Advertisement

ربيع الأبرار ونصوص الأخيار 003

الجزء الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الباب الثالث والثلاثون السفر، والسير، والفراق، وذكر الرحيل، والقدوم، والوداع، والبعد، والقرب، والذهاب، والمجيء، ونحوها
1- الحسن: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا من الأرض، استوجب الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد.
2- أبو هريرة: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لو يعلم الناس برحمة الله للمسافر لأصبح الناس على ظهر سفر، إن الله بالمسافر رحيم.
3- لما أخرج يوسف عليه السّلام من الجب واشتري قال لهم قائل:
استوصوا بهذا الغريب خيرا. فقال لهم يوسف: من كان مع الله فليس عليه غربة.
4- علي رضي الله عنه عند مسيره إلى الشام: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر «1» ، وكآبة المنقلب، وسوء النظر في الأهل والمال، اللهم أنت الصاحب في السفر، وأنت الخليفة في الأهل، ولا يجمعهما غيرك، لأن المستخلف لا يكون مستصحبا، والمستصحب لا يكون مستخلفا.
(3/5)

- وقال لبعض من أنفذه: سر البردين «1» وغور «2» بالناس ورفه «3» بالسير، ولا تسر أول الليل فإن الله جعله سكنا، وقدره مقاما لا ظعنا «4» ، فأرح فيه بدنك وروح ظهرك، فإذا وفقت حين ينبطح «5» السحر أو حين ينفجر الفجر فسر على بركة الله.
- ذكر لحوقه برسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد هجرته فقال: فجعلت اتبع مأخذ رسول الله فأطأ ذكره حتى انتهيت إلى العرج. أراد كنت أعطي خبره حتى انتهيت إليه.
5- عمرو بن شاس أبو عرار «6» :
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى لمطايانا برياك هاديا «7»
أليس يزيد العيس خفّة أذرع ... وإن كنّ حسرى أن تكوني أماميا «8»
6- الحركة ولود: والسكون عاقر.
7- أعرابي: قربني إليك قطع مفازة «9» وركوب أخرى، وملاطمة هواجر «10» النهار، ومراعاتي نجوم الليل، ورميي بالنجيب الناجي أثباج «11» الليل الداجي.
(3/6)

8- الفرس: وجدنا في مهارقنا «1» القديمة: إذا لم يساعد الجدّ «2» فالحركة خذلان.
9- رب لازم لعرصته «3» فاز ببغيته.
10- في بعض الكتب السماوية: إن مما عاقبت به عبادي أني ابتليتهم بفراق الأحبة.
11- قريبة الأعرابية: إذا كنت في غير قومك فلا تنس نصيبك من الذل.
12- إسحاق بن إبراهيم التميمي:
فراقك مثل فراق الحياة ... وفقدك مثل افتقاد الأيم «4»
عليك السلام فكم من وفا ... ء نفارق منك وكم من كرم
13- أعرابي: الإغتراب يعيد الجدّة «5» ويفيد الجدة «6» .
14- حكيم: السفر ميزان الأخلاق، لأنه يفصح عن مقاديرها في الكرم واللؤم.
15- قيل لصوفي مسفار: كم رأيت من البلدان؟ قال: لا تسأل! فإن شيطاني كان من الفيوج «7» .
16- أعرابي: لا يغني المخلب ما دام في المقنب «8» .
(3/7)

17- يقال: فلان ركوب للأهوال «1» ، وفلان ألوف للظلال «2» .
18- الغريب النائي عن أهله كالثور النادّ «3» عن اصطبله فهو لكل سبع فريسة، ولكل رام فريضة «4» .
19- تميم الداري «5» : لم تبق أرض لم يطأها، ولا واد لم يسلكه، حتى رأى الردم «6» ووصفه لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبلغ بلاد الظلمة وقطع وبار «7» .
20- حكيم: لا توحشنك الغربة إذا أنستك الكفاية مع لزوم الأوطان.
21- محمد بن عبد العزيز بن سهل «8» من أمراء الجبل: قيل لأعرابي:
ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان.
22-[شاعر] :
كأن لم تكن سعدى بأعناء غيقة ... ولم تر من معدى بهنّ منازل «9»
(3/8)

ولم تتربّع بالسرير ولم تكن ... لها الصيف خيمات العذيب الظلائل «1»
32- قيل لبعد الواحد بن زيد «2» من أصحاب الحسن: كيف كنت في سفرك؟ فقال: أبلاني الله في سفري هذا من حسن البلاء كأني لم أعصه قط.
24- خرج أيوب السختياني «3» في سفر فشيّعه الناس، فقال: لولا أني أعلم أن الله يعلم من قلبي أني لهذا كاره لخشيت المقت من الله.
25- قيل لأعرابي: متى الرحيل؟ قال: تلغموا بيوم السبت. من قولهم فلان يتلغم بذكرك، أي يذكرك دائما، من اللغام.
26- لا داء أدوى من الهجر إلا البين فإنه قاصمة الظهر.
27- إن اعانتك الغربة على الزمن فلا تطع النزاع إلى الوطن.
28- النجح مقيم في كنف الدؤوب.
29- مر إياس بن معاوية بماء فقال: أسمع صوت كلب غريب.
فقيل له: بم عرفته؟ قال بخضوع صوته وشدة نباح غيره.
30- يقال للرجل المسفار «4» خليفة الخضر «5» ، قال أبو تمام.
خليفة الخضر، من يربع على وطن ... في بلدة، فظهور العيس أوطاني
(3/9)

بالشام قومي وبغداد الهوى أنا ... بالرقمتين وبالفسطاط أخواني «1»
31- العلاء بن أسلم «2» : أردت الخروج إلى مكة فجاءني هشام بن عقبة «3» أخو ذي الرمة «4» فقال: يا ابن أخي، إنك تريد سفرا يحضر الشيطان فيه حضورا لا يحضره في غيره، فاتق الله، وصلّ الصلاة لوقتها، فإنك مصلّيها لا محالة، فصلّها وهي تنفعك، واعلم أن لكل رفقة كلبا ينبح دونهم فإن كان مهنا «5» شركوه فيه، وإن كان عارا تقلده دونهم، فلا تكونن كلب الرفقة.
32- طفرة النظام «6» مثل في المغذّ «7» الذي يطوي البعيد في مدة يسيرة، ومن مذهبه أن الجوهر ينتقل من المكان الأول إلى الثالث من غير أن يمر بالمكان الثاني.
33- قيل لرجل: إن السفر قطعة من العذاب، فقال: بل العذاب قطعة من السفر. قال:
كل العذاب قطعة من السفر ... يا رب فارددني إلى روح الحضر
(3/10)

34- دعبل «1» :
ويك إن القعود يلعب بالقعدد لعب الرياح بالبوغاء «2» كذب الزاعمون أن دوا الهمو*- م قرب الخريدة الحسناء «3»
ما دواء الهموم إلا المهاري ... تعتلي في التنوفة الملساء «4»
فمتى أوثر النساء على العي ... س فأصبحت دامي الأنساء «5»
إنتحت الحشا لهما دخيلا ... ترك القلب ناسيا للنساء
35- قيل لأعرابي: إنك تبعد السفر! قال: رأيت ما في أيدي الناس أبعد مما في السفر.
36- قيل لابن الأعرابي «6» : لم سمّي السفر سفرا؟ قال: لأنه يسفر عن أخلاق القوم، أي يكشف.
37- شبهت الحكماء الغريب باليتيم ثكل أبويه، فلا أم ترأم «7» له ولا أب يحدب عليه.
38- الغريب كالغرس الذي زايل تربته فهو ذاو لا يثمر وذايل لا ينضر.
39-[شاعر] :
(3/11)

وسائلة بظهر الغيب عنّا ... وما تدري أمتنا أم حيينا
فنحن كما يسرك غير أنا ... بنا الآفاق بعدك ترتمينا
40- أفراسياب «1» : مثل التركي مثل الدر والمسك لا يشرقان ما لم يفارقا معدنهما.
41- سافر أعرابي فرجع خائبا فقال: ما ربحنا من سفرنا إلا ما قصرنا من صلاتنا.
42- علي رضي الله عنه: فقد الأحبة غربة.
- علي رضي الله عنه: ست من المروءة، ثلاث في الحضر وثلاث في السفر، وأما اللاتي في الحضر فتلاوة كتاب الله، وعمارة مساجد الله، واتخاذ الأخوان في الله، وأما اللاتي في السفر فبذل الزاد، وحسن الخلق، والمزاح في غير معاصي.
43- أغار حذيفة بن بدر على هجان المنذر بن ماء السماء، وسار في ليلة مسيرة ثمان، فضرب بمسيره المثل فقيل: سار فلان بمسير حذيفة.
44- وقال قيس بن الخطيم:
هممنا بالإقامة ثمّ سرنا ... مسير حذيفة الخير ابن بدر
45- وسار ذكوان «2» مولى عمر رضي الله عنه من مكة إلى المدينة في يوم وليلة.
46- الصاحب «3» : خرج على الطائر الأسعد والجد الأصعد.
(3/12)

47- لقاء الحبيب روح الحياة، وفراقه سم الحياة.
48- دخل عليّ يوم الصدر عن مكة حرسها الله الشريف سلامة بن عياش الينبعي «1» للوداع فأنشدني لبعض الحسنيين:
فبتّ مرقرقا قد أنشبتني ... رسيسة ورد بينهم وأحاحا «2»
لعلمي أن صرف البين يصمي ... بنبل العين قرتها لماحا «3»
49- جرير:
يا أخت ناجية السلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذّل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
50- قيل لعمارة بن عقيل بن بلال بن جرير: ما كان جدك صانعا؟
قال: كان يقلع عينيه ولا يرى مظعن أحبابه «4» .
51- خرج علي بن الجهم إلى الغزو فتلقته خيل بناحية حلب فجرحوه، فبات يئن ويقول:
أسأل بالليل سيل ... أم زيد في الليل ليل
يا أخوتي بدجيل ... وأين مني دجيل «5»
وكان منزله في شارع دجيل ببغداد، ودفن بحلب، فوجد في جيبه رقعة مكتوب فيها:
(3/13)

يا رحمتا للغريب في البلد النا ... زح ماذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا
52- رب غريب كالبدر الطالع والكوكب اللامع يهتدي بضيائهما السائر ويأنس برؤيتهما الساهر.
53- وجد المتوكل على قبيحة «1» فألبست وصيفة لها قباء «2» حرير مكتب بالذهب في صدره:
حين تم الهوى وقلنا سررنا ... وأمنا من الصدود أمنا
بعث النأي رسله في سكون ... فأبادوا من شملنا ما جمعنا
وأهدتها له، فرضي عنها.
54- كان لرجل من العرب ابن يريد السفر وهو يمنعه إشفاقا عليه، فقال:
ألا خلّني أمضي لشأني ولا أكن ... على الأهل كلّا إنّ ذا لشديد «3»
أرى السير في البلدان أغنى معاشرا ... ولم أر من أجدى عليه قعود
تهيبني ريب المنايا ولم أكن ... لأهرب عمّا ليس عنه محيد
فلو كنت ذا مال لقرّب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت أنت رشيد
فذرني أجوّل في البلاد لعله ... يسرّ صديق أو يساء حسود «4»
55- نظر امرؤ القيس إلى قبر امرأة من بني عامر، وكانت جارة له، فقال:
أجارتنا إن المزار قريب ... وإني مقيم ما أقام عسيب «5»
(3/14)

أجارتنا إنّا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب
56- محفوظ بن علقمة «1» : قال رسول الله عليه السّلام لرجل من أصحابه:
أما إنك إن ترافق غير قومك يكن أحسن لخلقك وأحق أن يقتفى بك.
57- أراد الحسن «2» الحج فأحب ثابت «3» أن يصطحبا، فقال:
ويحك! دعنا نتعايش بستر الله، إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه.
58- أراد أعرابي سفرا فقال لامرأته:
عدّي السنين لغيبتي وتصبري ... وذري الشهور فإنهنّ قصار
فأجابته:
اذكر صباتنا إليك وشوقنا ... وارحم بناتك إنهنّ صغار
فأقام وترك سفره.
59- جهم بن عوف العقيلي «4» :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بعيدا من اسم الله والبركات
عرض بمتاعب السفر وقول السفر «5» كلما حلوا وارتحلوا بسم الله وعلى بركة الله.
60- أنشد ثعلب «6» :
(3/15)

راحوا ورحنا على آثارهم أصلا ... محمّلين من الأحزان أو تارا
كأن أنفاسنا لم ترتحل معنا ... أو سرن في أول الحي الذي سارا
- وأنشد أيضا:
وما وجد مغلول بصنعاء موثق ... بساقيه من ماء الحديد كبول «1»
قليل الموالي مسلم بجريرة ... له بعد نومات العيون أليل
يقول له الحداد أنت معذب ... غداة غد أو مسلم فقتيل
بأكثر مني لوعة يوم راعني ... فراق حبيب ما إليه سبيل
61- النبي صلّى الله عليه وسلّم: عليكم بالدلجة «2» فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار.
62- كعب بن مالك: قلّ ما كان رسول الله يخرج في سفر إلا يوم الخميس.
63- صخر بن وداعة الغامدي «3» : عنه عليه السّلام أنه كان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار، وكان صخر رجلا تاجرا، وكان يبعث تجارته من أول النهار، فأثرى وكثر ماله.
64- وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكره أن يسافر الرجل في غير رفقة.
وقال: الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب.
65- وعن ابن عباس رفعه: خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة.
- وقال: إذا خرج ثلاثة في سفر فليأمروا أحدهم، رواه الخدري «4» .
(3/16)

66- قزعة «1» : قال لي ابن عمر رضي الله عنهما: هلمّ أودعك كما ودّعني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك.
67- علي بن ربيعة «2» : شهدت عليا رضي الله عنه، وأتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله. ثم قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ
«3» . ثم قال الحمد لله ثلاث مرات، ثم قال: الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل: يا أمير المؤمنين، من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يفعل كما فعلت، ثم ضحك، فقلت: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال: إن ربك يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري.
68-[شاعر] :
وما أنس ملأشياء لا أنس قولها ... بنفسي بيّن لي متى أنت راجع «4»
(3/17)

فقلت لها والله ما من مسافر ... يحيط له علم بما الله صانع
فألقت على فيها اللثام وأدبرت ... وأقبل بالحكل السحيق المدامع
هو الأقرع بن معاذ «1» :
69- عبد العزيز بن الماجشون «2» من فقهاء المدينة: قال لي المهدي: يا ماجشون، ما قلت حين فارقت أصحابك الفقهاء بالمدينة؟
فقلت: قلت:
لله باك على أحبابه جزعا ... قد كنت أحذر من ذا قبل أن يقعا
إن الزمان رأى إلف السرور لنا ... فدبّ بالبين فيما بيننا وسعى
ما كان والله شؤم الدهر يتركني ... حتى يجرّعني من بعدهم جرعا
فليصنع الدهر بي ما شاء مجتهدا ... فلا زيادة شيء فوق ما صنعا
فقال: والله لأغنيك، فأعطاني عشرة آلاف دينار.
70- عمر بن أحمد بن بديل اليامي «3» :
(3/18)

أما الرحيل فحين جدّ ترحلت ... مهج النفوس له عن الأجساد «1»
من لم يبت والبين يصدع قلبه ... لم يدر كيف تفتّت الأكباد
71- عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير «2» :
ليت شعري ولليالي صروف ... هل أرى مرة بقيع الزبير «3»
ذاك مغنى ألفته وقطين ... تفرح النفس إذ تراهم بخير «4»
72- عمار بن عبد الله الكلبي «5» :
أذّن جيرانك بالرحيل ... وقربوا أنايق الحمول
من رامتي حومة فالدخول ... ثم غدوا بقلبك المتبول
وخلّفوا جسمك في الطول
73- عدي بن غطيف الكلبي «6» :
يا من رأى ظعنا تيمم صرخدا ... يحدو بها حوران فهي ظماء «7»
(3/19)

أخبرن بالجولان روضا ممرعا ... فتبعن ما فاهت به البشراء «1»
لما احتللن محلة من جاسم ... طرح العصيّ وأدرك الأهواء «2»
74- قيس بن ذريح الكناني «3» :
بكيت نعم بكيت وكلّ إلف ... إذا بانت قرينته بكاها
وما فارقت لبنى عن تقال ... ولكن شقوة بلغت مداها
75- كعب بن ذي الحبكة النهدي «4» سيره الوليد بن عقبة «5» إلى دنباوند «6» فقال:
وإن اغترابي في البلاد وجفوتي ... وشتمي في ذات الإله قليل
وإن دعائي كل يوم وليلة ... عليكم بدنباوندكم لطويل
(3/20)

76- الهيثم بن القاسم الخثعمي «1» :
سائل عن الظاعنين ما فعلوا ... وأين بعد ارتحالهم نزلوا
يا ليت شعري والليت عصمة من ... يأمل ما حال دونه الأجل
أين استقرت نوى الأحبة أم ... هل يرتجى للإحبة القفل «2»
ركب ألحّت يد الزمان على ... إزعاجهم في البلاد فانتقلوا
77- ذكر عند العباس بن علي «3» ولد قد فارقه فقال: دعوني أتذوق طعم فراقه، فهو والله الذي لا تشجى له النفس، ولا تدمع له العين، ولا يكثر في أثره الالتفات، فلا يدعى له فراقه بالسلامة.
78-[شاعر] :
عجبت لما رأتني ... أندب الربع المحيلا «4»
واقفا في الدار أبكي ... لا أرى إلا الطلولا
كلما قلت اطمأنت ... دارهم قالوا الرحيلا «5»
79- كان نعيم النحام «6» قديم الإسلام، ولقب بذلك لأن رسول الله
(3/21)

صلّى الله عليه وسلّم قال له: دخلت الجنة فسمعت نحمة «1» من نعيم فيها. وأقام بمكة حتى كان قبل الفتح، لأنه كان ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم، فقال له قومه حين أراد الهجرة وتشبثوا به. أقم ودن بأي دين شئت. فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين قدم عليه: قومك يا نعيم كانوا خيرا من قومي لي، إن قومي أخرجوني وأقرّك قومك، فقال نعيم، بل قومك خير يا رسول الله، أخرجوك إلى الهجرة، وقومي حبسوني عنها.
(3/22)

الباب الرابع والثلاثون الأسنان «1» ، وذكر الصبا والشباب، والشيوخة والهرم، وما شاكل ذلك
1- ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: البركة مع أكابركم.
2- أنس: جاء شيخ إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم في حاجة، فأبطأوا عن الشيخ.
أن بوسعوا له، فقال: ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا.
3- جعفر بن محمد عن أبيه «2» : جاء رجلان إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم شيخ وشاب، فتكلم الشاب قبل الشيخ، فقال: كبركبر.
وبهذه الرواية: من عرف فضل كبير لسنّه فوقره أمنه الله من فزع يوم القيامة.
4- علي رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: إن من حق إجلال الله إكرام ثلاثة: ذو الشيبة المسلم، وذو السلطان المقسط، وحامل القرآن غير الجافي عنه ولا الغالي فيه.
(3/23)

5- قام وكيع بن الجراح إلى سفيان الثوري فأنكر عليه قيامه، فقال وكيع: حدثتني عن عمرو بن دينار «1» عن أنس: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم. فسكت سفيان وأخذ بيده فأجلسه إلى جانبه.
6- أنس يرفعه: ما أكرم شاب شيخا إلا قيض الله له من يكرمه عند سنّه.
7- أنس يرفعه: قال الله تبارك وتعالى وعزتي وجلالي وفاقة خلقي إليّ إنه لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام أن أعذبهما. ثم بكى، فقيل له: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: أبكي ممن يستحي الله منه وهو لا يستحي من الله.
- وقال: من بلغ ثمانين من هذه الأمة حرمه الله على النار.
- وقال: إن الله يحب أبناء الثمانين.
- وقال: إذا بلغ المؤمن ثمانين سنة فإنه أسير الله في الأرض، تكتب له الحسنات وتمحى عنه السيئات.
- وقال: من أتت عليه مائة سنة بعثه الله وافدا لأهل بيته.
8- عبد الله «2» : كان رجل من قبلكم لا يحتلم حتى تأتي عليه ثمانون سنة.
9- وهب «3» : إن أصغر من مات من ولد آدم ابن مائتي سنة تبكيه الإنس والجن لحداثة سنه.
(3/24)

10- عبادة بن الصامت رفعه: ألا أنبئكم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أطولكم أعمارا في الإسلام إذا سددوا.
11- قال رجل للفضل بن مروان: كم سنوك؟ قال: سبعون، ثم سأله بعد سنين فقال: سبعون، فقال: ألم تخبرني منذ عشرين سنة بهذا؟
قال: بلى ولكني رجل ألوف، إذا ألفت سنة أقمت فيها عشرين سنة لم أتجاوزها إلى غيرها.
12- أفلاطن «1» : أيها الشبان، أكرموا كباركم ليتأسى بكم من يأتي بعدكم.
13-[شاعر] :
إن معاذ بن مسلم رجل ... قد ضجّ من طول عمره الأبد «2»
قد شاب ر. س الزمان واكته*- ل الدهر وأثواب عمره جدد «3»
يا نسر لقمان كم تعيش وكم ... تسحب ذيل الحياة يا لبد «4»
(3/25)

قد أصبحت دار آدم خربت ... وأنت فيها كأنك الوتد «1»
تسأل غربانها إذا حجلت ... كيف يكون الصداع والرمد
14- قال يزيد بن معن السلمي «2» لمعاوية حين سقطت مقاديم «3» فيه في الطست «4» : والله ما بلغ أحد سنّك إلا أبغض بعضه بعضا، فثناياك أهون علينا من سمعك وبصرك، فطابت نفسه.
15- لما شد عبد الملك أسنانه بالذهب قال: لولا المنبر والنساء ما باليت متى سقطت.
16- عمرو بن الليث «5» : سافر بالحمار الهرم فإن نقل وإلّا دلّ على الطريق.
17- دخل يونس بن حبيب «6» المسجد وهو يهادي بين اثنين من الكبر، فقال من كان يتهمه على مودته: بلغ بك الكبر ما أرى يا أبا عبد الرحمن! فقال: هو ما ترى، فلا بلغته.
(3/26)

18- يحيى بن خالد البرمكي:
الليل شيّب والنهار كلاهما ... رأسي بكثرة ما تدور رحاهما
الشيب إحدى الميتتين تقدمت ... أولاهما وتأخرت آخراهما
19- تميم بن خزيمة «1» :
قالت تغيّرت قلت الدهر غيّرني ... والهم شيّبني ما شبت من كبر
20- قيل لحكيم: مالك تدمن إمساك العصا ولست بمريض ولا كبير؟ قال: لأرى أني مسافر.
21- دخل سليمان بن عبد الملك مسجد دمشق فرأى شيخا يزحف فقال: يا شيخ، أيسرّك أن تموت؟ قال: لا، قال: ولم وقد بلغت من السن ما أرى؟ قال: ذهب الشباب وشره، وبقي الكبر وخيره، إذا أنا قعدت ذكرت الله، وإذا قمت حمدت الله، فأحب أن تدوم لي هاتان الخصلتان.
22- قيل لأبي الجماهر «2» : ابن كم أنت؟ قال: ولّتني الخمسون ذنبها.
23- وقال آخر: حبوت إلى الستين، وقال آخر: أخذت بعنق الستين.
24- مسروق «3» : إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله.
وأنشد ابن الأعرابي «4» :
(3/27)

إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي أتى ... وإن جرّ أرسان الحياة له الدهر
25- أنس رضي الله عنه رفعه: يبغض ابن السبعين في طرة ابن العشرين «1» .
26- كتب الحجاج إلى قتيبة «2» : إني نظرت في سنّك فوجدتك لدتي «3» ، وقد بلغت الخمسين وإن امرأ سار إلى منهل الخمسين لقريب منه، فسمع به الحجاج بن يوسف التيمي «4» فقال:
إذا كانت السبعون داءك لم يكن ... لدائك إلّا أن تموت طبيب
وإن امرأ قد سار سبعين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب
27- النخعي «5» : كان يقال إذا بلغ الرجل أربعين سنة على خلق لم يتغير عنه حتى يموت.
28- ودعي مدني إلى لهو كان يساعد عليه، فقال: دخلت في حد الأربعين، فما بقي فيّ على الجهل مساعد، وقال «6» :
إذا ما المرء قصر ثم مرّت ... عليه الأربعون ولم يبال
ولم يلحق بصالحهم فدعه ... فليس بلاحق أخرى الليالي
هو الأعور الشني «7» :
(3/28)

29- عبادة بن الصامت: قال جبرائيل لرسول الله يؤمر الحافظان أن ارفقا بعبدي في حداثة سنّه، فإذا بلغ الأربعين قال احفظا وحققا.
30- ابن عباس رفعه: من أتى عليه أربعون سنة ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار.
31- محمد بن علي بن الحسين «1» رضي الله عنهم: إذا بلغ الرجل أربعين سنة نادى مناد من السماء: دنا الرحيل فأعد زادا.
32- هلال بن يساف «2» : كان الرجل من أهل المدينة إذا بلغ أربعين سنة تخلّى للعبادة.
33- النخعي: كانوا يطلبون الدنيا فإذا بلغوا الأربعين طلبوا الآخرة.
34- كان يقول عمر بن عبد العزيز: لقد تمت حجة الله على ابن الأربعين، فمات بها.
35- الحسن «3» : لقد أعذر إليك أن عمّرك أربعين فبادر المهلة قبل حلول الأجل. أما والله لقد كان الرجل فيما مضى إذا أتت عليه أربعون سنة عاتب نفسه.
36- أنس رضي الله عنه رفعه: لكل شيء حصاد، وحصاد أمتي ما بين الستين إلى السبعين.
(3/29)

37- حذيفة «1» رضي الله عنه: قالوا: يا رسول الله، ما أعمار أمتك؟ قال: مصارعهم ما بين الخمسين والستين. قالوا: يا رسول الله فأبناء السبعين؟ قال: قلّ من بلغها من أمتي، فرحم الله أبناء السبعين، ورحم الله أبناء الثمانين.
38- سأل وهبا «2» عمرو بن دينار عن سنّه فقال: ستون، فقال:
ينبغي لمن سار إلى الله منذ ستين سنة أن يكون قد أناخ. وروي: أنت تسير إلى الله منذ ستين سنة أوشك أن تريح راحلتك وتحط رحلك.
39- بليل الصفار «3» :
وما صاحب السبعين والعشر بعدها ... بأقرب ممّن حنّكته القوابل «4»
ولكن آمالا يؤملها الفتى ... وفيهنّ للراجين حق وباطل
40- إبراهيم بن أدهم: كنا نرجو الشاب، فإذا تلكم عند من هو أكبر منه أيسنا من كل خير عنده.
41- عاش كل واحد من حسان «5» ، وأبيه ثابت، وجده المنذر، وجد أبيه مائة وأربعين سنة، وكان عبد الرحمن «6» إذا حدث بذلك أشرأبّ له وثنى يده عليها. فمات وهو ابن ثمان وأربعين سنة.
42- عنه عليه السّلام: ما أعمار أمتي في أعمار من مضى إلا كما بين
(3/30)

مغيربان «1» الشمس.
43- أبو هريرة رفعه: من عمّر ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر.
عبد الله بن الزبير: أنت عليّ سبعون سنة، أنا من زرع قد استحصد «2» .
44- يحيى بن معاذ: مقدار عمرك في جنب عيش أهل الجنة كنفس واحد، فإذا ضيّعت نفسك فخسرت عيش الأبد إنك لمن الخاسرين.
45- أبو البلاد الطهري «3» :
مضت مدّتي حتى انحنيت من البلى ... وكانت قناتي من قنا الخط عودها «4»
وغيرّني الأحداث يا أم مالك ... وراجع خطوي مشية لا أريدها
46- عنه عليه السّلام: خلق ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون ميتة إن أخطأته وقع في الهموم حتى يموت.
47- سئل أحمد بن عيسى العلوي»
عن سنّيه فقال: خلفت الخمسين من ورائي، وإنّ التفاتي إليها لطويل.
(3/31)

48-[شاعر] :
الدهر أبلاني وما أبليته ... والدهر غيرّني ولم يتغير
والدهر قيّدني بقيد محكم ... فمشيت فيه وكل يوم يقصر
49- أبو الحسن الحماني «1» :
هبني بقيت على الأيام والأبد ... ونلت ما رمت من مال ومن ولد
من لي برؤية من قد كنت ألفه ... وبالشباب الذي ولى فلم يعد
50- ابن عروس الكاتب «2» :
لقد تأملت الحياة ... عقيب أيام التصابي
فإذا المصيبة في الحياة ... هي المصيبة بالشباب
51- في الزبور «3» : من بلغ السبعين اشتكى من غير علة.
52- قال عبد الملك للعريان بن الهيثم «4» : كيف تجدك؟ قال:
أجدني قد ابيضّ منيّ ما كنت أحب أن يسود، واسودّ مني ما كنت أحب أن يبيض، واشتدّ مني ما أحب أن يلين، ولان مني ما أحب أن يشتدّ، ثم قال:
سلني أنبئك بآيات الكبر ... نوم العشاء وسعال بالسحر
وقلة النوم إذا الليل اعتكر ... وقلة الطعم إذا الزاد حضر
(3/32)

وسرعة الطرف وتحميج النظر ... وتركي الحسناء في قبل الطهر «1»
وكثرة النسيان فيما يدّكر ... وشعر بدّلته بعد شعر
والناس يبلون كما تبلى الشجر
53- علي رضي الله عنه: بقية عمر المرء لا ثمن لها، يدرك بها ما فات، ويحيي بها ما أمات.
54- قيل لشيخ: كم أتى عليك؟ قال: عشر سنين. قيل: وكيف وأنت شيخ كبير؟ قال: أنا منذ عشر سنين من التوابين.
هو ابن قبضة «2» وقد شارف أن يحتوي هنيدة «3» ، أي هو ابن ثلاث وتسعين وقارب المائة، أبلى ثلاث عمائم في الشعر الأسود والمغلس والأبيض.
55- غيلان بن سلمة الثقفي «4» :
الشيب إن يظهر فإن وراءه ... عمرا يكون خلاله متنفّس «5»
لم ينتقص مني المشيب قلامة ... الآن حين بدا ألبّ وأكيس «6»
56- استحضر المتوكل الجاحظ فقال: وما يصنع أمير المؤمنين
(3/33)

بامرىء ليس بطائل، ذي شقّ مائل، ولعاب سائل، وعقل حائل.
57- ديك الجن «1» :
نهنهت الخمسون من شرتي ... وقصرت خطوي بعد اتساع
تعترف النفس بنقص القوى ... فأمسك النفس ببعض الخداع
أذكر أسنان التي فوقها ... والموت قد يودي بمن في الرضاع
58- قريبة الإسناد من عاد، وفرعون ذي الأوتاد.
59- قد عطل الدهر مسواكها «2» . عشورية لم يبق إلا هديرها «3» .
60- قيس بن الحدادية الخزاعي «4» :
هل الأدم كالآرام والزهر كالدمى ... معاودتي أيامهن الصوالح «5»
زمان سلاحي بينهن شبيبتي ... لها سائف في سيبهن ورامح
فأقسمن لا يسقينني قطر مزنة ... لشيبي ولو سالت بهن الأباطح «6»
61- عبد الرحمن بن أبي بكرة «7» : من تمنّى طول العمر فليوطن
(3/34)

نفسه على المصائب.
62-[شاعر] :
وكأن طول العمر روحة راكب ... قضى اللغوب وجدّ في الإسراء «1»
63- أبو حية النميري «2» :
ترحّل بالشباب الشيب عنّا ... فليت الشيب كان به الرحيل
وقد كان الشباب لنا خليلا ... فقد قضّى مآربه الخليل
لعمر أبي الشباب لقد تولى ... حميدا لا يراد به بديل
إذ الأيام مقبلة علينا ... وظل أراكة الدنيا ظليل «3»
64- أنس: قال ملك الموت لنوح عليه السّلام: يا أطول النبيين عمرا كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: كرجل دخل بيتا له بابان، فقام وسط البيت هنيهة ثم خرج من الباب الآخر.
65- يقال للبالغ عمره: ما بقي منه إلا مثل ظمء الحمار «4» .
66- وعن مروان بن الحكم: الآن حين نفذ عمري ولم يبق منه إلا مثل ظمء الحمار صرت أضرب الجيوش بعضها ببعض.
67- يقال لمن بلغ ساحل الحياة ما هو إلّا شمس العصر على القصر.
68- ابن المعتز عظّم الكبير فإنه عرف الله قبلك، وارحم الصغير فإنه
(3/35)

أغر «1» بالدنيا منك.
69- قال المنتصر «2» للحسين بن الضحاك وكان من بقية أهل الفضل، وقد أتاه مهنئا بالخلافة، وهو شيخ أخذت منه السنّ العالية، بعد ما بالغ في إكرامه، وسر بسلامته: بقاؤك بهاء للملك، وزينة للدولة، وقد ضعفت عن الحركة، فكاتبني بحاجاتك، ولا تحمل على نفسك «3» .
70- أبو الطفيل عامر بن واثلة «4» له صحبه. وتروى لمسعود بن مصاد الكلبي «5» :
أيدعونني شيخا وقد عشت حقبة ... وهنّ من الأزواج نحوي نوازع
وما شاب رأسي من سنين تتابعت ... عليّ ولكن شيّبتني الوقائع
71- دخل معن بن زائدة على المأمون فقال: إلى أي حال صيّرك الكبر؟ قال: إلى أن أعثر ببعرة، وتقيّدني شعرة. قال: كيف حالك في المأكول والمشروب والنوم؟ قال: إن جعت جررت وإن أكلت ضجرت، وإن كنت في ملأ نعست، وإذا صرت إلى قوامى شتّى أرقت، قال: كيف حالك مع النساء؟ قال: اما القباح فلست أريدهن وأما الملاح فليس يردنني. قال: لا يحل أن يستثاب مثلك، أضعفوا رزقه وأكرموا منزله يركب إليه الناس ولا يركب إلى أحد.
72- شميط «6» : أحدهم قد كبر سّنه، ورقّ عظمه، وأنكر نومه
(3/36)

وطعمه وهو فاغر فاه، لهفان على الدنيا، كأنما ابتكر العيش جدعا، ويحك، أترجو أن يرجع إليك الشباب، فليس بعائذ إليك، أما تدرك نفسك في بقية عمرك، أما تتوب إلى الله، من قريب؟.
73- أطع أكبر منك ولو بليلة.
74- رأى الحسن البصري: في يد أمه كراثة فقال: يا أمه، ما هذه الشجرة الخبيثة في يدك؟ قالت: يا بني إنك شيخ قد خرفت! قال: يا أمه، أينا أكبر أنا أو أنت؟.
75- داود بن متمم بن نويرة «1» :
يخاف عليّ المشفقون ومدتي ... إلى أجل لو يعلمون قريب
وما رغبتي في آخر العيش بعد ما ... لبست شبابي كله ومشيبي
وأصبحت في قوم كأن لست منهم ... وغاب قروني بينهم وضروبي
76-[شاعر] :
لو لم يوكل بالفتى ... إلا السلامة والنعم
فتداولاه لأوشكا ... أن يسلماه إلى الهرم
77- النبي صلّى الله عليه وسلّم: من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة ما لم يخضبها أو ينتفها.
78-[شاعر] :
أعر طرفك المرآة فانظر فان بنا ... بعينيك منك الشيب فالبيض أعذر
إذا شنئت وجه الفتى عين نفسه ... فعين سواه بالشناءة أجدر «2»
79- العتبي «3» :
(3/37)

رأين الغواني الشيب لاح بمفرقي ... فأعرضن عنّي بالخدود النواضر
وكنّ إذا أبصرنني أو سمعن بي ... سعين فرقّعن الكوى بالمحاجر «1»
80- أبو الشبل البرجمي «2» :
عذيري من جواري الح ... ي إذ يرغبن عن وصلي
رأين الشيب قد أل ... بسني أبهة الكهل
وعرّضن وقد كنّ ... ن إذا قيل أبو شبل
تساعين فرقّعن ال ... كوى بالحدق النجل «3»
81- آخر:
علاني من صروف الدهر نقع ... أحاذر نفضه عنّي حذارا
فويلي حين غبّرت الليالي ... وويلي حين ينفضن الغبارا
82- إياس بن قتادة العبشمي «4» رأى شيبة في لحيته فقال: أرى الموت يطلبني، وأراني لا أفوته، يا رب أعوذ بك من فجاءات الأمور. يا بني سعد إني قد وهبت لكم شبابي فهبوا لي شيبتي، ولزم بيته. فقال له أهله: تموت هزلا، فقال: لأن أموت مؤمنا أحبّ إليّ من أن أموت منافقا سمينا.
(3/38)

وروي أنه قال: لا أراني حمّيرا لحاجات بني تميم والموت يطلبني، فنزل الشبكة «1» فاتخذها مسجدا، فلم يزل يعبد الله حتى مات.
83- الحسن «2» : أفضل الناس ثوابا يوم القيامة المؤمن المعمّر.
84- عبد العزيز بن أبي رواد: من لم يتعظ بثلاث لم يتعظ بشيء:
الإسلام، والقرآن، والشّيب.
85-[شاعر] :
يا عامر الدنيا على شيبه ... فيك أعاجيب لمن يعجب
ما عذر من يعمر بنيانه ... وجسمه منهدم يخرب
86- الشيب مطية الأجل، وطريدة الأمل.
أبو حازم «3» : لا تقتد بمن لا يخاف الله بظهر الغيب، ولا يصلح عند الشيب.
87- عمر رضي الله عنه: أما تنهاك شماطتك من معاصي الله؟.
88- أعرابي: للموت تقحّم على المشيب كتقحّم المشيب على الشباب.
89- يونس بن حبيب: قال لي رؤبة «4» : حتى متى تسألني عن هذه الأباطيل وأزوقها لك؟ أما ترى الشيب قد بلغ في لحيتك؟.
90- الفرزدق:
(3/39)

وتقول كيف يميل مثلك للصبا ... وعليك من عظة الحكيم عذار
والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
91- الشعبي «1» : الشيب علّة لا يعاد عنها ومصيبة لا يعزّى عليها.
92- وقال محمود الوراق:
أليس عجيبا بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
فمن بين باك له موجع ... وبين معزّ مغذّ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشبا ... ب فليس يعزيه خلق عليه
93- رأى حكيم طارىء شيبة فقال: مرحبا بثمرة الحكمة، وجنى التجربة، ولباس القتوى.
94- أعرابي: كنت أنكر الشعرة البيضاء فأصبحت أنكر الشعرة السوداء. أبو دلف «2» :
تأوّ بني هم لبيضاء نابتة ... لها بغضة في مضمر القلب ثابتة
ومن عجب أني إذا رمت قصّها ... قصصت سواها وهي تضحك شامتة
95- ابن المعتز:
فظللت أطلب وصلها بتذلل ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي
96- يقال: فلان صفق وجهه على المشيب، إذا تصابى وهو أشيب.
97- وروي أن إبراهيم صلوات الله عليه أول من شاب ليتميز عن إسحاق، إذ كان من الشبه به بحيث لا يكاد يميز بينهما، فلما وخطه «3» الشيب قال: يا رب، ما هذا؟ قال: هو الوقار، قال: يا رب، زدني وقارا.
(3/40)

98- الحماني «1» :
لعمرك للمشيب عليّ مما ... فقدت من الشباب أشدّ فوتا
تمنيت الشباب فصار شيبا ... وأبليت المشيب فصار موتا
99- أنشد ابن الأعرابي «2» :
إذا رأيت صلعا في الهامة ... وحدبا بعد اعتدال القامة «3»
وصار رأس الشيخ كالثمامة ... فايأس من الصحة والسلامة «4»
100- النمر بن تولب «5» :
ألست بشيخ قد خطمت بلحية ... فتقصر عن جهل الغرانقة المرد «6»
101- قال شاب لشيخ: من قيدك يا شيخ؟ قال: الذي خليته يفتل قيدك.
102- ومر شيخ بفتيان من العرب فقالوا: أجززت يا شيخ «7» ! فقال لهم: يا بنيّ وتحتضرون «8» .
(3/41)

103- وصاح صبي بشيخ أحدب: بكم ابتعت هذا القوس يا عماه؟
فقال: إن عشت أعطيتها بغير ثمن.
104- المفجع البصري «1» :
لعمري لئن حلّ المشيب بمفرقي ... لقد كان ما أحللت بالشيب أعظما
سل الشيب هل وقرّته في خطيئة ... وقد عفت حوبا أو تجاوزت مأثما
105- الكلبي «2» :
ما أطيب العيش لولا أن صفوه مشوب، وثمره مشيب! قال: ما أقبح غشيان اللمم «3» إذا ألمّ المشيب باللّمم «4» .
106- وصف بعضهم الشيب فقال: لا الخضاب يخفيه، ولا المقراض يحفيه «5» .
107- مر رجل أشمط «6» بامرأة كاملة فقال: إن كان لك زوج فبارك الله لك فيه، وإلّا فأعلمينا. فقالت: كأنك تخطبني! ثم قالت: إن فيّ شينا «7» ، قال: وما هو؟ قالت: شيب في رأسي. فثنى عنان دابته،
(3/42)

فقالت: على رسلك «1» ! لا والله ما بلغت عشرين سنة، ولا رأيت في رأسي شعرة بيضاء، ولكن أحببت أن أعلمك أني أكره منك مثل ما تكره مني.
وأنشد للنميري «2» :
أرى شيب الرجال من الغواني ... بموقع شيبهن من الرجال
108- ابن المعتز:
وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شامل
109- وكان المأمون يتمثل:
رأت وضحا في الرأس مني فراعها ... فريقان مبيض به وبهيم
تفاريق شيب في السواد لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم
110-[شاعر] :
لا يرعك المشيب يا ابنة عبد الله ... فالشيب حلية ووقار
111- ابن الرومي:
لاح شيبي فرحت أمرح فيه ... مرح الطرف في العذار المحلّى «3»
112- أنشد ابن الأنباري «4» :
(3/43)

وا سوءتا لمشيب ضاف أرحلنا ... لم نقره نهية منّا ولا ورعا
113- يقال: ليله عسعس «1» وصبحه تنفس، إذا شاب.
114- ابن عباس: من شاب من مقدمه فهو كرم، ومن شاب من صدغيه فهو درع، ومن شاب من شاربه فهو فحش، ومن شاب من قفاه فهو لؤم.
-[شاعر] :
ألا إن شيب العبد من نقرة القفا ... وشيب كرام الناس فوق المفارق
115- ابن أبي فنن «2» :
من عاش أخلقت الأيام جدّته ... وخانه ثقتاه السمع والبصر «3»
116- شيب الشعر موت الشعر، وموت الشعر علة موت البشر.
117- في ديوان المنظوم:
ألا قل لمن شارفته المنون ... وحلّ بفوديه فرّاطها «4»
(3/44)

قيامتك اقتربت أن تقوم ... فانظر فقد جاء أشراطها «1»
118- آخر:
ومروعة بمشيب رأس أقبلت ... تبكي فقلت لها ودمعي جاري
هذا المشيب لهيب نار أوقدت ... في القلب موقدها حذار النار
119- آخر:
إذا نازل الشيب الشباب فأصلتا ... بسيفهما فالشيب لا بد غالب
120- النبي صلّى الله عليه وسلّم: يقول الله تعالى: الشيب نوري فلا يجمل بي أن أحرق نوري بناري.
121- حكيم: الشيب نور لمن اهتدى، والشيب ظلمة لمن ظلم.
122- ابن المعتز:
وكيف التصابي بعد ما ذهب الصبا ... وقد ملّ مقراضي عتاب مشيبي
123- أنس رفعه: خير شبابكم من تشبه بكهولكم، وشر كهولكم من تشبه بشباكم.
124- ابن عمر «2» رفعه: خياركم شبابكم وشراركم شيوخكم، فسألوه فقال: إذا رأيتم الشاب يأخذ بزي الشيخ العابد المسلم في تقصيره وتشميره فذلك خياركم، وإذا رأيتم الشيخ الطويل الشاربين يسحب ثيابه فذلك شراركم.
125- عمير بن هانىء «3» : التوبة تقول للشاب: مرحبا وأهلا،
(3/45)

وتقول للشيخ: نقبلك على ما كان فيك.
126- عيسى ابن مريم عليه السّلام كان إذا مرّ على الشباب يقول: كم من زرع لم يدرك الحصاد! وإذا مرّ على الشيوخ قال: ما ينتظر بالزرع إذا أدرك إلا أن يحصد.
127- العتبي «1» :
قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر «2»
128- علي بن ربيعة العبادي «3» :
كبرت ورقّ العظم مني وعقّني ... بنيّ وزالت عن فراشي القعائد «4»
وأصبحت أعشى أخبط الأرض بالعصا ... تقودني بين البيوت الولائد
129-[آخر] :
لم لا أصرّ على البطالة والصبا ... وعليّ برد شيبتي وإزارها
وإذا تراءت للقيان محاسني ... طمحت إليّ شواخصا أبصارها «5»
ولو انّ عيدانا بغير مضارب ... أبصرنني لتحرّكت أوتارها «6»
هو من قول الأعرابي: لو أبصرت العيدان فلانا لتحركت أوتارها، ولو نظرت إليه مومسة لسقط خمارها
(3/46)

130- نظر رجل إلى أبي دلف «1» في مجلس المأمون فقال: إنّ همّته ترمي به وراء سنه.
131- يونس النحوي «2» : ما بكت العرب على شيء ما بكوا على الشباب، وما بلغوا منه ما يستحق.
132- عمر رفعه: ما من شاب يدع لذة الدنيا ولهوها، ويستقبل بشبابه طاعة الله إلا أعطاه الله أجر اثنين وسبعين صديقا.
133- يقول الله تعالى: أيها الشاب المبتذل شبابه لي، التارك شهواته، أنت عندي كبعض ملائكتي.
134- جواس بن نعيم «3» :
وللكبر رثيّات أربع ... الركبتان والنّسا والأخدع «4»
ولا يزال رأسه يصّدّع ... وكل شيء بعد ذاك يبجع
135- أنشد الجاحظ:
قامت تحاصرني لقبتها ... خود تأطر غادة بكر «5»
كلّ يرى أن الشباب له ... في كل مبلغ لذة عذر
136- القتال المخرمي «6» :
(3/47)

يا شبابا سلبتني ... هـ الليالي والخطوب
طلعت في الرأس شمس ... ما لها بعد غروب
137-[آخر] :
إن الأمور إذا قام الشباب بها ... دون الشيوخ ترى في بعضها زللا
إن الشباب لهم في الأمر بادرة ... وللشيوخ أناة ترفع الخللا
138- أرطأة بن سهية «1» :
فقلت لها يا أم بيضاء إنه ... حريق شبابي واستثن أديمي
وكان ابن ميادة «2» يستحسنه.
139- أيوب عليه السّلام: إن الله يزرع الحكمة في قلب الصغير والكبير، فإذا جعل الله العبد حكيما في الصبا لم يضع منزلته عند الحكماء حداثة سنّه وهم يرون عليه من الله نور كرامته.
140- كثّير بن المطلب السهمي «3» :
يزيد كما زاد الهلال إذا بدا ... دقيقا إلى أن عاد ضخما حواجبه
(3/48)

فتى السنّ كهل العقل يؤمن شرّه ... ويحمده العافون لين جوانبه
141- حمزة بن بيض «1» في مخلد بن المهلب «2» :
بلغت لعشر مضت من سنّي ... ك ما يبلغ السيد الأشيب
فهمك في معضلات الأمو ... ر وهمّ لداتك أن يلعبوا «3»
142- ومات مخلد بخناصرة «4» فخرج عمر بن عبد العزيز في جنازته وكان معجبا به لأنه كان سيدا جوادا شجاعا فصلى عليه، ثم تمثل عند قبره:
على مثل عمرو تهلك النفس حسرة ... وتضحى وجوه القوم مسودة غبرا
وقال: لو أن الله أراد بيزيد «5» خيرا لأبقى له هذا الفتى.
143-[شاعر] :
(3/49)

أرى جذعا إن يثن لم يقو رائض ... عليه فبادر قبل أن يثني الجذع؟»
144- تقول العرب للغلام إذا بلغ عشر سنين رمى، أي قويت يده على الرمي، ولوى إذا بلغ عشرين، أي لوى يد غيره، وعوى إذا بلغ ثلاثين، وهو أشد من لوى، واستوى إذا بلغ الأربعين. وحرى إذا بلغ الخمسين، أي هو حري «2» هو أن ينال الخير.
145- إسحاق الموصلي «3» :
فقدنا الشباب وريعانه ... وريحانه الناضر الأخضرا
وكان الشباب لنا صاحبا ... فلما وثقنا به أدبرا
146- أبو العتاهية «4» :
عريت من الشباب وكنت غضا ... كما يعرى من الورق القضيب
فيا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب
147- عمرو بن معد يكرب:
ولقد أروح كأنني ذو خلة ... عضب أجد له القيون صقالا «5»
غزلا أرجّل جمة فينانة ... وأجرّ حاشية الإزار مذالا «6»
(3/50)

148- أبو الطيب المصعبي «1» :
لم أقل للشباب في كنف الله وفي ستره غداة استقلا «2»
زائر لم يزل مقيما إلى أن ... سوّد الصحف بالذنوب تولى «3»
149- عباءة الراتجي «4» في معن «5» :
مسح القوابل وجهه فبدا ... كالبدر أو أبهى من البدر «6»
فنشا بحمد الله حين نشا ... غمر المروءة نابه الذكر «7»
حتى إذا ماطرّ شاربه ... خضع الملوك لسيد قهر «8»
150- أخت طرفة «9» ترثيه:
(3/51)

عددنا له خمسا وعشرين حجة ... فلما توفاها استوى سيدا ضخما
فجعنا به لما انتظرنا إيابه ... على خير حال لا وليدا ولا قحما «1»
151- يقال: هم أحداث لم تحنكهم «2» الأحداث. إناء شبابه يفهق من جانبيه «3» .
152- دخل الحسين بن الفضل «4» على بعض الخلفاء، وعنده كبير من أهل العلم، فأحب أن يتكلم، فزبره «5» وقال: أصبيّ يتكلم في هذا المقام؟ فقال: إن كنت صغيرا فلست بأصغر من هدهد سليمان «6» ولا أنت بأكبر من سليمان حين قال: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ
«7» ، ثم قال: أترى أن الله فهم الحكم سليمان ولو كان الأمر بالكبر لكان داود «8» أولى.
153- البحتري:
حدث يوقره الصبا فكأنه ... أخذ الوقار من المشيب الشامل
(3/52)

154- قال عبد الرحمن بن حسّان «1» لأبيه وهو طفل: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة «2» . فقال: قد قال ابني الشعر ورب الكعبة، وقال:
الله يعلم أني كنت معتزلا ... في دار حسّان اصطاد اليعاسيبا «3»
155- وقال سهل بن هارون «4» وهو يختلف إلى المكتب لجار له:
نبئت بغلك مبطونا فرعت له ... فهل تماثل أو نأتيه عوّادا «5»
156- الفراء «6» أنشدني صبي من الأعراب أرجوزة، فقلت لمن هي؟ فقال: لي، فزبرته، فأدخل رأسه في فروته ثم قال:
إني وإن كنت صغير السن ... وكان في العين نبوّ عنّي
فإن شيطاني أمير الجن ... يذهب بي في الشعر كل فن
157- وعن علي بن الجهم: وجد «7» عليّ أبي فأمر المعلم أن يحضرني «8» فكتبت إلى أمي:
(3/53)

أمي جعلت فداك من أم ... أشكو إليك فظاظة الجهم
قد سرح الصبيان كلهم ... وبقيت محضورا بلا جرم
158- وفد سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت «1» على هشام «2» وهو صبي وضيء الوجه، فسلّمه إلى معلم الوليد بن يزيد «3» ، وهو عبد الصمد بن عبد الأعلى «4» ، فمطع فيه، فدخل على هشام وهو يقول:
إنه والله لولا أنت لم ... ينج مني سالما عبد الصمد
قال: ولم؟ قال:
إنه قد رام منّي خطة ... لم يرمها قبله منّي أحد
قال: وما ذاك؟ قال:
رام جهلا بي وجهلا بأبي ... يولج العصفور في خيس الأسد «5»
فصرفه عن التعليم:
159- نهض أبو مسلم «6» في الدعوة وهو ابن ثماني عشرة سنة،
(3/54)

وقيل هو ابن ثلاث وثلاثين.
160- أبو العيزار «1» :
يدنو وترفعه الرياح كأنه ... شلو تنشّب في مخالب ضاري «2»
فثوى صريعا والرماح تنوشه ... إن الشراة قصيرة الأعمار
161- عبد هند «3» :
وإن الذي ينهاكم عن طلابها ... يناغي نساء الحي في طرةّ البرد
يعلّل والأيام تنقص عمره ... كما تنقص النيران من طرف الزند «4»
162- الموصلي «5» .
لعمري لئن حلّئت عن منهل الصبا ... لقد كنت ورادا لمنهله العذب «6»
لياليّ أمشي بين برديّ لاهيا ... أميس كغصن البانة الناعم الرّطب «7»
سلام على سير القلاص مع الركب ... ووصل الغواني والمدامة والشرب «8»
سلام امرىء لم يبق منه بقية ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب
163- إسماعيل بن داود الكاتب العبرتابي «9» :
سقيا لأيام الشباب الذي مضى ... ورعيا لعيش عهده غير عائد
(3/55)

لهونا به حينا وما كان مرّه ... على طوله إلا كرقدة راقد
164- إبراهيم بن عبد الخالق الأنصاري «1» :
وما زال عبد العزيز بن سهل ... صغيرا يروم الأمور الكبارا
فكيف وقد صار ذا حنكة ... وشمّر للمكرمات الإزارا «2»
165- علي بن محمد الكوفي العلوي «3» :
وقف النعيم على الصبا ... وزللت عن تلك المواقف
166- أحمد بن حنبل «4» : ما شبهت الشباب إلا كشيء كان في كمي فسقط.
167- أبو عون أحمد بن المنجم الكاتب الأنباري «5» :
هزئت أن رأت مشيبي وهل ... غير المصابيح زينة للسماء
إنما الشيب في المفارق كالن ... ور ولون الشباب كالظلماء
لم أبدل بالشيب إذا شبت إلّا ... عمّة من عمائم الحكماء
إن عمرا عوضت فيه من المو ... ت بشيب من أعظم النعماء
168- كان يقال: طيروا دماء الشباب في وجوههم، أي حركوهم، وألهبوهم للأمر فان فيهم من سورة «6» الشباب ما يؤثر معه الإلهاب.
(3/56)

169- المشايخ أشجار الوقار، ومنابع الأخبار، لا يطيش لهم سهم، ولا يسفّه لهم وهم، إن رأوك على قبيح صدوك، وإن رأوك على جميل أمدوك.
170- عرام بن المنذر الطائي «1» :
وو الله ما أدري أأدركت أمة ... على عهد ذي القرنين أم كنت أقدما
متى تنزعا عني القميص تبينا ... جآجىء لم يكسين لحما ولا دما «2»
171- فلان شاخ حتى باخ، ما بقي من حديثه إلا خرافة، ولا من بصره إلّا شفافة ولا من جسمه إلا خيال يسنبينه المتفرس، ولا من روحه إلا ما يلجلجه المتنفس.
172- أحمد بن المرتحل المعمري «3» :
يرى طفلنا بين الرواضع جنة ... عشايرنا حتى نشد به الظهرا
فإن سلفت عشر عليه كوامل ... سعى لبني العباس يمنحها النصرا
فينفق في مرضاتها من حياته ... فإن بلغ العشرين سدّت به الثغرا
173- زياد الأعجم في محمد بن القاسم الثقفي «4» :
(3/57)

قاد الجيوش لخمس عشرة حجة ... ولداته عن ذاك في أشغال «1»
قعدت بهم أهواؤهم وسمت به ... همم الملوك وسورة الأبطال
- وله فيه:
إن المنابر أصبحت مختالة ... بمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب سورة سؤدد من مولد «2»
174- الخليع البصري «3» المعروف بحسين الأشقر، صحب الخلفاء ونادمهم عمره، وهو يقول للمستعين «4» .
أسلفت أسلافك في خدمتي ... من مدتي إحدى وستينا
كنت ابن عشرين وست وقد ... وفيّت سبعا وثمانينا
175- حدير العقيلي «5» :
وأخلين لما لاح لي من مفارقي ... بياض وأزرى بالسواد قتيرها «6»
كما انصاعت الآرام يوما فأدبرت ... حذار سهام القانصين نفورها
وكنت أرى الشخص البعيد بمقلة ... قطامية يجلو دجى الليل نورها
وأهدى دليل القوم في مدلهمة ... من الليل والظلماء داج ستورها «7»
176- أبو العتاهية:
(3/58)

علمت يا مجاشع بن مسعدة ... أن الشباب والفراغ والجده «1»
مفسده للمرء أيّ مفسدة
هو أخو عمرو بن مسعده «2» كاتب المأمون.
177- زرعة بن عمرو «3» :
وأفنتني الليالي أم عمرو ... وحلّي في التنائف وارتحالي «4»
وتربيتي الصغير إلى مداه ... وتأميلي هلالا عن هلال
178- الحزين الكناني «5» في زيد بن علي رضي الله عنه.
فلما تردى بالحمائل وانثنى ... يصول بأطراف القني الذوابل
تبينت الأعداء أنّ سنانه ... يطيل حنين الأمهات الثواكل
تبين فيه ميسم العز والتقى ... وليدا يفدى بين أيدي القوابل «6»
179- إبراهيم الموصلي:
يقولون هل بعد الثلاثين ملعب ... فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب
لقد جلّ قدر الشيب إن كنت كلما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب
(3/59)

فأجابه عبد الله بن عبد الرحيم العباسي «1» :
أهلا وسهلا بالمشيب فإنه ... سمة العفيف وحلية المتحرج
ضيف أحلّ بك النهى فقريته ... رفض الغواية واقتصاد المنهج
لا شيء أحسن من مشيب وافد ... بالحلم مخترم الشباب الأهوج
180- قال الجاحظ:
أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الشياب «2»
181- أبو السري بن بديل اليامي «3» :
ألا طالما أوضعت في طلب الصبا ... ورقت الغواني باسوداد الذوائب
غلام أرى للجهل فضلا على النهى ... وألبس للناهين ثوب المحارب
سقى ورعى الله الأوانس كالدمن ... بكوفان والأخوان صوب السحائب «4»
أخلّاي ما فارقتكم عن تقاطع ... ولكنّ هذا الدهر جمّ العجائب
182- العكوك «5» :
(3/60)

وأرى الليالي ما طوت من قوّتي ... ردته في عظتي وفي إفهامي
وعلمت أن المرء من سنن الردى ... حيث الرميّة من سهام الرامي
183- أبو الحسن الحماني:
واها لمنزلة وطيب ... بين الأجارع والكثيب «1»
واها لأيام الشباب ... بعدن عن عهد قريب
أيام كنت من الغواني ... في السواد من القلوب
لو يستطعن جعلنني ... بين المخانق والجيوب
184- عطاء «2» : ما استسقى كبير قط فشرب صغير قبله إلّا غارت عين من العيون.
185- علي رضي الله عنه: لمن تكلم بما يستصغر مثله عن المتكلم به: لقد طرت شكيرا «3» وهدرت سبقا «4» ، وهو كقولهم: تزبّبت حصرما.
186- عمر رضي الله عنه: أسرع إليّ الشيب من قبل أخوالي بني المغيرة. أم عمر حنتمة «5» بنت هشام بن المغيرة وأبو جهل بن هشام «6» خاله.
187- مالك بن دينار: جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم، ثم قال: ما أشد فطام الكبير!.
(3/61)

188- كان علي «1» والزبير «2» وطلحة «3» وسعد «4» رضي الله عنهم إعذار «5» عام واحد. أي عذروا في عام واحد، كانت أسنانهم «6» متقاربة.
(3/62)

الباب الخامس والثلاثون الشوق والحنين إلى الأوطان ووصف النزاع والوله إلى الأهل والأحبة
1- قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصيل الغفاري «1» من مكة، فقال: يا أصيل، كيف عهدت مكة؟ قال: عهدتها والله قد أخصب جنابها، وأعذق إذخرها «2» ، وأسلب ثمامها «3» ، وأمشر سلمها «4» . فقال: حسبك يا أصيل.
2- وروي أن أبان بن سعيد «5» قدم عليه، فقال: يا أبان كيف تركت أهل مكة؟ قال: تركتهم وقد جيدوا «6» وتركت الأذخر وقد أعذق،
(3/63)

وتركت الثمام وقد خاص «1» ، فاغرورقت عينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
3- بلال «2» رضي الله عنه:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة ... ويبدو لعيني شامة وطفيل «3»
4- قيل لأعرابي: أتشتاق إلى وطنك؟ فقال: كيف لا اشتاق إلى رملة كنت جنين ركامها، ورضيع غمامها.
5- آخر: يحن الكريم إلى جنابه كما يحن الأسد إلى غابه.
6- من علامة الرشدة أن تكون النفس إلى بلدها توّاقة، وإلى مسقط رأسها مشتاقة.
7- فلان برقت له بارقة من أرضه فضاق صدرا، ولم يعط صبرا، فحن حنين الإبل، وغمره حب الوطن، فكاد يسير على غوارب السحاب، ويطير بخوافي «4» العقاب.
8- شوق خشن الجوانب، وعر المناكب، مرير الحبل، ثقيل الظل.
9- كاتب: لي إليك شوق لو أعرتني لسانك لشرحته، ولو منحتني بنانك لوصفته.
10- أنشد الجاحظ:
ألا يا سيالات الأخايل بالحمى ... عليكن من بين السيال سلام «5»
(3/64)

أرى الوحش آجالا إليكن بالضحى ... لهن إلى أفنانكن بغام «1»
وإني لمجلوب إلى الشوق كلما ... ترنم في أفنانكن حمام
11- أنشد ثعلب «2» :
ولما تبيّنت المنازل من منى ... ولم يقض لي تسليمه المتزود
زفرت إليها زفرة لو حشوتها ... سرابيل أبدان الحديد المسرد
لفضت حواشيها وظلت لحرها ... تلين كما لانت لداود في اليد
12- حكيم: أكرم الخيل أفزعها للسوط، وأكيس الغلمان أشدهم بغضا للكتّاب «3» ، وأكرم الصفايا «4» أشدها ولها إلى أولادها، وأكرم الإبل أشدّها حنينا إلى أعطانها «5» ، وأكرم المهارة «6» أشدها مؤالفا لأمهاتها، وخير الناس آلفهم للناس.
13- أعرابي: يحن اللبيب إلى وطنه كما يحن النجيب إلى عطنه.
14-[شاعر] :
إلى عامر أصبو وما أرض عامر ... هي الرملة الوعساء والبلد الرحب
معاشر بيض لو وردت بلادهم ... رأيت بحورا للندا ماؤها عذب
إذا ما بدا للناظرين خيامهم ... فثمّ العتاق القب والأسل الشهب
15-[آخر] :
(3/65)

ألا ليت شعري هل تحلنّ ناقتي ... بصحراء من نجران ذات ثرى جعد
وهل تنفضنّ الريح أفنان لمّتي ... على لاحق الأطلين مضطمر ورد «1»
وهل أردنّ الدهر حسي مزاحم ... وقد ضربته نفحة من صبا نجد «2»
16- كان عمر رضي الله عنه: يقول: ما هبّت الصبا إلا أتتني بريح زيد «3» .
17- سأل المهدي سعيد بن سلّم «4» وهو يسايره: من الذي يقول:
أرجّي أن ألاقي الكاس يوما ... كما يرجو أخو السنة الربيعا «5»
فقال: لا أدري، فسأل عبد الله بن مصعب «6» فقال: هو لصخر بن
(3/66)

الجعد الخضري «1» ، فأخبر المهدي فقال: لعل عبد الله أنبأه به لأنه أعلم أصحابه.
(3/67)

الباب السادس والثلاثون الشر والفجور، وذكر الأشرار والفجار، وما يرتكبون من الفواحش والمناكير
1- النواس بن سمعان «1» : عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: قبل قيام الساعة يرسل الله ريحا باردة طيبة فتقبض روح كل مؤمن مسلم، ويبقى شرار يتهارجون تهارج «2» الحمير، وعليهم تقوم الساعة.
2- عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما وعظني أحد بأحسن مما وعظني به طاووس «3» ، كتب إلي أن استعن بأهل الخير يكن عملك خيرا كله، ولا تستعن بأهل الشر يكن عملك شرا كله.
3- الحسن «4» رحمه الله إن صحبة الأشرار تورث سوء الظن.
4- مالك بن دينار: كفى بالمرء شرا أن لا يكون صالحا وهو يقع في الصالحين.
(3/69)

- وعنه: إن للمؤمن نية في الخير هي أمامه لا يبلغها عمله، وإن للفاجر نية في الشر هي أمامه لا يبلغها عمله.
5- لقمان «1» : يا بنيّ، كذب من قال إن الشر يطفىء الشر، فإن كان صادقا فليوقد نارين ثم لينظر هل تطفىء أحداهما الأخرى؟ إنما يطفىء الخير الشر كما يطفىء الماء النار.
6- يقال: خيره وإن «2» ، وشره دان «3» .
7- لم تسر الروح في أسو منه نحلة «4» ، ولا أخبث منه دخلة «5» .
8-[شاعر] :
كأنه التيس قد أودى به هرم ... فلا للحم ولا عسب ولا ثمن «6»
9- عري من حلية القتوى، ومحي عنه طابع الهدى، لا تثنيه يد المراقبة، ولا تكفه خيفة المحاسبة.
10- هو لدعائم دينه مضيع، ولدواعي شيطانه مطيع.
11- وفي الحديث: إياك والمشارّة «7» ، فإنها تميت العزة، وتحيي العرّة «8» .
12- أردشير بن هرمز «9» : الشر نابت في طبيعة كل أحد، فإن كانت
(3/70)

الغلبة له ظهر، وإن كانت عليه بطن.
13- أعرابي: تفد إليه مواكب الضلالة فترجع عنه ببدور الأيام»
أكثر ذنوبا من الدهر وصاحب السوء قطعة من النار.
14- حميد شر الكوفي «2» :
ألا رب شر قد أخذت برأسه ... فمارسته حتى أتيت به أهلي
- وله:
إني امرؤ فوق رأس الشر مضطجعي ... أغفى عليه ولا أغفى على السرر
الشر يعلم أني إن ظفرت به ... لم ينج مني بأنياب ولا ظفر
15- أخذ ثابت بن جابر الفهمي «3» جونة «4» فملأها حيات، ثم أتى بها أمه متأبطها، فقالت تأبط شرا، فلزمه.
16- الفضل بن هاشم بن حدير البصري «5» ، وكان مشتهرا بالخلاعة:
أنا فضل بن هاشم بن حدير ... لم أقل مذ خلقت كلمة خير
(3/71)

17- من فعل ما شاء لقي ما ساء.
18- نوفل بن مساحق «1» : أحبل ابن أخيه جارية جار له، فقال له:
يا عدو الله! هلا إذا ابتليت بفاحشة عزلت «2» ! قال: بلغني أن العزل مكروه، قال: فما بلغك أن الزنا حرام؟.
19- ثمامة «3» : الشهرة بالشر خير من أن لا تعرف بخير ولا شر.
20-[شاعر] :
أرى العلباء كالعلباء ... لا حلو ولا مرّ
شييخ من بني الجارو ... د لا خير ولا شرّ «4»
21- اتهم سعد بن مصعب «5» بامرأة في ليلة عرس، وكانت تحته بنت
(3/72)

حمزة بن عبد الله بن الزبير «1» فقال الأحوص «2» :
وليس لسعد النار من تذكرونه ... ولكن سعد النار سعد بن مصعب
ألم تر أنّ القوم ليلة جمعهم ... بغوه فألفوه لدى شرّ مركب
وما يبتغي بالشر لا درّ درّه ... وفي بيته مثل الغزال المربّب «3»
سعد النار شاطر كان بالمدينة، نسب إلى النار لارتكابه الموجبات.
فدعا سعد بالأحوص ليعزره فقال: دعني فلا والله لا أهجو زبيريا أبدا، فخلاه، ثم قال: ما أنكرت إلا قولك: وفي بيته مثل الغزال المربّب.
22- قال الجاحظ: قيل لرجل يتعشق قينة «4» : لو اشتريتها ببعض ما تنفق عليها! فقال: من لي إذ ذاك بلذة الخلسة، ولقاء المسارقة، وانتظار الموعد على الرقبة، وإيقاع الكشح على مولاها؟.
23- قيل لأعرابي: أزنيت قط؟ قال: معاذ الله إنما هما اثنتان: إما حرة آنف لها من فسادها، وإما أمة آنف لنفسي من الفساد بها.
24- الحسن: إن في معاوية لثلاث مهلكات موبقات: غصب هذه الأمة أمرها، وفيهم بقايا من أصحاب رسول الله، وولى ابنه «5» سكيرا
(3/73)

حميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنبور، وادعى زيادا «1» وولاه العراق وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتل حجرا «2» وأصحاب حجر. ويل له من حجر وأصحاب حجر!.
25- هشام بن عبد الملك: رفع إليه أن بعض أبنائه يخالف رجلا إلى امرأته فوقع: هلا فسقا كفسق الملوك!.
قتل هذا وإحياء هذا، وإفقار ذاك وإغناء هذا.
26- رئي أعرابي يجلد عميرة «3» فسجن، فقال:
نكحت يدي لم أرتكب محرما لهم ... ولم أفد ان داويت لحمي من لحمي
فإن كان ذا ذنبي إليهم فإنني ... سأترك هذا الفعل مني على رغمي
27- ولأبي نواس:
تعففه ما دام في السجن ثاويا ... فانكح زبيبا راحة ابنة ساعد
وقل بالرفا ما نلت من وصل حرة ... منعمّة حنّت بخمس ولائد «4»
تعفه ما دام في السجن ثاويا ... ودامت عليه محكمات القلائد
(3/74)

28- أبو الشمقمق «1» في السحاقات «2» :
أراهن يرقعن الخروق بمثلها ... وأي لبيب يرقع الخرق بالخرق
29- علي رضي الله عنه: احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك.
30- أبو العيناء «3» : رأيت جارية في النخاسين تحلب ولا ترجع إلى مولاها، فقلت: لمه؟ قالت: يا سيدي، يواقعني «4» من قيام ويصلي من قعود، ويشتمني بإعراب، ويلحن في القرآن، ويصوم الاثنين والخميس ويفطر في رمضان، ويصلي الضحى ويترك الفجر.
30- قيل لبنت الخس «5» : كيف زنيت وأنت سيدة نسائك؟ قالت:
(3/75)

طول السواد «1» وقرب الوساد «2» ، قال ابن محارب القمي «3» لو قالت:
وحبّ السفاد «4» لتممت عذرها.
32- ليلى الأخيلية «5» :
فنعم الفتى إن كان توبة فاجرا ... وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر «6»
33- وهب»
: تبكي السماء السبع والأرض السبع من الشيخ الزاني ما تكاد الأرض تقله.
34- أبو هريرة رفعه: إن للإيمان سربالا يسربله الله تعالى من شاء، فإذا زنى العبد نزع الله منه سربال الإيمان، فإذا تاب رده الله عليه.
- وعنه رفعه: إن السماوات السبع والأرضين السبع لتلعن العجوز الزانية والشيخ الزاني.
35- أنس رفعه: إن لأهل النار صرخة من نتن فروج الزناة.
36- وفي حديث الإسراء: ثم انطلق بي إلى رجال بين أيديهم لحم لم ير الناس أطيب ريحا ولا أحسن منظرا منه، وبين أيديهم جيف منتفخة لم أر جيفا أنتن ريحا منها وهم يأكلون منها، فقلت: يا جبرائيل، من
(3/76)

هؤلاء الذين يدعون الطيب ويعمدون إلى الخبيث ينهشونه؟ فقال: هؤلاء الزناة.
37- أعرابية: لكل شيء نجاسة، ونجاسة اللسان المجون.
38- بلغ عثمان رضي الله عنه أن قوما على فاحشة فأتاهم وقد تفرّقوا، فحمد الله وأعتق رقبة.
39- سئل وهي بن منبّه عن قوله تعالى: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
«1» ، ما فسادهم؟ قال: كانوا يلاهون الناس.
40- السري الموصليّ «2» في وصف قوّاد اسمه إدريس:
من ذم إدريس في قيادته ... فإنني حامد لإدريس
كلم لي عاصيا فكان له ... أطوع من آدم لإبليس
وكان في سرعة المجيء به ... آصف في حمل عرش بلقيس «3»
(3/77)

41- أبو الحسن ابن طباطبا «1» :
عزيزة رق حافرها فأزرت ... برقة حافر امرأة العزيز «2»
كنى برقة الحافر عن البغاء، وأنها بغت الرجال وسعت في طلبهم حتى رق حافرها.
42- زيد بن عمير الخزاعي «3» :
إذا طمثت قادت وإن طهرت زنت ... فما برحت تغشى الزنا وتقود
أعاتبها حتى إذا قلت أقبلت ... أبى الله إلا خزيها فتعود
43- كانت ظلمة القوادة «4» صبية في المكتب فكانت تسرق دوى الصبيان وأقلامهم، فلما شبّت زنت، فلما أسنت قادت، فلما قعدت اشترت تيسا تنزيه «5» .
44- قال صاحب المسالك والممالك «6» : إن عامة ملوك الهند يرون
(3/78)

الزنا مباحا خلا ملك قمار «1» ، وأقمت بمدينته سنتين فلم أر ملكا أغير منه، وكان يعاقب على الزنا والشرب بالقتل. وقمار ينسب إليها العود، كما ينسب إلى مندل «2» . قال مسكين الدارمي «3» :
ولا ذنب للعود القماري إنه ... يحرق إن نمّت عليه روائحه
45- ألح رجل في النظر إلى أمة غيره فقالت له: ما تنظر؟ قرة عينك وشيء غيرك.
ونظر آخر إلى أعرابية فقالت:
وما لك منها غير أنك ناكح ... بعينيك عينيها فهل ذاك نافع
46-[شاعر] :
الخير أرفع جانبا ... من قلّة الجبل الرفيعة «4»
والشر أسرع جرية ... من جرية السيل السريعة
(3/79)

47- جعفر بن محمد «1» عن آبائه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا يزداد المال إلا كثرة، ولا يزداد الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق.
48- علي رضي الله عنه: قلت اللهم لا تحوجني إلى أحد من خلقك. فقال: يا علي، لا تقولن هذا، فليس من أحد إلا وهو محتاج إلى الناس، فقلت: كيف أقول؟ قال: قل اللهم لا تحوجني إلى شرار خلقك. فقلت: يا رسول الله، ومن شرار خلقه؟ قال: الذين إذا أعطوا منوا، وإذا منعوا عابوا.
49- ابن عباس: عهدت الناس وأهواؤهم تبع لأديانهم، وإن الناس اليوم أديانهم تبع لأهوائهم.
50- علي رضي الله عنه: رد الحجر «2» من حيث أتاك فإن الشر لا يدفعه إلا الشر.
51- الحسن: لو جاءت كل أمة بخبيثها وفاسقها وجئنا بالحجاج «3» وحده لزدنا عليهم.
52- قيل للشعبي: أكان الحجاج مؤمنا؟ قال: نعم، بالطاغوت «4» .
53- النبي صلّى الله عليه وسلّم: حسب امرىء من الشر أن يخيف أخاه المسلم.
54- وهب بن منبه: ظهر في بني إسرائيل قراء فسقة، وسيظهرون فيكم. والله أعلم.
(3/80)

الباب السابع والثلاثون الشفاعة والعناية، والإعانة وإصلاح ذات البين والسفارة ونحو ذلك
1- عوف بن مالك الأشجعي «1» : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:
شفاعتي يوم القيامة لكل مسلم.
2- ابن عمر «2» : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من زار قبري وجبت له شفاعتي.
3- معقل بن يسار «3» عن النبي عليه السّلام: رجلان من أمتي لا تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وغال في الدين مارق منه.
4- عثمان رضي الله عنه عن النبي عليه السّلام: من غش العرب لم يدخل
(3/81)

في شفاعتي، ولم تنله مودتي.
5- أبو موسى الأشعري عنه عليه السّلام: إشفوا إليّ لتؤجروا وليقبض الله على لسان نبيه ما شاء.
6- قال المأمون لإبراهيم بن المهدي بعد إعتذاره: قد مات حقدي بحياة عذرك، وقد عفوت عنك، وأعظم من عفوي يدا عندك أني لم أجرعك مرارة امتنان الشافعين.
7- قال المبرد «1» : أتاني رجل لأستشفع له في حاجة، فأنشدني لنفسه:
إني قصدتك لا أدلي بمعرفة ... ولا بقربي ولكن قد فشت نعمك
فبتّ حيران مكروبا يؤرقني ... ذل الغريب ويعشيني الكرى كرمك
ما زلت أنكب حتى زلزلت قدمي ... فاحتل لتثبيتها لا زلزلت قدمك
فلو هممت بغير العرف ما علقت ... به يداك ولا انقادت له شيمك
فبلغت له جميع ما قدرت عليه.
8- بزرجمهر: من لم يستغن بنفسه عن وسائله وهت قوى أسبابه، ومن لم ترغب أدواته في اجتنائه لم يحظ بمدح شفعائه.
9- كلم الأحنف «2» مصعب بن الزبير في قوم حبسهم فقال: أصلح الله الأمير، إن كانوا حبسوا في باطل فالحق يخرجهم، وإن كانوا حبسوا في حق فالعفو يسعهم، فخلاهم.
10- دفع أبو الهذيل «3» إلى ضيقة فطلب إلى سهل بن هارون الكاتب
(3/82)

أن يكلم الحسن بن سهل «1» في شأنه، فقال: عرفت أيها الأمير حال أبي الهذيل ومحله وقدره في الإسلام، وأنه متكلم قومه والراد على أهل الإلحاد، وقد فزع «2» إليك لإضافة وقع فيها. فوعده النظر في أمره، ثم ما ترك لؤم طبعه أن كتب إليه.
إن الضمير إذا سألتك حاجته ... لأبي الهذيل خلاف ما أبدي
فامنعه روح ليأس ثم امدد له ... حبل الرجاء بمخلف الوعد
وألن له كنفا ليحسن ظنه ... بعناية فاجبهه بالرد
فوقع الحسن: هذه، لك الويل، صفتك لا صفتي، وأمر لأبي الهذيل بألف دينار.
11- قال رجل لبعض الولاة: إن الناس يتوسلون إليك بغيرك فينالون معروفك ويشكرون غيرك، وأنا أتوسل إليك بك ليكون شكري لك لا لغيرك.
12- قابوس «3» : بزند الشفيع تورى «4» نار النجاح، ومن كف المقيض ينتظر فوز القداح.
(3/83)

13-[شاعر] :
إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ودّ يكون لشافع
14- كان المنصور معجبا بمحادثة محمد بن جعفر بن عبيد الله بن عباس، فكان الناس لعظم قدره عنده يفزعون إليه في الشفاعات. فثقل ذلك على المنصور فحجبه مدة، ثم لم يصبر عنه، فأمر الربيع «1» أن يكلمه في ذلك، فكلمه وقال له: أعفّ أمير المؤمنين مما يثقل عليه فقبل، فلما توجّه إلى الباب اعترضه قوم من قريش مع رقاع «2» سألوه إيصالها إلى المنصور، فقص عليهم قصته، فأبوا أن يقبلوا وألحوا عليه، فرق لهم وقال: اقذفوها في كمي. فدخل عليه وهو في الخضراء مشرف على مدينة السلام «3» وما حولها من البساتين والضياع، فقال له: أما ترى إلى حسنها؟ بلى يا أمير المؤمنين، فبارك الله لك فيما آتاك، وهناك بإتمام نعمته عليك فيما أعطاك، فما بنت العرب في دولة الإسلام ولا العجم في سالف الأيام أحصن ولا أحسن من مدينتك، ولكن سمجتها في عيني خصلة واحدة، قال: وما هي؟ قال: ليس لي فيها ضيعة، فتبسم وقال: حسنتها في عينيك ثلاث ضياع قد أقطعتكها، فقال: أنت والله شريف الموارد كريم المصادر، فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه.
(3/84)

وقد ندرت «1» الرقاع من كمه وهو يتشكر له فأقبل يردّها وهو يقول:
إرجعن خاسئات خائبات، فضحك وقال: بحقي عليك إلا أعلمتني بخبر هذه الرقاع، فأعلمه، فقال: أبيت يا ابن معلم الخير إلا كرما، وتمثّل بقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:
إنّا وإن أحسابنا كرمت ... لسنا على الأحساب نتكّل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وتصفحها وأمر بقضاء حوائجهم.
قال محمد: فخرجت من عنده وقد ربحت وأربحت.
15- قال المبرد لرجل: قد كلمتك في شأن فلان، فقال: قد سمعت وأطعت، فما كان من نقص فعلي، وما كان زيادة فله. فقال المبرد: لله درك! أنت كما قال زهير «2» :
وجار سار معتمدا إلينا ... أجاءته المخافة والرجاء
ضمنّا ما له فغدا سليما ... علينا نقصه وله النماء
16- وقع بين رجل وامرأته شر، فتهاجرا أياما، ثم واقعها «3» فلما فرغ قالت: قبحك الله! كلما وقع بيني وبينك شر جئتني بشفيع لا أقدر على رده.
17- كتب أبو صالح بن يزداد «4» : هذه رقعتي، وأنا في درجها
(3/85)

عناية مني بصاحبها، فإما قضيت حقه عني وعنك، وإما رددته علي فأرحته منك، والسلام.
18- سأل رجل سعيد بن عبد الملك «1» كتاب شفاعة، وهو راكب، فكتب وهو على ظهر دابته: كتابي كتاب معني بمن كتب فيه، واثق بمن كتب إليه، ولن يضيع حامله بين العناية والثقة، والسلام.
19- أمر المأمون بقتل علي بن الجهم وأخذ ماله، فقال له أحمد بن أبي داود: إذا قتلته فممن تأخذ ماله؟ قال: من ورثته، قال: حينئذ تأخذ مال الورثة وأمير المؤمنين يأبى ذلك، قال: يؤخر حتى يستصفى ماله.
فانفضّ المجلس وسكن غضبه، فوصل إلى خلاصه.
20- أسرت غطفان أخا لسعد بن حيان التميمي «2» فاستشفع عمرو بن معد يكرب إلى سنان بن أبي حارثة «3» فأطلق فقال:
مشيت بعمرو فارس القوم مذحج ... إلى رأس هذا الحي من غطفان
يمان نماه خير مذحج والدا ... ووالدة إن الكريم يماني
21- كتب رجل إلى يحيى بن خالد «4» رقعة فيها:
(3/86)

شفيعي إليك الله لا شيء غيره ... وليس إلى رد الشفيع سبيل
فأمره بلزوم الدهلير، فكان يعطيه في كل صباح ألف درهم، فلما استوفى نلاثين ألفا ذهب. فقال: والله لو أقام إلى آخر العمر ما قطعتها عنه.
22- وقف العتابي «1» بباب المأمون، فوافى يحيى بن أكثم، فقال له العتابي: إن رأيت أن تعلم أمير المؤمنين بمكاني، قال: لست بحاجب، قال: قد علمت، ولكنك ذو فضل وذو الفضل معوان، فأعلمه بمكانه فأعطاه ثلاثين ألفا.
23- أبو هريرة يرفعه: من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسرّ على معسر، يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
24-[شاعر] :
وما هداك إلى أرض كعالمها ... وما أعانك في عزم كعزّام
ولا استعنت على قوم إذا ظلموا ... مثل ابن عم أبيّ الظلم ظلّام
25- لم أحيط بمصعب بن الزبير هرب ابن قيس الرقيات «2» فدخل
(3/87)

الكوفة. فقالت امرأة: خائف والله! اصعد، فصعد مشربة «1» لها، فأقام أربعة أشهر، يغدى عليه بمصلحته ويراح، لا تسأله من أنت؟ ولا يسألها من أنت؟ وهي تسمع الجعيلة «2» فيه صباح مساء. فلما أراد الرحيل نزل ليلا فإذا براحلتين «3» ، على إحداهما رحله «4» والأخرى زاملة «5» عليها الزاد، وعبدان، فقالت: هذا يرحل بك وهذا يدلك حيث شئت. وهي التي يقول فيها:
كوفية نازح محلتها ... لا أمم دارها ولا صقب
والله ما إن صبت إلي ولا ... يعرف بيني وبينها سبب
26- روي أن جبرائيل عليه السّلام قال: يا محمد، لو كانت عبادتنا لله على وجه الأرض لعلّمنا ثلاث خصال: سقي الماء للمسلمين، وإعانة أصحاب العيال، وستر الذنوب على المسلمين.
27- كانت لدعبل «6» على بني الصباح الكنديين «7» وظيفة «8» يجمعونها كل شهر ويوصلونها إليه، فقصروا، فشكا إلى أبي يعقوب إسحاق بن الصباح «9» ، فقال: أنا أكفيك، فلم يبرح حتى أخذها، فقال:
وإن امرأ أسدى إليك بشافع ... إليه ويبغي الشكر مني لأحمق
(3/88)

شفيعك فاشكر في الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
28- قال الحجاج لأهل الشام: إنما أنا لكم كالظليم «1» الرامح عن فراخه، ينفي عنهم القذر، ويباعد عنهم الحجر، ويكفهم من المطر، ويحميهم من الضباب، ويحرسهم من الذباب، با أهل الشام أنتم الجنة والرداء، وأنتم العدة والجداء «2» .
29- اهتجر الحسن والحسين فبلغ ذلك ابن الحنفيّة «3» ، فأتى الحسين فقال: يا أبا عبد الله، بلغني ما كان بينك وبين أبي محمد، فامض بنا إليه، فقال: سمعت جدي صلّى الله عليه وسلّم يقول: ما من مهتجرين بدأ أحدهما صاحبه بالصلح إلا كان السابق إلى الجنة، وأنا أكره أن أسبق أبا محمد إلى الجنة. فمضى إلى الحسن فحكى له ذلك، فقال: صدق أبو عبد الله، امض بنا إليه. فاصطلحا.
30- أبو الدرداء «4» رفعه: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: صلاح ذات البين.
وفساد ذات البين هي الحالقة «5» .
31- حميد بن عبد الرحمن «6» عن أمه رفعته: لم يكذب من نما «7» بين اثنين ليصلح.
(3/89)

32- القعقاع بن توبة العقيلي «1» :
لا أصلح الله حالي إن أمرتكم ... بالصلح حتى تصيبوا آل شداد
حتى يقال لواد كان مسكنهم ... قد كنت تعمر يوما أيها الوادي
33- موسى بن جابر الحنفي «2» :
لبست شبيبتي ما ذمّ خلقي ... ولا شمت العدوّ ولا هفوت «3»
ولا أدع السفارة بين قومي ... ولا أمشي بغل إن مشيت «4»
34- علي رضي الله عنه: الشفيع جناح الطالب.
35- غضب الرشيد على كلثوم بن عمرو العتابي القنسريني، فتشفع له الفضل بن يحيى حتى رضي عنه، فقال:
ما زلت في غمرات الموت مطرحا ... يضيق عني وسيع الرأي من حيلي
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي
36- ابن أبي فنن «5» : سألت الفتح بن خاقان «6» أن يوصلني إلى
(3/90)

المتوكل ففعل، فأنشدته:
إذا كنت أرجو نوال الإمام ... وفتح بن خاقان لي شافع
فقل للغريم أتاك الغياث ... وللضيف منزلنا واسع
37- لزمت داود بن قحذم العبدي «1» ، وكان عامل مصعب «2» مائة ألف درهم، فأخذ بها، فأرسل امرأته أم الفضل بنت غيلان بن خرشة الضبي «3» إلى عائشة بنت طلحة «4» امرأة مصعب لتشفع له. فجاء مصعب فسأل أم الفضل ومازحها ساعة، وكانت من أجمل نساء زمانها، ثم قال لعائشة: ما حاجتها؟ فذكرت ذلك، فقال: تحط عنه المائة، ونجيزه بمثلها، وكتب بذلك. فجاءت بالكتابين إلى زوجها.
38- عن الشقراني «5» مولى رسول الله: خرج العطاء أيام أبي
(3/91)

جعفر «1» ومالي شفيع، فبقيت على الباب متحيرا، فإذا أنا بجعفر بن محمد «2» ، فقمت إليه فقلت: جعلني الله فداك، أنا مولاك الشقراني، فرحّب بي، وذكرت له حاجتي، فنزل ودخل وخرج وعطائي في كمه، فصبه في كمي، ثم قال: يا شقراني، إن الحسن من كل أحد حسن وإنه منك أحسن لمكانك منا، وإن القبيح من كل أحد قبيح وإنه منك أقبح لمكانك منّا. وإنما قال له ذلك لأن الشقراني كان يصيب من الشراب.
فانظر كيف أحسن استنجاز طلبته، وكيف رحب به وأكرمه مع اطلاعه على حاله، وكيف وعظه على جهة التعريض، وما هو إلا من أخلاق الأنبياء.
(3/92)

الباب الثامن والثلاثون الصبر، والاستقامة، وضبط النفس عند الشهوات
1- عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله.
2- عائشة: عنه عليه الصلاة والسلام: لو كان الصبر من الرجال لكان كريما.
3- علي رضي الله عنه: رفعه: الصبر ثلاثة، صبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية. فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسع مائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين الأرضين إلى العرش.
4- وعنه عليه الصلاة والسلام: الحياء زينة، والتقى كرم، وخير المركب الصبر.
5- أيوب عليه السّلام: قالت له امرأته: لو دعوت الله أن يشفيك، قال:
ويحك! كنا في النعماء سبعين عاما فهلمى نصير على الضراء مثلها، فلم
(3/93)

ينشب «1» إلا يسيرا ان عوفي.
6- سعيد بن حميد الكاتب «2» :
لا تعتبن على النوائب ... فالدهر يرغم كل عاتب
واصبر على حدثانه ... إن الأمور لها عواقب
كم نعمة مطوية ... لك تحت أثناء النوائب
ومسرة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب
7- جابر بن عبد الله: سئل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الإيمان فقال: الصبر والسماحة.
8- علي رضي الله عنه: القناعة سيف لا ينبو «3» ، والصبر مطية لا تكبو، وأفضل عدة صبر على شدة.
9- الحسن: جربنا وجرب لنا المجربون، فلم نر شيئا أنفع وجدانا، ولا أضر فقدانا من الصبر، به تداوى الأمور، ولا يداوى هو بغيره.
10- النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: الصبر عند الصدمة الأولى.
11- قالت الفرس: وجدنا في مهارقنا «4» القديمة: بمفتاح عزيمة
(3/94)

الصبر تعالج مغاليق الأمور. وفيها: من امتطى الغرّاء «1» ربع «2» بمحل الظفر.
12- أعرابي: لا يكشف منسدل الهم إلا منشمر الصبر.
13- آخر الصبر يقلم أظفار الخطوب.
14- الصبر مرّ لا يتجرعه إلا حرّ.
15- أعرابي: كن حلو الصبر عند مرّ النازلة.
16- أعشى همدان «3» :
إن نلت لم أفرح بشيء نلته ... إذا سبقت به فلا أتهلف
ومتى تصبك من الحوادث نكبة ... فاصبر فكلّ ضبابة ستكشّف
17- العتابي «4» :
اصبر إذا بدهتك نائبة ... ما عال منقطع إلى الصبر
الصبر أولى ما اعتصمت به ... ولنعم حشو جوانح الصدر
18- قال الملك لبزرجمهر: ما علامة الظفر بالأمور المستعصية؟
قال: المحافظة على الصبر وملازمة الحذر، وكتمان السر.
19- الصبر مفتاح الظفر، والتوكل على الله مفتاح الفرج.
20- الأحنف «5» : لست حليما، وإنما أنا صبور.
(3/95)

21- الحسن: وجدت الدنيا والآخرة في صبر ساعة.
22- علي رضي الله عنه: الصبر يناضل الحدثان «1» والجزع من أعوان الزمان. وسئل: أي شيء أقرب إلى الكفر؟ فقال: ذو فاقة لا صبر له.
23- السندي «2» :
ويوم كيوم البعث ما فيه حاكم ... ولا عاصم إلا قنا ودروع
حبست به نفسي على موقف الردى ... حفاظا وأطراف الرماح شروع
ولا يستوي عند الملمات إن عرت ... صبور على مكروهها وجزوع
24- خرج معاوية يوما يسير ومعه عبد العزيز بن زرارة الكلابي «3» وكان مقدما في فهمه وأدبه، إلى شرفه ومنصبه، فقال له: يا عبد العزيز، أتاني نعي سيد شباب العرب، فقال: إبني أم ابنك؟ قال: بل ابنك، قال: للموت ما تلد الوالدة.
25- وهب «4» : قيل له: فلان بلغ من العبادة ما علمت ثم رجع، فقال: لا تعجب ممن يرجع، ولكن ممن يستقيم.
26- كان مالك بن دينار يمرّ بالسوق فيرى ما يشتهيه فيقول: يا نفس
(3/96)

اصبري، ما أحرمك ما تريدين إلا لكرامتك علي.
27- قال عبد الله الداراني «1» لمالك بن دينار: يا مالك إن سرّك أن تذوق حلاوة العبادة وتبلغ ذروة سنامها فاجعل بينك وبين شهوات الدنيا حائطا من حديد.
28- أبو حية النميري «2» :
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقلّ من جدّ في أمر يطالبه ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
29- سويد بن عطوان السدوسي «3» :
فأوصيكم يا ابني سدوس كليكما ... بتقوى الذي أعطاكما وبراكما
فشكرا إذا ما الله أحدث نعمة ... وصبرا لأمر الله فيما ابتلاكما
30- قال لمالك بن دينار جار له في مرضه: ما تشتهي؟ قال: إن نفسي لتنازعني إلى شيء منذ أربعين سنة رغيف أبيض ولبن في زجاج، فأتاه به. فجعل ينظر إليه ثم قال: دافعت شهوتي عمري كله حتى إذا لم يبق من عمري إلا مثل ظمء الحمار أجدها، انظروا يتيم آل فلان فادفعوه إليه، ومات بشهوته.
31- محمد بن واسع «4» : الإبقاء على العمل أشد من العمل.
32- قيل للأحنف «5» : إنك شيخ ضعيف وإن الصيام يضعفك،
(3/97)

قال: إني أعده لشرّ يوم طويل، والصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه.
33- عبد الله بن الربيع بن خيثم الثوري «1» وقد ثقل ولده.
أصبحت لا أدعو طبيبا لطبّه ... ولكنني أدعوك يا منزل القطر»
لترزقني صبرا على ما أصابني ... وتعزم لي فيه على الرشد من أمري
فأني لأرجو أن تكون مصيبتي ... بغيت بها خيرا وإن كنت لا أدري
34- قيل لخالد بن صفوان: بم ساد الأحنف؟ قال: بفضل سلطانه على نفسه.
35- الأحنف: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات، ورب غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشدّ منه.
36- يونس بن عبيد: لو أمرنا بالجزع لصبرنا.
37- قيل لداود الطائي: كيف صبرت عن النساء؟ قال: قاسيت شهوتي عند إدراكي «3» سنة ثم سهلت عليّ.
38- ابن السماك «4» : المصيبة واحدة، فإن جزع صاحبها فهما اثنتان. يعني فقد المصاب وفقد الثواب.
39- الحارث بن أسد المحاسبي «5» : لكل شيء جوهر، وجوهر
(3/98)

الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر.
40- صالح بن عبد القدوس:
إن يكن ما به أصبت جليلا ... فذهاب العزاء منه أجلّ
41- أمر بعض السلاطين بخمر فصبت في الطريق، فقال ذؤيب بن حبيب الخزاعي «1» :
يا لقومي لما جنى السلطان ... لا يكن للتي أهنت هوان
سكبوها صفراء من حلب الكرم ... رحيقا كأنها الزعفران
صبها في مكان سوء لقد صا ... دف سعد السعود ذاك المكان
كيف صبري عن بعض نفسي وهل ... يصبر عن بعض نفسه إنسان
42- محمد بن عمرو بن حزم «2» : لقد أدركت أقواما لو أمروا أن لا يشربوا الماء ما شربوا حتى تنقطع أعناقهم.
ونحوه قول عمرو بن عبيد: لقد رضت نفسي رياضة لو أردتها على ترك الماء لتركته.
43- أبو الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب «3» وزير
(3/99)

المعتضد «1» :
لو أنني رمت صبرا ... عما بقلبي منها
لحان يومي وما حا ... ن يوم صبري عنها
44- مات لأعرابي أولاد فصبر، فقيل له فقال: ما هم في الموت ببدع، ولا أنا في المصيبة بأوحد، ولا جداء «2» في الجزع، فعلام أجزع!.
45- كتب ابن العميد «3» : أقرأ في الصبر سورا، ولا أقرأ في الجزع.
46- الحسن: المؤمن لا يجهل وإن جهل عليه، حليم لا يظلم وإن ظلم غفر، لا يبخل وإن بخل عليه صبر.
47- لقمان: الصبر عند مس المكارة من حسن اليقين.
48- أكثم بن صيفي: الصبر على جزع الحلم أعذب من جني ثمر الندم.
49- كن كالمداوي جرحه يصبر على الدواء مخافة من طول الأذاء.
50- اصبر على عمل لا غنى لك عن ثوابه، وعن عمل لا صبر لك على عقابه.
51- من لم يتلق نوائب الدهر بالصبر طال عتبه عليه.
52- اصبر لحكم من لا تجد معولا إلا عليه، ولا مفزعا إلا إليه.
53- الصبر يمنح الفرج، ويفتح المرتج.
54- عبد العزيز بن زرارة:
قد عشت في الدهر أطوارا على طرق ... شتّى وقاسيت فيه اللين والشبعا
كلا بلوت فلا النعمى تبطرني ... ولا تخشعت من لأوائها ضرعا
(3/100)

لا يملأ الأمر صدري قبل موقعه ... ولا يضيق به ذرعي إذا وقعا
55- آية. وأحفظ في التجلد والتثبت قصائد، ولا أحفظ في الهلع والتهافت قافية.
56- من تصبّر صبر، والمحنة إذا تلقّيت بالرضا والصبر كانت نعمة دائمة، والنعمة إذا خلت من الرضا والشكر كانت محنة لازمة.
57- رستم «1» : حسن الصبر طليعة النصر.
58- قيل لأبي مسلم «2» : بم أصبت ما أصبت؟ قال: ارتديت بالصبر، وائتزرت بالكتمان، وحالفت الحزم، ولم أجعل العدو صديقا، ولا الصديق عدوا.
59- منصور النمري «3» في الرشيد:
وليس لأعياء الأمور إذا عرف ... بمكترث لكن لهنّ صبور
يرى ساكن الأوصال باسط وجهه ... يريك الهوينى والأمور تطير
60- علي رضي الله عنه: أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل «4» لكانت لذلك أهلا. لا يرجونّ أحد منكم إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحينّ أحد إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، ولا يستحينّ أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه، وبالصبر فإن الصبر من الإيمان
(3/101)

كالرأس من الجسد، لا خير في جسد لا رأس معه، ولا في إيمان لا صبر معه.
- وعنه: لا يعدم الصبور الظفر وإن طال الزمان.
61- لما كلم الله موسى اعتزل النساء وترك أكل اللحم، ولم يصبر هارون «1» فتزوج وأكل اللحم. فقيل لموسى، فقال: لكني لا أرجع في شيء تركته لله أبدا.
62- محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الطالبي «2» :
بعثت إليها ناظري بتحية ... فأبدت لي الإعراض بالنظر الشزر
فلما رأيت النفس أوفت على الردى ... فزعت إلى صبري فأسلمني صبري «3»
63- علي رضي الله عنه: اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين.
- وعنه: وإذا كنت جازعا على ما تفلّت من يدك «4» فاجزع على كل ما لم يصل إليك.
64- وفي كتابه إلى عقيل «5» : ولا تحسبن ابن أبيك ولو أسلمه الناس متضرعا متخشعا، ولا مقرا للضيم واهنا، ولا سلس الزمام للقائد، ولا وطىء الظهر للراكب المتقعد «6» ولكنه كما قال أخو بني سليم «7» :
(3/102)

فان تسألني كيف أنت فإنني ... صبور على ريب الزمان صليب
يعز علي أن ترى بي كآبة ... فيشمت عاد أو يساء حبيب
65- أغارت الروم على أربعمائة جاموس لبشير الطبري «1» ، فلقيه عبيدة الذين كانوا يرعونها معهم، فقالوا: يا مولانا ذهبت الجواميس، قال: فاذهبوا أنتم معها، أنتم أحرار لوجه الله، وكانت قيمتهم ألف دينار، فقال له ابنه: قد أفقرتنا! فقال: اسكت يا بني، إن الله اختبرني فأحببت أن أزيده.
66- سليمان بن الحسن الخواص العابد المصري «2» :
إله عما استأثر الله به ... أيها القلب ودع عنك الحرق
فقضاء الله لا يدفعه ... حول مختال إذا الأمر سبق
67- بيهس الملقب بنعامة «3» حين قتل إخوته:
شفيت يا مازن حرّ صدري ... أدركت ثاري ونقضت وتري
كيف رأيتم طلبي وصبري ... السيف عزمي والإله ظهري
68- العتبي «4» : إذا خفت صعوبة أمر فاستصعب له، تذل مراكبه وتلين جوانبه.
69- عروة بن الزبير حين رمحت «5» الدابة ابنه فمات، ووقعت الأكلة «6» في رجله فقطعت: كانوا أربعة أخذت واحدا وأبقيت ثلاثة، وكن أربعة فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثة. إلهي لئن كنت أخذت لقد أبقيت،
(3/103)

ولئن كنت الجوارح أبليت لقد عافيت، وعزتك لو قطعتني إربا إربا لم أزد لك إلّا حبا.
70- أوحى الله إلى داود عليه السّلام: تخلّق بأخلاقي، وإن من أخلاقي أنّي أنا الصبور، فاصبر على الأيام صبر الملوك.
71- قدم على الوليد «1» وفد من عبس فيهم شيخ ضرير، فسأله عن حاله وذهاب عينه، فقال: بت ليلة في بطن واد ولا أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي فطرقنا «2» سيل، فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد، غير صبي صغير وبعير وكان صعبا فنفر، فوضعت الصبي عن منكبي وتبعت البعير، فلم أجاوز حتى سمعت صيحة الصبي، فرجعت إليه ورأس الذئب في بطنه يأكله. فاستدرت بالبعير لأحبسه فنفحني «3» برجله فحطم وجهي، فذهبت عيناي. فأصبحت لا عين ولا أهل ولا مال ولا ولد.
فقال الوليد: اذهبوا به إلى عروة ليعلم أن في الدنيا من هو أعظم مصيبة منه فيتسلّى.
72- الجاحظ: ليس في الأرض نفس تصبر على مضض الحقد ومطاولة الأيام صبر الملوك.
73- وعن حسن الخادم «4» أشهد لكنت مع الرشيد وهو متعلق بأستار الكعبة بحيث يمس ثوبي ثوبه ويدي يده وهو يقول في مناجاته: اللهم إنّي استخيرك في قتل جعفر»
، ثم قتله بعد ذلك بست سنين.
(3/104)

74- نهشل بن حري «1» :
وجار منعناه من الضيم والعدى ... وجيران أقوام بمدرجة الدهر
ويوم كأن المصطلين بحسره ... وإن لم تكن نار قعود على الجمر
صبرنا له حتى يبوخ وإنما ... تفرّج أيام الكريهة بالصبر
75- هلال بن فضلة الربعي «2» :
وسبّحت واسترجعت من بعد صدمة ... لها رجفت كبدي ومسّت فؤاديا
صبرت فكان الصبر أدنى إلى التقى ... على حرّة قد يعلم الله ماهيا
76- غيره:
من يمتط الصّبر يضع رجله ... في ساحة الراحة والفوز
77- غيره:
وما زلت أرسو الدهر صبرا على الذين ... يسوء إلى أن سرفي فيكم الدهر
78- غيره:
عجبت لصبري بعده وهو ميت ... وقد كنت أبكيه دما وهو غائب
على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
79- غيره:
فديتك لم أصبر ولي فيك حيلة ... ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر
تصبّرت مضطرا وإن كنت كارها ... كما صبر العطشان في البلد القفر
80- إذا استهدف لك غرض فارمه بنبال الصبر.
81- عمر رضي الله عنه: لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت.
(3/105)

82- لما دفن عمر بن عبد العزيز ابنه عبد الملك رأى رجلا يتكلم ويشير بشماله، فصاح به: إذا تكلمت فأشر بيمينك. فقال الرجل: ما رأيت رجلا دفن أعز الناس عليه ثم هو تهمه يميني من شمالي. فقال عمر: إذا استأثر الله بشيء فاله عنه.
83- مات أيوب بن سليمان بن عبد الملك «1» فجزع عليه سليمان جزعا شديدا، وبكى عليه بكاء ينقطع له نياط قلبه، ثم قال:
فإن صبرت فلم الفظك من شبع ... وإن جزعت فعلق منفس ذهبا «2»
84- كتب محمد بن الحنفيّة إلى ابن عباس حين سيره ابن الزبير إلى الطائف: أما بعد فقد بلغني أن ابن الزبير قد سيرك إلى الطائف، فأحدث الله لك بها ذكرا، وحط عنك بها وزرا.
يا ابن عم، إنما يبتلى الصالحون، وتعدّ الكرامة للأخيار، وإن لم نؤجر وتؤجر إلا بما نحب وتحب قل الأجر. وقد قال الله تعالى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً
الآية «3» . عزم الله لنا ولك على الصبر على البلاء، والشكر على الرخاء، ولا أشمت بك ولا بنا فيك عدوا. والسلام.
85- لما اشتدت العلة بالرشيد جعل يقول صبر لأمر الله.
86-[شاعر] :
وإني لمن قوم كرام يزيدهم ... رجاء وصبرا شدة الحدثان «4»
(3/106)

الباب التاسع والثلاثون الصناعات والحرف، وذكر الصنّاع والمحترفين وما يتعلق بهم
1- سهل بن سعد: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: عمل الأبرار من الرجال الخياطة، وعمل الأبرار من النساء الغزل.
- وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يخيط ثوبه ويخصف نعله، وكان أكثر عمله في بيته الخياطة.
2- سعيد بن المسيب: كان لقمان الحكيم خياطا.
3- ابن شوذب «1» : كان إدريس «2» خياطا.
4- وقف علي رضي الله عنه على خياط فقال: يا خياط ثكلتك الثواكل، صلّب الخيوط، ودقّق الدروز، وقارب الغرز، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يحشر الله الخياط الخائن وعليه قميص ورداء مما خاط
(3/107)

وخان فيه، واحذر السقاطات صاحب الثوب أحق بها، ولا تتخذ بها الأيادي تطلب المكافأة «1» .
5- عتبة «2» : رأيت خياطا عند عائشة رضي الله عنها يخيط لها درعا «3» ، فقالت له: لا تبلّ الخيوط بريقك.
6- دعا الحسن «4» خياطا فشد زره، فأعطاه درهما، فأبى أن يأخذه، فقال: خذه فلو كنت تلقط الذهب بإبرتك لكان قليلا.
7- فيلسوف: من القبيح أن يتولى امتحان الصناع من ليس بصانع.
8- سأل معاوية سعيد بن العاص عن المروءة، فقال: العينة والحرفة.
9- كان أيوب السختياني يقول: يا فتيان احترفوا، فإني لا آمن عليكم أن تحتاجوا إلى القوم، يعني الأمراء.
10- حاك مجمع التيمي «5» ثوبا قد تنوّق «6» فيه فباعه، فرد عليه بعيب فبكى. فقال له المشتري: لا تبك فقد رضيت به، فقال: ما أبكاني إلا أني تنوقت فيه فرد عليّ بالعيب، فأخاف أن يرد علي عملي الذي عملته من أربعين سنة.
11- يقال: فلان أخضر البطن، يعنون أنه حائك، لأن بطنه تسود لطول التزاقه بالخشبة التي يطوي عليها الثوب.
(3/108)

12- وكان النظام «1» يقول للعروضي «2» الأخضر البطن، فيكشف عن بطنه يريه الناس يريد تكذيبه، حتى قال له إسماعيل بن غزوان «3» : إنما يريد أنك من أبناء الحاكة.
13- أنس: عنه عليه السّلام: لا تلعنوا الحاكة فإن أول من حاك أبي آدم.
14- قيل لسفيان بن عيينة: من أعبد أهل الكوفة؟ قال: حائك وصيرفي، أما الحائك فمجمع التيمي، وأما الصيرفي فالربيع بن راشد «4» .
15- كانت عند أبي الحجاج الحائك «5» شهادة أقامها عند بكار «6» ، فلما كان بعد مدة قال بكار لأخيه أبي صفوان «7» : اشتهي نظرة من أبي الحجاج! فركب أبو صفوان إليه، فألقى له المرش «8» فقعد عليه، وأقبل على عمله وقال: اعذر يا أبا صفوان، فإن هذا الغلام الذي يعمل معي
(3/109)

مملوك لامرأة يعود عليها بكسبه، وأكره أن أجلس معك فيبطل ويضر ذلك بها. فانصرف أبو صفوان، وقال لبكار: لا تطمع في أبي الحجاج، رجل تورع أن يجلس معي، كيف يجيئك.
16- وكان مجمع «1» يقول: إذا رخص الطعام كفاني رغيفان، وإذا غلا كفاني رغيف، فلولا المسلمون ما باليت بغلاء ولا رخص.
17- مجاهد «2» في قوله تعالى: وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
«3» ، الحواكون.
18- قال حائك للأعمش «4» : ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟
قال: لا بأس بها على غير وضوء. قال: فما تقول في شهادته؟ قال: مقبولة مع شاهدين عدلين. فالتفت الحائك وقال: هذا ولا شيء واحد.
19- قال حائك لإبراهيم الحربي «5» : ما تقول فيمن صلّى العيد ولم يشتر ناطفا «6» ، ما الذي يجب عليه؟ فتبسم إبراهيم ثم قال: يتصدّق بدرهمين، فلما مضى قال: ما علينا أن نفرح المساكين من مال هذا الأحمق!.
(3/110)

20- قيل لحائك: لو كنت خليفة ما كنت تشتهي؟ قال: تمرا ولبأ «1» فالتفت إلى ابنه وقال يا بني لو كنت أنت خليفة ما كنت تشتهي؟ فقال: يا أبت أو تركت لي من اللذات شيئا؟.
21- قيل لرجل: هل عندكم حائك؟ قال: لا، قيل: فمن ينسج ثيابكم؟ قال: كل ينسج لنفسه في بيته. فإذا كلهم حاكة ولم يعلم.
22- وقع بين أبي علقمة «2» وبين رجل فقال له: لو وضعت يمنى رجليك على حراء «3» والأخرى على ثبير «4» ثم تناولت قوس الله فندفت ما كنت إلا ندّافا.
23- في الحديث: أحلّ ما أكل العبد كسب يد الصانع إذا نصح.
- وفيه: إن الله يحب المؤمن المحترف.
- وفيه: إن الله يحب العبد يتخذ المهنة يستغني بها عن الناس، ويبغض العبد يتعلم العلم يتخذه مهنة.
- وفيه: ويل للتاجر من لا والله، وبلى والله، وويل لعامل يد من غد وبعد غد.
24- مازح الفرزدق بلالا «5» ، فذم بلال بني تميم ومدح أبا موسى «6» ، فقال الفرزدق: والله لو لم يكن لأبي موسى إلا فضيلة واحدة
(3/111)

لكفته. قال: وما هي؟ قال: حجامته «1» . قال بلال: قد فعل ذلك لحاجة رسول الله إلى ذلك، وما فعله قبله ولا بعده. قال: كان أبو موسى أتقى لله من أن يقدم على نبيه بغير حذق.
25- عتبة الأعور «2» :
أبوك أدمى النجاد عاتقه ... كم من كمي أدمى ومن بطل «3»
يأخذ من ماله ومن دمه ... لم يمس من ثائر على وجل
26- كان أردشير بن بابك «4» لا يرتضي لمنادمته ابن ذي صناعة دنيئة كحائك وحجام ولو كان يعلم الغيب مثلا.
27- كانت لبعضهم جارية مليحة فأراد أن يعلمها الغناء، فسلمها إلى المحتكر فأعيته، فسألها مولاها بعد مدة عما تعلمت فقالت: شد الأوتار وحلّها. قال: أنت حرة إن أسلمتك إلا إلى الحجامات، فتعلمت الحجامة وتقدمت فيها. فدخل المغني يوما على الرجل وهي تحجمه فقال:
نعم لهذا خلقت وحده ... ليس لضرب البم والزير «5»
حديدة المشرط في كفها ... أحسن من ريش الطنابير
وطبعها في مصها جيد ... يضغط أذناب القوارير
فضحك الرجل وأعطاه مائتي درهم.
(3/112)

28- السري الموصلي «1» في مزين:
إذا لمع البرق في كفه ... أفاض على الرأس ماء النعيم
29- دعا المأمون إبراهيم بن رستم «2» إلى القضاء، فقال: أنا دباغ لا أصلح للقضاء. فقال المأمون: وما تضر الحرفة؟ إنما يطلب الرجل لذاته إذا اتقى الله.
30- أبو العتاهية:
وليس على عبد تقي نقيصة ... إذا صحّح التقوى وإن حاك أو حجم
31- مر داود عليه السّلام بإسكاف فقال: يا هذا، اعمل وكل فإن الله يحب من يعمل ويأكل، ولا يحب من يأكل ولا يعمل.
32- سفيان الثوري: إذا لم يكن للعالم حرفة ولا عقار كان شرطيا لهؤلاء الظلمة، وإذا لم يكن للجاهل حرفة كان رسولا للفساق.
33- قال رجل للحسن «3» : أنشر مصحفي فاقرأه النهار كله؟ قال:
لا، اقرأه بالغداة والعشي ويكون يومك في صنعتك وما لا بد منه.
34- أخذ حجّام من شارب الحسن فقال: اعطوه درهمين، فقالوا يا أبا سعيد، إنهم لا يطلبون في هذا شيئا. قال: أفنتسخره؟.
35- سأل داود عن نفسه في الخفية، فقالوا: يعدل، إلا أنه يأكل
(3/113)

من أموال بني إسرائيل. فسأل الله أن يعلمه عملا فعلمه اتخاذ الدروع.
36- وكان سليمان «1» يعمل القفاف ويبيعها ويأكل من ثمنها.
37- وكان فضيل «2» يستقي على الروايا «3» بكراء «4» وينفق على نفسه وعياله.
38- إذا لقي الصانع من العرب صانعا مثله قال: يا ابن عملي قال:
يا سعد يا ابن عملي يا سعد ... هل يروين ذودك سقي معد
وساقيان سبط وجعد ... وسائقان أمة وعبد
سبط وجعد أي عجمي وعربي لأنهما لا يتفاهمان كلامهما فلا يشغلهما الحديث عن السقي. وأمة وعبد لأنهما يتحدثان فلا ينامان عن السوق.
39- في الحديث: أكذب أمتي الصوّاغون والصبّاغون.
40- وفي أمثال العرب: أكذب من صنع «5» .
41- وكذب الدلال مثل. قالوا لكل أحد رأس مال ورأس مال الدلال الكذب.
42- وروى أن أول من دل إبليس، حيث قال: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ
«6» .
43- راحة الصباغ يشبه بها ما لا يستنظف.
(3/114)

44- كعب «1» : لا تستشيروا الحاكة فإن الله سلب عقولهم ونزع البركة من كسبهم.
45- شهد رجل حلقة الشعبي «2» ، فلما قام قال له: إني أجد في قفاي حكة، أفترى لي أن احتجم؟ فقال: الحمد لله الذي نقلنا من الفقه إلى الحجامة.
46- الجاحظ: دعوت نجارا لتعليق باب ثمين، فقلت له: إن إحكام تعليق الباب شديد لا يحسنه من مائة نجار واحد، وقد يذكر الرجل بالحذق في نجارة السقوف والقباب وهو لا يكمل لتعليق كل باب على تمام الأحكام. ومثاله أن الغلام والجارية يشويان الجدي والحمل ويحكمان الشيّ وهما لا يحكمان شيّ جنب. فقال النجار، أحسنت حين أعلمتني أنك تبصر العمل، فإن معرفتي بمعرفتك تمنع التشفيق «3» ، ثم أحكم تعليقه.
47- عمر رضي الله عنه: إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول: هل له حرفة؟ فإن قالوا لا، سقط من عيني.
48- علي رضي الله عنه: مررت مع أمير المؤمنين عثمان بن عفان على مسجد فرأى فيه خياطا فأمر بإخراجه، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنه يقّم «4» أحيانا المسجد ويرشه ويغلق أبوابه. فقال: يا أبا الحسن، سمعت
(3/115)

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: جنبوا مساجدكم صناعكم.
49- قال خياط لابن المبارك «1» : أنا أخيط ثياب السلاطين فهل تخاف علي أن أكون من أعوان الظلمة؟ قال: لا، إن أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة، أما أنت فمن الظلمة أنفسهم.
50- مجاهد «2» : مرت مريم في طلب عيسى عليهما السّلام بحاكة، فسألت عن الطريق، فأرشدوها إلى غير الطريق، فقالت: اللهم انزع البركة من كسبهم، وأمتهم فقراء، حقرهم في أعين الناس، فاستجيب دعاؤها.
51- جاء في تفسير قوله تعالى: لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
«3» أنهم كانوا حدادين وخرازين، فكان أحدهم إذا رفع المطرقة، أو غرز الأشفى «4» فسمع الأذان لم يخرج الأشفى من المغرز، ولم يضرب بالمطرقة ورمى بها، وقام إلى الصلاة.
52- أيوب «5» : كان أبو قلابة «6» يحثّني على الاحتراف ويقول: إن الغنى من العافية.
53- خرج علي رضي الله عنه يوما فقام على القصابين فقال: يا معشر القصابين، من نفخ شاة فليس منا. والله أعلم.
(3/116)

الباب الأربعون الأصوات والألحان في الشعر والقرآن، وما جاء في الغناء من التحليل والتحريم، وما اتصل بذلك
1- النبي صلّى الله عليه وسلّم: أتدرون متى كان الحداء؟ قالوا: لا، بأبينا وأمنا، قال: إن أباكم مضر «1» خرج في مال «2» له، فوجد غلامه قد تفرقت إبله عليه، فضرب على يده بالعصا، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح:
وايداه، وايداه، فسمعت الإبل صوته فتعطفت عليه. فقال مضر: لو اشتق من الكلام مثل هذا لكان شيئا تجتمع عليه الإبل فاشتق الحداء «3» .
2- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بعض أسفاره لرباح بن المعترف «4» غنّني:
فغنّاه، فأصغى إليه عمر وقال: أجدت بارك الله عليك. فقال: يا
(3/117)

أمير المؤمنين، لو قلت زه كان أعجب إلي، قال: وما زه؟ قال: كلمة كان كسرى إذا قالها أعطى من قالها له أربعة آلاف درهم. قال: إن شئت أن أقولها لك فعلت، فأما أعطي أربعة آلاف درهم فلا يجوز لي من أموال المسلمين. قال: فبعضها من مالك، فأعطاه أربعمائة درهم. قال يرفأ «1» : أتصل المغني؟ قال: خدعني.
3- عبد الله بن مسعود: ما بعث الله نبيا إلا حسن صوته وحسن صورته.
4- لأهل الرهبانية نغمات وألحان شجية يمجدون الله بها، ويقصرون بها السهر، ويبكون بها على خطاياهم، ويتذكرون بها نعيم الجنة.
5- سأل رجل القاسم بن محمد «2» عن الغناء، فقال القاسم: أرأيت إذا جمع الله الحق والباطل أين يكون الغناء؟ أتراه يكون مع الحق؟ قال:
لا، قال: فهو مع الباطل.
6- نزل الحطيئة «3» ببني قريع «4» ، فسمع شبابا يتغنون فقال: جنّبوني مغنيكم فإن الغناء رقية الزنا.
7- وكان سليمان بن عبد الملك يقول: إن الفرس يصهل فتستودق «5»
(3/118)

له الحجر «1» ، وإن الفحل يهدر فتضبع «2» له الناقة، وإن التيس ينبّ «3» فتستذرّ له العنز، وإن الرجل يغني فتشبق «4» له المرأة.
8- قيل لإسحاق الموصلي: كيف وجدت بني مروان في اللهو؟
قال: أما معاوية وعبد الملك وسليمان ومروان فكانت بينهم وبين الندماء المغنين ستارة «5» لئلا يظهر منهم طرب الخلفاء للذة الغناء، وأما أعقابهم فكانوا لا يتحاشون، ولم يكن أحد منهم في مثل حال يزيد بن عبد الملك في السخف، قيل: فعمر بن عبد العزيز؟ قال: ما طن في سمعه حرف قط من الأغاني بعد ما أفضت إليه الخلافة، وقبلها كان يسمع من جواريه خاصة. قيل: فيزيد الناقص «6» ؟ قال: ما بلغني أنه سمع الغناء قط، كان يظهر التأله ويقول بالقدر.
9- الزهري «7» : قال لي الرشيد: من بالمدينة حرّم الغناء؟ قلت:
(3/119)

من قنعه الله خزيه. قال بلغني أن مالك بن أنس «1» حرّمه. قلت: ولمالك أن يحرم ويحلل؟ والله، ما كان هذا لابن عمك محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهو أكرم الخلق، إلا عن وحي من ربه، فهل يجوز ذلك لمالك؟.
10- لما بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هجرته ثنية الوداع «2» ، استقبله الجواري يضربن بالدفوف ويغنين:
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
11- حذيفة «3» : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: سيجيء من بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم.
12- عمران بن عبد الله بن طلحة «4» : كنت في مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم وكان رجل يقرأ بطرب، فأنكر ذلك القاسم «5» إنكارا شديدا، وقال: يقول الله تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ «خَلْفِهِ
«6» .
13- سئل الفضيل «7» عن قراءة القرآن بألحان، فقال: إنما أخذ هذا من الغناء قوم اشتهوا الغناء فاستحبوا فحولوا نصب «8» الغناء على القرآن،
(3/120)

وعسى أن يقرأ رجل ليس له صوت فلا يعجبهم وهو خير من صاحب الصوت، ويقرأ الآخر فيعجبهم صوته، فيقولون: ما أحسن قراءته! ولعله لا تجاوز قراءته حنجرته.
14- أنس: وعظ النبي صلّى الله عليه وسلّم يوما فإذا رجل قد صعق، فقال: من هذا الملبس علينا ديننا؟ إن كان صادقا فقد شهر نفسه، وإن كان كاذبا فمحقه الله.
15- زعموا أن في البحر دواب ربما ترنمت أصواتا مطربة ولحونا مستلذة يأخذ السامعين الغشي من حلاوتها، فاعتنى وضعة الألحان فشبهوا بها أغانيهم فلم يبلغوا.
16- وزعموا أن في بلاد يونان طائرا يصوت بالظهائر أصواتا يجتمع أصناف الطيور استلذاذا لها.
17- عن عمرو بن ماسوية المتطبب «1» : إن شجرة على شطّ البحر هلباء «2» ليست لها أغصان ولا ورق، يقع عليها طائر وجهه وجه إنسان، وصدره صدر طاووس، وبدنه بدن نمر، وخفه خف بعير، وهو في سائر جسده كالفرس، يصوت بأنواع الأغاني، فبنى برصوما أسقف الرها «3» ألحانه عليها.
(3/121)

18- الجاحظ: من الأصوات ما يقتل، كصوت الصاعقة، والرعد القاصف، والهدة، وزئير الأسد، وقعاقع الحديد وصلاصله تورث انتفاخ السحر وارتفاع القلب، وربما أدّت إلى انشقاق المرارة.
19- وقالوا: إن الرعد الشديد إذا وافق سباحة السمكة في أعلى الماء رمت ببيضها، وربما ماتت، ويمرق بيض الحمام قبل وقته، والصوت الحسن قد يزيل العقل حتى يغشى على سامعه للطافة وصوله إلى الدماغ وممازجته للقلب.
20- والأم تناغي الصبي فيقبل بسمعه إلى مناغاتها ويتلهىّ عن البكاء.
21- والإبل تزداد في نشاطها وقوتها بالحداء، فترفع آذانها وتتلّفت بمنة ويسرة وتتبختر في مسيرها.
22- وإذا اصطادوا الفيلة جمعوا لها الملاهي والمغنين فتلهىّ عن رعيها وتسهو عن الهرب حتى تؤخذ وتخطم.
23- وزعم ابن زبن «1» أن السماكين بنواحي العراق يبنون في جوف الماء حظائر ثم يطربون عندها فيجتمع السمك في الحظائر حتى يصيدوها.
24- وعن بعض الفلاسفة أنه رأى أيايل «2» قد سمعت زمرا وعزفا فأقبلت إليه وطأطأت رأسها وكادت تنام تلذذا باستماعه.
25- والراعي إذا رفع عقيرته «3» أو نفخ في يراعته تلقته الغنم بآذانها وجدّت في رعيها.
(3/122)

26- قالوا: ربما يفسد العقل الولوع بالسماع وطول ملازمته.
27- تعاف الدابة الماء فإذا سمعت الصفير بالغت في الشرب.
28- حكيم: الصوت الحسن مما يزيد في المنّة، ويكون مادة للقوة، وليس شيء مما يستلذه الإنسان أخف مؤونة من السماع، لأنه لا بدّ له في غيره من إعمال حاسة، ما خلا السماع فإنه ليس له إلا السكوت.
29- أفلاطون: من حزن فليسمع الأصوات الحسنة، فإن النفس إذا حزنت خمد نورها، فإذا سمعت ما يطربها ويسرها اشتعل منها ما خمد.
30- وما زالت ملوك فارس تلهي المحزون بالسماع، وتعلل به المريض وتشغله عن الفكر، ومنهم أخذت العرب حتى قال ابن عسلة الشيباني «1» :
وسماع مسمعة تعالمنا ... حتى ننام تناؤم العجم «2»
31- أبو نواس:
إذا غنين صوتا كان موتا ... وهجن به عليك الزمهريرا
ولو في يوم هرمز جئت زورا ... لصيّره عبوسا قمطريرا «3»
(3/123)

32- أذن البعلبكي «1» مؤذن المنصور فرجع، وجارية تصب الماء على يده، فارتعدت حتى وقع الإبريق من يدها، فقال للمؤذن: خذ هذه الجارية فهي لك، ولا ترجع هذا الترجيع.
33- دخل الشعبي وليمة «2» فأقبل على أهلها فقال: ما لكم كأنكم اجتمعتم على جنازة؟ أين الغناء والدف؟.
34- إسحاق بن إبراهيم الموصلي: كان ابن أبي حفصة «3» يتغذى عند أبي، فإذا فرغ قال: أطعموا آذاننا رحمكم الله.
35- قال رجل للحسن: ما تقول في الغناء؟ قال: نعم الشيء الغنى «4» ، يوصل به الرحم، وينفس به عن المكروب، ويفعل فيه المعروف. قال: إنما أعني الشدو، قال: وما الشدو، وتعرف منه شيئا؟
قال: نعم، قال: فما هو؟ فاندفع الرجل يغني ويلوي شدقيه ومنخريه ويكسر عينيه. فقال: ما كنت أرى أن عاقلا يبلغ من نفسه ما أرى.
36- أبو عمرو بن العلاء: ما في الأرض شيء أقل حاذفا من الغناء.
37- قال السعيدي «5» : قلت لأبي أويس «6» : هل تروي في وزن هذا البيت شيئا:
(3/124)

أعرضت فلاح لها ... عارضان كالبرد
فقال: دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على سيرين «1» أخت مارية «2» وهي تصفق وتقول:
هل علي ويحكما ... إن لهوت من حرج
فقال: لا «3» . قال السعيدي: فكان سرورنا بالحديث أكثر من سرورنا بالبيت.
38- قالت ديباجة الأعرابية «4» لإسحاق الموصلي: أنت بنعم ألفاظك دون نغم ألحانك. تطرب إذا تلكمت فكيف نراك تصنع إذا ترنّمت.
39- قال رجل لآخر: غنني صوت كذا ومن بعده صوت كذا، فقال: أراك لا تقترح صوتا إلا بولي عهد.
40- بعض السلف: الغناء نوح إبليس على الجنة حين أخرج منها.
(3/125)

41- سمع سليمان بن عبد الملك مغنيا في عسكره، فطلبه فاستعاده: فاحتفل بالغناء، وكان مفرط الغيرة، فقال لأصحابه: والله لكأنها جرجرة الفحل في الشول «1» ، وما أحسب أنثى تسمع هذا إلا صبت «2» ، ثم أمر به فخصي.
42- ابن الراوندي «3» : اختلف الناس في السماع «4» فأباحه قوم وحظره آخرون، وأنا أخالف الفريقين فأقول هو واجب.
43- كان صالح بن كيسان «5» لا يرى بالغناء بأسا، ويقول: إنه يخرج من جلجلان القلب «6» إلى قمع الأذن وليس على أحد مؤونة.
44- ابن الحجاج «7» :
وقينة تفخيمها في الغنا ... أملح من قهقهة القمري «8»
(3/126)

غاؤها الممدود بي فاعل ... فعلى الغنى المقصور بالعسر «1»
45- الموصلي «2» : دخلت على المعتصم يوما قد استخلى فيه وعنده جارية تغني، قال: كيف ترى يا أبا إسحاق؟ قلت: أراها تقهره بحذق، وتختله «3» برفق، ولا تخرج من شيء إلا إلى أحسن منه، وفي صوتها مقطع شذور «4» أحلى من الدر المنثور، فقال: وصفك لها أحسن منها ومن غنائها.
46- وكان يقول الوليد بن يزيد: ما أقدر على الحج. قيل له كيف ذاك؟ قال: يستقبلني أهل المدينة بصوتي معبد «5» :
القصر فالنخل فالجماء بينهما ... أشهى إلى القلب من أبواب جيرون «6»
والآخر:
(3/127)

يوم تبدي لنا قتيلة عن ... جيد تليع تزينه الأطواق «1»
وكان الغناء في أهل المدينة حائزين فيه قصبات السبق «2» .
47- يحكى أن ابن سريج «3» والغريض «4» قدما المدينة يتعرضان لمعروف أهلها، فلما شارفاها وصار بالمغسلة، وهي جبانة على طرفها تغسل فيها الثياب، إذا هما بغلام ملتحف بإزار وبيده حبالة يتصيد بها ويتغنى «القصر فالنخل» ، قالا: فسمعنا شيئا ما سمعنا مثله قط، فقال ابن سريج: هذا غناء غلام يصيد الطير! فكيف بمن في الجوية؟ أما أنا فثكلت والدته إن لم أرجع. فكرّا راجعين.
48- وقيل: أربع في أهل المدينة: الغناء، والمتعة «5» ، والماء من
(3/128)

الماء «1» ، والوضوء مسته النار «2» .
49- وصف بعضهم مسمعة فقال: تلوك لحنها كما يلوك الفرس لجامه، ثم تلقيه في هامة لدنة ثم تخرجه من منخر أغن، والله ما ابتدأته فتوسطته وأنا أعقل، ولا فرغت منه فأفقت إلا وأنا أظن أني رأيته في نومي.
50- عن عبد الله بن عوف «3» : أتيت باب عمر فسمعته يتغنى بالركبانية «4» :
فكيف ثوائي بالمدينة بعد ما ... قضى وطرا منها جميل بن معمر «5»
(3/129)

هو جميل الجمحي «1» وكان خاصا به فلما استأذنت عليه قال لي:
أسمعت ما قلت؟ قلت نعم: قال: إنا إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم.
51- نافع «2» : سمع ابن عمر «3» يوما مزمارا فوضع إصبعيه في أذنيه، ونأى عن الطريق، وقال: يا نافع، هل تسمع شيئا؟ فقلت: لا، فرفع إصبعيه من أذنيه وقال: كنت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم، فسمع مثل هذا، فصنع مثل هذا.
52- أبو أمامة «4» : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن ولا شراؤهن ولا التجارة فيهن، وثمنهن حرام. وما نزلت علي هذه الآية إلا في مثل هذا الحديث: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
«5» . ثم قال: والذي بعثني بالحق ما رفع رجل عقيرة صوته بالغناء إلا بعث الله عليه عند ذلك شيطانين، على هذا العاتق واحد، وعلى هذا العاتق واحد، يضربان بأرجلهما في صدره حتى يكون هو الذي يسكت.
53- استنشد المعتز في قرقرة الأبريق فأنشده ابن خلاد «6» قول بشّار:
وأتلع كالضبي يحكي لنا ... أعاليه العنق الأقود «7»
إذا ما أكب على كأسه ... أرن كما صدح الصفرد «8»
(3/130)

فأمر له بصلة. ولبشار.
كأن قرقرة الأبريق بينهم ... صوت المزامير أو ترجيع فأفاء
وله:
ومالت كف ساقينا ... بإبريق إلى طاس
له قهقهة فيه ... على حبسة أنفاس
54- سمع أعرابي مغنية بالفارسية فشوّقته فقال:
ولم أفهم معانيها ولكن ... ورت كبدي فلم أجهل شجاها «1»
فكنت كأنني أعمى معنى ... يحب الغانيات ولا يراها «2»
55- كانت لبعض الظرفاء جاريتان مغنيتان، حاذقة ومتخلفة، فكان يخرق قميصه إذا غنت الحاذقة، فإذا غنت الأخرى قعد يخيطه.
56- تخاصم إبراهيم بن المهدي وإسحاق «3» في الغناء، فقال له إسحاق: جعلت فداك، إلى من نتحاكم والعالم بيني وبينك بهائم؟
57- قال معاوية لعمرو بن العاص يوما: إمض بنا إلى هذا الذي تشاغل باللهو وسعى في هدم مروءته، يريد عبد الله بن جعفر، فدخلا عليه وعنده سائب خاثر «4» يلقي الغناء على جواريه، فأمر بتخليتهنّ، وتنحىّ
(3/131)

لمعاوية عن سريره، فقال معاوية: أعد علينا ما كنت فيه، فغنى سائب بقول قيس بن الخطيم «1» :
ديار التي كانت ونحن على منى ... نحل بها لولا نجاء الركائب
وردده الجواري معه، فحرك معاوية يديه وتحرك، ومد رجليه يضرب بهما وجه السرير فقال له عمرو: اتّئد! فإن الذي جئت تلحاه «2» أحسن حالا منك وأقل حركة. فقال معاوية: اسكت فكل كريم طروب.
58- سمع فيلسوف صوت مغن بارد فقال: يزعم أهل الكهانة «3» أن صوت البومة يدل على موت الإنسان، فإن كان ما ذكروه حقا فإن هذا يدل على موت البومة.
59- كان العباس بن عبد المطلب أجهر الناس صوتا، كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه، وفيه يقول النابغة الجعدي «4» :
زجر أبي عروة السباع إذا ... أشفق أن يختلطن بالغنم
وقد أتتهم غارة فصاح يا صياحاه! فأسقطت الحوامل، وكان يقف على سلع «5» فينادي على غلمانه وهم بالغابة «6» فيسمعهم، وبين الغابة وسلع
(3/132)

وهو جبل في وسط المدينة ثمانية أميال.
60- وعن العباس لما ولّى الناس يوم حنين: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما معه إلّا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب «1» ، آخذا بثفر «2» بغلته الشهباء فشجرتها بالحكمة «3» وكنت رجلا صيتا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حين رأى من الناس ما رأى وأنهم لا يلوون على شيء، يا عباس اصرخ: يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة «4» فناديت، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها.
61- أتى عبد الملك بن صالح «5» وفود من الروم فأخفى بعض من في المجلس عطسته، فقال له: هلا إذ كنت لئيم العطاس، كز الخيشوم أتبعت عطستك صرخة تخلع بها قلب العلج «6» !.
62- وكان الرشيد جهوريا فقال فيه بعض العرب وهو يطوف بالبيت:
جهير الكلام جهير العطاس ... جهير الرواء جهير النعم
ويخطو على الأين خطو الظليم ... ويعلو الرجال بخلق عمم «7»
(3/133)

63- الجاحظ: كان أبو ديوبة «1» مولى آل زياد ينهق بباب الكرخ «2» بحضرة المكارين فلا يبقى حمار مريض ولا هرم ولا حسير متعب إلا نهق.
وقبل ذلك تسمع نهيق الحمار على الحقيقة فلا تنبعث حتى كان أبو ديوبة يحركها. وكان يجمع جميع صور نهيق الحمار فيجعلها في نهيق واحد، وكذلك كان في نباح الكلاب.
64- قيل لرجل من العرب: ما الجمال؟ فقال: غؤور العينين، وإشراف الحاجبين، ورحب الأشداق، وبعد الصوت.
65- سأل الحجاج جلساءه عن أرق الصوت عندهم، فقال أحدهم:
ما سمعت صوتا أرق في سمعي من صوت قارىء حسن القراءة لكتاب الله في جوف الليل. قال: إن ذلك لحسن. وقال آخر: ما سمعت صوتا أعجب من أن أترك امرأتي ماخضا وأخرج إلى المسجد مبكرا فيأتيني آت فيبشرني بغلام: فقال: واحسناء! فقال شعية بن علقمة التميمي»
: لا والله ما سمعت صوتا قط أعجب إلي من أن أكون جائعا فأسمع خفخفة الخوان «4» . فقال الحجاج: أبيت يا بني الا حب الزاد.
66- قيل لمخنث: أي الأصوات أحب إليك؟ قال: نشنشة القلية «5» ، وقرقرة القنينة، وخفخفة الخوان، وفشفشة التكة «6» .
67- كان المفضل «7» يروي بيت أوس «8» «تصمت بالماء تولبا
(3/134)

جدعا» «1» فقال له الأصمعي: أخطأت إنما هو جدعا وهو السيء الغذاء، وتكلم المفضل ورفع صوته، فقال له: إن رفع الصوت لا يغني عنك ولو نفخت بالشبور «2» تكلم كلام النمل وأصب.
68- سمع سعيد بن المسيب ذات ليلة في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عمر ابن عبد العزيز يجهر بالقراءة في صلاته، وكان حسن الصوت، وهو إذ ذاك أمير المدينة، فرفع سعيد صوته وقال: يا أيها المصلي، إن كنت تريد الله بصلاتك فاخفض صوتك، وإن كنت تريد الناس فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، فسكت وخفف ركعتيه ثم أخذ نعليه وخرج.
69- وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم: إذا قام أحدكم من الليل فليجهر بقراءته، فإن الملائكة وعمار الدار يستمعون إلى قراءته ويصلون بصلاته.
70- عن داود عليه السّلام أنه كان يخرج إلى صحراء بيت المقدس يوما في الأسبوع ويجتمع الخلق فيقرأ الزبور تلك القراءة الرخيمة الشجية، وله جاريتان موصوفتان بالقوة والشدة فيضبطان جسده ضبطا خيفة أن تنخلع أوصاله مما كان ينتحب ويزفر، وتحتشد على قراءته الوحوش والطير.
71- وعن مالك بن دينار: بلغنا أن الله يقيم داود يوم القيامة عند ساق العرش فيقول: يا داود، مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم.
72- واستمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى قراءة أبي موسى «3» فقال: لقد أوتي هذا من مزامير آل داود. فبلغ ذلك أبو موسى فقال: يا رسول الله، لو
(3/135)

أعلم أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا.
73- أبو هريرة: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا سمعتم صياح الديكة فأسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا. وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا.
74- وعن ابن عباس يرفعه: إن مما خلق الله لديكا براثنه على الأرض السابعة السفلى، وعرفه مطوي تحت العرش، قد أحاط جناحاه بالأفقين، فإذا بقي ثلث الليل الآخر، ضرب بجناحيه ثم قال: سبحان الملك القدوس، سبحوا الملك القدوس، سبحان ربنا الملك القدوس لا إله لنا غيره، فيسمعها من بين الخافقين كلا الثقلين «1» .
قال محمد بن إسحاق «2» : فيرون أن الديكة إنما تضرب بأجنحتها وتصرخ إذا سمعت ذلك.
75- جابر بن عبد الله «3» يرفعه: إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله، فإنهن يرين ما لا ترون.
76- أبو موسى الأشعري: كنت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفر، فلما دنونا من المدينة كبر الناس ورفعوا أصواتهم. فقال: يا أيها الناس، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه بينكم وبين أعناق ركابكم.
(3/136)

77- في النصائح الصغار «1» : عملك للذي علم منه في عدمه ما لا تعلم أنت، وقد وجدوا دعاءك لمن هو أخبر منك بما أردت به مما لم ترد، فما هذا الرغاء كأنه هدير؟ وما هذا الصراخ الذي الأصم به جدير؟ إن كنت ممن يأوي إلى السنة دون البدعة، ولا يكون على الرياء والسمعة، وأردت بذلك وجه العليم بما خطر في قلب العبد وهجس الخبر بما وسوست به النفس، وأوجس من هوى نفسك العمل المشهور، فالكتم الكتم، ومن شهرتها الدعاء المنشور فالختم الختم، إن خير النوق والفتى المكتوم، وخير الكتاب والشراب المختوم.
78- وفي الرسالة الناصحة «2» : وأن لا ترى في مدرستك فاتر الرغبة والنشاط، قليل الاسترسال والانبساط، ناطقا كالصامت، جاهرا كالمخافت، فإذا سمعت تحفيف الركب المار تحركت وانتعشت، ونبت لك عرف وانتفشت، ورفعت من صوتك وأصوات أصحابك، وما شئت من صرخك وإجلابك، لتسمع المارة ذلك الزجل واللجب، ويقضى من كدك واجتهادك العجب.
79- قال حكم الوادي «3» : كنت أنا وجماعة نتعلم من معبد «4» فغنىّ لنا صوتا أعجب به، وكنت أنا أول من أخذه عنه ذلك اليوم، فاستحسنه منيّ. فأعجبتني نفسي. فلما انصرفت عملت فيه من عند نفسي لحنا آخر
(3/137)

وبكرت عليه، فغنيته ذلك اللحن، فوجم ساعة ثم قال: كنت أمس أرجى مني لك اليوم، وأنت اليوم عندي أبعد من الفلاح.
80- الأصمعي «1» : قلت لأعرابي ألك شعر؟ قال: قلت أبياتا فتغنى بها حكم الوادي، فما حرك بها قصابه إلّا خفت النار، فأبغضت قول الشعر.
81- قال سلام الحادي «2» للمنصور، وكان يضرب المثل بحدائه:
مر يا أمير المؤمنين بأن يظمئوا إبلا ثم يوردوها الماء، فإني آخذ في الحداء فترفع رؤوسها وتترك الشرب حتى أسكت.
82- سأل المعتصم إسحاق الموصلي عن النغم كيف يميز بينها على تشابهها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة ولا تؤديها الصفة.
83- ذو جدن «3» من الأقيال «4» اسمه علس بن الحارث. والجدن الصوت بالحميرية. كانوا يضربون المثل بحسن صوته، ويقولون إن الوحش كانت تأذن له.
84- أبو أمامة «5» عن النبي عليه السّلام: ما من عبد يدخل الجنة إلا وهو يجلس عند رأسه وعند رجليه ثنتان من الحور العين تغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس والجن، ليس بمزامير الشياطين ولكن بتحميد الله وتقديسه.
85- كان عليه الصلاة والسلام يصف الجنة، فقال رجل: يا رسول
(3/138)

الله أفيها سماع «1» ؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إن الله ليوحي إلى شجرة الجنة أن أسمعي عبادي الذين شغلوا أنفسهم بذكري عن المعازف والمزاهر «2» والمزامير، فتسمعهم أصواتا ما سمع الخلائق مثلها قط بالتسبيح والتقديس.
86- كان عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار الجشمي القارىء «3» ينزل مكة، فسمي القس من عبادته وزهده، ثم استهيم بمغنية من مولدات مكة اسمها سلامة «4» حتى نسبت إليه، فقيل لها سلامة القس، وله فيها:
(3/139)

ألم ترها لا أبعد الله دارها ... إذا رجعت في صوتها كيف تصنع
تمد نظام القول ثم تردّه ... إلى صلصل في صوتها يترجع
وله:
إذا ما عج مزهرها إليها ... وعجت نحوه أذن كرام
وأصغوا نحوها الآذان حتى ... كأنهم وما ناموا نيام
87- يعلى بن عقيل العنزي «1» في إسحاق الموصلي، وقيل هي للأصمعي:
أأن تغنيت للشّرب الكرام ألا ... حيث الخليط جمال الحي فانطلقوا «2»
وقيل أنت حسان الناس كلّهم ... وابن الحسان فقد قالوا وقد صدقوا
فما بهذا تقوم النادبات ولا ... تبكي البواكي إذا ما ضمّك الخرق «3»
88- قيل لأعرابي في يوم حار بحضرة قوم يتصايحون في الخيام:
أما ترى أجيج اليوم؟ فقال: إن ضجيج القوم أشد من أجيج اليوم.
89- قدم عمر بن أبي ربيعة الكوفة فنزل على عبد الله بن هلال «4» الملقب بصاحب إبليس، وكانت له قينتان «5» ، فقال فيهما:
يا أهل بابل ما نفست عليكم ... من عيشكم إلا ثلاث خلال «6»
(3/140)

ماء الفرات وظل عيش بارد ... وغناء محسنتين لابن هلال «1»
90- قيل لسفيان بن عيينة: لم كان يستحب خفض الصوت عند الجنائز؟ قال: شبهوه بالحشر إلى الله، أما سمعته يقول: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
«2» .
91- كان الحجاج إذا سمع نوحا في دار أمر بهدمها، فلما مات ابنه وأخوه أحب أن يسمع النوح، وكان يتمثّل بقول الفرزدق:
في كل ناحية نائحة.
هل ابنك إلا من بني الناس فاصبري ... فلن يرجع الموتى حنين المآتم
92- تناظر رجلان عند المأمون فارتفعت أصواتهما، فقال: الصواب في الأسدّ لا في الأشدّ «3» .
93-[شاعر] :
إن صاح يوما حسبت الصخر منحدرا ... والريح عاصفة والموج ملتطما
94- كتب الوليد بن يزيد بن عبد الملك في أشعب «4» فحمل إليه، فألبسه سراويل من جلد قرد له ذنب، وقال: ارقص وغنّ صوتا يعجبني، ففعل فوصله.
وأرسل إلى الهيثم القاري، وهو أول من طرب في قراءته، فاستقرأه فقرأ، فقال: غنني، فقال: لا أحسن الغناء، قال: فالذي قرأت ليس صوت كذا وكذا؟.
(3/141)

ولقد صدق الفاسق فإن القراءة بالتطريب من باب الاغتناء فقلبوه من الأبيات فلحنوا القرآن تلحينا، ولقنوه الفتيان تلقينا، حتى اتخذه قصاص السوء مكسبة ومتسوقا، وإلى صرف العامة إليهم متسلقا، ففتنوا به ضعفة الدهماء «1» وجهلة الرجال والنساء، فإذا قالوا: ما أطيب كلام الله! فهو لطيب الأغنية لا لصحة العقيدة وصدق النية.
95- وعن الهيثم «2» : استقرأني الوليد «3» فقرأت، ثم طلب مني الغناء فتغنيت، فقال: قراءتك أطيب من غنائك، وإنما حكم بطيبها من أجل تطريبها.
96- وحكى إسحاق الموصلي عن أبيه إبراهيم أنه غنى الهادي صوتا أطربه فقال: سل ما شئت، فقال: تقطعني عين مروان بالمدينة، فقال:
يا غلام جأ عنقه «4» ، يا جاهل! أردت ويلك أن تشيع في الناس أنك غنيتني فاقطعتك على الغنائم «5» ! ثم قال لوزيره: أدخل هذا الجاهل الخزانة فأعطه ما شاء «6» .
97- كان يقول حماد بن إسحاق الموصلي: أول من وصله الرشيد حين استخلف جدي إبراهيم «7» ، وذلك أنه قال:
(3/142)

ألم تر أن الشمس كانت مريضة ... فلما أتى هارون أشرق نورها
فليست الدنيا كمالا بملكه ... فهارون واليها ويحيى وزيرها
وعمل فيها لحنا وأسمعه الرشيد من وراء الحجاب، فأعطاه مائة ألف، ويحيى «1» خمسين ألف.
(3/143)

الباب الحادي والأربعون الصدق، والحق، والصواب، والتكلم بالحق، والتصلب في الدين، والغضب لله، وغير ذلك
1- عبد الله بن عمر: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، ما عمل أهل الجنة؟ فقال: الصدق، إذا صدق العبد برّ، وإذا برّ آمن، وإذا آمن دخل الجنة، قال: يا رسول الله، ما عمل أهل النار؟ قال:
الكذب، إذا كذب العبد فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل النار.
- وعنه عليه الصلاة والسلام: الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وإن المرء ليتحرى الصدق حتى يكتب صديقا.
- وعنه: عليك بالصدق وإن ضرك، وإياك والكذب وإن نفعك.
2- إسماعيل بن عبد الله «1» : لما حضرت أبي الوفاة جمع بنيه فقال:
يا بنيّ، عليكم بتقوى الله، وعليكم بالقرآن فتعاهدوه، وعليكم بالصدق حتى لو قتل أحدكم قتيلا ثم سئل عنه أقرّ به، والله ما كذبت كذبة منذ قرأت القرآن.
3- عائشة رضي الله تعالى عنها: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: بم يعرف
(3/145)

المؤمن؟ قال: بوقاره ولين كلامه وصدق حديثه.
4- علي رضي الله عنه: الصدق خير للمؤمن من المال يأكله ويورثه.
5- الأحنف «1» : عييّ «2» صدوق خير من بليغ كذوب، لعن الله المرء إذا كان كذابا. وقال لابنه: يا بني، يكفيك من شرف الصدق أن الصدوق يقبل قوله في عدوه، ومن دناءة الكذب أن الكذاب لا يقبل قوله في صديقه ولا عدوه.
6- لكل شيء حلية، وحلية المنطق الصدق.
7- محمود الوراق:
الصدق منجاة لأصحابه ... وقربة يدني من الرب
مضرة الصدق على أهله ... أردّ من منفعة الكذب
8- الصدق عمود الدين، وركن الأدب، وأصل المروءة، ولا تتم هذه الثلاثة إلا به.
9- رسطاليس «3» : أحسن الكلام ما صدق فيه قائله، وانتفع به سامعه.
10- قتيبة «4» : ثلاث لا يصح السلطان إلا بهنّ: الشدة على الريب، واللّين للحسن، وصدق الحديث.
(3/146)

11- المهلب بن أبي صفرة: ما السيف الصارم في يد الشجاع بأعز له من الصدق.
12- قالوا: اثنان لا تخطئهما سعادة وغبطة: سلطان حليم، ورجل صدوق.
13- حكيم: الصدق صدقان، أعظمهما الصدق فيما يضرك.
14- النبي صلّى الله عليه وسلّم: ما أملق تاجر صدوق.
- وعنه: التاجر الصدوق إن مات في سفره مات شهيدا وإن مات على فراشه مات صديقا.
15- الصدق يدل على اعتدال وزن العقل.
16- في النصائح «1» : لو صور الصدق لكان أسدا يروع، ولو صور الكذب لكان ثعلبا يروغ.
فلئن تكون في فجوة عرين ليث أغلب خير لك من أن تكون وجار «2» ثعلب.
17- جعل الحجاج يعرض الأسارى من أصحاب ابن الأشعث «3» على السيف، فقال رجل شاب منهم: أصلح الله الأمير، إن لي بك حرمة.
قال: ما هي؟ قال: منعت ابن الأشعث عن أبويك فنضحت عنك. قال:
ومن يشهد لك بهذا؟ فرمى بطرفه إلى فتى فشهد له. فقال الحجاج: فما منعك من مثل فعله؟ فقال: قديم بغضي إياك. فقال: يخلى هذا لحرمته، وهذا لصدقه.
18- قال عبد الملك للحجاج: أصدقني من نفسك فليس العاقل إلا
(3/147)

من عرف نفسه. قال: أنا حديد حقود حسود.
19- أفلاطون: الحق عقال العقول.
20- علي رضي الله عنه: إن الحق ثقيل مريء «1» وإن الباطل خفيف وبيء «2» .
- وعنه: من صارع الحق صرعه.
- وعنه: من تعدى الحق ضاق مذهبه «3» .
- وعنه: من أبدى صفحته للحق هلك «4» .
- وعنه: حق وباطل ولكل أهل، فلئن أمرّ الباطل لقديما فعل، ولئن قلّ الحق فربما ولعلّ، ولقلما أدبر شيء فأقبل «5» .
21- لئن هملجت «6» في الباطل إنك على الحق لقطوف «7» .
22- قيس بن الخطيم:
متى ما تقد بالباطل الذر يأبه ... وإن قدت بالحق الرواسي تنفد
وإني لأغنى الناس عن متكلف ... يرى الناس ضلالا وليس بمهتدي
23- لا أقول إلا ما طبق الحق مفاصله، وأصاب الصدق شواكله «8» .
24- لسانه وقف على الصدق.
25- أبوذر «9» : ساكن شفته مصباح الحق يزهو من فيه.
26- يتحرى الصدق في مقاله، ويتوخى الحق في فعاله.
(3/148)

27- الصدق محمود من كل أحد إلا من الساعي.
28- الجاحظ: حدثني موسى بن عمران «1» ، وكان هو والكذب لا يأخذان في طريق، ولم يكن عليه من الصدق مؤونة، لإيثاره له حتى كاد يستوي عنده ما يضره وما لا يضره.
29- ابن خبيق الأنطاكي «2» : لا يستغني حال من الأحوال عن الصدق والصدق مستغن عن الأحوال كلها: لو صدق عبد فيما بينه وبين الله تعالى حقيقة الصدق لاطّلع على خزائن من خزائن الغيب، ولكان أمينا في السموات والأرض.
30- عامر بن الظرب العدواني في وصيته: إني وجدت صدق الحديث طرفا من الغيب فاصدقوا: يعني من لزم الصدق وعوّده لسانه وفق، فلا يكاد يتكلم بشيء يظنه إلا جاء على ظنه.
31- وعظ الحسن «3» الناس وذكر لهم سير الأولين، ثم أقبل على النضر بن عمرو «4» أمير البصرة فقال: أصبحت والله مخالفا للقوم في الهدى والسيرة، فأياك أن تمني الأماني وتترجح فيها، وإن أخاك من صدق، ومن نصحك في دينك خير ممن يمنيك ويغرك.
32-[شاعر] :
(3/149)

الحق أبلج ما يحيل سبيله ... والحق يعرفه ذوو الألباب
33- خطب بلال «1» لأخيه خالد بن رباح «2» امرأة قرشية فقال لأهلها:
نحن من قد عرفتم، كنا عبدين فأعتقنا الله، وكنا ضالين فهدانا الله، وكنا فقيرين فأغنانا الله، وأنا أخطب إليكم على أخي فلانة، فإن تنكحونا فالحمد لله، وإن تردونا فالله أكبر، فأقبلوا بعضهم على بعض فقالوا: بلال من قد عرفتم سابقته ومشاهده ومكانه من رسول الله، فزوجوا أخاه، فلما انصرفا قال له أخوه: يغفر الله لك! أما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله! فقال: مه يا أخي! صدقت فأنكحك الصدق.
34- عمر رضي الله عنه: عليك بالصدق وإن قتلك الصدق.
35- قال رجل لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: رأيتك تسحب ذيلك. قال: فهلا قلت لي، قال: هبتك، قال: أما علمت أن لقائل الحق من الله سلطانا.
36- عمر رضي الله عنه في خطبته: لو صرفناكم عما تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين؟ فأزموا «3» ، قال ذلك ثلاثا. فقام علي «4» فقال:
يا أمير المؤمنين، إذن كنا نستتيبك فإن تبت قبلناك، قال: فإن لم أتب؟
قال: نضرب الذي فيه عيناك: فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من إذا اعوججنا أقام أودنا «5» .
37- خطب المهدي يوما فقال: عباد الله اتقوا الله. فقام رجل فقال: وأنت فاتق الله فإنك تعمل بغير الحق. فأخذ الرجل وادخل عليه، فقال: يا ابن الفاعلة! تقول لي وأنا على المنبر اتق الله! فقال الرجل:
(3/150)

سوأة لك! لو غيرك قالها لكنت المستعدي عليه. قال: ما أراك إلا نبطيا «1» ! قال: ذاك أوكد للحجة عليك أن يكون نبطي يأمرك بتقوى الله.
38- عبد العزيز العمري «2» للمهدي: إن دوابك التي تركب تمسح بالمناديل، ويبرد لها الماء، وينقىّ لها العلف، ليعجبك شحومها وبريقها وحسن ألوانها، ودينك أعجف قاتم أغبر، والله لو رأيته لساءك منظره.
39- سلمة بن عباد «3» : ملك عمان وفد على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال:
رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتابا جاء بالحق معلنا
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه ... وكان قديما ركنه قد تهدما
40- غيلان بن مسلم الدمشقي «4» رحمه الله، قال فيه عمر بن عبد العزيز: من سره أن ينظر إلى رجل وهب نفسه لله، ليس فيه عضو إلا ينطق بحكمة فلينظر إلى هذا.
وقال له: يا أبا هارون، أعنّي أعانك الله، فقال: ولّني ردّ المظالم، فولاه، فكان يخرج خزائن بني أمة فينادي: هلموا إلى متاع الخونة. ونادى على جوارب خز قد تأكلت، بلغت قيمتها ثلاثين ألفا فقال: من عذيري ممن يزعم أن هؤلاء أئمة عدل، وقد تأكلت هذه الجوارب في خزائنهم والفقراء والمساكين يموتون جوعا.
(3/151)

فلمّا ولي هشام «1» بعث إليه واستنطقه، فقال: أعوذ بجلال الله أن يأتمن الله خوانا أو يستخلف خزانا، إن أئمته لقوامون بأحكامه، الراهبون لمقامه، لم يولّ الله وثابا على الفجور، ولا شرابا للخمور، ولا ركابا للمحظور. فقطع هشام يديه ورجليه.
41- حج معاوية فطلب امرأة يقال لها دارميّة الحجونية «2» من شيعة علي رضي الله عنه، وكانت سوداء ضخمة، فقال: كيف حالك يا بنت حام «3» ؟ قالت: بخير، ولست بحام أدعى، إنما أنا امرأة من كنانة «4» .
قال: صدقت، هل تعلمين لم دعوتك؟ قالت: يا سبحان الله! وأنّى لي بعلم الغيب؟ قال: لأسألك لم أحببت عليا وأبغضتني؟ وواليته وعاديتني؟
قالت: أو تعفيني؟ قال: لا، قالت: أما إذا أبيت فإني أحببت عليا على عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وأبغضتك على قتال من هو أولى بالأمر منك، وطلب ما ليس لك. وواليته على ما عقد له رسول الله من الولاء، وحبه للمساكين، وإعظامه لأهل الدين. وعاديتك على سفك الدماء، وشق العصا. قال: فلذلك انتفخ بطنك، وكبر ثديك، وعظمت عجيزتك «5» .
قالت: يا هذا، بهند «6» يضرب المثل لأبي. قال: لا تغضبي فإنّا لم نقل إلا خيرا، إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، وإذا كبر ثدي المرأة حسن
(3/152)

غذاء ولدها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها، فسكنت.
فسألها عن كلام علي، فقالت: كان كلامه يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت الطست. فقال: هل من حاجة؟ قالت: أو تفعل إذا سألت؟ قال: لك الله عليّ بالوفاء. قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها. قال: تصنعين بها ماذا؟ قالت: أغذو بها الصغار، واستحيي بها الكبار، واكتسب بها المكارم، وأصلح بها ما بين العشائر.
قال: فإن أعطيتكها لأحل عندك محل علي؟ قالت: يا سبحان الله! أو دونه، أو دونه، أو دونه. فأنشأ يقول:
إذا لم أجد بالحلم مني عليكم ... فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم
خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد ... حباك على طول العداوة والصرم
أما والله لو كان علي لما أعطاك! فقالت: لا والله، ولا برة واحدة من مال المسلمين. فضحك معاوية، وأمر لها بما سألت وردها مكرمة.
42- أتي عبيد الله بن زياد بجارية خماسية «1» من الخوارج، كان يطلب أباها بذحل «2» ، فقال: أين أبوك؟ قالت: لو كان تحت أخمصي ما رفعته عنه. قال: حبك له لأنه يفعل بأمك، قالت: إن فعل فبنكاح استحله بكتاب الله وسنة رسوله، ليس كمن جاء من سفاح «3» لا نكاح.
فقال بعض جلسائه: لعلك تعنيني؟ قالت: لا والله، ولكني أعني صاحب السرير. قال: ما تقولين في الشيخين «4» ؟ قالت: سبقا وفازا، وأتبعا ما به أمرا. قال: ما تقولين في عثمان وعلي؟ قالت: إن كانا أحسنا فالله ولي إحسانهما، وإن كانا أساءا فالله غفور رحيم، قال: ما تقولين في معاوية وعمرو؟ فلعنتهما، قال: فما تقولين في يزيد؟ قالت: ما أقول فيمن أنت
(3/153)

سيئة من سيئاته؟ عليك وعليه لعنة الله. قال: فما تقولين فيّ؟ قالت:
أقول أولك لزنية وآخرك لدعوة، وأنت فيما بين ذلك جبار عنيد.
43- طاووس «1» : ما شفاني أحد من الحجاج ما شفاني يمني «2» ، قال له الحجاج وهو يطوف يا يمني، كيف خلفت محمد بن يوسف «3» ؟
قال عظيما سمينا. قال: لست عن السمن أسألك، ولكن عن عدله في رعيته، قال: خلفته ظلوما غشوما. قال: كيف لا تشكوه إلى من فوقه؟
قال: ذاك والله شر منه، قال: تعرفني؟ قال: نعم، أنت الحجاج بن يوسف. قال: تعرف مكانه مني؟ قال: نعم، هو أخوك، قال: فلم يمنعك ذلك أن قلت ما قلت؟ قال: أترى مكان الله أهون عندي من مكانك؟ قال: أي العرب خير؟ قال: بنو هاشم. قال: لم؟ قال: لأنّ محمدا صلّى الله عليه وسلّم منهم قال وأياهم شرّ؟ قال: ثقيف «4» . قال: لم؟ قال: لأن الحجاج منهم.
فدعا بعشرة آلاف فأعطاه، ثم قال: يا طاووس، هذا رجل لا تأخذه في الله لومة لائم.
44- قال موسى عليه السّلام: أي عبادك أسعد؟ قال: من آثر هواك على هواه، وغضب لي غضب النمر لنفسه.
(3/154)

45- قال رسطاليس للإسكندر: انصر الحق على الهوى تملك الأرض تملك استعباد.
46- محمد بن علي الباقر «1» : إن الحق استصرخني، وقد حواه الباطل في جوفه، فبقرت عن خاصرته وأطلعت الحق عن حجبه حتى ظهر وانتشر، بعد ما خفي واستتر.
47- أحمد بن يزيد المهلبي «2» : سمعت المنتصر «3» يقول وهو يناظر قوما: والله لا عزّ ذو باطل ولو طلع من جيبه القمر، ولا ذل ذو حق ولو أصفق العالم عليه «4» .
48- المأمون: لو شئت أن آخذ أمري بأبهة الخلافة لعدّلت وإن كنت جائرا، ولصدّقت وإن كنت كاذبا. ولكني لا آخذه إلا بغلبة الحجة وإزاحة الشبهة. وإن أوهن الملوك من رضي بصدق الأمير.
- وعنه: غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة، لأنّ غلبة القدرة تزول بزوالها، وغلبة الحجة لا يزيلها شيء.
49- لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل «5» :
إذا قالت حذام فصدّقوها ... فإن القول ما قالت حذام
الصدق رأس الدين وعماد اليقين. الصدق بالحر أحرى.
(3/155)

50- قال معاوية لأبي مسلم الخولاني «1» : سمعت أنك تطوف وتبكي على الإسلام، قال: نعم، ما اسمك؟ قال: معاوية، قال: إنك لو عدلت بأهل الأرض ثم جرت على واحد منهم لما وفى جورك بعدلك.
51- أتي المنصور ببشير الرحال «2» ومطر الوراق «3» مكبلين، وقد كانا خرجا مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن «4» ، فقال لبشير: أنت القائل أجد في قلبي غما لا يذهبه إلا برد عدل أو حرّ سنان؟ قال: نعم، قال: فو الله لأذيقنك حرّ سنان يشيب منه رأسك، قال: إذن اصبر صبرا يذل به سلطانك. فقطعت يده فما قطب ولا تحلحل «5» .
وقال لمطر: يا ابن الزانية، قال: إنك تعلم أنها خير من سلامة «6» ، قال: يا أحمق! قال: ذاك من باع آخرته بدنياه، فرمى به من سطح فمات.
52- قال مسلم بن عقيل «7» لعبيد الله بن زياد «8» ، حين قال لأقتلنك قتلة تتحدث بها العرب: إنك تدع لؤم القدرة وسوء المثلة لأحد أحقّ بها منك.
(3/156)

53- لما ولي أسد بن نوح أبو السامانية «1» بلخ «2» من قبل المعتصم قصده علماؤها، فقال: هل بقي منهم أحد؟ قالوا: بقي خلف بن أيوب العامري «3» صاحب أبي يوسف «4» أعلم الناس وأورعهم، فاشتهى لقاءه، فقيل له: لا سبيل إلى لقائه إلا أن تراه في طريقه إلى صلاة الجمعة، فلقيه فنزل عن دابته وسلم عليه، فغطى خلف وجهه بردائه ورد عليه ردا خفيا، ولم يرفع رأسه، ولا نظر إليه. فقال أسد: اللهم إن هذا العبد الصالح يبغضنا فيك ونحن نحبه فيك. فلما مرض عاده فقال: حاجتك؟
فقال: أن لا تعودني ثانية، قال: غيرها؟ قال: أن لا تصلّي علي وعليك السواد، فمشى خلف جنازته راجلا ونزع السواد، فصلى عليه.
54- صالح المّري «5» للمهدي: إن محمدا خصم من خلفه في أمته بشر، ومن كان محمد له خصما كان الله له خصما، فاعدد لمخاصمة الله ومخاصمة رسوله حججا توجب لك النجاة وتقف به عن الهلكة. ومثلك لا يكابر بتجريد المعصية، ولكن يمثل لك الشيطان الإساءة إحسانا، ويشهد له على ذلك خونة هذه العلماء، وبهذه الحبائل يصاد أهلها.
واعلم أن أبطأ الناس نهضة يوم القيامة صريع هوى يدّعي قربه إلى الله.
55- أهل المدينة يقولون: إذا وافق الهوى الصواب فما للبأ «6» وابن
(3/157)

طالب «1» . وهو جنس من تمر المدينة.
56- عتبة بن أبي سفيان: إذا اجتمع في قلبك أمران لا تدري أيهما أصوب فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه فإنّ الصواب أقرب مخالفة الهوى.
57- الكميت بن زيد:
فقل لبني أمية حيث حلّوا ... وإن خفت المهنّد والقطيعا
أجاع الله من أشبعتموه ... وأشبع من بجوركم أجيعا
58- رسطاليس: الموت مع الصدق خير من الحياة مع الكذب.
59- العرب: سهم الحق مريش «2» .
60- سقراط: لا تجلس على المكيال. أي لا تكتم الحق.
61- كان نقش خاتم ذي اليمينين «3» وضع الخد للحق عز.
62- أمر عبد الملك بعساس «4» من خلنج «5» فملئت بلبن البخت «6» ، يحمل العس جماعة، وصففت بين يديه، فقال لابن قيس الرقيات: اين هذه من عساس مصعب حيث تقول:
يلبس الجيش بالجيوش ويسقى ... لبن البخت في عساس الخلج «7»
فقال: لا أين يا أمير المؤمنين، والله لو طرحت هذه العساس كلها في أصغر عس من عساس مصعب لتقلقلت داخله. قال: قاتلك الله! أبيت إلا كرما.
(3/158)

الباب الثاني والأربعون الصحة والسلامة، والعافية وقوة البدن، والأمن وما شاكل ذلك
1- أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية.
- وعنه عليه الصلاة والسلام: أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم أصح بدنك وأروك من الماء البارد؟.
2- الحسن قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لو لم يوكل بابن آدم إلا الصحة والسلامة لأوشكا أن يرداه إلى أرذل العمر، وروي لكفى بهما داء قاتلا.
3- قال ابن عائشة «1» : سبحان الله! ما أعجب كلام العرب وأشبه بعضه ببعض! والله لكأن النمر بن تولب «2» سمع هذا فقال:
يود الفتى طول السلامة جاهدا ... فكيف يرى طول السلامة يفعل
4- وقال عبد الله بن سويد «3» ، وهو رجل من بني مرة كان يشبه
(3/159)

بالنبي صلّى الله عليه وسلّم فدعاه ذلك إلى أن تعبد:
كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الأصباح والإمساء
فدعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصبحني فإذا السلامة داء «1»
5- أبو عثمان النهدي «2» : دخل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعرابي ذو جثمان عظيم، فقال له: متى عهدك بالحمى؟ قال: ما أعرفها. قال:
فالصداع؟ قال: ما أدري ما هو. قال: فأصبت بمالك؟ قال: لا، قال أفرزئت بولدك؟ قال: لا، قال: إن الله ليبغض العفريّة النفريّة «3» الذي لا يرزأ في ولده ولا يصاب في ماله.
6- علي رضي الله عنه في قوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
«4» : الأمن والصحة والعافية.
7- وعن ابن عباس: صحة الأبدان والأبصار والأسماع يسأل الله العباد فيم استعلموها وهو أعلم بذلك.
8- عنه عليه الصلاة والسلام: كم من نعمة لله في عرق ساكن.
9- ابن السماك «5» : أيها المغرور بصحته ونشاطه أما علمت أن الأرواح يغدى عليها بالمنايا ويراح، وأنشد:
(3/160)

ومؤمل قد قصرت أكفانه ... ومحاذر أكفانه لم تغزل
10- معاوية بن قرة «1» : أشد الناس حسابا الصحيح الفارغ.
11- ابن عيينة «2» : من تمام النعمة طول الحياة في الصحة والأمن والسرور.
إذا أكلت قفارك «3» فاذكر العافية واجعلها إدامك.
12- عائشة رضي الله عنها: لو رأيت ليلة القدر ما سألت الله تعالى إلا العفو والعافية.
13- حاتم «4» : قيل له ما تشتهي؟ قال: عافية يومي. قيل له:
أليست الأيام كلها كذلك؟ قال: لا، إن عافية يومي أن لا أعصي الله تعالى فيه.
14- قبيصة بن ذؤيب «5» : كنا نسمع نداء عبد الملك من وراء الحجرة في مرضه: يا أهل النعيم لا تستقلوا شيئا من النعم مع العافية.
وروي أنه لما حضرته الوفاة أمر فصعد به إلى أرفع سطح في داره فقال: يا دنيا، ما أطيب ريحك! يا أهل العافية لا تستقلوا منها شيئا.
(3/161)

كنت ذا علة تفضل الله بإزالة أكثرها، وهو المرجو للإدالة من غيرها.
15- بعض الأطباء: أفصحت قارورتك «1» عن الصحة.
16- البحر لا جوار له، والملك لا صديق له، والعافية لا ثمن لها.
17- إياس بن معاوية: صحة الأبدان مع الشمس ذهب إلى أهل العمد «2» والوبر «3» .
18- وقال مثنى بن بشير «4» : الشمس والحركة خير من الظل والسكون. أم عافية كنية الحمّة «5» .
19- الظبي والظليم «6» مثلان في الصحة، يقال: أصح من ظليم، وأصح من ظبي. ومنه قول الفرزدق:
أقول له لمّا أتاني نعيه ... به لا بئطبي بالصريمة أعفرا
20- ابن الرومي:
إذا ما كساك الله سربال صحة ... ولم تخل من قوت يحل ويعذب
فلا تغبطنّ المكثرين فإنما ... على قدر ما يكسوهم الدهر يسلب
21- إذا كان السرب «7» آمنا لم يكن الشرب آجنا «8» .
22- وذكر بعضهم العافية فقال: أي وطاء «9» ! وأي غطاء! وأي عطاء.
(3/162)

23- قيل للمقفع والد عبد الله «1» : هلا تحركت لتذكر كما ذكر ابنك؟ فقال: إني لما رأيت معالي الأمور مشفوعة بالمتالف اقتصرت على الخمول ضنا مني بالعافية. فاستحسنت الحكماء ذلك وقالوا: أنت في فعلك أحسن من عبد الله في قوله.
24- بلاش بن فيروز «2» : الأمن يجمع الأماني كلها. وكان يقول صحة الجسم أوفر القسم.
25- بزرجمهر: إن كان شيء فوق الحياة فالصحة، وإن كان شيء مثل الحياة فالغنى، وإن كان شيء فوق الموت فالمرض. وإن كان شيء مثل الموت فالفقر.
26- دعا الحجاج إلى طعامه في طريق الحج بدويا فقال أنا صائم.
قال: أفطر وتصوم غدا، قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد، قال: إنه طعام طيب، قال: إنك لم تطيبه ولا الخباز ولكن طيبته العافية.
27- قيل لأعرابي: من أنعم الناس عيشا؟ قال: أنا، قيل: فما بال الخليفة؟ فخفس «3» بأنفه وقال:
وما العيش إلا في الخمول مع الغنى ... وعافية تغدو بها وتروح
28- علي رضي الله عنه: العجب لغفلة الحساد عن سلامة الأحساد. وعنه صحة الجسد من قلة الحسد.
- وعنه: ما المبتلي الذي قد اشتد به البلاء بأحوج إلى الدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء.
(3/163)

29- غمضت أعرابية ميتا وقالت: ما أحق من ألبس العافية وأطيلت له النظرة أن لا يعجز عن النظر لنفسه قبل الحلول بساحته.
30-[شاعر] :
المال للمرء في معيشته ... خير من الوالدين والولد
ومن يطل سقمه عليه يجد ... خيرا من المال صحة الجسد
وما لمن نال فضل عافية ... وقوت يوم فقر إلى حد
31- أبو العباس المبرد «1» :
ولو رفع الله عنّا البلاء ... لم ندر ما خطر العافية
32- مطرف «2» : لئن أعافى فأشكر أحب إلي من أن ابتلى فاصبر.
ونظرت في الخير الذي لا شر فيه فلم أر مثل المعاناة والشكر.
33- رأت فأرة البيوت فأرة الصحراء في شدة ومحنة، فقالت لها:
ما تصنعين ها هنا؟ اذهبي معي إلى البيوت التي فيها أنواع النعيم والخصب، فذهبت معها، وإذا رب البيت الذي كانت تسكنه قد هيأ لها الرصد لبنة تحتها شحمة، فاقتحمت لتأخذ الشحمة، فوقعت عليها اللبنة فحطمتها فهزت الفأرة البرية رأسها متعجبة وقالت: أرى نعمة كبيرة وبلاء شديدا، العافية والفقر أحب إلي، ففرت إلى البرية.
34- جاء الرومي بخنزير فشده إلى اسطوانة ووضع القت «3» بين يديه ليسمنه، وإلى جنبه أتان «4» لها جحش كان يلتقط ما يتناثر منه، فقال
(3/164)

لأمه: ما أطيب هذا العلف! قالت: لا تغتر بهذا العلف فإن وراءه الطامة الكبرى، فلما وضع السكين على حلقه، وهو يضطرب وينفخ، هرب الجحش إلى أمه وأطلع أسنانه وقال: ويحك انظري! هل بقي في خلال أسناني شيء من ذلك العلف.
35- لما أخذ يعقوب بن الليث «1» محمد بن طاهر «2» وقبض على جواريه وغلمانه وقهارمته «3» ووكلائه، وطرحهم في المحابس، وسلط عليهم العذاب، نظر إليهم فقير، فعاين نفسه واغتبط بالسلامة وقال: يا فقري يا حبيبي إنما كنت أطلبك لهذا اليوم.
36- أبو رهب «4» : لما خلق الله العافية، قال لها صلّي. قالت:
أسألك العافية..
(3/165)

الباب الثالث والأربعون الطلب والاستجداء والهز، ورفع الحوائج، وقضائها وذكر الرد والإلحاح، ونحو ذلك
1- ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من فتح على نفسه باب مسألة من غير فاقة «1» نزلت به أو عيال لا يطيقهم فتح الله عليه باب فاقة من حيث لا يحتسب.
2- عمر رفعه: ما تاك الله من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه.
3- ثوبان «2» ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من يتقبل لي واحدة أتقبل له الجنة؟ فقلت: أنا، فقال: لا تسأل الناس شيئا. فكان ثوبان إذا سقط سوطه لا يأمر أحدا يناوله وينزل هو فيأخذه.
4- سمرة «3» رفعه: إن هذه المسائل كدوح «4» يكدح بها المرء
(3/167)

وجهه، إلا أن يسأل المرء ذا سلطان، أو في أمر لا بدّ به.
5- أصابت أنصاريا حاجة فأخبر رسول الله فقال: ائتني بما في منزلك ولا تحقر شيئا، فأتاه بحلس «1» وقدح، فقال عليه السّلام: من يشتريهما؟
فقال رجل: هما عليّ بدرهم، فقال: من يزيد؟ فقال رجل: هما عليّ بدرهمين، فقال: هما لك. فقال: ابتع بأحدهما طعاما لأهلك، وابتع بالآخر فأسا. فأتاه بفأس. فقال عليه السّلام: من عنده نصاب «2» لهذه الفأس؟
فقال أبو بكر: عندي، فأخذه رسول الله فأثبته بيده وقال: اذهب فاحتطب ولا تحقرن شوكا ولا رطبا ولا يابسا خمس عشرة ليلة. فأتاه وقد حسنت حاله. فقال عليه السّلام: هذا خير لك من أن تجيء يوم القيامة وفي وجهك كنوح الصدقة.
6- ابن عمر «3» رفعه: لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله يوم لا تسأل الناس شيئا. فلما كان في خلافة عمر جعل عمر يعطي الناس ويعطي حكيم بن حزام فيأبى أن يأخذه، فيقول عمر: اشهدوا أني أدعوه إلى عطائه فيأبى أن يأخذه، يقول: لا أرزأ «4» أحدا بعد رسول الله شيئا.
- ابن عمر رفعه: لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله يوم القيامة وليس في وجهه مزعة «5» لحم.
7- جابر «6» : دخل رجل المسجد ومعه سهم فقال: من يعين في
(3/168)

سبيل الله؟ فقام إليه عمر فلبّبه «1» قال: من يستأجر مني هذا؟ قال رجل من الأنصار: أنا، فأجره منه سنة، وقال: أنفق عليه من أجره وما فضل فوافني به في رأس السنة، فلما كان رأس الحول جاء بعشرين درهما فقال عمر: استعن بهذا ولا تسأل الناس شيئا.
8- أم الدرداء «2» : قال لي أبو الدرداء: لا تسألي أحدا شيئا قلت:
فإن احتجت. قال: تتبعي الحصادين فانظري ما يسقط منهم فخذيه فاخبطيه ثم اطحنيه ثم اعجنيه ثم كليه، ولا تسألي أحدا شيئا.
9- طلق بن حبيب «3» : في زبور داود «4» : إن كنت لا بد تسأل عبادي فسل معادن الخير ترجع مغبوطا مسرورا، ولا تسل معادن الشر ترجع ملوما محسورا.
10- النبي صلّى الله عليه وسلّم: إن من أمتي من لا يستطيع أن يأتي مسجده من العري يحجزه إيمانه أن يسأل الناس، منهم أويس القرني «5» وفرات بن
(3/169)

حيان «1» .
11- مطرف «2» ، قال لأخوانه: من كانت له إليّ حاجة فليكتبها في رقعة، فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجهه.
12- محمد بن سوقة «3» : إياك وكثرة تطلب الحاجات فإنها فقر حاضر.
13- ابن السماك «4» : لا تسأل من يفرّ من أن تسأله، ولكن اسأل من أمرك أن تسأله.
14- محمود الوراق:
شاد الملوك قصورهم وتحصّنوا ... من كل طالب حاجة أو راغب
عالوا بأبواب الحديد لعزها ... وتنوقوا في قبح وجه الحاجب «5»
فإذا تلطف للدخول عليهم ... عاف تلقّوه بوعد كاذب «6»
فارغب إلى ملك الملوك ولا تكن ... بادي الضراعة طالبا من طالب
15- أعرابي: لقد جعت حتى أكلت النوى المحرق، ولقد مشيت حتى انتعلت الدم، وحتى سقط من رجلي نحض «7» ، وتمنيت أن أديم
(3/170)

وجهي حذاء لقدمي، أفلا رجل يرحم ابن سبيل، وفلّ «1» طريق، ونضو «2» سفر؟.
16- قال رجل لبنيه: يا بنيّ، تعلموا الرد فإنه أشدّ من الإعطاء.
17- جعفر بن محمد بن علي بن الحسين «3» رضي الله عنهم: إني لأسارع إلى حاجة عدوي خوفا من أن أرده فيستغني عني.
18- أعرابي: ما رددت رجلا عن حاجة فولى عني إلا رأيت الغنى في قفاه.
19- ابن عباس: ما رأيت رجلا أسعفته بحاجة إلا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلا رددته إلا أظلم ما بيني وبينه.
20- دخل النخار العذري «4» على معاوية في عباءة فاقتحمته عينه، فقال: ليست العباءة تكلمك إنما يكلمك من فيها، ثم تكلم فملأ سمعه ونهض ولم يسأله حاجة. فقال: ما رأيت رجلا أحقر أولا ولا أجل آخرا منه.
21- أعرابي: عليك فلانا فإنه لا ينظر في قفا محروم قط.
22- يقال: طلبت إلى فلان حاجة فما قطع شعرة، ولا فتّ بعرة.
23- وكان للمتوكل مضحكان يقال لأحدهما شعرة وللآخر بعرة، فقال شعرة لبعرة: ما فعل فلان في حاجتك؟ فقال: ما فتني ولا قطعك.
(3/171)

24- سأل رجل من الكلبيين «1» وهم جنس من اليونانيين الإسكندر مثقالا واحدا، فقال: ليس هذا عطاء ملك. قال: فهب لي قنطارا، قال: ولا هذا سؤال كلبي.
25- كاتب: إنك ممن إذا أسس بنى، وإذا غرس سقى، لاستتمام بناء أسّه، واجتناء ثمار غرسه، وأسّك في بري قد وهى «2» وقارب الدروس «3» ، وغرسك في حفظي قد عطش وقارب اليبوس، فتدارك بالبناء ما أسست وبالسقي ما غرست.
26- سأل أعرابي بطريق مكة فلم يعطوه، فقال: ما أراني إلا محروما، ومعه صبي صغير فقال: يا أبه، المحروم من أمّل فبخل، لا من سأل فلم يعط. فاستعجبوا من كلامه وأفاضوا عليه المواهب.
27- لمست أعرابية كف أبيها فألفتها «4» خشناء فقالت:
هذه كف أبي خشنها ... ضرب مسحاة ونقل بالزبيل
فأجابها:
ويلك لا تستنكري مس يدي ... ليس من كدّ لعز بذليل
إنما الذلة أن يمشي الفتى ... ساحب الذيل إلى باب البخيل
28- من لقيك بالسؤال الحار فالقه بالمنع البارد.
29- كاتب: من العجب إذكار معنّي وحث متيقظ واستبطاء ذاكر، إلّا أن ذا الحاجة لا يدع أن يقول في حاجته.
30- سأل أعرابي فقال: داووا سقمي بصحتكم.
(3/172)

31- سأل الفضل بن الربيع «1» إلى أبي عباد «2» حاجة في نكبته فأرتج «3» عليه، فقال له: أبهذا اللسان دبرت خليفتين؟ فقال: يا أبا عباد، إنّا اعتدنا أن نسأل ولم نعتد أن نسأل.
32- قال المنصور لرجل: ما مالك؟ قال: ما يكفّ وجهي ويعجز عن الصديق. قال: لطفت في المسألة.
33- سأل رجل حاجة ثم توانى عن طلبها، فقال له المسؤول:
أنمت عن حاجتك؟ قال: ما نام عن حاجته من أسهرك لها، ولا عدل عن محجة النجح من قصدك بها.
34- سأل عروة «4» مصعبا «5» حاجة فلم يقضها، فقال: علم الله أن لكلّ قوم شيخا يفزعون «6» إليه وإنّا نفزع منك.
35- باب المفضل الضبّي «7» عند المهدي فلم يزل يحدثه وينشده حتى جرى ذكر حماد الرواية، فقال المهدي: ما فعل عياله؟ ومن أين يعيشون؟ قال: من ليلة مثل هذه أنفقت له مع الوليد بن يزيد فوصله بما أغناه.
(3/173)

36- وقف ابن الزبير على باب ميّة مولاة لمعاوية كانت ترفع حوائج الناس إليه، فقيل له: يا أبا بكر، أعلى باب ميّة؟ قال: نعم، إذا أعيتك الأمور من رؤوسها فأتها من أذنابها.
37- سأل سائل نصر بن أحمد»
ملك خراسان فقال: الصناعة واحدة ولكنكم تطلبون بلين المس ونحن نطلب بالضرب والحبس.
38- عبد الله بن جعفر: لا خير في المعروف إلا أن يكون ابتداء، فأما أن يأتيك الرجل بعد تململه على فراشه، وأرق من وسنه، لا يدري أيرجع بنجح الطلب أم بكآبة المنقلب، فإن أنت رددته عن حاجته تصاغرت إليه نفسه، وتراجع الدم في وجهه، وتمنى أن يجد نفقا يدخل فيه فلا يجده.
39- سأل أبو الجهم بن حذيفة «2» معاوية فأطال وألحّ، فقال له ابنه:
خفف عن أمير المؤمنين. فقال: يا بني، ما وراءه مطلب، ولا عنه مذهب، وما مثلنا معه إلا كما قال عبد المسيح الحارثي «3» :
نقلبه لنخبر حالتيه ... فنخير منهما كرما ولينا
نميل على جوانبه كأنا ... إذا ملنا نميل على أبينا
(3/174)

40- فيلسوف: لا تفرطوا في طلب الحوائج فإن العجل إذا ألحّ على أمّه بالرضع رفسته.
41- الحاجات تطلب بالرجاء، وتدرك بالقضاء.
42- قيل لرجل: طلبت حاجة فوجدت قليلا، فقال: كيف لا أقل ومعي حيرة الحاجة، وذل المسألة، وخوف الرد.
43- تعرض أعرابي لمعاوية في طريق، فسأله فمنعه، ثم عاوده في مكان آخر، فقال: ألم تسألني آنفا؟ قال: نعم، ولكن بعض البقاع أيمن من بعض، فضحك ووصله.
44- قال الحجاج لجلسائه: ما يذهب بالإعياء؟ قال بعضهم:
التمرخ «1» . وقال آخر: النوم. قال: لا، ولكن الظفر بالحاجة التي كان الإعياء بسببها.
45- سأل ابن السماك «2» رجلا حاجة فقال: اعلم أني أتيتك في حاجة وأن الطالب والمطلوب إليه عزيزان إن قضيت، وذليلان إن لم تقض، فاختر لنفسك عز البذل على ذل المنع، ولي عز النجح على ذل الرد.
46- أعرابي: حاجتي إليك حاجة الضال إلى المرشد، والمضل «3» إلى المنشد «4» .
47- آخر: أعدك لمعضلة تلم «5» ، ومضلعة تهم «6» .
48- آخر: أنا استجديك إذا كنت مضافا واسترفدك إذا كنت مضيفا.
(3/175)

49- آخر: سألت فلانا حاجة أقل من قيمته فردني ردا أقبح من خلقته.
50- قيل لصوفي: كيف حالك؟ قال: طلبت فلم أرزق، وحرمت فلم أصبر.
51- قيل لرجل: إياك أن تريق «1» ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه..
52- كتب إسحاق بن إبراهيم الموصلي إلى إبراهيم بن المهدي:
من كان كله لك كان كله عليك. ربما قضينا حوائج الناس برما لا كرما.
53- سأل رجل جبلة بن عبد الرحمن «2» أن يكلم الحجاج في حاجة، فقال: ليست من الحوائج التي يقضيها، فقال: كلمه فربما وافقت قدرا يقضيها وهو كاره. فكلمه فقال: أعلمه أنا قضيناها ونحن كارهون.
54- عطاء الخراساني «3» : الحوائج عند الشبان أسهل منها عند الشيوخ، ألم تسمع قول يوسف: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ
«4» ، وقول يعقوب: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي
«5» .
55- عروة بن الزبير: كان الرجل فيما مضى من الزمان إذا أراد أن يشين «6» جاره أو صاحبه طلب حاجته إلى غيره.
56- دخل سليمان بن عبد الملك الكعبة فقال لسالم بن عبد الله «7» :
(3/176)

ارفع حوائجك، فقال: والله لا أسأل في بيت الله غير الله.
57- قال مسلمة «1» لنصيب «2» : سلني، قال: كفك بالعطية أبسط من لساني بالمسألة. فأعطاه ألف دينار.
58- سأل رجل الحسن بن سهل «3» فقال: ما وسيلتك؟ فقال:
وسيلتي أني أتيتك عام أول فوصلتني، فقال مرحبا بمن توسل إلينا بنا.
ووصله.
59- سأل المأمون محمد بن حازم الباهلي «4» أن يرتجل بيتين فقال:
أنت سماء ويدي أرضها ... والأرض قد تأمل غيث السماء
فارع يدا عندي محمودة ... تحصد بها عندي حسن الثناء
فأعطاه عشرة آلاف درهم.
60- أعرابي: إن أحق من خفف عنه واكتفى باليسير منه رئيس مكثور عليه، وسيد منظور إليه.
61- آخر: بنا إلى معروفك حاجة، ولك على صلتنا قوة فانظر في ذلك بما أنت ونحن من أهله.
62- بزرجمهر: من خلصت طويته «5» احتملت دالته.
(3/177)

63- ابن دريد «1» :
لا تلحقنّك ضجرة من سائل ... فبقاء عزك أن ترى مسؤولا
لا تجبهن بالردّ وجه مؤمل ... فلخير يومك أن ترى مأمولا
واعلم بأنك عن قليل صائر ... خيرا فكن خيرا يروق جميلا
64- عمرو بن عبيد «2» رحمه الله: أقلوا عند مسألة الحوائج من قول لا، فإنه ليس في الجنة لا.
65- في الأثر: من عظمت عليه نعمة الله عظمت عليه مؤونة الناس.
66- قال أبو نواس لرجل وعده: دعني من الوعد فإنه أكثره كناية عن الرد.
67- النبي صلّى الله عليه وسلّم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ألا يقم بغضاء الله.
فلا يقوم إلا سؤّال المساجد.
68- ابن عباس: أربعة لا أقدر على مكافأتهم: رجل بات ليلته وحاجته تململ في صدره حتى أصبح فقصدني بها، ورجل أفشى إليّ سرّه فوضعني مكان قلبه، ورجل ابتدأني بالسلام، ورجل دعوته فأجابني.
69- قال أعرابي لملح في سؤاله: كنت قتبا «3» لكنت ملحاحا عقرة «4» .
70- في الحديث: اعتمد لحوائجك الصباح الوجوه فإن حسن الصورة أول نعمة تتلقاك من الرجل.
(3/178)

71- حكيم: إن طالب الأمور في غير حينها بمنزلة من يروم الصخر بمعول من خشب.
72- قال محمد بن واسع لقتيبة «1» : أتيتك في حاجة رفعتها إلى الله قبلك، فإن تقضها حمدنا الله وشكرناك، وإن لم تقضها حمدنا الله وعذرناك.
73- قال أبو العباس «2» لأبي دلامة «3» : سل حاجتك. قال: كلب.
قال: لك كلب. قال: ودابة أتصيد عليها، قال: ودابة، قال: وغلام يركب الدابة ويتصيد، قال: وغلام، قال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا، قال: وجارية. قال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء عيال لا بد من دار يسكنونها، قال: ودار. قال: ولا بد من ضيعة، قال: قد اقطعتك مائة جريب «4» عامرة، ومائة جريب غامرة. قال ما الغامرة؟ قال: ليس فيها نبات. قال: فأنا أقطعتك ألفين وخمسمائة جريب من فيافي «5» بني أسد، قال: قد جعلتها عامرة كلها. قال: أقبل يدك، قال: أما هذه فدعها. قال: ما منعت عيالي شيئا أهون عليهم فقدا منها.
74- قال رجل لعلي بن عبد الله بن عباس «6» : إني أتيتك في حاجة
(3/179)

صغيرة. قال: هاتها، إن الرجل لا يصغر عن كبير أخيه، ولا يكبر عن صغيرة.
75- قدم رجل من بني سهم «1» على سليمان بن عبد الملك ثلاث قدمات فحياه فيهن. ثم قدم الرابعة فضجر وقال:
وشقاء من المعيشة رحل ... فوق أصلاب بازل خنشليل «2»
فاتحا فاك للمعيشة تلقى ... كل يوم على شراك سبيل
فقال الرجل: أما والله يا أمير المؤمنين إن أحق الناس بسد ذلك الفم وحل ذلك الرحل لأنت. فقال سليمان: أما والله لأصلنّ رحمك ولأعودنّ لك إلى خير مما كنت عليه.
76- قدم وفد من العراق على هشام بن عبد الملك في الحطمة «3» التي يقال لها حطمة خالد «4» وفيهم رجل من بني أسد فقال: يا أمير المؤمنين، أصابتنا سنون ثلاث: أما الأولى فأذابت الشحم، وأما الثانية فنحضت «5» اللحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله فبثوها في عباد الله، وإن كانت لكم فتصدّقوا إن الله يحب المتصدقين. فقال هشام: قد قلت في حاجة الناس، فقل في حاجة نفسك. فقال: مالي حاجة خاصة دون عامة.
77- احتبس الوليد بن يزيد بن عبد الملك ابن ميادة «6» قبله، فقال:
(3/180)

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بحرة ليلى حيث ربّبني أهلي «1»
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وقطّعن عني حين أدركني عقلي «2»
فإن كنت عن تلك المواطن حابسي ... فأفش عليّ الرزق واجمع إذا شملي
فأعطاه مائة ناقة سوداء ومائة ناقة بيضاء، فجعلت تضيء من جانب وتظلم من جانب.
78- المهلب بن أبي صفرة لبنيه: ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم، وإذا غدا الرجل مسلما عليكم فكفى بذلك تقاضيا.
79- أنشد المبرّد:
أروح بتسليم عليك وأغتدي ... وحسبك بالتسليم منّي تقاضيا
كفى بطلاب المرء مالا يناله ... عناء وبالبأس المصرّح شافيا
80- جاء عطاء بن أبي رباح إلى سدة سليمان بن عبد الملك فقعد مع الحلقة فقال سليمان: إفسحوا له فتزحزح له عن مجلسه، فقال:
أصلحك الله، احفظ وصية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أبناء المهاجرين والأنصار.
قال: أصنع بهم ماذا؟ قال: انظر في أرزاقهم قال: ثم ماذا؟ قال: أهل البادية تتفقد أمورهم فإنهم مادة العرب، قال: ثم ماذا؟ ذمة المسلمين
(3/181)

تفقد أمورهم وخفف عنهم من خراجهم فإنهم عون لك على عدو الله وعدوهم، قال: ثم ماذا؟ قال: أهل الثغور «1» تفقدهم، فإنه يدفع بهم عن هذه الأمة. قال: ثم ماذا؟ قال: يصلح الله أمير المؤمنين.
فلما ولى قال: هذا والله الشرف لا شرفنا، وهذا والله السؤدد لا سؤددنا، والله كأنما معه ملكان ما أقدر أن أراجعه في شيء سألني، ولو سألني أن أتزحزح عن هذا المجلس لفعلت.
81- فضيل «2» : ترى أنك إذا قضيت حاجة أخيك فقد اصطفعته، فهذا طرف من اللؤم، بل هو المصطنع حين خصك بحاجته.
82- بلغني أن رجلا أتى رجلا في حاجته، فقال: خصصتني بحاجتك فجزاك الله خيرا.
83- إبراهيم بن أدهم: ما لنا نشكو الفقر إلى فقراء مثلنا ولا نطلب كشفه من عند ربنا؟ ثكلت عبدا أمه أحب عبدا لدنياه ونسي ما في خزائن مولاه.
84- قال بعضهم، قدمت على سليمان بن عبد الملك، فبينا أنا عنده إذ نظرت إلى رجل حسن الوجه يقول: والله يا أمير المؤمنين لحمدها خير منها، ولذكرها أحسن من جمعها، ويدي موصولة بيدك فابسطها لسؤالها خيرا.
فسألت عنه فقيل يزيد بن المهلب يتكلم في حمالات «3» حملها.
85- أنشد ابن الأعرابي «4» :
(3/182)

أبا هانىء لا تسأل الناس والتمس ... بكفيك فضل الله فالله أوسع
فلو تسأل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملّوا فيمنعوا
86- عبد الله «1» : جاء رجل إلى رسول الله فقال: إن بني فلان أغاروا على إبلي وبقري وغنمي، فقال: ما أصبح عند آل محمد غير هذا المد، فنسأل الله. فرجع الرجل إلى امرأته فحدثها فقالت: نعم المردود إليه. فرد الله نعمه إليه أوفر مما كانت. فقام رسول الله فحمد الله وأثنى عليه وأمر الناس أن يسألوا الله ويرغبوا إليه، وقرأ: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً
«2» .
87- أدلّ فأملّ «3» ، وألحف فأجحف «4» ، وأوجف فأعجف «5» .
88- ما هي استماحة «6» ، إنما هي استباحة «7» .
89- من أراد أن يطاع فليسأل ما يستطاع.
90- فلان خفيف المشقة. أي قليل السؤال.
91- هو كريم المعتصر. أي هو كريم عند السؤال.
92- أعرابي: إن لم يكن عنده ورق لخابطه فإن عوده لين لهاصر «8» .
93-[شاعر] :
ألا يكن ورقي غضا يراح به ... للمعتفين فإني لين العود «9»
(3/183)

94- لا شيء أوجع للأحرار من الرجوع إلى الأشرار.
95- أوحي إلى موسى عليه السّلام: لئن تدخل يدك في فم التنين «1» إلى المرفق خير من أن تبسطها إلى غني قد نشأ في الفقر.
96- قيل للأحنف «2» : جئناك في حاجة لا ترزؤك «3» ولا تنكؤك «4» . قال: ليس مثلي يؤتى في حاجة لا ترزأ ولا تنكأ.
97- أبو الشيص «5» :
وصاحب كان لي وكنت له ... مثل ذراع شدّت إلى عضد
حتى إذا استرفدت يدي يده ... كنت كمسترفد يد الأسد
98- يد الأسد مثل في المناعة وصعوبة نيل ما فيها.
99- سأل رجل معاوية حاجة فأبى، فسأله أخرى فقال:
طلب الأبيض العقوق فلمّا ... لم ينله أراد بيض الأنوق «6»
(3/184)

100- طلب رجل إلى رئيس كتاب عناية «1» فضن به، فقال: إن الله أمر بإيتاء الزكاة، ومن زكاة الجاه الكتب. فكتب له واعتذر إليه.
101- وقال أبو أحمد بن أبي بكر الكاتب «2» لأبي الفضل البلعمي «3» :
يا أبا الفضل لك الفضل المنين ... وبما نلت به أنت قمين «4»
ليس تخلو من زكاة نعمة ... وزكاة الجاه رفد المستعين
102- في وصف شحاذ: لزوم الدبق حتى يأخذ، ثم ينسل انسلال الزئبق.
103- الكريم إذا سئل ارتاح، واللئيم إذا سئل إرتاع.
104- في نوابغ الكلم: الشحيح إذا أربى «5» زاده ربي، وإذا لقي بالسؤال لقي «6» .
105-[شاعر] :
وكلت مجدك باقتضائك حاجتي ... وكفى به متقاضيا ووكيلا
(3/185)

106- آخر:
وأبثثته حالي وأنكبت معرضا ... ليفعل صوب المزن ما هو فاعله «1»
107- من كنت بحره لم يخثر الدر إلا ثمينا، وكان له الإقبال بما شاء ضمينا.
108- قيل لأعرابي: ما السقم الذي لا يبرأ، والجرح الذي لا يندمل؟ قال: حاجة الكريم إلى اللئيم.
109- أعرابي: تكون له الحاجة فيغضب قبل أن يطلبها، وتطلب إليه فيغضب قبل أن يفهمها.
110- سأل أعرابي في جامع البصرة فقال: رحم الله من تصدق من فضل، أو آسى من كفاف، أو آثر من قوت. فقال يونس النحوي «2» : ما ترك منكم أحدا إلا سأله.
111- أبو محلم السعدي «3» :
إذا ما نبا دهر بمالك فانتجع ... قديم الغنى في الناس إنك حامده
ولا تطلبنّ الخير ممن أفاده ... حديثا ومن لم يورث المجد والده
112- علي رضي الله عنه: استغن عمن شئت فأنت نظيره، واحتج إلى من شئت فأنت أسيره، وامنن على من شئت فأنت أميره.
(3/186)

- وعنه: فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها «1» .
- وعنه: لا تكثر على أخيك الحوائج فإن العجل إذا أكثر مص ثدي أمه نطحته:
113- سأل أعرابي فقال: رحم الله امرأ لم تمج أذنه كلامي، وقدم لنفسه معاذه عن سوء مقامي، أيها الناس إن البلاد مجدبة، والحال مسغبة، والحياء زاجر عن كلامكم، والفقر عاذر يدعو إلى إعلامكم، وإحدى الصدقتين الدعاء، فرحم الله من أمر بمير «2» أو دعا بخير. فقالوا:
أحسنت! فمن أنت: فقال: سوء الإكتساب يمنع من حسن الانتساب.
114- قدم زيادة الأعجم «3» على طلحة الطلحات «4» بسجستان، فأقام على بابه أربعين صباحا، فلما طال كتب إليه:
ورد السقاة المعطشون فأنهلوا ... ريّا وطاب لهم لديك المكرع
ووردت بحرا طاميا متدفقا ... فرددت دلوي شنّه يتقعقع «5»
وأراك تمطر جانبا عن جانب ... ومحل بيتي من سمائك بلقع «6»
فدعا به وبيده ثلاثة أحجار من الياقوت، فقال: اختر أحدها أو مائة ألف، فاختار المائة ألف، فلما أخذها قال: إن رأى الأمير أكرمه الله أمر لي بحجر منها، فضحك ورمى به إليه.
115- سمع أبو الأسود الدؤلي سائلا يقول: من يعشّيني الليلة؟
فقال: عليّ به، فعشّاه، فذهب يخرج، فقال: هيهات، تريد أن تؤذي
(3/187)

المسلمين، فوضع الأدهم في رجله حتى أصبح.
116- قال المهدي: صلى الله على محمد، فقال أبو دلامة: ما أسرعك إليّ.
إني نذرت إذا رأيتك قادما ... أرض العراق وأنت ذو وفر
لتصلينّ على النبي محمد ... ولتملأنّ دراهما حجري
فقال المهدي: صلى الله على محمد، فقال أبو دلامة: ما أسرعك إلى الأولى وأبطأك عن الثانية! فضحك، وأمر له ببدرة «1» ، فصبت في حجره.
117- سأل أعرابي عتبة بن أبي سفيان فقال: أنا رجل من بني عامر ابن صعصعة «2» يلقاكم بالعمومة وينتمي إليكم بالخؤولة، وقد كثر عياله، ووطئه دهره، وبه فقر، وفيه أجر، وعنده شكر. فقال: قد أمرت لك بغناك، فليت إسراعي إليك يقوم بإبطائي عنك.
118- لما أنشد الراعي «3» عبد الملك قوله:
(3/188)

فإن رفعت بهم رأسا نعشتهم ... وإن لقوا مثلها في قابل فسدوا «1»
قال: تريد ماذا؟ قال: ترد عليهم صدقاتهم، وتدر أعطياتهم، وتنعش فقيرهم، وتخفف مؤونة غنيهم. قال: إن ذاك لكثير! قال: أنت أكثر منه، قال: قد فعلت، فسلني حوائجك، قال: قد قضيتها قال:
سل لنفسك، قال: لا والله لا أشوب «2» هذه المكرمة بالمسألة لنفسي.
119- سمع الرشيد أعرابية بمكة تقول:
طحنتنا كلاكل الأعوام ... وبرتنا طوارق الأيام «3»
فأتيناكم نمد أكفا ... لقمامات زادكم والطعام «4»
فاطلبوا الأجر والمثوبة فينا ... أيها الزائرون بيت الحرام
فاستعبر الرشيد وقال لأصحابه: سألتكم بالله ألا دفعتم إليها صدقاتكم. فألقوا الثياب حتى وارتها كثرة، وملأوا حجرها دنانير ودراهم.
120- سأل أعرابي بمكة فقال: أخ في الله، وجار في بلاد الله، وطالب خير من عند الله، فهل من أخ مواس في الله؟.
121- أبو هريرة رفعه: سلوا الله حوائجكم حتى في شسع «5»
(3/189)

النعل، فإن الله إذا لم ييسره لكم لم يتيسر.
122- أنس «1» رفعه: من قضى لأخيه المسلم حاجة كان كمن خدم الله عمره.
123-[شاعر] :
ليس في كل وهلة وأوان ... تتهيا صنائع الإحسان
فإذا أمكنت فبادر إليها ... حذرا من تعذر الإمكان
124- علي رضي الله عنه: اصطنع الخير إلى من هو أهله ومن ليس بأهله، فإن لم تصب أهله فأنت أهله.
- وعنه مرفوعا: إذا أراد أحدكم الحاجة فليبكر في طلبها في الخميس، وليقرأ إذا خرج من منزله آخر سورة آل عمران وآية الكرسي وإنا أنزلناه في ليلة القدر وأم الكتاب. فإن فيها حوائج الدنيا والآخرة.
125- سأل إسحاق بن أبي ربعي «2» إسحاق بن إبراهيم المصعبي «3» أن يوصل رقعة إلى المأمون فقال لكاتبه: ضمها إلى رقعة فلان، فقال:
تأتّ لحاجتي واشدد عراها ... فقد أضحت بمنزله الضياع
إذا أشركتها بلبان أخرى ... أضربها مشاركة الرضاع
(3/190)

126- إسماعيل بن فطري القراطيسي «1» في الفضل بن الربيع:
ألا قل للذي لم يه ... ده الله إلى نفعي
لئن أخطأت في مد ... حك ما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع
127- إدريس بن عبد الله اللخمي الضرير «2» :
صاحب الحاجة أعمى ... وأخو المال بصير
فمتى يبصر فيها ... رشده أعمى فقير
128- أبو ذفافة البصري «3» :
أضحت حوائجنا إليك مناخة ... معقولة برجائك الوصال
أطلق فديتك بالنجاح عقالها ... حتى تثور معا بغير عقال
129- أحمد بن يوسف الأنباري:
لموت الفتى خير من البخل للفتى ... وللبخل خير من سؤال بخيل
لعمرك ما شيء لوجهك قيمة ... فلا تلق إنسانا بوجه ذليل
130- سلمة بن صالح اليشكري «4» في زائدة بن معن بن زائدة «5» :
إني مع التسليم جئت لحاجة ... فما أنت فيها يا فتى الناس صانع
(3/191)

فإن تقضها فالحمد لله وحده ... وإن تأبها فالعذر عندي واسع
وعندي لما استودعتني منك موضع ... ومثلي لا تتوى لديه الصنائع
131- سلم الخاسر:
إذا أذن الله في حاجة ... أتاك النجاح على رسله «1»
فلا تسأل الناس من فضلهم ... ولكن سل الله من فضله
132- شويس العدوي «2» :
رب عجوز خبة زبون ... سريعة الرد على المسكين
تظن أن بوركا تكفيني ... إذا خرجت باسطا يميني
133- عبد الله بن الحجاج الثعلبي «3» :
وأخ إن جاءني في حاجة ... كان بالإنجاز مني واثقا
وإذا ما جئته في مثلها ... كان بالرد بصيرا حاذقا
يعمل الفكرة لي في الرد من ... قبل أن أبدأ فيها ناطقا
134- عباد بن عباد المهلبي «4» :
إذا خلة نابت صديقك فاغتنم ... مرمّتها فالدهر بالناس قلب «5»
وبادر بمعروف إذا كنت قادرا ... زوال اقتدار أو غنى عنك يعقب
(3/192)

135- عثمان بن عمرو الوائلي «1» :
نفسي فدت نفس الأمير من الردى ... ما للأمير فداه عني غافل
إن عنّ شغل للأمير فإنني ... ما يشغل الإفلاس عنّي شاغل
أعطيك جملة وصف بيتي إنه ... سيان خارج بابه والداخل «2»
136- عمران بن حطان:
أيها السائل العباد ليعطى ... إن لله ما بأيدي العباد
فسل الله ما طلبت إليهم ... وارج فضل المقسم العواد
137- هانىء بن قشير «3» في بلال بن جرير بن الخطفي وقد حمد مرافقته:
وكل فتى عد الرجال إخاءه ... فداء إذا آخيته فبلال
إذا ما رأى المصحوب صاحب حاجة ... أتى نفعه طوعا بغير سؤال
138- سأل الحوفزان بن شريك «4» عمرو بن معد يكرب أسيرا فدفعه إليه فقال:
إذا أنت ضاقت عليه الأمو ... ر فناد بعمرو بن معد يكرب
فتى لا يرى المال ربا له ... ولا يتبع النفس ما قد ذهب
(3/193)

وكنا نقول فتى مذحج ... وفارسها عند إحدى الكرب
فأصبحت آمن عار الخطا ... إذا قلت عمرو شهاب العرب
139- عمرو بن أحمر الباهلي «1» :
إذا أنت راودت البخيل رددته ... إلى البخل واستمطرت غير مطير
ومن يطلب المعروف من غير أهله ... يجد مطلب المعروف غير يسير
إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة ... من الذم سار الذم كل مسير «2»
140- علي رضي الله عنه: لا يستقيم قضاء الحوائج إلا بثلاث باستصغارها لتعظم، وباستكتامها لتظهر، وبتعجيلها لنهنأ «3» .
- وعنه: يا كميل «4» ، مر أهلك أن يرحوا في كسب المكارم، ويدلجوا في حاجة من هو نائم، فو الذي وسع سمعه الأصوات ما من أحد أودع قلبا سرورا إلا خلق الله له من ذلك السرور لطفا، فإذا نزلت به نائية جرى إليها كالماء في انحداره حتى يطردها عنه كما تطرد غريبة الإبل «5» .
- وعنه: ماء وجهك جامد يقطره السؤال، فانظر عند من تقطره «6» .
(3/194)

- وقال لجابر بن عبد الله الأنصاري يا جابر من كثرت نعمة الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، فمن قام لله فيها بما يجب عرضها للدوام والبقاء، ومن لم يقم فيها بما يجب عرضها للزوال والفناء «1» .
- وعنه: من شكا الحاجة إلى مؤمن فكأنما شكاها إلى الله، ومن شكاها إلى كافر فكأنما شكا الله «2» .
141- شكا رجل إلى أخيه الحاجة والضيق، فقال له: يا أخي، أغير تدبير ربك تريد؟ لا تسأل الناس وسل من أنت له.
142- إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال! يحملون زادنا إلا الآخرة.
143- عرضت لأبي سليمان الداراني «3» حاجة إلى رجل، فقيل:
ندعوه لك؟ فقال: ما يسرني أن يطلع الله من قلبي على أني أريد أن يدعي لي من لي إليه حاجة ولو أن لي ما طلعت عليه الشمس قوموا بنا إليه.
144- سليمان بن عبد الله بن نوفل الهاشمي «4» في السفاح:
أمير المؤمنين إليك نشكو ... زمانا حظنا فيه زهيد
أتانا الملك فيه فما اغتبطنا ... ولا دارت لنا منه سعود
كأنا بعد في زمن الأعادي ... يدمرنا هشام والوليد
فسامح بالذي تهواه حتى ... يساء به عدو أو حسود
(3/195)

فأقطعه السفاح ضيعة بالبصرة تغل عشرة آلاف دينار.
145- وفد قرة بن هبيرة «1» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأكرمه وكساه واستعمله على صدقات قومه فقال:
حباها رسول الله إذ نزلت به ... وأمكنها من نائل غير أنكد
فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة ... وقد أنجحت حاجاتها من محمد
الضمير لناقته.
146- يزيد بن الطثرية «2» :
ويا ربّ باغي حاجة لا ينالها ... وآخر قد تقضى له وهو جالس
فلا الكيس يدني ما تأجل وقته ... ولا العجز عن نيل المطالب حابس
147- الحكم بن أبي العاص الملقب بالوزغ «3» طريد رسول الله:
بينا تبغيك الرجال ... وجدت راحلة ورجلا.
(3/196)

148- بشر الراسبي «1» :
إن من يرتجيك يا ابن بحير ... وابن حجر وأنت لصّ مغير
لجهول بمن غدا يطلب الني ... ل من الفاجر اللئيم غرير
يريد لجهول بحال من لم يبال بالحرام ويطلب من مثله، لأنه، لو عرف حال من هذه صفته وقبحها لما دخل مدخله ولا فعل فعله.
149- سأل صيرفي أفلس بعض أجواد قريش أن يسد خلته «2» ، فقال: إنا والله لا نحمد عن الحق، ولا نذوب في الباطل، وتمثل بقول كثير «3» :
إذا المال لم يوجب عليك عطاؤه ... صنيعة قربى أو صديق توامقه «4»
منعت وبعض المنع حزم وقوة ... ولم يقتلدك المال إلا حقائقه
150- وعن خالد بن صفوان أنه دخل في يوم شديد الحر على هشام «5» ، وهو في بركة فيها مجالس كالكراسي، فقعد على بعضها، فقال له هشام: رب خالد قد قعد مقعدك هذا حديثه أشهى إليّ من الشهد.
أراد خالد بن عبد الله القسري، فقال: ما يمنعك من إعادته إلى موضعه؟
قال: هيهات، أدل فأمل، وأرجف فأعجف، ولم يدع لراجع مرجعا، ولا للعودة موضعا، وأنشد:
(3/197)

إذا انصرفت نفسي ان الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تنبل
ثم سأله أن يزاد عشرة دنانير في عطائه فرده، فقال: وفقك الله يا أمير المؤمنين، فأنت كما قال أخو خزاعة وأنشد بيتي كثير.
فقيل له: ما حملك على تزيينك الإمساك لهشام؟ فقال: أحببت أن يمنع غيري فيكثر من يلومه.
151- كان طاووس «1» يغري الشرط بالسؤال يوم الجمعة.
152- قيل لمحارب بن دثار: علام ترد الناس؟ قال إني أغادي «2» بما لم يمس عندي وأطرق.
153- شكا رجل إلى علي بن صالح «3» حاجته فقال:
إني إذا اختارني لحاجته ... مثلك أرسلته إلى الأرب
أرد وجه الفتى بجدته ... لم تبتذله ضراعة الطلب
من أمكنته صنعية فأبى ... فلا تهنأ بوافر النشب «4»
154- كان لبيد «5» آلى على نفسه كلما هبت الصبا أن ينحر جزورا ويطعم، وربما ذبح العناق «6» إن أضاق. فخطب الوليد بن عقبة وقال: قد علمتم ما جعل أبو عقيل على نفسه، فأعينوه على مروءته، وبعث إليه بخمس جزاير وبهذه الأبيات:
أرى الجزّار يشحذ مديتيه ... إذا هبت رياح أبي عقيل
(3/198)

طويل الباع أبلج جعفري ... كريم الجد كالسيف الصقيل
وفي ابن الجعفري بما نواه ... على العلات والمال القليل
فدعا لبيد بنتا له خماسية «1» فقال: إني قد تركت قول الشعر فأجيبي الأمير، فقالت:
إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا
صويل الباع أبلج عبشميا ... أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأن ركبا ... عليها من بني حام قعودا
أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إن الكريم له معاد ... وظني يا ابن أروى أن تعودا
فقال لبيد: أحسنت لولا أنك سألت. فقالت: يا أبة، إن الملوك لا يستحي منهم في المسألة. فقال: أنت في هذا أشعر «2» .
وفد رجل من بني ضبة «3» على عبد الملك فأنشده.
والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحدا سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعادتك التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب
فأمر له بألف دينار. فعاد إليه من قابل وأنشده:
وليس كبان حين تم بناؤه ... تتّبعه بالنقض حتى تهدّما
فأمر له بألف. فعاد في الثالثة فأنشده:
(يعودون بالإحسان عودا على بدء) .
وقال: يا أمير المؤمنين، إن الروي لينازعني، وإن الحياء ليمنعني.
(3/199)

فأمر له بألف، وقال: والله لو قلت حتى تنفذ بيوت الأموال لأعطيتك.
155- ظلم كبير من الأموية حجازيا، فما تظلم منه إلى أحد إلا ضلع للأموي عليه، فخرج إلى سليمان «1» وجعل لخصي أثير عنده مائتي دينار ليوصله إليه خاليا، فأوصله إليه حين سلم في صلاته، وجعل يدعو ويخطر بإصبعه نحو السماء ويتضرع، فلما رآه كذلك رجع ومر. فسأل عنه وأمر بطلبه حتى صودف خارجا من باب دمشق. فأدخل عليه بعنف شديد وإلحاح فقال له: ما شأنك؟ قال: جددت في التوصل إليك، فلما رأيتك تخطر بإصبعك نحو السماء علمت أني قد أخطأت موضع طلب الحاجة، فرجعت لأطلبها من حيث طلبت أنت حوائجك. فبكى سليمان وقال: إن الذي طلبت منه حاجتك قد قضاها، وأمر برد ما أخذ منه، وأعطاه ما يصلح به حاله، ووصله وكساه، وأمر له بفرائض.
156- عن عبد الله بن حسن بن حسن «2» : أتيت باب عمر بن عبد العزيز في حاجة، فقال لي: إذا كانت لك حاجة فأرسل إليّ رسولا أو اكتب إليّ كتابا، فإني لأستحي من الله أن يراك على بابي.
157- كان لخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد «3» قصر بحيال قصر يزيد بن عبد الملك، فقال له يوما: لأمير المؤمنين إليك حاجة، قال: لا يدفع عنها. قال: أسألك القصر، قال: هو لك. قال: فلك به خمس حوائج فسل، قال: أولها القصر، قال: هو لك وقضى له الأربع البواقي.
(3/200)

158- أتى عليا رضي الله عنه أعرابي فقال: والله يا أمير المؤمنين ما تركت في بيتي لا سبدا ولا لبدا، ولا ثاغية ولا راغية. فقال: والله ما أصبح في بيتي فضل عن قوتي. فولى الأعرابي وهو يقول: والله ليسألنك الله عن موقفي بين يديك، فبكى بكاء شديدا. وأمر برده واستعادة كلامه.
ثم بكى فقال: يا قنبر «1» : ائتني بدرعي الغلانية، ودفعها للأعرابي وقال: لا تخدعن عنها فطالما كشفت بها الكرب عن وجه رسول الله. تم قال قنبر: كان يجزيه عشرون درهما. قال: يا قنبر والله ما يسرني أن لي زنة الدنيا ذهبا أو فضة فتصدقت وقبله الله مني، وأنه سألني عن موقف هذا بين يدي.
- علي رضي الله عنه: إن لكل شيء ثمرة، وثمرة المعروف تعجيل السراح.
159- قدم دهقان «2» أصبهان على معاوية فلم يجد من يكلمه في حاجته، فقيل له: ليس لها إلا عبد الله بن جعفر، فكلمه الدهقان وبذل له ألف ألف درهم. فكلم معاوية فقال: أردنا أن نصلك بألف ألف فربحناها. فقال عبد الله قد ربحت وربحنا شكر الدهقان. فلما قضى حاجته أكب عليه الدهقان يقبل أطرافه ويقول: أنت قضيتها لا أمير المؤمنين، وحمل إليه المال، فقال: ما كنت لآخذ على معروفي أجرا.
وبلغ الخبر معاوية فبعث إليه ألف ألف درهم، فلم يقبلها وقال: لا أقبل ما هو عوض مما تركت. فقال معاوية: لوددت أنه من أمية وإني مخزوم ببره.
160- كان نذر عبد الملك «3» إن أمكنه الله من ابن الرقيات «4» أن
(3/201)

يقتله، فاستجار بعبد الله «1» وسأله مسألة عبد الملك أن يصفح عن جرمه ويرد عليه عطاءه. فأقام ابن جعفر حتى قضى حوائجه ونسي حاجة ابن الرقيات، وانصرف عن الشام إلى المدينة. فلقيه وسأله عن القيام بحاجته، فصاح يا غلمان ردوا علي ركابي. فتعلق به ابن قيس وقال: بالله دعه إلى أن يحدث الله لك سفرا آخر. فقال: والله لابت إلا على سفر.
فذهب إلى الشام حتى قضى حاجته.
161- روي أن رجلا من الأولين كان يأكل، وبين يديه دجاجة مشوية، فجاء سائل فرده خائبا، وكان الرجل مترفا. فوقعت بينه وبين امرأته فرقة، وذهب ماله، وتزوجت، فبينما زوجها الثاني يأكل، وبين يديه دجاجة مشوية، إذ جاء سائل، فقال لزوجته: ناوليه الدجاجة، فناولته، ونظرت فإذا زوجها الأول، فأخبرته بالقصة، فقال الثاني: وأنا والله ذلك المسكين، خيّبني فحول الله نعمته وأهله إلي لقلة شكره.
162- استبطأ سعيد بن سلم «2» أحمد بن أبي خالد «3» في حاجة لرجل، فقال: قد اجتهدت فلم تعن المقادير. فقال سعيد: إنما يعاتب الأديم «4» ذو البشرة «5» . بل لم تحب أن تسعى في أمر، وأنشد:
(3/202)

إذا عيروا قالوا مقادير قدرت ... وما العار إلا ما تجرّ المقادر
ثم قال:
ستعزل إن عزلت ولا يساوي ... صنعيك في صديقك نصف مدّ «1»
(3/203)

الباب الرابع والأربعون الطعام وألوانه، وذكر الإطعام والضيافة، والأكل والأكلة، والجوع والشبع، وما يتعلق بذلك
1- المقدام بن يكرب «1» : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن، بحسب الرجل من طعمه ما أقام صلبه. أما إذا أبيت ابن آدم فثلث طعام وثلث شراب وثلث نفس.
2- حذيفة «2» . عنه عليه السّلام: من قلّ طعمه صح بطنه وصفا قلبه، ومن كثر طعمه سقم بطنه وقسا قلبه.
- وعنه عليه السّلام: لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإن القلب يموت كالزرع بكثرة الماء.
3- عون بن أبي جحيفة «3» عن أبيه قال: أكلت يوما ثريدا ولحما
(3/205)

سمينا، ثم أتيت رسول الله وأنا أتجشأ، فقال: احبس جشاءك يا أبا جحيفة، إن أكثركم شبعا في الدنيا أكثركم جوعا في الآخرة. فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى قبضه الله.
4- أكل علي رضي الله عنه من تمر دقل «1» ثم شرب عليه الماء، وضرب على بطنه وقال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله، ثم تمثل:
فإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
5- كان علي رضي الله عنه يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبد الله بن جعفر، لا يزيد على اللقمتين أو الثلاث، فقيل له، فقال: إنما هي ليال قلائل حتى يأتي أمر الله وأنا خميص البطن. فقتل في ليلته.
6- الحسن: لقد أدركت أقواما ما كان يأكل أحدهم إلا في ناحية من بطنه ما شبع رجل منهم من طعام حتى فارق الدنيا. كان يأكل فإذا قرب شبعه أمسك.
7- أنشد المبرد «2» :
فإنّ امتلاء البطن في حسب الفتى ... قليل الغناء وهو في الجسم صالح
8- عيسى عليه السّلام: يا بني إسرائيل، لا تكثروا الأكل، فإنه من أكثر الأكل أكثر النوم، ومن أكثر النوم أقل الصلاة، ومن أقل الصلاة كتب من الغافلين.
9- سئل فضيل عمن يترك الطيّبات من الحوّارى «3» واللّحم والخبيص «4» للزهد، فقال: وما أكل الخبيص! ليتك تأكل وتتقي الله، إن
(3/206)

الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام. انظر كيف برك بوالديك وكيف صلتك للرحم، وكيف عطفك على الجار، وكيف رحمتك للمسكين، وكيف كظمك للغيظ، وكيف عفوك عن ظلمك، وكيف إحسانك إلى من أساء إليك، وكيف صبرك واحتمالك للأذى. أنت إلى أحكام هذا أحوج منك إلى ترك الخبيص.
10- قيل لعامر بن عبد قيس ما تقول في الإنسان؟ قال: ما أقول فيمن إذا جاع ضرع وإذا شبع طغى.
11- كان فرقد السبخي لا يأكل الخبيص، ويقول أخشى أن لا أقوم بشكره، وكان الحسن ينكر عليه، ويقول إذا قدم طعامه: هلموا إلى طعام الأحرار، لا صحناة «1» فرقد، ولا قرص مالك بن دينار.
12- كان سليمان بن داود عليه السّلام يأكل خبز الشعير ويطعم الناس الحوارى.
13- النبي صلّى الله عليه وسلّم: ما زين الله رجلا بزينة أفضل من عفاف بطنه.
14- قال عمرو بن عبيد: ما رأيت الحسن ضاحكا إلّا مرة، قال رجل من أصحابه: ما آذاني طعام قط، فقال آخر: أنت لو كانت في معدتك الحجارة لطحنتها.
15- الخليل «2» : أثقل ساعاتي عليّ ساعة آكل فيها. وما هي إلا سجيّة ملكية، ومن ذلك قول الإمام عبد القاهر «3» :
(3/207)

لولا قضاء جرى نزهت أنملتي ... عن أن تلم بمأكول ومشروب
16- فضيل «1» : أتخاف أن تجوع؟ لا تخف، أنت أهون على الله من ذلك إنما كان يجوع محمد وأصحابه.
- وعنه: أجمعت العرب على أن الشبع لؤم.
- وعنه: خصلتان تقسّيان القلب، كثرة الأكل، وكثرة الكلام.
17- قيل ليوسف عليه السّلام: مالك لا تشبع وفي يدك خزائن الأرض؟
فقال: إني إذا شبعت نسيت الجائعين.
18-[شاعر] :
وأكلة قرنت بالهلك صاحبها ... كحبة الفخ دقت عنق عصفور
لكسرة بجريش الملح آكلها ... ألذ من تمرة تحشى بزنبور «2»
19- دعت أبا الحارث جميزا «3» حبيبة له فحادثته مليا، فجاع فاستطعم، فقالت: أما في وجهي ما يشغلك عن الأكل؟ فقال: جعلني الله فداك، لو أن جميلا «4» وبثينة «5» قعدا ساعة لا يأكلان لبزق كل واحد منهما في وجه صاحبه وافترقا.
20- الحجاج: البخل على الطعام أقبح من البرص على الجسد.
دخل سفيان بن عيينة على الرشيد، وهو يأكل بملعقة، فقال:
(3/208)

حدثت عن جدك ابن عباس في قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
«1» ، قال: جعلنا لهم أيديا يأكلون بها. فكسر الملعقة.
21- أكل عذري «2» مع معاوية فرأى ثريدة كثيرة السمن فجدها بين يديه، فقال معاوية: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها
«3» ، فقال: فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ
«4» .
22- قيل لأعرابية: ما خبر قدرك؟ قالت حليمة مغتاظة. أي هي ساكنة الغلي ولما تبرد.
23- رأى محمق زنجيا يأكل خبزا حوارى فقال: يا قوم انظروا إلى الليل كيف يأكل النهار.
24- قال عبد الملك يوما لجلسائه، وكان يجتنب غير الأدباء: أي المناديل أفضل؟ فقال بعضهم: مناديل مصر كأنها غرقىء القيض «5» ، وقال آخر: مناديل اليمن كأنها أنوار الربيع. فقال: ما صنعتما شيئا. أفضل المناديل ما ذكره أخو بني تميم يعني يعني عبدة بن الطبيب «6» :
لما نزلنا نصبنا ظل أخبية ... وفار للقوم باللحم المراجيل
ورد وأشقر ما يؤتيه طابخه ... ما غيّر الغلي منه فهو مأكول
(3/209)

ثمت قمنا إلى جرد مسومة ... أعرافهن لأيدينا مناديل
25- النبي صلّى الله عليه وسلّم: أكرموا الخبز فإن الله أكرمه وسخر له بركات السماوات والأرض.
26- قال حاتم الطائي لغلامه: قدم إلينا مائدة تباعد بين أنفاسنا.
27- أعرابي: جاءنا بثريدة كأنها ربضة أرنب، أي كثيرة.
28- رؤبة بن العجاج: خرجت مع أبي في زمن خصيب إلى سليمان ابن عبد الملك، فأهدى لنا تمرا ووطبا «1» من لبن وكمأة وجبنا عليه كرافىء الشحم واللحم، فطبخنا ذاك بذاك، وأكلت منه أكلة ما زالت ذفرياي «2» ينتحان «3» منها حتى رجعت من الشام.
29- النبي صلّى الله عليه وسلّم: من أكل وذو عينين ينظر إليه ولم يواسه ابتلي بداء لا دواء له.
30- حكيم: إنك تأكل ما تستمرىء، وما لا تستمرىء فهو يأكلك.
31- العرب: أقلل طعاما تحمد مناما.
32- مر أعرابي في أطمار فقال له رجل: والله ما يسرني أن أكون ضيفك ليلتي هذه. فقال: والله لو كنت ضيفي لغدوت من عندي أبطن من أمك قبل أن تضعك بساعة. إنّا إذا وجدنا آكلكم للمأدوم وأعطاكم للمحروم.
33- كان أبو هريرة يقول: اللهم ارزقني ضرسا طحونا، ومعدة هضوما، ودبرا نثورا.
34- نزل رجل بامرأة من العرب فقال: هل من لبن أو طعام يباع؟
فقالت: إنك للئيم أو حديث عهد اللئام. فأعجب بقولها وتزوجها.
(3/210)

35- كان ابن سيرين «1» إذا دعي إلى وليمة قال: يا جارية هاتي قدحا من سويق، فإني أكره أن أجعل حرة جوعي على طعام الناس.
36-[شاعر] :
قالت أما ترحل تبغي الغنى ... قلت فمن للطارق المعتم
قالت فهل عندك شيء له ... قلت نعم جهد الفتى المعدم
فكم وحق الله من ليلة ... قد طعم الضيف ولم أطعم
إن الغنى بالنفس يا هذه ... ليس الغنى بالثوب والدرهم
37- حث رجل رجلا على الأكل من طعامه، فقال: عليك بقريب الطعام وعلينا بأديب الأجسام.
38- علي رضي الله عنه: إذا طرقك أخوانك فلا تدخر عنهم ما في المنزل، ولا تتكلف ما وراء الباب.
39-[شاعر] :
وإذا طرقت فما حضر ... وإذا دعوت فلا تذر
40- صوفي: من جلس على المائدة فأكثر كلامه غش بطنه.
41- قيل لحكيم: أي الأوقات أحمد للأكل؟ قال: أما من قدر فإذا اشتهى، وأما من لم يقدر فإذا وجد.
42- اتخذ الحجاج وليمة اجتهد فيها واحتشد ثم قال لزاذان فروخ «2» : هل عمل كسرى مثلها؟ فاستعفاه، فأقسم عليه، فقال: أو لم عبد عبد كسرى فأقام على رؤوس الناس ألف وصيفة في يد كل واحدغ إبريق من
(3/211)

ذهب. فقال الحجاج: أف، والله ما تركت فارس لمن بعدها شرفا.
43- العرب: تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة، وإطالة الحديث عند المؤاكلة.
44- حاتم الطائي:
سلي الطارق المعتز يا أم مالك ... إذا ما أتاني بين قدري ومجزري
هل أبسط وجهي إنه أول القرى ... وأبذل معروفي له دون منكري
45-[شاعر] :
إنك يا ابن جعفر خير فتى ... وخيرهم لطارق إذا أتى
ورب نضر طرق الحي سرى ... صادف زادا وحديثا ما اشتهى «1»
إن الحديث جانب من القرى
46- عمر رضي الله عنه: أترون أني لا أعرف رقيق العيش لباب البر بصغار المعزى.
47- سمع الحسن رجلا يعيب الفالوذج فقال: لباب البر بلعاب النحل بخالص السمن، ما عاب هذا مسلم.
48- عائشة رضي الله عنها: ما شبع رسول الله من هذه البرة السمراء حتى فارق الدنيا.
49- كان معاوية من أنهم الناس، كان يأكل حتى يتسطح، ثم يقول: يا غلام إرفع، فو الله ما شبعت ولكن مللت. وكان يأكل في اليوم سبع أكلات أخراهن بعد العصر وعظماهن فيها ثريدة عظيمة في جفنة على وجهها عشرة أمنان «2» من البصل.
(3/212)

50- دعا المهدي بميسرة التراس «1» فألقى إليه رغيفا وإلى الفيل رغيفا، فأكل مائة رغيف وكف الفيل عند التاسع والتسعين.
51- كان سعيد بن المحسن من أدم الناس وآكلهم، فقال له زياد «2» : مالك من الولد؟ قال: تسع بنات، قال أين هن منك؟ قال:
هن آكل مني وأنا أجمل منهن. فألحق خمسا منهن في العطاء.
52-[شاعر] :
يلقم لقما ويندى زاده ... يرمي بأمثال القطا فؤاده
53- قيل لحكيم: أي الطعام أطيب؟ قال: الجوع أعلم.
54- وكان يقال: نعم الأدام الجوع.
55- قيل لمدني: بم تنسحر الليلة؟ قال: باليأس من فطور القابلة.
56- عرض الشراب على أعرابي فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة «3» .
57- الأصمعي: مررت بأعرابية وبين يديها فتى في السياق «4» ، ثم رجعت فرأيت بيدها قدح سويق تشربه، فقلت لها: ما فعل الشاب؟
قالت: واريناه فقلت: ما هذا السويق؟ فقالت:
على كل حال يأكل المرء زاده ... على البؤس والضراء والحدثان «5»
58- قيل لأعرابي: كيف حزنك على ولدك؟ قال: ما ترك حب الغداء والعشاء لي حزنا.
59- قال الحسن بن سهل «6» يوما على مائدة المأمون: الأرز يزيد في
(3/213)

العمر، فسأله المأمون فقال: يا أمير المؤمنين، إن طبّ الهند صحيح، وهم يقولون إن الأرزيرى منامات حسنة، ومن رأى مناما حسنا كان في نهارين، فاستحسن كلامه ووصله.
60- الحسن: كنا نسمع أن من عير أخاه بذنب قد تاب منه ابتلاه الله به، وأن من وافق من أخيه المسلم شهوته غفر له. وكنا نسمع أن إحدى مواجيب الرحمة إطعام الأخ المسلم الجائع.
61- النبي صلّى الله عليه وسلّم: من لقط شيئا من الطعام فأكله حرم الله جسده على النار.
62- وكان يقال: من من لقطة أحب إلى الله من قطعة من طعام ترفعها، وإن تركتها فسدت.
63- من ضبط بطنه فقد ضبط الأخلاق الصالحة كلها.
64- وصف لسابور ذي الأكتاف «1» رجل من أهل اصطخر «2» لقضاء القضاة، فاستقدمه فدعاه إلى الطعام، فأخذ دجاجة فنصفها ووضع نصفها بين يديه، فأتى عليه قبل فراغ الملك. فصرفه إلى بلده. وقال: إن سلفنا كانوا يقولون: من شره إلى طعام كان إلى أموال الرعايا والسوقة أشره.
65- الجاحظ: إذا وضع الملك بين يديك شيئا على مائدته فلعله إن لم يقصد كرامتك وإيناسك، أن يكون أراد تعرف ضبطك نفسك، فحسبك أن تضع يدك عليه أو تنفش منه شيئا. وإنما يحسن التبسط مع الصديق والعشير، فأما الملوك فيرتفعون عن هذه الطبقة.
ومن حق الملك أن لا يحدّث على طعامه بجد ولا هزل، وإن حدّث
(3/214)

فمن حقه أن يصغى لحديثه والبصر خاشع ولا يعارض.
وكانت ملوك آل ساسان إذا قدموا موائدهم زمزموا «1» عليها، ولم ينطق ناطق بحرف حتى ترتفع، فإذا اضطروا إلى كلام أشاروا إشارة.
ومن آيين «2» الملك أن يكون منديل يده للغمر كمنديل وجهه في النقاء والبياض.
66- وضع معاوية بين يدي الحسن بن علي دجاجة ففكها، فقال:
هل بينك وبين أمها عداوة؟ فقال الحسن: هل بينك وبين أمها صداقة؟.
67- أراد معاوية أن يوقر الحسن مجلسه كما توقر مجالس الملوك، والحسن أعلم بالآداب والرسوم المستحسنة، ولكن معاوية كان في عينه أقل من ذاك وأحقر، وما عده معد نظرائه فضلا أن يعتد بملكه ويعبأ بمجلسه، ولذلك قرعه بقوله الذي صك به وجهه، وهدم ابنه، وأراد أنه ليس عدنه بالمثابة التي قصدها وطمع منه فيها ولا موقع لملك الباغي من سبط النبوة وسليل الخلافة.
68- عمر بن هبيرة: عليكم بمباكرة الغداء فإن في مباكرته ثلاث خلال يطيب النكهة، ويطفي المرة، ويعين على المروءة. قيل فما إعانته على المروءة؟ قال: أن لا تتوق النفس إلى طعام غيرك.
69- قيل لسمرة بن جندب: إن ابنك أكل طعاما كاد يقتله، فقال لو مات ما صليت عليه.
70- النبي صلّى الله عليه وسلّم: من أكل من سقط المائدة عاش في سعة، وعوفي ولده وولد ولده من الحمق.
(3/215)

71- علي بن الجهم:
قلت لزين لا عدمت زينا ... يا زين يا أحسن من رأينا
أحب منك طلعة إلينا ... ضيف أتى معتمدا علينا
فقرّ عينا وأقر عينا ... حتى إذا أزمع منا بينا
(قام فأثنى بالذي أولينا)
72- شقيق «1» : ما بقيت وليمة أو مأتم على السنّة. ولقد ندمت على الإجابة غير مرة، ولم أندم على ترك الإجابة مرة.
سئل يوسف بن أسباط عن السمن والعسل فقال: لا بأس إذا كان ثمنهما حلالا.
73- كان يحيى بن خالد البرمكي إذا أكل علق يده وقال: يا غلام ردّ علينا أيدينا.
74- أنس «2» رفعه: إن من السرف أن تأكل كل يوم ما اشتهيت.
75- وعن عمر رضي الله عنه أنه دخل على عاصم بن عمر «3» وهو يأكل لحما، فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا «4» إليه، فقال: ويحك: قرمت
(3/216)

إلى شيء فأكلته! كفى بالمرء شرها أن يأكل كل ما يشتهي.
76- الخدري «1» رفعه: استعيذوا بالله من الرغب «2» .
77- عائشة: أراد رسول الله أن يشتري غلاما فألقى بين يديه تمرا، فأكل فأكثر، فقال عليه السّلام: كثرة الأكل شؤم.
78- أنس رفعه: إن أصل كل داء البردة «3» .
79- الحسن «4» : إن الأرض لتضج إلى الله من المتخم كما تضج من السكران، ولا شيء أثقل عليها ولا على الجبال الرواسي من المتخم.
80- ابن دريد «5» : العرب تعبر بكثرة الأكل وانشد:
لست بأكّال كأكل العبد ... ولا بنوّام كنوم الفهد
81- الأصمعي «6» : ندبت أعرابية ابنا لها فقالت: ما كان مالك لبطنك ولا برك لعرسك.
82- قال عمرو بن العاص يوم الحكمين لمعاوية: أكثروا لهم من الطعام فإنه والله ما بطن قوم إلا فقدوا عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطينا. فلما وجد معاوية ما قاله صحيحا قال: إن البطنة تأفن الفطنة، أي تنقص، يقال رجل مأفون العقل وأفين الرأي.
83- أنشد الأصمعي لرجل من نهد «7» :
إذا لم أزر إلّا لآكل أكلة ... فلا رفعت كفي إليّ طعامي
(3/217)

فما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام
84- يقال: فلان مغل الإصبع، من أغل إذا خان، وهو الذي يخدّ «1» بإصبعه حتى يستسيل الودك «2» إليه. وهو عيب عند العرب.
85- قعد صبي مع قوم على طعام فأخذ يبكي. قالوا: ما يبكيك؟
قال: هو حار، قالوا: فاصبر حتى يبرد، قال أنتم لا تصبرون.
86- قيل لأعرابي: كيف تأكل الرأس؟ قال: أفكّ لحييه «3» ، وأبخص عينيه، واعفص «4» أذنيه وأسحى «5» خديه، وأرمي بالدماغ إلى من هو أحوج مني إليه.
87- كشاجم «6» في الرقاق والرؤوس:
قد ركين الخوان أرؤس خر ... فان وأنزلن عنه ببعض نعام
تلك كالماء ذي الحباب وها ... تيك عليها كطير ماء نيام «7»
88- قيل لطفيلي: لم أنت حائل اللون؟ قال: للفترة بين القصعتين مخافة أن يكون قد فني الطعام.
89- قيل لأبي الحارث جمين «8» : ما تقول في الفالوذجة؟ قال:
(3/218)

وددت أنها وملك الموت اعتلجا في صدري، والله لو أن موسى لقي فرعون بفالوذجة لآمن ولكنه لقيه بعصا.
90- لقمان: يا بنيّ لا تأكل شبعا فإنك إن نبذته للكلاب كان خيرا لك من أن تأكله.
91- ابن عباس: كان رسول الله يبيت طاويا «1» ليالي ماله ولا لأهله عشاء، وكان عامة طعامه الشعير.
92- قالت عائشة: والذي بعث محمدا بالحق ما كان لنا منخل، ولا أكل النبي صلّى الله عليه وسلّم خبزا منخولا مذ بعثه الله إلى أن قبض. قلت: وكيف تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول: أف أف.
93- أنس: ما رأى رسول الله رغيفا محورا حتى لقي الله.
94- أبو هريرة: ما شبع رسول الله وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا.
95- عائشة: دخل رسول الله فرأى كسرة ملقاة، فأخذها ومسحها وأكلها. ثم قال: يا عائشة أكرمي كريمتك «2» فإنها ما نفرت عن قوم فعادت إليهم.
96- جابر «3» رفعه: نعم الآدام الخل. وكفى بالمرء سرفا أن يتسخط ما قرب إليه.
97- أنس: أكل رسول الله بشعا، ولبس خشنا، لبس الصوف واعتذى المخصوف.
98- قيل للحسن: ما البشع؟ قال: خبز الشعير، ما كان رسول الله ليسيغه إلا بجرعة من ماء.
(3/219)

99- عمر رضي الله عنه: ما اجتمع عند رسول الله أدمان إلا أكل أحدهما وتصدق بالآخر.
100- عائشة رضي الله عنها: ما كان يجتمع لونان في لقمة في فم رسول الله، إن كان لحما لم يكن خبزا، وإن كان خبزا لم يكن لحما.
101- مسروق «1» دخلت على عائشة وهي تبكي، فقالت: ما أشاء أن أبكي إلا بكيت، مات رسول الله ولم يشبع من خبز البر في يوم مرتين، ثم انهارت علينا الدنيا.
وعنها: ما شبع آل محمد من خبز البر حتى قبضه الله، وما رفع من بين يدي نبي الله فضل خبز حتى قبضه الله.
102-[شاعر] :
الله يعلم أنه ما سرني ... يوما كطارقة الضيوف المنزل
ما زلت بالترحيب حتى خلتني ... ضيفا له والضيف رب المنزل
103- أهدى رجل إلى آخر فالوذجة زنخة، وكتب: إني اخترت لعملها السكر السوسي «2» والعسل الماذي «3» والزعفران الأصبهاني.
فأجابه: والله العظيم، ما عملت إلا قبل أن تمصر أصبهان، وقبل أن يفتح السوس، وقبل أن أوحى ربك إلى النحل.
104- أولم طفيلي على ابنته، فأتاه كل طفيلي، فلما رآهم رحب بهم ورقاهم «4» إلى غرفة بسلم وأخذ السلم، حتى إذا فرغ من طعام الناس أنزلهم وأخرجهم.
(3/220)

105- قيل لبنان الطفيلي «1» : كم كان أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم بدر؟
قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر رغيفا.
106- قال طفيلي: ليس أضر على الضيف من أن يكون صاحب البيت شبعان.
107- معن بن زائدة «2» في أخيه مزيد «3» :
لا تسألن أبا داود خلعته ... عول على مزيد في الخبز واللبن
108- قيل لمدني: ما بال فلان أرق لونا وأعتق وجها من أخيه؟
فقال: لأنه آكل للدجاج، وشارب للمزاج.
109- أكل أبو الأسود «4» وقعد معه أعرابي فرأى لقما منكرا، فقال:
ما اسمك؟ قال: لقمان، قال: صدق أهلك أنت لقمان. ذهب إلى فعلان من اللقم أو إلى لقمان بن عاد «5» .
110- أزدشير «6» : احذروا صولة الكريم إذا جاع، وصولة اللئيم إذا شبع.
111- الأسود «7» وعلقمة «8» :- دخلنا على علي رضي الله عنه وبين
(3/221)

يديه طبق من خوص، عليه قرص أو قرصان من شعير وإن أسطار النخالة لتبين في الخبز، وهو يكسره على ركبته ويأكله بملح جريش، فقلنا لجارية سوداء إسمها فضة: ألا نخلت هذا الدقيق لأمير المؤمنين! فقالت:- أيأكل من المهنا ويكون الوزر في عنقي؟ فتبسم وقال: أنا أمرتها أن لا تنخله.
قلنا: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال:- ذلك أجدر أن يذل النفس، ويقتدي بي المؤمن، وألحق بأصحابي.
112- كان يقال لإبراهيم عليه السّلام «1» أبو الضيفان لأنه أول من قرى الضيف، وسن لأبنائه العرب القرى، وكان إذا أراد الأكل بعث أصحابه ميلا في ميل يطلبون ضيفا يؤاكله.
113- أنشد أبو عمرو «2» :-
إن أبا عمرة شر جار ... يجرني في ظلم الصحاري
جر الذباب جيفة الحمار
هو الجوع:
114- قيل لأعرابي:- أتعرف أبا عمرة؟ قال:- كيف لا أعرفه وهو متربع في كبدي؟.
115- اتخذ بنو حنفية «3» إلها من حيس «4» فعبدوه سنين، ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه.
116- حميد بن ثور «5» في البدويات:-
(3/222)

أولئك لم يدرين ما سمك القرى ... ولا عصب فيها رئات العمارس «1»
117- قدّم أعرابي إلى ضيفه ثريدة وقال له:- لا تصقعها «2» ولا تقعرها «3» ولا تشرمها «4» .
فقال الضيف:- فمن أين آكل؟ قال لا أدري، فانصرف جائعا. أي لا تأكل من أعلاها ولا من أسفلها ولا من حروفها.
118- شكا إلى أبي العيناء «5» مدني سوء الحال، فقال له:- أشكر الله فإن الله قد رزقك الإسلام والعافية، قال:- أجل، ولكن بينهما جوع يقلقل الكبد.
119- وضعت بين يدي أعرابي عصيدة تنش حرارة، فضرب بيده إليها فامتنعت عليه، فقال:- أما والله إني لأعلم أنك هنيئة المزدرد، لينة المسترط، وإنك لتعلمين إني ابن بجدة «6» بلادك في أكلك، وأني لأخاف أن العود إلى أمثالك ستطول مدته، فما يمنعني أن أتلقى حرارتك ببلعوم
(3/223)

سرطم «1» ، وحلقوم لهجم «2» ، وبطن أكبد «3» ، وجوف أرحب «4» ، فقضى الله في ذلك قضاءه بما أحببت أو كرهت.
120- عمر بن قميئة «5» :
وأهون كف لا يضيرك ضيره ... يد بين أيد في إناء طعام
يد من قريب أو غريب بقفرة ... أتتك بها غبراء ذات قتام
سنة أو مفازة أو طريق.
121- في أمثال الفرس: في مفترس الأسود تشبع الثعالب.
122- قيل لإبراهيم الخليل عليه السّلام: بم اتخذك الله خليلا؟ قال:
بثلاث: ما خيرت بين شيئين إلا اخترت الذي لله على غيره، وما اهتممت بما تكفل الله لي به، وما تغديت ولا تعشيت إلا مع ضيف.
123- دخل الشعبي «6» على صديق له: فلمّا أراد القيام قال: لا تفرقوا إلا عن ذواق. ثم قال: أي التحفتين أحب إليك؟ تحفة إبراهيم أم تحفة مريم «7» ، أراد اللحم أو الرطب، فقال: أما تحفة إبراهيم فعهدي بها الساعة. فدعا بطبق من رطب.
(3/224)

124- شربة أبي الجهم «1» مثل في الطيب السيء العاقبة، قال:
تجنب سويق اللوز لا تشربنه ... فإن سويق اللوز أودى أبا الجهم
وهو أبو الجهم بن عطية كان عينا لأبي مسلم على المنصور، فأحسّ بذلك، فطاوله الحديث يوما حتى عطش، فاستقسى، فدعا له بقدح من سويق اللوز فيه السم. فما بلغ داره حتى مات.
125- طفيل الأعراس «2» الذي ينسب إليه الطفيليون كان مولى لعثمان ابن عفان رضي الله عنه، وهو طفيل بن زلال من ولد عبد الله بن غطفان من نازلة الكوفة. وكان يقول: وددت أن الكوفة بركة مصهرجة فلا يخفى علي من أعراسها شيء.
وسئل عن أشرف الأعواد فقال: عصا موسى، ومنبر النبي، وخوان «3» العرس.
126- ولعملاق العثماني «4» وكان ينزل بنيسابور:
(3/225)

تلبس عملاق بن غيدان للشقا ... وللحزن والإخفاق أثواب حارس
يطوف بنيسابور في كل سكة ... خليفة مولاه طفيل العرائس
127-[شاعر] :
حسبناه طفيليا فلما ... كشفنا الأمر زاد على طفيل
128- قيل لسعد القرقرة «1» وهو مضحك النعمان بن المنذر «2» :- ما رأيناك إلا وأنت تنقد شحما وتقطر دما؟ قال:- لأني آخذ ولا أعطي، ولا ألام متى أخطىء فأنا الدهر ضاحك مسرور. والقرقرة القهقهة، وهو معدود في الأكلة.
129- أبو رافع «3» كان أبو هريرة ربما دعاني إلى عشائه فيقول: دع العراق «4» للأمير، فانظر فإذا هو ثريد بزيت. وكان يقول: أكل التمر أمان من القولنج «5» ، وشرب العسل على الريق أمان من الفالج، وأكل السفرجل يحسن الولد، وأكل الرمان يصلح الكبد، والزبيب يشد العصب ويذهب الوصب «6» ، والكرفس «7» يقوي المعدة ويطيب النكهة، والعدس يرق القلب ويذرف الدمعة، والقرع يزيد في اللب ويرق البشرة. وأطيب اللحم الكتف وحواشي فقار الظهر. وكان يديم أكل الهريسة «8» والفالوذ ويقول، هما مادة الولد. وكان تعجبه المضيرة «9» جدا فيأكلها مع معاوية فإذا
(3/226)

حضرت الصلاة صلى خلف علي رضي الله عنه، فإذا قيل له قال مضيرة معاوية أدسم وأطيب، والصلاة خلف علي أفضل. فكان يقال له شيخ المضيرة.
130- كان في ملوك بني غسان المروءة والترفه وطيب الأطعمة فقيل، ثريدة بني غسان، فالوذج ابن جدعان «1» ومضيرة ابن أبي سفيان.
131- كانت الأكاسرة تحظر السكباجة «2» على العامة ويقولون هي للملوك، حتى ملك ابرويز «3» فأطلقها لهم. وكان يقول موسى بن الفرات «4» : السكباجة مخ الأطعمة.
132- قال أعرابي لأهله: أين بلغت قدركم؟ قالت: قام خطيبها.
أرادت الغليان.
133- ابن الرومي:
ما أن رأينا من طعام حاضر ... نعتده لفجاءة الزوّار
كمهيأين من المطاعم فيهما ... شبه من الأبرار والفجار
هام وأرغفة نقاء بضة ... قد أخرجت من جاحم فوار «5»
كوجوه أهل الجنة ابتسمت لنا ... مقرونة بوجوه أهل النار
134- علي بن الحسين عليهما السّلام: تمام المروءة خدمة الرجل ضيفه كما خدمهم أبونا إبراهيم بنفسه وأهله، أما تسمع قوله: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ
«6» .
(3/227)

135- الأصمعي: سألت عنبسة بن وهب «1» عن مكارم الأخلاق فقال: أما سمعت قول عاصم بن وائل المنقري «2» .
وإنا لنقري الضيف قبل نزوله ... ونشبعه بالبشر من وجه ضاحك
136- المدائني:- كانت العرب لا تعرف الألوان إنما طعامهم اللّحم يطبخ بماء وملح، حتى كان زمن معاوية فاتخذ الألوان وتنوق «3» فيها، وما شبع مع كثرة ألوانه حتى مات، لدعاء رسول الله «4» .
137- قالوا: من اللؤم أن تلقى كلب جوعك على طعام غيرك.
138- يقال للمرقة المسخنة بنت نارين. وكان بعض المترفين يقول: جنيذا مائدتي بنت فارين.
139- أبو طالب المأموني «5» :
فما حملت كف امرىء متطعما ... ألذّ وأحلى من أصابع زينب
هي ضرب من الحلواء يعمل ببغداد يشبه أصابع النساء المنقوشة.
140- الكريم لا يحظر تقديم ما يحضر. حظر على أخوانه ما حضر خوانه.
141- حاتم: الحر عبد الضيف. وله:
وإني لأستحيي صحابي أن يروا ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
(3/228)

أقصر كفي أن تنال أكفهم ... إذا نحن أهوينا وحاجتنا معا
فإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
أبيت خميص البطن مضطمر الحشا ... حياء أخاف الذم أن اتضلعا «1»
142- قالوا: ينبغي للملك أن يكون له طباخ إذا لم يشته طعاما صنع له ما يشتيه.
143- قال المنصور لطباخه: لكم ثلث وعليكم ثلثان، لكم الرؤوس والأكارع والجلود، وعليكم الحطب والتوابل.
144- قالوا:- كل طعام أعيد عليه التسخين ففاسد، وكل غناء خرج من تحت السبال «2» فبارد.
145- قدم أعرابي الحضر فقيل له: أين كنت؟ فقال كنت والله عند كريم حظير، أطعمني بنات التنانير «3» ، وأمهات الأبازير «4» ، وحلواء الطناجير. ثم سقاني رعاف القوارير من يد غزال غرير.
146- صاحت عصافير بطنه، ونقت ضفادع، جوفه، إذا جاع فصوتت أمعاؤه.
147- المتزهد إذا أضاف إنسانا حدثه بسخاء إبراهيم «5» وإذا أضافه إنسان حدثه بزهد عيسى «6» وقناعته.
148- على الضيف أن يري الضيف بيت الماء، وأن يعلمه مواقيت الصلاة.
(3/229)

149- وعن ملك الهند: إذا أضافك أحد فأره الكنيف «1» فإني قد ابتليت مرة فوضعت في قلنسوتي.
150- النبي صلّى الله عليه وسلّم: يا علي، ابدأ بالملح واختم به فإن به شفاء من سبعين داء وروي أن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله الضعف، فأمره أن يطبخ اللحم باللبن فإن القوة فيهما.
151- دعي مزبد «2» إلى طعام فقال: أنا صائم. فلمّا قدم الفالوذج زحف نحوه، فقيل له، فقال: أنا على صوم يوم أقدر مني على ترك مثل هذا.
152- دعا يحيى بن أكثم «3» عدو له فقدم لهم مائدة صغيرة، فتصاموا عليها حتى كان أحدهم يتقدم فيأخذ اللقمة، ثم يتأخر حتى يتقدم الآخر. فلما خرجوا قيل لهم: فيم كنتم؟ قالوا: كنا في صلاة الخوف.
153- أعرابي:
حذار من شيخ لنا حذار ... يلقم لقما شبه الأفهار «4»
كأنما يهوي ... بها في غار
154- أبو بكر القهستاني «5» في الطباهجة «6» :
(3/230)

جاء الغلام بمقلاة فأفرشها ... جمرا وجمر الطوى في الجوف يلتهب
وقال أعمل للمولى طباهجة ... ما إن يرى مثلها عجم ولا عرب
فرقها مثل قرص الشمس مشرقة ... كأنها فضة قد مسها ذهب
فأقبل الشيخ يطوي طيّه عجبا ... كأنه الأجر في الإقبال يحتسب
155- اللحم ينبت اللحم، والشحم لا ينبت الشحم ولا اللحم.
156- في الحديث: من دوام على اللحم أربعين يوما قسا قلبه، ومن تركه أربعين يوما ساء خلقه.
157- الحارث بن كلدة: إذا تغدّى أحدكم فلينم على غدائه، وإذا تعشّى فليتخطّ أربعين خطوة.
158- كان الحسن بن قحطبة «1» مضيافا، له مطبخان في كل مطبخ سبعمائة تنور.
159- كان ابن دأب لا يأكل مع الهادي، فقيل له، فقال: ما كنت لأكل مع رجل لا أغسل يدي عنده. فكان الهادي يقعده من بين الجلساء ليغسل يده.
160- كان الحسن إذا دعي جلس على الديباج، وشرب من النبيذ، وتطيب. وكان ابن سيرين «2» يتقزز، فقال له يوما: يا لكع «3» ، إن كنت لا تقبل كرامة القوم فألحق بأهلك. وكان الحسن يكره ذكر الموت على الطعام.
(3/231)

161- علي رضي الله عنه: إذا أكلتم الثريد فكلوا من جوانبه، فإن الذروة فيها البركة.
162- مد صوفي يده إلى جام «1» فيه خبيص فهور الصومعة، فقيل له: اصبر حتى تبلغها من ناحيتك، فقال: أملي أقصر من أن أحدث نفسي ببلوغها.
163- أعرابي:
يا غنمي روحي إلى الأضياف ... إن لم يكن فيك صبوح كافي
فأبشري ... بالقدر
والأثافي «2»
164- قدم إلى عبادة رغيف يابس فقال: هذا نسج في أيام بني أمية ولكن محوا أطرازه.
165- سأل أعرابي فأعطاه باهلي «3» رغيفا صغيرا فلم يأخذه، وجاء برغيف كبير حسن فقال: يا باهلة، استفحلوا هذا الرغيف لخبزكم فلعلكم أن تنجبوا.
166- قيل لصوفي: ما تقول في الفالوذج؟ قال: لا أحكم على غائب.
خالد الكاتب «4» في أبي المثنى الصطفيلي «5» :
تعجبه من غيره دعوة ... حتى يراها أبدا في المنام
(3/232)

قد رسم التطفيل في وجهه ... هذا حبيس في سبيل الطعام
167- بنان الطفيلي: عصعص عنز خير من طاس أرز.
168- ثلاثة تضني:- سراج لا يضيء، ورسول بطيء، ومائدة ينتظر لها من يجيء.
169- بنى بدوي على أهله «1» ولم يولم، فاجتمع فتيان الحي يطوفون بخبائه وهم يقولون:
أولم ولو بيربوع ... أو بقراد مجدوع
قتلنا* من* الجوع
170- قيل لطفيلي: فيم لذتك؟ قال في مائدة منصوبة، ونفقه غير محسوبة، عند رجل لا يضيق صدره من البلع، ولا تجيش نفسه من الجرع.
171- خير الغداء بواكره، وخير العشاء بواصره.
172- قيل لشامي: أي الطعام أطيب؟ قال: ثريدة موسعة زيتا أخذ أدناها فنقض أقصاها تسمع لها رقيبا في الحنجرة كتقحم بنات المخاض في الجرف.
173- مضغت أعرابية علكا فقيل لها كيف ترينه؟ قالت: تعب الأضراس وخيبة الحنجرة.
174-[شاعر] :
بالملح يدرك ما يخشى تغيّره ... فكيف بالملح إن حلّت به الغير
175-[آخر] :
وما رصفت النقل تبغي به ... تحسينه لكن لكي تحميه
(3/233)

فإن فتى حدث نفسا به ... لم يستجز أن ينقض التعبيه
176- قيل لرجل: من يحضر مائدة فلان؟ قال: الملائكة، قيل:
من يأكل معه؟ قال: الذباب في وقت.
177- سأل رجل يزيد بن هارون «1» عن أكل المدر، قال حرام، قال الله تعالى: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ
«2» ولم يقل كلوا الأرض.
178- قصد جماعة من الطفيلين وليمة، فقال رئيسهم: اللهم لا تجعل البواب وكازا في الصدور، دفاعا في الظهور، طرحا للقلانس، هب لنا رأفته ورحمته وبشره وسهّل علينا إذنه، فلما دخلوا تلقاهم الضيف، فقال الرئيس: غرة مباركة، موصول بها الخصب، معدوم معها الجدب، فلما جلسوا على الخوان قال: جعلك الله كعصا موسى وخوان إبراهيم ومائدة عيسى في البركة، ثم قال لأصحابه: افتحوا أفواهكم، وأقيموا أعناقكم، وابسطوا الأكف، وأجيدوا اللف، ولا تمضغوا مضغ المتعلكين الشباع المتخمين، واذكروا سوء المنقلب، وخيبة المضطرب، خذوا على اسم الله.
179- من كانت همته أكلة كانت قيمته أكله.
180- قيل لأبي مرة «3» : أي الطعام أحب إليك؟ قال ثريدة دكناء «4» من الفلفل، رقطاء «5» من الحمص، بلقاء «6» من الشحم، ذات خفافين من
(3/234)

اللحم، لها جناحان من العراق.
181- قيل: وكيف أكلك لها؟ قال: أصدع بهاتين. يعني السبابة والوسطى، وأسند بهذه، يعني الإبهام، وأجمع ما شذ منها بهاتين، يعني البنصر والخنصر، وأضرب فيها ضرب ولي السوء في مال اليتم.
182- قيل لطفيلي: ما معنى قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
«1» .؟
قال: أراد أهل القرية. كما تقول أكلنا سفرة فلان تريد ما في السفرة.
183- قيل لأعرابي: صف نفسك. قال: خذ على بركة الله، إن كان أكل فقرب، وإن كان نبيذ فجرّب، وإن كان قتال فغرّب.
184- أعرابي:
ألا ليت لي خبزا تسربل رابيا ... وخيلا من البرني فرسانها الزبد
185- عمرو بن الأهتم:
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... فهذا مبيت صالح وصديق
186- ابن الحجاج «2» :
مالي وللحم إن شهوته ... قد تركتني لحما على وضم «3»
187- قيل لأعرابي: ما تسمون المرق؟ قال: السخين. قيل: فإذا برد. قال: ما ندعه يبرد.
(3/235)

188- أتى طفيلي باب قوم فحجبوه، فاحتال حتى دخل وهو يقول:
نزوركم لا نؤاخذكم بجفوتكم ... إنّ المحبّ إذا ما لم يزر زارا
189- ولد لابن أبي ليلى «1» غلام فأطعم جيرانه الفالوذج والخبيص وترك المساور «2» إجلالا له فقال:
من لم يدّسم بالخبيص سبالنا ... عند الولاد فلا هناه الفارس «3»
إن الخبيص له لذاذة مطعم ... يا حبذا هو رطبه واليابس
190- قال أبو بكر الخوارزمي «4» : لم أسمع في وصف الطفيلي أبلغ من قول الحمدوني «5» :
أراك الدهر تطرق كلّ دار ... كأمر الله يحدث كل ليلة
191- قيل لأعرابي: ما أسمنك؟ قال: أكلي الحار، وشربي القار، واتكائي على شمالي، وأكلي من غير مالي، والثريد بعد الكظة.
192- مات لأعرابي أخ فقيل له: ألا تحضر جنازته؟ فقال: لا،
(3/236)

قيل: لم؟ قال: إنه كان والله قطاعا زقاقا جردبيلا. أي غامسا اللقمة المعضوضة في الأدام، شاربا على المائدة وفي فيه الطعام، آكلا بيمينه وقد أمسك المأكول بيساره لئلا يتناول، وهو الجردبان «1» .
193- سأل حمّاد الرواية «2» رقبة بن مصقلة «3» عمّا أكل عند بلال بن أبي بردة «4» .
فقال: الأبيض المنضود، والماضي المردود، والذليل الرعديد، والملوز العقود. أي الرقال الألوان المختلفة والفالوذج والبفريج «5» .
194- كان عمارة بن حمزة يقول «6» : يخبز في بيتي كل يوم ألف رغيف، وكل أهلي يأكلون حلالا غيري. وكان يقول: رب الدار كلب الدار.
195- قيل لأعرابي على مائدة بعض الملوك وهو يأكل الفالوذ: لم يشبع منه أحد إلا مات. فأمسك وفكر ثم ضرب بالخمس وقال: استوصوا بعيالي خيرا، فو الله إني لأشبع منه حتى أموت.
196- قيل لأعرابي: أين تحب أن يكون طعامك؟ قال في بطن أم
(3/237)

طفل راضع، أو ابن سبيل شاسع، أو أسير جائع، أو كبير كانع «1» .
197- يقال: رماه الله بداء الذئب وهو الجوع، والذئب إذا لم يجد شيئا تبلغ بالنسيم، وربما استف التراب.
198- ويقال الطين الأبيض الذي يؤكل لا يوجد أجوده إلا بوجود الذئب إياه.
199- ويقال: اللحم بقلة الذئب لأن الذئب لا يأكل النبات، إنما بقلة اللحم.
200- قيل لجمين «2» : أي البقول أحب إليك قال: بقلة الذئب، وقال:
الخبز أفضل شيء أنت آكله ... وأفضل البقل بقل الذئب يا صاح
201- قالوا: ثلاث ينتهي الحمق إليها: أن يستظل الرجل بمظلة وهو في الظل، وأن يسابق الرجل إلى بيضة البقيلة، وأن يحتجم في غير داره.
202- وقالوا: الوحدة خير من جليس السوء، وجليس السوء خير من أكيل السوء. وليس كل جليس أكيلا، فإن أردت المواكلة فمع من لا يستأثر بالمخ، ولا ينتهز بيضة البقيلة، ولا يلتهم كبد الدجاجة، ولا يختطف كلية الجدي، ولا ينتزع خاصرة الحمل. ولا يزدرد قانصة الكركي، ولا يتعرض لعيون الرؤوس، ولا يستولي على صدور الدجاج.
203- وعن محمد بن أبي المؤمل «3» : لقد كانوا يتحامون بيضة
(3/238)

البقيلة، ويضعها كل امرىء لصاحبه، وأنت اليوم ولو أردت أن تمتع عينيك بنظرة واحدة إليها لم تقدر عليها.
204- وعاتب رجل صاحبه على قطعة إضافته فقال: ما الذي أنكرت مني؟ هل ثنيت وسادتك؟ هل قلبت صفحتك؟ هل جلجلت ملح أبزارك؟
هل أكلت بيضة بقيلتك؟ هل بزقت في طستك «1» ؟.
205- كان عبد الله بن جدعان: من مطعمي قريش كهاشم بن عبد مناف، وهو أول من عمل الفالوذ للضيف، وقال فيه أمية بن أبي الصلت.
له داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق دارته ينادي
إلى درج من الشيزى ملاء ... لباب البر يلبك بالهشادة «2»
وكانت له جفان يأكل منها القائم والراكب. وعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يستظل بظل جفنته في الجاهلية.
206- وفد عبد المطلب «3» على كسرى ومعه جماعة من صناديد قريش، فلما أرادوا الرجوع سأل كلا منهم مسألته، فقال إبن جدعان:
الجارية التي تعمل للملك الفالوذ، فوهبها له، فكانت تعمله له بمكة.
207- وحدث الرياشي «4» عن رجل. قال: أتيت نجران فدخلت على عبد المدان بن الديان الحارثي «5» وهو على سرير، كأنه القمر، بنوه
(3/239)

حوله كأنهم كواكبه، فدعا بالغداء، فأتي بالفالوذ. فانصرف الرجل وهو يقول:
ولقد رأيت القايلين وفعلهم ... فرأيت أكرمهم بني الديان
ورأيت من عبد المدان خلائقا ... فضل الأنام بهن عبد مدان
البر يلبك بالشهاد طعامهم ... لا ما يعللنا بنو جدعان
فبلغ الخبر ابن جدعان فعمل الفالوذ وأطعمه.
208- فالوذج السوق مثل في ذي منظر لا مخبر له. قال:
أعزز عليّ بأخلاق وسمت بها ... عند البرية يا فالوذج السوق
209- ابن الحجاج «1» :
ليس له في الجميل رأي ... ولا بفعل الجميل طاقة
كأنه في القميص يمشي ... فالوذج السوق في رقاقة
210- الحسن بن رجاء:
قد يصبر الحر على السيف ... ويأنف الصبر على الحيف
ويؤثر الموت على حالة ... يعجز فيها عن قرى الضيف
211- يدعون للمؤاخاة والمواساة، وأنتم إنما تدعون للمكافأة والمباهاة.
212- يا معتسر الشباب عليكم بالخبز والملح فإنه يذهب بشحم الكلى ويزيد في اليقين.
213- أبو سليمان الداراني: خير ما أكون إذا لصق بطني بظهري، أجوع الجوعة وأخرج فتزحمني المرأة فما التفت إليها، واشبع الشبعة فأخرج فأرى عينيّ تطمحان.
(3/240)

214- الأوزاعي «1» : ما يسرني أنّ هذه الألوان تجري عليّ وعليكم غدوة وعشيا من حلال ولا نسأل عنها يوم القيامة. قالوا: ولم يا أبا عمرو؟
قال: لأنها تقسّي القلب.
215- كتب علي رضي الله عنه إلى عثمان بن حنيف «2» وهو عامله على البصرة: بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها، تستطاب «3» لك الألوان «4» ، وتنقل إليك الجفان «5» ، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم «6» مجفو «7» وغنيهم مدعو، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم «8» فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه.
ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدي به، ويستضيء بنور علمه. ألا وإن إمكامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه.
ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح وشائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو باليمامة من لا طمع له في القرص، ولا
(3/241)

عهد له بالشبع. أو أبيت مبطانا وحولى بطون غرثى «1» وأكباد حرى؟ أو أكون كما قال:-
وحسبك داء أن تبيت ببطنة ... وحولك أكباد تحن إلى القد
أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون لهم أسوة في خشونة العيش، فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها، تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها.
وكأني بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازل الشجعان، ألا وإن الشجرة البرية أصلب عودا، والروائع الخضرة أرق جلودا.
وأيم الله يمينا استثني فيها بمشيئة الله لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما، وتقنع بالملح مأدوما.
216- جرير «2» :
إن الهجيم قبيلة ملعونة ... ثط اللحى متشابهو الألوان «3»
لو يسمعون بأكلة أو شربة ... بعمان أضحى جمعهم بع
متأبطين بنيّهم وبناتهن ... صعر الأنوف لريح كل دخان «4»
نزل جدي بن قيس بن تدول بن بختر الطائي «5» بكلفة بن قعين «6»
(3/242)

فلم يقره، فقال:
طرقنا أخا دودان نلتمس القرى ... فعبسّ لما أن رآنا وقطّبا
فلو بالفتى نصر ألمت ركابنا ... لأحسن مثوانا وأدنى وقرّبا
217- نزل الفرزدق «1» برجل من بلعنبر «2» فلم يقره وشركه في زاده فقال:
نزلنا بأقوام كثير فلم نجد ... لذي منزل كالمحجنيّ عقال
نزلنا به نبغي قراه فلم يكن ... عقال على الأضياف غير عيال
218- ونزل جرير برجل منهم فباعه قراه فقال:
يا طلحة بن خثيم إن بيعكم ... رفد القرى مانع للدين والحسب
قالوا نبيعكه بيعا فقلت لهم ... بيعوا الموالي واستحييوا من العرب
219- يقال للسكباج «3» مخ الأطعمة، وسيد المرق، وأم القرى، وزين الموائد.
220- ويقال: إذا طبخت اللحم بالخل فقد ألقيت من معدتك ثلث المؤونة.
221- وعن بعض الخلفاء قال لطباخه: إلى كم سكباج؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هو مخ الأطعمة، لا يكره بارده، ولا يمل حاره، بل يستطاب في الحضر، ويتزود في السفر ولا يؤثر عليه في الشتاء والصيف.
فضحك وأجازه.
222- كان أحمد بن أبي خالد وزير المأمون من الشره والنهم
(3/243)

بمضرب المثل على كرم فيه وسخاء. يحكى أنه ولي كورة «1» فوهب خراجها بخوان فالوذج أهدي إليه.
وعرف المأمون كرمه ونهمه فأجرى عليه لمائدته كل يوم ألف درهم، ويحكى أنه حاسب دينار بن عبد الله «2» في داره بسبعة آلاف ألف، ثم قدم له الحاسب الأطعمة فنسي المبلغ، وقال للمأمون: قامت عليه خمسة آلاف ألف، فقال له: ذهبت ألف ألف بأكلة، وألف ألف أخرى بم ذهبت؟
فذهب غداء دينار مثلا بالعراق فيمن يبتاع الحظير باليسير.
223- شرب أعرابي نبيذا عند الموصلي «3» فقال:
شربنا شرابا طيبا عند طيب ... كذاك شراب الطيبين يطيب
224- قال خالد بن صفوان لجاريته: هات جنبا فإنه يهيج المعدة ويشهي الطعام. قالت: قد كان ونفد. قال: لا عليك، فإنه يقدح في الأسنان، ويستولي عليه البطن، وهو من عمل أهل الذمة.
225- يقال للخبز جابر بن حبة، قال:
في حبة القلب مني ... زرعت حب ابن حبة
226- أبو المخفف عاذر بن شاكر البغدادي «4» كان ظريفا طيبا، وكان يركب حمارا، وتركب جارية له حمارا وتحتها خرج، ويدور في بغداد فلا يمر بسلطان ولا تاجر ولا صانع إلا أخذ منه رغيفا أو كسرة.
(3/244)

227- وقال محمد بن الجهم «1» صاحب الفراء «2» : كنت أنا وغيري ممن يستطيبه يحتسبه فلا يقر ويقول لا أخالف رسمي، وقال:
دع عنك رسم الديار ... ودع صفات العقار
واترك نعوت الزنا ... نير في حضور العذاري
وصف رغيفا سربا ... حكته شمس النهار
فليس تحسن إلّا ... في وصفه أشعاري
وذاك أني قديما ... خلعت فيه عذاري «3»
228- رغفان الملعم والبقّال مثل في التفاوت، قال: من هجا الحجاج «4» .
أينسى كليب زمان الهزا ... ل وتعليمه صبية الكوثر
رغيف له فلكة ما ترى ... وآخر كالقمر الأزهر
229- سمع أعرابي يقول وهو متعلق بأستار الكعبة: اللهم ميتة كما مات أبو خارجة، قيل له: كيف مات؟ قال: أكل بذجا، وشرب
(3/245)

مشعلا «1» ، ونام شامسا، فأتته منيته شبعان ريان دفآن.
230- نزل بخالد بن عامر «2» أحد بني عميرة «3» قوم فأطعمهم خبزا بلبن ولم يذبح لهم. فلقبوه القعار فقال:
أنا القعار خالد بن عامر ... لا بأس بالخبز ولا بالخاثر
231- ابن عمر رضي الله عنه رفعه: إذا رأيتم أهل الجوع والتفكر فادنوا منهم، فإن الحكمة تجري على ألسنتهم.
232- قيل لابن عمر: ألا تجعل لك جوارشنا «4» ؟ قال: وما الجوارشن؟ قيل: شيء تأكله يهضم طعامك. قال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، وما ذاك أني لا أجد وأني لا أجوع، ولكن شهدت قوما كانوا يجوعون أكثر مما يشبعون.
233- ابن عباس: أكرموا الخبز، فقيل: وما كرامته؟ قال: لا ينتظر به الأدم، إذا وجدتم الخبز فكلوه حتى تؤتوا بغيره.
234- سمرة بن جندب رفعه: من تعود كثرة الطعام والشراب قسا قلبه.
235- الأوزاعي: قلت لمكحول «5» : أين ترى لي أن أنزل؟ قال:
أنزل حيث يصفو لك الخبز فإن الدين مع الخبز.
(3/246)

236- قيل في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
«1» : همّ الخبز.
237- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للأحنف: أي الطعام أحب إليك؟ قال: الزبد والكمأة. فقال: ما هما بأحب الطعام إليه ولكنه يحب الخصب للمسلمين.
238- قال الحجاج: لجلسائه: ليثبت كل منكم في رقعة أطيب الطعام عنده، ففعلوا، فإذا في الرفاع كلها الزبد والتمر.
239- ابن الأعرابي «2» : يقال أطيب اللحم عوذه، أي ما عاذ بالعظم.
240- مر الفرزدق بيحيى بن الحضين الرقاشي «3» فقال: يا أبا فراس، هل لك في جدي سمين ونبيذ زبيب؟ قال: وهل يأبى هذا إلا ابن المراغة «4» ؟
241- كان الثوري»
يعجب بالرؤوس، وكان يسمي الرأس العرس لما يجمع من الألوان المختلفة الطيبة. وكان يسميه مرة الجامع. ومرة الكامل، وكان ينشد:
هم حملوا رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري
242- أبو صوارة «6» : الأرز الأبيض بالمسلى وبالسكر ليس من طعام
(3/247)

أهل الدنيا. وقال: أطول الليالي ليلة العقرب، وليلة الهريسة، وليلة جدة إلى مكة.
243- وهب بن منبه: إذا سرد الرجل الصيام زاغ بصره عن موضعه، فإذا أفطر على حلاوة رجع إلى مكانه.
244- حماد بن سلمة: دخلت على إياس بن معاوية وهو يأكل الفالوذ، فقال: إدن فكل فإنه يزيد في العقل.
245- عصابة الجرجرائي «1» :
خوان الأمير معمي المكان ... له شبح ليس بالمستبان
يرى بالتوهم لا بالمجس ... وبالخبز الفذ لا بالعيان
246- منصور الحراني «2» :
سرى نحونا يبغي القرى طاوي الحشا ... لقد عملت فيه الظنون الكواذب «3»
فبات له منّا إلى الصبح شاتم ... يعدد تطفيل الضيوف وضارب
وله:
إن الضيوف تحاموني وحق لهم ... ما منهم إبلي يوما ولا شائي
إذا الضريك عرانا بات ليلته ... دون البيوت بلا خبز ولا ماء «4»
247- نزل الحطيئة ضيف فأشار إليه بعصا، قال: إني ضيف، قال: للضيفان أعددتها.
(3/248)

وقال: عجراء من سلم «1» .
248- قدم إلى بدوي كامخ «2» فقال: ما هذا؟ فقيل: كامخ، قال: من كمخه منكم؟ أي سلحه.
249- ابن رستم الكاتب «3» :
ولولا اعتراض العذر ألفيت صاحبا ... إلى كل ما تهوى خفيفا مسارعا
وحين يزول العذر يأتيك كامخ ... تقر به عينا إذا كنت جائعا
ما قصر في قوله إذا كنت جائعا وهو من الإيغال «4» .
250- الحسن: البخل بالطعام من أخلاق الطغام «5» .
251- كتب الحجاج إلى عامله بفارس: ابعث لنا عسلا من عسل خلّار «6» من النحل بكار من الدستفشار «7» الذي لم تمسه النار.
252- كتب بعض الخلفاء إلى عامله بالطائف: أرسل إلي بعسل أخضر في السقاء، أبيض في الإناء من عسل الندغ «8» والسحاء «9» ، من حدب «10» بني شبابة «11»
(3/249)

253- ابن عباس: سئل النبي صلّى الله عليه وسلّم أي الشراب أفضل؟ قال: الحلو البارد. قالوا: أراد العسل.
ويقال: أجود الأعسال الذهبي الذي إذا قطرت منه قطرة على وجه الأرض استدارت كما يستدير الزئبق وتقول الروم: أجوده ما تلطخ به الفتيلة فتعلق بالنار.
254- سئل فيلسوف عما يزيد في العمر فقال: من أدام أكل العسل ودهن جسمه زاد الله في عمره.
255- الحسن: لا تسقوا بناتكم السويق، فإن كنتم لا بد فاعلين فاحفظوهن، قالوا يورث الغلمة «1» .
256- ابن عمر رفعه: ثلاثة لا ترد: اللبن والوساد والدهن «2» .
كان يقال:- اللبن أحد اللحمين.
257- بعض الحكماء: إذا سخن اللبن وسيط بعود من التّين راب من ساعته، وإن أريد أن لا يروب، وإن كانت فيه الروبة، طرح فيه شيء من الحبق «3» .
258- الأصمعي: قال ذو الرمة «4» : إذا قلت للرجل أي اللبن أطيب؟ فإن قال: القارص «5» : فقل: عبد من أنت؟ وإن قال:
الحليب، فقل: ابن من أنت؟.
(3/250)

259- مدني من تصبح بسبع موزات وقدح من لبن أراك «1» تجشأ بخور الكعبة.
260- وقف معاوية على كنانية «2» فقال: هل من قرى؟ قالت: نعم قال: ما هو؟ قالت: خبز خمير «3» ، ولبن مضير «4» ، وماء نمير «5» .
261- النبي صلّى الله عليه وسلّم: الأكل في السوق دناءة.
262- أم سلمة «6» رضي الله عنها رفعته: انهشوا اللحم فإنه أهنأ وأمرأ وأبرأ ورفعت: لا تشمّوا الطعام كما تشمه السباع.
263- أكل الجارود «7» مع عمر رضي الله عنه، فقال: يا جارية هاتي الدستوذر. فقال عمر: إمسح باستك أو ذر «8» .
264- كان يقال: إذا اجتمع للطعام أربع فقد كمل، أن يكون حلالا، وأن تكثر عليه الأيدي، وأن يفتح باسم الله، وأن يختم بحمد الله.
وكان يقال: مدمن اللحم كمدمن الخمر.
(3/251)

265- عمر رضي الله عنه: إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر.
266- رأى رجل رجلا يأكل لحما فقال: لحم يأكل لحما، أف لهذا عملا.
267- دعا عبد الملك «1» رجلا إلى الغداء فقال: ما في فضل، فقال: ما أقبح بالرجل أن يأكل حتى ما يكون به فضل! فقال: يا أمير المؤمنين، عندي مستزاد، ولكني أكره أن أصير إلى الحال التي استقبح أمير المؤمنين.
268- قيل لشيخ: ما أحسن أكلك؟ قال: عملي منذ ستين سنة.
269- قال أبو المخشن الأعرابي «2» : كانت لي بنت تجلس معي على المائدة فتبرز كفا كأنه طلعة، في ذراع كأنها جمارة، فلا تقع عينها على أكلة نفيسة إلا خصتني بها، فصرت أجلس معي على المائدة ابنا لي، فيبرز كفا كأنها كرنافة «3» في ذراع كأنها كربة، فو الله إن تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلا سبقت يده إليها.
270- الأحنف «4» : جنبوا مجلسنا ذكر النساء والطعام فإني أبغض الرجل يكون وصافا لبطنه وفرجه «5» .
وإن من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه.
271- كان بعضهم لا يأكل إلية الشاة ويقول إنها طبق الأست وقريب من الجواعر.
(3/252)

272- كان عمر رضي الله عنه يقول: يا بني لا تخرج من منزلك حتى تأخذ حلمك، يعني تتغدى. وكان يقول: نعم الأدام الجوع ما ألقيت إليه قبله.
273- قال لقمان لابنه: كل أطيب الطعام، ونم على أوطأ الفراش، أراد: أكثر الصيام وأطل القيام حتى تستطيب الطعام وتستمد الفراش.
274- أنس بن مالك: رأيت عمر يلقى له الصاع من التمر فيأكله حتى حشفه «1» .
275- رأى المغيرة «2» على مائدته رجلا ينهش ويتعرّق، فقال: يا غلام ناوله سكينا، فقال الرجل: كل امرىء سكينه في رأسه.
276- أعرابي: أتانا فلان بثريدة فجعلنا نلملم منها مثل القطا «3» الكدري.
277- أكل عبد الرحمن بن أبي بكرة على خوان معاوية فرأى منه لقما منكرا، فقال لأبي بكرة بعد ذلك: ما فعل ابنك التلقامة؟ قال:
اعتل، قال: مثله لا يعدم العلة.
278- كان سليمان بن عبد الملك ثعباني الالتهام لقماني الالتقام، على أن جميع المروانية كانوا أمثالا في الأكل، أمامهم فيه الآكل في سبعة أمعاء معاوية.
279- ويحكى أن سبب موت سليمان أنه أتي بقفعتين «4» عظميتين من بيض مسلوق وتين. فجعل يقرن بين بيضة وتينة حتى أتى عليها.
(3/253)

280- وعن سالم بن قتيبة «1» : عددت للحجاج أربعة وثمانين رغيفا، مع كل رغيف سمكة.
281-[شاعر] :
ونجاد مخزق وخوان ... كسرت رجله وأخرى رهيص «2»
ولقد كان ذا قوائم ملس ... يؤكل اللحم فوقه والخبيص
282- كان جمين «3» يقول للوزينج قاضي قضاة الحلاوى، وللخبيص خاتمة الخير.
283- النبي صلّى الله عليه وسلّم: من دخل على غير دعوة فكأنما دخل سارقا وخرج مغيرا، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله.
284- يقال: أكلنا طعاما خداجا «4» أي لا حلواء معه.
285- معدة شيطانها رجيم.
286-[شاعر] :
يدارك اللقم ولا يخشى الغصص ... تلقما يقطع أزرار القمص
287- بات يعشي وحده ألف جعل، لكثرة ما يضع لكثرة أكله.
288- له بضيعة «5» في الأكل مزجاة «6» . أي هو قليل الطعم.
289- دخل الجمل المصري «7» على قادم وعنده قوم بين أيديهم
(3/254)

أطباق الحلوى ولا يمدون أيديهم، فقال: لقد أذكرتموني ضيف إبراهيم «1» وقوله تعالى: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ
«2» . ثم قال: كلوا رحمكم الله، فضحكوا، وأكلوا.
290- يقال: فلان يحاكي حوت يونس «3» في جودة الالتقام، وثعبان موسى «4» في سرعة الالتهام.
291- قالوا: إذا ألقي اللحم في العسل طريا خرج بعد شهر طريا لا يتغير.
292- حسّان «5» :
ثريد كأن السمن في حجراته ... نجوم الثريا أو عيون الضياون «6»
293- كان حسان عند بعض الملوك فقدم الطعام فقال لقائده: أطعام يدين أم طعام يد؟ أراد شواء أم ثريد.
294-[شاعر] :
خبز شعير بغير أدم ... عند فقير من الكرام
ألذ عندي من ألف لون ... عند غني من اللئام
295- أطعم رجل قوما ما أضرس أسنانهم «7» فقيل:
(3/255)

قد لعمري اقتصصت من كل ضرس ... كان يجني عليك في رغفانك
296- فلان شدّق وعلّق وحدّق، أي جعل لقمة في شدقه، وأخرى في يده، ورمق ثالثة بعينه.
297- دولاب اللقم أكيله، إذا كان يراعيه.
298- ذقته فوجدته عافية مجموعة.
299- لكل شيء حلية، وحلية الخوان السكرجات «1» والبقول.
النبي صلّى الله عليه وسلّم: إذا حضر العشاء والعشاء فابدأوا بالعشاء «2» .
300- جعفر بن محمد «3» : أحب أخواني إليّ أكثرهم أكلا وأعظمهم لقمة، وأثقلهم علي من يحوجني إلى تعاهده في الأكل.
وعنه: تبين محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في منزله.
301- اجتمع أنس بن مالك وثابت البناني على طعام، فقدم أنس إليه الطست فامتنع، فقال أنس: إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها.
302- ودعا الرشيد أبا معاوية الضرير «4» فصب على يده، ثم قال له: يا أبا معاوية، أتدري من صب على يدك؟ قال: لا، قال: صب أمير المؤمنين. قال: يا أمير المؤمنين، إنما أكرمت العلم وأجللته فأكرمك الله وأجلّك.
303- قالوا: غسل الأيدي في الطست في حالة واحدة أدخل في التواضع، وينبغي أن يجمع الماء فيها. قال عليه السّلام: اجمعوا وضوءكم «5»
(3/256)

جمع الله شملكم.
304- وعن ابن مسعود: اجتمعوا على غسل اليد في طست واحدة، ولا تستنوا بسنة الأعاجم.
305- وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار لا ترفع الطست من بين يدي القوم إلا مملوءة، ولا تشبهوا بالعجم.
306- وقيل يستحب جلوس الصاب، وروي أنه صب على يد بعضهم وهو جالس فقام، وقال أحدنا لا بد أن يكون قائما.
307- نزل الشافعي «1» بمالك «2» رحمة الله عليهما فصب بنفسه الماء على يده وقال: لا يرعك ما رأيت مني. فخدمة الضيف فرض.
308- علي رضي الله عنه: لئن أجمع أخواني على صاع من طعام أحب إليّ من أن أعتق رقبة.
309- النبي صلّى الله عليه وسلّم: من أطعم أخاه حتى يشبعه، وسقاه حتّى يرويه، أبعده الله من النار بسبعة خنادق، ما بين خندقين مسيرة خمسمائة عام.
310- لا بأس أن يدخل الرجل دار أخيه ويستطعم للصداقة الوكيدة، فقد قصد رسول الله والشيخان «3» منزل أبي الهيثم بن التيهان «4» وأبي أيوب الأنصاري «5» لذلك، وكانت من عادة السلف.
- وكان لعون بن عبد الله المسعودي ثلاثمائة وستون صديقا فكان يدور
(3/257)

عليهم في السنة.
- ولا بأس أن يدخل بيت صديقه ويأكل وهو غائب، وقد دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دار بريرة»
فأكل طعامها وهي غائبة.
311- وعن محمد بن واسع وأصحابه أنهم كانوا يدخلون منزل الحسن فيأكلون ما يجدون بغير إذن.
312- وعن الحسن أنه كان قائما عند بقال يأخذ من هذه الجونة «2» تينة ومن هذه قسبة فيأكلها. فقال له هشام «3» : ما بدأ لك يا أبا سعيد في الورع؟ فقال: يا لكع «4» ، أتل عليّ آية الأكل، فتلا إلى قوله تعالى:
أَوْ صَدِيقِكُمْ
«5» . فقال: من الصديق؟ قال: من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب.
313- عن يونس النبي صلّى الله عليه وسلّم أن أخوانه زاروه، فقدم إليهم كسرا وجزّ لهم بقلا، وقال: كلوا ولولا أن الله لعن المتكلفين لتكلفت لكم.
314- وعن أنس وغيره من الصحابة أنهم كانوا يقدمون الكسر اليابسة وحشف «6» التمر، ويقولون: ما ندري أيهما أعظم وزرا: الذي يحتقر ما يقدم إليه، أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه؟.
315- كان الشافعي رحمه الله نازلا بالزعفراني «7» ببغداد، وكان
(3/258)

يرقم كل يوم في رقعة ما يطبخ من الألوان ويدفعها إلى الجارية، فأخذها الشافعي يوما وألحق لونا آخر، فعرف ذلك المضيف فأعتق الجارية سرورا بذلك.
316- وقال صديق للسري «1» : جاءني بفتيت «2» وأخذ يجعل نصفه في القدح، فقلت: ما تفعل؟ أنا أشربه كله في مرة، فقال لي: هذا أفضل لك من حجة.
317- قالوا: الأكل ثلاثة مع الفقراء بالإيثار «3» ، ومع الأخوان بالانبساط، ومع أبناء الدنيا بالآداب.
318- أنس رفعه: من لقم أخاه لقمة حلواء صرف الله عنه مرارة الموقف يوم القيامة.
319- يقولون: ما خلا مضيف الخليل عليه السّلام إلى يومنا هذا ليلة من ضيف.
320- النبي صلّى الله عليه وسلّم: شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء دون الفقراء.
321- حكيم: إذا كان خبزك جيدا وماؤك باردا وخلّك حامضا فلا مزيد عليه.
322- المائدة التي نزلت على بني إسرائيل كان عليها كل البقول إلا الكراث «4» ، وسمكة عند رأسها خل وعند ذيلها ملح، وسبعة أرغفة على كل واحد زيتون وحب رمان.
(3/259)

323- كانت سنة السلف أن يقدموا جملة الألوان دفعة ليأكل كل ممّا يشتهي.
324- عنه عليه السّلام: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه وعنه: أن من سنّة الضيف أن يشيّع إلى باب الدار.
325- وعن أبي قتادة «1» رضي الله عنه: قدم وفد النجاشي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقام يخدمهم بنفسه، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، فقال: إنهم كانوا لأصحابي مكرمين فأنا أحب أن أكافئهم.
326- وتمام الضيافة التطلق وطيب الحديث. قال يزيد بن أبي زياد «2» : ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى «3» إلا حدثنا حديثا حسنا وأطعمنا طعاما حسنا.
327- بعض الزهاد: أنا لا أجيب الدعوة إلا لأتذكر طعام أهل الجنة.
328- في الحديث: ترك الغداء مسقمة وترك العشاء مهرمة. وتقول العرب: ترهل الغداء يذهب بشحم الكاذة «4» .
329- حبس ذو النون «5» أياما فلم يأكل، وبعثت إليه أخت له في الله
(3/260)

طعاما على يد السجان فلم يأكل وقال: هو حلال ولكن جاءني على طبق ظالم، وأشار إلى يد السجّان.
330- اشترى رجل أحمالا من السكر، وأمر باتخاذ مسجد من السكر ذي شرف ومحاريب وأعمدة منقوشة. ثم دعا الفقراء فهدموه وانتهبوه.
331- عمر بن أبي سلمة: كنت في حجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكانت يدي تطيش في الصفحة، فقال: يا غلام، سمّ الله تعالى وكل بيمينك وكل مما يلبك. وقالوا له أن يجيل يده في الفاكهة.
332- ابن عباس رفعه: إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها «1» .
333- وعن كعب بن مالك: رأيت رسول الله يلعق أصابعه الثلاث بعد الطعام.
334- كان الحجاج يطعم في اليوم على مائة مائدة، على كل مائدة عشرة، ويطاف به في محفة «2» ليفتقدها، ثم يقول: يا أهل الشام اكسروا الخبز لئلا يعاد عليكم.
335-[شاعر] :
أبلج بين حاجبيه نوره ... إذا تغذى رفعت ستوره
336- عبد الصمد بن المعذل:
كلفتني عذرة الباخل أن ... طرق الطارق والناس هجوع «3»
ليس لي عذر وعندي بلغة ... إنما العذر لمن لا يستطيع
(3/261)

337- سأل المهدي معبد بن خالد بن أنس بن مالك «1» وكان منزله بشيراز «2» عن بعض ما كان فيه ملوك فارس، قال: كانت لكسرى كل يوم عناق «3» قيمتها أربعون ألفا، قال: كيف؟ قال: كان يلتمس له عناق حمراء زرقاء غذيت بألبان النعاج الفتية، فتشترى بما بلغت، ثم تذبح بسكين من ذهب، ثم تسمط بماء الورد، ثم تغسل بالخمر والمسك، ثم يسجر «4» التنور بالعود الهندي، وتجعل في سفود «5» من ذهب، ويضرب في تنورها المسك والعنبر، وكان يؤتى كل يوم بدرّة قيمتها عشرة آلاف فتسحق وتجعل في لون يتخذ له يقال إنه نافع من السل.
338- قال عبد الملك حين حج لحبّى «6» :- ما فعلت حريرتك «7» ؟
قالت: البرمة عندي وعندي أقط وسمن، فعملتها له، فأكل منها فقال: يا حبّى، ليست كما كنت أعهد، فقالت: ألهاك عنها زمكّى الدجاج «8» ، قال: صدقت، وأمر لها بمال.
339- كان عبد العزيز بن مروان جوادا مضيافا، فتغذى عنده أعرابي، فلما كان من الغد رأى الناس على بابه كما رآهم بالأمس، فقال: أفي كل يوم يطعم الأمير؟ وأنشد:
(3/262)

كل يوم كأنه يوم أضحى ... عند عبد العزيز أو يوم فطر
وله ألف جفنة مترعات ... كل يوم يمدها ألف قدر
340- حدث الأصمعي الرشيد بأن سليمان بن عبد الملك كان شرها نهما، يدعو بالدجاج في سفافيده فيعجل عن المناديل فيأخذه بكميه وعليه جبة الوشي فينهشه. فضحك الرشيد وقال: قاتلك الله ما أعلمك! ثم قال: علي بجبات سليمان، فأتي بها، فإذا عليها آثار الدهن. وكسا الأصمعي جبة منها. فكان يقول إذا لبسها: هذه جبة سليمان كسانيها الرشيد.
341- كان أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة القرشي «1» جوادا مطعاما، وكان يقول: إني لأستحي أن يدخل داري أو يمر بي أحد فلا أطعمه.
حتى أنه كان يطرح للذر «2» السويق والحنطة.
342- وعن شيخ من أهل الغرس «3» أنه سمع رجلا يشكو كثرة الذر في منزله، وكان نازلا في منزل أبي عبيدة، فقال له: إن الذر يحسب أنك أبو عبيدة فلا ينتقل، فيوشك أن يعرفك فينتقل.
343- وعن إبراهيم بن هشام أمير المدينة أنه قال لأصحابه: تعلوا نفاجىء أبا عبيدة، عسى أن يبخله، فاستنزلهم، فقالوا: إن كان شيء عاجل وإلا فلا ننزل، فجاءهم بسبعين كرشا فيها رؤوس. فعجب ابن هشام وقال: ترونه ذبح في ليلته عدد هذه الرؤوس.
(3/263)

344- كان الزهري «1» إذا لم يأكل أحد من أصحابه من طعامه حلف لا يحدثه عشرة أيام.
345- أسماء ذات النطاقين «2» : أدخلت عائشة على رسول الله، فأتينا بحلاب من لبن فشرب منه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم ناوله عائشة فأعرضت، فقلت: خذي من رسول الله، ثم ناولتني فشربت، وجعلت أدير الإناء إلى أن أصادف الموضع الذي شرب منه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم ناولته امرأة معي، فقالت: لا أشتهيه، فقال رسول الله: لا تجمعي كذبا وجوعا.
346- الحارث بن أمية «3» في هشام بن المغيرة المخزومي وكان جوادا مطعاما:
وأصبح بطن مكة مقشعرا ... كأن الأرض ليس بها هشام
يروح كأنه أشلاء سوط ... وفوق جفانه شحم ركام
347- كان المغيرة بن عبد الرحمن «4» يأمر بالسكر والجوز فيدقان
(3/264)

ويطعمهما أصحاب الصفة، ويقول: إنهم يشتهون ما يشتهي غيرهم ولا يمكنهم.
348- دخل السائب «1» في يوم شات على علي رضي الله عنه، فناوله قدحا فيه عسل وسمن ولبن، فأباه فقال: أما إنك لو شربته لم تزل شبعان دفآن سائر يومك.
349- نافع بن أبي نعيم «2» كان أبو طالب «3» يعطي عليا رضي الله عنه قدحا من لبن يصبه على اللّات «4» ، فكان علي يشرب اللبن ويبول على اللّات حتى سمن، فأنكر ذلك أبو طالب حتى عرف القصة. فولى ذلك عقيلا «5» .
(3/265)

350- دخل على الحسن بن علي عليهما السّلام ناس من أهل الكوفة وهو يأكل، فسلموا وقعدوا. فقال: الطعام أيسر من أن يقسم عليه، فإذا دخلتم على رجل منزله فقرب طعاما فكلوا منه، ولا تنتظروا أن يقال لكم هلموا، فإنما وضع الطعام ليؤكل.
351- عن الجارود بن أبي سبرة الهذلي «1» : كان عبد الله بن عامر إذا حدثناه أحسن الاستماع، وإن سكتنا ساقطنا أحسن الحديث، فإذا جاء غذاؤه مثل طباخه بين يديه فيقول: أخبر القوم بما عندك ليستبقي الرجل نفسه لما يريده ويقدر في الأكل، حتى إذا أمعن القوم حسر ذراعيه وجثا على ركبتيه واستأنف الأكل. وأمر بناته وكنائنه ألا يلطفنه «2» بلطف إلا حين توضع مائدته فتجيئه الألطاف من هنا ومن هنا.
352- عن عبد الله بن جدعان أو هاشم بن عبد مناف: المائدة مرزوقة، ومن كان مضيافا وسع الله عليه.
353- وجاءت هدايا معاوية يوم النيروز إلى سعيد بن العاص وهو يغدي الناس فتمثل به.
354- الأعمش «3» : أولم أبو وائل «4» رحمه الله برأس بقرة وأربعة أرغفة.
(3/266)

355- أبو ميسرة «1» كان يقول: اللهم اغفر لنا وللممرقين الذين يطبخون ويغرفون لجيرانهم.
356- ابن عباس: من سرّه أن يكثر خير بيته فليتوضأ عند حضور الطعام.
357- عن إبراهيم بن الأدهم: أن إنسانا أضافه فذهب إليه فسأل خادمه فقال: لم لا يحضر فقال: هو رجل كسلان. فقام إبراهيم وأخذ كساءه، ولم يطعم ثلاثة أيام، وقال: أيها الحلق إنما جاء منك، ولولاك لم يتكلم الرجل بكلام الغيبة.
358- دخل داود عليه السّلام غارا فيه رجل ميت عند رأسه لوح مكتوب فيه: أنا فلان ملكت ألف عام، وبنيت ألف مدينة، وتزوجت ألف امرأة، وهزمت ألف جيش، ثم صار أمري إلى أن بعثت إلى السوق قفيزا «2» من الدراهم في رغيف فلم وجد، فبعثت قفيزا من الدنانير فلم يوجد، فبعثت قفيزا من الجواهر فلم يوجد، فدققت الجواهر فاستففتها فمت مكاني، فمن أصبح وله رغيف وهو يحسب أن أحدا على وجه الأرض أغنى منه فأماته الله كما أماتني.
359- كان الفضيل «3» يمشي مع الثوري «4» في السوق فإذا هي مزينة
(3/267)

بألوان الفواكه، فقال له: هب أن هذه كانت بالأمس، أي تصير عاقبتها ما تعرف.
قال يوما: ما يقولون في رجل في كمه تمر فقعد على رأس الكنيف «1» فيطرحه فيه تمرة فتمرة؟ قالوا: هو مجنون. قال: فالذي يطرحه في بطنه حتى يحشوه فهو أجن منه، فإن ذلك الكنيف يملأ من هذا الكنيف.
ورأى مائدة كثيرة الطعام فقال لصاحبه: أتدري ممّ عمارة مائدته؟
قال: لا، قال: من خراب محرابه.
360- ليس شيء أحب إليّ من الضيف لأن رزقه على الله وأجره لي.
361- كان الأمين «2» على سخائه بالمال بخيلا بالطعام جدا.
362- قال المهدي لحسنة «3» لما نزل بما سبيذان «4» وفيها قبره:
إني لأشتهي شيئا ما اشتهيته قط. قالت: وما هو؟ قال: لبن وتمر أتمجّع «5» بهما كتمجّع الأعراب، فاتخذته، فتمجّع وأكثر. ثم أغفى وانتبه يصيح من بطنه، ودعا بماء حار فلم يؤت به. قالوا: سمّته حسنة لغيرة خالتها.
363- عن يحيى بن أكثم: دخلت على المأمون وبين يديه طعام في طبق فدعاني إليه، وإذا هو لحم قليل. فقال:
أعرض طعامك وابذله لمن دخلا ... واحلف على من أبى واشكر لمن أكلا
ولا تكن سابري العرش محتشما ... من القليل فلست الدهر محتفلا
(3/268)

الباب الخامس والأربعون الطمع والرجاء، والحرص، والتمني، والوعد وإنجازه وإخلافه، والمطل والتسويف
1- ابن عباس رضي الله عنه: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن الصفا الزلال الذي لا تثبت عليه أقدام العلماء الطمع.
وعنه عليه السّلام أنه قال للأنصار: إنكم لتكثرون عند الفزع «1» وتقلون عن الطمع.
2- علي رضي الله عنه: أكثر تصارع العقول عند بروق المطامع «2» .
3- أكثم: مصارع الألباب تحت ظلال المطامح.
4- فيلسوف: العبيد ثلاثة عبد رق، وعبد شهوة، وعبد طمع.
5- عبد الله رضي الله عنه «3» : سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الغنى فقال:
اليأس مما في أيدي الناس. ومن مشى منكم إلى طمع الدنيا فليمش رويدا.
6- عمر رضي الله عنه: ما الخمر صرفا بأذهب بعقول الرجال من الطمع.
7- في الحديث المرفوع: إياك والطمع فإنه الفقر الحاضر.
(3/269)

8- ابن خبيق الأنطاكي «1» : من أراد أن يعيش حرا أيام حياته فلا يسكن الطمع قلبه.
9-[شاعر] :
رأيت مخيلة فطمعت فيها ... وفي الطمع المذلة للرقاب
10-[آخر] :
اللؤم والذل والضراعة والفا ... قة في أصل أذن من طمعا
11- أنشد الأصمعي:
وما زلت أسمع أن العقو ... ل مصارعها بين أيدي الطمع
12- لقي كعب «2» عبد الله بن سلام «3» فقال: يا ابن سلام، من أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون به. قال:- فماذا أذهب العلم عن قلوب العلماء بعد إذ علموه؟ قال: الطمع وشره النفس وطلب الحوائج إلى الناس.
13- الأصمعي: كان يقال: العبد حر إذا قنع، والحر عبد إذا طمع.
14- علي رضي الله عنه: الطمع رق مؤبد «4» .
وعنه: إياك أن ترجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة «5» .
(3/270)

15- اجتمع الفضيل «1» وسفيان «2» وابن كريمة اليربوعي «3» فتواصوا، فافترقوا وهم مجمعون على أن أفضل الأعمال الحلم عند الغضب، والصبر عند الطمع.
16- دارا الأصغر «4» :- لا تطمع في كل ما تسمع.
17- الطمع يدنس الثياب ويفري الإهاب «5» .
18- فلان يتبع دقاق المطامع فاستبعده. يقال في سري يتبع المطامح الدنية.
19- الطاووس مع حسنه يغتدي الحيات ويأكل السموم، والنسر مع عظمة وجودة سلاحه لا يأكل إلا الجيف.
20- عتود «6» عند الفزع، ذئب عند الطمع.
21- كان يقال: حين خلق الله آدم عجن بطينته ثلاثة أشياء:
الحرص، والطمع، والحسد. فهي تجري أولاده إلى يوم القيامة، فالعاقل يخفيها، والجاهل يبديها، ومعناه أن الله تعالى خلق شهوتها فيه.
22- إسماعيل بن قطري القراطيسي «7» :
حسبي بعلمي إن نفع ... ما الذل إلّا في الطمع
(3/271)

من راقب الناس نزع ... عن سوء ما كان صنع
ما طار طير فارتفع ... إلا كما طار وقع
23- سابق البربري «1» :
يخادع ريب الدهر عن نفسه الفتى ... سفاها وريب الدهر عنها يخادعه
ويطمع في سوف ويهلك دونها ... وكم من حريص أهلكته مطامعه
24- جابر بن أحمد الشيباني «2» :
كل ابن أنثى مخلد إلى طمع ... ما ضاق أمر ضيّق إلّا اتسع
25- بكار بن رباح المدني «3» :
ذلة ليس تنفع ... وهوى لا يشفع
وعتاب يجول في ... أذن ليس تسمع
والملالات عنك تخ ... برني كيف أصنع
فاجعل الوعد منك لي ... كذبا فيه مطمع
26- بكر بن حبيب السهمي «4» :
سير النواعج في بلاد مضلة ... يمشي الدليل بها على بلبال «5»
خير من الطمع الدنيء ومجلس ... بفناء لا طلق ولا مفضال
(3/272)

فاقصد بحاجتك المليك فإنه ... يغنيك عن مترفع مختال
27- علي عليه السّلام: الطامع في وثاق الذل «1» .
28- أبو حيان «2» : أسير طمع يزلقه على مداحض الذل. ومتوقع يأس لا يصح له فينتهي إلى العز.
29- قيل لأشعب «3» : ما بلغ من طمعك؟ قال: أرى دخان جاري فأثرد «4» . وقال لآخر: لم تقل هذا إلا وفي قلبك خبر. وقال: ما رأيت رجلين يتساران «5» في جنازة إلا قدرت أن الميت أوصى لي بشيء من ماله.
وما زفت بالمدينة عروس إلا كنست بيتي رجاء أن يغلط بها إليّ.
وقيل له: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم، أمرأتي، كل شيء ظنناه فهي تتيقنه. وقال: شاة لي كانت على السطح فأبصرت قوس قزح فحسبتها حبلا من قتّ «6» ، فوثبت إليها فطاحت، فاندق عنقها.
وكان يقعد إلى الطبّاق «7» فيقول: وسع، وسع، فعسى يهدي إلي من يشتريه. وقال: ما رأيت أطمع مني إلا كلبا تبعني على مضغ العلك فرسخا.
30-[شاعر] :
لا تغضبين على امرىء ... لك مانع ما في يديه
وأغضب على الطمع الذي ... استدعاك تطلب ما لديه
(3/273)

31- قيل لحكيم: ما بال الشيخ أحرص على الدنيا من الشاب؟
قال: لأنه ذاق من طعم الدنيا ما لم يذق الشاب.
32- أنوشروان «1» : احذر خدمة الحرص، فلا راحة لحريص.
33- المأمون: صدق والله أبو العتاهية، ما عرفت من رجل قط حرصا ولا طمعا فرأيت فيه مصطنعا.
34- يقال للحريص:- جاء ناشرا أذنيه.
35- ابن أبي فنن «2» :
فدع الحرص للحريص ولا ... تمتهن النفس إنها أقسام
36- الليث يبعث حتفه كلبه.
37- لا تزيده السن إلا نقصا، ولا يزيده الغني إلا حرصا.
38-[شاعر] :
إذا طاوعت حرصك كنت عبدا ... لكل دنية يدعو إليها
39- إبراهيم بن المهدي:
قد شاب رأسي ورأس الحرص لم يشب ... إنّ الحريص من الدنيا لفي تعب
قد يرزق المرء لم يتعب رواحله ... ويحرم الرزق من لم يؤت من طلب
40- أفريدون «3» : المحسن معان، والبريء جريء، والمسيء مستوحش، والحريص تعب.
41- قيل للإسكندر: ما سرور الدنيا؟ قال الرضا بما رزقت منها، قيل: فما غمها؟ قال الحرص.
(3/274)

42- ابن أبي عيينة «1» :
ومن أشرب اليأس كان الغنيّ ... ومن أشرب الحرص كان الفقيرا
43- من أطلق من أمله فرّط في عمله.
44- كان ابن سيرين «2» يقول: أنا لما لا احتسب أرجى مني لما احتسبت، قال الله تعالى: وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
«3» .
45- قيل لأبي رجاء العطاردي «4» : كيف تجدك؟ قال: قد جف جلدي على عظمي، وهذا أملي جديد بين عيني.
46- سعيد بن جبير: الإغترار بالله المقام على الذنوب رجاء المغفرة.
47- فضيل «5» : الخوف أفضل من الرجاء ما كان العبد صحيحا، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف.
48- ابن عيينة «6» : لو قيل للناس أي الأمرين أعجب إليكم، أن تزادوا في عقولكم أو في ذات أيديكم؟ لقالوا: أما عقولنا فقد أوتينا منها ما اكتفينا به.
49- يقدر المقدرون والقضاء يضحك.
(3/275)

50- الحسن «1» : لو رأيت الأجل ومسيره لنسيت الأمل وغروره.
51- الخدري «2» رضي الله عنه: اشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار إلى شهر، فسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر، إن أسامة لطويل الأمل.
52- أنس «3» رضي الله عنه: رأى رسول الله في نعل رجل شسعا من حديد، فقال: قد أطلت الأمل، وزهدت في الآخرة، وحرمت الحسنات، إنه إذا انقطع قبال أحدكم فاسترجع «4» كان عليه من الله صلاة.
53- ابن عباس: كان نبي الله يخرج فيبول ثم يسمح بالتراب، فأقول: إن الماء منك قريب، فيقول: ما يدريني لعلي لا أبلغه.
54- أبو عثمان النهدي «5» : بلغت نحوا من ثلاثين ومائة سنة، وما مني شيء إلا وقد عرفت فيه النقص غير أملي فإنه كما هو.
55- أنس رفعه: يهرم ابن آدم ويشيب منه اثنتان الحرص والأمل.
56- أبو هريرة رفعه: لا يزال الكبير شابا في اثنتين حب المال وطول الأمل.
57- صلى محمد بن أبي تربة «6» بمعروف الكرخي «7» ، ثم قال: لا أصلي بكم أخرى. فقال معروف:- أو أنت تحدث نفسك بصلاة أخرى نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع خير العمل.
(3/276)

58- أبو العتاهية «1» :
لقد لعبت وجدّ الموت في طلبي ... وإنّ في الموت شغلا لي عن اللعب
لو شمّرت فكرتي فيما خلقت له ... ما اشتدّ حرصي على الدنيا ولا كلبي
وله:
تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذل الحرص أعناق الرجال «2»
هب الدنيا تصبّى إليك عفوا ... أليس مصير ذلك للزوال
59- لقمان: يا بني، كن ذا قلبين، قلب تخاف الله به خوفا لا يخالطه تفريط، وقلب ترجو الله به رجاء لا يخالطه تغرير «3» .
60- لا ينقضي الأمل ما بقي الأجل.
61- المرء ما دام حيا خادم الأمل.
62- قيل لمحمد بن واسع: كيف تجدك؟ قال: قصير الأجل، طويل الأمل، سيء العمل.
63- من جرى في عنان أمله كان عائرا بأجله.
64- لو رأيتم الأجل وسروره لأبغضتم الأمل وغروره.
65- لو ظهرت الآجال لافتضحت الآمال.
66- قيل لرجل: كيف حالك؟ قال:- أخدم الرجاء إلى أن ينزل القضاء.
67- بسط مطارح نظري ومسارح أملي.
68- وفدت عليه آماله فانثالت عليه أمواله.
(3/277)

69- ابن نباتة «1» :
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
70- إياكم وطول الأمل فإنه من ألهاه أمله أخزاه أجله.
71- لما خلق الله تعالى آدم خلق له أملا وأجلا، وجعل أمله أمامه، وأجله وراءه فالحرص والأمل يحملان النفوس على المآثم ويوردانها المهالك.
72- قال رجل لمدني: أيسرك أن هذه الدار لك؟ قال: نعم، قال: وليس إلا ذلك؟ قال: وكيف أقول؟ قال تقول: نعم وأحمّ سنة، نعم وأعور.
73- ابن عائشة «2» : كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى ذهب يقتبس النار فكلمه الجبار.
74- قتادة بن شراحيل بن الأصهب «3» :
وإنّ رجائي من جمانة باطل ... رجاء غمام لاقح غير ماطر «4»
75- يقال: في فلان ملق داية وحرص نباش.
76- ابن المعتز:
دع الناس قد طال ما أتعبوك ... ورد إلى الله وجه الأمل
(3/278)

ولا تطلب الرزق من طالبيه ... واطلبه ممن به قد كفل
77- قال معاوية لجلسائه مرة: وددت لو أن الدنيا في يدي بيضة بنمرشت وأحسوها كما هي.
78- قال رجل لصاحبه: لو كان لي كذا! فقال: حرث اللو «1» فما أنبت.
79- أنذر أبا مسلم «2» شيخ نصراني حين دنا قتله فبكى، فقال: لا تبك، إنك لم تؤت من رأي ربيق «3» ، ولا من حزم وثيق، ولا تدبير نافع، ولا سيف قاطع، ولكن ما اجتمع في أحد أمله إلا أسرع في تفريقه أجله.
80- عتبة بن أبي سفيان في خطبته: وإياكم وقول لو فإنها قد أعيت من كان قبلكم، ولن تريح من بعدكم.
81- ابن السماك «4» : خف الله كأنك لم تطعه، وارج الله كأنك لم تعصه.
82- علي رضي الله عنه: من بلغ أقصى أمله فليتوقع أدنى أجله.
83- أبو زبيد الطائي «5» :
(3/279)

ليت شعري وأين مني ليت ... إن ليتا وإن لوّا غناء
84- عبد الصمد بن المعذل:
ولي أمل قطعت به الليالي ... أراني قد فنيت به وداما
85- أبو عبيد الله وزير المهدي: اليأس حر والرجاء عبد.
86- أبو عبيد الله الخواص «1» وكان نطوقا بالحكمة: حين علمت أن مولاي يلي محاسبتي زال عني حزني. قيل: كيف؟ قال: لأنّ الكريم إذا حاسب تفضل.
87- بعض القرشيين: أجرى الله أعط وعانى الله انتقد.
88- علي رضي الله عنه: إياكم والاتكال على المنى فإنها بضائع النوكى «2» ، مع تثبيطها من خير الدنيا والآخرة.
89- الخذلان مسامرة الأماني، والتوفيق رفض التواني.
90- خاضت بنا المنى أودية من العنا، نال المنى عفوا، وكرع من شرعها صفوا.
91- معمر بن عباد «3» : الأماني للنفس مثل الترهات للّسان.
92- أنشد الجاحظ:
الله أصدق والآمال كاذبة ... وجل هذا المنى في الصدر وسواس
(3/280)

93-[شاعر] :
ولا تتعلل بالأماني فإنها ... مطايا أحاديث النفوس الكواذب
94- أعرابي: فلان يقطع نهاره بالمنى، ويتوسد ذراع الهم إذا أمسى.
الحسن: إياكم وهذه الأماني فإنه لم يعط أحد بالأمنية خيرا قط في الدنيا ولا في الآخرة.
95- قس بن ساعدة الأيادي:
ما قد تولى فهو لا شك فائت ... فهل ينفعنّي ليتني ولعلّني
96-[شاعر] :
شط المزار وانتهى الأمل ... فلا خيال ولا رسم ولا طلل
إلا رجاء فما ندري أندركه ... أم يستمر فيأتي دونه الأجل
97- الخليل «1» :
ألا أيها المهدي غير مدافع ... رجاؤك خير من عطاء سواكا
98- أعرابي: وعد الكريم فقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل «2» وتعليل.
99- فلان يعد وعد من لا يخلف، ثم ينجز إنجاز من يخلف.
100- كاتب: أما بعد، فحق من أزهر بقول أن يثمر بفعل.
101- أعرابي: العذر الجميل أحسن من المطل الطويل، فإن أردت الأنعام فانجح، وإن تعذرت الحاجة فأفصح.
102- وعد رجل رجلا ولم يف له، فقال: أخلفتني، قال: والله ما
(3/281)

أخلفتك ولكن ما لي أخلفك.
103- الجاحظ: مواعيد القيان «1» الآل «2» اللامع في الفيافي «3» ، والهشيم تذروه الرياح السوافي.
104- قال أبو مقاتل الضرير «4» : قلت لأعرابي: قد أكثر الناس في المواعيد، فما قولك فيها؟ قال: بئس الشيء الوعد، مشغلة للقلب الفارغ، متعبة للبدن الخافض، خيره غائب، وشره حاضر.
105- النبي صلّى الله عليه وسلّم: عدة المؤمن كأخذ باليد.
106- أنشد الجاحظ:
قد بلوناك بحمد الله إن أغنى البلاء «5» ... فإذا كل مواعيدك والجحد سواء
107- قيل لمزبد «6» : أيسرك أن عندك قنينة شراب؟ قال: يا ابن أم، من يسره دخول النار بالمجان.
108- فلان يمشي مطله في وجل.
109- عدة منشورة عن مطل، مطوية على بخل.
110- لا حبذا الإسعاف إذا اعتصر التسويف ماءه.
111- كم أجررته على شوك المطل، ثم أبته على قصص الخلف.
(3/282)

112-[شاعر] :
وإنك إن منّيت منّيت موعدا ... جهاما وإن أبرقت خلّبا «1»
113-[آخر] :
يباري الرياح بمثل الرياح ... من كاذبات مواعيده
114- محمد بن حسان الضبي «2» :
غذيت بالمطل وعدا رفّ مورقه ... حتى ذوى منه بعد الخضرة العود
واها للفظك ما أحلى مخارجه ... لولا عقارب مطل بعده سود
115-[آخر] :
جزى الله خيرا أريحيا سألته ... فلا هو أعطى ما سألت ولا منع «3»
تكرم عن ردّي ولم يقض حاجتي ... فيقلبني باليأس في صورة الطمع
هنيئا لمن يرضى بإخلاف وعده ... هنيئا له إن كان يحسن ما صنع
116- مدح بشار «4» خالد بن برمك فأمر له بعشرين ألفا فأبطأت عليه، فقال لقائده أقمني حيث يمر، فأخذ بلجام بغلته وقال:
أظلت علينا منك يوما سحابة ... أضاءت لنا برقا وراث رشاشها
فلا غيمها يصحى فييأس طامع ... ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها
فقال: لا تبرح حتى تؤتى بها.
(3/283)

117- زيد الفوارس «1» من فرسان الجاهلية:
وموعدتي حقا كأن قد فعلتها ... متى ما أقل شيئا فإني كعازم
أريد به بعد الممات جزاءه ... لدى حاسب يوم القيامة عالم
118- صالح بن جناح اللخمي»
:
ألا إنما الإنسان غمد لقلبه ... ولا خير في غمد إذا لم يكن نصل
وإن تجمع الآفات فالبخل شرّها ... وشرّ من البخل المواعيد والمطل
ولا خير في وعد إذا كان كاذبا ... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل
119- أبو الجريرة «3» :
إن التي سلبتك يوم عوارض ... بالذل وهي سليمة لا تسلب
منّتك ثم لوتك دينا قادعا ... وعداتهن إذا وعدن الخلب
120- محمد بن أبي أمية «4» :
(3/284)

تذبّ المنى عني المنايا ولو خلا ... مقيل المنى من مهجتي لطفيت
121- محمد بن وهيب «1» :
وإني لأرجو الله حتى كأنني ... أرى بجميل الظن ما الله صانع
122- نفيع بن اللقيط الأسدي «2» :
يسعى الفتى لينال أقصى سعيه ... هيهات حالت دون ذاك خطوب
يسعى ويأمل والمنية خلفه ... توفي الأكام لها عليه رقيب
لا الموت محتقر الصغير فعادل ... عنه ولا كبر الكبير مهيب
فإذا صدقت النفس لم تترك لها ... أملا ويأمل ما اشتهى المكذوب
123- صخر بن الجعد «3» :
أرجى أن ألاقي آل كاس ... كما يرجو أخو السنة الربيعا «4»
124- ماتت أم ولد للهذلي «5» فأمر المنصور الربيع «6» أن يعزيه
(3/285)

ويقول: إن أمير المؤمنين موجه إليك جارية نفيسة لها أدب وظرف تسليك عنها، وأمر لك معها بفرش وكسوة وصلة، فلم يزل الهذلي يتوقعها.
ونسيها المنصور. وحج ومعه الهذلي، فقال له وهو بالمدينة: أحب أن أطوف الليلة في المدينة فأطلب لي من يطوف بي، فقال: أنا لها يا أمير المؤمنين. فطاف حتى وصل إلى بيت عاتكة، فقال: يا أمير المؤمنين، وهذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص «1» «يا بيت عاتكة الذي أتعزل» «2» ، فأنكر المنصور ذكر بيت عاتكة من غير أن يسأله عنه. فلما رجع أمرّ القصيدة على قلبه فإذا فيها:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل «3»
فذكر الموعد فأنجزه له واعتذر إليه.
125- الوعد وجه والإنجاز محاسنه. الوعد سحابة والإنجاز مطر.
126- لقح المعروف بالوعد، وأنتجه بالفعال، وأرضعه بالزيادة.
127-[شاعر] :
إذا مطلت امرأ بحاجته ... فامض على مطله ولا تحد
128- قال علي رضي الله عنه لابنه الحسن: يا بنيّ، خف الله خوفا
(3/286)

ترى أنك لو أتيته بحسنات أهل الأرض لم يقبلها منك. وارج الله رجاء ترى أنك لو أتيته بسيئات أهل الأرض غفرها لك.
129- كان يقال لعبد الله بن عامر «1» : أفلح سائله.
130- أنشد العتبي «2» الرشيد:
النفس تطمع والأسباب عاجزة ... والنفس تهلك بين اليأس والطمع
(3/287)

الباب السادس والأربعون الطاعة لله ولرسوله ولولاة المسلمين وذكر الانقياد والخضوع والامتثال
1- علي رضي الله عنه: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جيشا وأمرّ عليهم رجلا وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأجج نارا وأمرهم أن يقتحموا فيها فأبى قوم أن يدخلوها وقالوا: إنما فررنا من النار، وأراد قوم أن يدخلوها. فبلغ ذلك النبي فقال: لو دخلوها لم يزالوا فيها. وقال: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف.
وروي: فهم القوم أن يدخلوها فقال لهم شاب: لا تعجلوا حتى تأتوا رسول الله فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها فأتوا رسول الله، فقال لهم: لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقال: اسم الأمير عبد الله بن محرز «1» وكانت فيه دعابة، فلما هموا بالدخول قال اجلسوا فأني كنت أضحك وألعب، وقال رسول الله لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
2- عبد الله بن عمرو «2» رضي الله عنه، رفعه: السمع والطاعة على
(3/289)

المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية الله، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
3- أم الحصين «1» : حججت مع رسول الله في حجة الوداع فسمعته يقول: إن أمر عليكم عبد مجدّع أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا.
4- أبو ذر رضي الله عنه: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع ولو كان عبدا مجدع الأطراف.
5- أبو هريرة رفعه: من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني.
وعنه عليه السّلام: عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك.
6- أبو العتاهية:
أطع الله بجهدك ... عامدا أو دون جهدك.
أعط مولاك كما تط ... لب من طاعة عبدك
7- بعث سعد بن أبي وقاص جرير بن عبد الله البجلي إلى عمر بن الخطاب، فقال له عمر: كيف تركت الناس؟ قال: هم كقداح «2»
(3/290)

الجعبة «1» منها الأعضل «2» الطايش «3» ومنها القائم «4» الرايش «5» وسعد بن أبي وقاص ثقافها «6» الذي يقيم أودها «7» ويغمز «8» عضلها «9» . قال: وكيف تركت طاعتهم؟ قال:- يصلون الصلاة لأوقاتها، ويؤدون الطاعة إلى ولاتها، فقال عمر: الله أكبر! إذا أقيمت الصلاة أوتيت الزكاة، وإذا كانت الطاعة كانت الجماعة.
8- علي رضي الله عنه: إن الله سبحانه جعل الطاعة غنيمة الأكياس «10» عند تفريط العجزة «11» .
9- قال عمر بن عبد العزيز لمؤدبه: كيف كانت طاعتي لك؟ قال:
أحسن طاعة. قال: فأطعني كما كنت أطيعك، خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن ثوبك حتى يبدو عقباك.
10- الحجاج: في خطبته: يا أيها الناس، اقدعوا «12» هذه الأنفس فأنها أشهى شيء إذا أعطيت، وأعطى شيء إذا منعت، فرحم الله امرأ جعل لنفسه خطاما وزماما فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وصرفها بزمامها عن معصية الله، فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله.
(3/291)

11-[شاعر] :
يا من غدا لي أعزّ مولى ... ملكت مني أذل عبد
طاعة قلب ونصح جيب ... وأمن غيب ورعي عهد
12- مدح أعرابي رجلا فقال: آخذ الناس لما به أمر، وأتركهم لما عنه زجر.
13- فضيل «1» : من أطاع المخلوق في معصية الخالق فقد آثره عليه. ما أبالي فعلت ذلك أو صلّيت لغير القبلة.
14- إبراهيم بن أدهم «2» : لأن أدخل النار وقد أطعت الله أحبّ إليّ من أن أدخل الجنة وقد عصيت الله.
15- الحجاج: والله لطاعتي أوجب من طاعة الله. إن الله يقول:
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
«3» فجعل فيها مثنوية، وقال: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا
«4» فلم يجعل فيها مثنوية فلو قلت لرجل ادخل من هذا الباب فلم يدخل لحلّ لي دمه.
16- إياس بن قتادة «5» :
وإنّ من السادات ممّن لو أطعته ... دعاك إلى نار يفور سعيرها
(3/292)

17- أبرويز «1» : أطع من فوقك يطعك من دونك، وكان يقول: إذا أردت أن تفتضح فمر من لا يمتثل أمرك.
18- أسفنديار «2» : إذا أردت أن تطاع فسل ما يستطاع. وعنه: إن المولى إذا كلف عبده ما لا يطيقه فقد أقام عذره في مخالفته.
19- كتب رسطاليس «3» إلى الإسكندر: إياك أن تعهد من أصحابك طاعة المخافة فإنك تفقدها منهم أحوج ما تكون إليها. واجتهد في إحراز طاعة المحبة منهم تجدها في أي وقت أردت.
20- كان المنصور يقول: إن الحسن قد انتكث منذ لقيه أبو حنيفة.
يريد الحسن بن قحطبة وأنه تثبط عن طاعته والإقدام على مظالمه لاستماعه لعظات أبي حنيفة رحمه الله ونصائحه وتخويفه من سطوات الله.
21- زيد بن علي «4» رضي الله عنه: إذا دعوتكم إلى أمر فلم أسبقكم إليه فلا طاعة لي عليكم.
22- ابن رميلة الضبي «5» :
أظن ضرار أنني سأطيعه ... وأني سأعطيه الذي كنت أمنع
(3/293)

إذا اغرورقت عيناه واحمرّ وجهه ... وقد كاد غيظا جلده يتبضّع
23- الحمد لله الذي جعل أهل طاعته أحياء في مماتهم، وجعل أهل معصيته أمواتا في حياتهم.
24- علي رضي الله عنه: من أراد الغنى بلا مال، والعز بلا عشيرة، والطاعة بلا سلطان، فليخرج من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته، فإنه واجد ذلك كله.
25- أبو البختري «1» : وددت أن الله يطاع وأني عبد مملوك.
26- لقيط بن زرارة التميمي «2» لعمرو بن هند «3» :
فإنك لو غطّيت أرجاء هوة ... مغمسة لا يستبان ترابها
وذلك في ظلماء ثم دعوتني ... لجئت إليها مسرعا لا أهابها
27- طريح بن إسماعيل «4» في الوليد «5» :
(3/294)

لو قلت للسيل دع طريقك والمو ... ج عليه كالهضب تعتلج
لارتد أوساخ أو لكان له ... في سائر الأرض عنك منعرج
28- صاحب كليلة ودمنة «1» : لا يرد بأس العدو القوي بمثل الخضوع، كما أن الحشيش يسلم من الريح العاصفة بلينه لها وانسيابه معها.
29- قال عبد الملك «2» للحجاج كيف طاعتك؟ قال: طاعة الحمار الحمول العمول، إن حمل عليه اثنان قال هو ذاك، وإن حمل عليه واحد قال هو ذاك، وإن أقضم رضي الله، وإن لم يقضم عمل العمل.
وكتب عبد الملك إليه ينكر عليه إسرافه في الدماء والأموال، فأجابه:
إذا أنا لم أطلب رضاك واجتنب ... أذاك فيومي لا توارى كواكبه
وما لامرىء يعصى الخليفة جنة ... تقيه من الأمر الذي هو راهبه
أسالم من سالمت من ذي قرابة ... ومن لم تسالمه فإني محاربه
إذا قارف الحجاج فيك خطيئة ... فقامت عليه في الصباح نوادبه
إذا أنا لم أدن الشفيق بنصحه ... وأقص الذي تسرى إليه عقاربه
وأعطى المواسى في البلاء عطية ... ترد الذي ضاقت عليه مذاهبه
فمن يتقي يومي ويرعى مودتي ... ويخشى غدي والدهر جم عجائبه
والأمر إليك اليوم ما قلت قلته ... وما لم تقله لم أقل ما يقاربه
فقف بي على حد الرضا لا أجوزه ... يد الدهر حتى يرجع الدر حالبه
وإلا فذرني والأمور فإنني ... رفيق شفيق أحكمته تجاربه
30- أمر رجل رجلا بأمر فقال: أنا أطوع لك من الرداء، وأذل لك من الحذاء.
(3/295)

31-[شاعر] :
ولو أنه قال مت حسرة ... لسارعت طوعا إلى أمره
32-[آخر] :
إني لاذكره فاخضع ذلة ... حتى أمسّ بخدي الأرضا
آخر:
أمرّ من طعم كل مرّ ... خضوع حرّ لغير حرّ
34- آخر:
لا بد للمرء من سجود ... في زمن السوء للقرود
35- سوار بن المضرب «1» :
أترجو بنو مروان سمعي كطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا
36- علي عليه السّلام: فانهد بمن أطاعك على من عصاك، واستغن بمن انقاد معك عمن تقاعس عنك، فإن المتكاره مغيبه خير من شهوده، وقعوده أغنى من نهوضه «2» .
(3/296)

الباب السابع والأربعون الظن والفراسة، والتهمة والشك والاسترابة والحرص والتقدير، والفكر والإضمار
1- ابن عباس رضي الله عنه: نظر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الكعبة فقال:
مرحبا من بيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك! والله إن المؤمن أعظم حرمة عند الله منك، لأن الله حرم منك واحدة ومن المؤمن ثلاثا: دمه، وماله وأن يظن به ظن السوء.
2- علي رضي الله عنه: من ظن بك خيرا فصدق ظنه «1» .
وعنه:- اتقوا ظنون المؤمنين فإن الله تعالى جعل الحق على ألسنتهم «2» .
وعنه: إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله ثم أساء رجل الظن برجل لم تظهر منه خزية «3» فقد ظلم، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله فأحسن رجل الظن برجل فقد غرّر «4» .
وعنه: ليس من العدل القضاء على الثقة بالظن «5» .
(3/297)

3- عمر رضي الله عنه: لن ينتفع المرء بعقله حتى ينتفع بظنّه.
وعنه: ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يغلبك منه، ولا تظنن بكلمة حرجت من في أخيك المسلم سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومنّ من أساء الظن به.
4- وقف موسوس على ناس فسألهم فردوه، فقال:
أسأت إذا أحسنت ظني بكم ... والحزم سوء الظن بالناس
5- قيل لعالم:- من أسوأ الناس حالا؟ قال:- من لا يثق بأحد لسوء ظنّه، ولا يثق به أحد لسوء فعله.
6- طلب المتوكل جارية الزقاق «1» بالمدينة، فكاد يزول عقله لفرط حبه لها، فقالت لمولاها: أحسن ظنك بالله وبي فإني كفيلة لك بما تحب، فحملت. فقال لها المتوكل اقرأي، فقرأت: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
«2» . ففهم المتوكل ما أرادت فردّها.
7- كتب محمد بن سوقة «3» إلى جعفر بن برقان «4» : الحمد لله الذي ستر منا ومنك القبيح، وأظهر منا ومنك الحسن حتى حسن الظن بنا وبك والسلام.
8- أبو هريرة رفعه: إن حسن الظن بالله من حسن عبادة الله.
(3/298)

9-[شاعر] :
وقد كان حسن الظن بعض مذاهبي ... فأدّبني هذا الزمان وأهله
10- بلعاء بن قيس «1» :
وابغي صواب الظن أعلم أنه ... إذا طاش ظن المرء طاشت معاذره
11- قيل لصوفي: ما صناعتك؟ قال: حسن الظن بالله، وسوء الظن بالناس.
12- ذكر رجل عند أعرابي بشدة العبادة فقال:- هذا والله رجل سوء، أيظن أن الله لا يرحمه حتى يعذب نفسه هذا التعذيب؟
13- النبي صلّى الله عليه وسلّم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فمن رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
14- كان ابن الزبير «2» رضي الله عنه يقول: لا عاش بخير من لم ير برأيه ما لم ير بعينه.
15- قيل ليعقوب «3» عليه السّلام: إن بصر رجلا يطعم المسكين ويملأ حجر اليتيم. فقال: ينبغي أن يكون منا أهل البيت، فنظروا فإذا هو يوسف «4» عليه السّلام.
16- الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان:
(3/299)

لقد قرفوا أبا وهب بأمر ... كبير بل يزيد على الكبير
وأشهد أنهم كذبوا عليه ... شهادة عالم بهم خبير
17- أبو وهب كنية عبد الصمد بن عبد الأعلى «1» مؤدب الوليد، وهو الذي أفسد الوليد وحمله على السخف والشراب، فنحاه عنه هشام «2» فقال ذلك.
18- سهل الأحول «3» كاتب إبراهيم بن المهدي: ما أحسن حسن الظن إلا أن فيه العجز! وما أقبح سوء الظن إلا أن فيه الحزم!.
19- أعرابي: تسقطني فلان فأخلفت ظنه.
20- النبي صلّى الله عليه وسلّم: إن في كل أمة محدّثين ومروّعين «4» ، فإن يكن في هذه الأمة أحد فعمر منهم.
21- المحدث المصيب في حدسه كأنما حدث بالأمر. قال أوس «5» :
مليح نجيح أخو مأقط ... نقاب يحدث بالغائب «6»
(3/300)

والمروّع الذي تلقى الأمور في روعه.
22- أبو هريرة رفعه: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا «1» ولا تجسسوا.
- وعنه عليه السّلام: يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فليظنّ بي عبدي ما شاء. وأنا مع عبدي إذا ذكرني.
23-[شاعر] :
أحسن بربك ظنا ... فإنه عند ظنك
24- الحسن: ما داء هذا الخلق كلهم إلا الشك.
25- محمد بن علي الصيني «2» في طاهر بن الحسين:
كأنك مطلع في القلوب ... إذا ما تناجت بأسرارها
فكرات طرفك ممتدة ... إليك بغامض أخبارها
26- من موالي بني سليم الحسن بن السقا «3» لم يكن في الأرض أخرص «4» منه أحزر. كان ينظر إلى السفينة فيحزر ما فيها فلا يخطىء.
وكان خرصه للموزون والمكيل والمعدود سواء لا يعدله شيء من ذلك، يقول في هذه الرمانة كذا حبة، ووزنها كذا، ويأخذ عدد الآس «5» فيقول فيه كذا ورقة ووزنه كذا فلا يخطىء.
(3/301)

27- ابن المعتز «1» :
تفقد مساقط لحظ المريب ... فإن العيون وجوه القلوب
وطالع بوادره في الكلام ... فإنك تجني ثمار الغيوب
28- علي كرّم الله وجهه: من تردد في الريب وطأته سنابك «2» الشياطين «3» .
- وعنه: ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وصحفات وجهه.
29- أشار ابن عباس على عليّ رضي الله عنه بشيء فلم يعمل به ثم ندم فقال: ويح ابن عباس: كأنما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق.
30- أبو نهشل بن حميد الطائي «4» :
أما والراقصات بذات عرق ... ورب البيت والركن العتيق «5»
لقد أطلعت لي تهما أراها ... ستحملني على مضض العقوق
31- قالوا: إذا رأيت الرجل يخرج بالغداة ويقول:- ما عند الله خير وأبقى، فاعلم أن في جواره وليمة لم يدع إليها. وإذا رأيت أن قوما يخرجون من عند قاض ويقولون: ما شهدنا إلا بما علمنا، فاعلم أن شهادتهم لم تقبل. وإذا قيل للمتزوج صبيحة البناء: كيف ما قدمت عليه؟
(3/302)

فقال:- الصلاح خير من كل شيء، فاعلم أن أمرأته قبيحة. وإذا رأيت رجلا يمشي ويتلفت، فاعلم أنه يريد أن يحدث «1» . وإذا رأيت فقيرا يعدو، فاعلم أنه في حاجة غني، وإذا رأيت خارجا من عند الوالي وهو يقول: يد الله فوق أيديهم، فاعلم أنه قد صفع.
32-[راجز] :
قوم صدور الخيل يا ابن بشر ... ذات اليمين من مغيب النسر
أياك والشك وضعف الأمر
33- مر ولد نزار «2» في طريقهم إلى الأفعى الجرهمي «3» بكلأ قد رعي، فقال مضر «4» : إن البعير الذي رعى هذا لأعور، وقال ربيعة «5» :
وهو أزور، وقال أياد «6» : وهو أبتر، وقال أنمار «7» 4 وهو شرود. فلقيهم صاحب البعير فسألهم فأعطوه صفته فاستدلّهم عليه، فقالوا: ما رأيناه.
فلزمهم وذهب معهم إلى الأفعى، فقال: كيف وصفتموه ولم تروه؟ فقال:
مضر: رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه أعور.
(3/303)

وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعلمت أنه أفسده بشدة وطئه لازوراره. وقال إياد: عرفت بتره باجتماع بعره ولو كان ذيالا لمصح به، وقال أنمار: كان يرعى بالمكان الملتف ثم يجوزه إلى مكان آخر أرق منه وأخبث فعلمت أنه شرود. فقال للرجل: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه. ثم رحب بهم ودعا لهم بطعام وشراب وخرج من عندهم وتسمع عليهم، فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا لولا أنها نبتت على قبره. وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما لولا أنه ربي بلبن كلبة. وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا لولا أنه ليس لأبيه الذي يدعى إليه، وقال أنمار:
لم أر كاليوم كلاما انفع لولا أن صاحبنا يسمع.
فقال: ما هؤلاء إلا شياطين، وكان الأمر كما حدسوا.
34- ابن عباس في عمر رضي الله عنه: ما رأيته إلا وكأن بين عينه ملك يسدده.
35- الحسن: أوصيكم بتقوى الله وإدامة التفكر، فإن التفكر أبو كل خير وأمه.
- وعنه: من عرف الله أحبه، ومن عرف الدنيا زهد فيها.
36- والمؤمن لا يلهو حتى يغفل، فإذا تفكر حزن.
37- سأل سعيد بن المسيب أيوب السختياني عن حديث فقال: إني أشك فيه. فقال: شكك أحب إليّ من يقين شعبة «1» .
38- عين المرء عنوان قلبه.
39- قيل لرقبة بن مصقل: ما أكثر ما تشك؟ فقال ما ذلك إلا محاماة عن اليقين.
(3/304)

40- جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول قبل موته بثلاث:
لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله.
41- التفكر قبل العمل يرفع هيبة البديهة.
42- لما خرج عبد الملك يريد مصعبا «1» عرض له كثيّر «2» فقال: يا كثيّر ذكرتك اليوم فما تكاد تخرج من بالي، فإن أنبأتني لم ذكرتك فاحتكم عليّ فيما أدفعه إليك. قال: نعم، أردت الشخوص إلى هذا الوجه فنهتك عاتكة بنت يزيد «3» ، فلما جددت بكت فبكى لبكائها حشمها، فذكرت قولي:
إذا ما أراد الغزو لم يثن همه ... حصان عليها عقد در يزينها
نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت فبكى مما عراها قطينها
قال: قد والله أصبت فاحتكم، قال: مائة ناقة برعاتها، فدفعها إليه ثم قال: هل لك أن تصحبنا في هذا الوجه؟ فقال: احرز هذه وارجع إليك.
قال: إنك قد صدقتني فوفيت لك، أفرأيت أن أنبئك بما في نفسك أتحكمني؟ قال: أي والله، قال: قد قلت في نفسك هذا عائد عن الحق من أهل النار يخرج إلى مثله، فلعله يصيبني سهم غرب «4» فالحق بالذي أنا معه. قال: قد أصبت يا أمير المؤمنين فاحتكم. قال: حكمي عليك أن أصل هذه الإبل لك بألف دينار وأعجل سراحك.
(3/305)

الباب الثامن والأربعون الظلم وذكر الظلمة وما عليهم، والأذى وقسوة القلب، وما اتصل بذلك
1- أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: رحم الله عبدا كان لأخيه قبله مظلمة في عرض أو مال فأتاه فنحلله منها قبل أن يأتي يوم القيامة ليس معه دينار ولا درهم.
2- جابر بن عتيك «1» رفعه: من اقتطع شيئا من مال امرىء مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة. قالوا يا رسول الله وإن شيء يسير؟ قال: ولو قضيب من أراك «2» .
3- حذيفة «3» : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أوحي إليّ يا أخا المرسلين، يا أخا المنذرين أنذر قومك فلا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد من عبادي عند أحد منهم مظلمة، فإني ألعنه ما دام قائما يصلي بين يدي يرد تلك الظلامة إلى أهلها، فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء في الجنة.
(3/307)

4- ابن عمر رفعه: لرد دانق «1» حرام يعادل عند الله سبعين حجة مبرورة.
5- أبو هريرة رفعه: لا يغبطن ظالم بظلمه فإنّ له عند الله طالبا حثيثا، ثم قرأ: كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
«2» .
6- علي رضي الله عنه رفعه: إياكم ودعوة المظلوم، فإنما سأل الله حقه، وإن الله لا يمنع من ذي حق حقه.
7- خزيمة بن ثابت رفعه: اتقوا دعوة المظلوم، فإنما تحمل على الغمام، يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.
8- علي رفعه: يقول الله اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد ناصرا غيري.
9- النابغة الجعدي «3» لعقال بن خويلد العقيلي «4» :
كليب لعمرو الله كان أكثر ناصرا ... وأهون ذنبا منك ضرّج بالدم
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهّم «5»
10- مر عامر بن بهدلة «6» برجل قد صلبه الحجاج فقال: يا رب إن حلمك على الظالمين قد أضر بالمظلومين. فرأى في منامه أن القيامة قد قامت وكأنه قد دخل الجنة، فرأى المصلوب فيها في أعلى عليين، وإذا مناد ينادي: حلمي على الظالمين أحل المظلومين في أعلى عليين.
11- بعض السلف: دعوتان أرجو إحداهما وأخاف الأخرى: دعوة
(3/308)

مظلوم أعنته، ودعوة ضعيف ظلمته.
12- مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم برجلين يتشاجران، وكان أحدهما يتعدى ويتطاول، وصاحبه يقول: حسبي الله، حسبي الله، فقال عليه السّلام: يا رجل، أبل من نفسك عذرا «1» ، فإذا أعجزك الأمر فقل حسبي الله.
13- من سلب نعمة غيره سلب غيره نعمته.
14- زياد «2» : يعجبني من الرجل إذا سيم خطة الضيم أن يقول بملء فيه: لا.
15- عمر بن عبد العزيز: الوليد «3» بالشام، والحجاج بالعراق، وقرة ابن شريك بمصر، وعثمان بن حيان «4» بالحجاز، ومحمد بن يوسف «5» باليمن! امتلأت الأرض والله جورا.
16- لرجل من أزد شنوءة «6» استعدى عتبة بن أبي سفيان وقد ظلمه عامله:
(3/309)

أمرت من كان مظلوما ليأتيكم ... فقد أتاكم غريب الدار مظلوم
17- نقش خاتم أنو شروان «1» : لا يكون العمران حيث يجور السلطان.
18- كان أبو ضمضم «2» على شرطة الكوفة، فلم يحدث في عمله حادث، فأخذ رجلا من عرض الناس فجرده للسياط، واجتمع عليه النظارة، فقال الرجل:- ما ذنبي أصلحك الله؟ قال:- أجب أن تجملنا بنفسك ساعة.
19- سمع مسلم بن يسار رجلا يدعو على من ظلمه فقال: كل الظلوم إلى ظلمه فهو أسرع فيه من دعائك إلا أن يتداركه الله بعمل، وقمن أن لا يفعل.
20- كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: أما بعد فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم فاذكر قدرة الله على عقوبتك وذهاب ما تأتي إليهم وبقاء ما يؤتى إليك والسلام.
21- كان علي بن الحسين يقول كلما ذر شارق «3» : اللهم إني أعوذ بك أن أظلم أو أظلم، وأعوذ بك أن أبغي أو يبغى عليّ.
22- علي رضي الله عنه: ولئن أمهل الله الظالم فلن يفوت أخذه، وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، وبموضع الشجى «4» من مساغ ريقه «5» .
(3/310)

23- طرفة «1» :
والظلم فرق بين حيّي وائل ... بكر فساقتها المنايا تغلب
24- الأفوه «2» :
وبشؤم البغي والغشم قديما ... ما خلا جوف ولم يبق حمار
جوف: واد كان لحمار بن طويلع بن عاد «3» .
25- أنو شروان: رفع إليه أن عامل الأهواز قد جبى من المال ما يزيد على الواجب، فوقع برد المال على الضعفاء، فإن الملك إذا كثر أمواله بما يأخذ من رعيته كان كمن يعمر سطح بيته بما يقتلع من قواعد بنائه.
26- يقال: كسره كسر الجوز، وقشره قشر اللوز، وأكله أكل الموز، إذا نهكه ظلما.
27- من كثر شططه كثر غلطه.
28- الظلم يجلب النقم، ويسلب النعم.
29- من طال عدوانه زال سلطانه.
30- لولا الداعون لهلك العادون.
(3/311)

31- من جمح «1» به العدوان جنح «2» عليه الأخوان.
32- لا تندم على فرض أقمته، وظالم وقمته «3» .
33- رئي في طول لوح في أفق السماء مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله وتحته:
فلم أر مثل العدل للمرء رفعة ... ولم أر مثل الجور للمرء واضعا
34-[شاعر] :
كنت الصحيح وكنا منك في سقم ... فان سقمت فإنّا السالمون غدا
دعت عليك أكف طالما ظلمت ... ولن ترد يد مظلومة أبدا
35- النبي صلّى الله عليه وسلّم: لو بغى جبل على جبل لدك الباغي.
- وعنه عليه السّلام: أعجل الشر عقوبة البغي.
36- فيروز بن يزدجرد «4» : من سل سيف البغي قتل به. ومن أوقد نارا للفتنة كان وقودا لها.
37- النجاشي «5» : الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم.
38- علي رضي الله عنه:
يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم «6» .
(3/312)

39- معاوية: إني لأستحي أن أظلم من لا يجد عليّ ناصرا إلا الله.
كان الناس يتلاقون بعد قتل المنتصر «1» أباه فيقولون: والله لا عاش إلا ستة أشهر كما عاش شيرويه بن كسرى»
حين قتل أباه. فكان كما ظنوا.
وروي أن سبب موته أنه فصد «3» بمبضع مسموم، والطبيب الذي قصده احتاج إلى الاقتصاد بعد ذلك، فأخرج إلى تلميذه دست مباضع وفيها ذلك المبضع، فاتفق أنه فصده به فمات الطبيب.
ورأى أباه في المنام فقال له: ظلمتني وقتلتني لا تمتعت بالخلافة إلا أياما.
وقال لأمه حين احتضر: عاجلت فترجلت.
40- أبو العيناء «4» : كان لي خصوم ظلمة فشكوتهم إلى أحمد بن أبي دؤاد «5» ، وقلت: قد تظافروا عليّ وصاروا يدا واحدة، فقال: يد الله فوق أيديهم. قلت: إن لهم مكرا، قال: ولا يحيق المكر السيء إلا
(3/313)

بأهله، قلت: هم كثير، قال:- كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله.
41-[شاعر] :
لا تبع عقدة مال ... خيفة الجار الغشوم
واصطبر للفلك الجا ... ري على كل ظلوم
فهو الدائر بالأمس على آل سدوم «1» 42- يزعم الأعراب أن الله تعالى لم يدع ماكسا «2» إلا أنزل به بلية، وأنه مسخ منهم اثنين ذئبا وضبعا، وأن الضب وسهيلا كانا ماكسين، فمسخ الله أحدهما في الأرض والآخر في السماء.
43- قال الحكم بن عمرو البهراني «3» :
مسخ الماكسين ضبعا وذئبا ... فلهذا تناجلا أم عمرو «4»
مسخ الضب في الجدالة قدما ... وسهيل السماء عمدا بصغر «5»
الجدالة الأرض.
44- نظر دهقان «6» يعذب في الخراج إلى الوالي يعطي الناس الجوائز فقال: أيها الأمير إن كنت إنما تظلم لمن ترحم فارحم من تظلم، فنفسّ عنه.
(3/314)

45- قال كعب «1» : نهيق الحمار دعاء الظلمة، فحدث به المسيب بن شريك «2» .
فقال: لو علمت أن هذا حق لزدت في قضيم حماري.
46- عبد الله بن الفضل «3» في قتل المتوكل ابن الزيات «4» :
يكاد القلب من فزع يطير ... إذا ما قيل قد قتل الوزير
أمير المؤمنين هدمت ركنا ... عليه رحاكم كانت تدور
فمهلا يا بني العباس مهلا ... لكم في كل ناحية عقير
كأن الله صيرّكم ملوكا ... لئلا تعدلوا ولأن تجوروا
47- كان أبو مسلم «5» بعرفات يقول: اللهم إني تائب إليك مما لا أظنك تغفره لي. فقيل له: أيعظم على الله غفران ذنب؟ فقال: إني نسجت ثوب ظلم لا يبلى ما دامت الدولة لبني العباس، فكم من صارخة لعنتني عند تفاقم الظلم! فكيف يغفر لمن هذا الخلق خصماؤه.
وقيل له مرة: لقد قمت بأمر لا يقصر بك عن الجنة، فقال: خوفي فيه من النار أولى من الطمع في الجنة، إني أطفأت من بني أمية جمرة وألهبت من بني العباس نيرانا، فإن أفرح بالإطفاء فواحزنا من الإلهاب.
48- خطب الحجاج فقال: أتزعمون أني شديد العقوبة وهذا أنس
(3/315)

حدثني أن رسول الله قطع أيدي رجال وأرجلهم وسمل عيونهم. قال أنس:
فوددت أني متّ قبل أن حدثته.
49- محمد بن عبد الله النفس الزكية:
متى نرى للعدل نورا فقد ... أسلمني ظلم إلى ظلم «1»
أمية طالت عداتي بها ... كأنني فيها أخو حلم
50- علي رفعه: إياكم والظلم فإنه يخرب قلوبكم.
- وعنه مرفوعا: الويل لظالم أهل بيتي، عذابهم مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
- وعنه: ألا وإنّ الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك وظلم مغفور لا يطلب. فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، قال الله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
«2» ، وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات «3» ، وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا. القصاص هناك شديد ليس هو جرحا بالمدى ولا ضربا بالسياط ولكنه ما يستصغر ذلك معه «4» .
- وعنه: لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه يسعى في مضرته ونفعك.
51- أبو مخلد «5» : في قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا
(3/316)

يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
«1» تعزية للمظلوم ووعيد للظالم.
52- أبصر أبو هريرة رجلا يعظ رجلا. فقال آخر: دعه فإن الظالم لا يضر إلا بنفسه. فقال أبو هريرة: كذبت، والذي نفسي بيده إنه ليضر غيره، حتى أن الحبارى «2» لتموت في وكرها بظلم الظالم.
53- جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: لما قدم على رسول الله من الحبشة، فسأله ما أعجب ما رأيت ببلاد الحبشة؟ قال: رأيت امرأة على رأسها مكتل «3» فيه دقيق، إذ مر فارس فزحمها فألقى المكتل فانصب الدقيق. فجعلت تجمعه وتقول: ويل لك من ديان يوم الدين إذا وضع كرسيه للقضاء، فأخذ للمظلوم من الظالم. فقال رسول الله: لا تقدس الله أمة لا يأخذ فيها لضعيفها حقه غير متعتع «4» .
54- أبو ذر «5» رفعه: يقول الله تعالى إني حرمت الظلم على نفسي، وحرمته على عبادي، فلا تظالموا.
55- أوس بن شرحبيل «6» رفعه: من مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام.
- وعنه عليه السّلام: من مشى خلف ظالم سبع خطات فقد أجرم، وقال تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ
«7» .
56- يوسف بن اسباط: من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن
(3/317)

يعصي الله في أرضه.
57- الأحنف «1» : من ظلم نفسه كان لغيره أظلم، ومن هدم دينه كأن لمجده أهدم.
58- أبو المطراب «2» من لصوص الحجاز وقد تاب فظلم:
ظلمت الناس فاعترفوا بظلمي ... فتبت فأزمعوا أن يظلموني
فلست بصابر إلا قليلا ... فإن لم ينتهوا راجعت ديني
59- محمد بن يزداد بن سويد وزير المأمون:
لا تأمننّ الدهر حرا ظلمته ... فما ليل حرّ إن ظلمت بنائم
60- الهيثم بن فراس السامي «3» من بني سامة بن لؤي «4» في الفضل ابن مروان «5» :
تجبرت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم الموت المشتت والقتل
وقمت كما قام الثلاثة ظالما ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل
(3/318)

يريد الفضل بن يحيى «1» ، والفضل بن الربيع «2» ، والفضل بن سهل «3» .
61- علي رضي الله عنه: لأن أبيت على حسك السعدان «4» مسهدا، وأجر في الأغلال مصفدا، أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشيء من الحطام، وكيف أظلم أحدا لنفس يسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها.
والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب «5» شعيرة ما فعلت، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها. ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل «6» .
62- أوحى الله إلى موسى: يا موسى قل لظلمة بني إسرائيل يقلوا من ذكري، فإني أذكر من ذكرني منهم بلعنه حتى يسكت.
63- قال منصور بن المعتمر «7» لابن هبيرة «8» حين أراده على
(3/319)

القضاء: ما كنت لألي بعد ما حدثني إبراهيم «1» . قال: وما حدثك؟ قال:
حدثني عن علقمة «2» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا كان يوم القيامة نادي مناد أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشباه الظلمة حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة «3» ، فيجتمعون في تابوت حديد ثم يلقى بهم في جهنم.
64- كان الفضل بن صالح بن عبد الملك الهاشمي «4» يهوى جارية أخيه عبيد بن صالح «5» فسقى أخاه سما فقتله وتزوجها. فقال ابن برد الشامي «6» وقد ظلمه في أرض له:
لئن كان فضل بزّني الأرض ظالما ... لقبلي ما أردى عبيد بن صالح
سقاه نشوعيا من السم ناقعا ... ولم يكتئب من مخزيات الفضائح «7»
65- كان أسلم بن زرعة «8» وإلي خراسان من قبل عبيد الله بن زياد
(3/320)

ينبش قبور الأعاجم فربما أصاب فيها الذهب والفضة. فقال بيهس بن صهيب الجرمي «1» :
تعوّذ بحجر واجعل القبر في الصفا ... من الأرض لا ينبش عظامك أسلم «2»
هو النابش القبر المحيل عظامه ... لينظر هل تحت السقائف درهم
66- أبو الدرداء «3» : إياك ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام.
67- ظلم أعرابي من بكر بن وائل فقتل ظالمه بعنف فقال: ما أساء من قتل ظالمه. فقيل: أتحب أن تلقى الله ظالما أو مظلوما؟ قال: بل ظالما، ما عذري عند الله إذا قال خلقتك مثل البعير ثم تجيء تشكو إليّ؟.
68- علي رضي الله عنه: أوحى الله إلى المسيح قل لبني إسرائيل لا تدخلوا بيتا من بيوتي إلا بأبصار خاشعة، وقلوب طاهرة، وأيد نقية، وخبّرهم أني لا استجيب لأحد منهم دعوة ولأحد من خلقي لديهم مظلمة.
69- محمد بن يوسف الأصبهاني الزاهد «4» ، كتب إليه أخوه يشكو
(3/321)

السلطان فأجابه: إن من عمل المعاصي لا ينكر العقوبة.
70- خطب الحسن بن علي رضي الله عنهما فذكر مفاخرة، فقال معاوية: عليك بالرطب، يعني أنك لا تصلح للخطب أراد أن يخجله ويقطعه. استمر في خطبته. فقال معاوية، أنك لترجو الخلافة ولست هناك. فقال: إن الخلافة لمن سار بسيرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسيرة صاحبيه وعمل بطاعة الله، وليست الخلافة لمن عمل بالجور وعطل الحدود «1» ، ومن لم يعمل بمثل سيرتهما كان ملكا من الملوك يتمتع في ملكه فكان قد انقطع عنه وبقيت تبعته عليه، فهو كما قال الله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
«2» .
71- دخل على هشام «3» ، في متنزه له قد تكلف فيه، رجل ألقى إليه صحيفة وتلمس، فإذا فيها بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد، فتكدّر عليه يومه، ومات بعد أيام.
72- قيل للمنصور: في حبسك محمد بن مروان «4» فلو أمرت بإحضاره ومسألته عما جرى بينه وبين ملك النوبة «5» . فقال صرت إلى جزيرة النوبة في آخر أمرنا، فأمرت بالمضارب فضربت، فخرجت النوبة يتعجبون، وأقبل ملكهم رجل أصلع طوال حاف عليه كساء، فسلم وجلس على الأرض، فقلت: ما بالك لا تقعد على البساط؟ فقال: أنا ملك،
(3/322)

وحق لكل من رفعه الله أن يتواضع له إذا رفعه، ثم قال: ما بالكم تطأون الزروع بدوابكم والفساد محرم عليكم في كتابكم؟ قلت: أشياعنا فعلوه بجهلهم. قال: فما بالكم تلبسون الديباج وتتحلون بالذهب والفضة وهي محرمة عليكم على لسان نبيكم؟ قلت: فعل ذلك أعاجم من خدمنا كرهنا الخلاف عليهم. فجعل ينظر في وجهي ويكرر معاذيري على وجه الإستهزاء. ثم قال: ليس كما تقول يا ابن مروان، ولكنكم ملكتم فظلمتم، وتركتم ما أمرتم به فأذاقكم الله وبال أمركم، ولله فيكم نقم لم تبلغ، وإني أخشى أن تنزل بك وأنت في أرضي فتصيبني معك، فارتحل عنّي.
73- وجد تحت فراش يحيى بن خالد البرمكي رقعة فيها:
وحق الله أن الظلم لؤم ... وإن الظلم مرتعه وخيم
إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
74- وجد القاسم بن عبيد الله وزير المكتفي «1» في مصلاه رقعة فيها:
بغي وللبغي سهام تنتظر ... أنفذ في الأحشاء من وخز الأبر
سهام أيدي القانتين «2» في السحر
75- أنس رفعه: إن الله نظر إلى أهل عرفات فباهى بهم الملائكة قال: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا قد أقبلوا يضربون إليّ من كل فج عميق. افاشهدوا أني قد غفرت لهم، ألا التبعات التي بينهم.
(3/323)

76- لقي رجل من المهاجرين العباس بن عبد المطلب فقال: يا أبا الفضل، أرأيت عبد المطلب بن هاشم والغيطلة «1» كاهنة بني سهم جمعهما الله في النار. فصفح عنه، ثم قال: فصفح عنه، فلما كانت الثالثة رفع يده فوجأ «2» أنفه. فانطلق إلى رسول الله، فلما رآه قال: ما هذا؟ قال:
العباس: فأرسل إليه وقال: ما أردت إلى رجل من المهاجرين؟ فقص عليه القصة وقال: ما ملكت نفسي وما إياه أراد ولكن أرادني. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما بال أحدكم يؤذي أخاه في الشيء وإن كان حقا؟.
77- قدم ابن أبي جهل المدينة، فجعل يمر في الطريق فيقول الناس: هذا ابن أبي جهل، فذكر ذلك لأم سلمة «3» فذكرته لرسول الله.
فخطب الناس وقال: لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات.
78- فضيل «4» : والله ما يحل لك أن تؤذي كلبا ولا خنزيرا بغير حق، فكيف تؤذي مسلما؟.
79- عبيد الله بن الحر «5» :
تبيت النشاوى من أمية نوّما ... وبالطف قتلى ما ينام حميمها «6»
وما ضيع الإسلام إلا عصابة ... تأمر نوكاها ودام نعميها «7»
(3/324)

فأضحت قناة الدين في كف ظالم ... إذا اعوج منها جانب لا يقيمها
فأقسمت لا تنفك نفسي حزينة ... وعيني تبكي لا تجف سجومها «1»
حياتي أو تلقى أمية خزية ... يذل لها حتى الممات زعيمها
80- رفعت قصص إلى المهدي فإذا قصة مكتوب عليها قصة صاحب السمكة. فقال: ما هي؟ فقال الربيع «2» : بينا أبوك مشرفا على دجلة إذ بصر بملاح صاد سمكة، فوجه إليه خادما له يشتريها، فاستامها بدينار فأبى، وباعها من تاجر باثني عشر درهما. فاستحضر التاجر وقد سوى السمكة فأخذها منه وأكلها وقال: لو لم يكن معك مال لما اشتريت سمكة باثني عشر درهما. وأمر خادمه بأن يذهب إلى منزله ويحمل ما أصاب في صناديقه. فجاء ببدرتين «3» . فقال: أنا رجل معيل وعلي مؤونة. فأعطاه منها أربعمائة درهم يتعيش بها.
فأمر المهدي أن تطلب البدرتان في بيت المال، فجيء بهما مكتوب عليهما مال صاحب السمكة، فقال المهدي: اجعل أبي في حل فإنه كان مسرفا على نفسه، وخذ المال.
81- جابر بن عبد الله يرفعه: اتقوا الظلم فأن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحّ فإن الشحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سكفوا دماءهم، واستحلوا محارمهم.
82- أبو موسى «4» رفعه: إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، وقرأ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
«5» .
(3/325)

83- أبو هريرة رضي الله عنه: قال أبو القاسم صلّى الله عليه وسلّم: من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه. وإن كان أخاه لأبيه وأمه.
- وعنه مرفوعا: بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخره، فشكر الله له فغفر له.
وروي: لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس.
84- أبو برزة «1» : قلت يا رسول الله علمني شيئا انتفع به، قال:
أعزل الأذى عن طريق المسلمين.
85- حج سليمان بن عبد الملك فلقيه طاووس «2» ، فقيل حدّث أمير المؤمنين، فقال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن من أعظم الناس عذابا يوم القيامة من أشركه الله في سلطانه فجار في حكمه. فتغير وجه سليمان.
86- ذكر هشام «3» عند محمد بن كعب القرظي «4» ، وثم محمد بن علي بن الحسين «5» ، فوقع فيه فقال القرظي: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون. إن ملكا من ملوك بني إسرائيل عتا عليهم، فانطلق نفر إلى خيرهم وقالوا: نخرج عليه؟ فقال: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون، ولكن انطلقوا فصوموا عشرا وقوموا ولا تظلموا فيها أحدا ولا تطأوا
(3/326)

فيها امرأة. فجاؤوا بعد عشر، فقال:- زيدوا عشرا أخرى، فلم يزالوا حتى بلغوا أربعين. ثم قال لهم:- اجتمعوا وادعوا الله أن يكفيكم، ففعلوا، فدعا الملك ببرذون «1» له وأمر سائسه أن يسرجه، فتشاغب وامتنع البرذون، فغضب الملك فقام فأسرجه وركبه، فجمح به حتى ألقاه، فتقطع وهلك.
فقال الحبر: هكذا إذا أردتم أن تقتلوا من ظلمكم.
87- في الحديث: إن الله يقول: لا يذكرني عبدي الظالم حتى ينزع عن ظلمه، فإنه من ذكرني كان حقا عليّ أن أذكره، وإني إذا ذكرت الظالمين لعنتهم.
88- مجاهد «2» : يسلط الله على أهل النار الجرب فيحكوا حتى تبدو عظامهم، فيقال لهم: هل يؤذيكم هذا؟ فيقولون: أي والله. فيقال هذا بما كنتم تؤذون المؤمنين.
(3/327)

الباب التاسع والأربعون العتاب، والتثريب، والشكوى، والبث، والاستعطاف، وما أشبه ذلك
1- أنس رضي الله عنه: خدمت النبي صلّى الله عليه وسلّم عشر سنين بالمدينة، وأنا غلام ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي أن يكون عليه، فما قال فيها أفّ قط، وما قال لي: لم فعلت هذا؟ وألا فعلت هذا!.
2- وعنه عليه السّلام، إذا زنت خادم أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرّب «1» ، وروي:- ولا يعيّرها «2» .
3- عاتب عثمان عليا رضي الله عنهما وعلي مطرق، فقال: مالك لا تقول؟ إن قلت لا أقول إلا ما تكره وليس عندي إلا ما تحب.
4- في الإنجيل: إن ظلمك أخوك فاذهب إليه فعاتبه فيما بينك وبينه فقط، فإن أطاعك ربحت أخاك، وإن هو لم يطعك فاستتبع رجلا أو رجلين ليشهدا ذلك الكلام كله. فإن لم يستمع فإنه أمره إلى أهل السعة، فإن هو لم يسمع من أهل السعة فليكن عندك كصاحب المكس «3» .
5- وروي عن عيسى صلوات الله عليه: إذا كانت بينك وبين أخيك
(3/329)

معاتبة فالقه فسلّم عليه، واستغفر لك وله، فإن قبل فأخوك، وإن أبى فاشهد عليه شاهدين أو ثلاثة أو أربعة، فعلى ذلك تقوم شهادة كل شيء، أو مجلس قومه، فإن قبل فأخوك، وإن أبى فليكن كصاحب مكس، أو كمن كفر بالله.
6- أبو الدرداء «1» : معاتبة الأخ أهون من فقده، ومن لك بأخيك كله؟
7-[شاعر] :
خليليّ لو كان الزمان مساعدي ... وعاتبتماني لم يضق عنكما صدري
فأما إذا كان الزمان محاربي ... فلا تجمعا أن تؤذياني مع الدهر
8- كتب الصولي «2» إلى ابن الزيات «3» :
وكنت أخي بإخاء الزما ... ن فلما نبا كنت حربا عوانا «4»
وكنت أذم إليك الزما ... ن فأصبحت فيك أذم الزمانا
وكتب إليه:
أخ كنت آوي منه عند ادكاره ... إلى ظل فينان من العز باذخ «5»
سعت نوب الأيام بيني وبينه ... فأقلعن منا عن ظلوم وصارخ
وإني وإعدادي لدهري محمدا ... كملتمس إطفاء نار بنافخ
(3/330)

9- إياس بن معاوية: خرجت في سفر ومعي رجل من الأعراب، فلما كان ببعض المنازل لقيه ابن عم له فتعانقا وتعاتبا، وإلى جانبهما شيخ من الحي يفن «1» ، فقال لهما: أنعما عيشا، إن المعاتبة تبعث التجني والتجني يبعث المخاصمة، والمخاصمة تبعث العداوة، ولا خير في شيء ثمرته العداوة.
10-[شاعر] :
فدع ذكر العتاب فربّ شر ... طويل هاج أوّله العتاب
11- قال رجل لصديق يعاتبه: ما أشكوك إلا إليك، ولا استبطئك إلا لك، ولا استريدك إلا بك.
وقال له: أنا منتظر واحدة من اثنتين عتبى «2» تكون منك، أو عقبى «3» تغني عنك. وقال له: قد حميت جانب الأمل فيك، وقطعت أسباب الرجاء منك. وقد أسلمني اليأس منك إلى العزاء عنك فإن نزعت من الآن فصفح لا تثريب «4» فيه، وإن تماديت فهجر لا وصل بعده.
12- أوس بن حارثة «5» لابنه: العتاب قبل العقاب.
13- ابن أبي فنن «6» .
إذا كنت تغضب في غير ذنب ... وتعتب من غير جرم عليّا
(3/331)

طلبت رضاك فان عزني ... عددتك ميتا وإن كنت حيا
14- سأل سفيان بن الأبرد الكلبي «1» هندا بنت أسماء بن خارجة امرأة الحجاج أن تكلمه في شأنه فمطلته «2» فقال:
أعاتب هندا والسفاه عتابها ... وماذا أرجيّ من معاتبتي هندا
اغيب فتنسى حاجتي وتصوغ لي ... حديثا إذا ما جئتها يقطر الشهدا
15- قال مدني لأبي مروان القاضي «3» ، أيها القاضي إلى متى استمطرك غيث الجميل، واستطلعك شمس الإحسان، وأنت تخوف برعد المطل. وتؤنس ببرق التسويف.
16- كاتب: أنت فتى المجد، ومعدن الحرية، ووطن الأدب، ومن كانت هذه صفاته فالخروج عن مودته جهل، فضلا عن الدخول في عداوته. وأنا أنت أخوا مودة، ورحم المودة أمسّ من رحم القرابة، فكيف رشت «4» سهامك؟ أم كيف امتحنت بعداوتك؟ ولكنه كما قال:
بلى قد تهب الريح من غير وجهها ... ويقدح في العود الصحيح القوادح
17- أبو الزبرقان الكاتب «5» :
صحبتك إذ أنت لا تصحب ... وإذ أنت لا غيرك الموكب
وإذا أنت تكثر ذم الزمان ... ونفسك نفسك تستحجب
(3/332)

18- عمرو بن الأيهم بن الأقلت النصراني «1» :
قاتل الله قيس عيلان طرا ... ما لهم دون غارة من حجاب
ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلى وضرب الرقاب
19- من أحوجك إلى العتب فقد وطن نفسه على الهجر.
20- قدم ابن ذكاء المعتصم «2» وكان شيخ الرملة والمشار إليه في فلسطين على ابن قريعة القاضي «3» فقدم على ما ساءه وناءه حتى قال: لقد اقشعر جلدي بتلك الديار من ضيم لعله ما كان ينالني، ولو نالني لما كان يغيظني، وأسندت نفسي إلى ابن عم لي بالعراق، ولو سلخني المغاربة سلخا، ونفخوا في جلدي نفخا، لكان أهون علي مما عاملني به.
21- كتبت عثعث «4» على زر قميصها بالذهب:
علامة ما بين المحبين في الهوى ... عتابهما في كل حق وباطل
22- وكتبت مستهام «5» جارية الفضل بن الربيع على تفاحة إليه:
(3/333)

تمنى رجال ما أحبوا وإنني ... تمنيت أن أشكو إليه فيسمعا
23- غيره:
وكنت إذا ما جئت أكرمت مجلسي ... ووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لي بالعين التي كنت مرة ... إليّ بها في سالف الدهر تنظر
24- الأحنف: شكوت إلى عمي صعصعة بن معاوية «1» وجعا في بطني، فنهرني ثم قال: يا ابن أخي، إذا نزل بك شيء فلا تشكه إلى أحد، فإنما الناس رجلان، صديق تسوؤه، وعدو تسرّه، والذي بك لا تشكه إلى مخلوق مثلك لا يقدر على دفع مثله عن نفسه، ولكن إلى من ابتلاك به، وهو قادر على أن يفرج عنك.
يا ابن أخي إحدى عيني هاتين ما أبصر بها سهلا ولا جبلا من أربعين سنة، وما اطلعت على ذلك امرأتي ولا أحدا من أهلي.
25- أبو دلف «2» :
وإذا عوتب في سيئة ... لم يدعها وتعاطى أختها
26- محمد بن أمية بن أبي أمية «3» :
وأضمر في قلبي العتاب فإن بدا ... وساعفني منه اللقاء نسيت
27- غيره:
ومن لم يعاتب في التواني خليله ... وأملى له صار التواني تماديا
(3/334)

28- آخر:
ترك العتاب إذا استحق أخ ... منك العتاب ذريعة الهجر
29- شكى رجل إلى آخر الفقر، فقال له فضيل «1» يا هذا أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك.
30- آخر:
شكوت وما اشكو لمثلي عادة ... ولكن تفيض النفس عند امتلائها
31- آخر:
وكم من أخ ناديت عند ملّمة ... فألفيته منها أمض وأقدحا
32- المتنبي:
لا تشك يوما إلى خلق فتشتمه ... شكوى الجريح إلى الغربان والرّخم
33- وهيب بن الورد «2» : خالطت الناس منذ خمسين سنة فما وجدت رجلا غفر لي زلة، ولا أقالني «3» عثرة، ولا ستر لي عورة، ولا أمنته إذا غضب.
34- ما أصغيت «4» لك إناء، ولا أصننت «5» لك فناء «6» ، أي ما فعلت بك ما يوجب الشكاية.
35-[قوله] :
(3/335)

وأراك تشربني فتمزجني ... ولقد عهدتك شاربا صرفا
مثل في ترك اختصاصه بالمودة، وهو في غاية الجودة.
36-[شاعر] :
ياذا الذي معه التنك ... ر والتنفر والتبوّ
ان كان أدركك الملا ... ل فقد تداركني السلوّ
37- غيره:
كل يوم قطيعة وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب
38- كثرة العتّاب تنغل «1» أديم المودة.
39- عتاب جحظة «2» مثل فيما رق ولطف، قال:
ورق الجو حتى قيل هذا ... عتاب بين جحظة والزمان
40- وللبديع الهمداني «3» : بيننا عتاب لحظة كعتاب جحظة واعتذارات بالغة كاعتذارات النابغة «4» .
41- في نوابغ الكلم «5» : الكتاب الكتاب أن أردت العتاب.
42- إن العتاب مسافهة إذا كان مشافهة.
43- قابوس «6» : أراك واهي الود، غير زاكي اللّبّ في منابت الحب.
44- الوفاء عندك بمنزلة الأبلق العقوق، والصفاء لديك مشوب «7»
(3/336)

برنق «1» العقوق «2» .
45- كثيّر «3» :
ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبّع جاهدا كلّ عثرة ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب
46- بشّار:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
47- كان أحمد بن يزيد المهلبي «4» نديما للمنتصر، فطلبه أبوه المتوكل لمنادمته، فلم يزل نديمه حتى قتل، فلما ولي المنتصر حجبه، ثم أذن له وأمر بنان بن عمرو المغني «5» فغنى:
غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخن ... ورمت بديلا لي ولم أتبدل
والبيت للمنتصر، فاعتذر المهلبي، فقال المنتصر: إنما قلته مازحا، أتراني أتجاوز بك حكم الله: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ
«6» . ووصله بثلاثة آلاف دينار.
48- حبس عبد الله بن علي «7» المستهل بن الكميت «8» ، فكتب إليه:
(3/337)

إذا نحن خفنا في زمان عدوكم ... وخفناكم إنّ البلاء لراكد
زهير بن صرد السعدي «1» أسر يوم حنين «2» فيمن أسر من هوازن، فقال يستعطف رسول الله ويذكره بحرمة الرضاع في بني سعد:-
أمنن على عصبة أعناقهم ذلل ... مفرق شملها في دارها غير
وامنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملأها من محضها درر
لا تجعلّنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنّا معشر شكر
وألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو منتظر
فمنّ عليهم رسول الله. أي هو مترقب منك تفعله لا محالة. أو عفو الله منتظر يعفو عن الطاغين من عباده.
49- عثمان بن مظعون «3» رضي الله عنه هاجر إلى أرض الحبشة
(3/338)

فبلغه من أمية بن خلف «1» كلام فقال:
تريش نبالا لا يواتيك ريشها ... وتبري نبالا ريشها لك أجمع
فكيف إذا نابتك يوما ملمة ... وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع
50- المؤمل بن أميل المحاربي «2» :
شكوت ما بي إلى هند فما اكترثت ... يا قلبها أحديد أنت أم حجر
لا تحسبيني غنيا عن مودتكم ... إني إليك وإن أيسرت مفتقر
51- منصور النمري:
اقلل عتاب من استربت بودّه ... ليست تنال مودة بقتال
52- معبد بن أخضر المازني «3» :
لقد طال إعراضي وصفحي عن التي ... أبلغّ عنكم والقلوب قلوب
وطال انتظاري عطفة الرحم منكم ... ليرجع حلم والمعاد قريب
ولست أراكم تحرمون عن التي ... كرهنا ومنها في القلوب ندوب «4»
فلا تأمنوا منا كفاءة فعلكم ... فيشمت خصم أو يساء حبيب
ويظهر منا في المقال ومنكم ... إذا ما ارتمينا بالمقال عيوب
فإن لسان الباحث الداء ساخطا ... بني مازن ألوى البيان كذوب
(3/339)

53- قعنب بن أم صاحب «1» :
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
54- محمد بن جميل التميمي الكاتب «2» :
لئن أنا لم أبلغ بجاهك حاجة ... ولم يك لي فيما وليت نصيب
وأنت أمير الأرض من حيث أطلعت ... لك الشمس قرنيها وحيث تغيب
أبا غانم إني إذا لبروضة ... لغيري يصفو رعيها ويطيب
55- محمود بن مروان بن أبي حفصة «3» :
رحلت إلى أغرّ أبت جدودي ... إلى أجداده ألا ارتحالا «4»
وله:
أزور إمام الهدى جعفرا ... وكان لجديه جدي زؤورا «5»
وله:
كنا نزور جدوده فركابنا ... من طول ذلك بالطريق عوالم
56- كتب عمر بن عبد العزيز إلى الزهري «6» يستقدمه، فأبطأ عليه
(3/340)

فقال: يا ابن شهاب لو كان غيرنا ما أبطأت عليه، لقد قلبتك ظهرا لبطن «1» فوجدتك بني دنيا.
(3/341)

الباب الخمسون العبيد، والإماء، والخدم، والأمر بالاستيصاء بالمماليك خيرا، والنهي عن سوء الملكة، ونحو ذلك
1- علي رضي الله عنه: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أول من يدخل الجنة شهيد، وعبد أحسن عبادة ربه ونصح لسيده.
2- ابن عمر رضي الله عنه «1» ، رفعه: إن العبد إذا نصح لسيّده، وأحسن عبادة ربه فله أجره مرتين.
3- كان زيد بن حارثة «2» لخديجة رضي الله عنها، اشتري لها بسوق عكاظ «3» ، فوهبته لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فجاء أبوه يريد شراءه منه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن رضي بذلك فعلت، فسئل زيد فقال: ذل الرق مع صحبته
(3/343)

أحب إلي من عز الحرية مع مفارقته. فقال عليه السّلام: إذا اخترناه. فاعتقه وزوجه أم أيمن «1» ، وبعدها زينب بنت جحش «2» .
4- عطاء «3» . رفعه: الإبدال «4» من الموالي.
5- علي رضي الله عنه: كان آخر كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الصلاة، الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم.
6- المعرور بن سويد «5» : دخلنا على أبي ذر «6» بالربذة «7» ، فإذا عليه برد «8» ، وعلى غلامه مثله، فقلنا: لو أخذت برد غلامك إلى بردك فكانت حلة، وكسوته غيره. قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: أخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليكسه
(3/344)

مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه.
7- أبو هريرة، رفعه: لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي.
ولا يقل أحدكم اسق ربك، وأطعم ربك، وضىء ربك، ولا يقل أحدكم ربي، وليقل سيدي ومولاي.
8- أبو مسعود الأنصاري «1» : كنت أضرب غلاما لي، فسمعت من خلفي صوتا: إعلم أبا مسعود، إعلم أبا مسعود، إن الله أقدر عليك منك عليه. فالتفت فإذا هو النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل للفعتك «2» النار.
9- رافع بن مكيث «3» ، رفعه: حسن الملكة نماء، وسوء الخلق شؤم، وروي: يمن.
10- ابن عمر: جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟ ثم أعاد عليه فصمت، فلما كانت الثالثة قال: اعفوا عنه كل يوم سبعين مرة.
11- أبو هريرة: حدثني أبو القاسم نبي التوبة صلّى الله عليه وسلّم: من قذف «4» مملوكه بريئا مما قال جلد له يوم القيامة حدا «5» .
(3/345)

12- هلال بن يساف «1» : كنا نزولا في دار سويد بن مقرن «2» ، وفينا شيخ فيه حدة «3» ، ومعه جارية، فلطم وجهها، فما رأيت سويدا أشدّ غضبا منه ذلك اليوم، قال: أعجز عليك حر وجهها، لقد رأيتني سابع سبعة من ولد مقرن، مالنا إلا خادم، فلطم أصغرنا وجهها، فأمرنا النبي صلّى الله عليه وسلّم بعتقها.
13- وعن معاوية بن سويد «4» : لطمت مولى لنا، فدعاني أبي ودعاه فقال: اقتص منه.
14- استبق بنو عبد الملك «5» فسبقوا مسلمة «6» ، وكان ابن أمة، فتمثل عبد الملك بقول عمرو بن مبرد العبدي «7» :
نهيتكم أن تحملوا هجناءكم ... على خيلكم يوم الرهان فتدركوا «8»
(3/346)

فتفتر كفاه ويسقط سوطه ... وتخدر رجلاه فما يتحرك «1»
وما يستوي المرءان هذا ابن حرة ... وهذا ابن أخرى ظهرها متشرك «2»
وأدركه خالاته فاختزلنه ... إلا أن عرق السوء لا بد مدرك
فقال مسلمة: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين: ليس هذا مثلي ولكن كما قال علي بن المغمر «3» :
فما أنكحونا طائعين بناتهم ... ولكن خطبناها بأرماحنا قهرا
فما زادها فينا السباء مذلة ... ولا كلّفت خبزا ولا طبخت قدرا «4»
ولكن خلطناها بخير نسائنا ... فجاءت بهم بيضا غطارفة زهرا «5»
وكائن ترى فينا من ابن سبية ... إذا لقي الأبطال يطعنهم شزرا «6»
ويأخذ رايات الطعان بكفه ... فيوردها بيضا ويصدرها حمرا «7»
كريم إذا اغبر اللئيم تخاله ... إذا سار في ليل الدجى قمرا بدرا
فقبل رأسه، وذهب غمه، وقال: أحسنت يا بني، ذاك أنت، وأمر له بمائة ألف مثل ما أخذ السابق.
15- زاذان «8» : أتيت ابن عمر، وقد أعتق مملوكا له، فأخذ من
(3/347)

الأرض عودا فقال: مالي من الأجر ما يساوي هذا، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: من لطم مملوكا أو ضربه فكفارته أن يعتقه.
16- أبو هريرة. يرفعه: من خبب «1» زوج امرىء أو مملوكه فليس منا.
17- أعتق عبد الله بن جعفر «2» ، غلاما، وأخذ يكتب كتاب العتق، فقال الغلام: أكتب كما أملي: كنت بالأمس لي فوهبتك لمن وهبك لي، فأنت اليوم مني. فكتب ذلك واستسحنه وزاده خيرا.
18- مرّ ابن عمر براع مملوك فاستباعه «3» شاة، فقال: ليست لي، فقال:
أين العلل «4» ؟ فقال: أين الله؟ فاشتراه فأعتقه، فقال: اللهم قد رزقتني العتق الأصغر فارزقني العتق الأكبر.
19- أراد رجل بيع جارية فبكت، فسألها، فقالت: لو ملكت منك ما ملكت مني ما أخرجتك من يدي. فأعتقها.
20- تغدى سليمان «5» عند يزيد بن المهلب «6» ، فقيل له: صف لنا أحسن ما كان في منزله، فقال: رأيت غلمانه يخدمونه بالإشارة دون القول.
21- قال سهل بن صخر «7» ، وهو من الصحابة لابنه: إذا ملكت
(3/348)

ثمن غلام فاشتر به غلاما. فإن الجدود «1» في نواصي «2» الرجال.
22- أبو الهيثم بن خالد «3» :
ولي صديق ما مسني عدم ... مذ وقعت عينه على عدمي
بشرني بالغنى تهلله ... وقبل هذا تهلل الخدم
ومحنة الزائرين بينة ... تعرف قبل اللقاء في الحشم
23- كان أبو يوسف «4» راكبا، وغلامه يعدو خلفه، فقيل له، فقال:
أيحل أن أسلم غلامي مكاريا؟ قيل: نعم، قال: فيعدو إذن معي كما يعدو مع الحمار إذا كان مكاريا.
24- النبي صلّى الله عليه وسلّم: مثل الذي يعتق عند الموت مثل الذي يهدي إذا شبع.
25- قال ابن الزبير لرجل كان يتعاطى بيع الرقيق: ما أشد إقدامك على ركوب الغرر «5» وإضاعة المال! قال: بماذا؟ قال: بضاعتك الملعونة، قال: وما لها؟ قال هي ضمان نفس ومؤونة ضرس.
26- شر الناس من يبيع الناس.
27- أميروس «6» : التسلط على المماليك دناءة.
28- طلب معاوية جواري فقال: كل رافعة من بعيد، مليحة من قريب.
(3/349)

29- البحتري:
أنا من ياسر ويسر ونجح ... لست من عامر ولا عمار
ما بأرض العراق يا قوم حر ... يفتديني من خدمة الأحرار
لا أريد التنظير يخرجه الشت ... م إلى الاحتجاج والافتخار
وإذا رعته بناحية السو ... ط على الذنب راعني بالفرار
هل جواد بأبيض من بني الأص ... فر ضخم الجدود ضخم النجار «1»
فوق ضعف الصغار إن وكل الأ ... مر إليه ودون كيد الكبار
وكأن الذكاء يبعث منه ... في سواد الأمور شعلة نار
ولعمري للجود للناس بالنا ... س سواء بالثوب والدينار
وعزيز إلا لديك بهذا الف ... ج أخذ الغلمان بالأشعار
30- بعض النخاسين «2» : حناء بنصف دانق يزيد في ثمن الجارية مائة درهم.
31- النبي صلّى الله عليه وسلّم: عاتبوا أرقاءكم على قدر عقولهم.
32- أبو اليقظان «3» : إن قريشا لم تكن ترغب في أمهات الأولاد حتى ولدن ثلاثا هم خير أهل زمانهم: علي بن الحسين «4» ، والقاسم بن محمد «5» وسالم بن عبد الله «6» . وذلك أن عمر رضي الله عنه أتى بنات يزدجرد «7» بن
(3/350)

شهريار بن كسرى سبيات، فأراد بيعهن، فقال له علي: إن بنات الملوك لا يبعن، ولكن قوموهن «1» ، فأعطاه أثمانهن، فقسمهن بين الحسين بن علي، ومحمد بن أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عمر، فولدن الثلاثة.
33- محمد بن سوقة كان إذا عصاه غلامه قال: ما أشبهك بسيدك! 34- عبد الله بن طاهر «2» : كنت عند المأمون ثاني اثنين، فنادى: يا غلام، يا غلام، بأعلى صوته، فدخل غلام تركي فقال: ألا ينبغي للغلام أن يأكل أو يشرب أو يتوضأ أو يصلي!؟ كلما خرجنا من عندك تصيح: يا غلام، يا غلام! إلى كم يا غلام؟ فنكس رأسه طويلا، فما شككت أنه يأمرني بضرب عنقه، فقال: يا عبد الله إن الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه، وإذا ساءت أخلاقه حسنت أخلاق خدمه، فلا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لتحسن أخلاق خدمنا.
35- النبي صلّى الله عليه وسلّم: بئس المال في آخر الزمان المماليك.
36- مجاهد «3» : إذا كثر الخدم كثرت الشياطين.
37- سالم بن أبي الجعد «4» رفعه: عبد عند الله صالح خير من حر طالح.
38- لقمان «5» : لا تأمنن امرأة على سر، ولا تطأ خادمة تريدها للخدمة.
(3/351)

39- غلام يأكل فارها «1» ، ويعمل كارها، ويبغض قوما، ويحب نوحا.
40- أعتق ابن عتبة «2» غلاما كبيرا، فقال عبد له صغير: إذكرني يا مولاي، ذكرك الله بخير. فقال: إنك لم تخرف «3» . فقال: إن النخلة قد تجتني زهوا «4» قبل أن يصير معوا «5» : فقال: قاتلك الله! لقد استعتقت فأحسنت، وقد وهبتك لواهبك، كنت أمس لي واليوم مني.
41- العبد عز مستفاد، وغيض في الأكباد:
42-[شاعر] :
قد ذممنا العبيد حتى إذا نح ... ن بلونا المولى عذرنا العبيدا
43- آخر:
ومالي غلام فأدعو به ... سوى من أبوه أخو عمتي
44- أكثم «6» : الحر حر وإن مسه الضر، والعبد عبد وإن مشى على الدر.
45- كانت لخالد بن برمك «7» جارية اسمها سرور، أكتب الناس بقلم، وأحسنهم علما كانت توقع بين يديه فتخرج التوقيعات إلى الكتّاب، وربما اقترحوا عليها نسخ الكتب لبلاغتها، وكانت شجاعة، تركب معه في
(3/352)

سيف ومنطقة «1» وسواد، فلا يعلم أجارية هي أم غلام، وكانت لخازم بن خزيمة «2» مثلها اسمها قطاة.
46- كان لعثمان بن عفان رضي الله عنه عبد، فاستشفع بعلي أن يكاتبه، فكاتبه: ثم دعا عثمان بالعبد فقال: إن كنت عركت أذنك فاقتص مني، فأخذ بأذنه، ثم قال عثمان: شدّ، شدّ، يا حبذا قصاص الدنيا لا قصاص الآخرة.
- وعنه رضي الله عنه: ما ملك رقيقا من لم يتجرع بغيظ ريقا.
47- خادم الملك لا يتقدم في رضاه خطوة إلا استفاد بها قيمة وحظوة.
48- أشرف الرشيد على الكسائي «3» والأمين والمأمون بين يديه يعلمهما، فقام لحاجته، فابتدرا يقدمان نعليه: فقال الرشيد لجلسائه: أفي الناس أكرم خدما؟ قالوا: أمير المؤمنين، قال: لا، بل هو الكسائي يخدمه عبد الله ومحمد «4» .
49- ليس حقك علينا بالخدمة دون حقنا عليك بالنعمة.
(3/353)

50- نشأ فلان في حضن عنايتك، وأرضع بلبان نعمتك، وشرف بقدمة خدمتك.
51- دعا بعض أهل الكوفة إخوانه، وله جارية فقصرت في بعض ما ينبغي لهم، فقال:
إذا لم يكن في منزل الحر حرة ... رأى خللا فيما تولى الولائد «1»
فلا يتخذ منهن حر قعيدة ... فهن لعمر الله بئس القعائد
52- أحمد بن سهل «2» : عز الملوك بالمماليك.
53- كان لمحمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس خمسون ألف مولى، وهو وأخوه جعفر بن سليمان من ملوك بني هاشم وفرسانهم، وقد زوجه المهدي بنته العباسة «3» ونقلها إلى البصرة.
54- علي رضي الله عنه: واجعل لكل إنسان من خدمك عملا تأخذه به، فإنه أحرى أن لا يتواكلوا في خدمتك «4» .
55- لا تبذل رقك لمن لا يعرف حقك.
56- قلما تنفع خدمة الجوارح «5» إلا بخدمة القلب.
57- جندل مولى عدي بن حاتم يفتخر بأنه محرر الرجال دون النساء:
(3/354)

وما فك رقي ذات دل خريدة ... ولا أخطأتني غرة وحجول»
نماني إلى العلياء أبيض ماجد ... فأصبحت أدري اليوم كيف أقول «2»
58- كان لرجل غلام من أكسل الناس، فأمره بشراء عنب وتين، فأبطأ حتى نوّط الروح، ثم جاء بأحدهما، فضربه وقال: ينبغي لك إذا استنقضيتك حاجة أن تقضي حاجتين، ثم مرض فأمره أن يأتي بطبيب، فجاء به وبرجل آخر، فسأله: فقال: أما ضربتني وأمرتني أن أقضي حاجتين في حاجة؟ جئتك بطبيب، فإن رجاك «3» وإلّا حفر هذا قبرك.
فهذا طبيب وهذا حفّار.
59- المأمون بن الرشيد:
كنت حرا هاشميا ... فاسترقتني الإماء
أنا مملوك لمملو ... ك وتحتي الأمراء
60- كانت للمأمون جويرية «4» من أحسن الناس وجها وأسبقهم إلى كل نادرة، فحلت عنده في ألطف محل فحسدتها الجواري وقلن: لا حسب لها، فنقشت على خاتمها حسبي حسني، فازداد بها المأمون عجبا، فسممنها فجزع عليها وقال:
اختلست ريحانتي من يدي ... أبكي عليها آخر المسند «5»
كانت هي الأنس إذا استوحشت ... نفسي من الأقرب والأبعد
وروضة كان بها موقعي ... ومنهلا كان به موردي
كانت يدي كانت بها قوتي ... فاختلس الدهر يدي من يدي
(3/355)

61- المتوكل في جاريته قبيحة «1» :
أمازحها فتغضب ثم ترضى ... وكل فعالها حسن جميل
فإن غضبت فأحسن ذي دلال ... وإن رضيت فليس لها عديل
62- دعا طلحة أبا بكر وعمر وعثمان، فأبطأ عليه الغلام بشيء وأراده، فصاح: يا غلام، فقال: لبيك، فقال طلحة: لا لبيك. فقال أبو بكر: ما سرني أني قلتها ولي الدنيا. وقال عمر: ما سرني أني قلتها ولي نصف الدنيا، وقال عثمان: ما سرني أني قلتها ولي حمر النعم.
وصمت عليها طلحة، فلما خرجوا باع ضيعة بخمسة عشر ألفا وتصدق بها.
63- كان لمحمد بن أبي الحارث الكوفي «2» صديق له قينة «3» ، فباعها ببرذون «4» فقال محمد:
قينة كانت تغني ... مسخت برذون أدهم
عجّت بالساباط يوما ... فإذا القينة تلجم «5»
64- غلام الخالدي مثل في الشهامة والكياسة وجمع شرائط الخدمة، وهو غلام أبي عثمان الخالدي الشاعر «6» . قال الشيخ أبو الحسين محمد بن
(3/356)

الحسين الفارسي النحوي «1» ، ابن أخت أبي علي الفارسي «2» : اسمه رشأ، رأيته بعد موت سيده في ناحية عبد العزيز بن يوسف «3» لقد ارتقى إلى رتبة الوزارة، وقال أبو المنصور الثعالبي: قرأت أنا بخطه قال: كتب ابن سكرة الهاشمي إلى أبي عثمان يسأله عني، فكتب إليه:
ما هو عبد لكنه ولد ... خوّلنيه المهيمن الصمد
وشد أزري بحسن صحبته ... فهو يدي والذراع والعضد «4»
صغير سن كبير معرفة ... تمازج الضعف فيه والجلد «5»
معشق الطرف كحله كحل ... معطل الجيد حليه جيد «6»
(3/357)

وغصن بان إذا بدا فإذا ... شدا فقمري بانه غرد
ثقفه كيسه فلا عوج ... في بعض أخلاقه ولا أود «1»
ما غاظني ساعة فلا صخب ... يمر في منزلي ولا حرد
مسامر إن دجا الظلام فلي ... منه حديث كأنه الشهد
خازن ما في يدي وحافظه ... فليس شيء لدي يفتقد
يصون كتبي فكلها حسن ... يطوي ثيابي فكلها جدد
وحاجبي فالخفيف محتبس ... عندي به والثقيل منطرد
وحافظ الدار إن ركبت فما ... على غلام سواه أعتمد
ومنفق مشفق إذا أنا أسر ... فت وبذّرت فهو مقتصد
وأبصر الناس بالطبيخ فكا ... لمسك القلايا والعنبر الثرد
وواجد بي من المحبة والرأ ... فة أضعاف ما به أجد
إذا تبسمت فهو مبتهج ... وإن تنمرت فهو مرتعد «2»
ذا بعض أوصافه وقد بقيت ... له صفات لم يحوها العدد
65- كان أبان بن عبد الحميد بن لاحق «3» مولى لبني رقاش «4» ، فقال فيهم:
(3/358)

ألا يا ليت لي قوما بقومي ... ولو عكلا فينفعني معاشي «1»
فكنت لهم أخا ثقة ومولى ... ولم أك في اللئام بني رقاش
66- وحشي الرياحي المدني «2» :
يعجبني من فعل كل مسلمة ... مثل الذي تفعل أم سلمة
اقصاؤها عن بيتها كل أمة 67- أهدى داود بن روح بن حاتم المهلبي «3» جارية للمهدي، فحظيت عنده، فواعدته المبيت معه، ثم منعها الحيض، فكتب إليها:
لأهجرنّ حبيبا خان موعده ... وذاك منه لصغر العيش تكدير
فأرسلت إلى داود ليجيبه ويعرفه عذرها، فقال:
لا تهجرن حبيبا خان موعده ... ولا تذعّن وعدا فيه تأخير
ما كان حبي إلا من حصول أذى ... لا يستطاع له بالقول تفسير
والدهر أطول فيه للإمام مدى ... يحيى السرور وتخليد وتعمير
68- ابتاع بعض مشيختي غلاما، فقلت: بورك لك فيه، فقال:
البركة مع من قدر على خدمة نفسه، واستغنى عن استخدام غيره، فخفت مؤونته، وهانت تكاليفه، وكفي سياسة العبيد.
69- أصيب أنو شروان «4» ببعض خدمه فجزع وقال: إثنان هما العدة والعمدة في النوائب، الخادم الناصح، والقريب الصديق، وقد فجعت
(3/359)

بأحدهما، ولم أكتحل بالآخر.
70- معاوية: التسلط على المماليك من لؤم القدرة.
71- قال قرشي: سألني سعيد بن المسيب عن أخوالي، فقلت:
أمي فتاة «1» ، فنقصت في عينه، فأمهلت حتى دخل عليه سالم بن عبد الله ابن عمر فقلت: من أمه؟ قال: فتاة، ثم دخل القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فقلت: من أمه؟ قال: فتاة، ثم دخل علي بن الحسين بن علي، فقلت: من أمه؟ قال: فتاة. ثم قلت: رأيتني نقصت في عينك لأني ابن فتاة، أفمالي بهؤلاء أسوة؟ فجللت في عينه.
72- عبيد الله بن الحر:
فان تك أمي من نساء أفاءها ... جياد القنا والمرهفات الصفائح «2»
فتبا لجد الحر إن لم أنل به ... كرائم أولاد النساء الصرائح «3»
73- عنترة «4» :
أني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل «5»
74- أنشد المبرد:
(3/360)

إن أولاد السراري ... كثروا والله فينا
رب أدخلني بلادا ... لا أرى فيها هجينا
75- قال هشام بن عبد الملك لزيد بن علي: بلغني أنك تطلب الخلافة ولست لها بأهل، قال: لم؟ قال: لأنك ابن أمة، قال: فقد كان إسماعيل ابن أمة وإسحاق ابن حرة، وقد أخرج الله من صلب إسماعيل سيد ولد آدم.
76- قال الحجاج بن عبد الملك بن الحجاج بن يوسف: لو كان رجل من ذهب لكنته، قيل: كيف؟ قال: لم تلدني أمة إلى آدم ما خلا هاجر «1» فقالوا له: لولا هاجر لكنت كلبا من الكلاب.
77- قال رجل لعبد استعقله: ألا ألحقك بنفسي؟ فقال: لأن أكون عبدا لايقا أحب إلي من أن أكون حرا لاحقا.
78- جعفر بن عقاب «2» :
وضمتني العقاب إلى حشاها ... وخير الطير قد علموا العقاب
فتاة من بني حام بن نوح ... سبتها الخيل غصبا والركاب
عقاب أمه وكانت سوداء.
79- دخل جرير على الحجاج وعلى رأسه جارية، فقال له: بلغني
(3/361)

أنك ذو بديهة فقل فيها، فقال: ما لي أقول فيها حتى أتأملها، وما لي أتأمل جارية الأمير. فقال: بلى فتأملها، فقال: ما اسمك يا جارية؟
فأمسكت «1» ، فقال الحجاج: خبريه يالخناء «2» . فقالت: أمامة، فقال:
ودّع أمامة حان منك رحيل ... إن الوداع لمن تحب قليل
هاذي القلوب هوائما يتمتها ... وأرى الشفاء وما إليه سبيل
فقال الحجاج: جعل الله لك السبيل إليها، فضرب بيده إلى يدها فامتنعت عليه فقال:
إن كان طيكم الدلال فإنه ... حسن دلالك يا أميم «3» جميل
فاستضحك الحجاج وأمر بتجهيزها معه إلى اليمامة. وكانت من أهل الري، وإخوتها أحرار، فبذلوا له عشرين ألفا فأبى، وقال:
إذا عرضوا عشرين ألفا تعرضت ... لأم حكيم حاجة هي ماهيا
فقد زدت أهل الري مني مودة ... وحبّبت أضعافا إليّ المواليا
وأولدها حكيما وبلالا وحزرة.
80- الرقيق جمال وليس بمال، فعليك من المال بما يعولك ولا تعوله.
81- اشترى يزيد بن عبد الملك حبابة بأربعة آلاف دينار، وكان صاحب لهو، فحجر «4» عليه سليمان فردها، فلما ولي يزيد، وكانت تحته سعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان، وكانت حرة عاقلة، قالت: يا
(3/362)

أمير المؤمنين هل بقي في نفسك من الدنيا شيء تتمناه؟ قال: نعم، حبابة «1» ، فسألت عنها فقيل اشتراها رجل من أهل مصر، فأرسلت من اشتراها بأربعة آلاف، وقدم بها، فصنعتها حتى ذهب عنها آثار السفر. ثم أتت بها فراش يزيد، وأجلستها وراء الستر، وقالت: هل بقي من الدنيا شيء تتمناه؟ فقال: ألم تسأليني عن هذا مرة؟ فرفعت الستر وقالت: هذه حبابة، وقامت وخلتها، فحظيت سعدة عنده.
82- كان لبصري جارية قد أدبها، وكانت أحب إليه من بصره وسمعه، فقعد الدهر «2» بهما، فاعتزم على بيعها، فاشتراها عمر بن عبد الله بن معمر التيمي «3» بألف دينار، فلما ذهبت الجارية لتدخل علق بثوبها وقال:
ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري
نذكر من بسباسة القلب حاجة ... دعت حزنا للعاشق المتذكر
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال ابن معمر: قد شئت فخذها وخذ الألف.
(3/363)

83- محمود بن مروان بن أبي حفصة «1» يصف جارية:
ليست تباع ولو تباع بوزنها ... درا بكى أسفا عليها البائع
84- علق عبد الرحمن بن أبي عمار «2» وهو من نسّاك أهل الحجاز جارية، فاشتهر بذكرها حتى مشى إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعظونه فقال:
يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي أطار اللوم أم وقعا «3»
فحج عبد الله بن جعفر فزاره الناس إلا عبد الرحمن فاستزاره، وكان قد تقدم فاشترى له الجارية بأربعين ألفا، وأمر بتجهيزها، فقال له: ما فعل حب فلانة؟.
قال: هو في اللحم والدم والمخ والعصب والعظام، قال: أتعرفها إن رأيتها؟.
قال: إن دخلت الجنة لم أنكرها، فأمر بها فأخرجت وهي ترفل «4» في الحلي والحلل:
وقال: شأنك بها، وأمر أن يحمل معها مائة ألف درهم. فبكى عبد الرحمن وقال: قد خصكم الله بشرف ما خص به أحد من ولد آدم،
(3/364)

فلتهنكم هذه النعمة، وبارك لكم واهبها.
85- عن جويرية بن أسماء «1» : أراد ابن سيرين شري جارية، فقلت: قد علمت مكانها، ولكن في شفتيها عظم: قال: ذاك أفحم «2» لقبلتها.
(3/365)

الباب الواحد والخمسون العداوة، والحسد، والبغضاء، والشمانة، وذكر الأضغان، والطوائل، والوعيد، والتهديد
1- النبي صلّى الله عليه وسلّم: أعدى عدو لك نفيستك بين جنبيك.
2- أبو بكر الصديق رضوان الله عليه: العداوة تتوارث.
3- ابن مسعود رضي الله عنه: اللهم إني لأستعديك على نفسي عدوى لا عقوبة فيها.
4- داود عليه السّلام «1» : لا تشتر عداوة واحد بصداقة ألف.
5- الحارث بن أبي شمر الغساني: من اغتر بكلام عدوه فهو أعدى عدو لنفسه.
6- أعرابي: كبت «2» الله كل عدو لك إلا نفسك.
7- أراد كسرى أن يتزوج بنت بزرجمهر بعد قتله، فقالت: لو كان ملككم حازما ما جعل بينه وبين شعاره موتورا «3» .
(3/367)

8- زياد بن عبيد الله بن عبد المدان «1» خال أبي العباس السفاح.
وكان ولّاه المدينة. فعزله عنها المنصور وعذبه. فقال:
ولو أني بليت بها شمي ... خؤولته بنو عبد المدان
صبرت على عداوته ولكن ... تعالي فانظري بمن ابتلاني
يقول: لو بليت بذلك من السفاح الذي أخواله كرام لكان أهون علي من أن أبلى به ممن أمه أمة يعني المنصور.
9-[شاعر] :
ولا غرو أن يبلى شريف بخامل ... فمن ذنب المتنين تنكسف الشمس
10- بث رجل في وجه أبي عبيدة مكروها، فأنشأ يقول:
فلو أن لحمي إذ وهى لعبت به ... سباع كرام أو ضباع وأذؤب «2»
لهوّن وجدي أو لسلّى مصيبتي ... ولكنما أودى بلحمي أكلب
11- كان حاتم أسيرا في بلاد عنزة «3» ، فلطمته أمة لهم فقال: لو ذات سوار لطمتني «4» .
(3/368)

عذرت البزل «1» إذ هي خاطرتني ... فما بالي وبال ابن اللّيون
12- عبد الله بن الحسن بن الحسن عليهم السّلام: إياك ومعاداة الرجال، فإنك لن تعدم مكر حليم، ومفاجأة لئيم.
13- أنو شروان: العدو الضعيف المحترس من العدو القوي أحرى بالسلامة من العدو القوي المغتر بالعدو الضعيف.
14- صالح بن سليمان «2» : لا تسغروا عدوا، فإن العزيز ربما شرق بالذباب.
15- تقول العرب: أصبحا يتكاشحان «3» ولا يتناصحان، ويتكاشران «4» ولا يتعاشران.
16- قيل لكسرى: أي الناس أحب إليك أن يكون عاقلا؟ قال:
عدوي، قيل: وكيف ذاك؟ قال: لأنه إذا كان عاقلا فإني منه في عافية.
17- ذريح بن جابر الغيداقي «5» :
إذا المرء عادى من يودك صدره ... وسالم ما اسطاع الذين تحارب
فلا تفله «6» عما يجن ضميره ... فقد جاء منه بالشناءة «7» راكب
(3/369)

18- ذؤيب بن حبيب الخزاعي «1» :
قلبي إلى ما ضرني داعي ... يكثر أحزاني وأوجاعي
كيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدوي بين أضلاعي
19- فيلسوف: كونوا من المسر المدغل «2» أخوف منكم من المكاشف المعلن، فإن مداواة العلل الظاهرة أهون من مداواة ما خفي وبطن.
20- إياك أن تعادي من إذا شاء خلع ثيابه، ودخل مع الملك في لحافه.
21- محمد بن يزداد الكاتب: إذا لم تستطع أن تعض يد عدوك فقبلها.
22- حكيم: إني لأغتنم في عدوي أن ألقي عليه النملة وهو لا يشعر لتؤذيه كتب مروان الحمار إلى الخارجي الشيباني «3» : أنا وإياك كالحجر والزجاجة، إن وقع عليها رضها «4» ، وإن وقعت عليه فضها «5» .
23- نازع غلام من بني أمية عبد الملك بن مروان فأربى «6» عليه، فقيل لعبد الملك: لو تظلمت «7» إلى عمه! فقال: لا أعد انتقام غيري انتقاما.
24- الواثق بالله:
(3/370)

تنح عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسنا «1» فزده
ستكفى من عدوك كل كيد ... إذا كاد العدو فلا تكده
25- كانت جليلة بنت مرة «2» أخت جساس «3» تحت كليب «4» فقتل أخوها زوجها، وهي حبلى بهجرس بن كليب «5» ، فلما شب قال لها:
أصاب أبي خالي وما أنا بالذي ... أمثل أمري بين خالي ووالدي
وأورث جساس بن مرة غصّة ... إذا ما اعترتني حرها غير بارد
ثم قال:
يا للرجال لقلب ماله آسي ... كيف العزاء وثاري عند جساس «6»
ثم قتله وقال:
ألم ترني ثأرت أبي كليبا ... وقد يرجى المرشح للذحول «7»
(3/371)

غسلت العار عن جشم بن بكر ... بجساس بن مرة ذي البتول
جدعت بقتله بكرا وأهل ... لعمر الله للجدع الأصيل «1»
26- علي رضي الله عنه وذكر عثمان: وكان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه الوجيف «2» وأرفق حداتهما العنيف. وأراد أنهما كانا يجدان في عداوته.
- وعنه: وجد على عدوك بالفضل فإنه أحلى الظفرين.
27- مراجل أحقادهم تفور، وطوالع أضغانهم لا تفور.
28- هبت عليهم ريح التعادي، فنسفتهم عن البوادي.
29- من كثر غمره لم يطل عمره «3» .
30- دار عدوك لأحد أمرين، إما صداقة تؤمنك، أو فرصة تمكنك.
31- لكل إبراهيم نمرود، ولكل موسى فرعون.
32- محاسبة الصديق دناءة، وترك الحق للعدو غباوة.
33- سويد بن منجوف «4» إلى مصعب.
فأبلغ مصعبا عني رسولا ... وهل تلقى النصيح بكل وادي
تعلم أن أكثر من تناجي ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي
34- أنشد الجاحظ:
(3/372)

القوم أمثال السباع فانشمر «1» ... فمنهم الذئب ومنهم النمر
والضبع الغثراء «2» والليث الهمر 35- فلان كثير المذاق، مر المذاق «3» .
36- النبي صلّى الله عليه وسلّم: ألا أخبركم بشراركم، من أكل وحده، وضرب عبده، ومنع رفده «4» : ألا أخبركم بشر من ذلك من يبغض الناس ويبغضونه.
37- قال الحجاج لخارجي: والله إني لأبغضكم، قال: أدخل الله أشدّنا بغضا لصاحبه الجنة «5» .
38- وكيع: جئنا مرة إلى الأعمش، فلما سمع حسنا قام ودخل، فلم يلبث أن خرج فقال: رأيتكم فأبغضتكم، فدخلت إلى من هو أبغض منكم، فخرجت إليكم.
39- أراد أنو شروان أن يقلد ابنه هرمز ولاية العهد، فاستشار عظماء مملكته، فأنكروا عليه، وقال بعضهم: إن الترك ولدته وفي أخلاقهم ما علمت، فقال: الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، وكانت أم قباذ تركية، وقد رأيتم من حسن سيرته وعدله ما رأيتم: فقيل: هو قصير وذلك يذهب ببهاء الملك، فقال: إن قصره من رجليه ولا يكاد يرى إلّا جالسا أو راكبا، فلا يستبين ذلك فيه، فقيل: هو بغيض في الناس، فقال أوه! أهلكت ابننا هرمز، فقد قيل: إن من كان فيه خير واحد ولم يكن ذلك الخير المحبة في الناس فلا خير فيه، ومن كان فيه عيب واحد ولم يكن
(3/373)

ذلك العيب المبغضة في الناس فلا عيب فيه.
40-[شاعر] :
وإذا شنئت فتى شنئت حديثه ... وإذا سمعت غناءه لم أطرب
41- عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في الفضل بن السائب «1» .
رأيت فضيلا كان شيئا ملففا ... فكشّفه التمحيص حتى بداليا (2)
أأنت أخي إن لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا
ولست براء عيب ذي الود كله ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
ونحوه:
وعين البغض تبرز كل عيب ... وعين الحب لا تجد العيوبا
42- كان ابن عمر «2» يقول: نعوذ بالله من قدر وافق إرادة حسود.
43- قيل لرسطاليس: ما بال الحسود أشد غما؟ قال: لأنه يأخذ بنصيبه من هموم الدنيا، ويضاف إلى ذلك غمه لسرور الناس.
44- النبي صلّى الله عليه وسلّم: استعينوا على أموركم بالكتمان، فإن كلّ ذي نعمة محسود.
45- تذاكر قوم من ظرفاء البصرة الحسد، فقال رجل: إن الناس ربما حسدوا على الصلب، فأنكروا ذلك، ثم جاءهم بعد أيام فقال: إن الخليفة قد أمر بصلب الأحنف، ومالك بن مسمع «3» ، وقيس بن
(3/374)

الهيثم «1» ، وحمدان الحجام «2» ، فقالوا: هذا الخبيث يصلب مع هؤلاء! فقال: ألم أقل إن الناس يحسدون على الصلب.
46- منصور الفقيه:
منافسة الفتى فيما يزول ... على نقصان همته دليل
ومختار القليل أقل منه ... وكل فوائد الدنيا قليل
47- المغيرة بن حبناء «3» شاعر آل المهلب:
آل المهلب قوم إن مدحتهم ... كانوا الأكارم آباء وأجدادا
إن العرانين تلقاها محسّدة ... ولا ترى للئام الناس حسّادا «4»
48- عثمان رضي الله عنه: يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك.
(3/375)

49- مالك بن دينار: شهادة القرّاء مقبولة في كل شيء إلا شهادة بعضهم على بعض، فأنهم أشد تحاسدا من السوس في الوبر «1» .
50- أنس رفعه: إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
51- بعض حكماء العرب: الحسد داء منصف يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود.
52- يقول الله عز وعلا: الحاسد عدو نعمتي، متسخط لفعلي، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي.
53- عبد الله بن شداد بن الهاد صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لابنه: يا بني إن سمعت كلمة من حاسد فكن كأنك لست بشاهد، فإنك إن أمضيتها حيالها رجع القول على من قالها.
54- الأصمعي: رأيت أعرابيا قد بلغ من العمر مائة وعشرين سنة، فقلت له: ما أطول عمرك! فقال: تركت الحسد فبقيت.
55- أعرابي: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد.
تراه كأن الله يجدع أنفه ... وأذنيه إن مولاه ثاب له وفر «2»
56- المتنبي:
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها ... أني لما أنا باك منه محسود
57- ابن الحجاج:
إن يحسدوني فلا والله ما بلغت ... لولا الخساسة حالي موضع الحسد
وإنما في يدي عظم امششه ... من المعاش بلا لحم ولا غدد «3»
58- لا يخلو السيد من ودود يمدح، وحسود يقدح.
(3/376)

59- لا يسلم الفاضل من قدح وإن غدا أقوم من قدح «1» .
60- ابن مسعود رضي الله عنه: ألا لا تعادوا نعم الله، قيل: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس.
61- كان يقال: إياك والحسد فإنه يتبين فيك، ولا يتبين في محسودك.
62- حكيم: الحسد خلق دنيء، ومن دناءته أنه يبدأ بالأقرب فالأقرب.
63- قيل لعبد الله بن عروة: لزمت البدو وتركت قومك! قال: وهل بقي إلّا حاسد على نعمة، أو شامت على نبكة؟.
64- الحسود غضبان على القدر والقدر لا يعتبه.
65- بينا عبد الملك بن صالح العباسي يسير مع الرشيد في موكبه، إذ هتف هاتف: يا أمير المؤمنين طأطىء من إشرافه، وقصر من عنانه، واشدد من شكاله «2» . فقال الرشيد: ما يقول هذا؟ فقال عبد الملك:
مقال حاسد، ودسيس حاسد. قال: صدقت، نقص القوم وفضلتهم، وتخلفوا وسبقتهم حتى برز شأوك «3» ، وقصر عنك غيرك، ففي صدورهم جمرات التخلّف. وحزازات «4» التبلّد، فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين فأضرمها عليهم بالمزيد.
66-[شاعر] :
يا طالب العيش في أمن وفي دعة ... رغدا بلا قتر صفوا بلا رنق «5»
خلص فؤادك من غل ومن حسد ... فالغل في القلب مثل الغل في العنق «6»
(3/377)

67- عباد بن ثعلبة، وهو أنف الكلب، حسده بنو أخيه فقال:
قد كنت أحسبكم أو خلتكم ولدا ... فاليوم أعلم أن لستم بأولاد
الله يعلم غيبي كيف كان لكم ... والله يعلم ما غبتم لعباد
68- كتب عبد الملك إلى الأحنف يستدعيه، فقال: يدعوني ابن الزرقاء إلى ولاية أهل الشام، فو الله لوددت أن بيننا وبينهم جبلا من نار، فمن أتانا منهم احترق، ومن أتاهم منا احترق.
69- أبو حيان: قال لقمان: نقلت الصخر، وحملت الحديد، فلم أر شيئا أثقل من الدين، وأكلت الطيبات، وعانقت الحسان، فلم أر ألذّ من العافية، وأنا أقول: لو مسح القفار، ونزح البحار، وأحصى القطار «1» ، لوجدها أعون من شماتة الأعداء، خاصة إذا كانوا مساهمين في نسب، أو مجاورين في بلد.
اللهم إني أعوذ بك من تتابع الإثم، وسوء الفهم، وشماتة ابن العم «2» .
70- قيل لأيوب عليه السّلام: أي شيء كان عليك في بلائك أشد؟ قال:
شماتة الأعداء.
71- واثلة بن الأسقع: تظهر الشماتة بأخيك المسلم فيرحمه الله ويبتليك.
72- أنشد الجاحظ:
وقال العاذلات ننسلّ عنها ... وداو غليل قلبك بالسلوّ «3»
(3/378)

فكيف وقبلة منها اختلاسا ... الذّ من الشماتة بالعدو
73- الخبزرزي «1» :
شماتتكم بي فوق ما قد أصابني ... وما بي دخول النار بل طنز مالك «2»
74- ابن أبي عيينة المهلبي:
كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الأعداء
75- أعرابي: بنو الطرف عنوان الشر.
كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الحساد
إن المصائب تنقضي أيامها ... وشماتة الأعداء بالمرصاد
76- قيل لأفلاطون «3» بم ينتقم الإنسان من عدوه؟ قال: بأن يزداد فضلا في نفسه.
77- النبي صلّى الله عليه وسلّم: خير ما أعطي المؤمن خلق حسن، وشر ما أعطي الرجل قلب سوء في صورة حسنة.
78- سئل الحسن: أيحسد المؤمن؟ فقال: وما أنساك بني يعقوب «4» .
(3/379)

79- لو كانت المشاجرة شجرا لم تثمر إلا صخرا.
80- إذا رأى نعمة بهت، وإذا رأى عثرة شمت.
81- الخلاف غلاف الشر.
82-[شاعر] :
سن العداوة آباء لنا سلفوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء
83- بلغ عمرو بن عتبة شماتة قوم به في مصائب، فقال: والله لئن عظم مصابنا بموت رجالنا لقد عظمت النعمة بما أبقى الله لنا شبابا يشبون «1» الحروب، وسادة يسدون المعروف، وما خلقنا ومن شمت بنا إلا للموت.
84- لما قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سمع بموته نساء من كندة وحضرموت، فخضبن «2» أيديهن، وضربن بالدفوف، فقال رجل منهم:
أبلغ أبا بكر إذا ما جئته ... أن البغايا ومن أي حرام «3»
أظهرن من موت النبي شماتة ... وخضبن أيديهن بالعلام «4»
فاقطع هديت أكفهن بصارم ... كالبرق أومض في متون غمام
فكتب أبو بكر إلى المهاجر «5» عامله، فأخذهن وقطع أيديهن.
(3/380)

85- كاتب: فلان يتربص بك الدوائر «1» ، ويتمنى لك الغوائل «2» ، ولا يؤمل صلاحا إلا في فسادك، ولا رفعة إلا بسقوط حالك.
86- كتب عبد الحميد عن مروان إلى أبي مسلم «3» كتابا قد نفث فيه خراشي صدره «4» ، وكان من كبر حجمه على جمل، فدعا أبو مسلم بنار فطرحه فيها، إلا قدر ذراع كتب فيه هذين البيتين:
محا السيف أسطار البلاغة وانتحى ... عليك ليوث الغاب من كل جانب
فإن تقدّموا نعمل سيوفا شحيدة ... يهون عليها العتب من كل عاتب
87- العرب: حين تقلينه تدرين أين غثه من سمينه.
88- قيل لعبد الملك بن صالح الهاشمي: إنك لحقود، فتمثل:
إذا ما امرؤ لم يحقد الوتر لم يكن ... لديه لذي النعمى جزاء ولا شكر «5»
89- وقيل: عاتب ملك وزيره فقال له: إنك لحقود؟ فقال: أيها الملك السعيد، إن الصدر خزانة لما يودع فيه خير وشر، فإذا لم يحفظ السيئة لم يحفظ الحسنة.
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير «6»
(3/381)

90- علي رضي الله عنه: لأضغطن الكوفة ضغطة تحبق لها الصرة «1» .
91- عمارة بن عقيل:
يا أيها الراكب الماضي لطيته ... بلغ حنيفة وانشر فيهم الخبرا
مهلا حنيفة إن الحرب إن طرحت ... عليكم ركنها أسرعتم الضجر «2»
92- مغلس بن لقيط السعدي «3» :
قرينين كالذئبين يعتورانني ... وشر محابات الرجال ذئابها «4»
إذا رأيا بي غرة أغريا بها ... أعاديّ والأعداء تعوي كلابها «5»
وإن رأياني قد نجوت تلمسا ... لرجلي مغوّاة هياما ترابها «6»
93- حكيم: لا تأمن الضعيف، فان القناة «7» قد تقتل وإن عدمت السنان والزج «8» .
94-[شاعر] :
إذا ما رآني مقبلا شام «9» نبله ... ويرمي إذا وليت ظهري بأسهم
(3/382)

95- النابغة الجعدي:
وراثة بغض من أبيك ورثتها ... فلا برحت حتى تلاقي المنخّلا
أي أبدا.
96- عمرو بن معد يكرب:
عجت نساء بني زياد عجة ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب «1»
97- طفيل الغنوي «2» :
فذوقوا كما ذقنا غداة محجر ... من الغيظ في أكبادنا والتحوّب «3»
98- أوس بن حجر:
رأيت بريدا يدريني بعينه ... تشاوس قليلا انني من تأسل «4»
وله:
فمن لا يكن منكم مسيئا فأنه ... يشد على كف المسيء فيجلب
99- السمهري العكلي «5» :
(3/383)

إذا حرسي قعقع الباب ارعدت ... فرائص أقوام وطارت قلوبها
فإن تك عكل سرها ما أصابني ... فقد كنت مصبوبا على من يريبها «1»
100- السرندي بن عتبة التميمي «2» :
رمى الناس عن قوس تميما ولا أرى ... عداوة من عادى تميما يضيرها
101- عبيد الله بن سليمان بن وهب:
كاد الأعادي فلا والله ما تركوا ... قولا وفعلا وتلقيبا وتهجينا
ولم نزد نحن في سر ولا علن ... على مقالتنا يا ربنا اكفينا «3»
فكان ذاك رد الله حاسدنا ... بغيظة لم ينل تقديره فينا «4»
102- قدامة بن موسى المدني «5» :
إنّ بدرا نعمة سابغة ... خصنا الله بها حين قسم
فضّل الله بها أهل التقى ... وبنى الله بيوتا وهدم
إنما يحسد أو يبغضنا ... لشقاء الجد أرباء النعم
103- في نوابغ الكلم: الحسد حسك، من تعلق به هلك.
104- نصر بن سيار:
إني نشأت وحسّادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا
إن يحسدوني على ما بي لما بهم ... فمثل ما بي مما يجلب الحسدا
(3/384)

105- معن بن زائدة:
وإن حسدت فزاد الله في حسدي ... لا عاش من عاش يوما غير محسود
106- حسيل بن عرفطة الأسدي «1» :
ليهنك بغض في الصديق وظنه ... وتحديثك الشيء الذي أنت كاذبه
وأنك مشنوء إلى كل صاحب ... بلاك ومثل الشر يكره راكبه
فلم أر مثل الجهل أدى إلى الردى ... ولا مثل بغض الناس غمص «2» صاحبه
107- الحسن: الكبش يعتلف، والسكين تحد، والتنور يشجر.
108- كتب علي رضي الله عنه إلى أهل البصرة: فإن خطت بكم الأهواء المردية «3» ، والآراء الجائرة إلى منابذتي «4» وخلافي فها أنا ذا قد قربت جيادي ورحلت ركابي ولئن الجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعنّ بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلا كلعقة لاعق «5» . مع إني عارف لذي الطاعة منكم فضله، ولذي النصيحة حقه، غير متجاوز متهما إلى بريء، ولا ناكثا إلى وفيّ.
109- عقال بن شبه «6» : كنت رديف «7» أبي، فلقيه جرير، فحياه
(3/385)

ولاطفه، فقلت: أبعد ما قال لنا ما قال؟ قال: يا بني أفأوسع جرحي؟.
110- قال السفاح لسديف حين أغراه «1» على بني مروان: يا سديف خلق الإنسان من عجل «2» ثم قال:
أحيا الضغائن «3» آباء لنا سلفوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء
111- عن المنصور: إذا مد عدوك إليك يده فاقطعها إن أمكنك، وإلّا فقبلّها.
(3/386)

الباب الثاني والخمسون العدل، والإنصاف، واستعمال السوية في القسمة وغيرها، وذكر من عدل وأوصى بالعدل
1- النبي صلّى الله عليه وسلّم: زين الله السماء بثلاث: بالشمس، والقمر والكواكب، وزين الأرض بثلاث: بالعلماء، والمطر، وسلطان عادل.
2- أول خطبة خطبها عمر رضي الله عنه قال: أيها الناس، والله ما منكم أحد هو أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه، ثم نزل.
3- علي رضي الله عنه: أشد الأعمال ثلاثة: ذكر الله على كل حال، ومواساة الأخوان بالمال، وإنصاف الناس من نفسك.
وجه علي رضي الله عنه ابن عباس، وعمار بن ياسر، والحسن ابنه حين توجه إلى صفين «1» ، لعزل أبي موسى عن الكوفة وحمل ما في بيت مالها إليه، فوجدوا فيه اثنين وخمسين ألف درهم. فقال: كيف اجتمع هذا كله للأشعري ولم يجتمع لمن قبله؟ فقال مجاشع بن مسعود «2» :
(3/387)

أصدقكم، والله ما جمعه إلا العدل في الرعية، وإقامة أمر الله في عباده.
4- كان الإسكندر «1» يقول: يا عباد الله، إنما آلهكم الله الذي في السماء، عند الكرب، والله لا يبلغني أن الله أحب شيئا إلا أحببته واستعملته إلى يوم أجلي، ولا أبغض شيئا إلّا أبغضته وهجرته إلى يوم أجلي، وقد أنبئت أن الله يحب العدل في عباده، ويبغض الجور من بعضهم على بعض، فويل للظالم من سيفي وسوطي، ومن ظهر منه العدل من عمالي فليتكىء في مجلسي كيف شاء، وليتمنّ عليّ ما شاء، فلن نخطئه أمنيته، والله المجازي كلا بعمله.
إذا لم يعمر الملك ملكه بالإنصاف خرب بالعصيان.
5- العباس بن عبد المطلب:
أبا طالب لا تقبل النصف منهم ... أبا طالب حتى تعق وتظلما «2»
أبي قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواطع في أيماننا تقطر الدما «3»
6- أنوشروان: قيل له: أي الجنن «4» أوقى؟ قال: الدين، قيل:
فأي العدد أقوى؟ قال: العدل.
7- شكوا إلى جعفر بن يحيى عاملا له، فوقّع إليه: قد كثر
(3/388)

شاكوك، فإمّا اعتدلت، وإمّا اعتزلت.
8- قيل لعلي بن الحسين رضي الله عنه: ما بالك إذا سافرت كتمت نسبك عن أهل الرفقة؟ قال: أكره أن آخذ برسول الله ما لا أعطي مثله.
9- أنصف وانظر إليّ بعين الرضا. ثم اقتحم بي جمر الغضا «1» .
10- من أنصف من نفسه رضي به حكما لغيره.
11- قال رجل لسليمان بن عبد الملك، وهو جالس للمظالم: ألم تسمع قول الله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
«2» ؟
قال: فما خطبك؟ قال: وكيلك اغتصبني «3» ضيعتي وضمها إلى ضيعتك الفلانية، قال: فضيعتي لك، وضيعتك مردودة إليك، وكتب إلى الوكيل بذلك، وبصرفه عن عمله.
12- رقي إلى كسرى بن قباذ «4» أن في بطاقة الملك من فسدت نياتهم، وخبثت ضمائرهم، فقال: إني إنما أملك الأجساد لا النيات، وأحكم بالعدل لا بالرضا، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر.
13- هارون بن محمد البالسي «5» :
زيد في قدرك العليّ علوا ... يا ابن وهب من كاتب ووزير
أنت وجه الإمام لا زلت طلقا ... بك تفترّ عابسات الأمور
(3/389)

أسفر الشرق منك والغرب عن ض ... وء من العدل فاق ضوء البدور
أنشر الناس غثكم بعد أن كا ... نوا رفاثا من قبل يوم النشور
شرد الجور عدلكم فسرحنا ... منكم بين روضة وغدير
14- نزل رجل بعلي رضي الله عنه فمكث عنده أياما، ثم تغوث «1» إليه في خصومة، فقال علي: أخصم أنت؟ قال: نعم، قال: فتحوّل عنا، فإن رسول الله نهى أن يضاف خصم إلّا ومعه خصمه.
وعنه: بالسيرة العادلة يقهر المناوىء.
15- مات بعض الأكاسرة، فوجدوا له سفطا «2» ، ففتح فإذا فيه حبة رمان كأكبر ما يكون من الثدي، معها رقعة مكتوب فيها: هي من حب رمان عمل في خراجه بالعدل.
16- تظلم أهل الكوفة إلى المأمون من واليهم، فقال: ما علمت في عمالي أعدل وأقوم بأمر الرعية، وأعود بالرفق عليهم منه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين: ما أحد أولى بالعدل والإنصاف منك، فإن كان بهذه الصفة فعلى أمير المؤمنين أن يولّيه بلدا بلدا حتى يلحق كل بلد مثل الذي لحقنا، ويأخذ بقسطه «3» منه كما أخذه، وإذا فعل ذلك لم يصبنا منه أكثر من ثلاث سنين. فضحك وعزله.
17- كتب عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز: أمّا بعد فإن قبلنا قوم لا يؤدون الخراج إلّا أن يمسهم العذاب، فاكتب إلي برأيك. فكتب إليه: أما بعد فالعجب لك كل العجب! تكتب إلي تستأذنني في عذاب البشر، كأن إذني لك جنة من عذاب الله، أو كأن رضاي ينجيك من سخط الله، فمن أعطاك منهم ما عليه عفوا فخذه منه، ومن أبى فاستحلفه، وكله
(3/390)

إلى الله «1» ، فو الله لئن يلقوا الله بجرائمهم أحب إليّ من أن نلقاه بعذابهم، والسلام.
18- جاء رجل من مصر إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مكان العائذ بك، فقال: لقد عذت عياذا، فما شأنك قال: سابقت ولد عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يقنعني «2» بسوطه ويقول: أنا ابن الأكرمين، وبلغ عمرا فحسبني خشية أن آتيك، فأنفلت. فكتب عمر إلى عمرو: إذا أتاك كتابي هذا فأشهد الموسم وابنك. وقال للمصري: أقل حتى يقدم عمرو ويشهد الحج. فلما كان رمى إليه بالدرة «3» ، فضرب ولد عمرو، وعمر يقول: اضرب ولد الأكرمين، حتى قال: يا أمير المؤمنين قد استغنيت. قال: ضعها على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين:
ضربت الذي ضربني، قال: أم والله لو فعلت ما منعك أحد حتى تكون أنت الذي ينزع. ثم قال: يا عمرو، متى تعبدتم «4» الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟.
19- الأحنف: ما عرضت النصفة على أحد قط فقبلها إلا دخلتني له هيبة، ولا ردها إلا أختبأتها في عقله.
20- قدم المنصور البصرة قبل الخلافة، فنزل بواصل بن عطاء، فقال: أبيات بلغتني عن سليمان بن يزيد العدوي «5» في العدل، فمر بنا إليه، فأشرف عليهم من غرفة فقال لواصل: من هذا الذي معك؟ قال:
عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فقال: رحب على رحب، وقرب إلى قرب، فقال: يحب أن يسمع أبياتك في العدل، فأنشده:
(3/391)

حتى متى لا نرى عدلا نسّر به ... ولا نرى لولاة الحق أعوانا
مستمسكين بحق قائمين به ... إذا تلوّن أهل الجور ألوانا
يا للرجال لداء لا دواء له ... وقائد ذي عمى يقتاد عميانا
فقال المنصور: وددت أني رأيت يوم عدل ثم مت. قال ابن المبارك: فهلك والله أبو جعفر وما عدل.
21- فضيل: ما ينبغي لك أن تتكلم بفمك كله «1» ، تدري من كان يتكلم بفمه كله؟ عمر بن الخطاب، كان يطعم الطيب ويأكل الغليظ، ويكسوهم اللين ويلبس الخشن، ويعطيهم الحق ويزيدهم، وأعطى رجلا عطاءه أربعة آلاف درهم وزاده ألفا، فقيل له: ألا تزيد ابنك كما تزيد هذا؟ فقال: إنّ هذا ثبت أبوه يوم أحد «2» ، ولم يثبت أبو هذا.
22- عبادة بن الصامت: صلى بنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى بعير من إبل الصدقة، فلما سلل تناول وبرة من البعير وقال: مالي فيما أفاء «3» الله عليكم ولا مثل هذه، إلا الخمس والخمس مردود فيكم.
23- قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم «4» : ما النجاة من هذا الأمر؟ قال: شيء هين، قال: وما هو؟ قال: لا تأخذ شيئا إلّا من حقه، ولا تضعه إلا في حقه، قال: ومن يطيق هذا؟ قال: من طلب الجنة، وهرب من النار.
(3/392)

24- لا يكون العمران إلا حيث يعدل السلطان.
25- العدل حصن وثيق في رأس نيق «1» ، لا يحطمه سيل، ولا يهدمه منجنيق «2» .
26- وقع المأمون إلى عامل: أنصف من ولّيت أمره، وإلا أنصفه من ولي أمرك، وعنه: أكفه أمره وإلا كفيته أمرك.
27- بعض السلف: العدل ميزان الله، والجور مكيال الشيطان.
الملك العادل مكنوف «3» بعون الله، محروس بعين الله.
28- بليغ: رأيت صورة قمرية، وسيرة عمرية.
29- آخر: رأيت بفلان نور القمرين «4» ، وسيرة العمرين «5» .
30- أردشير: إذا رغب الملك عن العدل، رغبت «6» الرعية عن الطاعة.
وعنه: لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل وحسن سياسة. ولم يكن بعد أردشير أعدل من أنوشروان وهو الذي ولد رسول الله لسبع سنين خلت من ملكه. وقال: ولدت في زمن الملك العادل. وسائر الأكاسرة كانوا ظلمة يستعبدون ويتسخرون الرعايا، ويستأثرون عليهم بكل شيء، فلا يجرأ «7» أحد أن يطبخ
(3/393)

سكباجا «1» ، أو يلبس ديباجا «2» ، أو يركب هملاجا «3» ، أو يملك حسناء، أو يبني قوراء «4» ، أو يؤدب ولده، أو يمد إلى مروءة يده، ويبنون الأمر على قول عمرو بن مسعدة «5» للمأمون: كل ما يصلح للمولى على العبد حرام.
31- أنوشروان: كفاك من بركة العدل في الرعية، وحفظ الله لصاحبه، ما أعطى الله الضحاك «6» من ملك ألف سنة، أما والله لو أن ملوك يونان وهموان، يعني حمير، والأشغان «7» عدلوا لطالت أعمارهم، فاقتدوا بخيار ملوككم، وأهل الفضل منهم، تسعدوا بالعيش ما عشتم، وتصيروا بعد الموت إلى خير منه.
32- رسطاليس: العدل حسن، وهو علة «8» كل حسن، وكذلك الحسن مع كل معتدل، والجور قبيح. وهو علة كل قبيح، وكذلك القبح
(3/394)

مع كل خارج عن الاعتدال.
33- سقراط «1» : ينبوع فرح الإنسان القلب المعتدل، وينبوع فرح العالم الملك العادل، وينبوع حزن الإنسان القلب المختلف المزاج، وينبوع حزن العالم الملك الجائر.
34- قدم عبد الله بن زمعة «2» على علي رضي الله عنه في خلافته، وكان من شيعته «3» ، فطلب منه مالا، فقال: إن هذا المال ليس لي ولا لك، وإنما هو فيء للمسلمين وجلب أسيافهم، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم، وإلّا فجناة أيديهم لا تكون بغير أفواههم.
- وقال لعامله: انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا تروعنّ مسلما، ولا تجتازنّ عليه كارها، ولا تأخذنّ منه أكثر من حق الله في ماله؟ فإذا قدمت على الحي فأنزل بمائهم، من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم، ولا تخدج «4» بالتحية لهم، ثم تقول: عباد الله، أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ منكم حق الله تعالى في أموالكم، فهل لله تعالى في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليّه؟ فأن قال قائل لا فلا تراجعه، وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه، فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة، فان كانت لك ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بأذنه، فإنّ أكثرها له، فإذا أتيتها فلا
(3/395)

تدخلها دخول متسلط عليه ولا عنيف به، ولا تنفرنّ بهيمة، ولا تفزعنّها، ولا تسوأن صاحبها فيها.
- وقال للأشتر «1» حين ولاه مصر: اجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم فيه مجلسا عاما، فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متعتع «2» ، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول في غير موطن: لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع، ثم احتمل الخرق «3» منهم والعي، ونح عنهم الضيق والأنف، يبسط الله عليك أكناف «4» رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته.
35- لما ولي عمر بن عبد العزيز أخذ في رد المظالم، فأبتدأ بأهل بيته، فاجتمعوا إلى عمة له كان يكرمها وسألوه أن تكلمه، فقال لها: إنّ رسول الله سلك طريقا، فلما قبض سلك صاحباه ذلك الطريق، فلما ولي عثمان سلك ذلك الطريق غير أنه خدّ فيه اخدودا «5» ، فلما أفضى الأمر «6» الى معاوية فجره يمينا وشمالا، وأيم الله لئن مد لي عمر لأردنّه إلى الطريق الذي سلكه رسول الله وصاحباه. فقالت له يا ابن أخي إني أخاف عليك منهم يوما عصيبا، فقال: كل يوم أخافه دون يوم القيامة فلا أمّننيه الله أن خفته. فخرجت إليهم فقالت: أفتتزوجون في آل عمر بن الخطاب فإذا راعهم الشبه تكلمتم؟ وذلك أن أم عمر أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن
(3/396)

الخطاب «1» .
36- الحكماء: عدل السلطان أنفع من خصب الزمان.
إزرع الأحرار بسيبك «2» ، واحصد الأشرار بسفيك.
37- كثير في عمر بن عبد العزيز:
قد غيب الدافنون اللّحد من عمر ... بدير سمعان «3» قسطاس الموازين
ضمن غيب معنى أودع وضمن، فلذلك عداه إلى اثنين.
38- نزل بالحسن بن علي ضيف، فاستسلف درهما اشترى له به خبزا، واحتاج إلى الأدام فطلب من قنبر «4» أن يفتح له زقا من زقاق عسل جاءت من اليمن، فاخذ منه رطلا. فلما قعد علي رضي الله عنه ليقسمها قال: يا قنبر قد حدث في هذا الدن «5» الحدث، قال: صدق فوك، وأخبره الخبر، فغضب وقال: عليّ به: فرفع عليه الدرة، فقال: بحق عمي جعفر، وكان إذا سئل بحق جعفر سكن، وقال: ما حملك على أن أخذت منه قبل القسمة؟ قال: إن لنا فيه حقا، فإذا أعطيتناه رددناه، قال: فداك أبوك! وإن كان لك فيه حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم، لولا أني رأيت رسول الله يقبل ثنيتك لأوجعتك ضربا، ثم دفع إلى قنبر درهما وقال: اشتر به أجود عسل تقدر عليه. قال
(3/397)

الراوي: فكأني أنظر إلى يدي على فم الزق، وقنبر يقلب العسل فيه، ثم شده وجعل يبكي ويقول: اللهم اغفرها للحسن فإنه لا يعلم.
39- الحسن: أتى عمر رضي الله عنه مال كثير، فأتته حفصة «1» فقالت: يا أمير المؤمنين، حق أقربيك «2» ، فقد أوصى الله بالأقربين، فقال يا حفصة، إنما حق أقربائي في مالي، فأما مال المسلمين فلا، يا حفصة نصحت قومك وغششت أباك. فقامت تجر ذيلها «3» .
(3/398)

الباب الثالث والخمسون العجز، والتواني، والكسل، والبلادة، والبطء والتردد في الأمر، وما أشبه ذلك
1- سعد بن أبي وقاص: كنا عند رسول الله فقال: أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟
قال: يسبح مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، أو يحط ألف خطيئة.
2- علي رضي الله عنه: من طاع التواني ضيع الحقوق.
3- أكثم بن صيفي: ما أحب أن أكفي جميع أمر الدنيا، قيل: ولم ذاك؟ قال: أخاف عادة العجز.
4- حكيم: من دلائل العجز كثرة الإحالة «1»
على المقادير.
5- كتب على عصا ساسان «2»
: الحركة بركة، والتواني هلكة، والكسل شؤم، والتواني زاد العجزة، وكلب طائف خير من أسد رابض.
من العجز والتواني نتجت الفاقة.
6- قال أبو المعافى «3»
:
(3/399)

إن التواني أنكح العجز بنته ... وساق إليها حين زوجها مهرا
فراشا وطيئا ثم قال لها اتكي ... فقصرا كما لا شك أن تلدا الفقرا
7- قال جرير للفرزدق: ظننت أن تفعل كذا، فقال: طالما أخلفت ظن العجزة، وما ظنك بالحلفاء «1»
أدنيت لها نارا؟.
8- خرج المعتصم إلى بعض منتزهاته، فظهر لهم أسد، فقال لرجل من أصحابه، أعجبه قوامه وسلاحه وتمام خلقه، يا رجل أفيك خير؟ فقال بالعجلة: لا والله يا أمير المؤمنين. فضحك المعتصم وقال: قبحك الله وقبح طللك «2» .
9-[شاعر] :
لا تضجرن ولا تأخذك معجزة ... فانجح يذهب بين العجز والضجر
10-[آخر] :
ولا تركن إلى كسل وعجز ... تحيّل على المقادر والقضاء
11- أبو بكر العرزمي «3»
:
أرى عاجزا يدعى جليدا لغشمه «4» ... ولو كلف التقوى لكلت مضاربه «5»
(3/400)

وعفا يسمى عاجزا لعفافه ... ولولا التقى ما أعجزته مذاهبه
وليس بعجز المرء أخطأه الغنى ... ولا باحتيال أدرك المال كاسبه
12- أعرابي: العاجز هو الشاب القليل الحيلة، الملازم للحليلة «1» .
فلان يخدعه الشيطان عن الحزم، فيمثل له التواني في صورة الهوينى باحالته على القدر.
13- الحسن: إن أشد الناس صراخا يوم القيامة رجل سن سنة ضلالة فاتبع عليها، ورجل فارغ مكفي قد استعان بنعم الله على معاصيه.
14- قيل لسهل بن هارون «2»
: خادم القوم سيدهم، قال: هذا من أخبار الكسالى.
15-[شاعر] :
أصبحت لا رجلا يغدو لمطلبه ... ولا قعيدة بيت تحسن العملا «3»
16- لبيد: واعص ما يأمر توصيم «4»
الكسل.
17- الخيبة نتيجة مقدمتين الكسل والفشل، وثمرة شجرتين الضجر والملل.
(3/401)

18- شعاره الكسل، ودثاره التسويف والعلل.
19- الكسل باب الخصاصة «1»
:
20- الكسلان إذا أرسلته في حاجة تكهن عليك.
21- يسحب رجلا لا تكاد تنسحب.
22- إن الهوينى تورث الهوانا.
23-[شاعر] :
لو سابق الذر مشدودا قوائمه ... يوم الرهان لكان الذر يسبقه
24- التعبد يثقل على أهله كثقله في الميزان، والكسل يخف على أهله كخفته في الميزان.
25- لقمان: يا بني إيّاك والكسل والضجر، فإن كسلت لم تؤدّ حقا، وإذا ضجرت لم تصبر على حق.
26- طاهر بن الفضل «2»
: الكسلان منجم، والبخيل طبيب.
27- العطاف الكلبي «3»
:
كلوا عجرة الوادي فإن بلاءكم ... ضعيف إذا ما كان يوم قماطر «4»
ولا تغضبوا مما أقول فإنما ... أنفت لكم مما تقول المعاشر
28- أبو نعامة الديقعي «5»
:
(3/402)

إذا وضع الراعي على الأرض صدره ... فحق على المعزاء أن تتبددا
29- ابن السماك: جلاء القلوب استماع الحكمة، وصدؤها الملالة والفتور.
30- عنه عليه السّلام: كان إذا سئم تبدى «1» .
31- المأمون: إن النفس لتمل الراحة كما تمل التعب.
32- أبجر بن جابر العجلي «2»
: يا بني، إياك والسآمة في طلب الأمور، فتقذفك الرجال في أعقابها.
33- فلان لا ينتبه ولو أعيد في الكور، ونفخ عليه إلى أن ينفخ في الصور.
34- علي رضي الله عنه: إلى كم أغضي على القذى، وأسحب ذيلي على الأذى، وأقول لعل وعسى «3»
:
35-[شاعر] :
ولو نشر الخليل له لعفت ... بلادته على فإن الخليل «4»
36- عمر رضي الله عنه: إنّي لأكره أن أرى أحدكم فارغا سبهللا «5»
، لا في عمل دنيا ولا آخرة.
(3/403)

37- إن كان الشغل محمدة فإن الفراغ مفسدة.
38- حجام ساباط «1»
مثل في الفراغ، وهو ساباط المدائن، كان به حجام إذا مر به البعوث حجمهم بنسيئة «2»
إلى وقت القفول. وقيل: حجم مرة أبرويز فأمر له بما أغناه عن الحجامة فلم يزل فارغا مكفيا.
39- قال ابن بسام:
دار أبي العباس مفروشة ... ما شئت من بسط وأنماط
لكنما بعدك من خبزه ... كبعد بلخ من سميساط «3»
مطبخه قفر وطباخه ... أفرغ من حجام ساباط
40- وكان ابن الرومي إذا ذكر أبا حفص الوراق «4»
سماه وراق ساباط لفراغه.
41- إخلع علي ساعة من ساعاتك. أي تفرغ لي.
42- أنس رفعه: أشد الناس حسابا يوم القيامة المكفي الفارغ.
43- قدامة بن جعفر «5»
: كنت مرويا في أمر، آتيه أم أذره؟
فأنشدت في المنام:
(3/404)

فلا تكن النفس التي نيط أمرها ... بنفسين نفس تائق وعزوف
44-[بعضهم] :
كان الفراغ إلى سلامك قادني ... ولربما طلب الفضول الفارغ
45- قولك في أذني قرط معلق لا أنساه.
46- أظنك نسيتني، وللنسيان نسوان، وللذكر ذكران.
47- لو غابت عنه العافية أنسيها.
48- جابر بن عبد الله رفعه: خمس يورثن النسيان: أكل التفاح، وسؤر «1»
الفأر والحجامة «2»
في النقرة «3»
، ونبذ القملة، والبول في الماء الراكد.
49- وعن علي رضي الله عنه: عشر يورثن النسيان: كثرة الهم، والحجامة في النقرة، والبول في الماء الراكد، وأكل التفاح الحامض، وأكل الكزبرة، وأكل سؤر الفأر، وقراءة ألواح القبور، والنظر إلى المصلوب، والمشي بين الجملين المقطورين، وإلقاء القملة حية «4» .
50- في نوابغ الكلم: يا أنيسيان عادتك النسيان. أذكر الناس ناس، وأرق القلوب قاس.
فلان يعلّ الفؤاد غير نسّاء «5» للأحقاد.
(3/405)

51- المعتز:
وما أملّ حبيبي ليتني أبدا ... مع الحبيب ويا ليت الحبيب معي
52- العباس بن الأحنف:
لو كنت عاتبة لسكّن عبرتي ... أملي رضاك وزرت غير مراقب
لكن مللت فلم يكن لي حيلة ... صدّ الملول خلاف صد العاتب «1»
53- تقول العرب: إنك لذو ملة طرف، أي تتخذ خليلا ثم تمله وتستطرف آخر.
54- هذا أمر يضيق به قضاؤك، وتسقط منه كسفا «2» سماؤك.
55- كان رجل ينسى أسماء ممالكيه، فقال: اشتروا لي غلاما له اسم مشهور لا أنساه، فاشتروا له غلاما، وقالوا: اسمه واقد، فقال: هذا اسم لا أنساه. اجلس يا فرقد.
56-[شاعر] :
أتناسيت أم نسيت إخائي ... والتناسي شرّ من النسيان
57- قالت العرب: عقرة «3» العلم النسيان.
58- قيل لرجل من عبد القيس في مرضه: أوصنا، قال: أنذرتكم سوف «4» .
(3/406)

الباب الرابع والخمسون العفاف، والورع، والعصمة، وذكر الحلال والحرام، ومن تحرج وتنزه من الرجال والنساء
1- عطية السعدي «1» : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس.
2- أبو بكر رضي الله عنه: إنا منذ ولينا أمور المسلمين لم نأخذ لهم دينارا ولا درهما. ولكن قد أكلنا من جريش طعامهم، ولبسنا من خشن ثيابهم، وليس عندنا من فيهم إلا هذا الناضح «2» . وهذا العبد الحبشي وهذه القطيفة «3» ، فإذا قبضت فادفعوها إلى عمر. فلما قبض أرسلوها إليه، فبكى حتى سالت دموعه، ثم قال: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده.
3- علي رضي الله عنه: العفاف زينة الفقر «4» .
(3/407)

4- قال داود عليه السّلام لبني سرائيل: اجتمعوا فأني أريد أن أقوم فيكم بكلمتين. فاجتمعوا على بابه، فخرج إليهم فقال: يا بني إسرائيل، لا يدخل أجوافكم إلا طيّب، ولا يخرج من أفواهكم إلا طيّب.
- إن أحببت أن تعلم علم اليقين فاجعل بينك وبين الشهوات حائطا من حديد.
5- سليمان عليه السّلام: إن الغالب لهواه أشدّ من الذي يفتح مدينة وحده.
6- حلقت قرشية شعرها، وكانت أحسن الناس شعرا، فقيل لها في ذلك، فقالت: أردت أن أغلق الباب، فلمحني رجل ورأسي مكشوف، فما كنت لأدع علي شعرا رآه من ليس بمحرم.
7-[شاعر] :
إن أكن طامح اللحاظ فإني ... والذي يملك الفؤاد عفيف
8- بعض بني كلب «1» :
فقالت بحق الله إلّا أتيتنا ... إذا كان لون الليل شبه الطيالس «2»
فجئت وما في القوم يقظان غيرها ... وقد قام عنها كل وال وحارس
فبتنا بليل طيب نستلذه ... جميعا ولم أقلب لها كفّ لامس
9- الحلال يقطر، والحرام يسيل.
10- لقي مخنث آخر وقد تاب، فقال له: من أين معاشك؟ قال:
بقيت لي بقية من الكسب القديم، قال: إذا كانت نفقتك من ذلك الكسب فإن لحم الخنزير طريا خير من قديد «3» .
11- نزل خارجي على أخ مستترا عن الحجاج، فشخص المنزول
(3/408)

عليه لبعض حاجته، وقال لامرأته: أوصيك يا زرقاء بضيفي هذا خيرا، فلما عاد بعد شهر قال لها: كيف ضيفنا؟ قالت: ما أشغله بالعمى عن كل شيء! وكان الضيف أطبق عينيه، فلم ينظر إلى المرأة والمنزل إلى أن عاد زوجها.
12- مرت امرأة بقوم من بني نمير «1» ، فقال رجل منهم: هي رسحاء «2» . فقالت: يا بني نمير ما أطعتم الله ولا أطعتم الشاعر، قال الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ
«3» ، وقال الشاعر: فغضّ الطرف إنك من نمير «4» .
13- عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص:
هيفاء فيها إذا استقبلتها عجف ... عجزاء غامضة الكعبين معطار «5»
من الأوانس مثل الشمس لم يرها ... في ساحة الدار لا بعل ولا جار
14- لم يذهب على أحد من الرواة أن عمر بن أبي ربيعة كان عفيفا، يصف ولا يقف، ويحوم ولا يرد.
15- قيل للحسن: إنّ عند فلان عشرة آلاف، فقال: ما أحسبها اجتمعت من حلال.
وقيل له: إن فلانا مات وترك مائة ألف، قال: إذن لا تتركه.
(3/409)

16- زاهد: إني لأشتهي الشّواء منذ أربعين سنة ما صفا لي درهمه.
لا تعوّد نفسك الشّبع من الحلال فتأكل الحرام.
17- سقط من يد كهمس بن الحسن الحنفي «1» دينار، فطلبوه حتى وجدوه، فأبى أن يأخذه، وقال: لعلّه ليس بديناري.
18- ابن سيرين: ما غشيت امرأة قط في يقظة ولا نوم غير أم عبد الله، وإني لأرى المرأة في المنام فأعلم أنها لا تحل لي فأصرف بصري.
19- قال بعضهم: ليت عقلي في اليقظة كعقل ابن سيرين في المنام.
20-[شاعر] :
وإني لعف عن فكاهة جارتي ... وإني لمشنوء إليّ اغتيابها «2»
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها ... زؤورا ولم تأنس إلي كلابها «3»
ولم أك طلابا أحاديث سرها ... ولا عالما من أي حوك ثيابها
21- تذاكروا أشد الأعمال في مجلس يونس بن عبيد فاتفقوا على أنه الورع «4» ، فجاء حسان بن أبي سنان «5» فقال: إنّ الصلاة لمؤونة، وإن
(3/410)

الصوم لمؤونة، وإن الصدقة لمؤونة، وما أهون للورع إذا رابك «1» شيء فاتركه.
- ومن وزع حسان أن غلاما له كتب إليه من الأهواز: أن قصب السكر أصابته آفة، فاشتر مما قبلك من السكر، ففعل، فطلب منه بعد قليل بربح ثلاثين ألفا، فاستقال البيع صاحبه وقال: لم نعلم كنت أعمل حين اشتريته «2» ، فقال: قد أعلمتني الآن وقد طيبتك، فلم يطمئن قلبه، ولم يزل حتى رده إليه.
22- محمود الوراق «3» :
لا تشعرن قلبك حب الغنى ... إن من العصمة أن لا تجد
كم مدمن خمرا وعاد على ... سماع لهو وغناء غرد «4»
لو لم يجد خمرا ولا مسمعا ... برّد بالماء غليل الكبد
23- ابن المبارك: أراد أبو حنيفة «5» رحمه الله أن يشتري جارية،
(3/411)

فمكث عشر سنين يختار ويشاور من أي سبي يشتريها.
24- اختلطت غنم الغارة بغنم أهل الكوفة، فسأل أبو حنيفة كم تعيش الشاة؟ قالوا: سبع سنين، فترك أكل لحم الغنم سبع سنين.
- وحملت إليه بدرة «1» من عند المنصور، فرماها في زاوية البيت.
فلما توفي جاء بها ولده حماد إلى الحسن بن قحطبة «2» ، فقال:
أوصاني أبي برد هذه الوديعة إليك، فقال: رحم الله أباك، لقد شح بدينه إذ سخت به أنفس أقوام.
25- الثوري: أنظر درهمك من أين هو، وصلّ في الصف الأخير.
26- كان عمر رضي الله عنه يتمثل:
حلالها حسرة يفضي إلى ندم ... وفي المحارم منها السم مذرور «3»
27- جابر: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول لكعب بن عجرة «4» : لا يدخل الجنة من نبت لحمه من حرام، النار أولى به.
28- أبو بكر رضي الله عنه رفعه: إن الله حرم الجنة أن يدخلها جسد غذي بحرام.
29- أبو هريرة رفعه: يأتي على الناس زمان لا يبالون من حلال
(3/412)

كسبوا المال أم من حرام.
30- حذيفة رفعه: إن قوما يحيون يوم القيامة لهم من الحسنات أمثال الجبال فيجعلها الله هباء، ثم يؤمر بهم إلى النار، فقال سلمان: حلهم لنا يا رسول الله. فقال: أما أنهم كانوا يصلون ويصومون، ويأخذون أهبة من الليل. ولكنهم كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام وثبوا إليه.
31- أيمن بن خريم:
فقلت اصطحبها أو لغيري فأهدها ... فما أنا بعد الشيب ويلك والخمر
تعففت عنها في العصور التي خلت ... فكيف التصابي بعد ما كلأ العمر «1»
32- فلان يعقد نطاقه على طبع الطيب الازار.
33- أبو سليمان الداراني: من صدق في ترك الشهوة كفي مؤونتها، الله أكرم أن يعذب قلبه بها وقد تركها له.
34- مر سليمان الخواص «2» بإبراهيم بن أدهم، وهو عند قوم أضافوه فقال: يا أبا إسحاق نعم الشيء هذا لو لم يكن تكرمة على الدين.
35- مروان بن معاوية «3» : ما من أحد إلّا وقد أكل بدينه حتى سفيان الثوري، كان له أخ يعمل ببضاعته وهو جالس، ولولا دينه ما فعل به ذلك.
36- ملك اللذات أن يعبدنه.
(3/413)

37- هو بماله متبرع، وعن مال غيره متورع «1» .
38- لم يتدنس بحطام، ولم يتلبس بآثام.
39- عف السريرة غيبه كالشهد.
40- قالت امرأة لرجل أكثر تأملها: عبر عينك وشيء غيرك.
41- أبو أمامة الباهلي «2» : لما بعث الله محمدا صلّى الله عليه وسلّم أتت إبليس جنوده وقالت: قد بعث نبي وخرجت أمته، قال: أفيحبون الدنيا؟ قالوا:
نعم، قال: إن كان يحبون الدنيا فأني لا أبالي أن لا يعبدوا الأوثان، أنا أغدوا عليهم وأروح بثلاث: أخذ المال من غير حله، وانفاقه في غير حقه، وامساكه عن حقه، والشرك تبع لهذا.
42- حكيم: عز النزاهة أحب إليّ من فرح الفائدة، والصبر على العسرة أحب إلي من احتمال المنة «3» .
43- قيل لابن المسيب: إلعن الحجاج، فقال: لا يأخذ الناس مظالمهم من الحجاج ويأخذ الحجاج مظلمته مني، حسبه ذنبه.
44- دخلت بثينة «4» على عبد الملك بن مروان فقال: يا بثينة ما أرى شيئا مما كان يقول جميل، فقالت: يا أمير المؤمنين، إنه كان يرنو إلي
(3/414)

بعينين ليستا في رأسك، قال: فكيف صادفتيه في عفته؟ قالت: كما وصف نفسه:
لا والذي تسجد الجبال له ... مالي بما دون ثوبها خبر
ولا بفيها ولا هممت بها ... ما كان إلا الحديث والنظر
45- وعن أبي سهل الساعدي «1» : دخلت على جميل وبوجهه آثار الموت فقال لي: يا أبا سهل، إنّ رجلا يلقى الله ولم يسفك دما حراما، ولم يأت فاحشة، أترجو له؟ قلت: إي والله، فمن هو؟ قال: إني لأرجو أن أكون ذلك، فذكرت بثينة، فقال: إني لفي آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة، لا نالتني شفاعة محمد إن كنت حدثت نفسي بريبة قط.
46- عبد الله بن عبد المطلب «2» أبو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: دعته امرأة إلى نفسها للنور الذي بين عينيه، فأبى وقال:
أما الحرام فالحمام «3» دونه ... والحل لا حل فأستبينه «4»
فكيف بالأمر الذي تبغينه ... يحمي الكريم عرضه ودينه
وقال:
وأحور مخضوب البنان محجب ... دعاني فلم أعرف إلى ما دعا وجها «5»
(3/415)

بخلت بنفسي عن مقام يشينها ... فلست مريدا ذاك طوعا ولا كرها
47- الحسن: لو وجدت رغيفا من حلال لاحرقته، ثم دققته، ثم ذريته، ثم داويت به المرضى «1» .
48- عدمت زوج أبي ذر رضي الله عنها ما تكفنه به فبكت، فقال:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لنفر أنا فيهم: ليموتن أحدكم بفلاة من الأرض، تشهده عصابة من المؤمنين. فأبصري الطريق. فإذا برجال أقبلوا ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، فقال: أنشدكم الله إن كفنني رجل منكم كان عريفا، أو أميرا، أو شرطيا. فكفنه فتى أنصاري منهم بثوبين من غزل أمه.
49- راود توبة «2» ليلى الأخيلية عن نفسها، فاشمأزت وقالت:
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل
50- ابن ميادة:
موانع لا يعطين حبة خردل ... وهن دوان في الحديث أوانس «3»
ويكرهن أن يسمعن في اللهو ريبة ... كما كرهت صوت اللجام الشوامس «4»
51- قال رجل للثوري: أصاب ثوبي خلوق «5» من خلوق الكعبة، فقال: إغسله فكم فيه من دم مسلم.
52- فضيل: ابنه علي: كانت لنا شاة أكلت يسيرا من علف بعض
(3/416)

الأمراء فما شرب من لبنها بعد.
53- إبراهيم بن أدهم: أنا بالشام من أربع وعشرين سنة، ما جئت لجهاد ولا رباط «1» ، ولكن لأشبع من خبز حلال.
54- عمرو بن العاص: لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا المال، وهما يريان أنه يحل لهما، لقد غبنا ونقص رأيهما، والله ما كانا مغبونين ولا ناقصي الرأي. ولئن كان ما أصبنا منه يحرم علينا لقد هلكنا، وأيم الله ما أتى الوهم والوهن إلا من قبلنا.
55- عبد الله بن حسن بن حسن:
أنس غرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهنّ حرام
يحسبن من لين الحديث فواسقا ... ويصدهنّ عن الخنا الإسلام
56- كان الأصمعي يستحسن بيتي العباس بن الأحنف «2» :
أتأذنون لصب في زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر
لا يضمر السوء إن طال الجلوس به ... عفّ الضمير ولكن فاسق النظر
57- كان ابن المدني «3» متواصفا بالعفة وطيب الإزار «4» ، فأنشد عبد الملك بن مروان وهو متنكب «5» قوسه:
(3/417)

وابكي فلا ليلى بكت من صبابة ... لباك ولا ليلى لذي الود تبذل
واخنع بالعتبي إذا كنت مذنبا ... وإن أذنبت كنت الذي أتنصل «1»
فقال له: من ليلى هذه؟ لئن كانت حرة لأزوجنّكها، ولئن كانت مملوكة لاشترينّها لك بالغة ما بلغت، فقال: كلا يا أمير المؤمنين، ما كنت لأمعر «2» بوجه حر أبدا في حرّته ولا في أمته، والله ما ليلى إلا قوسي هذه، أسميتها ليلى فأنا أنسب بها.
58- مهدي بن الملوح الجعدي «3» :
كأن على أنيابها الخمر شابها ... بماء الندى من آخر الليل غابق «4»
وما ذقته إلا بعيني تفرسا ... كما شيم في أعلى السحابة بارق
59- عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله من المؤمن؟ قال:
المؤمن من إذا أصبح نظر في رغيفيه من أين يسكبهما. قالت: يا رسول الله أما أنهم لو كلفوه لتكلفوه، قال: أما أنهم قد كلفوه، ولكن يعشقون الدنيا عشقا.
60- اختفى إبراهيم بن المهدي في هربه من المأمون عند عمته زينب بنت أبي جعفر «5» ، فوكلت بخدمته جارية لها اسمها ملك، واحدة
(3/418)

زمانها في الحسن والأدب، طلبت منها بخمس مائة ألف فأبت، فهويها، وتذممّ أن يطلبها إليها، فغنى يوما وهي قائمة على رأسه.
يا غزالا لي إليه ... شافع من مقلتيه
والذي أجللت خذ ... يه فقبلت يديه
بأبي وجهك ما اك ... ثر حسادي عليه
أنا ضيف وجزاء الضي ... يف إحسان إليه
ففطنت الجارية، فحكت لمولاتها، فقالت: إذهبي إليه فأعلميه أني قد وهبتك له. فعادت إليه، فلما رآها مقبلة أعاد الغناء، فانكبّت «1» عليه، فقال: كفي، فقالت: قد وهبتني لك مولاتي، وأنا الرسول، فقال: أما الآن فنعم.
61- أنشد المبرد:
ما إن دعاني الهوى لفاحشة ... إلّا عصاه الحياء والكرم
فلا إلى محرم مددت يدي ... ولا مشت بي لريبة قدم
62- طلب عمر بن عبد العزيز رحلا لمصحفه «2» ، فأتي برحل فأعجبه، فقال: من أين أصبتموه؟ فقيل: عمل من خشبة وجدت في بعض الخزائن، قال: قوموه «3» في السوق، فقوّم بنصف دينار، فقال: ضعوا في بيت المال دينارا، فقيل: لم يقوّم إلا بنصف دينار، فقال: ضعوا في بيت المال دينارين.
63- عيسى عليه السّلام، لا تكن حديد النظر إلى ما ليس لك. فإنه لن يرى فرجك ما حفظت عينيك، فإن استطعت أن لا تنظر إلى ثوب المرأة التي لا تحل لك فافعل، ولن تستطيع ذلك إلا بأذن الله.
(3/419)

الباب الخامس والخمسون التعجب، وذكر العجائب والنوادر وما خرج من العادات
1- علي بن ربيعة «1» : شهدت عليا رضي الله عنه، فأتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: سبحان الله الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
«2» ، وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ
«3» ، ثم قال: الحمد لله والله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلّا أنت، ثم ضحك، فقلت: يا أمير المؤمنين، من أي شيء تضحك؟
قال: رأيت النبي صلّى الله عليه وسلّم فعل ما فعلت أنا ثم ضحك، فقلت: يا رسول الله، من أي شيء تضحك؟ قال: إنّ ربك يعجب من عبده إذا قال اغفر لي ذنوبي وهو يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري.
وعنه عليه السّلام: إن ربك يعجب من الشاب ليست له صبوة «4» .
وعنه: عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل وهم كارهون.
(3/421)

2- علي رضي الله عنه: عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الغنى الذي إيّاه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء. وعجبت للمتكبر الذي كان بالأمس نطفة ويكون غدا جيفة. وعجبت لمن شك في الله وهو يرى خلق الله، وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى من يموت، وعجبت لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى. وعجبت لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء «1» .
3- قعنب بن أم صاحب «2» :
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
4- نظرت فيه نظر المعجب به لا المتعجب منه، وذكرت قول أرسطاليس: أما التعجب من مناقبك فقد أسقطه تواترها «3» ، فصارت كالشيء المألوف الذي لا يتعجب منه.
5- وقيل لبحّار: ما أعجب ما رأيت من عجائب البحر؟ قال:
سلامتي منه.
6- ركب أعرابي البحر فرأى من أمواجه الأهوال، ثم ركبه مرة أخرى وهو ساكن، فقال: لا يغرنّي حلمك فعندي من جهلك العجائب.
7- قيل لبزرجمهر: من أعلم الناس بالدنيا؟ قال: أقلهم منها تعجبا.
8- أسمع المعتز عبيد الله بن عبد الله بن طاهر غناء حظية له وقال:
(3/422)

كيف تراها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، حظ العجب منها أكثر من حظ العجب بها.
9- بزرجمهر: العجب ممن يعرف ربه ثم يغفل عنه طرفة عين.
10- قيل للمشعبذ أبو العجب، قال أبو تمام:
وحادثات أعاجيب خسا وزكا ... ما الدهر في فعله إلا أبو العجب
11- وقال ابن الرومي في البحتري:
أولى بمن عظمت في الناس لحيته ... من حاكة الشعر أن يدعى أبا العجب
الجد أعمى ولولا ذاك لم تره ... في البحتري بلا عقل ولا أدب
12- لو قيل: أي شيء أعجب عندك؟ لقلت: قلب عرف الله ثم عصى «1» .
13- كان ببابل «2» سبع مدائن، في كل مدينة أعجوبة: في إحداها تمثال الأرض، فإذا التوى على الملك بعض أهل مملكته «3» بخراجهم خرق أنهارها عليهم في التمثال، فلا يطيقون سد البثق «4» حتى يعتدلوا وما لم يسد في التمثال لم يسد في ذلك البلد.
- وفي الثانية حوض، فإذا أراد الملك أن يجمعهم لطعامه أتى كل واحد بما أحبه من شراب، فصبه في ذلك الحوض، فاختلطت الأشربة، فكل من سقي منه كان شرابه الذي جاء به.
(3/423)

- وفي الثالثة طبل، إذا أرادوا أن يعلموا حال الغائب عن أهله قرعوه، فإن كان حيا صوّت، وإن كان ميتا لم يسمع له صوت.
- وفي الرابعة مرآة، فإذا أرادوا أن يعلموا حال الغائب نظروا فيها، فأبصروه على أية حالة هو عليها كأنهم يشاهدونه.
- وفي الخامسة أوزّة من نحاس، فإذا دخل الغريب صوتت الأوزة صوتا يسمعه أهل المدينة.
- وفي السادسة قاضيان جالسان على الماء، فيأتي الخصمان فيمشي المحق على الماء حتى يجلس مع القاضي، ويرتطم المبطل.
- وفي السابعة شجرة ضخمة لا تظل ساقها، فإن جلس تحتها أحد أظلّته إلى ألف رجل، فإن زاد على الألف واحد جلسوا كلهم في الشمس.
14- الخليل في سليمان بن حبيب «1» :
وزلة يكثر الشيطان إن ذكرت ... منها التعجب جاءت من سليمانا
لا تعجبنّ لخبز زلّ عن يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
15- ورد على قلبي منه ما طبقه عجبا إن لم يطبقه شجبا «2» .
16-[شاعر] :
الدهر فيه لمن تعجب عبرة وعجائب
17- الظبي يخضم «3» الحنظل خضما وماؤه يسيل من شدقيه، وأنت تتبين فيه الاستلذاذ له والاستحلاء لطعمه، ويرد البحر فيشرب الماء
(3/424)

الأجاج «1» كما تغمس الشاة لحييها «2» في الماء العذب. فأي شيء أعجب من حيوان يستعذب ملوحة البحر، ويستحلي مرارة الحنظل؟.
18- عن عبد الرحمن بن عدي: سمعت أبا هريرة يقول: ضرس الكافر مثل أحد. فقلت في نفسي: فكيف برأسه؟ فكيف بيده؟ كالشّاكّ، فأريت في النوم من القابلة أن بثرة «3» خرجت في خنصري فملأت المدينة.
فقيل لي: هذا لشكك في قول أبي هريرة.
19- عن أبي عقيل «4» : كنت عند منبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأتى مروان بن الحكم بحبال وفعلة، يريد أن يزيد درجات على منبر رسول الله، وذلك بأمر معاوية، فزلزلت الأرض، وخسفت الشمس، وبدت النجوم، واصطفقت «5» القناديل.
20- كان في زمن بني إسرائيل جارية متعبدة، تسمى سوسن، تخرج إلى مصلى يليه شيخان، وكان بجنبه بستان تتوضأ فيه، فعلقها الشيخان، فراوداها عن نفسها، فأبت، فقالا: لئن لم تمكنيننا من نفسك لنشهدنّ عليك بالزنا، فقالت: الله كافي شركما. ففتحا باب البستان وعيّطا «6» ، فغشيهما الناس، فقالا: وجدناها مع شاب يفجر بها وانفلت من أيدينا. وكانوا يقيمون الزاني للناس ثلاثة أيام، ثم يرجم. فأقاموها، وكانا يدنوان منها يضعان يديهما على رأسها، ويقولان: الحمد لله الذي أنزل
(3/425)

لك نقمته. فلما أريد رجمها تبعهم دانيال «1» وهو ابن ثنتي عشرة أول ما تنبأ، فقال: لا تعجلوا، أنا أقضي بينهم. فوضع له كرسي، ففرق بين الشيخين، وهو أول من فرق بين الشهود، فقال لأحدهما: ما رأيت؟
فذكر حديث الشاب، فقال: أيّ مكان من البستان؟ فقال: تحت الشجرة الكمثري. وسأل الآخر فقال: تحت الشجرة التفاح. وسوسن رافعة يديها تدعو بالإخلاص. فأنزل الله نارا فأحرقت الشاهدين، وأظهر براءتها.
21- عن الشافعي رحمه الله: بينا أنا أدور في طلب العلم فدخلت بلدة من بلاد اليمن، فرأيت فيها إنسانا من وسطه إلى أسفله بدن امرأة، ومن وسطه إلى فوقه بدنان متفرقان بأربع أيد ورأسين ووجهين، وهما يتقاتلان ويتلاطمان ويصطلحان، ويأكلان ويشربان. ثم غبت عنهما سنتين ورجعت، فسألت عنه، فقيل لي: أحسن الله عزاءك في الجسد الواحد، توفي فربط من أسفله بحبل وثيق، وترك حتى ذبل وقطع، فلعهدي بالجسد الآخر في السوق ذاهبا وجائيا.
- قال: ورأيت باليمن أعميين يتقاتلان وأبكم يصلح بينهما.
- وقال: باليمن قوم يشق أحدهم لحمه ثم يرده فليتئم من ساعته.
ويقال: إن غداء أولئك اللسان.
- وقال: رأيت باليمن بنات سبع يحضن كثيرا.
- وقال: رأيت بالمدينة ثلاث عجائب لم أر مثلها في موضع قط.
رأيت رجلا فلس «2» في مد من نوى، فلسه القاضي. ورأيت رجلا له سن شيخ كبير خضيب، يدور على بيوت القيان «3» ماشيا يعلمهن الغناء، فإذا حضرت الصلاة صلى قاعدا، ورأيت رجلا أعسر، يكتب بشماله يسبق من يكتب بيمينه.
(3/426)

الباب السادس والخمسون العشق، وذكر من بلي به وقال فيه الشعر، ومن مات منهم كمدا، ومن رق لهم وترحم عليهم
1- النبي صلّى الله عليه وسلّم: من عشق فعفّ وكتم ثم مات مات شهيدا.
2- لما أعتقت عائشة رضي الله عنها جاريتها بريرة «1» ، وكان زوجها حبشيا، اسمه مغيث «2» ، خيرت بين الإقامة معه وبين مفارقته، فاختارت المفارقة، فكانت إذا طافت بالبيت طاف مغيث خلفها، ودموعه تسيل. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمه العباس: يا عم أما ترى حب مغيث لبريرة؟ لو كلمناها أن تتزوجه! فدعاها وكلمها، فقالت: يا رسول الله إن أمرتني فعلت، قال:
أما أمر فلا، ولكن أشفع. فأبت أن تتزوجه. قال الراوي: فهذا من قد رآه رسول الله، وشهد لشدة عشقه، وشفع في بابه.
3- يحيى بن معاذ الرازي: لو أمرني الله أن أقسم العذاب بين الخلق ما قسمت للعاشقين عذابا.
(3/427)

4- بعضهم: رأيت امرأة في غاية الضمر والنحافة رافعة يديها تدعو، فقلت لها: هل من حاجة؟ قالت: حاجتي أن تنادي في الموقف.
تزود كلّ الناس زادا يقيتهم ... ومالي زاد والسلام على نفسي
ففعلت، فإذا بفتى، فقال: أنا الزاد. فمضيت به إليها، فما زادا على النظر والبكاء. ثم قالت له: انصرف مصاحبا محافظا، فقلت: ما علمت أن لقاء كما يقتصر على هذا، فقالت: أمسك، أما علمت أن ركوب العار ودخول النار شديد؟.
5- إبراهيم بن محمد بن عرفة المهلبي الواسطي «1» .
كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياء وخوف الله والحذر
كم قد خلوت بمن أهوى فيقنعني ... منه الفكاهة والتحديث والنظر
أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم ... وليس لي في حرام منهم وطر «2»
كذلك الحب لا إتيان معصية ... لا خير في لذة من بعدها سقر
6- عن زبيدة: قرأت في طريق مكة على حائط:
أما في عباد الله أو في أمانه ... كريم يجلّى الهمّ عن ذاهب العقل «3»
له مقلة أما المآقي فقرحة ... وأما الحشا فالنار فيه على رجل «4»
(3/428)

فنذرت أن أحتال لقاءهما حتى أجمع بينه وبين من يهوى، فإني لبالمزدلفة إذا سمعت من ينشدهما، فأدنيته، فزعم أنه قالهما في بنت عم له قدر نذر أهلها أن لا يزوجوها منه، فوجهت إلى الحي، وما زلت أبذل لهم المال حتى زوجوها، وإذا المرأة أعشق من الرجل. وكانت زبيدة تعده في أعظم حسناتها، وتقول: ما أنا بشيء أسر بي بجمعي بين ذلك الفتى والفتاة.
7- كان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية يتحابان، فكتب إليها:
ولقد رأيتك في المنام كأنما ... عاطيتني من ريق فيك البارد «1»
وكأن كفك في يدي وكأننا ... بتنا جميعا في فراش واحد
فطفقت يومي كله متراقدا ... لأراك في يومي ولست براقد «2»
فأجابته:
خيرا رأيت كل ما عاينته ... ستناله مني برغم الحاسد
إني لأرجو أن تكون معانقي ... فتبيت مني فوق ثدي ناهد
وأراك بين خلاخلي ودمالجي ... وأراك بين مراجلي ومجاسدي «3»
فبلغ ذلك سليمان: فأنكحهما وأحسن جهازهما.
8- الجاحظ: العشق اسم لما فضل عن المحبة. كما أن السرف اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما جاوز حد الإقتصاد.
9- سئل أفلاطون عن العشق فقال: داء لا يعرض إلا للفراغ.
10- آخر: العشق جهل عارض صادف قلبا فارغا.
(3/429)

11- قيل لأعرابي: ما بلغ حبك لفلانة؟ قال: إني لأذكرها وبيني وبينها عقبة الطائف فأجد من ذكرها رائحة المسك.
12- سأل الرشيد رجلا فقال: ما أشد ما يكون من العشق؟ قال:
أن تكون ريح البصل منه أحب إليك من ريح المسك من غيره.
13- عن عمر بن أبي ربيعة المخزومي: أن نعم التي يقول فيها:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
اغتسلت عند غدير فأقام يشرب منه حتى جف.
14- رأى شبيب أخو بثينة جميلا عندها، فوثب عليه وآذاه، ثم أتى مكة وفيها جميل، فقيل له: دونك شبيبا فاثأر منه، فقال:
وقالوا يا جميل أتى أخوها ... فقلت أتى الحبيب أخو الحبيب
15- كتبت كتبت للمتوكل على جبينها: هذا ما عمل في طراز الله، فتنة لعباد الله.
16- أنشد الأخفش لحداد بسر من رأى:
مطارق الشوق منها في الحشا أثر ... يطرقن سندان قلب حشوه الفكر
ونار كور الهوى في الجسم موقدة ... ومبرد الحزن لا يبقي ولا يذر
17- عبد الله بن عجلان النهدي «1» أحد العشاق المذكورين، تزوجت عشيقته فرأى أثر كفها على ثوب زوجها، فمات كمدا.
18- أهدى أبو العتاهية للمهدي برنية «2» فيها ثوب مطيب، قد كتب في حواشيه:
(3/430)

نفسي بشيء من الدنيا معلقة ... الله والقائم المهديّ يكفيها
إني لآيس منها ثم يطمعني ... فيها احتقارك للدنيا وما فيها
فهم أن يدفع عتبة «1» إليه، فضجرت وقالت: يا أمير المؤمنين، حرمتي وخدمتي! أتدفعني إلى رجل قبيح المنظر، بائع جرار، مكتسب بالشعر؟ فأعفاها، وأمر أن تملأ البرنية مالا. فأرادوا أن يملاؤها دراهم، فقال: إنما أمر بالدنانير، فاختلف في ذلك حولا. فقالت عتبة: لو كان عاشقا لم يختلف حولا في التمييز بين الفضة والذهب، وقد أعرض «2» عني صفحا.
19- صحب جميلا رجل من عذرة، يدعي العشق وهو سمين، فقال فيه:
وقد رابني من زهدم أن زهدما ... يشد على خبزي ويبكي على جمل
فلو كنت عذري العلاقة لم تكن ... سمينا وأنساك الهوى كثرة الأكل
20- قال محمد بن عبد الله بن طاهر لأولاده: عفوا تشرفوا، واعشقوا تظرفوا.
21- أوّل العشق النظرة، وأول الحريق الشرر.
22- زار علي بن عبيدة الريحاني «3» جارية كان يهواها عند إخوانه، فحان وقت الظهر، فبادروا الصلاة، وهما يتحدثان، حتى كادت الصلاة
(3/431)

تفوت. فقيل: يا أبا الحسن الصلاة، فقال: رويدك حتى تزول الشمس، أي حتى تقوم الجارية.
23- وصف أعرابي امرأة طرقها فقال: ما زال القمر يرينيها، فلما غابت أرتنيه. قيل: فما كان بينكما؟ قال: أبعد ما أحل الله مما حرم، إشارة في غير بأس، ودنو في غير مساس، ولا وجع أشد من الذنوب.
24- أبو العيناء: أضحكني بائع رمان يقول:
وقعت من فوق جبال الهوى ... إلى بحار الحب طرطب
25- عبد بني الحسحاس «1» :
فكم قد شققنا من رداء محبر ... ومن برقع عن طفلة غير عانس «2»
إذا شق برد شق بالبرد برقع ... دواليك حتى كلنا غير لابس
وذلك! إن الرجل يشق برقع حبيبته، والمرأة تشق برد حبيبها، ويقولون: إذا لم يفعلا ذلك عرض البغض بينهما.
26- ذكر أعرابي فقال: كاد الغزال يكونها لولا ما تم منها ونقص منه، وما كانت أيامي معها إلا كأباهيم «3» القطا»
قصرا، ثم طالت بعدها
(3/432)

شوقا إليها، وا أسفا عليها!.
27- عشق رجل امرأة، فقيل له: ما بلغ من عشقك لها؟ فقال:
كنت أرى القمر على سطحها أحسن منه على سطوح الناس.
28- من جرى مع هواه طلقا جعل للعذاب فيه طرقا.
29- عبد الله بن رواحة «1» :
سبتك بعيني جؤذر بخميلة ... وجيد كجيد الريم زيفه النظم «2»
وأنف كحد السيف يشرب قلبها ... وأشنب رفاف الثنايا به ظلم
30- أعرابية في صفة العشق: خفي أن يرى، وجلّ أن يخفى، فهو كامن كمون النار في الحجر، إن قدحته ورى «3» ، وإن تركته توارى، وإن لم يكن شعبة من الجنون فهو عصارة السحر.
31- كثير:
وأني لأرضى منك يا عز بالذي ... لو أيقنه الواشي لقرت بلابله «4»
بلا وبأن لا استطيع وبالمنى ... وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله
32- يقال: سرقت فؤاده إذا عشقها، وتسللت مسالك الروح منه.
(3/433)

ويقال: ناط «1» حبها بقلبي نائط، وساطه بدمي سائط «2» .
33- أعرابي: لقد كنت آتيها عند أهلها، فيتجهمني لسانها، ويرحب بي قلبها.
34- ليلى العامرية «3» في قيسها «4» :
لم يكن المجنون في حالة ... إلّا وقد كنت كما كانا
لكنه باح بسر الهوى ... وإنني قد ذبحت كتمانا
35- ابن مرخية «5» :
سألت سعيد بن المسيب مفتي ال ... مدينة هل في حب دهماء من وزر «6»
فقال سعيد بن المسيب إنما ... تلام على ما تستطيع من الأمر
فقال سعيد: والله ما سألني أحد عن هذا، ولو سألني ما كنت أجيب إلّا به.
(3/434)

36- كان الهوى فيما مضى أن يسر أحدهم بلبان مضغته حبيبته، أو بسواك استكاكت به. واليوم يطلب أحدهم الخلوة الصحيحة، كأنه قد أشهد على نكاحها أبا سعيد وأبا هريرة.
37- مر مالك بن دينار بدار ليلا، وإذا قائل يقول:
يا سيدي قد جاءك المذنب ... يرجو الذي يرجوه من يعتب
فاصفح له عن ذنبه منعما ... وهب له منك الذي يطلب
فوقف مالك يتسمع ويبكي، والقائل يردد البيتين بصوت حزين. فلما قارب السحر قال:
يا ناصبا مقلته فتنة ... إليك من مقلتك المهرب
فقال مالك: يا فاسق! إنما كان تضرعك لغير الله، ومضى.
38- هوي أحمد بن أبي عثمان الكاتب «1» جارية لزبيدة اسمها نعم، حتى مرض ونهك «2» ، وقال فيها أبياتا منها:
وإني ليرضيني الممر ببابها ... واقنع منها بالشتيمة والزجر
فوهبتها له.
39- زبان بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم «3» :
علق القلب مهاة طفلة ... من بني عبد مناف في اللباب
وبنو زهرة أخوال لها ... وبنو الأصبغ أولاد الرباب
من ذرى كلب وكلب هامة ... من معد في المعالي والروابي
جمعتني وسليمي نسوة ... فاتكات من عدي بن جناب
(3/435)

40- المعتز بالله:
بيضاء رود الشباب قد غمست ... في خجل ذائب بعصفرها
مجدولة هزها الصبا فغدت ... يشغل لحظ العيون منظرها
الله جار لها فما امتلأت ... عيني إلّا من حيث أبصرها
41- أبو عبد الله الغواص «1» :
قمر لم يبق مني حبه ... وهواه غير مقلوب قمر
42- خليد مولى العباس بن محمد الهاشمي «2» شاعر الطاهرية «3» :
أما والراقصات بذات عرق ... ومن صلّى بنعمان الأراك «4»
لقد أضمرت حبّك في فؤادي ... وما أضمرت حبا من سواك
أطعت الآمريك بقطع حبلى ... مريهم في أحبتهم بذاك
فإن هم طاوعوك فطاويعهم ... وإن عاصوك فاعصي من عصاك
43- عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، رأى امرأة بالشام فأعجبته فقال:
(3/436)

تذكرت ليلى والسماوة «1» دونها ... فما لابنة الجودي ليلى وماليا «2»
وأنّى تعاطي قلبه حارثية ... تحل ببصرى أو تحل الجوابيا
44- أعرابي:
أقول لعيس قد برى السير نيّها ... فلم يبق منها غير عظم مجلد «3»
خذي بي ابتلاك الله بالشوق والهوى ... وهاجتك أصوات الحمام المغرد
فطارت مراحا خو دعوة عاشق ... تجوب بي الظلماء في كل فدفد «4»
فلما ونت في السير ثنيت دعوتي ... فكانت لها سوطا إلى ضحوة الغد «5»
45- الفتح بن خاقان صاحب المتوكل:
أيها العاشق المعذّب صابر ... فخطايا أخي الهوى مغفورة
زفرة في الهوى أحطّ لذنب ... من غزاة وحجة مبرورة «6»
46- قال يوسف بن الماجشون «7» أنشدت محمد بن المنكدر قول وضاح اليمن «8» :
(3/437)

إذا قلت هاتي نولّني تبسمت ... وقالت معاذ الله من فعل ما حرم
فما نولّت حتى تضرّعت حولها ... وعرفتها ما رخص الله في اللمم «1»
فضحك وقال: إن كان وضاح لفقيها في نفسه.
47- علي بن هشام فرخسرو «2» وكان المأمون يزوره ويستأنس به ثم قتله:
يا موقد النار يذكيها فيخدمها ... برد الشتاء بأرواح وأمطار
قم فاصطل النار من قلبي مضرمة ... بالشوق تغن بها يا موقد النار «3»
ويا أخا الذود قد طال الظماء بها ... ما تعرف الريّ من جدب وأقفار
رد بالعطاش على عيني وعبرتها ... تروى العطاش بدمع واكف جاري»
48- عبد الرحمن القارىء القس:
قد كنت أعذل في الصبابة أهلها ... فاعجب لما تأتي به الأيام
فاليوم أعذرهم وأعلم إنما ... سبل الضلالة والهدى أقسام
49- برمة النحوي:
يا طيب مرعى مقلة لم تخف ... بوجنتيه زجر حرّاس
(3/438)

حلّت بخد لم يغض ماؤه ... ولم تخضه أعين الناس «1»
50- كشاجم:
فلم يزل خدها ركنا ألوذ به ... والخال في صحنه يغني عن الحجر «2»
51- الخيزرزي:
لو أبصر الوجه منه منهزم ... يطلبه ألف فارس وقفا
52- عن عمر بن أبي ربيعة: كنت بين امرأتين، هذه تسارني، وهذه تعضني، فما شعرت بعضة هذه من لذة سرار «3» هذه.
53- ريسان العذري «4» :
لو حز بالسيف رأسي من مودتها ... لطار يهوى سريعا نحوها راسي
وسمع به ابن أبي ربيعة بعد ما نسك ولبس الصوف، فقال: أحسن والله، وتحرك وقال: تالله لقد هجتم على ساكنا.
54- محمود بن مروان بن أبي حفصه «5» :
يدمي الحرير جلودهن وإنما ... يكسين من حلل الحرير رقاقها
(3/439)

الباب السابع والخمسون العقل، والفطنة، والشهامة، والرأي، والتدبير، والتجارب، والنظر في العواقب
1- النبي صلّى الله عليه وسلّم: ما أودع الله عبدا عقلا إلا استنقذه به يوما ما.
وعنه عليه السّلام: العقل نور في القلب يفرّق به بين الحق والباطل.
2- أنس رضي الله عنه: قيل يا رسول الله، الرجل يكون حسن العقل كثير الذنوب، قال: ما من آدمي إلّا وله ذنوب وخطايا يقترفها، فمن كانت سجيّته «1» العقل، وغريزته اليقين، لم تضرّه ذنوبه. قيل: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنه كلّما أخطأ لم يلبث أن تدارك «2» ذلك بتوبة وندامة على ما كان منه، فيمحو ذنوبه، ويبقى له فضل يدخل به الجنة.
- وعنه: أثنى قوم على رجل عند رسول الله حتى بالغوا في الثناء بخصال الخير، فقال رسول الله: كيف عقل الرجل؟ فقالوا: يا رسول الله، نخبرك عنه باجتهاده في العبادة وأصناف الخير، وتسألنا عن عقله! فقال نبي الله: إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات، وينالون الزلفى «3» من
(3/441)

ربهم على قدر عقولهم.
3- الحسن: كان عقل آدم مثل عقل جميع ولده.
4- عامر بن عبد قيس: إذا عقلك عقلك «1» عما لا يعنيك فأنت عاقل.
5- قال عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث «2» : ما رأيت عقول الناس متقاربة، إلّا ما كان من الحجاج وأياس.
6- علي بن عبيدة: العقل ملك، والخصال رعيته، فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها. فسمعه أعرابي فقال: هذا كلام يقطر عسله.
7- معن بن زائدة: ما رأيت قفا أحد إلّا عرفت عقله. قيل: فإن رأيت وجهه؟ قال: ذاك حينئذ كتاب أقرأه.
8- فيلسوف: عقل الغريزة سلم إلى التجربة.
- أيدي العقول تمسك أعنة الأنفس.
- كل شيء إذا كثر رخص غير العقل، فإنه إذا كثر غلا.
9- لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا
«3» ، قيل من كان عاقلا.
10- العاقل بخشونة العيش مع العقلاء آنس منه بلين العيش مع السفهاء.
11- بزرجمهر: لا شرف إلا شرف العقل، ولا غنى إلا غنى النفس.
(3/442)

12- أعرابي: العاقل متصفح «1» ، والجاهل متسمح «2» .
13- وصف المعلى بن أيوب «3» ابن الزيات فقال: كأنه لسان حية من ذكائه.
14- قال أبو العيناء لرجل: والله ما فيك من العقل إلا بمقدار ما تجب به الحجة عليك، والنار لك.
15- أعرابي: لو صور العقل لأظلمت معه الشمس، ولو صور الحق لأضاء معه الليل، وإنك من كليهما لمعدم.
- العاقل من كان له على جميع شهواته رقيب من عقله.
- من لم يؤسس عقله على التقوى فلا عقل له.
- يعيش العاقل بعقله حيث كان، كما يعيش الأسد بقوته حيث كان.
كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى التجارب.
16-[شاعر] :
إذا لم يكن للمرء عقل فإنه ... وإن كان ذا مال على الناس هيّن
ومن كان ذا عقل أجل بعقله ... وأفضل عقل عقل من يتدين
17- المهلب: لئن أرى لعقل الرجل فضلا على لسانه أحب إليّ من أن أرى للسانه فضلا على عقله.
18- لقمان: غاية الشرف والسؤدد حسن العقل، فمن حسن عقله غطى عيوبه، وأصلح مساوئه، ورضي عنه مولاه.
(3/443)

19- علي رضي الله عنه: العاقل من وعظته التجارب.
20- كان يقال: الأريب العاقل الفطن المتغافل.
21- نعوذ بالله من أن نكون ممن عقله صديق مقطوع «1» ، وهواه عدو متبوع.
22- لفلان من عقله رقيب على شهوته، يهديه إلى الهدى، ويرده عن الردى.
23- قيل لحكيم: متى عقلت؟ قال: حين ولدت، فلما رأى إنكارهم قال: أما أنا فقد بكيت حين جعت، وطلبت الثدي حين احتجت، وسكت حين أعطيت. يعني من عرف مقادير حاجاته فهو عاقل.
24- أحلام عاد «2» مثل عند العرب في رجاحة العقول، قاسوا عقولهم على أجسادهم فاسترجحوها. قال:
وأحلام عاد لا يخاف جليسهم ... وإن فطن العوراء غرب لسان
25- ابن المعتز: ما أبين وجوه الخير والشر في مرآة العقل إن لم يصدقها الهوى.
26- العاقل يروي ثم يروي، ويخبر ثم يخبر «3» .
27- أردشير بن بابك: من لم يكن عقله أغلب خلال الخير عليه كان حتفه في أغلب خلال الشر عليه.
28- أردشير بن هرمز «4» : العاقل من ملك عنان شهوته.
(3/444)

بطليموس «1» : كل عمل يأذن فيه العقل فهو صواب. وعنه: العاقل لا يشرب السم إتكالا على ما عنده من الترياق.
29- ملك الخزر «2» : إذا شاورت العاقل صار عقله لك.
30- قال المنذر لابنه النعمان فيما أوصاه به: دع الكلام وأنت عليه قادر، وليكن لك من عقلك خبيء ترجع إليه أبدا، قال النعمان: مرني بأمر جامع، قال: الزم الحزم والحياء.
ذو العقل لا تبطره المنزلة السنية، كالجبل لا يتزعزع وإن اشتدت عليه الريح. والسخيف تبطره أدنى منزلة، كالحشيش تحركه أدنى ريح.
31- قال الحجاج لابن القرية: من أعقل الناس؟ قال: من يحسن المداراة مع أهل زمانه.
32- حكيم: العقل والتجربة في التعاون بمنزلة الماء والأرض، لا يطيق «3» أحدهما دون الآخر إنباتا.
33- العتبي: العقل عقلان: عقل تفرد الله بخلقه، وعقل يستفيده الرجل بأدبه وتجربته، ولا سبيل إلى العقل المستفاد إلّا بصحة العقل المركّب في الجسد، فإذا اجتمعا قوّى كل واحد منهما صاحبه تقوية النار في الظلمة ضوء البصر.
34- المأمون: إذا أنكرت من عقلك شيئا فاقدحه «4» بعاقل.
35- قيل لعلي رضي الله عنه: صف لنا العاقل، فقال: هو الذي
(3/445)

يضع الشيء مواضعه. قيل: فصف لنا الجاهل، قال: قد فعلت. يعني الذي لا يضع الشيء مواضعه «1» .
وعنه: الحلم غطاء ساتر، والعقل حسام قاطع، فاستر خلل خلقك بحلمك، وقاتل هواك بعقلك «2» .
36- حكيم: إجعل سرّك إلى واحد، ومشورتك إلى ألف.
لن يعدم المشاور مرشدا، والمستبد برأيه موقوف على تداحض الزلل.
37- أعرابي: من لم تسمه التجارب دبت إليه العقارب.
38- العرب: بر تخبر.
39- أبو بكر رضي الله عنه: أفضل الناس عند الله من عزّ به الحق، وانتشر عنه الصدق، ورتق «3» برأيه الفتق.
40- عبد الملك بن مروان: لأن أخطىء وقد استشرت أحب إليّ من أن أصيب وقد استبددت.
41- ذكر أعرابي رجلا فقال: كان الفهم منه ذا أذنين، والجواب ذا لسانين.
42- فيلسوف: من عرف التجارب طابت له المشارب.
43- الفضل بن سهل: الرأي يسد ثلم السيف، والسيف لا يسد ثلم الرأي.
(3/446)

44- دخل أحمد بن يوسف على المأمون، وعريبا «1» تغمز رجله، فخالسها النظر، وأومأ إليها بقبلة، فقالت: كحاشية البرد، فلم يدر ما قالت فحدث به محمد بن بشير فقال: أنت تدعي الفطنة يذهب عليك مثل هذا؟ أرادت طعنة، ذهب إلى قول الشاعر:
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهم
45- الجعجاع الأزدي «2» :
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو نصيحة حازم
ولا تحسب الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادام «3»
وخل الهوينى للضعيف ولا تكن ... نؤوما فإنّ الحزم ليس بنائم
وأدن من القربى المقرب نفسه ... ولا تشهد الشورى امرءا غير كاتم
وما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير سيف لم يؤيد بقائم «4»
فإنك لا تستطرد الهم بالمنى ... ولا تبلغ العليا بغير المكارم
46- النبي صلّى الله عليه وسلّم: المستشار معان.
(3/447)

47- وصف أعرابي رجلا فقال: يشرق بعزم لا يوجد معه خطب، ويومض بصواب لا يلتبس عنده صعب، حتى يغادر المستعجم معجما، والمشكل مشكولا.
48- ادخل الركاض «1» وهو ابن أربع سنين إلى الرشيد ليتعجب من فطنته، فقال له: ما تحب أن أهب لك؟ قال: جميل رأيك، فأني أفوز به في الدنيا والآخرة، فأمر له بدنانير ودراهم، فصبّت بين «2» يديه، فقال: إختر الأحب إليك، فقال: الأحب إلى أمير المؤمنين، وهذا من هذين وضرب بيده إلى الدنانير. فضحك الرشيد وأمر بضمه إلى ولده، والإجراء عليه.
49- الحازم لا تدهش له عزيمة، ولا تكهم له صريمة.
50- بزرجمهر: إن الحازم «3» إذا أشكل عليه الرأي بمنزلة من أضاع لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها من التراب ثم التمسها حتى وجدها، وكذلك الحازم يجمع وجوه الرأي في الأمر المشكل «4» ، ثم يضرب بعضها ببعض حتى يخلص الرأي.
51- هجين عاقل خير من هجان جاهل «5» .
52- فيلسوف: لا رأي لمن تفرد برأيه.
53- عبد الله بن وهب الراسبي: دعوا الرأي يغب «6» ، فإن غبوبه
(3/448)

يكشف لك عن محضه. وقال: استفتحوا باب الرأي بالاستخارة.
54- ابن المقفع: ما رأيت حكيما إلّا وتغافله أكثر من فطنته.
55- قيل لبزرجمهر: من أكمل الناس؟ قال: من لم يجعل سمعه غرضا للفحشاء، وكان الأغلب عليه التغافل.
56- حكيم: المشورة موكل بها التوفيق لصواب الرأي.
أعقل الرجال لا يستغني عن مشاورة ذوي الألباب، وأفره «1» الدواب لا يستغني عن السوط، وأورع النساء لا تستغني عن الزوج.
57- الحسن: الناس ثلاثة، فرجل رجل، ورجل نصف رجل، ورجل لا رجل، فأما الرجل فذو الرأي، والمشورة، وأما نصف الرجل فالذي له رأي، ولا يشاور، وأما الرجل الذي ليس برجل فالذي لا رأي له ولا يشاور.
58-[شاعر] :
إني أتيح لها حرباء تنضبة ... لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا «2»
59- نضرب للحازم. ونحوه أن رجلا شكا إلى أخيه قلة مرفقه في عمله، واستشاره في التقصي، فقال: إنّ كلبا لقي كلبا في فمه رغيف محترق، فقال: ويحك ما أردأ هذا الرغيف! قال: نعم، لعنة الله عليه وعلى من يتركه حتى يجد خيرا منه.
60- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للحطيئة: كيف صبرتم
(3/449)

على حرب بني ذبيان وهي أضعافكم في العدد؟ قال: كان فينا ألف حازم، قال: وكيف كان فيكم ألف حازم؟ وهل كان في عبس وغطفان هذا؟ قال: كان فينا قيس بن زهير.
61- كان بعض الماضين إذا استشير قال لمشاوره: أنظرني أصقل عقلي. يومه.
62- قال المنصور لولده: خذ عني ثنتين: لا تقل بغير تفكير، ولا تعمل بغير تدبير.
63- طاهر بن الحسين:
اعمل صوابا تنل بالحزم مأثرة ... فلن يذم لأهل الحزم تدبير «1»
فإن هلكت مصيبا أو ظفرت به ... فأنت عند ذوي الألباب معذور
وإن ظهرت على جهل وفزت به ... قالوا جهول أعانته المقادير
أنكد بدنيا ينال المخطئون بها ... حظ المصيبين والمقدور مقدور
64- إبراهيم التيمي: مثلث نفسي في النار أعالج أغلالها وسعيرها وزقومها وزمهريرها «2» ، فقلت: يا نفس أيش تشتهين؟ قالت: أرجع إلى الدنيا فأعمل عملا أنجو به من هذا العذاب. ومثلتها في الجنة مع حورها ألبس من سندسها «3» وحريرها، فقلت: أيش تشتهين؟ قالت: أن أرجع فأعمل عملا أزداد به الثواب. فقلت: فأنت في الدنيا وفي الأمنية فاعملي.
65- فضيل: المشورة فيها بركة، وإني لأستشير حتى هذه الحبشية الأعجمية.
(3/450)

66- ابن عيينة: كان رسول الله إذا أراد أمرا شاور فيه الرجال، وكيف يحتاج إلى مشاورة المخلوقين من الخالق مدبر أمره؟ ولكنه تعليم منه ليشاور الرجل الناس وإن كان عالما.
67- أعرابي: لا مال أوفر من العقل، ولا فقر أعظم من الجهل، ولا ظهر أقوى من المشورة.
68- أكثم بن صيفي: في الاعتبار غنىّ عن الاختيار.
- الرأي الفذ كالخيط السحيل «1» ، والرأيان كالخيطين المبرمين، والثلاثة مرائر «2» لا تكاد تنقض.
69- لقمان: يا بني، إذا أردت أن تقطع أمرا فلا تقطعه حتى تستشير مرشدا.
70- وفي وصية علي رضي الله عنه: يا بني، إني وإن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمارهم، وفكّرت في أخبارهم، حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره، واستخلصت لك من كل أمر نخيله «3» ، وتوخيت جميله، وصرفت عنك مجهوله.
71- عمر رضي الله عنه: لا أمين إلّا من خشي الله، فشاور في أمرك الذين يخشون الله.
72- له رأي كالسهم أصاب «4» غرة الهدف، ودعاء كالبحر بعد غور وقرب مغترف.
(3/451)

73-[شاعر] :
وقد يتغابى المرء في عظم أمره ... ومن تحت برديه المغيرة أو عمرو «1»
74-[آخر] :
شاور نفسي طمع وخيبة ... تقول هاتي لا وهاتيك بلى
75- من بدأ بالاستخارة وثنى بالاستشارة فحقيق أن لا يقبل رأيه. له دراية مستقاة من حنكة «2» .
76- سلمة بن عياش «3» : قال لي رؤبة: ما كنت أحب أن أرى في رأيك فيّالة «4» .
77- إذا حلّت المقادير ضلّت التدابير.
78- من نظر من المغاب ظفر بالمحاب. من اشتدت عزائمه اشتدت دعائمه.
79- الرأي السديد أحمى من الأيد الشديد.
80- أبو القاسم الهرندي «5» .
وما ألف مطرور السنان مسدد ... يعارض يوم الروع رأيا مسددا «6»
81- كأن السرور حجر على كل ذى حجر «7» .
(3/452)

82- ذكر المأمون ولد علي رضي الله عنه فقال: أيدوا بتدبير الآخرة وحرموا تدبير الدنيا.
83- قيل للأحنف: بم سدت قومك؟ قال: بحسب لا يطعن فيه ورأي لا يستغنى عنه.
84- إذا غلب العقل الهوى صرف المساوىء إلى المحاسن، فجعل البلادة حلما، والحدة ذكاء، والمكر فطنة، والهذر بلاغة، والعي صمتا، والعقوبة أدبا، والجبن حذرا، والإسراف جورا.
85- كان يقال: من أجهد رأيه، واستخار ربه، واستشار صديقه، فقد قضى ما عليه، ويقضي الله في أمره ما أحب.
86- عمر رضي الله عنه: ما تشاور قوم قط إلّا هدوا إلى رشد أمرهم.
87- قال بعض العرب لابنه: يا بني، إن أباك أهدى من القطا «1» ، ومن دعيميص الماء «2» ، ومن الطير في الهواء، قد حلب الدهر أشطره «3» ، وعرف أعاجيب الدهور، وغوامض التدبير، وأخذ عن النساك والفتاك، وبات في القفر مع الوعول، وتزوج السعلاة، وجاور الغول «4» ، ودخل في كل باب، وجرى مع كل ريح، وامتحن في السراء والضراء، وجالس السلاطين والمساكين، ومثلت له التجارب عواقب الأمور.
(3/453)

88- سليمان عليه السّلام: يا بني، لا تقطع أمرا حتى تأمر مرشدا، فإذا فعلت فلا تحزن.
أحزم الناس رجلان: رجل وسّع عليه الله في الدنيا فشكر ليوسع عليه الله في الآخرة، ورجل ضيق الله عليه فصبر لئلا يضيق الله عليه في الآخرة.
89- بهمن بن أسفنديار «1» : تجريب المجرب تضييع الروزمار «2» .
90- أبو بكر رضي الله عنه: ليكن الإبرام «3» بعد التشاور، والصفقة بعد التناظر.
91- علي رضي الله عنه: خاطر من استغنى برأيه.
92- المعتصم: إذا نصر الهوى خذل الرأي.
93- الهند: المستشير وإن كان أفضل رأيا من المشير فإنه يزداد برأيه رأيا، كما تزداد النار بالسليط «4» ضوءا.
94- لما قتل المنصور أبا مسلم قال لصاحب شرطه نصر بن مالك «5» :
استشارك أبو مسلم في القدوم عليّ فأشرت عليه أن لا يفعل. قال:
سمعت إبراهيم الإمام يحدث عن أبيه: لا يزال الرجل يزاد في رأيه ما نصح لمن استشاره.
95- أحمد بن موسى السلمي من بني الشريد «6» :
(3/454)

إذا خلصتان أشكل الرأي فيهما ... فسعيك في شعب التي هي أجمل «1»
ورأيك من رأي المشيرين كلهم ... غداة اختلاف الرأي أرأى وأعدل «2»
96- علي رضي الله عنه: ولا تدخلنّ في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الأمور، ولا حريصا يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله تعالى «3» .
- وعنه: من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها «4» .
97- أشجع السلمي «5» :
رأي سري وعين الناس هاجعة ... ما أخرّ الحزم رأي قدّم الحذرا
98- سمع محمد بن يزداد وزير المأمون قول القائل:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تتردّدا
فأضاف إليه:
وإن كنت ذا عزم فأنفذه عاجلا ... فإن فساد العزم أن تتقيّدا «6»
99- حبيب بن أوس الطائي:
(3/455)

ذهب الصواب برأيه فكأنما ... آراؤه اشتقت من التأييد
فإذا دجا خطب تبلج رأيه ... صبحا من التوفيق والتسديد «1»
100- محمود الوارق «2» :
إنّ اللّبيب إذا تفرّق أمره ... فتق الأمور مناظرا ومشاورا
وأخو الجهالة يستبد برأيه ... فتراه يعتسف الأمور مخاطرا
101- الرشيد حين بدا له في تقديم الأمين على المأمون في العهد:
لقد بان وجه الرأي لي غير أنني ... غلبت على الأمر الذي كان أحزما «3»
فكيف يرد الدّر في الضرع بعد ما ... توزع حتى صار نهبا مقسما «4»
أخاف التواء الأمر بعد استوائه ... وأن ينقض الحبل الذي كان أبرما «5»
102- آخر:
وما المرء منفوعا بتجريب غيره ... إذا لم تعظه نفسه وتجاربه
103- آخر:
خليليّ ليس الأمر في صدر واحد ... أشيرا عليّ اليوم ما تريان
104- محمد بن ذؤيب:
(3/456)

ويفهم قول الحكل لو أن ذرة ... تساود أخرى لم يفته سوادها «1»
105- وصف رجل عضد الدولة «2» فقال: له وجه فيه ألف عين، وفم فيه ألف لسان، وصدر فيه ألف قلب.
106- لقمان: يا بني، شاور من جرّب فإنه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء، وأنت تأخذه بالمجان.
107- أردشير بن بابك: أربعة تحتاج إلى أربعة: الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقرابة إلى المودة، والعقل إلى التجرية.
108- الإسكندر: لا تستحقر الرأي الجزيل من الرجل الدنيء، فإن الدرة لا يستهان بها لهوان غائصها.
109- في الحديث: ما أوتي أحد فضلا ولا عقلا إلا احتسب عليه من رزقه.
110- مسلمة بن عبد الملك: ما ابتدأت أمرا قط بحزم فرجعت بلائمة على نفسي، وإن كانت العاقبة علي، ولا ضيعت شيئا من الحزم فسررت به، وإن كانت العاقبة لي.
111- هنأ العتبي المهدي بالخلافة، فسأل عنه، فقيل هو من أولاد عتبة بن أبي سفيان، فقال: أو قد بقي من أحجارهم ما أرى؟ من قولهم رمي بحجر الأرض «3» .
(3/457)

الباب الثامن والخمسون العمل، والكد، والتعب، والشغل، والجد، والتشمير، والعزم، والنية، والكفاية، والكيس، والعجلة، والسرعة، والعدو، وحسن، التأني في الأمور، وانهتاز الفرص
1- النبي صلّى الله عليه وسلّم: أفضل العمل أدومه وإن قل.
2- عائشة رضي الله عنها: كان عمله ديمة «1» .
3- علي رضي الله عنه: قليل مدوم عليه خير من كثير مملول منه «2» .
وعنه: أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه «3» .
4- علي بن الحسين رضي الله عنه، لما مات فغسلوه وجدوا على ظهره مجلا مما كان يستقي لإسعاف جيرانه بالليل، ومما كان يحمل إلى بيوت المساكين من جرب الطعام.
5- في التورية: حرّك يدك أفتح لك باب الرزق.
6- داود الطائي: أرأيت المحارب إذا أراد أن يلقى الحرب؟ أليس يجمع آلته؟ فإذا أفنى عمره في جمع الآلة فمتى يحارب؟ إنّ العلم آلة
(3/459)

العمل، وإذا أفنى عمره في جمعه فمتى يعمل؟.
7- كان إبراهيم بن أدهم يستقي ويرعى، ويعمل بكراء، ويحفظ البساتين للناس والمزارع، ويحصد بالنهار، ويصلي بالليل.
8- النبي صلّى الله عليه وسلّم: تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن ينفعكم الله بالعلم حتى تعملوا به، فإن العلماء همتهم الوعاية «1» ، وإن السفهاء همتهم الرواية.
9- ابن مسعود رضي الله عنه: كونوا للعلم وعاة، ولا تكونوا رواة، فإنه قد يرعوي ولا يروي، ويروي، ولا يرعوي «2» .
10- عيسى عليه السّلام: ليس بنافعك أن تعلم ما لم تعمل، إنّ كثرة العلم لا يزيدك إلّا جهلا ما لم تعمل به.
11- مالك بن دينار: إن العالم إذا لم يعمل زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر على الصفا «3» .
12- شبيب بن سليم الأسدي «4» : دخلنا على الحسن «5» حجاجا فدعا لنا، ثم قال: لعلكم من أصحاب السيوحات «6» ! قلنا: لا، قال:
إياكم وإياهم، فانه بلغني أن الرجل منهم يكتب خمسمائة حديث ثم يضيّعها، ولا يعلم أن الله سائله عنها حرفا حرفا.
(3/460)

13- علي رضي الله عنه: جاء رجل إلى رسول الله فقال: ما ينفي عني حجة الجهل؟ قال: العلم، قال: فما ينفي عني حجة العلم؟ قال:
العمل.
14- النبي صلّى الله عليه وسلّم: الكيّس «1» من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها ثم تمنى على الله.
15- شر الأعمال ما كان عناؤه طويلا وغناؤه قليلا.
16- رأى رسول الله فرجة في لبن قبر إبراهيم «2» ابنه فأمر أن تسد:
وقال: أما أنها لا تضر ولا تنفع، ولكن العبد إذا عمل عملا أحب الله أن يتقنه.
17- الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم شرا أعطاهم الجدل ومنعهم العمل.
وما المرء إلّا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
18- عمر بن عبد العزيز: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.
19- حكيم: ما شيء أحسن من عقل زانه علم، ومن علم زانه حلم، ومن حلم زانه صدق، ومن صدق زانه عمل، ومن علم زانه رفق.
20- كتب على خوان «3» ذهب لبعض الملوك: لا عمل إلّا العمل للثواب.
(3/461)

21-[شاعر] :
ألم تر أن الله قال لمريم ... وهزي إليك الجذع يسّاقط الرطب «1»
ولو شاء أن تجنيه من غير هزه ... جنته ولكن كل رزق له سبب
22- اكتل السدوسي «2» .
صبرا خلاج فلا تعانق طفله ... شرقا بها الجاديّ كالتمثال
حتى تلاقي في الكتيبة معلما ... عمرو القنا وعبيدة بن هلال «3»
23- صعصعة بن معاوية التميمي:
وللمجد حومات تلقّاك دونها ... مهالك مقطوع عليها جسورها
24- عبد الله بن السائب «4» : إن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فلا تحزنوا موتاكم.
25- وعن عباد الخوّاص «5» أنه دخل على إبراهيم بن صالح «6» وهو
(3/462)

أمير فلسطين، فقال عظني، فقال أصلحك الله، بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم الموتى. فانظر ماذا تعرض على رسول الله من عملك. فبكى إبراهيم حتى سالت دموعه.
26- وكان أبو أيوب الأنصاري يقول: اللهم أني أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند عبد الله بن رواحة. وقد آخى بينهما رسول الله، ومات ابن رواحة قبله.
27- علي رضي الله عنه: كونوا بقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل، فإنه لا يقل عمل مع التقوى، وكيف يقل عمل يتقبل.
28- بعضهم: صفّ عملك من الآفات وإن قلّ تسعد به في الدارين، ومن لم يتق الآفات في عمله فإنه لا يكاد يفلح وإن كثر اجتهاده، وإنما ارتفع القوم «1» لاعتنائهم بإصلاح سرائرهم. فعند ذلك أمدّهم الله بالنصر على الشيطان، وبصرهم مكايده، وصاروا من الأبطال، حتى أن الشيطان ليفر من ظل أحدهم.
29- مطرف: لأن يقول لي ربي لم تعمل أحب من أن يقول: لم عملت؟.
30- الداراني: عمل الرجل مع رفيقه ومع أهله عمل في السر، لأنه لا يقدر أن يكتم منهما.
31-[يقال] : تفرقت بفلان شعب الدنيا، إذا كثرت أشغاله.
32- قال عبيد الله بن سليمان لأبي العيناء: أعذرني فإني مشغول.
فقال: إذا فرغت لم احتج إليك، وما أصنع بك فارغا؟ وأنشد:
فلا تعتذر بالشغل عنا فإنما ... تناط بك الآمال ما اتصل الشغل
33- واعتذر بعض السلطانية إلى رجل بالشغل فقال: لا بلغت يوم
(3/463)

فراغك. قيل لروح بن حاتم «1» : لقد طال وقوفك في الشمس؟ قال:
ليطول وقوفي في الظل، وأنشد:
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أني للقمام أطوف
34- أعرابية في ابنها:
لو ظمىء القوم فقالوا من فتى ... يحلف لا يردعه خوف الردى
وبعثوا سعدا إلى الماء سدى ... في ليلة كأنها مثل العمى
بغير دلو ورشاء لاستقى ... امر يهدي رأيه رأي اللحى
35- من غلى دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء.
36- لقيط بن زرارة «2» كان يرتجز يوم جبلة «3» :
إذ الشواء والنشيل والرغف ... والقينة الحسناء والكأس الرعف
للضاربين الهام والخيل حنف «4»
(3/464)

37- عمر بن حبيب «1» كان إذا فرغ من تهجده «2» قال: الرواح الرواح. السباق السباق، سبقتم إلى الماء والظل، إنه من يسبق إلى الماء يظمأ، ومن يسبق إلى الظل يضح «3» .
- وكان في بستان له مع غلامه فأذن المؤذن، فقال الغلام: الله أكبر أكبر، فقال: سبقتني إليها؟ أنت حر، ولك هذه النخلة.
38-[شاعر] :
إن كلّف السعي سعى ... وإن يقل قم يثب
39- عبيد بن عمير «4» : ما المجتهد فيكم إلّا كاللاعب فيما مضى.
- ما في كل صدر اتساع، ولا في كل نفس اضطلاع.
- عينه إليه ممدودة، وأذنه إلّا عنه مسدودة.
40- مدح أعرابي رجلا فقال: كان والله إذا نزلت به النوائب قام إليها، ثم قام بها ولم تقعد به علّات النفوس.
41-[شاعر] :
شمري إذا يهم بأمر ... لم يعرج بليتني أو لعلى
(3/465)

42- أبو مسلم صاحب الدولة:
أدركت بالجد والتشمير ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا «1»
ما زلت أسعى بجهدي في دمارهم ... والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من رقدة لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد
43- إذا همّ بأمر هان علاجه، وانفتح رتاجه «2» .
44- فلان يستعير السيف حده، ويتعلم الليث جده.
45- فلان لا يجف لبدة «3» إذا لم يفتر.
46- هو في طلبه قاضي نذور.
47- أخف من حسوة طائر، ولفتة ناظر، ومن لمعة بارق وخلسة سارق.
48- أخف من جلسة منتهز، وخلسة مستوفز «4» .
49- فلان لا يتزعزع عما يرتئيه، ولا يستنزل عما ينتويه.
50-[شاعر] :
تسنم ظهر مفخرة انيخت ... لتركبها ولا تك بالهيوب
51- ما أدري على البرق سار أم على البراق «5» ؟ والشنفرى «6» هو أم
(3/466)

ابن براق «1» ؟.
52- أسرع من الماء منحدرا، ومن النجم منكدرا «2» .
- أسرع حتى ظله لا يلحقه.
- لا يمس الأرض إلا تحليلا وإيماء، ولا يطؤها إلا إشارة وإيماء.
برز على الغاية وقصب. وغبر في وجوه الخيل وحصب.
53- أعرابي:
برئت إلى الرحمن من كل صاحب ... أصاحبه إلا حماس بن ثامل «3»
وظني به بين السماطين أنه ... سينجو بحق أو سينجو بباطل
54- لا يكاد يعدم الصرعة من عادته السرعة.
55- النبي صلّى الله عليه وسلّم: سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن.
56- قال عدي بن أرطأة لأياس بن معاوية: إنك لسريع المشية، قال: ذاك أبعد من الكبر، وأسرع في الحاجة.
57- كان الأسود بن يزيد صاحب ابن مسعود يجتهد في العبادة، ويصوم في الحر حتى يخضر جسده ويصفر، ويكاد لسانه يسودّ من ظمأ الهواجر، فيقول له علقمة: كم تعذب هذا الجسد؟ فيقول: إن الأمر جد يا أبا شبيل، الجد الجد.
- ما جد قوم قط إلا جدوا «4» .
(3/467)

58- المرء بكده، والفرس بشده، والسيف بحده.
59- قال عيسى عليه السّلام لرجل: ما تصنع؟ قال: أتعبّد، قال: فمن يعود عليك؟ قال أخي، قال: أخوك أعيد منك.
60- عدا كلب خلف غزال فقال له: لن تلحقني، قال: لم؟ قال:
لإني أعدو لنفسي، وأنت تعدو لصاحبك.
61- نظر رجل إلى ظبية ترود فقال له: هل تحب أن تكون لك؟
قال: نعم، قال: أعطني أربعة دراهم حتى أردها عليك، ففعل، فجعل يمحص في أثرها حتى أخذ بقرنها، فجاء بها وهو يقول:
وهي على البعد تلوي خدها ... تريغ شدى وأريغ شدها
كيف ترى عدو غلام ردها
62-[شاعر] :
وقلّ من جد في أمر يطالبه ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
من جدّ وجدّ وجد.
63- تقول العرب: فلان وثاب على الفرص.
- الزق ما دام التنور حارا. أي اطلب الأمر في أبان إمكانه.
64-[شاعر] :
ولو بت تقدح في ظلمة ... صفاة بنبع لأوريت «1» نارا
65- حماس بن الأبرش الكلبي «2» :
ولو بت تقدح في ظلمة ... صفاة بنبع لأوريت نارا
66- في كد البدن روح الروح.
(3/468)

67- يعمد الشغل لأوسع أوقاتي فيضيقه.
68- كتب مسلمة إلى أخيه الوليد من قسطنطينية:
أرقت وصحراء الطوانة بينا ... لبرق تلالا نحو غمرة يلمح «1»
أزاول أمرا لم يكن ليطيقه ... من القوم إلا اللوذعي الصمحمح «2»
69-[شاعر] :
نقل الجبال الرواسي من مواضعها ... أخف من رد نفسي حين تنصرف
70- لا أريد كدي ولو جعل العليون إقطاعي، والعالمون أتباعي.
71-[شاعر] :
فلئن كفيت مهمها ... فلمثلها اعددت مثلك
72- علي رضي الله عنه حين أشير عليه بترك محاربة طلحة والزبير فقال: والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم «3» حتى يصل إليها طالبها، ويختلها راصدها، ولكني أضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه، وبالسامع المطيع العاصي المريب، حتى يأتي علي يومي.
73-[شاعر] :
وما يرأب الصدع المهم لقومه ... من الناس إلا كامل وابن كامل
74- عمر رفعه: إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته
(3/469)

إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه.
75- الأعمال البهيمية ما عمل بغير نية.
76- قيل لبعض أهل الحديث حدثنا، فقال: حتى تحضر النية.
77- في نوابغ الكلم: أعمالك نية، لم تنضجها نية «1» .
78- أنس رفعه: يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله.
79- خير الأعمال ما أثل «2» المجد، وحصل الحمد.
80- بعضهم: العمل سعي بالأركان إلى الله، والنية سعي بالقلوب إلى الله، والقلب ملك، والأركان جنوده، ولا يحارب الملك إلا بالجنود، ولا الجنود إلا بالملك.
81- وقيل: النية جمع الهم في تنفيذ العمل للمعمول له، وأن لا يسمح له في السر ذكر غيره.
82- أوحى الله إلى نبي، قل لهم يخفوا إليّ أعمالهم، وعليّ أن أظهرها لهم.
83- عبد العزيز بن أبي رواد: لو كانت هذه الأعمال قربانا تأكله النار إذن لم ترغبوا في كثرتها، ولكن في أتقاها، وأنقاها، وأهداها.
وعنه لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصا وصوابا، فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
الدنيا كلها ظلمات إلا موضع العلم، والعلم كله هباء إلا موضع العمل، والعمل كله هباء إلا موضع الإخلاص.
(3/470)

84- الشافعي: رحمة الله عليه: اغتنموا الفرص، فأنها خلس أو غصص.
85- بهرام جور: إذا تقدم في الأعمال قبل وقتها انتفع بها في وقتها، وإذا عمل بها بعد وقتها لم ينتفع بها.
86- بشار بن برد كان في مجلس قوم فقال: لا تجعلوا يومنا حديثا كله، ولا غناء كله، ولا شربا كله، تناهبا العيش تناهبوا فأنما الدنيا فرص.
87- من ورد عجلا صدر خجلا.
78- غاضب المنذر بن الزبير «1» أخاه عبد الله، فقدم على معاوية فأجازه بألف ألف وأقطعه ماله المعروف بمنذران «2» بالبصرة.
ولما وقعت الحرب على ابن الزبير خاف يزيد أن يتصل بأخيه، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بالقبض عليه، فقال له عبيد الله: إن شئت اشتملت عليك «3» فتكون نفسي دون نفسك، وإن شئت فاذهب حيث شئت. فخرج من البصرة فأصبح بمكة صبح ثامنة. فقال بعض من يرتجز معه:
قاسين قبل الصبح ليلا منكرا ... حتى إذا الصبح انجلى فأسفرا
أصبحن صرعى بالكثيب حسّرا ... لو تكلّمن شكون المنذرا
فسمع عبد الله صوت المنذر على الصفا، وهو في المسجد الحرام، فقال: هذا أبو عثمان حاشته الحرب إليكم.
89- عمر رضي الله عنه: لو كنت أستطيع أن أقطع أبا موسى أعضاء
(3/471)

فأفرقه في الأمصار لفعلت، لاجزائه عني.
90- قيل لبعض العمال في ضيافته: ما أنقى خبزك؟ قال: لا تغتروا ببياضه فأن في وسطه دما. ثم قال: كم من سيف ضربت به في باب السلطان حتى ابيض خبزي.
(3/472)