Advertisement

زهر الآداب وثمر الألباب 001



الكتاب: زهر الآداب وثمر الألباب
المؤلف: إبراهيم بن علي بن تميم الأنصاري، أبو إسحاق الحُصري القيرواني (المتوفى: 453هـ)
الناشر: دار الجيل، بيروت
عدد الأجزاء: 4
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجزء الأول
مقدمة الناشر
احياء التراث العربي، بتحقيقه تحقيقا علميا دقيقا وضبطه وشرح ما غمض من معانيه ومراجعة نصوصه الأصلية؛ مهمة جليلة ومسؤولية بالغة تصدى لها العديد من أكفأ وأخلص رجالات الأدب في عصرنا الحاضر، وفي طليعتهم الدكتور زكي مبارك.
.. إن تحقيق هذه الروائع الأدبية وشرحها رسالة سامية ... وكذلك نشرها وتقديمها إلى القارىء العربي بالصورة اللائقة؛ رسالة يتصدى لحملها الناشر الواعي لأهمية تراثنا العربي المقدّر لقيمته، الحريص على إغناء الثقافة العربية، والباذل لكل جهد مهما عظم في سبيل تقديم روائع القديم في أبهى وأحدث حلة تبويبا وإخراجا وطباعة.
بين روائع التراث العربي يتألق كتاب «زهر الآداب، وثمر الألباب» كالدرة النادرة، وقد زاد من قيمته جهد لا يقارن به جهد بذله الأديب العملاق، الدكتور زكي مبارك في تحقيقه وضبطه وشرح نصوصه.
كتاب «جمع كلّ غريبة» . بل خزانة من خزائن الأدب العربي عامرة بأخبار الأدب والأدباء، حافلة بألوان البلاغة والشعر والانشاء وبكل ما يصور بصدق العصر الذي عاش فيه مؤلفه أبو اسحاق ابراهيم بن علي الحصري القيرواني في القرن الخامس الهجري، ويبين بوضوح العادات الاجتماعية التي كانت محمودة في عصره؛ حتى أن دارس الآداب المهتم بذلك العصر ليكتفي بدراسة هذا الكتاب كمرجع رئيسي شامل.
(1/5)

لذلك العصر من حياة الأدب طابع خاص، أظهر سماته إجادة الوصف؛ وصف ما تقع عليه العين من مرئيات أو ما يجري في الخاطر من أفكار، بل ووصف أهواء النفس ونزعاتها الوجدانية، وصفا مفصلا مقصودا، حتى أصبح العصر غنيا إلى درجة مميزة بالتعابير الرائعة الناضجة في معظم أبواب الوصف.. يرافقها تنظيم كامل للأفكار، مما يعوّد القارىء تذوّق الاسلوب البديع ويحبب اليه النثر الجيد وأصوله الفنية.
اننا إذا قسنا أعمال أدباء ذلك العصر بالمقاييس العصرية لانطبق عليها مفهوم النظرية الحديثة «الفن للفن» .. فقد عرفوا اللغة معرفة جيدة حتى وقفوا على أسرارها وطرائق تعبيرها، فجمعوا شتاتها لتصبح طوع أفكارهم وأقلامهم في نتاج منسّق متكامل.
وان دار الجيل التي تعتز بما قدمت من كتب التراث.. كتاب «العمدة» لابن رشيق تحقيق الاستاذ محيي الدين عبد الحميد، ليزيدها اعتزازا أن تقدم تباعا مجموعة أعمال الدكتور زكي مبارك: النثر الفني، الموازنة بين الشعراء، التصوف الاسلامي، المدائح النبوية، الاخلاق عند الغزالي..
ودرة هذه الأعمال هذا الكتاب الذي تقدمه الدار اليوم: زهر الآداب..
إنه دائرة معارف أدبية، لا غنى للقارىء الأديب الباحث عن المعرفة والمتطلع الى التزيد من بحور الفنون الأدبية، عن اقتنائه.
والله الموفق دار الجيل
(1/6)

مقدمة الطبعة الأولى
الحصرى القيروانى، أبو الحسن الحصرى، طرف من أخباره، حياته الأدبية، داليته ودالية شوقى، أبو إسحاق الحصرى: شعره ونثره، طريقته في التأليف، التعريف بزهر الآداب، إغفال المجون، تهذيب كتب المتقدمين، رأى الدكتور طه حسين، تهذيب زهر الآداب، تفصيله وضبطه وشرحه، قيمته الأدبية.
الحصرى، القيراونى
الحصرى- بضم الحاء المهملة، وسكون الصاد المهملة وبعدها راء مهملة- نسبة إلى الحصر أو بيعها، كما ذكر ابن خلكان- والقيروانى: نسبة إلى مدينة القيروان.
ويعرف تاريخ الآداب رجلين بهذا الاسم، أولهما:
أبو الحسن الحصرى
وأبو الحسن هذا هو: على بن عبد الغنى، الفهرى، المقرىء، الضرير، القيروانى، وقد كان- كما ذكر ابن بسّام في الذخيرة- بحر براعة، ورأس صناعة، وزعيم جماعة.
طرأ على الأندلس- كما قال ابن بسام أيضا- في منتصف المائة الخامسة من الهجرة، بعد خراب وطنه من القيروان، والأدب بأفق الأندلس يومئذ نافق السّوق، معمور الطريق، فتهاداه ملوك الطّوائف تهادى الرياض بالنسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار بالأنس المقيم.
ولكنه، فيما نقل، لم يطمئن هناك، فاحتمل على مضض بين زمانه،
(1/7)

وبعد قطره، ثم اشتملت عليه مدينة طنجة بعد خلع ملوك الطوائف، وتوفى بها سنة 488 هجرية.
طرف من أخباره
ذكر أنه لما كان مقيما بمدينة طنجة أرسل غلامه إلى المعتمد بن عبّاد صاحب إشبيليّة، واسمها في بلادهم حمص، فأبطأ عنه، وبلغه أن المعتمد لم يحفل به، فقال:
نبّه الرّكب الهجوعا ... ولم الدّهر الفجوعا «1»
حمص الجنّة قالت ... لغلامى: لا رجوعا
رحم الله غلامى ... مات في الجنة جوعا
وهذه الأبيات غاية في خفة الروح.
وحكى أن المعتمد بن عباد بعث إلى أبى العرب الزبيدى خمسمائة دينار، وأمره أن يتجهز بها ويتوجّه إليه. وكان بجزيزة صقلّية وهو من أهلها، وبعث مثلها إلى أبى الحسن الحصرى، وهو بالقيروان، فكتب أبو العرب:
لا تعجبنّ لرأسى كيف شاب أسى ... واعجب لأسود عينى كيف لم يشب
البحر للرّوم لا يجرى السّفين به ... إلا على غرر والبرّ للعرب
وكتب له الحصرى:
أمرتنى بركوب البحر أقطعه ... غيرى، لك الخير، فاخصصه بذا الداء
ما أنت نوح فتنجينى سفينته ... ولا المسيح أنا أمشى على الماء
حياته الأدبية
ذكروا أنه كان عالما بالقراءات وطرقها، وأنه أقرأ الناس القرآن الكريم
(1/8)

بسبتة وغيرها، وأن له قصيدة نظمها في قراءات نافع، عدد أبياتها 209، وأن له ديوان شعر، وهو القائل:
أقول له وقد حيّا بكأس ... لها من مسك رقّته ختام:
أمن خدّيك يعصر؟ قال: كلا ... متى عصرت من الورد المدام؟
وأشهر قصائده تلك الدالية التي افتنّ في معارضتها الشعراء «1» ولنذكرها هنا لقيمتها وأثرها في تاريخ الآداب العربية، قال:
يا ليل الصبّ متى غده ... أقيام الساعة موعده
رقد السّمّار وأرّقه ... أسف للبين يردّده
فبكاه النّجم ورقّ له ... مما يرعاه ويرصده
كلف بغزال ذى هيف ... خوف الواشين يشرّده
نصبت عيناي له شركا ... فى النوم فعزّ تصيدّه
وكفى عجبا أنى قنص ... للسّرب سبانى أغيده
صنم للفتنة منتصب ... أهواه ولا أتعبّده
صاح والخمر جنى فمه ... سكران اللحظ معر بده
ينضو من مقلته سيفا ... وكأنّ نعاسا يغمده
فيريق دم العشاق به ... والويل لمن يتقلّده
كلّا لا ذنب لمن قتلت ... عيناه ولم تقتل يده
يا من جحدت عيناه دمى ... وعلى خدّيه تورّده
خدّاك قد اعترفا بدمى ... فعلام جفونك تجحده
إنى لأعيذك من قتلى ... وأظنك لا تتعمّده
(1/9)

بالله هب المشتاق كرى ... فلعلّ خيالك يسعده
ما ضرّك لو دوايت ضنى ... صبّ يدنيك وتبده
لم يبق هواك له رمقا ... فليبك؟؟؟ عليه عوّده
وغدا يقضى أو بعد غد ... هل من نظر يتزوّده؟
يا أهل الشوق لنا شرق ... بالدمع يفيض مورّده
يهوى المشتاق لقاءكم ... وصروف الدهر تبعّده
ما أحلى الوصل وأعذبه ... لولا الأيام تنكده
بالبين وبالهجران فيا ... لفؤادى كيف تجلّده
وممن عارض هذه القصيدة من المتقدمين نجم الدين القمراوى إذ يقول:
قد ملّ مريضك عوّده ... ورثى لأسيرك حسّده
لم يبق جفاك سوى نفس ... زفرات الشوق تصعّده
هاروت بعنعن فن السحر ... إلى عينيك ويسنده
وإذا أغمدت اللحظ فتكت فكيف وأنت تجرّده ... كم سهّل خدّك وجه رضا
والحاجب منك يعقّده ... ما أشرك فيك القلب فلم
فى نار الهجر نحلّده؟
وناصح الدين الأرّجانى إذ يقول:
هل أنت بطولك مسعده ... يا ليل فصبحك موعده
لا كان قصير الليل فتى ... ميعاد منيّته غده
فى صدرى من كلف بكم ... جند للشوق يجنّده
أعليل اللحظ وعلته ... منها المتألّم عوّده
عيناك لسفك دمى جنتا ... فالصّدغ علام تجعّده
ودمى لا يحسن محمله ... فى الناس فلم تتقلّده
لم أنس برامة موقفنا ... والشمل أظلّ تبدّده
(1/10)

رشأ قد أفلت من شركى ... والبين غدا يتصيّده
سرب قد عنّ بذى سلم ... وغدا بفؤادى أغيده
وتطاول يتبعهم نظرا ... صبّ قد طال تبلّده
حرّان القلب متيّمه ... حيران الطرف مسهّده
وأبرع من عارضها من المعاصرين فخر مصر والشرق أمير الشعراء أحمد شوقى (بك) إذ يقول:
مضناك جفاه مرقده ... وبكاه ورحّم عوّده
حيران القلب معذّبه ... مقروح الجفن مسهّده
أودى حرقا إلا رمقا ... يبقيه عليك وتنفده
يستهوى الورق تأوّهه ... ويذيب الصخر تنهّده «1»
ويناجى النجم ويتبعه ... ويقيم الليل ويقعده
ويعلّم كلّ مطوّقة ... شجنا في الدّوج تردّده
كم مدّ لطيفك من شرك ... وتأدّب لا يتصيّده
فعساك بغمض مسعفه ... ولعلّ خيالك مسعده
الحسن حلفت «بيوسفه» ... و «السورة» أنك مفرده
قد ودّ جمالك أو قبسا ... حوراء الخلد وأمرده
وتمنّت كل مقطّعة ... يدها لو تبعث تشهده
جحدت عيناك زكىّ دمى ... أكذلك خدّك يجحده
قد عزّ شهودى إذ رمتا ... فأشرت لخدك أشهده
وهممت بجيدك أشركه ... فأبى واستكبر أصيده
وهززت قوامك أعطفه ... فنبا وتمنّع أملده «2»
(1/11)

سبب لرضاك أمهّده ... ما بال الخصر يعقّده
بينى في الحب وبينك ما ... لا يقدر واش يفسده
ما بال العاذل يفتح لى ... باب السّلوان وأوصده
ويقول: تكاد تجنّ به ... فأقول: وأو شك أعبده
مولاى وروحى في يده ... قد ضيّعها، سلمت يده!
ناقوس القلب يدقّ له ... وحنايا الأضلع معبده
حسّادى فيه أعذرهم ... وأحقّ بعذرى حسّده
قسما بثنايا لؤلؤها ... قسم الياقوت منضّده
ورضاب يوعد كوثره ... مقتول العشق ومشهده
وبخال كاد يحجّ له ... لو كان يقبّل أسوده
وقوام يروى الغصن له ... نسبا والرمح يفنّده
وبخصر أو هن من جلدى ... وعوادى الهجر تبدّده
ما خنت هواك ولا خطرت ... سلوى بالقلب تبرّده
وإنما ذكرت حياة أبى الحسن الحصرى، وشيئا من أخباره، لأنى رأيت أكثر الناس يحسبونه صاحب زهر الآداب، ولأنى أحب دائما أن أقدم للقارىء ما يمتع عقله ووجدانه من المعارف الأدبية، لأيّة مناسبة؛ ولأن أبا الحسن الحصرى ابن خالة أبى إسحاق الحصرى صاحب زهر الآداب، وفي هذه القرابة ما يدعو للتنويه به في هذا المقام، والظّفر للقارىء على أىّ حال «1» .
(1/12)

أبو إسحاق الحصرى
أما أبو إسحاق الحصرى فهو إبراهيم بن على بن تميم، المتوفّى سنة 453 هجرية وقد عنى به كثير من كتّاب التراجم: فتكلم عنه ابن رشيق في الأنموذج، وابن بسّام في الذخيرة، والرشيد بن الزبير في الجنان، وابن خلكان في وفيات الأعيان.
وقد كان شباب القيروان- فيما قالوا- يجتمعون عنده، ويأخذون عنه، وكان لديهم من المكرمين.
شعره ونثره
أورد ابن رشيق من شعره هذين البيتين:
إنى أحبّك حبّا ليس يبلغه ... فهم، ولا ينتهى وصف إلى صفته
أقصى نهاية علمى فيه معرفتى ... بالعجز منّى عن إدراك معرفته
وأورد له ابن بسّام هذين البيتين:
أورد قلبى الردى ... لام عذار بدا
أسود كالكفر فى ... أبيض مثل الهدى
واختار له ياقوت هذه المقطوعة:
يا هل بكيت كما بكت ... ورق الحمائم في الغصون
هتفت سحيرا، والربى ... للقطر رافعة الجفون
فكانها صاغت على ... شجوى شجى تلك اللحون
دكّرتنى عهدا مضى ... للأنس منقطع القرين
فتصرمت أيامها ... وكأنها رجع الجفون
(1/13)

واختار له أيضا:
كتمت هواك حتى عيل صبرى ... وأدنتنى مكاتمتى لرمسى
ولم أقدر على إخفاء حال ... يحول بها الأسى دون التأسى
وحبك مالك لحظى ولفظى ... وإظهارى وإضمارى وحسى
فإن أنطق ففيك جميع نطقى ... وان أسكت ففيك حديث نفسى
ولو نقلت إلينا من شعره طائفة صالحة لاستطعنا أن نعيّن منزلته بين الشعراء.
أما نثره فمستملح، ويغلب فيه السّجع المقبول، الخالص من شوائب الصنعة والتكلف، والسجع في الأصل حلية وزينة، وإنما يعاب عند الغلوّ والإغراق.
وإليكم أنموذجا مما جاء من نثره في مقدمة كتابه، قال:
«ولم أذهب في هذا الاختيار، إلى مطولات الأخبار، كأحاديث صعصعة ابن صوحان، وخالد بن صفوان، ونظائرهما؛ إذ كانت هذه (يريد الفقر الصغيرة) أجمل لفظا، وأسهل حفظا، وهو كتاب يتصرف فيه الناظر من نثره، إلى شعره، ومطبوعه، إلى مصنوعه، ومحاورته، إلى مفاخرته، ومناقلته، إلى مساجلته، وخطابه المبهت، إلى جوابه المسكت، وتشبيهاته المصيبة، إلى اختراعاته العريبة، وأوصافه الباهرة، إلى أمثاله السائرة، وجده المعجب، إلى هزله المطرب، وجزله الرائع، إلى رقيقه البارع» .
وهذا كما ترى سجع يجمع بين دقّة الصّنع، ورقّة الطبع، فهو في دقته مطبوع، لا مصنوع.
طريقته في التأليف
الأدب لا موضوع له، كما يقول أستاذنا الجليل الشيخ سيد المرصفى، وكذلك كان يفهمه أبو إسحاق الحصرى، فهو لا يحفل بترتيب المسائل، ولا بتبويب الموضوعات. وإنما يتصرف من الجد إلى الهزل، ومن الأوصاف
(1/14)

إلى التشبيهات، ومن الشعر إلى النثر، ومن المطبوع إلى المصنوع، وهذه الطريقة من أهم الطّرق في التأليف، وإن عابها من لا يفرق بين الموضوعات العلمية، والموضوعات الأدبية.
ذكروا أنه ترك كتابا اسمه «المصون في سر الهوى المكنون» فى مجلد واحد، فيه ملح وآداب، أما كتابه الخالد فهو «زهر الآداب، وثمر الألباب» وإنه ليسجع حتى في تسمية كتبه، وكذلك كان يفعل في عهده المؤلفون.
التعريف بزهر الآداب
كان المتقدمون لا يصفون زهر الآداب إلا بأنه «جمع كلّ غريبة» وهو وصف صادق، وإنى ذاكز هنا بعض صفات هذا الكتاب، وعلى الأخص الصفات التى تعين منهج مؤلّفه، وتميز اتجاه بعض الأفكار في العصر الذى عاش فيه.
وإنا لنجده:
أولا: يهتم ببراعة المطلع، وحسن الختام، فيبدأ كتابه بهذه الجملة:
«الحمد لله الذى اختص الإنسان بفضيلة البيان، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، المرسل بالنور المبين، والكتاب المستبين، الذى تحدّى الخلق أن يأتوا بمثله، فعجزوا عنه، وأقروا بفضله، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا» ويختمه بهذه العبارة:
«وقال ابن الأعرابى: أمدح بيت قاله المحدثون قول أبى نواس:
أخذت بحبل من حبال محمّد ... أمنت به من طارق الحدثان «1» » .
ثانيا: يعنى عناية خاصة بالكلام عن الصحابة والتابعين، فينقل أخبارهم، ويدوّن آثارهم، وكانت هذه فيما يظهر عادة إسلامية، فى ذلك الحين.
(1/15)

ثالثا: يجعل الكلام في المصيبة بأبناء النبوة بابا من أبواب الأدب؛ فينقل هذه التعابير:
قد نعي سليل من سلالة النبوة، وفرع من شجرة الرسالة، وعضو من أعضاء الرسول، وجزء من أجزاء الوصىّ والبتول.
تجدّد في بيت الرسالة رزء جدد المصائب، واستعاد النوائب.
إنها لمصيبة تحيّفت جانب الوحى المنزل، وذكّرت بموت النبى المرسل.
إلخ إلخ:
ويتصل بهذا عنايته بأوصاف الأشراف، كنقله هذه العبارات:
«استقى عرقه من منبع النبوة، ورضعت شجرته من ثدى الرسالة، وتهدّلت أغصانه عن نبعة الإمامة، وتبحبحت أطرافه في عرصة الشرف والسيادة، وتفقّأت بيضته من سلالة الطهارة، قد جذب القرآن بضبعه، وشقّ الوحى عن بصره وسمعه» إلخ.
وهذا الاتجاه يدل على وجهة سياسية خاصة، فصّلتها بعض التفصيل في كتاب «الأخلاق عند الغزالى» وإلّا فإن النبى يقول: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» بل الله يقول: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ.
رابعا: يبدىء الحصرى ويعيد في الكلام عن البلاغة والبلغاء، والشعر والشعراء، والإنشاء والمنشئين، وكذلك كان أهل عصره يهتمون بدر النثر والشعر، ونحن مدينون لهم بما يتصل بهذا الباب من المعارف الأدبية.
خامسا: يذكر كثيرا من الآداب الاجتماعية التي كان يحمدها الناس لعهده، فيذكر ما يجمل في معاملة الملوك، ويتحدث عن فضل الليل، والحرص على الأدب، وواجب النّسّاخ، وما إلى ذلك مما يتصل بما على المرء من الواجبات، وما له من الحقوق.
(1/16)

إغفال المجون
وقد جرى أبو إسحاق الخصرى في زهر الآداب على إغفال المجون، فنحده يقول عن راشد بن أرشد:
«وله مذهب استفرغ فيه أكثر شعره، وصنت الكتاب عن ذكره» .
وقد صرحت بإنكار هذا المهج فى «مدامع العشاق» وبينت هناك أن حرص الحصرى على الأخلاق ضيّع علينا ما أعرض عنه من الآثار الأدبية، وكنا في حاجة إلى أن نعرف كل ما ترك الأولون! وأحب أن يعلم القارىء أن المجون لون من ألوان الغذاء التي تحيا بها العقول، فكما أن الأجسام تحتاج في تغذيتها إلى المواد المختلفة، والعناصر المتنوعة: من الملح، والحلو، والمرّ، كذلك العقول تحتاج في تغذيتها إلى المعارف المتباينة:
من جدّ القول وهزله، وحلوه ومرّه، ولكنّ أكثر الناس لا يفقهون! على أن الحصرى لم يخل كتابه من المجون، بل ومن فاحش المجون، وللقارىء أن يتتبع ما وقع من ذلك في ألفاف الكتاب ليرى كيف غلب لمؤلف على أمره، فأباح ما لا يباح!
(1/17)

تهذيب كتب المتقدمين
يهتم كثير من علماء العصر بتهذيب كتب المتقدمين، وهذا التهذيب ينحصر في حذف المجون وضم بعض الموضوعات إلى بعض، وأنا أنكر هذا الأسلوب، والعهد قريب بما كتبه أستاذنا الدكتور طه حسين في نقد مهذّب الأغانى الذى أظهره الأستاذ الكبير محمد بك الخضرى منذ أسابيع، ويرجّح أن يترك المعاصرون هذه الطريقة المنكرة، بعد تلك الحملة التي أصماهم بها صاحب حديث الأربعاء.
(1/18)

تهذيب زهر الآداب
ولقد رأيت أن أترك تلك الطريقة في تهذيب زهر الآداب؛ لأن المؤلف لم يرد أن يكون كتابه ذا فصول وأبواب، وإنما أراد أن يتصرف القارىء فيه من الشعر إلى النثر، ومن الجد إلى الهزل، إلى آخر ما قال.
وقد ظلّ بين يدىّ نحو تسعة أشهر، وأنا معتقل في سنة 1920، فقرأته، ثم قرأته، وعنيت بضبطه، وتصحيح ما وقع فيه من الأغلاط؛ ثم رأيت أن أفصله، والتفصيل فيما أريد سو أن أضع عنوانا لكل موضوع، وما أكثر ما في الكتاب من الموضوعات؛ لأن المؤلف وضع قليلا من العناوين، ثم أخذ يستطرد من معنى إلى معنى، ومن غرض إلى غرض، من غير أن يهتم بالترتيب والتبويب.
وأرجو أن لا يجد القارىء في هذا الصّنع تشويها لعمل المؤلف فقد أبقيت الكتاب كما هو، وأبقيت على عناوينه وأبوابه، وفقره وفصوله، ووضعت ما أبدعت من العناوين في بنط خاص، فإذا شاء القارىء أن يعرف كيف وضع الكتاب مؤلفه فليرفع فقط ما جدّ من العناوين.
(1/19)

أهمية هذا التفصيل
على أننى مطمئن إلى ما صنعت؛ فقد كان الكتاب متقاذف الأرجاء، بسبب ما كثر فيه من الاستطراد، فأصبح بفضل هذا التفصيل، محدود الموضوعات، بحيث يهتدى فيه القارىء إلى مئات المسائل الآدبية، من غير أن يكلف نفسه عناء البحث والتنقبب.
ولم أحجم عن تكرار العنوان الواحد حين يقتضى المقام ذلك، وربما أضفت كلمة يتميز بها العنوان الجديد «1» .
الضبط والشرح
كان زهر الآداب مطبوعا على هامش العقد الفريد «2» ، من غير ضبط ولا شرح، وكان يكفى أن يطبع الكتاب طبعة أزهرية ليصبح مثالا في المسخ والتشويه، ولتقذى في قراءته العيون، وتضل في فهمه العقول؛ فأنفقت من جهدى ومن وقتى، فى تحقيق ما جناه مرّ السنين وعبث الجاهلين، ما لا أمنّ به على القارىء إلا وأنا آسف محزون؛ لأنى مدين لمن طبعوه أول مرة على أىّ حال، أحسن الله جزاءهم، وتجاوز عمّا رماهم به الزمن من ألوان الضعف والقصور.
فى الطبعة القديمة كثير من الأغلاط، ولا غرابة في ذلك، فقد كان الأدب يوم ظهرت قليل الأنصار، وقد اعتمدت في ضبط هذه الطبعة على مراجعة الأصول التي أخذ منها زهر الأداب، وعلى ما أثق به من مختلف المعاجم والقواميس، فإن استطاع القارىء أن يلفتنى إلى خطإ فاتنى إصلاحه، فإنى بشكره خليق.
(1/20)

أما الشرح فقد اجتهدت في أن يكون غاية في الإيجاز؛ لأن الإطناب في شرح الكتب الأدبية من جملة العيوب، وقد تمر الصفحة بلا شرح، حين تستغنى عن ذلك؛ لأنى أمقت التكلف، وأبغض المتكلّفين.
وقد قسمت الكتاب إلى أربعة أجزاء، وكان المؤلف قسمه إلى ثلاثة، وهي مسألة اعتبارية؛ لأن الكتاب في الأصل مبنى على التنقل والاستطراد.
(1/21)

قيمة زهر الآداب
كان المتقدمون يعنون بدراسة الكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، وأدب الكاتب لابن قتيبة، والنوادر لأبى على القالى، وكانت هذه الكتب أصول الأدب عندهم كما ذكر ابن خلدون، وعندى أن زهر الآداب أغزر مادة، وأكبر قيمة من جميع تلك المصنّفات؛ لأن ذوق الحصرى ذوق أدبىّ صرف، أما أولئك فقد كانت أهواؤهم موزعة بين اللغة، والرواية، والنحو، والتصريف.
إن زهر الآداب دائرة معارف أدبية، شاء الله أن تسلم من جناية الليالى، والحمد لله على أن كنت الموفّق إلى إحياء هذا الأثر النفيس.
محمد زكى عبد السلام مبارك 22 فبراير سنة 1925
(1/22)

مقدمة الطبعة الثانية
موضع زهر الآداب، الوصف عند كتاب القرمه الرابع، نماذج من التعابير الوصفية، نظرية الفن للفن وقيمة الزخرف والصنعة، الخصوصات الأدبية في القرمه الرابع رأى القارىء في مقدمة الطبعة الأولى إشارات إلى الخصائص التي امتاز بها زهر الآداب، ونريد في هذه الكلمة أن ننص على أن هذا الكتاب أريد به أن يكون صورة للعصر الذى عاش فيه مؤلفه رحمه الله، وإنه ليذكر أن أبا الفضل العباس بن سليمان رحل إلى المشرق في طلب الكتب «باذلا في ذلك ماله، مستعذبا فيه تعبه، إلى أن أورد من كلام بلغاء عصره، وفصحاء دهره، طرائف طريفة، وغرائب غريبة» ثم سأله أن يجمع له من مختارها كتابا يكتفى به عن جملتها، وأن يضيف إلى ذلك من كلام المتقدمين ما قار به وقارنه وشابهه وماثله إلخ فغاية الكتاب إذا تخيّر ما طاب من ثمرات العقول في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس.
ولنذكر أولا أن الحصرى توفى سنة 453، ولكننا نرجح أنه وضع زهر الآداب قبل وفاته بأكثر من عشرين عاما، فقد حدثنا في أثناء كتابه أنه يعاصر الثعالبى؛ إذ قال «وأبو منصور يعيش إلى وقتنا هذا» حين أشار إلى مختار ما كتبه الميكالى إليه. والثعالبى توفى سنة 429؛ وإنما عيّنا أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس لأن الحصرى أشار إلى أن فيمن نقل عنهم من أدركه بعمره، أو لحقه أهل دهره. ولذلك العهد من حياة الأدب طابع خاص، فصلت خصائصه ومميزاته في كتابى الذى وضعته بالفرنسية عن النثر في القرن الرابع، وإنى لمشير هنا إلى بعض الجوانب البارزة في أدب ذلك العصر؛ ليكون القارىء
(1/23)

على بينة من الروح الذى استوحاه مؤلف زهر الآداب.
أظهر ميزة في ذلك العصر هي إجادة الوصف، فقد اهتم كتّابه اهتماما عظيما بوصف ما وقعت عليه أعينهم أو جرى في خواطرهم، ولم يكن الوصف عندهم مما يأتى عفوا عند المناسبات الطارئة، كما كان الحال في أوائل العصر الإسلامى، لا، بل تعمدوا استقصاء الموضوعات الوصفية: فأطالوا الحديث عن الأزهار، والرياض، والنبات، والنسيم، والرياح، والليل، والنجوم، والجداول، والغدران، والأنهار، والبحار، والأحواض، والقصور، ومنازل اللهو، ومجالس الشراب، والنساء، والغلمان، والجوارى السود، والقيان، وآلات الطرب، ومحاسن الشباب، وأهوال المشيب، والرعد والبرق، والمطر والثلج، والصحو، والبلاغة والشعر والنثر، والخيل، والسيوف، والنار، والأفاعى، والثعابين، والطيور، والأطعمة، والفواكه، والسكاكين، والكؤوس، والخواتم، والحلى، والقلائد، والمحابر، والأقلام، والسفن، والذواب، والجيوش، والأساطيل، وأيام الصيف والشتاء والربيع.
وأطنبوا في وصف المعانى الوجدانية، كما أطنبوا في وصف المرئيات، فتكلموا عن أهواء النفوس ونزعلتها، فوصفوا الحقد، والبغض، والكرم، والنبل، وعرضوا لما يقع لأهل المهن وللرؤساء من الهنات والعورات. كل ذلك بطريقة مقصودة تدل على أنه كان لهم برنامج خاص لم يعرفه أسلافهم. وهذا المذهب له عيوبه ومزاياه: فعيبه أنه حملهم على التكلف والإسراف، وحسنه أنه حملهم على تنظيم أفكارهم، وترتيب أغراضهم، فإن القارىء يرى لهم قوة في تصوير المرئيات والمعنويات لا يراها لمن سبقوهم، وذلك بفضل هذا الاتجاه الذى جعل في عصرهم مدرسة وصفية لا نراها في عصر الخلفاء ولا عهد بنى أمية ولا أوائل أيام بنى العباس.
ولا ننكر أن الكتّاب السابقين أجادوا الوصف في كثير من الموضوعات
(1/24)

ولكننا نقرر أن كتّاب القرن الرابع عمدوا إلى كل ما يقع عليه الحس، أو يجرى في الخاطر، أو ينقده العقل، فوصفوه وصفا مفصلا مقصودا بطريقة لم يفكر في مثلها المتقدمون.
وقد قدم لنا صاحب زهر الآداب شواهد كثيرة في مواطن متفرقة من كتابه عن الأوصاف التي عنى بها كتاب ذلك العصر. فلنثبت منها شيئا ليرى القارىء صدق ما نراه من قصد رجال ذلك العهد إلى إجادة الوصف.
من ذلك قولهم في وصف الماء:
ماء كالزجاج الأزرق.
غدير كعين الشمس.
ماء كلسان الشمعة، فى صفاء الدمعة، يسبح في الرّضراض، سبح النّضناض.
ماء أزرق كعين السّنور، صاف كقضيب البلور.
غدير ترقرقت فيه دموع السحائب، وتواترت عليه أنفاس الرياح الغرائب.
وقولهم في وصف سكّين:
«سكين كأن القدر سائقها، أو الأجل سابقها، مرهفة الصدر، ممنطقة الخضر، يجول عليها فرند العتق، ويموج فيها ماء الجوهر، كأن المنية تبرق من حدها، والأجل يلمع من متنها، ركّبت في نصاب آبنوس، كأن الحدق نفضت عليه صبغها، وحب القلوب كسته لباسها، أخذ لها حديدها الناصع بحظ من الروم، وضرب لها نصابها الحالك بسهم من الزنج، فكانها ليل من تحت نهار، أو مجمر أبدى سنا نار، ذات غرار ماض، وذباب قاض.
سكين أحسن من التلاق، وأقطع من الفراق، تفعل فعل الأعداء، وتنفع نفع الأصدقاء» .
(1/25)

وقولهم في وصف متكبر:
«قد أسكرته خمرة الكبر، واستغرقته لذة التيه، كأن كسرى حامل غاشيته، وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وكان يوسف لم ينظر إلا بطلعته، وداود لم ينطق إلا بنغمته، ولقمان لم يتكلم إلا بحكمته، والشمس لم تطلع إلا من جبينه، والغمام لم يبد إلا من يمينه» .
وكان من أثر ذلك أن أصبح هذا العصر غنيا جدا بالتعابير الوصفية الرائعة فى أكثر أبواب الوصف. ومن ذا الذى يرتاب في جمال قولهم في وصف النثر والنظم مما اختاره صاحب زهر الآداب:
نثر كنثر الورد، ونظم كنظم العقد.
نثر كالسحر أو أدق، ونظم كالماء أو أرق.
رسالة كالروضة الأنيقة، وقصيدة كالمخدّرة الرشيقة.
نثر كما تفتّح الزّهر، ونظم كما تنفّس السّحر.
وقولهم في أوصاف النساء:
هى روضة الحسن، وضرة الشمس، وبدر الأرض.
هى من وجهها في صباح شامس، ومن شعرها في ليل دامس، كأنها فلقة قمر على برج فضة.
بدر التّم يضىء تحت نقابها، وغصن البان يهتز تحت ثيابها.
لها عنق كإبريق اللجين، وسرة كمدهن العاج.
مطلع الشمس من وجهها، ونبت الدر من فمها، وملقط الورد من خدها، ومنبع السحر من طرفها، ومبادى الليل من شعرها، ومغرس الغصن من قدها، ومهيل الرمل من ردفها ... إلخ.
(1/26)

وقولهم في صفات الغلمان:
جاءنا في غلالة تنمّ على ما يستره، وتحنو مع رقتها على ما يظهره.
الجنة مجتناة من قربه، وماء الجمال يترقرق في خده، ومحاسن الربيع بين سحره ونحره، والقمر فضلة من حسنه.
له طرّة كالغسق، على غرة كالفلق.
الحسن ما فوق أزراره، والطيب ما تحت إزاره.
هو قمر في التصوير، وشمس في التأثير.
وجه بماء الحسن مغسول، وطرف عرود السحر مكحول شادن فاتر طرفه، ساحر لفظه، تكاد القلوب تأكله، والعيون تشربه.
السحر في ألحاظه، والشّهد في ألفاظه.. إلخ.
ولقد ظلت هذه التعابير الوصفية منبعا يستقى منه الكتّاب إلى العصر الحديث، والنقاد في مصر أعجبوا بقول حافظ إبراهيم في وصف الصهباء:
خمرة قيل إنهم عصروها ... من خدود الملاح في يوم عرس
وهو خيال سبق إليه كتاب القرن الرابع، وردده ابن خفاجة إذ قال:
وشربتها عذراء تحسب أنها ... معصورة من وجنتى عذراء
وقد ظن أستاذنا الدكتور طه حسين أن حافظ إبراهيم أول من ألمّ بهذا «1» الخيال فنقده وسفّهه حين عرض لنقد ترجمة البؤساء. فلينقل المعركة إذن إلى ميدان القرن الرابع، وإن كنت لا أدرى كيف يعاف الشراب المعصور من خدود الملاح.
وكذلك أعجب النقاد بقول السيد توفيق البكرى في وصف النساء «صدور كالإغريض، أو صدور البزاة البيض»
(1/27)

وهي عبارة مأخوذة من قول الثعالبى في وصف آثار السرى الرفاء:
«كأنها أطواق الحمام، وصدور البزاة البيض، وأجنحة الطواويس، وسوالف الغزلان، ونهود العذارى الحسان، وغمزات الحدق الملاح» وكذلك يمكن رد أكثر التعابير الوصفية التي يغرم بها كتاب الصنعة في العصر الحاضر من امثال الأساتذة: صادق عنبر، ومحمد السباعى، ومحمد هلال وكان القرن الرابع يؤدى للقرون التي تلته ما أخذه عن القرون التى سبقته، فقد كان كتّابه مولعين بحل الشعر لا يرون معنى بديعا، ولا حيالا طريفا إلا اقتبسوه، وأضافوه إلى ثروتهم النثرية وقد أشاع كتاب القرن الرابع نظرية (الفن للفن) وإن لم يدركوا ما لهذه النظرية من الأوضاع والتقاليد؛ فقد عودوا القراء تذوق الكتابة البديعة، وحببو إليهم النثر المصنوع، فأصبح المتأدبون يتأملون مواقع الألفاظ وقرار التراكيب، وصارت فنون البديع من تورية وجناس وطباق أصولا فنية يجد القارىء لذة ومتعة حين يراها وقعت موقعا حسنا وأصابت الغرض الذى وضعت له، ولو كان غرضا لفظيا لا يتوقف عليه تمام المعنى المقصود ولكن أليس لهذا الزخرف قيمة في فهم ذلك العصر؟ بلى، إنه يدلنا على أن أولئك الناس عرفوا لغتهم معرفة جيدة، ووقفوا على أسرارها وطرائق تعبيرها، وكان همهم أن يرتبوا الألفاظ والمعانى والتعابير والأخيلة، حتى استطاع كاتبهم أن يحشر أرباب الصناعات في صعيد واحد ثم ينطقهم بأسرار البلاغة، كل على طريقته وبأسلوبه الذى يختاره في مقر مهنته ومهد عمله. وما نحسب كتاب القرون الأولى مثلا كانوا يفكرون في جمع شتات اللغة لتصبح طوع أفكارهم وأقلامهم، وإنما كانوا قوما يكتفون في سبيل الوصول إلى أغراضهم بالعبارة
(1/28)

الواضحة الموجزة التي يفهمها عامة الناس وخاصتهم. أما كتاب هذا القرن فقد أصبحوا في حاجة إلى صفوة تقرأ لهم وتفهم عنهم؛ إذ أصبح خيالهم قويا، ولغتهم غنية، لا يدرك أسرارها الجمهور؛ فليس كل قارىء ولا كل سامع بمستطيع أن يتذوق تشبيه الخط الجميل بأزهار الربيع، والألفاظ بقلائد النحر، والمعانى بلآلىء، ولا أن يدرك كيف تتمنى كل جارحة أن تكون أذنا تلتقط درر الكلام وجواهره، أو عينا تجتلى مطالعه ومناظره، أو لسانا يدرس محاسنه ومفاخره إذن فالصنعة التي عرف بها كتاب القرن الرابع لها وجهان: وجه جميل يدل على حذقهم وبراعتهم، ووجه آخر يدل على بعدهم من غاية البيان وهي الوضوح، إذ كان الإغراق في الصنعة بابا من الغموض ومن أهم الجوانب التي تمثل الحياة العقلية في ذلك العصر الخصومات العنيفة التى قامت بين الكتاب؛ فقد كانت بينهم مناوشات ومجادلات نشأت عن أطماعهم فى الحياة المادية، وكانوا يمثلون غالبا طوائف من الأفكار الدينية والسياسية يقومون في الدفاع عنها بما تقوم به الجرائد المغرضة في العصر الحاضر، وكان لهم من القوة ما كان للشعراء؛ فلم يكن بد من أن يتنافس أصحاب الملك في تقريبهم، ولم يكن بد كذلك من أن يتنافس هؤلاء في الاستئثار بالحظوة عند الوزراء والرؤساء والملوك وفي الرسالة التي كتبها بديع الزمان إلى أبى نصر بن المرزبان فقرات مرة تمثل ما كان عليه كتاب ذلك العصر من الطمع في المناصب الرسمية ومن ضعف الخلق عند الغنى، ومن النّبل عند الفقر: إذ «تنسيهم أيام اللدونة، أوقات الخشونة، وأزمان العذوبة، ساعات الصعوبة» وقد كانوا كما قال: «ما اتسعت دورهم، إلا ضاقت صدورهم، ولا أوقدت نارهم إلا انطفأ نورهم، ولا زاد مالهم إلا
(1/29)

معروفهم، ولا ورمت أكياسهم إلا ورمت أنوفهم، ولا صلحت أحوالهم، إلا فسدت أعمالهم، ولا فاض جاههم، إلا غاضت مياههم، ولا لانت برودهم، إلا صلبت خدودهم» «1» وفي تلك المنافسات الشديدة، وتلك الدسائس الملعونة، التى كانت تقع بين الكتاب، دليل على جشعهم في حب الحياة، وفهمهم لها فهما ماديا يتناسب مع تلك العبقريات الغنية التي ظهرت في فقرهم ورسائلهم وأبحاثهم؛ فإنه من المؤلم أن تظل قوة الحقد ويقظة الأثرة، وشدة العداوة، فى كل عصر من السّمات الغالبة على كبار الكتاب، ومن النادر أن تجد كاتبا كريما يعطف على زملائه، ويحب لهم الخير، ويتمنى لهم السّداد. وقديما أفزعت هذه الظاهرة عبد الحميد بن يحيى- وكان رجلا نبيلا- فكتب وصيته المعروفة يدعو بها الكتاب إلى التعاون ونبذ الأحقاد، وفى أيامنا تبعث تلك الشمائل من جديد؛ فلا نجد كاتبا في العالم العربى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بحيث نظن أن شبوب العبقرية يوحى بالطمع، والاستبداد بالفضل، والاستئثار بالجاه وأهم الخصومات التي وقعت بين كتاب ذلك العصر خصومة الهمذانى والخوارزمى، وخصومة التوحيدى والصاحب بن عباد أما خصومة الهمذانى والخوارزمى فترجع إلى رغبة الهمذانى في الظهور، وطمعه في الانفراد بالشهرة، وأهم مصدر لهذه الخصومة الرسالة المطولة التي كتبها الهمذانى في وصف المناظرة التي قامت بينه وبين الخوارزمى، وهي رسالة مغرضة مملوءة بالتحامل والصّغرنة، وليس فيها أفكار حدية تجعل خصومة بين عقلين، إنما هي محاورات لفظية تدل على غلبة الزخرف وتمكنه في السيطرة على عقول أهل
(1/30)

ذلك الجيل. ولو أن الخوارزمى دوّن بدوره تلك المناظرة لرأينا وجهين في بسط ذلك الحادث الأدبى، واستطعنا أن نستخلص من مقابلة النصين نفس الرجلين، ولكن الهمذانى تكلم وحده؛ فعرفنا فقط مبلغ زهوه وكبريائه وطمعه في كبت كاتب كان يومئذ على رأس الكاتبين.
أما خصومة التوحيدى لابن عباد فترجع فيما ذكر كتاب التراجم إلى سبب مادى، وذلك أن التوحيدى رغب في مال ابن عباد وجاهه، فضاق عنه صدر هذا، فكتب التوحيدى كتابه «أخلاق الوزيرين» وهو كتاب جارح كشف به عورات ابن العميد وابن عباد. ثم عاد إليهما بالتجريح أيضا في كتابه «الإمتاع والمؤانسة» وأسلوبه في الهجاء أسلوب خطر فظيع؛ إذ يختلق الحوادث والإشارات وينطفهما برسائل ومقطوعات تهوى بهما إلى الحضيض. ويعتبر التوحيدى من الوجهة الفنية رجلا خصب الذهن، غنى اللغة، وافر المحصول، قوى الخيال.
وقد تنبه المتأدبون إلى تحامل التوحيدى وإسرافه في التعصب والتحامل وشاع الاعتقاد بأن كتابه «أخلاق الوزيرين» كتاب مشئوم، لا يملكه أحد إلا انعكست أحواله، ويذكر ابن خلكان أنه جرب هذا وجر به من يثق به «1» فإذا صح هذا الوهم كان التوحيدى قد عوقب على بغيه وظلمه وبهتانه؛ فقد أنظر الصاحب بن عباد بعبارات مخجلة يندى لها وجه القارى، وينفر منها الطبع والذوق، وإن كانت وضعت بأسلوب شائق خلاب.
(1/31)

تلك، أيها القارىء، كلمة وحيزة أقدم بها الطبعة الثانية، راجيا أن تكون كافية في وصف الاتجاهات الفنية والعقلية التي عمل في ظلالها مؤلف زهر الآداب، وإنى لآمل أن يكون في هذه الطبعة من آثار الجهد والحرص على الصواب بعض ما يجب في خدمة الأدب العربى الذى أصبح إحياؤه ونشره من أظهر محامد مصر فى العصر الحديث؟
زكى مبارك مصر الجديدة في 15 نوفمبر سنة 1929
(1/32)

[مقدمة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
الحمد لله الذى اختصّ الإنسان بفضيلة البيان، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، المرسل بالنور المبين، والكتاب المستبين، الذى يحدّى الخلق أن يأتوا بمثله فعجزوا عنه، وأقرّوا بفضله، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.
وبعد؛ فهذا كتاب اخترت فيه قطعة كاملة من البلاغات؛ فى الشعر والخبر، والفصول والفقر «1» ، مما حسن لفظه ومعناه، واستدلّ بفحواه على مغزاه «2» ، ولم يكن شاردا حوشيّا «3» ، ولا ساقطا سوقيّا «4» ، بل كان جميع ما فيه، من ألفاظه ومعانيه، كما قال البحترى «5» :
فى نظام من البلاغة ما ش ... كّ امرؤ أنّه نظام فريد «6»
حزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنّبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المراد البعيد
ولم أذهب في هذا الاختيار، إلى مطولات الأخبار، كأحاديث صعصعة
(1/33)

ابن صوحان «1» ، وخالد بن صفوان «2» ، ونظائرهما؛ إذ كانت هذه أجمل لفظا، وأسهل حفظا.
وهو كتاب يتصرّف الناظر فيه من نثره إلى شعره، ومطبوعه إلى مصنوعه، ومحاورته إلى مفاخرته، ومناقلته «3» إلى مساجلته «4» ، وخطابه المبهت «5» إلى جوابه المسكت، وتشبيهاته المصيبة إلى اختراعاته الغريبة، وأوصافه الباهرة إلى أمثاله السائرة، وجدّه المعجب «6» إلى هزله المطرب، وجز له الرائع إلى رقيقه البارع.
وقد نزعت فيما جمعت عن ترتيب البيوت «7» ، وعن إبعاد الشكل عن شكله، وإفراد الشىء من مثله؛ فجعلت بعضه مسلسلا «8» ، وتركت بعضه مرسلا «9» ؛ ليحصل محرّر النّقد «10» ، مقدّر السّرد «11» ؛ وقد أخذ بطر في التأليف، واشتمل على حاشيتى التصنيف؛ وقد بعز المعنى، فألحق الشّكل بنظائره، وأعلّق الأول بآخره، وتبقى منه بقية أفرّقها فى سائره «12» ليسلم من التطويل المملّ، والتقصير المخلّ، وتظهر في التجميع إفادة الاجتماع؛ وفى التفريق لذاذة
(1/34)

الإمتاع، فيكمل منه ما يونق القلوب والأسماع «1» ؛ إذ كان الخروج من جدّ إلى هزل، ومن حزن إلى سهل «2» أنفى للكلل «3» ، وأبعد من الملل؛ وقد قال إسماعيل بن القاسم [هو أبو العتاهية] «4» :
لا يصلح النفس إذ كانت مدابرة ... إلا التنقّل من حال إلى حال «5»
وكان السبب الذى دعانى إلى تأليفه، وندبنى إلى تصنيفه، ما رأيته من رغبة أبى الفضل العباس بن سليمان- أطال الله مدّته، وأدام نعمته! - فى الأدب «6» ، وإنفاق عمره في الطلب وماله في الكتب؛ وأن اجتهاده في ذلك حمله على أن ارتحل إلى المشرق بسببها، وأغمض في طلبها «7» ، باذلا في ذلك ماله، مستعذبا فيه تعبه، إلى أن أورد من كلام بلغاء عصره، وفصحاء دهره، طرائف طريفة، وغرائب غريبة، وسألنى أن أجمع له من مختارها كتابا يكتفى به عن جملتها، وأضيف إلى ذلك من كلام المتقدّمين ما قار به وقارنه، وشابهه وماثله؛ فسارعت إلى مراده، وأعنته على اجتهاده، وألّفت له هذا الكتاب، ليستغنى به عن جميع كتب الآداب؛ إذ كان موشّحا من بدائع البديع «8» ، ولآلىء الميكالى، وشهىّ الخوارزمى، وغرائب الصاحب، ونفيس قابوس، وشذور أبى منصور «9» بكلام يمتزج بأجزاء النفس لطافة، وبالهواء رقة، وبالماء عذوبة.
(1/35)

وليس لى في تأليفه من الافتخار، أكثر من حسن الاختيار؛ واختيار المرء قطعة من عقله، تدلّ على تخلّفه أو فضله؛ ولا شكّ- إن شاء الله- فى استجادة ما استجدت، واستحسان ما أوردت؛ إذ كان معلوما أنه ما انجذبت نفس، ولا اجتمع حسّ، ولا مال سر، ولا جال فكر، فى أفضل من معنى لطيف، ظهر فى لفظ شريف؛ فكساه من حسن الموقع، قبولا لا يدفع، وأبرزه يختال من صفاء السبك [ونقاء السّلك] وصحة الدّيباجة، وكثرة المائية، فى أجمل حلة، وأجلى حلية:
يستنبط الروح اللطيف نسيمه ... أرجا، ويؤكل بالضمير ويشرب «1»
وقد رغبت في التجافى عن المشهور، فى جميع المذكور، من الأسلوب الذى ذهبت إليه، والنحو الذى عوّلت عليه؛ لأن أوّل ما يقرع الآذان، أدعى إلى الاستحسان، مما مجّته «2» النفوس لطول تكراره، ولفظته «3» العقول لكثرة استمراره؛ فوجدت ذلك يتعذّر ولا يتيسر، ويمتنع ولا يتّسع «4» ؛ ويوجب ترك ما ندر إذا اشتهر؛ وهذا يوجب في التصنيف دخلا «5» ، ويكسب التأليف خللا؛ فلم أعرض إلّا عما أهانه الاستعمال، وأذاله الابتذال «6» ؛ والمعنى إذا استدعى القلوب إلى حفظه، ما ظهر من مستحسن لفظه؛ من بارع عبارة «7» ، وناصع استعارة، وعذوبة مورد، وسهوله مقصد، وحسن تفصيل، وإصابة تمثيل؛ وتطابق أنحاء، وتجانس أجزاء، وتمكّن ترتيب، ولطافة تهذيب، مع صحّة طبع وجودة إيضاح، يثقفه تثقيف القداح، ويصوره أفضل تصوير، ويقدّره أكمل تقدير؛ فهو مشرق
(1/36)

فى جوانب السمع، لا يخلقه عوده على المستعيد «1» :
وهو المشيّع بالمسامع إن مضى ... وهو المضاعف حسنه إن كرّرا
وإن كنت قد استدركت على كثير ممن سبقنى إلى مثل ما جريت إليه، واقتصرت في هذا الكتاب عليه، لملح أوردتها كنوافث السحر «2» ؛ وفقر نظمتها كالغنى بعد الفقر، من ألفاظ أهل العصر، فى محلول النثر، ومعقود الشعر؛ وفيهم من أدركته بعمرى، أو لحقه أهل دهرى؛ ولهم من لطائف الابتداع، وتوليدات الاختراع، أبكار لم تفترعها الأسماع «3» ، يصبو إليها القلب والطّرف، ويقطر منها ماء الملاحة والظّرف، وتمتزج بأجزاء النفس، وتسترجع نافر الأنس، تخلّلت تضاعيفه، ووشّحت تأليفه، وطرّزت ديباجه، ورصّعت تاجه، ونظمت عقوده، ورقمت بروده؛ فنورها يرفّ، ونورها يشفّ، فى روض من الكلم مونق، ورونق من الحكم مشرق:
صفا ونفى عنه القذى فكانه ... إذا ما استشفّته العيون مصعّد «4»
فهو كما قلت:
بديع نثر رقّ حتّى غدا ... يجرى مع الرّوح كما تجرى
من مذهب الوشى على وجهه ... ديباجة ليست من الشعر «5»
كزهرة الدنيا وقد أقبلت ... ترود في رونقها النّضر «6»
أو كالنسيم الغض غبّ الحيا ... يختال في أردية الفجر «7»
ولعل في كثير مما تركت، ما هو أجود من قليل مما أدركت؛ إذ كان اقتصارا من كلّ على بعض، ومن فيض على برض «8» ؛ ولكنى اجتهدت في اختيار
(1/37)

ما وجدت؛ وقد تدخل اللفظة في شفاعة اللفظات، ويمرّ البيت في خلال الأبيات، وتعرض الحكاية في عرض الحكايات، يتمّ بها المعنى المراد، وليست مما يستجاد، ويبعث عليها فرط الضرورة إليها [فى إصلاح خلل] ؛ فمهما تره من ذلك في هذا الاختيار، فلا تعرض عنه بطرف الإنكار؛ وما أقلّ ذلك في جميع المسالك الجارية فى هذا الكتاب، الموسوم ب «زهر الآداب، وثمر الألباب» لكنى أردت أن أشارك من يخرج من ضيق الاغترار، إلى فسحة الاعتذار:
ويسىء بالإحسان ظنّا، لا كمن ... يأتيك وهو بشعره مفتون «1»
والله المؤيد والمسدّد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[إنّ من البيان لسحرا]
[الزّبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم بين يدي رسول الله]
روى عن عبد الله بن عبّاس- رضوان الله عليهما! - قال:
وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزّبر قان بن بدر وعمرو بن الأهتم؛ فقال الزبرقان: يا رسول الله! أنا سيد تميم، والمطاع فيهم، والمجاب منهم، آخذ لهم بحقّهم، وأمنعهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك- يعنى عمرا.
فقال عمرو: أجل يا رسول الله؛ إنه مانع لحوزته «2» ، مطاع في عشيرته، شديد العارضة فيهم «3» .
فقال الزبرقان: أما إنه والله قد علم أكثر مما قال، ولكنه حسدنى شرفى! فقال عمرو: أما لئن قال ما قال؛ فو الله ما علمته إلا ضيّق العطن «4» ، زمر المروءة «5» ، أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى.
(1/38)

فرأى الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا اختلف قوله؛ فقال: يا رسول الله؛ رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ من البيان لسحرا، وإنّ من الشعر لحكمة. ويروى لحكما، والأول أصح.
والذى روى أهل الثّبت، من هذا الحديث أنّه قدم رجلان من أهل المشرق فخطبا؛ فعجب الناس لبيانهما؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ من البيان لسحرا، أو إن من بعض البيان لسحرا «1» .
[ترجمة عمرو بن الأهتم]
وعمرو بن الأهتم هو: عمرو بن سنان بن سمىّ [بن سنان بن خالد] ابن منقر ابن عبيد بن الحارث، والحارث هو: مقاعس بن عمرو بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم. وسمّى سنان الأهتم لأنّ قيس بن عاصم المنقرى سيد أهل الوبر ضربه بقوسه فهتم فاه. هذا قول أبى محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة. وقال غيره: بل هتم فوه يوم الكلاب الثانى، وهو يوم كان لبنى تميم على أهل اليمن. وكان عمرو يلقب المكحّل لجماله، وبنو الأهتم أهل بيت بلاغة في الجاهلية والإسلام. وعبد الله بن عمرو بن الأهتم هو جدّ خالد ابن صفوان وشبيب بن شيبة. وكان يقال: الخطابة في آل عمرو، وكان شعره حللا منّشرة عند الملوك تأخذ منه ما شاءت. وهو القائل:
ذرينى فإن البخل يا أمّ مالك ... لصالح أخلاق الرجال سروق
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكنّ أخلاق الرجال تضيق «2»
[ترجمة الزبرقان ابن بدر]
والزبرقان: اسمه حصين بن بدر بن امرئ القيس [بن الحارث] بن
(1/39)

بهدلة بن عوف بن كعب بن سعيد. وسمى الزّبرقان لجماله؛ والزبرقان:
القمر [قبل تمامه] وقيل: لأنّه كان يزبرق عمامته، أى يصفّرها في الحرب.
وكانوا يسمّون الكلام الغريب «السّحر الحلال» ، ويقولون: اللفظ الجميل من إحدى النّفثات في العقد «1» .
[عمر بن عبد العزيز وغلام يتقدم وفد قومه]
وذكر بعض الرّواة أنه لما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قدم عليه وفود أهل كل بلد؛ فتقدم إليه وفد أهل الحجاز، فاشرأبّ، منهم غلام للكلام «2» ، فقال عمر: يا غلام؛ ليتكلّم من هو أسنّ منك! فقال الغلام:
يا أمير المؤمنين! إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده لسانا لافظا، وقلبا حافظا، فقد أجاد له الاختيار؛ ولو أن الأمور بالسنّ لكان هاهنا.
من هو أحقّ بمجلسك منك.
فقال عمر: صدقت، تكلم؛ فهذا السحر الحلال! فقال: يا أمير المؤمنين، نحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة «3» ، ولم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة؛ لأنّا قد أمنّا في أيامك ما خفنا، وأدركنا ما طلبنا! فسأل عمر عن سنّ الغلام، فقيل: عشر سنين.
وقد روى أن محمد بن كعب القرظى كان حاضرا، فنظر وجه عمر قد تهلّل عند ثناء الغلام عليه؛ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لا يغلبنّ جهل القوم بك معرفتك بنفسك؛ فإنّ قوما خدعهم الثناء، وغرّهم الشكر، فزّلت أقدامهم، فهووا في النار «4» . أعاذك الله أن تكون منهم، وألحقك بسالف هذه الأمة؛ فبكى عمر حتى خيف عليه، وقال: اللهم لا تخلنا من واعظ!
(1/40)

وقد روى أن عمر قال للغلام: عظنى، فقال هذا الكلام، وفيه زيادة يسيرة ونقص وأخذ قول عمر: «هذا السحر الحلال» أبو تمام فقال يعاتب أبا سعيد محمد بن يوسف الطائى:
إذا ما الحاجة انبعثت يداها ... جعلت المنع منك لها عقالا
فأين قصائد لى فيك تأبى ... وتأنف أن أهان وأن أذالا
هى السّحر الحلال لمجتليه ... ولم أر قبلها سحرا حلالا
[من ابن العميد إلى بعض إخوانه]
وكتب أبو الفضل بن العميد «1» إلى بعض إخوانه جوابا عن كتاب ورد إليه [فأحمده] :
وصل ما وصلتنى به، جعلنى الله فداك، من كتابك، بل نعمتك التامة، ومنّتك العامة؛ فقرّت عينى بوروده، وشفيت نفسى بوفوده، ونشرته فحكى نسيم الرياض غبّ المطر، وتنفّس الأنوار «2» فى السّحر، وتأمّلت مفتتحه، وما اشتمل عليه من لطائف كلمك، وبدائع حكمك؛ فوجدته قد تحمّل من فنون البرّ عنك، وضروب الفضل منك، جدّا وهزلا، ملأ عينى، وعمر قلبى، وغلب فكرى، وبهر لبّى؛ فبقيت لا أدرى: أسموط ذرّ خصصتنى بها، أم عقود جوهر منحتنيها؟ كما لا أدرى أبكرا زففتها فيه، أم روضة جهزتها منه؛ ولا أدرى أخدودا ضرّجت حياء ضمّنته؛ أم نجوما طلعت عشاء أودعته؛ ولا أدرى أجدّك أبلغ وألطف، أم هزلك أرفع وأظرف؛ وأنا أوكّل بتتبّع ما انطوى عليه نفسا لا ترى الحظّ إلا ما اقتنته منه، ولا تعدّ الفضل إلا فيما أخذته عنه، وأمتّع بتأمّله عينا لا تقرّ إلّا بمثله، مما يصدر عن يدك، ويرد من عندك، وأعطيه نظرا لا يمله، وطرفا لا يطرف دونه، وأجعله مثالا أرتسمه وأحتذيه،
(1/41)

وأمتّع خلقى برونقه، وأغذّى نفسى ببهجته، وأمزج قريحتى برقّته، وأشرح صدرى بقراءته، ولئن كنت عن تحصيل ما قلته عاجزا، وفي تعديد ما ذكرته متخلفا؛ لقد عرفت أنه ما سمعت به من السّحر الحلال.
[من وصف الكلام بالسحر]
وقال بعض المحدثين يمدح كاتبا:
وإذا جرى قلم له في مهرق ... عجلان في رفلانه ووجيفه «1»
نظمت مراشفه قلائد نظّمت ... بنفيس جوهر لفظه وشريفه
بدعا من السّحر الحلال تولّدت ... عن ذهن مصقول الذكاء مشوفه «2»
مثلا لضاربه وزاد مسافر ... جعلت وتحفة قادم لأليفه
[وصف رجل محبوبه]
وعلى ذكر قوله «وتحفة قادم» قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: وصف رجل رجلا فقال: كان والله سمحا سهلا، كأنما بينه وبين القلوب نسب، أو بينه وبين الحياة سبب، إنما هو عيادة مريض، وتحفة قادم، وواسطة عقد.
[عود إلى وصف الكلام بالسحر]
وأخذ بعض بنى العباس رجلا طالبيّا، فهمّ بعقوبته، فقال الطالبى: والله لولا أن أفسد دينى بفساد دنياك لملكت من لسانى أكثر مما ملكت من سوطك، والله إنّ كلامى لفوق الشعر، ودون السّحر، وإن أيسره ليثقب الخردل، ويحطّ الجندل.
وقال على بن العباس «3» يصف حديث امرأة:
وحديثها السّحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرّز «4»
إن طال لم يملل، وإن هي أو جزت ... ودّ المحدّث أنّها لم توجز
شرك العقول، ونزهة ما مثلها ... للمطمئن، وعقلة المستوفز «5»
(1/42)

ألمّ في بيته الآخر بقول الطائى:
كواعب أتراب لغيداء أصبحت ... وليس لها في الحسن شكل ولا ترب «1»
لها منظر قيد النواظر لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحبّ «2»
وأول من استثار هذا المعنى امرؤ القيس بن حجر الكندى في قوله:
وقد أغتدى والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل «3»
وقالت عليّة بنت المهدى:
اشرب على ذكر الغزال ... الأغيد الحلو الدّلال
اشرب عليه وقل له: ... يا غلّ ألباب الرجال «4»
[علية بنت المهدي أخت الرشيد]
وكانت عليّة لطيفة المعنى، رقيقة الشعر، حسنة مجارى الكلام، ولها ألحان حسان، وعلقت بغلام اسمه «رشأ» وفيه تقول:
أضحى الفؤاد بزينبا ... صبّا كئيبا متعبا
فجعلت زينب سترة ... وكتمت أمرا معجبا
[قولها: بزينب تريد برشأ] .
فنمى الأمر إلى أخيها الرشيد، فأبعده، وقيل: قتله، وغلقت بعده بغلام اسمه «طلّ» ، فقال لها الرشيد: والله لئن ذكرته لأقتلنّك! فدخل عليها يوما
(1/43)

على حين غفلة وهي تقرأ: فإن لم يصبها وابل فما نهى عنه أمير المؤمنين، فضحك، وقال: ولا كلّ هذا، وهى القائلة:
يا عاذلى قد كنت قبلك عاذلا ... حتى ابتليت فصرت صبّا ذاهلا
الحب أول ما يكون مجانة ... فإذا تحكّم صار شغلا شاغلا «1»
[أرضى فيغضب قاتلى فتعجّبوا ... يرضي القتيل ولا يرضّى القاتلا]
وهي القائلة:
وضع الحبّ على الجور، فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج «2»
[وقليل الحب صرفا خالصا ... لك خير من كثير قد مزج]
ليس يستحسن في نعت الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج
[أشباه لشعر علية بنت المهدي]
وكأنها ذهبت في الأول إلى قول العباس بن الأحنف:
وأحسن أيام الهوى يومك الذى ... تروّع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
وقد زاد النميرى في هذا فقال:
راحتى في مقالة العذّال ... وشفائى في قيلهم بعد قال
لا يطيب الهوى ولا يحسن الحبّ ... لصبّ إلّا بخمس خصال
بسماع الأذى، وعذل نصيح، ... وعتاب، وهجرة، وتقال «3»
وقال بعض المحدثين:
لولا اطّراد الصيد لم تك لذة ... فتطاردى لى في الوصال قليلا «4»
هذا الشراب أخو الحياة وماله ... من لذة حتى يصيب غليلا «5»
(1/44)

وقال آخر:
دع الصبّ يصلى بالأذى من حبيبه ... فإنّ الأذى ممن تحبّ سرور «1»
غبار قطيع الشاء في عين ذئبها ... إذا ما تلا آثارهنّ ذرور «2»
وأنشد الأصمعى [لجميل بن معمر العذرى] «3» :
لا خير في الحبّ وقفا لا تحرّكه ... عواض اليأس أو يرتاحه الطّمع
لو كان لى صبرها أو عندها جزعى ... لكنت أملك ما آتى وما أدع
إذا دعا باسمها داع ليحزننى ... كادت له شعبة من مهجتى تقع «4»
وهذا البيت كقول على بن العباس الرومى:
لا تكثرنّ ملامة العشاق ... فكفاهم بالوجد والأشواق
إن البلاء يطاق غير مضاعف ... فإذا تضاعف كان غير مطاق
لا تطفئنّ جوى بلوم؛ إنه ... كالريح تغرى النار بالإحراق
ويشبه بيت عليّة الآخر بيت أنشد في شعر روى لأبى نواس، ورواه قوم لعنان جارية الناطفى «5» وهو:
حلو العتاب يهيجه الإدلال ... لم يحل إلا بالعتاب وصال
لم يهو قطّ ولم يسمّ بعاشق ... من كان يصرف وجهه التّعذال «6»
(1/45)

وجميع أسباب الغرام يسيرة ... ما لم يكن غدر ولا استبدال
تصف القضيب على الكثيب قناتها ... ولها من البدر المنير مثال
ولربّ لابسة قناع ملاحة ... حسناء سار بحسنها الأمثال
كست الحداثة ظرفها وجمالها ... نورا فماء شبابها يختال «1»
وكأنها والكأس فوق بنانها ... شمس يمدّ بها إليك هلال
حتى إذا ما استأنست بحديثها ... وتكلمت بلسانها الجريال «2»
قلنا لها: إن صدّقت أقوالها ... أفعالها وجرى بهنّ الفال
قولى فليس تراك عين نميمة ... حضر النصيح وغابت العذّال
وضمير ما اشتملت عليه ضلوعنا ... سرّ لدى أبوابه أقفال
[ما قيل في معنى قيد الأوابد]
وقد أخذ أبو الطيب المتنبى معنى «قيد الأوابد» ، فقال يصف كلبا:
نيل المنى وحكم نفس المرسل ... وعقلة الظبى وحتف التّتفل «3»
كأنّه من علمه بالمقتل ... علّم بقراط فصاد الأكحل «4»
وقال في بنى حمدان:
متصعلكين على كثافة ملكهم ... متواضعين على عظيم الشان «5»
يتقبّلون ظلال كلّ مطهّم ... أجل الظليم وربقة السّرحان «6»
وقال أعرابى يصف فرسا: إنه لدرك الطالب، ومنجى الهارب، وقيد الرّهان، وزين الفناء.
(1/46)

وقال بعض أهل العصر في وصف غلام: وجهه قيد الأبصار، وأمد الأفكار، ونهاية الاعتبار.
وقال أبو القاسم إسماعيل بن عبّاد «1» :
وقد أغتدى للصّيد غدوة أصيد ... أعاجل فيها الوحش والوحش هجّد «2»
فعنّت ظباء خفن تحتى مطلق اليدين ... به أيدى الوحوش تقيّد «3»
فأدركتها والسيف لمعة بارق ... ولم يغنها إحضارها حين تجهد «4»
وقد رعتها إذ كان شعرى رائعا ... وطرف مشيبى عن عذارى أرمد «5»
وما بلغت حدّ الثلاثين مدّتى ... وهذا طراز الشيب فيه يمدّد «6»
وأبيات ابن الرومى من أجود ما قيل في حسن الحديث، وقد توسّع الشعراء فى هذا الباب، وكثر إحسانهم، كما كثر افتنانهم، وسأجرى شأوا في محتار ما قيل في ذلك، وأعود إلى ما بدأت به.
[ما يستملح مما قيل في حسن الحديث]
قال القطامى- واسمه عمير بن شييم التغلبى «7» ، وسمى القطامى لقوله:
يحطّهنّ جانبا فجانبا ... حطّ القطامىّ القطا القواربا «8»
وقال أبو عبيدة: ويقال للصقر قطامى وقطامى:
وفي الخدور غمامات برقن لنا ... حتى تصيّدننا من كلّ مصطاد
يقتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتقين ولا مكنونه بادى «9»
(1/47)

فهنّ ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذى الغلّة الصّادى «1»
وقال أبو حيّة النّميرى، واسمه الهيثم بن الرّبيع:
وخبّرك الواشون أن لن أحبّكم ... بلى وستور الله ذات المحارم
وإن دما، لو تعلمين، جنيته ... على الحىّ جانى مثله غير سالم «2»
أصدّ وما الصدّ الذى تعلمينه ... عزاء بكم إلا ابتلاع العلاقم «3»
حياء وتقيا أن تشيع نميمة ... بنا وبكم، أفّ لأهل النّمائم «4»
أما إنه لو كان غيرك أرقلت ... إليه القنا بالراعفات اللهاذم «5»
ولكنه والله ما طلّ مسلما ... كغرّ الثنايا واضحات الملاغم «6»
إذا هنّ ساقطن الأحاديث للفتى ... سقوط حصى المرجان من كفّ ناظم «7»
(1/48)

رمين فأنفذن القلوب، ولا ترى ... دما مائرا إلا جوى في الحيازم «1»
وقال أيضا:
حديث- إذا لم تخش عينا- كأنه ... إذا ساقطته الشّهد أو هو أطيب
لو انك تستشفى به بعد سكرة ... من الموت كادت سكرة الموت تذهب
إلى هذا ينظر قول الآخر وإن لم يكن منه:
أقول لأصحابى وهم يعذلوننى ... ودمع جفونى دائم العبرات
بذكر منى نفسى فبلّوا، إذا دنا ... خروجى من الدنيا، جفوف لهاتى «2»
وقال سديف مولى بنى هاشم يصف نساء:
وإذا نطقن تخالهنّ نواظما ... درّا يفصّل لؤلؤا مكنونا
وإذا ابتسمن فإنهنّ غمامة ... أو أقحوان الرّمل بات معينا «3»
وإذا طرفن طرفن عن حدق المها ... وفضلنهنّ محاجرا وجفونا «4»
وكأنّ أجياد الظباء تمدّها ... وخصورهنّ لطافة ولدونا «5»
وأصحّ ما رأت العيون محاجرا ... ولهنّ أمرض ما رأيت عيونا «6»
(1/49)

وكأنهنّ إذا نهضن لحاجة ... ينهضن بالعقدات من يبرينا «1»
وقال الطائى «2» :
تعطيك منطقها فتعلم أنّه ... لجنى عذوبته يمرّ بثغرها
وأظنّ حبل وصالها لمحبّها ... أوهى وأضعف قوّة من خصرها
أخذه أبو القاسم بن هانئ «3» ، فقال يمدح جعفر بن على، إلّا أنه قلبه فقال:
قد طيّب الأفواه طيب ثنائه ... من أجل ذا نجد الثغور عذابا
وكأنما ضرب السماء سرادقا ... بالزّاب، أو رفع النجوم قبابا «4»
أرضا وطئت الدّرّ رضراضا بها ... والمسك تربا والرياض جنابا «5»
(1/50)

وقال الطائى:
بسطت إليك بنانة أسروعا ... تصف الفراق ومقلة ينبوعا «1»
كادت لعرفان النّوى ألفاظها ... من رقّة الشّكوى تكون دموعا
ومن جيّد هذا المعنى وقديمه قول النابغة الذبيانى «2» :
لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبّد «3»
لرنا للهجتها وطيب حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد
نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السليم إلى وجوه العوّد «4»
ومن مشهور الكلام قول الآخر:
وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لى ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها «5»
تحلّل أحقادى إذا ما لقيتها ... وترمى بلا جرم علىّ حقودها «6»
وقال بشار:
وكأنّ رجع حديثها ... قطع الرّياض كسين زهرا
حوراء إن نظرت إلي ... ك سقتك بالعينين خمرا «7»
تنسى الغوىّ معاده ... وتكون للحكماء ذكرا
وكأنها برد الشراب ... صفا ووافق منك فطرا «8»
(1/51)

وكأنّ تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا
وتخال ما جمعت عليه ... ثيابها ذهبا وعطرا «1»
وسمع بشار قول كثيّر بن عبد الرحمن «2» :
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكفّ تلين
فقال: قاتل الله أبا صخر! يزعم أنها عصا ويعتذر بأنها خيزرانة، ولو قال:
عصا مخّ، أو عصا زبد؛ لكان قد هجّنها مع ذكر العصا، هلّا قال كما قلت:
ودعجاء المحاجر من معدّ ... كأنّ حديثها ثمر الجنان «3»
إذا قامت لحاجتها تثنّت ... كأنّ عظامها من خيزران
وبعد قول كثيّر: «ألا إنما ليلى عصا خيزرانة» :
تمتّع بها ما ساعفتك، ولا يكن ... عليك شجى في الصّدر حين تبين
وإن هي أعطتك اللّيان فإنها ... لآخر من خلّانها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأى عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين
وقال البحترى:
ولما التقينا واللّوى موعد لنا ... تعجّب رائى الدّرّ حسنا ولا قطه
فمن لؤلؤ تجنيه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
وقال المتنبى:
أمنعمة بالعودة الظبية التى ... بغير ولىّ كان نائلها الوسمى «4»
ترشّفت فاها سحرة فكأننى ... ترشّفت حرّ الوجد من بارد الظلم «5»
(1/52)

فتاة تساوى عقدها وكلامها ... ومبسمها الدّرّىّ في النثر والنظم
عاد الحديث الأول- قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجى:
حدثنا يوسف بن يعقوب قال: أخبرنى جدّى قراءة عليه، عن أبى داود، عن محمد بن عبيد الله، عن أبى إسحاق، عن البراء يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الشعر لحكما، وإن من البيان لسحرا» قال أبو القاسم:
هكذا روينا الخبر، وراجعت فيه الشيخ، فقال: نعم، هو: «إن من الشعر لحكما» بضم الحاء وتسكين الكاف، قال: ووجهه عندى إذا روى هكذا: إن من الشعر ما يلزم المقول فيه كلزوم الحكم للمحكوم عليه؛ إصابة للمعنى، وقصدا للصواب وفي هذا يقول أبو تمام:
ولولا سبيل سنّها الشعر مادرى ... بغاة العلى من أين تؤتى المكارم «1»
يرى حكمة ما فيه وهو فكاهة ... ويرضى بما يقضى به وهو ظالم
انتهى كلام أبى القاسم.
وقد وجدنا في الشعر أبياتا يجرى على رسمها، ويمضى على حكمها؛ فقد كان بنو أنف الناقة إذا ذكر أحد عند أحد منهم أنف الناقة- فضلا عن أن ينسبهم إليه- اشتدّ غضبهم عليه؛ فما هو إلا أن قال الحطيئة «2» يمدحهم:
سيرى أمام فإن الأكثرين حصى ... والأطيبين إذا ما ينسبون أبا «3»
(1/53)

قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا «1»
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّى بأنف الناقة الذّنبا
فصار أحدهم إذا سئل عن انتسابه لم يبدأ إلا به وأنف الناقة: هو جعفر بن قريع بن عوف بن كعب بن زيد مناة بن تميم.
[بنو العجلان والنجاشي الحارثي]
وكان بنو العجلان يفخرون بهذا الاسم، ويتشرّفون بهذا الوسم؛ إذ كان عبد الله بن كعب جدّهم إنما سمّى العجلان لتعجيله القرى للضّيفان؛ وذلك أن حيّا من طيىء نزلوا به، فبعث إليهم بقراهم عبدا له، وقال له: اعجل عليهم، ففعل العبد، فأعتقه لعجلته، فقال القوم: ما ينبغى أن يسمى إلّا العجلان؛ فسمى بذلك؛ فكان شرفا لهم، حتى قال النجاشى، واسمه قيس بن عمرو بن حرن ابن الحارث بن كعب يهجوهم:
أولئك أخوال اللّعين وأسرة الهجين ... ورهط الواهن المتذلّل «2»
وما سمّى العجلان إلا لقوله ... خذ القعب واحلب أيها العبدوا عجل
فصار الرجل منهم إذا سئل عن نسبه قال: كعبى، ويكنى عن العجلان وزعمت الرواة أنّ بنى العجلان استعدوا «3» على النجاشى- لما قال هذا الشعر- عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، وقالوا: هجانا، قال: وما قال فيكم؟ فأنشدوه قوله:
إذا الله عادى أهل لؤم ورقّة ... فعادى بنى العجلان رهط ابن مقبل
فقال: إنّ الله لا يعادى مسلما، قالوا: فقد قال:
قبيّلة لا يغدرون بذمّة ... ولا يظلمون الناس حبّة خردل «4»
(1/54)

فقال: وددت أن آل الخطاب كانوا كذلك! قالوا: فقد قال:
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ... وتأكل من عوف بن كعب بن نهشل
فقال: كفى ضياعا من تأكل الكلاب لحمه! قالوا: فقد قال:
ولا يردون الماء إلّا عشية ... إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل «1»
فقال: ذلك أصفى للماء، وأقل للزّحام! قالوا: فقد قال:
وما سمّى العجلان إلّا لقوله ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
فقال: سيّد القوم خادمهم!.
وكان عمر رضي الله عنه أعلم بما في هذا الشعر، ولكنه درأ الحدود بالشبهات «2» وهؤلاء بنو نمير بن عامر بن صعصعة من القوم أحد جمرات العرب وأشرف بيوت قيس بن عيلان بن مضر. وجمرات العرب ثلاثة؛ وإنما سمّوا بذلك لأنهم متوافرون في أنفسهم، لم يدخلوا معهم غيرهم؛ والتجمير في كلام العرب:
التجميع، وهم: بنو نمير بن عامر، وبنو الحارث بن كعب، وبنو ضبة بن أد. فطفئت جمرتان، وهما بنوضبّة لأنها حالفت الرباب، وبنو الحارث لأنها حالفت مذحج، وبقيت نمير لم تحالف؛ فهى على كثرتها ومنعتها. وكان الرجل منهم إذا قيل له:
ممّن أنت؟ قال: نميرى كما ترى! إدلالا بنسبه، وافتخارا بمنصبه، حتى قال جرير ابن [عطية بن] الخطفى لعبيد بن حصين الراعى أحد بنى نمير بن عامر:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
كعب وكلاب: ابنا ربيعة بن عامر بن صعصعة؛ فصار الرجل منهم إذا قيل له:
ممن أنت؟ يقول: عامرى، ويكنى عن نمير.
ومرّت امرأة بقوم من بنى نمير، فأحدّوا النظر إليها، فقال منهم قائل: والله
(1/55)

إنها لرشحاء «1» ، فقالت: يا بنى نمير، والله ما امتثلتم فىّ واحدة من اثنتين، لاقول الله عز وجل: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ)
ولا قول الشاعر:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير
[شريك بن عبد الله النميرى وابن هبيرة الفزارى]
وساير شريك بن عبد الله النميرى يزيد بن عمر بن هبيرة الفزارى، فبرّزت بغلة شريك «2» ، فقال له يزيد: غضّ من لجامها، فقال: إنها مكتوبة أصلح الله الأمير! فضحك، وقال: ما ذهبت حيث أردت وإنما عرّض بقوله: «غضّ من لجامها» بقول جرير:
فغضّ الطّرف إنك من نمير
فعرّض له شريك بقول ابن دارة:
لا تأمننّ فزاريّا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار «3»
[الفرزدق يهجوا ابن هبيرة]
وبنو فزارة يرمون بإتيان الإبل، ولذلك قال الفرزدق ليزيد بن عبد الملك لما ولى عمر بن هبيرة «4» العراق:
أمير المؤمنين لأنت مرء ... أمين لست بالطّبع الحريص
أولّيت العراق ورافديه ... فزاريّا أحذّ يد القميص «5»
ولم يك قبلها راعى مخاض ... ليأمنه على وركى قلوص «6»
(1/56)

تفيهق بالعراق أبو المثنّى ... وعلّم قومه أكل الخبيص «1»
الرافدان: دجلة والفرات.
[بعض النميريين يجيب جريرا عن شعره]
وقال بعض النميريين يجيب جريرا عن شعره:
نمير جمرة العرب التي لم ... تزل في الحرب تلتهب التهابا
وإنى إذ أسبّ بها كليبا ... فتحت عليهم للخسف بابا
ولولا أن يقال هجا نميرا ... ولم يسمع لشاعرهم جوابا
رغبنا عن هجاء بنى كليب ... وكيف يشاتم الناس الكلابا
فما نفع نميرا، ولا ضرّ جريرا، بل كان كما قال الفرزدق:
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
وقال أبو جعفر محمد بن منذر مولى بنى صبير بن يربوع في هجائه لثقيف:
وسوف يزيدكم ضعة هجائى ... كما وضع الهجاء بنى نمير
وسمع الراعى «2» منشدا ينشد:
وعاو عوى من غير شىء رميته ... بقافية أنفاذها تقطر الدّما «3»
خروج بأفواه الرّواة كأنها ... قرى هندوانىّ إذا هزّ صمّما «4»
فارتاع له، وقال: لمن هذا؟ قيل: لجرير، قال: لعن الله من يلومنى أن يغلبنى مثل هذا!
[فضل الشعر]
وقد بنى الشعر لقوم بيوتا شريفة، وهدم لآخرين أبنية منيفة:
وما هو إلا القول يسرى فتغتدى ... له غرر في أوجه ومواسم «5»
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمى «6» : سمعت أبا عمرو بن العلاء ورجل يقول:
(1/57)

إنما الشعر كالميسم «1» . فقال: وكيف يكون ذلك كذلك؟ والميسم يذهب بذهاب الجلد ويدرس مع طول العهد، والشعر يبقى على الأبناء بعد الآباء، ما بقيت الأرض والسماء! وإلى هذا نحا الطائى في قوله:
وأنى رأيت الوسم في خلق الفتى ... هو الوسم لا ما كان في الشّعر والجلد
وقال عمر رحمة الله عليه: تعلّموا الشعر؛ فإن فيه محاسن تبتغى، ومساوىء تتقى.
وقال أبو تمام:
إنّ القوافى والمساعى لم تزل ... مثل النّظام إذا أصاب فريدا
هى جوهر نثر فإن ألّفته ... فى الشعر كان قلائدا وعقودا
من أجل ذلك كانت العرب الألى ... يدعون هذا سؤددا مجدودا
وتندّ عندهم العلا إلا إذا ... جعلت لها مرر القصيد قيودا
«2» وقال على بن الرومى:
(1/58)

أرى الشعر يحيى الناس والمجد بالذى ... تبقيه أرواح له عطرات
وما المجد لولا الشّعر إلا معاهد ... وما الناس إلا أعظم نخرات «1»
[شذور من كلام الرسول]
رجعت إلى ما قطعت، مما هو أحق وأولى، وأجلّ وأعلى، وهو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الكريم النّجر «2» ، العظيم القدر، الذى هو النهاية في البيان، والغاية في البرهان، المشتمل على جوامع الكلم، وبدائع الحكم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أفصح العرب بيد أنّى من قريش، واسترضعت في سعد ابن بكر! وليس بعض كلامه بأولى من بعض بالاختيار، ولا أحقّ بالتقديم والإيثار؛ ولكنى أورد ما تيسّر منه في أول هذا الكتاب استفتاحا، وتيمّنا بذلك واستنجاحا.
(1/59)

وهذه شذور من قوله صلى الله عليه وسلم الصريح الفصيح، العزيز الوجيز، المتضمّن بقليل من المبانى كثير المعانى:
قوله للأنصار: إنكم لتقلّون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع.
وقوله عليه الصلاة والسلام: المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم. الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة. إياكم وخضراء الدّمن»
. كلّ الصّيد في جوف الفرا «2» - قاله لأبى سفيان صخر بن حرب-.
الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا. أصحابى كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبى زور. المرأة كالضلع إن رمت قوامها كسرتها «3» ، وإن داريتها استمتعت بها. اليد العليا خير من اليد السفلى. مطل الغنىّ ظلم.
يد الله مع الجماعة. الحياء شعبة من الإيمان. مثل أبى بكر كالقطر، أينما وقع نفع. لا تجعلونى في أعجاز كتبكم كقدح الراكب «4» . أربعة من كنوز الجنة:
كتمان الصّدقة والمرض والمصيبة والفاقة. جنة الرجل داره. الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. كفى بالسلامة داء. إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم. ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى. كلّ ميسّر لما خلق له.
اليمين حنث أو مندمة «5» . دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. انصر أخاك ظالما كان
(1/60)

أو مظلوما. احترسوا من الناس بسوء الظّنّ. النّدم توبة. انتظار الفرج عبادة. نعم صومعة الرجل بيته. المستشير معان والمستشار مؤتمن. المرء كثير بأخيه. إنّ للقلوب صدأ كصدإ الحديد وجلاؤها الاستغفار. اليوم الرّهان وغدا السّباق، والجنّة الغاية. كلّ من في الدنيا ضيف، وما في يديه عارّية، والضيف مرتحل، والعاريّة مؤدّاة.
ومن جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام ما رواه أهل الصحيح عن علقمة بن وقّاص الليثى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» .
قال أبو القاسم حمزة بن محمد الكنانى: سمعت أهل العلم يقولون: هذا الحديث ثلث الإسلام، والثلث الثانى ما رواه النعمان بن بشير أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، فمن تركها كان أوفى لدينه وعرضه، ومن واقعها كان كالراتع حول الحمى؛ ألا وإنّ لكل ملك حمى، ألا وإنّ حمى الله محارمه» «1» .
قال: و [الثلث] الثالث ما رواه مالك [عن] ابن شهاب عن على ابن حسين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
(1/61)

وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر وأثاب عليه، وندب حسّان بن ثابت إليه «1» ، وقال: إن الله ليؤيّده بروح القدس ما نافح عن نبيه «2» .
ولما انتهى شعر أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب إلى النبى صلى الله عليه وسلم شقّ عليه «3» فدعا عبد الله بن رواحة «4» فاستنشده فأنشده فقال: أنت شاعر كريم، ثم دعا كعب بن مالك فاستنشده فأنشده، فقال: أنت تحسن صفة الحرب، ثم دعا بحسّان بن ثابت فقال: أجب عنى، فأخرج لسانه فضرب به أرنبته «5» ؛ ثم قال: والذى بعثك بالحق ما أحبّ أن لى به مقولا في معدّ؛ ولو أن لسانا فرى الشّعر لفراه «6» . ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسّ من أبى سفيان، فقال: وكيف، وبينى وبينه الرّحم التي قد علمت؟ فقال:
أسلّك منه كما تسلّ الشّعرة من العجين! فقال: اذهب إلى أبى بكر، وكان أعلم الناس بأنساب قريش، وسائر العرب، وعنه أخذ جبير بن مطعم علم النسب، فمضى حسان إليه فذكر له معايبه، فقال حسّان بن ثابت:
(1/62)

وإنّ سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد
ومن ولدت أبناء زهرة منهم ... كرام، ولم يقرب عجائزك المجد «1»
ولست كعبّاس ولا كابن أمّه ... ولكن لئيم لا يقوم له زند «2»
وإنّ امرأ كانت سميّة أمّه ... وسمراء مغموز إذا بلغ الجهد «3»
وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد «4»
(1/63)

فلما بلغ هذا الشعر أبا سفيان قال: هذا كلام لم يغب عنه ابن أبى قحافة «1» يعنى ببنى بنت مخزوم عبد الله وأبا طالب والزبير بنى عبد المطلب بن هاشم [بن عبد مناف] ، أمّهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وأخواتهم برّة وأميمة والبيضاء، وهي أم حكيم، والبيضاء جدّة عثمان بن عفان أم أمه.
وقوله: «ومن ولدت أبناء زهرة منهم كرام» يعنى أميمة وصفية أم الزبير بن العوام أمّها هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة وقوله: «ولست كعباس ولا كابن أمه» أمّ العباس: نتيلة امرأة من النّمر ابن قاسط، وأخوه لأمه ضرار بن عبد المطلب وقوله: «وإن امرأ كانت سمية أمه» سمية أم أبى سفيان، وسمراء: أم أبيه، وليس هذا موضع إطناب في رفع الأنساب.
وكان عبد الأعلى بن عبد الرحمن الأموى عتب على بعض ولد الحارث، فقال له معرّضا بما قال حسان:
إخال بالعمّ وبالجدّ ... مفتخرا بالقدح الفرد «2»
الهج بحسّان وأشعاره ... فإنها أدعى إلى المجد
لولا سيوف الأزد لم تؤمنوا ... ولم تقيموا سورة الحمد
فتوعّدوه، فخافهم، فقال:
بنى هاشم عفوا عفا الله عنكم ... وإن كان ثوبى حشو ثنييه مجرم «3»
لكم حرم الرحمن والبيت والصّفا ... وجمع وما ضمّ الحطيم وزمزم
فإن قلتم بادهتنا بعظيمة ... فأحلامكم منها أجلّ وأعظم
(1/64)

وأسلم أبو سفيان- رحمه الله! - وشهد مع النبى صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وكان ممسكا بغلته حين فرّ الناس، وهو أحد الذين ثبتوا، وهم- على ما ذكره أبو محمد عبد الملك بن هشام- أبو بكر، وعمر، وعلى، والعباس، وأبو سفيان ابن الحارث، وابنه الفضل، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن ابن أم أيمن بن عبيد قتل يومئذ، وبعض الناس يعدّ فيهم قثم بن العباس، ولا يعدّ.
أبا سفيان، وكان أبو سفيان من أشعر قريش، وهو القائل:
لقد علمت قريش غير فخر ... بأنّا نحن أجودهم حصانا
وأكثرهم ذروعا سابغات ... وأمضاهم إذا طعنوا سنانا «1»
وأدفعهم عن الضّرّاء عنهم ... وأبينهم إذا نطقوا لسانا
ويروى أنّ ابن سيرين قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره قد شنق ناقته بزمامها حتى وضعت رأسها عند مفدمة الرّحل إذ قال: يا كعب ابن مالك: احد بنا! فقال كعب:
قضينا من تهامة كلّ حقّ ... وخيبر ثم أجممنا السّيوفا «2»
نخيّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهنّ: دوسا أو ثقيفا
فقال عليه السلام: والذى نفسى بيده لهى أشدّ عليهم من رشق النّبل! ويقال: إنّ دوسا أسلمت فرقا «3» من كلمة كعب هذه «4» ، وقالوا: اذهبوا فخذوا لأنفسكم الأمان من قبل أن ينزل بكم ما نزل بغيركم!
[النضر بن الحارث]
وقتل النبى صلى الله عليه وسلم النضر بن الحارث، وكان ممن أسر يوم بدر،
(1/65)

وكان شديد العداوة لله ولرسوله، وقتله علىّ بن أبى طالب رضي الله عنه صبرا «1» فعرضت النبى صلى الله عليه وسلم أخته قتيلة بنت الحارث- وفى بعض الروايات أن قتيلة أتته فأنشدته:
يا راكبا إنّ الأثيل مظنّة ... من صبح غادية وأنت موفّق «2»
أبلغ بها ميتا بأنّ تحيّة ... ما إن تزال بها النّجائب تعنق «3»
منّى إليه وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق «4»
هل يسمعنّى النّضر إن ناديته ... إن كان يسمع ميّت لا ينطق
ظلّت سيوف بنى أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقّق «5»
قسرا يقاد إلى المنيّة متعبا ... رسف المقيّد وهو عان موثق «6»
أمحمد ها أنت صنو كريمة ... فى قومها والفحل فحل معرق «7»
ما كان ضرّك لو مننت وربّما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق «8»
فالنضر أقرب من قتلت قرابة ... وأحقّهم إن كان عتق يعتق
أو كنت قابل فدية فليفدين ... بأعزّ ما يغلى به من ينفق
فذكر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رقّ لها ودمعت عيناه، وقال لأبى بكر: لو كنت سمعت شعرها ما قتلته.
والنضر هذا هو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار «9» . قال الزبير بن بكار «10» : وسمعت بعض أهل العلم يغمز في أبيات قتيلة بنت الحارث ويقول: إنّها مصنوعة.
(1/66)

[من كلام أبى بكر رضي الله تعالى عنه]
ودخل أبو بكر الصديق رضوان الله عليه، على النبى عليه الصلاة والسلام وهو مسجّى بثوب «1» ، فكشف عنه الثوب وقال: بأبى أنت وأمى! طبت حيّا وميّتا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوّة، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء. ولولا أنّ موتك كان اختيارا منك لجدنا لموتك بالنفوس ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفدنا عليك ماء الشؤون «2» . فأمّا ما لا نستطيع نفيه عنّا فكمد وإدناف «3» يتحالفان ولا يبرحان. اللهم فأبلغه عنا السلام، اذكرنا يا محمد عند ربّك، ولنكن من بالك؛ فلولا ما خلّفت من السكينة لم نقم لما خلّفت من الوحشة؛ اللهم أبلغ نبيّك عنا واحفظه فينا، ثم خرج.
قوله رضي الله عنه: «لولا أن موتك كان اختيارا منك» إنّما يريد قول النبى صلى الله عليه وسلم: لم يقبض نبىّ حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخيّر.
قالت عائشة رضي الله عنها: فسمعته وقد شخص بصره وهو يقول: فى الرفيق الأعلى! فعلمت أنه خيّر، فقلت: لا يختارنا إذن، وقلت: هو الذى كان يحدثنا. وهو صحيح.
وكان أبو بكر لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرضه بالسّنح «4» فتواترت إليه الرسل، فأتى وقد ذهل الناس، فكانوا كالخرس، وتفرقت أحوالهم، واضطربت أمورهم، فكذّب بعضهم بموته، وصمت آخرون فما تكلّموا إلا بعد [التغير] ، وخلط آخرون فلاثوا «5» الكلام بغير بيان، وحق لهم ذلك للرزيّة
(1/67)

العظمى، والمصيبة الكبرى، التى هي بيضة العقر «1» ، ويتيمة الدهر، ومدى المصائب، ومنتهى النوائب، فكل مصيبة بعدها جلل عندها «2» ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: لتعزّ المسلمين في مصائبهم المصيبة بى.
[حال الصحابة عند ما بلغهم موت الرسول]
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ممن كذّب بموته، وقال: ما مات، وليرجعنّه الله، فليقطعنّ أيدى المنافقين وأرجلهم، يتمنون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الموت؛ وإنما واعده ربه كما واعد موسى، وهو يأتيكم.
وأما عثمان رضي الله عنه فكان ممن أخرس؛ فجعل لا يكلّم أحدا، فيؤخذ بيده ويجاء به فينقاد.
وأما على رضي الله عنه فلبط بالأرض «3» فقعد ولم يبرح البيت حتى دخل أبو بكر، وهو في ذلك جلد العقل والمقالة «4» ، فأكبّ عليه، وكشف عن وجهه ومسخه، وقبّل جبينه، وبكى بكاء شديدا، وقال الكلام الذى قدّمته.
[خطبة أبي بكر يوم موت الرسول]
ولما خرج إلى الناس وهم في شديد غمراتهم، وعظيم سكراتهم، قام فخطب خطبة جلها الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم، قال فيها: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله، وأشهد أن الكتاب كما نزل وأن الدين كما شرع، وأنّ الحديث كما حدث، وأن القول كما قال، وأن الله هو
(1/68)

الحقّ المبين. فى كلام طويل، ثم قال: أيها الناس؛ من كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حىّ لا يموت، وإن الله قد تقدّم إليكم في أمره، فلا تدعوه جزعا، وإن الله قد اختار لنبيه ما عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلّف فيكم كتابه، وسنة نبيّه، فمن أخذ بهما عرف، ومن فرّق بينهما أنكر؛ يأيّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط، ولا يشغلنّكم الشيطان بموت نبيكم، ويفتننّكم عن دينكم؛ فعاجلوه بالذى تعجزونه، ولا تستنظروه فيلحق بكم.
فلما فرغ من خطبته قال: يا عمر! بلغنى أنك تقول مامات نبىّ الله، أما علمت أنه قال في يوم كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا: قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)
؟ فقال عمر: والله لكأنى لم أسمع بها في كتاب الله قبل؛ لما نزل بنا، أشهد أن الكتاب كما نزل، وأن الحديث كما حدّث، وأنّ الله حىّ لا يموت، وإنا لله وإنا إليه راجعون! ثم جلس إلى جنب أبى بكر رحمه الله.
قالت عائشة رضوان الله عليها: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نجم النّفاق «1» ، وارتدّت العرب، وكان المسلمون كالغنم الشاردة، فى الليلة الماطرة، فحمل أبى مالو حملته الجبال لهاضها «2» فو الله إن اختلفوا في معظم إلا ذهب بحظّه ورشده، وغنائه، وكنت إذا نظرت إلى عمر علمت أنه إنما خلق للاسلام، فكان والله أحوذيّا نسيج وحده «3» ، قد أعدّ للأمور أقرانها.
[رثاء فاطمة الزهراء ع لأبيها رسول الله ص]
وحدث أبو بكر بن دريد عن عبد الأول بن يزيد قال: حدثنى رجل في مجلس يزيد بن هارون «4» بالبصرة قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1/69)

دفن ورجع المهاجرون والأنصار إلى رحالهم، ورجعت فاطمة إلى بيتها؛ فاجتمع إليها نساؤها، فقالت:
اغبرّ آفاق السماء، وكوّرت ... شمس النهار، وأظلم العصران «1»
فالأرض من بعد النبى كئيبة ... أسفا عليه كثيرة الرجفان «2»
فليبكه شرق البلاد وغربها ... وليبكه مضر وكل يمان
وليبكه الطّور المعظّم جوّه ... والبيت ذو الأستار والأركان
يا خاتم الرسل المبارك ضوءه ... صلّى عليك منزّل الفرقان «3»
[عود إلى المختار من كلام أبي بكر]
وكان أبو بكر- رضي الله عنه! - إذا أثنى عليه يقول: اللهم أنت أعلم بى من نفسى، وأنا أعلم بنفسى منهم، فاجعلنى خيرا مما يحسبون، واغفر لى برحمتك مالا يعلمون، ولا تؤاخذنى بما يقولون.
وقال رحمه الله في بعض خطبه: إنكم في مهل، من ورائه أجل، فبادروا في مهل آجالكم، قبل أن تنقطع آمالكم، فتردكم إلى سوء أعمالكم.
وذكر أبو بكر الملوك فقال: إن الملك إذا ملك زهّده الله في ماله، ورغّبه في مال غيره، وأشرب قلبه الإشفاق؛ فهو يسخط على الكثير، ويحسد على القليل، جذل الظاهر، حزين الباطن، حتى إذا وجبت نفسه، ونضب عمره، وضحا ظلّه «4» حاسبه فأشدّ حسابه وأقل عفوه.
وذكر أنه وصل إلى أبى بكر مال من البحرين، فساوى فيه بين الناس، فغضبت الأنصار، وقالوا له: فضّلنا! فقال أبو بكر: صدقتم، إن أردتم أن أفضلكم صار ما عملتموه للدنيا، وإن صبرتم كان ذلك لله عز وجل! فقالوا:
والله ما عملنا إلا لله تعالى، وانصرفوا؛ فرقى أبو بكر المنبر، فحمد الله، وأثنى
(1/70)

عليه، وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم؛ ثم قال: يا معشر الأنصار؛ إن شئتم أن تقولوا: إنّا آويناكم في ظلالنا، وشاطرناكم في أموالنا «1» ، ونصرناكم بأنفسنا لقلتم، وإنّ لكم من الفضل مالا يحصيه العدد، وإن طال به الأمد، فنحن وأنتم كما قال طفيل الغنوى «2» :
جزى الله عنا جعفرا حين أزلفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلّت «3»
أبوا أن يملّونا ولو أن أمنّا ... تلاقى الذى يلقون منّا لملّت «4»
هم أسكنونا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأظلّت
فقر من كلامه رضي الله عنه: صنائع المعروف تقى مصارع السوء. الموت أهون مما بعده، وأشد مما قبله. ليست مع العزاء مصيبة، ولا مع الجزع فائدة. ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغى، والنكث، والمكر. إن الله قرن وعده بوعيده؛ ليكون العبد راغبا وراهبا.
[رثاء عائشة لأبيها]
ولما توفى رضي الله عنه وقفت عائشة على قبره؛ فقالت: نضّر الله وجهك يا أبت، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلّا بإدبارك عنها، وللآخرة معزّا بإقبالك عليها، ولئن كان أجلّ الحوادث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رزؤك، وأعظم المصائب بعده فقدك، إن كتاب الله ليعد بحسن الصبر عنك حسن العوض منك، وأنا أستنجز موعود الله تعالى بالصبر فيك، وأستقضيه بالاستغفار لك، أما لئن كانوا قاموا بأمر الدنيا فلقد قمت بأمر الدين لما وهي شعبه «5» وتفاقم صدعه «6» ، ورجفت جوانبه «7» ؛ فعليك
(1/71)

سلام الله توديع غير قالية لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك «1» وقال أبو بكر لبلال لما قتل أمية بن خلف وقد كان يسومه سوء العذاب بمكة فيخرجه إلى الرّمضاء «2» ، فيلقى عليه الصخرة العظيمة ليفارق دين الإسلام فيعصمه الله من ذلك:
هنيئا زادك الرحمن خيرا ... فقد أدركت ثأرك يا بلال
فلا نكسا وجدت ولا جبانا ... غداة تنوشك الأسل الطوال «3»
إذا هاب الرّجال ثبتّ حتى ... تخلط أنت ما هاب الرّجال
على مضض الكلوم بمشرفىّ ... جلا أطراف متنيه الصّقال «4»
[من كلام عمر]
وكتب عمر بن الخطاب- رضي الله عنه! - إلى ابنه عبد الله:
أما بعد؛ فإنه من اتّقي الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن شكر له زاده، ومن أقرضه جزاه؛ فاجعل التقوى عماد قلبك، وجلاء بصرك، فإنه لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا خشية له، ولا جديد لمن لا خلق له.
ودخل عدىّ بن حاتم على عمر، فسلّم وعمر مشغول، فقال: يا أمير المؤمنين! أنا عدىّ بن حاتم؛ فقال: ما أعرفنى بك! آمنت إذ كفروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا، وأقبلت إذ أدبروا! وقال رجل لعمر: من السيد؟ قال: الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل، الكريم المجالسة لمن جالسه الحسن الخلق لمن جاوره.
وقال رضي الله عنه: ما كانت الدنيا همّ رجل قطّ إلا لزم قلبه أربع خصال:
(1/72)

فقر لا يدرك غناه، وهمّ لا ينقضى مداه، وشغل لا ينفد أولاه، وأمل لا يبلغ منتهاه.
فصول قصار من كلامه رضي الله عنه
من كتم سره كان الخيار في يده. أشقى الولاة من شقيت به رعيّته.
أعقل الناس أعذرهم للناس. ما الخمر صرفا «1» بأذهب لعقول الرجال من الطمع.
لا يكن حبّك كلفا، ولا بغضك تلفا. مرذوى القرابات أن يتزاوروا، ولا يتجاوروا. قلّما أدبر شىء فأقبل. أشكو إلى الله ضعف الأمين، وخيانة القوىّ تكثّروا من العيال فإنكم لا تدرون بمن ترزقون. لو أن الشكر والصبر بعيران ما باليت أيّهما أركب. من لا يعرف الشرّ كان أجدر أن يقع فيه.
[وصف صعصعة بن صوحان لعمر بن الخطاب]
وقال معاوية بن أبى سفيان لصعصعة بن صوحان: صف لى عمر بن الخطاب؛ فقال: كان عالما برعيّته، عادلا في قضيّته، عاريا من الكبر، قبولا للعذر، سهل الحجاب، مصون الباب، متحرّيا للصواب، رفيقا بالضعيف، غير محاب للقريب، ولا جاف للغريب.
[عمر يذكر ماضيه وحاضره]
وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حجّ فلما كان بضجنان «2» قال:
لا إله إلا الله العلىّ العظيم، المعطى من شاء ما شاء، كنت في هذا الوادى في مدرعة صوف أرعى إبل الخطّاب، وكان فظّا يتعبنى إذا عملت، ويضربنى إذا قصرت، وقد أمسيت الليلة ليس بينى وبين الله أحد، ثم تمثل:
لا شىء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودى المال والولد»
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجرى الرياح له ... والجنّ والإنس فيما بينها ترد
(1/73)

أين الملوك التي كانت نوافلها ... من كل صوب إليها وافد يفد «1»
حوض هنالك مورود بلا كدر ... لا بدّ من ورده يوما كما وردوا
[من شعر عمر يوم فتح مكة]
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم فتح مكة:
ألم تر أن الله أظهر دينه ... على كل دين قبل ذلك حائد «2»
وأمكنه من أهل مكة بعدما ... تداعوا إلى أمر من الغيّ فاسد
غداة أجال الخيل في عرصاتها ... مسوّمة بين الزبير وخالد «3»
فأمسى رسول الله قد عزّ نصره ... وأمسى عداه من قتيل وشارد
يريد الزبير بن العوام «4» حوارىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالد ابن الوليد سيف الله تعالى في الأرض «5» .
[زوجة عمر ترثيه]
ولما قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، قالت عاتكة بنت زيد بن عمرو ابن نفيل زوجته ترثيه:
عين جودى بعبرة ونحيب ... لا تملّى على الأمين النّجيب
فجعتنى المنون بالفارس المعلم يوم الهياج والتثويب «6» عصمة الناس والمعين على الدّهر وغيث المحروم والمحروب «7»
قل لأهل الضراء والبؤس موتوا ... قد سقته المنون كأس شعوب «8»
وقالت أيضا ثرثيه:
وفجّعنى فيروز لا درّ درّه ... بأبيض تال للكتاب منيب
(1/74)

رءوف على الأدنى غليظ على العدا ... أخى ثقة في النائبات نجيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله ... سريع إلى الخيرات غير قطوب
[ترجمة عاتكة بنت زيد بن عمرو زوجة عمر]
وعاتكة هذه: هى أخت سعيد بن زيد أحد العشرة الذين شهد لهم النبى صلى الله عليه وسلم بالجنة، وكانت تحت عبد الله بن أبى بكر، فأصابه سهم في غزوة الطائف فمات منه، فتزوّجها عمر رضي الله عنه فقتل عنها، فتزوجها الزبير ابن العوام فقتل عنها؛ فكان علىّ رضي الله عنه يقول: من أحبّ الشهادة الحاضرة فليتزوّج بعاتكة!
ومن كلام عثمان بن عفان رضي الله عنه:
ما يزع الله بالسّلطان، أكثر مما يزع بالقرآن «1» . سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد عىّ بيانا؛ وأنتم إلى إمام فعّال، أحوج منكم إلى إمام قوّال، قاله في أول خلافته وقد صعد المنبر وأرتج عليه «2» .
وكتب إلى على رضي الله عنه وهو محصور: أما بعد، فقد بلغ السّيل الزّبى، وجاوز الحزام الطّبيين «3» ، وطمع فىّ من كان لا يدفع عنه نفسه، ولم يعجزك كلئيم، ولم يغلبك كمغلّب «4» ؛ فأقبل إلىّ، معى كنت أو علىّ، على أىّ أمريك أحببت.
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلى ... وإلّا فأدركنى ولمّا أمزّق
وهذا البيت للممزّق العبدى، وبه سمى الممزّق، واسمه شأس، وإنما تمثل به عثمان رضي الله عنه؛ وخذّاق أهل النظر يدفعون هذا، ويستشهدون على فساده بأحاديث تناقضه ليس هذا موضعها.
(1/75)

قالوا: وكان عثمان رضي الله عنه أتقى لله أن يسعى في أمره علىّ، وعلىّ أتقى لله أن يسعى في أمر عثمان، وهذا من قوله عليه السلام: أشقى الناس من قتله نبى أو قتل نبيّا.
ومن كلام عثمان رضي الله عنه وأكرم نزله، وقد تنكر له الناس: أمر هؤلاء القوم رعاع عير، تطأطأت لهم تطأطأ الدلاء وتلددت لهم تلدد المضطر، رأيتهم ألحف إخوانا، وأوهمنى الباطل لهم شيطانا. أجررت المرسون رسنه، وأبلغت الراتع مسعاته، فتفرقوا علىّ فرقا ثلاثا، فصامت صمته أنفذ من صول غيره، وشاهد أعطانى شاهده ومنعنى غائبه، ومتهافت في فتنة زيّنت في قلبه، فأنا منهم بين ألسن لداد، وقلوب شداد، عذيرى الله منهم، ألا ينهى عالم جاهلا، ولا ينذر حليم سفيها؟ والله حسبى وحسبهم يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون.
سئل الحكم بن هشام فقال: كان والله خيار الخيرة. أمير البررة، قتيل الفحرة، منصور النصرة، مخذول الخذلة، مقتول القتلة.
ونظير البيت الذى أنشده قول صخر الجعد:
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلى ... فإن منايا القوم أكرم من بعض
قال المتوكل: أتيت بأسارى، فسمعت امرأة منهم تقول:
أمير المؤمنين سما إلينا ... سموّ الليث أخرجه العريف
فإن نسلم فعون الله نرجو ... وإن نقتل فقاتلنا شريف
وقد ذكر بعض أهل العلم أنه لا يعرف لعثمان شعر، وأنشد له بعضهم:
غنى النفس يغنى النفس حتى يكفّها ... وإن عضّها حتّى يضرّ بها الفقر
وما عسرة- فاصبر لها إن تتابعت- ... بباقية إلّا سيتبعها يسر
وقول عثمان رضي الله عنه فيما روى: «ولم يغلبك كمغلّب» من قول امرىء القيس:
(1/76)

فإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلّب
وقال أبو تمام وذكر الخمر:
وضعيفة فإذا أصابت فرصة ... قتلت، كذلك قدرة الضّعفاء
ومن كلام علىّ بن أبى طالب رضي الله عنه
لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخّر التوبة لطول الأمل. ويقول فى الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين، إن أعطى منها لم يشبع، وإن منح لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتى.، ويبتغى الزيادة فيما بقى، ينهى ولا ينتهى، ويأمر بما لا يأتى، يحبّ الصالحين ولا يعمل أعمالهم، ويبغض المسيئين وهو منهم؛ يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت له، إن سقم ظلّ نادما، وإن صحّ أمن لاهيا، يعجب بنفسه إذا عوفى، ويقنط إذا ابتلى، تغلبه نفسه على ما يظنّ، ولا يغلبها على ما يستيقن، ولا يثق من الرزق بما ضمن له، ولا يعمل من العمل بما فرض عليه، إن استغنى بطروفتن، وإن افتقر قنط وحزن، فهو من الذّنب والنعمة موقر «1» ، يبتغى الزيادة ولا يشكر، ويتكلّف من الناس ما لم يؤمر، ويضيع من نفسه ما هو أكثر، ويبالغ إذا سأل، ويقصّر إذا عمل، يخشى الموت، ولا يبادر الفوت، يستكثر من معصية غيره ما يستقلّ أكثره من نفسه؛ ويستكثر من طاعته ما يستقله من غيره، فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن، اللّغو مع الأغنياء أحبّ إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على غيره لنفسه، ولا يحكم عليها لغيره، وهو يطاع ويعصى، ويستوفى ولا يوفى.
وسئل رضي الله عنه عن مسألة فدخل مبادرا، ثم خرج في حذاء ورداء، وهو يتبسّم، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنك كنت إذا سئلت عن مسألة كنت فيها كالسّكة المحماة «2» ! فقال: إنى كنت حاقنا ولا رأى لحاقن «3» ، ثم أنشأ يقول:
(1/77)

إذا المشكلات تصدّين لى ... كشفت حقائقها بالنّظر
وإن برقت فى مخيل الصوا ... ب عمياء لا تجتليها الذكر «1»
مقنعة بأمور الغيوب ... وضعت عليها صحيح الفكر
لسانا كشقشقة الأرحبىّ ... أو كالحسام اليمانى الذّكر «2»
وقلبا إذا استنطقته العيون ... أمرّ عليها بواهى الدرر «3»
ولست بإمّعة في الرّجال ... أسائل عن ذا وذا ما الخبر «4»
ولكننى ذرب الأصغرين ... أبيّن مع ما مضى ما غبر «5»
[وصف ضرار الصدائي لمعاوية عليا]
وقال معاوية رضي الله عنه لضرار الصّدائى: يا ضرار، صف لى عليّا، فقال:
أعفنى يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، فقال: أما إذ أذنت فلا بدّ من صفته:
كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا «6» ، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدّمعة، طويل الفكرة، يقلب كفّه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللّباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن- مع تقريبه إيّانا، وقربه منا- لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، يعظم أهل الدين، ويحبّ المساكين، لا يطمع القوىّ في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضا على لحيته يتململ تململ السليم «7» ، ويبكى بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا إليك
(1/78)

عنّى! غرّى غيرى، ألى نعرّضت، أم إلىّ تشوّفت؟ هيهات! قد باينتك ثلاثا، لا رجعة لى عليك؛ فعمرك قصير، وخطرك حقير، وخطبك يسير؛ آه من قله الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق! فبكى معاوية حتى أخضلت دموعه لحيته؛ وقال: رحم الله أبا الحسن! فلقد كان كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح واحدها في حجرها! وقال علىّ رضوان الله عليه: رحم الله عبدا سمع فوعى، ودعى إلى الرشاد فدنا، وأخذ بحجزة هاد فنجا «1» ، وراقب ربّه، وخاف ذنبه، وقدّم خالصا، وعمل صالحا، واكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، ورمى غرضا، وكابر هواه، وكذّب مناه، وحذر أجلا، ودأب عملا، وجعل الصبر رغبة حياته، والتّقى عدّة وفاته، يظهر دون ما يكتم، ويكتفى بأقلّ مما يعلم، لزم الطريقة الغرّاء، والمحجّة البيضاء، واغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزوّد من العمل.
[علي ع يرثي خباب ابن الأرت]
ولما رجع رضي الله عنه من صفّين، فدخل أوائل الكوفة إذا قبر، فقال: قبر من هذا؟ فقيل: خبّاب بن الأرتّ «2» ، فوقف عليه، وقال:
رحم الله خبّابا! أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلى في جسمه أحوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا.
[علي ع أمام القبور]
ومضى فإذا هو بقبور، فوقف عليها، وقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وبكم- عما قليل- لاحقون؛ اللهمّ اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنا وعنهم بعفوك! طوبى
(1/79)

لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف. ثم التفت رضي الله عنه إلى أصحابه، فقال: أما إنهم لو تكلّموا لقالوا: وجدنا خير الزاد التّقوى.
[علي ع يصف الدنيا]
وذمّ رجل الدنيا بحضرة علىّ رضي الله عنه، فقال: دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها، مهبط وحى الله، ومصلّى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمّها، وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، وذكّرت بسرورها السرور، وببلائها البلاء، ترغيبا وترهيبا، فيأيّها الذامّ لها، المعلّل نفسه بغرورها، متى خدعتك الدّنيا؟ أم بماذا استذمّت إليك «1» ، أبمصرع آبائك في البلى؟ أم بمضجع أمهاتك في الثرى، كم مرّضت بكفيّك، وكم عللت بيديك، تطلب له الشفاء، وتستوصف الأطباء، غداة لا ينفعه بكاؤك، ولا يغنى دواؤك.
[من قصار كلام علي ع]
فقر من كلامه رضي الله عنه: [البشاشة فخ المودة. والصبر قبر المغبون.
والغالب بالظلم مغلوب. والحجر المغصوب بالدار رهن بخرابها. وما ظفر من ظفرت به الأيام. فسالم تسلم] . رأى الشيخ خير من مشهد الغلام «2» . الناس أعداء ما جهلوا. بقية عمر المؤمن لا ثمن لها، يدرك بها ما أفات [ويحيى ما أمات] .
نقل هذا الكلام بعض أهل العصر، وهو أبو الفتح علىّ بن محمد البستى «3» .
(1/80)

بقية العمر عندى ما لها ثمن ... وإن غدا وهو محبوب من الثمن
يستدرك المرء فيها ما أفات ويحيى ما أمات ويمحو السوء بالحسن الدنيا بالأموال، والآخرة بالأعمال. لا تخافنّ إلا ذنبك، ولا ترجونّ إلا ربك. وجّهوا آمالكم إلى من تحبه قلوبكم. الناس من خوف الذل في الذل.
من أيقن بالخلف جاد بالعطية. بقيّة السيف أنمى عددا، وأنجب ولدا- وقد تبينت صحّة ما قال في بنيه وبنى المهلب- إنّ من السكوت ما هو أبلغ من الجواب. الصبر مطيّة لا تكبو، وسيف لا ينبو «1» . خير المال ما أغناك، وخير منه ما كفاك، وخير إخوانك من واساك، وخير منه من كفاك شره.
وقال بعض أهل العصر ما يشاكل هذا وهو أبو الحسن محمد بن لنكك البصرىّ:
عدّيا في زماننا ... عن حديث المكارم
من كفى الناس شرّه ... فهو في جود حاتم
أبو الطيب:
إنّا لفى زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال
إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه. قيمة كلّ امرىء ما يحسن.
ذكر أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ هذه الكلمة في كتاب البيان فقال:
فلو لم نقف من هذا الكتاب إلّا على هذه الكلمة لوجدناها شافية، كافية، ومجزية مغنية؛ بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، غير مقصّرة عن الغاية؛ وأفضل الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه ظاهرا في لفظه، وكأنّ الله قد ألبسه من ثياب الجلالة، وغشّاه من نور الحكمة، على حسب نيّة صاحبه، وتقوى قائله، فإذا كان المعنى شريفا، واللفظ بليغا، وكان صحيح الطبع،
(1/81)

بعيدا من الاستكراه، منزّها عن الاختلال، مصونا عن التكلف؛ صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة، ومتى فصّلت الكلمة على هذه الشريطة، ونفذت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها الله عز وجل من التوفيق، ومنحها من التّأييد، ما لا يمتنع من تعظيمها به صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة «1» .
[دعاء علي ع في الحروب]
ومن دعائه رضي الله عنه في حروبه: اللهم أنت أرضى للرضا، وأسخط للسّخط، وأقدر على أن تغيّر ما كرهت، وأعلم بما تقدر، لا تغلب على باطل، ولا تعجز عن حق، وما أنت بغافل عما يعمل الظالمون.
[من شعر علي ع]
وقال على رضي الله عنه:
لمن راية سوداء يخفق ظلّها ... إذا قيل قدّمها حضين تقدّما
فيموردها في الصّف حتى تردها ... حياض المنايا تقطر الموت والدّما
جزى الله قوما قاتلوا في لقائهم ... لدى الروع قوما ما أعزوأ كرما
وأطيب أخبارا وأفضل شيمة ... إذا كان أصوات الرجال تغمغما «2»
حضين الذى ذكره هو: أبو ساسان الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشى وكان صاحب رايته يوم صفّين.
ويروى عنه أنه قال بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها:
أرى علل الدنيا علىّ كثيرة ... وصاحبها حتى الممات عليل
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة ... وإنّ الذى دون الممات قليل
وإنّ افتقادى فاطما بعد أحمد ... دليل على ألا يدوم خليل
(1/82)

ولما قتل عمرو بن عبد ودّ سقط فانكشفت عورته «1» ، فتنحّى عنه وقال:
آلى ابن عبد- حين شدّ- أليّة ... وحلفت فاستمعوا من الكذّاب «2»
ألّا بفرّ ولا يملل فالتقى ... أسدان يضطربان كلّ ضراب «3»
اليوم يمنعنى الفرار حفيظتى ... ومصمّم في الرّأس ليس بناب «4»
أعرضت حين رأيته متقطّرا ... كالجذع بين دكادك وروابى «5»
وعففت عن أثوابه ولو اننى ... كنت المقطّر بزّنى أثوابى «6»
نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت دين محمد بصواب «7»
لا تحسبنّ الله خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب
فى أبيات غير هذه، وبعض الرواة ينفيها عن على رضي الله عنه.
وعمرو هذا هو: ابن عبدودّ بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، وكان قد جزع المذاد، وهو موضع حفر فيه الخندق يوم الأحزاب، وفي ذلك يقول الشاعر:
عمرو بن ودّ كان أول فارس ... جزع المذاد وكان فارس يليل «8»
ولما صار مع المسلمين في الخندق دعا [إلى] البراز، وقال:
ولقد بجحت من الندا ... ء بجمعهم هل من مبارز «9»
ووقفت إذ نكل الشجا ... ع بموقف البطل المناجز «10»
(1/83)

إنى كذلك لم أزل ... متسرّعا نحو الهزاهز «1»
إنّ السماحة والشجا ... عة في الفتى خير الغرائز «2»
فبرز على بن أبى طالب رضي الله عنه، فقال: يا عمرو! إنك عاهدت الله لقريش ألّا يدعوك أحد إلى خلّتين إلا أخذت إحداهما، فقال: أجل! قال:
فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لى بذلك، قال:
فإنى أدعوك إلى المبارزة، فقال: يا ابن أخى ما أحبّ أن أقتلك! قال على:
لكنى والله أحبّ أن أقتلك، فحمى عمرو، فاقتحم عن فرسه وعرقبه «3» ثم أقبل إلى على:
فتجاولا كغمامتين تكنّفت ... متنيهما ريحا صبا وشمال «4»
فى موقف كادت نفوس كماته ... تبتز قبل تورّد الآجال «5»
وعلت بينهما غبرة سترتهما فلم يرع المسلمين إلا التكبير؛ فعلموا أن عليّا قتله.
ولما قتل عمرو جاءت أخته فقالت: من قتله؟ فقيل: على بن أبى طالب، فقالت: كفء كريم! ثم انصرفت وهي تقول:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... لكنت أبكى عليه آخر الأبد
لكنّ قاتله من لا يعاب به ... وكان يدعى قديما بيضة البلد
من هاشم في ذراها وهي صاعدة ... إلى السماء تميت الناس بالحسد
قوم أبى الله إلا أن يكون لهم ... مكارم الدّين والدّنيا بلا أمد
يا أم كلثوم بكّيه ولا تدعى ... بكاء معولة حرّى على ولد
أم كلثوم: بنت عمرو بن عبدودّ. و «بيضة البلد» تمدح به العرب
(1/84)

وتذمّ؛ فمن مدح به جعله أصلا، كما أن البيضة أصل الطائر. ومن ذم به أراد أن لا أصل له. قال الراعى يهجو عدىّ بن الرقاع العاملى «1» :
يا من توعّدنى جهلا بكثرته ... متى تهددنى بالعزّ والعدد
أنت امرؤ نال من عرضى وعزته ... كعزة العير يرعى تلعة الأسد «2»
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يابن الرّفاع ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة أن ترضى لكم نسبا ... وابنا نزار؛ فأنتم بيضة البلد
وقال أبو عبيدة: عاملة بن عدى بن الحارث بن مرة بن أد [بن زياد] ابن يشجب، يطعن في نسبه من قحطان، ويقال: هو عاملة بن معاوية بن قاسط ابن أهيب؛ فلذلك قال الراعى هذا. ويقال: إن جندل بن الراعى قالها وقد قال يحيى بن أبى حفصة الأموى في عاملة:
ولسنا نبالى نأى عاملة التى ... أجدّبها من نحو بصرى انحدارها
تدافعها الأحياء حتى كأنها ... ثياب بدا للمشترين عوارها
قذفنا بها لمّا نأت قذف حاذف ... بسود حصى خفّت عليه صغارها
ويشبه قول على رضي الله عنه «وعففت عن أثوابه» قول عنترة بن شداد العبسى:
هلّا سألت الخيل يابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمى
يخبرك من شهد الوقيعة أننى ... أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم
وقال حبيب بن أوس الطائى:
إنّ الأسود أسود الغاب همّتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب «3»
(1/85)

والمجد يندب بهجته، ومهابط الوحى والرسالة تحنى ظهورها أسفا، ومآقى الإمامة والوصية والرسالة تذرى دموعها لهفا؛ وذلك أن حادث قضاء الله استأثر بفرع النبوة، وعنصر الدين والمروءة.
[رجع إلى كلام أهل البيت]
ووقع بين الحسن ومحمد بن الحنفيّة «1» لحاء، ومشى الناس بينهما بالنّمائم، فكتب إليه محمد بن الحنفية: أمّا بعد فإن أبى وأباك علىّ بن أبى طالب؛ لا تفضلنى فيه ولا أفضلك، وأمى امرأة من بنى حنيفة، وأمّك فاطمة الزّهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو ملئت الأرض بمثل أمى لكانت أمّك خيرا منها؛ فإذا قرأت كتابى هذا فأقدم حتى تترضّانى، فإنك أحقّ بالفضل منى.
وخطب الحسين بن علىّ رضوان الله عليهما غداة اليوم الذى استشهد فيه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه؛ ثم قال: يا عباد الله، اتّقوا الله، وكونوا من الدنيا على حذر؛ فإنّ الدنيا لو بقيت على أحد [أو بقى عليها أحد] لكانت الأنبياء أحقّ بالبقاء، وأولى بالرّضاء، [وأرضى] بالقضاء؛ غير أنّ الله تعالى خلق الدنيا للفناء، فجديدها بال، ونعيمها مضمحلّ، وسرورها مكفهرّ «2» ، منزل تلعة، ودار قلعة «3» ؛ فتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى، واتّقوا الله لعلكم تفلحون.
(1/100)

وكان لمعاوية بن أبى سفيان عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من أمور الناس وقريش، فكتب إليه: إنّ الحسين بن علىّ أعتق جارية له وتزوّجها؛ فكتب معاوية إلى الحسين: من أمير المؤمنين معاوية إلى الحسين بن علىّ.
أمّا بعد، فإنه بلغنى أنك تزوّجت جاريتك، وتركت أكفاءك من قريش، ممّن تستنجبه للولد، وتمجد به في الصّهر، فلا لنفسك نظرت، ولا لولدك انتقيت.
فكتب إليه الحسين بن على: أمّا بعد، فقد بلغنى كتابك، وتعييرك إيّاى بأنى تزوّجت مولاتى، وتركت أكفائى من قريش، فليس فوق رسول الله منتهى في شرف، ولا غاية في نسب؛ وإنما كانت ملك يمينى، خرجت عن يدى بأمر التمست فيه ثواب الله تعالى؛ ثم ارتجعتها على سنّة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، ووضع عنّا به النقيصة؛ فلا لوم على امرىء مسلم إلّا في أمر مأثم، وإنما اللوم لوم الجاهلية.
فلما قرأ معاوية كتابه نبذه إلى يزيد فقرأه، وقال: لشدّ ما فخر عليك الحسين! قال: لا، ولكنها ألسنة بنى هاشم الحداد التي تفلق الصّخر، وتغرف من البحر! والحسين- رضي الله عنه! - هو القائل:
لعمرك إنّنى لأحبّ دارا ... تحلّ بها سكينة والرّباب
أحبّهما وأبذل كلّ مالى ... وليس للائم عندى عتاب
سكينة: ابنته، والرباب: أمّها، وهي بنت امرىء القيس [بن الجرول] الكلبية.
وفي سكينة يقول عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى كذبا عليها «1» :
(1/101)

قالت سكينة والدموع ذوارف ... تجرى على الخدّين والجلباب
ليت المغيرىّ الذى لم أجزه ... فيما أطال تصيّدى وطلابى
كانت تردّ لنا المنى أيّامنا ... إذ لا نلام على هوى وتصاب
خبّرت ما قالت فبتّ كأنما ... يرمى الحشى بنوافذ النّشّاب
أسكين ما ماء الفرات وطيبه ... منّى على ظمأ وفقد شراب
بألذّ منك، وإن نأيت، وقلّما ... ترعى النساء أمانة الغيّاب
إن تبذلى لى نائلا أشفى به ... داء الفؤاد فقد أطلت عذابى
وعصيت فيك أقاربى وتقطعت ... بينى وبينهم عرى الأسباب
فتركتنى لا بالوصال ممتّعا ... منهم، ولا أسعفتنى بثواب
فقعدت كالمهريق فضلة مائه ... فى حرّ هاجرة للمع سراب
وكانت سكينة من أجمل نساء زمانها وأعقلهنّ، وكان مصعب بن الزبير قد جمع بينها وبين عائشة بنت طلحة بن عبيد الله؛ فلما قتل مصعب قالت سكينة:
فإن تقتلوه تقتلوا الماجد الذى ... يرى الموت إلا بالسيوف حراما
وقبلك ما خاض الحسين منيّة ... إلى القوم حتى أو ردوه حماما
وقال على بن الحسين «1» رحمه الله: لو كان الناس يعرفون جملة الحال فى فضل الاستبانة، وجملة الحال في فضل التبيين، لأعربوا عن كل ما بتلجلج فى صدورهم، ولوجدوا من برد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى
(1/102)

حالهم، على أنّ إدراك ذلك كان لا يعدمهم في الأيام القليلة العدّة، والفكرة القصيرة المدّة، ولكنهم من بين مغمور بالجهل، ومفتون بالعجب، ومعدول بالهوى عن باب التثبّت، ومصروف بسوء العادة عن فضل التعلم.
وقال رضي الله عنه: المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحلّ العقدة الوثيقة، وأقلّ ما فيه أن تكون به المغالبة، والمغالبة من أمتن أسباب القطيعة.
ومن دعائه: اللهم ارزقنى خوف الوعيد، وسرور رجاء الموعود، حتى لا أرجو إلا ما رجّيت، ولا أخاف [إلا] ما خوّفت.
وحجّ هشام بن عبد الملك، أو الوليد أخوه، فطاف بالبيت وأراد استلام الحجر فلم يقدر، فنصب له منبر فجلس عليه؛ فبينا هو كذلك إذ أقبل علىّ بن الحسين بن على بن أبى طالب رضي الله عنه في إزار ورداء، وكان أحسن الناس وجها، وأعطرهم رائحة، وأكثرهم خشوعا، وبين عينيه سجّادة «1» ، كأنها ركبة عنز، وطاف بالبيت، وأتى ليستلم الحجر، فتنحّى له الناس هيبة وإجلالا، فغاظ ذلك هشاما؛ فقال رجل من أهل الشام: من الّذى أكرمه الناس هذا الإكرام، وأعظموه هذا الإعظام؟ فقال هشام: لا أعرفه، لئلا يعظم في صدور أهل الشام؛ فقال الفرزدق وكان حاضرا:
هذا ابن خير عباد الله كلّهم ... هذا النقيّ التقىّ الطاهر العلم
هذا الذى تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهى الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم «2»
(1/103)

فى كفّه خيزران ريحه عبق ... فى كفّ أروع في عرنينه شمم «1»
يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم
مشتقّة من رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشّيم «2»
ينمى إلى ذروة العزّ التي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم «3»
ينجاب نور الهدى عن نور غرّته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم «4»
حمّال أثقال أقوام إذا اقترحوا ... حلو الشمائل تحلو عنده نعم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجدّه أنبياء الله قد ختموا
الله فضّله قدما وشرّفه ... جرى بذاك له في لوحه القلم
من جدّه دان فضل الأنبياء له ... وفضل أمته دانت له الأمم
عمّ البرية بالإحسان فانقشعت ... عنها الغيابة والإملاق والظّلم «5»
كلتا يديه غياث عمّ نفعهما ... تستوكفان ولا يعروهما العدم «6»
سهل الخليقة لا تخشى بوارده ... تزينه الاثنتان الحلم والكرم
لا يخلف الوعد ميمون بغرّته ... رحب الفناء أريب حين يعتزم «7»
ما قال «لا» قطّ إلا في تشهّده ... لولا التشهّد كانت لاءه نعم
من معشر حبّهم دين، وبغضهم ... كفر، وقربهم منجى ومعتصم
يستدفع السوء والبلوى بحبهم ... ويستربّ به الإحسان والنّعم «8»
مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم ... فى كل بدء ومختوم به الكلم
إن عدّ أهل التّقي كانوا أئمّتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
(1/104)

هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... الأسد أسد الشّرى والبأس محتدم «1»
يأبى لهم أن يحلّ الذّمّ ساحتهم ... خيم كريم وأيد بالنّدى هضم «2»
لا ينقص العسر بسطا من أكفّهم ... سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا
أىّ الخلائق ليست في رقابهم ... لأوليّة هذا أو له نعم «3»
من يعرف الله يعرف أوليّته ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم
وليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم
وقد روى أن الحزين الكنانى وفد على عبد الله بن عبد الملك بن مروان وهو أمير على مصر فأنشده قصيدة منها:
لما وقفت عليه في الجموع ضحى ... وقد تعرّضت الحجّاب والخدم
حيبته بسلام وهو مرتفق ... وضجّة القوم عند الباب تزدحم «4»
فى كفه خيرزان....- والبيت الذى يليه.
ويقال: إنها لداود بن سلم في قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وهو الذى يقول فيه الأخطل:
ولقد غدوت على التّجار بمسمح ... هرّت عواذله هرير الأكلب «5»
لذّ يقبّله النعيم، كأنما ... مسحت ترائبه بماء مذهب «6»
لبّاس أردية الملوك تروقه ... من كل مرتقب عيون الرّبرب «7»
ينظرن من خلل السّتور إذا بدا ... نظر الهجان إلى الفنيق المصعب «8»
(1/105)

ويقال: بل قالها في على بن الحسين اللّعين المنقرى، وسمى اللعين لأن عمر سمعه ينشد شعرا والناس يصلّون، فقال: من هذا اللعين؟ فعلق به هذا الاسم «1» وليقله من شاء، فقد أحسن ما شاد وأجاد وزاد «2» .
وقال ذو الرمة في بلال بن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى:
من آل أبى موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان عاينّ بازيا «3»
فما يعرفون الضّحك إلّا تبسّما ... ولا ينبسون القول إلا تناجيا «4»
وما الفحش منه يرهبون، ولا الخنا ... عليه، ولكن هيبة هي ماهيا
فتى السّنّ، كهل الحلم، يسمع قوله ... يوازن أدناه الجبال الرّواسيا
ومن أجود ما للمحدثين في ذلك قول أبى عبادة البحترى في الفتح ابن خاقان:
ولما حضرنا سدّة الإذن أخّرت ... رجال عن الباب الذى أنا داخله
فأفضيت من قرب إلى ذى مهابة ... أقابل بدر التّم حين أقابله
بدا لى محمود السجيّة شمّرت ... سرابيله عنه وطالت حمائله «5»
كما انتصب الرّمح الرّدينىّ ثقّفت ... أنابيبه واهتزّ للطعن عامله «6»
وكالبدر وافته لتمّ سعوده ... وتمّ سناه واستهلت منازله
فسلّمت فاعتاقت جنانى هيبة ... تنازعنى القول الذى أنا قائله «7»
(1/106)

إلى مسرف في الجود لو أنّ حاتما ... لديه لأضحى حاتم وهو عاذله
فلما تأمّلت الطّلاقة وانثنى ... إلىّ ببشر آنستنى مخايله «1»
دنوت فقبّلت النّدى من يد امرىء ... جميل محيّاه سباط أنامله «2»
صفت مثل ما تصفو المدام خلاله ... ورقّت كما رقّ النّسيم شمائله
ووقعت حرب بالجزيرة بين بنى تغلب، فتولى الإصلاح بينهم الفتح بن خاقان فقال البحترى فيما تعلّق بعضه بذكر الهيبة:
بنى تغلب أعزز علىّ بأن أرى ... دياركم أمست وليس لها أهل «3»
خلت دمنة من ساكنيها وأوحشت ... مرابع من سنجار يهمى بها الوبل «4»
إذا ما التقوا يوم الهياج تحاجزوا ... وللموت فيما بينهم قسمة عدل
كفىّ من الأحياء لاقى كفيّه ... ومثل من الأقوام زاحفه مثل «5»
إذا ما أخ جرّ الرماح انتهى له ... أخ لا بليد في الطّعان ولا وغل «6»
تخوطهم البيض الرّقاق، وضمّر ... عتاق، وأنساب بها يدرك التّبل «7»
بطعن يكبّ الدّارعين دراكه ... وضرب كما ترغو المخزّمة البزل «8»
تجافى أمير المؤمنين عن التى ... علمتم، وللجانين في مثلها الثّكل «9»
(1/107)

وكانت يد الفتح بن خاقان عندكم ... يد الغيث عند الأرض أجدبها المحل «1»
ولولاه طلّت بالعقوق دماؤكم ... فلا قود يعطى الأذلّ ولا عقل «2»
تلافيت يا فتح الأراقم بعد ما ... سقاهم بأوحى سمّه الأرقم الصّلّ «3»
وهبت لهم بالسّلم باقى نفوسهم ... وقد أشرفوا أن يستتمّهم القتل «4»
أتاك وفود الشكر يثنون بالّذى ... تقدّم من نعماك عندهم قبل
فلم أر يوما كان أكثر سوددا ... من اليوم ضمّتهم إلى بابك السّبل «5»
تراءوك من أقصى السّماط فقصّروا ... خطاهم، وقد جازوا السّتور وهم عجل «6»
ولمّا قضوا صدر السلام تهافتوا ... على يد بسّام سجيّته البذل
إذا شرعوا في خطبة قطعتهم ... جلالة طلق الوجه جانبه سهل»
إذا نكسوا أبصارهم من مهابة ... ومالوا بلحظ خلت أنهم قبل «8»
نصبت لهم طرفا حديدا، ومنطقا ... سديدا، ورأيا مثل ما انتضى النّصل «9»
وسلّت سخيمات الصدور فعالك ... الكريم، وأبرا غلّها قولك الفصل «10»
بك التأم الشّعب الذى كان بينهم ... على حين بعد منه، واجتمع الشّمل «11»
فما برحوا حتى تعاطت أكفّهم ... قراك، فلا ضغن لديهم ولا ذحل «12»
وجرّوا ذيول العصب تضفو ذيولها ... عطاء كريم ما تكاءده بخل «13»
(1/108)

وما عمّهم عمرو بن غنم بنسبة ... كما عمّهم بالأمس نائلك الجزل
فمهما رأوا من غبطة في اصطلاحهم ... فمنك بها النّعمى جرت ولك الفضل
عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط.
وللطائيين [أبى تمام والبحترى] فى ذلك أشعار كثيرة مختارة، منها قول البحترى يحذّر عاقبة الحرب «1» :
أما لربيعة الفرس انتهاء ... عن الزلزال فيها والحروب «2»
وكانوا رقّعوا أيام سلم ... على تلك الضغائن والندوب «3»
إذا ما الجرح رمّ على فساد ... تبيّن فيه تفريط الطبيب
رزيّة هالك جلبت رزايا ... وخطب بات يكشف عن خطوب
يشقّ الجيب ثمّ يجىء أمر ... يصغّر فيه تشقيق الجيوب
وقبر عن أيامن برقعيد ... إذا هي ناحرت أفق الجنوب «4»
يسحّ ترابه أبدا عليها ... عهادا من مراق دم صبيب «5»
فهل لابنى عدىّ من رشيد ... يردّ شريد حلمهما العزيب «6»
أخاف عليهما إمرار مرعى ... من الكلإ الذى عقباه توبى «7»
وأعلم أنّ حربهما خبال ... على الدّاعى إليها والمجيب
لعلّ أبا المعمّر يتّليها ... ببعد الهمّ والصّدر الرّحيب «8»
(1/109)

فكم من سؤدد قد بات يعطى ... عطية مكثر فيها مطيب
أهيثم يابن عبد الله، دعوى ... مشير بالنصيحة أو مهيب «1»
تناس ذنوب قومك إنّ حفظ الذنوب ... إذا قد من من الذّنوب «2»
فللسّهم السديد أحبّ غبّا ... إلى الرامى من السهم المصيب «3»
متى أحرزت نصر بنى عبيد ... إلى إخلاص ودّ بنى حبيب
فقد أصبحت أغلب تغلبىّ ... على أيدى العشيرة والقلوب
يناسب قوله:
إذا ما الجرح رمّ على فساد
قول أبى الطيب المتنبى لعلىّ بن إبراهيم التنوخى أحد بنى القصيص:
فلا تغررك ألسنة موال ... تقلّبهن أفئدة أعادى «4»
وكن كالموت لا يرثى لباك ... بكى منه، ويروى وهو صاد
فإنّ الجرح ينغر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد «5»
وفي هذه القصيدة:
كأنّ الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنّة من هموم ... فما يخطرن إلّا في فؤاد
كأنّ البيت الأوّل من هذين ينظر إلى قول مسلم بن الوليد من طرف خفىّ
ولو أنّ قوما يخلقون منيّة ... من بأسهم كانوا بنى جبريلا
قوم إذا احمرّ الهجير من الوغى ... جعلوا الجماجم للسيوف مقيلا «6»
(1/110)

وإنما أخذه [أبو الطيب] من قول منصور النميرى، وذكر سيفا:
ذكر، برونقه الدّماء، كأنما ... يعلو الرجال بأرجوان ناقع «1»
وترى مساقط شفرتيه كأنها ... ملح تبدّد من وراء الدّراع
وتراه معتمّا إذا جرّدته ... بدم الرّجال على الأديم الناقع «2»
وكأنّ وقعته بجمجمة الفتى ... خدر المدامة أو نعاس الهاجع «3»
أردت هذا البيت، وقول النميرى:
وتراه معتّما إذا جرّدته
يشير إليه قول أبى الطيب، وذكر سيفا:
يبس النّجيع عليه فهو مجرّد ... من غمده وكأنما هو مغمد «4»
ريان لو قذف الذى أسقيته ... لجرى من المهجات بحر مزبد «5»
وبنو عبيد، وبنو حبيب- اللذان ذكرهما البحترى- هم: بنو عبيد ابن الحارث بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وحبيب بن الهجرس ابن تيم بن سعد بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وفيهم حبيب بن حرقة بن تغلب بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، فلا أدرى أيهما أراد!
(1/111)

وقال البحترى:
أسيت لاخوالى ربيعة أن عفت ... مصايفها منها، وأقوت ربوعها «1»
بكرهى أن باتت خلاء ديارها ... ووحشا مغانيها، وشتّى جميعها «2»
إذا افترقوا من وقعة جمعتهم ... دماء لأخرى ما يطلّ نجيعها «3»
تذمّ الفتاة الرّود شيمة بعلها ... إذا بات دون الثّأر وهو ضجيعها «4»
حميّة شعب جاهلىّ وعزّة ... كلابية أعيا الرجال خضوعها
وفرسان هيجاء تجيش صدورهم ... بأحقادها حتى تضيق دروغها
تقتّل من وتر أعزّ نفوسها ... عليها بأيد ما تكاد تطيعها «5»
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكّرت القربى ففاضت دموعها
شواجر أرماح تقطّع بينها ... شواجر أرحام ملوم قطوعها «6»
فكنت أمين الله مولى حياتها ... ومولاك فتح يوم ذاك شفيعها
وقال أبو تمام الطائى:
مهلا بنى مالك لا تجلبنّ إلى ... حىّ الأراقم ذؤلول ابنة الرقم «7»
لم يألكم مالك صفحا ومغفرة ... لو كان ينفخ قين الحيّ في فحم «8»
أخرجتموه بكره من سجيّته ... والنار قد تنتضى من ناضر السلم «9»
أو طأتموه على جمر العقوق، ولو ... لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم «10»
(1/112)

لولا مناشدة القربى لغادركم ... حصائد المرهفين السيف والقلم
لا تجعلوا البغى ظهرا إنه جمل ... من القطيعة يرعى وادى النّقم
وقال أيضا:
مهلا بنى عمرو بن غنم؛ إنكم ... هدف الأسنّة والقنا تتحطّم «1»
ما منكم إلا مردّى بالحجى ... أو مبشر بالأحوذيّة مؤدم «2»
عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب بن ... سعد سهمكم لا يمهم «3»
خلقت ربيعة من لدن خلقت يدا ... جشم بن بكر كفّها والمعصم «4»
تغزو فتغلب تغلب مثل اسمها ... وتسيح غنم في البلاد فتغنم
وستذكرون غدا صنائع مالك ... إن جلّ خطب أو تدوفع مغرم «5»
مالى رأيت ثراكم ببسالة ... مالى أرى أطوادكم تتهدّم؟ «6»
ما هذه القربى التي لا تصطفى ... ما هذه الرحم التي لا ترحم؟
حسد القرابة للقرابة قرحة ... أعيت عوائدها وجرح أقدم «7»
تلكم قريش لم تكن آباؤها ... تهفو ولا أجلامها تتقسّم «8»
حتى إذا بعث النّبىّ محمد ... فيهم غدت شحناؤهم تتضرّم «9»
عزبت عقولهم، وما من معشر ... إلّا وهم منه ألبّ وأحزم «10»
لما أقام الوحى بين ظهورهم ... ورأوا رسول الله أحمد منهم
(1/113)

ومن الحزامة لو تكون حزامة ... ألّا تؤخّر من به تتقدّم «1»
ومالك هو: ابن طوق «2» بن مالك بن عتاب بن زفر بن مرّة بن شريح ابن عبد الله بن عمرو بن كلثوم بن مالك [بن عتاب] بن سعد بن [زهير ابن] جشم بن بكر [بن وائل] بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وفيه يقول دعبل «3» يهجوه:
الناس كلّهم يغدو لحاجته ... من بين ذى فرح منها ومهموم
ومالك ظلّ مشغولا بنسبته ... يرمّ منها بناء غير مرموم «4»
يبنى بيوتا خرابا لا أنيس بها ... ما بين طوق إلى عمرو ابن كلثوم
والتكثير من المعنى المعترض، يزيح عن ثغرة الغرض «5» ، لكنى أجرى منه إلى حلبة الإجادة، وأقصد قصد الإفادة، ثم أعود حيث أريد.
وقال ابن الخياط المكى- واسمه عبد الله بن سالم- فى باب الهيبة، فى مالك ابن أنس «6» الفقيه، رحمة الله عليه؛ وقيل: إن هذا من قول ابن المبارك:
(1/114)

يابى الجواب فما يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان «1»
أدب الوقار، وعزّ سلطان التّقى، ... فهو المهيب وليس ذا سلطان
وقول الفرزدق:
يكاد يمسكه عرفان راحته
قد تجاذبه جماعة من الشعراء؛ قال أشجع بن عمرو السلمى «2» لجعفر البرمكى: لأشجع السلمى
حبّذا أنت قادما ترد الشام ... فتختال بين أرحل عيرك
إنّ أرضا تسرى إليها لو اسطاعت ... لسارت إليك من قبل سيرك
وإليه أشار أبو تمام الطائى في قوله:
ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثّرى المكروب
لو سعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب
وفى هذه القصيدة في وصف الدّيمة، ومدح محمد بن عبد الملك الزيات «3» :
(1/115)

لذّ شؤيوبها وطاب فلو تس ... طيع قامت فعانقتها القلوب «1»
فهو ماء يجرى وماء يليه ... وعزال تنشا وأخرى تصوب «2»
أيّها الغيث حىّ أهلا بمغدا ... ك وعند السّرى وحين تؤوب «3»
لأبى جعفر خلائق تحكيهنّ قد يشبه النجيب النجيب وأنشدها أبا جعفر بن الزيات، فقال: يا أبا تمام؛ والله إنك لتحلّى شعرك من جواهر لفظك وبدائع معانيك، ما يزيد حسنا على بهىّ الجواهر فى أجياد الكواعب؛ وما يدّخر لك شىء من جزيل المكافأة إلّا يقصر عن شعرك في الموازنة. وكان بحضرته رجل من الفلاسفة، فقال: هذا الفتى يموت شابا! فقيل له: من أين حكمت عليه بهذا؟ فقال: رأيت فيه من الحدّة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس ما علمت به أن النفس الروحانية تأكل عمره كما يأكل السيف المهند غمده! قال الصولى: مات وقد نيّف على الثلاثين.
وقال في أبى دلف العجلى القاسم بن محمد بن عيسى «4» :
تكاد عطاياه يجنّ جنونها ... إذا لم يعوّذها بنغمة طالب
تكاد مغانيه تهشّ عراصها ... فتركب من شوق إلى كل راكب «5»
(1/116)

وقال البحترى:
لو أنّ مشتاقا تكلف فوق ما ... فى وسعه لمشى إليك المنبر
وقال أبو الطيب المتنبى لبدر بن عمار:
طربت مراكبنا فخلنا أنها ... لولا حياء عاقها رقصت بنا
لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدّت محيية إليك الأغصنا
رجع ما انقطع
قال أعرابى لأبى جعفر محمد بن على بن الحسين «1» رضي الله عنه: هل رأيت الله حين عبدته؟ فقال: لم أكن لأعبد من لم أره، قال: فكيف رأيته؟
قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، ورأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يدرك بالحواسّ، ولا يشبّه بالناس، معروف بالآيات، منعوت بالعلامات، لا يجوز فى القضيّات، ذلك الله الذى لا إله إلا هو. فقال الأعرابى: الله أعلم حيث يجعل رسالته.
قال الجاحظ: قال محمد بن على: صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين؛ لأنّ صلاح شأن جميع الناس [فى التعايش و] التعاشر وهو ملء مكيال: ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل.
قال الجاحظ: لم يجعل لغير الفطنة نصيبا من الخير، ولا حظا من الصلاح؛ لأن الإنسان لا يتغافل عن شىء إلا وقد عرفه وفطن له، قال الطائى:
ليس الغبىّ بسيد في قومه ... لكنّ سيد قومه المتغابى
وقال ابن الرومى لأبى محمد بن وهب بن عبيد الله بن سليمان:
تظلّ إذا نامت عيون ذوى العمى ... وإن حدّدوا زرقا إليك جواحظا «2»
(1/117)

تغاضى لهم وسنان، بل متواسنا، ... وتوقظهم يقظان بل متياقظا «1»
[وأبو جعفر هذا هو الباقر] ، وكان أخوه زيد بن على رضي الله عنه ديّنا، شجاعا، ناسكا، من أحسن بنى هاشم عبارة، وأجملهم شارة.
وكانت ملوك بنى أمية تكتب إلى صاحب العراق أن امنع أهل الكوفة من حضور زيد بن على؛ فإنّ له لسانا أقطع من ظبة السيف وأحدّ من شبا الأسنة «2» ، وأبلغ من السحر والكهانة «3» ، ومن كل نفث في عقدة.
وقيل لزيد بن على: الصمت خير أم الكلام؟ فقال: قبّح الله المساكتة، ما أفسدها للبيان، وأجلبها للعىّ والحصر «4» ! والله للمماراة أسرع في هدم العىّ «5» من النار في يبس العرفج، ومن السيل إلى الحدور «6» .
وقال له هشام بن عبد الملك: بلغنى أنّك تروم الخلافة وأنت لا تصلح لها لأنك ابن أمة؟ قال زيد: فقد كان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ابن أمة، وإسحاق ابن حرّة؛ فأخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم! فقال له: قم! فقال: إذا والله لا ترانى إلّا حيث تكره! فلما خرج من الدار قال: ما أحبّ أحد الحياة قط إلّا ذلّ، فقال له سالم مولى هشام: لا يسمعنّ هذا الكلام منك أحد، وكان زيد كثيرا ما ينشد:
شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد «7»
منخرق الخفّين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد «8»
(1/118)

قد كان فى الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
وقد رويت هذه الأبيات لمحمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين، وقد رويت لأخيه موسى.
قال عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد: حدثنى رجل من بنى هاشم قال: كنا عند محمد بن على بن الحسين، وأخوه زيد جالس، فدخل رجل من أهل الكوفة فقال له محمد بن علىّ: إنك لتروى طرائف من نوادر الشعر، فكيف قال الأنصارى لأخيه؟ فأنشده:
لعمرك ما إن أبو مالك ... بوان ولا بضعيف قواه
ولا بألدّ له نازع ... يعادى أخاه إذا ما نهاه
ولكنّه غير مخلافة ... كريم الطبائع حلو نثاه «1»
وإن سدته سدت مطواعة ... ومهما وكلت إليه كفاه
فوضع محمد يده على كتف زيد، فقال: هذه صفتك يا أخى؛ وأعيذك بالله أن تكون قتيل أهل العراق! وكانت بين جعفر بن الحسن بن الحسين بن على وبين زيد رضوان الله عليهم منازعة في وصيّة، فكانا إذا تنازعا انثال الناس عليهما ليسمعوا محاورتهما؛ فكان الرجل يحفظ على صاحبه اللّفظة من كلام جعفر، ويحفظ الآخر اللفظة من كلام زيد. فإذا انفصلا وتفرّق الناس عنهما قال هذا لصاحبه: قال في موضع كذا وكذا، وقال الآخر: قال في موضع كذا وكذا؛ فيكتبون ما قالا، ثم يتعلّمونه كما يتعلّم الواجب من الفرض، والنادر من الشعر، والسائر من المثل! وكانا أعجوبة دهرهما وأحدوثة عصرهما.
ولما قتل زيدا يوسف بن عمر «2» وصلب جثّته بالكناسة «3» وبعث برأسه
(1/119)

مع شبّة بن عقال، وكلّف آل أبى طالب البراءة من زيد، وقام خطباؤهم بذلك؛ فكان أول من قام عبد الله بن الحسن بن الحسين بن على رحمة الله عليه فأوجز فى كلامه ثم جلس، وقام عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب فأطنب- وكان شاعرا خطيبا لسنا ناسبا- فانصرف الناس وهم يقولون: ابن الطيار من أخطب الناس، فقيل لعبد الله بن الحسن في ذلك؛ فقال: لو شئت أن أقول لقلت، ولكن لم يكن مقام سرور، وإنما كان مقام مصيبة! وعبد الله هذا هو: أبو محمد وإبراهيم الخارجين على أبى جعفر المنصور، وهو القائل لابنه محمد أو إبراهيم: أى بنىّ! إنى مؤدّ حقّ الله في تأديبك، فأدّ إلىّ حقّ الله في الاستماع منى؛ أى بنىّ! كفّ الأذى، وارفض البذى «1» واستعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك فيها نفسك إلى الكلام، فإنّ للقول ساعات يضرّ فيها الخطأ، ولا ينفع فيها الصّواب، واحذر شورة الجاهل. وإن كان ناصحا، كما تحذر مشورة العاقل إذا كان غاشّا؛ لأنه يرديك بمشورته؛ واعلم يا بنىّ أن رأيك إذا احتجت إليه وجدته نائما، ووجدت هواك يقظان، فإياك أن تستبدّ برأيك، فإنه حينئذ هواك؛ ولا تفعل فعلا إلا وأنت على يقين أنّ عاقبته لا ترديك، وأن نتيجته لا تجنى عليك.
وهو القائل: إياك ومعاداة الرجال فإنك لن تعدم مكر حليم، أو معاداة لئيم.
وكتب إلى صديق له: أوصيك بتقوى الله تعالى، فإنّ الله تعالى جعل لمن اتّقاه المخرج من حيث يكره، والرزق من حيث لا يحتسب وعبد الله هو القائل:
(1/120)

أنس حرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهنّ حرام «1»
يحسبن من لين الحديث دوانيا ... ويصدّهنّ عن الخنا الإسلام «2»
قال: وهذا كما روى أنّ عبد الملك بن مروان استقبل عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى، فقال له: قد علمت قريش أنّك أطولها صبوة، وأبعدها توبة، ويحك! أمالك في نساء قريش ما يكفيك من نساء بنى عبد مناف «3» ؟
ألست القائل:
نظرت إليها بالمحصّب من منى ... ولى نظر لولا التحرّح عارم «4»
فقلت: أصبح أم مصابيح راهب ... بدت لك خلف السّجف أم أنت حالم «5»
بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفل ... أبوها وإمّا عبد شمس وهاشم «6»
فقال: يا أمير المؤمنين، فإنّ بعد هذا:
طلبن الهوى حتى إذا ما وجدنه ... صدرن وهنّ المسلمات الكرائم «7»
فاستحيا منه عبد الملك، وقضى حوائجه ووصله.
وقال آخر في هذا المعنى:
تعطّلن إلا من محاسن أوجه ... فهنّ حوال في الصفات عواطل «8»
كواس عوار صامتات نواطق ... بعفّ الكلام باخلات بواذل «9»
برزن عفافا واحتجبن تستّرا ... وشيب بحقّ القول منهنّ باطل «10»
(1/121)

فذو الحلم مرتاد وذو الجهل طامع ... وهنّ عن الفحشاء حيد نواكل «1»
وقال العديل بن الفرخ فيما يتطرف طرفا من هذا المعنى:
لعب النعيم بهنّ في أطلاله ... حتى لبسن زمان عيش غافل «2»
يأخذن زينتهنّ أحسن ما ترى ... فإذا عطلن فهنّ غير عواطل
وإذا خبأن خدودهن أريننى ... حدق المها وأخذن نبل القاتل «3»
يرميننا لا يستترن بجنّة ... إلا الصّبا وعلمن أين مقاتلى «4»
يلبسن أردية الشباب لأهلها ... ويجرّ باطلهنّ ذيل الباطل
وتعرّض لعبد الله بن الحسن رجل بما يكره، فقال فيما أنشده ثعلب:
أظنّت سفاها من سفاهة رأيها ... أن اهجوها لما هجتنى محارب «5»
فلا وأبيها إننى بعشيرتى ... ونفسى عن ذاك المقام لراغب «6»
وأنشد هذين البيتين أبو العباس المبرّد لرجل لم يسمّه في رجل يعرف بابن البعير، وقبلهما:
يقولون أبناء البعير وما لهم ... سنام ولا في ذروة المجد غارب «7»
وساير عبد الله بن الحسن أبا العباس السفاح بظهر مدينة الأنبار وهو ينظر إلى بناء قد بناه أبو العباس ويدور به، فأنشد عبد الله:
ألم تر جوشنا لما تبنّى ... بناء نفعه لبنى بقيله
يؤمّل أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كلّ ليله
وكان أبو العباس له مكرما، ولحقّه معظّما؛ فتبسّم مغضبا، وقال: لو علمنا
(1/122)

لاشترطنا حقّ المسايرة! فقال عبد الله: بوادر الخواطر، وأغفال المسانح؛ والله ما قلتها عن رويّة، ولا عارضنى فيها فكر؛ وأنت أجلّ من أقال، وأولى من صفح، قال: صدقت؛ خذ في غير هذا.
ولما قتل المنصور ابنه محمدا- وكان عبد الله في السجن- بعث برأسه إليه مع الربيع حاجبه؛ فوضع بين يديه، فقال: رحمك الله أبا القاسم فقد كنت من «الّذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والّذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب» ! ثم تمثل:
فتى كان يحميه من الذلّ سيفه ... ويكفيه سوءات الأمور اجتنابها
ثم التفت إلى الربيع فقال له: قل لصاحبك قد مضى من بؤسنا مدة، ومن نعيمك مثلها؛ والموعد الله تعالى! قال الربيع: فما رأيت المنصور قطّ أكثر انكسارا منه حين أبلغته الرسالة «1» .
أخذ العباس بن الأحنف «2» هذا المعنى، وقيل: عمارة بن عقيل بن بلال ابن جرير»
فقال:
فإن تلحظى حالى وحالك مرة ... بنظرة عين عن هوى النفس تحجب
تجد كلّ يوم مرّ من بؤس عيشتى ... يمرّ بيوم من نعيمك يحسب
ولما قتل المنصور محمد بن عبد الله اعترضته امرأة معها صبيان، فقالت:
يا أمير المؤمنين، أنا امرأة محمد بن عبد الله، وهذان ابناه، أيتمهما سيفك، وأضرعهما خوفك «4» . فناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تصعّر لهما خدّك،
(1/123)

أو ينأى عنهما رفدك «1» ؛ ولتعطفك عليهما شوابك النسب، وأواصر الرّحم «2» فالتفت إلى الربيع، فقال: اردد عليهما ضياع أبيهما، ثم قال: كذا والله أحبّ أن تكون نساء بنى هاشم.
وكان أهل المدينة لما ظهر محمد أجمعوا على حرب المنصور، ونصر محمد؛ فلما ظفر المنصور أحضر جعفر بن محمد بن على بن الحسين الصادق، فقال له:
قد رأيت إطباق أهل المدينة على حربى، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يغوّر عيونهم «3» ، ويجمّر نخلهم «4» . فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين؛ إنّ سليمان أعطى فشكر، وإنّ أيوب ابتلى فصبر، وإنّ يوسف قدر فغفر؛ فاقتد بأيّهم شئت، وقد جعلك الله من نسل الذين يعفون ويصفحون، فقال أبو جعفر:
إنّ أحدا لا يعلّمنا الحلم، ولا يعرّفنا العلم، وإنما قلت هممت، ولم ترنى فعلت؛ وإنك لتعلم أن قدرتى عليهم تمنعنى من الإساءة إليهم.
وعزّى جعفر بن محمد رجلا، فقال: أعظم بنعمة في مصيبة جلبت أجرا وأفظع بمصيبة في نعمة أكسبت كفرا هذا كقول الطائى:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنّعم
وكان جعفر بن محمد يقول: إنّى لأملق أحيانا فأتاجر الله بالصدقة فيربحنى.
وقال جعفر رضي الله عنه: من تخلّق بالخلق الجميل وله خلق سوء أصيل فتخلّقه لا محالة زائل، وهو إلى خلقه الأوّل آيل، كطلى الذهب على النحاس ينسحق وتظهر صفرته للناس.
وهذا كقول العرجى:
يأيها المتحلّى غير شيمته ... ومن خلائقه الإقصار والملق «5»
(1/124)

ارجع إلى خلقك المعروف وارض به ... إنّ التخلق يأتى دونه الخلق «1»
وكان يقول: ما توسّل إلىّ أحد بوسيلة هي أقرب إلىّ من يد سبقت منى إليه أتبعها أختها لتحسن ربّها وحفظها «2» ؛ لأنّ منع الأواخر يقطع لسان الأوائل.
وقيل لجعفر رحمه الله: إنّ أبا جعفر المنصور لا يلبس مذ صارت إليه الخلافة إلّا الخشن، ولا يأكل إلا الجشب «3» . فقال: يا ويحه! مع ما مكّن له من السلطان، وجبى إليه من الخراج! قالوا: إنما يفعل ذلك بخلا وجمعا للمال.
فقال: الحمد لله الذى حرمه من دنياه ما ترك له من دينه. انتهى.
قال: ومن دعاء جعفر رضي الله عنه: اللهم إنك بما أنت أهل له من العفو أولى بما أنا أهل له من العقوبة.
وكان عبد الله [بن معاوية بن عبد الله] بن جعفر عالما، ناسبا، وكان خطيبا مفوها، وشاعرا مجيدا، وكتب إلى بعض إخوانه:
أما بعد، فقد عاقنى الشكّ في أمرك عن عزيمة الرّأى فيك، وذلك أنك ابتدأتنى بلطف عن غير خبرة؛ ثم أعقبتنى جفاء عن غير جريرة؛ فأطمعنى أوّلك فى إخائك، وأيأسنى آخرك عن وفائك؛ فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطّراحا، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة؛ فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الشكّ في أمرك عن عزيمة الرأى فيك؛ فاجتمعنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف، والسلام.
وهو القائل:
رأيت فضيلا كان شيئا ملفّعا ... فكشّفه التمحيص حتى بدا ليا «4»
(1/125)

فأنت أخى ما لم تكن لى حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
كلانا غنىّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
فلا زاد ما بينى وبينك بعد ما ... بلوتك في الحاجات إلّا تماديا
فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أنّ عين السخط تبدى المساويا
والقائل أيضا:
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتّكل
نبنى كما كانت أوائلنا ... تبنى ونفعل مثل ما فعلوا
وهذا كقول عامر بن الطفيل، قال أبو الحسن على بن سليمان الأخفش:
أنشدنى محمد الحسن بن الحرون لعامر بن الطفيل «1» :
تقول ابنة العمرىّ: مالك بعد ما ... أراك صحيحا كالسليم المعذّب «2»
فقلت لها: همّى الذى تعرفينه ... من الثّأر في حيّى زبيد وأرحب
إن اغز زبيدا أغز قوما أعزّة ... مركّبهم في الحىّ خير مركب
وإن أغز حيّى خثعم فدماؤهم ... شفاء وخير الثّأر للمتأوّب «3»
فما أدرك الأوتار مثل محقّق ... بأجرد طاو كالعسيب المشذّب «4»
(1/126)

وأسمر خطىّ وأبيض باتر ... وزغف دلاص كالغدير المثوّب «1»
وإنى وإن كنت ابن سيد عامر ... وفي السرّ منها والصّريح المهذّب
فما سوّدتنى عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
ولكننى أحمى حماها، وأتقى ... أذاها، وأرمى من رماها بمنكب
وقال أيضا يهنّىء بعض الهاشميين بإملاك «2» : زاد الله في نعمته، وبارك فى فواضله، وجميل نوافله؛ ونسأل الله- الذى قسم لكم ما تحبّون من السرور- أن يجنّبكم ما تكرهون من المحذور، ويجعل ما أحدثه لكم زينا، ومتاعا حسنا، ورشدا ثابتا، ويجعل سبيل ما أصبحت عليه، تماما لصالح ما سموت إليه؛ من اجتماع الشّمل، وحسن موافقة الأهل؛ ألّف الله ذلك بالصلاح، وتممه بالنجاح، ومدّ لك في ثروة العدد، وطيب الولد، مع الزيادة في المال، وحسن السلامة في الحال، وقرّة العين، وصلاح ذات البين.
وهجا أبو عاصم محمد بن حمزة الأسلمى المدنى الحسن بن زيد بن الحسين «3» بن على ابن أبى طالب رحمة الله عليه، فقال:
له حقّ وليس عليه حقّ ... ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لغيره وهو الرسول
فلما ولى الحسن المدينة أتاه متنكّرا في زى الأعراب، فقال:
ستأتى مدحتى الحسن بن زيد ... وتشهد لى بصفّين القبور «4»
قبور لم تزل مذ غاب عنها ... أبو حسن تعاديها الدهور
قبور لو بأحمد أو علىّ ... يلوذ مجيرها حمى المجير
هما أبواك من وضعا فضعه ... وأنت برفع من رفعا جدير
(1/127)

فقال: من أنت؟ قال: أنا الأسلمى. قال: ادن حيّاك الله! وبسط له رداءه، وأجلسه عليه، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
وكان الحسن بن زيد قد عوّد داود بن سلم مولى بنى تيم أن يصله، فلما مدح داود جعفر بن سليمان بن على- وكان بينه وبين الحسن بن زيد تباعد- أغضبه ذلك «1» ، وقدم الحسن من حجّ أو عمرة، فدخل عليه داود بن سلم مهنئا، فقال:
أنت القائل في جعفر بن سليمان بن على:
وكنا حديثا قبل تأمير جعفر ... وكان المنى في جعفر أن يؤمّرا «2»
حوى المنبرين الطاهرين كليهما ... إذا ما خطا عن منبر أمّ منبرا «3»
كأن بنى حوّاء صفّوا أمامه ... فخيّر في أنسابهم فتخيّرا
فقال داود: نعم، جعلنى الله فداك، فكنتم خيرة اختياره! وأنا القائل:
لعمرى لئن عاقبت أو جدت منعما ... بعفو عن الجانى وإن كان معذرا «4»
لأنت بما قدمت أولى بمدحة ... وأكرم فخرا إن فخرت وعنصرا
هو الغرة الزهراء من فرع هاشم ... ويدعو عليا ذا المعالى وجعفرا «5»
وزيد الندى والسبط سبط محمد ... وعمّك بالطّفّ الزكىّ المطهّرا
وما نال منها جعفر غير مجلس ... إذا ما نفاه العزل عنه تأخرا «6»
بحقكم نالوا ذراها وأصبحوا ... يرون به عزّا عليكم ومظهرا
فعادله الحسن بن زيد إلى ما كان عليه، ولم يزل يصله ويحسن إليه إلى أن مات.
(1/128)

وقوله: «وإن كان معذرا» ، لأن جعفرا أعطاه على أبياته الثلاثة ألف دينار.
ولما ولى الحسن بن زيد المدينة دخل عليه إبراهيم بن على بن هرمة، فقال له الحسن: يا إبراهيم؛ لست كمن باع لك دينه رجاء مدحك، أو خوف ذمك، فقد رزقنى الله تعالى بولادة نبيه صلى الله عليه وسلم الممادح، وجنّبنى المقابح، وإنّ من حقه علىّ ألا أغضى على تقصير في حقّ وجب؛ وأنا أقسم لئن أتيت بك سكران لأضربنك حدّا للخمر، وحدّا للسكر؛ ولأزيدنّ لموضع حرمتك بى، فليكن تركك لها لله عز وجل تعن عليه، ولا تدعها للناس فتوكل إليهم.
فنهض ابن هرمة، وهو يقول:
نهانى ابن الرسول عن المدام ... وأدّبنى بآداب الكرام
وقال لى أصطبر عنها ودعها ... لخوف الله لا خوف الأنام
وكيف تصبّرى عنها وحبى ... لها حبّ تمكّن في عظامى
أرى طيف الخيال علىّ خبثا ... وطيب العيش في خبث الحرام
وكان إبراهيم منهوما في الخمر، وجلده خيثم بن عراك «1» صاحب شرطة المدينة لرباح بن عبد الله الحارثى في ولاية أبى العباس.
ولما وفد على أبى جعفر المنصور ومدحه استحسن شعره ووصله، وقال له:
سل حاجتك، قال: تكتب لى إلى عامل المدينة ألّا يحدّنى إذا أتى بى سكران فقال أبو جعفر: هذا حدّ من حدود الله تعالى لا يجوز أن أعطله، قال: فاحتل لى يا أمير المؤمنين! فكتب إلى عامل المدينة: «من أتاك بابن هرمة سكران فاجلده مائة، واجلد ابن هرمة ثمانين» .
فكان الشّرط يمرّون به مطروحا في سكك المدينة، فيقولون: من يشترى مائة بثمانين؟! وقال موسى بن عبد الله «2» بن على بن أبي طالب:
(1/129)

إذا أنا لم أقبل من الدهر كلّ ما ... تكرّهت منه طال عتبى على الدّهر
إلى الله كلّ الأمر في الخلق كلهم ... وليس إلى المخلوق شىء من الأمر
تعودت مسّ الضر حتى ألفته ... وأسلمنى طول البلاء إلى الصبر
ووسّع صدرى للأذى الأنس بالأذى ... وإن كنت أحيانا يضيق به صدرى
وصيّرنى يأسى من الناس راجيا ... لسرعة لطف الله من حيث لا أدرى
وموسى بن عبد الله هو القائل:
تولّت بهجة الدنيا ... فكل جديدها خلق «1»
وخان الناس كلّهم ... فما أدرى بمن أثق
رأيت معالم الخيرا ... ت سدّت دونها الطرق
فلا حسب ولا نسب ... ولا دين ولا خلق
فلست مصدّق الأقوا ... م في شىء وإن صدقوا
وكان المنصور حبسه لخروجه عليه مع أخويه، ثم ضربه ألف سوط، فما نطق بحرف واحد؛ فقال الربيع: عذرت هؤلاء الفساق في صبرهم؛ فما بال هذا الفتى الذى نشأ في النعمة والدّعة؟ فقال:
إنّى من القوم الذين يزيدهم ... جلدا وصبرا قسوة السلطان
وولدت هند بنت أبى عبيدة بن عبد الله بن زمعة موسى، ولها ستّون سنة، ولا يعلم امرأة ولدت بنت ستين سنة إلا قرشيّة.
اجتاز على بن محمد العلوى بالجسر بحدثان «2» قتل عمر بن يحيى بن عبد الله ابن الحسين، وقاتله الحسين بن إسماعيل هناك قد جرّد رجلا للقتل، فلما رأت أمّ الرجل عليا سألته أن يشفع فيه، فمال علىّ إلى الحسين فأنشده:
(1/130)

قتلت أبرّ من ركب المطايا ... وجئتك أستلينك بالكلام
وعزّ علىّ أن ألقاك إلّا ... وفيما بيننا حدّ الحسام
ولكنّ الجناح إذا أصيبت ... قوادمه يرف على الإكام «1»
فقال له: وما حاجتك؟ قال: العفو عن ابن هذه المرأة! فتركه.
وسئل العباس بن الحسين عن رجل، فقال لجليسه: أطرب من الإبل على الحداء، ومن الثمل على الغناء.
وذكر العباس رجلا فقال: ما الحمام على الأحرار، وطول السّقم في الأسفار، وعظم الدّين على الإقتار، بأشدّ من لقائه.
وقال العباس بن الحسين للمأمون: يا أمير المؤمنين؛ إن لسانى ينطلق بمدحك غائبا، وقد أحببت أن يتزيّد عندك حاضرا، أفتأذن لى يا أمير المؤمنين في الكلام؟ فقال له: قل؛ فو الله إنك لتقول فتحسن، وتحضر فتزبّن، وتغيب فتؤتمن، فقال: ما بعد هذا كلام يا أمير المؤمنين! أفتأذن بالسكوت؟ قال: إذا شئت.
وذكر رجلا بليغا فقال: ما شبّهت كلامه إلا بثعبان ينهال بين رمال، وماء يتغلغل بين جبال.
وسمع المنتجع بن نبهان كلام العباس بن الحسين، فقال: هذا كلام يدلّ سائره على غابره «2» وأوله على آخره.
وسأل المأمون العباس بن الحسين عن رجل؟ فقال: رأيت له حلما وأناة، ولم أسمع لحنا ولا إحالة «3» ؛ يحدّثك الحديث على مطاويه «4» ، وينشدك الشعر على مدارجه.
(1/131)

وكان المأمون يقول: من أراد أن يسمع لهوا بلا حرج فليسمع كلام العباس والعباس بن الحسين بن أشعر الهاشميين؛ وهو يعدّ في طبقة إبراهيم ابن المهدى، وهو القائل:
أتاح لك الهوى بيض حسان ... سبينك بالعيون وبالشعور «1»
نظرت إلى النحور فكدت تقضى ... وأولى لو نظرت إلى الخصور «2»
وهو القائل أيضا:
صادتك من بعض القصور ... بيض نواعم في الخدور
حور تحور إلى صبا ... ك بأعين منهنّ حور «3»
وكأنما بثغورهنّ ... جنى الرّضاب من الخمور «4»
يصبغن تفّاح الخدو ... د بماء رمّان الصّدور
وهو: العباس بن الحسين بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى طالب رضي الله عنه، وأم عبيد الله جدّة بنت عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب عم محمد بن على أبى الخلفاء.
وكان الرشيد والمأمون يقرّبان العباس غاية التقريب؛ لنسبه وأدبه؛ قال أبو دلف: دخلت على الرشيد وهو في طارمة على طنفسة «5» ومعه عليها شيخ جميل المنظر؛ فقال لى الرشيد: يا قاسم؛ ما خبر أرضك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، خراب يباب، أخربها الأكراد والأعراب. فقال قائل: هذا آفة الجبل، وهو أفسده، فقلت: أنا أصلحه، قال الرشيد: وكيف ذلك؟ قلت: أفسدته وأنت علىّ وأصلحه وأنت معى! قال الشيخ: إن همته لترمى به من وراء سنّه
(1/132)

مرمى بعيدا؛ فسألت عن الشيخ فقيل: العباس بن الحسين، وكان أبو دلف ذلك الوقت صغير السنّ.
ولقى موسى بن جعفر «1» رضي الله عنه محمد بن الرشيد الأمين بالمدينة وموسى على بغلة، فقال للفضل بن الربيع: عاتب هذا، فقال له الفضل: كيف لقيت أمير المؤمنين على هذه الدابة التي إن طلبت عليها لم تسبق، وإن طلبت عليها تلحق، فقال: لست أحتاج أن أطلب، ولا إلى أن أطلب؛ ولكنها دابّة تنحط عن خيلاء الخيل، وترتفع عن ذلة العير «2» ، وخير الأمور أوسطها.
أصيب على بن موسى بمصيبة، فصار إليه الحسن بن سهل، فقال: إنا لم نأتك معزّين؛ بل جئناك مقتدين؛ فالحمد لله الذى جعل حياتكم للناس رحمة، ومصائبكم لهم قدوة.
وكان علىّ بن موسى الرضا رحمه الله قد ولّاه المأمون عهده، وعقد له الخلافة بعده، ونزع السّواد عن بنى العباس، وأمرهم بلباس الخضرة «3» ، ومات على بن موسى فى حياة المأمون بطوس، فشقّ [المأمون] قبر الرشيد ودفن فيه تبرّكا به، وكان الرشيد قد مات بطوس فدفن هناك «4» ؛ ولذلك قال دعبل بن على الخزاعى:
اربع بطوس على قبر الزكىّ بها ... إن كنت تربع من دين على وطر «5»
ما ينفع الرّجس من قرب الزكى، ولا ... على الزكىّ بقرب الرجس من ضرر
هيهات كلّ امرىء رهن بما كسبت ... له يداه فخذ من ذاك أو فذر
(1/133)

قبران في طوس: خير الناس كلهم ... وقبر شرّهم، هذا من العبر
وكان دعبل مداحا لأهل البيت، كثير التعصّب لهم، والغلوّ فيهم. وله المرثية المشهورة، وهي من جيد شعره، وأولها:
مدارس آيات عفت من تلاوة ... ومنزل وحى مقفر العرصات «1»
لآل رسول الله بالخيف من منى ... وبالبيت والتّعريف والجمرات
ديار علىّ والحسين وجعفر ... وحمزة والسّجّاد ذى الثّفنات
قفا نسأل الدّار التي خفّ أهلها ... متى عهدها بالصّوم والصلوات
وأين الأولى شطّت بهم غربة النّوى ... أفانين في الآفاق مفترقات «2»
أحبّ قصىّ الدار من أجل حبّهم ... وأهجر فيهم أسرتى وثقاتى
وهي طويلة.
ولما دخل المأمون بغداد أحضر دعبلا بعد أن أعطاه الأمان، وكان قد هجاه وهجا أباه، فقال: يا دعبل، من الحضيض الأوهد! فقال: يا أمير المؤمنين، قد عفوت عمن هو أشدّ جرما منى! أراد المأمون قول دعبل يهجوه:
إنّى من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد
يفتخر عليه بقتل طاهر بن الحسين بن مصعب ذى اليمينين أخاه محمدا، وطاهر مولى لخزاعة، فاستنشده هذه القصيدة التائيّة «3» ، فاستعفاه، فقال: لا بأس عليك، وقد رويتها، وإنما أحببت أن أسمعها منك، فأنشدها دعبل؛ فلما انتهى إلى قوله:
ألم تر أنى مذ ثلاثين حجّة ... أروح وأغدو دائم الحسرات
(1/134)

أرى فيئهم في غيرهم متقسّما ... وأيديهم من فيئهم صفرات «1»
إذا وتروا مدّوا إلى أهل وترهم ... أكفا عن الأوتار منقبضات
وآل رسول الله نحف جسومهم ... وآل زياد غلّظ القصرات «2»
بنات زياد في القصور مصونة ... وبنت رسول الله في الفلوات
بكى المأمون، وجدّد له الأمان، وأحسن له الصّلة.
والشىء يستدعى ما قرع بابه، وجذب أهدابه «3» ، قال سليمان بن قتيبة:
مررت على أبيات آل محمد ... فلم أر ما عهدى بها يوم حلّت «4»
فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت من أهلها قد تخلّت «5»
وكانوا رجاء ثم عادوا رزية ... ألا عظمت تلك الرزايا وجلّت «6»
وإن قتيل الطّفّ من آل هاشم ... أذلّ رقاب المسلمين فذلّت «7»
ويشبه قوله: «وكانوا رجاء ثم عادوا رزية» قول امرأة من العرب مرّت بالجسر بجثّة جعفر بن يحيى البرمكى مصلوبا «8» ؛ فقالت: لئن أصبحت نهاية في البلاء، لقد كنت غاية في الرجاء.
ألفاظ لأهل العصر في أوصاف الأشراف لها في هذا الموضع موقع
فلان من شرف العنصر الكريم، ومعدن الشرف الصميم. أصل راسخ،
(1/135)

وفرع شامخ، ومجد باذخ «1» ، وحسب شادخ.
فلان كريم الطرفين، شريف الجانبين، قد ركّب الله دوحته في قرارة المجد، وغرس نبعته في محل الفضل. أصل شريف، وعرق كريم، ومغرس عظيم، ومغرز صميم. المجد لسان أوصافه، والشرف نسب أسلافه. نسب فخم، وشرف ضخم. يستوفى شرف الأرومة «2» بكرم الأبوّة والأمومة، وشرف الخؤولة والعمومة. ما أتته المحاسن عن كلالة «3» ولا ظفر بالهدى عن ضلالة، بل تناول المجد كابرا عن كابر، وأخذ الفخر عن أسرّة ومنابر:
شرف تنقّل كابرا عن كابر ... كالرمح أنبوبا على أنوب «4»
استقى عرقه من منبع النبوة، ورضعت شجرته من ثدى الرسالة، وتهدلت أغصانه عن نبعه الإمامة، وتبحبحت أطرافه في عرصة الشّرف والسيادة «5» ، وتفقّأت بيضته عن سلالة الطّهارة «6» ، قد جذب القرآن بضبعه «7» وشقّ الوحى عن بصره وسمعه، مختار من أكرم المناسب، منتخب من أشرف العناصر، مرتضى من أعلى المحاتد «8» ، مؤثر من أعظم العشائر، قد ورث الشرف جامعا عن جامع، وشهد له نداء الصوامع، هو من مضر في سويداء قلبها، ومن هاشم في سواد طرفها، ومن الرسالة في مهبط وحيها، ومن الإمامة في موقف عزّها، ينزع إلى المحامد بنفس وعرق، ويحنّ إلى المكارم بوراثة وخلق؛ يتناسب أصله وفرعه، ويتناصف نجره وطبعه، وهو الطيّب أصله وفرعه، الزّاكى بذره وزرعه، يجمع
(1/136)

إلى عزّ النّصاب، مزيّة الآداب، لا غرو أن يجرى الجواد على عرقه، وتلوح مخايل الليث في شبله، ويكون النجيب فرعا مشيدا لأصله. له مع نباهة شرفه، نزاهة سلفه، ومع كرم أرومته وحزمه، مزية أدبه وعلمه، لن تخلف ثمرة غرس ارتيد لها من المنابت أزكاها، ومن المغارس أطيبها وأغذاها وأنماها؛ قد جمع شرف الأخلاق، إلى [شرف الأعراق، وكرم الآداب، إلى] كرم الأنساب؛ له في المجد أول وآخر، وفي الكرم تليد وطارف، وفي الفضل حديث وقديم؛ لا غرو أن يغمر فضله، وهو نجل الصّيد الأكارم، أو يغزر علمه وهو فيض البحور الخضارم «1» دوحة رسب عرقها، وسمق فرعها «2» ، وطاب عودها، واعتدل عمودها، وتفيّأت ظلالها، وتهدّلت ثمارها، وتفرّعت أغصانها، وبرد مقيلها. مجد يلحظ الجوزاء من عال، ويطول النجم كلّ مطال. شرف تضع له الأفلاك خدودها وجباهها، وتلثم النجوم أرضه بأفواهها وشفاهها. نسب المجد به عريق، وروض الشرف به أنيق. ولسان الثناء بفضله نطوق. فلك المجد عليه يدور، ويد العلا إليه تشير. محلّه شاهق، ومجده باسق.
(1/137)

بدء الكتاب
قد تمّ ما استفتحت به التأليف، وجعلته مقدمة التصنيف، مع ما اقترن به، وانضاف إليه، والتفّ به، وانعطف عليه، ورأيت أن أبتدىء مقدّمات البلاغات بغرر التحاميد وأوصافها «1» ، وما يتعلّق بأثنائها وأطرافها.
وقد قال سهل بن هارون في أول كتاب عمله: يجب على كلّ مبتدىء مقالة أن يبتدىء بحمد الله قبل استفتاحها، كما بدىء بالنعمة قبل استحقاقها.
ولأهل العصر: أولى ما فغر به الناطق فمه «2» وافتتح به كلمه، حمد الله جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه. حمد الله خير ما ابتدىء به القول وختم، وافتتح به الخطاب وتمّم.
وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله: إنّ الله جلّ ثناؤه لا يمثّل بنظير، ولا يغلب بظهير «3» ، جلّ عن موقع تحصيل أدوات البشر، ولطف عن ألحاظ خطرات الفكر، لا يحمد إلا بتوفيق منه يقتضى حمدا، فمتى تحصى نعماؤه، وتكافأ آلاؤه؟ عجز أقصى الشكر عن أداء نعمته، وتضاءل ما خلق في سعة قدرته؛ قدر فقدّر، وحكم فأحكم؛ وجعل الدّين جامعا لشمل عباده، والشرائع منارا على سبيل طاعته؛ يتبعها أهل اليقين به، ويحيد عنها أهل الشك فيه.
أخذ أبو العباس قوله: «ولا يحمد إلا بتوفيق منه يقتضى حمدا» من قول محمود بن الحسن الوراق:
إذا كان شكرى نعمة الله نعمة ... علىّ له في مثلها يجب الشّكر
فكيف بلوغ الشّكر إلّا بفضله ... وإن طالت الأيام واتّصل العمر
(1/138)

إذا عمّ بالسّرّاء عم سرورها ... وإن مسّ بالضراء أعقبها الأجر
فما منهما إلا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والبرّ والبحر
وإنما أخذه محمود من قول أبى العتاهية:
أحمد الله فهو ألهمنى الحمد ... على الحمد والمزيد لديه
كم زمان بكيت فيه فلمّا ... صرت في غيره بكيت عليه
وقد اضطربت الرواية في هذين البيتين وقائلهما، وهذا البيت الثانى كثير «1» ، قال إبراهيم بن العباس:
كذاك أيّامنا لا شكّ نندبها ... إذا تقضّت ونحن اليوم نشكوها
آخر:
وما مرّ يوم أرتجى فيه راحة ... فأفقده إلّا بكيت على أمس
ومحمود هو القائل أيضا:
تعصى الإله وأنت تظهر حبّه ... هذا محال في القياس بديع
لو كان حبّك صادقا لأطعته ... إنّ المحب لمن أحبّ مطيع
وكان كثيرا ما ينقل أخبار الماضين، وحكم المتقدّمين، فيحلّى بها نظامه، ويزيّن بها كلامه، وهو القائل:
إنى وهبت لظالمى ظلمى ... وشكرت ذاك له على علمى
ورأيته أسدى إلىّ يدا ... لمّا أبان بجهله حلمى
رجعت إساءته عليه، ولى ... فضل فعاد مضاعف الجرم
فكانما الإحسان كان له ... وأنا المسىء إليه في الزّعم
ما زال يظلمنى وأرحمه ... حتى رثيت له من الظلم
(1/139)

وهو القائل:
أرانى إذا ما ازددت مالا وثروة ... وخيرا إلى خير تزيّدت في الشرّ
فكيف بشكر الله إن كنت إنما ... أقوم مقام الشّكر لله بالكفر
بأىّ اعتذار أو بأيّة حجّة ... يقول الذى يدرى من الأمر ما أدرى
إذا كان وجه العذر ليس ببيّن ... فإنّ اطّراح العذر خير من العذر
[البيان والبلاغة]
ولابن المعتز: البيان ترجمان القلوب، وصيقل العقول، ومجلّى الشبهة، وموجب الحجة، والحاكم عند اختصام الظنون، والمفرّق بين الشّكّ واليقين، وهو من سلطان الرّسل الذى انقاد به المصعب «1» ، واستقام الأصيد «2» ، وبهت الكافر، وسلّم الممتنع، حتى أشب الحقّ بأنصاره «3» ، وخلا ربع الباطل من عمّارة؛ وخير البيان ما كان مصرّحا عن المعنى؛ ليسرع إلى الفهم تلقّيه، وموجزا ليخفّ على اللفظ تعاطيه.
وفضل القرآن على سائر الكلام
معروف غير مجهول، وظاهر غير خفىّ؛ يشهد بذلك عجز المتعاطين، ووهن المتكلّفين «4» ، وتحيّر الكذابين، وهو المبلّغ الذى لا يمل، والجديد الذى لا يخلق «5» ، والحق الصادع، والنور الساطع، والماحى لظلم الضلال، ولسان الصّدق النافى للكذب، ونذير قدّمته الرحمة قبل الهلاك، وناعى الدنيا المنقولة، وبشير الآخرة المخلّدة، ومفتاح الخير، ودليل الجنة. إن أوجز كان كافيا، وإن أكثر كان مذكّرا، وإن أومأ «6» كان مقنعا، وإن أطال كان مفهما، وإن أمر فناصحا، وإن حكم فعادلا، وإن أخبر فصادقا، وإن بيّن فشافيا، سهل على الفهم، صعب على المتعاطى «7» ، قريب المأخذ،
(1/140)

بعيد المرام، سراج تستضىء به القلوب، حلو إذا تذوّقته العقول، بحر العلوم، وديوان الحكم، وجوهر الكلم، ونزهة المتوسّمين، وروح قلوب المؤمنين، نزل به الرّوح الأمين على محمد خاتم النبيين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، فخصم الباطل، وصدع بالحق، وتألف من النّفرة، وأنقذ من الهلكة، فوصل الله له النصر، وأضرع به خدّ الكفر «1» .
[تفسير الرماني للبلاغة]
قال على بن عيسى الرمانى «2» : البلاغة ما حطّ التكلف عنه «3» ، وبنى على التبيين، وكانت الفائدة أغلب عليه من القافية، بأن جمع مع ذلك سهولة المخرج، مع قرب المتناول؛ وعذوبة اللفظ، مع رشاقة المعنى؛ وأن يكون حسن الابتداء كحسن الانتهاء، وحسن الوصل، كحسن القطع، فى المعنى والسمع، وكانت كلّ كلمة قد وقعت في حقّها، وإلى جنب أختها، حتى لا يقال: لو كان كذا في موضع كذا لكان أولى! وحتى لا يكون فيه لفظ مختلف، ولا معنى مستكره؛ ثم ألبس بهاء الحكمة، ونور المعرفة، وشرف المعنى، وجزالة اللّفظ، وكانت حلاوته في الصدر وجلالته في النفس تفتّق الفهم، وتنثر دقائق الحكم، وكان ظاهر النفع، شريف القصد، معتدل الوزن، جميل المذهب، كريم المطلب، فصيحا في معناه، بيّنا في فحواه؛ وكلّ هذه الشروط قد حواها القرآن، ولذلك عجز عن معارضته جميع الأنام.
(1/141)

ألفاظ لأهل العصر في ذكر القرآن
القرآن حبل الله الممدود، وعهده المعهود، وظلّه العميم، وصراطه المستقيم، وحجّته الكبرى، ومحجته الوسطى، وهو الواضح سبيله، الراشد دليله، الذى من استضاء بمصابيحه أبصر ونجا، ومن أعرض عنه ضلّ وهوى؛ فضائل القرآن لا تستقصى في ألف قرن، حجة الله وعهده، ووعيده ووعده، به يعلم الجاهل، ويعمل العامل، ويتنبّه الساهى، ويتذكّر اللاهى، بشير الثواب، ونذير العقاب، وشفاء الصدور، وجلاء الأمور؛ من فضائله أنه يقرأ دائما، ويكتب، ويملى، ولا يملّ. ما أهون الدنيا على من جعل القرآن [إمامه، وتصوّر الموت أمامه، طوبى لمن جعل القرآن] مصباح قلبه، ومفتاح لبّه.
من حق القرآن حفظ ترتيبه، وحسن ترتيله.
قال بعض الحكماء: الحكمة موقظة للقلوب من سنة «1» الغفلة، ومنقذة للبصائر من سكرة الحيرة، ومحيية لها من موت الجهالة، ومستخرجة لها من ضيق الضّلالة؛ والعلم دواء للقلوب العليلة، ومشحذ للأذهان الكليلة «2» ، ونور في الظلمة، وأنس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، وسمير في الخلوة، ووصلة في المجلس، ومادّة للعقل، وتلقيح للفهم، وناف للعىّ المزرى بأهل الأحساب، المقصّر بذوى الألباب؛ أنطق الله سبحانه أهله بالبيان الذى جعله صفة لكلامه في تنزيله، وأيّد به رسله إيضاحا للمشكلات، وفصلا بين الشبهات؛ شرّف به الوضيع، وأعزّ به الذليل، وسوّد به المسود، من تحلّى بغيره فهو معطّل، ومن تعطّل منه فهو مغفّل، لا تبليه الأيام، ولا تخترمه الدهور، يتجدّد على الابتذال، ويزكو على الإنفاق؛ لله على ما منّ به على عباده الحمد والشّكر.
(1/142)

[أقوال في البلاغة]
[رأي عمرو بن عبيد في البلاغة]
قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلّغك الجنّة، وعدل بك عن النار، وبصّرك مواقع رشدك، وعواقب غيّك. قال السائل: ليس هذا أريد، قال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يستمع، ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول، قال: ليس هذا أريد، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إنّا معشر الأنبياء فينا بكء» أى قلّة كلام «1» ؛ وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله، قال السائل: ليس هذا أريد، قال: كانوا يخافون من فتنة القول ومن سقطات الكلام ما لا يخافون من فتنة السكوت، وسقطات الصّمت، قال: ليس هذا أريد، قال عمرو: يا هذا؛ فكأنت تريد تحبير اللفظ «2» فى حسن الإفهام، قال: نعم، قال: إنّك إن أردت تقرير حجّة الله عزّ وجل في عقول المكلّفين، وتخفيف المؤونة عن المستمعين، وتزيين تلك المعانى في قلوب المريدين، بالألفاظ المستحسنة في الآذان، المقبولة في الأذهان، رغبة في سرعة إجابتهم، ونفى الشواغل عن قلوبهم، بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة- كنت قد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب، واستوجبت من الله جزيل الثواب، فقيل لعبد الكريم بن روح الغفارى: من هذا الّذى صبر له عمرو هذا الصبر؟
قال: سألت عن ذلك أبا حفص الشمرى، فقال: ومن يجترىء عليه هذه الجرأة إلّا حفص بن سالم؟
وعمرو بن عبيد بن باب هو رئيس المعتزلة في وقته، وهو أوّل من تكلّم على المخلوق، واعتزل مجلس الحسن البصرى، وهو أول المعتزلة.
(1/143)

ودخل عمرو بن عبيد على أبى جعفر المنصور، فقال: عظنى، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنّ الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها؛ يا أمير المؤمنين؛ إن هذا الأمر لو كان باقيا لأحد قبلك ما وصل إليك، ألم تر كيف فعل ربّك بعاد إرم ذات العماد! قال: فبكى المنصور حتى بلّ ثوبه.
ثم قال: حاجتك يا أبا عثمان! وكان المنصور لمّا دخل عليه طرح عليه طيلسانا، فقال: يرفع هذا الطيلسان عنى! فرفع، فقال أبو جعفر: لا تدع إتياننا! قال: نعم، لا يضمّنى وإياك بلد إلّا دخلت إليك، ولا بدت لى حاجة إلّا سألتك، ولكن لا تعطنى حتى أسألك، ولا تدعنى حتى آتيك، قال: إذا لا تأتينا أبدا! وقد روى مثل هذا لابن السماك مع الرشيد وقوله «لو كان هذا الأمر باقيا لأحد قبلك ما وصل إليك» كقول ابن الرومى:
لعمرك ما الدّنيا بدار إقامة ... إذا زال عن عين البصير غطاؤها
وكيف بقاء الناس فيها وإنما ... ينال بأسباب الفناء بقاؤها؟
ووعظ شبيب بن شبة المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن الله لم يجعل فوقك أحدا، فلا تجعل فوق شكره شكرا.
ودخل عمرو بن عبيد على المنصور وعنده المهدى فقال له: هذا ابن أخيك المهدى، ولىّ عهد المسلمين، فقال: سميّته اسما لم يستحقّ حمله، ويفضى إليك الأمر وأنت عنه مشغول «1» وكان عمرو بن عبيد يقول: اللهم أغنى بالافتقار إليك، ولا تفقرنى بالاستغناء عنك.
وقال له المنصور: يا أبا عثمان؛ أعنّى بأصحابك: قال: يا أمير المؤمنين؛ أظهر الحقّ يتبعك أهله.
وقال عمر الشمرى: كان عمرو بن عبيد لا يكاد يتكلّم، وإن تكلّم لم يكد
(1/144)

يطيل؛ وكان يقول: لا خير في المتكلّم إذا كان كلامه لمن يشهده دون قائله، وإذا طال الكلام عرضت للمتكلم أسباب التكلف، ولا خير في شىء يأتيك به التكلف «1» .
[البلاغة عند أهل الهند]
قال معمر بن الأشعث: قلت لبهلة الهندىّ أيام اجتلب يحيى بن خالد أطباء الهند: ما البلاغة عند أهل الهند؟ قال بهلة: عندنا في ذلك صحيفة مكتوبة، ولكننى لا أحسن ترجمتها، ولم أعالج هذه الصناعة، فأثق من نفسى بالقيام بخصائصها، ولطيف معانيها. قال ابن الأشعث: فلقيت بتلك الصحيفة التراجمة فإذا فيها: أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش «2» ، ساكن الجوارح، قليل الّلحظ، متخيّر اللفظ، لا يكلّم سيد الأمّة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السّوقة، ويكون في قواه فضل التصرف في كل طبقة، ولا يدقّق المعانى كلّ التدقيق، ولا ينقّح الألفاظ كلّ التنقيح، ولا يصفّيها كل التصفية، ولا يهذّبها غاية التهذيب، ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكيما، أو فيلسوفا عليما، ومن قد تعوّد حذف فضول الكلام، وإسقاط مشتركات الألفاظ؛ وقد نظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة، لا على جهة التصفح والاعتراض «3» ، ووجه التظرّف والاستظراف.
[البلاغة عند ابن المقفع]
قال إسحاق بن حسان بن قوهى: لم يفسر أحد البلاغة تفسير عبد الله ابن المقفع إذ قال: البلاغة اسم لمعان تجرى في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون فى الاستماع، ومنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون شعرا،
(1/145)

ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون سجعا، ومنها ما يكون خطبا، ومنها ما يكون رسائل؛ فغاية هذه الأبواب الوحى فيها والإشارة إلى المعنى؛ والإيجاز هو البلاغة، فأما الخطب فيما بين السّماطين «1» وفي إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل «2» ، والإطالة في غير إملال، ولكن ليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أنّ خير أبيات الشعر البيت الذى إذا سمعت صدره عرفت قافيته (كأنه يقول فرّق بين صدر خطبة النكاح وخطبة العيد وخطبة الصلح وخطبة التّواهب، حتى يكون لكل فنّ من ذلك صدر يدل على عجزه «3» ) فإنه لا خير في كلام لا يدلّ على معناك، ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذى إليه قصدت، والغرض الذى إليه نزعت.
فقيل له: فإن ملّ المستمع الإطالة التي ذكرت أنها أحقّ بذلك الموضع؟
قال: إذا أعطيت كلّ مقام حقّه، وقمت بالذى يجب من سياسة الكلام، وأرضيت من يعرف حقوق ذلك، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو؛ فإنهما لا يرضيان بشىء؛ فأما الجاهل فلست منه وليس منك، ورضا جميع الناس شىء لا ينال.
[الإطالة والإيجاز]
وقد مدحوا الإطالة في مكانها، كما مدحوا الإيجاز في مكانه. قال أبو داود [ابن جرير] فى خطباء إياد:
يرمون بالخطب الطوال، وتارة ... وحى الملاحظ خيفة الرقباء «4»
قال أبو وجزة السعدى يصف كلام رجل:
(1/146)

يكفى قليل كلامه، وكثيره ... ثبت، إذا طال النّضال، مصيب «1»
وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد «2» ولم يسمّ قائله، وهو مولّد ولم ينقصه توليده من حظّ القديم شيئا:
طبيب بداء فنون الكلام ... لم يعى يوما ولم يهذر
فإن هو أطنب في خطبة ... قضى للمطيل على المنزر «3»
وإن هو أوجز في خطبة ... قضى للمقلّ على المكثر
وقال آخر يصف خطيبا:
فإذا تكلّم خلته متكلّما ... بجميع عدّة ألسن الخطباء
فكأن آدم كان علّمه الّذى ... قد كان علّمه من الأسماء
وكان أبو داود يقول: تلخيص المعانى رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشدق في الإعراب نقص، والنظر في عيون الناس عيّ، ومسّ اللحية هلك، والخروج عما بنى عليه الكلام إسهاب.
وقال بعضهم يهجو رجلا بالعى:
ملىء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع «4»
ووصف العتابى «5» رجلا بليغا فقال: كان يظهر ما غمض من الحجّة،
(1/147)

ويصوّر الباطل في صورة الحق، ويفهمك الحاجة من غير إعادة ولا استعانة.
قيل له: وما الاستعانة؟ قال: يقول عند مقاطع كلامه يا هناة، واسمع، وفهمت! وما أشبه ذلك. وهذا من أمارات العجز، ودلائل الحصر! وإنما ينقطع عليه كلامه فيحاول وصله بهذا، فيكون أشدّ لانقطاعه.
وكان أبو داود يقول: رأس الخطابة الطّبع، وعمودها الدّربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر اللفظ؛ والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه.
وقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: قال بعض جهابذة الألفاظ، ونقّاد المعانى: المعانى القائمة في صدور الناس، المختلجة في نفوسهم، والمتصوّرة في أذهانهم المتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفيّة، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه والمعاون له على أمره، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلّا بغيره، وإنما يحيى تلك المعانى ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إياها.
وهذه الخصال هي التي تقرّبها من الفهم، وتجلّيها للعقل، وتجعل الخفىّ منها ظاهرا، والغائب شاهدا، والبعيد قريبا. وهي التي تلخّص الملتبس، وتحل المنعقد، وتجعل المهمل مقيّدا، والمقيد مطلقا، والمجهول معروفا، والوحشىّ مألوفا، [والغفل موسوما «1» ، والموسوم معلوما] ؛ وعلى قدر وضوح الدلالة، وصواب
(1/148)

الإشارة، وحسن الاختصار، ودقة المدخل، يكون ظهور المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين وأنور، كانت أنفع وأنجع في البيان.
والدلالة الظاهرة على المعنى الخفى هو البيان الذى سمعت الله يمدحه، ويدعو إليه، ويحثّ عليه؛ بذلك نطق القرآن، وبذلك تفاخرت العرب، وتفاضلت أصناف العجم.
والبيان: اسم لكل شىء كشف لك عن قناع المعنى، وهتك لك الحجب دون الضمير، حتى يفضى السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله، كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أى جنس كان ذلك الدليل؛ لأنّ مدار الأمر والغاية التى إليها يجرى القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام؛ فبأىّ شىء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع.
ثم اعلم- حفظك الله! - أنّ حكم المعانى خلاف حكم الألفاظ؛ لأنّ المعانى مبسوطة إلى غير غاية، وأسماء المعانى محصورة معدودة، ومحصّلة محدودة.
وجميع أصناف الدلالات على المعانى من لفظ أو غيره خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللّفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخطّ، ثم الحال التي تسمى نصبة. والنّصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تقصر عن تلك الدلالات.
ولكل واحدة من هذه الدلائل الخمسة صورة بائنة «1» من صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها؛ وهي التي تكشف لك عن أعيان المعانى في الجملة، وعن حقائقها في التفسير، وعن أجناسها وأقدارها، وعن خاصها وعامّها، وعن طبقاتها في السارّ والضار، وعما يكون منها لغوا بهرجا «2» ، وساقطا مطّرحا.
(1/149)

وفي نحو قول أبى عثمان «إنّ المعانى غير مقصورة ولا محصورة» يقول أبو تمام الطائى لأبى دلف القاسم بن عيسى العجلّى:
ولو كان يفنى الشعر أفنته ما قرت ... حياضك منه في العصور الذّواهب «1»
ولكنه فيض العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب
كما أشار إلى قول أوس بن حجر الاسدى:
أقول بما صبّت على غمامتى ... وجهدى في حبل العشيرة أحطب «2»
وقال بعض البلغاء: فى اللسان عشر خصال «3» محمودة، أداة يظهر بها البيان، وشاهد يخبر عن الضمير، وحاكم يفصل الخطاب، وواعظ ينهى عن القبيح، وناطق يردّ الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، ومعرب يشكر به الإحسان، ومعزّ تذهب به الأحزان، وحامد يذهب الضغينة ومونق يلهى الأسماع.
وقال أبو العباس بن المعتز: لحظة القلب أسرع خطرة من لحظة العين، وأبعد مجالا، وهي الغائصة في أعماق أودية الفكر، والمتأمّلة لوجوه العواقب، والجامعة بين ما غاب وحضر، والميزان الشاهد على ما نفع وضرّ، والقلب كالمملى للكلام على اللسان إذا نطق، واليد إذا كتبت، والعاقل يكسو المعانى وشى الكلام في قلبه، ثم يبديها بألفاظ كواس في أحسن زينة، والجاهل يستعجل بإظهار المعانى قبل العناية بتزيين معارضها، واستكمال محاسنها.
وقيل لجعفر بن يحيى البرمكى: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويكشف عن مغزاك، ويخرجه من الشركة، ولا يستعان عليه
(1/150)

بالفكر، ويكون سليما من التكلّف، بعيدا من الصّنعة، بريئا من التعقيد، غنيّا عن التأويل.
وذكر سهل بن هارون «1» - وقيل ثمامة بن أشرس- جعفر بن يحيى فقال: قد جمع في كلامه وبلاغته الهذّ والتمهل «2» والجزالة والحلاوة، وكان يفهم إفهاما يغنيه عن الإعادة للكلام. ولو كان يستغنى مستغن عن الإشارة بمنطقة لاستغنى عنها جعفر. كما استغنى عن الإعادة فإنه لا يتحبّس «3» ولا يتوقّف في منطقه ولا يتلجلج، ولا يتسعّل، ولا يترقّب لفظا قد استدعاه من بعد، ولا يتلمس معنى قد عصاه بعد طلبه له.
وقيل لبشّار بن برد: بم فقت أهل عمرك، وسبقت أهل عصرك، فى حسن معانى الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ فقال: لأنى لم أقبل كلّ ما تورده علىّ قريحتى، ويناجينى به طبعى، ويبعثه فكرى، ونظرت إلى مغارس الفطن، ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات، فسرت إليها بفهم جيد، وغريزة قوية، فأحكمت سبرها، وانتقيت حرها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت من متكلّفها ولا والله ما ملك قيادى قطّ الإعجاب بشىء مما آتى به.
وكان بشار بن برد خطيبا، شاعرا، راجزا، سجّاعا، صاحب منثور ومزدوج، ويلقب بالمرعّث لقوله:
(1/151)

من لظبى مرعّث ... ساحر الطرف والنظر «1»
قال لى لن تنالنى ... قلت أو يغلب القدر
وليس هذا موضع استقصاء ذكره، واختيار شعره، وسأستقبل ذلك إن شاء الله.
[وصية أبى تمام للبحترى]
وقال الوليد بن عبيد البحترى: كنت في حداثتى أروم الشّعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضابه، حتى قصدت أبا تمام، وانقطعت فيه إليه، واتّكلت في تعريفه عليه؛ فكان أول ما قال لى: يا أبا عبادة؛ تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة جرت في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شىء أو حفظه في وقت السّحر؛ وذلك أن النّفس قد أخذت حظّها من الراحة، وقسطها من النوم، وإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رشيقا، والمعنى رقيقا، وأكثر فيه من بيان الصّبابة، وتوجّع الكابة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، فإذا أخذت في مديح سيّد ذى أياد فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأبن معالمه، وشرف مقامه، ونضدّ المعانى «2» ، واحذر المجهول منها، وإيّاك أن تشين شعرك بالألفاظ الرديئة، ولتكن كأنك خيّاط يقطع الثياب على مقادير الأجساد. وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل شعرك إلّا وأنت فارغ القلب، واجعل شهوتك لقول الشعر الذّريعة «3» إلى حسن نظمه؛ فإن الشهوة
(1/152)

نعم المعين. وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين، فما استحسن العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه، ترشد إن شاء الله.
قال: فأعلمت نفسى فيما قال فوقفت على السياسة «1» .
وقالوا: البليغ من يحوك الكلام على حسب الأمانى، ويخيط الألفاظ على قدود المعانى.
ولذكر الطائى الليل ذكر بعض أهل العصر- وهو أبو على محمد بن الحسن ابن المظفّر الحاتمى «2» - الليل فقال: فيه تجمّ الأذهان «3» ، وتنقطع الأشغال، ويصح النظر، وتؤلّف الحكمة، وتدرّ الخواطر، ويتّسع مجال القلب، والليل أضوأ فى مذاهب الفكر، وأخفى لعمل البر، وأعون على صدقة السر، وأصح لتلاوة الذكر، ومدبّر والأمور يختارون الليل على النهار، فيما لم تصف فيه الأناة لرياضة التدبير وسياسة التقدير، فى دفع الملّم، وإمضاء المهمّ، وإنشاء الكتب، وتصحيح المعانى، وتقويم المبانى، وإظهار الحجج، وإيضاح المنهج، وإصابة نظم الكلام، وتقريبه من الأفهام.
وقال بعض رؤساء الكتّاب: ليس الكتاب في كل وقت على غير
(1/153)

نسخة لم تحرّر بصواب؛ لأنه ليس أحد أولى بالأناة وبالرويّة من كاتب يعرض عقله، وينشر بلاغته؛ فينبغى له أن يعمل النسخ ويرويها، ويقبل عفو القريحة ولا يستكرهها، ويعمل على أن جميع الناس أعداء له، عارفون بكتابه، منتقدون عليه، متفرغون إليه.
وقال آخر: إنّ لابتداء الكلام فتنة تروق، وجدة تعجب، فإذا سكنت القريحة، وعدل التأمّل، وصفت النّفس، فليعد النظر، وليكن فرحه بإحسانه، مساويا لغمّه بإساءته؛ فقد قالت الخوارج لعبد الله بن وهب الراسبى: نبايعك الساعة فقد رأينا ذلك، فقال: دعوا الرأى حتى يبلغ أناته، فإنه لا خير في الرأى الفطير، والكلام القضيب «1» .
وقال معاوية بن أبى سفيان رحمه الله لعبد الله بن جعفر: ما عندك في كذا وكذا؟ فقال: أريد أن أصقل عقلى بنومة القائلة «2» ، ثم أروح فأقول بعد ما عندى قال الشاعر:
إن الحديث تغرّ القوم جلوته ... حتى يغيّره بالوزن مضمار «3»
فعند ذلك تستكفى بلاغته ... أو يستمرّ به عىّ وإكثار
وقالوا: كل مجر بالخلاء يسرّ «4» ، وقال أبو الطيب المتنبى:
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطّعن وحده والنّزالا
وكان قلم بن المقفع يقف كثيرا، فقيل له في ذلك، فقال: إن الكلام يزدحم فى صدرى، فيقف قلمى ليتخيّر.
(1/154)

وقالوا: الكتاب يتصفّح أكثر مما يتصفّح الخطاب؛ لأنّ الكاتب متخيّر، والمخاطب مضطرّ، ومن يرد عليه كتابك فليس يعلم أأسرعت فيه أم أبطأت؛ وإنما ينظر أأخطأت أم أصبت؛ فإبطاؤك غير قادح في إصابتك، كما إن إسراعك غير مغطّ على غلطك.
ووصف بعض الكتّاب النسخ فقال: ينبغى أن يصحبها الفكر إلى استقرارها، ثم تستبرأ بإعادة النظر فيها بعد اختيارها «1» ، ويوسّع بين سطورها، ثم تحرر على ثقة بصحتها، وتتأمل بعد التحرير حرفا حرفا إلى آخرها.
فقد كتب المأمون مصحفا اجتمع عليه؛ فكان أوله: بسم الله الرحيم، فأغفلوا الرحمن؛ لأنّ العين لا تعتبر ذلك؛ ثقة أنه لا يغلط فيه، حتى فطن المأمون له.
وقال محمد بن عبد الملك الزيات للحسن بن وهب: حرّر هذه النسخة وبكّر بها، فتصبّح الحسن «2» فقال له: لم تصبّحت؟ قال: حتى تصفحت! وقال أحمد بن إسماعيل بطاحة: كان بعض العلماء الأغبياء ينظر في نسخه بعد نفوذ كتبه، فقال بعض الكتاب:
مستلب اللّب غوىّ الشباب ... عذّبه الهجر أشد العذاب
يؤمل الصبر وأنّى له ... به وقد مكّن منه التّصاب
كناظر في نسخة يبتغى ... إصلاحها بعد نفوذ الكتاب
أوصاف بليغة في البلاغات على ألسنة أقوام من أهل الصناعات
قال بعض من ولّد عقائل هذا المنثور، وألّف فواصل هذه الشذور: تجمّع
(1/155)

قوم من أهل الصناعات، فوصفوا بلاغاتهم، من طريق صناعاتهم «1» :
فقال الجوهرى: أحسن الكلام نظاما ما ثقبته يد الفكرة، ونظمته الفطنة، ووصل جوهر معانيه في سموط «2» ألفاظه، فاحتملته نحور الرواة.
وقال العطار: أطيب الكلام ما عجن عنبر ألفاظه بمسك معانيه، ففاح نسيم نشقه، وسطعت رائحة عبقه، فتعلقت به الرّواة، وتعطّرت به السّراة.
وقال الصائغ: خير الكلام ما أحميته بكير الفكر «3» ، وسبكته بمشاعل النّظر، وخلّصته من خبث الإطناب، فبرز بروز الإبريز «4» ، فى معنى وجيز.
وقال الصيرفى «5» : خير الكلام ما نقدته يد البصيرة، وجلته عين الرويّة، ووزنته بمعيار الفصاحة، فلا نظر يزيّفه «6» ، ولا سماع يبهرجه «7» وقال الحداد: أحسن الكلام ما نصبت عليه منفخة القريحة، وأشعلت عليه نار البصيرة، ثم أخرجته من فحم «8» الإفحام، ورقّقته بفطّيس الإفهام «9» .
وقال النجار: خير الكلام ما أحكمت نجر معناه بقدوم التقدير، ونشرته بمنشار التدبير، فصار بابا لبيت البيان، وعارضة لسقف اللسان.
وقال النجاد: أحسن الكلام ما لطفت رفارف ألفاظه «10» ، وحسنت مطارح
(1/156)

معانيه، فتنزهت في زرابىّ محاسنه عيون الناظرين»
، وأصاخت لنمارق «2» بهجته آذان السامعين.
وقال الماتح: أبين الكلام ما علقت وذم ألفاظه ببكرة معانيه «3» ، ثم أرسلته في قليب الفطن «4» فمتحت به سقاء يكشف الشهات، واستنبطت به معنى يروى من ظمأ المشكلات.
وقال الخياط: البلاغة قميص؛ فجربّانه البيان «5» ، وجيبه المعرفة، وكمّاه الوجازة، ودخاريصه الإفهام «6» ، ودروزه الحلاوة «7» ، ولابس جسده اللفظ، وروحه المعنى.
وقال الصّباغ: أحسن الكلام ما لم تنض بهجة إيجازه «8» ، ولم تكشف صبغة إعجازه، قد صقلته يد الرويّة من كمود الإشكال، فراع كواعب الآداب، وألّف عذارى الألباب.
وقال الحانك: أحسن الكلام ما اتّصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه «9» فخرج مفوّفا منيّرا، وموشّى محبّرا.
وقال البزاز «10» : أحسن الكلام ما صدق رقم ألفاظه، وحسن نشر معانيه فلم يستعجم عنك نشر، ولم يستبهم عليك طىّ.
وقال الرائض: خير الكلام ما لم يخرج عن حدّ التّخليع «11» ، إلى منزلة
(1/157)

التّقريب «1» إلا بعد الرياضة، وكان كالمهر الذى أطمع أوّل رياضته في تمام ثقافته.
وقال الجمّال: البليغ من أخذ بخطام كلامه، فأناخه في مبرك المعنى، ثم جعل الاختصار له عقالا، والإيجاز له مجالا، فلم يندّ عن الآذان، ولم يشذ عن الأذهان.
وقال المخنّث: خير الكلام ما تكسّرت أطرافه، وتثنّت أعطافه، وكان لفظه حلّة، ومعناه حلية.
وقال الخمار: أبلغ الكلام ما طبخته مراجل العلم، وصفّاه راووق الفهم، وضمّته دنان الحكمة، فتمشّت في المفاصل عذوبته، وفي الأفكار رقّته، وفي العقول حدّته.
وقال الفقاعى: خير الكلام ما روّحت ألفاظه غباوة الشكّ، ورفعت رقّته فظاظة الجهل، فطاب حساء فطنته، وعذب مصّ جرعه.
وقال الطبيب: خير الكلام ما إذا باشر [دواء] بيانه سقم الشّبهة استطلقت طبيعة الغباوة؛ فشفى من سوء التفهم، وأورث صحة التوهّم.
وقال الكحّال: كما أن الرمد قذى الأبصار، فكذا الشبهة قذى البصائر، فاكحل عين اللكنة بميل البلاغة، واجل رمص الغفلة «2» بمرود اليقظة.
ثم قال: أجمعوا كلهم على أن أبلغ الكلام ما إذا أشرقت شمسه، انكشف لبسه، وإذا صدقت أنواؤه «3» اخضرت أحماؤه «4» .
فقر في وصف البلاغة لغير واحد
قال أعرابى: البلاغة التقرب من البعيد، والتباعد من الكلفة، والدلالة بقليل على كثير.
(1/158)

قال عبد الحميد بن يحيى: البلاغة تقرير المعنى في الأفهام، من أقرب وجوه الكلام.
ابن المعتز: البلاغة البلوغ إلى المعنى ولم يطل سفر الكلام.
سهل بن هارون: البيان ترجمان العقول، وروض القلوب، وقال: العقل رائد الروح، والعلم رائد العقل، والبيان ترجمان العلم.
إبراهيم بن الإمام: يكفى من البلاغة ألا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع.
العتّابى: البلاغة مدّ الكلام بمعانيه إذا قصر، وحسن التأليف إذا طال.
أعرابى: البلاغة إيجاز في غير عجز، وإطناب في غير خطل.
[وكتب إبراهيم بن المهدى إلى كاتب له ورآه يتبع وحشىّ الكلام: إياك وتتبع الوحشى طمعا في نيل البلاغة؛ فإن ذلك العىّ الأكبر، وعليك بما سهل مع تجنبك ألفاظ السفل.
وقال الصولى: وصف يحيى بن خالد رجلا فقال: أخذ بزمام الكلام، فقاده أسهل مقاد، وساقه أجمل مساق؛ فاسترجع به القلوب النافرة، واستصرف به الأبصار الطامحة.
وسمع أعرابى كلام الحسن البصرى رحمه الله، فقال: والله إنه لفصيح إذا نطق، نصيح إذا وعظ.
قال الجاحظ: ينبغى للكاتب أن يكون رقيق حواشى الكلام، عذب ينابيع اللسان؛ إذا حاور سدّد سهم الصواب إلى غرض المعنى، لا يكلم الخاصة بكلام العامة، ولا العامة بكلام الخاصة.
وقال أبو العباس المبرد: قال الحسن بن سهل لسالم الحرارى: ما المنزلة التي إذا نزل بها الكاتب كان كاتبا في قوله وفعله واستحقاقه؟ قال: أن يكون مطبوعا على المعرفة، محتنكا بالتجربة، عارفا بحلال الكتاب وحرامه، وبالدهور في تصرفها
(1/159)

وأحكامها، وبالملوك في سيرها وأيامها، وأجاس الخط، وبادية الأقلام، مع تشاكل اللفظ وقرب المأخذ. قال الحسن: فليس في الدنيا إذا كاتب] .
وقيل لليونانى: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام.
وقيل للرومى: ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الإطالة.
وقيل للهندى: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة.
وقيل للفارسى: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل.
وقال على بن عيسى الرّمّانى: البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ.
ومن كلام أهل العصر، في صفة البلاغة والبلغاء
[قال على بن عيسى الرمانى] : أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقل مجازه، وكثر إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه.
أبلغ الكلام ما يؤنس مسمعه، ويوئس مضيّعه.
البليغ من يجتنى من الألفاظ أنوارها «1» ، ومن المعانى ثمارها.
ليست البلاغة أن يطال عنان القلم أو سنانه، أو يبسط رهان القول وميدانه، بل هي أن يبلغ أمد المراد بألفاظ أعيان، ومعان أفراد، من حيث لا تزيّد على الحاجة، ولا إخلال يفضى إلى الفاقة.
البلاغة ميدان لا يقطع إلا بسوابق الأذهان، ولا يسلك إلا ببصائر البيان.
فلان يعبث بالكلام، ويقوده بألين زمام، حتى كأنّ الألفاظ تتحاسد فى التسابق إلى خواطره، والمعانى تتغاير في الانثيال على أنامله.
هذا كقول أبى تمام الطائى:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل
(1/160)

فلان مشرفى المشرق، وصيرفىّ المنطق. البيان أصغر صفاته، والبلاغة عفو خطراته. كأنما أوحى بالتوفيق إلى صدره، وحسن الصواب بين طبعه وفكره.
فلان يحزّ مفاصل الكلام، ويسبق فيها إلى درك المرام، كأنما جمع الكلام حوله حتى انتقى منه وانتخب، وتناول منه ما طلب، وترك بعد ذلك أذنابا لا رءوسا، وأجسادا لا نفوسا.
فلان يرضى بعفو الطّبع، ويقنع بما خفّ على السمع، ويوجز فلا يخلّ، ويطنب فلا يملّ، لله فلان أخذ بأزمّة القول يقودها كيف أراد، ويجذبها أنّى شاء، فلا تعصيه بين الصّعب والذّلول، ولا تسلمه عند الحزونة والسّهول، كلامه يشتدّ مرّة حتى تقول الصّخر الأملس، ويلين تارة حتى تقول الماء أو أسلس، يقول فيصول، ويجيب فيصيب، ويكتب فيطبّق المفصل، أو ينسّق الدرّ المفصّل، ويرد مشارع الكلام وهي صافية لم تطرق، وجامّة لم ترنّق «1» ، خاطره البرق أو أسرع لمعا، والسّيف أو أحدّ قطعا، والماء أو أسلس جريا، والفلك أو أقوم هديا؛ هو ممن يسهل الكلام على لفظه، وتتزاحم المعانى على طبعه، فيتناول المرمى البعيد بقريب سعيه، ويستنبط المشرع العميق بيسير جريه، لسانه يفلق الصّخور، ويغيض البحور، ويسمع الصّم، ويستنزل العصم «2» ، خطيب لا تناله حبسة، ولا ترتهنه لكنة، ولا تتمشّى في خطابه رنة، ولا تتحيّف بيانه عجمة، ولا تعترض لسانه عقدة.
فلان رقيق الأسلة، عذب العذبة «3» لو وضع لسانه على الشعر حلقه، أو
(1/161)

على الصّخر فلقه، أو على [الجمر أحرقه، أو على] الصّفا خرقه «1» ؛ قد أحسن السّفارة، واستوفى العبارة، وأدّى الألفاظ، واستغرق الأغراض، وأصاب شواكل المراد «2» ، وطبّق مفاصل السّداد، وبسط لسان الخطاب، ومدّ أطناب الإطناب «3» ، وطلب الأمد في الإسهاب، قال حتى قال الكلام: لو أعفيت! وكتب حتى قالت الأقلام: قد أحفيت، قد اتّسع له مشرع الإطناب، وانفرج له مسلك الإسهاب، أرسل لسانه في ميدانه، وأرخى له من عنانه، قال وأطال، وجال في بسط الكلام كلّ مجال، إذا اسحنفر فى الكلام طفح آذيّه، وسال أتيّه «4» ، وانثال عليه الكلام كانثيال الغمام، واستجاب له الخطاب كصوب الرّباب «5» . ألفاظ كغمزات الألحاظ، ومعان كأنها فكّ عان «6» ! ألفاظ كما نوّرت الأشجار، ومعان كما تنفّست الأسحار، ألفاظ قد استعارت حلاوة العتاب بين الاحباب، واستلانت كتشكّى العشّاق يوم الفراق. كلام قريب شاسع «7» ومطمع مانع، كالشمس تقرب ضياء، وتبعد علاء؛ أو كالماء يرخص موجودا، ويغلو مفقودا. كلام لا تمجّه الآذان، ولا تبليه الأزمان، كالبشرى مسموعة، أو أزاهير الرياض مجموعة، ومعان كأنفاس الرياح، تعبق بالرّيحان والراح.
كلام سهل متسلسل، كالمدام بماء الغمام، يقرب إذنه على الأفهام.
كلام كبرد الشّراب على الأكباد الحرار، وبرد الشباب في خلع العذار.
كلام كثير العيون، سلس المتون، رقيق الحواشى، سهل النواحى.
(1/162)

كلام هو السّحر الحلال، والماء الزّلال، والبرود والحبر، والأمثال والعبر، والنعيم الحاضر، والشباب النّاضر.
نظرت منه إلى صورة الظّرف بحتا، وصورة البلاغة سبكا ونحتا، ألفاظ هى خدع الدهر، وعقد السحر.
كلام يسرّ المحزون، ويسهّل الحزون «1» ، ويعطل الدرّ المخزون. كلام بعيد من الكلف، نقىّ من الكلف «2» كلام كما تنفس السّحر عن نسيمه، وتبسم الدرّ عن نظيمه. ألفاظ تأنّق الخاطر في تذهيبها، ومعان عنى الفهم بتهذيبها. ألفاظ حسبتها من رقّتها منسوخة فى صحيفة الصّبا، وظننتها من سلاستها مكتوبة في نحر الهوى.
كلام كالبشرى بالولد الكريم، قرع به سمع الشيخ العقيم.
كلام قرب حتى أطمع، وبعد حتى امتنع، وقرب حتى صار قاب قوسين أو أدنى، ثم [سما و] علا حتى صار بالمنزل الأعلى. رقيق المزاج، حلو السماع، نقىّ السّبك، مقبول اللّفظ. قرأت لفظا جليّا، حوى معنى خفيّا، وكلاما قريبا، رمى غرضا بعيدا. لو أنّ كلاما أذيب به صخر، أو أطفىء به جمر، أو عوفى به مريض، أو جبر به مهيض «3» لكان كلامه الذى يقود سامعيه إلى السجود، ويجرى في القلوب كجرى الماء في العود. ألفاظه أنوار، ومعانيه ثمار. كلامه أنس المقيم الحاضر، وزاد الراحل المسافر. كلامه يصغى إليه المقبور، وينتفض له العصفور. كلام يقضى حقّ البيان، ويملك رقّ الحسن والإحسان، كلام منه يجتنى الدّر، وبه يعقد السّحر، وعنده يعتب الدهر «4» وله ينشرح الصدر.
(1/163)

ومن ألفاظهم في وصف النظم والنثر والشعر والشعراء
نثر كنثر الورد، نظم كنظم العقد. نثر كالسّحر أو أدقّ، ونظم كالماء أو أرقّ. رسالة كالرّوضة الأنيقة، وقصيدة كالمخدّرة الرشيقة. رسالة تقطر ظرفا، وقصيدة تمزج بماء الرّاح لطفا. نثره سحر البيان، ونظمه قطع الجمان. نثر كما تفتّح الزهر، ونظم كما تنفّس السّحر. نثر ترقّ نواحيه وحواشيه، ونظم تروق ألفاظه ومعانيه. نثر كالحديقة تفتّحت أحداق وردها، ونظم كالخريدة تورّدت أسرار خدّها «1» . رسالة تضحك عن غرر وزهر، وقصيدة تنطوى على حبر ودرر. لم ترض في برّك، بأخوات النّثرة من نثرك، حتى وصلتها ببنات الشّعرى من شعرك «2» . كلام كما هبّ نسيم السحر، على صفحات الزّهر، ولذّ طعم الكرى بعد برح السّهر»
. وشعر في نفسه شاعر، توسم به المواسم والمشاعر. كلام أنسى حلاوة الأولاد بحلاوته، وطلاوة الربيع بطلاوته، وشعر من حلّة الشباب مسروق، ومن طينة الوصال مخلوق. قصيدة، فى فنّها فريدة، هى عروس كسوتها القوافى، وحليتها المعانى. شعر يترقرق فيه ماء الطبع، ويرتفع له حجاب القلب والسمع. شعر لا مزية الإعجاز أخطأته، ولا فضيلة الإيجاز تخطّته. شعر رويته لما رأيته، وحفظته لما لحظته. أبيات لو جعلت خلعا على الزمان لتحلّى بها مكاثرا، وتجلّى فيها مفاخرا. شعر راقنى، حتى شاقنى، فإنه مع قرب لفظه بعيد المرام، ممرّ النظام «4» ، قوى الأسر «5» ، صافى البحر.
نظم قد ألبس من البداوة فصاحتها، وغشّى من الحضارة سجاحتها «6» ؛ فإن
(1/164)

شئت قلت عبيد ولبيد، وإن شئت حبيب والوليد «1» . قصيدته روضة تجتنى بالأفكار، ونقل يتناول بالأسماع والأبصار «2» ، ونقل العلم والأدب، ألذّ من نقل المأكل والمشرب، وفاكهة الكلام، أطيب من فاكهة الطعام. نظم كنظم الجمان، وروض كالجنان، وأمن الفؤاد، وطيب الرّقاد. قصيدة لم أر غيرها بكرا، استوفت أقسام الحنكة، واستكملت أحكام الدربة «3» ؛ فعليها رونق الشباب، ولها قوّة المذكيات الصّلاب «4» ، روح الشعر، وتاج الدهر، ومقدمة عساكر السحر. كل بيت شعر خير من بيت تبر. شعر يحكم له بالإعجاز والتّبريز، ويشبّه في صفاء سبكه بالذّهب الإبريز. شعر تاتلف القلوب على درره ائتلافا، وتصير الآذان له أصدافا. لله درّه ما أحلى شعره! وأنقى درّه، وأعلى قدره، وأعجب أمره! قد أخذ برقاب القوافى، وملك رقّ المعانى، فضله برهان حق، وشعره لسان صدق. فلان يغرب بما يجلب، ويبدع فيما يصنع، حسن السبك، محكم الرّصف، بديع الوصف، مرغوب في شعره، متنافس في سحره. هو ضارب في قداح الشعر بأعلى السهام، آخذ في عيون الفضل بأوفى الأقسام، شعاره أشعاره، ودابه آدابه، هو ممن يبتده فيبتدع، طبعه يملى عليه، ما لا يملّ الاستماع إليه. قريحة غير قريحة، وطبع غير طبع «5» ، وخيم غير وخيم، لبيد عنده بليد، وعبيد لديه من العبيد، والفرزدق عنده أقل من فرزدقة خمير «6» ، وجرير يقاد إليه بجرير «7» قد نسج حلالا لا يبلى جدّتها الجديدان، ولا تزداد إلا حسنا على
(1/165)

تردّد الأزمان. نظمه قد نظم حاشيتى البرّ والبحر، وأدرك ناحيتى الشرق والغرب. أشعار قد وردت المياه، وركبت الأفواه، وسارت في البلاد، ولم تسر بزاد، وطارت في الآفاق، ولم تمش على ساق. شعره أسير من الأمثال، وأسرى من الخيال، سار مسير الرياح، وطار بغير جناح. أشعاره سارت مسير الشمس، وهبّت هبوب الريح، وطبّقت تخوم الأرض، وانتظمت الشرق إلى الغرب.
قد كادت الأيام تنشدها، والليالى تحفظها، والجنّ تدرسها، والطير تتغنّى بها.
أبيات أسفر عنها طبع المجد، فعلمت كيف يتكسّر الزّهر على صفحات الحدائق، وكيف يغرس الدرّ في رياض المهارق «1» . شعر قد أحسن خدمته بكمال فكره، ووقف كيف شاء عند عالى أمره. شعر يعلّق في كعبة المجد، ويتوّج به مفرق الدهر. جاءت القصيدة ومعها عزّة الملك، وعليها رواء الصدق، وفيها سيماء العلم، وعندها لسان المجد، ولها صيال الحقّ، لا غرو إذا فاض بحر العلم على لسان الشّعر أن ينتج ما لا عين وقعت على مثله ولا أذن سمعت بشبهه. شعر يكتب في غرّة الدهر، ويشرح في جبهة الشمس [والبدر] .
وهذه جملة من فصول أهل العصر تليق بهذا الموضع
كتب أبو الفضل بن العميد إلى أبى محمد خلاد الرامهرمزى القاضى «وصل كتابك الذى وصلت جناحه بفنون صلاتك وتفقّدك، وضروب برّك وتعهّدك؛ فارتحت لكلّ ما أوليت، وابتهجت بجميع ما أهديت، وأضفت إحسانك في كلّ فصل إلى نظائره التي وكلت بها ذكرى، ووقفت عليها شكرى، وتأمّلت النظم فملكنى العجب به، وبهرنى التعجّب منه، وقد رمت أن أجرى على العادة في تشبيهه بمستحسن من زهر جنىّ، وحلل وحلىّ، وشذور الفرائد، فى نحور الخرائد.
(1/166)

والعذارى غدون في الحلل البي ... ض وقد رحن في الخطوط السّود
فلم أره لشىء عدلا، ولا أرضى ما عددته له مثلا؛ والله يزيدك من فضله ولا يخليك من إحسانه، ويلهمك من برّ إخوانك ما تتمّم به صنيعك لديهم، ويربّ معه إحسانك إليهم.
وكتب أبو القاسم إسماعيل بن عباد الصاحب إلى أبى سعيد الشبيبى:
«قد رأى شيخ الدولتين كيف الكلف بسادتى من أهل ميكال- أيّدهم الله! - بين ودّ أضمره على البعد، وإيثار أظهره على تراخى المزار، وتقريظ يمليه علىّ الملوان «1» ، ومدح أنطق فيه بلسان الزّمان، حتى إن ذكرهم إذا جرى على لسانى اهتزّت له نفسى، وفضلهم إذا جرى على سمعى انفرج له صدرى، فتلك عصبة خير فضلها باهر، وشرفها على شرف النماء زاهر، وشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء [ناظر] ، والله يتمّم أعدادها، ولا يعدمنى ودادها، وإذا كان إكبارى لهم هذا الإكبار فكلّ منتسب إلى جنبهم أثير لدىّ «2» ، كثير في يدىّ. وطرأ علىّ فلان منتسبا إلى جملتهم، وحبذا الجملة، ومعتزيا إلى خدمتهم، ونعمت الخدمة، ففررناه عن طبع سمح «3» ، ولفظ عذب، وصلة نثر بنظم؛ فإن شاء قال: أنا الوليد، وإن شاء قال: أنا عبد الحميد؛ ولم أعظم بمن خرّجته تلك النعمة ونتجته تلك السّدّة أن يأخذ من كلّ حسنة بعروة، ويقدح فى كل نار بجدوة؛ وآنسنا بالمقام مدة، أكّدتها شوافع عدّة، إلى أن تذكّر معاهد رأى فيها الدّهر طلقا، والزمان غلاما، والفضل رهنا، والإفضال لزاما؛ فحنّ حنين الرّكاب، وركب عزيم الإياب «4» .
فصل [من كتاب] كتبه الأمير أبو الفضل عبيد الله بن أحد الميكالى إلى
(1/167)

أبى القاسم الداوودى جوابا عن كتاب له ورد عليه. وأبو الفضل رئيس نيسابور وأعمالها في وقتنا هذا «1» ، وسيمرّ من كلامه ونثره ونظامه ما يغنى عن التنويه، ويكفى عن التنبيه، ويجلّ عن التشبيه، ويكون كما قال أبو الحسن الأخفش على بن سليمان: [استهدى إبراهيم بن المدبّر] أبا العباس محمد بن يزيد جليسا يجمع إلى تأديب ولده الإمتاع بإبناسه؛ فندبنى لذلك، وكتب إليه معى:
قد أنفذت إليك- أعزّك الله- فلانا، وجملة أمره أنه كما قال الشاعر:
إذا زرت الملوك فإن حسبى ... شفيعا عندهم أن يخبرونى
وفصل أبى الفضل: وقفت على ما أتحفنى به الشيخ: من نظمه الرائق البديع، وخطّه المزرى بزهر الربيع، موشّحا بغرر ألفاظه، التى لو أعيرت حليتها لعطّلت قلائد النحور، وأبكار معانيه التي لو قسّمت حلاوتها لأعذبت موارد البحور، فسرّحت طرفى منها في رياض جادتها سحائب العلوم والحكم، وهبّ عليها نسيم الفضل والكرم، وابتسمت عنها ثغور المعالى والهمم، ولم أدر- وقد حيّرتنى أصنافها، وبهرتنى ثغورها وأوصافها، حتى كستنى اهتزازا وإعجابا، وأنشأت بينى وبين التماسك سترا وحجابا، ولم أدر «2» أدهتنى لها نشوة راح، أم ازدهتنى نغمة ارتياح، وانتظم عندى منها عقد ثناء وقريض «3» ، أم قرع سمعى منها غناء معبد وغريض، وكيفما كان فقد حوى رتبة الإعجاز والإبداع، وأصبح نزهة القلوب والأسماع، فما من جارحة إلا وهي تودّ لو كانت أذنا فتلتقط درره وجواهره، أو عينا تجتلى مطالعه ومناظره، أو لسانا يدرس محاسنه ومفاخره.
وله فصل من كتاب إلى أبى منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبى: «وصل كتاب مولاى وسيدى، أبدع الكتب هوادى وأعجازا «4» ، وأبرعها بلاغة
(1/168)

وإعجازا، فحسبت ألفاظه درّ السحاب، أو أصفى قطرا وديمة، ومعانيه درّ السّخاب «1» ، بل أوفى قدرا وقيمة. وتأملت الأبيات فوجدتها فاثقة النّظم والرّصف، عبقة النسيم والعرف، فائزة بقداح الحسن والظّرف، مالكة لزمام القلب والطّرف؛ ولا غرو أن يصدر مثلها عن ذلك الخاطر، وهو هدف الفقر والنوادر، وصدف الدرر والجواهر، والله يمتّعه بما منحه من هذه الغرر والأوضاح، كما أطلق فيه ألسنة الثناء والامتداح.
وأبو منصور هذا يعيش إلى وقتنا هذا [على طريق التخمين لا على حقيقة اليقين] وهو فريد دهره، وقريع عصره، ونسيج وحده، وله مصنفات في العلم والأدب، تشهد له بأعلى الرتب، وقد فرّقت ما اخترته منها في هذا الكتاب، مع ما تعلّق بشاكلته من الخطاب «2» ؛ منها كتاب سماه «سحر البلاغة» قال في صدر هذا الكتاب: «أخرجت بعضه من غرر نجوم الأرض، ونكت أعيان الفضل، من بلغاء العصر، فى النثر، وحللت بعضه من نظم أمراء الشعر، الذين أوردت ملح أشعارهم في كتابى المترجم بيتيمة الدهر، فلفقت جميع ذلك وحرّرته، وسقته ونسّقته، وأنفقت عليه ما رزقته، وعملته بكدّ الناظر، وجهد الخاطر، وتعب اليمين، وعرق الجبين، وتعمّدت فيه لذّة الجدة، ورونق الحداثة، وحلاوة الطّراوة، ولم أشبه بشىء من كلام غير أهل العصر، إلا في قلائل وقلائد من ألفاظ الجاحظ وابن المعتز، تخلّلت أثناءه، وتوشّحت تضاعيفه، ولم أخل كلماته- التى هي وسائط الآداب، وصياقل الألباب، وما تستمتعه أنفس
(1/169)

الأدباء، وتلذّ أعين الكتاب- من لفظ صحيح، أو معنى صريح، أو تجنيس أنيس، أو تشبيه بلا شبيه، أو تمثيل بلا مثيل ولا عديل، أو استعارة مختارة، أو طباق، ذى رونق باق؛ فمن رافق هذا الكتاب قرب تناوله من الكتّاب، إذا وشّوا ديباجة كلامهم بما يقتبسونه من نوره، وسماحة قياده لأفراد الشعراء إذا رصّعوا عقود نظامهم بما يلتقطونه من شذوره، فأمّا المخاطبات والمحاورات، فإنها تتبرّج بغرّة من غرره، وتتوّج بدرة من درره.
وقد ذكر جملة من أخرج معظم كتابه من نثرهم ونظمهم، وهم: الصابيان «1» ، والخالديّان «2» ، وبديع الزمان، وأبو نصر بن المرزبان [وعلى بن عبد العزيز القاضى، وأبو محمد القاضى، وأبو القاسم الزعفرانى، وأبو فراس الحمدانى] ، وابن أبى العلاء الأصبهانى، وأبو الطيب المتنبى، وأبو الفتح البستى، وأبو الفضل الميكالى، وشمس المعالى، والصاحب بن عباد، وجماعة يكثر بهم التعداد، قد ذكرهم في كتابه، فكل ما مرّ أو يمر من ذكر ألفاظ أهل العصر فمن كتابه نقلت، وعليه عوّلت.
وفي أبى منصور يقول أبو الفتح على بن محمد البستى:
قلبى رهين بنيسابور عند أخ ... ما مثله حين تستقرى البلاد أخ
له صحائف أخلاق مهذبة ... من الحجا والعلا والظّرف تنتسخ
وأما الذين ذكر أسماءهم في كتابه فسأظهر من سرائر شعرهم الرصين، وأجلو من جواهر نثرهم الثمين، ما أخذ من البلاغة باليمين.
(1/170)

فصل لأبى الفضل: وصل كتاب الشيخ المبشر من خبر سلامته التي هي غرّة الزمان البهيم «1» ، وعذر الدهر المليم «2» ، بما أشرقت له آفاق الفضل والكرم، وتمّت به نفائس الآلاء والنعم، فسرّحت طرفى من محاسن ألفاظه، فى أنوار تروق أزاهرها، وقلائد تروع دررها وجواهرها، ومبارّ يسترقّ الرّقاب باطنها وظاهرها «3» وله إلى أبى سعيد بن خلف الهمدانى:
وصل كتابك متحملا من أخبار سلامتك، وآثار نعم الله بساحتك، ما أدّى روح البرّ ونسيمه، وجمع فنون الفضل وتقاسيمه، ومجدّدا عندى من عمر مواصلته، ومعسول كلامه ومحاورته، ما ترك غصن المقة غضّا تروق أوراقه «4» ، ووجه الثقة طلقا يتهلّل إشراقه، فكم جنيت عنه من ثمر مسرة كانت عوائق الأيام تحاذ بنيه، وحويت به من علق مضنّة قلما يجود الدهر بمثله لبنيه «5» .
وله فصل إلى بعض الحكام بجوين «6» :
وصل كتاب الحاكم وقد وشّحه بمحاسن فقره، ونتائج فكره، من لفظ شهىّ أعطته القلوب فضل المقادة، ومعنى سنىّ جاده صوب الإصابة والإجادة، وبرّ هنىّ اتّفقت على الاعتراف بفضله ألسنة الثناء والشهادة، فسرّحت طرفى فيما حواه من بدائع وطرف، قد جمعت في الحسن والإحسان بين واسطة وطرف، حتى لم تبق في البلاغة يتيمة إلا جبرتها وتمّمتها.
وله إلى الأمير السيد أبيه يهنئه بالقدوم.
كتبت وأنا بمنزلة من ارتدّ إليه شبابه بعد المشيب، وارتدى برداء من العمر
(1/171)

قشيب «1» ، والحمد لله رب العالمين، وصل كتاب مولاى مبشّرا من خبر عوده إلى مقرّ عزّه وشرفه، محروسا في حفظ الله وكنفه، بما لم تزل الآمال تتنسّم روائحه، وتترقّب غادى صنع الله فيه ورائحه، واثقة بأنّ عادة الله الكريمة عنده تسايره وترافقه، وتلزم جنابه فلا تفارقه، حتى تخرجه من غمرة الغماء خروج السيف من الغمد، والبدر بعد السّرار «2» إلى الانجلاء، فعددت يوم وروده عيدا، أعاد عهد السّرور جديدا، وردّ طرف الحسود كليلا وقد كان حديدا، ولم أشبّهه في إهداء الرّوح والشفاء، وتلافى الرّوح بعد أن أشفى على المكروه كل الإشفاء»
إلّا بقميص يوسف حين تلقّاه يعقوب عليه السلام من البشير، وألقاه على وجهه فنظر بعين البصير، فكم أوسعته لثما واستلاما، والتقطت منه بردا وسلاما، حتى لم تبق غلّة في الصدر إلا برّدتها، ولا غمّة في النفس إلا طردتها، ولا شريعة من الأنس إلا وردتها.
وله فصل من رسالة:
وكان فرط التعجب مرّة وعظم الإعجاب تارة يقف بى عند أول فصل من فصوله، ويثبّطنى عن استيفاء غرره وحجوله، ويوهمنى أنّ المحاسن ما حوته قلائده، ونظمته فرائده؛ فليس في قوس إحسان وراءها منزع «4» ، ولا لاقتراح جنان فوقها متطلّع، حتى إذا جاوزته إلى لففه وتزيينه، وأجلت فكرى فى نكته وعيونه، رأيت ما يحيّر الطّرف، ويعجز الوصف، ويعلو على الأول محلّا ومكانا، ويفوقه حسنا وإحسانا، فرتعت كيف شئت في رياضه وحدائقه، واقتبست نور الحكم من مطالعه ومشارقه، وسلّمت لمعانيه وألفاظه فضيلة السّبق
(1/172)

والبراعة، وتلقّيتها بواجبها من النّشر والإذاعة؛ فإنها جمعت إلى حسن الإيجاز درجة الإعجاز، وإلى فضيلة الإبداع جلالة الموقع في القلوب والأسماع.
وله من فصل:
وصل كتاب الشيخ فنشر عندى من جلل إفضاله وإكرامه، ومحاسن خطابه وكلامه، ما لم أشبّهه إلا بأنوار النّجود «1» ، وحبر البرود، وقلائد العقود.
وذكر أبو منصور الثعالبى الأمير أبا الفضل في كتاب ألّفه، فقال في بعض فصوله: من أراد أن يسمع سرّ النظم، وسحر الشعر، ورقية الدهر، ويرى صوب العقل، وذوب الظّرف، ونتيجة الفضل؛ فليستنشد ما أسفر عنه طبع مجده، وأثمره عالى فكره، من ملح تمتزج بالنفوس لنفاستها، وتشرب بالقلوب لسلاستها:
قواف إذا ما رواها المشو ... ق هزّت لها الغانيات القدودا
كسون عبيدا ثياب العبيد ... وأضحى لبيد لديها بليدا
وايم الله ما مرّ يوم أسعفنى فيه الزمان بمواجهة وجهه، وأسعدنى بالاقتباس من نوره والاغتراف من بحره، فشاهدت ثمار المجد والسؤود تنتثر من شمائله، ورأيت فضائل الدّهر عيالا على فضائله، وقرأت نسخة الفضل والكرم من ألحاظه، وانتهبت فضائل الفوائد من ألفاظه، إلّا تذكرت ما أنشدنيه أدام الله تأييده لابن الرّومى:
لولا عجائب صنع الله ما ثبتت ... تلك الفضائل في لحم ولا عصب
وقول الطائى:
فلو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطّباع
(1/173)

وقول كشاجم:
ما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عيب يوقيه من العين
وربّعت بقول أبى الطيب:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال
ثم استعرت فيه بيان أبى إسحاق الصابى حيث يقول للصاحب «ورّثه الله أعمارها، كما بلّغه في البلاغة أنوارها»
الله حسبى فيك من كل ما ... تعوّد العبد على المولى
فلا تزل ترفل في نعمة ... أنت بها من غيرك الأولى
وقال في فصل منه: وما أنس لا أنس أيامى عنده بفيروزاباد إحدى قراه برستاق جوين، سقاها الله ما يحكى أخلاق صاحبها من سيل القطر، فإنها كانت- بطلعته البدرية، وعشرته العطريّة، وآدابه العلوية، وألفاظه الّلؤلؤية مع جلائل نعمه المذكورة، ودقائق كرمه المشكورة، وفوائد مجالسه المعمورة، ومحاسن أقواله وأفعاله التي يعيا بها الواصفون- أنموذجات من الجنة، التى وعد المتقون، وإذا تذكرتها في المرابع التي هي مراتع النّواظر، والمصانع التي هي مطالع العيش الناضر، والبساتين التي إذا أخذت بدائع زخارفها، ونشرت طرائف مطارفها، طوى لها الديباج الخسروانى، ونفى معها الوشى الصّنعانى، فلم تشبّه إلا بشيمه، وآثار قلمه، وأزهار كلمه، تذكرت سحرا وسيما، وخيرا عميما، وارتياحا مقيما، وروحا وريحانا ونعيما.
وكثيرا ما أحكى للاخوان أنى استغرقت أربعة أشهر بحضرته، وتوفّرت على خدمته، ولازمت في أكثر أوقاتى عالى مجلسه، وتعطّرت [عند ركوبه] بغبار موكبه؛ فبالله يمينا كنت غنيّا عنها لو خفت حنثا فيها إنى ما أنكرت طرفا من أخلاقه؛ ولم أشاهد إلا مجدا وشرفا من أحواله. وما رأيته اغتاب
(1/174)

غائبا، أو سبّ حاضرا، أو حرم سائلا، أو خيّب آملا، أو أطاع سلطان الغضب في الحضر، أو تسلّى بنار الضّجر في السّفر، أو بطش بطش المتجبّر؛ ولا وجدت المآثر إلا ما يتعاطاه، والمآثم إلا ما يتخطّاه.
وقال في فصل منه يصفه: وأما فنون الأدب فهو ابن بجدتها «1» ، وأخو جملتها، وأبو عذرتها «2» ، ومالك أزمّتها، وكأنما يوحى إليه في الاستئثار بمحاسنها، والتفرّد ببدائعها، ولله هو إذا غرس الدّرّ فى [أرض] القراطيس، وطرّز بالظلام رداء النهار، وألقت بحار خواطره جواهر البلاغة على أنامله، فهناك الحسن برمّته، والحسن بكلّيته.
وذكر عمر بن على المطوعى في كتاب ألّفه فى «3» شعر أبى الفضل ومنثوره والشعراء، فقال: رأيت أهل هذه الصناعة قد تشعبوا على طرق، وانقسموا على ثلاث فرق، فمنهم من اكتسى كلامه شرف الاكتساب دون شرف الانتساب كالمكتسبين من الشعراء بالمدائح، المترشحين بها لأخذ الجوائز والمنائح، وهم الأكثرون من أهل هذه الصناعة؛ ومنهم من شرفت بنات فكره عند أهل العقول، وجلبت لديهم فضائل القبول، لشرف قائلها، لا لكثرة عقائلها، وكرم واشيها، لالرقّة حواشيها، كالعدد الكثير، والجم الغفير، من الخلفاء والأمراء والجلّة والوزراء؛ ومنهم من أخذ بحبل الجودة من طرفيه، وجمع رداء الحسن من حاشيتيه، كامرىء القيس ابن حجر الكندى في المتقدمين، وهو أمير الشعراء غير منازع، وسيدهم غير مجاذب ولا مدافع، وعبد الله بن المعتز بالله أمير المؤمنين فى المولدين، وهو أشعر أبناء الخلافة الهاشمية، وأبرع أنشاء الدولة العباسية، ومن
(1/175)

جلّ كلامه في التشبيه، عن أن يمثّل بنظير أو شبيه، وعلت أشعاره في الأوصاف.
عن أن تتعاطاها ألسنة الوصّاف؛ والأمير أبى فراس بن حمدان فارس البلاغة.
ورجل الفصاحة، ومن حكمت له شعراء العصر قاطبة بالسيادة، واعترفت لكلامه بالإحسان والإجادة، حتى قال أبو القاسم إسماعيل بن عباد الصاحب: بدىء الشعر بملك وختم بملك، يعنى امرأ القيس وأبا فراس؛ وهذه الطائفة أشهر الثلاثة تقدّما، وأثبتها في مواطن الفخر ومواطىء الشرف قدما، وأسبق الشعراء فى ميدان البلاغة، وأرجحهم في ميدان البراعة؛ فإنّ الكلام الصادر عن الأعيان والصدور، أقرّ للعيون وأشفى للصدور، فشرف القلائد بمن قلّدها، كما أن شرف العقائل بمن ولّدها:
وخير الشّعر أكرمه رجالا ... وشرّ الشّعر ما قال العبيد
وإذا اتفق من اجتمعت فيه هذه الشرائط، وانتظمت عنده هاتيك المحاسن، كان خليقا بأن تخلّد في صحائف القلوب أشعاره، وتدوّن في ضمائر النفوس آثاره، وتكتب على الأحداق والعيون أخباره، وجديرا بأن يختصّ بسرعة المجال في المجالس، وخفّة المدار في المدارس، كالأمير الجليل السيد مولانا:
أبى الفضل من نال السماء بفضله ... ومن وعدته نفسه بمزيد
تودّ عقود الدرّ لو كنّ لفظه ... فينظمها من توأم وفريد
وهذه مقطعات لأهل العصر في وصف البلاغة
قال أبو الفتح البستى:
مدحتك فالتامت قلائد لم يفز ... بأمثالها الصّيد الكرام الأعاظم
لأنك بحر والمعانى لآلىء ... وفكرى غوّاص وشعرى ناظم
وقال أيضا:
ما إن سمعت بنوّار له ثمر ... فى الوقت يمتع سمع المرء والبصرا
(1/176)

حتى أتانى كتاب منك مبتسم ... عن كل لفظ ومعنى يشبه الدّررا
فكان لفظك في لألائه زهرا ... وكان معناه في أثنائه ثمرا
تسابقا فأصابا القصد في طلق ... لله من ثمر قد سابق الزّهرا
وقال أيضا:
لمّا أتانى كتاب منك مبتسم ... عن كلّ برّ ولفظ غير محدود «1»
حكت معانيه في أثناء أسطره ... آثارك البيض في أحوالى السّود
كأنه ألمّ بقول الطائى:
يرى أقبح الأشياء أوبة آمل ... كستها يد المأمول حلّة خائب
وأحسن من نور تفتّحه الصّبا ... بياض العطايا في سواد المطالب
وقال أبو الفتح البستى في أبى نصر أحمد بن على الميكالى:
جمع الله في الأمير أبى نص ... ر خصالا تعلوبها الأقدار
راحة برّة وصدرا فضاء ... وذكاء تبدو له الأسرار «2»
خطّه روضة، وألفاظه الأز ... هار يضحكن، والمعانى ثمار
وقال عمر بن على المطوعى يمدح أبا الفضل الميكالى من قصيدة:
وإلى الأمير ابن الأمير المعتلى ... بكمال سؤدده على الأمراء
وطئت بى الوجناء وجنة مهمه ... متقاذف الاكناف والارجاء «3»
كيما ألاحظ منه في أفق العلا ... فلكا يدير كواكب العلياء
كالبدر غير دوامه متكاملا ... كالبحر غير عذوبة وصفاء
بالفضل يكنى وهو فيه كامن ... كالرّى يكمن في زلال الماء
يا من إذا خطّ الكتاب يمينه ... أهدى إلينا الوشى من صنعاء
(1/177)

لم تجر كفّك في البياض موقّعا ... إلّا تجلّت عن يد بيضاء
قرم يداه وقلبه ما منهما ... فى النظم والإعطاء إلا الطائى «1»
وقال فيه أيضا:
كلام الأمير النّدب في ثنى نظمه ... ينوب عن الماء الزلال لمن يظما «2»
فنروى متى نروى بدائع نظمه ... ونظما إذا لم نرو يوما له نظما
وكتب إليه أيضا:
أقول وقد جادت جفونى بأدمع ... كأنى قد استمليتهنّ من السّحب
وقد علقت بى للنزاع نوازع ... كتبن معاناة العناء على قلبى
إلى سيّد أوفى على الشّمس قدره ... وزادت معاليه ضياء على الشهب
أبى الفضل من راحت فواضل كفّه ... وراحته تربى على عدد الترب «3»
سقى الله أرضا حلّ فيها سحائبا ... كنائله الفيّاض أو لفظه العذب
سحائب يحدوها نسيم كخلقه ... ويقدمها برق كصارمه العضب «4»
ولا زال أفلاك السعود مطيفة ... بحضرته تنتابها وهو كالقطب
وقال أبو منصور الثعالبى للأمير أبى الفضل:
لك في الفضائل معجزات جمّة ... أبدا لغيرك في الورى لم تجمع
بحران بحر في البلاغة شابه ... شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعى «5»
كالنّور أو كالسّحر أو كالدّرّ أو ... كالوشى في برد عليه موشّع «6»
شكرا فكم من فقرة لك كالغنى ... وافى الكريم بعيد فقر مدقع «7»
(1/178)

وإذا تفتّق نور شعرك ناضرا ... فالحسن بين مرصّع ومصرّع
أرجلت فرسان الكلام ورضت أف ... راس البديع وأنت أمجد مبدع
ونقشت في فصّ الزمان بدائعا ... تزرى بآثار الربيع الممرع «1»
[وقال في وصف فرس أهداه إليه ممدوحه] :
يا مهدى الطّرف الجواد كأنما ... قد أنعلوه بالرياح الأربع «2»
لا شىء أسرع منه إلّا خاطرى ... فى شكر نائلك اللطيف الموقع
ولو أنّنى أنصفت في إكرامه ... لجلال مهديه الكريم الأروع «3»
أنظمته حبّ القلوب لحبّه ... وجعلت مربطه سواد المدمع
وخلعت ثم قطعت غير مضيّق ... برد الشباب لجلّه والبرقع
وكتب إليه في جواب كتاب ورد عليه:
أنسيم الرياض حول الغدير ... مازجته ريّا الحبيب الأثير «4»
أم ورود البشير بالنّجح من ف ... كّ أسير أو يسر أمر عسير
قى ملاء من الشباب جديد ... تحت أيك من التّصابى نضير «5»
أم كتاب الأمير سيدنا الفر ... د؛ فيا حبذا كتاب الأمير
وثمار الصدور ما أجتنيه ... من سطور فيها شفاء الصدور
نمّقتها أنامل تفتق الأن ... وار والزهر في رياض السطور
كالمنى قد جمعن في النّعم الغ ... رّ مع الأمن من صروف الدهور
يا أبا الفضل وابنه وأخاه ... جلّ باريك من لطيف خبير
شيم يرتضعن درّ المعالى ... ويعبّرن عن نسيم العبير
(1/179)

وسجايا كأنهنّ لدى النش ... ر رضاب الحيا بأرى منشور «1»
ومحيا لدى الملوك محيّا ... صادق البشر مخجل للبدور
فأجابه أبو الفضل بأبيات يقول فيها في صفة أبياته:
وهدىّ زفّت إلى السّمع بكر ... تتهادى في حلية وشذور «2»
عجب الناس أن بدت من سواد ... فى بياض كالمسك في الكافور
نظمت في بلاغة ومعان ... مثل نظم العقود فوق النحور
كم تذكّرت عندها من عهود ... للتلاقى في ظلّ عيش نضير
فذممت الزمان إذ ضنّ عنا ... باجتماع يضمّ شمل السرور
ولئن راعنا الزمان ببين ... ألبس الأنس ذلّة المهجور
فعسى الله أن يعيد اجتماعا ... فى أمان من حادثات الدهور
إنه قادر على ردّ مافا ... ت وتيسير كلّ أمر عسير
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابى في الوزير المهلّبى:
قل للوزير أبى محمد الّذى ... قد أعجزت كلّ الورى أوصافه
لك في المجالس منطق يشفى الجوى ... ويسوغ في أذن الأذيب سلافه «3»
وكأنّ لفظك جوهر متنخّل ... وكأنما آذاننا أصدافه «4»
والمهلبى هذا هو أبو محمد الحسن بن هارون بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد ابن حاتم بن قبيصة بن المهلّب، وزر لأحمد بن بويه الدّيلمى، وكانت وزارته سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وكان أبو محمد من سروات الناس وأدبائهم وأجوادهم وأعفّائهم؛ وفيه يقول أبو إسحاق الصابى:
(1/180)

نعم الله كالوحوش فما تأ ... لف إلا الأخاير النّسّاكا
نفّرتها آثام قوم وصيّرن ... لها البرّ والتّقى أشراكا
وكان قبل اتّصاله بالسلطان سائحا في البلاد، على طريق الفقر والتصوّف، قال أبو على الصوفى: كنت معه في بعض أوقاته، أماشيه في إحدى طرقاته، فضجر لضيق الحال، فقال:
ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش مالا خير فيه
ألا رحم المهيمن نفس جرّ ... تصدّق بالوفاة على أخيه
ثم تصرّف بما يرضيه الدهر، وبلغ المهلى مبلغه. قال أبو على: دخلت البصرة فاجتزت بسرّ من رأى، وإذا أنا بناشطيات وحراقات وزيارب وطيّارات في عدّة وعدد، فسألت: لمن هذا؟ فقيل: للوزير المهلبى، ونعتوا لى صاحبى؛ فوصلت إليه حتى رأيته، فكتبت إليه رقعة، وتوصّلت حتى دخلت فسلّمت، وجلست حتى خلا مجلسه، فدفعت إليه الرقعة وفيها:
ألا قل للوزير بلا احتشام ... مقال مذكّر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضيق عيش ... «ألا موت يباع فأشتريه»
فنظر إلىّ وقال: نعم، ثم نهض وأنهضنى معه إلى مجلس الأنس، وجعل يذاكرنى ما مضى، ويذكر لى كيف ترقّت حاله، وقدّم الطعام فطعمنا، وأقبل ثلاثة من الغلمان على رأس أحدهم ثلاث بدر «1» ، ومع الآخر تخوت وثياب، ومع الآخر طيب، وبخور، وأقبلت بغلة رائعة بسرج ثقيل؛ فقال:
يا أبا على؛ تفضّل بقبول هذا، ولا تتخلّف عن حاجة تعرض لك، فشكرته وانصرفت، فلما هممت بالخروج من الباب استردّنى وأنشدنى بديها:
رقّ الزمان لفاقتى ... ورثى لطول تحرّقى
(1/181)

وأنالنى ما أرتجى ... وأجار ممّا أتّقى
فلأغفرنّ له الكث ... ير من الذنوب السّبّق
إلّا جنايته التى ... فعل المشيب بمفرقى «1»
قال بعض العلماء: العقول لها صور مثل صور الأجسام، فإذا أنت لم تسلك بها سبيل الأدب حارت وضلّت، وإن بعثتها في أوديتها كلّت وملّت، فاسلك بعقلك شعاب المعانى «2» والفهم، واستبقه بالجمام للعلم «3» ، وارتد لعقلك أفضل طبقات الأدب، وتوقّ عليه آفة العطب؛ فإنّ العقل شاهدك على الفضل، وحارسك من الجهل.
واعلم أنّ مغارس العقول كمغارس الأشجار؛ فإذا طابت بقاع الأرض للشجر زكا ثمرها، وإذا كرمت النفوس للعقول طاب خيرها، فاغمر نفسك بالكرم، تسلم من الآفة والسّقم.
واعلم أنّ العقل [الحسن] فى النفس اللئيمة، بمنزلة الشجرة الكريمة في الأرض الذميمة، ينتفع بثمرها على خبث المغرس؛ فاجتن ثمر العقول وإن أتاك من لئام الأنفس. [وقال النبى عليه السلام: «ربّ حامل فقه إلى من هو أوعى له» . وقيل: رب حامل فقه غير فقيه، ورب رمية من غير رام] .
وقيل: الحكمة ضالّة المؤمن، أينما وجدها أخذها. وسمع الشّعبىّ الحجاج ابن يوسف وهو على المنبر يقول: أمّا بعد، فإنّ الله كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء، فلا يغرّنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، وأقصروا من الأمل، لقصر الأجل.
(1/182)

فقال: كلام حكمة خرج من قلب خراب! وأخرج ألواحه فكتب وقد روى ذلك عن سفيان الثورى.
وقد سمع إبراهيم بن هشام وهو يخطب على المنبر ويقول: إن يوما أشاب الصغير، وأسكر الكبير، ليوم شرّه مستطير!
[وصف الكتب]
قال الجاحظ: الكتاب وعاء ملىء علما، وظرف حشى ظرفا، وبستان يحمل في ردن «1» ، وروضة تقلّب في حجر، ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحياء.
وقال: من صنّف كتابا فقد استهدف «2» ؛ فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد استقذف «3» .
وقال: لا أعلم جارا أبرّ، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلّما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية، وأقلّ جناية، ولا أقلّ إملالا وإبراما، ولا أقلّ خلافا وإجراما، ولا أقلّ غيبة، ولا أبعد من عضيهة»
ولا أكثر أعجوبة وتصرّفا، ولا أقل صلفا وتكلّفا، ولا أبعد من مراء، ولا أترك لشغب، ولا أزهد فى جدال، ولا أكفّ عن قتال، من كتاب. ولا أعلم قرينا أحسن مواتاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أحضر معونة، ولا أقلّ مئونة، ولا شجرة أطول عمرا، ولا أجمع أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتنى، ولا أسرع إدراكا فى كل أوان، ولا أوجد في غير إبّان، من كتاب. ولا أعلم نتاجا في حداثة سنّه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان وجوده، يجمع من التدابير الحسنة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب.
(1/183)

ودخل الرشيد على المأمون وهو ينظر في كتاب، فقال: ما هذا؟ فقال:
كتاب يشحذ الفكرة، ويحسن العشرة. فقال: الحمد لله الذى رزقنى من يرى بعين قلبه أكثر مما يرى بعين جسمه.
وقيل لبعض العلماء: ما بلغ من سرورك بأدبك وكتبك؟ فقال: هى إن خلوت لذّتى، وإن اهتممت سلوتى، وإن قلت: إنّ زهر البستان، ونور الجنان، يجلوان الأبصار، ويمتعان بحسنهما الألحاظ؛ فإن بستان الكتب يجلو العقل، ويشحذ الذّهن، ويحيى القلب، ويقوّى القريحة، ويعين الطبيعة، ويبعث نتائج العقول، ويستثيرد فائن القلوب، ويمتع في الخلوة، ويؤنس في الوحشة، ويضحك بنوادره، ويسرّ بغرائبه، ويفيد ولا يستفيد، ويعطى ولا يأخذ، وتصل لذّته إلى القلب، من غير سآمة تدركك، ولا مشقة تعرض لك.
وقال أبو الطيب المتنبى:
وللسّرّ منّى موضع لا يناله ... نديم، ولا يفضى إليه شراب
وللخود منى ساعة، ثم بيننا ... فلاة إلى غير اللقاء تجاب «1»
وما العشق إلّا غرّة وطماعة ... يعرّض قلب نفسه فيصاب
وغير فؤادى للغوانى رميّة ... وغير بنانى للرّخاخ ركاب «2»
تركنا لأطراف القنا كلّ لذّة ... فليس لنا إلّا بهنّ لعاب «3»
نصرّفه للطّعن فوق سوابح ... قد انقصفت فيهنّ منه كعاب «4»
أعزّ مكان في الدّنا سرج سابح ... وخير جليس في الزّمان كتاب
(1/184)

فقر في الكتب
إنفاق الفضّة على كتب الآداب، يخلفك عليه ذهب الألباب. إنّ هذه الآداب شوارد، فاجعلوا الكتب لها أزمّة. كتاب الرجل عنوان عقله، ولسان فضله.
ابن المعتز: من قرأ سطرا من كتاب قد خطّ عليه فقد خان كاتبه؛ لأن الخطّ يحرز ماتحته.
بزرجمهر: الكتب أصداف الحكم، تنشقّ عن جواهر الكلم بعض الكتاب: إعجام الخطّ يمنع من استعجامه، وشكله يؤمن من إشكاله.
كأن هذا الكاتب نحا إلى قول أبى تمام:
ترى الحادث المستعجم الخطب معجما ... لديه، ومشكولا إذا كان مشكلا
ما كتب قرّ، وما حفظ فرّ. الخطوط المعجمة، كالبرود المعلمة.
وقال ابن المعتز يصف كتابا:
وذى نكت موشّى نمقّته ... وحاكته الأنامل أىّ حوك
بشكل يرفع الإشكال عنه ... كأن سطوره أغصان شوك
جملة من ألفاظ أهل العصر فى صفة الكتب وتهاديها، وما يتعلق بأسمائها ومعانيها
حضرة مولاى تجلّ عن أن يهدى إليها غير الكتب، التى لا يترفّع عنها كبير، ولا يمتنع منها خطير، وقد فكّرت فيما أنفذت به مقيما للرّسم في جملة الخدم، وحافظا للاسم في غمار الحشم، فلم أجد إلا الرّقّ الذى سبق ملكه له، والمال الذى منحه وخوّله، فعدلت إلى الأدب الذى تنفق سوقه بباب سيدنا ولا تكسد، وتهبّ ريحه بجانبه ولا تركد. وأنفذت كتابى هذا راجيا أن أشرّف بقبوله، ويوّقع إلىّ بحصوله؛ ولمّا وجب على ذوى الاختصاص لسيدنا إهداء ما جرت العادة بتسابق الأولياء إلى الاجتهاد في إهدائه «1» ، وجب العدول في إقامة رسم الخدمة إلى اتباع
(1/185)

ما صدر عنه من الرخصة فيما تسهل كلفته، وتجلّ عند ذوى الألباب قيمته، وتحلو ثمرته؛ وهو علم يقتنى، وأدب يجتنى.
قال أبو الحسن بن طباطبا العلوى:
لا تنكرن إهداءنا لك منطقا ... منك استفدنا حسنه ونظامه
فالله عزّ وجلّ يشكر فعل من ... يتلو عليه وحيه وكلامه
وأهدى أحمد بن يوسف «1» إلى المأمون في يوم مهرجان هدية قيمتها ألف ألف درهم، وكتب:
على العبد حقّ فهو لابدّ فاعله ... وإن عظم المولى وجلّت فضائله
ألم ترنا نهدى إلى الله ماله ... وإن كان عند ذا غنى وهو قابله
وقال أبو الفتح البستى:
لا تنكرنّ إذا أهديت نحوك من ... علومك الغرّ أو آدابك النّتفا
فقيّم الباغ قد يهدى لمالكه ... برسم خدمته من باغه التّحفا «2»
وكتب أبو إسحاق الصابى إلى عضد الدولة في هذا المعنى: العبيد تلاطف ولا تكاثر الموالى في هداياها، والموالى تقبل الميسور منها قبولا هو محسوب في عطاياها. ولما كان- أدام الله تعالى عزّه! - مبرّزا على ملوك الأرض في الخطر الذى قصّروا عنه شديدا، والسعى الذى وقفوا منه بعيدا، والآداب التي عجزوا عن استعلامها فضلا عن علمها، والأدوات التي نكلوا «3» عن استفهامها فضلا عن فهمها، وجب أن يعدل عن اختياراتهم فيما تحظى به الجسوم البهيمية، إلى اختياره
(1/186)

فيما تحظى به النفوس العليّة، وعما ينفق في سوقهم العامية، إلى ما ينفق في سوقه الخاصية، إفرادا لرتبته العليا، وغايته القصوى، وتمييزا له عمن لا يجرى معه في هذا المضمار، ولا يتعلّق منه بالغبار؛ وقد حملت إلى الخزانة- عمرها الله! - شيئا من الدفاتر وآلة النجوم، فإن رأى مولانا أن يتطوّل «1» على عبده بالإذن فى عرض ذلك عليه مشرّفا له وزائدا في إحسانه إليه فعل إن شاء الله تعالى.
وأهدى أبو الطيب المتنبى إلى أبى الفضل بن العميد في يوم نوروز قصيدة مدحه فيها «2» يقول في آخرها:
كثر الفكر كيف نهدى كما ته ... دى إلى ربّها الرئيس عباده
والّذى عندنا من المال والخيل ... فمنه هباته وقياده
فبعثنا بأربعين مهار ... كلّ مهر ميدانه إنشاده
فارتبطها فإنّ قلبا نماها ... مربط تسبق الجياد جياده
وفي هذه الكلمة يقول وقد احتفل فيها، واجتهد في تجويد ألفاظها ومعانيها، فعقّب عليه أبو الفضل في مواضع وقف عليها فقال «3» :
هل لعذرى إلى الهمام أبى الفضل ... قبول سواد عينى مداده
أنا من شدّة الحياء عليل ... مكرمات المعلّه عوّاده «4»
ما كفانى تقصير ما قلت فيه ... عن علاه حتى ثناه انتقاده
(1/187)

ما تعوّدت أن أرى كأبى الفض ... ل، وهذا الّذى أتاه اعتياده
عمرتنى فوائد شاء منها ... أن يكون الكلام ممّا أفاده
ما سمعنا بمن أحبّ العطايا ... فاشتهى أن يكون منها فؤاده
وقد كان مدحه بقصيدته التي أولها:
باد هواك صبرت أم لم تضبرا ... وبكاك إن لم يجردمعك أو جرى
وفيها معان مخترعة، وأبيات مبتدعة، يقول فيها:
من مبلغ الأعراب أنّى بعدها ... جالست رسطاليس والإسكندرا
ومللت نحر عشارها فأضافنى ... من ينحر البدر النّضار لمن قرى «1»
وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملّكا متبديا متحضرا «2»
ورأيت كلّ الفاضلين كأنما ... ردّ الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدّما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
وفيها يقول:
فدعاك حسّدك الرئيس وأمسكوا ... ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا
خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخطّ يملأ مسمعى من أبصرا
أخذه من قول الطائى يصف قصائده:
بقرب يراها من يراها بسمعه ... ويدنو إليها ذو الحجا وهو شاسع
«3»
[فقر في وصف الكتب]
كتاب كتب لى أمانا من الدّهر، وهنّانى في أيام العمر. كتاب أوجب من الاعتداد فوق الأعداد، وأودع بياض الوداد سواد الفؤاد. كتاب النظر فيه
(1/188)

نعيم مقيم، والظفر به فتح عظيم. كتاب ارتحت لعيانه، واهتززت لعنوانه.
كتاب هو من الكتب الميامين «1» ، التى تأتى من قبل اليمين. كتاب عددته من حجول العمر وغرره «2» ، واعتددته من فرص العيش وغرره «3» .
كتاب هو أنفس طالع، وأكرم متطلّع، وأحسن واقع، وأجلّ متوقع. كتاب لو قرىء على الحجارة لانفجرت، أو على الكواكب لانتثرت. كتاب كدت أبليه طيّا ونشرا، وقبّلته ألفا، ويد حامله عشرا. كتاب نسيت لحسنه الرّوض والزّهر، وغفرت للزمان ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. كتاب أملته هزّة المجد على بنانك، ونطق به لسان الفضل عن لسانك. أنا ألتقط من كلّ حرف تديره أنا ملك تحفة، وآخذ من كل سطر تتجشّم تخطيطه نزهة. إذا قرأت من خطك حرفا، وجدت على قلبى خفّا «4» ، وإذا تأمّلت من كلامك لفظا، ازددت من أنسى حظّا.
كتاب كتب لى أمانا من الزمان، وتوقيع وقع مىّ موقع الماء من العطشان. كتاب هو تعلّة المسافر «5» ، وأنسة المستوحش، وزبدة الوصال، وعقلة المستوفز «6» . كتاب هو رقية القلب السليم «7» ، وغرّة العيش البهيم «8» .
كتاب هو سمر بلا سهر، وصفو بلا كدر. كتاب تمتّعت منه بالنعيم الأبيض، والعيش الأخضر، واستلمته استلام الحجر الأسود «9» ، ووكلت طرفى من سطوره بوشى مهلّل، وتاج مكلّل، وأودعت سمعى من محاسنه
(1/189)

ما أنسانى سماع الأغانى من مطربات الغوانى «1» . نشأت سحابة من لفظك، غيمها نعمة سابغة، وغيثها حكمة بالغة، سقت روضة القلب، وقد جهدتها يد الجدب «2» ؛ فاهتزّت وربت، واكتست ما اكتسبت.
كتاب حسبته ساقطا إلىّ من السماء، اهتزازا لمطلعه، وابتهاجا بحسن موقعه، تناولته كما يتناول الكتاب المرقوم، وفضضته كما يفضّ الرّحيق المختوم «3» . كتاب كالمشترى شرف به المسير، وقميص يوسف جاء به البشير. كتاب هو من الحسن، روضة حزن، بل جنّة عدن، وفي شرح النفس وبسط الأنس برد الأكباد والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب. قد أهديت إلىّ محاسن الدنيا مجموعة في ورقه، ومباهج الحلى والحلل محصورة في طبقه. كتاب ألصقته بالقلب والكبد، وشممته شمّ الولد.
ورد منك المسك ذكيا، والزهر جنيّا، والماء مريّا «4» ، والعيش هنيّا، والسحر بابليّا «5» كتاب مطلعه أهلّة الأعياد، وموقعه موقع نيل المراد.
كتاب وجدته قصير العمر، كليالى الوصال بعد الهجر، لم أبدأ به حتى استكمل، وقارب الآخر منه الأوّل. كتاب منتقض الأطراف، منقطع الأكتاف، أبتر الجوارح، مضطرب الجوانح، كتاب كأنه توقيع متحرّز، أو تعريض متبرز «6» ، كاد يلتقى طرفاه، ويتقارب مفتتحه ومنتهاه. كتاب التقت طرفاه صغرا، واجتمعت حاشيتاه قصرا. ما أظننى
(1/190)

ابتدأته حتى ختمته، ولا استفتحته حتى أتممته، ولا لمحته حتى استوفيته، ولا نشرته حتى طويته، وأحسبنى لو لم أجوّد ضبطه، ولم ألزم يدىّ حفظه، لطار حتى يختلط بالجو، فلا أرى منه إلا هباء منثورا، وهواء منشورا.
كتاب حسبته يطير من يدى لخفته، ويلطف عن حسّى لقلته، وعجبت كيف لم تحمله الرياح قبل وصوله إلىّ، وكيف لم يختلط بالهواء عند وصوله لدىّ.
كتاب قصّ الاقتصار أجنحته، فلم يدع له قوادم ولا خوافى، وأخذ الاختصار جثته، فلم يبق ألفاظا ولا معانى. طلع كتابك كإيماء بطرف، أو وحى بكفّ.
وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز: استعرت من على بن يحيى المنجم جزءا فيه أخبار معبد بخط حماد بن إسحاق الموصلى، وكان وعدنى به، فبعث إلى بستّ ورقات لطاف، فرددتها وكتبت إليه: «إن كنت أردت بقولك جزءا الجزء الذى لا يتجزّأ فقد أصبت، وإن كنت أردت جزءا فيه فائدة للقارىء، ومتعة للسامع، فقد أحلت «1» ؛ وقد رددته عليك بعد أن طار اللّحظ عليه طيرة» .
فأجابنى: إذا كان السّفر عندك منجاة فما أصنع «2» ؟
[المحادثة والمجالسة]
وقال أبو العباس: دخل رجل على الحسن بن سهل بعد أن تأخّر عنه أياما، فقال: ما ينقضى يوم من عمرى لا أراك فيه إلا علمت أنه مبتور القدر، منحوس الحظّ، مغبون الأيام.
فقال الحسن: هذا لأنّك توصل إلى بحضورك سرورا لا أجده عند غيرك،
(1/191)

وأتنسّم من أرواح عشرتك ما تجد الحواسّ به بغيتها، وتستوفى منه لذّتها، فنفسك تألف منى مثل ما آلفه منك.
وكان يقال: محادثة الرّجال تلقيح الألباب «1» .
وقال ابن الرومى:
ولقد سئمت مآربى ... فكأنّ أطيبها خبيث
إلّا الحديث؛ فإنّه ... مثل اسمه أبدا حديث
قال مخارق: لقينى أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم قبل نسكه، فقال: أنا والله صبّ بك، ولوع إليك، مغمور القلب «2» بشكرك، واللسان بذكرك، متشوّف إلى رؤيتك ومفاوضتك، وقد طالت الأيام على ما أعد به نفسى من الاجتماع معك، ومن قضاء الوطر منك؛ فما عندك؟ أنا الفداء لك! وتزورنى أم أزورك؟
قلت: جعلنى الله فداك! ما يكون عند من هو منك بهذا الموضع وفي هذا المحلّ إلا الانقياد إلى أمرك، والسمع والطاعة لك، ولولا أن أسىء الأدب في أمر بدأت فيه بالفضل لقلت: إن كثير ما ابتدأت به من القول يقلّ فيما عندى من الشوق إليك، والشّعف بك، دون ما حرّك هذا القول منى، فوجبت لك به المنّة علىّ، وأنا بين يديك، فاثن عنانى إلى ما أردت، وقدنى كيف شئت، تجدنى كما قال القائل:
ما تشتهيه فإنى اليوم فاعله ... والقلب صبّ فما جشّمته جشما
وذكر سهل بن هارون رجلا، فقال: لم أر أحسن منه فهما لجليل، ولا تفهما لدقيق أشار إليه أبو تمام فقال:
وكنت أعزّ عزّا من قنوع ... تعرّضه صفوح من ملول
فصرت أذلّ من معنى دقيق ... به فقر إلى ذهن جليل «3»
(1/192)

وقال سعيد بن مسلم للمأمون: لو لم أشكر الله تعالى إلّا على حسن ما أبلانى من أمير المؤمنين من قصده إلىّ بحديثه، وإشارته إلىّ بطرفه؛ لقد كان فى ذلك أعظم الرّفعة، وأرفع ما توجبه الحرمة. فقال: يفعل أمير المؤمنين ذلك؛ لأن أمير المؤمنين يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدّثت وحسن الفهم إذا حدّثت ما لا يجده عند أحد ممن مضى، ولا يظنّ أنه يجده عند أحد ممن بقى، فإنك لتستقصى حديثى، وتقف عند مقاطع كلامى، وتخبر بما كنت أغفلته منه.
وقال المتوكل لأبى العيناء: ما تحسن؟ قال: أفهم وأفهم.
وقال بعض الحكماء لتلميده، وقد ضرب الموسيقى: أفهمت؟ قال: نعم، قال: بل لم تفهم؛ لأنى لا أرى عليك سرور الفهم! وقد قيل: من نظر إلى الربيع وأنواره، والروض وأصباغه، ولم يبتهج كان عديم حسّ، أوسقيم نفس.
ومر أبو تمام بايرشهر من أرض فارس، فسمع جارية تغنّى بالفارسية، فشاقه شجىّ الصوت، فقال:
ومسمعة تروق السمع حسنا ... ولم تصممه، لا يصمم صداها!
لوت أوتارها فشجت وشاقت ... فلو يسطيع حاسدها فداها
ولم أفهم معانيها، ولكن ... ورت كبدى فلم أجهل شداها
فكنت كأننى أعمى معنّى ... يحبّ الغانيات ولا يراها
قال أبو الفضل أحمد بن أبى طاهر: قلت لأبى تمام: أخذت هذا المعنى من أحد؟ قال: نعم، أخذته من قول بشار بن برد:
يا قوم أذنى لبعض الحىّ عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا: بمن لا ترى تهذى؟ فقلت لهم: ... الأذن كالعين توفى القلب ما كانا
وقال بشار أيضا في هذا المعنى:
قالت عقيل بن كعب إذ تعلّقها ... قلبى فأضحى به من حبّها أثر:
(1/193)

أنّى ولم ترها تهذى! فقلت لهم: ... إنّ الفؤاد يرى مالا يرى البصر
وقال:
يزهّدنى في حبّ عبدة معشر ... قلوبهم فيها مخالفة قلبى
فقلت: دعوا قلبى وما اختار وارتضى ... فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الّلبّ
وما تبصر العينان في موضع الهوى ... ولا تسمع الأذنان إلا من القلب
وقد قال أبو يعقوب الخريمى في هذا المعنى، وكان قد أعور ثم عمى، وقيل:
إنها للخليل بن أحمد:
قالت أتهز أبى غداة لقيتها ... يا للرجال لصبوة العميان
فأجبتها: نفسى فداؤك إنما ... أذنى وعينى في الهوى سيّان
وقريب من هذا قول الحكم بن قنبر، وإن لم يكن منه:
إن كنت لست معى قالذكر منك معى ... يرعاك قلبى وإن غيّبت عن بصرى
العين تبصر من تهوى وتفقده ... وناظر القلب لا يخلو من النظر
وقال آخر:
أما والّذى لو شاء لم يخلق الهوى ... لئن غبت عن عينى فما غبت عن قلبى
ترينيك عين الوهم حتى كأننى ... أناجيك من قرب وإن لم تكن قربى «1»
وقال أبو عثمان سعيد بن الحسن الناجم:
لئن كان عن عينىّ أحمد غائبا ... فما هو عن عين الضمير بغائب
له صورة في القلب لم يقصها النوى ... ولم تتخطّفها أكفّ النوائب
(1/194)

إذا ساءنى منه شحوط مزاره ... وضاقت بقلبى في نواه مذاهبى «1»
عطفت على شخص له غير نازح ... محلّته بين الحشا والتّرائب «2»
وذكر أبو عبيدة كيسان مستمليه في بعض الأمر، فقال: ما فهم، ولو فهم لوهم «3» . وكان كيسان يوصف بالبلادة والغفلة.
قال الجاحظ: كان يكتب غير ما يسمع، ويستقنى غير ما يكتب، ويقرأ غير ما يستفتى «4» ، ويملى غير ما يقرأ، أمليت عليه يوما:
عجبت لمعشر عدلوا ... بمعتمر أبا عمر
فكتب أبا بشر، وقرأ أبا حفص، واستقنى أبا زيد.
قال أبو عباد: للمحدث على جليسه، السامع لحديثه، أن يجمع له باله، ويصغى إلى حديثه، ويكتم عليه سرّه، ويبسط له عذره.
وقال: ينبغى للمحدث إذا أنكر عين السامع أن يستفهمه عن معنى حديثه، فإن وجده قد أخلص له الاستماع أتم له الحديث، وإن كان لاهيا عنه حرمه حسن الإقبال عليه، ونفع المؤانسة له، وعرفه بسوء الاستماع والتقصير في حق المحدث.
وقال: نشاط المحدّت على قدر فهم المستمع.
وكان عبد الله بن مسعود «5» - رضي الله عنه! - يقول: حدّث الناس ما حدّجوك بأسماعهم «6» ، ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فتورا فأمسك.
وقال أبو الفتح البستى:
إذا أحسست في لفظى فتورا ... وحفظى والبلاغة والبيان
(1/195)

فلا ترتب بفهمى إنّ رقصى ... على مقدار إيقاع الزّمان
وقال عامر بن عبد قيس: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان.
وقال الحسن- وقد سمع متكلّما يعظ فلم تقع موعظته من قلبه ولم يرقّ لها-: يا هذا؛ إن بقلبك لشرّا، أو بقلبى! وقال محمد بن صبيح المعروف بابن السماك لجاريته: كيف ترين ما أعظ الناس به؟ قالت: هو حسن، إلا أنك تكرره، قال: إنما أكرّره ليفهمه من لم يكن فهمه، قالت: إلى أن يفهمه البطىء يثقل على سمع الذكى.
واستعيد ابن عباس حديثا فقال: لولا أنى أخاف أن أغضّ من بهائه، وأريق من مائه، وأخلق من جدّة روائه، لأعدته.
وقال أبو تمام الطائى يصف قصائده:
منزّهة عن السّرق المؤدّى ... مكرّمة عن المعنى المعاد
أخذه البحترى فقال:
لا يعمل اللّفظ المكرّر فيه واللفظ المردّد والإطالة مملولة كما يملّ التكرير.
وقد قال الحسن بن سهل: الآداب عشرة؛ فثلاثة شهرجانية، وثلاثة أنوشروانية، وثلاثة عربيّه، وواحدة أربت عليهن؛ فأما الشهرجانية فضرب العود، ولعب الشطرنج، ولعب الصّوالج. وأما الأنوشروانية فالطّب، والهندسة، والفروسية. وأما العربية فالشّعر، والنّسب، وأيام الناس. وأما الواحدة التي أربت عليهنّ: فمقطعات الحديث، والسمر، وما يتلقّاه الناس بينهم في المجالس.
وكان يقال: خذ من العلوم نتفها، ومن الآداب طرفها.
وكان يقال: مقطّعات الأدب، قراضات الذهب.
(1/196)

وحضر بشار بن برد مجلسا فقال: لا تجعلوا مجلسنا غناء كلّه، ولا شعرا كله، ولا سمرا كله، ولكن انتهبوه انتهابا.
وقال الحسن رحمه الله: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدّثور، واقدعوا «1» هذه الأنفس فإنها طلعة «2» ؛ وإنكم إلّا تزعوها «3» تنزع بكم إلى شرّ غاية.
وقال أزدشير بن بابك: إن للأذهان كلالا، وللقلوب ملالا، ففرّقوا بين الحكمتين يكن ذلك استجماما.
ويروى في حكمة آل داود: لا ينبغى للعاقل أن يخلى نفسه من أربع:
عدّة لمعاده، وصلاح لمعاشه، وفكر يقف به على ما يصلحه من فساده، ولذة في غير محرّم يستعين بها على الحالات الثلاث.
وما أحسن ما قال أبو الفتح بن كشاجم «4» :
عجبى ممّن تناهت حاله ... وكفاه الله ذلّات الطلب
كيف لا يقسم شطرى عمره ... بين حالين نعيم وأدب؟
ساعة يمتع فيها نفسه ... من غذاء وشراب منتخب
ودنوّ من دمى هنّ له ... حين يشتاق إلى اللّعب لعب «5»
فإذا ما نال من ذا حظّه ... فحديث ونشيد وكتب
مرة جدّ، وأخرى راحة ... فإذا ما غسق الليل انتصب
فقضى الدنيا نهارا حقّها ... وقضى لله ليلا ما وجب
(1/197)

تلك أقسام متى يعمل بها ... دهره يسعدو يرشد ويصب
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: قسّم كسرى أيامه فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس لقضاء الحوائج.
قال الحسن بن خالويه «1» : ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ولكن نبيّنا صلى الله عليه وسلم قد جزّأ نهاره ثلاثة أجزاء: جزء لله، وجزء لأهله، وجزء لنفسه، ثم جزء جزأه بينه وبين الناس؛ فكان يستعين بالخاصّة على العامة، وكان يقول: أبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغى؛ فانه من أبلغ [ذا سلطان] حاجة من لا يستطيع إبلاغها آمنه الله تعالى يوم الفزع الأكبر.
[عود إلى الإطالة والإيجاز]
وقال شبيب بن شيبة «2» : إن ابتليت بمقام لابد لك فيه من الإطالة فقدّم إحكام البلوغ في طلب السلامة من الخطل، قبل التقدّم من إحكام البلوغ في
(1/198)

شرف التّجويد؛ ثم إياك أن تعدل بالسلامة شيئا، فقليل كاف خير لك من كثير غير شاف.
وكان جعفر بن يحيى يقول لكتّابه: إن استطعتم أن يكون كلامكم كلّه مثل التوقيع فافعلوا.
وقال ثمامة بن أشرس: لم أرقط أنطق من جعفر بن يحيى بن خالد، وكان صاحب إيجاز.
وكان أبو وائلة إياس بن معاوية- على تقدّمه في البلاغة، وفضل عقله وعلمه- بالإكثار معيبا، وإلى التطويل منسوبا، وقال له عبد الله بن شبرمة: أنا وأنت لا نتفق، أنت لا تشتهى أن تسكت، وأنا لا أشتهى أن أسمع. وقيل له:
ما فيك عيب إلا كثرة كلامك، قال: أفتسمعون صوابا أم خطأ؟ قالوا: بل صوابا، قال: فالزيادة في الخير خير.
قال الجاحظ: وليس كما قال، بل للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن مقدار الاحتمال، ودعا إلى الاستثقال والكلال؛ فذلك هو الفضال «1» والهذر والخطل والإسهاب الذى سمعت الخطباء يعيبونه.
وذكر الأصمعى أن ابن هبيرة لما أراد إياسا على القضاء قال: إنى والله لا أصلح له، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنّى دميم حديد، ولأنى عيىّ، قال ابن هبيرة: أما الحدّة فإن السّوط يقوّمك؛ وأما العىّ فقد عبّرت عما تريد؛ وأما الدّمامة فإنى لا أريد أن أحاسن بك.
ولم يصفه أحد بالعىّ، وإنما كان يعاب بالإكثار، ولكنه أراد المدافعة عن نفسه والحديث ذو شجون «2» .
(1/199)

قال أبو العيناء، ذكرت لبعض القيان فعشقتنى على السماع، فلما رأتنى استقبحتنى، فقلت:
وشاطرة لما رأتنى تنكّرت ... وقالت: قبيح أحول ما له جسم
فإن تنكرى منى أحولا لا فإنّنى ... أديب أريب لا عيىّ ولا فدم «1»
[فاتصل بها الشعر،] فكتبت إلى: إنّا لم نرد أن نولّيك ديوان الزمام! وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتب إلى عدى بن أرطاة «2» : إن قبلك رجلين من مزينة- يعنى بكر بن عبد الله، وإياس بن معاوية- فولّ أحدهما قضاء البصرة؛ فأحضرهما، فقال بكر: والله ما أحسن القضاء؛ فإن كنت صادقا فما تحلّ توليتى، وإن كنت كاذبا فذلك أوجب لتركى، فقال إياس:
نكم وقفتموه على شفير جهنّم، فافتدى منها بيمين يكفرها، ويستغفر الله تعالى امنها، فقال له عدىّ: أما إذ اهتديت لها فأنت أحقّ بها، فولّاه.
ودخل إياس الشام وهو غلام صغير، فقدّم خصما له إلى بعض القضاة، وكان الخصم شيخا، فصال عليه إياس بالكلام، فقال له القاضى: خفّض عليك فإنه شيخ كبير، قال: الحقّ أكبر منه، قال: اسكت! قال: فمن ينطق بحجّتى؟
قال: ما أراك تقول حقّا، قال: لا إله إلا الله! فدخل القاضى على عبد الملك فأخبره؛ فقال: اقض حاجته الساعة وأخرجه من الشام لا يفسد أهلها «3» ! وقال أحمد بن الطيب السّرخسى تلميذ يعقوب بن إسحاق الكندى «4» :
(1/200)

كنت يوما عند العباس بن خالد، وكان ممن حبّب الله إليه أن يتحدّث، فأخذ يحدّثنى، وينتقل من حديث إلى حديث، وكنا في صحن له، فلما بلغتنا الشمس انتقلنا إلى موضع آخر، حتى صار الظلّ فيئا؛ فلما أكثر وأضجر، ومللت حسن الأدب في حسن الاستماع، وذكرت قول الأوزاعى: إن حسن الاستماع قوة للمحدث، قلت له: إذا كنت وأنا أسمع قد عييت مما لا كلفة علىّ فيه، فكيف أراك وأنت المتكلم؟ فقال: إنّ الكلام يحلّل الفضول اللّزجة الغليظة التي تعرض فى اللهوات وأصل اللسان ومنابت الأسنان، فوثبت وقلت: لا أرانى معك اليوم إلا «إيارج الفيقرا» ؛ فأنت تتغر غربى! فاجتهد في أن أجلس فلم أفعل.
قال أحمد بن الطيب: كنا مرّة عند بعض إخواننا، فتكلّم وأعجبه من نفسه البيان، ومنّا حسن الاستماع، حتى أفرط، فعرض لبعض من حضر ملل، فقال: إذا بارك الله في الشىء لم يفن، وقد جعل الله تعالى في حديث أخينا البركة!.
ولعبد الله بن سالم الخياط في رجل كثير الكلام:
لى صاحب في حديثه البركه ... يزيد عند السكون والحركه
لو قال لا في قليل أحرفها ... لردّها بالحروف مشتبكه
ومن طرائف التطويل ما أنشأه البديع، وسيمرّ من كلامه ما هو آنق من زهر الربيع.
[الملح]
قال الأصمعى: بالعلم وصلنا، وبالملح نلنا، وقال الأصمعى أيضا: أنشدت محمد بن عمران قاضى المدينة، وكان أعقل من رأيته:
يأيها السائل عن منزلى ... نزلت في الخان على نفسى
(1/201)

يغدو علىّ الخبز من خابز ... لا يقبل الرّهن ولا ينسى «1»
آكل من كيسى ومن كسرتى ... حتى لقد أوجعنى ضرسى
فقال: اكتب لى هذه الأبيات، فقلت: أصلحك الله! هذا لا يشبه مثلك، وإنما يروى مثل هذا الأحداث، فقال: اكتبها فالأشراف تعجبهم الملح.
وقد قال أبو الدّرداء رحمه الله تعالى: إنى لأستجمّ نفسى ببعض الباطل، ليكون أقوى لها على الحقّ.
[وقال ابن مسعود رحمه الله: القلوب تمل كما تمل الأبدان، فاطلبوا لها طرائف الحكمة] .
وقال ابن الماجشون: لقد كنّا بالمدينة وإن الرجل ليحدّثنى بالحديث من الفقه فيمليه علىّ، ويذكر الخبر من الملح فأستعيده فلا يفعل، ويقول: لا أعطيك ملحى، وأهبك ظرفى وأدبى.
وقال ابن الماجشون: إنى لأسمع بالكلمة المليحة ومالى إلا قميص واحد؛ فأدفعه إلى صاحبها، وأستكسى الله عزّ وجلّ.
وقال الزبير بن بكار «2» : رؤى الغاضرىّ ينازع أشعب الطمع عند بعض الولاة، ويقول: أصلح الله الأمير! إنّ هذا يدخل علىّ في صناعتى، ويطلب مشاركتى في بضاعتى، وهيأته هيأة قاض، والأمير يضحك، وكانا جميعا فرسى رهان ورضيعي لبان في بيانهما؛ إلا أنّ الغاضرى [كان] لا يتخلّق بالطّمع تخلّق أشعب.
وأتى الغاضرىّ يوما الحسن بن زيد فقال: جعلت فداك! إنى عصيت الله ورسوله، قال: بئس ما صنعت! وكيف ذلك؟ قال: لأن رسول الله صلى الله
(1/202)

عليه وسلم قال: لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة، وأنا أطعت امرأتى، فاشتريت غلاما فهرب.
قال الحسن: فاختر واحدة من ثلاث: إن شئت فثمن الغلام، قال: بأبى أنت! قف عند هذه ولا تتجاوزها! قال: أعرض عليك الخصلتين، قال: لا، حسبى هذه.
وقد روى نحو هذا عن أشعب، أنه قال له بعض إخوانه: لو صرت إلىّ العشيّة نتفرج؟ قال: أخاف أن يجىء ثقيل، قلت: ليس معنا ثالث، فمضى معى، فلمّا صلينا الظهر ودعوت بالطعام، فإذا بداقّ يدقّ الباب، قال: ترى أن قد صرنا إلى ما نكره، قلت له: إنه صديق، وفيه عشر خصال إن كرهت واحدة منهن لم آذن له، قال: هات، قلت: أولها أنه لا يأكل ولا يشرب، فقال: التسع لك! قل له يدخل! ورأى سفيان الثّورى «1» الغاضرىّ وهو يضحك الناس؛ فقال: يا شيخ أو ما علمت أن لله يوما يخسر فيه المبطلون؟ فوجم الغاضرى، وما زال ذاك يعرف فيه حتى لقى الله عزّ وجلّ.
وأشعب الطّمع هو أشعب بن جبير، مولى عبد الله بن الزبير، وكان أحلى الناس، قال الزبير بن أبى بكر: كان أهل المدينة يقولون: تغيّر كلّ شىء إلا ملح أشعب، وخبز أبى الغيث، ومشية برّة «2» ؛ وكان أبو الغيث يعالج الخبز بالمدينة، وبرّة بنت سعيد بن الأسود كانت من أجمل النساء وأحسنهنّ مشية، وأشعب يضرب به المثل في الطّمع، وكان أشعب قد نشأ في حجر عائشة
(1/203)

بنت عثمان- رحمها الله! - مع أبى الزناد «1» ، قال أشعب: فلم يزل يعلو وأنحطّ حتى بلغنا الغاية.
وقال أشعب: أسلمتنى أمى إلى بزّاز، فسألتنى بعد سنة، أين بلغت؟ فقلت:
فى نصف العمل، قالت: وكيف؟ قلت: تعلمت النّشر وبقى الطّىّ، قالت:
أنت لا تفلح.
وسألته صديقة له خاتما، فقالت: أذكرك به، قال: اذكرى أنك سألتنى ومنعتك! وقيل له: كم كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر؟ قال: ثلاثمائة عشر درهما! ثم تنسّك في آخر عمره، وغزا ومات على خير، رحمه الله تعالى!.
وقيل لأشعب: أرأيت أطمع منك؟ قال: نعم، كلبة آل فلان، رأت رجلين يمضغان علكا «2» ، فتبعتهما فرسخين تظنّ أنهما يأكلان شيئا.
وأهدى رجل من ولد عامر بن لؤى إلى إسماعيل الأعرج قالوذجة وأشعب حاضر، فقال: كل يا أشعب، فأكل منها؛ فقال: كيف تراها؟ فقال:
عليه الطلاق إن لم تكن عملت قبل أن يوحى ربّك إلى النّحل! أى: ليس فيها حلاوة «3» .
وروى أبو هفان قال: دخل أبو نواس الحسن بن هانىء على يحيى بن خالد فقال له: أنشدنى بعض ما قلت، فأنشده:
إنى أنا الرجل الحكيم بطبعه ... ويزيد في علمى حكاية من حكى
أتتبّع الظّرفاء أكتب عنهم ... كيما أحدّث من أحبّ فيضحكا
(1/204)

فقال له يحيى [بن خالد] : إن [أول] زندك ليورى بأوّل قدحة، فقال ارتجالا في معنى قول يحيى:
أما وزند أبى علىّ إنه ... زند إذا استوريت سهل قدحكا
إنّ الإله لعلمه بعباده ... قد صاغ جدّك للسماح ومنحكا
تأبى الصنائع همّتى وقريحتى ... من أهلها وتعاف إلّا مدحكا
ووصف أبو عبد الله الجماز أبا نواس فقال: كان أظرف النّاس منطقا، وأغزرهم أدبا، وأقدرهم على الكلام، وأسرعهم جوابا، وأكثرهم حياء، وكان أبيض اللّون، جميل الوجه، مليح النغمة والإشارة، ملتفّ الأعضاء، بين الطويل والقصير، مسنون الوجه «1» ، قائم الأنف، حسن العينين والمضحك «2» ، حلو الصّورة، لطيف الكفّ والأطراف؛ وكان فصيح اللسان، جيّد البيان، عذب الألفاظ، حلو الشمائل، كثير النوادر، وأعلم الناس كيف تكلمت العرب، راوية للأشعار، علّامة بالأخبار، كأن كلامه شعر موزون.
وأقبل أبو شراعة العبسى، والجمّاز في حديثه، وكان أقبح الناس وجها، وكانت يد أبى شراعة كأنها كربة نخل «3» ؛ فقال الجماز: فلو كانت أطرافه على أبى شراعة لتمّ حسنه؛ فغضب أبو شراعه وانصرف يشتمه.
والجماز هو: أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر، وكانوا يزعمون أنّهم من حمير، نالهم سباء في خلافة أبى بكر، رضي الله عنه، وهم مواليه، وسلم الخاسر عمه «4» ، وكان الجماز من أحلى الناس حكاية، وأكثرهم نادرة.
قال بعض جلساء المتوكّل: كنا نكثر عند المتوكل ذكر الجماز حتى
(1/205)

اشتاقه، فكتب في حمله إليه، فلما دخل أفحم، فقال له المتوكل: تكلّم فإنّى أريد أن أستبرئك، فقال: بحيضة أو بحيضتين يا أمير المؤمنين؟ فقال له الفتح «1» : قد كلّمت أمير المؤمنين يولّيك على القرود والكلاب! قال:
أفلست سامعا مطيعا؟ فضحك المتوكل وأمر له بعشرة آلاف درهم وكان لا يدخل بيته أكثر من ثلاثة لضيقه؛ فدعا ثلاثة، فجاءه ستّة، وقرعوا الباب، ووقفوا على رجل رجل فعدّ أرجلهم من خلف الباب؛ فلما حصلوا عنده، قال: اخرجوا عنى، فإنما دعوت ناسا ولم أدع كراكيّ.
وقال الطائى في عمرو بن طوق التغلبى:
الجدّ شيمته، وفيه فكاهة ... سجح ولا جدّ لمن لم يلعب «2»
شرس، ويتبع ذاك لين خليقة ... لا خير في الصّهباء ما لم تقطب «3»
وقال في الحسن بن وهب:
لله أيام خطبنا لينها ... فى ظلّه بالخندريس السّلسل «4»
بمدامة نغم السماع خفيرها ... لا خير في المعلول غير معلّل «5»
يغشى عليها وهو يجلو مقلتى ... باز، ويغفل وهو غير مغفّل
لا طائش تهفو خلائقه، ولا ... خشن الوقار كأنّه في محفل
فكه يجمّ الجدّ أحيانا، وقد ... ينضى ويهزل عيش من لم يهزل
وقال فيه:
ولقد رأيتك والكلام لآلىء ... توم فبكر في النّظام وثيّب «6»
وكأن قسّا في عكاظ يخطب ... وابن المقفّع في اليتيمة يسهب «7»
(1/206)

وكأنّ ليلى الأخيلية تندب ... وكثير عزة يوم بين ينسب
يكسو الوقار ويستخفّ موقرا ... طورا فيبكى سامعيه ويطرب
وقال أبو الفتح البستى:
أفد طبعك المكدود بالهمّ راحة ... براح، وعلّله بشىء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما نعطى الطعام من الملح
[المزاح]
وما زال الأشراف يمزحون، ويسمحون بما لا يقدح في أديانهم، ولا يغضّ من مروءاتهم.
وقال النبى صلى الله عليه وسلم: بعثت بالحنيفية السّمحة.
وقال: إنى لأمزح ولا أقول إلا حقّا.
وقيل لسعيد بن المسيّب «1» : إنّ قوما من أهل العراق لا يرون إنشاد الشعر فقال: لقد نسكوا نشكا أعجميّا.
وقيل لابن سيرين: إنّ قوما يزعمون أن إنشاد الشعر ينقض الوضوء، فأنشد:
لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزا ... ولو رضيت رشح استه لاستقرّت «2»
وقام يصلّى! وقيل: بل أنشد:
أنبئت أنّ عجوزا جئت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصّوم في الطّول
[النسيب]
وقيل لأبى السائب المخزومى: أترى أحدا لا يشتهى النسيب؟ فقال: أما من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا.
(1/207)

وروى مصعب بن عبد الله الزبيرى «1» عن عروة بن عبيد الله بن عروة الزبيرى قال: كان عروة بن أذينة «2» نازلا في دار أبى بالعقيق، فسمعته ينشد لنفسه:
إنّ التي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
فيك الذى زعمت بها، وكلا كما ... أبدى لصاحبه الصّبابة كلّها
ولعمرها لو كان حبّك فوقها ... يوما وقد ضحيت إذن لأظلّها «3»
فإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلّها
بيضاء باكرها النّعيم فصاغها ... بلباقة فأدقّها وأجلّها «4»
لمّا عرضت مسلّما، لى حاجة ... أخشى صعوبتها، وأرجو ذلّها «5»
منعت تحيّتها فقلت لصاحبى: ... ما كان أكثرها لنا وأقلّها
فدنا وقال: لعلّها معذورة ... فى بعض رقبتها، فقلت: لعلّها «6»
قال: فأتانى أبو السائب المخزومى فقلت له بعد التّرحيب به: ألك حاجة.
(1/208)

فقال: نعم أبيات لعروة بلغنى أنك سمعته ينشدها، فأنشدته الأبيات، فلما بلغت قوله:
فدنا وقال لعلّها معذورة
... البيت طرب، وقال: هذا والله الدائم الصّبابة، الصادق العهد، لا الذى يقول:
إن كان أهلك يمنعونك رغبة ... عنّى فأهلى بى أضنّ وأرغب
لقد عدا هذا الأعرابى طوره، وانى لأرجو أن يغفر [الله] لصاحب هذه الأبيات لحسن الظنّ بها، وطلب العذر لها؛ قال: فعرضت عليه الطعام فقال:
لا والله ما كنت لأخلط بهذه الأبيات طعاما حتى الليل، وانصرف.
وكان أبو السائب غزير الأدب، كثير الطّرب، وله فكاهات مذكورة، وأخبار مشهورة، وكان جدّه يكنى أبا السائب أيضا، وكان خليطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان النبىّ صلى الله عليه وسلم إذا ذكره قال: نعم الخليط كان أبو السائب! لا يشارى ولا يمارى «1» واسم أبى السائب عبد الله، وكان أشراف أهل المدينة يستظرفونه ويقدمونه لشرف منصبه، وحلاوة ظرفه.
وكان عروة بن أذينة- على زهده، وورعه، وكثرة علمه وفهمه- رقيق الغزل كثيره، وهو القائل:
إذا وجدت أوار الحب في كبدى ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هبنى بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقّد؟
وقد روى هذان البيتان لغيره
(1/209)

ومرّت به سكينة بنت الحسين بن علىّ بن أبى طالب- رضي الله عنهم! - فقالت له: أنت الذى تزعم أنّك غير عاشق، وأنت تقول «1» :
قالت وأبثثتها سرّى فبحت به ... قد كنت عندى تحبّ السّتر فاستتر
ألست تبصر من حولى؟ فقلت لهم ... غطّى هواك وما ألقى على بصرى
والله ما خرج هذا من قلب سليم فط.
وروى الزّبير عن رجل لم يسمّه، قال: قال لى أبو السائب: أنشدنى للأحوص «2» فأنشدته:
قالت- وقلت: تحرّحى وصلى ... حبل امرىء بوصالكم صبّ-:
صاحب إذن بعلى؟ فقلت لها: ... الغدر شىء ليس من ضربى «3»
شيئان لا أدنو لوصلهما ... عرس الخليل وجارة الجنب
أمّا الخليل فلست فاجعه ... والجار أوصانى به ربّى
عوجا كذا نذكر لغانية ... بعض الحديث مطيّكم صحبى «4»
ونقل لها: فيم الصّدود ولم ... نذنب، بل انت بدأت بالذّنب؟
إن تقبلى نقبل وننزلكم ... منّا بدار السّهل والرّحب
أو تهجرى تكدر معيشتنا ... وتصدّعى متلائم الشّعب
فقال: هذا والله المحبّ حقا، لا الذى يقول:
وكنت إذا حبيب رام هجرى ... وجدت وراى منفسحا عريضا
(1/210)

ثم قال: اذهب، فلا صحبك الله، ولا وسّع عليك «1» ! وخرج أبو حازم يوما يرمى الجمار، فإذا هو بامرأة حاسر «2» قد فتنت الناس بحسن وجهها، وألهتهم بجمالها، فقال لها: يا هذه، إنك بمشعر حرام، وقد فتنت الناس وشغلتهم عن مناسكهم، فاتقى الله واستترى؛ فإنّ الله عز وجل يقول في كتابه العزيز: (وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ) ؛ فقالت: إنى من اللاتى قيل فيهن:
أماطت كساء الخزّعن حرّوجهها ... وأرخت على المتنين بردا مهلهلا
من الّلاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البرىء المغفّلا «3»
الشعر للحارث بن خالد المخزومى. فقال أبو حازم لأصحابه: تعالوا ندع الله لهذه الصورة الحسنة ألّا يعذبها الله تعالى بالنار! فجعل أبو حازم يدعو وأصحابه يؤمّنون، فبلغ ذلك الشعبى، فقال: ما أرقّكم يأهل الحجاز وأظرفكم! أما والله لو كان من قرى العراق لقال اعزبى عليك لعنة الله! وكان أبو حازم من فضلاء التابعين، وله مقامات جميله من الملوك، وكلام محفوظ يدلّ على فضله وعقله، وهو القائل: كل عمل تكره من أجله الموت فاتركه، ولا يضرك متى متّ. وكان يقول: ما أحببت أن يكون معك غدا فقدّمه اليوم. وكان يقول: إنما بينى وبين الملوك يوم واحد، أما أمس فلا يجدون لذته، وأنا وإياهم من غد على وجل؛ وإنما هو اليوم، فما عسى أن يكون اليوم؟
وقال أبو العتاهية:
حتى متى نحن فى الأيام نحسبها ... وإنما نحن فيها بين يومين
يوم تولّى، ويوم نحن نأمله ... لعلّه أجلب اليومين للحين «4»
(1/211)

وروى الزبير بن أبى بكر قال: قدمت امرأة من هذيل المدينة، وكانت جميلة، ومعها ابن لها صغير، وهي أيّم «1» ، فخطبها الناس وأكثروا، فقال فيها عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
أحبّك حبّا لا يحبّك مثله ... قريب ولا في العالمين بعيد
أحبّك حبّا لو علمت ببعضه ... لجدت ولم يصعب عليك شديد
وحبك يا أم العلاء متيّمى ... شهيدى أبو بكر فذاك شهيد
ويعلم وجدى القاسم بن محمد ... وعروة ما ألقى بكم وسعيد
ويعلم ما أخفى سليمان كلّه ... وخارجة يبدى لنا ويعيد
متى تسألى عما أقول فتخبرى ... فللحبّ عندى طارف وتليد
فقال له سعيد بن المسيّب: قد أمنت أن تسألنا، ولو سألتنا ما شهدنا لك بزور.
وكان عبيد الله أحد الفقهاء السبعة الذين انتهى إليهم علم المدينة، وقد ذكرهم عبيد الله في هذه الأبيات؛ وهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ابن المغيرة المخزومى. والقاسم بن [محمد بن] أبى بكر الصديق، وعروة بن الزبير ابن العوام، وسعيد بن المسيب بن حزن، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد ابن ثابت الأنصارى.
وقيل لعبيد الله: أتقول الشعر على شرفك؟ فقال: لابد للمصدر أن ينفث «2» ؛ وعبيد الله هو القائل:
شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم والتأم الفطور «3»
تغلغل حبّ عثمة في فؤادى ... فباديه مع الخافى يسير
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور
(1/212)

أخذه سلم بن عمرو الخاسر فقال:
سقتنى بعينيها الهوى وسقيتها ... فدبّ دبيب الخمر في كل مفصل
وقال أبو نواس:
أحبّ اللوم فيها ليس إلّا ... لترداد اسمها فيها ألام
ويدخل حبّها في كل قلب ... مداخل لا تغلغلها المدام»
ومنه قول المتنبى:
وللسرّ منّى موضع لا يناله ... نديم، ولا يفّضى إليه شراب
وقال بعض المحدثين:
ما زلت تغوينى وتطلب خلّتى ... حتى حللت بحيث حلّ شرابى «2»
ثم انصرفت بغير جرم كان لى ... ما هكذا الأحباب للأحباب
أخذ أبو نواس قوله: «أحب اللوم فيها» ... البيت من قول [أبى محمد] ابن أبى أمية:
وحدّثنى عن مجلس كنت زينة ... رسول أمين، والنساء شهود
فقلت له ردّ الحديث الذى مضى ... وذكرك من بين الحديث أريد
أناشده بالله إلّا أعدته ... كأنى بطىء الفهم عنه بعيد
وقول أبى نواس في البيت الأول كقوله:
إذا غاديتنى بصبوح لوم ... فممزوجا بتسمية الحبيب
فإنى لا أعدّ اللّوم فيها ... عليك، إذا فعلت، من الذنوب
ولا أنا إن عمدت أرى جنانا ... وإن ضنت بمبخوس النصيب
مقنعة بثوب الحسن ترعى ... بغير تكلّف ثمر القلوب
وفي جنان هذه يقول أبو نواس:
(1/213)

يا ذا الذى عن جنان ظلّ يخبرنا ... بالله قل وأعد يا طيّب الخبر
قالوا اشتكتك وقالت ما ابتليت به ... أراه من حيث ما أقبلت في أثرى
ويرفع الطّرف نحوى إن مررت به ... حتى ليخجلنى من شدة النظر
وإن وقفت له كيما يكلّمنى ... فى الموضع الخلو لم ينطق من الحصر «1»
ما زال يفعل بى هذا ويدمنه ... حتى لقد صار من همّى ومن وطرى «2»
وفي جنان أيضا يقول أبو نواس، وكان بها صبّا، ولها محبّا:
جنان تسبّنى ذكرت بخير ... وتزعم أننى رجل خبيث
وأن مودّتى كذب ومين ... وأنى للذى تطوى بثوث «3»
وليس كذا، ولا ردّ عليها، ... ولكنّ الملول هو النّكوث
ولى قلب ينازعنى إليها ... وشوق بين أضلاعى حثيث
رأت كلفى بها وقديم وجدى ... فمّلتنى، كذا كان الحديث
[وكانت جنان مولاة لبعض الثقفيين] .
وفي معنى قول ابن أبى أمية يقول العباس بن الأحنف:
وحدثتنى يا سعد عنها فزدتنى ... جنونا فزدنى من حديثك يا سعد
وأهل المدينة أكثر الناس ظرفا، وأكثرهم طيبا، وأحلاهم مزاجا، وأشدّهم اهتزازا للسماع، وحسن أدب عند الاستماع. وقال عبد الله بن جعفر:
إن لى عند السماع هزّة لو سئلت عندها لأعطيت، ولو قاتلت لأبليت.
وروى أبو العيناء قال: قال الأصمعى: مررت بدار الزبير بالبصرة، فإذا شيخ قديم من أهل المدينة من ولد الزبير يكنى أبا ريحانة جالس بالباب عليه شملة تستره، فسلّمت عليه، وجلست إليه؛ فبينما أنا كذلك إذ طلعت علينا سويداء
(1/214)

تحمل قربة، فلما نظر إليها لم يتمالك أن قام إليها، فقال لها: بالله غنّى صوتا.
فقالت: إن موالىّ أعجلونى، فقال: لا بدّ من ذلك، قالت: أما والقربة على كتفى فلا، قال: فأنا أحملها، فأخذ القربة منها، فاندفعت تغنّى:
فؤادى أسير لا يفكّ، ومهجتى ... تفيض، وأحزانى عليك تطول
ولى مقلة قرحى لطول اشتياقها ... إليك، وأجفانى عليك همول
فديتك، أعدائى كثير، وشقّتى ... بعيد، وأشياعى لديك قليل «1»
فطرب وصرخ صرخة، وضرب بالقربة إلى الأرض فشقّها؛ فقامت الجارية تبكى، وقالت: ما هذا بجزائى منك؛ أسعفتك بحاجتك فعرّضتنى لما أكره من موالىّ. قال: لا تغتمى فإنّ المصيبة علىّ حصلت، ونزع الشّملة ووضع يدا من خلف ويدا من قدّام، وباع الشّملة وابتاع لها قربة جديدة، وقعد بتلك الحال؛ فاجتاز به رجل من ولد علىّ بن أبى طالب- رضي الله تعالى عنه! - فعرف حاله، فقال: يا أبا ريحانة! أحسبك من الذين قال الله تعالى فيهم: (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ)
. قال: لا يابن رسول الله، ولكنى من الذين قال الله تعالى فيهم: (فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)
فضحك، وأمر له بألف درهم.
ومرّ بالأوقص المخزومى، وهو قاضى المدينة، سكران [وهو] يتغنّى بليل، فأشرف عليه، وقال: يا هذا، شربت حراما، وأيقظت نياما، وغنّيت خطأ؛ خذه عنى، وأصلح له الغناء.
وسمع سعيد بن المسيب منشدا ينشد:
فلم تر عينى مثل سرب رأيته ... خرجن من التنعيم معتمرات «2»
(1/215)

مررن بفخ، ثم رحن عشيّة ... يلبّين للرّحمن مؤتجرات «1»
ولما رأت ركب النميرى أعرضت ... وكنّ من أن يلقينه حذرات
دعت نسوة شمّ العرانين بزّلا ... نواعم، لا شعثا ولا غبرات «2»
فأبرزن لما قمن يحجبن دونها ... حجابا من القسّىّ والحبرات «3»
تضوّع طيبا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة عطرات
يخبّئن أطراف البنان من التّقى ... ويخرجن شطر الليل معتجرات «4»
فقال سعيد: هذا والله مما يلذّ استماعه، ثم قال:
وليست كأخرى وسّعت جيب درعها ... وأبدت بنان الكفّ للجمرات
وغالت ببان المسك وحفا مرجّلا ... على مثل بدر لاح في الظّلمات «5»
وقامت تراءى بين جمع فأفتنت ... برؤيتها من راح من عرفات
قال: فكانوا يرون أنّ الشعر الثانى له، والأول لمحمد بن عبد الله بن نمير الثقفى يقوله في زينب بنت يوسف أخت الحجاج؛ [وطلبه الحجاج] حتى ظفر به فقال: أنت القائل ما قلت؟ قال: وهل قلت أصلح الله الأمير إلّا:
يخبّئن أطراف البنان من التقى ... ويخرجن شطر الليل معتجرات
قال له: كم كنتم إذ تقول:
ولما رأت ركب النميرى أعرضت
(1/216)

قال: والله ما كنت إلا أنا وصاحب لى على حمار هزيل! فضحك وعفا عنه، وهو القائل:
أهاجتك الظّعائن يوم بانوا ... بذى الزّىّ الجميل من الأثاث «1»
ظعائن أسلكت في بطن قوّ ... تحثّ إذا رنت أى احتثاث
كأنّ على الهوادج يوم بانوا ... نعاجا ترتعى بقل البراث «2»
يهيّجك الحمام إذا تغنّى ... كما سجع النّوادب بالمراثى
[من أدب ابن المعتز]
وقال ابن المعتز: وعد الدنيا إلى خلف، وبقاؤها إلى تلف، وبعد عطائها المنع، وبعد أمانها الفجع، طوّاحة طرّاحة، آسية جرّاحة، كم راقد في ظلّها قد أيقظته، وواثق بها قد خانته، حتى يلفظ نفسه، ويودّع دنياه، ويسكن رمسه، وينقطع عن أمله، ويشرف على عمله، وقد رجح الموت بحياته «3» ، ونقض قوى حركاته، وطمس البلى جمال بهجته، وقطع نظام صورته، وصار كخطّ من رماد تحت صفائح أنضاد «4» ؛ وقد أسامه الأحباب، وافترش التّراب، فى بيت نجرته المعاول «5» ، وفرشت فيه الجنادل، ما زال مضطربا في أمله، حتى استقرّ فى أجله، ومحت الأيام ذكره، واعتادت الألحاظ فقده.
وكتب وهو معتقل إلى أستاذه أبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب «6» يتشوّقه:
ما وجد صاد بالحبال موثق ... بماء مزن بارد مصفّق «7» .
(1/217)

بالرّيح لم يكدر ولم يرنّق ... جادت به أخلاف دجن مطبق «1»
بصخرة إن تر شمسا تبرق ... ماد عليها كالزّجاج الأزرق «2»
صريح غيث خالص لم يمذق ... إلّا كوجدى بك، لكن أتقى «3»
يا فاتحا لكل باب مغلق ... وصيرفيا ناقدا للمنطق «4»
إن قال هذا بهرج لم ينفق ... إنّا على البعاد والتفرّق
لنلتقى بالذكر إن لم نلتق
فأجابه: أخذت أطال الله بقاءك أول هذه الأبيات مما أمليته عليك من قول جميل «5» :
وما صاديات حمن يوما وليلة ... على الماء يخشين العصىّ حوانى
كواعب لم يصدرن عنه لوجهة ... ولا هنّ من برد الحياض دوانى
يرين حباب الماء والموت دونه ... فهنّ لأصوات السّقاة روانى
بأكثر منى غلّة وصبابة ... إليك، ولكنّ العدوّ عرانى
وأخذت آخرها من قول رؤبة بن العجاج «6» :
(1/218)

إنّى وإن لم ترنى فإنّنى ... أخوك والرّاعى إذا استرعيتنى
أراك بالودّ وإن لم ترنى
قال: فاستخفّنى في ذلك ونسب إلىّ سوء الأدب.
وكان أبو العباس عبد الله بن المعتز في المنصب العالى من الشعر والنثر، وفي النهاية في إشراق ديباجة البيان، والغاية من رقّة حاشية اللسان. وكان كما قال ابن المرزبان: إذا انصرف من بديع الشعر إلى رقيق النّثر أتى بحلال السحر، وليس بعد ذى الرّمة «1» أكثر افتنانا وأكبر تصرّفا وإحسانا في التشبيه منه.
وإنما فرقت جملة ما اخترت من شعره ونثره في جملة هذا الكتاب؛ لئلّا أخرج عما تقدّم به الشرط في البسط، وآتى ههنا ببعض ما أختاره له، قال:
وفتيان سروا والليل داج ... وضوء الصبح متّهم الطّلوع
كأن بزاتهم أمراء جيش ... على أكتافهم صدأ الدروع
وقال أيضا:
فى ليلة أكل المحاق هلالها ... حتى تبدّى مثل وقف العاج «2»
والصبح يتلو المشترى فكأنّه ... عريان يمشى في الدّجا بسراج «3»
وقال أيضا يصف فرسا:
ولقد غدوت على طمرّ سابح ... عقدت سنابكه عجاجة قسطل «4»
(1/219)

متلثّم لجم الحديد يلوكها ... لوك الفتاة مساوكا من إسحل «1»
ومحجّل غير اليمين كأنّه ... متبختر يمشى بكمّ مسبل
وقال:
قد أغتدى بقارح ... مسوّم يعبوب «2»
ينفى الحصى بحافر ... كالقدح المكبوب
قد ضحكت غرّته ... فى موضع التّقطيب «3»
وقال أيضا:
ولقد وطئت الغيث يحملنى ... طرف كلون الصبح حين وفد
حمّاع أطراف الصّوار فما الأخ ... رى عليه إذا جرى بأشد «4»
يمشى فيعرض في العنان كما ... صدف المعشّق ذو الدّلال وصد
فكأنه موج يذوب إذا ... أطلقته فإذا حبست جمد
وقال أيضا يصف سيفا:
ولى صارم فيه المنايا كوامن ... فما ينتضى إلّا لسفك دماء
ترى فوق متنيه الفرند كأنه ... بقية غيم رقّ دون سماء
وقال يصف نارا:
مشهّرة لا يحجب النخل ضوءها ... كأنّ سيوفا بين عيدانها تجلى
يفرّج أغصان الوقود اضطرامها ... كما شقّت الشقراء عن متنهاجلّا «5»
(1/220)

وقال بعض أهل العصر، وهو السّرى الموصلىّ «1» :
يوم رذاذ ممسّك الحجب ... يضحك فيه السرور من كثب «2»
ومجلس أسبلت ستائره ... على شموس البهاء والحسب
وقد جرت خيل راحنا خببا ... فى حليها أو هممن بالخبب «3»
والتهبت نارنا فمنظرها ... يغنيك عن كل منظر عجب
إذا ارتمت بالشرار فاطّردت ... على ذراها مطارد اللهب
رأيت ياقوتة مشبكة ... تطير عنها قراضة الذهب
فانهض إلى المجلس الذى ابتسمت ... فيه رياض الجمال والأدب
وقال بعض أهل العصر، وهو أبو الفرج الببغا «4» :
فحما قدّم الغلام فأهدى ... فى كوانينه حياة النّفوس
كان كالآبنوس غير محلّى ... فغدا وهو مذهب الآبنوس
لقى النار في ثياب حداد ... فكسته مصبّغات عروس
وقال أبو الفضل الميكالى:
كأن الشّرار على نارنا ... وقد راق منظرها كلّ عين سحالة تبر إذا ما علا
فإمّا هوى ففتات اللّجين «5»
وقال ابن المعتز يصف سحابة:
(1/221)

وموقرة بثقل الماء جاءت ... تهادى فوق أعناق الرّياح «1»
فباتت ليلها سحّا ووبلا ... وهطلا مثل أفواه الجراح
كأن سماءها لما تجلّت ... خلال نجومها عند الصباح
رياض بنفسج خضل ثراه ... تفتّح بينه نور الأقاح «2»
وقال:
ولجّة للمنايا خضت غمرتها ... بصارم ذكر صمصامة خذم «3»
وقارح صبغ الخيلان دهمته ... بشهبة كاختلاط الصّبح بالظّلم «4»
وقال:
وليل ككحل العين خضت ظلامه ... بأزرق لمّاع وأبيض صارم
ومضبورة الأعضاد حرف كأنها ... تصافح رضراض الحصى بمناسم «5»
وقال يصف حيّة:
نعتّ رقطاء لا تحيا لديغتها ... لو قدّها السّيف لم يعلق به بلل «6»
تلقى إذا انسلخت في الأرض جلدتها ... كأنها كمّ درع قدّه بطل
وقال أيضا:
وأسأر منى الدّهر عضبا مهنّدا ... يفلّ شبا حظّى، وقلبا مشيّعا «7»
ورأيا كمرآة الصّناع أرى به ... سرائر غيب الدهر من حيث ما سعى
(1/222)

أخذه من قول المنصور لابنه المهدى: لا تبرمنّ أمرا حتى تفكّر فيه؛ فإن فكرة العاقل مرآته، تريه قبحه وحسنه.
ولما دفن المنصور وقف الربيع على قبره فقال: رحمك الله يا أمير المؤمنين، وغفر لك! فقد كان لك حمي من العقل لا يطير به الجهل، وكنت ترى باطن الأمر بمرآة من الرأى، كما ترى ظاهره. ثم التفت إلى يحيى بن محمد أخى المنصور فقال: هذا كما قال أبو دهبل الجمحى «1» :
عقم النساء فما يلدن شبيهه ... إنّ النساء بمثله عقم «2»
وبعده «3» :
متهلل بنعم، بلا متباعد ... سيّان منه الوفر والعدم «4»
نزر الكلام من الحياء تخاله ... ضمنا، وليس بجسمه سقم «5»
أخذ البيت الأخير من قول ليلى الأخيلية «6» :
لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف ... إن ظالما يوما وإن مظلوما
(1/223)

قوم رباط الخيل حول بيوتهم ... وأسنة زرق يخلن نجوما
وممزّق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيته ... يوم الهياج على الخميس زعيما «1»
وقال:
يشبّهون ملوكا في تجلتهم ... وطول أنصبة الأعناق واللّمم «2»
إذا بدا المسك يجرى في مفارقهم ... راحوا كأنهم مرضى من الكرم
وقال أبو على الحاتمى: وما أحسن أبياتا أنشدها أبو عمر المطرز غلام ثعلب يعترض في أثنائها هذا المعنى:
تخالهم للحلم صمّا عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التّهاتر «3»
ومرضى إذا لاقوا حياء وعفّة ... وعند الحروب كالليوث الخوادر «4»
لهم عزّ إنصاف وذلّ تواضع ... بهم ولهم ذلّت رقاب العشائر
كأنّ بهم وصما يخافون عاره ... وليس بهم إلّا اتقاء المعاير «5»
وأنشد:
أحلام عاد لا يخاف جليسهم ... - وإن نطق العوراء- عيب لسان
إذا حدّثوا لم يخش سوء استماعهم ... وإن حدّثوا أدّوا بحسن بيان
(1/224)

وقال ابن المعتز:
وعاقد زنّار على غصن الآس ... دقيق المعانى مخطف الخصر ميّاس «1»
سقانى عقارا صبّ فيها مزاجها ... فأضحك عن ثغر الحباب فم الكاس
وقال:
يا ليلة نسى الزمان بها ... أحداثه، كونى بلا فجر
فاح المساء ببدرها، ووشت ... فيها الصّبا بمواقع القطر
ثم انقضت والقلب يتبعها ... فى حيث ما سقطت من الدّهر «2»
وقال:
يا ربّ إخوان صحبتهم ... لا يملكون لسلوة قلبا
لو تستطيع قلوبهم نفرت ... أجسامهم فتعانقت حبّا «3»
هذا كقول ابن الرومى:
أعانقه والنفس بعد مشوقة ... إليه، وهل بعد العناق تدانى؟
وألثم فاه كى تزول حرارتى ... فيشتدّ ما ألقى من الهيمان
ولم يك مقدار الذى بى من الهوى ... ليرويه ما ترشف الشّفتان
كأنّ فؤادى ليس يشفى غليله ... سوى أن يرى الروحان يمتزجان
ومن منثوره: لا يزال الإخوان يسافرون في المودّة، حتى يبلغوا الشّقة، فإذا بلغوها ألقوا عصا التّسيار، واطمأنّت بهم الدار، وأقبلت وفود النصائح، وأمنت خبايا الضمائر، فحلّوا عقد التحفّظ، ونزعوا ملابس التّخلّق.
وله: سار فلان في جيوش عليهم أردية السيوف، وأقمصة الحديد،
(1/225)

وكأنّ رماحهم قرون الوعول «1» ، وكأنّ دروعهم زبد السيول، على خيل تاكل الأرض بحوافرها، وتمدّ بالنّقع سرادقها «2» ، قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الرّق «3» ، وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللّجين «4» ، وقرّطت عذرا كأنها الشّنف «5» ، تتلقّف الأعداء أوائله ولم تنهض أواخره، قد صبّ عليهم وقار الصبر، وهبّت معهم ريح النّصر.
وله في عليل: آذن الله في شفائك، وتلقّى داءك بدوائك، ومسح بيد العافية عليك، ووجّه وفد السلامة إليك، وجعل علّتك ماجية لذنوبك، مضاعفة لثوابك.
وكتب إلى عبيد الله بن سليمان بن وهب «6» فى يوم عيد: أخّرتنى العلّة عن الوزير أعزّه الله، فحضرت بالدعاء في كتابى لينوب عنى، ويعمر ما أخلته العوائق منى، وأنا أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العيد أعظم الأعياد السالفة بركة على الوزير، ودون الأعياد المستقبلة فيما يحبّ ويحبّ له، ويقبل ما توسل به إلى مرضاته، ويضاعف الإحسان إليه، على الإحسان منه، ويمتّعه بصحبة النعمة ولباس العافية، ولا يريه في مسرّة نقصا، ولا يقطع عنه مزيدا، ويجعلنى من كل سوء فداء، ويصرف عيون الغير عنه، وعن حظّي منه.
(1/226)

وله إلى بعض الرؤساء: لا تشن حسن الظّفر بقبح الانتقام، وتجاوز عن كل مذنب لم يسلك من الإعذار طريقا «1» حتى اتّخذ من رجاء عفوك رفيقا.
وله اعتذار إلى القاسم بن عبيد الله: ترفّع عن ظلمى إن كنت بريئا، وتفضّل بالعفو إن كنت مسيئا، فو الله إنى لأطلب عفو ذنب لم أجنه، وألتمس الإقالة مما لا أعرفه؛ لتزداد تطوّلا، وأزداد تذلّلا؛ وأنا أعيذ حالى عندك بكرمك من واش يكيدها، وأحرسها بوفائك من باغ يحاول إفسادها، وأسأل الله تعالى أن يجعل حظّى منك، بقدر ودّى لك؛ ومحلّى من رجائك، بحيث أستحقّ منك.
وله إليه: لو كان في الصّمت موضع يسع حالى لخففت عن سمع الوزير ونظره، ولم أشغل وجها من فكره، وما زالت الشكوى، تعرب عن لسان البلوى، ومن اختلّت حالته، كان في الصّمت هلكته، وقد كان الصبر ينصرنى على ستر أمرى حتى خذلنى.
وهذا كقول أحمد بن إسماعيل: فصاحة الشكوى، على قدر البلوى، إلا أن يكون بالشاكى انقباض، وبالمشكوّ إليه إعراض.
[وصف الماء وما يتصل به]
وقد أحسن أبو العباس بن المعتز في صفة الماء في أرجوزته التي أنشدتها آنفا، وقد قال في قصيدة له وذكر إبلا:
فتبدّى لهنّ بالنّجف المد ... بر ماء صافى الجمام عرىّ «2»
(1/227)

يتمشّى على حصى يسلب الما ... ء قذاه فمتنه مجلىّ «1»
وإذا داخلته درّة شمس ... خلته كسّرت عليه الحلىّ
وقال «2» :
لا مثل منزلة الدّويرة منزل ... يا دار جادك وابل وسقاك «3»
بؤسا لدهر غيّرتك صروفه ... لم يمح من قلبى الهوى ومحاك
لم يحل للعينين بعدك منظر ... ذمّ المنازل كلّهنّ سواك
أىّ المعاهد منك أندب طيبه ... ممساك بالآصال أم ممداك
أم برد ظلّك ذى الغصون وذى الجنى ... أم أرضك الميثاء أم ريّاك «4»
وكأنما سطعت مجامر عنبر ... أو فتّ فأر المسك فوق ثراك «5»
وكأنما حصباء أرضك جوهر ... وكأنّ ماء الورد دمع نداك
[وكأنما أيدى الربيع ضحيّة ... نشرت ثياب الوشى فوق رباك] «6»
وكأن درعا مفرغا من فضّة ... ماء الغدير جرت عليه صباك «7»
وعشقت عاتكة المرية ابن عمّ لها فراودها عن نفسها فقالت:
فما طعم ماء أىّ ماء تقوله ... تحدّر عن غرّ طوال الذوائب
بمنعرج من بطن واد تقابلت ... عليه رياح الصيف من كل جانب
نفت جرية الماء القذى عن متونه ... فما إن به عيب تراه لشارب
بأطيب ممن يقصر الطّرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب
وأنشد الأصمعى قال: أنشدنى أبو عمرو بن العلاء لجابر بن الأرق، وقال:
هو أحسن ما قيل في معناه:
(1/228)

أياويح نفسى كلما التحت لوحة «1» ... على شربة من ماء أحواض مارب «2»
بقايا نطاف أودع الغيم صفوها ... مصقّلة الأرجاء زرق المشارب «3»
ترقرق دمع المزن فيهن والتوت ... عليهن أنفاس الرياح الغرائب
وأنشد إسحاق بن إبراهيم للأبيرد اليربوعى، ورويت لمضرّس بن ربعى الأسدى:
فألقت عصا التّسيار عنها، وخيّمت ... بأرجاء عذب الماء زرق محافره
أزال القذى عن مائه وافد الصّبا ... يروح عليه ناسما ويباكره
وأول من أتى بهذا زهير بن أبى سلمى في قوله:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصىّ الحاضر المتخيّم «4»
وقال ابن الرومى:
وماء جلت عن حرّ صفحته القذى ... من الريح معطار الأصائل والبكر
به عبق ممّا تسحّب فوقه ... نسيم الصبا يجرى على النّور والزّهر
[وصف الدور والقصور]
ويتعلق بهذا الباب قول البحترى يصف بركة الجعفرى «5» وهو قصر ابتناه المتوكل في سرّ من رأى:
(1/229)

يا من رأى البركة الحسنا ورونقها ... والآنسات إذا لاحت مغانيها «1»
ما بال دجلة كالغيرى تنافسها ... فى الحسن طورا وأطوارا تباهيها!
إذا علتها الصّبا أبدت لها حبكا ... مثل الجواشن مصقولا حواشيها «2»
فحاجب الشمس أحيانا يغازلها ... وريّق الغيث أحيانا يباكيها «3»
إذا النجوم تراءت في جوانبها ... ليلا حسبت سماء زكّبت فيها
كأنما الفضّة البيضاء سائلة ... من السّبائك تجرى في مجاريها
تنصبّ فيها وفود الماء معجلة ... كالخيل خارجة من حبل مجريها «4»
كأنّ جنّ سليمان الّذين ولوا ... إبداعها فأدقّوا في معانيها
فلو تمرّ بها بلقيس عن عرض ... قالت: هى الصّرح تمثيلا وتشبيها «5»
[لا يبلغ السمك المقصور غايتها ... لبعد ما بين قاصيها ودانيها]
يعمن فيها بأوساط مجنّحة ... كالطّير تنشر في جوّ خوافيها
ولم ينفق أحد من خلفاء بنى العباس في البناء ما أنفقه المتوكل؛ وذلك أنه أنفق في أبنيته ثلاثمائة ألف ألف، وفي أبنيته يقول على بن الجهم «6» :
(1/230)

وما زلت أسمع أنّ الملوك ... تبنى على قدر أخطارها
وأعلم أنّ عقول الرجا ... ل يقضى عليها بآثارها
صحون تسافر فيها العيون ... فتحسر من بعد أقطارها «1»
وقبّة ملك كأنّ النجو ... م تفضى إليها بأسرارها
إذا أوقدت نارها بالعراق ... أضاء الحجاز سنا نارها
لها شرفات كأنّ الربيع ... كساها الرّياض بأنوارها
فهنّ كمصطحبات خرجن ... لفصح النّصارى وإفطارها «2»
نظمن القسىّ كنظم الحلى ... بعون النساء وأبكارها «3»
فمن بين عاقصة شعرها ... ومصلحة عقد زنّارها «4»
وللبحترى فيها شعر كثير منه:
أرى المتوكليّة قد تعالت ... مصانعها وأكملت التماما «5»
قصور كالكواكب لا معات ... يكدن يضئن للسارى الظّلاما
وروض مثل برد الوشى فيه ... جنى الحوذان ينشر والخزامى «6»
غرائب من فنون النّور فيها ... جنى الزهر الفرادى والتّؤاما
تضاحكها الضحى طورا وطورا ... عليه الغيم ينسجم انسجاما «7»
ولو لم يستهلّ لها غمام ... بريّقه لكنت لها غماما «8»
وقال أيضا:
قد تمّ حسن الجعفرىّ ولم يكن ... ليتمّ إلّا للخليفة جعفر
(1/231)

ملك تبوّأ خير دار أنشئت ... [فى خير مبدى للأنام ومحضر]
[فى رأس مشرفة حصاها لؤلؤ] ... وترابها مسك يشاب بعنبر «1»
مخضرّة والغيث ليس بساكب ... ومضيئة والليل ليس بمقمر
رفعت بمنحرق الرياح، وجاورت ... ظلّ الغمام الصيّب المستعبر «2»
وبعده:
ورفعت بنبانا كأن زهاءه ... أعلام رضوى أو شواهق ضيبر «3»
عال على لحظ العيون ن كأنما ... ينظرن منه إلى بياض المشترى «4»
ملأت جوانبه الفضاء، وعانقت ... شرفاته قطع السحاب الممطر
وتسيل دجلة تحته ففناؤه ... من لجة فرشت وروض أخضر
شجر تلاعبه الرياح فتنثنى ... أعطافه في سائح متفجّر
أخذ أبو بكر الصنبورى «5» قول البحترى في صفة البركة فقال يصف موضعا:
سقى حلبا سافك دمعه ... بطىء الرّقوء إذا ما سفك «6»
ميادينه بسطهنّ الرياض ... وساحاته بينهن البرك
ترى الريح تنسج من مائه ... دروعا مضاعفة أو شبك
كأن الزجاج عليها أذيب ... وماء اللّجين بها قد سبك
هى الجوّ من رقّة غير أنّ ... مكان الطيور يطير السّمك
وقد نظم الزهر نظم النجوم ... فمفترق النّظم أو مشتبك
(1/232)

كما درّج الماء مرّ الصّبا ... ودبّج وجه السماء الحبك
يباهين أعلام قمص القيان ... ونقش عصائبها والتّكك
وأخذ قوله:
إذا النّجوم تراءت في جوانبها
فقال:
ولما تعالى البدر وامتدّ ضوءه ... بدجلة في تشرين في الطّول والعرض
وقد قابل الماء المفضض نوره ... وبعض نجوم الليل يقفو سنا بعض «1»
توهّم ذو العين البصيرة أنه ... يرى باطن الأفلاك من ظاهر الأرض
ولأهل العصر في هذا النّحو كلام كثير:
قال الأمير أبو الفضل الميكالى، يصف بركة وقع عليها شعاع الشمس فألقته على مهو مطلّ «2» عليها يقول:
أما ترى البركة الغراء قد لبست ... نورا من الشمس في حافاتها سطعا
والمهو من فوقها يلهيك منظره ... كأنه ملك في دسته ارتفعا
والماء من تحته ألقى الشعاع على ... أعلى سماواته فارتجّ ملتمعا
كأنه السيف مصقولا تقلّبه ... كفّ الكمىّ إلى ضرب الكميّ سمى «3»
وقال على بن محمد الإيادى يمدح المعزّ ويصف دار البحر بالمنصورية «4» :
ولما استطال المجد واستولت البنى ... على النّجم واشتدّ الرواق المروّق «5»
بنى قبة للملك في وسط جنّة ... لها منظر يزهى به الطّرف مونق
بمعشوقة الساحات، أمّا عراصها ... فخضر، وأمّا طيرها فهى نطّق
«6»
(1/233)

تحفّ بقصر ذى قصور كأنما ... ترى البحر في أرجائه وهو متأق «1»
له بركة للماء ملء فضائه ... تخبّ بقصريها العيون وتعنق «2»
لها جدول ينصبّ فيها كأنه ... حسام جلاه القين بالأرض ملصق «3»
لها مجلس قد قام في وسط مائها ... كما قام في فيض الفرات الخورنق «4»
كأنّ صفاء الماء فيها وحسنه ... زجاج صفت أرجاؤه فهو أزرق
إذا بثّ فيها الليل أشخاص نجمه ... رأيت وجوه الزنج بالنار تحرق
وإن صافحتها الشمس لاحت كأنها ... فرند على تاج المعزّ ورونق
كأن شرافات المقاصر حولها ... عذارى عليهنّ الملاء الممنطق
يذوب الجفاء الجعد عن وجه مائها ... كما ذاب آل الصّحصحان المرقرق «5»
وقال عبد الكريم بن إبراهيم:
يا ربّ فتيان صدق رحت بينهم ... والشمس كالدّنف المعشوق في الأفق
مرضى أصائلها حسرى شمائلها ... تروّح الغصن الممطور في الورق
معاطيا شمس إبريق إذا مزجت ... تقلّدت عقد مرجان من النّزق
عن ماحل طافح بالماء معتلج ... كأنما نفسه صيغت من الحدق
تضمّه الرّيح أحيانا، وتفرقه ... فالماء ما بين محبوس ومنطلق
من أخضر ناضر والطّلّ يلحقه ... وأبيض تحت قيظىّ الضحى يقق «6»
تهزّه الريح أحيانا فيمنحها ... للزّجر خفق فؤاد العاشق القلق
كأنّ خافاته نطّقن من زبد ... مناطقا رصّعت من لؤلؤ نسق
(1/234)

كأن قبّته من سندس نمط ... حسناء مجلوّة اللبّات والعنق
إذا تبلّج فجر فوق زرقته ... حسبته فرسا دهماء في بلق «1»
أو لازوردا جرى في متنه ذهب ... فلاح في شارق من مائه شرق
عشية كملت حسنا وساعدها ... ليل يمدّد أطنابا على الأفق
تجلى بغرّة وضّاح الجبين له ... ما شئت من كرم واف ومن خلق
ألفاظ لأهل المصر في وصف الماء وما يتصل به
ماء كالزّجاج الأزرق، غدير كعين الشمس، موارد كالمبارد، وماء كلسان الشمعة، فى صفاء الدّمعة، يسبح في الرّضراض، سبح النّضناض، ماء أزرق كعين السّنّور «2» ، صاف كقضيب البلّور، ماء إذا مسّته يد النسيم حكى سلاسل الفضة، ماء إذا صافحته راحة الريح، لبس الدّرع كالمسيح، كأنّ الغدير بتراب الماء رداء مصندل، بركة كأنها مرآة السماء، بركة مفروزة بالخضرة، كانّها مرآة مجلوّة، على ديباجة خضراء، بركة ماء كأنها مرآة الصّناع «3» ، غدير ترقرقت فيه دموع السحائب، وتواترت عليه أنفاس الرياح الغرائب، ماء زرق جمامه، طامية أرجاؤه، يبوح بأسراره صفاؤه، وتلوح في قراره حصباؤه، ماء كأنما يفقده من يشهده، يتسلسل كالزرافين «4» ، ويرضع أولاد الرّياحين، انحلّ عقد السماء، ووهى عقد الأنواء، انحلّ سلك القطر عن درّ البحر، أسعد السحاب جفون العشّاق «5» ، وأكفّ الأجواد، وانحلّ خيط السماء، وانقطع
(1/235)

شريان الغمام، سحابة يتجلّى عليها ماء البحر، وتفضّ علينا عقود الدّر، سحاب حكى المحبّ في انسكاب دموعه، والتهاب النار بين ضلوعه، سحابة تحدو من الغيوم جمالا، وتمدّ من الأمطار حبالا، سحابة ترسل الأمطار أمواجا، والأمواج أفواجا، تحللت عقد السماء بالدّيمة الهطلاء، غيث أجشّ «1» يروى الهصاب والآكام «2» ، ويحيى النبات والسّوام «3» ، غيث كغزرة فضلك، وسلاسة طبعك، وسلامة عقدك، وصفاء ودّك، وبل كالنبل، سحابة يضحك من بكائها الرّوض، وتخضرّ من سوادها الأرض، سحابة لا تجفّ جفونها ولا يخف أنينها، ديمة روّت أديم الثرى، ونبهت عيون النّور من الكرى، سحابة ركبت أعناق الرياح، وسحّت كأفواه الجراح، مطر كافواه القرب، ووحل إلى الركب، أندية منّ الله معها على البيوت بالثّبوت، وعلى السقوف بالوقوف، أقبل السّيل ينحدر انحدارا، ويحمل أحجارا وأشجارا، كأن به جنة، أو في أحشائه أجنّة.
وبعض ما مر من هذه الألفاظ محلول نظام ما تقدم إنشاده.
ولهم في مقدمات المطر
لبست السماء جلبابها، وسحبت السحائب أذيالها، قد احتجبت الشمس في سرداق الغيم، ولبس الجوّ مطرفه الأدكن، باحت الريح بأسرار النّدى، وضربت خيمة الغمام، ورش جيش النسيم، وابتل جناح الهواء، واغرورقت مقلة السماء، وبشّر النسيم بالندى، واستعدت الأرض للقطر، هبت شمائل الجنائب، لتأليف شمل السحائب. تألفت أشتات الغيوم، وأسبلت السّتور على النجوم.
(1/236)

وفي الرعد والبرق
قام خطيب الرّعد، ونبض عرق البرق، سحابة ارتجزت «1» رواعدها، وأذهبت ببروقها مطاردها، نطق لسان الرعد، وخفق قلب البرق، فالرعد ذو صخب، والبرق ذو لهب، ابتسم البرق عن قهقهة الرعد، زأرت أسد الرعد، ولمعت سيوف البرق، رعدت [سيوف] الغمائم، وبرقت، وانحلت عزالىّ السماء فطبقت، هدرت رواعدها، وقربت أباعدها، وصدقت مواعدها. كأن البرق قلب مشوق، بين التهاب وخفوق.
ويتصل بهذه الأنحاء
ما حكاه عمر بن على المطوعى قال: رأى الأمير السيد أبو الفضل عبيد الله ابن أحمد- أدام الله عزه! - أيام مقامه بجوين أن يطالع قرية من قرى ضياعه تدعى نجاب على سبيل التنزّه والتفرّج، فكنت في جملة من استصحبه إليها من أصحابه، واتّفق أنا وصلنا والسماء مصحية، والجوّ صاف لم يطرز ثوبه بعلم الغمام، والأفق فيروزج لم يعبق به كافور السحاب؛ فوقع الاختيار على ظلّ شجرة باسقة الفروع «2» ، متّسقة الأوراق والغصون، قد سترت ما حواليها من الأرض طولا وعرضا، فنزلنا تحتها مستظلّين بسماوة أفنانها «3» ، مستترين من وهج الشمس بستارة أغصانها، وأخذنا نتجاذب أذيال المذاكرة، ونتسالب أهداب المناشدة والمحاورة؛ فما شعرنا بالسّماء إلا وقد أرعدت وأبرقت، وأظلمت بعد ما أشرقت، ثم جادت بمطر كأفواه القرب فأجادت، وحكت أنامل الأجواد ومدامع العشاق «4» ، بل
(1/237)

أوفت عليها وزادت، حتى كاد غيثها يعود عيثا «1» ، وهمّ وبلها أن يستحيل ويلا فصبرنا على أذاها، وقلنا: سحابة صيف عما قليل تقشّع، فإذا نحن بها قد أمطرتنا بردا كالّثغور، لكنها من ثغور العذاب، لا من الثغور العذاب، فأيقنّا بالبلاء، وسلّمنا لأسباب القضاء؛ فما مرت إلا ساعة من النهار، حتى سمعنا خرير الأنهار، ورأينا السّيل قد بلغ الزّبى»
، والماء قد غمر القيعان والرّبى «3» ؛ فبادرنا إلى حصن القرية لائذين من السّيل بأفنيتها، وعائذين من القطر بأبنيتها، وأثوابنا قد صندل كافوريّها ماء الوبل، وغلّف طرازيّها طين الوحل، ونحن نحمد الله تعالى على سلامة الأبدان، وإن فقدنا بياض الأكمام والأردان، ونشكره على سلامة الأنفس والأرواح، شكر التاجر على بقاء رأس المال إذا فجع بالأرباح؛ فبتنا تلك الليلة في سماء تكف ولا تكفّ «4» ، وتبكى علينا إلى الصباح بأدمع هوام «5» ، وأربعة سجام؛ فلما سلّ سيف الصبح من غمد الظلام، وصرف بوالى الصحو عامل الغمام، رأينا صواب الرأى أن نوسع الإقامة بها رفضا، ونتخذ الارتحال عنها فرضا؛ فما زلنا نطوى الصحارى أرضا فأرضا، إلى أن وافينا المستقر ركضا؛ فلما نفضنا غبار ذلك المسير، الذى جمعنا في ربقة الأسير، وأفضينا إلى ساحة التيسير، بعد ما أصبنا بالأمر العسير، وتذاكرنا ما لقينا من التعب والمشقّة، فى قطع ذلك الطريق وطىّ تلك الشّقة، أخذ الأمير السيد- أطال الله بقاءه! - القلم فعلق هذه الأبيات ارتجالا:
دهتنا السماء غداة السّحاب ... بغيث على أفقه مسبل
فجاء برعد له رنّة ... كرنّة ثكلى ولم تثكل
(1/238)

وثنّى بوبل عدا طوره ... فعاد وبالا على الممحل «1»
وأشرف أصحابنا من أذاه ... على خطر هائل معضل
فمن لائذ بفناء الجدار ... وآو إلى نفق مهمل «2»
ومن مستجير ينادى: الغريق ... هناك، ومن صارخ معول
وجادت علينا سماء السقوف ... بدمع من الوجد لم يهمل
كأنّ حراما لها أن ترى ... يبيسا من الأرض لم يبلل
وأقبل سيل له روعة ... فأدبر كلّ عن المقبل
يقلّع ما شاء من دوحة ... وما يلق من صخرة يحمل
كأنّ بأحشائه إذ بدا ... أجنّة حبلى ولم تحبل
فمن عامر ردّه غامرا ... ومن معلم عاد كالمجهل «3»
كفانا بليّته ربّنا ... فقد وجب الشكر للمفضل
فقل للسماء ارعدى وابرقى ... فإنّا رجعنا إلى المنزل «4»
أخذ المطوعى قوله: «فلما سلّ سيف الصبح من غمد الظلام» من قول أبى الفتح البستى:
رب ليل أغمد الأنوار إلّا ... نور ثغر أو مدام أو ندام
قد نعمنا بدياجيه إلى أن ... سل سيف الصبح من غمد الظلام
[وقال بعض أهل العصر، وهو أبو العباس الناشىء] :
خليلى هل للمزن مقلة عاشق ... أم النار في أحشائها وهي لا تدرى
أشارت إلى أرض العراق فأصبحت ... وكاللؤلؤ المنثور أدمعها تجرى
(1/239)

سحاب حكت ثكلى أصيبت بواحد ... فعاجت له نحو الرياض على قبر
تسّر بل وشيا من حزون تطرزت ... مطارفها طرزا من البرق كالتّبر
فوشى بلا رقم، ورقم بلا يد، ... ودمع بلا عين، وضحك بلا ثغر
وقال آخر:
أرقت لبرق شديد الوميض ... ترامى غواربه بالشّهب
كأنّ تألّقه في السماء ... سطور كتبن بماء الذهب
وقال ابن المعتز:
كأن الرّباب الجون دون سحابه ... خليع من الفتيان يسحب مئزرا «1»
إذا لحقته خيفة من رعوده ... تلفّت واستلّ الحسام المذكّرا
وقد قال حسان بن ثابت:
كأن الرّباب دوين السحاب ... نعام تعلق بالأرجل «2»
وقال ابن المعتز:
باكية يضحك فيها برقها ... موصلة بالأرض مرخاة الطّنب
رأيت فيها برقها منذ بدا ... كمثل طرف العين أو قلب يجب «3»
جرت بها ريح الصبا حتى بدا ... منها لى البرق كأمثال الشهب «4»
تحسبه طورا إذا ما انصدعت ... أحشاؤها عنه شجاعا يضطرب «5»
وتارة تحسبه كأنه ... أبلق مال جله حين وثب «6»
(1/240)

وتارة تحسبه كأنه ... سلاسل مفصولة من الذهب
وقال الطائى:
ياسهم للبرق الذى استطارا ... صار على رغم الدّجى نهارا
آض لنا ماء وكان نارا «1»
وينشد أصحاب المعانى:
نار تجدد للعينين نضرتها ... والنار تلفح عيدانا فتحترق
وقال ابن المعتز يمدح الشّرب في الصّحو، ويذمّه في المطر:
أنا لا أشتهى سماء كبطن العير ... والشّرب تحتها في خراب «2»
بين سقف قد صار منخل ماء ... وجدار ملقى وتلّ تراب
وبيوت يوقّع الوكف فيهنّ ... وإيقاعه بغير صواب «3»
إنما أشتهى الصّبوح على وجه ... سماء مصقولة الجلباب
ونسيم من الصّبا يتمشّى ... فوق روض ند جديد الشّباب
وكأنّ الشمس المضيئة دينا ... ر جبته حدائد الضّرّاب
فى غداة وكأسها مثل شمس ... طلعت في ملاءة من شراب «4»
أو عروس قد ضمّخت بخلوق ... فهى صفراء في قميص حباب
وغناء لا عذر للعود فيه ... بتندّى الأوتار والمضراب
ونقاء البساط من وضر الطّين ... ومسح الأقدام في كلّ باب
ونشاط الغلمان إن عرضت حا ... جاتنا في مجيئهم والذّهاب
وجفاف الريحان والنرّجس الغضّ ... بأيدى الخلان والأصحاب
لا تندّى أنوفهم كلما حيّوا ... بضعث ندى أنوف الكلاب
(1/241)

ذاك يوم أراه غنما وحظّا ... من عطاء المهيمن الوهّاب
وقال الصّنوبرى:
أنيس ظباء بوحش الظبا ... وصبغ حيا مثل صبغ الحيا
ويوم تكلّله الشمس من ... صفاء الهوى وصفاء الهوا
بشمس الدّنان وشمس الفيان ... وشمس الجنان وشمس السّما
وشبيه بالأبيات التي كتبها ثعلب إلى أبى العباس بن المعتز لجميل «1» قول الآخر:
وما وجد ملواح من الهيم خلّيت ... عن الورد حتى جوفها يتصلصل «2»
تحوم وتغشاها العصىّ وحولها ... أقاطيع أنعام تعلّ وتنهل
بأكثر منّى لوعة وصبابة ... إلى الورد إلّا أنّنى أتجمّل «3»
وقال أبو حيّة النميرى:
كفى حزنا أنّى أرى الماء معرضا ... لعينى ولكن لا سبيل إلى الورد «4»
وما كنت أخشى أن تكون منيتى ... بكفّ أعزّ الناس كلهم عندى
[وصف رجل حازم لابن المقفع]
قال ابن المقفّع: كان لى أخ أعظم الناس في عينى «5» ، وكان رأس ما عظّمه فى عينى صغر الدنيا في عينه، وكان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهى مالا
(1/242)

يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا من سلطان فرجه، فلا تدعوه إليه مؤنة، ولا يستخف له رأيا ولا بدنا. وكان لا يتأثر عند نعمة، ولا يستكين عند مصيبة.
وكان خارجا من سلطان لسانه، فلا يتكلّم بما لا يعلم، ولا يمارى فيما علم، وكان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يتقدّم «1» أبدا إلا على ثقة بمنفعة، وكان أكثر دهره صامتا، فإذا قال بزّ القائلين «2» ، وكان ضعيفا مستضعفا، فإذا جدّ الجدّ «3» فهو اللّيث عاديا «4» . وكان لا يدخل في دعوى، ولا يشارك في مراء «5» ، ولا يدلى بحجّة حتى يرى قاضيا فهما «6» وشهودا عدولا. وكان لا يلوم أحدا فيما يكون العذر في مثله حتى يعلم ما عذره.
وكان لا يشكو وجعه إلّا عند من يرجو عنده البرء، ولا يستشير صاحبا إلا أن يرجو منه النصيحة. وكان لا يتبرّم «7» ولا يتسخّط، ولا يتشكّى ولا يتشهّى، ولا ينتقم من العدوّ، ولا يغفل عن الولىّ، ولا يخصّ نفسه بشىء دون إخوانه من اهتمامه وحيلته وقوته. فعليك بهذه الأخلاق إن أطقتها، ولن تطيق، ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع.
وعلى ذكر قوله: «وإن قال بزّ القائلين» قال ابن كناسة- واسمه محمد بن عبد الله، ويكنى أبا يحيى- فى إبراهيم بن أدهم «8» الزاهد:
رأيتك لا ترضى بما دونه الرضا ... وقد كان يرضى دون ذاك ابن أدهما
(1/243)

وكان يرى الدّنيا صغيرا عظيمها ... وكان لأمر الله فيها معظّما
وأكثر ما تلقاه في الناس صامتا ... وإن قال بزّ القائلين فأفحما
يشيع الغنى في الناس إن مسّه الغنى ... وتلقى به البأساء عيسى بن مريما
أهان الهوى حتى تجنّبه الهوى ... كما اجتنب الجانى الدم الطالب الدّما
ألفاظ لأهل العصر في ذكر التقى والزهد
فلان عذب المشرب، عفّ المطلب، نقىّ الساحة من المآثم، برىء الذمة من الجرائم، إذا رضى لم يقل غير الصدق، وإذا سخط لم يتجاوز جانب الحق، يرجع إلى نفس أمّارة بالخير، بعيدة من الشر، مدلولة على سبيل البرّ؛ أعرض عن زبرج الدنيا وخدعها، وأقبل على اكتساب نعم الآخرة ومتعها.
كفّ كفّه عن زخرف الدنيا ونصرتها، وغضّ طرفه عن متاعها وزهرتها؛ وأعرض عنها وقد تعرّضت له بزينتها، وصدّ عنها وقد تصدّت له في حليتها.
فلان ليس ممن يقف في ظلّ الطمع، فيسفّ إلى حضيض الطبع «1» ، نقىّ الصحيفة، علىّ عن الفضيحة، عفّ الإزار، طاهر من الأوزار، قد عاد لإصلاح المعاد، وإعداد الزاد.
وكان ابن المقفع من أشراف فارس، وهو من حكماء زمانه، وله مصنّفات كثيرة، ورسائل مختارة؛ وكان محجما عن قول الشعر، وقيل له: لم لا تقول الشعر؟ فقال: الذى أرضاه لا يجيئنى، والذى يجىء لا أرضاه «2» .
(1/244)

أخذ هذا بعضهم فقال:
أبى الشعر إلّا أن يفىء رديّه ... إلىّ، ويأبى منه ما كان محكما
فيا ليتنى إذ لم أجد حوك وشيه ... ولم أك من فرسانه كنت مفحما «1»
وكان ظريفا في دينه «2» ، وذكر أنه مرّ ببيت النار فقال:
يا بيت عاتكة الّذى أتعزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكّل «3»
أصبحت أمنحك الصدود، وإننى ... قسما إليك مع الصدود لأميل «4»
البيتان للأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح الأنصارى أخى بنى عمرو بن عوف. وعاصم بن ثابت حمىّ الدّبر «5» قتله بنولحيان من هذيل يوم الرجيع، فأرادوا أن يبعثوا برأسه إلى مكة، وكانت سلافة بنت سعد نذرت لتشربنّ في رأسه الخمر، وكان قتل بعض ولدها من طلحة بن أبى طلحة أحد بنى عبد الدار يوم أحد، فلما أرادوا أخذ رأسه حمته الدّبر- وهي النحل- فلم يجدوا إليه سبيلا، وجعلوا يقولون: إنّ الدّبر لو قد أمسى صرنا إلى حشو استه، فلما أمسوا بعث الله أتيّا فواراه منهم «6» . وعاتكة التي ذكر هي عاتكة بنت يزيد بن معاوية.
[ألطف تعريض، وأدق فهم]
ولما دخل أبو جعفر المنصور المدينة قال للربيع: أبغنى رجلا عاقلا عالما بالمدينة ليقفنى على دورها؛ فقد بعد عهدى بديار قومى؛ فالتمس له الربيع فتى
(1/245)

من أعقل الناس وأعلمهم، فكان لا يبتدىء، بإخبار حتى يسأله المنصور فيجيبه بأحسن عبارة، وأجود بيان، وأوفى معنى، فأعجب المنصور به، وأمر له بمال، فتأخّر عنه، ودعته الضرورة إلى استنجازه، فاجتاز ببيت عاتكة، فقال: يا أمير المؤمنين؛ هذا بيت عاتكة الذى يقول فيه الأحوص: «يا بيت عاتكة الذى أتعزّل» ... البيت، ففكر المنصور في قوله، وقال: لم يخالف عادته بابتداء الإخبار دون الاستخبار إلا لأمر، وأقبل يردّد القصيدة ويتصفحها بيتا بيتا حتى انتهى إلى قوله فيها:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل «1»
فقال: يا ربيع، هل أوصلت إلى الرجل ما أمرنا له به؟ فقال: أخّرته عنه- لعلّة ذكرها الربيع- فقال: عجّله له مضاعفا، وهذا ألطف تعريض من الرجل، وحسن فهم من المنصور.
[الحسد والحساد]
ومن كلام ابن المقفع: الحاسد لا يزال زاريا على نعمة الله ولا يجد لها مزالا، ومكدّرا على نفسه ما به من النعمة فلا يجد لها طعما، ولا يزال ساخطا على من لا يترضّاه، ومتسخّطا لما [لا] ينال، فهو كظوم هلوع جزوع، ظالم أشبه شىء بمظلوم، محروم الطّلبة، منغّص العيشة، دائم التسخّط، لا بما قسم له يقنع، ولا على ما لم يقسم له يغلب، والمحسود يتقلّب في فضل نعم الله مباشرا للسرور.
ممهلا فيه إلى مدّة لا يقدر الناس لها على قطع ولا انتقاص، ولو صبر الحاسد على ما به لكان خيرا له؛ لأنه كلما أراد أن يطفىء نور الله أعلاه ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.
(1/246)

قال الطائى:
لولا التّخوّف للعواقب لم تزل ... للحاسد النّعمى على المحسود
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
أخذه البحترى فقال:
ولن تستبين الدّهر موضع نعمة ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
ولقد أحسن القائل:
إن يحسدونى فإنى غير لائمهم ... قبلى من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لى ولهم ما بى وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد
أنا الذى يجدونى في صدورهم ... لا أرتقى صدرا عنها ولا أرد «1»
وقال ابن الرومى لصاعد بن مخلد:
وضدّ لكم لا زال يسفل جدّه ... ولا برحت أنفاسه تتصعّد «2»
يرى زبرج الدنيا يزفّ إليكم ... ويغضى عن استحقاقكم فهو يفأد «3»
ولو قاس باستحقاقكم ما منحتم ... لأطفأ نارا في الحشا تتوقّد
وآنق من عقد العقيلة جيدها ... وأحسن من سربالها المتجرّد «4»
وقال معن بن زائدة:
إنى حسدت فزاد الله في حسدى ... لا عاش من عاش يوما غير محسود
ما يحسد المرء إلّا من فضائله ... بالعلم والظّرف، أو بالبأس والجود
(1/247)

ألفاظ لأهل العصر في ذكر الحسد
دبّت عقارب الحسدة، وكمنت أفاعيهم بكلّ مرصد. فلان معجون من طينة الحسد والمنافسة، مضروب في قالب الضّيق والمناقشة. قد وكل بى لحظا ينتضل بأسهم الحسد. فلان جسد كلّه حسد، وعقد كلّه حقد. الحاسد يعمى عن محاسن الصّبح، بعين تدرك حقائق القبح.
[التلطف في الطلب]
كتب محمد بن حماد يعرّض في حاجة له ببيتى شعر إلى الواثق يقول:
جذبت دواعى النفس عن طلب المنى ... وقلت لها كفّى عن الطّلب المزرى
فإنّ أمير المؤمنين بكفّه ... مدار رحى بالرزق دائبة تجرى
فوقّع تحتها: جذبك نفسك عن امتحانها بالمسألة دعانى إلى صونك بسعة فضلى عليك، فخذ ما طلبت هنيئا.
قال على بن عبيدة: أتيت الحسن بن سهل بفم الصلح؛ فأقمت ببابه ثلاثة أشهر لا أحظى منه بطائل، فكتبت إليه:
مدحت ابن سهل ذا الأيادى وماله ... بذاك يد عندى ولا قدم بعد
وماذنبه، والناس- إلا أقلّهم- ... عيال له، إن كان لم يك لى جدّ
سأحمده للناس حتى إذا بدا ... له فىّ رأى عاد لى ذلك الحمد
فكتب إلىّ: باب السلطان يحتاج إلى ثلاث خلال: عقل وصبر ومال، فقلت للواسطة: تؤدّى عنى؟ قال: نعم. قلت: تقول له: لو كان لى مال لاغنانى عن الطلب إليك، أو صبر لصبرت عن الذّلّ ببابك، أو عقل لا ستدللت به على النزاهة عن رفدك! فأمر لى بثلاثين ألف درهم.
(1/248)

وقال على بن عبيدة الريحانى يوما، وقد رأى جارية يهواها: لولا البقيا على الضمائر لبحنا بما تجنّه السرائر، لكن نيران الحبّ تتدارك بالإخفاء، ولا تعاجل بالإبداء؛ فإن دوامها مع إغلاق أبواب الكتمان، وزوالها في فتح مصارع الإعلان.
وقد قال محمد بن يزيد الأموى:
لا وحبّيك لا أصا ... فح بالدّمع مدمعا
من بكى حبّه استرا ... ح وإن كان موجعا
ومن كلام علىّ بن عبيدة: اجعل أنسك آخر ما تبذل من ودّك، وصن الاسترسال منك، حتى تجد له مستحقا؛ فإن الأنس لباس العرض، وتحفة الثقة، وحباء الأكفاء، وشعار الخاصّة، فلا تخلق جدّته إلا لمن يعرف قدر ما بذلت له منك.
وقال: لولا حركات من الابتهاج أجد حسّها عند رؤيتك في نفسى لا أعرف لها مثيرا من مظانّها إلّا مؤانستك لى، لأبقيت عليك من العناء، وخفّفت عنك مؤونة اللقاء؛ لكنى أجد من الزيادة بك عندى أكثر من قدر راحتك في تأخّرك عنى، فأضيق عن احتمال الخسران بالوحدة منك.
وقال: لوجلى من طلوع الملالة بكرّ اللّقاء أستخفّ التّجافى مع شدّة الشوق، لتبقى جدّة الحال عند من أحبّ دوامه لى؛ وردّ طرف الشوق باطنا أيسر من معاناة الجفاء مع الودّ ظاهرا.
وقال بعض المحدثين:
كم استراح إلى صبر فلم يرح ... صبّ إليكم من الأشواق في ترح
تركتم قلبه من حزن فرقتكم ... لو يرزق الوصل لم يقدر على الفرح
وقال أعرابى:
ألا قل لدار بين أكثبة الحمى ... وذات الغضى: جادت عليك الهواضب «1»
(1/249)

أجدّك لا آتيك إلّا تتابعت ... دموع، أضاعت ما حفظت، سواكب
ديار تنسّمت المنى نحو أرصها ... وطاوعنى فيها الهوى والحبائب
ليالى لا الهجران محتكم بها ... على وصل من أهوى ولا الظّن كاذب
[الأدب في مجلس الحكم]
تنازع إبراهيم بن المهدى وابن بختيشوع الطبيب بين يدى أحمد بن أبى داود فى مجلس الحكم في عقار بناحية السّواد، فأربى عليه إبراهيم وأغلظ له، فأحفظ ذلك ابن أبى داود، فقال: يا إبراهيم، إذا نازعت في مجلس الحكم بحضرتنا امرءا فلا أعلمنّ أنك رفعت عليه صوتا، ولا أشرت بيد، وليكن قصدك أمما «1» ، وريحك ساكنة، وكلامك معتدلا، مع وفاء مجالس الخليفة حقوقها من التّعظيم، والتوقير، والاستكانة، والتوجّه إلى الواجب؛ فإن ذلك أشكل بك، وأشمل لمذهبك في محتدك، وعظيم خطرك، ولا تعجلنّ، فربّ عجلة تهب ريثا، والله يعصمك من خطل القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمّها على أبو يك من قبل، إن ربك حكيم عليم.
فقال إبراهيم: أصلحك الله تعالى؛ أمرت بسداد، وحضضت على رشاد؛ ولست عائدا لما يثلم مروءتى عندك، ويسقطنى من عينك، ويخرجنى من مقدار الواجب إلى الاعتذار، فهأنا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقرّ بذنبه، معترف بجرمه، ولا يزال الغضب يستفزنى بمواده، فيردنى مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندك وعندنا منك؛ وقد جعلت حقّى من هذا العقار لابن بختيشوع، فليت ذلك يكون وافيا بأرش الجناية عليه «2» ؛ ولم يتلف مال أفاده موعظة؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل «3» .
(1/250)

[حكمة أردشير وحضه على العلم]
لما استوثق أمر أردشير بن بابك وجمع ملوك الطوائف وتمّ له ملكه، جمع الناس فخطبهم خطبة حضّ فيها على الألفة والطاعة، وحذّرهم المعصية ومفارقة الجماعة، وصفّ الناس أربعة صفوف؛ فخرّوا له سجّدا، وتكلّم متكلّمهم فقال:
لازلت أيها الملك محبوّا من الله تعالى بعزّ النصر، ودرك الأمل، ودوام العافية، وتمام النّعمة، وحسن المزيد، ولازلت تتابع لديك المكرمات، وتشفع إليك الذمامات «1» حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها، وتصل إلى دار القرار التي أعدّها الله تعالى لنظرائك من أهل الزّلفى عنده والمكانة منه، ولا زال ملكك وسلطانك باقيين بقاء الشمس والقمر، زائدين زيادة النجوم والأنهار، حتى تستوى أقطار الأرض كلها في علوّ قدرك عليها، ونفاذ أمرك فيها، فقد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمّنا عموم ضياء الصبح، ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما اتّصل بأنفسنا اتصال النسيم؛ فأصبحت قد جمع الله بك الآيدى بعد افتراقها، وألّف القلوب بعد توقد نيرانها، ففضلك الذى لا يدرك بوصف، ولا يحدّ بنعت.
فقال أردشير: طوبى للمدوح إذا كان للمدح مستحقّا، وللداعى إذا كان للاجابة أهلا.
وقيل لأردشير: أيّها الملك الرفيع الذى حلب العصور، وجرّب الدّهور، أى الكنوز أعظم قدرا؟ قال: العلم الذى خفّ محمله، فثقلت مفارقته، وكثرت مرافقته، وخفى مكانه، فأمن من السّرق عليه؛ فهو في الملأ جمال، وفي الوحدة أنيس، يرأّس به الخسيس، ولا يمكن حاسدك عليه انتقاله عنك.
قيل له: فالمال؟ قال: ليس كذلك. محمله ثقيل، والهمّ به طويل؛ إن كنت فى ملأ شغلك الفكر فيه، وإن كنت في خلّوة أتعبتك حراسته.
(1/251)

[أخلاق الملوك]
قال الجاحظ: حدثنى الفضل بن سهل قال: كانت رسل الملوك إذا جاءت بالهدايا يجعل اختلافهم إلىّ، فتكون المؤامرات فيما معهم من ديوانى، فكنت أسأل رجلا رجلا منهم عن سير ملوكهم، وأخبار عظمائهم، فسألت رسول ملك الروم عن سيرة ملكهم، فقال: بذل عرفه، وجرّد سيفه، فاجتمعت عليه القلوب رغبة ورهبة، لا ينظر جنده، ولا يحرج رعيّته؛ سهل النّوال، حزن النكال، الرجاء والخوف معقودان في يده.
قلت: فكيف حكمه؟ فقال: يردّ الظّلم، ويردع الظالم، ويعطى كلّ ذى حق حقّه؛ فالرعية اثنان: راض، ومغتبط.
قلت: فكيف هيبتهم له؟ قال: يتصور في القلوب، فتغضى له العيون.
قال: فنظر رسول ملك الحبشة إلى إصغائى إليه، وإقبالى عليه، فسأل الترجمان: ما الذى يقوله الرومىّ؟ قال: يذكر ملكهم، ويصف سيرته؛ فتكلّم مع الترجمان بشىء، فقال لى الترجمان: إنه يقول: إنّ ملكهم ذو أناة عند القدرة، وذو حلم عند الغضب، وذو سطوة عند المغالبة، وذو عقوبة عند الاجترام، قد كسا رعيّته جميل نعمته، وخوّفهم عسف نقمته؛ فهم يتراءونه رأى الهلال خيالا، ويخافونه مخافة الموت نكالا، وسعهم عدله، وردعتهم سطوته، فلا تمتهنه مزحة، ولا تؤمّنه غفله؛ إذا أعطى أوسع، وإذا عاقب أوجع؛ فالناس اثنان: راج وخائف، فلا الراجى خائب الأمل، ولا الخائف بعيد الأجل. قلت: فكيف هيبتهم له؟ قال: لا ترفع إليه العيون أجفانها، ولا تتبعه الأبصار إنسانها، كأنّ رعيته قطا رفرفت عليها صقور صوائد.
فحدثت المأمون بهذين الحديثين فقال: كم قيمتهما عندك؟ قلت: ألفا درهم.
قال: يا فضل؛ إن قيمتهما عندى أكثر من الخلافة، أما عرفت قول علىّ بن
(1/252)

أبى طالب كرّم الله وجهه: قيمة كلّ امرىء ما يحسن. أفتعرف أحدا من الخطباء البلغاء يحسن أن يصف أحدا من خلفاء الله الراشدين المهديين بهذه الصّفة؟
قلت: لا. قال: فقد أمرت لهما بعشرين ألف دينار، واجعل العذر مادة بينى وبينهما في الجائزة [على المعوز] ؛ فلولا حقوق الإسلام وأهله لرأيت إعطاءهما ما في بيت مال الخاصة والعامة دون ما يستحقّانه.
وقال الجاحظ: حدّثنى حميد بن عطاء قال: كنت عند الفضل بن سهل، وعنده رسول ملك الخزر، وهو يحدّثنا عن أخت لملكهم، قال: أصابتنا سنة احتدم شواظها علينا بحرّ المصائب، وصنوف الآفات؛ ففزع الناس إلى الملك، فلم يدر ما يجيبهم به، فقالت أخته: أيها الملك؛ إن الخوف لله خلق لا يخلق جديده، وسبب لا يمتهن عزيزه، وهو دالّ الملك على استصلاح رعيّته، وزاجره عن استفسادها، وقد فزعت إليك رعيّتك بفضل العجز عن الالتجاء إلى من لا تزيده الإساءة إلى خلقه عزّا، ولا ينقصه العود بالإحسان إليهم ملكا، وما أحد أولى بحفظ الوصية من الموصّى، ولا بركوب الدلالة من الدّال، ولا بحسن الرعاية من الرّاعى. ولم تزل في نعمة لم تغبرها نقمة، وفي رضا لم يكدّره سخط، إلى أن جرى القدر بما عمى عنه البصر، وذهل عنه الحذر، فسلب الموهوب، والواهب هو السالب؛ فعد إليه بشكر النعم، وعذبه من فظيع النّقم، فمتى تنسه ينسك، ولا تجعلنّ الحياء من التذلل للمعزّ المذل سترا بينك وعين رعيتك، فتستحق مذموم العاقبة؛ ولكن مرهم ونفسك بصرف القلوب إلى الإقرار له بكنه القدرة، وبتذلل الألسن في الدعاء بمحض الشّكر له؛ فإن الملك ربما عاقب عبده ليرجعه عن سيّئ فعل إلى صالح عمل، أو ليبعثه على دائب شكر ليحرز به فضل أجر.
فأمرها الملك أن تقوم فيهم فتنذرهم بهذا الكلام، ففعلت، فرجع القوم وقد
(1/253)

علم الله منهم قبول الوعظ في الأمر والنهى؛ فحال عليهم الحول وما مهم مفتقد نعمة كان سلبها، وتواترت عليهم الزيادات بجميل الصّنع؛ فاعترف لها الملك بالفضل، فقلدها الملك؛ فاجتمعت الرعية لها على الطاعة في المكروه والمحبوب قال: وهذا وهم أعداء الله تعالى، وضرائر نعمته، ومستوجبو نقمته، أعاد لهم بالشكر ما أرادوا، وأعطاهم بالإقرار له بكنه قدرته ما تمنّوا، فكيف بمن يجمعه على الشكر نوران اثنان: قرآن منزل، ونبىّ مرسل، لو صدقت النيّات، واجتمعت على الافتقار إليه الطلبات؛ لكنهم أنكروا ما عرفوا، وجهلوا ما علموا، فانقلب جدهم هزلا، وسكوتهم خبلا.
قطعة صادرة من أقوال الملوك دالة على فضل كرمهم وبعد هممهم
غضب كسرى أنوشروان على بعض مرازبته، فقال: يحطّ عن مرتبته، ولا ينقص من صلته؛ فإن الملوك تؤدّب بالهجران، ولا تعاقب بالحرمان.
واصطنع أنو شروان رجلا فقيل له: إنه لا قديم له. قال: اصطناعنا إياه شرّفه.
قال معاوية رضي الله عنه: نحن الزمان، من رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتّضع. وكان يقول: إنى لآنف من أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه عفوى، وحاجة لا يسعها جودى.
عبد الملك بن مروان- أفضل الناس من تواضع عن رفعة، وعفا عن قدرة؛ وأنصف عن قوّة.
زياد- استشفعوا لمن وراءكم؛ فليس كلّ أحد يصل إلى السلطان، ولا كلّ من وصل إليه يقدر على كلامه.
المهلب- عجبت لمن يشترى المماليك بماله، كيف لا يشترى الأحرار
(1/254)

بمعروفه! وقد روى هذا لابن المبارك. وقال لبنيه: يا بنى؛ أحسن تيابكم ما كان على غيركم.
قال أبو تمام الطائى يستهدى فروا، وعرّض بقول المهلب:
فهل أنت مهديه بمثل شكيرة ... من الشّكر يعلو مصعدا ويصوّب «1»
فأنت العليم الطّب أىّ وصية ... بها كان أوصى في الثياب المهلّب «2»
يزيد بن المهلب- استكثروا من الحمد؛ فإنّ الذمّ قلّ من ينجو منه.
السفاح- ما أقبح ينا أن تكون الدنيا لنا وأولياؤنا خالون من أثرها.
المأمون- إنما تطلب الدنيا لتملك، فإذا ملكت فلتوهب. وقال: إنما يتكثّر بالذهب والفضة من يقلّان عنده.
الحسن بن سهل- الأطراف منازل الأشراف؛ يتناولون ما يزيدون بالقدرة، وينتابهم من يريدهم بالحاجة. وتعرض له رجل فقال له: من أنت؟ قال: أنا الذى أحسنت إلىّ يوم كذا وكذا. فقال: مرحبا بمن توسّل إلينا بنا.
ولما أراد المعتصم أن يشرّف أشناس التركى بعقب فتح الخزمية أمر أصحاب المراتب بالترجّل إليه، فترجّل إليه الحسن بن سهل، فنظر إليه حاجبه يمشى ويتعثر فى مشيه، فبكى، فقال: ما يبكيك؟ إن الملوك شرّفتنا وشرفت بنا.
ومن كلام أهل العصر
للأمير شمس المعالى قابوس بن وشمكير «3» - من أقعدته نكاية الأيام أقامته إغاثة الكرام؛ ومن ألبسه الليل ثوب ظلماته نزعه النهار عنه بضيائه.
(1/255)

وله: ابتناء المناقب باحتمال المتاعب، وإحراز الذّكر الجميل بالسّعى في الخطب الجليل.
الصاحب بن عباد:
وقائلة: لم عزتك الهموم ... وأمرك ممتثل في الأمم؟
فقلت: ذرينى لما أشتكى ... فإنّ الهموم بقدر الهمم
أبو الطيب البستى:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن
أبو الفتح البستى:
صاحب السلطان لا بدّ له ... من هموم تعتريه وغمم
والّذى يركب بحرا سيرى ... قحم الأهوال من بعد قحم «1»
ومن كلام الملوك الجارى مجرى الأمثال
أردشير- إذا رغبت الملوك عن العدل رغبت الرعيّة عن الطاعة.
أفريدون- الأيام صحائف آجالكم، فخلّدوها أحسن أعمالكم.
وقيل للإسكندر: ما بال تعظيمك لمؤدّبك أكثر من تعظيمك لأبيك؟
قال: لأنّ أبى سبب حياتى الفانية ومؤدّبى سبب حياتى الباقية.
ودخل محمد بن زياد مؤدّب الواثق على الواثق، فأظهر إكرامه، وأكثر إعظامه، فقيل له: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال هذا أول من فتق لسانى بذكر الله، وأدنانى من رحمة الله.
وأشير على الإسكندر بتبييت الفرس «2» ، فقال: لا أجعل غلبتى سرقة. وقيل له: لو تزوّجت بنت دارا؟ فقال: لا تغلبنى امرأة غلبت أباها.
(1/256)

انوشروان- الملك إذا كثر ماله مما يأخذ من رعيّته كان كمن يعمر سطح بيته بما يقتلعه من قواعد بنيانه.
أبرويز- أطع من [فوقك يطعك من] دونك.
السفاح- إن من أدنى الناس ووضعائهم من عدّ البخل حزما، والعفو ذلّا.
وكان يقول: إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة، والصبر حسن إلا على ما أوقع بالدّين، وأوهى السلطان؛ والأماة محمودة إلا عند إمكان الفرصة.
وقد قال ابن المعتز:
كم فرصة ذهبت فعادت غصّة ... تشجى بطول تلهّف وتندّم «1»
ولما عزم المنصور على الفتك بأبى مسلم فزع من ذلك عيسى بن موسى، فكتب إليه:
إذا كنت ذا رأى فكن ذا تدبّر ... فإن فساد الرّأى أن تتعحّلا
فأجابه المنصور:
إذا كنت ذا رأى فكن ذا عزيمة ... فإنّ فساد الرأى أن تتردّدا
ولا تمهل الأعداء يوما بغدوة ... وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا «2»
وهذا في موضعه كقول الإمام على كرّم الله وجهه: من فكر في العواقب لم يشجع وقال سعد بن ناشب فأفرط «3» .
(1/257)

عليكم بدارى فاهدموها؛ فإنها «1» ... تراث كريم لا يخاف العواقبا «2»
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ... ونكّب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
سأغسل عنى العار بالسيف جالبا ... علىّ قضاء الله ما كان جالبا
ويصغرفى عينى تلادى إذا انثنت ... يمينى بإدراك الذى كنت طالبا
وكان سعد من مردة العرب وشياطين الإنس، وفيه يقول الشاعر:
وكيف يفيق الدهر سعد بن ناشب ... وشيطانه عند الأهلّة يصرع
كتب مروان بن محمد الجعدىّ إلى عبد الله بن علىّ يسأله حفظ حرمه، فقال له: الحقّ لنا في دمك، وعلينا في حرمك.
وقال الرشيد لإسماعيل بن صبيح: إياك والدالّة «3» فإنها تفسد الحرمة، ومنها أتى البرامكة.
وقال المأمون: الملوك تحتمل كلّ شىء إلّا ثلاثا: إفشاء السر، والقدح فى الملك، والتعرض للحرم.
المعتصم إذا نصر الهوى بطل الرّأى.
المنتصر- لذّة العفو أطيب من لذّة التّشفّى؛ وذلك أن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذّة التشفى يلحقها ذمّ الندم.
(1/258)

والمنتصر يقول عن تجربة؛ لأنه قتل أباه المتوكل، والأمر في ذلك أشهر من أن يذكر، ولكنى ألمع منه باليسير:
كان المتوكّل قد عقد لولده المنتصر والمعتزّ والمؤيّد ولاية العهد، ثم تغيّر على المنتصر دون أخويه، وكان يسميّه المنتظر، ويقول له: أنت تتمنّى موتى، وتنتظر وقتى! ويأمر الندماء أن يعبثوا به، إلى أن أوغر صدره، وأقلّ صبره؛ فلما كانت ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين كان المتوكّل يشرب مع الفتح في قصره المعروف بالجعفرى، ومعه جماعة من الندماء والمغنّين، وكان المنتصر معهم، فلما انصرمت ثلاث ساعات من الليل قال لزرافة التركى: ألا تسعنى ساعة حتى أشكو إليك ما يمرّ بى؟ قال: بلى، وجعل يماطله ويطاوله، وغلّق بغا الشرابىّ الأبواب كلها إلا باب الماء، ومنه دخل الذين قتلوه، فأوّل من ضربه باغر التركى ضربة قطع بها حبل عاتقه، وتلقّاه الفتح بنفسه فأكبّ عليه، فقتلا جميعا، وبويع المنتصر من ساعته، وكانت مدّة المنتصر في الخلافة مدة شيرويه ابن كسرى- حين قتل أباه- ستة أشهر.
وقال إبراهيم بن أحمد الأسدى يرثى المتوكّل:
هكذا فلتكن منايا الكرام ... بين ناى ومزهر ومدام
بين كأسين أروتاه جميعا ... كأس لذّاته وكأس الحمام
يقظ في السرور حتى أتاه ... - قدّر الله- حتفه في المنام
والمنايا مراتب يتفاضلن ... وبالمرهفات موت الكرام
لم يرر نفسه رسول المنايا ... بصنوف الأوجاع والأسقام
هابه معلنا فدبّ إليه ... فى ستور الدّجى بحدّ الحسام
أخذ هذا المعنى عبد الكريم بن إبراهيم التيمى، فقال يرثى عيسى بن خلف صاحب خراج المغرب، وكان قد تناول دواء فمات بسببه:
منايا سددت الطّرق عنها ولم تدع ... لها من ثنايا شاهق متطلّعا
(1/259)

فلما رأت سور المهابة دونها ... عليك ولما لم تجد فيك مطمعا
ترقّت بأسباب لطاف ولم تكد ... تواجه موفور الجلالة أروعا
فجاءتك في سرّ الدواء خفيّة ... على حين لم تحذر لداء توقّعا
فلم أر مالا يتّقى مثل سهمها ... ولا مثلها لم تخش كيدا فترجعا
وقد رثاه البحترى ويزيد المهلبى بمرثيتين من أجود ما قيل في معناهما، وكانا حاضرين ليلة قتله. فاختفى أحدهما في طىّ الباب، والآخر في قناة الشاذروان؛ فمن قصيدة البحترى:
تغيّر حسن الجعفرىّ وأنسه ... وقوّض بادى الجعفرىّ وحاضره
تحمّل عنه ساكنوه فجاءة ... فآضت سواء دوره ومقابره «1»
ولم أر مثل القصر إذريع سربه ... وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره «2»
وإذ صيح فيه بالرّحيل فهتّكت ... على عجل أستاره وستائره
إذا نحن زرناه أجدّ لنا الأسى ... وقد كان قبل اليوم يبهج زائره
فأين عميد الناس في كل نوبة ... تنوب وناهى الدهر فيهم وآمره»
تخفّى له مغتاله تحت غرّة ... وأولى لمن يغتاله لو يجاهره
صريع تقاضاه السيوف حشاشة ... يجود بها والموت حمر أظافره
حرام علىّ الراح بعدك أو أرى ... دما بدم يجرى على الأرض مائره
وهل يرتجى أن يطلب الدم طالب ... مدى الدهر والموتور بالدم واتره «4»
فلا ملّى الباقى تراث الذى مضى ... ولا حمّلت ذاك الدعاء منابره
(1/260)

وهي طويلة «1» ، وكان أبو العباس ثعلب يقول فيها: ما قيلت هاشمية أحسن منها، وقد صرّح فيها تصريح من أذهلته المصائب عن تخوّف العواقب.
وقد كان البحترى يرتاح في كثير من شعره إلى ذكره وذكر الفتح بن خاقان، فمن ذلك قوله لبعض من يمدحه:
تداركنى الإحسان منك، ونالنى ... على فاقة ذاك النّدى والتطوّل
ودافعت عنى حين لا الفتح يرتجى ... لدفع الأذى عنى ولا المتوكّل
وقال:
مضى جعفر والفتح بين موسّد ... وبين قتيل في الدماء مضرّج
أأطلب أنصارا على الدهر بعد ما ... ثوى منهما في الترب أوسى وخزرجى «2»
وقال في غلام له:
عسى آيس من رجعة الوصل يوصل ... ودهر تولّى بالأحبّة يقبل
أيا سكنا فات الفراق بنفسه ... وحال التّعادى دونه والتّزيل
أتعجب لمّا لم يغل جسمى الضّنا ... ولم يخترم نفسى الحمام المعجّل
فقبلك بان الفتح منى مودّعا ... وفارقنى شفعا له المتوكّل
فما بلغ الدّمع الذى كنت أرتجى ... ولا فعل الوجد الذى خلت يفعل
وقال أبو خالد يزيد بن محمد المهلبى في قصيدة أولها:
لا وجد إلا أراه دون ما أجد ... ولا كمن فقدت عيناى مفتقد
(1/261)

يقول فيها:
لا يبعدن هالك كانت منيته ... كما هوى من عضاه الزّبية الأسد «1»
جاءت منيّته والعين هادية ... هلّا أتته المنايا والقنا قصد «2»
فخرّ فوق سرير الملك منجد لا ... لم يحمه ملكه لمّا انقضى الأمد
لا يدفع الناس ضيما بعد ليلتهم ... إذ لا يهزّ إلى الجانى عليك يد
علنك أسياف من لا دونه أحد ... وليس فوقك إلا الواحد الصّمد
إذا بكيت فإن الدمع منهمل ... وإن رثيت فإنّ الشعر مطّرد
إنّا فقد ناك حتى لا اصطبار لنا ... ومات قبلك أقوام فما فقدوا
قد كنت أسرف في مالى فتخلفه ... فعلّمتنى الليالى كيف أقتصد
وقال فيها يذكر الأتراك، ويحضّ على اصطناع العرب:
لما اعتقدتم أناسا لا حفاظ لهم ... ضعتم وضيعتم من كان يعتقد
ولو جعلتم على الأحرار نعمتكم ... حمتكم الذّادة المنسوبة الحشد «3»
قوم هم الأصل والأسماء تجمعكم ... والدين والمجد والأرحام والبلد
إن العبيد إذا أذللتهم صلحوا ... على الهوان وإن أكرمتهم فسدوا
وقال أبو حيّة النميرى «4» :
رمته فتاة من ربيعة عامر ... نؤوم الصّحى في مأتم أىّ مأتم «5»
(1/262)

فقلن لها في السرّ: نفديك لا يرح ... صحيحا وإلّا تقتليه فألممى
فألقت قناعا دونه الشمس واتّقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصم
وقالت فلما أفرغت في فؤاده ... وعينيه منها السحر قالت له نم
فأصبح لا يدرى أفى طلعة الضحى ... تروّح أم داج من الليل مظلم «1»
أخذ قوله: «فألقت قناعا دونه الشمس» من قول النابغة الذبيانى:
قامت تراءى بين سجفى كلّة ... كالشمس يوم طلوعها بالأسعد «2»
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقّتنا باليد
وقال أبو حية يرثى سلمة بن عياش:
كأنّ أبا حفص فتى البأس لم يجب ... به الليل والبيض القلاص النجائب
إلى الغاية القصوى، ولم تهد فتية ... كراما وتخطوه الخطوب النوائب
ويعمل عتاق العيس حتى كأنها ... إذا وضعت عنها العلايا المشاجب «3»
(1/263)

بعيد مثانى الهمّ يمسى وماله ... سوى الله والعضب السّريجى صاحب «1»
يروم جسيمات العلا فينالها ... فتى في جسيمات المكارم راغب
فإن يمس وحشا بابه فلربما ... تواتر أفواجا إليه المواكب «2»
يحيّون بسّاما كأنّ جبينه ... هلال بدا وانجاب عنه السحائب
وما غائب من غاب يرجى إيابه ... ولكنه من ضمّن اللّحد غائب
وزعم الصولى أن أباحيّة إنما قالها في محمد بن سليمان بن على بن عبيد الله بن العباس.
وكان أبو حيّة جيد الطبع، مألوف الكلام، رقيق حواشى الشعر.
[مجنون بنى عامر]
وسئل الأصمعى عن قيس بن الملوح المجنون، فقال: لم يكن مجنونا، وإنما كانت به لوثة كلوثة أبى حيّة «3» ، وهو القائل:
رمتنى وستر الله بينى وبينها ... عشية أحجار الكناس رميم
رميم التي قالت لجارات بيتها: ... ضمنت لكم ألّا يزال يهيم
ألا ربّ يوم لو رمتنى رميتها ... ولكنّ عهدى بالنضال قديم
فيا عجبا من قاتل لى أوده ... أشاط دمى شخص علىّ كريم «4»
يرى الناس أنى قد سلوت، وإننى ... لمدنف أحناء الضلوع سقيم «5»
وأنشدنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى في مثله، ولم يسم قائله:
هل الأدم كالآرام والزّهر كالدمى ... معاودتى أيامهنّ الصوالح «6»
(1/264)

زمان سلاحى بينهن شبيبتى ... لها سائف من حسنهن ورامح «1»
فأقسمن لا يسقيننى قطر مزنة ... لشيبى ولو سالت بهن الأباطح
وقال هارون بن على بن يحيى المنجّم: «2» الغانيات عهودهنّ إلى انصرام وانقضاب
من شاب شبن له المودّة ... بالخديعة والكذاب «3»
فانعم بهنّ وزند سنّك ... في الشبيبة غير خابى «4»
ما دمت في روق الصّبا ... وغصونه الخضر الرّطاب «5»
فافخر بأيام الصبا ... واخلع عذارك في التصابى
واعط الشباب نصيبه ... ما دمت تعذر بالشباب
وقال أشجع بن عمرو السلمى:
وما لى لا أعطى الشباب نصيبه ... وغصناه يهتزّان في عوده الرّطب
رأيت الليالى ينتهبن شبيبتى ... فأسرعت باللذات في ذلك النّهب
فإنّ بنات الدّهر يخلسن لذتى ... فقد جزن سلمى وانتهين إلى حربى
وقد حوّلت حالى الليالى وأسرجت ... على الرأس أمثال الفتيل من العطب
وموت الفتى خير له من حياته ... إذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبى
وقال آخر:
ما العيش إلا أن تحب ... وأن يحبك من تحبّه
فقر تتصل بهذه الأبيات، فى وصف الشباب
أطاع الشباب وغرّته، وأجاب الصبا وشرّته. جرّ إزار الصبا، وأذال
(1/265)

ذيول الهوى «1» ، وركض «2» فى ميدان التصابى، وجنى ثمرات الملاهى. هو في اقتبال شبابه، وحداثة أترابه «3» ، وريعان عمره، وعنفوان أمره، هو في إبّان شبابه واعتداله وريعان إقباله واقتباله. بعثه على ذلك أشر الصبا، ولين الغصن، وشرخ الشبيبة وسكر الحداثة. فتىّ السّن، رطيب الغصن، عمره في إقباله، ونشاطه في استقباله، وشبابه في اقتباله، وماؤه بحاله. فلان في حكم الأطفال، الذين لم يعضّوا على نواجذ الرجال. هو في عنفوان شبيبة تخاف سقطاتها وهفواتها، ولا يؤمن جيحاتها ونزواتها. هو في سكرى الشباب والشراب، وبين نزوات الشبان، ونزغات الشيطان. شبابه أعمى عن الرشد، أصمّ عن العذل، قد لبّى داعى هواه، وانغمس في لجّة صباه. قد هجم بسكر الحداثة على سكرات الحوادث، يجرى إلى الصّبا جرى الصّبا. فلان غفل من سمة التّجربة، جامح في عذار الغفلة، صعب الرأس «4» على لجام العظة. هو من سلطان الصّبا في النّوبة الأولى، قد خلع عذاره ومقوده، وألقى إلى البطالة باعه ويده. هو بين خمار الغداة وسكر العشى «5» لا يعرف الصّحو، ولا يفارق اللهو. فلان لا يفيق، ولا يذكر التوفيق، هو بين غرر الشباب، وغرر الأحباب.
ويتعلق بهذه الألفاظ لهم في نجابة الشباب وترشحهم للمعالى
قد جمع نضارة الشباب إلى أبّهة المشيب، وهو على حدوث ميلاده وقرب إسناده شيخ قدر وهيبة، وإن لم يكن شيخ سنّ وشيبة. هو بين شباب مقتبل، وعقل مكتمل، قد لبس برد شبابه على عقل كهل، ورأى جزل، ومنطق فصل.
للدهر فيه مقاصد، وللأيام فيه مواعد، أرى له في فصل ضمان الأيام وودائع الحظوظ
(1/266)

والأقسام، تباشير نجح، ومخايل نصر وفتح، قد استكمل قوّة الفضل، ولم يتكامل له سنّ الكهل. ما زالت مخايله وليدا وناشئا، وشمائله صغيرا ويافعا، نواطق بالحسن عنه وضوامن النّجح فيه! قد سما إلى مراتب أعيان الرجال، التى لا تدرك إلا مع الكمال والاكتهال. حمدت عزائمه، قبل أن حلّت تمائمه، وشهدت مكرماته، قبل أن تدرج لداته «1» .
وقال البحترى:
لا تنظرنّ إلى العباس من صغر ... فى السّن وانظر إلى المجد الذى شادا
إنّ النجوم نجوم الأفق أصغرها ... فى العين أذهبها في الجوّ إصعادا
وقال آخر:
رأيت العقل لم يكن انتهابا ... ولم يقسم على قدر السنينا
فلو أنّ السنين تقسّمته ... حوى الآباء أنصبة البنينا
وقال الفضل بن جعفر الكاتب:
فإن خلّفته السنّ فالعقل بالغ ... به رتبة الكهل المؤهّل للمجد
فقد كان يحيى أوتى الحكم قبله ... صبيّا وعيسى كلّم الناس في المهد
[مما قيل في أثر الأيام والليالى]
وكان أبو حيّة كثير الرواية عن الفرزدق، وعمّر حتى التقى بابن مناذر فاستنشده شعره، فأنشده أبو حيّة:
ألا حىّ من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللّياليا
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شىء لا يملّ التّقاضيا
حنتك الليالى بعد ما كنت مرة ... سوىّ العصا لو كنّ يبقين باقيا
(1/267)

فقال ابن مناذر: أو شعر هذا؟ فقال أبو حيّة: ما في شعرى عيب، غير أنك تسمعه.
وفي هذه القصيدة يقول أبو حية:
ولما أبت إلا التواء بودّها ... وتكديرها الشّرب الذى كان صافيا
شربت برنق من هواها مكدّر ... وكيف يعاف الرّنق من كان صاديا «1»
وقد قال عمرو بن قميئة «2» فى معنى قول أبى حية:
كانت قناتى لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربى في السلامة جاهدا ... ليصحّنى فإذا السّلامة داء
وقال النّمر بن تولب «3» :
يودّ الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف يرى طول السلامة يفعل
يعود الفتى من بعد حسن وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل «4»
وقد روى في الحديث الشريف: «كفى بالسلامة داء» .
وقد أحسن حميد بن ثور في قوله:
أرى بصرى قد رابنى بعد صحة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
(1/268)

ولمن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
وهذان البيتان من قصيدة طويلة، وهى أجود شعر حميد «1» ، ومن أجود ما فيها:
وما هاج هذا الشوق إلّا حمامة ... دعت ساق حر ترحة وترنّما
تروح عليه والها ثم تغتدى ... مولّهة تبغى له الدّهر مطعما
تؤمل منه مؤنسا لانفرادها ... وتبكى عليه إن زقا وترنّما
كأنّ على إشراقه نور خمرة ... إذا هو مدّ الجيد منه لبطعما
فلمّا اكتسى الرّيش السّحام ولم تجذ ... لها معه في ساحة الحىّ مجثما «2»
تنحّت قريبا فوق غصن تذأبت ... به الريح صرفا أىّ وجه تيمّما «3»
فأهوى لها صقر مسفّ فلم يدع ... لها ولدا إلا رماما وأعظما
فأوفت على غصن ضحيّا ولم تدع ... لنائحة في نوحها متلوّما
عجبت لها أنّى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما «4»
فلم أر مثلى شاقه صوت مثلها ... ولا عربيّا شاقه صوت أعحما
ومن حبيث الهجاء قوله في هذه القصيدة يخاطب رجلين بعثهما:
وقولا إذا جاورتما أرض عامر ... وجاوزتما الحيّين نهدا وخثعما
تريعان من جرم بن زيّان أنهم ... أبوا أن يريقوا في الهزاهز محجما «5»
وما هجيت جرم بأشدّ من هذا، يريد أنهم لذلتهم لم يتروا أحدا فيطالبهم بذحل.
(1/269)

وقال الأصمعى: قيل لبعض الصالحين: كيف حالك؛ فال: كيف حال من يفنى ببقائه، ويسقم بسلامته، ويؤتى من مأمنه وقال محمود الوراق:
يحب الفتى طول البقاء كأنّه ... على ثقة أن البقاء بقاء
إذا ما طوى يوما طوى اليوم بعضه ... ويطويه- إن جنّ المساء- مساء
زيادته في الجسم نقص حياته ... وأنى على نقص الحياة نماء «1»
جديدان لا يبقى الجميع عليهما ... ولا لهما بعد الجميع بقاء
وقال المتنبى:
زيادة شيب وهي نقص زيادتى ... وقوّة عشق وهي من قوّتى ضعف
وبيت محمود الأخير كقول البحترى:
أناة أيّها الفلك المدار ... أنهب ما تصرّف أم جبار «2»
ستفنى مثل ما تفنى وتبلى ... كما تبلى فيدرك منك ثار
تناب النائبات إذا تناهت ... ويدمر في تصرّفه الدّمار
وما أهل المنازل غير ركب ... مطاياهم رواح وابتكار
ويقول فيها:
لنا في الدّهر آمال طوال ... نرجّيها وأعمار قصار
أما وأبى بنى حار بن كعب ... لقد طرد الزمان بهم فساروا
أصاب الدّهر دولة آل وهب ... ونال الليل منهم والنهار
أعارهم رداء العزّ حتى ... تقاضاهم فردّوا ما استعاروا
وقد كانوا وأوجههم بدور ... لمبصرها وأيديهم بحار «3»
أخذ قوله: «ستفنى مثل ما تفنى» أبو القاسم بن هانىء فقال:
تفنى النجوم الزّهر طالعة ... والنّيّران الشّمس والقمر
(1/270)

ولئن تبدّت في مطالعها ... منظومة فلسوف تنتثر
ولئن سعى الفلك المدار بها ... فلسوف يسلمها وينفطر
وقد استقصى على بن العباس الرومى المعنى الأول فقال:
والدّهر يبلى الفتى من حيث ينشئه ... حتى تكرّ عليه ليلة القرب «1»
يغذوه في كلّ آن وهو يأكله ... ويحتسى نغبا منه على نغب «2»
يودى بحال فحال من شبيبته ... تسرّب الماء في مستانف الكتب «3»
حسب امرىء من خنى دهر تطاوله ... وإن أجمّ فلم ينكب ولم ينب
فى هدنة الدّهر كاف من وقائعه ... والعمر أقدح مبراة من الوصب
وقال أيضا:
يابانى الحصن أرساه وشيّده ... حرزا لشلو من الأعداء مشجون «4»
انظر إلى الدهر هل فاتته بغيته ... فى مطمح النسر أوفى مسبح النون «5»
ومن تحصّن منخوبا على وجل ... فإنما حصنه سجن لمسجون
أشكو إلى الله جهلا قد أضرّ بنا ... بل ليس جهلا ولكن علم مفتون
وقال الطائى:
وإن تبن حيطان عليه فإنما ... أولئك عقّالاته لا معاقله
ودخل يحيى بن خالد على الرشيد وقد ابتدأت حاله في التغيّر، فأخبر أنه مشغول، فرجع، فبعث إليه الرشيد: خنتنى فاتهمتنى، فقال: إذا انقضت المدّة كان الحتف في الحيلة، والله ما انصرفت إلا تخفيفا.
أخذه ابن الرومى فقال وقد فصده بعض الأطباء، فزعم أن الفصد زاد في علته:
غلط الطبيب علىّ غلطة مورد ... عجزت محالته عن الإصدار «6»
(1/271)

والناس يلحون الطبيب، وإنما ... غلط الطبيب إصابة المقدار
[وصف الثغور]
وقال أبو حيّة النميرى:
سقتنى بكأس الحبّ صرفا مروّقا ... رقاق الثنايا عذبة المترنّق «1»
وخمصانة تفترّ عن متنشق ... كنور الأقاحى طيب المتذوّق «2»
إذا امتضغت بعد امتتاع من الضحى ... أنابيب من عود الأراك المخلّق «3»
سقت شعب السواك ماء غمامة ... فضيضا بخرطوم الرّحيق المروّق «4»
وأنشد الثورى:
ترى الدّر منثورا إذا ما تكلّمت ... وكالدّر منظوما إذا لم تكلّم
تعبّد أحرار القلوب بدلّها ... وتملأ عين الناظر المتوسم
والبيت الأول من هذين كقول البحترى:
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه «5»
وقد تقدّم.
قال أبو الفرج الرياشى: سمعت الأصمعى يقول: أحسن ما قيل في وصف الثغر قول ذى الرمة:
وتجلو بفرع من أراك كأنّه ... من العنبر الهندىّ والمسك يصبح «6»
(1/272)

ذرى أقحوان واجه الليل وارتقى ... إليه النّدى من رامة المتروّح
هجان الثّنايا معرب لو تبسّمت ... لأخرس عنه كاد بالقول يفصح «1»
ومن قديم هذا المعنى وجيّده قول النابغة الذبيانى في صفة المتجرّدة امرأة النعمان بن المنذر:
تجلو بقاد متى حمامة أيكة ... بردا أسفّ لثاته بالإنمد «2»
كالأقحوان غداة غبّ سمائه ... جفّت أعاليه وأسفله ندى
زعم الهمام بأنّ فاها بارد ... عذب مقبّله شهىّ المورد
زعم الهمام ولم أذقه أنه ... يشفى بريّاريقها العطش الصّدى
ومن قوله: «ولم أذقه» أخذ كلّ من أتى بهذا المعنى، ففتقه الناس بعده، قال المتوكل الليثى:
كأنّ مدامة صهباء صرفا ... ترقرق بين راووق ودنّ
تعلّ بها الثّنايا من سليمى ... فراسة مقلتى وصحيح ظنّى
وقال بشّار:
يا أطيب الناس ريقا غير مختبر ... إلّا شهادة أطراف المساويك
قد زرتنا مرة في الدهر واحدة ... ثنّى ولا تجعليها بيضة الدّيك
يا رحمة الله حلّى في منازلنا ... حسبى برائحة الفردوس من فيك
وقيل لبشار: يا أبا معاذ، كم بين قولك، وأنشد هذه الأبيات وبين أن تقول:
إنما عظم سليمى خلّتى ... قصب السكر لا عظم الجمل
وإذا قرّب منها بصل ... غلب المسك على ريح البصل
(1/273)

فقال: إنما الشاعر المطبوع كالبحر: مرة يقذف صدفه، ومرة يقذف جيفه «1» .
[تفضيل السواد]
وقد تناول هذا المعنى أبو الحسن علىّ بن العباس الرومى من أقرب متناول فقال وكشفه بأوضح عبارة- فى صفته لجارية أبى الفضل عبد الملك بن صالح السوداء بعد أن استوفى جميع صفاتها وكان قد اقترح عليه وصفها:
وصفت فيها الّذى هويت على ال ... وهم ولم نختبر ولم نذق
إلّا بأخبارك التي رفعت ... منك إلينا عن ظبية البرق «2»
حاشا لسوداء منظر سكنت ... ذراك إلا عن مخبر يقق «3»
وهذه الأبيات من قصيدة له وصف فيها السواد، واحتجّ بتفضيله على البياض، حتى أغلق فيه الباب بعده، ومنع أن يقصد فيه أحد قصده، إلّا كان مقّصر السهم عن غرض الإحسان. وقد نبّه على بن عبد الله بن العباس [المسيب على] فضائلها، وأجاد التشبيه، وكشف عن وجوه الإبداع، وضروب الاختراع وقد مدح الناس السواد والسّود فأكثروا؛ فمن جيذ ما قالوا فيه قول أبى حفص الشطرنجى:
أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده
لا شكّ إذ لونكما واحد ... أنكما من طينة واحده
فأخذ ابن الرومى هذا المعنى، وأضاف إليه أشياء أخر توسعا واقتدارا، فقال:
يذكرك المسك والغوالى والسّكّ ذوات النسيم والعبق «4»
(1/274)

وهذه الأشياء وإن كانت ناقصة عن المسك، فهى ممدوحة بالطيب، غير مستغنى عن ذكرها في التشبيه؛ فأما زيادته على جميع من تعاطى مدح السواد فقوله:
سوداء لم تنتسب إلى برص الشّقر ولا كلفة ولا بهق «1» والأبيض الشديد البياض معيب، وقد دلّ عليه قوله:
وبعض ما فضّل السواد به ... والحقّ ذو سلّم وذو نفق
ألّا يعيب السّواد حلكته ... وقد يعاب البياض بالبهق «2»
قوله: «الحق ذو سلّم وذو نفق» أراد أنّ الحقّ يتصرّف في جهات، وضرب الصعود والنزول لذلك مثلا؛ ثم قصد لوصف هذه السوداء بالكمال في الصفة؛ ومن عيب السّودان أن أكفّهم عابسة «3» متشقّقة، وأطرافهم ليست بناعمة لينة، وكذلك لا يزال الفلح في شفاههم، وهي الشقوق المذمومة الموجودة في أكثر السودان في أوساط الشفاه، وأيضا فإن الأسود مهجو بخبث العرق، فنفى هذه الصفات المذمومة الموجودة في أكثر السودان عنها، فقال:
ل يست من العبس الأكفّ ولا ال ... فلح الشّفاه الخبائث العرق
ثم عاج بخاطره على وصف هذه السوداء بأضداد تلك الصفات المذمومة، فقال:
فى لين سمّورة تخيّرها الفرّاء ... أو لين جيّد الدّلق «4»
ومن بديع مدح السوداء قوله:
أكسبها الحبّ أنها صبغت ... صبغة حبّ القلوب والحدق
فانصرفت نحوها الضمائر وال ... أبصار يعشقن أيّما عشق
فأخبر أنّ القلوب إنما أحبتها بالمجانسة التي بينها وبين حبّ القلوب من السواد، وكذلك الحدق.
(1/275)

ومن جيّد نشبيهات أبى نواس وقد نبّه نديما للصبوح فأخبر عن حاله وقال:
فقام والليل يجلوه الصباح كما ... جلا التبسم عن غر التّليّات
ولعلى بن العباس عليه التقدم بقوله:
يفتّر ذاك السواد عن يقق ... من ثغرها كاللالىء النّسق «1»
كأنها والمزاح يضحكها ... ليل تعرّى دجاه عن فلق «2»
وفضل هذا الكلام على ذاك أن هذا قدّم لمعناه في التشبيه مقدمة أيّدته، ووطّأت له الآذان «3» ، وأصغت الأفهام إلى الاستحسان، وهي قوله:
يفترّ ذاك السواد عن يقق
وفي هذه السوداء يقول، وقد سأله أبو الفضل الهاشمى أن يستغرق صفات.
محاسنها الظاهرة والباطنة، فقال:
لها حر يستعير وقدته ... من قلب صبّ وصدر ذى حنق «4»
كأنما حرّه لخابره ... ما ألهبت في حشاه من حرّق
يزداد ضيقا على المراس كما ... تزداد ضيقا أنشوطة الوهق «5»
ثم فكّر فيما فكّر فيه النابغة، وقد أمره النعمان بوصف المتجرّدة، فوصف ما يجوز ذكره من ظاهر محاسنها، ثم كره أن يذكر من فضائلها مالا يسوغ بمثله أن يذكر منها، فردّ الإخبار عن تلك الفضائل إلى صاحبها، وهو الملك، فقال:
زعم الهمام بأن فاها بارد ... عذب إذا قبّلته قلت ازدد
فاحتذى علىّ بن العباس هذا، فقال بعد ما سأله أن يستغرق في وصف فضائلها الظاهرة والباطنة:
خذها أبا الفضل كسوة لك من ... خزّ الأماديح لا من الخرق
(1/276)

وصفت فيها التي هويت على ال ... وهم ولم نختبر ولم نذق
إلّا بأخبارك التي وقعت ... منك إلينا عن ظبية البرق
حاشا لسوداء منظر سكنت ... ذراك إلّا عن مخبر يقق
وهذا المعنى أومأ إليه النابغة إيماء خفيّا تذهب معرفته عن أكثر الناس، ولو آثر النابغة ترك الاختصار، وهمّ بكشف المعنى وإيضاحه، ما زاد على هذا الكشف الذى كشفه ابن الرومى:
وأصحاب المعانى ينشدون للفرزدق:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي بطنه من دارم ذو حفيظة ... لو ان المنايا أنسأته لياليا «1»
ومعناه عندهم أنه رثى امرأة توفّيت حاملا، فقال على بن العباس وقد وصف هذه المرأة السوداء:
أخلق بها أن تقوم عن ذكر ... كالسيف يفرى مضاعف الحلق
إنّ جفون السيوف أكثرها ... أسود والحقّ غير مختلق
فهذه زيادة بينة، وعبارة واضحة، لم تحتج إلى تفاسير أصحاب المعانى، وقال مما لم ينشده المتنبى:
غصن من الآبنوس ركّب فى ... مؤتزر معجب ومنتطق
يهتزّ من ناهديه فى ثمر ... ومن دواجى ذراه في ورق
وهذا معنى قد بلغ قائله من الإجادة، فوق الإرادة، وامتثل أبو الفضل الهاشمى ما أشار به ابن الرومى، فأولدها، فأنجبت.
وفي معنى قول الفرزدق قال الطائى وأحسن وذكر ولدين توأمين ماتا لعبد الله ابن طاهر:
(1/277)

إن ترز في طرفى نهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلايلا
فالثّقل ليس مضاعفا لمطيّة ... إلا إذا ما كان وهما بازلا «1»
لهفى على تلك المشاهد منهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا
لغدا سكونهما حجى، وصباهما ... حكما، وتلك الأريحيّة نائلا
إن الهلال إذا رأيت نماءه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا
وعلى ذكر التوأمين ألفاظ لأهل العصر في التهنئة بتوأمين
تيسّرت منحتان في وطن، وانتظمت موهبتان في قرن «2» ، طلع في أفق الكمال نجما سعد، وشهابا عزّ، وكوكبا مجد، فتأهّلت بهما ربوع المحاسن، ووطّئت لهما أكناف المكارم، واستشرفت إليهما صدور الأسرّة والمنابر. بلغنى خبر الموهبة المشفوعة بمثلها، والنّعمة المقرونة بعد لها «3» فى الفارسين المقبلين، رضيعى العزّ والرفعة، وقرينى المجد والمنعة، فشملنى من الاغتباط ما يوجبه ازدواج البشرى، واقتران غادية «4» بأخرى.
والشىء يذكر بما قارب ناحية من أنحائه، وجاذب حاشية من ردائه «5» .
[شىء من الهجاء يشتمل على تضمين]
وقال بعض أهل العصر يهجو رجلا وضمّن قول النابغة:
كالأقحوان غداة غبّ سمائه
(1/278)

وأزاحه عن بابه؛ فجاء مليحا في الطبع، مقبولا في السمع:
يا سائلى عن جعفر، عهدى به ... رطب العجان وكفّه كالجلمد «1»
كالأقحوان غداة غبّ سمائه ... جفّت أعاليه وأسفله ندى «2»
ومن مستحسن ما روى في هذا التضمين قول الآخر وضمن بيتا لمهلهل ابن ربيعة:
وسائلة عن الحسن بن وهب ... وعمّا فيه من كرم وخير
فقلت هو المهذب، غير أنى ... أراه كثير إرخاء الستور
وأكثر ما يغنيّه فتاه ... حسين حين يخلو بالسّرور
فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور
وهذا البيت لمهلهل مما يعدّونه من أول كذب العرب، وكانت قبل ذلك لا تكذب في أشعارها «3» ، وكان بين الموضع الذى كانت فيه هذه الواقعة وهي بالجزيرة وبين حجر وهي قصبة باليمامة مسافة بعيدة، فأخرجه هذا الشاعر بقوة منّته، ونفاذ فطنته، إلى معنى آخر مستظرف في بابه. وهذا المذهب أحسن مذاهب
(1/279)

التضمين. ومن مليح ما في هذا الباب تضمينات الحمدونى في طيلسان أحمد بن حرب المهلبى، وسيأتى ما أختاره من ذلك في غير هذا الموضع.
[عود إلى وصف الثغور ونقائها]
وقد جاء في صفة الثغور والأفواه والرّيق شعر كثير. قال جميل:
تمنيت منها نظرة وهي واقف ... تريك نقيّا واضح الثغر أشنبا «1»
كأنّ عريضا من فضيض غمامة ... هزيم الذّرى تمرى له الريح هيدبا «2»
يصفّق بالمسك الذكىّ رضابه ... إذا النّجم من بعد الهدو تصوّبا «3»
وقال:
وكأن طارقها على علل الكرى ... والنجم وهنا قد بدا لتغوّر
يستاف ريح مدامة معلولة ... يرضاب مسك في ذكىّ العنبر
وقال عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى:
يمجّ ذكىّ المسك منها مفلّج ... نقىّ الثنايا دو غروب مؤشّر «4»
يرفّ إذا تفترّ عنه كأنه ... حصى برد أو أقحوان منوّر
وقال الهذلى:
وما صهباء صافية لضبّ ... كلون الصّرف منجاب قذاها
تشجّ بنطفة من ماء مزن ... أحلّته برضراض عراها
بأطيب مشرعا من طعم فيها ... إذا ما طار عن سنة كراها
(1/280)

وقال آخر:
وشقّ عنها قناع الخزّ عن برد ... كالدّرّ لا كسس فيه ولا ثعل «1»
كأنه أقحوان بات بضربه ... طلّ من الدّجن سقّاط النّدى هطل
كأنّ صرفا كميت اللّون صافية ... شجّت بماء سماء شنّه جبل «2»
فوها إذا ما قضت من نومها سنة ... أو اعتراها سبات النّوم والكسل
وقال الآخر:
هجان اللّون واضحة المحيّا ... قطيع الصّوت آنسة كسول «3»
تبسّم عن أغرّ له غروب ... فرات الرّيق ليس به فلول «4»
كأنّ صبيب غادية لصبّ ... تشجّ به شآمية شمول
على فيها إذا الجوزاء عالت ... محلّقة وأردفها رعيل «5»
وقال ابن المعتز:
يا نديمىّ اشربا واسقيانا ... قد بدا الصبح لنا واستبانا «6»
واقتلا همى بصرف عقار ... واتركا الدّهر فما شاء كانا
إن للمكروه لذعة شرّ ... فإذا دام على المرء هانا
وامزجا كأسى بريقة ألمى ... طاب للعطشان وردا وحانا
من فم قد غرس الدّرّ فيه ... ناصح الريق إذا الرّيق خانا «7»
وقال ابن الرومى:
يا ربّ ريق بات بدر الدّجى ... يمجّه بين ثناياكا
(1/281)

يروى ولا ينهاك عن شربه ... والماء يرويك وينهاكا
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
وإذا سألتك رشف ريقك قلت لى: ... أخشى عقوبة مالك الأملاك
ماذا عليك؟ جعلت قبلك في الثّرى! ... من أن أكون خليفة المسواك
أيجوز عندك أن يكون متيّم ... صبّ بحبّك دون عود أراك
وهذا المعنى يجاوز الإحصاء، ويفوت الاستقصاء؛ وكلّه مأخوذ من قول امرىء القيس:
كأنّ المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر «1»
يعلّ به برد أنيابها ... إذا طرّب الطائر المستحر «2»
فجمع ما فرّقوه، وأخذه الجعفرى فقصّر عنه:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى وذوب العسل
يعلّ به برد أنيابها ... إذا النّجم وسط السماء اعتدل
ويلحق بهذه المعانى من شعر أهل العصر قول أبى على محمد بن الحسين بن المظفر الحاتمى- وذكر خمرا:
من كفّ ساق أهيف حركاته ... فتن تقنّع بالملاحة واعتجر «3»
ناولته كأسى وكسر جفونه ... يوحى إلىّ أن ارتقبهم واصطبر
فثنى لها أقلام درّ رخصة ... تهوى إلى أفراد درّ ذى أشر «4»
فتحدّرت من كأسه في ثغره ... كالشمس تغرب في هلال من قمر
وأهدى أبو الفتح كشاجم لبعض القيان مسواكا وكتب إليها:
قد بعثناه لكى تجلو به ... واضحا كاللؤلؤ الرّطب أغرّ
(1/282)

طاب منه العرف حتّى خلته ... كان من ريقك يسقى في الشّجر «1»
وأما والله لو يعلم ما ... حظه منك لأثنى وشكر
ليتنى المهدى فيروى عطشى ... برد أنيابك في كلّ سحر «2»
[شعر عمر بن أبى ربيعة، وشعر الحارث بن خالد]
وكان ذكر بحضرة ابن أبى عتيق شعر عمر بن أبى ربيعة والحارث بن خالد المخزوميين، فقال رجل من ولد خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة: صاحبنا الحارث أشعر، فقال ابن أبى عتيق: دع قولك يابن أخى، فلشعر ابن أبى ربيعة لوطة بالقلب «3» ، وعلق بالنفس، ودرك للحاجة ليس لشعر الحارث؛ وما عصى الله بشعر قطّ أكثر مما عصى بشعر ابن أبى ربيعة، فخذ عنى ما أصف لك: أشعر قريش من رقّ معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، وتعطّفت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن صاحبه، فقال الذى من ولد خالد بن العاص: صاحبنا الذى يقول:
إنى وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تئودها العقل «4»
لو بدّلت أعلى منازلها ... سفلا وأصبح سفلها يعلو
فيكاد يعرفها الخبير بها ... فيردّه الإقواء والمحل «5»
لعرفت مغناها بما احتملت ... منى الضلوع لأهلها قبل
فقال ابن أبى عتيق: يابن أخى، استر على صاحبك، ولا تشاهد المحاضر بمثل هذا، أما تطيّر الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليه سافله، ما بقى إلا أن يسأل الله حجارة من سجّيل وعذابا أليما. ابن أبى ربيعة كان أحسن الناس للرّبع مخاطبة وأجمل مصاحبة إذ يقول:
(1/283)

سائلا الرّبع بالبلىّ وقولا ... هجت شوقا لى الغداة طويلا
أين أهل حلّوك إذ أنت مسرو ... ربهم آهل أراك جميلا
قال: ساروا، وأمعنوا، واستقلّوا ... وبكرهى لو استطعت سبيلا
سئمونا وما سئمنا مقاما ... واستحبّوا دماثة وسهولا «1»
وهاهنا حكاية تأخذ بطرف الحديث، دخل مزيد المدنى على مولى لبعض أهل المدينة، وهو جالس على سرير ممهّد، ورجل من ولد أبى بكر الصديق وآخر من ولد عمر- رضي الله عنهما! - جالسان بين يديه على الأرض؛ فلما رأى المولى مزيدا تجهّمه، وقال: يا مزيد ما أكثر سؤالك! وأشدّ إلحافك! جئت تسألنى شيئا؟ قال: لا والله، ولكنى أردت أن أسألك عن معنى قول الحارث بن خالد:
إنّى وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تئودها العقل
لو بدّلت أعلى منازلها ... سفلا وأصبح سفلها يعلو
فلما رأيتك ورأيت هذين بين يديك عرفت معنى الذى قال. فقال:
اعزب في غير حفظ الله! وضحك أهل المجلس.
وأخذ الحارث قوله:
لعرفت مغناها بما احتملت ... منى الضلوع لأهلها قبل
من قول امرىء القيس؛ قال على بن الصباح ورّاق بن أبى محلم قال لى أبو محلم: أتعرف لامرىء القيس أبياتا سينية قالها عند موته في قروحه والحلة المسمومة، غير قصيدته التي أولها:
(1/284)

ألمّا على الرّبع القديم بعسعسا
فقلت: لا أعرف غيرها، فقال: أنشدنى جماعة من الرّواة:
لمن طلل درست آيه ... وغيّره سالف الأحرس «1»
تنكّره العين من حادث ... ويعرفه شغف الأنفس
وقد أخذه طريح بن إسماعيل الثقفى، فقال:
تستخبر الدّمن القفار ولم تكن ... لتردّ أخبارا على مستخبر
فظللت تحكم بين قلب عارف ... مغنى أحبّته وطرف منكر
وقال الحسن بن وهب، إشارة إلى هذا المعنى:
أبليت جسمى من بعد جدّته ... فما تكاد العيون تبصره
كأنّه رسم منزل خلق ... تعرفه العين ثم تنكره
وقال يحيى بن منصور الذهلى:
أما يستفيق القلب إلا انبرى له ... تذكّر طيف من سعاد ومربع
أخادع من عرفانه العين؛ إنه ... متى تعرف الأطلال عينى تدمع
وقال آخر:
هى الدار التي تعر ... ف لم لا تعرف الدّارا
ترى منها لأحبابك ... أعلاما وآثارا
فيبدى القلب عرفانا ... وتبدى العين إنكارا
وقال أبو نواس، وتعلق أول قوله بهذا المعنى، وأنا أنشد الأبيات كلها لملاحتها؛ إذ كان الغرض في هذا التصرف هو إرادة الإفادة:
ألا لا أرى مثلى امترى اليوم في رسم ... تغضّ به عينى ويلفظه وهمى «2»
أتت صور الأشياء بينى وبينه ... فظنّى كلا ظنّ وعلمى كلا علم
(1/285)

فطب بحديث من حبيب مساعد «1» ... وساقية بين المراهق والحلم «2»
ضعيفة كرّ الطّرف تحسب أنّها ... قريبة عهد بالإفاقة من سقم
يفوّق مالى من طريف وتالد ... تفوّقى الصهباء من حلب الكرم «3»
وإنى لآتى الوصل من حيث يبتغى ... وتعلم قوسى حين أنزع من أرمى «4»
[شعر أبى نواس]
وروى أبو هفان قال: كان أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابى «5» يطعن على أبى نواس، ويعيب شعره، ويضعّفه، ويستلينه؛ فجمعه مع بعض رواة شعر أبى نواس مجلس والشيخ لا يعرفه، فقال له صاحب أبى نواس: أتعرف- أعزّك الله! - أحسن من هذا؟ وأنشده: «ضعيفة كرّ الطّرف ... » الأبيات فقال: لا والله، فلمن هو؟ قال: للذى يقول:
رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفّى عليه بكا عليك طويل
يا ناظرا ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحّط بينهنّ قتيل
فطرب الشيخ، وقال: ويحك! لمن هذا؟ فو الله ما سمعت أجود منه لقديم
(1/286)

ولا لمحدث! فقال: لا أخبرك أو تكتبه؛ وكتب الأول، فقال: للذى يقول:
ركب تساقوا على الأكوار بينهم ... كأس الكرى فانتشى المسقىّ والساقى
كأنّ أرؤسهم والنّوم واضعها ... على المناكب لم تخلق بأعناق
ساروا فلم يقطعوا عقدا لراحلة ... حتى أناخوا إليكم قبل إشراقى
من كل جائلة الطرفين ناجية ... مشتاقة حملت أوصال مشتاق
فقال: لمن هذا؟ وكتبه. فقال: للذى تذمّه، وتعيب شعره، أبى على الحكمى! قال: اكتم علىّ، فو الله لا أعود لذلك أبدا.
أخذ قوله: «كأنّ أرؤسهم والنوم واضعها» أبو العباس بن المعتز، فقال يصف شربا:
كأنّ أباريق الّلجين لديهم ... ظباء بأعلى الرّقمتين قيام
وقد شربوا حتى كأن رؤوسهم ... من اللّين لم يخلق لهنّ عظام
البيت الأول من هذين من قول علقمة بن عبدة «1» :
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف ... مفدّم بسبا الكتّان ملثوم «2»
أراد بسبائب «3» ، فحذف. وقد أحسن مسلم بن الوليد في قوله:
إبريقنا سلب الغزالة جيدها ... وحكى المدير بمقلتيه غزالا
يسقيك بالألحاظ كأس صبابة ... ويديرها من كفّه جريالا «4»
(1/287)

وأنشد الحارث بن خالد أبياته:
إنى وما نحروا غداة منى......
لعبد الله بن عمر، فلما بلغ إلى قوله:
لعرفت معناها بما احتملت ... منّى الضلوع لأهلها قبل
قال له ابن عمر: قل إن شاء الله، قال: إذا يفسد الشعر يا أبا عبد الرحمن، فقال: لا خير في شىء يفسده إن شاء الله.
[تشبيب الحارث بن خالد]
وكان الحارث بن خالد أحد المجيدين في التشبيب، ولم يكن يعتقد شيئا من ذلك، وإنما يقوله تظرّفا وتخلّعا؛ وكان أكثر شعره في عائشة بنت طلحة، فلما قتل عنها مصعب بن الزبير قيل له: لو خطبتها! قال: إنى لا كره أن يتوهّم الناس علىّ أنى كنت معتقدا لما أقول فيها، وهو القائل:
يا أمّ عمران ما زالت وما برحت ... بنا الصّبابة حتى مسّنا الشّفق «1»
القلب تاق إليكم كى يلاقيكم ... كما يتوق إلى منجاته الغرق «2»
توفيك شيئا قليلا وهي خائفة ... كما يمسّ بظهر الحيّة الفرق «3»
أخذ هذا الطائى فحسّنه فقال:
تأبى على التّصريد إلّا نائلا ... إلّا يكن ماء قراحا يمذق «4»
نزرا كما استكرهت عابر نفجة ... من فأرة المسك التي لم تفتق
وحجّت عائشة بنت طلحة، فوجّه إليها يستأذنها في الزيارة، فقالت: نحن حرام، فأخّر ذلك حتى نحلّ، فلما أحلت أدلجت ولم يعلم، فكتب إليها:
ما ضرّكم لو قلتم سددا ... إنّ المنيّة عاجل غدها «5»
ولها علينا نعمة سلفت ... لسنا على الأيام نجحدها
(1/288)

لو تمّمت أسباب نعمتها ... تمّت بذلك عندنا يدها
إنى وإياها كمفتتن ... بالنار تحرقه ويعبدها
[من أخبار ابن أبى عتيق وعائشة بنت طلحة]
وابن أبى عتيق هذا هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، رضي الله عنه! وكان من أفاضل زمانه علما وعفافا، وكان أحلى الناس فكاهة، وأظرفهم مزاحا، وله أخبار مستظرفة سيمرّ منها ما يستحسن إن شاء الله.
روى الزبير بن أبى بكر أنه دخل على عائشة- يعنى بنت طلحة، رضي الله عنهما! - وهي لمابها؛ فقال: كيف أنت جعلت فداك؟ قالت: فى الموت، قال:
فلا إذا، إنما ظننت في الأمر فسحة، فضحكت، وقالت: ما تدع مزحك بحال.
وفيه يقول عمر بن أبى ربيعة القرشى:
ليت شعرى هل أقولن لركب ... بفلاة هم لديها خشوع
طالما عرّستم فاستقلّوا ... حان من نجم الثريّا طلوع
إنّ همّى قد نفى النوم عنّى ... وحديث النفس منّى يروع
قال لى فيها عتيق مقالا ... فجرت مما يقول الدموع
قال لى: ودّع سليمى ودعها ... فأجاب القلب: لا أستطيع
لا تلمنى في اشتياقى إليها ... وابك لى مما تجنّ الضّلوع
[مثل من التعريض]
قال أبو العباس محمد بن يزيد «1» قوله: «حان من نجم الثريا طلوع» كناية، وإنما
(1/289)

يريد الثريا بنت على بن عبد الله بن الحارث بن أميّة الأصغر، وكانت موصوفة بالجمال، وتزوّجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى، فنقلها إلى مصر، وفي ذلك يقول عمر، وضرب لهما المثل بالنجمين:
أيها المنكح الثريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
هى شاميّة إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يمانى
فمات سهيل عنها، أو طلّقها، فخرجت إلى الوليد بن عبد الملك وهو خليفة دمشق تطلب في دين عليها، فبينا هي عند أمّ البنين ابنة عبد العزيز إذ دخل الوليد فقال: من هذه عندك؟ قالت: الثريا، جاءتك تطلب في دين ارتكبها، فأقبل الوليد عليها، فقال: أتروين من شعر عمر بن أبى ربيعة شيئا؟ قالت:
نعم، أما إنه رحمه الله كان عفيفا، عفيف الشعر، أروى له قوله:
ما على الرّسم بالبليين لو ب ... يّن رجع السلام أولو أجابا
فإلى قصر ذى العشيرة بالصا ... ئف أمسى من الأنيس يبابا
وبما قد أرى به حىّ صدق ... ظاهرى العيش نعمة وشبابا
وحسانا جواريا خفرات ... حافظات عند الهوى الأحسابا
لا يكثّرن بالحديث ولا يتبعن ... ينعقن بالبهام الظّرابا «1»
فلما خلا الوليد بأم البنين قال: لله درّ الثريا؛ أتدرين ما أرادت بإنشادها ما أنشدت من شعر عمر؟ قالت: لا، قال: فإنّى لما عرّضت لها بعمر عرّضت بأن أمى أعرابية؛ وأم الوليد ولّادة ابنة العباس بن جزء بن الحارث بن زهير العبسى، وهي أمّ سليمان، ولا تعلم امرأة ولدت خليفتين في الإسلام غيرها، وغير الخيزران، وهي سبيّة من خرشنة، ولدت موسى الهادى وهارون الرشيد ابنى محمد المهدى، وشاهسفرم بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز؛ فإنها
(1/290)

ولدت للوليد بن عبد الملك يزيد بن الوليد الناقص وإبراهيم بن الوليد المخلوع؛ جلس في الخلافة بعد أخيه يزيد مدة يسيرة، ثم جاء مروان بن محمد بن مروان آخر ملوك بنى أمية فخلعه وولّى بعده.
وشبيه بقول الثريا في باب التعريض أنه دخلت عزّة على عبد الملك بن مروان، فقال لها: أنت عزّة كثير؟ قالت: أنا أم بكر الضّمرية، قال لها:
يا عزّة؟ هل تروين من شعر كثيّر شيئا؟ قالت: ما أعرفه، ولكن سمعت الرواة ينشدون له:
قضى كلّ ذى دين فوفّى غريمه ... وعزّة ممطول معنّى غريمها
قال: فتروين قوله:
وقد زعمت أنى تغيرت بعدها ... ومن ذا الذى يا عزّ لا يتغير
تغير حالى والخليقة كالذى ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبر
قالت: ما سمعت هذا، ولكن سمعتهم ينشدون:
كأنّى أنادى صخرة حين أعرضت ... من الصّمّ لو تمشى بها العصم زلّت «1»
غضوبا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت «2»
[بعض أخبار عمر بن أبى ربيعة وغزله]
قال: وكلّ ما ذكر ابن أبى ربيعة في شعره من عتيق، أو أبى عتيق، فإنما هو ابن أبى عتيق، وكان عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة، واسم أبى ربيعة حذيفة، ابن المغيرة بن عبد الله [بن عمر] بن مخزوم، ويكنى أبا الخطاب، أمه أم ولد سبيّة من حضرموت، ويقال من حمير، ومن ثم أتاه الغزل؛ لأنه يقال: «عشق يمانى، ودلّ حجازى» . قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى:
(1/291)

إن قلبى بالتلّ تلّ عزاز ... مع ظبى من الظّباء الجوازى «1»
شادن لم ير العراق وفيه ... مع ظرف العراق دلّ الحجاز
وقال الطائى وذكر نفسه:
قد ثقّفت منه الحجاز، وسهّلت ... منه العراق، ورقّقته المشرق «2»
وهجرت الثريا عمر، فقال:
قال لى صاحبى ليعلم ما بى: ... أتحبّ القتول أخت الرّباب؟
قلت: وجدى بها كوجدك بالما ... ء إذا ما فقدت برد الشّراب
أزهقت أمّ نوفل إذ دعتها ... مهجتى، ما لقاتلى من متاب
أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب
وهي مكنونة تحدّر منها ... فى أديم الخدّين ماء الشباب
ثم قالوا: تحبّها؟ قلت: بهرا ... عدد الرّمل والحصى والتّراب
ولما بلغ ابن أبى عتيق قوله:
من رسولى إلى الثريّا؟ فإنى ... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب
قال: إياى أراد، وبى هتف ونوّه، لا جرم لا ذقت طعاما أو أشخص إليها، وأصلح بينهما؛ قال مولى لبنى تميم: فنهض ونهضت معه، ثم خرج إلى السوق إلى الضمرتين، فأتى قوما من بنى الديل بن بكر يكرون النجائب، فقال: بكم تكروننى راحلتين إلى مكة؟ قالوا: بكذا وكذا درهما، فقلت لبعض التجار:
استوضعوا شيئا، فقال ابن أبى عتيق: ويحك! إنّ المكاس ليس من أخلاق الناس «3» . ثم ركب واحدة وركبت أخرى، وأجدّ السير، فقلت: ارفق بنفسك،
(1/292)

فقال: ويحك! أبادر حبل الوصل أن يتقضّبا. وما أملح الدنيا إذا تمّ الوصل بين عمر والثريا! فقدمنا مكة وأتى باب الثريا، فقالت: والله ما كنت لنا زوّارا، فقال: أجل، ولكن جئت برسالة، يقول لك ابن عمك عمر: ضقت ذرعا بهجرها والكتاب. فلامه عمر، فقال ابن أبى عتيق: إنما رأيتك مبادرا تلتمس رسولا، فخففت في حاجتك، فإنما كان ثوابى أن أشكر.
ووصف ابن أبى عتيق لعمر امرأة من قومه، وذكر جمالا رائعا، وعقلا فائقا، فرآها عمر، فشبّب بها؛ فغضب ابن أبى عتيق وقال: تشبّب بامرأة من قومى؟ فقال عمر:
لا تلمنى عتيق حسبى الّذى بى ... إنّ بى يا عتيق ما قد كفانى
إن بى مضمرا من الحب قد أب ... لى عظامى مكنونه وبرانى
لا تلمنى فأنت زيّنتها لى
فقال ابن أبى عتيق:
أنت مثل الشيطان للانسان
فقال عمر: هكذا وربّ الكعبة قلت.
فقال ابن أبى عتيق: إن شيطانك وربّ القبر ربما ألم بى! وحجّت رملة بنت عبد الله بن خلف أخت طلحة الطلحات، فقال عمر فيها:
أصبح القلب في الحبال رهينا ... مقصدا يوم فارق الظاعينا
ولقد قلت يوم مكة سرّا ... قبل وشك من بينكم نولينا
أنت أهوى العباد قربا وبعدا ... لو تواتين عاشقا محزونا
قاده الحين يوم سرنا إلى الح ... جّ جهارا ولم يخف أن يحينا
فإذا نعجة تراعى نعاجا ... ومها نجّل النواظر عينا
فسبتنى بمقلة وبجيد ... وبوجه يضىء للناظرينا
(1/293)

قلت من أنتم فصدّت وقالت ... أمبدّ سؤالك العالمينا «1»
قلت بالله ذى الجلالة لما ... أن تبلت الفؤاد أن تصدقينا
أىّ من تجمع المواسم أنتم ... فأبينى لنا ولا تكذيبنا
فرأت حرصى الفتاة، فقالت ... أخبريه بعلم ما تكتمينا
نحن من ساكنى العراق، وكنّا ... قبلها قاطنين مكة حينا
قد صدقناك إذ سألت فمن ... أنت عسى يجرّ شأن شؤونا
ونرى أنّنا عرفناك بالنعت ... ظنونا وما قتلنا يقينا
بسواد الثّنيّتين ونعت ... قد نراه لناظر مستبينا
قولها: «وكنا قبلها قاطنين مكّة حينا» أرادت إذ كانت مكة لخزاعة.
وكان آخر من نبذ مفتاح الكعبة من خزاعة أبو غبشان، فباعه من قصىّ بزقّ خمر؛ فقيل في المثل: «أخسر صفقة من أبى غبشان» . وكان أبو غبشان إذ باع المفتاح قصيّا مريضا قد يئس من نفسه، فلما أبلّ من مرضه لامه قومه، وسألوه استرجاعه، وذلك الذى هاج الحرب بين خزاعة وقريش، فظفر قصىّ واستولى على مكة، وجمع قريشا بها؛ ولذلك سمى مجمعا، قال مطرف الخزاعى:
أبوكم قصىّ كان يدعى مجمّعا ... به جمّع الله القبائل من فهر
وقال الطائى:
ولما نضا ثوب الحياة وأوقعت ... به نائبات الدهر ما يتوقّع
غدا ليس يدرى كيف يصنع معدم ... ذرى دمعه في خدّه كيف يصنع
ولم أنس سعى الجود خلف سريره ... بأكسف بال يستقلّ ويظلع «2»
وتكبيره خمسا عليه معا لنا ... وإن كان تكبير المصلين أربع
وما كنت أدرى يعلم الله قبلها ... بأنّ النّدى في أهله يتشيّع
(1/294)

غدؤا في زوايا نعشه وكأنّما ... قريش قريش يوم مات مجمّع
وقال الشاعر في أمر قصىّ وأبى غبشان:
أبو غبشان أظلم من قصىّ ... وأظلم من بنى فهر خزاعه
فلا تلحوا قصيّا في شراه ... ولوموا شيخكم إذ كان باعه
وكان عمر أسود الثنيتين.
قال مولى ابن أبى عتيق بلال: أتيت الثريّا مسلما عليها، فقالت: أنشدنى لعمر، فأنشدتها:
أصبح القلب في الحبال رهينا
فقالت الثريا: إى والله، لئن سلمت له لأردّنّ من شأوه، ولأثنينّ من عنانه، ولأعرفنّه نفسه! فمررت فيها حتى انتهيت إلى قوله:
قلت من أنتم فصدّت وقالت ... أمبدّ سؤالك العالمينا
فقالت: أو قد أجابته بهذا؟ أى وقت؟ فلما انتهيت إلى قوله:
وترى أننا عرفناك بالنّعت
قالت: جاءت النّوكاء بآخر ما عندها في موقف واحد «1» .
وسأله أخوه الحارث- وهو المعروف بالقباع، وكان من أفاضل أهل دهره- أن يترك الشعر، ورغب إليه في ذلك، ووعظه، فقال: أما ما دمت بمكة فلا أقدر، ولكنى أخرج إلى اليمن، فخرج؛ فلما سار إلى هناك لم تدعه نفسه وترك الشعر، فقال:
هيهات من أمة الوهّاب منزلنا ... إذا نزلنا بسيف البحر من عدن «2»
واحتلّ أهلك أجيادا، وليس لنا ... إلا التذكّر أو حظّ من الحزن
بل ما نسيت غداة الخيف موقفها ... وموقفى، وكلانا ثمّ ذو شجن
(1/295)

وقولها للثريا وهي مطرقة ... والدمع منها على الخدّين ذو سنن «1»
بالله قولى له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها ... فما أخذت بترك الحجّ من ثمن
فلما بلغ الشعر الحارث قال: قد علمنا أنه لا يفى «2» .
وروى سفيان بن عيينة عن ابن جريج قال: لزمنى دين مرّة فضاقت ساحتى وبلادى بى، فتوجّهت إلى معن بن زائدة باليمن، فقال: ما أقدمك هذه البلدة؟ قلت: دين طردنى عن وطنى، قال: يقضى دينك، وترد إلى وطنك محبوّا محبورا، قال: فأفمت عنده، ثم رأيت الناس يرحلون إلى الحج، فحننت إلى مكة، وذكرت قول ابن أبى ربيعة، وذكر الأبيات ... فأتيت باب معن، فقلت للحاجب: استأذن لى على الأمير، فلما دخلت عليه قال: إنّ لك لحادث خبر! قلت: أستودع الله الأمير وأستحفظه عليه. قال: وما هاج هذا منك؟ فقلت: رأيت خروج الناس إلى الحج، وذكرت قول عمر؛ فحننت إلى مكّة، فقال: أنت وحنينك، وإن كنت بفراقك ضنينا، وسيتبعك ما تحتاج إليه؛ فسر مصاحبا، قال: فسرت إلى رحلى، فأتبعنى بمال وثياب ومطايا ودوابّ، وسرت إلى مكّة من فورى.
وكان عمر- على غزله، وما يذكره في شعره- عفيفا. حدّث المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: دخلت مع أبى مكة، فجاءه عمر، فسلّم عليه، وأنا غلام شابّ وعلىّ جبّة، فجعل يأخذ بخصلة من شعرى فتمتدّ في يده، ثم يرسلها فترجع، فيقول: واشباباه! فقال لى: يا بن أخى، قد سمعت قولى: «قلت لها وقالت لى» ؛ وكلّ مملوك لى حرّ إن كنت قطّ كشفت عن فرج حرام! قال: فقمت وفي
(1/296)

نفسى من يمينه شىء؛ فسألت عن رقيقه، فقيل لى: أما في هذا الحول فسبعون.
ويستحسن قول عمر في المساعدة:
وخلّ كنت عين النّصح منه ... إذا نظرت ومستمعا مطيعا
أطاف بغيّة فنهيت عنها ... وقلت له: أرى أمرا شنيعا
أردت رشاده جهدى، فلمّا ... أبى وعصى أتيناها جميعا
وهذا مأخوذ من قول دريد بن الصّمة الجشمى «1» :
أمرتهم أمرى بمنعرج اللّوى ... فلم يستبينوا الرّشد إلّا ضحا الغد
فقلت لهم: ظنّوا بألفى مدجّج ... سراتهم في الفارسىّ المسرّد «2»
فلما عصونى كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأننى غير مهتدى
وما أنا إلّا من غزيّة إن غوت ... غويت، وإن ترشد غزيّة أرشد
ومن جيد شعره:
يقولون إنى لست أصدق في الهوى ... وإنى لا أرعاك حين أغيب
فما بال طرفى عفّ عما تساقطت ... له أنفس من معشر وقلوب
عشية لا يستنكر القوم أن يروا ... سفاه حجى ممن يقال لبيب
ولا فتنة من ناسك أو مضت له ... بعين الصبا كسلى القيام لعوب «3»
تروّح يرجو أن تحطّ ذنوبه ... فآب وقد زيدت عليه ذنوب
وما النّسك أسلانى، ولكنّ للهوى ... على العين منّى والفؤاد رقيب
ونظر عمر بن أبى ربيعة إلى فتى من قريش يكلّم امرأة في الطواف، فعاب ذلك عليه، فذكر أنها ابنة عمه، فقال: ذلك أشنع لأمرك، قال: إنى خطبتها
(1/297)

إلى عمى، وإنه زعم أنه لا يزوّجنى حتى أصدقها أربعمائة دينار، وأنا غير قادر على ذلك، وذكر من حاله وحبّه لها؛ فأتى عمر عمّه، فكلّمه في أمرها، فقال: إنه مملق، فزوّجه، وساق عمر عنه المهر.
وكان عمر حين أسنّ حلف ألّا يقول بيتا إلا أعتق رقبة، فانصرف إلى منزله يحدّث نفسه، فجعلت جاريته تكلّمه ولا يجيبها؛ فقالت: إن لك لشأنا، وأراك تريد أن تقول شعرا، فقال:
تقول وليدتى لما رأتنى ... طربت: وكنت قد أقصرت حينا
أراك اليوم قد أحدثت أمرا ... وهاج لك الهوى داء دفينا
وكنت زعمت أنك ذو عزاء ... إذا ما شئت فارقت القرينا
لعمرك هل رأيت لها سميّا ... فشاقك أم لقيت لها خدينا
فقلت: شكا إلىّ أخ محبّ ... كبعض زماننا إذ تعلمينا
فقصّ علىّ ما يلقى بهند ... فذكّر بعض ما كنا نسينا
وذو الشوق القديم وإن تعزّى ... مشوق حين يلقى العاشقينا
فكم من خلّة أعرضت عنها ... لغير قلى، وكنت بها ضنينا
أردت بعادها فصددت عنها ... وإن جنّ الفؤاد بها جنونا
ثم دعا تسعة من رقيقه فأعتقهم.
قال عثمان بن إبراهيم: حججت أنا وأصحاب لنا، فلما رجعنا من مكّة مررنا بالمدينة، فرأينا عمر بن أبى ربيعة، وقد نسك وترك قول الشعر، فقال بعضنا لبعض: هل لكم فيه؟ فملنا إليه، وسلّمنا عليه، وجلسنا وهو ساكت لا يكلمنا. فقال له بعضنا: أيعجبك قول الفرزدق:
سرت لعينك سلمى بعد مغفاها ... فبتّ مستلهيا من بعد مسراها
فقلت: أهلا وسهلا! من هداك لنا؟ ... إن كنت تمثالها أو كنت إيّاها
تأتى الرياح التي من نحو بلدتكم ... حتى نقول: دنت منا بريّاها
(1/298)

وقد تراخت بهم عنّا نوى قذف ... هيهات مصبحها من بعد ممساها «1»
من أجلها أتمنّى أن يلاقينى ... من نحو بلدتها ناع فينعاها
كيما أقول: افتراق لا اجتماع له، ... وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها
ولو تموت لراعتنى وقلت لها: ... يا بؤس للدهر ليت الدهر أبقاها
فلم يهش لذلك! فقال الآخر: أيعجبك قول العذرى:
لو حزّ بالسيف رأسى في مودّتها ... لمرّ يهوى سريعا نحوها راسى
ولو بلى تحت أطباق الثرى جسدى ... لكنت أبلى وما قلبى لكم ناسى
أو يقبض الله روحى صار ذكركم ... روحا أعيش به ما عشت في الناس
لولا نسيم لذكراكم يروّحنى ... لكنت محترقا من حرّ أنفاسى
فتحرك ثم قال: يا ويحه! أبعد ما يحز رأسه يميل إليه؟
ثم أنشأ يحدثنا، فقال: أتانى خالد الدليل، فقال: إن هندا وأترابها بموضع كذا وكذا من الصحراء أيام الربيع، فقلت: كيف الحيلة؟ فقال: تتلثم وتكتفل «2» كانك طالب ضالة، ففعلت، فدفعت إليهن، فقلن: يا أعرابى، ما تطلب؟ قلت:
ضالة لى، فقلن: قد كللت يا أعرابى، فلو جلست فأصبت من حديثنا وأصبنا من حديثك، ولعلك تروح إلى وجود ضالتك، فنزلت؛ فلما امتد الحديث بنا حسرت هند لثامى، وقالت: أتراك خدعتنا؟ نحن والله خدعناك، وبعثنا إليك خالدا، رأينا خلاء ومنظرا فأردناك، ونظرت في درعى فأعجبنى ما رأيت، فقلت:
يا أبا الخطاب! قال عمر: فقلت: لبّيك، وفي ذلك أقول:
ألم تسأل الأطلال والمتربّعا ... ببطن حليّات دوارس بلقعا «3»
(1/299)

إلى السّرح من وادى المغمّس بدّلت ... معالمه وبلا ونكباء زعزعا «1»
فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعد ما ... نكأن فؤادا كان قدما موجّعا «2»
لهند وأتراب لهند إذ الهوى ... جميع وإذ لم نخش أن يتصدّعا
وإذ لا نطيع العاذلين ولا نرى ... لواش لدينا يطلب الهجر مطمعا
وإذ نحن مثل الماء كان مزاجه ... كما صفّق الساقى الرحيق المشعشعا
تنوعتن حتى عاود القلب خبله ... وحتى تذكّرت الحبيب المودّعا
فقلت لمطريهن بالحسن: إنما ... ضررت، فهل تسطيع نفعا فتنفعا؟
وأشريت فاستشرى وقد كان قد صحا ... فؤاد بأمثال المها كان مولعا «3»
لئن كان ما حدّثت حقّا فما أرى ... كمثل الألى أطريت في الناس أربعا «4»
فقال: فقم فانظر، فقلت: وكيف لى ... أخاف حديثا أن يشاع فيشنعا
فقال: اكتفل ثم التثم فأت باغيا ... فسلّم ولا نكثر بأن تتورّعا
فأقبلت أهوى مثل ما قال صاحبى ... لموعده أبغى قلوصا موقّعا «5»
فلما تواقفنا وسلّمت أقبلت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا
تبالهن بالعرفان لمّا رأيننى ... وقلن: امرؤ باغ أكلّ وأوضعا «6»
وقرّبن أسباب الهوى لمتيّم ... يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا
فلما تنازعن الأحاديث قلن لى ... أخفت علينا أن نغرّ ونخدعا
(1/300)

فبالأمس أرسلنا بذلك خالدا ... إليك، وبينا له الأمر أجمعا
فما جئتنا إلّا على وفق موعد ... على ملأ منّا خرجنا له معا
رأينا خلاء من عيون ومنظرا ... دميث الربى سهل المحلة ممرعا «1»
وقلن: كريم نال وصل كرائم ... فحقّ له في اليوم أن تمتّعا
وقوله: «وجوه زهاها الحسن أن تنقنعا» يقول: هذه الوجوه مدلّة بجمالها فلا تختمر، فتستر شيئا عن الناظرين إليها. وقد أشار إلى هذا المعنى الشماخ بن ضرار «2» يصف ناقته:
كأنّ ذراعيها ذراع مدلّة ... بعيد الشباب حاولت أن تعذّرا «3»
من البيض أعطافا إذا اتّصلت دعت ... فراس بن غنم أو لقيط بن يعمرا
بها شرق من زعفران وعنبر ... أطارت من الحسن الرّداء المحبّرا
[من لا ترى ستر الوجه من النساء، واحتجاجها لذلك]
قال: وكانت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله لا تستر وجهها، فلما دخلت على مصعب بن الزبير قال لها في ذلك، فقالت: إن الله تعالى وسمنى بميسم جمال، فأحببت أن يراه الناس، والله مابى وصمة أستتر لها.
وقال على بن العباس الرومى يصف قينة:
لم يعتصم عودها بزامرة ... ولا انضوى وجهها إلى الستر
وقد ردد معنى قوله: «لم يعتصم عودها بزامرة» فقال: يصف برعة الكبيرة:
غنت فلم تحوج إلى زامر ... هل تحوج الشمس إلى شمعه
(1/301)

كأنما غنّت لشمس الضحى ... فألبستها حسنها خلعه
كأنما رنّة مسموعها ... رقة شكوى سبقت دمعه
تهدى إلى قلبك ما يشتهى ... كأنها قد أطلعت طلعه
يجتمع الظرف لجلّاسها ... والحسن والإحسان في بقعه
طفّل على من حصلت عنده ... فبعض تطفيل الفتى رفعه «1»
ربيع غيث فانتجع روضه ... فلن يعاب الحرّ بالنجعه «2»
[ستر الرأس لإخفاء الصلع]
وكان ابن الرومى لا يزال معتمّا، وكان يغضب إذا سئل عن ذلك، وسأله بعض الرؤساء: لم تعتم؟ فقال بديها:
يأيّها السائلى لأخبره ... عنّى لم لا أراك معتجرا
أستر شيئا لو كان يمكننى ... تعريفه السائلين ما سترا
وقد بين العلة التي أوجبت اهتمامه في قوله:
تعممت إحصانا لرأسى برهة ... من القرّ يوما والحرور إذا سفع
فلما دهى طول التّعمم لمّتى ... وأودى بها بعد الإطالة والفرع
عزمت على لبس العمامة حيلة ... لتستر ما جرّت علىّ من الصّلع
فيالك من جان علىّ جناية ... جعلت إليه من جنايته الفزع
وأعجب شىء كان دائى جعلته ... دوائى على عمد وأعجب بأن نفع
وهذا كقوله، وإن لم يكن في معناه، وقد رأيت من ينسبه إلى كشاجم:
طربت إلى المراة فروّعتنى ... طوالع ثيبتين ألمّتا بى
فأما شيبة ففزعت منها ... إلى المقراض حبّا للتّصابى
(1/302)

وأما شيبة فصفحت عنها ... لتشهد بالبراءة من خضابى
فأعجب بالدّليل على مشيبى ... أقمت به الدّليل على شبابى
وهو القائل في صفة رجل أصلع:
يجذب من نقرته طرّة ... إلى مدى يقصر عن ميله
فوجهه يأخذ من رأسه ... أخذ نهار الصّيف من ليله
وقال أعرابى:
قد ترك الدّهر صفاتى صفصفا ... فصار رأسى جبهة إلى القفا «1»
كأنه قد كان ربعا فعفا
[من كلام الأعراب]
قال أعرابىّ لسليمان بن عبد الملك: إنى أكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله، فإنّ وراءه إن قبلته ما تحبه، قال: هاته يا أعرابى؛ فنحن نجود بسعة الاحتمال على من لا نأمن غيبته، ولا نرجو نصيحته، وأنت المأمون غيبا، الناصح جيبا «2» . قال: فإنى سأطلق لسانى بما خرست عنه الالسن، تأدية لحق الله تعالى؛ إنه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، وخافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة، وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه؛ فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعا، والأمة كسفا وخسفا، وأنت مسئول عما اجترموا، وليسوا مسئولين عما اجترمت؛ فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك؛ فإن أعظم الناس عند الله غبنا من باع آخرته بدنيا غيره.
فقال سليمان: أما أنت يا أعرابى فقد سللت لسانك وهو سيفك، قال:
أجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك.
(1/303)

وروى العتبى عن أبيه عن مولى لعمرو بن حريث قال: شخصت إلى سليمان ابن عبد الملك، فقيل لى: إنك ترد على أفصح العرب، وسيسألك عن المطر، فانظر ما تجيبه، فقلت: ما عندى من الجواب إلّا ما عند العامّة، فقيل لى: ما ذلك بمقنع عنده، فلقينى أعرابى فقلت: هل لك في درهمين؟ فقال: إنّى والله محتاج إليهما، حريص عليهما، فما شأنك؟ فقلت: لو سألك سائل عن هذا المطر بم كنت تجيبه؟ قال. أو يعيا بهذا أحد؟ قلت: نعم، سائلك! قال: أتعيا أن تقول: أصابتنا سماء، عمد لها الثّرى، واتّصل بها العرى، وقامت منها الغدر، وأتتك في مثل وجار الضّبع، فكتبت الكلام، وأعطيته درهمين؛ فكان هجّيراى على الرّاحلة «1» ؛ فإذا نزلت أقبلت عليه وأمثل نفسى كأنى واقف بين يديه، وقد سلّمت عليه بالخلافة وهو يسألنى عن المطر! فلما انتهيت إليه سألنى فاقتصصت الكلام، فكسر إحدى عينيه، وقال:
إنى لأسمع كلاما ما أنت بأبى عذرته «2» . قلت: صدقت! وحياتك يا أمير المؤمنين اشتريته بدرهمين! فاستغرب ضحكا، ثم أحسن صلتى.
وقال أعرابى يمدح رجلا:
حليم مع التّقوى، شجاع مع الجدا ... ندحين لا يندى السّحاب سكوب
ويجل أمورا لو تصيّفن غيره ... لمات خفاتا أو لكاد يذوب
شديد مناط القلب في الموقف الذى ... به لقلوب العالمين وجيب
فتى هو من غير التخلّق ماجد ... ومن غير تأديب الرّجال أديب
وقال بعض المحدثين يمدح:
(1/304)

فتى يجعل المعروف قبل سؤاله ... ويجعل دون العذر فضل التّكرّم
أغرّ متى تقصد به فضل حظه ... تصب ومتى تطلب به الغنم تغنم
على رأيه ينضمّ منصدع الصّفا ... وبنحلّ من عقد العرى كل مبرم
له عزمة أغنى من الجيش في الوغى ... وخطرة رام كالحسام المصمّم
جملة من كلام أبى الفضل أحمد بن الحسين الهمذانى «1» بديع الزمان
وهذا اسم وافق مسمّاه، ولفظ طابق- معناه، وكلام غضّ المكاسر، أنيق الجواهر، يكاد الهواء يسرقه لطفا، والهوى يعشقه ظرفا ولما رأى أبا بكر محمد بن الحسين بن دريد الأزدى «2» أغرب بأربعين حديثا، وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، واستنخبها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها للافكار والضمائر، فى معارض أعجمية، وألفاظ حوشية، فجاء أكثر ما أظهر تنبو عن قبوله الطباع، ولا ترفع له حجبها الأسماع، وتوسّع فيها؛ إذ صرّف ألفاظها ومعانيها، فى وجوه مختلفة، وضروب متصرفة، عارضها بأربعمائة مقامة في الكدية، تذوب ظرفا، وتقطر حسنا، لا مناسبة بين المقامتين لفظا ولا معنى، وعطف مساجلتها، ووقف مناقلتها، بين رجلين سمّى أحدهما عيسى بن هشام والآخر أبا الفتح الإسكندرى، وجعلهما يتهاديان الدّر، ويتنافثان السّحر، فى معان تضحك الحزين، وتحرّك الرّصين، يتطلّع منها كلّ طريفة، ويوقف منها على كلّ لطيفة، وربما أفرد أحدهما بالحكاية،
(1/305)

وخصّ أحدهما بالرواية؛ وسأذكر منها ما لا يخلّ طوله بالشرط المعقود، ولا ينافى حصوله الغرض المقصود «1» .
كتب إلى أبى نصر أحمد بن على الميكالى:
كتابى- أعز الله الأمير! - وبودّى أن أكونه، فأسعد به دونه، ولكنّ الحريص محروم، لو بلغ الرزق فاه، لولّاه قفاه. فرّق الله بين الأيام، تفريقها بين الكرام، وألهمها أن تورد بعقل، وتصدر بتمييز، وما ذلك على الله بعزيز، وأنا فى مفاتحة الأمير، بين ثقة تعد، ويد ترتعد، ولم لا يكون ذلك؟ والبحر وإن لم أره، فقد سمعت خبره، ومن رأى من السيف أثره، فقد عاين أكثره، والليث وإن لم ألقه، فلم أجهل خلقه، وماوراء ذلك من تالد أصل وحسب، وطارف فضل وأدب، وبعد همة وصيت، فمعلوم تشهد به الدفاتر، والخبر المتواتر، وتنطق به الأشعار، كما تصدق به الآثار، والعين أقلّ الحواس إدراكا، والأذن أكثرها استمساكا، وإن بعدت الدار فلا ضير؛ إنّ أيسر البعدين بعد الدارين، وخير القربين قرب القلبين.
وكتب إليه في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة:
الأمير الفاضل، والشيخ الرئيس، رفيع مناط الهمة، بعيد منال الحرمة، وفسيح مجال الفضل، رحيب منخرق الجود، رطيب مكسر العود
(1/306)

فلو نظمت الثربا ... والشّعريين قريضا
وكاهل الأرض ضربا ... وشعب رضوى عروضا
وصغت للدر ضدّا ... وللهواء نقيضا
بل لو جلوت عليه ... سود النوائب بيضا
أو ادّعيت الثريّا ... لأخمصيه حضيضا
والبحر عند لهاه ... يوم العظاء مغيضا
لما كنت إلّا في ذمة القصور، وجانب التقصير، فكيف وأنا قاعد الحالة فىّ المدح، قاصر الآلة عن الشّرح؟ ولكنى أقول: الثناء منجح أنّى سلك، والسخى جوده بما ملك، وإن لم تكن غرّة لائحة فلمحة دالة، وإن لم يكن صدّاء فماء «1» ، وإن لم يكن خمر فخلّ، وإن لم يصبها وابل فطلّ، وبذل الموجود غاية الجود، وبعض الجهد آخر المجهود، وماش خير من لاش «2» ، ووجود ما قلّ خير من عدم ما جلّ. وقليل في الجيب خير من كثير في الغيب، وجهد المقل خير من عذر المخل، وحمار أيس خير من فرس ليس «3» ، وكوخ في العيان خير من قصر في الوهم. وزيت «4» خير من ليت، وما كان أجود من لو كان، وقد قيل: عصفور في الكف أجود من كركى في الجو، ولأن «5» تقطف خير من أن تقف، ومن لم يجد الجميم رعى الهشيم «6» ، ومن لم يحسن صهيلا نهق، ومن لم يجد ماء تيمّم؛ والأمير الرئيس- أدام الله نعماه! - لا ينظر في قوافى صنيعته إلى ركاكة ألفاظها، وبعد أغراضها، ولكن إلى كثرة جذرها «7» ، وثقل مهرها، وقلّة
(1/307)

كفئها، وإننى منذ فارقت قصبة جرجان، ووطئت عتبة خراسان، ما زففتها إلا إليه، ولا وقفتها إلا عليه، هذا على تمرغى في أعطاف المحن، وضرورتى إلى أبناء الزمن، وإن كان الأمير الرئيس يرفع لكل لفظ حجاب سمعه، ويفسح لكل شعر فناء طبعه، فهاك من النثر ما ترى، ومن النظم ما يترى:
أدهق الكاس فعرف الفجر ... قد كاد يلوح
فهو للناس صباح ... ولذى الرأى صبوح
والذى يمرح بى في ... حلبة اللهو جموح
فاسقنيها والأمانىّ ... لها عرف يفوح
إنّ للأيام أسرارا ... بها سوف تبوح
لا يغرنّك جسم ... صادق الحس وروح
إنما نحن إلى الآجال ... نغدو ونروح
ويك هذا العمر تبريح ... وهذا الروح ريح
بينما أنت صحيح الجسم ... إذ أنت طريح
فاسقنيها مثل ما يلفظه ... الدّيك الذّبيح
قبل أن يضرب في الدّهر ... بى القدح السّنيح «1»
إنما الدّهر غرور ... ولمن أصغى نصيح
ولسان الدّهر بالوعظ ... لواعيه فصيح
نستبيح الدّهر والأيّام ... منا تستبيح
نحن لاهون وآجال ... المنايا لا تريح
يا غلام الكأس فاليأ ... س من الناس مريح
ضاع ما نحميه من أنفسنا ... وهو مبيح
(1/308)

وقنوعا فمقام الذّ ... ل بالمرء قبيح
أنا يا دهر بأبنا ... ئك شقّ وسطيح «1»
وبأبكار القوافى ... لا على كفء شحيح
يا بنى ميكال والجو ... د لعلّاتى مزيح
شرفا إن مجال الفضل ... فيكم نفسيح
وعلى قدر سنا ... الممدوح يأتيك المديح
فهناك الشرف الأر ... فع والطّرف الطّموح
والنّدى والخلق الطا ... هر والخلق الصّبيح
مرتقى مجد يحار الطّرف ... فيه ويطيح
أيّهذا الكرم الما ... ثل والخلق السّجيح «2»
كان هذا الجود ميتا ... عاده منك المسيح
هذه- أطال الله بقاء الأمير! - هدية الوقت، وعفو الساعة، وفيض البديهة، ومسارقة القلم، ومسابقة اليد للفم، وجمرات الحدّة، وثمرات المدّة، ومجاراة الخاطر للناظر، ومباراة الطّبع للسّمع، ومجاذبة الجنان للبيان، والشعر إذا لم تقدمه روّية، ولم تنضجه نيّة، لم يفتح له السمع بابه، ولم يرفع له القلب حجابه، وإذا لبس الأمير هذه على علاتها رجوت أن يكون بعدها ما هو أفتن وأحسن وأرصن، فرأيه أيده الله في الوقوف عليها موقفا إن شاء الله.
وله إليه معاتبة:
لئن ساءنى أن نلتنى بمساءة ... لقد سرّنى أنّى خطرت ببالك
الأمير الفاضل الشيخ الرئيس، أطال الله بقاءه إلى آخر الدعاء، فى حال برّه وجفائه متفضّل، وفي يومى إعاده وإدنائه متطوّل. وهنيئاله من حمانا ما يحلّه،
(1/309)

ومن عرانا ما يحله، ومن أعراضنا ما يستحلّه؛ بلغنى أنه- أدام الله عزّه! - استزاد صنيعته، وكنت أظننى مجنيّا عليه، مساء إليه، فإذا أنافى قرارة الذّنب، وبمثابة العتب، وليت شعرى أىّ محظور في العشرة حضرته، أو مفروض من الخدمة رفضته، أو واجب في الزيارة أهملته؟ وهل كنت إلا ضيفا أهداه بلد شاسع، وأدّاه أمل واسع، وحداه فضل وإن قلّ، وهداه رأى وإن ضلّ، ثم لم يلق إلّا في آل ميكال رحله، ولم يصل إلّا بهم حبله، ولم ينظم إلا فيهم شعره، ولم يقف إلا عليهم شكره؛ ثم ما بعدت صحبة إلا دنت مهانة، ولا زادت حرمة إلا نقصت صيانة، ولا تضاعفت منة إلا تراجعت منزلة، ولم تزل الضّعة بنا حتى صار وابل الإعظام قطرة، وعاد قميص القيام صدرة، وذلك التقرب أزورارا، وطويل السلام اختصارا، والاهتزاز إيماء، والعبارة إشارة؛ وحين عاتبته آمل إعتابه، وكاتبته أنتظر جوابه، وسألته أرجو إيجابه، أجاب بالسكوت، وأعتب بالقنوت، فما ازددت إلّا له ولاء، وعليه ثناء؛ لا جرم إنى اليوم أبيض وجه العهد، واضح محجّة الودّ، طويل عنان القول، رفيع حكمة العذر؛ وقد حمّلت فلانا من الرسالة ما تجافى عنه القلم؛ والأمير الرئيس أطال الله بقاءه ينعم بالإصغاء لما يورده موفقا إن شاء الله.
وله إليه في هذا الباب:
أنا في خدمة الأمير الرئيس- أطال الله بقاءه! - مترجّح بين أن أشربها رنقة ولا أسيغها، وألجلج منها مضغة ولا أجيزها، وبين أن أطويها على عرّها، ولا أرتضع أخلاف درّها.
فلا نفسى تطاوعنى لرفض ... ولا هممى توطّننى لخفض
وبقى أن أقرصه بأنامل العتب، وأحشمه بألحاظ العذل، وأعرفه أنى ما أطوى مسافة مزار إلّا متجّشما، ولا أطأ عتبة دار إلا متبرّما؛ ولست كمن يبسط يده مستجديا، أو ينقل قدمه مستعديا؛ فإن كان الأمير الرئيس- أيّده الله! - يسرح طرفه منّى في طامح أو طامع، فليعد للفراسة نظرا.
(1/310)

فما الفقر من أرض العشيرة ساقنى ... إليك، ولكنّا بقرباك ننجح
وأجدنى كلما استقزنى الشوق إلى تلك المحاسن، أطير إليها بجناحين عجلا، وأرجع بعرجاوين خجلا، ولولا أنّ الرضا بذلك ضرب من سقوط الهمّة، وأن العتاب نوع من أنواع الخدمة، لصنت مجلسه عن قلمى، كما أصونه عن قدمى، ولملت إلى أرض الدعاء فهو أنجع، وإلى جانب الثناء فهو أوسع، وسأفعل لتخفّ مؤنتى، ولا تثقل وطأتى
إذا ما عتبت فلم تعتب ... وهنت عليك فلم تعن بى «1»
سلوت، ولو كان ماء الحياة ... لعفت الورود ولم أشرب
قطعة من مفردات الأبيات لأهل العصر في معان شتى تجرى مجرى الأمثال
أبو فراس الحمدانى:
إذا كان غير الله للمرء عدّة ... أتته الرّزايا من وجوه المكاسب
وله:
عفافك عىّ، إنما عفّة الفتى ... إذا عفّ عن لذّاته وهو قادر «2»
وقال المتنبى:
كلّ حلم أنى بغير اقتدار ... حجّة لا جىء إليها اللّئام
وله:
وإذا كانت النّفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
(1/311)

وله:
وإذا أتتك مذمّتى من ناقص ... فهى الشّهادة لى بأنى كامل
وله:
لا يعجبنّ مضيما حسن بزّته ... وهل تروق دفينا جودة الكفن؟
وله:
من أطاق التماس شىء غلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا
وله:
والظّلم من شيم النفوس، فإن تجد ... ذا عفّة فلعلّة لا يظلم
وله:
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه ... أنى بما أنا باك منه محسود
وله:
ذكر الفتى عمره الثانى، وحاجته ... ما قاته، وفضول العيش أشغال
والمتنبى أكثر المحدثين افتنانا وإحسانا في الإغراب بهذا الباب؛ والاستقصاء يخرج عن شرط الكتاب.
وقال السرى الموصلى:
خذوا من العيش فالأعمار فائتة ... والدهر منصرم والعيش منقرض
وله:
فإنك كلّما استودعت سرّا ... أنمّ من النّسيم على الرّياض
وقال أبو إسحاق الصابى:
الضبّ والنّون قد يرجى التقاؤهما ... وليس يرجى التقاء اللبّ والذّهب «1»
وقال ابن نباتة:
مثل خلعت على الزمان زداءه ... عوز الدّراهم آفة الأجواد
(1/312)

وله:
يهوى الثناء مبرز ومقصّر ... حبّ الثناء طبيعة الإنسان
وقال أبو الحسن السّلامى:
تبسّطنا على اللّذّات لمّا ... رأينا العفو من ثمر الذّنوب
وقال ابن لنكك البصرى:
وماذا أرجّى من حياة تكدّرت ... ولو قد صفت كانت كأحلام نائم
وقال أبو طالب المأمونى:
لى في ضمير الدهر سرّ كامن ... لا بدّ أن تستلّه الأقدار
وقال أبو الفضل بن العميد:
الرأى يصدأ كالحسام لعارض ... يطرا عليه وصقله التذكير
وقال أبو الفتح:
بطرتم فطرتم والعصا زجر من عصى ... وتقويم عبد الهون بالهون رادع
وله:
إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها مقترح
وقال الصاحب إسماعيل بن عباد:
إن أمّ الصقر في الود ... د لمقلاة نزور
وله:
من لم يعدنا إذا مرضنا ... إن مات لم نشهد الجنازه
وله:
حفظ اللسان راحة الإنسان ... فاحفظه حفظ الشكر للاحسان
وقال إسماعيل الناشى:
وكنت أرى أنّ التجارب عدّة ... فخانت ثقات الناس حتى التجارب
(1/313)

وقال أبو الفتح البستى:
لا ترج شيئا خالصا نفعه ... فالغيث لا يخلو من العيث «1»
وله:
ولم أر مثل الشكر جنّة غارس ... ولا مثل حسن الصبر جبّة لابس
وله:
وطول مقام الماء في مستقرّه ... يغيره ريحا ولونا ومطعما
وله:
ما استقامت قناة رأيى إلّا ... بعد ما عوّج المشيب قناتى
وقال أبو الفضل الميكالى:
هو الشوك لا يعطيك وافر منّة ... يد الدهر إلّا حين تضربه جلدا
وله:
ذو الفضل لا يسلم من قدح ... وإن غدا أقوم من قدح
وقال شمس المعالى:
وفي السماء نجوم مالها عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر
هذا مأخوذ من قول الطائى:
إن الرياح إذا ما استعصفت قصفت ... عيدان نجد فلم يعبأن بالرتم
«2» بنات نعش ونعش لا كسوف لها ... والشمس والبدر منها الدهر في الرّقم
وقال أبو الحسن على بن عبد العزيز القاضى:
الهجر أروح من وصل على حذر ... والموت أطيب من عيش على غرر
وقال أبو بكر الخوارزمى:
لا تغرّنك هذه الأوجه الغرّ ... فياربّ حيّة في رياض
(1/314)

[من تبطره النعمة لم يؤسف على زوالها عنه]
قال أبو العيناء: كان عيسى بن فرخان شاه يتيه علىّ في ولايته الوزارة، فلما صرف رهبنى، فلقينى فسلّم علىّ فأحفى. فقلت لغلامى: من هذا؟ قال:
أبو موسى؛ فدنوت منه وقلت: أعزّك الله، والله لقد كنت أقنع بإيمائك دون بيانك، وبلحظك دون لفظك، فالحمد لله على ما آلت إليه حالك، فلئن كانت أخطأت فيك النّعمة، فلقد أصابت فيك النّقمة، ولئن كانت الدنيا أبدت مقابحها بالإقبال عليك، لقد أظهرت محاسنها بالانصراف عنك، ولله المّنة إذ أغنانا عن الكذب عليك، ونزّهنا عن قول الزّور فيك، فقد والله أسأت حمل النّعم، وما شكرت حق المنعم، فقيل له: يا أبا عبد الله؛ لقد بالغت في السبّ، فما كان الذنب؟ قال: سألته حاجة أقل من قيمته، فردّ عنها بأقبح من خلقته.
وقال علىّ بن العباس الرومى لأبى الصقر إسماعيل بن بلبل لما نكبه الموفق ابن أحمد وألمّ في بعض قوله بقول أبى العيناء:
لا زال يومك عبرة لعدك ... وبكت بشجو عين ذى حسدك
فلئن نكبت لطالما نكبت ... بك همة لجأت إلى سندك
لو تسجد الأيام ما سجدت ... إلّا ليوم فتّ في عضدك
يا نعمة ولّت غضارتها ... ما كان أقبح حسنها بيدك
فلقد غدت بردا على كبدى ... لمّا غدت حرّا على كبدك
ورأيت نعمى الله زائدة ... لما استبان النّقص في عددك
ولقد تمنّت كل صاعقة ... لو أنها صبّت على كتدك «1»
لم يبق لى مما يرى جسدى ... إلّا بقاء الرّوح في جسدك
(1/315)

وله فيه أهج كثيرة لما نكب، منها قوله:
خفض أبا الصّقر فكم طائر ... خرّ صريعا بعد تحليق
زوّجت نعمى لم تكن كفأها ... فصانها الله بتطليق
لا قدست نعمى تسربلتها ... كم حجة فيها لزنديق «1»
وكان أبو الصقر لمّا ولى الوزارة مدحه ابن الرومى بقصيدته النونية التي أولها:
أجنينك الورد أغصان وكثبان ... فيهن نوعان تفّاح ورمان
وفوق ذينك أعناب مهدّلة ... سود لهنّ من الظّلماء ألوان
وتحت هاتيك عنّاب تلوح به ... أطرافهن قلوب القوم قنوان
غصون بان عليها الزهر فاكهة ... وما الفواكه مما يحمل البان
ونرجس بات سارى الطّل يضربه ... وأقحوان منير اللّون ريّان
ألّفن من كل شىء طيّب حسن ... فهنّ فاكهة شتّى وريحان
ثمار صدق إذا عاينت ظاهرها ... لكنها حين تبلو الطّعم خطبان «2»
ولا يدمن على عهد لمعتقد ... والغانيات كما شبّهن بستان
يميل طورا بحمل ثم يعدمه ... ويكتسى ثم يلفى وهو عريان
وهي أكثر من مائتى بيت، مرّ له فيها إحسان كثير، فأنشدها أبا الصقز، فلما سمع قوله:
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلّا لعمرى ولكن منه شيبان
قال: هجانى، قيل له: إنّ هذا من أحسن المدح؛ ألا تسمع ما بعده:
وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علت برسول الله عدنان
(1/316)

قال: أنا بشيبان لا شيبان بى. فقيل له فقد قال:
ولم أقصّر بشيبان التي بلغت ... بها المبالغ أعراق وأغصان
لله شيبان قوم لا يشوبهم ... روع إذا الروع شابت منه ولدان
فقال: لا والله لا أثيبه على هذا الشعر، وقد هجانى.
قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولى: كنت يوما عند عبيد الله بن عبد الله ابن طاهر، وقد ذكروا قصيدة ابن الرومى هذه النونية، فقال: هذه دار البطيخ، فاقرءوا تشبيهاتها تعلموا ذلك! فضحك جميع من حضر.
وفي هذه القصيدة يقول من المختار في النسيب:
يا ربّ حسّانة منهن قد فعلت ... سوءا، وقد يفعل الأسواء إحسان
تشكى المحبّ وتلفى الدّهر شاكية ... كالقوس تصمى الرّمايا وهي مرنان «1»
وهذا كقوله في قصيدة يصف فيها قوس البندق:
لها رنّة أولى بها من تصيبه ... وأجدر بالإعوال من كان موجعا
يقول فيها:
لا تلحيانى وإيّاها على ضرعى ... وزهوها، لجّ مفتون وفتّان
إنى ملكت فبى للرّقّ مسكنة ... وملّكت فلها بالملك طغيان
لى مذ نأت وجنة ريّا بمشربها ... من عبرتى وفم ما عشت ظمآن
وفيها في مدح بنى شيبان:
قوم سماحتهم غيث، ونجدتهم ... غوث، وآراؤهم في الخطب شهبان
تلقاهم ورماح الخطّ حولهم ... كالأسد ألبسها الآجام خفّان «2»
صانوا النفوس عن الفحشاء وابتذلوا ... منهنّ في سبيل العلياء ما صانوا
(1/317)

المنعمون وما منّوا على أحد ... يوما بنعمى، ولو منّوا لما مانوا «1»
يقول فيها في أبى الصقر:
يفديه من فيه عن مقدار فديته ... عن المفاداة. تقصير ونقصان
قوم كأنهم موتى إذا مدحوا ... ومالهم من حبير الشعر أكفان
صاحى الطباع إذا سالت هواجسه ... وإن سألت يديه فهو نشوان
يصحيه ذهن ويأبى صحوه كرم ... مستحكم فهو صاح وهو سكران
فرد جميع يراه كل ذى بصر ... كأنه الناس طرّا وهو إنسان
وهذا كقول أبى الطيب:
ولقيت كلّ الفاضلين كأنّما ... ردّ الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدّما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
وقد تقدم.
وقال:
فإن يك سيّار بن مكرم انقضى ... فإنّك ماء الورد إن ذهب الورد
مضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألف إذا ما جمّعت واحد فرد
وقال البحترى:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتا ... لدى المجد، حتى عدّ ألف بواحد
ومدحه وعاتبه بقصائد كثيرة فما أنجحت، فمن ذلك قوله في قصيدة طويلة يمدحه:
فى وجهه روضة للحسن مونقة ... ماراد في مثلها طرف ولا سرحا «2»
طلّ الحياء عليها ساقط أبدا ... كاللؤلؤ الرّطب لو رقرقته سفحا
(1/318)

أنا الزعيم لمكحول بغرّته ... ألّا يرى بعدها بؤسا ولا ترحا
مهما أتى الناس من طول ومن كرم ... فإنما دخلوا الباب الّذى فتحا
يعطى المزاح ويعطى الجدّ حقّهما ... فالموت إن جد، والمعروف إن مزحا
وافى عطارد والمرّيخ مولده ... فأعطياه من الحظّين ما اقترحا
إن قال: لا، قالها للآمريه بها ... ولم يقلها لمن يستمنح المنحا
فى كفّه قلم ناهيك من قلم ... نبلا، وناهيك من كفّ بما اتّشحا
يمحو ويثبت أرزاق العباد به ... فما المقادير إلا ما محا ووحى «1»
كأنما القلم العلوى في يده ... يجريه في أى أنحاء البلاد نحا
لما تبسّم عنك المجد قلت له ... قهقه فلا نغلا تبدى ولا قلحا «2»
أثنى عليك بنعماك التي عظمت ... وقد وجدت بها في القول منفسحا
أمطر بذاك جنانى تكسه زهرا ... أنت المحيّا بريّاه إذا نفحا
أنشدتها على متوالى الاختيار، وكذلك أجرى في كثير من الأشعار.
وقال يعاتبه ويستبطئه:
عقيد النّدى، أطلق مدائح جمّة ... حبائس حسرى قد أبت أن تسرّحا
وكنت متى تنشد مديحا ظلمته ... يرى لك أهجى ما يرى لك أمدحا
عذرتك لو كانت سماء تقشّعت ... سحائبها أو كان روض تصوّحا
ولكنها سقيا حرمت رويّها ... وعارضها ملق كلاكل جنّحا «3»
وأكلاء معروف حرمت مريعها ... وقد عادمنها السهل والحزن مسرحا
عرضت لأورادى وبحرك زاخر ... فلمّا أردن الورد ألفين ضحضحا
فلو لم ترد أذواد غيرى غماره ... لقلت: سراب بالمتان توضّحا «4»
(1/319)

فيالك بحرا لم أجد فيه مشربا ... وإن كان غيرى واجدا فيه مسبحا
مديحى عصا موسى، وذلك أننى ... ضربت به بحر النّدى فتضحضحا
سأمدح بعض الباخلين لعلّه ... إذا اطّرد المقياس أن يتسمّحا
فيا ليت شعرى إن ضربت به الصفا ... أيبعث لى منه جداول سيّحا
كتلك التي أبدت ثرى الأرض يابسا ... وشقّت عيونا في الحجارة سفّحا
ملكت فأسجح يا أبا الصقر إنه ... إذا ملك الأحرار مثلك أسجحا
وما ضرع إلى أحد هذه الضّراعة، ولا في طوقه هذا الاحتمال؛ وهذه الأبيات الأخيرة إنما ولّد أكثرها من قول أبى تمام الطائى لمحمد بن عبد الملك الزيات:
فلو حاردت شول عذرت لقاحها ... ولكن حرمت الدرّ والضّرع حافل
أكابرنا عطفا علينا؛ فإننا ... بنا ظمأ برح وأنتم مناهل
وفيه يقول:
هذا مقامى يا بنى وائل ... من مستجير بكم عائذ
أنشب فيه الدهر أظفاره ... وعضّه بالناب والناجذ
فأنصفوا منه أخا حرمة ... لاذ بكم منه مع اللائذ
فما أرى الدهر على جوره ... يخرج من حكمكم النافذ
وقال أيضا:
يأيها السيد الذى وهنت ... أنصار أمواله ولم يهن
فأصبحت في يد الضّعيف وذى ال ... قوّة والباقلىّ واللّسن «1»
غيرى- على أننى مؤملك ال ... أقدم- سائل بذاك وامتحن
مادح عشرين حجة كملا ... محرومها عنك غير مضطغن
فضلك أو عدلك الذى ائتمن الله ... عليه أجلّ مؤتمن
إن كنت في الشعر ناقدا فطنا ... فلتعطنى حق حصة الفطن
وإن أكن فيه ساقطا زمنا ... فلتعطنى حق حصة الزّمن
(1/320)

سم بى ديوانك الذى عدلت ... جدواه بين الصحيح والضّمن «1»
كثر بشخصى من استطعت من ال ... ناس فإن لم أزنك لم أشن
ما حقّ من لان صدره لك بال ... ود لقاء بجانب خشن
وقال أبو العباس الرومى لرجل مدحه في كلمة:
أبعد لقاى دونك كلّ قفر ... يدق الشخص فيه أن يلاقى
وإعمالى إليك به المطايا ... وقد ضرب الظلام له رواقا
ورفضى النوم إلا أن ترانى ... أعانق واسط الكور اعتناقا
تسوق بنا الحداة فليس تدرى ... أسوقا كان ذلك أم سياقا
أصادف درّة المعروف شكرى ... لديك ولا أذوق لها ذواقا «2»
يقول فيها:
غدا يعلو الجياد وكان يعلو ... - إذا ما استقره- السّبت الرّقاقا «3»
أعنّتها الشّسوع فإن عراها ... حفاء الكدّ أنعلها طراقا «4»
فزوّج بعد قفر منه نعمى ... أرانى الله صبحتها الطّلاقا
[ترجمة أبى العيناء وطرف من أحياره]
قال أبو القاسم علىّ بن حمزة بن شمردل: حدثنى أبى قال: سألت أبا العيناء عن نسبه، فقال: أنا محمد بن القاسم بن خلّاد بن ياسر بن سليمان، وأصل قومى من بنى حنيفة من أهل اليمامة، ولحقهم سباء في أيام المنصور؛ فلمّا صار ياسر فى قيده أعتقه، فولاؤنا لبنى هاشم؛ وكان أبو العيناء ضرير البصر؛ ويقال:
إنّ جده الأكبر لقى على بن أبى طالب- رضي الله عنه! - فأساء مخاطبته؛ فدعا عليه وعلى ولده بالعمى، فكلّ من عمى مهم صحيح اللسب!
(1/321)

قال الصولى: حدثنى أبو العيناء، قال: لما أدخلت على المتوكل فدعوت له وكلمته استحسن كلامى، وقال لى: بلغنى أن فيك شرّا! فقلت: يا أمير المؤمنين؛ إن يكن الشرّ ذكر المحسن بإحسانه والمسىء بإساءته فقد زكّى الله تعالى وذمّ، فقال في التزكية: (نعم العبد إنّه أوّاب) ، وقال في الذم: (همّاز مشّاء بنميم منّاع للخير معتد أثيم) . وقال الشاعر:
إذا أنا لم أمدح على الخير أهله ... ولم أذمم الجبس اللئيم المذّمما «1»
ففيم عرفت الخير والشرّ باسمه ... وشقّ لى الله المسامع والفما؟
وإن كان الشر كفعل العقرب التي تلسع السّنىّ والدنىّ بطبع لا بتمييز فقد صان الله عبدك عن ذلك! فقال لى: بلغنى أنك رافضىّ، فقلت: يا أمير المؤمنين، وكيف أكون رافضيّا وبلدى البصرة ومنشئى في مسجد جامعها، وأستاذى الأصمعى، وليس يخلو القوم أن يكونوا أرادوا الدين أو الدنيا؛ فإن كانوا أرادوا الدّين فقد أجمع الناس على تقديم من أخّروا، وتأخير من قدموا، وإن كانوا أرادوا الدنيا فأنت وآباؤك أمراء المؤمنين، لا دين إلّا بك، ولا دنيا إلّا معك.
قال: كيف ترى دارى هذه؟ قال: قلت: رأيت الناس بنوا دورهم في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك.
فقال لى: ما تقول في عبيد الله بن يحيى؟ قلت: نعم العبد لله ولك؛ مقسّم بين طاعته وخدمتك، يؤثر رضاك على كل فائدة، وما عاد بصلاح ملكك على كل لذة قال: فما تقول في صاحب البريد ميمون بن إبراهيم؟ - وكان قد علم أنّى
(1/322)

واجد عليه بتقصير وقع منه في أمرى- فقلت: يا أمير المؤمنين، يد تسرق واست تضرط! وهو مثل اليهودىّ سرق نصف جزيته، فله إقدام بما أدى، وإحجام بما أبقى، إساءته طبيعة، وإحسانه تكلّف! قال: قد أردتك لمجالستى، قلت: لا أطيق ذاك، وما أقول ذلك جهلا بمالى في هذا المجلس من الشرف، ولكنى محجوب، والمحجوب تختلف عليه الإشارة، ويخفى عليه الإيماء، ويجوز أن يتكلّم بكلام غضبان ووجهك راض أو بكلام راض ووجهك غضبان، ومتى لم أميز بين هذين هلكت، قال: صدقت، ولكن تلزمنا، قلت: لزوم الفرض الواجب اللازم، فوصلنى بعشرة آلاف درهم.
ولأبى العيناء مع المتوكّل مجالس أدخل الرواة بعضها في بعض، وسأورد مستظرفها إن شاء الله:
قال له المتوكل يوما: يا أبا العيناء؛ لا تكثر الوقيعة في الناس، قال:
إن لى في بصرى لشغلا عن الوقيعة فيهم، قال: ذلك أشد لحيفك في أهل العافية! وقال له يوما: هل رأيت طالبيا حسن الوجه قطّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت أحدا قطّ سأل ضريرا عن هذا؟ قال: لم تكن ضريرا فيما تقدم، وإنما سألتك عما سلف، قال: نعم، رأيت منهم ببغداد منذ ثلاثين سنة فتى ما رأيت أجمل منه، قال المتوكّل: تجده كان مؤاجرا، وتجدك كنت قوّادا عليه! فقال أبو العيناء: وفرغت لهذا يا أمير المؤمنين، أترانى أدع موالىّ على كثرتهم، وأقود على الغرباء؟ قال: اسكت يا مأبون؟ قال: مولى القوم منهم! قال المتوكل:
أردت أن أشتفى به منهم فاشتفى لهم منّى.
وكان أبو العيناء أحدّ الناس خاطرا، وأحضرهم نادرة، وأسرعهم جوابا، وأبلغهم خطابا.
والمتوكل أوّل من أظهر من خلفاء بنى العباس الانهماك على شهوته، وكان أصحابه يتسخّفون ويستخفون بحضرته، وكان يهاتر الجلساء، ويفاخر الرؤساء،
(1/323)

وهو مع ذلك من قلوب الناس محبب، وإليهم مقرّب؛ إذ أمات ما أحياه الوائق من إظهار الاعتزال، وإقامة سوق الجدال.
قال محمد بن مكرم الكاتب: من زعم أن عبد الحميد أكتب من أبى العيناء إذا أحسّ بكرم، أو شرع في طمع، فقد ظلم.
كتب إلى أبى عبيد الله بن سليمان وقد نكبه وأباه المعتمد، وهما يطالبان بمال يبيعان له ما يمنكانه من عقار وأثاث وعبد وأمة، وقد أعطى بخادم أسود لعبيد الله خمسون دينارا:
قد علمت- أصلحك الله! - أن الكريم المنكوب أجرأ على الأحرار من اللئيم الموفور؛ لأنّ اللئيم يزيد مع النّعمة لؤما، والكريم لا يزيد مع المحنة إلّا كرما، هذا متّكل على رازقه، وهذا يسىء الظنّ بخالقه، وعبدك إلى ملك «كافور» فقير، وثمنه على ما اتّصل بى يسير؛ لأنه بخدمته السلطان يعرّفنى الرؤساء والإخوان؛ ولست بواجد ذلك في غيره من الغلمان؛ فإن سمحت به فتلك عادتك، وإن أمرت بأخذ ثمنه فمالك مادّتى، أدام الله دولتك، واستقبل بالنعمة نكبتك. فأمر له به.
وسمع ابن مكرم رجلا يقول: من ذهب بصره قلت حيلته، قال: ما أغفلك عن أبى العيناء! وكتب أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان: أنا- أعزّك الله تعالى! - وولدى وعيالى زرع من زرعك، إن سقيته راع وزكا، وإن جفوته ذبل وذوى؛ وقد مستنى منك جفاء بعد برّ، وإغفال بعد تعاهد، حتى تكلّم عدوّ، وشمت حاسد، ولعبت بى ظنون رجال كنت بهم لاعبا، ولهم مجرّسا «1» ، ولله در أبى الأسود في قوله:
لا تهنّى بعد إذا أكرمتنى ... وشديد عادة منتزعه
فوقّع فى رقعته: أنا- أسعدك الله! - على الحال التي عهدت، وميلى إليك كما
(1/324)

علمت، وليس من أنسأناه أهملناه، ولا من أخّرناه تركناه، مع اقتطاع الشغل لنا، واقتسام زماننا، وكان من حقّك علينا أن تذكّرنا بنفسك، وتعلمنا أمرك؛ وقد وقّعت لك برزق شهرين؛ لتريح غلّتك، وتعرفنى مبلغ استحقاقك، لأطلق لك باقى أرزاقك، إن شاء الله، والسلام.
وكان إذا خرج من داره يقول: اللهم إنّى أعوذ بك من الرّكب والرّكب، والآجرّ والخشب، والرّوايا والقرب.
قطعة من خطابه وجوابه:
دخل على أبى الصقر بعد ما تأخّر عنه، فقال: ما أخّرك عنا؟ قال: سرق حمارى، قال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع اللص فأخبرك! قال: فلم لم تأتنا على غيره؟ قال: قعدبى عن الشراء قلّة يسارى، وكرهت ذلّة المكارى، ومنّة العوارى وزحمه رجل بالجسر على حماره، فضرب بيديه على أذنى الحمار، وقال: يا فتى، قل للحمار الذى فوقك يقول: الطّريق! ودخل على إبراهيم بن المدبر، وعنده الفضل بن اليزيدى، وهو يلقى على ابنه مسائل من النحو، فقال: فى أى باب هذا؟ قال: فى باب الفاعل والمفعول به، قال: هذا بابى وباب الوالدة حفظها الله! فغضب الفضل وانصرف؛ وكان البحترى حاضرا فكتب بعد ذلك بقصيدته إلى إبراهيم بن المدبر التي أولها:
ذكّر تنيك روحة للشمول ... أوقدت لوعتى وهاجت غليلى
أى شىء ألهاك عن سر من را ... ء وظلّ للعيش فيها ظليل «1»
وفيها يقول:
أفتصارا على أحاديث فضل ... وهو مستكره كثير الفضول
فعلام اصطفيت منكسف البا ... ل معاد المخراق نزر القبول «2»
(1/325)

إن تزره تجده أخلق من شي ... ب الغوائى ومن تعفّى الطّلول
مسرجا ملجما وما متع الصّب ... ح ادّلاجا للشّحذ والتّطفيل «1»
غير أنّ المعلمين على حا ... ل قليلو التمييز ضعفى العقول
فإذا ما تذاكر النّاس معنى ... من متبن الأشعار والمجهول
قال: هذا لنا ونحن كشفنا ... غيبه للسؤال والمسئول
ضرب الأصمعىّ فيهم أم الأحم ... ر أم ألقحوا بأير الخليل «2»
جلّ ما عنده التردد في الفا ... عل من والديه والمفعول
وعزّى بعض الأمراء، فقال: أيّها الأمير؛ كان العزاء لك لا بك، والفناء لنا لا لك، وإذا كنت البقيّة فالرزيّة عطية، والتعزية تهنية.
وسئل أبو العيناء عن مالك بن طوق، فقال: لو كان في زمن بنى إسرائيل ونزل ذبح البقرة ما ذبح غيره! قيل: فأخوه عمر؟ قال: كسراب بقيعة يحسبه الظّمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
وكان موسى بن عبد الملك قد اغتال نجاح بن سلمة في شراب شربه عنده، فقال المتوكّل بعد ذلك لأبى العيناء: ما تقول في نجاح بن سلمة؟ قال: ما قال الله تعالى: فوكزه موسى فقضى عليه! فاتّصل ذلك بموسى، فلقى الوزير عبيد الله ابن يحيى ابن خاقان، فقال: أيّها الوزير، أردت قتلى فلم تجد إلى ذلك سبيلا إلّا بإدخال أبى العيناء إلى أمير المؤمنين مع عداوته لى؛ فعاتب عبيد الله أبا العيناء في ذلك، فقال: والله ما استعذبت الوقيعة فيه حتى ذممت سريرته لك؛ فأمسك عنه.
ثم دخل بعد ذلك أبو العيناء على المتوكل فقال: كيف كنت بعد؟ قال:
فى أحوال مختلفة، خيرها رؤيتك وشرّها غيبتك، فقال: قد والله اشتقتك!
(1/326)

قال: إنما يشتاق العبد؛ لأنه يتعذّر عليه لقاء مولاه، وأما السيّد فمتى أراد عبده دعاه.
وقال له المتوكل: من أسخى من رأيت؟ قال: ابن أبى داود، قال المتوكّل:
تأتى إلى رجل رفضته فتنسبه إلى السخاء؟ قال: إنّ الصدق يا أمير المؤمنين ليس فى موضع من المواضع أنفق منه في مجلسك؛ وإنّ الناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى الجود؛ لأنّ سخاء البرامكة منسوب إلى الرشيد، وسخاء الفضل والحسن ابنى سهل منسوب إلى المأمون، وجود ابن أبى داود منسوب إلى المعتصم؛ فإذا نسب الناس الفتح وعبيد الله ابنى يحيى إلى السخاء فذلك سخاؤك يا أمير المؤمنين، قال:
صدقت؛ فمن أبخل من رأيت؟ قال: موسى بن عبد الملك، قال: وما رأيت من بخله؟ قال: رأيته يخدم القريب كما يخدم البعيد، ويعتذر من الإحسان كما يعتذر من الإساءة، فقال له: قد وقعت فيه عندى مرتين، وما أحبّ لك ذلك؛ فألقه واعتذر إليه، ولا يعلم أنّى وجهت بك، قال: يا أمير المؤمنين، من يستكتمنى بحضرة ألف؟ قال: لن تخاف، قال: على الاحتراس من الخوف.
فصار إلى موسى فاعتذر كلّ واحد منهما إلى صاحبه، وافترقا عن صلح؛ فلقيه بعد ذلك بالجعفرى، فقال: يا أبا عبد الله، قد اصطلحنا، فمالك لا تأتينا؟
قال: أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالأمس؟ فقال موسى: ما أرانا إلا كما كنا.
وقال له المتوكل: إبراهيم بن نوح النصرانى واجد عليك، قال: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتّبع ملتهم! قال: إن جماعة من الكتاب يلومونك! فقال:
إذا رضيت عنّى كرام عشيرتى ... فلا زال غضبانا علىّ لئامها
قال المتوكل له: أكان أبوك في البلاغة مثلك؟ قال: لو رأى أمير المؤمنين أبى لرأى عبدا له لا يرضانى عبدا له.
(1/327)

وقيل لأبى العيناء: إن المتوكل قال: لولا أنّه ضرير البصر لنادمته، فقال:
إن أعفانى من رؤية الأهلّة، وقراءة نقش الفصوص، فأنا أصلح للمنادمة.
ولقيه رجل من إخوانه في السّحر، فجعل يعجب من بكوره، فقال:
أراك تشاركنى في الفعل وتفردنى بالتعجّب! ووقف به رجل من العامّة فأحس به، فقال: من هذا؟ قال: رجل من بنى آدم! قال: مرحبا بك، أطال الله بقاك! وبقيت في الدنيا، ما ظننت هذا النّسل إلا قد انقطع! ودخل على عبيد الله بن سليمان فقال: اقرب منّى يا أبا عبد الله، فقال:
أعزّ الله الوزير، تقريب الأولياء، وحرمان الأعداء، قال: تقريبك غنم، وحرمانك ظلم؛ وأنا ناظر في أمرك نظرا يصلح من حالك إن شاء الله.
وقال له يوما: اعدرنى فإنّى مشغول، فقال له: إذا فرغت من شغلك لم نحتج إليك، وأنشده:
فلا تعتذر بالشّغل عنّا؛ فإنّما ... تناط بك الأمال ما اتّصل الشّغل
ثم قال: يا سيّدى قد عذرتك، فإنه لا يصلح لشكرك من لا يصلح لعذرك.
وأقبل إليه يوما فقال: من أين يا أبا عبد الله؟ قال: من مطارح الجفاء! وقال له مرة: نحن في العطلة مرحومون، وفي الوزارة محرومون، وفي القيامة كلّ نفس بما كسبت رهينة.
وسار يوما إلى باب صاعد بن مخلد، فقيل: هو مشغول يصلّى، قال: لكلّ جديد لذّة! وكان صاعد نصرانيا قبل الوزارة.
ودخل إلى عبيد الله بن سليمان، فشكا إليه حاله، ققال: أليس قد كتبنا لك إلى إبراهيم بن المدبّر؟ فقال: كتبت إلى رجل قد قصّر من همّته طول الفقر، وذلّ الأسر، ومعاناة محن الدّهر، فأخففته في طلبتى! قال: أنت اخترته؟ قال: وما علىّ- أعزّ الله الوزير! - فى ذلك؟ قد اختار موسى قومه سبعين
(1/328)

رجلا، فما كان منهم رشيد، واختار النبىّ صلى الله عليه وسلم ابن أبى سرح كاتبا، فرجع إلى المشركين مرتدّا، وإختار علىّ بن أبى طالب أبا موسى حاكما له فحكم عليه!
[إبراهيم بن المدبر]
وكان إبراهيم بن المدبر أسره صاحب الزّنج بالبصرة وحبسه؛ فاحتال حتى نقب السّجن وهرب، فلذلك ذكر أبو العيناء ذلّ الأسر، وكان قد ضرب فى وجهه ضربة بقى أثرها إلى أن مات؛ ولذلك قال البحترى:
ومبينة شهر المنازل وسمها ... والخيل تكبو في العجاج الكابى
كانت بوجهك دون عرضك إذ رأوا ... أنّ الوجوه تصان بالأحساب
ولئن أسرت فما الإسار على امرىء ... نصر الإسار على الفرار بعاب»
نام المضلّل عن سراك ولم تخف ... عين الرقيب وقسوة البوّاب
فركبتها هولا متى تخبر بها ... يقل الجبان: أتيت غير صواب
ما راعهم إلا استراقك مصلتا ... فى مثل برد الأرقم المنساب «2»
تحمى أغيلمة وطائشة الخطى ... تصل التّلفّت خشية الطّلّاب
قد كان يوم ندى بطولك باهرا ... حتى أضفت إليه يوم ضراب «3»
ذكر من البأس استعذت إلى الّذى ... أعطيت في الأخلاق والآداب
ووحيدة أنت انفردت بفضلها ... لولاك ما كتبت على الكتّاب
[حديث صاحب الزنج، ودعواه، وبطلانها]
قال أبو بكر الصولى: حدثنى محمد بن أبى الأزهر، وقد ذاكرته خبر على صاحب الزنج، قال: ادّعى أنه على بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن على
(1/329)

ابن الحسين بن على بن أبى طالب رضي الله عنهم، فنظرت مولده ومولد محمد ابن أحمد الذى ادعاه فكان بينهما ثلاث سنين، وكان لمحمد بن أحمد ولد اسمه على مات بعد هذا المدعى اسمه ونسبه بزمان. ثم رجع عن هذا النسب فادّعى أنه على بن محمد بن عبد الرحيم بن رحيب بن يحيى المقتول بخراسان ابن زيد بن على.
قال أبو عبيدة محمد بن على بن حمزة: ولم يكن ليحيى ولد يقال له رحيب ولا غيره؛ لأنّه قتل ابن ثمانى عشرة سنة ولا ولد له.
قال بشر بن محمد بن السّرىّ بن عبد الرحمن بن رحيب: هو ابن عم أبى لحّا على بن محمد بن عبد الرحمن بن رحيب، ورحيب رجل من العجم من أهل ورتين من ضياع الرىّ، وهو القائل لبنى العباس:
بنى عمنا إنا وأنتم أنامل ... تضمنها من راحتيها عقودها
بنى عمّنا ولّيتم الترك أمرنا ... ونحن قديما أصلها وعمودها
فما بال عجم الترك تقسم فيئنا ... ونحن لديها في البلاد شهودها
فأقسم لاذقت القراح وإن أذق ... فبلغة عيش أو يباد عميدها «1»
وقال أيضا:
لهف نفسى على قصور ببغدا ... د وما قد حوته من كلّ عاص
وخمور هناك تشرب جهرا ... ورجال على المعاصى حراص
لست بابن الفواطم الزّهر إن لم ... أقحم الخيل بين تلك العراص
وله في هذا المعنى شعر كثير قد ناقضه البغداديون، وكانت مدّته حين نجم إلى أن قتل أربع عشرة سنة، وجملة من قتل ألف ألف وخمسمائة ألف.
(1/330)

[عود إلى ملح أبى العيناء]
وذكر أبو العيناء رجلا، فقال: ضحك كالبكاء، وتودّد كالعزاء، ونوادر كندب الموتى! وكان يهاتر ابن مكرم كثيرا، وكتب إليه ابن مكرم يوما: قد ابتعت لك غلاما من بنى ناشر، ثم من بنى ناعظ، ثم من بنى نهد. فكتب إليه: فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
وولد لأبى العيناء ولد، فأتى ابن مكرم فسلم عليه، ووضع حجرا بين يديه وانصرف، فأحس به، فقال: من وضع هذا؟ فقيل: ابن مكرم، قال: لعنه الله! إنما عرّض بقول النبى صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر.
وقال لابن مكرم، وقد قدم من سفر: مالك لم تهد إلينا هدية؟ قال: لم آت بشىء، وإنما قدمت في خف. قال: لو قدمت في خف لخلّفت روحك! وأتى إلى باب إبراهيم بن رياح، فحجب، فقال: إذا شغل بكأس يمناه وبحر يسراه، وانتسب إلى أب لا يعرف أباه، لا يحفل بحجاب من أتاه.
وقدّم إليه أبو عيسى بن المتوكل سكباحة، فجعل لا تقع يده إلا على عظم؛ فقال: جعلت فداك! هذه قدر أو قبر؟.
ودعا ضريرا ليعشيه، فلم يدع شيئا إلّا أكله، فقال: يا هذا، دعوتك رحمة فتركتنى رحمة.
قد تم- بحول الله وقوته، وحسن معونته- الجزء الأول من كتاب «زهر الآداب، وثمر الألباب» لأبن إسحاق الحصرى، ويليه- إن شاء الله تعالى- الجزء الثانى، مفتتحا بقول المصنف «ألفاظ لأهل العصر في صفات الطعام ومقدماته، وموائده وآلاته» نسأل الله- جلت قدرته! - أن يعين على إكماله، إنه ولى ذلك.
(1/331)

فهرست الجزء الأول من كتاب زهر الآداب
صفحة الموضوع
مقدمة الطبعة الأولى
مقدمة الطبعة الثانية
3 مقدمة المؤلف
40 إن من البيان لسحرا
40 عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم
41 ترجمة عمرو بن الأهتم
- ترجمة الزبرقان بن بدر
42 غلام يتكلم في حضرة عمر بن عبد العزيز
43 كتاب من ابن العميد لبعض إخوانه
44 السحر الحلال
44 وصف رحل محبوب
45 علية بنت المهدى
48 قيد الأوابد
49 عود إلى حلاوة الحديث
55 الشعر والبيان
55 تفسير حديث وضبطه
- الحطيئة وبنو أنف النافة
56 بنو العجلان والنجاشى
56 حكومة عمر في الشعر
57 جمرات العرب
57 انتقام امرأة
58 تعريض قادح
صفحة الموضوع
59 جواب على شعر جرير
59 فضل الشعر
60 شذور من كلام الرسول
63 شعراء الرسول
65 أبو سفيان بن الحارث
65 شعر كعب بن مالك
65 قصة النضر بن الحارث
67 رثاء أبى بكر لرسول الله
67 مناقب أبى بكر
68 خطبة أبى بكر يوم مات الرسول
69 رثاء فاطمة الزهراء لأبيها رسول الله
70 عود إلى المختار من كلام أبى بكر
71 رثاء عائشة أم المؤمنين لأبيها
72 عمر بن الخطاب
74 بكاء عمر
75 عاتكة بنت زيد
75 عثمان بن عفان
78 على بن أبى طالب
83 عمرو بن عبدود
84 بيضة البلد
85 هوان قبيلة عاملة
86 كلام الصحابة والتابعين
86 آثار معاوية
(1/332)

88 الأحنف بن قيس ومعاوية
90 شعر زهير
91 التهنئة والتعزية
94 أهل البيت
95 وصف قريش وبنى هاشم
97 الحسن بن على وحبيب بن مسلمة
99 المصيبة بأبناء النبوة
100 بين الحسن ومحمد بن الحنفية
100 الدنيا في رأى الحسين
101 معاوية والحسين
102 ابن أبى ربيعة وسكينة بنت الحسين
102 على بن الحسين زين العابدين
103 قصيدة الفرزدق في على بن الحسين
106 لذى الرمة يمدح بلال بن أبى بردة
- للبحترى يمدح الفتح بن خاقان
109 عاقبة الحرب
112 للبحترى في قتال الأقارب
112 لأبى تمام في المعنى
114 لابن الخياط يمدح مالك بن أنس
115 لأشجع السلمى
- من شعر أبى تمام
117 محمد بن على بن الحسين الباقر
118 مصرع زيد بن على
120 عبد الله بن الحسن
121 بين عبد الملك بن مروان وعمر بن
أبى ربيعة
122 للعديل بن الفرخ
122 عود إلى عبد الله بن الحسن
123 امرأة محمد بن عبد الله
124 جعفر بن محمد
125 عبد الله بن معاوية
127 الحسن بن زيد
129 إبراهيم بن هرمة
130 موسى بن عبد الله
130 بين على بن محمد العلوى والحسين بن إسماعيل
131 العباس بن الحسين الهاشمى
133 موسى بن جعفر
133 على بن موسى
134 دعبل بن على يرثى آل البيت
135 أوصاف الأشراف
138 الابتداء بحمد الله
139 من شعر محمود الوراق
140 البيان والبلاغة
140 فضل القرآن على سائر الكلام
141 ماهية البلاغة لابن الرمانى
142 ألفاظ لأهل العصر في ذكر القرآن
143 أقوال في البلاغة
143 عمرو بن عبيد
145 البلاغة عند أهل الهند
145 البلاغة في رأى ابن المقفع
146 الإطالة والإيجاز
148 المعانى والألفاظ
151 بشار بن برد
152 وصية أبى تمام للبحترى
153 فضل الليل للحاتمى
154 فضل التروى والأناة
155 واجب النساخ
155 صور مختلفة للبلاغة
(1/333)

160 صفة البلاغة والبلغاء
164 وصف النثر والشعر
165 كتاب لابن العميد
167 كتاب للصاحب بن عباد
168 أبو الفضل الميكالى
169 أبو منصور الثعالبى
171 رسائل الميكالى
173 وصف أبى الفضل الميكالى
176 وصف البلاغة
176 لأبى الفتح البستى
177 للمطوعى يمدح الميكالى
178 للثعالبى يمدح الميكالى
179 للثعالبى في وصف فرس
179 للثعالبى يجيب الميكالى
180 للميكالى يجيب الثعالبى
180 الوزير المهلبى
181 الحكمة ضالة المؤمن
182 وصف الكتاب للجاحظ
185 تهادى الكتب
188 أوصاف الكتب
193 المحادثة والمجالسة
193 الفهم والإفهام
195 واجب الجليس
196 الحديث المعاد
196 أنواع الأدب
198 تقسيم الأيام
199 إياس بن معاوية يحتج للاطناب
- الجاحظ يرد عليه
- ابن هبيرة يريد إياسا على القضاء
200 أبو العيناء وقبنة
200 فطنة إياس بن معاوية وفوة لسنه
200 الفرار من الحديث المملول
201 طرف أدبية
202 ملح الغاضرى
203 ملح أشعب
204 أبو نواس
205 الجماز
206 أبو تمام يمدح عمرو بن طوق
- ويمدح الحسن بن وهب
207 رواية الشعر والنسيب
208 عروة بن أذينة
177 أبو السائب المخزومى
209 عود إلى عروة بن أذينة
210 حب الأحوص
211 ظرف أهل الحجاز ورقهم
179 أبو حازم
212 عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
180 فقهاء المدينة السبعة
213 لأبى نواس
181 لأبى محمد بن أبى أمية
214 ظرف أهل المدينة
216 لتشبيب بأخت الحجاج
185 وصف الدنيا لابن المعتز
218 بين ابن المعتز وثعلب
219 شعر ابن المعتز
220 وصف النار للببغاء
221 عود إلى شعر ابن المعتر
161 رثاء المنصور
223 وصاف الرجال
225 نثر ابن المعتز
(1/334)

217 وصف الماء وما يتصل به
229 كة الجعفرى للبحترى
199 قصور المتوكل لابن الجهم
231 وصف موضع للبحترى
232 صنوبرى يصف موضعا في حلب
233 الميكالى يصف بركة
- لعلى بن محمد الإيادى يصف دارا بالمنصورية
235 المياه والغدران
237 وصف الرعد والبرق
241 الشرب في الصحو
242 وصف شدة الشوق
210 وصف رجل حازم لابن المقفع
243 إبراهيم بن أدهم
244 وصف التقى والزهد لابن كناسة
212 من أخبار ابن المقفع
245 ترجمة الأصوص
213 فهم المنصور
246 بلية الحسد لابن المقفع
247 ألسنة الحساد
216 وصف الحسد
248 التلطف في الطلب
249 من كلام على بن عبيدة الريحانى
250 بين إبراهيم بن المهدى وأحمد بن أبى داود وبختيشوع الطبيب
251 أردشير بن بابك
252 أخلاق الملوك
253 أخت ملك الخزر
254 أقوال الملوك والحكماء
257 همة سعد بن ناشب
258 كلام الخلفاء
256 مقتل المتوكل
260 وفاء البحترى
261 رثاء المتوكل للمهلبى
262 أبو حية النميرى
233 وصف الشباب لهارون بن يحيى
265 فقر في وصف الشباب
267 بين ابن مناذر وأبى حية النميرى
236 أعباء الكهولة لعمرو بن قميئة
268 للنمر بن تولب
269 من شعر حميد بن ثور
270 لمحمود الوراق
- للمتنبى
- للبحترى
- لابن هانى
271 لابن الرومى
- لأبى تمام
272 وصف الثغر
274 وصف الجوارى السود
275 لتهنئة بنوأمين
280 وصف الأفواه
286 شعر أبى نواس
287 طرفة أدبية
288 تظرف الحارث بن خالد
257 من أخبار عائشة بنت طلحة
289 مثل من التعريض
290 الثريا بنت على
291 عزة كثير
292 ظرف ابن أبى عتيق
293 كمثل الشيطان
(1/335)

261 رملة بنت عبد الله
294 صفقة أبى غبشان الذى باع مفتاح الكعبة بزق خمر
295 عفة ابن أبى ربيعة
296 بين ابن جريج ومعن بن أوس
301 عائشة بنت طلحة
302 امامة ابن الرومى
303 سليمان بن عبد الملك وأعرابى
304 وصف رجل ماجد
305 البديع الهمذانى، وكيف استوحى صنع المقامات
306 كتابه إلى أبى نصر الميكالى
309 عتابه للميكالى
311 أبيات مختارة في معان شتى
283 أبو العيناء
315 بين أبى الصقر وابن الرومى
321 ترجمة أبى العيناء، وطرف من أخباره
322 أحاديثه مع المتوكل
323 المتوكل أول من أظهر الانكباب على الشهوات من العباسين..
324 منزلة أبى العيناء في الكتابة
- من أبى العيناء لعبيد الله بن سليمان
325 نوادره، وفكاهاته، وأجوبته
326 إبراهيم بن المدبر
329 صاحب الزنج
330 عود إلى ملح أبى العيناء
تمت فهرس الجزء الأول من «زهر الآداب» والحمد لله أولا وآخرا والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه
(1/336)