عليك أم لك.
الشرط بفتح فسكون إلزام الشيء والتزامه. ويكون أيضاً بمعنى سق الجلود، كفعل الحجام، وأما الشرط بالتحريك فهو العلامة، ومنه أشراط الساعة، أي علامتها؛ والملك مثلث الميم: لاحتواء على الشيء والقدرة عليه.
والمعنى إنَّ ما أشترط فهو لازم وأولى أنَّ يتفع سواء كان ذلك الشرك عليك أم كان لك.
وهذا المثل نطق به القاضي شريح، ولا أدري أهو المخترع له أم قيل قبله.
ذكر السكاكي في المفتح إنّه حكى أنَّ عدي بن أرطة أتى ومعه امرأة له مثال أهل الكوفة يخاصمها. فلما جلس بين يدي شريح قال له عدي: أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط. قال: إني امرؤ من أهل الشام. قال: بعيد وسحيق. قال: وإني قدمت العراق. قال: خير مقدم. قال: وتزوجت هذه. قال: بالرفاء والبنين! قال: إنّها ولدت لي غلاما. قال: ليهنك الفارس! قال: وأردت أنَّ أنقلها إلى داري. قال: المرء أحق بأهله. قال: كنت شرطت لها وكرها. قال: الشرط أملك منك! قال: أقض بيننا! قال: فعلت! قال: فعلى من قضيت؟ قال: على أبن أمك! قوله: أين أنت؟ يريد: في أي شغل أنت هذا الوقت؟ هل أنت متفرغ للنظر فيما بيننا؟ ولا يريد السؤال عن المكان حقيقة، ولكن لمّا كان فضولا مع ما فيه من سوء الأدب حمله القاضي على حقيقته وأجاب بنفس المكان، تجهيلا له وتعريضاً إنّه بين جمادين وهما عدي والحائط.
وقوله الرفاء والبنين: متعلق بمحذوف، أي تزوجت وأعرست مصحوبا بالرفاء، أي بالموافقة والألفة وبالبنين، أي الذكور دون البنات.
وقوله: ليهنك الفارس! دعاء له وتفاؤل، أي: ليكن ولدك هنيئا لك لائقابه، ويبلغ مبلغ الفروسة!
(3/230)

وقوله: الشرط أملك منك؟ أي ملكه وتصرفه أقوى من تصرفك، فلا ينبغي أنَّ يخالف. وقوله: على أبن أمك، أي عليك. وإنّما عدل عن التصريح إلى ما ذكر، كراهية موجهته بالحكم عليه، لمّا جلبت عليه النفوس من كراهية ذلك. ومثل هذا ما يحكى عن شريح أيضاً من إنَّ رجلا أقر عنده بشيء ثم أنكر، فلما قال له: أعط الحق! قال: من يشهد علي؟ قال: شهد عليك أبن أختك خالتك. فعدل عن التصريح ستر عليه وكراهية أنَّ ينسبه إلى الحمق بالإنكار بعد الإقرار.

شرعك ما بلغك المحل.
يقال: هذا الشيء شرعك، أي حسبك، ومررت برجل شرعك من رجلٍ! أي حسبك. ومعنى إنّه من النحو الذي يشرع فيه؛ والتبليغ معروف؛ والمحل: الموضع الذي تريده.
والمعنى أنَّ ما بلغك المحل المراد فهو حسبك. فيضرب في التبليغ باليسير.
وقال أبو عبيد: من أمثالهم في جود الرجل بما فضل عن حاجته بماله قولهم:

يكفيك ما بلغك المحل.
قال البكري: المشهور في هذا: شرعك ما بلغك المحل، أي حسبك. وقال: آخر في هذا المعنى:
حسب الفتى من دهره ... زاد يبلغه المحلا
خبر وماء بارد ... والظل حين يريد ظلا
قال: والمحل هو الدار الباقية.

شرق ما بين القوم بشر.
يقال: شرق بالماء بالكسر إذا غص به. قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
(3/231)

ويقال في هذا المثل إذا نشب الشر بين الناس.
والمعنى إنّه امتلأ ما بينهم بالشر، فكأنه غص. وهكذا كما تقول: غص المجلس بأهله، أي امتلأ، على طريق التمثيل.

اشتر لنفسك وللسوق!
هذا مثل يضرب في الاحتياط. ومثله قولهم: إذا اشتريت فأذكر السوق! وقد تقدم في الباب الأول. ومثله ما حكى البكري أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان يقول: إذا اشتريت بعيرا فاجعله ضخما، فإنَّ أخطئك خيراً لم يخطئك سوقا.

شغلت شعابي جدواي.
الشغل بالضم وبضمتين، وبالفتح وبفتحتين ضد الفراغ شغله شغلا بالفتح، وأشغله أيضا؛ والشعاب جمع شعب بالكسر من الأرض؛ والجدوى: المطر العام والعطية أيضاً.
ويضرب هذا المثل فيما إذا لم يكن لمالك أو عطائك أو علمك أو نحو ذلك فضل عن نفسك أو عن من يتعلق بك، كالمطر تشغله شعابك، فلا يصل إلى موضع آخر.
ومعنى ذلك إنّه إذا قل المطر الواقع في الشعاب أو النازل إليها من التلاع، شربته وشغلته بذلك عن إنَّ يخلص إلى ما بعدها من الأودية والبقاع.

أشغل من ذات النحيين.
الشغل مر؛ والنحي بكسر النون وسكون الحاء المهملة: الزل. وقيل مخصوص بما كان للسمن؛ وذات النحيين امرأة من تيم الله بن ثعلبة، كانت خرجت في الجاهلية تبيع السمن فأتاها خوات بن جبير الأنصاري رضي الله عنه فسألوها فحلت نحيا مملوءاً فنظر إليه ثم قال: امسكيه حتى أنظر إلى الآخر! ثم حل نحيا آخر فقال: امسكيه حتى انظر إلى خيره! فلما شغل يدها معا وقع عليها حتى قضى
(3/232)

أربه منها فهرب. فضربت العرب بشغلها المثل وقالوا: اشغل من ذات النحيين، وبنو أشغل من شغل بالبناء لمّا لم يسم فاعله، على وجه الشذوذ. وتقدم نظيره وتوجيهه.
وقال خوات في ذلك
وذات عيال واثقين بعقلها ... خلجت لها جار أستها خلجات
وشدت يداها إذ أردت خلاطها ... بنحيين من سمن ذوي عرجات
فكان لها الويلات من ترك سمنها ... ورجعت صفراً بغير بتات
فشدت على النحيين كفا شحيحة ... على سمنها والفتك من فعلاتي
قال في الصحاح: ثم اسلم خوات وشهد بدرا، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: يا خوات، كيف شراؤك؟ وتبسم صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله، قد رزق الله خيراً، واعوذ بالله من الحور وهجا رجل تيم الله فقال:
أناس ربه النحيين منهم ... فعدوها إذا عد الصميم

شغلهم الصفق بالأسواق.
يتمثل له وهو كلام عمرو بن أبي هريرة رضي الله عنهما لمّا ذكر لعمر حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يروه. قال: اخفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم شغلني الصفق بالأسواق، أي بالبيع والشراء، لأن المشتري والبائع يضرب أحدهما بيده على يد صاحبه وهو الصفق.
وقال أبو هريرة: إنَّ إخواني من المهاجرين والأنصار شغلهم الصفق بالأسواق، وكانت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على شبع بطني، كما في الصحيح.

شق العصا.
الشق: الصدع والعصا بالقصر العود يضرب به. والعصا أيضاً: اللسان وعظم الساق وجماعة الإسلام. وقولهم: شق فلان العصا أي فارق الجماعة ويقال
(3/233)

في الخوارج: شقوا عصا المسلمين، أي فارقوا جماعتهم.
وقال الشاعر:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحبسك والضحاك سيف المهند!

أشكر من بروقةٍ.
الشكر بالضم أنَّ تعرف الإحسان وتشكره: والشكر من الله تعالى: المجازاة والثناء الجميل؛ والبروقة بكون الراء واحدة البروق، وهو شجر ضعيف، إذا غامت السماء أخضر، فوصف لذلك الشكر.

أشكر من كلبٍ.
الشكر مر، والكلب معروف، وشكره رضاه بالموجود وحياطته لصاحبه وقيامة عليه واتباعه له مع ذلك. ومما يحكى في هذا عن بعضهم قال: دخلت على العتابي، فوجدته جالسا على حصير وبين يديه شراب في إناء، وكلب رابض حوله يشرب كأسا ويولغه أخرى. فقلت له: ما أردت بهذا؟ قال: إنّه يكف عني أذاه ويكفيني أذى من سواه، ويشكر قليلي، ويحفظ مبيني ومقيلي، فهو من الحيوان خليلي.
قال الراوي: فتمنين والله أنَّ أكون كلابا لأحوز هذا النعت منه! ويقال إنَّ الحارث بن صعصعة كان له ندماء لا يفارقهم، وكان شديد المحبة لهم فخرج في بعض متنزهاته ومعه ندماؤه. فتخلف منهم واحد، فدخل على زوجته فأكلا وشربا ثم اضطجعا. فوثب الكلب عليهما فقتلهما. فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما ميتين وعرف الأمر. فأنشأ يقول:
فيا عجبا للخل يهتك حرمتي ... ويا عجبا للكلب كيف يصون
(3/234)

ما زال يرعى ذمتي ويحوطني ... ويحفظ عرسي والخليل يخون!
ويوثر في الحديث إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا مقتولا فقال: ما شأنه؟ قالوا: إنّه وثب على غنم بني زهرة فأخذ منها شاة، فوثب عليه كلب الماشية فقتله. فقال صلى الله عليه وسلم؛ قتل نفسه وأضاع دينه وعصى ربه وخان أخاه وكان الكلب خير منه.
ويحكى عن أبن عباس رضي الله عنه: كلب أمين خير من صاحب خؤونٍ وقد ألف بعض العلماء تأليفا في فضل الكلاب على كثير من لبس الثياب.

شاكه أبا فلانٍ.
المشاكهة: المشابهة.
وأصله أنَّ رجلا عرض فرسا له في السوق، فقال له رجل: أهذه فرسك التي كنت تصيد عليها الوحش؟ فقال: رُبَّ الفرس: شاكه، أي قارب في المدح ولا تفرط. فيضرب في الأمر بالقصد في المدح.
ويحكى أيضاً في هذا القصة إنَّ الأعرابي أقام فرسه للبيع فقال صاحبه: إنّها لتصاد عليها الوحش وهي رابضة. فقال له: رُبَّ الفرس، لا أبالك، كذب كذبا مؤاما به الدهر! أي موفقا به الدهر في تقلباته وأحواله الجائزة الوقوع.
وقيل إنَّ رجلا أدخل حمارا له في السوق، فجعل يقال له أبو اليسار يمدحه ويقول: إنَّ حافره جلمود، وإنَّ ظهره حديد. فقال صاحب الحمار: شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار! وتقدم هذا في الدال.

شكا إلى غير مصمتٍ.
الشكوى أنَّ تذكر الغير بسوء فعله بك، تقول: شكوت فلانا أشكوه شكوى وشاكية وشكية، فهو مشكو ومشكي؛ واشتكيه: فعلت به ما يشكوه، أو أعتبته وأزلت شكواه. فهو من الأضداد. قال الراجز:
(3/235)

تمد بالأعناق أو تلويها ... وتشتكي لو أننا نشكيها
وصمت يصمت صموتا وصمتا، وأصمت إصماتا وصمت تصميتا: سكت؛ وأصمته أنا وصمته تصميتا: أسكته، لا زمان متعديان. فيقال: شكا فلان إلى غير مصمت، أي إلى من لا يبالي به، فلا يصمته لأن من شكا إلى من يعنى بحاجته ويهتبل بأمره ويقوم بحقه ويقضي أربه ويزيل شكواه ويشفي ما في صدره فيصمت عن الشكوى حينئذ.
قال الراجز:
انك لا تشكوا إلى مصمت ... فاصبر على الحمل الثقيل أو مت!
ونحوه المثل الآتي: هان على الأملس ما لقي الدبر.

الشماتة لؤم.
الشماتة: الفرح بمصيبة العدو، ويقال: شمت به بالكسر يشمت شماتا وشماتة، فهو شامت. قال أبو صخر الهذلي:
وتجلدي للشامتين أريهم ... إني لريب الدهر لا أتضعضع
واللؤم بضم اللام وسكون الهمزة ضد الكرم، ولؤم بالضم لؤما فهو لئيم وهو لؤماء. وهذا الكلام يعزي لأكثم بن صيفي، حكيم العرب.
والمعنى إنّه لا يتشمت بالغير ولا يفرح ببليته إلاّ من لوم أصله. وقال أبن أبي عيينة
كل المصائب قد تمر على الفتى ... تهون غير شماتة الحساد
وقال الآخر:
إذا ما الدهر جر على أناسٍ ... كلاكله أنام بآخرينا
فقل للشامتين بنا: أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا!

أشم من نعامةٍ.
الشم حاسة الأنف، تقول: شممت بالكسر والفتح، أشم مفتوحا ومضموما
(3/236)

شما وشميما وشميمي؛ وتشممته؛ والنعام تقدم. يقال إنّه لا سمع له، ومن ثم يقال إنّه أصم. فأعطي قوة الشم بأنفه ما ينوب عن السماع، حتى إنّه يشم رائحة القناص عن بعيد.

شنشنه أعرفها من أخزم
الشنشنة بالكسر: الطبيعة والخلق: وأخزم بالزاي رجل من طيء، وهو أبن أبي أخزم جد حاتم، أو جد جده. مات أخزم هذا وترك بنين، فوثبوا يوما على جدهم فأدموه فقال:
إنَّ نبي زملوني بالدم ... من يلق أساد الرجال يكلم
ومن يكن ذا أود يقوم ... شنشنة أعرفها من أخزم
لأنه كان عاقا كذلك.
ويحكى إنَّ عقيل بن علفة بضم العين المهملة وفتح اللام المشددة بعدها فاء على وزن قبرة بن الحارث المري، خرج هو وأبناه، جثامة وعملس، وأختهما الحوراء حتى أتوه ابنة أخ ناكحا في بني مروان بالشام. ثم قفلوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال عقيل:
قضت وطرا من دير سعد وكالما ... على عرض نطحنه بالجماجم
ثم قال: أجز، يا جثامة! فقال:
وأصبحن بالهومات يحملن فتية ... نشاوي من الإدلاج هيل العمائم
ثم قال: أجز يا علمس! فقال:
(3/237)

إذا علم غادرنه بنتوفة ... تذارعن بالأيدي لآخر طاسم
ثم قال: يا حوراء، أجيزي! فقالت:
كأنَّ الكرى ساقهم صرخ يده ... تدب دبيبا في المطا والقوائم
فقال عقيل: شربتها، وربَّ الكعبة! ثم شد عليها بالسيف، فقال أخوها: ما ذنبنا؟ إنّما اجازت شعرا! فشد عليه أحدهم فخدشه بسهم يتمعك في دمه ويقول:
إنَّ بني ضرجوني بالدم ... من يلق أبطال الرجال يكلم
شنشنة أعرفها من أخزم
ثم توجه ولده للطريق. فلما مروا ببني القين قالوا لهم: هل لكم في الجزور انكسرت! قالوا: نعم! قالوا: الزموا هذه ارواحل! فذهب القوم حتى انتهوا إلى عقيل، فحملوه وعالجوه حتى برئ ولحق بهم. فقال أبو عبيد القاسم بن سلام: من أمثالهم في التشبيه الرجل بأبيه: شنشنة اعرفها من أخزم. قال: وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قاله في أبن عباس، رضي الله عنهما، شبهه في رأيه بابيه. قال البكري: أخزم هذا هو جد حاتم بن عبد الله الطائي، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن أبي أخزم بن أبي أخزم. وقيل هو جد عقيل بن علفة. الشنشنة: النطفة، من شنشنت إذا أرقت. ويراد ما أراق من النطفة في الرحم.
قال أبو بكر: وقال قوم: شنشنة: الغريزة والطبيعة. فمن جعل أصل المثل لأخزم الطائي قال: كان أخزم جوادا. فلما نشأ حاتم وعرف جوده قال: الناس: شنشنة من أخزم، أي قطرة من نطفة أخزم. قال: وذكر علي بن الحسن إنَّ عقيل بن علفة أبن الحارث المري أتى منزله فإذا بنوه مع بناته وأزواجه مجتمعون. فشد على عملس منهم، فحاد عنه وتغنى ابنه علفة:
قفي يا ابنه المري أسألك ما الذي ... تريدين فيما كنت منيتا قبل
فإنَّ شئت كان الصرم ما هبت الصبا ... وإنَّ شئت لا يفنى التكارم والبذل!
فقال عقيل: يا أبن اللخناء متى منتك نفسك هذا؟ وشد عليه بالسيف. فحال
(3/238)

علمس بينه وبينه، وكان أخاه لأمه وأبيه. فشد على علمس بالسيف وترك علفة ولم يلتفت إليه فرماه علمس بسهم وأصاب ركبته. فسقط عقيل يتمكع بالدم وهو يقول:
إنَّ بني سربلوني بالدم ... من يلق أبطال الرجال يكلم
ومن يكن ذا أود يقوم ... شنشنة أعرفها من أخزم
قال المدائني: شنشنة أعفها من أخزم مثل ضربه، وأخزم فحل كان لرجل من العرب وكان منجبا، فضرب في ابل رجل آخر ولم يعلم صاحبه فرأى بعد ذلك من نسله جملا فقال شنشنة أعرفها من أخزم. انتهى كلام البكري.
وقال أبن ظفر في شرح المقامات: هذا المثل ضربه جد حاتم حين نشأ حاتم وتقيل أخلاقه جده أخزم في الجود، فقال: شنشنة. . الخ. وتمثل عقيل بن علفة به حين قال: إنَّ بني. . الخ. ومن أدعى إنَّ المثل فقد سها فيه. انتهى.

شاهد البعض اللحظ.
مثله قولهم أيضاً: رب لحظ انم من لفظ كما مر من قول زهير:
فإنَّ تك في عدو أو صديقٍ ... تخبرك العيون عن القلوب
وقول أبن أبي حاتم:
خذ من العيش ما كفى ... ومن الدهر ما صفا
عين من لا يحب وص ... لك تبدي لك الجفا
وقول الآخر:
تخفي العداوة وهي غير خفية: ... نظر العدو بما أسر يبوح
وقالوا: يعبر عن الإنسان اللسان، وعن المودة والبغض العيان.

يشوب ويروب.
الشوب: الخلط تقول: شبت اللبن وغيره بالماء، وأشوبه شوبا والروب الرائب وهو اللبن الخاثر قبل أن يحمض. ولا يزال يمسك بذلك حتى يمخض وينزع زبده. ثم يبق ذلك الاسم على بعد. قال الشاعر:
(3/239)

سقاك أبو ماعز رائبا ... ومن لك بالرائب الخاثر؟
يقول: سقاك الممخوض، ومن لك بالذي لم يمخض. وهذا قول أبي عبيد.
ورابت اللبن وروبته وراب هو يروب روبا. والمروب: السقاء الذي يروب فيه.
ويقال: ما له شوبٌ ولا روبٌ أي مرق ولا لبن.
وقيل الشوب العسل والروب اللبن وفلان يشوب ويروب: يخلط ويصفي ويمزج الهزل بالجد.
يضرب من إصابته مرة وأخطائه أخرى. ويقال: يشوب ولا يروب أي يخلط ولا يخلص.
وأصل يروب في المثالين يريب وإنّما قيل يروب للازدواج.

شب شوباً لك روبته!
الشوب تقدم؛ والروبة بضم الراء روبة اللبن وهي خميرة تلقى فيه من الحامض يروب.
وهذا كما يقال: أحلب حلبا لك تنظره! كذا في الصباح. وهو يناسب أن تكون الأم في لك للملك والاستحقاق فيما يستقبل؛ ويحتمل أن يكون الملحوظ فيها المضي فيقال لمن شب نار فتنة أو تسبب في أمر من الأمور كأنه قيل له: اجر في فتنة أنت مثيرها أو منك كان أقوى أسبابها والإعانة فيها.

شاورهن وخالفوهن!
أي النساء. يتمثل به وهو حديث.

شالت نعامته.
يقال: شالت الناقة بذنبها تشول شولاً وشولانا وأشالته: رفعته
(3/240)

وشال الذنب نفسه: ارتفع لازمٌ متعد: وشال بالحجر أيضاً وأشاله: رفعه؛ والنعامة الحيوان المعروف. والنعامة اسضا: جماعة القوم وباطن القدم يقال للقوم: شالت نعامتهم إذا خفت منازلهم أو تفرقت كلمتهم أو ذهب عزهم. وشالت نعامة فلان إذا خف وغضب ثم سكن. هكذا قال بعض العلماء. وقال آخرون: يقال شالت نعامة فلان إذا هلك. ومن هذا قول الشاعر:
يا ليتنا أمنا شالت نعامتها ... أيما أبى جنةٍ أيما إلى نارِ!
قيل وذلك لأنَّ النعامة باطن القدم وشالت: ارتفعت ومن شأن من هلك أن ترتفع رجلاه وينكسر رأسه فتظهر نعامة قدمه. ومن ثم يقال: تنعم فلان إذا مشى حافياً على نعامته كقوله:
تنعمن لمّا جاءني سوء فعلهم ... إلاّ إنّما البأساء للمتنعم!
واختلف في قول عنترة:
فيكون مركبك القعود ورحله ... وأبن النعامة عند ذلك مركبي
فقيل: أبن النعامة: الطريق وقيل: باطن القدم. وسمي الطريق بذلك لأنّه مركب لها.

شوى حتى إذا نضج رمد.
شيُّ اللحم معروف؛ والنضج كما الطبخ؛ والترميد: جعله في الرماد وتعفينه به. فيقال لكل من أفسد الشيء بعدما صلح.

شيئاً ما يطلب السوط إلى الشقراء!
السوط معروف؛ والشقراء فرس لبعض العرب ركبها فجعل كلما ضربها زادته جرياً.
يضرب لمن طلب حاجة وجعل يدنو من قضائها والفراغ منها. كذا في القاموس. ومما يلتحق بهذا الباب قولهم:

أشربتني ما لم أشرب.
(3/241)

أي ادعيت علي ما لم افعل. وقولهم:

الشعر أحد الوجهين.
أي النظر إليه كالنظر إلى الوجه.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم.

شاهت الوجوهُ.
فانه كثيرا ما يتمثل به. وقول الحريري:

شوى في الحريق سمكته.
والحريق اسم من الاحتراق؛ والسمكة: الحوتة وهي إنّما تشوى في النار القوية وفي اللهب ما دام؛ فإذا سكن تعب في شيها.
فيضرب ذلك مثلا لقضاء الحاجة من القاضي ما دام غضبه للكرام بتحريكه للنوال بالشعر وانتهاز الفرصة منه قبل سكون غضبه فقد لا يوجد إذ ذاك.
وإذ فرغنا من الأمثال المنثورة فلنذكر ما تسمى من الشعرية.
قال الشاعر:
لقد كثر الظباء على خداشٍ
وهذا المثل مشهور ويمام البيت:
فما يدري خداشٌ ما يصيدُ
غير أنه إذا تمم خروج عن هذا الباب.
وقال بعض الوعاظ مضمنا لهذا المثل في ذم الدنيا:
يا راكضاً في طلاب دنيا ... ليس لمن تصرعُ انتعاشُ
تنح يا عرضة لرامٍ ... أسهمه بالردي تراشُ
لا تغش ناراً " " لظاها ... بمن له نحوها انحياشُ!
(3/242)

أعذر منك الفراش حالاً ... علمت ما يجهل الفراشُ
تطلبها لا تنام عينٌ ... عنها ولا يستقر جاشُ
من كل بالري من شرابٍ ... يشتد من شربه العطاشُ؟
دعها فطلابها رعاعٌ ... طاشت بألبابهم فطاشوا
وأظمأ لتروى وكن كقومٍ ... ماتوا بها عفةً فعاشوا!
لم يردوها فهم رواءٌ ... وواردوها هم العطاشُ
كأنَّ المنايا ظباءٌ ... وأنت من حيرةٍ خداشُ
إنَّ لأيامنا انبساطاً ... به لأعمارنا انكماشُ
كأنَّ آجالنا صقورٌ ... ونحن من تحتها خشاشُ
وقال الآخر:
ما لقوي عن ضعيفٍ غنى ... لا بد للسهم من الريش!
وقال أبو الطيب:
ونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش
وقال الآخر:
وقد كنت مركبكم في الصدور ... فصرت بها ملحقاً في الحواش
وقال سابق البربري:
فلا تخبر بسرك كل سرٍّ ... إذا ما جاوز الاثنين جاشا!
والاثنتين هنا الشفتين.
ومثله عند عضهم قول الآخر:
إذا جاوز الاثنين سرٌ فانه ... ببثٍّ وإفشاء الحديث قمينُ
وقال القائم بأمر الله أحد ملوك بني العباس:
القلب من خمر التصابي منتشٍ ... هل لي غديرٌ من شرابٍ معطشِ؟
والنفس من برح الهوى مقتلةٌ ... ولكم قتيلٍ في الهوى لم ينعشِ!
جمعت عليَّ من الغرام عجائبٌ ... خلفن قلبي في إسارٍ موحشِ
خلٌ يصد وعاذلٌ متنصحٌ ... ومنازعٌ يغري ونمامٌ يشي
(3/243)

غيره:
إذا الواشي بغى يوماً صديقاً ... فلا تدع الصديق لقول واشِ!
وقلت أنا:
ولائمةٍ هبت بليلٍ تلومني ... وثوب الدجى ما للصبح به نقشُ
وليس لديباجِ السماء الذي سما ... علينا سوى ترقيش أنعمه رقشُ
وقد جبت آفاقها فكأنها ... من السندس الخضر السرادق والعرشُ
كأنَّ النجوم الزهر في جنباتها ... وجوهٌ زهتهن الملاحة والبشُ
تلوم على أن لم تر الدهر مسعداً ... مناي وصرف الدهر ليس له حفشُ
وأشجى حشاها أن تبدى بعاتقي ... لأنيابه عضٌ وفي عضدي نهشُ
وأن تفضي من رزاياه طارفي ... وأن قد جرى منه على أعضمي محشُ
فباتت يناجيها الأسى ويجيشها ... إليَّ تناجيني ويغلبها الجهشُ
وتمحضني منها تخالُ نصيحةً ... ولم تدر أنَّ النصح آونةً غشُ
تقول: التجئ للمترفين فإنه ... إلى نارهم من نابه دهره يعشو
فقالت لها إذ كان زوراً مقالها ... مقالة شهمٍ ليس في قيله رفشُ
هو الدهر ما يبقى على متخشعٍ ... جزوعٍ ولا يرثي لشاكٍ إذا يشطو
وأحداثه تجري فمن ذي هوادةٍ ... أليفٍ وذي شحناء أخذته بطشُ
وما الدهر إلاّ واديان فمعشٌ ... أنيس لمرادٍ وذو جردٍ وحشُ
وداران دارٌ ذات نعمى هنيئةٍ ... وفرشٍ وأخرى لا نعيمٌ ولا فرشُ
ويومان يومٌ أنت فيه متوجٌ ... على العرش أو يومٌ به حسبك الفرشُ
وما المال إلاّ مزن صيفٍ وقلما ... يدوم ويجدي للصدى ذلك الطشُ
وليلة سارٍ بينما هو مقمرٌ ... بصحراء غاب البدر فاستوسق الغبشُ
وليس الفتى من ليس يبرح ضارعاً ... هلوعاً إذا يرمه من دهره خدشُ
كئيبٌ بئيسٌ إن عرته ملمةٌ ... وتغشاه إن أثرى الشراسة والفحشُ
(3/244)

سؤولٌ لما وافى منوعٌ لمّا حوى ... ودودٌ لمن أثرى بغيضٌ لمن يغشو
عزيزٌ على المولى ذليلٌ على العدا ... عبوسٌ إذا يسمو طليقٌ إذا يلشو
ولكن من إن ناله لا شباته ... تفل ولا في حزمه يدرك النفشُ
ضنينٌ بماء الوجه لا يستثيره ... إلى مطمعٍ في غير خالقه حرشُ
صبورٌ على علاته متجرعٌ ... دوين الهوان ما تهرعه الرقشُ
عليمٌ بأن النائبات إذا عرت ... فملجؤها السامي بسلطانه العرشُ
هو المرتجى في فتح ما كان مرتجا ... وتنوير ما أمسى به أظلم الغطشُ
وثيقٌ بهذا لا تلين صفاته ... إذا قرعت أحشاءه النوب المحشُ
قريبٌ من المولى صفيٌ إذا اعتنى ... ومبتعدٌ عنه إذا مسه خيشُ
فلا عرضه يبلى ولا حزمه يهي ... ولا وهنه يبدو ولا سره يفشو
فذلك ما عاش السميُّ مكانه ... وأخلق بأن يسمو إذا حفه النعشُ
قوله: السرادق والعرش، السرادق: البيت من الكرسف والذي يمد فوق صحن الدار؛ والعرش: الخيمة وسقف البيت وما يستظل به.
والبش والبشاشة: طلاقة الوجه.
والنقربات: الخيل تقرب مرابطها.
والبرش في شعر الفرس نكت صغار تخالف سائر لونه.
والخفش: الطرد والمحش: قشر الجلد من اللحم وشدة الأكل.
والجهش: الفزع يقال: جهش إليه جهشاً إذا فزع. وهو يريد البكاء كالصبي.
والرفش: الضعف والوهن أو الخلط من قوله: رفشت الشيء إذا دققته وهرسته مجازاً.
(3/245)

والكشو: العض.
والغبش: ظلمة آخر الليل وأثرى الرجل: كثر ماله وغشاه يغشوه وغشيه يغشاه: أتاه.
ولشا الرجل: خس بعد رفعة.
والحرش: التحرك والاصطياد.
ولنكتف بهذا القدر والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
(3/246)

باب الصاد
أصبر من حمارٍ.
الصبر خلاف الجزع صبر بالفتح صبرا فهو صابر وصبور وتصبر واصطبر. والصبر أيضاً: الحبس واللزوم؛ والحمار معروف وطبعه الصبر على الأثقال والأحمال.

أصبر من ذي الضاغط.
الصبر مر وذو الضاغط: البعير والضاغط انفتاق في إبطه.
وفي عبارة بعضهم هو البعير الذي حز مرفقه جنبه.

أصبر من عودٍ بدفيه الجلب.
العود: المسن من الإبل كما مر؛ والدفان: الجنبان؛ والجلب جمع جلبةٍ على مثال غرفةٍ، وهو أثر الدبر.
والمثل الأول من هذين. قال البكري: هو لسعيد بن أبان بن عيينة بن حصن؛ والثاني لحلحلة بن قيس بن أشيم وكلاهما فزاريان.
قال: وخبر ذلك أنَّ كلبا أوقعت ببني فزارة وقتلوا منهم نيفا وخمسين رجلا. فتلافى عبد الملك أمرهم وتحمل لبني فزارة نصف الحمالات وأداها إليهم وضمن النصف الآخر إلى العام المقبل. ثم إنَّ فزارة أخفرت ذلك وغزت كلبا. فلقوهم ببنات قين فتعدوا عليهم في القتل فغضب عبد الملك لإخفارهم ذمته فكتب إلى الحجاج يأمره إذا فرغ من أبن الزبير أن يوقع ببني فزارة. فلما فرغ الحجاج من شأن أبن الزبير نزل ببني فزارة. فأتاه سعيد وحلحلة المذكوران، فأوثقهما وبعث بهما إلى عبد الملك. فلما مثلا بين يديه
(3/247)

قال عبد الملك: من كان عنده دين وتر فليقم إليها! فقام أبن سويد الكلبي وكان أبوه ممن قتل ببنات قين فقال: يا حلحلة هل أحسمت سويدا؟ فقال: عهدي به يوم بنات قين وقد انقطع خروه في بطنه. فقال: أما والله لأقتلنك! قال: كذبت ما أنت تقتلني وإنّما أبن الزرقاء! والزرقاء إحدى امهات مروان بن الحكم يعابون بها. فنادى بشر بن مروان وأمه فزارية فقال: صبرا حلحل! فقال حلحلة:
أصبر من عودٍ بدفيه الجلب ... قد أثر الباطن فيه والحقب
ثم التفت إلى أبن سويد فقال: يا أبن أستها أجد الضربة! فقد وقعت بأبيك مني ضربة أسلحته. فضرب أبن سويد عنقه.
ثم قدم سعيد بن أبان ليضرب عنقه فناداه بشر: صبرا يا سعيد! فقال:
أصبر من ذي ضاغطٍ عركرك ... ألقى بواني زوره للمبرك
فضرب عنقه وألحقه بصاحبه.
والعركرك: البعير الغليظ؛ والزور: الصدر.

أصبر من قضيبٍ.
قضيب بالقاف والضاد المعجمة على مثال أمير رجل من ضبة.

صاحب الدابة أولى بمقدمها.
يتمثل به وهو يروى أثرا أو حديثا. ومعناه ظاهر.

صادف بطنه بطن تربة.
يقال: صادفه إذا لقيه ووجده؛ والبطن خلاف الظهر، من الحيوان ومن الأرض أيضاً؛ وتربة على مثال همزة وادٍ معروف يصب في بستان أبن عامر. فيقال هذا عند مصادفة الخصب وسعة العيش كأنه صادف هذا الوادي.
(3/248)

صاحب السلطان كراكب الأسد يهابه الناس وهو لمركوبه أهيب
هذا المثل من الأمثال الحكيمة، وهو قول الشاعر:
لا تصاحبن السلطان في حالةٍ ... صاحبه ليث الشرى يركب
يهابه الناس لمركوبه ... وهو لمّا يركبه أهيب
وسيأتي استيفاء هذا المعنى في الحكمة، إن شاء الله تعالى.

اصح من عير أبي سيارة.
الصحة ضد السقم، والعير بالفتح الحمار الوحشي. قال امرؤ القيس:
كأني ورفد والقراب ونمرقي ... على ظهر عير وارد الخيرات
وقد يطلق على الأهلي، كما قال الآخر:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلاّ الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد!
وأبو سيارة بفتح السين وتشديد الياء عميلة بن خالد العداوني. وكان له حمار اسود جاز عليه من مزدلفة إلى منى أربعين سنة. وقيل: ولا يعرف حمار أهلي عاش أكثر من هذا الحمار. وضرب به المثل في الصحة وقال السهلي: هي أتان عوراء سوداء خطامها ليف. وكان أبو سيارة يقول:
لا يهم لي في الحمار الأسود ... أصبحت بين العالمين أحسد
بت أبا سيارة المحسد ... من شر كل حاسد يحسد!
وهو الذي يقول: أشرق ثبير كي ما نغير! وكان يقول في دعائه: اللهم بغض بين رعائنا، وحبب بين نسائنا، واجعل المال في سمحائنا!
(3/249)

وفيه يقول الشاعر:
خل الطريق عن أبي سياره ... وعن مواليه بني فزاره
حتى يجيز سالما حماره ... مستقبل القبلة يدعو جاره!
وقد أجار الله من أجاره

صرح حجير!
التصريح خلاف التعريض؛ وحجير رجل من اليمامة كان مؤذنا لمسيلمة الكذاب لعنه الله! وكان أوّل ما أمر أنَّ يذكر مسيلمة في الأذان توقف. فقال له محكم بن الطفيل: صرح حجير! فذهبت مثلا.

صرح الحق عن محضه.
التصريح خلاف التعريض، وصرح فلان بما في نفسه: كشفه؛ والمحض الخالص، وصرح الحق عن محضه انكشف واتضح.
وأورده أبو عبيد القاسم بن سلام، لإعلان السر وإبدائه بعد كتمانه باللفظ السابق. فقال البكري: جميع العلماء إنّما أوردوه: صرح الحقين. قال. وتقدم ذكر الحقين وتفسيره؛ ومحضه: خالصه. انتهى.
قلت: وهذا اللفظ أحسن وأبين تمثيلا، وأنسب لذكر المحض. وقد تقدم لنا نحن أيضاً تفسير الحقين من اللبن والمحض: الخالص منه؛ قال طرفة:
ويشرب حتى يغمر المحض قلبه ... وإنَّ أعطه اترك لقلبي مجثما
فإذا انكشف الأمر عن ستره وظهر بعد التباسه، كان كاللبن المنكشف رغوته عن محضه.

صدقني سن بكره.
الصدق خلاف الكذب، وصدقت الرجل: أخبرته بصدق، فهو مصدوق؛ والسن بالكسر واحدة أسنان الفم، ومقدار لعمر أيضا؛ والبكر بالفتح: الفتي من الإبل، جمعه بكار وبكارة بكسرهما.
(3/250)

وهذا المثل يضرب لمن يخبرك بسره، وما انطوت عليه ضاوعه.
وأصله أنَّ رجلا ساوم آخر في بكر فقال: ما سنه؟ قال: بازل. ثم نفر البكر. فدنا إليه صاحبه يسكنه وجعل يقول: هدع! هدع! وهي كلمة يسكن بها الصغار من الإبل. فلما سمعه المشتري قال: صدقني سن بكره. وهو أما أنَّ يكون برفع سن على إسناد الصدق إليه مجاز، وأما بنصبه على حذف المضاف أو الجار، أي: صدقني خبر سن بكره، أو في سن بكره، وهما وجهان في المثل، وفاعل الفعل على هذا البائع، وهو أما أنَّ يكون صدقه إياه بأخباره الأول إنّه بازل، ويكون خرج مخرج الهزء والسخرية أو بكلامه الثاني الذي يسكن به البعير وهو الأظهر.

أصدق من القطا.
الصدق مر؛ والقطا طائر معروف، وتقدم أيضاً، قيل: وسميت قطا لأنها تقول في صوتها: قطا! قطا! فسميت بحكاية صوتها. ومن ثم قالوا: أصدق من القطا وأنسب من القطا قال الكميت:
لا تكذب القول إنَّ قالت قطا صدقت ... إذ كل ذي نسبة لابد ينتحل

صدقك يبني عنك لا الوعيد.
الصدق مر؛ ويبني، من النبوة وهو الارتفاع. تقول: نبأ الشيء غير مهموز، ينبو، نبوة، أي أرتفع؛ ونبا الشيء عن الشيء: تجافى عنه ولم يعمل فيه أو لم يطمئن عليه. قال الشاعر:
إنَّ جنبي عن الفراش لنائب ... كتجافي الأسر فوق الظراب
والأسر: البعير يصيبه السرر داء في صدره يمنعه البروك والطمأنينة، وانبيته عني: جافيته ودافعته؛ والوعيد: الوعد بشر.
والمعنى أنَّ صدقك في لقائك عدوك ودفاعهم هو الذي يدفعهم عنك، لا وعيدك إياهم من غير فعل. وكذا كل أمر تزاوله إنّما يظفرك منه بما ترغب، وينجيك مما ترهب،
(3/251)

صدقك وجدك وسعيك جلباً ودفعاً، لا مجرد اللسان.

أصرد من عنزٍ جرباء.
الصرد: البرد بفتح فسكون، وصرد الرجل بالكسر صرداً فهو صرد: وجد البرد سريعا. قال الشاعر:
أصيح قلبي صردا ... لا يشتهي أنَّ يردا
والعنز معروف والجرب بفتحتين معروف جرب بالكسر فهو أجرب، وجربت فهي جرباء. والعنز الجرباء لا تستطيع ألم البرد، ولا تمسك نفسها عنده. فضرب بها المثل لمن يجد البرد سريعا.

أصرد من عين الجرباء.
الصرد مر؛ والحرباء: الحيوان المعروف، وتقدم ما فيه، وناه يستقبل عين الشمس أبداً ويدور معها حيثما دارت. ومن ثم أبن الرومي الرقيب بالحرباء حيث قال:
ما بالها قد حسنت ورقيبها ... أبداً قبيح قبح الرقباء!
ما ذاك إلاّ إنّها شمس الضحى ... أبداً يكون رقيبها الحرباء
فصارت الحرباء لذلك عن بعضهم أنَّ المثل الأول تصحف هذا.

صرفانية ربعية، تصرم بالصيف وتوكل بالشتية.
الصرفان بالفتح والتحريك: تمر رزين صلب يعده العبيد والأجراء وذوو العيال لعيشهم لكفايتهم ومنها قول الزباء:
ما للجمال مشيتها وئيداً ... أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثما قعودا؟
وفي الصحاح: قال أبو عبيدة: ولم يكن يهدي إليها شيء كان أحب إليها من التمر الصرفان. وانشد:
(3/252)

ولمّا أتاها العير قالت: أباردٌ ... من التمر أم هذا حديد وجندل؟
وثرم التمر قطعه؛ والشتية تصغير الشتاء.
والمثل ظاهر المعنى، ولم أقف بعد على أصله وسببه.

الصارم ينبو.
الصارم: السيق القاطع؛ ونبوه: تجافيه عن الضريبة، كما مر آنفا في تفسير النبوة.
وهذا من أمثال أوس بن حارثة. ومثله الجواد يكبو. والمراد من ذلك أنَّ الكريم تكون له الزلة والشريف تكون له السقطة، واللبيب تكون له هفوة والجواد تكون له الوقفة، ونحو ذلك.

أصغر القوم شفرتهم.
الصغر ضد الكبر، والشفرة بفتح فسكون السكين العظيم جمعه أشفار. والمعنى أصغر القوم خادمهم.

صفرت وطابه.
يقال: صفر الشيء بالكسر فهو أصفر، والصفرة لون معروف. وصفر البلد أيضاً والبيت ونحوه إذا خلا من سكانه. ومنه قولهم: نعوذ بالله من صفر الناء! أي خلوه بهلاك المواشي؛ والوطب بالفتح سقاء اللبن والجمع أوطب وأوطاب ووطاب.
ويقال صفرت وطابه أي مات فخلا وطبه من روحه. قال امرؤ القيس:
ألا يا لهف هند أثر قومٍ ... هذا كانوا الشفاء فلم يصابوا
وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالاشقين ما كان العقاب
وأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطب
أي: لو أدركنه لمات.
(3/253)

أصفى من عين الديك.
الصفاء ضد الكدر، صفاء الشيء بالفتح يصفو صفاء، فهو صافٍ؛ والديك معروف؛ والعين تطلق على الباصرة وعلى ذات الشيء. والمراد هنا الأول. ضربوا المثل بعين الديك في صفائها. قال الأخطل:
وكأس مثل عين الديك صرف ... تنسي الشاربين لها العقولا
وسمعت أعرابية رجلا ينشد:
وكأس سلاف يحلف الديك إنّها ... لدى المزج من عينيه أصفى وأحسن
فقالت: بلغني أنَّ الديك من صالحي طيركم وما كان ليحالف كاذبا! ويحكى عن دعبل قال: كنا يوما عند سهل بن هارون، فأطلنا الحديث حتى أضر به الجوع. فدعا بغذائه، فإذا بصفحة فيها مرق ولحم ديك لا يؤثر فيه ضرس. فأخذ قطعة من خبزة فقلع بها جميع المرق ثم بقي مطرقا ساعة، فرفع رأسه إلى الغلام فقال له أين الرأس؟ قال: رميت به. قال: ولم؟ قال: ظننتك لا تأكله. قال: ولم ظننت ذلك؟ فو الله إني لأمقت من يرمي برجله، فضلا عن رأسه، والرأس رئيس، وفيه الحواس الخمس ومنه يصيح الديك، وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل فيقال: شراب مثل عين الديك، ودماغه عجيب لوجع الكلب. فإنَّ كان يبلغ من جهلك أني لا آكله فإنَّ عندنا من يأكله: انظر أين هو! قال: والله ما أدري أين رميت به! قال: أنا والله أدري: رميت به في بطنك! وسهل هذا ممن يضرب به المثل في البخل، وسنلم بشيء من أخباره بعد، إن شاء الله تعالى. وقال عدي بن زيد:
قدمته على عقار كعين الديك ... صفا سلافها على الراووق
ولهذا الشعر حكاية حسنة لحماد الراوية، وهي مشهورة، وعسى أنَّ نذكرها في موضع آخر.

صلاح رأي النساء فساد، ونفاقه كساد.
مثل مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى.
(3/254)

أصلح الغيث ما أفسد برده.
الصلاح ضد الفساد كالصلوح، صلح الشيء بالفتح والضم صلاحا فهو صلح بالكسر وصالح وصليح؛ والغيث: المطر وقد غاث المطر الأرض أي أصابها وغاثها الله يغيثها فهي أرض مغيثة ومغيوثه. والغيث أيضاً: النبات سمي بما نشأ عنه. قال امرؤ القيس:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... لغيث من الوسمي رائده خال
وقال:
وغيث من الوسم حول تلاعه ... تبطنه بشظيم صلتان
ويحتمل الآخر.
وهذا المثل يضرب للرجل يكون فاسدا ثم يصلح. والأنسب لمعناه إنّه للشيء يصلح من وجه بعد ما فسد من وجه آخر، كالجواد يجبه السائل بالشتم ثم يحسن إليه ويعتبه أو يماطل زمانا ثم يوسع برا ومعروفا فيكون إكثاره الخير جبرا لمّا في المطل من الإساءة، ونحو هذا من الاعتبار.

أصنع من دود القز.
الصناعة بالكسر حرفة الصانع؛ والصنعة بالفتح علمه صنع الشيء بالفتح يصنعه صنعا، ورجل اليدين بالكسر وبفتحتين، وصنيع اليدين وصناعهما: حاذق في الصنعة، وصنع اللسان، ولسان صنع أي بليغ؛ وامرأة صناع اليدين: حاذقة وتقدم هذا، ودود القز هي دود الحرير، وصناعتها فيه أمر عجيب. ولو قيل أيضاً أضيع من دود القز بالضاد والياء المثناة من تحت، كان حسناً لأنها تلف على نفسها حتى تموت. وبها يضرب الحكماء المثل لجامع المال الحريص عليه ثم يخزنه وبمنعه الحقوق حتى يهلك في جمعه، فيأخذه الوارث كما يؤخذ الحرير بعد موت الدودة.
(3/255)

أصنع من سرفة.
الصنع مر؛ والسرفة بضم السين ويكون الراء المهملتين وبالفاء دويبة، ويقال هي الأرضة، وهي تتخذ بيتا من دقاق العيدان، ثم تلزقه بعود بمثل نسيج العنكبوت إلاّ إنّه أصلب. ثم تلزقه بعودان من أعواد الشجر وقد غطت رأسها وجميعها فتكون فهي ويقال تدخل فيه فتموت.

أصنع من تنوطٍ.
التنوط بفتح التاء وضم الواو المشددة، وبضمها وكسر الواو: الطائر، والواحدة تنوطية، وهذا الطائر يدلي خيوطا من شجرة وينسج عشه كقارورة الدهن منوطاً بتلك الخيوط فيفرخ فيه. ولذلك سمي التنوط.

صابت بقر.
الصوب مجيء السماء بالمطر وصاب نزل قال:
فلست لأنسى ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب
وصابه المطر أي مطر والصوب أيضاً: القصد، تقول: صاب السهم أي قصد ولم يجر؛ والصوب أيضاً واصواب صد الخطأ والقر بضم القاف البرد وقر الرجل بالضم أصابه القر فهو مقرور ويوم قر بالفتح بارد قال: امرؤ القيس:
لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم إني افر
تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعا صبر
إذا ركبوا الخيل وأستلاموا ... تحقت الأرض واليوم قر
والقر أيضاً بالضم القرار ومنه قولهم: صابت بقر أي صارت الشدة في قرارها. قال: طرفة:
كنت فيكم كالمغطي رأسه ... فانجلى اليوم قناعي وخمر
(3/256)

سادراً أحسب غيي رشداً ... فتناهيت وقد صابت بقر
هذا تمام ما وجد من هذا التأليف العجيب، والأسلوب الغريب، بخط الشيخ المؤلف، رحمه الله تعالى ونفعنا به على يد كتابه وناسخه عبد السلام بن عبد الرحمن العدلوني، كان الله له وليا ونصيراً، وفي ثاني عشر من رجب الفرد الحرام، عام أربعة وثلاثين ومائة وألف.
الحمد لله! قوبلت هذه النسخة بأصلها، أصل المؤلف رحمه الله تعالى عليه بجد وجد في طرق تصحيحها بذلك منه بفقدها ما وجدته في حيز الضد. والحمد لله الذي هو سنى ذلك حق الحمد حمداً واري الزند سامي البند، ذاكي الرند وصلاة الله العديمة الند الفائحة الند، على من ليس لمن يرتجي شفاعة من الصلاة عليه من بد، وعلى آله ويلم تسليما.
قال هذا وكتبه بيده مصححها محمّد بن قاسم بن محمّد أبن زاكور الفاسي عامله الله!
(3/257)