Advertisement

ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب 002


جُمْهُور الْأَغْرَاض السلطانيات

وَمن ذَلِك
الْمقَام الَّذِي بِنور سعادته، تتجلى الغما، وتتصل النعما، فنيته قد صَحَّ مِنْهَا لجَانب الله الانتما، واتفقت مِنْهَا المسميات والأسما. مقَام مَحل أَبينَا الَّذِي تتفيأ أفياءهن الجزيرة الغريبة، أفياء نِيَّته الصَّالِحَة وَعَمله، ونثق بِحسن الْعَاقِبَة اعْتِمَادًا على وعد الله الْمنزل على خيرة رسله، ونجتنى ثمار النجح من أفنان آرائه المتألقة تألق الصُّبْح حالى ريثه وعجله، ونتعرف حالى المودود وَالْمَكْرُوه عارفة الْخَيْر والعافية من قبله، أبقاه الله يحسم الأدواء كلما استشرت، ويحلى موارد الْعَافِيَة كلما أمرت، ويعفى على آثَار الأطماع الكاذبة مهمى خدعت بخلبها وغرت، وَيضمن سعده عودة الْأُمُور إِلَى مَا عَلَيْهِ اسْتَقَرَّتْ، مُعظم مقَامه الَّذِي هُوَ بالتعظيم حقيق، وموقر ملكه الَّذِي لَا يلتبس مِنْهُ فِي الْفَخر والعز طَرِيق، وَلَا يخْتَلف فِي فَضله العميم، ومجده الْكَرِيم رَفِيق.
أما بعد حمد الله المثيب الْعَاقِبَة، الْكَفِيل لأهل التَّقْوَى بِحسن العواقب، المشيد بِالْعَمَلِ الصَّالح إِلَى أرفع المراقى والمراقب، يهدى من يَشَاء، ويضل من يَشَاء، فبقضائه وَقدره، اخْتِلَاف المسالك والمذاهب، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله الحاشر العاقب، وَنبيه الْكَرِيم، الرءوف الرَّحِيم، ذى المفاخر السامية والمناقب، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه وأنصاره وأحزابه، الَّذين ظاهروه فِي حَيَاته، بأعمال السمر العوالي وَالْبيض القواضب، وخلفوه فِي أمته بخلوص الضمائر عِنْد شوب الشوائب، وَكَانُوا فِي سَمَاء مِلَّته كَالنُّجُومِ الثواقب، وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى بالسعادة الْمُعَادَة فِي الشَّاهِد من الزَّمن وَالْغَائِب، والنصر الَّذِي يقْضى بعز الركائب، والصنع الَّذِي يطلع من ثناياه غر الصَّنَائِع الْعَجَائِب.
(2/5)

من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله. وَلَا زَائِد بِفضل الله سُبْحَانَهُ، ثمَّ بِمَا عندنَا من الِاعْتِدَاد بمقامكم، أَعلَى الله سُلْطَانه، وَشَمل بالتمهيد أوطانه. إِلَّا تشيع ثَابت ومزيد، وإخلاص مَا عَلَيْهِ فِي ميدان الاستطلاع مزِيد، وتعظيم أشرف مِنْهُ عيد، وثناء راق فَوق رياضه تحميد وتمجيد. وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وحرس الطَّاهِر الْكَرِيم مجدكم، فقد وصلنا كتابكُمْ، الَّذِي هُوَ على الخلوص والاعتقاد عنوان، وَفِي الِاحْتِجَاج على الرِّضَا وَالْقَبُول برهَان، تنطق بِالْفَضْلِ فضوله، وتشير إِلَى كرم العقد فروعه الزكية وأصوله، ويحق أَن ينْسب إِلَى ذَلِك الْفَخر الْأَصِيل محصوله، عرفتمونا بِمَا ذهب إِلَيْهِ عِيسَى بن الْحسن من الْخلاف الَّذِي ارْتَكَبهُ، وسبيل الصَّوَاب الَّذِي تنكبه، وتنبهون على مَا حَده الْحق فِي مثل ذَلِك وأوجبه، حَتَّى لَا يصل أحد من جهتنا سَببه، وَلَا يظاهره مهمى نَدبه، وَلَا يسعفه فِي الإيواء طلبه، فاستوقفنا من ذَلِك، مَا استدعاه الْبَيَان الصَّرِيح وجلبه، وخطه الْقَلَم الفصيح وَكتبه، وليعلم مقامكم، وَهُوَ غَنِي عَن الْإِعْلَام، وَلَكِن لَا بُد من الاسْتِرَاحَة بالْكلَام، والتنفس ونفثات الأقلام، أننا إِنَّمَا نجرى أمورنا مَعَ هَذَا الْعَدو الْكَافِر الَّذِي يلينا بجواره، وبلينا وَالْحَمْد لله بمصادمة تياره، على تعدد أقطاره، واتساع براريه وبحاره، بِأَن تكون الْأمة المحمدية بالعدوتين تَحت وفَاق، وأسواق غير ذَات نفاق، والجماهير تَحت عهد الله وميثاق، فمهمى تعرفنا أَن اثْنَيْنِ اخْتلف مِنْهُمَا بالعدوتين عقدان، وَقع مِنْهُمَا فِي مَقْبُول الطَّاعَة رد، ساءنا واقعه، وعظمت لدينا مواقعه، وَسَأَلنَا أَن يتدارك الخزي راقعه، لما نتوقعه من التشاغل عَن نصرنَا، وتفرغ الْعَدو إِلَى ضرنا، فَكيف إِذا وَقعت الْفِتْنَة فِي صقعنا ونظرنا، إِنَّمَا هِيَ شعلة فِي نقض بُيُوتنَا وَقعت، وحادثة إِلَى جهتنا أشرعت إِن كَانَ لسوانا لفظ فلنا مَعْنَاهَا، وعَلى وطننا يعود جناها، فَنحْن أحرص النَّاس على إطفائها وإخمادها، وَالسَّعْي فِي إصْلَاح فَسَادهَا، والمثابرة
(2/6)

على كفها عَن استئسادها. وَمَا الظَّن فِي دَار فسد بَابهَا، وآمال رثت أَسبَابهَا: وجريرة لَا تستغنم أَحْوَال من بهَا إِلَّا بِالسُّكُونِ، وَسلم الْعَدو الْمَغْرُور الْمفْتُون، حَتَّى يقتضى مِنْهُ بإعانتكم الدُّيُون، وَإِن اضطرابها دَاء نستبصر من رَأْيكُمْ فِيهِ بطبيب، وهدفه خطب نرميه من عزمكم بِسَهْم مُصِيب، وَأمر نضرع فِي تَدَارُكه إِلَى سميع الدُّعَاء مُجيب، وَنحن فِيهِ يَد أَمَام يدكم، ومقصودنا فِيهِ تبع لمقصدكم، وتصرفنا على حد إشارتكم جَار، وعزمنا إِلَى مُنْتَهى مرضاتكم متبار، وعقدنا فِي مشايعة أَمركُم غير متوار. وَقد كُنَّا لأوّل اتِّصَال هَذَا الْخَبَر الْقَبِيح الْعين والأثر، بادرنا إِلَى تعريفكم بِجَمِيعِ مَا اتَّصل بِنَا فِي شَأْنه، وَلم نطوعنكم شَيْئا من إسراره وَلَا إعلانه، وبعثنا رَسُولنَا إِلَى بَابَكُمْ العلى نعتد بسلطانه، ونرتجى تمهيد هَذَا الوطن بتمهيد أوطانه، وبادرنا بالمخاطبة لمن وَجَبت مخاطبته من أهل مربلة وإسطبونة، نثبت بصائرهم فِي الطَّاعَة ونقويها، ونعدهم بتوجيه من يحفظ جهاتهم ويحميها، وعجلنا إِلَى بَعْضهَا مدَدا من الرُّمَاة وَالسِّلَاح ليَكُون ذَلِك عدَّة فِيهَا، وعملنا مَا أوجب الله من الْأَعْمَال الَّتِي يزلف بهَا ويرتضيها، وَكَيف لَا نظاهر أَمركُم، وَهُوَ الْعدة المذخورة، والفئة الناصرة المنصورة، وَالْبَاطِل سراب يخدع، وَالْحق إِلَيْهِ يرجع، وَالْبَغي يردع ويصرع، وَكم تقدم فِي الدَّهْر من مفتر شَذَّ عَن الطَّاعَة، وَخرج عَن الْجَمَاعَة، ومخالف على الدول، فِي العصور الأولى، بهرج الْحق زائفه، ورجمت شهب الأسنة طائفه، وَأخذت عَلَيْهِ الضَّيْعَة وهاده، ونتابعه فتقلص ظله، ونبا بِهِ مَحَله، وكما قَالَ يذهب الْبَاطِل وَأَهله، لَا سِيمَا وسعادة ملككم، قد وطأت المسالك وحدتها، وقهرت الأعدا وتعبدتها، وَأَطْفَأت جداول سُيُوفكُمْ النَّار الَّتِي أوقدتها، وَكَأن بالأمور، إِذا أعملتم فِيهَا رَأْيكُمْ السديد قد عَادَتْ إِلَى خير أحوالها، والبلاد بيمن تدبيركم، قد شفى مَا ظهر من
(2/7)

اعتلاها، وعَلى كل حَال فَإِنَّمَا نَحن على تَكْمِيل مرضاتكم مبادرون، وَفِي أغراضكم الدِّينِيَّة وَارِدُونَ وصادرون، ولإشارتكم الَّتِي تَتَضَمَّن الْخَيْر والخيرة منتظرون، عندنَا من ذَلِك عقائد لَا يحْتَمل نَصهَا التَّأْوِيل، وَلَا يقبل صحيحها التَّعْلِيل، فلتكن أبوتكم من ذَلِك على أوضح سَبِيل، فشمس النَّهَار لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَالله تَعَالَى يسنى لكم عوائد الصنع الْجَمِيل، حَتَّى لَا يدع عزمكم مَغْصُوبًا إِلَّا رده، وَلَا ثلمًا فِي ثغر الْإِسْلَام إِلَّا سَده، وَلَا هدفا متعاصيا إِلَّا هده، وَلَا عرقا فِي الْخلاف إِلَّا حَده، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يبْقى ملككم، ويصل سعده، ويعلى أمره ويحرس مجده، وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَمن ذَلِك
الْمقَام الَّذِي اشْتهر فَضله وَدينه، فَفِي سَبِيل الله تنبيهه وتأمينه، ولقن الْحجَج فهذبها يقينه، تَهْذِيب الْمَالِكِي وتلقينه، وأنهل جوده الْفَيَّاض معينه، وَالله ينجده على عمل الْبر ويعينه، مقَام مَحل والدنا الَّذِي صدقت فِي مُعَاملَة الله نِيَّته، وخلصت فِي سَبِيل جهاده طويته، وتكفل بالإرشاد والإمداد هَدْيه الْوَاضِح وهديته، وتمخضت إِلَى أَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا أمْنِيته. السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا، أبقاه الله، تترنم بألحان الْعِزّ صواهله، وتردى ببرود الْيمن والأمان مناهله، وترفع بأيالته معالم الْإِسْلَام وتعمر مجاهله، ويحث بحسامه كَمَال الْعَهْد عِنْد تَمَامه عوارف الْكفْر وكواهله، مُعظم مقَامه، المثابر على إجلال مَحَله الأبوي وإعظامه، الدَّاعِي إِلَى الله فِي صلَة بنائِهِ وسعادة أَيَّامه. الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج يُوسُف بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن فرج بن نصر. سَلام كريم طيب بر عميم، يخص مقامكم الْأَعْلَى، وأبوتكم الفضلى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
(2/8)

أما بعد حمد الله الَّذِي نصب للمجازاة قسطاسا وميزانا، وَأقَام الْأَعْمَال الصَّالِحَة على الرِّضَا وَالْقَبُول عنوانا، واختص بالسعادة والعناية من شَاءَ من عباده أولى الْولَايَة، تفضلا مِنْهُ وامتنانا، فَأطلق بِالْخَيرِ مِنْهُم يدا، وَأطلق بالشكر لِسَانا، وَعرف الْعباد فِي اتِّصَال الْأَيْدِي على نصر دينه الْحق يمنا وأمانا، وَجعل الْمَوَدَّة فِيهِ تَقْتَضِي مغْفرَة من لَدنه ورضوانا. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله أرفع الْأَنْبِيَاء شَأْنًا، وأعظمهم مكانة ومكانا، وَأكْرمهمْ مسابقة أزلية لَدَيْهِ، وَإِن تَأَخّر زَمَانا، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، الَّذين رفعوا من مِلَّته الحنيفية أركانا، وشيدوا من معالم دَعوته بنيانا، وَكَانُوا لأمته فِي الْهِدَايَة بهم من بعده شهبانا. وَالدُّعَاء لمقامكم بالنصر الَّذِي يمضى فِي الْأَعْدَاء صَارِمًا وسنانا، والعز الَّذِي يسمع دَعْوَة الْحق إعلانا، والصنع الَّذِي يرْوى أَحَادِيث الْعِنَايَة الإلهية صحاحا حسانا.
من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَلَا زَائِد بِفضل الله الَّذِي ترادفت لدينا مواهب إنعامه مثنى ووحدانا، ثمَّ ببركة سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، الَّذِي أوضح من حجَّة الصدْق برهانا، إِلَّا بِالْخَيرِ الأتم، واليسر الْأَعَمّ، وبركم الْمَقْصد الْأَسْنَى، وَالْغَرَض الأهم. وَقد ورد علينا كتابكُمْ الَّذِي ظَاهره هَدِيَّة، وباطنه هِدَايَة، وطيه نصح، وعنوانه عناية، أحكمت مِنْهُ فِي الْفضل آيَة، ونشرت مِنْهُ للعز راية، مصحبا بالألطاف الكفيلة بتأصيل أصيل الوداد، مظْهرا مَعَاني الْعِنَايَة بِهَذِهِ الْبِلَاد، تنبو غرته الْبَيْضَاء غرر الْجِيَاد، من كل سَلس القياد، محيى بالصهيل معالم الْجِهَاد، فياله من كتاب قاد إِلَى الْأَعْدَاء كتائبه، وصحفته فضل تبدى مَعَاني عَجِيبَة، تفنن من الْمجد والحسب الغر فِي ضروب، وأطلع شمس النصح غير ذَات غرُوب، وحرج العتب بالعتبى، وَرب صَنِيعَة الِاحْتِيَاط، فأناف وأربى، فصدعنا بِهِ فِي الحفل استظهارا، وأطلعنا فِي أفق الِاعْتِدَاد نَهَارا،
(2/9)

وقابلنا أغراضه بالشكر سرا وجهارا، وانتشقنا من رياض بلاغته أزهارا، وتأملنا مقاصده، فزدنا فِي التَّشَيُّع استبصارا، ورأينا ألسن الثنا، وَإِن أطلنا قصارا، وَقُلْنَا الْحَمد لله الَّذِي أتاح الله لنا أَبَا، يأنف من الهضمية، ويصرخ عِنْد الْعَظِيمَة، ويرشد إِلَى الْخلال الْكَرِيمَة، وَيبدأ بالفضائل الجسيمة، فَإِن ظن بِنَا الْغَفْلَة عَن عرض مصالحنا عَلَيْهِ، تلطفت أبوته فِي العتاب، وَإِن تشوفنا إِلَى استطلاع مَا لَدَيْهِ تحفى بإهداء الكتيبة وَهدى الْكتاب، فَنحْن نجهد فِي الشُّكْر بِحَسب الِاسْتِطَاعَة، ونصل الثنا الْيَوْم بِالْيَوْمِ، والساعة بالساعة، ونجلو أوجه الْعذر الَّذِي يردد دَعْوَى الْغَفْلَة والإضاعة، ويتبين مَا عندنَا فِي الْفُصُول الَّتِي قررها فِيمَا نَالَ من النصرى من الْفِتْنَة والمجاعة، وَعُمُوم الشتات وَخلاف الْجَمَاعَة، فَأَما مَا ترَتّب فِيهِ العتب مِمَّا أغفله الْكتب بِمَا آل إِلَيْهِ أَمرهم من شتات ذَات الْبَين، والمسغبة المتلفة، للأثر وَالْعين، فَيعلم الله أننا لم يتَّصل بِنَا نبأ إِلَّا بَعَثْنَاهُ على غره، وَلم نختزل شَيْئا من حُلْو وَلَا مره، وَلَا جلب إِلَيْنَا خبر إِلَّا أهديناه عِنْد حلب دره، وركضنا طرفه بعد تقليبه وفره، فَكيف بِمثل هَذَا الَّذِي لَو ثَبت عندنَا خَبره، لأثمر لدينا رفع حمل، وَتَخْفِيف كل، وإضاعة غيم، وَحصر ضيم، ومشقة عزم، وَإِضَافَة حكم، وَلم نزل نبعث الْعُيُون ونزكيها، ونعيد الرُّسُل ونبديها، فَلم يَصح عندنَا مِمَّا اتَّصل بكم نقل، وَلَا شهد بِغَيْر مَا أطلعناهم عَلَيْهِ حس وَلَا عقل. ولسنا من الْغَفْلَة بِحَيْثُ لَا نشعر بِضعْف عَدو قرب منا جواره، وَلَا من الزّهْد فِي المَال بِحَيْثُ يظْهر منا احتقاره، وَلَا من نِسْيَان مَا يجب لأبوتكم بِحَيْثُ لَا نهدى لكم من قبلنَا أنباء عدونا وأخباره، وَإِنَّمَا هِيَ أقاويل لَا عِبْرَة بقائلها، وتمويهات يظْهر الْكَذِب على مخايلها. وَالَّذِي صَحَّ عندنَا فِي أَمر النصرى وسلطانهم، أَن إخْوَة ملكهم وَمن كَانَ على مثل رَأْيهمْ،
(2/10)

لم ينازعوه يَوْمًا فِي طلب ملك، وَلَا سعوا على بهجته بهلك، وَإِنَّمَا خطبوا مِنْهُ خططا كَانَت بِأَيْدِيهِم، ورتبا نالوها من أَبِيهِم، انتزعها لما سَاءَ ظَنّه فيهم، شهدُوا لَهُ الرُّجُوع إِلَى خدمته حَيْثُ كَانَت، وذلت سبالتهم فِي التمَاس إِعَادَتهَا، وهانت أود الإغضاء فهم بمواضعهم إِلَى تَمام أَرْبَعَة أَعْوَام، بمهادنة مبرمة، وموادعة محكمَة، مدون عِنْد انْقِضَائِهَا على حكمه، ويلقون يَد الرَّغْبَة إذعانا إِلَى سلمه، ويجعلون نواصبهم بيَدي عِقَابه إِن شَاءَ الله أَو حلمه، فَرَمَاهُمْ بدائهم، وصم عَن ندائهم، وزاحمهم بمنكب الْملك، واضطرهم إِلَى مهاوى الهلك، واستخلص مِنْهُم مَا كَانَ بِأَيْدِيهِم من المدن الْكَبِيرَة، وَالْقَوَاعِد الخطيرة، كطورو وطليطلة وَغَيرهمَا من الأمات الشهيرة، وتحصلت أمه وزوجه، الموليتان عَلَيْهِ فِي قهره، وَدخل أَخُوهُ الميسر فِي أمره، وَاسْتقر القند بِبِلَاد جليقية شريد خَوفه، وطريد ذعره، مُخَيّرا بَين خطتي الْحسب من الْخُرُوج عَن عمالته، أَو الدُّخُول على الحكم فِي إيالته. وَأما حَالهم فِي طَرِيق المجاعة الفاشية، والضيقة الناشية، والمسغبة الْمهْلكَة للحرث والماشية، فَالَّذِي صَحَّ عندنَا فِيهَا، أَن الْأَحْوَال بالبلاد الأندلسية فِي ذَلِك مُتَقَارِبَة، وَأَن الْحَاجة شملت النَّاس قاطبة، وَالسّنة لم تخْتَص بشدتها الْبِلَاد الْكَافِرَة، وَلَا اعتمدت الفئة الزائفة عَن الْحق النافرة، إِنَّمَا هُوَ أزل شَمل الْبِلَاد والصياصي، وقحط نَالَ جهتي الْمُطِيع والعاصي، فَمن كَانَت لَهُ قُوَّة على احْتِمَاله، ظهر صبره، وَمن قلت ذَات يَده، افتضح أمره. وبلادهم الشمالية، فِيمَا بلغنَا، سليمَة من الضّر، مجودة بالسحاب الغر، تمد الْبِلَاد الساحلية مِنْهَا مراكب الْبر. وَمَعَ هَذَا، فَإِذا اعْتبر فرارهم أَمَام المجاعة. وهم عدد قَلِيل لم يلف فيهم مثيل، وَلَا من لَدَيْهِ مَتَاع أثيل، إِنَّمَا يفر مِنْهُم ذاعر يسترفد كده، وينتجع عمله، أَو صعلوك لَا مَال لَهُ، أَو صَاحب حسيفة من خدام أخوة سلطانهم مِمَّن لم يقدر على ضبط مَا جعل بِيَدِهِ، وضاق عَن مقاومة مَا يحاوره لقلَّة عدده،
(2/11)

ونقصان جلده، وكلا الصِّنْفَيْنِ لَا يعول على نَقله، وَلَا يسْتَند إِلَى دينه، وَلَا إِلَى عقله. وَإِذا أردتم تَحْقِيق أَمر أَو استربتم فِي خبر زيد أَو عَمْرو، فعينوا عينا يضطلع. بِنَقْل صور الْأَحْوَال، وَيكون ميدانا للأقوال، يتَوَجَّه صوريا، بِبَعْض الْأَغْرَاض الَّتِي تَدْعُو إِلَى المراوضة والمحاورة فِي الشكايات الَّتِي تضطر إِلَيْهَا الْمُجَاورَة، حَتَّى تتبين لكم الْأَخْبَار الَّتِي يزيفها الاختبار. هَذَا مَا عندنَا من حالتي الْعَدو، الَّتِي هَمنَا موازنة أُمُوره، وحذر شروره، قررناها لكم مَعَ الْعلم بِأَن الْعِزَّة لله وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ، وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين، وَأَن قَلِيل الْحق كثير، والعسير على الله يسير، وَإِنَّمَا هُوَ شرح بَين الجلية وَقيد عارضة الْكُلية، والعليل ذُو معرفَة زَائِدَة بأحوال علته، وَالرَّابِع عَن خَبره من خبر حلته، وَلَو علمنَا مَا اسْتَأْثر الله بمولانا قدس الله روحه، وَطيب ضريحه، وَقد وَجب انتباه العزائم من مراقدها، وارتفاع حكم السّلم لوفاة عاقدها، أَن لإخوته قدرَة تستمريها منازعتهم لأخيهم زَمنا فسيحا أَو يخمد مِنْهُ ريحًا، لاغتنمنا الكرة، ورفعنا المعرة، وَلَكنَّا علمنَا بِأَن مادتهم بِمَا بقى من مُدَّة الصُّلْح الْقَدِيم غير وافية، وَأَن قدرتهم بكف العادية، عَن بِلَادهمْ، غير كَافِيَة، فحرصنا على الاستمساك بالسلم، ليتمهد الْقطر ويتقرر الْأَمر. وَمَعَ الْيَوْم غَد، وَلكُل شَيْء أمد، وَلنَا مِنْكُم بعد الله تَعَالَى مُعْتَمد، وَإِذا سنى الله أمرا، يسر أَسبَابه، وَفتح بَابه، وألهم الْخَيْر وَكتب أثوابه، وَأما مَا بغيتم من بذل الضريبة، فَأمر تنفر مِنْهُ الهمة، وتسوغه الشدائد المدلهمة، وتأباه الشَّفَقَة، ثمَّ تَدْعُو لتسليمه الموفقة، وللضرورة حكمهَا، وللعزة إِن شَاءَ الله يَوْمهَا. وَقد انصرمت سنُون عديدة، وآماد مديدة، وعهود بعيدَة، لم يَقع فِيهَا بِهَذِهِ الْبِلَاد، بَين الْمُسلمين وعدوهم سلم، إِلَّا عَن ضريبة تحكم، وحصون إِلَيْهِم تسلم، وعضاضاة تحضى، كَمَا شَاءَ الله وتبرم. فَلم ينْتَه اجْتِهَاد إِلَّا مَعَ الإرهاب بجانبكم الأحمى، والاستناد إِلَى أبوتكم الْعُظْمَى، إِن عَقدنَا بضريبة لم يقْتَرن
(2/12)

بهَا وَالْحَمْد لله إِسْلَام معقل، وَلَا تشطط فِي حَالَة مُنكرَة، أَو عدد مثقل، إِلَّا ورأينا أَن قد فضل حديثنا الْقَدِيم، وسكنا بالهدنة هَذَا الإقليم. وعَلى تَقْرِير أَن يَقع ارتفاعها، ويشمل من قدرَة الله دفاعها، فإننا لما حضر لدينا رسولاكم فلَان وَفُلَان، أجلنا قداح النّظر، بِنَاء على مَا قررتم من الْخَبَر، وحوما على الْغَرَض الْمُعْتَبر، فَلم نجد وَجها يسوغ حل مَا ربط، وَلَا فسخ مَا اشْترط، لما تقرر فِي العقد من أَيْمَان شَأْنهَا كَبِير، ومحلها من الرعى خطير، وَوَقع عَلَيْهَا منا العقد ومنكم الْإِمْضَاء وأحكمت فصولها الْعَدَالَة، وسجلها الْقَضَاء، وَحضر الْخصم وَوَجَب الِاقْتِضَاء، وَلَو عثر على وَجه يخرج عَن الْعهْدَة، وَيحل لنا مَحل الْعقْدَة، لَكنا نعلم سرُور الْعَدو بنبذنا لعهده، وخفة وطأتنا إِلَى أَن يَشَاء الله على جنده، فَإِنَّهُ اعْتَادَ أَن يكون مَطْلُوبا، وَرَأى التماسنا سلمه وجوبا، إِذْ الْأَحْوَال بِهَذِهِ الجزيرة المنقطعة تضطرنا إِلَى التمَاس سلمه، وحاجتنا إِلَى مهادنته لَا تغيب عَن علمه، مالم يتمخض الدَّهْر عَن معذرة تحطه عَن عزمه، حَسْبَمَا سلف لسلفكم الْكَرِيم. لَوْلَا مَا سبق من تمحيص الله فِي سَابق حكمه. وَفِي مُدَّة هَذَا الصُّلْح الَّذِي عقد وأبرم، وأمضى وتمم، نرجو أَن يَقع الاستعداد وتتوفر الْأَعْدَاد، وَتعرض الأجناد، وتمهد الثغور والبلاد، فَإِذا تقضى مِنْهُ الأمد، وكمل بالوفا الْمَقْصد، كُنْتُم إِن شَاءَ الله على أَعلَى النظرين، وَأكْرم الاختيارين، من حوار مَنْصُور، وَعدد موفور، أَو سلم مقترن بِظُهُور. هَذَا مَا عندنَا عرضناه عَلَيْكُم عرض إدلال، ومحلكم مَحل إغضاء وإكمال، وَفضل وَعدل وجلال. وَالله الْمُسْتَعَان على كل أَمر ذِي بَال، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك

أما بعد حمد الله محسن العواقب، ومخلد المناقب، وَمعلى المراقى فِي درج
(2/13)

عنايته والمراقب، ومسخر النَّجْم الثاقب فِي الغسق الواقب، الْكَفِيل بِالْحُسْنَى للمتوكل المراقب، نَاسخ التمحيص بالعناية والتخصيص، لتظهر حكمه المثيب المعاقب، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، الماحي الحاشر العاقب، ذِي الْقدر السَّامِي للدهر المصاقب، وَالرِّضَا عَن آله، الَّذين كَانُوا فِي سَمَاء مِلَّته لهداية أمته كَالنُّجُومِ الثواقب. فَإنَّا كثبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم توالى الْمَوَاهِب، ووضوح الْمذَاهب، ووقوف الدَّهْر لديكم موقف التائب من الْقدح النايب، وخلوص موارد سعدكم من الشوايب، ووالى لديكم مفاتحة الْكتب الهنية بفتوح الْكَتَائِب.
من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَفضل الله يتعرف صنعه لكم، صافي السَّحَاب كَفِيل بنيل الرغايب، وَالسُّرُور بِمَا سناه الله من استقامة أحوالكم، شَأْن الشَّاهِد والغايب، والرايح والآيب. وَالْحَمْد لله على توالى الألطاف العجايب. وَقد وصل كتابكُمْ الَّذِي أكد السرُور وَأَصله، وأجمل مُقْتَضى الْبُشْرَى وفصله، ونظم خبر الْفَتْح وَوَصله، وراش سهم السَّعَادَة والسداد، والعناية والإمداد ونصله، وأحرز حَظّ السَّعَادَة وحصله، تعرفُون بِمَا أتاح الله لكم، اللَّطِيف الْخَبِير، وَالْوَلِيّ النصير، من الصنع الَّذِي اتسق نظامه، والعز الَّذِي سنت فِي أم الْكتاب أَحْكَامه والعز الَّذِي خَفَقت أَعْلَامه، والتوفيق الَّذِي قرطست الْعرض سهامه، وأنكم من بعد الكاينة، الَّتِي راش لطف الله بهَا وجبر، وَأحسن الْخَبَر وأدال الْخَبَر، وَجعل الْعَاقِبَة الْحسنى لمن صَبر، جهزتم الجيوش المختارة والعساكر الجرارة يَقُودهَا الخلصان من الوزرا، ويتقدم رايتها ميامن الأمرا، فَكتب الله ثبات أَقْدَامهَا، وَتَوَلَّى نصر أعلامها، وَلم يكن إِلَّا أَن حمى وطيس النزال، ورجفت الأَرْض لهول الزلزال، وتعوطبت كؤوس الْآجَال فِي ضنك المجال ودجا القتام، وتوهج
(2/14)

من فضل الله الاغتنام، وَعَبس الجو الْعَبَّاس، وَضحك النصل البسام، وَأورد الْخَيل موارد الطعان والإقدام، فَكَانَ لحربكم الظُّهُور الَّذِي حكم المهندة فِي الرّقاب، والسمر الطوَال فِي البعر ثمَّ فِي الأعقاب، وبشرت بِرُؤْيَة هِلَال الْفَتْح عُيُون الارتقاب، وَحط عَن وَجه الصنع الْجَمِيل مَا راب من النقاب، وَأَن من بغى عَلَيْهِ، حَسْبَمَا قررتم، وعَلى نَحْو مَا أجملتم وفسرتم من شُيُوخ الْعَرَب المجلية، ووجوه الخدام المنتهية إِلَى حسن الْعَهْد المنتمية، تحصل فِي حكم استرقاقكم، وَتَحْت شدّ وثاقكم، وَرُبمَا سفر الْمَكْرُوه عَن المحبوب، وانجلى المرهوب عَن المرغوب، وَالله مُقَلِّب الْقُلُوب، وشيمتكم فِي ايتلاف النافر، وَالْأَخْذ من فضل الْعَفو بالحظ الوافر، كَفِيل لكم بالصنع السافر. وَالله يحملكم على مَا فِيهِ رِضَاهُ، وَيُخَير لكم فِيمَا قَضَاهُ. فصلنا مَا اتَّصل لكم من الصنع واطرد. ورحبنا هَذَا الْوَارِد الْكَرِيم الَّذِي ورد، وشكرنا فَضلكُمْ فِي التَّعْرِيف بالمودود، وَالشَّرْح لمقامه الْمَحْمُود، وكتبنا نهنيكم بِهِ هُنَا مشفوعا، وبالدعاء لكم متبوعا. وَالله يطلع من توالى مسرتكم على مَا يبسط الآمال، وينجح الْأَعْمَال، وَيفتح فِي السعد المجال، وَالَّذِي عندنَا من ودكم أعظم من اسْتِيفَائه بالمقال، ونهوض اليراع بوظائفه الثقال، يعلم ذَلِك عَالم الخفيات، والمجازي بِالنِّيَّاتِ سُبْحَانَهُ. وَالله يصل سعدكم، ويحرص مجدكم وَالسَّلَام
وَمن ذَلِك
الْمقَام الَّذِي نطالعه أَخْبَار الْجِهَاد، ونهدي إِلَيْهِ عوالي العوالي صَحِيحَة الْإِسْنَاد، وتبشره بأخبار الْفَتْح الْبعيد الآماد، ونسأل الله لَهُ توالى الْإِسْعَاف، ودوام الإسعاد، ونرتقب من صنع الله على يَدَيْهِ تكييفا يخرق حجاب الْمُعْتَاد، وامتعاضا يطلع بأفاق الْبِلَاد، نُجُوم غرر الْجِيَاد، وَيفتح أَبْوَاب الْفتُوح بأقاليد السيوف
(2/15)

الْحداد، وينسى مَكَارِم من سلف من الْآبَاء الْكِرَام والأجداد، مقَام مَحل أخينا الَّذِي نستفتح لَهُ بِالْفَتْح والظهور، ونهدي إِلَى مجده لما يعلم من حسن نِيَّته لطائف السرُور، ونستظهر بِملكه المؤمل ومجده الْمَشْهُور، ونتوعد مِنْهُ الْعَدو بالحبيب المذخور، وَالْوَلِيّ الْمَنْصُور. السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا، أبقاه الله عالى الْقدر، قرير الْعين، منشرح الصَّدْر، وَلَا زَالَ حَدِيث فخره سائرا مسير الشَّمْس والبدر، مُعظم سُلْطَانه الخليق بالتعظيم، الواثق مِنْهُ بالذخر الْكَرِيم، الْمثنى على مجده الصميم، وفضله العميم، عبد الله، الْغنى بِاللَّه، الْأَمِير مُحَمَّد بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج، ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن فرج ابْن نصر. سَلام كريم بر عميم، يخص مقامكم الْأَعْلَى وأخوتكم الفضلى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله رب الْعباد، وملهم الرشاد، ومكيف الْإِسْعَاف والإسعاد، الْوَلِيّ النصير، الَّذِي نلقى إِلَى التَّوَكُّل عَلَيْهِ مقاليد الِاعْتِمَاد، ونمد إِلَى أنجاده أَيدي الِاعْتِدَاد، ونرفع إِلَيْهِ أكف الاستمداد، ومخلص لوجهه الْكَرِيم عمل الْجِهَاد، نتعرف عوارف الْفضل المزداد، ونجنى ثمار النَّصْر من أَغْصَان القنا المياد، ونجتلي وُجُوه الصنع الوسيم، أبهر من وَجه الصَّباح الباد، ونظفر بالنعيم العاجل، وَالنَّعِيم الآجل، يَوْم قيام الْإِشْهَاد، ونتفيأ ظلال الْجنَّة، من تَحت ظلال السيوف الْحداد. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، النَّبِي الْهَاد، رَسُول الملحمة، الْمُؤَيد بِالْمَلَائِكَةِ الشداد، وَنَبِي الرَّحْمَة الهامية العهاد، أكْرم الْخلق بَين الرايح والغاد، ذِي اللِّوَاء الْمَعْقُود، والحوض المورود، والشفاعة فِي يَوْم التناد، الَّذِي بجاهه نجدع أنوف الآساد، يَوْم الجلاد، وببركته ننال أقْصَى
(2/16)

الآمال وَالْمرَاد، وَفِي مرضاته نصل أَسبَاب الوداد، فتعود بالتجر الرايح من مرضات رب الْعباد، ونستولي من ميدان السَّعَادَة الْمُعَادَة على الاماد. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه وأنصاره وَحزبه الْكِرَام الأمجاد، دعائم الدّين من بعده وَهُدَاة الْعباد، آحَاد الْآحَاد، وآماد الآماد، الَّذين ظاهروه فِي حَيَاته، بالحلوم الراجحة الأطواد، والبسالة الَّتِي لَا تبالي بِالْعدَدِ فِي سَبِيل الله والأعداد، حَتَّى بوءوا الْإِسْلَام فِي الْقَوَاعِد الشهيرة والبلاد، وأرغموا أنوف أهل الْجحْد والإلحاد، فَأصْبح رفيع الدّين رفيع الْعِمَاد، مَنْصُور العساكر والأجناد، مستصحب الْعِزّ فِي الإصدار والإيراد وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى، بالسعد الذى يغنى عَن اختبار الطالع، وتقويم الْبِلَاد، والنصر الَّذِي تشرق أنباؤه فِي جنح ليل المداد، والصنع الَّذِي تشرع لَهُ أَبْوَاب التَّوْفِيق والسداد.
من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، واليسر وثيق المهاد، وَالْخَيْر وَاضح الْإِشْهَاد، وَالْحَمْد لله فِي المبدإ والمعاد، وَالشُّكْر على آلائه الْمُتَّصِلَة الترداد، ومقامكم الذّكر الْكَافِي العهاد، وَالرَّدّ المتكفل الإنجاد. وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، ووالى نصركم وعضدكم، وبلغكم من فَضله العميم أَملكُم وقصدكم، فإننا نؤثر تعريفكم بتافه المتزيدات، ونورد عَلَيْكُم أشتات الْأَحْوَال المتجددات، إِقَامَة لرسم الخلوص، والتعريف بِمَا قل، ومودة خَالِصَة فِي الله عز وَجل. فَكيف إِذا كَانَ التَّعْرِيف مَا تهتز مَنَابِر الْإِسْلَام، ارتياحا لوروده، وتنشرح الصُّدُور جذلا لمواقع فضل الله وجوده، والمتكيفات البديعة الصِّفَات فِي وجوده. وَهُوَ أننا قدمنَا إعلامكم بِمَا نويناه من غَزْو مَدِينَة قرطبة، أم الْبِلَاد الْكَافِرَة، ومقر الحامية الشهيرة، والخيرات الوافرة، والقطر الَّذِي عَهده بآطام الْإِسْلَام متقادم، والركن الَّذِي لَا يتَوَقَّع صدمة صادم، وَقد اشْتَمَل سورها من زعماء مِلَّة الصَّلِيب
(2/17)

على كل رييس بيس، وهزبر خيس، وَذي مكر وتلبيس، وَمن لَهُ شِيمَة تذيع مَكَانَهُ وتشيعه، وَاتِّبَاع على المنشط وَالْمكْره قطيعة. فاستدعينا الْمُسلمين من أقاصي الْبِلَاد، واذعنا فِي الْجِهَات نفير الْجِهَاد، وتقدمنا إِلَى النَّاس بسبعة الازواء، وأعطينا الْحَرَكَة الَّتِي تخلف الْمُسلمُونَ وَرَاءَهُمْ جمهوريا للكفر من الأقطار، والأعداد حَقّهَا من الاستعداد، وأفضنا الْعَطاء والاستلحاف والاستركاب من أهل العفا وأبطال الجلاد. فحشر الْخلق فِي صَعِيد، وَأخذُوا الأهبة والزينة فِي عيد سعيد، وَشَمل الاستدعا كل قريب وبعيد، عَن وعد ووعيد. ورحلنا، وَفضل الله شَامِل، والتوكل عَلَيْهِ كَاف كافل، وخيمنا بِظَاهِر الحضرة، حَتَّى استوفى النَّاس آرابهم، واستكملوا أسرابهم، ودسنا مِنْهُم بِلَاد النَّصَارَى بجموع كثرها الله وأنماها، وَأبْعد فِي التمَاس مَا عِنْده من الْأجر منتماها. وعندما حللنا مَدِينَة قاشرة، وجدنَا السُّلْطَان دون بطره، مُؤَمل نصرنَا وإنجادنا [ومستفيد حَظه من لواحق جهادنا، وَمُقْتَضى كدح دينه بإعانتنا إِيَّاه وإنجادنا] قد نزل بظاهرها فِي محلات، فِيمَن اسْتَقر على دَعوته وَتمسك بِطَاعَتِهِ، وشمله حكم جماعته، فَكَانَ لقاؤنا إِيَّاه على حَال أقرَّت عين الْمُسلمين، وتكفلت بإعزاز الدّين، ومجملها يُغني عَن التَّعْيِين. والمشرح والتبيين، وَرَأى هُوَ وَمن مَعَه، من وفور جيوش الله مَا هالهم، وأشعل فِي حَال الْيَقَظَة خيالهم، من جموع تسد بِاللَّه الفضا، وأبطال تسارع أسود الفضا، وكتائب منصورة، ورايات منشورة، وأمم محشورة، ونداء بِكَلِمَة الشَّهَادَة يسد بَين الْخَافِقين، ومحلات تفضل عَن مرأى الْعين، فَاعْتَرفُوا بِمَا لم يكن فِي حسابهم، وَاعْتبر فِي عزة الله أولُوا ألبابهم. وَإِذا كثر الله الْعدَد، نما وزكا، وَإِذا أزاح الْعِلَل، مَا اعتذر عان وَلَا شكا. وسالت من الْغَد الأباطح
(2/18)

بالاعتراف، وسمت الهوادي إِلَى الاستشراف، وَأخذ التَّرْتِيب حَقه من المواسط الجهادية والأطراف، وأحكمت التعبية، الَّتِي لَا ترى الْعين فِيهَا خللا، وَلَا يجد الإحسار عِنْدهَا دخلا. وَكَانَ النُّزُول على فَرسَخ من عدوة النَّهر الْأَعْظَم الدُّنْيَا من خَارج الْمَدِينَة، أنْجز الله وعد دمارها، وأعادها إِلَى عهدها فِي الْإِسْلَام وشعارها، ومحا ظلام الْكفْر فِي آفاقها، بِملَّة الْإِسْلَام وأنوارها. وَقد برزت من حاميتها شَوْكَة سابغة الدروع، وافرة الجموع، استجنت من أسوار القنطرة الْعُظْمَى، بحمى لَا يخفر، وَأخذ أعقابها من الرُّمَاة والكماة الْعدَد الأوفر، فبادر إِلَيْهِم، سرعَان خيل الْمُسلمين، فصدقوهم الدفاع والقراع، والمصال والمصاع، وخالطوهم سبرا بِالسُّيُوفِ، ومباكرة بالحتوف، فتركوهم حصيدا، واذاقوهم وبالا شَدِيدا، وجدلوا مِنْهُم جملَة وافرة، وَأمة كَافِرَة، وملكوا بعض تِلْكَ الأسوار، فارتفعت بهَا راياتهم الخافقة، وَظَهَرت عَلَيْهَا عزماتهم الصادقة، واقتحم الْمُسلمُونَ الْوَادي سبحا فِي غمره، واستهانة فِي سَبِيل الله بأَمْره، وخالطوا حامية الْعَدو فِي ضفته فاقتلعوها، وتعلقوا بأوائل الأسوار ففرعوها، فَلَو كُنَّا فِي ذَلِك الْيَوْم على عزم من الْقِتَال، وتيسير للالآت وترتيب للرِّجَال، لدخل الْبَلَد، وَملك الْأَهْل وَالْولد. لَكِن أَجَارَ الْكفْر من اللَّيْل كَافِر، وَقد هلك مِنْهُم عدد وافر، وَرجع الْمُسلمُونَ إِلَى محلاتهم، وَنصر الله سَافر، والعزم ظافر. وَمن الْغَد، خضنا الْبَحْر الَّذِي جعلنَا الْعَزْم فِيهِ سفيناً والتوكل على الله للبلاغ ضمينا، ونزلنا من ضفته، القصوى، منزلا عَزِيزًا مكينا، بِحَيْثُ تجَاوز سورها طُنب القباب، وَنصِيب دورها، من بَين المخيمات، بوارق النشاب، فبرزت حاميتها على متعددات الْأَبْوَاب، مُقِيمَة أسواق الطعان والضراب، فآبت بصفقة الخسران والتباب. وَلما شرعنا فِي قتالها، ورتبنا أشتات النكابات لنكالها، وَإِن كُنَّا لم نبن على
(2/19)

مطاولة نزالها، أنزل الله من الْمَطَر الَّذِي قدم بعهده الْعَهْد، وساوى النجد من طوفانه الوهد، وَعظم بِهِ الْجهد. وَوَقع الْإِبْقَاء على السِّلَاح، والكف بِالضَّرُورَةِ من الكفاح، وَبلغ الْمقَام عَلَيْهَا، وَالْأَخْذ بمخنفها، والثوا لَدَيْهَا، خَمْسَة أَيَّام، لم تخل فِيهَا الأسوار من افتراع، وَلَا الْأَبْوَاب من دفاع عَلَيْهَا وقراع، وأنفذت مقَاتل الستاير أنقابا، وارتقب الْفَتْح الْمَوْعُود ارتقابا، وفشت فِي أَهلهَا الجروح، والعبث الصراح، وساهم المسا بعزة الله والصباح. وَلَوْلَا عايق الْمَطَر، لَكَانَ الإجهاز والاستفتاح، وَالله بعْدهَا الفتاح. صرفت الْوُجُوه إِلَى تخريب الْعمرَان، وتسليط النيرَان، وعقر الْأَشْجَار، وتعفية الْآثَار، أَتَى مِنْهَا العفا على الْمصر الشهير فِي الْأَمْصَار، وَتركت زروعها المايحة عِبْرَة للأبصار. ورحلنا عَنْهَا، وَقد ألبسها الدُّخان حدادا، ونكس من طغاتها أجيادا، فاعتادت الذل اعتيادا، وَأَلْقَتْ للهون قيادا، وكادت أَن تستباح عنْوَة، لَو أَن الله جعل لَهَا ميعادا، وأتى الْقَتْل من أبطالها ومشاهير رجالها مِمَّن يبارز ويناطح، ويماسى بالباس ويصابح، على عدد جم، أخْبرت سماتهم الْمَشْهُورَة بِأَسْمَائِهِمْ، ونبهت علاماتها على نبهائهم، وَظهر من إقدام الْمُسلمين فِي المعتركات، وجورهم بالحدود المشتركات، وتنفيلهم الأسلاب، وقودهم الْخَيل المسومة قَود الغلاب. وَكَانَ القفول، وَقد شَمل الْأَمْن وَالْقَبُول، وَحصل الْجِهَاد المقبول، وراع الْكفْر الْعِزّ الَّذِي يهول، والإقدام الَّذِي شهِدت بِهِ الرماح والخيول، وخاض الْمُسلمُونَ من زرع الطَّرِيق الَّذِي رَكبُوهَا، والمنازل الَّتِي استباحوها فِيهَا، وانتهبوها. بحورا بعد مِنْهَا السَّاحِل، وفلاحة مدركة تتعذر فِيهَا المراحل، فصيروها صريما، وسلطوا عَلَيْهَا للنار غريما،
(2/20)

وحلو بِظَاهِر حصن أندوجر، وَقد أصبح مألف إدمار غير أوشاب، ووكر طيور نشاب. فَلَمَّا بلونا مراسه صعبا، وأبراجه ملئت حرسا وشهبا، ضننا بالنفوس أَن تفيض من دون افتتاحه، وسلطنا العفا على ساحه، وأغرينا الغارات باستيعاب مَا بأحوازه واكتساحه، وسلطنا النَّار على حزونه وبطاحه، وألصقنا بالرغام ذوائب أدواحه. وانصرفنا بِفضل الله، والمناصل دامية، والأجور نامية، وَقد وطأنا المواطىء، الَّتِي كَانَت على الْمُلُوك [قبلنَا] سبلا، وَلم نَتْرُك بهَا حرثا يرقد نَسْلًا، وَلَا ضرعا يُرْسل رسلًا. وَالْحَمْد لله الَّذِي يتم النعم بِحَمْدِهِ، ونسله صلَة النَّصْر، فَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْده. عرفناكم بِهَذِهِ المكيفات الْكَرِيمَة الصعاب، والصنايع الروايع الَّتِي بعد الْعَهْد بِمِثْلِهَا فِي هَذِه الْأَوْقَات، علما بِأَنَّهَا لكم أَسْنَى الهديات الوديات، وَلما نعلمهُ لديكم من حسن النيات، وكرم الطويات، فَأنْتم سلالة الْجِهَاد المقبول، والرفد المبذول، ووعد النَّصْر الْمَفْعُول. ونسل الله تَعَالَى أَن ينْتَقل خيالكم للمعاهد الجهادية إِلَى المعاينة فِي نصر الْملَّة المحمدية، وَأَن يجمع بكم كلمة الْإِسْلَام على عَبدة الْأَصْنَام، وَيتم النِّعْمَة على الْأَنَام. وودنا لكم مَا علمْتُم يزِيد على مر الْأَيَّام، وَالله يَجعله فِي ذَاته لكم مُتَّصِل الدَّوَام، مبلغا إِلَى دَار السَّلَام، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويضاعف آلاءه عنْدكُمْ، وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك
الْمقَام الَّذِي أَحَادِيث سعادته لَا تمل على الْإِعَادَة والتكرار، وسبيل مجادته الشهيرة، أوضح من شمس الظهيرة عِنْد الِاسْتِظْهَار، وأخبار صنايع الله لملكه،
(2/21)

ونظم فرايد الأمل فِي سلكه، تخلدها أَقْلَام الأقدار، بمداد اللَّيْل فِي قرطاس النَّهَار، وترسمها بتذهيب الْأَسْفَار فِي صفحات الأقمار، وتجعلها هجيراه حملا للأسفار وحداة القطار فِي مسالك الأقطار. مقَام مَحل أخينا الَّذِي نلذ إِعَادَة هنائه مَعَ الْإِعَادَة، ونتلقى أنباء علائه بالإذاعة والإشادة. ونطرز بأعلام ثنائه صَحَائِف المجادة، ونشكر الله أَن وهب لنا من أخوته المضافة إِلَى الْمحبَّة والوداد، مَا يرجح فِي ميزَان الِاعْتِبَار أخوة الْولادَة، وعرفنا بيمن ولَايَته عوارف السَّعَادَة. السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا. أبقاه الله فِي أَعْلَام الْملك السعيد، بَيت القصيد، ووسطى القلادة، ومجلى الْكَمَال الَّذِي تبارت بميدان بأسه وجوده، حَسَنَات الإبادة والإفادة، وَلَا زَالَت آماله القاصية تنثال طوع الإرداة، ويمن نقيبته تجمع من أشتات الْفتُوح، والعز الممنوح بَين الْحسنى وَالزِّيَادَة. مُعظم سُلْطَانه العالي، الْمثنى على مجده، الْمَرْفُوع إِسْنَاده فِي عوالي الْمَعَالِي، المسرور بِمَا يسنيه الله لَهُ من الصنع المتوالى، وَالْفَتْح الْمُقدم والتالي. الْأَمِير عبد الله الْغَنِيّ بِاللَّه مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُسلمين أَبى الْحجَّاج ابْن أَمِير الْمُسلمين أَبى الْوَلِيد بن نصر، أيد الله أمره، وأعز نَصره. سَلام كريم يتأرج فِي الْآفَاق شذا طيبه، وَتسمع فِي ذرْوَة الود بلاغة خَطِيبه، ويتضمن نور سَواد المداد عِنْد مراسلة الوداد، فيكاد يذهب بعبوسه الْمَجْهُول وتقطيبه، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله فاتح الْأَبْوَاب بمقاليد الْأَسْبَاب، مهمى استصعبت، ومسير الْأُمُور بِحكمِهِ الْمَقْدُور، إِذا أجهدت الْحِيَل وأتعبت، مخمد نيران الْفِتَن بعد مَا التهبت، وجامع كلمة الْإِسْلَام، وَقد تصدعت وتشعبت، ومسكن رجفان
(2/22)

الأَرْض بعد مَا اضْطَرَبَتْ، ومحييها بعهاد الرَّحْمَة حَتَّى اهتزت وربت، اللَّطِيف الْخَبِير، الَّذِي قدرت حكمته الْأُمُور، ورتبت منهى كل نفس إِلَى مَا خطت الأقلام عَلَيْهَا، وكتبت ونفت وأوجبت، شَاءَت أَو أَبَت، ومجازيها يَوْم الْعرض بِمَا كسبت. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، هازم الْأَحْزَاب لما تألفت وتألبت، وجالب الحتف إِلَيْهَا عِنْدَمَا أجلبت، رَسُول الملحمة إِذا الليوث وَثَبت، وَنَبِي الرَّحْمَة، الَّتِي هيأت النجَاة وسببت، وأبلغت النُّفُوس المطمينة من السَّعَادَة مَا طلبت، ومداوى الْقُلُوب الْمَرِيضَة، وَقد انتكبت وانقلبت بلطائفه الَّتِي راضت وهذبت، وقادت إِلَى الْجنَّة الْعليا واستجلبت، وَأَدت عَن الله وأدبت، الَّذِي بجاهه نستكشف الغما إِذا طنبت، ونستوكف النعما إِذا أخلفت البروق وكذبت، ونتحاب فِي طَاعَته ابْتِغَاء الْوَسِيلَة إِلَى شَفَاعَته، فَنَقُول وَجَبت حَسْبَمَا ثبتَتْ. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، وأنصاره، وأحزابه، الَّتِي اسْتحقَّت المزية المرضية واستوجبت، لما انتمت إِلَى كَمَاله وانتسبت، وببذل نفوسها فِي مرضات الله، ومرضاته تقربت، وَإِلَى نصرته فِي حَيَاته انتدبت، والمناصل قد رويت من دَمًا الأعدا واختصبت، وخلفته فِي أمته بعد مماته، بالهمم الَّتِى عَن صدق الْيَقِين أعربت، فتداعت لمجاهدة الْكفَّار وانتدبت وأبعدت المغار وادربت، حَتَّى بلغ ملك أمته أقاصي الْبِلَاد الَّتِي نبت، فَكسرت الصَّلِيب الَّتِي نصبت، ونفلت التيجان الَّتِي عضبت، مَا هَمت السحب وانسحبت، وطلعت الشَّمْس وغربت. والدعا لمثابتكم الْعليا بالنصر الْعَزِيز كلما جهزت الْكَتَائِب، وتكتبت، وَالْفَتْح الْمُبين كلما راكنت عقائل الْقَوَاعِد وخطبت، والصنائع الَّتِي مهمى سرحت فِيهَا الْعُيُون تعجبت، أَو جالت فِي لطائفها الأفكار، استطابت مذاق الشُّكْر
(2/23)

واستعدبت، حَتَّى تنجز لكم مواعيد النَّصْر، فقد اقْتَرَبت، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله لكم أغيا مَا سَأَلت الألسن السائلة من الله واستوعبت.
من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وجنود الله، بفضله وَنعمته، قد غلبت وَفتحت وسلبت، وأسود جهاده قد أردْت الْأَعْدَاء بعد مَا كلبت، ومراعى الآمال قد أخصبت، وَالْحَمْد لله حمدا يجلو وُجُوه الرِّضَا بعد مَا احْتَجَبت، وَيفتح أَبْوَاب الْمَزِيد، فَكلما اسْتَقْبلهَا الأمل رَحبَتْ، وَالشُّكْر لله شكرا، يُقيد شوارد النعم فَمَا أنفت وَلَا هربت. وَإِلَى هَذَا وصل الله لمقامكم أَسبَاب الظُّهُور والاعتلا، وعرفكم عوارف الآلاء على الولا. فَإنَّا لما ورد علينا كتابكُمْ الْبر الْوِفَادَة، الجم الإفادة، الْجَامِع بَين الْحسنى وَالزِّيَادَة، جالى غرَّة الْفَتْح الْأَعْظَم من ثنايا السَّعَادَة، وواهب المنن المتاحة، وواصف النعم الْمُعَادَة، فوقفنا من رقّه المنثور [وَبَيَانه المحشود المحشور لَا بل أربه المنشور] على تحف سنية، وأماني سنية، وقطاف للنصر جنية، ضمنت سُكُون الْبِلَاد وقرارها، وَأَن الله قد أذهب الْفِتَن وأورها، وأخمد نارها، وَخرج [عَن وَجه الْإِسْلَام عارها، وَجمع الْأَهْوَاء على من هوته السَّعَادَة، بعد أَن أجهدت] اخْتِيَارهَا، فَأصْبح الشتيت مجتمعا، وجنح الْجنَاح مرتفعا، والجبل الْمُخَالف خَاشِعًا متصدعا [واصحب فِي القيادة من كَانَ متمنعا] واستوسقت الطَّاعَة، وتبجحت السّنة وَالْجَمَاعَة، وَارْتَفَعت الشناعة، وتمسكت الْبِلَاد المكرمة بأذيال وَليهَا لما رَأَتْهُ، وعادت الأجياد العاطلة إِلَى حليها بعد مَا أنكرته. أجلنا جِيَاد الأقلام فِي ملعب الهنا وميدانه، الأول أَوْقَات إِمْكَانه، على بعد مَكَانَهُ، وأجهدنا عبارَة الْكَلَام فِي إجلال هَذَا الصنع، وتعظيم
(2/24)

شانه، وأغرينا الثَّنَاء بشيم مجدكم فِي شَرحه لنا وَبَيَانه [لأوّل أَوْقَات إِمْكَانه] رَأينَا أَن لَا نكل ذَلِك إِلَى اليراع، ونفرد فِيهِ بِالْإِجْمَاع وَمَا يتعاطاه من منَّة الذِّرَاع، وَأَن نَشد بردء من المشافهة لذره، ونعضد بِمعين من اللِّسَان أمره، فعينا لذَلِك من يُفَسر مِنْهُ الْمُجْمل، ويمهد الْقَصْد المعمل، حَتَّى يجمع بَين أغراض الْبر، والعلن مِنْهُ والسر، وَيُقِيم شَتَّى الْأَدِلَّة على الوداد المستقر، ووجهنا بِهِ فِي غَرَض الرسَالَة إِلَيْكُم، واخترنا لشرحه بَين يديكم خطيب الْوُفُود، وبركة الْمَشَايِخ فِي هَذَا الْمقَام الْمَحْمُود، الشَّيْخ الْجَلِيل الْكَبِير الشهير، الصَّالح الْفَاضِل، أَبَا البركات ابْن الْحَاج، وصل الله حفظه، وأجزل من الْحَمد واللطف حَظه، وَهُوَ البطل الَّذِي يعلم الإجالة فِي الميدان، وَلَا يبصر بوظائف ذَلِك الشان. ومرادنا مِنْهُ أَن يطبل، ويطيب ويخيل فِي وصف محاسنكم اللِّسَان الرطيب، ويقرر مَا عندنَا لمقامكم من التَّشَيُّع الَّذِي قَامَ على الْحبّ المتوارث أساسه، واطرد حكمه وأنتج قِيَاسه، وليجعل تلو مقصد الهنا بمجلسكم الباهر السنا، الصَّارِف إِلَى حيّز الْجِهَاد فِي سَبِيل الله والغنا، وَجه التهمم والاعتنا، على الاناء، مَا تجدّد من الأنباء فِي جِهَاد الْأَعْدَاء، وَإِن كَانَ رَسُولكُم أعزه الله، قد شَارك فِي السرى وَالسير، ويمن الطير، فَلَا سرف فِي الْخَبَر. وَهُوَ أننا لما انصرفنا، عَن منازلة قرطبة نظرا للحشود الَّتِي نفدت معدات أزوادها، وشافت بنسيم الْقلَّة المستقلة مفارق بلادها، وإشفاقا لفساد أقواتها بِفَوَات أَوْقَاتهَا، رحلنا عَنْهَا، وَقد انطوينا من إعفا اكثر تِلْكَ الزروع، الهائلة الْفُرُوع، على هم قوص، وأسف للمضاجع مغص، إِذْ كَانَ عاذل الْمَطَر، يكف أَلْسِنَة النَّار، عَن الْمُبَالغَة فِي التهامها، وحلاق هامها، ونفض أغوارها، ونهاب سوارها، وإذاعة أسرارها، وَهِي البحور المتلاطمة، إِذْ حطمتها الرِّيَاح اللاطمة، واللجج الزاخرة الهاملة، إِذْ حركتها الشواني الجائلة،
(2/25)

تود الْعُيُون أَن تَتَخَطَّى حُدُودهَا القاصية، فَلَا تطِيق، والركائب الزاكية، أَن تشرف على غاياتها، فيفضل عَن مراحلها الطَّرِيق، قد خللها أرزاقا، تغص بهَا الخزائن والأطباق، وحبوبا مفضلة لَا يرزأها الإنفاد والإنفاق، وَلَو تعاهدت على انتسافها الْآفَاق. فخففنا فِي سَبِيل الله لتعقيب غَزْو تِلْكَ الأقطار الْمُخَالفَة، بمحق الصائفة، وإذابة تِلْكَ الطَّائِفَة، بعلوم المجاع الحائفة، خفوفا لم يقنع فِيهِ بالاستنابة، حرصا على استيصال الطبابة، وأعفينا الرجل من اتِّصَال الكد، وقابلنا قبولهم على استصحابنا فِيهَا بِالرَّدِّ، وأطللنا على قرطبة بمحلينا، ننتسف جبال النعم نفسا، وَنعم الأَرْض زلزالا وخسفا، ونستقر فِي مواقع الْبذر إحراقا، ونخترق أجواها الْمُخْتَلفَة بحب الحصيد اختراقا، ونسلط عَلَيْهَا من شرار النَّار أَمْثَال الْجمال الصفر، مدت من الشواظ إعناقا، ونوسع الْقرى الواسعة قثلا واسترقاقا، وندير على [متديرها] أكواس الحتوف دهاقا، وَأخذت النيرَان واديها الْأَعْظَم من جانبيه، حَتَّى كَأَن القيون أحمت سبيكته فاستحالت، وأذابت صفيحته فسالت، وَأَتَتْ للْكفَّار سماؤهم بالدخان الْمُبين، وَصَارَت الشَّمْس من بعد صفورها وَعُمُوم نورها، منقبة الْمحيا، مقطبة الجبين، وخضنا أحشاء الفرنتيرة نعم أشتات النعم انتسافا، وأقوات أَهلهَا إتلافا، وآمال سكانها إخلافا، وَقد بهتُوا لسرعة الرُّجُوع، ودهشوا لوُقُوع الْجُوع، وتسبيب تخريب الربوع، فَمن الْمُمكن الْبعيد أَن يَتَأَتَّى بعد عمرائها الْمَعْهُود، وَقد اصطلم الزَّرْع واجتثت الْعود، وَصَارَ إِلَى الْعَدَم مِنْهَا الْوُجُود، وَرَأى من عزايم الْإِسْلَام خوارق تشذ عَن نطاق العوايد، وعجايب يستريب فِيهَا عين الْمشَاهد، إِذْ اشْتَمَل هَذَا الْعَام المتعرف
(2/26)

فِيهِ من الله الإنعام، على غزوات أَربع، دمرت فِيهَا الْقَوَاعِد الشهيرة تدميرا، وَعلا فَوق مراقيها الْأَذَان عَزِيزًا جهيرا، وكراسي الْملك تضييقا كَبِيرا، وأذيقت وبالا مبيرا، ورياح الإدالة إِن شَاءَ الله تسْتَأْنف هبوبا وبأسا شَدِيدا، والثقة بِاللَّه لَا تدخر مَطْلُوبا، وحظا مجلوبا، والعزة لله قد مَلَأت نفوسا مُؤمنَة وقولبا، وَالله السمئول أَن يوزع شكر هَذِه النعم الَّتِي أثقلت الأكتاد، وأمطت الطوق الْمُعْتَاد، والهجت المسيم والمرتاد، فيا لشكر يستدر مزيدها، ويتوالى تجديدها. وقطعنا فِي بحبوحة تِلْكَ العمالة المستبحرة الْعِمَارَة والفلح، المغنى عَن الْعبارَة وَالشَّرْح، مراحل ختمنا بالتعريج على حَرْب جيان حزبها، ففللنا ثَانِيَة غربها، وجددنا كربها، واستوعبنا جريها وحربها، ونظمنا الْبِلَاد فِي سلك البلا، وحثثنا فِي أنجادها وأغوارها ركايب الاستيلا، فَلم نَتْرُك بهَا ملقط طير، فضلا عَن معلف عير، وَلَا أسارنا لفلها المحروب بلالة خير. وقفلنا وَقد تركنَا بِلَاد النَّصَارَى الَّتِي فِيهَا لكيادنا المدد، وَالْعدة وَالْعدَد، وفيهَا الْخِصَام واللدد، قد لبست الْحَدِيد حريقا، وسلكت إِلَى الخلا والجلا طَرِيقا، وَلم تتْرك بهَا مُضْغَة تخالط ريقا، وَلَا نعْمَة تصون من الْفَرِيق فريقا. وَمَا كَانَت تِلْكَ النعم لَوْلَا أَن الله أعاق، من عنصري النَّار والهواء، بِجُنُود كَونه الْوَاسِع، مدركة الْبعيد الشاسع، لتتولى الْأَيْدِي البشرية تغييرها، وَلَا تدرأ كثيرها، وَلَا تمتاح بالاعتراف عذيرها، بل لله الْقُوَّة جَمِيعًا، فقدرته لَا تتحامى ريعا، وَلَا حمى مريعا منيعا. وعدنا وَالْعود فِي مثلهَا أَحْمد، وَقد بعد فِي شفا النُّفُوس الأمد، وَنسخ بالسرور الكمد، وَرفعت من عز الْإِسْلَام الْعمد، وَالْحَمْد لله حمد الشَّاكِرِينَ، وَمِنْه نلتمس عَادَة النَّصْر على أعدائه فَهُوَ خير الناصرين. عرفناكم بِهِ ليسر دينكُمْ
(2/27)

المتين ومجدكم الَّذِي راق مِنْهُ الجبين، وَالله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويبلغكم أَملكُم من فَضله، وقصدكم بمنه وفضله. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك
من أَمِير الْمُسلمين عبد الله مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن فرج بن نصر، أيد الله أمره، وأعز نَصره. إِلَى مَحل أخينا الَّذِي نصل لَهُ أَسبَاب الإعظام والإجلال، ونثني بِمَا لَهُ من كريم الشيم وَحميد الْخلال، ونسر لَهُ ببلوغ الآمال، ونجاح الْأَعْمَال، وَفِي طَاعَة الله ذِي الْجلَال، السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا، وصل الله لَهُ سَعْدا مُتَّصِل الدَّوَام، دَائِم الِاتِّصَال، وصنعا تتجلى وجوهه من ثنايا الْقبُول والإقبال، وَعزا متفيأ ظلاله عَن الْيَمين وَالشمَال. سَلام كريم بر عميم، يخص سلطانكم الْأَسْنَى، ويعتمد مقامكم الْمَخْصُوص بِالزِّيَادَةِ وَالْحُسْنَى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الْوَاهِب الفاتح، الْمَانِع المانح، مظهر عنايته بِمن خلص إِلَيْهِ قَصده، وَقصر على مَا لَدَيْهِ صَدره وورده، أبدا من محيا النَّهَار الْوَاضِح، الَّذِي وعد من اتَّقَاهُ حق تُقَاته على ألسنته سفرة وحيه وتقاته، بنجح الْخَوَاتِم والفواتح. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله المبتعث لدرء الْمَفَاسِد، ورعى الْمصَالح، وسعادة الغادى والرايح، منقذ النَّاس يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر، وَقد حاطت بهم أَيدي الطوايح، وهاديهم إِلَى سَوَاء السَّبِيل بأزمة النصايح، ومظفرهم من السَّعَادَة الدائمة بأربح البضائع، وأسنى المفاتح. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه وعترته وأحزابه، الَّذين خلفوه امتثالا للصحائف، وإعمالا للصفائح، وَكَانُوا لأمته من بعده فِي الاقتدا بسنته، والمحافظة على سنته النُّجُوم اللوايح. والدعا لسلطانكم الأسمى بالسعد الَّذِي يُغني بوثاقه سَببه، ووضوح مذْهبه عَن زجر البارح والسانح، والعز الْبعيد المطارح، السَّامِي المطامح، والصنع الباهر اللايح، ولازال توفيق
(2/28)

الله عَائِدًا على تدبيركم [السعيد] بالسعي الناجح. والتجر الرابح. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم [من فَضله] أدخر الْأَقْسَام وأوفاها، وأوردكم من مورد عنايته أعذب الْحمام وأصفاها، وأبدي لكم وُجُوه اللطائف الجميلة وأخفاها.
من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَفضل الله هامية ديمه، وعوايد اللطف يصلها فَضله وَكَرمه، وَالْإِسْلَام بِهَذَا الثغر الجهادي مرعية ذممه، وجاه النُّبُوَّة المحمدية يعْمل بَين إرغام الْعَدو الْكَافِر، وإهدا المسرات والبشاير، سَيْفه وقلمه، وَالسُّرُور يبلغ من مزِيد سعدكم وَاضح أممه، خافق علمه، وودكم ثَابت فِي مَوَاقِف الخلوص قدمه. وَقد اتَّصل بِنَا مَا كَانَ من دُخُول حَضْرَة بجاية، حرسها الله، فِي طاعتكم، وانتظامها فِي سلك جماعتكم، وانقطاعها إِلَى عصمتكم، وتمسكها بأذمتكم، وعقدكم مِنْهَا وَمن أُخْتهَا السَّابِقَة، الذمم الخليقة بمزيد الاهتمام، على عقيلتي الأفكار، الَّتِي لَا يجمع بَينهَا إِلَّا ملك همام، وخليفه إِمَام، وَمن وضحت من سعادته أَحْكَام، وَشهِدت بعناية لَهُ أَدِلَّة وَاضِحَة وإعلام، وَمن جمع الله لَهُ بَين الْبر المتراكض الْخُيُول، والجيش المتدافع السُّيُول، وَالْخصب الَّذِي ينضى مراقده المسحرة ظُهُور الحمول، وَبَين الْبَحْر الشهير بنجدة الأسطول، وإنجاز وعد النَّصْر الممطول، ومرفإ السفن الَّتِي تخوض أحشاء الْبحار، وتجلب مرافق الْأَمْصَار والأقطار، وتتحف على النأي بِطرف الْأَخْبَار. بجاية. وَمَا بجاية، دَار الْملك الْأَصِيل الْعَتِيق، وكرسي الْعِزّ الوثيق، وَالْعدة إِذا توقعت الشدَّة، كم ثبتَتْ على الزلزال، وصابرت مَوَاقِف النزال، أمطاكم السعد صهوتها، وَأحكم التَّوْفِيق ربوتها، من غير مطاولة حِصَار، وَلَا استنفاد وسع ابتدار، وَلَا تسور
(2/29)

جِدَار، فَأَصْبَحت دولتكم السعيدة تتفيأ جنا الجنتين، وتختال فِي حلتين، وَيجمع بِفُتْيَا السيوف الْمَالِكِيَّة بَين هَاتين الأمتين. أوزعكم الله شكرها من نعم جلت مواهبها، ووضحت فِي سَبِيل الْعِنَايَة الإلهية مذاهبها، وصنيعة بهرت عجايبها. وَإِذا كَانَت عقايل النعم، تخْطب أكفاها، وموارد المنن تعرض على صفاها، فَأنْتم أملهَا الَّذِي لكم تذخر، وبمن دونكم تسخر، فَإِنَّكُم تميزتم بخالص العفاف والبسالة، والحسب وَالْجَلالَة، وأصبحتم فِي بَيتكُمْ صَدرا، وَفِي إهالة قومكم بَدْرًا، مواقفكم شهيرة، وسيرتكم فِي الْفضل لَا تفضلها سيرة، وَنحن نهنيكم بِمَا منحكم الله من انفساح الإيالة، ونمو الْجَلالَة، وَالنعَم المنثالة، فسلطان ألْقى عنانه إِلَى مثلكُمْ قد اخْتَار لقيادته، وارتاد فسعد فِي ارتياده، وتكفل الحزم بِحِفْظ بِلَاده، وصون طارفه وتلاده " وَكَأن بِهِ قد استولى على آماده، وتطاول لإرث أجداده، وَلنَا فِيكُم علم الله، ود تأسس بِنَاؤُه، وكرمت أنباؤه، وَجب الشَّرْع إِنْفَاذه إِلَيْكُم وإنهاؤه. وغرضنا الَّذِي نؤثره على الْأَغْرَاض والمقاصد، وتقدمه بِمُقْتَضى الخلوص الزاكي للشواهد، أَن تتصل بَيْننَا وَبَيْنكُم المخاطبة، وتتعاقب المواصلة، وَالْمُكَاتبَة. وَالله عز وَجل الْمعِين على مَا يحب لودكم من بر يكمل واجبه، وتوضح مذاهبه، واعتقاد جميل يتساوى شَاهده وغائبه، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعدكم ويحرس مجدكم [وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم] وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك
الْخلَافَة الَّتِي لَهَا الْمجد المؤثل، وَالْفضل الَّذِي كرم الآخر مِنْهُ وَالْأول، والمفاخر الَّتِي ظَاهرهَا لَا يتَأَوَّل. خلَافَة السُّلْطَان الكذا، ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا. أبقاه الله علما فِي الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة المهتدين، [وَجمع
(2/30)

على محبته قُلُوب] أهل الْفضل وَالدّين، وتمم عَلَيْهِ نعْمَته كَمَا أتمهَا على سلفه من الْمُلُوك الْمُوَحِّدين. سَلام كريم بر عميم يخص خلافتكم الحافلة، ومثابتكم الفاضلة الْكَامِلَة، [وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته] ، من مُعظم مقدارها، وملتزم إجلالها وإكبارها، الْمثنى على مآثرها الْكَرِيمَة وآثارها، أَمِير الْمُسلمين عبد الله مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن فرج بن نصر، أيده الله وَنَصره، وسنى لَهُ الْفَتْح الْمُبين ويسره.
أما بعد حمد الله ولى الْحَمد، وَمولى الرفد، جَاعل الْمَوَدَّة فِيهِ كفيلة بنجح الْفضل. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله الْهَادِي إِلَى سَبِيل الرشد، الماحي بِنور الْحق ظلام الْجحْد، الدَّاعِي على بَصِيرَة مِنْهُ إِلَى جنَّة الْخلد، ومثابة الْفَوْز والسعد. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه أَعْلَام الْمجد، وسيوف الْحق الْمَخْصُوصَة بالعضد، الَّذين نصروه بالحداد الذلق والرماح الملد، وخلفوه فِي أمته بعد وَفَاته بِصِحَّة العقد. وَالدُّعَاء لخلافتكم الْعَالِيَة بسعادة الْجد، وبلوغ الأمل الممتد، والإنافة على مآثر الْأَب [الْكَرِيم] وَالْجد، فَإنَّا كتبناه لمقام خلافتكم السامية، كتب الله لَهَا من فَضله بُلُوغ الأمل، وَوصل لَهَا عوايد الْقبُول والإقبال، وشكر مَا تحليتم بِهِ من كريم الْخلال، وأصالة الْجلَال.
من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَنعم الله كثيفة الظلال، وصنايعه لدين الْإِسْلَام مرتقبة الإطلال، وجانبكم مُعْتَمد بالإعظام والإجلال، والمعرفة بِقدر كم رسومها محتومة بالاستقلال. وَقد وصل خطابكم العميم الْوِفَادَة، وَكِتَابكُمْ
(2/31)

الْكَرِيم المجادة، مجددا بركَة المخاطبة من تِلْكَ الحضرة، مهديا من أنبا عصمتها أبهى المسرة، مُبْتَسِمًا عَن ثغور الْبشر المفترة، واصلا عوائد الشيم البره، جَوَابا عَمَّا كُنَّا خاطبنا بِهِ حاجبكم الَّذِي من أهل أبوابكم السامية عرف، وبسداد الْأُمُور فِي خدمتها وصف، وَمَا كَانَ من هجوم الْأَجَل المحتوم عَلَيْهِ، وانتقاله إِلَى المستقر الَّذِي ينْتَقل إِلَيْهِ، وَقبل أَن يُجيب عَن الْخطاب، ويصدر وَاجِب الْجَواب، وَالْأَصْل أبقاكم الله فِيهِ الْفَرْع وَالزِّيَادَة، وَفِي كتابكُمْ الْبركَة والسعادة، وجوابكم أحرز فَوق السُّؤَال، ومجدكم أحسن المناب عَن نابية الحميد الْخلال، تغمده الله وإيانا برحمته الفسيحة المجال. وَنحن نقرر لديكم مَا عندنَا من الْحبّ [فِي مقامكم الْأَصِيل) والثنا على خلافتكم الْكَرِيمَة الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل، ونعترف بِمَا لسلفها من الْفضل العميم وَالْوَلَاء الْكَرِيم، ويسرنا تَجْدِيد الْعَهْد الْقَدِيم. والذمام الَّذِي مَا عَهده بالذميم، وخاطبناكم نشكر تحفيكم الَّذِي لَا يُنكر من مثلكُمْ، وَلَا يستندر من محلكم. وَإِن تشوفتم إِلَى أَحْوَال هَذَا الْقطر وَمن بِهِ من الْمُسلمين، بِمُقْتَضى الدّين المتين، وَالْفضل الْمُبين، فاعلموا أننا فِي هَذِه الْأَيَّام، [ندافع من الْعَدو] تيارا، ونكابر بحرا زخارا، ونتوقع الْأَمر إِلَّا أَن وقى الله خطوبا كبارًا، ونمد الْيَد إِلَى الله انتصارا، ونلجأ إِلَيْهِ اضطرارا، ونستمد دُعَاء الْمُسلمين بِكُل قطر، استمدادا بهَا واستظهارا، ونستشير من خواطر الفضلا مَا يخْفض أخطارا، ويغشى ريح روح الله طيبَة معطارا. فَإِن القومس الْأَعْظَم، قيوم دين النَّصْرَانِيَّة، الَّذِي يأمرها فتطيع، ومخالفته لَا تَسْتَطِيع، رمى هَذِه الْأمة [الغريبة] المنقطعة، مِنْهُم بجراد لَا يسد طريقها، وَلَا يُحْصى فريقها، الْتفت على أخي صَاحب قشتالة، وعزمها أَن تملك بدله، وتبلغه أمله، وَيكون
(2/32)

الْكل يدا وَاحِدَة على الْمُسلمين، ومناصبة هَذَا الدّين، واستئصال شأفة الْمُؤمنِينَ، وَهِي شدَّة لَيْسَ لأهل الوطن بهَا عهد، وَلَا عرفهَا نجد وَلَا وهد، وَقد اقتحموا الْحُدُود الغربية، وَالله ولى هَذِه الْأمة الغريبة. وَقد جعلنَا مقاليد أمورها بيد من يقوى الضَّعِيف، ويدرأ الْخطب المخيف، ورجونا أَن تكون مِمَّن قَالَ الله فِيهِ: {الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل} وَهُوَ سُبْحَانَهُ المرجو فِي حسن العقبى والمآل، وَنصر قبَّة الْهدى على قبَّة الضلال، وَمَا قل من كَانَ الْحق كنزه، وَلَا ذل من استمد من الله عزه {" قل تربصون بِنَا إِلَّا إِحْدَى الحسنيين، وَنحن نتربص بكم "} الْآيَة. ودعا من قبلكُمْ من الْمُسلمين عدد موفور، وَالله على كل حَال مَحْمُود مشكور، وَهُوَ جلّ وَعلا يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويوفى من فَضله قصدكم وَالسَّلَام، [وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته] .
وَمن ذَلِك
الْمقَام الَّذِي جلى السعد بدره، فَسَمت إِلَيْهِ الْعُيُون، ومطل الدَّهْر نَذره، فَقضيت بعده الدُّيُون، ورأته النُّفُوس مَظَنَّة الْجَبْر وَالْخَيْر، ويمن النقيبة وَالطير، فصدقته وَالْحَمْد لله الظنون، وأمل الْإِسْلَام أَن يخلف سلفه فِي سَبِيل الله بأكرم مَا خلف الْآبَاء بِهِ البنون، واعتاض الْملك بانتصاره وَحسن آثاره الغر الأقعس من الْهون، وَصَلَاح الشان من نقع الشئون، فَلهُ فِي ابتياسه الطير الميمون، وَالْأَجْر غير الْمَمْنُون. مقَام مَحل أخينا الَّذِي طوق الدولة المرينية يدا لَا تجْهَل، وَأورد بعد الظمأ البرح، الْمَوَارِد الَّتِي عذب مِنْهَا المنهل، فعمر الْمحل، واستقام السَّبِيل الأسهل، وراجع الزَّمن عهد الشبيبة، وَقد كَانَ فِي الْحَرْب يذهل، والرماح الملد لارتياح الْعِزّ تتأود، والجياد الجرد تصهل.
(2/33)

السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا. أبقاه الله موضح السّنَن، ومسدى المنن، كَمَا أَبْرَأ بعزمته الْمَاضِيَة زمانة الزَّمن، وَعوض الْمنح من المحن، وطهر الضمائر من الإحن. وَلَا زَالَ دفاعكم عَن الدّين الحنيف يقوم من دون الْفَرَائِض وَالسّنَن مقَام الجنن، مُعظم مَا عظمه الْحق من جليل قدره المبتهج بإنارة بدره وقرة عينه، بالاستقلال على ملك أَبِيه وانشراح صَدره، الدَّاعِي إِلَى الله سُبْحَانَهُ بإطالة عمره، وإطاية ذكره، الصادع لموهبة الله قبله بِحَمْدِهِ، سُبْحَانَهُ وشكره. فلَان، سَلام كريم طيب بر عميم. كَمَا وضح وَجه الصَّباح رائق الْمحيا، ونفح النسيم اللدن عاطرا الريا، يخص مقامكم الَّذِي تزين بالكمال وتزيا، واحتل مرتبَة الْمجد الصراح والحسب الوضاح، فحياه السعد وبياه، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الْقَادِر الدَّائِم، مولى النعم الجمائم، ومثير الحميات فِي سَبيله ومحرك العزائم، ومنجح روم الرائم، ومعدد من لَا يُبَالِي بالامتعاض لدينِهِ الحنيف ومعلمه المنيف بلوم اللائم، ومعود ترادف النعم الْكِرَام والمنن الهامية الْغَمَام، ومشيد ركن الْإِسْلَام، من بعد مميل الدعائم، بِكُل ولى من خلفائه ماضي العزائم، رَافع الهضائم. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، رَسُوله، النُّور الْمشرق على الأنجاد والتهائم، والداعي إِلَى سَبِيل السوَاء والخلق قد ضلوا ضلال الْبَهَائِم، منقذ أهل الجراير والجرائم، من النوب العظائم. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه وعترته وَحزبه، رُعَاة الهمل السوائم، وسقاة الأسراب الحوائم الَّذين جروا على الْأَعْدَاء من بعده ذيول الهزائم، وأطلعوا فِي سَمَاء القتام بدور الْوُجُوه الغر من هالات الغمائم، وطنبوا قبب الهمم الشَّرِيفَة، والسجايا المنيفة، من فَوق الثريا والنعائم، وأزرت أَخْبَار مجدهم بشذ اللطائم
(2/34)

وطهر قُلُوبهم من الضغائن والسخائم، وَجعل أَرْزَاقهم من الْغَنَائِم، وأخلاقهم أطهر من أزهار الكمايم. وَالدُّعَاء لمقام أخوتكم، الَّذِي تقلد سيف الْعِزّ بِاللَّه من قبل التمائم، وَشهِدت لهلاله بالإبدار، عدُول المخايل الصادقة والضمائم، بالنصر الَّذِي يَسْتَدْعِي طوائف الْإِشْهَاد فِي سَبِيل الْجِهَاد، إِلَى المداعي الحافلة، فِي أهل الْكفْر والعناد والولائم، والصنع الَّذِي تنشى بِهِ صناع الأقلام صفحات صحف الرقائم. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا تشام بروقه الماطرة، فتقر عين الشائم، وَأمنا تنام فِي ظله عين النَّائِم، ونصرا ماضي الغرار، وثيق الْقَائِم، وتوفيقا يلازم أَعمالكُم السديدة وآراءكم الحميدة، لُزُوم أطواق الحمائم.
من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله وَلَا زَائِد بِفضل الله سُبْحَانَهُ إِلَّا يَقِين يشْتَد فِي الله عراه، وتوكل عَلَيْهِ يحمد عِنْد صباح الْفَوْز بالنجاح ويعلى القداح سراه، وَالْحَمْد لله فِي أولى كل أَمر وأخراه، وجانبكم الرفيع، وَجهه الْبر، وودكم وَظِيفَة الْجَهْر والسر، والابتهاج بِمَا يسنيه الله لكم من أمل ونجاح، يحمل عنوان كتاب الخلوص المستقر. وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وحرس الظَّاهِر مجدكم، وبلغكم من فَضله أَملكُم وقصدكم. فإننا لما ورد علينا كتابكُمْ الْكَرِيم الْخلال، الْمهْدي نما الظُّهُور الْمُتَّصِل والاستقلال عَن ذَلِك الْجلَال، المبشر بنجح الْأَعْمَال وَفضل الْمَآل. ناهيك فِي نبإ فِي ضمنه وصل حَبل الله الَّذِي كَانَ قد انْقَطع، وَلم مَا تشعث، وجبر مَا أنصدع، وعود العوائد الْكَرِيمَة إِلَى رسومها، ورد أرواحها المتعارفة إِلَى جسومها، أجبناكم عَنهُ مَعَ مؤديه إِلَيْنَا، وموفد تحيته الْبرة علينا، عفوا مَا كُنَّا لنقنع وَلَا تجتلى بوتره حَتَّى يشفع. وشرعنا فِي اخْتِيَار من يحسن عَنَّا المناب فِي تَقْرِير السرُور بِمَا سركم، والتبرم المجحف بِمن ضرنا وضركم، وَألقى مَا عندنَا من الِاغْتِبَاط بودكم، والارتباط لما يَقع بوفق مجدكم، وكتبنا هَذَا الْكتاب مستدركا غَرَض الهنا الأكيد، محكما فِي جملَة فُصُول التَّأْكِيد، معلما بِأَن هَذِه الْبِلَاد قد استشرفت مِنْكُم إِلَى ظُهُور وَارِث وَليهَا، وَذي الفقار الْمَعْرُوف لَعَلَّهَا، وَمن يحيي فِي جِهَاد
(2/35)

عدوها مراسم أَبِيه ومآثر بَيته المبنية، ويغني بباعث رِضَاهُ ومجده، وقيامه بِحقِّهِ من بعده عَن التَّنْبِيه. وَقد قَررنَا لكم فِي غير هَذَا الْكتاب أننا تيمنا بدولتكم من لدن خولها الله موهبة اخْتِصَاصه، وذخركم لجبر حَقّهَا واستخلاصه، تيمنا شاع فِي الْخَاصَّة وَالْجُمْهُور، وَركب جادة القَوْل الْمَشْهُور، فَلم نعدم وَالْحَمْد لله نصرا وَلَا فتحا، وَلَا عدمنا من الله منا وَلَا منحا، وَالله يَجْعَل ذَلِك قِيَاسا يضطرد حكمه، ويبرز فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ إِلَى الْحسن الملحوظ، وَمظَاهر الحظوظ حكمه، وأوفدنا بِهَذِهِ التَّتِمَّة، والأغراض المهمة، من رجونا أَن يجلى فِي هَذَا الميدان، ويأتى على خبر الهنا، وأيدي الثنا بالعيان، ويجهد فِي هَذَا المجال الرحيب جِيَاد الْبَيَان، إِذْ لم تعفه هَيْبَة الْمقَام الرفيع الشان، المتعددة بأفقه الْأَعْلَى غمائم شهب الْأَعْيَان، أولى الأحساب والأديان، وَهُوَ فلَان.
وَمن ذَلِك
مولَايَ ومولاي بسرى وَمولى الْمُسلمين، ورحمتي الَّتِي فاقت رَحْمَة الْآبَاء للبنين، وعصمتي المتكفلة بالسعد الرَّائِق الجبين: يقبل قدمكم الَّتِي جعل الله الْعِزّ فِي تقبيلها، والسعد فِي اتِّبَاع سَبِيلهَا. عبدكم الصَّغِير فِي سنه، الْكَبِير فِي خدمتكم، وخدمة كبيره فِي حَيَاتكُم بِفضل الله وَمِنْه، الهاش لتمريغ وَجهه فِي كتابكُمْ من الذِّرَاع المنبتة طباعه عَن الْعُبُودِيَّة الكامنة بالبدار إِلَى ذَلِك والإسراع. عبدكم وولدكم بعد كتبه من بَابَكُمْ، المحوط بعز أَمركُم، المتحف إِن شَاءَ الله بأنباء نصركم، وَقد وصل إِلَى العَبْد تشريفكم السابغ الْحلَل، وتنويهكم الْمبلغ غايات الأمل، وَخط يدكم الْكَرِيمَة، وغمامة رحمتكم الهامية الديمة. فياله من عز أثبت لي الْفَخر فِي أنبا الْمُلُوك، وساد بِي من الترشيح إِلَى رتب حظوتكم على النهج المسلوك. قرر من عَافِيَة مولَايَ وسعادته، واقتران السرُور، بِحَيْثُ حل بوفادته مَا يكفل ببلوغ الآمال، وتمم لِسَان الْحَال فِي شكر لِسَان الْمقَال. وَالله يديم أَيَّام مولَايَ حَتَّى يقوم بِحَق شكر النعم لِسَانه، وَتُؤَدِّي بعده جوارحه من الدفاع بَين
(2/36)

يَدي سُلْطَانه مَا يسر بِهِ سُلْطَانه. وَبعث من جَوَابه مَنْقُولًا ليد حامله فِي يَده لهني تَقْبِيل الْيَد الْكَرِيمَة بِحَال تَأْكِيد، ويقرر مَا لعَبْدِهِ، لوجهه الْكَرِيم من شوق شَدِيد، وَيعرف تحول نعْمَة الله وَنعمته لمن بِبَابِهِ من خدم وَحرم وَعبيد، وَمد يَد الرَّغْبَة لمَوْلَاهُ فِي صلَة الإنعام بتشريفه، وإعلامه بمتزيدات حركته وتعريفه. فَفِي ضمن ذَلِك كل عز مشيد، وَخير جَدِيد، وَينْهى تَحِيَّة أهل منزل مولَايَ على اخْتلَافهمْ بِحَسب مَنَازِلهمْ من نعمه، ولخطه الَّتِي يَأْخُذ مِنْهَا كل بحظه. وَالسَّلَام الْكَرِيم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، يَتْلُو لَهُ فِي الله وَالْآخر بعده.
(2/37)

كتب مخاطبات الرعايا والجهات
كتبت عَن السُّلْطَان أبي الْحجَّاج ابْن السُّلْطَان أبي الْوَلِيد ابْن نصر، رَحمَه الله تَعَالَى لأهل ألمرية، أعرف بِهَلَاك الطاغية ملك قشتالة، وإقلاع محلته عَن جبل الْفَتْح.
من الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن فرج بن نصر، أيد الله أمره وَأَعْلَى ذكره.
إِلَى أوليائنا الَّذِي نبادر إِلَيْهِم بالبشائر السافرة الْغرَر، ونجلي عَلَيْهِم وُجُوه الصَّنَائِع الإلهية كَرِيمَة الْخَبَر وَالْخَبَر، ونعلم مَا لديهم من الود الْكَرِيم الْأَثر. الْقَائِد بألمرية وَالْقَاضِي بهَا، والخطبا والفقها والأشياخ بهَا والوزراء والأمناء والأزكياء والكافة والدهماء من أَهلهَا، عرفهم الله عوارف الآلاء، وشكر مَا لَهُم من صَحِيح الود ومحض الْوَلَاء، وأوزعهم شكر نعْمَة هَذَا الْفَتْح الرباني الَّذِي تفتحت لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء، وأشرت معجزاته ميت الرجا، سَلام كريم طيب عميم تَنْشَق مِنْهُ نفحات الْفرج، عاطرة الأرج عَلَيْكُم أَجْمَعِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله فاتح أَبْوَاب الأمل، من بعد استغلاقها، ومعيد سعيد سعود الْإِسْلَام إِلَى آفاقها، ومبشر الْعباد والبلاد بحياة أرماقها، ومتدارك هَذِه الْأمة المحمدية، بالصنع الَّذِي تجلى لَهَا ملْء أحداقها، وَالرَّحْمَة الَّتِي مدت على النُّفُوس وَالْأَمْوَال والحرمات وَالْأَحْوَال صافي رواقها، وَالنعْمَة الَّتِي لَا يُوفى
(2/38)

إِلَّا بمعونته سُبْحَانَهُ من الشُّكْر وَاجِب اسْتِحْقَاقهَا، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله الَّذِي دَعوته هِيَ العروة الوثقى لمن تمسك باعتلاقها، وَقَامَ على الْوَفَاء بعهدها وميثاقها، ذِي المعجزات الَّتِي بهرت الْعُقُول بائتلافها، الَّذِي لم ترعه فِي الله الشدائد على اشتداد وثاقها، ووضاعة مذاقها، حَتَّى بلغت كلمة الله مَا شَاءَت من انتظامها واتساقها. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه وعترته وَحزبه، الفائزين فِي ميادين الدُّنْيَا وَالدّين بخصل سياقها. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم شكر النِّعْمَة، وَمَعْرِفَة بمواقع كرمه.
من حَمْرَاء غرناطة [حرسها الله] وَلَا زايد بِفضل الله، إِلَّا مَا أَمن الأرجاء ومهدها، وَأَنْشَأَ معالم الْإِسْلَام وجددها، وَأسسَ أَرْكَان الدّين الحنيف، وَأقَام أودها، وَأَنْتُم الْأَوْلِيَاء الَّذين نعلم مِنْهُم خلوص الْأَهْوَاء، ولتحقق مَا عِنْدهم من الود والصفا. وَإِلَى هَذَا فقد علمْتُم مَا كَانَت الْحَال آلت إِلَيْهِ من ضَيْعَة الْعباد والبلاد بِهَذَا الطاغية، الَّذِي جرى فِي ميدان الأمل جرى الجموح، ودارت عَلَيْهِ خمر النخوة وَالْخُيَلَاء مَعَ الغبوق والصبوح، حَتَّى طمح بسكر اغتراره، [واعتز على أنصار الله بأنصاره] ومحص الْمُسلمين على يَدَيْهِ الوقائع الَّتِي تجَاوز بهَا مُنْتَهى مِقْدَاره، وتوجهت إِلَى استئصال الْكَلِمَة مطامع أفكاره، ووثق بِأَنَّهُ يطفىء نور الله بناره، ونازل جبل الْفَتْح فَشد مخنق حصاره، وأدار أشياعه فِي الْبر وَالْبَحْر دور السوار على أسواره، وانتهز الفرصة بِانْقِطَاع الْأَسْبَاب. وانبهام الْأَبْوَاب، والأمور الَّتِي لم تجر للْمُسلمين بالعدوتين على مألوف الْحساب. وتكالب التَّثْلِيث على التَّوْحِيد، وَسَاءَتْ الظنون من هَذَا الْقطر الوحيد، الْمُنْقَطع بَين الْأُمَم الْكَافِرَة، والبحور الزاخرة، والمرام الْبعيد. وأننا صابرنا بِاللَّه تيار سيله،
(2/39)

واستضأنا بِنور التَّوَكُّل عَلَيْهِ فِي جنح هَذَا الْخطب، ودجنة ليله، ولجأنا إِلَى الله الَّذِي بِيَدِهِ نواصي الْخَلَائق، واعتلقنا من حبله المتين بأوثق العلائق، وفسحنا مجَال الأمل فِي ذَلِك الميدان المتضايق، وأخلصنا لله مقيل العثار، ومأوى أولى الإضطرار قُلُوبنَا، ورفعنا إِلَيْهِ أمرنَا، ووقفنا عَلَيْهِ مطلوبنا، وَلم نقصر مَعَ ذَلِك فِي إبرام الْعَزْم. واستشعار الحزم، وإمداد الثغور بأقصى الْإِمْكَان، وَبعث الجيوش إِلَى مَا يلينا من بِلَاده على الأحيان، فرحم الله انقطاعنا إِلَى كرمه، ولجأنا إِلَى حرمه، فَجلى سُبْحَانَهُ، بفضله ظلام الشدَّة، وَمد على الْحَرِيم والأطفال ظلال رَحمته الممتدة، وعرفنا عوارف الصنع، الَّذِي قدم بِهِ الْعَهْد على طول الْمدَّة، ورماه بِجَيْش من جيوش قدرته أغْنى عَن إِيجَاد الركاب، واحتشاد الْأَحْزَاب، وَأظْهر فِينَا قدرَة ملكه، عِنْد انْقِطَاع الْأَسْبَاب، واستخلص الْعباد والبلاد من بَين الظفر والناب، فقد كَانَ سد الْمجَاز بأساطيله، وكاثر كلمة الْحق بأباطيله، وَرمى الجزيرة الأندلسية بشؤبوب شَره، وصيرها فريسة بَين غربان بحره، وعقبان بره، فَلم تخلص إِلَى الْمُسلمين من إخْوَانهمْ مرفقة إِلَّا على الْخطر الشَّديد، والإفلات من يَد الْعَدو العنيد، مَعَ توفر الْعَزْم وَالْحَمْد لله على الْعَمَل الحميد، وَالسَّعْي فِيمَا يعود على الدّين بالتأييد. وبينما شفقتنا على جبل الْفَتْح. تقوم وتقعد، وكلب الْأَعْدَاء علينا يَبْرق ويرعد، واليأس والرجا خصمان، هَذَا يقرب وَهَذَا يبعد، إِذْ طلع علينا البشير بانفراج الأزمة، وَحل تِلْكَ العزمة، وَمَوْت شَاة تِلْكَ الرقعة، وإبقاء الله على تِلْكَ الْبقْعَة، وَأَنه سُبْحَانَهُ أَخذ الطاغية أَشد مَا كَانَ اغْتِرَارًا، وَأعظم أنصارا، وزلزل أَرض عزه، وَقد أَصَابَت قرارا، وَأَن شهَاب سعده أصبح آفلا، وَعلم كبره انْقَلب سافلا، وَأَن من بِيَدِهِ ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْض طرقه بحتفه، وأهلكه برغم أَنفه، وَأَن محلته عاجلها التباب والتبار،
(2/40)

وعاث فِي منازلها النَّار، وتمحض عَن سوء عَاقبَتهَا اللَّيْل وَالنَّهَار، وَأَن حماتها يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم، وينادي بالشتات لِسَان مناديهم. وتلاحق بِنَا الفرسان من جبل الْفَتْح، المعقل الَّذِي عَلَيْهِ من عناية الله رواق مَضْرُوب، والرباط الَّذِي من حاربه فَهُوَ المحروب، فاختبرت بانفراج الضّيق وارتفاع العائق لَهَا عَن الطَّرِيق، وبرء الدَّاء الَّذِي أشرق بالريق، وَإِن النصرى دمرهم الله، جدت فِي ارتحالها، وأسرعت بجيفة طاغيتها، إِلَى سوء مآلها، وسمحت للنهب، وَالنَّار بأسلابها وأموالها. فبهرنا هَذَا الصنع الإلهي، الَّذِي مهد الأقطار بعد رجفانها وأنام الْعُيُون بعد سهاد أجفانها. وَسَأَلنَا الله أَن يعيننا على شكر هَذِه النِّعْمَة، الَّتِي إِن سلطت عَلَيْهَا قوى الْبشر فضحتها، أَو قويت بِالنعَم فضلتها ورجحتها. ورأينا سر اللطائف الْخفية، كَيفَ سريانه فِي الْوُجُود، وشاهدنا بالعيان أنوار اللطف والجود، وَقُلْنَا إِنَّمَا هُوَ الْفَتْح شفع بثان، وقواعد الدّين الحنيف، أيدت من صنع الله بَيَان [الْحَمد لله] على نعمك الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة، ومننك الوافرة، أَنْت ولينا، وأمرنا للحين، فقلدت لبات المنابر بِهَذَا الْخَبَر، وجليت فِي جماعات الْمُسلمين وُجُوه هَذَا الْفَتْح الرَّائِق الْغرَر. وعجلنا تعريفكم بِهِ سَاعَة اجتلائه، وَتحقّق أنبائه، لتسحبوا لَهُ أَثوَاب الجذل ضافية، وتردوا بِهِ موارد الأمل صَافِيَة، فَإِنَّمَا هُوَ ستر الله شَمل أَنفسكُم وحريمكم، وأمانه كفى ظاعنكم ومقيمكم، فقرطوا بِهِ الآذان، وبشروا بِهِ الْإِقَامَة وَالْأَذَان، وتملؤوا الْعَيْش فِي ظله، وواصلوا حمد الله، ولي الْحَمد وَأَهله، وانشروا فَوق أَعْوَاد المنابر من خطابه راية مَيْمُونَة الطَّائِر، وَاجْعَلُوا هَذِه الْبشَارَة سَجْدَة فِي فرقان البشائر. فشكرا لله سُبْحَانَهُ، يستدعى الْمَزِيد من نعمه، وَيضمن اتِّصَال كرمه، وَعرفُوا بذلك من يليكم من الرّعية، ليأخذوا بِمثل حظكم، ويلحظوا هَذَا الْأَمر بِمثل لحظكم، فحقيق عَلَيْهِم أَن يشيدوا
(2/41)

بِهَذَا الْخَبَر فِي الْحَاضِر والباد، ويجعلوا يَوْم عَاشُورَاء الَّذِي تجلى فِيهِ هَذَا الصنع ثَالِث الأعياد، وَالله عز وَجل يَجعله للمسرة عنوانا، ويطلع علينا [وُجُوه صنعه] غرا حسانا. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم أَجْمَعِينَ، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته. كتب فِي كَذَا.
وَصدر عني أَيْضا فِي عَام سَبْعَة وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة مِمَّا يجْرِي مجْرى الحكم والمواعظ والأمثال، صدعت بِهِ الخطباء من المنابر وَاجْتمعت لإلقائه من الْأُمَم الْبحار الزواخر، وَالله عز وَجل لَا يخيب فِيهِ الْفَصْل وَلَا يحبط فِيهِ الْعَمَل بمنه
من الْأَمِير عبد الله الْغَنِيّ بِاللَّه مُحَمَّد بن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر، أيد الله أمره، وأعز نَصره. إِلَى أوليائنا المخصوصين منا وَمن سلفنا بزمام الْجوَار الْقَرِيب، والمساكنة الَّتِي لَا يتَطَرَّق إِلَى حَقّهَا الديني استرابة المستريب، المعتمدين، إِذا عدت الرعايا، وَذكرت المزايا بمزيد الأدنا والتقريب، من الْأَشْيَاخ الجلة الشرفاء، والأعلام الْعلمَاء، والصدور الْفُقَهَاء، والعدول الأزكياء، والأعيان الوزراء، والحماة المدافعين عَن الأرجاء، والأمناء، الثِّقَات الأتقياء، والكافة الَّذين نصل لَهُم عوائد الاعتناء، ونسير فيهم بإعانة الله على السَّبِيل السوَاء، من أهل حضرتنا غرناطة وريضها، شرح الله لقبُول الْحِكْمَة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة صُدُورهمْ، وَكَيف بنتائج الاسْتقَامَة سرورهم، وَأصْلح بعنايته أُمُورهم، وَاسْتعْمل فِيمَا يرضيه آمُرهُم ومأمورهم، سَلام كريم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
(2/42)

أما بعد حمد الله الَّذِي إِذا رَضِي عَن قوم، جعل لَهُم التَّقْوَى لباسا، والذكرى لبِنَاء المتاب أساسا، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، الَّذِي هدَانَا إِلَى الْفَوْز الْعَظِيم ابْتِغَاء الرَّحْمَة والتماسا. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه الَّذين اخْتَارَهُمْ لَهُ نَاسا، وجعلهم مصابيح من بعده اقْتِدَاء واقتباسا، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله إعزازكم وحرس أحوازكم، وَجعل الْعَمَل الصَّالح اهتزازكم، وبقبول النصائح امتيازكم.
من مستقرنا بذروتكم الْحَمْرَاء حماها الله، وَلَا متعرف بِفضل الله سُبْحَانَهُ إِلَّا هِدَايَة تظهر على الْأَقْوَال والأعمال، وعناية تخف عَن الْيَمين وَالشمَال، وتوكل على الله سُبْحَانَهُ، يتكفل لنا وَلكم ببلوغ الآمال، وَأَنْتُم أولياؤنا الَّذين لَا ندخر عَنْهُم نصحا، وَلَا يهمل فِي تدبيرهم مَا يُثمر نجحا، وبحسب هَذَا الِاعْتِقَاد، لَا نغفل عَن نصيحة ترشدكم إِذا غفلتم، وموعظة نَقصهَا عَلَيْكُم إِذا اجْتَمَعْتُمْ فِي بيُوت الله واحتفلتم، ودرعتكم، تَارَة بسلم نعقدها، ومحاولة نسردها، وَتارَة بسيوف فِي سَبِيل الله نجردها، وغمار للشَّهَادَة نردها، ونفوس بوعد الله نعدها، وَنرْضى بالسهر لتنام أجفانكم، وبالكد لتترع صبيتكم وولدانكم، وباقتحام المخاوف ليتحصل أمانكم. وَلَو استطعنا أَن نجْعَل عَلَيْكُم واقية كواقية الْوَلِيد لجعلنا، أَو أمكننا أَن لَا نفضلكم رعية بصلاح دين أَو دنيا إِلَّا فعلنَا، هَذَا [شغل وقتنا مُنْذُ عَرفْنَاهُ، ومرمى هَمنَا مهما استرفعناه] وَقد استرعانا الله جماعتكم وملأنا طاعتكم، وَحرم علينا [إضاعتكم] 0000 والراعي إِذا لم يقْصد بسائمته المراعى الطّيبَة، وينتجع مساقط الغمايم الصيبة، ويوردها المَاء النمير، ويبتغي بهَا النما والتثمير، وَيصْلح خللها، ويداوي عللها، قل عَددهَا، وجدبت غَلَّتهَا وَوَلدهَا، فندم على مَا ضيعه فِي أمسه، وجنى عَلَيْهَا وعَلى نَفسه، وألفيناكم
(2/43)

فِي أيامنا هَذِه الميامين عَلَيْكُم، قد غمرتكم آلَاء الله ونعمه، وملأت أَيْدِيكُم مواهبه وقسمه، وشغل عَدوكُمْ بفتنة قومه، فنمتم للعافية فَوق مهاد، وَبعد عهدكم بِمَا تقدم من جهد وَجِهَاد، ومخمصة وسهاد، فأشفقنا أَن يجركم توالي الرخَاء إِلَى البطر، أَو تحملكم الْعَافِيَة عَن الْغَفْلَة عَن الله، وَهِي أخطر الْخطر، أَو تجهلوا مواقع فَضله تَعَالَى وَكَرمه، أَو تستعينوا على مَعْصِيّة بنعمه، فَمن عرف الله فِي الرخَاء، عرفه فِي الشدَّة، وَمن استعد فِي الْمهل، وجد مَنْفَعَة الْعدة، والعاقل من لَا يغتر بِالْحَرْبِ أَو السّلم بطول الْمدَّة، فالدهر مبلى الْجدّة، ومستوعب الْعدة، وَإِخْوَانكُمْ الْمُسلمُونَ، قد شغلوا الْيَوْم بِأَنْفسِهِم عَن نصركم وسلموا الله فِي أَمركُم وَفتحت الْأَبْوَاب، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه بثغركم، وأهمتهم فتن تركت رسوم الْجِهَاد خَالِيَة خاوية، ورياض الكتايب الْخضر ذابلة ذاوية، فَإِن لم تشعروا لما بَين أَيْدِيكُم فِي هَذِه البرهة، فَمَاذَا تنتظرون، وَإِذا لم تستنصروا بِاللَّه مولاكم فبمن تستنصرون، وَإِذا لم تستعدوا فِي الْمهل، فَمَتَى تستعدون. لقد خسر من رَضِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بالدون، فَلَا تأمنوا مكر الله، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَن مكر الله إِلَّا الْقَوْم الخاسرون. وَمن الْمَنْقُول عَن الْملَل، وَالْمَشْهُور فِي الْأَوَاخِر وَالْأول، أَن الْمعْصِيَة إِذا فَشَتْ فِي قوم، أحَاط بهم سوء كسبهم، وأظلم مَا بَينهم وَبَين رَبهم، وانقطعت عَنْهُم الرحمات، وَوَقعت فيهم المثلات والنقمات، وشحت السَّمَاء، وغيض المَاء، واستولت الْأَعْدَاء، وانتشر الدَّاء، وجفت الضروع وأخلفت الزروع، فَوَجَبَ علينا أَن نخولكم بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة، والذكرى الَّتِي توقظ من السّنة، وتقرع آذانكم بقوارع الْأَلْسِنَة، فاقرعوا الشَّيْطَان بوعيها، وتقربوا إِلَى الله برعيها. الصَّلَاة الصَّلَاة فَلَا تهملوها، ووظائفها الْمَعْرُوفَة فكملوها، فَهِيَ الرُّكْن الوثيق، وَالْعلم الماثل على جادة الطَّرِيق، والخاصة الَّتِي يتَمَيَّز بهَا هَذَا
(2/44)

الْفَرِيق. وَبَادرُوا صفوفها الماثلة، وأتبعوا فريضتها بالنافلة، وأشرعوا إِلَى تاركها أسنة الْإِنْكَار، واغتنموا بهَا نواصي اللَّيْل ومبادي الأسحار. وَالزَّكَاة أُخْتهَا المنسوبة، ولدتها الْمَكْتُوبَة المحسوبة، وَمن منعهَا فقد بخل على مَوْلَاهُ باليسير مِمَّا أولاه، وَمَا أحقه بذهاب هبة الله وأولاه، فاشتروا من الله كرايم أَمْوَالكُم بالصدقات، وأنفقوا فِي سَبِيل الله، يربحكم أَضْعَاف النَّفَقَات، وواسوا سؤالكم كلما نصبت الموائد، وأعيدت للقرب العوائد، وارعوا حق الْجَار، وخذوا على أَيدي الدعرة والفجار، واصرفوا الشنآن عَن الصُّدُور، وَاجْعَلُوا صلَة الْأَرْحَام من عزم الْأُمُور، وصونوا عَن الاغتياب أَفْوَاهكُم، وَلَا تعودوا السفاهة شفاهكم، وأقرضوا الْقَرْض الْحسن إلاهكم، وَعَلمُوا الْقُرْآن صِبْيَانكُمْ، فَهُوَ أس هَذَا المبنى، وازرعوه فِي تُرَاب ترابهم، فَعَسَى أَن يجنى، وَلَا تتركوا النَّصِيحَة لمن استنصح، ورد السَّلَام على من بِتَحِيَّة الْإِسْلَام أفْصح، وَجَاهدُوا أهواءكم فَهِيَ أولى مَا جاهدتم وأوفوا بِعَهْد الله إِذا عاهدتم، وثابروا على حلق الْعلم والتعلم، وحقوا بمراقي التَّكَلُّم، تعلمُوا من دينكُمْ مَالا يَسَعكُمْ جَهله، وَيبين لكم حكم الله أَهله، فَمن الْقَبِيح أَن يقوم أحدكُم على معالجة بره وشعيره، ورعاية شاته وبعيره، وَلَا يقوم على شَيْء يخلص لَهُ قَاعِدَة اعْتِقَاده، ويعده منجاة ليَوْم معاده، وَالله عز وَجل يَقُول: {أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون} . وأنفوا من الْحَوَادِث الشنيعة، والبدع الَّتِي تفت فِي عضد الشَّرِيعَة، فقد شن عَلَيْهَا بالمتلبسة بِأَهْل التَّصَرُّف المغار، ونال جُمْلَتهَا بل جهالتها بأغماضهم الصغار، وتؤول الْمعَاد وَالْجنَّة وَالنَّار. وَإِذا لم يغر الرجل على دينه وَدين أَبِيه فعلى من يغار، فالأنبياء الْكِرَام وورثتهم الْعلمَاء الْأَعْلَام هم أَئِمَّة الِاقْتِدَاء، وَالْكَوَاكِب الَّتِي عينهَا الْحق للاهتداء، فاحذروا معاطب هَذَا الدَّاء ودسائس هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاء، وأهم مَا صرفتم إِلَيْهِ الْوُجُوه، واستدفعتم بِهِ الْمَكْرُوه، الْعَمَل على مَا فِي الْآيَة المتلوة، وَالْحكمَة
(2/45)

السافرة المجلوة من ارتباط الْخَيل، وإعداد الْعدة. فَمن كَانَ ذَا سعه فِي رزقه، فَليقمْ لله بِمَا اسْتَطَاعَ من حَقه، وليتخذ فرسا يعلم محلته بصهيله، ويقتنى أجره من أجل الله وَفِي سَبيله، فكم يتَحَمَّل من عِيَال يلْتَمس مرضاتهن باتخاذ الزِّينَة، وَالْعرُوض الثمينة، والتنافس فِي سوق الْمَدِينَة، ومونة الارتباط أقل، وعَلى أهل الهمة وَالدّين أدل، إِلَى مَا فِيهِ من حماية الْحَوْزَة، وَإِظْهَار الْعِزَّة. وَمن لم يحسن الرمى فليتدرب، وباتخاذ السِّلَاح إِلَى الله فليتقرب، فَقبل الرمى تراش السِّهَام، وعَلى العَبْد الِاجْتِهَاد، وعَلى الله التَّمام، وَالسِّكَّة الْجَارِيَة حَدِيث نواديكم، وأثمان الْعرُوض الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ. فَمن تحيف حروفها، ونكر معروفها أَو سامح فِي قبُول زيف، أَو هجوس حيف، فقد اتبع هَوَاهُ، وخان نَفسه وسواه. قَالَ الله عز وَجل: {أَوْفوا الْكَيْل وَلَا تَكُونُوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس الْمُسْتَقيم وَلَا تبخسوا النَّاس أشياءهم وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين} ، ولتعلموا أَن نَبِيكُم صلوَات الله عَلَيْهِ، إِنَّمَا بَعثه الله مُجَاهدًا، وَفِي الْعرض الْأَدْنَى زاهدا. [وبالسلاح راجيا، وبالحق رَاضِيا] ، وَعَن الهفوات حَلِيمًا متغاضيا، فَتمسكُوا بحبله، وَلَا تعرجوا عَن سبله [يوردكم الله فِي سجله] ويرعكم من أَجله، مُرَاعَاة الرجل فِي نجله، فَهُوَ الَّذِي يَقُول: {" وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم وَمَا كَانَ الله يعذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ "} . وَإِن كَانَ فِي وطنكم سَعَة، وَقد ألحفكم الله أمنا ودعة، فأحسبوا أَنكُمْ فِي بلد مَحْصُور، وَبَين لجتي أَسد هصور، كنفكم بَحر يعب عبابه، وَدَار بكم سور بيَدي عَدوكُمْ بَابه، وَلَا يدْرِي مَتى يَنْتَهِي السّلم، ويشعب الْكَلم، فَإِن لم تَكُونُوا بِنَاء مرصوصا، وتستشعروا الصَّبْر عُمُوما وخصوصا، أصبح الْجنَاح مقصوصا، والرأي قد سلبته الْحيرَة، وَالْمَال والحريم، قد سلمت فِيهِ
(2/46)

الضنانة والغيرة، فَإِن أنشأ الله ريح الحمية، ونصرت النُّفُوس على الخيالات الوهمية، فَإِن الْعِزَّة لله وَرَسُوله وَالْمُؤمنِينَ، وَالله متم على رغم الجاحدين وَكره الْكَافرين. فكم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة، بِإِذن الله، وَالله مَعَ الصابرين. واعتقدوا أَن الله لم يَجْعَل الظُّهُور مَقْرُونا بِعَدَد كثير، وجراد مزرعة أثارها مثير. إِنَّمَا هُوَ إخلاص لَا يَنْبَغِي لغير الله افتقارا، ونفوس توسع مَا سوى الْحق اختصارا، ووعد يصدق، وبصائر أبصارها إِلَى مثابة الْجَزَاء تحدق. وَهَذَا الدّين ظهر مَعَ الغربة، [وشطب الْقرْبَة] ، فَلم ترعه الأكاسرة وقيولها، والأقاصرة وفيولها. دين حنيف، وَعلم منيف من وُجُوه شطر الْمَسْجِد الْحَرَام تولى، وآيات على سَعَة الأحرف تتلى، وَزَكَاة من الصميم تنتقى، وَصَوْم بِهِ إِلَى المعارج يرتقى، وَحج وَجِهَاد، ومواسم وأعياد، لَيْسَ إِلَّا تَكْبِير جهير، وأذان شهير، وَقُوَّة تعد، وثغور لِلْإِسْلَامِ تسد، وَنَبِي يقسم، وفجر يرسم، ونصيحة تهدى، وَأَمَانَة تبدى، وَصدقَة تخفى وتبدى، وصدور تشرح وتشفى، وَخلق من خلق الْقُرْآن تحدى، قبض النَّبِي [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] ، وَهَذَا العقد تسجل، والموعد بِهِ قد عجل: {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا} ، وَلَا يَنْقَطِع لهَذَا الْفَرْع عَادَة وصلَة مَا دَامَ شَبِيها بِأَصْلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ جلب لكم زبدته المخضوضة، [وخلاصته الممحوضة] وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين. ولتعلمن نبأه بعد حِين، وحضرتكم الْيَوْم قَاعِدَة الدّين، وَغَابَ الْمُجَاهدين. وَقد اخترعت بهَا أيامنا هَذَا وَأَيَّام الْمُقَدّس والدنا الْآثَار الْكِبَار، والحسنات الَّتِي تنوقلت بهَا الْأَخْبَار، وأغفلت إِلَى زمتكم الْحَسَنَة المذخورة، والمنقبة المبرورة. وَهِي ميارستان يضم مِنْكُم المرضى المطرحين، والضعفاء المغتربين مِنْهُم والمنتزحين فِي كل حِين، فَأنْتم تطئونهم بالأقدام على مر الْأَيَّام، ينظرُونَ إِلَيْكُم بالعيون
(2/47)

الكليلة، ويعرفون عَن الْأَحْوَال الذليلة، وضرورتهم غير خافية، وَمَا أَنْتُم أولى مِنْهُم بالعافية، والمجانين تكْثر مِنْهُم الوقائع، ويعيثون بالإناث مِنْهُم العهر الذايع، عَار تحظره الشَّرَائِع، وَفِي مثلهَا تسد الذرايع، وَقد فضلتهم أهل مصر وبغداد بالرباط الدايم وَالْجهَاد، فَلَا أقل من الْمُسَاوَاة فِي معنى، والمنافسة فِي مبْنى، يذهب عَنْكُم لوم الْجوَار، ويزيل عَن وُجُوهكُم سمات الْعَار، وَيدل على همتكم، وَفضل شيمتكم أهل الأقطار. وَكم نَفَقَة هَانَتْ على الرجل فِي غير مَشْرُوع، وحرص اعتراه على مَمْنُوع، فاشرعوا النّظر فِي هَذَا المهم خير شُرُوع، فلولا اهتمامنا بمرتزقة ديوانكم، وإعدادنا مَال الْجِهَاد للمجاهدين إخْوَانكُمْ، لسبقناكم إِلَى هَذِه الزلفة، وقمنا فِي هَذَا الْعَمَل الصَّالح بتحمل الكلفة. وَمَعَ ذَلِك فَإِذا أخذناكم إِلَى الْجنَّة ببنائه، وأسهمناكم فِي فَرِيضَة أجره وثنائه، فَنحْن إِن شَاءَ الله نحبس لَهُ الْأَوْقَاف الَّتِي تجْرِي لمرفقه، وتتصل عَلَيْهِ بهَا الصَّدَقَة، تأصيلا لفخركم، وإطابة فِي الْبِلَاد لذكركم. فليشاور أحدكُم همته وَدينه، ويستخدم يسَاره فِي طَاعَة الله وَيَمِينه، ونسل الله أَن يوفق كلا لهَذَا الْقَصْد الْكَرِيم ويعينه. وَمن وَرَاء هَذِه النصائح، عزم يتهيأ إِلَى غايتها، وَيجْبر الكافة على اتِّبَاع رأيها ورايتها. فاعملوا الأفكار فِيمَا تضمنته من الْفُصُول، وتلقوا دَاعِي الله فِيهَا بِالْقبُولِ، وَالدُّنْيَا مزرعة الْآخِرَة، وَكم مُعْتَبر للنفوس الساخرة بالعظام الناخرة. " يَا أَيهَا النَّاس إِن وعد الله حق فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور ". وَأَنْتُم الْيَوْم أَحَق النَّاس بِقبُول المواعظ نفوسا زكية، وفهوما لَا قَاصِرَة وَلَا بكية، ووطن جِهَاد، ومستسقى غمايم رَحْمَة من الله وعهاد، وبقايا الأول الَّذين فتحُوا هَذَا الوطن، وألقوا فِيهِ العطن، فَإلَى أَيْن يذهب حسن الظَّن بأديانكم، وَصِحَّة إيمَانكُمْ، وتساوى إسراركم فِي طَاعَة الله وإعلانكم. اللَّهُمَّ إِنَّا قد خرجنَا لَك فيهم عَن الْعهْدَة المتحملة، وأبلغناهم نصيحتك المكملة، ووعدناهم مَعَ الِامْتِثَال رحمتك
(2/48)

المؤملة، فيسرنا وإياهم لليسرى، وعرفنا لطايفك الَّتِي خفى مِنْهَا المسرى، وَلَا تجعلنا مِمَّن صم عَن النداء وَأصْبح شماتة للأعدا، فَمَا ذل من استنصر بجنابك، وَلَا ضل من استبصر بسنتك وكتابك، وَلَا انْقَطع من تمسك بأسبابك. وَالله يصل لكم عوايد الصنع الْجَمِيل، ويحملكم وإيانا من التَّوْفِيق على أوضح سَبِيل، وَالسَّلَام عَلَيْكُم أَيهَا الْأَوْلِيَاء وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَفِي هَذَا الْغَرَض أَيْضا

من الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر أيده الله [وَنَصره] . إِلَى أوليائنا الَّذين نوقظ من الْغَفْلَة أجفانهم، وندعوهم لما يطهر من الارتياب إِيمَانهم، ويخلص لله إسرارهم وإعلانهم، ونرثى لعدم إحساسهم، وخيبة قياسهم، ونغار من اسْتِيلَاء الغفلات على أنواعهم وأجناسهم، ونسل الله لَهُم وَلنَا إِقَالَة العثرات، وتخفيض الشدائد المفتورات، وكف ألف العوادى المبتدرات، من أهل حضرتنا غرناطة دَافع الله [عَن فئتهم] الغريبة، وعرفهم فِي الذوات وَالْحرم، عارفة اللطايف الْقَرِيبَة، وتداركهم بالصنايع العجيبة. سَلام كريم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد: حمد الله الَّذِي لَا نشْرك بِهِ أحدا، وَلَا نجد من دونه ملتحدا، مبتلى قُلُوب الْمُؤمنِينَ ليعلم أَيهَا أقوى جلدا وَأبْعد فِي الصَّبْر مدا، ليزِيد الله الَّذين آمنُوا واهتدوا هدى. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله الَّذِي أنقذ من الردى، وتكفل بالشفاعة غَدا، ضَارب هام العدا، وَمُجاهد من اتخذ مَعَ الله ولدا. وَالرِّضَا عَن آله الَّذين كَانُوا لسماء مِلَّته عمدا، فَلم ترعهم الْكَتَائِب الوافرة،
(2/49)

وَإِن كَانُوا هم أقل عددا، ولأصابتهم الْأُمَم الْكَافِرَة وَإِن كَانَت أَكثر جمعا وَأظْهر عددا، صَلَاة لَا تَنْقَطِع أبدا، ورضا لَا يبلغ أمدا. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتبكم الله مِمَّن امْتَلَأَ قلبه غَضبا لله وحمية، وَرمى بفكرة عقله غَرَض الصَّوَاب فَلم يخط مِنْهُ هدفا وَلَا رمية. وَقد اتَّصل بِنَا الْخَبَر الَّذِي يُوجب نصح الْإِسْلَام، ورعى الْجوَار والذمام، وَمَا جعل الله للْمَأْمُوم على الإِمَام، أيقظكم من مراقدكم المستغرقة، وَجمع أهواءكم المتفرقة، وَهُوَ أَن كَبِير دين النَّصْرَانِيَّة، الَّذِي إِلَيْهِ ينقادون، وَفِي مرضاته يصافون ويعادون، وَعند رُؤْيَة صليبه يكبون ويسجدون، لما رأى أَن الْفِتَن قد أكلتهم خضما وقضما، وأوسعتهم هضما، فَلم تبْق عصما وَلَا عظما، وَنَثَرت مَا كَانَ نظما، أعمل نظره فِي أَن يجمع مِنْهُم مَا افترق، وَيرْفَع مَا طرق، ويرفأ مَا مزق الشتات وخرق، فَرمى الْإِسْلَام بِأمة عَددهَا الْقطر المنثال، وَالْجَرَاد الَّذِي تضرب بِهِ الْأَمْثَال، وعاهدهم، وَقد حضر التمثال، وَأمرهمْ وشأنهم الِامْتِثَال، أَن يهشوا لمن ارْتَضَاهُ من أمته الطَّاعَة، ويجمعوا فِي مِلَّته الْجَمَاعَة. ويطلع الْكل على هَذِه الفئة القليلة الغريبة بَغْتَة كقيام السَّاعَة، وأقطعهم، قطع الله بِهِ الْبِلَاد والعباد والطارف والتلاد، وسوغهم الْحرم وَالْأَوْلَاد، وَبِاللَّهِ نستدفع مَالا نطيقه، وَمِنْه نسل عَادَة الْفرج، فَمَا سد طَرِيقه. إِلَّا أننا رَأينَا غَفلَة النَّاس عَن تصميمهم، موذنة بالبوار، وأشفقنا للدّين الْمُنْقَطع من وَرَاء الْبحار، وَقد أصبح مُضْغَة فِي لَهَوَات الْكفَّار، وأردنا أَن نهزكم بالمواعظ الَّتِي تكحل الْأَبْصَار بميل الاستبصار، ونلهمكم إِلَى الِانْتِصَار بِاللَّه عِنْد عدم الْأَنْصَار، فَإِن جبر الله الخواطر بالضراعة إِلَيْهِ والانكسار، وَنسخ الْإِعْسَار
(2/50)

بالإيسار، وأنجد الْيَمين بِاجْتِهَاد الْيَسَار، وَإِلَّا فقد تعين فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة حَظّ الخسار. فَإِن من ظهر عَلَيْهِ عَدو دينه، وَهُوَ عَن الله مَصْرُوف، وبالباطل مشغوف، وَبِغير الْعرف مَعْرُوف، وعَلى الحطام المسلوب عَنهُ ملهوف، فقد ثله الشَّيْطَان للجبين، وَقد خسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، أَلا ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين، وَمن نفذ فِيهِ أَوله قدر الله عَن أَدَاء الْوَاجِب وبذل الجهود، وأفرد بالعبودية والوحدانية الْأَحَد المعبود، ووطن النَّفس على الشَّهَادَة المبوءة دَار الخلود، العابدة بِالْحَيَاةِ الدائمة والوجود، أَو الظُّهُور على عدوه المحشور إِلَيْهِ المحشود، صبرا على الْمقَام الْمَحْمُود، وبيعا من الله تكون الملايكة فِيهِ من الشُّهُود، حَتَّى تعيث يَد الله فِي ذَلِك الْبناء المهدوم بِقُوَّة الله الْمَمْدُود، والسواد الْأَعْظَم الْمَمْدُود، كَانَ على أمره بِالْخِيَارِ المسدود {" قل هَل تربصون بِنَا إِلَّا إِحْدَى الحسنيين وَنحن نتربص بكم أَن يُصِيبكُم الله بِعَذَاب من عِنْده أَو بِأَيْدِينَا فتربصو إِنَّا مَعكُمْ فتربصوا "} . الله الله فِي الهمم قد خمدت رِيحهَا، وَالله الله فِي العقائد قد خفتت مصابيحها، وَالله الله فِي الرجولة قد فل حَدهَا، وَالله الله فِي الْغيرَة فقد تعس جدها. وَالله الله فِي الدّين الَّذِي طمع الْكفْر فِي تحويله، وَالله الله فِي الْحَرِيم الَّذِي مد إِلَى استرقاقه يَد تأميله، وَالله الله فِي المساكن زحف لسكناها، وَالله الله فِي الْملَّة الَّتِي يُرِيد إطفاء سناها، وَالله الله فِي الْحَرِيم، وَالله الله فِي الدّين الْكَرِيم، وَالله الله فِي الوطن الَّذِي توارثه الْوَلَد عَن الْوَالِد، الْيَوْم تستأسد النُّفُوس المهينة، الْيَوْم يسْتَنْزل الصَّبْر والسكينة. الْيَوْم تختبر الهمم. الْيَوْم ترعى لهَذِهِ الْمَسَاجِد الْكَرِيمَة الذمم، الْيَوْم يرجع إِلَى الله المصرون، الْيَوْم يفِيق من نوم الْغَفْلَة المغترون، قبل أَن يَتَفَاقَم الهول ويحق القَوْل، ويسد الْبَاب، ويحيق الْعَذَاب، وتسترق بالْكفْر
(2/51)

الرّقاب. فالنساء تَقِيّ بِأَنْفُسِهِنَّ أَوْلَادهنَّ الصغار، والطيور ترفرف لتحمى الأوكار، إِذا أحست العياث بأفراخها والإضرار. تمر الْأَيَّام عَلَيْكُم مر السَّحَاب، فَلَا خبر يُفْضِي إِلَى الْعين، وَلَا حَدِيث فِي الله يسمع بَين اثْنَيْنِ، وَلَا كد إِلَّا لزينة يحلى بهَا نحر وجيد، وَلَا سعى إِلَّا فِي مَتَاع لَا يغنى فِي الشدائد وَلَا يُفِيد. وبالأمس دعيتم إِلَى التمَاس رحمى مسخر السَّحَاب، واستقالة كاشف الْعَذَاب، وسؤال مُرْسل الديمة، ومحيي الْبشر والبهيمة، وَقد أَمْسَكت عَنْكُم رَحْمَة السَّمَاء، وأغبرت جوانبكم المخضرة احتياجا إِلَى بلالة المَاء، وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون، وَإِلَيْهِ الأكف تمدون، وأبوابه بِالدُّعَاءِ تقصدون، فَلم يضجر مِنْكُم عدد مُعْتَبر، وَلَا ظهر للإنابة وَلَا للصدقة خبر، وتتوقل عَن الْإِعَادَة الرَّغْبَة إِلَى الْوَلِيّ الحميد، والغنى الَّذِي إِن يَشَأْ يذهبكم وَيَأْتِ بِخلق جَدِيد. وأيم الله لَو كَانَ لهوا، لَا رتقبت السَّاعَات، وَضَاقَتْ المستمعات، وتزاحمت على حَاله وعصيه الْجَمَاعَات. أتعززا على الله وَهُوَ الْقوي الْعَزِيز. أتلبيسا على الله وَهُوَ الَّذِي يُمَيّز الْخَبيث من الطّيب والمشبه من الإبريز. أمنابذة والنواصي فِي يَدَيْهِ. أغرورا بالأمل وَالرُّجُوع بعد إِلَيْهِ. من يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ. من ينزل الرزق ويفيده. من يرجع إِلَيْهِ فِي الْمُهِمَّات. من يُرْجَى فِي الشدائد والأزمات. من يُوجد فِي الْمحيا وَالْمَمَات، أَفِي الله شكّ يختلج الْقُلُوب. أَثم غير الله من يدْفع الْمَكْرُوه وييسر الْمَطْلُوب. تفضلون على اللجإ إِلَيْهِ عوائد الْجَهْل ونزه الْأَهْل. وَطَائِفَة مِنْكُم قد برزت إِلَى إستبقاء رَحمته، تمد إِلَى الله الْأَيْدِي والرقاب، وتستكشف بالخضوع لعزته السقاب، وتستعجل إِلَى مواعيد إجَابَته الارتقاب، وكأنكم أَنْتُم عَن كرمه قد استغنيتم، أَو على الِامْتِنَاع من الرُّجُوع إِلَيْهِ بَقِيتُمْ. أما تعلمُونَ كَيفَ كَانَ نَبِيكُم صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه من التَّبْلِيغ باليسير، والاستعداد للرحيل الْحق والمسير، ومداومة
(2/52)

الْجُوع، وهجر الهجوع، وَالْعَمَل على الإياب إِلَى الله وَالرُّجُوع. دخلت فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا وبيدها كسرة شعير، فَقَالَ مَا هَذِه يَا فَاطِمَة، فَقَالَت يَا رَسُول الله خبْزَة قرصة وأحببت أَن تَأْكُل مِنْهَا، فَقَالَ يَا فَاطِمَة أما أَنه أول طَعَام دخل جَوف أَبِيك مُنْذُ ثَلَاث. وَكَانَ [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] يسْتَغْفر الله فِي الْيَوْم سبعين مرّة، يلْتَمس رحماه، وَيقوم وَهُوَ المغفور لَهُ، مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر، حَتَّى ورمت قدماه. وَكَانَ شَأْنه الْجِهَاد، ودأبه الْجد وَالِاجْتِهَاد، ومواقف صبره تعرفها الرِّبَا والوهاد، ومقامات زهده فِي هَذَا الْمَتَاع الفاني تحوم على أدنى مراتبها الزهاد [فَإِذا لم تقتدوا بِهِ فبمن تقتدون] وَإِذا لم تهتدوا بِهِ فبمن تهتدون، وَإِذا لم ترضوه باتباعكم لَهُ، فَكيف تعتزون إِلَيْهِ وتنتسبون، وَإِذا لم ترغبوا فِي الاتصاف بصفاته غَضبا لله وجهادا، وتقللا من الْعرض الْأَدْنَى وشهادا، فَفِيمَ ترغبون. فافتروا جِهَاد الأمل فَكل آتٍ قريب، واعتبروا بمثلات من تقدم من أهل الْبِلَاد وَالْقَوَاعِد، فذهولكم عَنْهَا غَرِيب، وتفكروا فِي منابرها الَّتِي يَعْلُو فِيهَا واعظ وخطيب، ومطيل ومطيب، ومساجدها المتعددة الصُّفُوف، وَالْجَمَاعَات المعمورة بأنواع الطَّاعَات، وَكَيف أَخذ الله فِيهَا بذنب المترفين من دونهم، وعاقب الْجُمْهُور بِمَا أغمضوا عَنهُ من عيونهم، وَسَاءَتْ بالغفلة عَن الله، عُقبى جَمِيعهم، وَذَهَبت النعمات بعاصيهم، وَمن داهن فِي أَمرهم من مطيعهم، وأصبحت مَسَاجِدهمْ مناصب للصلبان، واستبدلت مآذنهم بالتواقيس من الْأَذَان. هَذَا وَالنَّاس نَاس، وَالزَّمَان زمَان. مَا هَذِه الْغَفْلَة عَمَّن إِلَيْهِ الرجعى وَإِلَيْهِ الْمصير، وَإِلَى مَتى التساهل فِي حُقُوقه، وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير، وَحَتَّى مَتى هَذَا الْخَطَأ فِي الأمد الْقصير، وَإِلَى مَتى نِسْيَان اللجإ إِلَى الْوَلِيّ النصير. قد تداعت الصلبان مجلبة عَلَيْكُم، وتحركت الطواغيت من كل جِهَة إِلَيْكُم. أفيخذلكم الشَّيْطَان، وَكتاب الله
(2/53)

قَائِم فِيكُم، وألسنة الْآيَات تناديكم، لم تمح سطورها، وَلَا احتجب نورها، وَأَنْتُم بقايا من فتحهَا عَن عدد قَلِيل، وظفر فِيهَا كل خطب جليل، فوَاللَّه لَو تمحض الْإِيمَان ورضى الرَّحْمَن، مَا ظهر التَّثْلِيث فِي هَذِه الجزيرة على التَّوْحِيد، وَلَا عدم الْإِسْلَام فِيهَا عَادَة التأييد. لَكِن شَمل الدَّاء وصم النداء، وعميت الْأَبْصَار، فَكيف الاهتداء وَالْبَاب مَفْتُوح، وَالْفضل ممنوح. فتعالوا نَسْتَغْفِر الله جَمِيعًا، فَهُوَ الغفور الرَّحِيم، ونستقيل مقيل العثار، فَهُوَ الرؤوف الْحَلِيم، ونصرف الْوُجُوه إِلَى الِاعْتِرَاف بِمَا قدمت أَيْدِينَا، فقبول المعاذير من شَأْن الْكَرِيم. سدت الْأَبْوَاب، وضعفت الْأَسْبَاب، وانقطعت الآمال إِلَّا مِنْك يَا فتاح يَا وهاب: " يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تنصرُوا الله ينصركم، وَيثبت أقدامكم. يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار، وليجدوا فِيكُم غلظة، وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ، وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا، وَأَنْتُم الأعلون، إِن كُنْتُم مُؤمنين. يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابطُوا وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون ". أعدُّوا الْخَيل وارتبطوها، وروضوا النُّفُوس على الشَّهَادَة وغبطوها، فَمن خَافَ الْمَوْت، رضى بالدنية، وَلَا بُد على كل حَال من الْمنية، والحياة مَعَ الذل لَيست من شيم النُّفُوس السّنيَّة. واقتنوا السِّلَاح وَالْعدة، وتعرفوا إِلَى الله فِي الرخَاء يعرفكم فِي الشدَّة، واستشعروا الْقُوَّة بِاللَّه على أَعدَاء الله وأعدائكم، واستميتوا من دون أَبْنَائِكُم، فكونوا كالبنيان المرصوص، لحملات هَذَا الْعَدو النَّازِل بفنائكم، وحوطوا بالتعويل على الله وحدة بِلَادكُمْ، واشتروا من الله جلّ جَلَاله أَوْلَادكُم. ذكرُوا أَن امْرَأَة احْتمل السَّبع وَلَدهَا، وَشَكتْ لبَعض الصَّالِحين، فَأَشَارَ عَلَيْهَا بِالصَّدَقَةِ، فتصدقت برغيف، وَأطلق السَّبع وَلَدهَا، وَسمعت النداء يَا هَذِه لقْمَة بلقمة،، وَإِنَّا لما استودعناه لحافظون. واهجروا الشَّهَوَات، واستدركوا الْبَقِيَّة من الْفَوات، وافضلوا لمساكنكم من الأقوات، واخشعوا لما أنزل
(2/54)

الله من الْآيَات، وخذوا من لكم بِالصبرِ على الأزمات، والمواساة فِي الْمُهِمَّات. وأيقظوا جفونكم من السنات، وَاعْلَمُوا أَنكُمْ رضعا ثدي كلمة التَّوْحِيد، وجيران الْبَلَد الْغَرِيب، وَالدّين الوحيد، وحزب التمحيص، وَنَفر المرام العويص، وتفقدوا معاملاتكم مَعَ الله، فَمَتَى رَأَيْتُمْ الصدْق غَالِبا، وَالْقلب للْمولى الْكَرِيم مراقبا، وشهاب الْيَقِين ثاقبا، فثقوا بعناية الله، الَّتِي لَا يغلبكم مَعهَا غَالب، وَلَا ينالكم من أجلهَا عَدو مطَالب، وأنكم فِي السّتْر الكثيف، وعصمة الْخَبِير اللَّطِيف، ومهمى رَأَيْتُمْ الخواطر متبددة، [والظنون فِي الله مترددة، والجهات الَّتِي تخَاف وترجى مُتعَدِّدَة] والغفلة عَن الله، ملابسها متجددة، وَعَادَة الخذلان دايمة، وأسواق الشَّهَوَات قَائِمَة، فاعلموا أَن الله منفذ فِيكُم وعده، ووعيده فِي الْأُمَم الغافلين، وأنكم قد ظلمتم أَنفسكُم، وَلَا عدوان إِلَّا على الظَّالِمين، وَالتَّوْبَة ترد الشارد إِلَى الله، وَالله يحب التوابين، وَيُحب المتطهرين، وَهُوَ الْقَائِل: {" إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات، ذَلِك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ "} وَمَا أقرب صَلَاح الْأَحْوَال مَعَ الله إِذا صلحت العزايم، وتوالت على حزب الشَّيْطَان الهزايم، وخملت الدُّنْيَا الدنية فِي الْعُيُون، وصدقت فِيمَا عِنْد الله الظنون. " {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن وعد الله حق، فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور "} ، وتوبوا سرَاعًا إِلَى طَهَارَة الثَّوْب، وَإِزَالَة الشوب، واقصدوا أَبْوَاب غَافِر الذَّنب، وقابل التوب، وَاعْلَمُوا أَن سوء الْأَدَب مَعَ الله يفتح أَبْوَاب الشدائد، ويسد طرق العوائد، فَلَا تمطلوا بِالتَّوْبَةِ أزمانكم، وَلَا تأمنوا مكر الله، فتغشوا إيمَانكُمْ، وَلَا تعلقوا جنابكم بالضرار فَهُوَ علام السرَار، وَإِنَّمَا علينا معاشر الْأَوْلِيَاء أَن ننصحكم، وَإِن كُنَّا أولى بِالنَّصِيحَةِ، ونعتمدكم بِالْمَوْعِظَةِ الصَّرِيحَة، الصادرة علم الله
(2/55)

عَن صدق القريحة. وَإِن شاركناكم فِي الْغَفْلَة، فقد ندبناكم إِلَّا الاسترجاع وَالِاسْتِغْفَار، وَإِنَّمَا لكم لدينا نفس مبذولة فِي جِهَاد الْكفَّار، ونقدم قبلكُمْ إِلَى مَوَاقِف الصَّبْر [لَا نرضى] بالفرار، واجتهاد فِيمَا يعود عَلَيْكُم بِالْحُسْنَى وعقبى الدَّار، وَالِاخْتِيَار لله ولي الِاخْتِيَار، ومصرف الأقدار. وَهَا نَحن [شرعنا الْخُرُوج] إِلَى مدافعة هَذَا الْعَدو، ونفدى بنفسنا الْبِلَاد والعباد، والحريم المستضعف وَالْأَوْلَاد، ونلي من دونهم الجلاد، ونستوهب مِنْكُم الدعا إِلَى من وعد بإجابته، وَتقبل من صرف إِلَيْهِ وَجه إنابته. اللَّهُمَّ كن لنا فِي هَذَا الِانْقِطَاع نَصِيرًا، وعَلى أعدائك ظهيرا، وَمن انتقام عَبدة الْأَصْنَام كَفِيلا ومجيرا. اللَّهُمَّ قو من ضعفت حيلته، فَأَنت الْقوي الْمعِين، وانصر من لَا نصير لَهُ إِلَّا أَنْت، إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين، اللَّهُمَّ ثَبت أقدامنا عِنْد تزلزل الْأَقْدَام، وَلَا تسلمنا عِنْد لِقَاء عَدو الْإِسْلَام. فقد ألقينا إِلَيْك يَد الاستسلام. اللَّهُمَّ دَافع بملائكتك المسومين عَمَّن ضويقت أرجاؤه، وَانْقطع إِلَّا مِنْك رجاؤه. اللَّهُمَّ هيىء لضعفائنا، وكلنَا ضَعِيف فَقير، وذليل بَين يَدي عظمتك حقير، رَحْمَة تُؤدِّي [فِي الأزمة] وتشيع، وَقُوَّة تطرد وتستتبع، يَا غلاب الغلاب، يَا هازم الْأَحْزَاب، يَا كريم العوائد، يَا مفرج الشدائد. رَبنَا أفرغ علينا صبرا، وَثَبت أقدامنا، وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّن تذكر وتيقظ، وَمِمَّنْ قَالَ لَهُم النَّاس، إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ، فَزَادَهُم إِيمَانًا، وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل، فانقلبوا بِنِعْمَة من الله وَفضل لم يمسسهم سوء، وَاتبعُوا رضوَان الله ذُو فضل عَظِيم. وَقد وَردت علينا المخاطبات من قبل إِخْوَاننَا الْمُسلمين الَّذين عرفنَا فِي
(2/56)

الحَدِيث وَالْقَدِيم اجتهادهم، بنى مرين، أولى الامتعاض لله وَالْحمية، والمخصوصين بَين الْقَبَائِل الْكَرِيمَة بِهَذِهِ المزية، بعزمهم على الامتعاض بِحَق الْجوَار، والمصارحة الَّتِي تلِيق بالأحرار، والنفرة لانتهاك النَّبِي [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] الْمُخْتَار. وحركة سلطانهم مَحل أخينا بِمن لَهُ من الْأَوْلِيَاء وَالْأَنْصَار، وكافة الْمُجَاهدين بِتِلْكَ الأقطار والأمصار، ومدافعة أحزاب الشَّيْطَان وَأهل النَّار. فاسألوا الله إعانتهم على هَذَا الْمَقْصد الْكَرِيم الْآثَار، وَالسَّعْي الضمين الْعِزّ وَالْأَجْر والفخار. وَالسَّلَام عَلَيْكُم أَيهَا الْأَوْلِيَاء وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته. وَكتب فِي صفر من عَام سَبْعَة وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة.
وسكنت هرج النَّاس بِقَوْلِي عِنْد مَا ثار الشَّيْخ على بن على بن نصر، صادعا بذلك فَوق أَعْوَاد الْمِنْبَر بالجامع الْأَعْظَم من حَضْرَة غرناطة، مبلغا من السُّلْطَان رَضِي الله عَنهُ الْأمان، سادلا رواق الْعِصْمَة، ضَامِنا عَنهُ الْعَفو لكل طَائِفَة، وَالله ولي المجازات والمتكفل بالمثوبات، سُبْحَانَهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
هَذَا كتاب كريم أصدرناه بِتَوْفِيق الله، شارحا للصدور، مصلحا بإعانة الله للأمور، ملحفا جنَاح الْأمان وَالْعدْل والأحسان للخاصة وَالْجُمْهُور، يعلم من سَمعه أَو يقف عَلَيْهِ ويقرأه، ويتدبر لَدَيْهِ، مَا عاهدنا عَلَيْهِ الله من تَأْمِين النُّفُوس وحقن الدِّمَاء، وَالسير فِي التحامي عَنْهَا، على السّنَن السوا، وَرفع التثريب عَن الْبعيد فِيهَا والقريب، والمساواة فِي الْعَفو عَنْهَا والغفران، بَين البرى والمريب، وَحمل من يظنّ أَنه ينْطق بِعَين الْعَدَاوَة فِي بَاطِن الْأَمر وَظَاهره، محمل الحبيب وَترك مَا يتوعد بهَا من المطالبات، ورفض التَّبعَات، مِمَّا لَا يُعَارض حكما شَرْعِيًّا
(2/57)

وَلَا يُنَاقض سَببا من الدّين مرعيا. فَمن كَانَ رهن تبعة أَو طريد تُهْمَة أَو منبزا فِي الطَّاعَة بريبة، فقد سحبنا عَلَيْهِ ظلال الْأمان، والحقناه أَثوَاب الْعَفو والغفران، ووعدناه من نفسنا مواعد الرِّفْق وَالْإِحْسَان، حكما عَاما، وعفوا تَاما، فاشيا فِي جَمِيع الطَّبَقَات، منسحبا على الْأَصْنَاف المختلفات، عاملنا فِي ذَلِك من يتَقَبَّل الْأَعْمَال، وَلَا يضيع السُّؤَال، واستغفرنا الله عَن نفسنا، وَعَمن أَخطَأ علينا من رعيتنا، مِمَّن يدْرَأ للسرع غلطته، وَيقبل الْحق فيئته. وَمن يسْتَغْفر الله، يجد الله غَفُورًا رحِيما لما رَأَيْنَاهُ من وُجُوه اتِّفَاق الْأَهْوَاء والضمائر، وخلوص الْقُلُوب والسرائر، فِي هَذَا الوطن الَّذِي أحَاط بِهِ الْعَدو وَالْبَحْر، ومسه بتقدم الْفِتْنَة الضّر، وصلَة لما أجراه الله على أَيْدِينَا، وهيأه بِنَا، فَلم يخف مَا سكن بِنَا من نَار وفتنة، وَرفع من بَأْس وإحنة، وكشف من ظلمَة، وأسدل من نعْمَة، وأضفى من مورد وعافية، وَأولى من عصمَة وافية، بعد مَا تخرمت الثغور، وفسدت الْأُمُور، واهتضم الدّين، وَاشْتَدَّ على الْعباد والبلاد كلب الْكَافرين. ذَلِك فضل الله علينا وعَلى النَّاس، فَلهُ الْحَمد دائبا، وَالشُّكْر وَاجِبا، وَمن الله نسل أَن يتم نعْمَته علينا، كَمَا أتمهَا على أبوينا من قبل، إِن رَبك حَكِيم عليم. وَنحن قد شرعنا فِي تعْيين من يَنُوب عَنَّا من أهل الْعلم وَالْعَدَالَة، وَالدّين وَالْجَلالَة للتطوف بالبلاد الأندلسية، ومباشرة الْأُمُور بالإيالة النصرية، ينهون إِلَيْنَا مَا يستطلعونه، ويبلغون من الْمصَالح مَا يتعرفونه، ويقيدون مَا تحْتَاج إِلَيْهِ الثغور، وتستوجبه الْمصلحَة الجهادية من الْأُمُور. وَنحن نستعين بفضلاء رعيتنا وخيارهم، والمرافقين مِنْهُم لله فِي إيرادهم وإصدارهم، على إنهاء مَا تخفى عَنَّا من ظلامة تقع، أَو حَادث يبتدع، وَمن اتَّخذت بجواره خمر فَاشِية، أَو نشأت فِي جِهَته للْمُنكر ناشية، فَنحْن نقلده الْعهْدَة، ونطوقه القلادة، ووراء تنبيهنا على مَا خَفِي عَنَّا من الشُّكْر لمن أهداه، وإحماد سعى من بلغه وَأَدَّاهُ، مَا نرجو ثَوَاب
(2/58)

الله عَلَيْهِ والتقرب بِهِ إِلَيْهِ، فَمن أهدانا شَيْئا من ذَلِك، فَهُوَ شريك فِي أجره ومقاسم فِي مثوبته، وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل.
وَصدر عني ظهير كريم لمن توجه يتطلع على أَحْوَال الرعايا حَسْبَمَا نبه عَلَيْهِ فِي هَذَا الْأَمر الْمُتَقَدّم
هَذَا ظهير كريم، مضمنه استجلاء لأمور الرّعية واستطلاع، ورعاية كرمت مِنْهَا أَجنَاس وأنواع، وَعدل بهر مِنْهُ شُعَاع، ووصايا يجب لَهَا إهطاع. أصدرناه للفقيه أبي فلَان، لما تقرر لدينا دينه وعدله، وَبَان صَلَاحه وفضله، رَأينَا أَن أَحَق من تقلده المهم الوكيد، ونرمي بِهِ من أغراض الْبر الْغَرَض [الوكيد] الْبعيد، ونستكشف بِهِ أَحْوَال الرعايا حَتَّى لَا يغيب عَنَّا شَيْء من أحوالها، وَلَا يتَطَرَّق إِلَيْهَا طَارق عَن إهمالها، وَينْهى إِلَيْنَا الْحَوَادِث الَّتِي تنشأ إنهاء يتكفل بحياطة إبشارها وأموالها. وأمرناه أَن يتَوَجَّه إِلَى جِهَات كَذَا، فَيجمع النَّاس فِي مَسَاجِدهمْ، وَيبدأ بتقرير غرضنا فِي صَلَاح أَحْوَالهم، وإحساب آمالهم، ومكابدتنا الْمَشَقَّة فِي مداراة عدوهم، الَّذِي نعلم من أَحْوَاله مَا غَابَ عَنْهُم، دَفعه الله بقدرته، ووقا نُفُوسهم وحريمهم من معرته. وَلما رَأينَا من انبتات الْأَسْبَاب الَّتِي قبل تومل، وَعجز الْحِيَل الَّتِي كَانَت تعْمل، فيستدعي أنجادهم بِالدُّعَاءِ، وإخلاصهم فِيهِ إِلَى رب السَّمَاء، ونسل عَن سيرة القواد، وولاة الْأَحْكَام بالبلاد، فَمن نالته مظْلمَة فليرفعها إِلَيْهِ، ويقصها عَلَيْهِ، ليبلغها إِلَيْنَا، ويوفدها مقررة الْوَاجِبَات لدينا، ويختبر مَا افْترض صدقه للْجَهْل، وَمَا فضل [من كرم] ذَلِك
(2/59)

الْعَمَل، ليعين للحصن بجبل فاره، يسر الله لَهُم فِي إِتْمَامه، وَجعل صدقتهم تِلْكَ مسكه ختامه، وَغَيره مِمَّا فرض إِعَانَة للْمُسلمين، وإنجادا لجهاد الْكَافرين، فَيعلم مِقْدَاره، ويتولى اختباره، حَتَّى لَا يَجْعَل مِنْهُ شَيْء على ضَعِيف، وَلَا يعدل بِهِ لمشروف عَن شرِيف، وَلَا تقع فِيهِ مضايقة ذِي الجاه، وَلَا مخادعة غير المراقب لله، وَمَتى تحقق أَن غَنِيا قصر بِهِ فِيهِ عَن حَقه، أَو ضَعِيفا كلف مِنْهُ فَوق طوقه، فَيجْبر الْفَقِير من الْغَنِيّ، وَيجْرِي من الْعدْل على السّنَن السوي، وَيعلم النَّاس أَن هَذِه المعونة وَإِن كَانَت بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَحل ضرورتها يسيرَة، وَأَن الله يُضَاعِفهَا لَهُم أضعافا كَثِيرَة، فَلَيْسَتْ مِمَّا يلْزم، وَلَا من المعاون الَّتِي بتكريرها يحزم وَينظر فِي عهود المتوفين فيصرفها فِي حُقُوقهَا مصارفها الْمعينَة، وطرقها الْوَاضِحَة المبينة، ويتفقد الْمُسلمين تفقداً يكسو عاريها، ويتمم مِنْهَا المآرب تتميما يرضى باريها وَينْدب النَّاس لتعليم الْقُرْآن لصبيانهم، فَذَلِك أصل فِي أديانهم، ويحذرهم المغيب على شَيْء من أعشارهم، فالزكاة أُخْت الصَّلَاة، وهما من قَوَاعِد الْإِسْلَام، بأقصى الْحَد والاعتزام، ورفعنا عَنْهُم رسم التَّعْرِيف، نظرا لَهُم بِعَين الاهتمام، وَقدمنَا الثِّقَات لهَذِهِ الْأَحْكَام، وَجَعَلنَا الْخرص شَرْعِيًّا فِي هَذَا الْعَام، وَفِيمَا بعده إِن شَاءَ الله من الأعوام. وَمن أهم مَا أسندناه إِلَيْهِ، وعولنا فِيهِ عَلَيْهِ، الْبَحْث بِتِلْكَ الأحواز عَن أهل الْبدع، والأهواء، والسارين من السبل على غير السوَاء. وَمن ينبز. بِفساد العقد، وتخريب الْقَصْد، والتلبس بالصوفية، وَهُوَ فِي الْبَاطِن من أهل الْفساد، والداعين إِلَى الْإِبَاحَة وَتَأْويل الْمعَاد، والمولفين بَين النِّسَاء وَالرِّجَال، والمتشيعين لمذاهب الضلال، فمهمى عثر على مطوق بالتهمة منبز بِشَيْء من ذَلِك من هَذِه الْأمة فليشد ثقافه شدا. ويسد عَنهُ سَبِيل الْخَلَاص سدا، ويشرع فِي شَأْنه الموجبات، ويستوعب الشَّهَادَات حَتَّى ينظر فِي حسم رايه
(2/60)

ويعاجل الْمَرَض بدوايه. فليتول مَا ذكرنَا نايبا بِأَحْسَن المناب، ويقصد وَجه الله راجيا مِنْهُ جزيل الثَّوَاب، وَيعْمل عمل من لَا يخَاف فِي الله لومة لائم، ليجد ذَلِك فِي موقف الْحساب. وعَلى من يقف عَلَيْهِ من القواد والأشياخ والحكام، أَن يَكُونُوا مَعَه يدا وَاحِدَة على مَا ذكرنَا فِي هَذِه الْفُصُول، من الْعَمَل المقبول، وَالْعدْل المبذول. وَمن قصر عَن غَايَة من غاياته، أَو خَالف مُقْتَضى من مقتضياته، فعقابه عِقَاب من عصى أَمر الله وأمرنا، فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه، الَّتِي غرته، وَإِلَى مصرع النكير جرته، وَالله الْمُسْتَعَان. وَكتب عَن الْأَمر الْعلي المولوى السلطاني النصرى أدام الله علاهُ، ووالى مضاءه، فِي شهر ربيع الْمُبَارك من عَام خَمْسَة وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة. عرفنَا الله خَيره
وَلما توجه شيخ الصُّوفِيَّة السفارة، أَبُو الْحسن ابْن المحروق رَسُولا إِلَى الْمغرب يَسْتَدْعِي الأمداد ويحض على الْجِهَاد كَانَ مِمَّا رفع بِهِ العقيرة بِجَامِع الْقرَوِيين قولى فِي غَرَض الموعظة واستوعبه درساه
أَيهَا النَّاس، رحمكم الله، إِن إخْوَانكُمْ الْمُسلمين بالأندلس، قد دهم الْعَدو قصمه الله ساحتهم، ورام الْكفْر، خيبه الله، استباحتهم، ورجفت أبصار الطواغيث إِلَيْهِم، وَمد الصَّلِيب بذراعيه عَلَيْهِم، وَأَيْدِيكُمْ بعزة الله أقوى، وَأَنْتُم الْمُؤْمِنُونَ أهل الْبر وَالتَّقوى، وَهُوَ دينكُمْ فانصروه، وجواركم الْغَرِيب فَلَا تخفروه، وسبيل الرشد قد وضح فاستبصروه. الْجِهَاد الْجِهَاد فقد تعين. الْجَار الْجَار، فقد قرر الشَّرْع حَقه وَبَين، الله الله فِي الْإِسْلَام. الله الله فِي أمة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام. الله الله فِي الْمَسَاجِد المعمورة بِذكر الله، الله الله فِي وَطن الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، فقد اسْتَغَاثَ بكم الدّين فأغيثوه، وَقد تَأَكد عهد الله وحاشاكم أَن تنكثوه. أعينوا
(2/61)

إخْوَانكُمْ بِمَا أمكن من إِعَانَة، أعانكم الله عِنْد الشدائد. جردوا عوائد الحمية يصل الله لكم جميل العوائد. صلوا رحم الْكَلِمَة. وَاسَوْا بِأَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالكُمْ تِلْكَ الطوائف الْمسلمَة. كتاب الله بَين أَيْدِيكُم، وألسنة الْآيَات تناديكم، وَالله سُبْحَانَهُ يَقُول فِيهِ: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم} ، وَسنة رَسُول الله قَائِمَة فِيكُم. وَمِمَّا صَحَّ عَنهُ [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] ، من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله، حرمهَا الله على النَّار. لَا يجْتَمع غُبَار فِي سَبِيل الله ودخان جَهَنَّم. من جهز غازيا فِي سَبِيل الله، فقد غزا، أدركوا أرمق الدّين قبل أَن يفوت. بَادرُوا عليل الْإِسْلَام قبل أَن يَمُوت. احْفَظُوا وُجُوهكُم مَعَ الله يَوْم يسلكم عَن عباده، جاهدوا فِي سَبِيل الله بالأنفس وَالْأَمْوَال، والأقوال حق جهاده.
(مَاذَا يكون جوابكم لنبيكم ... وَطَرِيق هَذَا الْعذر غير ممهد)

(إِن قَالَ لم فرطتم فِي أمتِي ... وتركتموهم لِلْعَدو المعتد)

(تالله لَو أَن الْعقُوبَة لم تخف ... لكفا الحيا من وَجه ذَاك السَّيِّد)

اللَّهُمَّ أعطف علينا قُلُوب الْعباد. اللَّهُمَّ بَث لنا الحمية فِي الْبِلَاد. اللَّهُمَّ دَافع عَن الْحَرِيم الضَّعِيف وَالْأَوْلَاد. اللَّهُمَّ انصرنا على أعدائك، بأحبابك وأوليائك يَا خير الناصرين. اللَّهُمَّ أفرغ علينا صبرا، وَثَبت أقدامنا وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين. وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، وعَلى آله وَصَحبه، وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا إِلَى يَوْم الدّين، يَا رب الْعَالمين.
(2/62)

ووصلني كتاب السُّلْطَان رَضِي الله عَنهُ يعرف بِفَتْح أطريرة واستيلائه عَلَيْهَا عنْوَة وَذَلِكَ بِخَط يَده، فَعرفت من أهل حَضرته الَّذين أعجلهم إسراع الْحَرَكَة عَن اللحاق بِهِ
أَيهَا النَّاس، ضاعف الله بمزيد النعم سروركم، وتكفل بِلُطْفِهِ الْخَفي فِي هَذَا الْقطر الْغَرِيب أُمُوركُم. أبشركم بِمَا كتبه سلطانكم السعيد عَلَيْكُم، المترادفة بَين الله وسعادته نعم الله عَلَيْكُم، أمتع الله الْإِسْلَام بِبَقَائِهِ وأيده على أعدائه، وَنَصره فِي أرضه بملائكة سمائه، وَإِن الله فتح لَهُ الْفَتْح الْمُبين، وأعز بحركة جهاده الدّين، وبيض وُجُوه الْمُؤمنِينَ، وأظفره بأطريرة الْبَلَد الَّذِي فجع الْمُسلمين بأسراهم فجيعة تثير الحمية، وتحرك النُّفُوس الأبية، وانتقم الله مِنْهُم على يَده، وبلغه من استيصالهم غَايَة مقْصده، فَصدق من الله لأوليائه على أعدائه، الْوَعْد والوعيد، وَحكم بإبادتهم المبدي المعيد، وَكَذَلِكَ أَخذ رَبك إِذا أَخذ الْقرى وَهِي ظالمة، إِن أَخذه أَلِيم شَدِيد، وَتحصل من سَبْيهمْ، بعد مَا رويت السيوف بدمائهم، أُلُوف عديدة، لم يسمع بِمِثْلِهَا فِي المدد المديدة، وَلَا فِي العهود الْبَعِيدَة، وَلم يصب من إخْوَانكُمْ الْمُسلمين عدد يذكر، وَلَا رجل مُعْتَبر. فتح هنى، وصنع سنى، ولطف خفى، ووعد وَفِي، فاستبشروا بِفضل الله وَنعمته، وثقوا على الافتقار والانقطاع برحمته، وَقَابَلُوا نعمه بالشكر يزدكم، واستنصروا فِي الدفاع عَن دينكُمْ، ينصركم ويؤيدكم، واغتبطوا بِهَذِهِ الدولة الْمُبَارَكَة الَّتِي لم تَعْدَمُوا من الله مَعهَا عَيْشًا خصيبا، وَلَا رَأيا مصيبا، وَلَا نصرا عَزِيزًا، وفتحا قَرِيبا، وَتَضَرَّعُوا فِي بَقَائِهَا، وَنصر لوائها، لمن لم يزل سميعا للدُّعَاء مجيبا. وَالله عز وَجل يَجْعَل البشائر الفاشية فِيكُم عَادَة، وَلَا يعدمكم وَلَا للْوَلِيّ الْأَمر، تَوْفِيقًا
(2/63)

وسعادة. وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. من مبلغ ذَلِك إِلَيْكُم ابْن الْخَطِيب
ظهاير الْأُمَرَاء والولاة

صدر عني لشيخ الْغُزَاة بالحضرة الْعلية أبي زَكَرِيَّا يحيى بن عمر بن رحو لأوّل دولة أَمِير الْمُسلمين السُّلْطَان أبي عبد الله بن نصر رَضِي الله عَنهُ
هَذَا ظهير كريم، مَنْزِلَته فِي الْمظهر الْكَرِيمَة منزلَة المعتمدية فِي الظّهْر الْكِرَام. أطلع وَجه التَّعْظِيم سَافر القسام، وَعقد راية الْعِزّ السامية الْأَعْلَام، وجدد كريم المتات. وقديم الذمام، وانتضى للدّين عَن حوزة الدّين حساما، هز بمضائه صدر الحسام، فأعلى تجديده بشد أزر الْملك، ومناصحة الْإِسْلَام، وأعرب عَن الاعتنا الَّذِي لَا تخلق جدته اللَّيَالِي وَالْأَيَّام. أَمر بِهِ الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر، أيد الله أمره، وأعز نَصره، لوَلِيِّه الَّذِي هُوَ عماد سُلْطَانه، وَوَاحِد خلصانه، وَسيف جهاده، وَرَأس أولى الدفاع من بِلَاده، وعضد ملكه، ووسطى سلكه: الشَّيْخ الكذا ابْن الشَّيْخ الكذا زَاد الله مجده علوا، وَقدره سموا، وجهاده ثَنَا متلوا. لما كَانَ مَحَله من مقَامه الْمحل الَّذِي تتقاصر عَنهُ أبصار الأطماع، فترتد خاسرة، وَكَانَ للدفاع عَن دولته يدا باطشة، ومقلة باصرة، فَهُوَ ملك أمورها، وَارِدَة أَو صادرة، وَسيف جهادها الَّذِي أَصبَحت بمضائها ظافرة، وعَلى أعدائها ظَاهِرَة، وَكَانَ لَهُ الصيت الْبعيد، والرأي السديد الحميد، والحسب الَّذِي يَلِيق بِهِ التمجيد، وَالْقدر الَّذِي سما مِنْهُ الْجد، وعرفه بِهِ الْقَرِيب والبعيد، وَالْجهَاد الَّذِي صدق فِي قَوَاعِده، كالاجتهاد والتقليد، فَإِن قاد جَيْشًا أبعد غارته، وَإِن دبر أمرا أحكم إدارته، مستظهرا بالجلال الَّذِي لبس شارته، فَهُوَ وَاحِد الزَّمَان، وَالْعدة
(2/64)

الرفيعة، من عدد الْإِيمَان، وَمن لَهُ بِذَاتِهِ وسلفه علو الشان، وسمو الْمَكَان، والحسب الوثيق الْبُنيان، ولبيته الْكَرِيم من نجد حق السَّابِقَة فِي ولَايَة هَذِه الأوطان، والمدافعة عَن حوزة الْملك، وَحمى السُّلْطَان، إِن فوخر، فاصدعوا بالمفاخر الْمَعْلُومَة، ومتوا إِلَى ملك الْمغرب ببنوة العمومة، وتزينوا من خُيَلَاء الْعِزّ بالتيجان الْمَنْظُومَة، فهم سيوف الدّين، وأبطال الميادين، وأسود العرين، ونجوم سَمَاء بني مرين. وَكَانَ سلفه الْكَرِيم رَضِي الله عَنهُ يستضيء من رَأْيه بالشهاب الثاقب، ويحله من بِسَاط تقريبه أَعلَى الْمَرَاتِب، ويستوضح كنه جَمِيع الْمذَاهب، ويستظهر بِصدق دفاعه على جِهَاد الْعَدو المكاذب، وَيرى أَن عز دولته وَسيف صولته، وذخيرة فخره، وسياج أمره، جدد لَهُ هَذِه الرتب تجديدا صير الْغَايَة مِنْهَا ابتدا، واستأنف بِهِ أعلا، وَلم يدّخر بِهِ حظوة، وَلَا اعتنا. وَحين صير الله إِلَيْهِ ملك الْمولى أَبِيه بمظاهرته ورأيه، وقلده قلادة الْملك الْأَصِيل وراثة آبَائِهِ، وَحمد سَعْيه بعد أَن سبق الألوف إِلَى الْأَخْذ بثأره، وعاجلت البطشة الْكُبْرَى يَد ابتداره، وأردى بِنَفسِهِ الشقى الَّذِي سعى فِي تبديد الْإِسْلَام وإطفاء أنواره، على تعدد خلصان الْملك يَوْمئِذٍ، وتوفر أنصاره، فاستقر الْملك فِي قراره، وانسحب السّتْر على مَحَله. وامتد ظلّ الْحِفْظ على دَاره. عرف وَسِيلَة هَذَا الْمقَام الَّذِي قامه، والوفا الَّذِي رفع أَعْلَامه، فَألْقى إِلَيْهِ فِي مُهِمّ الْأُمُور بالمقاليد، وألزمه مُلَازمَة الْحُضُور مَجْلِسه السعيد، وَشد يَد الِاغْتِبَاط على قربه مستمنحا مِنْهُ بِالرَّأْيِ السديد، ومستندا من وده إِلَى الرُّكْن الشَّديد، وأقامه بِهَذِهِ الجزيرة الأندلسية عماد قومه، فَهُوَ فيهم يعسوب الكتيبة، ووسطى العقد الفريد، وفذلكة الْحساب، وَبَيت القصيد، فدواره مِنْهُم للشريد مأوى الطريف والتليد، وَالْكَفِيل بِالْحُسْنَى والمزيد. يقف بِبَابِهِ أمراؤهم، ويركض خَلفه كبراؤهم، مجددا من ذَلِك مَا عقده سلفه من تَقْدِيمه، وأوجبه مزية حَدِيثَة وقديمة. فَهُوَ شيخ الْغُزَاة على اخْتِلَاف
(2/65)

قبائلهم، وتشعب وسائلهم، تتفاضل دَرَجَات الْقبُول عَلَيْهِم بتعريفه، وتشرف أقداره لديهم بتشريفه، وَتثبت واجباتهم بتقديره، وينال لَهُم الْمَزِيد بتحقيقه للغنا مِنْهُم وَتَقْرِيره، فَهُوَ بعده، أيده الله، قبْلَة آمالهم، وميزان أَعْمَالهم، والأفق الَّذِي يصوب من سَحَاب رفده غمام نوالهم، وَالْيَد تستمنح عَادَة أطعمتهم وَأَمْوَالهمْ، فليتول ذَلِك عَظِيم الْقدر، منشرح الصَّدْر، حَالا من دارة حشمهم مَحل الْقلب من الصَّدْر، متألقا فِي هالته تألق الْبَدْر، صادعا بَينهم باللغات الزناتية، الَّتِي تدل على الْأَصَالَة العريقة، وَاللِّسَان الْحر. وَهُوَ إِن شَاءَ الله الحسام الَّذِي لَا يُنَبه على الضريبة، وَلَا يزِيدهُ حسنا جلب الحلى العجيبة، حَتَّى يشْكر الله والمسلمون اغتباط مقَامه بِمثلِهِ، ويربى بره على من أسس بره من قبله، ويجتنى الْملك ثَمَرَة تقريبه من مَحَله. وَمن وقف على الظهير الْكَرِيم من الْغُزَاة أساد الكفاح: ومعتلقى السيوف، ومعتقلي الرماح، كماة الهيجاء، وحماة البطاح، حَيْثُ كَانُوا من موسطة ثغر، وَمن أقيم من موسطة ثغر، وَمن أقيم فِي رسم من الْجِهَاد أَو أَمر أَن يعلمُوا قدر هَذِه الْعِنَايَة المشرقة وَالْيَد المنطلقة، والحظوة المتألقة، فَتكون أَيْديهم فِيمَا قلدوا رده ليده، وعزائمهم متجهة إِلَى مقْصده فقدره فَوق الأقدار، وَأمره الَّذِي هُوَ نَائِب أمره، مُقَابل بالابتدار، على توالي الْأَيَّام، وتعاقب الْأَعْصَار.
وَصدر عني ظهير شيخ الْغُزَاة أَيْضا أبي الْحسن عَليّ بن بدر الدّين رَحْمَة الله عَلَيْهِ
هَذَا ظهير كريم، مَنْزِلَته من الظهائر، منزلَة الْمُعْتَمد بِهِ من الظهرا، وَمحله من الصكوك الصادرة عَن أعاظم الْمُلُوك، مَحَله من أولى الرَّايَات الخافقة العذبات والآراء. فتح على الْإِسْلَام، من بعد الْإِبْهَام أَبْوَاب السرا، وراق طرازا مذهبا على عاتق الدولة الغرا، وأعمل عوامل الْجِهَاد فِي طَاعَة رب الْعباد، مُنَازعَة لأهل
(2/66)

الْكفْر والعناد من بَاب الإعمال والإغراء، أَمر بِهِ فلَان لصدر صُدُور أودائه، وحسامه الْمَشْهُور على أعدائه، ووليه الَّذِي خبر صدق وفائه، وجلى فِي مضمار الخلوص لَهُ، مغبرا فِي وُجُوه الكفايه، شيخ شُيُوخ الْمُجَاهدين، وقائد كتائبه المنصورة إِلَى غَزْو الْكَافرين والمعتدين، وعدته الَّتِي يدافع بهَا عَن الدّين، وسابق وده المبرز فِي الميادين، الشَّيْخ الكذا، أبي فلَان بن فلَان، وصل الله سعده، وحرس مجده، وبلغه من مُظَاهرَة دولته ومؤازرة خِلَافَته قَصده. رفع قبَّة الْعِنَايَة والاختبار، على عماد، وأشاد بدعوة التَّعْظِيم سمعا كل حَيّ وجماد، وقابل السَّعْي الْكَرِيم بإحماد، وَأورد من الْبر غير ثماد، وَاسْتظْهر بالوفا الَّذِي لم يسْتَتر ناره برماد، وَلَا قصرت جياده عَن بُلُوغ آماد، وقلد سيف الْجِهَاد عاتق الْحسب اللّبَاب، وأعلق يَد الِاسْتِظْهَار بأوثق الْأَسْبَاب، واستغلظ على الْأَعْدَاء بِأحب الأحباب، لما قَامَت لَهُ الْبَرَاهِين الصادقة. على كريم شيمه، ورسوخ قدمه، وجنى مِنْهُ عِنْد الشدَّة ثَمَرَة مَا أولاه من نعمه، قَابل كرام ذممه، وَعِظَام خدمه، وَشد يَده على عَهده، الَّذِي عرفه حِين انتكث العقد، وأخف المعتقد، واستأسد النغد، وتنكر الصّديق، وَفرق الْفَرِيق، وسدت عَن النُّصْرَة الطَّرِيق، فأثقل لَهُ ميزَان الْمُكَافَأَة، وسجل لَهُ رسم المصافاة، وَجعله يَمِين الْملك الَّذِي بِهِ يناضل، ويقاطع ويواصل، وَسيف الْجِهَاد الَّذِي يحيى بمضائه، حوزة الْبِلَاد، ومرآة النصح الَّذِي يتجلى بِهِ وُجُوه الرشاد. فقدمه أَعلَى الله قدمه، وشكر نعمه، وأسعده فِيمَا يممه، وَنشر بالنصر علمه. شيخ الْغُزَاة بِحَضْرَتِهِ الْعلية، ومساير بِلَاده النصرية، ترجع الْقَبَائِل والأشياخ إِلَى نظره، فِي السكنات والحركات، ويبتدر على يَده من مقامنا الْكَرِيم غمائم البركات، وتقرر وسائلها بوساطة حظوته، وتقصر خطاها، اعترافا بِحقِّهِ الْوَاجِب عَن حظوته، فَعَلَيهِ تَدور أفلاك جَمَاعَتهمْ كلما اجْتَمعُوا وائتلفوا، وبحجة فَضلهمْ يَزُول إشكالهم مهمى اخْتلفُوا، وبلسانه
(2/67)

الْمُبين، يُقرر لَهُم مَا أسلفوا، وَفِي كنف رعيه. ينشأ من أعقبوا من النشء وخلفوا، وبأقدامه تنهض أَقْدَامهم مهمى توقفوا، فَهُوَ يعسوب كتائبهم الملتفة، وفرنان قطعهم المصطفة، وَسَهْم جوارحهم الفارهة، وَعين عيونهم النابهة، [وَتَأْويل أُمُورهم المتشابهة] عَن نظره، يردون وَيَصْدُرُونَ. وبإشارته يرشون ويبرزون، وآثاره يقتفون. وبتلعة، دواره [المرينى] فِي خدمَة مقامنا النصرى يقفون، فَهُوَ الَّذِي لَا تأنف أَشْرَاف الْقَبَائِل من اقتفا آثاره. وَلَا تجْهَل رفْعَة مِقْدَاره، فليبتد المزية بِالْحَقِّ، المستوحية للفخر لسابقة السَّعَادَة لعبد الْحق، ولذاته قصب السَّبق، ولوفائه الشُّهْرَة فِي الغرب والشرق. فليتول ذَلِك، تولاه الله. منشرحا بالعز صَدره، مشرقا من شمس سعادته بدره، مَعْرُوفا حَقه، مُعظما قدره، فَهِيَ خطة قومه، وفريسة حومه، وطية أمسه ويومه، وكفو خطته، ومرمى رتبته، وحلى جيده، ومظهر توفيقه وتسديده، مُطلقًا من عنان الثنا على الْغِنَا، معاملا بصديق الإطراء لِذَوي الأراء، مُتَعَمدا الإغضا هفوات المضا، مُعَرفا بالقبائل والعشائر والفضائل، كلما وفدوا من الْآفَاق للاستلحاق مِنْهَا على مظان الِاسْتِحْقَاق، مطبقا على الطباق، متميزا لجهادها يَوْم السباق، حَرِيصًا على إِنَّمَا الْأَعْدَاد، مطبقا مفاصل السداد، محتاطا على الْأَمْوَال الَّتِي يملى بهَا أكف الجباية، ضروع الْعباد، وَاضِعا مَال الله حَيْثُ وَضعه الْحق من الْوَرع والاستزاد، سِيمَا فِي هَذِه الْبِلَاد، حَتَّى تعظم المزايا والمزاين، وتتوفر الْكَتَائِب والخزائن، ويبهج السَّامع وَيسر المعاين، وَيظْهر الْفضل على من تقدم، وَعند الله يجد كل مَا قدم، فَهِيَ قلادة الله الَّتِي لَا يضيع من أضاعها، ويوفى صاعها، ويرضى من أعمل فِيهَا أوامره وأطاعها. وَهُوَ وصل الله سعادته، وحرس مجادته،
(2/68)

أولى من لاحظ ضرارها، وَشد مزارها، واستطلع من ثنايا التَّوَكُّل على الله بشايرها، سنا وحسبا وجدا، وَأَبا وجدا وشبا، ونجدة وضحت مذهبا، وعَلى الْغُزَاة وفر الله جموعهم، وأنجد تَابعهمْ ومتبوعهم، أَن يعرفوا قدر هَذَا التَّعْظِيم، الَّذِي خَفَقت أَعْلَامه، وَصحت أَحْكَامه، والاختصاص الَّذِي لطف مَحَله، والاعتقاد الْكَرِيم الَّذِي صفى ظله، ليَكُون من إِيجَاب حَقه حَيْثُ حد ورسم، وَخبر ووصم، لَا يتَخَلَّف أحد مِنْهُم فِي خدمته، أيده الله على إِشَارَته الموفقة، وَلَا يشذ عَن رياسته الْمُطلقَة، بحول الله وقوته. وَكتب فِي كَذَا.
وَمن ذَلِك ظهير أمليته للشَّيْخ الْأَجَل أبي الْعلي إِدْرِيس رَحْمَة الله عَلَيْهِ
هَذَا ظهير كريم أطلع الرِّضَا وَالْقَبُول صباحا، وَأَنْشَأَ للعناية فِي جو الْوُجُود من بعد الركود رياحا، وأوسع الْعُيُون قُرَّة، والصدور انشراحا، وهيأ للمعتمد بِهِ مغدا فِي السَّعَادَة ومراحا. وهز مِنْهُ سَيْفا عتيقا يفوق اخْتِيَارا، ويروق التماحا، وولاه رياسة الْجِهَاد بالقطر الَّذِي تقدّمت الْولَايَة فِيهِ لسلفه فنال عزا شهيرا، وازداد مجدا صراحا، وَكَانَ ذَلِك لَهُ إِلَى أَبْوَاب السَّعَادَة مفتاحا. أَمر بِهِ وأمضاه، وَأوجب الْعَمَل بِحَسبِهِ وَمُقْتَضَاهُ الْأَمِير فلَان، لوَلِيِّه فِي الله، الَّذِي كَسَاه من جميل اعْتِقَاده حللا، وَأوردهُ من عذب رِضَاهُ منهلا، وعرفه عوارف قبُوله، مفصلا خطابها ومجملا، الشَّيْخ الكذا أَبُو الْعلي إِدْرِيس بن الشَّيْخ الكذا أبي سعيد عُثْمَان بن أبي الْعلي، وصل الله لَهُ أَسبَاب سعادته، وحرس اكناف مجادته، وأجراه من ترفيع المكانة لَدَيْهِ على أجمل عَادَة سلفه وعادته. لما كَانَ لَهُ الْقدر الْجَلِيل، وَالْمجد الأثيل، وَالذكر الْجَمِيل، والفضائل الَّتِي كرم مِنْهَا الْإِجْمَال وَالتَّفْصِيل، وأحرز قصب السَّبق بِذَاتِهِ، إِذا ذكر الْمجد الطَّوِيل العريض، وَكَانَ قد أعمل الرحلة إِلَيْهِ، يحدوه إِلَى خدمته التأميل، ويبوء بِهِ الْحبّ الَّذِي وضح
(2/69)

مِنْهُ السَّبِيل، وعاقه عَنهُ الْوَاقِع الَّذِي تبين فِي عذره الْجَمِيل، ثمَّ خلصه الله من ملكه الْكفْر الَّذِي قَامَ بِهِ على عنايته الدَّلِيل، قابله بِالْقبُولِ والإقبال، وفسح لَهُ ميدان الرِّضَا رحب المجال، وَصرف إِلَيْهِ وَجه الِاعْتِدَاد بمضائه رائق الْجمال، سافرا عَن بُلُوغ الآمال، وأواه من خدمته إِلَى ربوة منيعة الأرجاء وارفة الظلال، وَقطع عَنهُ الأطماع بِمُقْتَضى همته الْبَعِيدَة المنال، ثمَّ رأى، وَالله ينجح رَأْيه، ويشكر فِي سَبِيل الله عَن الْجِهَاد سَعْيه، أَن يستظهر بمضائه، ويصل لَدَيْهِ عوارف آلائه، ويعمر بِهِ رتب آبَائِهِ، فقدمه، أَعلَى الله قدمه، وشكر آلاءه ونعمه، شيخ الْغُزَاة الْمُجَاهدين، وكبير أولى الدفاع عَن الدّين، بِمَدِينَة مالقة حرسها الله، أُخْت حَضْرَة ملكه، وثانية الدرة الثمينة من سلكه وَدَار سلفه، وقرارة مجده، والأفق الَّذِي تألق مِنْهُ نور سعده، رَاجعا إِلَيْهِ نظر الْقَوَاعِد الغريبة، رندة وذكوان وَمَا إِلَيْهَا، رُجُوع الِاسْتِقْلَال والاستبداد، والعز الفسيح المجال الْبعيد الآماد، يَقُود جَمِيعهَا إِلَى الْجِهَاد، عَاملا على شاكلة مجده فِي الإصدار والإيراد، حَتَّى يظْهر على تِلْكَ الْجِهَات الْمُبَارَكَة آثَار الحماية والبسالة، وَيعود لَهَا عهد المجادة وَالْجَلالَة، وتتزين ملابس الإيالة، وَهُوَ يعْمل فِي ذَلِك الْأَعْمَال الَّتِي تلِيق بالمجد الْكَرِيم، والحسب الصميم، حَتَّى يَنْمُو عدد الحماة، ويعظم آثَار الْأَبْطَال الكماة، وَتظهر ثَمَرَة الاختبار، ويشمل الْأَمْن جَمِيع الأقطار، وتنسحم عَنْهَا أطماع الْكفَّار، وعَلى من يقف عَلَيْهِ من الفرسان، وفر الله أعدادهم، وأعز جهادهم، أَن يَكُونُوا ممتثلين فِي الْجِهَاد لأَمره، عارفين بِقَدرِهِ ممضين فِيمَا ذكر بِحكمِهِ، واقفين عِنْد حَده ورسمه، وعَلى سواهُم من الرعايا والخدام، والولاة والحكام، أَن يعرفوا قدر هَذَا الاعتنا الْوَاضِح الْأَحْكَام، وَالْبر الْمشرق القسام، فيعاملوه بِمُقْتَضى الإجلال وَالْإِكْرَام، والترفيع والإعظام. على هَذَا يعْتَمد، وبحبسبه (؟) يعْمل. وَكتب فِي كَذَا.
(2/70)

وأمليت ظهيرا للأمير أبي زيد بن عمر نَصه أَيْضا
هَذَا ظهير كريم، بلغ فِيهِ الِاخْتِيَار، الَّذِي عضده الاختبار، إِلَى أقْصَى الْغَايَة، وَجمع لَهُ الْوِفَاق الَّذِي خدمه الْبَحْث والاتفاق، والأهلية الَّتِي شهِدت بهَا الْآفَاق، بَين تجمع الرَّأْي، وَنصر الرَّايَة، وأنتجت بِهِ مُقَدمَات الْوَلَاء نتيجة هَذِه الرُّتْبَة السامية، الْعلَا وَالْولَايَة، وَاسْتظْهر من الْمُعْتَمد بِهِ على قصد الْكَرِيم فِي سَبِيل الله ومذهبه، بليث من لُيُوث أوليائه، شَدِيد الْوَطْأَة على أعدائه والنكاية، وَفرع من فروع الْملك الْأَصِيل. مَعْرُوف الْأُبُوَّة والإباية، لتتضح صفحة النَّصْر الْعَزِيز، وَالْفَتْح الْمُبين، مجلية الْآيَة، وتدل بداءات هَذِه الدولة، الرافعة لمعالم الدّين، المؤيدة فِي الْأَفْعَال والأقوال، بمدد الرّوح الْأمين على شرف النِّهَايَة. أصدر حكمته وأبرم حكمه، وَقرر حَده الْمَاضِي ورسمه، عبد الله الْغَنِيّ بِاللَّه، مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر، عضد الله كتايبه. وَكتب عضده، وَيسر فِي الظُّهُور على أَعدَاء الله قَصده، لوَلِيِّه المستولى على ميادين حَضرته وإيثاره، الفائز بالقدح الْمُعَلَّى من إجلاله وإكباره، ظهير استنصاره وَسيف جهاده، الْمعد ليَوْم ضريبته وَيَوْم افتخاره، ويعسوب قبائل الْغُزَاة بأصقاعه الجهادية وأقطاره. الْأَمِير الكذا ابْن الْأَمِير الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا، وصل الله أَسبَاب سعده، وأنجز للْمُسلمين بمظاهرته إِيَّاه على الْكَافرين سَابق وعده، لما وَقد على بَابه الْكَرِيم، مؤثرا عَمَّا كَانَ بسبيله من جواره، ملقيا بمحله الجهادي عصى تسياره، مفضلا مَا عِنْد الله على رحب أوطانه وأنصاره، شِيمَة من أسْرع إِلَى خير الْآخِرَة ببداره، قبل اكتمال هلاله وإبداره، وعَلى انبعاث أمله واستقامة مَدَاره، قَابل أيده الله وفادته، بِالْقبُولِ الممنوح، والصدر المشروح، وَجعل لَهُ الشّرْب المهنإ فِي مناهل الصَّنَائِع الَّتِي صنع الله لملكه والفتوح، وَلم
(2/71)

يدّخر عَنهُ تَقْرِيبًا يقف الْأَوْلِيَاء دون مداه، وترفيعا تشهد بِهِ محافل الْملك ومنتداه، إِلَى أَن ظَفرت بِحَقِيقَة الْمُوَالَاة الْكَرِيمَة يَدَاهُ. ثمَّ استظهر بِهِ على أَعدَاء الله وعداه، فوفى النصح لله وَأَدَّاهُ، وأضمره وأبداه وتحلى بالبسالة وَالْجَلالَة وَالطَّهَارَة اللائقة بِمنْصب الْإِمَارَة فِي مراحه ومغداه، حَتَّى اتّفقت الْأَهْوَاء على فَضله وعفافه، وَكَمَال أَوْصَافه، وَظَهَرت عَلَيْهِ مخائل أسلافه. ثمَّ رأى الْآن، سدد الله رَأْيه، وشكر عَن الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين سَعْيه، أَن يوفد ركائب الِاعْتِقَاد على جنابه، ويفسح ميدان الِاسْتِظْهَار، بِحسن مَنَابه، ويصل أَسبَابه بأسبابه، ويضاعف بولايه الصَّادِق اهتمامه، ويقيمه فِي قَود عَسَاكِر الْجِهَاد الْبر مقَامه. فأضفى ملابس وده عَلَيْهِ، وَجعله فاتح أَبْوَاب الْجنَّة بِفضل الله بَين يَدَيْهِ، وأجراه مجْرى عضده، الَّذِي يتَصَدَّق عَنهُ الضريبة فِي المجال، وسيفه الَّذِي يفرج بِهِ مضايق الْأَهْوَال، ونصبه للقبائل الجهادية، قبله فِي مناصحة الله ومناصحة مَشْرُوعَة، وَرَايَة سعيدة فِي مظاهرته متبوعة، وَعقد لَهُ الْولَايَة الجهادية الَّتِي لَا تعدل بِولَايَة، وَلَا توازن عناية الْمُعْتَمد بهَا عناية، يشْهد بصراحة نَسَبهَا الدّين، ويتحلى بحلى غرتها الميادين. وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله نحلة نَبِي الْأمة وَمن بعده من الْأَئِمَّة، لَا سِيمَا فِي هَذَا الْقطر المتأكد الأذمة لأولى الدّين والهمة، فيتول ذَلِك تولى مثله، وَإِن قل وجود مثله، جَارِيا على سنَن مجده وفضله، سائرا من رضى الله على أوضح سبله، مُعْتَمدًا عَلَيْهِ فِي الْأَمر كُله. وليعلم أَن الَّذِي يخلق مَا يَشَاء ويختار، قد هيأ لَهُ من أمره رشدا، وسلك بِهِ طَرِيقا سددا، وَاسْتَعْملهُ الْيَوْم فِيمَا يحظه غَدا، وَجعل حَظه الَّذِي عوضه نورا وَهدى، وَأبْعد لَهُ فِي الصَّالِحَات مدا. ولينظر فِيمَن لَدَيْهِ من الْقَبَائِل الموفورة، والجموع المؤيدة المنصورة، نظرا يرِيح من الْعِلَل ويبلغ الأمل، ويرعى المهمل، وَيحسن القَوْل، وينجح الْعَمَل، منبها على أهل الْغِنَا والاستحقاق، مُسَددًا لعوائد الأرزاق، مُعَرفا بالغرباء الواردين
(2/72)

من الْآفَاق، مُطيعًا مِنْهُم للطباق، متغمدا للهفوات بِحسن الْأَخْلَاق، مستجيدا للأسلحة والكراع، مبادرا هيآت الصَّرِيخ بالإسراع، مستدعيا للمشورة الَّتِي يَقع الحكم فِيهَا على حُصُول الْإِجْمَاع، رَفِيقًا بِمن ضعف عَن طول الباع، محتاطا على الْإِسْلَام فِي مَوَاقِف الدفاع [مقدما عِنْد اتجاه الأطماع صَابِرًا فِي المضايق على الفراع] مُتَقَدما للأبطال بالاصطناع. مُقَابلا نصائح أولى الْخِبْرَة بالاستماع، مُسْتَعْملا فِي الحروب من وُجُوه الخداع، حَتَّى يكون عمله وفْق شهرته الْبَعِيدَة المطار، وَسيرَته فِيمَا أسْند إِلَيْهِ مثلا فِي الأقطار، واستقامة التَّدْبِير على يَدَيْهِ، ذَرِيعَة إِلَى إرغام أنوف الْكفَّار، بِقُوَّة الله وَحَوله، وعزته وَطوله، وعَلى الْغُزَاة بالحضرة الْعلية، وَسَائِر الْبِلَاد النصرية من بني مرين، وَسَائِر قبائل الْمُجَاهدين، أَن يعرفوا قدره، ويمتثلوا فِي مرضاتنا أمره، ويكونوا مَعَه يدا وروحا وجسدا، وسعيا وعضدا، فبذلك يشملهم من الله، وَمن مقامنا، الرِّضَا وَالْقَبُول، والعز الْمَوْصُول، ويمضى فِي عَدو الله النصول، ويتأتى على خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة الْحُصُول إِن شَاءَ الله. وَمن وقف عَلَيْهِ، فَيعرف مَا لَدَيْهِ. وَكتب فِي كَذَا.
وَاقْتضى نظر السُّلْطَان أعزه الله أَن قدم وَلَده على الْجَمَاعَة الْكُبْرَى من جَيش الْغُزَاة بِحَضْرَتِهِ الْعلية عِنْد قَبضه على يحيى بن عمر. فَكتبت فِي ذَلِك ظهيرا كَرِيمًا نَصه:
هَذَا ظهير كريم فاتح بنير الألوية والبنود، وقود العساكر والجنود، وأجال فِي ميدان الْوُجُود [جنَاح الْبَأْس والجود] وأضفى ستر الحماية والوقاية بالتهائم والنجود، على الطائفين والعاكفين والركع وَالسُّجُود، عقد للمعتمد بِهِ عقد الشريف، وَالْقدر المنيف، زاكي الشُّهُود، وَأوجب المنافسة بَين مجَالِس
(2/73)

السُّرُوج ومضاجع المهود، وسبر السيوف فِي الغمود، وَأَنْشَأَ ريح النَّصْر آمِنَة من الخمود، أمضى أَحْكَامه، وأنهد الْعِزّ أَمَامه، وَفتح عَن نصر السُّعُود كمامه، أَمِير الْمُسلمين عبد الله، الْغَنِيّ بِاللَّه، مُحَمَّد بن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين وناصر الدّين أبي الْحجَّاج. ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر، أيده الله وَنَصره، لكبير وَلَده وسابق عَهده وَرَيْحَانَة خلده، وياقوتة الْملك على يَده، الْأَمِير الْكَبِير، الطَّاهِر الظَّاهِر الْأَعْلَى، وَاسِطَة السلك، وهلال سَمَاء الْملك، ومصباح الظُّلم الحلك، ومظنة الْعِنَايَة الأزلية، من مُدبر [الْملك، ومجري] الْفلك، عنوان سعده، وحسام نَصره، وعضده وسمى جده، وسلالة فَضله ومجده، السعيد المظفر الْهمام الْأَعْلَى الْمُجَاهِد المؤمل الأرضي أبي الْحجَّاج يُوسُف، ألبسهُ الله من رِضَاهُ عَنهُ حللا لَا تخلق جدَّتهَا الْأَيَّام، وَلَا تبلغ كنهها الأفهام، وبلغه من خدمته المبالغ الَّتِي يسر بهَا الْإِسْلَام، وتسبح فِي بحار صنائعها الأقلام، وحرس معاليها الباهرة بِعَيْنِه الَّتِي لَا تنام. وكنفه بركنه الَّذِي لَا يضام. فَهُوَ الْفَرْع الَّذِي جرى بخصله على أَصله، وارتسم نَصره فِي نصله، واشتمل جده على فَضله، وَشهِدت ألسن خلاله برفعة جَلَاله، وَظَهَرت دلايل سعادته فِي بَدْء كل أَمر وإعادته، لما صرف وَجهه إِلَى ترشيحه لافتراع صِفَات الْمجد الْبعيد المدا، وتوشيحه بِالصبرِ والحلم والبأس والندا، وأرهب مِنْهُ سَيْفا من سيوف الله لضرب هام العدا، وأطلعه فِي سَمَاء الْملك بَدْرًا هدا لمن رَاح وَغدا، وَأَخذه بالآداب الَّتِي تقيم من النُّفُوس أودا، ويبذر الْيَوْم ليجنى غَدا، ورقاه فِي رتب الْمَعَالِي طورا فطورا، وترقى للنبات وَرقا ونورا، ليجده بحول الله يدا باطشة بأعدائه، وَلِسَانًا مجيبا عِنْد ندائه، وطرازا على حلَّة عليائه، وغماما من غمام آلائه، وكوكبا وهاجا بسمائه، وَعقد لَهُ لِوَاء الْجِهَاد على الكتيبة الأندلسية من جنده، قبل أَن ينْتَقل عَن مهده، وظلله
(2/74)

بجناح رايته، وَهُوَ على كتد دَابَّته. واستركب جَيش الْإِسْلَام ترحيبا بوفادته، وتنويها بمجادته، وَأثبت فِي غَرَض الْإِمَارَة النصرية سهم سعادته، رأى أَن يزِيدهُ فِي عنايته ضروبا وأجناسا، وَيتبع أَثَره نَاسا فناسا، قد اخْتلفُوا لِسَانا ولباسا، وَاتَّفَقُوا ابْتِغَاء لمرضات الله والتماسا، مِمَّن كرم انتماؤه، وزينت بالحسب الغر سماؤه، وَعرف غناؤه، وتأسس على المجادة بِنَاؤُه، حَتَّى لَا يدع من الْعِنَايَة فَنًّا إِلَّا جلبه إِلَيْهِ، وَلَا سَعَادَة فَخر إِلَّا جعلهَا فِي يَدَيْهِ، وَلَا حلية عز إِلَّا أضفى ملابسها عَلَيْهِ. وَكَانَ جَيش الْإِسْلَام فِي هَذِه الْبِلَاد الأندلسية، أَمن الله خلالها، وَسكن زِلْزَالهَا، وَصدق فِي رَحْمَة الله الَّتِي وسعت كل شَيْء آمالها، كلف همته، ومرعى أذمته، وميدان جياده، ومتعلق أمد جهاده، ومعراج إِرَادَته إِلَى تَحْصِيل سعادته، وسبيل خلاله إِلَى بُلُوغ كَمَاله. فَلم يدع عِلّة إِلَّا أزاحها، وَلَا طلبة إِلَّا أجال قداحها، وَلَا عَزِيمَة إِلَّا أورى اقتداها، وَلَا رَغْبَة إِلَّا فسح ساحها، أخذا مرونته بالتهذيب، ومصافه بالترتيب [أورى اقتداحها، وَلَا رَغْبَة، إِلَّا فسح ساحها، أَخذ مدونته بالتهذيب ومطافة بالترتيب، وآماله] بالتعريب محسنا فِي تلقي الْغَرِيب [وتأنيس الحريب، مستنجزا لَهُ وَبِه وعد النَّصْر الْعَزِيز وَالْفَتْح الْقَرِيب] وَرفع عَنهُ لهَذَا الْعَهْد، نظر من حكم الِاعْتِرَاض فِي حماته، واستشعر عروق الحسائف لتشذيب كماته، واستقل عَن حسن الوساطة لَهُم بمصلحة ذَاته، وجلب هباته، وتثمير مَاله، وتوفير أقواته، ذَاهِبًا أقْصَى مَذَاهِب التَّعْمِير بأمد حَيَاته، فانفرج الضّيق وخلص [إِلَى حسن نظره]
(2/75)

وساغ الرِّيق، ورضى الْفَرِيق، وَرَأى، وَالله الْكَفِيل بنجح رَأْيه، وشكر سَعْيه، وصلَة حفظه ورعيه، أَن يحمد لَهُم اختيارهم وَيحسن لديهم آثاره، ويستنيب فِيمَا بَينه وَبَين سيوف جهاده، وأبطال جلاده، وحماة أحوازه، وآلات اعتزازه، من يجْرِي مجْرى نَفسه النفيسة فِي كل مغنى، وَمن يكون لَهُ لفظ الْولَايَة، وَله أيده الله الْمَعْنى، فقدمه على الْجَمَاعَة الأولى كبرى الْكَتَائِب، ومقاد الجنائب، وأجمة الْأَبْطَال، ومزنة الودق الهطال، الْمُشْتَملَة من الْغُزَاة على مشيخة آل يَعْقُوب، نسب الْمُلُوك الْكِرَام، وأعلام الْإِسْلَام، وَسَائِر قبائل بني مرين، لُيُوث العرين، وَغَيرهم من اصناف الْقَبَائِل، وَأولى الْوَسَائِل، يحوط جَمَاعَتهمْ، وَيرْفَع بتفقده إضاعتهم، ويستخلص لله، ولأبيه أيده الله، طاعتهم، وتشرق بإمارته مراكبهم، ويزين هلاله الناهض إِلَى الإبدار على فلك سَعَادَة الْإِنْذَار كواكبهم، تَقْدِيمًا اشرق لَهُ وَجه الدّين الحنيف وتهلل، وأحس باقتراب مَا أمل. فللخيل اختيال ومراح، وللأسل السمر اهتزاز وارتياح، وللصدور انْشِرَاح، وللآمال مغدى فِي فضل الله ومراح، فليتول ذَلِك، أسعده الله تولى مثله، فَمن اسرة الْملك أسرته، وأسرة النَّبِي [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] أسرته، وَالْملك الْكَرِيم اصل لفرعه، وَالسَّبَب الْعَرَبِيّ منجد لطيب طبعه، أَخذ أَشْرَافهم بترفيع الْمجَالِس، بِنِسْبَة أقدارهم، مقربا حسن اللقا بإيثارهم، شاكرا غناءهم، مستدعيا ثناءهم، مستدرا لأرزاقهم، موجها المزية بِحَسب استحقاقهم، شافعا لَدَيْهِ فِي رغباتهم المؤملة ووسائلهم المتحملة، مسهلا الْإِذْن لوفودهم المتلاحقة، منفقا لبضائعهم
(2/76)

النافقة، مونسا لغربائهم، مستجلبا أَحْوَال أَهْليهمْ وغربائهم، مُمَيّزا بَين أغفالهم ونبهائهم، وعَلى جَمَاعَتهمْ رعى الله جهادهم، ووفر أعدادهم، أَن يطيعوه فِي طَاعَة الله وَطَاعَة أَبِيه، ويكونوا يدا وَاحِدَة على دفاع أعادي الله وأعاديه، ويشدوا فِي مواقفه الْكَرِيمَة أزره، ويمتثلوا نَهْيه وَأمره، حَتَّى يعظم الِانْتِفَاع، ويثمر الدفاع ويخلص المصال لله والمصاع، فَلَو وجد، أيده الله، غَايَة فِي تشريفهم لبلغها، أَو موهبة لسوغها، لَكِن مَا بعد وَلَده الْعَزِيز عَلَيْهِ مَذْهَب، وَلَا وَرَاء مباشرتهم بِنَفسِهِ مرغب. وَالله منجح الْأَعْمَال، ومبلغ الأمال، وَالْكَفِيل بسعادة الْمَآل. فَمن وقف على هَذَا الظهير الْكَرِيم، فَليعلم مِقْدَار مَا تضمنه من أَمر مُطَاع، وفخر مُسْند إِلَى إِجْمَاع، وَوُجُوب اتِّبَاع. وَليكن خير مرعى لخير رَاع بحول الله. وأقطعه، أيده الله، ليَكُون بعض الْموَاد لازواد سَفَره، ومحاط سَفَره، من جملَة مَا أولاه من نعمه، وسوغه من موارد كرمه، جَمِيع الْقرْيَة المنسوبة إِلَى عرب غَسَّان، وَهِي الْمحلة الأثيرة والمنزلة الشهيرة، تَنْطَلِق عَلَيْهَا أَيدي خُدَّامه وَرِجَاله، جَارِيَة مجْرى صَحِيح مَاله، محررة من كل وظيف لاستغلاله إِن شَاءَ الله، فَهُوَ الْمُسْتَعَان سُبْحَانَهُ. وَكتب فِي كَذَا.
وَفِي ظهير أَخِيه لتقديمه على الكتيبة الثَّانِيَة من جَيش الْغُزَاة
هَذَا ظهير كريم جعل الله لَهُ الْمَلَائِكَة ظهيرا، وَعقد مِنْهُ فِي سَبِيل الله، لِوَاء مَنْصُور، وَأعْطى الْمُعْتَمد بِهِ بِالْيَمِينِ كتابا منشورا، وَمَا كَانَ عَطاء رَبك محذورا، وأطلع صبح الْعِنَايَة المبصرة الْآيَة، يبهر سفورا، ويسطع نورا، واقر عيُونا للْمُسلمين، وَشرح صدورا، ووعد الْأَهِلّة أَن تصير بإمداد شمس الْهدى إِيَّاهَا بدورا، وَبشر الْإِسْلَام بالنصر المنتظر، وَالْفَتْح الرَّائِق الْغرَر مواسطا وثغورا، وأتبع حماة الدّين لِوَاء الْإِمَارَة السعيدة النصرية، فأسعد بِهِ آمرا، وَأكْرم بِهِ
(2/77)

مَأْمُورا. أَمر بِهِ وأمضاه، وَأوجب حكمه وَمُقْتَضَاهُ، الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر، أيد الله أمره، وَأَعْلَى ذكره لقرة عينه وَمُقْتَضى حَقه فِي الْعدَد وَدينه، [وعضد درعه] آيَة لوحه، ودرة قلادته، وذرى أفلاك مجادته، وَسيف نَصره، وهلال قصره، وزينه عصره، ومتقبل هَدْيه ورشده، ومظنة إشراف سعده، وإنجاز وعده، وَلَده الأسعد، وسليل ملكه الْمُؤَيد، الْأَمِير الْأَجَل الْأَعَز الأسمى الْأَسْنَى الأطهر الْأَظْهر الْأَعْلَى، لابس أَثوَاب رِضَاهُ، وَنعمته، ومنحة الله لنصره وخدمته، ومظهر عز نَصره، وَبعد همته، الراضى الْعَالم الْمُجَاهِد، حامي الْحمى، تَحت ظلّ الْإِسْلَام، الَّذِي يَأْمَن بِهِ من إضاعته، المحرز مزايا الْأَعْمَال الطاهرة، حَظّ الشَّهْر فِي يَوْمه، وحظ الْيَوْم فِي سَاعَته، الموقر المهيب، المؤمل، الْمُعظم، أبي النَّصْر سعد، عرفه الله بركَة سعد بن عبَادَة جده، خَال رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] ، وَأعظم بمجده، ووزيره فِي حلّه وعقده، وإجناه ثَمَرَة النَّصْر الَّذِي كناه بِهِ، وَوصل سَببه بسبيه، فَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْده، وأنتج لَهُ الْفَتْح الْمُبين فِي مقدمتي نَصره وعضده. لما صرف وَجه عنايته، فِي هَذِه الْبِلَاد الأندلسية، الَّتِي خلص لله انفرادها وانقطاعها، وتمحص لِأَن تكون كلمة الله الْعليا قراعها، وَصدق مصالها فِي سَبِيل الله ومصاعها، إِلَى مَا يمهد أرجاءها، ويحقق رجاها، من سلم يعْقد، وَلَا يعْدم الحزم مَعَه وَلَا يفقد، وَعَطَاء ينفذ، وَرَأى لَا يتعقب وَلَا ينْقد، وَحرب تتضمر لَهَا الْجِيَاد، وتعتقل الأسل المياد. وَكَانَ الْجَيْش روض أمله الَّذِي فِي جناه يسرح، ومرمى فكره الَّذِي عَنهُ لَا يبرح، فديوانه ديوَان أمانيه، الَّذِي تسهب فِيهِ وتسترح، اسْمَعْهُ من سياسته أوفى الحظوظ وأسفاها، وَقصر عَلَيْهِ
(2/78)

لفظ الْعِنَايَة وَمَعْنَاهَا، فأزاح علله، وَأَحْيَا أمله، وَأَنْشَأَ جذله، وَرفع عَنهُ من لم يبْذل الْحَد لَهُ، وَلَا أخْلص فِيهِ إِلَّا لله عمله، وَاخْتَارَ لقياده مغانيه المنصورة، وإمارة غَزَوَاته المبرورة، أقرب النَّاس إِلَى نَفسه نسبا، وأوصلهم فِيهِ سَببا، وأحقهم بالرتبة المنيفة، والمظاهر الشَّرِيفَة، ذاتا وَأَبا، وحدا وشبا، وَأمره على أَشْرَافهم، وَدلّ بِهِ الإقبال على أعرافه، وَصرف إِلَيْهِ آماله، وَاسْتعْمل فِي إسنة يَمِينه، وَفِي أَعِنَّة شِمَاله، وَعقد عَلَيْهِ ألويته الخافقة لعزة نَصره، وَرَأى الظُّهُور على أَعدَاء الله جنا فهيأه لمصره، وأدار هَالة قتام الْجِهَاد عَن قرب بِالْولادَةِ على بدره وَنبهَ نفوس الْمُسلمين، على جلالة قدره، وَقدمه على الكتيبة الثَّانِيَة من عَسْكَر الْغُزَاة الْمُشْتَملَة على الْأَشْيَاخ من أَوْلَاد يَعْقُوب كبار بني مرين، وَسَائِر قبائلهم الْمُكرمين، وَغَيرهم من الْقَبَائِل المحترمين، يَنُوب عَن أمره، وَعرض مسايلهم، وقرى وافدهم، وأجرى عوايدهم، تَقْدِيمًا تهلل لَهُ الْإِسْلَام، واستبشر وتيقن الظفر، فاستبصر لما علم من استنصر، فليخلصوا لله فِي طَاعَته الْكُبْرَى المطاعة، وليعلقوا ببنان نداه بنان الطَّاعَة، ويؤملوا على يَدَيْهِ نجح الْوَسِيلَة إِلَى مقَامه والشفاعة، ويعلموه أَن اختصاصهم بِهِ هُوَ العنوان على رفع محالهم لَدَيْهِ، وَعزة شَأْنهمْ عَلَيْهِ، فَلَو وجد هضبة أَعلَى لفرعها لَهُم وعلاها، أَو [عزت] عزة مجلاها، أَو قبْلَة أزكى، لصرف وُجُوههم شطرها وولاها، حَتَّى تجني ثَمَرَة هَذَا الْقَصْد، وتعود بالسعد حَرَكَة الرصد، وَتَعْلُو ذؤابة الْمجد، وَتشهد بنصر الدّين على يَده أَلْسِنَة الْغَوْر والنجد بِفضل الله وَعَلِيهِ، أسعد الله الدولة بِاسْتِعْمَالِهِ مكافحا بأعلامها، وزينا لأيامها، وسيفا فِي طَاعَة الله وَطَاعَة إمامها، أَن يقدم مِنْهُم بمجلسه أهل التَّقَدُّم، ويقابل كرامهم بالتكريم، ويستدعي آراء مشايخهم فِي المشكلات من أُمُور الْحَرْب، وَيَقْتَضِي حُقُوق عزايمهم فِي موقف الطعْن وَالضَّرْب، ويتفقدهم بإحسانه عِنْد الْغِنَا، ويقابل حميد سَعْيهمْ بالثنا. على
(2/79)

هَذَا يعْتَمد، وبحسبه يعْمل، وَهُوَ الْوَاجِب الَّذِي لَا يهمل، فَمن وقف عَلَيْهِ، فليتول أمره بالامتثال، وقصده بالإعظام والإجلال، والانقياد الَّذِي يعود بالآمال، ونجح الْأَعْمَال، بحول الله وقوته. وَكتب فِي كَذَا.
وَمن إملائي ظهير قَاضِي الْجَمَاعَة أبي الْحسن بن الْحسن
هَذَا ظهير كريم، أنتج مَطْلُوب الِاخْتِيَار قِيَاسه، وَدلّ على مَا يرضى الله عز وَجل التماسه، أطلع نور الْعِنَايَة يجلو الظلام نبراسه، وَاعْتمد بمثوبة الْعدْل من عرف باقتراع هضبتها ناسه، وَألقى بيد الْمُعْتَمد بِهِ، زِمَام الِاعْتِقَاد الْجَمِيل تروق أَنْوَاعه وأجناسه، وشيد مبْنى الْعِزّ الرفيع فِي قنة الْحسب المنيع، وَكَيف لَا وَالله بانيه، وَالْمجد أساسه. أَمر بِهِ وأمضى الْعَمَل بِحَسبِهِ، الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر، أيد الله أمره، وأعز نَصره لقَاضِي حَضرته الْعلية، وخطيب حمرايه السّنيَّة، الْمَخْصُوص لَدَيْهِ بترفيع المزية، الْمَعْرُوف إِلَيْهِ خطاب الْقَضَاء بإيالته النصرية، قَاضِي الْجَمَاعَة، ومصرف الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة المطاعة، الشَّيْخ الكذا، أبي الْحسن ابْن الشَّيْخ الْوَزير الكذا أبي مُحَمَّد بن الْحسن، وصل الله سعادته، وحرس مجادته، عصب مِنْهُ جبين الْمجد بتاج الْولَايَة، وأجال قداح الِاخْتِيَار حَتَّى بلغ الْغَايَة، وَتجَاوز النِّهَايَة، فَألْقى مِنْهُ بِيَمِين عرابة الرَّايَة، وأحله مَحل اللَّفْظ من الْمَعْنى والإعجاز من الْآيَة، وَحشر إِلَى مُرَاعَاة ترفيعه وُجُوه الْبر وأعيان الْعِنَايَة، وأنطق بتبجيله ألسن أهل جيله، بَين الإفصاح وَالْكِنَايَة، وَلما كَانَ لَهُ الْحسب الَّذِي شهِدت بِهِ وَرَقَات الدَّوَاوِين، والأصالة الَّتِي قَامَت عَلَيْهَا صِحَاح الْبَرَاهِين، والإباء الَّذِي اعْتد بمضاء قضاتهم الدّين، وطبق مفاصل الحكم بسيوفهم الْحق الْمُبين، وازدان بمجالسة وزراهم السلاطين، فَمن فَارس حكم، أَو حَكِيم [بتدبير]
(2/80)

أَو قَاض فِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة ووزير، أَو جَامع بَينهمَا جمع سَلامَة لَا جمع تكسير. تعدد ذَلِك واطرد، وَوجد مشرع الْمجد عذبا فورد، وَقصرت النظراء عَن مداه فَانْفَرد، وَفرق الْفَرِيق فِي يَد الشَّرْع فاشبه السَّيْف الْفَرد، وَجَاء فِي أَعْقَابهم محييا لما درس، بِمَا حقق ودرس، جانيا لما بذر السّلف الْمُبَارك واغترس، طَاهِر النشأة وقورها، مَحْمُود السجية مشكورها، متحليا بِالسَّكِينَةِ، حَالا من النزاهة بالمكانة المكينة، ساحبا أذيال الصون، بَعيدا عَن الاتصاف بِالْفَسَادِ من لدن الْكَوْن. فخطبته الخطط الْعلية، واغتبطت بِهِ المجادة الأولية، واستعملته دولته الَّتِي ترتاد أهل الْفَضَائِل للرتبة وتستظهر على المناصب بأبناء التقى والحسب وَالْفضل وَالْمجد وَالْأَدب، مِمَّن يجمع بَين الطارف والتالد، وَالْإِرْث والمكتسب، فَكَانَ معدودا من عدُول قضاتها، وصدور نبهائها، وأعيان وزرائها، وَأولى آرئها. فَلَمَّا زَان الله خِلَافَته بالتمحيص، المتجلي عَن التَّخْصِيص، وخلص ملكه الْأَصِيل كالذهب الأبزيز من بعد التخليص، كَانَ مِمَّن صحب ركابه، الطَّالِب للحق بِسَيْفِهِ الْحق، وسلك فِي مظاهرته أوضح الطّرق، وجادل من حاده بأمضى من الْحداد الذلق، واشتهر خبر وفائه فِي الغرب والشرق، وَصلى بِهِ صَلَاة الْحَضَر وَالسّفر، والأمن والحذر، وخطب فِي الْأَمَاكِن الَّتِي بعد [بِذكر الله] عهدها، وخاطب عَنهُ أيده الله المخاطبات الَّتِي حمد قَصدهَا، حَتَّى اسْتَقل ملكه فَوق سَرِيره، وانتهج مِنْهُ الْإِسْلَام بأميره، وَابْن أميره، وَنزل السّتْر على [الْعباد والبلاد] ببركة إيالته، ويمن تَدْبيره. وَكَانَ الجليس الغرب الْمحل، والحظى المشاور فِي العقد والحل، وَالرَّسُول المؤتمن على الْأَسْرَار، والأمين على
(2/81)

الْوَظَائِف الْكِبَار، فزين الْمجْلس السلطاني بالوقار، ومتحف الْملك بغريب الْأَخْبَار، وخطيب منبره العالي فِي الْجِهَات، وقارىء الحَدِيث لَدَيْهِ فِي المجتمعات. ثمَّ رأى أيده الله، أَن يُشْرك رَعيته فِي نَفعه، وَيصرف عوامل الحظوة إِلَى مزِيد رَفعه، ويجلسه مجْلِس الشَّارِع، صلوَات الله عَلَيْهِ، لإيضاح شَرعه، أَصله وفرعه، وَقدمه أَعلَى الله قدمه، وشكر آلائه ونعمه، قَاضِيا بالأمور الشَّرْعِيَّة، وفاصلا فِي القضايا الدِّينِيَّة. بِحَضْرَة غرناطة الْعلية، تَقْدِيم الِاخْتِيَار والانتقاء وَأبقى لَهُ فَخر السّلف على الْخلف، وَالله يمتعه بطول الْبَقَاء، فليتول ذَلِك عادلا فِي الحكم بِنور الْعلم، مسويا بَين الْخُصُوم، حَتَّى فِي لحظه والتفاته، متصفا من الْحلم بِأَفْضَل صِفَاته، مهيبا فِي الدّين، رؤوفا بِالْمُؤْمِنِينَ، ومسجلا للحقوق، غير مبال فِي رضَا الْخَالِق بسخط الْمَخْلُوق، جزلا فِي الْأَحْكَام، مُجْتَهدا فِي الْفَصْل بأمضى حسام، مراقبا لله عز وَجل فِي النَّقْض والإبرام، وأوصاه بالمشورة، الَّتِي تقدح زناد التَّوْفِيق، والتثبت حَتَّى يتبلج قِيَاس التحقق بآراء مشيخة أهل التوثيق، عادلا إِلَى سَعَة الْأَقْوَال عَن الضّيق، سائرا من مَشْهُور الْمَذْهَب إِلَى أهْدى طَرِيق، وَصِيَّة أصدرها لَهُ مصدر الذكرى الَّتِي تَنْفَع، ويعلى بهَا الله إِلَى الدَّرَجَات وَيرْفَع، وَإِلَّا فَهُوَ عَن الوصاة غنى، وقصده قصد سنى، وَالله عز وَجل ولى إعانته، والحارس من التَّبعَات أكفاف ديانته، وَالْكَفِيل بحفظه من الشُّبُهَات وصيانته، وَأمره أيده الله، أَن ينظر فِي الأحباس على اختلافها، والأوقاف على شَتَّى أصنافها، واليتامى الَّتِي أسدلت كَفَالَة الْقُضَاة على ضعافها، فيذود عَنْهَا طوارق الْخلَل، وَيجْرِي أمورها بِمَا يتكفل لَهَا بالأمل. وليعلم أَن الله عز وَجل يرَاهُ، وَأَن فلتات الحكم، تعاوده الْمُرَاجَعَة فِي أخراه، فيدرع جنَّة تقواه، وَسُبْحَان من يَقُول إِن
(2/82)

الْهدى هدى الله. فعلى من يقف عَلَيْهِ، أَن يعرف هَذَا الإجلال، صائنا منصبه عَن الْإِخْلَال، مبادرا أمره الْوَاجِب بالامتثال بحول الله. وَكتب فِي الثَّالِث من شهر الله الْمحرم، فاتح عَام أَرْبَعَة وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة.
وأمليت أَيْضا ظهيرا للمذكور بخطابه الْجَامِع الْأَعْظَم من غرناطة
هَذَا ظهير كريم أَعلَى رُتْبَة الاحتفا اخْتِيَارا واختبارا، وَأظْهر مَعَاني الْكَرَامَة والتخصيص انتقاء واصطفاء وإيثارا، وَرفع لِوَاء الْجَلالَة على من اشْتَمَل عَلَيْهِ حَقِيقَة واعتبارا، ورقى فِي دَرَجَات من طاولتها علا بهر أنوارا، ودينا كرم فِي الصَّالِحَات آثارا، وزكا فِي الْأَصَالَة بخارا وخلوصا، إِلَى هَذَا الْمقَام الْعلي السعيد، راق إِظْهَارًا وإضمارا، أَمر بِهِ فلَان لقَاضِي الْجَمَاعَة الكذا أبي الْحسن ابْن الشَّيْخ الْوَزير الكذا أبي مُحَمَّد بن الْحسن، وصل الله عزته، ووالى رفعته، ووهبه من صلَة الْعِنَايَة الربانية أمله وبغيته. لما أصبح فِي صُدُور الْقُضَاة الْعلمَاء، مشارا إِلَى جَلَاله، مُسْتَندا إِلَى معارفه، الْمَخْصُوصَة بِكَمَالِهِ، مطمورا على الإفادة العلمية والأدبية، بمحاسنه البديعة وخصاله، محفوفا مقْعد الحكم النَّبَوِيّ، ببركة عَدَالَته، وَفضل خلاله، وَحل فِي هَذِه الحضرة الْعلية الْمحل الَّذِي لَا يرقاه إِلَّا عين الْأَعْيَان، وَلَا يتبوأ مهاده إِلَّا مثله من أَبنَاء الْمجد الثَّابِتَة الْأَركان، ومؤملي الْعلم الْوَاضِح الْبُرْهَان، والمبرزين بالمآثر الْعلية فِي الْحسن وَالْإِحْسَان، وتصدر لقَضَاء الْجَمَاعَة، فصدرت عَنهُ الْأَحْكَام الراجحة الْمِيزَان، والأنظار الْحَسَنَة الْأَثر والعيان، والمقاصد الَّتِي وفت بالغاية الَّتِي لَا تستطاع فِي هَذَا الميدان. فكم من قَضِيَّة جلى بمعارفه مشكلها، ونازلة مُبْهمَة فتح بإدراكه مقفلها، وحيلة مهمة عرف نكرتها وَقرر
(2/83)

مهملها، حَتَّى قرت بعدالته وجزالته الظنون، وَكَانَ فِي تصديره لهَذِهِ الْآيَة الْعُظْمَى من الْخَيْر والخيرة، مَا عَسى أَن يكون، كَانَ أَحَق بالتشفيع للوجاهة وَأولى، وأجدر بمضاعفة النعم الَّتِي لَا تزَال تترادف على قدره الْأَعْلَى، فَلذَلِك اصدر لَهُ هَذَا الظهير الْكَرِيم، مشيدا بالترفيع والثنويه، ومؤكدا للاحتفاء والتوجيه، قدمه أَعلَى [الله قدره] وشكر نعمه، خَطِيبًا بالجامع الْأَعْظَم من حَضرته، مُضَافا ذَلِك إِلَى ولَايَته، ورفيع مَنْزِلَته، مرافقا [لمن] بالجامع الْأَعْظَم، عمره الله بِذكرِهِ، من علية الخطباء وكبار الْعلمَاء وَخيَار النبهاء والصلحاء، فليتداول ذَلِك فِي جمعاته مظْهرا أثر بركاته وحسناته، عَاملا على مَا يقربهُ عِنْد الله من مرضاته، ويظفره بجزيل مثوباته، بحول الله.
وَثَبت فِي ظهير ريس الْكتاب الْفَقِيه أبي عبد الله ابْن زمرك هَذَا ظهير كريم، نصب الْمُعْتَمد بِهِ للأمانة الْكُبْرَى بِبَابِهِ فرفعه، وأفرد لَهُ متلو الْعِزّ وَجمعه، وأوتره وشفعه، وقربه فِي بِسَاط الْملك تَقْرِيبًا فتح لَهُ بَاب السَّعَادَة وشرعه، وَأَعْطَاهُ لِوَاء الْقَلَم الْأَعْلَى، فَوَجَبَ على من دون رتبته، من أولى صَنعته أَن يتبعهُ، ورعى لَهُ وَسِيلَة السَّابِقَة عِنْد استخلاص الْمُلُوك لما ابتزه الله من يَد الْغَاصِب وانتزعه، وحسبك من ذمام لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء مَعَه. أَمر بِهِ الْأَمِير فلَان، وصل الله سعادته، وحرس مجادته، وأطلع لَهُ وَجه الْعِنَايَة، أبهى من الصُّبْح الوسيم، وأقطعه جَانب الإنعام الجسيم، وأنشقه أرج الخطوة عاطرة النسيم، وَنَقله من كرْسِي التدريس والتعليم إِلَى مرقى الثنويه والتعليم، والرتبة،
(2/84)

الَّتِي لَا يلقاها إِلَّا ذُو حَظّ عَظِيم، وَجعل أقلامه جيادا لإجالة أمره الْعلي، وخطابه السّني فِي ميادين الأقاليم، وَوضع فِي يَده أَمَانَة الْقَلَم الْأَعْلَى، جَارِيا من الطَّرِيقَة المثلى، على النهج القويم، واختصه بمزية الشفوف على كتاب بَابه والتقديم، لما كَانَ ناهض الوكر فِي طلبة حَضرته من الْبِدَايَة، وَلم تزل تظهر عَلَيْهِ لأولى التميز مخايل هَذِه الْغَايَة. فَإِن نظم أَو نثر أَتَى بالقصائد المنقولة، والمخاطبات المصقولة، فاشتهر فِي بَلَده وَغير بَلَده، وَصَارَت أزمة السِّقَايَة طوع يَده، بِمَا أوجب لَهُ المزية فِي يَوْمه وغده. وَحين رد الله علينا ملكنا الَّذِي جبر بِهِ جنَاح الْإِسْلَام، وزين وُجُوه اللَّيَالِي وَالْأَيَّام، وأدال الضيا من الإظلام. كَانَ مِمَّن وسمه الْوَفَاء وشهره، وعجم الْملك عود خلوصه وَخَبره، فَحَمدَ أَثَره، وشكر ظَاهره ومضمره، واستصحب على ركابه الَّذِي صحب الْيمن سَفَره، وأخلصت الْحَقِيقَة نفره، وكفل الله ورده وصدره، مَيْمُون النقيبة، حسن الضريبة، خَالِصا فِي الْأَحْوَال المريبة، ناطقا عَن مقَامه بالمخاطبات العجيبة، واصلا إِلَى الْمعَانِي الْبَعِيدَة، بالعبارة الْقَرِيبَة، مبرز الخدم الغريبة، حَتَّى استقام الْعِمَاد، ونطق بِصدق الطَّاعَة الْحَيّ والجماد، وَدخلت فِي دين الله أَفْوَاجًا الْعباد والبلاد، لله الْحَمد على نعمه الترة العهاد، وآلائه المتوالية الترداد، رعى لَهُ أيده الله، هَذِه الْوَسَائِل، وَهُوَ أَحَق من يرعاها، وشكره الخدم المشكور مسعاها، فقصر عَلَيْهِ الرُّتْبَة الشماء الَّتِي خطبهَا بوفائه، وَألبسهُ أَثوَاب اعتنائه، وفسح لَهُ مجَال آلائه. وَقدمه أَعلَى الله قدمه، وشكر نعمه، كَاتب السِّرّ، وَأمين النهى وَالْأَمر، تَقْدِيم الِاخْتِيَار [بعد الاختبار] والأغتباط بخدمته الْحَسَنَة الْآثَار، والتيمن باستخدامه قبل الْحُلُول بدار الْملك والاستقرار، وَغير ذَلِك من مُوجبَات الإيثار. فليتول ذَلِك عَارِفًا بمقداره، مقتفيا لآثاره، مستعينا بالكتم لأسراره، والاضطلاعه بعظيم أُمُوره وكباره، متصفا بِمَا يحمد من أَمَانَته وعفافه ووقاره، معطيا هَذَا الرَّسْم حَقه
(2/85)

من الرياسة، عَارِفًا أَنه أكبر أَرْكَان السياسة، حَتَّى يتَأَكَّد الِاغْتِبَاط بتقريبه وإدنائه، وتتوفر أَسبَاب الزِّيَادَة فِي إعلائه، وَهُوَ إِن شَاءَ الله، غنى عَن الوصاة مهما ثاقبا، وأدبا لعيون الْكَمَال مراقبا، فَهُوَ [يعْمل فِي] ذَلِك أقْصَى الْعَمَل، المتكفل يبلوغ الأمل، وعَلى من يقف عَلَيْهِ من حَملَة الأقلام وَالْكتاب [الْأَعْلَام] وَغَيرهم من الكافة والخدام، أَن يعرفوا قدر هَذَا الإنعام [والتقديم] الراسخ الْأَقْدَام، ويوجهوا مَا أوجب من الْبر وَالْإِكْرَام، والإجلال والإعظام. وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ.
[وَالَّذِي خاطبت بِهِ عَن نَفسِي أَو عَن السُّلْطَان يَنْقَسِم إِلَى مَكْتُوب عَن ولد الْملك أَو حرمه، أَو مُخَاطبَة سُلْطَان وَولي نعمه، أَو ريس طوق يدا، أَو فَاضل رَاح فِي الْفضل وَغدا]
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ أَمِير الْمُسلمين السُّلْطَان الْكَبِير الْمُقَدّس، أَبَا الْحسن، لما قصدت تربته عقب مَا تذممت بجواره، وتوسلت فِي أغراضي إِلَى وَلَده، رَحْمَة الله عَلَيْهِ
السَّلَام عَلَيْك ثمَّ السَّلَام، أَيهَا الْمولى الإِمَام، الَّذِي عرف فَضله الْإِسْلَام، وَأوجب حَقه الْعلمَاء الْأَعْلَام، وخفقت بعز نَصره الْأَعْلَام، وتنافست فِي إِنْفَاذ أمره وَنَهْيه السيوف والأقلام، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا الْمولى الَّذِي قسم زَمَانه إِلَى
(2/86)

بَين حكم وَفضل [وإمضاء نصل] وإحراز خصل وَعبادَة [فاقت فِي الْيَقِين] على أصل. السَّلَام عَلَيْك يَا مقرّ الصَّدقَات الْجَارِيَة، ومشبع الْبُطُون الجائعة، وكاسي الظُّهُور الْعَارِية، وقادح زناد العزائم الوارية، ومكتب الْكَتَائِب الغازية، فِي سَبِيل الله، والسرايا السارية. السَّلَام عَلَيْك يَا حجَّة الصَّبْر وَالتَّسْلِيم، ومتلقى أَمر الله بالخلق الرضى وَالْقلب السَّلِيم، ومفوض الْأَمر فِي الشدائد إِلَى السَّمِيع الْعَلِيم، ومعمل البنان الطاهرة فِي اكتتاب الذّكر الْحَكِيم. كرم الله تربتك وقدسها، وَطيب روحك الزكية وأنسها، فَلَقَد كنت للدهر حمالا، وللإسلام ثمالا، وللمستجير مجيرا، وللمظلوم وليا ونصيرا. لقد كنت للمحارب صَدرا، وَفِي المواكب بَدْرًا، وللمواهب بحرا، وعَلى الْعباد والبلاد ظلا ظليلا وسترا. لقد فرعت أَعْلَام عزك الثنايا، وأجزلت همتك لملوك الأَرْض الْهَدَايَا، كَأَنَّك لم تعرض الْجنُود، وَلم تنشر البنود، وَلم تبسط الْعدْل الْمَحْدُود، وَلم تُوجد الْجُود، وَلم تريمن للرُّكُوع وَالسُّجُود، فتوسدت الثرى، وأطلت الْكرَى، وشربت الكأس الَّتِي شربهَا الورى، وأصبحت ضارع الخد، كليل الْجد، سالكا سنَن الْأَب الْفَاضِل وَالْجد، لم تَجِد بعد انصرام أملك إِلَّا صَالح عَمَلك، وَلَا صَحِبت لقبرك إِلَّا رابح تجرك، وَمَا أسلفت من رضاك وصبرك. فنسل الله أَن [يؤنس] اغترابك، ويجود بسحاب الرَّحْمَة ترابك، وينفعك بِصدق الْيَقِين، ويجعلك من [الْأَئِمَّة] الْمُتَّقِينَ، ويعلى درجتك فِي عليين، ويحشرك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين، [وليهنك] أَن صير الله ملكك بعْدك إِلَى نير
(2/87)

سعدك وبارق رعدك، ومنجز وَعدك، أرْضى ولدك، وَرَيْحَانَة خلدك، وشقة نَفسك والسرحة الْمُبَارَكَة من عزمك، وَبدر شمسك، وموصل عَمَلك الْبر إِلَى رمسك. فقد ظهر عَلَيْهِ أثر دعواتك فِي حلولك وأعقاب صلواتك، فكلمتك والْمنَّة لله بَاقِيَة، وحسنتك إِلَى مَحل الْقبُول راقية، يرْعَى بك الْوَسِيلَة، وَيتم مقاصدك الجميلة، أَعَانَهُ الله ببركة رضاك على مَا قَلّدهُ، وَعمر بتقواه يَوْمه وغده، وَأنْفق فِي السعد أمده، وَأطلق بِالْخَيرِ يَده، وَجعل الْمَلَائِكَة أنصاره، والأقدار عدده. وإنني أَيهَا الْمولى الْكَرِيم، الْبر الرَّحِيم، لما اشتراني وراشني وبراني وتعبدني بإحسانه. واستعجل استخلاصي خطّ بنانه، لم أجد مُكَافَأَة إِلَّا التَّقَرُّب إِلَيْهِ، وبرثائك، وإغراء لساني بتخليد عليائك، وتعفير الْوَجْه فِي حَرمك، والإشادة بعد الْمَمَات بمجدك وكرمك، ففتحت فِي هَذَا الْغَرَض، إِلَى الْقيام بحقك. الَّذِي لولاه لاتصلت الْغَفْلَة عَن أَدَائِهِ، وتمادت فِيهَا سبّ الألسن وَلَا كَادَت، متميزا بِالسَّبقِ إِلَى أَدَاء هَذَا الْحق، باديا بزيارة قبرك، الَّذِي رحلته، الغرب فِيهَا نوبت من رحْلَة الشرق، وعرضته عَلَيْهِ، فأقطعه إِثْر مواقع الِاسْتِحْسَان، وَجمع بَين الشُّكْر والتنويه وَالْإِحْسَان. وَالله يَجعله عملا مَقْبُولًا، ويبلغ فِيهِ من الْقبُول مأمولا، ويتغمد من ضاجعته من سلفك الْكَرِيم بالمغفرة الصيبة، والتحيات الطّيبَة. فَنعم الْمُلُوك الْكِبَار، وَالْخُلَفَاء الْأَحْرَار، وَالْأَئِمَّة الأخيار. الَّذين كرمت مِنْهُم السّير، وَحسنت الْأَخْبَار، وَسعد بعزماتهم الجهادية الْمُؤْمِنُونَ، وشقى الْكفَّار، وصلوات الله بدءا وعودا، على الرَّسُول الَّذِي اصطفاه وَاخْتَارَهُ، فَهُوَ الْمُصْطَفى الْمُخْتَار، وعَلى آله وَصَحبه الَّذين هم السَّادة الأخيار، وَسلم تَسْلِيمًا.
(2/88)

وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ وَلَده السُّلْطَان أَبَا سَالم رَحمَه الله أهنئه بِفَتْح تلمسان
مولَايَ فتاح الأفكار والأمصار، فَائِدَة الْأَزْمَان والأعصار، أثير هبات الله الآمنة من الاعتصار، قدوة أولى الْأَيْدِي والأبصار، نَاصِر الْحق عِنْد تعدد الْأَنْصَار، مستصرخ الْملك الْغَرِيب من وَرَاء الْبحار، مصداق دُعَاء الْأَب الْمولى فِي الأصائل والأسحار. أبقاكم الله لَا تقف إيالتكم عِنْد حد، وَلَا تحصى فتوحات الله عَلَيْكُم بعد، وَلَا تفيق أعداؤكم من كد، ميسرًا على مقامكم مَا عسر على كل أَب كريم وجد. عبدكم الَّذِي خلص إبريز عبوديته لملككم الْمَقْصُود، الْمُعْتَرف لأدنى رَحْمَة من رحماتكم بِالْعَجزِ عَن شكرها والقصور. [أرْغم الله] الْعِزّ طاعتكم أنف الْأسد الهصور، وَيبقى الْملك فِي عقبكم إِلَى يَوْم النفح فِي الصُّور. ابْن الْخَطِيب من الضريح الْمُقَدّس، وَهُوَ الَّذِي تعدّدت على الْمُسلمين حُقُوقه، وسطع نوره وتلألأ شروقه، وَبلغ مجده السَّمَاء لما بسقت فروعه، ورسخت عروقه، وَعظم ببنوتكم فخره، فَمَا فَوق البسيطة فَخر يروقه، حَيْثُ الْجلَال قد رسخت هضابه، وَالْملك قد كُسِيت بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة الشَّرِيفَة قبابه، وَالْبَيْت الْعَتِيق قد الحفت الملاحد الأمامية أثوابه، وَالْقُرْآن الْعَزِيز ترتل أحزابه، وَالْعَمَل الصَّالح يرْتَفع إِلَى الله ثَوَابه، والمستجير يخفى بالهيبة سُؤَاله [فيجهر] بنصرة الْعِزّ جَوَابه، وَقد تفيأ من أوراق الذّكر الْحَكِيم حديقة وخميلة أنيقة، وَحط بجودي الْجُود نفسا فِي طوفان الضّر غريقة، والتحف بعرف الهيبة الَّتِي لَا تهدى النَّفس فِيهَا إِلَّا بهداية الله طَريقَة، واعتز بعزة الله، وَقد توَسط جَيش الْحُرْمَة المرينية حَقِيقَة،
(2/89)

إِذْ جعل الْمولي الْمُقَدّس المرحوم أَبَا الْحسن مقدمه وأباه وجده سبقه، يرى بركم بِهَذَا اللَّحْد الْكَرِيم قد طُنب عَلَيْهِ من الرِّضَا بساطا، وأعلق بِهِ يَد الْعِنَايَة المرينية اهتماما واغتباطا، وحرر لَهُ أَحْكَام الْحُرْمَة نصا جليا واستنباطا، وَضمن لَهُ. بِحسن العقبى التزاما واشتراطا، وَقد عقد النَّصْر بطرِيق رحمتكم المنتظرة المرتقبة، وَمد الْيَد إِلَى لطائف شفاعتكم الَّتِي تتكفل بِعِتْق المَال، كَمَا تكفلت بِعِتْق الرَّقَبَة، وَشرع فِي المراح بميدان نعمتكم. بعد اقتحام هَذِه الْعقبَة، كَمَا شنفت لآذان الْبُشْرَى، الَّتِي لم يبْق طَائِر إِلَّا سجع بهَا وَصرح، وَلَا شهَاب دجنة إِلَّا اقتبس من نورها واقتدح، وَلَا صدر إِلَّا انْشَرَحَ، وَلَا غُصْن عطف إِلَّا مرح، بشرى الْفَتْح الْقَرِيب، وَخبر النَّصْر الصَّحِيح الْحسن الْغَرِيب، ونبأ الصنع العجيب، وهدية السَّمِيع الْمُجيب، فتح تلمسان الَّذِي قلد المنابر عُقُود الابتهاج، ووهب الْإِسْلَام منحة النَّصْر غنية عَن الْهياج، وألحف الْخلق ظلا ممدودا، وَفتح بَاب الْحق، وَكَانَ مسدودا، وَأقر عُيُون أَوْلِيَاء الله الَّذين يذكرُونَ الله قيَاما وقعودا، وأصرع لسيف الْحق جباها أبيَّة وخدودا، وملككم من أبيكم، الَّذِي امتار عَلَيْهِ الْأَمْوَال، وخاطر من دونه الْأَهْوَال، وأخلص الضراعة وَالسُّؤَال، من غير كد يغمر عطف المسيرة، وَلَا يجْهد يكدر صفو النِّعْمَة الثرة، وَلَا حصر ينفض بِهِ المنجنيق ذؤابة، ويطهر بِتَكَرُّر الرُّكُوع إنابته. وَالْحَمْد لله الَّذِي أقَال العثار، ونظم بدعوتكم الانتثار، وَجعل ملككم يجدد الْآثَار، وَيَأْخُذ الثار. وَالْعَبْد يمنى مَوْلَاهُ، بِمَا أنعم الله عَلَيْهِ واولاه، وَمَا أجدره بالشكر وأولاه، فَإِذا أجال العَبْد قداح السرُور، فللعبد الْمُعَلَّى والرقيب، وَإِذا استمنحوا حظوظ الجذل. على الْقسم الوافر والنصيب. وَإِذا اقتسموا فَرِيضَة شكر الله، فلى الْفَرْض والتعصيب
(2/90)

لتضاعف أَسبَاب الْعُبُودِيَّة قبلي، وترادف النعم الَّتِي عجز عَنْهَا قولي وعملي، وتقاصر فِي ابْتِغَاء مكافأتها وجدى، وَإِن تطاول أملي. فمقامكم الَّذِي نفس الْكُرْبَة، وَأنس الغربة، ورعى الْوَسِيلَة والقربة، وأنعش الأرماق، وَفك الوثاق، وأدر الأرزاق، وَأخذ على الدَّهْر باستقالة الْعَهْد والميثاق. وَإِن لم يُبَاشر العَبْد الْيَد الغالية بِهَذَا الهنا، ويمثل بَين يَدي الْخلَافَة الْعَالِيَة السناء والسنا، ويمد نَفسه فِي البدار إِلَى تِلْكَ السما، فقد بَاشر بِهِ الْيَد الَّتِي يحِق مولَايَ لتذكر تقبيلها، ويكمل فروض الْمجد بتوفية حُقُوقهَا الأبدية وتكميلها، ووقفت بَين يَدي ملك الْمُلُوك الَّذِي أجال عَلَيْهَا القداح، ووهل فِي طلب وصالها بالمساء وبالصباح، وَكَأن فَتحه إِيَّاهَا أَبَا عذر الِافْتِتَاح، وَقلت يهنيك يَا مولَايَ رد ضَالَّتهَا المنشودة، وجبر لقطفته الْمَعْرُوفَة المشهودة، وود أمتك المودودة، فقد اسْتحقَّهَا وارثك الأرضي، وسيفك الأمضى، وقاضي دينك، وقرة عَيْنك، مستنقذ دَارك من يَد غاصبها، ورد رتبك إِلَى مناصبها، وعامر المثوى الْكَرِيم، وَستر الْأَهْل والحريم، مولَايَ هَذِه تلمسان قد طاعت، وأخبار الْفَتْح على ولدك الحبيب قد شاعت، والأمم إِلَى هنائه قد تداعت، وعدوك وعدوه قد شردته المخافة، وانضاف إِلَى عرب الصحرا، فخفضته بِالْإِضَافَة، وَعَن قريب تتحكم فِيهِ يَد احتكامه، وتسلمه السَّلامَة إِلَى حمامه. فلتطب يَا مولَايَ نَفسك، وليستبشر رمسك، فقد نمت سر بركتك وزكا عزمك، نسل الله أَن يُورد على ضريحك من أنباء نَصره مَا تفتح لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء قبولا، ويترادف إِلَيْك مدَدا مَوْصُولا، وعدوا آخرته لَك خير من الأولى، ويعرفه بركَة رضاك عَنهُ ضمنا وحلولا، ويضفي عَلَيْهِ مِنْهُ سترا مسدولا. وَلم يقنع العَبْد بِخِدْمَة النثر حَتَّى أجهد القريحة الَّتِي ركضها الدَّهْر
(2/91)

فأنضاها، واستشفها الْحَادِث الجلل وتقاضاها، فلفق من خدمَة النظوم، مَا يتغمده حلم تَقْصِيره، وَيكون إغضاؤكم، إِذا لَقِي معرة العتب، وليه ونصيره، وإحالة مولَايَ على الله فِي نفس حترها، ووسيلة عرفهَا، مجده فَمَا أنكرها، وَحُرْمَة بضريح مولَايَ وَالِده شكرها، ويطلع العَبْد مِنْهُ على كَمَال أمله، ونجح عمله، وتسويغ مقترحه، وتتميم جذله، وَالسَّلَام الْكَرِيم على مقامكم الْأَعْلَى، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ السُّلْطَان أَبَا زيان عِنْدَمَا تمّ لَهُ الْأَمر وَولى ملك الْمغرب، رَحْمَة الله عَلَيْهِ
(يَا ابْن الخلائف يَا سمى مُحَمَّد ... يَا من علاهُ لَيْسَ يحصر حاصر)

(أبشر فَأَنت ممجد الْملك الَّذِي لولاك ... اصبح وَهُوَ رسم داثر)

(من ذَا يعاند مِنْك وَارثه الَّذِي ... بسعوده فلك الْمَشِيئَة دائر)

(أَلْقَت إِلَيْك يَد الْخلَافَة أمرهَا ... إِذْ كنت أَنْت لَهَا الْوَلِيّ النَّاصِر)

(هَذَا وَبَيْنك للضريح وَبَينهَا ... حَرْب مضرسة وبحر زاخر)

(من كَانَ هَذَا الصنع أول أمره ... حسنت لَهُ العقبى وَعز الآخر)

(مولَايَ عِنْدِي فِي علاك محبَّة ... وَالله يعلم مَا تكن ضمائر)

(قلبِي يحدثني بأنك جَابر كسْرَى ... وحظي مِنْك حَظّ وافر)

(بثرى جدودك قد حططت حقيبتي ... فوسيلتي لعلاك نور باهر)

(وبذلت وسعي واجتهادي مثل مَا ... يلقى لَا كل سيف أَمرك عَامر)

(وَهُوَ الْوَلِيّ لَك الَّذِي اقتحم الردى ... وَقضى الْعَزِيمَة وَهُوَ سيف باقر)

(وَولى جدك فِي الشدائد عِنْدَمَا ... خذلت علاهُ قبائل وعشائر)

(فاستمد مِنْهُ النجح وَاعْلَم أَنه ... فِي كل معضلة طَبِيب ماهر)

(إِن كنت قد عجلت بعض مدائحي ... فَهِيَ الرياض وللرياض بواكر)
(2/92)

مَوْلَانَا، وعصمة ديننَا ودنيانا، الَّذِي سخر الله الْبر وَالْبَحْر بأَمْره، وَحكم فَوق السَّمَوَات السَّبع بعز نَصره، وأغنى يَوْم سعده عَن سل السِّلَاح وشهره، وفتق عَن زهر الصَّنِيع الْجَمِيل كمامة تَسْلِيمه وَصَبره، وقيض لَهُ فِي علم غيبه، وزيرا مذخورا لشد أزره، وقود الْملك إِلَيْهِ فِي حَال عصره، الْخَلِيفَة الإِمَام، الَّذِي استبشر بِهِ الْإِسْلَام، وخفقت لعزه الْأَعْلَام، ولاح بدر محياه فافتضح الإظلام، الْمُقْتَدِي بِالنَّبِيِّ الْكَرِيم، سميه فِي المراشد الَّتِي تألق مِنْهَا الصُّبْح، والمقاصد الَّتِي لازمها النجح، والتمحيص الَّذِي تبع مِنْهُ الْمنح، حَتَّى فِي الْهِجْرَة الَّتِي جَاءَ بعْدهَا الْفَتْح، أَبُو زيان ابْن مَوْلَانَا السُّلْطَان، ولي الْعَهْد ترشيحا ومآلا، ومؤمل الْإِسْلَام تقلدا للْمَذْهَب الصَّرِيح وانتحالا، وأمير الْمُسلمين لَو أوسعه الْقدر إمهالا، ووسطى عقد الْبَنِينَ، خلائق مُتعَدِّدَة وخلالا، المتحف بالسعادة، وَلم يعرف بدره هلالا، المعوض بِمَا عِنْد الله سَعَادَة ألبسته سربالا، وأبلغته من رضوَان الله آمالا، أَبى عبد الله ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين، كَبِير الْخُلَفَاء، وعنصر الصَّبْر وَالْوَفَاء، وَستر الله المسدول على الضُّعَفَاء، والمجاهد فِي سَبِيل الله بِنَفسِهِ وَمَاله المنيف على مراكز النُّجُوم بهمه وآماله، الْمُقَدّس أبي الْحسن، ابْن موالينا الْخُلَفَاء الطاهرين، وَالْأَئِمَّة المرتضين، من قبيل بني مرين، وصفوة الله فِي هَذَا الْمغرب الْأَقْصَى من أوليائه الْمُؤمنِينَ، وزينة الدُّنْيَا، وعمدة الدّين، هنأه الله مَا أورثه من سَرِير الْملك الْأَصِيل، وخوله من سَعَادَة الدُّنْيَا وَالدّين على الْإِجْمَال وَالتَّفْصِيل، وَتوجه من تَاج الْعِزَّة القعساء عِنْد اشْتِبَاه السَّبِيل، وعوضه من قبيل المليكة، عِنْد تشَتت الْقَبِيل، وَجعل قدمه الراسخة، وآيته الناسخة، وربوته السامية الباذخة، وَعزة نَصره الشامخة، وأوزعه شكر آلائه فِي الْخَلَاص من ملكه أعدائه، وخطر الْبَحْر وعدوان مَا بِهِ، وغول السّفر، وارتكاب الْغرَر، وثبات أَقْدَام أوليائه الَّذين مَا بدلُوا تبديلا، وَلَا ارتضوا لقبلة طَاعَته، بعد أَن
(2/93)

ولوا وُجُوههم شطرها تحويلا، بل صَبَرُوا صبرا جميلا، وَبَاعُوا نُفُوسهم تتميما لعقدة إِيمَانهم وتكميلا. يسلم على مقامكم الَّذِي وسم السعد مشرق جَبينه، وذخرت قبل الطَّاعَة ليمينه، وَأقسم الدَّهْر بمظاهرة أمره السعيد، فبر وَالشُّكْر لله فِي يَمِينه، عبدكم، الَّذِي اعتلق مِنْكُم بالوسيلة الْكُبْرَى، وقر بملككم عينا، وَشرح صَدرا، وبذل الْجهد، وَإِن جلّ قدرَة وَقدرا، وَالْتمس لكم الدُّعَاء علنا وسرا، ابْن الْخَطِيب الَّذِي حط رَحل انْتِظَاره بِتُرَاب الْمُلُوك الْكِرَام من جدودكم، محاريب بركم، وَأَسْبَاب وجودكم وإبائكم، الَّذين فِي مظاهرتهم ورعيهم، تظهر للنَّاس مخائل هدَاهُم، وتدر سحائب جودكم، ملتحفا مُنْذُ سِنِين [بِأَسْتَارِ قُبُورهم وثيابها، مستظلا بأقيلتها المعظمة وقبابها، ممرغا خَدّه بترابها، مواصلا الصُّرَاخ بآل مرين وبآل يَعْقُوب، متطارحا على أَبْوَابهَا. فَلم يتح الله لَهُ نصْرَة ترعى الضَّعِيف، وتحمى الدخيل، أَو حمية ترفع الضيم، وتشفي الغليل إِلَّا على يديكم يَا الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم، وَبَطل الميدان فِي موقف الهول الْعَظِيم، الْمَنْصُوب للمظلوم وإنصاف الْغَرِيم، وإجالة أَقْلَام الْفَتْح، لفتح الأقاليم، كتبه مهنيا بِمَا سناه الله، لملككم من الصنع الَّذِي خرق حجاب الْمُعْتَاد، وَأرى أَنْوَاع الْيمن والإسعاد، معجلا ذَلِك بَين يَدي المبادئ إِلَى لثم بساطكم الَّذِي تصرف إِلَيْهِ الْوُجُوه، وتخشاه الْأَمْلَاك الْجَبَابِرَة، وترجوه مُؤديا الْوَاجِب من الْقيام بمنظوم ثنائه فِي الحفل الْمَشْهُود وإبلاغ لِسَان الْحَمد وسع المجهود، وإلقاء مَا عِنْد العَبْد من خلوص وجنوح وَحب وضح أَي وضوح، فولى دعوتكم الشَّيْخ ابْن ثَابت أعزه الله، يقرره وَيبين مجمله ويفسره، وَالْعَبْد واثق بِفضل الله على يديكم، وملتمس النّظر إِلَيْكُم،
(2/94)

وقاطع أَن طلبته بكم تتسنى، وأنكم سَبَب عَاقِبَة الْحسنى، إِمَّا بالظهور على الوطن الَّذِي تجرأ التغلب بِهِ على ملككم، وَمد الْيَد إِلَى نثر مسككم، وَنقض أثر سلفكم الْمُسلم الْمُحَرر، وزلزل وطنكم المؤسس على الطَّاعَة، بكم الْمُقَرّر، وأضرم النَّار فِي بسائطكم وحيالكم، وَأطلق يَد الْفِتْنَة على بيُوت أَمْوَالكُم، مكثرا عَلَيْكُم بالقلة، متعززا بالذلة، جَان على داركم بِمَا لَا تبيحه الْملَّة، أَو بالشفاعة الجازمة، إِن لم يتأذن الله [فِي الِانْصِرَاف] وَالله يَجْعَل الظُّهُور لكم من الْأَوْصَاف، ويعينكم على جبر الكسير، وتيسير الأمل العسير، ويهنيكم منحة الْملك الْكَبِير وَيبقى كَلمته فِي عقبكم تخلد التَّعْمِير. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وخاطبنا السُّلْطَان أَبَا زيان الْمَذْكُور رَحْمَة الله عَلَيْهِ
الْمقَام الَّذِي طوف المنن، وَأَحْيَا السّنَن، وَأنْبت حبه فِي حب الْقُلُوب النَّبَات الْحسن. مقَام الْمولى ناظم كلمة الدّين بعد انتارها، ومقيل عثارها، وَالْأَخْذ بثارها، والمخلد لآثارها. السُّلْطَان الكذا. أبقاه الله عالي الْقدَم، مَنْصُور الْعلم، ث ظَاهرا على الْأُمَم، مَقْصُود الْحمى كالركن والملتزم، عبد مقامكم الَّذِي أويتموه غَرِيبا، وأنستموه مريبا، وأنلتموه على عَدو الدَّهْر نصرا عَزِيزًا، وفتحا قَرِيبا، فَلم يخْش دركا وَلَا تثريبا، وَلَا عدم حظوة وَلَا شَفَقَة وَلَا نعْمَة وَلَا تَقْرِيبًا، ابْن الْخَطِيب مؤكدا عَن ثَنَا يعطر الْآفَاق، ويرقم الأوراق ووجاس اشتهاره الشَّام وَالْعراق، ويطالع العَبْد مَحل مَوْلَاهُ الَّذِي خلف بِبَابِهِ مَاله وَولده، وَصَبره وَجلده، وصير وَطنه الْحَقِيقِيّ وبلده. أَنه لما قدم على مَحل أَخِيه، [المعتد بِمَا] أودع الله من الْخلال السّريَّة فِيهِ، مولَايَ ابْن مولَايَ أبي عبد الله، كافأ الله جميل رعيه
(2/95)

وكرم عَهده، وَحكم بإعلاء جده، ومضاء حَده، رعى الْوَسِيلَة، وَهدى المخيلة، وجلا عِنْد اجتلا مخاطبتكم أسارير الْفَضِيلَة، فَلم يدع حَقًا إِلَّا صرفه، وَلَا نكرَة إِلَّا أظهر شَأْنهَا وعرفه، وَلَا نعْمَة إِلَّا سكبها، وَلَا مزية إِلَّا أوجبهَا، وَلَا رُتْبَة، إِلَّا أَعْلَاهَا، وَلَا نعْمَة إِلَّا أولاها، وَمَا ذَلِك يَا مولَايَ، وَإِن تعدّدت الْوَسَائِل والأذمة، وَذكرت الْقرْبَة بعد أمة، إِلَّا بوصاتكم الَّتِي لَا تهمل، وحرمتكم الَّتِي لَا تجْهَل، وَعطف مقامكم الَّذِي اشْتهر، واعتنائكم بعبدكم الَّذِي راق وبهر. وَالْعَبْد عبدكم بِكُل اعْتِبَار، وخديمكم بَين يَدَيْهِ، وَإِن نأت الدَّار، ومحسوب على نعْمَة مقامكم الرفيع الْمِقْدَار، والأمل فِي مقامكم غير مُنْقَطع السَّبَب، والأهل وَالْولد تَحت كنف مقامكم الْأَصِيل الْحسب، حَتَّى يمن الله بِحَجّ بَيته، وزيارة رَسُوله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] ، بَين يديكم، وَيكون قَضَاء هَذَا الوطر مَنْسُوب إِلَيْكُم، وَبعد يسْتَقرّ الْقَرار حَيْثُ يختاره من يخلق مَا يَشَاء ويختار بحول الله. وَالْعَبْد يذكر مَوْلَاهُ بِمَا نثره بَين يَدي وداعه، وبمرأى وزيره السعيد واستماعه من انجلاء الْحَرَكَة عَن عزه وظهوره، ونجاح أَحْوَاله، واستقامة أُمُوره، ويهنيه [بِصدق] الْوَعْد، وإمطار الرَّعْد، وَظُهُور السعد، وَهِي وَسِيلَة إِذا عددت الْوَسَائِل، وروعيت الذمم الجلائل، وَمثل مولَايَ من رعى وَأبقى، وسلك الَّتِي هِيَ أبر وَأتقى، وَمَا قصر عَنهُ الْقَلَم من حق مولَايَ، فالرسول أعزه الله متممه، وَمَا قصر عَنهُ الرَّسُول فَالله يُعلمهُ، وَهُوَ جلّ وَعلا، يديم أَيَّام مولَايَ ويثني سعده. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
(2/96)

وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ مَوْلَانَا السُّلْطَان أَبَا عبد الله بن نصر عِنْدَمَا وصل إِلَيْهِ وَلَده من الأندلس إِلَى فاس
(الدَّهْر أضيق فسحة من أَن يرى ... بالحزن والكمد المضاعف يقطع)

(وَإِذا قطعت زمانة فِي كربَة ... ضيعت فِي الأوهام مَا لَا يرجع)

(واقنع بِمَا أَعْطَاك دهرك واغتنم ... مِنْهُ السرُور وخل مَالا ينفع)

مولَايَ الَّذِي لَهُ المنن والخلق الْجَمِيل، والخلق الْحسن، وَالْمجد الَّذِي وضح مِنْهُ السّنَن، كتبه عبد نِعْمَتك مهنأ بنعم الله الَّتِي أفاضها عَلَيْك، وجلبها إِلَيْك، من اجْتِمَاع شملك بنجلك، وَقَضَاء دينك من قُرَّة عَيْنك، إِلَى مَا تقدم من إفلاته وسلامة ذاتك، وتمزق أعدائك، وانفرادك باودائك، وَالزَّمَان سَاعَة وَأكْثر، لَا بل كلمح الْبَصَر، وَكَأن بالبساط قد طوى وَالتُّرَاب على الْكل قد سوى، فَلَا تبقى غِبْطَة وَلَا حسرة، وَلَا كربَة وَلَا مَسَرَّة. وَإِذا نظرت، مَا كنت فِيهِ تجدك لَا تنَال مِنْهُ إِلَّا إكلة وفراشا، وَكُنَّا ورياشا، مَعَ توقع الوقائع، وارتقاب الفجائع ودعا الْمَظْلُوم، وصداع الجائع، فقد حصل مَا كَانَ عَلَيْهِ التَّعَب، وَأمر الذَّهَب، ووضح الْأجر الْمَذْهَب، وَالْقُدْرَة بَاقِيَة، والأدعية راقية، وَمَا تَدْرِي مَا تحكم بِهِ الأقدار، ويتمخض عَنهُ اللَّيْل وَالنَّهَار. وَأَنت الْيَوْم على زَمَانك بِالْخِيَارِ، فَإِن اعْتبرت الْحَال، واجتنبت الْمحَال، لم يخف عَنْك أَنَّك الْيَوْم خير مِنْك أمس، من غير شكّ وَلَا لبس، وَكَانَ أمْلى التَّوَجُّه لرؤية ولدك، لَكِن عارضتني مَوَانِع وَلَا نَدْرِي فِي الْكَوْن مَا الله صانع، فاستنبت هَذِه فِي تَقْبِيل قدمه، والهناء بمقدمه وَالسَّلَام.
(2/97)

وخاطبته لما بَلغنِي مَا كَانَ من صنع الله لَهُ، وعودته إِلَى سُلْطَانه
(هَنِيئًا مَا خولت من رفْعَة الشان ... وَإِن كره الْبَاغِي وَإِن رغم الشاني)

(وَإِن خصك الله جلّ جَلَاله ... بمعجزة منسوبة لِسُلَيْمَان)

(أغار على كرسيه بعض جنه ... فَأَلْقَت لَهُ الدُّنْيَا مقادة إذعان)

(فَلَمَّا رَآهَا فتْنَة خر سَاجِدا ... وَقَالَ إلهي اُمْنُنْ عَليّ بغفران)

(وهب لي ملكا بعْدهَا لَيْسَ يَنْبَغِي ... تقلده بعدِي لإنس وَلَا جَان)

(فَأَتَاهُ لما أَن أجَاب دعاءه ... من الْعِزّ مَا لم يُؤْت يَوْمًا لإِنْسَان)

(وَإِن كَانَ هَذَا الْأَمر فِي الدَّهْر مُفردا ... فَأَتَت لَهُ لما اقتديت بِهِ الثان)

(فقابل صَنِيع الله بالشكر واستعن ... بِهِ واجز إِحْسَان الْإِلَه بِإِحْسَان)

(وَحقّ الَّذِي سماك باسم مُحَمَّد ... لَو أَن الصِّبَا قد عَاد مِنْهُ بريعان)

(لما بلغ النعمى على سروره ... ألية واف لَا ألية خوان)

(إِذا كنت فِي عز وَملك وغبطة ... فقد نلْت أوطاري وراجعت أوطان)

مولَايَ الَّذِي شَأْنه عجب، وَالْإِيمَان بِهِ بعناية الله قد وَجب، وعزه أظهره فِي برداء الْعِزَّة احتجب، إِذا كَانَت الغابة لَا تدْرك، فَأولى أَن تسلم وتترك، ومنة الله عَلَيْك لَيْسَ مِمَّا تشرح، قد عقل الْعقل فَمَا يبرح، وَقيد اللِّسَان فِيمَا يرتقب فِي مجَال الْعبارَة وَلَا يسرح. اللَّهُمَّ ألهمنا على هَذِه النِّعْمَة شكرا ترضاه، وإمداد من لَدُنْك تتقاضاه، بِاللَّه بِاللَّه. سعود أنارت بعد أفول شهابها، وحياة كرت بعد ذهابها، وأحباب اجْتمعت بعد فراقها، وأوطان دنت بعد دنت بعد شامها [من عراقها] وأعداء أذهب الله رسم نعيمهم ومحاه، وبغاة أدَار عَلَيْهِم الدَّهْر رحاه، وَعباد من من
(2/98)

كشف الْغم مَا سَأَلُوهُ، ونازحون لَو سئلوا فِي إتاحة الْقرب بَاقِي أرماقهم لبذلوه. وَسُبْحَان الَّذِي يَقُول وَلَو أَنا كتبنَا عَلَيْهِم أَن اقْتُلُوا أَنفسكُم، واخرجوا من دِيَاركُمْ مَا فَعَلُوهُ. فليهن الْإِسْلَام ببياض وَجهه بعد اسوداده، وتغلب إيالة من لَا يُؤمن بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر على بِلَاده، وعودة الْملك الْمَظْلُوم إِلَى معتاده، واستواء الْحق الفاني جنبه فَوق مهاده، ورد الْإِرْث الْمَغْصُوب إِلَى مُسْتَحقّه عَن آبَائِهِ وأجداده. وَالْحَمْد لله الَّذِي غسل عَن وَجه الْملَّة الحنيفيه الْعَار، وأنقذ عهدتها، وَقد ملكهَا الذعار، فَرد المعار. وأعيد الشعار. نحمدك الله حمدا يَلِيق بقدسك، بل لَا نحصى ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك. وَالْعَبْد يَا مولَايَ قد بهرته آلَاء الله قبلك: بالفكر جائل، وَاللِّسَان سَاكِت، وَالْعقل ذاهل، والطرف باهت، فَإِن أَقَامَ رسما للمخاطبة، فقلم مرح وركض، وطرس هز جنَاح الارتياح ونفض، لَيْسَ هَذَا المرام مِمَّا يرام، وَلَا هَذِه الْعِنَايَة الَّتِي تحار فِيهَا الأقلام، مِمَّا تصمى عرضة السِّهَام. نسْأَل الله أَن يَجْعَل مولَايَ من الشَّاكِرِينَ، وبأحلام تقلبات الْأَيَّام من المعتبرين، حَتَّى لَا يغره السراب الخادع [والدهر المرغم للأنوف الجادع] وَلَا يرى فِي الْوُجُود غير الله من صانع، وَلَا معط وَلَا مَانع، ويمتعه بالعز الْجَدِيد، ويوفقه للنَّظَر السديد، ويلهمه الشُّكْر، فَهُوَ مِفْتَاح الْمَزِيد. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا خاطبته بِهِ على لِسَان وَلَده أسعده الله عِنْدَمَا حللنا بمالقة حرسها الله
مولَايَ الَّذِي رضَا الله مقترن بِرِضَاهُ، والنجح مسبب عَن نِيَّته الصَّالِحَة وَدعَاهُ، وطاعته مرتبطة بِطَاعَة الله. أبقى الله على بكم ظلّ حماه، وغمام نعماه،
(2/99)

وَزَادَنِي من مواهب هدايته فِي تَوْفِيَة حَقه الْكَبِير، فَإِن الْهدى هدى الله. يقبل مواطىء رجلكم الَّتِي ثراها شرف الجدود. وفخر الجباه، ويقرر من عبوديته مَا يسجل الْحق مُقْتَضَاهُ، وَيسلم على مثابة رحمتكم السَّلَام الَّذِي يُحِبهُ الله ويرضاه ولدكم وعبدكم يُوسُف من منزل تأييدكم بِظَاهِر مالقة حرسها الله، وللوجود ألسن بِالْعِزَّةِ لله ناطقة، وللأعلام وَالشَّجر ألوية بالسعد خافقة، وأنواع التَّوْفِيق مُوَافقَة وصنائع اللَّطِيف الْخَبِير مصاحبة مرافقة. وَقد وصل يَا مولَايَ لعبدكم المفتخر بالعبودية لكم، مَا بعث بِهِ على مقامكم، وجادت بِهِ سحائب إنعامكم، وَلمن تَحت حجبة سركم المسدول، وَفِي ظلّ اهتمامكم الْمَوْصُول، وَلمن ارتسم بِخِدْمَة أبوابكم الشَّرِيفَة من الخدام، وَأولى المراقبة والالتزام. مَا تضيق عَنهُ بَيَان الْعبارَة، وتفتضح فِيهِ لِسَان القَوْل وَالْإِشَارَة من عنايات سنية، وَنعم باطنة وجلية، وملاحظة مولوية، ومقاصد ملكية. فَمَا شِئْت من قباب مذهبَة، وملابس منتخبة، وأسرة مرتبَة، ومحاسن لَا مستورة وَلَا محجبة. واللوا الَّذِي نشرتم على عبدكم ظله الظليل، ومددتم عَلَيْهِ جنَاح الْعِزّ الْكَفِيل، جعله الله أسعد لِوَاء فِي خدمكتم، وَمد عَليّ وَعَلِيهِ لِوَاء حرمتكم، حَتَّى يكون لجهادي بَين يديكم شَاهدا وبالنصر الْعَزِيز، وَالْفَتْح الْمُبين عَلَيْكُم عَائِدًا، ولطابعة الخلوص لأمركم قائدا، ولأولياء مَا بكم هاديا، ولأعدائكم كائدا. وَاتفقَ يَا مولَايَ، أَن كَانَ عبدكم قد ركب مغتنما أبرد الْيَوْم. ومؤثرا للرياضة عقب النّوم، والتفت عَلَيْهِ الخدام، والأولياء الْكِرَام، فَلَمَّا عدنا تعرضت تِلْكَ العنايات المجلوة الصُّور، المتلوة السرر، وَقد حشر النَّاس، وَحَضَرت الْأَجْنَاس، فعلا الدُّعَاء، وانتشر الثَّنَاء وراقت الْأَبْصَار للهمة الْعليا، فنسل الله يَا مولَايَ أَن يكافىء مقدمكم بالعز الَّذِي لَا يتبدل، والنصر الَّذِي يسْتَأْنف وَيسْتَقْبل، والسعد الَّذِي حكمه لَا يتَأَوَّل
(2/100)

وَالْعَبْد وَمن لَهُ على حَال اشتياق للورود على بَابَكُمْ الرفيع الْمِقْدَار [وارتياح لقرب المزار] .
(وأبرح مَا يكون الشوق يَوْمًا ... إِذا دنت الديار من الديار)

وَالْعَمَل على تسيير الْحَرَكَة مُتَّصِل، والدهر لأوامر سعدكم محتفل، بِفضل الله. وَالسَّلَام على مقَام مولَايَ وَرَحْمَة الله.
وَمن ذَلِك مَا كتبت بِهِ عَن السُّلْطَان رَضِي الله عَنهُ للْوَلِيّ أبي الْعَبَّاس السبتي بمراكش وَنحن مستقرون بفاس [
(يَا ولي الْإِلَه أَنْت جواد ... وقصدنا إِلَى حماك المنيع)

(رَاعنا الدَّهْر بالخطوب فحينا ... نرتجي من علاك حسن الصَّنِيع ... )
(فمددنا لَك الأكف نرجي ... دَعْوَة الْعِزّ تَحت شَمل جَمِيع)

(قد جعلنَا وسيله، تربك الزاكي ... وزلفى إِلَى الْعَلِيم السَّمِيع ... )
(كم غَرِيب أسرى إِلَيْك فوافي ... برضى عَاجل وَخير سريع)
]
يَا ولي الله الَّذِي جعل جاهه سَببا لقَضَاء الْحَاجَات، وَرفع الأزمات، وتصريفا بَاقِيا بعد الْمَمَات وَصدق نقل الحكايات ظُهُور الْآيَات، نَفَعَنِي الله بنيتي فِي بركَة قربك، وَأظْهر على أثر توسلي بك إِلَى الله رَبك، مزق شملي، وَفرق بيني وَبَين أَهلِي، وتعدى على، وصرفت وُجُوه المكايد إِلَيّ، حَتَّى أخرجت من وطني وبلدي، وَمَالِي وَوَلَدي وَمحل جهادي، وحقي الَّذِي صَار لي طَوْعًا عَن آبَائِي
(2/101)

وأجدادي، عَن بيعَة لم يحل عقدتها الدّين، وَلَا ثُبُوت جرمة تشين. وَأَنا قد قرعت بَاب الله بتأميلك، فالتمس لي قبُوله بقبولك، وردني إِلَى وطني على أفضل حَال، وَأظْهر على كرماتك الَّتِي تشد إِلَيْهَا الرّحال. فقد جعلت وسيلتي إِلَيْك رَسُول الْحق إِلَى جَمِيع الْخلق [[صلى الله عَلَيْهِ وَسلم]] . وَالسَّلَام عَلَيْك أَيهَا الْمولى الْكَرِيم الَّذِي يَأْمَن بِهِ الْخَائِف، وينتصف بِهِ الْغَرِيم، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ الْوَزير المتغلب على دولة الْمُلُوك بالمغرب عَامر بن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن عَليّ
(لَا ترج إِلَّا الله فِي شدَّة ... وثق بِهِ فَهُوَ الَّذِي أيدك)

(حاشا لَهُ أَن ترجو إِلَّا الَّذِي ... فِي ظلمَة الأحشاء قد أوجدك)

(فاشكره بِالرَّحْمَةِ فِي خلقه ... ووجهك أبسط بِالرِّضَا أَو يدك)

(وَالله لَا تهمل ألفافه ... [قلادة الْحق] الَّذِي قلدك)

(مَا أسعد الْملك الَّذِي سسته ... يَا عمر الْعدْل وَمَا أسعدك)

تخص الْوَزير الَّذِي بهر سعده، وَحمد فِي المضاء قَصده، وعول على الشيم الَّذِي اقتضاها مجده، وأورثه إِيَّاهَا أَبوهُ وجده، الشَّيْخ الكذا ابْن فلَان. أبقاه الله ثَابت الْقدَم. خافق الْعلم، شهيرا حَدِيث سعده فِي الْأُمَم، مثلا خبر بسالته وجلالته فِي الْعَرَب والعجم. تَحِيَّة مجده الْكَبِير، الْمُسْتَند إِلَى عَهده الوثيق،
(2/102)

وحسيه الشهير، المسرور بِمَا سناه الله لَهُ من نجح التَّدْبِير، والنصر الْقَدِيم النظير وإنجاده إِيَّاه عِنْد إِسْلَام النصير، وفراق الْقَبِيل والعشير، ابْن الْخَطِيب من سلا، حرسها الله، وَالْيَد ممدودة إِلَى الله، فِي صلَة سعد الْوَزير، أبقاه الله، ودوام عصمته، وَاللِّسَان يطنب ويسهب فِي شكر نعْمَته، والأمل مُتَعَلق بأسبابه الْكَرِيمَة وأذمته. وَقد كَانَ شيعته مَعَ الشَّفَقَة الَّتِي أذابت الْفُؤَاد، وألزمت الأرق والسهاد، على علم بِأَن عناية الله عَلَيْهِ عاكفة، وديم الآلاء لَدَيْهِ واكفة، وَأَن الَّذِي أقدره وأيده وَنَصره، وأنفذت مَشِيئَة مَا دبره، كَفِيل بإمداده، وملبى بإسعاده، ومرجى بإصلاح دُنْيَاهُ ومعاده. وَفِي أثْنَاء هَذِه الأراجيف استولى على مُعظم وزارته الْجزع، وتعاورته الأفكار تَأْخُذهُ وَتَدَع. فَإِنِّي كَمَا يعلم الْوَزير، أعزه الله، مُنْقَطع الْأَسْبَاب مستوحش من الْجِهَة الأندلسية على بعد الجناب، ومستعدا عَليّ لكوني من الْمَعْدُودين فِيمَن لَهُ من الخلصان والأحباب، فشرعت فِي نظر، أحصل مِنْهُ على زَوَال اللّبْس، وأمان النَّفس، واللحاق بمأمن يرعاني برعي الْوَزير، بخلال مَا يدبر الْأَمر من لَهُ التَّدْبِير. فَفِي أَثْنَائِهِ، وتمهيد أساس بنائِهِ، ورد البشير بِمَا سناه الله لسيدي وَجَابِر كسْرَى، ومنصفي بِفضل الله من دهري، من الصنع الَّذِي بهر، وراق نوره وَظهر. فآمنت، وَإِن لم أكن مِمَّن جنا، وجفتني المسرات بَين أَفْرَاد وثنى، وانشرح بِفضل الله صَدْرِي، وزارتني النعم والتهاني من حَيْثُ أَدْرِي وَلَا أَدْرِي. ووجهت الْوَلَد، الَّذِي شملته نعْمَة الْوَزير وإحسانه، وَسبق إِلَيْهِ امتنانه، نَائِبا عني فِي تَقْبِيل يَده، وشكر بره، وَالْوُقُوف بِبَابِهِ، والتمسك بأسبابه. آثَرته بذلك لأمور، مِنْهَا المزار فِيمَا كَانَ يلْزَمنِي من إخْوَته الأصاغر، وتدريه على خدمَة الْجلَال الباهر، ولعائق ضعف عَن الْحَرَكَة وإفراد لَهُ بِالْبركَةِ. وَبعد ذَلِك أشرع بِفضل الله فِي الْعَمَل على تَجْدِيد الْعَهْد بِبَاب الوزارة الْعلية، عارضا من ثنائها مَا يكون وفْق الأمنية، وَرب عمل أغْنى عَنهُ فضل النِّيَّة، وَالسَّلَام الْكَرِيم على سَيِّدي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
(2/103)

وخاطبت الْوَزير الْمَذْكُور على أثر الْفَتْح الَّذِي تكيف لَهُ

سَيِّدي الذ أسر بسعادته، وَظُهُور عناية الله بِهِ فِي إبدائه وإعادته، وَأعلم كرم مجادته، وأعترف بسيادته الْوَزير الميمون الطَّائِر، الْجَارِي حَدِيث سعده مجري الْمثل السائر الكذا ابْن الكذا، أبقا الله عَزِيز الْأَنْصَار، جَارِيَة بيمن نقيبته حَرَكَة الْفلك الدوار، مَعْصُوما من المكاره بعظمة الْوَاحِد القهار، مُعظم سيادته الرفيعة الْجَانِب، وموقر وزارته الشهيرة الْمُنَاسب، الدَّاعِي إِلَى الله بطول بَقَائِهِ فِي عز وَاضح الْمذَاهب، وصنع واكف السحائب. فلَان. من كَذَا عَن الَّذِي يعلم سَيِّدي من لِسَان طلق بالثنا، وَيَد ممدودة إِلَى الله بِالدُّعَاءِ، والتماس لما يعد من جزيل النعماء وَالْفَتْح الَّذِي تفتح لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء. وَقد اتَّصل مَا سناه الله لَهُ من النَّصْر والظهور، والصنع البادي السفور، لما التقى الْجَمْعَانِ، وتهوديت أكواس الطعان، وَتبين الشجاع من الجبان، وَظهر من كَرَامَة سَيِّدي وبسالته مَا تَتَحَدَّث بِهِ أَلْسِنَة الركْبَان، حَتَّى كَانَت الطائلة لحربه، وَظَهَرت عَلَيْهِ عناية ربه فَقلت الْحَمد لله الَّذِي سعد عمادي مُتَّصِل الْآيَات، بعيد الغايات، وصنع الله باهر الْآيَات، وَاضح الْغرَر والشيات، وَقد كنت بعثت أهنيه بِمَا تقدم من صنع جميل، وبلوغ تأميل، فَقلت اللَّهُمَّ أفد علينا التهاني تتزين، وَاجعَل الْكُبْرَى من نعمك الصُّغْرَى، واجمع لَهُ بَين نعيم الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى. وَالنَّاس أبقى الله سَيِّدي لَهُم مَعَ الِاسْتِنَاد إِلَيْك جِهَات، وَأُمُور مُشْتَبهَات، إِلَّا الْمُحب المتشيع بجهتك هِيَ الَّتِي أنست الغربة، وفرجت الْكُرْبَة، ووعدت بِالْخَيرِ، وضمنت عَاقِبَة الصَّبْر. وَأَنا أرتقب وُرُود التَّعْرِيف المولوى على عبيده، بِهَذِهِ الْمَدِينَة، وآمل إِن شَاءَ الله إِلَى مُبَاشرَة الهنا، وقرة الْعين بمشاهدة الالاء. وَالله يديم سَيِّدي الَّذِي هُوَ كَهْف موديه، حَتَّى يطفره الله بِمن يناويه ويعاديه وَالسَّلَام.
(2/104)

وَمن ذَلِك فِي مُخَاطبَة الْوَزير الْمَذْكُور وَأَنا سَاكن بسلا

(أيا عمر الْعدْل الَّذِي مطر الندا ... بوعد الْهدى حَتَّى وفيت بِدِينِهِ)

(وَيَا صارم الْملك الَّذِي يستعده ... لدفع عداهُ أَو لمجلس زينه)

(سنت عَيْنك اليقظى من الله عصمَة ... كفت وَجه دين الله موقع شانه)

(وَهل أَنْت إِلَّا الْملك وَالدّين والدنا ... وَلَا يلبس الْحق الْمُبين بمينه)

الْوَزير الَّذِي هُوَ للدّين الْوزر الواقي، وَالْعلم السَّامِي، المراقب والمراقي، والحلى الْمُقَلّد فَوق الترائب والتراقي، والكنز المؤمل والذخر الْبَاقِي، حجب الله الْعُيُون عَن كمالك، وصير الْفلك الدوار مَطِيَّة آمالك، وَجعل اتِّفَاق الْيمن مَقْرُونا بيمنك، وانتظام الشمل معقودا بشمالك. أعلم أَن مُطلق الثنا على مجدك، والمستضيء على الْبعد بِنور سعدك، والمعقود الرجا بِعُرْوَة وَعدك. لَا يزَال فِي كل سَاعَة يسحب فِيهِ ذيلها، ويعاقب يَوْمهَا وليلها، مصغى الْأذن إِلَى نبإ يهدي عَنْك الله دفاعا، أَو يمد فِي ميدان سعدك باعا، وَأَنت الْيَوْم النصير على الدَّهْر للمظلوم، وأسى الكلوم، وَذُو الْمقَام الْمَعْلُوم، فتعرفت أَن بعض مَا يتلاعب بِهِ بَين أَيدي السَّادة الخدام، وتتفكه بِهِ المناقبة والإقدام، من كرة مُرْسلَة الشهَاب، أَو نارنجة ظهر عَلَيْهَا من صبغها الالتهاب، حومت حول عَيْنك، لَا كدر صفاؤها، وَلَا عدم فَوق مهاد الدعة والأمن إغفاؤها، فرعت حول حماها، وَرَأَتْ أَن تصيب فجنب الله مرماها
(ترى السوء مِمَّا يتقى مِنْهَا بِهِ ... وَمَا لَا نرى مِمَّا يقي الله أَكثر)

فَقلت مَكْرُوه أَخطَأ سَهْمه، وتنبيه من الله قبل عقله وفهمه، ودفاع قَامَ دَلِيله، وَسعد أشرف تليله، وَأَيَّام أعربت عَن إقبالها، وعصمة غطت بسربالها،
(2/105)

وجوارح جعل الله المليكة تحرسها، فَلَا تغتاله الْحَوَادِث وَلَا تفترسها، والفطن تشعر بالشَّيْء وَإِن جهلت أَسبَابه، والصوفي يسمع من الْكَوْن جَوَابه، فبادرت أهنيه تهنئة من يرى تِلْكَ الْجَوَارِح الْكَرِيمَة أعز عَلَيْهِ من جوارحه، وَيُرْسل طير الشُّكْر لله فِي مساقط اللطف الْخَفي ومسارحه، وَسَأَلته سُبْحَانَهُ أَن يجعلك عَن النوائب [حجرا] لَا يقرب، وربعك ربعا لَا يخرب، مَا سبحت الْحُوت ودبت الْعَقْرَب. ثمَّ إِنِّي شفعت الثَّنَاء ووترته، وأظهرت السرُور فَمَا سترته، بِمَا سنا الله لتدبيرك من مسالمة تكذب الإرجاف، وتغنى عَن الإيجاف، وتخصب الآمال الْعِجَاف، وتريح من كيد، وتفرع إِلَى محاولة عَمْرو وَزيد. وَكَأن بسعدك قد سدل الْأمان، وَعدل للزمان، واصلح الْفَاسِد، ونفق الكاسد، وقرع الروع المستأسد، وسر الحبيب، وساء الْحَاسِد.
وَمن ذَلِك فِي مُخَاطبَة عَامر بن مُحَمَّد
(تَقول فِي الأظعان والشوق فِي الحشى ... لَهُ الحكم يمْضِي بَين ناه وآمر)

(إِذا جبل التَّوْحِيد أصبح قارعا ... فخيم قرير الْعين فِي دَار عَامر)

(وزر تربة المرحوم إِن مزارها ... هُوَ الْحَج يقْضِي نَحوه كل ضامر)

(ستلقى بمثوى عَامر بن مُحَمَّد ... ثغور الْأَمَانِي من ثنايا البشائر)

(فَللَّه مَا تبلوه من سعد وجهة ... وَللَّه مَا تَلقاهُ من يمن طَائِر)

(وتستعمل الْأَمْثَال فِي الدَّهْر مِنْكُمَا ... بِخَير مزور أَو بأغبط زائر)

لم يكن همي أبقاك الله، مَعَ فرَاغ البال، وإسعاف الآمال، ومساعدة الْأَيَّام والليال، إِذْ الشمل جَمِيع، والزمن كُله ربيع، والدهر مُطِيع سميع، إِلَّا زيارتك
(2/106)

فِي جبلك، الَّذِي يعْصم من الطوفان، ويواصل أَمنه بَين النّوم والأجفان، وَأَن أرى الْأُفق الَّذِي طلعت مِنْهُ الْهِدَايَة، وَكَانَت إِلَيْهِ العودة وَمِنْه الْبِدَايَة، فَلَمَّا حم الْوَاقِع، وَعجز عَن خرق الدولة الأندلسية الرافع، وأصبحت ديار الأندلس وَهِي بَلَاقِع، وَحسنت من استدعائك إيَّايَ المواقع، قوي الْعَزْم وَإِن لم يكن ضَعِيفا، وَعرضت على نَفسِي السّفر فَوَجَدته خَفِيفا، والتمست الْإِذْن حَتَّى لَا نرى فِي قبْلَة السداد تحريفا، واستقبلتك بصدر مشروح، وزند للعزم مقدوح، وَالله يُحَقّق الشُّمُول، [ويسهل بمثوى الأماثل] المثول، ويهيء من قبله الْقبُول وَالسَّلَام.
وخاطبته معزيا عَن أَخِيه عبد الْعَزِيز
(أَبَا ثَابت كن فِي الشدائد ثَابتا ... أُعِيذك أَن يلقى حسودك شامتا)

(عزاؤك عَن عبد الْعَزِيز هُوَ الَّذِي ... يَلِيق بعز مِنْك أعجز ناعتا)

(فدوحتك الْغِنَا طَالَتْ ذوابها ... وسرحتك الشما طابت منابتا)

(لقد هد أَرْكَان الْوُجُود مصابه ... وأنطق منا الشجو مَا كَانَ صامتا)

(فَمن نفس حرى أوثق الْحزن كظمها ... وَمن نفس بالوجد أصبح خافتا)

(هُوَ الْمَوْت بالإنسان فصل لحده ... وَكَيف نرجى أَن نصاحب فائتا)

اتَّصل بِي أَيهَا الْهمام، وَبدر الْمجد الَّذِي لَا يُفَارِقهُ التَّمام، مَا جنته على عليائكم الْأَيَّام، وَمَا اسْتَأْثر بِهِ الْحمام، فَلم تغن الذمام، من وَفَاة صنوك الْكَرِيم الصِّفَات، وهلاله وسطى الأسلاك، وَبدر الأحلاك، ومحير الْأَمْلَاك، وَذَهَاب السَّمْح الْوَهَّاب. وَأَنا لديغ صل الْفِرَاق، الَّذِي لَا يفِيق بِأَلف راق، وجريح سهم الْبَين ومحارب [سهم الْعُيُون] الْجَارِيَة بدمع الْعين، نقصد أنيس سد على مضض النكبة،
(2/107)

ونحى لَيْث الْخطب من فريستي بعد صدق الوثبة، وانسنى فِي الاغتراب وصحبي إِلَى مُنْقَطع التُّرَاب، وكفل أصاغري خير الْكفَالَة، وعاملني من حسن الْعشْرَة بِمَا سجل عقد الْوكَالَة. انتزعه الدَّهْر من يَدي حَيْثُ لَا أهل وَلَا وَطن، والاغتراب قد ألْقى بِعَطَن، وَذَات الْيَد يعلم حَالهَا، من يعلم مَا ظهر وَمَا بطن، وَرَأَيْت من تطارح الأصاغر على شلو الْغَرِيب النازح عَن النسيب والقريب، مَا حَملَنِي على أَن جعلت الْبَيْت لَهُ ضريحا، ومدفنا صَرِيحًا، لأخدع من يرى أَنه لم يزل مُقيما لَدَيْهِ، وَإِن ظلّ شفقته مسجيا عَلَيْهِ، ناعيا مصابي عِنْد ذَلِك السَّرْح، وَأعظم الظمأ البرح، ونكأ الْقرح، إِذْ كَانَ ركنا قد بنته لي يَد معرفتك، ومتصفا فِي الْبر والرعى لصاغيتي بكريم صِفَتك فوالهفي عَلَيْهِ من حسام وغر سَام، وأيادي جسام، وشهرة بَين بني حام وسام، إِلَى جمال خلق، وَوجه للقاصد طلق، وشيم تطمح للمعالي بِحَق، وَأي عضد لَك يَا سَيِّدي الْأَعْلَى لَا يهين إِذا سَطَا، وَلَا يقهر إِذا خطا، يُوجب لَك على تجليه بالتنبيه، مَا توجبه النُّبُوَّة من الهيبة، وَيرد ضيفك آمنا من الخيبة، ويسد ثغرك عِنْد الْغَيْبَة. وكما قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام للْأَنْصَار، أَنْتُم الكرس والعيبة. ذهبت إِلَى الْجذع، فَرَأَيْت مصابه أكبر، ودعوت بِالصبرِ فولى وَأدبر، واستنجدت الدمع فنضب، واستصرخت الرَّجَاء فَأنْكر مَا روى وانتضب. وَبِأَيِّ حزن يلقى فقد عبد الْعَزِيز، وَقد جلّ فَقده، أَو يطفى لاعجه وَقد عظم وقده اللَّهُمَّ لَو بَكَى بندى أياديه، أَو بغمام عواديه، أَبُو بعباب واديه. وَهِي الْأَيَّام أَي شامخ لم تهده، أوجديد لم تبله، وَإِن طَالَتْ الْمدَّة. فرقت بَين التيجان والمفارق، والخدود والنمارق، والطلا وَالْقعُود، والكاس وَابْنه العنقود، والتعلل بالفان، وَإِنَّمَا هِيَ إغْفَاءَة أجفان، والتشبث
(2/108)

بالحائل، وَإِنَّمَا هُوَ ظلّ زائل، وَالصَّبْر على المصائب، وَوُقُوع سهمها الصائب، أولى مَا اعْتمد طلابا، وَرجع إِلَيْهِ طَوْعًا أَو غلابا. وَأَنا يَا سَيِّدي أقيم التَّعْزِيَة، وَإِن بوت بالمضاعف المرزية، وَلَا عتب على الْقدر فِي الْورْد من الصَّدْر، وَلَوْلَا أَن هَذَا الْوَاقِع مِمَّا لَا يجدي فِيهِ الخلصان، وَلَا يُغني فِيهِ الراع مَعَ الحرصان، لَا بل جهده من أقرضتموه مَعْرُوفا، أَو كَانَ بالتشيع إِلَى تِلْكَ الهضبة مَعْرُوفا، لَكِنَّهَا سوق، لَا تتفق فِيهَا إِلَّا سلْعَة التَّسْلِيم للحكيم الْعَلِيم، وطى الجوانح على المضض الْأَلِيم. ولعمري لقد خلد لهَذَا الفقيد، وَإِن طمس الْحمام محاسنه الوضاحة لما لبس مِنْهُ الساحة. صحفا منشرة، وثغورا بِالْحَمْد مُؤثرَة، يفخر بهَا بنوه، ويستلكثر بهَا مكتتبو الْحَمد ومقتنوه، وانتم عماد الفازة، وَعلم الْمَفَازَة، وقطب الْمدَار، وعامر الدَّار، وَأسد الأجمة، وَبَطل الكتيبة الملجمة، وكافل الْبَيْت، والستر على الْحَيّ وَالْمَيِّت، وَمثلك لَا يهدي إِلَى لجج لاحب، وَلَا ترشد أنواره بَنو الحباحب، وَلَا يُنَبه على سنَن بني كريم أَو صَاحب، قدرك أَعلَى، وفضلك أجلى، وَأَنت صدر الزَّمَان بِلَا مدافع، وَخير معد لأعلام الْفضل رَافع. وَأَنا وَإِن اخْتَرْت غَرَض العزا، لما خصني من الْمُصَاب، ونالتني من الأوصاب، وَنزل بِي من جور الزَّمَان الغصاب، مِمَّن يقبل عذره الْكَرم، ويسعه الْحرم الْمُحْتَرَم. وَالله سُبْحَانَهُ الْكَفِيل لسيدي وعمادي ببقا يكفل بِهِ الْأَبْنَاء ويعلى لِقَوْمِهِ رتب الْعِزّ سامية الْبَنَّا، حَتَّى لَا يوحش مَكَان فقيد مَعَ وجوده، وَلَا يحس بعض زمَان مَعَ جوده، ويقر عينه فِي وَلَده وَولد وَلَده، وَيجْعَل أَيدي مناوية تَحت يَده وَالسَّلَام.
وخاطبته أَيْضا سَيِّدي الَّذِي هُوَ رجل الْمغرب كُله، وَالْمجْمَع على فَضله وطهارة بَيته، وزكا أَصله، علم أهل الْمجد وَالدّين، وَبَقِيَّة كبار الْمُوَحِّدين. بعد السَّلَام على تِلْكَ الْجَلالَة الراسخة الْقَوَاعِد، السامية المصاعد، والدعا لله أَن يفتح لَك فِي مضيقات
(2/109)

هَذِه الْأَحْوَال مسالك التَّوْفِيق، ويعلقك فِي عصمته بِالسَّبَبِ الوثيق. أعرفك أَن جبلك الْيَوْم، وَقد عظم الرجفان، وفار التَّنور، وطغى الطوفان، تومل النُّفُوس الغرقى جودى جوده، وترجو التَّمَسُّك بالموجود مَعَ وجوده. وَالله العلق الَّتِي يجب لَهَا الِالْتِزَام. مَا وَقع على غير قصدك الاعتزام، وَالله يمدك بإعانته على تحمل القصاد، وَيبقى مجدك رفيع الْعِمَاد، كثير الرماد، وَجعل أَبَا يحيى خلفا مِنْك بعد عمر النِّهَايَة، الْبعيد الآماد، وَيبقى كلمة التَّوْحِيد بَاقِيَة فِيكُم إِلَى يَوْم التناد، وحامله الْقَائِد الكذا، بَيته مَعْرُوف النباهة وَالْجهَاد، وَمحله لَا يُنكر فِي القواد، لما اشتبهت السبل، والتبس القَوْل وَالْعَمَل، لم أجد أنجى من الركون إِلَى جنابك، والانتظام فِي سلك خواصك وأحبابك، حَتَّى ينبلج الصُّبْح وَيظْهر النجح، وَيكون بعد هجرته الْفَتْح. ومثلكم من قصد وأمل، وانضى الله المطى وأعمل. وَأما الَّذِي عِنْدِي من الْقيام بِحَق تِلْكَ الذَّات الشَّرِيفَة، وَالْقَوْل بمناقبها المنيفة، فَهُوَ شَيْء لَا تفي بِهِ الْعبارَة، وَلَا تُؤَدِّيه الْأَلْفَاظ المستعارة. وَالسَّلَام.
وخاطبت شيخ الدولة يحيى بن رحو بِقَوْلِي:
سَيِّدي الَّذِي لَهُ المزية الْعُظْمَى، وَالْمحل الأسمى، شيخ قبيل بني مرين، وقطب مدَار الْأَحْرَار على الْإِجْمَال وَالتَّعْيِين، والمتميز بالدهاء والوجاهة، والمعرفة الفسيحة الساحة، وَالصَّدَََقَة الْمُبَاحَة، وشروط الصُّوفِيَّة من ترك الْأَذَى وَوُجُود الرَّاحَة، أسلم على ذاتك الطاهرة الَّتِي بخلت الْأَزْمَان وَللَّه أَن يَأْتِي بنظيرها، وتنافست الدول فِي تكبيرها، وسارت الْكَوَاكِب الملكية بمسيرها، وأثنت الألسن بفضلها وَخَيرهَا، وأقرر لَدَيْهَا أنني أَعدَدْت من مَعْرفَتهَا بالأندلس كنزا، لم أنْفق مِنْهُ إِلَى الْيَوْم وزنا إعدادا لَهُ وحزنا، إِذْ لَا يخرج العتاد الْكَبِير، إِلَّا عَن حَاجَة وفاقة،
(2/110)

وَلَا ترد الْيَد إِلَى الذَّخِيرَة إِلَّا فِي إِضَافَة وَعجز طَاقَة. وَمَا كَانَت الوصلة بِمثلِهِ ليهملها مثلى جهلا بِقِيمَتِهَا الْعَالِيَة وازدراء بجهتها الكافية. لَكِن نابت عَن يَدهَا أيد، وأعفا عَن ابتذالها مَا كَيفَ الله من عَمْرو وَزيد، والآن أَنى قد كَادَت حَاجَتي إِلَى ذَلِك القتاد [أَن تتمخض، وزبدته أَن تمحض، إِذْ هُوَ حظى من رعى ذَلِك الْقَبِيل] الَّذِي قصرت عَلَيْهِ رياسته، والوزير الَّذِي من رَأْيه تستمد سياسته، وَإِذا وَفد خاصته أهل هَذِه الْمَدِينَة مهنين، وبشكر الإيالة الْكَرِيمَة مثنين، فجهته ظلى الظليل، ومشاركته معتمدي فِي الْكثير، فَكيف لَا وَالْغَرَض إِلَّا فِي الْقَلِيل. وَعِنْدِي أَن رعيه لمثلى لَا يفْتَقر إِلَى وَسِيلَة تجلب، وَلَا ذمام يحْسب، فَمثله من قدر قدر الهنا، وسد أَعْلَام الْحَمد سامية الْبَنَّا، وَعلم أَن الدُّنْيَا على الله أَحْقَر الْأَشْيَاء وَقد رفعت أَمْرِي، بعد الله، إِلَى رَأْيك، وغنيت عَن سعي لنَفسك بجميل سعيك. وَالسَّلَام.
وخاطبت الشَّيْخ أَبَا الْحسن بن بدر الدّين رَحمَه الله
(يَا جملَة الْفضل والوفا ... مَا بمعاليك من خفا)

(عِنْدِي فِي الود فِيك عقد
صَححهُ الدَّهْر بكتفا)

(مَا كنت أقضى علاك حَقًا ... لَو جِئْت مدحا بِكُل فا)

(فَأول وَجه الْقبُول عُذْري ... وجنب الشَّك فِي صفا)

سَيِّدي الَّذِي هُوَ فصل جنسه، ومزية يَوْمه على أمسه، فَإِن افتخر الدّين من أَبِيه ببدره، افتخر مِنْهُ بشمسه. رحلت عَن المنشإ والقرارة، فَلم تتَعَلَّق نَفسِي بذخيرة، ولاعهد جيرة خيرة، كتعلقها بِتِلْكَ الذَّات، الَّتِي لطفت لطافة
(2/111)

الراح واشتملت بالمجد الصراح، شَفَقَة أَن يُصِيبهَا معرة، وَالله يَقِيهَا ويحفظها ويبقيها، إِذْ الْفَضَائِل فِي الْأَزْمَان الرذلة عوامل، والصد عَن الضِّدّ منحرف بالطبع ومائل. فَلَمَّا تعرفت خلاص سَيِّدي من ذَلِك الوطن، وألقاه، وَرَاء الفرضة بالعطن، لم تبْق لي تعلة، وَلَا أحرضني لَهُ عِلّة، وَلَا أُوتى جمعي من قلَّة، فَكتبت أهنىء نَفسِي الثَّانِيَة بعْدهَا بهنا نَفسِي الأولى، وأعترف للزمان بِالْيَدِ الطولي. وَالْحَمْد لله الَّذِي جمع الشمل بعد شتاته، وَأَحْيَا الْأنس بعد مماته، سُبْحَانَهُ لَا مبدل لكلماته، وإياه أسل أَن يَجْعَل الْعِصْمَة حَظّ سَيِّدي ونصيبه، فَلَا يَسْتَطِيع أحد أَن يُصِيبهُ، وَأَنا أخرج لَهُ عَن بَث كمين، ونصح إنائه قمين، بعد أَن أَسِير غوره، وَأخْبر طوره، وأرصد فوره، فَإِن كَانَ لَهُ فِي التَّشْرِيق أمل، وَفِي ركب الْحجاز نَاقَة وجمل، والرأي قد نجحت مِنْهُ نِيَّة وَعمل، فقد غنى عَن عَوْف والبقرات، فِي زكى الثمرات، وإطفاء الحمران برمى الجمرات، وتأنس بوصال السّري وَوصل السرات، وأناله إِن رضيني أرْضى مُوَافق، ولواء عزى بِهِ خافق، وَإِن كَانَ عَليّ السّكُون بِنَاؤُه، فَأمر لَهُ مَا بعده، وَالله يحفظ من الْغَيْر سعده، وَالْحق إِن تحذف الأبهة وتختصر، ويحفظ اللِّسَان ويغض الْبَصَر، وينخرط فِي الغمار، ويخلى على الْمِضْمَار، وَيجْعَل من الْمَحْظُور، مُلَاحظَة مِمَّن لَا خلاق لَهُ، مِمَّن لَا يقبل الله قَوْله وَلَا عمله، فَلَا يكتم سرا، وَلَا يتطوق زرا، ورفض الصُّحْبَة زِمَام السَّلامَة، وَترك الْعَلامَة على النجَاة عَلامَة. وَأما حَالي مِمَّا علمْتُم ملازم كن، ومبهوظ تجربة وَسن، أَرْجَى الْأَيَّام، وأروم بعد التَّفَرُّق الألتئام، خَالِي الْيَد، ملىء الْقلب والخلد، بِفضل الله الْوَاحِد الصَّمد، عَامل على الرحلة الحجازية الَّتِي أختارها لكم ولنقسى، وأصل فِي التمَاس الْإِعَانَة عَلَيْهَا يومي وأمسي، أوجب مَا ذكرته لكم مَا أَنْتُم أعلم بِهِ، من ود قَرّرته الْأَيَّام والشهور، والخلوص الْمَشْهُور. وَمَا أطلت فِي شَيْء عِنْد قدومي
(2/112)

على هَذَا الْبَاب الْكَرِيم، إطالتي فِيمَا يخْتَص بكم من مُوالَاة، وبذل مجهود القَوْل وَالْعَمَل على مرضاته، وَأما ذكرهم فِي هَذِه الأوضاع، فَهُوَ مِمَّا يقر عين المجادة والوظيفة، الَّتِي ينافس فِيهَا أولو السِّيَادَة. وَالله يصل بقاءكم، وييسر لقاءكم، وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله.
وَمن ذَلِك فِي مُخَاطبَة شيخ الْعَرَب مبارك ابْن إِبْرَاهِيم
(عرصات دَارك للضياف مبارك ... وبضوء نَار قراك يهدي السالك)

(ونوالك المبذول قد شَمل الورى ... طرا وفضلك [لَيْسَ لَهُ حسام فاتك] )

(والجود لَيْسَ لَهُ غمام هاطل ... وَالْمجد لَيْسَ لَهُ سَنَام هاتك)

(جمع السماحة والرجاجة والندى ... والبأس والرأي الْأَصِيل مبارك)

(للدّين وَالدُّنْيَا وللشيم العلى ... والجود إِن صَحَّ الْغَمَام الماسك)

(ورت الْجَلالَة عَن أَبِيه وجده ... فكأنهم مَا غَابَ عَنْهُم هَالك)

(فجياده للآملين مراكب ... وخيامه للقاصدين أرائك)

(فَإِذا الْمَعَالِي أَصبَحت مَمْلُوكَة ... أعناقها بِالْحَقِّ فَهُوَ الْمَالِك)

(يَا فَارس الْعَرَب الَّذِي من بَيته ... حرم لَهَا حج بهَا ومناسك)

(يَا من يبشر باسمه قصاده ... وَلَهُم إِلَيْهِ مسارب ومسالك)

(أَنْت الَّذِي استأثرت فِيك بغبطتي ... وَسوَاك فِيهِ ماخذ ومتارك)

(لَا زلت نورا يَهْتَدِي بضيائه ... من جنه للروع ليل حالك)

(ويخص مجدك من سلامي عاطر ... كَمَا لمسك صاك بِهِ الغوالي صائك)
(2/113)

الْحَمد لله الَّذِي جعل بَيْتك شهيرا، وجعلك للْعَرَب أَمِيرا، وَجعل اسْمك فالا، ووجهك جمالا، وقربك جاها ومالا، قَالَ رَسُول الله إِلَى أَلا أسلم عَلَيْك يَا أَمِير الْعَرَب، وَابْن أمرائها، وقطب سادتها وكبرائها، وأهنيك بِمَا منحك الله من شهرة تبقى، ومكرمة لَا يضل المتصف بهَا وَلَا يشقى، إِذْ جعل خيمتك فِي هَذَا الْمغرب على اتساعه وَاخْتِلَاف أشياعه مأمنا للخائف، على قِيَاس الْمذَاهب والطوائف وَصرف الْأَلْسِنَة إِلَى مدحك، والقلوب إِلَى حبك، وَمَا ذَاك إِلَّا لسريرة لَك عِنْد رَبك. وَلَقَد كنت أَيَّام تجمعني وَإِيَّاك الْمجَالِس السُّلْطَانِيَّة، على معرفتك متهالكا، وطوع الأمل مَالِكًا لما يلوح على وَجهك من سِيمَا الْمجد والحيا، والشيم الدَّالَّة على الْعليا، وَزَكَاة الْأُصُول وكريم الإباء. وَكَانَ وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى عين للقاء خَال السُّلْطَان قريبكم، لما توجه فِي الرسَالَة إِلَى الأندلس نَائِبا فِي تأنيسه عَن مخدومه، ومنوها حَيْثُ حل بقدومه، واتصلت بعد ذَلِك بَينهمَا المهاداة والمعرفة، والرسائل الْمُخْتَلفَة، فَعظم لأجل هَذِه الْوَسَائِل شوقي إِلَى التشرف بزيارة ذَلِك الجناب الَّذِي حُلُوله شرف وفخر، وَمَعْرِفَة كنز وَذخر. فَلَمَّا ظهر الْآن لمحل أخي الْقَائِد الكذا فلَان اللحاق بك، والتعلق بسببك، رَأَيْت أَنه قد اتَّصل بِهَذَا الْغَرَض المؤمل بعض، وَالله ييسر فِي الْبَعْض عِنْد تَقْرِير الْأَمْن، وهدنة الأَرْض. وَهَذَا الْفَاضِل بركَة حَيْثُ حل لكَونه من بَيت أَصَالَة وَجِهَاد، وَمَا جد وَابْن أمجاد، وَمثلك لَا يوصى بِحسن جواره، وَلَا يُنَبه على إيثاره، وقبيلك فِي الحَدِيث من الْعَرَب وَالْقَدِيم، وَهُوَ أوجب لَهُ مزية التَّقْدِيم، لم يفتخر قطّ بِذَهَب يجمع، وَلَا ذخر يرفع، وَلَا قصر يَبْنِي، وَلَا غرس يجنى، إِنَّمَا فخرها عَدو يغلب، وثناء يجتلب، وجزور ينْحَر، وَحَدِيث يذكر، وجود على الْفَاقَة، وسماحة بِجهْد الطَّاقَة. فَلَقَد ذهب الذَّهَب، وَبَقِي النشب، وتمزقت الأثواب، وَهَلَكت الْخَيل العراب، وكل الَّذِي
(2/114)

فَوق التُّرَاب تُرَاب، وَبقيت المحاسن تروى وتنقل، والأغراض تجلى وتصقل. وَللَّه در الشَّاعِر حَيْثُ يَقُول:
(وَإِنَّمَا الْمَرْء حَدِيث بعده ... فَكُن حَدِيثا حسنا لمن وعا)

هَذِه مُقَدّمَة لن يسنى الله بعْدهَا، إِنَّمَا الْأَمِير فيجلى اللِّسَان عَمَّا فِي الضَّمِير.
(ومدحى على الْأَمْلَاك مدح إِنَّنِي ... رَأَيْتُك مِنْهَا فامتدحت على رسم)
وَمَا كنت بالمهدي لغيرك مدحتي ... وَلَو أَنه قد حل فِي مفرق النَّجْم)

وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ شيخ الدولة الإبراهيمية من طَرِيق الْقدوم على ملك الْمغرب مفلتا من النكبة بِسَبَب شَفَاعَته
سَيِّدي الَّذِي إِلَيْهِ انقطاعي وانحياشي، وملجئي الَّذِي يسر خلاصي، وسني انتياشي، ومنعمي الَّذِي جبر جناحي وَأنْبت رياشي، وَمولى هَذَا الصِّنْف العلمي وَلَا أحاشي، كتبه صَنِيع نعمتكم الْخَالِصَة الْحرَّة، ومسترف فَضلكُمْ الَّذِي تألقت مِنْهُ فِي ليل الخطوب الْغرَّة، ابْن الْخَطِيب، لطف الله بِهِ، من مربلة، والعزم قد أبلغت فِيهِ النَّفس عذرها، وعمرت بالمثول بَين يديكم سرها وجهرها [وَقد سر إِلَى إبلاغ] النَّفس عذرها فِي مُبَاشرَة تَقْبِيل الْيَد الَّتِي لَهَا الْيَد الْعُظْمَى، والسمية الرحمى، وجبال النعم قد أثقلت الْأَكفاء، والأيادي الجمة، قد خلفت الوطن وَالْمَال والعتاد. فَبِأَي لِسَان أَو بِأَيّ بَيَان، وَلَا أثر بعد عيان، تقَابل نعْمَة تداركت الرمق، وَقد أشفى، وأبقت الذما، والشروع فِي استئصالها لَا يخفى، فيالك من فَرد هزم ألفا، ووعد نصر لم يعرف خلفا، وَنِيَّة خَالِصَة تتقرب
(2/115)

إِلَى الله زلفى. فقد صدع بهَا مولَايَ غَرِيبَة فِي الزَّمن، بَالغا حسن صنيعها صنعاء الْيمن، مترفعة عَن الثّمن، إِن لم يقم بهَا مثله، وَإِلَّا فليهن سَيِّدي مَا صاغ لمجده بهَا من فَخر، وَمَا قدم ليَوْم تزل فِيهِ الْأَقْدَام من ذخر، وَمَا جلب للمقام الْعلي من طيب ذكر، واستفاضة حمد وشكر. لقد ارْتهن دُعَاء الحافي والناعل، وَالدَّال على الْخَيْر شريك الْفَاعِل، وَالَّذِي أَحْيَا النَّفس جدير برد جدَّتهَا، وإنجاز عدتهَا. وَأَنا قد قويت بجاهكم، وَإِن كنت ضَعِيفا، واستشعرت سَعْدا جَدِيدا، وَقدرا منيفا، وأيقنت أَن الله عز وَجل كَانَ بِي لطيفا، إِذْ هيأ لي من رَحْمَة ذَلِك الْمقَام المولوي على يدكم نصرا عَزِيزًا، وَقد استأسدت الْأَعْدَاء، وأعضل الدَّاء وأعمل الاعتداء، وَعز الْفِدَاء، فانفرج الضّيق، وتيسرت للخير الطَّرِيق، وساغ ... . وَنَجَا الغريق، غَرِيبَة لَا تمثل إِلَّا فِي الْحلم، ولطيفة فِيهَا اعْتِبَار لأولى الْعلم. اللَّهُمَّ جَازَ بهَا سَيِّدي فِي نَفسه وَولده، وحاله وبلده، ومعاده بعد طول عمره، وانفساح أمده، وَكن لَهُ نَصِيرًا أحْوج مَا يكون إِلَى نَصره، وَاجعَل لَهُ سَعَة فِي كل حصر، واقصر عَلَيْهِ جاه كل نصر، كَمَا جعلت ذَاته فَوق كل ذَات. وعصره فَوق كل عصر، وليعلم سَيِّدي أَن من أرادني مُنَافَسَة وحسدا، وزأر على أسدا، لما اسْتَقل على الْكُرْسِيّ جسدا، من غير ذَنْب تبين، وَلَا حد تعين، أَصَابَهُ من خلاصي الْمُقِيم المقعد، ووعد النَّفس بِأَجل أخلف مِنْهُ الْموعد، لما استنقذني الله برحمته، من بَين ظفره ونابه، وغطاني بستر جنابه، وكثرني فِي الْعُيُون على قلَّة، وأعزني بعز نَصره على حَال ذلة، لم يدع حِيلَة إِلَّا نصبها أماني، ليحبط بذلك الْمقَام الْكَرِيم زمامي، ويكدر حماحي، وَزعم أَن بِيَدِهِ على الْبعد زمامي، ويأبي ذَلِك من يفرق بَين الْحق وضده، وَعدل لَا يخرج الشَّيْء عَن حَده، فبهت سَيِّدي خوفًا أَن نتجه حِيلَة، أَو تنفس وَسِيلَة، وَأَنا قادم بالأهل وَالْولد، والجلدة المستسنة على الْجلد، ليعْمَل رب الصنيعة على شاكلة الْمجد الَّذِي هُوَ لَهُ أهل، فَمَا نما افتدى بِهِ جهل، وَلَا يخْتَلف فِي عظم مَا أسداه غر وَلَا كهل،
(2/116)

وَلَا يَلِيهِ مثله عَن تتميم، وإجزال فضل عميم، ومؤانسة غَرِيب، وصلَة نصر عَزِيز، وَفتح قريب بحول الله.
وخاطبته أَيْضا بِمَا نَصه فِيمَا يظْهر من الْغَرَض
(راش زماني وبرى نبله ... فَكنت لي من وقعها جنَّة)

(وَلَو قهرت الْمَوْت أمنتني ... مِنْهُ وأدخلتني الْجنَّة)

(فَكيف لَا أنشرها منَّة ... قد عرفتها الْإِنْس وَالْجنَّة)

مَاذَا أخاطب بِهِ تِلْكَ الْجَلالَة فيتيسر الْخطاب، وَتحصل الدّلَالَة بسيدي، ويشركني فِيهِ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله، فَفِيهِ أم بِروح حَياتِي، ومقدم مَاهِيَّة ذاتي، وذخري الْكَبِير لَا بل فلكي الْأَثِير، وَهُوَ تضييق على الْوَلَد والأهل، وتعزى الْمَرَاتِب المحدودة من الْجَمِيل، فَلم تبْق إِلَّا الْإِشَارَة الْخَارِجَة عَن وظائف اللِّسَان، وَهِي بعض دلالات الْإِنْسَان، أفدت الْأَسير، وجبرت الكسير، وَرويت عَن ابْن الْعَلَاء التَّيْسِير، وعمرت بِالْكَرمِ، وَأمن حمام الْحرم الظعن والمسير، فَمن رام شكر بعض أياديك، فَلَقَد شدّ حقائب الرّحال إِلَى كل الْمحَال. وَالْحق أَن نكل جزاءك للَّذي جعل الْمجد اعتزاك، وَتَوَلَّى شكرك وثناءك، إِلَى من عمر بِمَا يرضيه من الرِّفْق بالخلق وَإِقَامَة الْحق إناءك، وندعو مِنْك بِالْبَقَاءِ إِلَى الرَّوْض المجود، وغمام الْجُود، وَإِمَام الركع وَالسُّجُود، لَا بل لنُور الله الْمشرق على التهائم والنجود، وَرَحمته المبثوثة أثْنَاء هَذَا الْوُجُود. وليعلم سَيِّدي أَن النَّفس طماعة جمَاعَة، وسراب آمالها تِجَارَة لماعة، وَلَا تفيق من كد، وَلَا تقف عِنْد حد، سِيمَا إِذا لم يهذبها السلوك والتجديد، وَلَا يسر مِنْهَا فِي عَالم الْغَيْب اليريد، وَلَا تجلت لَهَا السَّعَادَة الَّتِي تحذب بهَا المُرَاد، ويشمر لَهَا المريد، إِلَى أَن يَتَأَتَّى عَمَّا دون الْحق الْمجِيد، وَيصِح
(2/117)

التَّوْحِيد. وَقد مثلت لي الْآن خصما يُوسع ظهر استظهارة ... . قضتها ... وَتقول المَال عديلي عِنْد النقيمة، وطبيبي فِي الْأَحْوَال السقيمة، وَهُوَ نتيجة كدي عِنْد الأقيسة العقيمة، وَمن استخلصني على شرفي إِذا تفاضلت الْجَوَاهِر، وتبينت للحق الْمظَاهر، وتعينت الْمَرَاتِب الَّتِي تعتقدها على رَأْي الإبراهيمية، النُّور الْأَصْفَر والنور القاهر، فخلاص المَال طوع يَدَيْهِ وَهُوَ كَمَا قَالَ الله أَهْون عَلَيْهِ ... حَتَّى تبين معاطفها وأخادعها، حَتَّى تلوى أخادعها، وَأَقُول قد وَقع الْوَعْد، وأشرق السعد، ولان الْجهد، وَسكن الرَّعْد، وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد ... الْعُمر الْمَنَام، وَأَيَّام الجاه وَالْقُدْرَة، يحِق لَهَا الاغتنام، وهم الغافل إِلَى وقته الْحَاضِر مَصْرُوف إِذا لم يغبر حَائِط مثل مَعْرُوف. وَفِي الْوَقْت زبون يُرْجَى بِهِ استخلاص الْحُقُوق ويستبعد وُقُوع العقوق، فَإِن رأى مولَايَ أَن يشفع الْمِنَّة، ويقرع بَابا ثَانِيًا من أَبْوَاب الْجنَّة، قبل أَن يشغل شاغل، أَو يكدر الشّرْب وَالْأكل وارش أَو واغل إِذْ يَنُوب للمتعدى نظر فِي النجاح، أَو يدس لَهُ مَا يحملهُ على الِاحْتِجَاج متسع مناطها، تبيح استنباطها، كثير مياطها وسياطها، فَهُوَ تَمام صنيعتها الَّتِي لم ينسج على منوالها الْأَحْرَار، وَلَا اهتدت إِلَى حسناتها الْأَبْرَار، وَلَا عرف بدر فجرها السرَار، فإليه كَانَ الْفِرَار، وَالله تمّ لَهُ خلوص الإضطرار، ويستقر تَحت دخيله الْقَرار، وتطمين الدَّار، فَإِن مَا ابتدا بِهِ من عز ضرب على الْأَيْدِي العادية من حكم الْحُكَّام، وفارع الهضاب والآكام، على ملإ وَمجمع، ومرأى من الْخلق ومسمع يقتضى اضطراد قِيَاس الْعِزَّة القعساء، وسعادة الصَّباح والمساء، وَظُهُور دَرَجَات الرِّجَال على النِّسَاء. فَهُوَ جاه حَارِث فِيهِ الأوهام، وَهَذِه أذياله،
(2/118)

وَمن ركب حَقِيقَة أمرهَا هان عَلَيْهِ خياله، وَالْمَال مَاله، والعيال عِيَاله، وَالْمَوْجُود سريع زياله، وَالْجَزَاء عِنْد الله مكياله، وعروض الْمَغْصُوب بَاقِيَة الْأَعْيَان، مُسْتَقلَّة السحر قَائِمَة الْبُنيان، تمنع عَن شرابها عقائد الْأَدْيَان، وَغَيرهَا من مَكِيل وموزون بَين مَأْكُول ومخزون، والكتب ملقاة بالقاع، مطرحة بأخبث الْبِقَاع، فَإِن تَأتي الْجَبْر، وَإِلَّا فالصبر، على أَن وعد عمادي لَا يُفَارِقهُ الإنجاز. ومكرمته الَّتِي طوقها قد بلغت الشَّام والحجاز، وَحَقِيقَة الْتِزَامه، تبَاين الْمجَاز، وآيات مجده تستصحب الأحجاز. وَللَّه در إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي يُخَاطب الْمَأْمُون لما أكذب فِي الْعَفو عِنْد الظنون: " وهبت مَالِي وَلم تبخل على بِهِ، وَقبل ذَلِك مَا أَن قد وهبت دمى " وَقد كَانَت هَذِه المنقبة غَرِيبَة، فعززتها بأختها الْكُبْرَى وفريدة، فَجئْت باخرى، وشفعت وترا. أبقاك الله لتخليد المناقب، وإعلاء المراقب، وَجعل أخص نعلك تاجا للنجم الثاقب، وتكفل لَك بِالنَّفسِ وَالْولد بِحسن العواقب آمين. آمين، لَا أرْضى بِوَاحِدَة، حَتَّى أضيف لَهَا ألف آمينا. وَأما تَنْبِيه سَيِّدي على اسناء رزق، وَتَقْرِير رفد ورفق، فَلَا أنبه حاتما وكعبا أَن يملآ قَعْبًا، لمن خَاضَ بحرا، وَركب صعبا. هَذَا أَمر كَفَانِيهِ الْكَافِي، ودواءه ذهب الشافي وَالسَّلَام.
وخاطبته وَقد اسْتَقل من مرض
(لَا أعدم الله دَار الْملك مِنْك سنا ... يجلى بِهِ الحالكان الظُّلم وَالظُّلم)

(وأنشدتك اللَّيَالِي وَهِي صَادِقَة ... الْمجد عوفي إِذْ عوفيت وَالْكَرم)

من علم، أَعلَى الله قدرك، أَن الْمجد جواد أَنْت شياته، لَا بل الْملك بدر أَنْت آيَاته، لَا بل الْإِسْلَام جسم أَنْت حَيَاته، دعامتك بِالْبَقَاءِ لمجد يروق مِنْك جَبينه، وَملك تنيره وتزينه، وَلدين تعامل الله بإعزازه وتدينه، فَلَقَد ألمت
(2/119)

نفوس الْمُسلمين لآلامك، ووجم الْإِسْلَام لتوقع إسقامك، وخففت الْأَعْلَام لتأخر إطرافك بمصالح الْملك وإعلامك، فَإِنَّمَا أنامل الدُّنْيَا متشبثة باذيال أيامك، ورحال الأمل مخيمة بَين خلالك وخيامك، فَإِذا قابلت الْأَشْرَاف نعم الله بشكر، ورمت الْغَفْلَة عَن ذَلِك بنكر. فاشكره جلّ وَعلا بملء لسَانك وجنانك، وَأجر فِي ميدان حَمده مُطلقًا جيادك، على مَا طرقك من استرقاق حر، وإفاضة أياد غر، واقتناء عسجد من الْحَمد ودر، وإتاحة نفع وَدفع ضرّ، وإذالة حُلْو من مر، وَكن على ثِقَة من مدافعة الله عَن حماك، وَعز تبلغ ذؤابته السماك، ورزق يحده منتماك بزمامك، وحظوة الْخلَافَة فاستحقها بوسائلك القويمة وذمامك، ومحاسن الدولة فاجلها عَن منصة أيامك، ورسوم الْبر فاغربها عين اهتمامك، وذروة الْمِنْبَر فَامْضِ بهَا طُنب جسامك ... زهر الأيادي الْبيض من أكمامك أمامك، فياعز دولة بك، يَا جملَة الْكَمَال قد استظهرت، وعذبت المعاند وقهرت، وبإعمال آرائك اشتهرت، فراقت الْفَضَائِل مِنْهَا وبهرت، جزالة كَمَا شقّ الجو جارح، ولطافة كَمَا طارح نغم التَّأْلِيف متطارح، وفكر فِي الْغَيْب سارح، وَدين لغوامض الْعدْل والحلم شَارِح، وَمَكَارِم آثَار البرامك سحت، وحلت عُقُود أَخْبَار الأجواد فِي الْأَمْصَار وفسخت، فَلم تدع لفضل الْفضل ذكرا، وَتركت مَعْرُوف خَالِد بن يحيى نكرا، لَا بل لم تبْق لكعب من علو كَعْب، وأنست دَعْوَة حَاتِم بِأبي ماح وَحَام قصاراه سي جوارا، وَمنع صوار، وعقرب نَاب، عِنْد اقشعرار جناب، وَأَيْنَ يَقع من كبر، مذ توبع عَن الْكبر، وجود خضب الْأَيْدِي بحناء التبر، وعق اسْتِخْدَام الأسل الطوَال، بيراع أقل من الشبر، وحقن الدِّمَاء المواقة نجيع الحبر، وَفك العقال، وَرفع النوب الثقال، وراعى الذّرة والمثقال، وعثر
(2/120)

الزَّمَان فأقال، وَوجد لِسَان الصدْق فَقَالَ، أقسم ببارىء النسم، وَهُوَ أبر الْقسم، مَا فازت بمثلك الدول، وَلَا ظَفرت بشبهك الْمُلُوك الْأَوَاخِر وَالْأول، وَلَو تقدّمت لم يضْرب إِلَّا بك الْمثل، وَلم يَقع إِلَّا بسنتك وكتابك الْإِجْمَاع المنعقد على أدائك الْعَمَل، كتب مشيدا بالهناء، ومذيعا مَا يجب من الْحَمد لله وَالثنَاء [والمملوك لما سَام مَالِكه برق الْعَافِيَة، وتدرع بالألطاف الخافية] وشاكرا مَاله بِوُجُودِهِ من الاعتناء وَقد بَادر ركن الدّين بِالْبِنَاءِ، وَأبقى السّتْر والْمنَّة على الْآبَاء وَالْأَبْنَاء، فنسل الله أَن يمتع مِنْك بإيثار الْمُلُوك، ووسطى السلوك، وسلالات أَرْبَاب المقامات والسلوك، ويبقيك، وَصِحَّة الصِّحَّة وافرة، وَعزة الْعِزّ سافرة، وَعَادَة عَادَة السَّعَادَة غير نافرة، وكتيبة الأمل فِي مقامك السعيد غانمة ظافرة، مَا زحفت للصباح شهب المواكب. وتفتحت بشط نهر المجرة أزهار الْكَوَاكِب وَالسَّلَام.
وخاطبته أَيْضا بِمَا نَصه
سَيِّدي وعمادي، كشف قناع النَّصِيحَة من وظائف صديق أَو خديم لصيق، وأنى بكلا الْجِهَتَيْنِ حقيق، ويتلجلج فِي صَدْرِي كَلَام أَنا إِلَى نفثه ذُو احْتِيَاج، وَلَو فِي سَبِيل هياج، وخرق سياج، وخوض دياج. وَقد أَصبَحت سعادتي عَن اصل سعادتك فرعا، يُوجب النصح طبعا وَشرعا. فَليعلم سَيِّدي أَن الجاه ورطة، ولاستفراق فِي تيار الدول غلطة، وبمقدار الْعُلُوّ إِلَّا أَن يقي الله السقطة. وَأَنه وَالله يعصمه من الْحَوَادِث، ويقيه من الخطوب الكوارث، وَإِن بعد الْجمع فَهُوَ مُفْرد، وبسهام الْحَسَد مقصد، وَأَن الَّذِي يقبل يَده يضمر حسده، وَمَا من يَوْم إِلَّا والعلل تستشري، والحيال تريش وتبرى، وسموم المكائد تسرى، وَالْعين الساهرة تطرق الْعين الناعسة من حَيْثُ تَدْرِي وَلَا تَدْرِي. وَهَذَا الْبَاب الْكَرِيم مَخْصُوص بِالزِّيَادَةِ وَالْبركَة وخصوصا فِي مثل هَذِه الْحَرَكَة، فثم ظواهر تخَالف
(2/121)

السرائر. وحيل تصيب فِي الجو الطَّائِر، وَمَا عَسى أَن يتحفظ الْمَحْسُود وَقد عويت الْكلاب، وزأرت الْأسود. وَإِن ظن سَيِّدي أَن الخطة الدِّينِيَّة تذب عَن نَفسهَا، أَو تَنْفَع مَعَ غير جِنْسهَا، فَقِيَاس غير صَحِيح، وهبوب ريح، وَإِنَّمَا هِيَ دَرَجَة فَوق الوزارة والحجابة، ودهر يدعى فيبادر بالإجابة، وجاه يحِق على الْقَبِيل والأذيال، وَيُعِيد الْعِزّ وَالْمَال، بَحر هال، وصدور تحمل الْجبَال، وَإِن قطع بالأمان من جِهَة السُّلْطَان، لم يومن أَن يَقع فِيهِ، وَالله يَقِيه، ويمتع بِهِ ويبقيه. مَا الْيُسْر بصدده، والحي يجْرِي إِلَى أمده، فيستظهر الْغَيْب بقبيل، وَيجْرِي من التغلب على سَبِيل، وَيبقى سَيِّدي، وَالله يعصمه، طائرا بِلَا جنَاح، ومحاربا دون سلَاح، يُنَادي بِمن كَانَ يَثِق يوده فِي طلل، ويقرع سنّ النادم، وَالْأَمر جلل، وَمثله بَين غير صنفه مِمَّن لَا يَتَّصِف بظرف، وَلَا يلْتَفت إِلَى الإنسانية بِطرف، وَلَا يعبد الله وَلَو على حرف، مَحْمُول عَلَيْهِ من حَيْثُ الصنفية، متعمد بالعداوة الْخفية، وَإِن ظن غير هَذَا فَهُوَ مخدوع مسحور، مفتون مغرور، وبالفكر فِي الْخَلَاص تفاضلت النُّفُوس، واستدفع الْبُؤْس، وَله وُجُوه متعذرة الْحُصُول، دونه بيض النصول، إِلَّا مَا كَانَ من الْغَرَض الَّذِي بَان فِيهِ من بعد الْجد الفتور، وَعدل عَنهُ وَقد أَخذ الدستور، وتيسرت الْأُمُور، وتقررت الْإِيمَان وَالنُّذُور، فَإِنَّهُ عرض قريب، وسفر قَاصد، ومسعى لَا ينْفق فِيهِ لسيدي من مَاله دِرْهَم وَاحِد، ووطن بحركة راصد، لَا يمْتَنع عَلَيْهِ أمله، وَلَا يستصعب سهله. وأميره، جبره الله يتطارح فِي يمينكم لاقْتِضَائه، وإحكام آرائه وتأمين خائفه، واستقدام أضيافه وطوائفه، ويتحركون حَرَكَة الْعِزّ والتنويه، وَالْقدر النبيه، لَا يعوزكم مِمَّن وَرَائِكُمْ مطلب، وَلَا يلفي عَن مخالفتكم مَذْهَب، وَلَا يكدر لكم مشرب. وتمر أَيَّام وشهور، وَتظهر بطُون للدهر وَظُهُور، وتفتح أَبْوَاب، وتسبب
(2/122)

أَسبَاب، من رُجُوع يَتَأَتَّى بعده السّكُون والفتور، وَقد سكنت الخواطر وتنوعت الْأُمُور، أَو مقَام تمهد بِهِ الْبِلَاد، وَيعْمل فِي تَرْتِيب السّير وَالِاجْتِهَاد، ويستغرق فِي هَذَا الْغَرَض الآماد، ويتأتى أَن حدث الِاسْتِقْلَال والاستبداد، وَأما اخْتِصَاص بمعقل حريز ومتبوأ عَزِيز، تهنأ فِيهِ الْأَعْمَار، وَيكون لمن يسْتَقلّ بِهِ على [الغرب والشرق] الْخِيَار، أَو التحكم فِي ذخيرة سما مِنْهَا الْمِقْدَار، وَذهل عِنْد مشاهدتها الِاعْتِبَار، وخزانة الْكتب بجملتها وفيهَا الْأُمَّهَات الْكِبَار، قد تخَافت عَنْهَا الْحَاجة وَعدم إِلَيْهَا الِاضْطِرَار، وَالرَّفْع الَّذِي يسوغ بِالشَّرْعِ وَالْعَقار. فَهَذَا كُله حَاصِل، ثمَّ ضَامِن لَا يتهم وكافل، عهود صبغها غير ناصل، وَبِالْجُمْلَةِ فالوطن لأغراض الْملك جَامع، ولمقاصده من الْإِقَامَة والانتقال مُطِيع وسامع. وَإِن توقع إثارة فتْنَة، وارتكاب إحْنَة، فَالْأَمْر أقرب، وإحالة التَّيْسِير أعرب، وَهَذِه الْحجَّة فِي تلمسان غير مُعْتَبرَة، وأجوبتها مقررة. وَقد روسل الطاغية، وأعانته تحصل فِي الْغَالِب على هَذِه المطالب، وَبِالْجُمْلَةِ فالدنيا قد اختلت، والأقدام قد زلت، وَالْأَمْوَال قد قلت، وشبيبة الدَّهْر ولت. وَذَلِكَ الْقطر على علاته، أحكم لمن يروم الجاه وَأَمْنَع، وأجدى بِكُل اعْتِبَار وأنضع. وَقد حضرت لاستخلاصكم إِيَّاه الْآلَة الَّتِي لَا تتأتى فِي كل زمَان. وتهيأ الْمَكَان، واقتضيت إِيمَان، وَعرضت سلع تغل لَهَا، وارتهنت ألوفا مروآت وأديان، وَتحقّق بذلك الْقطر الْفساد الَّذِي اشْتهر بِهِ مأموره وأميره والنكر الَّذِي يجب على كل مُسلم تَغْيِيره. فَإِن شِئْت شرعا فَالْحكم ظَاهر، أَو طَمَعا، فالطمع حَاضر، وَمَا ثمَّ عازل، بل عاذر، والمؤنة الَّتِي تلْزم ... من أَن تكون ثمن بعض الْحُصُون، وَمَا يستهلك فِي هَذَا الْغَرَض شَيْء لَهُ خطر، وَلَا يستنفد من الصَّحِيفَة سطر، وَالْيَد محكمَة، فَكل
(2/123)

أَو شطر، وَمَا يخص الْمُلُوك من هَذَا الْأَمر إِلَّا استنفاد نشب، واستخلاص مزيل بَين موروث ومكتسب، وبعيد أَن لَا ينصر فِي زمن من الْأَزْمَان، فَلَا بُد فِي كل وَقت من أَعْيَان، ومروات وأحساب وأديان. وَالله سُبْحَانَهُ يَقُول: {كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن} وَأما خدمَة دولة فَهِيَ على حرَام، وَلَا ينجح لي فِيهَا إِن اعتمدتها مرام، وكأنني بالمشرق لَاحق، ولأنفاسه الزكية ناشق، فَمَا هِيَ إِلَّا أطماع سرابها لماع، فَإِذا انْقَطَعت انفسحت الدُّنْيَا واتسعت ... . . معاش فِي غمار، أَو عكوف فِي تمكسر دَار، لمداومة استقالة واستغفار. وَوَاللَّه مَا توهم أحد، أَن من قبلك الْبِلَاد يستنصر بغاته عَلَيْكُم، ويحتقر مَا لديكم، فقد ظهر الكامن وتطابق الْمخبر والمعاين. فسبحان من يُقَوي الضَّعِيف، ويهين المخيف، وَيجْرِي يَد المشروف على الشريف، والهمم بيد الله. ينجدها ويخذلها، وَالْأَرْض فِي قَبضته يرعاها ويهملها. هَذَا بَث لَا يَتَّسِع إفشاؤه، وسر إِن لم يطو سقط بهَا على السرحان عشاؤه، وَفِيه مَا يُنكر الْأَمر، وتتعلق بِهِ الظنون وتعمل الخواطر، فتدبروه واعتبروه، وبعقلكم فاسبروه، ثمَّ غطوه بالأحداق واستروه. وَالله يرشدكم للَّذي هِيَ أسعد، ويحملكم على مَا فِيهِ الْعِزّ السرمد، وَالْفَخْر الَّذِي لَا ينْفد. وَالسَّلَام.
وخاطبته أَيْضا بِقَوْلِي
سَيِّدي، بل مالكي، بل شَافِعِيّ، ومنشلي من الهفوة ورافعي، وعاصمي عِنْد تجويد حروب الصَّنَائِع ونافعي، الَّذِي بجاهه أجزلت الْمنَازل قراي، ووصلت أولاي والْمنَّة لله أخراي، وأصبحت وَقَول الْحسن هجيراي:
(علقت بِحَبل من حبال مُحَمَّد ... أمنت بِهِ من طَارق الْحدثَان)

(تغطيت من دهر بِظِل جنَاحه ... [فعيني ترى دهري وَلَيْسَ يران] )
(2/124)

(فَلَو تسل الْأَيَّام مَا اسمى مَا درت ... وَأَيْنَ مَكَاني مَا عرفن مَكَان)

وصلت مكناسة حرسها الله تَحت غيث [حذا بِي حَذْو] نداك، وسحائب لَوْلَا الْخِصَال المبرة قلت يداك، وَكَانَ الوطن لاغتباطه بِجوَارِي، وَمَا رَآهُ من انبتات زمارى، أوعز إِلَى بهت بِقطع الطَّرِيق، وَأطلق يَده على التَّفْرِيق، وإشراق القوافل مَعَ كَثْرَة المَاء بالريق، فَلم يسع إِلَّا الْمقَام أَيَّامًا، قعُودا فِي الْبر وقياما، واختيارا فِي حروب الْأنس واغتناما، وَرَأَيْت بَلْدَة معارفها أَعْلَام، وهواؤها برد وَسَلام، ومحاسنها تعْمل فِيهَا أَلْسِنَة وَأَقْلَام، فَحَيَّا الله سَيِّدي، فلكم من فضل أَفَادَ، وَأنس أَحْيَا، وَقد باد، وَحفظ مِنْهُ على الْأَيَّام الذخر والعتاد، كَمَا ملكه زِمَام الْكَمَال فاقتاد، وَأَنا أتطارح عَلَيْهِ فِي صلَة تفقده، وموالاة يَده، بِأَن يسهمني فِي فرض مخاطبته، مهمى خَاطب مُعْتَبرا بِهَذِهِ الْجِهَات، وتصحبني من أنبائه صُحْبَة بكؤوس مَسَرَّة، يعْمل فِيهَا هاك وهات فالعز بعده مَفْقُود، والسعد بِوُجُودِهِ مَوْجُود، أبقاه الله بَقَاء الدَّهْر، وَجعل حبه وَظِيفَة السِّرّ، وحمده وَظِيفَة الْجَهْر، وَحفظ على الْأَيَّام من زَمَنه زمن الزهر، وَوصل لنا بإيالته، الْعَام بِالْعَام، والشهر بالشهر، آمين. آمين وَالسَّلَام.
وخاطبته أَيْضا فِي غَرَض الشَّفَاعَة
يَا سَيِّدي أبقاكم الله محط الآمال، وقبلة الْوُجُوه، وَبلغ سيادتكم مَا تَأمله من فضل الله وترجوه، وكلأ بِعَين حفظه ذاتكم الفاخرة، وَجعل عز الدُّنْيَا، مُتَّصِلا بعز الْآخِرَة، بعد تَقْبِيل يديكم الَّتِي يَدهَا لَا تزَال تشكر، وحسنتها عِنْد الله تذكر، أنهى إِلَى مقامكم أَن الشَّيْخ الكذا أَبَا فلَان، مَعَ كَونه مُسْتَحقّ التجلة،
(2/125)

تهجرة إِلَى أبوابكم الْكَرِيمَة قدمت، ووسائل أَصَالَة وحشمة كرمت، وَفضل ووقار، وتنويه للولاية إِن كَانَت ذَا احتقار، وَسن اقْتضى الْفضل بره، وأدب شكر الِاخْتِيَار علنه وسره، لَهُ بِمَعْرِِفَة سلفكم الأرضى وَسِيلَة مرعية، وَفِي الِاعْتِرَاف بنعمتكم مقامات مرضية، وَتوجه إِلَى بَابَكُمْ، والتمسك بأسبابكم. والمؤمل من سَيِّدي ستره بجناح رعيه فِي حَال الكبرة ولحظه بطرِيق المبرة، إِمَّا فِي اسْتِعْمَال يَلِيق بِذِي الاحتشام، أَو سكن تَحت رعى واهتمام، وإعانة على عمل صَالح، فَيكون مسكه ختام، وَهُوَ أَحَق الفرضين بِالْتِزَام، وإحالة سَيِّدي فِي حفظ رسم مثله على الله الَّذِي يجزى المحسنون بفضله، وَمِنْه نسل أَن يديم الْمجْلس العلمي محروسا من النوائب، فَبلغ الآمال والمآرب. والمملوك قرر شَأْنه فِي إسعاف الْمَقَاصِد المأمولة من الشَّفَاعَة إِلَيْكُم، والتحبب فِي هَذِه الْأَبْوَاب عَلَيْكُم، وتغليب الْقُلُوب بيد الله، الَّذِي يُعْطي وَيمْنَع، وَيملك الْأمة أجمع، وَالسَّلَام.
وخاطبته مقررا للوسيلة والشفاعة
سَيِّدي الْأَعْظَم، وملاذي الأعصم، وَعُرْوَة عزي الوثقى الَّتِي لَا تفصم، أبقاك الله بَقَاء ... . يَأْمر الدَّهْر فيأتمر، ويلبي بثنائك الطَّائِف والمعتمر، بِأَيّ لِسَان أثنى على فواضلك، وَهِي أُمَّهَات المنن، وطوف الشَّام واليمن، ومقامات بديع الزَّمن، والتحف المترفعة عَن الثّمن، فحسبي دَعَا أردده وأواليه، وأطلب مَطْلُوب الْإِجَابَة من مقدمه وتاليه، وَإِن تشوف الْمُنعم للْحَال الْمَوْقُوف، جبرها بِمَشِيئَة الله على جميل سَعْيه، الموسدة على وطاء لطفه، المفشاة بغطاء رعيه، فَقلب خافق يجاوبه وسواس
(2/126)

مُنَافِق، وَقد تجَاوز مُوسَى مجمع الْبَحْرين، وَأصْبح سرى إيابه سرى الْقَيْن. وَلَقَد كَانَت مراسل الرُّسُل قَصِيرَة قبل أَن يكسبها رحلى ثقل الْحَرَكَة، ويخلط خاصمي فِي وظائفها الْمُشْتَركَة. وليت أَمْرِي برز إِلَى طرف، وأفضى إِلَى منصرف، وَرُبمَا ظهر أنس بِمَا يرجوه، وبرز المحبوب من الْمَكْرُوه، وَالله لَا يفضح جاه الْكتاب الَّذِي أَحْيَا وأنثر، وَحيا وَبشر، وَأعْطى صَحِيفَته بِالْيَمِينِ، وَقد جمعت مثابتكم الْمَحْشَر. وموصل كتابي يَنُوب فِي تَقْبِيل الْيَد العلمية منابي، وليعلم سَيِّدي أَن هَذَا الْقطر على شهرته، وتألق مُشْتَرِيه وزهرته، إِذا انتحل كَرَامَة، وعهد الْفضل لم يبْق إِلَّا انصرامه، فَهُوَ [لبابه المتخير] وزلاله الَّذِي لَا يتَغَيَّر، أَصَالَة مَعْرُوفَة، وهمة إِلَى الإيثار مصروفة، ونبلا عَن السن والكبرة، ورجولة خَلِيقَة بصلَة الْخدمَة والمبرة، والوسيلة لَا تطرح، وَالْمعْنَى الَّذِي لَا يعبر لوضوحه وَلَا يشْرَح، هُوَ انتماؤه إِلَى جناب سَيِّدي حَدِيثا وقديما، واعترافه بنعمته، مديرا لَهَا وخديما. وَالله يوفر من إِيثَار سَيِّدي حَظه، ويحدد لَدَيْهِ رعيه ولحظه، حَتَّى يعود خافقا علم إقباله، معلما برد اهتباله، مَسْرُورا ببلوغ آماله. فلعمري أَن مَحل ولَايَته يَكْفِي، وَأَن عمر أَمَانَته لوفي، وَأَن عَامل جده لظَاهِر وخفي، وَمَا يَفْعَله سَيِّدي من رعيه، وإنجاح سَعْيه، مَحْسُوب فِي جملَة مذاهبه، ومعدود فِي فضل مكارمه ومواهبه. وَالله يبقيه، وَيَضَع الْبركَة فِيهِ. وَالسَّلَام الْكَرِيم يَخُصُّهُ كثيرا أثيرا. وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
وَكتب فِي كَذَا.
(2/127)

وَمن ذَلِك مَا كتبت بِهِ للْقَاضِي خَالِد ابْن عِيسَى بن أبي خَالِد فِيمَا يظْهر مِنْهَا
وصل الله عزة الْفَقِيه النبيه، العديم النظير والشبيه، وَارِث الْعَدَالَة عَن عَمه وَابْن عَمه وَأَبِيهِ، فِي عزة تظلله، وَولَايَة تتوج جاهه وتكلله، وَمَعْرِفَة تسوغ لَهُ مَا ضَاقَ فِيهِ سَبِيل المعاش وتحلله، وَلَا زَالَ غاصا بمثوب اللطائف حَتَّى من أحواز مَكَّة والطائف منزله. أفاتح ذَلِك الْمجْلس القَاضِي بالتحية، الكفيلة بإنشاء الأريحية، تَحِيَّة الْإِسْلَام الْبَريَّة من الملام، وَلَوْلَا الِالْتِزَام للسّنة لمدت إِلَى تَحِيَّة كسْرَى أَيدي الْمِنَّة، وأشاهد بالتخيل جمال تِلْكَ الْعمة، قبل إِعْمَال ذَوَات الأزمة، وأتنعم على الْبعد بِسَمَاع تِلْكَ الْأَلْفَاظ المشرقية، قبل ذهَاب الْبَقِيَّة، وألاحظ بِعَين الْبَصَر لطافة الخطة، بعد خطوَات كخطوات البطة، ونزعات أودعتها فِي ثرى الطَّبْع النَّبِيل، مياه النّيل، وآداب سرت فِي الْقدر الْجَلِيل من بَرَكَات الْمُقَدّس والخليل، وَأَسْتَغْفِر الله من أَيَّام أقشعت سحابها، وَبت استصحابها، وَلم تعلم بمكاتبة الْمجْلس القاضوي برودها، وَلَا حليت بحلى آدابه وودها وَلَا قضي فِي موارد فَضله وُرُودهَا. أما عُذْري فِي عدم استنزاله واستسقاء غزاله، فَرُبمَا تبين، ويسفر مِنْهُ الجبين، لما استولى على النَّفس من كسل، وراعها للشيب من نصول أسل، وسامها من شراب النحلى ومغتسل. فمذ ثنيت الأعنة من بعد الاغتراب. لم يغرها لمع السراب، وَلَا موصلة الأتراب، وَلَا عولت إِلَّا على التُّرَاب، وَكفى بعبير القَاضِي عِبْرَة، لَا بل خبْرَة، وَهِي هَدِيَّة الطّيب
(2/128)

ومديلة الابتسام من التقطيب، وَقد تضَاعف باصطفائه إِيَّاهَا الشذا، وَكفى فِي مثلهَا من صدقَات الصَّدَقَة، الْمَنّ والأذى. فلولا أَن الْبَاعِث على مخاطبته هَذِه حَال غالبة، ومقدمة للتماسك سالبة، لتناولها عُمُوم حكم الأمساك، حَتَّى عَن مداخلة النساك. وَأما القَاضِي، أعزه الله، فَمَا الَّذِي يمنعهُ عَمَّا يَقُوله أَو يصنعه. نفس نشيطة، وَخلق بَين الْجد الصراح، والهزل الْمُبَاح، وسبطة، ويراع طائع، تسرح تَحت عَصَاهُ من الْبَيَان مطامع، والعذر فِي مثلهَا أدعى مَتى نسب، ومستحق مَتى اكْتسب. وَلما رَابَنِي من ذَلِك مَا حَقه أَن يريب، وينكر مثله، من أَعمال الاستقراء والتجريب، بحثت عَن سَببه، وَعلة منقلبه، والزهد فِيهِ من بعد طلبه، فَذكر لي أَن جو وده غير معاف، وميزان عمله لَيْسَ بِذِي اتصاف بإنصاف، وَأَنه يحقد على الْمُحب، فلتة دعابة وفكاهة، لم تفض وَالْحَمْد لله إِلَى سفاهة، وَلَا خلى طبعها من حلاوة أَو تفاهة، وأعرضت عَن عرض تستبيحه، أَو هجو ينعى على الْفُضَلَاء قبيحه، وولعت بظريف مجَاز، وهيئات حجاز، وقررت نسب الْأَدَب، ووصلت السَّبَب بِالسَّبَبِ. ثمَّ توالى بعْدهَا السَّعْي والكدح، واتصل الْحَمد والمدح، وَرفعت للمنصب الرَّايَات، وسببت الولايات والجرايات، وَوَقع التوافق فِي الأسعار، والتجادل فِي ميدان الاسْتِغْفَار، فهبها سَيِّئَة، فقد محتها الْحَسَنَات، أَو شُبْهَة، فقد نسختها للفخر الْآيَات الْبَينَات، أَو دخلا فقد تحصلت من الْفَوَائِد الْكَثِيرَة الدِّيات ثمَّ الدِّيات، وَلَو كَانَ الِاعْتِقَاد رديا أَو نبأ تِلْكَ الهنات عاديا، لأجهز اللاسب، واعقب السِّيرَة الْمُنَاسب، فَكيف، وَلم يبد بعْدهَا إِلَّا رزق دَار، وَعمل سَار، وَذكر جميل، وتتميم للأغراض وتكميل، ودرج يرتقي، وولايات تخْتَار وتنتقى، ولسان بالعناية يعلن، واغتباط يُغني
(2/129)

ويسمن، " وَإِن يكن الْفِعْل الَّذِي سَاءَ وَاحِدًا، فأفعاله اللائي سررن أُلُوف ". وَلم يعْتَبر هَذَا المظنون، حَتَّى انْتَشَر من بعد الكمون، وَأخْبر عَن القَاضِي بعض أصدقائه ببثه إِيَّاه وإلقائه، وإبراز يَرْبُوع النِّفَاق، من نافقائه، فَوَجَبَ استقراء هَذَا الْقُرْء، وَتَحْقِيق هَذَا ... وَأَن يكر على العتب بالمحق، وينسخ ثمله بالصحو. فالخواطر محتاجة إِلَى إِزَالَة الشوب، والأعمال الْفَاسِدَة مفتقرة إِلَى التوب، وَالله غَافِر الْحُوب، وأهون بهَا من جِنَايَة لم تثل من عرش، وَلَا افْتَقَرت إِلَى أرش والحقد من شيم النُّفُوس الجاهلة، وسجايا الْعُقُول الساهية عَن الْحق الذاهلة، وليعلم القَاضِي أعزه الله أَنى لم يحملني على استعتابه وَإِيجَاب مثابي أَو مثابة، وإصدار كِتَابه، استكثارا من هَذِه الأقلام، [إيثارا للغو] بالْكلَام. إِنَّمَا هُوَ تَخْفيف منصرف، وتجلة معترف، أَو هَوَاء زمن خرف، وَالله اسل أَن يطهر الْقُلُوب، ويبلغ الْمَطْلُوب، ويستأصل الْهوى المغلوب. وَالسَّلَام.
وخاطبت وَالِي درعة أَبَا مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد لما كنت مستوطنا مَدِينَة سلا حرسها الله
(وَالِي الْوُلَاة وَوَاحِد الزَّمن الَّذِي ... تبأى الْمُلُوك لمثله وتفاخر)

(صيرت حَاتِم طبى يزرى بِهِ ... زار ويسخر إِن تذكر ساخر)

(إِن كَانَ طلا أَنْت جود ساجم ... أَو كَانَ نهر أَنْت بَحر زاخر)

(وَإِذا الزَّمَان الأول استعلى بأهليه ... استناف بك الزَّمَان الآخر)
(2/130)

كتبت إِلَى سَيِّدي والخجل قد صبغ وَجه يُرَاعِي، وعقم مِيلَاد إنشائي واختراعي، لمكارمه الَّتِي أعيت مِنْهُ ذراعي، وَعجز فِي خوض بحرها سفينتي وشراعي. وَلَو كَانَ فَضله فَنًّا محصورا، لَكُنْت على الشُّكْر معانا منصورا، أَو على غَرَض مَقْصُورا لزأرت أسدا هصورا، وَلم ير فكري عَن عقائل الْبَيَان حصورا، لكنه مجد تألق بِكُل ثنية، وَمَكَارِم رمت عَن كل حنية، وَفضل سبق إِلَى كل أُمْنِية، وأياد ببلوغ غايات الْكَمَال مغنية، فحسبي الْإِلْقَاء بِالْيَدِ لغَلَبَة تِلْكَ الأيادي، وَإِسْلَام قيادي إِلَى ذَلِك الْمجد السيادي، وإعفاء يُرَاعى ومدادي، فَإِن كَانَت الْغَايَة لَا تدْرك، فَالْأولى أَن يلغى الْكل وَيتْرك، وَلَا يعرج على الإدعاء، وَيصرف القَوْل من بَاب الْخَيْر إِلَى بَاب الدُّعَاء، وَقد وصلني كتاب سَيِّدي مُخْتَصر الحجم جَامعا بَين الثريا والنجم، قريب عهد من يَمِينه بمجاورة الْمَطَر التجم، فَقلت اللَّهُمَّ كَاف سَيِّدي واجزه [وَمن مد] يَده بالضر فاخزه، وَللَّه در الْمثل، أشبه امْرُؤ بعض بزه كَمَال واختصار، وَرَيْحَان أنوف، وأثمد أبصار، أعلق بالرعى الَّذِي لَا يقر بعد الدَّار من شيمته، وَلَا يقْدَح اخْتِلَاف الْعرُوض والأقطار فِي ديمته. إِنَّمَا نَفسه الْكَرِيمَة وَالله يَقِيهَا، وَإِلَى معارج السَّعَادَة يرقيها، قانون يلْحق أدنى الْفَضَائِل بأقصاها، وَكتاب لَا يُغَادر [صَغِيرَة وَلَا] كَبِيرَة إِلَّا أحصاها، وَإِنِّي وَإِن عجزت عَمَّا خصني من عمومها، وأحسنى من جمومها، لمخلد ذكرا يبْقى وَتذهب اللها، ويعلى مَعَاني الْمجد تجَاوز ذوابتها السها، ويذيع بمخائل الْملك فَمَا دونهَا، ممادح يهوى الْمسك أَن يكونها، وَتعطف لَهُ الرَّوْض المجود غصونها، وتكحل بِهِ الْحور الْعين عيونها، وتودي مِنْهُ الْأَيَّام المتربة ديونها. وَإِن تشوف سَيِّدي بعد على حَمده وشكرا، واستنفاد الوسع فِي إطالة حَمده، وإطابة ذكره إِلَى الْحَال، ففلان حفظه الله يشْرَح مِنْهَا الْمُجْمل، وَيبين من عواملها الملغى والمعمل
(2/131)

وَأما اعتناء سَيِّدي بِالْوَلَدِ المكفن بحرمته، فَلَيْسَ ببدع فِي بعد صيته، وعلو همته، على من تمسك بأذمته، وفضله أكبر من أَن يُقيد بِقصَّة، وَبدر كَمَاله أجل من أَن يعدل بوسط أَو حِصَّة، وَالله تَعَالَى يحفظ مِنْهُ فِي الولا وَإِلَى الْقبْلَة، وَولى المكارم بِالْكَسْبِ والجبلة، وَيجْعَل جَيش ثنائه لَا يُؤْتى من الْقلَّة بفضله وَكَرمه. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْهِ وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته. وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ.
وكتبت إِلَى صَاحب القصبة بمراكش مَسْعُود بن يُوسُف بن فتح الله
(أمسعود بن يُوسُف طير قلبِي ... على شجو الْكِرَام لَهُ وُقُوع)

(وَفِي علياك كنز اعْتِقَاد ... على أَمْثَاله تطوى الضلوع)

(إِذا نفس امرىء ولعت بِشَيْء ... فَمَا بسوى كمالك لي ولوع)

سَيِّدي أبقاك الله عالي الْقدر، منشرح الصَّدْر، حَالا من منَازِل السَّعَادَة منزلَة الْبَدْر، فخلت الأماجد فَوقف على تفضيلك اخْتِيَاري، وَإِن لم يتَّجه لنأى وَلَا قرب جواري، لَكِن السماع، وَمَتى رد حكم أَصله الْإِجْمَاع والاختبار وَالِاعْتِبَار، فَلَمَّا أتاح الدَّهْر لِقَاء على ظهر طَرِيق، وانحفاز فريق، هَمَمْت أَن أَشك فِي اعتقادي، وأبعث بِعقد ودادي، فضاقت الوقفة، وَلم تكمل الصَّفْقَة، وانصرفت انصراف الظمآن شَارف العذب الزلَال، فَلم يشرب، والمحب تمنى سَاعَة اللِّقَاء فَمَا أبان وَلَا أعرب، وَخفت أَن يجريه سَيِّدي مجْرى الهذر الَّذِي هُوَ صرف الأشواق، والمعاملة، بِهِ على الْإِطْلَاق، حَيْثُ لَا خلاق، بل هُوَ وَالله الْحق الَّذِي وضح محياه، والبارق الَّذِي
(2/132)

أغدق سقياه، والْحَدِيث الَّذِي أخجل الْمسك رياه، لم تحمل عَلَيْهِ المطامع، وَلَا الشَّرَاب اللامع. فليثن سَيِّدي من المعتز بِمُوجب حَقه، الْعَلِيم بسبقه، وَالْقَائِل بِأَنَّهُ وحيد عصره، وحسنة دهره، إِلَى أَن يمن الله بلقاء للشرح الْمُضمر ويبينه، حَتَّى تخفق رايته، وينتشر كمينه. وَالله يديم سعد سَيِّدي وعلاه، ويحفظه ويتولاه. وَالسَّلَام
وخاطبت الشَّيْخ أَبَا عبد الله بن أبي مَدين أهنيه بتقليد الخطة
(تعود الْأَمَانِي بعد انصراف ... ويعتدل الشَّيْء بعد انحراف)

(فَإِن كَانَ دهرك يَوْمًا جنى ... فقد جَاءَ ذَا خجل واعتراف)

طلع الْبشر أبقاك الله بِقبُول الْخلَافَة المرينية، والإمامة السّنيَّة، خصها الله بنيل الأمنية على تِلْكَ الذَّات الَّتِي طابت أرومتها، وزكت، وتأوهت الْعليا لتذكر عهدها وبكت، وَكَاد السرُور يَنْقَطِع لَوْلَا أَنَّهَا تركت مِنْهَا الْوَارِث الَّذِي تركت. وَلَوْلَا الْعذر الَّذِي تأكدت ضَرُورَته، وَالْمَانِع الَّذِي رُبمَا تقررت لكم صورته، لَكُنْت أول مشافه بالهناء، ومصارف لهَذَا الاعتناء، الوثيق إِلَيْنَا، لنعود الْحَمد لله والثنا. وَهِي طَوِيلَة.
(2/133)

وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ الرئيس أَبَا زيد بن خلدون لما ارتحل من بَحر المرية، وَاسْتقر بِبَلَدِهِ بسكرة، عِنْد رييسها الْعَبَّاس بن مزنى صُحْبَة رِسَالَة خطها أَخُوهُ أَبُو زَكَرِيَّا وَقد تقلد كِتَابَة صَاحب تلمسان وَوصل مِنْهُ من إنشائه
(بنفسي وَمَا نَفسِي على بهينة ... فينزلني عَنْهَا المكاس بأثمان)

(حبيب نأى عني وصم لأنني ... وراش سِهَام الْبَين عمدا وأهمان)

(وَقد كَانَ هم الشيب لَا كَانَ كَافِيا ... فقد عادني لما ترحل همان)

(شرعت لَهُ من دمع عَيْني موردا ... وكدر شربي بالفراق وأخمان)

(وأرعيته من حسن عهد حميمه ... فأجدب آمالي وَسكن أزمان)

(حَلَفت على مَا عِنْده لي من رضَا ... قِيَاسا بِمَا عِنْدِي فأحنث إِيمَان)

(وَإِنِّي على مَا نالني مِنْهُ من قلى ... لأشتاق من لقيَاهُ نغبة ظمآن)

(سَأَلت جنوني فِيهِ تقريب عَرْشه ... فقست بجن الشوق جن سُلَيْمَان)

(إِذا مَا دَعَا دَاع من الْقَوْم باسمى ... وَثَبت وَمَا استتبت شِيمَة هيمان)

(وتا الله مَا أصغيت فِيهِ لعاذل ... تحاميته حَتَّى ارعوى وتحامان)

(وَلَا استشعرت نَفسِي برحمة عَائِد ... تظلل يَوْمًا مثله عبد رحمان)

(وَلَا شَعرت من قبله بتشوق ... تخَلّل مِنْهَا بَين روح وجثمان)

أما الشوق فَحدث عَن الْبَحْر وَلَا حرج، وَأما الصَّبْر فاسأل بِهِ أَيَّة درج، بعد أَن تجَاوز اللوى والمنعرج. لَكِن الشدَّة تعشق الْفرج، وَالْمُؤمن ينسق من
(2/134)

روح الله الأرج، وَإِنِّي بِالصبرِ على أبر الدبر، لَا بل الضَّرْب الهبر، ومطاولة الْيَوْم والشهر، تَحت حكم الْقَهْر. وَهل للعين أَن تسلو سلو المقصر عَن إنسانها المبصر أَو تذهل ذُهُول الزَّاهِد عَن سرها للراني والمشاهد، وَفِي الْجَسَد بضعَة تصلح إِذا صلحت، فَكيف حَاله إِن رحلت عَنهُ ونزحت. وَإِذا كَانَ الْفِرَاق هُوَ الْحمام الأول، فعلام الْمعول، أعيت مراوضة الْفِرَاق على الراق، وكادت لوعة الاشتياق أَن تفضى إِلَى السِّيَاق:
(تركتموني بعد تشييعكم ... أوسع أَمر الصَّبْر عصيانا)

(أَقرع سنى ندما تَارَة ... وأستميح الدمع أَحْيَانًا)

وَرُبمَا تعللت بغشيان الْمعَاهد الخالية، وجددت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم البالية، أسل نون الناي عَن أَهله، وَمِيم الموقد الهجور عَن مصطليه، وثاء الأثافي الْمُثَلَّثَة عَن منَازِل الْمُوَحِّدين، وأحار بَين تِلْكَ الأطلال حيرة الْمُلْحِدِينَ لقد ضللت إِذا، وَمَا أَنا من المهتدين، كلفت لعمر الله بسال عَن جفوني المؤرقة، ونائم عَن همومي المجتمعة المتفرقة، ظعن عَن سلال لَا متبرما مني بشر خلال وكدر الْوَصْل بعد صفائه، وضرج النصل بعد عهد وَفَاته:
(أقل اشتياقا أَيهَا الْقلب رُبمَا ... رَأَيْتُك تصفى الود من لَيْسَ جازيا)
(2/135)

فها أَنا أبْكِي عَلَيْهِ بِدَم أساله، وأنهل فِيهِ أسا لَهُ، وأعلل بذكراه قلبا صدعه، وأودعه من الوجد مَا أودعهُ لما خدعه ثمَّ فلاه وودعه، وأنشق رياه أنف ارتياح قد جدعه، وأستعديه على ظلم ابتدعه.
(خليلي هَل ابصرتما أَو سمعتما ... قَتِيلا بَكَى من حب قَاتله قبلي)

فلولا عَسى الرَّجَاء، وَلَعَلَّه لَا بل شَفَاعَة الْمحل الَّذِي حلّه، لمزجت الحنين بالعتب، وبثثت كِتَابه كمنا فِي شعاب الْكتب، تهز من الألفات رماحا خزر الأسنة، وتؤثر من النونات أَمْثَال القسى المرنة، وتقود من مَجْمُوع الطرس وَالنَّفس، بلقا تردى فِي الأعنة، لكنه أدّى إِلَى الْحرم الْأمين، وتفيأ ظلال الْجوَار الْمُؤمن من معرة الغوار عَن الشمَال وَالْيَمِين، حرم الْخلال المزنية، والظلال اليزنية، والهمم السّنيَّة، والشيم الَّتِي لَا ترْضى بالدون وَلَا بالدنية، حَيْثُ الرفد الممنوح، وَالطير الميامن، يزْجر لَهَا السنوح، والمثوى الَّذِي إِلَيْهِ مهمى تقارع الْكِرَام على الضيفان حول جوابي الجفان الجنوح:
(نسب كَأَن عَلَيْهِ من شمس الضُّحَى ... نورا، وَمن فلق الصَّباح عمودا)
وَمن حل بِتِلْكَ المثابة، فقد اطْمَأَن جنبه، وتغمد بِالْعَفو ذَنبه وَللَّه در الْقَائِل:
(فوحقه لقد انتدبت لوصفه ... بالبخل لَوْلَا أَن حمصا دَاره)

(بلد مَتى اذكره تهتج لوعتي ... وَإِذا قدحت الزند طَار شراره)

اللَّهُمَّ غفرا، وَأَيْنَ قرارة النخيل من مثوى الأقلف الْبَخِيل، ومكذبة المخيل، وَأَيْنَ ثَانِيَة هجر من متبوأ من الْجد وفجر:
(من أنكر غيثا منشأه ... فِي الأَرْض وَلَيْسَ بمخلفها)

(فبنان بني مزني مزن ... تنهل بلطف مصرفها)
(2/136)

(مزن مذحل ببسكرة ... يَوْمًا نطقت بمصحفها)

(شكرت حَتَّى بعبارتها ... وبمعناها وبأحرفها)

(ضحِكت بأبى الْعَبَّاس من ... الْأَيَّام ثنايا زخرفها)

(وتنكرت الدُّنْيَا حَتَّى ... عرفت مِنْهُ بمعرفتها)
بل نقُول يَا مَحل الْوَلَد، لَا أقسم بِهَذَا الْبَلَد، وَأَنت حل بِهَذَا الْبَلَد، لقد حل بَيْنك عرى الْجلد، وخلد الشوق بعْدك، يَا ابْن خلدون، فِي الصميم من الْخلد. فَحَيَّا الله زَمنا شفيت برقى قربك زمانته، واجتليت فِي صدف مجدك جمانته، ويامن لمشوق لم تقض من طول خلتك لبانته، وَأهلا بروض أظلت أشتات معارفك بانته، [فحمائمه بعْدك لَا تندب] فيساعدها الجندب، ونواسمه ترق فتتعاشى، وعشياته تتخافت وتتلاشى، ومزنه باك، ودوحه [فِي ارتباك، وحمائمه] فِي مأتم ذِي اشتباك، كَأَن لم تكن قمرها هالات قبابه، وَلم يكن أنسك شَارِع بَابه إِلَى صفوة الظّرْف ولبابه، وَلم يسبح إِنْسَان عَيْنك فِي مَاء شبابه. فلهفي عَلَيْك من درة اختلستها يَد النَّوَى، ومطل بردهَا الدَّهْر ولوى، ونعق الْغُرَاب ببينها فِي ربوع الْهوى، ونطق بالزجر، فَمَا نطق عَن الْهوى، وَأي شَيْء تعتاض مِنْك أيتها الرياض، بعد أَن طما نهرك الْفَيَّاض، وفهقت الْحِيَاض، وَلَا كَانَ الشانيء المثنوء والجرف المهنوء من قطع ليل، أغار على الصُّبْح فَاحْتمل، وشارك فِي الذَّم النَّاقة والجمل، واستأثر جنحه ببدر النادي لما كمل نشر الشراع فراع، وأعمل الْإِسْرَاع كَأَنَّمَا هُوَ تمساح
(2/137)

النّيل، ضايق الأحباب فِي البرهة، واختطف لَهُم من الشط نزهة الْعين، وَعين النزهة، ونجج بهَا والعيون تنظر، والغمر على الِاتِّبَاع يحظر، فَلم يقدر إِلَّا على الأسف [والتماح] الْأَثر المنتسف، وَالرُّجُوع بملء العيبة من الخيبة، وَوقر الجسرة من الْحَسْرَة. إِنَّمَا أَشْكُو إِلَى الله البث والحزن، ونستبطر من عبراتنا المزن، وبسيف الرجا نصول، إِذا شرعت لليأس النصول:
(مَا أقدر الله أَن يدني على شحط ... من دَاره الْحزن مِمَّن دَاره صول)

فَإِن كَانَ كظم الْفِرَاق رغيبا، لما نَوَيْت مغيبا، وجللت الْوَقْت الهنى تشغيبا، فَلَعَلَّ الْمُلْتَقى يكون قَرِيبا، وَحَدِيثه يرْوى صَحِيحا غَرِيبا، إيه، شقة النَّفس، كَيفَ حَال تِلْكَ الشَّمَائِل المزهرة الخمائل، والشيم الهامية الديم، هَل يمر ببالها من راعت بالبعد باله، وأخمدت بعاصف الْبَين ذباله، أَو ترثى لشون شَأْنهَا، سكب لَا يفتر، وشوق يبت حبال الصَّبْر ويبتر، وضنا تقصر عَن حلله الفاقعة صنعاء وتستر، وَالْأَمر أعظم، وَالله يستر، وَمَا الَّذِي يضيرك صين من لفح السمُوم نضيرك، بعد أَن أضرمت وأشعلت، وَأوقدت وَجعلت، وَفعلت فعلتك الَّتِي فعلت، أَن تترفق بذما، أَو ترد بنغبة مَاء إرماق ظما، وتتعاهد الْمعَاهد بِتَحِيَّة يشم عَلَيْهَا شذا أنفاسك، أَو تنظر إِلَيْنَا على الْبعد بمقلة حوراء من بَيَاض قرطاسك، وَسَوَاد أنفاسك، فَرُبمَا قنعت الْأَنْفس الْمحبَّة بخيال زور، وتعللت بنوال منزور، ورضيت لما لم تصد العنقاء بزرزور:
(يَا من ترحل والنسيم لأَجله ... يشتاق أَن هبت شذا رياها)
(2/138)

(تحيي النُّفُوس إِذا بعثت تَحِيَّة ... فَإِذا عزمت اقْرَأ وَمن أَحْيَاهَا)

وَلَئِن أَحييت بهَا فِيمَا سلف نفوسا تفديك، وَالله إِلَى الْخَيْر يهديك، فَنحْن نقُول معشر موديك، ثن وَلَا تجعلها بَيْضَة الديك. وعذرا فإنني لم اجتر على خطابك بالفقر الفقيرة، وأذللت لَدَى حجراتك بِرَفْع العقيرة، عَن نشاط بعث مرموسه، وَلَا اغتباط بالأدب تغرى بسياسته سوسه، وانبساط أوحى إِلَى على الفترة ناموسه، وَإِنَّمَا هُوَ اتِّفَاق جرته نفثه المصدور، وَهنا الجرب المجدور، وخارق لَا مُخَارق، فثم قِيَاس فَارق، أَو لحن غنى بِهِ بعد الْمَمَات مُخَارق، وَالَّذِي سَببه، وسوغ مِنْهُ الْمَكْرُوه وحببه، مَا اقْتَضَاهُ الصنو يحيي مد الله حَيَاته، وحرس من الْحَوَادِث ذَاته، من خطاب ارتشف بِهِ لهَذِهِ القريحة بلالتها، بعد أَن رضى علالتها، وَرشح إِلَى الصهر الْحَضْرَمِيّ سلالتها، فَلم يسع إِلَّا إسعافه بِمَا أعافه، فأمليت مجيبا مَالا يعد فِي يَوْم من الزَّمَان نجيبا، وأسمعت وجيبا، لما ساجلت بِهَذِهِ الترهات سحرًا عجيبا، حَتَّى ألف الْقَلَم الْعُرْيَان سبحه، وَجمع برذون الغزارة فَلم أطق كبحه، لم أفق من غمرة غلوه، وموقف متلوه، إِلَّا وَقد تحيز إِلَى فِئَتك مفترا بل مغترا، واستقبلها ضَاحِكا مفترا، وهش لَهَا برا، وَإِن كَانَ لَونه من الوجل مصفراً. وَلَيْسَ بِأول من هجر فِي التمَاس الْوَصْل مِمَّن هجر أَو بعث التَّمْر إِلَى هجر، وَأي نسب بينى الْيَوْم وَبَين زخرف الْكَلَام، وإحالة جِيَاد الأقلام، فِي محاورة الْأَعْلَام، بعد أَن جال الجريض وَدون القريض، وشغل الْمَرِيض عَن التَّعْرِيض، وَاسْتولى الكسل، ونصلت الشعرات الْبيض كَأَنَّهَا الأسل، تروع برقط الْحَيَّات سرب الْحَيَاة، وتطرق ندوات الْغرَر والشيات عِنْد البيات، والشيب الْمَوْت العاجل. وَإِذا أَبيض زرع صبحته المناجل، وَالْمُعْتَبر الآجل، وَإِذا اشْتغل الشَّيْخ بِغَيْر معاده، حكم فِي الظَّاهِر بإبعاده، وأسره فِي ملكه عَاده، فاغض أبقاك الله، واسمح لمن قصر عَن المطمح، وبالعين الكليلة فالمح، واغتنم لِبَاس ثوب الثَّوَاب، واشف بعض الجوى بِالْجَوَابِ، تولاك الله فِيمَا استضفت
(2/139)

وملكت، وَلَا بَعدت، وَلَا هَلَكت، وَكَانَ لَك أَيَّة سلكت، ووسمك من السَّعَادَة بأوضح السمات، وأتاح لقاك من قبل الْمَمَات، وَالسَّلَام الْكَرِيم يعْتَمد خلال وَلَدي، وَسَاكن خلدي، بل أخي وَإِن اتَّقَيْت عَتبه وسيدي، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته [من محبَّة المشتاق إِلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله بن الْخَطِيب، فِي الرَّابِع عشر من ربيع الثَّانِي، من عَام سبعين وَسَبْعمائة] .
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ الْفَقِيه أَبَا زَكَرِيَّا ابْن خلدون، لما ولى الْكِتَابَة عَن السُّلْطَان أبي حمو مُوسَى بن زيان، واقترن بذلك نصر وصنع غبطته بِهِ [وقصدت بذلك تنفيقه] وَأَنَّهَا ضد لَدَيْهِ
نخص الحبيب الَّذِي هُوَ فِي الِاسْتِظْهَار بِهِ أَخ، وَفِي الشَّفَقَة عَلَيْهِ ولد، وَالْوَلِيّ الَّذِي مَا بعد قرب مثله أمل، وَلَا على بعده جلد، والفاضل الَّذِي لَا يُخَالف فِي فَضله سَاكن وَلَا بلد، أبقاه الله، وفاز فوزه، وعصمته، لَهَا من توفيق الله عمد، ومورد سعادته المسوغ لعادته غمر لَا ثَمد، ومدى إمداده من خَزَائِن إلهام الله وسداده لَيْسَ لَهُ أمد، وَحمى فَرح قلبه بمواهب ربه لَا يطرقه كمد، تَحِيَّة محلّة من صميم قلبه بمحله المنشئ رواق الشَّفَقَة مَرْفُوعا بعمد الْمحبَّة والمقة، فَوق ظعنه وحله، موثرة ومجلة، المعتنى بدق أمره وجله. فلَان
(2/140)

من الحضرة الجهادية غرناطة، صان الله خلالها، وَوقى هجير هجر الغيوم ظلالها، وَعمر بأسود الله أغيالها، كَمَا أغرى من كفر بِاللَّه حيالها، وَلَا زايد إِلَّا منن الله تصوب، وَقُوَّة يسْتَردّ بهَا الْمَغْصُوب، وتخفض الصَّلِيب الْمَنْصُوب. وَالْحَمْد لله الَّذِي بِحَمْدِهِ ينَال الْمَطْلُوب، وبذكره تطمئِن الْقُلُوب. ومودتكم الْمَوَدَّة الَّتِي غذتها ثدي الخلوص بلبانها، واحلتها حلائل الْمُحَافظَة بَين أعينها وأجفانها، ومهدت موَات إخوتها الْكُبْرَى أساس بنيانها، واستحقت مِيرَاثهَا مَعَ اسْتِصْحَاب حَال الْحَيَاة [إِن شَاءَ الله] واتصال زمانها، واقتضاء عهود الْأَيَّام بيمنها وأمانها وَالله در الْقَائِل:
(فَإِن لم يكنها أَو تكنه فَإِنَّهُ ... أَخُوهَا غذته أمه بلبانها)

وضل الله ذَلِك من أَجله وَفِي ذَاته، وَجعله وَسِيلَة إِلَى مرضاته، وقربة تَنْفَع عِنْد اعْتِبَار مَا روعي من سنَن الْجَبَّار ومفترضاته. وَقد وصل كتابكُمْ الَّذِي فاتح بالريحان وَالروح، وَحل من مرسوم الحيا مَحل الْبَسْمَلَة من اللَّوْح، وَأذن لنوافح السفا بالفوح، يشْهد عدله بِأَن الْبَيَان يَا آل خلدون سكن مثواكم دَار خُلُود وقدح زندا غير صلود، واستأثر من محابركم السيالة، وقضب رماحكم الميادة الميالة، بأب منجب وَأم ولود، يقضو شافيه غير المشنو، ونصيله غير الجرب وَلَا المهنو من الْخطاب السلطاني سفينة ستوح إِن لم نقل سفينة نوح. ماشيت من آمال أَزوَاج وزمر من الْفضل أَفْوَاج، وأمواج كرم يطفو فَوق أمواج وفنون بشائر وأهطاع قبائل وعشائر، وَضرب للمسرات أعيا السامر. فَللَّه من قلم رَاعى نسب الْغنى فوصل الرَّحِم، وأنجد الوشيج الملتحم، وسَاق بعصاه من الْبَيَان
(2/141)

الذود المزدحم، وأخاف من شَذَّ عَن الطَّاعَة مَعَ الِاسْتِطَاعَة، فَقَالَ: {" لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا من من رحم "} ، وَلَو لم يُوجب الْحق برقه ورعده ووعيده ووعده لأوجبه بمنه وسعده، فَلَقَد ظَهرت مخائل نجحه [علاوة على] نصحه، ووضحت محَاسِن صبحه فِي وَحْشَة الْموقف الصعب وقبحه، وصل الله عوائد منحه وَجعله إقليدا كلما اسْتقْبل بَاب أمل وَكله الله بفتحه. أما مَا قَرَّرَهُ ولاؤكم من حب زكا عَن حَبَّة الْقلب حبه، وأنبته النَّبَات الْحسن ربه، وساعده من الْغَمَام سكبه، وَمن النسيم اللدن مهبه، فرسم ثَبت عِنْد الْمولى نَظِيره، من غير معَارض يضيره، وَرُبمَا أربى بتذييل مزِيد، وَشَهَادَة ثَابت وَيزِيد. وَلم لَا يكون ذَلِك، وللقلب على الْقلب شَاهد، وَكَونهَا أجنادا مجندة لَا يحْتَاج تَقْرِيره إِلَى شَاهد أَو جهد جَاهد، ومودة الْأُخوة سَبِيلهَا لاحب، ودليلها للدعوى الصادقة مصاحب، إِلَى مَا سبق من فضل ولقا، ومصاقبة سقا، واعتقاد لَا يراع سربه بذيب الانتقاد، واجتلاء شهَاب وقاد، لَا يحوج إِلَى إيقاد، إِنَّمَا عَاق عَن مُوَاصلَة ذَلِك نوى شط مِنْهُ الشطن، وتشذيب لم يتَعَيَّن مَعَه الوطن، فَلَمَّا تعين تعين، وَكَاد الصُّبْح أَن يتَبَيَّن، عَاد الوميض ديجورا، والمواد بحرا مسحورا إِلَى أَن أعلق الله مِنْكُم الْيَد بِالسَّبَبِ الوثيق، وأحلكم بمنجى نبق لَا يخَاف من منجنيق، وَجعل يراعكم لسعادة مُوسَى معْجزَة تأتى على الْخَبَر لقيان - فتخر لثعبانها سحرة الْبَيَان.
(أيحيى سقى حَيْثُ الحت الجنا ... فَنعم الشعاب وَنعم الوكول ... )

(وَحيا يراعك من آيَة فقد ... حرك الْقَوْم بعد السّكُون)

(دَعَوْت لخدمة مُوسَى عَصَاهُ ... فَجَاءَت تلقف مَا يأفكون)

(فأذعن من يَدعِي السحر رغما ... وَأسلم من أجلهَا الْمُشْركُونَ)

(وساعدك الشُّعُور فِيمَا أردْت ... فَكَانَ كَمَا يَنْبَغِي أَن يكون)
(2/142)

وَأَنْتُم أولى الأصدقاء بصلَة السَّبَب، ورعى الْوَسَائِل والقرب، أبقاكم الله، وأيدي الْغِبْطَة بكم مَالِيَّة، وأحوال تِلْكَ الْجِهَات بدرركم حَالية، وديم المسرات من إنعامكم المبرات، على مَعْهُود المبرات مُتَوَالِيَة. وأماما تشوفتم إِلَيْهِ من حَال وَلِيكُم فأمل متقلص الظل، وارتقاب لهجوم جَيش الْأَجَل المطل، ومقام على مساورة الصل، وَعمل يكذب الدَّعْوَى، وطمأنينة تنْتَظر الْغَارة الشعوا، وَيَد بالمذخور تفتح، وَأُخْرَى تجهد وتمنح، وَمرض يزور فيثقل، وَضعف عَن الْوَاجِب يعقل. إِلَّا أَن اللطائف تستروح، وَالْقلب من بَاب الرجا لَا يبرح، وَرُبمَا ظفر البائس، وَلم تطرد المقابس، تداركنا الله بعفوه، وأوردنا من منهل الرِّضَا وَالْقَبُول على صَفوه، وَأذن لهَذَا الْخرق فِي رفوه. وَأما مَا طلبتم من انتساخ ديوَان، وإعمال بنان، فِي الإتحاف بِبَيَان، فَتلك عهود لدي مهجورة، ومعاهدة لَا متعهدة وَلَا مزورة، شغل عَن ذَلِك، خوض يَعْلُو لجبه، وحوض يفضى من لغط الماتح عجبه، وهول جِهَاد تساوى جمادياه ورجبه، فلولا التمَاس أجر، وتعلل بِرِبْح تجر، لَقلت أَهلا بِذَات النحيين، فَلَهُنَّ شكت وبذلت المصون بِسَبَب مَا أَمْسَكت، فَلَقَد ضحِكت فِي الْبَاطِن ضعف مَا بَكت. ونستغفر الله من سوء انتحال، وإيثار المزاح بِكُل حَال، وَمَا الَّذِي ينْتَظر مثلي مِمَّن عرف المآخذ والمتارك، وجرب لما بلَى الْمُبَارك، وَخبر مساءة الدُّنْيَا الفارك. هَذَا أَيهَا الحبيب مَا وَسعه الْوَقْت الضّيق، وَقد ذهب الشَّبَاب الرِّيق، فليسمح فِيهِ مَعْهُود كمالك، جعل الله مطاوعة آمالك مطاوعة يَمِينك لشمالك، ووطأ لَك موطأ الْعِزّ بِبَاب كل مَالك، وَقرن النجح بأعمالك. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ صَاحب الْعَلامَة بالمغرب أَبَا الْقَاسِم بن رضوَان بِمَا يظْهر من الْغَرَض
(قد كنت أجهد فِي التمَاس صَنِيعَة ... نفسا شهَاب ذكايها وقاد)
(2/143)

(وَأَقُول لَو كَانَ الْمُخَاطب غَيْركُمْ ... عِنْد الشدائد تذْهب الأحقاد)

سَيِّدي، أبقاكم الله علم فضل وإنصاف، ومجموع كَمَال أَوْصَاف، كَلَام النيات قصير، وَالله لحسنات الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال بَصِير، وَإِلَيْهِ بعد هَذَا الْحفاظ كُله رجعى منا ومصير، وَلَيْسَ لنا إِلَّا هُوَ مولى ونصير، وَهَذَا الرجل سَيِّدي الْخَطِيب أَبُو عبد الله بن مَرْزُوق، جبره الله، بالْأَمْس كُنَّا نقف بِبَابِهِ، ونتمسك بأسبابه، ونتوسل إِلَى الدُّنْيَا بِهِ، فَإِن كُنَّا قد عرفنَا خيرا وَجَبت الْمُشَاركَة، أَو كفافا تعيّنت المتاركة، أَو شرا [اهتبلت غرَّة] الْهوى الْأَنْفس الْمُبَارَكَة، واتصفت بِصفة، من يعْصى فيسمح، وَيسْأل فيمنح، وَيعود على الْقَبِيح بالستر الْجَمِيل، ويحسب يَد التأميل، وَمَعَ هَذَا فَلم ندر إِلَّا خيرا كرم مِنْهُ المورد والمصرف، وَمن عرف حجَّة على من لم يعرف، وَأَنْتُم فِي الْوَقْت سراج علم لَا يخبو سناه، ومجموع تخلق عرفنَا مِنْهُ مَا عَرفْنَاهُ، وَهَذِه هِيَ الشُّهْرَة الَّتِي تغتنم إِذا سفرت، والْمنَّة الَّتِي تجبر عَلَيْهَا دَابَّة النَّفس إِذا نفرت، حَتَّى لَا يجد بعون الله عارضا يعوقها عَن الْخَيْر وَالْأَجْر فِي اسْتِيفَاء كتاب الشَّفَاعَة، وتحري الْمَقَاصِد النفاعة، وتنفيق البضاعة قد ضمنه من وعد بِقِيَام السَّاعَة، وَالْجَزَاء على الطَّاعَة، فَكيف وَالله يرى عَمَلكُمْ وعملي، والمتروك حقير، والوجود إِلَى رَحْمَة من رحمات الله فَقير وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا كتبت إِلَى الشَّيْخ الْخَطِيب أَبى عبد الله بن مَرْزُوق جَوَابا عَن كِتَابه وَقد اسْتَقر خطيب السُّلْطَان بتونس حرسها الله، وأعزه
(وَلما أَن نأت مِنْكُم دياري ... وَحَال الْبعد بَيْنكُم وبيني)

(بعثت لكم سوادا فِي بَيَاض ... لأنظركم بِشَيْء مثل عَيْني)
(2/144)

بِمَ أفاتحك يَا سَيِّدي، وَأجل عددي سَلاما. فَلَا أحذر ملاما، أَو انتخب لَك كلَاما، فَلَا أجد لتبعة التَّقْصِير فِي حَقك الْكَبِير إيلاما. وان قلت تَحِيَّة كسْرَى فِي السنا وَتبع، فكلمة فِي مربع العجنة تربع، وَلها المصيف فِيهِ والمربع، وَالْحَمِيم والمنبع، فتروى مَتى شَاءَت وتشبع، وَإِن قلت إِذا الْعَارِض خطر، وهمي أَو قطر، سَلام الله يَا مطر، فَهُوَ فِي الشَّرِيعَة بطر، ومركبه خطر، وَلَا يرْعَى بِهِ وَطن، وَلَا يقتضى بِهِ وطر، وَإِنَّمَا الْعرف الأوشج، وَلَا يَسْتَوِي البان والبنفسج، والعوسج والعرفج.
(سَلام وَتَسْلِيم وروح وَرَحْمَة ... عَلَيْك وممدود من الظل سَجْسَج)

وَمَا كَانَ فضلك ليمنعني الْكفْر أَن أشكره، وَلَا ينسيني الشَّيْطَان أَن أذكرهُ، فأتخذ فِي الْبَحْر سَببا، أَو أسلك غير الوفا مذهبا - تأبى ذَلِك والْمنَّة لَك طباع، لَهَا فِي مجَال الرعى بَاعَ، وَتَحْقِيق وإشباع، وسوائم من الْإِنْصَاف، ترعى فِي رياض الِاعْتِرَاف. فَلَا يطرقها ارتياع. وَلَا تخيفها أَسْبَاع، وَكَيف تجحد تِلْكَ الْحُقُوق، وَهِي شمس ظهيرة، وآذان عقيرة جهيرة، فَوق مئذنة شهيرة، أدَّت الأكتاد لَهَا ديونا تستغرق الذمم، وتسترق حَتَّى الرمم، فَإِن قضيت فِي الْحَيَاة، فَهِيَ الخطة الَّتِي ترتضيها، وَلَا تقنع من عَامل الدَّهْر المساعد، إِلَّا أَن ينفذ مراسيها ويمضيها. فَإِن قطع الْأَجَل، فالغني الحميد من خزانه الَّتِي لَا تبيد يَقْضِيهَا، ويرضى من يقتضيها، وَحيا الله أَيهَا الْعلم السامى الْجلَال، زَمنا بمعرفتك المبرة على الآمال بر وأتحف، وَإِن أَسَاءَ بِفِرَاقِك وأجحف، وأظفر بالبتيمة المذخورة للشدائد والمزاين، ثمَّ أوحش مِنْهَا لصونه هَذِه الخزائن،
(2/145)

فآب حنين الأمل بخفيه، وَأصْبح الْمغرب غَرِيبا يقلب كفيه. نَسْتَغْفِر الله من هَذِه الغفلات، ونستهديه دَلِيلا فِي مثل هَذِه الفلوات. وأى ذَنْب فِي الْفِرَاق للزمن أَو [الْغُرَاب الدمن] أَو للرواحل المدلجة مَا بَين الشَّام إِلَى الْيمن، وَمَا مِنْهَا إِلَّا عبد مقهور، وَفِي رقة الْقدر مبهور، عقد وَالْحَمْد لله مَشْهُور، وَحجَّة لَهَا على النَّفس اللوامة ظُهُور، جعلنَا الله مِمَّن ذكر الْمُسَبّب فِي الْأَسْبَاب، وتذكره، وَمَا يتَذَكَّر إِلَّا أولو الْأَلْبَاب، قبل غلق الرَّهْن وسد الْبَاب. وَبِالْجُمْلَةِ فالفراق ذاتي ووعده ماتي، فَإِن يكن، فَكَانَ قد، مَا أقرب الْيَوْم من الْغَد، والمرء فِي الْوُجُوب غَرِيب، وكل آتٍ قريب، وَمَا من مقَام إِلَّا لزيال من غير احتيال، والأعمال مراحل وَالْأَيَّام أَمْيَال.
(نصيبك فِي حياتك من حبيب ... نصيبك فِي مَنَامك من خيال)

جعل الله الْأَدَب مَعَ الْحق شَأْننَا، وَأبْعد عَنَّا الْفرق الَّذِي شاننا. وَأَنِّي لأسر لسيدي بِأَن رعى الله [فِيهِ صَلَاح] سلفه، وتداركه بالتلافي فِي تلفه، وخلص بدر سعادته من كلفه، وأجله من الْأَمْن فِي كنفه، وعَلى قدر مَا تصاب الْعليا، وَأَشد النَّاس بلَاء الأنبيا، ثمَّ الأوليا، هَذَا وَالْخَيْر وَالشَّر فِي هَذِه الدَّار المؤسسة على الأكدار، ظلان مضمحلان، فَإِذا ارْتَفع مَا ضرّ أَو مَا نفع، وَفَارق الْمَكَان، فَكَأَنَّهُ مَا كَانَ. وَمن كَلِمَات الْمَمْلُوك الْبعيد عَن السلوك، إِلَى أَن يَشَاء ملك الْمُلُوك:
(خُذ من زَمَانك مَا تيَسّر ... واترك بجهدك مَا تعسر)

(ولرب مُجمل حَالَة ترْضى ... بِهِ مَا لم يُفَسر)
(2/146)

(والدهر لَيْسَ بدائم لَا بُد ... أَن سيسوء إِن سر)

(واكتم حَدِيثك جاهدا ... شمت الْمُحدث أم تحسر)

(وَالنَّاس آنِية الزّجاج ... إِذا عثرت بِهِ تكسر)

(لَا تعدم التَّقْوَى فَمن عدم ... التَّقْوَى فِي النَّاس أعْسر)

(وَإِذا امْرُؤ خسر الْإِلَه ... فَلَيْسَ خلق مِنْهُ أخسر)

وَإِن لله فِي رعيك لسرا، ولطفا مستمرا، إِذْ أَلْقَاك اليم إِلَى السَّاحِل، فَأخذ بِيَدِك من ورطة الواحل، وحرك مِنْك عَزِيمَة الراحل إِلَى الْملك الحلاحل، فأدالك من إبراهيميك سميا وعرفك بعد وسميا، ونقلك من عناية إِلَى عناية، وَهُوَ الَّذِي يَقُول، وَقَوله الْحق: {مَا ننسخ من آيَة} ، الْآيَة.
وَقد وصل كتاب سَيِّدي، يحمد، وَالْحَمْد لله العواقب، ويصف المراقي الَّتِي حلهَا والمراقب، وينشر المفاخر الحفصية والمناقب، وَيذكر مَا هيأه الله لَهُ، من إقبال ورخاء بَال، وخصيصي اشْتِمَال، ونشوز آمال، وَأَنه اغتبط وارتبط، وَألقى العصى بعد مَا خبط، وَمثل تِلْكَ الْخلَافَة الْعلية من تزن الذوات الْمَخْصُوصَة من الله، بشريف الأدوات، بميزان تمييزها، وتفرق شبه الْمَعَادِن وإبريزها، وَشبه الشَّيْء مثل مَعْرُوف، وَلَقَد أَخطَأ من قَالَ النَّاس ظروف، إِنَّمَا هم شجرات ريع فِي بقْعَة ماحلة، وإبل مائَة لَا تَجِد فِيهَا رَاحِلَة، وَمَا هُوَ إِلَّا اتِّفَاق، ونجح للْملك وإخفاق، وقلما كذب إِجْمَاع وإصفاق، والجليس الصَّالح لرب السياسة أمل مَطْلُوب، وحظ إِلَيْهِ مجلوب، إِن سُئِلَ أطرف، وَعمر الْوَقْت ببصاعة أشرف، وسرق الطباع، وَمد فِي الحسات الباع، وسلا فِي الخطوب، وأضحك فِي الْيَوْم القطوب، وَهدى إِلَى أقوم الطّرق، وأعان على نَوَائِب الْحق، وَزرع لَهُ الْمَوَدَّة فِي قُلُوب الْخلق، زَاد الله سَيِّدي لَدَيْهَا قربا أثيرا، وَجعل فِيهِ.
(2/147)

للْجَمِيع خيرا كثيرا، بفضله وَكَرمه، ولعلمي أبقاه الله، أَنه يقبل نصحي، وَلَا يرتاب فِي صدق صبحي، أغبطه بمثواه، وأنشده مَا حضر البديهة فِي مسرته هَذِه ونجواه:
(بمقام إِبْرَاهِيم عذ واصرف بِهِ ... نكرا تروق عَن بواعث تفتر)

(بجواره حرم الله وَأَن حمامة ... وَرْقَاء والأغصان عود الْمِنْبَر)

(فَلَقَد أمنت من الزَّمَان وريبه ... وَهُوَ المروع للمسيء وللبر)

وَإِن تشوف سيدى للْحَال فلعمر وليه لَو كَانَ الْمَطْلُوب دينا لوَجَبَ وُقُوع الاجتزاء والاغتباط بِمَا تحصل فِي هَذِه الجذور الْمَبِيعَة فِي حَانُوت الزُّور، من السِّهَام الوافرة الْأَجْزَاء. فالسلطان، رعاه الله، يُوجب مَا فَوق مزية التَّعْلِيم، وَالْولد، هدَاهُم الله، قد أخذُوا بِخَط قل أَن ينالوه بِغَيْر هَذَا الإقليم، والخاصة والعامة تعامل بِحَسب مَا بلته من نصح سليم، وَترك لما بِالْأَيْدِي وَتَسْلِيم، وتدبير عَاد على عدوه بِالْعَذَابِ الْأَلِيم، إِلَّا من أبدى السَّلامَة وَهُوَ من أبطال الْجَسَد بِحَال السَّلِيم، وَلَا يُنكر ذَلِك فِي الحَدِيث وَلَا فِي الْقَدِيم، لَكِن النَّفس منصرفة عَن هَذَا الْغَرَض، نافضة يَدهَا من الْعرض، قد فوتت الْحَاصِل، ووصلت فِي الله الْقَاطِع، وَقطعت الْوَاصِل، وصدقت لما نصح الفود الناصل، وتأهبت للقاء الْحمام الْوَاصِل:
(أنظر إِلَى الشيب قد نصلا ... وزاير الْأنس بعده انفصلا)

(ومطلبي وَالَّذِي كلفت بِهِ ... حاولت تَحْصِيله فَمَا حصلا)

(لَا أمل مسعف وَلَا عمل ... وَنحن فِي ذَا وَالْمَوْت قد وهلا)

وَالْوَقْت إِلَى الْإِمْدَاد مِنْكُم بِالدُّعَاءِ فِي الأصائل والأسحار، إِلَى مقيل العثار، شَدِيد الافتقار، وَالله عز وَجل يصل لسيدي رعى جوانبه، ويتولى تيسير آماله
(2/148)

من فَضله العميم ومآربه، من التَّحِيَّة المحملة، من فَوق رحال الأريحيات أزكاها، مَا أوجع الْبَرْق الْغَمَام فأبكاها، وَحمد الرَّوْض جمال النُّجُوم الزواهر فقاسها بمياسم الأزاهر وحكاها، وَاصْطفى هرم اللَّيْل عِنْد الْميل عَصا الجوزاء وتوكأها، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني مِمَّا أجبْت بِهِ عَن كتاب بَعثه إِلَى الْفَقِيه الْكَاتِب عَن سُلْطَان تلمسان أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف الْقَيْسِي
(حَيا تلمسان الحيا فربوعها ... صدف يجود بدرها الْمكنون)

(مَا شيت من فضل عميم إِن سقى ... أروى وَمن لَيْسَ بالممنون)

(أَو شيت من دين إِذا قدح الْهدى ... أورى وَدُنْيا لم تكن بالدون)

(ورد النسيم لَهَا بنشر حديقة ... قد أزهرت أفنانها بفنون)

(وَإِذا حَبِيبَة أم يحيى أنجبت ... فلهَا الشفوف على عُيُون العون)

مَا هَذَا النشر، والصف الْحَشْر، واللف والنشر، وَالْفَجْر والليالي الْعشْر، شذا كَمَا تنفست دارين، وحلل رقم حللها التزيين، وَبَيَان قَامَ على إبداعه الْبُرْهَان الْمُبين، وَنقش وشى بِهِ طرس فجَاء كَأَنَّهُ الْعُيُون الْعين، لَا بل مَا هَذِه الْكَتَائِب الكتبية، الَّتِي أطلقت علينا الأعنة، وأشرعت إِلَيْنَا الأسنة، وراعت الْإِنْس وَالْجنَّة، فأقسم بالرحمن لَوْلَا أَنَّهَا رفعت شعار الْأمان، وحيت بِتَحِيَّة الْإِيمَان، لراعت السرب، وعاقت الذود أَن يرد الشّرْب، أظنها مدد الْجِهَاد قدم، وشارد الْعَرَب اسْتعْمل فِي سَبِيل الله واستخدم، والمتأخر على مَا فَاتَهُ نَدم، والعزم وجد بعد مَا عدم. نَسْتَغْفِر الله إِنَّمَا هِيَ رقاع رقاع، وصلات صلات لَيْسَ فِيهَا سَهْو وَلَا إرقاع، وَبَطل لَهَا بَطل الطباع [الْكَرِيمَة اشفاع] وألحان بَيَان يعضدها إِيقَاع،
(2/149)

ودر منسوق، وَرطب نخلها بسوق، وَللَّه در الْقَائِل، الْملك سوق. وَمن يصبر للشَّيْخ على كَتِيبَة تتبعها كَتِيبَة، واقتضاء وجيبة، من ذِي غيلَة غير نجيبة. بَيناهُ يكابد من مُرَاجعَة الْحَيّ من حَضرمَوْت الْمَوْت، وَلَا يكَاد يرجع الصَّوْت إِذْ صبحته قيس، وَهِي الَّتِي شذت عَن الْقيَاس، وأحجمت عَن مبارزتها أسود الأخياس، فلولا امْتِثَال أَمر، وصبر على جمر، لأعاد مَا حكى فِي مبارزة الْوَحْي عَن عَمْرو، فتحرج من الخطل، وَبَين عذر الْمُكْره عَن مفاخرة البطل ألم يدر قَابل رعيلها، وزائر عيلها، أَنى أمت بِذِمَّة من عَهده لَا تخفر، وَأَن ذَنْب إضافتي لَهُ لَا تغْفر، وَحقه الْحق الَّذِي لَا يجْحَد وَلَا يُنكر.
(لما رَأَتْ راية الْقَيْسِي زاحفة ... إِلَى ريعت وَقَالَت لي وَمَا الْعَمَل)

(قلت الوغى لَيْسَ من رَأْيِي وَلَا عملى ... لَا نَاقَة لي فِي هَذَا وَلَا جمل)

(قد كَانَ ذَلِك ورثاث الصميل ضحى ... يهز عطفي كَأَنِّي شَارِب ثمل)

(والآن قد صوح المرعى وقوضت ... الخيمات والركب بعد اللَّيْث مُحْتَمل)

(قَالَت أَلَسْت شهَاب الْحَرْب تضرمها ... حاشى العلى أَن يُقَال استنوق الْجمل)

(وَإِن أحسن من هَذَا وَذَا وزر ... بِمثلِهِ فِي الدَّوَاهِي يبلغ الأمل)

(هَذَا الْحمى لابي حمو استبحرن فَفِيهِ ... الْأَمْن منسدل وَالْفضل مكتمل)

(وَالله لَو أهمل الرَّاعِي النفاد بِهِ ... مَا خَافَ من أَسد حنقان بِهِ همل)
(2/150)

(تكون من قوم مُوسَى إِن قضوا عدلوا ... وَإِن تقاعد دهر جَائِر حمل)

(فَقلت كَانَ لَك الرَّحْمَن يعدى مَا ... سواهُ مُعْتَمد والرأي معتمل)

(فها أَنا تَحت ظلّ مِنْهُ يلحفني ... والشمل منى بستر الْعِزّ يشْتَمل)

(فعل لقيس لقد خَابَ الْقيَاس فَلَا ... بُد الصَّاع وَتَحْت اللَّيْل فَاحْتمل)

(دَامَت لَهُ ديم النعماء مساجلة ... يمناه تنهمل الْيُمْنَى فتنهمل)

(وَأمنت شمس علياه الأفول إِلَى ... طي الْوُجُود فَلَا شمس وَلَا حمل)

وَلَو أخوى والعوذ بِاللَّه نجم هَذَا المقات، وَلم يَتَّصِف السَّبَب وحاشاه بالاتصال وَلَا بالانبتات، فمرعى الْعدْل مكفول، وَسبب الرِّفْق مَوْصُول، وَإِن استجرت نصول، والهرب تأبى الْأَبْطَال التنزل إِلَى نزاله، والناسك التائب يدين ضرب الغارات باعتزاله، إِلَّا من أعزق فِي مَذْهَب الخارجين الأخرق، نَافِع بن الْأَزْرَق، وحسبي، وَقد سَاءَ كسبي أَن أترك الْحَظْر لراكبه، وأخلى الطَّرِيق لمن يَبْنِي الْمنَار بِهِ ونسير بسير أمثالي من الضُّعَفَاء، ونكف، فَهُوَ زمن الانكفاء، ونسلم مخطوبة هَذَا الْفَنّ إِلَى الْأَكفاء، ونقول بالبنين والرفاء، فقد ذهب الزَّمن الْمَذْهَب، وَتبين الْمَذْهَب، وشاخ الْبَازِي الْأَشْهب، وعتاد الْعُمر ينهب، ومرهب الْفَوْت من فَوق الْفَرد يرقب. اللَّهُمَّ ألهم هَذِه الْأَنْفس رشدها واذكرها للسكرات وَمَا بعْدهَا، إيه أخي وَالْفضل وصفك ونعتك، والزيف يبهرجه بختك، وسهام البراعة انْفَرد بهَا بريك ونحتك. وصلتني رِسَالَتك الْبرة، لَا بل غمامتك الثرة، وحبتني ثغور فضلك المفترة، فعظمت بورودها المسرة، جددت الْعَهْد بمحبوب لقائك، وأنهلت طامي الاستطلاع فِي سقائك واقتضت تَجْدِيد الدُّعَاء ببقائك، إِلَّا أَنَّهَا رُبمَا ذهلت عِنْد وداعك، أَو بهر عقلهَا نور إبداعك، فَلم تلقن الْوَصِيَّة،
(2/151)

وسلكت المسالك القصية، وأبعدت من التطوف، وَجَاءَت تبتغي من أسرار التصوف وَمَتى تقرن هَيْبَة السَّبع الشداد بحانوت الْحداد، أَو تنظر أَحْكَام الِاعْتِكَاف بدكان الإسكاف، أَو يتَعَلَّم طبع الشغال بحانوت الْبَقَّال، وَالظَّن الْغَالِب، وَقد تَلْتَبِس المطالب، أَنكُمْ أمرتموها لما أصدرتموها بأعمال التشوف، عَن مقاصدي فِي أغراض التففل والتسوف، فَطُرِدَتْ بِحكم الْإِبْدَال غابته عَمَّا يلْزم من الْجِدَال، وَسمعت السِّين صادا وَلم تلف لإشراك الْمطلب مضادا، وَلَا لزرع الْوَصِيَّة حصادا، وَالله يَجْعَل الْمُحب عِنْد ظن من نظر بمرآته أَو وصف بِبَعْض صِفَاته، وَهِي تذلق عَن صِفَاته. فالتصوف أشرف، وظلاله أورف من أَن يَنَالهُ كلف بباطل، أَو مغرور بسراب ماطل، لَا ير بَاب هاطل، ومفتون بِحَال حَال أَو عاطل، وَمن قَالَ وَلم يَتَّصِف بمقاله، فعقله لم يرم عَن عقاله وخيال أثقاله مَانِعَة لَهُ عَن انْتِقَاله، وعَلى ذَلِك، وَبعد تَقْرِير هَذِه المسالك، فقد غمرت يداها كي لَا تعود بهَا صفرا بعد إِعْمَال السّفر، أَو ترى أَنَّهَا قد طولبت بذنب الْغَلَط المغتفر، وأصبحت الْمُرَاجَعَة بِمَجْلِس وعظ، فتحت بِهِ بَاب الْفَرح، إِلَى إِنْكَار الإِمَام أبي الْفَرح، وفن الْوَعْظ لما سَأَلَ الْأَخ، هُوَ الصّديق المسعد، والمبرق قبل غمامة رَحمته والمرعد، وَللَّه در الْقَائِل، لست بِهِ وَلم تبعد، والاعتراض بعد لَازم، لَكِن الْإِسْعَاف لقصده لَازم، وعامله عِنْد الاعتلال بالعذر جازم، وإعضاؤه ملتمس وفضله لَا يخبو مِنْهُ قبس. وعذرا أَيهَا الْفَاضِل وَبعد الِاعْتِذَار عَن الْقَلَم المهذار، وإغفال الْجِدَار، اقْرَأ عَلَيْهِ من طيب السَّلَام، مَا يخجل أزهار الكمام، عقب الْغَمَام، وَرَحْمَة الله من ممليه على الْكَاتِب، ولعلها تغتر من عتب العائب فلَان، فَإِنِّي كتبت وَاللَّيْل دامس، وبحر الظلام طامس، وَعَادَة الكسل طبع خَامِس، والنابح بشكوى الْبرد هامس، والذبال النادم خَافت، لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ الْفراش
(2/152)

المتهافت، يقوم وَيقْعد، ويفيق ثمَّ يرعد، ويزخر ثمَّ يخمد، ويتحرك ويحمد، وَرُبمَا صَار ورقة آس، ومبضع راس، وَرُبمَا أشبه العاشق فِي البوح بِمَا يخفيه، وظهوره من فِيهِ، [فتمليه الآمال وتلويه] وتميته النواسم الهبابة، بعد مَا تحييه، والمطر قد تعذر مِنْهُ الوطر، وشرفه الْخطر، وَفعل فِي الْبيُوت المتداعية مَالا يَفْعَله التّرْك والتطر، والنشاط قد طوى مِنْهُ الْبسَاط، والجوارح بالكلال تعتذر، ووظائف الْغَد تنْتَظر، والفكر فِي الْأُمُور السُّلْطَانِيَّة جائل، وَهِي بَحر هائل، ومثلى مَفْتُوح مِنْهُ باليسير، ومعذور فِي قصر الباع، وَضعف الْمسير. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك فِي مُرَاجعَة عَن نَفسِي للسُّلْطَان بتونس أبي إِسْحَق ابْن السُّلْطَان أبي يحيى أعزه الله
الْمقَام الإمامي الإبراهيمي، المولوى، المستنصري، الحفصي، الَّذِي كرم فرعا وأصلا وَشرف جِنْسا وفصلا وتملأ فِي ظلّ رِعَايَة الْمجد من لدن المهد كرما وخصلا، وصرفت متجردة الأقلام إِلَى مثابة خِلَافَته، المنصورة الْأَعْلَام، وُجُوه عمادة الْكَلَام، فاتخذوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى. مقَام مولى أَمر الْمُسلمين، الْخَلِيفَة الإِمَام أبي يحيى أبي بكر ابْن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين. أبقاه الله تهوى إِلَيْهِ الأفئدة كلما انتشت بِذكرِهِ، وتتنافس الْأَلْسِنَة فِي إِحْرَاز غَايَة حَمده وشكره، وتتكفل الأقدار بإنفاذ نَهْيه وَأمره، ونغري عوامل عوامله بِحَذْف زيد عدوه وعمروه، ويتبرع أسمر اللَّيْل وأبيض النَّهَار رَبًّا بإعمال بيضه وسمره، وَلَا زَالَ
(2/153)

حسامه الْمَاضِي يفنى يَوْمه عَن شهره، وَالرَّوْض يحييه بمباسم زهره، وَيرْفَع إِلَيْهِ رفع الْحَمد ببنان قضبه، الناشئة من معصم نهره، وَولى الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، يمتعه بهما بعد الْإِعَانَة على سهره، يقبل بساطه المعود الاستلام بصفحات الخدود، الرافع عماده ظلّ الْعدْل الْمَمْدُود، عِنْد مقَامه الْمَحْمُود، ووارد غمر إنعامه غير المنزور، وَلَا المثمود، الْمثنى على مننه العميمة ومنحه الجسيمة، ثَنَاء الرَّوْض المجود على العهود فلَان. من بَاب الْمولى مُوجب حَقه، المتأكد الْفُرُوض، الثَّابِت الْعُقُود، الممتد مِنْهُ بالود الْجَامِع الرسوم وَالْحُدُود، وَالْفضل المتوارث عَن الْآبَاء والجدود، يسلم على مثابتها سَلام مثلى على مثلهَا، إِن وجد الْمثل فِي الثَّانِي، ويعوذ كَمَا لَهَا بالسبع المثاني، وَيَدْعُو الله لسلطانها بتشييد المباني، وتيسير الْأَمَانِي، وَينْهى إِلَى عُلُوم تِلْكَ الْخُلَاصَة الفاروقية المقدسة بمناسب التَّوْحِيد، المستولية من مدارك الآمال على الأمد الْبعيد، أَن مخاطبتها المولوية، تأدت إِلَى الْمَمْلُوك فارعة للعلا من عفرَة الْحلَل والحلا، ذهبية المجتلا، تفِيد الْعِزّ المكين، وَالدُّنْيَا وَالدّين، وترعى فِي الأنباء الْبَنِينَ، على مر السنين، {صفراء فَاقِع لَوْنهَا تسر الناظرين} ، قد حملت من مدرجها الْكَرِيم مَا أخْفى للملوك من قُرَّة عين، ودرة زين، جَنِين الشّرف الوضاح، ومستوجب الْحق على مثله من الْخلق بِالنّسَبِ الصراح، وَالْغرر الأوضاح والأرج الفواح. فاقتنى دره النفيس، وَوجد للدوح من جَانب الْخلَافَة التَّنْفِيس، وَقواهُ لما قراه التَّعْظِيم وَالتَّقْدِيس، وَقَالَ {يَا أَيهَا الْمَلأ إِنِّي ألقِي إِلَيّ كتاب كريم} ، وَإِن لم يكن بلقيس أَعلَى الله تِلْكَ الْيَد مطوقة الأيادي، ومحجلة الْغَمَام والغوادي، وأبقاها عامرة النوادي، غالبة الأعادي، وَجعل سيفها السفاح، ورأيها الرشيق، وَعلمهَا الْهَادِي، وَوصل مَا ألطف بِهِ من أشتات بر بلغت، وموارد فضل سوغت مِنْهَا الإلهية مَا سوغت، أمدتها سَعَادَة الْمولى،
(2/154)

بمدد لم يضر مَعَه الْبَحْر الهائل، وَلَا الْعَدو الغائل، وَأقَام أودها عِنْد الشدائد للفلك الْمسَائِل، لَا بل الْملك الَّذِي لَهُ إِلَى الله الْوَسَائِل، وَحسب الجفن رسالتكم الْكَرِيمَة لحظا بصار وَأكْرم، وعوذة فتعوذ بهَا وَتحرم، وَتَوَلَّى الْمَمْلُوك تَنْفِيقِ عروضها بانشراح صَدره، وعَلى قدره، فَوَقَعت الْموقع الَّذِي لم يقعه سواهَا، فَأَما الْخَيل فَأكْرم مثواها، وَجعلت جنَّات الصون مأواها، وَلَو كُسِيت الرّبيع الزهر حللا، وأوردت فِي نهر المجرة علا ونهلا، وقلدت النُّجُوم العواتم حلا، ومسحت أعطافها بمنديل النسيم، وألحفت بأردية الصَّباح الوسيم، وافترشت لمرابطها الحشايا، وأقضمت حبات الْقُلُوب بالعصايا، لَكَانَ بعض مَا يجب لحقها الَّذِي لَا يجْحَد فَضله، وَلَا يحتجب، وَمَا عَداهَا من الرَّقِيق والفتيان، رُعَاة ذَلِك الْفَرِيق، يكتنفه الِاسْتِحْسَان، ولطنب الِاعْتِقَاد وَإِن قصر اللِّسَان، تولى الله تِلْكَ الْخلَافَة بالشكر الَّذِي يحْسب العطا، وَالْحِفْظ الَّذِي يسبل الغطا، والصنع الَّذِي ييسر من مطى الآمال الامتطا. وَأما مَا يخْتَص بالمملوك فقد خصّه بقبوله تبركا بِتِلْكَ الْمَقَاصِد الَّتِي سددها الدّين وعددها الْفضل الْمُبين، وَأنْشد الْخلَافَة الَّتِي راق من مجدها الجبين:
(قلدتني بفوائد أخرجتها من ... بَحر جودك وَهُوَ ملتطم البثج)

(ورعيت نسبتها فَإِن سبيكة ... مِمَّا يلائم لَوْنهَا قطع السبج)

والمملوك بِهَذَا الْبَاب النصري أعزه الله، مَا أنسى الْأَجَل على قدم خدمه، وقائم بشكر منَّة لكم ونعمه، وحاضر فِي جملَة الْأَوْلِيَاء بدعائه وحبه، ويتوسل فِي بَقَاء أيامكم، [وَنصر أعلامكم] إِلَى ربه، وَإِن بعد بجسمه فَلم يبعد بِقَلْبِه. وَالسَّلَام الْكَرِيم الطّيب الْبر العميم يَخُصهَا دَائِما مُتَّصِلا، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
(2/155)

وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ أَبَا عبد الله بن عمر التّونسِيّ
سَيِّدي الَّذِي عَهده لَا ينسى، وَذكره يصبح فِي ترديده (بالجميل) ويمسي أبقاكم الله [تجلوه] من السَّعَادَة شمسا وتصرفون فِي طَاعَته لِسَانا فَردا وبنانا خمْسا. وصلني كتابكُمْ الْأَشْعَث الأغبر، ومقتضبكم الَّذِي أضفاثه لَا تعْتَبر شاهدة بِعَدَمِ الاعتنا أوضاعه، مَعْدُوما إمتاعه، قَصِيرا فِي التَّعْرِيف بِالْحَال المتشوف إِلَيْهَا بَاعه متضمنا الإحالة على حلى من مَعْنَاهَا، غير متلبس بموحدها وَلَا مثناها. سَأَلته كَمَا يسْأَل الْمَرِيض عَمَّا عِنْد الطَّبِيب، ويحرص الحبيب على تعرف أَحْوَال الحبيب، يذكر أَنه لم يتَحَمَّل غير تِلْكَ السحاة المفنية فِي الِاخْتِصَار، المجمعة بخطى الإسماع والإبصار، فهممت بالعتب على الْبُخْل بالكتب، ثمَّ عذرت سَيِّدي بِمَا [يعْتَذر بِهِ] مثله من شواغل تطرق، وخواطر تُومِضْ وتبرق، وَإِذا كَانَ آمنا سربه، مهنأ شربه، فَهُوَ الأمل، ونقيع هَذَا الْمُجْمل، وَإِن كَانَ التَّفْسِير هُوَ الْأَكْمَل، وَمَا تمّ مَا يعْمل ووده فِي كل حَال وده، وَالله بالتوفيق يمده، وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ الشَّيْخ الْفَقِيه الْخَطِيب أَبَا عبد الله بن مَرْزُوق وَقد بَلغنِي إيابه من زِيَارَة الصلحاء بريف باريس ضجرا لحمل الدولة متراوغا عَنْهَا
سَيِّدي أبقاك الله، تعرج على البقع المزورة ركاب الْجَلالَة، وتورث مراقى الْمَقَابِر لَا عَن كَلَالَة، وتتبجج فِي صميم الْعَمَل الصَّالح بَين السّلف والسلالة.
(2/156)

كَانَت لي آمال أرى لقاك أجلهَا وعمدة الاشتهار الْأَيَّام وأدرجتها، وَعَفا رسمها لما نسجتها، وَالدُّنْيَا حَلُوب خلوب، ومغالب الْقدر مغلوب، وبيد الله أَفْئِدَة وَقُلُوب، وَإِن ساءت ظنون، فثم الْكَاف وَالنُّون، ومؤلف الضَّب وَالنُّون، وَمَا الدَّهْر إِلَّا منجنون أرضانا الله بمصارف الْقدر، وعوضنا مِنْهُ بالحظ المبتدر، وفرغنا للورد الْبعيد والصدر، فَأَنا الْيَوْم لَا آمل إِلَّا لقاءك الَّذِي هُوَ الْحَظ، وَإِن فتك الزَّمن الْفظ، وللنصير لما سَاءَ الْمصير، والكهف لما عظم اللهف، وَكَيف لَا [ورعبك] استخرج من الرَّكية، وَسمع على الْبعد صَوت الشكية، وجودك أعطا وأمطا، وجادك فرش وغطا، فَإِن ذوت أَغْصَان الصَّنَائِع، فلقح جحود، وأصبحت الْأَيَّام الْبيض من الغمد فِي لحود، وأغصان صنائعك قبلنَا قد زهت بحبها وأبها، وحيتها نواسم الْقبُول من مهبها، وأياديك لَدَى أَحيَاء عِنْد رَبهَا، نَسْأَلهُ جلت قدرته الْقَدِيمَة، ووسعت كل شَيْء رَحمته الَّتِي هَمت مِنْهَا الديمة، أَن يجعك جَاهِل فِي الشُّمُول جنس الْأَجْنَاس، وربعك ميدان جِيَاد السرُور والإيناس، ويعصمك يَا مُحَمَّد الْحَمد من النَّاس، وَيجْعَل سعيك مشكورا، وفخرك مَذْكُورا، وقصدك مأجورا، وبابك لَا غفلا وَلَا مَهْجُورًا، ومقامك حجا عَن النوائب مَحْجُورا. وَإِنِّي لما طرق النبأ بوجهتك فِي سَبِيل الْبر والفضائل الغر، وتجدد عَهْدك بِزِيَادَة أولى الْفَضَائِل الباهرة الْآيَة، والمشايخ أشباه سلفك فِي تعدد الْولَايَة، قلت هَذَا حنين لفصيله، وجذب عَن أَسبَاب اصليه، وتحويم على شَرِيعَة ومقدمة أبوة سريعة. مهلا مهلا، فَلم يدع الْعلم جهلا، وَأهلا بمقامك الَّذِي
(2/157)

أقامك الله فِيهِ وسهلا، وَلَو زرت طيفورا أَو سهلا، كف الأكف العادية، وَبث المراشد الرايحة والغادية، وَخِلَافَة الْهِدَايَة الهادية، وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم حجَّة بادية، وَمن وَاقع فَليدع نَادِيه، وَللَّه در رَابِعَة، وَقد شغلت بالحي عَن الْمَيِّت، وبالمشكاة عَن الزَّيْت، فَقَالَت النَّاس يطوفون بِالْبَيْتِ وَإِن [شوق] ارتياض ومران، وَكَاد يلفي بمعطن التَّجْرِيد خوان فَلَيْسَ يحمد قبل النَّضْح بحران، وَعلم السياسة قلب، وود إخْوَان الخوان بارقة خلب، وَفرع دوحتك الَّذِي فِي هضبة الْمِنْبَر الإمامي قد غرسته، وديوان النشأة الطاهرة قد درسته، تعاهده بِالْكَفَالَةِ حَتَّى يشبح، ويرقب دوحه وينتسج، وَلَا توحش منابعه الْمُبَارَكَة بأغباب شمسك، ومتعه وأخويك، بنعيم ملكك، إِذا لَا قدمة لنَفسك، على رد أمسك، وَإِذا ذكر الْقدر فَأمْسك، وَهوى مماليك سَيِّدي، أَن لَا يَقع تعويض، وَلَا يعْدم للمدبر الْحَكِيم تَسْلِيم وتفويض. فَالَّذِي دبره فِي الأحشاء، وَحكم فِي صورته الْحَسَنَة، يَد الْإِنْشَاء، حَيْثُ لَا سَبَب يعْمل، وَلَا فكر فِيمَا يلقى، وَلَا فِيمَا يعْمل، وَلَا حِيلَة بِحكم الْقُوَّة العاجزة وَاللِّسَان الأبكم هُوَ الْكَفِيل لَك بِحِفْظ المنصب، وصون الجناب المخصب، حَتَّى نستوفي عمر: [النِّهَايَة حلْس] وِسَادك فائزا بنعيم الدَّار على رغم حسادك، وتطرب إِذا قرعت المنابر المفضلة، عصيات حفدتك وأولادك، تَحت كفالتك وإرفادك. وسيدي شيخ زَاوِيَة الْخلَافَة، فَلَا أقفر مِنْهُ مِحْرَابهَا، وَلَا أغفلت من غرر صنائعه الْبيض عرابها، وَلَا استوحش من حسام رَأْيه السديد قرابها. وعندما ورد البشير بِرُجُوع نفرك الْأَعْظَم إِلَى بَيت شرفه، واستحثاث بريد الْخلَافَة ركاب مُنْصَرفه، قلت اللَّهُمَّ اكْتُبْ خطاه وأجره، واربح فِي مُعَاملَة أوليائك تجره، وغبطه بعد بالْمقَام فِي الْمقَام الَّذِي فِيهِ أفمته، وأرغمت
(2/158)


الْبَاطِل ووقمته، وهنه الإياب الَّذِي أزحت بِهِ الارتياب، وَالْقَبُول الَّذِي كفيت بِهِ آمالنا الأفول وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مِمَّا خاطبت بِهِ أحد الجلة بِمَا نَصه:
أبقى الله أَيَّام الْمجْلس العلمي العملي، يانعة بِالْفَضْلِ أدواحه، مؤيدة بِروح الله أرواحه، وَلَا زَالَ نور علمه مشرقا صباحه ونسيم ثنائه شهرا غدوه، وشهرا رَوَاحه، بِمَا أثنى على شمائله الَّتِي لَو كَانَت الشَّمَائِل أفكارا، لكَانَتْ حجازا، أَو كَانَت ألفاظا، لكَانَتْ حَقِيقَة لَا مجَازًا، أَكَانَت مواعيد، لكَانَتْ إنجازا، أَو كَانَت آيَات، لكَانَتْ إعجازا، أَو أكافىء بعض فضائله الَّتِي لَو كَانَت غيثا مَا خص بَلَدا، أَو شَفَقَة مَا، أثرت أَهلا وَلَا ولدا، أَو قُوَّة نفسانية، لشعرت النُّفُوس بِمَا تكسب غَدا، أَو أراجع بَيَانه الَّذِي إمداده فلكي وإلهامه ملكي، إِلَّا لَو أَنِّي استعرت لمحة من بلاغته الَّتِي بِحَق مَا كَانَت لَهَا المنابر مَوْضُوعَة، والخواطر فِي بيُوت أذن الله أَن ترفع مَجْمُوعَة، والمبادرة إِلَى التمَاس بركتها مَشْرُوعَة، والأكف فِي أعقابها للاستسقاء بسحابها مَرْفُوعَة. فلعمري لقد كنت أوفى حَقًا، وأشيم من أفق الرِّضَا عَن نَفسِي برقا، لَكِن حسبي نِيَّة أبلغ من الْعَمَل، وعزم مول وَجهه شطر بُلُوغ هَذَا الأمل. وَلم تزل ترد من لدن الْمجْلس العلمي نواسم قدس، وتحييني من تلقائه مباسم أنس حظرت على بُلُوغ الخواطر، فَعَاشَتْ، وتجلت لجبال الْوُجُود فتلاشت، وطش وبلها بساحات الْعُقُول فطاشت. وَمن لخطاب الْمجْلس العالي بمواد تلِيق بصوره، أَو لبات تحمل بذوره، أَو وُجُوه يرضاها الْحق لغرره، أَو افهام تقبض أيديها قَبْضَة من أَثَره. فلولا أَن الْعدْل من شيمه، وَالْمجد من خيمه، وَالْفضل من ديمه، مَا كَانَ من حَقي أَن ألوذ بِغَيْر
(2/159)

الْقُصُور، وَمن لي بمساورة الْأسد الهصور، ومقابلة الْعلم الْمَنْصُور، على أَنِّي أَقف على شكر الْمجْلس لِسَانا لَو ملكت غَيره لوقفته، وَأنْفق على حَمده بَيَانا لَو ظَفرت يَدي بِأَعْلَى مِنْهُ لأنفقته، وَأنْفق فِي الثنا عَلَيْهِ سَببا لَوْلَا اعتمادى يعلى إغصائه مَا لفقته، وَإِذا كَانَ الْعذر لَا يلتبس طَرِيقه، ظهر بِالْقبُولِ فريقه، وساغ للخجل رِيقه. وليعلم سَيِّدي أَن مشرفته وَجههَا إِلَى الْأَمِير أبي الْحسن أثيره صُحْبَة هَدِيَّة تشْتَمل على فذلكة الطّيب. وفلذات الْعود الرطيب، فعجبت من انتماء ذَلِك الأرج حسا وَمعنى إِلَى دارينه، وتذكرت قَوْلهم، عَن الْمَرْء لَا تسل، وسل عَن قرينه. وَقد كَانَ عِنْدِي أثيرا، فَهُوَ الْيَوْم لوصاتكم فلك أثير ومحترما، وَإِن رعيه الْيَوْم لكثير، فَمن أدّى عني بعض بركم، فَكَأَنَّمَا حمل عني فرضا، وَأحسن قرضا، وَعرض على الآمال عرضا، وَقَالَ خُذ حَتَّى ترْضى، وسيدي يسمح فِيمَا حمل عَلَيْهِ الإدلال من جَوَابه وَيجْعَل إغضاء مثابته حَسْبَمَا يلْتَمس من ثَوَابه، فَلَا يخفى عَن عين فَضله مَا منيت بِهِ من شغل متشغب، ومرام للْخدمَة متصعب، بِحَيْثُ يشغلني عَن شأني، ويضايق فِي خطرة الذّكر نامور جناني، فلولا أَنِّي اختلست هَذِه النفثة فِي كَفه، ونسجت لمصليها موقعا فِي صفه، لما وجدت إِلَى بعثها سَبِيلا، وَلَا ألفيت لأملي الضاحي فِي كنف الْمُرَاجَعَة مقيلا. وَالله تَعَالَى يضفي للمجلس العلمي، موارد عرفانه، ويحفظ مِنْهُ على هَذَا الْوُجُود إِنْسَان عينه وَعين إنسانه وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك ماخاطبت بِهِ الْوَزير المتغلب على الدولة بالمغرب فراجعني صَاحب الْعَلامَة، فَكتبت إِلَيْهِ
أبقى الله سَيِّدي للعشى والنوابغ، وَالْحكم البوالغ، وَالنعَم السوابغ، وَلَا زَالَ
(2/160)

يَنُوب عَن أنس الْعِزّ، فَيحسن المناب، ويحمى خوزة الْمجد فيصون الجناب، وَثَبت لَهُ الضرائر النابتة فيرفع بالعذر مَا نَاب، وَلَا زَالَت مَنَابِر بلاغته للكرامات العمرية مظْهرا ومناسك مبراته لحاج الْحَمد وَالشُّكْر حجا ومعتمرا، وَلَا بَرحت أقلامه تأسو الْكَلَام، وَتَنصر الْأَخ كَانَ الظَّالِم على تَأْوِيله أَو الظلوم، وتنشر الْعُلُوم والحلوم، وفقت من الْمُرَاجَعَة الوزارية بِخَط الْيَد الْبَيْضَاء، المستمدة من جيب الْحلم والإغضاء، المقلمة الظفر مَعَ المضاء، الصادعة بِحجَّة سر الِاخْتِيَار والارتضاء فِي غيب الْقَضَاء، ساكبة غمام الرحمات على الرمضاء، فَقلت اللَّهُمَّ بَارك لذِي الْخلق الْحسن فِيمَا وهبت، وأمتعهم مِنْهَا بِمَا قضيت وَمَا كتبت، فنعمت الحضة الصَّادِر بهَا منشور أَمرك لزيدك وعمرك، صفة أنبيائك، وأجياد عُقُود ثنائك، وإمارات اختصاصك، فِي عَالم الْغَيْب واعتنائك. مَا الَّذِي اشْتَمَل عَلَيْهِ ذَلِك الْمَكْتُوب، وَالْعلم الْمَوْهُوب، من أسرار وَخلق أبرار، وأحلا غطى على أمرار، وتنبيه بِحكم انجرار، واعتدال دَار فلكه على قطب دَار قَرَار. فَللَّه تِلْكَ الذَّات العمرية، مَا ألطف شمائلها، وأورف خصائلها، لعمري إِن السعد لمتوليها، ومظهر ثأرها بِفضل الله ومعليها، زَادهَا الله من فَضله أضعافا، وَلَا قطع عَنْهَا إسعادا وإسعافا، وَجعل سِنَان نصرها رعافا، وقوى ضدها موتا زعافا، وشيمة مجدها عدلا وإنصافا، وتخلقا بالجميل واتصافا، غير أَن النَّفس كالصبى والغلام الغبي، إِذا تسومح فِي زَجره وأدبه، جرى من التَّمَادِي على مذْهبه، فشرهها كثير، ولجاجها لنكير الْحق مثير. جعلنَا الله مِمَّن شدّ خطامها، وَأحكم عَن رضَاع ثدي العوائد فطامها، طمحت للمراجعة فِي عنان الهور، ومشت قطوفا بَين مهاوي العور، فَقلت وبماذا يُجيب من انْقَطع، وَكَيف بلبل الشَّك وَالْحق قد سَطَعَ، إِذْ كَانَ خيالك لليلى الأخيلية، فقد قطع حجاج الْحجَّة لِسَانه، بِأَن أَفَاضَ عَلَيْهِ إحسانه، وَإِن كَانَ
(2/161)

جفاؤك اخْتِيَارا، فقد أظهر مُعَاوِيَة الْحلم شَأْنه وَمَا عابه ذَلِك. مَا كَانَ أَبُو سُفْيَان يَبْغِي مِنْهَا وَلَا شَأْنه وَرَاءَك، قبح الله افتراءك، أَنا علمت أَن الطماح من سيء الْأَخْلَاق، وَأَن كَثْرَة المجاوية مِفْتَاح الطَّلَاق، هبك صمت وَقلت وَجَبت وجلت وجزيت وبلت، مَا الْفَائِدَة، وَبَعض الصّديق كالأصبع الزَّائِدَة، وَلما أعيتني مداراتها عَاقبَتهَا على بعض الْفُصُول، وركضتها خطوَات على سَبِيل الفضول، وسامحتها فِي الْجَواب عَن فصلين، إقناعا لطماعها، واستدفاعا لجماحها، لَا وَالله بل لجماجها، أَحدهَا إِنْكَار توهم الْوَرع وزوره المخترع، فِيمَا يخْتَص بِجِهَة الْمُجيب وَالْكَاتِب، والمعتب أبقاه الله والعاتب، وحسبك من مُرَاجعَة نَكِير فِي وَجه الْوَرع بزخرفها المخترع، هَذَا والورع من المقامات السّنيَّة، والنازل الَّتِي يسري بهَا السالك إِلَى رب هَذِه البلية، الْمَسْأَلَة الأولى الْعَزْم على التَّجَافِي عَن أنعام الْوَزير ورفده الغزير، إِذا حط بِبَاب الرحل، وارتبط الْفَحْل، وَحفظ الْأَزَل وَالْمحل، فَأَنا أستقبل من تِلْكَ الخطة الصعبة مشهدا، وَأمر عَن تِلْكَ الخطة مُجْتَهدا، وأنسب تِلْكَ الْحَال الغالية بَين بيوى الفئة الْمُطَالبَة، وَللَّه در الْقَائِل:
(دَعَوْت عَلَيْك لما عيل صبري ... وقلبي قَائِل يَا رب لالا)

وَالثَّانِي الإنحاء على رفد بني زيان بِكَوْنِهِ حَرَامًا، ومغرما يجر غراما، ويورد ضراما، والاستعادة من إرفاد يتَحَمَّل الْمُشبه، أَو مصارفة تقبل الشبة، وَنحن فِي هَذَا الْقطر نَأْكُل البقل، وَلَا نسل عَن المبقلة، ونتحمل النَّقْل وَلَا نَنْظُر من نَقله، وللضرائر فِي الشَّرْع أَحْكَام تبيح غير الدكى، ومقاصد لَا تخفى على الدكى. وَهَذَا الْعذر مِمَّا ظهر انحلال أوأخيه، فَإِن ضَاقَ عَنَّا طيفور الْحَلَال رَضِينَا بأَخيه، وَالْحرَام إِذا تحيز وَتعين، فمصرفه فِي الْجِهَاد وَالصَّدَََقَة على مَا تبين، وَهَذِه حجَّة يشفق مِنْهَا الْخصم على خَصمه، ويسامحه إِقَامَة لرسمه. وَبِالْجُمْلَةِ فَنحْن بِهَذَا الْيَد إِلَى من بِيَدِهِ النوال الْغمر، وَله الْخلق وَالْأَمر، أَن
(2/162)

يُعِيد الْأَحْوَال إِلَى معتادها أمنا وصلاحا وشفاء للصدور بتمهيد الْإِسْلَام وانشراحا. وَقد رضيناه بالأعذار، نمتك عظامها، والآمال نلمس أوضامها، والإعانة نشكر حلالها وحرامها. وَلَوْلَا الْأَدَب لقمنا وَلم نبل بالإصابة من غيرَة الْإِصَابَة، اللَّهُمَّ أَن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة، حَال الجريض دون القريض، وضاق الْوَقْت عَن التَّعْرِيض، عَدو مجاور، وتنين مساور، ومادة ناصبة، وتفوس يقرعها الْحق فترتد مغاضبة، وَسَائِر الْفُصُول، أبقى الله سَيِّدي بَين عُمُوم وخصوص، ومخرج ومنصوص، قد وَسعه التَّسْلِيم، وَسمع الشُّكْر عَلَيْهِ السَّمِيع الْعَلِيم. والمسؤول من سَيِّدي أَن يجيل اللِّسَان الرطب، فِي شكر تِلْكَ الوزارة، نَائِبا عَن صَنِيعَة خلالها، ولسان ثنائها، ومستدعى فضل الله لَهَا ولأبنائها، بِمَا أحسن بَيَانه المناب عَن فُصُول اعتنائها، فَهُوَ الملي بِمثل هَذَا الْمطلب الْعَزِيز، وَجَائِز الْوَقْت فِي التبريز بِمثل هَذَا الإبريز. وَمِمَّا يجب عَلَيْهِ التَّنْبِيه، ويطرب بِهِ الْمحل الوزارى النبيه، إِذْ كَانَ الْمَمْلُوك قد اسْتقْرض للجبل رفد طَعَام، فَاسْتعْمل النّظر فِيهِ وخد نعام، من الْحَيَوَان الْغَرِيب الصُّور. الهضوم الزُّور، رزاة الْحمير، وصواعق المطامير، وهضمة الْحَدِيد وبلعة المسامير، كَمَا شَككت أَن لفظ الطَّعَام طرقه التَّصْحِيف أَو التحريف، فتنكر من مَقْصُود التَّعْرِيف وَكَثِيرًا مَا بليت بِهِ الطا، وأبلى ظهرهَا ذَلِك الأمطاء. قَالَ الشَّاعِر:
(هن المطايا عوضت من طابها ... يَوْم النَّوَى نونا لكل عميد)

فَإِن كَانَ الْجَزَاء مَقْصُودا سلمنَا، وَإِن كَانَ غير ذَلِك فقد نبهنا وتكلمنا، وعرفنا وَأَعْلَمنَا، وَلَا تستوي الْحَسَنَة وَلَا السَّيئَة، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن، نَسْتَغْفِر الله مَا ثمَّ إِلَّا نعم ونعام، وخيل وإنعام، وَنصر إِن شَاءَ الله وَطَعَام، وَإِن مطل شهر وعام، ووزارة وسع مِنْهَا الكنف، وارتفع الحيف، تُؤْخَذ الدُّيُون على وعدها، وتهدد الخطوب بسعدها، وَالصَّبْر ضمين الظفر، وَلَا ييأس من روح الله إِلَّا من
(2/163)

كفر، وَالله عز وَجل يبقيه علما ساميا، وغماما للفضل هاميا، وَيجْعَل سعده ناميا، وَحده من ثعر المحمد فِي سَبِيل الْمجد وَالْخَيْر دَائِما. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ قَاضِي الْقُضَاة بِمصْر حَسْبَمَا يظْهر من الْغَرَض
أبقى الله أَيَّام الْمجْلس العلمي القاضوي السيادي وجانبه بالتعظيم مُعْتَمد، وفسحة سعده لَيْسَ لَهَا حد وَلَا أمد، وساحة سروره لَا يعين عَلَيْهَا كمد، ومورد فَضله غمر لَا ثَمد، وَلَا زَالَ عين الْإِسْلَام الَّتِي لَا يشوبها مرض وَلَا يُصِيبهَا رمد، ودام فسطاط الْإِسْلَام ثقله من عناية الله على عمد. مَا الَّذِي يفاتح بِهِ الْمَمْلُوك مجْلِس قَاضِي الْقُضَاة وَهُوَ الأوج، والمثابة الَّتِي يتزاحم فِي استلامها الفوج وَالْبَحْر الَّذِي أبحاثه هِيَ الموج، والديوان الَّذِي عجز عَن حصر أَسبَاب مجده الْفَرد وَالزَّوْج. تالله لَو أمد لساني طبع الْفَاضِل البيساني، بل المدد الحساني، لَا بل الْعقل الإنساني، لتوقعت خمول شاني، وأنفت لدسته الْعَرَبِيّ من لغط حبشاني، وخشيت لهول الهيبة أَن يَغْشَانِي فلج مِقْدَاره، وَإِن رغم الشاني، لَا يتعاطاه مثل هَذَا الشاني، فَكيف مَعَ الْقُصُور، والأمد المحصور، بمساورة الْأسد الهصور، وموافقة الْعلم الْمَنْصُور، وأنى للمغربي بعنصر النُّور. وَمن يسبح بعد فَور التَّنور، لَكِن فضل الْمجْلس العالي للمقصرين شَفِيع، وَإِن اتضع قدر المنشور على خطابه، فَعلمه رفيع، والمتطفل قل أَن يخيبه فِي بَاب مثله صَنِيع، والمستفيد بحرمه، قد كنفه جناب وسيع والموارد يقتحمها العير والجواد، والمسارح الْكَرِيمَة، يقصدها الرواد، والكعبة يعج إِلَيْهَا من الْبِلَاد السوَاد، فَلَو تنخل المستأهل من غَيره أَو عومل
(2/164)

السَّائِل على مِقْدَار سيره وبركته وخيره، لَكَانَ المطرود أَكثر مِمَّن يصلح لَهُ الْوُرُود، ونقع غَلَّته البرود. لَكِن الرَّحْمَة تَشْمَل، والضعيف لَا يهمل، والإغضاء أجمل. وَإِن الْمَمْلُوك مَا زَالَ يتلَقَّى من محامد الْمجْلس العلمي، نوافج طيب ونوافح روض رطيب، وملامح بشر تذْهب بِمَا للزمن من تقطيب، ونقمات مطيل فِي النَّعيم مُطيب، وتعشق النُّفُوس لَيْسَ بمقصور على مُشَاهدَة طرف، وَلَا مُبَاشرَة حسن وَلَا ظرف، أَو شم عرف، وَالْعدْل يمْنَع أَن تقَابل هَذِه الْحجَّة بِصَرْف، أَو يعبد الله فِي إنكارها على حزف. فَمن الْمَشْهُور، والذائع بَين الْجُمْهُور:
(يَا قوم عَيْني لبَعض الْحَيّ عاشقة ... وَالْأُذن تعشق قبل الْعين أَحْيَانًا)

وَقَوله: وعشق الْفَتى بِالسَّمْعِ مرتبَة أُخْرَى. .
وَلَيْسَ فِي هَذِه الدَّعْوَى عناد، وَلها استناد إِلَى قَوْله، الْأَرْوَاح أجناد، فَلَو تركني الدَّهْر وَمَا أسر من التَّشَيُّع لمثابته للبيت دَاعِي شوقي بإجابته، وَإِن تجاسرت على خرق حجاب مهابته، شَأْن المحبين كلما خَانَهُمْ الصَّبْر، وَلم يتل مواجد كلومهم السبر، لكنه سد المسالك، فاستنبنا الْمَالِك، وأساء الماكد، فاستعدينا عَلَيْهِ الْمَالِك، وَبعثت سبحاتي هَذِه، متوسلة بوسيلة الْحبّ الصَّرِيح، عادلة عَن التَّعْرِيض إِلَى التَّصْرِيح، والبوح المريح، تلطفه فِي المثول بِبَاب إيوانه، والاستشراف على شعب بوانه، مُتَعَلقَة بأردان أَصْغَر أعوانه، فأرجو أَن تبلغ النِّيَّة هديها إِلَى مَحَله، وتفديها سَعَادَة الْجد على مَحَله. والمرغوب من تِلْكَ المثابة الَّتِي تعشو إِلَى نورها الْعُيُون، وتقضى من صدقَات طولهَا الدُّيُون، أَن تحسب هَذَا الْمُحب المادح، مِمَّن سعد بحبه، وَصدق مِنْهُ التوسل فِي لِقَائِه إِلَى
(2/165)

ربه، وَأَن يَنْتَظِم فِي ذَوي ولايه، وشيعة علايه، فَإِن قضي اللِّقَاء حصل الْكَمَال، واستوفيت الآمال، وتضافرت النيات والأعمال، وارتفع عَن سوء الْقَصْد الإهمال، وَإِن كَانَ غير ذَلِك نَفَعت النِّيَّة، وللذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ المزية. وَلما تحققت من مَكَارِم السَّيِّد الْعِمَاد قَاضِي الْقُضَاة، أبقاه الله، أَن يلْتَمس مَا فِي يَدَيْهِ أحظى المتوسلين إِلَيْهِ، افتتحت تعريضي بسؤاله، ومددت يَدي إِلَى نواله، ورغبت مِنْهُ أَن يسم مغفلا، وَيفتح إِلَى الْعِنَايَة بَابا مقفلا، وَيَأْذَن فِي الرِّوَايَة عَن مقَامه المخدوم، بَين الْوِفَادَة على مَحَله والقدوم، وإيجاد الشّرف الْمَعْدُوم لصرحا ملكته، ونسبا عبوديته، وكغلاء ظلاله، ونبهاء مباسم خلاله، أَوْلَاد مُوجب حَقه المحتوم، ومعظم مقَامه الْمَعْلُوم، وهم فلَان وَفُلَان، مطوفا نعْمَته، لإسعاف من يعرف قدرهَا الْعلي فِي الأقدار، ويرقى الْأَهِلّة بإمدادها إِلَى مَرَاتِب الأبدار، وَهُوَ الْكَفِيل بإجابة السَّائِل، وإحساب الْعَامِل، وَللَّه در الْقَائِل:
(وَلم يممتهم فِي الْحَشْر تجدّد ... لَا عطوك الَّذِي صلوا وصاموا)

والمملوك يطالع الْعُلُوم الشَّرِيفَة بَين جلال تنبض، وهيبة أسودها تربض، وإدلال عروقه تنبض، أَنه وَجه إِلَى تِلْكَ الْمحَال الشَّرِيفَة بهرجا زائفا، ومترقبا خَائفًا، مِمَّا صدر عَن طبع قَاصِر، ووطن دَار بنطاقه لِلْعَدو حاصر، وَلَيْسَ إِلَّا الله نَاصِر، فَإِن أحظاه الْجد بالمثول بناديه، وضفت على طارقه الضاحي ظلال أياديه، والمسئول من شفقته الإغضا عَن معترف، والتجاوز عَن خطل زمن خرف، ويشكر الله الَّذِي كمله، إِذا وقف على النَّقْص وتأمله، ويخفض الْجنَاح لمن أمله، ويعامل بالشفقة من أم لَهُ، وَمن لَهُ، بالوصول إِلَى مجْلِس الْملك، وَإِلَى الله تجلته، كَمَا أعز بنظره مِلَّته، إِنَّمَا هُوَ فرض يفْرض، وآمال على النَّفس تعرض. ونسل الله لمثابة الْمجْلس العالي بقا يمتع الْمُسلمين بمواهب الْعدْل الْمَشْهُور، وَالدّين تجلت شمسه فِي مظَاهر الظُّهُور، وَالْعلم الَّذِي يجلو غياهب
(2/166)

الديجور، والمتكفل من الله بإنماء الأجور، وَالسَّلَام الْكَرِيم، الطّيب العميم، يعْتَمد سَيِّدي عودا على بَدْء، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. من خَاطب شرف وداده، وملتمس مواهب الله فِي إعانته وسداده، فلَان.
وَمن ذَلِك فِي هَذَا الْغَرَض
مِمَّا خاطبت بِهِ أحد الْفُضَلَاء بِمَا نَصه، وَهُوَ أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن عبد الله بن ولى الله يَعْقُوب البادسي رَحمَه الله.
(حفيد ولى الله ذِي الرُّتْبَة الْعليا ... وَمن نَالَ فِي الْأُخْرَى السمو وَفِي الدُّنْيَا)

(أعدت لي الْأَيَّام سهلا ومرحبا ... وأحييت أنسي بعد مَا مَاتَ يَا يحيا)

(وَمَا كنت إِلَّا ظاميا لَك ضاحيا ... فأنشأت لي ظلا وأعذبت لي سقيا)

(وسوغت لي الْفضل الَّذِي أَنْت أَهله ... وَلم تبْق فِي التسويغ شرطا وَلَا ثنيا)

(إِذا مَا أجلت الْفِكر فِي فضلك الَّذِي ... يسلم فِيهِ للْبَيَان إِذا أعيا)

(أَقُول سقى باديس منسجم الحيا ... وأوسع رعى الله أرجاءها رعيا)

(وحاكت لَهَا كف السحائب حلَّة ... ترى مَذْهَب النوار فِي جيدها حليا)

( [لمغنى] أبي يَعْقُوب رهن ضريحه ... يحِق لأجل الله أَن نعمل السعيا)

(غياث من استعدى وَنور من اهْتَدَى ... وملجأ من أذته داهية دهيا)

(جعلتك يَا يحيى إِلَيْهِ وَسِيلَة عَلَيْهَا ... اعْتِمَاد فِي الْمَمَات وَفِي الْمحيا)

مَا كنت أَيهَا الْوَارِث، والحسام الفارث، أَظن الدَّهْر يبْقى مَوضِع صلح، وَلَا اللَّيَالِي تسمح بصبح، وَلَا الزَّمن يرجع عَن تفويق سهم واشراع رمح،
(2/167)

وَلَا الْأَيَّام تسنح بالْحسنِ، مَا سفرت عَنهُ من قبح، حَتَّى ظَفرت يَدي بودك فأثرت، وقدحت زناد حظي فأورت، وشفيت الْعِلَل واستشرت، ورحلت البوس بَعْدَمَا اسْتَقَرَّتْ، رحب ساحة، وتأنق سماحة، وندى رَاحَة، ورأم جِرَاحَة، وَطيب نفس إِلَى الْفضل مرتاحة، وخواطر لَهَا فِي بَحر الْمعرفَة، أَي سباحة، فَأَنا وَللَّه الْمِنَّة رائد اغتبط فَارْتَبَطَ، ووال تحكم على الدَّهْر فَاشْترط، لَا بل عَفا عَمَّا فرط، فمذ أَفَادَ قربك قد غفرت جِنَايَته، وشكرت عنايته، وَحمل على أفْصح المحامل إفصاحه وكنايته [فقد يشم الْبَرْق ووضحت الْفرق] وَعَاد الْجمع، وارتفع الْفرق، وَحل العقال فَأمكن الغرب والشرق، وَمن الله اسل أَن يمتع بك، كَمَا وصل سَبَب وليه بسببك، ويفردك بمقامه ويشفيك وإيانا من علل الْحس وأسقامه، ويؤوينا جَمِيعًا إِلَى يقطينة رَحمته، بعد ابتلاع حوت الْوُجُود والتقامه، فَمَا هُوَ إِلَّا أَوْهَام استحكمت، ومألوفات ازدحمت، وعوائد سوء جارت إِذْ حكمت، حَتَّى إِذا شمس الْحق تجلت، حَالَتْ صبغتها واضمحلت، وَأَلْقَتْ الأَرْض مَا فِيهَا وتخلت، وأدبرت شياطينها، الَّتِي اقتضاها طينها وَوَلَّتْ، فاتسع المجال، وَذَهَبت الأوجال، وَارْتَفَعت الحجال، وحمدت سراها عِنْد الصَّباح الرِّجَال، واللطف مَعْرُوف، وَالْمعْنَى معنى، وَمَا سواهُ حُرُوف، وأواني وظروف. وَالسَّلَام على سَيِّدي، وعَلى الْأَصْحَاب كافأ الله تأنيسهم، وَشَمل بالرعي مرؤوسهم وَرَئِيسهمْ، ورو 1 ذحا بخمرة التَّحْقِيق نُفُوسهم، وأطلع لَهُم من ذواتهم، أقمارهم وشموسهم، من محبهم الرَّاغِب فِي اجْتِمَاع الشمل اللَّيْلَة بهم. فلَان. وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
(2/168)

وَمن ذَلِك مَا كتبت بِهِ إِلَى رَئِيس ديوَان الإنشاد الشريف شمس الدّين أبي عبد الله بن أبي ركب [أعزه الله تَعَالَى]

أبقى الله أَيَّام الْمجْلس العالي ظلا على العشائر والفضائل، أجمة للأسد الغر الصَّائِل، مفضضة الغدوات، مذهبَة الأصائل، من أمثالهم الَّتِي كلفت بهَا الألسن، الموثرة لما يحسن، لَوْلَا الحمقاء لخربت الدُّنْيَا، وَالَّذِي يشْرَح بِهِ هَذَا الْمُضمر، إِنَّهَا بهم تعمر، فَيعْمل الصَّائِف للشاتي، ويخلف الذَّاهِب الْآتِي، وَمن الْأَدِلَّة، والبراهين المستقلة عِنْد الجلة، مُخَاطبَة الْمَمْلُوك ذَلِك الْمجْلس العلمي مَعَ قُصُور النّسَب الَّتِي قدمت للْعُذْر وتمهد، بل مَعَ وفور مَا يرغب ويزهد، أما بِاعْتِبَار الإيالة والخلافة العباسية أصل، وَمَا سواهَا فرع، حجَّة يعضدها طبع وَشرع، وَلَا يَتَّسِع فِي ردهَا ذرع. وَأما بِاعْتِبَار الْقطر فايز الْقدَم من المفرق، وَأَيْنَ الغرب من الْمشرق، تشهد بذلك الشعار الْخمس، وَالْيَوْم والأمس، لَا بل الشَّمْس، فَهَذَا ننصب فِيهِ منصتها، وتشهر قصَّتهَا، وَهَذَا تتبلع فِيهِ فرصتها، وتجترع غصتها. وَأما بِاعْتِبَار الذوات، فَلَو لم يكن إِلَّا النّسَب الْقرشِي (لَكَانَ] مُوجبا للتقديم، مسوغا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح مزية التَّقْدِيم، فَإلَى أَيْن يذهب مُخَاطب الْمجْلس العلمي، وَقد سدت الْمذَاهب، وتباينت الْأَنْوَار والغياهب، وَالله الْوَاهِب، وَلَقَد أحس الْمَمْلُوك عِنْد تعَاطِي هَذِه الذريعة الَّتِي تزل فِيهَا الْأَقْدَام، وينتصح الْإِقْدَام، وتخل الدَّعْوَى بصاحبها. كَمَا يفعل الدام، خورا فِي الطباع، وقصرا فِي الباع، وكلالا فِي الأداة، وسهوا فِي فَرِيضَة الْبَيَان المؤداة. أما الْفِكر ففر، وَأما البراع فنحل واصفر، وَأما الطرس فخفق فُؤَاده، وَأما النَّفس فحال سوَاده،
(2/169)

مهلا عَلَيْك، وَإِلَيْك عني إِلَيْك. الْجَهْل لوم، والأوزان الْأَعْيَان حلوم، وَمَا منا إِلَّا لَهُ مقَام مَعْلُوم، ومتعدى طوره ظلوم، قد علم كل أنَاس شربهم، فليعملوا إِلَى الْإِنْصَاف مهربهم، وَلَا تجود يَد إِلَّا بِمَا تَجِد مثل مَعْرُوف، وَإِذا لم تكن إبل فمعرى، لمثل هَذَا الْغَرَض مَصْرُوف، وَرب حفيرة أَجدت، وَنَفس حر إِلَى الْموقع اللَّطِيف تهدت، وَقد أَهْدَت القبرة إِلَى سُلَيْمَان جَرَادَة، فَقبل مَا أَهْدَت، والمجلس العلمي تولى الله إطالة مدَّته، يجرى الْمَمْلُوك فِي الإدلال على مدَّته مجْرى العاطش، ورد المَاء فاقتحمه غير مبال بِمن زحمه ... . . الَّذِي وَقع على الْحَمِيم فأسام، وَمَا سَالَ وَلَا سَام، وَلَا بالي بِنَبِي حام - وسام. والمحب أمكنه الْوَصْل، فَمَا راعه النصل، وطالما قبض الْعَنَان، وزجر البنان، وَعلل بالجذع الْجنان، وَأما أَن يكون اللِّقَاء، وَيَقَع بالمشاهفة الْإِلْقَاء، ويتأتى إِلَى الْأُفق الْأَعْلَى الارتقاء، وتكبر عَن أَن تصاد العنقاء، فعرج على طلل الصَّبْر، ويمم، وَلم يجد إِلَّا الصَّعِيد فَتَيَمم، فأصدر هَذِه المفاتحة، لتمثل بِبَاب الْمجْلس العلمي حاطة رَأسهَا، رابطة بالعناء الْمُقَدّس أفراسها، مصدقة افتراضها وافتراسها، جانية غراسها، لائمة ركن الْمجد الَّذِي يشْهد بمجده الرُّكْن المستلم، والنقا وَالْعلم، والمسعى والملتزم وأريس وزمزم، مودية من الشوق الَّذِي شب عمروه مَا لَوْلَا ندا الْمجْلس العلمي لخيف تعديه، وَظُهُور مَا يكنيه زنده الواري ويبديه، وَمن الِاعْتِدَاد أصفى مَا تأزره الآمال وترتديه، وَمن التَّحِيَّة الطّيبَة [وَالْبركَة الصبية] أطيب مَا يتحفه النسيم اللدن
(2/170)

ويهديه، ومقررة أَنه بِالنَّفسِ يفْدِيه، وعَلى الشوق الحثيث يستعديه. وَكَانَ الأمل أَن يُشَاهد غرَّة السِّيَادَة من المرقب الْغَرِيب، ويقتني غرائب إفادته الَّتِي لَا غرو أَن تحن على الْغَرِيب، وَيَقْضِي الأمل بلقائه ممطول دينه، ويزيل المنافسة الَّتِي وَقعت من جراء كَمَاله بَين أذن الْمَمْلُوك وعينه، لَكِن الِاخْتِيَار لمن بِيَدِهِ المقاد، وَأَن لَا فعل لسواه هُوَ الِاعْتِقَاد، وَغير ذَلِك خطة الانتقاد. وَعَسَى أَن لَا يخيب هَذِه السحاة من لثم يَمِينه، واجتلاء نور جَبينه، فأجدر بِمن ركب الْفلك، وخاض اللجج الحلك، إِلَى بَاب من كرم انتماؤه، وزينت بنجوم الْحسب المنيف سماؤه، أَن لَا يعْدم مشفعا، وَلَا يكون قَصده مخفقا. واقرأ على الْمجْلس العلمي من طيب السَّلَام، مَا يخجل رَوْضَة الْحسن عقب المزن، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك فِي هَذَا الْغَرَض مِمَّا خاطبت بِهِ أَبَا الْقَاسِم الشريف:
(أخذت وأمواج الردى متلاطمة ... بضبعي يَا نجل الْوَصِيّ وَفَاطِمَة)

(وسكنت ريح الْخطب بعد هبوبها ... ولولاك كَانَت موجها لي حاطمة)

(وَقَامَ بأَمْري مِنْك أروع ماجد ... برد حُرُوف الدَّهْر عني راغمة)

(سللت لنصري من علاك مهندا ... كَفَفْت بِهِ كفا من الْبَغي ظالمة)

(أَبَا قَاسم لَا زلت للفضل قاسما ... ظباه لظهر الْجور وَالظُّلم قاصمة)

(سجاياك تفضى أَنَّك ابْن مُحَمَّد ... أيمجد حق وَالشَّهَادَة قَائِمَة)

(ألنت لي الدَّهْر الظلوم فَأَصْبَحت ... لياليه من بعد التعسف خادمة)

(فقد كظم الغيظ الشَّديد بعزمة ... سرت لَك من عهد العقيق وكاظمة)

(فيا ملبسي من فَضله قرشيته ... أتيح لَهَا من كَفه أَي راقمة)

(بِأَيّ لِسَان أَو بِأَيّ بلاغة أَقْْضِي ... حقوقا من فروضك لَازِمَة)

(فدم وَاحِد الْآحَاد فِي كل غِبْطَة ... وَلَا بَرحت عين الردى عَنْك نَائِمَة)
(2/171)

فِي علم سَيِّدي وذخري أَن الغايات يؤمل دركها، ويسفر عَن الْغنم وَالظفر معتركها، ويرام مفردها ومشتركها، إِلَّا مَا كَانَ من تَوْفِيَة حَقه، فَإِنَّهَا الْغَايَة الَّتِي تتْرك إِذْ لَا تدْرك، وتتعدى إِذْ لوازمها لَا تُؤدِّي، فسيان الإطالة والاختصار، والاسترسال والإقصار، فحياها الله من ذَات تحذر على عين كمالها الْعين، وأخلاق كَمَا سبك اللجين. وحسبك بمجد توارثه عَن الرَّسُول الْكَرِيم، وَلَده الْحُسَيْن. لَكِن الْمَرْء مَطْلُوب بِجهْدِهِ، وَمن عهد لزمَه الْوَفَاء بعهده. فحسبي، أبقى الله سَيِّدي، أَن أقصر عَلَيْك الثنا وَإِن كَانَ قَصِيرا، وَألقى قَمِيصه على وَجه القريحة فيرتد بَصيرًا، وأستعين الله عَلَيْهِ وأتولاه، وَكفى بِاللَّه وليا، وَكفى بِاللَّه نَصِيرًا:
(حَتَّى يعود الدَّهْر رب شَرِيعَة ... بعلاك وَالْأَيَّام أهل كتاب)

وَقد كَانَ ظَنِّي أَن مَطِيَّة الدَّهْر غير ركُوب لكل منكوب، وَمَا الْحَيَاة غير شروب لكل محروب، والأحرار فِي أَرض الله غياث، لمن نَالَ سعادته التياث، وأركان لمن نبا بِهِ مَكَان، فَالْحَمْد لله الَّذِي كذب الْقيَاس، وَبَطلَت النتيجة، وأقصرت فِي يَد الدَّعْوَى الوشيجة، وَجَرت بِالْحَقِّ الْوَسِيلَة المرعية والوليجة. وَمَا أعز هَذَا الْبَيْت الْمُتَعَلّق بأذيالك يَا كَبِير أهل الْبَيْت، النَّاجِي بسببك الوثيق، من بعد الكيت والكيت، [وأسراح الْكُمَيْت] ألادجنا أخرج من إيالة الْكفْر وفريسته استخلصت من بَين الناب وَالظفر، والآمال بعد فِي سَيِّدي، فسيحة كعلاه، والمطامع لَا تحصر، كأوصافه الْكَرِيمَة وحلاه، لله در الْقَائِل فَمَا أحلاه:
(تَمُوت مَعَ الْمَرْء حاجاته ... وَيبقى لَهُ حَاجَة مَا بقى)
(2/172)

انصرم عمر هَذِه المراحل، وكل شَيْء إِلَى تَمام، وزادت الْعشْرَة ذماما إِلَى ذمام، فَلَو أَن فلاحا، توسل إِلَيْهِ زرعه، أَو أَهله ذكره بالذمام فَرعه، لذكرت سَيِّدي بِعُود راشه، وجاه مسح من غير الخمول وَجهه، وَكَفاهُ قحة، الدَّهْر ونجهه، وحرصت على استخلاص جدة غصب سفينتها الْملك الغصاب، وَذمَّة عظمت لأَجلهَا الأوصاب، وَجل لفقدها الْمُصَاب، فَأَصْبَحت النَّفس بَهِيمَة يروعها القصاب، ومصادرة يشد عَلَيْهَا الدَّهْر الغصاب. وَإِذا أحكم سَيِّدي أَسبَاب التعاطف، سهلت ببركة جده الشَّفِيع الشَّفَاعَة، وصدرت الْعَزِيمَة النفاعة، وَعين سَعَادَة الْمَطْلُوب والطالب وَالْوَقْت والساعة، فارتفع كل، وتأتى للْمَالِك نهل وعل، وَسعد بمحالفة الركاب الْهَاشِمِي ظعن وَحل، وَالله يُعينهُ على الْعَجز الَّذِي يخْطب مثله علمه وَدينه، وشرفه الَّذِي ثبتَتْ براهينه، وينجده على العتاد الَّذِي يجده. وَمثله من سلالة خَاتم النَّبِيين من أحسن الختام، وَرفع عَن وَجه الصنيعة القتام. وَأما تمهيد جرايه أَو عقد رايه، فَلَا يُنَبه كَعْب أَو حَاتِم على من طرقها، وَاللَّيْل عاتم، وَوَاللَّه مَا أجد لَدَى أَدَاة تجلى فِي ميدان، وَلَا لى بالكفاية المرضية يدان، وَإِنَّمَا حمل يخت انسدل ستره، وَسعد امْتَدَّ بره، وشفع وتره، فَإِن هبت رِيحه من بعد الخمود، أَو نجمت مِنْهُ زهرَة بعد جفاف الْعود، فمعجزة إِلَى بركَة سَيِّدي منسوبة، وَفِي كرامات أهل بَيته محسوبة، وَإِلَّا فدهر تحرّك ثمَّ استكان، وَشَيْء رد إِلَى اصله، وَالْأَصْل بقا مَا كَانَ على مَا كَانَ. وَالله أسل أَن يديم النِّعْمَة على سَيِّدي، من شرِيف اقتعد الْفضل مَطِيَّة، وَتَهْنَأ الْكَمَال هبة من الله وعطية، ويبقيه ناجح الْأَعْمَال، مبلغ الآمال، ويقيه عين الْكَمَال، وَالسَّلَام
(2/173)

وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ الْفَاضِل أَبَا عبد الله الفشتالي بِمَا نَصه:
(من ذَا يعد فَضَائِل الفشتالي ... والدهر كَاتب أَيهَا والتالي)

(علم إِذا التمسوا الْفُنُون فَعلمه ... مرعى الْحَمِيم ونجعة المتكال)

(نَالَ الَّتِي لَا فَوْقهَا من رفْعَة ... مَا أملتها حِيلَة الْمُحْتَال)

(وَقضى قِيَاس تراثه عَن جده ... إِن الْمُقدم فِيهِ غير التال)

قَاضِي الْقُضَاة بِمَا أثنى على جلالك المرتضاه، أبقديمك الْمُوجب لتقديمك، أم ذَا بحديثك الدَّاعِي لتجمل حَدِيثك، وَكِلَاهُمَا بعد غَايَة بعد مرماها، وتحامي التسور حماها، والضالع لَا يسام سَيْفا، والمنبت لَا أَرضًا قطع، وَلَا ظهرا أبقى، وَمَا الظَّن بأصالة تعترف بهَا الْآثَار وَتشهد، وأبوة صَالِحَة كَانَت فِي غير الْحق تزهد، وَفِي نيل الِاتِّصَال بِهِ تجهد، ومعارف تقرر قَوَاعِد الْحَقَائِق وتمهد، وتهزم الشّبَه إِذا تنهد. وَقد علم الله أَن جوارك، لم يبْق على الدَّهْر جورا، ولاحت من غصني وَرقا وَلَا نورا. هَذَا وَقد زأر على أسدا، وَحمل ثورا. فقد أَصبَحت فِي ظلّ الدولة الَّتِي وقف على سَيِّدي اخْتِيَارهَا، وَأظْهر خلوص إبريزه معيارها تَحت كنف، وَعز مؤتنف، وَجوَار أبي دلف، وعَلى ثِقَة من الله خلف. وَمَا منع من انتياب مَا لَدَيْهِ من الْفَضَائِل إِلَّا رحْلَة لم يبرك بعد جملها، وَلَا فرغ عَملهَا، وأوحال حَال بيني وَبَين مسور الْبَلَد الْقَدِيم مهملها. وَلَوْلَا ذَاك لاغتبط الرائد، واقتنيت الْفَوَائِد. وَالله يُطِيل بقاه تتأكد الْقرْبَة الَّتِي تنسى بهَا الغربة، وتعظم الْوَسِيلَة الَّتِي لَا تذكر مَعهَا الْفَضِيلَة. وَأما مَا أَشَارَ بِهِ من تَقْيِيد القصيدة الَّتِي نفق سوقها استحسانه وَأنس باستظرافها إحسانه، فقد أعمل وَمَا أهمل، والقصور
(2/174)

باد إِذا تومل، والإغضاء أولى مَا أمل، فَإِنَّمَا هِيَ فكرة أخمدت نارها الْأَيَّام وغيرت آثارها اللئام وَكَانَ الْحق إجلال سَيِّدي عَن مطالعة خللها، وتنزيه رجله عَن تَقْبِيل مرتجلها، لَكِن أمره ممتثل، وأتى [من الْمجد] أَمر لَا مرد لَهُ مثل. وَالسَّلَام على سَيِّدي من مُعظم قدره، وملتزم بره ابْن الْخَطِيب وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته. وَمن ذَلِك فِي هَذَا الْغَرَض مِمَّا خاطبت بِهِ أحد الْفُضَلَاء
(تعرفت أمرا سَاءَنِي ثمَّ سرني ... وَفِي صِحَة الْأَيَّام لَا بُد من مرض)

(تعمدك المحبوب بِالذَّاتِ بَعْدَمَا ... جرى ضِدّه وَالله يَكْفِيك بالغرض)

فِي مثلهَا أبقى الله سَيِّدي يجمل الِاخْتِصَار، وَيقصر الْأَنْصَار، وتطرق الْأَبْصَار، إِذا لم يتَعَيَّن ظَالِم، وَلم يتَبَيَّن يقظ وَلَا حالم. وَإِنَّمَا هِيَ هَدِيَّة أجر، وَحَقِيقَة وصل عقب بحار هجر، وجرح جَبَّار، وَأمر لَيْسَ بِهِ اعْتِبَار، ووقيعة لم يكن فِيهَا إِلَّا غُبَار، وعثرة الْقدَم لَا تنكر، وَالله يحمد فِي كل حَال ويشكر. وَإِذا كَانَ اعْتِقَاد الْخلَافَة لم يشبه سائب، وَحسن الْولَايَة لم يعبه عائب، والراعي دائب، والجاني تائب، فَمَا هُوَ إِلَّا الدَّهْر الحسود لمن يسود. خمس بيد قَائِم سترهَا، وَرمى عَن قَوس مَا أصلحها وَالْحَمْد لله، وَلَا أوترها. إِنَّمَا بَاء بشينه، وجنا من مزِيد الْعِنَايَة، سخنة عينه. وَلَا اعْتِرَاض على قدر أعقب بحظ مبتدر، وَورد نغص يكدر، ثمَّ أنس بأكرم صدر. وحسبنا أَن نجهد الدفاع من الله والذب، وَلَا نقُول مَعَ الكظم إِلَّا مَا يُرْضِي الرب. وَإِذا تسابق أَوْلِيَاء سَيِّدي فِي مضمار، وحماية ذمار، واستباق إِلَى ندا وابتدار، بِجهْد اقتدار،
(2/175)

فَأَنا، وَلَا فَخر متناول القصبة، وَصَاحب الدّين من بَين الْعصبَة، لما بلوت من بر أوجبه الْحسب، وَالْفضل الْمَوْرُوث والمكتسب، ونصح وضح مِنْهُ الْمَذْهَب، وتنفيق رَأْي من الرِّدَاء الْمَذْهَب. هَذَا مُجمل بَيَانه عَن وَقت الْحَاجة مُؤخر، ونبذة سهر لتعجيلها يراع مسخر. وَالله يعلم مَا انطوى عَلَيْهِ لسيدي، من إِيجَاب الْحق، وَالسير من إجلاله على أوضح الطّرق. وَالسَّلَام الْكَرِيم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي مُخَاطبَة صَاحب قلم الْإِنْشَاء أبي زيد بن خلدون
ورد البشير بالإبلال، مُقَارنًا بِخَبَر الاعتلال، وتألم ذَلِك الْجلَال، فَكَانَت رَحْمَة لقِيت عذَابا، وعقبى نسخت عتابا، وذنبا من الدَّهْر أتبعه مثابا، فَالْحَمْد لله الَّذِي اقال، وَفك من الوعك العقال، وأدر من الرَّحْمَة السحائب الثقال، وَأقر الْحَال وَقد عرف الِانْتِقَال. وَهل أَنْت أعزّك الله إِلَّا عين تألمها عَزِيز، وَلها على الْجَوَارِح بِالْفَضْلِ تَمْيِيز، فَالله عز وَجل يعقب الْقُوَّة والنشاط، والتمتع والاغتباط. وَللَّه در الشَّاعِر:
(فَإِذا مَرضت وَلَا مَرضت فَإِنَّهُ ... مرض الرِّيَاح يطيب فِيهِ ثناها)

ولحين تعرفي هَذَا النبأ لم أطْعم النّوم هنيا، وَلَا اقتطعت الأمل جنيا، ولازلت بتحقيق الْأَعْمَال معنيا، حَتَّى ثَبت سَنَده، واستقام أوده. وَكثر من روايه عدده، فَكتبت أمني نَفسِي بسلامة سقتها، ومظنة مقتها، وَحفظ ثمالها، وحراسة رَأس مَالهَا، وَلَو تمثلت لي القوى الطبيعية فِي الْخَارِج لعرفت عقدي،
(2/176)

ورابها فِي سوء التَّصَرُّف نقدي، أَو نسي التَّيْسِير لعتبتها، أَو الهضبة الْمُبَارَكَة، لقررتها بنظري ورتبتها، لَكِن أَحْوَال تشذ عَن الِاسْتِطَاعَة، وَلَا تدين فِي غير سَبِيل البخت والاتفاق بِالطَّاعَةِ، فلنسل الله خير مَا لَدَيْهِ، ونتق بِهِ فِي حفظ ذَلِك الْجلَال ونتوكل عَلَيْهِ، وَقد كنت تعرفت أَن سَيِّدي، زَاد عِنْده مَوْلُود مبارك، فبادرت بِمَا يصله، فَإِن كَانَ الْخَبَر حَقًا لم يكن مني إغفال، وَإِن كَانَ منتظرا فَهُوَ فأل وَالسَّلَام.
(هَنِيئًا أَبَا الْفضل وَالرِّضَا وَأَبا زيد ... وَأمنت من بغي يخَاف وَمن كيد)

(بطالع يمن طَال فِي السعد شأوه ... فَمَا هُوَ من عمر الرِّجَال وَلَا زيد)

(وَقيد بشكر الله أنعمه الَّتِي أوابد ... هَا تأبى سوى الشُّكْر من قيد)

أَهلا بدرى الْكَاتِب وصدري المراقب، وعتبى الزَّمَان العاتب، وفكر المُشْتَرِي وَالْكَاتِب. ومرحبا بالطالع فِي أسعد الْمطَالع، والثاقب فِي أَعلَى الْمَرَاتِب وسهلا بغنى البشير، وَعزة الْأَهْل والعشير، وتاج الْفَخر الَّذِي يقصر عَنهُ كسْرَى وأزدشير. الْآن اعتضدت الْخلَّة الحضرمية بالفارس، وَأمن السارح فِي حمى الحارس، وسعدت بالنير الْكَبِير أفلاك التدمين من حلقات الْمدَارِس، وقرت بالجنى الْكَرِيم عين الْفَارِس، واحتقرت أنظار الآبلى وأبحاث ابْن الدارس، وَقيل للمشكلات طالما ألفت الْخمْرَة، وأمضت على الأذهان الإمرة، فتأهبي للغارة المبيحة لحماك، وتحيزي إِلَى فِئَة البطل المستأثر برشف لماك. وَللَّه من نصبة
(2/177)

احتفى فِيهَا المُشْتَرِي واحتفل، وَكفى الْغمر سنى ترتيبها وكفل، واختال عُطَارِد فِي حلل الجذل لَهَا ورفل، واتضحت الْحُدُود، وتهللت الْوُجُوه [وتنافست لآلىء كَانَت تؤمل الْمظهر وترجوه] وَنبهَ الْبَيْت على واجبه، وَأَشَارَ لحظ الشّرف بحاجبه، وأسرع نير التَّوْبَة فِي الأوبة، قَائِما بالاعتذار مقَام التَّوْبَة، واستأثر بالبروج المولدة، بَيت الْبَنِينَ، وتخطت خطى الْغمر رَأس الْجَوْهَر وذنب التنين، وساوى مِنْهَا بِحكم الأَصْل حذرك النَّعْل بالنعل، تَحْويل السنين، وحقق هَذَا الْمَوْلُود نير الموالد، نِسْبَة عمر الْوَالِد، فَتَجَاوز دَرَجَة الْمُبين، واقترن بعاشره السعدان اقتران الْجَسَد، وَثَبت بدقيقة من كرّ قلب الْأسد، وسرق من بَيت أعدائه، خرثى الغل والجسد، ونطقت طرق التَّيْسِير، كَمَا يفعل بَين يَدي السَّادة عِنْد الْمسير، وَسقط الشَّيْخ البهم من الدوح فِي البير، وَدفع الْمقَاتل إِلَى وبال كَبِير:
(لم لَا تنَال العلى أَو يعْقد التَّاج ... وَالْمُشْتَرِي طالع وَالشَّمْس هيلاج)

(والسعد يرْكض فِي ميدانها مرحا ... جذلان والفلك الدوار هملاج)

كَأَن بِهِ وَالله بَقِيَّة، قد انْتقل من مهد التَّقْوِيم، إِلَى النهج القويم، وَمن أريكة الذِّرَاع، إِلَى تصريف اليراع، وَمن كتد الداية، إِلَى مقَام الْهِدَايَة، والغاية المختطفة الْبِدَايَة، جعل الله وقايته عَلَيْهِ عودة، وَقسم حَسَدْته قسْمَة محرم اللَّحْم بَين منخنقة ونطيحة، ومتردية، وموقوذة، وَحفظ هلاله فِي البدار إِلَى تمه، وَبعد تمه، وَأقر عين أَبِيه فِيهِ وَأمه، غير أنني وَالله يغْفر لسيدي، بيد
(2/178)

أَنِّي رَاكِع فِي سَبِيل الشُّكْر وَسَاجِد، وَأَنا عَاتب وواجد، إِذْ كَانَ ظَنِّي أَن الْبَرِيد إِلَى بِهَذَا الْخَبَر يعْمل، وَأَن إتحافي بِهِ لَا يهمل، فانعكست الْقَضِيَّة، وَرَأَيْت الْحَال المرضية، وفضلته الْأُمُور الذاتية لَا العرضية، وَالْحكم جازم، وَأحد الْأَمريْنِ لَازم. أما عدم السوية، ويعارضه اعتنا سَببه معار، وعهدة سلم لم تدْخلهَا جِزْيَة وَلَا صغَار، أَو جهل بِمِقْدَار الْهِبَة، ويعارضه علم بِمِقْدَار الْحُقُوق، ورضا منَاف للعقوق، فَوَقع الْإِشْكَال، وَرُبمَا لطف عذر كَانَ عَلَيْهِ الاتكال. وَإِذا لم يبشر مثلى بمنيحة الله قبل تِلْكَ الذَّات السّريَّة، الخليقة بِالنعَم الْحُرِّيَّة، فَمن الَّذِي يبشر، أَو على من تعرض برهَا وينشر، وَهِي الَّتِي واصلت التفقد وبهرجت الْمُعَامَلَة وأبت أَن تنقد، وأنست الغربة، وجرحها غير مندمل، ونفست الْكُرْبَة، وجنحها على الجوانح مُشْتَمل، فَمَتَى فرض نِسْيَان الْحُقُوق لم يتأن فرض، وَلَا شهِدت بِهِ لاعلى سَمَاء وَلَا أَرض. وَإِن قصر فِيمَا يجب لسيدي عمل، لم يقصر رَجَاء وَلَا أمل، ولى فِي شرح حَمده نَاقَة وجمل، وَمِنْه جلّ وَعلا نسل أَن يرِيه قُرَّة الْعين فِي نَفسه وبنيه، وَيجْعَل أكبر عطايا الهيالج اصغر سنيه، ويقلد عوائق الْكَوَاكِب اليابانية حمائل أمانيه. وَإِن تشوف سَيِّدي لحَال وليه، فَحَمَلُوهُ طيبَة وَرَحْمَة من جناب الله صيبة، وبرق يشام، فَيُقَال حدث مَا وَرَاءَك يَا هِشَام. وَللَّه در شَيخنَا إِذْ يَقُول:
(لَا بَارك الله فِي إِن لم ... اصرف النَّفس فِي الأهم)

(وَكثر الله فِي همومي إِن ... كَانَ غير الْخَلَاص همي)

وَإِن أنعم سَيِّدي بالإلماع بِحَالهِ، وأحوال الْوَلَد الْمُبَارك، فَذَلِك من غرر إحسانه، ومنزلته فِي لحظ لحظى بِمَنْزِلَة أنسانه.
(2/179)

وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي مُخَاطبَة ابْن رضوَان
(مَرضت فأيامي لذاك مَرِيضَة ... وبرءك مقرون ببرء اعتلالها)

(فَلَا رَاع تِلْكَ الذَّات للضر رائع ... وَلَا وسمت بِالسقمِ غر خلالها)

وَردت على من فئتي الَّتِي إِلَيْهَا فِي معرك الدَّهْر أتحيز، وبفضل فَضلهَا فِي الأقدار الْمُشْتَركَة أتميز، سحاءة سرت وَسَاءَتْ، وَبَلغت من القصدين مَا شَاءَت، أطلع بهَا سَيِّدي صَنِيعَة وده من شكواه على كل عابث فِي السويداء، مُوجب اقتحام الْبَيْدَاء، مضرم نَار الشَّفَقَة فِي فؤاد لم يبْق من صبره إِلَّا الْقَلِيل، وَلَا من إفصاح لِسَانه إِلَّا الأنين والأليل، وَنوى مدت لغير ضَرُورَة يرضاها الْخَلِيل، فَلَا تسل عَن ضنين تطرقت الْيَد إِلَى رَأس مَاله، أَو عَابِد يوزع متقبل أَعماله، أَو أمل ضويق فِي فذلكة آماله، لكنني رجحت دَلِيل الْمَفْهُوم على دَلِيل الْمَنْطُوق وعاوضت الْقَوَاعِد الموحشة بالفروق، وَرَأَيْت الْحَظ يبهر وَالْحَمْد لله ويروق، وَاللَّفْظ الْحسن تُومِضْ فِي حبره للمعنى الْأَصِيل بروق، فَقلت ارْتَفع الوصب، ورد من الصِّحَّة المغتصب، وَآلَة الْحس وَالْحَرَكَة هُوَ العصب. وَإِذا أشرق سراج الْإِدْرَاك، دلّ على سَلامَة سليطه، وَالروح خليط الْبدن، والمرء بخليطه. وَمَعَ ذَلِك فبليد احتياطي لَا يقنعه إِلَّا الشَّرْح، فِيهِ يسكن الظمأ البرح، وعذرا على التَّكْلِيف فَهُوَ مَحل الِاسْتِقْصَاء والاستفسار، والإطناب والإكثار، وزند القلق فِي مثلهَا أورى، والشفق بِسوء الظَّن مغرى، وسيدي هُوَ الْعُمْدَة الَّتِي سلمت لي الْأَيَّام فِيهَا، وَقَالَت حسب آمالك ويكفيها، فَكيف لَا أشْفق، وَمن أنْفق من عينه، فَأَنا من عَيْني لَا أنْفق، وَالله لَا يحبط سعيى فِي سُؤال عصمتها وَلَا يخْفق، ويرشد إِلَى شكره على مَا وهب مِنْهَا ويوفق. وَالسَّلَام الْكَرِيم على سَيِّدي، الْبر
(2/180)

الْوُصُول، الَّذِي زكتْ مِنْهُ الْفُرُوع، لما طابت الْأُصُول، وخلص من دره لِابْنِ الْخَطِيب الْمَحْصُول وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ صَاحب الْعَلامَة أَبَا الْحسن بن السُّعُود بِمَا نَصه
(أَبيت إِلَّا كرما دلّ عَلَيْهِ العزما ... يَا ابْن السُّعُود دمت صبا بالمعالي مغرما)

(مثلك من فرطس أغراض العلى رما ... وجدد الْعَهْد من الْمجد وَكَانَ انصرما)

(والدهر قد شب بِهِ وَكَانَ يشكو الهرما ... )

أَخْبَار الأماجد كثيرا مَا تجمح أفراسها عِنْد الركض، وتتباين أحوالها فِي حلبة الْعرض، فَرُبمَا فضحت الْمُشَاهدَة وصف الواصف، أَو أقرَّت شَهَادَة المتناصف، إِلَّا مَا كَانَ من خبر فضلك، فقد تمحص إِلَى طرف الصدْق وترجح، وَبِأَيِّ ناقله وتبجح، وَمن أبلغ عذرا لمن أنجح، زجر وفال، وحزم لَا يشوبه إغفال، وبراءات تصحبها أنفال، واحتفا بالضيف واحتفال، إِلَى الْجَانِب المرهف، وَالْوَجْه الطلق، والخصال الَّتِي تذكر قَوْله عز وَجل، يزِيد فِي الْخلق، وَقد كنت على الْبعد علم الله، ترد على آثَار سَيِّدي، فاستدل على ظرف، يحسده عُطَارِد، وعقل صفت مِنْهُ الْمَوَارِد. فَأَنا الْآن فِي جوَار سَيِّدي رائد، اغتبط فَارْتَبَطَ، واستؤثر فَاسْتَكْثر، وعاطش ورد الْكَوْثَر. وَالْحَمْد لله الَّذِي أظفر جوَار سَيِّدي بِجِهَة مفضلة، وَللَّه در حساننا إِذْ يَقُول: جاور عليا وَلَا تحفل بمعضله. وَلَقَد عظمت عناية الله بالوالد وَالْولد، فِي الْقدوم على هَذَا الْبَلَد، وَهُوَ حل بِهَذَا الْبَلَد، وَقد صَبر وطاب الْجلد، فانسر ورحب، وتبسط بره وتسحب، هَدِيَّة سجية عدمت من الدَّهْر مُنْذُ زمَان، وسلعة لَيْسَ لَهَا غير الهمم الشَّرِيفَة من أَثمَان. وَالله أسل أَن يمتع من فضل سَيِّدي بالمتاع الْحسن، ويحلنا من عين كَمَاله مَحل الوسن، ويتبعه السعد سَلس القيادة والرسن، كَمَا جعل فَضله، يشذ عَن مدرك اللسن. وَأما
(2/181)

شكري لهديته، الَّتِي مبتداها من العوامل، وانتسبت شواهدها إِلَى الْكَامِل، فقد أوجر، وتطيب الإطناب فأوجز، ووعد فَمَا أنْجز. وَالله يتَوَلَّى سَيِّدي بِحسن الْمُكَافَأَة، ويعين على مَا يحبب لَهُ من المصافاة. ويحجبه من الْآفَات بحجاب المعافاة، مَا اسْتَقَلت طيور الهمزات على قضبان الألفات، والتفتت عُيُون السحر الْحَلَال من خلال أدواح الِالْتِفَات. وَالسَّلَام الْكَرِيم يَخُصُّهُ من مُعظم مجده، المسرور بجواره. فلَان.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي مُخَاطبَة صَاحب الْعَلامَة أبي سعيد بن رشيد بِمَا نَصه من المنثور والمنظوم
(بل الخطط الرفيعة فلتهنا ... فَإنَّك سعدها لفظا وَمعنى)

(إِذْ أذكر الْعَلَاء فَأَنت أَعلَى ... وَإِن ذكر السنا فَأَنت أسنا)

(محاسنك اغتدت جنَّات عدن ... لمن يرتاد إحسانا وحسنا)

(فمهما حلهَا إِنْسَان عين ... فلإنسان فِيهَا مَا تمنا)

(غرزت أَبَا سعيد مِنْك دوحا ... بِهِ مَا شِئْت من ظلّ ومجنا)

(فَكُن حَيْثُ اقْتضى مِنْك اعتدادي ... وَشد لي من كريم الرعى مبنا)

(فَتى الفتيان أَنْت بِلَا نزاع ... ومثلى من وفا بيد وأثنا)

الْحَمد لله حمد من لم يفقد اللطف، وَلم يعْدم على الْبَدَل الْعَطف، وَالشُّكْر لله الَّذِي سحب السحب الوطف، وسوغ من أفنان نعمه القطف. أطالع سَيِّدي الَّذِي وسم السعد كنيته وأعلمها، وَقبل الْإِجْمَاع حجَّة فَضله وَسلمهَا، وتيمنت باسمه وَصورته ومعرفته الدولة الَّتِي خدمها، لما عجل لَهَا الْوَسِيلَة وقدمها، إِنَّنِي
(2/182)

لما اتَّصل بِي خبر استقلاله برياسة الْقَلَم الْأَعْلَى، والرتبة الفضلى، والدرجة الَّتِي هُوَ الأحق بهَا وَالْأولَى، ذاتا وصفاتا وقولا، قلت هَذِه فَرِيضَة لي فِيهَا حَظّ وتعصيب، وغنيمة لي فِيهَا إرضاخ وَنصِيب، وهدف لي مِنْهُ سهم مُصِيب، العروة وثقى، وَالْآخِرَة خير وَأبقى، اللَّهُمَّ أوزعنا شكر نعمك، وَلَا تقطع عَنَّا عوائد كرمك، سادة لكعوب الرمْح، فَضلهمْ أوضح من فلق الصُّبْح، كلما أفل مِنْهُم آفل أَو غَابَ كَاف كافل، أربى من أقبل على من أدبر. وَقَالَ لِسَان الْحَال هَذَا هَذَا أكبر، سِيمَا هَذَا الْفَاضِل، الَّذِي هُوَ يمن كُله، وطبعه على الْفَضَائِل يدله، ماشيب من رشد وَسعد، وَوجه سبط وَحسب جعد، وَقبل وَبعد، ومخيلة نجح لَا تخلف بوعد، ورياسة هَذَا الْقَلَم الْأَعْلَى، أبقى الله سَيِّدي مورد مثلى مِمَّن اصبح سلْعَة يتغالى فِيهَا أولُوا الذوات الفاخرة، ويتناغى الْمُتَنَافسُونَ فِي إحْيَاء الْعِظَام الناخرة، وحظ الدُّنْيَا وحظ الْآخِرَة، فَإِذا فِي الرُّتْبَة علم خفاق، وَتعين إِجْمَاع وإصفاق، فَهُوَ قِبْلَتِي الَّتِي أرضاها، ووجهتي الَّتِي عينهَا الدَّهْر واقتضاها. فهنأت أَولا نَفسِي بوفور حظها من النِّعْمَة، وفوزها بالقدح الْمُعَلَّى عِنْد الْقِسْمَة، ثمَّ هنأت الرُّتْبَة الَّتِي ظَفرت بالكفو الْكَرِيم، ولازمها الْيمن والسعد مُلَازمَة الْغَرِيم، وقدمت بَين يَدي قدومي على سَيِّدي، الَّذِي لَا محط لي إِلَّا على نَار قراه، وَلَا سير لي إِلَّا لذراه، فقد جمع لي الصَّبْر فراه، وَحمد عزمي عِنْد صبح وَجهه الْمشرق سراه، وتنبيه مثله على رعى مثلي جفوة يَسعهَا كَمَاله، ويتغمدها أفضاله، إِذْ ذَاته أشرف، وَهُوَ بِمَا توجبه طباعه الْكَرِيمَة أعرف، حفظ الله علينا مِنْهُ جملَة الْكَمَال، وقبلة الآمال، وعرفه الْيمن والإقبال، بفضله، وَالسَّلَام الْكَرِيم يَخُصُّهُ، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ أحد الْفُضَلَاء بِمَا نَصه
سَيِّدي شهَاب الطّلبَة الثاقب، وفخر الكتبة الْعَظِيم المناقب، أقسم بالحاشر العاقب، والغاسق الواقب، لما زلت سحاءتكم بِحَال المراقب. وصلني كتابكُمْ
(2/183)

الَّذِي هَنأ وَبشر، وَأَحْيَا وأنشر، ناصحا هاديا، رائحا فِي الْوَفَاء غاديا، فأردى صاريا، وَأخذ بحظ من فَضِيلَة قَوْله، وَلَا يفطمون وَاديا. فحبذا طَعَام أشركناه زكا، ومتات توسد وانكا، ووفاء وَفَاء السموأل حكا، وأنجد لما خذل الدَّهْر الخؤون، وَالله المشتكا، وأنار الله مشكاة تِلْكَ الذوات، الَّتِي لطفت أسرارها، وتألقت أنوارها، وأعلقها بالعالم الأزلي وانتهابها فِي المورد المفيض على القطب وَالْوَلِيّ، فألفاني محتزما، ولخدمة الْمولى ابْن الْمولى مُلْتَزما، وَيحل ودي فِي مثلهَا أَن يذكر هُوَ أشهر من أَن يذكر: لَا تدعني إِلَّا بياعبدها فَإِنَّهُ أشهر أسمائي. وَأما مَا أهديتم من نبإ فَإِنَّهُ مسكوب، وَملك لملكهم مَنْسُوب، فَمن جاد بالنفوس على أعدائه، فَكيف لَا يجدد بِالْعرضِ على أوليائه، وَالله الْكَفِيل بِحسن جَزَائِهِ. وَمن أياديكم لدي، يَا مَحل وَلَدي حبا وشفقة، وَمحل أخي اعتدادا وثقة، أَن تمرغوا عَنى خدكم فِي أَخْمص رجله الْعَالِيَة، وتقبلوا بِسَاط تربه، قبلا مُتَوَالِيَة، بخلال مَا يرْتَفع إِن شَاءَ الله بالحضور حكم النِّيَابَة، وييسر الله اللحاق بِتِلْكَ المثابة. وَالسَّلَام على سَيِّدي وَأخي، وَرَحْمَة الله.
وَمن ذَلِك فِي مُخَاطبَة صَاحب قلم الإنشا أبي زيد ابْن خلدون فِي الْغَرَض الْمَذْكُور
سَيِّدي الَّذِي لَهُ الْفَضَائِل الذاتية، والمزايا الحسية والمعنوية، ودرجة السَّبق فِي المكارم دون مثنوية، صُورَة مكملة، وذاتا مقلدة بالخصال الشَّرِيفَة محملة، وبيتة موصلة، ومجادة مجملة ومفصلة، كتبت أهنىء سيادتك، بِنِعْمَة الْخَلَاص من الشدَّة، واستيعاب سَعَادَة النصبة، وَطول الْمدَّة، والسلامة من التَّحَوُّل، العائدة بِسوء التقول، وَذَهَاب التمول، فَأَنت الْيَوْم غير مثلوم الوفا
(2/184)

وَلَا متكدر الصَّفَا، قرير الجفن بالإغفا، مَجْمُوع الشمل بِالْيَقِينِ، وَالله يجمعه بالرفا. وَكنت أتوقع أَن يذهب بك الضجر مذهبا تسوء مغبته، أَو تخلف حبته، وَأَنت الموشح، والمحلى والمرشح، والغمر جَدِيد، فعلام المرعز شَدِيد، والأمل مديد، فعلام القلق عتيد. وَإِن نافست أَرْبَاب الرتب الْعَالِيَة، فَاعْتبر مَا نلْت من رتب الْحِكْمَة، وَإِن نافست أَرْبَاب الذمم فالمعارف هِيَ وَنور الذِّمَّة. وَأنْفق فِي سوق السياسة صرفهَا من الهمة، وَلَا تغفل مُلَاحظَة الْأُمُور المهمة، ولتعلم أَنِّي وَإِن أعييت فِي بَاب الدَّالَّة عَلَيْك، أعرف الْخلق بِمَا لديك، وأهواهم إِلَيْك، فانصفني باغتفار جنايتي، وَلَا يوحشك عتبي فِي سَبِيل حبي، فَالله يعاملني فِيك بنيتي، ويبلغني من جَرَيَان أمورك على مَا يرضى أمنيتي قبل منيتي، وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي مُخَاطبَة الْمَذْكُور
(حللت حُلُول الْغَيْث فِي الْبَلَد الْمحل ... على الطَّائِر الميمون والرحب والسهل)

(عبنا بِمن تعنو الْوُجُوه لوجهه ... من الشَّيْخ والطفل المعصب والكهل)

(لقد نشأت عِنْدِي للقياك غِبْطَة ... تنسى اغتباطي بالشبيبة والأهل)

(وودي لَا يحْتَاج فِيهِ لشاهد ... وتقريري الْمَعْلُوم ضرب من الْجَهْل)

يَمِينا بِرَبّ حجت قُرَيْش لبيته، وقبر صرفت أزمة الْأَحْيَاء لميته، وَنور ضربت الْأَمْثَال بمشكاته وزيته، لَو خيرت أَيهَا الحبيب الَّذِي زيارته الأمنية السّنيَّة، والعارفة الوارفة، واللطيفة المطيفة، بَين رَجَعَ الشَّبَاب، يقطر مَاء ويرف نَمَاء، ويغازل عُيُون الْكَوَاكِب [فضلا عَن الكواعب] إِشَارَة وإيماء، بِحَيْثُ لَا الوحظ يلم بسياج لمته، أَو يقْدَح ذبالته فِي ظلمته، أَو يقوم حواريه فِي لمته، من الأحابش وَأمته، وزمانه روح وَرَاح، ومغدى فِي النَّعيم ومراح، وَنصب وصراح،
(2/185)

وانتخاب واقتراح، وصدور مَا بهَا إِلَّا انْشِرَاح، ومسرات تردفها أفراح، وَبَين قدومك خليع الرسن، ممتعا باليقظة والوسن، محكما فِي نسك الْجُنَيْد أَو فتك الْحسن، ممتعا بظرف المعارف، ماليا أكف الصيارف، مَا حَيا بأنوار الْبَرَاهِين شبه الزخارف. لما اخْتَرْت الشَّبَاب، وَإِن شاقني زَمَنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سَحَاب دمعي دمنه. فَالْحَمْد لله الَّذِي وقى جُنُون اغترابي، وملكني أزمة أرابي، وغبطني بمائي وترابي، وَقد أغصني بلذيذ شرابي، وَوَقع على سطوره الْمُعْتَبرَة أضرابي، وعجلت هَذِه مغبطة بمناخ الطية، ومنتهى الطية، وملتقى السُّعُود غير البطية، وتهني الآمال الوثيرة الوطية، فَمَا شيت من نفوس عاطشة إِلَى ريك، متجملة بزيك، عَاقِلَة خطا مهريك، وَمولى مكارمه نشيدة أمثالك، ومطابق مثالك، وسيصدق الْخَبَر مَا هُنَالك، ويسمعني فضل مجدك، عَن التَّخَلُّف عَن الأصحار، لَا بل للقاء من وَرَاء الْبحار، وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك فِي مُخَاطبَة القَاضِي بدكالة
(إِلَيْك قَلِيل نظرة إِن نظرتها ... إِلَيْك وكلا لَيْسَ مِنْك قَلِيل)

وصلت أَيهَا القَاضِي رفعتك الَّتِي تَضَمَّنت الْفَوَائِد، وصلتك الَّتِي استصحبت الْعَائِد، وَشَاهد فضلك، الَّذِي بَين تصريفه الْأَصْلِيّ وَالزَّائِد، متفننة فِي ضروب لَا تجنح شمسها إِلَى غرُوب، هزت ألحانها مني عطفي طروب، وَاسْتقر قراها بَين يَدي أكول [لمثلهَا] وشروب. فَللَّه مَا تَضَمَّنت من فَوَائِد رحْلَة حجازية، لبست من حسن الحجازية، وَذكر أَعْلَام وَمَكَان استسلام، إِلَّا أَنَّهَا كَانَت كليلة الْوَصْل، مَا عابها إِلَّا الْقصر، فَلَوَدِدْت أَن لَو أمدها بسواده مني الْقلب، الْبَصَر، بخس وَزنهَا الِاخْتِصَار، لَا بل الِاقْتِصَار، وافتقرت إِلَى شرح يَقع بِهِ على متعاصى مَعَانِيهَا الِانْتِصَار، ووعد الْمجْلس القاضوي باكتتاب شَيْء من منظومه بعد اعترافه بِأَنَّهُ كثير، ومهاد وثير، فَمَا كَانَ إِلَّا الْوَعْد، والإخلاف من بعد:
(2/186)

(يَا لواله الدّين عَن ميسرَة ... والضنينات، وَمَا كُنَّا لِئَامًا)

وَالظَّن لسيدي أَنه عَاد عِنْد شربه من بير الْحرم، بِأَن ترفع عِنْد مُؤنَة الْكَرم، فأجيبت الدعْوَة كَمَا ورد، واستقام الْعَمَل واضطرد، فَكَانَ اللِّقَاء على مَسَافَة قَصِيرَة، وملاحظة [الْبر] بمقلة غير بَصِيرَة، والزيارة مزورة، وَأَظنهُ لاحظ بَيت شَاعِر المعرة:
(لَو اختصرتم من الْإِحْسَان زرتكم ... والعذب يهجر الإفراط فِي الخصر)

والقرى قد كفى القَاضِي وَالْحَمْد لله مؤونته الثَّقِيلَة، وَلم يحوج إِلَى تشويش [الْعقل، واستخدام] العقيلة، وَهَذَا الْقسم غير مَعْدُود، وَلَا تقع المشاهة إِلَّا فِي مَرْدُود، وهم يتحفه شعره. ثمَّ قَالَ بالبداء، وناداه الإنجاز، فَصم عَن الصدا فاضطرد بَاب الشُّح حسا وَمعنى، وموحدا ومثنى، حَتَّى كَأَن دكاله، شرابة لسوء، والقضاة أكالة، وبيدها لتحجير أَيْديهم وكَالَة. وَهَذِه الْحَرَكَة كَانَت المحبه حَرَكَة الْفَتْح، ووجهة الْمَنّ والمنح، فَلَو لم يَقع فِيهَا بخلة تميمه، للعقتة الْعين، وعسر الهين. وَالْقَاضِي أعزه الله كَمَال، وعيب الْكَمَال لَا يُنكر، وَالْغَالِب الْفضل، وَغير الْغَالِب لَا يذكر، وَهُوَ على التافه يشْكر، داعبته حفظه الله. مداعبة من يعْتَقد خلاف مقَالَة، وَيرجع القناطر المقنطرة بمثقاله، وَلَا يَقُول فِي حَال سيره بانتقاله، وَمَعَ الْيَوْم غَد، وَلكُل شَيْء أمد، ويرجى أَن يمتع الله مِنْهُ بِوَقْت فِيهِ اسْتِدْرَاك، ويرتفع باختصاص النُّزُول لَدَيْهِ الِاشْتِرَاك إِن شَاءَ الله. وَالسَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
(2/187)

وَمن ذَلِك فِي مُخَاطبَة الْفَقِيه أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن عَليّ بن أبي رمانة فِيمَا يظْهر من الْغَرَض
(جَفا ابْن أبي رمانة وَجه مقدمي ... ونكب عني معرضًا وتحامان)

(وحجب عني حبه غير جَاهِل ... بِأَنِّي ضيف والمبرة من شان)

(وَلَكِن دراني مغربيا محققا ... وَأَن طَعَامي لم يكن حب رمان)

زِيَارَة القَاضِي، أصلحه الله لمثلي، مِمَّن لَا يخافه وَلَا يرجوه، تحب من وُجُوه، أَولهَا كَونه ضيفا مِمَّن لَا يعد على الِاخْتِيَار زيفا، وَلَا تجر مؤانسته حيفا، فضلا أَن تشرع رمحا أَو تسل سَيْفا، وَثَانِيها أَنِّي أمت إِلَيْهِ من الطّلب بِنسَب، بَين مَوْلُود ومكتسب. وَقَاعِدَة الْفضل قد قررها الْحق وَأَصلهَا، وَالرحم كَمَا علم، تَدْعُو لمن وَصلهَا، وَثَالِثهَا المبدأ فِي هَذَا الْغَرَض، وَلَكِن الْوَاو لَا ترَتّب إِلَّا بِالْعرضِ، وَهُوَ اقتفاء سنَن الْمولى أيده الله فِي تأنيسي، وَوَصفه إيَّايَ بمغربي أَو جليسي، [وَرَابِعهَا وَهُوَ عدَّة كيسي، وهزيز خيسي] وقافية تجنيسي ومقام تلويني وتلبيسي، مَوَدَّة رَئِيس هَذَا الصِّنْف العلمي ورئيسي، فليت شعري مَا الَّذِي عَارض هَذِه الْأُصُول الْأَرْبَعَة، وَرجح مذاهبها المتبعة، إِلَّا أَن يكون عمل أهل الْمَدِينَة ينافيها، فَهَذَا [الْحسب النَّفْسِيّ] ويكفيها. وَإِن تعذر لِقَاء أَو استدعاء، وَعدم طَعَام أَو وعَاء، وَلم يَقع نِكَاح وَلَا استدعاء، فَلم يتَعَذَّر عذر يَقْتَضِيهِ الْكَرم، والمنصب الْمُحْتَرَم، فالجلة إِلَى التمَاس الْحَمد ذَات استباق، وَالْعرْف بَين الله وَالنَّاس بَاقٍ، والغيرة على منصب مثله مَفْرُوضَة، والأعمال معروضة وَالله لَا يستحي
(2/188)

أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة. وَإِن كَانَ لَدَى القَاضِي فِي ذَلِك عذر فليفده، وَأولى الْأَعْذَار بِهِ أَنه لم يَقْصِدهُ. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ الشريف أَبَا عبد الله ابْن نَفِيس مِمَّا يظْهر من الْغَرَض
(جزيت يَا ابْن رَسُول الله أفضل مَا ... جَزَاك الْإِلَه شرِيف الْبَيْت يَوْم جزا)

(إِن أعجز الشُّكْر مني منَّة ضعفت ... عَن بعض حَقك شكر الله مَا عَجزا)

سَيِّدي، أبقى الله شرفك تشهد بِهِ الطباع، إِذا بَعدت الْمعَاهد المقدسة وَالْبِقَاع، وتعترف بِهِ الْأَبْصَار والأسماع، وَإِن جحدت عارضها الْإِجْمَاع. بِأَيّ لِسَان أثني، أم أَي الأغصان أهصر وأجنى، أم الْمَقَاصِد الْكَرِيمَة، أَعنِي، أمطيت جوادك الْمُبَارك. وأسكنت دَارك، وأوسعت مَطْلِي اصطبارك، وهضمت حَقك، وبوأت جوارك، وواصلت للغرباء إيثارك. أشهد بأنك الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم لَا أَقف فِي تعدادها عِنْد حد، إِلَى خير جد، فَإِن أعَان الدَّهْر على مجازاة، وَإِن ترفع كرمك عَن موازاة، مجاجة نفس قضيت، وَأَحْكَام آمال أمضيت، وَإِن اتَّصل الْعَجز، فعين عَن القذا أغضيت، ومناصل عزم مَا انتضيت. وعَلى كل حَال فالثناء ذائع، وَالْحَمْد لله شَائِع، وَالله مُشْتَر مَا أَنْت بَائِع. وَقد وجهت من يحاول لسيدي ثمن مَا أكسبه مجده، وسفر عَنهُ حَمده، والعقيدة بعد التَّرَاضِي، وَكَمَال التقاضي، وَجَمِيل الصَّبْر وسعة التغاضي، وَكَونه الْخصم وَالْقَاضِي. إِنَّهَا هبة سوغها إنعامه، والجلة سناها إطعامه، نسل الله أَن يعلى ذكره، ويتولى شكره، وينمي مَاله وَيرْفَع قدره. وَالْولد جازه الْغَرِيب، الَّذِي برز إِلَى مقارعة الْأَيَّام عَن خبْرَة قَاصِرَة،
(2/189)

وتجربة غير منجدة على الدَّهْر وَلَا ناصرة، قد جعلت وَدِيعَة فِي كرم جواره، وأنمته فِي حجر إيثاره، فَإِن زاغ بِيَدِهِ الْعليا فِي تبصيره، ومؤاخذته بتقصيره، وَمن نبه مثله نَام، وَمن استنام إِلَيْهِ بهمه أكْرم مِمَّن إِلَيْهِ استنام، وَإِن تشوف سَيِّدي لحَال محبه، فمطلق للدنيا من عقال، ورافض أثقال، ومؤمل اعتياض لخدمة الله وانتقال. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك فِي الْغَرَض الْمَذْكُور
(لم يبْق لي جود الْخلَافَة حَاجَة ... فِي الْأَمر أَو فِي الجاه أَو فِي المَال)

(فقد القا ألوى الْفَضَائِل بغيتي ... وَرَأَيْت هَذَا الْفضل شَرط كَمَال)

(أجملته وتشوفت ببيانه هم ... فَكنت مُفَسّر الْإِجْمَال)

(وخصصت بالإلقا غَيْرك غيرَة ... وَجعلت ذكرك شَاهد الْأَعْمَال)

(للبست يَا ابْن أبي الْعلَا قشب ... الملا وَتركت أهل الأَرْض فِي أسمال)

(إِن دون الفضلا فضلا معلما ... فَلَقَد أتيت عَلَيْهِ بالإكمال)

(تثنى عَلَيْك رعية آمالها ... فِي أَن تفوز يداك بالآمال)

(أرعيتها هملا فَلم يطْرق لَهَا ... بمنيع سورك فَارق الإهمال)

(من كنت وَإِلَيْهِ تولته الْعلَا ... وَمن أطرحت فَمَا لَهُ من وَال)

أبقى الله سَعَادَة والى الْوُلَاة، وَعلم العلاه، وقضايا فَضله منتشرة فِي الْجِهَات، ضَرُورِيَّة بِحَسب الْوَصْف والذات، مشروفة فِي العزمات، عرفية فِي الأزمات، يطرز بهَا ابْن الْخَطِيب أوراق آيَاته الْبَينَات، فَإِن أتيت وأفردت، وأفصحت وكنيت وخطبت وبينت، فمسألة إِجْمَاع، وَنُهْبَة إبصار وإسماع، ومعقول
(2/190)

أَولا، وبديهي مَا على غَيره معول، وَتَحْصِيل الْحَاصِل إِضَاعَة وَقت، وإذاعة شت، فلنصرف الْعَنَان إِلَى تأصيل الود الْأَصِيل، وتحرير الْحبّ الْغنى عَن التَّقْرِير، فأقسم بباري النسم، وَهُوَ أبر الْقسم، لقد خلق سَاعَة النمحة الطّرف، وَدلّ عَلَيْهِ قبل الْمعرفَة الْعرف، وَحكم ميذق الفراسة بِطيبَة، قبل أَن يعْمل فِي ديناره الصّرْف، إِنَّه مَدْلُول مَا ضَاعَ لَهُ من الثنا المسموع، وَتَقْرِيره ذَلِك الْمَشْرُوع، وجرثومة تِلْكَ الْفُرُوع، وبذر الْحبّ المزروع. حَتَّى إِذا قرطست السِّهَام، وارتفع الْإِبْهَام، وَكَاد يتغشى النَّفس الإلهام، وَشهد الِاسْتِفْهَام، عجبت واعتبرت، وارتجزت عِنْد الضريبة وَكَبرت، وَقلت دس عرق الْفَاقَة، وَأحكم الْكَشْف والاطلاع عمل الثقافة، وَانْحَدَرَ التَّحْلِيل عَن مقولة الْإِضَافَة، وَلم تبْق ضميمة إِلَّا انضمت، وخصت بعد مَا عَمت، وَلَا امْرَأَة مرام عَزِيز إِلَّا أمت وألمت، لما شمت النِّعْمَة الَّتِي تمت، وَلَقَد هَمت من بسالة يعرفهَا الكمي، ويشمخ بِمِثْلِهَا الْأنف الحمي، وخصل يشْهد بِهِ الْأُمِّي، وَعدل تساوى فِيهِ الرفيع وَالذِّمِّيّ، وطرف كَمَا وسم الرَّوْضَة الوسيمة الوسمي، واهتزاز إِلَى الضَّيْف يَقْتَضِيهِ الْقدر السمي، والخلق العلمي. وَفضل تَوَاتر نَقله، عَمَّن رَضِي دينه وعقله، وَسوى بغل حميمه، وجم بقله، ووقار، قصر عَنهُ كسْرَى السرير وهرقله، وندى هُوَ الْغَمَام، وَلَوْلَا التَّوَاتُر قُلْنَا رغم الْهمام، وَلم أزل لأواجه فِي الْمجَالِس ناشقا. ولجلاله عَاشِقًا، يروقني فِي حفوف المحافل وقاره وسكونه، ويشوقني جنوحه إِلَى المعارف وركونه، إِلَى أَن انْصَرف، وَلَو عرف لما تحول قبل معرفتي وانحرف، ولطرز بهَا الْمجد الَّذِي حازه والشرف، فَإِنَّهُ وَالله يَقِيه، وَإِلَى أقْصَى السَّعَادَة يرقيه، إِن عضل عقايل بره عَن إكفاء استحساني. أَو غصب حلل شيمي طرر لساني، أنكح
(2/191)

هَذِه فِي جنب لفقدها الأراقم، وأفقد هَذِه عجائب وشى شكرت الراقم، فطويت، علم الله الجوانح على برح. يجل عَن الشَّرْح. ونكأت قرحا بقرح، وسمت هامات الزَّفِير بُنيان صرح، حَتَّى إِذا الْمقَام المولوي، الإمامي، كافأ الله تهممه، وشكر أنعمه، أطرفني باجتلاء هَذِه العمالة، ودرب السن الركائب عِنْد ربوع الحبايب عَن الإمالة، وَنصب مني لوصف الْبِقَاع وأربابها قسطاسا لَا يظلم مِثْقَالا وَلَا يعلم فِي غير الْإِنْصَاف عِنْد الْحلِيّ والأوصاف مقَالا، ولبيت دَاعِي الْحَرَكَة الَّتِي عَلَيْهَا جبلت، وصرفت إِلَيْك صُدُور الرِّجَال حايرة فِي الأوحال حيرة الْمُتَكَلّم فِي الْحَال، وَصَاحب سوء فسطاي فِي انتحال الْمحَال، وَكلمَة اعترضتني الرِّبَا والأكم جذبتني المعارف وَالْحكم، فَقلت فِي بَيته يُؤْتى الحكم، وَرُبمَا نثرت وَقلت، وآثرت الِاعْتِبَار وتمثلت:
(أزوركم لَا أكافيكم بجفوتكم ... إِن الْمُحب إِذا لم يزر زارا)

وخططته والنسوع مشدودة، والمراحل مَعْدُودَة، واللقيا مَرْدُودَة، وَالله يصدق المخيلة، فِي إيناس ذِي أَنْوَاع وأجناس، وَصدق قِيَاس، واستمتاع بحلم أحنف فِي ذكاء إِيَاس، وَإِذا كَيفَ النَّفس التشوق، ووسمها التوشح بِهِ والتطوق انتابها الخيال، وتتابع مِنْهُ الانثيال، ونشأت نشأة لَا يستطيعها الجريال، وَكَأَنِّي بمثوال قد حططت، وانشدت لما اغتبطت، وعقلت وربطت:
(نادتني الْأَيَّام عِنْد لِقَائِه ... وَهِي الَّتِي لَا تغفل التنبيها)

(يَا ابْن الْخَطِيب حظيت بالعزم والعلا ... فبلغت مِنْهَا الْفضل يَا ابْن أَبِيهَا)

(الْوَجْه طلقا والمعارف جمة ... والجود رحبا وَالْمحل نبيها)

(أثرت باشقات الْفَضَائِل كفة ... أَتَرَى ولَايَته الَّتِي يُحْيِيهَا)
(2/192)

وَمن ذَلِك مِمَّا خاطبت بِهِ الْوَالِي بمراكش
وَإِلَى الْوُلَاة الَّذِي بمكارمه يضْرب الْمثل، وَشرف الْحَيَاة الَّذِي جمع لَهُ الْعلم وَالْعَمَل، أبقاكم الله، والسعادة لكم مركب، ونصبه ولايتكم لَا يُخَالف سعدها كَوْكَب، كتبته ولساني طليق، وثناي بالاقتصار على تِلْكَ الذَّات خليق. وَقد كَانَت عِنْد مكارمكم الَّتِي وقفت على أعيانها، وبحثت فِي سمع كيانها، واجتزيت بأثرها عَن عيانها، وتخطيت إجمالها إِلَى بَيَانهَا، مِمَّا يَقْتَضِي مِنْهُ الْعجب ويجلى من عرف الْجُود مَا احتجب، وأظن ذَلِك احتفالا اسْتَنْفَذَ الْقُوَّة، وحذقا ختم آي الْكَرم المتلوه، فأتيح لي استخبار الضاربين فِي الأَرْض، والواردين على الْغمر والبرض، ومتحملي العنايات والشفاعات والوسائل النفاعات، كَأبي عبد الله بن جِدَار، والشرفا ألوى المدن الْكِبَار، وسواهم على تبَاين الأقدار، إِن قَضِيَّة مكاركم مُطلقَة، وأعداد جودكم، بالثنا منْطقَة، فلعمري لقد وجدت لذَلِك خفَّة على كَبِدِي، إِذا لم أر الصنيعة الْبَعِيدَة مُخْتَصَّة بيَدي. إِنَّمَا أَنْت بَحر الْوَاهِب الزاخر، وَالْوَاحد الَّذِي افتخر بِهِ الزَّمن الآخر، ومتحمله فلَان من ذَوي الْفضل ذاتا وصحبة، ووسيلة وتربة، وَله بِصَاحِب رياسة الْإِنْشَاء تخصص وتميز، وفية وتحيز، وَالْمرَاد أَن يكون من رعى وَإِلَى الْوُلَاة بمَكَان مكين، وآويا من مجده إِلَى ربوة ذَات قَرَار ومعين، يكون ذَلِك من جملَة مَاله من الأيادي الثرة، والفواضل المتألقة الْغرَّة، وَالله يديم سعده، ويحرس مجده، وَالسَّلَام
وَمن ذَلِك فِي مُخَاطبَة بعض الْفُضَلَاء وَقد كتبت إِلَيْهِ رقْعَة تغافل عَن جوابها فَظن القَاضِي أَنَّهَا لم تصل فَأَعَادَهَا مخاطبته بِمَا نَصه
الرَّامِي، أبقى الله سَيِّدي إِذا أضلّ بعد إصماء الرَّمية سَهْمه، وَقد حكم عقله
(2/193)

وفهمه، أرسل سَهْما آخر على سمته متحرجا من عوجه وأمنه، فَيجْبر ثَانِيهمَا الأول، وأظن هَذَا الْغَرَض، اعْتبر سَيِّدي وَتَأمل إِذْ أرسل سَهْمه، وَهُوَ الْمُصِيب شاكلة السداد بتفريق توفيق الإلهام والإمداد، مُخْتَصًّا بسواد المداد، ثمَّ خَفِي عَلَيْهِ موقع نصله، وعمى لَدَيْهِ خبر خصله، وَلم يقم من الْأَمر على أَصله، فَأَعَادَ، وَالْعود أَحْمد، وثنى وقصده الْبر يشْكر ويحمد، فأقسم بشيمه، وبركات ديمه، مَا رَأَيْت إغفالا سوغ أنفالا، وأكد احتفا واحتفالا، ونسيانا يَقع أَحْيَانًا، فَمَلَأ الْيَد بَيَانا وذهولا، عرف خطا مَجْهُولا، وأقطع من الفصوك حزونا وسهولا، وبلما النَّفس أملهَا، وأنجح قَوْلهَا وعملها، كإبلاغي التَّعْرِيف ببلوغ هَدْيه إِلَى مَحَله، وتبنى قراه المبرور قرى حلّه، فقد كَانَ الأول وصل والعناية تزف عروسه، والبراعة تهدل غروسه، فاستقر بَين سحر الْقبُول ونحره، مُحدثا فِي الْبر عَن بحره، إِن أجهد هَذَا الْفِكر المكدود، جهد نزوح إِلَى روضه أَو ظمى، وَقد تذوكر عهد كريم كرع فِي حَوْضه، وَلَو توهم أَن مهديه يتشوف إِلَى بَرَاءَة مؤديه، لتعين الِاجْتِهَاد وَوَقع بِقَبض ذَلِك الْبسط الْإِشْهَاد، وضمنت رُؤْيَة الْعين بِالْعينِ، وَقد تحصل حصولا بريا من المين. لَكِن تبع الرشا، [من ذَلِك السَّعْي الرشا] وَأَنْشَأَ سحائب الرَّحْمَة المترادفة ذَلِك الْإِنْشَاء، وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء ولحكمة مَا ثنيت الْجَوَارِح المصونة عَن الهوان فِي الْحَيَوَان أعداه لحسن الْخلف، ومنابا إِن وفع بمفرد مِنْهَا وُقُوع التّلف. فالمحب يماصع من رقْعَة سَيِّدي بسيفين مرهفين [ويسنو إِلَى درتين مشرقين، أطلعهما رب المشرقين مرصعين] فِي قوتهما مدافعة أَلفَيْنِ، ويصول بكفين، ويرتبط لطراد الْمعَانِي مِنْهَا أسهمين
(2/194)

سليمين، وَيرجع من مذخورهما إِلَى خُفَّيْنِ محقين [ويعشوا إِلَى درين مشرقين أطلعهما رب المشرقين] وَلَقَد نبه سَيِّدي، بِمَا أظهر من الضنانة بالمكتوب الْمكنون، وإعمال الشَّفَقَة فِي شَأْنه، وترجيم الظنون، على نفاسه عروضه، وَوُجُوب فروضه، من لم يكن عَن ذَلِك ذاهلا، وَلَا فِي المبالاة بأمثاله مستأهلا، مستأهلا، فَهِيَ النفثات السحرية [وَالْحكم الْحَقِيقَة بِالْحِفْظِ الْحُرِّيَّة] والكرائم الَّتِي تبرها الْبَريَّة. وَإِذا تقرر مَا إِلَيْهِ سَيِّدي تشوف، وَأمن على نَعته مَا تخوف، فالمحب يهيده من لطائف الشُّكْر مَا يَلِيق بِمهْر الْبكر، وَالله عز وَجل يبْقى سَيِّدي صدفا لمثل هَذِه الدُّرَر، بل لمثل تِلْكَ الْكَوَاكِب الْغرَر. وَالسَّلَام عَلَيْهِ من وليه الشاكر لمواقع وليه المعتد على الزَّمَان بعليه [وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته] .
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ الشَّيْخ الْوَلِيّ الْفَاضِل أَبَا مُحَمَّد بن بطْنَان فِيمَا يظْهر من الرسَالَة
(لَا نَاقَة لي فِي صبري وَلَا جمل ... من يعد مَا ظعن الأحباب وَاحْتمل)

(قَالُوا استقلوا بِعَين الْقطر قلت لَهُم ... مَا أعرسوا بسوى قلبِي وَلَا نزل)

مَا هَذَا الاستدعاء الَّذِي نقد وبهرج، وَعطف على من اتّصف بالسعادة وعرج وَمر على الخليط الْمُنَاسب كَمَا مرت على الطَّحْن سبابة الحاسب، يقدم ويحفل، ويعلى ويسفل، وَيعلم ويغفل، ومنزلتي صفر من هَذَا التَّعْيِين، وحظى الظمأ من المورد الْمعِين. فَلَيْسَ إِلَّا الصَّبْر، إِن كَانَت الْوَسِيلَة الْمُعْتَبرَة، وَسِيلَة الْحبّ، فَمَا لوسيلتي تحفظ، وركائب استقدامي لَا ترتبط، وَفِي مثلهَا يحْسد أَو يغبط
(2/195)

الصحب، وَالْمحل الرحب. بِحَيْثُ يفعم الوطب، ويدرأ الْخطب، وترفع للطارق نَار الْقرى مادتها المندل الرطب. نَسْتَغْفِر الله من الاسترابة بالود اللّبَاب، ونتوب فِي الِاعْتِذَار عَن الأحباب، وَلَو علمُوا بارتفاع النقية، والمطالبة بالبقية، لما حجبوا بروقهم، وَلَا أغفلوا مشوقهم، وَلَا منعُوا عَنهُ صبوحهم وَلَا غبوقهم.
(وَعَسَى الَّذِي قدر البعاد يُزِيلهُ ... وَعَسَى الَّذِي كتب الْفِرَاق يجمع)

وَلما وقفت على استدعاء صاحبنا أبي الْقَاسِم، وصل الله حفظه، وأجزل من نعمه حَظه، آثرت اعتزامه، واقتضيت بالعهد الْتِزَامه، وكافحت جَيش اعتذاره، حَتَّى رَأَيْت انهزامه، فِي أَن أشاهد ذَلِك الْجمع الْمُبَارك بعيني، وأكون غَرِيم الدَّهْر فِي اقْتِضَاء ديني، وحركت لَهُ الشوق يذهب مَعَه الوسن، ويخلع فِي طَاعَته الرسن وَكنت فِي طَاعَته كَمَا قَالَ الْحسن:
(أَيهَا الرابحان باللوم لوما ... لَا أَذُوق المدام إِلَّا شميما)

(جلّ حظي مِنْهَا إِذا هِيَ دارت ... أَن أَرَاهَا وَأَن أَشمّ النسيما)

(نالني بالملام فِيهَا إِمَام ... لَا أرى لي خِلَافه مُسْتَقِيمًا)

(فَكَأَنِّي وَمَا أزين مِنْهَا ... تعدى يزين التحكيما)

(كل عَن حمله السِّلَاح إِلَى الْحَرْب ... فأفضى المطين أَن لَا يُقِيمَا)

وَالله يسر براحة الشَّيْخ النُّفُوس، وَيذْهب البوس، ويضفي من الْوِقَايَة اللبوس، وَالسَّلَام الْكَرِيم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ الْحسن بن يحيى فِيمَا يظْهر من الرسَالَة
(وسائلة عَن الْحسن بن يحيى ... وَقد جرحت مآقيها الدُّمُوع)

(تَقول ترحل المفضال عَنَّا ... وَضعنَا بعده فَمَتَى الرُّجُوع)
(2/196)

(وَكَأن الشَّمْس فارقنا سناه ... فأظلمت الْمعَاهد والربوع)

(فَقلت كَانَ بمقدمه فَقَالَت ... بشارتك الصواهل والنجوع)

(تولى الله مِنْهُ خير وَال ... نكف بِهِ الخطوب فَمَا تروع)

(فَقلت لَعَلَّهَا انْفَرَدت بِهَذَا ... فَقَالَ بقولِهَا الْحَيّ الْجَمِيع)

(فَكَانَت دَعْوَة صعدت ونجوى ... فقبلها الْمُجيب لَهَا السَّمِيع)

(وَوَافَقَ مَا نطقت بِهِ قَضَاء ... قضى إِن الْوَسَائِل لَا تضيع)

مَا كنت، أعزّك الله أَظن الْإِجْمَاع ينْعَقد على فضل وَال، وَلَا الأكف تمد فِي سَبِيل ضراعة من أَجله وسؤال، فَالنَّاس فِي الْوُلَاة على اخْتِلَاف أَحْوَال، بَين معاد وموال، ومتوقع عِقَاب ومؤمل نوال، حَتَّى خضت بَحر أهوال، وجنحت شمس ولايتك إِلَى وَقت زَوَال، فَظهر أَنه ثوب لم ينسج على منوال، وعنوان قبُول من الله متوال، وَلم يكن إِلَّا أَن أعملت الرحلة وأزمعتها، ولفقت الْعَزِيمَة وجمعتها، وشرعت فِي أَن أحقق الْأَخْبَار الَّتِي عَنْك سَمعتهَا، فنغص سروري الْوَاقِع، وأوحشتني الرسوم البلاقع، وساءتني المواقع، ثمَّ تدارك الْخرق وَالْحَمْد لله الرافع، وَبَطل بترياق الخواطر ذَلِك السم الناقع، فسكن الرَّعْد، وأنجز الْوَعْد، وسبط الْجَعْد، وساعد وجهتي السعد، وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد، ووفدت على مَنْزِلك مطلا على الْقَبِيل والعشير، مَعَ البشير، مزاحما إِيَّاه فِي ثنية الْمسير، فَلَو لم يكن لله على منَّة إِلَّا هَذِه الْمِنَّة، الَّتِي وكفت، لأحسبت وكفت، ولوت وعطفت، وحجت واعتكفت، لارتهنت أمد الْحَيَاة شكر لساني، واستدعت إدامة ذكرى لمن لَا ينساني، فَالْحَمْد لله الَّذِي نظم الشمل لما انتثر، وَأَحْيَا الرَّسْم فَمَا أمحا وَلَا دثر [وَقد روينَا الحَدِيث وحققنا الْأَثر] ، وَفِيه أَن الله أَخذ بيد الْكَرِيم كلما عثر، وَمَا زلت تسمعني الثنا الحائك، وينشقني الْحَمد رواحك وريحانك
(2/197)

فَأَقُول رَبنَا مَا خلقت هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ. فَلَمَّا تجللت الْحَال، يثني عَلَيْك مثيرها وراعيها، وتعرفت آثَار عداك، تكلّف الْأَلْسِنَة بشكر مساعيها، علمت أَن الله لَا يهملك، وَأَن حلمه يحملك، وبصنعه يزينك ويحملك، حَتَّى ينجح من يؤملك، وهممت أَن أقيم حَتَّى أشافهك بهنائك، وأسرك بتعرف ثنائك، إِلَّا أَنِّي تعرفت أَن الشغب تبيت مِنْهُ تبعة، ستزول بِفضل الله وترتفع. وتنصرف بقدرته وتندفع، وَالَّذِي حفظ جَوْهَر الذَّات، يجْبر عرض المَال، وَالَّذِي أحسن فِي الْمَاضِي وَالْحَال، يحسن فِي المنال، وللإنسان حَظّ يَسْتَوْفِيه، ورزق يفضل عَنهُ أَو يَكْفِيهِ وَغدا لَا يدْرِي مَا الله صانع فِيهِ، فَرَأَيْت أَن أنصرف حَتَّى أزورك بحول الله، رَضِي البال، ناجح الانتهاز فِي فرص الْعِزّ والاهتبال، راشقا إِلَى هدى السَّعَادَة بأشد النبال، جَامِعَة ولايتك بَين السهول وَالْجِبَال، وَأحل بك وفكرك وادع، وعزك لأنف الدَّهْر جادع وأمرك بالعز صادع، فَمَا أَحْرَى دهرك أَن يضن مِنْك بالذحيرة الَّتِي أزرت بهَا كف هَذِه الْأَزْمَان الْأَخِيرَة، ليستدل على مَا ذهب من الْخيرَة، وَمَعَ الْعسر يسر، وَالْأَيَّام رطب وَبسر، وصفقة الْفضل لَا يتعقبها خسر. وَالله يتولاك ويحرس علاك ويحفظ عَلَيْك مَا أولاك، كَمَا جعل المحامد حلاك، وَالسَّلَام يخصك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مِمَّا خاطبت بِهِ الشَّيْخ أَبَا الْحسن ابْن بطان أهنيه بولده عبد الْوَاحِد
(يهنيك مقدم عبد الْوَاحِد ابْنك عَن ... مطل بوعد من الْأَيَّام مرقوب)

(كيوسف كَانَ فِي فعل الزَّمَان بِهِ ... وَكنت فِي البث والشكوى كيعقوب)
قد علم الله، وَهُوَ الذى يعلم السِّرّ والخفى، ويميز المأذق والوفى، أننى
(2/198)

أَيهَا الْفَاضِل، الَّذِي إِلَيْهِ فِي الْمجد الْإِشَارَة، وباجتماع شَمله ذاعت الْبشَارَة، من يَوْم وَقع عَلَيْك بَصرِي، وَوَجَب عَن حصر كرمك حصري، وَرَأَيْت مِنْك كَوْكَب السحر الَّذِي أَخذ أعقاب النُّجُوم، وَالصُّبْح مرتقب الهجوم، وَبَقِيَّة الْغَيْث السجوم، والزمن كثير [الفبارك] والرجوم، واسيت لفراق ابْنك، إِذْ جوانحي بالفراق جد مكلومة، وأسوار صبري بمنازلة الدَّهْر [غير الموادع] أَي مثلومة، وَنَفْسِي بالرقة المسترقة مَعْلُومَة، وَفِي الْجزع للبين غير ملومة، لم أزل أضن على الْحَوَادِث بذاتك، وأوسع الْأَيَّام ذما فِي أذاتك، وأرغب فِي بقا رسم الْمَرْوَة بِبَقَاء حياتك، وأمل جمع شملك بِعَين أهلك، وأحتقر فِي جنبه مَا أملك، وَمَا عَسى الْيَوْم أَن أملك. وَأما مَا يرجع إِلَى تخليد ذكر جميل، وتنفيق فِي مَحل تأميل، وهز الْخلَافَة إِلَى وعيك، وإحماد سعيك، فَأمر لم آل فِيهِ جهدا، فقد أوسعته حرصا لَا زهدا، ونشرت لَك بأبوابهم مِنْهُ نبدا، وجندت جندا. وَكنت عينت الشكران من أَجلك، إِذا جمع الله شملك بنجلك، فَلَمَّا تعرفت خلاص بدره من سراره، ودنو دَاره، ورجوعه بعد الْميل إِلَى مَدَاره، ثمَّ نظرت إِلَى محاسنه بِعَين نايبة عَن عَيْنك، وسرني حسن القضا، بعد أَن مطل الدَّهْر بِدينِك، شاهدت فَاضلا فِي فِرَاق مثله يحسن الْجزع، ويرفض الصَّبْر المنتزع، وابنا مزيته على الْبَنِينَ مزية سنة الْهِجْرَة على السنين، حفظ الله كَمَاله، وَبلغ كلا مِنْكُم آماله، وأعانه على تأدية حَقك الَّذِي لَا يُوسع الشَّرْع وَلَا الطَّبْع إهماله، وحمدت الله وشكرته ورحت فِي طلق المسرة وابتكرت، وعذرت ووفيت بِمَا نذرت، وَلم يقنعني إِلَّا بعث من يشافه بهنائك [فِي أحب
(2/199)

أبنائك] وَلَوْلَا أَنِّي ملازم حُرْمَة لَا أبرحها، ومغمور جراية لَا أرفض حُقُوقهَا، وَلَا أطرحها، وموصل آمال لَا أشرحها، لم يقنعني إِلَّا أَعمال الركاب، بدل إِعْمَال الْكتاب. فمثلي إِذا عرف مثلك الْتزم، وَقطع بِمُوجب الوفا وَجزم، وَفِي وضع موَاضعهَا حزم من حزم، وَالله أسل أَن يَجْعَل شملكم شملا مَحْفُوظًا، وبعين الْجمع على الْأَيَّام ملحوظا، ومقدما مجدودا محظوظا ويمتع الْفُرُوع بِالْأَصْلِ، وَالْأُصُول بالفروع ويجعله ريعا بالبين غير مروع، ويعين من الْبر على الْحق الْمَشْرُوع. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك فِي مُخَاطبَة الْفَقِيه أبي عبد الله الْكِنَانِي وَقد صرف عَن خطة الِاشْتِغَال إِلَى الْخدمَة
(أَصبَحت سَهْما من كِنَانَته صائبا ... يمْضِي إِلَى هدف الْكَمَال ونحره)

(وَأَبُو المكارم جدك الأرضى الَّذِي ... استولى على سر الْكَمَال وجهره)

(مَا كَانَ يَدعِي بالمكارم كنية ... إِلَّا لكونك ثاويا فِي ظَهره)

سَيِّدي الَّذِي لساني مُرْتَهن حَمده، وجناني مستودع وده، أقسم بِمن فضلك على أَبنَاء جنسك، ومنابت غرسك، وَجعل يَوْمك فِي الْفضل موفيا على أمسك، مَا من يَوْم إِلَّا ولى فِيهِ لعلاك ذكر، وَحمد وشكر، وهم بلقائك وفكر، لما استجلبت من جمال يثير الكلف، وجلال يذكر من سلف، وَلما تعرفت مَا كَانَ من الِانْصِرَاف، وتطويق الافتراف، وَتَصْحِيح الْمثل فِي الْأَطْرَاف منَازِل الْأَشْرَاف، ارتمضت وَمَا اغتمضت، ثمَّ شكرت الله على نعمه وتبينت مَوَاضِع لطفه بك وَكَرمه، كَأَنَّك وَالله يقيك عرضة لإصابة الْعين ووقعها، ونعوذ بِاللَّه لَيْسَ بالهين. وَكم بَين المشوب والمحض، وَبَعض الشَّرّ أَهْون من بعض، ويتفاضل الدَّهْر فِي
(2/200)

العض، وَللَّه عناية ببقاع الأَرْض. فَإِن كَانَت سجلماسة قبل الْيَوْم يجلب مِنْهَا التبر إِلَى دَار الْملك، فقد رد إِلَيْهَا الذَّهَب الإبريز من بعد السبك، وَلَا بُد أَن يصول الْحق على الشَّك، فتعود الْأُمُور إِلَى معتادها، وتملك الْعليا مَحل فؤادها، فَإِنَّمَا هُوَ جميم وَرَاءه إنعام عميم، وَمن الله أسل أَن يكل لَك أَسبَاب الْعِزّ آمِنَة من الانصرام، وَلَا يقطع عَنْك عوارف الإنعام، وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مِمَّا خاطبت بِهِ الْفَقِيه الْحَكِيم الْقَاسِم ابْن دَاوُد الفخار من أهل سلا
(يَا من يُعِيد الطين كل صُورَة ... عَن مثل فِي علمه محصورة)

(والفلك الدوار من دواره ... وَالنَّار تمْضِي حكمه ضَرُورَة)

(فَهَذِهِ تحمل طيبا طَاهِرا ... وَهَذِه تَكْفِي بهَا قاذورة)

(أَوْصَاف حق فِي مقَال بَاطِل ... وَآلَة منهية مأمورة)

سَيِّدي جعلك الله مِمَّن تكيف بِالْحَقِّ وتجوهر، وَعلم الْمشرق والمظهر، إِذا غلب الْفرق اشْتقت إِلَى لقائك وارتمت إِلَى الْبَرْق من تلقائك. وَإِذا غلب الْجمع، وَهُوَ ثَمَرَة المجاهدة، تمتعت بك عين الْمُشَاهدَة، إِن تشوفت إِلَى الْأَحْوَال واستشرقت، فَلم تنْتَقل عَمَّا عرفت خرقَة الْقَوْم اللبَاس، وَمن بشكاة الْحق الاقتباس وَقد ذهب الباس. ولى أمل فِي العودة إِلَى ذَلِك الْجوَار، الحقي بالدوار، والجناب المظلل بالأعناب، وَالْبَيْت الْمَعْمُور بالكليات من الْأُمُور. وَالله يبلغ المآرب، وييسر المسارب، ويعذب المشارب، وَقد نظمت كلمة تَضَمَّنت ذكر الْمعَاهد الَّتِي نشأت بهَا العلاقة، وتعذرت من سكر شكرها الْإِفَاقَة، لتنظرها بِعَين الرِّضَا الكليلة عَن الْعُيُوب، وتأذن فِي انتساخها كمن ذهب إِلَى ذَلِك من أَرْبَاب الْقُلُوب، لَعَلَّ ذكرهم بالجميل ينفع، وَفِي كثير من سيئاتي يشفع. وَالله عز وَجل، يتَوَلَّى
(2/201)

شَأْنكُمْ أَيهَا الْحَكِيم الَّذِي لَهُ النَّفس الزكية وَالْقلب السَّلِيم، ويبلغك [كَمَا لَك] الْأَخير، فَهُوَ على كل شَيْء قدير. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ الْفَقِيه أَبَا جَعْفَر بن خَاتِمَة رَحمَه الله، عَن رِسَالَة كتب بهَا إِلَى
(لم فِي الْهوى العذري أَو لَا تلم ... فالعذل لَا يدْخل أسماع)

(شَأْنك تعنيفي وشاني الْهوى ... كل امْرِئ فِي شَأْنه ساع)

أَهلا بتحفة القادم وَرَيْحَانَة المنادم، وذكرى الْهوى المتقادم، لَا يصغر الله مسراك، فَمَا أسراك، لقد جيت إِلَى من همومي لَيْلًا، وجبته خيلا ورجلا، ووفيت من صَاع الْوَفَاء كَيْلا، وظننت بِي الأسف على مَا فَاتَ فأعملت الِالْتِفَات لكيلا. فأقسم لَو أَن أَمْرِي الْيَوْم بيَدي، أَو كَانَت اللمة السَّوْدَاء من عددي، مَا أفلت أشراكي المنصوبة لأمثالك. حول الْمِيَاه وَبَين المسالك، ولعلمت مَا هُنَا لَك، لكنك طرقت حمى كسحته الْغَارة الشعواء وغيرت ربعَة الأنواء، فجمد بعد ارتجاجه، وَسكن أذين دجاجه، وتلاعبت الرِّيَاح الهوج فَوق مجاجه، وَطَالَ عَهده بالزمن الأول، وَهل عِنْد رسم دارس من معول. وَحيا الله ندبا إِلَى زيارتي ندبك، وبآدابه الحكيمة أدبك ... . [
(فَكَانَ وَقد أَفَادَ بك الْأَمَانِي ... كمن أهْدى الشفا إِلَى العليل)
]
وَهِي شِيمَة بوركت من شيمه، وَهبة الله قبله من لدن المشيمة، وَمن مثله فِي صلَة رعى، وَفضل سعى، وَقَول ووعى ... ... ... .
(2/202)

(فقسما بالكواكب الزهر والزهر عاتمة ... إِنَّمَا الْفضل مِلَّة ختمت بِابْن خَاتِمَة)
كساني حلَّة فَضله، وَقد ذهب زمَان التجمل.
( [وحملني ناهض شكره ... وكتدى واه عَن التَّحَمُّل] )

ونظرني بِالْعينِ الكليلة، عَن، للعيب، فَهَلا أَجَاد التَّأَمُّل، واستطلع طلع بثى ووالي فِي أحرك المجرة] حثي. إِنَّمَا أَشْكُو بثي.
(وَلَو ترك القطا لَيْلًا لناما)

وَمَا حَال شَمل قَيده مفروق، وقاعدته فروق، وصواع بني أَبِيه مَسْرُوق، وَقَلبه قرحَة من عضة الدَّهْر دَامَ، وجمرة حسرته ذَات احتدام. هَذَا وَقد صَارَت الصُّغْرَى، الَّتِي كَانَت الْكُبْرَى لمشيب لم يرع أَن هجم، لما نجم، ثمَّ تهلل عَارضه وانسجم.
(لَا تجمعي هجرا على وغربة ... فالهجر فِي تلف الْغَرِيب سريع)

نظرت فَإِذا الْجنب نَاب، وَالنَّفس فريسة ظفر وناب، وَالْمَال أكيلة انتهاب، والعمر رهن ذهَاب، وَالْيَد صفر من كل اكْتِسَاب، وسوق الْمعَاد مترامية، وَالله سريع الْحساب.
(وَلَو نعطى الْخِيَار لما افترقنا ... وَلَكِن لَا خِيَار مَعَ الزَّمَان)

وهب أَن الْعُمر جَدِيد، وظل الْأَمْن مديد، وَرَأى الِاغْتِبَاط بالوطن سديد، فَمَا الْحجَّة لنَفْسي، إِذا مرت بمطارح جفوتها، وملاعب هفوتها، ومثاقب قناتها، وَمظَاهر [عراها وهناتها] والزمن ولود، وزناد الْكَوْن صلود.
(وَإِذا امْرُؤ لدغته أَفْعَى مرّة ... تركته حِين يجر حَبل مفرق)
ثمَّ إِن المرغب قد ذهب، والدهر قد اسْترْجع مَا وهب، والعارض قد اشتهب
(2/203)

وأدات الِاكْتِسَاب مرجوحة مرفوضة، وأسماؤه على الْجوَار مخفوضة، وَالنِّيَّة مَعَ الله على الزّهْد فِيمَا بأيدي خلقه معقودة، وَالتَّوْبَة بِفضل الله عز وَجل شُرُوطهَا غير مُعْتَرضَة وَلَا منقودة، والمعاملة سامرية، ودروع الصَّبْر سابرية، والاقتصاد قد قرت الْعين بِصُحْبَتِهِ، وَالله قد عوض حب الدُّنْيَا بمحبته، فَإِذا رَاجعهَا مثلي من بعد الْفِرَاق، وَقد رقى لدغتها ألف راق، وجمعتني بهَا الْحُجْرَة، مَا الَّذِي تكون الْأُجْرَة، جلّ شأني وَإِن رضى الوامق، أَو سخط الشاني. إِنَّنِي إِلَى الله مهَاجر، وللعرض الْأَدْنَى هَاجر، ولأظعان السّري زاجر، [لأحد إنْشَاء الله وحاجر] لكني دَعَاني إِلَى الْهَدْي إِلَى الْمولى الْمُنعم هوى، خلعت نعلى الْوُجُود، وَمَا خلعته، وشوق أَمرنِي فأطعته، وغالب وَالله صبري فَمَا استطعته، وَالْحَال [وَالله] . أغلب، وَعَسَى أَن لَا يخيب الْمطلب. فَإِن يسره رِضَاهُ فأمل كمل، وراحل احْتمل، وحاد أشجى النَّاقة والجمل. وَإِن كَانَ خلاف ذَلِك، فالزمن جم الْعَوَائِق، وَالتَّسْلِيم بمقامي لَائِق:
(مَا بَين طرفه عين وانتباهتها ... يقلب الْأَمر من حَال إِلَى حَال)

وَأما تفضيله هَذَا الوطن على غَيره ليمن طيره وَعُمُوم خَيره وبركة جهاده وَعمْرَان رباه ووهاده، بأشلاء زهاده، حَتَّى لَا يفضله إِلَّا أحد الْحَرَمَيْنِ، فَحق بَرى من المين. لكني للحرمين جنحت، وَفِي جو الشوق إِلَيْهَا سرحت. وَقد أفضت إِلَى طَرِيق قصدي محجته، ونصرتني والْمنَّة لله حجَّته، وَقصد سَيِّدي أَسْنَى قصد، توخاه الشُّكْر وَالْحَمْد، ومعروف عرف بِهِ النكر، والآمال من فضل الله بعد تمتار، وَالله يخلق مَا يَشَاء ويختار، ودعاؤه بِظهْر الْغَيْب مدد، وعدة وَعدد
(2/204)

وبره حَالي الْإِقَامَة، والظعن معتمل مُعْتَمد، ومجال الْمعرفَة يفضله لَا يحصره أمد. وَالسَّلَام الْكَرِيم من محبه الْمثنى على كَمَاله. فلَان.
وَمن ذَلِك فِي مُرَاجعَة قَاضِي الْجَمَاعَة عَن رِسَالَة فِي شَأْن نَخْلَة خَارج الْحَمْرَاء
(مزايا النّخل يَوْم الْفَخر مِمَّا ... تساوى الشَّيْخ فِيهِ والغلام)

(وَحقّ بِطيبَة للنخل طيب ... على حجرات ساكنها السَّلَام)

(فيا قَاضِي الْقُضَاة فدتك نَفسِي ... أقرّ الْخصم فارتفع الْكَلَام)

وَأَنت أيتها الطارقة طروق الولهان، المنافرة فِي الْفَخر إِلَى الْكُهَّان، الْمُسَابقَة يَوْم الرِّهَان، المنتصرة من امتهان غير المهان، حياك الله من أبيَّة حنيم، وبارقة غيم، وراعية جَار، ومشيدة نجار، وملحقة من قل فِي أمس وَيَوْم، وَوُجُود سوم، بسراة قوم مَعَ الْبَرَاءَة من لؤم أَو لوم، حَتَّى جزت بأنسابه الْعَرَب، وقارعة النبع بالغرب، بَين الشعوب والقبائل، والبطون والفضائل، متلفعة ببرود لبردى الْبكر والأصايل، مَتى أطلت صُحْبَة كميل، واستفدت مَا لَدَى النَّضر بن شُمَيْل، مَتى وَردت بِغَيْر ثماد، من معرفَة الْأَصْمَعِي وَحَمَّاد، حَتَّى رددت كلا إِلَى نسبه، وجبرت على اللَّقِيط لقطَة حَسبه، وَرفعت بالأصباع عَن ذهدة اللوم، وسبرت غابرة الكلوم، ورددت الْمَجْهُول إِلَى الْمَعْلُوم. وَكم مر قبلك من حَان وفاعل، فَوق ناهق وصاهل، وسهى وعد ووعيد. وطالب مرام بعيد، ومبدي فِي اللَّغْو ومعيد، وبارز إِلَى مصلى عيد، وَفَارِس صنديد، وأسراب عباديد، يمتون إِلَى تِلْكَ الغريبة. بالوسائل الْقَرِيبَة، ويعترفون لسخبها
(2/205)

بِطيب الضريبة، وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا مَعَ ذَلِك بالعيون المريبة، ويجتنبونها اجْتِنَاب الحريبة، وَهِي الْعمة، وَلها الْحُقُوق الجمة، وَالرَّفْع والضمة. دَعْنَا من إطراء ذَاتهَا، والامتعاض لأذاتها، وَالنَّظَر فِي آلامها ولذاتها، ولنعتبر مزية أَصْلهَا، وصعدة نصلها، وبركة فصلها، وتفد الجس إِلَى جِنْسهَا عَن فَضلهَا. أليست قسيمة آدم أبي الْبَريَّة فِي طيبَة البشرية، أَلَيْسَ جذعها الْمَخْصُوص بالمعجزة السّنيَّة لما انثال على البتول بالرطب الجنية، بِأَمْر رب هَذِه البنية، وحن إِلَى الرَّسُول الْخَاتم واهتز، وابتز الشوق من تماسكه مَا ابْتَزَّ، إِلَى مَا ورد فِي الذّكر من تَكْمِيل لبرها، وتتميم، وَتَخْصِيص من بعد تَعْمِيم، فَمَا الْعذر فِي الإغفال، وَالْتِبَاس الهوادي بالأكفال [وَعدم الاحتفاء والاحتفال وَكَاد أَن يرْضخ لَهَا من الْأَنْفَال] وَأَن تستعد لتجنبك الْأَطْفَال وتوسم بهَا الموائد الأغفال، وتحاط خزائنها إِذا كملت جرايتها بالأقفال، وينال من ضلعها التقريع والعتب السَّرِيع، وَيعلم بهَا ذَلِك الرّيع، ويستدعى لَهَا الْعَيْش المريع، ويدار بهَا سياج السَّلامَة، ويتاحف من سقيطها وَلَو بالقلامة، وَيرْفَع ببرها عَن [بني أَخِيهَا] وترتب الْمَلَامَة، وَيجْعَل لِلْأُصُولِ الغريبة كالعلامة، لَكِن رُبمَا أجَاب مِنْهُم منتدب محتسب، وجذب إِلَى الْأَنْصَار منتسب، فَقَالَ مَا لنا وللبر المضاع، والعتب الْمُقَرّر الأوضاع، وَلم يخف علم الله رحما، وَلَا أنكرناه عيصا ملحما وفوجا ملتحما فَمَا كل نسب يرْعَى وَلَا كل ولد يَرث أَبَاهُ شرعا، وَرُبمَا أنكر الأَصْل فرعا، وَمَا كالسعدان كل مرعى. وَفِي التَّفْرِقَة بَين نوح وَبَين سليله، مَا يتكفل لهَذَا الْقبُول بتعليله وتكثير قَلِيله إِذْ يَقُول سُبْحَانَهُ، وَقد جعله مِمَّن يهْلك، يَا نوح
(2/206)

إِنَّه لَيْسَ من أهلك، وَهَذَا السَّبِيل الَّذِي عفم مِنْهُ النَّسْل، قيل فِي الْحَقِيقَة، وحايد عَن الطَّرِيقَة العريقة، خلع فِي السخف الرسن، وَلم ينبته الله النَّبَات الْحسن، وَأدْركَ بادس الْملك وَمَا سكن، فَمَا أطرق بتمره اللِّسَان وَلَا أطلق بفضله اللسن، أغفل الشُّكْر على الْمَعْرُوف، وَعدل عَن الْأَسْمَاء للحروف، وَنظر عَن الظّرْف المظروف، واتصف مَعَ الأَصْل الشريف بِصفة المشروف، بعد أَن أكتب من مقرّ الْعِزّ جواره، وكنفته من معقل الْملك أسواره، فَمَا عدم مَاء يَسْتَدْعِي نَمَاء وآثاره تحفظ مِنْهُ ذما، يحيا عِنْد افْتِتَاح الْبَاب ويبيا، وَينظر عَن يَمِين الْمحيا، قد رفع علما بِبَاب الشَّرِيعَة، ومنارا بهضب الرَّوْضَة المريعة، يهدي الطارق ويصافح البارق، ويشيع الغارب، وَيسْتَقْبل الشارق، فأخلف ذَلِك الْخلف الْوَعْد، وَأثر فِي الزَّمن الْبسط خلقه الْجَعْد. أما عموده فقصير، وَإِن طَال مِنْهُ الْعُمر، وَأما ثمره فمعدوم، وَإِن جَادَتْ التَّمْر، وَأما جديده فَغير نَافِع لمن يُريدهُ، قد أمكن أهل السبت من ناصيته، وأبلغ مرتادهم إِلَى قاصيته والسمح للْكَافِرِ بكفراه، فَمَا أحقه باللوم وأحراه، فاستضافة الكدبة على الغرير، ومالوا إِلَيْهِ عَن الْغَيْر، فدان بدينهم، واتسم بسمة خدينهم، وَظَهَرت عَلَيْهِ الْغلَّة، وَضربت المسكنة والذلة، وحكمهم فِي مفرقه، يعلونه بالأنامل، إِلَى أَن يبلغُوا مِنْهُ أمل الآمل، وَأما من مَكَائِد مستسر، فِي مَظَنَّة بر، إِذا أخبر العبور، والتلمود المستور، بعيد إِسْرَائِيل تهلل، وَإِن باكره التَّكْبِير، وَالذكر الْجَمِيل، تذلل، وبالصغار فِي عين الْخُشُوع تجلل. فأقسم بِمن حرم الفسوق وَوصف الطّلع والمبسوق، ونفق مِنْهَا السُّوق، إِنِّي ليغلب على ظَنِّي، وَبَعض الظَّن إِثْم، وَفَوق كل ذِي علم عليم، وعَلى أَن نواته المجتلبة على النَّوَى، والغربة
(2/207)

الهادية من التخوم، الثَّابِتَة إِلَى هَذِه الْقرْبَة، كَانَ من خمرة خَبِير اكتسابها، وَفِي بني النظير أَو بني قُرَيْظَة انتسابها، وَأَن بركَة بِي الْحقيق ظَهرت على ذَلِك العذيق فَلذَلِك مَا تألفت الأشكال، وَحقّ النكال، وَإِلَّا فَمَا للنخيل وشيم الْبَخِيل وأكذاب المخيل، وَالنّسب الدخيل، إِنَّمَا هِيَ مِمَّن غل يَده العقال، وَلعن بِمَا قَالَ. فليعد ذَلِك العذق بالملامة على نَفسه فهضمه لَا يعود على جنسه، ومعرة الْيَوْم مُرْتَفعَة عَن أمسه أَمر. وعَلى ذَلِك فجواره الْقَرِيب الَّذِي لَا يهمل، وعيته بعد وصاة قَاضِي الْقُضَاة، لَا تسمل، بل تكنف إِن شَاءَ الله بالرعى وتسمل وتتلقى بِالَّتِي هِيَ أجمل، فَالله قد زكى بنظره الشُّهُود لما وفى النصح المجهود، وَأدْخل فِي الدّين الحنيف على يَده النَّصَارَى وَالْيَهُود، فَالْخَبَر يُبَارك وسيدي فِي الرَّد إِلَى الْحق يُشَارك، والقس يصلب، وَالله عز وَجل بسعيه الْقُلُوب يقلب، حَتَّى أكثرت المهاجرة وبرت الْقسم الْفَاجِرَة، وَلَعَلَّ هَذِه النَّخْلَة الإسرائيلية تكون بليته مِمَّن أسلم، وأسدى وَتعلم، وأبل بعد مَا تألم، وَانْطَلق لِسَانه بالعز وَتكلم، حَتَّى يجود غمامها وَتحمل بالرطب أكمامها. وَيعود إِلَى الْمُلَامسَة عودهَا، وتنجز بالأزهاء وعودها، ويرتفع جمودها، الَّذِي شان وخمودها، وتيأس الْيَهُود من جناها المحبور، وحماها الشاكي بالحبور، كَمَا يسر الْكفَّار من أَصْحَاب الْقُبُور، وَإِن تَمَادى الاهويا فِي مبعث أهل السبت وَوَقع عَلَيْهِ الْكتب بالكبت، فعدله أبقاه الله، يجْبر الْيَهُود على جبره، ويرعى مَا أبداه من تماسكه على دينهم وَصَبره، وبحكم التَّوْرَاة، فِي مواراة وَصله وَالزَّبُور، وليكلف الحبر أَن يعامله مُعَاملَة وَلَده لصلبه، وَإِلَّا فليجعله جذعا لصلبه، وَإِذا كَانَ كَذَلِك، فيرجى أَن تنشأ لَهُ فِي أهل الْكتاب ناشية وتتعلق بِهِ أَحَادِيث فَاشِية، وَيجْعَل الله بِرَأْسِهِ من التَّمْر
(2/208)

المضفر شاشية، وَحفظ أهل الذِّمَّة، لَا يُنكر على هَذِه الْأمة. وَالله يبْقى سَيِّدي مُشِيرا للهمة بالأمور المهمة، ومحييا للرمة، وراعيا للوسائل والأذمة، بحول الله.
وَمن ذَلِك وَقد تَكَرَّرت حَرَكَة السُّلْطَان أيده الله تَعَالَى إِلَى سُكْنى قَصَبَة الْمنْكب فكثرت بيني وَبَين الْأَوْلَاد والأحباب الْمُكَاتبَة
(بِحَق مَا بَيْننَا يَا سَاكِني القصبة ... ردوا على حَياتِي فَهِيَ مغتصبة)

(مَاذَا جنيتم على نَفسِي ببعدكم ... وَأَنْتُم الأمل والأحباب والعصبة)

لمن المشتكي بالبطيحة، الَّتِي هواؤها مثل مَائِهَا أجن، وقدرها ساجن، وساكنها الْأَصْلِيّ جلال دَاجِن، وبحرها متلاعب متماجن، والمشاهق مثل جَارك الناهق، مقفر من أنيسه، فاغرة حلوق دماميسه، والأثر الماثل سَيْفا فَردا لَا بل مُفردا، ينحت جَوَانِب الْأَعْمَار، ويذود راعيه قطائع اللَّيْل وَالنَّهَار، فَلَقَد عوضتني من من النَّعيم ببوسي، وحجبت عني أقماري وشموسي، وليت شعري لمن تنافرها الحضرة من الكنهان مستعدية بِسَبَب الامتهان. أما المزية الَّتِي أحلتها هَذَا الْمَكَان حَتَّى تتْرك وَهِي المفداة، وتفضل حاضرتها مَا سكنته البداه. نَسْتَغْفِر الله، فالقبح وَالْحسن على الشَّرْع موقوفان، وَالْعقل مَعْزُول عَن هَذَا الْعرْفَان. ومولانا أبقاه الله حجَّة، وبحر إِدْرَاكه، لَا يُقَاس بِهِ لجة، وحسبنا أَن نسل الله إمتاعه بِمَا اخْتَارَهُ فَإِن يجْرِي وفْق غَرَضه أقداره، وَإِن تشوفتم إِلَى الْحَال فمقبول الْمَرَض بعد جاثم، وَالشَّيْخ فِي الشُّكْر على مَا سَاءَ وسر آثم، وَاللَّفْظ لجب، وَوجه الْحق محتجب، ففرجوا بعض الكرب برقى رقاعكم، وَبَادرُوا السَّهْو عَن مكاتبتي بأرقاعكم،
(2/209)

وَلَا تغفلوا عَن مؤانسة من وجوده وَحْشَة لولاكم، صانكم الله وتولاكم، وشملكم بالعافية، وأوردكم فِي الْحل والترحال، مواردها الصافية. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا كتبت إِلَيْهِم فِي الْمَعْنى
(يَا سَاكِني مرفا الشواني ... شوقي من بعدكم شواني)

(ولاعج الشوق قد هواني ... من بعدكم وَاقْتضى هواني)

(لقد كفاني لقد كفاني ... بَاقِي ذما ناهبا كفاني)

(كَأَنَّهُ مَالِكًا عناني ... أنموذج من أبي عناني)

(منوا على الشوق بالأمالي ... فَأنْتم جملَة الْأَمَانِي)

إِلَى أَي كَاهِن أتنافر، وَفِي أَي ملعب أتجاول وأتظافر، وَبَين يَدي أَي حَاكم أتظالم، فَلَا أتفاخر، مَعَ هَذَا الْجَبَل، الَّذِي هُوَ فِي الْحَقِيقَة جمل، حف بِهِ من الدّور همل، سنامه التامك أجرد، وذنبه قد سَالَ كَأَنَّهُ مطرد وعنقه إِلَى مورد الْبَحْر يتعرج ويتعرد، وكأنما البنية بأعلاه، خدر فاتنة، أَو برق غمامة هاتنة، اسْتَأْثر غير مَا مرّة بأنسي، وَصَارَت عينه الحمئة، مغرب شمسي، حَتَّى كَانَ هَذَا للشكل من خدر وبعير، وَإِن كَانَ مجَاز مستعير، ليتضمن شكوى الْبَين، وَيفرق بَين المحبين
(مَا فرق الأحباب بعد الله إِلَّا الْإِبِل ... وَالنَّاس يلحون غراب الْبَين لما جهل)

(وَمَا على ظهر غراب الْبَين تقضى الرحل ... وَلَا إِذا صَاح غراب فِي الديار ارتحل)

(وَمَا غراب الْبَين إِلَّا نَاقَة أَو جمل ... )

فأقسم لَوْلَا أَن الله تَعَالَى، ذكر الْإِبِل فِي الْكتاب الَّذِي أنزل، وَأعظم الْعِنَايَة
(2/210)

بهَا وأجزل، لسللت عَلَيْهَا سلَاح الدُّعَاء، وأغريت بهجرها نفوس الرعاء. وَقلت أَرَانِي الله إكسارك من بعير فَوق سعير، وَلَا سمحت عقبَة الأندر وَالشعِير بتبن وَلَا شعير.
(دَعَوْت عَلَيْك لما عيل صبري ... وقلبي قَائِل يَا رب لَا لَا)

نَسْتَغْفِر الله، وَأي ذَنْب لذِي ذَنْب شَامِل، وَلَيْث مائل، بِإِزَاءِ لج هائل يتعاوده الْوَعْد والوعيد، فَلَا يُبْدِي وَلَا يُعِيد، وتمر الْجُمُعَة والعيد، فَلَا يستزيد وَلَا يستعيد، إِنَّمَا الذَّنب لدهر يرى الْمُجْتَمع فيغار ويشن مِنْهُ على الشمل الْعَار، ونفوس على هَذَا الْغَرَض تساعده، وتعينه ليبطش ساعده، وتقاربه فِيمَا يُرِيد فَلَا تباعده:
(وَلَقَد علمت فَلَا تكن متجنيا ... أَن الْفِرَاق هُوَ الْحمام الأول)

(حسب الْأَحِبَّة أَن يفرق بَينهم ... رب الْمنون فَمَا لنا نستعجل)

لَكِن الْمُحب حبيب ولغرض المحبوب منيب
(وَيحسن الْفِعْل إِن جَاءَ مِنْكُم ... كَمَا طَابَ عرف الْعود وَهُوَ دُخان)

وَقد قنعت برسالة تبلغ الأنة، وَتدْخل بعد ذَلِك الصِّرَاط الْجنَّة، ويعبر لسانها عَن شوقي من دون عقله، وَتنظر عَيْني من بَيَاض طرسها، وَسَوَاد نَفسهَا بمقلة، فَإِن كَانَ الْجَواب، فَهُوَ الْأجر وَالثَّوَاب، وَلم أر قبل شوقي من نَار تخمد بطرس، يلقى على أوارها، فَيَأْمَن عَادِية جوارها، لَكِنَّهَا نَار الْخَلِيل، رُبمَا تمسكت من المعجزة بأثر، وعثرت على آثاره مَعَ من عثر، جمع الله من الشمل بكم مَا انتثر، وأنسى بِالْعينِ الْأَثر، وحرس على الْكل من مشوق وشائق، وموحش ورائق سر الْقُلُوب، ومناخ الْهوى المجلوب، ومثار الأمل الْمَطْلُوب، وَلَا زَالَت الْعِصْمَة
(2/211)

تنسدل فَوق مثواه قبابها، والسعود يحمد فِي أمره العالي مثابها، فالمحبوب إِلَيْهِ حبيب، وَإِن أَسَاءَ وأوحش الصَّباح والمسا:
(إِن كَانَ مَا سَاءَنِي مِمَّا يسركم ... فعذبوا فقد استعدبت تعذيبي)

وَالسَّلَام عَلَيْكُم مَا حن مشوق، وتأود لليراع فِي رياض الرّقاع قصب ممشوق، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك وَقد أجابني الْفَقِيه أَبُو عبد الله بن زمرك وإبناي عبد الله وعَلى، فراجعت الثَّلَاثَة بِمَا نَصه
(أكْرم بهَا من بِنَا بنان ... أرسخ فِي الْفَصْل من أبان)

(أجنا لَدَيْهَا الرِّضَا حنان ... من الْمعَانِي جنا جنان)

(أَي جبى للأكف وَأَن ... مِمَّا للمباري بِهِ يدان)

(أقسم بِالذكر والمثان ... مَالك فبمَا سَمِعت ثَان)

(مدامة بزت الْأَوَانِي ... تنشط لِلْقَوْلِ كل دَان)

(تَقول أوضاعها الغواني ... با الْعلم عَن زِينَة الغوان)

(يارب بَارك لمن بنان ... فِي الْفِكر وَالْقلب والبنان)

هَكَذَا هَكَذَا، وبعين الحسود القذا، تتناثر الدُّرَر الكامنة، وتهاج القرائح لنائمة الآمنة، وتقضى الدُّيُون من الطباع الضامنة:
(أُعِيذهَا بالخمس من ولايد ... قد قلدت بنخب القلايد ... . غَيره)

(أُعِيذهَا بالخمس من حبايب ... يغذين بالمراضع الأطايب ... غَيره)

(أُعِيذهَا بالخمس من وُجُوه ... يصونها الله من الْمَكْرُوه)
(2/212)

ويامانح قلب الْقُلُوب أوريت، وَصدق مانويت، البير بيرك، وَذُو حفرت وَذُو طويت، وَمَا رميت إِذْ رميت، وَلَو علمنَا السرائر، لأعددنا لهَذَا الْمكيل الغرائر، وَلَو تحققنا إِجَابَة السُّؤَال، والنسيج على هَذَا المنوال لفسحنا الظروف لهَذَا النوال. ساجلنا الغيوث فشححنا، وبارزنا الليوث فاقتضحنا، وصلينا، وَالْحَمْد لله على السَّلامَة بِمَا قدحنا لَا بل التمسنا نقبة، وأقطعنا تنورا واقتبسنا جذوة، فأقبستنا نورا.
(ملك الثَّلَاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبِي بِكُل مَكَان)

(هَذَا الْهلَال وَتلك بنت المُشْتَرِي ... حسنا وهذي أُخْت غُصْن البان)

مَتى كَانَ أفق الْمنْكب مطلعا لهَذَا الْكَوْكَب، وأجمة تِلْكَ السَّاحِل الماحل، من معاهد الدمر الحلاحل، ومورد الْجمل الْبَادِيَة الغر، مقاصا لمثل هَذَا الدّرّ، إِلَّا أَن يكون كنز هَذَا المرام المستدعي الكلف والغرام من مستودعات تِلْكَ الْأَهْوَاء والأهرام، دمنة الْملك الغضاب، بعد أَن قدست الأنصاب، وأقفى الْأَثر فَلَا يصاب، أَو تكون الْأَنْوَار هُنَالك تتجسم، والحظوظ تعين وتقسم، والحقائق تحد وترسم، أَو تتوالد بِتِلْكَ المغارات يوسانيا وروسم ظَنَنْت بِأَن تثور من أجم الأقلام أسود، وتعبث بالسويداوات من نتائج اليراع والدواة لحاظ سود. من قَالَ فِي الْإِنْسَان عَالما صَغِيرا فقد ظلمه، كَيفَ وَالله بالقلم علمه وَرفع فِي العوالم علمه. لقد ذرت حلمات تِلْكَ الأحلام من رسل غرير، وَمَا كَانَ فَحل تِلْكَ الأقلام بزير، وَلَا سُلْطَان تِلْكَ الطباع، المديدة الباع، ليستظهر بوزير، إِنَّمَا هِيَ مشاكي أَعمال أوقدها الله وأسرجها، وملكات فِي الْقُوَّة رَجمهَا، مُرَجّح الْقُدْرَة فأبرزها إِلَى الْعقل وأخرجها، وَأَحْرَى بهَا أَن تحط بذور
(2/213)

المدارك الإلهية رِحَالهَا، وتترك إِلَى الْوَاجِب الْحق مجالها، فَتَجَاوز أوحالها مستنيرة بِمَا أُوحِي لَهَا. إيه بنية، أقسم بِرَبّ البنية. وقاسم الحظوظ السّنيَّة، لقد فزت من نجابتكم عِنْد التماح إجابتكم بالأمنية، فَمَا أُبَالِي بعد بالمنية وَقَاه الله عين الْكَمَال من كَمَال، وصان سروجه من السمال، واكتنفه بالمزيد من عز، يَمِين وشمال، كَمَا سوغ الْفَقِير مثلي إِلَى فقرها زَكَاة حجال لَا زَكَاة جمال. ولعمري، وَمَا عمري عَليّ بهين، وَلَا الْحلف فِي مقطع الْحق بمتعين، لقد زحفت مِنْهَا إِلَى ثَلَاث كتائب، قادها النَّصْر جنائب، ألفاتها العصي، ونوناتها القسي، وغاياتها المرام العصي، ورقومها الْخلق، وجيادها قد فشى فِيهَا البلق، بِحَيْثُ لَا استظهار للشَّيْخ إِلَّا بشعب، وَلَا افتراس إِلَّا لمن قد قدر، ودريد هَذَا الْفَنّ يحمل فِي خدر:
(سلت على سيوفها أجفانه ... فلقيتهن من الْمُنِيب بمغفر)

فلولا تقدم الْعلم بالسلم، لخيف من كلمها وُقُوع الْكَلم. أما أحداهن ذَات الْقيام والدلج بالإعتام، المستمد سوادها الْأَعْظَم من مسك الختام، فعالت فريضتها بِالزِّيَادَةِ، وعلت يَدهَا بمنشور السِّيَادَة، ورسم شنشتها الْمَعْرُوفَة أخزم، وجادها من الطَّبْع الْمعِين السماك والمرزم، وظفر أسجاعها المظفرة لُزُوم مَا لَا يلْزم:
(خدم اليراع بهَا فدلجها ... وَسَأَلت مُجْتَهدا عَن الْفَرْض)

(فَعلمت أَن الصُّلْح مقْصده ... لتزول بعض عَدَاوَة الربض)

وَأما أُخْتهَا التالية، ولدتها الحانية، فنؤوم مكسال، رِيقهَا برود مسلسال، وَمن دونهَا موارد وكسال وذيب عَسَّال، وَإِن عالت بِنَقْض فِي النّظم، فقد أخذت من الْبَدَائِع بالكظم، وامتكت الْمَعَالِي امتكاك الْعظم. وَأما الثَّالِثَة فكاعب حسنها
(2/214)

بالعقول متلاعب، بنت لبون لَا بنت حَرْب زبون، حياها الله وبياها، فَمَا أعظم رياها.
(تشم أنفاس نجد من ثِيَابهمْ ... عِنْد الْقدوم لقرب الْعَهْد بِالدَّار)

وَلَو قصرت لتغمد تَقْصِيرهَا، وَكثر بِالْحَقِّ نصيرها فَكيف وَقد أجابت، وصابت غمامتها وجادت، وَقد شكرت على الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل، وَعرفت مِنْهُ الْبَاذِل وَجهد الفصيل، وطالعت مسَائِل الْبَيَان والتحصيل، وقابلت مفضض الضُّحَى بِمذهب الْأَصِيل، وأثرت يَدي، وَكَانَت إِلَى تِلْكَ الْفقر الفقيرة، ونبهت فِي عَيْني الدُّنْيَا، وَكَانَت حقيرة، ورجوت أَن لَا تعدم هَذِه الْأَسْوَاق مديرا، وَلَا تفقد هَذِه الْآفَاق رَوْضَة وغديرا، وَسَأَلت لجملتكم المحوطة الشمل الملحوظة بِعَين السّتْر الْجَمِيل، عزا أثيرا، وَخيرا كثيرا، وَأمنا تحمدون مِنْهُ فراشا وثيرا. وعذرا أَيهَا الأحباب، والصفو اللّبَاب عَن كدح سنّ وَكبره، وفل استرجاع وعبرة، استرقته ولج الشغب طام ذُو التظام، والخلق فرَاش يكبون منى على حطام. ورسل الفرنج قد غشى الْمنَازل منثالها، ونتجتها بالعشى أَمْثَالهَا، والمراجعات تَشْكُو البث، والجفاة تستشعر المكيدة والحيف.
(وَلَو كَانَ هما وَاحِدًا لبكيته ... وَلكنه هم وثان وثالث)
وَالله عز وَجل يمتع بأنسكم من عدم الِاسْتِمْتَاع بسواه، وتصر عَلَيْهِ متشعب هَوَاهُ، وَيبقى بركَة الْمولى الَّذِي هُوَ قطب مدَار هَذِه الأقمار والأهلة، لَا بل مَرْكَز فلك الْملَّة، وسجل حُقُوقهَا المستقلة، وَالسَّلَام عَلَيْكُم مَا حنت النيب إِلَى الفصال، وتعللت أنفس المحبين بِذكر أزمنة الْوِصَال، وكرت الْبكر على الآصال، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
(2/215)

وَمن ذَلِك، وَقد صدرت بَين فاضلين من الْأَصْحَاب مُكَاتبَة مفتتحة بِأَبْيَات، وصرفا إِلَى التَّحْكِيم، وَجعلا لنظري التَّفْضِيل، فَكتبت:
(بَارك عَلَيْهَا بِذكر الله من قصَص ... وَاذْكُر بهَا مَا أُتِي فِي سُورَة الْقَصَص)

(حَيْثُ اغتدى بِسحر يلهو بالعقول وَقد ... أجال بَين حبال كبده وعص)

(عقائل الْعقل وَالسحر الْحَلَال ثوت ... من كافل الصون بعد الْكَوْن حجروص)

(وَأَقْبَلت تتهادى كالبدور إِذا ... سجن من فلك التدوير فِي حصص)

(من للبدور وربات الْخُدُور بهَا ... الْمثل غير مُطِيع والمثال عص)

(مَا قرصة الشَّمْس وَالشَّمْس المنيرة إِن ... قيست بِهن سوى من جملَة الفرص)

(تالله مَا حكمهَا يَوْمًا بمنتقض ... كلا وَلَا بدورها يَوْمًا بمنتقص)

(إِن قَالَ حكمى فِيهَا بالسواء فقد ... أمنت مَا يحذر القَاضِي من الْغصَص)

(أَو كنت أرخصت فِي التَّرْجِيح مُجْتَهدا ... لم يقبل الْوَرع الْفتيا من الرُّخص)

يَا مُدْلِج ليل التَّرْجِيح قف، فقد جفيت الْكَوَاكِب، وَيَا قافي طرق التحسين والتقبيح، تَسَاوَت وَالْحَمْد لله، المناكب، وَيَا مستوكف خبر الوقيعة، من وَرَاء قتام القيعة، تصالحت المواكب. حصحص الْحق فارتفع اللجاج، وتعارضت الْأَدِلَّة فَسقط اللجاج، وَطَاف [نحل الأقلام بأزهار الأحلام، فطاب المجاج] وَقل لفرعون الْبَيَان وَإِن تأله، وبلد الْعُقُول وبله، وَدلّ بالغرور
(2/216)

ودله، أوسع الكناس نثلا، ودونك أيدا شلا، وشجرا جثلا، لاخمطا وَلَا أثلا إِن هَذَانِ لساحران يُريدَان أَن يخرجاكم من أَرْضكُم بسحرهما، ويذهبا بطريقتكم المثلى، وَإِن أثرت أدب الْحَلِيم مَعَ قصَّة الْحَكِيم، فَقل لمجيل جِيَاد التعاليم، وَوَاضِع حفر أبيار الأقاليم، أندلسنا كَمَا علمت بلد الأجم: لَا سود الْعَجم، ومداحض السُّقُوط على شوك قتاد القوط، وَلم ندر أَن مَحل ذَات العجايب والأسرار، الَّتِي تضرب بهَا أباط النجايب، فِي غير الإقليم الأول، وَهَذَا الوطن بِشَهَادَة الْقلب الْحول، إِنَّمَا هُوَ رسم دارس، لَيْسَ عَلَيْهِ من معول، فهنالك يتَكَلَّم الْجِنّ لبَعْضهِم وَيفهم، وَيرد المدد على النُّفُوس الحزينة، من مطالع الأضواء الْكُلية، فَيحدث ويلهم وعود خَازِن الأمدار على المتوسل، لوسيلة الاستعداد، فَيقطع ويسهم. وَأما أقليمنا الرَّابِع وَالْخَامِس، بعد أَن تكافأت المناظر والملابس، وتناصف اللَّيْل الدامس، وَالْيَوْم الشامس، ذاعتدال ربيعي، ومجرى طبيعي، وذكى وبليد، ومعاش وتوليد، وطريف فِي البداوة وَتَلِيدُ، لَيْسَ بِهِ مرماة وَلَا هرم، يخْدم بهَا ذرى يخترم، ويشب لغربانه ضرم، فَيُفِيد روحانيا، يتَصَرَّف، وربيا يتَعَرَّض ويتعرف، كلما استنزل صاب، وأعمل الانتصاب، وَعلم الْجَواب، وَفهم الصَّوَاب. وَلَو فَرضنَا هَذِه المدارك ذَوَات أَمْثَال أَو مسبوقة بمثال. لتلقينا منشور الفضايل بامتثال، لأننا نَخَاف أَن نَمِيل بعض الْميل، فنجنى بذلك بخس الجرى، وارضاء الزميل، [وتجر تنابح] الزُّهْرِيّ مَعَ الصميل، فَمن خير حير، وَمن حكم ازدرى بِهِ وتحكم. فَمَا سل سيوف الْخَوَارِج فِي الزَّمن الدارج إِلَّا التَّحْكِيم، حَتَّى جهل الْحَكِيم، وخلع الخطام، وَنزع الشكيم، فأضر
(2/217)

بالخلق نَافِع، وَذهب [الطِّفْل] لجراه واليافع، وذم الذمام، ورد الشافع، وقطر سيف قطره بِكُل نجيع طرى، وزار لشبيب الْأسد الهصور، وصلت الغزالة بِمَسْجِد الثَّقَفِيّ وَهُوَ مَحْصُور، وانتهبت المقاصير والقصور، إِلَّا أَن مستاهل الْوَظِيفَة الشَّرْعِيَّة عِنْد الضَّرُورَة تحير، والمنتدب [للبر] يجبى عِنْد الله ويحير، واجعلني على خزاين الأَرْض، وَهُوَ الْأَصَح الْأَشْهر فِيمَا بِهِ يستظهر. وَأَنا وَإِن حكت على التَّعْجِيل، فَغير مشْهد على نَفسِي بالتسجيل، إِنَّمَا هُوَ تلفيق يُرْضِي، وتطفيل يعتب عَلَيْهِ، من يصدع بِالْحَقِّ ويمضي، إِلَّا أَن يقْضِي، ورأيي فِيهَا المراضات وَإِلَّا فالسلاح، والركاب الطلاح، وَالصُّلْح خير، وَمَا استدفع بِمثل التسامح ضير، وَمن وقف عَلَيْهِ وَاعْتبر مَا لَدَيْهِ، فَليعلم أَنِّي قد صدعت وَقطعت، وَالْحق أَطَعْت. وَإِن أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح مَا اسْتَطَعْت وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ أَبَا الْحسن القرموني من حذام الْخَطِيب أبي عبد الله بن مَرْزُوق وَلها حِكَايَة تظهر من الرسَالَة
حَملَنِي أعزّك الله على قصدك، وَتَحْقِيق رصدك، مَا حدثوا بتونس عَن يَوْم فصدك، وَأَن الْعَاقِل ود يَوْمئِذٍ أَن يكون حجاما، وَلم يعرف إسراجا فِي ابْتِغَاء الفضايل وَلَا إلجاما،، وَلَا يعرف امتيازا بالفضايل وَلَا اختصاصا إِلَى ليلاتك الَّتِي فضحت الظُّلم، وأنست ليَالِي ذِي سلم، وأضحت لشهرتها نَارا على علم، إِذْ بَانَتْ العيدان مصطفة اصطفاف الْهدى، أَخْذَة مَا بَين رَأس السرطان إِلَى رَأس الجدي، وَقلت نَفسِي لَا تدين بالإمساك، وَلَا تلِيق لوعظ النساك، لابد تَحت هَذِه السفرة من نفاضة، وحول هَذِه الزبرة من قراضة، فَلَمَّا رَأَيْتُك، رَأَيْت مخيلة
(2/218)

رجولة فِي طلعة مَقْبُولَة، وَعلمت أَن اخْتِصَاص سيدنَا باستعمالك وَعدم إهمالك، قبُول الشَّهَادَة مزكيك، وَبَيَان يرفع التشكيك، فاستعنت بقربك، وطعنك وضربك، وَقد بَلغنِي جميل بلائك، وَإِن كَانَ ضَعِيفا، لَكِن الله سُبْحَانَهُ وَله الْمثل الْأَعْلَى، يقبل رغيفا. وَالشُّكْر وَاجِب، وَالْعَمَل الصَّالح لَا يَحْجُبهُ عَن الرقى حَاجِب، فخاطبتك شاكرا، وبفضل مَا صدر عَنْك ذَاكِرًا وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا كتبت فِيمَا يظْهر من الرسَالَة لأحد الْفُضَلَاء بِمَا نَصه
(تعرفت قرب الدَّار مِمَّن أحبه ... فَكنت أجد السّير لَوْلَا ضروره)

(فأتلوا من أبي المحاسن سُورَة ... وَأبْصر من شخص المكارم صوره)

كنت أبقاك الله، لاغتباطي بولائك، وسروري بلقائك، أود أَن أطوي إِلَيْك هَذِه المرحلة، وأجدد الْعُمر بلقياك المؤملة، فَمنع مَانع، وَلَا نَدْرِي فِي الْآتِي مَا الله صانع، وعَلى كل حَال فشأني قد وضح مِنْهُ سَبِيل مسلوك، وَعلمه مَالك ومملوك، واعتقادي أَكثر مِمَّا تسعه الْعبارَة والألفاظ المستعارة، وموصلها يَنُوب عني فِي شكر تِلْكَ الذَّات، المستكملة شُرُوط الوزارة، المتصفة بالعفاف وَالطَّهَارَة. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني مِمَّا خاطبت من بعض الْفُضَلَاء
(يَا حفيد الْوَلِيّ يَا وَارِث الْفضل ... الَّذِي نَالَ فِي مقَام وَحَال)

(لَك يَا أَحْمد بن يُوسُف حبا ... كل ثغر يعْنى أكف الرِّجَال)

أبقاك الله مثابة انْتِفَاع، ونورا على يفاع، ومتضعا على علو وارتفاع، ترى الْوتر فِي أشفاع، وتقابل الْوَهم بطراد من الْحَقِيقَة ووضاع. ان حثت على لِقَاء الْأَعْلَام، شهرتهم فلك الشُّهْرَة، وَأَنت الْعلم والشهاب الَّذِي تجلى بِهِ الظُّلم،
(2/219)

ورباط جدك بالمغرب الرُّكْن المستلم، فَإلَى أَيْن يذهب عَن جنابك الذَّاهِب، وَقد وضحت الْمذَاهب، وَالله الْمَانِع والواهب، وإلي من لدن اجتليت غرتك، الَّتِي تلوح عَلَيْهَا سِيمَا الْولَايَة إِرْثا واكتسابا، وانتماء إِلَى جَانب الله وانتسابا، أُؤَمِّل التوسل والتقرب، وأخطب مِنْك الْأنس الَّذِي أنسى بِهِ التغرب إِلَى أَن تهَيَّأ بِفضل الله وتيسر، وَتبين مُجمل الشوق وتفسر. وشتان مَا بَين أثرى وأعسر، وَأَنا الْآن وَالْحَمْد لله، قد حططت بمثوى الْولَايَة رحلي، وعثرت بأثر أسرار الْأَبْرَار نحلى، وَأخذت من الدَّهْر ذحلى، وحللت من رِبَاط الشَّيْخ أبي مُحَمَّد صَالح بِالْحرم الْأمين، فظفرت من ود حافده بالذخر الثمين، فيا لَيْت قومِي يعلمُونَ بِمَا غفر لي رَبِّي، وَجَعَلَنِي من الْمُكرمين، عرفتك أبقاك الله بقصدي، وحركة رصدي، لتعلم أَن هَذِه الوجهة لقاؤك أقوى دواعيها، وأنجح مساعيها [وبركة الشَّيْخ] نفع الله بِهِ، تلاحظها وتراعيها، فَمَا استبعد المرام من قصد الْكِرَام. وَمَا فقد الإيناس من أمل النَّاس، وتنخل الْأَفْرَاد، وتخطى الْأَجْنَاس، وَترك للنصر الْقيَاس، وتملك المنى لما أحرز الرياس. وسيدي بعد، وَمَا يظْهر لَهُ من تأنيس غربته، وإزاحة كربته، ووعى وسيلته وقربته، وإتحاف باجتلا حمى نزور وتربة، وَالله عز وَجل يبقيه مَقْصُودا على بعد الْمَكَان، مرجحا فِي الْفضل طرف الْإِمْكَان، مطمين الْفُؤَاد بِذكر الله، رطب اللِّسَان من رجا فِي الْوُصُول إِلَيْهِ مقَام الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان. وَالسَّلَام
(2/220)

وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ أحد الْفُضَلَاء
(إِن كَانَت الْآدَاب أضحت جنَّة ... فقد غَدا جنانها الْجنان)

(أقلامه الْقصب اللدان بروحها ... والزهر مَا رقمته مِنْهُ بنان)

مَا كنت أَيهَا الْفَاضِل، الَّذِي زار وتفقد، وضاء كوكبه الدُّرِّي وتوقد، فأنسى سناه الفرقد، أَظن هَذَا الْبَلَد يشْتَمل على مثل درتك دَرَجَة، وَلَا يشرف بِمثل نيرك برجه، وَلَا يشمخ بِمثل بطلك سَرْجه، حَتَّى اجتليت مِنْك معارف شَتَّى وَغَايَة فضل لَا تحد بحتي، فَعلمت أَن الْبلدَانِ بخيارها، لَا بِتَعَدُّد ديارها، والأماكن بأربابها، لَا بِتَعَدُّد أَبْوَابهَا. وَقد علمت أَي ضيف، وقراي خَفِيف، لَا قديد وَلَا ضَعِيف، إِنَّمَا هُوَ أنس يبْذل، وَنَفس فِي الانقباض تعذل، ومذاكرة يهز دوجها وينشق روحها. فَإِن أردْت أَن تعدد مَا أفردت، وتعيد من دوَل الفضايل مَا أوردت، أفدت شكرا لَا يجر ذكرا، واغتنمت حمدا وشكرا. وَالسَّلَام الْكَرِيم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ قَائِد الأسطول أهنيه بِطُلُوع وَلَده
أبقاك الله أَيهَا الْقَائِد الَّذِي بأسه ضرم، وشأنه شجاعة وكرم، وَمحل ولَايَته من الْعَدو حرم، لَا تسل عَن شوقي لقربك، وعكوفي على حبك، وضراعتي فِي سعادتك إِلَى الله رَبِّي وَرَبك، وَبَلغنِي الطالع لديك، والوارد من حَضْرَة الْمَوَاهِب الآلهية عَلَيْك. جعله الله أسعد مَوْلُود على وَالِد، ووقفك لما يرضيه من مقَام الشاكر الحامد، وَأقر عَيْنك مِنْهُ بالقائد بن الْقَائِد [ابْن الْقَائِد بن الْقَائِد] وَقد كنت أعدك مِنْهُ تفاؤلا واستفتاحا، وسؤالا من الله واستمناحا، فَالْحَمْد لله الَّذِي صدق الزّجر، ووضح الْفجْر. وَقد نظمت لَهُ أبياتا، إِن أَدْرَكته بعْدهَا حَياتِي، بر وشكر، أَو كَانَت الْأُخْرَى ترحم وَذكر وَهِي:
(2/221)

(أرفع قسى الشتات بوعده ... واستنجز النَّصْر الْعَزِيز لوعده)

(وَانْظُر إِلَيْهِ تلح إِلَيْك بِوَجْهِهِ ... سمة الشجَاعَة من أَبِيه وجده)

(لله من سيف لنصرك صارم ... ينساب مَاء الْحسن فَوق فرنده)

(صدرت إِلَيْك بشارتي وتفاؤلي ... بِالْأَمر قبل بروزه من غمده)

(يستبشر الأسطول مِنْهُ بقائد ... كالبدر تَحت شراعه أَو بنده)

(وَالْبَحْر يفخر مِنْهُ يَوْم ولاده ... بملنده ابْن ملنده ابْن ملنده)

وَمن ذَلِك مَا صدر عني لما استدعى مني الْإِجَازَة وكتبت مَا نَصه:
أما بعد حمد الله الَّذِي جعل الْفَضَائِل بذرا تنْبت زرعا، وأصلا يخلف فرعا، فَإِن أهمل الأَصْل، فَهُوَ من الاستعادة الْفَصْل، وَإِن نرك الزَّرْع، ضَاقَ بِالْحَاجةِ الضَّرع، فحفظها لهَذَا السَّبَب، حفظ الْأَنْوَاع، وأغرى بهَا سكيمة الْفِكر وكريمة الطباع، فاضطرت الْعِنَايَة واستمرت، وانثالت وَدرت، ونجحت الْأَعْمَال، وانبعثت الآمال، وتعديت شُرُوط الْوُجُوب إِلَى شُرُوط الْكَمَال. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، الَّذِي فضلت مِلَّته الْملَل، وشفت هدايته الْعِلَل، فَكَانَ مِمَّا انْفَرَدت بِهِ رِوَايَة السّلف عَن السّلف، وتلافى الْفَوَائِد من قبل التّلف، والرضى عَن آله الطيبين، وصحابته المنتخبين، فَإِنِّي لما استدعاني السَّيِّد الْكَبِير الحبر الإِمَام، صَاحب الْقَلَم الْأَعْلَى، والطريقة المثلى، والذات الفضلى رَيْحَانَة الأندلس، الَّذِي تضوع فِيهَا الْمغرب، وتغنى بِحَدِيث فَضلهَا الْحَادِي المطرب، وفخر الْأُفق الجهادي، وبيتا معمورا بالوزراء الأخيار، والصلحاء الْأَبْرَار، ونسبا فِي ذرْوَة الْأَنْصَار من بني النجار، وحسبك بخؤولة الْمُخْتَار، وعفافا طَاهِر الثَّوْب ضافى الْإِزَار إِلَى الْوَجْه المبشر بالسعادة وبيمن النقيبة، فِي الإبداء والإعادة، والمحيا الَّذِي نضر الْوَجْه. وراق الْبشرَة، والذات الَّتِي لَا تعرف
(2/222)

الخسرة وَالْعلم المملك من أزمة الْفُنُون، الْمُسلم لَهُ فِي الإبكار مِنْهُ والعون، أَبُو فلَان لإجازة وَلَده الأسعد الأمجد. وَارِث رتبته الشماء بعد تملي الْحَيَاة وَطول الْبَقَاء، وتتمة عين المجادة والعلياء، أبي فلَان وَابْن أَخِيه، الْفَاضِل، الصَّدْر الرفيع الْقدر أبي الْفضل، وَهُوَ الْوَلَد الأسعد أَبُو فلَان، شَمل الله الْجَمِيع بستره وعصمته، وَوصل لَهُم مَا عودهم من نعْمَته، وشغلهم بِالْعلمِ النافع وخدمته، وأعلقهم بوسائل الْعرْفَان وأذمته تضاءلت علم الله إجلالا لمحله من التبحر فِي المعارف، واستظلاله بظلها الوارف، لَكِن قدمت امتثالا وحذوت من أمره مِثَالا، وبادرت اعْتِمَادًا على إغضايه واتكالا، فَقلت أجزت للوزير الْمَذْكُور فِيمَا يَصح لي أَن أُجِيز فِيهِ من رِوَايَة أشرك هَذَا الْفَاضِل فِي بَعْضهَا، وأسهم بتافه من فَرضهَا، ونظم ونثر، هَذَا المكتتب من بعض فنيه، وتأليف يُنَبه عَلَيْهِ ككتاب " الْإِحَاطَة فِي تَارِيخ غرناطة " فِي سَبْعَة أسفار، و " عايد الصِّلَة " فِي سفرين، و " عمل من طب لمن حب " فِي سفر، و " الْكتاب اليوسفي " فِي سفرين، و " طرفَة الْعَصْر " فِي ثَلَاثَة " والصيب والجهام " فِي سفرين، و " نفاخة الجراب " فِي ثَلَاثَة، و " الأراحيز الْخمس من تطمى بِمَدِينَة سلا فِي أصُول الْفِقْه "، و " التَّارِيخ الإسلامي والسياسة "، والعلاج، والأغذية، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا هُوَ بهرج، يفْتَقر إِلَى إغضاء الْعَارِف وزيف يحْتَاج إِلَى مُسَامَحَة أَمَام الصيارف إجَازَة تَامَّة على شَرطهَا الْمُعْتَبر، وسننها الْوَاضِح الْأَثر، وَالله يعدل بِنَا إِلَى مَا ينفع، ويزكى وَيرْفَع، فَلَقَد ذهب الْعُمر الأطيب فِي السَّعْي الأخيب، وَانْصَرف الزَّمن الأبدع فِي السراب الَّذِي يخدع. اللَّهُمَّ لَا تطردنا من بابك، وَلَا تقطع بِنَا عَن جنابك. وَكتب العَبْد الغافل الراجي الآمل فلَان فِي كَذَا.
(2/223)

وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ الْمقَام السلطاني بِمَا يظْهر من الْغَرَض
(أبقاك ظلا للعباد وملجأ ... وأعانك الرَّحْمَن من سُلْطَان)

(قد زين الدُّنْيَا بِنور جماله ... فَلذَلِك مَا يدعى أَبَا زيان)

مولَايَ، سُلْطَان الْمُسلمين وَالْإِسْلَام، مُخْتَار الْملك العلام، المستخلص رَحْمَة لعباد الله من أَيدي عباد الْأَصْنَام، الَّذِي أحسن خلقه، وسوغه بارئه من وَرَاء الْبحار الزاخرة، والأمم الْكَافِرَة، وأورثه حَقه الْمولى الْهمام، الْخَلِيفَة الإِمَام، أَبُو زيان ابْن مَوْلَانَا، ولي الْعَهْد، وفارع هضبة الْمجد، الْمُقَدّس، المطهر، الْمعلم بشيم الْكَرم، المشهر أبي عبد الرَّحْمَن، ابْن مَوْلَانَا كَبِير الْمُلُوك وإمامها، وَعلم أعلامها، الإِمَام الْخَلِيفَة الشهير - الْمُعظم الْمُقَدّس، أبي الْحسن، ابْن موالينا الْأَئِمَّة، المهتدين، وَالْخُلَفَاء من بني مرين، أبقاه الله ممتعا بِالْملكِ، الَّذِي ألبسهُ حلته، وشفا بِهِ علته، وَجعله فِي عقبه بَاقِيا، وَكَانَ لَهُ فِيهَا حَافِظًا وافيا، عبدكم الَّذِي أَمن عدوان الدَّهْر فِي ظلكم، ونشق نسيم الرَّحْمَة من جَانب فَضلكُمْ، وتعرف من ضروب نعمكم الْكَرِيمَة، الْأَنْوَاع والأجناس، واستضاء من حبكم وطاعتكم بِنور يمشي بِهِ فِي النَّاس مَا أوجب أَن يتَمَثَّل بقول أبي نواس.
(علقت بِحَبل من حبال مُحَمَّد ... أمنت بِهِ من طَارق الْحدثَان)

(تغطيت من دهر بِظِل جنَاحه ... فعيني ترى دهري وَلَيْسَ يران)

(فَلَو تسل الْأَيَّام مَا اسْمِي مَا درت ... وَأَيْنَ مَكَاني مَا عرفن مَكَاني)

يسلم على الْمقَام المولوي سَلام الْعُبُودِيَّة الثَّابِتَة الرَّسْم، ويتطارح على تَقْبِيل ذَلِك الْبسَاط، بِالروحِ قبل الْجِسْم، ويسل الله لكم وَنور الْحَظ من السَّعَادَة وَالْقسم، ويطالع بِأَنَّهُ انْصَرف بنية الرحيل إِلَى مراكش إِلَى، وأهم الْأَغْرَاض أَن يلْتَمس الدُّعَاء بمقام الْأُبُوَّة، من الْمُشَاهدَة الْمَشْهُورَة، بِقبُول السُّؤَال، المتكفلة ببلوغ الآمال، فَلَمَّا توَسط تامسنا، شعر بالضعف عَن الْحَرَكَة، وأحس بِأَسْبَاب
(2/224)

الْمَرَض مُنْفَرِدَة ومشتركة، فانكفأ رَاجعا، مستعينا بِاللَّه وببركة الْمولى الَّذِي عرفت رَحمته، وغمرت فِي الظعن وَالْإِقَامَة نعْمَته، خوفًا من ألم يتحكم، أَو مرض يسري فِي هَذِه البنية الضعيفة ويلحم، وَنَرْجُو الله أَن يَقْتَضِي لكم الدُّعَاء من هَذَا الْوَلِيّ الَّذِي من الله بجواره، وَجعله من بَرَكَات هَذَا الْبَلَد وآثاره، إِلَى أَن يتيح نشاطا مستأنفا للحركة الَّتِي كَانَ قد أزمعها، وييسر الأعانة، ويسوغ مشرعها. وَقد كَانَ العَبْد عني برحلة، تصف المراحل والمنازل، وَالْحَادِي والنازل، والجاد والهازل، مطرزة باسمكم السعيد مشرقة باسمكم الحميد. حَسْبَمَا يتضمنه أفذاذ بعث العَبْد شَيْئا من فصولها وفروعها وأصولها، تقرر أَن الْحَرَكَة والسكنة بِالْخدمَةِ معمورة، وَالنَّفس مسخرة فِي التمَاس رِضَاء الْمولى أيده الله ومأمورة، وَهُوَ جلّ وَتَعَالَى الْمعِين على لَازم الْعُبُودِيَّة بجلالتكم المولوية. وَالسَّلَام الْكَرِيم الْمُبَارك العميم، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
(2/225)

كتب الدعابات والفكاهات

فَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ أَبَا زيد بن خلدون [وَقد اشْترى بكرا من بَنَات الرّوم مولدة اسْمهَا هِنْد وأعرس بهَا]
(أوصيك بالشيخ أَبَا بكرَة ... لَا تأمنين فِي حَالَة مكره)

(واجتنب الشَّك إِذا جِئْته ... جَنْبك الرَّحْمَن مَا تكره)

سَيِّدي، لَا زلت تتصف بالوالج بَين الخلاخل والدمالج، وتركض فَوْقهَا ركض الهمالج. أَخْبرنِي كَيفَ كَانَت الْحَال، وَهل حطت بالقاع من خير الْبِقَاع الرّحال، وَأحكم بمروود المراودة الاكتحال، وارتفع بالسقيا الإمحال، وَصَحَّ الانتحال، وحصحص الْحق، فَذهب الْمحَال. وَقد طولعت بِكُل بشرى وَبشر، وزفت هِنْد مِنْك إِلَى بشر، فَللَّه من عَشِيَّة تمتعت من الرّبيع بفرش موشية، وابتذلت مِنْهَا إِلَى وساد وحشية، وَقد أقبل ظبى الكناس من الديماس، ومطوق الْحمام من الْحمام، وَقد حسنت الْوَجْه الْجَمِيل النظرية، وأزيلت عَن الْفَرْع الأثيت الأبرية، وصقلت الخدود فَهِيَ كَأَنَّهَا الأترية، وسلط الدَّلْك على الْجُلُود، وأعزيت النورة بالشعر الْمَوْلُود، وعادت الْأَعْضَاء يزنق عَنْهَا اللَّمْس، وَلَا تنالها الْبَنَات الْخمس، والسحنة يجول فِي صفحتها الفضية مَاء النَّعيم والمسراك يُلَبِّي من ثنية التَّنْعِيم، وَالْقلب يرْمى من الْكَفّ الرقيم، بالمقعد الْمُقِيم، وَينظر إِلَى نُجُوم الوشم، فَيَقُول إِنِّي سقيم، وَقد تفتح ورد الخفر، وَحكم لزنجي الظفيرة بالظفر، واتصف أَمِير الْحسن بالصدود المغتفر، ورش بِمَاء الطّيب، ثمَّ أعلق بِهِ دُخان الْعود الرطيب، وَأَقْبَلت الغادة يهديها الْيمن، وتزفها السَّعَادَة، تمشي على استحياء، وَقد ماع طيب الريا، وراق حسن الْمحيا، حَتَّى إِذا نزع الْخُف، وَقبلت الأكف وصخب الزمر، وتجاوب الدُّف، وذاع الأرج، وارتفع الْحَرج،
(2/226)

وتجوزوا اللوا والمنعرج. وَنزل على بشر بزيارة هِنْد الْفرج، اهتزت أرضه وربت، وعوصيت الطباع البشرية فَأَبت، وَللَّه در الْقَائِل:
(وَمَرَّتْ وَقَالَت مَتى نَلْتَقِي ... فهش اشتياقا إِلَيْهَا الْخَبيث)

(وَكَاد يمزق سرباله فَقلت ... إِلَيْك يساق الحَدِيث)

فَلَمَّا انسدل جنح الظلام، وانتصفت من غَرِيم الْعشَاء الْأَخِيرَة فَرِيضَة الْإِسْلَام، وخاطت خيوط الْمَنَام عُيُون الْأَنَام، تأتى دنو الجلسة، ومسارقة الخلسة، ثمَّ عض النهد، وَقبلت الْفَم والخد، وارسال الْيَد من النجد إِلَى الوهد، ثمَّ كَانَت الإمالة قَلِيلا قبل الْمَدّ، ثمَّ الْإِفَاضَة فِيمَا يغبط ويرغب. ثمَّ الإماطة لما يشوش ويشغب، ثمَّ إِعْمَال الْمسير إِلَى السرير.
(وسرنا إِلَى الْحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أى إذلال)
فاستقرت على موطإ مَالِكهَا، وأصبهانى مسالكها، وَمُقْتَضى فذالكها بعد مُنَازعَة للأطواق يسيرَة، يَرَاهَا الغيد من السِّيرَة، ثمَّ شرع فِي حل التكة، وَنزع السِّكَّة، وتبينت الأَرْض العوار عمل السِّكَّة، ثمَّ وَقع الوحى والاستعجال، وَحمى الْوَطِيس والمجال، وعاك الْجُزْء الْخَفِيف، وتضافرت الخصور الهيف، وتشاطر الطَّبْع الْعَفِيف، ثمَّ تَوَاتر التَّقْبِيل، ثمَّ كَانَ الْأَخْذ الوبيل، وامتاز الأنوك من النَّبِيل، وَمِنْهَا جَائِر وعَلى الله قصد السَّبِيل، فيالها من نعم متداركة، ونفوس فِي سَبِيل القحة متهالكة، وَنَفس يقطع حُرُوف الْحلق، وَسُبْحَان الذى يزِيد فِي الْخلق. وعظمت الْمَانِعَة، وَكَثُرت بِالْيَدِ عَن الْموضع الْمُعْتَمد المصانعة، وَطَالَ التراوغ والتزاور [وشكى التجاور] وَاشْتَدَّ القلق والتضاور، فهنالك تخْتَلف الْأَحْوَال، وتعظم الْأَهْوَال، وتخسر أَو تربح الْأَمْوَال، فَمن عَصا عسطوس تنْقَلب ثعبانا مُبينًا، وبدنه تصير تنينا، وَبَطل لم يهله المعترك الهايل، وَالوهم
(2/227)

الزايل، وَلَا حَال بَينه وَبَين قَرْيَة الحايل. فتعدى فتكه السليك إِلَى فتكة الفراض وتقلد مَذْهَب الْأزَارِقَة من الْخَوَارِج فِي الأعتراض، واتصف بِصفة الساخط، وَهُوَ الراضى، ولوح فِي ميدان السرير بالحسام الطرير، ولف فِي ملعب الأوطار بالقنا الخطار، ثمَّ شقّ الصَّفّ، وَقد خضب السَّيْف والكف، بعد مَا كَاد يُصِيب البرين بطعنته، ويبوء بمقته ولعنته ... . طعنت ابْن عبد الْقَيْس طعنة ثاير لَهَا نفذ لَوْلَا الشعاع أضاها، [وهنالك هدأ الْقِتَال، وَسكن الخيال وَوَقع المتوقع فاستراح] البال، وتشوف إِلَى مَذْهَب التنويه من لم يكن ليمر لَهُ التَّوْحِيد ببال، وَكثر السُّؤَال عَن المبال بهَا فَقَالَ:
(وَإِن تعدّدت اللَّذَّات واطردت ... فَلَيْسَ يعدل شَيْء لَذَّة الظفر)

[وَلم يجربوا للحروب] صَرِيعًا أشْفق من صريع السرير على من صرعه، نصب الْيَد الذايل وشرعه حَتَّى أضرعه. فيكثر مَا ينشد، وَنَفسه قد خلت، وَقواهُ قد انجلت، ونظرة عَيْنَيْهِ قد اختلت:
(خليلي هَل أبصرتما أَو سمعتما ... قَتِيلا بَكَى من حب قَاتله مثلى)
وَيَقُول: وَقد نظر إِلَى دَمه يسيل على قدمه:
(أَنى لَهُ عَن دمي المسفوك معتذر ... أَقُول حَملته فِي سفكه تعبا)

وَمن سِنَان غَادَرَهُ عِنْد الْحَاجة عنانا، وشجاع صَار مدانا جَبَانًا، كلما شابته رايبة شيبَة، أَدخل يَده فِي جيبه، فانحجرت الْحَيَّة، وَمَاتَتْ الغريزة والحية [فَكَأَنَّهُ سلحفاة أغمدت ورأسها جحدت] فَكَأَنَّهُ يزِيغ الْبَصَر، ويخذل الْمُنْتَصر، وتسلم الْأجر، ويغلب الْحصْر، ويجف اللعاب، ويخفق الْفُؤَاد، ويكبو الْجواد،
(2/228)

ويسيل الْعرق، وتجري فِي غير مَحَله المرق، ويعظم الكرب ويشتد الأرق، وينشأ فِي مَحل الْأَمْن الْفرق، وَيدْرك فِرْعَوْن الْغَرق، وَيُقَوِّي اللجاج، ويعظم الْخرق، فَلَا يزِيد الْحَال إِلَّا شدَّة، وَلَا تعرف تِلْكَ الْجَارِحَة المومنة إِلَّا ردة: [
(إِذا لم يكن عون من الله للفتى ... فَأكْثر مَا يجني عَلَيْهِ اجْتِهَاده)

فكم مُغْرِي بطول اللّّبْث، وَهُوَ من الكيد والخبث، يؤمل الكرة ليزيل المعرة، ويستنجز الْوَعْد، ليستأنف السعد، ويستنفر الخيال، وَيعْمل بِالْيَدِ الاحتيال] .
(إِنَّك لَا تَشْكُو إِلَى مصمت ... فاصبر على الْحمل الثقيل أَو مت)

ومكثر اللثم وَالضَّم، والعض والشم يَدْعُو فِي خلل هامد، وَيضْرب فِي حَدِيد بَارِد:
(لقد ناديت لَو أسمعت حَيا ... وَلَكِن لَا حَيَاة لمن تنادي)

وَكم معتذر بِمَرَض أَصَابَهُ، جرعه أوصابه، ووجع طرقه جلب أرقه، ومغضب يُقَلّد للمانعة الذَّنب، ويطوقها العتب، وخطيب أرتج عَلَيْهِ أَحْيَانًا، فَقَالَ سيحدث الله بعد عسر يسرا، وَبعد عي بَيَانا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك من فضايح الْفروج، إِذْ استغلقت أقفالها، وَلم تتسم بالنسيم أغفالها، وَمن معرات الأقدار، والنكول عَن الْأَبْكَار، وَمن النُّزُول عَن الْبُطُون والسرر، والجوارح الحسان العزر، قبل ثقب الدُّرَر، وَمن سَواد الْوَجْه إِذا بكرت الْوُجُوه، ونالت النُّفُوس من إطراء العادين والمهنين مَا ترجوه، وَلَا تجعلنا مِمَّن يستحي من الْبكر بِالْغَدَاةِ، وَيعلم مِنْهُ كلال الْجد، وَضعف الأداة، هَذَا مجَال فَضَح فِيهِ رجال، وفراش تنكبت فِيهِ أوجال، وأعملت روية وارتحال. فَمن قايل:
(2/229)

(أرفعه طورا على أُصْبُعِي ... وَرَأسه مُضْطَرب أَسْفَله)

(كالحنش الْمَقْتُول يلقى على ... عود لكَي يطْرَح فِي مزبله)

وَقَالَ:
(عدمت من إيرى قوي حسه ... يَا حسرة الْمَرْء على نَفسه)

(ترَاهُ قد مَال على أَصله ... كحائط خر على أسه)
وَقَائِل:
(أيحسدني إِبْلِيس فَأَيْنَ أصبحا ... برجلي ورأسي دملا وزكاما)

(فليتهما كَانَا بِهِ وأزيده ... رخاوة أير لَا يُطيق قيَاما)

(إِذا نهضت للنيك أَرْبَاب معشر ... توسد إِحْدَى خصيتيه وناما)
وَقَالَ:
(أَقُول لَا يرى وَهُوَ يرقب فتكه بِهِ ... خبت من أير وغالتك داهية)

(إِذا لم يكن للأير بخت نعذرت ... عَلَيْهِ وُجُوه ... من كل نَاحيَة)
وَقَائِل:
(تعقب فَوق الخصيتين كَأَنَّهُ ... رشا إِلَى جنب الرَّكية ملتف)

(كفرخ ابْن ذِي يَوْمَيْنِ يرفع رَأسه ... إِلَى أَبَوَيْهِ ثمَّ يُدْرِكهُ الضعْف)
وَقَائِل:
(تكرش أيري بعد مَا كَانَ أملسا ... وَكَانَ غَنِيا من قواه فأفلسا)

(وَصَارَ جوابي للمها أَن مررن بِي ... مضى الْوَصْل إِلَّا منية تبْعَث الأسا)
وَقَائِل:
(بنفسي من حييته فاستخف بِي ... وَلم يخْطر الهجران يَوْمًا على بَال)

(وقابلني بالهزء والنجه بعد مَا ... حططت بِهِ رجْلي وجردت سربال)

(وَمَا ارتجى من مُوسر فَوق دكة ... عرضت لَهُ شَيْئا من الحشف البال)

هموم لَا تزَال تبْكي، وَعلل على الدَّهْر تشكى، وَأَحَادِيث تقص وتحكى، فَإِن ذَلِك الْعُضْو على شهرته، وَعظم قدرته، يستمد من الْميرَة، وحركته لَا تقوم إِلَّا بالمؤن الْكَثِيرَة، من حَيا يرْتَفع، وبلادة بهَا فِي الْغَالِب ينْتَفع، وفكر يعْقد، وشبق على اصله يعْقد، ورياح تنفخ، ورطوبة ترضخ، وعضل شَدِيد، وَعمر جَدِيد، ومزاج فِي عرض الجو، طَوِيل مديد، وَهُوَ غير مُطَاوع للإرادة،
(2/230)

وَلَا معط للقادة، خَبِيث وقاح، شامت نضاح، كم نقض من وَقت، وجلب من مقت، لَا يستصلح بالتعليم، وَلَا يرد عَن مرتكبه الذميم، بالْقَوْل الْأَلِيم، وَلَا يغلب إِلَّا بمقام الرِّضَا وَالتَّسْلِيم:
(حكمُوا فَلَا أحلى من التَّسْلِيم ... وأدر رحيق فُؤَادِي الْمَخْتُوم)

(مبرد بِهِ الأحشاء من نَار الجوى ... وانضح لهيب فُؤَادك المكلوم)

(مَا قَابل التَّسْلِيم نَار صبَابَة ... إِلَّا إِلَّا انْثَنَتْ فِي حَال برد نعيم)

فَإِن كنت أعزّك الله من النمط الأول، فقد جنيت الثَّمر، واستطبت الثَّمر، وتلوت أول وردك، اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر، فاستدع الأبواق من أقْصَى الْمَدِينَة، واخرج على قَوْمك فِي لِبَاس الزِّينَة، واستعد كرْسِي الْقعُود، والقبقاب من المدهون الْمَشْهُود، واستبشر بالوفود، وَعرف المسمع عارفة الْجُود، وتبجح بصلابة الْعود، وإنجاز الوعود، واستمتع بالشهود واجن رمان النهود، من أَغْصَان القدود، وانس من الشُّعُور السود عباسية البنود، واقتطف ببنان اللثم أفاح الثغور، وَورد الخدود. وَإِن كَانَت الْأُخْرَى، فأخف الكمد، وَارْضَ بالثمد، وانتظر الأمد، واكذب التوسم، وَاسْتعْمل التبسم واستكتم النسْوَة، وأفض فِيهِنَّ الرِّشْوَة، أَو تقلد المغالطة وارتكب، وَجِيء على قَمِيصك بِدَم كذب، واستنجد الرَّحْمَن، واستعن على أَمرك بِالْكِتْمَانِ:
(لَا تظهرن لعاذل أَو عاذر ... حاليك فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء)

(فلرحمة المتفجعين مرَارَة ... فِي الْقلب مثل شماتة الْأَعْدَاء)

وانتشق الأرج، وارتقب من جَانب الْفرج الْفرج، فكم غمام طبق وَمَا هما، وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رما. وأملك بعْدهَا عنان نَفسك، حَتَّى
(2/231)

تمكنك الفرصة، وترفع إِلَيْك الغصة، وتثقب الفرصة، وَلَا تشره إِلَى عمل لَا تفي مِنْهُ بِتمَام، وَخذ عَن إِمَام، وَللَّه در عُرْوَة بن حزَام:
(الله يعلم مَا تركت قِتَالهمْ ... حَتَّى رموا مهري بأشقر مُزْبِد)

(وَعلمت أَنِّي إِن أقابل دونهم ... أقتل وَلَا يضرر عدوي مشْهد)

(ففررت عَنْهُم والأحبة فيهم ... طَمَعا لَهُم بعقاب يَوْم مُفسد)

واللبانات تلين وَتجمع، المآرب تَدْنُو وتنزح، وتخور ثمَّ تسمح. وَكم من شُجَاع خام ويقظ نَام، وَدَلِيل أَخطَأ الطَّرِيق، وأضل الْفَرِيق. وَالله عز وَجل يَجْعَلهَا خلة مَوْصُولَة، وشملا أكنافه بِالْخَيرِ مشمولة، وبنية أَرْكَانهَا لركاب الْيمن مأمولة، حَتَّى تكْثر خدم سَيِّدي وجواريه، وأسرته وسراريه، وتصفو عَلَيْهِ نعْمَة باريه، مَا طورد قنيص، واقتحم عيص، وَأدْركَ مرام عويص، وَأعْطى زاهد، وَحرم حَرِيص، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك فِي هَذَا الْغَرَض مِمَّا خاطبت بِهِ أَبَا إِسْحَاق ابْن الْحَاج على لِسَان قَاضِي الحضرة أبي الْحسن
سَيِّدي، جعل الله أكوار العمائم تتضاءل لكور عمامتك، والنفوس الطامحة الهمم على اخْتِلَاف الْأُمَم، تقر بِوُجُوب إمامتك، وسر الْإِسْلَام باتصال سلامتك، وتبرأ الملا من ملامتك، وصلتني رِسَالَتك الَّتِي أخبت فِي ميدان البلاغة فأوضعت، وأخلاف الْفُنُون ارتضعت، وعَلى ارْتِفَاع الْقدر اتضعت، وَوضعت الْحِكْمَة المشرقية بنت سَاعَة وَالله أعلم بِمَا وضعت، لَكِنَّهَا تنافست الْجَوَارِح، كَمَا غصت بنعمها المسارح، وتعارض السائح والبارح والرامز والسارح فِي صلت الْإِذْن على المغنا، وأنجبت من اللَّفْظ البديع بأعذب المنا، واستولت الْعين من الْخط على الْحسن الْبعيد الشط، ونتيجة مَا أودع الْبَارِي بَين مقدمتي الْبري والقط، وعظمت حسرة الْخلق، إِذْ بَقِي بَابه مسدودا، وَأصْبح سلكه من المسالك المنافذة معدودا،
(2/232)

وَاشْتَدَّ أَسف الضرس إِذا أَصبَحت أرْضى طواحنه عاطلة، وسحاب الدّين عَلَيْهَا غير هاطلة، ومذاهبها بَاطِلَة، ومواعيد بالمضغ ماطلة، وماضر سَيِّدي وَالله يَقِيه الضّر، ويحفظ منصبه الْحر، وبحره الَّذِي يقذف الدّرّ، أَن لَو ضَاعَت الطول، وَجمع الْفِعْل وَالْقَوْل، فَوجه من الْكَتَّان، مَا يثقل ظهر الأتان، وَمن الزَّيْت، مَا يمْلَأ ركن الْبَيْت، وَمن الدَّجَاج وَالْعَسَل المجاج، مَا يتكفل بصلاح المزاج، وَمن الأترج والليم، مَا يخل بحلم الْحَلِيم، فجانب الْوَرع عَن هَدِيَّة سَيِّدي، لَا يضيق، فَهُوَ الرفيق الشَّقِيق، وَالْعدْل الَّذِي وضح من فَضله الطَّرِيق. وَأما أَن لَا يكون حَظّ وليه إِلَّا نقر لَا تدفع فقرا، وألفاظ لَا تذْهب وقرا، وحلة يجوع من حل بهَا ويعري، وبحر لَا يجد الغائص لَهُ قعرا، فَأمر يُنكر على المجادة التميمية، والمثابة الْحكمِيَّة، مَعَ أَن الإقليم، لم تزل ترفد هَذِه الخطة كلما وصلت وَتصْلح صلَاتهَا إِذا سهت، وَلَا مرفقتها مَا أمرت وَلَا نهدت، وَلَا أكلت مَا اشتهت، فَليُرَاجع سَيِّدي عَادَة الْكَرم، وَلَا يحْسب الشَّحْم فِي الورم، وَالله يطلع من تلقائه على الأدقة، الَّتِي تضيق عَن أحمالها عراض الْأَزِقَّة، والعسول المتكفلة بالسول، وَالزَّبِيب الَّذِي يسر قلب الحبيب، والأجبان الَّتِي تشجع قلب الجبان، والجدبان الَّتِي تردي بالْخبر عَن العيان، وَالْبيض الَّذِي تشهد بالفيض، وَالزَّيْت الَّذِي يخلف حَيَاة الْمَيِّت، وَالله يبقي سَيِّدي للقضاة زيتا، وَفِي الْعلمَاء عينا، ويفضي بجودك على الدَّهْر، الَّذِي سمح بجوده دينا، وَالسَّلَام عَلَيْهِ مَا استمح جواد، وأطرف بالفكاهة فؤاد، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي مخاطبته أَيْضا إِذْ هُوَ الْيَوْم فَارس الميدان، وَصدر هَذَا الشَّأْن
(يَا قَاضِي الْعدْل الَّذِي لم تزل ... تمتاز شهب الْفضل من شمسك)
(2/233)

(قعدت للإنصاف بَين الورى ... فاطلب لنا بالإنصاف من نَفسك)

مَا للْقَاضِي أبقاه الله، ضَاقَ ذرع عدله الرحب عَن الصحب، وصم عَن العتب، وضن على صديقه حَتَّى بالكتب، ابْن الْمُدَوَّنَة الْكُبْرَى ارْتكب هَذَا التَّخْرِيج، أم من المبسوطة ذهب إِلَى هَذَا الْأَمر المريج. أم من الْوَاضِحَة امْتنع عَن الْإِلْمَام بِرَفْع الوفا والتعريج. وَمن أمثالهم إِذا ولى أَخُوك فاقنع بعشروده، وَقد قنعنا نَحن وَالْحَمْد لله بِحَبَّة من مده، وإيثارة من دَرَجه وبده، وَسَاعَة معتدلة من زمَان بُلُوغ اشده، فَمَا باله يمطل مَعَ الْغِنَا، ويحوج إِلَى العنا مَعَ قرب الجنا، المرحلة مرحلة طالع وخامع، ومطمع طامع، ومرأى رَاء وَسمع سامع، والكنف، وَاسع وَالْمَكَان لاناء وَلَا شاسع، والضرع حافل، والذرع كَاف كافل، والقريحة وارية الزند، والإمامة خافقة البند، وهب الْبُخْل يَقع بِمَا فِي الخوان على الإخوان، فَمَا باله يَقع بالبنان، أعيذ سَيِّدي من ارْتِكَاب رَأْي ذميم، يُؤَيّد بَيت القطافي تَمِيم، ويعضد مَعْنَاهُ بتشميم، وهلا تَلا حَامِيم، وعهدي بالسيادة القاضوية، قد نَامَتْ فِي مهاد الترف، نوم أهل الْكَهْف، وَلم تبل بمدد الويل واللهف، أَو شربت لحفظ الصِّحَّة بختجا، ودقت لإعادة الشبيبة عفصا ورد وردسختجا، وغطت على الصُّبْح بِاللَّيْلِ إِذا سجا، ومدت على ضاحي الْبيَاض ظلا سجسجا، وَردت سوسن الْعَارِض بنفسجا، وَلبس بحرها الزاخر ثوبا من طحلب الْبر منشجا، وَأحكم الْعِمَامَة، وصديق الْمَرْأَة ينصح ويرشد، وَينظر فِي المحاسن وينشد، حَتَّى حسنت الدارة، وَصحت الاستدارة، وَأَعْجَبهُ الْوَجْه الْجَمِيل، وَالْقد الَّذِي يمِيل [فِي دكة الدَّار ويميل، فاعرى السِّوَاك التتميم والتكميل ووشج بَين شفري سَيِّدي الْميل] وَقيل لوضاح الْيمن خَابَ فِيك التأميل، وامتد جنَاح برنس الشرق، واحتفل الْغُصْن الرطيب فِي ناضر الْوَرق، ورش الْورْد
(2/234)

مَاؤُهُ عَن رشح الْعرق، وتهيأ للمنطلق، وقرأت عَلَيْهِ نسَاء أعوانه، وكتبة ديوانه سُورَة العلق، من بعد مَا أوقف الأملين الْحجاب على أَقْدَامهم، وكفهم الخذلان عَن أَقْدَامهم، فمثلوا وَاصْطَفُّوا، وتألفوا والتفوا، [وداروا وحفوا] وَمَا تسللوا وَلَا خفوا، كَأَنَّمَا أسمعتهم صَيْحَة النشر، أَو خَرجُوا الأول الْحَشْر، فعيونهم بملتقى المصراع معقودة، وأذهانهم لمَكَان الهيبة، وحفالاتهم قبل الطّلب بهَا منقودة، فعندما فرش الوساد، وارتفع بالنفاق الكساد، وذاع الكبا، وتارج الجساد، واستقام الْكَوْن وارتفع الْفساد. وأرجعت أرداجها الأجساد، جَاءَت السِّيَادَة فَجَلَست وتنعمت الأحداق بِالنّظرِ الَّذِي اختلست، وسمحت الأكف حَتَّى أفلست، وزانت الشَّمْس ذَلِك الْفلك وجلت الْأَنْوَار الحلك، فتحت الْأَبْوَاب، وَقَالَت هيت لَك، ووقفت الْأَعْيَان سماطين، ومثلوا خُفَّيْنِ. وتشكلوا مجرة تَنْتَهِي إِلَى البطين، يعلنون بالتفدية ويجهرون، لَا يعصون الله مَا أَمرهم، ويفعلون مَا يؤمرون، من كل شهب ثاقب، وطايف غَاسِق واقب، وملاحظ مراقب، كميش الْإِزَار، بعيد المزار، حَامِل للأوزار، خصيم مُبين، ووارث سوفسطها عَن رنين، مطلع بِفقه البير وحريمها، فضلا عَن تلقين الْخُصُوم وَتَعْلِيمهَا، أسْهم العريف المقرب، والمقدم المدرب، والمشافه الْمُبَاشر، والنابح الكاشر، والمنهج الْعَاشِر، الَّذِي يَقْتَضِي خلاص العقد، وَيقطع فِي الكاي والنقد، ويزكى ويجرح ويمسك الْمُثبت أَو يطْرَح، ويجمل ويشرح، والمسيطر الَّذِي بِيَدِهِ ميزَان الْوَرق، وَجمع الْأجر المفترق، وكفه قَابِلَة رحم الدواة الفاغرة، ورشا بلالة الصُّدُور الواغرة، فَإِذا وقف الخصمان بأقصى مطرح الشعاع، وأفأى مجمع الرعاع، واعلنا الندا، وَطلب الأعدا، وصاحا جعل الله أَنْفُسنَا لَك الفدا، وَرفع الْأَمر، إِلَى مقطع الْحق، وَالْأولَى بالمثابة الأحق، أخذتهما الْأَيْدِي دفعا
(2/235)

فِي القفى، ورفعا لستر اللطف الْخَفي، وإمساكا بِالْحجرِ والأكمام، ومنعا للمباشرة والإلمام واستنطاقا عِنْد الْأَخْذ بالْكلَام، وإسكاتا عِنْد صريف الأقلام فَإِذا أدلى بحجته من أدلى، وسعهما دينه عدلا، وَحقّ القَوْل، وَاسْتقر الهول، وَوَجَبَت الْيَمين أَو الْأَدَاء الَّذِي يفوت لَهُ الذخر الثمين أَو الرَّهْن أَو الضمين، أَو الاعتقال، الَّذِي هُوَ على أَحدهمَا الْأمين، نهش الصل، الَّذِي سليمه لايبل ولسبت العقارب الَّذِي لَا يفلتها الهارب، وَلَا تنجى مِنْهَا المسارب. وَكم تَحت الظلام من غرارة يحملهَا غر، وحرة ريح فِيهَا صر، وسهد فِي انْتِظَار قلَّة شهد، وكبش يجر تَارَة بروقيه، وَيدْفَع بعد رفع سَاقيه، ومعزى وجدي وقلايد هدى، وسرب دَجَاج ذَوَات لجاج، يقضحن الطارق، ويشيعن المفارق، فَمَتَى يستفيق سَيِّدي مَعَ هَذَا اللَّغط، العايد بالصلة، واللهى الْمُتَّصِلَة. أَو تتفرع يَده الْبَيْضَاء لأعمال ارتياض، وَخط سَواد فِي بَيَاض، أَو حنين لدوح أَو رياض، أَو إمتاع طرف، باكتئاب حرف أَو إِعْمَال عدل لرَسُول فِي صرف، أَو حَشْو طرب يتحفه ظرف، شَأْنه أَشد استغراقا، وميوله أَكثر طراقا، من ذكر حبيب ومنزل، وَأم معزل، وَكَيف يستخدم الْقَلَم الَّذِي يصارف مَاء الحبر يذوب التبر فِي ترهات عدم جناها، وأقطع جَانب الخيبة لَفظهَا وَمَعْنَاهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تحصل النَّفس على كِفَايَة تختم لَهَا الصرر، وتشام من خلالها للجين الْغرَر، أَو تحن النَّفس إِلَى الفكاهة والأنس، وَينْفق لَدَيْهَا ذمام الْإِبْقَاء على الْجِنْس، فَرُبمَا تقع المخاطبة المنزورة، وتبيح هَذَا المرتكب الصعب للضَّرُورَة، والمرغوب من سَيِّدي القَاضِي أَن يذكر بؤسنا بالإغفال عِنْد نعيمه، وَلَا يخيب آمالنا الْمُتَعَلّقَة بأذيال زعيمه ويسهمنا حظا من فوايد حَظه، لَا من فوايد خطته، وَيجْعَل لنا كفلا من فضل بريته وفطنته، لَا من فضل بعره وقطته، فقد غنينا عَن الحلاوات،
(2/236)

بحلاوة لَفظه، وَعَن الطّرف الْمَجْمُوعَة، بفنون حفظه، وَعَن قصب السكر، بقصب أقلامه، وَعَن جنى الدوم بداومه، وبهديه عَن جديه، وبمحاجته عَن دجاجته، وَبدر لجه عَن أترجه، وَعَن الْبر ببره، وَعَن الْحبّ بحبه، وَلَا نأمل إِلَّا طُلُوع بطاقته، وَقد رَضِينَا بِجهْد طاقته، وَإِلَّا فَلَا بُد أَن نحشد جَيش الْكَلَام إِلَى عَتبه، ونوالي الكتايب، حَتَّى يَتَّقِي بضريبة كتبه. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي سَبِيل الدعابة فِيمَن تزوج قَيْنَته
كتبت أغبطك، أعزّك الله، بتسويغ اللَّذَّات، وتسنى طيب الْحَيَاة، ولباس خلع الخلاعة، وَلَو قَامَت السَّاعَة، فَإِنَّمَا الْإِنْسَان بيومه لَا بقَوْمه، وبوقته لَا بالمبالات بمقته، وأدعو الله أَن يجزك أجرتك، ويتقبل هجرتك، ويؤمن من الشُّرُوط حجرتك، ويعطف على محلك قُلُوب الفتيان، وَيَدْعُو بهم للإتيان، وَيقطع بشهرة قينتك حظوظ القيان، ويسلبك الْغيرَة الَّتِي تفْسد الْعشْرَة، وَتكشف القشرة، وَكَأَنِّي بك أعزّك الله، وَقد ظهر بِوَجْهِك سعفة النَّبِيذ، وتفطر لَهَا وَجهك تفطر الجدي الحنيذ، وأصابت أسنانك الْحَضَر، وريحك البخر، وعينك السّتْر، وشعرك الحزاز، ويدك الكزاز، وأصبحت مخمورا، مَنْهِيّا عَن عِيَالك مَأْمُورا، وَقد أغلقت عمامتك بسروالك، وسدلت القشرة الْبَيْضَاء على أسمالك، وَقَعَدت بركَة بابك، تتلقف العيادة، وتعترض السِّيَادَة، وَتعين للْوَقْت الزِّيَادَة، فَإِذا اقتضيت النَّقْد من الخرج، ودللت الفحول على المرج، وخطبت لمشاهدة الرقص والدرج، نهضت لشرامون فحولك، وَمَا يتكل بسولك، من طرواة تصقل الْعشْرَة وتنقيها، ولخلخلة يستر رَائِحَة الْإِبِط وتخفيها، وسنون يطيب الْفَم، ويوافق الشم، وضماد يشد الثدي إِذا ذبل، وبرزجة تمنع الْحمل، وحشوت جيبك أوتارا، وأعددت دستانا ثَانِيًا وَحِمَارًا، وشاركت على الْمُرَابَحَة خمارا،
(2/237)

وَبسطت نطع الْقعُود، واعددت لإيداع الْفتُوح غشا الْعود، وترددت إِلَى الْبَاب، توقعا لإخلاف الوعود، فأقسم عَلَيْك يَا سَيِّدي أَن لَا تغفلنا من بالك، وَلَا تنسنا من حرامك الْمُصحف [أَو حلالك، وأسهمنا] فِي فضل تجارتك. وعيى جعالتك وإجارتك، وَاضْرِبْ لنا بِخَط عِنْد قسم مَا فِي طنجارتك. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك فِي مُخَاطبَة بعض الْأَطِبَّاء بِمَا يظْهر من الْغَرَض
أبثك يَا أحب الأحباء، أطرف الأنباء، من حَدِيث الْأَطِبَّاء، وَذَلِكَ أَن لي أَيَّامًا ثَلَاثَة، أعاني مَا أعاني، من الْأَلَم الَّذِي شريني وأرتعاني، فَأَما قوتي فواهية، فِي دَرَجَات الضعْف متناهية، وَأما أفكاري فمتبلدة متناهية، وَأما آلام الْفُؤَاد فَمَا أدريك مَاهِيَّة، فَإِذا دخل الْقَوْم حيو وقعدوا، وصوبوا فِي الهذر وصعدوا، وَرُبمَا امتدوا طوع تعديهم، إِلَى تنَاول الرّقاع والكراريس بِأَيْدِيهِم، يدرسون أسطارها سرا، ويكفون، ويكبون عَلَيْهَا إكبابا مستمرا، فَإِذا ملوا نهضوا على جادة أُخْرَى واستقلوا، فأفاضوا فِي التَّوْرَاة وَالزَّبُور، والتلمود والعبور، وَغير ذَلِك من فُصُول الْأُمُور. وَلَقَد أتحامل الخلا، والضعف ظَاهر الاستيلا، ومجالس السهل مترادفة الولا، فيذهلون عَمَّا ألاقيه من العفا، إِلَى أَن ينتصف الْيَوْم، وبريبهم التثاؤب وَالنَّوْم، فَحِينَئِذٍ يَتَحَرَّك الْقَوْم، وَوَاللَّه مَا أعملوا فِي العلاج قولا، وَلَا نظرُوا خرا وَلَا بولا، وَلَا قعدوا وَلَا شعروا هَل أَنا مَرِيض أم لَا، وَمَا ضرّ لَو أَشَارَ مِنْهُم المشير بعلاج، أَو أخذُوا للمذاكرة فِي نتاج، حَتَّى يقيموا رسم الصِّنَاعَة، ويأنفوا لَهَا من طَرِيق الإضاعة، أَو يعدلُوا هَوَاء،
(2/238)

أَو يبدلوا سَبِيلا سَوَاء، أَو يجلب أحدهم من الخزانة السُّلْطَانِيَّة دَوَاء. إِنَّمَا هِيَ عَادَة الْأَيَّام، وَعدم الاهتمام، وتعدي طرق الْكِرَام. فَإِذا وَقعت الهفوة، عتبوا وشافهوا [وَكَتَبُوا] كَأَنِّي لست مَوْضُوعا إِلَّا لشكوى دهر. وتعزير صَخْر أَو تمر أَو بكاء هم، أَو السباحة للفضول فِي يم، وَإِن قَالُوا قدرك سنىء. وَأَنت عَن نَظرنَا غنى، فَأَنا عَن الزِّيَارَة مني إِلَى العلاج وَعَن الْأَصَالَة الخارقة للسياج مني لصلاح المزاج، قدرت لَك عُذْري لتقوم فِيهِ بحجتي، وإيضاح محجتي، لَا زلت متحليا من الْإِنْصَاف، بأجمل الْأَوْصَاف، وَالسَّلَام المتعاهد بالألطاف، والرحمات الدانيات القطاف يخصك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي مُخَاطبَة ابْن جبور الْوَالِي بمكناسة فِي بعض الْأَغْرَاض
شاع، أعزّك الله، على أَلْسِنَة أَصْحَابك مِمَّن عرف نبله وعقله، وَصَحَّ فِي الْأَخْبَار نَقله، أَنَّك جواد الْوَقْت، الآمن المقت، وَأَنَّك مجلى التخت، ومفيد البخت، ومأوى الضَّيْف، فِي الشتَاء والصيف، وَأَنا مَا علمت ضيف الْكِرَام حَيْثُ حللت، ونزيل الأجواد مَتى نزلت، أرحل عَنْهُم، وَالثيَاب تضيق بهَا الْعباب، والجياد يجنبها القياد، والصرر قد أشرقت مِنْهَا الْغرَر، حرصا على ثَنَاء يخلد، وَمعنى يُقَلّد، ودولة تجلى بالمكارم [ومروة تحل عَلَيْهَا] ضرب المغارم، فَبت بجوارك لَيْلَتَيْنِ، أكلت فيهمَا من زادي، وشربت من مَاء الْوَادي، وَجعلت الأَرْض مهادي، وَطَالَ لأجل البراغيث سهادي. وَلَقَد سَأَلَني الْوَزير أبقاه الله عَن طريقي، ورفيقي وفريقي، وأجملت الْمُفَسّر، وألممت من الْكَذِب بِمَا تيَسّر، وَقلت علم استدعاؤك إيَّايَ، واستقدامي من مثواي، فسائر النَّاس بجملتهم هواي، وأماني الإياب، بعد أَن بدأت الْبَيْت، وأوليت مَا أوليت، فَالْأَمْر أكبر،
(2/239)

وَالْخَبَر لَا يَفِي بِهِ الْخَبَر، فخاطبتك، أعزّك الله، مُخَاطبَة من يغار على شهرة جودك، وَالْحكم لَك بالثنا قبل وجودك. فإمَّا أَن يَقع الصُّلْح على ضريبة قريبَة، ويرتفع عَن وَجه المجادة نقاب الرِّيبَة أَو يكذب النَّقْل، وَيكون قرى ضيفك، المَاء. والبقل، اللَّهُمَّ [إِلَّا] أَن يكون قبولك خَاصّا بِمن راق خَدّه، وَحسن قده، وتبلبلت نظرته، وأخجلت البدو غرته، فحظنا لديك الخيبة، وَلَو قصدناك من قلَّة وطيبة وموصله يُقرر الْمطلب، وَيجْبر مِنْك البارق والخلب، وَالْقَصْد الْمُشَاركَة فِيمَا أَمر بِشِرَائِهِ، ومحاولة نَقله، بِمَا يستخف من كرايه، وَأَنا أرتقب وُصُوله، وأنتظر حُصُوله، وعَلى كل حَال، فشكري لشكر الْخلق فِيك تبع، وَإِن لم يَقع فِي جوارك ري وَلَا شبع، وثنائي جميل، وَإِن لم يقْض من برك نأميل، وَمَا أَلممْت بِهِ إِنَّمَا هُوَ دعابة، تخف على أهل النبل، وَمن يسْلك من التظرف أوضح السبل، وَالله يمتع بعد بلقائك، ويجلي غرر الْفضل من تلقائك. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني مِمَّا خاطبت بِهِ الْوَزير أَبَا بكر بن الْحَكِيم.
(ألام على أَخذ الْقَلِيل وَإِنَّمَا ... أعامل أَقْوَامًا أقل من الذَّر)

(فَإِن أَنا لم آخذ مِنْهُم فقدته ... وَلَا بُد من شَيْء يعين على الدَّهْر)

سَيِّدي: أطلق الله يدك بِمَا تملك، وفتر عَن مخنقك الْبُخْل لِئَلَّا تهْلك، كنت قد هومت، وزجرني القلق فتلومت، ونومي مَا علمت سني الْخلال، عَزِيز الْوِصَال، يمطل غَرِيمه ديني، ويعافه طيري، ورد نمر عَيْني، وَإِذا بِالْبَابِ يدق بِحجر، دقا يُنَبه عَن ضجر، وجار الْجنب يُؤْخَذ بالذنب، فَقُمْت مبادرا، وَجَزِعت، وَإِن كَانَ الْجزع مني نَادرا، واستفهمت من وَرَاء الفلق، عَن سَبَب
(2/240)

هَذَا القلق، واستعذت بِرَبّ الفلق، فَقَالَت امْرَأَة من سكان السوَاد، ورابطة الْفُؤَاد، يَا قوم رَسُول خير، بأيمن طير، وقرع إدلال: لَا قرع إذلال، حطو شعار الْحَرْب وَالْحَرب، وَقد ظفرتم ببلوغ الأرب، فتأخرت عَن الْإِقْدَام، وانهدت إِلَيْهِ مجن عمر ابْن أبي ربيعَة مِمَّن كَانَ بِالدَّار من الخدام، وأسفرت الوقيعة عَن سَلام وَسلم، وَلم يرزأ أحد منا بكلم. وَنظرت إِلَى رجل قرطبي الطلعة والأخلاق، جاو على الْإِطْلَاق، تنهد قبل أَن سلم، وارتمض لما ذهب من الشبيبة وتألم، شنشنة مَعْرُوفَة، وَعَن تِلْكَ الْجِهَة، معَاذ الله، مصروفة، وَقد حَملته سيادتكم من المبرة ضروبا شَتَّى، وتجاوزت فِي السراوة غَايَة حَتَّى، وَلم نذع عضوا من جسده، فضلا عَن مَنْكِبه وَيَده، إِلَّا أعلقته وعَاء ثقيلا، وناطت بِهِ زنبيلا، وصييره مضاعف الْبر، سفينة من سفن الْبر، فَأَنَاخَ كَالْجمَلِ إِذا برك، واستلقى كالكمى ترك المعترك، وعلت حوله تِلْكَ الأثقال، وتعاورها الِانْتِقَال، وَكثر بالزقاق القيل والقال. فَلَمَّا تحصلت بِالدَّار، وسترت معرتها بالجدار، وتناولها الاختبار الفاضح، وَبَان قُصُورهَا الْوَاضِح، تلاشت بعد مَا جَاشَتْ واضمحلت بعد مَا حلت، وَنظرت إِلَى قَعْب من التِّبْن المذوق، الَّذِي لَا يسْتَعْمل فِي الْبيُوت، وَلَا يُبَاع فِي السُّوق، أذكرني قَول الشَّاعِر:
(تِلْكَ المكارم لَا قعبان من لبن ... شيبا بِمَاء فَعَاد أبعد أبوالا)

أما زبده فَرفع، وَأما زيته فانتيت بِهِ وانتفع. وَأما من أنف من بَعثه من فضلاء الخدام فَرفع، وَكَأَنِّي بِهِ قد ألح فصفع. والتفت إِلَى قفة قد خيطت، وبعنق ذَلِك البائس قد نيطت، رمس فِيهَا أفراخ من الحمائم، وقلدت بلبته، كَمَا يتقلد بالعمائم، وَشد حبلها بمخنقه، وألزم مِنْهَا فِي العاجلة طَائِره فِي عُنُقه، هَذَا بعد مَا ذبحت، وَأما حشوتها فربحت، وَلَو سلكتم الطَّرِيقَة المثلى، لحفظتم جثتها من العفن بِمَا تحظ بِهِ جثث الْقَتْلَى، وأظنكم لم تغفلوا هَذَا الْغَرَض،
(2/241)

وَلَا أهملتم هَذَا المهم الَّذِي عرض، فَإِنِّي رميت مِنْهَا للبر رمى المختبر، فكلح من مرَارَة الصَّبْر، وَلما أخرجتها من كفن القفة، واستدعيت لمواراتها من حضر من الْأَصْحَاب أهل الصّفة، تمثلت تمثل لَبِيب بقول حبيب:
(هن الْحمام فَإِن كسرت عناقه ... من حايهين فَإِنَّهُنَّ حمام)

وَلَوْلَا أَن أحد الدجاجتين لاحت عَلَيْهَا مخيلة سرو، وَكَانَت من بقايا ديوك مرو، بعث بهَا جلالك جَلَاله، وَأهْدى مِنْهَا لفساد مزاجي آله، لم يكن فِي الْهَدِيَّة مَا يذكر، ولكانت مِمَّا يُنكر، وَأَسْتَغْفِر الله، فَلَو لم تكن التُّحْفَة إِلَّا تِلْكَ الأكولة العاطرة، والغمامة الماطرة، حَتَّى أحسبت الأمل الْأَقْصَى، وتجاوزت المنن الَّتِي لَا تحصى، للَزِمَ الشُّكْر وَوَجَب، وبرز من حر الْمَدْح مَا تيَسّر واحتجب، والمكارم وَإِن تَغَيَّرت أنسابها، وَادّعى إرثها واكتسابها. إِلَيْكُم تُشِير أيديها، ولفئتكم تميل بهواديها، وبساحتكم يسيل واديها، وعَلى أَرْضكُم تسح غواديها، ومثلى أعزكم الله لَا يفض من قدر تحفكم الحافلة، وَلَا يقْعد من شكرها عَن فَرِيضَة وَلَا نَافِلَة، وَلكنهَا دعابة مُعْتَادَة، وفكاهة أصدرتها وداده، وَلَا أَشك أَنكُمْ بِمَا جبلتم عَلَيْهِ من محبتي قَدِيما وحديثا، وأثاري الَّذِي صيرتموه سمرا وحديثا، تهدرون جفاي فِي جنب وفائي وتغضون، وتتجلون، وَبقول الشَّاعِر تتمثلون
(وأسمع من أَلْفَاظه اللُّغَة الَّتِي ... يلذ بهَا سَمْعِي وَإِن ضمنت شتمي)
وَهِي طَوِيلَة
وَمن ذَلِك مَا صدر عني مِمَّا خاطبت بهَا أَبَا عبد الله الْيَتِيم بِمَا نَصه
يَا سَيِّدي الَّذِي إِذا رفعت راية ثنائه، تلقيتها باليدين، وَإِذا قسمت سِهَام وداده، على ذَوي اعْتِقَاده، كنت صَاحب الْفَرِيضَة وَالدّين، وَأم بقاؤك، لطرفة
(2/242)

تبديها، وغريبة تردفها بِأُخْرَى تَلِيهَا، وعقيلة بَان تجتليها، وَنَفس أَخذ الْحزن بكظمها، وكلف الدَّهْر بِشَتٍّ نظمها، تونسها وتسليها، لم أزل أعزّك الله، أَشد على بدائعك يَد الضنين، وأقتني دُرَر كلامك، ونفثات أقلامك، اقتناء الدّرّ الثمين، وَالْأَيَّام بلقاك تعد، وَلَا تسعد. وَفِي هَذِه الْأَيَّام انثالت على سماؤك بعد قحط، وتوالت لَدَى آلاؤك على شحط، وزارتني من [عقائل بنانك] ، كل فاتنة الطّرف، عاطرة الْعرف [رافلة فِي حلل الْبَيَان والطرف] لَو ضربت بيوتها بالحجاز، لأقرت لَهَا الْعَرَب العاربة بالإعجاز، ماشيت من رصف المبنى، ومطاوعة اللَّفْظ الْمَعْنى، وَطيب الأسلوب، والتشبث بالقلوب، غير أَن سَيِّدي أفرط فِي التنزل، وخلط المخاطبة بالتغزل، وراجع الِالْتِفَات، ورام اسْتِدْرَاك مَا فَاتَ، يرحم الله شَاعِر المعرة، فَلَقَد أَجَاد فِي قَوْله، وَأنكر مُنَاجَاة الشوق بعد انصرام حوله، فَقَالَ:
(أبعد حول تناجى النَّفس نَاجِية ... هلا وَنحن على عشر من الْعشْر)

وَقد تجاوزت فِي الأمد، وأنسيت أَخْبَار صَاحبك عبد الصَّمد، فأقسم بألفات القدود، وهمزات الجفون السود، وحاملي الْأَرْوَاح مَعَ الألواح، بِالْغُدُوِّ والرواح، لَوْلَا بعد مزارك، مَا أمنت غائلة مَا تَحت إزارك، ثمَّ إِنِّي حققت الْغَرَض، وبحثت عَن الْمُشكل الَّذِي عرض، فَقلت للخواطر انْتِقَال، وَلكُل مقَام مقَال، وتختلف الْحَوَائِج باخْتلَاف الْأَوْقَات، ثمَّ رفع اللّبْس خبر الثِّقَات، وَمِنْهَا: وتعرفت مَا كَانَ من مُرَاجعَة سَيِّدي لحرفة التكتيب والتعليم والحنين إِلَى الْعَهْد الْقَدِيم، فسررت باستقامة حَاله، وَفضل مَاله، وَإِن لاحظ الملاحظ، مَا قَالَ الجاحظ، فاعتراض لَا يرد، وَقِيَاس لَا يضطرد حبذا وَالله عَيْش أهل التَّأْدِيب، فَلَا بالضنك وَلَا بالجديب، معاهدة الْإِحْسَان، ومشاهدة الصُّور الحسان. يَمِينا إِن
(2/243)

المعلمين لسادة الْمُسلمين، وَإِنِّي لأنظرهم كلما خطرت على الْمكَاتب، أُمَرَاء فَوق الْمَرَاتِب، من كل مسطر الدرة، متقطب الأسرة، متنمر للوارد تنمر الْهِرَّة، يَغْدُو إِلَى مكتبه، كالأمير فِي موكبه، حَتَّى إِذا اسْتَقر فِي فرشه، واستوى على عَرْشه، وترنم بِتِلَاوَة قالوته وورشه، أظهر لِلْخلقِ احتقارا، وأزرى بالجبال وقارا، وَرفعت إِلَيْهِ الْخُصُوم، ووقف بَين يَدَيْهِ الظَّالِم والمظلوم، فَتَقول كسْرَى فِي إيوانه أَو الرشيد فِي زَمَانه، أَو الْحجَّاج بَين أعوانه، فَإِذا استولى على الْبَدْر السرَار، وَتبين للشهر الْفِرَار تحرّك لِلْخُرُوجِ تحرّك القرد إِلَى الْفرج، اسْتغْفر الله مِمَّا يشق على سَيِّدي سَمَاعه، وتشمئز من ذكره طباعة، شيم اللِّسَان خلط الْإِسَاءَة بِالْإِحْسَانِ، والغفلة من صِفَات الْإِنْسَان، وَأي عَيْش كَهَذا الْعَيْش، وَكَيف حَال أَمِير هَذَا الْجَيْش، طَاعَة مَعْرُوفَة، ووجوه إِلَيْهِ مصروفة. فَإِن أَشَارَ بالإنصات، لتحقيق الغصات، فَكَأَنَّمَا طمس على الأفواه، ولاءم بَين الشفاه. وَإِن أَمر بالإفصاح، وتلاوة الألواح، علا الضجيج والعجيج، وحف بِهِ كَمَا حف بِالْبَيْتِ الحجيج، وَكم بَين ذَلِك من رشوة تدس، وغمرة لَا تحس، ووعد يستنجز وحاجة تستعجل وتجهز. هَنأ الله سَيِّدي مَا خوله، وأنساه بِطيب آخِره أَوله، وَقد بعثت بدعابتي هَذِه، مَعَ إجلال قدره، والثقة بسعة صَدره، فليتلقها بِيَمِينِهِ، ويفسح لَهَا فِي الْمجْلس بَينه وَبَين خدينه، ويفرغ لمراجعتها وقتا من أوقاته، عملا بِمُقْتَضى دينه، وَفضل يقينه، وَالسَّلَام الْكَرِيم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ أحد المنتحلين لصنعة الْحجامَة
يَا أَحْمد أبقاك الله لذكر تعظه. وورم تبطه، وَدم تسيله، وَرَأس سما بِهِ الْكبر تميله، حَتَّى يتَبَيَّن لديك حَال الثروة، ويجتمع بَين يَديك من الشُّعُور، مثل مَا يجْتَمع بَين الصَّفَا والمروة، مَا هَذِه الْغَيْبَة، الَّتِي أسالت من صبيتك
(2/244)

القوارب، وأطالت من معامليك اللمم والشوارب، وَتركت من كَانَ يحوم على دكانك، وَينْفق سلْعَته فِي مَكَانك، كأسد السُّوق، يُعِيد الْعَهْد بالفسوق. إثن من عنانك، وألن لمن خلقك قاسي جنانك وَارِث لخدود كنت حاصد نباتها، ومتفيىء جناتها فقد طَغى بهَا الآس على الْورْد، ولبست من خلعات العذار، كل محكمَة السرد، فبلطافة شمائلك، وَطيب حمائلك، أَلا مَا أخذت فِي الإياب، وأدلجت إدلاج الذياب، فقد طَال الأمد، وَعظم على حَملتك العاشقة الكمد، واستصحب مَا رسمت لَك [من الفخار] وَغَيره، وَخذ فِي الْقدوم، وحث من سيره، وَإنَّهُ سلامي من اسْتَسْقَيْت سحب خَيره، وتيمنت [لله مَادَّة] طيره، وصل الله علاءه وأجزل لَدَيْهِ آلاءه. وَالسَّلَام
وَمن ذَلِك فِي مُخَاطبَة أبي جَعْفَر بن سُلَيْمَان الْقرشِي وَقد عرض عَلَيْهِ عقد إِيجَابه
يَا مَحل الْوَلَد، هَذَا رَأْي، مَا فِيهِ وَالْحَمْد لله وَهِي، وَنظر مُعْتَبر، يرجحه كتاب وَخبر، وحسبك بهَا من صلَة رحم، وعصابة فضل تزدحم، فَإلَى أَيْن يذهب الْمُحْتَار، عَمَّا يذب إِلَيْهِ الْمُخْتَار، كتب الله لكم السعد، حَلِيف هَذَا النَّقْد، وَلَا زَالَ نَقده وكاليه آمِنين من النَّقْد، وَجعل حُصُول الأنبا بالأبناء عَن الرفاء ورفكم فِيهِ عوارف الْيمن والأمان، وَجعل حِكْمَة سعادته مِمَّا فهمها الله - والدكم سُلَيْمَان بفضله وَكَرمه.
(2/245)

المقامات

فَمن ذَلِك مَا صدر عَنى للسُّلْطَان الْجَلِيل الْمُعظم الْكَبِير أبي عنان فَارس رَحمَه الله من سبتة بَين يَدي ركُوب الْبَحْر وَفِي كل كلمة مِنْهَا سين
(سقت ساريات السحب ساحة فاس ... سواحب، تكسو السَّرْح حسن لِبَاس)

(وسارت بتسليمي لسدة فَارس ... نسيم سرى للسلسبيل بكاس)
مِنْهَا فِي ذكر السُّلْطَان أبي عنان:
(أنست بمسرى سبتة وتأنست ... بساحته نَفسِي وأسعد نَاس)

(ويسرت لليسرى وَيسر مرسلي ... وسدد سهمي واستقام قِيَاس)

باسم السَّلَام أستمنح مُسبل الإسعاد، وأبلس أنفس الحساد، وبإرسال التَّسْلِيم لسَيِّد الْمُرْسلين، أَسد أسراب الْفساد، وألتمس لسفري سَلامَة النُّفُوس والأجساد، سَلام وسيم، تستعير نفس مسراه الْبَسَاتِين، ويحسده الآس والياسمين، ويستمده النرجس السَّاجِي والنسرين، يسى ر لمجلس، مستخلف القدوس السَّلَام سُبْحَانَهُ، ويستبق لسدة سُلْطَان الْمُسلمين. سل السعد حسامه، وسدد سهامه، سيف السّنة السمحاء سَحَابَة سَمَاء السخا أَسد المراس، ملبس المفسدين لِبَاس الباس، ميسر الْحَسَنَة للنَّاس، يعسوب الْخَمِيس، مسرح سوائم التسجيع والتنسيم والتجنيس سَنَد السّنة، أَسد الأسنة، الباسل السَّيِّد السّني المسدد، السَّامِي السّني، سُلْطَان السلاطين، الساطي بأسه بالساطين، مُسْتَند الْإِسْلَام، فَارس، سدلت لسيرته الْحَسَنَة الملابس، واستنار بابتسام سعده المسري العابس. حَسبك باسم ومسمى، وَنَفس نفيسة سكنت الْإِسْلَام جسما، وأسنت لسعادة الْمُسلمين قسما، ينسى السحايب الساكنة لمسنتي السنين، وتخرس ألسن محاسنه اللسنين، ويستعبد إحسانه إِحْسَان الْمُحْسِنِينَ، سما مَجْلِسه، وَسعد ملتمسه، وتسنت سَلَامَته، وحرست سبل السّنة استقامته، وسدد سَهْمه، وسنى السَّعَادَة للنَّاس بأسه وَسلمهُ، فسبحان ميسر العسير، ومسدي الكسير،
(2/246)

ومسهل الإكسير، ومسنى سُلْطَانه يستوعب محَاسِن السَّبْعَة المستخلفين، اسْتِيعَاب التَّيْسِير، فسهلت المسالك العسيرة، وَحسنت السِّيرَة، ليستبين سر الِاسْتِخْلَاف، ويتيسر سَبَب الاستيلاف، ويستجد ملابس سلطنة الأسلاف، وسيطهر سَيْفه مَسَاجِد الْمُسلمين بالأندلس، سالبا دنس الناقوس، ويلبس إِبْلِيس باستنقاذها، لِبَاس الْبُؤْس، ويستفتح الْقُدس، بتيسير القدوس، رسمه بسبته حرست ساحتها، واتسعت باليسر مساحتها، مسترق إحسانه، ومستعبد سُلْطَانه السعيد السفارة والرسالة، بِسَبَبِهِ، المتوسل بالوسائل الْحَسَنَة، لحسبه سمى الرَّسُول، سليل سعيد، المنتسب لسلمان، لَيْسَ بسلمان الْفَارِسِي، حَسْبَمَا استوعبه سفر الْأَنْسَاب تيسرت لسراة الْمُسلمين برسالته الْأَسْبَاب. سطره لسلطانكم السامى، وسفر السفين تيَسّر، وسور التسهيل والتيسر تفسر، والسمراء ونسبتها استوعبها الإيساق، ولسوابق المرسى استباق، ولمحاسن السلطنة الفارسية اتساق، وسكنها مستملككم تِسْعَة بِسَبَب نسيم استباد مسراه، واستتبع سراه ينتسب لسمت الْإسْكَنْدَريَّة، ويسخر بالسفن السفرية، والساعة استعجلت السّفر مستننما سُكُون، نَفسه وسهو حرسه، واستتبتت لاستصحاب الْحَسَنَة الفارسية لساحل البلس ميسورا من سكانه يُسمى، بِحُسَيْن وينسب لسالم استنجاحا بسمته الْحسن والسلامة، سلكت للتسهيل، سَوَاء السَّبِيل وسقت النَّاس سلاف المسرة، بكأس السلسبيل، ومسترق الْمجْلس الْفَارِسِي، مجْلِس السنا والقدس، مُسَافر بالجسم، مستوطن بِالنَّفسِ وَلسَانه بإحسانكم سيف مسلول، ولنفسه بتسنى سعادتكم سَوَّلَ، فبسعادتكم يستصبح، وببسملة محاسنكم يستفتح، وسلطانكم لَيْسَ ينسى وَسِيلَة متوسل، وسبل الْحَسَنَات من سما سيرتكم مسترسل، واستوعبها سينية، وبسين اسمكم سعيدة سنية، خلسة مجْلِس، ووسع مُفلس. وسمحكم مسئول، ومستعيذ سلطانكم أسعد رَسُول، نسل السَّلَام تقدس اسْمه، بتسني سعادتكم سرُور الْمُسلمين، ويسنى بسببكم سنة سيد الْمُرْسلين، ورسم تَاسِع مستفتح سنة سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة.
(2/247)

نحمد الله حمد معترف بِحقِّهِ، ونشكره على عوائد فَضله ورفقه، الَّذِي جعل لنا الأَرْض ذلولا، نمشي فِي مناكبها، وَنَأْكُل من رزقه، وَنُصَلِّي على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد خيرته من خَلفه، ونستوهب للمقام المولوي اليوسفي النصري، سَعْدا يتلألأ نور أفقه، ونصرا يُتْلَى، بغرب الْمَعْمُور وشرقه:
(وقابلة صف لي فديتك رحْلَة ... عنيت بهَا يَا شقة الْقلب من بعد)

(فَقلت خذيها من لِسَان بلاغة ... كَمَا نظم الْيَاقُوت والدر فِي عقد)

لما وَقع الْعَزْم الَّذِي وَقفه الله على مصَالح هَذِه الجزيرة، وَالْقَصْد المعرب عَن كريم القصيدة، وَفضل السريرة، على تفقد بلادها وأقطارها، وتمهيد أوطانها، وتيسير أوطارها، رأى فِي قَلّدهُ الله أمورها، ووكل إِلَى حمايته ثغورها، مَوْلَانَا وعصمة ديننَا ودنيانا، أَمِير الْمُسلمين، وظل الله على الْعَالمين أَبُو الْحجَّاج، ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين وكبير الْمُلُوك الْمُجَاهدين الصَّالِحين أبي الْوَلِيد إِسْمَاعِيل، ابْن مَوْلَانَا الْهمام الْأَعْلَى، الَّذِي تروى مفاخره وتتلى، أبي سعيد، حفظ الله مِنْهُ على الْأَيَّام بَحر الندا، وَبدر المنتدا، وسابق الْفَخر الْبعيد المدا، وشمله برواق عصمته، كلما رَاح واغتدا، أَن يُبَاشِرهَا بِنَفسِهِ، وَيجْعَل آفاقها مظلة شمسه، نظرا لِلْإِسْلَامِ وقياما بِحقِّهِ، وَعَملا على مَا يقربهُ مِمَّن اسْتَخْلَفَهُ على خَلفه، فِي وجهة حالفها الْغَمَام المستجم، ونصبة قضى لَهَا بالسعد من لَا ينجم، فَكَانَ البروز إِلَيْهَا يَوْم الْأَحَد سَابِع عشر شهر محرم فاتح عَام ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة، خرجنَا وصفحة الْأُفق بالغيم متنفسة، وأدمع السحب لوداعنا منسكبة، نتبع من الرَّايَة الْحَمْرَاء دَلِيلا هاديا، ونثق بوعد الله سُبْحَانَهُ فِي قَوْله، وَلَا يقطعون وَاديا. وسلكنا جادة المَاء المفروش، نَسْرَح اللحاظ بَين تِلْكَ العروش، ونبتذل مَا نحلته
(2/248)

عروس الرّبيع من تِلْكَ الفروش، وَمن لَهُ بالحضرة حرسها الله شوق حثيث، وَهوى قديم وَحَدِيث، يكثر الِالْتِفَات، ويتذكر لما فَاتَ ويبوح بشجنه، وينشر مُشِيرا إِلَى مَسْكَنه:
(يَوْم أزمعت عَنْك طي البعاد ... وَعَدتنِي عَن البعاد العوادي)

(قَالَ صحبي وَقد أطلت التفاني ... أَي شَيْء تركت قلت فُؤَادِي)

وَرُبمَا غلبته لواعج أشواقه، وشبت زفراته عَن أطواقه، فَعبر عَن وجده، وخاطب الحضرة معربا عَن حسن عَهده:
(أَلا عَم صباحا أَيهَا الرّبع واسلم ... وَدم فِي جوَار الله غير مذمم)

(وَلَا عدمت أرجاؤك النُّور إِنَّهَا ... مطالع أقماري وآفاق أنجم)

(إِذا نسى النَّاس العهود وأغفلوا ... فعهدك فِي قلبِي وذكرك فِي فَم)

(وَإِنِّي وَإِن أزمعت عَنْك لطية ... وفوضت رحلي عَنْك دون تلوم)

(فقلبي لَك الْبَيْت الْعَتِيق مقَامه ... وشوقي إحرامي ودمعي زَمْزَم)

ثمَّ اسْتَقَلت بِنَا الحمول، وَكَانَ بوادي فرذش النُّزُول، منزل خصيب، وَمحل لَهُ من الْحسن نصيب، وَلما ابتسم ثغر الصَّباح، وبشرت بمقدمه نسمات الرِّيَاح، ألفينا عمل السراج إِلَى إلإسراج، وشرعنا فِي السّير الدائب، وصرفنا إِلَى وَادي أنس صروف الركائب، واجتزنا بوادي حمتها، وَقد متع النَّهَار، وتأرجت الأزهار، فشاهدنا بِهِ معالم الْأَعْلَام، وحيينا دَار حمدة بِالسَّلَامِ، وتذاكرنا عمَارَة نواديها، وتناشدنا قَوْلهَا فِي واديها:
(أَبَاحَ الشوق أسراري بوادي ... لَهُ فِي الْحسن آثَار بوادي)

(فَمن وَاد يطوف بِكُل روض ... وَمن روض يطوف بِكُل وَادي)

(وَمن بَين الظبي مهاة تضرسبت ... قلبِي وَقد ملكت فُؤَادِي)
(2/249)

(لَهَا لحظ ترقده لأمر وَذَاكَ ... الْأَمر يَمْنعنِي رقادي)

واستقبلنا الْبَلدة حرسها الله فِي تبريز سلب الأعياد احتفالها، وغصبها حسنها وجمالها، نَادَى بِأَهْل الْمَدِينَة، مَوْعدكُمْ يَوْم الزِّينَة، فسمحت الحجال برباتها، والقلوب بحباتها، والمقاصر بحورها، والمنازل ببدورها، فَرَأَيْنَا تزاحم الْكَوَاكِب بالمناكب، وتدافع البدور، بالصدور، بَيْضَاء كأسراب الْحمام، متنقبات، تنقب الأزهار بالكمايم، حَتَّى إِذا قضى الْقَوْم من سلامهم على إمَامهمْ فرضا، اسْتَوْفَيْنَا أعيانهم، تمييزا وعرضا، خيمنا بِبَعْض رباها المطلة، وسرحنا الْعُيُون فِي تِلْكَ العمالة المغلة، والزروع المستغلة، فحياها الله من بَلْدَة أنيقة الساحة، رحبة المساحة. نهرها مضطرد، وطائرها غرد، تبْكي السَّحَاب فيضحك نورها، ويدندن النسيم فترقص حورها:
(بلد أعارته الْحَمَامَة طوقها ... وكساه ريش جنَاحه الطاؤوس)

(فَكَأَنَّمَا الْأَنْهَار فِيهِ مدامة ... وَكَأن ساحات الديار كؤوس)

معقلها بَادِي الجهامة، تلوح عَلَيْهِ سمة الشهامة، نفقت سوق النِّفَاق دهرا، وخطبتها الْمُلُوك، فَلم ترض إِلَّا النُّفُوس مهْرا، طالما تعرقت وتنكرت، وحجتها نعم الإيالة النصرية فأنكرت، ومسها طائف من الشَّيْطَان ثمَّ تذكرت، فَالْحَمْد الَّذِي هداها، بعد أَن ثَبت يداها، فجف من قنتها مَا نبع، وانقادت إِلَى الْحق، وَالْحق أَحَق أَن يتبع، وتنافس أَهلهَا فِي الْبر الْكَفِيل، والقرى الحقيل، فبتنا نثني على مكارمهم الوافية، ونواضلهم الكافية، وَلم نحفل بقول ابْن أبي الْعَافِيَة:
(إِذا مَا مَرَرْت بوادي الأشا ... فَقل رب من لدغته مُسلم)

(وَكَيف السَّلامَة فِي منزل ... عصبَة من بني الأرقم)

وَلما فاض نهر الصَّباح على البطاح، ونادى مُنَادِي الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح، قمنا للرواحل لارتياد منزل، وأقمنا عَن اتِّبَاع آثارها بمعزل، نظرا للمدينة فِي
(2/250)

مهمات الْأُمُور، وَكَانَ اللحاق بغور من بعض تِلْكَ الثغور، أتيناها والنفوس مستبشرة، والقباب لأَهْلهَا منتظرة، فحمدنا الله على كَمَال الْعَافِيَة، وَقُلْنَا فِي غَرَض تجنيس القافية:
(وَلما اجتلينا من نُجُوم قبابنا ... سنى كل خفاق الرواق بغور)

(زرينا على شهب السَّمَاء بشهبها ... مَتى شِئْت يَا زهر الثواقب غور)

أظلتنا بهَا لَيْلَة شَاتِيَة، وألحفتنا أنواء للْأَرْض مؤاتية، فَلَمَّا شَاب مفرق اللَّيْل، وشمرت الْآفَاق من بزتها العباسية فُصُول الذيل، بكرنا نغتنم أَيَّام التَّشْرِيق، وندوس بأرجلنا حبات الطَّرِيق، وجزنا فِي كنف الْيمن وَالْقَبُول، بحصن الببول حَسَنَة الدولة اليوسفية، وَإِحْدَى اللطائف الْخفية، تكفل للرفاق بمأمنها، وفضح سَرِيَّة الْعَدو فِي مكمنها، من أَبيض كالفازة ضمن الْفَوْز فِي تِلْكَ الْمَفَازَة، فحييناه بأيمن طير، وتمثلنا عِنْده بقول زُهَيْر:
(وسكنتها حَتَّى إِذا هبت الصِّبَا ... بنعمان لم تهتز فِي الأيك أغصبان)

(وَلم يَك فِيهَا مقلة تعرف الْكرَى ... فَلَو زارها طيف مضى وَهُوَ غَضْبَان)

وَكَانَ ملقى الحران منابت الزَّعْفَرَان بسطة حرسها الله، وَمَا يبسطه، مَحل خصيب، وبلدة لَهَا من اسْمهَا نصيب، بَحر الطَّعَام، وينبوع الْعُيُون المتعددة، بِتَعَدُّد أَيَّام الْعَام، ومعدن مَا زين للنَّاس حبه من الْحَرْث والأنعام، يَا لَهَا من عقيلة، صفحتها صقيلة، وخريدة محاسنها فريدة، وعشيقة نزعاتها رشيقة، لبست حلَّة الديباج الْمُوشى، مفضضة بلجين الضُّحَى، مذهبَة بنضار الْعشي، وسفرت عَن المنظر الْبَهِي، وتبسمت عَن الشنب الشهي، وتباهت بحصونها مباهاة الشَّجَرَة الشماء بغصونها، فَوَقع النفير، وتسابق إِلَى لقائنا الجم الْغَفِير، مثل الفرسان صفاء، وانتثر الرحل جنَاحا ملتفا، وَاخْتَلَطَ الْولدَان بالولائد، والتمائم بالرئد، فِي حفل سلب
(2/251)

النها، وَجمع الْبَدْر والسها، والضراغم والمها، وَألف بَين القاني والفاقع، وسد بالمحاجر كؤوس البراقع، فَلَا أقسم بِهَذَا الْبَلَد وَحسن منظره الَّذِي يشفى من الكمد، لَو نظر الشَّاعِر إِلَى نوره المتألق، لآثرها بقوله فِي صفة بِلَاد جلق:
(بِلَاد بهَا الْحَصْبَاء در وتربها ... عبير وأنفاس الرِّيَاح شُمُول)

(تسلسل مِنْهَا مَاؤُهَا وَهُوَ مُطلق ... وَصَحَّ نسيم الرَّوْض وَهُوَ عليل)

رمت إِلَى غَرَض الْفَخر بِالسَّهْمِ الْمُصِيب، وَأخذت من اقتسام الْفضل بأوفى نصيب، وكفاها بِمَسْجِد الْجنَّة دَلِيلا على الْبركَة، وبباب الْمسك عنوانا على الطّيب، يغمر من الْقرى موج كموج الْبَحْر، إِلَّا أَن الرِّيَاح لاعبتنا ملاعبة الصراع، وكدرت الْقرى بالقراع، ولقينا من الرّيح، مَا يلقاه قلب المتيم من التبريح. وَكلما شكت إِلَيْهَا الْمضَارب شكوى الجريح، تركتهَا بَين المائل والطريح.
وَلما توَسط الْوَاقِع، والتقمت أنجم الْعَرَب المواقع، صدقت الرّيح الكرة، وجادتنا الْغَمَام كل عين تره، حَتَّى جهلت الْأَوْقَات، واستراب الثِّقَات. فتستر الْفجْر بنقابه، وانحجر السرحان فِي غابه، وَكَانَ أَدَاء الْوَاجِب بِحَدّ خُرُوج الْحَاجِب. وارتحلنا وَقد أذن الله للسماء فأصحت، وللغيوم فسحت، وللريح فَلَانَتْ بعد مَا ألحت، وساعد التَّيْسِير، وَكَانَ على طَرِيق قنالش الْمسير، كبرى بناتها، وشبيهتها فِي جداولها وجناتها، مَا شِئْت من أدواح توشحت بِالنورِ وتنوجت، وغدران زرع هبت عَلَيْهَا الصِّبَا فتموجت، سفربها الشَّقِيق الأرجواني. عَن خدود الغواني، فأجلنا الْعُيُون فِي رياض، وتذكرنا قَول القَاضِي عِيَاض:
(انْظُر إِلَى الزَّرْع وخاماته يحْكى ... وَقد مَاس أَمَام الرِّيَاح)

(كتيبته خضرًا مهزومة شقائق ... النُّعْمَان فِيهَا جراح)

مثل أَهله فَسَلمُوا، وَمن عدم النُّزُول بهم تألموا، وأتينا فحص الْأَبْصَار
(2/252)

فتجددت لَهُ ملابس المجادة، وتذكر عهود من حل بِهِ عِنْد الْفَتْح الأول من السَّادة، لما خَفَقت بِهِ راية سعد بن عبَادَة. وَلم تزل الركايب تغلى الفلاة فرى الْأَدِيم، وَأَهله السنابك صيرها السّير كالعرجون الْقَدِيم، حَتَّى ألحفتنا شجراته المضبر بشذاها العنبر، وراقتنا بِحسن ذَلِك المنظر، سوار مصفوفة، وأعلام خضر ملفوفة، ونخل يانعة البسوق، وعذارى كشفت حللها الْخضر عَن السُّوق، كَأَنَّهَا شمرت الأذيال لتعبر الْوَادي على عَادَة نسا الْبَوَادِي، ينساب بَينهَا الزلَال المروق، ويغني فَوْقهَا الْحمام المطوق، فتهيج الجوى، وتجدد عهود النَّوَى، صبحتنا بهَا أصوات تِلْكَ الغمارى، وأذكرتنا قَول أبي حصن الحجاري:
(وَمَا رَاعى إِلَّا ابْن وَرْقَاء هَاتِف ... على فنن بَين الجزيرة وَالنّهر)

(أدَار على الْيَاقُوت أجفان لُؤْلُؤ ... وصاغ على المرجان طوفا من التبر)

(حدير شبا المنقار داج كَأَنَّهُ ... شبا قلم من فضَّة مد فِي تبر)

(توسد من فَوق الْأَرَاك أريكة ... وَمَال على طي الْجنَاح مَعَ الصَّدْر)

(وَلما رأى دمعي مراقا أرابه ... بُكَائِي فاستولى على الْغُصْن النَّضر)

(وحث جناحيه وصفق طائرا ... فطار بقلبي حَيْثُ طَار وَلَا أَدْرِي)

ونزلنا بِظَاهِر حصن شيرون، وَقد ترعرع شباب الْيَوْم، وطالبنا عزيم الظهيرة بمنكسر فرض للنوم، حصن أَشمّ، ومناخ لَا يذم، نزلنَا الهضبة بإزائه، وغمرنا من بره، مَا عجزنا عَن جَزَائِهِ، وعثرنا بَين الْمضَارب، بِبَعْض العقارب، سود الروس، متوجة بأذنابها فِي شكل الطاووس فتلقينا ذَلِك بسعة الصَّدْر، ومكنا الْعَقْرَب من منَازِل الْبَدْر. ودخلنا بِمثل تِلْكَ الصُّورَة، نلتحف ظلال وَادي المنصورة، سمر الأندية، وسلطان الأودية، يالها من أرائك مهدلة السجوف، وجنات دانية القطوف، ينساب بَينهَا للعذب الزلَال، أَرقم سريع الانسلال،
(2/253)

وصارم يغمد فِي جفون الظلال، يتلاعب بَين أَيْدِينَا شمالا ويمينا، فطورا تنْقَلب عَصَاهُ ثعبانا، وآونة تنعطف صولجانا، وَتارَة تستدير أفلاكا، وَرُبمَا نسجت مِنْهُ أَيدي الرِّيَاح شباكا، وَأم حسن فِيهِ ذَات لسن، تبْعَث فِيهِ بنغماتها لواعج الشؤون، وتقيم دين وَلَدهَا فِي الخلاعة المجون. وسرنا ودر الْحَصَى بِسَاط لأرجل رِكَابنَا، ودنانير أبي الطّيب تنشر فَوق أثوابنا، ترقب نُجُوم القلاع والحصون، من خلال سَحَاب الغصون، والنسوان إِلَى مُشَاهدَة التبريز قد خفت، وبشاطي الْوَادي قد صفت، قد أخذن السنايا، وسددن سِهَام المنايا، عَن حواجب كالحنايا، يشغلن الْفَتى عَن شئونه، ويسلبن الرَّوْض لين غصونه. هَذَا خلق الله، فأروني مَاذَا خلق الَّذين من دونه.
وطالعنا برشانة حرسها الله، فحيتنا ببواكر الْورْد، ونضت عَنَّا برود الْبرد، وشملتنا بالهواء المعتدل، وأظلتنا برواقها المنسدل، بلد أَعْيَان وصدور، ومطلع نُجُوم وبدور، وقلعة سامية الْجلَال، مختمة بالكواكب، متوجة بالهلال، حللناها فِي التبريز الحفيل، والمشهد الْجَامِع بَين الذّرة والفيل، حشر أَهلهَا بَين دَان ونازح، وَمثل حاميتها من نايل ورامح، فَكَانَ [ذَاك الْمُجْتَمع عيدا وموسما سعيدا. وبتنا] فِي لَيْلَة للأنس جَامِعَة، ولداعي السرُور سامعة، حَتَّى إِذا الْفجْر تبلج، وَالصُّبْح من بَاب الْمشرق تولج، سرنا وتوفيق الله قَائِد، وَلنَا من عنايته، صلَة وعائد، تتلقى رِكَابنَا الأفواج، وتحيينا الهضاب والعجاج إِلَى قتورية، فناهيك من مرحلة قَصِيرَة كأيام الْوِصَال، قريبَة الْبكر من الآصال، كَانَ الْمبيت بِإِزَاءِ قلعتها السامية الِارْتفَاع، الشهيرة الِامْتِنَاع، وَقد برز أَهلهَا فِي العديد وَالْعدة، والاحتفال الَّذِي قدم بِهِ الْعَهْد على طول الْمدَّة، صُفُوفا بِتِلْكَ الْبقْعَة خيلا ورجلا، كشطرنج
(2/254)

الرقعة، لم يتَخَلَّف ولد عَن وَالِد، وَركب قاضيها ابْن أبي خَالِد، وَقد شهرته النزعة الحجازية، وَلبس من حسن الحجازية، وأرخى من الْبيَاض طيلسانا، وصبغ لحيته بِالْحِنَّاءِ والكتم، ولاث عمَامَته واختتم، والبداوة تسمه على الخرطوم، وطبع المَاء والهواء يَقُودهُ قَود الْجمل المحظوم، فداعبته مداعبة الأديب للأديب، وَخيرته بَين خصلتي الذيب، وَقلت نظمت مقطوعتين، إِحْدَاهمَا مدح وَالْأُخْرَى قدح، فَإِن هَمت ديمتك، وكرمت شيمتك، فللذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة وَإِلَّا فالمثل الْأَدْنَى، فَقَالَ أَنْشدني لأرى على أَي الْأَمريْنِ أثب، وأفرق بَين مَا أجتنى وَمَا أجتنب فَقلت:
(قَالُوا وَقد عظمت مبرة خَالِد ... قاري الضيوف بطارف فِي وبتالد)

(مَاذَا تمت بِهِ فَجئْت بِحجَّة ... قطعت بِكُل مجادل ومجالد)

(أَن يفْتَرق نسب يؤلف بَيْننَا ... أدب أقمناه مقَام الْوَالِد)

وَأما الثَّانِيَة فيكف من البارق شعاعه، وحسبك من شَرّ سَمَاعه، ويسير التَّنْبِيه كَاف، للنبيه فَقَالَ لست إِلَى قراي بِذِي حَاجَة، وَإِذا عزمت فأصالحك على دجَاجَة، فَقلت ضريبة غَرِيبَة، ومؤتة قريبَة، عجل وَلَا تؤجل، وَإِن انصرم أمد النَّهَار فأسجل، فَلم يكن إِلَّا كلا وَلَا، وأعوانه من القلعة تنحدر، والبشير مِنْهُم بقدومها يبتدر، يزفونها كالعرس فَوق الرُّءُوس، فَمن قَالَ أمهَا البجائية، وَقَائِل أَخُوهَا الْخصي الموجه إِلَى الحضرة الْعلية، وأدنوا مربطها من المضرب، عِنْد صَلَاة الْمغرب، وألحفوا فِي السُّؤَال، وتشططوا فِي طلب النوال، فَقلت يَا بني اللكيعة، وَلَو جئْتُمْ ببازي، بِمَاذَا كنت أجازي، فانصرفوا. وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتلاومون، حَتَّى إِذا سلت لذكاتها المدا، وَبلغ من عمرها المدا، قلت يَا قوم، ظفرتم بقرة، الْعين، وابشروا باقتراب اللقا، فقد ذبحت لكم غراب الْبَين، وَكَانَت الْبِلَاد الشرقية، قد أخلفتها الغيوث، وعدت عَلَيْهَا لِلْعَدو الليوث
(2/255)

فحيتنا على السجط، وَشَكتْ إِلَى سَعَادَة مقدمنا معرة الْقَحْط، فظهرت مخيلة السعد، فَأذن الله فِي إنجاز الْوَعْد، وَقربت غَرِيم الْغَمَام فِي الْمقَام أعوان الرَّعْد، فاعترف وسمح، وانقاد لحكم القضا بعد مَا جمح. وَلم يلم بكيف وَلَا حَتَّى، وقضاها الدّين فِي دفع شَتَّى، هَذَا وَإِن كَانَ إِنَّمَا كَانَ غرم، وأمده كَاد أَن ينصرم، فبمنفعته يحول الله كبرى، وَفِيه مآرب أُخْرَى، فتنفس صدر الجو وَزفر، وقطب وَجهه بعد مَا سفر، وهما الْغَمَام وانسكب، وارتكب من إيراطنا مَا ارْتكب، فَلم تَجف لَهُ قَطْرَة، وَلَا خطرت بِبَالِهِ للصحو خطرة، فسبحنا ذَلِك الْعَارِض الهطال، وسهرنا اللَّيْل وَقد طَال، وَمَا رَاعنا وَالصُّبْح قد نم من خلف الْحجاب، وَقَضيته قد انْتَقَلت من النَّفْي إِلَى الْإِيجَاب، والغمام لَا يفتر انسكابه، إِلَّا السُّلْطَان مدَار قل ركابه فضربنا بالقباب وَجه الصَّعِيد واستقبلنا طية الْغَرَض الْبعيد نهيم فِي ذَلِك الْوَادي، ونكرع من أطواقنا فِي غُدْرَان العوادي، وَقد تهدلت القروع، وخضلت بالغيث تِلْكَ الزروع، كَأَنَّمَا أخلفتها الرّيح، فترامت، وسقتها كؤوس السحب حَتَّى سكرت ونامت، والمذانب أَمْثَال الصلال [قد تفرعت] وكأنما رعناها فانسابت أمامنا وأسرعت، ومخيلة الصحو لَا تتوسم، والجو نستضحكه بشأننا فَلَا يبتسم، ومررنا بوادي المنصورة الَّتِي ينْسب الْوَادي إِلَيْهَا وَعرضت مراكب تياره بَين يَديهَا، وأطلالها بالية، وبيوتها خاوية خَالِيَة، ومسجدها بَادِي الاستكانة، خاضع للبلى على سمو المكانة، فعبرنا واعتبرنا، وأبصرنا فاستبصرنا، وَقَول أبي الطّيب تذكرنا:
(أَيْن الَّذِي الهرمان من بُنْيَانه ... مَا قومه مَا يَوْمه مَا المصرع)

(فَتخلف الْآثَار عَن أَصْحَابهَا ... حينا ويدركا البلى فتتبع)

ثمَّ نَبَذْنَا ذَلِك الْوَادي بالعراء، واستقبلنا أَرضًا شَبيهَة بالصحراء، ملاعب
(2/256)

للريح، ومنابت للسدد والشيح، سحبت علينا بهَا السحائب فضول الذيل، وطفف الْغَمَام فِي الْكَيْل، وغار النُّور، وفار التَّنور، وفاضت السَّمَاء، والتقى المَاء بالركائب تسبح سبح الأساطيل، والأرجل [تزهق زهوق] الأباطيل، وَالْمبَارك تعرى، والأدلة لَا تمتري، واللباس قد غير الطين من شكله، وَالْإِنْسَان قد رَجَعَ من المَاء والجماء إِلَى أَصله، وخيمنا من بيرة حرسها الله بالثغر الْأَقْصَى، وَمحل الرِّبَاط الَّذِي أجر ساكنه لَا يُحْصى، بَلْدَة عَددهَا متعقب، وساكنها خَائِف مترقب، مسرحة بعير، ومزرعة شعير، إِذا شكرت الوابل أنبتت حبها سبع سنابل، ونجادها بالهشم قد شابت، وزروعها قد دَعَا بهَا الْفضل فَمَا ارتابت، وندا وآنواحقه يَوْم حَصَاده أجابت، أَرحْنَا بهَا يَوْمًا، صَحا فِيهِ الجو من سكرته، وأفاق من خمرته، فَقيل للنفوس شَأْنك وذماك، وَيَا أَرض ابلعي مائك، وتجلت عقيلة الشَّمْس معتذرة عَن مغيبها، مغتنمة غَفلَة رقيبها.
ورحلنا من الْغَد، وَشَمل الأنواء غير مُجْتَمع، والجو قد أنصت كَأَنَّهُ يستمع، يعد أَن تمحض الرَّأْي عَن زبدته، واستدعى من الأذلاء من وثق بنجدته، وَكثر المستشار، وَوَقع على طَرِيق ينشر الِاخْتِيَار، وانتدب من الْفَرِيق إِلَى دلَالَة تِلْكَ الطَّرِيق، رجل ذُو احتيال، يعرف بِابْن هِلَال، اسْتقْبل بِنَا شعبًا مقفلا، ومسلكا مغفلا، وسلما فِي الدرج سامي المنعرج، تزلق الذَّر فِي حَافَّاته، وتراع الْقُلُوب لآفاته، ويتمثل الصِّرَاط عِنْد صِفَاته، أَو عَار لَا يتَخَلَّص مِنْهَا الأوعال، وَلَا تغني السنابك فِيهَا وَلَا النِّعَال، قَطعنَا بَيَاض الْيَوْم فِي تُسنم جبالها، والتخبط فِي جبالها، نهوى من شَاهِق إِلَى وهد، ونخوض كل مشقة وَجهد، كأننا فِي حلم مَحْمُوم، أَو أفكار مغموم، أَو برسام بوم. وَطَالَ مرام العروج إِلَى جو السَّمَاء ذَات البروج، قلت يَا قوم انْظُرُوا لأنفسكم فِيمَا أَصْبَحْتُم فِيهِ، وَاعْلَمُوا أَن دليلكم ابْن هِلَال عزم
(2/257)

على اللحاق بِأَبِيهِ. ثمَّ أَخذنَا فِي الانحدار بأسرع الابتدار، نهوى إِلَى المرقب السَّامِي الذري، ونهبط من الثريا إِلَى الثرى، ونتمثل فِي ذَلِك المسلك الواعر بقول الشَّاعِر:
(بطرِيق بيرة أجبل وعقاب ... لَا يرتجى فِيهَا النجَاة عِقَاب)

(فَكَأَنَّمَا الْمَاشِي عَلَيْهَا مذنب ... وكأنما تِلْكَ الْعقَاب عِقَاب)

وَلما أصبح استقبلنا الفحص الأفيح، بساطه مَمْدُود الصرح، يعجز عَن وَصفه لِسَان الشَّرْح، طاردنا قنيصه على طول صحبته للأمان من حوادث الزَّمَان، يأثرنا كل ذلق المسامع ناء عَن إِدْرَاك المطامع، كثير النفار، مصطبر على سُكْنى القفار، يختال فِي الفروة اللدنة الْحَوَاشِي، وينسب إِلَى الطَّائِر والماشي، تغلبناه على نَفسه، وسلطنا عَلَيْهِ آفَة من جنسه، وحللنا مقادة كل طَوِيل الباع، رحب الذِّرَاع، بَادِي التَّحَوُّل، طَالب بِالدُّخُولِ، كَأَنَّهُ لفرط النحول، عاشق، أَو نون أجادها ماشق، أوهلال سرار، أَو حنية أسرار، رميناه مِنْهُ بأجله على عجله، وقطعنا بِهِ عَن أمله، فَأصْبح رهين هوان، مطوفا بأرجوان، ووصلنا الخطا بَين جاثم الأرانب وأفاحيص القطا، فِي سهل يتلَقَّى السائر بترحيب [واهن إِلَى اسكوذر] حللناها، وَالْيَوْم غض الشبيبة، والجو يختال من مَذْهَب سناه، فِي الحلى العجيبة. واستقبلنا ألمرية عصمها الله فِي يَوْم سطعت أشعة سعده، وتكفل للدهر بإنجاز وعده، مثل أَهلهَا بِجَمْعِهِمْ، فِي صَعِيد سعيد، ويدعوهم عيد عَهدهم بِهِ بعيد، فَلم يبْق حجاب إِلَّا رفع، وَلَا عذر إِلَّا دفع، وَلَا فَرد إِلَّا شفع، فِي يَوْم نَادَى بالجمهور، إِلَى الْموقف الْمَشْهُور، وَأذن الله
(2/258)

لشهره بالظهور، على مَا تقدمه من الشُّهُور، رمت الْبَلدة فِيهِ بأفلاذها، وقذفت بثباتها وأفذاذها، وبرز أَهلهَا، حَتَّى غص بهم سهلها، وَقد أَخذهم التَّرْتِيب، ونظمهم المصف العجيب، تقدمها مراكب الْأَشْيَاخ الجلة، وَالْفُقَهَاء الَّذين هم سراج الْملَّة، وخفقت أَصْنَاف البنود المطلة، واتسقت الجموع، الَّذِي لَا توتى بحول الله من الْقلَّة، وتعددت بمناكب البدور أشكال الْأَهِلّة، فِي جموع تسد مهاب الصِّبَا، وتكثر رَحل الدبا، صُفُوفا كَصُفُوف الشطرنج، على أَعْنَاقهم قسى الفرنج، وَقد نشرُوا البنود الشهيرة الألوان، واستشعروا فِي يَوْم السّلم شعار الْحَرْب الْعوَان، يتسابقون من الاحتفال إِلَى غَايَة، وَيرجع كل مِنْهُم إِلَى شعار وَإِلَى راية، وَقد أَحْسنُوا بالمشيخة الاقتدا، وَرفعُوا بِالسَّلَامِ الندا، وامتاز خدام الأساطيل المنصورة، فِي أحسن الصُّورَة، بَين أَيْديهم الطبول والأبواق، تروح أصواتها وتهول، وتألق من تجار الرّوم من استخلص الْعدْل هَوَاهُ، وتساوى سره ونجواه، فِي طروق من الْبر ابتدعوها، وأبواب من الاحتفاء شرعوها، فَرفعُوا فَوق الركاب المولوي، على عمد الساج مظلة من الديباج، كَانَت على قمر العلياء غمامة، وعَلى خصر الْمجد كمامة، فراقتنا بِحسن الْمعَانِي، وأذكرنا قَول أبي الْقَاسِم بن هاني:
(وعَلى أَمِير الْمُسلمين غمامة ... نشأت تظلل تاجه تظليلا)

(نهضت بعبء الدّرّ ضوعف ... نسجه وَجَرت عَلَيْهِ عسجدا محلولا)

إِلَى غير ذَلِك من أروقة عقدوها، وكرامة أعدوها، وطلعت فِي سَمَاء الْبَحْر أهلة الشواني كَأَنَّهَا حواجب الغواني، دالكة الْأَدِيم، متسربلة بِاللَّيْلِ البهيم، تتزاحم وفودها على الشط، كَمَا تتداخل النونات فِي الْخط، فياله من منظر بديع الْجمال، أَخذ بعنان الْكَمَال، بكر الزَّمَان، وَآيَة من آيَات الرَّحْمَن، حَتَّى إِذا هالت الْقبَّة استدارت، وبالغمر السعد من وَجه السُّلْطَان أيده الله أنارت، مثلُوا فَسَلمُوا، وطافوا بِرُكْن مقَامه واستلموا، وأجهروا بِالتَّلْبِيَةِ، ونظروا من
(2/259)

وَجهه الْجَمِيل إِلَى سعد الأخبية، وتزاحم من النِّسَاء الأفواج، كَمَا تتدافع الأمواج، فَرفع الْجنَاح، وخفض الْجنَاح، ومهد لَهُنَّ سَبِيل الْعَطف، وشملهن كنف الإشفاق والعطف.
وَلما أَرحْنَا وَاسْتَرَحْنَا، والعيون فِي تِلْكَ الْبَلدة سرحنا، رَأينَا قيد الْبَصَر، والمحاسن الَّتِي ترمي [اللِّسَان] بالحصر، حَضْرَة يسْتَقلّ بهَا الْملك، ومربع يلتقي بِهِ القطار والفلك، رفعت راية الشّرف الْقَدِيم، وحازت على نظراتها مزية التَّقْدِيم، مَا شِئْت من ساحة طيبَة الْأَدِيم رحيبة كصدر الْحَلِيم، متناسبة الْوَضع بِتَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم، تبرجت تبرج العقيلة، وَنظرت وَجههَا من الْبَحْر فِي الْمرْآة الصقيلة. وَركب السُّلْطَان، أيده الله ثَالِث يَوْم وُرُوده، إِلَى مُشَاهدَة قلعتها الشماء، الْمُتَعَلّقَة بعنان السَّمَاء. فقدح سكانها زناد البارق المتألق، وتلعب صبيتها على جنَاح الطَّائِر المحلق، وعَلى سمو مَكَانهَا، وجلالة شَأْنهَا، فدولابها شجي الْمِضْمَار ومياهها فِي انهمار، وخزائنها تستغرق [بطوال الْأَعْمَار] ، وعددها كفيلة بحماية الذمار، فعوذناها من كل خطب فادح، وحيينا بهَا بهو خيران، وَقصر ابْن صمادح، ونظرنا إِلَى تِلْكَ الْآثَار الْكِبَار، والمشاهد الَّتِي تغني عَن الْأَخْبَار، أشرقت الْعَدو بريقه، وسطت بفريقه، وَأخذت عَلَيْهِ فِيهَا يَد الله ثنايا طَرِيقه، وَخص الْمولى أيده الله، فأيدها بتشريفه وترفيعه، وَتَنَاول بِيَدِهِ الْكَرِيمَة من صَنِيعه، فِي مجْلِس احتفى واحتفل. وَفِي حلل الْكَمَال رفل، وَأخذت مجالسها الْخَاصَّة والكبرا، وأنشدت الشعرا، فَكَانَ مقَاما جَلِيلًا، وعَلى الهمم الْعَرَبيَّة، والشيم الملوكية دَلِيلا. وَكَانَ الرحيل عَن تِلْكَ الْمَدِينَة، لَا عَن ملال، وَلَا ذمّ خلال، وَلَكِن مقَام بلغ أمد، ورحلة انْتَهَت إِلَى أمد.
(2/260)

(أَقَمْنَا بهَا يَوْمًا وَيَوْما وثالثا ... وَيَوْم لَهُ يَوْم الترحل خَامِس)

فيالها من خَمْسَة علقها الدَّهْر تَمِيمَة على نَحره، وأثبتها معوذة فِي قرَان فخره، كَانَت لياليها معطرة النواسم، وأيامها كأيام المواسم. وثنينا الأعنة إِلَى الإياب، وصرفنا إِلَى أوطاننا صُدُور الركاب، فكم من قلب لرحيلنا وَجب، لما اسْتَقل وَوَجَب، ودمع لوداعنا عظم انسكابه لما رمت للبين ركابه، وصبر أصبح من قبيل الْمحَال، عِنْد ذمّ الرّحال، وإلف أنْشد بِلِسَان النُّطْق وَالْحَال:
(وَمضى وَخلف فِي فُؤَادِي ... لوعة تركته مَوْقُوفا على أوجاعه)

(لم استتم سَلَامه لقدومه ... حَتَّى ابتدأت عناقه لوداعه)

وانصرفنا، وعروشها تتَعَلَّق بأذيالنا، ومخاضة واديها تعترض صُدُور رجالنا، ورياحها تتدافع عَن الْمسير، ومعاملها تقنع من إلماحنا وَلَو باليسير. واستقبلنا وَادي بجانة، وَمَا أَدْرَاك مَا هُوَ، النَّهر السيال، والغصن المياد الميال، والإفياء والظلال، الْمسك مافت فِي جنباته، والسندس مَا حاكته يَد جناته، نعمه وَاسِعَة، ومساجده جَامِعَة، أزرت بالغوطتين زياتينه وأعنابه، وسخرت بشعب بوان شعابه، بِحَيْثُ لَا تبدو للشمس أَيَّاهُ، وَلَا تتأتى للحرباء حَيَّاهُ، وَالرِّيح تلوى أعطاف غصون البان، على أردان الكثبان، وتجاذب عَن أنس الخمائل فضول الغلائل، إِلَى برشانة، وَهِي الْكَوْكَب الْأَعْلَى، والأشهب الْمحلي، والصباح إِذا تجلى، والعروس على المنصة تحلى، وَبهَا حلت الغيوم سموطها، ومدت على السَّحَاب خيوطها، وعيون المزن باكية، والمنازل من توقع فراقنا شاكية.
[واستقبلنا الْوَادي نجعله دَلِيل تِلْكَ الطَّرِيق، ونتبعه فِي السعَة والمضيق. فكم مخاضة مِنْهُ عبرنا وعَلى مشقتها صَبرنَا. حَتَّى قطرت الأذيال والأردان،
(2/261)

وَشَكتْ أَذَى المَاء الْأَبدَان، وتوفرت دواعي الضجر، لملازمة المَاء وَالْحجر، ونسينا بمعاناة ألم البعاد، وَذكرنَا بترديده وإعادته مثلهم فِي الحَدِيث الْمعَاد. اللَّهُمَّ غفرا فَضله مديد، ومنظره فِي الْحسن فريد، وَقد راق شَأْنه، وتصاف على الشط سكانه، فَرَأَيْنَا الْحور تَحت سماط الْحور، والنور فَوق بِسَاط النُّور. وَلما كَاد عمر الْيَوْم ينتصف، وَقد بلونا من بعد الْمَشَقَّة مَا لَا تصف، وتخلصنا من ذَاك الكمد، شارقنا دَار مية بالعلياء فَالسَّنَد] .
واستقبلنا عبلة ولورسانة، وأنخنا الركاب بِظَاهِر فنيانة بقْعَة حظها من النعم موفور، وبلدة طيبَة وَرب غَفُور، حللناها ومنافسي العجماء يعرب، وَالشَّمْس يراودها الْمغرب، وَقد عظم الهياط والمياط، وسطا الكلال بالنشاط، وبتنا، والشيح وسائد مضاجعنا، وشكوى التَّعَب حلم هاجعنا، واستقبلنا النهج الأمثل، والسهل الَّذِي يضْرب بِهِ الْمثل، بِسَاط مَمْدُود، وَمن الْبحار الأرضية مَعْدُود. وَلم يكن إِلَّا كخطفة بارق، أَو خلسة سَارِق، حَتَّى تقلص الظل وطوى منشوره طي السّجل. واستقبلنا مَدِينَة وَادي آش حرسها الله، وَقد راجعت الِالْتِفَات، واستدركت مَا فَاتَ، فتجلت المخدرات، وقذفت من اشْتَمَلت عَلَيْهِ الجذرات، وتنافس أَهلهَا فِي الْعدة والعديد، واتخاذ شكك الْحَدِيد، فَضَاقَ رحب المجال، واختلطت النِّسَاء بِالرِّجَالِ، والتف أَرْبَاب الحجا برباب الحجال، فَلم نفرق بَين السِّلَاح والعيون الملاح، وَلَا بَين حمر البنود من حمر الخدود. وبتنا بإزائها، وَنعم الله كافلة، ونفوسنا فِي حلل السرُور رافلة، حَتَّى إِذا ظلّ اللَّيْل تقلص، وحمام الصُّبْح من مخالب غرابه قد تخلص، سرنا وعناية الله ضافية، ونعمه وافية. فنزلنا بوادي فرذش مَنَازلنَا الْمُعْتَادَة، وَقُلْنَا رَجَعَ الحَدِيث إِلَى قَتَادَة،
(2/262)

وَبهَا تلاحقت وُفُود التهاني، وسفرت وُجُوه الْأَمَانِي، فنزلنا مِنْهُ بالمروج فتفتحت بهَا أزهار القباب الْبيض فِي بساطه العريض، وخطرت ببالي مَقْطُوعَة فِي مُخَاطبَة الْمولى، انجح الله عمله، وَيسر من فَضله أمله، أَثْبَتَت على حكم الاستعجال، وأوجفت على بيوتها خيل الارتجال:
(إِذا سرت سَار النُّور حَيْثُ تعوج ... كَأَنَّك بدر والبلاد بروج)

(لَك الله من بدر على أفق العلى ... يلوح وبحر بالنوال يموج)

(تفقدت أَحْوَال الثغور بنية ... لَهَا نَحْو أَسبَاب السَّمَاء عروج)

(وسكنتها بِالْقربِ مِنْك وَلم ... تزل تهيم هوى من قبله وتهيج)

(مَرَرْت على وعد من الْغَيْث بَينهَا ... فمنظرها بعد العبوس بهيج)

(فكم قلعة قد كلل النُّور تاجها ... ورف عَلَيْهَا للثبات نَسِيج)

(وَلَا نجد إِلَّا رَوْضَة وحديقة ... وَلَا غور إِلَّا جدول وخليج)

(أيوسف دم للدّين تَحْمِي ذماره ... إِذا كَانَ للخطب الأبي ولوج)

(بفتية صدق إِن دجا ليل حَادث ... فهم سرج آفاقهن سروج)

(بقيت قرير الْعين مَا ذَر شارق ... وَمَا طَاف بِالْبَيْتِ الْعَتِيق حجيج)

وبتنا نتعلق بأنوار الحضرة العاطرة، ونستظل بسمايها الماطرة، ونعلق الاستبشار، وَنحن إِلَى الْأَهْل حنين العشار.
(وَأقرب مَا يكون الشوق يَوْمًا ... إِذا دنت الديار من الديار)

فَلَمَّا تَبَسم زنجي اللَّيْل عَن ثغر الْفجْر، وشب وليد الصَّباح عَن عقد الْحجر، ولحظتنا ذكا بطرفها الرمد، وَقد ترك اللَّيْل فِيهِ بَقِيَّة الأثمد، استقبلنا الحضرة، حرسها الله، فأنست النُّفُوس بعد اغترابها، واكتحلت الْعُيُون بإثمد ترابها، واجتلينا من فحصها الْكَرِيم، الساحة الرحباء المساحة، مَا يبهر الْعين جمالا، ويقيد الطّرف يَمِينا وَشمَالًا، أم الْبِلَاد وَالْقَوَاعِد، وملجأ الْأَقَارِب والأباعد،
(2/263)

قعدت مقْعد الْوَقار، وَنظرت إِلَى الأَرْض بِعَين الاحتقار، ومدت إِلَيْهَا الْبِلَاد أكف الافتقار، نصبت من الْجَبَل منصة، قعدت عَلَيْهَا وَقَامَت، وصادف الْفَرِيق فِي ذَلِك الْبسَاط بَين يَديهَا، فَمن ذَا يدانيها أَو يداريها، أَو يناهضها فِي الفخار ويجاريها، وَهِي غَابَ الْأسود، والأفق الَّذِي نشأت فِيهِ سَحَاب الْجُود، وطلعت بِهِ من الْأُمَرَاء السُّعُود أنجم السُّعُود، سيدة الْأَمْصَار وَدَار الْمُلُوك من أَبنَاء الْأَنْصَار، ومصرع الطواغيت وَالْكفَّار، والغمد الَّذِي استودع بسيوف الله دامية الشفار، وَللَّه در بعض شُيُوخنَا، فقد عبر عَنْهَا ببيانه، وَاعْتذر عَن بروها فِي أَوَانه حَيْثُ يَقُول:
(رعى الله من غرناطة متبوأ ... يسر كئيبا أَو يجير طريدا)

(تبرم مِنْهَا صَاحِبي عِنْد مَا رأى ... مسالكها بالبرد عدن جليدا)

(هِيَ الثغر صان الله من أهلت بِهِ ... وَمَا خير ثغر لَا يكون برودا)

وصلناها والجو مصقول كالفرند، وَالسَّمَاء كَأَنَّهَا لصفائها مرْآة الْهِنْد، فِي بروز أخرج الحلى من الأحقاق، وَعقد أزرار الْحلَل على الْأَعْنَاق، وأطلع أقمار الْحسن على الْآفَاق، وَأثبت فَخر الحضرة بِالْإِجْمَاع والإصفاق، على دمشق الشَّام وبغداد الْعرَاق، حَتَّى إِذا بلغنَا قُصُور الْملك، وانتهينا إِلَى وَاسِطَة السلك، وقفنا مهنئين ومسلمين، وَقُلْنَا ادخلوها بِسَلام آمِنين، وَأَلْقَتْ عصاها، واستقرت بهَا النَّوَى، كَمَا قر عينا بالإياب الْمُسَافِر.
وَمن ذَلِك كَلَام فِي السرحلة
لما خف عيد مقَامه صُحْبَة وَفد طَاعَته، ومقدم سنة أمره الْعَزِيز وجماعته، باذلا فِي البدار جهد استطاعته، طائرا بجناح الْحبّ الأول أَمر الْإِمْكَان وساعته، فَرَأى السرير قد اسْتَقل بِهِ عاصبه، وَالْملك قد تقررت مناصبه، فَأدى الْغَرَض،
(2/264)

وقرض فَأحْسن الْقَرْض، وَعرض كتائب الْمَدْح، فاستوعب الْغَرَض، وملأ بهَا الأَرْض، وَصدر قَافِلًا، فِي ثِيَاب الْعِزّ رافلا، وَاقْتضى من إِذْنه فِي زِيَارَة الْبِلَاد المراكشية مَا يُبْدِي لمن نَاب عَنهُ خلال كَمَاله، ويهني الْعباد بِتمَام الْأَمر، ونجح مآله، ويلتمس بركَة الضريح الَّذِي بِحَسب الرَّاغِب بآماله، وَظهر لَهُ أَن يدون رحْلَة، وجهته المنسوبة إِلَى عناية أمره، ويفتق كمامة فخرها عَن زهره، مستعينا بِاللَّه فِي سره وجهره.
فَقَالَ خرجنَا من أم الْقرى، وَمجمع الورى، وكعبة السّير والسرى، مَدِينَة فاس، دَار الْملك الْأَصِيل، والعز المشرف الثليل، حَيْثُ الْقُصُور الْبيض، وَالْملك الطَّوِيل العريض، والأبواب المحروسة، والبساتين المغروسة، والمياه المتدفقة، والجنود المرتزقة، والمباني الْعَظِيمَة، والرباع المترفعة عَن الْقيمَة وَالدّين وَالدُّنْيَا، من غير شَرط وَلَا ثنيا، حرسها الله وكلأها، ووفر وَقد فعل ملأها، نلتفت إِلَى معاهدة السَّادة، وعلق الودادة، ومراتب أولى الْجُود والإفادة:
(همو اسكنونا فِي ظلال بُيُوتهم ... ظلال بيُوت أدفأت وأكنت)

(أَبَوا أَن يملونا وَلَو أَن أمنا ... تلاقى الَّذِي لَا قوه منا لملت)

وشعينا مِمَّن كرم ذمامه، وَعرف بِرَفْع الْوَفَاء إلمامه، جملَة من الصُّدُور، والشموس والبدور، تذكرت عِنْد وداعهم المهيج الشكاة، والمدامع المشتبكات، قَول شَيخنَا أبي البركات:
(يَا من إِذا رمت توديعه ... ودعت قلبِي قبل ذَاك الْوَدَاع)

(وَبت ليلى ساهرا حائرا ... أخادع النَّفس بِبَعْض الخداع)

(يَا محنة النَّفس بمألوفها ... من أَجله قد جَاءَ هَذَا الصداع)
(2/265)

وَكَانَ الْمبيت بدشار البوير من أحوازها، دشار نشعت الطَّرِيق بلالة أَهله، وأعدم الله الْمُرُوءَة من فتاه وكهله، وَمن الْغَد قَطعنَا للرحلة الآهلة، وَالطَّرِيق الطاعمة الناهلة، حَيْثُ السهل الْمَمْدُود، وَالْمَاء المورود، والجسور المحنية، والدشر السّنيَّة، والْآثَار المدينية إِلَى مَدِينَة مكناسة، وَمِنْهَا بعد كثير، حَتَّى إِذا الشَّمْس هَمت بتسلق الجدرات، وقادت أَهلهَا من وَرَاء الحجرات، وطفق عسجدها يذهب لجين الضحا، وَمرْسَاهَا الموشية تجلو خد الأَرْض بَعْدَمَا التحا، قمنا نستشعر التجلد للبين، وَهُوَ يفصح، ويجمل حكم الوجد، والدمع يشْرَح، فودعنا الخليط المصاحب، وسلكنا الطَّرِيق غير اللاحب. وَقد طبق ضباب لَهُ على الأَرْض، أكباب حجب الْجِهَات، ولابس بَين الْأُمَّهَات، وضللنا لَوْلَا أَن هدَانَا، وسرنا، والحفنا السَّحَاب وردانا، والنبت قد أطلع ولدانا، ونواحل الطلول قد عَادَتْ بدانا، ثمَّ إِن مرْآة الْأُفق جلت الغزالة صداها، وَأَتَتْ كل نفس هداها، فحمدت السراة مغداها. واقتحمنا الرمل الذى أقدح الله مرعاه، وَحشر غليهم فَحَضَرت مدعاه، مَا بَين خيام، ورعاة غير ليام، وبيوت شعر ومعاطن، وبقر وغنم، تملت بهَا الأَرْض، وبقر ضَاقَ بهَا الطول وَالْعرض، وعجائز يئسن من المحيص، مهدية قرب الْمَحِيض، وَقد اضْطَرَبَتْ فِي الفحص الأفيح محلّة السَّاعِي، ناجحة مِنْهُ المساعي، والأذواد تعد، والنطايع تمد، والعاملون عَلَيْهَا حجتهم لَا ترد، وَلم تكن الشَّمْس تقتعد سَنَام خطّ الزَّوَال، وتسدل من رُؤُوس القوائم ذوائب الظلال، حَتَّى نزلنَا بِعَين الشعرا، وانتبذنا عَن حصنه إِلَى العرا، حصن مثلوم مهدوم، مَوْجُود الْأنس بِهِ مَعْدُوم، إِلَّا أَنه كثير الْوُفُود، ومناخ مَقْصُود، ومعدن الْحَدِيد، وَبَاب الوطن العريض المديد، خيمنا بِظَاهِرِهِ خيفة برغوته، وَلم تخف من سباعه الَّتِي تزأر حولنا وليوثه، فَكَانَت للوقاية النادرة، وَأمنت والمن لله، البادرة
(2/266)

وبلونا من وَإِلَيْهِ مبرة، وَمَا فَقدنَا من اللطف مِثْقَال ذرة: وَعند الصَّباح شرعنا فِي الارتحال، وَعين الشَّمْس بَحر الضباب، مفتقرة إِلَى الاكتمال، فسلكنا خندقها خَنْدَق هَارُون وفحص خواز ماز بن برَاز ومظان احْتِرَاز، إِلَى دشار مكول، وَهُوَ إِلَى الفنا موكول، وبرحل الخراب من الْأَعْرَاب موكول. وَلما رَأينَا جنابه غير مأنوس، وَقد امتاز بلبوس البوس، جزناه إِلَى ماغوس، دشار الزاوية، ومركز الحظوظ المتساوية، ومناخ الرِّفْق السارية، وحاضرة تامسنا، حَيْثُ مجْلِس قاضيها، وتشاجر ساخطها وراضيها، وحمام متوضيها، دشار كَبِير، يَأْكُل من هوى وَيشْرب من بير، فقد النضارة، وَعدم مرافق الحضارة، إِلَّا أَنه على الاختزان أَمِين، ولحفظ الْحُبُوب ضمين، مَا لم تعث شمال للْفَسَاد وَيَمِين، قد اتخذ بِهِ مَسْجِد، شان النَّقْص من مناره، لقُصُور درهمه ودنيره، فمنظره شنيع، وحماه غير منيع، بتنا بِهِ فِي كنف شَاهده الْعدْل، فَصم عَن العذل، وترفع عَن خلق الْبَدَل، وأنشدته من الْغَد:
(مَاذَا لَقينَا بماغوس من اللَّفْظ ... لَيْلًا من خرس الْأَجْرَاس وَالشّرط)

(وَمن رداة مَاء لَا يسوغ لنا ... شراب جرعته إِلَّا على الشطط)

(وَمن لُغَات حوالينا مبربرة ... كأننا بِبِلَاد الزنج والنبط)

(جرد إِلَّا شجرات نستظل بهَا ... وَلَا أنس يربح النَّفس من قنط)

(منارها قعد الْبَانِي لنصبته ... فَلَا تُشِير إِلَيْهِ كف مغتبط)

(كَأَنَّهُ قيشة جَاءُوا لفلقها ... بخاتن قطّ مِنْهَا النّصْف عَن غلط)

(لَكِن فَاضل كتاب الشُّرُوط بهَا ... بحي أبر فَتى للفضل مشترط)

(أَحْيَا بهَا الْأنس يحيى بعد وحشتها ... وناب عَن حلَّة من ذَلِك النمط)
ورحلنا من الْغَد عَن شكر لقراه، وَصرف الركب إِلَى محلّة سُفْيَان سراه،
(2/267)

فسرنا نَؤُم حلَّة سُفْيَان وملاعب الرعيان بَين خيام قد استدارت كالرذائل، واشتملت على الولائد والعقائل، ودثر ركبت الهضاب بأخصاصها، ومالت الوهاد بنهمها وخلاصها، يسمح أَهلهَا بِاللَّبنِ الحامض بعد مَا نزع جبنه وزبده، وترجح للراغب فِيهِ زهده، وَوجدنَا الطَّاعُون فِي بُيُوتهم، قد نزل واحتجز مِنْهُم الْكثير إِلَى الْقُبُور وَاعْتَزل، وبقر وبزل، واحتجن واختزل، فَلَا تبصر إِلَّا مَيتا يخرج، وصراخا يرفع، وعويلا بِحَيْثُ لَا ينفع، فعفنا الهجوم، وألفنا الوجوم، وتراوغنا عَن الْعمرَان، وَسَأَلنَا الله السَّلامَة من معرة ذَلِك الْقرَان، وركضنا نبغي اللحاق بالفرج، حَيْثُ مخيم شيخ الْقَبِيلَة، ونروم الْمبيت بالمنزلة غير الوبيلة وَقلت:
(ترى لهَذَا السّير من مُنْتَهى ... بِنَاء أَعْضَاء من بِهِ قدوها)

(قَالُوا نُرِيد البرح قلت ارْجعُوا ... عَن سهوكم قد جرت براح السها)

فَزَالَتْ الشَّمْس ومالت ثمَّ سَالَتْ، وانهارت فِي حجر الْمغرب وانهالت، وَبعد لأي مَا بلغنَا، وَمن الكد فَرغْنَا، ومنحة الرَّاحَة تسوغنا. ونزلنا بِإِزَاءِ خيام استدارت فِي سَنَام، قد اشتبكت حبالها، وتراصت جبالها، مَدَائِن دورها شعر، ووقودها بعر، وسورها سدر، وبقلها لَا تَخْلُو مِنْهُ قدر، قد جَاوَزت بركا ريانة، ومنازل بالأمم ملآنة، ومروجا مرقومة الطرر وبطاحا معضوضة الكور، وبادر الشَّيْخ فَرَحَّبَ، وتبسط وتسحب، رجل قد اكتمل، وعَلى الوخط اشْتَمَل، تدل مِنْهُ المنابشة على نبل تَحت جمامه، وتنشق مِنْهُ كمامه الفهامة عَن فهامة، وَلم يقصر عَن طَعَام نظيف، واحتفال مضيف. وَركب لوداعنا فِي مركب لجب، غير محجز وَلَا محتجب، وَسَأَلَ عَن الطية، ومناخ المطية، قُلْنَا الْمنزل الْأَثِير، من حلَّة أبي كثير، فَهُوَ محركات الرحلة، وأوضح مَذَاهِب تِلْكَ النحلة،
(2/268)

فَوكل بلحظنا عينه، وَقسم المرحلة بَيْننَا وَبَينه، وأنزلنا مرحلة مهْدي بن مُوسَى، وَقد امتدت إِلَيْهَا أنامل البوسي، فانتبذنا عَن جوارها، وأصحرنا عَن قورة دوارها، وَلم يجد صاحبنا فِيهَا مرغبا لجوده الَّذِي بذله، وَلَا قبولا لقراه الَّذِي عجله، واجتنبناه اجتنابا أخجله، وبتنا فِي وقاية ضفى جناحها، إِلَى، إِلَى أَن اشتعل فِي نجمه اللَّيْل صباحها، فركضنا تَحت رواق ضباب سَاتِر، ورذاذة متناثر، لم تزل الشَّمْس ترشقه، والرياح تستكشفه، حَتَّى تقشع، وَبَان الْأَهْل من البلقع، فتعرفنا فِي بعض طريقنا، أَن أَبَا مثوانا، وَحَام قرانا، يجمع بَيْننَا وَبَينه الطَّرِيق، ويلتقي الْفَرِيق بالفريق، لمجمع بَين الْعَرَب مَعْقُود، وَرَأى مشهود، فَقُلْنَا تَعْجِيل اجْتِمَاع، وحظ إبصار بعد حَظّ إسماع، ومزيد استكثار بِأبي كثير واستمتاع، وعَلى بريد تراءت الْخَيل تسل الأباطح بأعرافها وَتَأْخُذ الإجراء بأطرافها، وخالفت بَيْننَا بنيات الطَّرِيق باشتباهها. فنزلنا بِبَعْض الْجِهَات على مياهها، وخاطبته بِمَا نَصه:
(مبارك مَا قدمت سُفْيَان رَغْبَة ... وَلَا خوف تَقْصِير وَلَا سوء سيرة)

(وَمَا نظرة مني إِلَيْك أعدهَا ... سوى منَّة لله فِي ... كَثِيرَة)

(وَإِن كَانَ مَا لاقيت قبلك الجما ... فَأَنت على التَّحْقِيق شمس منيرة)

(وَرب صَلَاة قدم النَّفْل قبلهَا ... وتشرب من قبل الثَّرِيد حريرة)

ثمَّ كَانَ النُّزُول بالزاوية قبر زِمَام وَأبي ذمام، ورعى اهتمام دشار وَجَدْنَاهُ، وَالْحَمْد لله محتويا على صِحَة، محجوبا عَن خطوب حواليه ملحة، رحب بِنَا أَهله، واسهل إِلَيْنَا رحبه وسهله، واقتدى فِينَا بِمذهب الشَّيْخ، فتاه وكهله، وَلما اصبح بكرنا محلته الآهلة، وَذكرنَا، وَالشَّيْء يذكر بضده بأَهْله، ونظرنا إِلَى خيام وحلل، وجديد وطلل، ومبارك ومعاطن، ومسكن يعرف بأصالة قاطن
(2/269)

تيط أقوران، وَمَا أَدْرَاك مَا تيط، حَيْثُ الجناب الغبيط الْبشر والبسيط، وَالْبَحْر الْمُحِيط، تَفَجَّرَتْ بهَا للزلازل عين كَمَا سَالَ لجين، أَو صقل صفحة السَّيْف قين، وتسنم ذرْوَة الْبيُوت مِنْهَا قصر مشيد، أثلع مِنْهُ جيد، وأغرى بِهِ تحكيم وتنجيد، ودارت الْبيُوت، كَمَا نسج العنكبوت، واتجهت إِلَيْهِ الطّرق والسموت، ونجح بإزائه السُّوق، وَبَان من فجر ساكنها البسوق. وَقلت:
(نزلنَا حلَّة الْخَلْط الْكِرَام ... بأخت الرُّكْن والبلد الْحَرَام)

(وَمن يَك من ضيوف أبي كَبِير ... غَنِي بالفعال عَن الْكَلَام)

(وَإِن بيوته لَكمَا سمعنَا ... بيُوت الْخَيل وَالنعَم الجسام)

(تظللها الفوارس بالعوالي ... وتفرشها الولائد بِالطَّعَامِ)

إِلَى غير هَذَا من الشّعْر، وَينظر فِي مَوْضِعه.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني من المقامات فِي هَذَا الْغَرَض
حدث من ينظم فرائد الْأَخْبَار فِي سلك قصصه، ويدوس حبات الطّرق بأخمصه، ويطارد شوارد الْكَلَام، حَتَّى يصبح من قنصه، قَالَ: بَيْنَمَا أَنا فِي بعض الطّرق، وَقد وصلت الهاجرة، وتبرجت الْمَفَازَة الْفَاجِرَة، وَسورَة القيظ تكَاد تميز من الغيظ، وَشهر ناجر، قد أَخذ بالحناجر، وَالشَّمْس قد ركبت سَنَام خطّ الزَّوَال، ومدرجة الصِّبَا قد ضنت النوال، وصمتت عَن السُّؤَال، وَقد تشاجرت الجنادب، وَاخْتلفت لقيانها الولائم والمآدب، وَتَبَاعَدَتْ من الفضا الْأُخَر والمناكب، ومدت نَسِيج الْآل العناكب، والطية تطفف فِي الْمسير، والمطية قد سميت الذرع والتكسير، والظل مرامه من العسير، وَالْمَاء بِمَنْزِلَة الإكسير، إِذْ رفعت لي على الْبعد سرحه فِي فريدة عَن اللَّذَّات، والوشائج المولدات، فَهِيَ فِي الْمُجْمل
(2/270)

علم، وللركائب ركن مستلم، نستامه كَأَنَّهَا فِي جلد اليباب شامة، فملت إِلَى سمتها وانحرفت، وثنيت الْعَنَان نَحْوهَا وصرفت، فَمَا كَانَ إِلَّا فوَاق حرف، لَا بل ارتداد طرف حَتَّى عشيت مِنْهَا عقيلة فلاة، وخدر سعلاة، ذَات عَمُود سَام، وطنب يكتنف ببني حام وسام، ظللت من الأَرْض حجرا مدحوا، ومهرقا من حُرُوف الْمهْر ممحوا، ودمثا سهلا، ورحبا وَأهلا، وشيخا وكهلا، وعلما وجهلا، يَتَخَلَّل سَمَّاهَا الخضراء شهبان أهلة، وَتثبت بأهدابها أَسْنَان وأعنة، وتموج فِي ظلها إنس وجنة، كَأَنَّمَا ضربت الصَّخْرَة الصما بعصاها، فأطاعها العذب الْفُرَات وَمَا عصاها، وانساب بَين يَديهَا ثعبان تراع لَهُ وهاد وكثبان ينشب حصاه عَن حَصى تغلط الْعَارِف من الصيارف، وتوهم الأملياء انتهاب عقودها، لَا تَسْتَطِيع الْجَوَارِح مصابرة خصره وَلَا يماثله الشهد بمجاج معتصره، فحييت الْجمع بِأَحْسَن تحياته، واتحفت الرّوح من ذَلِك العذب البرود تحياته، وتلوت كَذَلِك، يحيى الله الْمَوْتَى ويريكم آيَاته، وَقلت حياك الله من خميلة، وفاتنة جميلَة، وتمثلت بقول ابْن قَاضِي مَيْلَة:
(وقانا وقدة الرمضاء روض ... وَقَاه فضاعف الظل العميم)

(فصرنا نَحوه فحنا علينا ... حنو الوالدات على الْيَتِيم)

(يُرَاعى الشَّمْس أَنا قابلتنا ... فيحجبها وَيَأْذَن للنسيم)

(وَسَقَانَا على ظمإ زلالا ... ألذ من الشَّرَاب مَعَ الْكَرِيم)

(تردع حَصَاة حَالية الغواني ... فتلمس جَانب العقد النظيم)

وَكَانَ فِي جملَة من اغتنم المقيل، واستنصر على عَدو الظمإ ذَلِك العضب الصَّقِيل، وألم بِالنَّوْمِ الْخَفِيف على الرحل الثقيل، لايث عمَّة على همة، ومستظهر بوفر وَذمَّة، ورعى أذمة، قد عَبث الوخط مِنْهُ بلمة، بَين يَدَيْهِ عتاق قَود، وَعبيد
(2/271)

تحسبهم أيقاظا وهم رقود، فاشرأب عِنْد سَماع إنشادي كَمَا يشرئب للريم، وهزت حميا الْأَدَب مِنْهُ عطف كريم، وَصَاح بِصَوْت جهير، يَنْبَنِي عَن منصب شهير، من هَذَا الطارق، وَمَتى أومض هَذَا البارق، وَإِنِّي لأنس مخيلة غير مخيلة، وَأنْظر إِلَى مَظَنَّة غير ذَات ظنة، ليدن مني جوارك، ويرع إِن شِئْت حوارك، ويتفتح نوارك، وتتألق أنوارك، وَلم يزل يحاجي ويسمل، ويرعى فَلَا يهمل، فَلَمَّا دَنَوْت من مهاده، وركضت فِي رَبًّا الحَدِيث ووهاده، وأصبت من زَاد طَرِيقه، وانخرطت فِي فريقه، وأطهر بني بِأَحَادِيث الغريبة وتشريقه، سفر مِنْهُ الِاخْتِيَار عَن نجار هاشمي، وكرم حاتمي، وَدَار فاسي، ومنصب رياسي، وأصل عراقي، وَفرع بَين، نَفِيس ونفيسه راقي. وَلما انخفض قرن الغزالة، ولان طبع الهوا من بعد الجزالة، وَلم يبْق من عمر الْيَوْم إِلَّا الْقَلِيل، ورقية النسيم تَتَرَدَّد على الْأَصِيل العليل، وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ، ويسلك مَسْلَك أمسه، وَالْمغْرب يبتلع قرصة شمسه، قمنا نقضي الدّين، ونقلد رقيم العذار كل أسيل الْخَدين، كريم الجدين، ونشيد المناطق على جميل كل ماضي الحدين، ونغتنم ثَانِي الأبردين، فَرفعت الرّحال من فَوق الظُّهُور، وسرنا بِنَصّ السّير على الْمَذْهَب الْمَشْهُور، وَتَركنَا البنيات إِلَى جادة الْجُمْهُور - وَقلت أَيهَا الرفيق الْبر الصَّحَابَة الْأَغَر السحابة، إِن الشقة بعيدَة، وَالْمَشَقَّة مبدية معيدة، وَلَا يستعان على المراحل إِذا اشتطت واستطالت، وليالي السرى إِذا قمطت وطالت، إِلَّا بتناوب الْأَخْبَار المنقولة، والآداب المهذبة المعقولة، فَقَالَ أثر الكامن، وأزجر الميامن، وابغ الْفلك الثَّامِن، واطلب غَرِيم الغرائب وَأَنا الضَّامِن: قلت افسح لي مجَال غرضك واشرح لي معنى جوهرك وعرضك، وطية سفرك وعودك بظفرك. فَقَالَ أَنا كَالشَّمْسِ أجوب هَذِه الْمنَازل مرّة فِي كل سنة، وأحصى كل سَيِّئَة وحسنة، وأطوى الغلاة، وأبهرج الْوُلَاة، فهم يرقبون تِلْكَ النّوبَة، ويتوقعون الأوبة، ويستعدون لخُرُوج الدَّابَّة الَّتِي
(2/272)

تكلمهم بالإقلاع وَالتَّوْبَة، فأسعط الأنوف، وأنتزع حَتَّى الشنوف، وَأحكم لساني فِيمَن ينساني، وأجود بِظِل ينساني، من بسر إنساني، وأداول بَين إساءتي، وإحساني وأتصدى للهدية الودية، وآنف من الْعَطِيَّة غير البطية. وأوسع الْبَخِيل هجرا، وأقرط من كرم نجرا، ووضح فجرا، قَالَ لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا:
(يَا أهل بَيت رَسُول الله حبكم ... فرض من الله فِي الْقُرْآن أنزلهُ)

(يكفيكم من عَظِيم الْفَخر أَنكُمْ ... من لم يصل عَلَيْكُم لَا صَلَاة لَهُ)

فَلَا أَزَال أطلق عنان الصولة فِي جو الجولة، مستظهرا بوسيلة الْبَيْت ومنشور الدولة، فأسلق الخامل فِي مرقة النبية، وَأحكم للشبيه بِحكم الشبيه، وَلَا أقبل عذر الْبَغي، وَلَو شغلته جَنَازَة أَبِيه، أهجم هجوم السَّيْل بالنيل، وَأجر على الْبيُوت فضول الذيل، وأتقلب تقلب الْفلك بَين الاسْتقَامَة والميل، وأزن كل بضَاعَة فأبخس فِي الْوَزْن أَو أطففه فِي الْكَيْل، وأغرر غرَّة الصَّباح بغزر الْخَيل، وَلَو على حَيّ عَامر بن طفيل، وأرحل عَن الْحلَّة وَقد همدت بعد ارتجاجها وسكنت قساطل عجاجها، وَصحت أذين دجاجها، وفليت عَن الخزين روس مجاجها، وأعود والصرة لَا يجْتَمع مغلاقها، والبدرة لَا يقلها معلاقها، والعياب يصعب مَعهَا الإياب، وتبرز من خلال أستارها الثِّيَاب، وَالْخَيْل تموج فِي الأرسان، وتختال فِي السُّرُوج المحلاة والجلال الحسان، قلت لعمري لقد اتَّسع نطاق الْكَلَام، وَطَالَ مدى التِّلَاوَة بَين الْإِمَامَة وَالسَّلَام، فَأَعْرض لي الْقَوْم عرضا، وصف لي الْمَوَارِد غمرا وبرضا، وميز الهمم سما وأرضا، وأخبط الْعضَاة بعصاك حَتَّى ترْضى، فقهقه قهقهة الشقشاق، وتأوه تأوه العشاق، وَكَأَنَّهَا كَانَت حَاجَة فِي نَفسه قَضَاهَا، وعزيمة يتجاذبها الكسل أمضاها، فسام نصاله وانتضاها، وَقَالَ خذهم بالكلاليب، وأجنبهم بِحجر الجلاليب، وعث عيث الغزالة وشبيب،
(2/273)

فِي كل غرفَة وسبيب، وابدأ بِمن تُرِيدُ، وَأرْسل شهَاب فكرك خلف كل شَيْطَان مُرِيد، وَمن غَابَ عَنْك فخيل الْبَرِيد. قلت الحضرة وجملتها، والمزرعة الْعُظْمَى ونباتها، وافتتح المراسم بِمُحَمد بن الْقَاسِم. فَقَالَ شيخ موقر والمنصب مَا لم يصنه مخظر، مُدع على رتب الْخدمَة، قديم الاصطناع وَالنعْمَة، مؤتمن على الْحساب، منتسب إِلَى الْأَمَانَة أتم الانتساب، نبيه الْعقار والاكتساب، مكرم لِذَوي الأحساب، قلت، ففلان، قَالَ فَارس زِمَام، ومتمسك بذمام، ومصل خلف إِمَام، يناقش ويدقق، ويعاود ويحقق، وَهُوَ عَن الصبوح يرفق، فغريمه مُتْعب مهمى عسر وصعب، واستوعب: كعصفورة فِي كف طِفْل يسومها ترود حِيَاض الْمَوْت، والطفل يلْعَب، وعَلى الرُّتْبَة الشماء، والخلق اللطيفة كَالْمَاءِ. فبينه وَبَين رَيْحَانَة الكرما، وشهاب الظلما، مَا بَين الْحُرُوف والأسما، لَا بل الأَرْض والسما:
(وَقد يُسمى سما كل مُرْتَفع ... وَإِنَّمَا الْفضل حَيْثُ الشَّمْس وَالْقَمَر)

قلت: قَالَ خدوم، وقاضي سدوم، مَوْجُود مَعْدُوم، يخيل بِالنَّبلِ، ويحيد عَن السبل، ويخلط أَرضًا وسما، ومسميات وَأَسْمَاء، وَنَارًا وَمَا، ويحسبه الظمآن مَا. قلت، قَالَ شختور يسبح، وَفصل يذبح، وتاجر فِي كل نفس يربح: انسحب عَلَيْهِ الْقبُول من لدن صباه، وَصَاح بِهِ الجو فلباه، شَأْنه الدَّهْر غمز وإيثاره، ونداوة وَبشَارَة، محظوظ مجدود، وَعقد حرصه مشدود، وَهُوَ فِي الْكَفَاءَة مَعْدُود، قلت، فَقَالَ، فارة، وَقَضَاء وَكَفَّارَة، وَبَقِيَّة مِمَّا ترك آل مُوسَى وَآل هرون تَحت غفاره، بعوضة فِي الْأَذَان، تغني عَن الاستيذان، ويطرق حَتَّى بهنات الْإِقَامَة وَالْأَذَان، قَادر على تلفيق الثُّبُوت، وَحمل الْيَهُود على نِسْيَان
(2/274)

السبوت، يرى الْحِكْمَة خبيئة جيبه، ويشتغل بعيوب النَّاس عَن عَيبه، قلت: قَالَ أُلُوف ودود، أنوف عَن الْخبث والمكيدة صدود، مَحْسُوب من الأسرياء مَعْدُود كثير [الشنشنة] والأريحية، مبذول الْمُشَاركَة شَائِع التَّحِيَّة، بَادِي النبل والطرب، ينظم الأبيات، ويوضح من الْفضل الْغرَر والشيات.
(عَلَيْك بكاتب لبق ذكي ... أديب فِي شمائله حرارة)

(تُشِير لَهُ بلحظك من بعيد ... فيفهم طرفه عَنْك الْإِشَارَة)

قلت، فالوالي ابْن الربيب، فَشد خيشومه، واستدفع بيمن الله شومة، ثمَّ قَالَ الرَّوْض وَالْأنف، تحْتَاج إِلَى الكنف. إعلم أَنِّي على طول تجريبي، وتشريقي وتغريبي، لم أعثر لَهُ على شَبيه، فلعنة الله عَلَيْهِ وعَلى أَبِيه، الْجَهْل والرعونة، والطلعة الملعونة، والحيا المسلوب، وَالصَّبْر الْمَهْزُوم عِنْد الشَّهَوَات المغلوب، والخيانة الَّتِي يعرفهَا الْوُجُود، وَالْيَد الَّتِي فِي غير الْخَنَا لَا تجود، نَار الجباية، الَّتِي تَأْكُل فِي اللحظة الْوَاحِدَة جبالها، وخنجر الْأَمَانَة الَّتِي يقد جبالها المارق على النكال وَالْعِقَاب، المخل بِالْأَلْقَابِ، الخامل الْبَيْت والهمة، الْكثير الذَّم، الْقَلِيل الذِّمَّة، وَالله در أبي مُحَمَّد العلكوم، ذِي الْعَارِض المركوم، حَيْثُ يَقُول:
(لأبي الْفضل ابْن الربيب خِصَال ... شهِدت بالوفا وَالْفضل فِيهِ)

(سَاقِط الأَصْل عاهر الْفرج مذ ... كَانَ سَفِيه قد بذ سَفِيه)

(ذِي محيا من الْحيَاء عديم ... وَقفا مختل وشكل كريه)

(سلحفاة قد عَمت وأجران ... فِي رِدَاء موشع يلويه)

(مُجمل السرج مِنْهُ ذُو رجيع ... يعرف النَّاس ذوقه من فِيهِ)

(حجر الله جوده وندا كفيه ... إِلَّا عَن أسود يشفيه)

(فَهُوَ لَا يستكفه من بلَاء ... ومجابي الْبِلَاد لَا تكفيه)
(2/275)

(قلت للنَّاس وَالسُّؤَال شفا ... وَهُوَ قدما شَأْن النَّبِيل النبيه)

(لم يدعى بِابْن الربيب فَقَالُوا ... كَانَ يَزْنِي بِأُمِّهِ ابْن أَبِيه)

(أبعد الله ذَلِك الْوَجْه من ... كل مقَام بر وَقدر نبيه)

(وَكَأَنِّي بِهِ وَقد بشرت مِنْهُ ... يَد الذل غلظة التنويه)

(تترع الْعِزّ مِنْهُ سخطَة رب ... لم يدنه يَوْمًا يرضيه)

(وأهالت مِنْهُ السِّيَاط كثيبا ... واكمت رمله ريَاح التيه)

(ورست مِنْهُ فِي الأداهم رجل ... ودعتها نضارة الترفيه)

(كَانَ عارا على الْوُجُود وَمن ... يبْلى بِعَارٍ كَيفَ لَا يخفيه)

(عَادَة الله كلما اعتز بَاغ ... بضلال فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ)

قلت، ففلان، فَقَالَ شعلة من ضرام، ودمل من أورام، وَلَا بُد لكل شَيْء من انصرام.
سعيد الدّين خير من أَبِيه، وَطرح الْكَلْب خير من سعيد.
قلت، ففلان. قَالَ صَاحب هدي وسمت، وَطَرِيقَة غير ذِي عوج وَلَا أمت، واشتمال من الطَّهَارَة والتفات، متقلد من مَحل ولَايَته فِي جنَّات ألفاف، مَعَ مهيب عدل وإنصاف، معتدل الْجُود، وَاضع إِيَّاه فِي ضرورات الْوُجُود، كثير الضَّيْف، مطعم فِي الشتا والصيف، أَمن جَاره من الحيف، يرْعَى الْوَسِيلَة، فَلَا ينساها، ويصل مغدى الصنيعة بممساها، فَإِذا ذكرت الْخِيَار فاذكره فِيهَا، أَو حسب الْولَايَة بِهِ فخرا ويكفيها: لَا يسمع الهجر فِي مجالسه، وَلَا تضم الْخَنَا سقائفه.
قلت، وَهُوَ لعمري سَلس القياد، وحقيبة جباد، فَلم يفه ببنت شفه، لَا أدرى أم أَنفه.
(2/276)

قلت، فمشربه، قَالَ أنهد، وَفِي غير الْكفَّار لَا تجهد، وَدعنَا من الحضيض الأوهد، فَالْأَمْر أزهد، وَلَا تعد إِلَى مثلهَا، وَالله يشْهد. قلت، مُقيم رسم، وممتاز من الشُّهْرَة بوسم، وَرجل عَاقل، وجال صفحات الْبر وصاقل، ومتماسك عَن الْغَايَة متثاقل، لَا بفصاحة سحبان، وَلَا بعي بَاقِل، يروقك لقاؤه، ويعجبك خوانه وسقاإه (؟) ، ويثنى على صلته أصدقاؤه. قلت فأخوه، قَالَ درة بَيتهمْ، وغرة كميتهم، ومصباح زيتهم، منزلَة منزع جفان، ومحط ضيفان، يركب المطية، ويمهد الأريكة ي الوطية، وَيتبع بالعذر أثر الْعَطِيَّة غير البطية، ويجدد الْعَمَل بِالْعِصَابَةِ البرمكية، وأخبارهم المحكية. قلت، قَالَ كَوْكَب سحر، وكريم قرى وَنحر، وأبهت وسحر، ماشيت من تَرْتِيب وَتَقْدِير، خليق بِالْبرِّ جدير، وَروض وغدير، وخورنق وسدير، هذب الْأَدَب خُدَّامه، وأطاب الاحتفال خبزه وإدامه، إِلَى عطا يحْسب الأمل، ويثقل النَّاقة والجمل، عضه الدَّهْر فَمَا عض من طباعه، واستأثر بِمَالِه ورباعه، وَتَركه فريسة بَين سباعه، فَمَا حط من همته، وَلَا قصر من طباعه: ... وطالما أصلى الْيَاقُوت جمر غضا، ثمَّ انطفأ الْجَمْر، والياقوت ياقوت.
قلت، قَالَ، أَمِين وَذخر ثمين، وشمال للنصيحة وَيَمِين، إِلَى صدر سليم، وتعويض وَتَسْلِيم، وسرو عميم، ومرعى للفضل حميم، يقنع بالمصاصة، ويؤثر على الْخَصَاصَة، ويحافظ على القلامة والقصاصة. قلت، قَالَ بر وَفِي [يذوب حَيَاء، ويتهالك إبلاغا فِي الْبر وإعياء] . قلت، قَالَ لفظ بِلَا معنى، وَشَجر بِلَا مجنى، مروته سقيمة، وسراوته عقيمة، مَدين الحرمان لَهُ خدين، لَا يحمد قراه، وَلَا يمسك البلالة ثراه، وَإِن تسمع بالمعيدي لَا أَن ترَاهُ. قلت، قَالَ، حمول للكلفة كثير الألفة حمَار قَلِيل العلفة وطيه، وَهُوَ قعُود ذَلُول ومطية. قلت
(2/277)

فَقَالَ سُورَة الْفضل والكمال، وَصُورَة الْحَلَال وَالْجمال، وَسيف الجباية وَالْمَال. وَحج العفاة وكعبة الآمال، العف الْإِزَار، ذُو الْمَوَاهِب الغزار. مَا شيت من حَيا ووقار، واهتضام للعرض الْأَدْنَى واحتقار، يهب الجزيل، وَيكرم النزيل، وَيحكم التَّنْزِيل، أقسم لَو سبق الزَّمن زَمَانه، وانتظم فِي سلك العقد المتقادم حمانه، لما كَانَ لكعب من علو كَعْب، وَلَا ساعد ابْن سعدي ذكر، وَلَا أعمل فِي مدح هرم بن سِنَان فكر، ولطوى حَاتِم طي وَلم تَأْخُذهُ يَد النشر إِلَى الْحَشْر، وَلَا أعملت فِي أخباره يَد الإضراب والبشر، فَهُوَ الْعَامِل الْعَالم، والعادل الَّذِي تكف بِهِ الْمَظَالِم، وَالْبَحْر الَّذِي من دونه بلالة والكفاية مَا سواهَا علالة.
(مدحت الورى قبله كَاذِبًا ... وَمَا صدق الْفجْر حَتَّى كذب)

إِن طرقت منزله هش ورحب، وتبسط جالبا للأنس وتسحب، وَحكم كَمَاله، وَألقى قبل الوسادة مَاله، فَهُوَ حَسَنَة الدولة الغرا، وطراز حلتها الشيرا: وحديثها الْمَنْقُول، وصفيحها المصقول، وَللَّه در الَّذِي يَقُول:
(سلني عَن النّدب وَإِلَى الْوُلَاة ... فَإِنِّي على مدحه قَادر)

(مخدرة فِي سَبِيل الحيا وَيَوْم ... الوغى أَسد خادر)

وَلما بلغ إِلَى هَذَا الْحَد، كَأَنَّمَا كَانَ الحَدِيث ثوبا على جَسَد المرحلة مقدودا، وعددا مَعَ لياليها المحسوبة معدودا، أَتَى للسير مِنْهُ الْقَوَاعِد والبروق، وانتهب عمر اللَّيْل إِلَى الشروق، وَكَانَ آخِره بِبَاب المحروق، وَجعل كل وَجهه إِلَى ذره، وَعَاد إِلَى مركزه عقب مَدَاره، وعلق بقلبي كَلَامه، فاستقر فِي احتزانه، وَأَنا أزن الْقَوْم بميزانه، وَالله يتغمد مَا يُوَافقهُ العَبْد من هفوة لِسَانه، ويغطى الْإِسَاءَة بإحسانه.
(2/278)

من ذَلِك الْكتاب الْمُسَمّى بمعيار الِاخْتِيَار

الْحَمد لله الَّذِي انْفَرَدت صِفَاته بالاشتمال على أشتات الْكَمَال، والاستقلال بأعباء الْجلَال، المنزه عَن احتلال الْحَلَال، المتصفة الْخلال بالاختلال، الْمُتَعَمد بالسؤال، لصلة النوال، جَاعل الأَرْض كسكانها مُتَغَايِرَة الْأَحْوَال، باخْتلَاف الْعرُوض والأطوال، متصفة بالمحاسن والمقابح، عِنْد اعْتِبَار الهيئات والأوضاع والصنائع والأعمال، على التَّفْصِيل والإجمال، فَمن قَامَ خَيره بشره، دخل تَحت خطّ الِاعْتِدَال، وَمن قصر خَيره عَن شَره، كَانَ أَهلا للاستعاضة بِهِ والاستبدال، وَمن أربى خَيره على شَره، وَجب إِلَيْهِ شدّ الرّحال، وَالْتمس بِقَصْدِهِ صَلَاح الْحَال، وَكَثِيرًا مَا اغتبط النَّاس بأوطانهم، فحصلوا فِي الْجبَال على دعة البال، وفازوا فِي الرمال بالآمال، حِكْمَة مِنْهُ فِي اعْتِبَار ربع الشمَال، وتضيء أكنافه عَن الْيَمين وَالشمَال، إِلَى أَن يَدْعُو بِأَهْل الأَرْض، لموقف الْعرض وَالسُّؤَال. وَيذْهل عَن الأمل عظم الْأَهْوَال. وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد الْمُصْطَفى، الَّذِي أنقذ بدعوته الوارفة الظلال من الضلال، وجا بِرَفْع الأغلال، وتمييز الْحَرَام من الْحَلَال، وَالرِّضَا عَمَّن لَهُ من الصحب والآل.
أما بعد، ساعدك السعد، ولان الْجَعْد، فَإِن الْإِنْسَان، وَإِن اتّصف بِالْإِحْسَانِ، وأبانة اللِّسَان، لما كَانَ بعضه لبَعض فَقِيرا، نبيها كَانَ أَو حَقِيرًا، إِذْ مونه الَّتِي تصلح بهَا حَاله، وَلَا يَسعهَا انتحاله، لزم اجتماعه وائتلافه على سياسة يُؤمن مَعهَا اختلافه، واتخاذ مَدِينَة يقر بهَا قراره، وَيتَوَجَّهُ إِلَيْهَا ركونه وفراره، إِذا رابه إضراره، وتختزن فِيهَا أقواته الَّتِي بهَا حَيَاته. ويحاول مِنْهَا معاشه، الَّذِي بِهِ انتعاشه، وَإِن كَانَ اتخاذها جزَافا واتفاقا. واجتزاء بِبَعْض الْمرَافِق وارتفاقا،
(2/279)

تحاول خَيرهَا وشرها، وتعارض نَفعهَا وضيرها، وفضلها فِي الْغَالِب غَيرهَا، وَإِن كَانَ عَن اخْتِيَار وتحكيم معيار، وتأسيس حَكِيم، وتعويض لِلْعَقْلِ وتحكيم، تنافر إِلَى حكمهَا للنفر، وإعمال السّفر، وَكَانَت مساويها بِالنِّسْبَةِ إِلَى محاسنها تفْتَقر، إِذْ وجود المَال فاضح للآمال، وَللَّه در الْقَائِل:
(وَمن ذَا الَّذِي ترْضى سجاياه كلهَا ... كفى الْمَرْء فضلا أَن تعد معايبه)

وبحسب ذَلِك، حدث من يعْنى بالأخبار ينقلها، وَالْحكم يصقلها، والأسمار بنتقيها، والْآثَار يخلدها ويبغيها، والمجالس يَأْخُذ صدورها، والآفاق يشيم شموسها وبدورها، وَالْحلَل يصرف دورها، وَيَأْكُل قدورها، والطرف يهديها، والخفيات يبينها، وَقد جرى ذكر تَفْضِيل الْبلدَانِ، وَذكر القاصي والدان، ومزايا الْأَمَاكِن، وخصائص الْمنَازل والمساكن، والمقابح والمحاسن، وَالطّيب والآسن، قَالَ ضمني اللَّيْل، وَقد سدل الْمَسِيح راهبه، وَأَشْهَب قرصة الشَّمْس من يَد الأمس ناهبه، وذلفت جيوشه الحبشية وكتائبه، وَفتحت الأزهار شط المجرة كواكبه، وجنحت الطُّيُور إِلَى وَكَونهَا، وانتشرت الطوافات بعد سكونها، وعويت الذئاب فَوق هضابها، ولوحت البروق بفيض عضابها، وباحت الْكَفّ الخضيب بخضابها، وتسللت اللُّصُوص لانتهاز فرصها، وَخرجت الليوث إِلَى قسمهَا وحصصها فِي مناخ رحب المنطلق، وثيق الغلق، سامي السُّور، كَفِيل بِحِفْظ الميسور، يَأْمَن بِهِ الذعر خائفه، وتدفع معرة السما سقائفه، يشْتَمل على مأوى الطريد، ومحراب المريد، ومرابط خيل الْبَرِيد، ومكاسع الشَّيْطَان المريد، ذِي قيم، كثير البشاشة، لطيف الحشاشة، قَانِع بالمشاشة، يروح وَيَمْشي، وَيقف على رتب الْأَعْيَان، وأعيان الرتب، فَلَا يشي، بر فَأكْثر، ومهد ودثر، وأذفا ودثر، ورقى بِسوار استنزاله فأثر. فَلَمَّا أرحت الكافة واقضمت جَوَاده العلفة، وأعجبتني من رُفَقَاء الْمرْفق الألفة، رمقت فِي بعض السقائف أمنا فِي
(2/280)

زِيّ خَائِف، وشيخا طَاف مِنْهُ بِالْأَرْضِ طائف، وَسكن حَتَّى الْيَمَامَة والطائف [حنيب عكاز ومثير ركاز، قل حَظه بسلاحه لِسَان ذلو السفرة] ومثير شيب أثبت الوفرة، وقسى ضلوع توثر بالزفرة، حكم لَهُ بَيَاض الشيبة بالهيبة، وَقد دَار بذراعه للسبحة الرقطاء حَنش، كَمَا اخْتَلَط روم وحبش، وَإِلَى يَمِينه دلو فامق، وَعَن يسَاره تلميذ مراهق، وأمامه حمَار ناهق، وَهُوَ يَقُول:
(هم أسكنونا فِي ظلال بُيُوتهم ... ظلال بيُوت أدفأت وأكنت)

(أَبَوا أَن يملونا وَلَو أَن أمنا ... تلاقي الَّذِي لاقوه منا لملت)

حَتَّى إِذا اطْمَأَن حُلُوله، وأصحب ذلوله، وتودد إِلَى قيم الحنان، زغلوله، واستكبر لما جَاءَ بِمَا يهواه رَسُوله، استجمع قوته، واستحشد، وَرفع عقيرته وَأنْشد:
(أَشْكُو إِلَى الله ذهَاب الشَّبَاب ... كم حسرة أورثتني واكئياب)

(سد عَن اللَّذَّات بَاب الصِّبَا ... فزادت الأشجان من كل بَاب)

(وغربة طَالَتْ فَمَا تَنْتَهِي ... مَوْصُولَة الْيَوْم بِيَوْم الْحساب)

(وَشر نفس كلما هملجت ... فِي الغي لم تقبل خطام المتاب)

(يَا رب شفع فِي شيبي وَلَا ... تحرمني الزلفى وَحسن المآب)

ثمَّ أَن، وَاللَّيْل قد جن، فَلم يبْق [فِي الْقَوْم] إِلَّا من أشْفق وحن، وَقد هزته أريحية، على الدُّنْيَا سَلام وتحية، فَلَقَد نلنا الأوطار، وحلبنا الأشطار، [وركبنا الأخطار، وأبعدنا المطار، واخترقنا الأقطار] فَقَالَ فتاه، وَقد افترت عَن الدّرّ شفتاه مستثيرا لشجونه، ومطلعا نُجُوم همه من دجونه، ومدلا عَلَيْهِ بمجونه، وماذا بلغ الشَّيْخ من أمرهَا، أَو رفع من عمرها، حَتَّى يقْضى مِنْهُ عجب، أَو يجلى مِنْهُ محتجب، فَأَخَذته حمية الْحفاظ لهَذِهِ الْأَلْفَاظ، وَقَالَ أَي بني مثلي من الأقطاب، يُخَاطب بِهَذَا الْخطاب، وأيم الله لقد عقدت الْحلق،
(2/281)

ولبست من الدَّهْر الْجَدِيد والخلق، وفككت العلق وأبعدت فِي الصفوة الطلق، وخضت الْمنون، وصدت الضَّب وَالنُّون، وحذقت الْفُنُون، وقهرت بعد سُلَيْمَان الْجُنُون، وقضيت الدُّيُون، ومرضت لمَرض الْعُيُون، وَركبت الهمالج، وتوسدت الرذائل والدمالج، وركضت الفاره، واقتحمت المكاره، وَجَبت الْبِلَاد، وَحَضَرت الجلاد، وأقمت الفصح والميلاد، فعدت من بِلَاد الْهِنْد والصين، بِالْعقلِ الرصين، وحذقت بدار قسنطين، علم اللطين، ودست مدارس أَصْحَاب الرواق، وَرَأَيْت غَار الْأَرْوَاح، وَشَجر الوقواق، وشريت حلل الْيمن، ببخس الثّمن، وحللت من عدن حُلُول الرّوح من الْبدن، وَنظرت إِلَى قرن الغزالة لما شَرق، وأزمعت على العراقين بسرى الْعين، وشربت من مَاء الرافدين باليدين، وَصليت بمحراب الدملى رَكْعَتَيْنِ، وَتركت الْأَثر للعين، ووقفت حَيْثُ وقف الحكمان، وتقابل التركمان، وَأخذت بالقدس، عَن الحبر الندس، وَركبت الولايا إِلَى بِلَاد العلايا، بعد أَن طفت بِالْبَيْتِ الشريف، وحصلت بِطيبَة على الخصب والريف فِي فصل الخريف، وقرأت بأخميم علم التصريف، وأشرعت فِي الانحطاط إِلَى الْفسْطَاط، والمصر الرحب الاختطاط، وسكنت مَدِينَة الْإسْكَنْدَريَّة ثغر الرِّبَاط، وعجلت بالمرور إِلَى التكرور، فَبِعْت الظل بالحرور، ووقفت بأشبانية إِلَى الهيكل المزور [وحصلت بإفريقية على الرفد غير المنزور] وانحدرت إِلَى الْمغرب انحدار الشَّمْس إِلَى الْمغرب، وصممت تصميم الحسام الْمَاضِي المضرب، ورابطت بالأندلس ثغر الْإِسْلَام، وأعلمت بِمَا تَحت ظلال الْأَعْلَام، فآها وَالله على عمر مضى وَخلف مضضا، وزمن انْقَضى، وَشَمل قضى الله من تفرقه بِمَا قضى. ثمَّ أجهش ببكائه، وأعلن باشتكائه، وَأنْشد:
(2/282)

(لبسنا فَلم نبل الزَّمَان وأبلانا ... نتابع أخرانا على الغي أولانا)

(ونغتر بالآمال والعمر يَنْقَضِي ... فَمَا كَانَ بالرجعي إِلَى الله أولانا)

(وماذا عَسى أَن ينظر الدَّهْر مَا عسا ... فَمَا انْقَادَ بالزجر الحثيث وَلَا لانا)

(جزينا صَنِيع الله شَرّ جَزَائِهِ ... فَلم نرع مَا من سَابق الْفضل أولانا)

(فيا رب عاملنا بِمَا أَنْت أَهله ... من الْعَفو واجبر صدعنا أَنْت مَوْلَانَا)
ثمَّ قَالَ:
(لقد مَاتَ إخْوَانِي الصالحون ... فَمَا لي صديق وَلَا لي عماد)

(إِذا أقبل الصُّبْح ولى السرُور ... وَإِن أقبل اللَّيْل ولى الرقاد)

فتملكتني لَهُ رقة وهزة للتماسك مسترقة، فهجمت على مضجعه هجوما أنكرهُ، وراع صَفوه وعكره، وغطى بِفضل ردنه سكره، فَقلت على رسلك أَيهَا الشَّيْخ، نَاب حنت إِلَى خوار، وغريب أنس بجوار، وحائر اهْتَدَى بِنَار، ومقرور قصد إِلَى ضوء نَار، وطارق لَا يفضح عَيْبا، وَلَا يثلم وَلَا يهمل شيبا، وَلَا بِمَنْع سيبا، ومنتاب يكسو الْحلَّة، وَيحسن الْخلَّة، ويفرغ الْغلَّة، ويملأ الْقلَّة:
(أجارتنا إِنَّا غَرِيبَانِ هَاهُنَا ... وكل غَرِيب للغريب نسيب)

فَلَمَّا وقم الهواجس وكبتها، وَتَأمل المخيلة واستثبتها، تَبَسم لما توهم وَسمع بعد مَا جمح، فهاج عقب مَا فتر، وَوصل مَا بتر، وَأظْهر مَا خبأ تَحت ثَوْبه وَستر، وماج مِنْهُ الْبَحْر الزاخر، وأتى بِمَا لَا تستطيعه الْأَوَائِل والأواخر، وَقَالَ، وَقد ركضى الْفُنُون وأجالها، وَعدد الحكم ورجالها، وفجر للأحاديث أنهارها، وَذكر الْبلدَانِ وأخبارها:
(وَلَقَد سهمت مآربي فَكَانَ أطيبها حَدِيث ... إِلَّا الحَدِيث فَإِنَّهُ مثل اسْمه أبدا حَدِيث)
(2/283)

قلت، ذهب الخجل والوجل، وَطَالَ المروى والمرتجل، وتوسط الْوَاقِع، وتشوفت للنجوم المواقع، وتوردت الخدود البواقع. قلت أَيهَا الحبر واللج الَّذِي لَا يَنَالهُ السبر: لاحجبك قبل عمر النِّهَايَة الْقَبْر، وأعقب كسر أعداد عمرك الْمُقَابلَة بِالْقبُولِ والجبر، كَأَن اللَّيْل قد أظهر لوشك الرحيل الْهَلَع، والغرب الجشع لنجومه قد ابتلع، ومفرق الأحباب، وَهُوَ الصُّبْح قد طلع، فأولني عارفة من معارفك اقتنيها، واهزز لي أفنان رحكمك اجتنبها. فَقَالَ، أمل ميسر، ومجمل يحْتَاج أَن يُفَسر، فأوضح الملغز، وأبن الطلا من البرغز، وسل عَمَّا بدا لَك، فَهُوَ أجدى لَك، وَأقسم لَا تسلنى عَن غامض، وحلو أَو حامض، إِلَّا أوسعته علما وبيانا، وأريتك الْحق عيَانًا. قلت صف لي الْبِلَاد وَصفا لَا يظلم مِثْقَالا، وَلَا يعْمل فِي غير الصدْق وخدا وَلَا أرقالا، وَإِذا قُلْتُمْ فأعدلو، وَمن أحسن من الله مقَالا. قلت انفض لي الْبِلَاد الأندلسية من أطرافها، وميز بميزان الْحق بَين اعتدالها وانحرافها، ثمَّ اتلها بالبلاد المرينية نسقا، واجل بِنور بيانك غسقا، وهات مَا تَقول فِي جبل الْفَتْح. قَالَ. فَاتِحَة الْكتاب من مصحف ذَلِك الإقليم، ولطيفة السَّمِيع الْعَلِيم، وقصص المهارق، وأفق البارق، ومتحف هَذَا الوطن المباين للْأَرْض المفارق، بِأَهْل العقيق وبارق، ومحط طارقها بِالْفَتْح طَارق، وارم الْبِلَاد الَّتِى لم يخلق مثلهَا فِيهَا، وَذُو المناقب الَّتِى لَا تحصرها الْأَلْسِنَة وَلَا توفيها، حجره الْبَحْر حَتَّى لم يبْق إِلَّا خصر، فَلَا يَنَالهُ من غير تِلْكَ الفرصة منيق وَلَا حصر. وأطل بأعلاه قصر، وأظله فتح من الله وَنصر، سَاوَى سُورَة الْبَحْر فأعياه، قد تهلل بالكلس محياه، واستقبل الثغر الْغَرِيب فحياه، واطرد صنع الله فِيهِ من عَدو يَكْفِيهِ، ولطف يخفيه، وداء عضال يشفيه، فَهُوَ خلْوَة الْعباد، ومقام العاكف والباد، ومسلحة من وَرَاءه من الْعباد، وشقة الْقُلُوب الْمسلمَة والأكباد. هَوَاهُ صَحِيح وثراه بالخزين سحيح، ونجر الرِّبَاط فِيهِ ربيح، وحماه لِلْمَالِ وَالْحرم غير مُبِيح، وَوَضعه الْحسن لَا يشان بتقبيح
(2/284)

إِلَّا أَنه، وَالله يَقِيه [مِمَّا يتقيه] بعيد الأقطار، هماز بالقطار، كثير الرِّيَاح والأمطار، مكتنف بالرمل المخلف، والجوار الْمُتْلف قَلِيل الْمرَافِق، مَعْدُوم المشاكل والمرافق، هزل الكراع، لعدم الأزدراع، حاسر الذِّرَاع للقراع، مرتزق من ظلّ الشراع، كورة دبر، ومعتكف أزل وصبر، وساكنه حَيّ فِي قبر:
(هُوَ الْبَاب إِن كَانَ التزاور للقيا ... وغوث وغيث للضريح وللسقيا)

(فَإِن تطرق الْأَيَّام فِيهِ بحادث ... وأعزز بِهِ قُلْنَا السَّلَام على الدُّنْيَا)

قلت، فأسطبونه قَالَ، عَفا رسمها، وبقى اسْمهَا وَكَانَت مَظَنَّة النعم الغزيرة، قبل حَادِثَة الجزيرة. قلت فمربلة، قَالَ بلد التاذين على السرذين، وَمحل الدُّعَاء والتأمين لمطعم الْحُوت السمين، وحد ذَاتهَا مفرس الْعِنَب الْقَدِيم الْفرس إِلَى قبَّة أرين، إِلَّا أَن مرْسَاها غير أَمِين، وعقارها غير ثمين، ومعقلها تركبه الأَرْض من عَن شمال وَيَمِين. قلت، فسهيل قَالَ حصن حُصَيْن، يضيق عَن مثله هِنْد وصين، وَيَقْضِي بفضله كل ذِي عقل رصين، سَبَب عزه متين، ومادة قوته شعير وتين، قد علم أَهله مشربهم، وأمنوا مهربهم، وأسهلت بَين يَدَيْهِ قراه ماثلة بِحَيْثُ يرَاهُ، وجاد بالسمك واديه، وبالحب ثراه، وَعرف شَأْنه بِأَرْض النّوبَة وَمِنْه يظْهر سُهَيْل من كواكب الْجنُوب، إِلَّا أَن سواحله فل الْغَارة البحرية، ومهبط السّريَّة غير السّريَّة، الخليقة بالحذر الْحُرِّيَّة، مسرح السايمة الأميرية، وخدامها كَمَا علمت أُولَئِكَ هم شَرّ الْبَريَّة.
قلت فمدينة مالقة، قَالَ، وَمَا القَوْل فِي الدرة الوسيطة، وفردوس هَذِه البسيطة، أشهد لَو كَانَت سُورَة، لغرقت بهَا حدقة الْإِطْعَام، أَو يَوْمًا لكَانَتْ
(2/285)

عيدا فِي الْعَام، تبِعت لَهَا بِالسَّلَامِ مَدِينَة السَّلَام، وتلقي لَهَا يَد الاستسلام محَاسِن بِلَاد الْإِسْلَام، إِلَى دَار، وقطب مدَار، وهالة إبدار، وكنز تَحت جِدَار، قصبتها مضاعفة الأسوار، مصاحبة للسنين، مُخَالفَة للأدوار، قد برزت فِي أكمل الأوضاع، وأجمل الأطوار، كرْسِي ملك عَتيق، ومدرج مسك فتيق، وإيوان أكاسرة، ومرقب عِقَاب كاسرة، ومجلى فاتنة حَاسِرَة، وصفقة غير خاسرة، فحماها منيع حريز، وديوانها ذهب إبريز وَمذهب فخار هاله على لآماكن تبريز [إِلَى مَدِينَة تبريز] وحلل بدائعها بالبدائع ذَات تطريز. اضطبنت دَار الأسطول، وساويت الْبَحْر بالطول، واسندت إِلَى جبل الرَّحْمَة ظهرهَا، واستقبلت ملعبها ونهرها، ونشقت وردهَا الأرج وزهرها، وَعرفت قدرهَا فأغلت مهرهَا، وَفتحت جفنها على الجفن غير الغضيض، والعالم الثَّانِي مَا بَين الأوج إِلَى الحضض، دَار الْعَجَائِب المصنوعة، والفواكه غير المقطوعة والممنوعة، حَيْثُ الْأَوَانِي تلقى لَهَا يَد الغلب، ضائع حلب وَالْحلَل الَّتِي تلج صنعا فِيهَا بِالطَّلَبِ، وَتَدْعُو إِلَى الجلب، إِلَى الدست الرهيف ذِي الْوَرق الهيف، وَكفى برمانها حقاق ياقوت، وأمير فَوت، وزائرا غير ممقوت، إِلَى المؤاساة، وتعددت الأساة وإطعام الجائع، والمساهمة فِي الفجائع، وَأي خلق أسرى من استخلاص الأسرى، تبرز مِنْهُم المخدرة حسرى، سامحة بسواريها، وَلَو كَانَا سواري كسْرَى، إِلَى الْمقْبرَة الَّتِي تسرح بهَا الْعين، ويستهان فِي ترويض روضاتها الْعين، إِلَى غللها المحكمة الْبُنيان، الماثلة كنجوم السما للعيان، وافتراض سكناهَا، أَوَان الْعَصْر على الْأَعْيَان، ووفور أولى المعارف والأديان:
(وَأحسن الشّعْر مِمَّا أَنْت قَائِله ... بَيت يُقَال إِذا أنشدته صدقا)

وعَلى ذَلِك فطينها يشقى بِهِ فطينها، وأزبالها تحيي بهَا سبالها، وسروبها يستمد)
(2/286)

مِنْهَا مشروبها، فسحبها متغيرة، وكواكب أذمانها النيرة متحيرة، وأقطارها جد شاسعة، وأزقتها حرجة غير وَاسِعَة، وآبارها تفسدها أدبارها، وطعامها لَا يقبل الاختزان، وَلَا يحفظ الْوزان، وفقيرها لَا يُفَارق الأحزان، وجوعها يَنْفِي بِهِ هجوعها، تحث على الأمواج أقواتها، وَتَعْلُو على الموازين غير الْقسْط أصواتها، وأرحيتها تطرقها النوائب، وتصيب أهدافها السِّهَام الصوائب وتعدلها الجنايب، وتستخدم فِيهَا الصِّبَا والجنايب، وديارها الآهلة، قد صم بالنزائل صداها، وأصبحت بَلَاقِع بِمَا كسبت يداها، وَعين أعيانها أثر، ورسم مجادتها قد دثر، والدهر لَا يَقُول لَهَا لمن عثر، وَلَا ينظم شملا إِذا انتثر، وَكَيف لَا يتَعَلَّق الذام، بِبَلَد يكثر بِهِ الجذام، عِلّة بلواه آهلة، والنفوس بمعرة عدواه جاهلة. ثمَّ تَبَسم عَن انْشِرَاح صدر، وَذكر قصَّة الزبْرِقَان بن بدر:
(تَقول هَذَا مجاج النَّحْل تمدحه ... وَإِن ذممت فَقل فيىء الزنابير)

(مدح وذم وَعين الشي وَاحِدَة ... إِن الْبَيَان يرى الظلماء فِي النُّور)

قلت فبلش قَالَ جادها الْمَطَر الصيب، فَنعم الْبَلَد الطّيب، حلى وَنحر، وبر وبحر، ولوز وتين، وسبت من الْأَمْن متين، وبلد أَمِين وعقار ثمين، وفواكه من عَن شمال وَيَمِين، وفلاحة مدعي إنجابها لَا يَمِين. إِلَّا أَن التشاجر بهَا أقمى من الشّجر، والقلوب أقسى من الْحجر، ونفوس أَهلهَا بَيِّنَة الْحَسَد والضجر، وشأنها غيبَة ونممة، وخبث مَا بهَا على مَا سوخ الله من آلائها ثميمة.
قلت فقمارش، قَالَ مُودع الوفر، ومحط السّفر، ومزاحم الفرقد والقفر، حَيْثُ المَاء الْمعِين، والقوت الْمعِين، لَا تخامر قلب الثائر بِهِ خطْوَة وجله. إِلَّا من أَجله. طالما فزعت إِلَيْهِ النُّفُوس الْمُلُوك الأخاير بالذخاير، وَشقت
(2/287)

عَلَيْهِ أكواس المرائر فِي الضرائر، وَبِه الأعناب الَّتِي راق بهَا الجناب، والزياتين، واللوز والتين، والحرث الَّذِي لَهُ التَّمْكِين، وَالْمَكَان المكين، إِلَّا أَنه عدم سهله، وَعظم جَهله، فَلَا يصلح فِيهِ إِلَّا أَهله.
قلت فالمنكب قَالَ مرفأ السفن ومحطها، ومنزل عباد الْمَسِيح ومختطها بَلْدَة معقلها منيع، وبردها صقيع، ومحاسنها غير ذَات تقنيع. الْقصر المفتح الطيقان، الْمُحكم الإتقان، وَالْمَسْجِد المشرف الْمَكَان، والأثر المنبي عَن كَانَ وَكَانَ، كَأَنَّهُ مبرد وَاقِف أَو عَمُود فِي يَد مثاقف، قد أَخذ من الدَّهْر الْأمان، وتشبه بصرح هامان، وأرهفت جوانبه بالصخر المنحوت، وَكَاد أَن يصل مَا بَين الْحُوت والحوت. غصت بقصب السكر أرْضهَا، واستوعب بهَا طولهَا وعرضها، زبيبها فائق، وجنابها رائق، وقدمت إِلَيْهَا جبل الشوار، بِنسَب الْجوَار، فَنَشَأَ الأسطول، فوعدها غير ممطول، وأمده لَا يحْتَاج إِلَى الطول، إِلَّا أَن اسْمهَا مَظَنَّة طيرة تشتنف، والتنكيب عَنْهَا يوتنف، وطريقها يمْنَع شَرّ سلوكها، من تودد مُلُوكهَا، وهواؤها فَاسد، ووبأها مستأسد، وجارها حَاسِد، فَإِذا التهبت السَّمَاء، وتغيرت بالسمائم المسميات والأسماء، فأهلها من أجداث بُيُوتهم يخرجُون، وَإِلَى جبالها يعرجون، والودك إِلَيْهَا مجلوب، والقمح بَين أَهلهَا مقلوب، وَالصَّبْر إِن لم يَبْعَثهُ الْبَحْر مغلوب، وَالْحر مَا يعراها وَالْحر بِدَم الْغَرِيب مَطْلُوب.
قلت فشلوبانية، قَالَ أُخْتهَا الصُّغْرَى ولدتها، الَّتِي يشغل بهَا الْمُسَافِر، ويعزى حصانه معقل، وموقب متوقل، وَغَايَة طَائِر، وممتنع ثَائِر، ومتنزه زائر، تركب برهَا الجداول المرفوعة، وتخترق وجهاتها المذانب المنفردة
(2/288)

والمشفوعة، فَفِي المصيف، تلعب بِالْعقلِ الحصيف، وَفِي الخريف يسفر عَن الخصب والريف، وحوت هَذِه السواحل أغزر من رمله، تغرى القوافل إِلَى الْبِلَاد بِحمْلِهِ، إِلَى الْخضر الباكرة، وَالنعَم الحامدة للمرء الشاكرة، وَكفى بمترايل من بسيطها محلّة مَشْهُورَة، وعقيلة ممهورة، ووادعة فِي غير السهل مبهورة، جَامعهَا حافل، وَفِي حلَّة الْحسن رافل، إِلَّا أَن أرْضهَا مستخلص السُّلْطَان، بَين الأوطان، ورعيتها عديمة الْأَعْيَان، مروعة على الأحيان، وتختص شلوبانية بمزية الْبُنيان، وَلكنهَا غَابَ الْحَيَّات الحميات، غير أمينة على الافتيات، وَلَا وسيمة الفتيان والفتيات. قلت فبرجة، قَالَ تَصْحِيف وتحريف، وتغيير فِي تَعْرِيف، مَا هِيَ إِلَّا بهجة نَاظر، وشرك خاطر، ونتيجة عَارض ماطر، ودارة نفس عاطر، عقارها ثمين، وحرمها أَمِين، وحسها باد وكمين، عُقُود أعنابها قد قرطت أَذَان الميس والحور، وعقائل أدواحها، مبتسمة عَن ثغور النُّور [وبسيطها متواضع عَن النجد، مترفع عَن الْغَوْر] وعينها سلسالة، وسنابك المذانب مِنْهَا مسالة تحمل إِلَى كل جِهَة رِسَالَة، ودروها فِي العرا مبثوثة، وركائب النواسم بَينهَا محثوثة، لَا تَشْكُو بِضيق الْجوَار، واستكشاف العوار، وتزاحم الزوار، مياه وظلال، وَشَجر وحلال، وَخلق دمث كثراها، ومحاسن مُتعَدِّدَة كقراها، ولطافة كنواسمها عِنْد مسراها، وأعيان ووجوه نجل الْعُيُون، بيض الْوُجُوه، غلتهم الْحَرِير، ومجادتهم غنية عَن التَّقْرِير، إِلَّا أَن متبوأها بسيط مطروق، وقاعدتها فروق، ووتدها مطروق ومعقلها خرب، كَأَنَّهُ أحدب جرب، إِن لم ينْقل إِلَيْهِ المَاء برح بِهِ الظمأ. وَللَّه در صاحبنا إِذْ يَقُول:
(2/289)

(يَا بسيطا بمعاني برجة ... أصبح الْحسن بهَا مشتهرا)

(لَا تحرّك بفخار مقولا ... فَلَقَد ألقمت مِنْهَا حجرا)

وَالْبر بهَا ندر الْوُجُود وَاللَّحم تلوه، وهما طيبتا الْوُجُود، والحرف بهَا ذواية الْعود، والمسلك إِلَيْهَا بعيد الصعُود قلت فدلاية، قَالَ خير رِعَايَة وَولَايَة، حَرِير ترفع عَن الثّمن، وملح يُسْتَفَاد على مر الزَّمن، ومسرح مَعْرُوف، وَأَرْض ينْبت بهَا جبن وخروف، إِلَّا أَنَّهَا كسرايا الْعَدو البحري، مجر العوالي، وَمحل الفتكات على التوالي، فطريقها صور ومشاهد، والعارف بهَا زاهد.
قلت فمدينة ألمرية، قَالَ ألمرية هنيَّة مرية، بحريّة بَريَّة، أصيلة سَرِيَّة، معقل الشُّيُوخ والإباية، ومعدن المَال وعنصر الجباية، وجندة الأسطول غير الْمُعَلل وَلَا الممطول، ومحط التُّجَّار وكرم النجار، ورعى الْجَار، مَا شِئْت من أَخْلَاق معسولة، وسيوف من الجفون السود مسلولة، وتكك محلولة، وحضارة تعبق طيبا، وتتأود دوحا رطيبا، ووجوه لَا تعرف تقطيبا، لم تزل مَعَ الظّرْف دَار نساك، وخلوة اعْتِكَاف وإمساك، أرْغم أَهلهَا أنف الصَّلِيب لما عجم، مِنْهَا بِالْعودِ الصَّلِيب، وَألف لامها وألفها حكم التغليب، فَانْقَلَبَ مِنْهَا آيسا عِنْد التقليب:
(يسائل عَن أهل المرية سَائل ... وَكَيف ثبات الْقَوْم والردع يَاسر)

(قطا دارج فِي الرمل فِي يَوْم لِدَة ... وَلَهو وَيَوْم الروع فتح كواسر)

بحرها مرفأ السفن الْكِبَار، وكرسيها هُوَ الْعَزِيز عِنْد الِاعْتِبَار،، وقصبتها سلوة الحزين وفلك المتنزهين، وَهِي مَحل الفلل المجدية، والأندية المشفوعة الأردية، ولواديها المزية على الأودية، حجَّة النَّاظر الْمفْتُون، المكسو الحصور
(2/290)

والمتون، بالأعناب وَالزَّيْتُون، بلد الخام والرخام، والذمم الضخام، وحمتها بديعة الْوَصْف، محكمَة الرصف، مَقْصُودَة العلاج والقصف، حرهَا شَدِيد، وَذكرهَا طَوِيل مديد، وأثرها على الْبِلَاد جَدِيد، إِلَّا أَن مغارمها ثَقيلَة، وصفحة جوها فِي المحول صقيلة، وسماؤها بخيلة، وبروقها لَا تصدق مِنْهَا مخيلة دبلالة النطية، منزورة الطية، وسعرها لَيْسَ من الأسعار الوطية، ومعشوق الْبر بهَا قَلِيل الْوِصَال، وَحمل الْبَحْر صَعب الفصال، وَهِي متوقعة إِلَّا أَن يقي الله طُلُوع النصال، دعاة النصال.
قلت فطيرنش من شرقها، قَالَ حَاضِرَة الْبِلَاد الشرقية، وثنية البارقة الأفقية، ماشئت من تنجيد بَيت، وعصير وزيت، وإحياء أنس ميت، وحمام طيب، وشعاب شرفيه دَنَانِير أبي الطّيب، إِلَّا أَنَّهَا محيلة الغيوث عَادِية الليوث متحزبة بالأحزاب، شرهة الأعزاب، وَلَو شكر الْغَيْث شعيرها، أخصب الْبِلَاد عيرها.
قلت فبيرة، قَالَ بَلْدَة صَافِيَة الجو، رحيبة الدو، يسرح بهَا الْبَعِير، ويحجم بهَا الشّعير، ويقصدها من مرسية وأحوازها العير، فساكنها بَين تجر، وابتغاء أجر، وواديها نيلى الفيوض والمدود، مصري التخوم وَالْحُدُود، إِن بلغ إِلَى الْحَد الْمَحْدُود، فَلَيْسَ رزقها بالمحصور وَلَا بالمعدود، إِلَّا أَنَّهَا قَليلَة الْمَطَر، مُقِيمَة على الْخطر، مثلومة الْأَعْرَاض والأسوار، مهطعة لداعي الْبَوَار، خَلِيقَة الْحسن المغلوب، معللة بِالْمَاءِ المحلوب، آخذة بأكظام الْقُلُوب، خاملة الدّور، قَليلَة الْوُجُوه والصدور، كَثِيرَة المشاجرة والشرور، برهَا أنذر من برهَا، فِي الْمُعْتَمِر والبور، وزهد أَهلهَا فِي الصَّلَاة شَائِع فِي الْجُمْهُور، وَسُوء ملكة الأسرى بهَا من الذائع بهَا وَالْمَشْهُور:
(مَا قَامَ خيرك يَا زمَان بشره ... أولى لنا مَا قل مِنْك وَمَا كفا)
(2/291)

قلت فمحاقر، قَالَ حصن جَدِيد، وَخير مديد، وبحر مَا على إفادته مزِيد وخصب ثَابت وَيزِيد، ساكنه قد قضى الْحَج أَكْثَره، وَظهر عين الْخَيْر فِيهِ وأثره، إِلَّا أَنه لَا تلقى بِهِ للْمَاء بلالة، وَلَا يسْتَشف للجود علالة.
قلت فقتورية، قَالَ يسَار يَمِينهَا، وغبار كمينها، ومعمول يَمِينهَا، يجود بهَا الْجُبْن وَالْعَسَل، وَفِي دونهَا الأسل، وَأما الْخَبَر فَلَا تسل، وَإِن كَانَت أحسن شكلا، فَأَقل شربا وأكلا، وأحما أَهلا، وآسد جملا، وأعدم علا ونهلا. وَأَهْلهَا شرار، أضلعهم بالظمإ حرار، لَا تلفى بهَا نبعة مَاء، وَلَا تعدم مشقة ظمإ، وَلَا تتوج أفقها إِلَّا فِي الندرة قرعَة سما.
قلت فبرشانة، قَالَ حصن مَانع، وجناب يَانِع، أَهلهَا أولو عَدَاوَة لأخلاق البداوة، وعَلى وُجُوههم نَضرة، وَفِي أَيْديهم نداوة، يدادون بالسلافة على الْخلَافَة، [ويؤثرون لَذَّة التَّخَلُّف على لَذَّة الْخلَافَة] ، فَأصْبح ربعهم ظرفا قد ملىء ظرفا، فللمجون بهَا سوق، وللعيون ألف سوق، تشمر بِهِ الأذيال عَن سوق، وَهِي تلين بعض بَيَان من أَعْيَان، وعَلى وُجُوه نسوانها طلاقة، وَفِي ألسنتهن ذلاقة، ولهن بالسفارة من الْفُقَرَاء علاقَة، إِلَّا أَن جفنها لَيْسَ ندي، سور يَقِيه مِمَّا يتقيه، ودعدها يتَكَلَّم على فِيهِ، وحليها يشقى بالسفيه، ومحياها تسكن حَيَّة الْجور فِيهِ.
قلت فأورية، قَالَ الْجُبْن وَالْعَسَل، والهوا الَّذِي يذهب بِهِ الكسل. وَأما عَن المَاء البرود فَلَا تسل، أدامه الصَّيْد الَّذِي لَا يتَعَذَّر، وقوته الشّعير الَّذِي يبذر. إِلَّا أَنه بَادِي الوحشة والانقطاع، والإجابة لداعي الْمُخَالفَة والإهطاع، وحيش الجناب عرى من شجرات النّخل وَالْأَعْنَاب، حَقِيقَة لمعرة الْعَدو بالاجتناب.
قلت فبلش، قَالَ نفر قصي، وقياد على الْأمان عصي، ويتيم لَيْسَ عَلَيْهِ
(2/292)

غير الْعد وَصِيّ، مَاؤُهُ معِين، وصوره عين، وخلوته على النّسك وسواه تعين، وَبِه الْحمام، والعطف الجمام، ولأهله بالصيادة اهتمام، وعسله إِذا لطفت العسول إِمَام، إِلَّا أَنَّهَا بَلْدَة مُنْقَطِعَة باينة، وبأحواز الْعَدو كائنة، ولحدود لورقة، فتحهَا الله مُشَاهدَة مُعَاينَة، وبرها الزهيد الْقَلِيل يتحف بِهِ العليل، وسبيل لِأَن إِلَيْهَا غير سَبِيل، ومرعاها لسوء الْجوَار وبيل.
قلت فمدينة بسطة، قَالَ، وَمَا بسطة بلد خصيب، ومدينة لَهَا من اسْمهَا نصيب، دوحها متهدل، وَطيب هوائها غير متبدل، وناهيك من بلد اخْتصَّ أَهلهَا بالمران فِي معالجة الزَّعْفَرَان، وامتازوا بِهِ عَن غَيرهم من الْجِيرَان، عَمت أرْضهَا السقيا فَلَا تخلف، وشملتها الْبركَة تخْتَص من يَشَاء الله ويزلف، يَتَخَلَّل مدينتها الْجَدْوَل المتدافع والناقح للغلال النافع، ثِيَاب أَهلهَا بالعبير تتأرج، وحورها تتجلى وتتبرج، وولدانها فِي شط أنهارها المتعددة تتفرج، وَلها الفحص الَّذِي يُسَافر فِيهِ الطّرف سعيا، وَلَا تعدم السَّائِمَة بَدْرِيًّا وَلَا رعيا. وَللَّه در الْقَائِل.
(فِي بَلْدَة عودت نَفسِي بهَا ... إِذْ فِي أسماطه وَيَاسِين)

(ألجأني الدَّهْر إِلَى عَالم ... يُؤْخَذ عَنهُ الْعلم وَالدّين)

إِلَّا أَن تربها تفصح الْبَنَّا، فَإِن صَحبه الاعتنا، فأسواره تسْجد عِنْد الْإِقَامَة، وخندقها لإكسارها تلقامه، فَهِيَ لذَلِك غير دَار المقامة، ورياحها عَاصِفَة، ورعودها قاصفة، وحاميتها تنظر إِلَى الْهياج من خلف سياج، والعدو فِيهَا شَدِيد الفتكات معمل الحركات، وساكنها دَائِم الشكاة، وَحدهَا فليل، وأعيانها قَلِيل وعزيزها المتوقع الْمَكْرُوه ذليل.
قلت فأشكر قَالَ نعم الْبَسِيط المديد، والرزق الْجَدِيد، والسقي العديد،
(2/293)

وَالصَّيْد والقديد، تركب الجداول فحصها، ويأبى الْكَمَال نَقصهَا، ويلازم ظلّ الخصب شخصها، مسرح للبهائم، ومعدن للربيع الدَّائِم، إِلَّا أَن معقلها لَا يمْنَع، ومكانها يحوم عَلَيْهِ الْحَادِث الأشنع، ونفوس أَهلهَا مستسلمة لما الله يصنع.
قلت فأندرش، قَالَ عنصر جباية، ووطن بهم أولى باية، حريرها ذهب، وتربها تبر منتهب، وماؤها سلسل، وهواؤها لَا يلفي مَعَه كسل، إِلَّا أَنَّهَا ضيقَة الأحواز والجهات، كَثِيرَة المعابر والفوهات، عديمة الْفرج والمتنزهات، كَثِيرَة المغارم، مستباحة الْمَحَارِم، أغرابها أولو استطالة، وأنباء مُتْرَفِيهَا كثير البطالة، فَلَا يعْدم ذُو الضَّرع وَالزَّرْع عُدْوانًا، وَلَا يفقد عين الشَّرّ نزقانا، وطريقها غير سوي، وشأنها ضَعِيف يشكو من قوى.
قلت فقنالش، قَالَ مَعْدن حَرِير خلصت سنابكه، وأثرى بزازه وحابكه وتهدلت حجاله، وتمهدت أرائكه، وجبايته سهل اقتضاؤها، وجمت بيضاؤها، إِلَّا أَنه وَطن عدم إدامه، وبليت ظهر اهتدامه، وفقدت بِهِ حيل التعيش وأسبابه، وَمحل لَا هيم فِيهِ إِلَّا أربابه.
قلت فمدينة وَادي آش، قَالَ مَدِينَة الوطن، ومناخ من غبر أَو قطن، للنَّاس مَا بدا وَالله مَا بطن، وضع سديد، وبأس شَدِيد، ومعدن حَدِيد، وَمحل
(2/294)

عدَّة وعديد، وبلد لَا يعتل مِنْهُ إِلَّا النسيم، ومرأى يخجل مِنْهُ الصَّباح الوسيم، كَثِيرَة الجداول والمذانب، مخضرة الجوانب، إِلَى الْفَوَاكِه الْكَثِيرَة والكروم الأثيرة، والسقى الَّذِي يسد الْخلَّة، ويضاعف الْعلَّة، وسندها مَعْدن الْحَدِيد وَالْحَرِير، ومعقلها أهل للتاج والسرير، وَهِي دَار أَحْسَاب وإرث وإكتساب، وآداب وحساب، وماؤها مجاج الجليد، وهواؤها يذكى طبع البليد، إِلَّا أَن ضعيفها يضيق عَلَيْهِ المعاش، وتافهها يتَعَذَّر عَلَيْهِ الانتعاش، وشيخها يَسْطُو على عصبه الارتعاش، فَهِيَ ذَات برد، وَعكس وطرد، ماشئت من لحي راعد، ومقرور على الْخمر قَاعد، وَنَفس صاعد، وفتنة يعد بهَا وَاعد، وشرور تسل الخناجر، وفاخر يَسْطُو بفاجر، وكلف يُهَاجر، واغتمام تبلغ بِهِ الْقُلُوب الْحَنَاجِر، وزمهرير تجمد لَهُ الْمِيَاه، فِي شهر ناجر، وعَلى ذَلِك فدرتها أسمح للحالب، ونشيدها أقرب للطَّالِب، ومحاسنها أغلب، وَالْحكم للْغَالِب.
قلت ففنيانة، قَالَ مَدِينَة، وللخير خدينة، مَا شِئْت من ظبى غزير، وَعصب طرير، وغلة حَرِير، وَمَاء نمير، ودوام للخزين وتعمير، إِلَّا أَن بردهَا كثير، ووقودها نثير، وشرارها لَهُم فِي الْخِيَار تَأْثِير.
قلت فمدينة غرناطة، قَالَ حَضْرَة سنية، وَالشَّمْس عَن مدح المادح غنية، كَبرت عَن قيل وَقَالَ، وحلت عرقا من وَقَالَ، وقيدت الْعقل بعقال، وَأمنت لحَال حسنها من انْتِقَال، لَو خيرت فِي حسن الْوَضع لما زَادَت وَصفا، وَلَا أحكمت رصفا، وَلَا أخرجت أرْضهَا ريحانا وَلَا عصفا، وَلَا أخذت بأشتات الْمذَاهب وأصناف الْمَوَاهِب حدا وَالنَّبِيّ قُولُوا لَو وورولو وَلَا قصفا، كرسيها ظَاهر الإشراف، مطل على الْأَطْرَاف،
(2/295)

وديوانها مَكْتُوب بآيَات الْأَنْفَال والأعراف، وهواؤها صَاف، وللأنفاس مصَاف، حجبت الْجنُوب عَنْهَا الْجبَال، فأمنت الوبا والوبال، وَأصْبح ساكنها غير مبال، وَفِي جنَّة من النبال، وانفسحت للشمال، واستوفت شُرُوط الْكَمَال، وَانْحَدَرَ مِنْهَا مجاج الجليد على الرمال، وانبسط بَين يَديهَا المرج، الَّذِي نَضرة النَّعيم لَا تُفَارِقهُ ومدرار النسيم تعلن بهَا مفارقه، ريع من واديه ثعبان مُبين، أَن لدغ ثلول شطه، ثلها للجبين، وَولد حيات المذانب عَن الشمَال وَالْيَمِين، وقلد مِنْهَا اللبات سلوكا تأتى من الْحَصْبَاء بِكُل در ثمين، وَترك الأَرْض مخضرة، تغير من خضراء السَّمَاء ضرَّة الأزهار مفترة، والحياة الدُّنْيَا بزخرفها مغترة.
(أَي وَاد أَفَاضَ من عَرَفَات ... فَوق حمرائها أتم إفَاضَة)

(ثمَّ لما اسْتَقل بالسهل يجْرِي ... شقّ مِنْهَا بحلة فضفاضة)

(كلما انساب كَانَ غصنا صقيلا ... وَإِذا مَا اسْتَدَارَ كَانَ نفاضة)

فتعددت الْقرى والجنات، وحفت بالأناث مِنْهَا الْبَنَات، ورف النَّبَات، وتدبجت الجنبات، وتقلدت اللبات، وَطَابَتْ بالنواسم الهبات، ودارت الأسوار دور السوار للمنى والمستخلصات، ونصبت للروض المنصات، وَقعد سُلْطَان الرّبيع لعرض القصات، وخطب بلبل الدوح فَوَجَبَ الْإِنْصَات، وتمرجت الأعناب، واستنجر بِكُل عذب لجنانها الجناب، وزينت السَّمَاء الدُّنْيَا من الأبراج العديدة بأبراج، ذَوَات دقائق وأدراج، وتنفست الرّيح عَن أراج، أذكرت الْجنَّة كل أمل عِنْد الله وراج، وتبرجت بحمرائها الْقُصُور مبتسمة عَن بيض الشرفات، سافرة عَن صفحات القباب المزخرافات، تقذف بِالنَّهَارِ من بعد المرتقى فيوض بحارها الرزق، وتناغى أذكار المآذن بأسحارها، نغمات الْوَرق، وَكم أطلقت من أقمار وأهلة، وربت من مُلُوك جلة، إِلَى بَحر التمدن
(2/296)

الْمُحِيط الاستدارة، الصادع عَن الْأَحْكَام والإدارة، ذِي المحاسن عير المعارة، المعجزة لِسَان الْكِتَابَة والاستعارة، حَيْثُ الْمَسَاجِد العتيقة الْقَدِيمَة، والميازب الْمُحَافظَة للري المديحة، والجسور العريقة، والعوائد المقررة تَقْرِير الْفَرِيضَة، والأسواق المرقومة الإطراق، بنفائس الأذواق، وَالْوُجُوه الزهر، والبشرات الرفاق، والزي الَّذِي فاق زِيّ الأوان، وملأ قُلُوب الْمُؤمنِينَ بالإشفاق. ...
(بلد جللها الله سناء وسنا ... وَأجر السعد منحل لَدَيْهَا رسنا)

(قد أجرت سكرا احما وَرِزْقًا حسنا ... أعجزت عَن مُنْتَهى الْفَخر الْبعيد اللسنا)

يروقك فِي أطراقها حسن الصُّورَة وجمالها. وطرف الصنايع وكمالها، والفعلة وأعمالها، حَتَّى الأطلال وانهمالها وَالسُّؤَال وأسمائها.
(كل عَلَيْهِ من المحاسن لمحة ... فِي كل طور للوجود تطورا)

(كالروض يعجب فِي ابتدانباته ... وَإِذا استجم بِهِ النَّبَات ونورا)

(وَإِذا الْجمال الْمُطلق استشهدته ... ألغيت مَا انتحل الخيال وزورا)

ثمَّ قَالَ، أَي أَمْرِي عري عَن مَخَافَة، وَأي حصافة لَا تقَابلهَا سخافة، وَلكُل شَيْء آفَة، لَكِنَّهَا وَالله بردهَا يطفىء حر الْحَيَاة، وَيمْنَع الشفاه عَن رد التَّحِيَّات، وأسعارها يشمر معيارها بالترهات، وعدوها يعاطي كؤوس الْحَرْب بهاك وهات، إِلَى السكَك الَّتِي بَان خمولها، وَلم يقبل الْمَوْضُوع محمولها، وَالْكرب الَّذِي يجده الْإِنْسَان فِيهَا صَادف إِضَافَة أَو ترفيها، والمكوس الَّتِي تطرد الْبركَة وتلقيها إِلَى سوء الْجوَار، وجفاء الزوار، ونزالة الديار، [وَغَلَاء الْخشب والجيار، وكساد المعايش عِنْد الِاضْطِرَار وامعان الْمَقَابِر وَهِي دَار الْقَرار] وَقصر الْأَعْمَار،
(2/297)

وَاسْتِحْلَال الْغَيْبَة والأسحار، واحتقار أولى الْفضل وَالْوَقار، والتنافس فِي الْعقار، وَالشح فِي الدِّرْهَم وَالدِّينَار، باليم وَالنَّار، ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ غفرا، وَإِن لم نقل كفرا، إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ، وبغفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء. وَللَّه در أبي الْعَتَاهِيَة إِذْ يَقُول:
(أَصبَحت الديار لنا فتْنَة ... وَالْحَمْد لله على ذلكا)

(اجْتمع النَّاس على ذمها ... وَمَا نرى مِنْهُم لَهَا تَارِكًا)

قلت فالحمة، قَالَ، أجل الصَّيْد والحجل وَالصِّحَّة، وَإِن كَانَ الْمُعْتَبر الْأَجَل، وتورد الخدود وَإِن لم يطرقها الخجل، والحصانة عِنْد الْهَرَب من الريب، وَالْبر كَأَنَّهُ قطع الذَّهَب، والحامة الَّتِي حَوْضهَا يفهق بالنعيم، مبذولة للخامل والزعيم، تَحت ثنيتها بِالنّسَبِ إِلَى ثنية التَّنْعِيم، قد ملأها الله اعتدالا، فَلَا تَجِد الْخلق اعتياضا وَلَا استبدالا، وأنيط صخرتها الصماء عذبا زلالا، قد اعتزل الكور اعتزالا، لَكِن مزارعها لَا ترْوِيهَا الجداول، وَلَا ينجدها إِلَّا الْجُود المزاول، فَإِن أخصب الْعَام، أعيي الطَّعَام، وَإِن أخلف الإنعام، هَلَكت النَّاس والأنعام، والفواكه يطرف بهَا الجلب، وتزر عَلَيْهَا العلب، وعصيرها لَا يَلِيق لَا بِالْأَكْلِ وَلَا يصلح للحلب، وبردها شَدِيد، وَإِن لم يقْض بِهِ المنقلب.
قلت فصالحة، قَالَ. لَوْلَا أَنَّهَا مناخ لم تذكر، فَلَيْسَتْ مِمَّا يذم وَلَا يشْكر، وَإِن كَانَ مَاؤُهَا فضيا، وَوجه جوها وضيا، وعصيرها مرضيا، وَرِزْقهَا أرضيا، وفضلها ذاتيا لَا عرضيا، فَهِيَ مهب نسف، وَدَار خسف، وَأَهْلهَا بهم لَيْسَ لأحد مِنْهُم فهم.
قلت فإلبيرة ومنتفريد، قَالَ بَلَدا ارتفاق بِإِجْمَاع وإصفاق، مَعْدن الْبر
(2/298)

الذكى، وَالصَّيْد الذكي، وهما ذَا شَاهِق، ومصرخ ناهق، ومعدن بر فائق، إِن لم يعق من عَدو القلعة عائق.
قلت فلوشة قَالَ مرأى بهيج، ومنظر يروق ويهيج، ونهر سيال، وغصن مياد ميال، وجنات وعيون، ولذات لَا تمطل بهَا دُيُون، وجداول تنضح بهَا الجوانح، ومحاسن يشغل بهَا من وَكره السايح، وَنعم يذكر بهَا الْمَائِع المانح، مَا شِئْت من رحى تَدور، ونطف تشفى بهَا الصُّدُور، وصيد ووقود، وإعنات كلما زانت اللبات عُقُود، وأرانب تحسبهم أيقاظا وهم رقود، إِلَى مَعْدن الْملح، ومعصر الزَّيْت، وَالْخضر المتكلفة بخصب الْبَيْت، والمرافق الَّتِي لَا تحصر إِلَّا بعد الكيت، وَالْخَارِج الَّذِي عضد مسحة الملاحة بجدوى الفلاحة، إِلَّا أَن داخلها حرج الْأَزِقَّة، أَحول أَهلهَا مائلة إِلَى الرقة، وأزقتها قذرة، وَأَسْبَاب التَّصَرُّف فِيهَا متعذرة، ومنازلها لترامل الْجند نازلة، وعيون الْعَدو لثغرها الشنيب مغازلة.
قلت فأرجدونه، قَالَ شَرّ دَار، وطلل لم يبْق مِنْهُ غير جِدَار، ومقام يرجع الْبَصَر عَنهُ إِلَيْهِ وَهُوَ حاسر، وعورة ساكنها لعدم الما مستأسر، وقومها ذُو بطر وأشر، وشيوخها تيوس فِي مسالح بشر، طغام، من يقوت مِنْهُم أَو يعول التيوس والوعول، وحرثها مقل، وخلقها حسد وغل.
قلت فأنتقيرة، قَالَ، مَحل الْحَرْث والإنعام، ومبذر الطَّعَام، والمرآة الَّتِي يتجلى فِيهَا وُجُوه الْعَام، الرحب والسهل، والثبات الطِّفْل، والمنسم والكهل، والوطن والأهل. ساحتها الجداول فِي فحصها الأفيح، وسالت وانسابت حَيَاة المذانب، فِي سقيها الرحب الجوانب، وانسالت لَا تَشْكُو من نبو ساحة، وَلَا تسفر
(2/299)

إِلَّا عَن ملاحة، وَلَا تضاهي فِي جدوى فلاحة، إِلَّا أَنَّهَا جرداء الْخَارِج، فل مارد ومارج، وَشدَّة فرجهَا بارج، لَا تصطبنها المسلحة للاتساع، [الذرع الوساع] ، قَليلَة الْفَوَاكِه، عديمة الملاطف والفاكه، أَهلهَا أولو سرُور وغرور، وَسلَاح مَشْهُور، وقاهر ومقهور لَا تقبل غَرِيبا، وَلَا تعدم من الْعَدو تثريبا.
قلت فذكوان، قَالَ، روض وغدير، وفواكه جلت عَن تَقْدِير، وخورنق وسدير، ومائدة لَا تفوتها فَائِدَة، دارت على الطَّحْن الغرير أحجارها، والتفت أشجارها، وطاب هواؤها، وخفق بالمحاسن لواؤها. إِلَّا أَنَّهَا ضَالَّة سَاقِطَة، وحية ترتقب لاقطة، لَا تدفع عَن قُرْطهَا وسوارها بأسوارها، وَلَا تمنع نزع صدارها بجدارها، قَضَت بقلة أعيانها، حَدَاثَة بنيانها.
قلت فقرطمة، قَالَ: الكرك الَّذِي يُؤمن عَلَيْهِ الدَّرك، وَإِن عظم المعترك، جوها صَاف فِي مبشتى ومصطاف، وتربها للبر مصَاف، وعصيرها بِالْكَثْرَةِ ذُو اتصاف. إِلَّا أَن المَاء بمعقلها مخزون، وعتاد مَوْزُون، وَأَهْلهَا فِي الشدائد لَا يجزون، أَيْديهم بالبخل مغلولة، وسيوف تشاجرهم مسلولة.
قلت فمدينة رندة، قَالَ، أم جنَّات وحصون، وشجرة ذَات غصون، وجناب خصيب وَحمى مصون، بلد زرع وضرع، وَأهل وَفرع، مخازنها بِالْبرِّ مَالِيَّة، وأقواتها جَدِيدَة وبالية، ونعمها بجوار الْجَبَل مُتَوَالِيَة، وَهُوَ بلد أَعْيَان وصدور، وشموس وبدور، ودور أَي دور، وَمَاء واديها يتَوَصَّل إِلَيْهِ فِي حدور، بِحكم مَقْدُور، وَفِي أَهلهَا فضاضة وغضاضة، مَا فِي الكلف بهَا غَضَاضَة، تلبس نساؤها الموق، على الأملد المرموق، ويسفرن عَن الخد المعشوق، وينعشن قلب المشوق، بالطيب المنشوق. إِلَّا أَن الْعَدو طوى ذيل برودها]
(2/300)

وغصب بنياتها وَكَيف السَّبِيل إِلَى ردهَا، وأضاق خَارِجهَا، وخفض معارجها، وَأَعْلَى طائرها ودارجها.
فَلَمَّا بلغ هَذَا الْحَد، قَالَ: هَل اكتفيت، فقد شرحت صدرك وشفيت، وَبِمَا طلبت مني قد وفيت، يَا بني كَأَنِّي بالصباح السافر، وأدهم الظلام النافر قد أحفل أَمَام منتبه الوافر، وَترك من الْهلَال نعل الْحَافِر، وَنَفْسِي مطيتي، وَقد بلغت اللَّيْلَة طيتي، وأجزلت عطيتي، فلنجم بالحمض، ونلم بالغمض، وَأَنا بعد نزيلك، أَن سرني جزيلك وعديلك، أَن ضحك إِلَى منديلك وسميرك، إِن رواني نميرك، فبادرت البدرة، والصرة فافتضفتها، والعيبة فنفضتها، والمعادن فأفضتها. فَقَالَ بوركت من مراس، وَأنْشد قَول أبي نواس:
(مَا من يَد فِي النَّاس وَاحِدَة ... كيد أَبُو الْعَبَّاس أولاها)

(نَام الثِّقَات على مضاجعهم ... وسرى إِلَى نَفسِي فأحياها)

ثمَّ قَالَ، نم فِي أَمَان من خطوب الزَّمَان، وقم فِي ضَمَان من وقاية الرَّحْمَن، فلعمري، وَمَا عمري عَليّ بهين، وَلَا الْحلف لدي بمتعين، لَو كَانَ الْجُود ثمرا لَكُنْت لبَابَة، أَو عمرا لَكُنْت شبابه، أَو منزلا لَكُنْت بَابه، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كحلت جفني بميل الرقاد، وَقد سَلس المقاد، وَقَامَ فيمَ الخان إِلَى عَادَة الافتقاد، وبادر سراجه الإيقاد. وَنظرت إِلَى مَضْجَع الشَّيْخ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَن يبر أطماره. وروت حِمَاره، فَخرجت لإيثاره مقتفيا لآثاره فَكَأَن العلك لفه فِي مَدَاره، أَو خسفت الأَرْض بِهِ وَبِدَارِهِ، وسرت، وَفِي قلبِي لبينة، وَذَهَاب أَثَره وعينه حرقة، وَقلت متأسيا لكل اجْتِمَاع من حبيبين فرقة.
(2/301)

الْمجْلس الثَّانِي

قَالَ الْمخبر: فَلَمَّا اندمل جرح الْفِرَاق، بعد طول، وزمان مطول، ومحى رسم التَّذَكُّر تكَرر فُصُول، ونصول خطاب وخطاب نصول، بَينا أَنا ذَات يَوْم فِي بعض أسواق الْغُبَار، أسرح طرف الِاعْتِبَار، فِي أُمَم تنسل من كل حدب، وتنتدب من كل منتدى، مَا بَين مُشْتَمل الصماء يلويها، ولائث الْعِمَامَة لَا يسويها. وصاعد من غور، ومتظلم من جور، وممسك بذنب عير أَو رفق ثَوْر يموجون، وَمن الأجداث يخرجُون، كَأَنَّهُمْ النَّمْل نشرها، وَقد برزت إِلَى الشَّمْس من منظر الأمس، يشيرون بأجنحة الأكسية، ويتساقطون على ثمار الْقلب، وأستار الأحسية، وَقد اصطف ذابحوا الْجَزُور، وَبَايَعُوا اللبوب والبذور، ولصق بالأملياء حللة العقد، وَشَهَادَة الزُّور، وَنظرت فِي ذَلِك الْمُجْتَمع الهائل الْمرَائِي والمستمع، إِلَى درسة غي، وطهاة عي، ورقاة جُنُون، بضروب من القَوْل وفنون، وَفهم كهل قد استظل بقيطون، وسل سيف الأطون، وتحدى برقية لديغ ومداواة سبطين، قد اشْتَمَل بسمل غباره، وَبَين يَدَيْهِ عيار فِي جلد فاره، وَطعن من إطْعَام كفاره، وأمامه تلميذ قد شمر الأكمام والتفت الْخلف والأمام، وَصرف لوحي لحظه الاهتمام، وَهُوَ يأسو ويجرح [ويتحكم بِلِسَان الْقَوْم ثمَّ يشْرَح] ويقيد من حَضَره بِقَيْد الْعَزِيمَة فَلَا يبرح، وَيَقُول أَيهَا البهم السارح، والحزب المسرور بِمَا لَدَيْهِ الفارح، والسرب الَّذِي تقتاته الْوُلَاة الْبَغي الْجَوَارِح، ضرفتهم غرُوب اعتنايكم لنسائكم وأبنائكم، وذهلتم عَمَّن جعلتم بفنائكم، وجعلتم تطمعون وتجمعون إِنَّمَا يستجيب الَّذين يسمعُونَ، من وَقعت عَليّ مِنْكُم عينه، فقد رأى فاتح أقفال الأسمار، ومثبت الْفِرَار، ومصمت الْإِفْك الصرار، ومقدر مياه الْآبَار بسير الْغُبَار، ومخرج الأضمار فِي الْمِضْمَار، وَمذهب الْمس، وطارد
(2/302)

الْعمار، أَنا قَاطع الدما إِذا نزفت، وَكَاشف الغما إِذا انكشفت، أما الْإِبِل فَلَا تجْرِي، وأحط حول الْحمى فَلَا تَدْنُو السبَاع وَلَا تقرب، وأذخر بهَا، فَلَا تتسلل الْحَيَّة وَلَا تدب الْعَقْرَب، وَإِن تغيب الشَّمْس لوقت مَحْدُود طمس فِيهِ نورها، وَإِن وعدت الأَرْض بَرى مَحْمُود فار تنورها، وَإِن كتبت لعقد النِّكَاح انْحَلَّت، وَإِن عقدت خطى الضَّالة وقفت حَيْثُ حلت، وَإِن زجرت الْجُنُون تركت وخلت، وَإِن انتثرت الدفائن، أَلْقَت الأَرْض مَا فِيهَا وتخلت، أَنا جردت الْبَيْضَة الشُّعَرَاء، أَنا زوجت الْفَتى الشَّرْقِي من الْجَارِيَة الْعَذْرَاء، أَنا صافحت الْملك ورصدت الْفلك، ومزجت بسر الْحِكْمَة الضياء والحلك، فاحتقرت، وَمَا ملك دَعَوْت، علم الطباع فأطاع [وَقطعت شكوك الهينة بالشكل اقتطاع] وَقلت بِالْقدرِ والاستطاع، وسبقت فِي صناعَة الْبُرْهَان يَوْم الرِّهَان، ورضت صعاب الرياضيات، حَتَّى ذل قيادها، وَسَهل انقيادها، وَعدلت الْكَوَاكِب، واختبرت الْقُلُوب البابانية والمناكب، وبشرت عِنْد رُجُوع خنسها بالغيوث السواكب، ورهبت بالامتحان على صناعَة الألحان، وقرأت مَا بعد الطبيعة، وناظرت قسيس الْبيعَة، وأعملت فِي فن الْأُصُول مرهفة النصول، وأحكمت أمزجة الطباع وطبائع الْفُصُول، وامتزت بالبروع فِي الْفُرُوع [وَقمت فِي الْعَهْد الحَدِيث بِالْحَدِيثِ، وحزت فِي علم اللِّسَان دَرَجَة الْإِحْسَان] وحققت قسْمَة الْفُرُوض، وَعدلت الشّعْر بميزان الْعرُوض، وعبرت حلم النّوم، ولبست الْخِرْقَة بِشُرُوط الْقَوْم، ولزمت خلْوَة الذّكر ومعتكف الصَّوْم. وَأما معرفتي بالأخبار وذرع الأَرْض بالأشبار، مَا بَين جليقية إِلَى الأنبار، وأوصاف المدن الْكِبَار، فقد ثَبت بِالِاعْتِبَارِ.
قَالَ، فأثار قديمي، وأذكرنى بنديمي، فَقلت، الله أكبر، ووضح الْخَبَر
(2/303)

والمخبر، فخضت الْقُدس بيني وَبَينه، وهم بَحر زاخر، وَأول لَيْسَ لَهُ آخر، وبهم يسخر مِنْهُ الساخر، مَا بَين كَبْش مجتر، وَعجل ناخر، وَقلت، أَيهَا الحبر ضالتي قريب أمدها، ومعروف معتمدها، وعَلى ذَلِك فالشكر ممنوح والرفد طوفان نوح، فألان العريكة، وَسلم النطع والأريكة، وَقَالَ إجل أعرض، وَانْزِلْ السُّؤَال وأقرض، فَقلت، بِي إِلَى تعرف الْبلدَانِ جنوح وجنون، وَالْجُنُون فنون، وَقد ظَفرت قبلك بنقاب، وعود احتقاب وبسارب نقاب، حصل بِهِ من طلى الشُّكْر، وَبِك يتم السطر ويعظم الْخطر، فَقَالَ النَّاس مُتَّهم ومنجد، وخاذل ومنجد، وَلَا تجود يَد بِمَا تَجِد، وَالله المرشد، وَجعل ينشد:
(إِذا المشكلات تصدين لي ... كشفت غوامضها بِالنّظرِ)

(وَلست بائقة فِي الرِّجَال ... أسائل هَذَا وَذَا مَا الْخَبَر)

(ولكنني مدرب الأصفرين ... أبين مَعَ مَا مضى مَا غبر)

ثمَّ قَالَ هَات، أَمن عقدك الشُّبُهَات.
قلت مَا تَقول فِي باديس، قَالَ، بدأت بحمدلة الرقعة، وبركة الْبقْعَة، ومدفن الْوَلِيّ، ومظهر النُّور الجلى، والنحر غير العاطل وَلَا الخلي من الحلى، بلد السراوة والشجاعة، والإيثار على فرض الْجَمَاعَة، والنفوس الأوابة إِلَى الله الرجاعة، حَيْثُ الْبر والحوت، والخشب الَّذِي ينشأ مِنْهَا كل منحوت، والبأس والإقدام، والفاكهة الطّيبَة والإدام، وَرب الْجبَال، وَفضل المدافعة لصب السبال، إِلَّا أَنَّهَا موحشة الْخَارِج [وعرة المعارج] مجاورة من غمارة بالمارد المارج، فهم ذُو دَبِيب فِي مدارج تِلْكَ الغرابيب، وكيدهم ببركة الشَّيْخ فِي تثبيت.
قلت فمدينة سبتة، قَالَ، عروس تِلْكَ المجلى، وتنية الصَّباح الأجلى، تبرجت تبرج العقيلة، وَنظرت وَجههَا من الْبَحْر فِي الْمرْآة الصقيلة، واختص
(2/304)

ميزَان حسناتها بِالْأَعْمَالِ الثَّقِيلَة، وَإِذا قَامَت بيض أسوارها [مقَام سوارها] وَكَانَ جبل بنيونس شماتة أزهارها، والمنارة مَنَارَة سوارها، كَيفَ لَا ترغب النُّفُوس فِي جوارها، وتخيم الخواطر بَين أنجادها وأغوارها، إِلَى الميناء الغالية، والمراقي الفلكية، والمركبة الزكية غير المنزورة وَلَا البكية، حَيْثُ الْوقُود الجزل، الْمعد للأزل، والقصور الْمَقْصُورَة، على الْجد والهزل، وَالْوُجُوه الزهر السحن، المضنون بهَا عَن المحن، دَار الناشية والحامية، المضرمة للحرب المناشية، والأسطول المرهوب الْمَحْذُور الألهوب، وَالسِّلَاح الْمَكْتُوب المحسوب، وَالْأَمر الْمَعْرُوف الْمَنْسُوب، كرْسِي الْأُمَرَاء والأشراف، والوسيطة لخامس أقاليم البسيطة، فَلَا حَظّ لَهَا فِي الانحراف، بصرت عُلُوم اللِّسَان، وَصَنْعَاء الْحلَل الحسان، وَثَمَرَة قَوْله، أَن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان، الأمينة على الاختزان، القويمة الميكيال وَالْمِيزَان، محشر أَنْوَاع الْحيتَان، ومحط قوافل الْعصير وَالْحَرِير والكتان، وكفاها السُّكْنَى ببنيونش فِي فُصُول الزَّمَان، وَوُجُود المساكن النبيهة بأرخص الْأَثْمَان، والمدفن الموهوم غير المزحوم، وخزانة كتب الْعُلُوم، والْآثَار المنبية عَن أَصَالَة الحلوم، إِلَّا أَنَّهَا فاغرة أَفْوَاه الْجنُوب للغيث المصبوب، عرضة للرياح ذَات الهبوب، عديمة الْحَرْث، فقيرة من الْحُبُوب، ثغر تنبو فِيهِ الْمضَاجِع بالجنوب، وناهيك من حَسَنَة تعد من الذُّنُوب، فأحوال أَهلهَا رقيقَة، وتكلفهم ظَاهر مهما عرضت وَلِيمَة أَو عقيقة، واقتصادهم لَا تَلْتَبِس مِنْهُ طَريقَة، وأنساب نفقاتهم فِي تَقْدِير الأرزاق عريقة، فهم يمحصون البلالة، مص المحاجم [بِالشَّرِّ الهاجم] [ويجعلون الْخبز فِي الولائم بِعَدَد الجماجم، وفتنتهم فِي بلدهم فتْنَة الواجم بالبشر المناجم] وراعى الْحَدث، بالمطر الساجم، فَلَا يفضلون على مدينتهم
(2/305)

مَدِينَة، الشَّك عِنْدِي فِي مَكَّة وَالْمَدينَة.
قلت فطنجة، قَالَ، الْمَدِينَة المعادية، والبقعة الَّتِي لَيست بالخبيثة وَلَا بالردية، إِلَيْهَا بالأندلس كَانَت نِسْبَة المغاربة، وَالْكتاب الْمُحَاربَة، والرفق السابحة فِي الأَرْض الضاربة. سورها لَيْسَ بمثلوم، وساكنها غير ملوم، وفضلها مَعْلُوم، ودارها لَيست بدار لوم. ميدان أَفْرَاس كَبِير، ومعدن ضد وذكير، مثلت بَين الْمنَار والقالة، وحكماها فِي التَّفْضِيل، فأشكل الحكم وتعذرت الْمقَالة، وَلم يَصح البيع وَلَا وَجَبت الْإِقَالَة، [هذي سَمَاء بروج] وهذي أزهار مروج، وَكِلَاهُمَا مركب سرُور وسروج، [ومسمع فروج] ومطعم غَدِير ومروج. وديارها نبيهة. وعَلى الْجُمْلَة فأحوالها بأحوال جارتها شَبيهَة، لَكِن رملها يحشو الْعين بالذرور عِنْد الْمُرُور، وَيدخل الدّور، وَيفْسد الْقُدُور. ورياحها لَا تسكن إِلَّا فِي الندور، وظلمة جوها متسببة عَمَّا وراها من مغرب الشموس والبدور، وَعين فرقان أعذب عيونها مَشْهُور بتواليد الْهَرج، قُرْآن عِنْد النَّاس غير ذِي عوج. وَيذكر أَن سُلَيْمَان اختصها بسخر مَوَدَّة الْجِنّ، فيعثر على أواني ملئت ريحًا تثير تبريحا، ويسندون [لذَلِك إفكا صَحِيحا] .
قلت فقصر كتامة، فَقَالَ، مغرد عندليب، وعنصر بر وحليب، ومرعى سَائِمَة غَائِبَة [ومسرح بَهِيمَة فِي الْجَحِيم هائمة، ومسقط مزنة عائمة] وديمة دائمة. وَبِه التفاح النفاح، ترتاح إِلَى شمه الْأَرْوَاح، يقذف إِلَيْهَا المسا والصباح، ويتفنن فِيهِ الْحَرَام والمباح، والسمك كَمَا جردت الصفاح، إِذا استنجز الكفاح وَطَرِيقه مَسْلَك الْقَافِلَة، وببابه الشئون الحافلة، ينسل إِلَيْهَا من غمارة، قرود وفهود، وَأمة صَالح وَهود. ذَلِك يَوْم مَجْمُوع لَهُ النَّاس وَذَلِكَ يَوْم مشهود. إِلَّا أَنه قدر قد تهدم، وَدَار الندوة لَام ملدم، ومثير الهائج الموار، وثائر الدَّم،
(2/306)

جثم الهوا الْخَبيث فِي بطيحته وربض، وانبسط وَمَا انقبض، وجبر ليله عَسْكَر البعوض الهاجم، دربة بمص المحاجم. وَأما وحله، فَلَا يعبر وَلَا يسبر، وَإِن أسهبت الْعبارَة وَالْأَمر أكبر. قلت فأصيلا، قَالَ، كَثِيرَة الْمرَافِق، رَافِعَة فِي الخصب اللِّوَاء الخافق، الْعصير الْأَثِير، والحوت الْكثير وَالْبر الغزير، والإدام الَّذِي يَرْمِي بِهِ من حكم عَلَيْهِ بالتعزير، والسفن المترددة، وفيهَا الملد الأبازير. إِلَّا أَن حصنها من المنعة بَرى، وساكنها بربرى، وجارها من غمارة جرى.
قلت فمدينة سلا، قَالَ، العقيلة المفضلة، والبطيحة المخضلة، [وَالْقَاعِدَة الموصلة، والسدرة المفصلة] ذَات الوسامة والنضارة، والجامعة بَين البداوة والحضارة، مَعْدن الْقطن والكنان، والمدرسة والمارستان والزاوية كَأَنَّهَا الْبُسْتَان، والوادي المتعدد الأجفان [والقطر الآمن الرجفان] والعصير الْعَظِيم الشَّأْن، والأسواق المحازة حَتَّى برقيق الْحيتَان. اكتنفها المسرح وَالْخصب الَّذِي لَا يبرح، وَالْبَحْر الَّذِي يأسو ويجرح. وشقها الْوَادي يتمم محاسنها ويشرح، وقابلها الرِّبَاط الَّذِي ظهر بِهِ من الْمَنْصُور الِاغْتِبَاط، حَيْثُ القصبة والساباط، وَوَقع مِنْهُ بنظرة الاعتباط، فاتسع الْخرق، وَعظم الاشتطاط، وَبعد الْكَمَال يكون الانحطاط، إِلَى شامة مرعى الذمم، ونتيجة الهمم، وشمخ الأنوف ذَوَات الشمم، وعنوان الذمم، حَيْثُ الْحَسَنَات المكتتبة، والأرزاق الْمرتبَة، والقباب كالأزهار، مجودة بِذكر الله آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار، وطلل حسان الْمثل فِي الاشتهار. وَهِي على الْجُمْلَة من غَيرهَا أوفق، ومغارمها لاحترام الْمُلُوك الْكِرَام أرْفق،
(2/307)

ومقبرتها المنضدة عجب فِي الانتظام. مَعْدُودَة فِي الْمرَافِق الْعِظَام، وتتأتى بهَا للعباد الْخلْوَة، وَيُوجد عِنْدهَا للهموم الشلوة، كَمَا قَالَ ابْن الْخَطِيب:
(وصلت حثيث السّير فِيمَن فَلَا الفلى ... فَلَا خاطرت لما نأى وانجلى انجلا)

(وَلَا نسخت كربي بقلبي سلوة ... فَلَمَّا سرى فِيهَا نسيم سلا سلى)

وَكفى بالشابل رزقا طريا، وسمكا بالتفضيل حريا، يبرز عدد قطر الديم، وَيُبَاع ببخس الْقيم، ويعم حَتَّى المجاشر النائية والديم. إِلَّا أَن ماءها لَا يرْوى بِهِ وَارِد، لَا كريم وَلَا بَارِد، وإلفها شارد، والخزين بهَا فَاسد، وبعوضها مستأسد راضع غير مفطوم [خَالع للعذار غير محطوم] وَاسع للحد والخرطوم، تصغى لرنته الْأَذَان، ويفتك بوخز اللِّسَان، كالقوس تصمى الرمايا وَهِي مرنان، وديارها فِي المَاء دَار عُثْمَان، وطواحنها عالية الْأَثْمَان، وكثبانها تلوث بيض الثِّيَاب طي العياب، وعابر واديها إِلَى مأرب أكيد فِي تنكيد، إِلَى غَلَبَة الْإِمْسَاك، وخوض النساك، وَكَثْرَة أَرْبَاب الخطط، والإغيا فِي الشطط، تذود عَن جناتها للأسد جنان، فَلَا يلتذ بقطف العنقود مِنْهَا بنان، وَفِي أَهلهَا خفَّة، وميزانها لَا تعتدل مِنْهَا كفة. قلت فانقا، قَالَ، جون الْحَط والاقلاع ومجلب السلاع، تهوى إِلَيْهَا النَّفس شارعة، وتبتدر مسارعة، تصارف برهَا الذَّهَبِيّ بِالذَّهَب الإبريز، وتراوح برهَا وتفاديه بالتبريز.
(يكثر الطير حَيْثُ ينتشر ... الْحبّ وتغشى منَازِل الكرماء)

وخارجها يفضل كل خَارج، وقنيصها يجمع بَين طَائِر ودارج، وفواكهها طيبَة وأمطارها صيبة، وكيلها وافر، وسعرها عَن وَجه الرخَاء سَافر، وميرتها لَا يَنْقَطِع لَهَا خف وَلَا حافر. لَكِن مَاؤُهَا وهواؤها عديما الصِّحَّة، وَالْعرب عَلَيْهَا فِي الْفِتَن ملحة، والأمراض عَلَيْهَا تعيث وتعبث، والخزين لَا يلبث.
(2/308)

قلت فأزمور، قَالَ جَار وَاد وريف، وعروس ربيع وخريف، وَذُو وضع شرِيف، أطلت على واديه المنارة والمراقب، كَأَنَّهُمَا النُّجُوم الثواقب، وجلت عَن خصبه المناقب، وقمين الْمرَافِق نهره المجاور وبحره المصاقب، بلد يخزن الأقوات، ويملأ اللهوات، بَاطِنه الْخَيْر، وأمامه اللَّحْم وَالطير، وساكنه رفيه، ولباسه يتَّخذ فِيهِ، ومسكنه نبيه، وصوته الشابل لَيْسَ لَهُ شَبيه، لَكِن أَهله إِنَّمَا حرثهم وحصادهم اقتصادهم، فَلَا يعْرفُونَ إرضاخا وَلَا وردا نضاحا، يترامون على حَبَّة الْخَرْدَل بالجندل، ويتضاربون بِالسُّيُوفِ على الْأَثْمَان والزيوف، بربري لسانهم، كثير حسانهم، قَلِيل إحسانهم، يكثر بَينهم بِالْعرضِ الافتخار، ويعدم ببلدهم المَاء وَالْملح والفخار.
قلت فتيط، قَالَ، مَعْدن تَقْصِير، وبلد بَين مجْرى وَمَاء وعصير، للأولياء بِهِ اغتباط، ومسجدها يضيق عَنهُ المداين، منارا عَالِيا، وبقلادة الْأَحْكَام حاليا. إِلَّا أَن خَارِجهَا يروق عين الْمُقِيم وَالْمُسَافر، وَلَا يشوق بِحسن مُسَافر، ومؤمنة تشقى بصداع كَافِر، وحماه عَدو كل خف وحافر، فلولا ساكنها، لم يلبس يَوْم فَخر وَلم ينْبت أَي صَخْر.
قلت فرباط آسفي، قَالَ، لطف خَفِي، وجناب حفي، ووعد وَفِي، وَدين ظَاهره مالكي، وباطنه حَنَفِيّ. الدماثة وَالْجمال، وَالصَّبْر وَالِاحْتِمَال، والزهد وَالْمَال وَالْجمال [والسذاجة والجلال] قَليلَة الإخوان، صابرة على الاختزان، وافية الْمِكْيَال وَالْمِيزَان، رَافِعَة اللِّوَاء بِصِحَّة الْهَوَاء، بلد مَوْصُوف برفيع ثِيَاب الصُّوف، وَبِه تربة الشَّيْخ أبي مُحَمَّد صَالح، وَهُوَ خَاتِمَة المراحل المسورات من ذَلِك السَّاحِل. لَكِن مَاؤُهُ قَلِيل، وعزيره لغاديه من يواليه من الْأَعْرَاب ذليل.
قلت فمدينة مراكش، قَالَ فتنفس الصعدا، وأسمع البعدا، وَقَالَ درج
(2/309)

الحلى، وبرج النُّور الْجَلِيّ، وتربة الْوَلِيّ، وحضرة الْملك الأولى، وَصرح النَّاصِر الْوَلِيّ، ذَات المقاصر والقصور، وغابة الْأسد الهصور وسدة النَّاصِر والمنصور، بَعدت من المركز دارتها، وسحرت الْعُيُون شارتها، وَتعبد الإيماءة إشارتها، وخاضت الْبَحْر الخضم بدارتها وبشارتها. اقتعدت الْبَسِيط المديد، واستظهرت بتشييد الأسوار وأبراج الْحَدِيد، وَبكى الْجَبَل من خشيتها بعيون الْعُيُون، فسالت المذانب كصفاح القيول، وقيدت طرف النَّاظر الْمفْتُون أدواح الشّجر بهَا وغابات الزَّيْتُون. مَا شِئْت من انفساح السكَك، وامتداد الباع فِي ميدان الانطباع، وتجويد فنون المجون بِالْمدِّ والإشباع، زيتها للمزمن يعصر، وَخَيرهَا يمد وَلَا يقصر، وفواكهها لَا تحصر. فَإِذا تنافس الْحر وَالْبرد وَتَبَسم الزهر، وخجل الْورْد، وكسا غدرانها الحائرة الْخلق السرد، قلت انجز لِلْمُتقين من الْجنَّة الْوَعْد، وساعد السعد، وَمَا قلت إِلَّا بِالَّذِي عملت سعد. ومنارها الْعلم فِي الفلاة، ومنزلته فِي المآذن منزلَة والى الْوُلَاة. إِلَّا أَن هَواهَا مُحكم فِي الجباه والجنوب يحمى عَلَيْهَا بكر الْجنُوب، وحمياتها كلفة بالجسوم، طالبة ديونها بالرسوم، وعقاربها كَثِيرَة الدبيب، منغصة مضاجع الحبيب، وحزابها موحش هائل، وَبعد الأخطار عَن كثير من الأوطار بهَا مائل، وعدوها ينتهب فِي الفتق أقرانها، وجرذان الْمَقَابِر تَأْكُل أمواتها وَكَانَت أولى الْمنَازل بالأعياد، لَو أَنَّهَا الْيَوْم مَعْدُودَة فِي الْأَحْيَاء.
قلت فأغمات، قَالَ، بَلْدَة لحسنها اشتهار، وجنة تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار، وشمامة تتضوع مِنْهَا الأزهار، مُتعَدِّدَة الْبَسَاتِين، طامية بحار الزياتين، كَثِيرَة الْفَوَاكِه وَالْعِنَب والتين، خَارِجهَا فسيح المذانب فِيهِ تميح، وهواؤها صَحِيح، وقبولها بالغريب شحيح، وماؤها نمير، وَمَا وردهَا ممد للبلاد وممير. إِلَّا أَن أَهلهَا
(2/310)

يوصفون بنوك وَذُهُول، بَين شُبَّان كهول، وخرابها يهول، وعدوها تضيق لكثرته السهول، فأموالها لعدم المنعة فِي غير ضَمَان، ونفوسها لَا تعرف طعم أَمَان.
قلت: فمدينة مكناسة، قَالَ، مَدِينَة أَصْلِيَّة، وَشعب للمحاسن وفصيلة، فَضلهَا الله ورعاها، وَأخرج مِنْهَا ماءها ومرعاها، فجانبها مريع، وَخَيرهَا سريع، ووضعها لَهُ فِي فقه الْفَضَائِل تَفْرِيع، عدل فِيهَا الزَّمَان، وانسدل الْأمان، وفاقت الْفَوَاكِه فواكهها، وَلَا سِيمَا الرُّمَّان، وَحفظ أقواتها الاختزان، ولطفت فِيهَا الْأَوَانِي والكيزان، واعتدل الجسوم للوزان، ودنا من الحضرة جوارها، وَكثر قصادها من الوزراء وزوارها، وَبهَا الْمدَارِس وَالْفُقَهَاء، ولقصبتها الأبهة والبهاء، والمقاصر والأبهاء. إِلَّا أَن طينها ضحضاح، لذِي الطّرف فِيهِ افتضاح، وأزقتها لَا يفارقها القذر، وأسواقها يكثر بهَا الهذر، وعقاربها لَا تبقي وَلَا تذر، ومقبرتها لَا يحْتَج عَن إهمالها وَلَا يعْتَذر.
قلت، فمدينة فاس، قَالَ: رعى الله أَرضًا تربها ينْبت الفنا، وآفاقها ظلّ على النَّاس مَمْدُود، نعم العرين لأسود بني مرين، وَدَار الْعِبَادَة الَّتِي يشْهد بهَا مطرح الْجنَّة، وَمَسْجِد الصابرين، وَأم الْقرى، [ومأم السرى] وموقد نَار الدعا، ونارء القرا، ومقر الْعِزّ الَّذِي لَا يهضم، وكرسي الْخلَافَة الْأَعْظَم، والجزية الَّتِي شقها ثعبان الْوَادي، فَمَا ارتاعت، والأبية الَّتِي مَا أذعنت إذعانها للإيالة المرينية وَلَا أطاعت أَي كَاف وكلف، وَخلف عَن سلف، ومحاباة وزلف، وقضيم وعلف، إِنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دلف. سَأَلت عَن الْعَالم الثَّانِي، ومحراب السَّبع المثاني، وَمُغْنِي المغاني، ويرقص النادب والغاني، وأرمم المباني، ومصلى القاصي والداني، هِيَ الْحَشْر الأول، والقطب الَّذِي عَلَيْهِ الْمعول، وَالْكتاب الَّذِي لَا يتَأَوَّل، بل المدارك والمدارس، والمشايخ والفهارس، وديوان الراجل والفارس، وَالْبَاب الْجَامِع من موطإ الْمرَافِق،
(2/311)

وَبَدَأَ الْملك الخافق، وتنور المَاء الدافق، ومحشر الْمُؤمن وَالْمُنَافِق [وسوق الكاسد والنافق] حَيْثُ الْبَنَّا الَّذِي نظر إِلَيْهَا عُطَارِد واستجفاها، وَخَافَ عَلَيْهَا الْوُجُود أَن يُصِيبهَا بِعَيْنِه الحسود فسترها بالغور وأخفاها، والأسواق الَّتِي ثَمَرَات كل شَيْء إِلَيْهَا قد حبيت، والموارد الَّتِي اخْتصّت بالخصر وجبلت، والمنارة المخطوبة، وصفح الحلج المشطوبة والغدر الَّتِي مِنْهَا أَبُو طوبة.
(بلد أعارته الْحَمَامَة طوقها ... وكسا ريش جنَاحه الطاووس)

(فَكَأَنَّمَا الْأَنْهَار فِيهِ مدامة ... وَكَأن ساحات الديار كؤوس)

اجْتمع بهَا مَا أولده سَام وَحَام، وَعظم الالتآم والالتحام، فَلَا يعْدم فِي مساكنها رُخَام، فأحجارها طاحنة [ومخابزها ساخنة] وألسنتها باللغات الْمُخْتَلفَة لاحنة، ومكاتبها سابحة، ورحابها متمالحة، وأوقافها جَارِيَة، الهمم فِيهَا إِلَى الْحَسَنَات واضدادها متبارية. بلد نِكَاح وَأكل، وَضرب وركل، وامتياز من النسا بِحسن زِيّ وشكل، ينتبه بهَا للباءة، وتسل الجباه، وتوجد للأزواج الْأَشْبَاه وفور النشب، وَكَثْرَة الْخشب وَوُجُود الرفيق، وَطيب الدَّقِيق، وَإِمْكَان الإدام، وتعدد الخدام، وَعمْرَان الْمَسَاجِد والجوامع، وإدامة ذكر الله فِي المآذن والصوامع.
وَأما مَدِينَة الْملك فبيضاء كالصباح، أفق للغرر الصَّباح، يحتقر لإيوانها إبوان كسْرَى، وَترجع الْعين حسرى، ومقاعد الحرس، وملاعب اللَّيْث المفترس، ومنابت الرّوح المفترس، [ومدشر من درس أَو درس، ومجالس الحكم للفصل] وسقايف الترس، والنصل، وأهداف الناشبة أولى الخصل وأواوين الْكتاب، وخزاين محمولات الإقتاب، وكراسي الْحجاب، وعنصر الْأَمر العجاب، إِلَى
(2/312)

الناعورة الَّتِي ملكت من الْفلك الدوار مِثَالا، وَأوحى المَاء إِلَى كل سَمَاء مِنْهَا أمرهَا، فأجزت امتثالا، ومحبة البرود سلسالا، وألفت أكوارها الترفة والترف، فَإِذا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كسَالَى:
(وقورا من قَوس الْغَمَام ابْتَغوا لَهَا ... مِثَالا أداروها عَلَيْهِ بِلَا شكّ)

(قس الثريا والترا سد جرمها ... وللباك الدوار قد أَصبَحت تحك)

(تصوغ لجين النَّهر فِي الرَّوْض دَائِما ... وزاهم نور قد خلص من الشَّك)

(وَترسل شهباتها ذَا ذؤابة ... تبتغي استراق السّمع عَن حوزة الْملك)

(تذكرت الْعَهْد الَّذِي اخترعت بِهِ ... وحنت فَمَا تنفك ساجعة تبك)

إِلَّا أَن حر هَذِه الميدنة يذيب، وساكنها ذيب، ومسالكها وعرة، وظهايرها مستعرة وطينها هايل، ورخامها حَرْب وابل، إِن نَشد الجفا نَاشد، فَهِيَ ضالته المنشودة، أَو حشد إِضَافَة حاشد، فَهِيَ كتيبته المحشودة، إِلَى بعد الأقطار، وعياث الميازب أَوْقَات الأمطار، والاشتراك فِي المساكن والديار، عَن الْمُوَافقَة. وَالِاخْتِيَار، وتجهم الْوُجُوه للغريب ذِي الطّرف الْمُرِيب، وغفلة الأملس عَن الجريب، ودبيب العقارب إرْسَالًا كالقطار الغارب. وَأَهْلهَا يرَوْنَ لأَنْفُسِهِمْ مزية الْفضل، ويدينون فِي مُكَافَأَة الصَّنَائِع الْبَالِغَة بالعضل، يلقى الرجل أَبَا منواه فَلَا يَدعُوهُ لبيته، وَلَا يسمح لَهُ ببقله وَلَا زيته، فَلَا يطْرق الطيف حماهم، وَلَا يعرف اسمهم وَلَا مسامهم، إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات، وَقَلِيل مَا هم، ومقبرتهم غير نابهة، وأجداثها غير متشابهة، منشبة حَيَوَان ومشبعة جرذان غير وان.
ثمَّ قَالَ فِي أَمر سلوين، قَالَ وَاد عَجِيب، وبلد لداعي الإيناع مُجيب، مخضر الوهاد والمتون، كثير شجرات الْجَوْز وَالزَّيْتُون، كنفته الْجبَال الشم، وَحنث عَلَيْهِ الطود كَمَا تحنو على الْوَلَد الْأُم، فهواؤها ملائم، وَالْعِنَب على الْفُصُول دَائِم،
(2/313)

إِلَّا أَن الشَّمْس لَا تطرقه سمال، وَلَا ترمقه إِلَّا وَقت زَوَال، قد بَاء بالحظ الموكوس، وانكمش تَحت إبط الظل المنكوس، فجوه عديم الطلاوة، وعنبه للبرد قَلِيل الْحَلَاوَة.
قلت فسجلماسة، فَقَالَ تِلْكَ كورة. وَقَاعِدَة مَذْكُورَة، ومدينة محمودة مشكورة، كَانَت ذَات تَقْدِيم، وَدَار ملك قديم، وبلد تبر وأديم، ومنتهى تجر ومكسب عديم، مَعْدن التَّمْر، بحكمة صَاحب الْخلق وَالْأَمر، تَتَعَدَّد أَنْوَاعه، فتعيي الْحساب، وتجم بهَا فوائدها، فتحسب الاقتناء والاكتساب، قد اسْتَدَارَ بهَا لحلو السُّور وَالْأَمر العجاب، والقطر الَّذِي تحار فِي ساحته النجاب، فَيضْرب مِنْهُ على عذاريها الْحجاب، بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهره من قبله الْعَذَاب، تحيط بهَا مرحلة رَاكب، ويصيرها سَمَاء مخطرة ذَات كواكب، فمنازلها لَا تنَال بهوان، وفدانها ودمنها تَحت صوان، ونخلها تطل من خَلفه الْجِدَار، وتتبوأ الْإِيمَان والديار، وحللها مبتوتة بَين الدمن، وضياعها تمتلك على مر الزَّمن، وسوائمها تالعة للسمن، مَوْجُودَة بنزر الثّمن، وفواكهها جميمة، ونعمها عميمة، وسورها يعجز عَن مثله معتصم ورشيد، وسقيها يخص دَار الْملك بحظ مَعْلُوم، وَيرجع إِلَى وَال يكف كل مظلوم. وَهِي أم الْبِلَاد الْمُجَاورَة لحدود السودَان فتقصدها بالتبر القوافل، وتهدي إِلَى مِحْرَابهَا النَّوَافِل، والرفاهة بهَا فَاشِية، وَالنِّسَاء فِي الْحلَّة ناشية. لَكِنَّهَا معركة غُبَار، وقتيل عقربها جَبَّار، ولباسها خامل، والجفا بهَا شَامِل، والجو يسفر عَن الْوَجْه القطوب، والمطر مَعْدُود من الخطوب، لبِنَاء جدرانها بالطوب، والقرع برؤوس أَهلهَا عابث، والعمش لجفونهم لابث، والحصا يصيبهم، ويتوفر مِنْهُ نصِيبهم.
(2/314)

قلت فتازى، فَقَالَ، بلد امْتنَاع، وكشف قناع، وَمحل ربع وإيناع، ووطن طَابَ مَاؤُهُ، وَصَحَّ هواؤه، وَبَان إشرافه واعتلاؤه، وجلت فِيهِ مواهب الله وآلاؤه، عصيره مثل، وَأمر الخصب بِهِ ممتثل، وفواكهه لَا تحصى بِمَائِهَا لأقصى، وحبوبه تدوم على الخزن، وفخاره آيَة فِي لطافة الجرم وخفة الْوَزْن، إِلَّا أَن رِيحه عاصف، وبرده لَا يصف واصف، وَأَهله فِي وبال من معرة أهل الْجبَال، وليوثه مفترسة، وأخلاق أَهله شرسة.
قلت فغساسة، قَالَ فريسة وأكيلة، وحشف وَشر كيلة، إِلَّا أَنَّهَا مرسى مطروق بِكُل مَا يروق، ومرفأ جَارِيَة بحريّة، ومحط جباية تجرية.
ثمَّ لما وصل إِلَى هَذَا الْحَد، نظر إِلَى حَاج السُّوق، وَقد أَفَاضَ، ومزاده أعمل فِيهِ الإنفاض، وعلو الْأَصْوَات بِهِ قد صَار إِلَى الانخفاض. فَقَالَ، وَجب اعتناء بالرحيل واهتمام، وكل شَيْء فَإلَى تَمام، ومددت يَدي إِلَى الدُّعَاء فحزمته، وَإِلَى الْعين فأرقته، فَقلت لَا حكمتك من كرائم بني الأصقر فِي الْعدَد الأوفر، ماثلة فِي اللبَاس المزعفر، فَلَمَّا خضب كَفه بجنابها، وحصلت النَّفس على استغنائها، استدناني، وَشَبك بنانه ببناني، وَقَالَ لَا حَبط الله عَمَلك، وَلَا خَابَ أملك، وَلَا عدم المرعى الخصب هملك، فلنعم فعلي البضائع، وحافظ الْفضل الضائع ومقتنى الْفَوَائِد، ومعود العوائد. واستثبت مخيلته فَإِذا الشَّيْخ وتلميذه، وَحِمَاره ونبيذه، وَقد تنكر بالخضاب المموه، والزي المنوه، وعاث نخده الشّعْر المشوه. فَقلت هيه، أَبَت المعارف أَن تتنكر، والصباح أَن يجْحَد أَو يُنكر، كَيفَ الْحَال بعدِي، وَمَا اعتذارك عَن إخلاف وعدي، فَقَالَ:
(خُذ من زَمَانك مَا تيَسّر ... واترك بجهدك مَا تعسر)

(فلرب مُجمل حَالَة ... موصى بهَا مَا لم تفسر)

(والدهر لَيْسَ بدائم ... لابد أَن سيسوء أَن سر)
(2/315)

(واكتم حَدِيثك جاهدا ... شمت الْمُحدث أَو تحسر)

(وَالنَّاس آنِية الزّجاج ... إِذا عثرت بِهِ تكسر)

(لَا تعدم التَّقْوَى فَمن عدم ... التقى فِي النَّاس أعْسر)

(وَإِذا امرء خسر الْإِلَه ... فَلَيْسَ شَيْء مِنْهُ أخسر)

[ثمَّ ضرب جنب الْحمار، وَاخْتَلَطَ فِي الغمار، وَتَرَكَنِي اتقرى الْآثَار، وكل نظم فَإلَى انتثار] .
وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي السياسة وَكَانَ إملاؤها فِي لَيْلَة وَاحِدَة

حدث من امتاز بِاعْتِبَار الْأَخْبَار، وَحَازَ دَرَجَة الاشتهار، بِنَقْل حوادث اللَّيْل وَالنَّهَار، وولج بَين الكمائم والأزهار، وتلطف لخجل الْورْد من تَبَسم البهار.
(2/316)

قَالَ، سهر الرشيد لَيْلَة، وَقد مَال فِي هجر النَّبِيذ مَيْلَة، وَجهد ندماؤه فِي جلب رَاحَته، وإلمام النّوم بساحته، فشحت عهادهم، وَلم يغن اجتهادهم. فَقَالَ، اذْهَبُوا إِلَى طرق سَمَّاهَا ورسمها، وَأُمَّهَات قسمهَا، فَمن عثرتم عَلَيْهِ من طَارق ليل، أَو غثاء سيل، أَو ساحب ذيل، فبلغوه، والأمنة سوغوه، واستدعوه، وَلَا تَدعُوهُ. فطاروا عجالا، وَتَفَرَّقُوا ركبانا ورجالا، فَلم يكن إِلَّا ارتداد طرف، أَو فوَاق حرف، وَأتوا بِالْغَنِيمَةِ الَّتِي اكتسحوها، والبضاعة الَّتِي ربحوها، يتوسطهم الْأَشْعَث الأغبر، واللج الَّذِي لَا يعير، شيخ طَوِيل الْقَامَة، ظَاهر الاسْتقَامَة، سبلته مشمطة، وعَلى أَنفه من الْقبْح مطة، وَعَلِيهِ ثوب مرقوع، لطير الْخرق عَلَيْهِ وُقُوع، يهينم بِذكر مسموع، وينبي عَن وَقت مَجْمُوع. فَلَمَّا مثل سلم، وَمَا نبس بعْدهَا وَلَا تكلم. فَأَشَارَ إِلَيْهِ فَقعدَ، بعد أَن انشمر وابتعد، وَجلسَ، فَمَا اسْترق النّظر وَلَا اختلس، إِنَّمَا حَرَكَة فكره، معقودة بزمام ذكره، ولحظات اعْتِبَاره، فِي تفاصيل أخباره. فَابْتَدَرَهُ الرشيد سَائِلًا، وانحرف إِلَيْهِ مائلا، وَقَالَ مِمَّن الرجل، فَقَالَ فَارسي الأَصْل، أعجمي الْجِنْس، عَرَبِيّ الْفَصْل. قَالَ بلدك، وَأهْلك وولدك. قَالَ أما الْوَلَد، فولد الدِّيوَان، وَأما الْبَلَد، فمدينة الإيوان. قَالَ النحلة وَمَا أعملت إِلَيْهِ الرحلة، قَالَ [أما الرحلة فالاعتبار، وَأما النحلة فالأمور الْكِبَار] قَالَ، فنك، الَّذِي اشْتَمَل علية دنك، فَقَالَ، الْحِكْمَة فني الَّذِي جعلته أثيرا، وأضجعت مِنْهُ فراشا وثيرا، وَسُبْحَان الَّذِي يَقُول. وَمن يُؤْت الْحِكْمَة، فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا، وَمَا سوى ذَلِك فتبيع، ولي فِيهِ مصطاف وتربيع. قَالَ فتعاضد جذل الرشيد وتوفر، وكأنما غشى وَجهه قِطْعَة
(2/317)

من الصُّبْح إِذا أَسْفر، وَقَالَ، مَا رَأَيْت كالليلة أجمع لأمل شارد، وأنعم بمؤانسة وَارِد. يَا هَذَا إِنِّي سَائِلك، وَلنْ تخيب بعد وسائلك، فَأَخْبرنِي بِمَا عنْدك فِي هَذَا الْأَمر الَّذِي بلينا بِحمْل أعبائه، ومنينا بمراوضة آبَائِهِ. فَقَالَ هَذَا الْأَمر قلادة ثَقيلَة، وَمن خطة الْعَجز مستقيلة، ومفتقرة لسعة الذرع، وربط السياسة المدنية بِالشَّرْعِ، يُفْسِدهَا الْحلم فِي غير مَحَله، [وَيكون ذَرِيعَة إِلَى حلّه] ويصلحها مُقَابلَة الشكل بشكله:
(وَمن لم يكن سبعا آكلا ... تداعت سِبَاع إِلَى أكله)

فَقَالَ الْملك، أجملت ففصل، وبريت فنصل، [وكلت فأوصل] وانثر الْحبّ لمن يحوصل، واقسم السياسة فنونا، وَاجعَل لكل لقب قانونا، وابدأ بالرعية، وشروطها المرعية. فَقَالَ: رعيتك ودائع الله قبلك، ومرآة الْعدْل الَّذِي عَلَيْهِ جبلك، وَلَا تصل إِلَى ضبطهم [إِلَّا بإعانته] الَّتِي وهب لَك. وَأفضل مَا استدعيت بِهِ عونك فيهم، وكفايته الَّتِي تكفيهم، تَقْوِيم نَفسك عِنْد قصد تقويمهم، ورضاك بالسهر لتنويمهم، [وحراسة كهلهم ورضيعهم، والترفع عَن تضيعهم] ، وَأخذ كل طبقَة بِمَا عَلَيْهَا، وَمَالهَا، أخذا يحوط مَالهَا، ويحفظ عَلَيْهَا كمالها، وبقصر عَن غير الْوَاجِب آمالها، حَتَّى تستشعر عَلَيْهَا رأفتك وحنانك، وتعرف أوساطها فِي [النصب امتنانك] وتحذر سفلتها سنانك، وحظر على كل طبقَة مِنْهَا، أَن تتعدى طورها، أَو تخَالف دورها، أَو تجَاوز بِأَمْر طَاعَتك فورها. وسد فِيهَا سبل الذريعة، واقصر جَمِيعهَا على خدمَة الْملك بِمُوجب الشَّرِيعَة،
(2/318)

وامنع أغنياءها من البطر والبطالة، وَالنَّظَر فِي شُبُهَات الدّين بالتمشدق والإطالة، وَليقل فِيمَا شجر بَين السّلف كَلَامهَا، وترفض مَا ينبز بِهِ أعلامها، فَإِن ذَلِك يسْقط الْحُقُوق، ويرتب العقوق. وامنعهم من فحش الْحِرْص والشره، وتعاهدهم بالمواعظ الَّتِي تجلوا البصائر من الموه، واحملهم من الِاجْتِهَاد فِي الْعِمَارَة على أحسن الْمذَاهب، وانههم عَن التحاسد على الْمَوَاهِب، ورضهم على الْإِنْفَاق بِقدر الْحَال، والتعزى عَن الْفَائِت، فَرده من الْمحَال. وحذر الْبُخْل على أهل الْيَسَار، والسخاء على أولى الْإِعْسَار. وخذهم من الشَّرِيعَة بالواضح الظَّاهِر، وامنعهم من تَأْوِيلهَا منع القاهر. وَلَا تطلق لَهُم التجمع على من أَنْكَرُوا أمره فِي نواديهم، وكف عَنْهُم أكف تعديهم. وَلَا تبح لَهُم تَغْيِير مَا كرهوه بِأَيْدِيهِم. ولتكن غايتهم فِيمَا تَوَجَّهت إِلَيْهِ إبايتهم، وَنَكَصت عَن الْمُوَافقَة عَلَيْهِ رايتهم، انهاؤه إِلَى من وكلته بمصالحهم من ثقاتك، المحافظين على أوقاتك. وَقدم مِنْهُم من أمنت عَلَيْهِم مكره، وحمدت على الْإِنْصَاف شكره، وَمن كثر حياؤه مَعَ التأنيب، وقابل الهفوة باستقالة الْمُنِيب، وَمن لَا يتخطى عنْدك مَحَله الَّذِي حلّه، فَرُبمَا عمد إِلَى المبرم فَحله. وَحسن النِّيَّة لَهُم بِجهْد الِاسْتِطَاعَة، واغتفر المكاره فِي جنب حسن الطَّاعَة. وَإِن ثار جرادهم وَاخْتلف فِي طَاعَتك مُرَادهم، فتحصن لثورتهم، واثبت لفورتهم فَإِذا سَأَلُوا وسلوا، وَتَفَرَّقُوا وانسلوا، فاحتقر كثرتهم، وَلَا تقل عثرتهم] واجعلهم لما بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم نكالا، وَلَا تتْرك لَهُم على حلمك اتكالا.
(2/319)

ثمَّ قَالَ: والوزير الصَّالح أفضل عددك، وأوصل مددك [فَهُوَ الَّذِي] يصونك عَن الابتذال، ومباشرة الأنذال، ويثب لَك على الفرصة، وينوب فِي تجرع الغصة، واستجلاء الْقِصَّة، ويستحضر مَا نَسِيته من أمورك، ويغلب فِيهِ الرَّأْي بموافقة مأمورك، وَلَا يَسعهُ مَا تمكنك الْمُسَامحَة فِيهِ، حَتَّى يَسْتَوْفِيه. وَاحْذَرْ مصادمة تياره، والتجوز فِي اخْتِيَاره، وَقدم استخارة الله فِي إيثاره، وارسل عُيُون الملاحظة فِي آثاره، وَليكن مَعْرُوف الْإِخْلَاص لدولتك، مَعْقُود الرضاء وَالْغَضَب برضاك وصولتك، زاهدا عَمَّا فِي يَديك، مؤثرا كل مَا يزلف لديك، بعيد الهمة، رَاعيا للأذمة، كَامِل الْآلَة محيطا بالإيالة، رحب الصَّدْر، رفيع الْقدر، مَعْرُوف الْبَيْت، نبيه الْحَيّ وَالْمَيِّت، مؤثرا للعدل والإصلاح، دربا بِحمْل السِّلَاح، ذَا خبْرَة بدخل المملكة وخرجها، وظهرها وسرجها، صَحِيح العقد، متحرزا من النَّقْد، جادا عِنْد لهوك، متيقظا فِي حَال سهوك، يلين عِنْد غضبك، ويصل الإسهاب بمقتضبك، قلقا من شكره دُونك وحمده، ناسبا لَك الْأَصَالَة بعمده. وَإِن أعيا عَلَيْك وجود أَكثر هَذِه الْخلال، وَسبق إِلَى نقيضها شَيْء من الاختلال، فاطلب مِنْهُ سُكُون النَّفس وهدوئها، وَأَن لَا يرى مِنْك رُتْبَة إِلَّا رأى قدره دونهَا. وتقوى الله تفضل شرف الانتساب، وَهِي للفضائل فذلكة الْحساب، وساو فِي حفظ غيبه بَين قربه ونأيه، وَاجعَل حَظه من نِعْمَتك موازيا لحظك من حسن رَأْيه، واجتنب مِنْهُم من يرى فِي نَفسه إِلَى الْملك سَبِيلا، أَو يَقُود من عيصه للاستظهار عَلَيْك قبيلا، أَو من كاثر مَالك مَاله، أَو من تقدم لعدوك اسْتِعْمَاله، أَو من سمت لسواك آماله، أَو من يعظم عَلَيْهِ إِعْرَاض
(2/320)

وَجهك، ويهمه نادرة نهجك، أَو من يداخل غير أحبابك، أَو من ينافس أحدا ببابك.
(وَأما الْجند) فاصرف التَّقْوِيم مِنْهُم للمقاتلة والمكايدة المخاتلة، وَاسْتَوْفِ عَلَيْهِم شَرَائِط الْخدمَة، وخذهم بالثبات للصدمة، ووف مَا أوجبت لَهُم من الجراية وَالنعْمَة، وتعاهدهم عِنْد الْغناء بالعلف والطعمة، وَلَا تكرم مِنْهُم إِلَّا من أكْرمه غناؤه، وطاب فِي الذب عَن ملتك ثَنَاؤُهُ، وَدلّ عَلَيْهِم النبهاء من خيارهم، واجتهد فِي صرفهم عَن الافتنان بأهلهم وديارهم، وَلَا توطئهم الدعة مهادا، وَقَدَّمَهُمْ على حفظك وبعوثك مَتى أردْت جهادا، وَلَا تلن لَهُم فِي الإغماض عَن حسن طَاعَتك قيادا، وعودهم حسن الْمُوَاسَاة بِأَنْفسِهِم اعتيادا، وَلَا تسمح لأحد مِنْهُم فِي إغفال شَيْء من سلَاح استظهاره، أَو عدَّة اشتهاره، وَليكن مَا فضل عَن شبعهم وريهم مصروفا إِلَى سِلَاحهمْ، وزيهم، والتزيد فِي مراكبهم وغلمانهم، من غير اعْتِبَار لأثمانهم، وامنعهم من المستغلات والمتاجر، وَمَا يتكسب مِنْهُ غير المشاجر، وَليكن من الْغَزْو اكتسابهم، وعَلى الْمَغَانِم حسابهم، كالجوارح الَّتِي تفْسد باعتيادها، أَن تطعم من غير اصطيادها. وَاعْلَم أَنَّهَا لَا تبذل نفوسها من عَالم الْإِنْسَان، إِلَّا لمن يملك قلوبها بِالْإِحْسَانِ، وَفضل اللِّسَان، وَيملك حركاتها بالتقويم، ورتبها بالميزان القويم، وَمن تثق بإشفاقها على أَوْلَادهَا، وتشتري رضَا الله
(2/321)

بصبرها على طَاعَته وجلادها. فَإِذا استشعرت لَهَا هَذِه الْخلال، تقدمتك إِلَى مَوَاقِف التّلف، مطيعة دواعي الكلف، واثقة مِنْك بِحسن الْخلف، واستبق إِلَى تمييزهم استباقا، وطبقهم طباقا، أَعْلَاهَا من تَأَمَّلت مِنْهُ فِي الْمُحَاربَة عَنْك إحظارا، وأبعدهم فِي مرضاتك مطارا، واضبطهم لما تَحت يدك من رجالك حزما ووقارا، واستهانة بالعظايم واحتقارا، وَأَحْسَنهمْ لمن تقلده أَمرك من الرّعية جوارا، إِذا أَجدت اخْتِيَارا، وأشدهم على مماطلة من مارسه من الْخَوَارِج عَلَيْك اصطبارا، وَمن بلَى فِي الذب عَنْك إحلاء وإمرارا، ولحقه الضّر فِي معارك الدفاع عَنْك مرَارًا. وَبعده من كَانَت محبته لَك أَكثر من نجدته، وموقع رَأْيه أصدق من موقع صعدته، وَبعده من حسن انقياده لأمرائك وإحماده لآرائك، وَمن جعل نَفسه من الْأَمر حَيْثُ جعلته، وَكَانَ صبره على مَا عراه أَكثر من اعتداده بِمَا فعله. [وَاحْذَرْ مِنْهُم من كَانَ عِنْد نَفسه أكبر من موقعه فِي الِانْتِفَاع، وَلم يستح من التزيد بأضعاف مَا بذله من الدفاع، وشكى البخس] فِيمَا تعذر عَلَيْهِ من فوائدك، وقاس بَين عوائد عَدوك وعوائدك، وتوعد بانتقاله عَنْك وارتحاله، وَأظْهر الْكَرَاهِيَة لحاله.
(وَأما الْعمَّال) فانهم يبينون عَن مذهبك، وحالهم فِي الْغَالِب شَدِيدَة الشّبَه بك، فعرفهم فِي أمانتك السَّعَادَة، وألزمهم فِي رعيتك الْعَادة، وأنزلهم من كرامتك بِحَسب مَنَازِلهمْ فِي والإتصاف بِالْعَدْلِ، وأحله من الحفاية،
(2/322)

بِنِسْبَة مَرَاتِبهمْ من الْأَمَانَة والكفاية، وقفهم عِنْد تَقْلِيد الأرجاء مَوَاقِف الْخَوْف والرجاء، وَقرر فِي نُفُوسهم أَن أعظم مَا بِهِ إِلَيْك تقربُوا، وَفِيه تدربوا، وَفِي سَبيله أعجموا وأعربوا، إِقَامَة حق، ودحض بَاطِل، حَتَّى لَا يشكو غَرِيم مطل ماطل، وَهُوَ آثر لديك من كل ربَاب هاطل. وكفهم من الرزق الْمُوَافق عَن التصدي لدني الْمرَافِق. واصطنع مِنْهُم من تيسرت كلفته، وقويت للرعايا ألفته، وَمن زَاد على تأميله صبره، وأربى على خَبره خَبره، وَكَانَت رغبته فِي حسن الذّكر، تشف على غَيرهَا من بَنَات الْفِكر. واجتنب مِنْهُم من غلب عَلَيْهِ التخرق فِي الْإِنْفَاق، وَعدم الإشفاق، والتنافس فِي الِاكْتِسَاب، وَسَهل عَلَيْهِ سوء الْحساب، وَكَانَت ذريعته المصانعة بالنفاية، دون التَّقَصِّي والكفاية، وَمن كَانَ منشؤه خاملا، ولأعباء الدناءة حَامِلا، وابغ من يكون الِاعْتِذَار فِي أَعماله، أوضح من الِاعْتِذَار فِي أَقْوَاله، وَلَا يفتننك من قلدته اجتلاب الْحَظ المطمع، [والتنفق بالسعي المسمع] وَمُخَالفَة السّنَن المرعية [واتباعه رضاك بسخط الرّعية] ، فانه قد غشك من حَيْثُ بلك ورشك، وَجعل من يَمِينك فِي شمالك، حَاضر مَالك. وَلَا تضمن عَاملا مَال عمله، وَحل بَينه فِيهِ وَبَين أمله، فانك تميت رسومك بمحياه، وتخرجه من خدمتك فِيهِ إِلَّا أَن تملكه إِيَّاه. وَلَا تجمع لَهُ فِي الْأَعْمَال، فَيسْقط استظهارك بِبَلَد على بلد، والاحتجاج على وَالِد بِولد، واحرص على أَن تكون فِي الْولَايَة غَرِيبا، ومتنقله مِنْك قَرِيبا، ورهينة لَا يزَال مَعهَا مريبا،
(2/323)

وَلَا تقبل مصالحته على شَيْء اختانه، وَاو برغيبة فتانه، فتتقبل المصانعة فِي أمانتك، وَتَكون مشاركا فِي خِيَانَتك، وَلَا [تطل مُدَّة] الْعَمَل، وتعاهد كشف الْأُمُور مِمَّن يرْعَى الهمل، ويبلغ الأمل.
(وَأما الْوَلَد) فاحسن آدابهم، وَاجعَل الْخَيْر دأبهم، وخف عَلَيْهِم من إشفاقك وحنانك، أَكثر من غلظة جنانك، واكتم، عَنْهُم ميلك، وأفض عَلَيْهِم جودك ونيلك، وَلَا تستغرق بالكلف بهم يَوْمك وَلَا ليلك، وأثبهم على حسن الْجَواب [وَسبق إِلَيْهِم] خوف الْجَزَاء على رَجَاء الثَّوَاب، وعلمهم الصَّبْر على الضرائر، والمهلة عِنْد استخفاف الجرائر، [وَخذ لَهُم] بِحسن السرائر، وحبب إِلَيْهِم مراس الْأُمُور الصعبة المراس، وحصن الاصطناع والاغتراس والاستكثار من أولى الْمَرَاتِب والعلوم، والسياسات والحلوم، وَالْمقَام الْمَعْلُوم، وَكره إِلَيْهِم مجالسة الملهين، ومصاحبة الساهين، وجاهد أهواءهم عَن عُقُولهمْ، وَاحْذَرْ الْكَذِب على مقولهم، ورشحهم إِذا أنست مِنْهُم رشدا أَو هَديا، وأرضعهم من المؤازرة والمشاورة ثديا، لتمرنهم على الاعتياد، وتحملهم على الازدياد، ورضهم رياضة الْجِيَاد، وَاحْذَرْ عَلَيْهِم الشَّهَوَات فَهِيَ داؤهم، وأعدؤك فِي الْحَقِيقَة وأعداؤهم. وتدارك الْخلق الذميمة كلما نجمت، [واقذعها إِذا هجمت] ،
(2/324)

قبل أَن يظْهر تضعيفها، وَيُقَوِّي ضعيفها، فان أعجزتك قي صغرهم الْحِيَل، عظم الْميل.
(إِن الغصون إِذا قومتها اعتدلت ... وَلنْ تلين إِذا قومتها الْخشب)

وَإِذا قدرُوا على التَّدْبِير، وتشوفوا للمحل الْكَبِير، فَلَا توطنهم فِي مَكَانك [جهد إمكانك] ، وفرقهم [فِي بلدانك] ، تَفْرِيق عبدانك. واستعملهم فِي بعوث جهادك، والنيابة عَنْك فِي سَبِيل اجتهادك، فان حضرتك تشغلهم بالتحاسد، والتباري والتفاسد. وَانْظُر إِلَيْهِم بأعين الثِّقَات، فان عين الثِّقَة، تبصر مَالا تبصر عين الْمحبَّة والمقة.
(وَأما الخدم) فَإِنَّهُم بِمَنْزِلَة الْجَوَارِح الَّتِي تفرق بهَا وَتجمع، وتبصر وَتسمع، فرضهم بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة، وصنهم صون الجفانة، وخذهم بِحسن الانقياد، إِلَى مَا آثَرته، والتقليل مِمَّا استكثرته. وَاحْذَرْ مِنْهُم من قويت شهواته، وَضَاقَتْ عَن هَوَاهُ لهواته، فان الشَّهَوَات تنازعك فِي استرقاقه، وتشاركك فِي اسْتِحْقَاقه. وَخَيرهمْ من ستر ذَلِك عَلَيْك بلطف الْحِيلَة، وآداب للْفَسَاد مخيلة، وأشرب قُلُوبهم أَن الْحق فِي كل مَا حاولته واستنزلته، وَأَن الْبَاطِل فِي كل مَا جانبته واعتزلته، وَأَن من تصفح مِنْهُم أمورك فقد أذْنب، وباين الْأَدَب وتجنب. وَأعْطِ من أكددته، وأضقت مِنْهُم ملكه وشددته، رَوْحَة يشْتَغل فِيهَا
(2/325)

بِمَا يُغْنِيه، على حسب صعوبة مَا يعانيه، تغبطهم فِيهَا بمسارحهم، وتجم كليلة جوارحهم. ولتكن عطاياك فيهم بالمقدار الَّذِي لَا يبطر أعلامهم، وَلَا يؤسف [الأصاغر فَيفْسد] أحلامهم، وَلَا ترم محسنهم بالغاية من إحسانك واترك لمزيدهم فضلَة من رفدك وَلِسَانك، وحذر عَلَيْهِم مخالفتك وَلَو فِي صلاحك بِحَدّ سِلَاحك، وامنعهم من التواثب والتشاجر، وَلَا تحمد لَهُم شيم التقاطع والتهاجر، واستخلص مِنْهُم لسرك من قلت فِي الإفشاء ذنُوبه، وَكَانَ أصبرهم على مَا ينوبه، ولودائعك من كَانَت رغبته فِي وَظِيفَة لسَانك، أَكثر من رغبته فِي إحسانك، وَضَبطه لما تقلده من وديعتك، أحب إِلَيْهِ من حسن صنيعك. وللسفارة عَنْك من حلا الصدْق فِي فَمه، وآثره وَلَو بإخطار دَمه، وَاسْتوْفى لَك وَعَلَيْك فهم مَا تحمله، وعني بِلَفْظِهِ حَتَّى لَا يهمله، [وَلمن تودعه أَعدَاء] دولتك، من كَانَ مَقْصُور الأمل، قَلِيل القَوْل صَادِق الْعَمَل، وَمن كَانَت قسوته زَائِدَة على رَحمته، وعظمه فِي مرضاتك آثر من شحمته، ورأيه فِي الحذر سديد، وتحرزه من الْحِيَل شَدِيد، ولخدمتك فِي ليلك ونهارك من لانت طباعه، وامتد فِي حسن السجية بَاعه، وآمن كَيده وغدره، وَسلم من الحقد صَدره، وَرَأى المطامع فَمَا طمع، واستثقل إِعَادَة مَا سمع، وَكَانَ بريا من الملال، والبشر عَلَيْهِ أغلب الْخلال. وَلَا تؤنسهم مِنْك بقبيح فعل وَلَا قَول، وَلَا تؤسهم من طول، وَمكن فِي نُفُوسهم أَن أقوى شفعائهم، وَأقرب إِلَى الْإِجَابَة من دُعَائِهِمْ، إِصَابَة الْغَرَض فِيمَا بِهِ وكلوا، وَعَلِيهِ شكلوا، فانك لَا تعدم بهم انتفاعا، وَلَا يعدمون لديك ارتفاعا.
(2/326)

(وَأما الْحرم) فهم مغارس الْوَلَد، ورياحين الْخلد، وراحة الْقلب الَّذِي أجهدته الأفكار، وَالنَّفس الَّتِي تقسمها الإحماد إِلَى المساعي وَالْإِنْكَار، فاطلب مِنْهُنَّ من غلب عَلَيْهِنَّ من حسن الشيم، المترفعة عَن الْقيم، مَا لَا يسوءك فِي خلدك، أَن يكون فِي ولدك، وَاحْذَرْ أَن تجْعَل لفكر بشر دون بصر إلَيْهِنَّ سَبِيلا، وانصب دون ذَلِك عذَابا وبيلا، وارعهن من النِّسَاء الْعَجز من فاقت فِي الدّيانَة وَالْأَمَانَة سَبيله، وقويت غيرته ونبله، وخذهن بسلامة النيات، والشيم السنيات، وَحسن الاسترسال، والخلق السلسال. وحظر عَلَيْهِنَّ التغامز والتغاير، والتنافس والتخاير، وآس بَينهُنَّ فِي الْأَغْرَاض، والتصامم عَن الْأَعْرَاض، والمحاباة بِالْإِعْرَاضِ. وأقلل من مخالطتهن، فَهُوَ أبقى لهمتك، وأسبل لحرمتك، ولتكن عشرتك لَهُنَّ عِنْد الكلال والملال، وضيق الِاحْتِمَال، بِكَثْرَة الْأَعْمَال، وَعند الْغَضَب وَالنَّوْم، والفراغ من نصب الْيَوْم. وَاجعَل مَبِيتك بَينهُنَّ تنم بركاتك، وتستقر حركاتك، وأفصل من ولدت مِنْهُنَّ إِلَى مسكن يختبر فِيهِ استقلالها، وَيعْتَبر بالتفرد خلالها، وَلَا تطلق لحُرْمَة شَفَاعَة وَلَا تدبيرا، وَلَا تنط، بهَا من الْأَمر صَغِيرا وَلَا كَبِيرا، وَاحْذَرْ أَن يظْهر على خدمهن فِي خروجهن عَن الْقُصُور وبروزهن من أجمة الْأسد الهصور، زِيّ مفارع، ولاطيب للأنوف مسارع، وأخصص بذلك من طعن فِي السن، ويئس من الْإِنْس
(2/327)

وَالْجِنّ، وَمن توفر النُّزُوع إِلَى الْخيرَات قبله، وَقصر عَن جمال الصُّورَة ووسم بالبله.
ثمَّ لما بلغ إِلَى هَذَا الْحَد، حمى وطيس استجفاره، وَختم حزبه باستغفاره، [ثمَّ صمت مَلِيًّا] واستعاد كلَاما أوليا، ثمَّ قَالَ: وَاعْلَم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، سدد الله سهمك لأغراض خِلَافَته، وعصمك من الزَّمَان وآفته، أَنَّك فِي مجْلِس الْفَصْل، ومباشرة الْفَرْع من ملكك وَالْأَصْل، فِي طَائِفَة من عز الله، تذب عَنْك حماتها، وتدافع عَن حوزتك كماتها، فاحذر أَن يعدل بك غضبك، عَن عدل تزرى مِنْهُ ببضاعة، أَو يهجم بك رضاك على إِضَاعَة، ولتكن قدرتك وَقفا على الاتصاف بِالْعَدْلِ والإنصاف، واحكم بِالسَّوِيَّةِ، واجنح بتدبيرك إِلَى حسن الروية، وخف أَن تقعد بك أناتك عَن حزم تعين، أَو تستفزك العجلة فِي أَمر لم يتَبَيَّن. وأطع الْحجَّة مَا تَوَجَّهت عَلَيْك، وَلَا تحفل بهَا إِذا كَانَت إِلَيْك، فانقيادك أليها أحسن من ظفرك، وَالْحق أجدى من نفرك، وَلَا تردن النَّصِيحَة فِي وَجه، وَلَا تقَابل عَلَيْهَا بنجه، فتمنها إِذا استدعيتها، وتحجب عَنْك إِذا استوعيتها، وَلَا تستدعها من غير أَهلهَا، فيشغبك أولو الْأَغْرَاض بجهلها. واحرص على أَن لَا يَنْقَضِي مجْلِس جلسته، أَو زمن اختلسته، إِلَّا وَقد أحرزت فَضِيلَة زَائِدَة، أَو وثقت مِنْهُ فِي معادك بفائدة، وَلَا يزهدنك فِي المَال كثرته، فتقل فِي نَفسك أثرته، وَقس الشَّاهِد بالغائب، وَاذْكُر وُقُوع مَا لَا يحْتَسب من النوائب، فَالْمَال المصون أمنع الْحُصُون. وَمن قل مَاله قصرت آماله وتهاون بِيَمِينِهِ شِمَاله، وَالْملك
(2/328)

إِذا فقد خزينه، أنحى على أهل الْجدّة الَّتِي تزينه وَعَاد على رَعيته بالإجحاف، وعَلى جبايته بالإلحاف، وساء مُعْتَاد عيشه، وَصغر فِي عُيُون جَيْشه، ومنوا عَلَيْهِ بنصره، وأنفوا من الِاقْتِصَار على قصره. وَفِي المَال قُوَّة سَمَاوِيَّة، تصرف النَّاس لصَاحبه، وتربط آمال أهل السِّلَاح بِهِ. وَالْمَال نعْمَة الله تَعَالَى، فَلَا تَجْعَلهُ ذَرِيعَة إِلَى خِلَافه، فتجمع بالشهوات بَين إتلافك وإتلافه، واستأنس بِحسن جوارها، واصرف فِي حُقُوق الله بعض أطوارها، فان فضل المَال عَن الْأَجَل فأجل، وَلم يضر مَا تلف مِنْهُ بَين يَدي الله عز وَجل. وَمَا ينْفق فِي سَبِيل الشَّرِيعَة، وسد الذريعة، مأمول خَلفه، وَمَا سواهُ فمستيقن تلفه. واستخلص لحضور نواديك الغاصة، ومجالسك الْعَامَّة والخاصة، من يَلِيق بولوج عتبها، والعروج لرتبها. أما العامية فَمن عظم عِنْد النَّاس قدره، وانشرح بِالْعلمِ صَدره، أَو ظهر يسَاره، وَكَانَ لله إخباته وانكساره، وَمن كَانَ للفتيا منتصبا، وبتاج المشورة معتصبا. وَأما الخاصية فَمن رقت طباعه، وامتد فِيمَا يَلِيق بِتِلْكَ الْمجَالِس بَاعه، وَمن تبحر فِي سير الْحُكَمَاء، وأخلاق الكرماء، وَمن لَهُ فضل سَافر، وطبع للدنية منافر، ولديه من كل مَا تستتر بِهِ الْمُلُوك عَن الْعَوام حَظّ وافر. وصف ألبابهم بمحصول خيرك، وَسكن قُلُوبهم بيمن طيرك، وأغنهم مَا قدرت عَن غَيْرك ,
وَاعْلَم بِأَن مواقع الْعلمَاء من ملكك، مواقع المشاعل المتألقة، والمصابيح
(2/329)

الْمُتَعَلّقَة، وعَلى قدر تعاهدها تبذل من الضياء، وتجلو بنورها صور الْأَشْيَاء، وفرعها لتحبير مَا يزين مدتك، وَيحسن من بعد البلى جدتك. وبعناية الْأَوَاخِر، ذكرت الْأَوَائِل، وَإِذا محيت المفاخر خربَتْ الدول. وَاعْلَم أَن بَقَاء الذّكر مَشْرُوط بعمارة الْبلدَانِ، وتخليد الْآثَار الْبَاقِيَة فِي القاصي مِنْهَا والدان. فاحرص على مَا يُوضح فِي الدَّهْر سبلك، ويحوز المزية لَك على من قبلك، وَإِن خير الْمُلُوك من ينْطق بِالْحجَّةِ، وَهُوَ قَادر على الْقَهْر، ويبذل الْإِنْصَاف فِي السِّرّ والجهر، مَعَ التَّمَكُّن من المَال وَالظّهْر. ويسار الرّعية جمال للْملك وَشرف، وفاقتهم من ذَلِك طرف، فغلب أينق الْحَالين بمحلك، وأولاهما بظعنك وحلك. وَاعْلَم أَن كَرَامَة الْجور دَائِرَة، وكرامة الْعدْل مكاثرة، وَالْغَلَبَة بِالْخَيرِ سيادة، وبالشر هوادة.
وَاعْلَم أَن حسن الْقيام بالشريعة، يحسم عَنْك نكاية الْخَوَارِج، ويسمو بك إِلَى المعارج، فَإِنَّهَا تقصد أَنْوَاع الخدع، وتوري بتغيير الْبدع، واطلق على عَدوك أَيدي الأقوياء من الْأَكفاء، وألسنة اللفيف من الضُّعَفَاء، واستشعر عِنْد نكثه شعار الْوَفَاء، ولتكن ثقتك بِاللَّه أَكثر من [ثقتك بِقُوَّة] تجدها، وكتيبة تنجدها، فان الْإِخْلَاص يمنحك قوى لَا تكتسب، ويهديك مَعَ الْأَوْقَات نصرا
(2/330)

لَا يحْتَسب. وَالْتمس سلم من سالمك، بِنَفس مَا فِي يدك. وَفضل حَاصِل يَوْمك على منتظر غدك، فان أَبى وضحت محجتك، وَقَامَت عَلَيْهِ للنَّاس حجتك، فللنفوس على الباغين ميل، وَلها من جَانِبه نيل، واستمد كل يَوْم سيرة من يناويك، واجتهد أَن لَا يباريك فِي خير وَلَا يساويك، وأكذب بِالْخَيرِ مَا يشنعه من مساويك، وَلَا تقبل من الإطراء إِلَّا مَا كَانَ فِيك، فضل عَن إطالته، وجد يزري ببطالته وَلَا تلق المذنب بحميتك وسبك، وَذكر عِنْد حمية الْغَضَب ذنوبك إِلَى رَبك، وَلَا تنس أَن ذَنْب المذنب أجلسك مجْلِس الْفَصْل، وَجعل من قبضتك رياش النصل. وتشاغل فِي هدنة الْأَيَّام بالاستعداد، وَاعْلَم أَن التَّرَاخِي مُنْذر بالاشتداد. وَلَا تهمل عرض ديوانك، واختبار أعوانك، وتحصين معاقلك وقلاعك، وَعم إيالتك بِحسن اضطلاعك. وَلَا تشغل زمن الْهُدْنَة بلذاتك، فتجني فِي الشدَّة على ذاتك. لَا تطلق فِي دولتك أَلْسِنَة الكهانة والإرجاف، ومطاردة الآمال الْعِجَاف، فَإِنَّهُ يبْعَث سوء القَوْل، وَيفتح بَاب الغول، وحذر على المدرسين والمعلمين، وَالْعُلَمَاء والمتكلمين، حمل الأحدث على الشكوك الخالجة، والزلات الوالجة، فَإِنَّهُ يفْسد طباعهم، ويغري سباعهم، ويمد فِي مُخَالفَة الْملَّة باعهم. وسد سبل الشفاعات، فَإِنَّهَا تفْسد عَلَيْك حسن الِاخْتِيَار،
(2/331)

ونفوس الْخِيَار. وابذل فِي الأسرى من حسن مَلكتك، مَا يُرْضِي من ملكك رقابها، وقلدك ثَوَابهَا وعقابها. وتلق بَدْء نهارك بِذكر الله فِي ترفعك وابتذالك، وَاخْتِمْ الْيَوْم بِمثل ذَلِك. وَاعْلَم أَنَّك مَعَ كَثْرَة حجابك، وكثافة حجابك، بِمَنْزِلَة الظَّاهِر للعيون، المطالب بالديون، لشدَّة الْبَحْث عَن أمورك، وتعرف السِّرّ الْخَفي بَين آمُرك ومأمورك، فاعمل فِي سرك مَا لَا تستقبح أَن يكون ظَاهرا، وَلَا تأنف أَن تكون بِهِ مجاهرا، واحكم بريك فِي الله ونحتك وخف من فَوْقك يخفك من تَحْتك.
وَاعْلَم أَن عَدوك من أتباعك من تناسيت حسن قرضه، أَو زَادَت مؤونته على نصِيبه مِنْك وفرضه، فاصمت للحجج، وتوق اللجج، واسترب بالأمل، وَلَا يحملنك انتظام الْأُمُور على الاستهانة بِالْعَمَلِ. وَلَا تحقرن صَغِير الْفساد، فَيَأْخُذ فِي الاستئساد. واحبس الْأَلْسِنَة عَن التحالي باغتيابك، والتشبث بأذيال ثِيَابك، فان سوء الطَّاعَة، ينْتَقل من الْأَعْين الباصرة، [إِلَى الألسن القاصرة] ثمَّ إِلَى الْأَيْدِي المتناصرة. وَلَا تثق بِنَفْسِك فِي قتال عَدو ناوأك، حَتَّى تظفر بعدو غضبك وهواك، وَليكن خوفك من سوء تدبيرك، أَكثر من عَدوك السَّاعِي فِي تتبيرك. وَإِذا استنزلت ناجما، أَو أمنت ثائرا هاجما، فَلَا تقلده الْبَلَد الَّذِي فِيهِ نجم، وهما عَارضه فِيهِ وانسجم، يعظم عَلَيْك الْقدح فِي اختيارك، والغض من إيثارك، وَاحْترز من كَيده فِي حوزك ومأمك، فانك أكبر همه، وَلَيْسَ بأكبر همك، وجمل المملكة بتامين الفلوات وتسهيل الأقوات، وتجويد مَا يتعامل بِهِ من
(2/332)

الصّرْف فِي الْبياعَات وإجراء العوائد مَعَ الْأَيَّام والساعات، وَلَا تبخس عيار قيم البضاعات، ولتكن يدك عَن أَمْوَال النَّاس محجورة، وَفِي احترامها إِلَّا عَن الثَّلَاثَة مأجورة: مَال من عدا طوره وطور أَهله، وَتجَاوز فِي الملابس والزينة، وفضول الْمَدِينَة، يروم معارضتك بِحمْلِهِ، وَمن بَاطِن أعداك وَأمن اعتداك، وَمن أَسَاءَ جوَار رعيتك بإخساره، وبذل الإذاية فيهم بِيَمِينِهِ ويساره. وأضر مَا منيت بِهِ التعادي بَين عبدانك، أوفي بلد من بلدانك فسد فِيهِ الْبَاب، وآسأل عَن الْأَسْبَاب، وانقلهم بوساطة أولي الْأَلْبَاب، إِلَى حَالَة الأحباب، وَلَا تطوق الْأَعْلَام أطواق الْمنون، بهواجس الظنون فَهُوَ أَمر لَا يقف عِنْد حد، وَلَا يَنْتَهِي إِلَى عد، وَاجعَل ولدك فِي احتراسك، [وَصدق مراسك] ، حَتَّى لَا يطْمع فِي افتراسك.
ثمَّ لما رأى اللَّيْل قد كَاد ينتصف، وعموده يُرِيد أَن ينقصف، ومجال الْوَصَايَا أَكثر مِمَّا يصف، قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، بَحر السياسة زاخر، وَعمر التَّمَتُّع بناديك الْعَزِيز مستأخر، فَإِن أَذِنت فِي فن من فنون الْأنس يجذب بالمقاد، إِلَى رَاحَة الرقاد، وَيعتق النَّفس بقدرة ذِي الْجلَال، من ملكة الكلال، فَقَالَ، أما وَالله قد استحسنا مَا سردت، فشأنك وَمَا أردْت. فاستدعى عودا فأصلحه حَتَّى أَحْمَده، وَأبْعد فِي اخْتِيَاره أمده. ثمَّ حرك فَمه، وَأطَال الْحسن ثمه، ثمَّ تغنى بِصَوْت يَسْتَدْعِي الْإِنْصَات، ويصدع الْحَصَاة، ويستفز الْحَلِيم عَن وقاره، ويستوقف الطير، ورزق بنيه فِي منقاره، وَقَالَ:
(2/333)

(صَاح مَا أعطر الْقبُول بنمه ... أتراها أَطَالَت البث ثمه)

(هِيَ دَار الْهوى منى النَّفس فِيهَا ... أَبَد الدَّهْر والأماني جمه)

(إِن يكن مَا تأرج الجو مِنْهَا ... واستفاد الشذا وَإِلَّا فممه)

(من بطرفي بنظرة ولأنفي ... فِي رباها وَفِي ثراها بشمه)

(ذكر الْعَهْد فانتفضت كَأَنِّي ... طرقتني من الملائك لمه)

(وَطن قد نضيت فِيهِ شبَابًا ... لم تدنس مِنْهُ البرود مذمه)

(بنت عَنهُ وَالنَّفس من أجل من ... خلفته فِي جَلَاله مغتمه)

(كَانَ حلما فويح من أمل ... الدَّهْر وأعماه جَهله وأصمه)

(تَأمل الْعَيْش بعد أَن أخلق ... الْجِسْم وبنيانه عسير المرمه)

(وغدت وفرة الشبيبة بالشيب ... على رغم أنفها معتمه)

(فَلَقَد فَازَ مَالك جعل الله ... إِلَى الله قَصده ومأمه)

(من يبت من غرور دنيا بهم ... يلْدغ الْقلب أَكثر الله همه)

ثمَّ أحَال اللّحن إِلَى لون التنويم، فَأخذ كل فِي النعاس والتهويم، وَأطَال الجس فِي الثقيل، عاكفا عكوف الضاحي فِي المقيل، [فخاط عُيُون الْقَوْم بخيوط النّوم، وَعمر بهم المراقد، كَأَنَّمَا أدَار عَلَيْهِم الفراقد] ثمَّ انْصَرف، فَمَا علم بِهِ أحد وَلَا عرف. وَلما أَفَاق الرشيد جد فِي طلبه، فَلم يعلم بمنقلبه، فأسف للفراق، وَأمر بتخليد حكمه فِي بطُون الأوراق، فَهِيَ إِلَى الْيَوْم تروى وتنقل، وتجلى الْقُلُوب بهَا وتصقل. وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.
(2/334)

وَمن ذَلِك كتاب الْإِشَارَة إِلَى أدب الوزارة فِي السياسة

أما بعد حمد الله الَّذِي جلّ ملكه أَن يوازره الْوَزير، وَعز أمره أَن يدبره المدير، أَو يُؤَيّدهُ الظهير، والاستعانة بِهِ على الوظايف الَّتِي يضْطَر إِلَيْهَا، ويعتمد عَلَيْهَا فَهُوَ الْوَلِيّ النصير. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، الَّذِي لَهُ الْقدر الرفيع وَالْفَخْر الْكَبِير. وَالرِّضَا عَن آله وعشيرته، فحبذا الْآل والعشير. فان من دَعَا إِلَى الله أَيهَا الْوَزير الصَّالح السعيد بعصمة يضفي عَلَيْك لباسها، وَعزة يصدق عَلَيْك قياسها، وَأَيَّام تروض لديك شامها، وَيدْفَع بيمن نقيبتك بأسها، فَإِنَّمَا دَعَا للدولة بتأييدها، وللملة بتمهيدها، وللمملكة بتجديدها، فقد ظهر من عنايته بك اختيارك، وَمن حسن أَثَره فِي نصرك وإيثارك، وَهُوَ الْكَفِيل لَك بالمزيد من آلائه، وموصول نعمائه، وَأَنِّي لما رَأَيْت برك دينا يجب عَليّ قَضَاؤُهُ، وَلَا يجمل بِي إلقاؤه، تخيرت لَك فِي الْهَدَايَا، مَا يمْلَأ الْيَد، ويصاحب الأمد، وينجب الْعقب وَالْولد، فَلم أجد أجدى من حَدِيث الْحِكْمَة الَّتِي من أوتيها، قدف أُوتِيَ خيرا كثيرا، وَمن أمل لرتبتها السامية، فقد أحل محلا كَبِيرا. والوصاة الَّتِي تنفعك، من حَيْثُ كنت وزيرا، وَالْمَوْعِظَة الَّتِي تفيدك تبنيها من الْغَفْلَة وتذكيرا، فاخترعت لَك وضعا غَرِيبا، وغرضا قَرِيبا، أَن لقِيت مَا جمح من أخلاقك، قَوْلك وألانه، وأنهج لَك الصَّوَاب وأبانه، جانحا إِلَى الِاخْتِصَار، عادلا إِلَى الْإِكْثَار، مَنْسُوبا إِلَى بعض الْحَيَوَان، على عَادَة الأول مِمَّن صنف فِي السياسة قبلي، أَو ذهب لما ذهبت إِلَيْهِ من فعلي [فَقلت وَبِاللَّهِ العون وَالْقُوَّة وَمِنْه يلْتَمس السَّعَادَة المرجوة] .
حكى من يُكَلف برعي الْآدَاب السوايم، ويعنى باستنزال الحكم الحوايم، ويقيد الْمعَانِي الساردة على أَلْسِنَة البهايم، أَن نمرا يكنى أَبَا فَرْوَة، وَيعرف
(2/335)

بالمرقط، كَأَنَّهُ بالنجوم منقط، شثن الْكَفَّيْنِ، بعيد مَا بعد الْعَينَيْنِ، كَأَن ذؤابة ... . ذوابة كَوْكَب أوجد مِلَّة مركب، وَكَأن المجرة أورثته غديرها، والثريا نثرت عَلَيْهِ دنانيرها، عَظِيم الْوُثُوب والطفور، حَدِيد الناب والأطفور، جن نجد وغور، وكرة حور وكور، وجرم ثَوْر فِي مسلاح سنور، استوزره ملك الوحوش، وقلده تَدْبِير الْملك، وَعرض الجيوش، فَحل من ذَلِك الْأسد مَحل الرّوح من الْجَسَد، وَكَفاهُ مَا وَرَاء بَابه، ودافع الأعدا من جنابه، ووفر من جبايته، وأجرى رسوم عزه وإبايته، وأخلص الله عقيدة نصحه، وتبرأ من شين الْغِشّ وقبحه، حَتَّى عَمت الهيبة وخصت، وشرفته الْأَعْدَاء وغصت، وَعرفت الوحوش أقدارها، وألفت السياسة مدارها، وَأمنت السبل والمسالك، وَخَافَ الْمَمْلُوك سطوة الْمَالِك، وَحسنت الْأَخْبَار عَن سيرته، وَشهِدت بِالْعَدْلِ ألسن جيرته، لما أسن واستن، فَأنْكر من قوته مَا عرف، وقارب من مدى الْعُمر الطّرف، فَمَال مزاجه وانحرف، وكع عَن الملاذ وَانْصَرف، فَأصْبح مَتنه هزيلا، وجسمه ضئيلا [ونشاطه قَلِيلا، وَرَأى عبء الوزارة ثقيلا] إِن الْحق أقوم قيلا، دخل على الْأسد خلْوَة مشورته، وَصرح لَهُ عَن ضَرُورَته، وَأقَام لَهُ الْحق فِي صورته، وَقَالَ أَيهَا الْملك السعيد، عِشْت مَا بدا لَك، وحفظت ميزَان الطبايع عَلَيْك اعتدالك، ولازلت مرهوب السطا، بِعَين الخطا، فَإِنَّمَا فِي مهاد الدعة أَمن القطا، وَهن من عَبدك الْعظم، وَضعف الافتراس وساء الهضم، وَكَاد ينثر النّظم، وَبَان فِي آلَة خدمتك، الكلال، وَاسْتولى الْهم والاضمحلال وأربأ لملكك عَن تَقْصِير يجنيه ضعْفي، وَإِن عظم لفراق سدتك لهفي، فسوغنى التفرغ لمعادي، وَالنَّظَر فِي بعد طريقي وَقلة زادي، واستكف من يقوم بهمتك، ويبوء بعبء خدمتك، فَمَا على استحثاث الْأَجَل من قَرَار، وَمَا بعد العشية من عوار
(2/336)

(من عَاشَ أخلقت الْأَيَّام جدته ... وخانه نقشاه السّمع وَالْبَصَر)

وَقد علم الله الَّذِي بِيَدِهِ النواصي، وَعلمه الْمُحِيط بالأداني والأقاصي، وستره قد شَمل الْمُطِيع والعاصي، أنني مَا خُنْت أَمَانَته بخون أمانتك، وَلَا آلَيْت جهدا فِي إغاثتك، وَلَا اقتحمت بِأَمْرك حدا من حُدُود ديانتك، وَلَا تَعَمّدت جلب ضرّ، وَلَا خلطت حُلْو النَّصِيحَة بمر، وَلَا استفسدت لَك قلب حر، وَلَا استأثرت لَك بِمَال، وَلَا كنت يَوْمًا لضدك بميال، وَلَا تلقيت مهمك بإهمال، وَلَا ضَاقَ لي عَن خلقك ذرع احْتِمَال، وَلَا أعملت فِي غير رضاك وطاعتك حَرَكَة يَمِين وَلَا شمال، فَقَالَ لَهُ الْأسد، أَيهَا الْوَزير الصَّالح حسن جزاؤك، كَمَا وضح للحق اعتزازك، وَلَحِقت بالعوالم الشَّرِيفَة مقوماتك المفضلة وأخلاقك. قلت صَوَابا واستوجبت منا وَمن المعبود ثَوابًا، وَلَو كَانَ شَيْء فِي وسع ملكنا جبره، لبذلنا لَك الْعَزِيز، وَهَان علينا أمره، لَكِن التَّحْلِيل على عَالم التَّرْكِيب محتوم، والمصير مَعْلُوم، والفراق وانى الألقاب والرسوم.
(أسمع فقد أسمعك الصَّوْت ... إِن لم تبادر فَهُوَ الْمَوْت)

(نل كلما شيت وعش نَاعِمًا ... آخر هَذَا كُله الْمَوْت)

وَقد أمرنَا لولدك، ونقلنا الوزارة من يدك، ورجونا أَن لَا نعدم حسن مقصدك من ثِقَة نَفسك، وسليل جسدك. وَكَانَ النمر جرد [قد اسْتكْمل] ٍ الْوُقُوف، واتصف بالانقطاع على الْحِكْمَة والعكوف، مُخْتَار [الْأَمَانَة والفراسة] صَادِقَة فِيهِ أَحْكَام النجابة، ومخايل الفراسة، كلف بِالنّظرِ والدراسة، كريم الطَّبْع رحيب الذرع طيب الأَصْل، سامي الْفَرْع، لَا تورده المعضلات، وَلَا تواقف
(2/337)

فطنته المشكلات، وَلَا تجاذبه الشَّهَوَات، وَلَا تطرق كَمَاله الهفوات، حَان على الرّعية، دَفعته لشروط السياسة المرعية، قد أفرغ فِي قوالب الْكَمَال جوهره، وتطابق مخبره ومظهره، وتفتق عَن كَمَال العفاف، وَحسن الْأَوْصَاف زهره، فَاتخذ الْملك صنيعا تفض لَهُ الْأَطْرَاف، واستقدم الْأَشْرَاف، واستدعى قومه للْجِهَاد، وَطَوَائِف النساك والزهاد، واحتفل الْوَلِيمَة، وأفاض النعم العميمة، واستحضر النمر، وَقد تحلى بحلية متماسك، وبذل فَرْوَة الْوَزير بِعُرْوَة الناسك، فأعلن فِي الْمُجْتَمع بِرِضَاهُ عَن سيرته، واعترف بنصح جيبه وَفضل سَرِيرَته وأعلن بتسويغ أوبته، وَقرب القربان بَين يَدي تَوْبَته، وحفت بِهِ أَرْبَاب الدّيانَة ونساكها، وقومة الشَّرِيعَة الَّذين فِي أَيْديهم ملاكها، فَرَفَعُوهُ على رُءُوسهم وأكتادهم حَذْو معتادهم، وجهروا حوله بصحفهم المحفوظة، وأدعيتهم الملفوظة ونسكهم المجدودة المحظوظة، حَتَّى أَتَوا بِهِ هيكل الْعِبَادَة، وَمحل أصل النّسك والزهادة، وخدمة الْكَوَاكِب السَّادة، والمتشوقين إِلَى السَّعَادَة، والمنسلخين عَن كدرات سوء الْعَادة، وقصده وَلَده، يستفتح بدعاته الْعَمَل، ويستدلى بوصاياه الأمل. فَلَمَّا فرغ النمر من اسْتِقْبَال محرابه، وَقد تجرد من العلائق تجرد السَّيْف من قرَابه، جِيءَ الْوَلَد لَدَيْهِ، ثمَّ سجد بَين يَدَيْهِ، وَقَالَ بعد مَا أطرق، وطرفه من الرقة اغرورق، أَيهَا الْمولى الَّذِي قرنت بِحَق الْبَارِي حُقُوقه، فَمَا فِي المنعمين من يفوقه، أوضحت لعِلَّة إيجادي مذهبا، وَكنت لنَفْسي الْجِزْيَة باتصال الْعقل الْكُلِّي سَببا، ثمَّ [تغلبت وكفيت] وَعند تقاصر الطباع وفيت، ثمَّ داويت من مرض الْجَهْل وشفيت وحملت على أفضل الْعَادة، وأظفرت الْيَد بِعُرْوَة السَّعَادَة. وَأَنا إِلَى وصاتك الْيَوْم فَقير، ورأيي فِي جنب رَأْيك حقير، ودعاؤك لي ولي ونصير، وللحظك فِي تصرفاتي القاصرة ناقد وبصير، فَأقبل عَلَيْهِ بِوَجْه بيضه الشيب والنسك، وأخلاق تضوع من أنفاسه الْمسك، وَتَبَسم تَبَسم الذَّهَب
(2/338)

الإبريز خلصه السبك، وَقَالَ يَا وَلَدي الَّذِي رجوته لخلف شخصي، وتتميم نقصي، وَفضل الْحِكْمَة عَنى، وَستر الْجُزْء الأرضي مني، طالما ابتهلت إِلَى الله فِي سدادك، بعد تخير دُعَاء ولادك، واستدعيت حكماء الهياكل المقدسة لإرشادك، فَلَو اسْتغنى أحد عَن موعظة توقظ من نوم، أَو سداد رَأْي يعْصم من لوم، أَو استشعار مناصحة تجرثنا قوم، واستعراض تجربة تعلى من سوم، لَكُنْت بذلك خليقا، وَمن أسر الافتقار طليقا، لَكِن الْإِنْسَان لما نزيده ذُو فاقة، ومتصف بافتقار إِلَى غَيره وإضاقة، وَلَيْسَ لَهُ بالانفراد مَعَ كَونه مدنيا من طَاقَة، وَمَتى ظن بِنَفسِهِ غير ذَلِك فَهِيَ حَمَاقَة. وبحسب مَا يحاوله أَو يحاوره يكون افتقاره لمن يفاوضه أَو يشاوره. وَقد ندبت من الوزارة إِلَى منزلَة لَا تطمين بِمن نبذ طَاعَة الْحق وتقواه، وَرَضي عَن نَفسه وَاتبع هَوَاهُ، فان قهرت من الشهودة المردية عَدوك، وَبَلغت من مسكة الْهوى مرجوك، وألفت قرارك فِي ظلّ الْحِكْمَة وهدوك، تذلل لَك امتطاؤها وَتَهْنَأ لَك عطاؤها، وطاب فِيهَا خبرك، وَحسن عَلَيْهَا أثرك، وَالله يذرك، وَإِلَّا فلست بِأول من هوى، ورمد بعد مَا شوى، وَأَنا مُوصِيك وَالله يبعدك، من الخطل ويقصيك، وَيبين لَك قدر هَذِه الرُّتْبَة بَين الأقدار، ثمَّ جالت بعض شُرُوع الِاخْتِيَار ثمَّ خلص للوصاة بِحَسب الْإِمْكَان، فِي سِتَّة أَرْكَان، وأسل الْعَالم بفاقتي إِلَى سداد قَوْلك وفعلك، الْغنى عَن قدرتك وحولك، أَن يجمع لَك من مواهب توفيقه الَّتِي لَا تحصر بالعد وَلَا تنَال بالكد مَا يتكفل بِرِضَاهُ عَنْك، حَتَّى تحب مَا أحبه لَك، وَتكره ماكرهه مِنْك، وَأَن يخْتم مدتك المتناهية بِأَسْعَد مَا انْتَهَت إِلَيْهِ آمالك، وتطاول نَحوه سؤالك، فَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل.
(2/339)

بَاب بَيَان قدر رُتْبَة الوزارة فِي الأقدار وَبَعض شُرُوط الِاخْتِيَار

اعْلَم يَا وَلَدي أَن هَذِه الرُّتْبَة لمن فهم وعقل، مُشْتَقَّة من الْوَزير، وَهُوَ الثّقل، لِأَنَّهَا تحمل من عبء الْملك وَثقله مَا تعجز الْجبَال عَن حمله، وَهِي الْآلَة الَّتِي بهَا يعْمل، وبحسب تباينها يتباين مِنْهَا الأنقص والأكمل، وَعَصَاهُ الَّتِي بهَا يهش، ويحتطب ويحش، ويلتقم ويمش، وَيجمع ويفش، ومخلبه الَّذِي بِهِ يزق الفرخ، ويحرس العش ومنجله الَّذِي يعرف بِهِ من يناصح وَمن يغش، ومرآته الَّتِي يرى بهَا محَاسِن وَجهه وعيوبه، وسَمعه الَّذِي يتَوَصَّل بحاسته لمعْرِفَة الْأَشْخَاص المحجوبة. وَإِذا فسد الْملك وَصلح الْوَزير، رُبمَا نَفَعت السياسة واستقام التَّدْبِير، وَصَلَاح الْأَمر بعكس هَذِه الْحَال مَحْسُوب من الْمحَال لِأَن الْوَاسِطَة الْقَرِيبَة، ونكتة السياسة الغريبة، وموقعه من الْملك موقع الْيَدَيْنِ من الْجَسَد، اللَّتَيْنِ فِي الْقَبْض والبسط عَلَيْهِمَا يعْتَمد وَقَالُوا الْملك طَبِيب والرعية مرضى، [والوزير تعرض عَلَيْهِ شكاياتهم عرضا] والنجاح مُرْتَبِط بسداد عقله، وَصِحَّة نَقله، فان اخْتَلَّ السفير بَطل التَّدْبِير. وَإِذا تقرر وجوب الْإِمَامَة ونصبها، وعقدها وعصبها، وَكَانَت ضرورتها إِلَى الوزارة هَذِه هِيَ، ومنزلتها هَذِه الصُّورَة، وَفِي الْوَاجِب شَرط، وَلَا يَسْتَقِيم لَهُ بغَيْرهَا ضبط، كَيفَ لَا يكون قدرهَا خطيرا، ومحلها أثيرا، وَقَول النَّبِي [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] الَّذِي اصطفاه برسالته وبكلامه، واختصه بخصيصتي الْكَرَامَة مَعَ كَونه مَعْصُوما بعصمة ربه، غَنِيا بدفاعه، متأنسا بِقُرْبِهِ، وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي هَارُون أخي، اشْدُد بِهِ أزري، وأشركه فِي أَمْرِي، دَلِيل على محلهَا من سد الْقَوَاعِد، وإجراء العوايد، وَإِقَامَة الشواهد،
(2/340)

واستدرار الفوايد، ومدافعة المكايد، إِلَى غير ذَلِك من الْآثَار المجلوة، والمحاسن المتلوة، والإشعار بِأَن المنصب منصب الْأُخوة.
فصل: وَاعْلَم أَن الْأَوَّلين من حكماء يونان فِي سالف الزَّمَان، كَانُوا يعْرفُونَ وصل هَذِه ... ... ... ويجعلون تعظيمها من الشَّرَائِع وَالسّنَن، ويتحققون نجباءها فِي الْمَعَادِن الشَّرِيفَة، والبيوت العتيقة، والأحساب المنيفة، ويختبرون نصب الموالد فِي أَبنَاء أهل الترشيح، ويعنون فِيهَا بِالنّظرِ الصَّحِيح، فَمن قَامَت على صلوحه الشواهد، وَشهِدت بأهليته الموالد، عين فِي الأرزاق قسمه، وَأثبت عِنْد الثِّقَات اسْمه، ثمَّ يؤخذون بالتعليم والدراسة، ويتعاهدون بالآداب تعاهد الفراسة، ثمَّ يعرضون عِنْد الترعرع على أهل الفراسة، فَمَتَى تَأَكد القَوْل وَرجح، وَبَان فِي أحدهم الْفضل ووضح طرح ودرب ومرن وجرب، ثمَّ اسْتعْمل وَقرب.
فصل: وَكَانَ الوزرا يختارون من الْجَوَارِي للمباضعة، من ظهر مِنْهَا فضل التَّمْيِيز، وأخلصها الِاخْتِيَار خلوص الذَّهَب الإبريز، وَلَا يغشوهن فِي سكر مسْقط، وَلَا فَرح مفرط، وَلَا كسل مقْعد، وَلَا حزب مُفسد، وَلَا غضب مبرق موعد. وَإِذا هم بِطَلَب الْوَلَد، استفتى الكاهن فِي اخْتِيَار الْوَقْت الرامق، فَلَا يُطلق لَهُ ذَلِك إِلَّا فِي الْأَوْقَات المختارة، وَالنّصب الخليقة بِتِلْكَ الإنارة، وَبعده إصْلَاح الْقَمَر وَالشَّمْس، وَالْكَوَاكِب الْخمس، واستحضار الهيئات النابهة، والأشكال المتنافسة المتشابهة، وتقريب القرابين بَين يَدي الْآلهَة، ثمَّ يلقى الْجَارِيَة، وَكِلَاهُمَا يَقُول قولا مَنْقُولًا عَن الصُّحُف الموصوفة، والكتب المقدسة الْمَعْرُوفَة، مَعْنَاهُ يَا من قصرت الْأَلْبَاب عَن كنهه، وعنت الْوُجُوه لوجهه، قد
(2/341)

اجْتَمَعنَا على مزج مواد لَا نَعْرِف مَا تحدثه مِنْهَا، وَلَا مَا تظهره عَنْهَا وتلقينا، وتلقينا توفيقك من سعينا بِمِقْدَار المجهود، وَأَنت ملاذ الْوُجُوه، ومفيض السُّجُود، وَلَيْسَ تضرعنا لَك بِالْمَسْأَلَة، وابتهالنا فِي رحمتك المستنزلة تَنْبِيها لأقدارك الْمُصِيبَة للسداد، الْجَارِيَة بمصالح الْعباد، إِنَّمَا هُوَ بِحَسب مَا نحرز بِهِ فضل الرَّغْبَة إِلَيْك، وَالسُّؤَال لما لديك، وَنحن بِحسن اختيارك أوفق منا بارائنا، وقضاؤك السَّابِق من وَرَائِنَا، فلك الْحَمد على قضائك، وَالشُّكْر على نعمائك
فصل: وَكَانَ الْوَزير فيهم، يشْتَرط فِيهِ أَن يكون قديم النِّعْمَة، بعيد الهمة، مكين الرأفة وَالرَّحْمَة، كريم الْعَيْب، نقي الجيب، مُسَدّد السهْم، ثاقب الْفَهم، واثبا عِنْد الفرصة، واصفا للقصة، مريحا فِي الفصة، موفور الْأَمَانَة، أصيل الدّيانَة، قاهر للهوى، مستشعرا للتقوى، مشمرا عَن الساعد الْأَقْوَى، جليل الْقدر، رحيب الصَّدْر، مَشْهُور الْعِفَّة، معتدل الكفة، حذرا من النَّقْد، صَحِيح العقد، رَاعيا للهمل، نشطا للْعَمَل. واصلا للذمم، شاكرا للنعم، خَبِيرا بسر الْأُمَم، ذَا حنكة بالدخل والخرج، عفيف اللِّسَان والفرج، غير مغتاب وَلَا غيابة، وَلَا ملق وَلَا هيابة، مجتزئا بالبلاغ، مشتغلا عِنْد الْفَرَاغ، مؤثرا للصدق، صادعا بِالْحَقِّ، حَافِظًا للأسرار، مؤثرا للأبرار، مباينا بطبعه لخلق الأشرار، وَقد فاق قدر هَذِه الرُّتْبَة بَين الأقران، وَأعْطى وزانها، وَالْحَمْد لله، حَقه عِنْد الِاعْتِبَار.
وَنحن نذْكر بعد أَرْكَان الوصاة، ونفرغ لذكر حكمهَا المحصاة، وخصولها المستقضاة.
الرُّكْن الأول: وَهُوَ العقد الَّذِي عَلَيْهِ الْمعول، فِيمَا يستشعر الْوَزير بَينه وَبَين نَفسه، ويجعله هجيراه فِي يَوْمه وأمسه. وَاعْلَم أَن المملكة البشرية، الخليقة بالافتقار، الْحُرِّيَّة، لما كَانَ راعيها مركبا من أضداد مُتَغَايِرَة، وأركان متفاسدة
(2/342)

متضارة، ويجذبه كل مِنْهَا إِلَى طبعه أخذا برجاه، مدافعا بضبعه، لم يكمل حراسة مَا وكل إِلَيْهِ، وَلَا وفت بِضَم منتثرها آلَات حسه، فَاحْتَاجَ إِلَى وَزِير من جنسه، يَنُوب مهما غَابَ عَن شخصه، ويضطلع بتتميم نَقصه، ويتيقظ فِي سهره، ويجد عِنْد لهوه، فَيحْتَاج من اتّصف بِهَذِهِ الصّفة، إِلَى كَمَال فِي الْفضل، ورجاحة فِي الْمعرفَة، يعدل بهَا مَا عاصى الْملك من أُمُور ملكه ويوفي مَا عجز عَنهُ من نظم سلكه حَتَّى تبرز المملكة فِي أتم صورتهَا، وتبلغ الْكَمَال الْأَخير. بِمُقْتَضى ضرورتها، وتقوى الله عز وَجل أول مَا قَدمته، ثمَّ تذليل بَيْتك لمن خدمته، ومقابلة ثقته بك، بِالْوَفَاءِ الذى سددت إِن التزمته، وَحمل الْخَاصَّة والعامة على حكم الشَّرْع، فَإِن لم تبن على ذَلِك، هدمته، وَأفضل مَا وهب لَك فِيمَا قلدته من قلادة، وعودته من عَادَة وسيادة، شُمُول الْأَمْن، وَعُمُوم الرِّضَا. وَظُهُور الْأَمَانَة والصدق فِي كل غَرَض مُقْتَضى، وَحسن النِّيَّة، وطهارة الطوبة، ورعاية الْإِحْسَان، وإفاضة الرأفة فِي عَالم الْإِنْسَان، وَزِيَادَة الْكِفَايَة بِحَسب الْإِمْكَان، وَاعْلَم أَن من لَا يضْبط نَفسه، وَهِي وَاحِدَة [لَا يضْبط] أَمر الْكثير من النَّاس على تبَاين الْأَغْرَاض، وتعدد الْأَجْنَاس، فاربأ بِنَفْسِك عَمَّا تجره الشَّهَوَات من النَّقْص، وازجرها عَن كلف الْحِرْص، وألن يجانبك لمن ظهر كَمَاله، وَقصرت بِهِ عَنهُ حَاله، وَاعْلَم أَن بَقَاء النعم على كتدك مقصرون ببقائها من يدك، وجريان الْأُمُور على مذهبك، بِحَسب استقامتها بسببك، وَقل أَن يتهنأ فِي هَذَا الْعَالم عمل عَار من الْمَلَامَة أَو سَالم من التجاوز كل السَّلامَة فَلْيَكُن خطأك فِي الْإِحْسَان للْإنْسَان، لَا فِي الْإِسَاءَة بِالْفِعْلِ وَاللِّسَان، فقليل الْخَيْر رُبمَا تمازقت ثَمَرَته، وَأَتَتْ أكلهَا ضعفين شجرته. وَإِذا هَمَمْت بِزَوَال نعْمَة عَن جَان، فاذكر كم تنَال تِلْكَ النِّعْمَة من مَكَان، وفيهَا من لم يسْتَوْجب عقَابا،
(2/343)

وَلَا كشف فِي شَرّ نقابا، وَقد قَالُوا، الْأَشْرَاف تعاقب بالبجران، وَلَا تعاقب بالحرمان وَرُبمَا قَالَت ... ... . . حراركن إِلَيْهَا وَلم تعلم، ثمَّ تأوه لفقد معروفها وتألم، فَاجْعَلْ هَذِه الذرائع مشفعا فِي بَقَائِهَا ودواعي لإجرائها، يتكفل لَك بارئك بإحراز السَّلامَة، وَرفع الْمَلَامَة، والمثوبة فِي الْقِيَامَة. وَاسْتعْمل التَّوَاضُع فِي هبوب رِيحك [وتجاف عَن الخسة والنجمة بتعريضك وتصريحكٍ] فَرُبمَا خشن جَوَاب لَا يغسل طبعه وَلَا يُوجد من يرقعه، وَلَا يُزِيلهُ عِقَاب قابله وَلَا يرفعهُ، سِيمَا فِيمَن اسْتحق الْمَوْت أَو يتقن الْفَوْت، واصبر على ذَوي الْفَاقَة [وَأهل الْإِضَافَة] ولتسل الْإِضَافَة بِجهْد الطَّاقَة، وَإِيَّاك والضجر، فَإِنَّهُ يكدر الصفو، وَيذْهب الْعَفو، ويبقي الفلتة الشنيعة، وَيفْسد الصنيعة. وَقد ركل أَبُو عباد الْوَزير رجلا بِرجلِهِ، فَرفع إِلَى الْخَلِيفَة من أَجله:
(قل للخليفة يَا ابْن عَم مُحَمَّد ... إشكل وزيرك أَنه ركال)

(إشكله عَن ركل الرِّجَال وَإِن ... ترد مَالا فَعِنْدَ وزيرك الْأَمْوَال)

وَتركهَا مثلا يذكر، وقلتة تنكر.
فصل: وَإِذا بَاشر عيوبا فتبع عيوبه دون فصوله وأبوابه دون فصوله، وَلَا تشتغل بفروعه المتشعبة عَن أُصُوله، ثمَّ اصمد بعد إِلَيْهَا، واعطف عَلَيْهَا، وَلَا تعن بتفضيله عَن جملَته، فيضيع سائره قبل أَنَاة الْوَقْت ومهلته، وَلَا ترفض عملا عَن وَقت يسرده وينصه، فَإِن لكل وَقت عملا يَخُصُّهُ، وَأَقل مَا يلْحق من ازدحام الْأَعْمَال، تطرق الْفساد إِلَيْهَا، والاحتلال عِنْد الاستحثاث إِلَيْهَا،
(2/344)

والاستعجال وضيق المجال، وتهيب الْعَمَل مطيل الزَّمَان، منب عَن ضيق الْجنان، وَلَا تركن فِي الِاسْتِخْدَام إِلَى شَفَاعَة غير نفاعة، مَا لم تكن شَفَاعَة الْكِفَايَة وَالْأَمَانَة وَالرِّعَايَة، وَاعْلَم بِأَن من ظهر حسن صبره، على انتظام أمره، حسن صبره على شدائده فِي حوادث الدَّهْر ومكائده، فالصبر قدر مُشْتَرك فِيمَن أَخذ وَترك، وَالنَّفس لَا تنفك من معترك، وَاعْلَم أَن الرَّاحَة عِنْد الْحَاجة إِلَى الْحَرَكَة، تهدى التَّعَب الضَّرُورِيّ لمن أَخذه فِيهَا وَتَركه، وَلَا تغفلن شَيْئا تقلدته، بعد مَا حسبته من وظائفك وعددته، فيظن بك من الْخُرُوج عَن طبعك الَّذِي جبلت عَلَيْهِ، بِمِقْدَار مَا خرج إِلَيْهِ، وَلَا تحتجب عَن النَّاس، يفشو بغضك، ويضعف من السياسة فرصك، وتكتمك النَّصِيحَة سماؤك وأرضك، وَللَّه در القايل:
(كم من فَتى تحمد أخلاقه ... وتسكن الْأَحْرَار فِي ذمَّته)

(قد كثر الْحَاجِب أعداءه ... وسلط الذَّم على نعْمَته)

وَلَا يعجبنك مَا يظنّ من مساويك، ولتكن معرفتك بِعَيْب نَفسك أوثق عنْدك من مدح أَبنَاء جنسك، وانقض عَن الْعَامَّة، وَمن يلابسها، وَامْتنع عَن التكبر بِمن يجانسها، فَفِي طباعها إهانة الملتبس بإشياعها، وتنقص من اتَّصل برعاعها. وَاعْلَم بِأَن إحسانك للْحرّ يحركه على المكافآت الْمُخْتَلفَة، وإحسانك إِلَى الوغد يحملهُ على معاودة الْمَسْأَلَة، وضع إحسانك وَلِسَانك حَيْثُ وضعهما الرَّأْي الصَّحِيح، وَالِاخْتِيَار الصَّرِيح. هَذِه أرشدك الله نقطة من يم، وقافة من جم، وحصاة من نثير، وَقَلِيل من كثير، والنبيل من قَاس الشَّيْء بنظيره، وَاسْتدلَّ على الْكثير بيسيره، وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل.
الرُّكْن الثَّانِي: فِيمَا يستشعره الْوَزير مَعَ الْملك، ليأمن عَادِية الْأَمر المرتبك. وَإِذا خدمت ملكا زَاد رَأْيك على رَأْيه، وَفضل سعيك فِي التَّدْبِير حسن سَعْيه، فإره الِاسْتِعَانَة بِمد يدك، واقصر من إشراف جيدك، واظهر التَّعَجُّب مِمَّا فضل عَلَيْك بِهِ، وسر من الحزم على مذْهبه، وَلَا تتبجح بتجاوز مَا لأهل طبقتك،
(2/345)

وَإِذا أنفقت عِنْده الْكِفَايَة، فاقصد فِي نَفَقَتك، فَإِنَّهُ لَا يحسن مِنْهُ موقع قَوْلك أَو عَمَلك، وَيرى أَن تعزرك بِهِ أَكثر من تحملك، فيشرع فِي كسرك ويثيره إِلَى قسرك. وَإِذا تعَارض عنْدك الْعَجز فِي مروتك وديانتك وكفايتك وأمانتك، فبزه الْكِفَايَة عِنْده عَمَّا يُشِير، وَارْضَ بِالنَّقْصِ فِي الْمَرْوَة لَا فِي الدّين فَهُوَ عَلَيْهِ أسهل، وَفرق مَا بَين الْحَالين لَا يجمل، وَإِيَّاك أَن يأنس بك فِيهَا إخلالا، أَو يرى مِنْك فِيهَا إهمالا، وَاحْذَرْ الْإِضْرَار لَدَيْهِ بِالنَّاسِ فِي سَبِيل النَّصِيحَة، أَو التوفير عَلَيْهِ كَمَا توفر الْعَامَّة على أَنْفسهَا الشحيحة، وابتغ لَهُ قُلُوب الْخلق بمسامحتهم فِيمَا قصروا فِيهِ عَن يسير الْحق، فَإنَّك تسترخص لَهُ بذلك تملك الْأَحْرَار، وتحسين الْآثَار، واترك لشئونه الْخَاصَّة شئونك، وحرك من أَحْسَنت إِلَيْهِ على شكره دُونك، ليقف على أَن سعيك لَهُ أَكثر من سعيك لنَفسك، فِي يَوْمك وَأمْسك وَلَا حَظّ لَك فِيمَا لَا تمسك، وَإِيَّاك أَن تحيا بِمثل تحيته أَو تلقى بِمثل مَا يلقى بِهِ عِنْد رُؤْيَته، أَو ترفع بِالسَّلَامِ عَلَيْك الْأَصْوَات، أَو يسْبق النَّاس بابك قبل بَاب الْملك بالغدوات فكم جلب ذَلِك من الْآفَات، وَغير من الصِّفَات. وَإِذا دعَاك إِلَى لهوه أَو شرابه وخصك بمزيد اقترابه فَلْيَكُن الإعظام على الالتذاذ غَالِبا، والفكر للحذر مراقبا، وَاجعَل التَّحَرُّز مِنْهُ فِي أَوْقَات انبساطه إِلَيْك وَاجِبا، وَلَا تستهز من ذَلِك بِمَا لَيْسَ يبين، وَإِيَّاك أَن تنم بك اسرة وَجه، أَو نظرة عين، واجتنب لِبَاس ثَوْبه وركوب مركبه، واستخدام جَمِيع مَا يتزين بِهِ، فَمن خدم السُّلْطَان لنباهة الذّكر، ولباس الْعِزَّة، لم يضرّهُ تَقْصِير الرياش، وَلَا تعود البزة، وَمن صَحبه للذة والترف، كَانَ سريع المنصرف، مسلوب الشّرف [فصل] وَإِذا خصك بمشورته، وَطلب رَأْيك لضرورته، فَلَا تخاطبه مُخَاطبَة المرشد لمن استهداه، وأره حَاجَتك لما أبداه. وَإِذا اعْترف بخطإ يواقعه فِي بعض أنظاره، أَو أعلن
(2/346)

يَوْمًا بِسوء اخْتِيَاره، فأجل فكرك فِي التمَاس عذره وتوجيه عاره، واحتل بفطنتك فِي رمه، وَاحْذَرْ أَن توافقه على ذمه، وذلل نيتك لكلامك. واصرف إِلَى ترك التجاوز جلّ اهتمامك، فَالْكَلَام إِذا طابق نِيَّة الْمُتَكَلّم حرك نِيَّة السَّامع، وَإِذا صدر عَن الْقلب، أَخذ من الْقلب بالمجامع. وَإِذا توجه إِلَيْك عَتبه لشُبْهَة فِي أَمرك عرضت أَو ظنة تعرضت، فَلَا تقبل رِضَاهُ عَنْك تمويها، مَا لم تقم حجتك فِيهَا، وَلَا تسام إِلَّا لَامة، وأره أَنَّك لَا تُؤثر الْحَيَاة دون بَرَاءَة الساحة حَتَّى ترْتَفع الظنة رَأْسا، وَلَا تخشى من تبعة الإحنة بَأْسا، وَيكون ذَلِك عِنْده شَاهدا بِفَضْلِك، وزايدا لَهُ فِي محلك، وَلنْ لَهُ إِذا غضب، وَاتَّقِ الكريهة دونه، إِن رهب، واصرف لحظك عَنهُ إِن أكل أَو شرب، وسد بَيْنك وَبَينه بَاب العتاب بالمشافهة أَو الْكتاب، وَلَا تخف من طَاعَة الْملك إِلَّا مَا وَافق من طَاعَة ربه، يضع الله تجلتك فِي ذَاته، وَاذْكُر قَول الْوَزير الْمُتَقَدّم، وَقد أمره الْملك الْمُسَلط بقتل رجل، وتلطف فَسبق لَهُ عَن ذَنبه بِمَا جر عَظِيم إِنْكَاره وقطيع عَتبه أَيهَا الْملك السعيد لَو كنت مالكي وَحدك، لأنفذت من غير مهلة أَمرك، وشرحت بالامتثال صدرك، وَلَكِنَّك تملك ظاهري وَحده، ولى من يملكهُ وَمَا بعده، وَإِذا انفذت عَهْدك، نكثت عَهده، وَإِذا خرجت من يدك، دخلت فِي يَده الَّتِي لَا تمنع، فَكيف أصنع وَله الْأَمر أجمع، وَأَنا لَك فِي طَاعَته من شِرَاك نعلك أطوع. فَبكى الْملك الْجَاهِل لصدق حجَّته وَحمل الرجلَيْن من لعفو على أوضح محجته. وَهَذَا الْقدر كَاف لأولي الْأَلْبَاب فِي هَذَا الْبَاب.
الرُّكْن الثَّالِث: فِيمَا يحذرهُ من تقدم الْملك عَلَيْهِ فِي الْأَمر الَّذِي أسْند إِلَيْهِ، وَجعل زمامه فِي يَدَيْهِ. وَاعْلَم أَن من [الْعَار] بارتياضك، وسداد أغراضك أَن يتقدمك الْملك بِخلق هِيَ أولى بك، وادخل فِي حِسَابك، من الصَّبْر على الملاهي،
(2/347)

والانقياد للأوامر الدِّينِيَّة والنواهي، وهجر الدعة فِي الضّيق وَالسعَة، وَشدَّة الْيَقَظَة، وَالذكر الَّذِي يعْنى بِهِ الْحفظَة من ذكر إقطاع، أَو مِقْدَار ارْتِفَاع، أواسم مرتزق، أَو حصر عمل مفترق، أَو التفكير فِي مصلحَة المملكة، فَإِنَّهُ إِن رَاض ذَلِك دُونك وعلكه، ونهجه مُنْفَردا وسلكه، وتميز فِيهِ بالملكة. وسامحك فِي التَّقْصِير والباع الْقصير، وسره سبقه إياك، وتقدمه عَلَيْك فِيمَا ولاك، فَهُوَ مِمَّا يحط لَدَيْهِ أَمرك، ويوهن قدرك، وَإِن كَانَ غَرَّك وَيرى أَنه لَا موازرك فِيمَا نابه، وَلَا كَافِي فِيمَا عرا بَابه، وأمل منايه، واجتهد أَن يراك شَدِيد الْحِرْص، آنِفا من النَّقْص، وَلَا يحس مِنْك فِي وظيفتك بتقصير، وَلَا يشْعر مِنْك فِيهِ بِرَأْي قصير.
فصل: وَاحْذَرْ أَن تسول لَك قدرَة الْإِمْكَان ودالة السُّلْطَان، الزِّيَادَة فِي الاستكثار من الضّيَاع وَالْعَقار، والجواهر النفيسة والأحجار، وَغير ذَلِك من الاحتجان والاحتكار، وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ جلالة الْمحل ونباهة الْمِقْدَار، فيتقسم فكرك وشغلك، ويضيع سعيك وفضلك، ويحصيه عَلَيْك من يضمر لَك الافتراس، وَلَا يمكنك من كَيده الاحتراس، مِمَّن حروم حَظه، أَو وكس مَعْنَاهُ أَو لَفظه، ومتطلع إِلَى أوفى من وزانه، متسام إِلَى مَا وَرَاء إِمْكَانه، أقصرت بِهِ السياسة عَن شانه، فأضرم الْحَسَد ناره، وأذكى إوراه، وَأعظم صغيرك وأثاره، ويتشوف إِلَى مناهضتك من كَانَ عَنْهَا مقصرا، ويجهر من كَانَ مستترا، ويستدعي الارتياب مَا جلبه الْحَظ إِلَيْك، والاستظهار بِهِ عَلَيْك، وطمع الْحَاسِد فِيمَا لديك، واحرز مَعَ الْملك السلغة الَّتِي تقيك، وتوسدك مهاد الفضلة وتنميك، وترفع كلك، وتشمل أهلك، حَتَّى يعلم أَنَّك بِقَلِيل مَا يجريه لَك الْعدْل لَدَيْهِ، أغْنى مِنْهُ بالكثير فِي يَدَيْهِ، واجتنب الانهماك فِي الاستكثار من الْوَلَد والحشم أولى الْعدَد، والأذيال الَّتِي ثبتَتْ فِي أقطار الْبَلَد، فَإِن الْحَاسِد يراهم بذخا ونعمه، وَإِنَّمَا هم
(2/348)

مؤونة ونقمة، وداعية إِلَى اسْتِهْلَاك عتاد أَو تَدْبِير مُسْتَفَاد، وإثارة حساد لَهُم، ورد جاهك، وَعَلَيْك صَدره وَلَهُم نفع كدحك، وَعَلَيْك ضَرَره. والاقتصاد فِي أَمرك أدوم لسلامتك وَأَرْفَع لملامتك، واغض لطرف حاسدك، واصدق لفوائدك، وأروح لقلبك وأخلص فِيمَا بَيْنك وَبَين رَبك، وَفِيمَا عثرت عَلَيْهِ التجارب، ووضحت مِنْهُ الْمذَاهب، أَن المتقلل من الوزراء، طَوِيل عمره، ناجح أمره، مظفر بأعدائه وأضداده، قريب من الْحَال المرضية فِي معاده. ولتكن همتك مصروفة إِلَى اسْتِبْرَاء حَال المملكة واعتبارها، وَتَأمل أفكارها، وَمَا عَلَيْهِ كل جُزْء من أجزاءها، من سداد ثغورها ودفاع أعدائها، ونقصان ارتفاعها، واختلال أوضاعها، أَو تَدْبِير مصلحَة يبْقى لَك ذكرهَا وخبرها، وَيحسن بك أَثَرهَا. وخف مصَارِع الدَّالَّة، فَهِيَ أدوأ دائك، وأكبر أعدائك. وَاعْلَم أَن الاقتصاد مَعَ إِمْكَان التَّوسعَة، والتنزل مَعَ الرُّتْبَة المرتفعة، يُنبئ عَن قُوَّة رَأْيك، وَصِحَّة عزمك، واستقامة سعيك وَالرَّغْبَة فِي الترف، والميل إِلَى الشّرف، دَالَّة على غَلَبَة الْهوى على الشّرف، وَأجل مَا جملت بِهِ زَمَانك، وَرفعت شَأْنك، خدمَة الشَّرِيعَة، وإحياء رسومها، وقمع الْبدع، وَإِزَالَة شومها، يذع لَك الْحَمد ويتخلد لَك الْمجد. وتول ذَلِك مَتى أمكنك بِنَفْسِك، وَلَا تكله إِلَى غَيْرك من أَبنَاء جنسك، حَتَّى إِذا وفقت بِهِ على غميرة يجب تغييرها، وَيتَعَيَّن نكيرها فارفع إِلَى الْملك عينهَا، وقبح عِنْده شينها، ثمَّ حل بَينه وَبَينهَا، وَأظْهر للنَّاس أَن قلقه بهَا أهمك، أَكثر من قلقك، وخلقه لإنكارها مُتَقَدّمَة لخلقك، تهدي إِلَيْهِ بذلك مَا يزِيد فِي مكانتك ويغبط بأمانتك، وَيشْهد بمؤازرتك وإعانتك وحسبنا، الله وَنعم الْوَكِيل.
الرُّكْن الرَّابِع: فِي تصنيف أَخْلَاق الْمُلُوك، للسير بمقتضاها والسلوك. وَاعْلَم أَن للملوك أَخْلَاقًا، يفْطن الملاطف من خدامها إِلَى اسْتِعْمَالهَا، فيجعلها أسا
(2/349)

للسياسة وأحكامها، وَهِي أَن الْملك لَا يَخْلُو أَن يكون سخيا وباذلا، أَو ممسكا باخلا، وقويا على تَدْبيره أَو ضَعِيفا، يلقى المقادة إِلَى وزيره أَو سيا ظَنّه أَو من الاسترسال فِيهِ أَو حسن الْبشر عِنْد الافتراض، أَو منقبضا عَن الْأَعْرَاض. وَإِذا تركبت هَذِه الْخلال تركيبا طبيعيا، وترتبت ترتيبا وضعيا، وتقابل امتزاجها، بلغ إِلَى سِتَّة عشر ازدواجها، وَتَأْتِي للحكيم من الوزراء علاجها، وَرُبمَا انحرفت هَذِه الْخلق أَو توسطت، وَرُبمَا أفرطت، وعَلى هَذَا التَّرْتِيب ارتبطت، وَإِن كَانَ سخيا آثر درور الشُّكْر على توفير قوافل المَال، وكاف يحسن الذّكر فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَإِن كَانَ بَخِيلًا، فبضد هَذِه الْحَال، وَإِن غلبت عَلَيْهِ قُوَّة التَّدْبِير، استدعاك إِلَى الْمُشَاركَة فِي سعيك، وأحرز بذلك عَلَيْك الْحجَّة فِي رعيك وَإِن غلب عَلَيْهِ الضعْف ركن إِلَى تدبيرك، وفوض إِلَيْك الْأَمر فِي قليلك وكثيرك، وخلاك ومالا يحمد من عواقب أمورك، وَإِن كَانَ حسن الظَّن تمكنت من إحكام تدبيرك لدولته، وَبَلغت مِنْهَا أقاصي مصْلحَته، وَإِن كَانَ سيء الظَّن، شغلك عَن الْإِخْلَاص بكلف الْخَلَاص، وبإحراز الْحجَّة عَلَيْهِ عَن التفرغ الْكثير مَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَإِن كَانَ الْبشر عَلَيْهِ غَالِبا، كَانَ لنشاطك جالبا، فَاجْعَلْ هَذِه الْأَخْلَاق أصولا ورعيك لَهَا موصلوا، وَصَاحبه على خلقه وعقله، وانقل مِنْهَا بالتلطف مَا قدرت على نَقله، واعط صُورَة من تخدمة مَا ينافس تأليفها، وَيرْفَع تكليفها، وانفق مَا ينْفق عِنْدهَا وجار أخلاقه، واجتنب ضدها، يحسن أثرك، ويعظم شَأْنك، وَينفذ لَك سلطانك.
الرُّكْن الْخَامِس: فِي سيرته مَعَ من يتطلع لهضبته، ويحسده على رتبته، وَاعْلَم أَنه لَا يَخْلُو من حل محلك من علو الْقدر، وَعزة الْأَمر، عَن قرين يعانده،
(2/350)

لَا حَاسِد يكايده، أَو متطلع يمت إِلَى الْملك بقربى، أَو يمحل إثافه فِي اللطافة وأربى يتَوَهَّم أَن وسيلته تبلغه مَا يَتَطَاوَل إِلَيْهِ من منزلتك، وتلبسه لِبَاس تحلتك، أَو ذِي همة جامحة ولأعنان الشّرف طامحة، يرى أَن خطه منحوسا، وَأَن مثله لَا يكون مرءوسا، وَآخر ذَاك فِيهَا مفترا فِيمَا أثرت فِيهِ رضى من حكم يفضلك وَحسن الإبقا فِي المملكة يعدلك، وَاحْتمل المدافعة حسن موقعك، وجلالة محلك، فَظن تراخيك لإخلال فِي التَّدْبِير، وإساءة فِي التَّقْدِير، وَكلهمْ ينظر إِلَى الْملك من أَصْغَر جوانبه، وَيخْفى عَنهُ أَكثر مِمَّا يظْهر مذاهبه، ولطف الْمحل، والتقدم فِي الْعلم وَالْفضل، وان كَانَ يُغير من حل محلك، وناهض فضلك، لَيْسَ من الِاضْطِرَار أَن يكون لمنزلته أسبابا، وَلَا لطلبه أبوابا، وَالْحق أَن تجاهده الْجَمَاعَة، وتقمع مِنْهَا الطماعة بِالزِّيَادَةِ فِي فضائلك الذاتية، [والتحرز من مُلَابسَة الدنية] والمناصحة لمن خصك بالمزية وَلَا تكشف فِي المجادة وَجها، وَلَا تبد فيهم غيبَة وَلَا نجها، واكسر سُورَة حسدهم بإحسانك، وسوغهم الْمَعْرُوف من وَجهك وَلِسَانك واصطنع أضدادهم مِمَّن ضلع عَلَيْهِم وَمثل لديهم، تحرس مِنْهُم غيبك، وتدافع عيبك، وتجلو ريبك من غير أَن يحس مِنْك لهَذَا الْغَرَض بفاقة، وَلَا يشْعر بِإِضَافَة، فَإنَّك تنشر معايبهم المطوية، وترميهم من أشكالهم بالبلية، ثمَّ تتلقى بعد ذَلِك فوارطهم بِحسن الْإِقَالَة وتتغمد سقطاتهم بالجلالة، وتكر بكرم الْعَفو على سوآتهم السوالف، وتخليهم وَمَا بقلوبهم من الحسايف فَإِن تسلط الْجَاهِل [على نَفسه] قصر عَنهُ من عدل أَو أَخطَأ نيله من فضل، أعز على حرمانه من ظفر أعدائه، وَلَا تركن إِلَى من وترته، وَلَا إِلَى من حركت حسده وأثرته، وَخذ حاشيتك يتْرك التعالي، والتضامن لِذَوي الشّرف العالي والإقصار من المطامع وإدالتك فِي المسامع، ولتتخط الْعدْل فِي النَّاس إِلَى الْفضل، والبشر إِلَى الْبَذْل،
(2/351)

وَالْقَوْل الصَّالح إِلَى الْفِعْل، واختر من تصطنعه لخدمتك، وتنصبه مظْهرا لنعمتك بِنِسْبَة مَا شَرط فِي الِاخْتِيَار فِي رتبتك، فَإِن إِحْسَان الصنيعة يرد عَنْك، سوء القالة، وقبح الإدالة، ويصون عرضك من الإذالة
الرُّكْن السَّادِس: فِيمَا تساس بِهِ الْخَاصَّة والبطانة، وذوو الدَّالَّة والمكانة، وَاعْلَم أَن من الْخَاصَّة مربض لشدائد الدولة ومهماتها، ومتسم من ألقاب الْغِنَا بأكرم سماتها، فَهُوَ يرى لنَفسِهِ الْيَد وَالْيَوْم والغد، وَآخر مُتَعَلق بِقرَابَة من الْملك وَحرمه، أَو وَكيد ميل وَذمَّة، ولبست حظوظهم من الْملك على حسب قُوَّة أسبابهم، وَوزن مَا فِي حسابهم فَإِن أَطَعْت فهم الْملك، ظلمت المملكة، حَقّهَا، وَإِن عدلت خَالَفت مُوَافقَة الْملك، وباينت طرقها، وَالصَّوَاب التَّمَسُّك بالترتيب على الْإِطْلَاق، وَوضع النَّاس من المملكة مَوضِع الِاسْتِحْقَاق، وَاسْتِعْمَال إرضاء الْملك فِي تَفْصِيل من أَثَره بِحسن الْعَطِيَّة، وباين بَين أَصْنَاف الشفوف، وأنواع المزية، وَاعْلَم أَن ميل الْأَعْلَام إِلَى رفْعَة الْمنزلَة. أعظم مِنْهَا إِلَى الصِّلَة، وراع أَمر الْجَمَاعَة فتمم مَا وَقع بالمستحق من التَّقْصِير، بكرم المواعيد وإلغاء المعاذير، وَأصْلح قُلُوبهم للْملك بِكُل مَا يتكفل بجبر الكسير، واجذبها إِلَى طَاعَته بِحسن أوصافك، وَصِحَّة رَأْيك فِي الْقَلِيل وَالْكثير، وانحله فضايلك من غير شوب بَاطِن وَلَا تكدير، تصف لَك سريرة صَدره، ويأتمنك على جَمِيع أمره، وَاحْذَرْ انصباب الْقَوْم عَلَيْك، وإخلالها بمراكزها من دَاره، وانصرافها إِلَيْك، والتحامها بك وتمسكها [دون الْملك] بأسبابك، اعْتِمَادًا على نصْرَة جنابك، وقيامك بأمرها وَحسن منابك، وخف وَضعهَا إياك من قلوبها وعيونها، وكافة شئونها لَا يُؤثر الْملك رِضَاهُ وَلَا يحمد مُقْتَضَاهُ، فَرُبمَا زرع لَك فِي قلبه سوء الطوية، وَأثبت لَك الحقد وخبث النِّيَّة، وخبأ لَك وَأَنت لَا تعلم أعظم البلية، ولتمكن النُّفُوس أَن رضاك بِرِضَاهُ مَعْقُود، وَأَنَّك لَا تعْمل إِلَّا مَا رَآهُ، وَلَا تُؤثر إِلَّا
(2/352)

مَا ارْتَضَاهُ، وَأَن لَك مِنْهُ منزلَة محمودة، ودرجة معقودة، من زادك عَلَيْهَا ظلمك، وجلب ألمك، وَأَن فِي قبولك لَهَا وإيثارك، مَا يزري على فضل اختبارك، وعامل الْملك فِي وَلَده بِحِفْظ الْغَيْب، والسلامة من الريب، واحفظ لَهُ الرَّسْم واستبقه. وَاجعَل حَقهم دون حَقه. وَإِذا دَعَوْت لَهُم فاشرط السَّعَادَة بخدمته وطاعته. وَاجعَل رِضَاهُ من الْوَلَد رَأس بضاعته، وَاحْذَرْ من إهمال هَذَا الْعرض وإضاعته، وَإِيَّاك أَن تفضل ولدك وَلَده، وَلَا عدتك عدده، وَلَا تناقشه فِي شَيْء قَصده، وَلَا تظهر حاشيتك على حَاشِيَته، وَلَا تتشبه غاشيتك بغاشيته، وَلَا تنازعه تجلته، وَلَا تَفْخَر مَنْزِلَته، وَلَا تحل مَحَله من جَيْشه، وَلَا تغر عَلَيْهِ فِي نباهة بناية، وَفضل عيشه، وتفقد نَفسك، فَانْزِل عَن الرقى اخْتِيَارا قبل أَن ينزلك اضطرارا.
فصل: وَإِذا انصرفت إِلَيْك من إِحْدَى حرمه، رَغْبَة، أَو تأكدت فِي مُهِمّ قربه، أَو بدرت إِلَيْك شَفَاعَة أَو تَوَجَّهت فِي حَاجَة طَاعَة، فَلَا تسمع رسالتها، وَلَا تعْتَبر مقالتها، إِلَّا من لِسَان إِنْسَان مَوْصُوف عِنْد الْملك بِإِحْسَان، حَال من يقنه بمَكَان، وَاحْترز فِي محاورتها من فلتات اللِّسَان وهفواته، وراجع خطابها مُرَاجعَة الْأَخ إِلَى أكْرم إخواته، أَو الإبن الأبر أمهاته. وَلَا تصغ فِي مخاطبتها إِلَى خضوع كَلَام ورقة، تَحِيَّة وَسَلام، وانفر من ذَلِك نفرتك من السمُوم الوحية والمهالك الردية، واسدل دون الْوَلَد وَالْحرم جنَاح التقية، واكتم سره عَن أَبنَاء جنسك لَا بل عَن نَفسك وَاجعَل قَلْبك لَهُ قبرا، وأوسعه صِيَانة وصبرا فَإِن تزاحم عَلَيْك تزاحما تخَاف عَلَيْهِ معرة النسْيَان وإغفال ذكرهَا على الأحيان، فَاتخذ لَهَا رمزا يفردك بعلمها، وَلَا تبح لسواك شَيْئا من حكمهَا، وَلَا تغفل
(2/353)

مَعَ الأحيان مَا جرى بِهِ رسمك من عرض كتاب وَارِد، أَو خبر وَافد، أَو بريد قَاصد واستأمره فِيمَا جرت بِهِ العوايد، وَإِن خصت لَدَيْهِ منزلتك، ولطفت مِنْهُ، محلتك، فَلَا تتْرك أَن يمر ذَلِك على سَمعه، معتنيا لرعيه، وأذقه حلاوة الاستبداد بأَمْره وَنَهْيه، واترك لَهُ منفذا [يحْتَج لَهُ بَابه] عِنْد مغيبك، كَمَا تحببه الْعدْل من نصيبك ولازم سدته مَعَ الأحيان، وَإِيَّاك أَن تَجْتَمِع مَعَه على فرَاغ، فَيبقى الْملك مضيعا بِمِقْدَار ذَلِك الزَّمَان، وَإِذا انصرفت إِلَى منزلتك، فاختل بعمالك وكتابك، وَذَوي الرَّأْي والنصيحة من أَصْحَابك، على إحكام حَال الْملك الَّذِي ناطها بك، فَإِذا أمسيت، فاشغل طايفة من ليلك بمدارسة شَيْء من حكم الدّين، وأخبار الْفُضَلَاء المهتدين، واجل صدا نَفسك بالبراهين، ومجالسة الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ، وَاخْتِمْ سعيك بِبَعْض صحف النَّبِيين، وأدعية الْمُرْسلين والمتألهين لتختم يَوْمك بِالطَّهَارَةِ والعفة، والحلم والرأفة واعتدال الكفة، وليهون عَلَيْك النصب والوصب، والعمر المغتصب، إِنَّك مهتد بِهَدي رَبك الَّذِي يرعاك وينجح مسعاك، ويثيبك على مَا إِلَيْهِ دعَاك.
قَالَ فَلَمَّا استوفى النمر مقاله، وأحرز الشبل سُؤَاله، وَقرر حَاله، انْصَرف متجها إِلَى خدمته، وَصرف النمر إِلَى الْعِبَادَة وَجه همته، ثمَّ لحق بعد ذَلِك بجوار ربه وَرَحمته، وَقيد الحاكي مَا أفادته هَذِه المحاورة، لتلفى رسما يَقْتَضِي وحلما بِهِ يَهْتَدِي إِذا ذهب الْأَثر وَعَفا. وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل.
(2/354)

وَمن ذَلِك مَا صدر عني
فِي مفاخرة بَين مالقة وسلا مَا نَصه:
سَأَلتنِي عرفك الله عوارف السعد الْمُقِيم، وحملني وَإِيَّاك على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، المفاضلة بَين مدينتي مالقة وسلا، صان الله من بهما من النسم، وحباهما من فَضله بأوفر الْقسم، بعد أَن رضيت بحكمي قَاضِيا، وبفضلي الخطة سَيْفا مَاضِيا، لاختصاصي بسكني البلدين، وتركي فيهمَا الْأَثر للعين على أَن التَّفْضِيل إِنَّمَا يَقع بَين مَا تشابه وتقارب، أَو تشاكل وتناسب وَإِلَّا فَمَتَى يَقع التَّفْضِيل بَين النَّاس والنسناس، وَالْملك والخناس، وقرد الْجبَال، وظبي الكناس
مالقة، أرفع قدرا، وَأشهر ذكرا، وَأجل شَأْنًا [واعز مَكَانا] وَأكْرم نَاسا، وَأبْعد التماسا، من أَن تفاخر أَو تطاول، أَو تعَارض أَو تصاول، أَو تراجع أَو تعادل، وَلَكِنِّي سأنتهى إِلَى غرضك، وَأبين ربع مغترضك، وأباين جوهرك وعرضك، فبقول الْأُمُور الَّتِي تتفاضل بهَا الْبلدَانِ، وتتفاخر مِنْهَا بِهِ الإخوان، وتعرفه حَتَّى الولائد والولدان، هِيَ المنعة والصنعة والبقعة والشنعة، والمساكن والحضارة، والعمارة والإثارة والنضارة
فإمَّا المنعة، فلمالقة حرسها الله فضل الِارْتفَاع، ومزية الِامْتِنَاع. أما مقبثها فاقتعدت الْجَبَل كرسيا، ورفعها الله مَكَانا عليا بعد، أَن ضوعفت أسوارها وأقوارها، وسما بسنام الْجَبَل الْمُبَارك منارها، وقرت أبراجها وصوعدت أدراجها، وحصنت أَبْوَابهَا، وَحسن جنابها، وَدَار ببلدها السُّور والجسور، وَالْخَنْدَق المحفور فقلهراتها مداين بذاتها، وأبوابها المغشاة بالصفايح شاهدة بمهارة بناتها، وهمم أمرائها وولاتها، كَأَنَّهَا لبست الصَّباح سربالا،
(2/355)

أَو غاصت فِي نهر الفلق بهاء وجمالا، أمنت من جِهَة الْبَحْر التقية، وأدار بهَا من جِهَة الْبر الحفير والسلوقية لَا تَجِد الْعين بهَا عَورَة تتقى، وَلَا ثلمًا مِنْهُ يرتقي، إِلَى الربضين، اللَّذين كل وَاحِد مِنْهُمَا مَدِينَة حافلة، وعقلية فِي حلى المحاسن رافلة، وسلا، كَمَا علمت، سور حقير وثور. إِلَى التنجيد والتشييد فَقير، إطام خاملة وللروم آملة، وقصبتها بِالْبَلَدِ مُتَّصِلَة [وَمن دَعْوَى الحصانة منتقلة] سورها مُفْرد، لَا سلوقية نقية، وبابها تقصد لَا سَاتِر تحميه وَالْمَاء بهَا مَعْدُوم وَلَيْسَ لَهُ جب مَعْلُوم، وَلَا بير بالعذوبة مَوْسُوم، وَفِي عهد قريب استباحتها الرّوم فِي الْيَوْم الشامس، وَلم ترد يَد لامس، من غير منجنيق نصب، وَلَا تَاج ملك عَلَيْهِ عصب، قلَّة سلَاح وَعدم فلاح، وخمول سور، واختلال أُمُور. وَقد سَقَطت دَعْوَى المنعة، فَلْتَرْجِعْ إِلَى قيم الصَّنْعَة فَنَقُول: [مالقة حرسها الله، طراز الديباج الْمَذْهَب، ومعدن صنايع الْجلد الْمُنْتَخب، وَمذهب الفخار المجلوب مِنْهَا إِلَى الأقطار، ومقصر الْمَتَاع المشدود، ومضرب الدست الْمَضْرُوب، وصنعا صنايع الثِّيَاب، ومحج التُّجَّار إِلَى الإياب لإفعام الْعباب، بِشَهَادَة الْحس، وَالْجِنّ وَالْإِنْس، وَلَا يُنكر طُلُوع الشَّمْس، وَأي صناعَة فِي سلا، يقْصد إِلَيْهَا ويعول عَلَيْهَا، أَو يطرف بهَا قطر بعيد أَو يتجمل بهَا فِي عيد، ومنذ سَقَطت مزية الصَّنْعَة، فلنرجع إِلَى مزية الْبقْعَة فَنَقُول، خص الله مالقة بِمَا افترق فِي سواهَا وَنشر بهَا المحاسن الَّتِي طواها، إِذْ جمعت بَين دمث الرمال، وخصب الْجبَال، وقارة الفلاحة الْمَخْصُوصَة بالاعتدال، وَالْبَحْر الْقَدِيم الصداع الميسرة مراسيه للحط والإقلاع، وَالصَّيْد العميم الِانْتِفَاع، جبالها لوز وتين، وسهلها قُصُور وبساتين، وبحرها حيتان مرتزقة فِي كل حِين ومزارعها المغلة عِنْد استبداد السنين وَكفى بفحص قافره صادع بالبرهان الْمُبين، وواديها الْكَبِير عذب فرات، وادواح مثحرات، وميدان ارتكاض بَين بَحر ورياض
(2/356)

وسلا، بلد الرِّجَال، ومراعي الْجمال بطيحة لَا تنجب السنابل، وَإِن عرفت الْمَطَر الوابل جرد الْخَارِج، وبحرها مكفوف بالقتب والمدارج، وواديها ملح المذاق، مستمد من الأجاج الزلاق، قَاطع بالرفاق من الْآفَاق، إِلَى بعد الْإِنْفَاق، وتوقع الإغراق، وشابلها مَقْصُور على فصل، وَكم الشَّوْكَة من شانصل، عديمة الْفَاكِهَة والمتنزهات النابهة، وَإِذ بَان مصل النفعة فلنلم بِذكر الشنعة، وَهُوَ مِمَّا يحْتَمل فِيهِ النزاع، وَلَا تُعْطى الْأَبْصَار وتطمس الأسماع، إِذْ مالقه دَار ملك فِي الرّوم، ومثوى المصاعب والقروم، تشهد بذلك كتب الْفَتْح الْمَعْلُوم، وَذَات ملك فِي الْإِسْلَام عديد الجيوش، خافق الْأَعْلَام، غَنِي بالشهرة عَن الْإِعْلَام سكنها مُلُوك الأدارسة الْكِرَام، والصناهجة الْأَعْلَام، ثمَّ بَنو نصر، أنصار الْإِسْلَام، وجيشها الْيَوْم مَشْهُور الْإِقْدَام، مُتَعَدد المين على مر الْأَيَّام وتجارها تعقد لِوَاء خافقا، وتقيم للْجِهَاد سوقا نافقا، وتركض الْخُيُول السانحة، وتعامل الله على الصَّفْقَة الرابحة، وكفاها أَنَّهَا أم للعدة من الثغور والحصون والمدن ذَات الْحمى المصون، وشجرة الْفُرُوع الْكَثِيرَة والغصون، وَمَا مِنْهَا إِلَّا معقل سَام، وبلد بِالْخَيْلِ وَالرجل مترام وغيد حام يحتوي بهَا ملك اذخ، ونسيق فِيهَا للسُّلْطَان فَخر باذخ، واين سلامن هَذِه المزية، والشنعة الْعلية، أَيْن الْجنُود والبنود والحصون تزور مِنْهَا الْوُفُود، وَإِن كَانَ بعض الْمُلُوك اتخذها دَارا واستطانها من أجل الأندلس قرارا، فَلَقَد تمّ وَمَا، أتم وَطَلَبه تمّ، ولنقل فِي الحضارة بِمُقْتَضى الشواهد المختارة، وَلَا كالحلي وَالطّيب، وَالْحلَل الديباجية والجلاليب، والبساتين ذَات المرأى العجيب، والقصور المبتناة بسفوح الْجبَال، والجنات الوارفة الظلال والبرك الناطقة بالعذب الزلَال، والملابس المختالة فِي أفنان الْجمال، والأعراس الدَّالَّة على سَعَة الْأَحْوَال، والشروات الْمقدرَة بالآلاف من الْأَمْوَال
وَأما سلا، فأحوال رقيقَة، وَثيَاب فِي غَالب الْأَمر خَلِيقَة، وذمم منحطة
(2/357)

فقيرة، وقيسارية حقيرة، وزيت مجلوب، وحلى غير مَعْرُوف وَلَا مَنْسُوب، تملأ مَسْجِدهَا الْفَذ الْعدَد والأكسية، وتعدم فِيهَا أَو تقل الطيالس والأردية، وتندر البغال، وَتشهد بالسجية البربرية الْأَصْوَات واللغات والأقوال وَالْأَفْعَال، وَأما الْعِمَارَة فَأَيْنَ يذهب رايدها، وعلام يعول شَاهدهَا، وَمَا دَار عَلَيْهِ السُّور متراكم متراكب، منسحبة مبانيه كَمَا تفعل العناكب، فناديقه كَثِيرَة، ومساجده أثيرة، وأرباضه حافلة، وَفِي حلل الدوح رافلة، وسككه غاصة وأسواقه بالدكاكين متراصة، أقسم لربض من أرباضها، أعمر من مَدِينَة سلا، وَأبْعد عَن وجود الخلا، وأملي مهما ذكر الملا، بلد منخرق مُنْقَطع مفترق، ثلثه مَقْبرَة خَالِيَة وَثلثه خرب بالية، وَبَعضه أخصاص وأقفاص ومعاطن وقلاص، وأواري بقر تحلب، ومعاطن سايمة تجلب. وَأما الْإِمَارَة فمالقة الْقدح الْمُعَلَّى والتاج الْمحلى، وَهِي على كل حَال بِالْفَضْلِ أولى، حَيْثُ مناهل الْمُخْتَص، وَالْخَارِج الأفيح الفحص، وسلا لَا تَأْكُل إِلَّا من غزرة حالب، لَا من فلاحة كاسب
ومالقة مجتزية بِنَفسِهَا فِي الْغَالِب، محتبسة من شرقها وغربها بِطَلَب الطَّالِب وَأما النضارة، فَمن ادّعى أَنه لَيْسَ فِي الأَرْض مَدِينَة أخطر مِنْهَا جنابا، وَلَا أغزر مِنْهَا غروسا وأعنابا، وَلَا أرج أزهارا، وَلَا أَضْوَأ أَنهَارًا، لم تكذب دَعْوَاهُ وَلَا أزرى بِهِ هَوَاهُ، انما هِيَ كلهَا روض، وجابية وحوض، بساتين قد رقمتها الْأَنْهَار وترنمت بهَا الأطيار.
وسلا بلد عديم الظلال، أجرد التلال، إِذا ذهب زمن الرّبيع، وَالْخصب المريع، صَار هشيما، وأضحى مَاؤُهَا حميما، وانقلب الْفَصْل عذَابا أَلِيمًا. أما المساكن فحسبك مَا بمالقة من قُصُور بيض، وَملك طَوِيل عريض، جنَّة السَّيِّد، وَمَا أدريك بهَا من جنَّة دانية القطوف، سامية السقوف، ظَاهِرَة المزية والشفوف، إِلَى
(2/358)

غَيرهَا مِمَّا يشذ عَن الْحصْر إِلَى هَذَا الْعَصْر، والجنات الَّتِي مَلَأت السهل والجبل، وتجاوزت الأمل، بِحَيْثُ لَا أَسد يمْنَع من الإضحار بالعشى والأسحار، وَلَا لص يسجن بِسَبَبِهِ فِي الديار. . وَأما سلا، وان كَانَ بهَا للْملك دور وقصور، وَلأَهل الْخدمَة بِنَا مَسْتُور، فَهُوَ قَلِيل، وَلَيْسَ لِلْجُمْهُورِ إِلَيْهِ سَبِيل. وَأما المساكن بمالقة بَين رَاض قيد الْحَيَاة، ومنتقل من جناتها إِلَى روضات الجنات، فأكبر بِهِ أَن يفاضل، أَو يُجَادِل فِيهِ أَو يناضل، وَلَا شَاهد، كالصلات الْبَاقِيَة المكتتبة والتواريخ المقررة الْمرتبَة، فاستشهد مغرب الْبَيَان وتاريخ ابْن حَيَّان، وتاريخ الزَّمَان، وَكتاب ابْن الفرضي وَابْن بشكوال وصلَة ابْن الزبير القَاضِي، وَمن اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الرِّجَال، وصلَة ابْن الْأَبَّار، وتاريخ ابْن عَسْكَر وَمَا فِيهِ من الْأَخْبَار، وبادر بالإماطة عَن وَجه الْإِحَاطَة، ترى الْأَعْلَام سامية، وأدواح الْفُضَلَاء نامية، وأفراد الرِّجَال، يضيق بهم رحب المجال، وسلا المسكينة لَا ترجو لعشرتها إِلَّا ابْن عشرتها، مُهْملَة الذّكر، والإشادة عاطلة من حلى تِلْكَ السِّيَادَة، وَإِن كَانَ بهَا أصل مجادة، وسالكي سَبِيل زِيَادَة، فكم بمالقة من ولي، وَذي مَكَان على، وَمن طنجالي وساحلي، وَهَذِه حجج لَا تدفع، ودلايل إنكارها لَا ينفع، فَمن شا فليوثر الْإِنْصَاف بالإنصاف، وَمن شا فليوثر الْخلاف وسجايا الأخلاف فَأَنا يعلم الله قد عدلت لما حكمت، وَدفعت لما ألمت، وَسكت عَن كثير، وجلب فضل أثير، إِذْ لم تخرج إِلَيْهِ ضَرُورَة الْفَخر، وَلَا دَاعِيَة الْقَهْر، وَلَو شيت لجليت من أَدِلَّة التَّفْضِيل، مَا لَا يدْفع فِي عقده، وَلَا سَبِيل نَقده، لَكِن الله أغْنى عَن ذَلِك، وَكفى بِهَذِهِ المسالك [بَيَانا للسالف] وفضلا بَين الْمَمْلُوك وَالْمَالِك، وَالله يَشْمَل الْجَمِيع بنعماه، ويتغمد الْحَيّ وَالْمَيِّت برحماه وَفضل الخطة أَن لمالقة المزية بجلالها وكمالها، وَحسن أشكالها [ووفور مَالهَا، وتهدل ظلالها،
(2/359)

وشهرة رجالها وطرق صنايعها وأعمالها، ولسلا الْفضل لَكِن] على أَمْثَالهَا ونظايرها من بِلَاد الْمغرب وأشكالها إِذْ لَا يُنكر فضل اعتدالها، وأمنها من الْفِتَن وأهوالها عِنْد زِلْزَالهَا، ومدفن الْمُلُوك الْكِرَام بجبالها، ومالقة قطر من الأقطار، ذَوَات الأقدار والأخطار، وَتَحْصِيل الأوطار، وسلا مصب الأمطار، ومرعى القطار، وبادية بِكُل اعْتِبَار، وَهنا تلقى عَصا التسيار، ونفض من عنان الْإِكْثَار وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل.
(2/360)

فَمن ذَلِك مَا صدر عني مِمَّا ثَبت فِي
" كتاب التَّاج الْمحلي ومساجلة الْقدح المعلي "
فِي وصف أبي جَعْفَر بن الزيات
علم الْأَعْلَام، وخاتمة شُيُوخ الْإِسْلَام، تجرد لِلْعِبَادَةِ فِي ريعان شبابه، ولازم جناب الله وَأكْثر الْوُقُوف بِبَابِهِ، وَلم تزل الفتوحات القدسية، تعرض عَلَيْهِ أذواقها، والمحبة الربانية تطلع إِلَيْهِ أشواقها، وتدير لَدَيْهِ دهاقها، حَتَّى قلع لِبَاس البدنيات الدنيات، وَنزع نطاقها، وَبث أَسبَاب هَذِه الأكوان ذَوَات الألوان وأزمع فراقها، فَأصْبح فَردا تُشِير إِلَيْهِ الْأَبْصَار، وتنال ببركته الأوطار، وتجدي لرويته الأقطار، ودعى إِلَى السفارة فِي صَلَاح الْمُسلمين فَأجَاب، وسعى فِي إخماد الْفِتْنَة، فانجلى لَيْلهَا وانجاب، وأعمل فِي مرضاة الله لإقتاب، وخاض الْعباب، وَكَانَ ببلش بَلَده منتج رايد، ومعدن فرايد، وفجر الله ينابيع الْحِكْمَة على لِسَانه، وَجعل زِمَام الفصاحة طوع إحسانه، دون النّظم فِي شَتَّى الْفُنُون، وجلى أبكار المعارف، فوقد المطارف للعيون، وَكَانَ يقْعد بمسجدها الْجَامِع فيدرس ويحلق، وينعرب ويخلق، فَيَأْتِي من الْإِعْرَاب بالأغراب، وَيتَكَلَّم فِي التَّفْسِير بِغَيْر الْيَسِير، ويلمع من التَّعْلِيل لَا بِالْقَلِيلِ، وَيُشِير إِلَى فريقه برموز طَرِيقه، وَلما نَادَى بِهِ مُنَادِي فِرَاقه، وغيب الدَّهْر نور إشراقه، بَكت عَلَيْهِ هَذِه الربوع دَمًا، وَأصْبح وجودهَا عدما، وَقد أثبت من آدابه وشعره مَا يشْهد بسعة صَدره، وَيدل على قدره.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْحسن القيجاطي
أَخطب من صعد المنابر وارتقاها، وأفصح من هذب الْعبارَة وَأَلْقَاهَا، واستجادها وانتقاها، نجم ببادية الشرق، وتألق فِي أفقها تألق الْبَرْق، وَلم
(2/361)

تزل رتبته فِي ارْتِفَاع، وبدائعه نَار على بقاع حَتَّى استأثرت الحضرة بِهِ على مَا سواهَا، فأحرز فِيهَا الْغَايَة وحواها، وَنشر مطارف المعارف وَمَا طواها، فنفق للأدب سوقا، بسقت فروعها بسوقا، وقلد نحر الْعَصْر من عقوده درا منسوقا، ثمَّ تقدم خَطِيبًا بمسجدها الْجَامِع، فقرط بألفاظه الرائقة عاطلة المسامع، وأسال بمواعظه الْبَالِغَة دُرَر المدامع، وَهُوَ منجب الحلبة ومخرجها، وموقد الأذهان ومسرجها، خبا بوفاته للْعلم كوكبه الثاقب، ووريت بمواراته المفاخر والمناقب، وَله نظم تقطرت الْمجَالِس بجرياله وتعلقت المحاسن بأذياله، ونثر حسدت عُقُود الغانيات درره، وَغَارَتْ النُّجُوم الزهر لما اجتلت غرره،
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي إِسْحَق بن العَاصِي
سَابق حلبة للْعلم وَالدّين، والمستولي على قصب السَّبق فِي تِلْكَ الميادين، أَتَت طريف مِنْهُ بطرفة رائقة، وَأغْرب مِنْهُ هَذَا الْمغرب بروض تحسد الرياض حدايقه، ورد على الحضرة، فَقَامَتْ لَهُ على رجل، وأفعمت لَهُ من المبرة كل سجل، فاتخذها دَارا، وملأ هالاتها أبدارا، وانتظم لأوّل حُلُوله فِي حلبة الْكتاب والعهد قشيب، وُفُود الْوَقْت لم يرعه للمقت مشيب، وَالرّبع آهل، وَالدَّار فِي الرفد ناهل، فتميز بخصائصه الْحسنى، وتأهل للمحل الْأَسْنَى، وَفد للجملة بعد فقد صدرها، وأفول بدرها، وحلول شمسها فِي رمسها، فخلف استاذها ابْن الزبير خير خلف، وأصمت لِسَان من أنْشد فِيهِ " إِنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دلف " وَصعد الْمِنْبَر، فَجلت الخطوب خطبه، وهز مِنْهُ الْجذع، فتساقطت رطبه، فأبكى الْعُيُون الجامدة، وأثار العزايم الخامدة، وَأخذ بقلوب الدهماء فاستمالها وَبلغ مِنْهُم الْغَايَة الَّتِي أَرَادَ ونالها، وَحمل نَفسه باخرة على الْجُود، والإتيان بالحاضر الْمَوْجُود، فَكَانَ للْفُقَرَاء شمالا وللمعتقين مِثَالا وللعصر زينا وجمالا.
(2/362)

وَمضى لسبيله رَحمَه الله، فقيدا أسَال الْغُرُوب، وهاج للأشجان الحروب، وَكَانَ لَهُ أدب أنيق الشارة، حسن الْإِشَارَة.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْقَاسِم بن جزي
مُجْتَهد عاكف، وَروض فنون جاده، من الْعلم كل واكف، أَقَامَ رسم مجده، وَرفع عمد بَيته فِي قبَّة الْعلم ونجده فَأصْبح صدر بَلَده، وأنجب خلفين كريمين من وَلَده، وَفرغ للْعلم من جَمِيع أَعماله، وتفيأ رياض دواوينه من عَن يَمِينه وشماله، وَاقْتصر على طلب كَمَاله مَعَ وفور ضيَاعه، ونمو مَاله، فدون الْكثير وصنف، وقرظ المسامع وشنف، وترقى إِلَى المكارم، وَهِي مَا هِيَ من جلالة للرتبة، وسمو الهضبة، ففرع سنامها، وَرفع أعلامها، وغصن شبابه ناضر، [وزمن فتايه حَاضر] فَوَقع عَلَيْهِ الِاتِّفَاق وانعقد على فَضله الْإِجْمَاع والإصفاق، وَلم يزل يسْلك طَرِيق الْمُجْتَهدين، فدون فِي الْفِقْه الدَّوَاوِين، وسفر فِي علم اللِّسَان عَن وُجُوه الْإِحْسَان، ورحل فِي علم التَّفْسِير إِلَى كل طية، وركض فِي أغراضه كل مَطِيَّة، حَتَّى أنسى الزَّمَخْشَرِيّ وَابْن عَطِيَّة، وَله من الْأَدَب حَظّ وافر، وَمذهب عَن الْحسن سَافر.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي البركات البلفيقي
وَاحِد الفئة، وَصدر من صُدُور هَذِه المئة، وَرجل هَذِه الْحَقِيقَة وَابْن رجالها، وَعلم هَذِه الطَّرِيقَة وَفَارِس مجالها، وتحفة الدَّهْر الَّتِي يقل لَهَا الكفا، وَبَقِيَّة السّلف الَّتِي يُقَال عِنْدهَا على آثَار من ذهب العفا، مَا شِئْت من شرف زاحم الثريا بمناكبه، ومجد خَفَقت بنود الْعلم فَوق مواكبه، وَحسب توارثه كَابر عَن كَابر، وأصالة تأصلت أدواحها بَين بطُون المحاريب وَظُهُور المنابر، ونشأة سحبت من العفاف ذيلا، وغضت الطّرف حَتَّى عَن الطيف لَيْلًا، وَمَعْرِفَة تساجل لجتها.
(2/363)

وَلَا تراجع حجتها، ونغمة فِي تِلَاوَة الْقُرْآن، يخر لَهَا النَّاس على الأذقان، وَلما أمعن فِي المعارف كل الإمعان، ومنهومان كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام، لَا يشبعان، تشوف إِلَى الرحلة عَن بِلَاده، وزهد فِي طَرِيقه وتلاده، وَأخذ الحَدِيث عَن أَهله، وَذهب من الْعلم فِي خزنه وسهله، وَبلغ الْغَايَة، حَتَّى حط رَحْله ببجايه، وَبهَا علم الدّين وناصره، وَروض الْعلم الَّذِي أخصب جانيه وخاصره، ففاز بلقائه ونهل فِي سقايه، وَصرف فهمه الثاقب إِلَى إلقاية، واقتنى من كنوز رحْلَة مَالا يخَاف عَلَيْهِ النفاد، قدم على قراره مجده قدوم النسيم الْحِجَازِي من نجده، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ الأحداق واشرأبت إِلَى طلوعه الْأَعْنَاق، وَلم تزل بدائعه تتقلدها الصُّدُور، ومحاسنه تغار بهَا الشموس والبدور، والسعادة توافيه، والخطط الشَّرْعِيَّة تنافس فِيهِ، وخطبته الْآن خطابة قطره، وَهُوَ كفؤها وَابْن أكفائها، ومحيى رسومها بعد عفائها، فَتلقى رايتها بِيَمِينِهِ، واستحقها بسلفه وَعلمه وَدينه.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر بن خَمِيس
قريع بَيت صَلَاح وَعبادَة. ورضيع ثدي دين ومجادة، كَانَ بالخضراء بَلَده رَحمَه الله، صدر صدورها، وواسطة شذورها، وخطيب حفلها وَإِمَام فَرضهَا ونفلها، وباشر حصارها، وعانى على العصور إعصارها، وَله دُعَاء مستجاب وخواطر لَيْسَ بَينهَا وَبَين الْحق حجاب وبركة تظهر عَلَيْهِ سيماها، وديانته لَا تقرب الشُّبُهَات حماها وبلاغة لَا يشح ينبوعها، وَلَا تقفر من الْمعَانِي ربوعها، يَدْعُو الْفقر فيذعن عاصيها، وَينزل عصم الْمعَانِي من صياصيها، وَقضى رَحمَه الله فَتغير ذَلِك الْقطر لذهابه، وأظلم ذَلِك الْأُفق فول شهابة.
فِي وصف أبي زَكَرِيَّا ابْن السراج
حَامِل فنون جمة، وَصَاحب نفس بمعادها مهتمة، شمر فِي زمَان الشبيبة عَن
(2/364)

سَاقه واجتنى ثَمَرَة الْعلم من بَين أوراقه، وَجمع الْكثير من مختلفاته على بعد شامه من عراقه، حَتَّى اِنْفَسَحَ فِي الْمعرفَة مجاله وَشهِدت لَهُ بالإجادة شُيُوخه وَرِجَاله، وَهُوَ الْآن خطيب معقل الْجَبَل حرسها الله على طَريقَة عَرَبِيَّة، وحاله من الله قريبَة، ملازم لظل جِدَاره، منقبض فِي كن دَاره ذُو همة يحسدها النَّجْم على بعد مَدَاره، ورفعة مِقْدَاره. لَقيته وَالْحَال سقيمة، والمحلة بِظَاهِر جبل الْفَتْح مُقِيمَة، والعدو فِي الْعدوان مستبصر، والردى محلق، وحزب الْهدى مقصر، فَرَأَيْت رجلا بَادِي السكينَة وَالْوَقار، نَاظرا للدنيا بِعَين الاحتقار زاهدا فِي المَال وَالْعَقار، صَاحب دمعة مجيبة، ومجالسة عَجِيبَة، فَكَانَ لقاؤه فَائِدَة الرحلة الْعَظِيمَة العنا، وموجبا لَهَا حسن الثنا، وَله قسم من البلاغة وافر، وقسام فِي اللِّسَان سَافر.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر بن أبي خَالِد
سَابق لَا تدْرك غَايَته، وَبَطل لَا تحجم رايته، وبليغ تزرى بالإفصاح كنايته،، طلع بذلك الْأُفق وَنجم، وصاب عَارض بَيَانه وانسجم، وعجم من عود البلاغة مَا عجم، فأطاعته القوافي والأسجاع، وَأَدَّاهُ إِلَى روض الإجادة الانتجاع، وَلم يزل يشحذ قريحته الوقادة ويستدعيها، وَيسمع الحكم ويعيها حَتَّى توفرت فِي البراعة أقسامه، وطبق مفاصل الْخطاب حسامه، مطرز المهارق ووشاها، ونضج أسرار البلاغة وأفشاها، وأنى من الرسائل بالأبى السَّائِل، إِلَى الدّين الَّذِي لَا تغمز قناته، والخلق الَّذِي يرضى الله حلمه وأناته، وَهَذَا الْخَطِيب وَابْن عَمه فَارِسًا رهان، ومقدمتا برهَان، وعلما بَيَان، ورضيعا لبان، لَكِن النثر أغلب على لِسَانه، والخطابة أعرق فِي نِسْبَة إحسانه.
(2/365)

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي سعيد بن لب
سَابق ركض ملئ عنانه، وشارق طلع فِي أفق أَوَانه، أورى لَهُ زند الذكا اقتراحا، وأجال فِي كل فن قداحا، فَجلى فِي ميدان الإجادة وبرز، وطوف الْمجَالِس وطرز، فَإِن نقل أوضح الْعبارَة وصقل، وَإِن نظر وَبحث، نشر رمم المعارف وَبعث، وَإِن بَين وَعلم، أقره المنازع وَسلم، إِلَى خلق أطيب من الراح، وأصفى من المَاء القراح، وَله فِي فَرِيضَة الْأَدَب سهم، وَفِي معاناة الْمعَانِي تَحْقِيق لَا يدْخلهُ وهم، وَتقدم للخطابة بِبَعْض أرباض الحضرة، فوفى الرُّتْبَة حَقّهَا، وسلك من الدّيانَة طوقها
فِي وصف أبي يزِيد خَالِد بن أبي خَالِد
إِمَام بادية، وصادع بِذكر الله فِي كل رَائِحَة وغادية. أنس بالوحدة والانقطاع، وتعلل بِقَلِيل الْمَتَاع، وانقبض وتقشف وَقبل ثغر الْحَقِيقَة وترشف وَأكْرم بِهِ من مَجْمُوع خصل، وضارب [فِي صرف الْقبُول] بنصل إِلَى أَخْلَاق بَيِّنَة الْحَلَاوَة، ونغمة طيبَة عِنْد التِّلَاوَة، وأدب عطر الجربال، موشى الطّور والأذيال
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله الْيَتِيم
مَجْمُوع أدوات حسان من خطب ونغمة ولسان، أخلاقه روض تضوع نسماته، ونشره صبح تتألق قسماته وَلَا تخفى سماته، يقرطس أغراض الدعابة ويصميها ويفوق سِهَام الفكاهة إِلَى مراميها، فَكلما صدرت فِي عصره قصيدة هازلة، أَو أَبْيَات منحطة عَن الإجادة نازلة، خس أبياتها وذيلها، وَصرف مَعَانِيهَا وسيلها، وَتركهَا سمر الندمان وأضحوكة الزَّمَان، وَهُوَ الْآن، خطيب الْمَسْجِد الْأَعْلَى
(2/366)

من مالقة، متحل بوقار وسكينة، حَال من أَهلهَا بمكانة مكينة، لسُهُولَة جَانِبه، وإيضاح مقاصده فِي الْخَيْر ومذاهبه، واشتغل لأوّل مرّة بالتعليم والتكتيب، وَبلغ الْغَايَة فِي الْوَقار وَالتَّرْتِيب، والشباب لم ينصل خضابه وَلَا سلت للمشيب عصابه، وَنَفسه بالمحاسن كلفة صبة، وشأنه كُله هوى ومحبة.
فِي وصف أبي عبد الله الجزيري الْخياط
أديب على السّنَن سالك، وبليغ لزمام القَوْل مَالك، كَانَ رَحمَه الله خَطِيبًا بثغر وبره، تولى لله جبره، وَأعَاد إِلَى ملكة الْإِسْلَام أمره، على طَريقَة مثلى وسيرة فَضلهَا يُتْلَى. أَخذ فِي فنون، ومحاضر من الْأَدَب بعيون، وَكَانَ رصافي الانتحال والحرفة، وَكم بَين الراح المشوبة والصرفة. وَلم أظفر من نظمه على كثرته، وتألق أسرته، إِلَّا بِأَبْيَات نَسَبهَا إِلَيْهِ بعض أَصْحَابه المعتنين بِنَقْل أدبه.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله البدوي
خطيب طلق اللِّسَان، وأديب رحب الْإِحْسَان، تشرف بالرحلة الحجازية، وَلبس من حسن الحجازية، ثمَّ أسْرع بِبَلَدِهِ فحط القتادة والرحل، وَأَقْبل عَلَيْهِ إقبال الغمامة على الْمحل، فَعظم بِهِ الِاغْتِبَاط. وتوفر إِلَى تَقْدِيمه فِي الخطابة النشاط. وَلم تثن عَن الْغَرَض فِيهِ الدعابة والانبساط. وَهُوَ الْآن خطيب بهَا. يُحَرك الْجَامِع ويقرط المسامع. وَيُرْسل من الجفون المدافع. وَله فِي الْعَرَبيَّة حَظّ وافر. وَفِي الْآدَاب قسام سَافر.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر بن فركون
شيخ الْجَمَاعَة وقاضيها، ومنفذ الْأَحْكَام وممضيها، وشايم سيوفها المنتضاة ومنتضيها، كَانَ رَحمَه الله لجا لَا يساجل موجه، وفرندا لَا بتعاطي أوجه، تقدم بِذَاتِهِ وَنَفسه على أَبنَاء جنسه، وأربى فِي الْفضل يَوْمه على أمسه، فَهدر هدرة
(2/367)

البازل، وَتقدم فِي استنباط الْأَحْكَام وَمَعْرِفَة النَّوَازِل، إِلَى وقار تود رضوى رجاحته، وَصدر تحسد الأَرْض العريضة ساحته، ونادرة يدعوها فَلَا تتَوَقَّف، وتلقى عصاها فتتلقف. وَكَانَ لَهُ فِي الْأَدَب مُشَاركَة، وَفِي قريضة النّظم حِصَّة مباركة
فِي وصف أبي جَعْفَر بن أبي حَبل
فذ تثنى عَلَيْهِ الخناجر، وَصدر لَا يحصر فضايله حاصر، وقاض يريش سِهَام الْأَحْكَام ويبريها، ويزيل بنظره الشُّبْهَة الَّتِي تعتريها، ويطبق مفاصل الْفَصْل بذهنه الزلق النصل فيبريها، تولى الأقطار فازدانت، وتقلد الْأَحْكَام فلاحت المعدلة وَبَانَتْ، وَظَهَرت الْحُقُوق الشَّرْعِيَّة لأَهْلهَا حَيْثُ كَانَت. وَأما الْأَدَب فَكَانَ رَحمَه الله سَابق حلبة زَمَانه ومجلسها، ومتناول رايته ومتوليها وَإِن كَانَ لغير فن من الْأَدَب مصروفا، وبالعلوم الشَّرْعِيَّة مَعْرُوفا.
فِي وصف أبي بكر بن شبرين
خَاتِمَة الْمُحْسِنِينَ، وقدوة الفصحاء اللسنين. قريع بَيت ترحم النُّجُوم بكاهله، وَورد من الْمجد أعذب مناهله، مَلأ الْعُيُون هَديا وسمتا، وسلك من الْوَقار طَريقَة لَا ترى فِيهَا عوجا وَلَا أمتا، فَمَا شيت من فضل ذَات وبراعة أدوات. إِن خطّ نزل ابْن مقلة عَن دَرَجَته وانحط، وَإِن نظم ونثر تبِعت البلغاء ذَلِك الْأَثر، وَإِن تكلم نصت الحفل لاستماعه، وَشرع لدرره النفيسة صدف اسماعه، وَفد على الأندلس، عِنْد كائنة سبتة، وَقد طوحت النَّوَى برحاله، وظعن عَن ربعه لتوالي أمحاله، وَكَانَ مصرف الدولة ببلادها، والمستولى على طارفها وتلادها، ومعرس الْآدَاب ومقيلها، وقاعش العثرات ومقيلها، أَبُو عبد الله بن الْحَكِيم قدس الله هداه وَسَقَى منتداه، فاهتز لقدومه اهتزاز الصارم، وتلقاه تلقى الأكارم، وأنهض إِلَى الْغَايَة آماله [وَألقى لَهُ قبل الوسادة مَاله] ونظمه فِي سمط الْكتاب، وأسلاه عَن أَعمال
(2/368)

الأقتاد والأقتاب، وَلم يزل زمامه يتَأَكَّد فِي هَذِه الدول، ويربى لَهُ الْآتِيَة مِنْهَا على الأول، فتصرف فِي الْقَضَاء بجاتها، ونادته الْعِنَايَة هاك وهاتها، فجد وعهد حكامها الْعُدُول من سلفه وقضاتها، وَله الْأَدَب الَّذِي تحلت بقلايده اللبات والنحور، وَقصرت عَن جواهره النحور , وَسمر من ذَلِك تضاعيف هَذَا الْمَجْمُوع مَا يشْهد بسعة درعه، ويخبر بكرم عنصره، وَطيب نبعه.
فِي وصف أبي الْقَاسِم الْخضر بن أبي الْعَافِيَة
فَارس ميدان الْبَيَان، وَلَيْسَ الْخَبَر كالعيان، وحامل لِوَاء الْإِحْسَان لأهل هَذَا اللِّسَان، دخل فِي حلل البدايع فسحب أذيالها، وشعشع أكواس العجايب، فأدار جريالها، واقتحم على الفحول أغيالها، وطمح إِلَى الْغَايَة الْبَعِيدَة فنالها، وتذوكرت المخترعات فَقَالَ أنالها، عكف واجتهد، وبرز إِلَى مقارعة المشكلات ونهد، فَعلم وَحصل، وَبلغ الْغَايَة وتوصل، وَتَوَلَّى الْقَضَاء، واضطلع بِأَحْكَام الشَّرْع، وبرع فِي معرفَة الأَصْل وَالْفرع، وتميز فِي الْمسَائِل بطول الباع وسعة الذِّرَاع، فَأصْبح صَدرا فِي مصره، وغرة فِي صفحة صَدره.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي إِسْحَق بن جَابر الْوَادي آشى
فَحل هادر، وبليغ على الْكَلَام قَادر، اهتز لَهُ الْعَصْر على رجاحة أطواده، وَظهر لَهُ الْفضل على كَثْرَة حساده، وَلما أجلى فِي منصة الإبداع بَنَات فكره، وجاس عقايل الْحَيّ الْحَلَال ببكره، طُولِبَ بِإِثْبَات تِلْكَ الْبُنُوَّة، وَقيل هَذَا الْجمل، وَهَذِه الكوة، فخاصم حَتَّى أظهر الْحق، وتمم فَاسْتحقَّ، وذيل ووطى، وَتجَاوز الْغَايَة الْبَعِيدَة وتخطى، وَلم تزل بدائعه فِي اشتهار، وروضات آدابه ذَوَات أزهار، وَتصرف فِي الْكِتَابَة فَكَانَ صدر ناديها، وقلادة هاديها، وَولى خطة الْقَضَاء فِي هَذِه الْمدَّة، وَقد ناهز اكتهاله وَبلغ أشده فحسنت سيرته،
(2/369)

وأثنت عَلَيْهِ لكل عماله جيرته، وَله نفس إِلَى الْعلم مرتاحة، وخواطر تنْتج مِنْهُ كل ساحة، هام فِيهِ بِكُل مُسْتَحِيل وَجَائِز، وكلف حَتَّى بعلوم الْعَجَائِز. وشعره جزل الأسلوب، وعذب فِي الأفواه والقلوب.
فِي وصف أبي عبد الله بن غَالب الطريفي
طَوِيل القادمة والخافية، مُحكم لبِنَاء الْبَيْت وتأسيس القافية، صَاحب طبع معِين، وَآت من القصائد بحور عين. عكف على النّظم فِي جيله، عكوف الراهب على إنجيله، وَلم يزل يفوق إِلَى كل غَرَض سهامه، ويستسقى صيته وجهامه، ويهز ماضيه وكهامه، حَتَّى اشتهرت أبياته وحفظت بدايعه وروياته، وَتصرف فِي الْقَضَاء فاستقام أوده، وَانْطَلَقت يَده، وَكَانَ لَهُ وفادة على ملك هَذِه الدول فِي العصور الأول، نظم فِيهَا ومدح، وقدح من قريحته مَا قدح، وَتوفى بِبَلَدِهِ عَن سنّ عالية وزمانة مُتَوَالِيَة. وَلما شرع الْمُؤلف فِي تأليف هَذَا الْكتاب، بعث إِلَيْهِ بعض أهل بَلَده، مِمَّن عَنى بِحِفْظ الطروس. وإحيائها بعد الدُّرُوس بمهارق أكل الدَّهْر مِنْهَا مَا تجسم، وانتهبها الدَّهْر مَا شَاءَ وتقسم، فَأثْبت لَهُ مِنْهُ مَا ينظر فِي مَحَله إنْشَاء الله.
فِي وصف أبي الْقَاسِم الْمَعْرُوف بِابْن الجقالة
صدر فِي الْقُضَاة. وينبوع للخلال المرتضاة. وطابع لسيوف الْكَلم المنتضاة. نَشأ بِبَلَدِهِ رندة. حرسها الله. صدر سكانها. وفضيلة زمانها، وَعين أعيانها، وحامل لِوَاء بَيَانهَا. وَلم يزل يسْلك من الْفضل على السّنَن الْمَأْثُور. ويركض جِيَاد المنظوم والمنثور، فأغرب الغرب بآدابه، وَتعلق الْإِحْسَان بأهدابه. وَتَوَلَّى الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فأجال قداحها، وَقرر مكروهها ومباحها، وَتَنَاول الْمسَائِل فأبان صباحها، حَتَّى [فاضت فِيهِ] السرائر، وعقدت على حبه الضمائر، وَطَابَتْ
(2/370)

فِيهِ الخواطر، وتضوع من ثنائه الْمسك العاطر، وَأَقْعَدَهُ لهَذَا الْعَهْد الْكبر، وحوم عَلَيْهِ الْأَجَل المنتظر، فتعطلت لضَعْفه تِلْكَ السُّوق، وَعدم لعدم بَيَانه الدّرّ المنسوق.
وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْحجَّاج المنتشافري
حَسَنَة الدَّهْر الْكثير الْعُيُوب، وتوبة الزَّمَان الجم الذُّنُوب، ماشيت من بشر يتألق، وأدب تتفطر لَهُ السمات وتتخلق، وَنَفس كَرِيمَة الشَّمَائِل والضرائب، وقريحة يقذف بحرها بِمَاء الغرائب، إِلَى خشيَة لله تَعَالَى تحول بَين الْقُلُوب وقرارها، ومراقبة تثنى النُّفُوس عَن اغترارها، ولسان يبوح بإشراقه، وجفن يسخو بدرر آماقه، وحرص على لقا أهل الدّيانَة وَالْأَدب، ويحث عَمَّن يمت إِلَى الْعلم وَالْعِبَادَة بِسَبَب، سبق بقطرة الحلبة، وَنزع من الْأَدَب الهضبة، وَرفع الرَّايَة، وَبلغ الْغَايَة، فطارت قصائده كل المطار، وتغنى بهَا رَاكب الْفلك وحادي القطار، وتقلد خطة الْقَضَاء بِبَلَدِهِ وانتهت إِلَيْهِ رياسة الْأَحْكَام بَين أَهله وَولده، فوضحت الْمذَاهب بِفضل مذْهبه، وَحسن مقْصده، وَله شِيمَة فِي الْوَفَاء يعلم مِنْهَا الآس، ومؤانسة لَا تستطيعها الأكواس.
فِي وصف أبي