Advertisement

ربيع الأبرار ونصوص الأخيار 001


الكتاب: ربيع الأبرار ونصوص الأخيار
المؤلف: جار الله الزمخشري توفي 583 هـ
الناشر: مؤسسة الأعلمي، بيروت
الطبعة: الأولى، 1412 هـ
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجزء الاول
المقدمة
: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الزمخشري (467- 538 هـ)
نسبه:
هو محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، أبو القاسم، الإمام الكبير في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان.
ولد يوم الأربعاء السابع والعشرين من رجب سنة 467 هـ بزمخشر من قرى خوارزم في عهد السلطان جلال الدين والدنيا أبي الفتح ملكشاه، الذي ازدهرت في عهده التجارة والصناعة، وزهت الآداب والفنون، وكان يعاونه في إدارة شؤون المملكة نظام الملك (قتل سنة 485 هـ) . وهو أقدر وزراء الإسلام في عصره.
عصره:
عاش الزمخشري في فترة ضعف الخلافة العباسية وانحلالها، وعاصر من الخلفاء العباسيين:
1- عبد الله المقتدي بالله ابن محمد بن القائم (467- 487 هـ) .
2- أحمد المستظهر بالله ابن المقتدي (487- 512 هـ) .
3- الفضل المسترشد بالله ابن المستظهر (529 هـ) .
4- المنصور الراشد بالله ابن المسترشد (529 هـ) .
(1/5)

5- محمد المقتفي بالله ابن المستظهر (529- 555 هـ) .
وتعاقب في الاستيلاء على السلطة والنفوذ في بغداد كل من آل بويه والأتراك السلاجقة، وظهرت دولة الخوارزمية، من خراسان إلى ما وراء النهر، ثم الدولة الفاطمية في مصر والشام (297- 567 هـ) ودولة المرابطين في المغرب والأندلس (448- 541 هـ) ثم كانت الحملة الصليبية التي انتهت بسقوط مدينة القدس سنة 492 هـ.
عاش الزمخشري في مجتمع يسوده الدين الإسلامي وتسيطر فيه اللغة العربية لكنه لم يخل من أقليات غير إسلامية لم تتخلّ عن تراثها الخاص وشخصيتها التقليدية ومزاجها المختلف ممّا أدّى إلى ظهور عادات لم يألفها المسلمون كانت سبقتها مناخات أسهمت في خلقها حركة الترجمة والتيارات الثقافية التي انعكست بمجملها على الفكر الديني في الإسلام وخروجه من بيئته الحضارية الخاصة واشتباكه بحضارات مجاورة كان لها تأثيرها المتفاوت في ظهور العديد من الفرق الإسلامية ممّا أدّى إلى كثير من الفتن والمحن التي أضعفت حركة التجارة وهدّدت الأمن والاستقرار فانتشرت الفوضى وعمّ الاضطراب الإجتماعي.
وعلى الرغم من هذه الحالة المزرية التي عاشها الزمخشري كانت تلوح في الأفق حركات علمية ونهضات أدبية تجلّت في بناء المدارس بتشجيع من بعض الملوك والأمراء والوزراء، والإهتمام بالكتب والمكتبات، والإنصراف إلى حلقات التدريس في المساجد ومجالس الجدل والمناظرات، وظهور علماء وأدباء أفذاذ كانوا أئمة في العلوم النقلية والعقلية، في القراءات والتفسير والحديث وعلوم التاريخ واللغة والجغرافيا والرحلات والفلسفة والشعر والأدب والمنطق ناهيك عن الفقه والفقهاء الذين كان لهم دور كبير في تفصيل المذاهب وتطويرها وتهذيبها.
اسرته:
نشأ الزمخشري في عصر ازدهرت فيه الآداب والعلوم حيث بسط فيه
(1/6)

نظام الملك حمايته ورعايته للعلماء والأدباء وأهل الفضل- في قرية زمخشر ضمن عائلة فقيرة تقية ورعة نالت قسطاً من العلم والأدب على ما يظهر لنا من أبيات الزمخشري الآتية التي يرثي بها أباه:
فقدته فاضلًا فاضت مآثره ... العلم والأدب المأثور والورع
لم يأل ما عاش جداً في تقاه يرى ... إنّ الحريص على دنياه منخدع
صام النهار وقام الليل وهو شج ... من خشية الله كابي اللون ممتقع
من المروءة في علياء متّسع ... صدراً وإن لم يكن في المال متّسع
وفي وفيات الأعيان، أن إحدى رجليّ الزمخشري كانت ساقطة بسبب قساوة الثلج وشدّة البرد، وفي أنباه الرواة أنه لما دخل بغداد واجتمع بالفقيه الحنفي الدامغاني سأله عن سبب قطع رجله فقال: «دعاء الوالدة، وذلك إني في صباي أمسكت عصفوراً وربطته بخيط في رجله، وأفلت من يدي، فأدركته وقد دخل في خرق، فجذبته فانقطعت رجله في الخيط، فتألمت والدتي لذلك وقالت: قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله، فلما وصلت إلى سن الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت رجلي وعملت عليّ عملًا أوجب قطعها» .
وعلى الإجمال فأسرة الزمخشري كانت أسرة متدينة ملتزمة بآداب الشرع وتعاليمه وهو ما أشاد به هو نفسه في الأبيات التالية:
هات التي شبهت ظلماً بشمس ضحى ... لو عارضتها لغطّتها بإشراق
استغفر الله أني قد نسبت بها ... ولم أكن لحميّاها بذوّاق
ولم يذقها أبي قبلًا ولا أحداً ... من أسرتي واتفاق الناس مصداقي
مراحل حياته:
إذا كانت كتب التاريخ الأدبي قد أهملت أخبار الزمخشري ببعض مراحل حياته، فهو نفسه قد سدّ هذا النقص وسجّل بشعره أحداث حياته ومنها نعرف أنه نشأ فقيراً في قريته زمخشر ثم انتقل إلى بخارى أو خوارزم لطلب العلم عندما بلغ سنّ الطلب فأخذ علوم عصره من منابعها الوافرة
(1/7)

الصافية، ونعرف من شعره أنه فقد، في مرحلة التحصيل العلمي هذه، والده الذي كان يعينه فقال من قصيدة:
وإن ممّا قراني حسرة وأسى ... وضاقني الكرب من جرّاه والوجع
أن عاقني شحط دار عن تفقّده ... حتى مضى وهو عن ذكراي ملتذع
يا حسرتا إنني لم أرو غلّته ... وغلّتي بزمان فيه نجتمع
قد كنت أشكو فراقاً قبل منقطعاً ... وكيف لي بعده بالعيش منقطع
هذه المرحلة، مرحلة التحصيل العلمي، كانت من أهم مراحل حياته العلمية الحافلة، حيث نضج فيها عقله، وقويت ملكاته، ووضحت شخصيته، وحصّل الكثير من العلوم الإسلامية فنبغ في الأدب: شعره ونثره حيث طارت فيها شهرته، فاتّصل بالملوك والوزراء ورجالات الدولة يمدحهم ويتقرّب إليهم لينال منصباً يضمن له المال والجاه لكنه مني بالخيبة وتحسّر من هذه الدنيا التي تضع العالم وترفع الجاهل فقال:
يا حسرتا من لي بصفقة رابح ... في متجر والفضل رأس المال
يا ويح أهل العلم كيف تأخروا ... والسّبق كل السّبق للجهّال
فإلى إلهي المشتكى وبصنعه ... دون الأنام منوطة آمالي
بعد أن تكاملت شخصية الزمخشري العلمية، بدأ بتطوير صلاته الإجتماعية التي بدأها بالتقرب من رجالات الدولة ثم أتبعها برحلاته إلى مكة واليمن وأكثر أنحاء الجزيرة والشام ليعود بعدها إلى وطنه وقد استفاد من أهل العلم والفضل وأفاد، ونستخلص من شعره أنه عاش في هذه الفترة حياة استقرار نسبي فتزوّج، غير أنه لم يوفّق في زواجه فقال:
تزوّجت لم أعلم وأخطأت لم أصب ... فيا ليتني قد متّ قبل التزوّج
فوالله ما أبكي على ساكني الثرى ... ولكنني أبكي على المتزوّج
وقد استبدل مكتبه وتلاميذه بالحياة الزوجية فقال:
وحسبي تصانيفي وحسبي رواتها ... بنين بهم سيقت إليّ مطالبي
(1/8)

ولعلّ الزمخشري لم يجد في وطنه ما تتوق إليه نفسه فتوجه ثانية، نحو سنة 516 هـ إلى بيت الله الحرام ليؤدي فريضة الحج وليقضي البقية الباقية من عمره بجوار بيت الله، وفي طريقه إليه نظم قصيدته الرائيّة التي تنضح بالزهد والتقوى والتنسّك والتمسّك بحبل الله فقال من قصيدة:
سيري تماضر حيث شئت وحدّثي ... إني إلى بطحاء مكة سائر
حتى أنيخ وبين أطماري فتىً ... للكعبة البيت الحرام مجاور
والله أكبر رحمةٍ، والله أك ... ثر نعمةٍ، وهو الكريم القادر
يا من يسافر في البلاد منقباً ... إني إلى البلد الحرام مسافر
إن هاجر الإنسان عن أوطانه ... فالله أولى من إليه يهاجر
سأروح بين وفود مكّة وافداً ... حتى إذا صدروا فما أنا صادر
حسبي جوار الله حسبي وحده ... عن كل مفخرةٍ يعدّ الفاخر
لقد استقرّ الزمخشري في مكة يصنف ويؤلف الكتب ويدرسّ بين زمزم والمقام؛ والحقيقة أن هذه المرحلة من حياته تعدّ مرحلة عطاء وإنتاج حيث كتب أشهر مؤلفاته وأنفعها، بعد أن تغيّرت نفسيته الطموحة الحاقدة الثائرة إلى نفس مطمئنة راضية قد انبسط عليها سلطان الدين الإسلامي ونقّى طبيعتها وصفّى مزاجها من كل حقدٍ وغيّ وتهالكٍ على المجد معتبراً نفسه بأنه لم يخلق إلّا للدين الإسلامي ولم يعش إلّا لخدمته، فتحلّق حوله فتيان مكة ورحّب به الأمير أبو الحسن علي بن حمزة بن وهاس ومدّ له يد العون بعد أن عرف قدره، وقصده طلاب العلم من أرجاء العالم الإسلامي يأخذون عنه حتى قال قائلهم:
أمكّة هل تدرين ماذا تضمّنت ... بمقدم جار الله منك الأباطح
به وإليه العلم ينمي وينتهي ... وفيه لأرباب العلوم المناجح
محطّ رحال الفاضلين فلم يزل ... يحطّ إليه الرّحل غاد ورائح
ولكن، على الرغم من الهدوء النفسي، وعلى الرغم من مجاورته بيت الله، وأمنه عاديات الزمن، وما حقّقه من آمال بمكة، بقي الزمخشري
(1/9)

يحن إلى وطنه ويرغب في العودة إليه، فقد نسي ما لاقاه من مرّ العيش، فوطنه الذي لم تتفتّح فيه برعمة واحدة من أماليه وأمانيه، هو وطنه الذي تتوق إليه نفسه ويخلد فيه إلى الراحة والسكينة. وتخبرنا كتب التراجم أن الزمخشري بعد أن طالت إقامته بمكة من رحلته الثانية عاود الحنين إلى وطنه مرّة أخرى، ولكن هذه المرّة عاد إليه شيخاً كهلًا ليصبح فخر خوارزم ومرجع العلماء بعد أن علت شهرته في أنحاء العالم الإسلامي.
وفاته:
أقام الزمخشري بخوارزم بعد رجوعه من مكة المكرّمة إلى أن توفّاه الله ليلة عرفة سنة 538 هـ بجرجانية، وكان قد أوصى بأن تكتب على قبره هذه الأبيات:
يا من يرى مدّ البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى عروق نياطها في نحرها ... والمخّ في تلك العظام النّحّل
اغفر لعبدٍ تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول
شيوخه:
تتلمذ الزمخشري على أعلام مشهورين في الفكر الإسلامي استقى من مناهلهم، ولم يأنف، حتى وهو شيخ، أن يجلس جلسة الطالب المستزيد مع ما وصل إليه من مكانة علمية عظيمة. وكان من أبرز شيوخه:
- محمود بن جرير الضبي الأصفهاني: درس عليه النحو والأدب.
- الشيخ أبو الحسن علي بن المظفّر النيسابوري الضرير: أخذ عنه الأدب.
- الشيخ السديد الخياطي: أخذ عنه الفقه.
- ركن الدين محمد الأصولي: أخذ عنه الأصول.
- شيخ الإسلام أبو منصور نصر الحارث، وأبو سعد الشقاني النيسابوري، والمحدث أبو الخطاب نصر بن أحمد بن عبد الله البطر: أخذ عنهم الحديث.
(1/10)

ونعلم من كتب التراجم أن الزمخشري قد تنقّل في بلاد كثيرة يتلّقى العلم والأدب حتى أصبح إماماً في التفسير والنحو واللغة والأدب متفنناً في علوم شتّى حتى طارت شهرته في الآفاق، ولكن هذه الكتب لا تذكر الشيوخ الذين درس عليهم في هذه البلاد الكثيرة التي تنقل فيها. لكن بعض هذه الكتب ذكرت أنه قرأ في مكة كتاب سيبويه على عبد الله بن طلحة بن محمد بن عبد الله اليابري المتوفّى سنة 518 هـ. وبعضها الآخر ذكر أنه قرأ بعض كتب اللغة، حين مروره ببغداد سنة 533 هـ وهو عائد إلى وطنه في رحلته الثانية إلى مكة، على أبي منصور موهوب بن أبي طاهر أحمد بن محمد الجواليقي المتوفّى سنة 539 هـ، وهو من أقران الزمخشري. واستفاد كذلك من الشريف أبي الحسن علي بن عيسى بن حمزة بن وهاس العلوي الذي بنى له منزلًا على «باب أجياد» ولقي منه ترحيباً وحفاوة ورعاية وإكراماً، كما استفاد هو الآخر من الزمخشري أيضاً.
تلامذته:
ذكر السمعاني أن كثيرين من طلاب العلم تتلمذوا على الإمام الزمخشري وأصبحوا بعد ذلك أئمة في اللغة والأدب وعلوم الدين، فقد روى عنه: أبو المحاسن إسماعيل بن عبد الله الطويلي بطبرستان وعبد الرحيم البزار بابيورد، وأبو عمر عامر بن الحسن السمار بزمخشر، وأبو سعيد أحمد بن محمود الشاشي بسمرقند، وأبو طاهر سامان بن عبد الملك الفقيه بخوارزم.
ومن تلاميذه: علي بن محمد العمراني الخوارزمي، ومحمد بن أبي القاسم بايجوك، وأبو يوسف يعقوب بن علي بن محمد بن جعفر البلخي أحد الأئمة في النحو والأدب.
وكان ممن استجازه، أو أجازهم لرواية كتبه:
الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد السلفي وكان حافظاً مكثراً لم يكن في آخر عمره في عصره مثله ومحمد بن عبد الملك البلخي، وهو
(1/11)

المعروف بالأديب رشيد الوطواط، كان بارعاً في النظم والنثر وأبو طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي، والسيدة أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن الشعري.
عقيدته ومذهبه:
نشأ الزمخشري متحمساً للإعتزال، مجاهراً به، فقد كان إذا قصد صاحباً له واستأذن عليه في الدخول، يقول لمن يأخذ له الإذن: قل له:
أبو القاسم المعتزلي بالباب. وفي ديوان الأدب، أنه كان حنفي المذهب معتزاً بمذهبه ولذلك نراه حين تقدّم به الزمن وغمرته موجة اليأس والزهد والقناعة ينقل كتبه كلها إلى مشهد أبي حنيفة ويقفها عليه ولا يبقي معه إلّا كتاب الله المبين:
وأسند ديني واعتقادي ومذهبي ... إلى حنفاء اختارهم وحنائفا
حنيفية أديانهم، حنفيّة ... مذاهبهم لا يبتغون الزعانفا
ويختلف الزمخشري الحنفي عن الزمخشري المعتزلي، فهو متسامح مع مخالفيه في مسائل الفقه، ولم يمنعه كونه حنيفاً أن يتقبّل مذاهب الآخرين، وعلى العكس مع مخالفيه في العقيدة حيث سلك معهم أسلوب التقريع والتسفيه والتجريح.
أخلاقه:
كان الزمخشري أبيّ النفس شديد الإعجاب بها، يأنف الضيم، ويدافع عن آرائه ومعتقداته، وكان متواضعاً جمّ الأدب، على حظ كبير من التدين والزهد والبعد عن الشبهات والعزوف عن الدنيا حتى أن بعض مؤرخيه لم يجدوا فيه مطعناً إلّا الإعتزال، اضطرته ظروفه المعيشية الصعبة في فترة حياته الأولى إلى التكسّب بشعره فمدح واستمنح بعض الملوك والأمراء، لكنه حين وعى مغبّة صنعه آثر العزلة وأخذ على نفسه الميثاق بأن لا يطأ عتبة سلطان.
وكان الزمخشري لفضله ودينه شديد الحب للعرب يرى أنهم خير أمّة
(1/12)

أخرجت للناس ويجهر بتفضيلهم على سائر الأمم، عظيم الإنكار على الشعوبيين يردّ عليهم ويسفّه آراءهم.
ثناء العلماء عليه:
- قال القفطي: كان الزمخشري ممن يضرب به المثل في علم الأدب والنحو واللغة، صنّف التصانيف في التفسير وغريب الحديث والنحو وغير ذلك، ودخل خراسان وورد العراق، وما دخل بلداً إلا اجتمعوا عليه وتلمذوا له واستفادوا منه، وكان علّامة الأدب ونسّابة العرب، أقام بخوارزم تضرب إليه أكباد الإبل وتحطّ بفنائه رحال الرجال وتحدى باسمه مطايا الإبل.
- وقال الإمام أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي: كان الزمخشري أعلم فضلاء العجم بالعربية في زمانه، وأكثرهم اكتساباً واطلاعاً على كتبها، وبه ختم فضلاؤهم.
- وقال ابن خلكان في ترجمته: هو الإمام الكبير في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان، كان إمام عصره من غير مدافع، تشدّ إليه الرحال في فنونه.
- وقال السيوطي: كان واسع العلم، كثير الفضل، غاية في الذكاء وجودة القريحة متفنناً في كل علم.
مصنّفاته:
قدم الزمخشري للمكتبة الإسلامية مؤلفات قيمة غلب عليها النحو واللغة والأدب والأمثال والمواعظ مع مصنّف واحد في كل من التفسير والحديث والفرائض والفقه والأصول. وقد ذكرت له المصادر إثنين وخمسين مصنفاً ذكر منها ياقوت تسعة وأربعين أتبعها بقوله: وغير ذلك.
وقد وصل إلينا كثير من هذه المصنفات، طبع بعضها ولا يزال البعض الآخر منها غير مطبوع. ومن هذه المصنفات:
- أساس البلاغة. وهو معجم يهتم بالإستعارة والمجاز.
(1/13)

- أطواق الذهب (أو النصائح الصغار) وهو مائة مقالة في الوعظ والنصائح والحكم.
- أعجب العجب في شرح لامية العرب.
- الأمالي في كل فن.
- الأمكنة والجبال والمياه والبقاع المشهورة في أشعار العرب.
- الأنموذج. وهو كتاب صغير في النحو اختصره من المفصّل.
- تسلية الضرير.
- تعليم المبتدىء وإرشاد المهتدي. وهو عبارة عن جمل مفردة عربية وترجمتها بالفارسية للناشئين.
- جواهر اللغة.
- خصائص العشرة الكرام البررة.
- ديوان التمثيل.
- ديوان الرسائل.
- ديوان الزمخشري.
- ديوان الشعر.
- رؤوس المسائل (في الفقه الخلافي بين المذهبين الحنفي والشافعي) .
- ربيع الأبرار ونصوص الأخبار (هذا هو الكتاب الذي بين أيدينا وسيأتي الكلام عنه) .
- الرسالة الناصحة.
- سوائر الأمثال.
- شافي العي (من كلام الشافعي رحمه الله تعالى) .
- شرح أبيات كتاب سيبويه.
- شرح بعض مشكلات المفصل.
- شرح مقامات الزمخشري (وهو كتاب النصائح الكبار) .
- شقائق النعمان في حقائق النعمان (مناقب أبي حنيفة رحمه الله) .
(1/14)

- صميم العربية.
- ضالة الناشد في علم الفرائض.
- الفائق (في غريب الحديث) .
- القسطاس.
- القصيدة البعوضية (وأخرى في مسائل الغزالي) .
- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل (في التفسير) ، وقد بلغ هذا التفسير في نفوس العلماء مبلغاً عظيماً حتى وصلت شروحه وتعليقاته ومختصراته والردود عليه بما يربو على ستة وثلاثين مصنفاً.
- الكشف في القراءات.
- متشابه أسامي الرواة.
- المحاجاة في الأحاجي والاغلوطات.
- مختصر الموافقة بين أهل البيت والصحابة.
- مسألة في حكمة الشهادة.
- المستقصى (في أمثال العرب) .
- معجم الحدود (في الفقه) .
- المفرد والمركب أو المؤلف.
- المفصل في تعليم النحو.
- مقامات الزمخشري.
- مقدمة الأدب (معجم عربي فارسي) .
- المنهاج (في أصول الفقه) .
- نزهة المستأنس.
- النصائح الصغار والبوالغ الكبار.
- نكت الأعراب في غريب الإعراب (في غريب إعراب القرآن) .
- نوابغ الكلم (مجموعة حكم وأقوال) .
(1/15)

كتاب ربيع الأبرار:
صنّف الزمخشري كتاب «ربيع الأبرار» بعد أن صنّف كتابه «الكشاف عن حقائق التنزيل» الذي فرغ منه بمكة المكرمة سنة 528 هـ. قال الزمخشري في مقدمة كتاب ربيع الأبرار:
«هذا كتاب قصدت به إجمام خواطر الناظرين في الكشاف عن حقائق التنزيل، وترويح قلوبهم المتعبة بإجالة الفكر في استخراج ودائع علمه وخباياه، والتنفيس عن أذهانهم المكدودة باستيضاح غوامضه وخفاياه، وأن تكون مطالعته ترفيهاً لمن ملّ، والنظر فيه إحماضاً لمن اختلّ، فأخرجته لهم روضةً مزهرة، وحديقةً مثمرة، متبّرجةً بزخارفها، ميّاسةً برفارفها، تمتّع برايع زهرها، وتلهي بيانع ثمرها، وتقرّ العيون بآنف مرآها، وتفعم الأنوف بعبق ريّاها، وتلذّ الأفواه بطيب جناها، وتستنصت الآذان إلى خرير مائها الفياض، وتطبى النفوس إلى برد ظلّها الفضفاض، وتميل الأعطاف بغصونها الأماليد، وطيورها المستملحة الأغاريد، نزهة المستأنس، ونهزة المقتبس، من خلا به استغنى عن كل جليس، ومن أنس به سلا عن كل أنيس. أين من طيب ندامه نديماً مالك وعقيل، وأين من دلّ غزله كثيرّ عزّة وجميل؛ إن أردت السمر فيا له من سمير، وإن طلبت الخبر فقد سقطت على خبير، وإن بغيت العظات المبكية ففيه ما يشرق بالدمع أجفانك، أو الملح المضحكة ففيه ما يفرّ بضاحكة أسنانك» .
والكتاب مرتب على ثمان وتسعين بابا، في موضوعات مختلفة كان الزمخشري يجمع ما يتصل بكل موضوع من أحاديث الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ثم ما ورد عنه في أقوال الصحابة ويتبعه بأقوال التابعين والعباد والزهاد والنساك، والحكماء من العرب والفرس، والشعراء إن وجد شعرا بمعناه، وأقوال أنبياء بني إسرائيل وغيرهم، وكان يسرد قصصا مسلّية وأخبارا متّصلة بتاريخ العرب وملوكهم وخلفائهم وأمرائهم وقوادهم ومغنّيهم وشعرائهم تجمل بالمتأدبين معرفتها والإطلاع عليها إذ كانت منتخلة من غرر الأخبار ومنتقاة من عيونها ومأخوذة من مظانّها، ومنقولة عن أهل الخبرة بها. وباختصار فإن
(1/16)

ما جاء في هذه الأبواب من موضوعات مهمة يعتبر ذخيرة من الأخبار عن جميع منامي حياة العرب الإجتماعية تقريبا استطاع الزمخشري أن ينتقيها لنا في دقّة الوصف وبساطة التعبير وسهولة الصياغة وروعة التصوير، خالية من كل فحش وسخف، فإذا هي صورة صادقة عن أساليب الحياة المعيشية عند العرب في عصري الجاهلية والإسلام، وهي، بهذا- التنّوع في الموضوعات، تدلّ دلالة واضحة على سعة ثقافة الزمخشري واطلاعه الواسع الشامل على ثقافة العرب وغيرهم من الأمم.
ولا بدّ من الإشارة إلى أن الزمخشري نقل في هذا الكتاب عن بعض كتبه وبخاصة ديوان المنظوم، وديوان المنثور اللذين لا نعرف إذا كانا كتابين مستقلّين أم أن ديوان المنظوم هو ديوان شعره، وديوان المنثور هو ديوان الرسائل؟ وكذلك فقد نقل في هذا الكتاب عن كتبه: الرسالة الناصحة، والنصائح الصغار، ونوابغ الكلم وغيرها، وعندما ينقل من هذه الكتب يقول: قال جار الله، وقال الفقير إليه، وقال ابن أخت خالتي، وقال عبد الله الفقير إليه، وقال المصنّف ... وغيرها من العبارات التي يريد بها نفسه.
وقد ذكر كتاب ربيع الأبرار في كثير من كتب المؤرخين وأصحاب التراجم، فهو في وفيات الأعيان: ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، وهو في إرشاد الأديب لياقوت: ربيع الأبرار في الأدب والمحاضرات، وهو في تاريخ الأدب العربي ل بروكلمان: ربيع الأبرار، وفي تكملته: ربيع الأبرار فيما يسرّ الخواطر والأفكار.
ولربيع الأبرار مختصرات ومنتخبات. فقد اختصره المولى محي الدين بن الخطيب قاسم بن يعقوب المتوفىّ سنة 940 هـ. وسمّاه: روض الأخبار المنتخب من ربيع الأبرار ورتّبه على خمسين روضة، كما انتخبه آخر وسماه: أنوار الربيع، واختصره غيره وسماه: نفحات أزهار ربيع الأبرار.
وعلى الإجمال فربيع الأبرار من الكتب المهمة التي تتناول الشعر
(1/17)

والتاريخ والأدب وكل أصناف العلوم، ومطالبتنا لمؤلفه بأن يذهب أبعد ممّا ذهب إليه في تنظيم موسوعته وفي تيسير تناولها قد لا تكون في محلّها لأن ربيع الأبرار تجربة رائدة قصد منها الزمخشري تهذيب النفوس والإفادة من التراث الصالح للسلّف الصالح.
لقد آثرت عدم ذكر المراجع التي أخذت عنها وأفدت منها أثناء شرح هذا الكتاب، فأهل العلم والتحقيق والتدقيق أقدر منّي على استيعاب ما يشاؤون من المصادر والمراجع، وهم لذلك في غنى عن إدلالي عليهم بكثرة مراجعي وتنّوعها، وإذا كان لا بدّ من ذكر أهمها فهي نسخة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العراقية المطبوعة من هذا الكتاب التي كانت أهدتنا إياها مشكورة مؤسسة الأعلمي وكلّفتنا شرحها وترجمة أعلامها، هذه المؤسسة التي ما زالت رائدة في اكتشاف كنوز المسلمين وإحياء تراثهم المجيد ونشره بأفضل الطرق وأقلّ التكاليف.
آملا أن أكون وفّقت في شرح هذا الكتاب، والله الموفّق والمستعان.
عبد الأمير علي مهنا بيروت 1992
(1/18)

مقدمة المؤلف:
بسم الله الرّحمن الرّحيم هو حسبي ونعم الوكيل الحمد لله الذي استحمد إلى عباده بموجبات المحامد، مما أسبغ عليهم من نعمه البوادي العوائد، حمدا ملء ذات الرجع «1» ، وطلاع ذات الصدع «2» ، إلى أن يبلغ رضاه، ويقضي موجب حقه ومقتضاه.
والصلاة على النبي المرسل رحمة للعالمين المبتعث قدوة للعالمين أدحض «3» بآياته حجج المبطلين، ومحق بمعجزاته شبه المعطلين «4» ،
(1/19)

والرضوان على من طاب وطهر من عشيرته وأهل قرابته، وهاجر ونصر من أحبته وصحابته، ومن كاشف دونه العجم والعرب، حتى كشف عن وجهه الكرب، والرحمة على من ابتعهم بإحسان، وعلى علماء الملة الحنيفية «1» في كل زمان.
وهذا كتاب قصدت به إجمام «2» خواطر الناظرين في الكشاف عن حقائق التنزيل «3» ، وترويح قلوبهم المتعبة بإجالة الفكر في استخراج ودائع علمه وخباياه، والتنفيس عن أذهانهم المكدودة «4» باستيضاح غوامضه وخفاياه، وأن تكون مطالعته ترفيها لمن ملّ، والنظر فيه إحماضا «5» لمن راجع الملل والنحل للشهرستاني (بتحقيقنا) 2: 582- 583 طبعة دار المعرفة.
(1/20)

اختلّ، فأخرجته لهم روضة مزهرة، وحديقة مثمرة، متبرجة بزخارفها، مياسة برفارفها «1» ، تمتع برايع زهرها، وتلهي بيانع ثمرها، وتقر العيون بآنق مرآها، وتفعم الأنوف بعبق رياها، وتلذ الأفواه بطيب جناها، وتستنصت الآذان إلى خرير مائها الفياض، وتطبى «2» النفوس إلى برد ظلها الفضفاض، وتميل الأعطاف بغصونها الأماليد «3» ، وطيورها المستملحة الأغاريد، نزهة المستأنس، ونهزة «4» المقتبس»
، ومن خلا به استغنى عن كل جليس، ومن أنس به سلا عن كل أنيس. أين من طيب ندامه «6» نديما مالك وعقيل «7» ، وأين من دلّ غزله كثير عزة «8» وجميل «9» . إن أردت
(1/21)

السمر فياله من سمير، وإن طلبت الخبر فقد سقطت على خبير، وإن بغيت العظات المبكية ففيه ما يشرق «1» بالدمع أجفانك أو الملح «2» المضحكة ففيه ما يفر «3» بضاحكه أسنانك.
مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات، فساعة فيها يناجي ربه، وساعة فيها يحاسب نفسه، وساعة فيها يفضي إلى إخوانه الذين يصدقونه عن عيوب نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا لتلك الساعات وإجماما للقلوب.
(1/22)

وعن علي «1» رضي الله عنه: اجموا هذه القلوب وابتغوا لها طرائف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان، وفي رواية: إن هذه النفوس تمل، وهذه القلوب تدثر، فابتغوا لها طرائف الحكم وملاهيها.
وعن ابن عباس «2» إنه كان يقول عند ملله: أحمضوا فيخوضون عند ذلك في الأخبار والأشعار.
وعن قسامة بن زهير «3» : روحوا القلوب تع «4» الذكر.
وعن سلمان الفارسي «5» : أنا احتسب نومتي كما أحتسب قومتي «6»
(1/23)

وعن أردشير بن بابك «1» : إن للآذان مجة، وللقلوب ملة، ففرقوا بين الحكمتين بلهو يكن ذلك استجماما.
وعن بعض العرب: روحوا الأذهان كما تروحون الأبدان.
وعن آخر: نفسك راحلتك، إن رفهتها اضطلعت «2» وإن نفهتها «3» انقطعت.
أسأل الله أن يجعل جميع ما تصوره أفكارنا في النفوس، وتسطره أيدينا في الطروس «4» ، مبتغي به وجهه، متوخي فيه رضوانه، مأمونا معه سخطه، مرجوا عنده غفرانه، إنه المولى المولي «5» كل حظ جسيم، الموري زناد كل خير عميم.
(1/24)

الباب الأول الأوقات وذكر الدنيا والآخرة
1- الحسن «1» : يا ابن آدم إلى متى هذا التسويف، فإنك ليومك ولست لغدك، فإن يكن غد لك فكس «2» ، كما كست في يومك، وإن لم يكن غد لك لم تندم على ما فرطته في يومك. لقد أدركت أقواما ما كان أحدهم أشح «3» على عمره منه على درهمه ولا ديناره.
2-[شاعر] :
(1/25)

ولا تزج «1» فعل الصالحات إلى غد ... لعلّ غدا يأتي وأنت فقيد
3- فرعون التميمي «2» : قل من احتلب خلف «3» الزمان إلا رمح «4» بقدم الحدثان «5» .
4- نزل النعمان بن المنذر «6» : تحت شجرة ليلهو، فقال له عدي «7» : أيها الملك أتدري ما تقول هذه الشجرة، ثم أنشأ يقول:
رب ركب قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال «8»
(1/26)

فتنغص على النعمان يومه.
5- قيل لبعضهم أيما أطيب الخريف أم الربيع؟ قال: الربيع للعين والخريف للفم.
6- أنشد ابن الأعرابي «1» :
يا سبعة كلهم أخوان ... ليسوا يموتون وهم شبان
لم يرهم في موضع إنسان
هي أيام الجمعة «2» .
7- الخليل «3» : الأيام ثلاثة، معهود، ومشهود، وموعود. أراد
(1/27)

الأمس واليوم والغد.
8- أعرابي: من أفاده الدهر أفاد منه.
9- ابن السماك «1» : الدنيا من نالها مات منها، ومن لم ينلها مات عليها.
10- موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي «2» .
إذا أنا لم أقبل من الدهر كلما ... تكرهت منه طال عتبي على الدهر
11- قيل لابن جريج «3» كم صيفكم بمكة؟ قال ثلاثة عشر شهرا.
(1/28)

12-[شاعر] :
وإني رأيت الدهر منذ صحبته ... محاسنه مقرونة بمعايبه
إذا سرني في أول الأمر لم أزل ... على حذر من غمه في عواقبه
13- عن علي رضي الله عنه: من وسع عليه في دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع.
14- حكيم: الدنيا تطلب لثلاثة أشياء: للغنى، والعز، والراحة، فمن زهد فيها عز، ومن قنع استغنى، ومن قل سعيه استراح.
15- قال الحسن «1» لعلي: أما ترى حب الناس للدنيا، قال: هم أولادها، أفيلام المرء على حب والدته؟.
16- علي رضي الله عنه: الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب، إذا قربت من أحدهما بعدت من الآخر.
وعن علي رضي الله عنه: من وسع عليه في دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع في عقله.
17- بكر بن عبد الله المزني «2» : المستغني عن الدنيا بالدنيا
(1/29)

كالمطفي النار بالتبن.
18- إبراهيم بن اسماعيل «1» : العجب لمن يغتر بالدنيا وإنما هي عقوبة ذنب.
19- الأصمعي «2» : سمعت أبا عمرو بن العلاء «3» يقول: كنت أدور في ضيعة لي سمعت من يقول:
وإن امرأ دنياه أكبر همّه ... لمستمسك منها بحبل غرور «4»
فجعلته نقش خاتمي.
20- ناسك: صاحب الدنيا مسكين يأكلها لمّا، ويوسعها ذما.
21- الحسن: قال: لرجل كيف طلبك للدنيا؟ قال: شديد.
قال: فهل أدركت منها ما تريد؟ قال: لا. قال: فهذه التي تطلبها لم
(1/30)

تدرك منها ما تريد فكيف التي لم تطلبها؟ «1» .
22- أعرابي: أطيب الزمان ما قرت به العينان.
23- وهب «2» : بينما ركب يسيرون هتف بهم هاتف «3» :
ألا إنما الدنيا مقيل لرائح ... قضى وطرا من حاجة ثم هجرا
24- قيل لحكيم: ما مثل الدنيا؟ قال: هي أقل من أن يكون لها مثل.
25- أعرابي: خرجت في ليلة حندس «4» قد ألقت على الأرض أكارعها «5» ، فمحت صور الأبدان فما كنا نتعارف إلا بالأذان، فسرنا حتى أخذ الليل ينفض ضبعيه «6» .
26- قال رجل:
تطاول الليل لا تسرى كواكبه ... أم حار حتى رأيت النجم حيرانا
(1/31)

فأجابه آخر:
ما طال ليل ولا حارت كواكبه ... ليل المحب طويل كيف ما كانا
27-[قال شاعر] :
كأنما الليل الطويل بها ... قصرا وطيبا قبلة الخلس «1»
28- علي بن عبيدة «2» : عين الدهر تطرف بالمكاره والخلائق بين أجفانه.
29- قيل لراهب: متى عيدكم؟ قال: كل يوم لا أعصي الله فيه فهو يوم عيد.
[و] قيل لزاهد: أي خلق الله أصغر؟ قال: الدنيا إذ كانت لا تعدل عنده جناح بعوضة. فقال السائل: ومن عظم هذا الجناح كان أصغر منه.
30- أراد بعض الأعراب السفر في أول السنة فقال: إن سافرت في المحرم كنت جديرا أن أحرم، وإن رحلت في صفر خشيت على يدي أن تصفر، فأخر السفر إلى شهر ربيع. فلما سافر مرض ولم يحظ بطائل، فقال: ظننته من ربيع الرياض فإذا هو من ربع «3» الأمراض.
31-[شاعر] :
وإن امرأ قد جرب الدهر لم يخف ... تقلّب عصريه لغير لبيب
(1/32)

32-[آخر] :
الآن أدبني الزمان ومن يكن ... مستمليا أخباره يتأدب
33-[آخر] :
الدهر لم تركد رحاه ساعة ... متلون ذو ألسن ووجوه
34-[آخر] :
يقولون إن العام أخلف نوؤه «1» ... وما كل عام روضة وغدير
35- عن أبي زيد الأنصاري «2» : دخلت على أبي الدقيش «3» وهو مريض، فقلت: كيف تجدك؟ قال: أجد ما لا أشتهي، وأشتهي ما لا
(1/33)

أجد، وأنا في زمان سوء من وجد لم يجد، ومن جاد لم يجد.
36- قيل للحسن «1» : يا أيا سعيد أما رويت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا يزداد الزمان إلا شدة، ولا تقوم الساعة إلا على شرار خلقه؟ قال: بلى قيل فما بال زمن عمر بن عبد العزيز «2» ؟ قال: لا بد للناس من تنفيس.
37-[شاعر] :
قد اغتدي والليل في حريمه ... معكسرا في الغر من نجومه «3»
والصبح قد نشم في أديمه ... يدعه بضفتي حيزومه «4»
دع الوصي في قفا يتيمه
38- الجاحظ «5» : يوم النيروز «6» أسن من يوم المهرجان «7» بعمر طويل، لأن النيروز قبل الطوفان في ملك جم «8» ، وهو اليوم الذي ابتدأ فيه
(1/34)

في كيس موضع بأصبهان «1» كان عميقا جدا، كل من وقع فيه لم يقدر على الخروج منه، والمهرجان في زمان أفريدون «2» ، وهو اليوم الذي قيد فيه الضحاك «3» في جبل دنياند فاتخذه عيدا.
39- أبو السمط «4» في المتوكل «5» :
(1/35)

بدولة جعفر حسن الزمان ... لنا في كل يوم مهرجان
جعلت هويتي لك فيه وشيا ... وخير الوشي ما نسج اللسان
40- جحظة البرمكي «1» :
وليل في كواكبه حران ... فليس لطول مدته انتهاء «2»
عدمت تبلج الإصباح فيه ... كأن الصبح جود أو وفاء «3»
41- النبي صلّى الله عليه وسلّم: من أصبحت الدنيا همه وسدمه «4» نزع الله الغنى من قلبه، وصيّر الفقر بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن أصبحت الآخرة همه وسدمه نزع الله الفقر من قلبه، وصير الغنى نصب عينيه، وأتته الدنيا وهي راغمة.
42- مثل الدنيا والآخرة مثل رجل له ضرتان، إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى.
43- المسيح عليه السّلام: أنا الذي كفأت الدنيا على وجهها، فليس لي
(1/36)

زوج تموت، ولا بيت يخرب.
44- وهب بن منبه: الدنيا غنيمة الأكياس «1» ، وحسرة الحمقى.
45- يحيى بن معاذ «2» : الدنيا حانوت الشيطان، فلا تسرق من حانوته شيئا فيجيء في طلبك فيأخذك.
وعنه: الدنيا دار خراب، وأخرب منها قلب من يعمرها، والآخرة دار عمران، وأعمر منها قلب من يطلبها.
46- النبي عليه السّلام: ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا الآخرة للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه.
47- علي بن الحسين السجاد «3» : الدنيا سبات «4» ، والآخرة يقظة، ونحن بينهما أضغاث «5» .
(1/37)

48- كان الحسن «1» يتمثل كثيرا بقول نهشل بن حري «2» :
وما الدنيا بباقية لحي ... ولا حي على الحدثان باقي
49- قيل لمحمد بن واسع «3» إنك لترضى بالدون «4» . قال إنما رضي بالدون من رضي بالدنيا.
50- فرقد «5» : اتخذوا الدنيا ظئرا «6» ، واتخذوا الآخرة أما، ألم تروا إلى الصبي إذا ترعرع وعقل رمى بنفسه على أمه، وترك ظئره.
51- هرم بن حبّان «7» : ما آثر الدنيا على الآخرة حكيم، ولا عصى
(1/38)

الله كريم.
52-[شاعر] :
ولم أر مثل الليل جنّة فاتك ... إذا هم أمضى أو غنيمة ناسك «1»
53-[آخر] :
ماذا يريني الليل من أهواله ... أنا ابن عم الليل وابن خاله»
إذا دجا دخلت في سرباله ... لست كمن يغرق من خياله «3»
54- يزيد الرقاشي «4» : أيامك ثلاثة، يومك الذي ولدت فيه، ويوم نزولك قبرك، ويوم خروجك إلى ربك، فياله من يوم قصير خبىء له يومان طويلان.
55- اجتمعت عند رابعة «5» : عدة من الفقهاء والزهاد، فذموا الدنيا، وهي ساكتة، فلما فرغوا قالت لهم: من أحب شيئا أكثر من ذكره، إمّا بحمد وإما بذم، فإن كانت الدنيا في قلوبكم لا شيء فلم تذكرون لا شيء؟.
56-[شاعر] :
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر «6»
(1/39)

57- كان زبيد اليامي «1» وعلقمة «2» وجماعة من الزهاد إذا كان يوم النيروز أو المهرجان إعتكفوا في مساجدهم، وقالوا: اللهم إن هؤلاء اعتكفوا على كفرهم وجورهم، اللهم وإنا اعتكفنا على إيماننا فاغفر لنا.
58- أهدى النعمان بن المرزبان جد أبي حنيفة الفالوذج إلى علي رضي الله عنه يوم النيروز، فقال: نورزونا كل يوم. وقيل يوم المهرجان، فقال: مهرجونا كل يوم.
59- داوود الطائي «3» : إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة بعد مرحلة، حتى تنتهي بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب، والأمر أعجل من ذاك، وكأنك قد بغتك.
وعنه: لا تمهر الدنيا دينك، فأن من أمهر الدنيا دينه زفت إليه الندم.
وسأله رجل أراد أن يتعلم الرمي، فقال: إن الرمي حسن، ولكنها أيامك فانظر بم تقطعها.
(1/40)

60- الثوري «1» : إذا أردت أن تعرف الدنيا، فانظر في يد من هي.
61- عمر بن ذر الهمداني «2» : أمس واليوم أخوان نزل بك أحدهما، فأسات نزله وقراه «3» فرحل عنك وهو ذام، ثم نزل بك أخوه، فقال: إمح إساءتك إلى أخي بإحسان إلي، فما أخلقك إن ألحقتني في الإساءة بأخي إن تعطب بشهادتنا عليك.
62- محمد بن سوقة «4» : مثل الدنيا والآخرة ككفتي الميزان بقدر ما ترجح إحداهما تخف الأخرى.
63-[شاعر] :
صبحتهم والفجر ينفض رأسه ... قد همّ بالأسفار أو لم يسفر
والليل منهزم الظلام يشلّه ... ضوء كناصية الحصان الأشقر «5»
64- البعيث «6» :
(1/41)

تطاول هذا الليل حتى كأنه ... إذا ما مضى تثنى عليه أوائله
65- ابن الدمينة «1» :
نهاري نهار الناس حتى إذا دنا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالأحاديث والمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع «2»
66- ابن دريد «3» :
يا ليل لا تبح الإصباح حوزتنا ... ولتحم جانبه أعناقك السود «4»
67- بنى ملك من بني إسرائيل مدينة فتنوّق «5» في بنائها، ثم صنع
(1/42)

للناس طعاما، ونصب على باب المدينة من يسأل عنها، فلم يعبها أحد، إلا ثلاثة عليهم الأكسية، فأنهم قالوا: رأيا عيبين، فسألهم، فقالوا:
تخرب ويموت صاحبها. فقال: هل تعلمون دارا تسلم من هذين العيبين؟
قالوا: نعم، الآخرة، فخلى ملكه وتعبد معهم زمانا، ثم ودعهم، فقالوا: هل رأيت منا ما تكرهه؟ قال: لا، ولكن عرفتموني فأنتم تكرمونني، فأصحب من لا يعرفني.
68- ابن السماك: من جرعته الدنيا حلاوتها بميله إليها، جرعته الآخرة مرارتها بتجافيه عنها.
69- مجاهد «1» : ما من يوم من أيام الدنيا يمضي إلا قال: الحمد لله أراحني من الدنيا وأهلها، ثم يطوى ويختم حتى يكون الله هو الذي يفض خاتمه.
70- النبي صلّى الله عليه وسلّم: إذا عظمت أمتي الدنيا نزع منها هيبة الإسلام.
71- الفضيل «2» : لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالا لا أحاسب عليها في الآخرة، لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها، يخاف أن تعيب ثوبه.
- وعنه: تجيء الدنيا يوم القيامة تتبختر في زينتها وبهجتها، فتقول:
يا رب اجعلني لأخس عبادك. فيقول: لا أرضاك له دارا، لست بشيء، فكوني هباء منثورا.
(1/43)

- وعنه: لو كانت لك، فقيل: دعها ويوسع لك في قبرك أما كنت فاعلا؟ أو قيل لك: دعها وتسقى شربة في عطش يوم القيامة، أما كنت فاعلا؟.
- وعنه: جمع الخير كله في بيت، جعل مفتاحه الزهد في الدنيا.
وجمع الشر كله في بيت، وجعل مفتاحه حب الدنيا.
- وعنه: لأن أطلب الدنيا بالطبل والمزمار أحب إلي من أن أطلبها بديني.
- وعنه: لأن يطلب الرجل الدنيا بأقبح ما تطلب به أحسن من أن يطلبها بأحسن ما تطلب به الآخرة.
72- في الحديث: قال الله تعالى يا دنيا مرّي لعبدي المؤمن، ولا تحلولي «1» له.
73- كان ابن عيينة «2» يتمثل بهذين البيتين:
دنيا تناولها العباد ذميمة ... شيبت بأكره من نقيع الحنظل «3»
وبنات دهر لا تزال صروفها ... فيها وقائع مثل وقع الجندل «4»
74- احتضر عابد فقال: ما تأسّفي على دار الأحزان والهموم
(1/44)

والخطايا والذنوب، وإنما تأسّفي على ليلة نمتها، ويوم أفطرته، وساعة غفلت فيها عن ذكر الله.
75- إبراهيم بن أدهم «1» : فرغ قلبك من ذكر الدنيا، يفرغ عليك الرضا إفراغا.
76-[شاعر] :
هذه الدنيا وإن سرّ ... ت قليلا من قليل
إنما العيش جوار الل ... هـ في ظل ظليل
حيث لا تسمع ما يؤ ... ذيك من قال وقيل
77- كفاك منغصا «2» للدنيا أن الله يعصى فيها.
78- وقفت أعرابية على قوم فقالت: تيسروا للقاء الله فإن هذه الأيام تدرجنا أدارجا «3» .
79- إسماعيل بن عبد الله القسري: اعتذر إليّ رجل في آخر يوم من شعبان فقال: والله فإني في غبرة «4» يوم عظيم، وتلقاء ليلة تغبر على أيام عظام، ما كان ما بلغك.
(1/45)

80- الموصلي «1» : قال لي جعفر بن يحيى البرمكي «2» : بكرّ عليّ فقلت: أنا والصبح فرسا رهان «3» .
81- المستورد «4» : عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم ترجع.
82- خطب الحجاج «5» فقال: إن الله أمرنا بطلب الآخرة، وكفانا مؤونة الدنيا، فليته كفانا مؤونة الآخرة، وأمرنا بطلب الدنيا، فقال الحسن «6» : ضآلة المؤمن عند فاسق فليأخذها.
(1/46)

83- أبو العتاهية «1» :
أصبحت والله في مضيق ... هل من دليل على الطريق
أف لدنيا تلعّبت بي ... تلعّب الموج بالغريق
84- كان علي رضي الله عنه يتمثل:
ومن يصحب الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع «2»
85- أنس «3» رضي الله عنه: إن الله جعل الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي «4» ليجزي.
(1/47)

86- الحسن: أهينوا الدنيا فأنها أهنأ ما تكون لكم أهون ما تكون عليكم.
87- ابن عيينه «1» : أوحى الله إلى الدنيا: من خدمك فأتعبيه، ومن خدمني فاخدميه.
88- قال رجل للحسن: يا أبا سعيد إذا جعت ضعفت، وإذا شبعت وقع على البهر «2» فقال: يا ابن أخي، هذه دار ليست توافقك، فاطلب دارا غيرها.
89- علي رضي الله عنه: الدنيا دار ممر إلى دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها «3» ، ورجل ابتاعها فأعتقها «4» .
- وعنه: أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل «5» فيه المنايا، مع كل جرعة شرق «6» ، وفي كل أكلة غصص، لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى.
90- أنس، رفعه «7» : إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا ...
91- علي بن الحسين: من هوان الدنيا على الله أن يحيى بن
(1/48)

زكريا «1» أهدي رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل في طست «2» من ذهب. فيه «3» تسلية لحر فاضل يرى الناقص الدنيء يظفر من الدنيا بالحظ السني، كما أصابت تلك الفاجرة تلك الهدية العظيمة.
92- سئل زاهد عن الدنيا فقال: جمة «4» المصائب، رنقة «5» المشارب، لا تمتع صاحبا بصاحب.
93- علي رضي الله عنه: وإن جانب منها أعذوذب «6» وحلا، أمر منها جانب فأوبأ «7» .
94- ثابت بن معبد «8» : الدنيا كذنب العقرب في آخرها سمها وحمتها «9» .
95- المأمون «10» : لو سئلت الدنيا عن نفسها، لما وصفتها إلا بما قال أبو نواس «11» :
(1/49)

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق «1»
96- عيسى عليه السّلام: من ذا الذي يبني على موج البحر دارا؟ تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا.
97- محمد بن يحيى الواسطي «2» : ما عرف الله حق معرفته من آثر طاعة الشيطان على طاعته، وما عرف الآخرة حق معرفتها من آثر الدنيا عليها.
98- بشر بن الحارث «3» : اجعل الآخرة رأس مالك، فما أتاك من الدنيا فهو ربح.
99- ابن مسعود «4» : عنه عليه السّلام: لا تسبوا الدنيا، فنعم مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر.
(1/50)

- وعنه عليه السّلام: إذا قال الرجل لعن الله الدنيا، قالت الدنيا لعن الله أعصانا لربه.
100- ومنه (قول الشعر) :
يقولون الزمان زمان سوء ... وهم فسدوا وما فسد الزمان
101- ابن الرومي «1» :
انظر إلى الدهر هل فاتته بغيته ... في مطمح النسر أو في مسبح النون «2»
102- محمد بن بشير «3» :
أرى كل مغرور تمنّيه نفسه ... إذا ما مضى عام سلامة قابل «4»
103- الحسن: لقد وقذتني «5» كلمة سمعتها من الحجاج، قيل:
وإن كلام الحجاج ليقذك؟ قال: نعم، سمعته يقول على هذه الأعواد:
إن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحري أن يطول عليها حزنه.
104- أنس: عنه عليه السّلام: عرضت علي الأيام، فإذا يوم الجمعة كهيئة المرآة، وإذا فيها نكتة «6» سوداء، فقلت لجبريل: ما هذه؟ قال:
(1/51)

هي الساعة تقوم يوم الجمعة.
105- في حديث عبد الرحمن الأنصاري «1» : إن من اقتراب الساعة كثرة المطر وقلة النبات، وكثرة القراء وقلة الفقهاء، وكثرة الأمراء وقلة الأمناء. وفي حديث أنس: وأن تتخذ المساجد طرقا.
106- وفي حديث أبي هريرة «2» : لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي الذي أنجو.
107- الحسن: ما ظنك بأقوام قاموا لله على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة، لم يأكلوا فيها أكلة، ولم يشربوا فيها شربة، حتى إذا انقطعت أعناقهم عطشا، واحترقت أجوافهم جوعا، صرف بهم إلى النار، فسقوا من عين آنية، قد أنى «3» مرها، واشتد نضجها.
108- وعن الخدري «4» : أنه قال: ما أطوله «5» ؟ فقال عليه السّلام:
(1/52)

والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاته المكتوبة.
109- وعن أبي هريرة، رفعه «1» : يهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس إلى أن تغرب.
110- داود بن أبي هند «2» : للعبد من الله يوم القيامة خمسون موقفا، كل موقف ألف سنة.
111- إن الليل والنهار خزانتان ما اودعتهما ادتاه، وإنهما يعملان فيك، فاعمل فيهما.
112- علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ساهل الدهر ما ذل قعوده «3» .
- وعنه رضي الله عنه: الدنيا قد نعت إليك نفسها، وتكشفت لك عن مساوئها، فإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها إليها، وتكالبهم عليها، فإنهم كلاب عاوية، وسباع ضارية، يهر «4» بعضها على بعض، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها، نعم معقلة، وأخرى مهملة، قد أضلت عقولها، وركبت مجهولها.
113- كتب عبد الملك إلى الحجاج أن صف لي الدهر، فكتب إليه: أمس كأن لم يكن، وغد كأن قد «5» ، ويوم يستطيله البطالون
(1/53)

فيقصرونه بالملاهي وفيه يتزود العاقل لمعاده.
114- عيسى عليه السّلام: إني أرى الدنيا في صورة عجوز هتماء «1» ، عليها من كل زينة، قيل لها: كم تزوجت؟ قالت: لا أحصيهم كثرة، قيل: أماتوا عنك أم طلقوك؟ قالت: بل قتلتهم كلهم، قيل: فتعسا لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين، كيف لا يكونون منك على حذر!!.
115- ابن أبي عيينة «2» :
ما راح يوم على حي ولا ابتكرا ... إلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا «3»
116- كان الحسن بن علي عليه السّلام كثيرا ما ينشد:
يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها ... إن اغترارا بظل زائل حمق
117- النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له، ويطلب شهواتها من لا فهم له، وعليها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له، ولها يسعى من لا يقين له.
118- مالك بن دينار «4» : اتقوا السحّارة «5» ، فأنها تسحر قلوب العلماء.
(1/54)

من كان في قلبه شعبة من الإيمان فلا يركن إلى التسويف.
119-[شاعر] :
المرء مرتهن بسوف وليتني ... وهلاكه في السوف والليت
120- آخر:
أتت دون ذاك الدهر أيام جرهم ... وطارت بذاك العيش عنقاء مغرب «1»
غنوا زمنا مثل الثريا اجتماعهم ... فقد بددوا في كل شرق ومغرب
121- من كان دنياه همه، كثر في الدنيا والآخرة غمه.
122- إن يوما أسكر الكبار، وشيب الصغار لشديد.
123- الدهر تنهس «2» أراقمه «3» ، وتفرس «4» ضراغمه «5» ، وتوثق حبائله، وتوبق «6» مخاتله «7» .
124- ديك الجن «8» :
(1/55)

وإني رأيت الدهر يلعب بالفتى ... يقلّبه حالان مختلفان «1»
فأما الذي يمضي فأحلام نائم ... وأما الذي يبقى له فأماني
125- علي رضى الله عنه: ما أسرع الساعات في اليوم، وأسرع الأيام في الشهر، وأسرع الشهور في السنة، وأسرع السنين في العمر!!.
126- أنس: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الأيام فقال: يوم السبت يوم مكر وخديعة، لأن قريشا مكرت فيه في دار الندوة «2» . ويوم الأحد يوم غرس وعمارة، لأن الله ابتدأ فيه خلق الدنيا. ويوم الأثنين يوم سفر وتجارة لأن شعيبا «3» عليه السّلام سافر فيه وأتجر فربح. ويوم الثلاثاء يوم دم، لأن حواء حاضت فيه، وأراق ابن آدم دم أخيه، ويوم الأربعاء يوم نحس مستمر، لأن الله غرق فيه فرعون، وأهلك عادا وثمود «4» . ويوم الخميس يوم قضاء الحوائج، والدخول على السلاطين، لأن إبراهيم عليه السّلام دخل فيه على الملك فأكرمه وقضى حوائجه وأهدى إليه هاجر «5» ، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح لأن الأنكحة كانت تعقد فيه.
127- النبي صلّى الله عليه وسلّم: ألا أدلكم على ساعة من ساعات الجنة، الظل فيها ممدود، والرزق فيها مقسوم، والرحمة فيها مبسوطة، والدعاء فيها
(1/56)

مستجاب؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
128- علي رضي الله عنه: مر النبي عليه السّلام بعائشة قبل طلوع الشمس وهي نائمة، فحركها برجله وقال: قومي لتشاهدي رزق ربك، ولا تكوني من الغافلين. إن الله يقسم أرزاق العباد بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
129- أنس: عنه عليه السّلام: لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى بعد صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إليّ من أن أعتق نسمة من ولد إسماعيل.
130- ابن مسعود: عنه عليه السّلام: مالي وللدنيا، إنما مثلها ومثلي كمثل راكب قال «1» في ظل شجرة في يوم صائف، ثم راح وتركها.
131- النبي صلّى الله عليه وسلّم: واحذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت «2» .
132- الحسن: والذي نفسي بيده لقد أدركت أقواما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي يمشون عليه، لا يبالون أشرّقت الدنيا أم غربت، أذهبت إلى ذا أم ذهبت إلى ذا.
133- ابن الرومي:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فيما يبكيه منها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا أستهل كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدد «3»
(1/57)

134- أعرابي: يا بني إن الدنيا تسعى على من يسعى لها، فالهرب منها قبل العطب فيها، فقد والله آذنت «1» ببين «2» ، وانطوت على حين «3» .
135- سئل ابن عباس كيف كان يعرف نوح أوقات الصلاة في السفينة؟ فقال: أعطاه الله خرزتين: بيضاء كبياض النهار، وسوداء كسواد الليل، فإذا أمسوا غلب سواد هذه بياض هذه، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد تلك، على قدر الساعات الأثنتي عشرة.
136- قبيصة بن جابر «4» رضي الله عنه: ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة «5» أرنب.
137- يحيى بن معاذ الرازي: الدنيا خمر الشيطان، فمن شرب منها لم يفق من سكرتها إلا في عسكر الموتى نادما خاسرا.
138- لقمان «6» : بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا.
139- ليلة المتوكل «7» مثل في ليلة سرور يصاب منها صاحبها،
(1/58)

وكانت ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. قتله باغر التركي بمواطأة ابنه المنتصر في مجلس الشرب.
140- قال أبو القاسم الزعفراني «1» :
كم آمن متحصن في جوسق ... قد بات منه بليلة المتوكل «2»
141- زمن البرامكة «3» مثل في الحسن وكثرة الخير والخصب، قال
(1/59)

الجماز «1» : أتونا بمائدة كأنها زمن البرامكة.
142- وقال صالح بن طريف «2» :
يا بني برمك واها لكم ... ولأيامكم المقتبللة
كانت الدنيا عروسا بكم ... فهي اليوم ثكول أرملة
143- وقال آخر:
ولّى عن الدنيا بنو برمك ... فلو تولى الخلق ما زادا
كأنما أيامكم كلها ... كانت لأهل الأرض أعيادا
144- وقال أبو منصور الثعالبي «3» في أبي العباس خوارزم شاه «4» :
(1/60)

رعى الله مأمون بن مأمون الذي ... رعاياه منه في زمان البرامك
ولا برحت أيامه بفعاله ... وإنعامه المنشور غر المضاحك «1»
145- لما قال عبد الملك بن مروان: تمكنا من أم خنّور «2» ، لم يعش بعدها إلا أسبوعا، وهي كنية الدنيا، وأصلها في الضبع فشبهت بها لأكلها الناس، كما قيل للسنة الضبع، وخنّور عند الكوفيين كسفّود، وعند البصرين خنّور كعجّول.
146- لابن الرومي:
لابني سمير صروف غير غافلة ... يحسن نقضا كما أحسن إمرارا «3»
هما الملوان»
:
147- توفيت خديجة «5» رضي الله عنها وأبو طالب «6» في عام واحد
(1/61)

لسنة ست من الوحي، فسمى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك العام عام الحزن.
148- في عام ثمانين من الهجرة وقع بمكة سيل عظيم، ذهب بالإبل عليها الحمولة فقيل له عام الحجاف.
149- ركوب الكوسج «1» عبارة عن دخول آذرماه «2» . وأصله أن إنسانا كوسجا كان يتناول في أول يوم من هذا الشهر بعض الأدوية المسخنة، ويطلى ببعض الأطلية الحارة، ويخرج في ثوبواحد، وهي عادة في بغداد وفارس، قال المرادي:
قد ركب الكوسج يا صاح ... فانزل على المزمر والراح «3»
وانعم بآذرماه عينا وخذ ... من لذة العيش بمفتاح
150- وقال غيره:
قد ركب الكوسج فانزل على ... غمس لحى الفتيان بالراح
يا صاح آذار يقول انتظر ... أن أذر الدنيا بلا صاحي
151- أردشير بن بابك: لا تركنن إلى الدنيا فإنها لا تبقي على أحد، ولا تتركها فإن الآخرة لا تنال إلا بها.
152- علي رضي الله عنه: أهل الدنيا كركب يسار «4» بهم وهم نيام.
(1/62)

153-[شاعر] :
ما الدهر في صرفه وجاري ... طوريه إلا أبو براقش «1»
يجني على أهله كما قد ... جنت على أهلها براقش «2»
154- علي رضي الله عنه: وأحذركم الدنيا فإنها منزل قلعة «3» ، وليست بدار نجعة «4» ، دار هانت على ربها، فخلط خيرها بشرها، وحلوها
(1/63)

بمرها، لم يصفها لأوليائه، ولم يضن بها على أعدائه.
155- ابن الحنفية «1» : من كرمت عليه نفسه هانت عليه دنياه.
156- ابن يوسف البصري المعروف بالخاطىء:
دنيا دنت من جاهل وتباعدت ... عن كل ذي أدب له حجر
بالت على أربابها حتى إذا ... وصلت إليّ أصابها الأسر «2»
157- ذم الدنيا رجل عند علي رضي الله عنه، فقال علي: الدنيا دار صدق لمن صدقها، دار نجاة لمن فهم عنها، دار غنى لمن تزود منها، مهبط وحي الله، ومصلى ملائكته ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه.
رجوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا الذي يذمها، وقد آذنت ببينها «3» ، ونادت بفراقها، ونعت نفسها، وشبهت بسرورها السرور، وببلائها البلاء، ترغيبا وترهيبا. فيا أيها الذام لها، المعلل نفسه، متى خدعتك الدنيا؟ ومتى استذمت إليك «4» ؟ أبمصارع آبائك في البلى، أم بمضاجع أمهاتك في الثرى؟.
158-[شاعر] :
إذا نلت يوما صالحا فانتفع به ... فأنت ليوم السوء ما عشت واجد
159- عبيد الله بن عبد الله بن ظاهر «5» :
(1/64)

كفاك عن الدنيا الدنية مخبرا ... علو مواليها وحط كرامها
وإن رجال الغز تحت مداسها ... وإن عبيد الغز فوق سنامها «1»
160- سمّت العرب سنة المائة من التاريخ سنة الحمار من حديث حمار عزيز «2» .
161- وقيل لمروان بن محمد «3» : مروان الحمار لأن بني مروان استكملت مائة عام على رأسه «4» .
162- واشترى رجل حمارا فوجده مسنا، فقال أرى هذا الحمار ولد قبل سنة الحمار.
(1/65)

163- طلاق الدنيا مهر الآخرة، وطلاق الآخرة مهر «1» الدنيا.
164- معاوية: أصبحنا في زمان عنود «2» ، ودهر شديد، يعد المحسن فيه مسيئا، والمسيء محسنا.
165- أبو فراس الحمداني «3» :
مددنا علينا الليل والليل راضع ... إلى أن تجلّى رأسه بمشيب «4»
ولاح لنا ضوء الصباح كأنه ... مبادي نصول في عذار خضيب «5»
166- أطيب من ساعة الأوبة «6» على المسافر، وبرد الليل على المساير.
167- يوم يثقل فيه الخفيف إذا هجم، ويخف الثقيل إذا هجر، أريد يوم الوصل.
(1/66)

168- أقبل الربيع براحة الجنان ورائحة الجنان «1» .
169- أبو بكر الخوارزمي «2» : رب فعل يصاب به وقته فيكون سبة.
170- صبح العذاب ثمود يوم الأحد «3» . وفي الحديث: نعوذ بالله من شر يوم الأحد، وإياكم والشخوص يوم الأحد، فإن له حدا كحد السيف.
171- وكتب يزيد «4» إلى عبيد الله بن زياد «5» أن يوجه عبد الله بن خازم «6» إلى خراسان لمعونة سلم بن زياد «7» ، فقال عبيد الله أخرجوه يوم
(1/67)

الأحد إذا ضرب الناقوس حتى لا يرجع أبدا، فأحس ابن خازم فتعلل حتى لم يخرج إلا حين زاغت «1» الشمس، وقال: قولوا له: ذهب حد الأحد.
172- قال لمزبد «2» أخ له: أحب أن تخرج معي وتصل جناحي في حاجة، فقال هذا يوم الأربعاء، قال: فيه ولد يونس بن متى، قال:
لا جرم «3» قد بانت له بركته في اتساع موضعه وحسن كسوته، حتى حصل على ورق القرع. قال: وفيه ولد يوسف، قال: فما أحسن ما فعل به أخوته، حتى طال حبسه وغربته. قال: وفيه أوحي إلى إبراهيم، قال:
فما كان أبرد الأتون «4» الذي كان فيه حتى خلصه الله منه. قال: ففيه نصر الله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الأحزاب، قال: أجل بأبي وأمي، ولكن بعد أن زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر. والأربعاء عندهم مشؤوم، والذي لا يدور أشأم.
173- وعن ابن عباس يرفعه «5» : آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر.
174-[شاعر] :
لقاؤك للمكبر فأل سوء ... ووجهك أربعاء لا يدور
175- إقبال الدنيا كإلمامة ضيف، أو سحابة صيف، أو زيارة طيف.
(1/68)

716-[شاعر] :
ومن غالب الأيام فاعلم بأنه ... سينكص عنها لاغبا غير غالب «1»
177- بعض العرب في داود بن يزيد بن حاتم بن المهلب «2» :
فتى ترهب الأموال من ظل كفه ... كما يرهب الشيطان من ليلة القدر
178- الأصمعي: كنت شاكيا فقال لي الرشيد: كيف بت؟
فقلت: بليل النابغة يا أمير المؤمنين. فقال: إنا لله، هو والله قوله:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب «3»
179- ليلة الميلاد: مثل في الطول، قال أبو نواس:
ليلة كاد يلتقي طرفاها ... قصرا وهي ليلة الميلاد
وذلك لما تلاقي فيها المطلوقة من التعب، وقيل هي الليلة التي ولد فيها عيسى بن مريم.
180- ليلة الغدير «4» : معظمة عند الشيعة، محياة فيهم
(1/69)

بالتهجد «1» ، وهي الليلة التي خطب فيها رسول الله بغدير خم على أقتاب «2» الإبل، وقال في خطبته: من كنت مولاه فعلي مولاه.
181- ليلة الهرير: ليلة من ليالي صفين كثر فيها القتلى، كلما قتل قتيل كبر علي رضي الله عنه، فبلغت تكبيراته سبع مائة، وسادت مثلا في الشدة.
182- سئل ابن عباس عن النيروز لم اتخذوه عيدا؟ فقال: لأنه أول السنة المستأنفة، وآخر السنة المنقطعة، فكانوا يستحبون أن يقدموا فيه على ملوكهم بالطرف «3» والهدايا، فاتخذه الأعاجم سنة، وكان الملك لا يقبل من أهل الخراج إلا السكر، وهو أول يوم من فرودين ماه «4» .
183- أعرابي: لقد صغّر فلان في عيني عظم الدنيا في عينه.
184- ذكر أعرابي الدنيا فقال: حسبك من فسادها أن أسنمة «5» توضع، وأخفافا ترفع، والخير يطلب عند غير أهله، والفقر يدخل في غير محله.
185- الحسن «6» : المؤمن في الدنيا غريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها.
- وعنه: يا ابن آدم إنما أنت عدد، إذا مضى يوم مضى بعضك.
(1/70)

186- سلام بن مسكين «1» : قال لنا الحسن: يا معشر الشباب عليكم بطلب الآخرة، فقد والله رأينا أقواما طلبوا الآخرة فأصابوا الدنيا وأصابوا الآخرة، ووالله ما رأينا من طلب الدنيا فأصاب الآخرة.
- وعنه: ليس يوم تأتي من أيام الدنيا إلا يتكلم، يقول: يا أيها الناس إني يوم جديد، وعلى ما يعمل فيّ شهيد، وإني لو قد آبت شمسي لم أرجع إليكم إلى يوم القيامة.
187- الأستاذ أبو بكر «2» :
لبسوا الدجى لبس الغراب سواده ... وغدوا لطيّتهم بكور غراب «3»
188- ليلة الفرزدق «4» مثل في ليالي الخلعاء. بات الفرزدق عند ديرانية، فأكل طفيشلها «5» بلحم خنزير، وشرب خمرها، وفجر بها، وسرق كساءها، ثم قال لله در ابن المراغة، يعني جريرا «6» ، حيث يقول:
وكنت إذا نزلت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا «7»
(1/71)

189- أبو الفرج الببغا «1» :
زمن الورد أطيب الأزمان ... وأوان الربيع خير أوان
190- يوم عبيد «2» مثل في اليوم المنحوس، وكان قد تصدى عبيد ابن الأبرص للنعمان في يوم بؤسة الذي لا يفلح من لقيه، كما لا يخيب من لقيه في يوم نعيمه. قال أبو تمام:
من بعد ما ظن الأعادي أنه ... سيكون لي يوم كيوم عبيد
191- أيام العجوز: زعموا أن عجوزا دهرية كاهنة من العرب كانت تخبر قومها ببرد يقع في آخر الشتاء يسوء أثره على المواشي، فلم يكترثوا لقولها، وجزوا أغنامهم واثقين بإقبال الربيع، فأذاهم ببرد شديد أهلك الزرع والضرع، فقالوا أيام العجوز وبرد العجوز. وقيل: هي عجوز كان
(1/72)

لها سبعة بنين، فسألتهم أن يزوجوها وألحت. فقالوا لها: ابرزي للهواء سبع ليال حتى نزوجك، ففعلت والزمان شتاء كلب، فماتت في السابعة فنسبت إليها الأيام. وقيل: هي الأيام السبعة التي أهلك فيها عاد. وقيل:
الصواب أيام العجز وهي آخر الشتاء.
192- يقال: بقل وجه النهار وطر شاربه.
193- أبو العتاهية:
يا عاشق الدنيا يغرك وجهها ... ولتندمنّ إذا رأيت قفاها
194- آخر:
أتى دون حلو العيش حتى أمره ... نكوب على آثارهن نكوب «1»
إذا ذر قرن الشمس علّلت بالأسى ... ويأوي إلي الحزن حين تغيب «2»
لعمر كما إن البعيد لما مضى ... وإن الذي يأتي غدا لقريب «3»
195- عام ابن عمار عند أهل مكة في كثرة الخير. وهو أحمد بن عمار بن شادي البصري، وزير المعتصم، كان من علية الناس، استعفى عن الوزارة، وقال نويت المجاورة بمكة، فوصله المعتصم بعشرة آلاف دينار، ودفع إليه عشرين ألف دينار ليفرقها ثمّ، وأن لا يعطي إلا هاشميا أو قرشيا أو أنصاريا، فقال: فمن منعته من غيرهم استذممت إليه. فقال:
فهذه خمسة آلاف دينار ففرقها في هؤلاء. فكان أهل مكة يقولون: ما رأينا مثل عام ابن عمار.
.
(1/73)

196- إبراهيم بن العباس «1» :
وليلة إحدى الليالي الزهر ... لم تك غير شفق وفجر
حتى تجلت وهي بكر الدهر
197- أبو حية النميري «2» :
ألا حي من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
198- الخليل «3» في ليلة:
وما هي إلا ليلة بعد يومها ... وحول إلى حول وشهر إلى شهر
مطايا يقربن البعيد من الردى ... ويدنين أشلاء الأنام إلى القبر «4»
ويتركن أزواج الغيور لغيره ... ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوتر «5»
199- حكيم: أعلم الناس بالدهر أقلهم تعجبا من أحداثه.
200-[شاعر] :
من كان خلوا من التأديب سربله ... كر الليالي على الأيام تأديبا
201- علي رضي الله عنه: والله لدنياكم أهون في عيني من
(1/74)

عراق «1» خنزير في يد مجذوم «2» .
202- أبو حفص الشطرنجي «3» :
وما مر يوم أرتجي فيه راحة ... فأخبره ألا بكيت على أمس
203- معاوية: أبو بكر سلم من الدنيا وسلمت منه، وعمر عالجها وعالجته، وعثمان نال منها ونالت منه، وأما أنا فقد تضجعت «4» فيها ظهرا لبطن.
204- في النصائح «5» : يا دنيا، كم لك من أكباد جرحى، ومن أجفان قرحى، تفجعا للمصيوب «6» من فراقك، على رؤوس عشاقك، على أن نكاياتك لا تحصى، وشكاياتهم عدد الحصى.
205- أنس «7» : ما من يوم ولا ليلة، ولا شهر ولا سنة، إلا والذي قبله خير منه، سمعت ذلك من نبيكم.
206- يونس بن ميسرة «8» : ما لنا لا يأتي علينا زمان إلا بكينا منه، ولا ولىّ عنا زمان إلا بكينا عليه «9» .
(1/75)

207- ما يومي من فلان بواحد، يراد: ما الشر علي منه من جهة واحدة.
208- علي رضي الله عنه: ما أصف من دنيا أولها عناء، وآخرها فناء. في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته، ومن قعد عنها آتته، ومن أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته.
209- تولى خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم المعروف بابن مطيرة المدينة «1» لهشام بن عبد الملك سبع سنين، فقحط «2» الناس حتى جلا أهل البوادي إلى الشام، فقيل: سنيات خالد، لا أعاد الله أمثالها، وضرب بها المثل كما ضرب بسني يوسف.
210- أبو هريرة، يرفعه: إن الله يغفر ليلة النصف من شعبان لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن لأخيه.
211- ابن عباس، يرفعه: إن أفضل الأيام عند الله يوم النحر «3» ثم يوم القر، هو يوم الرؤوس عند أهل الحجاز.
212- رأى الحسن ناسا يوم عيد الفطر يضحكون ويلعبون، فقال:
إنما جعل الصوم مضمارا لعباده ليستبقوا إلى طاعته، ولعمري لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته عن تجديد ثوب، وترطيل «4» شعر.
213- سعيد بن جبير «5» عن ابن عباس: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة، فقد مضى ستة آلاف سنة ومائة سنة، وليأتين عليها مئون من السنين ليس عليها موحد.
(1/76)

214- وعن كعب «1» : الدنيا ستة آلاف سنة.
215- استغنم تنفس الأجل، وامكان العمل، واقطع ذكر المعاذير والعلل، فأنك في أجل محدود، وعمر غير ممدود.
216- في ديوان المنظوم «2» :
سرتك دنياك وألهاك ددك ... يوشك أن تنغص عن ذاك يدك «3»
في قبضة القضاء ملقى مقودك ... لا تغترر أن يتراخى موعدك
إن لم يصب يومك لم يخطىء غدك
217- عيسى عليه السّلام: يا طالب الدنيا لتبر، تركك لها أبرّ، وعنه:
من بنى على موج البحر دارا، تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا. وعنه: من خبث الدنيا أن الله عصي فيها، وأن الآخرة لا تنال إلا بتركها.
218- قيل لراهب: كيف سخت نفسك عن الدنيا؟ فقال: علمت أني أخرج منها كارها، فأحببت أن أخرج منها طائعا.
219- دخل عمر على رسول الله وهو على حصير قد أثر في جنبه، فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشا أوثر منه. فقال: مالي وللدنيا، ما
(1/77)

مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها.
220- علي، رفعه، من صام يوم الجمعة صبرا واحتسابا أعطي عشرة أيام غرر «1» زهر لا تشاكلهن أيام الدنيا.
221- إسحاق الخاركي «2» :
ولا تبق في وقت السلامة ساعة ... تفوتك لم تسعد بها وتمتّع
فأنك لاق كلما شئت ليلة ... ويوما يغصان العيون بأدمع
222- خالد بن الطيفان الدارمي:
فما الدنيا بباقية لحي ... ولا حي على الدنيا بباقي
223- ابن ميادة «3» :
وما أنس ملأ شياء «4» لا أنس قولها ... وأدمعها يذرين حشو المكاحل «5»
(1/78)

تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيام الشهور الأطاول «1»
224- أبو مسهر الدمشقي المحدث «2» :
أف لدنيا ليست تواتيني ... إلا بنقضي لها عرى ديني
عيني لحيني تدير مقلتها ... تريد ما سرها لترديني «3»
225- مسلم بن الوليد الأنصاري «4» :
حسبى بما أدت الأيام تجربة ... يسعى عليّ بكاسيها الجديدان «5»
دلت على عيبها الدنيا وصدقها ... ما استرجع الدهر فيما كان أعطاني
226- مزاحم بن الحارث العقيلي «6» :
(1/79)

وددت على ما كان من سرف الهوى ... وغي الأماني أن ما شئت يفعل
فترجع أيام مضين وعيشة ... علينا وهل يثنى من الدهر أول
227- علي رضي الله عنه: واعلموا رحمكم الله أنكم في زمان القائل فيه بالحق قليل، واللسان عن الصدق كليل، واللازم للحق ذليل.
أهله معتكفون على العصيان، مصطلحون على الأذهان «1» . فتاهم عارم «2» ، وشايبهم آثم، عالمهم منافق، وقارئهم مماذق «3» . لا يعظم صغيرهم كبيرهم، ولا يعول غنيهم فقيرهم.
228- من سالت من عينه قطرة يوم الجمعة قبل الرواح «4» ، أوحى الله إلى الملك صاحب الشمال: إطو صحيفة عبدي، فلا تكتب عليه خطيئة إلى مثلها من الجمعة الأخرى.
229- إياك وهم الغد، وارض للغد برب الغد.
230- أبو ذر رضي الله عنه: يومك جملك إذا أخذت برأسه أتاك ذنبه. يعني: إذا كنت في أول النهار بخير لم تزل فيه إلى آخره.
231- قال لقمان لابنه لا تدخل في الدنيا دخولا يضر بآخرتك، ولا تتركها تكون كلا «5» على الناس.
232- فضيل «6» : لأن أعاني هول المطلع ولا أشهد القيامة أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمل عمر بن الخطاب.
233- علي رضي الله عنه قلما اعتدل به المنبر إلا قال أمام خطبته:
(1/80)

أيها الناس اتقوا الله، فما خلق أمرؤ عبثا فيلهو، ولا ترك سدى فيلغو «1» ، وما دنياه التي تحسنت له بخلف من الآخرة التي قبحها سوء النظر عنده، وما المغرور الذي ظفر من الدنيا بأعلى همته، كالآخر الذي ظفر من الآخرة بأدنى سهمته.
234- حذيفة «2» رضي الله عنه: ليس خياركم من ترك الآخرة للدنيا، ولا من ترك الدنيا للآخرة، ولكن من أخذ من هذه وهذه.
235- سأل معاوية ضرار بن ضمرة الشيباني عن علي رضي الله عنه فقال: أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وهو قائم في محرابه، قابض على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء العجول «3» ، ويقول: يا دنيا يا دنيا، إليك عني إليّ تعرضت، أم إليّ تشوقت، لا حان حينك، هيهات هيهات، غريّ غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه من قلة الزاد وطول الطريق، وبعد السفر وعظيم المورد.
236- مر محمد بن واسع بقوم فقيل: هؤلاء الزهاد، فقال ما خطر الدنيا حتى يحمد من زهد فيها.
237- لقمان: يا بني كما تنام كذلك تموت وكما تستيقظ كذلك تبعث.
(1/81)

238- وعن علي رضي الله عنه: ألا وأن الدنيا قد ولت حذاء فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة «1» الإناء، ألا وأن الآخرة قد أقبلت، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن كل ولد سيلحق بأمه يوم القيامة، وإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل.
239- قيل لعابد: لم تركت الدنيا؟ قال: لأني أمنع من صافيها، وامتنع من كدرها.
240- وقيل لآخر: خذ حظك من الدنيا فإنك عنها راحل، قال:
الآن وجب أن لا آخذ حظي منها.
241- قال عبد الملك بن مروان: ولدت في شهر رمضان، وفطمت في شهر رمضان، وختمت القرآن في شهر رمضان، وأتتني الخلافة في شهر رمضان، وأخاف أن أموت في شهر رمضان، فلما دخل شوال وأمن مات.
242- ما عهدت ليلة مات فيها خليفة، وقام خليفة، وولد خليفة، إلا الليلة التي مات فيها الهادي «2» ، وقام الرشيد «3» ، وولد المأمون «4» .
(1/82)

الباب الثاني السماء والكواكب وذكر العرش والكرسي
1- عن علي رضي الله عنه: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رفع طرفه إلى السماء، فقال: تبارك خالقها، ورافعها، وممهدها، وطاويها طي السجل. ثم رمى ببصره إلى الأرض فقال: تبارك خالقها، وواضعها وممهدها وطاحيها «1» .
2- ابن مسعود: بين السماء والأرض مسيرة خمس مائة عام، وبين كل سماء إلى السماء الأخرى مسيرة خمس مائة عام، وبين الكرسي والسماء السابعة مسيرة خمس مائة عام، وما بين الكرسي والماء مسيرة خمس مائة عام، والعرش فوق الماء، وكذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك «2» : أن العرش غير الكرسي. وعن الحسن: العرش والكرسي واحد. قالوا: الغرض في خلق العرش والكرسي أن يرى بهما اقتداره وعظمته، وأن ينعبد ملائكته بحملهما، والطواف بهما، وجعلهما قبلة، كما وضع في الأرض البيت ليقصد ويطاف به، ويتوجه إليه في الصلاة.
(1/83)

وهو متعال عن المكان، وهو خالق الأمكنة، وكان ولا مكان. ومن فضل حملة العرش أن الملائكة مأمورون بالغد والرواح إليهم للتسليم عليهم، تفضيلا لهم على سائر ملائكته. وأمر حملة العرش بالاستغفار لأمة محمد صلّى الله عليه وسلّم.
3- أبو حازم «1» : لا يكون ابن آدم في الدنيا على حال إلا ومثاله في العرش على تلك الحال، فقال بعض من سمعه: فنظر الله إليك وأنت مطيع أو عاص أعظم من مثالك على العرش، ولو نظر إليك وجوه أهل الأرض لأحببت أن يروك على ما تحب، وأن لا يروك على ما تكره، فكيف برب العزة الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
4- في ديوان المنظوم:
باتت تقلبني الهموم مقلبا ... في الفطرة العلوية الأفكارا
فلك يدور على الأنام وأنه ... سيدور أحقابا وكم قد دارا
شهب سوار وهي في تسيارها ... تقص القوي وتقصب الأعمارا «2»
5- نظر أعرابي في سبعة وعشرين من رمضان إلى الهلال فقال:
الحمد لله الذي أنحل جسمك كما أخمصت «3» بطني.
6- بعض المنجمين: مواليد الأنبياء بالسنبلة «4» والميزان، وكان طالع النبي صلّى الله عليه وسلّم الميزان. وقال ولدت بالسماك، وفي حساب المنجمين أنه السماك الرامح «5» .
7- امرؤ القيس:
(1/84)

إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصل «1»
8- ذو الرمة «2» :
وردت اعتسافا والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق
9- آخر:
كأن الثريا فيه درّ تقاربت ... مساقطه من سلكه فتجمعا
10- قيل لابن دكين «3» : ما الدليل على أن المشتري سعد؟ قال:
حسنه.
11- أوحى الله إلى عيسى عليه السّلام أن كن للناس في الحلم كالأرض تحتهم، وفي السخاء كالماء الجاري، وفي الرحمة كالشمس والقمر، فإنهما يطلعان على البر والفاجر.
12- الشمس تسميها صعاليك «4» العرب قطيفة المساكين، ولذلك تكنى أم شملة قال قائلهم:
(1/85)

يا شمس با قطيفة المساكين ... قربك الله متى تعودين
13- مناط العيوق «1» ومناط الثريا مثل في الاستبعاد، قال:
وأقرب من هذا الذي قد أردته ... مناط الثريا من يد المتناول
14- نظر أعرابي إلى القمر حين طلع فأبصر به الطريق، وقد خاف أن يضل، فقال: ما عسيت أن أقول، إن قلت حسنك الله فقد فعل، وإن قلت رفعك الله فقد فعل.
15- يقال عند طلوع الشمس: سبحان من صورك ودورك ونورك، وإذا شاء كورك «2» .
16- نظر أبو قصيصة ما جن من أهل الحجاز إلى هلال رمضان فقال: قد جئتني بقرنيك قطع الله أجلي أن لم أقطعك بالأسفار.
17-[شاعر] :
بد أن بنا وابن الليالي كأنه ... حسام جلت عنه القيون صقيل «3»
فما زلت أفني كل يوم شبابه ... إلى أن أتتك العيس وهو ضئيل
18- أدخل رجل إصبعيه في حلقي مقراض، وقال لمنجم: أيش ترى في يدي؟ فقال: خاتمي حديد.
19- فقدت في دار بعض الرؤساء مشربة فضة، فوجه إلى ابن ماهان «4» ، فقال: المشربة سرقت نفسها، فضحك منه، فاغتاظ وقال:
(1/86)

هل في الدار جارية تسمى فضة؟ قالوا: نعم، فقال: فضة أخذت الفضة، فكان كما قال.
20- صلب منجم، فقيل: هل رأيت هذا في نجمك؟ فقال:
رأيت رفعة ولكن لم أعلم أنها فوق خشبة.
21- قال أبو حنيفة الدينوري «1» في كتاب الأنواء: المنكر هو نسبة الأمر إلى الكواكب وأنها هي المؤثرة، فأما من نسب الأثر إلى خالق الكواكب، وزعم أنه ضربها أمارة «2» ، ونصبها أعلاما على ما يحدثه ويجدده في كل أوان بمشيئته الربانية فلا جناح «3» عليه.
22- المأمون: علمان نظرت فيهما وأنعمت فلم أرهما يصحان، النجوم والسحر.
وللمأمون:
والله ما تختلف النجوم ... وتضرب الشمس فلا تقوم
وقمر في فلك يعوم ... إلا لأمر شأنه عظيم
تقصر دون علمه العلوم
23- في ديوان المنظوم:
وأطلب من الله السعادة في الذي ... ترجو وخل الكوكب المسعودا
إن الكواكب فوق عجزك عجزها ... من أين تمنح غيرهن جدودا
24- قيل لأعرابي: ما أعلمك بالنجوم! قال: ومن الذي لا يعلم أجذاع بيته.
25- وقيل لأعرابية: أتعرفين النجوم؟ فقالت: سبحان الله، أما
(1/87)

نعرف أشياخنا وقوفا علينا كل ليلة.
26- أبو هريرة: عنه عليه الصلاة والسلام: بينا رجل مستلق ينظر إلى النجوم والسماء، فقال: والله إني لأعلم أن لك خالقا وربا، اللهم اغفرلي، فنظر الله إليه فغفر له.
27- زيد بن يحيى «1» :
كنا عند مالك بن دينار فمرّ بنا خليفة البهراني فسلم على مالك، فقال: عظنا يا أبا عبد الله، فقال: يا أبا يحيى، إنك والله إن عرفت الله حق معرفته أغناك ذلك عن كل كلام وموعظة، أبا يحيى، إن المؤمنين لم يعبدوا إلههم عن رؤية: إنما عبدوه عن دلالة، إنهم والله لما نظروا إلى اختلاف الليل والنهار، ودوران هذا الفلك، وارتفاع هذا السقف المرفوع بغير عمد، ومجاري هذه البحار والأنهار، علموا أن لذلك صانعا ومدبرا لا يعزب «2» عنه مثقال ذرة من أعمال خلقه في السماوات والأرض، فعبدوا الله بدلائله على نفسه، عبادة أنضت «3» الأبدان، وأحالت الألوان، كتى كأنما عبدوه عن رؤية. فهم في الدنيا حية قلوبهم، ميتة جوارحهم، إلا عند الذكر والمناجاة والنهوض إلى طاعته، فبكى مالك بكاء شديدا، ثم قام عشيته لم يتكلم بشيء.
28- ابن المعتز:
في ليلة أكل المحاق هلالها ... حتى تبدى مثل وقف العاج «4»
والصبح يتلو المشتري فكأنه ... عريان يمشي في الدجى بسراج
(1/88)

29- ابن الطثرية «1» :
إذا ما الثريا في السماء كأنها ... جمان وهى من سلكه فتبددا
30- عن أبي برزة «2» : خرج النبي صلّى الله عليه وسلّم على أصحابه وهم يتفكرون في الخالق، فقال: تفكروا في الخلق، ولا تفكروا في الخالق، فإنه لا يحيط به الفكر، تفكروا أن الله خلق السماوات سبعا، والأرضين سبعا، وثخانة كل أرض خمس مائة عام، وثخانة كل سماء خمس مائة عام، وما بين كل سمائين خمس مائة عام، وفي السماء السابعة بحر عمقه مثل ذلك كله، فيه ملك لم يجاوز الماء كعبه.
31- ذو النون المصري «3» سمع شخصا قائما على جبل وسط البحر يقول: سيدي سيدي، أنا خلف البحور والجزائر، وأنت الملك الفرد بلا حاجب ولا زائر، من الذي أنس به فاستوحش، ومن الذي نظر إلى آيات قدرتك فلم يدهش. أما في نصبك السماء ذات الطرائق، ونظمك الفلك فوق رؤوس الخلائق، ورفعك العرش المحيط بلا عاتق، وإجرائك الماء بلا سائق، وإرسالك الريح بلا عائق، ما يدل على فردانيتك. أما السماوات فتدل على منعتك، وأما الفلك فيدل على حسن صنعتك، وأما الرياح فتنتشر من نسيم بركاتك، وأما الرعود فتصوت بعظيم آياتك، وأما
(1/89)

الأرض فتدل على تمام حكمتك، وأما الأنهار فتفجر بعذوبة كلماتك، وأما الأشجار فتخبر بجميل صنائعك، وأما الشمس فتدل على تمام بدائعك.
32- كان الرجل في بني إسرائيل إذا عبد الله ثلاثين سنة ظللته غمامة، ففعل ذلك الرجل فلم تظلله. فشكا إلى أمه، فقالت: لعلك أذنبت في هذه السنين ذنبا، قال: لا، قالت: فهل رفعت طرفك إلى السماء وأنت غير مفكر فيها؟ قال: نعم، قالت: من هاهنا أتيت.
33-[شاعر] :
كأن الثريا والصباح يكدها ... مصابيح رهبان دنت لخمود
34- قال الأصمعي لأعرابي: أين منزلك؟ قال: من وراء اليمن بطالعين، يريد بشهرين.
35- افتقدت امرأة أحد الكبار خاتما، فوجهت إلى أبي معشر «1» ، فقال: خاتم الله أخذه. فتعجبت من قوله، ثم طلبته فوجدته في أثناء ورق المصحف.
36- أبو بكر الخالدي «2» :
وتنقبت بخفيف غيم أبيض ... هي فيه بين تخفر وتبرج «3»
كتنفس الحسناء في المرآة قد ... كملت محاسنها ولم تتزوج
(1/90)

37- آخر:
ولاحت الشعرى وجوزاؤها ... كمثل زج جره رامح «1»
38- في نوابغ الكلم: شيع الحسنة بحسن الجزاء، فما أحسن الشعرى خلف الجوزاء «2» .
39- لا خير في بني الزمان ما طلع المرزمان «3» . لا بد مع ذا من ذيا، والدبران «4» تلو الثريا.
40- ابن المعتز:
وأرى الثريا في السماء كأنها ... قدم تبدّت من ثياب حداد
41- تقول الروم: لولا ضجة أهل الروم وأصواتهم لسمع الناس صوت وجوب «5» الشمس في المغرب.
42- في النصائح الصغار: املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلهما في جملة هذه العجائب، متفكرا في قدرة مقدرها، متدبرا في حكمة مدبرها، قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر.
43- وفيها: الشهم الحذر، بعيد مطارح الفكر، غريب مسارح النظر، لا يرقد ولا يكرى «6» ، إلا وهو يقظان الذكرى، يستنبط العظة من الملمح الخفي، يستخلص العبرة من الطرف القصي، فإذا نظرت إلى بنات
(1/91)

نعش «1» فاستجلب عبرتك، وإذا رأيت بني نعش فاستحلب عبرتك، وأعلم أن من الجوائز أن تروح غدا مع الجنائز.
44- النعش أربعة كواكب مربعة، إثنان منها الفرقدان، والبنات هي الثلاثة، فالذي في الطرف القائد، والأوسط العناق، والذي يلي النعش الحوت، والأوسط يليه كويكب صغير جدا يكاد يلصق به، يقال له:
السهى، والصيدق، ونعيش، والناس يمتحنون به أبصارهم، فمن ضعف بصره لم يره. وروي أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يفعلون ذلك، ويقال: بنات نعش، وبنو نعش، وآل نعش.
45-[شاعر] :
وهل حدثت عن أخوين داما ... على الأيام إلّا ابني شمام «2»
وألا الفرقدين وآل نعش ... خوالد ما تحدث بانصرام
46- عن شيخ من العرب أنه سرى برفيق له فتعب، فقال لرفيقه:
هذا الجدي فاضبط الأمر به، وأراه السمت «3» حتى أغفى على راحلته، ثم انتبه وقد جار به عن القصد، فقال: ما صنعت ويلك؟ فقال: إنه والله اختلط بالجدي جداء كثيرة، فلم أدر أيها هو.
47-[شاعر] :
جعلت سهيلا مجعل السيف بعدما ... تنكر بالدهنا علي المعارف «4»
(1/92)

يعني طعنت في الجنوب، جاعلا سهيلا عن يساري، فإن شق السيف اليسار.
48- كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ربما يخرج من الليل، فينظر في آفاق السماء، فيقول: سبحانك هجعت العيون، وغارت النجوم، وأنت الحي القيوم. لا يواري عنك ليل ساج «1» ، ولا سماء ذات أبراج، ولا أرض ذات مهاد، ولا بحر لجي، ولا ظلمات بعضها فوق بعض، تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل. اللهم فكما أولجت الليل في النهار والنهار في الليل فأولج عليّ وعلى أهل بيتي الرحمة، لا تقطعها عني ولا عنهم أبدا.
49- كان المأمور بن مكربة الحارثي «2» يقول، وكان نصرانيا: نهار يجول، وليل يزول، وشمس تجري، وقمر يسري، وسحاب مكفهر، وبحر مسبطر «3» ، وجبال غبر، وسحاب خضر، وخلق يمور، بعض في بعض، بين سماء وأرض، ووالد يتلف، وولد يخلف، ما خلق الله هذا باطلا. وإن بعد ما ترون لثوابا عقابا، وحشرا ونشرا «4» ، ووقوفا بين يدي الجبار. فقالوا له: وما الجبار؟ فقال: الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.
50- محمد بن عبد الله الكاتب «5» :
كأن الثريا صدر باز محلق ... سما حيث لا يبدو له غير جؤجؤ «6»
حكمت طبقا فيروزجيا أديمه ... نثرت عليه سبع حبات لؤلؤ
(1/93)

51- هرّدان العليمي «1» دليل يزيد بن المهلب «2» حين هرب من سجن.
52- عمر بن عبد العزيز:
وقوم هم كانوا الملوك هديتهم ... بظلماء لم يبصر بها ضوء كوكب
ولا قمر إلا ضئيل كأنه ... سوار حناه صائغ سور مذهب «3»
53- التهامي «4» :
وللثريا ركود فوق أرحلنا ... كأنها قطعة من فروة النمر «5»
54- يقول العرب: كان سهيل والشعريان مجتمعة، فانحدر سهيل فصار يمانيا، وتبعته العبور «6» فعبرت إليه المجرة، وأقامت الغميصاء «7»
(1/94)

فبكت حتى غمصت «1» .
55- الحسن بن وهب «2» : سمرت البارحة على وجه السماء، وعقد الثريا ونطاق الجوزراء فلما انتبه الصبح نمت، فلم استيقظ إلا بعد أن لبست قميص الشمس. لعله غلس «3» بصلاته ثم نام، وإن لم فقد فصح كلامه، وأفحم إسلامه.
56- قالوا: إن العرش يهتز لثلاثة أشياء: لارتكاب الكبيرة، ولفتح اللسان بكلمة الإخلاص، ولموت المؤمن التقي.
57- قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اهتز العرش لموت سعد بن معاذ «4» .
58- اختلفوا في البيت المعمور وفي مكانه، فقال قوم: هو البيت الذي بناه آدم أول ما نزل إلى الأرض، فرفع إلى السماء في أيام الطوفان، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك. والملائكة تسميه الضراح بالضاد المعجمة لأنه ضرح عن الأرض إلى السماء، ومنه نية ضرح وطرح:
بعيدة. قال ابن الطفيل «5» سمعت عليا، وسئل عن البيت المعمور،
(1/95)

فقال: ذاك الضراح، بيت بحيال الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه حتى تقوم القيامة. ويقال له: الضريح أيضا، ومن قال الصراح فهو اللحن «1» الصراح.
59- وعن الحسن وابن عباس: أنه البيت الذي بمكة، معمور بمن يطوف به.
60- وعن محمد بن عباد بن جعفر «2» أنه كان يستقبل القبلة ويقول: واحبذا بيت ربي، ما أحسنه وأجمله، هذا والله البيت المعمور.
وقيل: هو في السماء الدنيا، وقيل: في الرابعة، وقيل: في السادسة، وقيل: في السابعة.
61- وعن جعفر بن محمد «3» عن آبائه هو تحت العرش.
62- في نوابغ الكلم: أن الذي سخر الفلك في الماء، هو الذي سير الفلك «4» في السماء.
63-[شاعر] :
ولاح سهيل من بعيد كأنه ... شهاب ينجّيه من الريح قابس «5»
64- أعرابي:
لقد سرني أن الهلال «6» غدية ... غدا وهو محقور الخيال دقيق
أضرت به الأيام حتى كأنه ... سوار لواه باليدين رقيق
فقمت أعزيه وقد رق عظمه ... وقد حان من شمس النهار شروق
ألا في سبيل الله إنك هالك ... وإني بأن أبكي عليك حقيق «7»
(1/96)

وإنك قد عطشتني وتركتني ... وفي الصدر من طول الغليل حريق
وإني لشهر الصوم إذ مر شاكر ... وإنك يا شوال لي لصديق
65- قال ابن عباس لرجل طلق امرأته عدد نجوم السماء: يكفيك منها هقعة الجوزاء. وهي رأس الجوزاء. ثلاثة كواكب صغار مثفاة، وتسمى الأثافي «1» .
66- علي رضي الله عنه: أنشأ سبحانه فتق الأجواء، وشق الأرجاء وسكاك الأهواء، فأجاز فيها ماء متلاطما تياره «2» ، متراكما زخاره، حمله على متن الريح العاصفة، والزعزع «3» القاصفة، فأمرها برده، وسلها على شده، وقربها إلى حده، الهواء من تحتها فتيق «4» ، والماء من فوقها دفيق «5» . ثم أنشأ سبحانه ريحا أعقم مهبها، وأدام مربّها «6» ، وأعصف مجراها، وأبعد منشاها، فأمرها بتصفيق الماء الزخار، وإثارة موج البحار، فمخضته مخض السقاء، وعصفت به عصفها بالفضاء، ترد أوله على آخره، وساجيه على مائره، حتى عب عبابه، ورمى بالزبد ركامه، فرفعه
(1/97)

في هواء منفتق، وجو منفهق «1» ، فسوى منه سبع سماوات، جعل سفلاهن موجا مكفوفا، وسقفا محفوظا، وسمكا «2» مرفوعا، بغير عمد يدعمها، ولا دسار «3» ينتظمها، ثم زينها بزينة الكواكب، وضياء الثواقب، وأجرى فيها سراجا مستطيرا، وقمرا منيرا، في فلك دائر، وسقف سائر، ورقيم مائر «4» .
67- وعنه رضي الله عنه: وكان من اقتدار جبروته، وبدائع لطيف صنعته أن جعل من ماء اليم الزاخر المتراكم المتقاصف يبسا جامدا، ثم فطر منه أطيافا ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها، فاستمسكت بأمره، وقامت على حده، يملها الأخضر المثعنجر «5» ، والقمقام «6» المسخر، قد ذل لأمره، وأذعن لهيبته، ووقف الجاري منه لخشيته.
68- في ديوان المنثور: الله الذي رفع السماء بغير عمد وسمكها، وسوى في أديمها الأخضر حبكها، فطرها ملساء سالمة من الفطور، خالية من وقوع الخلل فيها على مر العصور، ثم زينها بنيران لا تزال سيارة، في أفلاك لا تنفك دوارة، من شمس وقمر يدأبان الليل والنهار، يطردان الظلمات ويجلبان الأنوار، ومن نجوم يرجم بها ضلال الجن من العفاريت «7» ، ويرجم بها ضلال الأنس في السباريت «8» ، لكل كوكب تسخير في تسييره، ولكل فلك تدبير في تدويره، لو اطلع النظار على ما دبر من عجيب تدبيرها، واستوضحوا ما قدر من بديع تقديرها، لأطفأت
(1/98)

الحيرة عقولهم الثواقب، وردت الروعة أذهانهم ذواهب. آيات بما خمنها نطق، بألسنة كلها طلق ذلق. تدعو إلى فاطرها بحيّهل، وتقول أهلا بمن أدرك المهل.
69- أبو حفص الضرير من بني كليب بن يربوع:
وكنا إذا شيطان تغلب رامنا ... قصفنا عليه من كواكبنا نجما
فنهلكه إنا كذلك لم تزل ... كواكبنا تفني شياطينكم رجما
70- قالوا: الحكمة في الكسوف إن الله تعالى ما خلق خلقا إلا قيض له تغييرا وتبديلا، ليستدل بذلك على أن له مغيرا ومبدلا، ولأن النيرين «1» يعبدان من دون الله، فقضى الله عليهما الكسوف «2» وسلب النور، ليعلم أنهما لو كانا معبودين لدفعا عن أنفسهما ما يغيرهما، ويدخل النقص عليهما.
71- ويروى أن الشمس انكسفت يوم مات إبراهيم «3» بن مارية «4» ،
(1/99)

فقالوا انكسفت الشمس لموته، فقال عليه الصلاة والسلام: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم هذا فافزعوا «1» إلى الصلاة والدعاء حتى تنجلي.
72- الوليد بن جميع «2» : رأيت عكرمة «3» يسأل رجلا عن حساب النجوم، والرجل يتحرج أن يخبره، فقال عكرمة: سمعت ابن عباس يقول: هو علم عجز الناس عنه، ولوددت أني علمته، وعن ابن عباس علم من علوم النبوة، وليتني كنت أحسنه.
73- وعن علي رضي الله عنه: من اقتبس علما من علم النجوم من حملة القرآن إزداد به إيمانا ويقينا، ثم تلا: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
«4» .
74- وعن ميمون بن مهران «5» : إياكم والتكذيب بالنجوم، فإنه علم من علم النبوة.
75- علي رضي الله عنه: يكره أن يسافر الرجل أو يتزوج في
(1/100)

محاق «1» الشهر، وإذا كان القمر في العقرب «2» . ويروى أن رجلا قال له:
إني أريد الخروج في تجارة، وذلك في محاق الشهر، فقال: أتريد أن يمحق «3» الله تجارتك؟ استقبل هلال الشهر بالخروج.
76- قال ابن عباس لعكرمة مولاه: أخرج فانظر كم بقي من الليل.
فقال: إني لا أبصر النجوم. فقال ابن عباس: نحن نتحدى بك فتيان العرب، وأنت لا تبصر النجوم. وقال: وددت أني أعرف «الهفت دوازده» يريد النجوم السبعة السيارة والبروج الأثني عشر «4» .
77- قال معاوية لدغفل بن حنظلة «5» العلامة، حين ضمه إلى يزيد: علمه العربية، والأنساب والنجوم.
78- قال عمر للعباس وهو يستسقى «6» : يا عم رسول الله كم بقي من نوء «7» الثريا؟ فإن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعا.
(1/101)

79- كانت الأكاسرة إذا أراد أحدهم طلب ولد أمر بإحضار المنجم، ويخلو مع المطلوب منها الولد. فساعة يقع الماء في الرحم أمر خادما على باب البيت بضرب طست «1» بيده، فإذا سمعها المنجم أخذ الطالع بالأسطرلاب «2» .
80- كان علماء بني إسرائيل يسترون من العلوم علمين: علم النجوم وعلم الطب، فلا يعلمونهما أولادهم، لحاجة الملوك إليهما، لئلا يكونا سببا في صحبة الملوك والدنو منهم فيضمحل دينهم.
81- الحارث بن كلدة «3» : إياكم والقعود في الشمس، فأن كنتم لا بد فاعلين فتنكبوها بعد طلوع النجم «4» أربعين يوما، ثم أنتم وهي سائر السنة.
82- أبو محمد أبو حنيفة الدينوري: قد سجعت العرب في النجوم أسجاعا، بما أدركه طول تجريبهم، وأحكم علمها الماضي، وورثها الباقي، فسارت متواترة «5» محفوظة، وهي أشد الأمم تفقدا لذلك، وعناية به، لأن جلهم قطان بواد، وسكان عذوات «6» قفار، أهل عمد سيارة، تباع غيث، قليل على غيره تعويلهم، فأبصارهم إلى السماء طامحة، وبنواحيها موكلة، يطبيهم «7» البرق إذا لمع، والغيث إذا وقع، والماء إذا
(1/102)

نقع، ويظعنهم «1» الحر إذا وهج، ويجهدهم البرد إذا ركد، فهم بين نجعة «2» وحضور. لهم في كل ريح تهب، وكوكب يطلع، ونجم ينوء، أمر مسهر أو منيم، يحميهم الغفلة، ويمنعهم التضييع، وما يبلغنا عن أمة في ذلك ما بلغنا عنهم. ففي الناس أمم غيرهم أهل عمد «3» وبواد، وما في أحد منهم علم الحساب الذي أوغلوا إلى لطائف دقائقه، وأدركوه على حقائقه، فلم يسبقوا به، ولم يدركوا فيه.
83- قال فقيههم: إذا طلع النجم عشاء، ابتغى الراعي كساء.
- إذا طلع الدبران توقدت الحزان «4» واستغرت الذبان، ويبست الغدران.
- إذا طلعت الجوزاء، توقدت المعزاء «5» ، وأوفى على عودة الحرباء، وكنست «6» الظباء، وعرقت العلباء «7» ، وطاب الخباء.
- إذا طلع الذراع «8» ، حسرت الشمس القناع، وأشعلت الأفق الشعاع، وترقرق السراب «9» بكل قاع «10» .
- إذا طلعت الشعرى، نشف الثرى، وأجن الصرى «11» ، وجعل صاحب النخل يرى.
(1/103)

- إذا طلعت الجبهة «1» ، تحانت «الولهة «2» ، وتنازت «3» السفهة.
- إذا طلع سهيل، طاب الليل، وحذي النيل، وامتنع القيل «4» ، وللفصيل الويل، ورفع كيل، ووضع كيل.
- إذا طلعت الصرفة «5» ، احتال كل ذي حرفة، وجفر كل ذي نطفة، وامتير على الماء زلفة.
- إذا طلعت العوّاء «6» ، ضرب الخباء، وطاب الهواء، وكره العراء، «وشنن «7» السقاء.
- إذا طلع السماك، ذهبت العكاك «8» ، وقل على الماء اللكاك «9» .
- إذا طلعت الزبانى «10» ، أحدثت لكل ذي عيال شانا، ولكل ذي ماشية هوانا، وقالوا كان وكانا، فاجمع لأهلك ولا توانى.
- إذا طلع الأكليل «11» ، هبت الفحول، وشمرت الذيول، وخيفت السيول.
(1/104)

- إذا طلع القلب «1» ، جاء الشتاء كالكلب، وصار أهل البوادي في كرب، ولم تكن البخل إلا ذات ثوب.
- إذا طلع الهراران «2» ، هزلت السمان، واشتد الزمان، ووحوح «3» الولدان.
والهراران قلب العقرب والنسر يطلعان معا.
- إذا طلعت الشولة «4» ، أخذت الشيخ البولة، وقيل شتوة زولة، أي عجيبة.
- إذا طلع سعد السعود «5» ، ذاب كل جمود، واخضر كل عود، وانتشر كل مصرود «6» .
- إذا طلع الحوت «7» ، خرج الناس من البيوت.
84- ابن المعتز:
كأن الثريا في أواخر ليلها ... تفتح نور أو لجام مفضض
(1/105)

85- دكين «1» :
وقد تعاللت ذميل العنس ... بالسوط في ديمومة كالترس «2»
إذ عرج الليل بروج الشمس
86- قتادة «3» : بلغني أن رسول الله كان إذا رأى الهلال قال: هلال خير ورشد، ثلاث مرات، آمنت بالذي خلقك، ثلاث مرات، الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا.
87- أبو هريرة، يرفعه: إذا كان أحدكم في الفيء، فقلص عنه الظل، فصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم.
88- أمية بن أبي الصلت «4» :
تأمل صنع ربّك غير شك ... بعينك كيف تختلف النجوم
دوائب في النهار فما تراها ... وتمسي مسي ليلتها تعوم
فما تجرى سوابق ملجمات ... كما تجري ولا طير تسوم
هو المجرى سوابقها سراعا ... كما حبس الجبال فما تريم
يا نعم عيني بربي إنه صنع ... وعالم بالذي نعيا به حكم
إلى السماء تأمل كيف بنيتها ... وكل شيء بناه الله ملتئم
(1/106)

صاغ السماء فلم يخفض مواضعها ... لم ينتقص علمه جهل ولا سأم
زينت بحليتها في الدهر إذ رفعت ... كزاهر الروض لا يخفى به سحم «1»
كأن صفحتها ماويّة جليت ... تنجاب عن ليطها الأرواح والرهم «2»
89- طال بكاء طاووس «3» بالليل، فرأى القمر طالعا من أبي قبيس «4» ، فقال: ورب هذه البنية «5» ، إن هذا القمر يبكي من خشية الله ولا ذنب له، وتلا قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
الآية: (سورة الحج: 18) فلم يستثن من هؤلاء أحدا، وقد استثنى ابن آدم فقال: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ
- (سورة الحج: 18) ، والذي كان أحقهم بالشكر هو أكثرهم.
90- تبع بن الأقرن «6» من ملوك اليمن.
منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس «7»
تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت بالنس
(1/107)

91- ابن الرومي:
أعلم الناس بالنجوم بنو نو ... بخت علما لم يأتهم بالحساب «1»
بل بأن شاهدوا السماء سموا ... بترقّ في المكرمات الصعاب
ساوروها بكل علياء حتى ... بلغوها مفتوحة الأبواب
92- لما قدم المأمون بغداد وصل الناس على قدر مراتبهم، وأغفل عبد الله بن أبي سهل بن نوبخت المنجم. فقال:
أصبت وأخطأ فيك كلّ منجم ... فقرّب من أخطأ وكنت المبعدا»
فلو أنهم كانوا أصابوا بما قضوا ... وكنت الذي أخطأ القضاء لما عدا
93- أراد علي رضي الله عنه الخروج إلى الخوارج، فأراد تثبيطه ناظر في النجوم، فقال: أيها الناس، إياكم وتعلم النجوم، إلا ما يهتدى به في بر أو بحر، فإنها تدعو إلى الكهانة «3» ، المنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، سيروا على اسم الله، ورجع مظفرا.
94- قرب إلى علي بن الحسين رضي الله عنه ظهوره في يوم ورده، فوضع يده في الإناء ليتوضأ، ثم رفع رأسه فنظر إلى السماء والقمر والكواكب، ثم جعل يفكر في خلقها، حتى أصبح وأذن المؤذن، ويده في الإناء.
(1/108)

الباب الثالث السحاب والمطر والثلج والرعد والبرق وما يتصل بذلك من ذكر الاستمطار وغيره
1- عن رقيقة بنت أبي صيفي «1» ، وكانت لدة «2» عبد المطلب بن هاشم: تتابعت على قريش سنوّ جدب أقحلت الضرع «3» ، وأرقت العظم، فبينا أنا راقدة، اللهم أو مهوّمة «4» ، ومعي صنوي «5» ، إذا أنا بهاتف صيت «6» ، يصرخ بصوت صحل «7» ، يقول: يا معشر قريش: إن هذا النبي المبعوث منكم، قد أظلتكم أيامه، وهذا أبان نجومه، فحيهلا بالحيا «8» والخصب، ألا فانظروا منكم رجلا وسيطا عظاما جساما، أبيض،
(1/109)

بضا أوطف «1» الأهداب، سهل الخدين، أشم العرنين «2» ، له فخر يكظم عليه «3» ، وسنة تهدي إليه، ألا فليخلص هو وولده، وليدلف «4» إليه من كل بطن رجل، ألا فليشنوا «5» عليهم من الماء، وليمسوا من الطيب، وليطوفوا بالبيت سبعا، ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته، ألا فليستسق الرجل، وليؤمن القوم، ألا فغثتم إذن ما شئتم وعشتم. قالت: فأصبحت علم الله مذعورة، قد قف «6» جلدي، ودله «7» عقلي. فقصصت رؤياي فذهبت في شعاب «8» مكة. فو الحرمة والحرم، إن بقي أبطحي ألا قال:
هذا شيبة «9» الحمد، فتنامت إليه رجالات قريش، وانقض إليه الناس من كل بطن رجل، فشنوا ومسوا واستلموا وطوفوا، ثم رتقوا أبا قبيس، وطفق القوم يدفون «10» حوله ما أن يدرك سعيهم مهلة، حتى قروا بذروة «11» الجبل، واستكفوا جنابيه «12» ، فقام عبد المطلب فاعتضد «13» ابن ابنه محمدا فرفعه على عاتقه «14» ، وهو يومئذ غلام قد أيفع أو كرب «15» ، ثم
(1/110)

قال: لاهمّ «1» : سادّ الخلة «2» ، وكاشف الكربة، أنت عالم غير معلم، مسؤول غير مبخّل، وهذه عبداؤك وإماؤك، بعذرات «3» حرمك، يشكون إليك سنتهم «4» التي أذهبت الخف والظلف، فاسمعن اللهم، وأمطرن علينا غيثا مغدقا مريعا «5» ، فوالكعبة ما راموا حتى انفجرت السماء بمائها، واكتظ الوادي بثجيجة «6» . فسمعت شيخان «7» قريش وجلتها عبد الله بن جدعان»
وحرب بن أمية «9» وهشام بن المغيرة «10» يقولون لعبد المطلب: هنيئا لك أبا البطحاء.
2- وفي ذلك أقول:
(1/111)

بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... وقد فقدنا الحيا واجلّوذ المطر «1»
فجاء بالماء وسمّي له سبل ... ثجا فعاشت به الأنعام والشجر «2»
3- أنس: أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله، فبينما هو يخطبنا يوم جمعة، إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلك الكراع «3» .
وهلك الشاء «4» ، فادع الله أن يسقينا. فمد يده ودعا، وإن السماء لمثل الزجاجة، فهاجت ريح وأنشأت سحابا ثم اجتمع، ثم أرسلت السماء عزاليها «5» . فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، فلم تزل تمطر إلى الجمعة الأخرى. فقام إليه ذلك الرجل فقال: يا رسول الله، تهدمت البيوت، فادع الله أن يحبسه، فتبسم رسول الله ثم قال: حوالينا ولا علينا. فرأيت السحاب تصدع حول المدينة كأنه إكليل.
4- وعن عائشة: أنه خرج حين بدا حاجب الشمس، فصعد على المنبر، وكبّر وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن أبان زمانه، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم. ثم قال: اللهم أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين. فأنشأ الله سحابا، فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله. فلم يأت مسجده حتى سالت السيول. فلما رأى سرعتهم إلى الكن «6» ضحك حتى بدت نواجذه «7» ، وقال: أشهد أن
(1/112)

الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله.
5- وروي أنه قال في استسقاء: اللهم: اسقنا وأغثنا، اسقنا غيثا مغيثا، وحيا «1» ربيعا، وجدا طبقا «2» غدقا مغدقا، مونقا عاما، هنيئا مريئا. مريا مريعا، مربعا مرتعا، وابلا سابلا «3» ، مسبلا مجللا «4» ، ديما «5» درارا نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث «6» غيثا، اللهم تحيي به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغا للحاضر منا والباد. اللهم أنزل علينا في أرضنا زينتها، وانزل علينا في أرضنا سكنها.
اللهم: انزل علينا من السماء ماء طهورا، فأحيي به بلدة ميتا، واسقه مما خلقت لنا أنعاما وأناسي كثيرا.
6- خرج عمر يستسقي بالعباس: فقال: اللهم أنا نتقرب إليك بعم نبيك، وبقية آبائه، وكبر رجاله، فإنك تقول، وقولك الحق: وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ
الآية: (سورة الكهف: 18) ، فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ اللهم نبيك في عمه، فقد دلونا به إليك مستشفعين ومستغفرين. ثم أقبل على الناس فقال: استغفروا ربكم أنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا.
7- قال الراوي: ورأيت العباس: وقد طال عمره، وعيناه تنضحان، وسبائبه «7» تجول على صدره، وهو يقول: اللهم أنت الراعي لا
(1/113)

تهمل الضالة، ولا تدع الكسير بدار مضيعة، فقد ضرع الصغير «1» ، ورق الكبير، وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى. اللهم فاغثهم بغثيانك من قبل أن يقنطوا «2» فيهلكوا فإنه لا ييأس إلا القوم الكافرون.
فنشأت طريدة «3» من سحاب، وقال الناس: ترون ترون، ثم تلامت واستتمت، ومشت فيها ريح، ثم هوت ودرّت «4» ، فو الله ما برحوا حتى اعتلقوا الحذاء، وقلصوا المئزر «5» ، وطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه، ويقولون هنيئا لك ساقي الحرمين.
8- عبد الواحد بن عوف بن الريان الطهوي:
بخبث كأنّ المسك يعرو عراره ... إذا هبصت فيه الرياح العواصف «6»
وكل سماكيّ أهابت به الصبا ... فجن له عود من الرعد شارف «7»
إذا شم أنف الليل أرمض وسطه ... سنا كابتسام العامرية شاغف «8»
9- قال ذو الرمة: قاتل الله أمة بني فلان ما كان أفصحها، سألتها:
كيف كان المطر عندكم؟ فقالت: غثنا ما شئنا.
10- كف بصر معقر بن حمار البارقي «9» ، فسمع يوما صوت راعد،
(1/114)

ومعه بنت تقوده، فقال لها: ما ترين؟ فقالت: أرى سحماء «1» عقاقة «2» كأنها حولاء «3» ناقة. فقال لها وائلي بي «4» إلى جانب قفلة «5» فأنها لا تنبت إلا بمنجاة من السيل.
11- عروة الصعاليك «6» :
ألم تأرق لبرق بات يسري ... بأكناف الأراكة مستطير «7»
يكشف عائذا بلقاء ينفي ... ذكور الخيل عن ولد صغير
12- قيل لجمعة «8» : أي السحاب أحسن؟ قالت: سحاب ملتف أسحم «9» رجاف مسف «10» يكاد يمسه من قام بالكف.
(1/115)

13- أعرابي:
سحابة صادقة الأنواء ... تجر حضنيها على البطحاء «1»
بدت بنار وثنت بماء ... تثني بها الأرض على السماء
تجمع بين الضحك والبكاء
14- وقف أعرابي على قوم فقال: بدء شأني، والذي الجأني إلى مسألتكم، أن الغيث كان قد ثوى عنا، ثم تكرفأ «2» السحاب، وشصا الرباب «3» ، فادلهم سيّقه «4» ، وارتجس «5» ريّقه، وقلنا هذا عام باكر الوسمي «6» ، محمود السمي «7» ثم هبت له الصبا «8» فاحزالت «9» طخاريره «10» ، وتقزّع كرفئه «11» متناسرا «12» ، ثم تتابع لمعان البرق، حيث تشيمه «13» الأبصار، وتحده الأنظار، ومرت الجنوب «14» ماءه، وفوض الحي لئمين نحوه فسرحنا فيه المال «15» ، وكان وخما وخيما، أشف «16»
(1/116)

المال، وأضفّ الحال «1» ، فبقينا لا تستر لنا حلوبة، ولا تنسل لنا قتوبة «2» .
15- وفي ذلك يقول شاعرنا:
ومن يرع بقلا من سويقة يغتبق ... قراحا ويسمع قول كل صديق «3»
أي العدل، يقولون قد نهيناك.
16- التنوخي «4» :
ورعدة كقارىء متتعتع ... أو خاطب لجلج لما أن خطب «5»
كأسد يزأر أو جنادل ... تصطك أو أمواج بحر يصطخب «6»
17- أعرابي:
أتتنا داحية «7» في ليل ساقط الرواق، منقطع النطاق، تنظف «8» منه آذان المعزى إلى الصباح.
(1/117)

18- كتب جحظة إلى ابن المعتز: كنت على المصير إلى الأمير، فانقطع شريان الغمام، فقطعني عن الإلمام. فكتب إليه: لئن قطعني السرور بك، لم يفتني بكلام والسلام.
19- يقول الدهاقين «1» : مطر الربيع ماء كله. يريدون نفع كله، وذلك أن الماء حياة كل شيء، فمطر الربيع تحيا به الأرض، ولا يضيع منه شيء كما تضيع أمطار سائر الفصول.
20- أنشد الجاحظ:
خليلي لا تستلما العام وادعوا ... به كل يوم أن يصوب ربيع «2»
حيا لبلاد أقحل المحل عودها ... وجبرا لعظم في شظاه صدوع «3»
بمستنضد غر النشاص كأنها ... جبال عليهن النسور وقوع «4»
عسى أن يحل الحي جرعاء وابل ... وعلّ النوى بالظاعنين تريع «5»
أفي كل عام زفرة مستجدة ... تضمنها مني حشا وضلوع
21- قال بعض الحكماء الذين وقفوا على تابوت إسكندر: انظر إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى سحاب الصيف كيف انجلى؟.
22- وللصاحب «6» : سحابة الصيف أثبت من قولك، والخط في
(1/118)

الماء أبقى من عهدك.
23- مطر مصر مثل في نافع يستضر به، لأن مصر لا تمطر، فإن مطرت ضرها المطر، ولذلك يكرهه أهلها أشد الكراهية، فرحمة الله المجللة للخلق كلهم عذاب لهم. وفيهم:
وما خير قوم تجدب الأرض عندهم ... بما فيه خصب العالمين من القطر
إذا بشروا بالغيث ريعت قلوبهم ... كما ريع في الظلماء سرب القطا الكدر «1»
24- في وصف غيث: غثنا ما شئنا، فشبعنا وروينا، قد أرخت السماء عزاليها «2» ، واثعنجرت «3» بصوب «4» مآقيها، فغمر الماء الزّبى «5» ، ونقع «6» من الصدى «7» ، ولبست الأرض قناعها الأخضر «8» ، ونضت «9» شعارها الأغبر «10» ، وعاضنا الغض العميم «11» ، من المصوح «12» الهشيم، وجزأنا بالرطب المخضوم «13» ، من اليابس المقضوم. فعاشت العاملة
(1/119)

والماشية، وهاجت الآبية والعاشية «1» ، وارتجعت رذايا «2» المطايا، ما أخذت منها المخارم والثنايا، وأنشأت تسترد بمشافرها، ما سلبها جذاب البرى «3» بمناخرها. سائمة في العميم الكث، من الطبّاق والشث «4» ، وسارحة في المراح الفسيح، من القيصوم والشيح «5» ، فنحن في سوابغ من النعم، نرتع فيها رتعة النعم. قد عز عندنا أن يستضيف ضيفا كريم، واستغنى أن يسترضع لئيم. وأترعت الجفان «6» رذما، واستحال القرم «7» بشما «8» ، وحالت البطنة دون الفطنة. ومنع الطعام عن تراجع الكلام.
فلو أن قسا «9» بيننا لخرس، أو دغفلا «10» لأبلس «11» . وكأن الشاعر أرادنا بقوله:
أتانا وما داناه سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل «12»
(1/120)

فما زال عنه اللقم حتى كأنه ... من العي لما أن تكلم باقل «1»
25- ابن المعتز «2» :
ما زال يضرب وجه الأرض وابلها ... حتى وقت خدها الغدران والخضر
26-[شاعر] :
كأن ابن غاب غاب في حجراتها ... فغمغم من بعد الزئير وهمهما
27- أعرابي: إذا عددت من ناحية مائة برقة، احتملت على الثقة.
28- البستي «3» :
لا ترج شيئا خالصا نفعه ... فالغيث لا يخلو من العيث
29- كشاجم «4» :
يا رحمة الله التي قد أصبحت ... دون الأنام علي سوط عذاب
30- السري «5» :
(1/121)

وعارض أكلأ منه بارقا ... كالنار شبت في ذرى طود أشم «1»
كأنه نشوان جرّ ذيله ... فكلما ريع انتضى عضبا خددم «2»
31- إذا عم المطر الأرض حتى لا يكون فيها فتق، قالوا: أرض منضوحة. الأصمعي: إذا وقع الغيث فنجع «3» ورؤي تباشير خيره قيل:
رأينا أرض بني فلان غب المطر واعدة حسنة.
32- وقالوا: البلاد تختلف، فمنها الأنيث «4» الممراح فلا يلتاث «5» نباته، ومنها المصلاد «6» الجحد «7» فلا ينبت إلا بعد لأي «8» .
33- ابن الرقاع:
سما في الصبا حتى إذا ما تنصبت ... شماريخه واجتاب من ليله درعا «9»
تبعج ثجاجا من المزن لم يدع ... أباطح ألا يطردن ولا تلعا «10»
34- ابن الأعرابي: قال أبو المجيب، وكان أعرابيا من بني ربيعة ابن مالك: لقد رأيتنا في أرض عجفاء، وشجر أعشم، في قف «11» غليظ،
(1/122)

وجادة غبراء. فبينا نحن كذلك إذ أنشأ الله غيثا من السماء، مستكفا نشوءه، مسيلة عزاليه، عظاما قطره، جوادا صوبه، زاكيا هطله، أنزله الله رزقا لنا، فنعش به أموالنا، ووصل طرقنا، وإنا لبنوطة «1» بعيدة ما بين الأرجاء، فاهر معّ مطره، حتى رأيتنا وما نرى غير السماء والماء وصهوات الطلح، فضرب السيل النعاف «2» ، وملأ الأودية وزعبها «3» ، فما لبثنا إلا عشرا حتى رأيتها روضة تندى.
35- رابعة القيسية «4» : ما سمعت الآذان إلا ذكرت منادي يوم القيامة، وما رأيت الثلج إلا ذكرت تطاير الصحف، وما رأيت الجراد إلا ذكرت الحشر.
36- كشاجم في وصف الثلج:
راحت به الأرض الفضاء كأنها ... من كل ناحية بثغرك تضحك
37- الصاحب «5» :
فكأن السماء صاهرت الأر ... ض فكان النثار من كافور «6»
38- آخر:
وأصبح مبيض الثلوج كأنه ... على سروات الأكم فن مندف «7»
(1/123)

39- كتب ابن بسام «1» إلى أخيه، وكان يلقب بالثلج.
أهداك قوم لي فآليت لا ... أذوق شيئا منك أو تحضر
فأنت ملفوف إلى أن تجي ... يذيبك الحر وما تشعر «2»
40- سيف الدولة «3» :
وقد نسجت أيدي الجنوب مطارفا ... على الأرض دكنا والحواشي على الأرض «4»
وطرزها قوس السحاب بأصفر ... إلى أحمر في أخضر إثر مبيض
كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض «5»
41- في ديوان المنظوم:
تسببت الثلوج بحر صدري ... فلا ثلجت صدور للثلوج
أقول أنا ابن قيس لا براح ... إذا قالوا ألست على الخروج
42- آخر:
أبرد من برد الكوانين ... زيارة الراجل في الطين «6»
(1/124)

لا يصلح التسليم يوم الندى ... ألا لأصحاب البراذين «1»
43- الخدري: عنه عليه السّلام: يوشك أن تظهر الصواعق، حتى أن الرجل ليأتي القوم فيقول: من صعق منكم؟ فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان.
44- زعموا أن الصاعقة تقع في حانوت الصيقل «2» فتذيب السيوف وتدع الأغماد على شبيه بحالها. وتقع على الرجل ومعه دراهم فتسيل الدراهم.
45- كانوا في الجاهلية الجهلاء، وهي الأولى، إذا تتابعت عليهم الأزمات، وركد عليهم البلاء، واشتد الجدب، واحتاجوا إلى الاستمطار «3» ، جمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثم عقدوا في أذنابها، وثنن «4» عراقيبها السلع والعشر «5» ، ثم صعدوا بها في جبل وعر، وأشعلوا فيها النار، وضجوا بالدعاء والتضرع. وكانوا يرون أنه من أسباب السقيا.
وقال الودك الطائي:
لا درّ دوّ رجال خاب سعيهم ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلعة ... ذريعة لك بين الله والمطر «6»
(1/125)

- لو أن المسلمين اقتبسوا منه أن يخرجوا يوم الاستسقاء مع الصدقات، يتقربون بها الله أيام دعائهم، لكان حسنا جميلا، وما أظنهم يفعلون، وليتهم يخرجون تائبين، غير مصرين. ولكنهم كالبقر مع إسلامهم، وأولئك كانوا يتقربون بالبقر أمام تضرعهم مع جاهليتهم.
46- أنس: أصحابنا ونحن مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مطر، فخرج فحسر ثوبه عنه حتى أصابه. فقلنا يا رسول الله: لم صنعت هذا؟ فقال: لأنه حديث عهد بربه.
47- بعض الأعراب:
مطرنا فلما أن روينا تهادرت ... شقائق فيها رائب وحليب «1»
ورامت رجال من رجال ظلامة ... وعدت ذحول بيننا وذنوب «2»
ونصت ركاب للصبا فتروحت ... ألا ربما هاج الحبيب حبيب
وطئن فناء الحي حتى كأنه ... رجا منهل من كرهن لحيب «3»
بني عمنا لا تعجلوا ينضب الثرى ... قليلا ويشفي المشرفين طبيب
فلو قد تولى النبت وامتيرت القرى ... وحنت ركاب الحي حين تؤوب «4»
وصار غبوق الخود وهي كريمة ... على أهلها ذو جدتين مشوب «5»
وصار الذي في أنفه خنزوانة ... ينادي إلى هاد الرحا فيجيب
أولئك أيام تبين للفتى ... أكاب سكيت أم أشم نجيب «6»
(1/126)

48- ابن عباس يرفعه: المطر مزاجه «1» من الجنة، فإذا كثر المزاج كثرت البركات وأن قل المطر، وإذا قل المزاج قلت البركات وإن كثر المطر.
عمار «2» ، يرفعه: مثل أمتي كالمطر، يجعل الله في أوله خيرا، وفي آخره خيرا.
49- أبو هريرة، يرفعه: أمطر على أيوب عليه السّلام جراد من ذهب، فجعل يلتقط، فأوحى الله إليه: يا أيوب ألم أغنك؟ قال: بلى يا رب، ولا غنى بي عن فضلك.
50- نظر مدني إلى قوم يستسقون ومعهم الصبيان، فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: نرجو بهم الإجابة. فقال: لو كان دعاؤهم مجابا ما بقي على الأرض معلم.
خرجوا ليستسقوا وقد نشأت ... بحرية قمن بها السفح «3»
فانجابت السحب التي نشأت ... فكأنما خرجوا ليستصحوا
51- قيل لمالك بن دينار: يا أبا يحيى أدع الله أن يسقينا. فقال:
أتستبطئون المطر؟ قالوا: نعم. قال: لكني والله استبطىء الحجارة.
52- الحزبنل الزهيري من كلب:
(1/127)

وبات يمج الماء من متخيل ... تمخض قصرا والرياح قوابله
حيا لبلاد الله فالماء مرسل ... على الضلع فالمستاف حلّت محامله «1»
فلما أماتت برقة الشمس ثوبت ... برعد الضحى أعجازه وكواهله
53- السكب المازني «2» :
إذا الله لم يسق إلّا الكرام ... فأسقى بيوت بني حنبل
ملثا أحم مسف الرّباب ... هزيم الصلاصل والأزمل «3»
كأن الرباب دوين السحاب ... نعام يعلق بالأرجل
54- علي رضي الله عنه: اللهم خرجنا إليك حين اعتكرت علينا حدائر «4» السنين، وأخلفتنا مخايل «5» الجود «6» . فكنت الرجاء للمستيئس، والبلاغ للملتمس. ندعوك حين قنط الأنام، ومنع الغمام، وهلك السوام «7» ، فانشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق «8» ، والربيع المغدق «9» ، والنبات المونق، اللهم سقيا منك تعشب بها نجادنا، وتجري
(1/128)

بها وهادنا، وأنزل علينا سماء مخضلة مدارا، يدافع الودق «1» منها الودق، ويحفز «2» القطر منها القطر.
55- أمّ الغطريف العنبرية:
فليت سماكيا يحار ربابه ... يقاد إلى أهل الغضا بزمام «3»
فتشرب منه جحوش وتشيمه ... بعيني قطامي أغر سمام «4»
56- أعرابي:
وحديثها كالغيث يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا «5»
فأصاخ يرجو أن يكون حيا ... ويقول من فرح هيا ربا «6»
57- الوليد بن سريع مولى عمرو بن حريث «7» : وجهني الجراح بن عبد الله «8» من العراق إلى سليمان بن عبد الملك «9» ، فخفت أن يسألني عن
(1/129)

المطر. فأني لأسير بالسماوة «1» إذا أنا بأعرابي من كلب في شملة «2» ، فقلت: يا أعرابي هل لك في درهمين؟ قال: أني والله حريص عليها، فما سببهما؟ قلت: تصف لي المطر. قال: أتعجز أن تقول: أصابتنا سماء تعقد منه الثرى، واستأصل منه العرق، وامتلأت منه الحفر، وقاءت منه الغدران، وكنت في مثل وجار»
الضبع حتى وصلت إليك. فلما قدمت على سليمان قال: هل كان وراءك من غيث؟ فقلت ذلك، فضحك وقال: هذا كلام ما أنت بأبي عذره، فقلت صدق فوك يا أمير المؤمنين، اشتريته والله بدرهمين، فضحك وقال: أصبت وأحسنت. فأمر بجائزتي، ثم زادني ألفي درهم مكان الدرهمين.
(1/130)

الباب الرابع الهواء والريح والنسيم والحر والبرد والظل
1- محمد بن علي رضي الله عنهما «1» : ما هبت الريح ليلا ولا نهارا إلا قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقعد، وقال: اللهم إن كان بك اليوم سخط على أحد من خلقك بعثتها تعذيبا له، فلا تهلكنا في الهالكين. وإن كنت بعثتها رحمة فبارك لنا فيها.
فإذا قطرت قطرة قال: رب لك الحمد، ذهب السخط، ونزلت المرحمة.
2- هبت ببغداد ريح عاصف، جاءت بما لم تأت به ريح قط فألفي المهدي «2» ساجدا يقول: اللهم احفظ فينا نبيك، ولا تشمت بنا أعداءنا من الأمم، وإن كنت يا رب أخذت العامة بذنبي، فهذه ناصيتي بيدك، يا
(1/131)

أرحم الراحمين. فلما أصبح تصدق بألف ألف درهم، وأعتق مائة رقبة، وأحج مائة رجل. وفعلت الخيزران «1» وجلة خاصته وقواده مثل ما فعل.
فكان الناس بعد ذلك إذا ذكروا الخصب قالوا: أخصب من صبيحة ليلة الظلمة.
3- مطرف «2» رحمه الله: لو حسبت الريح عن الناس لأنتن ما بين السماء والأرض.
4- الصبا «3» موصوفة بالطيب والروح، لانخفاضها عن برد الشمال، وارتفاعها عن حر الجنوب «4» .
5- السري الموصلي:
معان كأنفاس الرياح بسحرة ... تمر بنّوار الرياض فتعبق «5»
6- آخر:
أما ترى الجو يجلي في مسمكة ... والأرض تختال في أبرادها القشب «6»
(1/132)

إذا ألح حسام البرق مؤتلقا ... في الومض جد خطيب الرعد في الخطب
والريح وسنى خلال الروض دانية ... فما يراع لها مستيقظ الترب «1»
7- نسيم الريح نسيب الروح.
8- مرض غسان بن عباد «2» حين ولي الرقة فما كان ينجح فيه دواء، فقال طبيبه: أبو عباد مرضه سببه الهواء، فبعث إلى بغداد فحمل الهواء فكان يفتح كل يوم في وجهه جرابا حتى برىء.
9- أبو حنيفة الدنيوري: بعض الرياح أقل هبوبا من بعض، فالدبور «3» قليلة الهبوب، وكذلك الشمال الليل هي أقل هبوبا من الجنوب. وقلما تهب الشمال وهي إذا ضرب الليل ضعفت أو سقطت، ولذلك تقول العرب في أحاديثها: إن الجنوب قالت للشمال إن لي عليك فضلا، أنا أسري وأنت لا تسرين. فقالت الشمال إن الحرة لا تسري.
10-[شاعر] :
تمنين الطلاق وأنت عندي ... بعيش مثل مشرقة الشمال
يعني بعيش طيب، فإن المشرقة الشمالية يعد لها التقاء الحر والروح عليها.
11- حر تصلّى فيه الحزباء «4» ولا تصلى فيه الحرباء «5» .
(1/133)

12- عمر بن أبي ربيعة المخزومي «1» :
ويوم كتنور الطواهي سجرته ... وألقين فيه الجزل حتى تضرما «2»
قذفت بنفسي في أجيج سمومه ... وبالعنس حتى ابتل مشفرها دما «3»
سمعها أخوه الحارث «4» قال: الله أكبر قد أخذت في فن آخر، فلما سمع:
أؤمل أن ألقى من الناس عالما ... بأخباركم أو أن ألمّ مسلما
قال: إنك لفي ضلالك القديم.
13- حر يشبه قلب الصب «5» ، ويذيب دماغ الضبّ «6» .
14- علي رضي الله عنه: توقوا البرد في أوله، وتلقوه في آخره، فإنه يفعل في الأبدان كفعله في الأشجار، أوله يحرق، وآخره يورق.
15- رأى الأصمعي رجلا يختال في أزيّر «7» في يوم قرّ «8» ، فقال له: من أنت يا مقرور؟ قال: أنا ابن الوحيد أمشي الخيزلي «9» ويدفئني حسبي.
16- سئل رجل عريان عما يجد في يوم قرّ، فقال: ما علي منه
(1/134)

كبير مؤونة، قيل: كيف؟ قال: دام بي العري فاعتاد بدني ما تعتاده وجوهكم.
17- قيل لأعرابي: ما أشد البرد، فقال: إذا صفت الخضراء «1» ، ونديت الغبراء «2» ، وهبت الجربياء «3» .
18- دخل أبو العيناء «4» على ابن عبد الرحمن بن خاقان «5» في يوم شات، فقال: كيف تجد هذا اليوم؟ فقال: تأبى نعماؤك أن أجده.
19- أعرابي: أصبحت الشمال تتنفس الصعداء.
20- هبت ريح شديدة فقيل: قامت القيامة. فقال زبدة المخنث:
هذه قيامة على الريق بلا خروج الدجال ولا دابة الأرض ولا طلوع المهدي «6» نسأل الله بركة قدومه.
(1/135)

21- أبو الحسن الطوسي «1» صاحب الأصمعي:
هجم الشتاء ولا أم ... لك إلا رواية العربية
وقميصا لو هبّت الريح لم تب ... ق على عاتقي منه بقية
22- كان للمتوكل بيت مال يسميه بيت مال الشمال كلما هبت الريح شمالا تصدق بألف درهم.
23- القاضي التنوخي:
وليلة ترك البرد البلاد بها ... كالقلب أشعر يأسا فهو مثلوج
فأن بسطت يدا لم تنبسط خصرا ... وأن تقل فيقول فيه تثبيج «2»
فنحن فيها ولم نخرس ذوو خرس ... ونحن فيها ولم نفلج مفاليج
24- قيل لأعرابي: ما أعددت للبرد؟ قال: طول الرعدة» .
فنظمه ابن سكرة الهاشمي «4» :
قيل ما أعددت للبر ... د فقد جاء بشدة
قلت دراعة عري ... تحتها جبة رعدة
25- آخر:
إني لأرجو أن تموت الريح ... فاقعد اليوم واستريح
هو قول ذرّاء ودّ أن تهدأ الريح فيهدأ من الذراية «5» .
(1/136)

26- تقول العرب: أبرد الأيام الأحص «1» الورد، والأزبّ «2» الهلّوف «3» . فالأحص الورد: المصحي الذي تصفر شماله وتحمر آفاقه.
والأزب الهلوف: الذي تهب نكباؤه، ويكثر جهامه وقتامه من قولهم لحية هلّوفة كثيرة كبيرة.
وكلّ البرد الأيدي بالنحور، وأجمد الريق على الثغور.
قد أخضر الوجه لو جعلت ضحى ... نارا تأجج فوق الوجه ما احترقا
27- الجاحظ: الماء ليس يجمد للبرد فقط، فقد تكون الليلة باردة جدا ولا تجمد الماء، وتجمد التي هي أقل بردا منها، وقد يختلف جمود الماء في الليلة الساكنة وذات الريح.
قال: وقد أخبرني من لا ارتاب بخبره أنهم كانوا في جبل يستغنون فيه عن لبس المبطنات، ومتى صبوا الماء في إناء من زجاج جمد من ساعته، فليس جمود الماء بالبرد فقط، ولا بد من شركة ومقادير، واختلاف جواهر ومقابلات، كسرعة البرد في بعض الأدهان وإبطائه عن بعض، وكاختلاف عمل البرد في الماء المغلي والمتروك على حاله، وقد رأيت أنا بالبادية الماء قد بلغ به البرد إلى حد ما كدت أطيق أن أباشره بثغري حصرا، وهو مع ذلك على حالة لم يعمل فيه الجمود. وربما جمد ماء جيحون «4» حتى بلغ غلظ الجمد فيه قيد ذراع فصاعدا، وشربه سهل لذيذ، لا يتكره الشارب أن يعبه عبا.
28- تقول العرب: الشتاء ذكر، والصيف أنثى، وذلك لقسوة الشتاء وشدته، ولين الصيف وهونه. ومن عادتهم أن يذكروا كل صعب
(1/137)

قاس، قالوا: داهية مذكار، أذا كانت ذات مخاوف وإفزاغ، ويوم باسل ذكر. قال:
فإنك قد بعثت عليك نحسا ... شقيت به كواكبه ذكور
جعلها ذكورا لكون نحسها أفظع وأشد. والصيف وأن تلظى قيظه «1» ، وحمي صلاؤه «2» ، فهو بالقياس إلى الشتاء وهوله هين عندهم، لما يلقونه من البرح والبؤس الشديد، ولذلك قالت أم الحسن حين سئلت أيما أشد الشتاء أم الصيف؟ ومن يجعل الأذى كالزمانة «3» ؟ وروي: وما جعل البئيس إلى الأذية! ولذلك تجدهم لا يعدون أن يصفوا أوار «4» الصيف، فإذا صاروا إلى الشتاء وعجوا من وطئه عجيجا، ونوهوا باسم من آسى فيه وواسى، وأوقد نويرة، وبذل طعيما.
29- ابن المعتز:
والريح تجذب أهداب الإزار كما ... أفضى الشفيق إلى تنبيه وسنان «5»
وله:
ونسيم يبشر الأرض بالقطر كذيل الغلالة المبلول ووجوه البلاد تنتظر الغيث انتظار المحب رجع الرسول 30- أبو الفتح البستي:
سبحان من خص الفلز بعزة ... والناس مستغنون عن أجناسه «6»
وأذل أنفاس الرياح وكل ذي ... نفس فمفتقر إلى أنفاسه
(1/138)

31- يقال للبرد المستطاب: برد الورد، وهو برد الربيع. كما يقال للبرد الكريه: برد العجوز. ويقال: إن برد الربيع مونق، وبرد الخريف موبق «1» .
32- ابن خالويه «2» :
إذا همذان اعتادها البرد وانقضى ... برغمك أيلول وأنت مقيم «3»
فعينك عمشاء وأنفك سابل ... ووجهك مسود البياض بهيم «4»
وأنت أسير برد تمشّى تعلة ... على السيف تحبو مرة وتقوم
بلاد إذا ما الصيف أقبل جنة ... ولكنها عند الشتاء جحيم
33- هاج برد يحول بين الكلب وهريره، والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره.
34- لما خلع المستعين «5» قيل له: اختر بلدا تحله، فاختار البصرة، فقيل: هي حارة، فقال: أترونها أحر من فقد الخلافة! 35- المأمون: من مروءة الرجل أن يوجد منه رائحة الطرفاء أيام الشتاء.
(1/139)

رائحة الطرفاء «1» رائحة الظرفاء.
36- أبو حنيفة الدينوري: قيل للعواء «2» عواء البرد، لأن البرد مسترعف بها، فإذا هي طلعت لم يأت إلا وهي منه في شباب، إلى أن يتناهى في بركي الشتاء.
وقال: لا يزال البرد راكدا يفري الفريّ «3» ، والثريا ترتقي، حتى إذا رئيت عشاء قد قممت، والشعريان «4» قد استقلتا، وطلعت نثرة الأسد «5» ، فذلك حين وقعت عقارب البرد وتناهى قرصه وشدته.
37- تقول العرب: إذا رأيت الشعريين، يحوزهما الليل، فهناك لا يجد القرّ «6» مزيدا.
وحوز الليل إياهما أن يكونا في حيزه فتطلعا بعد غروب الشمس، وتغيبا قبل طلوعها، فلا يكون للنهار فيهما نصيب، وذلك من لدن طلوع الهرارين «7» إلى أن ينوء الذراع «8» . وهو أخلص صميم الشتاء وأصرحه.
(1/140)

38- ويقولون: إذا أمسى النجم قم راس، فليله فتى وفاس.
يعنون أن الفتى يحتطب فيها بالفأس، لأنه لا بد له من الصلاء «1» .
39- الأصمي: رأيت أعرابيا قد حفر قرموصا «2» وقعد فيه في أول الشتاء، فقلت: ما صيرك إلى هذا؟ قال: شدة البرد، وأنشأ يقول:
أيا رب هذا البرد أصبح كالحا ... وأنت بصير عالم لا تعلم
لئن كنت يوما ما جهنم مدخلي ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم
40- قيل لأعرابي في الشتاء: أما تصلّي: قال: البرد شديد، وما عليّ كسوة أصلّي فيها، وقال:
إن يكسني ربي قميصا وريطة ... أصلّ وأعبده إلى آخر الدهر «3»
وإن لا يكن إلا بقايا عباءة ... مخرقة مالي على البرد من صبر
41- كلما كان الساتر أشد اكتنازا، كان الظل أشد سوادا. وليس يكون ظل أبرد ولا أشد سوادا من ظل جبل.
42- في ديوان المنظوم:
شتاء تقلص الأشداق منه ... وبرد يجعل الولدان شيبا
وأرض تزلق الأقدام فيها ... فما تمشي بها إلا دبيبا «4»
وفيه:
أقبلت يا برد بوجه أجرد ... يفعل بالأوجه فعل المبرد
أظلّ في البيت كمثل المقعد ... منقبضا تحت الكساء الأسود
(1/141)

لو قيل لي أنت أمير البلد ... فهات للبيعة كفا تعقد
لكنت كالأقطع لم أخرج يدي «1»
43- عائشة «2» : ما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته «3» ، إنما كان يبتسم. وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه.
فقلت: يا رسول الله الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية. فقال: يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض «4» ممطرنا.
44- أبو هريرة: سمعت رسول الله يقول: الريح من روح الله.
45- ابن عباس: إن الملائكة لتفرح بذهاب الشتاء، رحمة بالمساكين.
46- أنس: يرفعه: استعينوا على قيام الليل بقائلة «5» النهار، واستعينوا على صيام النهار بسحور الليل، واستعينوا على حر الصيف بالحجامة «6» ، واستعينوا على برد الشتاء بأكل التمر والزبيب.
47- الخدري، يرفعه: إذا كان يوم حار. فإذا قال الرجل: لا إله إلا الله، ما أشد حر هذا اليوم! اللهم أجرني من حر جهنم، قال الله
(1/142)

لجهنم: إن عبدا من عبيدي قد استجارني من حرك، وأنا أشهدك أني قد أجرته. وإذا كان اليوم شديد البرد، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم! اللهم أجرني من زمهرير جهنم، قال الله لجهنم: إن عبدا من عبيدي استجارني من زمهريرك، وإني أشهدك أني قد أجرته. قالوا: وما زمهرير جهنم؟ قال: بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة برده.
48- بابي بن دكين:
إذا الريح من قصد العقيق تنسّمت ... ونحن بمجراها شفى النفس طيبها «1»
فيا جبلي غوري تهامة خلّيا ... نسيم الصبا يخلص إليّ هبوبها
فإن الصّبا ريح إذا ما تنفست ... على كبد حرى تجلت كروبها
49- يحيى بن ذي الشامة المعيطي «2» :
جاء الشتاء وليس عندي درهم ... وبمثل ذلك قد يصاب المسلم
لبس العلوج خزوزها وفراءها ... وكأنني بفناء مكة محرم «3»
50- أبو صفوان بن عوانة: وضوء المؤمن في الشتاء يعدل عبادة الرهبان كلها.
51- محمد بن عبد العزيز «4» : البرد عدوّ للدين.
(1/143)

52- جليس عيسى عليه السّلام في ظل خباء «1» عجوز فقالت: من الذي جلس في ظل خبائنا؟ قم يا عبد الله. فقام فقعد في الشمس فقال: لست أنت أقمتني، إنما أقامني الذي لم يرد أن أصيب من الدنيا شيئا.
53- وقع «2» أعرابي إلى أرض أصبهان في أيام الربيع، فاستطاب الهواء، وأنس بالأشجار، فلما جاء الشتاء قحلت الأشجار، وثلجت الأقطار، فجعل يرتعد من البرد وتخفق أحشاؤه، فقال:
بأصبهان شعثت أموري ... لما تقضى الصيف ذو الحرور «3»
ورمت الآفاق بالهرير ... وللثلج مقرونا بزمهرير «4»
جاءت بشر مجنب عافور ... لولا شعار البرة البرور
أم الكبير وأبي الصغير ... لم يدف مقرور من التخصير
والشمس فيها فرح المقرور
البرة: الشمس، والمجنب: الكثير، والعافور: المهلك، من قولهم:
وقع في عاثور شر، وعافور شر.
54- كان علي عليه السّلام يخرج في الشتاء، والبرد شديد في إزار ورداء خفيفين. وفي الصيف في القباء «5» المحشو والثوب الثقيل لا يبالي، فقيل له، فقال: قال رسول الله يوم خيبر حين أعطاني الراية، وكنت أرمد، فتفل في عيني، اللهم أكفه الحر والبرد فما آذاني بعد حر ولا برد.
(1/144)

الباب الخامس النار وأنواعها وأحوالها، وذكر نار جهنم وأهوالها والسراج والشمعة ونحو ذلك
1- أبو هريرة: عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل النار، فتنفس فأصابهم نفسه، لأحرق المسجد ومن فيه.
2- قال نبي الله عليه الصلاة والسلام لجبرائيل: مالي لم أر ميكائيل ضاحكا قط؟ قال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار.
3- أنس، يرفعه: إن أدنى أهل النار عذابا الذي تجعل له نعلان، يغلي منهما دماغه في رأسه.
4- وعنه عليه الصلاة والسلام: ليلة أسري بي سمعت هدة «1» ، فقلت: يا جبرائيل ما هذه الهدة؟ قال: حجر أرسله الله من شفير جهنم، فهو يهوي منذ سبعين خريفا، بلغ قعرها الآن.
5- الخدري «2» : عنه عليه السّلام في قوله تعالى: وَهُمْ فِيها
(1/145)

كالِحُونَ
«1» تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته.
6- عبيد بن عمير الليثي «2» : إن جهنم تزفر زفرة لا يبقى ملك ولا نبي إلّا خرّ ترعد فرائصه «3» ، حتى أن إبراهيم ليجثو على ركبتيه، فيقول:
رب لا أسألك إلا نفسي.
7- الخدري: عنه عليه الصلاة والسلام: لو ضرب بمقمع «4» من مقامع الحديد الجبل لفتت فعاد غبارا.
8- ابن عباس: لو أن قطرة من الزقوم «5» قطرت في الأرض لأمرت على أهل الأرض معيشتهم، فكيف بمن هو طعامه وشرابه، ليس له طعام غيره.
9- الحسن «6» : إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار أنهم أعجزوا الرب، ولكن إذا طفا بهم اللهب أرسبتهم في النار. ثم خر الحسن مغشيا عليه، ثم قال ودموعه تحادر «7» : يا ابن آدم نفسك، نفسك، فإنما هي نفس واحدة، إن نجت نجوت، وإن هلكت لم ينفعك من نجا.
10- كل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار يسير.
(1/146)

11- طاووس «1» : لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة، فلما خلقتم سكنت.
12- مطرف «2» : إنكم تذكرون الجنة وقد حال ذكر النار بيني وبين أن أسأل الله الجنة.
13- منصور بن عمار «3» . مروي «4» سكن البصرة: يا من الكلمة تقلقه، والبعوضة تسهره، أمثلك يقوى على وهج السعير، أو يطبق صفحة خده على لفح سمومها «5» ، ورقة أمعائه على خشونة ضريعها «6» ، ورطوبة كبده على تجرع غساقها «7» ؟
14- قيل لعطاء السلمي «8» : أيسرك أن يقال لك: قع في النار فتحترق فتذهب فلا تبعث؟ فقال: والله الذي لا إله إلا هو، لو طمعت أن يقال لي ذلك، لظننت أن أموت فرحا قبل أن يقال لي قع فيها.
15- رابعة القيسية «9» : قال مالك بن دينار: أتيتها وإذا هي تقول:
كم من شهوة ذهبت لذتها وبقيت تبعتها، يا رب أما كان لك عقوبة ولا
(1/147)

أدب غير النار؟.
16- كانت حمدة بنت الخراساني وكانت بلهاء تبكي وتتضرع في ليلة كسوف وتقول: يا رب عذبني بكل شيء، ولا تعذبني بالنار، اضربني بالفالج، إرمني بقاصمة الظهر، كل شيء ولا النار.
17- سمعت بعض البحارة بمكة يصف القرش «1» وتعرضه للجلبة «2» ، وأن الركاب فيها يتمحلون بكل محال في دفعه وطرده، من الطعن بالنيازك، والضرب بالمعاول، فما تعمل فيه حيلة قط، فإذا أخرجوا النار في المشعلة، فقبل أن يدنوها منه، ذهب في الدنيا حذرا من النار.
18- الحسن: والله ما يقدر العباد حرها «3» . ذكر لنا لو أن رجلا كان بالمشرق وجهنم بالمغرب، ثم كشف عن غطاء منها، لغلت جمجمته، ولو أن دلوا من صديدها «4» صبت في الأرض ما بقي على وجه الأرض شيء فيه روح إلا مات.
19- عن غلام الأحنف بن قيس «5» : إن عامة صلاة الأحنف بالليل كان الدعاء، وكان يضع المصباح قريبا منه، فيضع إصبعه عليه فيقول:
إحس يا حنيف، ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟.
20- هشام بن الحسن الدستوئي «6» ، من أصحاب الحسن، كان لا يطفىء سراجه بالليل، فقال له أهله: إنّا لا نعرف الليل من النهار.
(1/148)

فقال: إني إذا أطفأت السراج ذكرت ظلمة القبر فلم يأخذني النوم.
21- قال الفضيل «1» لابنه علي بعد صلاة الفجر: أتدري ما قرأ الإمام من قوله تعالى: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ
«2» ؟ فقال: شغلني عنه قوله: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ
«3» .
22- قرىء عند عمر رضي الله عنه: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ
«4» ، وثم أعرابي فانتحب، وقال: والله يا أمير المؤمنين لقد رأيتني أهنأ «5» البعير بالقطران فيهرج «6» البعير، فكيف بابن آدم؟.
23- يعلى بن منية «7» : عنه عليه السّلام: تقول جهنم للمؤمن جز فقد أطفأ نورك لهبي.
24- أنس: عنه عليه السّلام: من أسرج في مسجد سراجا لا تزال الملائكة تستغفر له، ما دام في المسجد ضوء ذلك السراج.
25- وهب بن منبه: كان يسرج في كل ليلة في البيت المقدس ألف قدنيل، وكان يخرج من طور سيناء زيت مثل عنق البعير (4) صاف يجري، حتى ينضب في القناديل من غير أن تمسه الأيدي. وكانت تنحدر
(1/149)

من السماء نار بيضاء تسرج بها القناديل. وكان القربان والسرج بين ابني هارون شبر وشبير، فأمرا أن لا يسرجا بنار الدنيا، فاستعجلا يوما فأسرجا بنار الدنيا، فوقعت النار، فأكلت ابني هارون، فصرخ الصارخ إلى موسى عليه السّلام، فجاء يدعو، يقول: يا رب إن ابني هارون أخي قد عرفت مكانهما مني. فأوحي إليه: يا ابن عمران هكذا أفعل بأوليائي إذا عصوني، فكيف بأعدائي؟.
26- والظباء، والرتلان، والأسود، والوحوش، كلها تعشى «1» إذا رأت النار بالليل، وتحدث لها فكرة فيها، ونظر إليها، والصبي الصغير كذلك، والضفادع تنق فإذا رأت النار سكتت.
27- قال أحمد بن يوسف الكاتب «2» : أمرني المأمون أن أكتب إلى أهل الأمصار في الإزدياد من المصابيح، فلم ينفتح لي ما أكتب، فرأيت في النوم قائلا يقول لي: فإن فيها إضاءة للمجتهدين، وأنسا للسابلة «3» ، ودفعا لمكامن الريب عن بيوت الله.
28- الصنوبري «4» في الشمعة:
مجدولة في قدها ... حاكية قد الأسل «5»
كأنها عمر الفتى ... والنار فيها كالأجل
(1/150)

29- شرب نقيل عند رجل، فلما أمسى لم يأته بالسراج، فقال:
أين السراج؟ قال: الله تعالى يقول: وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا
«1» ، فقام فخرج.
30-[شاعر] :
وفحم كأيام الوصال فعاله ... ومنظره في العين يوم صدود
كأن لهيب النار بين خلاله ... بوارق لاحت في عمائم سود
31- أبو ثروان الأعرابي «2» : ضفنا فلانا، فلما طعمنا، أتونا بالمقاطر فيها الجحيم يهص زخيجها «3» فألقى عليها المندلي «4» . أي بالمجامر «5» فيها الجمر.
وشقراء غبراء الفروع منيفة ... إذا شبهوا الحسناء قالوا كأنها.
شجر يحمل نارا: هو الشمع. كأنها نخلة بلا سعف تحمل جمارة من النار.
32-[شاعر] :
وحية في رأسها درة ... تسبح في بحر قصير المدى
إذا تناءت فالعمى حاضر ... وإن دنت بان طريق الهدى
يعني فتيلة المصباح.
33- يقال: ما من شجر إلا تقدح منها النار إلا العناب، ولذلك اختاره القصارون لكذينقاتهم «6» .
(1/151)

34- لما قتل المأمون ابن عائشة «1» قال:
أنا النار في أحجارها مستكنة ... متى ما يهجها قادح تنضرّم
35- وعن ابن الأعرابي: أن الوحي: الملك. فقيل له: لم سمي بذلك؟.
فقال: لأنه يفعل فعل الوحي، وهو من أسماء النار.
36- لما زوج آدم عليه السّلام بناته من بنيه، وتناسلوا، وتمت عدتهم مائة نفس، وقيل: بلغت مساكنهم مائة، اجتمعوا وأوقدوا نارا، واتخذوا ذلك اليوم عيدا، فسماه أهل فارس السذق «2» .
37- زعموا أن ببلاد سقلية ولوقانية جبالا فيها عيون تنبع منها النار، تضيء للسيارات البعيدة، لا يطفئها شيء، وإن حمل منها إنسان شعلة قبس إلى موضع آخر لم تقعد.
38- مروا بالغاضري «3» وهو قاعد عند قبر رجل من بني أبي معيط «4» ، فقيل له: ما تصنع هاهنا؟ قال: اصطلي بناره. وذلك لما روى أبو العيزار: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لما انصرف من بدر، وبلغ الصفراء، أمر بضرب عنق عقبة بن أبي معيط «5» . فقال: يا محمد أقتل
(1/152)

من بين قريش؟ فقال عمر: حن قدح لس منها، لأن أبا معيط كان علجا «1» من أهل صفورية «2» من الأردن، قدم به أبو عمرو بن أمية بن عبد شمس مكة فادعاه. فقال: يا محمد من للصبية فقال: النار.
39- ذكر أعرابي نار قرى «3» فقال: تلك والله نار قديمة الولاء، يطير لها مع كل ريح رماد، تضيء لها البلاد، ويحيا بها العباد.
40- أعرابي:
أوقد فإن الليل ليل قرّ ... والريح يا ياسر ريح صرّ «4»
عسى يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حرّ
41- كان السلطان يأمر بإيقاد النيران على أم خرمان «5» ، وهي رابية بين ملتقى البصرة وحاج الكوفة، ليستأنسوا إلى ضوئها. قال:
يا أم خرمان ارفعي الوقودا ... تري رجالا وجمالا قودا «6»
فقد أطالت نارك الخمودا ... أمت أم لا تجدين عودا
وقال:
يا أم خرمان ارفعي ضوء اللهب ... إن الدقيق والسويق قد ذهب «7»
فكم بين من بلغت به الشفقة على الإسلام إلى طلب إيناس الحاج،
(1/153)

بإيقاد النار في مخترقهم، وبين من أدته القسوة إلى أن أجج نيران الفتن حتى سد مسالك طرقهم. اللهم إنا نعوذ بك من الجور بعد الكور «1» ، ونسألك الخلاص من أمراء الجور.
42- حبس أبو دلامة «2» على الشراب، فكتب إلى المنصور «3» :
أمن صهباء صافية المزاج ... كأن شعاعها ضوء السراج «4»
وقد طبخت بنار الله حتى ... لقد صارت من النطف النضاج «5»
أقاد إلى السجون بغير جرم ... كأني بعض عمال الخراج «6»
فاستدعاه واستنشده، وأمر له بألف درهم. فلما خرج قال له الربيع «7» : فهمت يا أمير المؤمنين قوله بنار الله؟ قال: فهمت قال: ما عني بها إلا الشمس. فرد، فقال: يا عدو الله ما عنيت بنار الله قال: نار الله الموقدة التي تطلع على فؤاد من أخبرك. فضحك منه، وأمر له بألف أخرى.
(1/154)

43- الجاحظ: لما هدم خالد بن الوليد العزى «1» رمته بالشرر، حتى أحرقت عامة فخذه. وما أشك أنه كان للسدنة حيلة وكمين. ولو رأيت ما للهند في بيوت عباداتهم من هذه المخاريق لعلمت أن الله قد منّ على المسلمين بالمتكلمين الذين نشأوا فيهم. وذكر احتيال رهبان كنيسة الرها «2» بمصابيحها، حتى أن زيت قناديلهم يتوقد من غير نار في بعض ليالي أعيادهم.
44- طائر يقال له السمندل «3» يقع في النار فلا يحترق ريشه.
45- وعن المأمون: لو أخذ الطحلب «4» فجفف في الظل ثم سقط في النار لم يحترق.
46- أبو إسحاق النظام «5» : الجمر في الشمس ألهب «6» ، وفي ألفيء أشكل «7» ، وبالليل أحمر.
47- كانوا يوقدون نارا عند التحالف، فيدعون الله بحرمان منافعها، وإصابة مضارها على من ينقض العهد، ويخيس «8» بالعقد، ويقولون في الحلف: الدم الدم، والهدم الهدم، لا يزيده طلوع الشمس إلا شدا، وطول الليالي إلا مدا، ما بل بحر صوفة، وما أقام رضوى بمكانه.
(1/155)

وكذلك إذا استحلفوا على شيء أوقدوها، وطرحوا فيها الملح والكبريت، فإذا تغيضت واستشاطت، قالوا: هذه النار قد تهددتك، فإن كان مبطلا نكل «1» ، وأن كان بريئا حلف. وتسمى الهولة «2» ، وموقدها المهول. قال أوس «3» :
إذا استقبلته الشمس صدّ بوجهه ... كما صدّ عن نار المهول حالف
- وكانوا يوقدون نارا خلف مسافر لا يحبون رجوعه. وكانوا يقولون:
أبعده الله وأسحقه، وأوقد نارا إثره، ومنه قول بشار «4» :
صحوت وأوقدت للجهل نارا ... ورد عليك الصبا ما استعارا
أي طردت الجهل ورفضته، وعبر عن ذلك بإيقاد النار خلفه.
- وكانوا إذا توقعوا جيشا أوقدوا نارا ليلا على جبلهم، ليبلغ الخبر أصحابهم وربما أوقدوا نارين. قال الفرزدق:
ضربوا المصانع والملوك وأوقدوا ... نارين أشرفتا على النيران
48- نار الحرتين «5» ببلاد عبس، تسطع من الحرة بالليل، وربما بدرت منها العنق «6» فتأتي على كل شيء. وهي بالنهار دخان ينور، فبعث
(1/156)

الله ابن سنان العبسي «1» وهو أول نبي بعث من ولد إسماعيل، قد قدمت ابنته على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فبسط لها رداءه، وقال: بنت نبي ضيعه قومه، وسمعت قل هو الله أحد، فقالت: كان أبي يتلوها فحفر تلك النار بئرا فأدخلها فيها والناس ينظرون، ثم اقتحم فيها حتى غيبها. قال:
كنار الحرتين لها زفير ... يصم مسامع الرجل السميع
49- قال الجاحظ: أحسن ما قالوا في نار القرى قول الأعشى «2» :
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق «3»
تشب لمقرورين «4» يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق
(1/157)

قالوا: أحسن منه قول الحطيئة «1» :
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
ثم قال: ما كان ينبغي أن يمدح بهذا البيت إلا خير أهل الأرض، وعلى أني أعجب بمعناه أكثر من عجبي بلفظه وطبعه ونحته وسبكه. يعني أنه مطبوع غير مصنوع متعمل، منحوت من الأبن «2» والزوائد الفاضلة، مسبوك كما تسبك الفضة في جودة بيانه ونظمه، حيث جود في تعشو وإيقاعه حالا، وقوله خير نار وما فيه من التجريد، ولم يقل تجدها خير نار، وجمع بين الخيرين.
[وكانوا] يوقدون النار يهولون بها على الأسد، فإذا عاينها حدق إليها واستهالها فتشغله عن السابلة «3» . ومر ناس بوادي السباع «4» فعرض لهم سبع، فأوقدوا نارا، وضربوا على الطاس الذي معهم فأحجم عنهم.
50- يقال لنار العرفج «5» نار الزحفتين، لأن صاحبها لا يزال يزحف إليها وعنها لسرعة «اتقادها وانطفائها.
51- وقيل لأعرابي: ما بال نسائكم رسحا «6» ؟ فقال أرسحهن عرفج النار.
(1/158)

52- جمرات العرب عبس وضبة ونمير «1» ، سميت بجمرات النار.
53- قال أبو حية النميري:
وهم جمرة ما يصطلى الناس نارهم ... توقد لا تطفى لريب الدوائر
وقال أيضا:
لنا جمرات ما على الأرض مثلها ... ثلاث فقد جرّبن كل التجارب
نمير وعبس تتقى نقماتها ... وضبة قوم بأسهم غير كاذب
إلى كل قوم قد دلفنا بجمرة ... لها عارض جون قوي المناكب «2»
54- في ديوان المنظوم:
ما جمرة إلا تنافس جمرة ... يستوقد الضبي نار فخارها
يسمو إليها نسبة فيزيدها ... خطرا ينيف على مدى أخطارها
فمتى تصدع جمرة أو تنطفي ... فلما ترى من فخر تلك وعارها «3»
ومنّى الجميع منال وطأة أخمص ... منه ليرفع ذاك من مقدارها
وبأن أصابت جمرة النار المنى ... زهيت على جمراتها وجمارها
وأذاتها كانت لتجميش هوى ... ومحبة ليست لأجل ضوارها «4»
(1/159)

55- قالوا: ألقي رجل في ماء راكد في شتاء بارد، في ليلة من الحنادس «1» ، لا قمر ولا ساهور «2» ، فما زال حيا وهو في ذلك بارز جامد ما دام ينظر إلى نار تجاه وجهه. فلما طفئت طفىء. وإنما قيل لا قمر ولا ساهور، لأن القمر والطوق الذي يستدير حوله، يزعمون أنه كاسر من برد الليل.
56- قالوا: النيران ثلاث: نار تأكل وتشرب، وهي نار الحمى، تأكل اللحم وتشرب الدم. ونار تأكل ولا تشرب، وهي نار الدنيا. ونار لا تأكل ولا تشرب، وهي نار جهنم.
57- أنس: من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوء.
58- أبو طالب المأموني «3» :
وقائمة بين الجلوس على شوى ... ثلاث فما تخطو بهن مكانا «4»
على رأسها نجل لها لم تجنه ... حشاها ولا علّته قطّ لبانا «5»
تسدد في أعلاه كل عشية ... لشق جلابيب الظلام سنانا
(1/160)

هي المنارة «1» ، وله في الشمعة:
وطاعنة جلباب كل دجنة ... بماضي سنان في ذؤابة ذابل «2»
تجود على أهل النديّ بنفسها ... وما فوق بذل النفس جود لباذل «3»
وله فيها:
ومجدولة مثل رأس القنا ... ة تعرت وباطنها مكتسي
فنحن من النور في أسعد ... وتلك من النار في أنحس «4»
59- مر عليّ على المساجد في شهر رمضان فيها القناديل فقال:
نورّ الله على عمر بن الخطاب في قبره كما نور علينا مساجدنا.
60- أمية بن أبي الصلت في صفة جهنم:
تحش بجندل صم صلاب ... كأن الضاحيات لها قضيم «5»
غداة يقول بعضهم لبعض ... ألا يا ليت أمكم عقيم
فلا تدنو جهنم من بري ... ولا عدن يطالعها الأثيم «6»
وهم يطفون كالأقذاء فيها ... لئن لم يرحم البر الرحيم «7»
61- أبو محمد المكي في الرشيد لما فتح هرقلة «8» :
(1/161)

هوت هرقلة لما أن رأت عجبا ... جواثما «1» ترتمي بالنفط والقار
كأن نيراننا في جنب قلعتهم ... مصقلات «2» على أرسان قصار
62- عبيد بن أيوب العنبري «3» ، أبو المطراب، من لصوص الحجاز:
يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا ... أيمانهم أنني من ساكني النار
أيحلفون على عمياء ويحهم ... ما علمهم بعظيم العفو غفار
63- عباءة بن يزيد بن جعشم «4» :
كأن لم يقل يوما يزيد بن جعشم ... لنار الندى إرفع سناها وأوقد
وأذك سنا نار الندى علّ ضوءها ... يجيء بمقو أو طريد مشرّد
فباتت على علياء نار ابن جعشم ... تشب لغوريّ وآخر منجد «5»
وبات الندى والجود يصطليانها ... حليفي كريم واجد غير مجحد «6»
64- ما هبط جبرائيل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا وهو محزون مغموم، فقال له في ذلك. فقال: يا محمد لما وضعت المنافيخ على جهنم، أورثت قلبي الحزن والغم.
(1/162)

65- علي رضي الله عنه: لقد رأيت عقيلا «1» وقد أملق «2» ، حتى استماحني من برّكم صاعا، وما رأيت صبيانه شعث الألوان من فقرهم، كأنما سودت وجوههم بالعظلم «3» ، وعاودني مؤكدا، وكرر عليّ القول مرددا، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقا طريقتي. فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف «4» من ألمها، وكاد أن يحرق من مسها، فقلت له:
ثكلتك الثوكل يا عقيل، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها «5» جبارها لغضبه. أتئن من الأذى ولا أئن من لظى؟.
- وعنه: واعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار، فارحموا نفوسكم فأنكم قد جربتموها في مصائب الدنيا، فرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه، والعثرة تدميه، والرمضاء «6» تحرقه، فكيف إذا كان بين طابقين من نار، ضجيج حجر، وقرين شيطان. أعلمتم أن مالكا إذا غضب على النار حطم بعضها بعضا لغضبته، وإذا زجرها توثبت بين أبوابها جزعا من زجرته. أيها اليفن «7» الكبير، الذي قد
(1/163)

لهزه القتير «1» ، كيف أنت إذا اقتحمت أطواق النار بعظام الأعناق، وتشبثت الجوامع حتى أكلت لحوم السواعد.
66- خرج عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق «2» إلى معاوية فكلمه في أمر أخيه محمد «3» فأنبه، وكتب إلى معاوية بن خديج «4» بإطلاقه، ودس كتابا بإحراقه، فأحرق بالنار. فكانت عائشة رضي الله عنها لا تأكل الشواء، ولا تراه إلا بكت.
67- سأل معاوية من يطعم بمكة؟ فقيل عبد الله بن صفوان «5» ، فقال: تلك نار قديمة.
68- أوحى الله إلى موسى: لا تستوقد بالبيت المقدس بنار، حتى أنزل عليك بنار من السماء، فسأله هارون أن يجعلها له ففعل، فجعلها
(1/164)

هارون لابنيه، فعجلا فاستوقدا بنار، فنزلت من السماء نار فأخذتهما، وذهب هارون لتخليصهما. فقال موسى: دع ربي يبلغ فيهما نقمته، فأوحى الله إليه هكذا أفعل بمن عصاني من أوليائي فكيف بأعدائي.
69- عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب «1» : لما نصب الحجاج المنجنيق «2» على البيت، وفيه ابن الزبير جعلت الصواعق تقع من كل جانب. فقال الحجاج لا تهولنكم إنما هي صواعق تهامة. قال محمد فأنا نظرت إليهم وهم فوق أبي قبيس «3» إذ أقبلت صاعقة من السماء كأنها محراق فطحنتهم.
70- عون بن عبد الله «4» : مثل الناس مثل الخشب، ما صلح منه لشيء انتفع به، وإلا أوقد به، ومن كان فيه خير لقي خيرا، وإلا ألقي في النار.
(1/165)

الباب السادس الأرض والجبال والحجارة والحصى وجواهر الأرض والمفاوز وذكر الرجفة والخسف
1- النبي صلّى الله عليه وسلّم: تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة.
2-[شاعر] :
الأرض مضجعنا وكانت أمنا ... فيها معايشنا وفيها نقبر
3- ابن عباس: إن في الأرض الثانية خلقا وجوههم وأبدانهم كوجوه بني آدم وأبدانهم، وأفواههم كأفواه الكلاب، وأرجلهم وآذانهم كأرجل البقر وآذانها، وشعرهم كصوف الضأن، ولا يعصون الله طرفة عين، ليلنا نهارهم ونهارنا ليلهم.
4- ابن مسعود: عنه عليه السّلام في قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
«1» أرض بيضاء نقية كأنها الفضة، لم يسفك عليها دم حرام، ولم تعمل عليها خطيئة.
5- خطب الحجاج فقال: إن الله خلق آدم وذريته من الأرض، وأمشاهم على ظهرها، فأكلوا من ثمارها، وشربوا من أنهارها، وهتكوا
(1/167)

أطباقها بالمساحي والمرود «1» ، فإذا ردهم الله إلى الأرض أكلت لحومهم كما أكلوا ثمارها، وشربت دماءهم كما شربوا ماءها، ومزقت أوصالهم كما هتكوا أطباقها.
6- كان بعض العلماء إذا تلا قوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ
«2» قال: أشهد أن السماوات والأرض وما فيها آيات تدل عليك وتشهد لك بما وصفت من نفسك، كل يؤدي عنك الحجة، ويقر لك بالربوبّية، موسوم بآثار قدرتك، ومعالم تدبيرك الذي تجليت به لخلقك، فوسمت من معرفتك القلوب بما آنسها من وحشة الفكر، وكفاها رجم الاحتجاب، فهي على اعترافك بك شاهدة أنك لا تحيط بك الصفات، ولا تدركك الأوهام فإن حظ الفكر منك الاعتراف بك والتوحيد.
7- الجاحظ: كان فضل الرقاشي «3» سجاعا في قصصه، وكان عمرو بن عبيد وهشام بن حسان «4» يحضرانه، ومن كلامه: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا.
8- يعلي بن منية: عنه عليه السّلام، من أخذ أرضا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها في المحشر.
(1/168)

9- يقال: أرض حصان من ملامسة الحيا، أي جدبة.
ماله في الأرض مربض عنز، إذا نفوا عنه ملك شيء من العقار.
10- النبي صلّى الله عليه وسلّم: التمسوا الرزق في خبايا الأرض.
11- وعن مصعب «1» : كان عروة بن الزبير «2» يقول لي: إزرع مالك من أرض، أما تسمع قول الشاعر:
أقول لعبد الله لما لقيته ... يسير بأعلى الرقمتين مشرقا «3»
تبغ خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلك يوما أن تجاب فترزقا
سيعطيك ماء واسعا ذا مثابة ... إذا ما مياه الناس غارت تدفقا
وكان ابن شهاب الزهري «4» يتمثل بها، ويدعي أنها له، والصحيح
(1/169)

أنها لعمر بن أبي الحدير البلوي.
12- لما بلغ عمر رضي الله عنه أن نازلة البصرة اتخذوا الضياع، وعمروا الأرضين، كتب إليهم لا تنهكوا وجه الأرض فإن شحمتها في وجهها. قالوا: شحمة الأرض موضع الريع منها.
13- الزرع لا يبلغ النهاية إلا ببركتين: بركة السماء بأن تسقيه من مائها، وبركة الأرض بأن تربيه من ترابها.
14- زياد بن أبيه: أحسنوا إلى المزارعين فإنكم لا تزالون سمانا ما سمنوا.
15- لا ضيعة على من له ضيعة.
16- إبراهيم بن إسحاق المصعبي «1» : كيمياء الملوك العمارة، ولا تحسن بهم التجارة.
17- الضيعة إن تعهدتها ضعت، وإن لم تتعهدها ضاعت.
18- قال مدني لمزبد «2» : أريد أن أشتري عنان جارية أبي العراقيب، قال: ويلك ومن أين لك ثمنها؟ قال: أبيع قطيعة جدي، قال: وأي قطيعة كانت لجدك؟ والله إن كان ملك جدك إلا قطيعة الرحم.
19- في الحديث: إن الجفاء والقسوة في الفدادين «3» ، هم الأكرة «4» ، من الفديد الجلبة، لأنهم يفدون في سوق البهائم.
20- الضياع مدارج «5» الهموم، وكتب الوكلاء سفاتج «6» الغموم.
(1/170)

21- في ديوان المنظوم:
قد أصبحت جارتي تجهلني ... غداة أصبحت بايعا أرضي
فقلت ما صفقتي بخاسرة ... أبيع أرضي واشتري عرضي
22- قيل لجعفر بن محمد «1» : لم يكلب الناس على الطعام في الغلاء؟ قال: لأنهم بنو الأرض، فإذا أقحطت «2» أقحطوا، وإذا أخصبت أخصبوا.
23- ابن الرقاع العاملي «3» يصف حمارا وأتانا:
يتعاوران من الغبار ملاءة ... بيضاء مخملة هما نسجاها «4»
تطوى إذا علوا مكانا جاسيا ... وإذا السنابك أسهلت نشراها «5»
24- قصد مخنث جبل لكام «6» ليتعبد، فلما صعد فيه أعيا، فقال:
واشماتتي يوم أراك كالعهن «7» المنفوش. واللكام جبل يمتد من حمص ودمشق ويسمى ثمّ لبنان، إلى أن يتصل بجبال أنطاكية «8» والمصيصة «9» ويسمى ثم اللكام. وبه يسكن الأبدال «10» يقال: هم تسعون كلما توفي
(1/171)

واحد قام بدل مكانه. وإنما يرحم الله عباده وينظر لهم بدعائهم. قال:
وجاور بلاد الشام لبنان إنها ... معادن أبدال إلى منتهى العرج «1»
25- وقال أبو دلف الخزرجي «2» :
وجاورت الملوك ومن يليهم ... كما جاورت أبدال اللكام
26- حرة بني سليم «3» إحدى الأعاجيب، فهي سوداء، وأهلها بنو سليم سود مثلها، ومن نزل بها من غير بني سليم أسود، ويتخذون المماليك من الصقالبة «4» الروام فتقلبهم الحرة والذين يلدون فيها من أولادهم إلى السواد. وكل ما فيها من الأنعام والخيل والوحوش إلى
(1/172)

السواد. قال الجاحظ: وذلك مثل بلاد الترك ترى كل شيء فيها تركي المنظر، يدبرون الرماد والقلى «1» فيستحيل حجارة سودا تعمل منها الأرحاء «2» .
27- يقول أهل طوس «3» : قد ألان الله لنا الحجارة، كما ألان لداود الحديد، يعنون الحجارة التي تتخذ منها البرام «4» .
28- ثالثة الأثافي «5» قطعة من الجبل يضم إليها حجران فتكون أثافي القدر. وهي مثل في الشدة، يقال: رماه بثالثة الأثافي. قال علقمة بن عبدة «6» :
وكل قوم وإن عزّوا وإن كرموا ... عريفهم بأثافي الشرّ مرجوم «7»
وكان يقال لجرير والفرزدق والأخطل لتهاجيهم أربعين سنة أثافي الشر
(1/173)

وللبديع «1» :
ولي جسد كواحدة المثاني ... له كبد كثالثة الأثافي «2»
29- عن الأخفش «3» : ذكر رؤبة «4» رجلا فقال: هو من بنات المسجد يعني الحصى. أراد أنه كالشيء الجماد.
30- ابن طبطبا «5» :
بأبي الذي قلبي عليه حبيس ... مالي سواه من الأنام أنيس
لا تنكروا أبدا مقارنتي له ... قلبي حديد وهو مغناطيس
31- كان أبو حامد المروروذي «6» إذا سمع تراجع المتكلمين «7» في
(1/174)

مسائلهم، ورأى ثباتهم على مذاهبهم، بعد طول جدالهم يتمثل بهذه الأبيات:
ومهمه فيه السراب يلمح ... دليله بحره مطوح «1»
يدأب فيه القوم حتى يطلحوا ... ثم يظلون كأن لم يبرحوا
كأنما أمسوا بحيث أصبحوا
32- أنشدني بعض الحجازيين:
وبتنا بقرواحية لا ذرا لها ... من الريح إلا أن ألوذ بكور «2»
فلا الصبح يأتينا ولا الليل ينقضي ... ولا الريح مأذون لها بسكور «3»
33- أرض يحار فيها الدليل الفهري، ويضل فيها القطا الكدري «4» :
ورب خرق كأن الله قال له ... إذا طوتك ركاب القوم فانتشر «5»
34- أنشد أبو عبيدة»
:
(1/175)

بئسا قرينا يفن هالك ... أمّ عبيد وأبو مالك «1»
كنية المفازة والجوع.
35- قيل لأعرابي: كيف تصنعون بالبادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شيء ظله؟ قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحدنا ميلا ليرفض عرقا، ثم ينصب عصاه، ويلقي عليها كساه، ويجلس في قبة يكتال الريح، فكأنه في إيوان كسرى.
36- قيل لأعرابي: ما أصبركم على البدو! قال: كيف لا يصبر من طعامه الشمس، وشرابه الريح؛ لقد خرجنا في إثر قوم قد تقدمونا بمراحل، ونحن حفاة، والشمس في قلّة «2» السماء، حيث انتعل كل شيء ظله، وما زادنا إلا التوكل، وما مطايانا إلا الأرجل حتى لحقنا بهم.
37- عبيد «3» :
لعمرك إني والظليم بقفرة ... لمشتبها الأهواء مختلفا النجر «4»
خليلا صفاء بعد طول عداوة ... ألا يا لتقليب القلوب وللدهر
38- اجتمع السرو «5» ، والنوك «6» ، الخصب، والوباء، والمال، والسلطان، والصحة والفاقة «7» بالبادية؛ فقالوا: إن البادية لا تسعنا، فقالوا نتفرق في الآفاق؛ فقال السرو: أنا منطلق إلى اليمن، فقال النوك: وأنا معك وقال الخصب: أنا إلى الشام، فقال الوباء: أنا معك؛ وقال المال: أنا
(1/176)

إلى العراق، فقال السلطان: أنا معك؛ وقالت الفاقة: مالي حراك، فقالت الصحة: أنا معك. فبقيت الفاقة والصحة بالبادية.
39- أعرابي «1» :
لضأن ترتعي الدكداك حولي ... أحبّ إليّ من بقر عكوف «2»
وكلب ينبح الأضياف ليلا ... أحبّ إليّ من ديك هتوف
وبيت تخفق الأرواح فيه ... أحب إلي من قصر منيف «3»
وشرب لبينة وتطيب نفسي ... أحبّ إليّ من أكل الرغيف
ولبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشفوف «4»
40- للنوشادر «5» أصل موجود، وقد يصعدون الشعر ويدبرونه حتى يستحكم استحكام النوشادر ولا يغادر شيئا من عمله، وهو من خصائص سمرقند «6» .
- وللمرداسنج «7» أصل، ويدبرون الرصاص فيستحيل مرداسنجا.
- وللتوتيا «8» أصل، ويدبرون النحاس فيستحيل توتيا.
(1/177)

- الملح الكشي «1» من خصائص سعد «2» سمرقند، يكون أحمر، فإذا دق كان أشد بياضا من غيره.
41- افتتح هشام بن عمرو «3» القندرهار «4» فوجد سارية من حديد طولها مائة ذراع، ثلاثون منها في الأرض: فسأل عنها، فقيل: قدم تبع «5» بلادنا ومعه أبناء فارس فافتتحوها، وقالوا لا نجاوز هذه البلاد أبدا، وعمدوا إلى سيوفهم فضربوها حديدة واحدة فهي هذه.
42- قيل لأعرابي: صف الزلزلة، فقال: كأنها فرس انتفض ثم راجع.
43- عمر «6» : عنه عليه الصلاة والسلام: إذا جار الحاكم قلّ المطر، وإذا غدر بالذمة ظفر العدو، وإذا ظهرت الفاحشة كانت الرجفة.
44- أبو هريرة: عنه عليه الصلاة والسلام: لتقمص «7» بكم قماص البكر «8» ، يعني الأرض ورجفتها.
(1/178)

45- كتب عمر بن عبد العزيز: أما بعد. فإنه بلغني أن هذا الرجف شيء يعاقب الله به خلقه، وقد كتبت إلى الأجناد أن يخرجوا فيتوبوا إلى الله من ذنوبهم وخطاياهم، ومن استطاع أن يقدم بين يدي مخرجه صدقة فليفعل.
46- عن علي رضي الله عنه أنه قال لما زلزلت الأرض: ما أسرع ما أخزيتم!.
47- وعن كعب «1» : لعله عمل عليها من الخطايا فتزلزلت غضبا للرب.
48- وعن ابن مسعود «2» أن الأرض زلزلت على عهده فقال: كنا نرى الآيات مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بركات. وأنتم ترونها تخويفا.
49- جرير بن عبد الله «3» نزل قطربّل «4» فقال أي نهر هذا؟ فقيل:
دجلة، قال: وهذا؟ قالوا: دجيل «5» ، قال: يجتمع فيها جبابرة أهل الأرض فيخسف بها، فلهي أشد رسوخا في الأرض من سكة الحديد في الأرض الخوارة «6» .
50- في الحديث: تنكبوا الغبار فمنه تكون النسمة «7» أي الربو.
(1/179)

51- وعن الحجاج: إتقوا الغبار فأنه سريع الدخول، بطيء الخروج.
52- حكيم: أرفق بالعدو كما ترفق بزجاج الشام إلى أن تجد الفرصة فإما أن تضرب به الحجر فتفضه «1» ، وأما أن تضربه بالحجر فترضه «2» .
53- قال أبو عبيدة «3» : ما ينبغي أن يكون مثل النظام «4» ، سألته وهو صبي عن عيب الزجاج فقال: سريع الكسر، بطيء الجبر «5» .
54- جرير:
صدع الظغائن يوم بنّ فؤاده ... صدع الزجاجة ما لذاك تداني
55- كان للواثق «6» غلام بدوي فصيح، فازدحم الناس عليه يوما يكتبون فقلب طرفه فقال: «إن تراب قعرها لمنتهب» وذلك أن البئر العذبة الماء يخرج ترابها طيبا، فيتناهبه الصبيان سرورا به، ومضوا إلى الحي يبشرونهم.
56- كتب كشاجم: كنت أعزك الله، من المحل الجريب، والبلد
(1/180)

الفقر الذي أنا به غريب عن سلامة الجوارح والحواس. إلا حاسة التمييز، فإنها لو صحت لما اخترت المقام بهذه المفازة «1» .
بلاد كأن الجوع يطلب أهله ... بذحل إذا ما الصيف صرت جنادبه «2»
57- الفرزدق «3» :
لكسرى كان أعقل من تيميم ... عشية فرّ من أرض الضباب
فأسكن نسله ببلاد ريف ... وأشجار وأنهار عذاب
فصار بها الملوك بنو أبيه ... وصرنا نحن أمثال الكلاب
فلا رحم الإله صدى تميم ... فقد أزرى بنا في كل باب «4»
58- في دعاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي؛ وأعوذ بك أن أغتال من تحتي.
قال وكيع «5» : يعني الخسف.
59- أبو العطاف الغنوي:
(1/181)

أقول لميمون وقد حن حنة ... إلى الريف واغمرت عليه الموارد «1»
سيكفيك ذكر الريف ضب ومذقة ... وبيت بو عساء الجنينة فارد «2»
وريح بنجد طيب نسماتها ... وأسود من ماء العذيبة بارد «3»
60- أنف الكلب الأسدي:
إني نزلت إليك من جبل ... دون السماء صمحمح صلد «4»
أعلاه ذو شوك وأسفله ... ميثاء ملعبه من الأسد «5»
61- علي رضي الله عنه حين جاء نعي الأشتر «6» : مالك وما مالك! لو كان جبلا لكان فندا «7» لا يرتقيه الحافر ولا يوفي عليه الطائر.
62- عبد الصمد بن المعذل «8» في نخل باعه:
(1/182)

فارقتني ذخيرة من عقار «1» ... ذكّرتني تفرق الأحباب
وسواء بيع الرقاب من الما ... ل إذا بعتها وضرب الرقاب
63- عبد الله الفقير إليه «2» :
قد أصبحت جارتي تجهلني ... غداة أصبحت بائعا أرضي
فقلت ما صفقتي بخاسرة ... أبيع أرضي وأشتري عرضي
64- وهب هشام «3» للأبرش «4» ضيعة، فسأله عنها، فقال: لا عهد لي بها، فقال: لولا أن الراجع في هبته كالراجع في قيئه، لأخذتها منك، أما سمعت أنه إنما سميت الضيعة لأنها تضيع إذا تركت، وأن ثلاثا تحسن بالشريف: خدمة الوالد، وخدمة الضيعة، وخدمة الضيف.
65- كان عروة بن الزبير «5» يقول: أشتهي أن اتخذ مالا «6» قريبا، أدخل المغتسل فأفيض الماء، ثم آمر الغلام فيجني لي من رطبه، فلا يجف رأسي حتى أوتى به، فلما اشترى المقتربة ظفر بذلك.
66- عن بعض أهل الكتب: من باع أرضا أو دارا ورثها عن أبيه دعت عليه طرفي النهار.
(1/183)

الباب السابع الماء والبحار والأودية والأنهار والعيون والآبار وما اتصل بذلك وناسبه من ذكر السفن والسباحة وغيرها
1- علي رضي الله عنه: سئل كيف كان حبكم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟
قال: كان والله أحب إلينا من أموالنا، وآبائنا، وأمهاتنا، وأبنائنا، ومن برد الشراب على الظمأ.
2- ولبعض الأعراب:
حديثك أشهى فاعلمي لو أناله ... إلى النفس من برد الشراب على الظمأ
3- استسقى الشعبي «1» على مائدة قتيبة بن مسلم «2» ، فقال: يا أبا عمرو أي الشراب أحب إليك؟ فقال: أعزه مفقودا، وأهونه موجودا. فقال قتيبة: إسقوه الماء.
4- علي رضي الله عنه، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: سيد طعام الدنيا
(1/184)

والآخرة اللحم، وسيد شراب الدنيا والآخرة الماء، وأنا سيد ولد آدم ولا فخر.
5- كان أبو العتاهية عند بعض الملوك في جماعة من الشعراء، فشرب رجل ماء وقال: برد الماء وطابا. فقال أبو العتاهية: أجيزوا «1» ؛ فأطرقوا متفكرين، فقال: سبحان الله ما هذا الإطراق:
برد الماء وطاب ... حبذا الماء شرابا
6- مر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر «2» بعبد الحميد بن علي القرشي، فاستبقاه، فسقاه سويق «3» لوز بطبرزذ «4» فقال:
شربت طبرزذا بغريض مزن ... كذوب الثلج خالطه الرضاب «5»
فقال عبد الحميد:
وما إن ماؤنا بغريض مزن ... ولكن الملاح بكم عذاب
وما إن بالطبرزذ طاب ولكن ... بمسك هكذا طاب الشراب
وأنت إذا وطئت تراب أرض ... يطيب إذا مشيت بها التراب
لئن نداك يطفي المحل عنها ... وتحييها أياديك الرطاب «6»
(1/185)

7- رأى بدوي بهمذان شرب الماء بالجمد، فسئل بالدو «1» عن أعجب ما رأى: فقال رأيت قوما يشربون الحديد، فعرف بعضهم الأمر فقال: شرب الجليد في الخزف الجديد ألذ من بلاد الصعيد.
8- سقي حجازي ببغداد ماء مزملا «2» ، فقال: هذا ماء مخدوم.
9- جامع بن عمرو بن مرخية «3» :
ووجدي بها أزمان ذي ألبان إذ لها ... أمير له صدر علي سليم
كما وجدت بالماء حرى يلفها ... إلى الورد حر وادق وسموم «4»
10- ابن السماك: كم من داع إلى الله فار من الله، وكم من قارىء لكتاب الله ينسلخ من آيات الله، وكم من مبرد له الماء والحميم يغلي له.
11- أم فروة «5» :
وما ماء مزن أيّ ماء تقوله ... تحدّر من غرّ طوال الذوائب «6»
بمنعرج أو بطن واد تحدرت ... عليه رياح الحزن من كل جانب
نفى نسم الريح القذى عن متونه ... فما إن به عيب يكون لشارب «7»
بأطيب ممن يقصر الطرف دونه ... تقى الله واستحياء ما في العواقب «8»
12- مخنث: لعن الله بغداد، لا يشرب ماؤها حتى يصلب،
(1/186)

ونبيذها حتى يضرب.
13- إذا اجتهدوا في تشبيه امرأة، وصفتها بالجمال والصفاء والبياض والبركة، قالوا: كأنها ماء السماء، ومنه قالوا: المنذر ابن ماء السماء «1» .
14- الجاحظ: من الماء يكون النّشج «2» والبرد والثلج، فيجمع الحسن في العين، والكرم في البياض والصفاء وحسن الموقع في النفس.
15- المأمون: في الماء البارد ثلاث: يلذ، ويهضم، ويخلص الحمد. وكان يقول: شرب الماء بالثلج أدعى إلى إخلاص الحمد.
16- كان الصاحب «3» يقول عند شرب الماء الجمد:
قعقعة الثلج بماء عذب ... تستخرج الحمد من أقصى القلب
ثم يقول: اللهم جدد اللعن على يزيد «4» .
17- أبو هفان:
لو كنت نوءا كنت نوء المرزم ... أو كنت ماء كنت ماء زمزم «5»
(1/187)

18- الأعشي «1» :
فما أنت من أرض الحجون ولا الصفا ... ولا لك حظ الشرب من ماء زمزم «2»
19- قيل إن بابك بن ساسان «3» بلغه مكان البيت وإلى من تفضى النبوة، فصار إلى البيت وشرب من ماء زمزم، وزمزم حولها فسميت لزمزمته، وهي كلام متتابع مع حركة، من قولهم: سمعت زمزمة الرعد، وهو تتابع صوته، قال:
زمزمت الفرس على زمزم ... وذاك في سالفها الأقدم
20- أعرابي:
وما وجد ملواح من الهيم حلئت ... عن الماء حتى جوفها يتصلصل «4»
تحوم وتغشاها العصيّ وحولها ... أقاطيع أنعام تعلّ وتنهل «5»
بأكثر منيّ غلّة وتعطفا ... إلى الورد إلا أنني أتجمل «6»
(1/188)

21- في بلاد مهرة «1» ركية «2» خسيف لا يبلغ قعرها، يسقط فيها الجمل فيرسب ثم لا يطفو، يقال لها أم عرام؛ وتقول مهرة لكل ميؤس منه: غالته أم عرّام.
22- وهب بن منبه: البحار المعروفة سبعة: بحر الهند، والسند، والشام، وأفريقية، وأندلس، والروم، والصين.
23- الحمد لله الذي جعل بين البحرين حاجزا، وصير الخلق عن إدراكه عاجزا.
24- قال أعرابي لأخيه: هل لك أن ننتجع أحساء رملات نجد علّنا نجد بها ريا، قال: ذاك ماء مطلب «3» لا ينال إلا بشق ولعل المحلىء «4» يذود الحوّم «5» عنه.
25- أعرابي: من طال رشاؤه «6» كثر متحه «7» .
26- جاء مزبد «8» إلى بئر ليستقي، فإذا الحبل معقد، فقال: ليس هذا حبلا، هذا سبحة عجوز.
27- أعرابي:
يزعزع الدلو وما تزعزعه ... تكفيه من جمع البنان إصبعه
يكاد آذان الدلاء تتبعه
(1/189)

28- الأصمعي: الفرات ودجلة رائدا أهل العراق لا يكذبان، قال الأصمعي فهما الرائدان والرافدان.
29- قيل لرجل: أبلعني ريقي، فقال: بلعتك الرافدين.
30- حفر زياد «1» نهرا بالبصرة فأشهد فتح الماء إليه معقل بن يسار «2» صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تبركا به، فنسب النهر إلى معقل، وترك نهر زياد.
وقيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.
31- كان طاووس رحمه الله لا يسقي فرسه من نهر حفرته المرونية.
32- بينا غيلان بن خرشة «3» يسير مع ابن عامر إذ ورد على نهر أم عبد الله «4» فقال ابن عامر: ما أنفع هذا النهر لأهل هذا المصر! فقال غيلان: أجل والله أيها الأمير، إنهم ليستعذبون منه، وتفيض مياههم إليه، ويتعلم صبيانهم فيه العوم، وتأتيهم ميرتهم «5» فيه، ثم ساير بعد ذلك زيادا، فقال زياد: ما أضر هذا النهر بأهل هذا المصر! فقال: أجل والله
(1/190)

أيها الأمير: تنز منه دورهم، ويغرق فيه صبيانهم، ويبعضون «1» به ويبرغثون «2» .
33- جابر بن رألان «3» :
أيا لهف نفسي كلما التحت لوحة ... إلى شربة من ماء أحوض مأرب «4»
بقايا وطاف أودع الغيم صفوها ... مصقلة الأرجاء زرق الجوانب «5»
ترقرق دمع المزن فيهن والتقت ... عليهن أنفاس الرياح الجنائب «6»
34- حكى الجاحظ عن جعفر بن سعيد «7» الخلاف موكل بكل شيء حتى قذاة «8» الكوز، إن أردت أن تشرب الماء جاءت إلى فيك، وإن صوّبت رأس الكوز لتخرج رجعت؛ وهي مثل في كل محقر مؤذ. وساب بعضهم فقال: يا قذاة الكوز، ويا أضر من تموز، وأبرد من العجوز، ويا درهما لا يجوز.
35- أبو نواس يصف سفينة:
فكأنها والماء ينطح صدرها ... والخيزرانة في يد الملّاح
(1/191)

جون من العقاب تبتدر الدجى ... يهوي بصوت واصطفاق جناح «1»
36- الأخطل «2» :
ولو أبصرتني دعد في وسط زورق ... وقد هاجت الأرواح من كل جانب «3»
ونفسي على مثل السنان مقيمة ... لما أحدثت في الماء أيدي الجنائب «4»
إذن لرأت مني كئيبا متيما ... يحن إليها عند تلك النوائب
ويذكر منها وصلها وحديثها ... على حالة تنسي لقاء الحبائب
37- قيل لأبي هاشم الصوفي: فيم كنت! قال: في تعليم ما لا ينسى، وليس لشيء من الحيوان عنه غنى: قيل وما هو؟ قال: السباحة.
38- قال عبد الملك «5» للشعبي «6» : علم ولدي العوم، وخذهم بقلة النوم، فإنهم يجدون من يكتب عنهم، ولا يجدون من يسبح عنهم.
ولقد غرقت سفينة فيها جماعة من قريش، فلم يعطب ممن كان يسبح إلا واحد، ولم ينج ممن كان لا يحسن السباحة إلا واحد.
39- أبو سعيد الرستمي وقد ذكر الجداول:
كأن بها من شدة الجري جنة ... فقد ألبستهنّ الرياح سلاسلا
(1/192)

قيل لرسطاليس «1» : ما الأشياء التي ينبغي للإنسان أن يقتنيها؟ قال:
التي إن غرقت به سفينة سبحت معه «2» .
40- كان لإسحاق الموصلي «3» غلام يستقي له، فقال له يوما: يا فتح ما خبرك؟ قال: خبري أني لا أرى في الدار أحدا أشقى مني ومنك:
قال: كيف؟ قال: لأنك تطعمهم الخبز، وأنا أسقيهم الماء؛ فضحك وأعتقه ووهب له البغلين.
41- كان شريح «4» لا يقبل قول من يركب البحر، ويقول هذا لم يحفظ نفسه على نفسه، كيف يحفظ أمور المسلمين عليهم.
42- ابن أبي عيينة «5» :
ولا بد للماء في مرجل ... على النار موقدة أن يفورا
43- المعري «6» :
(1/193)

يمسي ويصبح كوزنا من فضة ... ملأت فم الصادي كسور دراهم «1»
44- أنس «2» ، عنه عليه الصلاة والسلام: من حفر بئر ماء شربت منها كبد حرى من الإنس أو السباع أو الجن أو الطيور فله أجر ذلك إلى يوم القيامة؛ ومن بنى مسجدا كمفحص «3» قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة.
45- أنس، عنه عليه الصلاة والسلام: سبعة للعبد تجري بعد موته: من علم علما، أو أجرى نهرا، أو حفر بئرا، أو بنى مسجدا، أو أورث مصحفا، أو ترك ولدا صالحا يدعو له أو صدقة تجري له بعد موته «4» .
46- بين حصن منصور وكيسوم «5» من بلاد مضر نهر عظيم لا يتهيأ خوضه، لأن قراره رمل سيال، يقال له سنجة «6» وعليه قنطرة هي طاق واحد من الشط إلى الشط، وبينهما مائتا خطوة، من حجر مهندم، طول الحجر عشرة أذرع في ارتفاع خمسة.
(1/194)

47- ابن أبي عيينة:
أنظر وفكر فيما تطيف به ... إن الأريب الفمكر الفطن
من سفن كالنعام مقبلة ... ومن نعام كأنها السفن
48- أنس: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: دخلت الجنة فإذا أنا بنهر يجري، حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء، فإذا أنا بمسك أذفر «1» ، فقلت: ما هذا يا جبرائيل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله.
49- بكر بن عبد الله المزني: مثلنا ومثل الحسن «2» كمثل سفينة بحرية عظيمة وقراقير «3» تلوذ بها، فمتى تغرق السفينة تهلك القراقير، ومتى يذهب الحسن من بين أظهرنا يذهب العلم.
50- علي عليه السّلام في قوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
«4» قال: الرطب والماء البارد.
51- تنازع أبو نبقة بن الوراس «5» مولى خزاعة وأبو هاشم الباهلي على جسر بغداد فدفعه في الماء فأخرج بعد جهد، وقال:
فمن مبلغ عليا خزاعة أنني ... قذفت بعبد الباهليين في الجسر
(1/195)

قذفت به كي يغرق العبد عنوة ... فجاش به من لؤمه زبد البحر
52- عارض منذر بن مصعب بن الزبير «1» بمال له، فقال أخوه خالد بن مصعب «2» :
خليلي أبا عثمان ما كنت تاجرا ... أتأخذ أنضاحا بنهر مفجر «3»
أتأخذ أنضاحا قليلا فضولها ... إلى المهذ يوما أو إلى عين عسكر «4»
53- عبد الله بن عامر بن كريز:
بكى صاحبي لما رأى الفلك قربت ... ليركب فيها فوق ذي لجج غمر «5»
وحنّ إلى أهل المدينة حنة ... بمصر وهيهات المدينة من مصر
فقلت له لا تبك عينك إنما ... نفر فرارا من جهنم والبحر «6»
54- ابن المعتز:
وإني على إشفاق عيني من العدى ... لتجمح مني نظرة ثم أطرق
كما حلئت عن برد ماء طريدة ... تمد إليها جيدها وهي تفرق «7»
وله:
ما وجد صاد في الحبال موثّق ... بماء مزن بارد ومصفق «8»
(1/196)

بالريح لم يطرق ولم يرنق ... جادت به أخلاف دجن مطبق «1»
في صخرة أن تر شمسا تبرق ... فهو عليها كالزجاج الأزرق
صريح غيث خالص لم يمذق ... ألا كوجدي بك لكن أتقي «2»
صولة من أن هم بي لم يفرق
55- عبدة بن جناح العكلي «3» :
صبحن وردا والحصى لم يرمض ... عذب الجمام طاميا بالعرمض «4»
56- كان ثقيف «5» يحفر عين وج بيده بالصخرة ويقول:
فأرميها بجلمود ... وترميني بجلمود «6»
فأحييها وتحييني ... وكل هالك مودي
57- أم حرام «7» : عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد، والغرق له أجر شهيدين.
(1/197)

58- عبد الله بن عمرو «1» ، يرفعه: لا تركب البحر إلا حاجا، أو معتمرا، أو غازيا في سبيل الله، فإن تحت البحر نارا، وتحت النار بحرا.
59- قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بيت أم سليم «2» ، فاستيقظ وهو يضحك، فقالت له أختها أم حرام: يا رسول الله ما أضحكك؟ قال:
رأيت قوما ممن يركب ظهر هذا البحر كالملوك على الأسرّة. وروي: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثج «3» هذا البحر ملوكا على اسرّة، فقالت: أدع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم.
فتزوجها عبادة بن الصامت «4» ، فغزا في البحر، فحملها معه، فلما رجع قربت لها بغلة لتركبها، فصرعتها، فاندقت عنقها. وذلك بقبرص زمن معاوية.
60- أعرابية: ما ماء غمامة بكر تدلت عليه الرياح في قفر بأنقع
(1/198)

للضمآن من ريق صخر.
61- أثخنت الحارث بن هشام المخزومي «1» الجراح في وقعة اليرموك، فاستسقى ماء، فلما تناوله نظر ألى عكرمة بن أبي جهل «2» صريعا، فقال للساقي إمض به إلى عكرمة ليشرب أولا فأنه أشرف مني، فمضى به إليه فأبى أن يشرب قبله، فرجع إلى الحارث فوجده ميتا «3» ، فرجع إلى عكرمة فوجده ميتا.
62- المأموني «4» في كوز أخضر:
وبديعة للريم منها جيدها ... تتحير الأبصار في إبداعها
كخريدة في مرط خز أخضر ... رفعت يدا لتردّ فضل قناعها «5»
63- كان حكيم بن حزام «6» يشرب كل يوم شربة ماء لا يزيد
(1/199)

عليها، وقد عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، فلما بلغ مائة سنة أخذ يشرب شربتين حتى مات. قال مصعب ابن عثمان: دعا حكيم غلامه بالماء، وقد كان شرب، فقال: يا مولاي قد شربت شربتك، فقال: وإن فأقام على شربتين كل يوم.
63- حملت إلى عثمان رضي الله عنه، يوم الدار، أداوة «1» من ماء، فشقها رجل من الخارجين عليه وقال: لا يذوق البارد أبدا؛ فقال عثمان: اللهم اقتله عطشا، فخرج مع الغزاة فأصابه عطش، وبينهم وبين الماء عقبة، فذهبوا إليه، وما كان به مشي، فاستقوا وأتاه رجل يركض بالأدواة فصادفه ميتا.
64- أتى عامر بن كريز يوم الفتح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بابنه عبد الله بن عامر، وهو غلام قد تحرك ابن خمس أوست، فقال يا رسول الله حنكه، فقال: إن مثله لا يحنك، وأخذه فتفل في فيه، فجعل يتسوغ ريق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويتلمظه، فقال عليه الصلاة والسلام: إنه لمسقي. فكان لا يعالج أرضا إلا ظهر له الماء؛ وله السقايات بعرفة، وله النباج «2» ، والجحفة «3» ، وبستان ابن عامر «4» .
65- عن كعب الأحبار «5» : أن الخضر بن عاميل «6» ركب في نفر
(1/200)

من أصحابه حتى بلغ بحر الهوكند وهو بحر الصين، فقال لهم: دلوني، فدلوه أياما وليالي، ثم صعد، فقالوا: ما رأيت؟ فقال: استقبلني ملك فقال: أيها الآدمي الخطاء إلى أين؟ فقلت: أردت أن أنظر عمق هذا البحر، قال: وكيف وقد هوى فيه رجل من زمن داود فلم يبلغ ثلث قعره إلى الساعة، وذلك منذ ثلاثمائة سنة.
66- زمزم هزمة «1» جبرائيل أنبطها «2» مرتين مرة لآدم فلم تزل كذلك حتى انقطعت عند طوفان نوح، ومرة لإسماعيل.
67- وعن بتيع «3» : سيقال لهذا النيل إذهب راشدا حتى يحفر فيه الآبار.
68- وعن عبد الله بن عمر «4» : إني لأعلم السنة التي يخرجون فيها
(1/201)

من مصر، قيل له: أيخرجنا عدو؟ قال: لا، ولكن نيلكم هذا يغور، فلا تبقى فيه قطرة، حتى يكون فيه الكثبان من الرمل، وتأكل سباع الأرض حيتانه.
69- قال عمر بن عبد العزيز لزهرة بن معبد: أين تسكن؟ قال:
أسكن فسطاط «1» مصر، فقال: وأين أنت من طيبة «2» ؟ ولا أريد المدينة، وإنما أريد الإسكندرية، ولولا ما أنا فيه لأحببت أن يكون بها منزلي.
70- سقي أبو الجهم بن عطية «3» سويق اللّوز عند المنصور فمات، وكان يتهم بممالئة أبي مسلم «4» ، فقال المنصور:
تجنب سويق اللوز لا تقربّنه ... فشرب سويق اللّوز أودى أبا جهم
(1/202)

الباب الثامن الشجر والنبات والفواكه والرياحين والبساتين والرياض وذكر الجنة
1- أسامة بن زيد «1» : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول في ذكر الجنة: ألا مشترى لها! هي ورب الكعبة ريحانة تهتز، ونور يتلألأ، ونهر يطّرد، وزوجة لا تموت، مع حبور ونعيم، ومقام الأبد.
2- الخدري «2» ، يرفعه: إن الله جل ذكره لما حوط حائط الجنة، لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وغرس غرسها، قال لها: تكلمي، فقالت:
قد أفلح المؤمنون، فقال تعالى: طوبى لك منزل الملوك.
3- جابر «3» ، عنه عليه الصلاة والسلام: إذا دخل أهل الجنة
(1/203)

الجنة، قال الله تعالى: أتشتهون شيئا فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا، وما خير مما أعطيتنا؟ قال: رضواني أكبر.
4- زيد بن أرقم «1» : قال رجل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا أبا القاسم، تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده أن أحدكم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب؛ قال: فإن الذي يأكل تكون له الحاجة، والجنة طيب لا خبث فيها؛ قال: عرق يفيض من أحدهم كرشح المسك فيضمر بطنه.
5- عتبة بن غزوان «2» رضي الله عنه: لقد بلغني أن المصراعين من مصاريع الجنة بعدما بينهما مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ «3» بالزحام.
6- دخل داود عليه السّلام غارا من غيران بيت المقدس فوجد حزقيل «4» يعبد ربه، وقد يبس جلده على عظمه، فسلم عليه، فقال: أسمع صوت شبعان ناعم، فمن أنت؟ قال: داود! قال: الذي له كذا وكذا امرأة، وكذا وكذا أمة؟ قال: نعم، وأنت في هذه الشدة؛ قال: ما أنا في شدة؛ ولا أنت في نعمة، حتى ندخل الجنة.
7- الأصمعي: احتضر أعرابي، فقيل له: أبشر بالجنة وروحها؛ فقال:
(1/204)

قد بشروني بالجنان وروحها ... ولكسر بيتي عند نفسي أطيب
يا ليت حظي بالجنان وروحها ... بيت بصحراء الغبيط مطنب «1»
8- جنان الدنيا أربع: غوطة دمشق، ونهر الأبلة «2» ، وشعب بوّان «3» ، وسغد سمرقند «4» .
قال أبو بكر الخوارزمي «5» : قد رأيتها كلها، فكان فضل الغوطة على الثلاث كفضل الأربع على غيرهن، كأنها الجنة صورت على وجه الأرض.
9- البحتري «6» :
يمسي السحاب على أجبالها فرقا ... ويصبح الغيث في صحرائها بددا
(1/205)

فلست تبصر إلّا واكفا خضلا ... أو يانعا خضرا أو طائرا غردا «1»
10- بستان خضر وماء خصر «2» .
11- الحسن «3» : ثلاث تجلو البصر: النظر إلى الخضرة، والنظر إلى الماء الجاري، والنظر إلى الوجه الحسن.
12- وصف أعرابي أجمة «4» فقال: مناقع نز، ومراعي أوز، قصبها يهتز، ونبتها لا يجز.
13- في وصف النخلة:
أما تراها وإلى استوائها ... وحسنها في العين وامتلائها
لا ترهب الذئب على أطلائها ... وإن أحاط الليل من ورائها
14- نخلتا حلوان «5» كانتا بعقبة حلوان من غرس الأكاسرة، ضرب بها المثل في طول الصحبة، قال مطيع بن إياس»
فيهما:
(1/206)

أسعداني يا نخلتي حلوان ... وابكيالي من ريب هذا الزمان «1»
واعلما إن علمتما أن نحسا ... سوق يلقاكما فتفترقان «2»
15- وقال حماد عجرد «3» :
جعل الله نخلتي قصر شيرين فداء لنخلتي حلوان «4»
جئت مستعدا فلم تسعداني ... ومطيع بكت له النخلتان
(1/207)

16- قال حماد بن إسحاق بن إبراهيم «1» :
أيها العاذلان لا تعذلاني ... ودعاني مع البكاء دعاني «2»
وابكيا لي فأنني مستحق ... منكما بالكباء أن تسعداني
إنني منكما بذلك أولى ... من مطيع بنخلتي حلوان
فهما تجهلان ما كان يشكو ... من جواه وأنتما تعلمان «3»
17- ولما وصل المهدي، في شخوصه إلى الري «4» ، إلى عقبة حلوان استطاب الموضع فنزل، فأنشد بيتي مطيع «5» ، فتطير منهما، فحلف ليفرقن بينهما؛ فكتب إليه المنصور: يا بني، أقسمت عليك أن لا تكون النحس الذي يلقاهما. ويقال أن حسنة، جارية له، قالت له ذلك فأمسك، ثم أن الرشيد في مسيره احتاج إلى الجمّار «6» ، لحرارة ثارت به، فأخذت جمّارة إحداهما فجفت، فلم تلبث صاحبتها أن تبعتها.
18- قال عمر «7» رحمه الله لرجل من أهل الطائف: الحبلة «8» أفضل أم النخلة؟.
(1/208)

فقال عبد الرحمن بن محصن الأنصاري «1» : الزبيب إن آكله أضرس، وإن أتركه أغرث «2» ، ليس كالصقر «3» في رؤوس الرقل «4» ، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، خرفة «5» الصائم، وتحفة الكبير، وصمتة «6» الصغير، وخرسة «7» مريم «8» ، وتحترش به الضباب «9» من الصلعاء «10» .
19- النبي صلّى الله عليه وسلّم: أكرموا عمتكم النخلة.
20- وعن علي رضي الله عنه: إن أول شجرة استقرت على الأرض النخلة، فهي عمتكم أخت أبيكم.
21- وعنه عليه الصلاة والسلام: العجوة «11» من الجنة، وهي شفاء من السّم.
22-[شاعر] :
من الواردات القاع بالماء تستقى ... بأذنابها قبل استقاء الحناجر
23- أنشد الأصمعي:
(1/209)

وبات يروّي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل «1»
24- وقال عمارة بن عقيل «2» :
عجبت لتغريسي نوى النخل بعدما ... طلعت من السبعين أو كدت أفعل
وأدركت ملء الأرض ناسا فأصبحوا ... كأهل ديار قوضوا فتحملوا
وما نحن إلا رفقة قد ترحلت ... وأخرى تقضي حاجها ثم ترحل
25- قال أبو هريرة: مر عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومعي أغراس، فقال: ألا أدلك على أغراس أفضل منها، قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فليس منها كلمة تقولها إلا غرس الله لك بها شجرة.
26- أبو أيوب الأنصاري «3» ، عنه عليه الصلاة والسلام: ليلة أسري بي مر بي إبراهيم عليه السّلام فقال: مر أمتك أن يكثروا من غرس الجنة فإن أرضها واسعة، وترتبها طيبة؛ قلت: ما غرس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
(1/210)

27- غرس معاوية «1» نخلا بمكة في آخر خلافته فقال: ما غرستها طمعا في إدراكها، ولكن ذكرت قول الأسدي «2» :
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار
28- أعرابي: أتانا فلان بتمر كأعناق الورلان «3» ، توحل فيه الأسنان.
29- آخر:
ويل لبرني الجرين منّي ... إذا التقت تمرته وسني «4»
تقول سني للنواة طني
30- يقول أهل المدينة: التمر البردي «5» أحسن من العقيان «6» في صدور القيان «7» .
31- يقول أهل البدو: إذا ظهر البياض قل السواد، وإذا ظهر السواد قل البياض.
السواد: التمر، والبياض اللبن؛ يعنون إذا كثر الحيا «8» والخصب،
(1/211)

وفشا اللبن والأقط «1» ، قل التمر في تلك السنة، وبالعكس، أي لا يجتمعان.
- وتقول الفرس: إذا زخرت «2» الأدوية كثر التمر، وإذا اشتدت الرياح كثر الحب.
32- أبو هريرة، يرفعه: نعم سحور المؤمنين التمر.
33- مرض حسان «3» عند جبلة بن الأيهم الغساني «4» ، فقال له: ما تشتهي؟ قال: ما لا تقدر عليه؛ قال: ما هو؟ قال: رطيبات محلقنات «5» من بنات ابن طاب «6» .
34- كانت ملوك الفرس تأمر برفع الحلواء أيام الرطب، والأشنان «7»
(1/212)

أيام البطيخ، والرياحين أيام الورد.
35- النظام «1» : مدحوا عنده النخلة فقال: صعبة المرتقى، بعيدة المهوى «2» ، خشنة المس، قليلة الظل.
36- ترك أهل المدنية غراس العجوة «3» ، لما كانت لا تطعم إلا بعد أربعين سنة.
37- سئل أرعابي عن أرض له فقال: إن تقبل عليها فهي أوفر من الرمانة، وإن تدعها فهي أمنع من أست «4» النمر.
38- ابن المعتز:
ما يحسن الرمان يجمع حبه ... في قشرة إلا كما نحن
39- الأعيرج الخثعمي «5» .
طاب له مأكلّه ومشربه ... حديقة فيها ثمار تعجبه
يكثر فيها موزه ورطبه ... يلقاه منه حين يجنى أطيبه
بعيد ما يجتنيه منه أقربا
تمثل بها هشام بن عبد الملك للنّضر بن شميل «6» عند عرضه إليه كتاب الواحدة.
(1/213)

40- الخليل «1» :
ترفعت عن ندى الأعماق وانخفضت ... عن المعاطش واستغنت بسقياها «2»
فاعتم بالطلح والزيتون أسفلها ... ومال بالنخل والرمان أعلاها «3»
41- قال عيسى عليه السّلام حين نزل دمشق الغوطة: إن تعدم الغني أن يجمع فيها كنزا، فلن تعدم المسكين أن يشبع منها خبزا.
42- اجتمع في التفاحة الصفرية الدرية، والحمرة الذهبية، والبياض الفضي، تلذها من الحواس ثلاث: العين لحسنها، والأنف لعرفها، والفم لطعمها.
43- جالينوس «4» : أجود الأشياء لتركيب رداءة المزاج الحار، الكائن في الرأس مع غثيان النفس، وقلة الاستمراء بعد الطعام، التفاح.
44- وصفت شيرين «5» لأبريويز «6» ، لطيب النكهة، التفاح على الريق. التفاح جمع ألوان قوس قزح، فلو انحل التفاح واسترق لكان قوسا، ولو استكنف القوس وانعقد لكان تفاحا.
45- بعث أحدهم إلى جاريته تفاحة، وكتب إليها: قد بعثت إليك بتفاحة تحكي بحمرتها وجنتك، وبعذوبتها ريقك، وبرائحتها نكهتك، وبملاحتها صورتك.
(1/214)

تفاحة جاءت إلى وامق ... تحكي لنا وصف مجليها «1»
ما مسها طيب ولكنها ... طيبة من كف مهديها
46- علي بن الجهم: دخلت على المتوكل وبين يديه تفاحة معضوضة، أهدتها له بعض جواريه، فقال: قل فيها قبل جلوسك، ولك بكل بيت ألف دينار؛ فقلت:
تفاحة جرحت بالثغر من فمها ... أشهى إليّ من الدنيا وما فيها
جاءت بها ظبية من عند غانية ... نفسي من السوء والآفات تفديها
لو كنت ميتا ونادتني بنغمتها ... إذن لأسرعت من لحدي ألبيها
بيضاء في حمرة علّت بغالية ... كأنها قطعة من خد مهديها «2»
فأمر لي بأربعة آلاف دينار، وبأربع خلع.
47- أبو موسى الأشعري: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة «3» ، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، طعمها طيب ولا ريح لها؛ ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر؛ ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها.
48- ابن الرومي:
كأنكم شجر الأترج طاب معا ... حملا ونورا وطاب العود والورق
49- محمد بن عبد الله بن طاهر «4» في الأترج:
(1/215)

جسم لجين قميصه ذهب ... ركب فيه بديع تركيب «1»
فيه لمن شمه وأبصره ... لون محب وريح محبوب
50- طلحة بن عبيد الله «2» : دخلت على النبي صلّى الله عليه وسلّم وفي يده سفرجلة، فقال: دونكها يا طلحة، فأنها تجم «3» الفؤاد.
51-[شاعر] :
سفرجلة تحكي ثدي النواهد ... لها عرف ذي فسق وصفرة زاهد
52- كسر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سفرجلة، وناول منها جعفر بن أبي طالب «4» وقال: كل، فأنه يصفي اللون ويحسّن الولد.
53- جعفر بن محمد «5» : ريح الملائكة ريح الورد، وريح الأنبياء ريح السفرجل، وريح الحور ريح الآس «6» .
(1/216)

54- اجتاز جحا «1» بقوم وفي كمّه خوخ فقال: من أخبرني ما في كمي فله أكبر خوخة فيه، فقالوا: خوخ. فقال: والله ما قال لكم إلا من أمه ساقطة.
55- أنشد الأصمعي:
أكمثرى يزيد الحلق ضيقا ... أحب إليك أم تين نضيج «2»
وقال: قيل لابن ميادة «3» أتعرف الكمثرى؟ فلم يعرفه لأنه أعرابي؛ ثم فكر فقال: ما لهم قاتلهم الله يقولون الأكم أثرى، ليست والله بأثرى ولا كرامة.
56- مر بشر بن الحارث بالفواكه فقال: مقطوعة ممنوعة.
57- الجاحظ: كانوا لا يتخذون بين يدي قصورهم إلا السدر «4» للغلة والظل والحسن، فجعلوا شجر التوت بدله فهو أسرع وأنضر ورقا، وظله أشد سوادا، وأحسن حسنا مع غلة كريمة.
58-[شاعر] :
استعمل الصبر إن الناس في مهل ... قد صيروا ورق الفرصاد ديباجا «5»
59- الجاحظ: الطير يأكل التوت فتذرقه «6» فينبت من ذرقه الشجر.
(1/217)

60- الناجم «1» :
أنظر إلى الروض النضير ... فإنه للعين مسرّه
فكأن خضرته السماء ... ونهره فيه المجرّه
61- النامي «2» :
وكأنما الروض السماء ونهره ... فيه المجرة والكؤوس الأنجم
62- آخر:
فلم أر شيئا كان أحسن منظرا ... من النور يجري دمعه وهو يضحك
63- آخر:
نشاوى تثنيها الرياح فتنثني ... فيلثم بعض بعضها ثم ترجع «3»
- يريد تثنى الأغصان بالريح.
سلاسل من زبرجد حملت ... من ذهب أحمر قناديلا «4»
يريد النارنج «5» في شجره.
64- الموصلي «6» :
(1/218)

لقد نطق الدرّاج «1» بعد سكوته ... ووافى كتاب الورد أني مقبل
65- مر كسرى بوردة ساقطة فقال: أضاع الله من أضاعك، ونزل فأخذها وقبلّها، وشرب في مكانها سبعة أيام.
66- إبراهيم الخواص «2» : إذا جاءت أيام الورد أمرضني علمي بكثرة من يعصى الله.
67- مسلمة بن سلم الكاتب «3» في الورد:
زائر يهدي إلينا ... نفسه في كل عام
حسن الوجه ذكي ... الريح لفق للمدام
68- آخر:
أما ترى الورد قد باح الربيع به ... من بعد ما مر حول وهو اضمار
وكان في خلع خضر فقد خلعت ... إلا عرى أغفلت منها وأرزار
69- أبو عامر الجرجاني «4» :
يقولون تب والورد وافى رسوله ... فقلت اسكتوا لا يسمعنّ رسوله
70- المصنف:
وردت مقدمة الربيع بشيرة ... بالورد لولا الورد ضاع ورودها
(1/219)

وكأن أيام الربيع خرائد ... وكأنما الورد الجنى خدودها «1»
71- المتوكل: أنا ملك الناس، والورد ملك الرياحين، فكل واحد منا أولى بصاحبه.
72- كان أنوشروان يعجبه الورد، ويفضله على سائر الرياحين، فابتنى قبة سماها الكلشان «2» ، زخرفها بالذهب، ورصعها بالجواهر، وزينها بالتصاوير، وحفها بالتماثيل، وجعل في أعاليها فتوحا ينثر عليه منها الورد.
73- ابن سكرة الهاشمي «3» :
للورد عندي محل ... لم يدن منه محلّ
كل الرياحين جند ... وهو الأمير الأجل
إن غاب عزّوا وتاهوا ... حتى إذا آب ذلوا
74- البحتري:
وقد نبه النيروز في غلس الدجى ... أوائل ورد كن بالأمس نوّما
يفتقها برد الندى فكأنه ... يبث حديثا كان قبل مكتما
75- كان ظهر الكوفة ينبت الشيح «4» ، والقيصوم «5» ،
(1/220)

والخزامى «1» ، والأقحوان، والشقر «2» ، وهو الشقائق وكانت العرب تسميه خد العذراء، فمر النعمان «3» فقال: من نزع منه شيئا فأنزعوا كتفه؛ فحميت ونسبت إلى النعمان. «4»
76- وفي ديوان المنظوم:
بوجهك أظهر البشر اللواتي ... دعين شقائقا لابن الشقيقة «5»
والشقيقة أم النعمان.
77- قال عبد قيس بن جفاف البرجمي «6» وقيل النابغة:
حدثوني بني الشقيقة ما يم ... نع فقعا بقرقر أن يزولا «7»
78- آخر:
كأن شقائق النعمان فيها ... ثياب قد روين من الدماء
79- الأخيطل «8» :
(1/221)

هذي الشقائق قد أبصرت حمرتها ... مع السواد على قضبانها الذلل
كأنها دمعة قد غسلت كحلا ... جاءت به وقفة في وجنتي خجل
80- مهرم بن خالد العبدي «1» :
سقيا لأرض إذا ما بتّ نبهني ... بعد الهدو بها قرع النواقيس
كأن سوسنها في كل شارقة ... على الميادين أذناب الطواويس
81- قد حلّت يد المطر أزرار الأنوار، وأذاع لسان الغيم أسرار الأزهار.
82- المطوعي «2» :
أو ما ترى نور الخلاف كأنه ... لما بدا للعين نور وفاق «3»
أيدي سنانير ولكن نشرها ... يسعى بفأر المسك في الآفاق «4»
83- كأن نور شجر الخلاف أكف سنانير بلا خلاف.
84- وعدك في الخلاف كأنه شجر الخلاف، يريك نضارة المنظر، ثم لا يجنيك شيئا من الثمر.
85- ابن الرومي:
فغدا كالخلاف يورق للع ... ين ويأبى الأثمار كل إباء
86- آخر:
وأحسن ما في الوجوه العيون ... وأشبه شيء بها النرجس
(1/222)

87- كانت بقرية كشمر «1» من رستاق «2» بست «3» سروة من سرو الأزاد «4» من غرس يستاسف «5» لم ير مثلها في حسنها، وطولها، وعظمها، وأظلالها فرسخا؛ وكانت من مفاخر خراسان فجرى ذكرها عند المتوكل، فأحب أن يراها، فلما لم يتقدر له المسير إليها كتب إلى طاهر بن عبد الله «6» وأمره بقطعها، وحمل جذعها وأغصانها في اللبود «7» ، على الجمال، لتنصب بين يديه حتى يبصرها: فأنكر عليه ذلك، وخوف الطيرة، فلم تنفع السروة شفاعة الشافعين. وحكي أن أهل الناحية ضمنوا مالا جليلا على إعفائها فلم ينفع؛ فقطعت، وعظمت المصيبة، وارتفع الصياح والبكاء عليها؛ ورثاها الشعراء، وقال علي بن الجهم:
قالوا سرى لسبيله المتوكل ... فالسرو يسري والمنية تنزل
ما سربلت إلا لأن أمامنا ... بالسيف من أولاده متسربل
فجرى الأمر على ذلك، وقتل المتوكل قبل وصول السروة إليه.
88- يحيى بن ماسويه «8» : إذا باشرت الورد والخضر فأطل تأملها، فأن فيه جلاء ظلمة البصر، ورفع غشاوة السدر «9» .
89- قيل لبزرجمهر: كيف صار العشب أشد خضرة من الزرع؟
(1/223)

قال: لأن الأرض أم لما أنبتت، وظئر «1» لما استودعت.
90- علي بن محمد الثعلبي في الياسمين:
خيري ورد أتى على طبق ... يا حسن إشراقه على طبقه
قد نفض العاشقون ما صنع ال ... شوق بألوانهم على ورقه
فصفرة اللون ما تفارقه ... وريح عرف الحبيب من عرفه «2»
91- بزرجمهر: في البطيخ عشر خصال: هو ريحان، وتحية، وفاكهة، وإدام مقنع، وخبيص مهيأ، ودواء للمثانة، وحرض «3» للغمر «4» والزهومة «5» ، ومذهب لرائحة النورة «6» عند الإستحمام. وكوز لمن عسر عليه ما يشرب فيه، وهاضوم الثقيل من الطعام.
92- اجتمع ببغداد عشرة فتية على لهو، فبعثوا أحدهم في حاجة، فرجع وفي يده بطيخة يشمها ويقبلها، فقال: جئتكم بفائدة، وضع بشر الحافي يده على هذه البطيخة فاشتريتها بعشرين درهما تبركا بموضع يده؛ فأخذها كل واحد منهم يقبلها ويضعها على عينه؛ فقال بعضهم: ما الذي بلغ بشرا قالوا: تقوى الله والعمل الصالح، قال: فإني أشهدكم أني تائب إلى الله، وأني داخل في طريقة بشر؛ فوافقوه على ذلك، وخرجوا إلى طرسوس «7» واستشهدوا.
(1/224)

93- بطيخة خشنة المس، ثقيلة الرس «1» ، عريضة الفلس «2» .
94- في وصف البطيخ: أسر شهدا وأذاع عنبرا.
95- أنشد الجاحظ لرجل من بني نمير في امرأته وكانت حضرية:
لعمري لأعرابية بدوية ... تظل بروقي بيتها الريح تخفق
أحب إلينا من ضناك ضفنة ... إذا وضعت عنها المروايح تعرق «3»
كبطيخة البستان ظاهر جلدها ... صحيح ويبدو داؤها حين تفلق «4»
96- كشاجم «5» :
وطيب أهدى لنا طيبا ... فدلنا المهدى على المهدي
لم يأتنا حتى أتتنا له ... روائح أغنت عن الند «6»
بظاهر أخشن من قنفذ ... وباطن ألين من زبد «7»
كأنما تكشف منه المدى ... عن زعفران شيب بالشهد «8»
97- دار البطيخ «9» تباع فيها أنواع الفواكه والرياحين، ونسبت إلى البطيخ لفضله على سائر الفواكه، وتلاشيها عنده. قال ابن لنكك «10» :
كدار بطيخ تحوي كل فاكهة ... وما اسمها الدهر إلا دار بطيخ
(1/225)

منعها الصرف للعلمية والتأنيث كقولهم ابن دأية «1» .
98- وقال الجاحظ: أكبر الدور غلة ثلاث: دار البطيخ بسر من رأى «2» ، ودار الزبير بالبصرة، ودار القطن «3» ببغداد.
99- ذكرت نونية ابن الرومي في الوزير أبي الصقر «4» عند عبد الله بن طاهر «5» فقال: في دار البطيخ. وهي التي أولها:
أجنت لك الوجد أغصان وكثبان ... فيهن نوعان تفاح ورمان «6»
وفوق ذينك أعناب مهدلة ... سود لهن من الظلماء ألوان «7»
وتحت هاتيك عناب تروع به ... أطرافهن قلوب القوم قنوان «8»
غصون بان عليها الدهر فاكهة ... وما الفواكه مما يحمل البان «9»
100- محمد بن مقاتل «10» ، وكان متخذلقا، مر في طريق فأصاب
(1/226)

رجله قشر البطيخ، فقال: من قذر مسعاتنا بقشور البطاطيخ أطال الله تعسه.
101- أعرابي: البطيخ لي مخنّة، أي آكله الساعة بعد الساعة لا أصبر عنه، يقال: خن الشيء يخنّه إذا أكله بسرف «1» .
102- في ديوان المنظوم:
وفعيل الفواكه من يجده ... فلا يعوزه فعيل الحديد «2»
وإلّا كان كالرامي تصدّى ... له صيد بلا قوس عتيد
103- قال كردوس بن مزينة «3» :
سكين كردوس جاء اليوم خاطبكم ... فانكحوه من البطيخ أملحها
- فأجابه مصنف الكتاب:
جاؤوا بأحسنها مسا وأثقلها ... رسا وأعرضها فلسا فانكحها
104- حمل البازنج «4» من خوارزم «5» إلى مرو «6» للمأمون على البريد، فاستطابه جدا، واشتهى أن يجتنيه غضا من منابته، فتقدم بحمل بزره إلى مرو ليزرع بها، فأمر بنقل التراب على الجمال من خوارزم، ثم يحمل الماء من جيحون، فلم يأت كما ظن، فعلم أن الطيب من قبل الهواء.
105- كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحب الدباء «7» ، وعن أنس: رأيت
(1/227)

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتتبع الدباء من حوالي الصفحة فلم أزل أحب الدباء بعد يومئذ.
106- الجاحظ: إن الحيات تكره السذاب «1» ، ولا تقيم بمكان يكون فيه. وقيل في مسلم بن الوليد صريع الغواني:
فما ريح السذاب أشدّ بغضا ... من الحيات منك إلى الغواني
107- استوصف رجل طبيبا، فأشار عليه بالكرفس «2» ، فسأله عن فعله، فقال: يفتح السدد، فقال: لا كان الله لك، أنا إلى سد الفتح أحوج.
108- معّمر «3» : قطعت في ثلاث مجالس، لم أجد لذلك علة إلا الإكثار من الباذنجان.
109- قيل في الأترجة: سبيكة ذهب متضوعة.
110- لما خرج نوح من السفينة زرع الحبلة «4» . وكانت لأنس حبلة تحمل كرّا «5» ، وكان يسميها: أم العيال.
111- عنه عليه الصلاة والسلام: لا تسموا العنب الكرم، فأن الكرم الرجل المسلم ولكن قولوا: حدائق الأعناب.
112- الأسدي «6» :
(1/228)

وكأن أرحلنا بجوّ محصب ... بلوى عنيزة من مقيل الترمس «1»
في حيث خالطت الخزامى عرفجا ... يأتيك قابس أهلها لم يقبس «2»
يعني بلغ من رطوبة أغصانها أنه إذا حك بعضها ببعض لم تقدح.
113- برمة النحوي «3» :
أما ترى الروض قد لاحت زخارفه ... ونشرت في رباه الريط والحلل «4»
واعتمّ بالأرجوان النبت منه فما ... يبدو لنا منه إلا مونق خضل «5»
والنرجس الغص ترنو من محاجره ... إلى الورى مقل تحيا بها مقل «6»
114- بعض الأعراب:
وفي المقل إن لم يدفع الله شّره ... شياطين ينزو بعضهن على بعض «7»
115- أبو حنيفة الدينوري: النبات كله يجمعه الشجر والعشب، فالشجر: ما ارتفع على ساق، وقاوم الشتاء، وكان له خشب، وأورقت أفنانه كل عام؛ والعشب: ما خالف ذلك؛ ثم ينقسم العشب قسمين:
(1/229)

بقلا وجنبة، فالبقل أضعفه، وهو ما يبيد فرعه وأصله، فيكون نباته من بزره؛ والجنبة أقوى من البقل، وهو ما باد فرعه وبقي أصله، فكان نباته في أرومته «1» ولذلك سمي جنبة لأنه في جنبة عن البقل والشجر. البقل أحرار وذكور، فأحراره ما رق وعتق، وذكوره ما غلظ منه. وينقسم المرعى إلى خلّة وحمض، فالحمض ما فيه ملوحة، والخلة بخلافه؛ والحمض يرخي بطون الإبل، ويفتق لحومها ويطيل أوبارها، وينقشها، ويغلظها، ويكثر عليه شربها؛ والخلة للإبل كالخبز، والحمض كالأدم، فإذا عاقبت بينهما كان أفضل ما يكون.
116- يقال: هم في مثل حدقة البعير، وفي مثل حولاء الناقة «2» إذا كانت أرضهم معشبة. وعام أوطف وأغرل وأقلف «3» ، إذا كان مخصبا.
والأرض وراءنا سنة، إذا كانت مجدبة؛ وأرضون سنوات.
117- النبي صلّى الله عليه وسلّم: الحنّاء سيد رياحين الجنة. وعنه عليه الصلاة والسلام: سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم، وسيد رياحين أهل الجنة الفاغية، وهي نور الحناء.
118- وعن أنس: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تعجبه الفاغية. وأحب الطعام إليه الدباء «4» .
119- قال مدني لامرأته: أيما أحب إليك التمر أم ذلك الأمر؟
قالت: يا حبيبي، التمر ما أحببته قط.
120- بعثوا رائدا، فجاء وقال: عشب ثعد معد «5» ، كأنه أسوق «6»
(1/230)

نساء بني سعد.
121- يقولون في البر: كأنه قطع الأوتار، وبراية الذهب، وفلق الزجاج، وأفواه النغران «1» ، وأنت مثل الجوز يمنع خيره صحاحا، ويعطي خيره حين يكسر.
122- يقولون إذا سقطت النثرة «2» نظرت الأرض بإحدى عينيها، وإذا سقطت الجبهة «3» نظرت بكلتا عينيها. ومعنى نظرت بإحدى عينيها:
اجترأت الأرض على النبات فأطلعت؛ ونظرت بكلتي عينيها:
سخنت ولانت، فازدادت جرأة على البنات، وظهر في حد الشتاء انكسار.
123- الحمّى في أصول النخل.
124- من الصنوبر يستخرج القطران، ومن الأرزن «4» الزفت، بأن توقد النار بقربه، فإذا أصابه الحر عرق وسال في ضروب من العلاج.
125- الأنعام تدخل الرياض فتجتنب مواضع السموم بطباعها، وتخطاها ولا تلتفت الفتها، فلا تغلط الإبل إلا في البيش «5» وحده، ولا الخيل إلا في الدفلى.
126- يقال للتمر: أبو عون، وللرطب: أبو السمح، وللتين: أبو
(1/231)

لقمان، وللريحان: أبو النضر، وللنرجس: أبو العيناء، وللجوز: أبو القعقاع.
127- يقال: أعظم بركة من نخلة مريم، وكانت العجوة «1» . قال صاحب المسالك «2» : هي ببيت المقدس، غرست منذ أكثر من ألفي سنة، وهي منحنية.
تفاحة شامية ... من كف ظبي غزل
ما خلقت إذ خلقت ... إلا لأجل القبل
كأنما حمرتها ... حمرة خدّ خجل
128- قيل لأعرابي ألف الحضر وخصبه: أما تخرج إلى البادية؟
فقال: أما ما استلقى السعدان «3» فلا. يريد أبدا، لأن السعدان لا ينبت إلا مستلقيا.
129- محمد بن عبد الله بن طاهر «4» في الورد:
كأنهنّ يواقيت يطيف بها ... زبرجد وسطه شذر من الذهب «5»
(1/232)

130- أبو هريرة يرفعه: في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ
«1» .
131- في ديوان المنثور: لسيدي، أدام الله عزه، سروان: سرو ثابت، وسرو نابت «2» ؛ زين بالأول سببه الموروث، وبالثاني سببه المحروث، دامت رفعة ذاك على بقاء الدهور والأزمنة، كما دامت خضرة هذا في جميع فصول السنة؛ والمقترح عليه أن يهدي لي من أدناهما، فإن همتي تنخفض عن استهداء أسناهما.
132- وفيه: يروى عن ابن أخت خالتي، رضي الله عنه «3» : من تناول من ثمار حديقتي ثمرة، كساه الله من رحمته نمرة «4» ، ومن أكل من أعنابها حبة، ألبسه الله من مغفرته جبة «5» ، وقد عرفت رغبة سيدي في اكتساب هذه الأثواب. فاتحفته من ذلك بما هو خفيف قليل، إلا أنه في ميزان البركة ثقيل.
133- عن هند بنت الجون «6» نزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خيمة خالتي أم معبد «7» ، فقام من رقدته، ودعا بماء فغسل يديه، ثم تمضمض ومج في عوسجة إلى جانب الخيمة، فأصبحنا وهي كأعظم دوحة، وجاءت بثمر
(1/233)

كأعظم ما يكون، في لون الورس، ورائحة العنبر، وطعم الشهد، ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمآن إلا روي، ولا سقيم إلا بري، ولا أكل من ورقها بعير ولا شاة إلا در لبنها، فكنا نسميها المباركة؛ وينتابنا من البوادي من يستسقي بها، ويزود منها؛ حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها، وصغر ورقها، ففزعنا، فما راعنا إلا نعي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم أنها بعد ثلاثين سنة أصبحت ذات شوك من أسفلها إلى أعلاها، وتساقط ثمرها، وذهبت نضرتها، فما شعرنا إلا بمقتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فما أثمرت بعد ذلك، فكنا ننتفع بورقها؛ ثم أصبحنا وإذا بها قد نبع من ساقها دم عبيط «1» ، وقد ذبل ورقها، فبينا نحن فزعين إذ أتانا خبر مقتل الحسين رضي الله عنه، ويبست الشجرة على أثر ذلك وذهبت. والعجب كيف لم يشهر أمر هذه الشجرة كما شهر أمر الشاة في قصة هي من أعلام القصص.
134- علي عليه السّلام، رفعه: لما أسري بي إلى السماء، أخذ جبرائيل بيدي، فأقعدني على درنوك «2» من درانيك الجنة، ثم ناولني سفرجلة، فأنا أقلبها إذا انفلقت، فخرجت منها جارية حوراء، لم أر أحسن منها، فقالت: السلام عليك يا محمد فقلت: من أنت؟ قالت: الراضية المرضية، خلقني الجبار من ثلاثة أصناف: أسفلي من مسك، ووسطي من كافور، وأعلاي من عنبر؛ عجنني بماء الحيوان «3» ، قال الجبار:
كوني، فكنت، خلقني لأخيك وابن عمك علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
135- علي، رفعه: كلوا التمر على الريق، فإنه يقتل الديدان في البطن، وروي عنه: كلوا الرمان فليس منه حبة تقع في المعدة إلا أنارت القلب وأخرست الشيطان أربعين يوما.
(1/234)

- وروي عنه: كلوا العنب حبة حبة، فإنه أهنأ وأمرأ.
- وروي عنه: إذا طبختم فاكثروا القرع فإنه يسكن قلب الحزين.
136- كعب بن الأشرف «1» :
رب خال لي لو أبصرته ... سبط المشية أباء أنف
ليّن الجانب في أقربه ... وعلى الأعداء سمّ كالذعف «2»
ولنا بئر رواء عذبة ... من يردها باناء يغترف
ونخيل في تلاع جمة ... تخرج الطلع كأمثال الأكف «3»
137- أحمد بن سليمان بن وهب «4» :
حفت بسرو كالقيان تلفحت ... خضر الحرير على قوام معتدل
فكأنها والريح حين تميلها ... تبغي التعانق ثم يدركها الخجل
138- حازم بن عروة اليربوعي: هجا العلاء بن صباغ نخلا له فقال:
يا أيها القائل قولا تكثره ... والكذب شرّ القول حين تأثره
(1/235)

قد عبت جبارا بهيجا منظره ... دهما كجنح الليل حين تبصره «1»
وقال:
الله أعطاني ليبلو شكري ... حدائقا من أمهات التمر «2»
من كل قنواء دلوح الوقر ... فهي تسامى ببنات نضر «3»
كأن أثناء البرود الحمر ... بين خوافيها الرواء الخضر
139- مروان بن سعيد المهلبي «4» :
مرت بنا إبل تهوى إلى هجر ... بالتمر خسران ما تهوى به الإبل»
140- خالد بن المهاجر الزهري:
ولما نزلنا منزلا طله الندى ... أنيقا وبستانا من النور حاليا
أجدّ لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا «6»
141- فضّل خليد عينين «7» الهجري الفرزدق على جرير، فقال:
فقلت ولم أملك سوابق عبرة ... متى كان حكم الله في كرب النخل
فأجابه خليد بقوله:
أعيرتنا نخلا كثيرا وقرية ... وودّ أبوك الكلب لو كان ذا نخل
وأي نبي كان من غير قرية ... وهل تعرف الأحكام إلا مع الرسل
(1/236)

142- كان عمر بن كيسية النهدي «1» ، وهو الذي يقول:
أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما مسها من نقب ولا دبر «2»
اغفر له اللهم إن كان فجر
مع أبي موسى الأشعري في قتال أهل تستر «3» ، فمر بقراح «4» بطيخ، فمديده ليأخذ منه، فمنع وحبس، فقال:
أفي بطيخة ركبوا إلينا ... فظل لنا بهم يوم عصيب
وظل بنات أعوج ملجمات ... لها في كل قنطرة نحيب «5»
وظلوا حابسيّ إلى جدار ... يقول أميرهم هلا تتوب
143- علي رضي الله عنه في وصيته: وأن لا تبيع من نخل هذه القرى ودية «6» حتى تشكل أرضها غراسا. قال الرضي «7» : المراد أن الأرض يكثر فيها غراس النخل، حتى يراها الناظر على غير الصفة التي عرفها بها، فيشكل عليه أمرها، ويحسبها غيرها.
144- كرب بن أخشن العميري:
(1/237)

القارح النهد الطويل الشوى ... والنثرة الحصداء والمنصل «1»
والضرب في أقيال ملمومة ... كأنما لامتها الأعبل «2»
خير لمن يطلب كسب الغنى ... من جنة يشتقها جدول «3»
حين زها سامق جبارها ... واعتم فيها القضب والسنبل «4»
145- دخل عمرو بن معاذ التميمي «5» الملقب بمسكة على المهدي، فأنشده:
أنتم جمارة من هاشم ... والكرانيف سواكم والخشب «6»
فأعطاه ألف دينار.
146- النبي صلّى الله عليه وسلّم: في كل ورقة من الهندباء «7» وزن حبة من ماء الجنة. ومن أكل جرجيرا «8» ، ثم بات، بات الجذام «9» يتردد في جوفه.
147- بكى شيخ حجازي ليلته يردد قوله تعالى: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
(1/238)

السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
«1» ويبكي؛ فقيل له: لقد أبكتك آية ما يبكى عند مثلها، فقال: وما ينفعني عرضها إذا لم يكن لي فيها موضع قدم؟.
148- أتي يوسف بن أسباط «2» بباكورة «3» مرة، فقلبها ثم وضعها بين يديه ثم قال: إن الدنيا لم تخلق لينظر إليها، إنما خلقت لننظر بها إلى الآخرة.
149- علي رضي الله عنه: ألا حرّ يدع هذه اللماظة «4» لأهلها؟ إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها. وعنه فلو رميت ببصر قلبك نحو ما يوصف لك منها لعزفت نفسك عن بدائع ما أخرج إلى الناس من شهواتها ولذاتها وزخارف مناظرها، ولذهلت بالفكر في اصطفاق أشجار غيبت عروقها في كثبان المسك على سواحل أنهارها، وفي تعليق كبائس اللؤلؤ الرطب في عساليجها «5» وأفنانها، وطلوع تلك الثمار مختلفة في غلف أكمامها؛ تجني من غير تكلف فتأتي على منية مجتنيها، ويطاف على نزالها في أفنية قصورها بالاعسال المصفقة، والخمور المروقة؛ قوم لم تزل الكرامة تتمادى بهم حتى حلوا دار القرار «6» ، وأمنوا نقلة الأسفار.
150- يزيد بن الخضراء الأشهلي «7» :
تبدلت لما أخرجتني عشيرتي ... بخيبر فتيان الوطيح الأكارما «8»
(1/239)

ونخلا تدب العين تحت أصوله ... كحرة ليلى في عراض سلالما «1»
151- قال الرشيد لابن السماك «2» عظني، قال: احذر يا أمير المؤمنين أن تصير إلى جنة عرضها السماوات والأرض فلا يكون لك فيها موضع قدم.
152- مالك بن دينار: جنات النعيم من جنات الفردوس، وفيها جوار خلقن من ورد الجنة؛ قيل: ومن يسكنها؟ قال: الذين هموا بالمعاصي، فلما ذكروا عظمة الله راقبوه.
153- فضيل «3» : لو بزقت الحوراء «4» في سبعة أبحر لأعذبتهن.
إبراهيم بن أدهم: سبانا إبليس من الجنة بخطيئة، فهل للسبي من راحة حتى يرجع إلى المكان الذي سبي منه؟.
154- حكى الضبي معلم المعتز «5» : كان ببغداد مؤذن إذا لاحت له
(1/240)

وردة انغمس في لجة قصفه إلى أن يمضي زمن الورد، وكان يقول:
يا صاحبيّ اسقياني ... من قهوة خندريس «1»
على جنيّات ورد ... يذهبن همّ النفوس
ما تنظران فهذا ... وقت لحث الكؤوس
فبادروا قبل فوت ... لا عطر بعد عروس
فإذا لم تبق وردة أقبل إلى مسجده وهو يقول:
تبدلت من ورد جنيّ ومسمع ... شهيّ ومن لهو وشرب مدام
أذانا واخباتا ولوما لمعشر ... أرى منهم المامة بحرام
وذلك دأبي أو أرى الورد طالعا ... فأترك أصحابي بغير إمام
وأرجع في لهوي وأترك مسجدي ... يؤذن فيه من يشا بسلام «2»
155- عبد الله بن جعفر «3» : رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأكل القثاء بالرطب.
156- سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل «4» : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: الكمأة «5» من المن، وماؤها شفاء للعين.
(1/241)

157- جابر بن عبد الله «1» : كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمر الظهران «2» ونحن نجني الكباث «3» ، فقال: عليكم بالأسود منه، فقلنا: يا رسول الله كأنك رعيت الغنم، فقال نعم، وهل نبي ألا وقد رعاها؟.
158- لعبد الله الفقير إليه «4» :
إن كان عقلك موصوفا برجحان ... فاعمل بما خط في مضراب رجحان
أراد خفاء العمل. قرىء على مضراب مغنية اسمها رجحان:
غضي جفونك يا عيون النرجس ... حتى أفوز بنظرة من مؤنسي
159- في ديوان المنظوم:
أبطا علينا الربيع الناعم الخضل ... ونحن نشتاقه شوقا له غلل «5»
فجاء مستحييا من طول غيبته ... وإنما ورده في خده خجل
160- سمع هشام «6» نفض الزيتون في بستانه فقال: القطوه لقطا ولا تنفضوه فتفقأ عيونه، وتكسر غصونه.
161- كان عروة بن الزبير إذا كان أيام الرطب ثلم حائطه، وأذن للناس في أكله وحمله، وردد: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله.
(1/242)

162- إبراهيم بن حمزة الزبيري «1» : كنا متنزهين بالعقيق «2» ، فمر بنا غلام يحمل حملين من عنب وتين، فقلنا له أنخ يا غلام، فأخذنا حاجتنا، فقلنا له: أتعرفنا؟ قال لا، قلنا: فلم تركتنا نأخذ؟ قال: أمرني مولاي إذا مررت بأحد له هيئة أن لا أمنعه.
163- بريدة «3» ، رفعه: سيّد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية «4» .
164- الحسن بن علي: حباني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وسلم بكلتا يديه وردا وقال: أما إنه سيد رياحين الجنة سوى الآس «5» 165- عبد الله بن عمران «6» مصر أطيب الأرض ترابا، وأبعدها خرابا.
(1/243)

166- حدث أبو العميس «1» عن القاسم «2» قال: مد الفرات فقذفت برمانة مثل البعير، قال: فتحدث أهل الكتاب أنها من الجنة.
(1/244)

الباب التاسع البلاد والديار والأبنية وما يتصل بها من ذكر العمارة والخراب وحب الوطن
1- ابن عباس رضي الله عنه: ما أعلم على وجه الأرض بلدة تدفع فيها بالحسنة مائة إلا مكة، ولا أعلم على وجه الأرض بلدة يكتب لمن صلى فيها ركعة مائة ركعة غير مكة؛ ولا أعلم على وجه الأرض بلدة يتصدق فيها بدرهم فيكتب له ألف درهم إلا مكة؛ ولا أعلم على وجه الأرض بلدة هي مأوى الأبرار ومصلى الأخيار غير مكة؛ ولا أعلم على وجه الأرض بلدة ما مس منها شيء إلا وفيه تكفير للخطايا إلا مكة؛ ولا أعلم بلدة يحشر منها الأنبياء غير مكة؛ ولا أعلم على وجه الأرض بلدة ينزل فيها كل يوم من روح الجنة ما ينزل بمكة.
والمراد بفضل البقاع والأوقات أن ثواب عمل الطاعة فيها أكثر من ثواب من عمل في غيرها، لما علم الله من صلاح المكلفين في ذلك.
2- وعن عبد الله بن عمرو «1» : أن الحرم محرم في السماوات السبع، مقداره من الأرض والهواء إلى العرش.
3- وهيب بن الورد «2» : كنت ذات ليلة في الحجر أصلي، فسمعت
(1/245)

كلاما بين الكعبة والأستار، إلى الله أشكو ثم إليك يا جبرائيل من الطائفين حولي، من تفكههم بالحديث، ولغوهم، ولهوهم؛ لئن لم ينتهوا لأنتفضنّ انتفاضة يرجع كل حجر مني إلى الجبل الذي قطع منه.
4- ابن مسعود «1» : ما من بلد يؤاخذ العبد فيه بالهمة قبل العمل إلا مكة؛ وتلا قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
«2» .
5- ابن عباس: لئن أذنب سبعين ذنبا بركبة «3» أحبّ إليّ من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة. وركبة منزل بين مكة والطائف.
6- قال سفيان «4» : والله ما أدري أي البلاد أسكن؟ فقيل:
خراسان، فقال: مذاهب مختلفة، وآراء فاسدة؛ قيل: فالشام، قال:
يشار إليك بالأصابع، أراد الشهرة؛ قيل: فالعراق، قال: بلد الجبابرة، قيل: فمكة، قال: تذيب الكيس والبدن.
7- في الحديث: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع، فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة.
8- وعن علي، رفعه: قال الله إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتي
(1/246)

فخربته، ثم أخرب الدنيا على أثره.
9- من خصائص الحرم أن الذئب يريغ «1» الظبي، فإذا دخله كف عنه، وأنه لا يسقط على الكعبة حمام إلا وهو عليل، وأنه إذا حاذى الكعبة عرقة «2» من طير انفرقت فرقتين ولم يعلها طائر منهما، وأنه إذا أصاب المطر الباب الذي من شق العراق كان الخصب بالعراق تلك السنة، وكذلك كل شق، وإذا عمّ جوانب البيت عمّ الخصب كل البلاد، وأن حصى الجمار يرمى به منذ حج الناس على طوال الدهر وهو على مقدار واحد، ولولا موضع الآية لكان كالجبال. ومن سنة أهل الحرم أن كل من علا الكعبة من عبيدهم فهر حر، لا يجمعون بين عز علوها وبين ذلة الرق. وبمكة صلحاء لم يدخلوا الكعبة قط تعظيما لها.
10- النميري الثقفي «3» :
تشتو بمكة زينب ... ومصيفها بالطائف
أكرم بتلك مواقفا ... وبزينب من واقف
11- جاء الإسلام ودار الندوة «4» بيد حكيم بن حزام «5» فباعها من معاوية بمائة ألف درهم، فقال له عبد الله بن الزبير: بعت مكرمة قريش؟
قال: ذهبت المكارم إلا من التقوى، يا ابن أخي إني اشتريت بها دارا
(1/247)

بالجنة، أشهدك أني جعلت ثمنها في سبيل الله «1» .
12- البقاع تشرف وتفضل بمقام الصالحين الأخيار، ولقد شرف الله بيت المقدس بمقام الأنبياء، والمدينة بهجرة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وأصحابه رضي الله عنهم.
وبلغنا أن عيسى بن مريم عليه السّلام تكون هجرته إذا نزل من السماء إلى المدينة، فيستوطنها حتى يأتيه الأمر من الله. روى أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام: إذا أهبط الله عيسى من السماء فإنه يعيش في هذه الأمة ما شاء الله، ثم يموت بمدينتي هذه، ويدفن إلى جانب قبر عمر، فطوبى لأبي بكر وعمر فأنهما يحشران بين نبيين.
13- عائشة عنه عليه الصلاة والسلام: فتحت البلاد كلها بالسيف، إلا المدينة فأنها فتحت بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
14- وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم: إن الإيمان ليأرز «2» إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها «3» .
15- محمد بن قيس بن مخرمة «4» يرفعه: من مات في أحد الحرمين «5» بعثه الله يوم القيامة آمنا.
(1/248)

16- شعيا عليه السّلام «1» قال: اصبري أوري شلم «2» فانه سيأتيك راكب يعني عيسى بن مريم، ثم يأتيك راكب البعير، يعني محمدا صلّى الله عليه وسلّم، وهي أرض بيت المقدس. قال الأعشى «3» :
وطوفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأوري شلم
ويقال لها فلسطين وأرض المحشر، والقرية المحفوظة، ومدينة الجنة.
17- سأل عمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أي البقاع خير وأي البقاع شر؟
فقال: لا أدري، فسأل جبرائيل عن ذلك فقال: لا أدري، فقال: سل ربك، فسأله فقال: خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق.
18- كان أبو مسلم الخولاني «4» يكره الجلوس في المساجد، ويقول: المساجد مجالس الكرام.
19- أبو هريرة: من بني مسجدا من مال حلال بنى الله له بيتا في الجنة.
20- أنشدت بمكة حرسها الله:
بنى مسجدا لله من غير حله ... فكان بحمد الله غير موفق «5»
21- دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المسجد، فإذا فتية من الأنصار يذرعون
(1/249)

المسجد بقصبة، قالوا: نريد أن نعمر مسجدك، فأخذ القصبة فرمى بها، وقال: خشيبات وثمامات «1» وعريش كعريش موسى والشأن أقرب من ذلك.
22- عائشة: عنه عليه الصلاة والسلام: أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغضها إليه أسواقها.
23- من كان في المسجد فلم ير أنه في صلاة لم يفقه.
24- أبو هريرة: عنه عليه الصلاة والسلام: لكل شيء قمامة، وقمامة المسجد لا والله، ويلي والله.
25- معاذ «2» يرفعه: من علق قنديلا في المسجد صلى عليه سبعون ألف ملك حتى ينكسر ذلك القنديل، ومن بسط فيه حصيرا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يتقطع ذلك الحصير.
26- مالك بن دينار «3» : إن المنافقين في المساجد كالعصافير في القفص.
27- عنه عليه السّلام: من ألف المسجد ألفه الله، وعنه: يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقا، ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، فلا تجالسوهم، فليس لله بهم حاجة.
(1/250)

- وعنه: قال الله تعالى: إن بيوتي في أرض المساجد، وإن زواري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره.
- وعنه عليه الصلاة: إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان.
28- سعيد بن المسيّب «1» : من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه، فما حقه أن يقول إلا خيرا.
29- في الحديث: الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش.
30- النخعي «2» : كانوا يرون أن المشي في الليلة المظلمة إلى المسجد موجبة «3» .
31- سأل رجل من سمرقند فضيلا «4» : أيما أحب إليك أن أجار بمكة أو آتي الشام؟ فقال: ما تبالي أن تكون بالشاش «5» بعد أن تكون تقيا.
(1/251)

32- عن علي الأزدي «1» : سألت ابن عباس عن الجهاد فقال:
ألا أدلك على ما هو خير؟ تبني مسجدا يعلم الناس فيه القرآن، وسنن الرسول، والفقه في الدين.
33- لبني عدي بن عبد مناة «2» : مسجد بالبصرة ينتاب وينزل به، يقال إن جمل عائشة عقر في موضعه فابتنى على ذلك، فقال رجل منهم يهجوهم:
قوم كرام غير ما أنهم ... سطوتهم تعدو على جارهم
ليس لهم فخر سوى مسجد ... به تعدوا فوق أطوارهم
لو هدم المسجد لم يعرفوا ... يوما ولم يسمع بأخبارهم
34- علي رضي الله عنه: كأني بك يا كوفة تمدين مد الأديم العكاظي «3» ، تعركين بالنوازل، وتركبين بالزلازل، وإني لأعلم أنه ما أراد
(1/252)

بك جبار سوءا إلا ابتلاه الله بشاغل، ورماه بقاتل.
35- جهم بن خلف المازني «1» في المفضل الضبي «2» :
أنت كوفي ولا يحفظ ... كوفي صديقا
لم يكن وجهك يا كو ... فيّ للخير خليقا
36- كان عمر رضي الله عنه إذا ذكر الكوفة قال: كنز الإيمان، وجمجمة العرب، ورمح الله الأطول.
37- قيل لأبي عبيدة «3» : البصرة أحب إليك أم الكوفة؟ قال: لو دلني أحد على البصرة لدفعت إليه الكوفة مجازاة له.
38- علي رضي الله عنه لأهل البصرة: أرضكم قريبة من الماء، بعيدة من السماء، خفت عقولكم، وسفهت حلومكم، وأنتم غرض لنابل، وأكلة لآكل، وفريسة لصائل «4» .
- وعنه: كنتم جند المرأة، وأتباع البهيمة «5» ، رغا فأجبتم، وعقر فهربتم، أحلامكم دقاق «6» ، وعهدكم شقاق «7» ودينكم نفاق وماؤكم زعاق «8» ، المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه، والشاخص عنكم متدارك
(1/253)

برحمة ربه؛ وأيم الله لتغرقن بلدتكم كأني أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ «1» سفينة، أو نعامة جاثمة، قد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها، وغرق من في ضمنها.
39- وصف رجل صنعاء فقال: بلغ من طيب ترابها أن الرجل يسجد فلا يشتهي أن يرفع رأسه.
40- قدم رجل من اليمامة فقيل له: ما أحسن ما رأيت بها؟ قال:
خروجي منها.
41- قال أبو العتاهية «2» لبدوي: هل لك في أرض الريف والخصب أرض العراق؟ فقال: لولا أن الله أرضى بعض العباد بشر البلاد لما وسع خير البلاد جميع العباد.
42- كريب بن سلمة الجعفي «3» :
إذا نحن جاوزنا دمشق ووجهت ... صدور المطايا للعراق المشرق «4»
فأحبب به دارا إلينا ومنزلا ... إذا نحن جاورنا بلاد الخورنق «5»
43- الجاحظ في ذكر العراق: موضع التميمة، وواسطة القلادة، به تلاحقت الطبائع، وصرحت عن اللب الأصيل، والخلق الجميل.
44- ابن زريق الكاتب «6» :
(1/254)

سافرت أبغي لبغداد وساكنها ... مثلا وذلك شيء دونه الياس
هيهات بغداد الدنيا بأجمعها ... عندي وسكان بغداد هم الناس
45- يقال لأهل العراق ملائكة الأرض، للطافة أخلاقهم، وخفة أرواحهم. قال ملائكة الأرض أهل العراق وأهل الجبال شياطينها.
46- وكان أبو إسحاق الزجاج «1» يقول: بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية. وقال أبو الفرج الببغاء «2» : هواؤها أغذى من كل هواء، وماؤها أعذب من كل ماء، ونسيمها أرقّ من كل نسيم، ونعيمها أكثر من كل نعيم، وهي من الأقليم الإعتدالي بمنزلة المركز من الدائرة، ولم تزل موطن الأكاسرة في سالف الأيام، ومنزل الخلفاء في دولة الإسلام.
47- وكان أبو الفضل ابن العميد إذا امتحن رجلا من أهل العلم سأله عن بغداد، فإن وجده متنبها على خصائصها، وعن الجاحظ فإن رآه منتسبا إلى مطالعة كتبه، رجح في عينه، وإلا لم يعبأ به. ولما رجع الصاحب «3» من بغداد سأله، فقال: بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد.
48- وفي ديوان المنظوم:
أفاضل الدنيا وإن برزوا ... لم يبلغوا غاية أستاذها
أما ترى أمصارها جمة ... ولا ترى مصرا كبغداذها «4»
قالوا: ومن عجيب شأنها وهي موطن الخلفاء أنه لا يموت بها خليفة.
(1/255)

49- قال عمارة بن عقيل «1» :
أعانيت في طول من الأرض أو عرض ... كبغداد دارا إنها جنة الأرض
قضى ربها أن لا يموت خليفة ... بها إنه ما شاء في خلقه يقضي
ولما فرغ المنصور «2» من بنائها في سنة ست وأربعين ومائة أمر نوبخت المنجم أن يأخذ طالعا، فوجد المشتري في القوس، فحكم بظهور فضلها على سائر البلاد فسر المنصور بذلك، وقرأ: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
«3» ثم قال: وخصلة أخرى أنه لا يموت بها خليفة أبدا.
50- الخورنق بناه النعمان بن امرىء القيس الأكبر، بناه كسرى لبهرام جور «4» ، وكان كسرى «5» قد جعل بهرام في حجره، فأمر ببنائه له، لأن الأطباء اجتمعوا على أنه أطيب مكان هواء بالعراق.
51- النبي صلّى الله عليه وسلّم: دخل إبليس العراق فقضى حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ.
52- بلغ خراج مصر في بعض الأزمنة أربعة آلاف ألف دينار.
53- قال هشام بن عبد الملك «6» لأخيه محمد:
(1/256)

أبعد قرى مصر تبوأت ظلة ... ستعلم غدوا أي بيعك أربح
فرحت بأن فارقت مصر وأهلها ... ومصر بأن فارقتها منك أفرح
54- من أقام بالموصل حولا وجد في قوته فضلا، ومن أقام بالأهواز «1» حولا، وهو ذو فراسة «2» ، وجد فيها نقصانا.
55- الأهواز ينسب إليها السكر والديباج والخر «3» ، يقال: ديباج تستر «4» ، وخز السوس «5» وهما من الأهواز. قال كشاجم «6» في وصف روض:
كأن الذي دبجت تستر ... وطرزت السوس فيه نشر
65- وأنشدت:
تمشي كما رنّحت ريح يمانية ... غصنا من البان غضا طلّه الديم «7»
في حلة من طراز السوس معلمة ... تمحو بأذيالها ما أثر القدم
57- وقال أبو نصر العتبي «8» : اللهمّ في وخز النفوس أثر السوس «9» في خز السوس «10» .
58- دخل الرشيد، منبج «11» فقال لعبد الملك بن صالح
(1/257)

الهاشمي «1» ، وكان لسان بني العباس، هذا البلد مقر لك، قال: يا أمير المؤمنين هو لك، ولي بك؛ قال: كيف منازلك به؟ قال: دون منازل أهلي، وفوق منازل غيرهم؛ قال: كيف صفة مدينتك هذه؟ قال: عذبة الماء، طيبة الهواء، قليلة الأدواء؛ قال: كيف ليلها؟ قال: سحر كله، وأين بها عن الطيب، وهي تربة حمراء، وسنبلة صفراء، وشجرة خضراء، وفياف فيح «2» ، بين قيصوم «3» وشيح «4» ؛ قال الرشيد: هذا الكلام، والله أحسن منها.
59- كسكر «5» إحدى كور السواد «6» من طساسيج»
دجلة والفرات ينسب إليها الدجاج المسمن، ربما بلغت الواحدة وزن الجدي والحمل.
(1/258)

60- قال «1» :
لنا سمك نكبّبه مشهّر ... وعند غلامنا جنب مبزر «2»
وفرّوجان قد رعيا زمانا ... لباب البر في أبيات كسكر «3»
وينسب إليها الجداء والسمك الصحناة «4» .
61- كان الرشيد يقول لموسى الكاظم بن جعفر «5» : يا أبا الحسن خذ فدك «6» حتى أردها عليك، فيأبى، حتى ألح عليه فقال: لا آخذها إلا
(1/259)

بحدودها، قال: وما حدودها؟ قال: يا أمير المؤمنين إن حددتها لم تردها، قال: بحق جدك ألا فعلت، قال: أما الحد الأول فعدن، فتغير وجه الرشيد وقال: هيه، قال: والحد الثاني سمرقند، فأربد وجهه، قال: والحد الثالث أفريقية، فاسود وجهه وقال: هيه، قال: والرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية، قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء فتحول في مجلسي؛ قال موسى: قد أعلمتك أني إن حددتها لم تردها. فعند ذلك عزم على قتله، واستكفى أمره يحيى بن خالد «1» . فأراه بثرة خرجت في كفه وقال: هذه علامة أهل بيتنا قد ظهرت بي، وأنا أقضي عن قرب، فقد كفيت أمري. فتركه يحيى ومات بعد أيام.
62-[شاعر] :
وإني وأرضا أنت فيها ابن معمر ... كمكة لم يطرب لأرض حمامها
إذا اخترت أرضا للمقام رضيتها ... لنفسي ولم يغلظ علي مقامها
63- كان يقال للبصرة خزانة العرب، وقبة الإسلام، لانتقال قبائل العرب إليها، واتخاذ المسلمين لها وطنا ومركزا. قال:
بنت قبة الإسلام قيس لأهلها ... ولو لم يقيموها لطال التواؤها
(1/260)

ثم لما بنى المنصور بغداد، وصارت دار الخلافة، ومصّت أموال الدنيا مصا، سميت مدينة السلام، وقبة الإسلام. وعن الكسائي «1» أن عمر قال كنز الإسلام، والكنز القبة على السرير، فغيره الناس إلى قبة الإسلام.
64- للخليل بن أحمد في ظهرة البصرة مما يلي قصر أنس «2» .
زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... من منزل حاضر إن شئت أو بادي
ترفا به السفن والظلمان حاضرة ... والضب والنون والملاح والحادي «3»
65- بنى علي بن عيسى بن جعفر الهاشمي قصره على نهر ابن عمر بالبصرة، فقال له ابن المعذل «4» : بنيت أحسن بناء، بأوسع فضاء، على أصفى ماء، وأرق هواء، بين صواري ورعاء، وحيتان وظباء. فقال: والله لبناء كلامك أحسن من بنائي، ووصله.
66- لا تبنى المدن إلا على الماء والكلأ والمحتطب.
67- يقال: إن أصبهان من بناء ذي القرنين «5» ؛
(1/261)

68- قال ابن طباطبا لأبي علي بن رستم، وقد هدم شيئا من سور أصبهان ليزيده في داره:
وقد كان ذو القرنين يبني مدينة ... فأصبح ذو القرنين يهدم سورها
على أنه لوحكّ في صحن داره ... بقرن له سيناء زعزع طورها «1»
لو قال: فأصبح ذو القرنين فكان أوقع وأمتن، ولعل الرواة حرفوه فإن قوله ذو قرون يومىء إليه، قال:
أيها الهادم سورا ... هدمه عين الجنون
ليس يوهى سور ذي القر ... نين إلا ذو قرون
وسائل عن بلاد الري قلت له ... أنا ابن بلدتها لا بل أنا البلد
69- يقال: أنا ابن بلدتها، وأنا ابن بجدتها أي العالم بها.
70- وفي ديوان المنظوم:
تفاءلت إذ ألقيت رحلي بالريّ ... وبشرت أحشاء صوادي بالري
فلما رأيت الريّ لا ينقع الصدى ... علمت بأن الفأل كان من الغي
71- وصف بعضهم بلاد الهند فقال: بحرها در، وجبالها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر.
72- جور «2» من كور فارس مخصوصة بالورد الذي هو مثل، يقال:
(1/262)

ورد جور، والورد الجوري، كما قيل بنفسج الكوفة، ومنثور «1» بغداد، وزعفران «2» قم «3» ، ونيلوفر «4» السيروان «5» ونارنج «6» الصيمرة «7» ، واترج «8» طبرستان «9» ، ونرجس جرجان «10» .
73- قال عبد الله بن سليمان «11» في نهاوند «12» : أرضها الزعفران، وسماؤها الفاكهة، وحيطانها الشهد.
(1/263)

74- وقال عمرو بن الليث «1» في نيسابور «2» : حجرها الفيروزج «3» ، وترابها النفال «4» ، وحشيشها الريباس «5» .
75- وقال الحجاج لعامله على أصبهان: قد وليتك بلدة حجرها الكحل، وذبانها النحل، وحشيشها الزعفران.
76- استطاب إسماعيل بن أحمد «6» نيسابور فقال: نعم البلد لولا، قيل: كيف؟ قال: كان ينبغي أن تكون مياهها التي في باطنها على ظاهرها، ومشايخها الذين على ظاهرها في باطنها.
77- يزعم أهل فارس أن إبراهيم عليه السّلام كان من أهل إصطخر «7» ، من
(1/264)

قرية تسمى أندران، سميت لأنه رمي به في النار ثمة، وقالوا: له فيها مسجد أرضه صخرة واحدة صماء، وفي الصخرة أثر ركبتيه وكفيه وأصابعه، وأن الناس يعظمونه، ويقصدونه من البلاد البعيدة، وتصلّي فيه صلاة العيد؛ وعلى رأس فرسخ منه تل عظيم، طوله فرسخ، قد لبد أعلاه وصلب، فإذا كشط عنه فهو رماد أبيض لين كأنه منخول، يستشفى به؛ ويكذبون من زعم أنه من أهل كوثى «1» ، وإنما خرج من فارس ونزل كوثي. وبأصطخر مسجد سليمان وكذلك بشيراز «2» .
78- مما يحكى من بلاهة أهل طوس «3» أنهم رفعوا إلى الرشيد قصة، يسألونه فيها أن يحول لهم مكة إلى بلدهم.
79- قال الحجاج للغضبان بن القبعثري «4» كيف تركت أرض كرمان «5» ؟ قال: ماؤها وشل «6» ، وسهلها جبل، ولصها بطل، وثمرها
(1/265)

دقل «1» ، إن كثر الجيش بها جاعوا، وإن قلوا ضاعوا.
80- الصين موصوفة بالصناعات الدقيقة، والتصاوير العجيبة، يفصل مصورهم بين ضحك الشامت والخجل والهازىء والمسرور.
81- يقولون: أهل الدنيا كلهم عمي إلا أهل بابل فإنهم عور.
82- «تبت «2» بناها تبع وسماها باسمه فلكنته الترك، ويقال: من أقام بقصبتها إعتراه سرور ما يدري سببه، ولا يزال متبسما ضاحكا حتى يخرج.
83- في نهاوند واعتدال هوائها:
نزلت عن برد أرض ... زادها البرد عذابا
وعلت عن حرّ أخرى ... تلهب النار التهابا
مزجت حرا ببرد ... فصفا العيش وطابا
84- لم تزل مكة حرسها الله أمنا ولقاحا «3» ، قال حرب بن أمية «4» :
(1/266)

أبا مطر هلمّ إلى صلاح ... أبا مطر هديت بخير عيش
فتأمن وسطهم وتعيش فيهم ... وتأمن أن يزورك ربّ جيش
وتنزل بلدة عمرت لقاحا ... فتكنفك الندامى من قريش «1»
85- صلاح: علم لمكة. وكتب بعض الجبابرة إلى أهل مكة يطلب منهم الأتاوة «2» . فكتب إليه عبد المطلب «3» :
إنّا أناس لا ندين بأرضنا ... عضّ الرسول ببظر أم المرسل «4»
86- الإيوان «5» من بغداد على مرحلة، بناه كسرى أبرويز في نيف وعشرين سنة، طوله مائة ذراع، في عرض خمسين، في سمك مائة من الآجر «6» الكبار والجص، وثخن الأزج «7» خمس آجرات، وطول الشرف «8»
(1/267)

خمس عشرة ذراعا. ولما بنى المنصور بغداد أحب أن ينقضه، ويبني بنقضه؛ فاستشار خالد بن برمك «1» فنهاه، وقال: هو آية الإسلام، من رآه علم أن من هذا بناؤه لا يزيل أمره إلا نبي، وهو مصلى علي بن أبي طالب، والمؤونة في نقضه أكثر من الإرتفاق به. فقال: أبيت إلا ميلا إلى العجم؛ فهدمت ثلمة فبلغت النفقة عليها مالا كبيرا، فأمسك؛ فقال له خالد: أنا الآن أشير بهدمه لئلا يتحدث بعجزك عنه، فلم يفعل.
87- وتذاكر حذيفة «2» وسلمان «3» رضي الله عنهما أمر الدنيا، فكان من أعجب ما ذكرا أن أعرابيا من غامد كان يرعى حوله شويهات له، فإذا كان الليل آواها إلى سرير رخام في الإيوان كان يجلس عليه أبرويز.
قال البختري:
حضرت رحلي الهموم فوجّه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي «4»
وكأن الإيوان من عجب الصّن ... عة جون في جنب أرعن مرسي «5»
(1/268)

لم يعبه أن بزّ من بسط الدي ... باج واستلّ من ستور الدّمقس «1»
مشمخرا تعلو له شرفات ... رفعت في رؤوس رضوى وقدس «2»
ليس يدري أصنع إنس لجن ... سكنوه أم صنع جن لإنس
غير أني أراه يشهد أن لم ... يك بانيه في الملوك بنكس «3»
88- الأوائل من الأمم لما علموا من جهة النجوم أن آفة سماوية تصيبهم وهي الطوفان بنوا في صعيد مصر أهراما بالحجارة، على رؤوس الجبال والمواضع المرتفعة، ليحترزوا بها، وجعلوا الهرمين أرفع منها كلها؛ وهما على فرسخين من الفسطاط، كل واحد أربعمائة ذراع طولا، في أربعمائة ذراع عرضا، والأساس زائد على جريب «4» ، مبني بحجارة المرمر والرخام، غلظ كل حجر عشرة أذرع إلى ثمان، مهندم لا يستبين هندامه إلا لحادّ البصر، وحجارتها منقولة من مسافة أربعين فرسخا، من موضع يعرف بذات الحمام فوق الإسكندرية، ولا يزالان ينخرطان في الهواء صنوبريا حتى ترجع ذروتهما إلى مقدار خمسة أشبار في خمسة، وشكلهما التربيع، وليس على وجه الأرض بناء أرفع منهما، منقور فيهما بالمسند كل سحر وطب وطلسم، وفيه إني بنيتهما، فمن ادعى قوة في ملكه فليهدمهما، فإذا خراج الدنيا لا يفي بهدمهما، وكان يجمع يوسف عليه السّلام فيهما الطعام. وقالوا: لا يعرف من بناهما. قال المتنبي»
:
(1/269)

تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع «1»
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع «2»
وسمّى البحتري بانيهما فقال:
ولا كسنان بن المشلّل عندما ... بني هرميها من حجارة لابها «3»
89- منارة «4» الإسكندرية مبينة على قناطر من زجاج، والقناطر على ظهر سرطان من نحاس في بطن أرض البحر، وطولها أربعمائة وخمسون ذراعا، وهي غاية ما يمكن رفعه في الهواء، وفيها ثلاثمائة وخمسون بيتا، وكانت في أعلاها مرآة كبيرة يرى فيها الناظر قسطنطينية، وبينهما عرض البحر. وكلما جهز ملك الروم جيشا أبصر فيها، فوجه ملك الروم إلى بعض الخلفاء أن في الثلث الأعلى منها كنوزا لذي القرنين فهدموه، فلم يجدوا شيئا، وعلم أنها حيلة في إبطال الطلسم في المرآة.
90- الرها «5» : بلد من عمل حران، نسبت إليه كنيسة الرها «6» ،
(1/270)

وهي متخذة على رؤوس أربعة أعمدة من رخام، بطيقان معقودة بينها، وفيها العجائب من التزاويق، والتصاوير، والطلسمات، والقناديل التي تشتعل من غير إشعال.
91- مسجد دمشق بناء المروانية «1» ، كان كل خليفة يزيد فيه زيادة، حتى تناهى حسنه، وعدم نظيره، وهو منقش الحيطان والسقوف، والأعمدة مرصعة كلها بالجواهر مذهبة، قال بعض شيوخها: لم يفتني منذ عقلت فيه صلاة، ولم أدخله إلا وقعت عيني من محاسنه على شيء لم تقع عليه قبل.
92- سمع خالد بن عبد الله القسري «2» قول رجل من موالي الأنصار:
ليتني في المؤذنين نهاري ... إنهم يبصرون من في السطوح
فيشيرون أو تشير إليهم ... بالهوى كل ذات دلّ مليح «3»
فأمر بحط المنار. ففيه يقول الفرزدق:
بنى بيعة فيها الصليب لأمه ... ويهدم من كفر منار المساجد «4»
92- جرير بن حازم الجهضمي «5» :
(1/271)

عمرت فأحسنت العمارة فاغتنم ... عمارة دار الحق في غابر العمر
94- في الحديث: أن جبرائيل صلوات الله عليه ذكر مدينة يقال لها فاخرة «1» ، وهي بالفارسية بخارى، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لم سميت فاخرة؟ قال: لأنها تفخر على المدائن يوم القيامة بكثرة الشهداء، ثم قال: اللهم بارك في فاخرة، وطهر قلوبهم بالتقوى، واجعلهم رحماء على أمتي. فيقال: ليس أحد أرحم على الغرباء منهم.
95- الحسن قال: ما فعل الجناحان؟ قيل: وما هما؟ قال:
سمرقند وخوارزم، هما جناحا الإسلام، وما داما حصن الإسلام.
96- كتب الحجّاج إلى قتيبة «2» بالعود إلى خوارزم، فقال: إنها شديدة الكلب، قليلة السلب.
97- أنشد الفراء «3» :
يقولون إن الشام يقتل أهله ... فمن لي وإن لم آته بخلود
تغرب آبائي فهلّا صراهم ... من الموت أن لم يشتموا وجدودي «4»
98- النابغة:
وقد أعددت للحدثان عقلا ... لو أنّ المرء تنفعه العقول «5»
(1/272)

يريد الحصون.
99- رأى حكيم مدينة حصينة بسور محكم فقال: هذا موضع النساء، لا موضع الرجال.
100- سأل عثمان رضي الله عنه بعض من وفد عليه عن حصن بناحية هراة «1» فقال:
محلقة دون السماء كأنها ... غمامة صيف زلّ عنها سحابها «2»
فما تبلغ الأروى شماريخها العلى ... ولا الطير إلا نسرها وعقابها «3»
وما خوفت بالذئب ولدان أهلها ... ولا نبحت إلا النجوم كلابها
أرى الناس يبنون الحصون وإنما ... بقية آجال الرجال حصونها
101- أبو عبيدة «4» : أحبت العرب أن تشارك العجم في البنيان، وتنفرد بالشعر، فبنوا غمدان «5» ، وكعبة نجران «6» ، وحصن
(1/273)

مارد «1» ، والأبلق الفرد «2» .
102- عن عمر رضي الله عنه: لا تستقيم إمارة للعرب ما دام فيها غمدانها.
103- المنذر بن ماء السماء «3» : حصون العرب الخيل والسلاح.
104- قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: يا أبا الحسن لا تسكن الرستاق «4» فإنها حظيرة من حظائر جهنم، صبيها عارم «5» ، وشابها شاطر، وشيخها
(1/274)

جاهل، والمؤمن عندهم كجيفة الحمار.
105- النبي صلّى الله عليه وسلّم: سكان الكفور «1» كسكان القبور.
106- علي رضي الله عنه: واسكن الأمصار العظام، فأنها جماع المسلمين، واحذر منازل الغفلة والجفاء، وقلة الأعوان على طاعة الله، وإياكم ومقاعد الأسواق، فإنها محاضر الشيطان، ومعاريض الفتن.
107- فرقد السبخي «2» : لم يبعث نبي قط من مصر من الأمصار، وإنما بعثوا من القرى، لأن أهل الأمصار أهل السواد والريف، وأهل القرى أرق.
108- أبو تمام «3» :
لم آتها من أي وجه جئتها ... إلّا حسبت بيوتها أجداثا
بلد الفلاحة لو أتاها جرول ... أعني الحطيئة لا غتدى حرّاثا «4»
تصدى بها الأذهان بعد صقالها ... وترد ذكران العقول إناثا
109- مكتوب في الإنجيل: الحجر الواحد في الحائط من الحرام عربون الخراب.
110- أبو عمرو بن العلاء «5» : بنيت سيلحون «6» مدينة باليمن في
(1/275)

ثمانين سنة على أيدي الملوك، وبراقش ومعين «1» بناهما العامة بغسالات أيديهم، فلا يرى لسيلحون أثر ولا عيثر «2» ، وهما قائمتان سالمتان. قال عمرو بن معدي كرب «3» :
دعانا من براقش أو معين ... فأسمع واتلأبّ بنا مليع «4»
111- وهب «5» : وجدت في كتب الأنبياء: من استغنى بأموال الفقراء جعلت عاقبته الفقر، وأي دار بنيت بالضعفاء جعلت عاقبتها الخراب.
112- جحظة «6» :
لقد أصبحت في بلد خسيس ... أمصّ به ثماد الرزق مصّا «7»
رأيت المجد إحسانا وجودا ... فصار المجد آجرا وجصّا «8»
(1/276)

113- رأى الحسن قصر الحجاج بواسط فقال: يعمد أحدهم إلى قصر يشيده، وقد حف به ذبان طمع، وفراش نار، فيقول انظروا! قد نظرنا يا أفسق الفاسقين، أما أهل الدنيا فغروك، وأما أهل الآخرة فمقتوك.
114- إزدحم الناس على درجة الحسن فتحركت، وكانت رثة، فصاح بهم ابنه، فقال الحسن: مه! ثم قال: لولا أن حان من الدنيا ارتحال، وإلى الآخرة انتقال، لجددنا لكم البناء، شوقا إلى لقائكم، وحبا لحديثكم، وما على الدرجة نشفق لكن عليكم، فأربعوا «1» على أنفسكم.
115- عن مالك بن دينار أنه حضر رجلا يبني دارا، وهو يعطي الأجراء الدراهم، فمد يده فأعطاه درهما، فطرحه في الطين، فتعجب الرجل وقال: كيف طرحت الدرهم في الطين؟ فقال مالك: أعجب منه أنك طرحت كل دراهمك في الطين، يعني ضيعتها في البناء.
116- قتادة «2» ، من منع زكاة ماله سلط الله عليه الطين.
117- علي رضي الله عنه: عاد العلاء بن زياد الحارثي «3» فرأى سعة داره فقال: ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج، وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة: تقري «4» فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد
(1/277)

بلغت بها الآخرة.
118- سئل النخعي «1» عن البناء فقال: وزر ولا أجر، فقيل: بناء لا بد منه، فقال: لا أجر ولا وزر.
119- سلمة الأحمر «2» : دخلت قصر الرشيد فقلت:
أما بيوتك في الدنيا فواسعة ... فليت قبرك بعد الموت يتسع
فجعل هارون يبكي.
120- مر الحسن بقصر فقال: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لأوس، فقال: على ودّ أوس أن له في الآخرة بدله رغيفا.
121- كان نوح عليه السّلام في بيت من شعر ألفا وأربعمائة سنة، فكلما قيل له: يا رسول الله لو اتخذت بيتا من طين تأوي إليه، قال: أنا ميت غدا فتاركه، فلم يزل فيه حتى فارق الدنيا.
122- عمر رضي الله عنه: لي على كل خائن أمينان: الماء والطين. أي إذا شرع العامل في إنباط العيون وبناء الدور علمت أنه جمع المال واحتجنه «3» .
123- قال رجل للحسن: بنيت دارا أحب أن تدخلها وتدعو الله، فدخلها فنظر إليها ثم قال: أخربت دارك، وعمرت دار غيرك، غرك من في الأرض، ومقتك من في السماء.
124- مر الحسن بدار بعض المهالبة «4» فقال: رفع الطين، ووضع الدين.
(1/278)

125- كان لشقيق «1» خصّ «2» يكون هو ودابته فيه، فإذا غزا نقضه، وإذا رجع بناه.
126- حدث الأصمعي الرشيد أنه كان بالبصرة فتى له كوخ من قصب، كان يغشاه الفتيان، فإذا أطربهم سمره، قال بعضهم: غدا علي ألف آجرة «3» ، والآخر: علي الجص، والثالث: علي أجرة البناء، فيصير كوخه قصرا من ساعته؛ ثم يصبح فلا يرى شيئا؛ فقال:
إذا ما طابت الأسمار قالوا ... غدا نبني بآجرّ وجصّ «4»
وكيف يشيّد البنيان قوم ... يزجون الشتاء بغير قمص «5»
فاستضحك الرشيد وقال: يا أبا سعيد لكنا نبني لك قصرا لا تخاف فيه ما خاف الفتى، ثم أمر له بألفي دينار.
127- قال الحجاج لإسماعيل بن الأشعث، وكان محمقا، كيف ترى قصري؟ قال: أرى قصرا استعظم المؤونة على من أراد هدمه.
128- أنشد الجاحظ:
كأن قصور القوم ينظرن حوله ... إلى ملك موف على منبر الملك
يدل عليها مستطيرا بحسنه ... ويضحك منها وهي مطرقة تبكي
129- أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام: بئس بيت الرجل المسلم بيت العروس، يذكر الدنيا وينسى الآخرة.
(1/279)

130- دار أصلها في التخوم، وفرعها في النجوم.
131- قيل لأعرابية: أين منزلك؟ قالت: أغيب في الليل إذا عسعس «1» ، وأنقلب في النهار إذا تنفس، ثم اتخذت منزلا فسئلت عنه، فقالت:
فأما على كسلان وان فساعة ... وأما على ذي حاجة فقريب
132- محمد بن واسع: قدمت مكة فسمعت سالم بن عبد الله بن عمر «2» عن أبيه عن جده عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من دخل السوق فقال لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة. فقدمت خراسان فقلت لقتيبة بن مسلم: جئتك بهدية، فحدثته بالحديث، فكان يركب في موكبه حتى يأتي السوق، فيقولها ثم ينصرف.
133- النبي صلّى الله عليه وسلّم: إياكم والأسواق، فإن الشيطان قد باض بها وفرخ.
134- وقيل للشعبي «3» : أين فرخ إبليس؟ قال: في الأسواق، قيل: وكيف؟ قال: لأن في الأسواق ما يسره من البخس، والتطفيف، والغش، والخيانة، والمدح، والذم بغير حق، وخلف الوعد، ومطل «4» الحقوق، والتعاون على الأباطيل.
135- سوق العروس ببغداد مجمع الطرائف، ولذلك نسبت إلى
(1/280)

العروس، لاحتفال الناس في تجهيزها. وكان بو بكر الخوارزمي إذا وصف جارية قال: كأنها سوق العروس. وكأنها العافية في البدن، وكأنها مائة ألف دينار.
136- النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: سأله رجل عن الأشراط «1» ، فقال: تقارب الأسواق، قال: ما معنى تقارب الأسواق؟ قال: أن يشكو الناس بعضهم إلى بعض قلة إصابتهم.
137- قالوا: لذة الدنيا في الغناء، والزناء، والبناء.
138- أبو هريرة يرفعه: نعم البيت الحمّام يدخله الرجل المسلم، لأنه إذا دخله سأل الله الجنة، واستعاذ من النار.
139- الحسن بن علي. كانوا يستحبون إذا خرجوا من الحمام أن تتبين آثاره عليهم.
140- أبو موسى الأشعري، رفعه: أول من دخل الحمّام ووضعت له النورة «2» سليمان عليه السّلام، ولما وجد حرها قال: أوه أوه من عذاب الله، أوه أوه قبل أن لا تنفع أوه أوه.
141- عمر رضي الله عنه: نعم البيت الحمّام، يذهب بالدرن، ويذكّر بالنار.
142- علي رضي الله عنه: بئس البيت الحمّام، يبدي العورة، ويذهب بالحياء.
143- حمام منجاب «3» بالبصرة، كانت إليه وجوه الناس
(1/281)

لطيبه، وكان فيها حمّام آخر يعرف بحمّام طيبة، فقال لها شاعر: ما الذي تجعلني لي إن حولت وجوه الناس إلى حمامك؟ قالت: ألف درهم.
فقال:
حمّام طيبة لا حمام منجاب ... حمّام طيبة سخن واسع الباب
فأقبل الناس إليه.
144- وصف لرجل حمّام بالطيب، فقال: ما قامت النساء عن حمّام أطيب من حمّام أصحاب الحناء.
145- بدوي دخل حمّاما فاستطابه، فقال لصاجبه:
إن حمّامك هذا ... غير مذموم الجوار
ما رأينا قبل هذا ... جنة في وسط نار «1»
146- كان ابن قريعة القاضي «2» في مجلس الوزير المهلبي «3» ، فنوول رقعة فيها: ما يقول القاضي في رجل دخل الحمّام، وجلس في الأبزن «4» ، فخرجت منه ريح، فتحول الماء زيتا. فتخاصم هو والحمّامي، وادعى كل واحد أنه يستحق الزيت كله. فكتب: قرأت هذه الفتيا الطريفة، في هذه القصة السخيفة، وأخلق بها أن تكون عبثا باطلا،
(1/282)

وكذبا ماحلا، وإن كان كذلك فهو من أعاجيب الزمان، وبدايع الحدثان، فالجواب وبالله التوفيق: أن للضارب نصف الزيت بحق وجعائه «1» ، وللحمامي نصف الزيت بقسط مائه، وعليهما أن يصدقا المبتاع منهما عن خبث أصله، وقبح فصله، حتى يستعمله في مسرجته، ولا يدخله في أغذيته؛ والله أعلم بالصواب.
147- الحسن: الأسواق موائد الله في الأرض، من أتاها أصاب منها.
148- بني الحجاج قصره، فقال له رستم الدهقان «2» : أيها الأمير أكسه وحلّه، أراد التجصيص والنقش.
149- أعرابي: ارتحلت عنه ربات الخدور، وأقامت به رواحل القدور.
150- كان يزيد بن عبد الملك «3» يطوف في المواضع التي كانت فيها حبابة «4» فتمثلت له وصيفة:
كفى حزنا بالهائم الصبّ أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا «5»
(1/283)

151- آخر:
وكلّ سلامة تعد المنايا ... وكلّ عمارة تعد الخرابا
152- آخر:
منازل ألّاف أتى الدهر دونها ... وما الدهر والالّاف إلّا كذلك «1»
153- ابن الرقاع «2» :
فابكي إذا بكت المنازل أهلها ... معذورة وظلمت إن لم تفعلي
أهلا كراما لن يحلك مثلهم ... في ذا الزمان ولا الزمان المقبل
154- محمد بن عبد الله النميري:
غشي المنازل بالسليل فهاجه ... ربع تبدلّ غيره أحبابه «3»
ولقد تراه للقتول وأهلها ... جارا تمس بيوتهم أطنابه «4»
155- قال غلام رفيع الأسدي «5» :
(1/284)

ليت الديار التي تبقى فتحزننا ... كانت تبين إذا ما أهلها بانوا
ينأون عنا ولا تنأى مودتهم ... فالقلب فيهم رهين حيث ما كانوا «1»
فقال مولاه: والله إني لأستحي أن أقول شعرا بعد هذا.
156- دخل رجل على الحجاج فقال ما عندك؟ قال: علم ألسنة الطير، فإذا هامتان «2» تجاوبتا؛ فقال: ما تقولان؟ قال: تخطب إحداهما بنت الأخرى، فتقول لها لا أزوجك إلا بأربع مئة قصر منيف؛ قال: أين تجد ذلك؟ قال: ما دام مثلك حيا لا نعدمه؛ قال: كيف؟ قال: إنك تقتل الخيار وتعطل الديار.
157- أعرابي:
ألم تعلما أن المصلّى مكانه ... وبطن العيقيق ذا الظلال وذا البرد «3»
وأن به لو تعلمان أصائلا ... وليلا رقيقا مثل حاشية البرد
158- لكثير «4» :
(1/285)

لعمرك إن الجزع أمسى ترابه ... من الطيب كافورا وعيدانه رندا «1»
وأصبح ماء الشعب خمرا وأصبحت ... جلاميده مسكا وأوراقه وردا «2»
وما ذاك إلا أن مشت في عراصه ... عزيزة في سرب وجرّت به بردا «3»
159- محمّق «4» إلى أبيه: كتابي هذا ولم يحدث علينا بعدك إلا خير والحمد لله، إلا أن حائطنا وقع فقتل أمي وأختي وجاريتنا، ونجوت أنا والحمار والسنّور، فعلت إن شاء.
160- أعرابي: لا تجف أرضا فيها قوابلك، ولا تنأ بلدا فيه قبائلك. بلد فيه قوابلي وقبائلي.
161- ابن عباس: لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم لما اشتكى عبد الرزق.
162- عمر: عمر الله البلدان بحب الأوطان.
163- كما أن لحاضنتك حق لبنها، فلأرضك حرمة وطنها.
164- العرب: حماك أحمى لك، وأهلك أحفى بك.
165-[شاعر] :
وكنا ألفناها ولم تك مألفا ... وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن
كما تؤلف الأرض التي لم يطب بها ... هواء ولا ماء ولكنها وطن
166- أعرابي: رملة حضنتني أحشاؤها، وأرضعتني أحساؤها.
167- كانت العرب إذا سافرت حملت معها من تربة أرضها ما تستنشق ريحه، وتستسفه، وتطرحه في الماء إذا شربته.
(1/286)

وأنشد لرجل من بني ضبة:
نسير على علم بكنه مسيرنا ... وغفّة زاد في بطون المزاود «1»
ولا بد في أسفارنا من قبيضة ... من الترب ننشاها لحب الموالد «2»
168- الهند: حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك، إذ كان غذاؤك منها وغذاؤهما منه.
169- الفرس: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة، كما تغرس الولادة في القلب رقة.
170- ميلك إلى مولدك من كرم محتدك «3» .
171- أيمن بن خريم «4» لما أجلى ابن الزبير «5» بني أمية عن المدينة:
(1/287)

كأنّ بني أمية حين راحوا ... وعري من منازلهم صرار «1»
شماريخ الجبال إذا تردّت ... بزينتها وجادتها القطار «2»
172- لولا حب الوطن لخرب بلد السوء.
173- قيل في بني عمير الليثي»
من كنانة، ودارهم بالبصرة بالقرب من الجامع، وهي مذكورة:
بنو عمير مجدهم دارهم ... وكلّ قوم لهم مجد
كأنهم فقع بدوية ... ليس لهم قبل ولا بعد
174- ابن عمر «4» : كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قليل الخطوات في السوق، وكان يقول إذا خطا فيها: اللهم إني أعوذ بك من شر السوق، وأعوذ بك من الفسوق، وأعوذ بك من كل صفقة خاسرة، ومن كل يمين كاذبة.
175- قال رجل: لا يكون البنيان قرية حتى ينبح فيها كلب ويصقع «5» ديك: فقال آخر: بل لا تكون قرية حتى يكون فيها حائك ومعلم، فقال له: ويحك إذا صارت إلى هذا فهي مدينة.
176- ابن الزبير: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم.
177- كان الحسن يقعد عند المنارة العتيقة في آخر المسجد.
178- ابن مسعود: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ليلة أسري بي إلى السماء
(1/288)

رأيت في السماء الرابعة قصرا مزخرفا، حواليه قناديل من نور، فقلت: يا جبرائيل ما هذا القصر المزخرف؟ قال: يا محمد هذا رباط تستفتحه أمتك بأرض خراسان حول جيحون «1» ؛ قلت: يا جبرائيل وما جيحون؟ قال:
نهر يكون بأرض خراسان، من مات حول ذلك النهر على فراشه قام يوم القيامة شهيدا من قبره، قلت: يا جبرائيل ولم ذاك؟ قال: يكون لهم عدو يقال لهم الترك، شديد كلبهم، قليل سلبهم، من وقع في قلبه فزعة منهم قام يوم القيام شهيدا من قبره مع الشهداء.
179- أبو هريرة: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: طوبى لمن بات ليلة في خوارزم «2» . وطوبى لمن وقع عليه غبار خوارزم، وطوبى لمن صلى ركعتين في خوارزم.
180- عن الحسن: مدينة بالمشرق يقال لها خوارزم، على شاطىء نهر يقال له جيحون، ملعون الجانبين، ألا وإن تلك المدينة محفوفة مكفوفة بالملائكة، تهدي إلى الجنة العروس إلى بيت زوجها، يبعث الله من مقبرتها مائة ألف شهيد، كل شهيد منهم يعدل شهيد بدر.
181- وعن مكحول «3» : مدينة بخراسان يقال لها خوارزم، ما داموا كفارا فالمسلمون منهم في شدة وتعب، فإذا أسلموا كانوا جناحا من أجنحة المسلمين، وترسا من ترستهم.
182- وقيل لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد ما تقول في الرباط وراء جيحون؟ فقال: لأن أنام على الفراش وراء جيحون، يعني أنوي به
(1/289)

الرباط، أحب إلي من الطواف بهذا البيت من السنة إلى السنة صائما قائما، ومن ألف حجة متتابعة.
183- وعن ابن عمر: أنه سأل رجلا من أهل خوارزم عن بلاده، فوصف له أن الرجل منا يغسل وجهه، فيصير الماء على وجهه ثلجا، فقال: بشّر تلك الوجوه بالجنة.
184- وقد عدد ابن سمقة «1» الكاتب فضائلها فقال: ولخوارزم فضائل لا يوجد مثلها في سائر الأقطار وخصال محمودة لا تتفق في غيرها من الأمصار؛ هي ثغر من ثغور الإسلام، قد اكتنفها أهل الشرك، وأطافت بها قبائل الترك، فغزو أهلها معهم دائم، والقتال فيما بينهم قائم، قد أخلصوا في ذلك بيانهم، وأمحضوا فيه طوياتهم، وقد تكفل الله بنصرهم في عامة الأوقات، ومنحهم الغلبة في كافة الوقعات، ثم حصنها الله بجيحون، بواد عسير المعبر بعيد المسالك، غزير الماء كثير المهالك، فلا يتوغلها متوغل إلا خاطر بمهجته، ولا يسلك منافذها سالك إلا كان على يأس من سلامته؛ وأهلها أهل بسالة، وقلوب جرية، ونفوس أبية؛ قد فشا «2» عنهم ذلك فجبن العدو عن مكافحتهم، وفشل عن مناوشتهم، وفيهم الرمي بالنشاب لا تخطئهم إصابة، ولا تكاد تسقط لأحد منهم نشابة، مع استقلالهم بأنواع السلاح، من السيوف والرماح؛ ولهم السداد والديانة، وعندهم الوفاء والأمانة، وضمائرهم نقية طاهرة، ورغباتهم في أصناف الخير ظاهرة، ودينهم؟؟؟ الأخيار، ومقت «3» الأشرار، والإحسان إلى الغرباء، والتعطف على الضعفاء؛ وخصائص أخر لا يستقصى ولا تعد ولا تحصى؛ ومما اختصت به أنواع الرقيق الروقة «4» والخيل الهماليج «5»
(1/290)

الفرهة «1» ، وضروب الضواري من البزاة والصقور، وأجناس الوبر «2» وألوان الثياب، وثمارها أطيب الثمار وأشهاها، وألذها وأحلاها، وأمرأها وأنماها في الأبدان؛ وهواؤها أصح هواء، وماؤها أعذب ماء، لأنه يجري من عيون عذبة، على ترب طيبة، وناهيك ببطيخها الذي لا يوجد مثله إلا في الجنة.
185- ولقد أحسن ابن سمقة، في جميع ما نمقه، ولكنه أخل برأس فضائلها، وهو ما رزقته من المذهب السديد، مذهب أهل العدل والتوحيد «3» ، مع الباطشين فيه بقوة السواعد، الرامين عنه بالنبل الصوارد «4» ، والشاقين في دقايقه الشعر، المطيرين عن نخر «5» أعدائه النعر «6» ، وذلك في كل زمان، وخاصة في زماننا هذا، فقد أزهر فيها ما شاء من السرج، وأطال فيها ألسنة الحجج.
186- عبد الله بن عمر، يرفعه: ستفتح لكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمّامات، فلا يدخلها الرجال إلا بالأزر «7» ، وامنعوها النساء، إلّا مريضة أو نفساء.
187- دخل نسوة من الشام على عائشة فقالت: ممن أنتن؟ قلن:
من الشام، قالت: لعلكن من الكورة التي تدخل نساؤها الحمّامات؟
قلن: نعم، قالت: أما أني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ما من إمرأة
(1/291)

تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله.
188- من كلام حنيف الحناتم «1» المضروب به المثل في الأبالة «2» :
من قلظ الشرف «3» ، وتربع الحزن «4» ، وتشتى الصمان «5» ، فقد أصاب المرعى.
189- ورد بن ورد «6» :
وإن القليب الفرد من أيمن الغضا ... ليحلو لناء ذكره ويطيب «7»
تفوقت درات الصبا في ظلاله ... إلى أن أتاني بالفطام مشيب
وله:
ألا أيها الصمد الذي كنت مرة ... نحلّك سقّيت الأهاضيب من صمد «8»
ومن وطن لم تسكن النفس بعده ... إلى وطن في قرب عهد وفي بعد
(1/292)

ومنزلتي بلحاء من بطن واسط ... ومن ذي السليل كيف حالكما بعدي «1»
تتابعت الأنواء سحا عليكما ... أما لكما بالمالكية من عهد «2»
190- قبيصة بن عمرو المهلبي في البصرة:
لأحسن من بطن الرصافة منزلا ... وميدانها فالكرخ فالدّور فالجسر «3»
ربائع لا يبلسن والريح ريدة ... قياما ولا يطبعن للوابل الهمر «4»
إذا ما كساهنّ الربيع رياطه ... تأرجن مسكا أو تضاحكن عن درّ «5»
191- أخو يزيد بن خذاق «6» :
أبى القلب أن يأتي السدير وأهله ... وإن قلّ عيش بالسدير غرير «7»
به البقّ والحمّى وأسد خفية ... وعمرو بن هند يعتدي ويجور «8»
(1/293)

192- أنوشروان «1» : لا تنزل ببلد ليس فيه خمسة: سلطان قاهر، وقاض عادل، وسوق قائمة، وطبيب عالم، ونهر جار.
193- مرو «2» : أسسها أفراسياب «3» ، وبنى بعضها كيخسرو «4» وأتمها الإسكندر، وسمرقند أسسها كيكاوس «5» بن قباذ وفرغ منها ابنه سياوخش «6» .
194- نسا «7» : بناها فيروز بن يزدجرد «8» وكان يقال لها: شهران «9» فيروز.
(1/294)

195- جابر «1» ، يرفعه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة تشرب عليها الخمر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمّام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمّام.
196- الحزم ترك الحمّام إذ لا تخلو من عورة مكشوفة ولا سيما من تحت السرّة إلى العانة «2» .
197- وعن بشر بن الحارث: ما أعنف رجلا لا يملك إلا درهما دفعه ليخلى له الحمّام.
198- ورؤي ابن عمر وجههه إلى الحائط، وقد عصب عينيه بعصابة «3» .
199- وعن بعضهم: لا بأس بدخول الحمّام، ولكن بإزارين إزار للعورة، وإزار للرأس يتقنّع به؛ والسنة «4» أن يرفع رجله اليسرى عند الدخول وأن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الرجس النجس، الخبيث المخبث، الشيطان الرجيم.
200- وقالوا: يكره دخول الحمّام بين العشائين، وقريبا من المغرب. ويكره للرجل أن يعطي امرأته أجرة الحمّام فيكون معينا لها على المكروه.
201- أول قرية بنيت على وجه الأرض بعد الطوفان قرية بناها نوح عليه السّلام ومعه ثمانون نفسا حين خرج من السفينة فسميت ثمانين «5» .
(1/295)

202- هفت هزار «1» بيت بالبصرة مبني بأساطين الساج «2» ، بناه سياه رئيس أساورة «3» يزدجرد وكان ختنه «4» على ابنته، أسلم في أيام عمر رضي الله عنه، بالبصرة مع خاصته، وهم سبعة آلاف، فبناه وكان يطعمهم فيه بكرة وعشيا.
203- عمل الشياطين لسليمان مدينة من قوارير، كانت الريح تحملها إذا خرج إلى الغزو وفيها حشمه «5» وأهل بيته، وكانت ألف ذراع في عشرة آلاف ذراع.
204- من أبنية الفرس الشيربهار «6» ، كانت سدنته «7» يغلقون ألفا وأربع مائة باب كل عشية.
205- ونوبهار بلخ «8» بناه أجداده خالد بن برمك «9» ، عارضوا به الكعبة، وكانوا يطوفون به، ويحجه أهل مملكتهم، ويلبس الحرير، وكان
(1/296)

بيتا عظيما، حوله أروقة، وثلاثمائة وستون مقصورة يسكنها خدامه وقوامه، وكان من يليه يسمى برمكا يعني والي مكة، وانتهت البرمكة إلى أبي خالد ابن برمك، فأسلم على يد عثمان رضي الله عنه، وسماه عبد الله.
206- عبد الله بن عمرو «1» : مرّ بي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا وأمي نطين حائطا لنا، وروي: نعالج خصا لنا قد وهى «2» ، فقال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذاك.
207- أنس: رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبة مشرفة، فسأل عنها، فقيل:
لفلان الأنصاري، فجاء فسلم عليه، فأعرض عنه، فشكا ذلك إلى أصحابه فقالوا خرج فرأى قبتك، فهدمها حتى سواها بالأرض، فأخبر بذلك فقال: أما أن كل بناء وبال على صاحبه إلّا مالا إلّا مالا «3» .
208- خالد بن عبد الله المهاجر الزهري:
أضحت منازلكم بمكة منكم ... قفرا وأصبحت المعالم خالية
لو كنت أملك رجعكم لرجعتكم ... قد كنتم زيني بها وجماليه
(1/297)

209- داود بن علي الكاتب «1» :
ألم تقو منكم منى فالجمار ... فزمزم فالحجر الأسود «2»
ولو فاز بالخلد حي إذا ... لفاز به المصطفى أحمد
210- خالد الزبيدي «3» :
أيا جبلي سنجار ما كنتما لنا ... مقيظا ولا مشتى ولا متربّعا «4»
فأجابه دثار النمري:
أيا جبلي سنجار هلا دققتما ... بركتيكما أنف الزبيدي أجمعا
211- عبد الله بن المقفع «5» :
(1/298)

إن كنت لا تدّعي مجدا ومكرمة ... إلا بقصرك لم تنهض بأركان
سام الرجال بما تسمو الرجال به ... تلك المكارم لا تشييد بنيان
212- عبد الله بن السمط «1» :
حيّ نجدا ومن بأكناف نجد ... والخيام التي بها طال عهدي
ليت شعري هل الخيام كما ك ... ن على العهد أم تغيرن بعدي
213- عبيد بن قرط الأسدي «2» :
لعمري لقد حذرت قرطا وجاره ... ولا ينفع التحذير من ليس يحذر
نهيتهما عن نورة أحرقتهما ... وحمّام سوء ماؤه يستسعر «3»
214- ابن الرومي وقد أريد على بيع منزله:
ولي وطن آليت أن لا أبيعه ... وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا «4»
فقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسد إن غاب غودرت هالكا
وحبّب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضّاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
- وله:
بلد صبحت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
(1/299)

215- علي بن محمد الورزنيني «1» صاحب الزنج، لما هرب من داره في اليوم الذي قتل فيه:
عليك سلام الله يا خير منزل ... خرجنا وخلّفناه غير ذميم
فإن تكن الأيام أحدثن فرقة ... فما أحد من ريبها بسليم
216- طلب المهدي من بكار بن رباح المدني منزله إلى جانب دار العجلة بأربعة آلاف دينار، فقال: ما كنت لأبيع جوار أمير المؤمنين بشيء؛ فأعطاه أربعة آلاف دينار، وترك له منزله.
217- إذا زاد البناء على ستة أذرع نادى مناد من السماء: يا أفسق الفاسقين أين تريد؟.
218- علي رضي الله عنه: ليس بلد بأحق بك من بلدك. خير البلاد ما حملك.
219- بنى رجل من عمال علي بناء فخما، فقال: أطلعت الورق «2» رؤوسها، إن البنى لتصف لك الغنى.
220- بعضهم: ذهبت بأم الحسام وابنتها، وهي امرأتي، إلى بستان لي، فنظرت إلى صهريج «3» فقعدت عليه، وأرسلت فيه رجليها،
(1/300)

وهو يطفح بالماء، والنخل يظلله، فقلت: ألا تطوفين معنا على النخل نجني ما طاب؟ قالت: هذا أعجب إلي؛ فدرنا ساعة، ثم انصرفنا، وهي تخضخض «1» رجليها في الماء، وتحرك شفيتها، ودمعها يجري، وتقول:
أقول لأدنى صاحبيّ أسرّه ... وللعين دمع يحدر الكحل ساكبه «2»
لعمري لنهي باللوى نازح العذى ... نقي النواحي غير طرق مشاربه «3»
أحبّ إليّ من صهاريج ملئت ... للعب فلم تملح إليّ ملاعبه
فيا حبذا نجد وطيب ترابه ... إذا هضبته بالعشي هواضبه «4»
وريح صبا نجد إذا ما تنسّمت ... ضحى أو سرت جنح الظلام جوانبه
بأجرع ممراح كأن رياحه ... سحاب من الكافور والمسك شائبه «5»
221- لما غزا اسفنديار «6» بلاد الخزر «7» اعتل بها، فقيل له: ما تشتهي؟ قال: شمة من تربة بلخ «8» ، وشربة من ماء واديها.
222- واعتل سابور ذو الأكتاف «9» بالروم، وكان أسيرا، فقالت له بنت الملك، وقد عشقته، ما تشتهي؟ قال: شربة من ماء دجلة، وشميما
(1/301)

من تراب إصطخر «1» ، فأتته بعد أيام بماء وقبضة من تراب، وقالت: هذا من ماء دجلة، ومن تربة أرضك، فشرب واشتم بالوهم، فنقه «2» من علته.
223- لما أشرف الإسكندر أوصى أن تحمل رمته «3» في تابوت ذهب إلى بلد الروم، حبا لوطنه.
224- الجاحظ: رأيت المتفلسف من البرامكة «4» إذا سافر أخذ معه من تربة مولده في جراب يتداوى به.
225- لما أدركت يوسف الوفاة أوصى بحمل رمته إلى مقابر آبائه؛ فمنع أهل مصر أولياءه، فلما بعث موسى وأهلك فرعون حملها إلى مقابرهم؛ فقبر يوسف علم بأرض بقرية تسمى حسامى «5» .
226- في الحديث المرفوع: من سعادة العبد أن يقدر رزقه في بلده وحال سكونه، ومن شقاوته أن يجعل رزقه في غير بلده، أو في حال سياحة.
(1/302)

227- لما بنى السفاح «1» مدينة الأنبار «2» قال لعبد الله بن الحسن «3» :
يا أبا محمد كيف ترى؟ فتمثل:
ألم تر حوشبا أمسى يبني ... قصورا نفعها لبني بقيلة «4»
يؤمّل أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يطرق كلّ ليلة
ثم انتبه فقال: أقلني «5» فما اعتمدت سوءا ولكن خطر ببالي؛ فقال: لا أقالني الله إن بت في عسكري. وأخرجه إلى المدينة وتمثل بقوله: أريد حياته ويريد قتلي، وبقوله:
ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظا وينوي من سفاهته كسري «6»
وكلمه فيه المنصور «7» فقال: والله لا يخنقه أحد سواه وهو يكلمني فيه.
(1/303)

228- شكا خالد بن الوليد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضيق منزله فقال:
إرفع البناء في السماء وسل الله السعة.
229- قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لرجل من أهل مكة: أتبيعني دارك أزيدها في مسجد الكعبة ببيت أضمنه لك في الجنة؟ فأبى، فأعاد عليه، فأبى، فبلغ عثمان رضي الله عنه فلم يزل بالرجل حتى اشترى داره بعشرة آلاف دينار، وضمن له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيتا في الجنة.
230- أصابت الربيع بن زياد الحارثي «1» نشابة في جبهته يوم فتحت مناذر «2» ، فكانت تنتقض عليه في كل سنة، فعاده علي رضي الله عنه في داره، وهي أول دار خطت بالبصرة، فجال ببصرة فقال: ما كنت ترجو بهذا كله؟ وما هذا البناء يا ربيع؟ أما لو وسعت بها على نفسك في آخرتك، ثم قال: بلى أراها تزيدك من الله قربة، تصل فيها القريب وتقري «3» فيها الضعيف، ويأتي إليك فيها الضنيك؛ قال: وما الضنيك يا أمير المؤمنين؟ قال: الفقير.
231- كان يقول جعفر بن أبي طالب لأبيه: با أبت أني لأستحي أن أطعم طعاما وجيراني لا يقدرون على مثله؛ فكان يقول له أبوه: إني لأرجو
(1/304)

أن يكون فيك خلف من عبد المطلب.
232- عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: أتى الشيطان العراق فقضى حاجته فيهم، ثم انصرف إلى الشام فطردوه، ثم أتى مصر فباض فيهم وفرخ ونشر عفريته «1» .
233- عبد الله بن عمر: وادخلوا مصر فأصيبوا من خيرها، وأخرجوا منها إلى غيرها، ولا تغتسلوا بطينها، فإنه يميت القلب، ويذهب بالغيرة.
234- دخل عبد الله الرومي «2» على أم طلق «3» في بيتها، فإذا سمكه قصير كاد يصيب رأسه، فقال: ما أقصر سمك بيتك! قالت: أما علمت ما كتب عمر بن الخطاب؟ كتب: لا تطيلوا بنيانكم فإنه من شرار آثامكم «4» .
235- عن بكر بن عبد الله المزني «5» : أن يهوديا أسلم، وكان يقال له يوسف، وقد قرأ الكتب، فمر بدار مروان بن الحكم «6» فقال: ويل لأمة محمد من هذه الدار، ثلاثا.
(1/305)

236- تشاجر رجلان في قصر، فأنطق الله لبنة من الزاوية فقالت:
إعلما أني كنت إنسانا مثلكما ألف سنة، ثم متّ فكنت رميما ألف سنة، ثم كنت حيا ثلاثمائة سنة، ثم كسرت فصرت ترابا، فضربت لبنة فوضعت في بناء هذا القصر منذ ثلاثمائة سنة، فحياء لكما بعدما سمعتما أن تشاجرا وتأخذا بتلابيبكما «1» .
237- تزوج فقير غنية، فضاق صدرها لضيق بيته، فقال لها:
قومي، فقامت فلم يمس رأسها السقف، فقال لها: هبي أن سطحه يقرب السماء فما ينفعك إذا لم يمس رأسك؟ ثم قال لها: نامي، فنامت فلم تمس قدماها الجدار، فقال: هبي الجدار عند جبل قاف «2» فما ينفعك بعد أن لم تمسه «قدماك؟ فقالت حسبي حسبي، رضيت.
238- قال المأمون لأبي عباد «3» : يا ثابت بم تستدل على حمق الرجل؟ قال: إذا رأيته يبغض البطيخ الرمستي ويؤثر الشاهلوج «4» عليه علمت أنه أحمق، والرستمي كذلك. فدخل الرستمي فقال له: ما تقول في البطيخ؟ قال: يفسد المعدة، ويلطخها ويرقها، ويرخي العصب، ويرفع البخار إلى الرأس، وتغثى «5» [منه النفس] ، قال: لم أسألك عن فعله، إنما سألتك أشهي هو مستلذ؟ قال: لا، قال: فما تقول في الشاهلوج؟ قال: ما قال فيه كسرى فإنه سمّاه سيد أجناسه، فالتفت المأمون إلى أبي عباد وقال: الرجل الذي كنا في حديثه من تلامذة كسرى في الرقاعة.
(1/306)

الباب العاشر الملائكة والانس والجن والشيطان وقبيله «1» وما ناسب ذلك من ذكر الأنبياء والأمم من العرب والعجم
1- كانت الملائكة تصافح عمران بن الحصين «2» وتعوده، ثم افتقدها، فقال: يا رسول الله إن رجالا كانوا يأتونني، لم أر أحسن وجوها ولا أطيب أرواحا منهم، ثم انقطعوا عني، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
أصابك جرح فكنت تكتمه؟ فقال: أجل؛ ثم أظهرته؛ قال: كان ذاك، قال: أما لو أقمت على كتمانه لزارتك الملائكة إلى أن تموت. وكان ذلك جرحا أصابه في سبيل الله.
2- الحسن ووهب: الملائكة في زمن إدريس «3» كانت تصافح الناس وتكلمهم، لصلاح أهل الزمان حتى كان زمن نوح فانقطع ذلك.
3- عرج بعمل إدريس عليه السّلام إلى السماء فغلب عمل جميع أهل
(1/307)

الأرض، فاستأذن ملك من الملائكة ربه في مؤاخاته فأذن له، فقال له إدريس: هل بينك وبين ملك الموت إخاء؟ فقال: نعم، ذاك أخي من بين الملائكة. والملائكة يتآخون كما تتآخى بنو آدم.
4- سعيد بن المسيب «1» : الملائكة عليهم السّلام ليسوا بذكور ولا إناث، ولا يتوالدون، ولا يأكلون ولا يشربون؛ والجن يتوالدون، وفيهم ذكور وإناث ويموتون. والشياطين ذكور وإناث، يتوالدون، ولا يموتون بل يخلدون في الدنيا كما خلد إبليس. إبليس هو أبو الجن «2» .
5- وقيل: الملائكة خلقوا من الهواء، والشياطين من النار «3» .
6- أبو ذر «4» ، رفعه: إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت «5» السماء وحق لها أن تئط، فما فيها موضع شبر إلا فيه ملك قائم أو راكع أو ساجد.
(1/308)

- وروي: ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك، واضع جبهته ساجد لله؛ والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات «1» تجأرون إلى الله؛ والله لوددت أني كنت شجرة تعضد «2» .
7- يزعم أهل الكتاب أن الله خلق حملة العرش، فجعل قرار أقدامهم على الأرض السابعة، ثم خرجوا في هواء ما بين ذلك، حتى خرجوا في هواء ما بين السماء والأرض، ثم في هواء ما بين السماوات السبع، ثم أصعدوا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله.
- وزعموا أنهم أربعة: ملك في صورة رجل، وملك في صورة ثور، وملك في صورة أسد، وملك في صورة نسر. وزعموا أن لكل منهم في جبهته أربعة أوجه: وجه رجل، ووجه ثور، ووجه أسد، ووجه نسر.
- وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم: فإذا كان يوم القيامة أيدّهم الله بأربعة آخرين فكانوا ثمانية. وقيل الذي في صورة رجل هو الذي يشفع لبني آدم في أرزاقهم والذي في صورة ثور هو الذي يشفع للبهائم في أرزاقها، والذي في صورة أسد هو الذي يشفع للسباع في أرزاقها، والذي في صورة نسر هو [الذي] يشفع للطير في أرزاقها.
8- عبد الرحمن بن سابط «3» : يدبر أمر الدنيا أربعة: جبرائيل،
(1/309)

وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل؛ فأما جبرائيل فعلى الرياح والجنود، وأما ميكائيل فعلى النبات والقطر، وأما ملك الموت فعلى قبض الأنفس، وأما إسرافيل فينزل إليهم بما يأمرون.
9- أنس بن مالك: قيل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا نبي الله من هؤلاء الذين استثنى الله؛ فقال: جبرائيل وميكائيل وملك الموت؛ فيقول الله لملك الموت: يا ملك الموت من بقي؟ وهو أعلم، فيقول: سبحانك ربي ذا الجلال والإكرام بقي جبرائيل وميكائيل وملك الموت، فيقول: يا ملك الموت خذ نفس ميكائيل. فيأخذها، فيقع في صورته التي خلقه الله فيها مثل الطود «1» العظيم؛ ثم يقول، وهو أعلم، يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: سبحانك ربي ذا الجلال والإكرام، بقي جبرائيل وملك الموت، فيقول: يا ملك الموت مت، فيموت؛ فيبقى جبرائيل، وهو من الله بالمكان الذي ذكر لكم، فيقول الله: يا جبرائيل إنه لا بد أن يموت أحدنا، فيقع ساجدا يخفق بجناحيه يقول: سبحانك ربي وبحمدك، أنت القائم الدائم الذي لا يموت، وجبرائيل الفاني الهالك الميت، فيأخذ الله روحه فيقع على ميكائيل. إن فضل خلقه على ميكائيل كفضل الطود العظيم على الظرب «2» من الظراب.
10- في بعض الكتب: أن صنفا من الملائكة لهم ستة أجنحة:
فجناحان يلفون بها أجسادهم، وجناحان يطيرون بها في الأمر من أمور الله، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله.
11- علي رضي الله عنه: خلق سبحانه لاسكان سماواته، وعمارة الصفيح الأعلى من ملكوته، خلقا بديعا، ملأ بهم فروج فجاجها، وحشا
(1/310)

بهم فتوق أجوائها، وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حضائر القدس. وسترات الحجب، وسرادقات المجد، ووراء ذلك الرجيح الذي تستك منه الأسماع، سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها، فتقف خاسئة على حدودها؛ أنشأهم على صور مختلفات، وأقدار متفاوتات، أولي أجنحة تسبح جلال عزته، لا ينتحلون «1» ما ظهر في الخلق من صنعه، ولا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به، بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، جعلهم فيما هناك أهل الأمانة على وحيه، وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه، وعصمهم من ريب الشبهات، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته، وأمدهم بفوائد المعونة، وأشعر قلوبهم تواضع أخبات السكينة، وفتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده، ونصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده، لم تثقلهم موصرات الآثام، ولم ترتحلهم عقب الليالي والأيام، ولم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم، ولن تعترك الظنون على معاقد يقينهم، ولا قدحت قادحة إلا حن فيما بينهم، ولا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم، وما سكن من عظمته وهيبة جلالته في أثناء صدورهم، ولم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها «2» على قلوبهم. منهم من هم في خلق الغمام الدلج «3» ، وفي عظم الجبال الشمخ، وفي قترة الظلام الأيهم «4» ؛ ومنهم من قد خرقت أقدامهم تحوم الأرض السفلى، فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء، وتحتها ريح هفافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية، قد استفرغتهم أشغال عبادته، ووصلت حقائق الإيمان بينهم وبين معرفته، وقطعهم الأيقان به إلى الوله إليه، ولم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره؛ قد ذاقوا حلاوة معرفته، وشربوا بالكأس الروية
(1/311)

من محبته، وتمكّنت من سويداء قلوبهم وشيجة «1» خيفته، فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم، ولم ينفد طول الرغبة إليه مادة تضرعهم، ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم، ولم يتولهم الإعجاب فيستكثروا ما سلف منهم، ولا تركت لهم استكانة الإجلال نصبا في تعظيم حسانتهم، ولم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم، ولم تغض رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربهم، ولم تجف لطول المناجاة أسلات «2» ألسنتهم، ولا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الجؤار «3» إليه أصواتهم، ولم تختلف في مقاوم الطاعة مناكبهم، ولم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم، لا تعدو على عزيمة جدهم بلادة الغفلات، ولا تنتضل في هممهم خدائع الشهوات، قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم، ويمموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم، لا يقطعون أمد غاية عبادته، ولا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته، إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته، لم تنقطع أسباب الشفقة منهم فينوا «4» في جدهم، ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السعي على اجتهادهم، ولم يستعظموا ما مضى من أعمالهم، ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم، ولم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم، ولم يفرقهم سوء التقاطع، ولا تولاهم غل التحاسد، ولا تشعبتهم مصارف الريب، ولا اقتسمتهم أخياف الهمم، فهم أسراء إيمان لم يفكهم من ربقته زيغ ولا عدول، ولا وني ولا فتور، وليس في أطباق السماوات موضع أهاب إلا وعليه ملك ساجد، أو ساع حاقد، يزدادون على طول الطاعة بربهم علما، وتزداد عزة ربهم في قلوبهم عظما.
- وعنه كرم الله وجهه: فتق ما بين السماوات العلا، فملأهن أطوارا
(1/312)

من ملائكته، منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة الأبدان، ولا غفلة النسيان، ومنهم أمناء على وحيه، وألسنة إلى رسله، ومختلفون بقضائه وأمره. ومنهم الحفظة لعباده، والسدنة «1» لأبواب جنانه، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفعون «2» تحته بأجنحتهم، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة، ولا يتوهمون ربهم بالتصوير، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، لا يجدونه بأماكن، ولا يشيرون إليه بالنظائر «3» .
- وعنه كرم الله وجهه: أسكنتهم سماواتك، ورفعتهم عن أرضك، هم أعلم خلقك بك، وأخوفهم لك، وأقربهم منك، لم يسكنوا الأصلاب، ولم يضمنوا الأرحام ولم يخلقوا من ماء مهين، ولم يشتعبهم ريب المنون، وإنهم على مكانهم منك، ومنزلتهم عندك، واستجماع أهوائهم فيك، وكثرة طاعتهم لك، وقلة غفلتهم عن أمرك، لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك، لحقروا أعمالهم، ولأزروا على أنفسهم، ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حقّ عبادتك، ولم يطعيوك حق طاعتك.
12- عابد: طرحنا الحشمة فيما بيننا وبين حفظتنا طرح من لا يؤمن أنهم معه يعلمون ما يقول وما يفعل.
13- ويروى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: وقيل لعمر بن عبد العزيز:
(1/313)

ومن الناس من يعيش شقيا ... جيفة الليل غافل اليقظة
إن من كان ذاء حياء ودين ... راقب الله واتقى الحفظة
أنما الناس سائر وميقم ... فالذي سار للمقيم عظة «1»
14- أبو العالية «2» : الكردبيون سادة الملائكة، منهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل.
15- في الكروبي ثلاث مبالغات: الكروب أبلغ من القرب وأقصر مسافة، يقال كربت الشمس أن تغرب، بمعنى كادت، وفعول بناء مبالغة، وياء النسب التي في نحو الأحمري.
16- يقال لجبرائيل طاووس الملائكة.
17- شبث بن ربعي «3» : قال لي المختار بن أبي عبيد «4» : هل لك
(1/314)

أن أريك جبرائيل؟ فأدخلني بيتا في جوف بيت، فإذا أنا بشيخ على سرير قد سقط حاجباه على عينيه، فوثبت عليه، فجعلت أنتف لحيته، فصاح دقني دقني. والدقن بالنبطية اللحية.
18- بينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجبرائيل يتحدثان، تغير وجه جبرائيل حتى عاد كأنه كركمة «1» ، وذلك من خشية الله.
- عنه عليه الصلاة والسلام: يطلع عليكم من هذا الفج خير ذي يمن عليه مسحة ملك يعني جرير بن عبد الله البجلي.
19- عن عبد الله بن مسعود أنه رأى رجالا من الزط «2» فقال: هؤلاء أشبه من رأيت بالجن في ليلة الجن «3» .
20- تقول الأعراب: ربما نزلنا بجمع كثير، ورأينا خياما وقبابا وناسا، ثم فقدناهم من ساعتنا، يعتقدون أنهم الجن، وأن تلك خيامهم وقبابهم.
(1/315)

21- ورأيت للأعاريب من الأعاجيب في باب الجن ما لا يوصف؛ ويقولون من الجن جنس صورته على نصف صورة الإنسان، واسمه شق «1» ، يعرض للمسافر إذا كان وحده فربما أهلكه. ويزعمون أن علقمة ابن صفوان «2» لقيه، فتضاربا فخرا ميتين، وأن علقمة وحرب بن أمية «3» من قتلى الجن. قالوا وقالت الجن:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر «4»
(1/316)

- قالوا: والدليل على أنه من شعر الجن أن أحدا لا يقدر أن ينشده ثلاث مرات متصلة من غير أن يتتعتع، ويقدر على تكرار أشق بيت من أبيات الإنس عشر مرات من غير تتعتع.
- وقالوا: قتلت الجن سعد بن عبادة بن دليم وسمعوا الهاتف يقول:
قتلنا سيد الخز ... رج سعد بن عباده
رميناه بسهمي ... ن فلم نخطىء فؤاده
- واستهووا عمرو بن عدي اللخمي «1» الملك الذي يقال فيه: شب عمرو عن الطوق، ثم ردوه على جذيمة الأبرش «2» بعد سنين.
- واستهووا عمارة بن الوليد بن المغيرة «3» ونفخوا في إحليله «4» فصار مع الوحش.
(1/317)

- وروا عن عبد الله بن فائد «1» ، يرفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم خرافة رجل من عذرة استهوته الشياطين، وسمع من يقول: هذا حديث خرافة، فقال: لا وخرافة حق.
- ويزعمون أن الطاعون «2» طعن من الشياطين، ويسمون الطاعون رماح الجن؛ قال الأسدي للحارث الغساني «3» :
لعمرك ما خشيت على أبيّ ... رماح بني مقيدة الحمار «4»
(1/318)

ولكني خشيت على أبي ... رماح الجن أو إياك حار «1»
22- إذا قالوا: جنة عبقر «2» قصدوا بهذه النسبة زيادة الخبث والعرام «3» .
قال حاتم الطائي:
عليهن فتيان كجنة عبقر ... يهزون بالأيدي الوشيج المقوما «4»
- ومن ثم قال بعض العرب: ظلمني فلان ظلما عبقريا. وقال: ظلم لعمر الله عبقري.
- وقال عليه السّلام: فلم أر عبقريا يفري فريه.
يقال للشعراء كلاب الجن، قال عمرو بن كلثوم «5» :
وقد هرت كلاب الجن منا ... وشذبنا قتادة من يلينا «6»
وذلك لزعمهم أن الشياطين تلقي الشعر على أفواهم؛ وسموا الملقي تابعة ورئيا «7» .
23- قال جرير:
إني ليلقى على الشعر مكتهل ... من الشياطين إبليس الأباليس
(1/319)

سمعوا توابعهم بأعلام قالوا كان للأعشى «1» مسحل، ولعمرو بن قطن جهنام «2» وللفرزدق عمرو، ولبشار شنقناق «3» .
24- يقال للخلعاء والمجان جند إبليس، قال:
وكنت فتى من جند إبليس فارتقت ... بي الحال حتى صار إبليس من جندي
25- كان في زمن الحجاج «4» رجل يعرف يعبد الله بن هلال مشعبذ «5» ، وكان يدعي أن إبليس يتراءى له ويطلعه على أسراره، فسمي بصديق إبليس، فقال الحجاج ليحيى بن سعيد بن العاص «6» : أخبرني عبد الله بن هلال صديق إبليس أنك تشبه إبليس، فقال: وما ينكر الأمير أن يكون سيد الإنس يشبه سيد الجن!!! فعجب من قوة جوابه.
(1/320)

26- يقال للشعر رقى «1» الشيطان، قال جرير في عمر بن عبد العزيز:
رأيت رقي الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا
- وكذلك كل ما يتكلم به من كلمات الخلابة «2» والتجميش «3» ، قال:
ماذا تظن بسلمى إذ يلم بها ... مرجّل الرأس ذو بردين وضاح
خز عمامته حلو فكاهته ... في كفه من رقى إبليس مفتاح
27- لما بلغ عبد الله بن الزبير خبر فتك عبد الملك بن مروان بعمرو ابن سعيد «4» الأشدق قال في خطبته: «بلغنا أن أبا الذبان «5» قتل لطيم الشيطان «6» ، وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون» «7» .
يقال لمن به لقوة لطيم الشيطان وكان عمرو ملقوا.
28- عن أبي عبيدة «8» : قدمت على الفضل بن الربيع حين استوزر، فضحك إلي واستدناني، ثم سألني وألطف بي، واستنشدني، فأنشدته عيون أشعار جاهلية، فقال: قد عرفت أكثرها، وأريد من ملح الشعر؛ فأنشدته، فطرب لها، ثم دخل رجل في زي الكتّاب فأقعده إلى جانبي،
(1/321)

وقال له: أتعرفه؟ قال: لا، قال: هذا علّامة أهل البصرة أبو عبيدة، وأقدمناه لنستفيد من عمله، فشكر له الرجل، ودعا له، وقال: إني كنت مشتاقا إليك، وقد سئلت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرفكها؟ قلت:
هات، قال: قال الله تعالى: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
«1» وإنما يقع الوعد والإيعاد بما عرف. فقلت هو على كلام العرب، أما سمعت قول امرىء القيس:
أتقتلني والمشرفيّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال «2»
وهم لم يروا الغول، ولكن لما كان أمر الغول «3» يهولهم أوعدوا به، فاستحسنه الفضل والرجل، واعتقدت منه أن أضع كتابا في نحو ذلك، فعملت فيه كتابي الذي سميته «كتاب المجاز» «4» .
29- يقال: أدركته أصابع الشيطان إذا تكبر بعد العمل «5» ، وقالوا:
من ولاه السلطان صبعه الشيطان «6» ، قال:
قد كنت أكرم صاحب وأبرّه ... حتى دهتك أصابع الشيطان
(1/322)

جذ الآله بنانها وأبانها ... كم غيرت خلقا من الإنسان «1»
30- أبو مرة «2» ، وأبو قترة «3» وأبو الجن كنى إبليس، قال ابن الحجاج «4» :
فما تلاقينا سوى مرة ... حتى أتى الشيخ أبو مرة
31- قالوا: الشيخ النجدي الذي ظهر إبليس على صورته، فأشار على قريش بأن يكونوا سيفا واحدا على النبي صلّى الله عليه وسلّم كانت كنيته أبا مرة فكني به إبليس.
32- وقال الفرزدق:
ألا ربما أن تبت أوضع ناقتي ... أبو الجن إبليس بغير خطام «5»
33- علي رضي الله عنه: اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكا، واتخذهم له أشراكا فباض وفرخ في صدورهم، ودرج في جحورهم، فنظر بأعينهم، ونطق بألسنتهم، فركب بهم الزلل، وزين لهم الخطل، فعل من قد شركه الشيطان في سلطانه، ونطق بالباطل على لسانه.
34- عمر بن عبد العزيز قال: إن رجلا سأل ربه أن يريه موقع الشيطان من قلب ابن آدم، فرأى فيما يرى النائم جسد رجل ممهى يرى داخله من خارجه، وأرى الشيطان في صورة ضفدع، له خرطوم كخرطوم
(1/323)

البعوضة، قد أدخله من منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه، فإذا ذكر الله خنس «1» .
35- ممهى قلب مموه، مجعول ماء في رقته وشفيفه، وقيل مصفى أشبه المها وهو البلور.
36- علي بن الحسين: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معتكفا فأتته صفية «2» فحدثته فلما انصرفت قام عليه الصلاة والسلام يمشي معها، فمرّ به رجلان من الأنصار فسلما ثم مضيا، فدعاهما فقال: إن هذه صفية بنت حيي؛ قالا: يا رسول الله وهل نظن بك إلّا خيرا؟ قال: فأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وقد خشيت عليكما.
37- أبو هريرة يرفعه: ما من رجل يخرج من بيته إلا وعلى بابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فأن خرج في طاعة الله تبعه الملك برايته حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج فيما يكره الله تبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع.
38- بريدة «3» : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما يخرج رجل شيئا من الصدقة حتى يفك عنه لحيى «4» سبعين شيطانا.
(1/324)

39- شرب أبو جندل «1» الخمر بالشام فحبس عنه أبو عبيدة بن الجراح عطاءه؛ فكتب إليه عمر: أما بعد فإنني لا أخالك إلا وقد كنت عونا للشيطان على أخيك، فإذا أتاك كتابي هذا فرد عليه عطاءه. وكتب إلى أبي جندل: حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ
«2» .
40- ابن عباس: أتاه رجل فقال: نذرت أن أبيت على قعيقعان «3» عريانا حتى أصبح، فقال ابن عباس: انظروا إلى هذا، أراد الشيطان أن يكشف عورته ثم يضحك منه هو وأصحابه، إنطلق فالبس ثيابك ثم صلّ عليه حتى تصبح.
41- قال رجل للفضل بن مروان «4» : إن فلانا يقع فيك؛ قال:
لأغيظن من أمره، يغفر الله لي وله؛ قيل من أمره؟ قال: الشيطان.
42- مكحول «5» : إن الرجل يعمل العمل في السر، فيطلبه الشيطان حتى يتحدث به، فيمحي من السر ويكتب في العلانية، ثم يطلبه الشيطان حتى يرائي به، فيمحي ويكتب عليه.
43- قوط الملائكة: صدع في صخرة عظيمة قرب آمد «6» ، تخرج
(1/325)

منه عين خوّارة «1» .
44- القوط بلسانهم الفرج:
45- أبو يحيى كنية ملك الموت، ويقال: أصابت فلانا حراب أبي يحيى إذا احتضر؛ والحراب: مثل في مقدمات الموت.
46- ليس شيء مما له رجلان يلد حيوانا إلا الإنسان وحده.
47- علي رضي الله عنه في وصف اختلاف الناس: إنما فرق بينهم مبادي طينهم، وذلك أنهم كانوا فلقة من سبخ «2» أرض وعذبها، وحزونة «3» تربة وسهلها، فهم حسب قرب أرضهم يتقاربون، وعلى قدر اختلافها يتفاوتون، قتام الرواء ناقص العقل مادّ القامة قصير الهمة، وزاكي العمل قبيح المنظر، وقريب القعر بعيد السبر، ومعروف الضريبة «4» منكر الجليبة «5» ، وتائه القلب متفرق اللّب، وطليق اللسان حديد الجنان «6» .
- وعنه كرم الله وجهه: جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها، وعذبها وسبخها، تربة سنها «7» بالماء حتى خلصت، ولاطها «8» بالبلة حتى لزبت «9» ، فجعل منها صورة ذات أحناء «10» ووصول، وأعضاء
(1/326)

وفصول، أجمدها حتى استمسكت، وأصلدها «1» حتى صلصلت «2» ، لوقت معدود، وأجل معلوم، ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها، وفكر يتصرف بها، وجوارح يختدمها «3» ، وأدوات يقلبها، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل، وبين الأذواق والمشام، والألوان والأجناس، معجونا بطينته الألوان المختلفة والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية، والأخلاط المتباينة، من الحر والبرد، والبلة والجمود، والمساءة «4» والسرور.
- وعنه: تمور في بطن أمك جنينا، لا تحير دعاء، ولا تسمع نداء، ثم أخرجت من عقرك إلى دار لم تشهدها، ولم تعرف سبل منافعها، فمن هداك لاجترار الغذاء من ثدي أمك، وحرك عند الحاجة مواضع طلبك.
48- ابن إسحاق «5» : يقال خلق الله آدم، ثم وضعه ينظر إليه أربعين عاما قبل أن ينفخ فيه الروح، حتى عاد صلصالا كالفخار ولم تسمه نار.
وعن ابن عباس وغيره: ثم أخذ ضلعا من أضلاعه، من شقه الأيسر، وآدم نائم لم يهبب من نومته حتى خلق منه حواء، فلما هب رآها إلى جانبه فقال: لحمي ودمي وزوجي فسكن إليها.
49- وعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنما خلقت المرأة من ضلع، فإذا ذهبت تقيمها كسرتها، وإن رفقت بها استمعت بها وفيها عوج.
(1/327)

50- وعن مجاهد «1» : خلقت من قصيراه «2» .
51- كان على عهد كسرى رجل يقول: من يشتري مني ثلاث كلمات بألف دينار؟ فيطنز به «3» ؛ حتى اتصل خبره بكسرى فطلبه وأحضر المال، فقال الرجل: ليس في الناس كلهم خير، فقال كسرى: زه «4» ، قال: ولا بد منهم، قال: زه، قال فألبسهم على قدر ذلك، قال: زه؛ قال: قد استوجبت المال فخذه، فأبى، فقال فلم طلبته؟ قال: كنت أحب أن أرى من يشتري الحكمة بالمال.
52- قال عدي بن زيد العبادي وكان نصرانيا من أهل الحيرة:
قضى لستة أيام خلائقه ... وكان آخر شيء صور الرجلا
فأخذ الله من طين فصورّه ... لما رأى أنه قد تم واعتدلا
دعاه آدم صوتا فاستجاب له ... فنفّخ الروح في الجسم الذي جبلا
ثمت أورثه الفردوس يعمرها ... وروجه ضلعه من جنبه جعلا
ثمت لم ينهه عن غير واحدة ... من شجر طيب إن شم أو أكلا
فعمدا للتي عن أكلها زجرا ... بأمر حواء إذ لم تحذر الدغلا
كلاهما خاط إذ بزا لباسهما ... من أورق التين ثوبا لم يكن غزلا «5»
53- ابن إسحاق «6» : كان مهبطهما على جبل يقال له داسم «7» ، من أرض الهند بين الدهنج والمندل «8» ، وهما قريبان، ومن تربة هذا الجبل
(1/328)

خلق آدم فيما يقال. وكان آدم يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت بقابيل بن آدم وتوأمته. فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا «1» ولا طلقا حين ولدتهما ولا دما لطهرة الجنة، فلما أصابا المعصية وأهبطهما إلى الأرض حملت بهابيل وتوأمته فوجدت الوحم والوصب والطلق والدم.
54- عبد الحميد الكاتب»
: الناس أخياف «3» مختلفون، وأطوار متباينون، فمنهم علق «4» مضنّة «5» لا يباع، وغلّ «6» مظنة «7» لا يبتاع.
55- النبي صلّى الله عليه وسلّم: خزائن الخير والشر مفاتيحها الرجال. الناس كلاب، فإذا وجدت سلوقيا «8» فاحتفظ به.
56- مقاتل «9» : من الأنبياء أربعة أحياء: إثنان في السماء عيسى
(1/329)

وإدريس وإثنان في الأرض والخضر؛ فالياس في البر، والخضر في البحر، وهما يجتمعان كل ليلة على ردم ذي القرنين يحرسانه، ويحجان كل عام، ولا يراهما إلا من شاء الله، وأكلهما الكرفس والكمأة.
57- كان يقال: اختص الله العرب بأربع: العمائم تيجانها، الحبى «1» حيطانها، والسيوف سيجانها، والشعر ديوانها.
58- علي رضي الله عنه في وصف الترك: كأني أراهم قوما كأن وجوههم المجان «2» المطرقة ويلبسون السرق «3» والديباج، ويعتقبون الخيل العتاق، ويكون هناك استحرار قتل، حتى يمشي المجروح على المقتول، ويكون المفلت أقل من المأسور «4» .
59- النبي صلّى الله عليه وسلّم: دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم.
60- أبو هريرة، يرفعه: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين، ذلف الأنف، كأن وجوههم المجان المطرقة.
61- الكلاب تقول: في الناس من هو أكلب منا، ولكن سبق الاسم لنا.
62- أبو الدرداء «5» يقول: اتقوا واحذروا الناس، فأنهم ماركبوا ظهر
(1/330)

بعير إلا أدبروه «1» ، ولا ظهر جواد إلا عقروه، ولا قلب مؤمن إلا خربوه.
63- علي، رفعه: يقول الله: يا ابن آدم ما تنصفني، أتحبب إليك بالنعم وتتمقت إلي بالمعاصي، خيري إليك منزل، وشرك إلي صاعد، ولا يزال ملك كريم يأتيني عنك في كل يوم وليلة بعمل قبيح؛ يا ابن آدم لو سمعت وصفك من غيرك وأنت لا تعلم الموصوف لأسرعت إلى مثته «2» .
64- كان أبو مسلم الخولاني «3» يقول: كان الناس ورقا لا شوك فيه، وأنتم اليوم شوك لا ورق فيه.
65- الأوازاعي «4» : لو لم تكن جنة ولا نار إلا أنهما داران، دار فيها الملائكة، والمرسلون، والصديقون، والشهداء، والصالحون، ودار فيها إبليس، والشياطين، وفرعون، وهامان «5» ، وقارون «6» ، فمع من تريد أن تكون؟.
66- أبو سليمان «7» : شيطان الجن أهون علي من شيطان الإنس،
(1/331)

شيطان الإنس يتعلق بي فيدخلني في المعصية، وشيطان الجن إذا تعوذت منه خنس عني.
67- قيل لراهب: ما الذي علا بك في هذه الصومعة؟ قال: وثبت وثبة الأكياس «1» من فخ إبليس.
68- شكى رجل إلى أبي سليمان الوسواس، قال: إذا أحسست به فافرح، فإنك إن فرحت انقطع عنك، إنه لا شيء أبغض إلى الشيطان من سرور المؤمن، فإن اغتممت زادك منه.
69- علي رضي الله عنه: الناس منقوصون مدخولون إلّا من عصم الله، سائلهم متعنت، ومجيبهم متكلف، يكاد أفضلهم رأيا يرده عن فضل رأيه الرضا والسخط، ويكاد أصلبهم عودا تنكأ اللحظة، وتحيله الكلمة «2» .
- وعنه في ذكر إبليس: إعترضته الحمية، فافتخر على آدم بخلقه، وتعصب عليه لأصله، فعدو الله أمام المتعصبين، وسلف المتكبرين، الذي وضع أساس العصبية، ونازع الله رداء الجبرية، وادّرع «3» لباس التعزز، وخلع رداء التذلل، ألا ترون كيف صغره الله بتكبره، ووضعه بترفعه، فجعله في الدنيا مدحورا، وأعد له في الآخرة سعيرا، ولو أراد الله أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه، ويبهر العقول رداؤه، وطيب يأخذ الأنفاس عرفه، لفعل، ولو فعل لظلت له الأعناق خاضعة، ولخفت البلوى فيه على الملائكة، ولكن
(1/332)

الله سبحانه يبتلي «1» خلقه ببعض ما يجهلون أصله، تمييزا بالاختبار لهم، ونفيا للإستكبار عنهم، وإبعادا للخيلاء منهم؛ فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس، إذ أحبط عمله الطويل، وجهده الجهيد، وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة، ولا ندري أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة، عن كبر ساعة واحدة؛ فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته؟ كلا ما كان الله ليدخل إلى الجنة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا، إن حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد، وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين «2» .
70- في متعصب للعجم:
يصيخ لكسرى حين يسمع ذكره ... بصماء عن ذكر النبي صدوف «3»
ويعجبه أخبار كسرى ورهطه ... وما هو في أعلاجهم بشريف «4»
71- قال معاوية للأحنف «5» : صف لي الناس وأوجز، قال: رؤوس رفعهم الحظ، وأكتاف عظمهم التدبير، وأعجاز شهرهم المال، وأذناب ألحقهم بهم الأدب؛ ثم الناس بعدهم أشباه البهائم، إن شبعوا ناموا، وإن جاعوا استاموا «6» .
72- في نكاذبهم: الضب قاضي الطير والبهائم، ويقولون: إنها اجتمعت إليه أول ما خلق الإنسان، فوصفوه له، فقال: تصفون خلقا ينزل الطير من السماء، ويخرج الحوت من الماء، فمن كان ذا جناح فليطر، ومن كان ذا مخلب فليحفر.
(1/333)

73- النبي صلّى الله عليه وسلّم: من عباده خيرتان «1» ، فخيرته من العرب قريش، ومن العجم فارس.
74- وكان يقال لعلي بن الحسين ابن الخيرتين لأن أمه سلافة كانت من ولد يزدجرد.
75- الحسن: عربي مقتصد أحب إلي من مولى مجتهد.
76- ابن عباس: يأجوج ومأجوج «2» شبر وشبران وثلاثة أشبار، وهم ولد آدم.
77- كانت الصحابة يقولون: إن الشياطين ليجتمعون على القلب كما يجتمع الذباب على القرحة، فإن لم تذب وقع الفساد.
78- عبد الله بن عمر: ربع من لا يلبس الثياب من السودان أكثر من جميع الناس.
79- لما خلق آدم جاء النسر إلى الحوت فقال: رأيت اليوم خلقا لينزلني من وكري، وليخرجنك من البحر.
80- أبو هريرة، رفعه: إن الله خلق الخلق أربعة أصناف:
الملائكة، والشياطين، والإنس، والجن، ثم جعل هؤلاء عشرة أجزاء:
فتسعة منهم الملائكة، وجزء واحد الشياطين والجن والإنس، ثم جعل الجن والإنس عشرة أجزاء فتسعة منهم الجن وجزء واحد الإنس.
(1/334)

الباب الحادي عشر الأنفة والاباء والحمية والإجارة والإغاثة والنصرة والذب عن الحريم والغيرة وغير ذلك
1- لما فتح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكة، أراد أن يتألف أبا سفيان «1» ويريه كرم القدرة فقال: من دخل الكعبة فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن؛ فقال أداري يا رسول الله أداري؟ قال: نعم دارك.
2- وعن أبي المظفر ناصر بن ناصر الدين أنه لما فتح سرخس «2» قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، يعني أبا سفيان القاضي السرخسي، فاستحسنها الناس منه.
3- علي رضي الله عنه: من أحد سنان الغضب لله قوي على قتل أشداء الباطل.
- وعنه: من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف، والتنفيس عن
(1/335)

المكروب «1» .
4- أخرج كنانة بن الربيع العبشمي «2» زينب بنت رسول الله «3» صلّى الله عليه وسلّم من مكة إلى المدينة فعرض لها هبار بن الأسود «4» فرماه كنانة بسهم وأفلت وقال:
عجبت لهبار وأوباش قومه ... يريدون إخفاري ببنت محمد «5»
ولست أبالي ما بقيت ضجيجهم ... إذا اجتمعت يوما يدي بالمهند «6»
5- نزل الحارث بن عبد المطلب بن هاشم «7» بقوم فقروه «8» ، فأغير على بعضهم، فركب في نفر معه فاستنقذهم وقال:
نادتهم حين صمّوا عن مناشدتي ... صمّ القنا زعزعت أطرافه الخرق
(1/336)

وكم ترى يوم ذاكم من مولولة ... إنسان مقلتها في دمعها غرق «1»
6- خرج قيس بن زهير «2» في زمن الجدب ممتارا «3» ، فبصر بنار فأمها «4» ، ثم أبت نفسه ذل المسألة، فصار إلى شجرة ذات سم فأكل من ورقها، ثم مال إلى الوادي فنام في الشمس ومات.
7- عمرو بن براقة الهمداني «5» :
متى تجمع القلب الذكي وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم «6»
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم
8- ابن أبي فنن «7» :
جعلتك حصنا دون كل ملمة ... تخاوص عيناها ويصرف نابها «8»
فلبيت لمّا أن دعوت مشمرا ... ولا خير في ذي دعوة لا يجابها
9- أعرابي:
قوض خيامك والتمس بلدا ... ينأى عن الفاشيك بالظلم «9»
أو شدّ شدة بيهس فعسى ... أن يتقوك بصفحة السلم «10»
(1/337)

10- علي رضي الله عنه: وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لا تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا.
11- استنصر سبيع بن الخطيم التيمي زيد الفوارس الضبي «1» فنصره فقال:
نبهت زيدا فلم أفزع إلى وكل ... رب السلاح ولا في الحيّ مغمور «2»
سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير «3»
12- عبد الله بن أبي الهداد «4» في ثابت بن يحيى «5» وزير المأمون:
إذا ما زمان السوء مال بركنه ... علينا عدلناه بإحسان ثابت
كريم يفوت الناس مجدا وسؤددا ... وليس الذي نرجوه منه بفائت
13- كلم عمر بن عبد العزيز أمويا أمه مرية «6» فقال: قبّح الله شبها غلب عليك من بني مرة، فبلغ عقيل بن علفة المري «7» وهو بجنفاء «8» ،
(1/338)

من المدينة على أميال. فقدم على عمر بدير سمعان «1» فقال: بلغني أنك غضبت على فتى من بني أبيك فقلت قبح الله شبها غلب عليك من بني مرة، وأنا أقول: قبح الله الأم طرفيه. فقال عمر: دع ذا وهات حاجتك، قال: لا والله مالي حاجة غيرها وولى راجعا، فقال عمر: سبحان الله! من رأى مثل هذا الشيخ؟.
14- سعد بن قرط العبقسي «2» :
ولما رأيت الموت لا ستر دونه ... يحوم على هامات بكر بن وائل «3»
عطفت عليهم مهرة أعوجية ... وناديت عبد القيس دون القبائل
فجاؤوا كأسد الغاب في مرجنة ... لها ذمرات بالقنا والمناصل «4»
ففرجت عن بكر وكانت بحالة ... مخنقة للقوم ذات غوائل
لأني وبكرا من ربيعة في الذرى ... إذا حصل الأقوام أهل الفضائل
15- قدم مكة في الجاهلية قيس بن نشبة السلمي ابن عم العباس بن مرداس «5» بإبل له فباعها من أبي خلف الجمحي «6» فمطله «7» الثمن، فجعل قيس يطوف في مجالس قريش ويقول:
(1/339)

يا آل فهر كيف هذا في الحرم ... وحرمة البيت وأخلاق الكرم
أظلم لا يدفع عني من ظلم
فأمره العباس بن مرداس أن يستنصره بالعباس بن عبد المطلب «1» ففعل، فاستخرج له حقّه وقال:
رعيت لقيس حقّه وذمامه ... وأوليت فيه الرغم من كان راغما
سأمنعه ما دمت حيا وإن أمت ... أحض عليه للتناصر هاشما
فقال ابن قيس لابن عباس «2» في الإسلام:
أحبكم في الجاهلية والدي ... وفي الدين كنتم عدتي ورجائيا
فصرت بحبي منكم غير مبعد ... لديكم وأصبحت الصديق المصافيا
وآليت لا أنفك أحدو قصيدة ... تمدّ بها بزل الجمال الهواديا «3»
16- وفد زياد الأعجم «4» على المهلب بن أبي صفرة «5» وهو يقاتل
(1/340)

الأزارقة بتوّج «1» فأكرمه وأنزله على ابنه حبيب «2» ، وقال له أحسن قراه «3» ، فبينا هما في بستان إذ غنّت حمامة على فنن، فطرب لها زياد، فقال له حبيب: إنها فاقدة إلف كنت أراه معها، فقال زياد: هو أشد لشوقها، وأنشأ يقول:
تغني أنت في ذممي وعهدي ... وذمة والدي أن لا تضاري «4»
فإنك كلما غرّدت صوتا ... ذكرت أحبتي وذكرت داري
فأما يقتلوك طلبت ثأرا ... لأنك يا حمامة في جواري
فضحك حبيب ودعا بجلاهق «5» فرماها، فسقطت ميتة «6» ، فنهض زياد مغضبا وقال: أخفرت أبا بسطام ذمتي وقتلت جاري، فشكا إلى
(1/341)

المهلب، فغضب وقال لحبيب: أما علمت أن جار أبي أمامة جاري، وذمته ذمتي، والله لألزمنك دية «1» الحر والعبد، وأخذها من ماله، ودفعها إلى زياد، فقال:
فلله عينا من رأى كقضية ... قضى لي بها شيخ العراق المهلب
قضى ألف دينار لجار أجرته ... من الطير إذ يبكي شجاه ويندب
فرفع خبره إلى الحجاج فقال: لشيء ما سودت العرب المهلب، ويروى: ما أخطأت العرب حين جعلت المهلب رجلها.
17- سقط الجراد قريبا من بيت أبي حنبل جارية بن مر «2» ، فجاء الحي فقالوا: نريد جارك، فقال: أما إذ جعلتموه جاري فو الله لا تصلون إليه؛ فأجاره «3» حتى طار من عنده، فسمي مجير الجراد؛ وفي ذلك يقول هلال بن معاوية الثعلبي «4» .
وبالجبلين لنا معقل ... صعدنا إليه بصمّ الصعاد «5»
ملكناه في أوليات الزمان ... من قبل نوح ومن قبل عاد «6»
ومنّا ابن مر أبو حنبل ... أجار من الناس رجل الجراد
وزيد لنا ولنا حاتم ... غياث الورى في السنين الشداد
(1/342)

18- كتب عثمان رضي الله عنه إلى علي عليه السّلام يوم الدار «1» : أما بعد فقد بلغ السيل الزبى «2» ، وبلغ الحزام الطبيين «3» ، فأقبل إليّ، كنت لي أم عليّ.
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق
19- زهير الأزدي «4» :
كفوه وذادوا بالوشيج وراءه ... تميم وأهل السر من غطفان «5»
ولو بسواهم كان إذ شاط لحمه ... أناخ لقد زلت به القدمان «6»
وله:
فإن كنت تبغي للظلامة مركبا ... ذلولا فإني ليس عندي بعيرها «7»
نشأت عسيرا لا تلين عريكتي ... ولا يستقر فوق ظهري كورها «8»
(1/343)

20- علق «1» عيينة بن أسماء الغزاري «2» جارية، فشكا وجده»
بها إلى أخيه مالك بن أسماء «4» ، وكان مالك أوجد بها منه فقال:
أعيين هلّا إذ شغفت بها ... كنت استعنت بفارغ العقل
أقبلت ترجو الغوث من قبلي ... والمستغاث إليه في شغل «5»
21- أراد النعمان بن المنذر قتل الفظ بن مالك الغساني «6» حين هجاه فاستوهبه عمرو بن معدي كرب فقال الفظ:
تداركني من مذحج خير مذحج ... وسيف أبي قابوس يستقطر الدما
وكنت الذي تثنى الخناصر باسمه ... وكنت إلى دفع المنية سلّما
22- يغار عليه من ظله، ويحسد قميصه على مماسة جسده.
23- كان لعبد العزيز بن أبي دلف «7» جارية يرى الدنيا بعينيها «8»
(1/344)

فضرب عنقها وقال: خفت أن أموت من حبها، فتنام هي بعدي تحت غيري.
24- زوّج عمر بن عبد العزيز بنتا له، فقال لامرأته فاطمة بنت عبد الملك «1» : علمي هذه الصبية ما كنت تعلمين، أي ما كنت أعجب به منك، قالت: أو ما تغار؟ قال: إنما الغيرة في الحرام، فأما الحلال فلا، أبعد قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي وفاطمة لا تعجلا حتى أدخل عليكما.
25-[شاعر] :
قالوا قليل عدده ... من غار قل ولده
26- سمع الحجاج قول عيينة بن الحكم الخلجي:
خلت البصرة من أقذائها ... وخلونا بالرعابيب الخرد «2»
وكان جميلا غزلا، فسيره عن البصرة إلى خراسان.
27- علي رضي الله عنه: ما زنى غيور قط. وعنه غيرة المرأة كفر، وغيرة الرجل إيمان.
28- الخليع البصري «3» :
(1/345)

وموشّج نازعت فضل وشاحه ... وكسوته من ساعديّ وشاحا
ترك الغيور يعط جلدة وجهه ... وأمال أعطافا عليّ ملاحا
29- قالت بنت النعمان بن بشير «1» لروح بن زنباع «2» : إنك لغيور، فقال: إن المرء العاقل لحقيق «3» أن يغار على حمقاء ورهاء «4» مثلك، لا يأمن أن تأتي بولد من غيره فتقذفه في حجره.
30- المأمون: الغيرة بهيمية، وضرب من البخل.
31- ابن المدبر «5» في عبيد الله بن يحيى بن خاقان «6» :
(1/346)

معاذي وجاري وجهك اليوم أنه ... هو الوجه من يبغي به النجح ينجح
وعدلك مبسوط وأمنك شامل ... وحلمك من ثهلان أوفى وأرجح
32- نوح بن عمرو بن حوي السكسكي في مولى دفع عنه:
ومولى دفعت الضيم عنّي بشخصه ... وأبيض من ماء الحديد مجرب
فأقدم والرمح الطويل بكفه ... وعرد عني يوم ذاك بنو أبي «1»
وكرّ حفاظا خشية العار مقدما ... وصمم تصميم الحسام المشطب «2»
فقام بحق الروع يوم جلاده ... حسامان ركابا قرى المتهيب
أراد بالحسامين مولاه وسيفه الذي ذب به عنه.
فمولاك لا تفقد نوالك إنه ... شريكك في الهيجا وناصرك الأبي
33- موسى بن حكيم العيشمي «3» :
دعاني عوف دعوة فأجبته ... ومن ذا الذي يدعي لنائبة بعدي
فلو بي بدأتم قبل من دعوتم ... لفرجت عنكم كل نائبة وحدي
إذا ما عدو غاظني ثم أجحفت ... به نكبة حلّت رزيته حقدي
34- محمد بن أحمد بن سوار الطائي «4» :
وليس لمروان على العرس غيرة ... ولكن مروانا يغار على القدر «5»
(1/347)

35- هجا الفرزدق ذا الأهدام الكلابي «1» ، فقال الفرزدق:
ونبّئت ذا الأهدام يعوي ودونه ... من الشام زراعاتها وقصورها
فعاذت أمه بقبر غالب «2» فقال:
عجوز تصلّي الخمس عاذت بغالب ... فلا والذي عاذت به لا أضيرها
36- اتقى لفح النار، بالكبريت والقار «3» ؛ إذا اسغاث بمن يستضر به.
ويقال: استكف النار بالحلفاء «4» .
37- أبو عزة القشيري «5» :
لو كنت من رهط الأصمّ بن مالك ... أو الخلعاء أو زهير بني عبس
إذا دافعت عني يد مضرية ... ولم يرهب الجاني الذي جر بالأمس
38- سراقة بن مرداس السلمي «6» أخو العباس «7» ، وقد جاور غنيا «8» فحمدهم:
(1/348)

كأني من رماح بني غنيّ ... بخيسة أسد عثّر أو يريم «1»
وأسقى من غنيّ في زجاج ... يضيء شعاعه وجه النديم
39- عبيد الله بن زياد حين أجارته الأزد بعد يزيد بن معاوية:
فقل للأزد دارك خير دار ... وزندك في العلا أورى زناد «2»
جزيتم عن عبيد الله خيرا ... وقبل بني زياد عن زياد
حللتم داره فمنعتموه ... بسمر الخط والبيض الحداد «3»
وكنتم عند ظني حين ضاقت ... عليّ برحبها سعة البلاد
40- بعث ملك الحبشة إلى عبد المطلب يأمره بأن يدين له، وكانت مكة لقاحا «4» ، فقال:
إنا أناس لا ندين بأرضنا ... عضّ الرسول ببظر أم المرسل «5»
(1/349)

41- الرسول صلّى الله عليه وسلّم: من ذب عن عرض أخيه كان ذلك له حجابا من النار.
42- محرز بن نجدة الخفاجي «1» :
إذا القوم ساموني يدا لا أريدها ... أبي خلق لي يمنع الضيم أشوس
وإني متى أركب سوى الحق خطة ... منوع رضا القوم المعادين أليس
43- كان أبو سفيان «2» إذا نزل به جار قال له: يا هذا إنك قد اخترتني جارا، واخترت داري دارا، فجناية يدك علي دونك، وإن جنت عليك يد فاحتكم علي حكم الصبي على أهله؛ ويوشك أن يكون هذا من الأسباب الموصلة إلى أن شرف بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الفتح من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
44- أصابت أهل البادية قحمة «3» شديدة فخرج الفرزدق إلى الوليد ابن عبد الملك وامتدحه بقصيدة فيها:
وكم من مناد والشريفان دونه ... إلى الله يشكو والوليد مفاقره «4»
وقالوا أغثنا إن بلغت بدعوة ... لنا عند خير الناس إنك زائره
(1/350)

فقال له الوليد حاجتك؟ قال: تملأ لي إبلا قمحا، وإبلا زيتا، وإبلا دراهم، فأقرها في أهل البوادي، من بابك إلى اليمامة، وتكتب إلى عمالك كلما نفد منها شيء أعيد لي؛ ففعل، فقسم الفرزدق ذلك حتى انتهى إلى اليمامة.
45- لما حبس خالد بن عبد الله «1» عمر بن هبيرة «2» ، ونقب له السجن فهرب، قصد إلى مسلمة «3» بالشام، وقد كان بينهما تباعد، وذلك أن عمر كان قد احتال حتى عزل مسلمة عن العراق وولي مكانه، فدخل عليه وهو قائل، فانتبه فقال: ابن هبيرة؟ قال: نعم.
وإذا يصيبك والحوادث جمة ... حدّث حداك إلى أخيك الأوثق
فركب مسلمة إلى هشام «4» من ساعته، فقال: يا أبا سعيد ما أعملك إلينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين أكان أحد من قريش يمد يده إلى شيء إلا نمد إليه أيدينا؟ قال: لا والله؛ قال: فهل نلنا ذلك إلا بالوفاء؟ قال:
أجل؛ فقال: إن عمر بن هبيرة لجأ إلي فجعلت [له] ذمة الله وذمة أمير المؤمنين عبد الملك وذمتك وذمتي، قال أجرنا من أجرت، قال: فرد عليه
(1/351)

ماله، فأمر له بمائة ألف، وانصرف مسلمة وضم إليه خمسين ألفا وحمله.
46- وفد يحيى بن عروة بن الزبير «1» على عبد الملك فذكر حاجبه عبد الله بن الزبير فنال منه، فضرب وجهه حتى أدمي أنفه، فقال له عبد الملك من فعل بك؟ قال: يحيى، قال: أدخله وكان متكئا فجلس، وقال: ما حملك على ما صنعت بحاجبي؟ قال: يا أمير المؤمنين عمي عبد الله كان أحسن جوارا لعمتك منك لنا، والله إن كان ليوصي أهل ناحيته أن لا يسمعوها قدعا، وإن كان يقول لها من سب أهلك فسبي أهله؛ أنا والله المعم المخول تفرقت العرب عن عمي وخالي، وكنت كما قال الأول:
يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها تقدّما
فرجع عبد الملك إلى متكئه، ولم يزل يعرف فيه الإكرام ليحيى. هو من جهة أمه أموي، أمه بنت الحكم بن أبي العاص عمة عبد الملك.
47- قال ابن الزبير في خطبته بعد قتل مصعب «2» : والله لوددت أن الأرض قاءتني «3» عنده حين لفظ غصته، وقضى نحبه.
خذيه فجريه ضباع وقضقضي ... عظام امرىء قد غاب بالأمس ناصره
48- لما وجّه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة «4» لاستباحة أهل المدينة
(1/352)

ضمّ علي بن الحسين إلى نفسه أربع مائة منافية «1» بحشمهن يعولهن إلى أن تقوّض جيش مسلم، فقالت امرأة منهن: ما عشت والله بين أبوي مثل ذلك التريف «2» .
(1/353)

الباب الثاني عشر الإخاء، والمحبة، والصحبة، والإلف وما يقع بين الإخوان من الجفوة، والمصارحة وذكر الحب والبغض في الله والجوار
1- النبي صلّى الله عليه وسلّم: أكثروا من الإخوان، فإن ربكم حيي كريم يستحي أن يعذب عبده بين إخوانه يوم القيامة «1» .
- وعنه عليه الصّلاة والسّلام: من نظر إلى أخيه نظرة المودة، ولم يكن في قلبه عليه إحنة لم يطرف حتى يغفر الله له ما تقدم من ذنبه «2» .
2- علي رضي الله عنه: من كان له صديق حميم فإنه لا يعذب، ألا ترى كيف أخبر الله عن أهل النار فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
«3» .
علي رضي الله عنه: لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته ووفاته.
- وعنه: أعجز الناس من عجز على إكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم.
(1/355)

3- عمر رضي الله عنه: ثلاث يثبتن الود لك في صدر أخيك: أن تبدأه بالسّلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه.
4-[شاعر] :
تكثر من الإخوان ما استطعت إنهم ... عماد إذا استنجدتهم وظهور
فليس كثيرا ألف خلّ وصاحب ... وإنّ عدوا واحدا لكثير
5- حكيم: سلوا القلوب عن المودات فإنها شهود لا تقبل الرشا «1» .
6- ابن عرفة:
حسبي بقلبك شاهدا لي في الهوى ... والقلب أعدل شاهد يستشهد
7- كتب رجل إلى أخ له: إنك من جوارحي يميني، ومن سوانحي «2» يقيني.
- وكتب آخر: ما انفككت عن ودك، ولا انفركت عن عهدك.
8- كان عمر بن عبد العزيز ينشد:
وإذا أخ لي حال عن خلق ... داويت منه ذاك بالرفق
إنّي لأمنح من يواصلني ... مني صفاء ليس بالمذق «3»
والمرء يصنع نفسه ومتى ... ما تبله يفزع إلى العرق «4»
9- علي رضي الله عنه: الصديق من صدق غيبه.
(1/356)

10- الأصمعي: دخلت على الخليل «1» وهو جالس على حصير صغير، فأشار عليّ بالجلوس، فقلت: أضيق عليك، فقال: مه «2» إن الدنيا بأسرها لا تسع متباغضين، وإن شبرا في شبر يسع متحابين.
11- الخليل: الرجل بلا صديق كاليمين بلا شمال.
12- قال رجل لابن المقفع: أنا بالصديق آنس مني بالأخ، قال:
صدقت، الصديق نسيب الروح، والأخ نسيب الجسم.
13- قال محمد بن علي الباقر «3» : أيدخل أحدكم في كم صاحبه فيأخذ حاجته من الدنانير والدراهم؟ قالوا: لا، قال: فلستم بإخوان إذن.
14- إبراهيم بن العباس «4» :
فأنت مني النفس من بينهم ... وأنت الحبيب وأنت المطاع
فما منك أن بعدوا وحدة ... ولا منهم ان بعدت اجتماع
15- كاتب:
ثلاثة أصفيتهم إخائي ... كأنهم كواكب الجوزاء
(1/357)

عطارديون يرون رائي ... كأنما أهواؤهم أهوائي «1»
16- أعرابي: ودك عندي لا ينضى «2» ملبوسه، ولا يتوى «3» محروسه، ولا يذوى «4» مغروسه.
17- جعفر بن محمد «5» : صحبة عشرين يوما قرابة.
18- قال رجل لضيغم العابد: أشتهي أن أشتري دارا في جوارك حتى ألقاك، قال: المودة التي يفسدها تراخي اللقاء مدخولة.
19- كتب رجل إلى أخ له: أما بعد فإن كان إخوان الثقة كثيرا فأنت أولهم، وإن كانوا قليلا فأنت أوثقهم، وإن كانوا واحدا فأنت هو.
20- النبي صلّى الله عليه وسلّم: من أحب أخاه فليعلمه «6» .
21- ابن مسعود رضي الله عنه: ما الدخان على النار بأدل من الصاحب على الصاحب.
22- حكيم: من ودك لأمر ولى مع إنقضائه.
23- كاتب: دع رجلي ورجلك في نعل ما وسعهما القبال «7» .
24- أعرابي: المودة بين السلف ميراث بين الخلف.
25- حافظ على الصديق ولو في الحريق.
(1/358)

26- قال ظريف لأخيه: لو كنت معك في جوف فقاعة «1» ما باليت.
27- أعرابي: دع مصارمة أخيك، وإن حثا التراب في فيك «2» .
28- عرض رجل بآخر وأنشد:
صديقك لا يثني عليك بطائل ... فماذا عسى فيك العدو يقول
- فقال:
وحسبك من لؤم وخبث طوية ... بأنك عن غيب الصديق سؤول «3»
29- مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس «4» :
أخوك الذي إن تجن يوما عظيمة ... يبت ساهرا والمستذيقون رقّد «5»
تمت إلى الأقصى بثديك كله ... وأنت على الأدنى صروم مجدّد
30- شريح بن عمران اليهودي «6» :
(1/359)

آخ الكرام إن استطع ... ت إلى إخائهم سبيلا
وأشرب بكأسهم وإن ... شربوا بها السمّ الثميلا «1»
31- الخليل: رغبتك في الزاهد فيك ذل نفس، وزهدك في الراغب فيك قصر همة.
32- قارب إخوانك في خلائقهم تسلم من بوائقهم «2» .
33- اعتذر رجل إلى صاحبه من تأخر اللقاء فقال: أنت في أوسع عذر عند ثقتي، وفي أضيق عذر عند شوقي.
34- علي رضي الله عنه: ينبىء عن كل امرىء دخيله.
35- عبد الله بن شداد بن الهادي «3» يوصي ابنه: لا توأخ أحدا حتى تعاشره، وتتفقد موارد أمره ومصادره، فإذا استطبت العشرة، ورضيت الخبرة، فآخه على إقالة «4» العثرة، والمواساة في العسرة، وكن كما قال أبو يزيد العدوي «5» :
أبل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمنّ أمورهم وتفقد «6»
فإذا ظفرت بذي الديانة والتقى ... فبه اليدين قرير عين فاشدد
فإذا يزلّ، ولا محالة، زلة ... فعلى أخيك بفضل حلمك فازدد
(1/360)

36- فلان يتحسى مرار الإخوان، ويسقيهم عذبه.
37- قيل لحكيم: ما الصديق؟ قال: إنسان هو أنت إلّا أنه غيرك.
38- المأمون: الإخوان على ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء الذي يحتاج إليه، وطبقة كالنفس لا تمكن الحياة إلّا به.
39- المعتز بالله:
إن الصديق له حقوق جاوزت ... حدّ القرابة للنسيب الأقرب
40- قس بن ساعدة «1» : تقاربوا بالمودة، ولا تتكلوا على القرابة.
41- هرمز «2» : شرط الصديق أن لا يضن عليك بماله، فإن ضن عليك بماله فهو بنفسه أضن.
42- لا يباع الصديق الألوف بالألوف «3» .
43- حكيم: أكرم الخيل أجزعها من السوط، وأكيس «4» الصبيان أشدهم بغضا للكتاب، وأكرم الصفايا «5» أشدها حنينا إلى أوطانها، وأكرم
(1/361)

المهارى «1» أشدها ملازمة لأمهاتها، وخير الناس آلفهم للناس.
44- المتنبي «2» :
خلقت ألوفا لو رحلت إلى الصّبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا «3»
45- النبي صلّى الله عليه وسلّم: ألا أخبركم بأحبكم إليّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، الموطأون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون «4» .
46- بعض السلف: أبذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك «5» ومحضرك، ولعدوك عدلك وإنصافك.
47- علي رضي الله عنه: الغريب من ليس له حبيب.
48- قيل لحكيم: من أبعد الناس سفرا؟ قال: من سافر في إبتغاء الأخ الصالح.
49- لا شيء أوحش من الوحدة، والوحدة آنس من شرار الإخوان.
50- كان مع مالك بن دينار كلب، فقيل له: يا أبا يحيى ما هذا؟
قال: هذا خير من جليس السوء.
51- قال فضيل «6» للثوري «7» : دلني على جليس أجلس إليه.
(1/362)

قال: تلك ضالة لا توجد.
52- عمرو بن ميمون «1» : قدم علينا معاذ بن جبل فألقيت عليه محبتي، فما فارقته حتى حثوت عليه التراب بالشام.
53-[شاعر] :
ألا قبّح الرحمن كلّ مماذق ... يكون أخا في الخفض لا في الشدائد «2»
54- لقمان «3» : يا بني: إيّاك وصاحب السوء، فإنه كالسيف يعجبك منظره، ويقبح أثره.
55- علي رضي الله عنه في وصيته: أحمل نفسك في أخيك عند صرامه على الصلة، وعند صدوده على اللطف، وعند جحوده على البذل، وعند تباعده على الدنو، عند شدته على اللين، وعند جرمه على العذر، حتى لكأنك له عبد؛ ولا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك؛ وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية ترجع إليها، إن بدا لك يوما ما، ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه، فإنه ليس بأخ من ضيعت حقه.
56-[شاعر] :
أخ طاهر الأخلاق عذب كأنه ... جنى النحل ممزوجا بماء غمام «4»
يزيد على الأيام فضل مودة ... وشدة إخلاص ورعي ذمام «5»
57- الجارود العبدي «6» ملك البحرين وفد على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مع
(1/363)

رهطه بني جذيمة «1» فأسلم وقال:
فإن لا تكن داري بيثرب فيكم ... فإني لكم عند الإقامة والنهض «2»
أصالح من صالحت من ذي عداوة ... وأمنح من أمسى على بغضكم بغضي
58- مرس السعدي «3» :
أخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... تلون ألوانا علي خطو بها
إذا عبت منه خصلة فهجرته ... دعتني إليه خصلة لا أعيبها
59- معاوية بن عبد الله بن جعفر «4» في يزيد بن معاوية:
إذا مذق الأخوان بالغيب ودّهم ... فسيّد أخوان الصفاء يزيد
60- لقمان «5» : ثلاثة لا تعرفهم إلّا عند ثلاثة، الحليم عند الغضب، والشجاع عند الخوف، والأخ عند حاجتك إليه.
61- قيل لبعض قضاة البصرة: إن فلانا يعضهك «6» ، فقال لكني أجعل صداقته سترا لقلبي عن قبول سيئته، فبلغ المأمون فقال: هذا والله عين الضن بالصداقة.
62-[شاعر] :
(1/364)

إحذر مودة ماذق ... شاب المرارة بالحلاوة
يحصي الذنوب عليك أي ... ام الصداقة للعدواة
63- الزبرقان بن بدر «1» ، وروي لعمرو بن الأهتم المنقري «2» :
ألم تر ما بيني وبين ابن عامر ... من الود قد بالت عليه الثعالب
فأصبح باقي الود بيني وبينه ... كأن لم يكن والدهر فيه العجايب
64- عبيد الله بن عبد الله بن طاهر «3» :
ألم تر أن المرء تدوى يمينه ... فيقطعها عنه ليسلم سائره
فكيف تراه بعد يمناه صانعا ... بمن ليس منه حين تدوى سرائره
65- علي رضي الله عنه: حسد الصديق من سقم المودة.
66- كان رجل يقول: اللهمّ اكفني بوائق «4» الثقات، اللهمّ احفظني من الصديق.
67- ذكر خالد بن صفوان «5» شبيب بن شبيبة «6» فقال: ذلك رجل
(1/365)

ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية.
68- قيل لحكيم: أي الكنوز خير؟ فقال: أما بعد تقوى الله فالأخ الصالح: إن أكرم أخواني علي من كثرت أياديّ عنده.
69- قيل لخالد بن صفوان: أيما أحب إليك أخوك أم صديقك؟
قال: إنما أحب أخي إذا كان صديقا.
70- إذا غشك صديقك فاجعله مع عدوك.
71- قيل لروح بن زنباع «1» : ما معنى الصديق؟ قال: لفظ لا معنى له.
72- الصديق الفاضل من أحب صديق صديقه. كل مودة عقدها الطمع حلها اليأس.
73- القاسم بن محمد: قد جعل الله في الصديق عوضا من ذي الرحم المدبر.
74- الفضل بن مروان «2» : السؤال عن الأخوان لقاء.
(1/366)

75- قال علقمة بن لبيد العطاردي «1» لابنه إذا نازعتك نفسك صحبة الرجال فاصحب من إذا صحبته زانك، وإن خدمته صانك، وإن عركت به مؤونة مانك؛ إصحب من إن مددت يدك بفضل مدها، وإن بدت منك ثلمة «2» سدها، وإن رأى منك حسنة عدها؛ إصحب من يتناسى معروفه عندك، ويتذكر حقوقك عليه.
76-[شاعر] :
إذا كان ذواقا أخوك مصارما ... موجهة في كل أوب ركائبه
فخلّ له ظهر الصديق ولا تكن ... مطية رحال كثير مذاهبه
- آخر:
وإني إذا ساء الصديق طويته ... كطيّ اليماني ثم قلّ له نشري
77- قال رجل لمطيع بن أياس: قد جئتك خاطبا، قال: لمن؟
قال: لمودتك، قال: قد انكحتك إياها، وجعلت الصداق ألا تقبل في مقالة قائل.
78- حكيم: ليكن اختيارك من الأشياء جديدها، ومن الأخوان أقدمهم.
79-[شاعر] :
صديق حضارة وصديق عين ... وليس لمن تغيب بالصديق
- آخر:
رجل صديق ما بدت لك عينه ... فإذا تغيب فاحترس من دعلج «3»
(1/367)

80- أمرؤ القيس «1» :
إذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... وقرّت به العينان بدّلت آخرا
كذلك جدّي لا أصاحب صاحبا ... من الناس إلّا خانني وتغير «2»
81- أبو يزيد بن أبي ثمامة العبدي «3» :
أتزعم أنني أهوى خليلا ... سواك على دنوّ أو بعاد
جحدت إذا موالاتي عليا ... وقلت بأنني مولى زياد
82- طرفة «4» :
أصرمت حبل الوصل أم صرموا ... يا صاح بل صرموا الحبال هم «5»
إن اللئام كذاك خلتهم ... كانوا إذا أحببتهم سئموا
83- كعب بن زهير:
إذا ما خليل لم يصلك فلا تقم ... بتلعته واعمد لآخر واصل
84- عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود «6» أستاذ الزهري «7» قال
(1/368)

فيه وقد انقطع عنه:
إذا شئت أن تلقى صديقا مصافيا ... لقيت وأخوان الصفاء قليل
85- لم ير الناس أعجب حالا من الكميت «1» والطرماح «2» كان الكميت عدنانيا عصبيا، وشيعيا من الغالية «3» ، ومتعصبا لأهل الكوفة، والطرماح قحطانيا عصبيا، وخارجيا من الصفرية»
، ومتعصبا لأهل الشام،
(1/369)

وبينهما من المخالصة والمخالطة ما لم يكن بين نفسين قط، ولم يكن بينهما صرم ولا جفوة؛ وقيل لهما: علام تصادقتما؟ قالا على بغض العامة!!!.
86- وللكميت:
إذا قبضت نفس الطرماح أخلقت ... عرى المجد واسترخي عنان القصائد
87- ونحوه تزوج السيد الحميري «1» ببنت الفجاءة «2» واتفاقهما عمرهما.
88- قال أسماء بن خارجة الفزاري «3» : إذا قدمت المودة سمج الثناء؛ فنظمه من قال:
إذا صفت المودة بين قوم ... ودام ولاؤهم سمج الثناء
89- قيل لخالد بن صفوان: أي أخوانك أحب إليك؟ قال: الذي يسد خللي، ويغفر زللي، ويقبل عللي.
(1/370)

90- أبو الحسن بن فضال النحوي «1» ، وقد أحسن ودل على فضله:
وأخوان حسبتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صغت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن عن ودادي
91- العتابي «2» .
تودّ عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك إن الرأي عنك لعازب «3»
وليس أخي من ودّني رأي عينه ... ولكن أخي من صدّقته المغايب
92- قال لأبي داود السجستاني المحدّث «4» صاحب له: استمد من محبتك؟ قال: لا، فانخزل الرجل حياء؛ فقال له: أما علمت أن من شرع في مال أخيه بالاستيذان، فقد استوجب بالحشمة الحرمان.
93- إياك وكثرة الأخوان فإنه لا يؤذيك إلّا من تعرف.
94-[شاعر] :
جزى الله عنا الخير من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا نتعارف
فما سامنا خسفا ولا شفنا أذى ... من الناس إلّا من نود ونألف
(1/371)

95- شبيب بن شيبة: أخوان الصدق خير مكاسب الدنيا، وهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء.
96- قرع باب أحد السلف صديق له بالليل، فنهض إليه وبيده كيس وسيف، وهو يسوق جارية له، ففتح الباب وقال: قسمت أمرك بين نائبة فهذا المال، وعدو فهذا السيف، وأيمة «1» فهذه الجارية.
97- أبو زبيد الطائي «2» :
وأغمض للصديق عن المساوي ... مخافة أن أعيش بلا صديق
- آخر:
فما منك الصديق ولست منه ... إذا لم يعنه شيء عناك
98- أنشد السيرافي «3» :
كم لك في بغداد من صديق ... حتى إذا جاء كساد السوق
باعك بالصاع «4» من الدقيق
99- قيل للعتابي: نراك زاهدا في استطراف الأخوان؛ قال: إني لم أحمد تالدهم «5» .
(1/372)

100- كاتب صديقك كما تكاتب حبيبك، فإن غزل الصداقة أرق من غزل الصبابة.
101- الأصدقاء بمنزلة النار، قليلها متاع، وكثيرها بوار.
102- كان علي بن الجهم «1» يمدح أبا تمام ويطنب «2» ؛ فقيل له:
لو كان أخاك ما زدته على هذا المدح، فقال: ألا يكن أخا في النسب فإنه أخ بالأدب والدين والمروءة، أما سمعتم ما خاطبني به:
إن يكد مطرف الإخاء فإننا ... نغدو ونسري في إخاء تالد «3»
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذب تحدر من غمام واحد
أو يختلف نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد
103- مرّ بخالد بن صفوان صديقان، فعرج عليه أحدهما وطواه الآخر فقال: عرج علينا هذا لفضله، وطوانا ذاك لثقته.
104-[شاعر] :
إذا أنكرت أحوال الصديق ... فلست من التجنب في مضيق
طريق كنت تسلكه زمانا ... فأسبع فاجتنبه إلى طريق «4»
105- يوسف بن صبيح الكاتب «5» : يقال فلان ناصح الجيب إذا كان أمينا.
(1/373)

106-[شاعر] :
وما كنت أدري أن مثلك ينثني ... على جيب خوان الصديق مريب
فراق أخ يعطي المودة حقها ... أضر وأبلى من فراق حبيب
107- قال أعرابي لصاحب له: قطعت أوصالي إذا صرمت وصالي.
108- قال رجل لآخر: إني لأودّك، قال: إنني لأجد رائد ذلك.
109- رجل لمحمد بن واسع: إني أحبك في الله، قال اللهمّ إني أعوذ بك من أن أحب فيك وأنت لي مبغض.
110- مسلم بن يسار «1» : ما من عمل إلّا وأخاف أن يكون قد دخله ما أفسده إلّا الحب في الله، ومرضت مرضا فلم أجد شيئا أوثق في نفسي من قوم كنت أحبهم، ولا أحبهم إلّا لله.
111- البراء بن عازب «2» ، عنه عليه السّلام: أتدرون أي عرى الإيمان أوثق؟ فعددنا شرائع الإسلام كلها، فلما رآنا لا نصيب قال: أوثق عرى الإيمان أن يحب الرجل في الله ويبغض في الله.
(1/374)

112- موسى بن هلال «1» : قال ثابت البناني «2» : ليزيدك لي حبا قرابتك من مذعور وهو مذعور.
113- ابن الطفيل القيسي الزاهد «3» : كان يقول أبو جعفر المنصور: ما تلذذت بشيء تلذذي بمصادقة عمرو بن عبيد «4» ، ثم وليت هذا الأمر فهجرني، فو الله لساعة منه أحب إليّ مما أنا فيه؛ كنت إذا أعسرت ملأ قلبي بأنس القناعة، وإذا اغتممت آنسني بنيل الثواب، ثم أنشأ يقول:
حب الصديق إذا كانت مودته ... في الله فرض على العلامة الفطن
ما إن يكون كعمرو صاحب أبدا ... في كل أمر أخي رشد ولم يكن
ملء الفؤاد من الآداب ذو فكر ... تنبيك آثاره عن فعله الحسن
إذا تتعتع قوم في حديثهم ... أجدى الحديث لهم من مقول لسن «5»
114- يونس بن عبيد «6» من أصحاب الحسن: شيئان ليس في الأرض أقل منهما ولا يزدادان إلّا قلّة: درهم حلال يوضع في حق، وأخ يسكن إليه في الإسلام.
(1/375)

115- محمد بن واسع: إن القلب إذا أقبل إلى الله أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه.
116- عبد الله بن المبارك «1» : إذا سمعت الرجل ينال من أبي حنيفة لم أتمالك أن أجالسه أو أراه، مخافة أن تنزل آية من آيات الله فتعجل بي معه.
117- عمر رضي الله عنه: لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا.
118-[شاعر] :
إذا صاحبا وصل بحبل تجاذبا ... فلن يلبثا بالجذب أن يقطعا الحبلا
119- آخر:
لي صديق هو عندي عوز ... من سداد لا سداد من عوز
120- آخر:
وأخي أنت ولا تنفعني ... لا أخا للمرء إلّا من نفع
121- الأعمش «2» : أدركت أقواما، لا يلقى الرجل أخاه الشهر والشهرين، فإذا لقيه لم يزده على كيف أنت؟ وكيف حالك؟ ولو سأله شطر «3» ماله أعطاه؛ ثم أدركت آخرين، إذا لم يلق الرجل منهم أخاه
(1/376)

يوما، سأله حتى عن الدجاجة في البيت «1» ، ولو سأله حبة من ماله لمنعه.
122- مجاهد «2» : لو لم يكن لك من الصاحب الصالح إلّا أن حياءه يمنعك من معصية الله كفاك.
- وعنه: كان يقال: لا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق مثل ما ترى له.
123- أحب فقير غنيا في الله، ثم سأله حاجة ثلاث مرّات فرده، والفقير لا يتغير عن محبته؛ فقال له في ذلك، فقال يا أخي إنما أحببتك في الله، فلم يفسد ما بيني وبينك شيء من الدنيا؛ فقاسمه الرجل شطر ماله.
124- ابن المبارك «3» : من حق الصديق أن يحتمل له ثلاث: ظلم الغضب، وظلم الهفوة وظلم الدالة.
- وعنه: من كانت لأخيه المسلم في قلبه مودة فلم يعلمه فقد خانه.
125- من رضي بصحبة من لا خير فيه، لم يرض بصحبته من فيه خير.
126- أخوة أولي الألباب أدوم من أخوة أولي الإكتساب.
127- كان أشعب الطماع «4» إذا حدث عن عبد الله بن عمر قال:
(1/377)

حدثني عبد الله، وكان يبغضني في الله.
128- وذكر رجل لجعفر البرمكي مودته إياه فقال: لبث قلوبنا حتى ترى أعيننا.
129- قال رجل للعرجي «1» : جئتك أخطب إليك مودتك. فقال:
لا حاجة بك إلى الخطبة، قد جاءتك زنى فهو ألذ لها وأحلى.
130- قال الحجاج لابن القريّة «2» ما الكرم؟ قال: صدق الإخاء في الشدة والرخاء.
131- أوصى عبد الملك بن مروان أولاده بالتآلف والتعاضد، وتمثل بقول عبد الأعلى القرشي «3» :
(1/378)

إن القداح إذا جمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش أيد «1»
عزت فلم تكسر وإن هي بددت ... فالكسر والتوهين للمتبدد «2»
132- علي رضي الله عنه: يهلك فيّ رجلان: محب مفرط، ومبغض مفرط. وروي: محب غال، ومبغض قال «3» .
- وعنه رضي الله عنه حين توفي سهل بن حنيف الأنصاري «4» مرجعه من صفين، وكان من أحب الناس إليه: لو أحبني جبل لتهافت.
- وعنه عليه السّلام؛ القلوب وحشية فمن تألفها أقبلت عليه.
133- تقول العرب: لولا هلك الأنام. يعني أنهم يتآنسون ويتعايشون، ولولا ذلك لأهلكتهم الوحشة. يقال واءمه، وافقه.
134- وعن بعضهم: كان عندنا فروج وحمام، فكان يأنس بالحمام، فجئنا بدراج «5» فترك الحمام إليه، ثم جئنا بفروج فلزم الفروج، ثم جئنا بدجاجة فصار إليها؛ فذكرت قول عبد بني فزارة «6» : إن الوئام شرع في جميع الطمش «7» ، لا تقرب العنز الضأن ما وجدت المعز.
(1/379)

135- قال رجل لشهر بن حوشب «1» : إني أحبك؛ فقال: ولم لا تحبني وأنا أخوك في كتاب الله، ووزيرك على دين الله، ومؤونتي على غيرك؟.
136- كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: أما بعد فإنك سالم والسلام، فلم يدر، فنبه على أنه أراد قول عبد الله بن عمر في إبنه سالم:
يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
137- وعن أبي العباس محمد بن يزيد «2» : قلت للعتبي «3» : كنت أحب أن أعرف موقعي من قلبك؛ قال: موقع سالم، يعني سالم بن عبد الله، وقد كان يكلف به حتى يقبله وهو شيخ، ويقول: شيخ يقبل شيخا، وسالم مولى هشام، وكتب الصاحب «4» في الوصالة ببعض الفقهاء:
والأخ الفقيه وسميي وصفيي، وهو عندي كسالم وسالم «5» ، بل كالسلامة، فهي أخص موقعا، وأشرف موضعا، والسلام.
138- وللمصنف «6» :
(1/380)

مكانك من عيني وقلبي سالم ... وما أنت إلّا سالم لي وسالم
139- الصاحب:
ونحرت الود بالهجر كما تذكى الجزور «1» ... إن أم الصدق في الحب لمقلاة نزور
140- آخر:
أخو ثقة يسرّ بحسن حالي ... وإن لم تدنه منيّ قرابه
أحبّ إليّ من ألفي قريب ... بنات صدورهم لي مسترابه «2»
141- آخر:
بنفسي من هواه أخي وتربي ... وحبّيه رضيع بنات قلبي «3»
142- آخر:
تغربت أسأل من عنّ لي ... من الناس هل من صديق صدوق «4»
فقالوا عزيزان لا يوجدان ... صديق صدوق وبيض الأنوق «5»
143- كتب رجل إلى صديق له: كتبت تشكو جفائي إياك بتأخري عن لقائك، وذلك إيثارا مني لاستدامة مودتك على سروري بالأنس بك، مخافة استدعاء الملالة، بكثرة الزيارة؛ فتركت ما أحب فيك إلى ما أكره منك، والسلام.
144- تقول للخصيص: أنت أول العقد وواسطة العقد «6» .
(1/381)

145- أبو بكر الخوارزمي: لا خير في حب لا تحتمل أقذاؤه، ولا يشرب على الكدر ماؤه، وإنما العشرة مجاملة؛ والمجاملة لا تسع الاستقصاء والكشف، ولا تحتمل الحساب والصرف.
146- العلاء بن سعد الحداد الكوفي «1» :
ومن الناس من يريك ودادا ... صافيا شربه بلا تكدير
فإذا ما رأيته قلت هذا ... لي ذخر ورأس مال كبير
فإذا ما طلبت منه فتيلا ... لحق الود باللطيف الخبير
147- أبو الأسد نباتة التميمي «2» :
أغدو على مال بسطام فأنهبه ... كما أشاء فلا تثنى إلي يدي
حتى كأني بسطام إذا اجترحت ... يداي فيه وبسطام أبو الأسد
148- أنا استمسك من وده بالعروة الوثقى، وأرجع من ولائه إلى كنف لا أضل فيه ولا أشقى.
149- صديقك من ساعدك في أطوارك وقدم سعيه في أوطارك «3» .
150- ذمام «4» ودادك عندي لا يخفر «5» ، وإن أتيت بما لا يغفر.
151- هو شعلة من زنده «6» ، وشعبة من رنده «7» .
152- كان يقال: من لم يؤاخ إلّا من لا عيب فيه قل صديقه؛
(1/382)

ومن لم يرض من صديقه إلّا بإيثاره «1» إياه على نفسه دام سخطه؛ ومن عاتب صديقه على كل ذنب كثر عدوه.
153- شريك بن عبد الله «2» : إنما الرجل بأخوانه، فإذا ذهب أخوان الرجل ذهب الرجل.
154- كان يقال: العيش الذي لا يمل مناجاة الصديق.
155- أعرابي: أعجز الناس من قصر في طلب الأخوان، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم.
156- كان يقال: الحبيب من تحبّب لا من تنسّب.
157- عمر رضي الله عنه: احذر صديقك إلّا الأمين، ولا أمين إلّا من خشي الله.
158-[شاعر] :
إذا رأيت ازورارا من أخي ثقة ... ضاقت عليّ برحب الأرض أوطاني «3»
فإن صددت ازورارا كي أكافئه ... فالعين غضبى وقلبي غير غضبان
159- عمران بن عصام العنزي «4» :
عذيري من أخ إن أدن شبرا ... يزدني من تباعده ذراعا «5»
(1/383)

أبت نفسي له إلّا وصالا ... وتأبى نفسه إلّا انقطاعا
160- المهلب «1» : ما السيف الصارم بكف الشجاع بأعز له من الصديق.
161- الهند: من كتم السلطان نصحه، والأطباء علته، والأخوان بثه «2» ، فقد خان نفسه.
162- ليس من الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك.
163- الشعبي «3» : كرام الناس أسرعهم مودة، وأبطأهم عداوة، مثل الكوز «4» من الفضة يبطىء انكساره، ويسرع انجباره؛ ولئام الناس أبطأهم مودة وأسرعهم عداوة، مثل كوز الفخار، يسرع إنكساره، ويبطىء إنجباره.
164- كان يقال: صحبة بليد نشأ مع الحكماء أحب إليّ من صحبة لبيب نشأ مع الجهلاء.
165- الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول لأخ له: يا أخي إن الصديق يحول بالجفاء عدوا، والعدو يحول بالصلة صديقا، وإني أراك رطب اللسان «5» بعيوب أصدقائك، فلا تزدهم في أعدائك.
166- قيل لرجل: ما لذة الدنيا؟ قال: تواصل بعد اهتجار «6» ، وتصاف بعد اكتدار «7» .
(1/384)

167- عبيد الله بن عبد الله بن مسعود أستاذ ابن شهاب الزهري «1» يقول له بعد أن انقطع عنه:
إذا شئت أن تلقى صديقا مصافيا ... لقيت وأخوان الصفاء قليل
- وله:
وإني امرؤ من يؤتني الود يلفني ... وإن نزحت دار به دائم الوصل «2»
لعمرك إني ما ينال مودتي ... من الناس إلّا مسلم كامل العقل
168- أبو حمران السلمي «3» :
كفى حزنا إن الصديق إذا اقتنى ... غنى صدّ حتى لا يقال صديق
فليت صديقا يفسد المال ودّه ... إلى يوم يلقاه الحمام مضيق «4»
169- قال المنصور «5» لإسحاق بن مسلم العقيلي «6» : أنا أحب إليك أم مروان؟ قال: ذاك إليك، إن أحسنت إلي فوق إحسانه كنت أحب إلي منه.
170- أوصى أعرابي بنيه: عاشروا الناس معاشرة، إن عشتم حنوا إليكم، وإن متم خنوا عليكم. من الخنين، وهو صوت يسمع من أنف الباكي، ومنه حديث خالد فخنوا يبكون.
171- قال الله لموسى عليه السّلام: يا موسى اعلم أن كل صديق لا يواتيك على مسرتك فهو عدو لك.
(1/385)

172- كان إبراهيم عليه السّلام إذا ذكر زلته غشي عليه، وسمع اضطرابه من ميل؛ فقال له جبريل: يا خليل الله، الخليل يقريك السلام ويقول:
هل رأيت خليلا يخاف خليله؟ فقال: يا جبريل، كلما ذكرت الزلة نسيت الخلة «1» .
173- أوس بن حارثة «2» : أحق من شركك في النعيم شركاؤك في المكاره.
- ومنه قول أبي تمام:
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يلقاهم في المنزل الخشن
174- قيس بن الخطيم «3» :
سأصفيك ودي في الحياة فإن أمت ... يودك عظم في التراب دفين
175- أنس: كان عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجل، فمر به رجل، فقال: يا رسول الله إني لأحب هذا، قال: أعلمته؟ قال: لا، قال:
أعلمه؛ فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الله الذي أحببتني له.
176- أبو ذر: قال يا رسول الله، الرجل يحب القوم ولا يستطيع
(1/386)

أن يعمل كعملهم، قال: أنت يا أبا ذر مع من أحببت؛ فأعادها أبو ذر، فأعادها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
177- أنس: رأيت أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرحوا بشيء لم أرهم فرحوا بشيء أشد منه، قال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب الرجل على العمل من الخير يعمل به، ولا يعمل بمثله، فقال عليه السّلام: المرء مع من أحب.
178- أبو الدرداء «1» ، عنه عليه الصّلاة والسّلام: حبك الشيء يعمي ويصم.
179- أنس، يرفعه: لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. وروي: فإن مرّت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم، وروي فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار.
180- أبو خراش السلمي «2» : سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه.
181- أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام: تفتح أبواب السماء كل يوم إثنين وخميس، فيغفر في ذلك اليوم لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلّا من بينه وبين أخيه شحناء «3» ، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا.
182- عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه هجر بعض نسائه أربعين يوما، وابن
(1/387)

عمر «1» هجر إبنا له إلى أن مات.
183- قيل للمغيرة بن شعبة «2» : إن بوابك يأذن لأصحابه قبل أصحابك، فقال: إن المعرفة لتنفع عند الكلب العقور «3» والجمل الصؤول «4» فكيف بالرجل العقول «5» ؟.
184- عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار:
أنّى يكون أخا أو ذا محافظة ... من كنت من غيبه مستشعرا وجلا
إذا تغيب لم تبرح تظن به ... سوءا وتسأل عما قال أو فعلا
185- بعض القرشيين:
إذا ما كنت متخذا خليلا ... فلا تجعل خليلك من تميم
بلوت صميمهم والعبد منهم ... فما أدنى العبيد من الصميم «6»
186- عبد الله بن العباس الطالبي «7» :
علي لأخواني رقيب من الصفا ... تبيد الليالي وهو ليس يبيد
يذكر فيهم في مغيب ومشهد ... فسيان عندي غيّب وشهود
187- دع مصارمة أخيك وإن حثا التراب في فيك.
188- يحي بن علي المنجم «8» :
(1/388)

وإذا لم يكن إخاؤك في الله فعقد الإخاء ليس بباق 189- لآخر:
لو قيل لي خذ أمانا ... من أعظم الحدثان
لما أخذت أمانا ... إلّا من الأخوان
190- آخر:
وإذا جفوت قطعت منك منافعي ... والدر يقطعه جناء الحالب
191- عبيد الله بن عبد الله بن طاهر الملقب بنينويه «1» :
عذيري من الإنسان لا أن جفوته ... وفى لي ولا إن كنت طوع يديه
إذا أنا لم أرغب إليه استمالني ... ويرغب عني إن رغبت إليه
وإني لمشتاق إلى ظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه
192- قال المأمون: من يأخذ عني الخلافة ويعطيني هذا الصاحب.
193- غسلان العنبري «2» :
ولا تهن للصديق تكرمه ... نفسك حتى تعد من خوله «3»
يحمل أثقاله عليك كما ... يحمل أثقاله على جمله
194- آخر:
(1/389)

لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكنّ أخوان الصفاء الذخائر
195- في ديوان المنثور: محك المودة والإخاء حال الشدة دون الرخاء. أنتم الأوداء الأعزاء ما لم يصبكم داء وعزّاء «1» ، كونوا حنفاء لله، حلفاء في الله.
196- في ديوان المنظوم:
كيف أرجو من الصديق وفاء ... فسد الأصدقاء إلّا الأقلّ
لم يصح الأقل أيضا فقل لي ... هل لحر على البسيطة خلّ «2»
وفيه:
قل لباغي الصديق رمت عزيزا ... ما أقل الصديق فوق المقلّة «3»
لو علمت الزمان والناس علما ... مثل علمي لما رضيت بخلة «4»
وكذا السائمات لو علمته ... لأبت أن تذوق طعما لخلة «5»
197- محمد بن عبد الله النميري:
غشى المنازل بالسليل فهاجه ... ربع تبدّل غيره أحبابه «6»
ولقد تراه للقبول وأهلها ... جارا تمس بيوتهم أطنابه «7»
198- مسكين الدارمي «8» :
(1/390)

ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي ينزل القدر
ماضرّ جار لي أجاوره ... أن لا يكون لبابه ستر
أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جارتي الخدر «1»
199- معاوية بن عمرو العقيلي «2» :
بنيّ بني معاوية بن عمرو ... وكان أبوكم برا وفيّا
فأوصيكم بضيف أو بجار ... يجاوركم فقيرا أو غنيّا
200- النبي صلّى الله عليه وسلّم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره.
وعنه عليه الصلاة والسّلام: جار السوء في دار المقامة قاصمة الظهر.
وعنه: من جهد البلاء جار سوء معك في دار مقامة، إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها وأفشاها.
201- داود عليه السّلام: اللهمّ إني أعوذ بك من مال يكون عليّ فتنة، ومن ولد يكون عليّ ربا، ومن حليلة «3» تقرب المشيب من قبل المشيب، وأعوذ بك من جار تراني عيناه وترعاني أذناه، إن رأى خيرا دفنه، وإن سمع شرا طاربه.
202- ابن مسعود، يرفعه: والذي نفسي بيده لا يسلم العبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ويأمن جاره بوائقه. قالوا: وما بوائقه؟ قال: غشمه وظلمه.
(1/391)

203- النخعي «1» : كانوا يكرهون مجاورة الأغنياء.
204- لقمان: يا بني حملت الحجارة والحديد، فلم أر أثقل من جار السوء.
205-[شاعر] :
ألا من يشتري دارا برخص ... كراهة بعض جيرتها تباع
506- الأصمعي: جاور أهل الشام الروم، فأخذوا عنهم خصلتين: اللؤم وقلّة الغيرة، وجاور أهل البصرة الخزر «2» فأخذوا عنهم خصلتين الزنى وقلّة الوفاء.
- وجاور أهل الكوفة أهل السواد «3» فأخذوا عنهم خصلتين السخاء والغيرة.
207- كان يقال: من تطاول على جاره حرم بركة داره.
208- كان عبد الله بن أبي بكرة «4» ينفق على من حول داره، وعلى أهل أربعين دارا من كل جهة من جهاتها الأربع، وكان يبعث إليهم بالأضاحي والكسوة، ويقوم لمن تزوج منهم بما يصلحه، ويعتق في كل عيد مائة رقبة، سوى ما يعتق في سائر السنة.
209- باع أبو الجهم العدوي «5» داره بمائة ألف درهم، ثم قال:
(1/392)

فبكم تشترون جوار سعيد بن العاص «1» ؟ قالوا: هل يشترى جوار قط؟
قال: ردوا عليّ داري وخذوا مالكم، ما أدع جوار رجل إن قعدت سأل عنيّ، وإن رآني رحب بي، وإن غبت حفظني، وإن شهدت قربني، وإن سألته قضى حاجتي، وإن لم أسأله بدأني، وإن نابتني جائحة فرج عني.
فبلغ ذلك سعيدا فبعث إليه مائة ألف درهم.
210- الحسن: ليس حسن الجوار كف الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى. وجاءته امرأة محتاجة وقالت: أنا جارتك، قال: كم بيني وبينك؟ قالت: سبعة أدؤر «2» ؛ فنظر الحسن فإذا تحت فراشه سبعة دراهم فأعطاها وقال: كدنا نهلك.
211- كان كعب بن مامة «3» إذا جاوره رجل قام له بما يصلحه وأهله، وحماه ممن يقصده، وإن هلك له شيء أخلفه عليه، وإن مات وداه. فجاوره أبو دواد الإيادي «4» فزاده على عادته. فكانت العرب إذا
(1/393)

حمدت جارا قالوا كجار أبي دواد. قال قيس بن زهير:
أطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى جار كجار أبي دواد
وتعلم منه أبو دواد فكان يفعل بجاره فعل كعب به.
212- استعرض أبو مسلم صاحب الدولة «1» فرسا محضيرا فقال لأصحابه: لم يصلح هذا؟ فذكروا السباق، وصيد حمر الوحش والنعام، واتباع المنهزم، فقال: ما صنعتم شيئا، ما يصلح إلّا للفرار من جار السوء.
213- سأل سليمان بن علي «2» خالد بن صفوان عن إبنيه جعفر «3» ومحمد «4» ، فقال: كيف أحمادك جوارهما؟ فتمثل بقول يزيد بن مفرغ الحميري «5» :
(1/394)

سقى الله دارا لي وأرضا تركتها ... إلى جنب داري معقل ويسار
أبو مالك جار لها وابن مرثد ... فيا لك جاري ذلة وصغار
214- عبد الله بن عمر ذبح شاة فقال: أأهديتم لجاري اليهودي؟
فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ما زال جبرائيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه.
215- جابر بن عبد الله يرفعه: الجيران ثلاثة: فجار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق. فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار؛ وأما الذي له حقان فجار مسلم لا رحم له، له حق الإسلام وحق الجوار؛ وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم، له حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم؛ وأدنى حق الجوار أن لا تؤذي جارك بقتار «1» قدرك إلّا أن يقتدح له منها «2» .
216- أبو جحيفة «3» : جاء رجل إلى النبي عليه الصّلاة والسّلام
(1/395)

يشكو جاره، فقال: إطرح متاعك على الطريق، فطرحه، فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه؛ فجاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله ما لقيت من الناس؟ قال: وما لقيت منهم؟ قال: يلعنونني، فقال: قد لعنك الله قبل الناس، قال: فإني لا أعود؛ فجاء الذي شكا إليه فقال:
إرفع متاعك فقد كفيت.
217- أبو هريرة: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: اللهمّ إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار النادي يتحول.
218- قالوا: الجيران خمسة: الجار الصنارة «1» السيء الجوار، والجار الدمث «2» الحسن الجوار، والجار اليربوعي «3» المنافق، والجار البراقشي «4» المتلون في أفعاله، والجار الحسدلي «5» الذي عينه تراك وقلبه يرعاك.
219- عيسى عليه السّلام: تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إليه بالتباعد منهم، والتمسوا رضاه بسخطهم.
220- أنس يرفعه: ما تحاب رجلان في الله قط إلّا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه.
221- رأى علي رضي الله عنه قوما حول داره، فسألهم، فقيل:
(1/396)

هؤلاء شيعتك، قال: مالي لا أرى عليه سيما «1» الشيعة! قال: وما سيما شيعتك؟ قال: خمص «2» البطون من الطوى «3» ، يبس الشفاه من الظما، عمش «4» العيون من البكا.
222- من كان يريد رضا ربه يسخط نفسه، ومن لم يسخط نفسه لم يرض ربه.
223- علي رضي الله عنه رفعه: ما كان ولا يكون إلى يوم القيامة مؤمن إلّا وله جار يؤذيه.
224- إبراهيم بن نعيم الغامدي «5» :
لبست جديد ثوب الدهر حتى ... كساني الدهر أسمال الثياب «6»
متى تحسب صديقك لا يقلوا ... وان تخبر يقلوا في الحساب
225- إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول الكاتب:
أميل مع الذمام على ابن عمي ... وأقضي للصديق على الشقيق «7»
أفرق بين معروفي ومنّي ... وأجمع بين مالي والحقوق «8»
وإن ألفيتني حرا مطاعا ... فإنك واجدي عبد الصديق
226- السيد ابن محمد الحميري «9» :
(1/397)

إني امرؤ حميري حين تنسبني ... جدي رعين وأخوالي ذوو يزن «1»
ثم الولاء الذي أرجو النجاء به ... يوم القيامة للهادي أبي حسن «2»
- وله:
وإذا الرجال توسلوا بوسيلة ... فوسيلتي حبي لآل محمد
- وله:
مه لا تلومن في أبي حسن ... فلست عن حبه بمشتغل «3»
رست له بين أضلعي مقة ... لو زالت الراسيات لم تزل «4»
إذا تبدلت بعده بدلا ... فلا تهنأت ذاك من بدل
(1/398)

- وله:
أيا رب إني لم أرد بالذي به ... مدحت عليا غير وجهك فارحم
227- صالح بن علي الهاشمي «1» :
وليس ذكر لك عن خاطر ... بل هو موصول بلا فصل
228- أبو يعقوب إسحاق بن حسان بن قوهي الخريمي «2» :
إذا لبسوا عمائمهم ثنوها ... على كرم وإن سفروا أناروا
يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالطعان هم تجار
إذا ما كنت جار بني خريم ... فأنت لأكرم الثقلين جار «3»
إذا غضبوا تحطمت العوالي ... وإن وهبوا تدفقت البحار «4»
229- ابن عبد السلام الرصافي «5» :
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها ... فكم تلبث النفس التي أنت قوتها
230- دهام بن هانىء العقيلي «6» :
(1/399)

تقول ظعينتي أبرقت فاظعن ... وبعض البرق يخلف في البلاد «1»
أغيثا تبتغين وراء أني ... جعلتك جارة لبني الرقاد «2»
هم قوم من بني جعدة، يعني أن جوارهم يغني عن الغيث.
231- زبينا النصراني الرسعني «3» :
إذا تاه الصديق عليك كبرا ... فته كبرا على ذاك الصديق «4»
وإن سلك العرام به طريقا ... فسر عرما سوى ذاك الطريق «5»
وأرخص قدر من إن سيم رخصا ... بقدرك باعه في كل سوق
فإيجاب الحقوق لغير راع ... حقوقك رأس تضييع الحقوق
232- أبو زيد الأنصاري النحوي «6» :
إذا أنت لم تعف عن صاحب ... أساء وعاقبته إن عثر
بقيت بلا صاحب فاحتمل ... وسمه الوفاء إذا ما غدر
233- الكامل الأوسي سويد بن الصامت «7» :
(1/400)

ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري «1»
مقالته كالشهد ما كان شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغرة النحر
يسرك باديه وتحت أديمه ... نميمة غش تبتزي عقب الظهر «2»
تبيّن لك العينان ما القلب كاتم ... ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر
فرشني بخير طالما قد بريتني ... فخير الموالي من يريش ولا يبري «3»
234- علي رضي الله عنه: لو ضربت خيشوم «4» المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو حببت الدنيا بحمأتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني؛ وذلك أنه فضى فانقضى على لسان النبي الأمي أنه لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق.
235- صعصعة بن معاوية السعدي «5» عم الأحنف «6» :
لعلي عندي مزية حب ... وأحب الصدّيق والفاروقا
ولعثمان مشرب من فؤادي ... لم يكن آجنا ولا مطروقا «7»
لا أرى بعضهم لبعض عدوا ... بل أرى بعضهم لبعض صديقا
236- عبد الله بن إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن بن العباس المطلبي «8» :
(1/401)

شهد الله أن ديني حق ... لست تنصابة ولا رافضيا «1»
وأحب الشيخين شيخي قريش ... لست أبرأ ممن يكون رضيا
وبهذا سمي تنصابة.
237- عائد الكلب «2» :
ولقد تدوم لذي الصفاء مودتي ... وإذا تلون كنت ذا ألوان
إني كذاك إذا تلوّن صاحبي ... داويته بالصد والهجران
238- أبو الأسود الكندي «3» :
أمفندي في حب آل محمد ... حجر بنيك فدع ملامك أو زد
من لم يكن بحبالهم متمسكا ... فليعترف بولادة لم ترشد «4»
239- دعبل الخزاعي «5» :
بأبي وأمي سبعة أحببتهم ... لله لا لعطية أعطاها
بأبي النبي محمد وصفّيه ... والطيبان وبنته وابناها «6»
(1/402)

الطيبان: حمزة وجعفر رضي الله عنهما.
240- عمرو بن حكيم بن معية «1» :
خليلي أمسى حب خرقاء عامدي ... ففي القلب منه وقرة وصدوع «2»
ولو جاورتنا العام خرقاء لم نبل ... على جدبنا أن لا يصوب ربيع «3»
241- أبو قحافة أبو الصدّيق «4» :
اذهبي يا لهو فاستمعي ... خبريه بالذي فعلا
وسيله في ملاطفة ... لم وصلناه فما وصلا
242- مروان بن محمد السروجي «5» ، أموي شيعي:
يا بني هاشم بن عبد مناف ... أنني منكم بكل مكان
أنتم صفوة الإله ومنكم ... جعفر ذو الجناح والطيران «6»
وعلي وحمزة أسد الله ... وبنت النبي والحسنان
(1/403)

فلئن كنت من أميّة إني ... لبريء منها إلى الرّحمن
243- نمير بن عداء الطائي «1» :
ألا ليت حظي من جميلة أنها ... مساكنة لي لا عليّ ولا ليا
244- مالك بن أنس «2» : من تنقص أحدا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فليس له في الفيء «3» نصيب.
245- العوام بن حوشب «4» : أدركت من أدرك صدر هذه الأمة، يقولون: حدثوا الناس بمحاسن أصحاب محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تأتلف عليهم القلوب، ولا تحدثوهم بالذي شجر «5» بينهم فتحرشوا «6» الناس عليهم.
246- قال رجل لأبي سليمان»
: إن فلانا وفلانا ما يقعان على قلبي. قال: ولا قلبي، لعلهما أتيا من قبلي وقبلك، ليس فينا خير فما نحب الصالحين.
(1/404)

247- كانت بالكوفة عجوز لها ابن شاب، فانقطع إلى سفيان «1» فقالت: يا بني إني عرفت في ليلك صحبة سفيان.
248- أخوك الذي يعظك برؤيته قبل أن يعظك بكلامه.
249- لو أن إنسانا ربط مع أسد ثلاثة أيام لاستأنس به.
250- علي رضي الله عنه: أصدقاؤك ثلاثة، وأعداؤك ثلاثة؛ فأصدقاؤك:
صديقك وصديق صديقك وعدو عدوك، وأعداؤك: عدوك وعدو صديقك وصديق عدوك.
- وعنه: يا بني إياك ومصادقة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة البخيل فإنه يبعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر، فإنه يبيعك بالتافه، وإياك ومصادقة الكذاب، فإنه كالسراب «2» يقرب عليك البعيد، ويبعد عنك القريب.
251- الحاجة إلى الأخ المعين «3» كالحاجة إلى الماء المعين «4» .
252- قال رجل لابن الزيات «5» : إني أتوسل إليك بالجوار، وأسألك العطف والرقة. فقال: أما الجوار فنسب بين الحيطان، وأما العطف والرقة فهما للنساء والصبيان.
(1/405)

253- الشعبي «1» : ما لقينا من علي بن أبي طالب! إن أحببناه قتلنا، وإن أبغضناه هلكنا.
254- المتصوفة: أصحبوا الله، فإن لم تستطيعوا فاصحبوا من يصحب الله، لتوصلكم بركات صحبته إلى صحبة الله.
255- طاووس «2» : مثل أصحاب رسول الله مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها.
256- كان أبو بكر وعمر حليتيّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يتزين بهما في يوم عيد أو وفد إن قدم عليه، أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره.
257- قيل لعلي بن الحسين كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: كمنزلتهما اليوم وهما ضجيعاه.
258- حدّث شريك بن عبد الله في دار المهدي بفضائل لعلي بن أبي طالب، فقال له رجل كوفي: يا أبا عبد الله، جئت اليوم بالدر بهذه الأحاديث؛ فقال: كيف لا أحدث بفضائل رجل كان يشبه بعمر بن الخطاب؛ فقال الكوفي: عجبت أن تأتي بخير!!.
259- إلتقى أخوان في الله فقال أحدهما لصاحبه: والله يا أخي إني لأحبك في الله، قال: لو علمت مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله؛ فقال: والله يا أخي لو علمت منك ما تعلمه من نفسك لمنعني من بغضك ما أعلم من نفسي.
260- عبد الله بن إدريس «3» : أبو بكر رضي الله عنه ثاني إثنين في
(1/406)

الإسلام، وثاني إثنين في الغار، وثاني إثنين في المشورة يوم بدر، وثاني إثنين في القبر، وثاني إثنين في الخلافة، وثاني إثنين في الجنة.
261- أبو حيان الدارمي «1» :
أقدمه والله فضله على ... صحابته بعد النبي المكرم «2»
بلا بغضة والله مني لغيره ... ولكنه أولاهم بالتقدم
262- ابن عباس: لما اختصني عمر بن الخطاب قال لي أبي:
هذا الرجل قد اختصك دون من ترى من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فاحفظ عني ثلاثا: لا يجربن عليك كذبا، ولا تعب عنده أحدا، ولا تفشين له سرا. قال عكرمة «3» : فقلت كل واحدة منها خير من ألف؛ فقال: بل من عشرة آلاف.
263- الثوري «4» : ما بحثنا أحدا يتناول أبا بكر وعمر إلّا وجدنا ذلك أيسر عمله.
264- قال رجل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: علمني شيئا يحبني عليه الله والناس؛ قال: أما الذي يحبك الله عليه فالزهد في الدنيا، وأما الذي يحبك الناس عليه فإن تنبذ إليهم ما في يدك.
265- النبي صلّى الله عليه وسلّم: المؤمن مألفة، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف.
266- قال بنو إسرائيل لموسى عليه السّلام: إن التوراة كبيرة فاختر لنا منها
(1/407)

شيئا ما يمكن حفظه، فقال: ما تحبون أن يصحبكم به الناس فاصحبوهم به. يعني أن هذه الكلمة هي الإختيار من التوراة.
268- الوليد بن عبد الملك: كان أبي يقول: الحجاج جلدة ما بين عيني، وأما أنا فأقول: الحجاج جلدة وجهي كله.
268- لم أبخل بخلتي عليك لما طلبتها، ولم أعضل مودتي عنك حين خطبتها. أحببت أن يطلع على سويداء قلبي، فيعلم أن إخلاصي له مشرق الصفحة، أملس الجلدة.
269-[شاعر] :
وكانت رياح الشام يكرهن مرة ... فقد جعلت تلك الرياح تطيب
مثل في الحب بعد البغض.
270- فلان مملوك رفيقه، وخادم صديقه. أودك مودة حرّة وأبغض عدوك بغضة مرّة. الشد بالقد أسهل من مصاحبة الضد.
271-[شاعر] :
كيف يصفى لك الوداد صديق ... يخرج الذم مخرج الاشفاق
272- ابتدأتني بلطف من غير اجترام «1» ، فأطمعني أولك في اخائك، وأيسأني آخرك من وفائك، فسبحان من لو شاء، كشف الغطاء فأقمنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف.
273-[شاعر] :
أنا كالمرآة ألقى ... كل وجه بمثاله
مثل في التحبب إلى كل أحد.
274-[شاعر] :
(1/408)

هو في وجهك مرآ ... ة ومن خلفك مقراض «1»
275- آخر:
صاننا الله وإيّا ... كم عن الود المرقع
276- أبو فرعون العدوي «2» :
كفاني الله شرك يا ابن عمي ... فأما الخير منك فقد كفاني
نظرت فلم أجد أشفى لغيظي ... من أني لا أراك ولا تراني
277- سهيل بن أبي صالح «3» : كنت مع أبي بمنى «4» فمر عمر بن عبد العزيز، فجعل الناس يثنون عليه ويدعون له، فقلت لأبي: إني أرى الله يحب عمر، قال: وكيف ذلك! قلت: أرى الناس يثنون عليه؛ فقال: بأبيك أنت! سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أحب الله عبدا قال: يا جبرائيل إني لأحب فلانا فأحبوه، فينادي جبرائيل في السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، ويلقى على أهل الأرض فيحب.
278- قال عمر بن عبد العزيز لأبيه: يا أبت مالك إذا خطبت مرّرت فيها مستجفرا «5» لا تكفف ولا توقف، حتى إذا صرت إلى ذكر عليّ تلجّج «6» لسانك وامتقع لونك واختلج «7» بدنك. قال: أو قد رأيت ذلك يا
(1/409)

بني!! أما أن هؤلاء الحمير لو يعلمون من عليّ ما نعلم ما اتبعنا منهم رجلان.
279- عمر بن عبد العزيز: أعوذ بالله أن يكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله.
280- قال هشام «1» للأبرش «2» : كيف تكون أخص الناس بي وأنت أخص الناس بمسلمة «3» ؟ فتمثل الأبرش:
أواخي رجالا لست أخبر بعضهم ... بأسرار بعض إنّ صدري واسع
281- عمرو بن العاص: إذا كثر الإخاء كثر الغرماء، أراد بالغرماء الحقوق.
282- مسلم بن يسار «4» : مرضت مرضة، فنظرت في عملي فلم أجد أوثق من قوم كنت أحبهم، ولا أحبهم إلّا في الله.
283- وكان مطرف «5» يقول لأصحابه: لو كنت راضيا عن نفسي لقليتكم، ولكني لست عنها براض.
284- الحر لو مشى في حاجة أخيه عرض الأرض، لم ير أنه أدى الفرض.
(1/410)

الباب الثالث عشر التأديب والتعليم والتثقيف والسياسة وذكر المعلمين والمقومين، والضرب والقيد والحبس والنكال ونحو ذلك
1- عائشة رضي الله عنها: ما ضرب النبي صلّى الله عليه وسلّم مملوكا قط ولا غيره، إلّا في سبيل الله ولا انتصر قط لنفسه إلّا أن يقيم حدا «1» من حدود الله.
2- وعنه عليه الصلاة والسلام: علق سوطك حيث يراه أهلك.
جاء الإسلام وأن جفنة «2» العباس لتدور على فقراء بني هاشم، وأن درّته «3» طلقة لسفائهم، فكان يقال: هذا السؤدد، يشبع جائعهم ويؤدّب سفيههم.
3- لقمان الحكيم: ضرب الوالد الولد كالسماد في الزرع.
4- قال رجل للشعبي: إذا حدثت فلا تكذب. فقال له: ما أحوجك إلى محدرج «4» شديد الفتل، لين الهز، أصلع الرأس، عظيم
(1/411)

الثمرة، يؤخذ من عجب الذنب «1» إلى مغرز العنق، فيوضع منك على مثل ذلك، فتكثر له رقصاتك من غير جذل. قال: وما هذا يا أبا عمرو؟
قال: شيء لنا فيه أرب «2» ، ولك فيه أدب.
5- ضرب يزيد غلاما، فقال له معاوية: كيف طاوعك قلبك على بسط يدك إلى من لا يقدر على رفعها إليك؟ فما ضرب يزيد غلاما بعد.
6- ضرب عثمان رضي الله عنه ابن حنبل الجمحي «3» وسيره إلى خيبر «4» ، وحبسه في القموص «5» فقال:
إلى الله أشكو لا إلى الناس ما عدا ... أبا حسن غلا شديدا أكابده
بخيبر في قعر القموص كأنها ... جوانب قبر أعمق اللحد لا حده
7- العتابي «6» : أبرز لهم غرة السيف ذي الشطب «7» ، وهامة الجرز «8» ذي الشعب «9» ، وجمع لهم العصي حزما، والسياط رزما.
(1/412)

8- كتب معاوية إلى مروان أن أضرب عبد الرحمن بن الحكم «1» وعبد الرحمن بن حسان «2» حدا. فضرب أخاه أربعين وابن حسان ثمانين.
فقيل له: ألا ترفع ما صنع بك إلى معاوية؟ قال: ولم وقد أقامني مقام الذكر الحر وأقام أخاه مقام الأمة الأنثى؟.
9- علوان بن جندل النميري «3» في قتيبة بن مسلم:
عجبت لعبد باهليّ مؤمّر ... على الناس يرضي من يشاء ويغضب
يقيم حدود الله فيهم وإنه ... لجاني حدود ليس عنهن مذهب
10- فضيل «4» : رب ضربة لليتيم أنفع له من الخبيص «5» تلقمه إياه.
11- كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله: بلغني أن قبلك قوما يشتمون أبا بكر وعمر، فمن قامت عليه بينة فاضربه ضرب الرجل المستطيل «6» في عرض أخيه وهو عنه ساكت.
(1/413)

12- لقمان: لئن يضربك الحكيم فيؤذيك خير من أن يدهنك الجاهل بدهن طيب.
ضربهم ضرب غرائب الإبل، وضرب المضبب «1» أستاه المسامير «2» ، وضربا تغمض دونه الأحداق.
غشاهم نبعا «3» وسلما «4» حتى تركهم رفاتا «5» ورمما «6» . قطع أوساطهم بأطراف السياط حتى أقامهم على سواء الصراط. السياط تمشق «7» في ظهورهم وتعبث بصدورهم.
13- في نوابغ الكلم: الصبي لا بد له من تثقيف وإن كان من قريش أو ثقيف، والأرض لا بد لها من عرة «8» وإن كانت أرضا حرة.
14- علي بن عاصم الأصبهاني «9» :
ضرب إلفي بيدي ... خانت يميني عضدي
فاقتصّ لما اغرورقت ... مقلته من كبدي
(1/414)

فلا أقلت بعدها ... سوطي من الأرض يدي
15- خرج موسى الهادي «1» على جلسائه مهموما منتقع اللون، فسألوه، فقال: لم أر كالدنيا وصحبتها، لا أطول هموما، ولا أعظم بلية!! لبابة بنت جعفر بن أبي جعفر قد عرفتهم موقعها مني، كلمتني بالادلال، فلم يكن لها عندي احتمال، ولا عندها أقصار، فضربتها؛ فسكتوا جميعا، فقال ابن دأب «2» : يا أمير المؤمنين إنك لم تأت منكرا، ولم تفعل بذيئا، قد كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يؤدبون نساءهم، هذا الزبير بن العوام «3» حواري «4» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وابن عمته، وفضله فضله، وثب على امرأته أسماء بنت الصديق «5» أخت عائشة، وهي أفضل
(1/415)

نساء زمانها، فضربها في شيء عتب فيه عليها، حتى كسر يدها، وكان سبب فرقتها، وذلك أنها استغاثت بولدها، فأغاثها الله بعبد الله، فقال:
هي طالق إن حلت بيني وبينها، فلم يقلع. وهذا كعب بن مالك الأنصاري «1» أخو الزبير، آخى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بينهما، عتب على امرأته، وكانت من المهاجرات الأول، فضربها حتى حال بنوها بينه وبينها فقال:
ولولا بنوها حولها لخبطتها ... كخبطة فروج ولم أتلعثم
فسرّي «2» عن الهادي، وطابت نفسه، وأمر له ببدرة «3» وثلاثين ثوبا.
16- الحّ رجل من المتظلمين على أحمد بن الخصيب «4» ، وهو راكب إلى المنتصر «5» ، فركله فقيل فيه:
(1/416)

قل للخليفة يا ابن عم محمد ... أشكل وزيرك إنه ركّال «1»
17- قال أحمد بن نصر «2» : قدم إلي مجوسي لأضربه فقال: يا هذا اضرب بقدر ما تقوى عليه؛ يريد القصاص في الآخرة، فتركته وتركت عمل السلطان.
18- لطمه لطم المتنفش «3» ، هو البعير يشاك «4» فيضرب بيده الأرض.
19- أدبه بزجرك وهذبه بهجرك.
20- قيس بن الهيثم السلمي «5» ، وضربه الحجاج:
ليس بتعزير الأمير خزاية ... عليّ إذا ما كنت غير مليم «6»
21- قدم حمزة العدوي «7» السارق إلى معاوية فأمر بقطع يده فقال:
يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك من عار عليها يشينها
فلا خير في الدنيا ولا في نعيمها ... إذا ما شمال فارقتها يمينها
(1/417)

فلو قد أتى الأخبار قومي لقلصت ... إليك المطايا وهي خوص عيونها «1»
فأبطل الحد عنه، فهو أول حد أبطل في الإسلام.
22- خطب علي رضي الله عنه أهل الكوفة، ودعا للجهاد، فقال أربد الفزاري «2» : والله لانجيبك؛ فضربه قوم من همدان حتى مات.
فوداه «3» علي من بيت المال. وقال علاقة بن عركي التميمي «4» :
معاذ إلهي أن تكون منيّتي ... كما مات في سوق البراذين أربد «5»
تعاوره همدان خصفا نعالها ... إذا رفعت عنه يد وضعت يد «6»
23- كان معلم أنوشروان يضربه بلا ذنب، ويأخذه بأن يمسك الثلج في يده حتى تكاد كفه تسقط: فآلى لئن ملكت لأقتلنه؛ فلما ملك هرب، فأمنه فأتاه؛ فسأله عن الضرب ظلما، فقال: لتعرف حقد المظلوم إذا ظلمته؛ قال: أحسنت، فالثلج الذي كنت تعذبني به؟ قال: ستعرف ذلك؛ فغزا فأصبحوا في غداة باردة، فلم يقدروا على توتير قسيهم «7» ، فوترها لهم، فقاتل وظفر، فعرف مراد مؤدبه.
24- الكميت «8» :
أقول له إذا ما جاء مهلا ... وما مهل بواعظة الجهول
(1/418)

25- قيل لبعض المجوس: ما أحكم شيء في كتابكم؟ قال:
نحتك الحجارة بغير فأس، وإذا بتك الحديد بغير نار أهون من رياضة مستصعب قد جفا عن التقويم.
26- من التعذيب تأديب الذيب. تنبو المعاول عن صفاته «1» وتعجز المقاول عن صفاته. من لم يصلحه الطالي «2» أصلحه الكاوي. ليس كبح الصعب الشرس إلّا باللجام الشكس «3» .
27- السلامي «4» :
يحلو بأفواه الأنامل صفعه ... حتى كأن قذاله من سكر «5»
28- قيل ليحيى بن خالد: إنك لا تؤدب غلمانك؛ قال هم أمناؤنا على أنفسنا، فإذا أخفناهم كيف نأمنهم؟.
29- قال أبو نؤاس: دخلت على عنان «6» جارية الناطفي، وقد ضربها مولاها وهي تبكي، فقلت:
(1/419)

إن عنانا أرسلت أدمعا ... كاللؤلؤ المرفض من خيطه «1»
فأشارت عنان إلى مولاها وقالت:
فليت من يضربها ظالما ... تجف يمناه على سوطه
فقال مولاها: هي حرة لوجه الله إن ضربتها ظالما أو غير ظالم.
30- قال الحجاج للحكم بن المنذر بن الجارود «2» : أنت الذي يقول لك الشاعر:
يا حكم بن المنذر بن الجارود ... سرادق المجد عليك ممدود «3»
أنت الجواد بن الجواد المحمود
قال: نعم؛ قال: لأجعلن سرادقك السجن. فأنشأ الحكم يقول:
متى ما أكن في حبس أروع ماجد ... فإني على ريب الزمان صبور
فلو كنت أخشى الحبس والقيد لم ... أجب دعاءك إذ كان الدعاء غرور
وقد عشت دهرا لا أخوّف بالتي ... تخاف ولا يسطو علي أمير
فخلّى سبيله؛ ثم اعتل عليه بعد فحبسه حتى مات في حبسه.
31- المعتضد «4» : لا أخرج عدوي من حبسي إلّا إلى قبره.
32- محمد بن هارون بن مخلد «5» :
(1/420)

يعز علينا أن نزورك في الحبس ... ولم نستطع نفديك بالمال والنفس
فقدنا بك الأنس الطويل وعطّلت ... مجالس كانت منك تأوي إلى أنس
لئن سترتك الجدر عنا فربما ... رأينا جلابيب السحاب على الشمس «1»
33- أنشد الجاحظ لصقلاب المعلم «2» :
وكيف يرجى العقل والحزم عند من ... يروح إلى أنثى ويغدو إلى طفل
وأنشد:
فإن كنت قد بايعت مروان طائعا ... فصرت إذا بعد المشيب معلما
وفارقت قومي مؤثرا لعدوهم ... وأصبحت فيهم ذاهل العقل مفحما
34- آخر:
جمعت الذي لو كان يؤلم من أذى ... فيشكي لهانت عنده أم ملدم «3»
غباوة أصحاب الحديث ونوكهم ... وبذخ المغني في جنون المعلم «4»
35- رأى زهير بن نعيم «5» رجلا معه ابنه فقال: أهذا ابنك؟ قال:
نعم؛ قال: احذر لا يراك وأنت تعصي الله فيجترىء عليك.
36- أنشد ابن الأعرابي «6» :
وليس بتعزير الأمير خزاية ... عليّ ولا عار إذا لم يكن حدا «7»
(1/421)

ولا الحبس إلّا ظل بيت دخلته ... ولا السوط إلّا جلدة صادفت جلدا
37- لما تزوج شريح «1» زينب زارتها أمها بعد سنة، فقالت له: لم يضم الرجل إلى نحره شرا من ورهاء «2» ، وإنما زينب من النساء، فإن رابك منها شيء فالسوط، فضحك ثم قال:
رأيت رجالا يضربون نساءهم ... فشلت يميني يوم أضرب زينبا
وكل محب يمنح الود إلفه ... ويعذره يوما إذا هو أذنبا
38- الخطيم العكلي «3» :
يقول لي السجان وهو يسوقني ... إلى السجن لا تجزع فما بك من بأس
وما البأس إلّا أن يصدق كاذب ... ويترك عذري وهو أضحى من الشمس
وشيّبني أن لا تزال عظيمة ... يجيء بها غيري ويرمى بها رأسي
39- مروان بن أبي حفصة «4» :
إن يحبسوني فالكريم يحبس ... إني لسامي الناظرين أشوس «5»
مصابر حين تجيش الأنفس ... عرضي نقي وأديمي أملس
40- الخولاني «6» :
إن السياط تركن لإستك منطقا ... كمقالة التمتام ليس بمعرب «7»
(1/422)

41- يقال للرجل إذا سود وجهه وشهر: أخرجوه في أم محمد لأنهم يصيحون حواليه يا أم محمد أبصري نقش؛ كان من شهر في الزمن الأول اسمه محمد وقيل له ذلك فشاع. والمراد بالنقش السواد. والتجبيه: أن يجعل وجهه قبل دبر الدابة إذا حمم «1» من الجبهة.
ومنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لليهود: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة من العقوبة على من أحصن «2» ؟ قالوا:
يجبه.
42- محمد بن صبيح بن السماك الواعظ: يا ابن آدم أنت في حبس، مذ كنت أنت في الصلب محبوس، ثم تخرج إلى الرحم فتكون محبوسا، ثم تخرج إلى السرير والقماط فتكون محبوسا، ثم تنشأ فتصير في الكتّاب «3» في حبس، ثم تكبر فتصير محبوسا في الكد على العيال، ثم تصير في القبر محبوسا، فاطلب لنفسك الراحة بعد الموت حتى لا تكون أيضا في حبس.
43- ابن أبي عيينة «4» :
يتغنى القيد في رجليه ألوان الغناء ... باكيا لارقأت عيناه من طول البكاء «5»
44- كان باليمامة أعرابي وال على الماء، فإذا اختصم إليه إثنان، وأشكل عليه القضاء، حبسهما حتى يصطلحا، ويقول: دواء الليس «6» الحبس.
(1/423)

45- حبس خالد بن عبد الله القسري الكميت بن زيد، وكانت امرأته تختلف إليه في ثياب وهيأة، فلبس يوما ثيابها وخرج، فقال:
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل ... على الرغم من تلك النوابح والمشلي «1»
عليّ ثياب الغانيات وتحتها ... صريمة عزم أشبهت سلة النصل «2»
46- كان خالد «3» يعذبه يوسف بن عمر «4» فمر به الفرزدق وهو منصوب للضرب فقال: وطد قدميك «5» في الأرض، وانصب جنبيك، وأعضض على أضراسك، فإنه أسهل لما يمر بدفتيك. قال ففعلت فوجدت راحة.
47- أقام عامل على دهقان عونين «6» ، وأمرهما بنتف سباله «7» ، فقال: لم تفعل هذا أصلحك الله؟ فقال: حتى تصحح خراجك، وخراج أهل بيتك، وخراج شركائك، فلما طال عليه رفع رأسه إلى العونين فقال:
انتفا على بركة الله.
48- حبس الرشيد أبا العتاهية «8» فكتب إليه أبياتا، فوقع: لا بأس
(1/424)

عليك؛ فكتب إليه:
أمين الله إن الحبس بأس ... وقد وقّعت ليس عليك بأس
49- آخر:
تمنيت أن تحيا حياة هنية ... وأن لا ترى مدّ الزمان بلابلا «1»
رويدك هذي الدار سجن وقلّما ... يمر على المسجون يوم بلا بلا «2»
50- ذاك حامل درّة «3» ، وآخذ على كتاب الله أجره. أي معلم.
51- كان معلم يقعد أبناء المياسير في الظل، وأبناء الفقراء في الشمس، ويقول: يا أهل الجنة ابزقوا على أهل النار.
52- قال عتبة بن أبي سفيان «4» لمؤدب ولده: ليكن أول إصلاحك بني إصلاحك نفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلّمهم سير الحكماء، وأخلاق الأدباء، وتهدّدهم بي، وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا بعجل بالدواء حتى يعرف الداء، ولا تتكل على عذر مني، فقد اتكلت على كفاية منك.
53- وقال عبد الملك للشعبي «5» حين أخذ بتعليم ولده: علّمهم الصدق كما تعلّمهم القرآن، وجنّبهم السفلة فإنهم أسوأ الناس رعة «6» ،
(1/425)

وأقلّهم أدبا وعلما؛ وجنّبهم الحشم فإنهم لهم مفسدة؛ واحف شعورهم «1» تغلظ ذنوبهم، واطعمهم اللحم تصح عقولهم، وتشد قلوبهم، وتصقل رؤوسهم؛ وعلمهم الشعر يمجدوا وينجدوا؛ ومرهم أن يستاكوا «2» عرضا، ويمصوا الماء مصا، ولا يعبوا عبا «3» ؛ فإن احتجت إلى أن تتناولهم بأدب فليكن ذلك في ستر لا يعلم به أحد من الغاشية «4» ، فيهونوا عليهم.
54- وقال آخر: لا تخرجهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإن اصطكاك العلم في السمع، وإزدحامه في الوهم، مضلة للفهم.
55- أبو بردة بن نيار «5» : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: لا يحل لأحد أن يضرب أحدا فوق عشرة أسواط، إلّا في حد من حدود الله «6» .
56- كلم شمعل التغلبي «7» عبد الملك كلاما لم يرضه فرماه عبد الملك بجرز «8» فخدش وهشم فقال شمعل:
أمن حذفة بالجرز منه تباشرت ... عداتي فلا عار عليّ ولا نكر
وإن أمير المؤمنين وعتبه ... لكالدهر لا عار بما فعل الدهر
(1/426)

57- ضم عبد العزيز «1» إلى ابنه صالح بن حسان «2» ، فأغضبه وصيف له، فقال: أعظك الله بكذا، ولا يكنى؛ فنفر منها صالح واشمأز، فرأى ذلك عمر في وجهه فقال: لا أعود ولن يسمعها مني. فقال صالح: أرأيت لو أن رجلا قال لعبد العزيز في مجلسه: يا عبد العزيز خذ هذه الحشفة «3» فادخلها في إست «4» هذا الكلب، أترى أنه قد أساء وقصر بعبد العزيز؟ فقال: سبحان الله!! ومن يقول له ذلك؟ قال صالح: فالله، والله، أحق وأحق أن يعظم ويوقر من خلقه. قال صالح: فما رأيت بعد تلك السقطة منه ما أكره، وما رأيت أحدا الله أجل في صدره من عمر.
58- كان لعامر بن عبد الله بن الزبير «5» ابن لم يكن يرضى سيرته فحبسه، وقال: لا أخرجك حتى تحفظ كتاب الله؛ فأرسل إليه: يا أبت قد حفظت كتاب الله فأخرجني؛ فأرسل إليه: لا بيت خير من بيت جمعت فيه كتاب الله فأقم. فما أخرج إلّا لجنازة عامر، ولقد دخل شابا وأخرج شيخا.
59:- اشترى طلحة بن عبد الله بن عوف «6» مهريا «7» بثلاثين دينارا، فانقلب بالبائع إلى داره لينقد له الثمن، وقد وضع له الغداء، فقال: كل، فأبى وقال: عجل لي حقي، فقال: والله لا أعطيك الثمن أو
(1/427)

تأكل؛ فغضب وانصرف، فقيل له: هو النجاشي الحارثي «1» ، فرده فأعطاه الجمل والدنانير؛ فقال النجاشي: بأبي أنت وأمي والله ما عوتب عتيق خيل قط إلّا أعتب «2» .
60- لما كبر عبد الله بن جدعان «3» أخذت بنو تيم على يده، ومنعوه أن يعطي ماله، فإذا أتاه السائل قال: أدن مني فيلطم وجهه، ثم يقول اذهب فاطلب لطمتك أو ترضى منها؛ فيطالبه الرجل بلطمته، فترضيه بنو تيم من ماله، وذلك عنى ابن الرقيات «4» بقوله في قصيدة يذكر فيها سادات قريش:
والذي إن أشار نحوك لطما ... تبع اللطم نائل وعطاء
61- لبعض ولد نهيك بن أساف الأنصاري «5» في الحكم بن المطلب المخزومي «6» :
(1/428)

خليلي إن الجود في السجن فابكيا ... على الجود إذ شدّت عليه مرافقه
ترى عارض المعروف في كل ليلة ... وكل ضحى يستن في السجن بارقه «1»
إذا صاح كبلاه طفا فيض بحره ... لزوّاره حتى ترام غرائقه «2»
62- كانت بوجه عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن عمر شجة «3» يستحسنها الناس، فكان النساء يخططن في وجوههن بالغالية «4» على مثال شجة عبد الحميد.
63- أخذ علي رضي الله عنه رجلا من بني أسد في حد، فاجتمع قومه ليكلموا عليا، وطلبوا إلى الحسن أن يصحبهم، فقال: ائتوه فهو أعلى بكم عينا؛ فدخلوا إليه، فرحب بهم، وقال لهم معروفا، وسألوه، فقال: لا تسألوني شيئا أملكه إلّا أعطيتكم؛ فخرجوا وهم راضون، يرون أنهم قد أنجحوا؛ فسألهم الحسن فقالوا: أتينا خير مأتي، وحكوا له قوله؛ فقال ما كنتم فاعلين إذا جلد صاحبكم فافعلوه، فأخرجه عليّ فحده «5» ، ثم قال: هذا لله لست أملكه.
64- جاء رجل من الأنصار واضعا خشبة على منكبه، فقال يا رسول الله أين هؤلاء الذين لم يصدقوا ربهم حتى حلف لهم، قال: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
«6» ؛ قال: ما تصنع بهم؟
قال: أضربهم بخشبتي هذه.
65- شهد رجل عند عمر بن عبد العزيز فقال له: من يعرفك؟
(1/429)

قال: مولاي إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله «1» ، فسأل إبراهيم فقال: ما أعلم خصلة من خصال السوء إلّا وهي فيه، إلّا أنه يأخذ جلدتكم هذه فيستكمل بها خصال السوء. أراد السوط وأن يكون عريفا «2» .
(1/430)

الباب الرابع عشر البخت وذكر الإقبال والإدبار والسعد والنحس واليمن والشؤم والنكد والخيبة والفلج والرزق والحرمان
1- ثوبان «1» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ألا ترى أن آدم كان في الجنة في عيش رغد، فأخرج منها إلى الدنيا بالمعصية التي كانت منه.
2- موسى عليه السّلام قال في مناجاته: يا رب لم ترزق الأحمق وتحرم العاقل؟ فقال: ليعلم العاقل أنه ليس في الرزق حيلة لمحتال.
3- كان أبو نافع مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تاجرا مجدودا «2» ، إذا اشترى شيئا غلا من يومه، وإذا باعه رخص من يومه، فقيل لكل مبخوت: له بخت أبي نافع.
4- قسم عمر رضي الله عنه قسما، فأمر لرجل بلقحة «3» ، فاتبعها فصيلان لها، فردهما، فقال عمر: دعها، ثم تمثل بقول علقمة بن
(1/431)

عبدة «1» .
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنّى توجه والمحروم محروم
5- علي رضي الله عنه: عيبك مستور ما أسعدك جدّك.
- وعنه: شاركوا الذي قد أقبل عليه الرزق، فإنه أخلق بالغنى، وأجدر بإقبال الحظ.
6- أبو ذر «2» : عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: يوشك أن يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع «3» .
7- قيل لبزرجمهر «4» : تعال فنناظر في القدر، فقال: وما أصنع بالمناظرة!! رأيت ظاهرا دل على باطن، رأيت أحمق مروزقا، وعالما محروما، فعلمت أن التدبير ليس إلى العباد.
8- المتقدم في الحذق متأخر في الرزق.
9-[شاعر] :
والمرء يرزق لا من حسن حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي
10- فيلسوف: إفراط العقل مضر بالجد.
11- ابن دريد «5» : أوضح الدلائل على ضعف الرجل في صناعته
(1/432)

أن يكون محظوظا منها؛ لأنك لا تكاد تجد متناهيا في حرفته «1» إلّا وجدته متناهيا في حرفته «2» .
12- قيل لأفلاطون «3» : لم لا تجتمع الحكمة والمال؛ قال: لعزة الكمال.
13- حكيم: استأذن العقل على الحظ فحجبه، فقال: أتحجبني وأنا خير منك؟؟ فقال: وأنت ما تساوي إذا لم أكن معك؟ قيراط من حظ خير من كرّ «4» عقل.
14- أبو الشيص «5» :
من الناس ناس لا تنام جدودهم ... وحظي ولا كفران لله نائم
15- حرفة الأدب أعدى من الجرب.
16- ابن المبارك «6» : لو لم نزهد في الدنيا إلّا لأنها في أيدي الأنذال، لكان ينبغي لنا أن نزهد فيها.
17- بزرجمهر: وكّل الله الحرمان بالعقل، والرزق بالجهل، ليعلم أن لو كان الرزق بالحيلة لكان العاقل أعلم بوجوه مطلبه، والاحتيال لمكسبه.
(1/433)

18- التقى ملكان فتساءلا فقال أحدهما: أمرت بسوق حوت اشتهاه فلان اليهودي؛ وقال الآخر: أمرت بإهراقة زيت أشتهاه فلان العابد.
19- دخل يحيى بن أكثم «1» على المأمون، وفيه بعض الرثاثة، فسأله عن حاله، فأنشأ يقول:
صفت الدنيا لأولاد الزنا ... ولمن يحسن ضربا وغنا
وهي للحرّ مخاض كدر ... غبن الحر لعمري غبنا
فأمر له بمال ابنتنى به سوق يحيى ببغداد.
20- العتابي «2» :
قد يرزق المرء لم يتعب رواحله ... ويحرم الرزق من لم يؤت من طلب
وإنني واجد في الناس واحدة ... الرزق والنوك مقرونان في سبب «3»
وخصلة قلّ فيها من يخالفني ... الرزق أروغ شيء عن ذوي الأدب
21- قالت أم الاسكندر في دعائها له: رزقك الله حظا تخدمك به ذوو العقول، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوي الحظوظ.
22- قال أبو هفان «4» : كان مروان بن أبي الجنوب «5» من المرزوقين
(1/434)

بالشعر مع تخلفه فيه، أعطاه المتوكل مائتي ألف دينار من ورق وذهب وكسوة، وقلده اليمامة والبحرين وطريق مكة، واختصه بمنادمته، وكان لا يزال يكرمه ويخلع عليه «1» .
23- ابن طيفور «2» :
وما الشعر إلّا السيف ينبو وحدّه ... حسام ويفري وهو ليس بذي حد «3»
ولو كان بالإحسان يرزق شاعر ... لأجدى الذي يكدي وأكدى الذي يجدي «4»
24- كان المعتمد على الله ابن المتوكل يقول الشعر المكسور فيكتب بالذهب، ويغني به المغنون.
25- علي رضي الله عنه: الحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور.
26- فلان يكالب الرزق، ويغالب القدر، وليس ينال إلّا ما قدر له.
27- سأل عمر رضي الله عنه الصحابة: من أغبط الناس عيشا؟
فقال أبو الدرداء: من تحت التراب، قد واجه الحساب، وأمن العقاب، واستحق الثواب؛ فقال عمر: ليجتهد البلغاء أن يزيدوا فيها حرفا.
28- فلان لو غرس الشوك لأثمر العنب.
(1/435)

29- فلان يقدح زندا شحاحا.
30-[شاعر] :
غرست غروسا كنت أرجو لحاقها ... وآمل يوما أن تطيب جناتها
فإن أثمرت لي غير ما كنت أرتجي ... فلا ذنب لي إن حنظلت نخلاتها
31- لو انتهى إلى عذب فرات صار أجاجا «1» ، أو أخذ ياقوتا انقلب في كفه زجاجا.
32- سعد المطر «2» ، قال الجاحظ: قيل له ذلك لأنه كان ملقى من المطر، أي يلقى الأذى من المطر، وهو الذي يقول:
أما الثياب فلا يغررك إن غسلت ... صحو يدوم ولا شمس ولا قمر
33- وممن مني بذلك مولى آل سليمان، جلس على طريق الناس، وقد رجعوا من الاستمطار وقد سقوا، فقال: ليس بي إلّا سرورهم بالإجابة، وما مطروا إلّا لأني غسلت ثيابي اليوم، ولم أغسلها قط إلّا جاء الغيم والمطر؛ فليخرجوا غدا فإن مطروا فإني ظالم:
ولو أني أردت غسل ثيابي ... في حزيران عاد يوما مطيرا
34- الهيثم بن القاسم الخثعمي «3» :
قد يرزق الأحمق المرزوق في دعة ... ويحرم الأحوذيّ الأرحب الباع «4»
كذا السوام تصيب الأرض محرمة ... والأسد منزلها في غير إمراع «5»
والناس من كان ذا مال وسائمة ... مدّوا إليه بأبصار وأسماع
(1/436)

35- الخنوت «1» :
تعرى المصيبات الفتى وهو عاجز ... ويلعب ريب الدهر بالحازم الجلد
36- أرسطو طاليس: حركة الإقبال بطيئة، وحركة الإدبار سريعة، لأن المقبل كالصاعد من مرقاة إلى مرقاة، والمدبر كالمقذوف به من علو إلى سفل.
37- طويس المخنث «2» مثل في الشؤم. ولد ليلة توفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفطم ليلة توفي أبو بكر، وبلغ الخنث يوم قتل عمر، وتزوج يوم قتل عثمان، وولد له ليلة قتل في صبيحتها علي بن أبي طالب عليه السّلام. وكان يقول: يا أهل المدينة ما دمت بين ظهرانيكم فتوقعوا خروج الدجال، فإن مت فأنتم آمنون.
38- للبستي «3» :
وصير طوس معقله فكانت ... عليه طوس أشأم من طويس
39- كان ببغداد كاتب ظريف، إلّا أنه لم يستكتبه أحد إلّا سلط عليه الدمار، فتحاموه تطيرا منه؛ فطلب نصر بن منصور بن بسام «4» كاتبا فاضلا، فقيل: أصبناه لك لولا قيل، ولولا قيل، هو مشؤوم؛ قال: لا
(1/437)

عدوى ولا طيرة، إئتوني به، فبرّه واستكتبه، فما مضت أيام أن برسم «1» نصر ومات. فقال ابن عائشة «2» فيه:
آخر قتلاه إذا حصلوا ... نصر بن منصور بن بسام
وكان بالسيف يلاقيهم ... فصار يلقاهم ببرسام
40- ونظيره حاجب عبيد الله:
يا سعد إنك قد خدمت ثلاثة ... كل عليه منك وسم لائح
وبدأت تخدم رابعا لتبيره ... رفقا به فالشيخ شيخ صالح
يا حاجب الوزراء إنك عندهم ... سعد ولكن أنت سعد الذابح «3»
41- أمر عبد الملك بن مروان بضرب عنق خارجي، فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا جزائي منك. قال: كيف؟ قال: والله ما خرجت معه إلّا نظرا لك، وتقربا إليك، فإني ما صحبت أحدا إلّا هزم وقتل وصلب، ولكوني عليك مع غيرك خير لك من مائة ألف معك، فضحك وأطلقه.
42- يزيد بن محمد المهلبي «4» :
(1/438)

وإذا جددت فكل شيء نافع ... وإذا حددت فكل شيء ضائر «1»
43- عبد الله بن أبي الشيص «2» :
أظن الدهر قد آلى فبرّا ... بأن لا يكسب الأموال حرّا
44- ابن الحجاج «3» :
خاطر يصفع الفرزدق في الشعر ... ونحو يصك وجه الكسائي «4»
غير أني أصبحت أضيع في القو ... م من البدر في ليالي الشتاء
45- الحمدوني «5» :
ما ازددت من أدبي حرفا أسرّ به ... إلّا تبدلت حرفا تحته شوم «6»
إن المقدم في الدنيا بصنعته ... أنّى توجه منها فهو محروم «7»
46- المنتصر بن المتوكل «8» :
(1/439)

متى ترفع الأيام من قد وضعنه ... وينقاد لي دهر عليّ جموح
أعلل نفسي بالرجاء وإنني ... لأغدو على ما ساءني وأروح
47- قطع على رجل «1» فلقيه صديق له فقال: أحسبك جئت بخفي حنين «2» . فقال: يا سيدي تلقّاني حنين في الطريق فأخذ الخفين من رجلي وتركني حافيا.
48- إذا أقبل البخت باضت الدجاجة على الوتد؛ وإذا أدبر انشق الهاون بالثمد «3» .
49- أبو علي العدوي من أهل أرزن «4» :
العقل ليس بمسعد خلقا إذا ... ما عال حتى يسعد المقدور
وحكومة الأيام يسعد جاهل ... فيها ويشقى البارع النحرير «5»
50- أيامه متبعة هواه، ولياليه قيام بما يهواه. مطعم الغنم يفلق الصخر جده.
(1/440)

51- الأعشى:
ولو بت تقدح في ظلمة ... صفاة ينبع لأوريت نارا «1»
رجع بحمر النعم «2» موقرة ببيض النعم «3» .
52- قطع جعفر بن سليمان «4» رزق إبراهيم بن هرمز البصري «5» ، فكتب إليه:
إن الذي شق فمي ضامن ... للرزق حتى يتوفاني
حرمتني خيرا قليلا فماذا ... زادك في مالك حرماني
53- حكيم: أسعد الناس من كان القضاء له مساعدا، وكان لمساعدته إياه أهلا.
54- كعب بن جعيل «6» :
وكنت كمرتاد بمنقاره الثرى ... فصادف عين الماء إذ يترسم
55- آخر:
وثنيت آمالي على أدراجها ... وصرفت خائبة وجوه رجائي
ورجعت عنك بما يعود بمثله ... راجي السراب بقفرة بيداء «7»
(1/441)

56- رجعت آمالهم خاسئة على أذنابها، ناكصة «1» على أعقابها.
57- كتب أبو مسلم إلى إبراهيم الإمام «2» بهرب نصر بن سيار «3» فتمثل بقول خداش بن زهير «4» :
وما برحت بكر تثوب وتدعي ... ويلحق منهم أولون وآخر
لدن غدوة حتى أتى الليل وانجلت ... عماية يوم شره متظاهر
وما زال ذاك الدأب حتى تخاذلت ... هوازن وارفضّت سليم وعامر
وكانت قريش يفلق الصخر جدها ... إذا أوهن الناس الجدود العواثر
58- كانت لكثير بن الصلت القرشي «5» دار بالمدينة، ما كانت دار تساويها، فطلبها معاوية، فقال ما إلى بيعها سبيل وفيها مائة مخمرة «6» ، فحرمه معاوية عطاءه، وكانت له عليه مائة ألف، فكتب إلى مروان «7» أن
(1/442)

يطالبه بها، فضاق عليه الأمر، فكتب إلى معاوية يستعطفه، وصار إلى سعيد بن العاص يستعينه على الدين؛ فأصبح ذات يوم وقد ورد عليه كتاب معاوية بالإفراج عنه وبمائة ألف لعطائه، وحملت إليه من دار سعيد مائتا ألف، فأحاط به الفلاح من كل وجه؛ وضرب المثل بغداة كثير، فقيل لقيته غداة كثير.
59- العباس بن ريطة الرعلي «1» :
وأهلكني أن لا يزال يكيدني ... أخو حنق في القوم حران ثائر
وذلك ما جرّت علينا رماحنا ... وكل امرىء يوما به الجد عاثر
60- آخر:
يخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
61- آخر:
كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد ... يرمى فيحرزه من ليس بالرامي
62- آخر:
إن الأمور إذا دنت لزوالها ... فعلامة الإدبار فيها تظهر
63- آخر:
وما منع الفتح بن خاقان نيله ... ولكنها الأقدار تعطي وتحرم «2»
64- آخر:
إذا كبا بالفتى زمان ... لم يغن حزم ولا حذار
(1/443)

65- آخر:
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه إجتهاده
66- الحسن: وكّل الله الحرمان بالعقل، ووكل الرزق بالجهل، ليعتبر العاقل فيعلم أن الرزق ليس بالعقل.
(1/444)

الباب الخامس عشر تبدل الأحوال واختلافها وتبدل الدول وانقلابها ووقوع الفتن والنوائب وعزل الولاة وسوء عواقبهم ونحو ذلك
1- عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يكون عليكم أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأعوان خونة، وعرفاء ظلمة، وقراء فسقة، سيماهم سيما الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيفة، أهواؤهم مختلفة، يفتح الله عليه فتنة غبراء مظلمة، فيتهوكون فيها»
كما تهوكت اليهود، فوالذي نفسي بيده لينتقضن الإسلام عروة عروة، حتى يقال لا إله إلّا الله.
2- علي رضي الله عنه في صفة فتنة: تكيلكم بصاعها «2» ، وتخبطكم بباعها، قائدها خارج من الملّة، قائم على الضلة، فلا يبقى يومئذ منكم إلّا ثفالة «3» كثفالة القدر، أو نفاضة «4» كنفاضة العكم «5» ، تعرككم عرك الأديم «6» ، وتدوسكم دوس الحصيد، وتستخلص المؤمن
(1/445)

منكم استخلاص الطير الحبة البطينة «1» من بين هزيل الحب.
- وعنه: إذا غضب الله على أمة غلت أسعارها، ولم تربح تجارها، ولم تزك ثمارها، ولم تغزر أنهارها، وحبس عنها أمطارها، وغلبها شرارها.
3- اختلف في مفتاح الفتن، فقيل: مقتل عثمان، وقيل مقتل الحسين، في مجلس الوزير عبيد الله بن سليمان «2» ، فحكم الحسن بن علي الكاتب «3» فقال: الأمر في ذلك أقرب متناولا من أن يقع لأحد فيه شك، انظروا أشدهما على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهو الأشد على المسلمين.
فقال الوزير: لله درك من صادع بالحق، حاكم بالعدل.
4- بعضهم: بينا هذه الدنيا ترضع بدرّتها، وتصرح عن زبدتها، وتلحف فضل جناحها، وتغر بركود رياحها، إذ عطفت عطف الضروس «4» ، وضرحت ضرح الشموس «5» ، وأراقت ما حلبت من النعيم؛ فالفائز من لم يغر بنكاحها، واستعد لو شك طلاقها.
5- الشعبي: لا تذهب الدنيا حتى يصير العلم جهلا، والجهل علما.
6- سديف «6» في خطبة: قد صار فيؤنا دولة بعد القسمة، وامامتنا
(1/446)

غلبة بعد المشورة، وعهدنا ميراثا بعد الإختيار للأمة، واشتريت الملاهي والمعازف «1» بسهم اليتيم والأرملة، وحكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، وتولى القيام بأمورهم فاسق كل محلة؛ اللهمّ وقد استحصد زرع الباطل وبلغ نهيته، وحرف وليده، واستجمع طريده، وضرب بجرانه؛ اللهمّ فأتح له من الحق يدا حاصدة تبدد شمله، وتفرق أمره، ليظهر الحق في أحسن صورته وأتم نوره.
7- إهاب بن همام بن صعصعة المجاشعي:
لعمر أبيك فلا تجزعي ... لقد ذهب الخير إلّا قليلا
وقد فتن الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان شرا طويلا
8- أبو العتاهية:
يعمر بيت بخراب بيت ... يعيش حي بتراث ميت
9- كان معاوية يقول: معروف زماننا منكر زمان قد مضى، ومنكره معروف زمان لم يأت.
10- عن شيخ من همدان: بعثني أهلي في الجاهلية إلى ذي الكلاع «2» بهدايا فمكثت حولا لا أصل إليه، ثم أشرف إشرافة من كوة له فخر من حول القصر سجدا. ثم رأيته بعد، وقد هاجر إلى حمص، يشتري اللحم بدرهم، ويسمطه «3» خلف دابته. وهو القائل:
أف للدنيا إذا كانت كذا ... أنا منها في عناء وأذى
(1/447)

إن صفا عيش امرىء في صبحها ... جرعته ممسيا كأس القذى «1»
ولقد كنت إذا ما قيل من ... أنعم الناس معاشا قيل ذا
11- كانت ناقة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود «2» فسبقها، فاشتد على الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام:
إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلّا وضعه.
12- أنس: ما من يوم ولا ليلة، ولا شهر ولا سنة، إلّا والذي قبله خير منه؛ سمعت ذلك من نبيكم صلّى الله عليه وسلّم.
13- يونس بن ميسرة «3» : لا يأتي علينا زمان إلّا بكينا منه، ولا تولى عنا زمان إلّا بكينا عليه. ومنه قوله:
رب يوم بكيت منه فلما ... صرت في غيره بكيت عليه
14- ونحوه قول المشرف المصري «4» :
أبكي إلى لقياهما حتى إذا ... دنوا إلي بكيت من لقياهما
15- أبو العتاهية:
يا صاحب الدنيا المحب لها ... أنت الذي ما ينقضي تعبه
إنّ استهانتها بمن صرعت ... لبقدر ما تعلو به رتبه
(1/448)

16- عبد الله بن خنيق الأنطاكي «1» : ما بقي على وجه الأرض مستوحش منه، أولهم أنا.
17- مر أبو سفيان «2» بعد إسلامه بأحد، فقيل له: أي يوم لك ههنا!! فقال: والآن لو وجدت رجالا.
18- إذا كان آخر الزمان قام القريع «3» بصفع البابغان «4» :
19- وجد في صندوق عبد الله بن الزبير صحيفة فيها مكتوب: إذا كان الحديث خلفا «5» ، والمقيت «6» إلفا، وكان الولد غيظا، والشتاء غيضا، وغاض الكرام غيضا، وفاض اللئام فيضا، فأعنز عفر، في جبل قفر، خير من ملك بني النضر «7» .
20- إسماعيل بن عمّار الأسدي «8» :
بكت دار بشر شجوها إذ تبدّلت ... هلال بن مرزوق ببشر بن غالب
(1/449)

وما هي إلّا كالعروس تنقّلب ... على رغمها من هاشم في محارب «1»
21- نصر بن سيّار حين جاشت خراسان بالمسودّة «2» :
أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الشر مبدؤه كلام
وقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام «3»
22- بعض العلوية:
أرى نارا تشب بكل واد ... لها في كل ناحية شعاع
وقد نامت بنو العباس عنها ... وباتت وهي آمنة رتاع «4»
كما رقدت أمية ثم هبت ... لتدفع حين ليس بها دفاع
23- كتب مفلس على فص خاتمه: أصبر فالدهر دول.
24- سقراط: إذا رأت العامة منازل الخاصة حسدتها، وتمنّت أمثالها؛ فإذا رأت مصارعها بدا لها «5» ، واغتبطت بحالها.
25- وإنما الدنيا دول، كراحل فيها نزل، أو نازل قيل رحل.
(1/450)

26- قيل لابن الجهم «1» بعدما صودر: أما تفكر في زوال نعمتك؟
قال: لا بد من الزوال، فلأن تزول نعمتي وأبقى خير من أن أزول وتبقى.
27- أنشد السيرافي «2» لابن الأعرابي «3» :
عن الأيام عدّ فعن قليل ... ترى الأيام في صور الليالي
28- علي رضي الله عنه: ما قال الناس لشيء طوبى، إلّا وقد خبأ الدهر له يوم سوء.
29- من كلام الجاهلية الأولى: كل مقيم شاخص «4» ، وكل زائد ناقص.
30- ابن المعتز: تذل الأشياء للتقدير، حتى يصير الهلاك في التدبير.
31- عقدوا ألوية الفتنة، واطلقوا عقال البدعة.
32- بشار بن برد «5» : لقد كنت في زمان، وأدركت أقواما لو احتفلت الدنيا ما تحملت إلّا بهم، وإني لفي زمان ما أرى عاقلا حصيفا، ولا فاتكا ظريفا، ولا ناسكا عفيفا، ولا جوادا شريفا، ولا خادما نظيفا، ولا جليسا خفيفا ولا من يساوي على الخبزة رغيفا.
33- العباس بن عبد المطلب «6» :
(1/451)

إذا مجلس الأنصار خفّ بأهله ... وحلّت بواديهم غفار وأسلم «1»
فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم
34- حماد الراوية «2» : شاهدنا في هذا المسجد، يعني مسجد الكوفة، قوما كانوا إذا خلعوا الحذا وعقدوا الحبى، وناشوا أطراف الحديث، أخبروا السامع وأخرسوا الناطق.
35- كتب أبو العيناء «3» إلى عبيد الله بن سليمان في نكبته: قد علمت أطال الله بقاك أن الكريم المنكوب أجدى على الأحرار من اللئيم الموفور، لأن اللئيم يزيد من النعمة لؤما، ولا تزيد المحنة الكريم إلّا كرما، هذا متكل على رازقه، وذا يسيء الظن بخالقه.
36- كتب معاوية إلى زياد: اعزل حريث بن جابر «4» : فإني ما أذكر فتنة صفين إلّا كانت حزازة «5» في صدري. فكتب إليه: خفض عليك يا أمير المؤمنين، فقد بسق حريث بسوقا لا يرفعه عمل، ولا يضعه عزل.
37- وروي أنه كتب إليه: أنظر رجلا يصلح لثغر الهند فولّه، فكتب زياد: إن قبلي رجلين يصلحان لذلك: الأحنف بن قيس، وسنان بن سلمة «6» ، فكتب معاوية: بأي يومي الأحنف بن قيس نكافيه،
(1/452)

أبخذلان أم المؤمنين، أم بسعيه علينا يوم صفين؟ فوجه سنانا. فكتب إليه: إن الأحنف قد بلغ من الشرف ومن الحلم والسؤدد ما لا ترفعه الولاية ولا يضعه العزل.
38- أنشد هشام بن عروة «1» لزيد بن عمرو بن نفيل «2» :
إذا كان الخطاء أقل ضرا ... وأنفع في الخطوب من الصواب
وكان النوك يلحق بالثريا ... وكان العقل يدفن في التراب «3»
وعطّلت المكارم والمعالي ... وأغلق دون ذلك كل باب
وأقصي كل ذي حسب ودين ... وقرّب كل مهتوك الحجاب
وولّي بعضهم حربا وخرجا ... وولّي بعضهم فصل الخطاب
فما أحد أظن بما لديه ... من المتحرج المحض اللباب
39- مطرف «4» : لا تنظروا إلى خفض عيش الملوك، ولين رياشهم، ولكن انظروا إلى سرعة ظعنهم «5» ، وسوء منقلبهم.
40- شيخ من بني تميم: ما أسرع انتقالهم وما هم فيه، ثم بكى وقال: إن عمرا قصيرا يستوجب صاحبه النار مشؤوم على صاحبه.
(1/453)

41- مر بعضهم على قصر خرب فقال: ذهبت أعمارهم، وبقيت أعمالهم.
42- لما قتل عامر بن إسماعيل «1» مروان بن محمد، ونزل في داره، وقعد على فرشه، دخلت عليه عبدة بنت مروان «2» فقالت: يا عامر إن دهرا أنزل مروان عن فرشه، وأقعدك عليها، لمبلغ في عظتك إن عقلت.
43- مالك بن دينار «3» : مررت على قصر تضرب فيه الجواري بالدفوف ويقلن:
ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يذهب بساكنك الزمان
ثم مررت عليه بعد حين وهو خراب، وثمّة عجوز فقالت: يا عبد الله قد والله دخلها الحزن، وذهب بأهلها الزمان.
44- أبو العتاهية:
لئن كنت بالدنيا بصيرا فإنما ... بلاغك منها مثل زاد المسافر
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر
45- عبد الملك بن عمير «4» : رأيت رأس الحسين عليه السّلام بين يدي
(1/454)

ابن زياد «1» في قصر الكوفة، ثم رأس ابن زياد بين يدي المختار «2» ، ثم رأسه بين يدي مصعب «3» ، ثم رأسه بين يدي عبد الملك. قال سفيان «4» :
فقلت له: كم كان بين أول الرؤوس وآخرها؟ قال: إثنتا عشرة سنة.
46- كانت للنعمان بن المنذر بن ماء السماء- وهو النعمان الأصغر الذي قتله أبرويز تحت أرجل الفيلة قبل مبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسنتين، وولّي مكانه إياس بن قبيصة «5» - بنتان قد ترهبتا: هند صاحبة دير هند «6» بنته بظاهر الكوفة، والحرقة «7» ؛ وحين فتح خالد بن الوليد عين التمر «8» ، سأل عن الحرقة، فأتاها وسألها عن حالها فقالت: لقد طلعت علينا الشمس وما من شيء يدب حول الخورنق «9» إلّا تحت أيدينا، ثم غربت وقد رحمنا كل من يدور به، وما من بيت دخلته حبرة «10» إلّا دخلته عبرة؛ وأنشأت تقول:
(1/455)

بينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن منهم سوقه نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف»
وأتت سعد بن أبي وقاص «2» في جوار لها في مثل زيها، فقال: سعد قاتل الله عدي بن زيد كأنه ينظر إليها حيث يقول:
إن للدهر صرعة فاحذرنها ... لا تبيتن قد أمنت الشرورا
قد يبيت الفتى معافى فيردى ... ولقد كان آمنا مسرورا
ثم أكرمها وأحسن جائزتها؛ فلما قامت قالت: أحييك تحية أملاكنا بعضهم بعضا: لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا نزع عن عبد صالح نعمة إلا جعلك سببا لردها عليه، فلقيها النساء وقلن: ما فعل بك الأمير؟
فقالت:
حاط لي ذمتي وأكرم وجهي ... إنما يكرم الكريم الكريما «3»
47- دخل أبو الأملاك «4» رضي الله عنه على أبي الذبان «5» في يوم قر «6» ، وهو على فرش كاد يغيب فيها، فقال يا ابن عباس إني لأحسب اليوم أصبح باردا، قال: أجل وإن ابن هند عاش في مثل ما ترى أربعين سنة، عشرين أميرا وعشرين خليفة، ثم هو ذاك على قبره ثمامة «7» نابتة.
(1/456)

48- قال الأصمعي: بلغني أن عبد الملك بن مروان ومحمد بن جبير بن معطم «1» مرا بقبر معاوية، فإذا عليه ثمامة تهتز.
49- كان محمد بن عبد الله بن طاهر «2» في قصره على دجلة ينظر، فإذا هو بحشيش على وجه الماء، في وسطه قصبة على رأسها رقعة، فدعا بها فإذا فيها:
تاه الأعيرج واستعلى به البطر ... فقل له خير ما ساتعملته الحذر
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر
فما انتفع بنفسه مدة.
50- نبغ بعد الخمول، ونجم بعد الأفوال، فاستطار سناه «3» ثم خبا، ونهض به القضاء ثم كبا.
51- الخثعمي «4» :
(1/457)

خنازير ناموا عن المكرمات ... فنبههم قدر لم ينم
فيا قبحهم عندما خولوا ... ويا حسنهم في زوال النعم
52- لا تكن ممن يحسن ما نقصت قدرته فإذا قدر قصر، ويحمل ما انقبضت يده فإذا انبسطت تغير.
53-[شاعر] :
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
54- الدهر إذا أتى بسجواء سجسج «1» تعقبها بنكباء زعزع «2» .
55-[شاعر] :
وكذاك شرب العيش فيه تلون ... بيناه عذب إذ تحول آجنا
56- يحي بن خالد «3» : أعطانا الدهر فأسرف، ثم عطف علينا فقصف.
57-[شاعر] :
فيا لنعيم ساعدتنا صدوره ... وخاست بنا أكفاله والروادف
58- استبدل من الطيب خبيثا، واستعاض من التذكير تأنيثا.
59- تكدر من مناهله «4» ما صفا، وتقلص من حواشيه ما ضفا «5» .
(1/458)

60-[شاعر] :
أزل ملك سليمان فعاوده ... والشمس تنحط في المجرى وترتفع «1»
61- بعضهم: رأيت إبراهيم بن المهدي في هذه الدار، يعني في دار الخلافة، في خمس طبقات: رأيته في أيام الرشيد والمأمون في طبقة الخلطاء، ثم رأيته خليفة، ثم رأيته في مرتبة العامة، ثم رأيته في مرتبة الندماء، ثم رأيته في أيام المعتصم في مشايخ بني هاشم.
62- أنشد إسحاق الموصلي إبراهيم بن المهدي حين حبس:
هي المقادير تجري في أعنتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال
يوما تريش خسيس الحال ترفعه ... إلى السماك ويوما تخفض العالي
فما أمسى حتى وردت عليه الخلع من المأمون ورضي عنه.
63- إذا أدبر الأمر أتى الشر من حيث يأتي الخير.
64- الراضي بالله «2» : عند تقلب الأحوال تعرف جواهر الرجال.
65- زمام العافية بيد البلاء، ورأس السلامة تحت جناح العطب.
66- كان طاووس «3» رحمه الله إذا قدم مكة نزل بصديق له، فقال ذات يوم: يا أبا عبد الرحمن، إن الدنيا أقبلت علينا حتى لو اشترينا ترابا لربحنا فيه، ولو أن البيضة سقطت من السطح لم تنكسر؛ فقطع النزول به. فأتاه الرجل بعد ذلك فقال: إن الدنيا قد أدبرت عنا؛ فنزل به فسأله
(1/459)

الرجل، فقال: إني رأيت الله قد أدبر عنكم فأدبرت. ثم رأيت الله قد أقبل عليكم فأقبلت.
67- نحن في زمان إذا ذكرنا الموتى حييت القلوب، فإذا ذكرنا الأحياء ماتت.
68- عبيد الله بن الحر «1» :
تبيت النشاوى من أمية نوما ... وبالطف قتلى ما ينام حميمها «2»
وما ضيع الإسلام إلّا قبيلة ... تأمر نوكاها ودام نعيمها «3»
وأضحت قناة الدين في كف ظالم ... إذا اعوج منها جانب لا يقيمها
69- ابن الرقاع «4» :
زالت قضاعة عنها بعدما سكنت ... بها سنين فصارت أهلها مضر
70- آخر:
كانت على سالف الأيام مقبلة ... يحلها من سراة الناس خيار
فأدبرت منذ صار العلج يسكنها ... وللمنازل إقبال وإدبار «5»
71- من عجائب نوائب الدنيا قطع يد أبي علي بن مقلة «6» ، ثم قطع لسانه، ثم مراسلته القاطع وهو الراضي بالله بعد ذلك في أن
(1/460)

يستوزره، وإطماعه في تصحيح المال الذي قطع بسببه، وإظهاره للاقتدار على الكتبة «1» بحيلة يحتالها بيمينه أو بيساره.
72- ومن عجائب اتفاقاته أنه قلّد الوزارة ثلاث دفعات، لثلاثة من الخلفاء: المقتدر «2» والقاهر «3» والراضي؛ وسافر في عمره ثلاث سفرات:
إثنتين إلى شيراز، وواحدة إلى الموصل؛ ودفن ثلاث مرّات: دفن في دار السلطان، ثم سأل أهله تسليمه إليهم فنبش، ودفنه إبنه أبو الحسين في داره، ثم نبشته جهته «4» المعروفة بالدينارية، فدفنته في دارها بقصر أم حبيب «5» ، ويروى له:
بعت ديني لهم بدنياي حتى ... حرموني دنياهم بعد ديني
(1/461)

ليس بعد اليمين لذة عيش ... يا حياتي بانت يميني فبيني
73- عزل الرشيد الفضل بن يحيى عن عمل وقلّده جعفرا «1» ؛ فكتب يحيى «2» إلى الفضل: قد رأى أمير المؤمنين أن تحول الخاتم من شمالك إلى يمينك فأجاب الفضل: سمعا لأمير المؤمنين وطاعة، وما انتقلت عني نعمة صارت إلى أخي.
74- كتب عامل إلى المصروف به «3» : قد قلّدت العمل بناحيتك فهنأك الله تجدد ولايتك، وأنفذت خليفتي بخلافتك، فلا تحله من هدايتك، إلى أن يمن الله بزيارتك. فأجابه: ما انتقلت عني نعمة صارت إليك، ولا خلوت من كرامة اشتملت عليك، وإني لأجد صرفي ولاية ثانية، وصلة من الوزير وافية، لما أرجو لمكانك من حسن الخاتمة، ومحمود العاقبة، والسلام.
75- إبراهيم بن عيسى الكاتب «4» في إبراهيم بن المدبر «5» :
لتهن أبا إسحاق أسباب نعمة ... مجددة بالعزل والعزل أنبل
شهدت لقد منوا عليك وأحسنوا ... لأنك يوم العزل أعلى وأفضل
76- الدورقي «6» :
لا بد يا نفس من سجود ... في زمن السوء للقرود
(1/462)

هبت لك الريح يا ابن وهب ... فخذ لها أهبة الركود «1»
77- أدخل عمرو بن الليث إلى بغداد على فالج «2» كان أهداه إلى المعتضد فقال أبو علي بن الفهم «3» :
ألم تر هذا الدهر كيف صروفه ... تكون يسيرا مرة وعسيرا «4»
وحسبك بالصفار نيلا وعزة ... يروح ويغدو للجيوش أميرا
حباهم بأجمال ولم يدر أنه ... على جمل منها يقاد أسيرا
78- حطمة بن قندش الطائي «5» يرثي أخاه:
وكان زئير الأسد لا يستفزني ... فلما مضى بصبصت عند النوائح «6»
79- علي رضي الله عنه: وأيم الله ما كان قوم قط في خفض من عيش فزال عنهم إلّا بذنوب اجترموها، لأن الله تعالى ليس بظلّام للعبيد؛ ولو أن الناس حين تنزل بهم النقم، وتزول عنهم النعم، فزعوا «7» إلى ربهم بصدق من نياتهم، ووله من قلوبهم، لرد عليهم كل شارد، وأصلح لهم كل فاسد.
- وعنه: لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها «8» ، عطف الضروس «9» على ولدها، وتلا قوله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ
«10» .
(1/463)

80- محمد بن سليمان الجرمي «1» في زوال أمر محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر «2» :
من كان يدري أن مثل محمد ... يغتاله ريب الزمان الأنكد
وهو الفتى لولاه ما افترع الندى ... عذر المكارم والعلى والسؤدد
81- نفر الطائي «3» :
ألا قالت بهيسة ما لنفر ... أراه غيرت منه الدهور «4»
وأنت كذاك قد غيرت بعدي ... وكنت كأنك الشّعرى العبور «5»
82- هانىء بن مسعود الذهلي «6» :
إن كسرى عدا على الملك النعما ... ن حتى سقاه أم الرقوب «7»
(1/464)

كل ملك وإن تصعّد يوما ... بأناس يعود للتصويب «1»
83- المشرف المصري «2» في بني الأطروش الماذرائيين «3» :
أما تراهم وقد حطوا براذعهم ... عن أتنهم واستبدوا بالبراذين «4»
وعرّجوا عن مشارات البقول إلى ... دور الملوك وأبواب السلاطين «5»
84- علي رضي الله عنه: قد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلّا إدبارا، والشر إلّا إقبالا، والشيطان في هلاك الناس إلّا طمعا؛ فهذا أوان قويت عدته، وعمت مكيدته، وأمكنت فريسته؛ أضرب بطرفك حيث شئت فهل تنظر إلّا فقيرا يكابد فقرا، أو غنيا بدل نعمة الله كفرا، أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا، أو متمردا كأن بسمعه عن سمع الواعظين وفرا، أين خياركم وصلحاؤكم، وأين أحراركم وسمحاؤكم، وأين المتورعون في مكاسبهم، والمتنزهون في مذاهبهم؟ أليس قد ظعنوا «6» جميعا عن هذه الدنيا الدنية، والعاجلة المنغصة، وهل خلفتم إلّا في حثالة «7» لا تلتقي بذمهم الشفتان، استصغارا لقدرهم، وذهابا عن ذكرهم، فإنا لله وإنا إليه
(1/465)

راجعون؛ ظهر الفساد فلا منكر مغير، ولا زاجر مزدجر، أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله في دار قدسه، وتكونوا أعز أوليائه عنده، هيهات لا يخدع الله عن جنته، ولا تنال مرضاته إلّا بطاعته.
85- الحارث بن عبد الله بن الحشرج الجعدي «1» في زمن أبي مسلم:
أبيت أرعى النجوم مرتفقا ... إذا استقلت تجري أوائلها «2»
من فتنة أصبحت مجللة ... قد عم أهل الصلاة شاملها
من بخراسان والعراق ومن ... بالشام كل شجاه شاغلها
فالناس في كربة تكاد لها ... تنبذ أولادها حواملها
يغدون منها في ظل مبهمة ... عمياء تغتالهم غوائلها «3»
86- أحيحة بن الجلاح الأوسي «4» :
وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعول
وما تدري إذا ألقحت شولا ... أتلقح بعد ذلك أم تحيل «5»
ألقح فلان وأحال: إذا لقحت إبله وحالت.
وما تدري إذا أجمعت أمرا ... بأي الأرض يدركك المقيل
(1/466)

87- عزل أحمد بن الخصيب «1» ، فقال بغا «2» : أبطرته النعمة، فعالجته النقمة. وقال الحسن بن مخلد «3» : لئن دخل مدخلا لا يشبهه، لقد خرج مخرجا يشبهه. وقال إبراهيم بن حمدون «4» : طالت السفالة في دولته، وطلعت المروءة بزولته.
88- كان يعقوب بن داود «5» ، وزير المهدي؛ من أكرم الناس وأعفهم، وأمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأكثرهم خيرا، فأزال نعمته بأن جاء علوي. فقتله، وألقاه في بئر، وبنى عليها قبة فبقي فيها خمس عشرة سنة، أيام خلافته وخلافة الهادي وصدرا من خلافة الرشيد، حتى أخرجه الله برحمة قذفها في قلب الرشيد؛ وكان السبب فيه أنه حمل ذات ليلة بنية له على عاتقه، فتذكر حمل يعقوب إياه على عاتقه في صباه، فرق له، ورمى إليه بخاتم الوزارة فأباها، واستأذنه في المجاورة، فأذن له، فمات بمكة رحمه الله.
89- كشاجم «6» .
يا معرضا عني بوجه مدبر ... ووجوه دنياه عليه مقبله
(1/467)

هل بعد حالك هذه من حالة ... أو غاية إلّا انحطاط المنزله
90- آخر:
من لم يذق غير الزمان وصرفه ... فليمس معتبرا بهذا البائس
هذا ربيعة فاعرفوه باسمه ... كان الأمير فصار كلب الحارس
كلب الحارس مثل في ساقط ينتمي إلى ساقط.
91- لا تقوم الولاية بذل العزل.
92- ابن المعتز:
وذل العزل يضحك كل يوم ... وينعر في قفا الوالي المدل
93- ألقى الدهر عليهم الكلكل «1» ، وشرب وأكل. اللئيم إذا ولي اهتبل «2» ، وإذا عزل ابتهل «3» عادت سهول أموره حزونا «4» ، وذلول عيشه حرونا «5» .
94- وقع الصاحب «6» على رقعة عامل: إذا احتجنا إليك صرّفناك «7» ، وإلّا صرفناك «8» .
95- أبو بكر الخوارزمي «9» في معزول: الحمد لله الذي ابتلى في الصغير، وهو المال؛، وعافى في الكبير، وهو الجمال.
(1/468)

96-[شاعر] :
ولا عار إن زالت عن الحر نعمة ... ولكن عارا أن يزول التجمّل
97- والمال حظ ينقص ثم يزيد، وظل ينحسر ثم يعود. وفلان المولّى يوم يعزل، والمصون ساعة يبتذل، والكبير بنفسه وإن انفرد عن غيره، والمستأنس بفضله وإن استوحش من دهره.
98-[شاعر] :
إن الأمير هو الذي ... يضحى أميرا يوم عزله
إن زال سلطان الولا ... ية فهو في سلطان فضله
99- آخر:
الدهر ذو حول والمرء ذو حيل ... فافزع إلى جبل أو فانتظر حولا «1»
100- آخر:
ما من مسيء وإن طالت إساءته ... إلّا ستكفيه يوما ما مساعيه
101- كتبت حظية «2» إبراهيم بن المهدي إليه في الحبس، تستأذنه في برطلة «3» الموكلين به، حتى تصل إليه، فكتب إليها:
إذا أنت أزمعت الرواح فقل لها ... قد انقطعت عني وعنك المزاير
أرادت رجوع اللهو بعد انصرافه ... ولم تدر ماذا أحدثته المقادر
فإن أعص ريعان الشباب فربما ... أطعت إليه الجهل والحلم وافر
يغر الفتى مر الليالي سليمة ... وهن به عما قليل عوائر
فأخذت الرقعة، وأوصلت إلى المأمون، فبكى وأمر بتسهيل إذنها عليه.
(1/469)

102- لما زفت بنت عبد الله بن جعفر على الحجاج نظر إليها، وعبرتها تجري على خديها، فقال: ممّ بأبي وأمي؟ قالت: من شرف اتضع، وضعة شرفت.
103- قال عبيد بن شرية «1» ، وقد أتى عليه مائتان وعشرين سنة، وقد سأله معاوية عما رأى من القرون: أدركت الناس يقولون: ذهب الناس.
104- سوار بن الأسعر «2» في وكيع بن أبي سود «3» حين قتل قتيبة بن مسلم:
فإن نلت خيرا أو أصبت إمارة ... إلى بعض شهر أو يكون إلى شهر
فسقت وكم من فاسق قد رأيته ... أصاب ثراء ثم عاد إلى فقر
105- شعية بن غريض اليهودي «4» :
(1/470)

إن امرأ أمن الحوادث وارتجى ... طول الحياة كضارب بقداح
إن أمس قد سدت عليّ مذاهبي ... أو أمس قد جمدت عليّ لقاحي
فلقد أجر الخصم يخشى درؤه ... وأرد حد جماحه بجماحي «1»
106- نابغة بني شيبان عبد الله بن المخارق «2» :
ما من أناس وإن عزّوا وإن كثروا ... إلّا يشد عليهم شدة الذيب
حتى يصيب على عمد خيارهم ... بالنافذات من النبل المصابيب
إني رأيت سهام الموت صائبة ... لكل حتف من الآجال مكتوب
من يلق بؤسا يصبه بعده فرج ... والناس بين أخي روح ومكروب «3»
101- عبد الله بن عروة بن الزبير «4» :
ذهب الذين إذا رأوني مقبلا ... هشّوا إليّ ورحّبوا بالمقبل
وبقيت في خلف كأن حديثهم ... ولغ الكلاب تهاوشت بالمنزل «5»
108- عبد الوهاب الشلمغاني «6» :
(1/471)

فأحسن إن وليت بلا إساة ... فقد ناداك بالنصح الأريب
وإن الدهر ليس بذي وفاء ... وفي عطفاته العجب العجيب «1»
109- عاصم الهلالي «2» :
أضحت بجيلة من فوقي مسلطة ... خطب جليل لعمري شأنه عجب «3»
يا ليتني متّ لم تظفر بجيلة بي ... كذلك الدهر بالإنسان ينقلب
110- محمد بن عتاب الكاتب «4» في جعفر بن محمود «5» لما صرف عن وزارة المعتز:
في غير حفظ الله يا جعفر ... زلت فزال الشرّ والمكر
كنت كثوب زانه طيّه ... حينا فأبدى عيبه النشر
111- ذل العزل يضحك من تيه الولاية. نسخ فلان بفلان: إذا ولي مكانه.
112- الفرزدق:
بكت المنابر من فزارة شجوها ... فاليوم من قسر تضج وتجزع
وبنو أمية أضرعونا للعدا ... لله درّ ملوكنا ما تصنع
قالهما حين عزل عمر بن هبيرة بخالد بن عبد الله القسري.
113- منصور الفقيه «6» :
(1/472)

قل لمصر إذا ترحّ ... لت عنها مودعا
يا حمى ما خطا ... به الليث إلّا مروعا
قل لنا ما الذي أعا ... دك للذئب مرتعا
أهلاك الحماة أم عجزهم أم هما معا 114- ركب الأصمعي حمارا دميما، فقيل له: أبعد براذين «1» الخلفاء تركب هذا؟ فقال متمثلا:
ولما أبت إلّا أطرافا بودها ... وتكديرها الشرب الذي كان صافيا
شربنا برنق من هواها مكدر ... وكيف يعاف الرنق من كان صاديا «2»
115- آخر:
أرى فتنة هاجت وباضت وفرّخت ... ولو تركت طارت إليك فراخها
116- كثّير «3» :
فما ورق الدنيا بباق لأهله ... ولا شدة البلوى بضربة لازم «4»
117- آخر:
ربّ قوم غبروا من عيشهم ... في سرور ونعيم وغدق «5»
(1/473)

سكت الدهر زمانا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق
118- أعرابي: هنا غناء لولا أنه فناء، وعلاء لولا أنه بلاء، وبقاء لولا أنه شقاء.
119- قد يكدي الجاد ويكل الحاد.
120- محمد بن يحيى الأسدي «1» :
وآمن نكبات الدهر قلت له ... وأجهل الناس بالأيام آمنها
لا تغفلن ورحى الأيام دائرة ... فكم ترى غافلا دقت طواحنها «2»
121- ولّى المتوكل حمدون بن إسماعيل «3» موضع الزئبق وهو الشيز «4» من أرض أذربيجان فقال:
ولاية الشيز عزل ... والعزل عنها ولايه
فولّني العزل عنها ... إن كنت بي ذا عنايه
122- دخل سعيد بن خالد بن أسيد «5» على سليمان بن عبد الملك، وكان جوادا، إن لم يجد شيئا كتب على نفسه صكا حتى يوسر، فتمثل له سليمان «6» :
إني سمعت مع الصباح مناديا ... يا من يعين على الفتى المعوان
(1/474)

ثم قال حاجتك؟ قال: ديني؛ قال: كم هو؟ قال ثلاثون ألف دينار؛ قال: لك دينك ومثلاه وعشرة آلاف، فأمر له بمائة ألف دينار.
فلما ولي هشام أتى بنو سعيد هشاما فقالوا: إن أبانا قد تركنا وما في قريش أحوج منا، فحجر «1» عليه وأجرى عليه في كل يوم شاة، فقال: ويلكم زيدوني أبلغكم أني بازي.
123- عدي بن زيد العبادي:
أيها الشامت المعير بالدهر أأنت المبرأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الأيام بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون أخلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير «2»
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور «3»
أم بنو الأصفر الكرام ملوك الأر ... ض لم يبق منهم مذكور «4»
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجري إليه والخابور «5» شاده مرمرا وجلّله كلسا فللطير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فباد الملك عنه فبابه مهجور
(1/475)

وتبين رب الخورنق إذ أشرف يوما وللهدى تفكير «1» سره حاله وكثرة ما يملك والبحر معرضا والسدير «2» فارعوى قلبه وقال وما غبطة حيّ إلى الممات يصير «3» ثم بعد الفلاح والملك والإمّة وارتهم هناك القبور «4» ثم أضحوا كأنهم ورق جفّ فألوت به الصبا والدبور «5» 124- أثنى رجل على مصعب بين يدي عبد الملك فقال: هو كما قلت:
ولكنه رام التي لا ينالها ... من القوم إلّا كل خرق معمم «6»
أراد أمورا لم يردها إلهه ... فخر صريعا لليدين وللفم
125- ولي عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس «7» المدينة، فأحسن السيرة ثم عزل، فاجتمع إليه أهلها فاستعبر وقال: أيكم ينشدني قول دراج «8» الضبي:
(1/476)

فلا السجن أبكاني ولا القيد شفّني ... ولكنني من خشية الموت أجزع «1»
بلى إن قومي قد أخاف عليهم ... إذا متّ أن يعطوا التي كنت أمنع
أم والله ما بكائي جزعا من العزل، ولا أسفا على الولاية، ولكني أخاف أن يلى هذه الوجوه من لا يعرف لها حقها.
126- كتب الأمين «2» إلى طاهر «3» : من عبد الله محمد أمير المؤمنين إلى طاهر بن الحسين، سلام عليك، أما بعد فإن الأمر قد خرج بيني وبين أخي إلى هتك الستور، وكشف الحرم، ولست آمن أن يطمع في هذا الأمر السحيق البعيد، لشتات إلفتنا، واختلاف كلمتنا، وقد رضيت أن تكتب لي أمانا لأخرج إلى أخي، فإن تفضل علي فأهل لذاك، وإن قتلني فمروة «4» كسرت مروة، وصمصامة «5» قطعت صمصامة، ولئن يفترسني السبع أحب إلي من أن ينبحني الكلاب.
فلما قرأه قال: الآن حين انخرم «6» عنه مراقه وفساقه، وبقي مخذولا مفلولا «7» يلوذ بالأمان!! لا والله أو يجعل في عنقه ساجورا «8» ويقول: قد نزلت على حكمك.
127- للأمين «9» :
يا نفس قد حق الحذر ... أين الفرار من القدر
كل امرىء مما يخا ... ف ويرتجيه على خطر
من يرتشف صفو الزما ... ن يغصّ يوما بالكدر «10»
(1/477)