Advertisement

زهر الآداب وثمر الألباب 002

الجزء الثاني
(2/337)

زهر الآداب وثمر الألباب لأبى إسحاق إبراهيم بن على، الحصرى، القيروانى، المتوفى في عام 453 من الهجر مفصل ومضبوط ومشروح بقلم المرحوم الدكتور زكى مبارك الجزء الثانى دار الجيل بيروت
(2/339)

ألفاظ لأهل العصر في صفات الطعام
ومقدماته، وموائده، وآلاته افرش طعامك اسم الله، وألحفه حمد الله. لا يطيب حضور الخوان، إلّا مع الإخوان. البخل بالطّعام، من أخلاق الطّغام. الكريم لا يحظر، تقديم ما يحضر. قد قامت خطباء القدور. قدور أبكار، بخواتم النّار. قدر طار عرفها، وطاب غرفها. دهماء تهدر كالفنيق «1» ، وتفوح كالمسك الفتيق.
مائدة كدارة البدر، تباعد بين أنفاس الجلّاس. مائدة مثل عروس. مائدة لطيفة، محفوفة بكل طريفة. مائدة تشتمل على بدائع المأكولات، وغرائب الطيّبات. مائدة كأنما عملها صنّاع صنعاء، تجمع بين أنوار «2» الربيع، وثمار الخريف.
وقال الجماز: جاءنا فلان بمائدة كأنّها زمن البرامكة على العفاة! وذمّ آخر رجلا فقال: لا يحضر مائدته إلا أكرم الخلق وألأمهم- يريد الملائكة والذّباب.
وقال ابن الحجاج لرجل دعاه وأخّر الطعام:
قد جنّ أصحابك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائده
ولبعض أهل العصر يذم رجلا:
خوان لا يلمّ به ضيوف ... وعرض مثل منديل الخوان
رغفان كالبدور الممنطقة بالنّجوم. حمل ذهبىّ الدّثار، فضّىّ الشعار. أطيب ما يكون الحمل، إذا حلّت الشمس الحمل «3» . جدى كأنما ندف على جبينه القزّ.
زيرباجة، هى للمائدة ديباجة، تشفى السّقام، ولونها لون السقيم. سكباجة تفتق
(2/340)

الشهوة، واسفيذباجة تغذّى القرم «1» ، وطباهجة يتفكّه بها، وخبيص يختم بخير. طباهجة من شرط الملوك، كأعراف الديوك، وقليّة كالعود المطرّى. مغمومة تفرج غمّ الجائع. هريسة نفيسة، كأنها خيوط قزّ مشتبكة، كأنّ المرّى «2» عليها عصارة المسك على سبيكة الفضة. أرزة ملبونة، فى السكر مدفونة. شواء رشراش «3» وفالوذج رجراج «4» . طباهجة تغذى، وفالودجة تعزى، واسفيذباجة تصفع قفا الجوع «5» . لا فراش للنبيذ، كالحمل الحنيذ «6» . دجاجة سميطة، لها من الفضة جسم، ومن الذهب قشرة. دجاجة ديناريّة ثمنا ولونا.
وهذا محلول من قول على بن العباس الرومى يصف طعاما أكله عند أبى بكر الباقطانى:
وسميطة صفراء دينارية ... ثمنا ولونا زفّها لك حزور «7»
عظمت فكادت أن تكون أوزّة ... وغلت فكاد إهابها يتفطّر
طفقت تجود بذوبها جوذابة ... فأتى لباب اللّوز فيها السكر
ظلنا نقشّر جلدها عن لحمها ... فكانّ تبرا عن لجين يقشر
وتقدّمتها قبل ذاك ثرائد ... مثل الرّياض بمثل ذاك تصدّر
ومرقّقات كلّهنّ مزخرف ... بالبيض منها ملبس ومدثّر
وأتت قطائف بعد ذاك لطائف ... ترضي اللهاة بها ويرضي الحنجر
ضحك الوجوه من الطبرزد فوقها ... دمع العيان من الدّهان يعصّر
(2/342)

قال البديع: حدثنى عيسى بن هشام قال: اشتهيت الأزاذ، وأنا ببغداذ «1» ، وليس معى عقد، على نقد «2» ، فخرجت أنتهز محالّه، حتى أحلّنى الكرخ «3» ؛ فإذا أنا بسوادىّ يحدو بالجهد حماره، ويطرّف بالعقد إزاره «4» ؛ فقلت:
ظفرنا والله بصيد، وحيّاك الله أبا زيد! من أين أقبلت؟ وأين نزلت؟ ومتى وافيت، فهلمّ إلى البيت. فقال السّوادى: لست بأبى زيد، وإنما أبو عبيد! فقلت: نعم لعن الله الشيطان، وأبعد النّسيان، أنسانى طول العهد بك، كيف أبوك، أشابّ كعهدى، أم شاب بعدى؟ «5» قال: قد نبت المرعى على دمنته «6» ، وأرجو أن يصيّره الله إلى جنّته، فقلت: إنّا لله، ولا قوة إلا بالله، ومددت يد البدار، إلى الصّدار «7» أريد تمزيقه، وأحاول تخريقه «8» فقبض السوادىّ على خصرى بجمعه «9» ؛ وقال: نشدتك بالله لا مزّقته، فقلت:
فهلم إلى البيت نصب غداء، أو إلى السوق نشترى شواء؛ والسوق أقرب، وطعامه
(2/343)

أطيب، فاستفزّته حمة القرم «1» ، وعطفته عطفة النّهم، وطمع، ولم يعلم أنه وقع، ثم أتيت شوّاء يتقاطر شواؤه عرقا، ويتسايل جوذابه مرقا «2» ، فقلت: أبرز لأبى زيد من هذا الشواء، ثم زن له من تلك الحلواء، واختر من تلك الأطباق، ونضّد عليها أوراق الرقاق، وشيئا من ماء السّمّاق «3» ؛ ليأكله أبو زيد هنيا.
فأنحى الشّوّاء بساطوره «4» ، على زبدة تنّوره، فجعلها كالكحل سحقا، وكالطحين دقّا، ثم جلس وجلست، ولا نبس ولا نبست، حتى استوفيناه، وقلت لصاحب الحلواء: زن لأبى زيد من اللوزينج رطلين «5» ، فإنه أجرى في الحلوق، وأسرى في العروق، وليكن ليلىّ العمر، يومىّ النّشر «6» ، رقيق القشر، كثيف الحشو، لؤلؤىّ الدهن، كوكبى اللون، يذوب كالصّمغ، قبل المضغ، ليأكله أبو زيد هنيّا. فوزنه، ثم قعد وقعدت، وجرّد وجرّدت «7» ، واستوفيناه، ثم قلت: يا أبا زيد، ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج، ليقمع هذه الصّارة «8» ، ويفثأ هذه اللّقم الحارة «9» ؛ اجلس أبا زيد حتى آتيك بسقّاء، يحيينا بشربة من ماء، ثم خرجت، وجلست بحيث أراه ولا يرانى، أنظر ما يصنع به. فلما أبطأت عليه قام السّوادى إلى حماره، فاعتلق الشّوّاء بإزاره.
(2/344)

وقال: أين ثمن ما أكلت؟ قال: ما أكلته إلا ضيفا! قال الشّوّاء: هاك وآك متى دعوناك؟ زن يا أخا القحبة عشرين، وإلا أكلت ثلاثا وتسعين! فجعل السوادىّ يبكى ويمسح دموعه بأردانه، ويحلّ عقده بأسنانه، ويقول: كم قلت لذلك القريد، أنا أبو عبيد، وهو يقول: أنت أبو زيد!؟ فأنشدت:
اعمل لرزقك كلّ آله ... لا تقعدنّ بذلّ حاله
وانهض بكلّ عزيمة ... فالمرء يعجز لا المحالة»
ومن مليح ما قيل في القطائف قول علىّ بن يحيى بن أبى منصور المنجم:
قطائف قد حشيت باللّوز ... والسكر الماذىّ حشو الموز «2»
يسبح في آذىّ «3» دهن الجوز ... سررت لما وقعت في حوزى
سرور عبّاس بقرب فوز «4»
ومن ألفاظ أهل العصر في الحلواء: فالوذج بلباب البرّ، ولعاب النّحل، كأنّ اللوز فيه كواكب درّ، فى سماء عقيق.
ولم يقل أحد في صفة اللوزينج أحسن من قول ابن الرومى:
لا يخطئنّى منك لوزينج ... إذا بدا أعجب أو عجّبا
لو شاء أن يذهب في صخرة ... لسهّل الطّيب له مذهبا
لم تغلق الشّهوة أبوابها ... إلّا أبت زلفاه أن يحجبا
يدور بالنّفحة في جامه ... دورا ترى الدّهن له لولبا «5»
(2/345)

عاون فيه منظر مخبرا ... مستحسن ساعد مستعذبا
مستكثف الحشو ولكنّه ... أرقّ جلدا من نسيم الصّبا «1»
كأنما قدّت جلابيبه ... من نقطة القطر إذا حبّبا «2»
يخال من رقّة خرشائه «3» ... شارك في الأجنحة الجندبا «4»
لو أنّه صوّر من خبزه ... ثغر لكان الواضح الأشنبا «5»
من كلّ بيضاء يودّ الفتى ... أن يجعل الكفّ لها مركبا
مدهونة زرقاء مدقوقة «6» ... صهباء تحكى الأزرق الأشهبا
قرة عين «7» وفم حسّنت ... وطيّبت حتى صبا من صبا
ديف له اللوز؛ فما مرّة ... مرّت على الذائق إلا أبى «8»
وانتقد السّكّر نقّاده ... وشاوروا في نقده المذهبا
فلا إذا العين رأته نبت ... ولا إذا الضّرس علاه نبا
لا تنكروا الإدلال من وامق ... وجّه تلقاءكم المطلبا
هذه الأبيات يقولها في قصيدة طويلة يمدح فيها أبا العباس أحمد بن محمد ابن عبد الله بن بشر المرئدى، ويهنيه بابن ولده، وأولها:
شمس وبدر ولدا كوكبا ... أقسمت بالله لقد أنجبا
قال أبو عثمان سعيد بن محمد الناجم: دخلت على أبى الحسن وهو يعمل هذه
(2/346)

القصيدة، فقلت: لو تفاءلت فيها لأبى العباس بسبعة من الولد؛ لأن أبا العباس منكوسا سابع، لجاء المعنى ظريفا، فقال:
وقد تفاءلت له زاجرا ... كنيته، لا زاجرا ثعلبا
إنّى تأمّلت له كنية ... إذا بدا مقلوبها أعجبا
يضوغها العكس أبا سابع ... لا كذّب الله ولا خيّبا
بل ذاك فال ضامن سبعة ... مثل الصّقور استشرفت مرقبا
يأتون من صلب فتى ماجد ... وذاك فأل لم يعد معطبا
وقد أتانا منهم واحد ... فلننتظرهم ستّة غيّبا
فى مدّة تغمرها نعمة ... يجعلها الله له ترتبا «1»
حتى نراه جالسا بينهم ... أجلّ من رضوى ومن كبكبا «2»
كالبدر وافى الأرض من نوره ... بين نجوم سبعة فاحتبى «3»
وليشكر النّاجم عن هذه ... فإنّها من بعض ما بوّبا
سدّى وألحمت أخ لم أزل ... أشكر ما أسدى وما سبّبا
وكان ابن الرومى منهوما في المآكل، وهي التي قتلته، وكان معجبا بالسمك، فوعده أبو العباس المرثدى أن يبعث إليه كلّ يوم بوظيفة لا تنقطع، فبعث إليه يوم سبت، ثم قطعه، فقال:
ما لحيتاننا جفتنا وأنّى ... أخلف الزائرون منتظريهم
جاء في السّبت زورهم فأتينا ... من حفاظ عليه ما يكفيهم «4»
(2/347)

وجعلناه يوم عيد عظيم ... فكأنّا اليهود أو نحكيهم
وأراهم مصمّمين على الهجر ... فلم يسخطون من يرضيهم
قد سبتنا وما أتتنا وكانوا ... يوم لا يسبتون لا تأتيهم
فاتّصل ذلك بالناجم، فكتب إلى ابن الرومى:
أبا حسن أنت من لا تزا ... ل نحمد في الفضل رجحانه
فكم تحسن الظنّ بالمرثدىّ ... وقد قلّل الله إحسانه
ألم تدر أنّ الفتى كالسّراب ... إذا وعد الوعد إخوانه
فبحر السراب يفوت الطّلوب ... فقل في طلابك حيتانه
وخرج ابن الرومى إلى بعض المتنزهات وقصدوا كرما رازقيّا، فشربوا هناك عامّة يومهم، وكانوا يتهمونه في شعره، فقالوا: إن كان ما تنشدنا لك فقل في هذا شيئا، فقال: لا تريموا حتى أقول فيه، وأنشدهم لوقته:
ورازقىّ مخطف الخصور ... كأنه مخازن البلّور
قد ضمّنت مسكا إلى الشطور ... وفي الأعالى ماء ورد جورى «1»
بلا فريد وبلا شذور ... له مذاق العسل المشور «2»
وبرد مسّ الخصر المقرور ... ونكهة المسك مع الكافور «3»
ورقّة الماء على الصدور ... باكرته والطّير في الوكور
بفتية من ولد المنصور ... أملأ للعين من البدور
حتى أتينا خيمة النّاطور ... قبل ارتفاع الشمس للذّرور «4»
(2/348)

فانحطّ كالطّاوى من الصّقور ... بطاعة الرّاغب لا المقهور
والحرّ عبد الحلب المشطور ... حتى أتانا بضروع حور «1»
مملوءة من عسل محصور ... والطّلّ مثل اللؤلؤ المنثور
ثمّ جلسنا جلسة المحبور ... بين حفافى جدول مسجور «2»
أبيض مثل المهرق المنشور ... أو مثل متن المنصل المشهور «3»
ينساب مثل الحيّة المذعور ... بين سماطى شجر مسطور «4»
ناهيك للعقود من ظهور ... فنيلت الأوطار في سرور
وكل ما يقضى من الأمور ... تعلّة من يومنا المنظور
ومتعة من متع الغرور
ألفاظ تناسب هذا النحو لأهل العصر في صفات الفواكه والثمار
كرم نسلفه الماء القراح، ويقضينا أمّهات الرّاح. عنقود كالثريّا، وعنب كمخازن البلّور، وضروب النّور، وأوعية السرور. أمّهات الرحيق، فى مخازن العقيق. نخل نسلفه الماء، ويقضينا العسل. رطب كأنها شهدة بالعقيق مقنّعة، وبالعقيان مقمّعة. رمّان كأنه صرر الياقوت الأحمر. سفرجل يجمع طيبا، ومنظرا حسنا عجيبا، كأنه زئبر «5» الخزّ الأغبر، على الديباح الأصفر. تفّاح نفّاح «6» ، يجمع وصف العاشق الوجل، والمعشوق الخجل، له نسيم العبير، وطعم الكر، رسول المحب، وشبيه الحبيب. تين كأنه سفر مضمومة على عسل. مشمش كأنه الشّهد في بيادق الذهب.
(2/349)

[بعض ما جاء في وصف الليل]
قال بعض الرواة: أنشدت أعرابيا قول جرير بن عطية بن الخطفى:
أبدّل الليل لا تسرى كواكبه ... أم طال حتى حسبت النجم حيرانا
فقال: هذا حسن في معناه، وأعوذ بالله من مثله؛ ولكنى أنشدك في ضدّه من قولى، وأنشدنى:
وليل لم يقصّره رقاد ... وقصّر طوله وصل الحبيب
نعيم الحبّ أورق فيه حتّى ... تناولنا جناه من قريب
بمجلس لذّة لم نقو فيه ... على شكوى ولا عدّ الذّنوب
بخلنا أن نقطّعه بلفظ ... فترجمت العيون عن القلوب
فقلت له: زدنى، فما رأيت أظرف منك شعرا؛ فقال: أمّا هذا الباب فحسبك، ولكن أنشدك من غيره:
وكنت إذا علقت حبال قوم ... صحبتهم وشيمتى الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا
أشاء سوى مشيئتهم فآتى ... مشيئتهم وأترك ما أشاء
قال الأصمعى: قرأت على أبى محذر خلف بن حيّان الأحمر شعر جرير، فلما بلغت إلى قوله:
ويوم كإبهام القطاة محبّب ... إلىّ صباه غالب لى باطله
رزقنا به الصّيد العزيز ولم نكن ... كمن نبله محرومة وحبائله
فيالك يوم خيره قبل شرّه ... تغيّب واشيه وأقصر عاذله
فقال خلف: ويحه! فما ينفعه خير يؤول إلى شرّ؟ فقلت له: كذا قرأته على أبى عمرو بن العلاء، فقال لى: وكذا قال جرير، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلّا ما سمع، قلت: فكيف كان يجب أن يكون؟ قال: الأجود أن
(2/350)

يقول: خيره دون شرّه، فاروه كذلك، فقد كانت الرواة قديما تصلح أشعار الأوائل، فقلت: والله لا أرويه بعدها إلّا كذا.
ومن أجود ما قيل في قصر الليل قول إبراهيم بن العباس:
وليلة من الليالى الغرّ ... قابلت فيها بدرها ببدرى
لم تك غير شفق وفجر ... حتى تقضّت وهي بكر الدّهر
وقال محمد بن أحمد الأصبهانى فيما يتعلق بهذا المعنى وإن كان في ذكر النهار:
كيف يرجى لمقلتىّ هدوّ ... ورقادى لطرف عينى عدوّ
بأبى من نعمت منه بيوم ... لم يزل للسرور فيه نموّ
يوم لهو قد التقى طرفاه ... فكأنّ العشىّ فيه غدوّ
إذ لشخص الرقيب فيه ثناء ... ولبدر السّماء منّى دنوّ
وقال ابن المعتز:
يا رب ليل سحر كلّه ... مفتضح البدر عليل النّسيم
تلتقط الأنفاس برد النّدى ... فيه فنهديه لحرّ الهموم
لا أعرف الإصباح لما بدا ... فى ضوئه إلا بسكر النّديم
لبست فيه بالتذاذ الهوى ... ولذة الرّاح ثياب النعيم
وصف منبج
«1» أخذ قوله: «سحر كله» من قول عبد الملك بن صالح بن علىّ، وقد قال له الرشيد لما دخل منبج: أهذا منزلك «2» ؟ قال: هو لك، ولى بك يا أمير المؤمنين، قال: كيف بناؤه؟ قال: دون منازل أهلى، وفوق منازل الناس، قال:
(2/351)

وكيف ذلك وقدرك فوق أقدارهم؟ قال: ذلك خلق أمير المؤمنين أتأسّى به، وأقفو أثره، وأحذو وحذوه، قال: فكيف طيب منبج؟ قال: عذبة الماء، قليلة الأدواء، قال: فكيف ليلها؟ قال: سحر كله «1» ؟
وأخذ هذا الطائى فقال:
أيامنا مصقولة أطرافها ... بك، والليالى كلّها أسحار
ولأهل العصر، قال أبو على محمد بن الحسين بن المظفر الحاتمى:
يا ربّ ليل سرور خلته قصرا ... كعارض البرق في أفق الدّجابرقا
قد كاد يعثر أولاه بآخره ... وكاد يسبق منه فجره الشّفقا
كأنّما طرفاه طرف اتفق الج ... فنان منه على الإطباق وافترقا
ألفاظ في هذا المعنى لأهل العصر
ليلة من حسنات الدهر، هواؤها صحيح، ونسيمها عليل. ليلة كبرد الشباب، وبرد الشراب. ليلة من ليالى الشباب، فضّيّة الأديم، مسكيّة النسيم. ليلة هي لمعة العمر، وغرّة الدهر. ليلة مسكيّة الأديم، كافوريّة النجوم.
ليلة رقد الدّهر عنها، وطلعت سعودها، وغابت عذّالها. ليلة كالمسك منظرها ومخبرها. ليلة هي باكورة العمر، وبكر الدهر. ليلة ظلماتها أنوار، وطوال أوقاتها قصار.
(2/352)

[سعيد بن هريم، وصلته بالفضل بن سهل]
كان سبب اتصال سعيد بن هريم بذى الرياستين الفضل «1» - وسمى ذا الرياستين لأنه جمع بين رياسة القلم ورياسة التدبير للمأمون- أنه دخل عليه يوما، فقال: «الأجل آفة الأمل، والمعروف ذخر الأبد، والبرّ غنيمة الحازم، والتفريط مصيبة أخى القدرة، وإنّا لم نصن وجوهنا عن سؤالك، فصن وجهك عن ردّنا، وضعنا من إحسانك بحيث وضعنا أنفسنا من تأميلك» .
فأمر أن يكتب كلامه، وسماه سعيدا الناطق، ووصله المأمون «2» فخصّ به.
فلحقته في بعض الأوقات جفوة من الفضل، فكتب إليه: «يا حافظ من يضع نفسه عنده، ويا ذاكر من نسى نصيبه منه، ليس كتابى إذا كتبت استبطاء، وما إمساكى إذا أمسكت استغناء؛ فكتبت مذكّرا لا مستقصرا فعلك» فوصله وأحسن إليه وقد روى بعض هذا الكلام المنسوب إلى سعيد بن هريم لأبى حفص الكرمانى مع ذى الرّياستين.
ويقول أبو محمد عبد الله بن أيوب التميمى:
لعمرك ما الأشراف في كل بلدة ... وإن عظموا للفضل إلّا صنائع
ترى عظماء الناس للفضل خشّعا ... إذا ما بدا، والفضل لله خاشع
تواضع لمّا زاده الله رفعة ... وكلّ جليل عنده متواضع
وقال إبراهيم بن العباس:
لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل
(2/353)

فباطنها للنّدى ... وظاهرها للقبل
وبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل
أخذه ابن الرومى فقال لإبراهيم بن المدبر:
اصبحت بين ضراعة وتجمّل ... والمرء بينهما يموت هزيلا
فامدد إلى يدا تعوّد بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا
وقال يمدح عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وزاد في هذا المعنى تشبيها ظريفا:
مقبّل ظهر الكفّ وهّاب بطنها ... لها راحة فيها الحطيم وزمزم
فظاهرها للناس ركن مقبّل ... وباطنها عين من العرف عيلم»
وكان ذو الرياستين يقبل صواب القائلين بما في قوّته من صفاء الغريزة، وجودة النّحيزة «2» فهو كما قال أبو الطيب:
ملك منشد القريض نديه ... يضع الثّوب في يدى بزّاز
وكانت مخايل فضله، ودلائل عقله، ظهرت ليحيى بن خالد وهو على دين المجوسية، فقال له: أسلم أجد السبيل إلى اصطناعك، قال: فأسلم على يد المأمون، ولم يزل في جنبته «3» ، إلى أن رقى إلى رتبته.
وذكره يحيى عند الرشيد فأجمل الثناء، فأمر بإحضاره، فلما رآه أفحم؛ فنظر الرشيد إلى يحيى كالمستفهم؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ من أدلّ دليل على فراهة المملوك أن تملك هيبة مولاه لسانه وقلبه، فقال الرشيد: لئن كنت سكتّ لكى تقول هذا فقد أحسنت، ولئن كان هذا شيئا اعتراك عند الحصر لقد أجدت؛ وزاد في إكرامه وتقريبه، وجعل لا يسأله بعد ذلك عن شىء إلا أجابه بأفصح لسان، وأجود بيان.
(2/354)

قال سهل بن هارون: ومما حفظ من كلام ذى الرياستين مما رأينا تخليده فى الكتب؛ ليؤتمّ به، وينتفع بمقول حكمته، قوله: من ترك حقّا فقد غبن حظّا: ومن قضى حقّا فقد أحرز غنما، ومن أتى فضلا فقد أوجب شكرا، ومن أحسن توكّلا لم يعدم من الله صنعا، ومن ترك لله شيئا لم يجد لما ترك فقدا، ومن التمس بمعصية الله حمدا عاد ذلك على ملتمسه ذمّا، ومن طلب بخلاف الحقّ له دركا عاد ما أدرك من ذلك له موبقا «1» ؛ وذلك أوجب الفلاح- للمحسنين، وجعل سوء العاقبة للمسيئين المقصّرين.
ووقّع في رقعة ساع: نحن نرى قبول السعاية شرّا منها؛ لأنّ السّعاية دلالة، والقبول إجازة، وليس من دلّ على شىء وأخبر به كمن قبله وأجازه؛ فاتّقوا السّاعى؛ فإنّه لو كان في سعايته صادقا لكان في صدقه آثما؛ إذ لم يحفظ الحرمة، ولم يستر العورة.
والشىء يقرن مع جنسه: كتب محمد بن على إلى محمد بن يحيى بن خالد، وكان واليا على أرمبنية للرشيد: إنّ قوما صاروا إلى سبيل النّصح فذكروا ضياعا بأرمينية قد عفت ودرست «2» ، يرجع منها إلى السلطان مال عظيم، وإنى وقفت عن المطالبة حتى أعرف رأيك.
فكتب إليه: قرأت هذه الرقعة المذمومة، وفهمتها، وسوق السعاية بحمد الله في أيامنا كاسدة، وألسنة السّعاة في أيامنا كليلة خاسئة؛ فإذا قرأت كتابى هذا فاحمل الناس على قانونك، وخذهم بما في ديوانك؛ فإنّا لم نولّك الناحية، لتتّبع الرسوم العافية، ولا لإحياء الأعلام الداثرة، وجنبنى وتجنّب بيت جرير يخاطب الفرزدق:
(2/355)

وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا
وأجر أمورك على ما يكسب الدّعاء لنا لا علينا، واعلم أنها مدّة تنتهى، وأيام تنقضى، فإمّا ذكر جميل، وإما خزى طويل.
وقال رجل للمهدى: عندى نصيحة يا أمير المؤمنين، فقال: لمن نصيحتك هذه؟ لنا، أم لعامّة المسلمين، أم لنفسك؟ قال: لك يا أمير المؤمنين «1» ، قال:
ليس الاعى بأعظم عورة ولا أقبح حالا ممن قبل سعايته، ولا تخلو من أن تكون حاسد نعمة، فلا نشفى غيظك، أو عدوّا فلا نعاقب لك عدوّك! ثم أقبل على الناس فقال: لا ينصح لنا ناصح إلا بما فيه لله رضا، وللمسلمين صلاح؛ فإنما لنا الأبدان وليس لنا القلوب؛ ومن استتر عنّا لم نكشفه، ومن بادانا طلبنا توبته، ومن أخطأ أقلنا عثرته؛ فإنى أرى التأديب بالصّفح أبلغ منه بالعقوبة، والسلامة مع العفو أكثر منها مع المعاجلة، والقلوب لا تبقى لوال لا ينعطف إذا استعطف، ولا يعفو إذا قدر، ولا يغفر إذا ظفر، ولا يرحم إذا استرحم.
ووقّع ذو الرياستين إلى تميم بن خزيمة: الأمور بتمامها، والأعمال بخواتمها، والصنائع باستدامتها، وإلى الغاية يجرى الجواد؛ فهناك كشفت الخبرة قناع الشّكّ؛ فحمد السابق، وذمّ الساقط وذو الرياستين هو القائل:
أنضيت أحرف «لا» مما لفظت بها ... فحوّلى رحلها عنّا إلى نعم
أو صيّريها إليها منك منعمة ... إن كنت حاولت فيها خفة الكلم «2»
(2/356)

قستم علينا فعارضنا قياسكم ... يا أحسن الناس من قرن إلى قدم
ولما قتل ذو الرياستين دخل المأمون على أمّه فقال: لا تجزعى فإنّى ابنك بعد ابنك. فقالت: أفلا أبكى على ابن أكسبنى ابنا مثلك؟
[بعض أوصاف الخيل]
ووصف ابن القرّيّة «1» فرسا أهداه الحجاج إلى عبد الملك بن مروان فقال:
حسن القدّ، أسيل الخدّ، يسبق الطّرف، ويستغرق الوصف.
وأهدى عبد الله بن طاهر إلى المأمون فرسا وكتب إليه: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بفرس يلحق الأرانب في الصّعداء، ويجاوز الظّباء في الاستواء، ويسبق في الحدور جرى الماء، فهو كما قال تأبّط شرا:
ويسبق وفد الرّيح من حيث ينتحى ... بمنخرق من شدّه المتدارك
وقال رجل لبعض النخاسين: اشتر لى فرسا جيّد القميص، حسن الفصوص، وثيق القصب، نقىّ العصب، يشير بأذنيه، ويندس برجليه «2» ، كأنه موج في لجّة، أو سيل في حدور.
جمع محمد بن الحسين «3» هذين الكلامين وزاد فقال يصف فرسا: هو حسن القميص، جيّد الفصوص، وثيق القصب، نقىّ العصب، يبصر بأذنيه، ويتبوّع بيديه «4» ؛ ويداخل برجليه، كأنه موج في لجّة، أو سيل في حدور، يناهب المشى قبل أن يبعث، وبلحق الأرانب في الصعداء، ويجاوز جوارى الظباء في الاستواء، ويسبق في الحدور جرى الماء، إن عطف جار، وإن أرسل طار، وإن كلّف السير أمعن وسار، وإن حبس صفن «5» ، وإن استوقف فطن، وإن رعى أبن «6» ؛ فهو كما قال تأبّط شرّا، وذكر البيت.
(2/357)

وأول هذه الأبيات:
وإنى لمهد من ثنائى فقاصد ... به لابن عمّ الصّدق شمس بن مالك
أهزّ به في ندوة الحىّ عطفه ... كما هزّ عطفى بالهجان الأوارك «1»
قليل التّشكّى للملّم يصيبه ... كثيرا الهوى شتّ النّوى والمسالك
يظلّ بموماة ويمسى بغيرها ... جحيشا ويعرورى ظهور المهالك «2»
ويسبق وفد الرّيح من حيث ينتحى ... بمنخرق من شده المتدارك
إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالىء من قلب شيحان فاتك «3»
إذا طلعت أولى العدو فنفره ... إلى سلّة من صارم الغرب باتك
ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى ضربة من حدّ أخلق صائك «4»
إذا هزّه في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضّواحك
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدى ... بحيث اهتدت أمّ النجوم الشّوابك «5»
وأهدى عمرو بن العاص إلى معاوية ثلاثين فرسا من سوابق خيل مصر، فعرضت عليه، وعنده عقبة بن سنان بن يزيد الحارثى، فقال له معاوية: كيف ترى هدايانا يا أبا سعيد؟ فإن أخاك عمرا قد أطنب في وصفها، فقال: أراها يا أمير المؤمنين على ما وصف، وإنها لمخيّلة «6» بكلّ خير؛ إنها لسامية العيون، لاحقة البطون، مصغية الآذان، قبّاء الأسنان «7» ، ضخام الرّكبات، مشرفات
(2/358)

الحجبات «1» ، رحاب المناخر، صلاب الحوافر، وقعها تحليل، ورفعها تعليل «2» فهذه إن طلبت سبقت، وإن طلبت لحقت. قال له معاوية: اصرفها إلى رحلك؛ فإنّ بنا عنها غنى، وبفتيانك إليها حاجة.
وقال النابغة الجعدىّ:
وإنّا أناس لا نعوّد خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
وننكر يوم الرّوع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى نحسب الجون أشقرا «3»
فليس بمعروف لنا أن نردّها ... صحاحا، ولا مستنكر أن تعقّرا
وقال بعض العرب:
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... بسليم أوظفة القوائم هيكل «4»
فدعوا: نزال! فكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
ووصف أعرابى فرسا فقال: لما أرسلت الخيل جاءوا بشيطان في أشطان «5» ، فأرسلوه، فلمع لمع البرق، واستهلّ استهلال الودق «6» ، فكان أقربهم إليه الذى يقع عينه من بعد عليه.
وذكر أعرابى رجلا فقال: عنده فرس طويل العذار، أمين العثار؛ فكنت إذا رأيته عليه ظننته بازيا على مربأ، عليه رمح طويل يقصّر به الآجال.
وقال بعض المحدثين في هذا التطابق:
لقيناهم بأرماح طوال ... تبشّرهم بأعمار قصار
(2/359)

ووصف أعرابى خيلا لبنى يربوع فقال: خرجت علينا خيل من مستطير نقع «1» ، كأن هواديها أعلام، وآذانها أقلام، وفرسانها أسود آجام «2» .
ولما أنشد العمّانى الرشيد يصف فرسا:
كأنّ أذنيه إذا تشوّفا ... قادمة أو قلما محرّفا
ولحن، ففهم ذلك أكثر من حضر؛ فقال الرشيد: اجعل مكان «كأن» تخال، فعجبوا لسرعة تهدّيه.
وللطائيين في هذا النوع أشعار كثيرة منعنى من اختبارها كثرة اشتهارها؛ وسأنشد بعض ذلك، قال أبو تمام:
ما مقرب «3» يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق «4»
بحوافر حفر وصلت أصلت «5» ... وأشاعر شعر «6» وخلق أخلق
ذو أولق تحت العجاج، وإنّما ... من صحة إفراط ذاك الأولق»
صافى الأديم كأنما ألبسته ... من سندس بردا ومن إستبرق
إمليسة إمليدة لو علّقت ... فى صهوتيه العين لم تتعلّق «8»
مسود شطر مثل ما اسودّ الدجى ... مبيضّ شطر كابيضاض المهرق «9»
(2/360)

وقال أبو عبادة:
وأغرّ في الزّمن البهيم محجّل ... قد رحت منه على أغرّ محجّل «1»
وافى الضلوع يشدّ عقد حزامه ... يوم اللقاء على معمّ مخول
يهوى كما هوت العقاب إذا رأت ... صيدا وينتصب انتصاب الأجدل «2»
متوحّش بدقيقتين كأنما ... تريان من ورق عليه موصّل «3»
كالرائح النّشوان أكثر مشيه ... عرض على السّنن البعيد الأطول
ويظنّ ريعان الشباب يروعه ... من نشوة أو جنّة أو أفكل «4»
هزج الصهيل كانّ في نبراته ... نغمات معبد في الثّقيل الأوّل
تتوهّم الجوزاء في أرساغه ... والبدر غرة وجهه المتهلّل
صافى الأديم كأنّما عنيت له ... بصفاء نقبته مداوك صيقل «5»
وكأنما كسى الخدود نواعما ... مهما تلاحظها بلحظ يخجل
وكأنما نفضت عليه صبغها ... صهباء للبردان «6» أو قطرّ بل «7»
(2/361)

ملك العيون؛ فإن بدا أعطينه ... نظر المحب إلى الحبيب المقبل
وقال إسحاق بن خلف النهروانى لأبى دلف، وكان له فرس أدهم يسميه غرابا:
كم كم تجرّعه المنون ويسلم ... لو يستطيع شكا إليك له الفم
من كل منبت شعرة من جلده ... خطّ ينمّقه الحسام المخذم «1»
ما تدرك الأرواح أدنى جريه ... حتى يفوت الريح وهو مقدّم
رجعته أطراف الأسنّة أشقرا ... واللون أدهم حين ضرّجه الدّم
وكأنما عقد النّجوم بطرفه ... وكأنّه بعرى المجرّة ملجم
وقال أبو الطيب:
جفتنى كأنّى لست أنطق قومها ... وأطعنهم والشّهب في صور الدّهم
وقال أبو الفتح كشاجم:
قد راح تحت الصّبح ليل مظلم ... إذ لاح في السّرج المحلّى الأدهم
ديباج ألوان الجياد، ولم يكن ... ليخصّ بالديباج إلّا الأكرم
ضحك اللّجين على سواد أديمه ... وكذا الظلام تنير فيه الأنجم
فكأنه ببنات نعش ملبب ... وكأنّما هو بالثريّا ملجم
قلت: هذا من قول ابن المعتزّ:
ألا فاسقيانى والظلام مقوّض ... ونجم الدّجى تحت المغارب يركض
(2/362)

كأنّ الثريا في أواخر ليلها ... تفتّح نور أو لجام مفضض
وقال أبو الفتح:
من شكّ في فضل الكميت فبينه ... فيه وبين يقينه المضمار
فى منظر مستحسن محمودة ... أخباره إذ تبتلى الأخبار
ماء تدفّق طاعة وسلاسة ... فإذا استدرّ الحضر فيه فنار
وإذا عطفت به على ناورده ... لتديره فكأنّه بركار
وصف الخلوق أديمه فكأنّما ... أهدى الخلوق لجلده عطار «1»
قصرت قلادة نحره وعذاره ... والرّسغ، وهي من العتاق قصار
وكأنما هاديه جذغ مشرف ... وكأنما للضبع فيه وجار «2»
يرد الضّحاضح غير ثانى سنبك ... ويرود طرفك خلفه فتحار «3»
لو لم تكن للخيل نسبة خلقه ... حاكته من أشكالها الأطيار
وقال ابن المعتز:
وخيل طواها القود حتى كأنّها ... أنابيب سمر من قنا الخط ذبّل
صببنا عليها- ظالمين- سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
قوله: «ظالمين» من أبدع حشو جرى في بيت، وكأنّ ابن المعتز أشار إلى قول أعرابى مولد:
وعود قليل الذنب عاودت ضربه ... إذا هاج شوقى من معاهدها ذكر «4»
فقلت له: ذلفاء- ويحك! - سبّبت ... لك الضّرب، فاصبر إن عادتك الصّبر «5»
وقال ابن المعتر:
أراجعتى فداك بأعوجىّ ... كقدح النّبع في الرّيش الّلؤام «6»
(2/363)

بأدهم كالظّلام أغرّ يجلو ... بغرّته دياجير الظّلام
ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في جوّ الغمام
وقال أيضا:
قد أغتدى والصّبح كالمشيب ... فى أفق مثل مداك الطّيب
بقارح مسوّم يعبوب ... ذى أذن كخوصة العسيب «1»
أو آسة أوفت على قضيب ... يسبق شاو النظر الرّحيب
أسرع من ماء إلى تصويب ... ومن رجوع لحظة المريب «2»
وقال:
ربّ ركب عرّسوا ثم هبّوا ... نحو إسراج وشدّ رحال
وعدونا بأعنّة خيل ... تأكل الأرض بأيد عجال
زينتها غرر ضاحكات ... كبدور في وجوه ليال
وقال على بن محمد الإيادى:
مسح الظلام بعرفه يده ... ومشى فقبّل وجهه البدر
وقال الناشىء أبو العباس عبد الله بن محمد:
أحوى عليه مسائح من ليطة ... شهب تسيل على نواشر ساقه «3»
فكأنه متلفّع قبطيّة ... أئناؤها مشدودة بنطاقه
فسواده كالّليل في إظلامه ... وبياضه كالصّبح في إشراقه
صافى الأديم كريمة أنسابه ... أخلاقه عين على أعراقه
(2/364)

كتب أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبى إلى الأمير أبى الفضل عبد الله بن أحمد بن ميكال، وقد زاره الأمير في داره:
لا زال مجدك للسّماك رسيلا ... وعلوّ جدّك بالخلود كفيلا «1»
يا غرّة الزمن البهيم إذا غدا ... أهل العلا لزمانهم تحجيلا
يا زائرا مدّت سحائب طوله ... ظلّا علىّ من الجمال ظليلا
وأتت بصوب جواهر من لفظه ... حتى انتظمن لمفرقى إكليلا
بأبى وغير أبى هلال نوره ... يستعجل التسبيح والتهليلا
نقشت حوافر طرفه في عرصتى ... نقشا محوت رسومه تقبيلا
ولو استطعت فرشت مسقط خطوه ... بعيون عين لا ترى التّكحيلا
ونثرت روحى بعد ما ملكت يدى ... وخررت بين يدى هواه قتيلا
وقال أبو القاسم بن هانىء يصف خيل المعز:
له المقربات الجرد ينعلها دما ... إذا فرعت هام الكماة السّنابك
يريق عليها اللؤلؤ الرطب ماءه ... ويسبك فيها ذائب التّبرسابك
صقيلات أجسام البروق كأنما ... أمرّت عليها بالشموس المداوك
وقال يصف فرسا لجعفر بن على بن حمدون:
تهلّل مصقول النواحى كأنه ... إذا جال ماء الحسن فيه غريق
من البهم ورد اللون شيب بكمتة ... كما شيب بالمسك الفتيق خلوق «2»
فلو ميز منه كلّ لون بذاته ... جرى سبج منه وذاب عقيق «3»
وقال في قصيدة يمدح بها أبا الفرج الشيبانى:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدّكم فلق الصّباح المسفر
(2/365)

وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنّصر من ورق الحديد الأخضر
أبنى العوالى السّمهريّة والسيو ... ف المشرفيّة والعديد الأكثر
من منكم الملك المطاع كأنّه ... تحت السّوابغ تبّع في حمير
القائد الخيل العتاق شوازبا ... خزرا إلى لحظ السّنان الأخزر «1»
شعث النّواصى حسرة آذانها ... قبّ الأياطل داميات الأنسر «2»
تنبو سنابكهن عن عفر الثرى ... فيطأن في خدّ العزيز الأصعر «3»
فى فتية صدأ الحديد عبيرهم ... وخلوقهم علق النّجيع الأحمر «4»
لا يأكل السّرحان شلو عقيرهم ... مما عليه من القنا المتكسّر «5»
وقال في قصيدة يمدح بها إبراهيم بن جعفر بن على:
فخر لطرف أعوجى أنت فى ... صهواته والحسن والتّطهيم «6»
يبدى لعزّك نخوة، فكأنّه ... ملك تدين له الملوك عظيم
هاد على الخيل العتاق، كأنّه ... بين الدّجنّة والصباح صريم «7»
(2/366)

سامى القذال بمسمعيه عيافة ... تحت الدّجى ولطرفه تنجيم «1»
أذن مؤلّلة، وقلب أصمع ... وحشا أقبّ، وكلكل ماموم «2»
فالطّود من صهواته متزلزل ... والجيش من أنفاسه مهزوم
خرق العيون فضلّ عنها لونه ... وصفا فقلنا ما عليه أديم
فكأنما جمدت عليه مزنة ... وابحاب عنه عارض مركوم «3»
وكأنما نحرت عليه بوارق ... وكأنما كسفت عليه نجوم
وكأنّك ابن المنذر النعمان فو ... ق سراته، وكأنه اليحموم «4»
وقال على بن محمد الإيادى يصف فرس أبى عبد الله جعفر بن أبى القاسم القائم:
وأقبّ من لحق الجياد، كأنه ... قصر تباعد ركنه من ركنه «5»
لبست قوائمه عصائب فضّة ... وغدت بسمر صفا المسيل ودكنه
وكأنما انفجر الصّباح بوجهه ... حسنا، أو احتبس الظلام بمتنه «6»
قيد العيون إذا بصرن بشخصه ... ورضا القلوب إذا اصطلين بضغنه
متسيطر بالراكبين، كأنّه ... باز تروح به الجنوب لوكنه «7»
(2/367)

يستوقف اللحظات في خطراته ... بكمال خلقته ودقّة حسنه
حلو الصّهيل تخال في لهواته ... حاد يصوغ بدائعا من لحنه «1»
متجبّر ينبى بعتق نجاره ... إشراف كاهله ودقّة أذنه «2»
ذو نخوة شمخت به عن ندّه ... وشهامة طمحت به عن قرنه «3»
وكأنّه فلك إذا حرّكته ... جار على سهل البلاد وحزنه
قد راح يحمل جعفر بن محمد ... حمل النسيم لوابل من مزنه
وما أحسن ما قال أبو الطيب المتنبى:
ويوم كلون العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشّمس أيّان تغرب «4»
وعينى إلى أذنى أغرّ كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب «5»
له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجىء على صدر رحيب وتذهب «6»
شققت به الظّلماء، أدنى عنانه ... فيطغى، وأرخيه مرارا فيلعب «7»
وأصرع أىّ الوحش قفّيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب «8»
وما الخيل إلا كالصّديق قليلة ... وإن كثرت في عبن من لا يجرّب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيّب «9»
(2/368)

وينخرط في سلك هذا المعنى مقامة «1» من مقامات الإسكندرى في الكدية «2» مما أنشأه بديع الزمان وأملاه في شهور سنة خمس وثمانين وثمانين وثلاثمائة.
قال البديع:
حدّثنا عيسى بن هشام قال: حضرنا مجلس سيف الدولة يوما وقد عرض عليه فرس
متى ما ترقّ العين فيه تسهّل «3»
فلحظته الجماعة؛ فقال سيف الدولة: أيكم أحسن صفته، جعلته صلته؛ فكلّ جهد جهده، وبذل ما عنده؛ فقال أحد خدمه: أصلح الله الأمير! رأيت بالأمس رجلا يطأ الفصاحة بنعليه «4» ، وتقف الأبصار عليه، يسلّى الناس، ويشفى الياس، ولو أمر الأمير بإحضاره، لفضلهم بحضاره «5» .
فقال سيف الدولة: علىّ به في هيئته، فصار الخدم في طلبه، فجاءوا للوقب به، ولم يعلموه لأىّ حال دعي به، ثمّ قرّب واستدنى، وهو في طمرين قد أكل الدهر عليهما وشرب «6» ، وحين حضر السّماط، لثم البساط، ووقف.
فقال سيف الدولة: بلغتناعنك عارضة «7» ، فاعرضها في هذا الفرس وصفه. فقال:
أصلح الله الأمير! كيف به قبل ركوبه ووثوبه، وكشف عيوبه [وغيوبه] ؟
فقال: اركبه، فركبه وأجراه، ثم قال: أصلح الله الأمير! هو طويل الأذنين،
(2/369)

قليل الاثنين، واسع المراث «1» ، ليّن الثّلاث، غليظ الأكرع «2» ، غامض الأربع، شديد النّفس، لطيف الخمس، ضيق القلت «3» ، رقيق السّتّ، حديد السّمع، غليظ السّبع، رقيق اللسان «4» ، عريض الثّمان، شديد الضّلع «5» ، قصير التّسع، واسع السّحر «6» ، بعيد العشر، يأخذ بالسّابح، ويطلق بالرّامح، ويطلع بلائح، ويضحك عن قارح، يحزّ وجه الكديد «7» ، بمداقّ الحديد، يحضر كالبحر إذا ماج، والسيل إذا هاج.
فقال سيف الدولة: لك الفرس مباركا فيه. فقال: لا زلت تأخذ الأنفاس، وتمنح الأفراس، ثم انصرف، وتبعته، وقلت: لك علىّ ما يليق بهذا الفرس من خلعة إن فسّرت ما وصفت، فقال: سل عما أحببت فقلت: ما معنى قولك: بعيد العشر؟ فقال: بعيد النظر، والخطو، وأعالى الجنبين «8» ، وما بين الوقبين والجاعرتين، وما بين الغرابين، والمنخرين، وما بين الرّجلين، وما بين النقبة والصّفاق، وبعيد القامة في السباق.
فقلت: لا فضّ فوك! فما معنى قولك: قصير التّسع؟ قال: هاك: قصير الشّعرة، قصير الأطرة، قصير العسيب، قصير القضيب، قصير العضدين، قصير الرّسغين، قصير النّسا، قصير الظّهر، قصير الوظيف.
فقلت: لله أنت! فمات معنى قولك: عريض الثّمان؟ قال: عريض الجبهة، عريض الصّهوة، عريض الكتف، عريض الجنب، عريض الورك، عريض العصب، عريض البلدة، عريض صفحة العنق.
فقلت: أحسنت، فما معنى قولك: غليظ السّبع؟ قال: غليظ الذراع،
(2/370)

غليظ المحزم، غليظ العكوة، غليظ الشّوى، غليظ الرّسغ، غليظ الفخذين، غليظ الحبال «1» .
فقلت: لله درّك! فما معنى قولك: رقيق الستّ؟ فقال: رقيق الجفن، رقيق السّالفة، رقيق الجحفلة، رقيق الأديم، رقيق أعلى الأذنين، رقيق الغرضين «2» .
فقلت: أجدت، فما معنى قولك: لطيف الخمس؟ قال: لطيف الزّور، لطيف النّسر، لطيف الجبّة، لطيف العجاية، لطيف الرّكبة.
فقلت: حياك الله! فما معنى قولك: غامض الأربع؟ قال: غامض أعالى الكتفين، غامض المرفقين، غامض الحجاجين، غامض الشّظى.
قلت: فما معنى قولك: ليّن الثلاث؟ قال: ليّن المردغتين، ليّن العرف، ليّن العنان قلت: فما معنى قولك: قليل الاثنين؟ قال: قليل لحم الوجه، قليل لحم المتنين.
قلت فمن أين نبات هذا العلم؟ قال: من الثغور الأموية، وبلاد الإسكندرية.
فقلت له: أنت مع هذا الفضل، تعرّض وجهك لهذا البذل؟! فأنشأ يقول:
ساخف زمانك جدّا ... فالدهر جدّ سخيف
دع الحميّة نسيا ... وعش بخير وريف
وقل لعبدك هذا ... يجئ لنا برغيف
سقط عنا تفسيره فى «ليّن الثلاث» «3» ، وأكثر هذا التفسير يحتاج إلى
(2/371)

تفسير، ولم يرد بما أورد إفهام العوامّ، والبلاغة لمحة دالة، وبلاغة النتر أخت بلاغة الشعر؛ وقد قال البحترى:
والشعر لمح تكفى إشارته ... وليس بالهذر طوّلت خطبه
وسأقول في شرحه بكلام وجيز زيادة في الإفادة: الوقبان: نقرتان فوق العينين. والجاعرتان من الفرس: موضع الرّقمتين من الحمار، وهما منتهى ضربه بذنبه إذا حرّكه. والغرابان: الناتئان من أعلى الوركين، وذكر النقبة هنا، وهو الذى يعرف بالمنفب، وهو من السّرّة حيث ينقب البيطار. والصّفاق: الخاصرة، وقد قيل: جلد البطن كلّه صفاق، والذى أراده الخاصرة. وأراد ببعد القامة في السباق امتداده إذا جرى مع الأرض. والأطرة هنا: طرف الابهر، وهي طفطفة غليظة. والأبهر: عرق يستبطن الظّهر، فيتّصل بالقلب، وقيل: هو الأكحل.
والعسيب: عظم الذنب. والرّسغ من الفرس: موضع القيد. والنّسا: عرق مستبطن الفخذين، وقصره محمود في جرى الفرس، ولكنه لا يسمح بالمشى. والوظيف لكل ذى أربع: ما فوق الرّسغ إلى الساق. والصّهوة: الظهر. والبلدة: ما بين عينيه. والعكوة: مغرز الذّنب. والشّوى: الأطراف. والحبال: حبلا العاتق والظّهر. والجحفلة من ذوات الحافر: كالشفة من الإنسان. والغرضان من الفرس: ما انحدر من قصبة الأنف من جانبيها والزور: الصدر. والنّسر في الحافر: لحمة يابسة أسفله يشبهها الشعراء بالنّوى. والجبّة: التى فيها الحوشب.
والحوشب: حشو الحافر. والعجاية: عصب في قوائم الفرس والبعبر مركّب فيه فصوص من عظام كأمثال الكعاب تكون عند الرّسغ. والحجاجان: العظمان المطيفان بالعين. والشّظى: عظم لاصق بالذراع. والمتنان: جانبا الظهر؛ وسقط عنّا تفسير الثّلاث من نفس المقامة «1» .
(2/372)

[قولهم في الوعد ومنزلة إنجازه]
قال الجاحظ: قال أبو القاسم بن معن المسعودى لعيسى بن موسى: أيّها الأمير؛ ما انتفعت بك منذ عرفتك، ولا إلى خير وصلت منك منذ صحبتك، فقال: ولم؟ ألم أكلّم لك أمير المؤمنين في كذا وكذا؟ قال: بلى! فهل استنجزت ما وعدت، وعاودت ما ابتدأت؟ فقال: حالت دون ذلك أمور قاطعة، وأحوال عاذرة. قال: أيّها الأمير، فما زدتنى على أن نبّهت الهمّ من رقدته، وأثرت الحزن من ربضته، إنّ الوعد إذا لم يصحبه إنجاز يحقّقه كان كلفظ لا معنى له، وجسم لا روح فيه.
وكلّم منصور بن زياد يحيى بن خالد في حاجة لرجل، فقال: عده قضاءها.
قال: فقلت: أصلحك الله! وما يدعوك إلى العدة مع وجود القدرة؟ فقال: هذا قول من لا يعرف موضع الصّنائع من القلوب، إنّ الحاجة إذا لم يتقدّمها موعد ينتظر به نجحها لم تتجاذب الأنفس سرورها؛ إنّ الوعد تطعّم والإنجاز طعام؛ وليس من فاجأه طعام كمن وجد رائحته، وتمطّق به، وتطعمّه ثم طعمه؛ فدع الحاجة تختم بالوعد؛ ليكون بها عند المصطنع حسن موقع، ولطف محلّ.
ووعد المهدىّ عيسى بن دأب جارية، ثم وهبها له، فأنشده عبد الله بن مصعب الزبيرى معرّضا يقول مضرّس الأسدى:
فلا تيأسن من صالح أن تناله ... وإن كان قدما بين أيد تبادره
فضحك المهدى، وقال: ادفعوا إلى عبد الله فلانة، لجارية أخرى؛ فقال عبد الله بن مصعب:
أنجز خير الناس قبل وعده ... أراح من مطل وطول كدّه
فقال ابن دأب: ما قلت شيئا، هلّا قلت:
(2/373)

حلاوة الفضل بوعد ينجز ... لا خير في العرف كنهب ينهز
فقال المهدى:
الوعد أحسن ما يكو ... ن إذا تقدّمه ضمان
وقد قال أبو قابوس النصرانى يمدح يحيى بن خالد:
رأيت يحيى، أتمّ الله نعمته ... عليه، يأتى الّذى لم يأته أحد
ينسى الّذى كان من معروفه أبدا ... إلى الرّجال، ولا ينسى الذى يعد
وقال أبو الطيب المتنبى:
قوم بلوغ الغلام عندهم ... طعن نحور الكماة لا الحلم
كأنما يولد النّدى معهم ... لا صغر عاذر ولا هرم
إذا تولّوا عداوة كشفوا ... وإن تولّوا صنيعة كتموا
تظنّ من فقدك اعتدادهم ... أنّهم أنعموا وما علموا «1»
ودخل أبو علىّ البصير على الفضل بن يحيى، فأنشده:
وصف الصدّ لمن أهوى فصد ... وبدا يمزح بالهجر. فجدّ
ماله يعدل عنّى وجهه ... وهو لا يعد له عندى أحد
لا تريدوا غرّة الفضل، ومن ... يطلب الغرّة في خيس الأسد «2»
ملك ندفع ما نخشى به ... وبه نصلح منّا ما فسد
ينجز الناس إذا ما وعدوا ... وإذا ما أنجز الفضل وعد
وقال ابن الرومى في هذا المعنى:
له مواعد بالخيرات بادرة ... لكنها تسبق الميعاد بالصّفد «3»
يعطيك في اليوم حقّ اليوم مبتدئا ... ولا يضيّع بعد اليوم حقّ غد
(2/374)

[من عرف قدر النعمة استدامها]
خطب سليمان بن عبد الملك فقال: أيها الناس، من لم يعلم أبواب مدخله فى الكرامة، وجهل طريقته التي وقعت به على النّعمة كان بعرض رجوع إلى دار هوان، وانقلاب بفادح خسران.
فقام إليه أبو وائلة السدوسى، وهو حاجبه، فقال: يا أمير المؤمنين كنا كما قال الله تعالى: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)
، ثم صرنا كما قال زهير:
يد الملك الجليل تناولتهم ... بإحسان فليس لها مزيل
لأنّ الخير أجمع في يديه ... وربّى بالجزاء له كفيل
فقال سليمان: هذه والله المعرفة بقدر النّعمة، والعلم بما يجب للمنعم.
ورؤى يونس بن المختار في دار المأمون، ومرتبته في أعلى مراتب بنى العباس، قاعدا على الأرض، فقال الحاجب: ارتفع يا أبا المعلّى إلى مرتبتك، قال: قد رفعنى الله إليها بأمير المؤمنين، وليس لى عمل يفى بها، فلم لا أكرمها عن القعود عنها «1» إلى أن يتهيّأ لى الشكر عليها؟ فبلغ الكلام المأمون؛ فقال:
هذا والله غاية الشكر، وبمثله تدرّ النّعم.
وقال رجل للمعلّى بن أيوب، وقد رفعه المعتصم إلى مرتبة أهل بيته:
ما يزيدك التقريب إلا تباعدا. فقال: يا هذا؛ إنى أصون تقريبه إياى بتباعدى منه؛ لئلا تفسد حرمتى عنده بقلّة الشكر على نعمته.
ولما استعان المنصور بالحارث بن حسّان قال له: يا حارث؛ إنّى قد مكّنتك من حسن رأيى فيك، فاحفظه بترك إغفال ما يجب عليك! قال: يا أمير
(2/375)

المؤمنين، من أغفل سبب حلول النعمة، ولها عن الحال التي أصارته إليها، استصحب الياس من نيل مثلها، وانقطع رجاؤه من الزيادة فيها، فقال أبو جعفر: من كانت عنده هذه المعرفة دامت النعمة له، وبقى الإحسان إليه.
ولما قال المأمون لعبد الله بن طاهر عند قدومه من مصر: ما سرّنى الله مند ولّيت الخلافة بشىء عظم موقعه عندى، بعد جميل عافية الله، هو أكثر من سرورى بقدومك، فقال عبد الله: إيذن لى يا أمير المؤمنين في تفريق أموالى من طارف وتالد. قال: ولم؟ قال: شكرا على هذه الكلمة؛ وإلا قصّر بى الحياء عن النظر إلى أمير المؤمنين، فقال المأمون لمن حضر من أهل بيته وقوّاده: ما شىء من الخلافة يفى لعبد الله ببعض شكره.
وقال أبو نواس:
قد قلت للعباس معتذرا ... عن ضعف شكريه ومعترفا
أنت امرؤ جللتنى نعما ... أوهت قوى شكرى فقد ضعفا «1»
فإليك منى اليسوم تقدمة ... تلقاك بالتّصريح منكشفا
لا تسدينّ إلىّ عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
عارضه الناشىء واعترض معناه، فقال:
إن أنت لم تحدث إلىّ يدا ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
لم أحظ منك بنائل أبدا ... ورجعت بالحرمان منصرفا
وقال ابن الرومى:
عاقنا أن نعود أنّك أوليت ... أمورا يضيق عنها الجزاء
غمرتنا منك الأيادى اللّواتى ... ما لمعشارها لدينا كفاء
(2/376)

فنهانا عنك الحياء طويلّا ... ثمّ قد ردّنا إليك الحياء
ولما حقّ إن قربت التّنائى ... ولما حقّ إن برزت الجفاء
غير أنّا أنضاء شكر أريحت ... وقديما أريحت الأنضاء «1»
ألفاظ لأهل العصر في العجز عن الشكر لتكاثر الإنعام والبر
عندى من برّه ما ملك الاعتذار بأزمّته، وقبض ألسنة أمراء الكلام وأئمّته. عندى له مبارّ «2» أعجزنى شكرها، كما أعوزنى حصرها. شكره شأو بعيد له تبلغه أشواطى، ولا أتلافى التفريط في حقّه بإفراطى. إحسانه يعيد العرب عجما، والفصحاء بكما. قد زحمنى من مكارمه ما يحصر عنه المبين، ويصحبه العىّ وبئس القرين «3» .
وقال أعرابى:
رهنت يدى بالعجز عن شكر برّه ... وما فوق شكرى للشكور مزيد
ولو كان شيئا يستطاع استطعته ... ولكنّ ما لا يستطاع شديد
وقال يحيى بن أكثم: كنت عند المأمون، فأتى برجل ترعد فرائصه «4» ؛ فلما مثل بين يديه قال المأمون: كفرت نعمتى، ولم تشكر معروفى، فقال:
يا أمير المؤمنين؛ وأين يقع شكرى في جنب ما أنعم الله بك علىّ، فنظر إلىّ المأمون وقال متمثّلا:
ولو كان يستغنى عن الشكر ماجد ... لرفعة قدر أو علوّ مكان
لما أمر الله العباد بشكره ... فقال: اشكروا لى أيّها الثّقلان
(2/377)

ثم التفت إلى الرجل فقال: هلّا قلت كما قال أصرم بن حميد:
ملكت حمدى حتى إنّنى رجل ... كلّى بكل ثناء فيك مشتغل
خوّلت شكرى لما خوّلت من نعم ... فحرّ شكرى لما خوّلتنى خول «1»
وقال أبو الفتح البستى:
لئن عجزت عن شكر برّك قوّتى ... وأقوى الورى عن شكر برّك عاجز
فإنّ ثنائى واعتقادى وطاقتى ... لأفلاك ما أو ليتنها مراكز
وقال أبو القاسم الزعفرانى:
لى لسان كأنه لى معادى ... ليس ينبى عن كنه ما في فؤادى
حكم الله لى عليه فلو أن ... صف قلبى عرفت قدر ودادى
وقال إسماعيل بن القاسم، أبو العتاهية، يمدح عمر بن العلاء:
إنى أمنت من الزمان وريبه ... لما علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله ... لحذوا له حرّ الوجوه نعالا
ما كان هذا الجود حتى كنت يا ... عمر، ولو يوما تزول لزالا
إنّ المطايا تشتكيك لأنّها ... قطعت إليك سباسبا ورمالا
فإذا وردن بنا وردن مخفّة ... وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا
وهي قصيدة سهلة الطبع، سلسلة النظام، قريبة المتناول.
وروى أنّ عمر بن العلاء وصله عليها بسبعين ألف درهم، فحسدته الشعراء، وقالوا: لنا بباب الأمير أعوام نخدم الآمال، ما وصلنا إلى بعض هذا! فاتصل ذلك به، فأمر بإحضارهم، فقال: بلغنى الذى قلتم؛ وإنّ أحدكم يأتى فيمدحنى بالقصيدة يشبّب فيها فلا يصل إلى المدح حتى تذهب لذّة حلاوته، ورائق طلاوته؛
(2/378)

وإنّ أبا العتاهية أتى فشبب بأبيات يسيرة، ثم قال: إنّ المطايا تشتكيك لأنّها ...
وأنشد الأبيات. وكان أبو العتاهية لمّا مدحه بهذا الشعر تأخّر عنه برّه قليلا، فكتب إليه يستبطئه:
أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغى التمائم والنّشر «1»
أصابتك عين في سخائك صلبة ... ويا ربّ عين صلبة تفلق الحجر
سنرقيك بالأشعار حتى تملها ... فإن لم تفق منها رقيناك بالسّور
وقال:
يابن العلاء ويابن القرم مرداس ... إنى مدحتك في صحبى وجلّاسى «2»
أثنى عليك ولى حال تكذّبنى ... فيما أقول فأستحيى من النّاس
حتى إذا قيل: ما أولاك من صفد ... طأطأت من سوء حالى عندها راسى «3»
فأمر حاجبه أن يدفع إليه المال، وقال: لا تدخله علىّ، فإنى أستحيى منه.
وذكر بعض الرواة أنّ المهدى خرج متصيّدا، فسمع رجلا يتغنّى من القصيدة التى مرّت منها الأبيات في عمر بن العلاء آنفا:
يا من تفرّد بالجمال فما ترى ... عينى على أحد سواه جمالا
أكثرت في قولى عليك من الرّقى ... وضربت في شعرى لك الأمثالا
فأبيت إلّا جفوة وقطيعة ... وأبيت إلّا نخوة ودلالا
بالله قولى إن سألتك واصدقى ... أوجدت قتلى في الكتاب حلالا
أم لا، ففيم جفوتنى وظلمتنى ... وجعلتنى للعالمين نكالا
كم لائم لو كنت أسمع قوله ... قد لامنى ونهى وعدّ وقالا
(2/379)

فقال المهدىّ: علىّ به، فجاءه، فقال: لمن هذا الشعر؟ قال: لإسماعيل ابن القاسم أبى العتاهية، قال: لمن يقوله؟ قال: لعتبة جارية المهدى، قال:
كذبت، لو كانت جاريتى لوهبتها له، وكانت عتبة لريطة بنت أبى العباس السفاح، وكان أبو العتاهية قد بلغ من أمرها كل مبلغ، وكلّ ذلك فيما زعم الرواة تصنّع، وتخلّق؛ ليذكر بذلك.
[من أخبار أبى العتاهية]
قال يزيد [بن] حوراء المغنى: كلّمنى أبو العتاهية أن أكلّم المهدى في عتبة؛ فقلت: إنّ الكلام لا يمكننى، ولكن قل شعرا أغنيه إياه، فقال:
نفسى بشىء من الدنيا معلّقة ... الله والقائم المهدىّ يكفيها
إنّى لأيأس منها ثم يطمعنى ... فيها احتقارك للدنيا وما فيها
فعملت فيه لحنا وغنّيته المهدى؛ فقال: لمن هذا؟ فأخبرته خبر أبى العتاهية، فقال: ننظر في أمره، فأخبرت بذلك أبا العتاهية؛ فمكث أشهرا، ثم أتانى فقال:
هل حدث خبر؟ فقلت: لا، فقال: غنّه بهذا الشعر:
ليت شعرى ما عندكم ليت شعرى ... إنّما أخّر الجواب لأمر
ما جواب أولى بكلّ جميل ... من جواب يردّ من بعد شهر
قال يزيد: فغنّيت به المهدى، فقال: علىّ بعتبة، فأحضرت، فقال: إنّ أبا العتاهية كلّمنى فيك، وعندى لك وله ما تحبّان؛ فقالت له: قد علم مولاى أمير المؤمنين ما أوجبه من حق مولاتى، فأريد أن أذكر لها ذلك؛ قال:
فافعلى؛ فأعلمت أبا العتاهية بما جرى، ومضت الأيام؛ فسألنى معاودة المهدى، فقلت له: قد عرفت الطريق فقل ما شئت حتى أغنيه، فقال:
أشربت قلبى من رجائك ماله ... عنق إليك يخبّ بى ورسيم «1»
(2/380)

وأملت نحو سماء صوبك ناظرى ... أرعى مخايل برقها وأشيم «1»
ولقد تنسّمت الرياح لحاجتى ... وإذا لها من راحتيك نسيم
ولربما استيأست ثم أقول: لا ... إنّ الذى ضمن النجاح كريم
فغنيته بالشعر، فقال: علىّ بعتبة، فأتت؛ فقال: ما صنعت؟ قالت: ذكرت ذلك لمولاتى فأبته وكرهته، فليفعل أمير المؤمنين ما يريد، فقال: ما كنت لأفعل شيئا تكرهه، فأعلمت أبا العتاهية بذلك، فقال:
قطّعت منك حبائل الآمال ... وأرحت من حلّ ومن ترحال
ما كان اشأم إذ رجاؤك قادنى ... وبنات وعدك يعتلجن ببالى
ولئن طمعت لربّ برق خلّب ... مالت بذى طمع ولمعة آل «2»
وقد نقلت هذه الحكاية على غير هذا الوجه، والله أعلم بالحقّ في ذلك.
وضرب المهدى أبا العتاهية مائة سوط لقوله:
ألا إنّ ظبيا للخليفة صادنى ... ومالى على ظبى الخليفة من عدوى
وقال: أبى يتمرّس «3» ، ولحرمى يتعرّض، وبنسائى يعبث؟ ونفاه إلى الكوفة.
وفي ضربه يقول أبو دهمان:
لولا الّذى أحدث الخليفة ... للعشاق من ضربهم إذا عشقوا
لبحت باسم الذى أحبّ، ول ... كنّى امرؤ قد ثنانى الفرق «4»
(2/381)

وكان أبو العتاهية بالكوفة لما نفى يذكر عتبة، ويكنّى باسمها، فمن ذلك قوله:
قل لمن لست أسمّى ... بأبى أنت وأمّى
بأبى أنت لقد أص ... بحت من أكبر همّى
ولقد قلت لأهلى ... إذ أذاب الحبّ لحمى
وأرادوا لى طبيبا ... فاكتفوا منّى بعلمى:
من يكن يجهل ما ألقى ... فإنّ الحبّ سقمى
إنّ روحى لببغدا ... د، وفي الكوفة جسمى
وقوله:
أمسى ببغداد ظبى لست أذكره ... إلّا بكيت إذا ما ذكره خطرا
إنّ المحبّ إذا شطّت منازله ... عن الحبيب بكى أو حنّ أو ذكرا
يا رب ليل طويل بتّ أرقبه ... حتى أضاء عمود الصّبح فانفجرا
ما كنت أحسب إلّا مذ عرفتكم ... أنّ المضاجع ممّا تنبت الإبرا
واللّيل أطول من يوم الحساب على ... عين الشّجىّ إذا ما نومه نفرا
ولما قدمت عتبة ببغداد قدم معها أبو العتاهية، وتلطّف حتى اتّصل بالرشيد في خلافة أبيه المهدى؛ وتمكّن منه، وبلغ المهدىّ خبره، فأحضره؛ فقال: يا بائس؛ أنت مستقتل، وسأله عن حاله؛ فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
أنت المقابل والمدا ... بر في المناسب والعديد
بين العمومة والخئو ... لة والأبوّة والجدود
فإذا انتميت إلى أبي ... ك فأنت في المجد المشيد
وإذا انتمى خال فما ... خال بأكرم من يزيد
(2/382)

يريد يزيد بن منصور؛ وكانت أم المهدىّ أم موسى بنت منصور الحميرى وأنشده:
علم العالم أنّ المنايا ... سامعات لك فيمن عصاكا
فإذا وجّهتها نحو طاغ ... رجعت ترعف منه قناكا «1»
ولو أنّ الريح بارتك يوما ... فى سماح قصّرت عن نداكا
وأنشده:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلّا له ... ولم يك يصلح إلّا لها
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه بنات القلوب ... لما قبل الله أعمالها
فقال له المهدى: إن شئت أدّبناك بضرب وجيع؛ لإقدامك على ما نهيت عنه، وأعطيناك ثلاثين ألف درهم جائزة على مدحك لنا. وإن شئت عفونا عنك فقط.
فقال: بل يضيف أمير المؤمنين إلى كريم عفوه جميل معروفه؛ ومكرمتان أكثر من واحدة، وأمير المؤمنين أولى من شفع نعمته وأتمّ كرمه. فأمر له بثلاثين ألف درهم وعفا عنه.
ولما قدم الرشيد الرّقّة أظهر أبو العتاهية الزّهد والتصوف وترك الغزل، فأمره الرشيد أن يتغزّل، فأبى، فحبسه، فغنّى بقوله:
خليلىّ مالى لا تزال مضرّتى ... تكون على الأقدار حتما من الحتم
كفاك بحقّ الله ما قد ظلمتنى ... فهذا مقام المستجير من الظلم
ألا في سبيل الله جسمى وقوّتى ... ألا مسعد حتى أنوح على جسمى
(2/383)

فأمر بإحضاره وقال: بالأمس ينهاك أمير المؤمنين المهدى عن الغزل، فتأبى إلّا لجاجا ومحكا؛ واليوم آمرك بالقول فتأبى جرأة علىّ وإقداما، فقال:
يا أمير المؤمنين؛ إنّ الحسنات يذهين السيئات، كنت أقول الغزل ولى شباب وجدة، وبى حراك وقوّة، وأنا اليوم شيخ ضعيف لا يحسن بمثلى تصاب؛ فردّه إلى حبسه؛ فكتب إليه:
أنا اليوم لى، والحمد لله، أشهر ... يروح علىّ الغمّ منك ويبكر
تذكّر، أمين الله، حقّى وحرمتى ... وما كنت تولينى، لعلّك تذكر
ليالى تدنى منك بالقرب مجلسى ... ووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لى بالعين التي كنت مرة ... إلىّ بها من سالف الدّهر تنظر
فبعث إليه: لا بأس عليك؛ فقال:
كأنّ الخلق ركب فيه روح ... له جسد وأنت عليه راس
أمين الله إنّ الحبس بأس ... وقد وقّعت: ليس عليك باس
فأخرجه.
أخذ البيت الأول من هذين علىّ بن جبلة وزاد فيه، فقال لأبى غانم الطوسى:
دجلة تسقى وأبو غانم ... يطعم من تسقى من النّاس
والخلق جسم، وإمام الهدى ... رأس، وأنت العين في الرّاس
وكان عمر بن العلاء ممدّحا، وفيه يقول بشار بن برد:
إذا أيقظتك حروب العدى ... فنبّه لها عمرا ثمّ نم
دعانى إلى عمر جوده ... وقول العشيرة بحر خضم
(2/384)

ولولا الذى ذكروا لم أكن ... لأمدح ريحانة قبل شم
فتى لا يبيت على دمنة ... ولا يسرب الماء إلّا بدم «1»
أخذ هذا البيت أبو سعيد المخزومى «2» ، فقال:
وما يريدون، لولا الجبن، من رجل ... بالليل مشتمل بالجمر مكتحل
لا يضرب الماء إلا من قليب دم «3» ... ولا يبيت له جار على وجل
وقال أبو الطيب:
تعوّد ألّا تقضم الحبّ خيله ... إذا الهام لم ترفع جنوب العلائق «4»
ولا ترد الغدران إلّا وماؤها ... من الدّم كالرّيحان تحت الشّقائق «5»
وقال أبو القاسم بن هانىء:
(2/385)

من لم ير الميدان لم ير معركا ... أشبا، ويوما بالأسنة أكهبا «1»
وكتائبا تردى غواربها العدى ... وفوارسا تعدو صوالجها الظّبا
لا يوردون الماء سنبك سابح ... أو يكتسى بدم الفوارس طحلبا «2»
[رجع إلى عمر بن العلاء]
قال: وبلغ عمر بن العلاء أن أبا العتاهية عاتب عليه في هنات نالها منه فى مجلس، وكان كثير الانقطاع إليه، فتخلّف عنه، فساء ذلك عمر، فكتب إليه:
قد بلغنى الذى كان من تجنّبك فيما استخفّك به سوء الأدب عن علم حقيقة منى، فصرت متردّدا من العمى في يلاميع الشبهة «3» ؛ ولو كان معك من علمك داع إلى لقائى لكشفت لك مورد الأمر ومصدره، لترجع إلى الصّلة، فتقال أو تأبى إلا الصّريمة فتصرم؛ وقد قال الأول:
ومستعتب أبدى على الظنّ عتبه ... وأخرج منه المحفظات غليل
كشفت له عذرا فأبصر وجهه ... فعاد إلى الإنصاف وهو ذليل
فأجابه أبو العتاهية: لم أجز بعتبى الحقيقة إلى الشبهة، ولم أجد سعة مع عظيم قدرتك إلى حمل اللائمة، فقصّر بى الخوف من سخطك، على ترك معاتبتك؛ لأنّ المعاتبة لا تجتنى إلّا من المساوى، ولو رغبت عن الصلة إلى القطيعة لتقاضيتك ذلك عن طول الصّحبة، وسالف المدّة، وأنا أقول:
رضيت ببعض الذّلّ خوف جميعه ... وليس لمثلى بالملوك يدان
وكنت امرأ أخشى العقاب وأتّقى ... مغبّة ما تجنى يدى ولسانى
فهل من شفيع منك يضمن توبتى ... فإنى امرؤ أوفى بكلّ ضمان
فتراجعا إلى أحسن ما كانا عليه
(2/386)

وإنما ألم أبو العتاهية في قوله «إنّ المطايا تشتكيك ... وما يليه» بقول أبى الحجناء نصيب الأكبر:
فعاجوا فأثنوا بالذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وقال أبو الطيب في أبى العشائر الحمدانى:
تنشد أثوابنا مدائحه ... بألسن مالهنّ أفواه
إذا مررنا على الأصمّ بها ... أغنته عن مسمعيه عيناه
وهذا المعنى من النّصبة «1» الدالة بذاتها التي ذكرتها عن الجاحظ في أقسام البيان.
وقال بعض الخطباء: أشهد أن في السموات والأرض آيات ودلالات، وشواهد قائمات؛ كلّ يؤدى عنك الحجّة، ويشهد لك بالربوبية.
ونظير هذا قول أبى العتاهية، وروى أنه جلس في دكان ورّاق، وأخذ كتابا فكتب على ظهره:
فواعجبا كيف يعصى الملي ... ك أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كلّ تحريكة ... وتسكينة في الورى شاهد
وفي كلّ شىء له آية ... تدلّ على أنّه واحد
وانصرف، فاجتاز أبو نواس بالموضع فرأى الأبيات، فقال: لمن هذا؟
فلوددتها لى بجميع شعرى، فقيل: لإسماعيل بن القاسم، فوقع تحتها:
سبحان من خلق الخلق من ضعيف مهين
فصاغه من قرار ... إلى قرار مكين
يحول شيئا فشيئا ... فى الحجب دون العيون «2»
حتى بدت حركات ... مخلوقة من سكون
(2/387)

وقال الفضل بن عيسى الرّقاشى: سل الأرض من غرس أشجارك، وشقّ أنهارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا.
وهذا شبيه بقول عدىّ بن زيد، وقد نزل النعمان بن المنذر تحت سرحة «1» ؛ فقال: أتدرى ما تقول هذه السّرحة أيها الملك؟ قال: وما تقول؟ قال: تقول:
ربّ ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزّلال
ثم أضحوا لعب الدّهر بهم ... وكذاك الدّهر حالا بعد حال
ويروى «عكف الدّهر بهم فثووا «2» » . فتكدّر حال النّممان وما كان فيه من لذّة.
ألفاظ لأهل العصر في الشكر بدلالة الحال
لو سكت الشّاكر لنطقت المآثر. لو صمت المخاطب لأثنت الحقائب، ولشهدت شواهد حاله على صدق مقاله. إن جحدت ما أولانيه، وكفرت ما أعطانيه، نطقت آثار أياديه علىّ، ولمعت أعلام عوارفه «3» لدىّ.
ولأبى الفضل الميكالى من رسالة: ورد فلان فتعاطى من شكره على نعمه التى ألبسه جمالها، وأسحبه أذيالها، ما لو لم يتحدّث به ناشرا ومثنيا، ومعيدا ومبديا، لأثنت به حاله، وشهدت به رحاله، حتى لقد امتلأت بذكره المحافل، وسارت بحبره الرّكبان والقوافل، وصارت الألسنة على الشكر والثناء لسانا، والجماعة على النّشر والدعاء أنصارا وأعوانا، على أنه وإن بالغ في هذا الباب، وجاوز حدّ الإكثار والإسهاب، نهايته القصور دون واجبه، والسقوط عن أدنى درجاته ومراتبه.
(2/388)

ومما يقترن لهم بهذا المعنى من ذكر الشكر: قال أبو الفتح البستى: الحرّ نحل الشكر، إن أجناه المرء من خيره شكرا أجناه من برّه شهدا.
غيره: الشكر ترجمان النيّة، ولسان الطّويّة، وشاهد الإخلاص، وعنوان الاختصاص. الشكر نسيم النّعم، وهو السبب إلى الزيادة، والطريق إلى السعادة. الشكر قيد النّعمة، ومفتاح المزيد، وثمن الجنة. من شكر قليلا، استحقّ جزيلا. شكر المولى، هو الأولى. الشكر قيد النّعم وشكالها، وعقالها، وهو شبيه بالوحش التي لا تقيم مع الإيحاش، ولا تريم «1» مع الإيناس.
موقع الشكر من النعمة موقع القرى من الضيف، إن وجده لم يرم، وإن فقده لم يقم. الشكر غرس إذا أودع سمع الكريم أثمر الزيادة، وحفظ العادة. الشكر تعرّض للمزيد السائغ، والنّعم السّوابغ. شكره شكر الأسير لمن أطلقه، والمملوك لمن أعتقه. أثنى عليه ثناء الرّوض الممحل، على الغيث المسبل. أثنى عليه ثناء لسان الزّهر، على راحة المطر. أثنى عليه ثناء العطشان الوارد، على الزّلال البارد. شكره شكر الأرض للدّيم «2» ، وزهير لهرم. بسط لسان الثناء والدعاء، وبلغ عنان الشكر عنان السماء. شكره شكرا ترتاح له المكارم، وتهتزّ له المواسم. لأشكرنّه شكرا تشيع أنواعه، وتنبسط أبواعه «3» ، ويلذ ذكره وسماعه. شكر ملأ القلب واللسان، كشكر حسّان لآل غسّان. أطال عنان الشكر، وفسح مجاله، ورفع أعمدته، ومدّ أروقته. شكر كأنفاس الأحباب، أو أنفاس الأسحار، أو أنفاس الرّياض غبّ القطار.
[من أخبار نصيب وشعره]
رجع ما انقطع:
كان سبب قول نصيب:
(2/389)

فعاجوا فأثنوا بالّذى أنت أهله
أنه كان مع الفرزدق عند سليمان بن عبد الملك، فقال سليمان بن عبد الملك: يا فرزدق؛ من أشعر الناس؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين، قال: لماذا؟ قال بقولى:
وركب كأنّ الريح تطلب عندهم ... لهاترة من جذبها بالعصائب
سروا وسرت نكباء وهي تلفّهم ... إلى شعب الأكوارذات الحقائب «1»
إذا آنسوا نارا يقولون: ليتها، ... وقد خصرت أيديهم نار غالب
يريد أباه- وهو غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان ابن مجاشع- فأعرض عنه سليمان كالمغضب؛ لأنه إنما أراد أن ينشد مدحا فيه؛ ففهم نصيب مراده، فقال: يا أمير المؤمنين؛ قد قلت أبياتا على هذا الروىّ ليست بدونها، فقال: هاتها؛ فأنشأ نصيب يقول:
أقول لركب قافلين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب «2»
فقد أخبرونى عن سليمان أننى ... لمعروفه من آل ودّان طالب «3»
فعاجوا فأثنوا بالّذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فقالوا: تركناه وفي كلّ ليلة ... يطيف به من طالبى العرف راكب
ولو كان فوق الناس حىّ فعاله ... كفعلك أو للفعل منك يقارب
لقلنا: له شبه، ولكن تعذّرت ... سواك عن المستشفعين المطالب
هو البدرو الناس الكواكب حوله ... وهل تشبه البدر المنير الكواكب
فقال سليمان: أحسنت، والتفت إلى الفرزدق، فقال: كيف تسمع يا أبا فراس؟
قال: هو أشعر أهل جلدته، قال: وأهل جلدتك؛ فخرج الفرزدق وهو يقول:
(2/390)

وخير الشعر أكرمه رجالا ... وشرّ الشعر ما قال العبيد
[من المديح]
قال أبو العباس محمد بن يزيد: وهذا باب في المدح حسن متجاوز مبتدع لم يسبق إليه.
قول نصيب: «من أهل ودّان» . قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: ذكر محمد ابن كناسة والزبيدى أنّ نصيبا من أهل ودّان، وكان عبد الرجل من بنى كنانة هو وأهل بيته، وزعم أبو هفّان أنه عبد لعبد العزيز بن مروان، وكان نصيب شديد السواد، وهو القائل:
كسيت- ولم أملك- سوادا، وتحته ... قميص من القوهيّ «1» بيض بنائقه
فما ضرّ أثوابى سوادى، وإنّنى ... لكالمسك لا يسلو عن المسك ذائقه
وقال سحيم عبد بنى الحسحاس:
أشعار عبد بنى الحسحاس قمن له ... عند الفخار مقام الأصل والورق
إن كنت عبدا فنفسى حرّة كرما ... أو أسود اللّون إنى أبيض الخلق
وقال أبو الطيب المتنبى لكافور الإخشيدى:
إنّما الجلد ملبس وابيضاض الخلق خير من ابيضاض القباء وقال نصبب لبعض ملوك بنى أمية: إن لى بنات نفضت عليهن من سوادى، فقال: ما أحسن ما تلّطفت لهنّ! وأمر له بصلة.
وكان أبو تمام حبيب بن أوس لما مدح أبا جعفر محمد بن عبد الملك الزيات بقصيدته التي أولها:
لهان علينا أن نقول وتفعلا ... ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا
وهي من أحسن شعره، وقّع له على ظهرها:
رأيتك سمح البيع سهلا، وإنما ... يغالى إذا ما ضنّ بالشىء بائعه
(2/391)

فأما إذا هانت بضائع بيعه ... فيوشك أن تبقى عليه بضائعه
هو الماء إن أجممته طاب ورده ... ويفسد منه أن تباح مشارعه
فأجابه بقصيدة طويلة، واحتجّ عليه واعتذر إليه في مدحه لغيره؛ فقال في بعض ذلك:
أمّا القوافى فقد حصّنت غرّتها ... فما يصاب دم منها ولا سلب
منعت إلّا من الأكفاء أيّمها ... وكان منك عليها العطف والحدب
ولو عضلت عن الأكفاء أيّمها ... ولم يكن لك في إظهارها أرب «1»
كانت بنات نصيب حين ضنّ بها ... على الموالى ولم تحفل بها العرب
وقد قيل إن أبا تمام أجابه بقوله:
أبا جعفر إن كنت أصبحت شاعرا ... أسامح في بيعى له من أبايعه
فقد كنت قبلى شاعرا تاجرا به ... تساهل من عادت عليك منافعه
فصرت وزيرا والوزارة مكرع ... يغصّ به بعد اللّذاذة كارعه «2»
كم من وزير قد رأينا مسلّطا ... فعاد وقد سدّت عليه مطالعه
ولله قوس لا تطيش سهامها ... ولله سيف لا تفلّ مقاطعه
قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولى: ويقال إن هذه الأبيات منحولة لحبيب، وليس مثل أبى جعفر في جلالة قدره واصطناعه لحبيب يعامل بمثل هذا الجواب،
(2/392)

ولا ينتهى جهل حبيب أن يقابل مأموله ومن يرتجى جليل الفائدة منه بهذه الأبياب.
وقد قيل: بل قالها، ولم ينشدها أحدا؛ وإنما ظهرت بعد موته.
وكان ابن الزيات كما قال شاعرا، ومدح الحسن بن سهل في وزارته للمأمون؛ وأعطاه عشرة آلاف درهم، فقال:
لم أمتدحك رجاء المال أطلبه ... لكن لتلبسنى التّحجيل والغررا
ما كان ذلك إلا أنّنى رجل ... لا أقرب الورد حتى أعرف الصدرا
قال الصولى: وكان السبب الذى أوجد «1» أبا جعفر على أبى تمام حتى قال «لقد رأيتك سهل البيع- الأبيات» قول أبى تمام قصيدته المشهورة في ابن أبى داود التي أولها:
سقى عهد الحمى سبل العهاد ... وروّى حاضر منه وباد «2»
نزحت به ركىّ الدمع لما ... رأيت الدمع من خير العتاد «3»
يقول فيها في مدحه:
هم عظم الأثافى من نزار ... وأهل الهضب منها والنّجاد «4»
معرّس كلّ معضلة وخطب ... ومنبت كلّ مكرمة وآد «5»
(2/393)

إذا حدث القبائل ساجلوهم ... فإنهم بنو المجد التّلاد «1»
تفرّج عنهم الغمرات بيض ... جلاد تحت قسطلة الجلاد «2»
وحشو حوادث الأيام منهم ... معاقل مطرد وبنو طراد «3»
لهم جهل السباع إذا المنايا ... تمشّت في الوغى وحلوم عاد
لقد أنست سلوّى كلّ دهر ... محاسن أحمد بن أبى دواد
متى تحلل به تحلل جنابا ... رضيعا للسّوارى والغوادى «4»
وما اشتبهت سبيل المجد إلّا ... هداك لقبلة المعروف هاد
وما سافرت في الآفاق إلّا ... ومن جدواك راحلتى وزادى
مقيم الظنّ عندك والأمانى ... وإن قلقت ركابى في البلاد
وهذه النكت «5» التى أحقدت أبا جعفر، وأعتبته على أبى تمام، وفي هذه القصيدة يقول معتذرا إليه في الذى قرف «6» به عنده من هجاء مضر:
أتانى عائر الأنباء تسرى ... عقاربه بداهية نآد «7»
نثا خبرا كأنّ القلب منه ... يجرّ به على شوك القتاد
بأنّى نلت من مضر وخبّت ... إليك شكيّتى خبب الجواد
(2/394)

وما ربع القطيعة لى بربع ... ولا نادى الأذى منّى بناد
وأين يجوز عن قصد لسانى ... وقلبى رائح برضاك غاد
ومما كانت الحكماء قالت: ... لسان المرء من خدم الفؤاد
وقد ما كنت معسول القوافى ... ومأدوم المعانى بالسّداد
[من أخبار ابن أبى دواد]
وكان ابن أبى دواد غاليا في التعصّب لإياد وإلحاقها بنزار، على مذهب نسّاب العدنانيين. قال: وكلّ من بالعراق من إياد دخلوا في النّخع، وإليهم ينسبون؛ ومن كان بالشام فملمّ «1» على نسبهم في نزار، وابن أبى دواد يرمى بالدعوة؛ والتكثير من أخباره يخرج إلى ما أخافه من تطويل التصرّف، فى مملول التكلّف.
وكان ابن أبى دواد عالما بضروب العلم والأدب، متصرّفا في صناعة الجدال، على مذهب أهل الاعتزال، وكانت العداوة بينه وبين ابن الزيّات بيّنة، والنفاسة فى الرياسة بينهما متمكّنة، وقال له بعض الشعراء:
أكلّ أبى دواد من إياد ... فكلّ أبى ذؤيب من هذيل
قال مسلم: ما تاه إلّا وضيع، ولا فاخر إلا سقيط، ولا تعصّب إلّا دخيل.
وقال مدنى لرجل: ممن أنت؟ فقال: من قريش، والحمد لله، قال: بأبى أنت! التحميد هاهنا ريبة! واسم أبى دواد دعمىّ، قال أبو اليقظان: وهم من قبيلة يقال لها بنو زهرة إخوة بنى جدّان، وقد ذكره الطائى في قوله:
والغيث من زهر سحابة رأفة ... والركن من شيبان طود حديد
ذكر شيبان، لأن خالد بن يزيد الشيبانى شفع له عند ابن أبى دواد فيما ينساق الحديث إليه من موجدته عليه.
قال محمود الوراق: كنت جالسا بطرف الجسر مع أصحاب لى، فمرّ بنا أبو تمام، فجلس إلينا، فقال له رجل منا: يا أبا تمّام، أىّ رجل أنت لو لم تكن من اليمن! قال: ما أحبّ أنّى بغير الموضع الذى اختاره الله لى، فممّن «2» تحبّ أن
(2/395)

أكون؟ قال: من مضر، قال: إنما شرفت مضر بالنبىّ صلى الله عليه وسلم، ولولا ذلك ما قيسوا بملوكنا وأذوائنا، وفينا كذا، ومنّا كذا- يفخر؛ وذكر أشياء عاب بها مضر، ونمي الخبر إلى ابن أبى دواد وزيد فيه، فقال: ما أحبّ أن يدخل علىّ، فقال يعتذر إليه بقصيدة أولها:
سعدت غربة النّوى بسعاد ... فى طلوع الإتهام والإنجاد
يقول فيها:
بعد أن أصلت الوشاة سيوفا ... قطعت فىّ وهي غير حداد
فنفى عنك زخرف القول سمع ... لم يكن فرضه لغير السّداد
ضرب الحلم والوقار عليه ... دون عور الكلام بالأسداد
ملأتك الأحساب أىّ حياة ... وحيا أزمة وحيّة واد
عاتق معتق من الرقّ إلّا ... من مقاساة مغرم أو نجاد
للحمالات والحمائل فيه ... كلحوب الموارد الأعداد «1»
فما رضى عنه حتى تشفّع إليه بخالد بن يزيد بن مزيد الشيبانى، فقال فى قصيدة:
أسرى طريدا للحياء من التى ... زعموا، وليس لقوله بطريد «2»
كنت الربيع، أمامه ووراءه ... قمر القبائل خالد بن يزيد
وغدا تببّن ما براءة ساحتى ... لو قد نفضت تهائمى ونجودى
لله درّك أىّ باب ملمّة ... لم يرم فيه إليك بالإقليد «3»
(2/396)

لما أظلّتنى غمامك أصبحت ... تلك الشهود علىّ وهي شهودى
من بعد ما ظنّوا بأن سيكون لى ... يوم بزعمهم كيوم عبيد
يريد عبيد بن الأبرص الأسدى، وكان النعمان بن المنذر لقيه يوم بؤسه فقتله.
وكان ابن أبى داود كريما فصيحا جزلا. قال أبو العيناء: كنا عند ابن أبى دواد ومعنا محمود الورّاق وجماعة من أهل الأدب والعلم؛ فجاءه رسول إيتاخ فقال: إن الحاجب أبا منصور يقرأ على القاضى السلام، ويقول: القاضى يتعنّى «1» ويجىء في الأوقات؛ وقد تفاقم الأمر بينه وبين كاتب أمير المؤمنين، يريد ابن الزيات، فصار يضرّنا عند قصده القاضى، وما أحبّ أن يتعنّى إلىّ لهذا السبب؛ إذ كنت لا أصل إلى مكافأته. فقال: أجيبوه عن رسالته، فلم ندر ما نقول، ونظر بعضنا إلى بعض، فقال: أما عندكم جواب! قلنا: القاضى- أعزّه الله، أعلم بجوابه منا، فقال للرسول: اقرأ عليه السلام، وقل له: ما أتيتك متكثّرا بك من قلّة، ولا معتزّزا بك من ذلّة، ولا طالبا منك رتبة، ولا شاكيا إليك كربة، ولكنك رجل ساعدك زمان، وحرّكك سلطان، ولا علم يؤلف، ولا أصل يعرف؛ فإن جئتك فبسلطانك، وإن تركتك فلنفسك! فعجبنا من جوابه.
[من براعة خالد بن عبد الله القسرى]
صعد خالد بن عبد الله القسرى المنبر يوم جمعة، فخطب وهو إذ ذاك أمير على مكة، فذكر الحجّاج فأحمد طاعته، وأثنى عليه خيرا، فلما كان في الجمعة الثانية ورد عليه كتاب سليمان بن عبد الملك يأمره فيه بشتم الحجّاج وذكر
(2/397)

عيوبه، وإظهار البراءة منه، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن إبليس كان ملكا من الملائكة، وكان يظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له بذلك فضلا، وكان الله تعالى قد علم من غشّه ما خفى عن الملائكة، فلما أراد الله فضيحته ابتلاه «1» بالسجود لآدم؛ فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم فلعنوه؛ وإن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنّا نرى له بذلك فضلا، وكان الله عزّ وجل أطلع أمير المؤمنين من غلّه وخبثه على ما خفى عنا، فلما أراد الله فضيحته أجرى ذلك على يدى أمير المؤمنين، فالعنوه، لعنه الله.
ثم نزل.
وكان أبو تمام قد مدح الأفشين التركى، واسمه خيذر «2» بن كاوس، وكان من أجلّ قوّاد المعتصم، وأبلى في أمر بابك الخرّمىّ بلاء حمده له؛ فلما سخط المعتصم عليه لما نسب إليه من سوء السيرة، وقبح السريرة، وأنه يخطب درجة بابك، ويريد التحصّن بموضع يخلع فيه يده عن الطاعة، وأظهر القاضى أحمد بن أبى دواد عليه أنه على غير الإسلام، قال أبو تمام معتذرا للمعتصم من تقديمه واجتبائه، ولنفسه من مدحه وإطرائه:
ما كان لولا فحش غدرة خيذر ... ليكون في الإسلام عام فجار
هذا الرسول وكان صفوة ربّه ... من خير باد في الأنام وقار
قد خصّ من أهل النفاق عصابة ... وهم أشدّ أذى من الكفّار
واختار من سعد لعين بنى أبى ... سرح لعمر الله غير خيار
حتى استضاء بشعلة السّور التى ... رفعت له سترا من الأستار
ثم ذكر في هذه القصيدة أن قتل الأفشين لبابك لم يكن بصدق بصيرة، ولا لصحة سريرة، فقال:
(2/398)

والهاشمون المستقلة ظعنهم ... عن كربلاء بأثقل الأوزار
فشفاهم المختار منه ولم يكن ... فى دينه المختار بالمختار
[المنافقون في عهد النبى صلى الله عليه وسلم]
أما من ذكر من أهل النفاق، فقد كانوا يظهرون غير ما يسرّون، حتى أطلع الله نبيّه عليه السلام على أخبارهم، ونشر له مطوىّ أسرارهم.
وأما ابن أبى سرح فهو عبد الله بن سعد بن أبى سرح بن الحسام بن الحارث بن حبيب بن خزيمة بن نصر بن مالك [بن حسل] بن عامر بن لؤىّ، أسلم قبل الفتح، واستكتبه النبىّ عليه السلام؛ فكان يكتب موضع «الغفور الرحيم» العزيز الحكيم، وأشباه ذلك؛ فأطلع الله عليه النبىّ عليه السلام، فهرب إلى مكة مرتدّا؛ وأنزل فيه: (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) . فأهدر النبى صلى الله عليه وسلم يوم الفتح دمه، فهرب من مكّة، فاستأمن له عثمان رضي الله عنه؛ فأمّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أخو عثمان من الرّضاعة، وأسلم فحسن إسلامه، وولّى مصر سنة أربع وعشرين، فأقام عليها إلى أن حصر عثمان، ومات بقيسارية الشام، ولم يدخل في شىء من الفتن الحجازية في ذلك الوقت.
وأما المختار الذى ذكره فهو المختار بن أبى عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير ابن عوف بن عفدة بن عروة بن عوف بن قسىّ وهو ثقيف؛ وكانت لأبيه في الإسلام آثار جميلة، وأخت المختار صفية بنت أبى عبيد زوج ابن عمر، والمختار هو كذّاب ثقيف الذى جاء فيه الحديث، وكان يزعم أنه يوحى إليه في قتلة الحسين؛ فقتلهم بكل موضع، وقتل عبيد الله بن زياد، وله أسجاع يصنعها، وألفاظ يبتدعها، ويزعم أنها تنزل عليه، وتوحى إليه.
وقيل للأحنف بن قيس: إنّ المختار يزعم أنه يوحى إليه! فقال: صدق، وتلا: (وإنّ الشّياطين ليوحى بعضهم إلى بعض) . وأخباره كثيرة ليس هذا موضعها.
لما هزم أمية بن خالد بن أسيد لم يدر الناس كيف يقولون له، فدخل عبد الله بن الأهتم عليه، فقال: الحمد لله الذى نظر لنا أيّها الأمير عليك،
(2/399)

ولم ينظر لك علينا، فقد تعرّضت للشهادة بجهدك، إلّا أن الله علم حاجة أهل الإسلام إليك، فأبقاك لهم بخذلان من معك. فصدر الناس عن كلامه.
ويتعلق بهذه المقامة فصل في غرائب التكاتب
كتب حمدون بن نهران إلى عامل عزل عن عمله:
بلغنى أعزّك الله انصرافك عن عملك، ورجوعك إلى منزلك؛ فسررت بذلك، ولم أستفظعه وأجزع له؛ لعلمى بأنّ قدرك أجلّ وأعلى من أن يرفعك عمل تتولّاه، أو يضعك عزل عنه؛ وو الله لو لم تختر الانصراف وترد الاعتزال لكان في لطف تدبيرك، وثقوب رويّتك، وحسن تأتّيك، ما تزيل به السبب الداعى إلى عزلك، والباعث على صرفك؛ ونحن إلى أن نهنئك بهذه الحال أولى بنامن أن تعزّيك؛ إذ أردت الانصراف فأوتيته، وأحببت الاعتزال فأعطيته، فبارك الله لك في منقلبك، وهنّاك النعم بدوامها، ورزقك الشّكر الموجب لها الزائد فيها.
وكتب ابن مكرم إلى نصرانى أسلم:
أمّا بعد فالحمد لله الذى وفّقك لشكره، وعرّفك هدايته، وطهّر من الارتياب قلبك، وما زالت مخايلك ممّثلة لنا حقيقة ما وهب الله فيك، حتى كأنّك لم تزل بالإسلام موسوما، وإن كنت على غيره مقيما، وكنا مؤمّلين لما صرت إليه، مشفقين مما كنت عليه، حتى إذا كاد إشفاقنا أن يستعلى رجاءنا أنت السعادة بما لم تزل الأنفس تعدّ منك؛ فأسأل الله الذى أضاء لك سبيل رشدك أن يوفّقك لصالح العمل، وأن يؤتيك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ويقيك عذاب النار.
قال بعض الكتاب: من الحقّ ما يستحسن تركه، ويستهجن عمله، وقد يقع من ذلك فيما يحلّه الشرع، ويكرهه الأدباء؛ وكثير ممن يغلب على طبعه هذا المعنى يراه سموّ نفس، وعلوّ همة، حتى رأينا من لا يحضر تزويج
(2/400)

كريمته، ويولّى أمرها غير نفسه، ورأينا من يجاوز ذلك إلى ألّا ينكح مستنكحا، وزاد به العلوّ إلى ترك ما ذكره أولى؛ وكنا عرفنا حال إنسان تزوّجت أمه؛ فعظم لذلك همّه، وانفرد عن أودّائه، وتوارى عن أصفيائه؛ حياء من لقائهم، وكرها لتهنئتهم له أو عزائهم، واضطرّته الوحشة إلى قصد من ظنّ به منهم المسكة في تحامى خطابه فيما اجتنب لأجله خلّانه، وفارق بسببه إخوانه، وتخيّل ذلك المقصود أنه إنما لجأ إليه ليسلّيه؛ فأفاض معه فيما قدّر أنه قصد له من المعنى الذى جعله وحيدا خوف المفاوضة.
ثم مضت الأيام واختلف الحال، ورجع إلى العشرة وأبناء المودّة؛ فكان عنده من لم يخاطبه أحظى، وفي نفسه أوفى، وعلى قلبه أخفّ، وفي نفسه أشفّ، ونقم على ذلك الصديق وعتب؛ إذ لكلّ من الناس- إلا من طاب محتده وطال سؤدده- حال من الإلف والرغبة تحسّن المساوى، ثم حال من الملل والزّهادة تقبّح المحاسن؛ واعتذر المتكلّف من التسلية بما لم يلزمه، ولم يرده صفيّه، فإنه فعل ما أوجبته الأخوّة، وحقوق الخلطة، وأسباب العشرة، وانبساط المفاوضة؛ ودبّت عقارب الظنون والوشاية، إلى أن خرجا بالملاحاة إلى المعاداة؛ فلما وقع بعض الناس بينهما من معاودة الحسنى، ومراجعة الأولى؛ جاهر هذا الماقت بقرع سنّ الأسف على تخيّل النهى والوقار من الممقوت، وظاهر الممقوت بتقريع الماقت، بتزويج أمّه الذى تجشّم من كلامه فيه فضلا، وتكلّف من خطابه عليه ما من حسرة خلا؛ فأفضى الأمر بينهما إلى الأوتار، وطلب الثّار.
فإن اضطرّ إلى القول في هذا المعنى أحد بأمر قاهر من السلطان، أو حوادث الأزمان، أو تطارح الإخوان، فليقل وليكتب ما مثّلنا إن لم يجد منه بدّا: أنت- بفضل الله عليك وإحسان تبصيره إياك- من أهل الدّين، وخلوص اليقين، فكما لا تتّبع الشهوة فى محظور تبيحه، فكذا لا تتّبع الأنفة في مباح تحظره؛ وقد اتّصل بنا اختاره الله والقضاء لذات الحقّ عليك، المنسوبة- بعد نسبك إليها- إليك،
(2/401)

مما كرهه إباؤك الدّنيوى لك ولها، [ورضيه الحلال الدينى له ولها] ، فنحن نعزّيك عن فائت محبوبك، ونهنّئك في الخيرة في اختيار القدر لك، ونسأل الله أن يجعلها أبدا معك فيما رضيت وكرهت، وأبيت وأتيت.
فهذا ونحوه أصوب وأسلم، إن اضطررت إليه، وتركه أحسن وأحزم، إن ملكت رأيك فيه؛ والتلطف للكتابة عما يستهجن ولا يستحسن التواجه به من أحسن الأشياء وأسدّها.
وكتب أبو الفضل بن العميد في بابه: الحمد لله الذى كشف عنا ستر الحيرة.
وهدانا لستر العورة، وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة، ومنع من عضل الأمهات، كما منع من وأد البنات، استنزالا للنفوس الأبيّة، عن حميّة الجاهلية.
ثم عرّض للجزيل من الأجر من استسلم لمواقع قضائه؛ وعوّض جزيل الثواب لمن صبر على نازل بلائه؛ وهنّاك الله، الذى شرح للتقوى صدرك، ووسّع في البلوى صبرك، ما ألهمك من التسليم بمشيئته، والرضا بقضّيته، ووفّقك له من قضاء الواجب في أحد أبو يك، ومن عظم حقّه عليك؛ وجعل الله تعالى حدّه «1» ما تجرّعته من أنف «2» ، وكظمته من أسف، معدودا يعظّم الله عليه أجرك، ويجزل به ذخرك؛ وقرن بالحاضر من امتعاضك لفعلها المنتظر من ارتماضك لدفنها «3» ، وعوّضك من أسرّة فرشها أعواد نعشها؛ وجعل ما ينعم به عليك من بعدها من نعمة معرّى من نقمة، وما يوليك بعد قبضها من منحة مبرأ من محنة.
(2/402)

ألفاظ لأهل العصر في التهانى بالبنات
هنأ الله سيدى ورد الكريمة عليه، وثمّر بها أعداد النّسل الطيّب لديه؛ وجعلها مؤذنة بإخوة بررة، يعمرون أندية الفضل، ويغبرون «1» بقيّة الدّهر.
اتصل بى خبر المولودة، كرّم الله غرّتها وأنبتها نباتا حسنا، وما كان من تغيّرك بعد اتّضاح الخبر، وإنكارك ما اختاره الله لك في سابق القدر، وقد علمت أنهنّ أقرب من القلوب، وأنّ الله تعالى بدأ بهنّ في الترتيب، فقال جل من قائل: (يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ)
. وما سمّاه هبة فهو بالشكر أولى، وبحسن التقبّل أحرى. أهلا وسهلا بعقيلة النساء، وأمّ الأبناء، وجالبة الأصهار، وأولاد الأطهار، والمبشرة بإخوة يتناسقون، ونجباء يتلاحقون.
فلو كان النّساء كمثل هذى ... لفضّلت النّساء على الرّجال
فما التّأنيث لاسم الشّمس عيب ... ولا التّذكير فخر للهلال
والله يعرفك البركة في مطلعها، والسعادة في موقعها، فادّرع اغتباطا، واستأنف نشاطا. الدنيا مؤنّثة، والرجال يخدمونها. والنار مؤنثة، والذكور يعبدونها. والأرض مؤنثة، ومنها خلقت البرية، وفيها كثرت الذّرية. والسماء مؤنثة، وقد حلّيت بالكواكب، وزيّنت بالنجوم الثواقب. والنفس مؤنّثة، وهي قوام الأبدان، وملاك الحيوان. والحياة مؤنّثة، ولولاها لم تتصرّف الأجسام ولا عرف الأنام. والجنّة مؤنّثة، وبها وعد المتقون، وفيها ينعم المرسلون؛ فهنأك الله ما أوليت، وأوزعك شكر ما أعطيت، وأطال الله بفاءك ما عرف النّسل والولد، وما بقى العصر والأبد؛ إنه فعال لما يشاء.
(2/403)

[بعض مالا يمدح النساء به]
والتصرف في النساء ضيّق النطاق، شديد الخناق، وأكثر ما يمدح به الرجال ذمّ لهن، ووصم عليهن، قال ابن الرومى:
ما للحسان مسيئات بنا، ولنا ... إلى المسيئات طول الدّهر تحنان
فإن يبحن بعهد قلن: معذرة ... إنّا نسينا، وفي النسوان نسيان
لا نلزم الذّكر، إنّا لم نسمّ به ... ولا منحناه، بل للذّكر ذكران
فضل الرجال علينا أن شيمتهم ... جود وبأس وأحلام وأذهان
وأنّ منهم وفاء لا نقوم له ... وهل يكون مع النّقصان رجحان؟
وقال أبو الطيب المتنبى:
بنفسى الخيال الزّائرى بعد هجعة ... وقولته لى: بعدنا الغمض تطعم
سلام فلولا البخل والخوف عنده ... لقلنا أبو حفص علينا المسلّم
ألا ترى أنّ الجود، والوفاء بالعهود، والشجاعة والفطن، وما جرى في هذا السّنن، من فضائل الرجال، لو مدح النساء به لكان نقصا عليهن، وذمّا لهنّ؟
ولمديح النساء أبواب تفرّقت في الكتاب:
أنشد رجل زبيدة بنت جعفر بن أبى جعفر المنصور:
أزبيدة بنة جعفر ... لوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما ... تعطى الأكفّ من الرّغاب
فوثب إليه الخدم يضربونه، فمنعتهم من ذلك، وقالت: أراد خيرا وأخطأ، وهو أحبّ إلينا ممن أراد شرا فأصاب، سمع قولهم «شمالك أندى من يمين غيرك» فظن أنه إذا قال هكذا كان أبلغ، أعطوه ما أمّل، وعرّفوه ما جهل.
وقال كثير:
ولما قضينا من منّى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ما سح
(2/404)

وشدّت على حدب المطايا رحالنا ... ولا يعلم الغادى الذى هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطىّ الأباطح
نقعنا قلوبا بالأحاديث واشتفت ... بذاك صدور منضجات قرائح «1»
ولم نخش ريب الدّهر في كلّ حالة ... ولا راعنا منه سنيح وبارح
وقال:
تفرّق ألّاف الحجيج على منى ... وشتّتهم شحط النوى مشى أربع
فريقان منهم سالك بطن نخلة ... وآخر منهم جازع ظهر تضرع
فلم أر دارا مثلها دار غبطة ... ولهو إذا التفّ الحجيج بمجمع
أقلّ مقيما راضيا بمكانه ... وأكثر جارا ظاعنا لم يودّع
فأصبح لا تلقى خباء عهدته ... بمضربه أوتاده لم تنزّع
فشاقوك لما وجّهوا كلّ وجهة ... فبانوا وخلّوا عن منازل بلقع
ودخل كثيّر على عزّة يوما، فقالت: ما ينبغى أن نأذن لك في الجلوس، فقال: ولم ذلك؟ قالت: لأنى رأيت الأحوص ألين جانبا عند الغوانى منك في شعره، وأضرع خدّا للنساء، وأنه الذى يقول:
يأيها اللأئمى فيها لأصرمها ... أكثرث لو كان يغنى عنك إكثار
أكثر فلست مطاعا إذ وشيت بها ... لا القلب سال ولا في حبّها عار
ويعجبنى قوله:
أدور ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم مادرت حيث أدور
وما كنت زوّارا، ولكنّ ذا الهوى ... إذا لم لا يزر لا بدّ أن سيزور
لقد منعت معروفها أمّ جعفر ... وإنى إلى معروفها لفقير
(2/405)

ويعجبنى قوله:
كم من دنىّ لها قد كنت أتبعه ... ولو صحا القلب عنها كان لى تبعا
لا أستطيع نزوعا عن محبّتها ... أو يصنع الحبّ بى فوق الذى صنعا
أدعو إلى هجرها قلبى فيتبعنى ... حتى إذا قلت هذا صادق نزعا
وزادنى رغبة في الحبّ أن منعت، ... أشهى إلى المرء من دنياه ما منعا
وقوله:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا
وما العيش إلا ما تلذّ وتشتهى ... وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
وإنى لأهواها وأهوى لقاءها ... كما يشتهى الصّادى الشراب المبرّدا
علاقة حبّ لجّ في سنن الصّبا ... فأبلى، وما يزداد إلّا تجدّدا
هذان البيتان ألحقهما العتبى وغيره بشعر الأحوص، وأنشدها أبو بكر بن دريد لأعرابى، فقال كثير: قد والله أجاد فما استقبحت من قولى؟ قالت:
قولك:
وكنت إذا ما جئت أجللن مجلسى ... وأظهرن منّى هيبة لا تجهّما
يحاذرن منّى غيرة قد عرفنها ... قديما، فلا يضحكن إلّا تبسّما
تراهنّ إلا أن يخالسن نظرة ... بمؤخر عين أو يقلّبن معصما
كواظم لا ينطقن إلا محورة ... رجيعة قول بعد أن يتفهما
وكنّ إذا ما قلن شيئا يسرّه ... أسرّ الرضا في نفسه وتحرّمّا
وقولك:
وددت وبيت الله أنك بكرة ... هجان، وأنى مصعب ثم نهرب «1»
(2/406)

كلانا به عرّ فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدى وأجرب «1»
نكون لذى مال كثير مغفّل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
إذا ما وردنا منهلا صاح أهله ... علينا فما ننفكّ نؤذى ونضرب «2»
ويحك! لقد أردت بى الشقاء، أفما وجدت أمنية أوطأ من هذه؟ فخرج خجلا.
[من الأمانى]
وقد تمنّى بمثل هذه الأمنية الفرزدق. وأغرب من هذا قول أبى صخر الهذلى:
تمنّيت من حبّى عليه أنّنا ... على رمث في البحر ليس لنا وفر «3»
على دائم لا يعبر الفلك موجه ... ومن دوننا الأهوال والّلجج الخضر
فنقضى همّ النفس في غير رقبة ... ويغرق من نخشى نميمته البحر
وقيل: الأمل رفيق مؤنس؛ إن لم يبلغك فقد ألهاك.
وقال مسلم بن الوليد.
وأكثر أفعال الليالى إساءة ... وأكثر ما تلقى الأمانى كواذبا
وقال آخر:
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلّا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أمانىّ من ليلى حسان كأنما ... سقتنى يها ليلى على ظمإ بردا
وقال آخر
رفعت عن الدنيا المنى غير حبها ... فلا أسأل الدنيا ولا أستزيدها
وقيل لأعرابى: ما أمتع لذّات الدنيا؟ فقال: ممازحة المحب، ومحادثة الصديق،
(2/407)

وأمانىّ تقطع بها أيامك، وأنشد:
علّلينى بموعد ... وامطلى ما حييت به
ودعينى أفوز من ... ك بنجوى تطلبه
فعسى يعثر الزّما ... ن بحظّي فينتبه
[بعض أخبار كثير وعزّة]
وكان كثيّر بن عبد الرحمن بن أبى جمعة الخزاعى- ويعرف بعزّة، على حدّة خاطره، وجودة شعره- أحمق الناس.
دخل عليه نفر من قريش وهو عليل يهزءون به، قال بعضهم: فقلت له:
كيف تجدك؟ قال: بخير، هل سمعتم الناس يقولون شيئا؟ فقلت: نعم، سمعتهم يقولون: إنك الدجال. فقال: والله لئن قلت ذلك إنى لأجد في عينى اليمنى ضعفا منذ أيام.
وكان رافضيّا يدين بالرّجعة، ويقول بإمامة محمد بن الحنفية، والروافض يزعمون أنه دخل في شعب باليمن في أربعين من أصحابه، ولا بدّ من ظهوره، وفي ذلك يقول:
ألا إنّ الأئمة من قريش ... ولاة الحقّ أربعة سواء
علىّ والثّلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبرّ ... وسبط غيّبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتّى ... يقود الخيل يقدمها اللّواء
تغيّب لا يرى عنهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء
وكان خلفاء بنى أمية يعلمون ذلك منه، ويلبسونه عليه.
دخل يوما على عبد الملك بن مروان فقال: نشدتك بحقّ على بن أبى طالب، هل رأيت أعشق منك؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لو سألتنى بحقّك لأخبرتك، نعم، بينا أنا أسير في بعض الفلوات إذا أنا برجل قد نصب حبائله، فقلت له:
(2/408)

ما أجلسك هاهنا؟ قال: أهلكنى وأهلى الجوع، فنصبت حبائلى لأصيب لهم ولنفسى ما يكفينا سحابة يومنا، قلت: أرأيت إن أقمت معك فأصبنا صيدا، أتجعل لى منه جزءا؟ قال: نعم، فبينما نحن كذلك إذ وقعت ظبية، فخرجنا مبتدرين، فأسرع إليها فحلّها وأطلقها؛ فقلت: ما حملك على هذا؟ قال:
دخلتنى لها رقّة لشبهها بليلى، وأنشأ يقول:
أيا شبه ليلى لا تراعى فإنّنى ... لك اليوم من وحشيّة لصديق
أقول وقد أطلقتها من وثاقها ... لأنت- لليلى- ما حييت طليق
وروى الكلبى وابن دأب أنه لمّا حلّها قال:
اذهبى في كلاءة الرّحمن ... أنت منى في ذمّة وأمان
لا تخافى بأن تهاجى بسوء ... ما تغنّى الحمام في الأغصان
ترهبينى والجيد منك لليلى ... والحشا والبغام والعينان؟
وقال قيس بن الملوّح:
راحوا يصيدون الظّباء وإننى ... لأرى تصيّدها علىّ حراما
أشبهن منك محاجرا وسوالفا ... فأرى علىّ لها بذاك ذماما
أعزز علىّ بأن أروع شبيهها ... أو أن يذقن على يدىّ حماما
ومن جيد شعر كثيّر:
وكانت لقطع الحبل بينى وبينها ... كناذرة نذرا فأوفت وحلّت
فقلت لها: يا عزّ كلّ مصيبة ... إذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت
ولم يلق إنسان من الحبّ ميعه ... تعمّ ولا غمّاء إلّا تجلّت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلّت تلاعا لم تكن قبل حلّت
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت
وو الله ما قاربت إلا تباعدت ... بهجر، ولا استكثرت إلّا أقلت
(2/409)

وما مرّ من يوم علىّ كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلت
فيا عجبا للقلب كيف اعترافه ... وللنفس لما وطّنت كيف ذلّت
وإنّى وتهيامى بعزّة بعد ما ... تخلّيت مما بيننا وتخلّت
لكالمرتجى ظلّ الغمامة، كلّما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
وكان كثير قصيرا دميما، ولذلك قال:
فإن أك معروق العظام فإننى ... إذا ما وزنت القوم وازن «1»
ودخل كثير على عبد الملك بن مروان في أول خلافته، فقال: أنت كثيّر؟
فقال: نعم، فاقتحمه، وقال: تسمع بالمعيدىّ لا أن تراه «2» ! فقال:
يا أمير المؤمنين، كلّ إنسان عند محله رحب الفناء، شامخ البناء، عالى السّناء، وأنشد يقول:
ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الطّرير إذا تراه ... فيخلف ظنّك الرجل الطرير «3»
بغاث الطير أطولها رقابا ... ولم تطل البزاة ولا الصقور «4»
خشاش الطير أكثرها فراخا ... وأمّ الباز مقلاة نزور «5»
(2/410)

ضعاف الأسد أكثرها زئيرا ... وأصرمها اللّواتى لا تزير
وقد عظم البعير بغير لبّ ... فلم يستغن بالعظم البعير
ينوّخ ثم يضرب بالهراوى ... فلا عرف لديه ولا نكير
يقوّده الصبىّ بكلّ أرض ... ويصرعه على الجنب الصغير «1»
فما عظم الرجال لهم بزين ... ولكن زينهم حسب وخير «2»
فقال: قاتله الله! ما أطول لسانه، وأمد عنانه، وأوسع جنانه؛ إنى لأحسبه كما وصف نفسه «3» .
[قولهم في الطول والقصر]
وأنشد أحمد بن عبيد الله لشاعر قديم:
وعاذلة هبّت بليل تلومنى ... ولم يغتمرنى قبل ذاك عذول «4»
تقول: اتئد لا يدعك الناس مملقا ... وتزرى بمن يابن الكرام تعول
فقلت: أبت نفس علىّ كريمة ... وطارق ليل عند ذاك يقول
ألم تعلمى يا عمرك الله أننى ... كريم على حين الكرام قليل
وأنى لا أخزى إذا قيل مملق ... سخىّ، وأخزى أن يقال بخيل
فلا تتبعى النفس الغويّة وانظرى ... إلى عنصر الأحساب كيف بئول
ولا تذهبن عيناك في كل شرمح ... له قصب جوف العظام أسيل «5»
عسى أن تمنّى عرسه أننى لها ... به، حين يشتدّ الزمان، بديل
(2/411)

إذا كنت في القوم الطوال فطلتهم «1» ... بعارفة حتى يقال طويل «2»
ولا خير في حسن الجسوم وطولها ... إذا لم تزن حسن الجسوم عقول
فكائن رأينا من فروع طويلة ... تموت إذا لم تحيهن أصول
فإلّا يكن جسمى طويلا فإننى ... له بالفعال الصالحات وصول
ولم أر كالمعروف: أمّا مذافه ... فحلو، وأمّا وجهه فجميل
وقال ابن الرومى:
ونصيف من الرجال نحيف ... راجح الوزن عند وزن الرجال
فى أناس أوتوا حلوم العصافير ... فلم تغنهم جسوم البغال
أخذه من قول حسان بن ثابت، وقال له بنو الديان الحارثيون: قد كنّا ونحن نطول بأحسامنا على العرب حتى قلت:
دعوا التّخاجؤ وامشوا مشية سجحا ... إنّ الرجال ذوو قدّ وتذكير «3»
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير
فتركتنا لا نرى أجسامنا شيئا والعرب تمدح الطول، وتثنى عليه، وقال عنترة بن شداد:
بطل كأنّ ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السّبت ليس بتوأم
قوله «ليس بتوأم» يريد ليس ممن زوحم في الرّحم فضعف، كمال قال الشعبى، وقد دخل على عبد الملك بن مروان، فجعل ينظر إليه، وكان الشعبى قد ولد توأما مع أخيه، فكان نحيفا، فقال: يا أمير المؤمنين، إنى زوحمت في الرحم، وقال:
(2/412)

ولما التقى الصفّان واختلف القنا ... نهالا، وأسباب المنايا نهالها
تبيّن لى أن القماءة ذلة ... وأنّ أعزاء الرجال طوالها
وقال أبو نواس:
وكنا إذا ما الحائن الجدّ غرّه ... سنى برق غاد أو ضجيج رعاد
تردّى له الفضل بن يحيى بن خالد ... بماضى الظّبى يزهاه طول نجاد
أمام خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قناد وجياد «1»
ومن هذا البيت أخذ أبو الطيب المتنبى قوله:
وملمومة زرد ثوبها ... ولكنّه بالقنا مخمل
[عود إلى أخبار كثير عزة]
ودخل كثيّر على عبد العزيز بن مروان وهو عليل، وأهله يتمنّون أن يتبسم، فقال: لولا أن سرورك لا يتمّ بأن تسلم وأسقم لدعوت الله أن يصرف مابك إلىّ، ولكنى أسأل الله أيها الأمير العافية لك ولى في كنفك؛ فضحك وأمر له بمال فخرح وهو يقول:
ونعود سيّدنا وسيّد غيرنا ... ليت التشكّى كان بالعوّاد
لو كان تقبل فدية لفديته ... بالمصطفى من طارفى وتلادى
قال محمد بن سلام الجمحى: قال أبى: ذاكرت مروان بن أبى حفصة شعر جرير والفرزدق وكثيّر، فذهب إلى تقديم كثيّر، وجعل يطريه ويقول: هو أمدحهم للخلفاء، فقلت: أمن جودة مدحه للخلفاء قوله لعبد الملك بن مروان:
ترى ابن أبى العاصى وقد صفّ دونه ... ثمانون ألفا قد توافت كمولها
يقلّب عينى حيّة بمفازة ... إذا أمكنته شدّة لا يقيلها
فقال هذا للخليفة ودونه ثمانون ألفا، وجعله يقلّب عينى حية.
(2/413)

وقوله:
وإن أمير المؤمنين هو الذى ... غزا كامنات الودّ منى فنالها
زعم أن أمير المؤمنين استعطفه حتى غزا كامنات صدره.
وقوله لعبد العزيز بن مروان:
وما زالت رقاك تسلّ ضغنى ... وتخرج من مكامنها ضبابى
ويرقينى لك الحاوون حتى ... أجابك حيّة تحت الحجاب
زعم أن عبد العزيز ترضّاه، واحتال له ورقاه، حتى أجابه؛ أكذا تمدح الملوك؟ فأسكته «1» .
فصول قصار
من كان له من نفسه واعظ، كان من الله عليه حافظ. العبد حرّ إذا قنع، والحرّ عبد إذا طمع. الأمانى تخدعك، وعند الحقائق تدعك. إذا كان الطمع هلاكا، كان اليأس إدراكا. ليس يعدّ حكيما، من لم يكن لنفسه خصيما. تعزّ عن الشىء إذا منعته، بقلة ما يصحبك إذا منحته. تجرّع مضض الصبر تطفىء نار الضر. الحكمة حفظ ما كلفت، وترك ما كفيت. الصّبر عن محارم الله، أيسر من الصبر على عذاب الله.
شذور لأهل الصر في معان شتّى
قطعة من كلام الأمير قابوس بن وشمكير شمس المعالى في أثناء رسائله:
بزند الشفيع تورى نار النجاح، ومن كف المفيض ينتظر فوز القداح،
(2/414)

الوسائل أقدام ذوى الحاجات، والشفاعات مفاتيح الطّلبات العفو عن المجرم من موجبات الكرم، وقبول المعذرة من محاسن الشّيم. وبالقوادم والخوافى قوّة النجاح، وبالأسنة والعوالى عمل الرماح. الدنيا دار تغرير وخداع، وملتقى ساعة لوداع، والناس متصرّفون بين كل ورد وصدر، وصائرون خبرا بعد أثر. غاية كل متحرّك إلى سكون، ونهاية كل متكون ألّا يكون، وآخر الأحياء فناء، والجزع على الأموات عناء، وإذا كان ذلك كذلك، فلم التهالك على الهالك؟. حشو الدهر أحزان وهموم، وصفوه من غير كدر معدوم. إذا سمح الدهر بالحباء، فأبشر بوشك الانقضاء، وإذا أعار، فأحسبه قد أغار. الدهر طعمان حلو ومرّ، والأيام ضربان عسر ويسر. لكل شىء غاية ومنتهى، وانقطاع وإن بلغ المدى. ترك الجواب، داعية الارتياب، والحاجة إلى الاقتضاء، كسوف في وجه الرجاء. همّ المنتظر للجواب ثقيل، والمدى فيه وإن كان قصيرا طويل.
النجيب إذا جرى لم يشقّ غباره، وإذا سرى لم تلحق آثاره. ومن أين للضباب صوب السحاب، وللغراب هوىّ العقاب، وهيهات أن تكتسب الأرض لطافة الهواء، ويصير البدر كالشمس في الضياء.
وقد ترجم عن شمس المعالى أبو منصور الثعالبى في كتاب ألّفه له؛ قال في أوله: أمّا على أثر حمد الله الذى هو أوّل كتابه، وآخر دعوى ساكنى دار ثوابه، والصلاة على خيرته من بريّته، وعلى الصّفوة من ذرّيته، فإنّ خير الكلام ما شغل بخدمة من جمع الله له عزّة الملك إلى بسطة العلم، ونور الحكمة إلى نفوذ الحكم، وجعله مميّزا على ملوك العصر، ومدبّرى الأرض وولاة الأمر، بخصائص من العدل، وجلائل من الفضل، ودقائق من الكرم المحض، لا يدخل أيسرها تحت العادات، ولا يدرك أقلّها بالعبارات؛ ومحاسن [سير] الأنام «1» ، تحرسها أسنّة الأقلام، وتدرسها ألسنة الليالى والأيام، وهذه صفة تغنى
(2/415)

عن تشبيه الموصوف لاختصاصه بمعناها، واستحقاقه إياها، واستئثاره على جميع الملوك بها، ولعلم سامعها ببديهة السّماع أنها للأمير، شمس المعالى، خالصة، وعليه مقصورة، وبه لائقة، وعن غيره نافرة؛ إذ هو- بمعاينة الآثار، وشهادة الأخيار، وإجماع الأولياء، واتفاق الأعداء- كافل المجد، وكافى الخلق، وواحد الدهر، وغرّة الدنيا، ومفزع الورى، وحسنة العالم، ونكتة الفلك الدائر؛ فبلّغه الله أقصى نهاية العمر، كما بلّغه أقصى غاية الفخر؛ وملكه أزمّة الأمر، كلما ملّكه أعنّة الفضل؛ وأدام حسن النظر للعباد والبلاد، بإدامة أيامه التي هي أعياد الدّهر، ومواسم اليمن والأمن، ومطالع الخير والسّعد، وزاد دولته شبابا
ونموّا، كما زاده في الشرف علوّا ... حتى تكون السعادات وفد بابه، والبشائر
قرى سمعه، والمسارّ غذاء نفسه، ويترامى به الإقبال إلى حيث لا يبلغه أمل، ولا يقطعه أجل.
نحافى قوله «وهذه صفة تغنى عن الموصوف» إلى قول أبى الطيب يرنى أخت سيف الدولة:
يا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أشرف النّسب
أجلّ قدرك أن تسمى مؤثّثة ... ومن دعاك فقد سمّاك للعرب
وفي شمس المعالى يقول الأمير أبو الفضل الميكالى:
لا تعصين شمس العلا قابوسا ... فمن عصى قابوس لاقى بوسا
وله يقول بديع الزمان في قصيدة نظمها في تضاعيف رسالة موشحة:
إنّ من كنت من مناه بمرأى ... وتعدّاك سيّىء الاقتراح
بين بشر يردّ غائض جاهى ... وقبول يعيد ريش جناحى
(2/416)

وبساط وردت مشرعة الأن ... س به وادّرعت برد النجاح
فاقض أو طارا التقت والمعالى ... فى نظام من النّهى وتصاح
ملك دونه تقطّع أبصا ... ر الليالى يوما ندى وكفاح
ملك لو يشاء مدّ على النّج ... م رواقا وردّ وفد الرّياح
تارة في خشونة الدّهر تلقا ... هـ وطورا في حسن ذات الوشاح
ملك كلّما بدا نقف الأف ... لاك عجبا به وفرط ارتياح
هكذا هكذا تكون المعالى ... طرق الجدّ غير طرق المزاح
وهي طويلة، كتبتها على طريق الاختيار.
[من رسائل بديع الزمان]
رقعة لبديع الزمان إلى شمس المعالى، وقد ورد حضرته:
لم تزل الآمال- أطال الله بقاء الأمير السيد شمس المعالى، وأدام سلطانه- تعدنى هذا اليوم، والأيام تمطلنى بألسنة صروفها، على اختلاف صنوفها، بين حلو استرقّنى، ومرّ استخفّنى، وشر صار إلىّ، وخير صرت إليه، وأنا في خلال هذه الأحوال أذرع الآفاق فأكون طورا مشرقا للمشرق الأقصى، وطورا مغربا للمغرب، ولا مطمح إلّا حضرته الرفيعة، وسدّته المريعة، ولا وسيلة إلا المنزع الشّاسع، والأمل الواسع؛ وقد صرت- أطال الله بقاء الأمير مولانا- بين أنياب النوائب، وتجشّمت هول الموارد، وركبت أكتاف المكاره، ورضعت أخلاف العوائق، ومسحت أطراف المراحل، حتى حضرت الحضرة البهيّة أو كدت، وبلغت الأمنية أو زدت، وللأمير السيد في الإصغاء إلى المجد، والبسط من عنان الفضل، بتمكين خادمه من المجلس يلقاه بقدمه، والبساط يلثمه بفمه، تفضّله، فله الرأى العالى إن شاء الله.
وله إلى بعض الرؤساء وقد وعد بحضور مجلسه بالغداة وأمره أن يزفّ إليه ما أنشأه، فبعث به وكتب إليه:
مرحبا بسلام الشيخ سيّدى ومولاى أطال الله بقاه، ولا كالمرحب
(2/417)

بطلعته؛ وقد وصلت تحيّته فشكرتها، وعدته الجميلة بالحضور غدا فانتظرتها؛ ودعوت الله أن يطوى ساعات النهار، ويزجّ الشمس في المغار، ويقرّب مسافة الفلك الدّوّار، ويرفع البركة من سيره، ويجهز الحركة إلى دوره؛ ويسرّنى بوفد الظلام وقد نزل، ثم لم يلبث إلّا ريثما رحل؛ وقد بعثت بما طلب سمعا لأمره وطاعة، والنسخة أسقم من أجفان الغضبان، والشيخ سيدى- أدام الله عزّه- يركض قلمه في إصلاحها، وحبّذا هو في غد، وقد طلع كالصبح إذا سطع، والبرق إذا لمع:
يا مرحبا بغد ويا أهلا به ... إن كان إلمام الأحبّة في غد
وله إلى أبى الطيب سهل بن محمد يسأله أن يصله بأبى إبراهيم إسماعيل بن أحمد:
لو كان للكرم عن جناب الشيخ منصرف لانصرفت، أو للأمل منحرف إلى سواه لا نحرفت، أو للنّجح باب سواه لولجت، أو للفضل خاطب غيره لزوّجت، ولكن أبى الله أن يعقد إلا عليه الخنصر، أو يتحلّى إلا بفواضله الدهر، ولا يزال كذا يتّسم المجد بسمته، ويجذب العلاء بهمّته، ويسعد الدين بنظره، والدنيا بجماله، وغلامه أنا لو استعار الدّهر لسانا، واتّخذ الريح ترجمانا، ليشيع إنعامه حق الإشاعة، لقصرت به يد الاستطاعة، فليس إلا أن يلبس مكارمه صافية سابغة، ويرد مشارعه صافية سائغة، ويحيل الجزاء على يد قصور، والشكر على لسان قصير؛ ثم إنّ حاجاتى، إذا لم يعر من قلائد المجد نحرها، ولم يعطل من حلى المجد صدرها، كبر مهرها، وعزّ كفؤها، ولم أجد لها إلا واحدا أخضر الجلدة فى بيت العرب، أو ماجدا يملأ الدّلو إلى عقد الكرب «1» . وهذه حاجة أنا أزفّها إلى الشيخ الإمام حرص الله مهجته، وأسوقها منظومة من الصّدر إلى العجز، كما يساق الماء إلى الأرض الجرز «2» ؛ وأنا من مفتتح اليوم إلى مختتمه، ومن
(2/418)

قرن النهار إلى قدمه، قاعد كالكركىّ «1» ، أو الديك الهندى، فى هذا الأدحىّ «2» ، يمرّ بى أولو الحلى والحلل، ويجتاز ذوو الخيل والخول «3» ، وما أنا والنّظر إلى مالا يلينى، والسؤال عما لا يعنينى، واليوم، لما افتضضنا عذرة الصباح، ملأت جفونى من منظر ما أحوجه إلى عيب يصرف عين كماله، عن جماله، فقلت لمن حضر: من هذا؟ فأخذوا يحرّكون الرءوس استظرافا لحالى، ويتغامزون تعجّبا من سؤالى، وقالوا: هذا الشيخ الفاضل أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد، فقلت:
حرس الله مهجته، وأدام غبطته؛ فكيف الوصول إلى خدمته، وأنّى مأتى معرفته؟ قالوا: إن الشيخ الإمام- أدام الله تأييده- يضرب في مودّته بالقدح المعلّى، ويأخذ في معرفته بالحظّ الاعلى، فإن رأى الشيخ- أطال الله بقاه- أن تجعل عنايته حرف الصلة، وتفضّله لام المعرفة، فعل، إن شاء الله.
[من أخبار البرامكة]
قال الرشيد ليحيى بن خالد: يا أبت، إنى أردت أن أجعل الخاتم الذى في يد الفضل إلى جعفر، وقد احتشمت منه فاكفنيه.
فكتب إليه يحيى: قد أمر أمير المؤمنين- أعلى الله أمره- أن يحوّل الخاتم من يمينك إلى شمالك.
فأجاب الفضل: قد سمعت ما قاله أمير المؤمنين في أخى، وقد اطّلعت على أمره، وما انقلبت عنى نعمة صارت إليه، ولا عزبت «4» عنى رتبة طلعت عليه.
فقال جعفر: لله أخى! ما أنفس نفسه، وأبين دلائل الفضل عليه، وأقوى منّة العقل فيه، وأوسع في البلاغة ذرعه، وأرحب بها جنابه. يوجب على نفسه ما يجب له، ويحمل بكرمه فوق طاقته.
(2/419)

وذكر جعفر بن يحيى في مجلس ثمامة بن أشرس فقال: ما رأيت أحدا من خلق الله كان أبسط لسانا، ولا ألحن بحجة، ولا أقدر على كلام، بنظم حسن، وألفاظ عذبة، ومنطق فصيح، من جعفر بن يحيى، كان لا يتوقّف، ولا يتحبّس، ولا يصل كلامه بحشو من الكلام، ولا يعبد لفظا ولا معنى، ولا يخرج من فنّ إلى غيره، حتى يبلغ آخر ما فيه؛ وكان لا يرى شيئا إلا حكاه، ولا يحكى شيئا إلا كان أكثر منه، ولا يمرّ بذهنه شىء إلا حفظه، وكان إذا شاء أضحك الثّكلى، وأذهل الزاهد، وخشّن قلب العابد.
قلت: فكيف كانت معرفته؟ قال: كان من أعلم النّاس بالخبر الباهر، والشعر النادر، والمثل السائر، والفصاحة التامة، واللسان البسيط.
قال سهل بن هارون، وذكر يحيى بن خالد وابنه جعفرا، فقال: لو كان الكلام متصوّرا درّا، ويلقيه المنطق جوهرا، لكان كلامهما، والمنتقى من ألفاظهما. ولقد غبرت معهما، وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهما، وهم يرون البلاغة لم تستكمل إلا فيهما، ولم تكن مقصورة إلا عليهما، ولا انقادت إلا لهما. وإنهما للباب الكرم، عتق منظر، وجودة مخبر، وسهولة لفظ، وجزالة منطق، ونزاهة نفس، وكمال خصال؛ حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهما، والمأثور من خصائصها جميع أيام من سواهما من لدن آدم إلى أن ينفخ في الصور، ويبعث أهل القبور- حاشا أنبياء الله الكرام، وسلف عباده الصالحين- لما باهت إلا بهما، ولا عوّلت في الفخر إلا عليهما، ولقد كانا- مع تهذيب أخلاقهما، ومعسول مذاقهما، وسنا إشراقهما، وكمال الخير فيهما- فى محاسن المأمون كالنّقطة في البحر، والخردل في القفر ووقّع جعفر بن يحيى لرجل اعتذر عنده من ذنب: قد قدمت طاعتك، وظهرت نصيحتك، ولا تغلب سيئة حسنتين.
(2/420)

ووقّع- وقد قرأ كتابا فاستحسن خطّه-: الخطّ خيط الحكمة، ينظم فيه منثورها، ويفصّل فيه شذورها.
واختصم رجلان بحضرته، فقال لأحدهما: أنت خلىّ، وهذا شجىّ؛ فكلامك يجرى على برد العافية، وجوابه يجرى على حرّ المصيبة.
ودخل مروان بن أبى حفصة على جعفر بن يحيى فأنشده:
أبرّ فما ترجو الجياد لحاقه ... أبو الفضل سبّاق الأضاميم جعفر
وزير إذا ناب الخلافة حادث ... أشار بما عنه الخلافة تصدر
فقال جعفر: أنشدنى مرثيتك في معن بن زائدة، فأنشده:
أقمنا باليمامة أو نسينا ... مقاما ما نريد به زوالا
وقلنا: أين نذهب بعد معن ... وقد ذهب النّوال فلا نوالا؟
وكان الناس كلّهم لمعن ... إلى أن زار حفرته- عيالا
حتى فرغ من القصيدة، وجعفر يرسل دموعه على خدّيه، فقال: هل أثابك على هذه المرثية أحد من أهل بيته وولده؟ قال: لا، قال: فلو كان معن حيّا، ثم سمعها منك، كم كان يثيبك عليها؟ قال: أربعمائة دينار، قال: فإنّا كنّا نظنّ أنه لا يرضى لك بذلك، وقد أمرنا لك عن معن- رحمه الله- بالضّعف مما ظننته، وزدناك مثل ذلك؛ فاقبض من الخازن ألفا وستمائة دينار قبل أن تخزح، فقال مروان- يذكر جعفرا وما سمح به عن معن-:
نفحت مكافئا عن جود معن ... لنا فيما تجود به سجالا
فعجّلت العطية يابن يحيى ... لناد به ولم ترد المطالا
فكافأ عن صدى معن جواد ... بأجود راحة بذلت نوالا
بنى لك خالد وأبوك يحيى ... بناء في المكارم لن ينالا
كأنّ البرمكىّ لكلّ مال ... تجود به يداه يفيد مالا «1»
(2/421)

أخذ هذا من قول زهير:
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الّذى أنت سائله
وهذا البيت لزهير من قصيدة يقول فيها:
وذى نعمة تمّمتها وشكرتها ... وخصم يكاد يغلب الحقّ باطله
دفعت بمعروف من الحقّ صائب ... إذا ما أضسلّ القائلين مفاصله
وذى خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلما، وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
وأبيض فيّاض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغبّ نوافله «1»
غدوت عليه غدوة فرأيته ... قعودا لديه بالصّريم عواذله
يفدّينه طورا، وطورا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله
فأعرضن عنه عن كريم مرزّا ... جموح على الأمر الذى هو فاعله
أخى ثقة لا يذهب الخمر ماله ... ولكنّه قد يذهب المال نائه
قال أبو الفرج قدامة بن جعفر، فى معنى أبيات زهير الأولى: لما كانت فضائل الناس من حيث هم ناس، لا من طريق ما هم مشتركون فيه مع سائر الحيوان، على ما عليه أهل الألباب من الاتّفاق في ذلك، إنما هي العقل والعفة والعدل والشجاعة، كان القاصد للمدح بهذه الأربعة مصيبا، وبما سواها مخطئا؛ وقد قال زهير:
أخى ثقة لا يتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
فوصفه بالعفّة لقلة إمعانه في اللذات، وأنه لا ينفد فيها ماله، وبالسّخاء لإهلاك ماله في النوال، وانحرافه إلى ذلك عن اللذات، وذلك هو العدل، ثم قال:
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الذى أنت سائله
(2/422)

فزاد في وصف السخاء بأنه يهشّ ولا يلحقه مضض ولا تكرّه لفعله ثم قال:
فمن مثل حصن في الحروب ومثله ... لإنكار ضيم أو لأمر يحاوله
فأتى في هذا البيت بالوصف من جهة الشجاعة والعقل؛ فاستوفى ضروب المدح الأربعة، التى هي فضائل الإنسان على الحقيقة، وزاد الوفاء، وإن كان داخلا في الأربعة؛ فكثير من الناس لا يعلم وجه دخوله فيها حيث قال «أخى ثقة» فوصفه بالوفاء؛ والوفاء داخل في هذه الفضائل التي قدّ مناها.
وقد يتفنّن الشعراء فيعدّون أنواع الفضائل الأربع وأقسامها، وكلّ ذلك داخل في جملتها؛ مثل أن يذكروا ثقابة المعرفة، والحياء، والبيان، والسياسة، والصّدع بالحجّة، والعلم، والحلم عن سفاهة الجهلة؛ وغير ذلك مما يجرى هذا المجرى، وهو من أقسام العقل. وكذكرهم القناعة، وقلّة الشّره، وطهارة الإزار؛ وغير ذلك أيضا من أقسام العفّة. وكذكرهم الحماية، والأخذ بالثّار، والدفاع، والنّكاية، والمهابة، وقتل الأقران، والسير في المهامه والقفار؛ وما يشاكل ذلك، وهو من أقسام الشجاعة؛ وكذكرهم السماحة، والتغابن، والانظلام، والتبرّع بالنائل، وإجابة السائل، وقرى الأضياف؛ وما جانس هذه الأشياء، وهو من أقسام العدل.
فأمّا تركيب بعضها على بعض فتحدث منها ستة أقسام: يحدث من تركيب العقل مع الشجاعة: الصبر على الملمات، ونوازل الخطوب، والوفاء بالوعود. وعن تركيب العقل مع السخاء: إنجاز الوعد، وما أشبه ذلك. وعن تركيب العقل مع العفة: التنزه والرغبة عن المسألة، والاقتصار على أدنى معيشة، وما أشبه ذلك. وعن تركيب الشجاعة مع السخاء: الإخلاف، والإتلاف، وما أشبه ذلك. وعن تركيب الشجاعة مع العفّة: إنكار الفواحش، والغيرة على الحرم. ومن السخاء مع العفة:
(2/423)

الإسعاف بالقوت، والإيثار على النفس، وما شاكل ذلك. وكل واحدة من هذه الفضائل الأربع وسط بين طرفين مذمومين «1» وقد قال أبو جعفر محمد بن مناذر لما حجّ الرشيد مع البرامكة:
أتانا بنو الأملاك من آل برمك ... فيا طيب أخبار، ويا حسن منظر
لهم رحلة في كلّ عام إلى العدا ... وأخرى إلى البيت العتيق المشهّر
فتظلم بغداد، ويجلو لنا الدّجى ... بمكة ما حجّوا ثلاثة أقمر
إذا نزلوا بطحاء مكة اشرقت ... بيحّيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلّا لجود أكفّهم ... وأقدامهم إلّا لأعواد منبر
إذا راض يحيى الأمر ذلّت صعابه ... وحسبك من راع له ومدبّر
ترى الناس إجلالا له وكأنهم ... غرانيق ماء تحت باز مصرصر «2»
[مثل من التجنيس]
قطعة من شعر الأمير أبى الفضل الميكالى في طرف اخذ بطرف من التجنيس مستطرف في ضروب من الغزل، قال:
لقد راعنى بدر الدّجى بصدوده ... ووكّل أجفانى يرعى كواكبه
فيا جزعى، مهلا عساه يعود لى ... ويا كبدى، صبرا على ما كواك به
وقال:
مواعيده في الفضل أحلام نائم ... أشبّهها بالقفر أو بسرابه
فمن لى بوجه لو تحيّر في الدّجى ... أخو سفر في ليل غيم سرى به
(2/424)

وقال:
صل محبّا أعياه وصف هواه ... فضناه ينوب عن ترجمانه
كلما راقه سواك تصدّت ... مقلتاه بدمعه ترجمانه
وقال:
يا ذا الذى أرسل من طرفه ... علىّ سيفا قدّنى لو فرا
شفاء نفسى منك تخميشة ... تغرس في خدّك نيلوفرا
وقال:
يا مبتلى بضناه يرجو رحمة ... من مالك يشفيه من أوصابه
[أوصاك سحر جفونه بتسهّد ... وتبلّد، فقبلت ما أوصى به]
اصبر على مضض الهوى فلربّما ... تحلو مرارة صبره أوصابه
وقال:
كتبت إليه أستهدى وصالا ... فعلّلنى بوعد في الجواب
ألا ليت الجواب يكون خيرا ... فيطفىء ما أحاط من الجوى بى
وقال:
إن كنت تأنس بالحبيب وقربه ... فاصبر على حكم الرقيب وداره
إنّ الرقيب إذا صبرت لحكمه ... بوّاك في مثوى الحبيب وداره
وقال:
شكوت إليه ما الا في فقال لى: ... رويدا، ففى حكم الهوى أنت موتلى «1»
فلو كان حقا ما ادّعيت من الهوى ... لقلّ بما تلقى إذا أن تموت لى
وقال:
نوى لى بعد إكثار السؤال ... حبيب أن يسامح بالنّوال
فلما رمت إنجازا لوعدى ... عليه أبى الوفاء بما نوى لى
وكان القرب منه شفاء نفسى ... فقد قضت النوائب بالنّوى لى
(2/425)

وقال:
سقيا لدهر مضى والوصل يجمعنا ... ونحن نحكى عناقا شكل تنوين
فصرت إذ علقت كفّى خبائلكم ... فسهم هجرك ترمى ثم تنوينى
وقال:
صدف الحبيب بوصله ... فجفا رقادى إذ صدف
ونثرت لؤلؤ أدمع ... أضحى لها جفنى صدف
وقال:
يا من يقول الشعر غير مهذّب ... ويسومنى التعذيب في تهديبه
لو أنّ كلّ النّاس فيك مساعدى ... لعجزت عن تهذيب ما تهذى به
وقال:
أراد أن يخفى هواه وقد ... نمّ بما تخفى أساريره
وكيف يخفى داءه مدنف ... قد ذاب من فرط الأسى ريره «1»
وقال:
ومهفهف تهفو بل ... بّ المرء منه شمائل
فالرّدف دعص هائل ... والقدّ غصن مائل
والخدّ نور شقائق ... تنشقّ عنه خمائل
والعرف نشر حدائق ... تمّت بهنّ شمائل
والطّرف سيف ماله ... إلا العذار حمائل
ولأبى الفتح البستى في هذا المذهب:
إن لى في الهوى لسانا كتوما ... وجنانا يخفى حريق جواه
غير أنى أخاف دمعى عليه ... ستراه يفشى الذى ستراه
(2/426)

ولأبى الفتح البستى في مذهب هذا البيت الأخير:
ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعانى أمت بما أودعانى
وله:
خذ العفو وأمر بعرف كما ... أمرت وأعرض عن الجاهلين
ولن في الكلام لكلّ الأنام ... فمستحسن من ذوى الجاه لين
وله:
إلى حتفى سعى قدمى ... أرى قدمى أراق دمى
فما أنفكّ من ندمى ... وليس بنافعى ندمى
وله:
إن هزّ أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كلّ كمىّ هرّ عامله
وإن أقرّ على رقّ أنامله ... أقرّ بالرّق كتّاب الأنام له
وقال لمن استدعاه إلى مودّته:
فديتك قلّ الصديق الصّدوق ... وقلّ الخليل الحفىّ الوفى
ولى راغب فيك إمّا وفيت ... فهل راغب أنت في أن تفى
وللأمير أبى الفضل:
أهلا بظبى حواه قصر ... كجنّة قد حوت نعيما
طرقته لا أهاب سوءا ... أباحنى حبّه الحريما
فجاد من فيه لى براح ... تنفى حريقا به قديما
أفدى حريقا أباح ريقا ... لا بل حريما أباح ريما
وله:
من لى بشمل المنى والأنس أجمعه ... بشادن حلّ فيه الحسن أجمعه
(2/427)

مازال يعرض عن وصلى وأخدعه ... فالآن قد لان بعد الصدّ أخدعه «1»
وقال:
بأبى غزل نام عن وصبى به ... ومراق دمعى للنّوى وصبيبه
يا ليته يرثى على ولهى به ... لغرام قلبى في الهوى ولهيبه
وله في هذا الباب من غير هذا النمط يصف غلاما مخمورا خمش وجهه:
هبه تغيّر حائلا عن عهده ... ورمى فؤادى بالصدود فأزعجا
ما بال نرجسه تحوّل وردة ... والورد في خدّيه عاد بنفسجا
وله في هذا المعنى:
وريم على السّكر خمّشته ... بقرص بعارضه أثّرا
فأصح نرجسه وردة ... ووردة خدّيه نيلوفرا
وقال في وصف العذار:
ظبى كسا رأس الشهاب بعارض ... نمّ العذار بحافتيه فلاحا
فكأنما أهدى لعارض خدّه ... شعرى ظلاما واستعاض صباحا
وقال في غلام افتصد:
ومهفهف غرس الجما ... ل نحدّه روضا مريعا
فصد الطبيب ذراعه ... فجرى له دمعى ذريعا
وأمسّنى وقع الحديد ... بعرقه ألما وجيعا
فأريته من عبرتى ... ما سال من دمه نجيعا
فقر في ذكر العلم والعلماء
العلماء ورثة الأنبياء. والعلماء أعلام الإسلام. العلماء في الأرض كالنجوم فى السماء.
(2/428)

ابن المعتز- العلماء غرباء، لكثرة الجهل. وله: العلم جمال لا يخفى، ونسب لا يجفى. وله: زلّة العالم كانكسار سفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير.
غيره- إذا زلّ العالم، زلّ بزلّته عالم. غيره: الملوك حكّام على الناس، والعلماء حكام على الملوك. من لم يحتمل ذلّ التعلم ساعة، بقى في ذلّ الجهل أبدا.
ماصين العلم بمثل بذله لاهله. من كتم علما فكأنه جاهله.
العلم يمنع أهله ... أن يمنعوه أهله «1»
ابو الفتح كشاجم:
لا تمنع العلم امرأ ... والعلم يمنع جانبه
أما الغبىّ فليس يفهم ... لطفه وغرائبه
وتكون حاضرة الفوا ... ئد عنده كالغائبه
وأخو الحصافة مستحقّ ... أن ينال مطالبه
فبحقّه أعطيته ... من فضل علمك واجبه
ومن رقّ وجهه عند السؤال، رقّ علمه عند الرجال. علم بلا عمل، كشجرة بلا ثمر. كما لا ينبت المطر الكثير الصّخر، كذلك لا ينفع البليد كثرة التعلم.
من ترفّع بعلمه وضعه الله بعمله. الجاهل صغير وإن كان كبيرا، والعالم كبير وإن كان صغيرا. من أكثر مذاكرة العلماء، لم ينس ما علم، واستفاد ما لم يعلم.
ابن المعتز: المتواضع في طلاب العلم أكثرهم علما، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء. إذا علمت فلا تذكر من دونك من الجهال، واذكر من فوقك من العلماء. النار لا ينقصها ما أخذ منها، ولكن ينقصها ألّا تجد حطبا، كذلك العلم لا يفنيه الاقتباس منه، وفقد الحاملين له سبب عدمه.
(2/429)

مات خزنة الأموال وهم أحياء، وعاش خزّان العلم وهم أموات. مثل علم لا ينفع ككنز لا ينفق منه. أزهد الناس في عالم جيرانه.
وقيل للصّلت بن عطاء، وكان مقدّما عند البرامكة: كيف غلبت عليهم وعندهم من هو آدب منك؟ قال: ليس للقرباء طرافة الغرباء، وكنت امرأ بعيد الدار، نائى المزار، غريب الاسم، قليل الجرم، كثير الالتواء، شحيحا بالإملاء؛ فرغّبهم فىّ رغبتى عنهم، وزهّدنى فيهم رغبتهم فىّ.
علم لا يعبر معك الوادى، لا يعمر بك النادى. لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف. إذا ازدحم الجواب خفى الصواب. الغلط تحت اللّغط. خرق الإجماع خرق. المحجوج بكلّ شىء ينطق
استعارات فقهية تليق بهذا المكان
دخل أبو تمام الطائى على أحمد بن أبى داود في مجلس حكمه، وأنشده أبياتا يستمطر نائله، وينشر فضائله، فقال: سيأتيك ثوابها يا أبا تمام، ثم اشتغل بتوقيعات في يده؛ فأحفظ ذلك أبا تمام، فقال: احضر أيدك الله فإنك غائب، واجتمع فإنك مفترق، ثم أنشده:
إنّ حراما قبول مدحتنا ... وترك ما نرتجى من الصّفد
كما الدنانير والدراهم في ال ... صّرف حرام إلا يدا بيد
فأمر بتوفير حبائه، وتعجيل عطائه.
ولما ولى طاهر بن عبد الله بن طاهر خراسان دخل الشعراء يهنئونه، وفيهم تمام بن أبى تمام فأنشده:
هنّاك ربّ الناس هنّاكا ... مامن جزيل الملك اعطاكا
قرّت بما أعطيت يا ذا الحجى ... والبأس والإنعام عيناكا
أشرقت الأرض بما نلته ... وأورق العود بجدواكا
فاستضعف الجماعة شعره، وقالوا: يا بعد ما بينه وبين ابيه! فقال طاهر
(2/430)

لبعض الشعراء: أجبه، فقال:
حيّاك ربّ الناس حيّاكا ... إن الذى أمّلت أخطاكا
فقلت قولا فيه ما زانه ... ولو رأى مدحا لآساكا
فهاك إن شئت بها مدحة ... مثل الذى أعطيت أعطاكا
فقال تمام: أعز الله الأمير، وإنّ الشّعر بالشعر ربا، فاجعل بينهما صنجا من الدراهم، حتى يحلّ لى ولك! فضحك وقال: إلا يكن معه شعر أبيه، فمعه ظرف أبيه؛ أعطوه ثلاثة آلاف درهم! فقال عبد الله بن إسحاق: لو «1» لم يعط إلا لقول أبيه في الأمير أبى العباس- رحمه الله- يريد عبد الله بن طاهر:
يقول في قومس صحبى وقد أخذت ... منّا السّرى وخطا المهريّة القود:
أمطلع الشمس تبغى أن تؤمّ بنا؟ ... فقلت: كلا، ولكن مطلع الجود
فقال: ويعطى بهذا ثلاثة آلاف.
[ولاية طاهر بن عبد الله بن طاهر خراسان، وسببها]
وكان سبب ولاية طاهر خراسان بعد أبيه ما حدّث به أبو العيناء قال:
كنا عند أحمد بن دواد، فجاء الخبر أن الكتب وردت على الواثق من خراسان بوفاة عبد الله بن طاهر، وأن الواثق يعزّى عنه، وأنه قد ولّى مكانه خراسان إسحاق ابن إبراهيم، وكان عدوّا له لا نخراطه في سلك ابن الزيات؛ فلبس ثيابه ومضى، وقال: لا تبرحوا حتى أعود إليكم؛ فلبث قليلا، ثم عاد إلينا فحدّثنا أنه دخل على الواثق فعزّاه عن عبد الله وجلس، قال: فقال لى الواثق: قد ولّينا إسحاق خراسان، فما عندك؟ قلت: وفق الله أمير المؤمنين ولا نذمّه. قال: قل ما عندك فى هذا. قلت: أمر قد أمضى، فما عسيت أن أقول فيه. قال: لتفعلنّ. فقلت:
يا أمير المؤمنين، خراسان منذ ثلاثين سنة فى يد طاهر وابنه، وكلّ من بها صنائعهم، وقد خلّف عبد الله عشر بنين أكثرهم رجال، وجميع جيش خراسان
(2/431)

لهم عبيد أو موال أو صنائع، وسيقولون: أما كان فينا مصطنع؟ وكان يجب أن يجرّبنا أمير المؤمنين، فإن وفينا بما كان يفى به أبونا وجدّنا، وإلّا استبدل منا بعد عذر فينا؛ ويقدم خراسان إسحاق وهو رجل غريب فينافسه هؤلاء، ويتعصّب أهلها لهم؛ فينتقض ما أبرم، ويفسد ما أصلح قال: صدقت يا أبا عبد الله، والرأى ما قلت، اكتبوا بعهد طاهر بن عبد الله على خراسان. فكتبت كتب طاهر، وخرقت كتب إسحاق، فخرجت الزنج تطير بها، ثم لقينى إسحاق داخلا، فقلت: يا أبا الحسن، لا عدمت عداوة رجل أزال عنك ولاية خراسان بكلمة.
ومدح ابن الرومى أبا العباس بن ثوابة، فعارضه أخوه أبو الحسن بقصيدة يمدح أخاه بها، فقال ابن الرومى:
أليس القوافى بنات الفتى ... إذا صورة الحقّ لم تمسخ
فلا تقبلنّ أماديحه ... حرام نكاح بنات الأخ
ولما أنشد أبو تمام قصيدته في المعتصم:
السيف أصدق أنباء من الكتب
قال له: لقد جلوت عروسك يا أبا تمام فأحسنت جلاءها. قال: يا أمير المؤمنين، والله لو كانت من الحور العين لكان حسن إصغائك إليها من أوفى مهورها.
وقال الأمير أبو الفضل الميكالى:
أقول لشادن في الحسن أضحى ... يصيد بلحظه قلب الكمىّ
ملكت الحسن أجمع في قوام ... فأدّ زكاة منظرك البهىّ
وذلك أن تجود لمستهام ... بريق من مقبّلك الشّهىّ
فقال: أبو حنيفة لى إمام ... فعندى لا زكاة على الصّبىّ
وربما أنشد هذه الأبيات على قافية أخرى فقال:
أقول لشادن في الحسن فرد ... يصيد بلحظه قلب الجليد
(2/432)

ملكت الحسن أجمع في قوام ... فلا تمنع وجوبا عن وجود
وذلك أن تجود لمستهام ... برشف رضابك العذب البرود
فقال: أبو حنيفة لى إمام ... فعندى لا زكاة على الوليد
وقال:
بنفسى غزال صار للحسن قبلة ... يحجّ من البيت العتيق ويقصد
دعانى الهوى فيه فلبّيت طائعا ... وأحرمت بالإخلاص والسّعى يشهد
فطرفى بالتسهيد والدّمع قارن ... وقلبى عليه بالصبابة مفرد
وقال أبو الفتح كشاجم:
فديت زائرة في العيد واصلة ... والهجر في غفلة من ذلك الخبر
فلم يزل خدّها ركنا أطوف به ... والخل في خدّها يغنى عن الحجر
وينضاف إلى هذا النظم قطعة من رسالة طويلة كتبها بديع الزمان إلى أبى نصر بن المرزبان:
كتابى أطال الله بقاء الشيخ وأنا سالم، والحمد لله رب العالمين، كيف تقلّب الشيخ في درع العافية، وأحواله بتلك الناحية؛ فإنى ببعده منغّص شرعة العيش، مقصوص أجنحة الأنس. ورد كتابه المشتمل من خبر سلامته، على ما أرغب إلى الله في إدامته، وسكنت إليه بعد انزعاجى لتأخّره؛ وقد كان رسم أن أعرّفه سبب خروجى من جرجان، ووقوعى بخراسان، وسبب غضب السلطان؛ وقد كانت القصة أنى لما وردت من ذلك السلطان حضرته، التى هي كعبة المحتاج، لا كعبة الحجّاج، ومستقرّ الكرم، لا مشعر الحرم، وقبلة الصّلات، لا قبلة الصلاة، ومنى الضّيف، لا منى الخيف، وجدت بها ندماء من نبات العام «1» ، اجتمعوا
(2/433)

قيضة كلب «1» على تلفيق خطب، أزعجنى عن ذلك الفناء، وأشرف بى على الفناء، لولا ما تدارك الله بجميل صنعه، وحسن دفعه؛ ولا أعلم كيف احتالوا، ولا ما الّذى قالوا؛ وبالجملة غيّروا رأى السلطان، وأشار علىّ إخوانى، بمفارقه مكانى، وبقيت لا أعلم أيمنة أضرب أم شآمة، ونجدا أقصد أم تهامة!
ولو كنت في سلمى أجا وشعابها ... لكان لحجّاج علىّ دليل
وقد علم الشيخ أن ذلك السلطان سماء إذا تغيّم لم يرج صحوه، وماء إذا تغيّر لم يشرب صفوه، وملك إذا سخط لم ينتظر عفوه، وليس بين رضاه والسخط عوجة، كما ليس بين غضبه والسيف فرجة، وليس من وراء سخطه مجاز، كما ليس بين الحياة والموت معه حجاز؛ فهو سيّد يغضبه الجرم الخفىّ، ولا يرضيه العذر الجلى؛ وتكفيه الجناية وهي إرجاف، ثم لا تشفيه العقوبة وهي إجحاف، حتى إنه ليرى الذنب وهو أضيق من ظل الرمح، ويعمى عن العذر وهو أبين من عمود الصّبح؛ وهو ذو أذنين يسمع بهذه القول وهو بهتان، ويحجب عن هذه العذر وله برهان؛ وذو يدين يبسط إحداهما إلى السفك والسفح، ويقبض الأخرى عن العفو والصفح؛ ودو عينين يفتح إحداهما إلى الجرم، ويغمض الأخرى عن الحلم، فمزحه بين القدّ والقطع، وجده بين السيف والنّطع، ومراده بين الظهور والكمون، وأمره بين الكاف والنون؛ ثم لا يعرف من العقاب، غير ضرب الرقاب، ولا يهتدى من التأنيب إلا لإزالة النعم، ولا يعلم من التأديب غير إراقة الدم، ولا يحتمل الهنة على حجم الذرة، ودقة الشعرة، ولا يحلم عن الهفوة، كوزن الهبوة، ولا يغضى عن السقطة، كجرم النقطة؛ ثم إن النقم بين لفظه وقلمه، والأرض تحت يده وقدمه، لا يلقاه الولى إلا بفمه، ولا العدو إلا بدمه؛ والأرواح بين حبسه وإطلاقه، كما أنّ الأجسام بين حله ووثاقه؛ فنظرت فإذا أنا بين
(2/434)

جودين: إما أن أجود ببأسى، وإمّا أن أجود برأسى؛ وبين ركوبين: إمّا المفازة، وإمّا الجنازة؛ وبين طريقين: إما الغربة، وإمّا التربة؛ وبين فراقين: إمّا أن أفارق أرضى، أو أفارق عرضى؛ وبين راحلتين: إمّا ظهور الجمال، وإمّا أعناق الرجال؛ فاخترت السماح بالوطن، على السماح بالبدن؛ وأنشدت:
إذا لم يكن إلّا المنية مركب ... فلا رأى للمحمول إلا ركوبها
ولّد ما ذكر من «كعبة [المحتاج، لا كعبة] الحجّاج» ، من قول أبى تمام:
بيتان حجّههما الأنام؛ فهذه ... حجّ الغنىّ، وتلكم للمعدم
[أبو علىّ البصير وشىء من أدبه]
وشتم بعض الطالبيين أبا علىّ الفضل بن جعفر البصير، فقال أبو علىّ: والله ما نعيا عن جوابك، ولا نعجز عن مسابّك؛ ولكنّا نكون خيرا لنسبك منك، ونحفظ منه ما أضعت؛ فاشكر توفيرنا ما وفّرنا منك، ولا يغرّنّك بالجهل علينا حلمنا عنك.
وسأل أبو على البصير بعض الرؤساء حاجة ولقيه؛ فاعتذر إليه من تأخّرها؛ فقال أبو علىّ: فى شكر ما تقدّم من إحسانك شاغل من استبطاء ما تأخّر منه.
وأبو علىّ أحد من جمع له حظّ البلاغة في الموزون والمنثور، وهو القائل:
ألمّت بنا يوم الرحيل اختلاسة ... فأضرم نيران الهوى النّظر الخلس
تأبّت قليلا وهي ترعد خيفة ... كما تتأبّى حين تعتدل الشمس
فخاطبها صمتى بما أنا مضمر ... وأنبست حتى ليس يسمع لى حسّ
وولّت كما ولى الشباب لطيّة ... طوت دونها كشحا على يأسها النفس
وقال يصف بلاغة الفتح بن خاقان وشعره:
سمعنا بأشعار الملوك؛ فكلّها ... إذا عضّ متنيه الثّقاف تأوّدا
سوى ما رأينا لامرئ القيس؛ إننا ... نراه- متى لم يشعر الفتح- أوحدا
(2/435)

أقام زمانا يسمع القول صامتا ... ونحسبه إن رام أكدى وأصلدا
[فلما امتطاه راكبا ذلّ صعبه ... وسار فأضحى قد أغار وأنجدا]
والفتح بن خاقان يقول:
وإنى وإياها لكالخمر، والفتى ... متى يستطع منها الزيادة يزدد
إذا ازددت منها زاد وجدى بقربها ... فكيف احتراسى من هوى متجدّد
وكتب إلى أبى الحسن عبيد الله بن يحيى: وإن أمير المؤمنين لمّا استخلصك لنفسه، وائتمنك على رعيّته؛ فنطق بلسانك، وأخذ وأعطى بيدك، وأورد وأصدر عن رأيك، وكان تفويضه إليك بعد امتحانه إياك، وتسليطه الحقّ على الهوى فيك، وبعد أن مثّل بينك وبين الذين سموا لمرتبتك، وجروا إلى غايتك، فأسقطهم مضاؤك، وخفّوا في ميزانك، ولم يزدك- أكرمك الله- رفعة وتشريفا إلّا ازددت له هيبة وتعظيما، ولا تسليطا وتمكينا، إلا زدت نفسك عن الدنيا عزوفا وتنزيها، ولا تقريبا واختصاصا، إلا ازددت بالعامة رأفة وعليها حدبا، لا يخرجك فرط النصح له عن النظر لرعيّته، ولا إيثار حقّه عن الأخذ بحقّها عنده، ولا القيام بما هو له عن تضمين ما هو عليه، ولا يشغلك معاناة كبار الأمور عن تفقّد صغارها، ولا الجدّ في صلاح ما يصلح منها عن النظر في عواقبها؛ تمضى ما كان الرّشد في إمضائه، وترجىء ما كان الحزم في إرجائه، وتبذل ما كان الفضل في بذله، وتمنع ما كانت المصلحة في منعه، وتلين في غير تكبّر، وتخصّ في خير ميل، وتعمّ في غير تصنّع، لا يشقى بك المحقّ وإن كان عدوّا، ولا يسعد بك المبطل وإن كان وليّا؛ فالسلطان يعتدّ لك من الغناء والكفاية، والذّبّ والحياطة، والنّصح والأمانة، والعفّة والنزاهة، والنصب فيما أدّى إلى الراحة، بما يراك معه- حيث انتهى إحسانه إليك- مستوجبا للزيادة وكافة الرعية- إلا من غمط منهم النّعمة- مثنون عليك بحسن السيرة، ويمن النقيبة، ويعدّون من مآثرك أنك لم تدحض لأحد حجّة؛ ولم تدفع حقّا
(2/436)

لشبهة؛ وهذا يسير من كثير، لو قصدنا لتفصيله، لأنفدنا الزمان قبل تحصيله، ثم كان قصدنا الوقوف دون الغاية منه وله إلى عبيد الله بن يحيى: يقطعنى عن الأخذ بحظّى من لقائك، وتعريفك ما أنا عليه عن شكر إنعامك، وإفرادى إياك بالتأميل دون غيرك، نخلفى عن منزلة الخاصّة، ورغبتى عن الحلول محلّ العامة، وأنى لست معتادا للخدمة ولا الملازمة، ولا قويّا على المغاداة والمراوحة؛ فلا يمنعك ارتفاع قدرك، وعلو أمرك، وما تعانيه من جلائل الأحوال الشاغلة، من أن تتطوّل بتجديد ذكرى، والإصغاء إلى من يحضّك على وصلى وبرّى، ويزغبك في إسداء حسن الصنيعة عندى.
وله إليه آخر فصل من كتاب: وأنا أسأل الله الذى رحم العباد بك، على حين افتقار منهم إليك، أن يعيذهم من فقدك، ولا يعبدهم إلى المكاره التي استنقذتهم منها بيدك.
[بعض ما يبعث على الرحيل]
ولقى رجل رجلا خارجا من مصر يريد المغرب، فقال: يا أخى؛ أتتّبع القطر، وتدع مجرى السيول؟ فقال: أخرجنى من مصر حقّ مضاع، وشحّ مطاع، وإقتار الكريم، وحركة اللئيم، وتغيّر الصديق، بين السعة والضّيق، والهرب إلى النّزر بالعز، خير من طلب الوفر بذلّ العجز.
[من الوصايا لمن اعتزم السفر]
وأوصى بعض الحكماء صديقا له، وقد أراد سفرا، فقال: إنك تدخل بلدا لا يعرفك أهله؛ فتمسّك بوصيتى تنفق بها فيه: عليك بحسن الشمائل فإنها تدلّ على الحرية؛ ونقاء الأطراف فإنها تشهد بالملوكية؛ ونظافة البرّة فإنها تنبىء عن النّشء في النّعمة؛ وطيب الرائحة فإنها تظهر المروءة، والأدب الجميل فإنه يكسب المحبة، وليكن عقلك دون دينك، وقولك دون فعلك، ولباسك دون
(2/437)

قدرك، والزم الحياء والأنفة؛ فإنك إن استحييت من الغضاضة اجتنبت الخساسة، وإن أنفت عن الغلبة، لم يتقدمك نظير في مرتبة.
قال الأصمعى: سمعت أعرابيا يوصى آخر أراد سفرا؛ فقال: آثر بعملك معادك، ولا تدع لشهوتك رشادك، وليكن عقلك وزيرك الذى يدعوك إلى الهدى، ويجنّبك من الرّدى، واحبس هواك عن الفواحش، وأطلقه في المكارم؛ فإنك تبرّ بذلك سلفك، وتشيد به شرفك.
وأوصت أعرابية ابنها في سفر، فقالت: يا بنى؛ إنك تجاور الغرباء، وترحل عن الأصدقاء، ولعلّك لا تلقى غير الأعداء؛ فخالط الناس بجميل البشر، واتّق الله في العلانية والسرّ.
وقال بعض الملوك لحكيم وقد أراد سفرا: قفنى على أشياء من حكمتك أعمل بها في سفرى؛ فقال:
اجعل تأنيك أمام عجلتك، وحلمك رسول شدّتك، وعفوك مالك قدرتك، وأنا ضامن لك قلوب رعيّتك، مالم تحرجهم بالشدة عليهم، أو تبطرهم بالإحسان إليهم.
وقال أبان بن تغلب: شهدت أعرابية توصى ولدا لها أراد سفرا وهي تقول:
أبى بنى! اجلس أمنحك وصيتى، وبالله توفيقك، قال أبان: فوقفت مستمعا لكلامها، مستحسنا لوصيّتها، فإذا هي تقول: أى بنى! إياك والنّميمة، فإنها تزرع الضغينة، وتفرّق بين المحّبين، وإياك والتعرض للعيوب فتتّخذ غرضا، وخليق ألّا يثبت الغرض على كثرة السهام؛ وقلّما اعتورت السهام غرضا إلّا كلمته، حتى يهى ما اشتدّ من قوّته؛ وإياك والجود بدينك، والبخل بمالك؛ وإذا هززت فاهزز كريما يلن لمهزّتك؛ ولا تهزز اللئيم فإنه صخرة لا يتفجّر ماؤها، ومثّل بنفسك مثال ما استحسنت من غيرك فاعمل به، وما استقبحت من غيرك فاجتنبه؛ فإن المرء لا يرى عيب نفسه؛ ومن كانت مودّته بشره، وخالف منه ذلك فعله، كان صديقه منه على مثل الريح في تصرّفها.
(2/438)

ثم أمسكت، فدنوت منها، فقلت لها: بالله يا أعرابية، إلّا ما زدته في الوصية؛ قالت: أو قد أعجبك كلام العرب يا حضرى؟ قلت: نعم! قالت:
الغدر أقبح ما تعامل به الناس بينهم، ومن جمع الحلم والسخاء فقد أجاد الحلّة ريطتها وسربالها.
فقر في مدح السفر
أبو القاسم بن عباد الصاحب: الخبر المنقول أنّ المقبوض غريبا شهيد.
وفي الحديث: سافروا تغنموا. السفر أحد أسباب العيش التي بها قوامه، وعليها نظامه. إنّ الله لم يجمع منافع الدنيا في الأرض؛ بل فرّقها وأحوج بعضها إلى بعض. المسافر يسمع العجائب، ويكسب التجارب، ويجلب المكاسب.
الأسفار مما تزيدك علما بقدرة الله وحكمته، وتدعوك إلى شكر نعمته. ليس بينك وبين بلد نسب؛ فخير البلاد ما حملك. السفر يسفر عن أخلاق الرجال.
أوحش أهلك إذا كان في إيحاشهم أنسك، واهجر وطنك إذا نبت عنه نفسك.
ربما أسفر السفر عن الظّفر، وتعذّر في الوطن قضاء الوطر، وأنشد:
ليس ارتحالك تزتاد الغنى سفرا ... بل المقام على خسف هو السفر
وهذا كقول الطائى:
وما القفر بالبيد الفضاء، بل التى ... نبت بى وفيها ساكنوها هي القفر
أخذه المتنبى فقال:
إذا ترحّلت عن قوم وقد قدروا ... ألّا تفارقهم فالرّاحلون هم
نقيض ذلك في ذم السفر والغربة
فى الحديث إن المسافر وماله لعلى، قلت: إلّا ما وقى الله، أى على هلاك.
شيئان لا يعرفهما إلا من ابتلى بهما: السفر الشاسع، والبناء الواسع. السفر والسّقم والقتال ثلاث متقاربة؛ فالسفر سفينة الأذى، والسّقم حريق الجسد،
(2/439)

والقتال منبت المنايا. إذا كنت في غير بلدك فلا تنس نصيبك من الذّل. الغربة كربة. النّقلة مثلة. الغريب كالغرس الذى زايل أرضه، وفقد شربه؛ فهو ذاو لا يثّمر، وذابل لا ينضر الغريب كالوحش النائى عن وطنه؛ فهو لكل سبع فريسة، ولكل رام رميّة؛ وأنشد:
لقرب الدار في الإقتار خير ... من العيش الموسّع في اغتراب
وقال أبو الفتح البستى:
لا يعدم المرء شيئا يستعين به ... ومنعه بين أهليه وأصحابه
ومن نأى عنهم قلّت مهابته ... كالليث يحقر لمّا غاب عن غابه
[العزل والإبعاد والحجب بعد التقريب والمؤانسة]
كتب أبو عبيد الله إلى المهدى بعد عزله إياه عن الدواوين: لم ينكر أمير المؤمنين حالى في قرب المؤانسة وخصوص الخلطة، وحالى عنده قبل ذلك في قيامى بواجب خدمته، التى أذنتنى من نعمته، فلم أبدّل- أعزّ الله أمير المؤمنين- حال التبعيد، ويقرّب في محل الإقصاء، وما يعلم الله منى فيما قلت إلّا ما علمه أمير المؤمنين، فإن رأى أكرمه الله أن يعارض قولى بعلمه بدءا وعاقبة فعل إن شاء الله.
فلما قرأ كتابه شهد بتصديقه قلبه، فقال: ظلمنا أبا عبيد الله، فيردّ إلى حاله، ويعلم ما تجدّد له من حسن رأيى فيه.
ولما أمر المأمون أن يحجب عنه الفضل بن الربيع لسبب تألّم قلبه منه كتب إليه:
يا أمير المؤمنين! لم ينسنى التقريب حالى أيام التبعيد، ولا أغفلتنى المؤانسة عن شكر الابتداء؛ فعلى أىّ الحالين أبعد من أمير المؤمنين، ويلحقنى ذمّ التقصير في واجب خدمته؟ وأمير المؤمنين أعدل شهودى على الصّدق فيما وصفت؛ فإن رأى أمير المؤمنين ألا يكنم شهادتى فعل إن شاء الله.
وقال أبو جعفر المنصور لأبى مسلم حين أزمع قتله: هل كنت قبل قيامك بدولتنا جائز الأمر على عبدين؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين. قال: فلم لم تعرض
(2/440)

حالى عسرتك ومهانتك على أيامنا، وتعرف لنا ما يعرف غيرك من إجلالنا وإعظامنا، حتى لا ينازعك الحين عنان الطمأنينة؟ قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين: ولكنّ الزمان وإساءته قلبا ما كان من حسن صنيعتى، قال: فلا مرغوب فيك، ولا مأسوف عليك، وفي الله خلف منك! وأمر بقتله «1»
جملة من شعر أبى الفتح كشاجم في لأوصاف
قال يصف أجزاء من القرآن:
من يتب خشية العقاب فإنى ... تبت أنسا بهذه الأجزاء
بعثتنى على القراءة والنّس ... ك وما خلتنى من القرّاء
حين جاءت تروقنى باعتدال ... من قدود وصيغة واستواء
سبعة أشبهت لى السبعة الأن ... جم ذات الأنوار والأضواء «2»
كسيت من أديمها الحالك اللّو ... ن «3» غشاء أحبب به من غشاء
مشبها صبغة الشّباب ولمّا ... ت العذارى ولبسة الخطباء
ورأت أنها تحسن بالضدّ ... فتاهت بحلية بيضاء
فهى مسودّة الظهور، وفيها ... نور حقّ يجلود جى الظّلماء
مطبقات على صحائف كالرّيط ... تخيّرنّ من مسوك الظباء «4»
وكأنّ الخطوط فيها رياض ... شاكرات صنيعة الأنواء
وكأنّ البياض والنّقط السّو ... د عبير رششته في ملاء
وكأن العشور والذّهب السا ... طع فيها كواكب في سماء
(2/441)

وهي مشكولة بعدّة أشكا ... ل ومقروءة على أنحاء
فإذا شئت كان حمزة فيها ... وإذا شئت كان فيها الكسائى
خضرة في خلال حمر وصفر ... بين تلك الأضعاف والأثناء
مثل ما أثّر الدّبيب من الذّرّ ... على جلد بضّة عذراء «1»
ضمّنت محكم الكتاب كتاب الله ... ذى المكرمات والآلاء
فحقيق علىّ أن أتلو القر ... آن فيهنّ مصبحى ومسائى
وقال يصف التخت الذى يضرب عليه حساب الهند:
وقلم مداده تراب ... فى صحف سطورها حساب
يكثر فيها المحو والإضراب ... من غير أن يسوّد الكتاب
حتى يبين الحقّ والصواب ... وليس إعجام ولا إعراب
فيه ولا شكّ ولا ارتياب
وقال يصف بركارا استهداه: «2»
جدلى ببركارك الذى صنعت ... فيه يدا قينه «3» الأعاجيبا
ملتئم الشّعبتين «4» معتدل ... ماشين من جانب ولا عيبا
شخصان في شكل واحد قدرا ... وركّبا بالعقول تركييا
أشبه شيئين في اشتكالهما «5» ... بصاحب لا يزال مصحوبا
أوثق مسماره وغيّب عن ... نواظر الناقدين تغييبا
فعين من يجتليه يحسبه ... فى قالب الإعتدال مصبوبا
قد ضمّ قطريه «6» محكما لهما ... ضمّ محبّ إليه محبوبا
يزداد حرصا عليه مبصره ... ما زاده بالبنان تقليبا
(2/442)

ذو مقلة بصّرته مذهبه «1» ... لم تأله رقّة وتهذيبا
ينظر فيها إلى الصواب فما ... بها يزال الصواب مطلوبا
لولاه ما صحّ خطّ دائرة «2» ... ولا وجدنا الحساب محسوبا
[الحق فيه فإن عدلت إلى ... سواه كان الحساب تقريبا]
لو عين إقليدس به بصرت ... خرّ له بالسجود مكبوبا
فابعثه واجنبه لى بمسطرة ... تلف الهوى بالثناء مجنوبا
وقال يصف بيكاتا «3» :
روح من الماء في جسم من الصّفر ... مولّد بلطيف الحسّ والنظر
مستعبر لم يغب عن طرفه سكن ... ولم يبت من ذوى ضغن على حذر
له على الظهر أجفان محجّرة ... ومقلة دمعها جار على قدر
تنشا له حركات من أسافله ... كأنها حركات الماء في الشجر
وفي أعاليه حسبان يفصّله ... للناظرين بلا ذهن ولا فكر
إذا بكى دار فى أحشائه فلك ... خافى المسير وإن لم يبك لم يدر
مثرجم عن مواقيت يخبّرنا ... بها فيوجد فيها صادق الخبر
تقضى به الخمس في وقت الوجوب وإن ... غطّي على الشمس ستر الغيم والمطر
وإن سهرت لأوقات تؤرّقنى ... عرفت مقدار ما ألقى من السّهر
محدّد كلّ ميقات تخيّره ... ذوو التّخيّر للأسفار والحضر
ومخرج لك بالأجزاء ألطفها ... من النهار وقوس الليل والسّحر
نتيجة العلم والتفكير صورته ... يا حبّذا أبدع الأفكار في الصور
(2/443)

وقال يصف اسطرلابا:
ومستدير كجرم البدر مسطوح ... عن كلّ رافعة الأشكال مصفوح
صلب يدار على قطب يثّبته ... تمثال طرف بشكر الحذق مكبوح
ملء البنان وقد أوفت صفائحه ... على الأقاليم من أقطارها الفيح «1»
تلفى به السبعة الأفلاك محدقة ... بالماء والنار والأرضين والريح
تنبيك عن طائح الأبراج هيئته ... بالشمس طورا، وطورا بالمصابيح
وإن مضت ساعة أو بعض ثانية ... عرفت ذاك بعلم فيه مشروح
وإن تعرّض في وقت يقدره ... لك التشكك جلّاه بتصحيح
مميز في قياسات الضلوع به ... بين المشائم منها والمناجيح
له على الظهر عينا حكمة بهما ... يحوى الضياء وتنجيه من اللوح
وفي الدواوين من أشكاله حكم ... تنقّح العقل فيها أىّ تنقيح
لا يستقلّ لما فيه بمعرفة ... إلّا الحصيف اللطيف الحسّ والرّوح
حتى ترى الغيب فيه وهو مغلق ... الأبواب عمن سواه جدّ مفتوح
نتيجة الذهن والتفكير صوّره ... ذوو العقول الصحيحات المراجيح
وكان أبو شجاع فناخسرو عضد الدولة قد نكب أبا إسحاق الصابى، على تقدمه في الكتابة، ومكانه في البلاغة، واستصفى أمواله من غير إيقاع به في نفسه، فأهدى إليه في يوم مهرجان اسطرلابا في دور الدرهم، وكتب إليه:
أهدى إليك بنو الحاجات واحتشدوا ... فى مهرجان عظيم أنت تعليه
(2/444)

لكنّ عبدك إبراهيم حين رأى ... سموّ قدرك عن شىء يساميه
لم يرض بالأرض يهديها إليك، فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه
[من أوصاف النساء]
وقول أبى الفتح: «ملء البنان...... البيت» نظير قول على ابن العباس الرومى يصف هن امرأة «1» :
يسع السبعة الأقاليم طرّا ... وهو في أصبعين من إقليم
كضمير الفؤاد يلتهم الدنيا ... وتحويه دفّتا حيزوم
وإنما أخذه ابن الرومى من قول بعض الشعراء يذكر كاتبا
فى كفه أخرس ذو منطق ... بقافه واللام والميم
شبر إذا قيس، ولكنه ... فى فعله مثل الأقاليم
محذّف الرّأس ومسودّه ... كإبرة الرّوق من الرّيم «2»
وهذا البيت الأخير مقلوب من قول عدى بن الرقاع العاملى، وقد وصف قرن ريم، وشبهه بقلم عليه مداد، وذكر ظبية.
ترجى أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها
وقلب المعنى إذا تمكن الشاعر من إخفائه لا يجرى مجرى السرقة.
وقد ترى تكثير الشعراء من تشبيه أوراك النسوان بالرّمل والكثبان، قال الشاعر:
وبيض نضيرات الوجوه كأنما ... تازّرن دون الأزر رملات عالج
خدال الشّوى لا تحتشى غير خلقها ... إذا الرّسح لم يصبرن دون المنافج «3»
(2/445)

يذرن مروط الخزّ ملأى كأنها ... قصار وإن طالت بأيدى النّواسج
وهذا المعنى متداول متناقل في الجاهلية والإسلام، فأغرب ذو الرمة في قلبه وأحسن، فقال يصف رملا:
ورمل كأوراك العذارى قطعته ... وقد جلّلته المظلمات الحنادس
وكذلك مدحهم ضمور الكشح، وجولان الوشح، وصموت القلب والخلخال، وامتناع الخدام من المجال؛ قال خالد بن يزيد بن معاوية، وذكر رملة بنت الزبير بن العوام:
تجول خلاخيل النساء، ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا «1»
أحبّ بنى العوّام طرّا لحبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
وقال النابغة:
على أنّ حجليها وإن قلت أوسعا ... صموتان من ملء وقلة منطق
وقال الطائى:
مها الوحش إلّا أنّ هاتا أوانس ... قنا الخطّ إلّا أنّ تلك ذوابل
من الهيف لو أنّ الخلاخيل صيّرت ... لها وشحا جالت عليها الخلاخل «2»
وقال ابن أبى زرعة الدمشقى:
استكتمت خلخالها ومشت ... تحت الظلام به فما نطقا
حتى إذا ريح الصّبا نسمت ... ملأ العبير بسيرها الطّرقا
وقال المتنبى:
وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأنّ عليه من حدق نطاقا
قلب هذا كله أبو عثمان الناجم، فقال يهجو قينة:
(2/446)

مسلولة الكلّ غير بطن ... مثقّل فهى عنكبوت
حجولها الدّهر في اصطخاب ... ووشحها كظّم صموت
وقال أبو عثمان يمدح قينة:
محسنة في كلّ ألحانها ... لا كالتى تحسن في النّدره
ثم قلبه في هجاء، فقال:
عجبت منها ويحها كيف لا ... تخطئ بالإحسان في النّدره
وهذا مأخوذ من قول محمد بن مناذر يهجو خالد بن طليق، وكان قد تقلد قضاء البصرة:
يا عجبا من خالد كيف لا ... يخطئ فينا مرّة بالصواب
كان قضاة الناس فيما مضى ... من رحمة الله، وهذا عذاب
وهذا أيضا من قلب الهجاء مديحا، والمديح هجاء؛ كما قال مسلم بن الوليد يهجو قوما:
قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم بقبح المخبر
قلبه أبو الطيب المتنبى فقال:
وأستكثر الأخبار قبل لقائه ... فلمّا التقينا صغّر الخبر الخبر
وقال أبو تمام:
عبأ الكمين له فضلّ لحينه ... وكمينه المخفى عليه كمين
قلبه البحترى فقال:
لا ييأس المرء أن ينجيه ... ما يحسب الناس أنه عطبه
وقال أبو تمام:
وحشيّة ترمى القلوب إذا غدت ... وسنى فما تصطاد غير الصّيد
قلبه البحترى فقال:
على أننى أخشى على دار أمنها ... فوارس يصطاد الفوارس صيدها
(2/447)

وقال أبو تمام:
يشنأ الغيث وهو جدّ حبيب ... ربّ حزم في بغضة الموموق
قلبه البحترى فقال:
يسرّنى الشىء قد يسوءكم ... نوّه يوما بخامل لقبه
قال أبو الفضل أحمد بن أبى طاهر: المعنى في المصراع الأول أبين منه في الثانى؛ ألا ترى أنه لو قال: إنه ليسوءك الشىء قد يسر، كان مثل ذلك المعنى مستويا، إلا أنه قلبه لحاجته.
قال ابن الرومى يهجو مغنية:
قينة ملعونة من أجلها ... رفض اللهو معا من رفضه
فإذا غنّت ترى في حلقها ... كلّ عرق مثل بيت الأرضه
فقلبه ابن المعتز فقال يصف أرضة أكلت له كتابا.
تثنى أنابيب لها فيها سبل ... مثل العروق لا ترى فيها خلل
وهذا كثير يكتفى منه باليسير.
[من المعانى ما لا ينقلب]
ومن المعانى مالا ينقلب: ألا ترى أنك تقول: نام القوم حتى كأنهم موتى، ولا يحسن أن تقول: ماتوا حتى كأنهم نيام؛ وقد أخذ على أبى نواس قوله يصف دارا وقف بها:
كأنها إذ خرست جارم ... بين يدى تفنيده مطرق
قالوا: إنما يجب أن يشبه الجارم إذا عذلوه فسكت وانقطعت حجّته بالدار الخالية التي لا تجيب.
وأخذوا عليه قوله:
كأن نيراننا في جنب حصنهم ... معصفرات على أرسان قصّار
وقد تبعه أبو تمام الطائى فقال في الأفشين لما أحرق:
ما زال سرّ الكفر بين ضلوعه ... حتى اصطلى سرّ الزّناد الوارى
نار يساور جسمه من حرّها ... لهب كما عصفرت شقّ إزاز
(2/448)

طارت له شعل يهدّم لفحها ... أركانه هدما بغير غبار
فصّلن منه كلّ مجمع مفصل ... وفعلن فاقرة بكلّ فقار
صلّى لها حيّا، وكان وقودها ... مبتا، ويدخلها مع الكفار
وكذاك أهل النار في الدنيا هم ... يوم القيامة جلّ أهل النّار
أردت البيت الثانى، قالوا: وإنما تشبه الثياب المعصفرة بالنار؛ فهذا وما أشبهه لا يتوازن انعكاسه، وتتضادّ قضاياه؛ وإنما يصح القلب فيما يتحقق تضادّه أو يتقارب.
قطعة من شعر أهل العصر في ذكر النجوم
قال أبو الفتح البستى:
قد غضّ من أملى أنى أرى عملى ... أقوى من المشترى في أوّل الحمل
وأننى راحل عمّا أحاوله ... كأننى أستدرّ الحظّ من زحل
وقال:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب
ألم تر الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا برج نجم اللهو والطّرب
وقال:
وقد تدنى الملوك لدى رضاها ... وتبعد حين تحتقد احتقادا
كما المرّيخ في التثليث يعطى ... وفي التربيع يسلب ما أفادا
وقال:
ألا فثقوا بى فإنى كما ... تمدّحت فليمتحن من يحب
فما كوكبى راجعا في الوفاء ... ولا برج قلبى بالمنقلب «1»
وقال:
لئن كسفونا بلا علّة ... وفازت قداحهم بالظفر
فقد يكسف المرء من دونه ... كما يكسف الشمس جرم القمر
(2/449)

وقال:
شرف الوغد بوغد مثله ... مثل ما فيه بزيغ وخلل
ودليل الصدق فيما قلته ... شرف المرّيخ في بيت زحل
وقال:
قل للذى غرّته عزّة ملكه ... حتى أخلّ بطاعة النّصحاء
شرف الملوك بعلمهم وبرأيهم ... وكذاك أوج الشمس في الجوزاء
وقال:
وقد يفسد المرء بعد الصلاح ... فساد الأماكن، والشرّ يعدى
كما السّعد يقبل طبع النحوس ... إذا كان في موضع غير سعد
وقال:
ما أنس ظمآن بماء بارد ... من بعد طول العهد بالموارد
إلا كأنسى بكتاب وارد ... من سيد محض النّجار ماجد
كأنما استملاه من عطارد
وقال:
يا معشر الكتّاب لا تتعرضوا ... لرياسة، وتصاغروا، وتخادموا
إن الكواكب كنّ في أشرافها ... إلا عطارد حين صوّر آدم
وقال:
دعانى إلى بيته سيّد ... له الخلق الأشرف الأظرف
فلازمت بيتى ولا طفته ... بعذر هو الأظرف الأطرف
عطارد نجمى، ولا شكّ أن ... عطارد في بيته أشرف
وقال:
لئن تنقّلت من دار إلى دار ... وصرت بعد ثواء رهن أسفار
فالحرّ حرّ عزيز النفس حيث ثوى ... والشّمس في كل برج ذات أنوار
(2/450)

وقال:
لئن صدّع الدهر المشتّت شملنا ... وللدهر حكم للجميع صدوع
فللنّجم من بعد الرجوع استقامة ... وللشمس من بعد الغروب طلوع
وقال لمحبوس:
حبست ومن بعد الكسوف تبلّج ... تضىء به الآفاق للبدر والشمس
فلا تعتقد للحبس غمّا ووحشة ... فأول كون المرء في أضيق الحبس
وقال أيضا:
بامن ثولى المشترى تدبيره ... حاشاك أن تنقاد للمرّيخ
وقال:
لا تفزعن من كل شىء مفزع ... ما كلّ ندبير البروج بضائر
وقال يرثى أبا القاسم الصاحب:
فقدناه لما تمّ واعتمّ بالعلا ... كذاك كسوف البدر عند تمامه
وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن درست لأبى الفضل الميكالى:
إذا ما غاب وجه البدر عنا ... فوجهك عندنا البدر المقيم
فإن رجعت نجوم السّعد يوما ... فوجهك نجم سعد مستقيم
وقال مسكويه الخالدى:
لا يعجبنّك حسن القصر تنزله ... فضيلة الشمس ليست في منازلها
لو زيدت الشمس في أبراجها مائة ... مازاد ذلك شيئا في فضائلها
وقال أبو بكر الخوارزمى:
رأيتك إن أيسرت خيّمت عندنا ... لزاما، وإن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلا البدر: إن قلّ ضوءه ... أغبّ، وإن زاد الضياء أقاما
وهذا كقول إبراهيم بن العباس الصولى في محمد بن عبد الملك الزيات:
أسد ضار إذا ما نعته ... وأب برّ إذا ما قدرا
يعرف الأبعد إن أثرى، ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا
(2/451)

وقال ابن المعتز:
إذا ما أراد الحاسدون انهدامه ... بناه إله غالب العزّ قاهره
وماذا يريد الحاسدون من امرىء ... تزينهم أخلاقه ومآثره
إذا ما هو استغنى اهتدى لافتقارهم ... ولا تهتدى يوما إليهم مفاقره
وكانوا كرام كوكبا ببصاقه ... فردّ عليهم وبله ومواطره
وهذا البيت كما قال بعض العرب في إحدى الروايات:
رمانى بأمر كنت منه ووالدى ... بريّا ومن جال الطّوىّ رمانى
الجول والجال: الناحية، والطوىّ: البئر؛ يريد رمانى بما عاد عليه، والرواية المشهورة: ومن أجل الطّوىّ، فعلى هذا تسقط المناسبة بينه وبين قول ابن المعتز.
[الأصمعى وبعض الأعراب]
قال بعض الرواة: كنا مع أبى نصر راوية الأصمعى في رياض من المذاكرة نجتنى ثمارها، ونجتلى أنوارها، إلى أن أفضنا في ذكر أبى سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعى؛ فقال: رحم الله الأصمعىّ! إنه لمعدن حكم، وبحر علم، غير أنه لم نرقطّ مثل أعرابى وقف بنا فسلّم، فقال: أيكم الأصمعى؟ فقال:
أنا ذاك، فقال: أتأذنون بالجلوس؟ فأذنّا له، وعجبنا من حسن أدبه مع جفاء أدب الأعراب.
قال: يا أصمعى، أنت الذى يزعم هؤلاء النّفر أنك أثقبهم معرفة بالشعر والعربية، وحكايات الأعراب؟ قال الأصمعى: فيهم من هو أعلم منى، ومن هو دونى، قال: تنشدوننى من بعض شعر أهل الحضر حتى أقيسه على شعر أصحابنا؟ فأنشده شعرا لرجل امتدح به مسلمة بن عبد الملك:
أمسلم أنت البحر إن جاء وارد ... وليث إذا ما الحرب طار عقابها
وأنت كيف الهند وانىّ إن غدت ... حوادث من حرب يعبّ عبابها
وما خلقت أكرومة في امرىء له ... ولا غاية إلّا إليك مآبها
(2/452)

كأنك ديّان عليها موكّل ... بها، وعلى كفّيك يجرى حسابها
إليك رحلنا العيس إذا لم نجد لها ... أخا ثقة يرجى لديه ثوابها
قال: فتبّسم الأعرابى، وهزّ رأسه، فظننّا أنّ ذلك لاستحسانه الشعر، ثم قال: يا أصمعىّ؛ هذا شعر مهلهل خلق النّسج، خطؤه أكثر من صوابه، يغطى عيوبه حسن الرّوىّ، ورواية المنشد؛ يشبّهون الملك إذا امتدح بالأسد، والأسد أبخر شتيم المنظر «1» ، وربما طرده شرذمة من إمائنا، وتلاعب به صبياننا، ويشبّهونه بالبحر، والبحر صعب على من ركبه، مرّ على من شربه، وبالسيف وربما خان فى الحقيقة، ونبا عند الضّريبة! ألا أنشدتنى كما قال صبىّ من حيّنا! قال الأصمعى: وماذا قال صاحبكم؟ فأنشده:
إذا سألت الورى عن كل مكرمة ... لم يعز إكرامها إلا إلى الهول
فتى جواد أذاب المال نائله ... فالنّيل يشكر منه كثرة النّيل
الموت يكره أن يلقى منيّته ... فى كرّه عند لفّ الخيل بالخيل
وزاحم الشمس أبقى الشمس كاسفة ... أو زاحم الصّمّ ألجاها إلى الميل
أمضى من النجم إن نابته نائبة ... وعند أعدائه أجرى من السّيل
لا يستريح إلى الدنيا وزينتها ... ولا تراه إليها ساحب الذّيل
يقصّر المجد عنه في مكارمه ... كما يقصّر عن أفعاله قولى!
قال أبو نصر: فأبهتنا والله ما سمعنا من قوله، قال: فتأنّى الأعرابى، ثم قال للأصمعى: ألا تنشدنى شعرا ترتاح إليه النفس، ويكن إليه القلب؟
فأنشده لابن الرّقاع العاملى:
وناعمة تجلو بعود أراكة ... مؤشّرة يسبى المعانق طيبها
كأنّ بها خمرا بماء غمامة ... إذا ارتشفت بعد الرّقاد غروبها
أراك إلى نجد تحنّ، وإنما ... منى كلّ نفس حيث كان حبيبها
(2/453)

فتبسّم الأعرابى وقال: يا أصمعى، ما هذا بدون الأول، ولا فوقه، ألا أنشدتنى كما قلت؟ قال الأصمعى: وما قلت؟ جعلت فداك! فأنشده:
تعلّقتها بكرا، وعلّقت حبّها ... فقلبى عن كلّ الورى فارغ بكر
إذا احتجبت لم يكفك البدر ضوءها ... وتكفيك ضوء البدر إن حجب البدر
وما الصبر عنها، إن صبرت، وجدته ... جميلا، وهل في مثلها يحسن الصّبر؟
[وحسبك من خمر يفوتك ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمر]
ولو أنّ جلد الذّر لامس جلدها ... لكان لمسّ الذّر في جلدها أثر
ولو لم يكن للبدر ضدّا جمالها ... وتفضله في حسنها لصفا البدر
قال أبو نصر: قال لنا الأصمعى: اكتبوا ما سمعتم ولو بأطراف المدى في رقاق الأكباد!.
قال: وأقام عندنا شهرا، فجمع له الأصمعىّ خمسمائة دينار، وكان يتعاهدنا فى الحين بعد الحين، حتى مات الأصمعى وتفرّق أصحابنا!
فقر من كلام الأعراب في ضروب مختلفة
قال الجاحظ: ليس في الأرض كلام هو أمتع، ولا أنفع، ولا آنق، ولا ألذ في الأسماع، ولا أشدّ اتّصالا بالعقول السليمة، ولا أفتق للّسان، ولا أجود تقويما البيان، من طول استماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء.
قال ابن المقفع، وقد جرى ذكر الشعر وفضيلته: أى حكمة تكون أبلغ، أو أحسن، أو أغرب، أو أعجب، من غلام بدوىّ لم ير ريفا، ولم يشبع من طعام؛ يستوحش من الكلام، ويفزع من البشر، ويأوى إلى القفر واليرابيع والظّباء، وقد خالط الغيلان، وأنس بالجان؛ فإذا قال الشعر وصف ما لم يره،
(2/454)

ولم يغذّ به «1» ولم يعرفه، ثم يذكر محاسن الأخلاق ومساويها، ويمدح ويهجو، ويذمّ ويعاتب، ويشبّب ويقول ما يكتب عنه، ويروى له، ويبقى عليه.
وقال بعض الأعراب:
وإنى لأهدى بالأوانس كالدّمى ... وإنى بأطراف القنا للعوب «2»
وإنى على ما كان من عنجهيّتى ... ولوثة أعرابيتى لأديب «3»
كأنّ الأدب غريب من الأعراب، فافتخر بما عنده منه.
وقال الطائى في فطنتهم، يستعطف مالك بن طوق على قومه بنى تغلب:
لارقة الحضر اللّطيف غذتهم ... وتباعدوا عن فطنة الأعراب
فإذا كشفتهم وجدت لديهم ... كرم النفوس وقلة الآداب
ووصف أعرابى رجلا فقال: هو أطهر من الماء، وأرقّ طباعا من الهواء، وأمضى من السيل، واهدى من النّجم.
ووصف أعرابىّ رجلا فقال: ذاك والله من ينفع سلمه، ويتواصف حلمه، ولا يستمر أظلمه.
وقال أعرابى: جلست إلى قوم من أهل بغداد فما رأيت أرجح من أحلامهم، ولا أطيش من أقلامهم.
وذكر أعرابى من بنى كلاب رجلا فقال: كان والله الفهم منه ذا أذنين، والجواب ذا لسانين؛ ولم أر أحدا أرتق لخلل رأى، ولا ابعد مسافة روّبة، ومراد طرف منه؛ إنما كان يرمى بهمّته حيث أشار إليه الكرم، وما زال يتحسّى مرارة أخلاق الإخوان، ويسقيهم عذوبة أخلاقه.
وذكر أعرابىّ رجلا فقال: والله لكأنّ القلوب والألسن ريضت له، فما تعقد إلا على ودّه، ولا تنطق إلّا بحمده.
(2/455)

وقال أعرابى: أقبح أعمال المقتدرين الانتقام، وما استنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر.
قال الأصمعى: وخطبنا أعرابى بالبادية، فقال: أيّها الناس؛ إن الدنيا دار مفرّ، والآخرة دار مقرّ؛ فخذوا من مفرّكم لمقرّكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم.
قال المعافر بن نعيم: وقفت أنا ومعبد بن طوق العنبرى على مجلس لبنى العنبرى، وأنا على ناقة وهو على حمار، فقاموا فبدءونى فسلّموا علىّ؛ ثم انكفئوا على معبد، فقبض يده عنهم؛ وقال: لا، ولا كرامة! بدأتم بالصغير قبل الكبير، وبالمولى قبل العربىّ، وبالمفحم قبل الشاعر، فأسكت القوم، فانبرى إليه غلام، فقال: بدأنا بالكاتب قبل الأمىّ، وبالمهاجر قبل الأعرابى، وبراكب الراحلة قبل راكب الحمار.
ووصف أعرابى قومه فقال: ليوث حرب، وغيوث جدب، إن قاتلوا أبلوا، وإنّ بذلوا أغنوا.
ووصف أعرابى قوما فقال: إذا اصطفّوا سفرت ببنهم السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف فغر فمه الحمام.
وسئل أعرابىّ عن صديق له، فقال: صفرت عياب الودّ بينى وبينه بعد امتلائها «1» ، واكفهرّت وجوه كانت بمائها.
وقال الأصمعى: وسمعت أعرابيا يقول: إنّ الآمال قطعت أعناق الرجال، كالسراب غرّ من رآه، وأخلف من رجاه، ومن كان الليل والنهار مطيّته أسرعا السير والبلوغ به.
والمرء يفرح بالأيام يقطعها ... وكلّ يوم مضى يدنى من الاجل
(2/456)

وذكر أعرابىّ مصيبة نالته، فقال: إنها والله مصيبة جعلت سود الرءوس بيضا، وبيض الوجوه سودا، وهوّنت المصائب، وشيّبت الذوائب.
وهذا كقول عبد الله بن الزّبير الأسدى:
رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا «1»
فردّ شعورهنّ السّود بيضا ... وردّ وجوههنّ البيض سودا
وإنك لو رأيت بكاء هند ... ورملة إذ تصكاّن الخدودا
بكيت بكاء معولة حزين ... أصاب الدهر واحدها الفقيدا «2»
ونظير هذا التطابق بين السواد والبياض، وإن لم يكن من هذا المعنى، قول ابن الرومى:
يا بياض المشيب سوّدت وجهى ... عند بيض الوجوه سود القرون
فلعمرى لأخفينّك جهدى ... عن عيانى وعن عيان العيون
ولعمرى لأمنعنّك أن تضح ... ك في رأس آسف محزون
بسواد فيه ابيضاض لوجهى ... وسواد لوجهك الملعون
سأل أعرابيان رجلا، فحرمهما، فقال أحدهما لصاحبه: نزلت والله بواد غير ممطور، وأتيت رجلا بك غير مسرور، فلم تدرك ما سألت، ولا نلت ما أمّلت؛ فارتحل بندم، أو أقم على عدم.
قال الأصمعى: وسمعت أعرابيا يقول: غفلنا ولم يغفل الدهر عنا، فلم نتّعظ بغيرنا حتى وعظ غيرنا بنا، فقد أدركت السعادة من تنبّه، وأدركت الشقاوة من غفل، وكفى بالتجربة واعظا وقال أعرابى لرجل: اشكر للمنعم عليك، وأنعم على الشاكر لك، تستوجب من ربك زيادته، ومن أخيك مناصحته.
(2/457)

ومدح أعرابى رجلا فقال: ذلك والله فسيح الأدب، مستحكم السبب، من أىّ أقطاره أتيته تثنى عليه بكرم فعال، وحسن مقال.
وذمّ أعرابى رجلا فقال: أفسد آخرته بصلاح دنياه، ففارق ما أصلح غير راجع إليه، وقدم على ما أفسد غير منتقل عنه، ولو صدق رجل نفسه ما كذبته، ولو ألقى زمامه أوطأه راحلته وقال أعرابى: خرجت حين انحدرت أيدى النجوم، وشالت أرجلها، فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر.
وقال أعرابى:
وقد تعاللت ذميل العنس ... بالسّوط في ديمومة كالتّرس «1»
إذ عرّج الليل بروج الشّمس
ومن مليح الاستعارة في نحو هذا قول الحسن بن وهب: شربت البارحة على وجه الجوزاء؛ فلما انتبه الفجر نمت، فما عقلت حتى لحفنى قميص الشّمس.
وقال أعرابى لصاحبه في شىء ذكره: قل إن شاء الله، فإنها ترضي الربّ، وتسخط الشيطان، وتذهب الحنث «2» ، وتقضى الحاجة.
وروى العتبىّ عن أبيه قال: سمعت أعرابيا يقول لأخيه في معاتبة جرت بينهما:
أما والله لربّ يوم كتنّور الطاهى، رقّاص بالحمامة، قد رميت نفسى في أجيج سمومه، أحتمل منه ما أكره لما أحبّ.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: وأحسب العتبى صنع هذا الكلام، وأخذه من قول بشّار:
ويوم كتنّور الإماء سجرنه ... وأوقدن فيه الجزل حتى تضرّما
رميت بنفسى في أجيج سمومه ... وبالعيس حتى بضّ منخرها دما
(2/458)

أخذ هذا المعنى بعض أصحاب أبى العباس ثعلب فقال يهجو المبرد:
ويوم كتنّور الطّهاة سجرته ... على أنه منه أحرّ وأوقد
ظللت به عند المبرّد جالسا ... فمّا زلت في ألفاظه أتبرّد
قال الأصمعى: حجّت أعرابية ومعها ابن لها، فأصيبت به، فلما دفن قامت على قبره، وهي موجعة فقالت: والله يا بنىّ لقد غذوتك رضيعا، وفقدتك سريعا، وكأنه لم يكن بين الحالين مدة ألتذّ بعيشك فيها، فأصبحت بعد النّضارة والغضارة ورونق الحياة والتنسّم في طيب روائحها، تحت أطباق الثّرى جسدا هامدا، ورفاتا سحيقا، وصعيدا جرزا؛ أى بنى! لقد سحبت الدنيا عليك أذيال الفناء، وأسكنتك دار البلى، ورمتنى بعدك نكبة الرّدى، أى بنى! لقد أسفر لى وجه الدنيا عن صباح داج ظلامه.
ثم قالت: أى ربّ ومنك العدل، ومن خلقك الجور، وهبته لى قرّة عين، فلم تمتّعنى به كثيرا، بل سلبتنيه وشيكا؛ ثم أمرتنى بالصبر، ووعدتنى عليه الأجر، فصدقت وعدك، ورضيت قضاءك، فرحم الله من ترحّم على من استودعته الرّدم، ووسّدته الثّرى؛ اللهم ارحم غربته، وآنس وحشته، واستر عورته، يوم تكشف الهنات والسّوءات.
فلما أرادت الرجوع إلى أهلها وقفت على قبره، فقالت! أى بنىّ! إنى قد تزوّدت لسفرى، فليت شعرى ما زادك لبعد طريقك، ويوم معادك؟ اللهم إنى أسألك له الرضا برضائى عنه. ثم قالت: استودعتك من استود عنيك في أحشائى جنينا؛ واثكل الوالدات! ما أمضّ حرارة قلوبهن، وأقلق مصاجعهنّ، وأطول ليلهنّ، وأقصر نهارهن، وأقلّ أنسهن، وأشدّ وحشتهنّ، وأبعدهنّ من السرور، وأقربهن من الأحزان.
لم تزل تقول هذا ونحوه حتى أبكت كلّ من سمعها. وحمدت الله عز وجل واسترجعت وصلت ركعات عند قبره وانطلقت.
(2/459)

وأنشد المفضّل الضبىّ لامرأة من العرب ترثى ابنا لها:
يا عمرو مالى عنك من صبر ... يا عمرو يا أسفى على عمرو
لله يا عمرو، وأىّ فتى ... كفّنت يوم وضعت في القبر؟
أحثو التراب على مفارقه ... وعلىّ غضارة وجهه النّضر «1»
حين استوى وعلا الشباب به ... وبدا منير الوجه كالبدر
ورجا أقاربه منافعه ... ورأوا شمائل سيّد غمر «2»
وأهمّه همّى فساوره ... وغدا مع الغادين في السّفر
تغدو به شقراء سامية ... مرطى الجراء شديدة الأسر «3»
ثبت الجنان به، ويقدمها ... فلج يقلّب مقلتى صقر «4»
رّبيته دهرا أفتّقه ... فى اليسر أغذوه وفي العسر
حتى إذا التأميل أمكننى ... فيه قبيل تلاحق الثغر
وجعلت من شغفى أنقّله ... فى الأرض بين تنائف غبر «5»
أدع المزارع والحصون به ... وأحلّه في المهمه القفر
ما زلت أصعده وأحدره ... من قتر موماة إلى قتر «6»
هربا به والموت يطلبه ... حيث انتويت به ولا أدرى «7»
حتى دفعت به لمصرعه ... سوق المعيز تساق للعتر «8»
ما كان إلا أن هجعت له ... ورمى فأغفى مطلع الفجر
ورمى الكرى رأسى ومال به ... رمس يساور منه كالسّكر
(2/460)

إذ راعنى صوت هببت به ... وذعرت منه أيّما ذعر
وإذا منيته تساوره ... قد كدّحت في الوجه والنّحر
وإذا له علق وحشرجة ... مما يجيش به من الصّدر
والموت يقبضه ويبسطه ... كالثوب عند الطىّ والنّشر
فدعا لأنصره وكنت له ... من قبل ذلك حاضر النّصر
فعجزت عنه وهي زاهقة ... بين الوريد ومدفع السّحر
فمضى وأىّ فتى فجعت به ... جلّت مصيبته عن القدر
لو قيل تفديه بذلت له ... مالى وما جمّعت من وفر
أو كنت مقتدرا على عمرى ... آثرته بالشّطر من عمرى
قد كنت ذا فقر له، فعدا ... ورمى علىّ وقد رأى فقرى
لو شاء ربّى كان متّعنى ... بابنى وشدّ بأزره أزرى
بنيت عليك بنىّ، أحوج ما ... كنّا إليك، صفاثح الصّخر
لا يبعدنك الله يا عمرى ... إمّا مضيت فنحن بالإثر
هذى سبيل الناس كلّهم ... لا بدّ سالكها على سفر
أولا تراهم في ديارهم ... يتوقّعون وهم على ذعر
والموت يوردهم مواردهم ... قسرا؛ فقد ذلّوا على القسر
وقال أعرابى يمدح رجلا:
يمدّ نجاد السّيف حتّى كأنه ... بأعلى سنامى فالج يتطوّح
ويدلج في حاجات من هو نائم ... ويورى كريمات الندى حين يقدح
إذا اعتمّ بالبرد اليمانى حسبته ... هلالا بدا في جانب الأفق يلمح
يزيد على فضل الرجال فضيلة ... ويقصر عنه مدح من يتمدّح
(2/461)

وأنشد ابن أبى طاهر لأعرابى:
وقبلى أبكى كلّ من كان ذاهوى ... هتوف البواكى والديار البلاقع «1»
وهنّ على الأطلال من كل جانب ... نوائح ما تخضلّ منها المدامع
مزبرجة الأعناق نمر ظهورها ... مخطّمة بالدّرّ خضر روائع
ترى طرزا بين الخوافى كأنها ... حواشىّ برد زينتها الوشائع
ومن قطع الياقوت صيغت عيونها ... خواضب بالحناء منها الأصابع
ومن جيد ما قيل في الحمام قول ابن الرومى:
وقفت بمطراب العشيّات والضّحى ... فظلت أسحّ الدمع منى وأسجم
حليفة شجو هاج مابى وما بها ... تباريح شوق يشتكيها المتيّم
فباح به فوها وأخفته عينها ... وباحت به عينى وكتّمه الفم
ودخل أعرابى على الرشيد، فأنشده أرجوزة مدحه بها، وإسماعيل بن صبيح يكتب كتابا بين يديه- وكان من أحسن الناس خطّا، وأسرعهم يدا- فقال الرشيد للأعرابى: صف الكاتب فقال:
رقيق حواشى العلم حين تبوره ... يريك الهوينا والأمور تطير «2»
له قلما بؤسى ونعمى كلاهما ... سحابته في الحالتين درور
يناجيك عما في ضميرك خطّه ... ويفتح باب النّجح وهو عسير
فقال الرشيد: قد وجب لك يا أعرابى عليه حق، كما وجب لك علينا يا غلام؛ ادفع له دية الحرّ، فقال إسماعيل: وعلى عبدك دية العبد.
وقال أعرابى من بنى عقيل:
أحنّ إلى أرض الحجاز، وحاجتى ... خيام بنجد دونها الطّرف يقصر
وما نظرى نحو الحجاز بنافعى ... فتيلا، ولكنى على ذاك أنظر
(2/462)

أفى كلّ يوم نظرة ثم عبرة ... لعينيك يجرى ماؤها يتحدّر
متى يستريح القلب إمّا مجاور ... حزين وإمّا نازح يتذكّر
وقال أعرابى:
وإنى لأغضى مقلتىّ على القذى ... وألبس ثوب الصبر أبيض أبلجا
وإنّى لأدعو الله والأمر ضيّق ... علىّ، فما ينفكّ أن يتفرّجا
وكم من فتى ضاقت عليه وجوهه ... أصاب لها من دعوة الله مخرجا
وقال آخر:
ذكرتك ذكرى هائم بك تنتهى ... إليك أمانيه وإن لم يكن وصل
وليست بذكرى ساعة بعد ساعة ... ولكنها موصولة مالها فصل
وقال آخر:
أريتك إن شطّت بك العام نيّة ... وعالك مضطاف الحمى ومرابعه
أترعين ما استودعت أم أنت كالذى ... إذا ما نأى هانت عليك ودائعه
ألا إن حسيا دونه قلّة الحمى ... منى النفس لو كانت تنال شرائعه «1»
أخذت أزد العتيك شاعرا من قيس بن ثعلبة اسمه المعذّل في دم، فأتاه البيهس بن ربيعة فحمله، وأمره أن ينجو بنفسه، وأسلم نفسه مكانه، فقال له المعذل: أخيّرك بين أن أمدحك أو أمدح قومك؛ فاختار مدح قومه فقال:
جزى الله فتيان العتيك، وإن نأت ... بى الدّار عنهم، خير ما كان جازيا
هم خلطونى بالنفوس وأحسنوا الصّ ... حابة لما حمّ ما كان آتيا
متاعهم فوضى فضا في رحالهم ... ولا يحسنون الشّر إلّا تباديا
كأن دنانيرا على قسماتهم ... إذا الموت في الأبطال كان تحاميا
وذكرت الرواة أنّ المهلب بن أبى صفرة عرض جنده بخراسان، فعرض جيش
(2/463)

بكر بن وائل، فمر به المعذّل فقال: هذا المعذل القيسى الذى يقول، وأنشد الأبيات، فقالوا: أيها الأمير؛ احسبه علينا، فانطلق مائة منهم، فجاءوا بمائة وصيف ووصيفة، فقالوا: أعطه هذا وليعذرنا.
قوله «كأنّ دنانيرا على قسماتهم» نظير قول أبى العباس الأعمى:
ليت شعرى من أين رائحة المس ... ك وما إن إخال بالخيف إنسى؟
حين غابت بنو أمية عنه ... والبهاليل من بنى عبد شمس
خطباء على المنابر، فرسا ... ن عليها، وقالة غير خرس
فى حلوم إذا الحلوم استفزّت ... ووجوه مثل الدنانير ملس
[بعض أخبار أبى نواس]
ولما خلع المأمون أخاه محمد بن زبيدة ووجّه بطاهر بن الحسين لمحاربته، كان يعمل كتبا بعيوب أخيه تقرأ على المنابر بخراسان؛ فكان مما عابه به أن قال: إنه استخلص رجلا شاعرا ماجنا كافرا، يقال له الحسن بن هانىء، واستخلصه ليشرب معه الخمر، ويرتكب المآثم، ويهتك المحارم، وهو الذى يقول:
ألا فاسقنى خمرا وقل لى هي الخمر ... ولا تسقنى سرّا إذا أمكن الجهر
وبح باسم من تهوى ودعنى عن الكنى ... فلا خير في اللّذّات من دونها ستر
ويذكر أهل العراق فيقول: أهل فسوق وخمور، وماخور وفجور؛ ويقوم رجل بين يديه فينشد أشعار أبى نواس في المجون؛ فاتصل ذلك بابن زبيدة؛ فنهى الحسن عن الخمر، وحبسة ابن أبى الفضل بن الربيع؛ ثم كلّمه فيه الفضل، فأخرجه بعد أن أخذ عليه ألّا يشرب خمرا، ولا يقول فيها شعرا، فقال:
ما من يد في الناس واحدة ... كيد أبو العباس مولاها
نام الثقات على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسى فأحياها
قد كنت خفتك، ثم آمننى ... من أن أخافك، خوفك الله
فعفوت عنى عفو مقتدر ... وجبت له نقم فألغاها
(2/464)

ومن قوله في ترك الشراب:
أيّها الرائحان باللّوم لوما ... لا أذوق المدام إلّا شميما
نالنى بالملام فيها إمام ... لا أرى لى خلافه مستقيما
فاصرفاها إلى سواى؛ فإنّى ... لست إلّا على الحديث نديما
جلّ حظى منها إذا هي دارت ... أن أراها وأن أشمّ النسيما
فكأنى وما أزيّن منها ... قعدىّ يزيّن التحكيما
[كلّ عن حمله السلاح إلى الحر ... ب فأوصى المطيق ألّا يقيما]
القعديّة: فرقة من الخوارج، يأمرون بالخروج ولا يخرجون؛ وزعم المبرد أنه لم يسبق إلى هذا المعنى.
وقال:
عين الخليفة بى موكّلة ... عقد الحذار بطرفها طرفى
صحّت علانيتى له، وأرى ... دين الضمير له على حرف
ولئن وعدتك تركها عدة ... إنى عليك لخائف خلفى
سلبوا قناع الدّن عن رمق ... حى الحياة مشارف الحتف
فتنفّست في البيت إذ مزجت ... كتنفس الرّيحان في الأنف
أخذ قوله: «ولئن وعدتك تركها عدة» الحسن بن على بن وكيع فقال:
متى وعدتك في ترك الصّبا عدة ... فاشهد على عدتى بالزّور والكذب
أما ترى الليل قد ولّت عساكره ... وأقبل الصبح في جيش له لجب
وجدّ في أثر الجوزاء يطلبها ... فى الجوّ ركضا هلال دائم الطلب
كصولجان لجين في يدى ملك ... أدناه من كرة صيغت من الذهب
فقم بنا نصطبح صفراء صافية ... كالنار لكنها نار بلا لهب
عروس كرم أتت تختال في حلل ... صفر على رأسها تاج من الحبب
(2/465)

وقال أبو الفضل الميكالى في اقتران الهلال بالزهرة:
أما ترى الزّهرة قد لاحت لنا ... تحت هلال لونه يحكى اللهب
ككرة من فضّة مجلوّة ... وافى عليها صولجان من ذهب
وعلى قول أبى نواس:
صحّت علانيتى له، وأرى ... دين الضمير له على حرف
كتب أبو العباس بن المعتز إلى أبى الطيب القاسم بن محمد النميرى:
يأيها الجافى ويستجفى ... ليس تجنّيك من الظّرف
إنّك في الشوق إلينا كمن ... يؤمن بالله على حرف
محوت آثارك من ودّنا ... غير أساطيرك في الصّحف
فإن تحاملت لنا زورة ... يوما تحاملت على ضعف
وحدث أبو عمر الزاهد قال: ذلك بعض الزهاد المرائين جبهته بثوم وعصبها، ونام ليصبح بها كأثر السجود، فانحرفت العصابة إلى صدغه، فأخذ الأثر هناك، فقال له ابنه: ما هذا يا أبت؟ فقال: أصبح أبوك ممن يعبد الله على حرف! وقال أبو نواس في الباب الأول:
غنّنا بالطلول كيف بلينا ... واسقنا نعطك الثناء الثمينا
من سلاف كأنها كلّ شىء ... يتمنّى مخيّر أن يكونا
أكل الدّهر ما تجسّم منها ... وتبقّى لبابها المكنونا
فإذا ما اجتليتها فهباء ... يمنع الكفّ ما يبيح العيونا
ثم شجّت فاستضحكت عن لآل ... لو تجمّعن في يد لاقتنينا
فى كئوس كأنهنّ نجوم ... دائرات بروجها أيدينا
طالعات مع السّقاة علينا ... فإذا ما غربن يغربن فينا
(2/466)

لو ترى الشّرب حولها من بعيد ... قلت قوما من قرّة يصطلونا «1»
وغزال يديرها ببنان ... ناعمات يزيدها الغمز لينا
كلما شئت علّنى برضاب ... يترك القلب للسرور قرينا
ذاك عيش، لو دام لى، غير أنى ... عفته مكرها وخفت الأمينا
وقال:
أعاذل أعتيت الإمام وأعتبا ... وأعربت عمّا في الضمير وأعربا
وقلت لساقيها: أجزها فلم أكن ... ليأبى أمير المؤمنين وأشربا
فجوّزها عنى سلافا ترى لها ... لدى الشّرف الأعلى شعاعا مطنّبا
إذا عبّ فيها شارب القوم خلته ... يقبّل في داج من الليل كوكبا
ترى حيثما كانت من البيت مشرقا ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا
يدور بها رطب البنان ترى له ... على مستدار الخدّ صدغا معقربا
سقاهم ومنّانى بعينيه منية ... فكانت إلى قلبى ألذّ وأطيبا
قال الحسين بن الضحاك الخليع: أنشدت أبا نواس قولى:
وشاطرىّ اللسان مختلق التّكريه شاب المجون بالنّسك فلما بلغت فيه:
كأنما نصب كأسه قمر ... يكرع في بعض أنجم الفلك
نعر نعرة منكرة، فقلت: ما لك، فقد رعتنى؟ قال: هذا المعنى أنا أحقّ به منك؛ ولكن سترى لمن يروى! ثم أنشد بعد أيام:
إذا عبّ فيها شارب القوم خلته ... يقبّل في داج من الليل كوكبا
فقلت: هذه مطالبة «2» يا أبا على! فقال: أتظنّ أنه يروى لك معنى مليح وأنا في الحياة؟
وقال ابن الرومى فكان أحسن منهما
ومهفهف كملت محاسنه ... حتى تجاوز منية النفس
(2/467)

تصّبو الكؤس إلى مراشفه ... وتضجّ في يده من الحبس
أبصرتها والكأس بين فم ... منه وبين أنامل خمس
فكأنّها وكأن شاربها ... قمر يقبّل عارض الشمس
وقال أبو الفتح كشاجم:
وسحاب يجرّ في الأرض ذيلى ... مطرف زرّه على الأرض زرّا «1»
برقه لمحة، ولكن له رع ... د بطىء يكسو السامع وقرا
كخلىّ منافق للّذى يه ... واه يبكى جهرا ويضحك سرّا
قد سقتنى المدام فيها فتاة ... سحرتنى وليس تحسن سحرا
فإذا ما رأيتها تشرب الرّا ... ح أرتنى شمسا تقبّل بدرا
[من أخبار بشار]
وإنما احتذى أبو نواس في هذه الأشعار التي وصف فيها ترك الشراب وطاعته لأمر الأمين مثال بشّار بن برد، وصب على قالبه؛ وذاك أنّ بشارا لما قال:
لا يؤيسنّك من مخبّأة ... قول تغلّظه وإن جرحا
عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعد ما جمحا
بلغ ذلك المهدى فغاظه؛ وقال: يحرّض النساء على الفجور، ويسهّل السبيل إليه! فقال له خاله يزيد بن منصور الحميرى: يا أمير المؤمنين؛ قد فتن النساء بشعره، وأىّ امرأة لا تصبو إلى مثل قوله:
عجبت فطمة من نعتى لها ... هل يجيد النعت مكفوف النّظر
بنت عشر وثلاث قسّمت ... بين غصن وكثيب وقمر
درّة بحريّة مكنونة ... مازها التاجر من بين الدرر
أذرت الدمع وقالت: ويلتى ... من ولوع الكفّ ركّاب الخطر
أمتى بدّد هذا لعبى ... ووشاحى حلّه حتى انتثر
(2/468)

فدعينى معه يا أمتى ... علّنا في خلوّة نقضى الوطر
أقبلت في خلوة تضربها ... واعتراها كجنون مستعر
بأبى والله ما أحسنه ... دمع عين غسّل الكحل قطر
أيها النّوّام هبّوا ويحكم ... وسلونى اليوم ما طعم السّهر
فأمره المهدى ألّا يتغزل، فقال أشعارا في ذلك، منها:
يا منظرا حسنا رأيته ... من وجه جارية فديته
لمعت إلىّ تسومنى ... ثوب الشباب وقد طويته
والله ربّ محمد ... ما إن غدرت ولا نويته
أمسكت عنك، وربما ... عرض البلاء وما ابتغيته
إنّ الخليفة قد أبى ... وإذا أبى شيئا أبيته
ويشوقنى بيت الحبي ... ب إذا غدوت، وأين بيته
قام الخليفة دونه ... فصبرت عنه وما قليته «1»
ونهانى الملك الهما ... م عن النساء فما عصيته
بل قد وفيت ولم أضع ... عهدا، ولا رأيا رأيته
وقال أيضا:
والله لولا رضا الخليفة ما ... أعطيت ضيما علىّ في شجن
قد عشت بين النّدمان والرّاح وال ... مزهر في ظل مجلس حسن
ثم نهانى المهدىّ فانصرفت ... نفسى، صنع الوفّق اللقن
وقال:
أفنيت عمرى وتقضّى الشباب ... بين الحميّا والجوارى العذاب
فالآن شفّعت إمام الهدى ... وربما طبت لحبّ وطاب
لهوت حتى راعنى داعيا ... صوت أمير المؤمنين المجاب
لبّيك لبّيك! هجرت الصّبا ... ونام عذّالى ومات العتاب
(2/469)

أبصرت رشدى وتركت المنى ... وربما ذلّت لهنّ الرّقاب
فى كلمة طويلة يقول فيها:
يا حامد القول، ولم يبله ... سبقت بالسّيل مساك السّحاب «1»
الفعل أولى بثناء الفتى ... ما جاءه من خطأ أو صواب
دع قول واء وانتظر فعله ... يثنى على اللّقحة ما في الحلاب «2»
إذا غدا المهدىّ في جنده ... وراح في آل الرسول الغضاب
بدا لك المعروف في وجهه ... كالظّلم يجرى في الثنايا العذاب «3»
ومن شعر بشار في الغزل:
أيها الساقيان صبّا شرابى ... واسقيانى من ريق بيضاء رود «4»
إنّ دائى الصّدى، وإنّ شفائى ... شربة من رضاب ثغر برود
عندها الصبر عن لقائى، وعندى ... ز فرات يأكلن قلب الجليد
ولها مبسم كغر الأقاحى ... وحديث كالوشى وشى البرود
نزلت في السواد من حبة القل ... ب ونالت زيادة المستزيد
ثم قالت: نلقاك بعد ليال ... والليالى يبلين كلّ جديد
لا أبالى من ضنّ عنى بوصل ... إن قضى الله منك لى يوم جود
وقال:
تلقى بتسبيحة من حسن ما خلقت ... وتستفزّ حشا الرّائى بإرعاد
كأنما صوّرت من ماء لؤلؤة ... فكلّ جارحة وجه بمرصاد
وقال:
وهبت له على المسواك ريقا ... فطاب له بطيب ثنيّتيك
(2/470)

أقبّله على الذكرى كأنّى ... أقبّل فيه فاك ومقلتيك «1»
وقال:
لا أستطيع الهوى وهجرتها ... قلبى ضعيف وقلبها حجر
كأنّ وجدى بها وقد حجبت ... فى الرأس والعين والحشا سكر
وأنشد له أبو تمام، وكان يقول: ما رأيت شعرا أغزل منه:
زوّدينا يا عبد قبل الفراق ... بتلاق، وكيف لى بالتّلاق «2»
أنا والله أشتهى سحر عينيك ... وأخشى مصارع العشاق
أمتى من بنى عقيل بن كعب ... موضع السّلك في طلا الأعناق
وقال:
لقد عشقت أذنى كلاما سمعته ... رخيما، وقلبى للمليحة أعشق
ولو عاينوها لم يلوموا على البكى ... كريما سقاه الخمر بدر محلّق
وكيف تناسى من كأنّ حديثه ... بأذنى وإن عنيت قرط معلّق
وقال:
وقد كنت في ذاك الشباب الذى مضى ... أزار ويدعونى الهوى فأزور
فإن فاتنى إلف ظللت كأنما ... يدير حياتى في يديه مدير
ومرتجّة الأرداف مهضومة الحشا ... تمور بسحر عينها وتدور
إذا نظرت صبّت عليك صبابة ... وكادت قلوب العالمين تطير
خلوت بها لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصّبح دونى حاجب وستور
ومن هذا أخذ على بن الجهم قوله:
صلينى وحبل الوصل لم يتشعّب ... ولا تهجرى أفديك بالأمّ والأب
رعى الله دهرا ضمّنا بعد فرقة ... وأدنى فؤادا من فؤاد معذّب
(2/471)

عناقا وضمّا والتزاما كأنما ... يرى جسدانا جسم روح مركب
فبتنا وإنا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرّب
وشعره في هذا المعنى كثير.
وروى أنه قال: أنا أشعر الناس؛ لأنّ لى اثنى عشر ألف قصيدة، فلو اختير من كل قصيدة بيت لاستندر، ومن ندرت له اثنا عشر ألف بيت فهو أشعر الناس «1» ؛ وقد نثرت نظمه في أضعاف الكتاب استدعاء لنشاط القارىء وكراهة في إملاله.
وكان بشار أرقّ المحدثين ديباجة كلام، وسمّى أبا المحدثين؛ لأنه فتق لهم أكمام المعانى، ونهج لهم سبيل البديع، فاتّبعوه؛ وكان ابن الرومى يقدمه، ويزعم أنه أشعر من تقدّم وتأخر.
وهو يتعلق في شعره بولاء عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويفتخر بالمضرية. قال له المهدى: فيمن تعتزى؟ قال: أمّا اللسان فعربىّ، أما الأصل فكما قلت في شعرى! قال: وما قلت؟ فأنشده:
ونبّئت قوما لهم إحنة ... يقولون من ذا وكنت العلم
ألا أيها السائلى جاهلا ... ليعرفنى أنا إلف الكرم «2»
نمت في المكارم بى عامر ... فروعى وأصلى قريش العجم
وإنى لأغنى مقام الفتى ... وأصبى الفتاة فلا تعتصم
البيت الأول من هذه الأبيات ينظر إلى قول جميل:
إذا ما رأونى طالعا من ثنية ... يقولون من هذا وقد عرفونى
(2/472)

وفي هذه القصيدة يقول بشار:
وبيضاء يضحك ماء الشبا ... ب في وجهها لك إذ تبتسم
دوار العذارى إذا زرنها ... أطفن بحوراء مثل الصّنم
يرحن فيمسحن أركانها ... كما يمسح الحجر المستلم
أصفراء ليس الفتى صخرة ... ولكنه نصب همّ وغمّ
صببت هواك على قلبه ... فضاق وأعلن ما قد كتم
ويقال: إنه مولى لأم الظباء السّدوسية، ولذلك قال أبو حذيفة واصل بن عطاء الغزّال رئيس المعتزلة لما هجاه بشار: أما لهذا الأعمى الملحد المشنّف المكتنى بأبى معاذ من يقتله؟ والله لولا أنّ الغيلة من سجايا الغالية، لبعثت إليه من ببعج بطنه في جوف منزله، ولا يكون إلا سدوسيّا، أو عقيليّا.
وكان واصل بن عطاء أحد أعاجيب الدنيا؛ لأنه كان ألثغ في الراء، فأسقطها من جميع كلامه وخطبه؛ إذ كان إمام مذهب، وداعى نحلة، وكان محتاجا إلى جودة البيان، وفصاحة اللّسان. قال الجاحظ: فانظر كثرة ترداد الراء في هذا الكلام وكيف أسقطها؟ قال: الأعمى، ولم يقل الضرير، وقال: الملحد، ولم يقل الكافر، وقال: المشنّف، ولم يقل المرعّث، وقال: المكتنى: بأبي معاذ، ولم يقل بشارا ولا ابن برد، وقال: الغالية، ولم يقل المغيرية، ولا المنصورية، وهم الذين أراد، وقال: نبعثت، ولم يقل لأرسلت، وقال: يبعج، ولم يقل يبقر، وقال: فى جوف منزله، ولم يقل في داره، وأراد بذكر عقيل وسدوس ما ذكر من اعتزائه إليهم.
وزعم الجاحظ أن بشارا كان يدين بالرّجعة، ويكفّر جميع الأمة؛ وأنشد له أشعارا صوّب بها رأى إبليس في تقديم النار على الطين، منها قوله:
الأرض مظلمة، والنار مشرقة ... والنار معبودة مذ كانت النار
وقال داود بن رزين: أتينا بشارا، فأذن لنا والمائدة بين يديه، فلم يدعنا إلى الطعام، ثم جلسنا فحضر الظهر والعصر والمغرب فلم يصلّ، ودعا بطست فبال
(2/473)

بحضرتنا، فقلنا له: أنت أستاذنا، وقد رأينا منك أشياء أنكرناها، قال: ماهى؟
قلنا: دخلنا والطعام بين يديك فلم تدعنا، قال: إنما أذنت لتأكلوا، ولو لم نرد ذلك لم نأذن لكم، قلنا له: ودعوت بالطّست ونحن حضور، قال: أنا مكفوف، وأنتم مأمورون بغضّ الأبصار دونى، قلنا: وحضرت الصلاة فلم تصلّ! قال: الذى يقبلها تفاريق يقبلها جملة! هذا وهو القائل:
كيف يبكى لمحبس في طلول ... من سيفضى لحبس يوم طويل
إنّ في البعث والحساب لشغلا ... عن وقوف برسم دار محيل
وقال:
ذكرت بها عيشا فقلت لصاحبى: ... كأن لم يكن ما كان حين يزول
وما حاجتى لو ساعد الدهر بالمنى ... كعاب عليها لؤلؤ وشكول
بدا لى أن الدهر يقدح في الصّفا ... وأنّ بقائى إن حييت قليل
فعش خائفا للموت أو غير خائف ... على كل نفس للحمام دليل
خليلك ما قدّمت من عمل التّقى ... وليس لأيّام المنون خليل
وكان بشّار حاضر الجواب، سجّاعا، خطيبا، صاحب منثور ومزدوج ورجز ورسائل مختارة على كثير من الكلام، ودخل على عقبة بن مسلم بن قتيبة، فأنشده مديحا وعنده عقبة بن رؤبة، فأنشده أرجوزة، ثم أقبل على بشار فقال:
هذا طراز لا تحسنه يا أبا معاذ! فقال: والله لأنا أرجز منك ومن أبيك! ثم غدا على عقبة من الغد، فأنشده أرجوزته:
ياطلل الحىّ بذات الصّمد ... بالله خبّر كيف كنت بعدى
يقول فيها:
صدّت بخدّ وجلت عن خدّ ... ثم انثنت كالنّفس المرتدّ
وصاحب كالدّمّل الممدّ ... حملته في رقعة من جلدى
حتى اغتدى غير فقيد الفقد ... وما درى ما رغبتى من زهدى
(2/474)

وهذا كقول الآخر:
يودّون لو خاطوا عليك جلودهم ... ولا يدفع الموت النفوس الشحائح
وفيها يقول:
الحرّ يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الردّ
أسلم وحيّيت أبا الملدّ ... مفتاح باب الحدث المنسدّ
والبس طرازى غير مستردّ ... لله أيامك في معدّ
وهي طويلة، فأجزل صلته، فلما سمع ابن رؤبة ما فيها من الغريب قال:
أنا وأبى وجدّى فتحنا الغريب للناس، وإنى لخليلق أن أسدّه عليهم، فقال بشار: ارحمهم رحمك الله! قال: تستخفّ بى، وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟
قال: إذا أنت من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا! فضحك كلّ من حضر.
ودخل على المهدى وعنده خاله يزيد بن منصور الحميرى، فأنشده قصيدة، فلما أتمّها قال له يزيد: ما صناعتك يا شيخ؟ قال: أثقب اللّؤلؤ، فقال له المهدى:
أتهزأ بخالى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، فما يكون جوابى لمن يرى شيخا أعمى ينشد شعرا فيسأله عن صناعته؟
وقال جوارى المهدى للمهدى: لو أذنت لبشّار يدخل إلينا يؤانسنا وينشدنا فهو محجوب البصر، لا غيرة عليك منه، وأمره فدخل إليهن واستظرفنه، وقلن له: وددنا والله يا أبا معاذ أنك أبونا حتى لا نفارقك، قال: ونحن على دين كسرى «1» ! فأمر المهدى ألّا يدخل عليهن.
وكأن المتنبى نظر إلى هذا فقال:
يا أخت معتنق الفوارس في الوغى ... لأخوك ثمّ أرقّ منك وأرحم
يرنو إليك مع العفاف وعنده ... أنّ المجوس تصيب فيما تحكم
(2/475)

[كلمات مأثورة]
قال على بن عبيدة الريحانى: المودّة تعاطف القلوب، وائتلاف الأرواح، وحنين النفوس إلى مثابة السرائر، والاسترواح بالمستكنّات في الغرائز، ووحشة الأشخاص عند تباين اللقاء، وظاهر السرور بكثرة التّزوار، وعلى حسب مشاكلة الجواهر يكون اتفاق الخصال.
وقال: العتاب حدائق المتحابّين، وثمار الأودّاء، ودليل الظنّ، وحركات الشّوق، وراحة الواجد، ولسان المشفق.
قال بعض الكتاب: العتاب علامة الوفاء، وحاصّة الجفاء، وسلاح الأكفاء.
وقال على بن عبيدة: التجنّى رسول القطيعة، وداعى القلى، وسبب السلوّ، وأوّل التجافى، ومنزل التهاجر.
وقال: الصدق ربيع القلب، وزكاة الخلق، وثمرة المروءة، وشعاع الضمير وعن جلالة القدر عبارته، وإلى اعتدال وزن العقل ينسب صاحبه، وشهادته قاطعة في الاختلاف، وإليه ترجع الحكومات.
وقال: الكذب شعار الخيانة، وتحريف العلم، وخواطر الزّور، وتسويل أضغاث النفس، واعوجاج التركيب، واختلاف البنية، وعن خمول الذكر ما يكون صاحبه.
وعلى بن عبيدة كثير الإغارة، على ما كان غيره قد استثاره.
فقر في الكذب لغير واحد
بعض الفلاسفة: الكذّاب والميّت سواء؛ لأن فضيلة الحىّ النّطق، فإذا لم يوثق بكلامه فقد بطلت حياته.
الحسن بن سهل: الكذّاب لصّ؛ لأن اللصّ يسرق مالك، والكذّاب يسرق عقلك، ولا تأمن من كذب لك أن يكذب عليك، ومن اغتاب غيرك عندك
(2/476)

فلا تأمن أن يغتابك عند غيرك.
قال إبراهيم بن العباس في هذا النحو.
إنى متى أحقد بحقدك ... لا أضرّ به سواكا
ومتى أطعتك في أخيك ... أطعت فيك غدا أخاكا
حتّى أرى متقسّما ... يومى لذا، وغدا لذاكا
حسب الكاذب بعقله سقما وبقلبه خصما
ابن المعتز: علامة الكذاب جوده باليمين لغير مستحلف، وقال:
وفي اليمين على ما أنت فاعله ... ما دلّ أنك في الميعاد متّهم
وقال: اجتنب مصاحبة الكذّاب، فإن اضطررت إليه فلا تصدّقه، ولا تعلمه أنك تكذّبه، فينتقل عن ودّه، ولا ينتقل عن طبعه. يعترى حديث الكذّاب من الاختلاف مالا يعترى الجبان من الارتعاد عند الحرب. لا تصحّ للكذّاب رؤيا؛ لأنه يخبر عن نفسه في اليقظة بما لم ير، فتريه في النوم ما لا يكون، وأنشد:
لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السوء، أو من قلّة الأدب
ولأهل العصر: فلان منغمس في عيبه، يكذب لذيله على جيبه، يقول بهتا، وزورا بحتا، قد ملأ قلبه رينا، وقوله مينا؛ يدين بالكذب مذهبا، ويستثير الزّور مركبا، أقاويل يتمشّى الزّور في مناكبها، ويبرز البهتان في مذاهبها.
وقال أعرابى لابنه وسمعه يكذب: يا بنى، عجبت من الكذّاب المشيد بكذبه، وإنما يدلّ على عيبه، ويتعرّض للعقاب من ربّه؛ فالآثام له عادة، والأخبار عنه متضادّة، إن قال حقا لم يصدّق، وإن أراد خيرا لم يوفّق؛ فهو الجانى على نفسه بفعاله، والدّالّ على فضيحته بمقاله. فما صحّ من صدقه نسب إلى غيره، وما صحّ من كذب غيره نسب إليه، فهو كما قال الشاعر:
حسب الكذوب من المها ... نة بعض ما يحكى عليه
ما إن سمعت بكذبة ... من غيره نسبت إليه
(2/477)

[جزاء الشكر]
كتب الحسن بن سهل إلى المأمون، بعد أن زفّت إليه بوران وتوهّم القواد أن هذا التزويج قد أنسى الحسن حاله قبل ذلك: قد تولّى أمير المؤمنين من تعظيم عبده في قبول أمته شيئا لا يتّسع له الشكر عنه إلا بمعونة أمير المؤمنين، أدام الله عزّه، فى إخراج توقيعه بتزيين حالى في العامة والخاصة، بما يراه فيه صوابا إن شاء الله.
فخرج التوقيع: الحسن بن سهل زمام على ما جمع أمور الخاصة، وكنف أسباب العامة، وأحاط بالنفقات، ونفذ بالولاة، وإليه الخراج والبريد واختيار القضاة، جزاء بمعرفته بالحال التي قرّبته منا، وإثابة لشكره إيانا على ما أولينا.
[من خطب النكاح]
قال يحيى بن أكثم: أراد المأمون أن يزوّج ابنته من الرضا فقال: يا يحيى؛ تكلم، فأجللته أن أقول: أنكحت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت الحاكم الأكبر، والإمام الأعظم، وأنت أولى بالكلام، فقال:
الحمد لله الذى تصاغرت الأمور بمشيئته، ولا إله إلا هو إقرارا بربوبيته، وصلى الله على محمد عند ذكره.
أما بعد، فإنّ الله قد جعل النكاح دينا، ورضيه حكما، وأنزله وحيا؛ ليكون سبب المناسبة؛ ألا وإنى قد زوّجت ابنة المأمون من علىّ بن موسى، وأمهرتها أربعمائة درهم، اقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهاء إلى ما درج إليه السّلف، والحمد لله رب العالمين.
قال الأصمعى: كانوا يستحبّون من الخاطب إلى الرجل حرمته الإطالة؛ لتدلّ على الرغبة، ومن المخطوب إليه الإيجاز، ليدلّ على الإجابة.
وخطب رجل من بنى أمية إلى عمر بن عبد العزيز أخته، فأطال؛ فقال عمر:
(2/478)

الحمد لله ذى الكبرياء، وصلّى الله على محمد خاتم الأنبياء؛ أما بعد فإن الرغبة منك دعتك إلينا، والرغبة منا فيك أجابت، وقد زوّجناك على كتاب الله: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.
وخطب رجل إلى فوم فأتى بمن نحطب له، فاستفتح بحمد الله وأطال، وصلّى على النبىّ عليه السلام وأطال، ثم ذكر البدء وخلق السموات والأرض، واقتصّ ذكر القرون حتى ضجر من حضر، والتفت إلى الخاطب، فقال: ما اسمك أعزّك الله؟ فقال: والله قد أنسيت اسمى من طول خطبتك، وهي طالق إن تزوجتها بهذه الخطبة؛ فضحك القوم، وعقدوا في مجلس آخر.
[الكتب والأقلام والخط]
وقال ابن المعتز: الكتاب والج الأبواب، جرىء على الحجّاب، مفهم لا يفهم، وناطق لا يتكلم، به يشخص المشتاق، إذا أقعده الفراق، والقلم مجهّز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، ولا يملّ الاستزادة، ويسكت واقفا، وينطق سائرا، على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضىء، وكأنه يقبّل بساط سلطان أو يفتح نوّار بستان.
وهذا كقوله في القاسم بن عبيد الله، قال الصولى: لما عرض القاسم بن عبيد الله ليخلف أباه: قال ابن المعتز:
قلم ما أراه أم فلك يج ... رى بما شاء قاسم ويسير
خاشع في يديه يلثم قرطا ... ساكما قبّل البساط شكور
ولطيف المعنى جليل نحيف ... وكبير الأفعال وهو صغير
كم منايا وكم عطايا وكم ... حتف وعيش تضمّ تلك السّطور
نقشت بالدّجا نهارا فما أد ... رى أخطّ فيهنّ أم تصوير
هكذا من أبوه مثل عبيد الله ... ينمى إلى العلا ويصير
عظمت منّة الإله عليه ... فهناك الوزير وهو الوزير
(2/479)

وقال بعض البلغاء: صورة الخطّ في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض.
وقال أبو الطيب المتنبى:
دعانى إليك العلم والحلم والحجى ... وهذا الكلام النّظم والنّائل النّثر
وما قلت من شعر تكاد بيوته ... إذا كتبت يبيضّ من نورها الحبر
وقال ابن المعتز في عبيد الله بن سليمان بن وهب:
عليم بأعقاب الأمور، كأنه ... بمختلسات الظنّ يسمع أو يرى
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... يفتّح نورا أو ينظّم جوهرا
فاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب القلم: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر. فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف، إن تمّ مراده وإلا فإلى السيف معاده؛ أما سمعت قول أبى تمام:
السيف أصدق إنباء من الكتب ... فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب
بيض الصفائح لا سود الصّحائف فى ... متونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب
وقال أبو الطيب:
ما زلت أضحك إبلى كلّما نظرت ... إلى من احتضنت أخفافها بدم
أسيرها بين أصنام أشاهدها ... ولا أشاهد فيها عفّة الصّنم
حتى رجعت وأقلامى قوائل لى ... المجد للسّيف ليس المجد للقلم
اكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنّما نحن للأسياف كالخدم
هذا مقلوب من قول على بن العباس النوبختى، وقد رواه أبو القاسم الزجاجى لابن الرومى، وإنما وهم لاتّفاق الاسمين:
إن يخدم القلم السيف الذى خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم
فالموت- والموت لا شىء يغالبه- ... ما زال يتبع ما يجرى به القلم
بذا قضى الله للأقلام مذبريت ... أنّ السيوف لها- مذ أرهفت- خدم
(2/480)

وقال ابن الرومى:
لعمرك ما السّيف سيف الكمىّ ... بأخوف من قلم الكاتب
له شاهد إن تأمّلته ... ظهرت على سرّه الغائب
أداة المنيّة في جانبيه ... فمن مثله رهبة الرّاهب
سنان المنية في جانب ... وحدّ المنيّة في جانب
ألم تر في صدره كالسّنان ... وفي الرّدف كالمرهف القاضب
وقال أبو الفتح البستى:
إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم ... وعدّوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتّاب مجدا ورفعة ... مدى الدّهر أنّ الله أقسم بالقلم
وقد قيل: صرير الأقلام، أشدّ من صليل الحسام.
قال الصولى: أنشدنى طلحة بن عبيد الله:
وإذا أمرّ على المهارق كفّه ... بأنامل يحملن شختا مرهفا «1»
متقاصرا متطاولا ومفصّلا ... وموصلا ومشتّتا ومؤلّفا
ترك العداة رواجفا أحشاؤها ... وقلاعها قلعا هنالك رجّفا
كالحية الرّقشاء إلا أنه ... يستنزل الأروى إليه تلطفا
يرمى به قلما يمجّ لعابه ... فيعود سيفا صارما ومثقّفا
وقال محمود بن أحمد الأصبهانى:
أخرس ينبيك بإطراقه ... عن كل ما شئت من الأمر
يذرى على قرطاسه دمعة ... يبدى بها السرّ وما يدرى
كعاشق أخفى هواه وقد ... نمّت عليه عبرة تجرى
تبصره في كلّ أحواله ... عريان يكسو الناس أو يعرى
يرى أسيرا في دواة وقد ... أطلق أقواما من الأسر
(2/481)

أخرق لو لم تبره لم يكن ... يرشق أقواما وما يبرى
كالبحر إذا يجرى، وكالليل إذ ... يغشى، وكالصارم إذ يفرى
وقال أحمد بن جرار:
أهيف ممشوق بتحريكه ... يحلّ عقد السّرّ إعلان
له لسان مرهف حدّه ... من ريقة الكرسف ريّان
ترى بسيط الفكر في نظمه ... شخصا له حدّ وجثمان
كأنما يسحب في إثره ... ذيلا من الحكمة سحبان
لولاه ما قام منار الهدى ... ولا سما للملك ديوان
ومن أجود ما قيل في صفة القلم قول أبى تمام لمحمد بن عبد الملك الزيات:
لك القلم الأعلى الّذى بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل
له ريقة طلّ ولكنّ وقعها ... بآثاره في الشّرق والغرب وابل
لعاب الأفاعى القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل
له الخلوات اللاء لولا بحيّها ... لما اختلفت للملك تلك المحافل
وقال الأمير تميم بن المعز:
وذى عجب من طول صبرى على الذى ... ألاقى من الأرزاء وهو جليل
يقولون: ما تشكو؟ فقلت: متى شكا ... شبا السيف عضب الشفرتين صقيل
وإنّ امرأ يشكو إلى غير نافع ... ويسخو بما في نفسه لجهول
عذابى أن أشكو إلى الناس أننى ... عليل ومن أشكو إليه عليل
ويمنعنى الشكوى إلى الله علمه ... بجملة ما ألقاه قبل أقول
سأسكت صبرا واحتسابا فإننى ... أرى الصّبر سيفا ليس فيه فلول
وقال:
يا دهر ما أقساك من متلوّن ... فى حالتيك، وما أقلّك منصفا
أتروخ للنّكس الجهول ممهّدا ... وعلى اللبيب الحرّ سيفا مرهفا؟
(2/482)

وإذا صفوت كدرت، شيمة باخل، ... وإذا وفيت نقضت أسباب الوفا
لا أرتضيك، وإن كرمت؛ لأننى ... أدرى بأنك لا تدوم على الصّفا
زمن إذا أعطى استردّ عطاءه ... وإذا استقام بدا له فتحرّفا
ما قام خيرك يا زمان بشرّه ... أولى بنا ما قلّ منك وما كفى
[الصدق في النصيحة]
وكان أحمد بن يوسف منصرفا عن غسّان بن عباد، وجرت بينهما هنات بحضرة المأمون، فقال يوما بحضرة خاصّة أصحابه: أخبرونى عن غسّان بن عباد؛ فإنى أريده لأمر جسيم؛ وكان قد عزم على تقليده السّند مكان بشر بن داود؛ فتكلّم كلّ فريق بما عنده في مدحه؛ فقال أحمد بن يوسف: هو يا أمير المؤمنين رجل محاسنه أكثر من مساويه، لا يتطرّف به أمر إلّا تقدّم فيه، ومهما تخوّف عليه فإنه لن يأتى أمرا يعتذر منه؛ لأنه قسم أيامه بين أفعال الفضل؛ فجعل لكلّ خلق نوبة، إذا نظرت في أمره لم تدر أى حالاته أعجب؛ أما هداه إليه عقله أم ما اكتسبه بأدبه؟
فقال له المأمون: لقد مدحته على سوء رأيك فيه! قال: لأنى في أمير المؤمنين كما قال الشاعر:
كفى ثمنا لما أسديت أنى ... نصحتك في الصديق وفي عدائى
وأنى حين تندبنى لأمر ... يكون هواك أغلب من هوائى
قال الصولى: وقد روى هذا لغير أحمد، ولعلّ أحمد استعاره؛ فأعجب المأمون ذلك منه، وشكره غسان بن عبّاد له، وتأكّدت الحال بينهما.
وكان أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح مولى عجل بن لجيم عالى الطبقة فى البلاغة، ولم يكن في زمانه أكتب منه، وله شعر جيد مرتفع عن أشعار الكتاب، ووزر للمأمون بعد أحمد بن أبى خالد، وكان أول ما ارتفع به أحمد أن
(2/483)

المخلوع محمد بن الرشد لما قتل أمر طاهر بن الحسين الكتّاب أن يكتبوا إلى المأمون؛ فأطالوا، فقال طاهر: أريد أخصر من هذا فوصف له أحمد بن يوسف وموضعه من البلاغة، فأحضره لذلك، فكتب: أمّا بعد فان كان المخلوع قسم أمير المؤمنين في النّسب واللّحمة، فقد فرّق بينهما حكم الكتاب في الولاية والخدمة، بمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين؛ لقول الله عزّ وجل فيما اقتص [علينا] من نبأ نوح وابنه: (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) ، ولا طاعة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله؛ وكتابى إلى أمير المؤمنين وقد أنجز الله له ما كان ينتظر من سابق وعده، والحمد لله الراجع إلى أمير المؤمنين معلوم حقّه، الكائد له فيمن ختر عهده، ونقض عقده، حتى ردّ به الألفة بعد فرقتها، وجمع به الأمة بعد شتاتها، وأضاء به أعلام الدين بعد دروسا؛ وقد بعثت إليك بالدنيا وهي رأس المخلوع، وبالآخرة وهي البردة والقضيب؛ والحمد لله الآخذ لأمير المؤمنين حقّه، الراجع إليه تراث آبائه الراشدين.
وكان أحمد بن أبى خالد كثيرا ما يصف أحمد للمأمون ويحثّه عليه، فأمره المأمون بإحضاره، فلما وقف بين يديه قال: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذى استخصّك فيما استحفظك من دينه، وقلّدك من خلافته، بسوابغ نعمه، وفضائل قسمه، وعرّفك من تيسير كلّ عسير حاولك عليه متمرّد، حتى ذلّ لك ما جعله تكملة لما حباك به من موارد أموره بنجح مصادرها، حمدا ناميا زائدا لا ينقطع أولاه، ولا ينقضى أخراه، وأنا أسأل الله يا أمير المؤمنين من إتمام بلائه لديك، ومننه عليك، وكفايته ما ولّاك واسترعاك، وتحصين ما حاز لك، والتمكين من بلاد عدوّك، ما يمنع به بيضة الإسلام، ويعزّ بك أهله، ويبيح بك حمى الشّرك، ويجمع لك متباين الألفة، وينجز بك في أهل العناد والضلالة وعده؛ إنه سميع الدعاء، فعّال لما يشاء.
(2/484)

فقال المأمون: أحسنت، بووك عليك ناطقا وساكتا! ثم قال بعد أن بلاه واختبره: يا عجبا لأحمد بن يوسف! كيف استطاع أن يكتم نفسه! وكتب إلى المأمون يستجدى لزوّار على بابه: إن داعى نداك، ومنادى جدواك، جمعا ببابك الوفود، يرجون نائلك العتيد، فمنهم من يمتّ بحرمة، ومنهم من يدلى بسالف خدمة، وقد أجحف بهم المقام؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشهم بسيبه، ويحقّق ظنّهم بطوله، فعل.
فوقّع المأمون في عرض كتابه:
الخير متّبع، وأموال الملوك مظانّ لطلّاب؟؟؟؛ فاكتب أسماءهم، وبيّن مرتبة كلّ واحد منهم، ليصير إليه على قدر استحقاقه؛ ولا تكدّرن، معروفنا بالمطل والحجاب؛ فقد قال الشاعر:
فإنّك لن ترى طردا لحرّ ... كإلصاق به طرف الهوان
ولم تجلب مودّة ذى وفاء ... بمثل الودّ أو بذل اللّسان
قال أحمد بن يوسف: أمرنى المأمون أن أكتب في زيادة قناديل شهر رمضان؛ فأعيا علىّ، ولم أجد مثالا أحتذى عليه؛ فبتّ مغموما، فأتانى آت فى النوم فقال: اكتب: فإنّ فيها إضاءة للمتهجّدين، ونفيا لمكان الرّيب، وأنسا للسابلة، وتنزيها لبيوت الله من وحشة الظّلم، فأخبرت بذلك المأمون، فاستظرفه، وأمر أن تمضى الكتب عليه.
وأهدى إلى المأمون في يوم نوروز طبق جزع عليه ميل من ذهب، فيه اسمه منقوش، وكتب إليه:
هذا يوم جرت فيه العادة، بإلطاف العبيد السادة، وقد بعثت إلى أمير المؤمنين طبق جزع فيه ميل.
فلما قرأ المأمون الرقصة قال: أجاءت هدية أحمد بن يوسف؟ قالوا: نعم.
قال: هى في دارى أم دارى فيها؟ فلما رفع المنديل استظرف الهدّية واسترجح مهديها.
(2/485)

وأهدى إلى إبراهيم بن المهدى هدية وكتب إليه: الثقة بك قد سهّلت السبيل إليك، فأهديت هدية من لا يحتشم إلى من لا يغتنم.
وكتب إلى بنى سعيد بن سلم: لولا أنّ الله عزّ وجل ختم نبوّته بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكتبه بالقرآن، لنزّل فيكم نبىّ نقمة، وأنزل فيكم قرآن غدر؛ وما عسيت أن أقول في قوم محاسنهم مساوى السّفل، ومساويهم فضائح الأمم، وألسنتهم معقولة بالعىّ، وأيديهم معقودة بالبخل، وهم كما قال الشاعر:
لا يكبرون وإن طالت حياتهم ... ولا تبيد مخازيهم وإن بادوا
وغنّى مغنّ بحضرة أحمد بن يوسف ولم يكن محسنا، فلم ينصتوا له، وتحدّثوا مع غنائه، فغضب المغنّى؛ فقال أحمد بن يوسف: أنت عافاك الله تحمّل الأسماع ثقلا، والقلوب مللا، والأعين قباحة، والأنف نتانة، ثم تقول: اسمعوا منى، وأنصتوا إلىّ! هذا إذا كانت أفهامنا مقفلة، وآذاننا صدئة، فإما رضيت بالعفو منا، وإلا قمت مذموما عنا.
ألفاظ لأهل العصر في ذم المغنين
يترنّم فيتعب ولا يطرب. إذا غنّى عنّى، وإذا أدّى آذى.
يميت الطّرب، ويحيى الكرب. ضربه يوجب ضربه: من عجائب غنائه أنه يورد الشتاء في الصيف. ما رؤى قطّ في دار مرتين. وحضر جحظة مجلسا فيه علىّ بن بسام، فتفرّق القوم المخادّ، فقال جحظة: فما لى لم تعطونى مخدّة؟ فقال على بن بسام: غنّ فالمخادّ كلها إليك تصير! وفيه يقول ابن بسام:
يا من هجوناه فغنّانا ... أنت، وبيت الله، أهجانا
سيّان إن غنّى لنا جحظة ... أو مرّ مجنون فزنّانا
(2/486)

وكان خالد يستبرد، فبعث بعض الظرفاء غلامه يشترى له خمسة أرطال ثلج، فأتاه بخالد وقال: يا مولاى، طلبت خمسة أرطال، وهذا حمل! وتغنّى بحضرة محموم، فقال: ويحك! دعنا نعرق! وقال بعض المحدثين في قريس المغنى:
ألا فاسقنى قدحا وافرا ... يعين على البلغم الهائج
أكلنا قريسا وغنّى قريس ... فنحن على شرف الفالج
ولقى أبو العباس المبرد برد الخيار المغنّى في يوم ثلج بالجسر، فقال: أنت المبرّد وأنا برد الخيار، واليوم كما ترى، اعبر بنا لا يهلك الناس بالفالج بسببنا وقال ابن عباد الصاحب في مغنّ يعرف بابن عذاب:
أقول قولا بلا احتشام ... يعقله كلّ من يعيه
ابن عذاب إذا تغنّى ... فإننى منه في أبيه
[عود إلى أحمد بن يوسف]
ومن شعر أحمد بن يوسف:
ضمير وجد بقلب صبّ ... ترجم دمعى به فشاعا
فصار دمعى لسان وجدى ... ضيّع سرّى به فذاعا
لولا دموعى وفرط حبّى ... ما كان سرّى كذا مضاعا
وقال:
وعامل بالفجور يأمر بالبرّ ... كهاد يخوض في الظّلم
أو كطبيب قد شفّه سقم ... وهو يداوى من ذلك السّقم
يا واعظ الناس غير متّعظ ... ثوبك طهّر أولا فلا تلم
وقال:
إذا ما التقينا والعيون نواظر ... فألسننا حرب وأبصارنا سلم.
(2/487)

وقال في الحزن:
كثير هموم القلب حتى كأنما ... عليه سرور العالمين حرام
إذا قيل ما أضناك! أسبل دمعه ... فأخبر ما يلقى وليس كلام
وقال:
كريم له نفس يلين بلينها ... بيردع عن سلطانه سنن الكبر
إذا ذكّرته نفسه عظم قدرها ... دعاه إلى تسكينها عظم القدر
ووقّع في كتاب رجل يحثّه على استتمام صنائعه عنده: مستتمّ الصنيعة من عدّل زيغها، وأقام أودها، صيانة لمعروفه، ونصرة لرأيه؛ فإن أول المعروف مستخفّ، وآخره مستثقل، يكاد أول الصنيعة يكون للهوى، وآخرها للرّأى، ولذلك قيل: ربّ الصنيعة أشد من ابتدائها «1» .
وكان أبو العتاهية له صديقا «2» قبل ارتفاع حاله، فأحسّ منه في حين وزارته تغيّرا، فكتب إليه:
أمنت إذا استغنيت من سورة الفقر ... فصرت ترى الإخوان بالنّظر الشّزر
أبا جعفر إنّ الشريف يهينه ... تتايهه دون الأخّلاء بالوفر
فإن تهت يوما بالذى نلت من غنى ... فإن غنائى بالتجمّل والصّبر
ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى ... وأنّ الغنى يخشى عليه من الفقر
وروى أبو بكر يموت بن المزرع عن خاله الجاحظ قال: حجب أحمد بن يوسف أبا العتاهية، ثم عاد، فقيل: هو نائم، فكتب إليه:
لئن عدت بعد اليوم إنى لظالم ... سأصرف وجهى حيث تبغى المكارم
متى يظفر الغادى إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم
(2/488)

وقال:
فى عداد الموتى وفي ساكنى الدنيا ... أبو جعفر أخى وخليى
ميّت مات وهو في ورق العيش ... مقيما في ظلّ عيش ظليل
لم يمت ميتة الوفاة، ولكن ... مات عن كلّ صالح وجميل
وخاصم أحمد بن يوسف رجلا بين يدى المأمون، وكان صغا المأمون إليه «1» على أحمد، ففطن لذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه يستملى من عينيك ما يلقانى به، ويستبين بحركته ما تجنّه له «2» ، وبلوغ إرادتك أحبّ إلىّ من بلوغ أملى، ولذة إجابتك أمتع عندى من لذّة ظفرى؛ وقد تركت له ما نازعنى فيه، وسلّمت له ما طالبنى به. فاستحسن ذلك المأمون.
ومن كلام أحمد بن يوسف: مجالسة البغضاء تثير الهموم، وتجلب الغموم، وتؤلم القلب، وتقدح في النّشاط، وتطوى الانبساط.
ألفاظ لأهل العصر في صفات الثقلاء
فلان ثقيل الطّلعة، بغيض التفصيل والجملة، بارد السكون والحركة؛ قد خرج عن حدّ الاعتدال، وذهب من ذات اليمين إلى ذات الشّمال. يحكى ثقل الحديث المعاد، ويمشى في القلوب والأكباد، ولا أدرى كيف لم تحمل الأمانة أرض حملته؟ وكيف احتاجت إلى الجبال بعد ما أقلّته؟ كأنّ وجهه أيام المصائب، وليالى النوائب، وكأنما قربه فقد الحبائب، وسوء العواقب.
وكأنما وصله عدم الحياة، وموت الفجأة، وكأنما هجره قوة المّنة، وريح الجنّة.
يا عجبى من جسم كالخيال، وروح كالجبال. كأنه ثقل الدّين، على وجع العين. هو ثقيل السكون، بغيض الحركة، كثير الشؤم، قليل البركة. هو بين الجفن والعين قذاة، وبين الأخمص والنّعل حصاة. ما هو إلا غداة الفراق، وكتاب الطلاق، وموت الحبيب، وطلوع الرقيب. ما هو إلّا أربعاء
(2/489)

لا تدور في صفر، والكابوس في وقت السّحر، وأثقل من خراج بلا غلّة، ودواء بلا علّة، وأبغض من مثل غير سائر، وأجمع للعيوب من بغلة أبى دلامة، وحمار طيّار، وطيلسان ابن حرب، وأير أبى حكيمة، وأنشد:
مشى فدعا من ثقله الحوت ربّه ... وقال: إلهى زيدت الأرض ثانيه «1»
وأنشد:
تحمل منه الأرض أضعاف ما ... يحمله الحوت من الأرض
وأنشد:
مشتمل بالبغض لا تنثنى ... إليه لحظا مقلة الرّامق
يظلّ في مجلسنا قاعدا ... أثقل من واش على عاشق
وقال الحمدونى:
سألتك بالله إلّا صدقت ... وعلمي بأنّك لا تصدق
أتبغض نفسك من ثقلها ... وإلا فأنت إذا أحمق
وكتب أبو عبد الرحمن العطوى إلى بعض إخوانه:
إذا أنت لم ترسل وجئت فلم أصل ... ملأت بعذر منك سمع لبيب
أتيتك مشتاقا فلم أرحاجبا ... ولا صاحبا إلا بوجه قطوب
كأنى غريم مقتض، أو كأننى ... طلوع رقيب أو نهوض حبيب
وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يستثقل جليسا اسمه زنباع، فقال له رجل يوما: ما الزنبعة في كلام العرب؟ قال: التثاقل، ولذلك سمّى جليسنا زنباعا.
وقد كثّر الناس في الثقلاء، وأنا أستحسن قول جحظة، وإن كان غيره قد تقدّمه في مثله:
(2/490)

يا لفظة النّعى بموت الخليل ... يا وقفة التّوديع بين الحمول
يا شربة اليارج يا أجرة ال ... منزل يا وجه العذول الثفيل
يا طلعة النّعش ويا منزلا ... أقفر من بعد الأنيس الحلول
يا نهضة المحبوب عن غضبة ... يا نعمة قد آذنت بالرّحيل
يا كتابا جاء من مخلف ... للوعد مملوءا بعذر طويل
يا بكرة الثّكلى إلى حفرة ... مستودع فيها عزيز الثكول
يا وثبة الحافظ مستعجلا ... بصرفه القينات عند الأصيل
ويا طبيبا قد أتى باكرا ... على أخى سقم بماء البقول
يا شوكة في قدم رخصة ... ليس إلى إخراجها من سبيل
يا عشرة المجذوم في رحله ... ويا صعود السّعر عند المعيل
يا ردّة الحاجب عن قسوة ... ونكسة من بعد برء العليل
وجحظة هذا هو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، وقال أبو الحسن على بن محمد بن مقلة الوزير: سألت جحظة من لقّبه بهذا اللقب؟ فقال: ابن المعتز، لقينى يوما، فقال لى: ما حيوان إن نكّسوه أتانا آلة للمراكب البحرية، فقلت: علق، إذا نكّس صار قلعا، قال: أحسنت يا جحظة؛ فلزمنى هذا اللقب، وكان ناتئ العينين جدّا، قبيح الوجه، ولذلك قال ابن الرومى:
نبئت جحظة يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان
يا رحمتى لمنادميه تحمّلوا ... ألم العيون للذّة الآذان
وكان طيّب الغناء، ممتدّ النفس، حسن المسموع؛ إلا أنه كان ثقيل اليد فى الضرب؛ وكان حلو النادرة، كثير الحكاية، صالح الشّعر؛ ولا تزال تندرله الأبيات الجيدة، وهو القائل:
جانبت أطيب لذّتى وشرابى ... وهجرت بعدك عامدا أصحابى
(2/491)

فإذا كتبت لكى أنزّه ناظرى ... فى حسن لفظك لم تجد بجواب
إن كنت تتكر ذلّتى وتذلّلى ... ونحول جسمى وامتداد عذابى
فانظر إلى بدنى الذى موّهته ... للناظرين بكثرة الأثواب
وقال:
وإذا جفانى صاحب ... لم أستجز ما عشت قطعه
وتركته مثل القبو ... ر أزورها في كلّ جمعه
وقال:
ضاقت علىّ وجوه الرأى في نفر ... يلقون بالجحد والكفران إحسانى
أقلّب الطرف تصعيدا ومنحدرا ... فما أقابل إنسانا بإنسانى
وقال:
لقد مات إخوانى الصالحون ... فمالى صديق ومالى عماد
إذا أقبل الصبح ولّى السرور ... وإن أقبل الليل ولّى الرقاد
وقالى يهجو رجلا:
لا تعذلونى إن هجرت طعامه ... خوفا على نفسى من المأكول
فمتى أكلت قتلته من بخله ... ومتى قتلت بالمقتول
ومن حكاياته ما حدّثنى خالد الكاتب قال: جاءنى يوما رسول إبراهيم ابن المهدى، فصرت إليه، فرأيت رجلا أسود على فرش قد غاص فيها، فاستجلسنى وقال: أنشدنى من شعرك، فأنشدته:
رأت منه عينى منظرين كما رأت ... من الشمس والبدر المنير على الأرض
عشيّة حيّانى بورد كأنه ... خدود أضيفت بعضهن إلى بعض
ونازعنى كأسا كأن حبابها ... دموعى لمّا صدّ عن مقلتى غمضى
وراح وفعل الراح في حركاته ... كفعل نسيم الريح بالغصن الغضّ
(2/492)

فزحف حتى صار في ثلثى الفراش، وقال: يا فتى، شبهوا الخدود بالورد، وأنت شبهت الورد بالخدود، زدنى فأنشدته:
عاتبت نفسى في هوا ... ك فلم أجدها تقبل
وأطعت داعيها إلي ... ك فلم أطع من يعذل
لا والذى جعل الوجو ... هـ لحسن وجهك تمثل
لا قلت إن الصبر عنك ... من التّصابى أجمل
فزحف حتى انحدر عن الفرش ثم قال لى: زدنى، فأنشدته:
عش فحبّيك سريعا قاتلى ... والضّنى إن لم تصلنى واصلى
ظفر الحبّ بقلب دنف ... فيك والسّقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب وضنى ... تركانى كالقضيب الذّابل
وبكى العاذل لى من رحمة ... فبكائى لبكاء العاذل
فنعر طربا وقال: يا يلبق؛ كم معك لنفقتنا؟ قال: ثمانمائة وخمسون دينارا.
قال: اقسمها بينى وبين خالد، فدفع إلىّ نصفها وأنشد جحظة أو غيره ولم يسمّ قائله:
لا يبعد الله إخوانا لنا سلفوا ... أفناهم حدثان الدّهر والأبد
نمدّهم كلّ يوم من بقيّتنا ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد
[السكاكين]
وكان أحمد بن يوسف جالسا بين يدى المأمون، فسأل المأمون عن السكّين فناوله أحمد السكين، وقد أمسك بنصابها، وأشار إليه بالحدّ، فنظر إليه المأمون نظر منكر؛ فقال: لعل أمير المؤمنين أنكر علىّ أخذى النّصاب؛ وإشارتى إليه بالحدّ؛ وإنما تفاءلت بذلك أن يكون له الحدّ على أعدائه، فعجب المأمون من سرعة فطنته، ولطيف جوابه.
(2/493)

وقال بعض الكتاب: السكين مسّ الأقلام يشحذها إذا كلت، ويصقلها إذا نبت، ويطلقها إذا وقفت، ويلمّها إذا شعثت، وأحسنها ما عرض صدره، وأرهف حدّه، ولم يفصل على القبضة نصابه.
وقال أبو الفتح كشاجم يرثى سكينا سرقت له:
يا قاتل الله كتّاب الدواوين ... ما يستحلّون من أخذ السكاكين
لقد دهانى لطيف منهم ختل ... فى ذات حدّ كحدّ السيف مسنون
فأقفرت بعد عمران بموقعها ... منها دواة فتى بالكتب مفتون
تبكى على مدية أودى الزمان بها ... كانت على جائر الأقلام تعدينى
كانت تقدّم أقلامى وتنحتها ... نحتا وتسخطها بريا فترضينى
وأضحك الطرس والقرطاس عن حلل ... ينوب للعين من نور البساتين
فإن قشرت بها سوداء من صحفى ... عادت كبعض خدود الخرّد العين
جزع النصاب لطيفات شعائرها ... محسّنات بأصناف التّحاسين
هيفاء مرهفة بيضاء مذهبة ... قال الإله لها سبحانه: كونى
لكن مقطّى أمسى شامتا جذلا ... وكان في ذلّة منها وفي هون
فصين حتى يضاهى في صيانته ... جاهى لصونيه عمّن لا يدانينى
ولست عنها بسال ما حييت، ولا ... بواجد عوضا منها يسلينى
ولو يردّ فداء ما فجعت به ... منها فديناه بالدنيا وبالدين
ألفاظ لأهل العصر في صفات السكاكين
سكّين كأنّ القدر سائقها، أو الأجل سابقها، مرهفة الصّدر، مخطفه الخصر، يجول عليها فرند العتق، ويموج فيها ماء الجوهر؛ كأنّ المنية تبرق من حدّها، والأجل يلمع من متنها، ركّبت في نصاب آبنوس، كأنّ الحدق نفضت
(2/494)

عليه صبغها، وحبّ القلوب كسته لباسها. أخذ لها حديدها الناصح بحظّ من الروم، وضرب لها نصابها الحالك بسهم من الزنج، فكأنها ليل من تحت نهار، أو مجمر أبدى سنا نار، ذات غرار ماض، وذباب قاض. سكين ذات منسر بازىّ، وجوهر هوائى، ونصاب زنجى، إن أرضيت أولت متنا كالدّهان، وإن أسخطت اتقّت بناب الأفعوان. سكّين أحسن من التّلاق، وأقطع من الفراق، تفعل فعل الأعداء، وتنفع نفع الأصدقاء. هى أمضى من القضاء، وأنفذ من القدر المتاح، وأقطع من ظبة السيف الحسام، وألمع من البرق في الغمام. جمعت حسن المنظر، وكرم المخبر، وتملّكت عنان القلب والبصر، ولم يحوجها عتق الجوهر إلى إمهاء الحجر «1»
[السّمر والمنادمة]
قال محمد بن أنس للقاسم بن صبيح: مازلنا في سمر نصل فصوله بتشوّقك، فيذهب ذكرك ملل السامر، ونعسة الساهر. فقال القاسم: مثلك ذكر صديقه فأطراه، واعتذر إليه فأرضاه، ولو كنتم آذنتمونى كنت أحدكم، مسرورا بما به سررتم، مفيضا فيما فيه أفضتم.
قال بعض الظرفاء: شرط المنادمة قلّة الخلاف، والمعاملة بالإنصاف، والمسامحة في الشراب، والتغافل عن ردّ الجواب، وإدمان الرضا، واطّراح ما مضى، وإسقاط التحيّات، واجتناب اقتراح الأصوات، وأكل ما حضر، وإحضار ما تيسّر، وستر العيب، وحفظ الغيب.
وقد أحسن أبو عبد الرحمن العطوى في قوله:
حقوق الكاس والنّدمان خمس ... فأوّلها التزيّن بالوقار
وثانيها مسامحة النّدامى ... فكم حمت السماحة من ذمار
وثالثها، وإن كنت ابن خير ... البريّة محتدا، ترك الفخار
(2/495)

ورابعها وللنّدمان حق ... سوى حقّ القرابة والجوار
إذا حدثته فاكس الحديث ... الّذى حدّثته ثوب اختصار
فما حثّ التبيذ بمثل حسن ال ... أغانى والأحاديث القصار
وخامسة يدلّ بها أخوها ... على كرم الطبيعة والنّجار
حديث الأمس ننساه جميعا ... فإنّ الذّنب فيه للعقار
ومن حكّمت كاسك فيه فاحكم ... له بإقالة عند العثار
وقال حسان بن ثابت:
نوّليها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء «1»
وشرب اليزيدى عند المأمون فلما أخذت منه الكأس أقبل يعتزّ عليه بتعليمه إياه، وأساء مخاطبته؛ فلما أفاق من سكره عرّف ما جرى، فلبس أكفانه، ووقف بين يدى المأمون فأنشده:
أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
ثملت فأبدت منّى الكاس بعض ما ... كرهت وما إن يستوى السّكر والصّحو
ولا سيما إن كنت عند خليفة ... وفي مجلس ما إن يجوز به اللّغو
فإن تعف عنى ألف خطوى واسعا ... وإلا يكن عفو فقد قصر الخطو
فقال المأمون: لا تثريب عليك، فالنبيذ بساط يطوى بما عليه.
وشرب كوران المغنى عند الشريف الرضى، فافتقد رداءه، وزعم أنه سرق. فقال له الشريف: ويحك! من تتّهم منا؟ أما علمت أنّ النبيذ بساط يطوى بما عليه؟ قال: انشروا هذا البساط حتى آخذ ردائى واطووه إلى يوم القيامة! وكان أبو جعفر أحمد بن جدار كاتب العباس بن أحمد بن طولون ينقل أخبار أبى حفص عمر بن أيوب كاتب أحمد بن طولون على الشراب إلى العباس، فصار إليه أبو حفص فقال: يا أبا جعفر؛ إنما مجلس المدام مجلس حرمة، وداعية أنس،
(2/496)

ومسرح لبانة، ومذاد همّ، ومرتع لهو، ومعهد سرور، وإنما توسطته عند من لا يتّهم غيبه، ولا يخشى عتبه، وقد اتصل بى ما تنهبه إلى أميرنا أبى الفضل أعز الله أمره، من أخبار مجالستى، فلا تفعل، وأنشده:
ولقد قلت للأخلاء يوما ... قول ساع بالنّصح لو سمعره
إنما مجلس المدام بساط ... للمودات بينهم وضعوه
فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا ... من نعيم ولذة رفعوه
وهم أحرياء، إن كان منهم ... حافظ، ما أتوه أن يمنعوه
فاعتذر ابن جدار وحلف ما فعل، وقام من مجلسه.
وأنشد أبو حفص:
كم من أخ أو جست منه سجيّة ... فأنست بعد وداده بفراقه
لم أحمد الأيام منه خليقة ... فتركته مستمتعا بخلاقه
عوّل أبو حفص في أكثر كلامه على نقل كلام أبى العباس الناشىء في الشراب، والأبيات التي أنشد أولا له.
أبو القاسم الصاحب: قدما حملت أوزار السّكر، على ظهور الخمر، وطوى بساط الشراب، على ما فيه من خطأ أو صواب. متابعة العقار، تعذر في خلع العذار، وتغنى عن الاعتذار. متابعة الأرطال، تبطل سورة الأبطال، وتدع الشيوخ كالأطفال.
كتب إسحاق بن إبراهيم الموصلى إلى بعض الجلّة يستدعيه:
يومنا يوم ليّن الحواشى، وطىء النواحى؛ وسماؤنا قد أقبلت، ورعدت بالخير وبرقت، وأنت قطب السرور، ونظام الأمور؛ فلا تفردنا فنقلّ، ولا تنفرد عنا فنذلّ.
وكتب بعض أهل العصر- وهو السّرىّ الموصلى- إلى أخ له يستدعيه إلى مؤانسته:
(2/497)

خلالك، ما اختلّ الصديق، سحائب ... وبشرك، ما هبّت رياح، مواهب
وأنت شقيق الرّوح تؤثر وصلها ... إذا راعها بالهجر خلّ وصاحب
ونحن خلال القصف والعزف نجتنى ... ثما ملاه كلهنّ أطايب
وعندى لك الرّيحان زين بساطه ... بزهر كما زانت سماء كواكب
وجيش كما انجرّت ذيول غلائل ... مصندلة تختال فيها الكواعب
وقد أطلقت فيه الشمائل، وانثنت ... مفنّدة عن جانبيها الجنائب
وحافظة ماء الحياة لفتية ... حياتهم أن تستلذّ المشارب
نسربلها أخفى اللباس، وإنما ... يلفّ بها أفواهه والسّبائب
على جسد مثل الزّ برجد لم تزل ... تشاكله في لونه وتناسب
إذا استودعت حرّ اللّجين سبائكا ... تصوّب في أحشائها وهو ذائب
وفوق رءوس القوم غيم معلّق ... أنامل بيض للطبول تلاعب
ولا عائق يثنى عنانك عن هوى ... رغى جانب منه وأومض جانب
فبادر؛ فإن اليوم صاف من القذى، ... وبا ربّ يوم بادرته النوائب
وقال ابن المعتز:
لا شىء يسلى همّى سوى قدح ... تدمى عليه أوداج إبريق
فى غيم ندّ يزجى سحائبه ... برق ابتسام ورعد نصفيق
وقال الحسن بن محمد الكاتب يصف طئلا:
يا حبّذا يومنا نلهو بملهية ... تلهى بشىء له رأسان في جسد
قد شدّ هذا إلى هذا كأنهما ... من شدّة الشدّ مقرونان في صفد «1»
نظلّ نلطم خدّيه إذا ضربت ... بكلّ طاقتها لطما بلا حرد «2»
فتسمع الصوت منه حين تضربه ... كأنه خارج من ما ضغى أسد
(2/498)

ومن ألفاظهم في الاستدعاء
نحن في مجلس قد أبت راحه أن تصفو لنا أو تتناولها يمناك، وأقسم غناؤه لا طاب أو تعيه أذناك، فأمّا خدود نارنجه فقد احمرّت خجلا لإبطائك، وعيون نرجسه قد حدّقت تأميلا للقائك، فبحياتى عليك إلّا تعجّلت، وما تمّهلت.
نحن بغيبتك كعقد تغيّبت واسطته، وشباب قد أخلقت جدّته؛ وإذ قد غابت شمس السماء عنّا، فلا بد أن تدنو الأرض منا. أنت من ينتظم به شمل الطرب، وبلقائه يبلغ كلّ أرب. طر إلينا طيران السّهم، واطلع علينا طلوع النّجم. ثب إلينا وثوب الغزال، واطلع علينا طلوع الهلال، فى غرّة شوّال. كن إلينا أسرع من السهم إلى ممرّه، والماء إلى مقرّه. جشم إلينا قدمك، واخلع علينا كرمك، وإن رأيت أن تحضرنا لتتّصل الواسطة بالعقد، ونحصل بقربك في جنّة الخلد، وتسهم لنا في قربك الذى هو قوت النّفس، ومادة الأنس.
ولهم في استدعاء الشراب
قد تألّف لى شمل إخوان كاد يفترق لعوز المشروب، واعتدنا فضلك المعهود، ووردنا بحرك المورود، وأنا ومن سامحنى الدهر بزيارته من إخوانى وأوليائك وقوف بحيث يقف بنا اختيارك من النشاط والفتور، ويرتضيه لنا إيثارك من الهمّ والسرور، والأمر في ذلك إليك، والاعتماد في جمع شمل المسرّة عليك؛ فإن رأيت أن تكلنى إلى أولى الظّنّين بك فعلت. ألطف المنن موقعا، وأجلّها في النفوس موضعا، ما عمر أوطان المسرّة، وطرد عوارض الهمّ والفكرة، وجمع شمل المودة والألفة. قد انتظمت في رفقة لى في سمط الثريا، فإن لم تحفظ علينا النظام بإهداء المدام عدنا كبنات نعش، والسلام.
فرأيك في إرواء غلّتنا بما ينقعها، والطّول على جماعتنا بما يجمعها.
(2/499)

ولهم في الكناية عن الشراب
قد نشط لتناول ما يستمدّ البشر، ويشرح الصّدر. قد استمطر سحابة الأنس، واستدرّ حلوبة السرور، وقدح زند اللهو، فهو يمرى دماء العناقيد، ويفصد عروق الدّنان، وينظم عقد النّدمان.
كتب الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب وقد اصطبح في يوم دجن لم يمطر: أما ترى تكافؤ هذا الطمع واليأس في يومنا هذا بقرب المطر وبعده، كأنه قول كثير:
وإنى وتهيامى بعزّة بعد ما ... تخلّيت مما بيننا وتخلّت
لكالمرتجى ظلّ الغمامة، كلما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
وما أصبحت أمنيتى إلّا في لقائك، فليت حجاب النأى هتك بينى وبينك! رقعتى هذه وقد دارت زجاجات أوقعت بعقلى ولم تتحيّفه، وبعثت نشاطا حرّكنى للكتاب؛ فرأيت في إمطارى سرورا بسارّ خبرك؛ إذ حرمت السرور بمطر هذا اليوم، موفّقا إن شاء الله.
وكتب الحسن بن وهب: وصل كتاب الامير أيّده الله وفمى طاعم ويدى عاملة؛ ولذلك تأخّر الجواب قليلا، وقد رأيت تكافؤ إحسان هذا اليوم وإساءته، وما استوجب ذنبا استحق به دما؛ لأنه إذا أشمس حكى حسنك وضياءك، وإن أمطر حكى جودك وسخاءك، وإن غام أشبه ظلّك وفناءك، وسؤال الامير عنى نعمة من نعم الله عزّ وجل أعفّى بها آثار الزمان السيىء عندى؛ وأنا كما يحبّ الأمير صرف الله الحوادث عنه، وعن حظّى منه.
وذمّ رجل رجلا فقال: دعواته ولائم، وأقداحه محاجم، وكئوسه محابر، ونوادره بوادر.
وقال أبو الفتح كشاجم: كان عندى بعض المجّان من النبيذيّين، فسعنى
(2/500)

وأنا أحمد الله جلّ ذكره في وسط الطعام لشىء خطر ببالى من نعم الله التي لا تحصى، فنهض وقال: أعطى الله عهدا إن عاودت! وما معنى التحميد هنا؟
كأنك تعلمنا أنا قد شبعنا. ثم مال إلى الدواة والقرطاس، وكتب ارتجالا:
وحمد الله يحسن كلّ وقت ... ولكن ليس في أولى الطعام
لأنك تحشم الأضياف فيه ... وتأمرهم بإسراع القيام
وتؤذنهم، وما شبعوا، بشبع ... وذلك ليس من خلق الكرام
وكتب المريمى إلى بعض إخوانه وقد ترك النبيذ:
إن كنت تبت عن الصّهباء تشربها ... نسكا فما تبت عن برّ وإحسان
تب راشدا، واسقنا منها، وإن عذلوا ... فيما فعلت فقل ما تلب إخوانى
وقال بعض النبيذيّين، وقد ترك الشرب:
تحامونى لتركى شرب راح ... أقمت مكانها الماء القراحا
وما انفردوا بها دونى لفضل ... إذا ما كنت أكثرهم مراحا
وأرفعهم على وتر وصنج ... وأطرفهم وأظرفهم مزاحا
إذا شقّوا الجيوب شققت جيبى ... وإن صاحوا علوتهم صياحا
فقر للنبيذيين
ما جمشت الدنيا بأظرف من النبيذ، ما للعقار والوقار. إنما العيش مع الطّيش، الراح ترياق سمّ الهمّ. النبيذ ستر فانظر مع من تهتكه. اشرب النبيذ ما استبشعته، فإذا استطبته فدعه. لولا أنّ المخمور يعلم قصّته لقدّم وصيّته.
الصاحى بين السكارى كالحىّ بين الموتى: يضحك من عقلهم، ويأكل من نقلهم. أحمق ما يكون السّكران إذا تعاقل. التبذل على النبيذ ظرف، والوقار عليه سخف، حدّ السّكران أن تغرب الهموم، ويظهر السرّ المكتوم.
(2/501)

وقال الحسن بن وهب لرجل رآه يعبس عند الشراب: ما أنصفتها، تضحك فى وجهك، وتعبس في وجهها.
وقال الطائى:
إذا ذاقها، وهي الحياة، رأيته ... يعبّس تعبيس المقدّم للقتل
وقد أحسن الشيخ صدر الدين حيث قال:
وأن أقطّب وجهى حين تبسم لى ... فعند بسط الموالى يحفظ الأدب
وترك رجل النبيذ، فقيل له: لم تركته، وهو رسول السرور إلى القلب؟
قال: ولكنه رسول بأس يبعث إلى الجوف فيذهب إلى الرأس.
وقيل لبعضهم: ما أصبّك بالخمر! فقال: إنها تسرج في يدى بنورها، وفي قلبى بسرورها كأنّ الناشىء نظر إلى هذا الكلام فقال:
راح إذا علت الأكفّ كئوسها ... فكأنها من دونها في الرّاح «1»
وكأنما الكاسات مما حولها ... من نورها يسبحن في ضحضاح «2»
لو بثّ في غسق الظلام ضياؤها ... طلع المساء بغرّة الإصباح
نفضت على الأجسام ناصع لونها ... وسرت بلذّتها إلى الأرواح
البيت الأول كقول البحترى:
يخفى الزجاجة ضوءها، فكأنها ... فى الكفّ قائمة بغير إناء «3»
وللناشىء في هذا المعنى:
ومدامة يخفى النهار لنورها ... ونذلّ أكناف الدّجا لضيائها
صبّت فأحدق نورها بزجاجها ... فكأنها جعلت إناء إنائها
وترى إذا صبّت بدت في كأسها ... متقاصر الأرجاء عن أرجائها
وتكاد إن مزجت لرقّة لونها ... تمتاز عند مزاجها من مائها
صفراء تضحى الشمس، إن قيست بها ... فى ضوئها، كاللّيل، فى أضوائها
(2/502)

وإذا تصفّحت الهواء رأيته ... كدر الأديمة عند حسن صفائها
تزداد من كرم الطباع بقدر ما ... نودى به الأيام من أجزائها
لا شىء أعجب من تولّد برئها ... من سقمها، ودوائها من دائها
وقال:
إن رمت وصف الراح فأت بما ... فيها من الأوصاف من قرب
هى ماء ياقوت، وإن مزجت ... فى كأسها بالبارد العذب
فكأنها وحبابها ذهب ... كلّلته بالّلؤلؤ الرّطب
ولأهل العصر: الدنيا معشوقة ريقها الراح. أخذ هذا المعنى من قول ابن الرومى في صاعد بن مخلد:
فتى هاجر الدنيا وحرّم ريقها ... وهل ريقها إلّا الرحيق المورّد
ولو طمعت في عطفه ووصاله ... أباحته منها مرشفا لا يصرّد
الخمر أشبه شىء بالدنيا؛ لاجتماع اللذات والمرارة فيها. الخمر مصباح السرور، ولكنها مفتاح الشرور. لكل شىء سرّ، وسرّ الراح السرور. لا يطيب المدام الصافى، إلّا مع النديم المصافى.
ومن ألفاظهم في صفات مجالس الأنس وآلات اللهو وذكر الخمر
مجلس راحه ياقوت، ونوره ورد، ونارنجه ذهب، ونرجسه دينار ودرهم، يحملهما زبرجد. عندنا أترج كأنه من خلقك خلق، ومن شمائلك «1» سرق، ونارنج ككرات من سفن ذهّبت «2» ، أو ثدى أبكار خلّقت. مجلس أخذت فيه الأوتار تتجاوب، والأقداح تتناوب. أعلام الأنس خافقة، وألسن الملاهى
(2/503)

ناطقة. ونحن بين بدور، وكاسات تدور، وبروق راح، وشموس أقداح. قد نشأت غمامة النّدّ، على بساط الورد. مجلس قد تفتّحت فيه عيون النرجس، وفاحت مجامير الأترجّ، وفتقت فارات النّارنج، ونطقت ألسن العيدان، وقامت خطباء الأوتار، وهبّت رياح الأقداح، وطلعت كواكب النّدمان، وامتدت سماء النّدّ. مجلس من رآه حسب الجنان قد اصطفّت عيونها، فجعلت فى قدر من الأرض، وتخيّرت فصوصها، فنقلت إلى مجلس الأنس واللهو.
قد فضّ اللهو ختامه، ونشر الأنس أعلامه. قد هبّت للأنس ريح برقها الراح، وسحابها الأقداح، ورعودها الأوتار، ورياضها الأقمار. قد فرغنا للهو والدهر عنا فى شغل.
جلّ هذا من قول بعض أهل العصر:
كم جوى مثّله رسم مثل ... ودم قد طلّ أثناء طلل
ولآل كلّل الخدّ بها ... لعب البين بربّات الكلل
حبذا عيش الليالى باللّوى ... لو تجافى الدّهر عنّا وغفل
إذ فرغنا فيه للهو وقد ... باتت الأقدار عنّا في شغل
وأدرنا ذهبا في لهب ... كلما أخمد بالماء اشتعل
قد اقتعدنا غارب الأنس، وجرينا في ميدان اللهو. عمدنا إلى أقداح اللهو فأجلناها، ولمراكب السرور فامتطيناها. قد امتطينا غوارب السرور بالأقداح. مدامة توردريح الورد، وتحكى نار إبراهيم في اللّون والبرد، ولست أدرى أشقيق أم عقيق، أم رحيق أم حريق. راح كأنّ الدّيوك صبّت أحداقها فيها. راح كأنما اشتقّت من الرّوح والراحة.
قال ابن الرومى:
والله ما ندرى لأيّة علّه ... يدعونها في الرّاح باسم الرّاح
ألريحها أم روحها تحت الحشى ... أم لارتياح نديمها المرتاح
(2/504)

راح كالنار والنّور والنّور، أصفى من البلّور، ومن دمع المهجور. روح نور لها من الكأس جسم، كأنها شمس في غلالة سراب. شراب أكاد أقول:
هو أصفى من مودّتى لك، ومن نعم الله عندى فيك، وأطيب من إسعاف الزمان بلقائك. مدامة قد سبك الدهر تبرها فصفا. كأس كأنها نور ضميره نار. راح كياقوتة في درّة، أصفى من ماء السماء، ودمع العاشقة المرهاء «1» ، أحسن من الدنيا المقبلة، والنعم المكملة. أحسن من العافية في البدن، وأطيب من الحياة في السرور. أرقّ من نسيم الصّبا، وعهد الصّبا. أرقّ من دمع محبّ، وشكوى صبّ. أرقّ من دموع العشّاق، مرتها لوعة الفراق.
مزج نار الرّاح بنور الماء. راح كأنها معصورة من وجنة الشمس، فى كأس كأنها مخروطة من فلقة البدر. كأسها ملء اليد، وريحها ملء البلد، تصبّ على الليل ثوب النهار، كأنها في الكأس معنى دقيق في ذهن لطيف.
كأنّ الراح من خدّه معصورة، وملاحة الصورة عليها مقصورة. وهذا من قول الطائى
كأنها من خدّه تعصر
وقال عبد السلام بن رغبان الملقب بديك الجن الشاعر المشهور:
معتّقة من كفّ ظبى كأنما ... تناولها من خدّه فأدارها
تمشّت الصّهباء في عظامهم، وترقّت إلى هامهم، وماست في أعطافهم، ومالت بأطرافهم. سارت فيهم الكئوس، ونالت منهم سورة الخندريس «2» .
شربت عقولهم، وملكت قلوبهم.
وقال أبو نواس، وهو أستاذ الناس في هذا الشأن:
صفة الطول بلاغة الفدم ... فاجعل صفاتك لابنة الكرم
تصف الطلول على السماع بها ... أفذو العيان كثابت العلم
(2/505)

وإذا وصفت الشىء متبعا ... لم تخل من غلط ومن وهم
وقال:
الكأس أهواها وإن رزأت ... بلغ المعاش وقلّلت فضلى «1»
صفراء مجّدها مرازبها ... جلّت عن النظراء والمثل
ذخرت لآدم قبل خلقته ... فتقدمته بخطوة القبل
فاعذر أخاك فإنه رجل ... مرنت مسامعه على العذل
وقال:
فتسلّيت بشرب عقار ... نشأت في حجر أمّ الزمان
فتناساها الجديدان حتى ... هى أنصاف شطور الدّنان
وافترعنا مرة الطعم بها ... نزق البكر ولين العوان
واحتسينا من رحيق عتيق ... وشديد كامل في ليان
لم يجفها مبزل القوم حتى ... نجمت مثل نجوم السنان
أو كعرق السام تنشقّ منه ... شعب مثل انفراج البنان
وقال:
وخدين لذّات معلّل صاحب ... يقتات منه فكاهة ومزاحا
قال: ابغنى المصباح، قلت له: اتّئد ... حسبى وحسبك ضوءها مصباحا
فسكبت منها في الزجاجة شربة ... كانت له حتى الصباح صباحا
وهذا كقوله:
وخمّار أنخت عليه ليلا ... قلائص قد تعبن من السّفار «2»
فترجم والكرى في مقلتيه ... كمخمور شكا ألم الخمار
أبن لى كيف صرت إلى حريمى ... وجفن الليل مكتحل بقار
(2/506)

فقلت له: ترفّق بى؛ فإنى ... رأيت الصبح من خلل الديار
فكان جوابه أن قال: كلّا ... وما صبح سوى ضوء العقار
وقام إلى الدّنان فسدّ فاها ... فعاد الليل مسدول الإزار
وقال بعض المحدثين:
ما زال يشربها وتشرب عقله ... خبلا، وتؤذن روحه برواح
حتى انثنى متوسّدا بيمينه ... سكرا، وأسلم روحه للرّاح
وقال الصنوبرى وذكر شربا «1» :
نازعتهم كأسا تخال نسيمها ... مسكا تضوّع في الإناء عتيقا
شقّت قناع الفجر لما غادرت ... كفّ النديم قناعها مشقوقا
صبغت سواد دجاه حمرة لونها ... فكأنه سبج أعيد عقيقا
وقال أبو الشّيص:
وكأس كسا الساقى لنا بعد هجعة ... حواشيها ما مجّ من ريقة العنب
كأنّ اطّراد الماء في جنباتها ... تربّع ماء الدرّ في سبك الذّهب
سقانى بها، واللّيل قد شاب رأسه، ... غزال بحنّاء الزجاجة مختضب
وقال أبو عدى الكاتب:
ليس لها حدّ تحيط بوصفه ... لغات، ولا جسم يباشره لمس
ولكنه كالبرق أومض ماضيا ... فلم يبق منه غير ما تذكر النّفس
وقال ابن المعتز:
ألا فاسقنيها قد مشى الصبح في الدّجى ... عقارا كمثل النار حمراء قرقفا
فناولنى كأسا أضاءت بنانه ... تدفّق ياقوتا ودرّا مجوّفا
ولما أريناها المزاج تسعرّت ... وخلت سناها بارقا قد تكشفا
(2/507)

يطوف بها ظبى من الإنس شادن ... يقلّب طرفا فاسق اللّحظ مدنفا
عليم بأسرار المحبين حاذق ... بتسليم عينيه إذا ما تخوّفا
فظل يناجينى يقلّب طرفه ... بأطيب من نجوى الأمانى وألطفا
وقال:
ألا عج على دار السرور فسلّم ... وقل: أين لذّاتى وأين تكلمى؟
وقل: ما حلت بالعين بعدك لذة ... سواك، وإن لم تعلمى ذاك فاعلمى
وصفراء من صبغ المزاج برأسها، ... إذا مزجت، إكليل درّ منظم
قطعت بها عمر الدّجى وشربتها ... ظلاميّة الأحشاء نورية الدّم
[من رسائل بديع الزمان الهمذانى]
كتب أبو الفضل بديع الزمان إلى أبى عدنان بن محمد الضبى «1» يعزّيه عن بعض أقاربه:
إذا ما الدهر جرّ على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
أحسن ما في الدهر عمومه بالنوائب، وخصوصه بالرغائب، فهو يدعو الجفلى «2» إذا ساء، ويخصّ بالنعمة إذا شاء، فليفكّر الشامت؛ فإن كان أفلت، فله أن يشمت، ولينظر الإنسان في الدهر وصروفه، والموت وصنوفه، من فاتحة أمره، إلى خاتمة عمره؛ هل يجد لنفسه، أثرا في نفسه؟ أم لتدبيره، عونا على تصويره، أم لعمله، تقديما لأمله، أم لحيله، تأخيرا لأجله؛ كلا، بل هو العبد لم يكن شيئا مذكورا؛ خلق مقهورا، ورزق مقدورا، فهو يحيا جبرا، ويهلك صبرا، وليتأمّل المرء كيف كان قبلا؛ فإن كان العدم أصلا، والوجود فضلا، فليعلم
(2/508)

الموت عدلا؛ فالعاقل من رقّع من جوانب الدهر ما ساء بما سرّ، ليذهب ما نفع بما ضرّ؛ فإن أحبّ ألّا يحزن فلينظر يمنة، هل يرى إلا محنة، ثم ليعطف يسرة، هل يرى إلّا حسرة؟ ومثل الشيخ الرئيس- أطال الله بقاءه! - من فطن لهذه الأسرار، وعرف هذه الديار، فأعدّ لنعيمها صدرا لا يملؤه فرحا، ولبؤسها قلبا لا يطيره ترحا؛ وصحب البريّة برأى من يعلم أنّ للمتعة حدّا، وللعاريّة ردّا، ولقد نعى إلىّ أبو قبيصة قدّس الله روحه، وبرّد ضريحه، فعرضت علىّ آمالى قعودا، وأمانىّ سودا، وبكيت، والسخىّ جوده بما يملك، وضحكت، وشرّ الشدائد ما يضحك، وعضضت الأصبع حتى أدميته، وذممت الموت حتى تمنّيته؛ والموت أطال الله بقاء الشيخ الرئيس خطب قد عظم حتى هان، وأمر قد خشن حتى لان، ونكر قد عمّ حتى عاد عرفا؛ والدنيا قد تنكّرت حتى صار الموت أخفّ خطوبها، وقد خبثت حتى صار أقلّ عيوبها، ولعل هذا السهم قد صاب آخر ما في كنانتها، وأنكأ ما في خزانتها، ونحن معاشر التّبع نتعلم الأدب من اخلاقه، والجميل من أفعاله، فلا نحثّه على الجميل وهو الصبر، ولا نرغّبه في الجزيل وهو الأجر؛ فلير فيهما رأيه إن شاء الله.
وله إلى بعض إخوانه جوابا عن كتاب كتبه يهنّيه بمرض أبى بكر الخوارزمى وكانت بينهما مقارعة، ومنازعة، ومنافرة، ومهاترة؛ ولهما مجالس مستظرفة قهره البديع فيها وبهره، وبكّته حتى أسكته، ليس هذا موضعها، لكنى أذكر بعد هذه الرسالة بعض مكاتبات جرت بينهما؛ إذ كان ما لهما من الابتداء والجواب آخذا بوصل الحكمة وفصل الخطاب:
الحرّ أطال الله بقاءك- لا سيما إذا عرف الدهر معرفتى، ووصف أحواله صفتى- إذا نظر علم أنّ نعم الدّهر ما دامت معدومة فهى أمانىّ، وإن وجدت فهى عوارى، وأنّ محن الأيام وإن طالت فستنفد، وإن لم تصب فكأنّ قد، فكيف يشمت بالمحنة من لا يأمنها في نفسه، ولا يعدمها في جنسه، والشامت
(2/509)

إن أفلت فليس يفوت، وإن لم يمت فسيموت؛ وما أقبح الشماتة، بمن أمن الإماتة، فكيف بمن يتوقّعها بعد كل لحظة، وعقب كلّ لفظة، والدّهر غرثان طعمه الخيار «1» ، وظمآن شربه الأحرار، فهل يشمت المرء بأنياب آكله، أم يسرّ العاقل بسلاح قاتله؟ وهذا الفاضل شفاه الله وإن ظاهرناه بالعداوة قليلا، فقد باطنّاه ودّا جميلا، والحرّ عند الحميّة لا يصطاد، ولكنه عند الكرم ينقاد، وعند الشدائد تذهب الأحقاد، فلا تتصور حالتى إلا بصورتها من التوجّع لعلّته، والتحزّن لمرضته، وقاه والله المكروه، ووقانى سماع المحذور فيه، بمنّه وحوله، ولطفه وطوله.
قال البديع في سياقة أخباره مع أبى بكر الخوارزمى:
أولها أنا وطئنا خراسان، فما اخترنا إلّا نيسابور دارا، وإلّا جوار السادة جوارا، لا جرم أنا حططنا بها الرّحل؛ ومددنا عليها الطّنب، وقديما كنا نسمع بحديث هذا الفاضل فنتشوّقه، وبخبره على الغيب فنتعشّقه، ونقدّر أنا إذا وطئنا أرضه، ووردنا بلده، يخرج لنا في العشرة عن القشرة، وفي المودّة عن الجلدة، فقد كانت كلمة الغربة جمعتنا، ولحمة الأدب نظمتنا، وقد قال شاعر القوم غير مدافع «2» :
أجارتنا إنّا غريبان هاهنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب
فأخلف ذلك الظنّ كلّ الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كلّ الاختلاف، وكان قد اتفق علينا في الطريق من العرب اتفاق، لم يوجبه استحقاق، من بزّة بزوها، وفضّة فضوها، وذهب ذهبوا به، ووردنا نيسابور براحة، أنقى من
(2/510)

الراحة، وكيس أخلى من جوف حمار «1» ، وزى أوحش من طلعة المعلّم، بل اطلاعة الرقيب، فما حللنا إلا قصبة جواره، ولا وطئنا إلا عتبة داره؛ وهذا بعد رقعة قدّمناها، وأحوال أنس نظمناها- ونسخة الرقعة: أنا بقرب الأستاذ أطال الله بقاه كما طرب النّشوان مالت به الخمر، ومن الارتياح للقائه كما انتفض العصفور بلّله القطر، ومن الامتزاج بولائه كما التقت الصّهباء والبارد العذب، ومن الابتهاج لمزاره كما اهتزّ تحت البارح الغصن الرّطب، فكيف نشاط الأستاذ سيدى لصديق طرأ إليه ممّا بين قصبتى العراق وخراسان، بل عتبتى نيسابور وجرجان؟ وكيف اهتزازه لضيف:
رثّ الشمائل مخلق الأثواب ... بكرت عليه مغيرة الأعراب
وهو- أيّده الله! - ولىّ إنعامه، بإنفاذ غلامه، إلى مستقرّى، لأفضى إليه بما عندى- إن شاء الله- فلما أخذتنا عينه سقانا الدّردىّ من أوّل دنّه، وأجنانا سوء العشرة من باكورة فنّه، من طرف نظر بشطره، وقيام دفع في صدره، وصديق استهان بقدره، وضيف استخفّ بأمره؛ لكنا أقطعناه جانب أخلاقه، وولّيناه خطّة نفاقه؛ فواصلناه إذ جانب، وقاربناه إذ جاذب، وشربناه على كدورته، ولبسناه على خشونته، ورددنا الأمر في ذلك إلى زىّ استغثه، ولباس استرثّه، وكاتبناه نستمدّ وداده، ونستلين قياده، ونقيم منآده، بما هذه نسخته:
الأستاذ أبو بكر، والله يطيل بقاءه، أزرى بضيفه أن وجده يضرب إليه آباط القلّة، فى أطمار الغربة، فأعمل في رتبته أعمال المصارفة، وفي الاهتزاز إليه أصناف المضايقة، من إيماء بنصف الطّرف، وإشارة بشطر الكف،
(2/511)

ودفع في صدر القيام عن التمام، ومضغ للكلام، وتكلّف لردّ السلام؛ وقد قبلت ترتيبه صعرا، واحتملته وزرا، واحتضنته نكرا، وتأبّطته شرّا، ولم آله عذرا؛ فإن المرء بالمال وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال وفي الاسمال، أتقزّز من صفّ النعال، فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب، لقلت: إنّ بوادينا ثاغية صباح، وراغية رواح، وناسا يجرّون المطارف، ولا يمنعون المعارف:
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
فلو طوّحت بأبى بكر- أيّده الله- إليهم مطارح الغربة، لوجد منزل البشر رحيبا، ومحطّ الرّحل قريبا، ووجه المضيف خصيبا؛ فرأى الأستاذ أبى بكر أيده الله فى الوقوف على هذا العتاب الذى معناه ودّ، والمرّ الذى يتلوه شهد، موفق إن شاء الله.
فأجاب بما نسخته: وصلت رقعة سيدى ورئيسى أطال الله بقاه إلى آخر السّكباج «1» ، وعرفت ما تضمّنه من خشن خطابه، ومؤلم عتابه، وصرفت ذلك منه إلى الضّجرة التي لا يخلو منها من مسّه عسر أو نبا به دهر؛ والحمد لله الذى جعلنى موضع أنسه، ومظنّة مشتكى ما في نفسه، أما ما شكاه سيدى ورئيسى من مضايقتى إياه في القيام، فقد وفيته حقّه- أيّده الله- سلاما وقياما، على قدر ما قدرت عليه، ووصلت إليه، ولم أرفع عليه إلا السيد أبا البركات [العلوى] أدام الله عزه، وما كنت لأرفع أحدا على من أبوه الرسول، وأمّه البتول، وشاهداه التوراة والإنجيل، وناصراه التأويل والتنزيل، والبشير به جبريل وميكائيل؛ فأما القوم الذين صدر عنهم سيدى فكما وصف: حسن عشرة، وسداد طريقة، وجمال تفصيل وجملة، ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، ونلت المراد:
(2/512)

فإن كنت قد فارقت نجدا وأهله ... فما عهد نجد عندنا بذميم
والله يعلم نيّتى للأحرار «1» كافة، ولسيدى من بينهم خاصة؛ فإن أعاننى الدهر على ما في نفسى بلغت له ما في النيّة، وجاوزت به مسافة القدر والأمنية، وإن قطع علىّ طريق عزمى بالمعارضة، وسوء المناقضة، صرفت عنانى عن طريق الاختيار، بيد الاضطرار.
فما النفس إلّا نطفة بقرارة ... إذا لم تكدّر كان صفوا غديرها «2»
وبعد، فحبذا عتاب سيدى إذا استوجبنا عتبا، واقترفنا ذنبا؛ فأما أن يسلفنا العربدة فنحن نصونه عن ذلك، ونصون أنفسنا عن احتماله، ولست أسومه أن يقول: (اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ)
، ولكن أسأله أن يقول: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) .
فحين ورد الجواب وعين العذر رمدة تركناه بعرّه، وطويناه على غرّه، وعمدنا إلى ذكره فسحوناه، ومن صحيفتنا محوناه، وصرنا إلى اسمه فأخذناه ونبذناه، وتنكّبنا خطته، وتجنبنا حطّته «3» ، فلا طرنا إليه، ولا صرنا به، ومضى على ذلك الأسبوع، ودبّت الأيام، ودرجت الليالى، وتطاولت المدّة، وتصرّم الشهر، وصرنا لا نعير الأسماع ذكره، ولا نودع الصدور حديثه؛ وجعل هذا الفاضل يستزيد، ويستعيد، بألفاظ تقطعها الأسماع من لسانه، وتؤديها إلىّ، وكلمات تحفظها الألسنة من فمه، وتعيدها علىّ؛ فكاتبناه بما هذه نسخته:
أنا أرد من الأستاذ سيدى- أطال الله بقاه- شرعة ودّه وإن لم تصف، وألبس خلعة برّه وإن لم تضف، وقصاراى أن أكيله، صاعا عن مدّ؛ فإنى وإن كنت في الأدب دعىّ النّسب، ضيق المضطرب، سيىء المنقلب، أمتّ إلى عشرة أهله بنيقة، وأنزع إلى خدمة أصحابه بطريقة، ولكن بقى أن يكون الخليط منصفا في الوداد، إذا زرت زار، وإن عدت عاد، وسيدى- أبقاه الله-
(2/513)

ناقشنى في القبول أولا «1» ، وصارمنى في الإقبال آخرا؛ فأما حديث الاستقبال، وأمر الإنزال والأنزال «2» ، فنطاق الطمع ضيّق عنه، غير متسع لتوقّعه منه، وبعد فكلفة الفضل بيّنة، وفروض الودّ متعيّنة، وأرض العشرة ليّنة، وطرقها هيّنة، فلم اختار قعود التّعالى مركبا، وصعود التغالى مذهبا؛ وهلّا ذاد الطير عن شجر العشرة، وذاق الحلو من ثمرها؛ فقد علم الله أن شوقى إليه قد قدّ الفؤاد برحا إلى برح، ونكأه قرحا إلى قرح، ولكنها مرّة مرّة، ونفس حرّة، لم تقد إلا بالإعظام، ولم تلق إلا بالإجلال والإكرام، وإذا استعفانى من معاتبته، فأعفى نفسه من كلف الفضل يتجشّمها، فليس إلّا غصص الشوق أتجرّعها، وحلل الصّبر أتدرّعها، ولم أعره من نفسى، وأنا لو أعرت جناحى طائر لما طرت إلّا إليه، ولا وقعت إلا عليه:
أحبك يا شمس النهار وبدره ... وإن لامنى فيك السها والفراقد
وذاك لأنّ الفضل عندك باهر ... وليس لأن العيش عندك بارد
فلما وردت عليه الرّقعة حشد تلاميذه وخدمه، وجشم للايجاب قدمه «3» :
وطلع علينا مع الفجر طلوعه، ونظمتنا حاشيتا دار الأمير أبى الطيب؛ فقلنا:
الآن تشرق الحشمة وتنوّر، وننجد فى العشرة ونغوّر، وقصدناه شاكرين لما أتاه، وانتظرنا عادة برّه، وتوقّعنا مادّة فضله؛ فكان خلّبا شمناه، وآلا وردناه «4» ، وصرفنا فى تأخّره وتأخّرنا عنه إلى ما قاله ابن المعتز:
إنّا على البعاد والتفرّق ... لنلتقى بالذكر إن لم نلتق
وأنشدنا قول ابن عصرنا «5» :
أحبك فى البتول وفى أبيها ... ولكنى أحبّك من بعيد
(2/514)

وبقينا نلتقى خيالا، ونقنع بالذكر وصالا، حتى جعلت عواصفه تهبّ، وعقاربه تدبّ.
والمجلس طويل جدا.
قلت: إن كنت خرجت لطول هذا الكلام عن ضبط الشرط، فلعلى أسامح فيه لفضله، وعدم مثله، وهو وإن كان فى باب الاتصال، فهو بتقدير الانفصال، لقيام كلّ رسالة بذاتها، وانفرادها بصفاتها.
وكتب إلى رئيس هراة عدنان بن محمد يصف ما جرى بينه وبين الخوارزمىّ:
ما ألوم هذا الفاضل على بساط شرّ طواه، وموقد حرب اجتواه، ولكنى ألومه على ما نواه؛ ثم لم يتبع هواه، ورامه، ثم لم يبلغ آثامه، وأقول: قد ضرب فأين الإيجاع؟ وأنذر فأين الإيقاع؟ وهذه بوارقه، فأين صواعقه؟ وذلك وعيده، فأين عديده؟ وتلك بنوده، فأين جنوده؟ وأنشد:
هذى معاهده فأين عهوده؟
وما أهول رعده، لو أمطر بعده! اللهمّ لأكفران، ولعن الله الشيطان، فإنّه أشفق لغريب أن يظهر عواره، وإن طار طواره «1» ، وإن كان قصد هذا القصد فقد أساء إلى نفسه من حيث أحسن إلىّ، وأجحف بفضله من حيث أبقى علىّ، وأوهم الناس أنه هاب البحر أن يخوضه، والأسد أن يروضه، وشجّعنى على لقائه، بعد ما برعنى «2» بإيمائه، فبينا كنت أنشد:
إنّ جنبى على الفراش لناب
إذ أنشدت:
طاب ليلى وطاب فيه شرابى
(2/515)

وبينا أنا أقول:
ما لقلبى كأنه ليس منى
إذ قلت:
أين من كان موعدا لى بأنى
فلو أنّ هذا الفاضل قضى حقّنا بالزيارة عند قدومنا أو الاستزارة، لكان فى الضّرب أحسن، وفى طريق المعاشرة أذهب. لا، ولكنه وعد بالمباراة أولا، وهدّدنا بالمسائل ثانيا، وأخلف بالتخلف ثالثا؛ فأبلغ وجدى إليه، واعرض شوقى عليه، وقل له إن كنت ندمت على النضال، فلا تندم على الإفضال، فإن طويتنا حيث الجهاد، فانشرنا حيث الوداد، وإن لم تلقنا فى باب المكاشرة، فأتنا من باب المعاشرة.
وله إلى الإمام أبى الطيب سهل بن محمد: قد كان الشيخ يعدنى عن هذه الحضرة عدات أشمّ لها الأنف، لا ذهابا بتلك الفواضل عنها، لكن استحالة من هذا الزمان أن يجود بها؛ فحين أسرفت على الحضرة ماجت إلىّ أمواج الشرف منها، وخلص إلىّ نسيم الكرم عنها، وأتحفنى على رسم الإجلال بمركوب شامخ، ومركب ذهب سابغ، وجنيب «1» شرف زائد؛ وسرت بحمد الله محفوفا بأعيان الكتّاب، وعيون الرجال، حتى شافهت بساط العزّ، مستقبلا ملك الشرق أدام الله علوّه، فجذب بضبعىّ عن أرض الخدمة إلى جوار ولىّ النعمة، حرس الله مكانه، فاهتزّ اهتزازا فات سمة الإكرام، وتجاوز اسم الإعظام إلى القيام، فقبلت من يمناه مفتاح الأرزاق، وفتّاح الآفاق، ولحقت منه بقاب العقاب «2» ، وخاطبنى بمخاطبات نشدت بها ضالّة الكرام، وهلّم جرّا إلى ما تبعها من جميل الإنزال، وسنىّ الأجزال «3» .
(2/516)

وطرأت من الشيخ العميد على شخص يسعه الخاتم، ولا يسعه العالم، ويهتزّ عند المكارم كالغصن، ويثبت عند الشدائد كالرّكن، وسلطان يحلم حلم السيف مغمدا، ويغضب مجرّدا، فهو عند الكرم ليّن كصفحته، وعند السياسة خشن كشفرته، وملك يأتى الكرم نيّة، والفضل سجيّة، ويفعل الشرّ كلفة أو خطيّة، فهو ضرور بآلاته، نفوع بذاته، عطارد قلمه ودواته، والمريخ سيفه وقناته؛ عيبه أن لا عيب فيه، فيصرف عين الكمال عن معاليه.
وصادفت من الشيخ الموفق أيّده الله ملكا يشاهد عيانا، وجبلا قد سمّى إنسانا، وحسنا قد ملىء إحسانا، وأسدا قد لقّب سلطانا، وبجرا قد أمسك عنانا، وحططت رحلى بفناء الأمير الفاضل أبى جعفر أدام الله عزّه، فوجدت حكمى في ماله أنفذ من حكمه، وقسمى من غناه أوفر من قسمه، واسمى في ذات يده مقدّما على اسمه، ويدى إلى خزانته أسرع من يده؛ وإن قصدت أن أفرد لكلّ مدحا، وأعبر الجملة شرحا، أللت هلمّ جرّا إلى ما انسخت الكتاب لأجله.
ورد للخوارزمى كتاب ينقلّب فيه على جنب الحرد، ويتقلّ على جمر الضّجر، ويتأوّه من خمار الخجل، ويتعثّر فى أذيال الكلل، ويذكر أنّ الخاصة قد علمت لأينا كان «1» الفلج، فقلت: است البائن أعلم، والخوارزمى أعرف، والأخبار المتظاهرة [أعدل، والآثار الظاهرة] أصدق، وحلبة السباق أحكم، وما مضى بيننا أشهد، والعود إن نشط أحمد، ومتى استزاد زدنا، وإن عادت العقرب عدنا، وله عندى إذا ما شاء، كلّ ما شاء! وهى طويلة فيها هنات ضنت الكتاب عنها، وقد أعاد البديع معنى قوله فى صدر حكايته مع الخوارزمى، فقال فى رقعة كتبها إلى سعيد الإسماعيلى، وقد وقفت به الضرورة على تلك الصورة من سلب العرب ماله:
كتابى، بل رقعتى، أطال الله بقاء الشيخ، وقد بكرت علىّ مغيرة
(2/517)

الأعراب، كمهلهل، وربيعة بن مكدّم، وعتيبة بن الحارث بن هشام، وأنا أحمد الله إلى الشيخ الفاضل، وأذمّ الدهر؛ فما ترك لى من فضّه إلّا فضّها، ولا ذهب إلا ذهب به، ولا علق إلا علقه «1» ، ولا عقار إلا عقره، ولا ضيعة إلا أضاعها، ولا مال إلا مال إليه، ولا سبد إلا استبدّ به، ولا لبد إلا لبد فيه، ولا بزّة إلا بزّها «2» ، ولا عارية إلا ارتجعها، ولا وديعة إلا انتزعها، ولا خلعة إلا خلعها، وأنا داخل نيسابور ولا حلية إلا الجلدة، ولا برد إلا القشرة، والله ولىّ الخلف يعجّله، والفرج يسهّله، وهو حسبى ونعم الوكيل.
وليس البديع بأبى عذرة هذا الخطاب، وسترى نظير هذا المعنى فى هذا الكتاب.
ومن إنشائه فى مقامات أبى الفتح الإسكندرى
قال: حدّثنى عيسى بن هشام قال: كنت فى بعض بلاد بنى فزارة مرتحلا نجيبة، وقائدا جنيبة، يسبحان سبحا، وأنا أهيم بالوطن، فلا الليل يثنينى بوعيده، ولا البعد يدنينى ببيده، «3» وظللت أخبط ورق النّهار، بعصا التّسيار، وأخوض بطن الليل، بحوافر الخيل، فبينا أنا فى ليلة يضلّ بها الغطاط «4» ، ولا يبصر بها الوطواط، أسبح ولا سانح إلا السبع، ولا بارح إلا الضّبع، إذ عنّ لى راكب تامّ الآلات، يطوى منشور الفلوات، فأخذنى منه ما يأخذ الأعزل من شاكى السلاح، لكنى تجلّدت فقلت: أرضك لا أمّ لك! فدونك شرط الحداد، وخرط القتاد، وخصم ضخم، وحمية أزديّة، وأنا سلم إن شئت، وحرب إن أردت، من أنت؟ قال: سلما أصبت، قلت: خيرا أجبت، قلت: فمن أنت؟ قال: نصيح إن شاورت، فصيح إن حاورت، ودون اسمى
(2/518)

لثام، لا تميطه الأعلام. قلت: فما الطعمة؟ قال: أجوب جيوب البلاد، حتى أقع على جفنة جواد، ولى فؤاد يخدمه لسان، وبيان يرقمه بنان، وقصاراي كريم ينفض إلىّ حقيبته، ويخفّف لى جنيبته، كابن حرّة طلع إلىّ بالأمس، طلوع الشمس «1» ، وغرب عنى بغروبها؛ لكنه غاب ولم يغب تذكاره، وودّع وشيّعتنى آثاره، ولا ينبئك عنها أقرب منها، وأومأ إلى ما كان يلبسه، فقلت: شحاذ وربّ الكعبه أخاذ، له فى الصّنعة نفاذ، بل هو فيها أستاذ، ولا بد أن ترشح له وتسحّ عليه، وقلت له: يافتى، قد أجليت عبارتك، فأين شعرك من كلامك؟ فقال: وأين كلامى من شعرى! ثم استمدّ غريزته، ورفع عقيرته، بصوت ملأ الوادى، وأنشأ يقول:
وأروع أهداه لى الليل والفلا ... وخمس تمسّ الأرض لكن كلا ولا «2»
عرضت على نار المكارم عوده ... فكان معمّا فى السوابق مخولا
وخادعته عن ماله فخدعته ... وساهلته فى برّه فتسهّلا
ولما تجالينا وأحمد منطقى ... بلانى فى نظم القريض بمابلا «3»
فما هزّ إلا صارما حين هزّنى ... ولم يلقنى إلا إلى السّبق أوّلا
فلم أره إلا أغرّ محجّبا ... وما تحته إلا أغرّ محجّلا
فقلت: على رسلك يا فتى، ولك مما يصحبنى حكمك. فقال: الجنيبة، قلت: إنّ «4» وما عليها. ثم قبضت بجمعى عليه، وقلت: لا والله الذى ألهمها لمسا، وشقّها من واحدة خمسا، لا تزايلنا أو نعلم علمك، فحدر لثامه عن وجهه، فإذا والله شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، فما لبثت أن قلت:
توشّحت أبا الفتح ... بهذا السيف مختالا
(2/519)

وما تصنع بالسيف ... إذا لم تك قتّالا؟
[فصغ ما أنت حليت ... به سيفك خلخالا]
[من طرف الأدب]
وعلى ذكر قوله: «إنّ وما عليها قال أبو عبيدة: وفد عبد الله بن الزّبير الأسدى على عبد الله بن الزّبير بن العوام فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ بينى وبينك رحما من قبل فلانة الكاهلية؛ هى أختنا، وقد ولدتكم، وأنا ابن فلان؛ فلانة عمّتى. فقال ابن الزبير: هذا كما ذكرت، وإن فكّرت فى هذا أصبت، الناس كلهم يرجعون إلى أب واحد، وأم واحدة.
فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ نفقتى قد ذهبت. قال: ما كنت ضمنت لأهلك أنها تكفيك إلى أن ترجع إليهم. قال: يا أمير المؤمنين؛ إن ناقتى قد نقبت ودبرت «1» . فقال له: أنجد بها يبرد خفّها، وارقعها بسبت، واخصفها بهلب «2» ، وسر عليها البريدين. قال: يا أمير المؤمنين، إنما جئتك مستحملا، ولم آتك مستوصفا «3» لعن الله ناقة حملتنى إليك. قال ابن الزبير: إنّ وراكبها! فخرج وهو يقول:
أرى الحاجات عند أبى خبيب ... نكدن، ولا أميّة فى البلاد
من الاعياص أو من آل حرب ... أغرّ كغرّة الفرس الجواد
ومالى حين أقطع ذات عرق ... إلى ابن الكاهلية من معاد «4»
وقلت لصحبتى أدنوا ركابى ... أفارق بطن مكّة فى سواد
فبلغ شعره هذا عبد الله بن الزبير، فقال: لو علم أنّ لى أمّا أخسّ من «5» عمته الكاهلية لنسبنى إليها، وكان ابن الزبير يكنى أبا بكر وأبا خبيب.
(2/520)

قال الصولى: أخذ المعتصم من محمد بن عبد الملك الزيات فرسا أشهب أحمّ، كان عنده مكينا، وكان به ضنينا، فقال يرثيه:
قالوا: جزعت، فقلت: إنّ، مصيبة ... جلّت رزّيتها، وضاق المذهب «1»
قال أبو بكر: هكذا أنشدنيه ابن المعتز على أن (إنّ) بمعنى نعم، وأنشد النحويون:
قالوا: كبرت، فقلت: إن، وربما ... ذكر الكبير شبابه فتطرّبا
كيف العزاء وقد مضى لسبيله ... عنّا فودّعنا الأحمّ الأشهب
دبّ الوشاة فباعدوه، وربما ... بعد الفتى وهو الحبيب الأقرب
لله يوم غدوت فيه ظاعنا ... وسلبت قربك، أىّ علق أسلب؟
نفسى مقسّمة أقام فريقها ... ومضى لطيّته فريق يجنب
الآن إذ كملت أداتك كلها ... ودعا العيون إليك حسن معجب
وغدوت طنّان اللّجام كأنما ... فى كل عضو منك صنج يضرب
وكأنّ سرجك، إذ علاك، غمامة ... وكأنما تحت الغمامة كوكب
أنساك؟ لا زالت إذا منسية ... نفسى، ولا برحت بمثلك تنكب
أضمرت منك اليأس حين رأيتنى ... وقوى حبالى من حبالك تقضب
يا صاحبىّ لمثل ذا من أمره ... صحب الفتى في دهره من يصحب
إن تسعدا فصنيعة مشكورة ... أو تخذلا فصنيعة لا تذهب
عوجا فقولا: مرحبا، وتزوّدا ... نظرا، وقلّ لمن تحبّ المرحب
منع الرقاد جوى تضمّنه الحئى ... مما أكابده وهمّ منصب
[المزاح]
قال الحجاج بن يوسف لابن القرّيّة: ما زالت الحكماء تكره المزاح، وتنهى عنه، فقال: المزاح من أدنى منزلته إلى أقصاها عشرة أبواب: المزاح أوله فرح، وآخره ترح. المزاح نقائض السفهاء، كالشّعر نقائض الشعراء. والمزاح
(2/521)

يوغر صدر الصديق، وينفّر الرفيق. والمزاح يبدى السرائر؛ لأنه يظهر المعاير.
والمزاح يسقط المروءة، ويبدى الخنى. لم يجرّ المزح خيرا، وكثيرا ما جرّ شرّا.
الغالب بالمزاح واتر، والمغلوب به ثائر. والمزاح يجلب الشتم صغيره والحرب كبيره، وليس بعد الحرب إلا عفو بعد قدرة.
فقال الحجاج: حسبك، الموت خير من عفو معه قدرة.
وذكر المزاح بحضرة خالد بن صفوان فقال: ينشق أحدكم أخاه مثل الخردل، ويفرغ عليه مثل المرجل، ويرميه بمثل الجندل. ثم يقول: إنما كنت أمزح! أخذ هذا المعنى محمود بن الحسين الوراق فقال:
تلقى الفتى يلقى أخاه وخدنه ... فى لحن منطقه بما لا يغفر
ويقول: كنت ممازحا وملاعبا ... هيهات نارك في الحشى تتسعّر!
أو ما علمت وكان جهلك غالبا ... أنّ المزاح هو السّباب الأصغر
فقر في هذا النحو لأهل العصر وغيرهم
المزاحة تذهب بالمهابة، وتورث الضغينة. الإفراط فى المزاح محون، والاقتصاد فيه ظرف، والتقصير عنه ندامة. أوكد أسباب القطيعة المراء والمزاح.
ابن المعتز- من كثر مزاحه لم يخل من استخفاف به أو حقد عليه.
قال أيوب بن القرّيّة: الناس ثلاثة: عاقل، وأحمق، وفاجر؛ فالعاقل الدّين شريعته، والحلم طبيعته، والرأى الحسن سجيّته؛ إن سئل أجاب، وإن نطق أصاب، وإن سمع العلم وعى، وإن حدّث روى. وأما الأحمق فإن تكلّم عجل، وإن حدّث وهل «1» ، وإن استنزل عن رأيه نزل، فإن حمل على القبيح حمل. وأمّا الفاجر فإن ائتمنته خانك، وإن حدّثته شانك، وإن وثقت به لم يرعك، وإن استكتم لم يكتم، وإن علم لم يعلم، وإن حدّث لم يفهم، وإن فقّه لم يفقه.
(2/522)

[الطيرة والزّجر]
قال أبو حية النميرى:
جرى يوم رحنا عامدين لأرضنا ... سنيح، فقال القوم: مرّ سنيح
فهاب رجال منهم فتعيفوا ... فقلت لهم: جارى إلىّ ربيح
عقاب بأعقاب من الدار بعد ما ... نأت نأية بالظاعنين طريح
وقالوا: حمامات، فحمّ لقاؤها ... وطلح فنيلت والمطىّ طليح
وقال صحابى: هدهد فوق بانة، ... هدى وبيان بالنجاح يلوح
وقالوا: دم، دامت مواثيق بيننا ... ودام لنا حلوا الصفاء صريح
لعيناك يوم البين أسرع واكفا ... من الفنن الممطور وهو مروح
ونسوة شحشاح غيور يخفنه ... أخى ثقة يلهون وهو مشيح
يقلن، وما يدرين أنّى سمعته ... وهنّ بأبواب الخيام جنوح:
أهذا الذى غنّى بسمراء موهنا ... أتاح له حسن الغناء متيح
إذا ما تغنّى أنّ من بعد زفرة ... كما أنّ من حرّ السلاح جريح
وقائلة: يا دهم ويحك! إنه ... على ما به من عنّة لمليح «1»
فلو أنّ قولا يجرح الجلد قد بدا ... بجلدى من قول الوشاة قروح
وهذا من غريب الزّجر مليح التفاؤل.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: أنشدنى أعرابىّ في قصيدة ذى الرمة التي وّلها:
ألا يا اسلمى يا دارمىّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر
يبتين لم يروهما الرواة في ديوانه، وهما:
رأيت غرابا ساقطا فوق قضبة ... من القضب لم ينبت لها ورق خضر
فقلت: غراب لاغتراب، وقضبة ... لقضب النوى هذى العيافة والزّجر
(2/523)

وقال آخر:
دعا صرد يوما على غصن بانة ... وصاح بذات البين منها غرابها
فقلت: أتصريد وشحط وغربة؟ ... فهذا لعمرى نأيها واغترابها
وقد أكثرت العرب من ذكر الطّيرة، والزّجر، وكانت تقتدى بذلك وتجرى على حكمه، حتى ورد النّهى في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
لا عدوى ولا طيرة، وقد قال الأول:
لعمرك ما تدرى الضّوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطّير ما الله صانع
وقال ضابئ بن الحارث البرجمى:
وما عاجلات الطير، تدنى من الفتى ... نجاحا ولا عن ريثهنّ يخيب «1»
ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه ... على نائبات الدّهر حين تنوب
وربّ أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهنّ وجيب
وقال الكميت بن زيد الأسدى:
ولا أنا ممن يزجر الطير همّه ... أصاح غراب أم تعرّض ثعلب
ولا السانحات البارحات عشية ... أمرّ سليم القرن أم مرّ أعضب
وقال شاعر قديم:
لا يمنعنّك من بغا ... ء الخير تعقاد التّمائم
ولا التشاؤم بالعطا ... س ولا التّيامن بالمقاسم
فلقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم «2»
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
وكذاك لا خير ولا ... شرّ على أحد بدائم
قد خطّ ذلك في الزّبو ... ر الأوّليّات القدائم
(2/524)

ولقد أحسن ابن كناسة في رثاء ولده يحيى، أنشده أبو العباس ثعلب:
تيمّمت فيه الفأل حتى رزئته ... ولم أدر أن الفال فيه يفيل
فسمّيته يحيى ليحيا؛ فلم يكن ... إلى ردّ أمر الله فيه سبيل
وروى المدائنى قال: خرج كثيّر من الحجاز يريد مصر، فلما قرب منها نزل بمنزل، فإذا هو بغراب على شجرة بان ينتف ريشه وينعب؛ فأسرع الرحيل، ومضى لوجهه؛ فلقيه رجل من بنى نهد، فقال: يا أخا الحجاز؛ مالى أراك كاسف اللون؟ قال: ما علمت إلا خيرا، قال: فهل رأيت في طريقك شيئا أنكرته؟ قال: لا والله إلا في منزلى هذا، فإنى رأيت غرابا ينتف ريشه على بانة وينعب. قال: أما إنك تطلب حاجة لا تدركها.
فقدم مصر والناس منصرفون من جنازة عزة، فقال:
رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ... ينتّف أعلى ريشه ويطايره
فقلت- ولو أنى أشاء زجرته ... بنفسى- للنهدىّ: هل أنت زاجره؟
فقال: غراب لاغتراب من النوى ... وفي البان بين من حبيب تجاوره
فما أعيف النهدىّ، لا درّ درّه! ... وأزجره للطير، لا عزّ ناصره
ثم أتى قبر عزة فأناخ به ساعة ثم رحل، وهو يقول:
أقول ونضوى واقف عند رأسها ... عليك سلام الله والعين تسفح
فهذا فراق الحق لا أن تزيرنى ... بلادك فتلاء الذراعين صيدح «1»
وقد كنت أبكى من فراقك حيّة ... وأنت لعمرى اليوم أنأى وأنزح
وقال جرير:
بان الخليط برامتين فودّعوا ... أو كلّما نعبوا لبين تجزع
إن السّوانح بالضّحى هيّجننى ... فى دار زينب والحمام الوقع
وقال عوف الراهب خلاف هذا:
غلط الذين رأيتهم بجهالة ... يلحون كلّهم غرابا ينعق
(2/525)

ما الذنب إلّا للأباعر؛ إنها ... مما يشتّ جميعهم ويفرّق
إنّ الغراب بيمنه تدنو النّوى ... وتشتّت الشمل الجميع الأينق
وقد تبعه في هذا المذهب أبو الشيص فقال:
ما فرّق الأحباب بعد ... الله إلّا الإبل
والناس يلحون غرا ... ب البين لمّا جهلوا
وما على ظهر غرا ... ب البين تطوى الرّحل
ولا إذا صاح غرا ... ب في الديار احتملوا
وما غراب البين إل ... لا ناقة أو جمل
وما أملح ما قال القائل:
زعموا بأنّ مطيهم عون النوى ... والمؤذنات بفرقة الأحباب
ولو أنها حتفى لما أبغضتها ... ولها بهم سبب من الأسباب
وكان على بن العباس الرومى مفرط الطّيرة، شديد الغلوّ فيها. قال علىّ بن عبد الله بن المسيب: وكان يحتجّ لها، ويقول: إن النبى صلى الله عليه وسلم كان يحبّ الفأل، ويكره الطّيرة؛ أفتراه كان يتفاءل بالشىء، ولا يتطيّر من ضدّه؟
ويقول: إن النبى صلى الله عليه وسلم مرّ برجل وهو يرحل ناقة ويقول:
يا ملعونة، فقال لا يصحبنا ملعون، وإن عليا رضي الله عنه كان لا يغزو غزاة والقمر في العقرب، ويزعم أنّ الطيرة موجودة في الطباع قائمة فيها، وأنّ بعض الناس هي في طباعهم أظهر منها في بعض، وأن الأكثر في الناس إذا لقى ما يكرهه قال: على وجه من أصبحت اليوم؟.
فدخل علينا يوم مهرجان سنة ثمان وسبعين وقد أهدى إلىّ عدة من جوارى القيان، وكانت فيهنّ صبيّة حولاء، وعجوز في إحدى عينيها نكتة، فتطيّر من ذلك، ولم يظهر لى أمره، وأقام باقى يومه؛ فلما كان بعد مدة يسيرة سقطت ابنة لى
(2/526)

من بعض السطوح، وجفاه القاسم بن عبيد الله؛ فجعل سبب ذلك المعنيين المغنيتين، وكتب إلىّ:
أيها المتحفى بحول وعور ... أين كانت عنك الوجوه الحسان
قد لعمرى ركبت أمرا مهينا ... ساءنى فيك أيها الخلصان
فتحك المهرجان بالحول والعو ... ر أرانا ما أعقب المهرجان
كان من ذاك فقدك ابنتك الحرّة ... مصبوغة بها الاكفان
وتجافى مؤمّل لى جليل ... لجّ فيه الجفاء والهجران
وعزيز علىّ تقريع خلّ ... لا يدانيه عندى الخلّان
غير أنى رأيت إذكاره الحز ... م وإشعاره شعارا يصان
لا تهاون بطيرة أيّها ... النظار واعلم بأنها عنوان
قف إذا طيرة تلقّتك وانظر ... واستمع ثمّ ما يقول الزّمان
قلما غاب من أمورك عنوا ... ن مبين وللزّمان لسان
لا تكن بالهوى تكذّب بالأخبار ... حتى تهين مالا يهان
لا يقدك الهوى إلى نصرة الاخبار ... حتى يقدّم البرهان
إن عقبى الهوى هوىّ، وعقبى ... طول تلك المهوّنات هوان
لا تصدق عن النبيين إلّا ... بحديث يلوح فيه البيان
خبّر الله أنّ مشأمة كا ... نت لقوم وخبّر القرآن
أفزور الحديث تقبل أم ما ... قاله ذو الجلال والفرقان؟
أترى من يرى البشير بشيرا ... يمترى في النذير يا وسنان
فدع الهزل والتضاحك بالطيرة ... والنصح مثمن مجّان
وقد فرّق حذّاق أهل النظر في المقال، بين الطيرة والفال، فقالوا: الطيرة كانت العرب ترجع إلى ما تمضيها، وتجرى على تقضيها، وكان الذى يهمّ بهم إذا ما رأى ما يتطير منه رجع عنه؛ وفي ذلك ما يصرف عن الإحالة على المقادير
(2/527)

الجارية بيد ممضيها، النازلة على حكم قاضيها، والفأل لا يردّ المريد عما يريد إنما يقوّى منّته، ويسرّ مهجته؛ وليس هذا موضع تطويل، فى إيراد الدليل.
وفي جفاء القاسم بن عبيد الله إياه يقول معاتبا:
ألم ترنى أقرضتك الودّ طائعا ... ولم تر قبلى معسرا قطّ أقرضا
لعمرى لقد صوّرت أبيض مشرقا ... فلم لا ترينى وجه نعماك أبيضا
فيا ويح مولاك استغاث بمشرب ... فأشرق فاستشفى شفاء فأفرضا «1»
ولولا اعتقادى أنك الخير كله ... لأزمعت توديعا، قضى الله ما قضى
وإنى وإن دارت علىّ دوائر ... لأعرض عمّن صدّ عنى وأعرضا
وما زلت عرّافا إذا الزاد رابنى ... بخبث وعيّافا إذا الماء عرمضا «2»
وهذا البيت كقول الآخر:
وإنى للماء المخالط للقذى ... إذا كثرت ورّاده لعيوف
وفي ابنة المسيبى يقول ابن الزومى يعزّيه:
أخا ثقتى أعزز علىّ بنكبة ... مناك بها صرف القضاء المقدّر
صبت، وما للمرء من حكم ربّه ... محيد، وأمر الله أعلى وأقهر
وقد مات من لا يخلف الدهر مثله ... عليك من الأسلاف والحقّ يبهر
تعزيت عمن أثمرتك حياته ... ووشك التعزى عن ثمارك أجدر
لأن اختيال الدهر في ابن وفي ابنة ... يسير وكرّ الدهر شيخيك أعسر
تعذّر أن نعتاض من أمهاتنا ... وآبائنا، والنسل لا يتعذّر
(2/528)

فلا تهلكن حزنا على ابنة جنة ... مضت وهي عند الله تحيا وتحبر
لعلّ الذى أعطاك ستر حياتها ... كساها من اللّحد الذى هو أستر
فكم من أخى حرية قد رأيته ... بنار ذوى الأصهار يكوى ويصهر
فلا تتهم لله فيها ولاية ... ولا نظرا فالله للعبد أنظر
وأنت وإن أبصرت رشدك مرة ... فذو النظر الأعلى برشدك أبصر
ومن مليح تعازيه عن ابنة قوله لعلىّ بن يحيى المنجم:
لا تبعدنّ كريمة أودعتها ... صهرا من الأصهار لا يخزيكا
إنى لأرجو أن يكون صداقها ... من جنة الفردوس ما يرضيكا
لا تيأسنّ لها فقد زوّجتها ... كفؤا وضمّنت الصّداق مليكا
[الرغبة في موت البنات]
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
لكل أبى بنت يرجّى بقاؤها ... ثلاثة أصهار إذا ذكر الصّهر
فبيت يغطيها، وبعل يصونها، ... وقبر يواريها، وخيرهما القبر
وقال عقيل بن «1» علفة وكان أغير العرب.
إنى وإن سيق إلىّ المهر ... ألف وعبدان وذود عشر
أحبّ أصهارى إلىّ القبر
ومنه أخذ عبيد الله، قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: دخل علينا ابن خلف البهرانى فأنشدنا:
لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالى حندس الظلم
وزادنى رغبة فى العيش معرفتى ... أنّ اليتيمة يحفوها ذوو الرّحم
أحاذر الفقر يوما أن يلمّ بها ... فيهتك الستر عن لحم على وضم
(2/529)

تهوى حياتى وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزّال على الحرم
وكانت أميمة بنت أخته، وكان قد تبنّاها، ثم غابت غيبة، فسألناه عنها، فأنشد:
أمست أميمة مغمورا بها الرّجم ... لدى صعيد عليه التّرب مرتكم
يا شقّة النفس، إنّ النفس والهة ... حرّى عليك، ودمع العين منسجم
قد كنت أخشى عليها أن يؤخرها ... عنى الحمام فيبدى وجهها العدم
فالآن نمت فلا همّ يؤرّقنى ... تهدا العيون إذا ما أودت الحرم
فالآن نمت، فلا همّ يؤرّقنى ... بعد الهدوء؛ ولا وجد ولا حلم
للموت عندى أياد لست أنكرها ... أحيا سرورا وبى مما أتى ألم
[عود إلى تطير ابن الرومى]
عاد ذكر ابن الرومىّ- وكان أبو الحسن علىّ بن سليمان الأخفش غلام أبى العباس المبرد في عصر ابن الرومى شابّا مترفا، ومليحا مستظرفا، وكان يعبث به، فيأتيه بسحر؛ فيقرع الباب، فيقال له: من؟ فيقول: قولوا لأبى الحسن مرّة بن حنظلة، فيتطير لقوله، ويقيم الأيام لا يخرج من داره، وذلك كان سبب هجائه إياه، فمن أول ما عاتبه به:
قولوا لنحوينا أبى حسن ... إن حسامى متى ضربت مضى
وإنّ نبلى إذا هممت بأن ... أرمى نصّلتها بجمر غضا
لا تحسبنّ الهجاء يحفل ... بالرفع ولا خفض خافض خفضا
ولا تخل عودتى كباديتى ... سأسعط السمّ من أبى الحضضا
أعرف في الأشقياء بى رجلا ... لا ينتهى أو يصير لى غرضا
يليح لى صفحة السلامة ... والسلم ويخفى في قلبه مرضا
(2/530)

أضحى مغيظا علىّ أن غضب ال ... لّه عليه، ونلت منه رضا
وليس تجدى عليه موعظتى ... إن قدّر الله حينه وقضى
كأننى بالشقىّ معتذرا ... إن القوافى أذقنه المضضا
ينشدنى العهد يوم ذلك والع ... هد خضاب إذا له قبضا «1»
لا يأمننّ السفيه بادرتى ... فإننى عارض لمن عرضا
عندى له السوط إن تلوّم في الس ... ير وعندى اللّجام إن ركضا «2»
أسمعت إنباضتى أبا حسن ... والصفح لا شكّ نصح من محضا «3»
وهو معافى من السهاد فلا ... يحمل فيمسى فراشه قضضا «4»
أقسمت بالله لا غفرت له ... إن واحد من عروقه نبضا
فاعتذر إليه، وتشفع عنده بجماعة من أهل بغداد- وكان الأخفش أكثر الناس إخوانا- فقبل عذره، ومدحه بقصيدته التي يقول فيها:
ذكر الأخفش القديم فقلنا ... : إن للأخفش الحديث لفضلا
وإذا ما حكمت- والروم قومى- ... فى كلام معرّب كنت عدلا
أنا بين الخصوم فيه غريب ... لا أرى الزّور للمحاباة أهلا
ومتى قلت باطلا لم ألقّب ... فيلسوفا ولم أسمّ هرقلا
الأخفش القديم هو أبو الخطاب، وكان أستاذ سيبويه، وهو من المتقدمين فى النحو، ويعرف بالأخفش الكبير، وكان في عصر سيبويه [أيضا] أبو الحسن سعيد بن مسعدة، وهو الأخفش الصغير، وهو الذى قال: كان سيبويه يعرض ما وضع من النحو علىّ، ويرى أنى أعلم منه، وكان في وقته ذلك أعلم منى.
(2/531)

ثم عاد على بن سليمان إلى أذاه، واتصل به أنّ رجلا عرض عليه قصيدة من شعره فطعن عليها، فقال قصيدته التي يقول فيها:
أعتقت عبدىّ في القريض معا ... عبدة والفحل من بنى عبده
إن أنا لم أرم بالإساءة من ... زاغ عن القصد أو أبى سدده
قلت لمن قال لى عرضت على ال ... أخفش ما قلته فما حمده
قصرت بالشعر حين تعرضه ... على مبين العمى إذا انتقده
أنشدته منطقى ليشهده ... فغاب عنه عمى وما شهده
ما بلغت بى الخطوب رتبة من ... تفهم عنه الكلاب والقرده
ولا أنا المفهم البهائم ... والطير سليمان قاهر المرده
فإن يقل إننى حفظت فكالد ... فتر جهلا بكل ما اعتقده
سأسمع الناس ذمّه أبدا ... ما سمع الله حمد من حمده
عبدة بن الطبيب، وعلقمة بن عبدة الفحل، وكانا شاعرين مجيدين، وقال علقمة ابن عبدة لرجل ورأى آخر يعتذر إليه وهو معبّس في وجهه: إذا اعتذر إليك المعتذر فتلقّه بوجه مشرق، وبشر مطلق؛ لينبسط المتذلّل، ويؤمّن المتنصّل.
ولابن الرومى في الأخفش إفحاش صنت الكتاب عنه.
قالّ على بن إبراهيم كاتب مسروق البلخى: كنت بدارى جالسا فإذا حجارة سقطت بالقرب منى، فبادرت هاربا، وأمرت الغلام بالصعود إلى السّطح، والنظر إلى كل ناحية؛ من أين تأتينا الحجارة، فقال: امرأة من دار ابن الرومى الشاعر! قد تشوّفت وقالت: اتقوا الله فينا، واسقونا جرّة من ماء، وإلّا هلكنا، فقد مات من عندنا عطشا.
فتقدمت إلى امرأة عندنا ذات عقل ومعرفة أن تصعد إليها وتخاطبها، ففعلت وبادرت بالجرّة، وأتبعتها شيئا من المأكول؛ ثم عادت إلىّ فقالت:
(2/532)

ذكرت المرأة أنّ الباب عليها مقفل من ثلاث بسبب طيرة ابن الرومى، وذلك أنه يلبس ثيابه كلّ يوم، ويتعوّذ ثم يصير إلى الباب، والمفتاح معه، فيضع عينه على ثقب في خشب الباب، فتقع عينه على جار له كان نازلا بإزائه، وكان أحدب يقعد كل يوم على بابه، فإذا نظر إليه رجع وخلع ثيابه، وقال:
لا يفتح أحد الباب.
فعجبت لحديثها، وبعثت بخادم كان يعرفه، فأمرته بأن يجلس بإزائه- وكانت العين تميل إليه- وتقدّمت إلى بعض أعوانى أن يدعو الجار الأحدب؛ فلما حضر عندى أرسلت وراء غلامى؛ لينهض إلى ابن الرومى، ويستدعيه الحضور؛ فإنى لجالس ومعى الأحدب إذ وافى أبو حذيفة الطّر سوسىّ ومعه برذعة الموسوس صاحب المعتضد، ودخل ابن الرومى، فلما تخطّى عتبة باب الصّحن عثر فانقطع شسع نعله، فدخل مذعورا؛ وكان إذا فاجأه الناظر رأى منه منظرا يدلّ على تغير حال؛ فدخل وهو لا يرى جاره المتطيّر منه، فقلت له: يا أبا الحسن، أيكون شىء في خروجك أحسن من مخاطبتك للخادم، ونظرك إلى وجهه الجميل؟
فقال: وقد لحقنى ما رأيت من العثرة، لأنى فكرت أنّ به عاهة! وهي قطع انثييه، قال برذعة: وشيخنا يتطيّر؟ قلت: نعم ويفرط، قال: ومن هو؟
قلت: على بن العباس، قال: الشاعر؟ قلت: نعم، فأقبل عليه وأنشده:
ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه ... بتفريق ما بينى وبين الحبائب
رجعت إلى نفسى فوطّنتها على ... ركوب جميل الصّبر عند النوائب
ومن صحب الدنيا على جور حكمها ... فأيامه محفوفة بالمصائب
فخذ خلسة من كل يوم تعيشه ... وكن حذرا من كامنات العواقب
ودع عنك ذكر الفأل والزّجر واطّرح ... تطيّر جار أو تفاؤل صاحب
فبقى ابن الرومى باهتا ينظر إليه ولم أدر أنه شغل قلبه بحفظ ما أنشده، ثم قام أبو حذيفة وبرذعة معه، فحلف ابن الرومى لا يتطيّر أبدا من هذا ولا من
(2/533)

غيره، وأومأ إلى جاره، فقلت: وهذا الفكر أيضا من التطيّر، فأمسك، وعجب من جودة الشعر ومعناه، وحسن مأتاه، فقلت له: ليتنا كتبناه؟ قال: اكتبه فقد حفظته، وأملاه علىّ.
ومن شدة حذره، وعظيم تطيّره، قوله لأبى العباس بن ثوابة، وقد ندبه إلى الخروج إليه وركوب دجلة:
حضضت على حطبى لنارى فلا تدع ... لك الخير، تحذيرى شرور المحاطب
ومن يلق مالا قيت في كلّ مجتنى ... من الشّوك يزهد في الثمار الأطايب
أذا قتنى الأسفار ما كرّه الغنى ... إلىّ، وأغرانى برفض المطالب
ومن نكبة لا قيتها بعد نكبة ... رهبت اعتساف الأرض ذات المناكب
فصبرى على الإقتار أيسر مطلبا ... على من التّغرير بعد التّجارب
لقيت من البرّ التّباريح بعد ما ... لقيت من البحر ابيضاض الذّوائب
سقيت على رىّ به ألف مطرة ... شغفت لبغضيها بحبّ المجادب
ولم أبغها، بل ساقها لمكيدتى ... تلاعب دهر جدّ بى كالملاعب
أبى أن يغيث الأرض حتى إذا رمت ... برحلى أتاها بالغيوث السّواكب
سقى الأرض من أجلى فأضحت مزلّة ... تمايل صاحيها تمايل شارب
فملت إلى خان مرثّ بناؤه ... مميل غريق الثّوب لهفان لاغب
فما زلت في جوع وخوف ووحشة ... وفي سهر يستغرق الليل واصب
يؤرقنى سقف كأنى تحته ... من الوكف تحت المدجنات الهواضب
يظلّ اذا ما الطّين أثقل متنه ... تصرّ نواحيه صرير الجنادب
وكم خان سفر خان فانقضّ فوقهم ... كما انقضّ صقر الدّجن فوق الأرانب
وما زال ضاحى البرّ يضرب أهله ... بسوطى عذاب جامد بعد ذائب
فإن فاته قطر وثلج فإنّه ... رهين بساف تارة وبحاصب
(2/534)

فذاك بلاء البرّ عندى شاتيا ... وكم لى من صيف به ذى مثالب
ألا ربّ نار بالفضاء اصطليتها ... من الضّحّ يودى لفحها بالحواجب «1»
فدع عنك ذكر البرّ إنى رأيته ... لمن خاف هول البحر شرّ المهارب
وما زال يبغينى الحتوف مواربا ... يحوم على قتلى وغير موارب
فطورا يغادينى بلصّ مصلّت ... وطورا يمسّينى بورد الشّوارب
وأمّا بلاء البحر عندى فإنه ... طوانى على روع مع الرّوح واقب «2»
ولو ئاب عقلى لم أدع ذكر بعضه ... ولكنّه من هوله غير ثائب
ولم لا ولو ألقيت فيه وصخرة ... لوافيت منه القعر أوّل راسب
ولم أتعلّم قطّ من ذى سباحة ... سوى الغوص والمضعوف غير مغالب
وأيسر إشفاقى من الماء أنّنى ... أمرّ به في الكوز مرّ المجانب
وأخشى الرّدى منه على كل شارب ... فكيف بأمنيه على نفس راكب
أخذه من قول أبى نواس وقد رأى التمساح بمصر أخذ رجلا:
أضمرت للنيل هجرانا ومقلية ... مذ قيل لى إنما التمساح في النيل
فمن رأى النيل رأى العين عن كثب ... فما أرى النيل إلا في البراقيل «3»
رجع
أظلّ إذا هزّته ريح ولألأت ... له الشمس أمواجا طوال الغوارب
كأنى أرى فيهنّ فرسان بهمة ... يليحون نحوى بالسيوف القواضب «4»
فإن قلت لى قد يركب اليمّ طاميا ... ودجلة عند اليمّ بعض المذانب «5»
(2/535)

فلا عذر فيها لامرىء هاب مثلها ... وفي اللّجّة الخضراء عذر لهائب
لدجلة خبّ ليس لليمّ؛ إنّها ... تراءى بحلم تحته جهل واثب
تطامن حتّى تطمئنّ قلوبنا ... وتغضب من مزح الرّياح اللّواعب
ولليمّ إنذار بغوص متونه ... وما فيه من آذيّه المتراكب «1»
وهي طويلة، وفيما مرّ كفاية تنبئ عنه وتدلّ عليه، ولو مددت أطناب الاختيار لتتبّع هذا النحو من شعره لخرجت عن غرض الكتاب.
[من مليح العيافة والزجر]
ومن مليح العيافة والزجر ما رواه الصّولى، قال: كان لأبى نواس إخوان لا يفارقهم، فاجتمعوا يوما في موضع أخفوه عنه، ووجّهوا إليه برسول معه ظهر قرطاس أبيض، لم يكتبوا فيه شيئا، فخزموه بزير «2» ، وختموه بقار، وتقدموا إلى رسولهم ليرمى بالكتاب من وراء الباب؛ فلما رآه استعلم خبرهم، وعلم أنه من فعلهم، فتعرّف موضعهم وآثارهم، فأتاهم فأنشدهم:
وجدت كتابكم لمّا أتانى ... يمرّ بسانح الطير الجوارى
نظرت إليه مخزوما بزير ... على ظهر، ومختوما بقار
فقلت: الزّير ملهية ولهو ... وخلت القار من دنّ العقار
وخلت الظّهر أهيف قرطقيّا ... يحيل العقل منه باحورار «3»
فهمت إليكم طربا وشوقا ... فما أخطأت داركم بدار
فكيف تروننى وترون وجدى ... ألست من الفلاسفة الكبار؟
وقال الطائى:
أتضعضعت عبرات عينك أن دعت ... ورقاء حين تضعضع الإظلام «4»
(2/536)

لا تنشجنّ لها؛ فإنّ بكاءها ... ضحك، وإن بكاءك استغرام
هنّ الحمام وإن كسرت عيافة ... من حائهنّ فإنهنّ حمام
وروى يموت ابن المزرع قال: كان أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر فلم يرض شعره قال لغلامه: امض به إلى المسجد الجامع فلا تفارقه حتى يصلى مائة ركعة، ثم خلّه؛ فتحاماه الشعراء، إلا الأفراد المجيدين؛ فجاءه أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصرى المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد، فقال: قد عرفت الشّرط؟ قال: نعم، وأنشده:
أردنا في أبى حسن مديحا ... كما بالمدح ينتجع الولاة
فقلنا: أكرم الثقلين طرّا ... ومن كفّاه دجلة والفرات
فقالوا: يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهنّ الصّلاة
فقلت لهم: وما تغنى صلاتى ... عيالى! إنما الشأن الزّكاة
[فأما إذ أبى إلا صلاتى ... وعاقتنى الهموم الشاغلات]
فيأمر لى بكسر الصّاد منها ... فتصبح لى الصّلاة هي الصّلات
فضحك واستظرفه، وقال: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أبى تمام الطائى:
هنّ الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهنّ فإنهنّ حمام
فأحسن صلته.
وقال الأمير أبو الفضل الميكالى لقوم من أهل مرو انخلعوا عن طاعته:
يا راكبا أضحى يخبّ بعنسه ... ليؤمّ مرو على الطريق المهيع
أبلغ بها قوما أثاروا فتنة ... ظلّت لها الأكباد رهن تقطّع
إذ أقدموا ظلما على سلطانهم ... بالغدر والخلع الذميم المفظع
وبحلّ عقد لوائه وإباحة ... لجنابه وحريمه المتمنّع
(2/537)

أبلغهم أنى اتخذت لفعلهم ... فألا، له في القوم أسوأ موقع
أمّا اللّواء وحلّه فمخبّر ... عن حلّ عقد بينهم مستجمع
والخلع يخبر أن ستخلع عنهم ال ... أرواح بالقتل الأشدّ الأشنع
والغدر ينبئ أن تغادر في الوغى ... أشلاؤهم لنسوره والأضبع
والفرقتان فشاهد معناهما ... بتفرّق لجميعهم وتصدّع
فتسمّعوا لمقالتى وتأهّبوا ... بذميم بغيكم لشرّ المصرع
فالله ليس بغافل عن أمركم ... حتى تحلّ بكم عقوبة موجع
قال أبو عثمان الجاحظ: سمعت النظام، وذكر عبد الوهاب الثّقفى، قال:
هو أحلى من أمن بعد خوف، وبرء بعد سقم، ومن خصب بعد جدب، وغنى بعد فقر، ومن طاعة المحبوب، وفرج المكروب، ومن الوصال الدائم، والشباب الناعم.
[ابن أبى دواد يعفو عن الجاحظ]
وكان الجاحظ مائلا عن ابن أبى دواد إلى محمد بن عبد الملك الزيات، فلما نكب محمد بن عبد الملك أدخل الجاحظ على ابن أبى دواد مقيّدا، فقال له أحمد:
والله ما أعلمك إلّا متناسيا للنعمة، كفورا للصّنيعة، معدّدا للمساوى، وما فتّنى باستصلاحى لك، ولكن الأيام لا تصلح منك؛ لفساد طوّيتك، ورداءة دخيلتك، وسوء اختيارك، وتغالب طباعك.
فقال الجاحظ: خفّض عليك، أصلحك الله، فوالله لأن يكون لك الأمر علىّ خير من أن يكون لى عليك، ولأن أسىء وتحسن أحسن في الأحدوثة من أن أحسن فتسىء، ولأن تعفو عنى على حال قدرتك علىّ أجمل بك من الانتقام منى، فعفا عنه «1» .
(2/538)

[عتبة بن أبى سفيان وأعرابى]
قال سعد مولى عتبة بن أبى سفيان: خطب عتبة الناس في الموسم سنة إحدى وأربعين، والناس إذ ذاك حديثو عهد بالفتنة؛ فقال: قد ولينا هذا المقام الذى يضاعف فيه للمحسن الأجر، وللمسىء الوزر؛ ونحن على سبيل قصد، فلا تمدّوا الأعناق إلى غيرنا؛ فإنها تقطع دوننا؛ فربّ ستمنّ أمرا حتفه في أمنيته؛ فاقبلوا منا العافية ما قبلناها منكم «1» ؛ وأنا اسأل الله أن يعين كلّا على كلّ.
فناداه أعرابىّ من ناحية المسجد: أيها الخليفة، فقال: لست به ولم تبعد، قال: يا أخاه، قال: سمعت فقل، فقال: والله لان تحسنوا وقد أسأنا خير من أن تسيئوا وقد أحسنّا، فإن كان الإحسان منكم فما أولاكم بإتمامه، وإن كان منّا فما أولاكم بمكافأتنا عليه، وأنا رجل من بنى عامر بن صعصعة يمتّ بالعمومة ويختصّ بالخؤولة، كثر عياله، ووطئه زمانه، [وبه فقر] وفيه أجر، وعنده شكر.
فقال له عتبة: أستغفر الله منك، وأستعين به عليك، وقد أمرت لك بغناك، فليت إسراعى إليك يقوم بإبطائى عنك!
[بين الجاحظ وابن الزيات]
قال الجاحظ: تشاغلت مع الحسن بن وهب أخى سليمان بن وهب بشرب النبيذ أياما، فطلبنى محمد بن عبد الملك لمؤانسته، فأخبر باتصال شغلى مع الحسن ابن وهب، فتنكّر لى، وتلوّن علىّ؛ فكتبت إليه رقعة نسختها: أعاذك الله من سوء الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوّة إلى حبّ الإنصاف، ورجّح في قلبك إيثار الاناة، فقد خفت- أيّدك الله! -
(2/539)

أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق السفهاء، ومجانبة سبل الحكماء، وبعد، فقد قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:
وإن امرأ أمسى وأصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد
وقال الآخر:
ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحقّ وبالباطل
فإن كنت اجترأت عليك- أصلحك الله! - فلم اجترئ إلا لأنّ دوام تغافلك عنى شبيه بالإهمال، الذى يورث الإغفال، والعفو المتتابع يؤمن من المكافأة، ولذلك قال عيينة بن حصن بن حذيفة لعثمان رحمه الله: عمر كان خيرا لى منك، أرهبنى فأتقانى، وأعطانى فأغنانى، فإن كنت لا تهب عقابى- أيدك الله! - لخدمة فهبه لأياديك عندى؛ فإنّ النعمة تشفع في النّقمة، وإلا تفعل ذلك لذلك فعد إلى حسن العادة، وإلّا فافعل ذلك لحسن الأحدوثة؛ وإلافات ما أنت أهله من العفو دون ما أنا أهله من استحقاق العقوبة، فسبحان من جعلك تعفو عن المتعمّد، و؟؟؟ من؟؟؟ المصر، حتى إذا صرت إلى من هفوته ذكر، وذنبه نسيان، ومن لا يعرف الشكر إلّا لك، والإنعام إلا منك هجمت عليه بالعقوبة. واعلم- أيّدك الله! - أنّ شين غضبك علىّ كزين صفحك عنى، وأنّ موت ذكرى مع انقطاع سببى منك كحياة ذكرك مع اتصال سببى بك، واعلم أنّ لك فطنة عليم، وغفلة كريم، والسلام.
[من كلام على- رضي الله عنه! - فى أعجب ما في الإنسان]
قال علىّ بن أبى طالب رضي الله عنه: أعجب ما في الإنسان قلبه، وله موادّ من الحكمة، وأضداد من خلافها؛ فإن سنح له الرجاء أذلّه الطمع، وإن هاجه الطّمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ، وإن أسعد بالرضا نسى التحفظ، وإن أتاه الخوف
(2/540)

شغله الحذر، وإن اتّسع له الأمن استلبته الغرّة، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن استفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضّته فاقة بلغ به البلاء، وإن جهد به الجوع قعد به الضّعف، وإن أفرط في الشبع كظّته البطنة، فكلّ تقصير مضرّ، وكلّ إفراط له قاتل.
البيت الذى أنشده الجاحظ لعبد الرحمن بن حسان
في أبيات يقول فيها:
متى ما يرى الناس الغنىّ وجاره ... فقير يقولوا: عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسّمت وجدود
وإن امرأ يمسى ويصبح سالما ... من الناس إلّا ما جنى لسعيد
والبيت الذى أنشده بعده لمحمد بن حازم الباهلى
في أبيات يقول فيها:
إن كنت لا ترهب ذمّى لما ... تعلم من صفحى عن الجاهل
فاخش سكوتى آذنا منصتا ... فيك لمسموع خنى القائل «1»
فسامع الشرّ شريك له ... ومطعم المأكول كالآكل
مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل
ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحقّ وبالباطل
فلا تهج، إن كنت ذا إربة، ... حرب أخى التجربة الغافل
فإنّ ذا العقل إذا هجته ... هجت به ذا خبل خابل
تبصر في عاجل شدّاته ... عليك غبّ الضّرر الآجل
وفي ابن الزيات يقول الجاحظ:
بدا حين أثرى لإخوانه ... ففلّل منهم شباة العدم
وأبصر كيف انتقال الزمان ... فبادر بالعرف قبل النّدم
[الجاحظ ورجل من البرامكة في مرضه]
قال بعض البرامكة: كنت أتقلد السند، فاتصل بى أنى صرفت عنها،
(2/541)

وكنت كسبت ثلاثين ألف دينار، فخفت أن يفجأنى الصارف، ويسعى إليه بالمال، فصغته عشرة آلاف إهليلجة «1» فى كل إهليلجة ثلاثة مثاقيل، وجعلتها في رحلى، ولم أبعد أن جاء الصارف؛ فركبت البحر، وانحدرت إلى البصرة؛ فخبّرت أن بها الجاحظ، وأنه عليل؛ فأحببت أن أراه قبل وفاته، فصرت إليه، فأفضيت إلى باب دار لطيف، فقرعته، فخرجت إلىّ خادم صفراء، فقالت: من أنت؟ فقلت: رجل غريب أحبّ أن يدخل إلى الشيخ فيسرّ بالنظر إليه، فأدت ما قلت، وكانت المسافة قريبة لصغر الدهليز والحجرة، فسمعته يقول:
قولى له: وما تصنع بشق مائل، ولعاب سائل، ولون حائل؟ فأخبرتنى، فقلت:
لا بدّ من الوصول إليه، فقال: هذا رجل قد اجتاز بالبصرة، فسمع بى وبعلتى، فقال: أراه قبل موته؛ لأقول: قد رأيت الجاحظ.
فدخلت فسلمت فردّ ردّا جميلا واستدنانى، وقال: من تكون؟ أعزك الله! فانتسبت له، فقال: رحم الله أباك وقومك الأسخياء الأجواد، الكرام الأمجاد، لقد كانت أيامهم روض الأزمنة، ولقد انجبر بهم خلق، فسقيا لهم ورعيا؛ فدعوت له، وقلت: أنا أسأل الشيخ أن ينشدنى شيئا من الشعر أذكره به، فأنشدنى:
لئن قدّمت قبلى رجال فطالما ... مشيت على رسلى فكنت المقدّما
ولكنّ هذا الدهر تأتى ضروفه ... فتبرم منقوضا، وتنقض مبرما
ثم نهضت، فلما قاربت الدهليز صاح بى فقال: يا فتى؛ أرأيت مفلوجا ينفعه الإهليلج؟ فقلت: لا، قال: فأنا ينفعنى الإهليلج الذى معك، فأنفذ إلىّ منه، فقلت: السمع والطاعة، وخرجت مفرط التعجب من وقوعه على خبرى، حتى كأنّ بعض أحبابى كاتبه بخبرى حين صغته، فأنفذت إليه مائة إهليلجة.
(2/542)

المقامة الجاحظية مقامة من إنشاء البديع تتعلق بذكر الجاحظ]
قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: جمعتنى مع رفقة وليمة، وأجبت إليها للحديث المأثور فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدى الىّ ذراع لقبلت» ، فأفضى بنا المسير إلى دار قد فرش بساطها، وبسطت أنماطها، ومدّ سماطها، وقوم قد أخذوا الوقت بين آس مخضود، وورد منضود، ودنّ مفصود، وناى وعود؛ فصرنا إليهم وصاروا إلينا، ثم عكفنا على خوان قد ملئت حياضه، ونوّرت رياضه، واصطفت جفانه، واختلفت ألوانه؛ فمن حالك بإزائه ناصع، ومن قان في تلقائه فاقع، ومعنا على الطعام رجل تسافر يده على الخوان، وتسفر بين الألوان، وتأخذ وجوه الرّغفان، وتفقأ عيون الجفان، وترعى أرض الجيران «1» ؛ يزحم اللقمة باللقمة، ويهزم المضغة بالمضغة، وهو مع ذلك ساكت لا ينبس، ونحن في الحديث نجرى معه حتى وقف بنا على ذكر الجاحظ وخطابته، ووصف ابن المقفّع وذرابته، ووافق أول الحديث آخر الخوان، وزلنا عن ذلك المكان، فقال الرجل: أين أنتم من الحديث الذى فيه كنتم، فأخذنا في وصف الجاحظ ولسنه، وحسن سننه في الفصاحة وسننه فيما عرفناه؛ فقال: يا قوم؛ لكلّ عمل رجال، ولكل مقام مقال، ولكل دار سكّان، ولكل زمان جاحظ، ولو انتقدتم، لبطل ما اعتقدتم، فكلّ كشر له عن ناب الإنكار، وشمّ بأنف الإكبار، وضحكت إليه، لأجلب ما لديه، وقلت: أفدنا وزدنا، فقال:
إنّ الجاحظ في أحد شقى البلاغة يقطف؛ وفي الآخر يقف، والبليغ من لم يقصّر نظمه عن نثره، ولم يزر كلامه بشعره، فهل تروون
(2/543)

للجاحظ شعرا رائعا؟ قلنا: لا، قال: فهلمّوا إلى كلامه؛ فهو بعيد الإشارات، قريب العبارات، قليل الاستعارات، منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من معتاصه يهمله، فهل سمعتم له بكلمة غير مسموعة، أو لفظة غير مصنوعة؟
فقلت: لا، فقال: هل تحبّ أن تسمع من الكلام ما يخفّف عن منكبيك، وينمّ على ما في يديك؟ فقلت: إى والله، قال: فأطلق لى عن خنصرك ما يعين على شكرك، فأنلته ردائى، فقال:
لعمر الذى ألقى إلىّ ثيابه ... لقد كسبت تلك الثياب به مجدا
وقد قمرته راحة الجود بزة ... فما ضربت قدحا ولا نصبت نردا
أعد نظرا يا من كسانى ثيابه ... ولا تدع الأيام تهدمنى هدّا
وقل للألى إن أسفروا أسفروا ضحى ... وإن طلعوا في غمّة طلعوا وردا
صلوا رحم العليا وبلوا لهاتها ... فخير النّدى ما سحّ وابله نقدا
قال عيسى بن هشام: فارتاحت الجماعة إليه، وانثالت الصّلات عليه، وقلت لما تآانسنا: من أين مطلع هذا البدر؟ فقال:
إسكندرية دارى ... لو قرّ فيها قرارى
لكنّ ليلى بنجد ... وبالحجاز نهارى
[من كلام الملوك]
تظلمت رعيّة أردشير بن بابك إليه في سنة مجدبة لعجزهم عن الخراج، وسألته أن يخففه عنهم؛ فكتب لهم ما نسخته: من أردشير المزيد بالبهاء، ابن الملوك العظماء، إلى الفقهاء الذين هم حفظة البيضة، والكتّاب الذين هم ساسة المملكة، وذوى الحرث الذين هم عمرة البلاد، أما بعد، فإنّا نحمد الله تعالى حمد الصالحين، وقد وضعنا عن رعيتنا بفضل رأفتنا إتاوتنا الموظّفة عليهم سنتنا هذه، ونحن كاتبون مع ذلك نميلهم بوصية تنفع الكلّ: لا تستشعروا الحقد
(2/544)

لئلا يغلب عليكم العدوّ، ولا تحبوا الاحتكار لئلا يشملكم القحط، وكونوا للغرباء مؤوين، لتؤووا غدا في المعاد، وتزوّجوا في القرابة فإنه أحسن للرحم، وأثبت للنّسب، ولا تعدّوا هذه الدنيا شيئا فإنها لا تبقى على أحد، ولا ترفضوها مع ذلك؛ فإن الآخرة لا تنال إلا بها.
وقيل لبزرجمهر: أىّ الاكتساب أفضل؟ قال: العلم والأدب كنزان لا ينفدان، وسراجان لا يطفآن، وحلّتان لا تبليان؛ من نالهما نال أسباب الرشاد وعرف طريق المعاد، وعاش رفيعا بين العباد.
وقال أنو شروان لبزر جمهر لما ظفر به: الحمد لله الذى أظفرنى بك، قال له:
فكافئه بما يحبّ كما أعطاك ما تحبّ. قال: وبم أكافئه يا فاسق؟ قال:
بالعفو عمّن أظفرك به اليوم كما تحب أن يعفو عنك غدا.
ونظير هذا الكلام قد تقدّم لعلىّ رضي الله عنه.
وقيل لكسرى: أىّ الملوك أفضل؟ قال: الذى إذا جاورته وجدته عليما، وإذا خبرته وجدته حكيما، وإذا أغضب كان حليما، وإذا ظفر كان كريما، وإذا استمنح منح جسيما، وإذا وعد وفى، وإن كان الوعد عظيما، وإذا شكى إليه وجد رحيما.
[من رسائل الميكالى]
كتب الأمير أبو الفضل الميكالى إلى أبى منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبى: كتابى وأنا أشكو إليك شوقا لو عالجه الأعرابى لما صبا إلى رمل عالج، أو كابده الخلىّ لا نثنى على كبد ذات حرق ولواعج؛ وأذمّ زمانا يفرّق فلا يحسن جمعا، ويخرق فلا ينوى رقعا، ويوجع القلب بتفريق شمل ذوى الوداد، ثم يبخل عليهم بما يشفى الصدور والأكباد؛ قاسى القلب فلا
(2/545)

يلين لاستعطاف، جائر الحكم فلا يميل إلى إنصاف، وكم أستعدى على صرفه وأستنجد، وأتلظّى غيظا عليه وأنشد:
متى وعسى يثنى الزمان عنانه ... بعثرة حال والزّمان عثور
فتدرك آمال وتقضى مآرب ... وتحدث من بعد الأمور أمور
وكلّا، فما على الدهر عتب، ولا له على أهله ذنب؛ وإنما هي أقدار تجرى كما شاء مجريها، وتنفذ كالسهام إلى مراميها؛ فهى تدور بالمكروه والمحبوب، على الحكم المقدور والمكتوب، لا على شهوات النفوس وإرادات القلوب؛ وإذا أراد الله تعالى أذن في تقريب البعيد النازح، وتسهيل الصّعب الجامح، فيعود الأنس بلقاءك الإخوان كأتمّ ما لم يزل معهودا، ويجدد للمذاكرة والمؤانسة رسوما وعهودا؛ إنه الملبّى به، والقادر عليه.
وله إلى أبيه: ولو ملكت عنان اختيارى، وأسعفنى ببعض ما أقترحه القدر الجارى، لما غبت عن حضرته- آنسها الله! - ساعة من دهرى، كما لا أعدّ ساعات بعدى عنها وإخلائى لبابها من أيام عمرى؛ ولكنت أبدا ماثلا بها فى زمرة الخدم والعبيد، جامعا بها بين حاشيتى العز المديد، والشرف العتيد؛ لا سيما في هذا الوقت وقد أشرقت البلاد بنور طلعته التي هي في ظلمة الدّهر صباح، وعز مطالعته التي فيها لصدور ذوى الشّنأ شجا ولزند الآمال اقتداح، ومعاودة ظلّه التي أضحت الشمس من حساده، والزمان من عدد ساكنيه وعتاده، إلا أن الحريص- كما علمه مولانا- مخلى عن أعذب موارده، وممنوع بالعوائق عن أكرم مطالعه ومقاصده.
وله يستفتح مكاتبة بعض إخوانه:
أنا وإن لم تتقدم بينى وبينه المكاتبة، وعادة المساجلة والمفاوضة، من فرط حرصى على افتتاحها وتعاطيها، واعتراض العوائق دون المراد والغرض فيها، فإن
(2/546)

قلبى بودّه مغمور، وضميرى على مصافاته مقصور، فاعتداده لفضائله التي أصبح فيها أو حدىّ العنان، وزاحم فيها منكب العنان «1» ، واستأثر فيها بالغرر والاوضاح، ما أوفى بها على غرّة الصباح، حتى تشاهدت بها ضمائر القلوب، وتهادت أنباءها ألسنة البعيد والقريب، اعتداد من يجمع بالاعتداد لها بين شهادة قلبه ولسانه، ومن ينظم في إجلال قدرها صفقة إسراره وإعلانه، فهو يتنسّم الريح إذا هبّت من ناحيته شوقا ونزاعا، ويستملى الوارد والصادر خبر سلامته انصياعا بالودّ إليه وانقطاعا.
شذور من كلامه في أثناء رسائل شتى: أياديه التي غمرتنى سجالها، واتّسع عندى مجالها، وأعيا شكرى عفوها وانثيالها، تناولت فيها المنى دانية القطوف، واجتليت أنوار العيش مأمونة الكسوف، ليس يكاد يبرد غليل شوقى وحنينى، أو ترجع نافرة انسى وسكونى، أو تخلو من الاهتمام والفكرة فيه خواطرى وظنونى، إلا بالتقاء يدنو أمده، ويقرب موعده، وتعلو على الفراق يده، فنعاود العيش طلقا غزيرا، ونجتنى ثمر المنى غضّا نضيرا، ونجتلى وجه الزمان مشرقا منيرا. فوائده لها عندى أثر الغمام أو أنفع، ومحلّ السّماك أو أرفع. حالى في مفارقة حضرته حال بنات الماء قد نضب عنها الغدير، ونبات الأرض «2» أخطأها النّوء المطير. لهفى على دهر الحداثة إذ غصن شبابى غضّ وريق، ونقل شرابى عضّ وريق. كلام أحلى من ريق النحل، وأصفى من ريق الوبل. من تسوّد قبل وقته وآلته، فقد تعرّض لمقته وإذالته. نظمه له:
إن من يلتمس الصّد ... ر بلا وقت وآله
لحقيق أن يلقّى ... كل مقت وإذاله
الشكل للكتاب، كالحلى للكعاب. لو كان الشباب فضّة لكان الشيب له خبثا. النعمة عروس مهرها الشكر، وثوب صونه النّشر. الخضاب تذكرة الشباب. لا تقاس المهاوى بالمراقى، ولا الأقدام بالتّراقى، ولا البحور بالسواقى.
(2/547)

كم أبلانى من عرف جزيل لا يبلى الدهر جدّة ردائه، وقضانى من دين تأميل لا يقضى الشكر حقّ نعمائه. الشكر للنعمة نتاج، والكفران لها رتاج، وكلما زدت النعمة شكرا، زادت طيبا ونشرا.
قطعة من شعره في تجنيس القوافى
قال في أبيه:
مبدعا في شمائل المجد خيما ... ما اهتدينا لأخذه واقتباسه «1»
فهو فظّ بالمال وقت نداه ... وجواد بالعفو في وقت باسه
وقال فيه:
إذا ما جاد بالأموال ثنّى ... ولم تدركه في الجود الندامه
وإن هجست خواطره بجمع ... لريب حوادث قال الندى مه «2»
وقال فيه:
ولما تنازع صرف الزمان ... فزعّنا إلى سيد نابه
إذا كشّر الدهر عن نابه ... كشفنا الحوادث عنّابه
وقال فيه:
إن نابنا خطب فآراؤه ... تغنى عن الجيش وتسريبه
وإن دجا ليل بدا نوره ... للرّكب نجما فهو يسرى به
وقال يفتخر:
وكم حاسد لى انبرى فانثنى ... لعضّة نفس شجاها شجاها
ومن أين يسمو لنيل العلا ... وما بثّ مالا ولا راش جاها
ومنها قوله:
وسائلة تسائل عن فعالى ... وعمّا حاز في الدنيا جمالى
(2/548)

فقلت: إلى المعالى حنّ قلبى ... وفي سبل المكارم لجّ مالى
وللعلياء نهج مستقيم ... فمالى تاركا ذا النّهج مالى
إذا أسرجت في فخر سمابى ... فعالى والنّجار فألجمالى
وقال في نوع من هذا الجنس:
ومن يسر فوق الأرض يطلب غاية ... من المجد يسرى فوق جمجمة النّسر
ومن يختلف في العالمين نجاره ... فإنّا من العلياء نجرى على نجر «1»
ومن يتّجر في المال يكسب ربحه ... فبالمال نشرى رابح الحمد والنّشر
وعلى نحو هذا الحذو يقول أبو الفتح البستى:
أبا العباس لا تحسب بأنى ... لشىء من حلى الأشعار عار
ولى طبع كسلسال المجارى ... زلال من ذرا الأحجار جارى
إذا ما أكبت الأدوار زندا ... فلى زند على الأدوار وارى
وقال أبو الفتح البستى أيضا:
بسيف الدولة اتّسقت أمور ... رأيناها مبدّدة النّظام
سما وحمى بنى سام وحام ... فليس كمثله سام وحام
[أدب الحاجب]
قال بعض الملوك لحاجبه: إنك عينى التي أنظر بها، وجنّتى التي أستنيم إليها؛ وقد ولّيتك بابى، فما نراك صانعا برعيّتى؟
قال: أنظر إليهم بعينك، وأحملهم على قدر منازلهم عندك، وأضعهم لك فى إبطائهم عن بابك ولزومهم خدمتك مواضع استحقاقهم، وأرتّبهم حيث جعلهم ترتيبك، وأحسن إبلاغك عنهم، وإبلاغهم عنك.
(2/549)

قال: قد وفيت بما عليك قولا، إن وفيت به فعلا؛ والله ولىّ كفايتك ومعونتك.
قال المهدى للفضل بن الربيع: إنى قد ولّيتك ستر وجهى وكشفه، فلا تجعل الستر بينى وبين خواصّى سببا لضغنهم بقبح ردّك، وعبوس وجهك؟
وقدّم أبناء الدعوة؛ فإنهم أولى بالتقديم، وثنّ بالاولياء، واجعل للعامة وقتا إذا دخلوا أعجلهم ضيقه عن التلبّث، وصرفهم عن التمكّث.
وقال الحسن بن سهل: إذا كان الملك محتجبا عن الرعيّة، ولم ينزل الوزير نفسه منزلة تكون وسائل الناس إليه أنفسهم واستحقاقهم دون الشفاعات والحرمات، حتى يختصّ الفاضل دون المفضول، ويرتّب الناس على أقدارهم وأوزانهم ومعرفتهم، امتزج التدبير، واختلّت الأمور، ولم يميزّ بين الصدور والاعجاز، والنواصى والأذناب، وكان الناس فوضى، ووهت أسباب الملك، وانتقضت مرائره، وشاعت سرائره، وإنّ أقرب ما أرجو به صلاح ما أتولّاه استماعى من المتنّسمين بأنفسهم، المتوسلين بأفهامهم، المتوصّلين بكفايتهم، وابتذال نفسى لهم، وصبرى عليهم، وتصفحى ما توسلوا به وانتحلوه: من العقول والآداب، والحماية والكفاية. فمن ثبتت له دعواه أنزلته تلك المنزلة، ولم أتحيّفه حقّه، ولا نقصته حظّه، ومن قصّر عما ادّعى كانت منزلته منزلة المقصرين، ولم أخيّب أمله من مقدار ما يستحقّه.
وقال بعض البلغاء: إذا أسدل الوالى على نفسه ستر الحجاب، وهي عمود تدبيره؛ واسترخت عليه حمائل الحزم، وازدلفت إليه وفود الذمّ، وتولّى عنه رشد الرّاجى، ونال أموره خلل الانتشار، وآفة الإهمال، وتسرّع إليه العائبون بلواذع ألسنتهم ودبيب قوارضهم.
وحجب سعيد بن عبد الملك عن عبيد الله بن سليمان فكتب إليه: سرت إلى بابك- أعزّك الله- عند ما حدث من أمرك، فلم يقض لقاؤك، وعلمت أنّ
(2/550)

ثقتك بما عندى، قد مثّلت لك حالى من السرور بنعمة الله عندك، وأرتك موضعى من الاعتداد بكل ما خصّك ووصل إليك، فوكلت العذر إلى ذلك.
ثم إنّا نأتيك متيمّنين بطلعتك، مشتاقين إلى رؤيتك، فيحجبنا عنك ملاحظ.
وهو كما علمت زنيم الصنيعة، لئيم الطبيعة، يحجب عنك الكرام، ويأذن عليك للّئام، كلما نجمت له يد بيضاء، أتبعها يدا سوداء؛ فإن رأيت- أعزّك الله- أن تصرفه عن باب مكارمك فعلت، إن شاء الله.
وقال أبو السمط بن أبى حفصة:
فتى لا يبالى المدلجون بنوره ... إلى بابه ألّا تضىء الكواكب
له حاجب في كلّ خير يعينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب «1»
أخذ البيت الأول من قول جده مروان بن أبى حفصة الأكبر:
إلى المصطفى المهدىّ خاضت ركابنا ... دجى الليل يخبطن السّريح المخدّما «2»
يكون لها نور الإمام محمد ... دليلا به تسرى إذا الليل أظلما
وقال إدريس بن أبى حفصة، وذكر إبلا:
لها أمامك نور تستضىء به ... ومن رجائك في أعناقها حادى
لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الرّتوع وتلهيها عن الزّاد
وأصله قول عمرو بن شأس الأسدى:
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى لمطايانا بوجهك هاديا
أليس يزيد العيس خفّة أذرع، ... وإن كنّ حسرى، أن تكون أماميا «3»
وقال بعض أهل العصر:
وليل وصلنا بين قطريه بالسّرى ... وقد جدّ شوق مطمع في وصالك
(2/551)

أربّت علينا من دجاه حنادس ... أعدن الطريق النهج وعر المسالك «1»
فناديت يا أسماء، باسمك، فانجلت ... وأسفر منها كلّ أسود حالك
بنا أنت من هاد نجونا بذكره ... وقد نشبت فينا أكفّ المهالك
منحتك إخلاصى وأصفيتك الهوى ... وإن كنت لمّا تخطرينى ببالك
وقال القطامى:
ذكرتكم ليلا فنوّر ذكركم ... دجى الليل حتى انجاب عنه دياجره
فو الله ما أدرى أضوء مسجّر ... لذكراكم أم يسجر الليل ساجره
وقال القينى:
وإنى من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه
نجوم سماء كلما انقضّ كوكب ... بدا كوكب تأوى إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
وقال الحطيئة:
نمشى على ضوء أحساب أضأن لنا ... كما أضاءت نجوم اللّيل للسّارى
وقد ردّده في موضع آخر فقال:
هم القوم الذين إذا ألّمت ... من الأيام مظلمة أضاءوا
وكلام القاسم بن حنبل المدنى من هذا، حيث يقول:
من البيض الوجوه بنى سنان ... لو انك تستضىء بهم أضاءوا
فلو أنّ السماء دنت لمجد ... ومكرمة دنت لهم السّماء
هم حازوا من الشّرف المعلّى ... ومن كرم العشيرة حيث شاءوا
وقال بعض المتقدمين:
إذا أشرقت في جنح ليل وجوههم ... كفوا خابط الظلماء فقد المصابح
وإن ناب خطب أو ألّمت ملمّة ... فكم ثمّ من آسى جراح وجارح
وقال أبو بديل الوضاح بن محمد التيمى في المستعين:
(2/552)

وقائلة والليل قد نشر الدّجى ... فغطّى بها ما بين سهل وقردد «1»
أرى بارقا يبدو من الجوسق الذى ... به حلّ ميراث النبىّ محمد
أضاءت له الآفاق حتى كأنما ... رأينا بنصف الليل نور ضحى غد
فظلّ عذارى الحىّ ينظمن تحته ... سلوكا من الجزع الذى لم يسرّد
فقلت: هو البدر الذى تعرفونه ... وإلا يكن فالنّور من وجه أحمد
[حث الاشتياق]
وقال عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة في معنى قول عمرو بن شأس في حثّ الاشتياق:
خليلىّ ما بال المطايا كأنما ... تراها على الأعقاب بالقوم تنكص
فقد أتعب الحادى سراهنّ، وانحنى ... بهنّ- فما بالوا-، عجول مقلّص
وقد قطّعت أعناقهنّ صبابة ... فأعينها مما تكلّف تشخص
يزدن بنا قربا فيزداد شوقنا ... إذا ازداد قرب الدار والبعد ينقص
وقال بعض الرجاز، وذكر إبلا:
إنّ لها لسائقا خدلجّا «2» ... لم يدلج الليلة فيمن أدلجا
يريد امرأة يحبها فيحثه ما يجده من الشوق على إجهاد مطاياه بالسوق. كما أنشد إسحاق الموصلى:
صبّ يحثّ مطاياه بذكركم ... وليس ينساكم إن حلّ أو سارا
لو يستطيع طوى الأيام نحوكم ... حتى يبيع بعمر القرب أعمارا
يرجو النّجاة من البلوى بقربكم ... والقرب يلهب في أحشائه نارا
هذا البيت يناسب أبيات ابن أبى ربيعة. يقول: كلما دنا ازداد حرصا على اللقاء.
(2/553)

وشخص إسحاق الموصلى إلى الواثق بسرّ من رأى، وأهله ببغداد، فتصيد الواثق وهو معه إلى نواحى كبراء، فلما قرب من بغداد قال:
طربت إلى الأصيبية الصّغار ... وهاجك منهم قرب المزار
وكلّ مسافر يزداد شوقا ... إذا دنت الديار من الدّيار
ولحّنه وغنّاه الواثق، فاستحسنة وأطربه، فصرفه إلى بغداد على ما أحب وكان إسحاق قال أولا:
وكلّ مسافر يشتاق يوما ... إذا دنت الديار من الديار
فعابوا قوله «يوما» ، وقالوا: هى لفظة قلقة في هذا الموضع، لم تحلّ بمركزها، ولا لهاهنا موقع. قال: فضعوا مكانها مثلها لا خيرا منها. فما استطاعوا ذلك، فغيّرها إلى ما أنشدت أولا.
وقال أبو نواس:
أما الدّيار فقلما لبثوا بها ... بين اشتياق العيس والرّكبان
وضعوا سياط الشّوق فوق رقابها ... حتى طلعن بها على الأوطان
وقال مخلد بن بكار الموصلى:
أقول لنضو أنفد السّير نيّها «1» ... ولم يبق منها غير عظم مجلّد
خدى بى ابتلاك الله بالشّوق والهوى ... وشاقك تحنان الحمام المغرّد «2»
فمرّت سريعا خوف دعوة عاشق ... تشقّ بى الموماة في كلّ فدفد «3»
فلما ونت في السير ثنّيت دعوتى ... فكانت لها سوطا إلى ضحوة الغد
وكان مخلد حلو الطبع، وهو القائل يمدح رجلا:
يطلع النّجم على صعدته ... فإذا واجه نحرا أفلا
معشر إن ظمئت أرماحهم ... أوردوهنّ مجاجات الطلى
(2/554)

تحسن الألوان منهم في الوغى ... حين تستنكر للرّعب الحلى
سخط عبد الله يدنى الأجلا ... ورضاه يتعدّى الأملا
يعشب الصّلد إذا سالمه ... وإذا حارب روضا أمحلا
[ملك لو نشّرت آلاؤه ... وأياديه على الليل انجلى]
حلّ بالبأس ابن عمرو منزلا ... طال حتى قصرت فيه العلا
حطّ رحلى في ذراه جوده ... وتمشّى في نداه الخيزلى «1»
[جودة الخط]
سئل بعض الكتاب عن الخطّ: متى يستحقّ أن يوصف بالجودة؟ فقال:
إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه، واستقامت سطوره، وضاهى صعوده حدوره، وتفتّحت عيونه، ولم تشتبه راؤه ونونه، وأشرق قرطاسه، وأظلمت أنقاسه، ولم تختلف أجناسه، وأسرع إلى العيون تصوّره، وإلى العقول تثمّره، وقدّرت فصوله، واندمجت وصوله، وتناسب دقيقه وجليله، وخرج من نمط الورّاقين، وبعد عن تصنّع المحررين «2» ، وقام لصاحبه مقام النسبة والحلية، كان حينئذ كما قال صاحب هذا الوصف في صفة خط:
إذا ما تجلل قرطاسه ... وساوره القلم الأرقش
تضمّن من خطّه حلة ... كنقش الدنانير، بل أنقش
حروف تعيد لعين الكليل ... نشاطا ويقرؤها الأخفش
قال أبو هفّان: سألت ورّاقا عن حاله فقال: عيشى أضيق من محبرة، وجسمى أدقّ من مسطرة، وجاهى أرقّ من الزجاج، ووجهى عند الناس أشدّ سوادا من الحبر بالزّاج، وحظى أخفى من شقّ القلم، ويداى أضعف من قصبة، وطعامى أمرّ من العفص؛ وشرابى أحرّ من الحبر «3» ، وسوء الحال ألزم لى من الصّمغ؛ فقلت له: عبّرت عن بلاء ببلاء!
(2/555)

وقال الحمدونى:
ثنتان من أدوات العلم قد ثنتا ... عنان شأوى عما رمت من هممى
أمّا الدّواة فأدمى جرمها جسدى ... وقلّم الحظّ تحريف من القلم
وحبّرت لى صحف الحرف محبرة ... تذود عنّى سوام المال والنعم
والعلم يعلم أنى حين آخذه ... لعصمتى نافر خلو من العصم
وللحمدونى في الحرفة أشعار مستظرفة، وكان مليح الافتنان، حلو التصرّف؛ وهو إسماعيل بن إبراهيم بن حمدويه، وحمدويه جدّه، وهو صاحب الزنادقة في أيام الرشيد، والحمدونى القائل:
من كان في الدنيا له شارة ... فنحن من نظّارة الدنيا
نرمقها من كثب حسرة ... كأننا لفظ بلا معنى
وقال:
قد قلت إذ خرجوا لكى يستمطروا: ... لا تقنطوا واستمطروا بثيابى
لو في حزيران هممت بغسلها ... غطى ضياء الشمس جوّ سحاب
فكأنها العباس يستسقى به ... عمر فيرويهم دعاء مجاب «1»
[حرفة الأدب]
وقال آخر في المعنى الأول:
لما أجدت حروف الخط حرّفنى ... عن كل حظّ وجاءت حرفة الأدب
أقوت منازل مالى حين وطّنها ... مخيّما سفط الأقلام والكتب
وقال يعقوب الخريمى:
ما ازددت في أدبى حرفا أسرّ به ... إلا تزيّدت حرفا تحته شوم
كذاك من يدّعى حذقا بصنعته ... أنّى توجّه فيها فهو محروم
(2/556)

ولما قتل المقتدر أبا العباس بن المعتز، وزعم أنه مات حتف أنفه، قال علىّ بن محمد بن بسام:
لله درّك من ميت بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب
ما فيه لوّ ولا ليت فينقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب
[رزق الحمقى والعقلاء]
قال ابن الرومى:
يا ليت أهل البيت إذ حرموا ... عصموا من الشهوات والفتن
لكنهم حرموا وما عصموا ... فقلوبهم مرضى من الحزن
وهم أطبّ على بليّتهم ... من غيرهم بمضاضة الشّجن «1»
وقال جعفر بن محمد: إن الله وسّع أرزاق الحمقى ليعتبر العقلاء، ويعلموا أنّ الدنيا لا ينال ما فيها بعقل ولا حيلة؛ ألا إنّ كسب المال بالحظّ، وحفظه بالعقل.
قال إبراهيم بن سيّار النظام: الذهب لئيم؛ لأنّ الشكل يصير إلى شكله، وهو عند اللئام أكثر منه عند الكرام. قال المتنبى- وأخذ هذا المعنى:
وشبه الشىء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطّغام
وكان النظام له نظر بوجوه التصرف، وكان السلطان يصله بالكثير، وكان محظوظا؛ فإذا اجتمع له مال حبس لنفسه بلغة، وفرّق الباقى في أبواب المعروف؛ فقيل له في ذلك، فقال: من حقّ المال علىّ أن أطلبه من معدنه، وأصيب به الفرصة عند أهله؛ ومن حقّى عليه أن يقينى السوء بنفسه، ويصون عرضى
(2/557)

بابتذاله، ولا يفعل ذلك إلا بأن أسمح به؛ ألا ترى ذا الغنى؛ ما أدوم نصبه «1» ، وأقلّ راحته، وأخسّ من ماله حظّه، وأشدّ من الأيام حذره، وأغرى الدهر بثلبه ونقصه، ثم هو بين سلطان يرعاه، وذوى حقوق يسبّونه، وأكفاء ينافسونه، وولد يريدون فراقه، قد بعث عليه الغنى من سلطانه العناء، ومن أكفائه الحسد، ومن أعدائه البغى، ومن ذوى الحقوق الذمّ، ومن الولد الملال، وذو البلغة قنع فدام له السرور، ورفض الدنيا فسلم من المحذور، ورضى بالكفاف فتنكّبته الحقوق.
[أفكار الوراقين]
قال الصولى أنشدنى محمد بن أحمد بن إسحاق:
أدمى البكا جفنىّ والمآقى ... فظلت ذا همّ وذا احتراق
ما إن أرى في الأرض والآفاق ... أدنى ولا أشقى من الورّاق
إذا أتى فى القمص الأخلاق ... رأيته مطيرة العشّاق «2»
يفرح بالأقلام والأوراق ... كفرحة الجندى بالأرزاق
وقال بعض الوراقين:
إذا كنت بالليل لا أكتب ... وطول النهار أنا ألعب
فطورا يبّطلنى مأكل ... وطورا يبّطلنى مشرب
فإن دام هذا على ما أرى ... فبيتى أوّل ما يخرب
وقيل لورّاق: ما تشتهى؟ فقال: قلما مشّاقا، وحبرا برّاقا، وجلودا رقاقا.
وكل امرىء فأمنبته على ما يطابق غريزته، ويوافق نحيزته «3» .
(2/558)

[أطيب اللذات عند الشعراء]
قال علىّ بن جبلة العكوك: قال الأصمعى: سئل امرؤ القيس: ما أطيب لذات الدنيا؟ قال: بيضاء رعبوبة «1» ، بالحسن مكبوبة، بالشّحم مكروبة «2» ، بالمسك مشبوبة.
وسئل الأعشى عن ذلك، فقال: صهباء صافية «3» ، تمزجها ساقية، من صوب غادية «4» .
وسئل طرفة عن ذلك، فقال: مركب وطىّ، وثوب بهىّ، ومطعم شهى.
قال العكوك: فحدّثت بهذا أبا دلف، فقال:
أطيب الطيبات قتل الأعادى ... واختيال على متون الجياد
ورسول يأتى بوعد حبيب ... وحبيب يأتى بلا ميعاد
وحدّثت بذلك حميدا الطوسى، فقال:
فلولا ثلاث هنّ من لذّة الفتى، ... وجدّك، لم أحفل متى قام عوّدى
فمنهنّ سبق العاذلات بشربة ... كميت، متى ما تعل بالماء تزبد «5»
وكرّى إذا نادى المضاف محنّبا ... كسيد الغضا ذى السّورة المتورّد «6»
وتقصير يوم الدّجن، والدّجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمّد «7»
الشعر لطرفة بن العبد.
(2/559)

وحدثت بذلك يزيد بن عبد الله، فقال: ما أدرى ما قالوا، ولكنى أقول:
فاقبل من الدّهر ما أتاك به ... من قرّ عينا بعيشه نفعه
فكان أسدّهم.
والبيت للأضبط بن قريع، أنشده أبو العباس ثعلب، قال: وبلغنى أن هذه الأبيات قيلت قبل الإسلام بدهر طويل:
لكل ضيق من الأمور سعه ... والصبح والمسى لا فلاح معه «1»
ما بال من سرّه مصابك لا ... يملك شيئا من أمره وزعه
أذود عن حوضه ويدفعنى ... يا قوم، من عاذرى من الخدعه؟
حتى إذا ما انجلت عمايته ... أقبل يلحى وغيّه فجعه «2»
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
ويقطع الثوب غير لابسه ... ويلبس الثوب غير من قطعه
فاقبل من الدّهر ما أتاك به ... من قرّ عينا بعيشه نفعه
وصل حبال البعيد إن وصل الح ... بل، وأقص القريب إن قطعه
ولا تعاد الفقير علّك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه «3»
هذا البيت شبيه بما روى عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يستنشدنى قول اليهودى:
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوما فتدركه العواقب قد نما «4»
يجزيك، أو يثنى عليك، وإنّ من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
فأنشده، فيقول: إنى فطن لها:
(2/560)

وكان الأضبط سيد بنى سعد، وكانوا يشتمونه ويؤذونه، فانتقل إلى حىّ من العرب فوجدهم يؤذون سادتهم، فقال: حيثما أوجّه ألق سعدا! فذهبت مثلا قال الطائى:
فلا تحسبن هندا لها الغدر وحدها ... سجية نفس، كلّ غانية هند
[وصف المحابر والأقلام]
قال بعض الكتاب يصف محبرة:
ولقد مضيت إلى المحدّث آنفا ... وإذا بحضرته ظباء رتّع
وإذا ظباء الإنس تكتب كل ما ... يملى، وتحفظ ما يقول وتسمع
يتجاذبون الحبر من ملمومة ... بيضاء تحملها علائق أربع «1»
من خالص البلّور غيّر لونها ... فكأنها سبج يلوح ويلمع «2»
إن نكّسوها لم تسل، ومليكها ... فيما حوته عاجلا، لا يطمع
ومتى أمالوها لرشف رضابها ... أدّاه فوها وهي لا تتمنّع
وكأنها قلبى يضنّ بسرّه ... أبدا، ويكتم كلّ ما يستودع
يمتاحها ماضى الشّباة مذلّق ... يحرى بميدان الطّرّوس فيسرع «3»
رجلاه رأس عنده لكنّه ... يلقاه برد حفاه ساعة يقطع
وكأنّه والحبر يخضب رأسه ... شيخ لوصل خريدة يتصنّع
لم لا ألاحظه بعين جلالة ... وبه إلى الله الصحائف ترفع
وقال أبو الفتح كشاجم:
محبرة جاد لى بها فمر ... مستحسن الخلق مرتضى الخلق
جوهرة خصّنى بجوهرة ... ناطت له المكرمات في عنقى
بيضاء والحبر في قراراتها ... أسود كالمسك جدّ منفتق
مثل بياض العيون زيّنه ... مسودّ ما شابه من الحدق
(2/561)

كأنما حبرها إذا نثرت ... أقلامنا ظلّه على الورق
كحل مرته العيون من مقل ... نجل فأوفت به على يقق «1»
خرساء لكنّها تكون لنا ... عونا على علم أفصح النّطق
وقال عبد الله بن أحمد: القلم أمره، ما لم يكتحل بإثمد الدّواة «2» .
وكتب إبراهيم بن العباس كتابا فأراد محو حرف فلم يجد منديلا، فمحاه بكمّه، فقيل له في ذلك، فقال: المال فرع، والعلم أصل؛ وإنما بلغنا هذه الحال، واعتقدنا هذه الأموال «3» بهذا القلم والمداد، ثم قال:
إذا ما الفكر أضمر حسن لفظ ... وأدّاه الضمير إلى العيان
ووشّاه ونمنمه مسدّ ... فصيح بالمقال وباللّسان
رأيت حلى البيان منوّرات ... تضاحك بينها صور المعانى
ألفاظ لأهل العصر في أوصاف آلات الكتابة والدوىّ والأقلام
الدواة من أنفع الأدوات، وهي للكتابة عتاد، وللخاطر زناد، غدير لا يرده غير الأفهام، ولا يمتح بغير أرشية الأقلام «4» ، دواة أنيقة الصّنعة، رشيقة الصبغة، مسكية الجلد، كافورية الحلية. غدير تفيض ينابيع الحكمة من أقطاره، وتنشأ سحب البلاغة من قراره. دواة تداوى مرض عفاتك، وتدوى قلوب عداتك، على مرفع يؤذن بدوام رفعتك، وارتفاع النوائب عن ساحتك، ومداد كسواد العين، وسويداء القلب، وجناح الغراب، ولعاب الليل، وألوان دهم الخيل. وهذا من قول ابن الرومى:
حبر أبى حفص لعاب الليل ... كأنه ألوان دهم الخيل
(2/562)

قال العاصر: مداد ناسب خافية الغراب، واستعار لونه من شرخ الشباب، وأقلام جمّة المحاسن، بعيدة من المطاعن، تعاصى الكاسى، وتمانع الغامز القاسى. أنابيب ناسبت رماح الخطّ في أجناسها، وشاكلت الذهب في ألوانها، وضاهت الحديد في لمعانها؛ كأنها الأميال استواء، والآجال مضاء، بطيئة الحفى، قوية القوى، لا يشظّيها «1» القطّ، ولا يتشعّب بها الخطّ. أقلام بحرية موشيّة اللّيط «2» ، رائقة التخطيط. قلم معتدل الكعوب، طويل الأنبوب، باسق الفروع، روىّ الينيوع، هو أولى باليد من البنان، وأخفى للسر من اللّسان.
هو للأنامل مطيّة، وعلى الكتابة معونة مرضيّة. نعم العدّة القلم: يقلم أظافر الدّهر، ويملك الأقاليم بالنّهى والأمر، إن أردت كان مسجونا لا يملّ الإسار، وإن شئت كان جوادا جاريا لا يعرف العثار، لا ينبو إذا نبت الصّفاح «3» ، ولا يحجم إذا أحجمت الرّماح.
قال أبو الفتح كشاجم، يصف محبرة ومقلمة وأقلاما وسكينا:
جسمى من اللهو وآلات الطّرب ... ومن عتاد وثراء ونشب
ومن مدام ومثان تصطحب ... وهمة طمّاحة إلى الرّتب
مجالس مصونة من الرّيب ... معمورة من كلّ علم وأدب
تكاد من حرّ الحديث تلتهب ... شعرا وأخبارا ونحوا يقتضب
ولغة تجمع ألفاظ العرب ... وفقرا كالوعد فى قلب المحبّ
أو كتأتّى الرزق من غير طلب ... أجل، وحسبى من دوىّ تنّتخب
محلّيات بلجين وذهب ... محبرة يزهى بها الحبر الألبّ «4»
مثقوبة آذانها، وفي الثّقب ... مثل شنوف الخرّد البيض العرب «5»
(2/563)

تضمن قطرا فيه للكتب غشب ... أسود يجرى بمعان كالشهب
لا تنضب الحكمة إلّا إن نضب ... نيطت إلى يسرى يدىّ بسبب
كالقرط في الجيد تدلّى فاضطرب ... تصحبها، والأخوات تصطحب
كأنه يودع نبلا من قصب ... لم يعلها ريش ولم تحمل عقب «1»
لا تضحك الأوراق حتى ينتحب ... ترمى بها يمناى أعراض الكتب
رميا متى أقصد به السّمت أصب ... ومدية كالعضب ما مسّ القصب
غصبى على الأقلام من غير سبب ... تسطو بها في كلّ حين وتثب
وإنما ترضيك في ذاك الغضب ... فتلك آلاتى، وآلاتى تحبّ
والظّرف في الآلات مما يستحبّ ... لا سيّما ما كان منها للادب
[عمال المأمون]
تظلم رجل إلى المأمون من عامل له، فقال: يا أمير المؤمنين، ما ترك لى فضّة إلّا فضّها، ولا ذهبا إلّا ذهب به، ولا غلّة إلا غلها، ولا ضيعة إلّا أضاعها، ولا علقا «2» إلا علقه، ولا عرضا إلا عرض له، ولا ماشية إلا امتشّها «3» ، ولا جليلا إلا أجلاه، ولا دقيقا إلا أدقّه. فعجب من فصاحته وقضى حاجته.
قال عمرو بن سعد بن سلم: كانت علىّ نوبة أنوبها في حرس المأمون، فكنت في نوبتى ليلة فخرج متفقّدا من حضر، فعرفته ولم يعرفنى، فقال: من أنت؟ قلت: عمرو، عمرك الله، ابن سعيد، أسعدك الله، ابن سلم، سلّمك الله.
فقال: تكلؤنا منذ الليلة. قلت: الله يكلؤك قبلى، وهو خير حافظا وهو أرحم الراحمين.
فقال المأمون:
إنّ أخاك الحقّ من يسعى معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا صرف زمان صدعك ... بدّد شمل نفسه لنجمعك
(2/564)

[الورد والنرجس]
وقال على بن العباس الرومى:
خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلا تورّدها عليه شاهد
لم يخجل الورد المورّد لونه ... إلّا وناحله الفضيلة عاند
للنرجس الفضل المبين إذا بدا ... بين الرياض طريفه والتّالد
وكان ابن الرومى متعصبا للنرجس، كثير الذمّ للورد، وكتب إلى أبى الحسن ابن المسيب:
أدرك ثقاتك إنّهم وقعوا ... فى نرجس معه ابنة العنب
فهم بحال لو بصرت بها ... سبّحت من عجب ومن عجب
ريحانهم ذهب على درر ... وشرابهم درّ على ذهب
فى روضة شتويّة رضعت ... درّ الحيا حلبا على حلب
واليوم مدجون فحرّته ... فيه بمطّلع ومحتجب «1»
ظلت تسامرنا وقد بعثت ... ضوءا يلاحظنا بلا لهب
وكان كسرى أنو شروان مستهترا بالنّرجس «2» ، وكان يقول: هو ياقوت أصفر، بين درّ أبيض، على زمرّد أخضر. نقله بعض المحدثين فقال:
وياقوتة صفراء في رأس درّة ... مركّبة في قائم من زبرجد
كمثل بهىّ الدّرّ عقد نظامها ... نثير فرند قد أطاف بعسجد
كأنّ بقايا الطّل في جنباتها ... بقية دمع فوق خدّ مورّد
رجع ابن الرومى:
فصل القضية أنّ هذا قائد ... زهر الرّبيع وأنّ هذا طارد
شتّان بين اثنين: هذا موعد ... بتصرّم الدنيا، وهذا واعد
(2/565)

فإذا احتفظت به فأمتع صاحب ... بحياته، لو أنّ حيّا خالد
ينهى النديم عن القبيح بلحظه ... وعلى المدامة والسّماع يساعد «1»
اطلب بعقلك في الملاح سميّه ... أبدا؛ فإنك لا محالة واجد
والورد إن فتّشت فرد في اسمه ... ما في الملاح له سمىّ واحد
هذى النجوم هي التي ربّينها ... بحيا السحاب كما يربّى الوالد «2»
فانظر إلى الولدين، من أدناهما ... شبها بوالده فذاك الماجد
أين الخدود من العيون نفاسة ... ورياسة، لولا القياس الفاسد
وقد ناقضه جماعة من البغداديين وغيرهم في هذا المذهب، وذهبوا إلى تفضيل الورد؛ فما دانوه وما استطاعوه.
قال أحمد بن يونس الكاتب رادّا عليه:
يا من يشبّه نرجسا بنواظر ... دعج، تنبّه إنّ فهمك راقد
إنّ القياس لمن يصحّ قياسه، ... بين العيون وبينه متباعد
والورد أصدق للخدود حكاية ... فعلام تجحد فضله يا جاحد
ملك قصير عمره مستأهل ... تخليده، لو أنّ حيّا خالد
إن قلت إنّ الورد فرد في اسمه ... ما في الملاح له سمىّ واحد
فالشمس تفرد باسمها والمشترى ... والبدر يشرك في اسمه وعطارد
أو قلت إنّ كواكبا ربينها ... بحيا السّحاب كما يربّى الوالد
قلنا أحقّهما بطبع أبيه في ... الجدوى هو الزّاكى النجيب الرّاشد
زهر النّجوم تروقنا بضيائها ... ولها منافع جمة وعوائد
وكذلك الورد الأنيق يروقنا ... وله فضائل جمّة وفوائد
وخليفه إن غاب ناب بنفعه ... وبنفحه أبدا مقيم راكد
(2/566)

إن كنت تنكر ما ذكرنا بعد ما ... وضحت عليه دلائل وشواهد
فانظر إلى المصفرّ لونا منهما ... وافطن فما يصفرّ إلّا الحاسد
نبذ من النظم والنثر فى صفات النّور والزهر
قال علىّ بن الجهم:
لم يضحك الورد إلّا حين أعجبه ... حسن الرّياض وصوت الطائر الغرد
بدا فأبدت لنا الدّنيا محاسنها ... وراحت الرّاح في أثوابها الجدد
وقابلته يد المشتاق تسنده ... إلى الترائب والأحشاء والكبد
كأنّ فيه شفاء من صبابته ... أو مانعا جفن عينيه من السّهد
بين النّديمين والخلّين مصرعه ... وسيره من يد موصولة بيد
ما قابلت طلعة الرّيحان طلعته ... إلا تبيّنت فيه ذلّة الحسد
قامت بحجّته ريح معطّرة ... تشفى القلوب من الأوصاب والكمد
لا عذّب الله إلّا من يعذّبه ... بمسمع بارد أو صاحب نكد «1»
وكان أردشير بن بابك يصف الورد ويقول: هو درّ أبيض، وياقوت أحمر، على كراسى زبرجد أخضر، توسطه شذور من ذهب أصفر، له رقّة الخمر، ونفحات العطر «2» أخذه محمد بن عبد الله بن طاهر فقال:
كأنهنّ يواقيت يطيف بها ... زمرّد وسطه شذر من الذّهب
فاشرب على منظر مستظرف حسن ... من خمرة مزّة كالجمر في اللهب
وقال يزيد المهلبى: أحبّ المتوكل أن ينادمه الحسين بن الضحاك، الخليع
(2/567)

البصرى، وأن يرى ما بقى من ظرفه وشهوته لما كان عليه؛ فأحضره وقد كبر وضعف، فسقاه حتى سكر، وقال لخادمه شفيع: اسقه؛ فسقاه وحياه بوردة، وكانت على شفيع أثواب، فمدّ الحسين يده إلى درع شفيع، فقال المتوكل:
أتخمش غلامى بحضرتى؟ كيف لو خلوت به! ما أحوجك يا حسين إلى أدب! وكان المتوكل غمز شفيعا على العبث به، فقال حسين: سيدى، أريد دواة وقرطاسا؛ فأمر له بهما، فكتب:
وكالوردة البيضاء حيّا بأحمر ... من الورد يسعى في قراطق كالورد «1»
له عبثات عند كلّ تحيّة ... بكفّيه يستدعى الخلىّ إلى الوجد
تمنيت أن أسقى بكفيه شربة ... تذكرنى ما قد نسيت من العهد
سقى الله عيشا لم أنم فيه ليلة ... من الدهر إلّا من حبيب على وعد
ثم دفع الرقعة إلى شفيع، وقال: ادفعها إلى مولاك؛ فلما قرأها استملحها، وقال: لو كان شفيع ممن تجوز هبته لو هبته لك، ولكن بحياتى يا شفيع إلّا كنت ساقيه بقيّة يومه! وأمر له بمال كثير حمل معه لما انصرف.
قال يزيد المهلبى: فصرت إلى الحسين بعد انصرافه من عند المتوكل بأيام، فقلت: ويحك! أتدرى ما صنعت؟ قال: لا أدع عادتى بشىء، وقد قلت بعدك:
لا رأى عطفة الأحببة من لا يصرح ... أصغر الساقيين أشكل عندى وأملح
لو تراه كالظبى يسنح طورا ويبرح ... خلت غصنا على كثيب بنور يوشّح
(2/568)

قال الصولى: وكأن الأول من أبيات الحسين من قول العباس بن الأحنف:
بيضاء في حمر الثياب كوردة ... بيضاء بين شقائق النعمان
تهتزّ في غيد الشباب إذا مشت ... مثل اهتزاز نواعم الأغصان
قال أبو بكر الصولى: كان عند الخصى الوزير ظبى داجن ربيب في داره، فعمد إلى نيلوفر فأكله، فاستملح الغزال وأنسه، وقال: لو عمل في أنس هذا الغزال وفعله بالنيلوفر لاشتمل العمل على معنى مليح! فبلغ الخبر أبا عبد الله إبراهيم ابن محمد بن عرفة نفطويه، فبادر لئلا يسبق، وعمل أبياتا أولها:
جرت ظبية غنّاء ترعى بروضة ... تنوش لدى أفنانها ورقا خضرا «1»
فى أبيات غير طائلة، فاستبرد ما أتى به، قال الصولى: فقلت:
ونيلوفر يحكى لنا المسك طيبه ... تراه على اللذات أفضل مسعد
قد اجتنّ خوف الحادثات بجنّة ... تروق كثوب الراهب المتعبّد
تركّب كالكاسات في ذهبيّة ... على قضب مخضرّة كالزّبرجد
وألبس ثوبا يفضل اللّحظ حسنه ... كما عبثت عين بخدّ مورّد
غذته أهاضيب السماء بدرّها ... تروح عليه كلّ يوم وتغتدى
تلبّس للانوار ثوب سمائه ... ففضّل عنه الحسن في كلّ مشهد
وفي وسطه منه اصفرار يزينه ... كياقوتة زرقاء في رأس عسجد
أطاف به أحوى المدامع شادن ... حكى طرف من أهوى وحسن المقلد «2»
كما أخذ الظمآن بالفم كاسه ... ولم يستعن في أخذه الكاس باليد
[وصف أيام الربيع]
وقال أبو محمد الحسن بن على بن وكيع «3» :
يوم أتاك بوجهه المتهلّل ... ناهيك من يوم أغرّ محجّل
(2/569)

خلع الغمام على اخضرار سمائه ... خلعا فبين ممسّك ومصندل
وكسا الرّبى حللا تخالف شكلها ... بمورّد ومعصفر ومكحّل
وتمايلت فيه قدود غصونه ... من شرب كاسات العيون الهطّل
وعلا على الأشجار قطر سمائها ... فهدت لعين الناظر المتأمل
يحكى قباب زمرّد قد كلّلت ... بمنظّم من لؤلؤ ومفصّل
وأتاك نور الباقلاء كأنما ... يرنو إليك بعين أكحل أقبل «1»
الورد يخجل كلّ نور طالع ... وتراه منتقبا بحمرة مخجل
وحكى بياض الطّلع في كافوره ... وجه الخريدة في الخمار الصّندلى
فكأنما الدنيا عروس أقبلت ... فى كل أنواع الملابس تجتلى
فاشرب معصفرة القميص سلافة ... من صنعة البردان أو قطربّل
وقال أبو الفتح البستى:
يوم له فضل على الأيام ... مزج السّحاب ضياءه بظلام
فالبرق يخفق مثل قلب هائم ... والغيم يبكى مثل طرف هام
وكأنّ وجه الأرض خدّ متيّم ... وصلت سجام دموعه بسجام
فاطلب ليومك أربعا: هنّ المنى ... وبهنّ تصفو لذّة الأيام
وجه الحبيب، ومنظرا مستشرقا، ... ومغنّيا غردا، وكأس مدام
وقال الأمير أبو الفضل الميكالى:
سلّ الربيع على الشّتاء صوارما ... تركته مجروحا بلا إغماد
وبكت له عين السماء بأدمع ... ضحكت لساجمها ربى الأنجاد
وبدت شقائقها خلال رياضها ... تزهى بثوبى حمرة وسواد
(2/570)

فكأنها بنت الشتاء توجّعت ... لمصابه كشقيقة الأولاد
فقنوء حمرتها خضاب نجيعه ... وسواد كسوتها لباس حداد
وقال:
تصوغ لنا كفّ الربيع حدائقا ... كعقد عقيق بين سمط لآلى
وفيهن أنوار الشقائق قد حكت ... خدود عذارى نقّطت بغوالى
وقال:
كأنّ الشقائق إذ أبرزت ... غلالة داد وثوبا أحمّ «1»
قطاع من الجمر مشبوبة ... فأطرافها لمع من حمم
وقال في حديقة ريحان:
أعددت محتفلا ليوم فراغى ... روضا غدا إنسان عين الباغى «2»
روض يروض هموم قلبى حسنه ... فيه لكأس الأنس أىّ مساغ
فإذا بدت قضبان ريحان به ... حيّت بمثل سلاسل الأصداغ
وقال في النرجس:
أهلا بنرجس روض ... يزهى بحسن وطيب
يرنو بعينى غزال ... على قضيب رطيب
وفيه معنى خفىّ ... يزينه للقلوب
تصحيفه إن نسقت ... الحروف برّ حبيب
وقال:
وما ضمّ شمل الأنس يوما كنرجس ... يقوم بعذر اللهو عن خالع العذر «3»
فأحداقه أحداق تبر، وساقه ... كقامة ساق في غلائله الخضر
(2/571)

وقال البحترى:
سقى الغيث أكناف اللّوى من محلة ... إلى الحقف من رمل اللوى المتقاود
ولا زال مخضرّ من الرّوض يانع ... عليه بمحمرّ من النّور جاسد
شقائق يحملن الندى فكأنّه ... دموع التصابى في خدود الخرائد
ومن لؤلؤ في الأقحوان منظّم ... ومن نكت مصفرّة كالفرائد
كأن جنى الحوذان فى رونق الضحى ... دنانير تبر من تؤام وفارد
إذا راوحتها مزنة بكرت لها ... شآبيب مجتاز عليها وقاصد
رباغ تردّت بالرياض مجودة ... بكل جديد الماء عذب الموارد «1»
كأنّ يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرّواعد
[فى مجلس المبرد]
قال أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه: قال لى البحترى وقد اجتمعنا على خلوة عند المبرد وسلكنا مسلكا من المذاكرة: أشعرت أنى سبقت الناس كلهم إلى قولى:
شقائق يحملن النّدى فكأنّه ... دموع التّصابى في خدود الخرائد
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرّواعد
هكذا أنشد، فاستحسن ذلك المبرد استحسانا أسرف فيه، وقال: ما سمعت مثل هذه الألفاظ الرّطبة، والعبارة العذبة، لأحد تقدّمك ولا تأخّر عنك. فاعترته أريحيّة جرّبها رداء العجب؛ فكأنه أعجبنى ما يعجب الناس من مراجعة القول؛ فقلت: يا أبا عبادة، لم تسبق إلى هذا، بل سبقك سعيد بن حميد الكاتب إلى البيت الأول بقوله:
عذب الفراق لنا قبيل وداعنا ... ثم اجترعناه كسمّ ناقع
(2/572)

وكأنما أثر الدموع بخدّها ... طلّ تساقط فوق ورد يانع
وشركك فيه صديقنا أبو العباس الناشىء بما أنشدنيه آنفا:
بكت للفراق وقد راعنى ... بكاء الحبيب لبعد الديار
كأنّ الدموع على خدّها ... بقية طلّ على جلّنار «1»
وما أساء على بن جريج، بل أحسن في زيادته عليك بقوله:
لو كنت يوم الوداع شاهدنا ... وهنّ يطفين غلة الوجد
لم تر إلّا دموع باكية ... تسفح من مقلة على خدّ
كأنّ تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد
وسبقك أبو تمام إلى معنى البيتين معا بقوله:
من كل زاهرة ترقرق بالنّدى ... فكأنها عين إليه تحدّر
تبدو ويحجبها الجميم كأنها ... عذراء تبدو تارة وتخفّر «2»
خلق أطلّ من الربيع كأنّه ... خلق الإمام وهديه المتنشّر
فى الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن الربيع الغضّ سرح يزهر «3»
ينسى الربيع وما يروّض جوده ... أبدا على مرّ الليالى يذكر
قال: فشقّ ذلك عليه، وحلّ حبوته ونهض، فكان آخر عهدى بمؤانسته وغلظ ذلك على محمد بن يزيد، وقدح ذلك في حالى عنده.
وقال البحترى يمدح الهيثم بن عثمان الغنوى:
ألست ترى مدّ الفرات كأنه ... جبال شرورى جئن في البحر عوّما
وما داك من عاداته غير أنه ... رأى شيمة من جاره فتعلّما
(2/573)

وقد نبّه النّوروز في غبش الدّجى ... أوائل ورد كنّ بالأمس نوّما
يفتّحها برد النّدى فكأنه ... يبثّ حديثا بينهنّ مكتّما
ومن شجر ردّ الربيع لباسه ... عليه كما نشّرت بردا منمنما
أحلّ فأبدى للعيون بشاشة ... وكان قذى للعين مذ كان محرما
فما يمنع الراح التي أنت خلّها ... وما يمنع الأوتار أن تترنّما
وما زلت خلّا للنّدامى إذا اغتدوا ... وراحوا بدورا يستحثون أنجما
تكرّمت من قبل الكئوس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرّما
حيّتك عنا شمال طاف طائفها ... بجنّة فجرت راحا وريحان
هبّت سحيرا فناجى الغصن صاحبه ... سرّا بها وتداعى الطّير إعلانا
«1» ورق تغنّى على خضر مهدّلة ... تسمو بها وتمسّ الأرض أحيانا
تخال طائرها نشوان من طرب ... والغصن من هزّه عطيه نشوانا
ولابن المعتز في أرجوزته البستانية التى ذم فيها الصّبوح صفة جامعة، إذ قال:
أما ترى البستان كيف نوّرا ... ونشّر المنثور بردا أصفرا
وضحّك الورد إلى الشقائق ... واعتنق الورد اعتناق الوامق
فى روضة كحلية العروس ... وخدّم كهامة الطاوس
وياسمين في ذرى الأغصان ... منظم كقطع العقيان
والسّرو مثل قصب الزّبرجد ... قد استمدّ الماء من ترب ند
على رياض وثرى ندىّ ... وجدول كالبرد الحلىّ
وفرّج الخشخاش جيبا وفتق ... كأنّه مصاحف بيض الورق
أو مثل أقداح من البلور ... تخالها تجسّمت من نور
بعضه عريان من أثوابه ... قد خجل اليابس من أصحابه
(2/574)

تبصره عند انتشار الورد ... مثل الدبابيس بأيدى الجند
والسّوسن الآزار منشور الحلل ... كقطن قد مسّه بعض بلل
نوّر في حاشيتى بستانه ... ودخّل الميدان في ضمانه
وقد بدت فيه ثمار الكنكر ... كأنها جماجم من عنبر
وحلّق البهار بين الآس ... جمجمة كهامة الشّمّاس
خلال شيح مثل شيب النّصف ... وجوهر من زهر مختلف
وجلّنار كاحمرار الورد ... أو مثل أعراف ديوك الهند
والأقحوان كالثنايا الغرّ ... قد صقّلت أنواره بالفطر
وقال أبو الفتح كشاجم:
وروض عن صنيع الغيث راض ... كما رضي الصّديق عن الصديق
إذا ما القطر أسعده صبوحا ... أتمّ له الصنيعة في الغبوق
يعير الرّيح بالنفحات ريحا ... كأنّ ثراه من مسك فتيق
كأنّ الطّلّ منتشرا عليه ... بقايا الدّمع في خدّ مشوق
كأنّ غصونه سقيت رحيقا ... فمالت مثل شرّاب الرّحيق
كأنّ شقائق النعمان فيه ... مخصّرة شقائق من عقيق
يذكّرنى بنفسجه بقايا ... صنيع اللّطم في الخدّ الرّقيق
وقال:
غيث أتانا مؤذنا بالخفض ... متّصل الوبل سريع الرّكض
دنا فخلناه دوين الأرض ... متّصلا بطوله والعرض
إلفا إلى إلف بسرّ يفضى ... ثم سما كاللؤلؤ المرفضّ
فالأرض تجلى بالنبات الغضّ ... فى حليها المحمرّ والمبيضّ
من سوسن أحوى وورد غضّ ... مثل الخدود نقّشت بالعضّ
(2/575)

وأقحوان كاللّجين المحض ... ونرجس ذاكى النسيم بضّ
مثل العيون رنّقت للغمض ... ترنو فيغشاها الكرى فتغضى
جملة من هذا النوع لأهل العصر
قال أبو فراس الحمدانى:
وجلنّار مشرق ... على أعالى شجره
كأنّ في رءوسه ... أحمره وأصفره
قراضة من ذهب ... فى خرقة معصفره
وقال:
ويوم جلافيه الربيع رياضه ... بأنواع حلى فوق أثوابه الخضر
كأنّ ذيول الجلّنار مطلّة ... فضول ذيول الغانيات من الأزر
وقال أبو القاسم بن هانىء، يصف زهرة رمّان قطفت قبل عقدها:
وبنت أيك كالشباب النّضر ... كأنها بين الغصون الخضر
جنان باز أو جنان صقر ... قد خفّقته لقوة بوكر «1»
كأنما سحّت دما من نحر ... أو نبتت في تربة من جمر
[أو سقيت بجدول من خمر] ... لو كفّ عنها الدهر صرف الدّهر
جاءت كمثل النّهد فوق الصّدر ... تفترّ عن مثل اللّثات الحمر
فى مثل طعم الوصل بعد الهجر
ولهم في هذا المعنى
روضة رقّت حواشيها، وتأنّق واشيها. روضة كالعقود المنظّمة، على البرود المنمنمة. روضة قدراضتها كفّ المطر، ودبّجتها أيدى الندى. أخرجت الأرض
(2/576)

أسرارها، وأظهرت يد الغيث آثارها، وأبدت الرياض أزهارها. الرياض كالعرائس في حليها وزخارفها، والقيان في وشيها ومطارفها، باسطة زرابيّها وأنماطها، ناشرة حبراتها ورياطها، زاهية بحمرائها وصفرائها، نائهة بعيدانها وغدرانها، كأنما احتفلت لوفد، أو هي من حبيب على وعد. روضة قد تضوّعت بالأرج الطّيّب أرجاؤها، وتبرّجت في ظلل الغمام صحراؤها، وتنافجت بنوافج المسك أنوارها، وتعارضت بغرائب النّطق أطيارها. بستان رقّ نوره النضيد، وراق عوده النضير. بستان عوده خضر، ونوره نضر، وينعه خضل، وماؤه خصر. بستان أرضه للبقل والريحان، وسماؤه للنخل والرمان. بستان أنهاره مفروزة بالأزهار، وأشجاره موقرة بالثمار. أشجار كأنّ الحور أعارتها قدودها، وكستها برودها، وحلّتها عقودها. الربيع شباب الزمان، ومقدمة الورد والريحان. زمن الورد مرموق، كأنه من الجنّة مسروق. قد ورد كتاب الورد، بإقباله إلى أهل الود. إذا ورد الورد، صدر البرد. مرحبا بإشراف الزهر، فى أطراف الدهر، وأنشد:
سقى الله وردا صار خدّ ربيعنا ... فقد كان قبل اليوم ليس له خدّ
كأنّ عين النرجس عين، وورقه ورق «1» النرجس نزهة الطّرف، وظرف الظّرف، وغذاء الروح: شقائق كتيجان العقيق على رءوس الزنوج، كأنها أصداغ المسك على الوجنات المورّدة. شقائق كالزنوج تجارحت وسالت دماؤها، وضعفت فسال ذماؤها. كأن الشقيق جام من عقيق أحمر، ملئت قرارته بمسك أذفر. الأرض زمرّدة، والأشجار وشى، والماء سيوف، والطيور قيمان. قد غرّدت خطباء الأطيار، على منابر الأنوار والأزهار. إذا صدح الحمام، صدع الحمام قلب المستهام انظر إلى طرب الأشجار لغناء الأطيار. ليس للبلابل كغناء البلابل «2» ، وخمر بابل.
(2/577)

ولهم فيما يتعلق بهذا النحو في وصف أيام الربيع
يوم سماؤه فاختيّة، وأرضه طاوسيّة. يوم جلا بيب غيومه رواق، وأردية نسيمه رقاق. يوم ممسّك السماء، معصفر الهواء، معنبر الرّوض، مصندل الماء. يوم زرّ عليه جيب الضّباب، وانسحب فيه ذيل السحاب. يوم سماؤه كالخزّ الأدكن، وأرضه كالديباج الأخضر
شادن يرتعى القلوب ببغدا ... د ولا يرتعى الكلا بالنّباج
أقبلت والربيع يختال في الرّو ... ض وفي المزن ذى الحيا الثّجّاج «1»
ذو سماء كأدكن الخزّ قد ... غيمت وأرض كأخضر الديباج
فتجلّى عن كل ما يتمنى ... موعد الكدخداة والهيلاج
فظللنا في نزهتين وفي ... حسنين بين الأرمال والأهزاج
بفتاة تسرّنا في المثانى ... وعجوز تسرّنا في الزّجاج
أخذت من رءوس قوم كرام ... ثارها عند أرجل الأعلاج
يوم حسن الشمائل، ممتع المخايل، سجسج الهواء، مؤنق الأرجاء.
يوم تبسّم عنه الربيع، وتبرّج عنه الروض المريع. يوم كأنّ سماءه مأتم تتباكى، وأرضه عروس تتجلّى. يوم مشهّر الأوصاف، أغرّ الأطراف. يوم يغفى فيه النّور وينتبه، وتسفر فيه الشمس وتنتقب، وتعتنق الغصون وتفترق، ويوشى الغيم وينسكب. يوم غاب نحسه وهوى، وطلع سعده واعتلى، والزمان ساقطة جماره، مفعمة أنهاره، مونقة أشجاره، مغرّدة أطياره. نحن في غبّ سماء، قد أقلعت بعد الارتواء، وأقشعت عند الاستغناء، فالنّبت خضل ممطور، والنّقع ساكن محصور. يوم جوّه طارونىّ، وأرضه طاوسّى. يوم دجنه عاكف، وقطره واكف. يوم من أعياد العمر، وأعيان الدّهر.
(2/578)

[الربيع والرفاق]
ولهم في تشبيه محاسن الربيع بمحاسن الإخوان والسادة:
غيث مشبّه بكفّك، واعتداله مضاه لخلقك، وزهره مواز لنشرك «1» ، كأنما استعار حلله من شيمتك، وحليه من سجيّتك، واقتبس أنواره من محاسن أيامك، وأمطاره من جودك وإنعامك. قدم الربيع منتسبا إلى خلقك، مكتسيا محاسنه من طبعك، متوشّحا بأنوار لفظك، متوضّحا بآثار لسانك ويدك. أنا في بستان أذكرنى ورده المفتّح بخلقك، وجدوله السابح بطبعك، وزهره الجنىّ بقربك. أنا في بستان كأنّه من شمائلك سرق، ومن خلقك خلق، وقد قابلتنى أشجار تتمايل فتذكرنى تبريح الأحباب، إذا تداولتهم أيدى الشراب، وأنهار كأنّها من يدك تسيل، ومن راحتيك تفيض. أنا على حافة حوض أزرق كصفاء مودّتى لك، ورقّة قولى في عتبك.
[الصوم في الربيع]
وقال ابن عون الكاتب:
جاءنا الصوم في الربيع فهلّا ... اختار ربعا من سائر الأرباع «2»
وكأنّ الربيع في الصوم عقد ... فوق نحر غطّاه فضل قناع
[يوم الشك]
وكتب أبو الفتح كشاجم إلى بعض إخوانه يتدعيه إلى زيارته في يوم شك:
هو يوم شكّ يا عل ... ىّ وبشره مذ كان يحذر
والجوّ حلته ممسّكة ... ومطرفه معنبر
والماء فضّىّ الفميص ... وطيلسان الأرض أخضر
نبت يصعّد زهره ... فى الرّوض قطر ندى تحدّر
ولنا فضيلات تكو ... ن ليومنا قوتا مقدّر
(2/579)

ومدامة صفراء أد ... رك عمرها كسرى وقيصر فانشط لنا لنحثّ من
كاساتنا ما كان أكبر ... أو لا فإنّك جاهل
إن قلت إنّك سوف تعذر
وكتب بديع الزمان إلى بعض أهل همذان:
كتابى- أطال الله بقاك- عن شهر رمضان، عرّفنا الله بركة مقدمه، ويمن مختتمه، وخصّك بتقصير أيامه، وإتمام صيامه وقيامه؛ فهو- وإن عظمت بركته- ثقيل حركته، وإن جلّ قدره بعيد قعره، [وإن عمّت رأفته، طويل مسافته، وإن حسنت قربته، شديد صحبته، وإن كبرت حرمته كثير حشمته، وإن سرّنا مبتداه فلن يسوءنا منتهاه] فإن حسن وجهه فليس يقبح قفاه، وما أحسنه في القذال، وأشبه إدباره بالإقبال، جعل الله قدومه سبب ترحاله، وبدره فداء هلاله، وأمدّ فلكه تحريكا، بتقضى مدّته وشيكا، وأظهر هلاله نحيفا، ليزفّ إلى اللذات زفيفا، وعفا الله عن مزح يكرهه، ومجون يسخطه.
عوّل البديع في هذا الكلام على قول أبى الفضل بن العميد في رسالة له في مثل ذلك:
أسأل الله أن يعرّفنى بركته، ويلقّينى الخير فى باقى أيامه وخاتمته؛ وأرغب إليه في أن يقرب على الفلك دوره، ويقصّره سيره، ويخفّف حركته، ويعجّل نهضته، وينقص مسافة فلكه ودائرته، ويزيل بركة الطول عن ساعاته، ويردّ علىّ غرّة شوال، فهى أسنى الغرر عندى، وأقرّها لعينى؛ ويطلع بدره، ويرينى الأيدى متطلبة هلاله ببشر، ويسمعنى النّعى لشهر رمضان، ويعرض علىّ هلاله أخفى من السّحر، وأظلم من الكفر، وأنحف من مجنون بنى عامر، وأبلى من أسير الهجر، وأستغفر الله جلّ وجهه مما قلت إن كرهه، وأستعفيه من توفيقى لما يذمّه، وأسأله صفحا يفيضه، وعفوا بوسعه، إنّه يعلم خائتة الأعين وما تخفى الصدور.
(2/580)

[عواقب الطيش]
قال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لى أخلاق المخلوع. قال: كان واسع الصّدر، ضيّق الأدب، يبيح من نفسه ما تأنفه همم الأحرار، ولا يصفى إلى نصيحة، ولا يقبل مشورة، يستبدّ برأيه، ويبصّر سوء عاقبته؛ فلا يردعه ذلك عما يهمّ به. قال: فكيف كانت حروبه؟ قال: كان يجمع الكتائب بالتبذير، ويفرّقها بسوء التدبير. فقال المأمون: لذلك حلّ ما حلّ به؛ أما والله لو ذاق لذّات النصائح، واختار مشورات الرجال، وملك نفسه عن شهواتها، لما ظفر به.
[الأمين والمأمون]
ولما عقد الرشيد البيعة للأمين وهو أصغر من المأمون لأجل أمّه زبيدة، وكلام أخيها عيسى بن جعفر، وقدّمه على المأمون، جعل يرى فضل عقله فيندم على ذلك، فقال:
لقد بان وجه الرّأى لى غير أنّنى ... غلبت على الأمر الذى كان أحزما
فكيف يرد الدر في الضّرع بعدما ... توزّع حتى صار نهبا مقسّما
أخاف التواء الأمر بعد استوائه ... وأن ينقض الحبل الذى كان أبرما
قال أسد بن يزيد بن مزيد: بعث إلىّ الفضل بن الربيع بعد مقتل عبد الرحمن الأنبارى، قال: فأتيته وهو في صحن داره، وفي يده رقعة قد غضب لما نظر فيها، وهو يقول: ينام نوم الظّربان، وينبه انتباه الذئب، همّته بطنه، ولذّته فرجه، لا يفكّر في زوال نعمة، ولا يتروّى في إمضاء رأى ولا مكيدة، قد شمّر له عبد الله عن ساقه، وفوّق له أسدّ سهامه، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ والموت القاصد، قد عبّى له المنايا على متون الخيل، وناط له البلاء في أسنّة الرماح وشفار السيوف، ثم تمّثل بشعر البعيث:
يقارع أتراك ابن خاقان ليله ... إلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم
فيصبح في طول الطّراد وجسمه ... نحيل، وأضحى في النعيم أصمّم
(2/581)

فشتان ما بينى وبين ابن خالد ... أميّة في الرّزق الذى الله يقسم
ثم قال: يا أبا الحارث، أنا وأنت نجرى إلى غاية إن قصّرنا عنها ذممنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا؛ وإنما نحن شعبة من أصل، إن قوى قوينا، وإن ضعف ضعفنا؛ إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكفاء: يشاور النساء، ويعتمد على الرؤيا، وقد أمكن أهل اللهو والخسارة من سمعه؛ فهم يمنّونه الظّفر، ويعدونه عواقب الأيام؛ والهلاك إليه أسرع من السيل إلى قيعان الرّمل؛ وقد خشيت أن نهلك بهلاكه، ونعطب بعطبه، وأنت فارس العرب وابن فارسها، وقد فزع إليك في لقاء طاهر لأمرين: أحدهما صدق طاعتك، وفضل نصيحتك؛ والثانى يمن نقيبتك، وشدّة بأسك؛ وقد أمرنى أن أبسط يدك، غير أنّ الاقتصاد رأس النصحية، ومفتاح البركة؛ فبادر ما تريد، وعجّل النهضة، فإنى أرجو أن يوليك الله شرف هذا الفتح، ويلم بك شعث الخلافة.
فقلت له: أنا لطاعتك وطاعة أمير المؤمنين مقدم، ولما وهن عدوّ كما مؤثر؛ غير أنّ المحارب لا يفتتح أمره بتقصير؛ وإنما ملاك أمره الجنود، والجنود لا تكون بلا مال، وقد رفع أمير المؤمنين الرغائب إلى قوم لم يجدوا عليه، ومتى سمت من أقدر به الانتفاع له الرضا بدون ما أخذه غيره ممن لم يكن عنده غناء ولا معونة، لم ينتظم بذلك التدبير، وأحتاج لأصحابى رزق سنة قبضا، وحملا إلى ألف فرس لحمل من لا أرتضى فرسه، وإلى مال أستظهر به، لا ألام على وضعه حيث رأيت. فقال: شاور أمير المؤمنين؛ فأدخلنى عليه، فلم تدر بينى وبينه كلمتان حتى أمر بحبسى.
ويروى أن الأمين لما أعيته مكايد طاهر قال:
بليت بأشجع الثقلين نفسا ... تزول الراسيات وما يزول
له مع كل ذى بدن رقيب ... يشاهده ويعلم ما يقول
فليس بمغفل أمرا عناه ... إذا ما الأمر ضيّعه الجهول
(2/582)

وفي الفضل بن الربيع يقول بعض الشعراء:
كم من مقيم ببغداد على طمع ... لولا رجاء أبى العباس لم يقم
البدر إن نظروا، والبحر إن رغبوا ... والحصن إن رهبوا، والسيف ذو النّقم
وقال عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع: ما مدحنا شاعر بشعر أحب إلينا من قول أبى نواس:
ساد الملوك ثلاثة ما منهم ... إن حصّلوا إلا أعز قريع
ساد الربيع وساد فضل بعده ... وعلت بعبّاس الكريم فروع
عباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع
وقيل للعتابى: أمدحت أحدا؟ قال: لا، وليس لى على ذاك قدرة، فقيل له:
فقد مدحت الربيع، فقال: ذلك ليوم يستحقّ فيه المدح، فقلت:
ومعضلة قام الربيع إزاءها ... ليعمد ركن الدّين لما تهدّما
بمكة والمنصور رهن كما أتى ... أخا الوحى داعى ربّه فتقدّما
غداة عداة الدين شاحذة المدى ... إليه وغول الحرب فاغرة فما
[بيعة المهدى]
وكان المنصور قد توفّى بمكة وهو حاجّ في ذى الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، فأخذ الربيع للمهدى البيعة على الناس، وأخذ بتجديدها عن المنصور على أنه حىّ، وأدخل إليه قوما فرأوه من بعيد وقد جلله بثوب، وأقعد إلى جنبه من يحرّك يده وكأنه يومئ بها إليهم، فلم يشكّوا في حياته؛ فما خالف أحد؛ فشكره المهدى لذلك، وفي ذلك يقول أبو نواس في مدحه الفضل بن الربيع:
أبوك جلّى عن مضر ... يوم الرواق المحتضر
والحرب تفرى وتذر ... لما رأى الأمر اقمطرّ
قام كريما فانتصر ... كهزة العضب الذّكر
(2/583)

ما مس من شىء هبر ... وأنت تقتاف الأثر
من ذى حجول وغرر
وقال أيضا:
آل الربيع فضلتم ... فضل الخميس على العشير «1»
من قاس غيركم بكم ... قاس الثّماد إلى البحور
أين القليل بنو القليل ... من الكثير بنى الكثير
أين النجوم التاليا ... ت من الأهلّة والبدور
قوم كفوا أيام مكّة ... نازل الخطب الكبير
وتداركوا نصر الخلا ... فة وهي شاسعة النّصير
لولا مقامهم بها ... هوت الرواسى من ثبير
ومن قول أبى نواس: «من قاس غيركم بكم ... » البيت، أخذ أبو الطيب المتنبى:
قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقلّ السواقيا
فتى ما سرينا في ظهور جدودنا ... إلى عصره إلّا نرجّى التّلاقيا
[وقت كلام الملوك]
وقال الفضل بن الربيع: من كلّم الملوك في الحاجات في غير وقت الكلام لم يظفر بحاجته، وضاع كلامه، وما أشبههم في ذلك إلا بأوقات الصلوات لا تقبل الصلاة إلا فيها، ومن أراد خطاب الملوك في شىء فليرصد الوقت الذى يصلح فى مثله ذكر ما أراد، ويسبّب له شيئا من الأحاديث يحسن ذكره بعقبه.
وقال المأمون للفضل بن الربيع لما ظفر به: يا فضل؛ أكان في حقى عليك، وحق آبائى ونعمهم عند أبيك وعندك، أن تثلبنى «2» وتسبّنى، وتحرّض على دمى؟
أتحبّ أن أفعل بك ما فعلته بى؟
فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ عذرى يحقدك إذا كان واضحا جميلا، فكيف
(2/584)

إذا حفّته العيوب، وقبّحته الذنوب؛ فلا يضيق عنى من عفوك ما وسع غيرى منك، فأنت كما قال الشاعر فيك:
صفوح عن الأجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما
وليس يبالى أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما
والشعر للحسن بن رجاء بن أبى الضحاك.
[بين المنصور والربيع]
وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة: دعا المنصور بالربيع، فقال: سلنى ما تريد، فقد سكتّ حتى نطقت، وخفّفت حتى ثقّلت، وأقللت حتى أكثرت.
فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أرهب بخلك، ولا أستقصر عمرك، ولا أستصغر فضلك، ولا أغتنم مالك؛ وإنّ يومى بفضلك علىّ أحسن من أمسى، وغدك في تأميلى أحسن من يومى؛ ولو جاز أن يشكرك مثلى بغير الخدمة والمناصحة لما سبقنى لذلك أحد.
قال: صدقت، علمى بهذا منك أحلّك هذا المحلّ؛ فسلنى ما شئت قال: أسألك أن تقرّب عبدك الفضل، وتؤثره وتحبّه.
قال: يا ربيع إنّ الحب ليس بمال يوهب، ولا رتبة تبذل؛ وإنما تؤكّده الأسباب.
قال: فاجعل لى طريقا إليه، بالتفضل عليه قال: صدقت، وقد وصلته بألف ألف درهم، ولم أصل بها أحدا غير عمومتى؛ لتعلم ماله عندى، فيكون منه ما يستدعى به محبّتى، ثم قال:
فكيف سألت له المحبة يا ربيع؟
قال: لأنها مفتاح كلّ خير، ومغلاق كلّ شر، تستر بها عندك عيوبه، وتصير حسنات ذنوبه.
قال: صدقت وأتيت بما أردت في بابه.
(2/585)

أخذ قوله: «خففت حتى ثقلت» أبو تمام فقال لمحمد بن عبد الملك الزيات:
على أنّ إفراط الحياء استمالنى ... إليك، ولم أعدل بعرضى معدلا
فثّقلت بالتخفيف عنك، وبعضهم ... يخفف في الحاجات حتى يثقّلا
[سهل بن هارون والرشيد]
ودخل سهل بن هارون على الرشيد، وهو يضاحك المأمون، فقال: اللهم زده من الخيرات، وابسط له من البركات، حتى يكون فى كلّ يوم من أيامه مربيا «1» على أمسه، مقصّرا عن غده.
فقال له الرشيد: يا سهل، من روى من الشعر أحسنه وأرصنه، ومن الحديث أفصحه وأوضحه، إذا رام أن يقول لم يعجزه القول.
فقال سهل بن هارون: يا أمير المؤمنين؛ ما ظننت أنّ أحدا تقدّمنى إلى هذا المعنى.
قال: بل أعشى همدان حيث يقول:
رأيتك أمس خير بنى لؤىّ ... وأنت اليوم خير منك أمس
وأنت غدا تزيد الخير ضعفا ... كذاك تزيد سادة عبد شمس
[من شعر الفضل بن الربيع]
ومن شعر الفضل بن الربيع ما أنشده الصولى:
إنّى امرؤ من هاشم ... بفناء معمور النّواحى
أهل الهدى وذوى التّقى ... وأولى البسالة والسّماح
أهل المعالم والمكا ... رم في المساء وفي الصّباح
(2/586)

أهل النبوّة والخلا ... فة والكمال برغم لاحى
يتألّمون من الصّدو ... د ويصبرون على الجراح
[بين ابن خاقان وأبى العيناء]
حمل محمد بن عبيد الله بن خافان أبا العيناء على دابّة زعم أنها غير فاره «1» ، فكتب إليه: أعلم الوزير، أعزه الله، أن أبا على محمدا أراد أن يبرّنى فعقّنى، وأن يركبنى فأرجلنى، أمر لى بدابّة تقف للنّبرة «2» ، وتعثر بالبعرة، كالقضيب اليابس عجفا «3» ؛ وكالعاشق المهجور دنفا، قد أذكرت الرواة عذرة العذرىّ، والمجنون العامرى، مساعد أعلاه لأسفله، حباقه مقرون بسعاله، فلو أمسك لترجيت، ولو أفرد لتعزّيت، ولكنه يجمعهما في الطريق المعمور، والمجلس المشهور، كأنه خطيب مرشد، أو شاعر منشد، تضحك من فعله النّسوان، وتتناغى من أجله الصّبيان؛ فمن صائح يصيح: داوه بالطباشير، ومن قائل يقول: نوّله الشعير، قد حفظ الأشعار، وروى الأخبار، ولحق العلماء في الأمصار، فلو أعين بنطق؛ لروى بحقّ وصدق، عن جابر الجعفىّ، وعامر الشّعبى؛ وإنما أتيت من كاتبه الأعور، الذى إذا اختار لنفسه أطاب وأكثر، وإن اختار لغيره أخبث وأنزر؛ فإن رأى الوزير أن يبدّلنى به، ويريحنى منه بمركوب يضحكنى كما ضحّك منى، يمحو بحسنه وفراهته، ما سطّره العيب بقبحه ودمامته؛ ولست أذكر أمر سرجه ولجامه؛ فإن الوزير أكرم من أن يسلب ما يهديه، أو ينقض ما يمضيه.
فوجّه عبيد الله إليه برذونا من براذينه بسرجه ولجامه، ثم اجتمع مع محمد ابن عبيد الله عند أبيه، فقال عبيد الله: شكوت دابّة محمد، وقد أخبرنى الآن أنه يشتريه منك بمائة دينار، وما هذا ثمنه لا يشتكى.
(2/587)

فقال: أعز الله الوزير، لو لم أكذب مستزيدا، لم انصرف مستفيدا، وإنى وإياه لكما قالت امرأة العزيز: «الآن حصحص الحقّ، أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين» . فضحك عبيد الله، وقال: حجّتك الداحضة بملاحتك وظرفك أبلغ من حجّة غيرك البالغة.
قطعة من رسالة أجاب بها أبو الخطاب الصابى
عن أبى العباس بن سابور إلى الحسين بن صبرة عن رقعة وردت منه في صفة حمل أهداه وصلت رقعتك، ففضضتها عن خطّ مشرق، ولفظ مونق، وعبارة مصيبة، ومعان غريبة، واتساع في البلاغة يعجز عنه عبد الحميد في كتابته، وقسّ وسحبان فى خطابته؛ وتصرف بين جدّ أمضى من القدر، وهزل أرقّ من نسيم السّحر، وتقلّب في وجوه الخطاب، الجامع للصّواب؛ إلا أنّ الفعل قصّر عن القول، لأنك ذكرت حملا، جعلته بصفتك جملا، فكان المعيدىّ الذى تسمع به ولا أن تراه. وحضر فرأيت كبشا متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدّهور، وتعاقبت عليه العصور، فظننته أحد الزّوجين اللذين جعلهما نوح في سفينته، وحفظ بهما جنس الغنم لذرّيته؛ صغر عن الكبر، ولطف عن القدم، فبانت دمامته، وتقاصرت قامته، وعاد ناحلا ضئيلا، باليا هزيلا، بادى السّقام، عارى العظام، جامعا للمعايب، مشتملا على المثالب، يعجب العاقل من حلول الحياة به، وتأتّى الحركة فيه، لأنه عظم مجّلد، وصوف ملبّد، لا تجد فوق عظامه سلبا، ولا تلقى يدك منه إلا خشبا، لو ألقى إلى السّبع لأباه، ولو طرح للذئب لعافه وقلاه، قد طال للكلأ فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم ير القتّ إلا نائما، ولا عرف الشعير إلا حالما، وقد خيّرتنى بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى
(2/588)

الدهر، أو أذبحه فيكون فيه خصب الرّحل؛ فملت إلى استبقائه لما تعرف من محبتى في التوفير، ورغبتى للتّثمير، وجمعى للولد، وادّخارى لغد، فلم أجد فيه مستمتعا للبقاء، ولا مدفعا للفناء؛ لأنه ليس بأنثى فتحمل، ولا بفتى فينسل، ولا بصحيح فيرعى، ولا بسليم فيبقى؛ فملت إلى الثانى من رأييك، وعوّلت على الآخر من قوليك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطبا مقام قديد الغزال، فأنشدنى وقد أضرمت النار، وحدّت الشّفار، وشمّر الجزّار:
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم
وقال: ما الفائدة لك في ذبحى؟ وأنا لم يبق منى إلا نفس خافت، ومقلة إنسانها باهت: لست بذى لحم، فأصلح للأكل؛ لأن الدهر قد أكل لحمى، ولا جلدى يصلح للدّباغ؛ لأن الأيام قد مزّفت أديمى، ولا لى صوف يصلح للغزل؛ لأن الحوادث قد حصّت وبرى؛ فإن أردتنى للوقود فكفّ بعر أبقى من نارى، ولن تفى حرارة جمرى بريح قتارى، فلم يبق إلا أن تطلبنى بذحل «1» أو بينى وبينك دم. فوجدته صادقا في مقالته، ناصحا في مشورته، ولم أعلم من أى أمريه أعجب؛ أمن مماطلته للدهر بالبقاء، م من صبره على الضرّ واللأواء «2» ، أم من قدرتك عليه مع إعواز مثله، أم من تأهيلك للصدبق به مع خساسة قدره؟
ويا ليت شعرى إذ كنت- وإليك سوق الغنم، وأمرك ينفذ في الضأن والمعز، وكلّ كبش سمين وحمل بطين مجلوب إليك، مقصور عليك- تقول فيه قولا فلا تردّ، وتريده فلا تصدّ، وكانت هديتك هذا الذى كأنه ناشر من القبور، أو قائم عند النفخ في الصور، فما كنت مهديا لو أنك رجل من عرض الكتّاب، كأبى علىّ وأبى الخطّاب، ما كنت تهدى إلا كلبا أجرب، أو قردا أحدب.
(2/589)

[الحمدونى وشاة سعيد بن أحمد]
وقال الحمدونى في شاة سعيد بن أحمد بن خوسنداذ:
أسعيد قد أعطيتنى أضحيّة ... مكثت زمانا عندكم ما تطعم
نضوا تعاقرت الكلاب بها وقد ... شدّوا عليها كى تموت فيولموا
فإذا الملا ضحكوا بها قالت لهم: ... لا تهزءوا بى وارحمونى ترحموا
مرّت على علف فقامت لم ترم ... عنه، وغنّت والمدامع تسجم
وقف الهوى بى حيث أنت فليس لى ... متأخّر عنه ولا متقدّم «1»
وقال أيضا:
أبا سعيد لنا في شاتك العبر ... جاءت وما إن لها بول ولا بعر
وكيف تبعر شاة عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان الشمس والقمر
لو أنّها أبصرت في نومها علفا ... غنّت له ودموع العين تنحدر
يا مانعى لذّة الدنيا بأجمعها ... إنى ليفتننى من وجهك النظر
وقال أيضا:
شاة سعيد في أمرها عبر ... لما أتتنا قد مسّها الضرر
وهي تغنى من سوء حالتها ... حسبى بما قد لقيت يا عمر
مرّت بقطف خضر ينشّرها ... قوم فظنّت بأنها خضر
فأقبلت نحوها لتأكلها ... حتى إذا ما تبيّن الخبر
وأبدلتها الظنون من طمع ... يأساتغنّت والدّمع منحدر
كانوا بعيدا وكنت آملهم ... حتى إذا ما تقربوا هجروا
قال:
لسعيد شويهة ... سلّها الضّر والعجف
قد تغنّت وأبصرت ... رجلا حاملا علف
(2/590)

بأبى من بكفّه ... برء مابى من الدّنف
فأتاها مطمّعا ... وأتته لتعتلف
فتولّى فأقبلت ... تتغنّى من الأسف
ليته لم يكن وقف ... عذّب القلب وانصرف
[الحمدونى وطيلسان ابن حرب]
[قال] : وإذ قد جرت بعض تضمينات الحمدونى في هذا الموضع فأنا أذكر هنا قطعة من شعره في الطيلسان، وأنعطف في غير هذا الموضع إيها وأكر عليها؛ وكان أحمد بن حرب المهّلبى من المنعمين عليه، والمحسنين إليه، وله فيه مدائح كثيرة، فوهب له طيلسانا أخضر لم يرضه، قال أبو العباس المبرّد: فأنشدنا فيه عشر مقطعات، فاستحلينا مذهبه فيها، فجعلها فوق الخمسين؛ فطارت كل مطار، وسارت كل مسار، فمنها:
يابن حرب كسوتنى طيلسانا ... ملّ من صحبة الزمان وصدّا
فحسبنا نسج العناكب قدحا ... ل إلى ضعف طيلسانك سدّا
طال ترداده إلى الرّفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدّى
وقال فيه أيضا:
يا طيلسان ابن حرب قد هممت بأن ... تودى بجسمى كما أودى بك الزّمن
ما فيك من ملبس يغنى ولا ثمن ... قد أوهنت حيلتى أركانك الوهن
فلو ترانى لدى الرّفّاء مرتبطا ... كأننى في يديه الدهر مرتهن
أقول حين رآنى الناس ألزمه ... كأنما لى في حانوته وطن
من كان يسأل عنّا أين منزلنا ... فالأقحوانة منّا منزل قمن
وقال:
قل لابن حرب طيلسا ... نك قوم نوح منه أحدث
(2/591)

أفنى القرون ولم يزل ... عمّن مضى من قبل يورث
وإذا العيون لحظنه ... فكأنه باللّحظ يحرث
يودى إذا لم أرفه ... فإذا رفوت فليس يلبث
كالكلب إن تحمل عليه ... الدّهر أو تتركه يلهث
وقال:
قل لابن حرب طيلسانك قد ... أوهى قواى بكثرة الغرم
متبين فيه لمبصره ... آثار رفو أوائل الأمم
وكأنه الخمر التي وصفت ... فى «يا شقيق الرّوح من حكم»
فإذا رممناه فقيل لنا: ... قد صحّ، قال له البلى: انهدم
مثل السّقيم برا فراجعه ... نكس فأسلمه إلى سقم
أنشدت حين طغى فأعجزنى ... «ومن العناء رياضة الهرم»
«الخمر التي وصفت» من قول أبى نواس:
يا شقيق النّفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم أتم
فاسقنى البكر التي اعتجرت ... بخمار الشّيب في الرّحم
ثمّت انصات الشباب لها ... بعد أن جازت مدى الهرم
فهى لليوم الذى بزلت ... وهي تلو الدّهر في القدم
عتقت حتى لو اتصلت ... بلسان ناطق وفم
لاحتبت في القوم ماثلة ... ثم قصّت قصّة الأمم
فرعتها بالمزاج يد ... خلقت للكاس والقلم
وقال الحمدونى:
طيلسان لابن حرب جاءنى ... خلعة في يوم نحس مستمرّ
فإذا ما صحت فيه صيحة ... تركته كهشيم المحتظر
(2/592)

وإذا ما الريح هبّت نحوه ... طيّرته كالجراد المنتشر
مهطع الدّاعى إلى الرّافى إذا ... ما رآه قال: ذا شىء نكر
وإذا رفّاؤه حاول أن ... يتلافاه تعاطى فعقر
وقال:
أيا طيلسانى أعييت طبّى ... أسلّ بجسمك أم داء حبّ
ويا ريح صيّرتنى أتّقيك ... وقد كنت لا أتّقى أن تهبّى
ومستخبر خبر الطيلسان ... فقلت له الروح من أمر ربّى
وقال فيه:
طيلسان لابن حرب جاءنى ... قد قضى النمزيق منه وطره
أنا من خوف عليه أبدا ... سامرىّ ليس يألو حذره
يابن حرب خذه أو فابعث بما ... نشترى عجلا بصفر عشره
فلعل الله يحييه لنا ... إن ضربناه ببعض البقره
فهو قد أدرك نوحا، فعسى ... عنده من علم نوح خبره
أبدا يقرأ من أبصره ... أئذا كنّا عظاما نخره
وقال فيه:
يابن حرب أطلعت فقرى برفوى ... طيلسانا قد كنت عنه غنيّا
فهو في الرّفو آل فرعون في العر ... ض على النار غدوة وعشيّا
زرت فيه معاشرا فازدرونى ... فتغنّيت إذ رأونى زريّا
جئت في زىّ سائل كى أراكم ... وعلى الباب قد وقفت مليّا
وقال فيه:
وهبت لنا ابن حرب طيلسانا ... يزيد المرء ذا الضّعة اتّضاعا
يسلم صاحبى فيعيد شتمى ... لأنّ الروح يكسبه انصداعا
أجيل الطّرف في طرفيه طولا ... وعرضا ما أرى إلّا رقاعا
(2/593)

فلست أشكّ أن قد كان قدما ... لنوح في سفينته شراعا
فقد غنّيت إذ أبصرت منه ... جوانبه على بدنى تداعى
قفى قبل التفرّق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا
[المأمون والحسن بن رجاء]
دخل المأمون بعض الدواوين، فرأى غلاما جميلا على أذنه قلم، فقال: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا يا أمير المؤمنين الناشىء في دولتك، المتقلّب في نعمتك، المؤمّل لخدمتك، خادمك وابن خادمك الحسن بن رجاء. فقال: أحسنت يا غلام، وبالإحسان في البديهة تفاضلت العقول. فأمر أن يرفع عن مرتبة الديوان.
قال أبو إسحاق إبراهيم بن السرى الزجاج: قال لى أبو العباس المبرّد:
ما رأيت في أصحاب السلطان مثل إسماعيل والحسن؛ كنت إذا رأيته رأيت رجلا كأنما خلق لذروة منبر، أو صدر مجلس، يتكلّم وكأنه يتنفّس، يسهب ويطنب، ويعرب ويغرب، ولا يعجب ويعجب.
أراد القاضى إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد، والحسن ابن رجاء بن أبى الضحاك.
[بديهة المبرد]
وكان أبو العباس يعدّ في البلغاء، وقال: لما دخلت على المتوكل اختار لى الفتح ابن خاقان وقت شربه، وكان الشراب قد أخذ منه، فسألنى وقال:
يا بصرى، أرأيت أحسن وجها منّى، فقلت: لا والله ولا أسمح راحة، ثم تجاسرت فقلت:
جهرت بحلفة لا أتّقيها ... بشكّ في اليمين ولا ارتياب
بأنك أحسن الخلفاء وجها ... وأسمح راحتين، ولا أحابى
وأنّ مطيعك الأعلى محلّا ... ومن عاصاك يهوى في تباب «1»
(2/594)

فقال: أحسنت وأجملت في حسن طبعك وبديهتك، فقلت: ما ظننتنى أبلغ هذا الشرف، ولا أنال هذه الرتبة؛ فلا زال أمير المؤمنين يسمو بخدمه إلى أعلى المراتب، ويصرّفهم في المذاهب.
[من أدب المبرد]
وكان ابن المعتزّ قد غضب على بعض وكلائه، فصار إلى أبى العباس المبرّد يسأله أن يكلمه له؛ فكتب إليه المبرّد: أنت والله كما قال مسلم بن الوليد في جدك الرشيد:
بابى وأمى أنت ما أندى يدا ... وأبرّ ميثاقا، وما أزكاكا
يغدو وعدوّك خائفا، فإذا رأى ... أن قد قدرت على العقاب رجاكا
وهذا معنى كثير.
[فى المدح]
أنشد أحمد بن يحيى ثعلب الأعرابى:
كريم يغض الطّرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دوانى «1»
وكالسيف إن لا ينته لان متنه ... وحدّاه إن خاشنته خشنان
وهذا يناسب قول ابن المعتز في بعض جهاته:
ويجرح أحشائى بعين مريضة ... كمالان متن السيف والحدّ قاطع
وقال الأخطل في بنى مروان:
صمّ عن الجهل، عن قيل الخنا أنف ... إذا ألمّت بهم مكروهة صبروا
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا «2»
وقال إبراهيم بن علىّ بن هرمة يمدح أبا جعفر المنصور:
كريم له وجهان: وجه لدى الرضا ... طليق، ووجه في الكريهة باسل
وليس بمعطى الحقّ من غير قدرة ... ويعفو إذا ما أمكنته المقاتل
له لحظات من حفافى سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل
(2/595)

فأمّ الذى أمّنت آمنة الرّدى ... وأمّ الذى حاولت بالثكل ثاكل
وقال الطائى في أبى سعيد محمد بن يوسف:
هو السيل إن واجهته انقدت طوعه ... وتقتاده من جانبيه فيتبع
وكان عصابة الجرجانى، واسمه إسماعيل بن محمد، منقطعا إلى الحسن بن رجاء متصلا به، وهو القائل فيه:
ومحجّب بالنور ليس بمدرك ... إلا بما تأتى به الأنباء
ملك يحبّ الله فهو بحبّه ... ويطيعه فتطيعه الأشياء
يمشى الهوينا للصلاة يقيمها ... وإذا مشى للحرب فالخيلاء
لله درّك أيما ابن عزيمة ... يشوى الزمان وماله إشواء
ثم عتب عليه في بعض الأمر، فهجاه هجاء قبيحا؛ فهرب إلى عمان، ثم اعتذر إليه بقصيدته التي أولها:
لا تخضبنّ عوالى المرّان ... إلا من العلق النّجيع الآن «1»
وهي أجود شعر قيل في معناه، وهي التي يقول فيها:
اقر السلام على الأمير، وقل له: ... إن المنادمة الرضاع الثّانى
ما إن أتى حشمى بأنّك ساخط ... حتى استخف بموضعى غلمانى
وغدت علىّ مطاعمى ومشاربى ... وملابسى من أعون الأعوان
فكتب إليه الحسن:
أبلغ أبا إسحاق أنّ محلّه ... منى بحيث الرأس والعينان
لا تبعدّن بك الديار لنزغة ... ولتبعدنّ نوازغ الشيطان
فليفرخ الرّوع الذى روّعته ... إن المحل محلّ كلّ أمان
[بين جميل وعمر بن أبى ربيعة]
اجتمع جميل بن معمر العذرى بعمر بن أبى ربيعة المخزومى، فأنشده جميل وتصيدته التي أولها:
(2/596)

لقد فرح الواشون أن صرمت حبلى ... بثينة أو أبدت لنا جانب البخل
يقولون: مهلا يا جميل، وإنّنى ... لأقسم مالى عن بثينة من مهل
خليلىّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلى
نقله أبو العتاهية، فقال:
يا من رأى قبلى قتيلا بكى ... من شدّة الوجد على القاتل
فلما أتمّها قال لعمر: يا أبا الخطاب، هل قلت في هذا الروىّ شيئا؟ قال:
نعم، ثم أنشده:
جرى ناصح بالود بينى وبينها ... فعرّضنى يوم الحصاب إلى قتلى
فما أنس م الأشياء لا أنس قولها ... وموقفها يوما بقارعة النخل
فلما تواقفتا عرفت الذى بها ... كمثل الذى بى حذوك النّعل بالنّعل
فسلّمت واستأنست خيفة أن يرى ... عدوّ مكانى أو يرى حاسد فعلى
وأقبل أمثال الدّمى يكتنفنها ... وكلّ يفدّى بالمودّة والأهل
فقالت وأرخت جانب السّتر: إنما ... معى فتكلّم غير ذى رقبة أهلى
فقلت لها: ما بى لهم من ترقّب ... ولكنّ سرّى ليس يحمله مثلى
فاستخذى جميل وصاح: هذا والله الذى طلبت الشعراء فأخطأته، فتعلّلوا بوصف الديار، ونعت الأطلال.
ولما مات عمر بن أبى ربيعة نعى لامرأة من مولّدات مكة، وكانت بالشام، فبكت وقالت: من لأباطح مكة؟ ومن يمدح نساءها، ويصف محاسنهن، ويبكى طاعتهن؟! فقيل لها: قد نشأ فتى من ولد عثمان بن عفان «1» على طريقته، فقالت: أنشدونى له، فأنشدوها:
وقد أرسلت في السر ليلى بأن أقم ... ولا تقربنّا فالتجنّب أجمل
لعلّ العيون الرامقات لوصلنا ... تكذب عنّا أو تنام فتغفل
أناس أمنّاهم فبثوا حديثنا ... فلما كتمنا السرّ عنهم تقوّلوا
(2/597)

فما حفظوا العهد الذى كان بيننا ... ولا حين همّوا بالقطيعة أجملوا
فتسلّت وقالت: هذا أجلّ عوض، وأفضل خلف، فالحمد لله الذى خلف على حرمه وأمته مثل هذا.
وقال عروة بن أذينة: أنشدت ابن أبى عتيق للعرجى:
فما ليلة عندى وإن قيل ليلة ... ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطر
بعادلة الإثنين، عندى وبالحرى ... يكون سواء مثلها ليلة القدر
وما أنس م الأشياء لا أنس قولها ... لجارتها: قومى سلى لى عن الوتر
فجاءت تقول الناس في ست عشرة ... ولا تعجلى عنه فإنك في أجر
فقال ابن أبى عتيق: هذه أفقه من ابن أبى شهاب؛ أشهدكم أنّها حرّة من مالى إن أجاز أهلها ذلك.
والعرجىّ هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكان ينزل بعرج الطائف فنسب إليه، وهو القائل:
هل في ادّكارى الحبيب من حرج ... أم هل لهمّ الفؤاد من فرج
أم كيف أنسى مسيرنا حرما ... يوم حللنا بالنّخل من أمج «1»
يوم يقول الرسول قد أذنت ... فات على غير رقبة فلج «2»
أقبلت أهوى إلى رحالهم ... أهدى إليها بريحها الأرج
وكان محمد بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم واليا على مكة- وهو خال هشام بن عبد الملك- بلغه أنّ العرجىّ هجاه، فضربه ضربا مبرحا، وأقامه على أعين الناس، فجعل يقول:
سيغضب لى الخليفة بعد رقّى ... ويسأل أهل مكة عن مساقى
علىّ عباءة برقاء ليست ... من البلوى تجاوز نصف ساقى
وتغضب لى بأسرتها قصىّ ... ولاة الشعب والطّرق العماق
(2/598)

فخلف محمد بن هشام ألا يخرجه ما دامت له ولاية؛ فأقام في السجن سبع سنين حتى مات، وهو القائل في سجنه:
أضاعونى وأىّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
وخلّونى ومعترك المنايا ... وقد شرعت أسنّتهم لنحرى
كأنى لم أكن فيهم وسيطا ... ولم تك نسبتى في آل عمرو
أجرّر في الجوامع كلّ يوم ... ألا لله مظلمتى وهصرى
عسى الملك المجيب لمن دعاه ... سينجينى فيعلم كيف شكرى
فأجزى بالكرامة أهل ودّى ... وأجزى بالضغائن أهل ضرّى
جملة من الفصول القصار لابن المعتز
البشر دال على السخاء كما يدلّ النّور على الثمر. إذا اضطررت إلى الكذّاب فلا تصدّقه، ولا تعلمه أنك تكذّبه، فينتقل عن ودّه، ولا ينتقل عن طبعه.
كما أن الشمس لا يخفى ضوءها وإن كانت تحت السحاب كذلك الصبىّ لا تخفى غريزة عقله وإن كان مغمورا بأخلاق الحداثة. كرم الله عزّ وجل لا ينقض حكمته، ولذلك لا يجعل الإجابة في كل دعوة. كما أنّ جلاء السيف أهون من صنعه، كذلك استصلاح الصديق أهون من اكتساب غيره. إذا استرجع الله مواهب الدنيا كانت مواهب الآخرة. لولا ظلمة الخطا ما أشرق نور الصواب.
الحوادث الممضّة مكسبة لحظوظ جزيلة: من صواب مدّخر، وتطهير من ذنب، وتنبيه من غفلة، وتعريف بقدر النعمة، ومرون على مقارعة الدهر.
ومثل هذا الفصل محفوظ عن ذى الرياستين، قاله بعقب علّة فأغار عليه ابن المعتز.
وكتب إلى أحمد بن محمد جوابا عن كتاب استزاده فيه: قيّد نعمتى عندك
(2/599)

بما كنت استدعيتها به، وذبّ عنها أسباب سوء الظن، واستدم ما تحبّ منى بما أحبّ منك.
وكتب إليه: والله لا قابل إحسانك منى كفر، ولا تبع إحسانى إليك منّ، ولك عندى يد لا أقبضها عن نفعك، وأخرى لا أبسطها إلى ظلمك، فتجنّب ما يسخطنى؛ فإنى أصون وجهك عن ذلّ الاعتذار.
وكان أحمد بن سعيد يؤدّبه فتحمل البلاذرى على قبيحة أم ابن المعتز بقوم سألوا أن تأذن له أن يدخل إلى ابن المعتز وقتا من النهار، فأجابت أو كادت تجيب، قال ابن سعيد: فلما اتصل الخبر بى جلست في منزلى غضبان لما بلغنى عنها، فكتب إلىّ ابن المعتز وله ثلاث عشرة سنة.
أصبحت يابن سعيد خدن مكرمة ... عنها يقصّر من يحفى وينتعل
سر بلتنى حكمة قد هذّبت شيمى ... وأجّجت نار ذهنى فهى تشتعل
أكون إن شئت قسّا في خطابته ... أو حرثا وهو يوم الحفل مرتجل
وان أشأ فكر زيد في فرائضه ... أو مثل نعمان لما ضاقت الحيل
أو الخليل عروضيّا أخا فطن ... أو الكسائىّ نحويّا له علل
تعلو بداهة ذهنى في مراكبها ... كمثل ما عرفت آبائى الأول
وفي فمى صارم ماسلّه أحد ... من غمده فدرى ما العيش والجذل
عقباك شكر طويل لا نفاد له ... يبقى بجدته ما أطّت الإبل
وقسّ الذى ذكر: هو قسّ بن ساعدة الإيادى، وقد سمع النبىّ صلى الله عليه وسلم شعره، وعجب منه.
وحارث: هو الحارث بن حلّزة اليشكرى، وصف ارتجاله يوم فخره بقصيدته التى أنشدها بحضرة عمرو بن هند التي أولها:
آذنتنا ببينها أسماء ... ربّ ثاو يملّ منه الثّواء
وزيد: هو زيد بن ثابت الأنصارى، وإليه انتهى علم الفرائض. ونعمان: هو
(2/600)

أبو حنيفة النعمان- رضي الله عنه- بن ثابت، سبق أهل العراق في الفقه. والخليل بن أحمد الفرهودى، ويقال: الفراهيدى، منسوب إلى حىّ من الأزد، اليحمرى.
والكسائى: على بن حمزة الكوفى.
[من ابن العميد إلى بعض إخوانه]
وكتب أبو الفضل محمد بن العميد إلى بعض إخوانه:
أنا أشكو إليك- جعلنى الله فداك- دهرا خؤونا غدورا، وزمانا خدوعا غرورا، لا يمنح ما يمنح إلا ريث ما ينتزع، ولا يبقى فيما يهب إلا ريث ما يرتجع، يبدو خيره لمعا ثم ينقطع، ويحلو ماؤه جرعا ثم يمتنع. وكانت منه شيمة مألوفة، وسجيّة معروفة، أن يشفع ما يبرمه بقرب انتقاض، ويهدى لما يبسطه وشك انقباض، وكنا نلبسه على ما شرط، وإن خان وقسط؛ ونرضى على الرغم بحكمه، ونستئمّ بقصده وظلمه، ونعتدّ من أسباب المسرة ألّا يجىء محذوره مصمتا بلا انفراج، ولا يأتى مكروهه صرفا بلا مزاج، ونتعلّل بما نختلسه من غفلاته، ونسترقه من ساعاته.
وقد استحدث غير ما عرفناه سنّة مبتدعة، وشريعة متّبعة، وأعدّ لكل صالحة من الفساد حالا، وقرن بكلّ خلّة من المكروه خلالا. وبيان ذلك- جعلنى الله فداك- أنه كان يقنع من معارضته الإلفين، بتفريق ذات البين، فقد أنثنى ممنوّا فيك بجميع ما أوغره، وما أطويه من البلوى منك أكثر مما أنشره، وأحسبنى قد ظلمت الدهر بسوء الثناء عليه، وألزمته جرما لم يكن قدره بما يحيط به، وقدرته ترتقى إليه، ولو أنك أعنته وظاهرته، وقصدت صرفه وآزرته، وبعتنى بيع الخلق وليس فيمن زاد ولكن فيمن نقص، ثم أعرضت عنى إعراض غير مراجع، واطّرحتنى اطراح غير مجامل؛ فهلّا وجدت نفسك أهلا للجميل حين لم تجدنى هناك، وأنفذت من جلّ ما عقدت من غير جريمة، ونكثت ما عهدت من غير جريرة، فأجبنى عن واحدة منهما؛ ما هذا التّغالى بنفسك،
(2/601)

والتّعالى على صديقك؟ ولم نبذتنى نبذ النّواة، وطرحتنى طرح القذاة؟ ولم تلفظنى من فيك، وتمجّنى من خلقك؟ وأنا الحلال الحلو، والبارد العذب، كيف لا تخطرنى ببالك خطرة، وتصيّرنى من أشغالك مرة؛ فترسل سلاما إن لم تتجشم مكاتبة، وتذكرنى فيمن تذكر إن لم تكن مخاطبة؟ وأحسب كتابى سيرد عليك فتنكره حتى تتثبّت، ولا تجمع بين اسم كاتبه وتصوّر شخصه حتى تتذكّر؛ فقد صرت عندك ممن محا النسيان صورته من صدرك، واسمه من صحيفة حفظك، ولعلك أيضا تتعجب من طمعى فيك وقد تولّيت، واستمالتى لك وقد أبيت، ولا عجب فقد يتفجّر الصّخر بالماء الزلال، ويلين من هو أقسى منك قلبا فيعود إلى الوصال، وآخر ما أقوله أنّ ودّى وقف عليك، وحبس في سبيلك، ومتى عدت إليه وجدته غضّا طريّا، فجرّبه في المعاودة فإنه في العود أحمد.
اجتليت هذا الكلام على اختيار الاختصار.
حلّ قوله «فقد يتفجر الصخر بالماء الزلال» من قول ابن الرومى:
يا شبيه البدر في الحسن وفي بعد المنال ... جد فقد تنفجر الصّخرة بالماء الزّلال
وفي هذه الرسالة في ذكر فتح وإن لم يستبق منه المعنى:
وقد خصنا الله تعالى معاشر عبد الأمير عضد الدولة بنعمة يعلو مراتب النعم موقعها، ويفوت مقدار المواهب موضعها، فباسمه- أبقاه الله- فتح الفتح، وبشعاره استنزل النّجح، وبيمن نقييته فرج الكرب، وبسعادة جدّه كشف الخطب، وباهتزازه للدولة وحمايته عاد إليها ماؤها، وراجعها بهاؤها، فعزّ الملك ونصر، وذلّ العدو وقهر، وحميت أطراف الدولة، وحفظت أكناف المّلة، واستجدّ نظام النعمة، وسدلت ستور الصيانة دون الحرمة؛ ولو جعل المولى- تقدّس اسمه- لنعمته إذا تناهت على عبيده جزاء غير الإخلاص في شكره، وقبل ما في مقابلة الموهبة التي بستجدها عند خلقه غير
(2/602)

الإغراق في حمده، لرأيت ألّا أقتصر في قضاء حقه على بعض الملك دون بعض، ولجعلت في صدر ما أبذل عن هذه النعمة الأعزّين: الأهل والولد، والأنصرين:
الساعد والعضد، بل العميدين: القلب والكبد؛ بل النفس كلها، والمهجة بأسرها.
[من بديع ما قيل في العتاب]
وقال سعيد بن حميد يعاتب بعض إخوانه:
أفلل عتابك فالبقاء قليل ... والدّهر يعدل تارة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلّا بكيت عليه حين يزول
ولكلّ نائبة ألّمت مدّة ... ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الإخاء جماعة ... إن حصّلوا أفناهم التحصيل
ولعل أحداث المنيّة والرّدى ... يوما ستصدع بيننا وتحول
فلئن سبقت لتبكينّ بحسرة ... وليكثرنّ علىّ منك عويل
ولتفجعنّ بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت- ولا سبقت- ليمضين ... من لا يشاكله لدىّ خليل
وليذهبنّ بها كلّ مروءة ... وليفقدنّ جمالها المأهول
«1» وأراك تكلف بالعتاب وودّنا ... ضاف عليه من الوفاء دليل
ودّ بدا لذوى الإخاء جماله ... وبدت عليه بهجة وقبول
ولعل أيام الحياة قليلة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول
وقال أيضا:
لقد ساءنى أن ليس لى عنك مذهب ... ولا لك عن سوء الخليقة مرغب
أفكر في ودّ تقادم بيننا ... وفي دونه قربى لمن يتقرّب
وأنت سقيم الودّ رثّ حباله ... وخير من الودّ السقيم التجنّب
(2/603)

تسىء وتأبى أن تعقّب بعده ... بحسنى، وتلقانى كأنى مذنب
وأحذر إن جازيت بالسوء والقلى ... مقالة أقوام هم منك أنجب
أساء اختيارا أو عرته ملالة ... فعاد يسىء الظنّ أو يتعتّب
فخبت من الودّ الذى كان بيننا ... كما خاب راجى البرق والبرق خلّب
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
إلى كم يكون الصّدّ في كل ساعة ... ولم لا تملّنّ القطيعة والهجرا؟
رويدك! إنّ الدهر فيه بقيّة ... لتفريق ذات البين فانتظر الدّهرا
آخر:
ولقد علمت فلا تكن متجنّبا ... أنّ الصدود هو الفراق الأوّل
حسب الأحبّة أن يفرّق بينهم ... صرف الزمان، فما لنا نستعجل؟
آخر:
ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما العمر
ويقرب من المعنى قول المتنبى أيضا:
زوّدينا من حسن وجهك مادا ... م فحسن الوجوه حال يحول
وصلينا نصلك في هذه الدّنيا فإنّ المقام فيها قليل
[من كلام الأعراب]
وقف أعرابىّ يسأل، فعبث به فتى، فقال: ممن أنت؟ فقال: من بنى عامر ابن صعصعة، فقال: من أيّهم؟ فقال: إن كنت أردت عاطفة القرابة فليكفك هذا المقدار من المعرفة، فليس مقامى بمقام مجادلة ولا مفاخرة، وأنا أقول:
فإن لم أكن من هاماتهم فلست من أعجازهم. فقال الفتى: ما رويت عن فضيلتك إلا النقص فى حسبك فامتعض الأعرابى لذلك؛ فجعل الفتى يعتذر، ويخلط الهزل والدعابة باعتذاره،
(2/604)

وأطال الكلام، فقال له الأعرابى: يا هذا، إنك منذ اليوم آذيتنى بمزحك، وقطعتنى عن مسألتى بكلامك واعتذارك، وإنك لتكشف عن جهلك بكلامك ما كان السكوت يستره من أمرك، ويحك! إنّ الجاهل إن مزح أسخط، وإن اعتذر أفرط، وإن حدّث أسقط، وإن قدر تسلّط، وإن عزم على أمر تورّط، وإن جلس مجلس الوقار تبسّط؛ أعوذ منك ومن حال اضطراتنى إلى احتمال مثلك! وقال إسحاق الموصلى: قال أعرابى لرجل كان يعتمده بالعطية: أسأل الذى رحمنى بك أن يرحمك بى.
وسأل أعرابى رجلا، فأعطاه، فقال: الحمد لله الذى ساقنى إلى الرزق وساقك إلى الأجر:
[المقامة البلخيّة]
ومن انشاء البديع من مقامات الإسكندرى:
قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: أفضت بى إلى بلخ تجارة البزّ، فوردتها وأنا بفروة الشباب «1» وبال الفراغ، وحلية الثروة، لا يهمّنى إلا نزهة فكر أستفيدها «2» وشريدة من الكلام أصيدها؛ فما استأذن على سمعى مسافة مقامى، أفصح من كلامى. ولمّا حنى التفرق بنا قوسه أو كاد، دخل إلى شابّ في زى ملء العين، ولحية تشوك الأخدعين «3» ، وطرف قد شرب بماء الرّافدين «4» ، ولقينى من البرّ في السناء، بما زدته من الشكر والثناء؛ ثم قال: أظعنا تريد؟ قلت:
(2/605)

إى والله، فقال: أخصب الله رائدك، ولا أضلّ قائدك، فمتى عزمت؟ فقلت:
غداة غد، فقال:
صباح الله لا صبح انطلاق ... وطير الوصل لا طير الفراق
قال: أين تريد؟ قلت: الوطن، قال: بلّغت الوطن، وقضيت الوطر، فمتى العود؟ قلت: القابل، قال: طويت الرّيط «1» ، وثنيت الخيط، فأبن أنت من الكرم؟ قلت: بحيث أردت، قال: إذا رجعك الله من هذه الطريق، فاستصحب لى عدوّا في بردة صديق، من نجار الصّفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظّفر، كدارة العين، يحطّ ثقل الدّين، وينافق بوجهين! فعلمت أنه يلتمس دينارا، قلت: لك ذلك نقدا، ومثله وعدا، فأنشأ يقول:
رأيك ممّا خطبت أعلى ... لا زلت للمكرمات أهلا
صلبت عودا وفقت جودا ... وطبت فرعا وطبت أصلا
لا أستطيع العطاء حملا ... ولا أطيق السؤال ثقلا
قصرت عن منتهاك ظنّا ... وطلت عما ظننت فعلا
يا رحمة الله والمعالى ... لا لقى الدّهر منك ثكلا «2»
قال عيسى بن هشام: فنلته الدينار، وقلت: من أين نبت هذا الفضل؟
قال: نمتنى قريش، ومهد لى الشرف في بطحائها. فقال بعض من حضر:
ألست أبا الفتح السكندرى؟ ألم أرك بالعراق، تطوف بالأسواق، مكدّيا بالأوراق «3» ؟ فأنشأ يقول:
(2/606)

إنّ لله عبيدا ... أخذوا العمر خليطا
فهم يمسون أعرا ... با ويضحون نبيطا «1»
[من البديع إلى الميكالى]
وله إلى أبى نصر الميكالى يشكو إليه خليفته بهراة:
كتابى أطال الله بقاء الشيخ الجليل، والماء إذا طال مكثه، ظهر خبثه، وإذا سكن متنه، تحرّك نتنه، كذلك الضيف يسمج لقاؤه، إذا طال ثواؤه، ويثقل ظلّه، اذا انتهى محلّه، وقد حلبت أشطر خمسة أشهر بهراة وإن لم تكن دار مثلى لولا مقامه، وما كانت تسعنى لولا ذمامه، ولى في بيتى قيس مثل صدق، وإن صدرا مصدر عشق:
وأدنيتنى حتى إذا ما سبيتنى ... بقول يحلّ العصم سهل الأباطح
تجافيت عنى حيث لا لى حيلة ... وخلّفت ما خلّفت بين الجوانح
نعم. قنصتنى نعم الشيخ الجليل، فلما علق الجناح، وقلق البراح، طرت مطار الريح، بل مطار الرّوح. وتركتنى بين قوم ينقض مسّهم الطهارة، وتوهن أكفّهم الحجارة. وحدّثت عن هذا الخليفة، بل الجيفة، أنه قال:
قضيت لفلان خمسين حاجة منذ ورد هذا البلد، وليس يقنع، فما أصنع؟ فقلت:
يا أحمق، إن استطعت أن ترانى محتاجا، فاستطع أن أراك محتاجا إليك. أفّ لقولك ولفعلك، ولدهر أحوج إلى مثلك! وأنا أسأل الشيخ الجليل أن يبيّض وجهى بكتاب يسوّد وجهه، ويعرّفه قدره، ويملأ رعبا صدره، إلى أن تبين على صفحات جنبه، آثار ذنبه.
وله إليه يعاتبه:
قد عرف الشيخ الجليل اتسامى بعبوديّته، ولو عرفت وراء العبوديّة مكانا لبلغته معه، وأرانى كلما قدمت صحبة، رجعت رتبة، وكلما طالت خدمة، قصرت
(2/607)

حشمة، ولست ممن يذهب عليه أن للسلطان أن يرفع عبدا حبشيا، ويضع قرشيّا، ولكن أحب أن أقف من مكانى على رتبة كوكبها لا يغور، ومنزلة لولبها لا يدور؛ فإذا عرفت قدرى وخطه، لم أتخطّه، ثم إن رأيت محلّى وحدّه، لم أتعدّه، إن قدّمنى يوما عليها علمت أن عناية قدمتنى، وإن أخّرنى عنها علمت أنّ جناية أخرتنى. رفع علىّ اليوم فلان ولست أنكر سنّه وفضله، ولا أجحد بيته وأصله، ولكن لم تجر العادة بتقدّمه، لا في الأيام الخالية، ولا في هذه الأيام العالية؛ وشديد على الإنسان ما لم يعوّد؛ فإن كان حاسد قد همّ، أو كاشح قد نمّ، أو خطب قد ألمّ، أو أمر قد وقع وتمّ، فالشيخ الجليل أولى من يعرفه ويعرّفنيه، وإلا فما الرأى الذى أوجب اصطناعى، ثم ضياعى، والسبب الذى اقتضى بيعى بعد ابتياعى؟
[بين المأمون وإبراهيم بن المهدى]
ولما رضي المأمون عن إبراهيم بن المهدى أمر به فأدخل عليه، فلما وقف بين يديه قال: ولىّ الثأر محكّم في القصاص، ومن تناوله الاغترار بما مدّله من أسباب الرجاء أمن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله تعالى فوق كل ذى ذنب، كما جعل كلّ ذى ذنب دونك، فإن أخذت فبحقّك، وإن عفوت فبفضلك.
ثم قال:
ذنبى إليك عظيم ... وأنت أعظم منه
فخذ بحقّك، أو لا ... فاصفح بفضلك عنه
إن لم أكن في فعالى ... من الكرام فكنه
فقال لى: إنى شاورت أبا إسحاق والعباس في قتلك، فأشارا به، قال: فما قلت لهما يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت لهما: بدأناه بإحسان، ونحن نستأمره فيه، فإن غيّر فالله يغير ما به، قال: أما أن يكونا قد نصحا في عظيم ما جرت عليه السياسة
(2/608)

فقد فعلا وبلغا ما يبلغك، وهو الرأى السديد، ولكنك أبيت ألا تستجلب النصر إلّا من حيث عوّدك الله. ثم استعبر باكيا، فقال له المأمون: ما يبكيك؟
قال: جذلا! إذ كان ذنبى إلى من هذه صفته في الإنعام، ثم قال: إنه وإن كان قد بلغ جرمى استحلال دمى، فعلم أمير المؤمنين وفضله بلغانى عفوه، ولى بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب، وحقّ الأبوة بعد الأب. فقال: يا إبراهيم، لقد حبّب إلىّ العفو حتى خفت ألّا أوجر عليه، أما لو علم الناس مالنا في العفو من اللذة لتقرّبوا إلينا بالجنايات، لا تثريب عليك يغفر الله لك، ولو لم يكن في حقّ نسبك ما يبلغ الصفح عن جرمك لبلّغك ما أملت حسن تنصلك ولطف توصلك ثم أمر بردّ ضياعه وأمواله، فقال:
رددت مالى ولم تبخل علىّ به ... وقبل ردّك مالى قد حقنت دمى
وقام علمك بى فاحتجّ عندك لى ... مقام شاهد عدل غير متّهم
فلو بذلت دمى أبغى رضاك به ... والمال حتى أسلّ النّعل من قدمى
ما كان ذاك سوى عارّية سلفت ... لو لم تهبها لكنت اليوم لم تلم
أخذ معنى قول المأمون: «لقد حبّب إلىّ العفو حتى خفت ألا أوجر عليه» أبو تمام الطائى فقال:
لو يعلم العافون كم لك في الندى ... من لذة وقريحة لم تخمد
فكان أبو تمام في هذا كما قال أبو العباس المعتز في القاسم بن عبيد الله:
إذا ما مدحناه استعنّا بفعله ... فنأخذ معنى قولنا من فعاله
وكان تصويب إبراهيم لرأى أبى إسحاق المعتصم والعباس بن المأمون ألطف فى طلب الرضا ودفع المكروه واستمالتهما إلى العاطفة عليه من الإزراء عليهما في رأيهما، وكان إبراهيم يقول: والله ما عفا عنى لرحم ولا لمحبة؛ ولكن قامت له سوق في العفو كره أن يفسدها [بى] .
وكان المأمون شاور في قتل إبراهيم أحمد بن أبى خالد الأحول، فقال:
(2/609)

إن قتلته فلك نظير؛ وان عفوت عنه فلا نظير لك؛ فأختار لك العفو.
[بين المأمون وإسحاق بن العباس]
وقال المأمون لإسحاق بن العباس: لا تحسبنى أغفلت أمر ابن المهدى وتأبيدك له، وإيقادك لناره.
قال: والله يا أمير المؤمنين لإجرام قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من جرمى إليك؛ ولرحمى أمسّ بك من أرحامهم؛ وقد قال لهم كما قال يوسف؛ على نبينا وعليه الصلاة والسلام لإخوته: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» . وأنت يا أمير المؤمنين أحقّ وارث لهذه الأمة في الطّول، وممتثل لخلال العفو والفضل.
قال: هيهات! تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، وجرمك جرم في إسلامك، وفي دار خلافتك.
قال: يا أمير المؤمنين؛ فو الله للمسلم أحقّ بإقالة العثرة وغفران الذنب من الكافر. وهذا كتاب الله بينى وبينك إذ يقول: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنّة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضّرّاء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين» . والناس يا أمير المؤمنين نسبة دخل فيها المسلم والكافر، والشريف والمشروف.
قال: صدقت، وريت بك زنادى، ولا برحت أرى من أهلك أمثالك.
[رجل يستعطف بعض الملوك]
وقال رجل لبعض الملوك وقد وقف بين يديه: أسألك بالذى أنت بين يديه غدا أذلّ منى بين يديك اليوم، وهو على عقابك أقدر منك على عقابى، إلا ما نظرت فى أمرى نظر من برئى أحبّ إليه من سقمى، وبراءتى أحبّ إليه من بليتى.
[بين معاوية وروح بن زنباع]
وأراد معاوية عقوبة روح بن زنباع فقال: يا أمير المؤمنين: أنشدك الله تعالى
(2/610)

ألّا تضع منى خسيسة أنت رفعتها، أو تنقض منى مريرة «1» أنت أبرمتها، أو تشمت بى عدوّا أنت كبتّه، وحاسدا بك وقمته «2» ؛ وأسألك بالله إلا أربى «3» حلمك على خطئى وصفحك على جهلى.
فقال معاوية رضي الله عنه: إذا الله ثنّى عقد شىء تيسّرا.
أشار إلى هذا أبو الطيب المتنبى إذ قال:
أزل حسد الحسّاد عنى بكبتهم ... فأنت الذى صيرتهم لى حسّدا
إذا شدّ زندى حسن رأيك في يدى ... ضربت بسيف يقطع الهام مغمدا
[عفو الملوك]
وعتب المأمون على بعض خاصته، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قديم الحرمة وحديث التوبة يمحوان ما بينهما من الإساءة. قال: صدقت، وعفا عنه.
وكان في ملوك فارس ملك عظيم المملكة، شديد النقمة، فقرّب له صاحب المطبخ طعامه، فنقطت نقطة من الطعام على المائدة، فزوى له الملك وجهه، وعلم صاحب المطبخ أنّه قاتله، فعمد إلى الصّحفة فكفأها على المائدة ثم ولّى، فقال له الملك: ما حملك على ما فعلت، وقد علمت أن سقوط النّقطة أخطأت بها يدك ولم يجربها تعمّدك، فما عندك في الثانية؟ قال: استحيت للملك أن يوجب قتلى، ويبيح دم مثلى، فى سنّى وحرمتى، وقديم اختصاصى وخدمتى، فى نقطة أخطأت بها يدى، فأردت أن يعظم ذنبى ليحسن بالملك قتلى.
قال: لئن كان اعتذارك ينجيك من القتل، فليس ينجيك من التأديب؛ اجلدوه مائة جلدة، واخلعوا عليه خلع الرّضا.
وخرج بهرام جور متصيدا فعنّ له حمار وحش، فأتبعه حتى صرعه، وقد انقطع عن أصحابه، فنزل عن فرسه يريد ذبحه، وبصر براع فقال: أمسك علىّ فرسى، وتشاغل بذبح الحمار، وحانت منه التفاتة، فنظر إلى الراعى يقطع جوهر عذار فرسه، فحوّل بهرام جور وجهه وقال: تأمّل العيب عيب، وعقوبة
(2/611)

من لا يستطيع الدفاع عن نفسه سفه، والعفو من أفعال الملوك، وسرعة العقوبة من أفعال العامة.
ثم قال: يا غلام، ما بال شريانك يضطرب لعلّك آذاك تكسيرنا أرضك بحوافر خيلنا، فقال: نعم، وقد عزمت على أن أنقلع مائة فرسخ، فقال بهرام:
لا ترع؛ فهذا الموضع وما فيه لك، وكان الراعى خبيثا، فقال: إن الملوك إذ قالت قولا تمّت على قولها، فرجع بهرام إلى عسكره وقال: اتبعنى لأوثّق لك من هذه الأرض، فاتّبعه، فلما بصر به الوزير قال: أيها الملك السعيد، إنى لأرى جوهر عذار فرسك مقلّعا، فتبسم وقال: أخذه من لا يردّه، ورآه من لا ينمّ به، فمن أخذه صاحبنا ولا نطالبه به.
نقل ابن الرومى قول بهرام: «تأمل العيب عيب» كما اتفق موزونا فقال:
تأمّل العيب عيب ... ما في الذى قلت ريب
وكلّ خير وشرّ ... دون العواقب غيب
ورب جلباب همّ ... فيه من الصّنع جيب
لا تحقرنّ سييبا ... كم قاد خيرا سييب «1»
أخذ البيت الأخير من قول الطائى:
ربّ قليل غدا كثيرا ... كم مطر بدؤه مطير
وقوله:
لا تزيلن صغير همّك وانظر ... كم بذى الأثل دوحة من قضيب
وقد أعاد ابن الرومى قوله:
وكلّ خير وشر ... دون العواقب غيب
(2/612)

فى قصيدته التي مدح بها أحمد بن محمد بن ثوابة حين ساوره، وقال: لو أتى لبيد لتعجّب منه، فاستجز له وقال:
ولمّا دعانى للمثوبة سيّد ... يرى المدح عارا قبل بذل المثاوب
تنازعنى رغب ورهب كلاهما ... قوىّ، وأعيانى طلوع المعايب
فقدّمت رجلا رغبة في رغيبة ... وأخّرت رجلا رهبة للمعاطب
أخاف على نفسى وأرجو مفازها ... وأستار غيب الله دون العواقب
ألا من يرينى غايتى قبل مذهبى ... ومن أين والغايات بعد المذاهب
[من اعتذارات البديع]
نسخة رقعة كتبها بديع الزمان إلى أبى على إسماعيل يعتذر إليه:
سوء الأدب من سكر النّدب، وسكر الغضب من الكبائر التي تنالها المغفرة، وتسعها المعذرة، وقد جرى بحضرة الشيخ ما جرى، وقد أفنيت يدى عضّا، وأسنانى رضّا، وإن لم أوف ما جرى فالعذر أمدّ خطا، فإن كان بساطا يطوى، وحديثا لا يروى، فأولى من عذر اللاعب، وأحرى من غفر الصاحب؛ وإن كان ميتا ينشر، وسببا يذكر، فليكن العقاب ما كان، إن لم يكن الهجران، على أنى قد أخذت قسطى من العقاب، واستفدت من ردّ الجواب، ما كفى وأوجع القفا؛ فكان من موجب أدب الخدمة، إبقاء الحشمة لولىّ النعمة، باحتمال الشتم، والإغضاء عن الخصم، لكنى أحدقت بى ثلاثة أحوال لا يسلم صاحبها: اللعب وسكره، والخصم وهجره، والإدلال والثقة، وهنّ اللواتى حملننى على ماء الوجه فهرقته، وحجاب الحشمة فخرقته، وقد منعنى الآن فرط الحياء من وشك اللقاء، وعهدى بوجهى وهو أصفق من العدم الذى حملنى على جهله، وأوقح من الدهر الذى أحوجنى إلى أهله؛ لكن النعم إذا توالت على وجه رقّقت قشرته، وألانت بشرته؛ وأنا منتظر من الجواب ما يريش جناحى إلى خدمته، فإن رأى أن يكتب فعل، إن شاء الله.
(2/613)

وله رقعة إلى أبى على بن مشكويه أولها:
ويا عزّ إن واش وشى بى عندكم ... فلا تمهليه أن تقولى له: مهلا
كما لو وشى واش بعزّة عندنا ... لقلنا: تزحزح لا قريبا ولا أهلا
بلغنى أطال الله بقاء الشيخ أن قيضة كلب «1» وافته بأحاديث لم يعرها ألحقّ نوره، ولا الصدق ظهوره، وأنه- أدام الله عزّه- أذن لها على مجال أذنه، وفسح لها فناء ظنّه، ومعاذ الله أن أقولها، وأستجيز معقولها؛ بل قد كان بينى وبين الشيخ عتاب لا ينزل كنفه ولا يجدف، وحديث لا يتعدّى النفس وضميرها، ولا يعرف الشفة وسميرها، وعربدة كعربدة أهل الفضل، لا تتجاوز الدّلال والإدلال، ووحشة لا يكشقها عتاب لحظة، كعتاب جحظة، فسبحان من ربّى هذا الأمر حتى صار أمرا، وتأبّط شرّا، وأوجب عذرا، وأوحش حرّا.
وسبحان من جعلنى في حيّز العدو أشيم بارقته، وأتخوّف صاعقته، وأنا المساء إليه، والمجنىّ عليه، ولكن من بلى من الأعداء بمثل ما بليت، ورمى من الحسد بما رميت، ووقف من التوحّد والوحدة حيث وقفت، واجتمع عليه من المكاره ما وصفت، اعتذر مظلوما، وضحك مشتوما، ولو علم الشيخ عدد أولاد الجدد، وأبناء العدد، بهذا البلد، ممن ليس له همّ إلا في سعاية أو شكاية أو حكاية أو نكاية، لضنّ بعشرة غريب إذا بدر، وبعيد إذا حضر، ولصان مجلسه عمن لا يصونه عما رقى إليه، وهبنى قد قلت ما حكى، أليس الشّاتم من أسمع، والجانى من أبلغ؟ فقد بلغ من كيد هؤلاء القوم أنهم حين صادفوا من الأستاذ نفسا لا تستفزّ، وجبلالا يهزّ، وشوا إلى خدمه بما أرّثوا نارهم «2» ، وورد علىّ ما قالوه فما لبثت أن قلت:
فإن تك حرب بين قومى وقومها ... فإنى لها في كلّ نائبة سلم
(2/614)

وليعلم الأستاذ أنّ في كبد الأعداء منى جمرة، وأنّ في أولاد الزنا عندنا كثرة، وقصاراهم نار يشبّونها، وعقرب يدبّبونها، ومكيدة يطلبونها، ولولا أن العذر إقرار بما قيل، وأكره أن أستقيل، لبسطت في الاعتذار شاذروانا، ودخلت في الاستقالة ميدانا، لكنه أمر لم أضع أوّله، فلم أتدارك آخره.
وقد أبى الشيخ أبو محمد- أيده الله- إلا أن يوصل هذا النثر الفاتر بنظم مثله فهاكه يلعن بعضه بعضا:
مولاى إن عدت ولم ترض لى ... أن أشرب البارد لم أشرب
امتط خدى وانتعل ناظرى ... وصد بكفى حمة العقرب
تالله ما أنطق عن كاذب ... فيك، ولا أبرق عن خلّب
فالصفو بعد الكذب المفترى ... كالصّحو عقب المطر الصّيّب «1»
إن أجتن الغلظة من سيدى ... فالشوك عند الثمر الطيب
أو يفسد الزّور على ناقد ... فالخمر قد يعصب بالثيّب
ولعل الشيخ أبا محمد- أيده الله- يقوم من الاعتذار بما قعد عنه القلم واللسان؛ فنعم رائد الفضل هو، والسلام.
فقر من كلام سهل بن هرون للمأمون
كان المأمون استثقل سهل بن هرون، فدخل عليه يوما، والناس على مراتبهم، فتكلّم المأمون بكلام ذهب فيه كلّ مذهب؛ فلما فرغ من كلامه أقبل سهل بن هرون على الجمع فقال: مالكم تسمعون ولا تعون، وتشاهدون ولا تفقهون، وتفهمون ولا تتعجّبون، وتتعجّبون ولا تنصفون؟ والله إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير ما فعل بنو مروان في الدهر الطويل، عربكم كعجمكم، وعجمكم كعبيدكم، ولكن كيف يعرف الدواء من لا يشعر بالداء؟ فرجع المأمون فيه إلى الرأى الأول.
(2/615)

[من ترجمة سهل بن هرون، وأخباره]
وكان أبو عمرو سهل بن هرون من أهل ميسان «1» نزل البصرة فنسب إليها، وهو القائل:
يأهل ميسان السلام عليكم ... الطيبون الفرع والجذم
أما الوجوه ففضّة مزجت ... ذهبا وأيد سحّة هضم «2»
أتريد كلب أن أناسبها ... قد قلّ من كلب بى العلم
أجعلت بيتا فوق رابية ... فرع النّجوم كأنه نجم
كبييت شعر وسط مجهلة ... بفنائه الجعلان والبهم
وكان سهل شعوبيا، والشعوبية: فرقة تتعصب على العرب وتنتقصها، وكان أبو عبيدة يرمى بذلك.
وسهل ظريف عالم حسن البيان، وله كتب ظريفة صنّفها معارضا للأوائل فى كتبهم بما لا يستصو به منهم، حتى قيل له «بزرجمهر الإسلام» وقال يمدح رجلا:
عدوّ تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما
مذلل نفس قد أبت غير أن ترى ... مكاره ما تأتى من العيش مغنما
وهذا نظير قوله في كتاب «ثعلة وعفرة» الذى عارض به كليلة ودمنة: اجعلوا أداء ما يجب عليكم من الحقوق مقدّما قبل الذى تجودون به من تفضّلكم؛ فإن تقديم النافلة مع الإبطاء عن الفريضة مظاهر على وهن العقيدة، وتقصير الرويّة، ومضرّ بالتدبير، مخلّ بالاختيار، وليس في نفع محمدته عوض من فساد المروءة ولزوم النقيصة. وكتابه هذا مملوء حكما وعلما. وسهل القائل:
تقسّمنى همّان قد كسفا بالى ... وقد تركا قلبى محلّة بلبال
هما أذريا دمعى، ولم تذر عبرتى ... رهينة خدر ذات سمط وخلخال
ولا قهوة لم يبق منها على المدى ... سوى أن تحاكى النور في رأس ذيال
تحلّل منها جرمها وتماسكت ... لها نفس معدوم على الزمن الخالى
(2/616)

ولكنما أبكى بعين سخينة ... على حدث تبكى له عين أمثالى
فراق خليل لا يقوم به الأسى ... وخلّة حرّ لا يقوم لها مالى
فوا حسرتى حتّى متى القلب موجع ... لفقد خليل أو تعذر إفضال
وما الفضل إلا أن تجود بنائل ... وإلا لقاء الخلّ ذى الخلق العالى
وهو القائل:
إذا امرؤ ضاق عنى لم يضق خلقى ... من أن يرانى غنيّا عنه بالياس
لا أطلب المال كى أغنى بفضلته ... ما كان مطلبه فقرا إلى الناس
وأنشد له الجاحظ يهجو رجلا:
من كان يعمر ما شادت أوائله ... فأنت تعمر ما شادوا وما سمكوا
ما كان في الحق أن تحوى فعالهم ... وأنت تحوى من الميراث ما تركوا
وقال محمد بن زياد الزيادى: وجدت «1» على سهل بن هرون في بعض الأمر، فهجوته، فكتب إلىّ: أما بعد فالسلام على عهدك وداع ذى ضنّ بك، فى غير مقلية لك «2» ، ولا سلوة عنك، بل استسلام للبلوى في أمرك، وإقرار بالمعجزة فى استعطافك، إلى أوان فيئتك «3» ، أو يجعل الله لنا دولة من رجعتك، والسلام.
وكتب في أسفل الكتاب:
إن تعف عن عبدك المسىء ففى ... عفوك مأوى للفضل والمنن
أتيت ما أستحقّ من خطإ ... فجد بما تستحق من حسن
[من عظات الحسن البصرى]
وقال الحسن البصرى رحمه الله في يوم [فطر] وقد رأى الناس وهيآتهم:
إنّ الله تبارك وتعالى جعل رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من الضاحك اللاعب
(2/617)

فى اليوم الذى يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ومسىء بإساءته.
ونظر إلى قوم منصرفين من صلاة الفطر يتدافعون ويتضاحكون، فقال:
الله المستعان! إن كان هؤلاء قد تقرّر عندهم أن صومهم قد تقبّل فما هذا محلّ الشاكرين، وإن علموا أنه لم يتقبل فما هذا محلّ الخائبين.
وكان الحسن من الخطباء النّساك الفقهاء الأجواد، ويقال: إنه لم يكن تابعىّ أفضل منه.
هذا قول أهل العراق جميعا، وأهل الحجاز يقدمون سعيد بن المسيب عليه، وكان سعيد أحسن من الحسن ورعا، وأشدّ الناس حذرا، وأقلهم كلاما. وكان الحسن لا يدع أن يتكلّم بما هجس في نفسه، وجاش في صدره.
وعلى ذكر الحسن شهر رمضان نقول:
ألفاظ لأهل العصر، فى التهنئة بإقبال شهر رمضان مع ما يتصل بها من الأدعية
ساق الله تعالى إليك سعادة إهلاله، وعرّفك بركة كماله. قسم الله لك من فضله، ووفّقك لفرضه ونفله. لقّاك الله ما ترجوه، ورقاك إلى ما تحبّه فيما تتلوه. جعل الله ما أظلّك من هذا الصوم مقرونا بأفضل القبول، مؤذنا بدرك البغية ونجح المأمول، ولا أخلاك من برّ مرفوع، ودعاء مسموع. قابل الله تعالى بالقبول صيامك، وبعظيم المثوبة تهجّدك وقيامك. عرّفك الله من بركاته ما يربى على عدد الصائمين والقائمين، ووفّقك الله تعالى لتحصيل أجر المتهجّدين. أسأل الله تعالى أن يضاعفه بمنه لك، ويجعله وسيلة بقبوله إلى مرضاته عنك. أعاد الله إلى مولاى أمثاله، وتقبّل فيه أعماله، وأصلح في الدين والدنيا أحواله، وبلغه منها آماله. أسعده الله بهذا الشهر، ووفاه فيه أجزل المثوبة والأجر، ووفّر حظّه من كل ما يرتفع من دعاء الدّاعين، وينزل من ثواب العاملين،
(2/618)

وقبل مساعيه وزكاها، ورفع درجاته وأعلاها، وبلّغه من الآمال منتهاها، وظفر بأبعدها وأقصاها.
وقال الحسن: من أخلاق المؤمن قوة في دين، وحزم في لين، وحرص على العلم، وقناعة في فقر، ورحمة للمجهود، وإعطاء في حق، وبرّ في استقامة، وفقه في يقين، وكسب في حلال.
وقال محمد بن سليمان لأبى السماك: بلغنى عنك شىء، قال: لا أباليه، قال:
ولم؟ قال: لأنه إن كان حقّا غفرته، وإن كان باطلا كذبته.
وقال محمد بن صبيح المعروف بابن السماك: خير الإخوان أفلّهم مصانعة في النصيحة، وخير الأعمال أحلاها عاقبة، وخير الثناء ما كان على أفواه الأخيار، وأشرف السلطان ما لم يخالطه البطر، وأغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرا، وخير الإخوان من لم يخاصم، وخير الأخلاق أعونها على الورع، وإنما يختبرودّ الرجال عند الفاقة والحاجة.
ووصف بعض البلغاء رجلا فقال: إنه بسيط الكف، رحب الصّدر، موطّأ الأكناف، سهل الخلق، كريم الطباع، غيث مغيث، وبحر زخور، ضحوك السنّ، بشير الوجه، بادى القبول، غير عبوس، يستقبلك بطلاقة، ويحييّك ببشر، ويستدبرك بكرم غيب، وجميل سرّ، تبهجك طلاقته، ويرضيك بشره، ضحّاك على مائدته، عبد لضيفانه، غير ملاحظ لأكيله، بطين من العقل، خميص من الجهل، راجح الحلم، ثاقب الرّأى، طيّب الخلق، محصّن الضريبة، معطاء غير سائل، كاس من كل مكرمة، عار من كلّ ملامة، إن سئل بذل، وإن قال فعل.
قال أبو الفتح كشاجم:
مزاجك للمثنى من العود والصّبا ... من الرّيح والصافى الرقيق من الخمر
فلو كنت وردا كنت وردا مضاعفا ... ولو كنت طيبا كنت من عنبر الشّحر
(2/619)

ولو كنت لحنا كنت تأليف معبد ... ولو كنت عودا ما افتقرت إلى زمر
وقال أعرابى:
ألا حبّذا البرد الذى تلبسينه ... ويا حبذا من باعك البرد من تجر «1»
فلو كنت ماء كنت ماء غمامة ... ولو كنت درّا كنت من درّة بكر
ولو كنت لهوا كنت تعليل ساعة ... ولو كنت نوما كنت إغفاءة الفجر
ولو كنت ليلا كنت قمراء جنّبت ... نحوس ليالى الشّهر أو ليلة القدر
تم- بحمد الله تعالى ومعونته- تحقيق الجزء الثانى من «زهر الآداب:
وثمر الألباب» لأبى إسحاق الحصرى. ويليه- إن شاء واهب التوفيق والسّداد، ورازق القدرة والعون- الجزء الثالث مفتتحا ب «نبذ من ألفاظ بلغاء العصر تجرى في المدح مجرى الأمثال؛ لحسن استعاراتها، وبراعة تشبيهاتها» .
نسأله- سبحانه- أن يعين على إكماله بمنّه وفضله، آمين.
(2/620)

فهرس الجزء الثانى من كتاب «زهر الآداب، وثمر الألباب» لأبى إسحاق الحصرى
ص الموضوع
341 ألفاظ لأهل العصر في وصف الطعام، ومقدماته، وموائده، وآلاته
342 من شعر ابن الرومى في وصف طعام
343 مقامة لبديع الزمان في وصف الطعام
345 لعلى ابن يحيى المنجم
- لابن الرومى يصف اللوزينج
347 نهم ابن الرومى وحبه للسمك
348 من الناجم إلى ابن الرومى
- لابن الرومى يصف العنب الرازقى
349 ألفاظ لأهل العصر في وصف الفواكه والثمار
350 بعض ما جاء في وصف الليل
- لأعرابى يصف ليل لقاء
- لأعرابى يصف وفاء الصحبة
- لجرير يصف يوم صيد
351 لإبراهيم بن العباس يصف قصر الليل
- للأصبهانى يصف يوم لهو
- لابن المعتز يصف ليل سرور
- بين الرشيد وعبد الملك بن صالح
352 لأبى تمام
- للخاتمى
- لأهل العصر
353 سعيد بن هريم وصلته بالفضل بن سهل
للتميمى يمدح الفضل بن سهل
- لإبراهيم بن العباس فيه
354 لابن الرومى يمدح إبراهيم بن المدبر
- لابن الرومى يمدح ابن طاهر
من ترجمة الفضل بن سهل
355 مختارات من كلام الفضل بن سهل
- من محمد بن على إلى محمد بن يحيى
- جواب محمد يحيى بن خالد
356 رجل يريد أن ينصح المهدى
- توقيعات للفضل بن سهل
357 بعض أوصاف الخيل
- ابن القرية يصف فرسا
- لعبد الله بن طاهر
- رجل يريد شراء فرس
- لمحمد بن الحسن بن الحرون
358 أبيات لتأبط شرا
- لعقبة بن سنان يصف خيلا أهداها
عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبى سفيان
359 للنابعة الجعدى
- لبعض العرب
- لأعرابى
- لأعرابى آخر
360 أعرابى يصف خيل بنى يربوع
(2/621)

لأبى تمام يصف فرسا
361 للبحترى يصف فرسا
362 لإسحاق بن خلف يصف فرس أبى دلف
- لأبى الفتح كشاجم
- لابن المعتز
363 لأبى الفتح
- لابن المعتز
- لأعرابى مولد
- لابن المعتز أيضا
364 لعلى بن محمد الإيادى
- لأبى العباس الناشىء
365 لأبى منصور الثعالبى
- لابن هانى يصف خيل المعز
- وله يصف فرسا لجعفر بن على بن حمدون
366 وله يصف فرس إبراهيم بن جعفر ابن على
367 لعلى بن محمد الإيادى يصف فرس جعفر بن القاثم
368 لأبى الطيب المتنبى
369 مقامة لبديع الزمان فيها وصف فرس
373 قولهم في الوعد ومنزلة إنجازه
- بين أبى القاسم المسعودى وعيسى ابن موسى
- بين منصور بن زياد ويحيى بن خالد
- بين المهدى وابن دأب
374 لابى قابوس يمدح يحيى بن خالد
- لأبى الطيب المتنبى
- لأبى على البصير في الفضل بن يحيى
- لابن الرومى
375 من عرف قدر النعمة استدامها
- بين سليمان بن عبد الملك وحاجبه
- بين يونّس بن المختار وحاجب المامون
- بين رجل والمعلى بن أيوب
- بين المنصور والحارث بن حسان
376 بين المأمون وعبد الله بن طاهر
- لأبى نواس في هذا المعنى
- للناشىء يعارض أبا نواس
- لابن الرومى
377 ألفاظ لأهل العصر في العجز عن الشكر
378 لأبى الفتح البستى
- بين أبى العتاهية وعمر بن العلاء
380 من أخبار أبى العتاهية
- ولوعه بعتبة
381 المهدى يضرب أبا العتاهية مائة سوط
382 من شعر أبى العتاهية في عتبة
بين المهدى وأبى العتاهية
383 الرشيد يحبس أبا العتاهية لترك الشعر
384 بشار يمدح عمر بن العلاء
385 لأبى سعيد المخزومى في معنى بشار
- لأبى الطيب المتنبى
386 لابن هانى
387 رجع إلى عمر بن العلاء
- بينه وبين أبى العتاهية
389 للمتنبى في أبى العشائر الحمدانى
- لأبى العتاهية في الزهد
- لأبى نواس
388 ألفاظ لأهل العصر في الشكر بدلالة
الحال
(2/622)

389 لأبى الفضل الميكالى
389 لأبى الفتح البستى
390 بين نصيب والفرزدق
391 لسحيم عبد بنى الحساس
- للمتنبى
- بين أبى تمام وابن الزيات
393 لابن الزيات يمدح الحسن بن سهل
- لأبى تمام يمدح ابن أبى دواد
395 من أخبار ابن أبى دواد
- غلوه في التعصب لإياد
- علمه، وعداوته لابن الزيات
- أصله
396 غضبه على أبى تمام، ثم رضاه عنه
397 بين ابن أبى دواد والحاجب أبى منصور
- من براعة خالد بن عبد الله القسرى
398 اعتذار أبى تمام للمعتصم عن سابق مدحه للأفشين
399 المنافقون في عهد النبى صلى الله عليه وسلم
- عبد الله بن أبى سرح
- المختار بن أبى عبيد الخارجى
- بين أمية بن خالد بن أسيد وعبد الله بن الأهتم
400 فصل في غرائب التكاتب
- من حمدون ابن نهران لعامل عزل عن عمله
- من ابن مكرم لنصرانى أسلم
- بعض ما يحسن تركه وإن كان حلالا
401 ما يقال لمن تزوجت أمه
402 من ابن العميد لمن تزوجت أمه
403 ألفاظ لأهل العصر في التهانى بالبنات
404 بعض ما لا يمدح به النساء
- لابن الرومى
- للمتنبى
- رجل يمدح زبيدة أم الأمين
- لكثير عرة
405 عزة تفضل الأحوص على كثير
407 من الأمانى
- لأبى صخر الهذلى
- لمسلم بن الوليد
- لآخر
408 بعض أخبار كثير عرة
- حمقه
- كان رافضيا
- بين كثير وعبد الملك بن مروان
409 لقيس بن الملوح
- من جيد شعر كثير
411 قول العرب في الطول أو القصر
- لشاعر قديم، وأنشده أحمد بن عبيد الله
412 لابن الرومى
- لعنترة العيسى
413 لأبى نواس
- عود إلى أخبار كثيرة عزة
- كثير عند عبد العزيز بن مروان وهو مريض
- نقد سلام الجمحى لشعر كثير
(2/623)

414 فصول قصار
- من كلام قابوس بن وشمكير
415 للثعالبى يصف شمس المعالى قابوسا
416 للميكالى يمدح قابوسا
417 من رسائل بديع الزمان إلى قابوس
419 من أخبار البرامكة
420 ثمامة بن أشرس يصف جعفر بن يحيى
- سهل بن هرون يصف يحيى وابنه جعفرا
- توقيع لجعفر بن يحيى
421 بين جعفر بن يحيى ومروان بن أبى حفصة
422 من قصيدة لزهير بن أبى سلمى
- تعليق على هذه القصيدة لقدامة بن جعفر
423 لمحمد بن مناذر في البرامكة
- مثل من التجنيس لأبى الفضل الميكالى
426 لأبى الفتح البستى في هذا المذهب
428 فقر في ذكر العلم والعلماء
430 استعارات فقهية تليق بهذا المكان
- بين أبى تمام وابن أبى دواد
- بين طاهر بن عبد الله وابن أبى تمام
431 ولاية طاهر بن عبد الله بن طاهر خراسان وسببها
432 بين ابن ثوابة وابن الرومى
- بين المعتصم وأبى تمام
- لأبى الفضل الميكالى
433 لأبى الفتح كشاجم
- لبديع الزمان الهمذانى
435 أبو على البصير، وشىء من أذبه
- بينه وبين بعض الطالبيين
- بينه وبين بعض الرؤساء
425 من شعره
436 من شعر الفتح بن خاقان
- كتاب منه إلى عبيد الله بن يحيى
437 مما يبعث على الرحيل
- من الوصايا لمن اعتزم السفر
437 فقر في مدح السفر
- فى ذم السفر والغربة
438 بين المهدى وأبى عبيد الله
- بين المأمون والفضل بن الربيع
- بين المنصور وأبى مسلم الخراسانى
441 جملة في الأوصاف من شعر كشاجم
444 الصابى يهدى اسطرلابا لعضد الدولة ويبعث معه بشعر
445 من أوصاف النساء
- لابن الرومى
- لبعض الشعراء يصف العلم
- قلب المعنى ليس بسرقة
- لشاعر يصف نساء بالعبالة
448 من المعانى ما لا ينقلب
- بعض ما أخذ على أبى نواس
449 قطعة من شعر أهل العصر في ذكر النجوم
- لأبى الفتح البستى
451 لابن درست
- لمسكويه
- للخوارزمى
- للصولى
452 لابن المعتز
418 الأصمعى وبعض الأعراب
(2/624)

454 فقر من كلام الأعراب في ضروب مختلفة
460 لامرأة من العرب ترثى ابنها
461 لأعرابى يمدح رجلا
464 بعض أخبار أبى نواس
465 للحسن بن وكيع، وقد أخذه من أبى نواس
466 ضرب من الرياء
468 من خمريات أبى نواس
469 من أخبار بشار بن برد
- احتذاء أبى نواس على مثال بشار
425 المهدى يأمر بشارا بترك الغزل
470 من شعر بشار في الغزل
471 لعلى بن الجهم، وأخذه من بشار
472 منزلة شعر بشار ومقداره
- ولاء بشار
473 من أخبار أبى حذيفة واصل بن عطاء
- عود إلى أخبار بشار
476 كلمات مأثورة
- فقر في مساوئ الكذب لغير واحد
478 جزاء الشكر
- بين الحسن بن سهل والمأمون
- من خطب النكاح:
- خطبة للمأمون
- ما يستحب من الخاطب والمخطوب إليه
479 الكتب والأقلام والخط
445 لابن المعتز
- وله في القاسم بن عبيد الله
480 لبعض البلغاء
- للمتنبى
- لابن المعتز
- مفاخرة بين صاحب سيف وصاحب قلم
- للمتنبى
- للنوبختى
481 لابن الرومى
- للبستى
- لطلحة بن عبيد الله
- لمحمود الأصبهانى
482 لأحمد بن جدار
- لأبى تمام
- لتميم بن المعز الفاطمى
483 الصدق في النصيحة.
- بين أحمد بن يوسف وغسان بن عباد
- من ترجمة أحمد بن يوسف العجلى
486 ألفاظ لأهل العصر في ذم المغنين
452 عود إلى أحمد بن يوسف العجلى
486 ألفاظ لأهل العصر، فى صفات الثقلاء
491 من ترجمة جحظة البرمكى ومن شعره
492 السكاكين
- بين أحمد بن يوسف والمأمون
494 لأبى الفتح كشاجم يصف سكينا سرقت منه
(2/625)

494 ألفاظ لأهل العصر في صفات السكاكين
495 السمر والمنادمة
- بين محمد بن أنس والقاسم بن صبيح
- شرط المنادمة
496 بين اليزيدى والمأمون
- بين كوران المغنى والشريف الرضى
- بين أحمد بن جدار وعمر بن أيوب
497 من إسحاق الموصلى إلى بعض الجلة
- من السرى الموصلى إلى أخ له يستدعيه
498 لابن المعتز
- للحسن بن محمد الكاتب
499 من ألفاظ أهل العصر، فى الاستدعاء
- ولهم في استدعاء الشراب
500 ولهم في الكناية عن الشراب
- من الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب
- من الحسن بن وهب إلى الحسن بن سهل
- لكشاجم
501 فقر للنبيذيين
503 من ألفاظ أهل العصر في صفات مجالس الأنس
505 من شعر أبى نواس، وهو أستاذ هذا الشأن
508 من رسائل بديع الزمان الهمذانى
- تعزية منه إلى أبى عامر عدنان بن عامر الضبى.
509 منه لبعض إخوانه جوابا عن كتاب
510 مما كتبه في سياقة أخباره مع أبى بكر الخوارزمى
515 كتاب منه لرئيس هراة
516 كتاب منه للامام سهل بن محمد
517 كتاب منه للاسماعيلى
518 المقامة الفزارية للبديع
520 بين شاعر وعبد الله بن الزبير
521 فرس ابن الزيات
- المزاح
- بين الحجاج وابن القرية
522 خالد بن صفوان يذكر مساوى المزاح
- للوراق في مساوى المزاح
- فقر في هذا النحو لأهل العصر
523 الطيرة والزجر
- لأبى حية النميرى في التفاؤل
- مما ينسب لذى الرمة
524 عادة الجاهلية والنهى عنها
- للكميت بن زيد الأسدى
- لشاعر قديم
525 لابن كناسة
- بين كثير عزة ورجل نهدى
- لجرير
- لعوف الراهب
526 لأبى الشيص
- ابن الرومى كان شديد الطيرة، وبعض أخباره في ذلك
527 الفرق بين الطيرة والفأل
528 من ابن الرومى للقاسم بن عبيد الله
- ابن الرومى يرثى ابنة المسيبى
529 وله يعزى على بن يحيى في ابنته
(2/626)

539 الرغبة في موت البنات
- لعبد الله بن عبد الله بن طاهر
- لعقيل بن علفة
- لابن خلف البهرانى
530 عود إلى تطير ابن الرومى
- بينه وبين أبى الحسن الأخفش
532 من آثار تطير ابن الرومى
534 من ابن الرومى إلى ابن ثوابة في التطير
536 من مليح العيافة والزجر
- أبو نواس وبعض أصحابه
- لأبى تمام
537 أحمد بن المدبر والجمل الشاعر المصرى
- لأبى الفضل الميكالى في أهل مرو
538 عبد الوهاب الثقفى يصف رجلا يرتاح إليه
- ابن أبى داود والجاحظ
539 بين الجاحظ وابن الزيات
540 من كلام على رضي الله عنه في أعجب ما في الإنسان
541 لعبد الرحمن بن حسان
- لمحمد بن حازم الباهلى
- للجاحظ في ابن الزيات
- الجاحظ ورجل من البرامكة
543 المقامة الجاحظية للبديع
544 من كلام الملوك:
- من كلام أردشير بن بابك
545 من كلام بزرجمهر
- من كلام أنو شروان
- من رسائل الميكالى:
- كتاب منه للثعالبى
511 كتاب منه للثعالبى
546 كتاب منه إلى أبيه
- كتاب منه يستفتح به مكاتبة أخ
547 فقر من كلامه في أثناء رسائل شتى
549 قطعة من شعره في تجنيس القوافى
515 لأبى الفتح البستى
- أدب الحاجب
- بين مالك وحاجبه
550 وصية المهدى للفضل بن الربيع
- للحسن بن سهل
- لبعض البلغاء
- بين سعيد بن عبد الملك وعبيد الله بن سليمان
551 لأبى السمط بن أبى حفصة
- لمروان بن أبى حفصة
- لإدريس بن أبى حفصة
- لعمرو بن شاس الأسدى
552 للقطامى في ضياء الوجوه والأحساب
- للقينى
- للحطيئة
- للقاسم بن حنبل المدنى
553 للوضاح التيمى
- حث الاشتياق
- لعمر بن أبى ربيعة
- مما أنشده إسحاق الموصلى
554 لإسحاق الموصلى
- لأبى نواس
- لمخلد بن بكار الموصلى
555 جودة الخط
- صفة الخط الجيد لبعض الكتاب
(2/627)

521 وراق يصف عيشه
556 لإسماعيل الحمدونى
- حرفة الأدب
- لبعض الشعراء
- للخريمى
557 لعلى بن محمد بن بسام
- رزق الحمقى والعقلاء
- لابن الرومى
- لجعفر بن محمد
- للنظام
- بعض أخبار النظام وكلامه
558 أفكار الوراقين
559 أطيب اللذات عند الشعراء
- امرىء القيس
- الأعشى
- طرفة
- أبى دلف
- حميد الطوسى والشعر لطرفة
560 يزيد بن عبيد الله
- من شعر الأضبط بن قريع
561 من أخبار الأضبط بن قريع
- وصف المحابر والأقلام:
- لبعض الكتاب يصف محبرة
- لأبى الفتح كشاجم
562 ألفاظ لأهل العصر، فى أوصاف آلات الكتابة والدوى
563 أبو الفتح كشاجم يصف آلات الكتابة
564 عمال المأمون
565 وصف الورد والنرجس:
568 لابن الرومى
- لبعض المحدثين
- عود لابن الرومى
566 أحمد بن يونس الكاتب يرد على ابن الرومى
567 نبذ من النظم والنثر في صفات النور والزهر
- لعلى بن الجهم
- لمحمد بن عبد الله بن طاهر
- المتوكل وابن الضحاك
569 ظبى يأكل نيلوفرا
- وصف أيام الربيع:
- لابن وكيع
570 لأبى الفتح البستى
- لأبى الفضل الميكالى
572 للبحترى
- فى مجلس المبرد
573 للبحترى في المدح
574 لابن المعتز يذم الصبوح
575 لأبى الفتح كشاجم
576 جملة من هذا النوع لأهل العصر
- لأبى فراس الحمدانى
- لابن هانىء يصف زهرة رمان
577 قطع نثرية لهم في هذا المعنى
578 ولهم أيضا في وصف الربيع
579 الربيع والرفاق
- الصوم في الربيع
- يوم الشك
580 من بديع الزمان الهمذانى لبعض أهل همذان
(2/628)

546 لابن العميد
581 عواقب الطيش
- طاهر بن الحسين يصف الأمين
- الأمين والمأمون
582 الأمين يصف طاهر بن الحسين
583 الفضل بن الربيع وابنه وأبوه
- بيعة المهدى
584 وقت كلام الملوك
- من كلام الفضل بن الربيع
- بين المأمون والفضل بن الربيع
585 بين المنصور والربيع
586 لأبى تمام يمدح ابن الزيات
- سهل بن هارون والرشيد
- من شعر الفضل بن الربيع
587 بين ابن خاقان وأبى العيناء وصف دابة
588 قطعة من رسالة من إنشاء أبى الخطاب الصابى
590 الحمدونى وشاة سعيد بن أحمد
591 الحمدونى وطيلسان ابن حرب
594 المأمون والحسن بن رجاء
- بديهة المبرد
- المبرد عند المتوكل
595 أدب أبى العباس المبرد
- بين المبرد وابن المعتز
- فى المدح:
- لأعرابى
- لابن المعتز
- للأخطل
- لابن هرمة
596 لأبى تمام
- لعصابة الجرجانى في الحسن بن رجاء
- بين جميل بن معمر وعمر بن أبى ربيعة
598 من شعر العرجى
- نسب العرجى، وبعض أخباره
599 جمله من الفصول القصار لابن المعتز
601 من ابن العميد إلى بعض إخوانه
603 من بديع ما قيل في العتاب:
- لسعيد بن حميد
604 لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر
- من كلام الأعراب
605 المقامة البلخية لبديع الزمان
606 كتاب من بديع الزمان لأبى نصر الميكالى يشكو إليه خليفته بهراة
607 من البديع للميكالى يعاتبه
608 بين المأمون وإبراهيم بن المهدى
610 بين المأمون وإسحاق بن العباس
- رجل يستعطف بعض الملوك
- بين معاوية وروح بن زنباع
611 عفو الملوك:
- المأمون وبعض خاصته
- بعض ملوك فارس وطباخه
- بهرام جور وراع
612 من شعر ابن الرومى
613 من اعتذارات بديع الزمان
615 فقر من كلام سهل بن هارون للمامون
(2/629)

616 من ترجمة سهل بن هارون وأخباره
617 من عظات الحسن البصرى
618 ألفاظ لأهل العصر في التهنئة بإقبال شهر رمضان.
619 أخلاق المؤمن
- خير الإخوان
- وصف رجل
- لأبى الفتح كشاجم
620 لأعرابى
تمت فهرس الجزء الثانى من زهر الآداب للحصرى، والحمد لله أولا وآخرا وصلاته وسلامه على سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه
(2/630)