Advertisement

ديوان المعاني 002

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على نعمه التامة وأياديه الخاصة والعامة في إنشاء السحاب الثقال وإجراء العذب الزلال وتفجير البارد السلسال ليغذو النجم والشجر ويرب الحب والثمر رحمة للأنام ونظراً للإنعام فله الحمد أولاً وآخراً. والصلاة على نبيه محمد الذي أرسله بالحق شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وعلى آله المختارين وعترته المنتجبين. وقد رأينا الحكماء في كل زمان يجتهدون في تقريب الحكمة وتسهيل سبلها وشرح مشكلها وإيضاح أبوابها وإدناء أسبابها ليخف محملها ويقرب متناولها ويرغب فيها كل أحد ويأخذ منها بنصيب ويغترف منها بذنوب. وكنت جعلت كتابي الموسوم بديوان المعاني مشتملاُ على أثني عشراٌ باباً يتضمنها خمسائة ورقة فرأيت بعض الناس يستكبر حجمه ويستثقل نسخه فجعلت كل باب منها كتاباً ينفرد بنفسه ويتميز من جنسه ليقرب أمره ويسهل نسخه ولتسرع الرغبة إليه فيكثر الإنتفاع به إن شاء الله تعالى وبه التوفيق.
(2/2)

(هذا كتاب المبالغة)
في صفة السحاب والمطر والبرق والرعد وذكر المياه والرياض والنبات والأشجار والرياحين والثمار والنسيم وما يجري مع ذلك وهو:
(الباب السابع من كتاب ديوان المعاني وفيه ثلاثة فصول)
(الفصل الأول)
في صفة السحاب والمطر والبرق والرعد والثلج والضريب
أخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال قال أبو عمرو لذي الرمة أي قول الشعراء في المطر أشعر؟ قال قول امرئ القيس:
(ديمةٌ هطلاءُ فيها وطفٌ ... طَبّق الأرض تحرَّى وتدُرّ)
قوله طبق الأرض غاية في صفة عموم السحاب أراد أنها على الأرض بمنزلة الطبق على الإناء. ولا أعرف أحداً أخذه فأجاده كاجادة ابن الرومي حيث يقول:
(سحائبُ قيستْ بالبلادِ فألقيتْ ... غِطاءً على أغوارِها ونجودِها)
(هدتها النُّعامَى مثقلاتٍ فأقبلتْ ... تهادَى رُويداً سيرُها كركودِها)
قوله سيرها كركودها غاية في وصف ثقلها وثقلها من كثرة مائها. والبيت البليغ المشار إليه من أبيات امرئ القيس قوله:
(وتَرى الشجراءَ في رَيِّقه ... كرؤوس قُطَعت فيها الخُمُر)
الشجراء الأرض ذات الشجر وإذا غرقت الشجر من ريقه حتى لا يبين منها إلا فروعها فكيف يكون في شدته، وريق المطر أوله وأخفه، وشبه رؤوس الشجر خارجة من الماء برؤوس قطعت عليها عمائم، والخمار ههنا العمامة. وقالوا أجود ما قيل في المطر قوله:
(2/3)

(كأنَ أباناً في أفانين وبلهِ ... كبيرُ رجالٍ في بجادٍ مُزملِ)
يقول كأن أبانا وهو جبل من التفاف قطره وتكاثفه في الهواء شيخ في كساء، وخفض مزمل على الجواب وهو نعت كبير كما تقول جحر ضبٍ خربٍ. وقالوا أجود ما قيل فيه قول أبي ذؤيب:
(لكلِّ مسيلٍ من تهامة بعد ما ... تقطع أقرانُ السحابِ عجيج)
وهذا مع جودة معناه فصيح جداً.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان قال قال الأصمعي قلت لأبي عمرو ما أحسن ما قيل في المطر فقال قول القائل:
(دانٍ مسفٍّ فويقَ الأرضِ هيدبهُ ... يكادُ يدفعُه من قامَ بِالراحِ)
(فمن بنجوته كمن بعُقوته ... والمستكن كمن يمشي بقَرواحِ)
يقول قد عم هذا السحاب فاستوى في شيم برقه وأصاب مطره المنجد والغائر والمستكن والمصحر، قرب من الأرض لثقله بالماء حتى يكاد يدفعه القائم براحته وهذا غاية الوصف. ومن أبلغ ما جاء في ذلك من نثر الأعراب ما
أخبرنا به أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن أبى حاتم وعبد الرحمن عن الأصمعي قال سألت أعرابياً من عامر بن صعصعة عن مطرٍ أصاب بلادهم فقال نشأ عارضاً فطلع ناهضاً ثم ابتسم وامضاً فاعترض الأمطار فأعشاها وامتد في الآفاق فغطاها ثم ارتجز فهمهم ثم دوي فأظلم فأرك ودث وبغش ثم قطقظ فأفرط ثم ديم فأعمط ثم ركد فأجثم ثم
(2/4)

وبل فسح وجاد فأنعم فقمس الربى وأفرط الزبى سبعاً تباعاً لا يريد انقشاعا حتى ارتوت الحزون وتحضحضحت المتون ساقه ربك إلى حيث شاء كما جلبه من حيث شاء. الدث والبغش المطر الخفيف، والقطقظ المطر الصغار، وقوله أنعم أي بالغ من قولهم دقه دقاً ناعماً، وقمس أي غوص، وأفرط ملأ. والزبي جمع زبيه وهي حفرة تحفر للأسد ويجعل فيها طعم فيجئ حتى يقع فيها ولا تحفر إلا في مكان عال فإذا بلغها السيل فهو الغاية وفي المثل بلغ السيل الزبى والمتن صلابة من الأرض فيها إرتفاع، وتضخضح أي صار عليه ضحضاح وهو الماء يجري على وجه الأرض رقيقاً. وأنشدنا أبو أحمد عن أبيه عن ابن أبي طاهر عن ابن الأعرابي لأعرابية:
(فبينا نرمَقُ أحشاءَنا ... أضاءَ لنا عارضٌ فاستنارا)
(فأقبل يزحفُ زَحفَ الكسير ... سياقَ الرعاءِ البطاء العشارا)
(تعني وتضحك حافاتهُ ... أمامَ الجنوبِ وتبكي مرارا)
(كأنا تضئ لنا حُرة ... تشدُ إزاراً وتلقي إزارا)
(فلما حسبنا بأن لا نجاءَ ... وأن لا يكون فرارٌ فرارا)
(أشارَ له آمرٌ فوقهُ ... هَلمَ فأمَ إلى ما أشارا)
وأنشدنا لغيرها: تبسمتِ الريحُ ريحُ الجنوبِ ... فهاجتْ هوىً غالياً وادِّكارا)
(وساقَت سحاباً كمثلِ الجبالِ ... إذا البرقُ أومضَ فيه أنارا)
(إذا الرعدُ جلجلَ في جانبيهِ ... فروى النباتَ وأروى الصحاري)
(تطلعنا الشمسُ من دونهِ ... طلاعَ فتاةٍ تخافُ اشتهارا)
(تخافُ الرقيبَ على سِرها ... وتحذرُ من زوجها أن يغارا)
(فتسترُ غُرَّتها بالخمارِ ... طوراً وطوراً تزيلُ الخمارا)
وقد مرت هذه الأبيات الثلاثة قبل:
(2/5)

(فلما مراها هبوبُ الجنوبِ ... وانهمرَ الماءُ منهُ انهمارا)
(تبسمتِ الأرضُ لما بكت ... عليها السماءُ دُمُوعاً غزارا)
(فكان نواجذُها الأقحوان ... وكان الضواحكُ منها البهارا)
وقال ابن مطير وهو أجود ما قيل في سحاب:
(مستضحكٌ بلوامعٍ مستعبرٌ ... بمدامعٍ لم تمرِها الأقذاءُ)
(فله بلا حزنٍ ولا بمسرةٍ ... ضحكُ يؤلفُ بينهُ وبكاءُ)
(ثقلت كلاهُ وأنهرتْ أصلابهُ ... وتبعجت من مائهِ الأحشاءُ)
(غَدَق يُنتج بالأباطح فرَقا ... تلدُ السيولَ وما لها اسلاءُ)
(وكأنَ ريقهُ ولما يحتفل ... ودقُ السحابِ عجاجة كدراءُ)
(غرٌ محجلةٌ دوالحُ ضمنت ... حَفْلَ اللقاح وكلها عذراء)
(سجمٌ فهنَ إذا كظمنَ فواجمٌ ... وإذا ضحكنَ فإنهنَ وضاءُ)
(لو كانَ من لجج السواحلِ ماؤهُ ... لم يبقَ من لجج السواحلِ ماءُ)
ومن هذا البيت أخذ المتكلمون الحجة على الفلاسفة في قول الفلاسفة المطر إنما هو البخاران ترتفع من البحر، قالولهم لو كان الأمر كذلك لكان ماء البحر ينقص عند كثرة الأمطار فقالت لا يلزم ذلك لأن البحر مغيص لمياه الأرض فمصير ما يتحلب من الثلوج إليه ومنه مواد هذه الأشياء فمثله مثل المنجنون يغرف من بحر ثم يصب فيه فليس له نقصان والذي ينقص هذا أن ماء البحر يزيد عند كثرة الأمطار وينقص عند قلتها والعادة في ذلك معروفة ولو كان الأمر على ما يقولون لكان ماء البحر ينقص على مررو الأوقات لا محالة لأن الشمس
(2/6)

والهواء لا شك تأخذ مما يتفرق عنه في الأرض بزعمهم، والكلام فيه يتسع وإنما أشرت إلى موضع الدلالة على فساد قولهم. وقال النظار الغقعسي:
(يا صاحبيَ أعيناني بطرفكما ... أنى تشيمان برقٌ العارضِ الساري)
(أبصرتهُ حينَ غاب النجمُ وانسفرت ... عنا غفائر من دجنِ وأمطارِ)
(فباتَ ينهضُ بالوادي وجَلهتهِ ... نهضَ الكسيرِ بذي أو نَين جَرار)
(حيرانَ سكران يغشى كلَّ رابيةٍ ... من الروابي بأرجافٍ وأضرار)
(مفرقٌ لدماثِ الأرضِ منهمرٌ ... رعابُ أفئدةٍ شعالُ أبصار)
(كأن بلقاً عِراباً تحت رَيِّقه ... عوداَ تَذُب برمحٍ عندَ إمهارِ)
وشبه البرق برمح الأبلق، وهو من قول أوس بن حجر:
(كأنَ ريقهُ لما عَلا شطبا ... أقراب أبلق ينقى الخيلَ رماحِ)
ومن أبلغ ما قيل في ذلك قول الأعرابية التي سألها ذو الرمة عن الغيث فقالت: غثنا ما شئنا. فكان ذو الرمة يقول قاتلها الله ما أفصحها. وترك ذو الرمة هذا المذهب على إعجابه به واخيتاره له وقال:
(ألا يا أسلمي يا دارَ مَيّ على البلى ... ولا زالُ مُنهلاًّ بجرعائكِ القطرُ)
فقيل له هذا بالدعاء عليها أشبه منه بالدعاء لها لأن القطر إذا دامت فيها فسدت. والجيد قول طَرَفَة:
(فسقى بلادك غيرَ مُفسِدِها ... صوبُ الربيعِ ودِيمةٌ تهمي)
وقال أعرابي: أصابتنا سحابة وإنا لبنوطة بعيدة الأرجاء فاهر مع مطرها حتى رأيتنا وما رأينا غير السماء والماء وصهوات الطلح فضرب السيل النجاف وملأ
(2/7)

الأودية فرعبها فلما لبثنا إلا عشراً حتى رأيتها روضة تندي. قوله ما رأيت غير السماء والماء وصهوات الطلح غاية في صفة كثرة المطر.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن حاتم عن أبي عبيدة قال خرج النعمان بن المنذر في بعض أيامه في عقب مطر فلقي أعرابياً فأمر بإحضاره فأتي به فقال كيف تركت الأرض وراءك؟ قال فيح رحاب منها السهولة ومنها الصعاب منوطة بجبالها حاملة ثقالها. قال إنما عن السماء سألتك قال مطلة مستقلة على غير سقاب ولا أطناب يختلف عصراها ويتعاقب سراجاها، قال ليس عن هذا أسألك قال فسل عما بدالك قال هل أصاب الأرض غيث يوصف قال نعم أغمطت السماء في أرضنا ثلاثاً رهواً فثرت وأرزغت ورسغت ثم خرجت من أرض قومي أقروها متواصية لا خطيطة منها حتى هبطت تعشار فتداعى السحاب من الأقطار فجاء السيل الجرار فعفا الآثار وملأ الجفار وقوب الأشجار وأجحر الُحضار ومنع السفار ثم أقلع عن نفع وإضرار فلما اتلأبت في الغيطان ووضحت السبل في القيعان تطلعت رقاب العنان من أقطار الأعنان فلم أجد وزراً إلا الغيران فقات وجارالضب فعادت السهول كالبحار تتلاطم بالتيار والحزون متلفعة بالغثاء والوحوش مقذوفة على الأرجاء فما زلت أطأ السماء وأخوض الماء حتى أطلعت أرضكم اه. أغمطت السماء دام مطرها، رهواً ساكتاً، ثرت تركته ثرية، أرزغت تركت الأرض في رزغة والرزغة والردغة الطين إذا أغطى القدم، رسغت بلغت الرسغ، متواصية متصلة، الهطيطة والخطيطة أرض لم يصبها مطر بين أرضين ممطورتين، وتعشار موضع، والعنان السحاب والأعنان نواحي الشخب فقأت من القي وجار الضب وهو عندهم غاية
(2/8)

ما يوصف به المطر وهو عندهم الذي يجر الضب من وجارها فيخرجها من كثرة سيله. وقوله والحزون ومتلفعة بالغثاء يقول بلغ الماء رؤوس الحزون ثم نضب عنها فبقي الغثاء في موضعه. ومن الوصف الجيد التام في تكاثف المطر قول بعضهم: وقع مطر صغار وقطر كبار وكأن الصغار لحمة للكبار، جعل الهواء كالثوب المنسوج من كثرة المطر وتكائفه. ومن أجود ما قاله محدث في وصف السحاب والقطر والرعد والبرق ما أنشدناه أبو أحمد عن نفطويه للعتابي:
(أرقتُ للبرقِ يخفو ثُمَ يأتلقُ ... يخفيهِ طوراً ويبديهِ لنا الأفُقُ)
(كأنهُ غرةٌ شَهباء لائحةٌ ... في وجهِ دَهماءَ ما في جِلدها بلقُ)
(أو ثغرُ زنجية تفترُ ضاحكةً ... تبدو مشافرهُا طوراً وتنطبقُ)
(أوسلةُ البِيض في جأواءَ مظلمة ... وقد تلقت ظُباها البيضُ والدرق)
(والغيمُ كالثوبِ في الآفاقِ منتشرٌ ... من فوقهِ طبقٌ من تحتهِ طبق)
(تظنه مصمتاً لافتقَ فيه فان ... سالت عواليهِ قلتَ الثوب منفتق)
(إن مَعمعمَ الرعدُ فيهِ قلتَ ينخرق ... أو لألأ البرق فيهِ قلتَ يحترق)
(تستكُ من رعدهِ أذنُ السميع كما ... تعْشَى إذا نظرتْ من برقهِ الحدق)
(فالرعد صهصلقٌ والريحُ منخرق ... والبرق مؤتلقٌ والماء منبعقُ)
(قد حالَ فوقَ الربُى نورٌ له أرجٌ ... كأنهُ الوشيُ والديباجُ والسَرقَ)
(من صفرةٍ بينها حمراء قانية ... وأصفرٌ فاقعٌ أو أبيضٌ يَقق)
فاستحسنت هذه الطريقة فقلت:
(برقٌ يطرز ثوبَ الليل مؤتلق ... والماء من نارهِ يهمي فينبعقُ)
( ... توقدت في أديم الأرضِ حمرتهُ ... كأنها غرةٌ في الطرفِ أو بلق)
(ما امتدَ منها على أرجائه ذهبٌ ... إلا تحدر من حافاته ورق)
(2/9)

(كأنها في جبين المزنِ إذ لمعت ... سلاسلُ التبرِ لا يبدو لها حلقُ)
(فالرعد مرتجسٌ والبرق مختلس ... والغيثُ منبجسٌ والسيلُ مندفقُ)
(والضال فيما طما من مائهِ غرق ... والجزع فيما جرى من سيله شرق)
(والغيم خزٌ وأنهاء اللوى زَرَدٌ ... والروضُ وشيٌ وأنوارُ الربى سَرق)
(والروضُ يزهوهُ عشبٌ أخضرٌ نضرٌ ... والعشبُ يجلوهُ نورٌ أبيضٌ يققُ)
ومما ورد في المياه:
(من سيولٍ يمجها الواديانِ ... وثلوجٍ يذيبها العصرانِ)
(ذو استواءٍ إذا جرىَ والتواءٍ ... هل تأملتَ مزحَف الأفعوان)
(فهو حيث استدارَ وقفُ لجينٍ ... وهو حيث استطارَ سَيفُ يمان)
وقال ابن المعتز:
(لا مثلَ منزلةٍ الدويرةِ منزلٌ ... يا دار جادَكِ وابلٌ وسقاكِ)
(بؤساً لدهرٍ غيرتكِ صروفهُ ... لم يمحُ من قلبي الهوَى ومحاكِ)
(لم يحلُ بالعينينِ بعدكِ منظرٌ ... ذُمّ المنازلُ كلُّهنّ سِواك)
(أيُ المعاهدِ منكِ أندبُ طيبةً ... ممساكِ ذا الآصالِ أو مغداك)
(أم بَردُ ظلك ذي الغصونِ وذي الحيا ... أم أرضُك الميثاءُ أم ريّاكِ)
(وكأنما سطَعَت مجامرُ عنبرٍ ... أوفُتَّ فأرُ المِسكِ فوقَ ثَراك)
(وكأنما حصباءُ أرضكِ جَوهرٌ ... وكأن ماءَ الوردِ دمعُ نداكِ)
(وكأن درعاُ مفرعاً من فِضّةٍ ... ماءُ الغديرِ جرَتْ عليهِ صباكِ)
وهذه الأبيات أحسن أبيات قيلت في صفة دار. وقلت:
(شققنَ بنا تيارَ بحرٍ كأنهُ ... إذا ما جرت فيهِ السفينُ يعربدُ)
(ترى مستقرَ الماءِ منهُ كأنهُ ... سبيبٌ على الأرض الفضاءِ مُمددُ)
(2/10)

(ويجري إذا الأرواحُ فيهِ تقابلت ... كما مالَ من كفَ النهاميِّ مبردٌ)
(فإن تسكنِ الأرواح خلتَ متونهُ ... متونَ الصفاحِ البيضِ حينَ تجرد)
(فطوراً تراهُ وهو سيفٌ مهندٌ ... وطوراً تراهُ وهو درعٌ مسرَد)
(نصعدُ فيه وهو زُرق جِمامه ... فنحسبُ أنا في السماء نصعَّد)
وقال ابن طباطبا العلوي في مَدَ الوادي:
(يا حسن وادينا ومدَ الماءِ ... قد جاءَ بينَ الصيفِ والشتاء)
(يختالُ في حٌ لتهِ الكدراءِ ... أكدرُ يمتدُ على غبراء)
(في صَخَبٍ عالٍ وفي ضوضاءِ ... يصافحُ الرياحَ في الهواء)
(ترى به تناطحَ الظباء ... جماءَ قد شُدت إلى جَماء)
(فانظر إلى أعجبِ مرأى الرائي ... من كدرٍ ينجابُ عن صفاءِ)
(تقشع الغيم عن السماء ... )
وقال السري في المد وانقطاع الجسر ببغداد:
(أحذركم أمواجَ دجلةَ إذ غدت ... مصندلة بالمدَ أمواجُ مائها)
(فظلت صغارُ السفنِ يرقصنَ وسطها ... كرقصِ بناتِ الزنجِ عند انتشائِها)
(تغرقها هوجُ الرياحِ وتعتلي ... ربى الموجِ من قدامها وورائها)
(فهنَ كدهم الخيلِ جالت صفوفها ... وقد بَدرَتها روعةٌ من ورائها)
(كأنَ صفوفَ الطيرِ عاذت بأرضها ... وقد سامها ضَيْماً أسودُ سمائها)
(أو الشبحُ المسودُ حُلَتُ عقودُهُ ... على تربةٍ محمرةٍ من فضائها)
وقلت:
(مررتُ بنهرِ المسرقُان عشيةً ... فأبصرتُ أقماراً تروحُ وتغربُ)
(كأنهمُ درُ تقطعَ سلكهُ ... وغودرَ فوقَ الماءِ يطفو ويرسبُ)
(فكم ثمَ من خشفٍ على الماء لاعبٍ ... فَيا مَنْ رأى خشفاً على الماء يلعب)
(كأن السميريات فيه عقاربٌ ... تجئ على زُرق الزجاجِ وتذهبُ)
(2/11)

وقال أبو بكر الصنوبري:
(إذا السماء أعنقت ... منها إلى شطّ وشطّ)
(حسبت أن بطّها الأمواجُ ... والأمواجُ بطّ)
وقال:
(وروضةٌ أريضة الأرجاءِ ... من ذهب الزهر لجين الماء)
(يجري على زمردِ الحصباءِ ... بين إستواءٍ منهُ والتواء)
(كما نفضتَ جَوْنَة الحوَّاء ... )
وقال أبو فراس بن حمدان:
(أنظر إلى الزهرِ البديعِ ... والماءِ في برك الربيع)
(وإذا الرياحُ جرت عليه ... في الذهابِ وفي الرجوع)
(نثرت على بيض الصفائح ... بينها حَلَقَ الدُروع)
ومن أوائل ما جاء في ذكر الماء المظلل بالأشجار قول لبيد:
(فتوسطا عرضَ السماء فصدعا ... مسجورة متجاوزٌ قُلاَمها)
(محفوفةٌ وسطَ اليراع يظلها ... منه مصرعُ غابةٍ وقيامها)
وقال بشر بن أبي خازم في البحر:
(ونحن على جوانبها قعودٍ ... نغضُ الطرفَ كالإبلِ القماحِ)
(إذا قطعت براكبها خليجاً ... تذكر ما لديه من الجناح)
(الفصل الثاني من الباب السابع)
في ذكر الرياض والأنوار والبساتين والثمار وما يجري مع ذلك
أخبرنا أبو أحمد عن رجاله عن أبي عمرو وغيره قالوا أجود ما قيل في وصف روضة قول الأعشى:
(ما روضةٌ من رياضِ الحزنِ معشبةٌ ... خضراءُ جادَ عليها مسبلٌ هَطِل)
(يضاحك الشمسَ منها كوكبٌ شرقٌ ... مؤزرٌ بعميم النبتِ مكتهلُ)
(2/12)

(يوماً بأطيبَ منها نشرَ رائحةٍ ... ولا بأحسنَ منها إذ دنا الأصلُ)
قال المصنف خص العشي لأن كون الانسان بالعشي أحسن منه بالغداة لرقة تعلوه بالعشي وتهيج يعتاده بالغداة وتعتري الألوان بالعشيات صفرة قليلة تستحسن ولذلك شبهها بالروض لما في الروض من الزهر وهو أصفر، ومن هذا قوله أيضاً
(وصفراء العشية كالعرارة ... )
وقال بعضهم بل خص العشي لنقصان الحسن فيه قال فشبهها في نقصان الحسن بالروضة في حال تمام حسنها، وليس كذلك لأن الروض بالغداة أحسن منه بالعشي. والتشبيه المصيب من الشعر القديم قول بشر بن أبي خازم:
(وروضٍ أحجمَ الروادُ عنهُ ... له نَفَلٌ وحَوذْان تؤامُ)
(تعالى نبتهُ واعتمَ حتى ... كأنَ منابتَ العُلجان شامُ)
الشام جمع شامة أي ظاهر كظهور الشامة في الوجه ويقال ما أنت إلا شامة أي أمرك ظاهر. وأنشد الجاحظ قول النمر بن تولب العكلي:
(ميثاءُ جادَ عليها مسبلٌ هطلٌ ... فأمرعت لإحتيال فرطَ أعوام)
(إذا جف ثراها بلها ديمٌ ... من كوكب نازلٍ بالماء سجام)
(لم يرعها أحدٌ وارتبها زمنا ... فأوٌ من الأرض محفوفٌ بأعلامِ)
(تسمعُ للطير في حافاتها زَجَلاً ... كأنَ أصواتها أصواتُ خُدام)
(كأنَ ريحُ خُزاماها وحَنوتها ... بالليلِ ريحُ يلنجوجٍ وأهضام)
ولم يدع شيئاً يكون في الخصب إلا ذكره. ومن أبلغ ما وصف به كثرة الكلأ
ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن عمه عن ابن الكلبي عن أبيه قال خطب ابنه الخس ثلاثة نفر من قومها فارتضت أنسابهم وجمالهم وأرادت أن تسبر
(2/13)

عقولهم فقالت لهم إني أريد أن ترتادوا إلى مرعي فلما أتوها لقالت أحدهم ما رأيت قال رأيت بقلاً وبقيلاً وماءً غدقاً سيلا يحسبه الجاهل ليلاً قالت أمرعت وقال الآخر رأيت ديمة فوق ديمة على عهاد غير قديمة فالناب تشبع قبل الفطيمة. وقال الثالث: رأيت نبتاً ثعداً معداً متراكباً جعداً كأفخاد نساء بني سعد تشبع منه الناب وهي تعدو اه. بقلاً وبقيلاً: يقول بقل قد طال وتحته عمير قد نشأ، والغدق الكثير يحسبه الجاهل ليلاً من كثافته وشدة خضرته، والديمة المطر يدوم أياماً في سكون ولين، والعهاد أول ما يصيب الأرض من المطر الواحد عهد، تشبع منه الناب قبل الغطيمة: يريد أن العشب قد اكتهل وتم فالناب وهي المسنة من الابل تشبع قبل الصغيرة منها لأنها تنال الكلأ وهي قائمة لاتطلبه ولاتبرح موضعها والفطمية تتبع ما صغر والصغير فيه قليل. وهذه صفة بليغة. وأبلغ منها قول الآخر تشبع منه الناب وهي تعدو أي من طول النبات وكثرته وعمومه تعدو وتأكل لا تحتاج إلى تتبعه وطأطأة رأسها له. ولا أعرف في جميع ما وصف به كثرة الكلأ أبلغ من هذا. والثعد: الرطب اللين والمعد اتباع. والثرى الجعد الذي قد كثر نداه فإذا ضممته بيدك اجتمع ودخل بعضه في بعض كالشعر الجعد، وخص نساء بني سعد لأن الأدمة فيهم فاشية. ومن أبلغ ما قيل في طول الكلأ قول الآخر أنشده ابن السكيت وثعلب:
(أرعيتُها أطيبَ أرضٍ عودا ... الصلَ والصفصلَ واليعْضيدا)
(والخازبازِ السَنَم المَجودا ... بحيثُ يدعو عامرٌ مسعودا)
يقول قد سد النبات من طوله وسبوغه مسعوداً فليس يراه عامر فهو يصيح به، الصل والصفصل وخازباز ضرب من النبات. وليس ألفاظ الأبيات بالمختارة إنما اخترتها لجودة معناها. ونظر أعرابي إلى يوم دجن وإلى نبات غض فاستحسن فقال ارتجالاً:
(أنتَ والله من الأيام ... لَدْنُ الطَرَفَيْن)
(2/14)

(كلما قلبتُ عيني ... ففي قرةِ عينِ)
وقلت:
(أتاهُ يُريدُ المزنَ ينشدهُ الصبا ... فدومَ من أعلى رباهُ ودَّيما)
(ولاحَ إليه بالبروقِ مُطرزاً ... فأصبحَ منها بالزواهرِ معلما)
ومن بديع ما قاله محدث في صفة الرياض والبساتين قول عبد الصمد بن المعدل أنشدناه أبو أحمد وغيره:
(مغانٍ من العيش الغريرِ ومَعْمر ... ومبدى أنيقٌ بالعُذيب ومَحضرُ)
(نما الروضُ منهُ في غداةٍ مريعةٍ ... لها كوكبٌ يستأنقُ العينَ أزهرُ)
(ترى لامعَ الأنوارِ فيها كأنه ... إذا اعترضتهُ العينُ وشيٌ مُدنر)
(تسابقَ فيهِ الأقحوانُ وحنوةٌ ... وساماهما رندٌ نضيرٌ وعبهرُ)
(يمجُ ثراها فيهِ عفراء جعدة ... كأن نداها ماءٌ وردٍ وعنبرُ)
(أعادَ نسيمُ الريحِ أنفاسَ نشرهِ ... وخايل فيه أحمر اللون أصفرُ)
(بدا الشيحُ والقيصومُ عمد فروعه ... وشثٌ وطباقٌ وبانٌ وعَرْعرُ)
(وناضرُ رمانٍ يرفُ شكيرهُ ... يكادُ إذا ما ذرت الشمسُ يقطر)
(ويَانعُ تفاحٍ كأنَ جنيَهُ ... نجومٌ على أغصانه الخضرِ تزهر)
(إذا زرتهُ يوماً تَغرد طائرٌ ... وراناك ظبيٌ بينَ غصنين أحورُ)
(فإذ هاجَ نوحُ الأيكِ في رونقِ الضحى ... تذكر محزونٌ أو إرتاحَ مقصر)
(تجاوبنَ بالترجيع حتى كأنما ... ترنمَ في الأغصانِ صنجٌ ومِزهر)
(مراناةَ موموقٍ وترجيعَ ... شائقٍ فللقلبِ ملهاةٌ وللعينِ منظر)
(واني إلى صحنِ العذيبِ لتائقٌ ... واني إليه بالمودةِ أصورَ)
(مرعت ولا زالت تصوبك ديمةٌ ... يجودُ بها جونُ الغواربِ أقمرُ)
(أحم الكلى واهي العرَى مسبل الجدى ... إذا طعنت فيه الصبا يتفجرً)
(كأنَ إبتسامَ البرقِ في حجرِانه ... مهندةٌ بيضٌ تشامُ وتشهرُ)
(2/15)

وقول ابن المعتز يتضمن صفة الأنوار على التمام ولا يكاد يشذ منه شئ البتة وهو:
(والروضُ مغسولٌ بليلٍ ممطرِ ... جَلا لنا وجه الثرى عن منظر)
(كالعصبِ أو كالوشي أو كالجوهرِ ... من أبيضٍ وأحمرٍ وأصفرِ)
(وطارقٍ أجفانُه لم تنظر ... تخالهُ العين فماً لم يُغفر)
(وفاتقٍ كادَ ولم ينورَ ... كأنه مبتسمٌ لم يَكشر)
(وأدمعٍ الغُدْران لم تكدرِ ... كأنه دراهمٌ في مَنثر)
(أو كعشورِ المصحف المنشر ... والشمس في أصحاءِ جوٍّ أخضر)
(كدمعةٍ حائرةٍ في محجَرِ ... تُسقي عُقاراً كالسّراج الأزهر)
(مُدامةً تَعْقِر إن لم تُعقَر ... يديرها كفُ غزالٍ أحور)
(ذي طرةٍ قاطرةٍ بالعنبرِ ... ومَلَثم يكشفهُ عن جوهرِ)
(وكفلٍ يشغلُ فضلَ المِئزَر ... تخبرُ عيناهُ بفسقٍ مضمَرِ)
(يعلّم الفجور إن لمَ يفجر ... )
وقلت:
(فمن بين صُفرٍ وحمرٍ وخُضر ... على القضبِ غيدٍ وزور وصورِ)
(ولعسٍ تناسبُ لعسَ الشفاه ... وبيضٍ تعارضُ بِيض الثغورِ)
(نواظرَ من بينِ يقظى ووسنى ... ونُجل وحُزرٍ وحُولٍ وحُور)
وقد استوفى في هذه الأبيات جميع أوصاف الأنوار على اختلاف حالاتها. وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا التنوخي لنفسه:
(أما ترى الروضَ قد وافاك مبتسماً ... ومدَ نحوَ النَدامى للسلام يدا)
(فأخضرٌ ناضرٌ في أبيض يَقق ... وأصفر فاقع في أحمر نُضدا)
(مثل الرقيبِ بدا للعاشقينَ ضحى ... فاحمرَّ ذا خجلا وأصفرَ ذا كمدا)
ومن المشهور قول الحماني:
(ديمٌ كأنَ رياضها ... يُكسين أعلامَ المطارف)
(2/16)

(وكإأنما غُدرانُها ... فيها عُشورٌ في مصاحفِ)
(وكأنما أنوارُها ... تهتزُ بالريح القواصف)
(طرر الوصائف يلتفتنِ ... بها إلى طررِ الوصايف)
وقلت:
(وروضةٍ حاليةِ الصدور ... كاسيةِ البطونِ والظهورِ)
(محمودة المخبورِ والمنظور ... مونقةِ المطوىَ والمنثور)
(معجبة الظاهرِ والمستور ... ضاحكة كالوافدِ المحبور)
(باكية كالعاشقِ المهجورِ ... شذَّرها الغيثُ بلا شذور)
(شقائق كناظرِ المخمورِ ... وأقحوانٌ كثغورِ الحورِ)
(ونرجسٌ كأنجم الديجور ... والطل منثور على منثور)
(يرصعُ الياقوتَ بالبللورِ)
وقال السري وأحسن، وليس فين تأخر من الشاميين أصفى ألفاظاً مع الجزالة والسهولة وألزم لعمود الشعر منه:
(وجناتٍ يحي الشربَ وهنا ... جنىَ وهداتها وحتى ربَاها)
(إذا ركد الهواءُ جرت نسيماً ... وإن طاحَ الغمامُ طَغَتْ مياها)
(يفرجُ وشيها عن ماءِ وردٍ ... يفيضُ على اللآلئ من حصاها)
(تعانقُ ريحها لممَ الخزامى ... وأعناق القرنفُل في سُراها)
(ويأبى زهرهُا إلا هجوعاً ... ويأبى عرفها إلا انتباها)
وقال البحتري:
(قطرات من السحابِ وروض ... نثرت وردها عليهِ الخدودُ)
(فالرياحُ التي تهبُ نسيمٌ ... والنجومُ التي تطلُ سعود)
وقال ابن الرومي:
(أصبحت الدنيا تروقُ من نظرْ ... بمنظرٍ فيه جلاءٌ للبصْر)
(2/17)

(واهاً لها مصطنعاً لقد شكرْ ... أثنتْ على اللهِ بآلاءِ المطرِ)
(والأرضُ في روضٍ كأفواه الحبر ... تبرجت بعدَ حياءٍ وخَفَرٍ)
(تبرجَ الأنثى تصدّى للذّكرِ)
وقال وأحسن:
(وحِلس من الكتانِ أخضرَ ناضرٍ ... يباكرهُ دانِ الرَّبابِ مَطيرُ)
(إذا دَرَجت فيه الرياحُ تتابعتْ ... ذوائبهُ حتى يقالَ غديرُ)
وقلت:
(أنظر إلى الصحراءِ كيفَ تزخرفت ... وإلى دموعِ المزنِ كيف تُذرف)
(وعلى الربى حُللٌ وشاهنَ الحيا ... فمسهمٌ ومقصبٌ ومفوفُ)
(وملابسُ الأنواء فيها سُندسٌ ... ومضاجعُ الأنداءِ فيها زخرفُ)
(نمَ الرياحُ على الرياضِ نمائماً ... ذَكرنَك الكافورَ حين يُدوف)
(وعلى التلاع من الأقاحي حُلةٌ ... وعلى اليفاغ من الشقائقِ مطرف)
(والغيمُ تنقشهُ الرياحُ عَشيةً ... كاقطن في زرقِ الثياب يندفُ)
(والقطر يهمي وهو أبيضُ ناصعٌ ... ويصيرُ سيلاً وهو أغبرُ أكلف)
(والبرقُ يلمعُ مثلَ سيفٍ يُنتَضى ... والسيلُ يجري مثل أفعى تزحف)
وقال أعرابي: باكرنا وسمىٌ ثم خلفه وليٌ فالأرض كأنها وشي منشور عليه لؤلؤ منثور ثم أتتنا غيوم جرار بمناجل حصاد فاختربت البلاد وأهلكت العباد فسبحان من يهلك القوي الأكول بالضعيف المأكول وقال أبو تمام:
(الروضُ ما بينَ مغبوقٍ ومصطبحِ ... من ريقِ محتفلات بالحيا دُلُحِ)
(جونٌ إذا هطلت في روضةٍ طفِقَتْ ... عيونُ نُوّارِها تبكي من الفرحِ)
وقال أبو الغضبان اليمامي:
(غدونا على الروضِ الذي طلهُ الندى ... سحيراً وأوداجُ الأباريقِ تسفَكُ)
(فلم أرَ شيئاً كانَ أحسنَ منظراً ... من الروضِ يجري دمعهُ وهو يضحك)
(2/18)

وقال غيره:
(وإذا الزمردُ مثمر ذهباً ... ومن اللجين لعسجد ورق)
(لا زال يُمتعنا بجِدتِه ... وجديده بجديدنا خَلَق)
وقال غيره في تلون الأرض:
(فترى الرياضَ كأنهنَ عرائسٌ ... يُنقلنَ في صفراءَ من حمراء)
وقال أبو تمام
(رقّت حواشى الدهر وهي تمر مر ... وغدا الندى في حَليهِ يتكسرُ)
(مطرٌ يروقُ الصحوُ منهُ وبعدهُ ... صحوٌ يكادُ من النضارةِ يمطرُ)
(وندىً إذا ادَّهنت به لممُ الثرَى ... خلتَ السحابَ أتاهُ وهو معذِّر)
(ما كانتِ الأيامُ تسلبُ بهجةً ... لو أنَ حُسنَ الروضِ كان يعمرُ)
(أوَ لا ترى الأشياءَ إذ هي غيرت ... سَمُجَت وحسنُ الروضِ حينَ يغيّرُ)
(يا صاحبيَّ تقصّيا نظريكما ... تريا وجوهَ الأرضِ كيف يُصور)
(تريا نهاراً مشمساً قد شابهُ ... زهرُ الرُّبى فكأنما هو مقمرُ)
(دنيا معاشٍ للورى حتى إذا ... جلّى الربيعُ فإنما هي منظرُ)
(أضحت تصوغُ ظهورَها لبطونِها ... نوراً تكادُ له القلوبُ تنور)
(من كلَ زاهرةٍ تَرَقَرَقُ بالندى ... فكأنما عينٌ عليه تحدرُ)
(تبدو ويحجبها الجميمُ كأنّها ... عذارءُ تبدو تارةً وتخفّرُ)
الجميم متكاثف النبت، يقول يظهر بتحريك الرياح إياه ويستتر عند سكونها فيغطيه الجميم:
(صنعُ الذي لولا بدائعُ لطفهِ ... ما عاد أصفرَ بعدَ إذ هو أخضرُ)
وقلت في مديح
(إني أرى لك في السماحة والندَى ... طلقاً ذريتَ به على الأطلاقِ)
(طَلَق الغمامِ سرَى بوجهٍ باسرٍ ... يُروي الوجوهَ ومبسم براق)
(ثقلت على عنق الصبا أعباؤهُ ... مثل الضعيف ينوء بالأوساق)
(2/19)

(فترى النباتَ يروقَ وسط رياضهِ ... مثل الحلىَ تروقُ وسطَ حِقاقِ)
وقال البحتري:
(إذا أردتَ ملأتَ العين من بلدٍ ... مستحسنٍ وزمانٍ يشبهُ البلدا)
(يمسي السحابُ على أجيالها فرقا ... ويصبح الروضُ في صحرائها بِددا)
(فلستَ تبصرُ إلا واكفاً خضلاً ... أو يانعاً خضراً أو طائراً غردا)
وقال أيضاً:
(ولا زال مخضرٌ من الأرض يانع ... عليه بمحمرّ من النورِ جاسد)
(يذكرنا ريَّا الأحبةِ كلما ... تنفس في جنح من الليل باردِ)
(شقائقُ يحملنَ الندَى فكأنهُ ... دموع التصابى في خدودِ الخرائدِ)
(ومن لؤلؤ كالأقحوانِ مُنضد ... على نكت مصفرة كالفرائدِ)
(كأنَ جنى الحوْذان في رونقِ الضحى ... دنانيرُ تبر من تؤام وفارد)
(رباع تورت بالرياض مَجودة ... بكلَ جديد الماءِ عذبِ الموارد)
(إذا راوحتها مزنةٌ بكرت لها ... شآبيب مجتاز عليها وقاصد)
(كأنَ يَدَ الفتح بنِ خاقانَ أقبلت ... تليها بتلك البارقاتِ الرواعدِ)
وقلت:
(أما ترى عودَ الزمانِ نضرا ... ترى لهُ طلاقةً وبشرا)
(أتتهُ ألطافُ السحابِ تترى ... وساقت الجنوبُ غماً بكرا)
(تَبسُط في الصحراءِ بُسطاً خضراً ... وتمنحُ الروضةَ زهراً صفرا)
(ونرجساً مثلَ العيونِ زهرا ... وأقحوانٍ كالثغور غرّا)
(كأنما يصوغ فيها تِبرا ... كأنما يَدُوفُ فيها عطرا)
(كأنما ينثرُ فيها دُرا ... فأعمل الكاسات شُمطاً شُقرا)
(كالماءِ لوناً والعبير نَشرا ... ثم مُرِ الَزيرَ يناغي الزمرا)
(والعيشُ أن تُسرَ أو تُسرا ... لا تفسدنَ بالغرامِ العمرا)
أحسن ما قيل في النرجس قال أبي نواس:
(2/20)

(لدى نرجسٍ عضَ القطافِ كأنهُ ... إذا ما منحناهُ العيونَ عيونُ)
(مخالفة في شكلهنَ فصفرةٌ ... مكانَ سوادٍ والبياضُ جفون)
والناس يشبهونه بالعيون ولا يفضلون هذا التفضيل. ومما لم يقل مثله قول ابن الرومي:
(خجلتْ خُدودُ الوردِ من تفضيلهِ ... خجلاً تورُّدُها عليهِ شاهدٌ)
(لم يخجلِ الوردُ المورودُ لونهُ ... إلا وناهله الفضيلة عائدُ)
(للنرجسٍ الفضل المبينُ وإن أبى ... آبٍ وحاد عن الطريقة حائد)
(فصل القضية أن هذا قائدٌ ... زهرَ الربيع وأن هذا طاردُ)
(شتانَ بين إثنينِ هذا موعدٌ ... بتسلبِ الدنيا وهذا واعدُ)
(وإذا احتفظتَ به فأمتعُ صاحبٍ ... بحياتهِ لو أنَ حياً خالدُ)
(يحكي مصابيحَ السماءِ وتارةً ... يحكي مصايبحَ الوجوهِ تُراصد)
(ينهي النديمَ عن القبيح بلحظهِ ... وعلى المدامةِ والسماع يُساعد)
(إن كنتَ تطلبُ في الملاح سميهُ ... يوماً فإنك لا محالةَ واجد)
(هذي النجوم هي التي ربتهما ... يجلد السحابِ كما يُربّى الوالد)
(فانظر إلى الأخوينِ مَن أدناهما ... شبهاً بوالدهِ فذاك الماجدُ)
(أين العيونُ من الخدود نفاسةً ... ورياسةً لولا القياسُ الفاسد)
وقلت:
(نرجس مثل أكفّ خُردِ ... درن علينا بكؤوسِ الذهبِ)
(ناولنيه مثلهُ في حسنه ... فحلَ من قلبيَ عقدَ الكُرب)
(مبتسمٌ عنهُ وناظرٌ به ... هذا لعمري عجبٌ في عجبِ)
وقلت في معناه:
(ألم ترنا نعطي الغوايةَ حقها ... ونجري مع اللذاتِ جريَ السوابق)
(بمحمرةٍ الأجسادِ مبيضة الذُّرى ... كمثلِ سقيطِ الطلِّ فوقَ الشقائق)
(لدى الصفر في أوساطِ بيضٍ كأنها ... كؤوسُ عُقار في أكفِّ عواتق)
وقال ابن الرومي:
(2/21)

(للنرجسِ الفضلُ برغم مَن رغم ... على صُنوفِ الوردِ والفضلُ قسمْ)
(العينُ قبلَ السنِّ وهي المبتسم ... فما لها والخدّ وهو الملتَدَم)
(ما أطيبَ الريح وما أزكى النسم ... ما هو إلا نعمةٌ من النعم)
ومن التشبيه المصيب قول الآخر:
(ونرجسٌ لاحظني طرفها ... يشبهُ ديناراً على دِرهْم)
وقال ابن الرومي في الخمر والنرجس:
(ريحانهم ذهبٌ على دُرَرٍ ... وشرابهم دررٌ على ذهبِ)
وقلت:
(يركبُ الأقحوانُ فيها نهاراً ... فترى درهماً على دينارِ)
(فرشَتْ فوقَها فرائدُ طلٍ ... علقت بالنباتِ والأشجار)
(وتدلّت على الغصونِ فجاءت ... كشنوفِ الكواعبِ الأبكارِ)
وقال الآخر:
(ونرجس قامَ فوقَ منبره ... مثلَ عروس تُجلى وتشتهرُ)
(نامَ الندَى في عيونهِ سحراً ... فاعتاده من منامهِ سهر)
(لم يغتمض والظلامُ حلَ بهِ ... كأنما في جفونه قصرُ)
(تحيرَ الطلُ في مدامعهِ ... فليسَ يرقا وليس ينحدر)
(كدمعةِ الصبَ كادَ يسكبها ... فردَّها في جفونهِ الحذرُ)
وقلت:
(وغنت الطيرُ بألحانها ... فانتبهَ النرجسُ من رقدته)
وأحسن ما قيل في الورد قبل أن يتفتح قول بعض المحدثين:
(قد ضمهُ في الغصنِ قرصُ بَرْد ... ضمّ فَمٍ لقُبلةٍ من بُعد)
وقلت فيه إذا تفتح:
(مرَ بنا يهتزُّ في خطره ... ما بينَ أغصان وأقمارِ)
(يديرُ في أنملهِ وردةً ... جاءت من المسك بأخبار)
(يلوحُ في حُمرتها صُفرةٌ ... كالخدَ منقوطاً بدينارِ) ِ ...
(2/22)

وقال ابن المعذل:
(عشيةَ حياني بوردٍ كأنه ... خدودٌ أضيفت بعضهن إلى بعض)
وقلت:
(قومي انظري ورداً كخدك أحمراً ... تركَ الربيعَ وراءهُ وتقدما)
(قد ضمهُ بردٌ ففتقهُ ندى ... كالصبَ قبل فاك ثم تبسما)
ولم أجد في تشبيه الورد أبدع مما ذكرته، وتشبيهه بالخد تشبيه مصيب ولكني تركت الإكثار منه لشهرته وكثرته ويقال للوردة الحمراء الحوجة وللبيضاء الوتيرةَ ويشبه بها قرحة الفرس قال عمرو بن معدي كرب:
(تباريُ قرحةً مثل ... الوتيرة لم تكن معدا)
وقد أحسن علي بن الجهم في قوله يصف الورد
(كأنهن يواقيتٌ يطيفُ بها ... زمردٌ وسطها شذرٌ من الذهبِ)
وهو من قول أزدشير: الورد ياقوت أحمر وأصفر ودر أبيض على كراسي زبرجد يتوسطه شذور ذهب. وقال البحتري:
(وقد نبهَ النيروزُ في غلسِ الدجى ... أوائلَ وردٍ كُنَ بالأمس نُوما)
(يفتحهُ بردُ الندى فكأنه ... يبثُ حديثاً كان قبلُ مكتما)
وقلت في تفضيل الورد على النرجس:
(أفضلُ الوردَ على النرجسِ ... لا أجعلُ الأنجمَ كالأشمسِ)
(ليس الذي يعقد في مجلس ... مثلَ الذي يمثلُ في المجلسِ)
وقال ابن بسام:
(مداهنٌ من يواقيت منُضدة ... على الزمردِ في أوساطها الذهبُ)
(كأنه حينَ يبدءِ من مطالعهِ ... صبٌ يُقبلُ صباً وهو مرتقبُ)
ومن الياقوت الأزرق والأصفر والأحمر وليس في البيت دليل على أنه أراد الأحمر دون الأزرق فهو معيب من هذه الجهة. وقلت في الورد على الشجر:
(2/23)

(أصبحَ الورد في الغصونِ يحاكي ... أوجهَ الحورِ في مقامع خضرِ)
(مثل فرسانِ غارةٍ يَعْتَليِهم ... لمعٌ من دماء سحرٍ ونحرِ)
(ويلوحُ النهارُ أسفلَ منهُ ... فهو كالرجلِ في عمائم صفرِ)
(بين نبذ من الشقائق يحكي ... غِلْمَةَ الدَر في مطارف حمر)
وقال ابن المعتز:
(ولا زورديةٍ أوفَتْ بزُرقَتِها ... بينَ الرياضِ على زرقِ اليواقيتِ)
(كأنها فوقَ طاقاتٍ ضعفنَ بها ... أوائلَ النارِ في أطرافِ كبريت)
والصحيح أنه في الخرم والشاهد قوله:
(بنفسجٌ جمعتْ أطرافهُ فحكَت ... دمعاً ينشفُ كحلا يوم تشتيت)
قوله
(كأنها فوق طاقات ضعفن بها ... )
يدل على أنه أراد الخرم لأن ساق البنفسجة لا يضعف عن حمل وردتها وهذا الوصف بالخرم أشبه منه لكبر نوره ودقة ساقه فاعرف ذلك. وقلت في البنفسج:
(وروضةٌ كأنها من حسِنها ... تبرزُ في أثوابِ سعد ومُنى)
(قد نثرَ الليلُ على أنوارها ... لآلئ الطلِّ وأفرادَ الندى)
(بكتْ عليها مزنةٌ فابتسمتْ ... عن لؤلؤٍ بينَ فُرادى وثنى)
(وحولَها بنفسجٌ كأنّه ... أواخرُ النيرانِ في جزلِ الغضا)
وقال آخر:
(وكأنَ البنفسجَ الغضَ فيه ... أثرُ اللطمِ في خدودِ الغِيدِ)
وقلت:
(وبحافاتها البنفسج يحكي ... أثرَ القرصِ في خدودِ العذارى)
وقلت في الهنة النادرة تحت ورقة البنفسج ولم أسمع فيها من الشعر العربي شيئاً:
(ومغنَّج قالَ الكمالُ لخلقهِ ... كن مَجْمَعاً للطيباتِ فكأنهُ)
(زعمَ البنفسجٌ أنهُ كعذارهِ ... حسناً فسلوا من قفاهُ لسانه)
(2/24)

وقال ابن الرومي:
(أشرب على ورد البنفسج ... قبل تأنيبِ الحُسودِ)
(فكأنما أوراقها ... آثارُ قَرص في الخدود)
أغرب معنى جاء في الشقائق قول الأخطيل:
(هذي الشقائقُ قد أبصرتُ حمرَتها ... مستشرفاتٍ على قضبانهِا الذللِ)
(كأنها دمعةٌ قد مَسحت كُحُلاً ... جالتِ بهِ وقفةٌ في وجنتي خجِلِ)
وأظن الأخطيل ابتكره إلا أنه أورده في أهجن معرض وفي أشد ما يكون من التكلف وأتى بالمحال لأن الوقفة لا تجول فنظمته وقلت:
(وشقائقٌ نقشَ الربيعٌ ثيابَها ... فبرزنَ بينَ مُكحَلٍ ومُجَسد)
(كالخدَ يصبغهُ الحياءُ بحمرةٍ ... وجرى عليهِ الدمعُ خلطَ الإثمدِ)
ومن غريب ما قيل فيها قول بعض المتأخرين:
(طربَ الشقائقُ للحمامِ وقد شجا ... شجوَ القيانِ فشقَ فضلَ ردائه)
(وتحيرت ما بين إثمد ماقه ... في الخدَ دمعتهُ وبينَ حيائه)
(فكأنه الحبشيُ بُضعَ جسمهُ ... فثيابهُ مُخضلةٌ بدمائه)
وجعل الشقائق واحداً وهي جماعة مؤنثة والواحد شقيقه فإذا ذكر فعلى معنى النور وتسميه العرب الشقر. وقلت:
(وللشقائق خالٌ فوقَ وجنتِها ... ووجنةِ الوردِ بالدينارِ منقوطَه)
وقال التنوخي:
(شقائقٌ مثلُ خدودٍ نُقشتْ ... شواربٌ بالمسكِ فيها ولحى)
وهو بعيد لأن السواد الذي فيها لا يسبه الشوارب. ومن أحسن ما قيل في الآذريون قول ابن المعتز:
(يا ربما نازعني ... رُوح دِنانٍ صافيه)
(في روضةٍ كأنها ... جلد سماءٍ عارية)
(2/25)

(كأنما أنهارها ... بماءِ وردٍ جارية)
(كأن آذر يونها ... غب سماء هامية)
(وصَيَّر آذريونهُ فوقَ أذنهِ ... ككأسِ عقيقٍ في قراراتها مسكُ)
وقلت:
(ولاحَ آذرُيونُها ... مثلَ الغوالي في السررِ)
وقال الشمشاطي:
(تراهُ عُيوناً بالنهارِ نواظراً ... وبَعَدَ غروبِ الشمسِ أزرارَ ديباجِ)
وقال ابن المعتز:
(كأنها مداهنٌ من ذهب ... مشرفاتٌ وسطهنَ غاليه)
أتم التشبيه ههنا بقوله (مشرفات) . ومن جيد ما قيل في البهار قول ابن الرومي:
(وروضةٍ عذراءَ غيرُ عانسه ... خضراء ما فيها خلاة يابسة)
(فيها شموسٌ للبهارِ دارسه ... كأنها جماجمُ الشمامسة)
(تَرُوقك النورةُ منها الناكسة ... بعينِ يقظَى وبجيد ناعسه)
(وخُرَّم في صبغهِ الطيالسه ... مثل الطواويسِ غدتُ مطاوِسه)
وقال ابن المعتز:
(في روضةٍ كحللِ العروسِ ... وخرمَ كهامةِ الطاووسِ)
وقلت في المذهب الذي سلكه ابن الرومي:
(خرمةٌ كهامةِ الطاووسه ... داريَ من بهجتِها مأنوسه)
(والعينُ في فنائها محبوسه ... محفوظةٌ تحسبها محروسه)
(تعجبني منظورةٌ ملموسَه ... مرفوعةُ الهامةِ أو منكوسة)
(2/26)

(باقوته لكنها مغروسة ... في زهر كالشعل المقبوسة)
(كحلل ألوانها ملبوسة)
وقال التنوخي:
(ومن خُرم غض خِلالَ شقائقٍ ... يلوحُ كخيلانٍ على وردتي خدِّ)
وإذا كان في الخد خيلان لم يستحسن الخال الواحد. وقلت:
(على رياضِ خُرم كأنها رؤوسُ هدابِ حرير االححل)
وقال ابن طباطبا:
(وطَوَّس فيها خُرمٌ فكأنها ... صماماتُ وشىٍ هُيئَت لمخازن)
وقلت في البهار والورد:
(وردٌ إلى جنبهِ بَهار ... كالخدَ أصغى إليهِ قُرط)
وقد جمعت أصناف المنثور في أبيات وما جمعها أحد إلا بعض الكتاب في أبيات غير مختارة الرصف فقلت:
(ألوانُ منثورٍ يريْك حسنها ألوانَ ياقوتٍ زها في عقده)
(يا حسنها في كفَ من يشبهها ... فانظر إلى الندَ بكفَ نِده ... )
(من أشهل كعينهِ وأبيضٍ ... كثغرهِ وأحمر كخده)
(وأصفرٍ مثلِ صريع حُبه ... إذا تغشاهُ غواشي صَده)
وقال السري في الورد:
(أما ترى الوردَ قد باحَ الربيعُ بهِ ... من بعد ما مرَ حولٌ وهو إضمارُ)
(وكان في حللٍ خضرٍ وقد خلعت ... إلا عُرى أغفلت منها وأزرار)
وقلت:
(ليس ينفكُ للغمام أيادٍ ... تتكافا وأنعم تتجددُ)
(فترى رعدهُ يشقُّ حريراً ... وسنا برقه يطرز مطرداً)
(وترى للزمانِ غُصناً وريقاً ... يملكُ الطرفَ إذ يقومُ ويأود)
(2/27)

(أنبتَ الأرضَ عسجداً ولجيناً ... فالروابي مكللٌ ومقلدُ)
(وجرى الربحُ سجسجاً ورخاءً ... فالمناهي مسلسلٌ ومسُردَ)
(وسبى العينَ لؤلؤٌ وعقيقٌ ... نظما في زمردٍ وزبرجد)
(فترى ثَمَ مضحكاً يتجلى ... وترى ثَم وجنةً تتوردُ)
(قطرات الندَى أحادٌ ومثنى ... مثل دُر منظمٍ ومبدد)
(وكأنَ الشقيقَ كأسُ عقيقٍ ... طرحَ المسكَ في قرارتها ندُّ)
(فترى النجدَ في رداءٍ موشّى ... وترى الوهدَ في قميص مُعمد)
(وعليهِ من البهارِ عطاف ... ومن الوردِ والشقائق مُجسدَ)
(وتَرَى النورَ مثلَ مَضحك خَود ... وترى الغصنَ مثلَ شاربِ أمرد)
ومن بديع ما قيل في كمون النيلوفر وظهوره قول ابن الرومي:
(فكأنهُ في الماءِ صاحبُ مذهبٍ ... أغراهُ وسواسٌ بأن لا يظهر)
وقال السري:
(ونيلوفرٍ أوراقهُ الخضرُ تحتهُ ... بساطٌ إليهِ الأعينُ النجلُ شُخَص)
وهذا البيت غير مختار الرصف ظاهر التكلف:
(إذا غاصَ في الماءِ النمير حسبتهُ ... رؤوسَ إوَزّ في الحياضِ تغوصُ)
وقوله النمير لا يحتاج إليه. وقال آخر من أبيات:
(كأنما كلُ قضيبٍ بها ... يحملُ في أعلاهُ ياقوته)
وقلت:
(فشربتها عذراءَ من يدِ مثلها ... تحكي الصباحَ مع الصباحِ المشرقِ)
(في روضةٍ تلقاك حينَ لقيتها ... بمنمنم من نبتها ومنمقِ)
(فانظر إلى عشبٍ هناك مجمع ... وانظر إلى زهر هناك مفرق)
(2/28)

(تجني بوردٍ كاللجينِ مكفرٍ ... منها ووردٍ كالعقيقِ مخلّقِ)
(وكذاك تتحف من مناقع مائها ... بمخلقٍ يعلو ذؤابةَ أخلقِ)
(يبدو ويكمن في الغديرِ كأنه ... جانٍ يحاول أن يبينَ ويتقي)
(فإلى السرورِ لنا عنانٌ مطلقٌ ... إن الفوائدَ في العنانِ المطلق)
وقد أحسن القائل في صفة الرياض:
(بكينَ فأضحكنَ الرُبى عن زخارف ... من الروضِ عنهنَ الثرى متهاملُ)
(ترى قضبَ الياقوتِ تحتَ زبرجد ... تنوء به أعناقهنَ الموائل)
(تلقحها الأنداء ليلاً بريقها فيصبحنَ أبكاراً وهنَ حواملُ)
وقلت في الآس ولا أعرف لأحد فيه شيئاً بديعاً:
(ومهرجانٌ معجبٌ مونقٌ ... كالنورِ غبَ السَّبَل الساجمِ)
(طالعتُ فيهِ غُرَراً وُضَّحا ... كمثلِ أيامِ أبي القاسمِ)
(والآس في كفي أحييهمُ ... مثلَ شوابيرِ بني هاشمِ)
وقلت في الريحان:
(وخضرٌ يجمع الأعجاز منها ... مناطق مثل أطواقِ الحمامِ)
(لها حسنُ العوارضِ حينَ تَبدو ... وفيها لين أعطافِ الغلامِ)
وقال كشاجم وأحسن:
(أرتك يدُ الغيثِ آثارَها ... وأعلنتِ الأرضِ أسرارَها)
(وكانت أكَنت لكانونها ... خبيئاً فأعطْته آذارها)
والنصف الأول من هذا البيت متكلف:
(فما تقعُ العينُ إلّا على ... رياضٍ تصَنّفُ أنوارهَا)
(يفتحُ فيها نسيمُ الصًّبا ... جناها فيهتكُ أستارها)
(ويسفح فيها دماء الشقيقِ ... ندى ظلَ يفتضُّ أبكارها)
(وتدني إلى بعضها بعضَها ... كضمِّ الأحبةِ زُوَّارها)
(2/29)

(كأنَ تفتحها بالضحى ... عذارَى تحللُ أزرارها)
(تفضُ لنرجسها أعيناً ... وطوراً تحدقُ أبصارها)
(إذا مزنةٌ سكبت ماءها ... على بقعةٍ أشعلت نارها)
وقال فيها:
(وأقبلَ ينظمُ أنجادَها ... بفيضِ المياهِ وأغوارَها)
(وأرضعَ جناتها درهُ ... فعمَّمَ بالنورِ أشجارَها)
(ودارَ بأكنافِها دَوْرَةً ... تنسى الأوائل برجارها)
وقال أيضاً في الباقلي:
(جنيُّ يومٍ لم يؤخر لغدِ ... ولم ينقل من يدٍ إلى يدِ)
(كالعقدِ إلا أنه لم يُعقدِ ... أو كالفصوص في أكفَ الخرَّدِ)
(أو ككبار اللؤلؤِ المنضّد ... في طيِّ أصدافٍ من الزبرجدِ)
(مفروشة بالكرسفِ المُلبد ... )
وقلت فيه أيضاً:
(أبدى الربيعُ لنا من حسنِ صنعتهِ ... شبائهُ اتفقتْ في الشكلِ والصور)
(خضرٌ ظواهُرها بيضٌ بطائنُها ... تحكي القباطيَ تحت السندسِ النضر)
(بيضٌ شبائهُ في خضرِ ململمةٍ ... مثل الزبرجدِ مثنياً على درر)
(ينشقُ أخضرُها عن أبيضٍ يقِقٍ ... كالثغرِ يشرقُ تحتَ الشاربِ الخضرِ)
ومن المشهور في ورد الباقلي قول الصنوبري:
(وبنات بافلي يُشبه نورهُا ... بلقَ الحمامِ مُشيلةً أذنابَها)
وقلت فيه:
(ويُزْهى وردٌ باقلي ... كأطواقِ الشعانينِ)
وقال السري في غير ذلك:
(في زاهر عبق تضوعهُ ... فكأنَ عطاراً يعطره)
(ضاهى ممسكهُ معنبرهُ ... وحكى مُدرهمه مدنِّرهُ)
ومن أجود ما قيل في البساتين ومواضع الأشجار قول الخليل بن أحمد
أخبرنا
(2/30)

أبو أحمد عن رجل عن الرياشي قال كان في يد الخليل بن أحمد أرض من أراضي البصرة ليتيم فلما بلغ اليتيم مضى به الخليل إلى الأرض ومعه قارورة من ماء زمزم فلما جاء المدُ صب ما فيها في فوهة نهرها ليخلص إلى جميعها ثم قال يا بني هذه أرضك فقم فصل فيها ركعتين واشكر الله على ما أعطاك منها وادع بالبركة لك ولمن بعدك، ثم أنشأ يقول في وصفها:
(ترفعت عن يدِ الأعماقِ وانخفضت ... عن المعاطشِ واستغنت بسقياها)
(فالتفَّ بالزهرِ والريحانِ أسفلها ... ومالَ بالنخلِ والرمانِ أعلاها)
(وصارَ يحسده فيها أصادقهُ ... ولائمٌ لامَ فيها من تمناها)
(أبا معاويةَ اشكر فضلَ واهبها ... وكلما جئتها فاعمر مصلاها)
وقال ابن المعتز في السرو والنرجس:
(لدى نرجسٍ غض وسروٍ وكأنهُ ... قدو دُجوارٍ رحْنَ في أزُرٍ خُضرٍ)
وقلت:
(لبسَ الماءُ والهواء صفاءً ... واكتسى الروضُ بهجةً وبهاءً)
(فكأن النهاءَ صرنَ رياضاً ... وكأنَ الرياضَ عدن نِهاءً)
(وكأنَ الهواءَ صارَ رحيقاً ... وكأنَ الرحيقَ صارَ هواءً)
(وتخالُ السماء بالليل أرضاً ... وترى الأرض بالنهار سماءً)
(جللتها الأنواءُ زهراً وصفراً ... يومَ ظلّت تنادمُ الأنواء)
(فتراها ما بينَ نوءٍ ونَوْرٍ ... تتكافا تبسماً وبكاء)
(وتظلُ الأشجارُ تتخذُ الحسنَ قميصاً أو الجمالَ رداءً)
(لبستْ حينَ أثمرتْ خلداتٍ واكتستْ حينَ أورقتِ سِيراءً)
(وترى السروَ كالمنابرِ تَزْهى ... وترى الطيرَ فوقها خطباء)
وقال أبو عيينة:
(تذكرني الفردوسُ طوراً فأرعوي ... وطوراً تواتيني على القصفِ والفتك)
(2/31)

(بغرس كأبكار الجواري وتربةٍ ... كأن ثراها ماءُ وردٍ على مسكِ)
وقال السري في تفاح ود ستنبوي ورمان:
(إنَ شيطانكَ في الظرفِ ... لشيطانٌ مَريدُ)
(فلهذا أنتَ فيه ... مُبدئٌ ثم مُعيدُ)
(قد أتتنا طُرَفٌ منك ... على الظرفِ تزيدُ)
(طبقٌ فيهِ خدودٌ ... وقدودٌ ونهودُ)
وقد أحسن التنوخي في وصف النارنج حيث يقول:
(لم لا تجنُ بها القلوب ... وقد غدت مثلَ القلوبِ)
وقلت:
(تطالعنا بين الغصونِ كأنها ... خدودُ عذارى في ملاحفها الخضرِ)
(أتت كلَ مشتاقٍ بريّا حبيبهِ ... فهاجت لهُ الأحزان من حيثُ لا يدريِ)
وقال:
(إذا لاحَ في أغصانهِ فكأنه ... شموسُ عقيقٍ في قبابِ الزبرجد)
وقلت في المركب:
(مركب تعجبُ مِن حسنهِ ... قد كنز الفضة في تبره)
(يشاكلُ العاشقَ في لونهِ ... ويشبهُ المعشوقَ في نشره)
وقال الصنوبري في التفاح وقد ظرف:
(أعطت يداهُ محبهُ تفاحةً ... تعطي المحبّ أمانهُ من صدهِ)
وهذا البيت متكلف جداً:
(فعلمتُ حينَ لثمتها من كفهِ ... إني سألثمُ أختها من خدهِ)
وقال أيضاً في أترُجةٍ وأحسن:
(جاءَ فحياني بأترجةٍ ... من ذهبٍ قد حُشيتْ فضه)
(أتى بها ناعمةً غضةً ... من كفهِ الناعمةِ الغضه)
(تُبذلُ للقبلةِ حُسناً ولا ... تصلحُ أن تبذلَ للعضه)
(أحببْ بها من مسكةٍ محضةِ ... ناولنيها مسكةً محضهْ)
(2/32)

وقلت في الأترج والنارنج:
(ترى النارنجَ في ورقٍ نضيرٍ ... فتحسبهُ عقيقاً في زبرجدِ)
(وأترجٌ على الأغصان يزْهى ... كما رفعَ الفتى قنديلَ عسجد)
وقال بعضهم في دستنبوية:
(يا حَبذا تحيةٌ ... رحت بها مسرورا)
(مخزنة من ذهبٍ ... قد مُلئت كافورا)
وقال غيره في الليمون:
(وقهوة تزهرُ في السراج ... نشربها على كراتِ عاج)
(ملبسات أصفر الديباج ... )
وقلت فيه:
(أحدقَ ليمونٌ بأترجه ... كأنجمٍ تحدقُ بالبدر)
(مخروطة الأجسادِ من فضةٍ ... ملبسات قُمصَ التبرَ)
(قد شدَ من هاماتها زِرُّها ... يا عجباً من ذلك الزِّرِّ)
(اشرب عليها وتمتعْ بها ... فإنها من تحفِ الدهرِ)
ولبعض الكتاب رسالة في التفاح ليس لها نظير في معناها وهي التي
أخبرنا بها أبو أحمد قال
أخبرنا الجلودي قال حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال أهدى ظريف من الكتاب تفاحة وكتب: لما رأيت تنافس أحبابك وثقات أصدقائك على الهدايا وتواتر ألطافهم عليك تفكرت في هدية تخف مؤنتها ويعظم خطرها ويجل موقعها تجمع الخصال المحمودة وتنظم الخلال المرموقة فلم أجد شيئاً يجتمع فيه ما أحببنا ويكمل له ما وصفنا غير التفاح فأهديت إليك منه واحدة وأحببت أن أنبهك على فضلها وأقفك على نبلها وأكشف لك عن سرائرها وأعرفك لطائف معانيها وأنعت لك مقالة الأطباء فيها وما نظمت الشعراء في مدحها حتى تراها بعين الجلالة وتنظر إليها نظر الصيانة فإنه يحكي عن أمير المؤمنين المأمون أنه قال: اجتمع في التفاح الصفرة الدرية والحمرة الخمرية الذهبية وبياض الفضة ونور القمر يلتذبها من الحواس ثلاث العين لحسن لونها
(2/33)

والأنف لطيب عرفها والفم للذة طعمها، وقال حكيم من الحكماء: الخمر صديقة الجسم والتفاح صديق الروح، وقال آخر منهم وقد حضرت وفاته واجتمع إليه تلامذته وأراد مناظرتهم فضعف عنها فقال: إئتوني بتفاحة أعتصم برائحتها ريثما أقضي وطري من المناظرة. فلم يستخفها إلا لفضلها على غيرها، وقال آخر: جسم التفاح صديق الجسم وريحه صديق الروح، وقال حكيم من الأطباء: إن أجودَ الأشياء لعلاج المزاج الحاد الكائن في المعدة مع المزاج البارد الكائن في الرأس وغثيان النفس وقلة الاستمراء للطعام التفاح، وقال إبراهيم بن هانئ: ما علل المريض المبتلى وسكنت حرارة الثكلى وردعت شهوة الحبلى ولا كسرت فورة السكران ولا أرضي الغضبان ولا ردت عرامة الصبييان بشئ مثل التفاح. والتفاحة إن حملتها لم تثقلك وإن رميت بها لم تؤلمك وقد اجتمع فيها لون قوس قزح من الحمرة والخضرة ولو حل التفاح لكان قوساً ولو عقدت القوس لكانت تفاحاً، وقال بعض الشعراء:
(حمرةُ التفاحِ في خضرتهِ ... أقربُ الأشياء من قوسِ قزح)
والخمرة تفاحة ذائبة والتفاحة خمرة جامدة. وقال الشاعر
(الخمر والتفاح شكلان)
وقال آخر
(تفاحةٌ حمراءُ منقوشةٌ ... ركبتَها في غصنِ الآس)
(ألبستها ورداً وكللتها ... إكليلَ نسرين على الراسِ)
وقال آخر في التفاحة:
(كأنما حُمرتَها ... حمرةُ خدٍ خَجل)
وقال ابن أبي أمية:
(ما زلتُ أرجوكَ وأخشى الردى ... معتصماُ باللهِ والصبرِ)
(حتى أتتني منك تفاحةٌ ... زحزحتِ الأحزانَ عن صدري)
(حشوتها مسكاً ونقشتها ... ونقشُ كفيك من السحرِ)
(واهاَ لها تفاحة أهديتْ ... لو لم تكن من خُدَعِ الدهر)
فإذا وصلت إليك أوصلك الله إلى رحمته وعطفه فتأمل وصفها بعينك وتناولها
(2/34)

بيمينك وأحضرها ذهنك وفرغ لها شغلك واجمع لها عقلك وغازلها ساعة وهازلها أخرى ولا تكن متهاوناً بقدرها غير عالم بفضلها فتتناولها بحركة باردة وطبيعة جامدة وقلب ساهٍ وعقل لاه وذهن غبي وشراهية نهم عساه أن يكلمها بأسنانه ولا يدري ما قدرها عند إخوانه ويقصر بمن حياه وينتقص من أهداه ولا تخدشها بيدك ولا تثلمها بظفرك ولا تبتذلها للغبار ولا تعرضها للدخان فإذا طال لبثها لديك وخفت أن يرميها الزمان بسهمه ويقصدها بريبه ويذهب بهجتها ويحول نضرتها فهنيئاً لك أكلها والسلام. وشبه بعضهم ورق الريحان بقافات وفاآت في شعر غير جيد فتركته ولم أذكره وقلت في الريحان:
(ثم انثنينا إلى خُضرٍ مُنعمةٍ ... كأنَ أوراقها آذانُ جُرذانِ)
(وقهوة كجنِيِّ الوردِ وشحهُ ... من لؤلؤِ القطرِ والأنداءِ سمطان)
وقال السري في دستنبوية:
(وأغنّ كالرشأ الغرير ... نشا خلالَ الربرب)
(في خدهِ وردٌ حماهُ ... من القطافِ بعقربِ)
(حيا بدستنبويةِ ... مثل السنان المذْهبِ)
وقال أيضاً فيها:
(صفراء ما عَنَت لعينيْ ناظرٍ ... إلا توهمها سناناً مُذهبا)
وقلت:
(وأتْرج يحفُ بها أقاحٍ ... كبدرِ الليلِ تكنفهُ النجومُ)
وقال السري في نارنجة:
(أهدت على نأي المحلَ وقد ... أنأى التصبرَ طُولُ هجرتها)
(نارنجةٌ منها استعيرَ لها ... ما ألبستْ من حسنِ بهجتها)
(وشعاعها من نور وجنتها ... ويسميها من عطرِ نكهتها)
(وكأنَ ما يخفيه باطنها ... ما أضمرت من سوءِ غُدرتها)
(2/35)

(وحكى اخضرارٌ شابَ وجنتها ... قَرصَ الأكفَ أديمَ وجنتِها)
(فأتتك مُكملةً محاسنُها ... تختالُ في أثوابِ زينتها)
(فشعارُها صفوُ اللجينِ ومن ... ذهبٍ مصوغٌ ثوبُ بِذلتها)
(تُهدي إلى الأرواح من بُعدٍ ... تُخفَ السرورِ لطيبِ نشوتها)
(ويصونها مسرَى روائحها ... من أن تباشرَها بشمَّتها)
(فاشربْ عليها من شقيقتها ... في نعتِ رَيَّاها وصبغتها)
(واعطفْ عنانِ النفسِ عن فكرٍ ... راحت معذّبة بفكرتها)
وقال ابن طباطبا العلوي في الأترج:
(ريحانةٌ في إصفرارِ مهديها ... شبهتها بعدَ فكرةٍ فيها)
(أحبةً لم تُصخ لعاذلها ... تُسدً آذانها بأيديها)
فأورد المعنى في بيتين فقصر من غرابة معناه. وجعلت دستنبوية مقفعة في غصن آس فسقطت فناولنيها بعض الأحبة فقلت:
(وأصفرُ يهوي من ذؤابةِ أخضر ... كما انقضَ نجمٌ في الدجنةِ ثاقبُ)
(له شعبٌ تهوي على سَرَواتهِ ... كمثلِ بنانِ الكفَ يلويه حاسب)
(فناولنيهِ ذو دلالٍ كأنما ... لهُ الشمسُ أمٌ والبدورُ أقارب)
(فأصبح مشهورَ الجمالِ مشهراً ... له الحسنُ خدنٌ والملاحةُ صاحب)
وقال بعضهم في الأترج:
(لها وَرَقٌ ريحها ريحهُ ... وما ذاك في غيرهِ لو طلب)
(كأن تعطف أوراقها ... أكفٌ تشيرُ إلى من تحب)
(وقال ابن خلاد في شجر الزيتون:
(إذا ذلت الأشجارُ يوماً لجفوةٍ ... فإنَ لها عزَ القناعةِ والصبرِ)
(تصرفُ في اللذاتِ من كلِّ مطعم ... تصرفَ زيد آخذاً بقفا عمرو)
(2/36)

وقلت في التفاح:
(ليسَ ريحُ التفاحِ عندي بريحٍ ... لا ولكنهُ صَديقٌ لروحي)
(حمرةُ الخدَ واخضرارُ عذارِ ... فمليحٌ يطوفُ حَولَ مليحِ)
وقال نصر بن أحمد:
(أكلتُ تفاحة فعاتبني ... فتىً رآها كخدّ معشوقه)
(فقال خَدُ الحبيبِ تأكلهُ ... فقلتُ لا بل أمصُ من ريقه)
وقال السري:
(لو جُمدت راحنا اغتدت ذهباً ... أو ذابَ تفاحُنا غدا راحا)
وقلت في الرمان ولاأعرف فيه شيئاً مرضياً:
(حكى الرمانُ أولَ ما تبدَّى ... حقاقَ زبرجدِ يحُشينَ دُرا)
(فجاءِ الصيفُ يحشوهُ عقيقاً ... ويكسوهُ مرورُ القيظِ تبرا)
(ويحكي في الغصونِ ثديَ حُور ... شققنَ غلائلاً عنهن خضرا)
وقلت في خوخة:
(وخوخةٍ ملء يدِ الجانيهْ ... تملكُ لحظَ الأعينِ الرانيهْ)
(مصفرة الوجنةِ محمرّة ... كأنها عاشقةٌ ساليه)
وأجود ما قيل في العنب قول ابن الرومي:
(ورازقيّ مخطَفِ الخصورِ ... كأنه مخازنُ بلور)
(قد ملئتْ مسكاً إلى الشطورِ ... وفي الأعالي ماءُ وردٍ جُوري)
(لم يبقِ منها وهَجُ الحرورِ ... إلا ضياءً في ظررف نور)
(له مذاقُ العسل المشورِ ... وبردُ مسَ الخصر المقرورِ)
(ونفحةٌ المسك مع الكافورِ ... لو أنهُ يبقى مع الدهور)
(قرّط آذانَ الحسانِ الحورِ ... )
وقال في معناه
(2/37)

(ورازقي مخطف خصورهُ ... قد أينعت أنصافهُ الأسافل)
(كأنها مخازنٌ مملوءةٌ ... من ماءِ وردٍ فيهِ مسكٌ ثافلُ)
لا يزيد على هذا الوصف أحد. ودخل أعرابي على هشام بن عبد الملك فقال له هشام ما أطيب العنب عندكم؟ قال ما أخضر عوده وغلظ عموده وسبط عنقوده ورق لحاؤه وكثر ماؤه. فقال له كم عطاءك؟ فقال ألفين فسكت ساعة ثم قال له كم عطاؤك؟ قال ألفان. قال فلم لحنت أولاً؟ قال لم أشته أن أكون فارساً وأمير المؤمنين راجلاً لحنتَ فلحنتُ ونحوتُ فنحوتُ. فاستحسن أدبه وأجازه. وقلت:
(باكرَنا الدهرُ بسرَّائِه ... وكفَ عنا بأسَ بأسائه)
(وجاءنا أيلولُ مستبشراً ... يثني على الدهرِ بآلائه)
(أما ترى الرقةَ في جوهِ ... تناسبُ الرقةَ في مائه)
(أنظر إلى أنواعِ أثمارهِ ... قد ضمها في بُردِ أحشائه)
(راحت عليها نسماتُ الصبا ... تقرصها في بردِ أفنائه)
(أما ترى حسنَ ملاحيهِ ... يُهدي إلى بهجةِ شعرائه)
(أنظر إلى رُمَّانه ضاحكا ... حمراؤهُ في وجهِ بيضائه)
وقال ابن المعتز في العنب:
(ظلت عناقيدُها يخرجنَ من ورق ... كما اختبى الزنجُ في خضرٍ من الأُزرِ)
ويروى لابن المعتز في التفاح:
(وتفاحةٍ صفراءَ حمراءَ غضة ... كخدِّ مُحبٍ فوقَ خدِّ حبيبِ)
(أحبابها طوراً وأشربُ مثلها ... من الراح في كفي أغن ربيبِ)
وقلت في النارنج:
(روضٌ زهاهُ المزنُ في كراتهِ ... بمكفرٍ ومزعفرِ ومُضرَّجِ)
(فتبسّم النارنجُ في شجراتهِ ... مثلَ العقيقِ يلوحُ في الفيروزج)
(2/38)

(والكأس يحملها أغنُ يزينهُ ... وجناتُ وردٍ في عذارِ بنفسجِ)
ومن أجود ما قيل في النخل من قديم الشعر ما أنشدناه أبو أحمد عن الجلودي عن محمد بن العباس عن أبيه عن الأصمعي للنمر بن تولب:
(ضربنَ العرقَ في ينبوعِ عينٍ ... طلبنَ مَعينه حتى ارتوينا)
(بنات الدهرِ لا يخشينَ محلاً ... إذا لم تبقَ سائمةٌ بقينا)
(كأنَ فروعهنَ بكلِّ ريحٍ ... عذارَى بالذوائبِ ينتصينا)
وقد ملح النابغة في وقوله:
(صغارُ النوى مكنوزةٌ ليس قشرها ... إذا طارَ قشرُ التمرِ عنها بطائرِ)
(من الوارداتِ الماءَ بالقاع تستقي ... بأعجازها قبلَ استقاءِ الحناجر)
وهذا أجود من الأول لأنه ذكر أنهن وردن الماءَ يعني الماء الذي في بطن الأرض معينا. وقال النمرُ (طلبن معينه) فجعل الماء الذي في بطن الأرض معيناً، والمعين إنما هو الماء الجاري على وجه الأرض ظاهراً. ومن أجود ما قيل في الطلع من الشعر القديم قول كعب بن الأشرف:
(ونخيل في تلاعٍ جمةٍ ... تخرجُ الطلعَ كأمثالِ الأكفِّ)
وقال الربيع بن أبي الحقيق:
(أذلك أم غرسٌ من النخل مترع ... بوادي القرى فيهِ العيونُ الرواجعُ)
(لها سعفٌ جعدٌ وليفٌ كأنه ... حواشي بُرودٍ حَاكهنّ الصوانعُ)
وهذا في وصف الليف حسن.
وأخبرنا أبو أحمد عن الجلودي عن الحرث بن إسماعيل عن سهل بن محمد عن علي بن محمد عن أسلم الأزدي عن يونس عن الشعبي قال كتب قيصر إلى عمر: إن رسلي
أخبروني أن بأرضك شجرة كالرجل القائم تفلق
(2/39)

عن مثل آذان الحمر ثم يصير مثل اللؤلؤ ثم يعود كالزمرد الأخضر ثم يصير كالياقوت الأحمر والأصفر ثم يرطب فيكون كأطيب فالوذ اتخذ ثم يجف فيكون عصمة للمقيم وزاداً للمسافر فإن كان رسلي صدقوني فهي الشجرة التي نبتت على مريم بنت عمران. فكتب عمر إليه: إن رسلك صدقوك وهي شجرة مريم فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلهاً من دون الله. وهذه تشبيهات مصيبة أخذها عبدِ الصمد بن المعذل فقال يصف النخل:
(حدائقٌ ملتفة الجنانِ ... رَسَت بشاطى ترعٍ ريانَ)
(تمتازُ بالإعجازِ للإذقانِ ... لا ترهبُ المحلَ من الأزمانِ)
(ولا توقيَ ختلَ الذؤبان ... ولا تَرى ناشدة الرعيانِ)
(ولا تخافُ عِرةَ الأوطانِ ... سُحم الرؤوسِ كمتُ الأبدان)
(لها بيوم البارحِ الحنانِ ... مثلُ تناصي الخرَّد الحسانِ)
(إذ هي أبدت زينةَ الرهبانِ ... لاحت بكافورٍ على إهان)
(يطلعُ منها كيدُ الانسان ... إذا بدتْ ملمومةَ البنانِ)
(عُلت بورسٍ أو بزعفران ... حتى إذا شبه بالآذان)
(من حمرُ الوحشِ الذي عيانِ ... وهذا لفظ زائد على معناه)
(شققهُ علجانِ ماهرانِ ... من لؤلؤٍ صيغَ على قُضبانِ)
(مصوغةٍ من ذهبٍ خَلصان ... ثم ترى للسبعِ والثمانِ)
(قد حالَ مثلَ الشذرِ في الجمان ... يضحكُ عن مشتبهِ الأقران)
(كأنهُ في باطنِ الأفنان ... زمردٌ لاحَ على التيجان)
(حتى إذا تمَ لهُ شهران ... وانسدلت عتاكلُ القنوان)
(كأنها قضبٌ من العقيان ... فصلنَ بالياقوتِ والمرجان)
(من قانى أحمرَ أرجوان ... وفاقع أصفرَ كالنيرانِ)
(مثل الأكاليل على الغواني)
(2/40)

ولا أعرف في النخل من شعر المحدثين أجود من هذه الأرجوزة. وقلت:
(ونخيل وقفنَ في معطفِ الرملِ ... وقوفَ الحبشانِ في التيجانِ)
(شَربتْ بالأعجازِ حتى تروت ... وتراأت بزينةِ الرحمان)
(طلعَ الطلعُ في الجماجم منها ... كأكفّ خرجنَ من أردانِ)
(فتراها كأنها كُمتُ الخيلِ ... توافت مصرةَ الآذان)
(أهو الطلعُ أم سلاسلُ عاج ... حُملت في سفائن العقيان)
(ثم عادت شبائهاً تتباهى ... بأعلى شبائه ... بأعالي أقران)
(خرزاتٌ من الزبرجد خضرٌ ... وهبتها السلوكُ للقضبان)
(ثم حال النجارُ واختلفَ الشكلُ ... فلاحت بجوهرٍ ألوان)
(بينَ صُفرٍ فواقع تتباهى ... في شماريخها وحُمرٍ قواتي)
وقال بعض العرب
(طلعاً كآذان الكلابِ البيض ... )
وقال ابن المعتز في الرطب:
(كقطع العقيقِ يانعاتِ ... بخالصِ التبرِ مُنوَعاتِ)
وأخبرنا أبو أحمد قال
أخبرنا أبو بكر بن دريد قال
أخبرنا السكنُ بن السعيد قال
أخبرنا محمد بن عباد قال تكلم صعصعة عند معاوية بكلام أحسن فيه فحسده عمرو بن العاص فقال: هذا بالتمر أبصر منه بالكلام، قال صعصعة: أجل أجوده ما دق نواه ورق سحاؤه وعظم لحؤه والريح تنفجه والشمس تنضجه والبرد يدمجه ولكنك يا ابن العاص لا تمراً تصف ولا الخير تعرف بل تحسد فتقرففقال معاوية رغماً فقال عمرو أضعاف الرغم لك وما بي إلا بعض ما بك. ومن الغلو في صفة التمر ما
أخبرنا به أبو أحمد عن ابن الأنباري عن إسماعيل ابن إسحاق القاضي عن أبي نصر قال قال الأصمعي قيل للقاضري أي التمر أجود؟ قال: الجرد الفطس الذي كأن نواه ألسن الطير تضع الواحدة في فمك فتجد
(2/41)

حلاوتها في كعبك يعني الصيحاني. وقال الخباز البلدي:
(ذرَى شجر للطيرِ فيه تشاجرٌ ... كأنّ بناتِ الوردِ فيهِ جواهرُ)
(كأن القمارِى والبلابلَ بينها ... قيانٌ وأوراقُ الغصونِ ستائر)
(شربنا على ذاك الترنّمِ قهوةً ... كأن على أحداقِها الدُرُ دائرُ)
وقال غيره:
(أيُّ يوم لنا على التلَ بالماه ... وعيش تضيقُ عنهُ النعوتُ)
(وردَ الدرُ فيهِ في شجرِ اللوزِ ... وفي الخوخ وردَ الياقوتُ)
وقلت:
(ظل يسقي حدائقاُ وجناناً ... يا لها من حدائقٍ وجنانِ)
(خطرت بينها الرياحُ سُحيراً ... فتناصت تناصيَ الأقران)
(وتناجى الغصونُ فيها سِراراً ... وتنادَى الطيورُ بالإعلان)
(فتناجي الغصونِ شبهُ عتابٍ ... وتنادِي الطيورِ مثلُ أغاني)
(من كرومٍ تمايلت بعناقيدٍ ... كجعدِ الزنوجِ والحُبشان)
(ومُلاحيةً تميلُ أخرى ... كوجوهِ الخرائد الغُرَّان)
(كلآلي تشبثت بلآلٍ ... وبنانٍ تشبَّكت ببنانِ)
(فهيَ كالنجم في فروعِ كرومٍ ... وهي كالشمسِ في بطونِ الدنانِ)
وقلت في البطيخ:
(وجامعةٍ لأصنافِ المعاني ... صلحنَ لوقتِ إكثارٍ وقله)
(وأحداهنَ تبرزُ في عباءٍ ... وأخراهن في حِبَرٍ وحُلَة)
(ومنها ما تشبَهُهُ بُدوراً ... فإنْ قطَّعتها رجعت أهله)
وقلت:
(ولونٍ واحد يلقي ... فيأتينا بألوان)
(بسمرانٍ وسودانٍ ... وحمرانٍ وصُفرانِ)
(كوشي في يَديْ واشٍ ... وشَهدٍ في يَدْي جاني)
(2/42)

(فمن أدم ومن نقلٍ ... وريحانٍ وأشنانِ)
وأنشدنا أبو أحمد في الكرم:
(لهنَ ظلٌ باردُ الودائق ... يحملنَ لذاً طعمهُ للذائقِ)
(كأنها غدائرُ العواتق ... تناطُ في حجرٍ من المعالقِ)
(كأنها أناملُ الغَرانق ... )
وهو من قول الآخر
(يحملنها بأنامل النقران ... )
وقلت في اللُفاح:
(انظر إلى اللُّفَّاح تنظرُ معجباً ... يجلو عليك مُفَضَضاً في مُذهب)
(يعلو مفارقةُ قلانسُ أخفيت ... من تحتهنَّ دراهمٌ لم تضربِ)
وقلت في قصب السكر ولا أعرف فيه شيئاً لأحد:
(وممشوقةِ القاماتِ بيض نحورها ... وخُضر نواصيها وضفر جُسومها)
(لها حقبٌ لا تستطيعُ أطّراحَها ... وليس يطيقُ سلَبها من يرومُها)
(وهنَّ رِماحٌ لا تريقُ دَمَ العدى ... ولكن يُراقُ في القدور صميمها)
(يميل على أعرافها عذاباتها ... كحورٍ تناصي هندهُا ورميمُها)
(تناهى بها الأدراكُ حتى كأنها ... يُعلُ بماءِ الزعفرانِ أدِيمُها)
(ترى الريح يُغريها بنجوَى خفِيَّة ... إذا ما جرى قَصرَ العشيّ نسيمُها)
ومن جيد ما قيل في الَسدر والطلح قول بعضهم:
(لم ترَ عَيْنا ناظرٍ مَنظراً ... أحسن من أفنانِ طلح مَروح)
(كأنها والريحُ تسمُو بها ... ألويةٌ منشورةٌ للفُتوحِ)
(وسِدرة مدّت بأفنانها ... على سواقٍ كمتونِ الصفيحِ)
إلا أن قوله (للفتوح) فضلٌ لا يحتاج إليه لأن الألوية إذا نشرت للفتوح مثلها إذا نشرت لغير الفتوح فذكر الفتوح لغو. وإنما أورد في هذا الكتاب مثل هذا الشعر لأن غيري اختارها فأريدُ أن
(2/43)

أدلَ على موضع العيب فيه ليوقف عليه. ومن جيد ما قيل في النبق قول بعضهم:
(أتاني فحيَّاني بنبقٍ كأنهُ ... حُليُ عروسٍ زان ليتاً وأخدعا)
(يأ حمرَ كالياقوتِ يقطر ماءهُ ... وأصفرَ كالعقيان ضَمَّهما معا)
وقال آخر:
(أقبلَ تحتَ الليل كالظبيِ الغَرق ... بالراح والرَّيْحان والمسكِ عَبِق)
(فجادَ بالوصلِ وحيَّا بالنبق ... وقلتُ نبقى هكذا ونتفق)
(ما اخضرَّ عودٌ أبداً لا نفترق)
وقلت في النبق:
(جلى الربيعُ علينا ... كواعباً أبكاراً)
(مُتوَّجات عقيقاً ... مسورات نهارا)
(ترى لهنَ من الورد ... شوذراً وخمارا)
(أهدى لنا جوهراتٍ ... تحيرُ الأبصارا)
(يا حسنَ حمرٍ وصفرٍ ... تريك جمراً ونارا)
(قد راقَ ذاك احمراراً ... وراع ذاك اصفرارا)
(وخلتُ هذا عقيقاً ... وخلتُ ذاك نُضارا)
(وذاك شهداً مشاراً ... وذاك راحاً عُقارا)
(لو كان يبقى سليماً ... نظمتُه تقصارا)
وقلت في المشمش ولا أعرفُ فيه لأحد شيئاً مرضياً:
(جنيتها والصبحُ وردىُ العَذَب ... بنادقاً مخروطةً من الذهبِ)
(قد ضُمَنت أمثالها من الخشب ... والتفَ منها خشبٌ على غَربِ)
(وصار منهُ السمُ حشواً للضرب ... فهي لعمري عجبٌ من العجبِ)
الغرب الفضة، والضربُ العسل. ولا أعرف في التين أجود من قول القائل:
(2/44)

(أهلاً بتينٍ جاءنا ... مُبتسماً على طبقِ)
(يحكي الصباحَ بعضهُ ... وبعضهُ يحكي الغسق)
(كسفرٍ مضمومةٍ ... قد جُمعت بلا حلق)
وقال الحلبي في الفستق:
(من الفستقِ الشامي كلُ مصونةٍ ... تصانُ من الأحداثِ فيٍ بطنِ تابوتِ)
(زبرجدة ملفوفة في حريرةٍ ... مضمنهُ دُراً مُغشى بياقوتِ)
وقلت في خيارة:
(زبرجدةٌ فيها قراضةُ فِضةٍ ... فإن رجعتْ تِبراً فقد خَسَّ أمرُها)
(تلم بناطورينِ في كلَ حجةٍ ... فيكثر فينا خَيْرُها ثم شرُّها)
(فعند المصيفِ ليسَ يفقدُ نفعَها ... وعندَ الخريفِ ليسَ يؤمنُ ضرُّها)
وأما ذمُ البساتين فمن أجود ما قيل فيه قول ابن الرومي:
(للهِ ما ضَيَّعْتُه من الشجرِ ... أطفالُ غرسٍ تُرتجى وتُنَتظر)
(ومُعجباتٍ من بقولٍ وزهر ... مصفرةٌ قد هرِمت لا من كبر)
(في بقعةٍ لا سِقَيتْ صوبَ المطر ... حالِقةٌ لنبِتها حلقَ الشعَر)
(ضميرُها النارُ وإن لم تستعر ... كلُ امرئ غيري من هذا البشر)
(بستانهُ أثني وبُستاني ذكر ... )
ومما يجري مع هذا قول الأعرابي:
(مُطرنا فلما أن روينا تهادرت ... شقاشق فيها رائبٌ وحليب)
(ورامت رجالٌ من رجالٍ ظلامةً ... وعدتَ ذحولٌ بيننا وَذنُوبُ)
(ونصَّت ركابٌ للصبا فتروحَّتْ ... ألا ربما هاجَ الحبيبَ حبيبُ)
(بني عمنا لا تُعجلِوا نضبَ الثرى ... قليلاً ويشفي المترفينَ طبيبُ)
(ولو قد تولى الضبُ وامترت القرى ... وحنَّت ركابُ الحيّ حين تؤوبُ)
(2/45)

(وصارَ غَبوقَ الخودِ وهي كريمةٌ ... على أهلها ذو جِدتين مَشوب)
(وصارَ الذي في أنفهِ خُنزوانةٌ ... ينادي إلى هادي الرّحا فيجيبُ)
(أولئك أيامٌ تُبينُ للفتى ... أكاب سليب أو أشمُ نجِيب)
(الفصل الثالث من الباب السابع)
في ذكر النسيم من غريب ما قيل فيه قول ابن المعتز:
(ونسيم يبشرُ الأرض بالقطرِ ... كذيلِ الغلالة المبلول)
(ووجوهُ البلادِ تنتظرُ الغيثَ ... إنتظارَ المحبَ ردَ الرسولِ)
وقال ابن الرومي:
(حَيتك عنا شمالٌ طافَ طائفها ... بجنَّة فجرت رَوْحاً وريحانا)
(هبّت سُحيراً فناجى الغُصنُ صاحبهُ ... سِراً بها وتنادَى الطيرُ إعْلاَنا)
(ورقٌ تُغني على خضرٍ مهدلةٍ ... تَسمو بها وتشُمّ الأرض أحيانا)
(تخالُ طائرها نشوانَ من طربٍ ... والغصن من هزهِ عطفيه نشوانا)
وقال ابن المعتز:
(يَشقُ رياضاً قد تيقّظ نَورُها ... وبلّلها دمعٌ من المزنِ ذارفُ)
(كأنَ عبابَ المسكِ بين بقاعِها ... يفتحُها أيدي الرياح الضعائفُ)
وقلت:
(والصبا يجلبُ الغمامَ إلينا ... فترى القطرَ للرياضِ نَديما)
(وترى للغصون فيها نجِياً ... وعلى زَهْرة الرياضِ نميما)
وقال ابن الرومي:
(كأنَ نَسيمَها أرجُ الخزامي ... ولاها بعد وسمىٍ ولى)
(2/46)

(هديةُ شمالٍ هبَّت بليلٍ ... لأفنانِ الغصونِ بها نجِيُّ)
(إذا أنفاسُها نسمتْ سُحيراً ... تنفس كالشجىَ لها الخَليّ)
وقال ابن المعتز:
(وما ريحُ قاعٍ عازبٍ طلّه النّدى ... وروضٌ من الريحانِ دَرَّت سحائبهُ)
(فجاءت سُحَيراً بينَ يومٍ وليلةٍ ... كما جرَ في ذيلِ الغِلالة ساحبهُ)
وقد أحسن التشبيه أيضاً في قوله:
(ومهمهٍ كرداءِ الوشي مشتبهٍ ... نفذتهُ والدُّجى والصبحُ خيطانِ)
(والريحُ تجذبُ أطرافَ الرداءِ كما ... أفضى الشفيقُ إلى تنبيهِ وَسْنانِ)
وقلت:
(وأقبل نَشرُ الروضِ في نفس الصّبا ... فباتَ به ثوبُ الهواءُ مُكفرا)
ومما لم يجئ في معناه مثله قول بشار:
أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي قال حدثنا المكتفي بالله يوماً أنه كان نائماً فسمع دق باب فانتبه له مرتاعاً ثم سكن قليلاً ثم عاد فنظر فإذا الريحُ تحرك الباب حركةً كأنها دق بيد، قال فقلتُ له قد ذكر الشاعر ذلك وما هو فأنشدته لبشار:
(طرقتني صباً فحركتِ البابَ ... هُدُواً فارتعتُ منهُ ارتيابا)
(فكأني سمعتُ حسَ حبيب ... نقرَ البابَ نقرةً ثم هابا)
قال ما كنت أظنُ أنه قيل في هذا شئ وما أقل ما يجري مما لم يذكرهُ الناس. وقال ابن الرومي وأحسن:
(لولا فواكهُ أيلولٍ إذا اجتمعتْ ... من كلِّ نوعٍ ورقَ الجوُ والماءُ)
(إذاً لما حفَلت نفسي متى اشتملت ... عليهِ هائلة الحالين غبراء)
(با حبذا ليلُ أيلولٍ إذا بردتْ ... فيهِ مضاجُعنا والريحُ سجواءُ)
(وجمّش القرُ فيه الجلدَ وأتلفتْ ... من الضجيعين أحشاءٌ وأحشاءُ)
(2/47)

(وأسفرَ القمرُ الساري فصَفْحتهُ ... ريّالها من صفاء الجو لألأء)
(يا حبذا نفحةٌ من ريحهِ سحراً ... يأتيك فيها من الريحانِ أنباءُ)
(قل فيه ما شئتَ من شهرٍ تعهدهُ ... في كلَ يومِ يدٌ للهِ بيضاءُ)
وقلت:
(ولهُ مجنحُ الأصيلِ نسيمٌ ... لينٌ العطفِ هين الخطرانِ)
(أرجٌ يقتدي به نفسُ المسك ... وتحكيه نكهةُ الزعفرانِ)
(كم غدا مُدنفاً وراحَ حسيراً ... يتهادى في دجلة المسرُقان)
(فرأينا لهُ لبوسَ شجاعٍ ... ووجدنا بها ارتعاشَ جبانِ)
وإلى هذا انتهى بنا القول في هذا الباب ولو أدرنا استقصاءه أضجرنا وأمللنا ولم نأت على ما في نفوسنا منه، والاقتصار على المشاهير والأعيان منه أولى وبالله التوفيق. انقضى البابُ السابع من كتاب ديوان المعاني والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي قمع الضلالة ودمغ الجهالة وقذف بالحق على الباطل فأزهقه وأزاله منه حتى أوبقه بما أقام من الدلائل الواضحة وبين من الشواهد اللائحة وجعل لخلقه حدوداً حذرهم تعديها وخوفهم تخطيها بالقول الصادق والبيان الصادع إعذاراً وتحذيراً وحجة وتنبيها فمن لم يقنعه ما سيق من صدق قوله وحتم أمره ونهيه حكم فيه السيف وسلط عليه السوط ليرداه إلى سبيل الحق بعد أن يجعلاه نكالاً للخلق والله عليم حكيم. وصلى الله على نبيه محمداً وآله أجمعين. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(2/48)

(هذا كتاب المبالغة) في صفات الحرب والسلاح والطعن والضرب وما يجري مع ذلك وهو:
(الباب الثامن من كتاب ديوان المعاني)
قالوا أبلغُ ما قيل في صفة الحرب قول الأول:
(كأنَ الأفقَ محفوفٌ بنارٍ ... وتحتَ النارِ آسادٌ تزيرُ)
وقريب منه قول محدث:
(ويوم كأن المصطلينَ بحرهِ ... وإن لم يكن جمرٌ وقوفٌ على جمرِ)
(صبرنا له حتى تجلى وإنما ... تُفَرَّجُ أيامُ الكريهةِ بالصبرِ)
ومن بليغ ما قيل في شدة الروع قول زيد الخيل:
(والخيلُ تعلمُ أني كنتُ فارسَها ... يوم الأكس به من نجدةٍ روقُ)
وقول المفضل النكري:
(فداءٌ خالتي لبني حيي ... خصوصاً يومَ كسُ القومِ روقُ)
معناه أن الأكس وهوالقصير الأسنان قد كلح من كراهة الحال وشدة الروع حتى تراه كأنه أروق وهو الطويل الأسنان، أخَذَهُ أبو تمام فأجاده في قوله
(فخيل من شدة التعبيس مبتسماً)
على أنه ليس فيه مدح لأن الكلوح في الحرب لا يدل على الشجاعة. ومما يدخل في هذا الباب وليس منه قول أبي فراس بن حمدان في خيل طاردت يوم ثلج:
(ويوم كأن الأرضَ شابت لهولهِ ... قطعتُ بخيل حشو فرسانها الصبرُ)
(2/49)

(تسيرُ على مثلِ الملاءِ منشراً ... وآثارها طُرزٌ وأطرافها حُمرُ)
أجود ما قيل في اصطفاف الخيل قول الأسعر:
(وكتيبة لبّستها بكتيبةٍ ... حتى تقولَ نساؤهم هذا الفتى)
(يخرجنَ من خللِ الغبار عوابساً ... كأناملِ المقرور أقعى فأصطلى)
(يتخالسونَ نفوسهم برماحهم ... فبمثلهم باهى المباهي وانتمى)
ومن أجود ما قيل في انصباب الخيل في الغارة قول ضمرة بن ضمرة:
(والخيلُ من خَلل الغبارِ خوارجٌ ... كالتمر ينثرُ من جِراب الجرمِ)
وقال آخر:
(ورُبَتَ غارةٍ أوضعتُ فيها ... كسحَ الخزرجيّ جرَيم تمرِ)
وقد أحسن الأعرابي في قوله:
(نُقاذفُ بالغاراتِ عبساً وطئياً ... وقد هربت منا تميمٌ ومذْحجُ)
(بغزوٍ كولغ الذئبِ غادٍ ورائح ... وكسرٍ كصدع السيفِ لا يتعرجُ)
وقال أبو فراس:
(وسمرٍ أعاد يلمعُ البيض بينهم ... وبيض أعادٍ في أكفهمُ السمرُ)
(وخيل يلوحُ الخيرُ بينَ عُيونها ... ونصلٍ إذا ما شمتهُ نزلَ النصر)
(وقوم متى ما ألقهم رَوِيَ القنا ... وأرضٍ متى ما أغزها سبعَ النسر)
ومن أبلغ ما قيل في إعمال السيف قول عمرو بن كلثوم:
(كأن سيوفنا فينا وفيهم ... مخاريقٌ بأيدي لاعبينا)
وقول قيس بن الخطيم
(كأنّ يدَي بالسيفِ مخراقُ لاعبِ)
ومن أحسن ما قيل في الضرب قول الحماني:
(وإنا لتصبحُ أسيافنا ... إذا ما انتضين ليوم سُفوك)
(منابرهنَ بُطونُ الأكفَ ... وأغمادُهنَ رؤوسُ الملوكِ)
(2/50)

أخذه من قول سعد بن ناشب:
(فإنَ أسيافنا بيضُ مهندةٌ ... عتقٌ وآثارها في هامكمُ جُددُ)
(وإن هويتم سللناها فما غمدت ... إلا وهامُ بني بكر لها غمدُ)
وقال مسلم
(ونغمد السيف بين النحر والجيد)
وقال أيضاً:
(لو أنَ قوماً يخلقونَ منيةً ... من بأسهم كانوا بني جبريلا)
(قومٌ إذا حمرَ الهجيرُ من الوغى ... جلعوا الجماجمَ للسيوفِ مقيلا)
وقال حسان:
(ويثربُ تعلمُ أنّابها ... أُسُودُ تنفضُ البادَها)
(إذا ما غضبنا بأسيافنا ... جعلنا الجماجمَ أغمادها)
وأحسن ما قيل في الضربة الدامية قول ابن المعتز:
(شقَ الصفوفَ بسيفهِ ... وشفى حزازاتِ الأحَنْ)
(دامي الجراح كأنه ... وردٌ تفتَّح في فننْ)
ومن عجيب ما قيل في كثرة الطعن يقع في الجسد قول بعضهم:
(فلولاَ اللهُ والمهرُ المفدَّى ... لرحتَ وأنتِ غِربالُ الإهابِ)
وقال قيس بن الخطيم في سعة الطعنة:
(طعنتُ ابنَ عبدِ القيسِ طعنةَ ثائرٍ ... لها نفذٌ لولا الشعاعُ أضاءها)
(ملكتُ بها كفي فأنهرتُ فتقَها ... يَرَى قائمٌ من دونها ما وراءها)
ومن أبلغ ما قيل في مضاء السيف قول النمر بن تولب)
(أبقى الحوادثُ والأيامُ من نمرٍ ... أسبَادَ سيفٍ قديم اثرهُ بادي)
(تظلُ تحفرُ عنهُ إن ضربت به ... بُعد الذراعينِ والساقينِ والهادي)
وهذا من الأفراط والغلو وهو عند بعضهم مذمومٌ إذا كان في هذا الحد وعند آخرين ممدوحٌ، يقول إذا ضربت به قطع المضروب وتجاوزه حتى غاص في الأرض فاحتجتَ أن تحفرَ عنه فتستخرجه. ودون ذلك في الغلو قول النابغة:
(2/51)

(يطيرُ فُضاضاً بينهم كلُ قونسٍ ... ويتبعها منهم فراشُ الحواجبِ)
(تَقُدُ السَلوقي المضاعفَ نسجهُ ... وتوقد بالصُفاحِ نارَ الحُباحب)
ويقول إنها تقد الدرعَ التي ضُوعف نسجها والفارس حتى تبلغ الأرض فتقدح النار بالصفاح، وهي حجارة. ومن بليغ ما قيل في صفة السيف قول ابن يامين قال محمد بن داود بن الجراح عن أبي هفان عن الإياسي القاضي عن الهيثم بن عدي قال لما صار سيف عمرو بن معدي كرب الذي يُسمى الصمصامة إلى الهادي وكان عمرو وهبه لسعيد بن العاص فتوارثه ولده إلى أن مات المهدي فاشتراه موسى الهادي منهم بمال جليل وكان موسى من أوسع بني العباس خُلقاً وأكثرهم عطاءً للمال قال فجرده ووضعه بين يديه وأذن للشعراء فدخلوا ودعا بمكتل فيه دنانير فقال قولوا في هذا السيف فبدرهم ابن يامين فقال:
(حازَ صمصامة الزبيدي من بين ... جميع الأنامِ موسى الأمينُ)
(سيفُ عمروٍ وكانَ فيما سمعنا ... خيرَ ما أغمدت عليه الجفون)
(أوقدت فوقهُ الصواعقُ ناراً ... ثم شابت به الزعاف القيون)
(فإذا ما هززته بهرَ الشمسَ ... ضياءً فلم تكن تستبين)
(يستطيرُ الأبصار كالقبسِ المشعلِ ... ما تستقرُ فيهِ العيون)
(وكأن الفرندَ والجوهرَ الجاري ... في صفحتيه ماءٌ معينُ)
(نِعمَ مخراقُ ذي الحفيظة في الهيجا ... بعضاتها ونعمَ القرينُ)
(ما يبالي إذا إنتضاهُ لضربٍ ... أشمالٌ سطت بهِ أم يمين)
(وكأن المنونَ نِيطت إليهِ ... فهو من كلِّ جانبيه منَون)
أخذ عليه من هذه الأبيات تشبيهه السيف بالشمس ثم بالقبس لأنه قد حطهُ درجاتٍ، فقال موسى أصبتَ ما في نفسي واستخفه الفرحُ فأمر له بالمكتل والسيف
(2/52)

فلما خرج قال الشعراء: إنما حرمتم لأجلي فدونكم المكتل ولي في هذا السيف غني، قال فقام موسى فاشترى السيف منه بمال جزيل هـ. وذكر الهيثم بن عدي هبة عمرو بن معدي كرب الصمصامة لسعيد بن العاص فقال قال سعيد بن العاص وهو بالكوفة لعمرو بن معدي كرب هب لي الصمصامة فإنك قد ضَعفت عن حمله وكان وزنهُ سِتة أرطال فقال عمرو ما ضَعُفَت قناتي ولا جناي ولا لساني وإن اختل جُثماني وهو لك على أنه أوحِش من لايؤنسه وأظلم من لا يقبسه ثم قال:
(خليلٌ لم أهبهُ من قلاهُ ... ولكنَ المواهبَ في الكرامِ)
(خليلٌ لم أخنهُ ولم يخُنِّي ... على الصمصامِ أضعافُ السلام)
قوله
(أوحش من لا يؤنسه وأظلم من لا يُقبسه)
يقول إذا كنتُ أستوحش من جانب العدو آنستي وإذا أظلم ليَ الليل أضاء لي. وقال البحتري:
(مصغ إلى حُكم الردَى فإذا مضى ... لم يلتفت وإذا قضى لم يعدل)
(متوقد يَبري بأولِ ضربةٍ ... ما أدركتْ ولو أنها في يذبل)
(فإذا أصابَ فكلُ شئ مقتلٌ ... وإذا أصيبَ فما له من مقتلِ)
(يغشى الوغى فالترسُ ليس بجنة ... من حدهِ والدرعُ ليس بَمعقل)
وذكر عمرو بن معدي كرب أنواع السلاح فأجاد
أخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا أبو عبد الله بن عرفة قال
أخبرنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال حدثني رجلٌ من ولد أبي سرحة الغفاري قال قدم عمرو بن معدي كرب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسأله عن سعد بن أبي وقاص فقال عمر أعرابي في نمرته عاتقٌ في حجلته أسدٌ في تامورته نبطي في حبايته. فقال كيف علمك بالسلاح؟ فقال بصيرٌ قال فأخبرني عن النبل قال منايا تخطئ وتصيب قال فأخبرني عن الرمح
(2/53)

قال أخوك وربما خانك قال فأخبرني عن الترس قال هو المجنُ وعليه تدور الدوائر قال فأخبرني عن السيف قال عنده قاوعت أمك الثكلى قال بل أمك والحمى أضرعتني لك. النمرة كساءٌ أسودُ تلبسه الأعراب، والعاتق الجارية الكعاب وصفه بالحياء والتامورةُ ههنا الأجمة، فقال نبطيٌ في جبايته وصفه بالاستقصاء في جباية الخراج، وقوله الحمى أضرعتني لك أي الاسلام قيدني لك وأذلني ولو كنتُ في الجاهلية ما كلمتني بهذا الكلام، وهو مثلٌ العرب تضربهُ عند الشئ يضطرها إلى الخضوع. ومثل ذلك ما
أخبرنا به أبو أحمد عن ابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قال قال الأغرُ النهشلي ووقع بينه وبين قومه شرٌ فأرسل ابنه وقال يا بني كن يداً لأصحابك على قتالهم وإياك والسيف فإنه ظل الموت واتق الرمح فإنه رشأ المنية ولا تقرب السهام فإنها رُسُلٌ تعصبي وتطيع قال فبم أقاتل؟ قال بما قال الشاعر:
(جلاميدُ أملاء الأكفّ كأنها ... رؤوسُ رجالٍ حُلّقت في المواسمِ)
فعليك بها فألصقها بالأعقاب والسوق. وقد أحسن التنوخي في صفة الحرب حيث يقول
(في موقف وقفَ الحمامُ ولم يَزغ ... عن ساحتيه وزاغت الأبصارُ)
(فَقَناً يسيلُ من الدماءِ على قنا ... بطوالهنَ تُقصرُ الأعمارُ)
(ورؤوسُ أبطالٍ تطايرُ بالظٌّبى ... فكأنها تحتَ الغبار غبارُ)
وقد أجاد بن المعتز في هذا المعنى حيث يقول
(قومٌ إذا غضبوا على أعدائهم ... جَرُّوا الحديدَ أزجَّةً ودُروعا)
(وكأن أيديهم تُنفَرُ عنهمُ ... طيراً على الأبدانِ كُنَ وقُوعا)
وقال أيضاً:
(بطعنٍ تضيعُ الكفُ في لهواتهِ ... وضربٍ كماشقَ الرداءُ المرعَبَل)
وقال أيضاً:
(قرَينا بعضَهم طعناً وجيعاً ... وضرباً مثلَ أفواهِ اللقاحِ)
(2/54)

وقال البحتري وأحسن في ذلك:
(ألوي إذا طعنَ المدجج صَكهُ ... ليديهِ أو نثرَ القناة كُعوبا)
(فأنا النذيرُ لمن تغطرسَ أوطغى ... من مارنٍ يدعُ النُحورَ جُيوبا)
وقد ظرف في قوله أيضاً:
(ولو لم يحاجِز لؤلؤٌ بفرارهِ ... لكانَ لصدرِ الرُمحِ في لؤلؤٍ ثقبَ)
ومن المختار قول مالك بن نُويرة:
(بسمرٍ كأشطانِ الجرور نواهلٍ ... يجور بها ذو المنايا ويهتدي)
(يقعنَ معاً فيهم بأيدي كماتنا ... كأنّ المنايا للرماح بموعد)
ومن أبلغ ما قيل في صفة الضرب والطعن من قديم الشعر قول عبد مناف بن ربعي:
(فالطعنُ شعشةٌ والضربُ هيقعةً ... ضربَ المعَولِ تحتَ الديمة العضدا)
(وللقسيّ أزاميلٌ وغمغمةٌ ... حِس الجنوب تسوِّي الماءَ والبردا)
الهيقعة: وقع الشئ الصُلب على مثله سمعت هيقعة الحجر والحديد، وشبه أصوات القسي بصوت السحاب الذي فيه برد، والمعول الذي يتخذ العالة وهو أن يعمد الراعي أذا خاف المطر إلى الشجر يتعضده ويجعل عضده على شجرتين متقاربتين ويستكن تحته، والعضدُ ما يعضد من الشجر أي يُقطعُ والعضد المصدر. ومن أجود ما قيل في نفوذ التدبير في الحرب مع الغيبة عنها قول ابن الرومي في صاعد:
(يَظلُ من الحربِ العوانِ بمعزلٍ ... وآثارهُ فيها وإن غابَ شُهدُ)
(كما احتجتَ المقدارُ والحُكم حكمهُ ... على الناسِ طراً ليس عنهُ مُعردُ)
أخذه من قول بشار بن برد: ( ... الدهرُ طلاعٌ بأحداثهِ ... ورُسلهُ فيها المقادير)
(محجوبة تُنفذ أحكامَها ... ليسَ لنا عن ذاكَ تأخيرُ)
وقال حصرتَ عميدَ الزَّنج حتى تخاذلت ... قواهُ وأودى زاده المتزودُ)
(2/55)

(وكانت نواحيهِ كثافاً فلم تزل ... تحيَّفُها حتى كأنك مبردُ)
(تفرقُ عنهُ بالمكايدِ جندهُ ... وتزدارهم جنداً وجيشُك محصّد)
(سكنت سكوناً كان رَهناً بوثبةٍ ... عماسٍ كذاك الليثُ للوثبِ يلبدُ)
(فما رمتهُ حتى أستقلَ برأسه ... مكان قناةِ الظهرِ أسمرُ أجردُ)
(مناك له مقدارهُ فكأنما ... تقوضَ ثهلانٌ عليهِ وصِنْددُ)
فقال صندد بفتح حرف الردف وهو خطأ وليس في العربية فعلل إلا درهم وهجرع وهو الطويل الأحمق، وهبلع وهو الكثير البلع، وقلعم وهو الكثير القلع للأشياء، وكان بنى قصيدته على فتح الردف ولم يلزمه ذلك وكابر على فتح صندد ورمدد وهما مكسوران فزعم محمد بن حبيب أنه رواهما بالفتح وكابر أيضاً على فتح الراء من درم في قصيدته التي أولها:
(أفيضا دماً ان الرزايا لها قِيم ... )
وإنما هو (درم) . وأحسن ما قيل في الكيد والحرب قول أبي تمام:
(هززتَ له سيفاً من الكيدِ إنما ... تُجذُّ به الأعناقُ ما لم يجرّدِ)
(يسرُ الذي يسطو بهِ وهو مغمدٌ ... ويفضحُ من يسطو به غيرَ مُغَمدِ)
يقول إن أخفيت الكيد ظفرت وسررت وإن أطهرته افتضحت وخبت وقد أحسن في وصف الرماح حيث يقول:
(أنهبتَ أرواحهُ الأرماح إذ شُرِعت ... فما تُردُ لريبِ الموتِ عنهُ بدُ)
(كأنها وهي في الأرواحِ والغةٌ ... وفي الكُلى تجدُ الغيظَ الذي يجدُ)
(من كلَ أزرقَ نطارٍ بلا نظرٍ ... إلى المقاتلِ ما في متنهِ أودُ)
(كأنه كان خِدنَ الحبَ مُذ زمنٍ ... فليس يعجزهُ قلبٌ ولا كبدُ)
ويُشبه بياض السيف بالملح فمن أجود ما قيل فيه قول النمري:
(ذكرٌ يرونقه الدماءُ كأنما ... يعلو الرجالَ بأرجوان فاقع)
(2/56)

(وترى مضارب شفرتيهِ كأنها ... ملحٌ تناثرَ من وراءِ الدارعِ)
ويُشَبَه الفرند بمدبَ الذر فمن قديم ما قيل فيه قول امرئ القيس:
(متوَسداً عَضْباً مضاربُه ... في متنهِ كمدبةِ النملِ)
وقول أوس بن حجر:
(وذو شطباتٍ قدهُ ابن مُجدَع ... له رونقٌ ذرِّيه يتأكلُ)
(وأشبرنيه الهالكيُّ كأنه ... غديرٌ جرى في متنهِ الريحُ سلسلُ)
(وأخرج منه القينُ أثراً كأنه ... مَدَبُ دُباً سودٍ سرى وهو مسهلُ)
وقال ابن المعتز وأبدع:
(وَجَرَدَ من أغمادهِ كلَ مرهَفٍ ... إذا ما انتضته الكفُ كاد يسيلُ)
(ترى فوقَ متنيهٍ الفرندَ كأنما ... تنفسَ فيهِ القينُ وهو صقيلُ)
وقال إسحاق بن خلف:
(ألقي بجانبِ خصرهِ ... أمضى من الأجلِ المُتاح)
(وكأنما ذرَ الهباءَ ... عليه أنفاسُ الرِّياحِ)
وقال قيسُ بنُ الخطيم:
(أجالدُهم يومَ الحديقةِ حاسراً ... كأن يدي بالسيفِ مخراقُ لاعِبِ)
(بسيفٍ كأن الماءَ في صفحاتهِ ... طحاريرُ غيمٍ أو قُرونُ جنادبِ)
أخذه ابنُ المعتز فقال:
(ولي صارمٌ فيهِ المنايا كوامنٌ ... فما يُنتضَى إلا لسفكِ دماءِ)
(ترى فوقَ متنيهِ الفرندَ كأنه ... بقيةُ غيمٍ رقَ دونَ سماءِ)
وقد أجاد ابن الرومي في قوله:
(خيرُ ما استعصمت بهِ الكفُّ عضبٌ ... ذكرٌ متنهُ أنيثُ المهزَ)
(ما تأمَّلْتَه بعينِك إلاّ ... أبرقت صفحتاهُ من غيرِ هزَ)
(مثله أفزعَ الشجاعَ إلى الدرع ... فغالي به على كلَ بزَ)
(2/57)

(ما أبالي أصمَّمتْ شفرتاهُ ... في محزٍ أو جازتا عن محزّ)
وقال آخر:
(جرّدُوها فألبسوها المنايا ... عِوضاً عوضت من الأغمادِ)
(وكأن الآجالَ ممن أرادوا ... وظُباها كانت على ميعادِ)
وقلت:
(تميلُ كفيّ من سيفٍ إلى قلمٍ ... والعزُ نصفانِ بينَ السيفِ والقلمِ)
وقال ابن المعتز:
(وسيوفٍ كأنها حينَ سُلت ... ورقٌ هزهُ سقوطُ قِطارِ)
(ودروعٍ كأنها شمطٌ جعدٌ ... دهينٌ يضلُ فيه المَدَاري)
وقال ابن الأعرابي أحسن ما قيلَ في صفة الرماح:
(وبكلَ عَرَّاص المَهزّةِ مارنٍ ... فيه سنانٌ مثلُ ضوءِ الفرقَدِ)
أحسن ما قيل في صفة الرماح قول المزرد:
(أصم إذا ما هُزَ مالت سراته ... كما مال ثعبانُ الرمالِ الموائلِ)
(له رائدٌ ماضي الغرار كأنه ... هلالٌ بدا في ظلمةِ الليلِ ناحلِ)
وقال الأصمعي أحسن ما قيل في صفة الرمح قول أبي زبيد:
(وأسمر مربوعٌ يرى ما أريته ... بصيرٌ إذا صوّبته للمقاتلِ ... وقال ابن الأعرابي أحسن ما قيل في ذلك قول مسكين:
(بكلَ رُدَينيٍ كأنَ كعوبَه ... قطانسق يستورد الماءَ صائفُ)
(كأنَّ هلالاً لاحَ فوق سراتهِ ... جلا الغيمَ عنهُ والقتامَ الحراجفُ)
وأحسن ما قيل في سرعة وقع الرماح وتداركه قول دريد بن الصمة:
(نظرتُ إليهِ والرماحُ تنوشهُ ... كوقع الصياصي في النسيج المددِ)
الصيصية الشوك الذي يسوي به الحائك الثوبَ، والصيصية أيضاً الحصن ويقال لناشز من ساق الديك الصيصية أيضاً. وقد أحسن البحتري في وقوله:
(في مغركٍ ضنكٍ تخالُ بهِ القنا ... بين الضلوعِ إذا انحنينَ ضلوعا)
(2/58)

وأجود ما قيل في إدمام حمل الرمح قول الآخر:
(وقد طالَ حملي الرمحَ حتى كأنهُ ... على فرسي غصنٌ من البانِ نابتُ)
(يطولُ لساني في العشيرةُ مُصلحاً ... على أنه يومَ الكريهةِ ساكتُ)
والسكوت في الحرب دليل على سكون الجأش، وكثرة الصوت فيها إمارة الفزع، وقد قيل
(وكثرة الصوت والإيعاد من فشل ... )
وقلتُ في الرمح:
(يغدو بصدْق الكعوبِ لَدْن ... يهتزُّ ما بينَ كوكبينِ)
أعني الزج والسنان. وقال البحتري:
(كأنما الحربةُ في كفهِ ... نجمُ دُجى شيعهُ البدرُ)
وقد شبهت العرب الرماح بالأشطان والأسنة بالشهبان فتركنا ذكر ذلك لشهرته واستفاضته. أجود ما قيل في القوس من قديم الشعر قول أوس بن حجر وهو أوصف العرب للسلاح:
(فجرّدَها صفراءَ لا الطولُ عابها ... ولا قصرٌ أزريَ بها فتعطلا)
(كتومٌ طِلاع الكفَ لا دونَ مَلِئها ... ولا عجسُها عن موضع الكفِّ أفضلا)
(وحشوَ جفيرٍ من فروعِ غرائب ... تنطعَ فيها صانعٌ وتأمَّلا)
(تُخيرنَ أنضاءً وركبنَ أنصُلاً ... كجمرِ الغضا في يوم ريحٍ تزيّلا)
وقال الشماخ في صوت القوس:
(إذا أنبضَ الرامونَ عنها ترنمت ... تَرَنُمَ ثكلى أوجعتها الجنائز)
وقال آخر:
(وهي إذا أنبضت عنها تسجعُ ... ترنم الثكلى أبتْ لا تهجعُ)
وقال آخر:
(تسمعُ عندَ النزع والتوتيرِ ... في سيتَيْها رنّة الطنبورِ)
وقال الأصمعي: أحسن كلام في الإيجاز قول عكلي في صفة قوس:
(في كفه معطيةٌ منوع ... )
ومن أحسن ما قاله محدث في القوس قول ابن المعتز بالله.
(2/59)

(أتيح لها هفانُ يخطم قوسه ... بأصفرَ حَنّانِ القرَى غير أعزلا)
(فأودعهُ سهماً كمدِرى مواشطٍ ... بعثنَ بهِ في مفرقٍ فتغلغلا)
(بطيئاً إذا أسرعتَ إطلاقَ فُوقِه ... ولكن إذا أبطأتَ في النزع عجّلا)
وأجود ما شُبَه به أفواقُ السَهام قول الآخر:
(أفواقُها حشوُ الجفير كأنها ... أفواهُ أفرخةٍ من النغران)
والنغران جمع نغرة وهي عصفورة. وقال الفندُ الزماني:
(ونبلي وقفاها كعراقيب قطاً طحل)
أخذه عتابُ بن ورقاء فقال:
(وحطّ عن منكبهِ شريانةَ ... مما اصطفى باري القسيِّ وانتقى)
(أمّ بناتٍ عَدهَا صانُعها ... ستينَ في كنانةٍ مما برى)
(ذات رؤوسٍ كالمصابيح لها ... أسافلٌ مثل عراقيبِ القطا ... )
(إن حُرِّكت حنّت إلى أولادها ... كحنِّةِ الوالهِ من فقدْ الطّلا)
(حتى إذا ما قُرنت ببعضِها ... لانت ومال طرفاها وانثنى)
وقال ابن الرومي في قوس بندق:
(كأنّ قَراها والغرور التي بها ... وإن لم تجدها العينُ إلا تتبُعا)
(مَذرُ سحيقِ المسك فوقَ صلابةٍ ... أدبَ عليها دارجُ الذَّر أكرُعا)
(لها أولٌ طوع اليدينِ وآخرٌ ... إذا سُمتهُ الأغراقَ فيهِ تمنعا)
(تطوعُ لراميها الرمايا كأنما ... دعاها لهُ داعي المنايا فأسمعا)
(يقلبُ نحو الجوّ عيناً بصيرةً ... كعيِنك بل أذكى ذكاءً وأسرعا)
(2/60)

(لها عَولةٌ أولى بها من تصيبهُ ... وأجدرُ بالأعوالِ من كان موَجعا)
وهذا مثل قوله في امرأة:
(تُشكي المحبَ وتلفى الدهرَ شاكيةً ... كالقوسِ تصمي الرَّمايا وهي مِرنان)
وقال المتنبي في سداد الرمي:
(يُصيبُ ببعضها أفواقَ بعض ... فلولا الكسرُ لا تصلت قضيبا)
وقال الراجز في ضد ذلك:
(مستهترٌ بالرمي واهٍ عضدهُ ... يطيعهُ القلبُ وتعصيهِ يَدهْ)
(أحصن شئ يومَ يرمي طرَده ... كأنهُ فؤاده أو كبده)
وقال ابن الرومي في سهام:
(وكل ابن ريح يسبقُ الطرفَ معجه ... مروقٌ ومنزوعٌ لدى حَومَةِ الجذبِ)
(صنيعٌ مريشٌ قَومَ القينُ متنهُ ... فجاءَ كما سُلَ النخاعُ من الصلبِ)
(يغلغلهٌ في الدرع نصلٌ كأنهُ ... لسانُ شُجاع محرج هَم بالسلبِ)
وقال ابن المعتز في قوس البندق:
(وماءٍ به الطيرُ مربوطةٌ ... تحاكي الحلىَ بأطواقها)
(غدونا عليهِ وشمسُ النهار ... لن تكسهُ ثوبَ إشراقها)
(فظلنا وظلتُ عيونُ القسيِّ ... ترمي الطيورَ بأحداقها)
وقد أحسن القائل في صفة الرماح على العواتق:
(ترى غابةَ الخطَى فوقَ رؤوسهم ... كما أشرقت فوقَ الصوارِ قرونها)
ومما يجري مع ذلك قول أبي فراس بن حمدان:
(وما الذنبُ إلا العر يركبهُ الفتى ... وما ذنبهُ إن جاوزتهُ المطالبُ)
(ومن كان غير السيفِ كافل رزقهِ ... فللذلَ منهُ لا محالةَ جانب)
وما جاء عن أهل الجاهلية في النشاب شئٌ إلا قول سيف بن
(2/61)

ذي يزن يذكر القوس:
(هَزُّوا بناتِ الرياح نحوهمُ ... أعوجُها طامحٌ وزمزمها)
(كأنها بالفضاءِ أرشيةٌ ... يخفُ منقوضها ومُبرَمُها)
فأما النبلُ فقد جاء فيها عنهم شئٌ كثيرٌ. أجود ما قيل في الدروع: قال أبو عبيدة أحسن ما قيل فيها قول كعب بن زهير:
(وبيض من النسج القديم كأنها ... نهاء بقاع ماؤها مترابعُ)
(تصفقها هوجُ الرياح إذا صفَت ... وتعقبها الأمطارُ فالماءُ راجع)
وهو مأخوذٌ من قول امرئ القيس:
(تفيضُ على المرءِ أردانُها ... كفيضِ الأتيِّ على الجدجِد)
وقال البحتري:
(يمشون في زرد كأنَ مُتونها ... في كل معركةٍ مُتونَ نهاءِ)
(بيضُ تسيل على الكماةِ فضولها ... سيلَ السرابِ بقفرة بيداءَ)
(وإذا الأسنةُ خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكبٍ في ماءِ)
ومعنى البيت الأخير دقيقٌ غريبٌ حسنٌ مصيبٌ ما أظنه سبق إليه. ومن مليح ما جاء في صفة الدرع قول بعض بني هاشم:
(وعلىَ سابغةُ الذيولِ كأنها ... سلخٌ كسانيهِ الشجاعُ الأرقمُ)
ومن مليح ما جاء في صفة الحرب
ما أخبرنا به أبو القاسم عن العقدي عن أبي جعفر عن المدائني قال قال رجل من بني تميم لعبادي: لم يكن لآل نصر بن ربيعة صولة في الحرب قال لقد قلتُ بطلاً ونطقت خطلاً كانوا والله إذا أطلقوا عُقل الحرب رأيت فرساناً تمور كرجل الجراد وتدافع كتدافع الأمداد في فيلق حافاته الأسل يضطرب عليها الأجل إذا هاجت لم تتناه دون بلوغ إرادتها ومنتهى غايات طلباتها لا يدفعها دافع ولا يقوم لها جمعُ جامع وقد وثقت بالظفر لعزَ أنفسها
(2/62)

وأيقنت بالغلبة لضراوة عادتها فإنها العلوُ والتمكينُ ولمن ناوأها الذلُ والتوهينُ خصت بذاك على العرب أجمعين. ومما يجري مع ذلك ما أخبرنا به أبو القسم عن العقدي عن أبي جعفر قال أنشد جريرٌ هشام بن عبد الملك:
(لقوميَ أحمي للحقيقةِ منكمُ ... وأضربُ للجبّار والنقعُ ساطعُ)
(وأوثقُ عندَ المردفاتِ عشيةً ... لحاقاً إذا ما جردَ السيف لامعُ)
فقال هشام لم تركتَ نساءك حتى أردفن ألا جعلتهن كنسوة المخبل فما سمعنا بعربيان قط أمنع منهن حيثُ يقول:
(وساقطةٍ كُور الخِمار حييةٍ ... على ظهر عُرى زالَ عنها جِلالهُا)
(تَشُدُ يديها بالسنامِ وقد رأت ... مسومةُ يأوي إليها رِعالها)
(نزلنا فساقينا الكُماةَ دِماءَها ... سجالَ المنايا حيثُ تُسقي سجالُها)
وأجود ما قيل في ثبات الرجال في الحرب قول الحرث بن عباد:
(قَربا مربطَ النعامةِ مني ... لَقَحَتْ حربُ وائل عن حِيال)
(قَرِّباها فأنَ كفيَ رهنٌ ... أنْ تَزولَ الجبالُ قبل الرجالِ)
وقد وصف اللهُ ذلك في كتابه فقال {إن اللهَ بحبُ الذينَ يُقاتِلونَ في سَبيلهِ صفاً كأنهم بُنيانٌ مَرصُوصٌ} ولم يصف أحدٌ من المتقدمين والمتأخرين القتال في المراكب إلا البحتري:
أخبرنا به أبو أحمد قال
أخبرنا الصولي قال سمعت عبد الله بن المعتزيقولُ لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته السينية في وصف إيوان كسرى فليس للعرب سينية مثلها، وقصيدته في البركة
(ميلوا إلى الدارِ من ليلى نحييها ... )
واعتذاراته في قصائده إلى الفتح التي ليس للعرب بعد اعتذرارت النابغة إلى النعمان مثلها، وقصيدته في دينار بن عبد الله التي وصف فيها ما لم يصفه أحدٌ قبله أولها
(ألم تر تغليس الربيع المبكر ... )
ووصف حرب المراكب في البحر لكان أشعر الناس في زمانه فكيف إذا أضيف إلى هذا صفاء مدحه ورقة تشيبهه. وكان كثيراً ما ينشد له ويعجب من جودته
(2/63)

(عدوتُ على المأمونِ صُبحاُ وإنما ... غدا المركبُ الميمونُ تحتَ المظفَّرِ)
(إذا زمجرَ النوتي فوقَ علاتهِ ... رأيت خطيباً في ذُؤابةِ منبرِ)
(يَغضُّونَ دُونَ الاستنامِ عيونهم ... وقوفَ السماطِ للعظيم المؤمَّر)
(إذا ما علت فيه الجنوب اعتلى له ... جناحا عُقابٍ في السماءِ مُهجَّر)
(إذا ما انكفا في هبوةِ الماءِ خلتَهُ ... تلفعَ في أثناء بُردٍ محبرِ)
(وحولك ركابونَ للهولِ عاقروا ... كؤوسَ الردى من دارعينَ وحُسر)
(تميلُ المنايا حيثُ مالت أكفُّهم ... إذا أصلتوا حدَ الحديدِ المذكَر)
(إذا رشقوا بالنارِ لم يكُ رشقُهم ... ليُقلعَ إلا عن شِواء مُقترِ)
(صدمتَ بهمُ صهبَ العثانين دونَهمُ ... ضِرابٌ كايقاد اللظى المتسعر)
(كأن ضجيجَ البحرِ بينَ رماحِهم ... إذا اختلفت ترجيعُ عودٍ مُجرجر)
(تُقاربُ من زَحفَيهم فكأنما ... تؤلفُ من أعناقِ وحشٍ منفرِ)
(فما رحت حتى أجلت الحرب عن طُلي ... مقطعةٍ فيهمَ وهامٍ مُطير)
(على حينَ لا نقعٌ يطوِّحُه الصَّبا ... على الأرضِ يلقي للصَّريعِ المقطر)
(وكنتَ ابن كسرى قبلَ ذاك وبعدهُ ... ملّياً بأن تُوهي صَفَاة ابنِ قيصر)
(جدحتَ له الموتَ الزعافَ فعافهُ ... وطار على ألواحِ شَطْبٍ مسمِّرِ)
(مضى وهو مولي الريحَ يشكرُ فضلها ... عليه ومن يولي الصنيعة يشكرِ)
ومن أجود ما قيل في السهم من قديم الشعر قول عنترة:
(أبينا فما نُعطي السواد عدونا ... قياماً بأعضادِ السراء المعطّفِ)
(بكلَ هتوفٍ عجسها رَضوية ... وسهم كسيرِ الحميريَ المؤنفِ)
وقال راشد بن شهاب اليشكري:
(ونبلٍ قران كالسيور سلاجِمٍ ... وفلقٍ هتوفٍ لا سقىٍ ولا نَشَم)
(2/64)

(ومُطردِ الكعبين أحمر عاتر ... وذات قتيرِ في مواصلها دَرَم)
وصف النبل والقوس والرمح والدرع في بيتين فأحسن، والأدرم الأملس الذي لا حجم له، والسلاجم الطوال، والسقي الذي يشرب الماء، والنشم شجرٌ. ومن أجود ما قيل في البيض من قديم الشعر قول سلامة بن جندل:
(إذا ما علونا ظهرَ نشز كأنما ... على الهام مناقَيضُ بيض مفلًق)
وقول الآخر
(كأن نعام الدَوَباض عليهم ... )
ورواه بعضهم:
(كأن نعاج الجو باض عليهم)
فقيل له أخطأت من وجهين أحدهما أن النعاج لا تكون في الجو والآخر أنها لا تبيض. ومن أحسن ما قيل فيه قول ابن المعتز:
(وبيضٍ كأنصافِ البدورِ أبيةٍ ... إذا امتحنتهنَ السيوفُ خِيارُ)
فتشبيههاً بأنصاف البدور تشبيه غريبٌ مصيبٌ. أجود ما قيل في أتباع الرجال الرئيس في الحرب قول البحتري:
(حمرُ السيوفِ كأنما ضَربت لهم ... أيدي القيونِ صفائحاً من عسجدِ)
(في فتيةٍ طلبوا غُبارك أنهُ ... رهجٌ ترفّعَ عن طريقِ السؤددِ)
(كالرمح فيه بضعُ عشرةَ فقرة ... مُنقادة خلفَ السنانِ الأصيدِ)
وقد أحسن ابن هرمة في وقوله وهو في غير هذا المعنى:
(إذا شَدوا عمائمهم ثنوها ... على كرمٍ وإن سفروا أناروا)
(يبيعُ ويشتري لهمُ سواهم ... ولكن في الطعانِ هُمُ التجارُ)
ومن أجود ما قيل في صفة الشجاع الجواد قول الآخر:
(خُلِقت أناملهُ لقائم مُرهَفٍ ... ولبثَ عارفةٍ وذروة منسبرِ)
(يلقى الرماحَ بوجههِ وبصدرهِ ... ويُقيمُ هامتهُ مقام المغفرِ)
(ويقولُ للطِّرفِ اصطبر لشبا القنا ... فهدمتُ رُكنَ المجدِ إن لم تعقرِ)
(وإذا تأملَ شخصَ ضيفٍ مُقبلٍ ... متسربلٍ سربالَ ليلٍ أغبرِ)
(2/65)

(أو ما إلى الكوماءِ هذا طارقٌ ... نَحرتنيَ الأعداءُ إن لم تنحَري)
ومن أبلغ ما حُذرَ به الحرب قول بعضهم العجم: دافع بالحرب ما أمكن فإن النفقة في كل شئ من الأموال إلا الحرب فإن النفقة فيها من الأرواح. وقال النابغة الجعدي:
(وتستلبُ المالَ الذي كانَ ربُها ... ضنيناُ به والحربُ فيها الحرائبُ)
فتبعه أبو تمام فقال
(والحربُ مشتقة من الحرب)
وقول جدل الطعان:
(دعاني أشبُ الحرب بيني وبينهُ ... فقلتُ له لا بل هَلمَ إلى السِّلم)
(وإياك والحرب التي لا أديمها ... صحيحٌ وما تنفكُّ تأتي على الرغم)
فإن يظفر الحزبالذي أنتَ منهمُ ... وينقلبوا ملءَ الأكفَ من الغُنم)
(فلا بُدَ من قتلي للعك فيهمُ ... وإلا فجرحٌ لا يكون على العظمِ)
(فلما أبى خليتُ فضلَ ردائهِ ... عليهِ فلم يرجع بحزمٍ ولا عزم)
(وكان صريع الخيلِ أولَ وهلةٍ ... فبعداً له مختارَ جهلٍ على علمِ)
ومن أجود ما قيل في تهوين الحرب والقتل ما أنشدناه أبو أحمد في خبر
أخبرناه عن الصولي عن عبيد الله السكوني قال دخل محمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي على بعض أمراء الكوفة وقد جرى عليه ظلمٌ فلم ينصفه فخرج من عنده وقال:
(يا أيها الرُجلُ الذي بيمينه ... غيثُ الزمانِ وصولةُ الحدَثان)
(أنعم صباحاً بالسيوفِ وبالقنا ... إنّ السيوفَ تحيةُ الفتيان)
(قد أبطرتكَ سلامةٌ فنسيتَ ما ... أسلفتَ من برٍ ومن إحسانِ)
(والدهرُ خدنُ مسرةٍ ومضرةٍ ... متقلبٌ بالناسِ ذو ألوانِ)
يخاطب نفسهُ ويأمرها بمجاهرة السلطام بالعصيان إذ ليس عنده للظلم نكير فيكون ذلك سبباً للحرب فيحي بالسيوفِ فلا يفزع فإنها تحيةُ الفتيان. وقال علي بن جبلة:
(2/66)

(كأنَ ارماحهُ تعطي إذا عِملت ... تحتَ العجاجةِ أسماعاً وأبصارا)
ومن أحسن ما قيل في تقسيم الخيل في الحرب قول النابغة
أخبرنا أبو أحمد قال أنشدنا محمد بن يحيى قال أنشدنا المبرد قول النابغة وذكر أنه أحسن ما قيل في تقسم الخيل في الحرب:
(خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ ... تحت العجاجِ وخيلٌ تعلكُ اللجُما)
قال ثعلبُ قلتُ لابن الأعرابي الصائمة التي لا تصهل وغير الصائمة التي تصهل فما هذه الأخرى؟ قال التي تعلك اللجم في الكمين. أخذه محمد بن مسلمة البشرى يصف تأدبيه فرسهُ:
(عودتهُ فيما يزور حبائبي ... إمهالهُ وكذاك كلُ مُخاطرِ)
(فإذا احتبى قربوسَه بعنانهِ ... علكَ الشكيمَ إلى إنصرافِ الزائر)
ومن أجود ما قيل في ارتفاع الغُبار ولمعان الأسنة فيه من قديم الشعر قول النابغة:
(تبدو كواكبهُ والشمسُ طالعةٌ ... نوراً بنورٍ وإظلاماً بأظلامِ)
قالوا أراد قول الناس: لأرينك الكواكب نهاراً، وقالوا أراد توضح الأسنة في سواد العجاج. ومن أحسن ما قيل في ذلك قول بشار:
(كأن مثارَ النقعِ فوقَ رؤوسِنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه)
النقعِ لا شمسٌ ولا قمر ... إلا جبينك والمذروبةُ الشرعُ)
وقول ابن المعتز:
(وعمَ السماءَ النقعُ حتى كأنه ... دخانٌ وأطرافُ الرماح شرارُ)
وأبلغ ما قيل في الإقدام والاقتدار على العدو قول بعضهم:
(عشيةَ كنا بالخيارِ عليهم ... أنتقصُ من أعمارهم أم نزيدها)
ومن بديع المعاني في صفة اللقاءِ قول بعض الأعراب:
(على كلَ جرداءِ القَرى أعوجيةٍ ... إذا طردَت لم ينجُ منها طريدها)
(2/67)

(وما قادَ من قوم إلينا جيادَهم ... فنلقاهمُ إلا رجعنا نقودها)
وقلت في معناه:
(إلى ابن الأولى شادوا المعاليَ بالظُّبى ... وعَمُّوا البرايا باللُّهى والرغائبِ)
(إذا طلبوا رَوحَ الحياةِ وطيبها ... فبين سواقٍ للردَى وحواصب)
(إذ البيضُ في سُود القساطلِ أنجمٌ ... غواربُ تهوي في الطلى والغوارب)
(وتحملهم يومَ الكريهةِ ضُمرٌ ... تشولُ إلى الهيجاءِ شولَ العقارب)
(فكم وقفةٍ في الرّوعِ منهم وحملةٍ ... أثارت بناتِ الحتفِ من كلَ جانب)
(تَردُ الجياد تحت قسلطة الوغى ... جنائب أو تقتادُها في الجنائب)
(بابيض مصقولٍ كأن بحدِّه ... ضرائبَ من تصميمهِ في الضرائبِ)
ومن أجود ما قيل في كثرة الجيش قول الأخنس بن شهاب:
(بجأواءَ ينفي وردُها سَرعانَها ... كأن وميض البيضٍ فيها كواكبُ)
الجأواء: الكتبية يضربُ لونها إلى الكلفة وذلك من صدإ الحديد، والسرعان: الأوائل، يقول إن المياه لا تسعهم والأمكنة تضيقُ بهم فكلما نزل فرقة منهم رحل من تقدمهم. وقال أوس بن حجر:
(ترى الأرضَ منا بالفضاءِ مريضةً ... مُعضلةً منا بجمعٍ عرمرمِ)
التعضيل أن ينشب الولدُ في بطن أنه. ومثله قول النابغة:
(جمعٌ يظلُ بهِ الفضاء مُعضلاً ... يدعُ الاكامَ كأنهنَ صحاري)
وأعجب من هذا قول زيد الخيل:
(2/68)

(بجيشٍ تضلُ البلقُ في حجراتهِ ... ترى الأكم فيهِ سُجداً للحوافرِ)
(وجمع كمثلِ الليلِ مرتجس الوغى ... كثيرٌ تواليهِ سريعُ البوادرِ)
أخبرنا أبو أحمد عن العبشمي عن المبرد قال يروى عن حماد الراوية قال قالت ليلى بنت عروة بن زيد الخيل لأبيها كم كانت خيل أبيك حيث يقول
(بجيش تضل البلق في حجراته)
قال ثلاثة أفراس أحدها فرسه. قالوا وقتلت خثعم رجلاً من بني سليم بن منصور فقالت أخته ترثيه:
(لعمري وما عمري عليّ بهّين ... لنعمَ الفتى غادرتمُ آل خثعما)
(وكانَ إذا ما أوردَ الخيلَ بيشةً ... إلى جنبِ أشراجِ أناخَ فألجما)
(فأرسلها رهواً كأنَ رِعالها ... جرادٌ زهتهُ ريحُ نجدٍ فأتهما)
فقيل لها كم كانت خيل أخيك قالت اللهم لا أعرف إلافرسه. قوله (تضل البلقُ في حجراته) غاية في صفة الكثرة لأن البلق مشاهير فإذا خفي مكانها في جمع فليس وراءه في الكثرة شئ، والعرب تقول أشهر من فارس الأبلق، ورؤساء العرب لا يركبون البلق في الحرب لئلا ينم عليهم فيقصدوا بشر.
أخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عُبيدة أن النبي & لما انصرف من بدر الموعد لم يلق كيداً وأصحابه سبعون راكباً وفيهم فرسان فرس الزبير وفرس للمقداد قال حسان بن ثابت:
(أقمنا على الرسِّ النزوع لياليا ... بأرعنَ جرارٍ عريض المبارك)
(ترى العرفجَ الحولي تذري أصوله ... مناسُم أخفافِ المطى الرواتك)
(إذا ارتحلوا عن منزلٍ خلتَ أنه ... قريبٌ المدى بالموسم المتعاركِ)
(نسيرُ فلا تنجو اليعافيرُ وسطنا ... وإن داءلت منا بشد مواشك)
(2/69)

(دعوا فلجاتِ الشام قد حالَ دونها ... ضرابٌ كأفواهِ المطيِّ الأواركِ)
(بأيدي رجالٍ هاجروا نحو ربهم ... وأنصاره حقاً وأيدي الملائكِ)
(إذا أقبل العضروط من أرضِ عالج ... فقولا لهُ ليس الطريقُ هنالك)
ورسول الله & يسمع ويضحك. ومثل هذا في ترهيب العدو حسن: وقال أبو دغفل بن شداد الكلابي في المعنى الذي تقدم:
(وأقبلَ عامرٌ من لبن سيراً ... إلينا ثم أقسمَ لا يَديم)
(بجمعٍ تهلكُ البلقاءُ فيهِِ ... فتنشدُ والمفضضةُ اللطيمُ)
ومن بليغ ما قاله محدث في كثرة الجيش وتكاثفه وإحتماعه قول أبي نواس:
(أمامَ خميسٍ أدجوانٍ كأنه ... قميصٌ محوكٌ من قنا وجيادِ)
الأدجوان: الأسود واشتقاقه من الدجى، وروي الأرجوان وهو الأحمر وقال البحتري:
(لما أتاك يقودُ جيشاً أرعناً ... يمشي عليهِ كثافةً وجموعا)
وقال ابن الرومي:
(فلو حصبتهم بالفضاء سحابةٌ ... لظل عليهم حَصبها يتدحرجُ)
وهو من قول قيس بن الخطيم: ... ) لو أنك تُلقي حنظلاً فوقَ بيضنا ... تدحرجَ عن ذي سامةِ المُتقاربِ)
السامُ: عرق الذهب الفضة وهو ههنا الطرائق المذهبة في البيض. وقلت:
(ولقد نقودُ الخيلَ تخطرُ بالقنا ... فتَصُبُهنَ على العدى آجالا)
(ما إن يلين لها مَدىً فتخالها ... تجري بطاءً إذ جَرَينَ عجالا)
وقال أبو عمرو بن العلاء أحسن ما قيل في صفة جيش قول النابغة:
(أو يزجروا مكفهراً لا كفاءَ له ... كالليلِ يخلطُ أصراماً بأصرامِ)
(تبدو كواكبهُ والشمسُ طالعةٌ ... نوراً بنورٍ وإظلاماً بإظلامِ)
(2/70)

فذكر ذلك ليونس فقال أحسن منه قول العجاج:
(كأنما زهاؤهُ لمن جَهَر ... ليلٌ ورز وغرِهِ إذا وغَر)
(سارٍ سرى من قِبِلِ العينِ فجر ... )
والأول أحسن عندي. ومن أجود ما قيل في صفة السوط قول الشعبي:
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل قال كان الشعبي إذا تحدث كأنهُ لم يُسمَع من غيره لحلاوة منطقه وعذوبة لفظه فتحدث يوماً فقال له رُجلٌ كان يجالسهُ يقال له حنيش: اتق الله ولا تكذب فقال له الشعبي ما أحوجك إلى محدرج عظيم الثمرة لين المهزة أخذ من مغرز عُنقٍ إلى عجب ذنب فيوضع على مثل ذلك منك فيكثر لك رقصاتك من غير جذل. قال وما هو بأبي أنت وأمي؟ قال أمرٌ لك فيه أدبٌ ولنا فيه أربٌ. يعني السوط. ومن أحسن ما وصف به الرأسُ إذا حمل على القناة قول مُسلم:
(ويجعل الهام تيجان القنا الذبلِ ... )
مأخوذ من قول جرير
(تيجان كسرى وقصيرا ... )
ومن أجود ما قيل في المصلوب ما أنشدنيه بعضُ البصريين:
(أنظر إليه كأنهُ في جذعهِ ... لما توشَحِ بالجبالِ ودُرعا)
(رامٍ رمى عن قوسهِ بمذلقٍ ... وأراد صحةَ رميه فتسمّعا)
وهذا من أتم ما قيل فيه. ومن المستحسن فيه قول البحتري:
(فَتراهَ مُطرداً على أعوادهِ ... مثلَ اطِّراد كواكب الجوزاءِ)
وقول ابن الرومي:
(يلعبُ الدستبندَ فرداً وإن كانَ ... لهُ شاغلٌ عن الدستبند)
وقال مُسلم بن الوليد:
(2/71)

(كأنهُ شِلو كبشٍ والهواءُ لهُ ... تنورُ شاويةٍ والجذعُ سفّودُ)
ومما يجري مع ذلك
ما أخبرنا به أبو القسم عن العقدي عن أبي جعفر عن المدائني قال قال بعض أهل خرسان لوكيع كيف قتلت ابن خازم؟ قال لما صرع قعدت على صدره فحاول القيام فلم يقدر فغلبته بفضل القنا وقلت يا لثارات دوبلة فقال لعنك الله أتقتل كبش مضر بأخيك علج لا يساوي كف نوى وتنخم في وجهي فما رأيت أحداً أكثر ريقاً منه. فذكر ابن هبيرة يوماً هذا الحديث فقال هل البسالة إلا أن يكثر الريق على تلك الحال. ومن جيد ما قيل في طرائق الدم على المطعون قول أبي خراش الهذلي:
(ونهنتُ أولي القومِ عني بطعنةٍ ... كأوشحةِ العذراءِ ذاتِ القلائدِ)
أوشحة جمع وشاح وهو سيرٌ كأنهُ شراكٌ عليهِ ودعٌ فشبه لون الدم بالسير والزبد بالودع. ومما يجري مع ذلك ذكر الحذر من الموتور ما قلت فيه:
(لا تأمننَ أخا العداوةِ إنهُ ... إنْ أمكنتهُ فرصةٌ لم يُمهل)
(للهِ دَرُكَ كيفَ تأمنُ محنِقاً ... تغلي عدواةُ صدرهِ في مرجل)
(ما الحزمُ إلا في إجتثاثِ أصولهِِ ... والأيمُ لم يؤمن إذا لم يقتلِ)
ومن الجيد مما قيل في سعة الطعنة قول بشر:
(إذا نفذتهم كرت عليهم ... بطعنٍ مثل أفواه الخبورِ)
الخبرُ المزادة والجمع خبور. وقال عمرو بن شاس:
(بطعنٍ كايزاغ المخاضِ إذا اتقت ... وضربٍ كأفواهِ المفرجة الهدلِ)
شبه اللحم الذي يتدلى من فم الجرح بمشفر البعير الذي به قروح في فمه
(2/72)

فيهدل لها مشفرة. وقال عمرو بن شأس أيضاً:
(وأسيافنا آثارهنَ كأنها ... مشافر قرحى في مباركها هُدلُ)
وقال غيره:
(بضربٍ كآذانِ الفراءِ فضولهُ ... وطعن كايزاغ المخاض تبورها)
الفراء جمع الفرا وهو حمار الوحش. وقال خلف الأحمر:
(وأطعن الشجساجة المشلشله ... على غشاش دَهَش وعجله)
(يردُ في نحرِ الطبيبِ فتله ... )
أي يسح الدم، ومشلشلة: مفرقة. وقال خداش بن زهير:
(وطعنةِ خلس كفرع الأزاء ... أفرغ في مثعبِ الحائرِ)
(تهالُ العوائدُ من فرغها ... تردُ السبار على السبارِ)
السابر الشئ الذي تسبر به الطعنة أي تقدر والسابر الذي يسبرها، والحاير المطمئن من الأرض المرتفع الحروف والجمع حوران، والمثعب مسيل الماء. هذا آخر صفة الحرب والسلاح وما يجري معهما، والحمد لله حق حمده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الطاهرين وعلى الخلفاء الراشدين.
(2/73)

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي قسم البيان بين القلم واللسان لتكون النعمة فيه مشتركة بين الغائب والحاضر والمقيم والمسافر إتماماً للنعمة على عباده وإكمالاً للعارفة في عمارة بلاده ودل على موضع الصنيعة في البيان ونبه على موضع العارفة في اللسان حيث يقول تعالى: {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان}
وأخبر عن عظيم قدر القلم وما تضمن من سوابغ النعم حيث يقول تعالى: {إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم} وأعلى قدره وفخم أمره حين أقسم به على أحل أمرٍ وأنبله وأشرفه وأفضله فقال {ن والقلم وما يسطرون} فسبحان من جعل جلائل النعم وسوابغ الآلاء والقسم في شخصٍ ضئيل وقد قصير تقل قيمته وتصغر قمته مع جلالة شأنه وعلو مكانه.
(هذا كتاب البمالغة)
في صفة الخط والقلم والدواة والقرطاس، وذكر البلاغة وما يجري مع ذلك، وهو:
(الباب التاسع من كتاب ديوان المعاني وهو ثلاثة فصول)
(الفصل الأول)
في ذكر الخط والقلم والدواة والقرطاس وما يسلك مع ذلك من أحسن الاستعارة في ذكر الخط قول عبيد الله بن العباس بن الحسن
(2/74)

العلوي الخط لسان اليد. وقال جعفر بن يحيى: الخط سمط الحكمة به يفصل شذورها وينظم منثورها. وقلت في معناه:
(الكتبُ عُقلُ شوادرِ الكلم ... والخطُ خيطُ فرائدِ الحكم)
(بالخطَ نُظمَ كلُ منتثرٍ ... منها وفُصلَ كل مُنتظمِ)
(والسيفُ وهو بحيثُ تعرفُ ... فرضٌ عليه عبادةُ القلمِ)
واختلف الناسُ في الخط واللفظ فقال بعضهم الخط أفضل من اللفظ لأن للفظ يُفهم الحاضر والخط يفهم الحاضر والغائب. وقال بعضهم الخط كلامٌ ميت والمخاطب به حي يُمكن صاحبه أن يبصرهُ حتى بيلغ منه غرضهُ. وما أعاجيب الخط كثرة اختلافه والأصل واحدٌ كاختلاف صُور الناس مع اجتماعهم في الصفة وخط الإنسان كحليته ونعهت في اللزوم له والدلالة عليه والإضافة إليه كإضافة القافة الآثار إلى أصحابها. ومن أحسن ما قيل في حُسن الخط والشكل قول أحمد بن إسماعيل:
(مستودعٌ قرطاسهُ حكما ... كالروضِ مَّيز بينهُ زَهَرهُ)
(وكانَ أحرفَ خطهِ شجرٌ ... والشكلُ في أضعافهِ ثمره)
ووصف أحمد بن صالح جاريةً كاتبةً فقال كأن خطها أشكال صورتها وكأن مدادها سواد شعرها وكأن قرطاسها أديم وجهها وكأن قلمها بعض أناملها وكأن بيانها سحرُ مقلتها وكأن سكينها سيف لحظها وكأن مقطها قلب عاشقها. وقلت:
(وخط من التصحيح فيهِ معالمٌ ... من الحسن إذ يبدو عليه سبيبُ)
(يُعَبرُ عنه الروضُ وهو منمنمٌ ... ويخبر عنهُ الوشي وهو فشيبُ)
(سوادُ مدادٍ في بياض صحيفةٍ ... يقول شبابٌ بالمشيبِ مشوبُ)
(كأنَ ظلامَ الليلِ أذرَى دموعَه ... فظلَّت على خدَ الصباح تصوب)
ومن غريب ما قيل في الشكل ما أنشدناه أبو أحمد قال أنشدنا الصولي قال أنشدني عبد الله بن المعتز لنفسه:
(2/75)

(فدونكهُ مُوشَّى نمنمتهُ ... وحاكتهُ الأناملُ أيَّ حوكِ)
(بشكلٍ يؤمنُ الأشكالُ فيهِ ... كأنَ سطورهُ أغصانُ شوكِ)
وقلت:
(بياضُ صحيفةٍ تلتاحُ حسناُ ... كمتنِ السيفِ في كفَ المليحِ)
(كغيمٍ رقَ في أطرافِ جوٍ ... وماء ساحَ في قاعٍ فسيح)
(ويحكي أرض كافور صريح ... بها نبذٌ من المسكِ الذبيح)
(كمثلِ الليلِ في صبحٍ صديعٍ ... ومثل الصدغ في وجه صبيح)
(وبين سُطورهِ عجمٌ مصيبٌ ... كمثلِ الخالِ في الخدِ المليحِ)
وأحسن ما قيل في صفة الخط الجيد ما
أخبرنا به أبو أحمد قال
أخبرنا الصولي قال سُئل بعضُ الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصفَ بالجودة فقال: إذا اعتدلت أقسامه وطالت ألفه ولامه واستقامت سطوره وضاهى صعوده حدوره وتفتحت عيونه ولم تشتبه راؤه ونونه وأشرق قرطاسه وأظلمت انقاسه ولم تختلف أجناسه وأسرع في العيون تصوره وإلى العقول تثمره وقدرت فصوله واندمجت وصوله وتناسب دقيقه وجليله وخرج عن نمط الوراقين وبعد عن تصنع المحررين وقام لكاتبه مقام النسبة والحلية كان حينئذ كما قيل في صفة الخط:
(إذا ما تجلل قرطاسَه ... وساوَرَه القلمُ الأرقشُ)
(تضمنَ من خطهِ حُلةً ... كمثلِ الدنانير أو أنقش)
(حروفاً تُعيدُ لعين الكليلي ... نشاطاً ويقرؤها الأخفشُ)
ومن ههنا أخذ المتنبي قوله:
(أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من بهِ صممٌ)
إلا أنه أحسن الأخذ وأجاد اللفظ. ومن مليح التشبيه قول الأعرابي وقد قال له هشام بن عبد الملك أنظر كم على هذا الميل من عدد الأميال، ولم يكن الأعرابي
(2/76)

يحسنُ القراء فمضى فنظر ثم عاد فقال رأيتُ شيئاً كرأس المحجنُ متصلاً بحلقة صغيرة تتبعها ثلاث كأطباء الكلبة يفضي إلى هنةٍ كأنها قطاةٌ بلا منقار. ففهم هشام بالصفة أنها (خمسة) .
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن أبي العباس الربعي عن الطلحي عن أحمد ابن إبراهيم قال دخل أعرابيٌّ إلى الرشيد فأنشده أرجوزةً وإسماعيل يكتب بين يديه كتاباً وكان أحسن الناس خطاً وأسرعهم يداً وخاطراً فقال الرشيد للأعرابي صف هذا الكاتب فقال ما رأيت أطيش من قلمه ولا أثبت من كلمه ثم قال ارتجالاً:
(رقيقُ حواشي الحلمِ حينَ تبورُهُ ... يريك الهوينا والأمورُ تطيرُ)
(له قلما بُؤسَى ونُعمى كلاهما ... سحابتهُ في الحالتينِ دَرُورُ)
(يناجيك عما في ضميركَ لحظهُ ... ويفتحُ بابَ الأمر وهو عسيرُ)
فقال الرشيد قد وجب لك يا أعرابي حق عليه هو يقضيك إياه وحق علينا فيه نحنُ نقومُ به، ادفعوا إليه دية الحر، فقال إسماعيل وله على عبدك دية لعبد. قوله
(رقيق حواشي الحلم)
ردئ لأن الحلمُ يوصفُ بالرزانة لا بالرقة، واستعمل أبو تمام هذا اللفظ فعيب به. وقوله
(يريك الهوينا والأمور تطير)
رويناه لمنصور النمري. وفاخر صاحبُ قلم صاحبَ سيف فقال صاحبُ القلم أنا أقتل بلا غرر وأنت تقتل على غرر. قال صاحبُ السيف القلمُ خادمُ السيف إن بلغ مراده والإفالي السيف معاده أما سمعتَ قول أبي تمام:
(السيفُ أصدقُ أنباءُ من الكتبِ ... في حدِّهِ الحدِ بين الجدِّ واللعبِ)
وأبي ذلك ابن الرومي فقال:
(كذا قضى الله للأقلام مُذْ بُريَتْ ... إنَّ السيوفَ لها مُذْ أُرهِفَتْ خدم)
(2/77)

وقال أيضاً:
(لعمرك ما السيفُ سيفُ الكميّ ... بأخوفَ من قلمِ الكاتبِ)
(له شاهدٌ إنْ تأملتهُ ... ظهرتَ على سرِّه الغائبِ)
(أداةُ المنيةِ في جانبيهِ ... فمن مثلهِ رهبُ الراهبِ)
(سِنانُ المنيةِ في جانبٍ ... وسيفُ المنيةِ في جانبِ)
(ألم ترَ في صدرهِ كالسنانِ ... وفي الردفِ كالمرهفِ العاضبِ)
وقد أحسن الخالدي في قوله:
(ففي كفَ ليث الورَى للندَى ... وفي كفَ ليث الشرى في الغياضِ)
وقلت:
(أبيت بالليلِ غريب الكرى ... يأخذُ مني الدرسُ والكتبُ)
(وقيمُ الحكمةِ في أنملي ... يصوغُ ما يسبكهُ اللُّبُّ)
(أنفُ ضميري حينَ أرعفتهُ ... أفرغ ما ستوعبهُ القلبُ)
(لسانُ كِفي حينَ أنطقتهُ ... أرضاك منهُ المنطقُ العذبُ)
(منحفٌ في خَلقهِ ذابلٌ ... معظمٌ في فعلهِ ندبُ)
(إن لم يكن كالعضبِ في حدهِ ... فإنه في فعلهِ عضبُ)
(ينكسهُ المرءُ فيعلو به ... وربَ نكسٍ غِبُّهُ نصبُ)
(ومُذْ عرفنا لذةَ العلمِ لا ... يُعجبنا الحلوُ ولا العذب)
وقال البحتري في تفصيل السيف على القلم:
(ولما التقت أقلامكم وسيوفهم ... أبدت بُغاثَ الطير زرقُ الجوارحِ)
(فلا غرّني من بعدكم عزُ كاتبٍ ... إذا هو لم يأخذ بحجزة رامحِ)
ومن أحسن ما وصف به القلم قول أبي تمام في محمد بن عبد الملك الزيات:
(لك القلمُ الأعلى الذي بشباتهِ ... تنالُ من الأمر الكلى والمفاصلُ)
(لعابُ الأفاعي القاتلاتِ لعابهُ ... وأرْيُ جنى شارته أيد عواسل)
(له ريقةٌ طلَ ولكن وقعها ... بآثارهٍ في الشرقِ والغربِ وابلُ)
(2/78)

(فصيحٌ إذا استنطقتهُ وهو راكبٌ ... وأعجمُ إن خاطبتهُ وهو راجلُ)
(إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغتْ ... عليه شعابُ الفكر وهي حوافلُ)
(أطاعته أطراف الرماح وقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل)
(إذا استفزر الذهن الذكي وأقبلت ... أعاليهِ في القرطاسِ وهي أسافل)
(وقد رفدته الخنصرانِ وسَدَّدت ... ثلاثَ نواحيهِ الثلاثُ الأنامل)
(رأيت جليلا شأنه وهو مرهفٌ ... ضنى وسميناً خطبه وهو ناحلُ)
وقد أحسن القائل في تشبيه أنامل الكاتب على القلم بالقلم أنشدناه أبو أحمد عن الصولي عن أحمد بن محمد بن إسحاق:
(ماضر من أضني بهجرانهِ ... قلبَ كئيب القلبِ حرَّانهِ)
(لو فرجَ الكربةَ عن مُدنفٍ ... تشُفُّهُ لوعة أحزانه)
(بِرقعةٍ ينْظمها كفه ... نظمَ لآليه ومرجانهِ)
(بمرهفِ الأحشاءِ ذي حُلةٍ ... موشيةٍ ترفعُ من شانهِ)
(لعابهُ يسرٌ وعسرٌ إذا ... جاد به تفليجُ أسنانهِ)
(إذا امتطاه بشبيهاتهِ ... كشَّف أسراراً بإعلانهِ)
(يركض في ميدانِ قرطاسهِ ... ركضَ جوادٍ وسطَ ميدانهِ)
وأحسن القصار في هذا المعنى يصف جاريةً كاتبةً اسمها علم:
(أفدى البنانَ وحسنَ الخطِّ من علمٍ ... إذا تقمعن بالحناءِ والكتمِ)
(حتى إذا قابلت قرطاسها يَدُها ... ترى ثلاثةَ أقلامٍ على قلمِ)
ومن أحسن ما قيل في الدواة والأقلام قول أحمد بن إسماعيل:
(في كفهِ مثلُ سنانِ الصعده ... أرقش بزَ الأفعوانُ جِلده)
(يلتهمُ الجيشَ اللهامَ وحده ... لو صادمَ الطودَ المنيفَ هَدّه)
(لو صافحَ السيفَ الحسامَ قدّه ... يأوي إلى ظئر لهُ مُحتدّه)
(2/79)

(يمزجُ فيها صبرٌ بشُهدهِ ... يُرضعها من مقلةٍ مُسوده)
(يَمُدُّها جارٍ كثيف العُدّه ... كأنّه الليلُ إذا استمدّه)
(مُقلُتها مكحولة بِنَدّه ... )
وقلت في القلم:
(أنظر إلى قلمٍ تنكسَ رأسهُ ... ليِضُمَ بينَ موصلٍ ومفصَلِ)
(تنظر إلى مخلابِ ليثٍ ضغيمٍ ... وغرارِ مسنونِ المضاربِ مفصلِ)
(يبدو لناظرهِ بلونٍ أصفرٍ ... ومدامعٍ سودٍ وجسمٍ مُنحلِ)
(فالدرجُ أبيضُ مثل خدٍ واضحٍ ... يثنيهِ أسودُ مثل طرفٍ أكحلِ)
(قسم العطايا والمنايا في الورى ... فإذا نظرتَ إليه فاحذر وأمل)
(طعمان شوبُ حلاوةٍ بمرارةٍ ... كالدهرِ يخلطُ شَهدهُ بالحنظلِ)
(فإذا تصرفَ في يديك عِنانُه ... ألحقتَ فيهِ مؤملاً بمؤمل)
(ومُذللاً بُمعززٍ ولربما ... ألحقتَ فيهِ معززاً بمذَلّلِ)
وقلت:
(لك القلمُ الجاري ببؤسٍ وأنعم ... فمنها بوادٍ ترتجى وعوائدُ)
(إذا ملأ القرطاس سود سطوره ... فتلك أسودٌ تُتقى وأساودُ)
(فتلك جنانٌ تُجتني ثمراتُها ... ويلقاك من أنفاسهنّ بواردُ)
(وهن برودٌ مالهنَ مناسجٌ ... وهنَ عقودٌ مالهنَ معاقدُ)
(وهنَ حياةٌ للوليّ رضيةٌ ... وهنَ حتوفٌ للعدوَ رواصدُ)
وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الفضل الطائي قال أنشدني أبو الحسين بن أبي البغل:
(لهم هِممٌ تناطُ إلى الثريا ... وتحكم في الطريفِ وفي التلادِ)
(وأقلامٌ تشبهها سُيوفاً ... مُهنَدةً هوادٍ في الهوادي)
(2/80)

(يخطُ بها سوادٌ في بياضٍ ... فتحسبهُ بياضاً في سوادِ)
(إذا فَزِعَ الصريخُ أمدخيلاً ... بخيل تستثارُ من المداد)
وقد أسحن ابن الرومي في وصف الكتاب حيثُ يقول:
(متمنطقٌ من جلدهِ ... متختمٌ من خصره)
(أبداً تراهُ وصدره ... في بطنه أو ظهره)
وقال ابن المعتز يذكر أرضةً أكلت كتاباً:
(شغلي إذا ما كانَ للناسِ شغل ... دفترُ فقهٍ أو حديث أو غَزَل)
(أرقطُ ذو لونٍ كشيبِ المكتهلِ ... تخالهُ مكتحِلاً وما اكتحل)
(راكبُ كفٍ أينَ ما شاءَ رحل ... وهو دليلٌ لمقالٍ أو عمل)
(يقيمُ وزنَ العقل حتى يعتدل ... ويُذكرُ الناسيَ ما كان أضل)
(كأنهُ ينشرُ عن نقش حلل ... يخاطب اللحظَ بنطقٍ لا يكل)
(ولا يملُ صاحباً حتى يمل ... )
ثم قال في وصف الأرضة
(تأكل أثمار القلوب لا أكل ... )
وكتب الصاحب في وصف كتاب: وصل كتابك فجلعت يوم وصوله عيداً أؤرخ به أيام بهجتي وأفتتح به مواقيت غبطتي وعرفت من خبر سلامتك ما سألت الله الكريم أن يصله بالدوام ويرفعهُ على أيدي الأيام. وكتب أيضاً: وصل كتابه أيده الله بضحك عن أخلاقه الأرجة ويتهلل عن عشرته البهجة ويخبر عن عارية الله إياه عما رأيت شمل الحرية به منتظما وشعب المروءة له ملتمأ ويتحمل من أنواع بره ما أقصر عن ذكره ولا أطمع في شكره ويؤدي من لطيف اعتذاره في أثناء عتبه ما تزداد به أسباب السررور تمداً. وقلت في كتاب أكلته الأرضة:
(وجليسٍ حسنُ المحضر ... مأمونُ المغيبِ)
(ميتٌ يُخبرُ حياً ... بخفياتِ الغيوبِ)
(أبلهٌ غيرُ لبيبٍ ... وهو في حالٍ اللبيب)
(2/81)

(جاهلٌ غيرُ أديبٍ ... وهو عونٌ للأديبِ)
(أخرسٌ غيرُ خطيبٍ ... ولهُ لفظُ الخطيبِ)
(مفحمٌ ينظمُ شِعراً ... مثلَ إقبالِ الحبيبِ)
(ساكتٌ يروي حديثاً ... مثلَ إعراضِ الرقيبِ)
(نمقتهُ الكفُ حتى ... هو كالوشي القشيب)
(من سوادٍ وبياضٍ ... كشبابٍ ومَشيب)
(فيه إمتاعٌ لأبصارٍ ... وأنسٌ للقُلوب)
(دبَ فيهنّ دبيبٌ ... كان من شرَ الدبيب)
(من صغيراتِ جسومٍ ... وكبيراتِ الذنوب)
(أخذت منها نصيباً ... فالتوى منها نصيبي)
(أفرَحت قلبَ جهولٍ ... وكوت قلبَ لبيبِ)
(ويل هاتيك المعاني ... من بديعِ وغريبِ)
(وأفانينِ كلامٍ ... بين سهلٍ وصليب)
(من بديعٍ وفصيحٍ ... وصحيحٍ ومُصيبِ)
(بُدلَ الإصلاحُ منهن ... بإفسادٍ عجيب)
(فنجومُ العلمِ والفهم ... تهاوت للغروب)
(كلُ شئٍ سوفَ يفنى ... عن بعيدٍ وقريبِ)
ومن بديع ما وُصف به الوراق ما
أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي عن أحمد بن يزيد المهلبي عن أبي هفان قال سألتُ وراقاً عن حاله فقال: عيشي أضيق من محبرة وجسمي أدق من مسطرة، وجاهي أرق من الزجاج وحظي أخفى من شق القلم ويدي أضعف من قصبة وطعامي أمر من العفص وشرابي أسود من الحبر وسوء الحال ألزم لي من الصمغ. فقلت عبرت عن بلاءٍ ببلاء فحسبك. وقلت في المحبرة والأقلام:
(2/82)

(منهلةٌ من أشرفِ المناهلِ ... تضمنُ ريَّ الصفرِ الذوابلِ)
(مَركبها ذوائبُ الأناملِ ... إذا مشت عاليةَ الأسافل)
(بكت على الطرسِ بدمع هاملِ ... فارتبطت شوارد المسائل)
(وكشفت عن غُرر الدلائل ... بيضاء تبدو في لباسِ الثاكل)
(لكنها تلبسهُ من داخل ... )
ومما لا أعرف في معناه خيراً منه قول كشاجم الكاتب:
(لا أحبُ الدواةَ تحشى يراعاً ... هي عندي من الدُّويّ معيبه)
(قلمٌ واحدٌ وجودةُ خطٍ ... فإذا زدتَ فاستزدْ أنبوبه)
(هذه قعدةُ الشجاعِ عليها ... أبداً سيرهُ وتلك جَنبيه)
ومن البديع الظريف قول أحمد بن إسماعيل:
(كأنما النقسُ إذا استمده ... غاليةٌ مذوفةٌ بنده)
ونتن الكرسف مما يُعابُ به. ومن البديع المشهور ما أنشدناه أبو أحمد عن الصولي عن أحمد بن إسماعيل للحسن بن وهب:
(مِدادٌ مثلُ خافية الغراب ... وأقلامٌ كمرهفةِ الحرابِ)
(وقرطاسٌ كرقراقِ السرابِ ... وألفاظٌ كأيامَ الشبابِ)
وقلت:
(أكثر ما تثبته الأقلامُ ... لم تسع في زواله الأيامُ)
(بالك من خُرسٍ لها كلامُ ... موتى إليها النقضُ والإبرامُ)
(2/83)

(قِوامُ مجد مالهُ قوامُ ... نِظامُ ملكٍ خانه النظامُ)
(أصاغرٌ شؤونها العظامُ ... )
ومن المختار في معناه قول الآخر:
(إنما الزعفران عطرُ العذراى ... وسوادُ الدّوِيّ عطرُ الرجالِ)
وقلت في سكين:
(أنجار وعدك في السكينِ مكرمةٌ ... غراء فضلك فيها غيرُ مجحودِ)
(أحسنْ بهِ أزرقاً في أبيضٍ يققٍ ... له مناطق من بيضٍ ومن سودٍ)
(خلفُ الوعيدِ حميدٌ لا يذمُ بهِ ... ولم يكن خلف موعودٍ بمحمود)
وكتب كافي الكفاة في ذم قلم فأبدع: وليس العجب إلا من قلم منيت به لا يستقر إذا تأنيت ولا يستمر إذا جريت طوله عرض وابرامه نقض تستغيث الحروف من التوائه وتستأنس السطور من استوائه إن قلت سر وقف وإن حثثته بالأنامل قطف فألفاظي في سنيه مأسورة ومعاني في شقيه محصورة وقد صبرت عليه ألبسه مع سوء عشرته واستمنحه مع فضل عسرته وأقول لعله يصلح بطول المداراة وعساه ينجح بكثرة المناوة وهو يزداد نفاراً ويتضاعف زللاً وعثاراً. ومما يدخل في هذا الباب قول كشاجم في غلام رآه يكتب ويخطئ فيمحو ما يخطه بريقه وهو:
(ورأيتهُ في الطرسِ يكتبُ مرةً ... غلطاً يواصلُ محوهُ برضا به)
(فوددتُ أني في يديهِ صحيفةٌ ... وودتهُ لايهتدي لصوابهِ)
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن زكريا الغلابي قال حدثنا مهدي ابن سابق قال رأى المأمون في يد جارية له قلماً وكان ذا شغفٍ بها واسمها منصف فقال:
(أراني منحتُ الودَ من ليسَ يعرف ... فما أنصفني في المحبةِ منصفُ)
(وزادتْ لدىَ حظوةً يومَ أعرضت ... وفي أصبعيها أسمرُ اللونِ أهيف)
(أصمّ سميعٌ ساكنٌ متحركٌ ... ينالُ جسيمات المدى وهو أعجفُ)
(2/84)

( ... عجبتُ له أني ودهرك معجبٌ ... يُقومُ تحريفَ العباد مُحرفُ)
وكتب الصاحبُ أبو القسم في وصف كتاب: ومن هذا الذي لا يحبُ أن يواصل علم الفضل وواسطة الدهر وقرارة الأدب والعلم ومجمع الدراية والفهم أم من لا يرغب في مكاثرة من ينتسب الربيعُ إلى خلقه ويكتسبُ محاسنه من طبعه ويتوشح بأنوار لفظه ويتوضح بآثار لسانه ويده، ووصل كتابهُ فارتحتُ لعنوانه قبل عيانه حتى إذا فاضت ختامه أقبلت الفكرة تتكاثر والدرر تتناثر والغرر تتراكم والنكتُ تتزاحم فإذا حكمتُ للفظة بالسبقِ أتت أختها تنافس وأقبلت لدتها تفاخر حتى استعفيتُ من الحكومة ونفضتُ يدي من غبار الخصومة وأخذتُ أقول كلكنَ صوادرٌ عن أصولٍ بل أصلٌ واحدٌ فتسالمن ونواقدٌ عن معدنٍ فاردٍ فتصالحن وقد وليت النظر بينها من كمل لنسج برودها ووفي بنطم عُقودها. ومثل ما تقدم من قوله في ذم القلم قوله أيضاً: على أني يا مولاي أنشأتُ هذه الأحرف وحولي أعمالٌ وأشغالٌ لا يسلمُ معها فكرٌ ولا يسمح بينها طبعٌ وتناولت قلماً كالابن العاق بل العدو المشاق فإذا أدرته استطال وإذا قومته مال وإذا حثثتهُ وقف وإذا أوقفته انحدر أجدل الشق مضطرب الشق متفاوتُ البري معدوم الجري محرف القط مثبج الخط ثم رأيت العُدول عنه ضرباً من الانقياد لأمره والانخراط في سكله فجهدته على رغمه وكددته على صغره لا جرم أن جناية اللجاج بادية على صفحات الحروف لا تخفى وعادية المحك لائحةٌ على وجوه تتجلى. وكتبتُ في وصف كتاب: والله أعلم أني أخبرت بورود كتابه فاستفزني الفرحُ قبل رؤيته وهزَ عطفي المرحُ قبل مشاهدته فما أدري أسمعت بورود كتاب أم ظفرت برجوع شباب ثم وصل بعد إنتطار له شديد وتطلع إلة وروده طويل عريض فتأملته فلم أدر ما تأملت أخطاً مسطوراً أم روضاً ممطوراً أم كلاماً منثوراً أم وشياً منشوراً ولم أدر ما أبصرتُ في أثنائه أبيات شعر أم عقودُ دُر ولم أدر ما حملته أغيثٌ حل بواد ظمآن أم غوثٌ سيقٌ إلى لهفان.
(2/85)

وكتب الصاحبُ: ووصل كتابُ القاضي فأعظمتُ قدر النعمة في مطلعه وأجللتُ محل الموهبة بموقعه وفضضته عن السحر الحلال والماء الزلال وسرحت الطرف منه في رياض رقت حواشيها وحلل تأنق واشيها فلم أتجاوز فصلاً إلا إلى أخضرَ منه فضلاً ولم أتخط سطراً إلا إلى أحسنَ منه نظماً ونثراً. ورفع رَجلٌ إلى محمد بن عبد الله بن طاهر قصةً يعتذر فيها فرأى خطه رديئاً فوقع: قد أردنا قَبُولَ عذرك فاقتطعنا دونه ما قابلنا من قبح خطك ولو كنتَ صادقاً في إعتذراك لساعدتك حركة يدك أو ما علمتَ أن حسن الخط يُناضلُ عن صاحبه بوضوح الحجة ويمكن له درك البغية. وقال علي رضي الله عنه: الخطُ الحسنُ يزيد الحقَ وضُوحاً. وقيل: حسن الخط إحدى البلاغتين. ووصف الجاحظُ الكتاب فقال: الكتاب وعاءٌ مُلئ علماً وظرفٌ حشي ظرفاً وإناء شحن مزاحاً وجداً إن شئت كان أبين من سحبان وائل وإن شئت كان أعيا من باقل وإن شئت ضحكت من نوادره وإن شئت شجتك مواعظه ومن لك بواعظٍ ملهٍ وبزاجرٍ مغرٍ ويناسك فاتكٍ وبناطق أخرس وببادرٍ حار ومن لك بطبيب أعرابي وبرومي هندي وفارسي يوناني وبقديم مولد وبميت مُمتع ومن لك بشئ يجمع الأول والآخر والناقص والوافر والشاهد والغائب والرفيع والوضيع والغث والسمين والشكل والمثل وخلافه والجنس وضده. ودخل المأمونُ على بعض بنيه فوجدهُ ينظر في كتابٍ فقال يا بني ما في كتابك؟ قال بعضُ ما يشحذ الذهن ويؤنس الوحدة. فقال الحمد لله الذي رزقني ولداً يرى بعين عقله أكثر مما يرى بعين جسده وظل مفكراً في قول ولده الطفل.
(2/86)

(الفصل الثاني من الباب التاسع)
في ذكر البلاغة قال بعض الحكماء: البلاغة قول تضطر العقول إلى فهمه، قال الشيخ أبو هلال يعني قولاً واضح المعنى غيرُ مشكل المغزى. وسأل معاوية عمرو بن العاص من أبلغ الناس؟ قال من اقتصر على الإيجاز وترك الفضول. وليس يصلح الإيجاز في كل مكان كما لا تصلح الإطالة في كل أوان بل لكل واحد منهما حينٌ يحسن فيه ومقام يليق به إن أزلته عنه لم توفه حقه ولم تسلك به طرقه. وقال محمد الأمين عليكم بالأيجاز فإن للإيجاز إفهاماً وللإطالة استبهاماً. أي عليكم بالإيجاز فيما كان الإيجاز فيه أحسن وأنجع فأما إذا كانت الإطالة أرد وأنفع فليس للإيجاز موقعٌ يحمدَ ولا حالٌ تعتمد. والإيجاز بجميع الشعر أليق وبجميع الرسائل والخطبِ وقد يكون من الرسائل والخطب ما يكون الإيجاز فيه عياً ولا أعرفه إلا بلاغة في جميع الشعر لأن سبيل الشعر أن يكون كلامه كالوحي ومعانيه كالسحر مع قربها من الفهم والذي لا بد منه حسن المعرض ووضوح الغرض كقول النابغة الذبياني
(فإنك كالليل الذي هو مدركي ... )
وقال الفرزدق:
(والشيبُ ينهض بالشبابِ كأنهُ ... ليلٌ يصيحُ بجانبيهِ نهارُ)
وقال أعرابي: أبلغُ الناس أسهلهم لفظاً وأحسنهم بديهةً. وهذا حسنٌ جداً لأن سهولة اللفظ وحسن البديهة يدلان على جودة القريحة والبلاغة الغريزية، ووعورة اللفظ تدل على تكلف وتعسف ولا شئ أذهب بماء الكلام وطلاوته ورونقه منهما ولا يحسن معهما الكلام أصلاً وإن كان لطيف المعنى نبيل الصنعة. وقد أجاد ابن الرومي في وقوله: البلاغةُ حسنُ الاقتضاب عند البديهة والغزارة يوم الإطالة. فجعل البلاغة في الغزارة كما حملها غيره في الإيجاز.
(2/87)

وقيل لهندي ما البلاغة؟ فقال وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة. وقيل لآخر ما البلاغة؟ فقال تصحيحُ الأقسام واختيارُ الكلام. وقال الحسنُ بن سهل: البلاغة ما فهمتهُ العامة ورضيتهُ الخاصة. وقال عبيد الله بن عتبة: البلاغة دنو المتأخر وقرع الحجة وقليل من كثير. وروي هذا عن أكثم بن صيفي أيضاً. وقال ابن المقفع: البلاغة اسم لمعانٍ تجري في وجوهٍ فمنها ما يكون شعراً ومنها ما يكونُ سجعاً ومنها ما يكونُ خطباً ومنها ما يكون رسائل فعامة ما يكون هذه الأحوال فالوحي فيها والإشارة إلى المعنى أبلغُ والإيجازُ البلاغة. وتأويل هذا ما قدمناه. وقال غيره: البلاغة قولٌ يسير يشتمل على معنى خطير. وقال الآخر: البلاغة علمٌ كثير في قول يسير. وقال جعفر بن يحيى: البلاغة أن يكون الاسم محيطاً بمعناك ويجلي على مغزاك ولا تستعين عليه بطول الفكرة ويكون سليماً من التكلف بعيداً من سوء الصنعة بريئاً من التعقد غنياً عن التأمل. وقال أعرابي: البلاغة التقرب من معنى البغية والتبعد من حشو الكلام وقرب المأخذ وإيجازٌ في صوب وقصد إلى الحجة وحسن الاستعارة. وقال محمد بن الحنيفة: والبلاغةُ قولٌ مفقهٌ في لطف. وقال عليٌ رضي الله عنه: البلاغة إيضاحُ الملتبسات وكشف عوار الجهالات بأحسن ما يمكن من العبارات. ومثله قول الحسن بن علي رضي الله عنهما: البلاغةُ الإفصاحُ عن حكمةٍ مستغلقة وإبانة علم مشكل. ومثله قول محمد بن علي رضي الله عنه: البلاغةُ تيسير عسير الحكمة بأقرب الألفاظ. وقال ابن المقفع: البلاغةُ كشف ما غمض من الحق وتصوير الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق. والذي قاله صحيح لا يخفى موقع الصواب فيه على أحد من أهل التمييز وذلك أن الأمر الظاهر الصحيح الثابت المكشوف ينادي على نفسه بالصحة ولا يحوج إلى التكلف لتصحيحه حتى يوجد العي فيه خطيباً وإنما الشأن في تحسين ما ليس بحسنٍ وتصحيح ما ليس بصحيح بضرب من الاحتيال والتخييل ونوع من العلل والمعاريض ليخفى موضع
(2/88)

الإساءة ويغمض موضع التقصير فيه. وقد فسرت في كتاب صنعة الكلام مواضع الأشكال من هذه الفصول فتركتُ إعادتها ههنا فإذا أردتها فاطلبها في مظانها هناك تطفر ببغيتك منها إن شاء الله تعالى. وقد أحب قومٌ الإيجاز في بعض المواضع منهم جعفر بن يحيى قال لكتابه: إن استطعتم أن يكون كلامكم مثل التوقيع فافعلوا. وقال بعضهم في المذهب الأول إذا كان الإيجاز كافياً كان التطويلُ عياً وإذا كان التطويلُ واجباً كان التقصيرُ عجزاً. وقيل لأعرابي ما البلاغة؟ فقال الإيجاز من غير عجز والاطناب من غير خطل. فانظر إلى كلام هذا الأعرابي فهو بليغ. (
جمل من بلاغات العجم)
العجمُ والعربُ في البلاغة سواءٌ فمن تعلم البلاغةَ بلغةٍ من اللغات ثم انتقل إلى لغةٍ أخرى أمكنه فيها من صنعة الكلام ما أمكنه في الأولى، وكان عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها من اللسان الفارسي فحولها إلى اللسان العربي، ويدلك على هذا أيضاً أن تراجم خُطب الفرس ورسائلهم هي على نمط خطب العرب ورسائلها، وللفرس أمثال مثل أمثال العرب معنى وصنعةً وربما كان اللفظ الفارسي في بعضها أفصح من اللفظ العربي، من ذلك قول العرب (ولدك من دمى عقبيكِ) وقول الفرس (هرك نزاد نرود) واللفظُ الفارسي في هذا أفصح من اللفظ العربي وأحسن، وقولهم (كشند ميد) مثل قول العربي (من يسمع يخل) سواءٌ في المعنى، والفارسي أقل حروفاً، وقولهم (أصيد بركة خورده) وليس للعرب في معنى هذا المثل شئ ومعناه (المأمول
(2/89)

خير من المأكول) ولا يعبر عنه بكلام عربي أقل حروفاً مما ذكرته ومع ذلك فإن حروف تفسيره بالعربية ضعفا حروفه بالفارسية، وقد جاء عن بعضهم في معنى هذا المثل (إنتظار الحاجة خبرٌ لك من قضائها) وقد خالفهم الفرس في مثل واحد وهو قولهم (به شاه اشناه نرود همدوره) العربُ تقول (جاور بحراً أو ملكاً) . وليس قصدنا لهذا المعنى فنطيلُ فيه ولكن لا يراد أمثلة في البلاغة تكون مادة لصانع الكلام: فمن ذلك قول ابرويز: إذا نزل الخمول استكشف النقص، يحثُ على طلب النباهة والتماس جلائل الأمور. وقال بهرام جور: الحاكم ميزان الله في الأرض فوافق الله تعالى في قوله: {والسماء رفعها ووضع الميزان} يعني العدل في الحكم. ونحوه قول علي رضي الله عنه: السفر ميزان القوم. وقول الآخر: العروضُ ميزان الشعر وقال الآخر منهم: أغلق أبواب الشهوات تنفتح لك أبواب المحاسن وقال آخر منهم الصواب قرين التثبت والخطأ شريك العجلة. وقال بزرجمهر: عاملوا أحرار الناس بمحض المودة وعاملوا العامة بالرغبة والرهبة وسوسو السفلة بالمخافة والهيبة. وقريبٌ من ذلك قول بعضهم: الكريم يلين إذا استعطف واللئيم يقسو إذا ألطف. وقال بعضهم: ينبغي للوالي أن يتفقد أمور رعيته فيسد فاقة أحرارها ويقمع طغيان سفلتها فإنما يصولُ الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع. وقال بعض حكماء الفرس: أحزم الملوك من غلب جده هزله وقهر رأيه هواه وعبر عن ضميره فعله ولم يختدعه رضاه عن حظه ولا غضبهُ عن كيده. وقال أنوشروان: القصدُ غاية المنافع، وقال لابنه هرمز لا يكن عندك لعمل البرَ غاية في الكثرة ولا لعمل الإثم غاية في القلة. ووافق هذا من العربي قول الأفوه الأودي:
(والخيرُ تزدادُ منهُ ما لقيتَ بهِ ... والشرُ يكفيكَ منهُ قلما زادُ)
وقالوا أيضاً: يوم العدل على الظالم أشد من يوم الظلم على المظلوم. وقال ابرويز: لا تغشوا قليلاً فتنغصوا به كثيراً. وقال يوماً لجنده لايشحذ امرؤ
(2/90)

منكم سيفه حتى يشحذ عقله. وأظنُ المتنبي ألم بهذا فقال:
(الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ ... هو أولُ وهي المحلُ الثاني)
وقال لكاتبه: إذا فكرت فلا تعجل وإذا كتبت فلا تستعن بالفضول فإنها علاوة على الكفاية ولا تقصرن عن التحقيق فإنها هُجنة في المقالة ولا تلبس كلاماً بكلام ولا تباعدن معنى من معنى واجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول. ووافق هذا قول العربي: ما رأيتُ بليغاً إلا رأيتُ له في المعاني إطالةً وفي الألفاظ تقصيراً. يحث على الإيجاز. وقال له إذا أمرت فاحكم وإذا كتبت فأوضح وإذا ملكت فأسجع وإذا سألت فأبلغ، ووافق هذا النمط قول أبي تمام:
(يقولُ فيسمع ويمشي فيسرع ... ويضرب في ذات الآله فيوجعُ)
وقال أزدشير بن بابك: من لم يرض بما قسم الله له طالت معتبته وفحش حِرصُه ومن فحش حرصه ذلت نفسه وغلب عليه الحسدُ ومن غلب عليه الحسدُ لم يزل مغموماً فيما لا ينفعه حزنياً على ما لا يناله، وهذا معنى قول الشاعر:
(ليس للحاسد إلا ما حسد)
وقال: من شغل نفسهُ بالمنى لم يخل قلبه من الأسى. وقال بعضهم: الحقوقُ أربعةٌ حقٌ لله تعالى وقضاؤه الرضا بقضائه والعمل بطاعته وأكرامُ أوليائه، وحق نفسك وقضاؤه تعهدها بما يصلحها ويصحها ويحسم مواد الادواء عنها، وحقُ الناس وقضاؤه عمومهم بالمودة ثم تخصيص كل واحد منهم بالتوقير والفضيل والصلة، وحقُ السلطان وقضاؤه تعريفه ما خفي عليه من منفعة رعية وجهاد عدوٍ وعمارة بلدٍ وسد ثغرٍ. وقال بزرجمهر: لا ينبغي للعاقل أن يجزع من حط السلطان إياه عن منزلة رفع إليها خاملاً فإن الأقدار لم تجر على قدر الأخطار وقال بزرجمهر إلزام الجهول الحجة يسير وإقراره بها عسير. وقال بزرجمهر: ثمرة القناعة الراحة وثمرة التواضع المحبة من قلوب الخلق.
(2/91)

(ومن كلام الفلاسفة)
قال ارسطاطا ليس: ليس الحاجة إلى العقل أقبح من الحاجة إلى المال. وقيل له ما أشد الأشياء على الأحمق؟ قال السكوتُ. وقيل له ما أحسن الأشياء؟ قال الانسان المزين بالأدب. وقال: العقل سبب تنغيص العيش. وإلى هذا المذهب ذهب ابنٍ أبي البغل في قوله:
(الصَّعْو يصفرُ دائبا ولأجله ... حُبس الهزازُ لأنه يترنّمُ)
(لو كنتُ أجهلُ ما علمتُ لسرّني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلمُ)
وقال المتنبي:
(ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلهِ ... وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ)
وقلتُ:
(أواصِلُ الهمِّ في ضيقٍ وفي سعةٍ ... كأنّ بيني وبينَ الهمِّ أرحاما)
(إن إمرأً عظمتْ في الناس همته ... رأى السرورَ جوىً والوفر إعداما)
وقلت:
(وأكثرُ حالاتِ الزمانِ يغمني ... وليس لغمَ العارفينَ مفرج)
ورؤي الحسنُ البصري حزيناً فقيل له في ذلك فقال: غمى مكتسبٌ من عقلي ولو كنت جاهلاً لكنت في راحة من عيشي وافتخر قومٌ بالمال عند فيثاغورس فقال: وما حاجتي إلى المال الذي يعطيه الحظ ويحفظه اللؤم ويهلكه السخاء وقيل له ما أصعب الأشياء على الانسان؟ قال أن يعرف قدر نفسه ويكتم سره. وقال بعضُ أهل الهند: ليس شئ أعرف بنفسه من الإنسان ولا أجهل بها منه. وقيل لسقراط أي السباع أجمل؟ قال المرأة. ومن التشبيه المصيب قول سقراط لرجل استشاره في التزويج: إن المتزوجين مثل السمك الذي يصاد بالقفاف فما حصل فيها يروم الخروج منها وما كان خارجاً يبغي الدخول فيها. وقيل لرجل منهم ما سبب موت أخيك؟ قال كونه. ومثل ذلك
ما أخبرني به عم أبي أبو سعيد الحسن بن سعيد أظنه عن أبيه قال: ورد البريد إلى المأمون من خراسان بموت ابن المؤيد فاستدعاه
(2/92)

وجعل يعظه ويعزيه من غير أن يذكر له المصيبة فقال المؤيد لا عهد لي من أمير المؤمنين بمثل هذا الكلام فما السبب فيه؟ قال مات ابنك قال عرفتُ ذلك قد يوم ولد. فعجب المأمون من فهمه وقال بمثل هذا قدمتك هذه العصابة وجعلتك قوام دينها ومفزعها فيما ينوبها. وقال بعض حب المال وتدالبلايا. وقال سقراط اللذةُ خناق من عسل. وقيل لجاوس توفي مانيدس فقال الويح لي قد ضاع مسنُ عقلي. وقيل له ما أحلى الأشياء قال الذي تشتهي. وقريب منه قول الأعرابي
(وقلة ما قرت به العين صالح)
وقال سقراط الحظ في إعطاء مالا ينبغي ومنع ما ينبغي سواء. ومثل ذلك قول طاهر بن الحسين: التبذير للمال ذمة كحب التقتير فاجتنب التقتير وإياك والتبذير. وقريب منه قول العربي وقد قيل له إن فيك إمساكا فقال لا أجمد في حق ولا أزور في باطل. ورأى بعضهم شاباً جاهلاً جالساً على حجر فقال هذا حجر على حجر ونحو هذا قول بعض المحدثين:
(ما أن يزالُ ببغدادٍ يزاحمنا ... على البراذينِ أمثالُ البراذين)
وقلتُ وقد رأيتُ غلاماً مليحاً طريراً يخدم لئيماً دميماً:
(إن كنتَ ترتادُ منظراً عجباً ... فانظر إلى البدر في يدِ القردِ)
(وانظر إلى الضب كيف يفترسُ الظبي ... على مرقدٍ من الوردِ)
(وذُمَ دهراً يفيضُ أنعمه ... على اللئيم المذممِ الوغدِ)
(وانظر إلى حمرة وأنته ... فوقَ مُتونِ السوابحِ الجردِ)
(فأسخنَ اللهُ عينهُ زمناً ... ماذا رأى في تجنبِ القصدِ)
وقال بعضُ اليونانيين للاسكندر أخلاقك تجعل العدو صديقاً وأحكامك تجعل الصديق عدواً ويشهد عدم مثلك فيما كان بعدم مثلك فيما يكون. وقال بعض حكمائهم لمتكبر: وددت أني مثلك في نفسك وأن أعدائي مثلك في الحقيقة. وقريب من هذا المعنى قول علي رضي الله عنه لبعض أعدائه وقد مدحهُ: أنا دون ما تظهر بلسانك وفوق
(2/93)

ما تضمرُ في جنانك. وقيل لبطليموس ما أحسن أن يصبر الإنسانُ عما يشتهي قال أحسن منه أن لا يشتهي إلا ما ينبغي. وقال أرسطاطاليس: إنك إن لم تصبر على تعب التعليم صبرت على شقاء الجهل ما بقيت يخاطب جاهلاً. (محاسن كلام العرب والأعراب والخطباء والكتاب) قال بعض حكمائهم: الصبرُ يناضل الحدثان. وقال آخر: الحلم فدام السفيه. وقال آخر: خاطر من استغنى برأيه. وقال غيره: الجزع من أعوان الزمان والمودة قرابة مستفادة. وفضل بعضهم المودة والمودة على القرابة فقال: القرابة محتاجةٌ إلى المودةُ مستغنيةٌ عن القرابة. وقال غيره وسوى بين المودة والقرابة: الصاحب مناسبٌ. وقالوا عجبُ المرء بنفسه أحد حساد عقله. ومن موجز الكلام قول بعضهم: من نال استطال والفاحشة كاسمها. وقولهم أصاب متأملٌ أو كاد. وقولهم العفوُ زكاة الجاهِ. وقولهم راحي البخيل مُكد. وقول بعضهم قلما تصدقك الأمنية. وقيل الصيانة مألف المروءة. وقال بعض الحكماء البلاء رديف الرخاء. وقيل خمول الذكر أسنى من الذكر الذميم. وهذا خلاف ما سمعنا سمعت رجلاً يقول لأن أكون رأساً في الضلالة أحب إلي من أن أكون ذنباً في الهداية. وكانت قريش تستحسن من الخاطل الإطالة ومن المخطوب الإيجاز فخطب محمد بن الوليد بن عتبة إلى عمر بن عبد العزيز ابنة أخيه فتكلم بكلام جاز الحفظ فقال عمر الحمد لله الذي أنطق البلغاء ذي الكبرياء وصلى الله على محمد خير الأنبياء أما بعد فإن الرغبة منك دعتك إلينا والرغبة فيك اجابتك منا وقد أحسن بك ظناً من أودعك كريمته واختارك ولم يختر عليك وقد زوجناك على كتاب الله
(2/94)

وسنة نبيه
فكان هذا من أوجز خطبة وأحسنها للمراد. ومن موجز كلامهم: ليس مع الخلاف ائتلاف. وقولهم رضا الناس غاية لا تبلغ. وقولهم لا ينفعك من جار سوءٍ توق. وقولهم سرك من دمك. وقيل من لم يمت لم يفت. وقولهم عقل الكاتب على قلمه. ومن الصدق الذي لا ارتياب فيه قولهم من جالس عدوه حفظ عليه عيوبه. ومن الموجز المليح ما وري أن بني أمية وفدوا على عبد الملك بن مروان فقال أهل الشام ما عسى أن يقول خطيبهم فقام رَجُلٌ منهم فقال يا أمير المؤمنين نحن من تعرفُ وحقنا مالا تنكر وجئناك من بعد ونمتُ من قرب فمهما تفعل بنا من خير فنحن أهله، فتطاول عبد الملك وقال يا أهل الشام هذا كلام قومي. ومن جيد الاستعارة قول بعضهم: كانوا في ظل رقيق الحواشي فطواه الدهرُ عنهم. وقيل القلم أنف الضمير والخط لسان اليد. وقال النبي
(جَدعَ الحلالُ أنفَ الغيرة) وقالوا الفكرة مُخُ العمل. وقيل الشيبُ خطام المنية. وقالوا المذاكرةُ حياة العلم. وقيل الخمول دفن الحي. وقلت السخاء سلم المجد. وقلت المراء ينقض مرر المودة والتواني يثمر الندامة والكسل ينتج الفقر. وقيل البياض علم الجمال. وقلت الحياء عنوان الكرم. وقلت العتاب مقدمة السخط. وقال ابن المعتز المعروف غلٌّ لا يفكه إلا شكرٌ أو مكافأة، وقلت العين رائد القلب. وقلت الذل رسيل الدين والشكر ضامن المزيد والغنى مظنة البطر. وقال آخر اللحظ طرف الضمير. وقلت الشكر مرتبط النعم. وقال آخر من جرى في عنان أمله عَثر بأجله. وقال الأعمال ثمار النيات. وقيل التواضع سلم السرف. وقلت المال عدو الوفاء. وقيل التجني رسول القطيعة وقال الأحنف الأدب عزوة العز. ومن أصدق كلمة أعرفها قول ابن المعتز: من قوي عقله كثر حلمه وقل غيظه. وقال الفرصةُ سريعةُ الفوت وبطيئة العود. وقال نرقع خرق الدنيا ويتسع ونشعبها وتنصدع ونجمع منها مالا يجتمع.
(2/95)

ووقع جعفر بن يحيى إلى بعض إخوانه: إذا وضح العذر لم يكن لسوء الظن مكان إلا لمن أراد التجني. وقيل للأحنف إن حارثة بن بدر يقع فيك فقال:
(عثيثةٌ تقرم جلداً أملساً ... )
وقال بعض الحكماء حصادُ المنى الأسف وعاقبتها الندامة وليس لذي لب بها مستمتعٌ. ومن فصيح أمثال العرب قولهم: الفرار بقرابٍ أكيس. وعزى أعرابيٌّ رجلاً فقال لا أراك الله بعد هذه المصيبة ما ينسيكها. وعزى شبيبُ بن شيبة ذمياً فقال أعطاك الله عن مصيبتك أفضل ما أعطى أهل ملتك. وقال عبد العزيز بن زرارة أول المعرفة الاختبار. وقال رجلٌ للأحنف ممن أنت قال ممن ودني. وقال البلاغةُ البلوغُ عند الكفاية. وقيل للأحنف ما أحسن المجالس قال ما سافر فيه البصرُ واتدع فيه البدن وأمن فيه الثقل وكترت فيه الفائدة. وكتب المهلب إلى عبد الملك حين هزم الأزارقة أما بعد فإنا لقينا المارقة ببلاد الأهواز وكانت في الناس جولة ثم ثاب أهل الدينُ والمروءة ونصرنا اللهُ عليهم فنزل القضاء بأمرٍ جاوزت النعمة فيه الأمل فصاروا درئية رماحنا وضرائب سيوفنا وقتل رئيسهم في جماعة من حماتهم وذوي الثبات منهم وأجلى الباقون ليلاً عن معسكرتهم وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأولها إن شاء الله تعالى. كتب إلى الحجاج: الحمد لله الكافي بالاسلام ما وراءه الذي لا تنقطع وموادٌ نعمه حتى تنقطع من خلقه مواد الشكر عليها وإنا كنا وعدونا على حاليتن يسرنا منهم أكثر مما يسوءنا ويسوءهم منا أكثر مما يسرهم فلم يزل الله تعالى يزيدنا وينقصهم ويمحضنا ويمحقهم حتى بلغ الكتابُ أجلهُ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.
(2/96)

وكتب ابن المعتز: قد علمتني نبوتك سلوتك وأسلمي اليأس منك إلى الصبر عنك. وقال أعرابي لمعاوية هززت ذوائب الرحال إليك إذ لم أجدُ معولا إلا عليك أمتطى الليل بعد النهار واسم المجاهل بالآثار يقودني نحوك الرجاء وتسوقني إليك البلوي والنفسُ مستبطئة والاجتهاد عاذر وإذ بلغتك فقط. فقال معاوية أحطط رحلك يا أعرابي. وقال سفيان الثوري رأيتُ أعرابياً متعلقاً بأستار الكعبة وهو يقول يا رب عندي لك حقوقُ فهبها لي وللناس عندي حقوقٌ فتحملها عني ولي عندهم حقوقٌ فقيضها لي وأنا ضيفك اليوم فاجعل قراي الجنة. وذكر بعضهم رجلاً فقال كان قريب مدى الوثبة لين العطفة يرضيه القليلُ ولا يسخطه الكثير.
(أمثلة في البلاغة الكتابية)
أولها التحميدُ ومن عادة العارفين أن يبتدئوا في الأمور بالحمد لله رب العالمين يقدمونه أمام طلابها كما بدئ بالنعمة فيها قبل استيجابها. كتب حمد بن مهران: الحمد لله الذي كثرت أياديه عن الإحصاء وجلت نعمه عن الجزاء. وكتب أيضاً: الحمد لله ذي البلاء الجميل والعطاء الجزيل الذي جعل للأمير سنى الرتبة وعز الدعوة ووصل له حسن الولاية بشكر النعمة وقرن لأوليائه قوة الحجة بفضل الإدالة حمداً يؤدي إلى الحق ويقتضيه ويستمد المزيد ويمتريه وإلى الله أرغب في زيادة الأمير والزيادة به وعلى يديه والأيدي الصائلة على عدوه بمنه ولطفه. فأخذ ابن دريد قوله ويستمد المزيد ويمتريه فقال تحرس نعم الله عز وجل عندنا بالحمد عليها ويمتري المزيد منها بالشكر عليها وترغب الأيادي إليه في التوفيق لما يُدني من رضاه ويجير من سخطه إنه سميع الدعاء لطيف لما يشاء. وكتب الصابي: الحمد لله ذي المنن والطول والقوة والحول والغاية والصول رافع الحق ومعليه وقامع الباطل ومرديه ومعز الدين ومديله ومذل الكفر ومذيله المنزل رحمته على من جاهد
(2/97)

في طاعته والمحل عقوبته بمن هاجر بمعصيته المتكفل بتأييد حزبه حتى يظفر وبخذلان حربه حتى يدحر الذي لا يفوته الهارب ولا ينجو منه الموارب ولا يعييه المعضل ولا يعجزه المشكل ولا تبهظه الأشغال ولاتؤوده الأثقال الغني المفتقر إليه القوي المعتمد عليه بالغ أمره بلا مؤازر وممض حكمه بلا مظاهر ذلكم الله ربكم فاعبدوه مخلصين له الدين. وروى النبي & إنه قال لما هزم الأحزاب (الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده) وكتبت: الحمد لله الذي وفر على الأنام المحاسن واكتنفها بالميامن وبسط بالخير أيديها وأفاض بالاحسان واديها وعلمها البر بالأبرار والعطف على الأحرار واختيار الخيرة للأخبار فعادت وقد زكت شجرتها وحلت ثمرتها وتثنت أغصانها وتهدلت أفنانها ولانت أعطافها وتناهت ألطافها فكأنما هي أيام أبي تمام التي وصفها فقال:
(أيامُنا مصقولةٌ أطرافها ... بك والليالي كلها أسحارُ)
بما منح من حسن رأيك أطال الله في كنف السلامة بقاءك وحجب عن عيون الغير نعماءك وخولك من العز وأوفره من الظفر أخضره وأعطاك من النعم أصفاها من الشوائب وأبعدها من ملاحظة النوائب ومنحك من الخير برمته كما قاد إليك الفضل بأزمته ولازال بك الزمان جديد الحلتين مطرز الطرتين متوج المفرق بمآثرك حالي الجيد بمفاخرك ولا سلبك نعمة ألبسك جمالها ولانزع عنك عارفةً وفر عليك كمالها:
(رأيتُ جمالَ الدهرِ فيكَ مجدداً ... فكن باقياً حتى ترى الدهرَ فانيا)
وكتب بعضهم: الحمد لله الذي استسلمت نهاية الشكر لدون ما ألزم بصنائعه. وكتبت: الحمد لله على ما تطول به من البر وما أوزع على ذلك من الشكر حمداً يتخطى به إلى غاية رضوانه ويستدعي المزيد من جزيل إحسانه. وكتبتُ: الحمد لله الذي قيض لك السبق إلى البر والفوز بالمكرمة البكر
(2/98)

والاستيلاء على قصبات الحمد والشكر. وكتب آخر: الحمد لله الذي جعل من أليابنا بصائر تقدونا إلى معرفته ومعارف ترشدنا إلى الاقرار بربوبيته ليخرجنا من الظلمات إلى النور برحمته.
(ومن جيد الأدعية)
ما كتب الصاحبُ أبو القسم بن عباد: أسعد الله سيدنا بالفضل الجديد والنيروز الحميد سعادةُ متصلة المادة حافظةً لجميل العادة موذنة بظاهر العز والبسطة وتزايد السرور والغبطة مؤمنه من عوادي الأيام وبوادر الزمان وأراه سادتي الفتيان قد اقتفى كلٌ منهم مجده وحكى في طلب المعالي أباه وجده وجعل سيدنا آخذاً من كل ما دعي به ويدعي به في الأعياد بأجزل الأقسام وأوفر الأعداد. وكتب الصابي إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف: أطال الله بقاء مولاي الأستاذ وأسعده بنيروزه الوارد عليه وأعاده ألف عام إليه وجعله فيه وفي أيامه كلها معافى سالماً فائزاً غانماً مسروراً محبوراً محروساً موفوراً مختوماً له ببلوغ الآمال مطروفاً عليه عين الكمال محظور الافنية عن النوائب محمى الشرائع عن الشوائب مبلغاً غاية ما تسمو إليه همته العالية المشتطة وأمانيه المنفسحة المنبسطة بقدرته. والفصل الأخير من هذا يشير إلى قول ابن المعتز: أصحب الله بقاءك عزاً يبسط يدك لوليك وعلى عدوك وكلاءة تذب عن ودائع مننهِ عندك وزاد في نعمك وإن عظمت وبلغك آمالك وإن بعدت. وكتب بعضهم عش ما شئت كما شئت، وهو من قول أبي نواس:
(دارت على فتيةٍ ذلَّ الزمانُ لهم ... فما يصبيهم إلا بما شاؤا)
وكتب بعضهم عش أطول الأعمار موقى من سوء الأقدار مرزوقاً نهاية الآمال مغبوطاً على كل حال. وكتب آخر بلغك الله نهاية من العمر لا نهاية لمستزيد وراءها. وقريبٌ منه قول البحتري:
(2/99)

(عمرتَ أبا إسحاقَ ما صَلَحَ العُمرُ ... ولا زال معموراً بأيامِك الدهرُ)
وقول الآخر:
(فلا زالتِ الأرضُ معمورَةً ... بُعمرك يا خيرَ عُمارها)
ومما يجري مع ذلك وليس منه قول أبي تمام:
(من يسأل الله أن يُبقى سَراتكمُ ... فإنما رامَ أن يستبقَى الكرما)
وقول المتنبي:
(أعيذكم من صروف دهركمُ ... فإنهُ بالكرام مُتّهمُ)
قلت:
(فلا زالت الأقدارُ دونَ محلكم ... سواقطَ والمكروهُ عنكم مقصِّرا)
وقال بعضهم: جعلك الله من كل محبوب على شرف ومن كل محذور في كنف. وكتب آخر، لا زالت الأيام لك مساعدة والليالي على هواك مساعفة تتلقاك بأوفر الحبور وتطلع عليك بعوائد السرور وتجري مقاديرها لك بالمحبوب وتتقاعس عنك بالمحذور المرهوب ويحكم لك بالرشد والسعادة ويقضي على أعدائك بالذل والقماءة وكتب ابن المعتز أخرتني العلة عن الوزير أيده الله فحضرت بالدعاء في كتابي لينوب عني ويعمرَ ما أخلته العوائق مني أسأل الله أن يجعل هذا العيد أعظم الأعياد السالفة بركة عليه ودون الأعياد المستقبلة فيما يجب ويجب له ويتقبل ما نتوسل به إلى مرضاته ويضاعف الإحسان إليه على الإحسان منه ويمتعه بصبحة النعمة ولباس العافية ولا يريه في مسرةٍ نقيصةً ولا يقطع عنه فيها عادة جميلة. وهذا مأخوذٌ من قول سعيد بن حميد: تابع الله لك صالح الأيام ومحمود الأعوام حتى يكون كل يوم منها موفياً على ما قبله مقصعاُ عما بعده. وكتب ابن المعتز: حفظ الله النعمة عليك وفيك وولي إصلاحك والاصلاح لك وأجزل من الخير حظك والحظ منك ومن عليك وعلينا بك. وكتب إلى عليل: مسحك الله بيد العافية ووجه إليك وافد السلامة وملاك
(2/100)

ما أفادك وهناك ما قسم لك وأمتع بك وليك وألان لك طاعة عدوك وجمل الدولة ببقائك وزينها بدوام نعمائك. وكتب الصاحب أبو القسم: والله يديم لمولانا ولي النعم التمكين والبسطة والعلوَ والقدرة والعز والنصرة ولا يسلب القلوب ما أودعها من محبة دولته ولا يعدم الصدور ما ضمنها من خشية صولته ليزداد أولياؤه بصيرة في مناصحته ويضطر أعداؤه إلى استعطافه واستقالته إنه قدير على ما يشاء وإليه أرغب في زيادة مولانا من فضله وصلة المناجح بسعيه وعزمه وتعريفة الميامن في ارتحاله وحله وتوفيقه لما يحفظ رأي ولي نعمته ويستديم المقسوم له من محمدته. وكتب أبو الحسن بن أبي البغل إلى علي بن عيسى: وهنأ الله الوزير ما أتاه وجعله أيمن أمر من أمور الدين والدنيا بداءاً وفاتحةً وأسلمه مالاً وعاقبةً وأطوله أمداً ومدةً وأدومه انتظاماً واستقامةً وأوفره كفاية لله وجميل ولايته وصادق معونته حظاً وسهمةً ويسر لديه العسير وقرب على يده البعيد والشطير إنه على كل شئ قدير. وقال أعرابي لرجل النعم ثلاثٌ نعمةٌ في حال كونها ونعمةٌ ترجى مُستقبلة ونعمةٌ تأتى غير محتسبة فأدام الله لك ما أنت فيه وحقق ظنك قيما ترتجيه وتفضل عليك بما لم تحتسبه.
(المديح)
قد صدرت الكتاب بذكر المديح على مذهب الشعراء وأنا أورده هنا صدراً على مذهب الكتاب ليشتمل الكتاب به على الكمال إن شاء الله تعالى. ذكر رجل لبعض البلغاء فقال: هو أحلى من رخص السعر وأمن السبل وإدراك الأماني وبلوغ الآمال. وكتب بعضُ الكتاب: وجرى لك من ذكر ما خصك الله به وأفردك بفضيلته من شرف النفس والقدر وعلو المنزلة والذكر وبعد الهمة ومضاء العزيمة وكمال الأداة والآلة والتمهد في السياسة والأيالة وحياطة
(2/101)

الدين والأدب وإيجاب عظيم الحق بضعيف السبب مالا يزال يجري مثله عند كل ذكر يتجدد لك وحديث يؤثر عنك. وكتبت: من حل محل سيدنا في شرف المنصب وطهارة العنصر وزكاء الأصل ونماءٍ الفرع وستي الحسب وسري النسب مع الشيم الطاهرة والمكارم المتظاهرة كثرت الرغبة إليه وخيمت الآمال بين يديه وهو حقيقٌ بتصديقها فيه وتحقيقها عند مؤمليه لكرمه في نفسه وتميزه من جنسه. وقال بعضهم لرجل: رحم الله أباك فإنه كان يقري العين جمالاً والأذن بياناً. ومما يجري مع ذلك أن بعضَ الملوك رأى رجلاً قبيح المنظر عي اللسان فأمر بإسقاطه وقال إن روح الحياة وهي الإنسانية إذا كان ظاهراً كان جمالاً وإذا كان باطناً كان بياتا فمن خلا من الجمال والبيان فليس بإنسان. وكتب الصاحب: وليس ببدع أن يجود كلامه وتعتدل أقسامه ويتهذب بيانه ويتسع جنانه وقد راض العلوم حتى أعطته زمامها ومارس الآداب حتى ملكته خطامها فإن عُد الفقه كان البازل الذي ذلل الفحولَ مصاولة وإن ذكر الكلام كان الجبل الذي فرع الأطواد مطاولة وإن تصرف في أيام الناس وأخبارهم وفحص عن سيرهم وآثارهم حاضر محاضرة الأفراد وكاثر مكاثرة الآحاد وإن جوري في سوائر الأمثال وفقر الأشعار ترك المجاري لا يدري أي طريق يركب وأي مذهب يذهب وأما الخطابة فهو جذيلها المككك وعذيقها المرجب وقد سُلمت إليه مذهب يذهب وأما الخطابة فهو جذيلها المحكك وعذيقها المرجب وقد سلمت إليه إختياراً من مواليه واضطراراً من معاديه. وقال رجلٌ لخالد القسري إنك لتبذل ما جل وتجبر ما اعتل وتكثر ما قل. وكتب إبراهيم بن العباس: وإن أمير المؤمنين لو استغنى بنظر ناظرٍ من ولاته واجتهاد مجتهد من كفاته الذين لهم الأثرة عنده والموضع الأخص عن الاستظهار عليه بنظره وعنايته واهتمامه كنت أولى من خفف بمكانه عن نفسه واقتصر على عنايته وتدبيره دون إرشاده وتسديده فالله يعزهُ ويزيد في تأييده.
(2/102)

3 - (فأما الذم والتهجين)
فمن بديع الاستعارة فيه قول أعرابي يذم رجلاً: يقطع نهاره بالمنى ويتوسد ذراع الهم إذا أمسى. ودخل أعرابي بغداد فقال فإذا ثياب أحرار على أجساد عبيد إقبال حظهم إدبار حظ الكرم شجر فروعه عند أصوله شغلهم عن المعروف رغبتهم في المنكر. وقال بعضهم لرجل استضاف بخيلاً: نزلتَ بوادٍ غير ممطور ورجل غير مسرور فأقم بندمٍ وارحل بعدمٍ. وقال أعرابي: أولئك قومٌ سلخت أقفاؤهم بالهجاء ودبغت جلودهم باللؤم فلباسهم في الدنيا الملامة وزادهم في الآخرة الندامة. وقال أعرابي لا تدنس شعرك بعرض فلان فإنه سمينُ المال مهزول المعروف من المرزوقين فجأة قصير عمر الغنى طويل حياة الفقر، ومن ههنا أخذ أبو نواس قوله:
(بما أهجوكَ لا أدري ... لساني فيكَ لا يجري)
(إذا فكّرت في عرضك ... أشفقتُ على شعري)
واستشارت امرأةٌ امرأةً في رجل تزوجه فقالت لا تفعلي فإنه وكلةٌ تكلة يأكل خلله. وكلة وتكلة بمعنى واحدٍ وهو الذي يتكل في الأمور على غيره ولا يقومُ فيها بنفسه والتاء في تكلة واوكما قيل تراثٌ وهو من ورث، والخلل ما يخرج من بين الأسنان عند التخلل وليس في اللؤم شئ من الكلام أبلغ من هذا. وقريبٌ منه قولهم فلان يثير الكلاب عن مرابضها، يريدون أنه من طعمه وشرهه يثيرها يطلب تحتها شيئاً قد فضل منها، ومن ذلك قول الشاعر:
(أمن بيتِ الكلابِ طلبتَ عظماً ... لقد حدثتَ نفسك بالمحال)
3 - (في الشكر)
وكتب ابنُ المعتز في الشكر: قد جلت نعمتك عن شكري فتولى الله مكافأتك
(2/103)

عن عجزي بعد جهدي بما هو أرفع له وأقدر عليه بمنه ورأفته، وهذا من قول طريح بن إسماعيل
(فقصرت مغلوباً وإني لشاكرُ)
وكتب آخر: إذا كان مجهودي في شكر النعمة واعترافي بحق العارفة يبلغني أقصى نهاية الشاكرين وأبعد غاية المعترفين وكانت زيادة معروفك على قدر شكري كزيادة قيمتك في نفسي فقد أسقط الله تكلف ما جاوز الطاقة عني. وكتب بعضهم: قلبي نجي ذكرك ولساني خادم شكرك. ومما يجري مع ذلك ما كتب بعضهم: أما بعد فإن أثقل الناس حملاً من تحمل آمال المؤملين وأولاهم بالمكافأة من أخدمك عِرضه فتذلل لك ونفسه فتواضع دونك وقلبه فكان في رجائك وتأمليك ولسانه فكان في ذكر محاسنك ونشر مناقبك. وقريب من هذا المعنى قول ابن الرومي:
(إنَ امرأً رفضَ المكاسبَ واغتدى ... يتعلم الأدابَ حتى أحكما)
(فكسا وحلّى كلَّ أروع ماجدٍ ... من حرَ ما حاك الضميرُ ونظّما)
(مُتشاغلاً عما يُمارس غيره ... حتى لقد أثري اللئامُ وأعدما)
(ثقةً برعي الأكرمينَ ذمامهُ ... لأحقُ ملتمسٍ بأن لايحرما)
وكتبت: وتأملت التوقيع في معنى المعيشة فتصور لي الغنى بصورته وقابلني بصدق مخيلته وعرفت أن الدهر قد غضت جفونه ونامت عيونه وتنحت عن ساحتي خطوبه وهذه نعم أعيا بذكرها فكيف أطمع في أداء شكرها بل عسى أن يكون الاعتراف بقصور الشكر عنها شكراً لها ومقابلة بما خلص إلي منها وأنا معترف بذلك اعتراف الروض بحقوق الأنواء وقائل به كما أقول بفضل الوفاء. وقال ابن المقفع: الشكرُ نسيمُ النعمة. وقال علي بن عبيدة: النعمة كالروضة والشكر كالزهرة. وكتب ابن المعتز في معنى آخر: سألت عن خبري وأنا في عافية لا عيب فيها إلا فقدك ونعمة لا مزيد فيها إلا بك. وكتب أبو العباس بن ثوابة: وأنا أسأل الله إذا من بنعمةٍ أن يجعلك المقدم فيها وإذا امتحن بمنحة أن يجعلني وقاءً لك منها. وكتب في فصلٍ: وإذا ضاق على أن أفعل فليس
(2/104)

يضيق عليك أن تتفضل إذا كان كل واحد منا يجري إلى غاية في البر والعقوق. وكتب أبو علي الضرير: تجاوز بي ذكر فضلك ووصف محاسنك والاخبار بما وهب الله للامام والأمة فيك إلى القول بحاجتي قبلك ليس لأني جهلتُ الحق علي لك ولا لأني أدخرت الثناء الجميل لغيرك ولكني رأيتني فيما أتعاطى منه كالمخبر عن ضوء النهار الباهر الذي لا يخفى على ناظر وكالمنبه على الأمر الواضح الذي يستوي فيه العالم والجاهل فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك ووكلت الاخبار عنك إلى علم الناس بك. قد انتهى بنا القول في هذا الباب إلى هنا لعلمنا انا إن أردنا استيعابهُ لم نقدر عليه لكثرته ونرجو أن يقع الاكتفاء به إن شاء الله تعالى وهو حسبنا ونعم الوكيل والحمد لله وحده. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي دل على قدرته وأبان عن حكمته باختلاف ما خلق من الصور وتباين ما أنشأ من الفطر من ملكٍ وإنسان وبهيمةٍ وجان وطائر يمسح صفحات التراب ويأخذ بإهاب السحاب وحنش ينطوي على أدراجه ويستوي مرة في أعواجاجه إلى غير ذلك من خلقٍ مختلفة وأجرام متباينة حقيرها جليلٌ وصغيرها كبيرٌ وجعل منافعها متاعاً للإنسان الذي كرمه تكريماً وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً.
(2/105)

ِ
(هذا كتاب المبالغة)
في صفات الخيل والإبل والسير والفلوات وذكر الوحوش والطيور والحشرات وما يجري مع ذلك وهو:
(الباب العاشر من كتاب ديوان المعاني وهو ستة فصول)
3 - (الفصل الأول)
في صفات الخيل قد وصفها الناس في قديم الدهر وحديثه وصفاً كثيراً واتسع فيها قولهم إتساعاً شديداً وأنا أجئ بالبديع الغريب من ذلك وأضرب عن غيره لكثرته وإستفاضته ولا حاجة بالناس إلى أن نورد عليهم ما عرفوه ووقفوا عليه وتداولوه إلا مالا بُد من إيراده لفقد شبيهه وعدم نظيره: فمن بديع ما جاء عن القدماء في صفة الفرس قول أبي دؤاد:
(يحمل منه بعضه بعضه ... فراكبٌ منهُ مركوبُ)
وقول الأعرابي:
(وأحمرُ كالدبياج أما سماؤهُ ... فَرَيا وأما أرضهُ فمحُولُ)
سماؤه: أعاليه، وأرضه: أسافله: يعني حوافره. ومن أجود ما قيل في تأنيف أذن الفرس ما أنشده القتبي
(كأن آذانها أطراف أقلام)
وأحسن ما قيل في اصطفاف الخيل قول الأسعر:
(يخرجنَ من خللِ الغبارِ عوابساً ... كأناملِ المقرورِ أقعى فاصطلى)
(2/106)

أي كلهن يبادرُ الغارة فليس يفوت بعضها بعضاً: أخذه علي بن جبلة فقال رحمه الله:
(كأنَ خيلكَ في أثناءِ غمرتها ... أرسالُ قطرٍ تهامَى فوق أرسالِ)
(يخرجنَ من غمراتِ النقع سامية ... نشر الأناملِ من ذي القرةِ الصالي)
والأول أجود. ومثل ذلك قول الراجز
(مستويات كضلوع الجنب ... )
وفي وصف وقع قوائمها قول مالك بن حريم الهمداني:
(وتَهدي بي الخيل المغيرةَ نَهدة ... إذا صبرت صابت قوائمها معا)
ومن أحسن الاستعارة قوله:
(وإن عثرت إحدى يديهِ بثبْرة ... تجاوبَ أثناء الثلاث بدعدَعا)
وكان الأحسن أن لا يصفها بالعثار إلا أن قوله
(تجاوب أثناء الثلاث بدعدها ... )
مستعار حسن يعفى على إساءته في وصفه إياه بالعثار، ودعدع مثل قولهم (لعاً) وهو دعاء للعاثر بالحياة. وأهدى بعضهم شهرياً وكتب: بعثتُ بشهري حسن المجموع لين الموضوع وطئ المرفوع همه أمامه وسوطه لجامه. وقد أحسن ابن المعتز في وقوله:
(وخيل طواها القودُ حتى كأنّها ... أنابيبُ سمرِ من قنا الخط زبِّل)
(صببنا عليهم ظالمينَ سياطَنا ... فطارت بها أيدٍ سِراعٍ وأرجُلُ)
فذكر أنهم ضربوها من غير أن تمنع شيئاً من مطلوب سيرها فكانوا ظالمين لها. وقد أجاد في قوله أيضاً
(أضيع شئ سوطه إذ تركبه ... )
وقالوا أحسن بيت قالته العرب قول جرير:
(وطوى الطرادُ مع القيادِ بطونها ... على التجارِ بحضرموتَ بُرُودا)
وقد أحسن الأعرابي القول في سرعة الفرس حيث يقول
(غايةُ مجدٍ رُفعت فمن لها ... نحن حويناها وكنا أهلها)
(لو ترسلُ الريح لجئنا قبلها ... )
(2/107)

وقول الآخر:
(جاءَ كمثلِ البرقِ جاشَ ماطرُه ... يسبحُ أولاهُ ويطفو آخره)
(فما يَمس الأرضَ منهُ حافرهُ ... )
وهذا غاية في وصف سرعة العدو إلا أن قوله
(يسبح أولاه ويطفو آخره ... )
ردئ لأنه جعله مضطرب المقاديم والمآخير. وقول عبيدة بن الطيب في الثور:
(يخفي الترابَ بأظلافٍ ثمانيةٍ ... في أربع مَسَّهنَّ الأرض تحليلُ)
يقول ان مواصلة هذا الثور بين خطواته كمواصلة الحالف يمينه بالتحلة لا تراخي بينهما، والتحلة قول إن شاء الله. ومن عجيب القول في سرعة الفرس قول ابن المعتز:
(كأنّ جنانَ الفلاةِ تضربه ... كأنّ ما يَهربُ منهُ يطلبه)
وقد أجاد القائل في صفة كلاب
(كأنما يرفعن مالا يُوضع ... )
ومن عجيب ما قيل في إدامة الجري قول العربُ يباري عنانه ظله ويباري شباة الرمح. ويستحب في الفرس إشراف مقدمه ومؤخره فمن أجود ما قيل في ذلك قول علي بن جبلة:
(تحسبهُ أقعدَ في استقبالهِ ... حتى إذا استدبرتهُ قلتَ أكبّ)
وقد أجاد المتنبي هذا المعنى في قوله:
(إن أدبرتْ قلتَ لا تليلَ لهاِ ... أو أقبلت قلتَ مالها كفلُ)
وقلت:
(طِرف إذا استقبلته قلتَ حبا ... حتى إذا إستدبرته قلت كبا)
(ذو أربع يلقى الصفا بمثلها ... وللحصى من خلفها وثب دبا)
(إذا ترامينَ به في سيرهِِ ... تحسبهُ منها على أنف الصبا)
ووصف النبي
إناث الخيل بأعجب وصف في قوله (ظهورها حرز وبطونها كنز) وقال الأسعر الجعفي في معنى قول النبي
ظهورها حرز:
(ولقد علمتُ على توقّيَّ الردَى ... أن الحصونَ الخيل لا مَدَر القرى)
(2/108)

ومن أجود ما وصف به حضر الفرس قول الأعرابي في فرسه
(يحضر ما وجد أرضاً)
وقد بالغ امرؤ القيس في قوله:
(على هيكل يعطيك قبلَ سُؤِاله ... أفانينَ جرى غير كز ولا وان)
وقوله (قبل سؤاله) عجيب الموقع، وقوله
(أفانين جري)
أعجب وأبلغ. وأجود ما وصف به ظفره عند الطلب قوله:
(وقد أغتدي والطيرُ في وكناتها ... بمنجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكلِ)
فجعل الأوابد وهي الوحش مقيدة له ينالها كيف يريد. وقد أجاد أيضاً وأحسن القول في اليقين بالظفر حيث يقول:
(إذا ما ولدنا قالَ ولدانُ أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطبُ)
وأحسن عمارة التقسيم في قوله في هذا المعنى:
(وأرى الوحشَ في يميني إذا ما ... كانَ يوماً عنانهُ في شمالي)
ونقله الشماخ بن ضرار إلى وصف رام فأحسن حيث يقول:
(قليلُ التلاد غير قوسٍ وأسهم ... كأنَّ الذي يرمي من الوحش تارز)
أي جامدٌ باردٌ يصيبه كيف يريد. وجعله أبو نواس في نعت كلاب فقال:
(بأكلبٍ تمرحُ في قداتها ... تَعُدُّ عيرَ الوحشِ في أقواتها)
وهو من قول أبي النجم
(تعد غابات اللوى من مالها)
وقوله:
(يردى على حوافرٍ لا تخذلُه ... صم الشوَى يحملها وتحمله)
(حافٍ وما يحفى وما تنعلهُ ... ثار عجاج مستطيل قسطله)
(تنقش منه الخيل مالا تعزله ... في جنبه الطائر ديث عجله)
(كأنَّ تربَ القاع وهو يسحله ... ضيقُ شياطين زفتهُ شمأله)
(2/109)

(أو خلقٌ ينشقُّ عنه سمله ... ترى الغلامَ ساجياً لا يركله)
(يعطيهِ ما شاء وليس يسأله ... فوافت الخيل ونحن نشكله)
ويستحب في الخيل سعة المنخرين فمن أبلغ ما قيل في ذلك قول مزاحم بن طفيل العقيلي
(منخرٍ كوجار الثعلب الخرب ... )
فجعله خرباً ليكون أوسع. وقال العباس بن مرداس:
(مِلء الحزامين ملء العين ... ينفشُ عندَ الربو منخرين)
(كنفش كيرين بكفي قين ... )
ومن أبلغ ما قيل في طول عنق الفرس قول مزاحم العقيلي أيضاً كأن هاديه جذعٌ على شرفٍ فلم يرض أن جعلها جذعا حتى جعلها على شرف كصنيع الخنساء في قولها
(كأنه علمٌ في رأسه نار ... )
وقلت:
(بمعقودِ السراة على اندماج ... ومزرورِ القميصِ على انشمارِ)
(يُريكَ جبينهُ لمعانَ برقٍ ... وسائر جسمه لمعان قار)
(فيشبه تحتَ جُنح الليلِ ليلاً ... ويحكي الخالَ في خدِّ النهارِ)
(ويقبلُ حينَ يُقبلُ في سموّ ... ويُدبِرُ حينَ يُدْبرُ في انحدار)
(ويُمسك وهو كالغدن المعلى ... ويحضرُ وهو كالمسد المغار)
(يلوحُ البدرُ منهُ في جبينٍ ... وتتضحُ الثريا في عذارِ)
وقد أبدع القائل في وصف فرس أبلق أغر فقال:
(وكأنما لطمَ الصباحُ جبينه ... فاقتصى منه فخاضَ في أحشائه)
إلا أنه أساء في العبارة وذلك أن اللطم لا يكون إلا على الخد وضرب الجبين لا يسمى لطماً والقصاص يكون بمثل الفعل فالقصاص باللطم اللطم لا الخوض في الأحشاء. وقال ابن دريد وأحسن في وصف الغرة والتحجيل:
(كأنما الجوْزَاءُ في أرْساغِهِ ... والنجمُ في جبهتهِ إذا بدا)
ونحوه قول كشاجم
(2/110)

(قد راحَ تحت الصبح ليلٌ مُظلم ... لو راحَ في السرج المحلى الأدهم)
(ضحك اللجينُ على سوادِ أديمه ... وكذا الظلام تنير فيه الأنجمُ)
(فكأنهُ ببناتِ نعش مُلبَّبٌ ... وكأنما هو بالثريا مُلجَمُ)
وقلت:
(عارضتُ فيهِ النجمُ فوقَ مُطهم ... يهوى لطيئه هُوِيَّ الأعقب)
(ذاوي العسيبِ قصيره ضافي السبيب ... طويلهُ صافي الأديم محبب)
(كالنورِ بينَ العشبِ يبهرُ حسنهُ ... بين الجيادِ إذا بدا في موكب)
(وتطيرُ أربعهُ بهِ في أبطح ... فكأنه من طولها في مرقبِ)
(صمّ الحوافرِ شرب صمّ الصفا ... منها الأهلةُ في الصفا والصلبِ)
(وكأنَ غرتهُ نفضضُ وجهه ... والنقعُ يذهبهُ وإن لم يُذْهب)
(وكأنَّ في أكفالهِ وتليلهِ ... غسقَ النجومِ فتستطيلُ وترتبي)
(وكأنما الأرساغُ ماءٌ لم يسل ... والجسمُ كأسُ مدامة لم يقطب)
(لم يطلبُ إلا يفوتُ ويُطلب ... إلا يفوزُ فلم يخب في مطلب)
(والعاصفات حسيرةٌ والبارقات ... أسيرةٌ في شدةِ المتلهب)
(وكأنما يجري مدارُ حزامهِ ... أحناءَ بيتٍ بالعراءِ مطنبِ)
وأول من شبه الحافر بالحجارة الأفوه في قوله
(يرمي الجلاميد بأمثالها ... )
ثم قال رؤبة
(يرمي الجلاميد بجلمودِ مدق ... )
وأبلغ ما وصف به شدةُ قوائم الفرس ما أنشدناه أبو أحمد عن ابن دريد عن الاشنانداني عن الجرمي:
(سيانَ تحت طموه وطمورهِ ... أكمُ الفلا ومقايلُ الولدانِ)
(يطأ الخَبَار فلا يطيرُ غبارهُ ... ويرضُّ حافرهُ حصى الحزّان)
يقول سواء عنده إذا طما في سيره أي إرتفع وإذا طمر أي وثب، والأكم وهي المرتفعات من الأرض فيها حجارة وطين والمقابل وهي ملاعب الصبيان إذا لعبوا بالتراب فمدُوا منه طريقين بينهما كالجدول ثم خبؤا خبيئاً فمن أخرجه فقد غلب، والخبار الأرض السهلة، إذا مشى فيه خفف وطأه فلم يثر غباراً وإذا
(2/111)

جرى في الحزان وهي الغليظ من الأرض مكن حافره فرض الحصى. ونحوه قول جرير
(ضرم الرقاق مناقل الأجرال ... )
يقول إذا صار في الرقاق من)
الأرض اضطرام من جريه وإذا صار في الأجرال وهي مواضع الحجارة ناقل فيها لتطمئن مواقع حوافره. وقول الآخر
(شادخة تشدخ من أدلاها ... )
يقول تبعد عن الطريق ولا تبالي سهلاً أخذت أم حزناً. ومن الفرد الذي لا شبيه له قول ابن المعتز:
(ولقد غدوتُ على طمرّ قادحٍ ... رفعت قوائمهُ غمامة قسطلِ)
(ومُحجَّلٍ غر اليمين كأنه ... متبخترٌ يمشي بِكُمٍّ مُسَبلِ)
وقد أحسن القائل في قوله:
(مدى خطوهِ أقصى مواقعِ طرفهِ ... وأوَّلُهُ في منعه الخطو آخرهُ)
(وقد قطعت من لونها الشمسُ غُرَّةً ... لهُ وحجولاً ثم كالظلِّ سائرهُ)
وقال ابن المعتز:
(تمّت لهُ غُرَّةٌ كالشمسِ مشرقةٌ ... يكادُ سائُلها عن وجههِ يكفُ)
(إذا تقرَّطَ يوماً بالعذار غدا ... كأنه غادةٌ في أذنها شَنَف)
وقلت:
(إذا تحلّى بالعذارِ ومشى ... قلتَ فتاةٌ تتصدّى لفتى)
(كأنه تحت الحليِّ روضةٌ ... دَرَّ عليها الزهرُ أخلافَ الحيا)
وأبلغ ما قيل في طول الفرس في الهواء قول أبي دؤاد:
(إذا ما جرى شأوينِ وابتلَّ عطفهُ ... أناخ بهاد مثل جذع سَحُوقِ)
(كأني إذا عاليتُ حوزةَ متنهِ ... تعلق بزي عندَ بيضِ أنوق)
وبيض الأنوق في أعلى موضع من الجبل، فلا ترى أشد مبالغة من هذا البيت. وقلت:
(مضطرمُ الغدوِّ والرواحِ ... تخاله يمشي على أرماحِ)
وأخبرنا أبو القسم عن العقدي عن أبي جعفر عن المدائني قال أهدى رجل من الدهاقين إلى خالد بن عبد الله القسري برذوناً وقعد بين يديه فقال ما هذا؟
(2/112)

فقال أصلحك الله إن تركته نعس وإن حركته طار , فقالِ صفته خير منه وقال ابن المعتز:
(أسرع من لحظته إذا عدا ... أطوعُ من عِنانهِ إذا جُذبِ)
ويشبه الفرس في عدوه بالنار فأجمع ما جاء فيه قول ابن المعتز:
(ربما أغدو وتحتي طرفُ ... لاحقٌ بالمهاديات طِمْر)
(طُويَ الشحمُ على متنتيه ... مثل ما يطوي القباطي تجر)
(فهو نارٌ والترابُ دخانٌ ... مستطيرٌ وحصى الأرض جمرُ)
وقال:
(وكم غدوت بفتيانٍ تسيل بهم ... سوابقٌ أحكمتهنَّ المضاميرُ)
(مكنفاتٍ بآذانٍ نواصيها ... كما يشقُ عن الطلع الكوافير)
(تنزو كراتهمُ في كل مُعترك ... كما يطيرُ من الذعرِ العصافير)
قوله
(تسيل بهم سوابق)
من أجود ما وصف به الجري السهل. ويستحب في الفرس من الشدق وهو سعة الشدقين فمن المذكور في ذلك قول بعض العرب
(وان يُلق كلبٌ بين لحييه يذهب)
ومن مليح ما قيل فيه قول ابن المعتز:
(ناظر في غرة ... شمها واسترطا)
(وإذا سار رمى ... يدَه والتقطا)
(وكأن ملجمه ... يفتحان سفطا)
وقال:
(وغدونا بأعنة خيل ... تأخذُ الأرض بأيدي عجالِ)
(زينتها غررٌ ضاحكاتٌ ... كبدورٍ في وجوهِ الليالي)
ومن غريب التشبيه تشبيههن قوائم الفرس المحجلة عند السير بجراء كلاب بيض، قال الراجز:
(كأن اجراء كلابٍ بيض ... دون صافيه إلى التعريضِ)
وقال العماني الراجز:
(2/113)

(كأن تحت البطنِ منه أكلُباً ... بيضاً صغاراً ينتهشْنَ المنقبا)
وتبعه الحماني فقال:
(وليلٍ مثل خافية الغرابِ ... عي مذاهب وخفي بابِ)
(دلفتُ لهُ بأسودَ مستمر ... كما نظرَ الغضابُ إلى الغضاب)
(أجشُّ كأنما قابلتُ منهُ ... تبعقَ لُجّةٍ وحريقَ غابِ)
(تراهُ كأن عينك لا تراه ... إذا وصل والوثاب إلى والوثاب)
(كأن لدى مغابنهِ التماعا ... نهادش عنده بُقعُ الكلابِ)
وليس نظم هذا البيت بمختار، وذكر قوائمه ثم قال:
(يخالس بينها رفعاً ووضعاً ... كما خفقت بنانُك بالحسابِ)
ومن أحسن ما قيل في الحصى الذي يترامى بسنبك الفرس إذا جرى قول امرئ القيس:
(كأنّ الحصى من خلفِها وأمامِها ... إذا نجلته رجلها حَذفُ أعسرا)
وجعله أعسر لذهابه على غير إستواء، أحذه ابن المعتز فقال وغير لفظه وأتى بمعناه:
(يقذفُ بالرجلُ حصى الطريقِ ... كأنهُ رامٍ بلا تحقيقِ)
وقال:
(ينفي خفاف الحصى والنقعُ منتشرٌ ... كأنها خلفَ رجليه الزنابير)
وقد أجاد الكميت في قوله:
(كأن حصى المعزاءِ بينَ فروجِها ... نوى الرضخِ يلقى المصعد المتصوّب)
فجعلها لكثرتها تتلاقى في الهواء وزاد في ذلك على الممزق ومنه أخذه وهو قوله:
(كأن حصى المعزاءِ بينَ فروجها ... نوادي نوىً رضاخة لم تدققِ)
وقد أجاد الراجز في قوله
(يرضخ ما يرضخ مالا يرضخ ... )
يقول إذا وطأ الحصى نبت من تحت سنبكه فأصاب ما لم يطأه فدفعه من موضعه وكأن رضخه أي رمحه والرضخ الرمح. ويشبه الحافر بالقعب فمن قديم الشعر في ذلك قول امرئ القيس
(لها حافر مثل قعب الوليد ... )
أخذه ابن المعتز فقال:
(2/114)

(قد اغتدى بقارح ... مُسوَّم يَعبوبِ)
(ينفي الحصى بحافرٍ ... كالقَدَح المكبوبِ)
(قد ضحكت غرتهُ ... عن موضع التقطيبِ)
وقد أحسن أبو تمام في وقوله:
(بحوافرٍ حُفرٍ وصُلبِ صلِبٍ ... وأشاعرٍ شعرٍ وحلق أحلق)
فجعل البيت كله تجنسيا ولعله ما سبق إلى ذلك. وقد عاب الآمدي قوله
(وصلب صلب)
وقوله
(وحوافر حفرٍ)
وقال إن الحوافر لا تحفر الأرض وأكثر ما ذكر في ذلك أنها تثير الغبار قال وهو استقصاء المعنى، قلنا وبعضهم يستحسن ذلك وبعضهم يكرهه. ومن المذكور في صفة الفرس قول البحتري وهو أوصف المحدثين للخيل وأكثرهم إجادة في نعتها:
(أما الجوادُ فقد بلونا يومهُ ... وكفى بيومٍ مُخبراً عن عامِهِ)
(جارى الجيادَ فطارَ عن أوهامها ... سبقاً وكاد يطيرُ عن أوهامهِ)
(جذلانُ تلطمُهُ جوانبُ غُرّةٍ ... جاءت مجئ البدرِ حين تمامِهِ)
(واسودَّ ثم صَفَتْ لعينَيْ ناظرٍ ... جنباتهُ فأضاء في إظلامهِ)
(مالت نواحي عُرفه فكأنها ... عذباتُ أثلٍ مالَ تحت حمامه)
(ومقدّمِ الأذنين تحسِبُ أنّه ... بهما يرى الشخصَ الذي لأمامهِ)
(وكأن فارسَه وراء قَذَالهِ ... ردفٌ فلستَ تراه من قُدَّامهِ)
(لانَتْ معاطفُه فخُيِّلَ أنّه ... للخيزرانِ مناسبٌ بعظامهِ)
(وكأنّ صهلَتَهُ إذا استُعْلي بها ... رعدٌ يقيقع في ازدحام غَمامه)
(مثلَ الغرابِ بدا يباري صحبه ... بسواد صبغته وحسن قوامه)
(والظرف أجلبُ زائر لمؤونة ... مالم بزره بسرجِهِ ولجامهِ)
وقوله أيضاً:
(وأغرَّ في الزمن البهيمِ مُحجَّلٍ ... قد رُحُت منهُ على أغرّ مُحجل)
(2/115)

(كالهيكلِ المبنيِّ إلا أنّهُ ... في الحسنِ جاءَ كصُورةٍ في هِيْكَلِ)
(ذَنبٌ كما سحبَ الرداء يذبُ عن ... عرف وعرفٌ كالقناع المسبلِ)
(جذلانُ ينفضُ عُذرةً في غرةٍ ... يققٍ تسيلُ حُجولُها في جَنْدلَ)
(تتوهمُ الجوزاءُ في أرساغهِ ... والبدرُ غرةُ وجههِ المتهللِ)
(وتراهُ يسطعُ في الغبار لهيبهُ ... لوناً وشداً كالحريقِ المشعلِ)
(هزيج الصهيلَ كأنَّ في نَغَماتِهِ ... نَبَراتُ معبدَ في الثقيلِ الأوّل)
(مَلَكَ العُيون فإنْ بدا أعطينهَ ... نظرَ المحبِّ إلى الحبيبِ المقبلِ)
وقد أحسن ابن طباطبا في قوله:
(عجباً لشمسٍ أشرقتْ في وجهه ... لم تمح منهُ دجى الظلامِ المطبقِ)
(وإذا تمطر في الرهانِ رأيتهُ ... يجري أمامَ الريح مثلَ مطرّق)
وقال ابن المعتز:
(تحملني طِرفةٌ ... صادرةٌ واردهْ)
(ترضيك في يومها ... وهي غداً زائده)
(ورجلها تقتضي ... ويدها جاحده)
وبإسناد لنا أن رجلاً أنشد أبا البيداء قول أبي نخيلة:
(لما رأيتُ الدّيْنَ ديناً يُؤفَك ... وأمست القبةُ لا تستمسكْ)
(تفتقُ من أعراضِها وتهتك ... سرت من الباب فسارت دكك)
(منها الدَّجوجيُّ ومنها الأرمكِ ... كالليلِ إلا أنها تحركُ)
فقال لعنك الله إن كنت أنشدتنيها وأنت على غير وضوء، قوله
(كالليل إلا إنها تحرّك ... )
استثناء عجيبٌ. وقال ابن المعتز:
(إذا ما بدا أبصرتَ غرةَ وجههِ ... كعنقودِ كرمٍ بينَ غصنينِ نوّرا)
(وردفاً كظهرِ الترس أسبلِ خلفهُ ... عسيباً كعِيص الطَّودِ لما تحدّرا)
ومما يجري مع ذلك قول بعضهم:
(2/116)

(قد أشهدُ الليل بفتيانِ غُرر ... على جياد كتماثيل الصورْ)
(كأنما خيطوا عليها بالإبرْ ... أو سمِّر الفارسُ فيها فانسمر)
وبإسنادٍ لنا أن محمد بن عبد الله بن طاهر أرق ذات ليلة فقال لكاتبه أنائمٌ أنت؟ قال لا وأيد الله الأمير، قال ما أطيب الطعام؟ قال طعام شهوة في إبان جوعة، قال فما ألذ الشراب؟ قال شربة ماء بارد تطفئ بها غليلك أو كأسٌ تعاطي بها نديمك، قال فما أشهى النساء؟ قال التي تدخل إليها والهاً وتخرج عنها هارباً، وقال فما أجود الخيل؟ قال الأسوق الأعنق الذي إذا طلب لحق وإذا طلب سبق وإذا صهل أطربك وإذا بدا أعجبك. قال صدقت لله درك، اعطه يا غلام ألف دينار، قال أصلح الله الأمير وأين تقع مني ألفا دينار؟ قال أو زدت نفسك ألفاً قال أو ليس كذا؟ قال لا ولكن حقق ظنه يا غلام. فأعطاه ألفي دينار. وقيل لأعرابي أتعرف الجواد المبرز من الطيء المقرف قال نعم أما الجواد المبرز فهو الذي لهز لهز العير وأنف تأنيف السير إذا عدا إسلهب وإذا إنتصب اتلأب، والبطئ المقرف هو المدلوك الحجبة القحم الأرنبة الغليظ الرقبة الكثير الجلبة الذي إذا قلت أمسكه قال أرسلني وإذا قلت أرسله قال أمسكني. وقال المهدي لمطر بن دراج: أي الخيل أفضل؟ قال الذي إذا استقبلته قلت نافر وإذا إستدبرته قلتَ زاخر وإذا استعرضته قلت زافر، قال فأي البراذين خيرٌ؟ قال ما طرفه أمامه وسوطه عنانه، قال فأي البراذين شرٌ؟ قال الغليظ الرقبة الكثير الجلبة إذا أرسلته قال أمسكني وإذا أمسكته قال أرسلني. ووصف رجلُ من العرب خيلاً فقال: إنها لخليقة للجودة وآية ذلك إنها سامية العيون لاحقة البطون مصغية الآذان افتاء الأسنان ضخام الركبات مشرفات الحجبات رحاب المناخر صلاب الحوافر وقعها تحليل ورفعها تعليل إن طلبت فاتت
(2/117)

وإن طلبت نالت. واستوصف الحجاج ابن القرية فرساً فقال طويل الثلاث قصير الثلاث حديد الثلاث رحيب الثلاث صليب الثلاث عريض الثلاث منيف الثلاث أسود الثلاث. فاستفسره فقال طويل العنق والسبب والساق، قصير الظهر والعسيب والشعر، حديد القلب والسمع والمنكب، رحيب المنخرين والشدقين والجوف، صليب الدخيس والكاهل والعجب، عريض اللباب والحجبة والخد، منيف الجوانح والقذال والقوائم، أسود الذكر والحافر والعين. وقال محمد بن منادر في وصف فرس:
(وإذا أعْرضَ قطريهِ لنا ... وفيا واستوفيا قَدّاً بقَدّ)
(فهو كالقدْح أقامت درأهُ ... كفُ باريهِ فما فيه أوَدْ)
ووصف النظام فرساً فقال: هو صافي القميص جيد الفصوص وثيق القصب نقي العصب يبوع بيديه ويندس برجليه ويشير بأذنيه ويبعد مدى بصر عينيه يلحق الأرانب في الصعداء ويجاوزُ الظباء في الاستواء إن حركته طار وإن زجرته حار وإن طرحتَ عنانهُ سار كموج في لجة أوسيل في فجوة إن وجد علفاً أمعن وإن فقده ضغن. وأنفذ جعفر بن يحيى إلى أبيه برذوناً وكتب إليه: قد بعثت إليك ببرذون لين المرفوع وطئ الموضوع حسن المجموع طويل العذار أمين العثار. ومما يجري مع ذلك ما
أخبرني به أبو أحمد عن أبيه قال حدثني أحمد ابن طاهر أنه كتب إلى الحسن بن علي بن يحيى يستهديه لجاماً لحماره:
(جُعلتُ فِداك قد أمسى حماري ... لهُ سرجٌ وليس لهُ لجامُ)
(كمِثلِ العاطل الحسناءِ أمستْ ... لها حليٌ وليسَ لها نظام)
ثم قال
(وأنت لكل ناقصة تمام ... )
(الفصل الثاني من الباب العاشر)
في ذكر الإبل وسيرها وما يجري مع ذلك من وصف أحوالها أطرف ما قيل في صفة الإبل قول القطامي:
(2/118)

(يمشينَ رَهواً فلا الأعجازُ خاذلةٌ ... ولا الصدورُ على الأعجاز تتكلُ)
(فهنَ معترضاتٌ والحصى رمضٌ ... والريحُ ساكنةٌ والظلُّ معتدلُ)
قالت العلماء لو كان البيت الأول في صفة النساء لكان أحسن وذلك لما رأوا من تمام حسنه وظريف لفظه. والبيت الآخر هو أبلغ ما قيل في صفة هاجرة. ومن مليح ما قيل في ضمر الناقة قول ابن الخطيم:
(وقد ضَمرتْ حتى كأنَّ وضينها ... وشاحُ عروس جالَ منها على خصرِ)
ويشبهُ الزمام بالحية فمن أول ما قيل في ذلك قول الشاعر:
(يعالج مثنى حضرمي كأنّه ... حباب نقا يتلوه مرتجلٌ يرمي)
وقال ذو الرمة:
(رجعية أسفار كأنَّ زمامها ... شجاع على يسرى الذراعين مطرق)
وأخذه المتنبي فقال
(كأنّ على الأعناق منها الأفاعِيا ... )
من أجود ما قيل في ضمر الابل قول الفرزدق:
(إذا ما أنيختْ قابلتْ عن ظهورها ... حراجيج أمثال الأهلة شُسَّف)
شبهها بالأهلة لضمرها واحد يدابها. وتشبه بالقسي فمن أجود ما قيل في ذلك وأجمعه قول أبي عبادة البحتري:
(وخدان القلاص حولاً إذا قابلن ... حُولاً من أنجم الأسحارِ)
(يترقرقنَ كالسّراب وقد خضنَ ... غماراً من السرابِ الجاري)
(كالقسّي المعطفاتِ بل الأسهم ... مَبريَّةً بل الاوتاد)
وقال ابن دريد:
(أليّةً باليعملاتِ يرتمي ... بها النجاءُ بينَ أجوازٍ الفلا)
(2/119)

(خوص كأشباح الحنايا ضُمَّر ... يَرْعُفنَ بالأمشاج من جذب البري)
(يرسُبن في بحر الدُّجى وفي الضحى ... يطفون في الآلِ إذا الآل طفا)
ومن غريب ما قيل في عين الناقة قول ذي الرمة:
(كأنما عينها منها وقد ضمرت ... وضمها السير في بعضِ الأضى ميمُ)
فشبهها بالميم لاستدارتها وغورها، والأضى الواحدة أضاة وهي الغدير، وقد قصر بذي الرمة علمه بالكتابة.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن العلاء بن عبد الله بن الضحاك عن الهيثم بن عدي قال قرأ حماد الراوية على ذي الرمة شعره فرآه ترك في الخط لاماً فقال له ذو الرمة أكتب لاماً فقال حماد وإنك لتكتب قال لا أكتم عليك فإنه كان يأتي باديتنا خطاط فعلمنا الحروف تخطيطاً في الرمل في الليالي المقمرة فاستحسنتها فثبتت في قلبي ولم تخطها يدي. ودخل أبو تمام على المأمون في زي أعرابي فأنشده:
(دمنٌ ألمَّ بها فقالَ سلامُ ... كم حلَ عقدهُ صبرهِ الالمامُ)
فجعل المأمون يتعجبُ من غريب ما يأتي به من المعاني ويقول ليس هذا من معاني الأعراب فلما انتهى إلى قوله:
(هُنَّ الحَمامُ فإن كسرتَ عِيافةً ... من حائهنَّ فإنهنَّ حِمامُ)
فقال المأمون الله أكبر كنتَ يا هذا قد خلطت علي الأمر منذ اليوم وكنت حسبتك بدويا ثم تأملت معاني شعرك فإذا هي معاني الحضريين وإذا أنت منهم فقصر به ذلك عنده. وقال أبو نواس في وصف الناقة:
(ولقد تجوب بي الفلاةَ إذا ... صامَ النهارُ وقالتِ العُفُر)
(شدنيةٌ رعتِ الحمى فأتت ... ملءَ الجبالِ كأنّها قصْرُ)
(2/120)

أخذه من قول عنترة:
(فوقفتُ فيها ناقتي وكأنها ... فدنُ لأقضي حاجةَ المُتلّومِ)
إلا أن بيت أبي نواس أحسن رصفاً. وذكر ذنب الناقة فقال:
(أما إذا رفعته شامذةً ... فتقول رنّق فوقها نَسْرُ)
(أما إذا وضعتهُ عارضةً ... فتقولُ أُسبلَ خلفَها سِترُ)
أخذه من قول أبي دواد
(قوادمٍ من نسور مضرحيات ... )
وليس بيت أبي داود شيئاً مع بيت أبي نواس، ثم قال:
(وتسفُّ أحياناً فتحسبها ... مترسماً يقتادُهُ أثرُ)
(فإذا قصرتَ لها الزمامَ سما ... فوقَ المقادمِ ملطمٌ حُرٌ)
(وكأنها مُصغٍ لتسمعهُ ... بعضَ الحديثِ بأذنهِ وقرٌ)
ومن أجود ما قيل في تقدم الناقة في السير قول القطامي:
(ألمعن يقصرنَ من بخب مخيسةٍ ... ومن عرابٍ بعيداتٍ من الحادي)
أي يسبقن الحادي فيبعدن عنه، ثم قال أبو نواس وأحسن:
(تَذَرُ المطيِّ وراءَها فكأنها ... صفٌ تقدمهنَ وهي إمامُ)
وأحسن ابن المعتز في وقوله:
(وناقةٍ في مهمه رمى بها ... همٌ إذا نامَ الورَى سرَى بها)
(فهي أمام الركبِ في ذهابها ... كسطرِ بسمِ الله في كتابها)
ومن مصيب التشبيه في موطئ الناقة قوله أيضاً:
(تلقي الفلاة بخفٍ لا يقر لها ... كأن مسقطهُ في تربها طبق)
وقوله في ارتفاع الناقة في الهواء وعظمها:
(كأنا عندَ نهضتهِ رفعْنا ... خباءً فوقَ أطرافِ الرماح)
(2/121)

ومثله قوله أيضاً:
(ترنو بناظرةٍ كأنّ حِجَاجها ... وقبٌ أنافَ بشاهقٍ لم يُحلل)
(وكأنَّ مسقَطها إذا ما عرَّست ... آثارُ مسقطِ ساجدٍ متبتلِ)
(وكأن آثارَ النّسوعِ بدفِّها ... مسرى الأساودِ في دهاسٍ أهيل)
(ويشدُ حاديها بحبل كامل ... كعسيب نخلٍ خوصُهُ لم ينُجل)
وقال أيضاً:
(كأنّ المطايا إذ غدونَ بسحرةٍ ... تركنَ أفاحيصَ القطا في المباركِ)
ثم قال وهو من أجود ما قيل في سمن الإبل:
(لنا إبلٌ ملءَ الفضاء كأنما ... حملنَ التلاع الجوَّ فوقَ الحواركِ)
وقد أحسن القائل في وصف سرعتهن حيث يقول:
(خوصٌ نواج إذا حث الحداةُ بها ... حسبتَ أرجلها قُدَّامَ أيديها)
وذكر دعبل بن علي الخزاعي أن قائل هذا البيت القصافي لم يقل بيتاً جيداً سواه وكان يقول الشعر ستين سنة، وأخذه ابن المعتز فقال:
(تخالُ آخِرهُ في الشدَ أوَّله ... وفيهِ عدوٌ وراءَ السبقِ مذخورُ)
(وقد أحسن مسلم في وقوله:
(إلى الأمام تهادانا بأرحلنا ... خلقٌ من الريحِ في أشباحِ ظلمانِ)
(كانَ أفلاتها والفجرُ يأخذها ... أفلات صادرةٍ عن قوس حسبان)
وقال آخر:
(كأن يديها حينَ يجري ضفورها ... طريدانِ والرجلانِ طالبتا وترِ)
ومن بليغ ما جاء في ذلك قول ابن المعتز:
(زجرتُ بها سباح قفرٍ كأنّه ... يخافُ لحاقاً أو يبادرُ أولا)
(توارثهُ الإيجافُ حتى كأنّهُ ... لميس ضنى أعيا الطبيب المعذلا)
(2/122)

ومن بديع ما جاء في ذلك قول رؤبة بن العجاج:
(كأن أيديهن بالقاع القرقْ ... أيدي العذارى يتعاطينَ الورق)
وقد أحسن أبو الشيص في قوله:
(وليل يركب الركبان ... في أمواجهِ الخضر)
(توكلت على أهوالها ... بالله والصبر)
(وأعمال بناتِ الريح ... في المهمهة الفقر ... )
(شماليل يصافحنَ ... مُتونَ الصخرِ بالصخر)
(بإيجافٍ يقدُ الليل ... عن ناصيةِ الفجر)
وقلت:
(لنا هجماتٌ تنثني سرواتها ... بأسنمةٍ مثل الأكام سوامق)
(خبطنَ الربيعَ وانتسفنَ نباته ... كما مرت الأجلامُ فوق المفارقِ)
(بناها بناء البيت جون رواعدٌ ... تجئ على آثارِ جونٍ بوارق)
(تدورُ بأحقيها البروقُ وتنثني ... كأنّ عليها مذهباتٍ مناطقِ)
وقال ابن المعتز:
(وليل ككحل العينِ خضتُ ظُلامهُ ... بأزرقَ لماعِ وأخضر صارم)
(وطيّارةٍ بالرّحلِ صرفٍ كأنما ... تصافح رضراض الحصى بجماجم)
وقلت:
(ليلة خبطت من ظلمائها ... بنازح الخطبو إذا الخطوُ دنا)
(قد انبرَى يعترف السير بنا ... في طرق يخبط فيهنَّ الهدى)
(ينهى الوجى أمثاله عن السرى ... وساعدته ميعةٌ تنهى الوجي)
ومن مصيب التشبيه قول الراعي:
(في مهمةٍ قلقتْ بها هاماتهُا ... قلقَ الفؤوسِ إذا أرَدْنَ نصولا)
(2/123)

وقول الآخر:
(حمراءُ من نسلِ المهاري نسلُها ... إذا ترامتْ يدُها ورجلها)
(حسبتها غيرَى استفزَّ عقلها ... أتى التي كانت تخافُ بعلها)
أي كأنها من عملها بيديها ورجليها وسرعة تحريكها إياهما غيرى تخاصم وتشير بيديها لا تفتر. وقلت:
(ومهمةٍ قلقت فيها ركائبنا ... والليلُ في قلق تسري ركائبهُ)
(ركبته فكأنَّ الصبح راكبهُ ... وجبتهُ فكأن النجم جاثبهُ)
(بكل ذي ميعة جدَ الوجيف به ... فانهدَّ غاربهُ وانضم حالبه)
(وبات ينهب جنحَ الليل في عجل ... كأنه لاعبٌ طابتْ ملاعبه)
(حتى بدا الصبحُ مُبيضاً ترائبهُ ... وأدبرَ الليلُ مخضراً شواربه)
(وإنما النجحُ في ليل ترادفهُ ... إذا تأوَّب أو صبحٍ يواكبه)
(وساهر الليل في الحاجات نائمه ... وذاهب المال عند المجد كاسبه)
وقال أبو تمام:
(على كلَ روَّادِ المِلاطِ تهدمتْ ... عريكتهُ العلياءُ وانضمَّ حالبهْ)
(رَعَته الفيافي بعد ما كان حقبةً ... رعاها وماءُ الروضِ ينهل ساكبهْ)
وقلت:
(واستنهضتكَ إلى المآثرِ والعلا ... هممٌ تخال زهاؤهنَ جبالا)
(أردفتهن عزائماً فكأنما ... أردفَتُ مُرهفةَ النصالِ نصالا)
(حملْتها قلصُ الركابِ كأنها ... قُلصُ النّعامِ إذا اتبعن رِيالا)
(مهريةٌ أودى السفارُ بنحضِها ... فتخالُها تحت الرحالِ رحالا)
وقال مسلم: ( ... إليك أمين الله رامت بنا السرى ... بنات الفيافي كل مرتٍ وفدفدِ)
(أخذْن السرى أخذَ العنيفِ وأسرعَتْ ... خُطاها بها والنجمُ حيران مهتدي)
(2/124)

(لبسن الدجى حتى نضتْ وتصوبت ... هوادي نجومِ الليلِ كالدحو باليدِ)
وهذه استعارة بديعة حسنة عجيبة الموقع جداً. وقال أبو نواس:
(يكتسي عثنونه زبداً ... فنصيلاهُ إلى نحرهِ)
(ثم يعتمُّ الحَجَاجُ به ... كاعتمام النوفِ في عُشَره)
(ثم تذروه الرياحُ كما طارَ قطن النّدْفِ عن وتره)
ومن فصيح الكلام قوله في هذا المعنى:
(نفَحنَ اللغام الجعدَ ثم ضربنَه ... على كلَ خشيومٍ كريمِ المخطَّمِ)
وقال الشماخ بن ضرار:
(كأن ذراعيها ذراعا مدلةٍ ... بُعيد السباب حاولَتْ أن تغدوا)
(من البيض أعطافاً إذا اتصلت دعَت ... فراسَ بن غنم أو لقيطَ بنَ يعمرا)
(بها شرقٌ من زعفران وعنبرٍ ... أطارت من الحسن الرِداء المحبَّرا)
(تقول وقد بلَّ الدموع خمارها ... أبت عفتي أو منصبي أن أعيرا)
(كأن بذفراها مناديل قارقت ... أكفَّ رجالِ يَعصرونَ الصنوْبرا)
وقال الراجز:
(كأنها نائحة ترجعُ ... تبكي بشجوٍ وسواها الموجَعُ)
وهو نحو قول الراجز
(حسبتها غيرى استفزَّ عقلها ... )
ومثله قول الآخر:
(كأن ذراعيها ذِراعا بذية مفجَّعة لاقت حلائلَ من عُفرِ)
(سمعن لها وأستفرغت من حديثها ... فلا شئ يفري باليدين كما تفري)
فوصفها بأنها بذيةُ وقد أوجعت ونيل منها ولقيت حلائلها عن عفرٍ أي بعد زمان وتلك الشكوى في نفسها فجعلت تحدث وتحرك يديها في حديثها فلا تكاد تسكنهما. وقال أبو تمام:
(2/125)

(فما صلائي إذا كان الصلاءُ بها ... جمر الغضا الجزلِ إلا السيرُ والابلُ)
(المرضياتُك ما أرغمت آنفها ... والهادياتك وهي الشردُ الضلل)
وقال البحتري:
(والعيس تنصلُ من دجاهُ كما انجلى ... صبغ الشباب على القذال الأشيب)
وقال ابن المعتز:
(ولم نزل نخبط الفلاة بأخفافِ ... المطايا والظِّلُّ مُعتدِلُ)
(كأنّما طارَ تحتنا قزعٌ ... على أكفِّ الرياحِ ينتقلْ)
(يفري بطونَ النقا النقي كما ... يطعنُ بيضَ الجوانحِ الأسلُ)
وقال في الناقة:
(تُصغي إلى أمرِ الزَّمامِ كما ... عَطَفتْ يدُ الجاني ذُرى الغُصنِ)
وقال في لقاح:
(حَوامِلُ شَحمٍ جامدٍ فوقَ أظهر ... وإن تستغث ضراتهن به ذابا)
(إذا مامكاء الدرجاءت بمثعب ... كا سلَ خيظٌ من سدى الثوب فانسابا)
وهذا في دقة الشخب حسنٌ جداً:
(رأيتُ إنهمارَ الدرُ فوقَ فُروجِها ... كما عصَرت أيدي الغواسلِ أثوابا)
(خوازنُ نحضٍ في الجلودِ كأنها ... تُحمَّلُ كُثباناً من الرَّملِ أصلابا)
وقد أحسن في الناقة والزمام:
(وسلِ البيداءَ عن رَجُل ... يخطمُ الريح بثعبانِ)
وقال:
(وقفتُ بها عِيسِي تطيرُ بزجْرِها ... ويأمُرُها وحيُ الزمامِ فترقلُ)
(طَلوباً برجليها يَدَيها كما اقتضتْ ... يدُ الخصمِ حقاً عند آخر يمطلُ)
وقال بعض العرب:
(تطيرُ مناسمُها بالحصى ... كما نَقدَ الدرْهمَ الصيرفُ)
(2/126)

ومن غريب ما قيل في تقدم الناقة صواحبها في السير قول بعض العرب:
(جاءَ وقد ملَ ثواءِ البحرينْ ... يَنْسلُّ مِنهنَّ إذا تدانينْ)
(مثلَ انسلال الماءِ من جفنِ العينْ ... )
وأبلغ ما قيل في غزر الناقة قول أبي حية:
(تدرُ للعصفورِ لو مراها ... يَملأُ مسكَ الفيلِ لو أتاها)
ومن جيد ما وصف به سعة الاخلاف قول ابن لجإ:
(كأنّما نصّتْ إلى ضرّاتها ... من نخرِ الطلح مجوفاتها)
وقال مسلم بن الوليد في غير هذا المعنى:
(أتتك المطايا تهتدِي بمطيّةٍ ... عليها فتى كالنصلِ يؤنسه النصلُ)
وقال أبو نواس:
(أيا حبذا عَيشُ الوجادِ وضجعةً ... إلى دُفّ مِقلاقِ الوضينِ سَعومِ)
(ترامى بها الايجافُ حتى كأنها ... تحيّفُ من أقطارِها بقَدومِ)
وأخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر عن أبي حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو قال سمعت جندل بن الراعي ينشد بلال بن أبي بردة:
(نعوسٌ إذا درّت جرورٌ إذا غدت ... بُويزل عام أو سديسٌ كبازلِ)
قال فكاد صدري ينفرج من جودتها حتى كتبتها. ودرةُ الإبل مع النعاس والغنم تدر مع الاحتراس فمن أجود ما قيل في ذلك قول جبيها الأشجعي:
(رقودٌ لو أنَّ الدُّفَّ يُضرَبُ تحتها ... لتنحاشَ من قاذورة لم تناكر)
أي من قاذورة فيها يقال رجل قاذورة إذا كان يتجنب النساء ويتقي مجامعتهن. ومن الوصف الحسن قول القطامي في نوق:
(جفارٌ إذا صافتْ هضابٌ إذا شتت ... وفي الصيفِ يرددنَ المياه إلى العشرِ)
يشبهها بالآبار من كثرة ألبانها في أيام الربيع والقيظ وهي في الشتاء كالهضاب
(2/127)

سمناً وإذا شربت في اليوم العاشر التقت في مثله وفي كروشها بقيةٌ الماء. وعرض شريح ناقة للبيع فقال له المشتري كيف لبنها؟ قال احلب في أي إناء شئت، قال فكيف الوطء؟ قال أفرش ونم، قال كيف قوتها؟ قال احمل على الحائط ما شئت، قال فكيف نجارها؟ قال علق سوطك وسر. فاشتراها فلم ير شيئاً مما توهمه بصفة شريح فعاد إليه فقال لم أر شيئاً مما وصفت قال ما كذبتك قال فأقلني قال نعم فأقاله. وأنشد أبو أحمد رحمه الله:
(جاءت تهادى مائلا ذراها ... تحنُ أولاها على أخراها)
(مشي العروس قصرت خُطاها فاسمطتِ القيعانُ من رغاها)
(واتخذتنا كلنا طلاها ... )
يقول إنها كبيرة غزيرة إذا مشت سالت ألبانها فابيضت القيعان منها والرغا جمعُ رغوة، وأتخذتنا كلنا طلاها أي لشربنا ألبانها كأننا أولادها. ومن أجود ما قيل في إرتفاع الإبل وارتفاع اسنمتها قول أبي دؤاد:
(فإذا أقبلتْ تقولُ أكامٌ ... مشرفاتٌ فوقَ الأكام اكامُ)
(وإذا عرضت تقول قصور ... من سماهيج فوقها آطامُ)
(وإذا ما فجيتها بطن غيبٍ ... قلت نخلٌ قد حانَ منهُ صرامُ)
الغيب ما واراك من الشجر، وسماهيج أرضٌ بالبحرين.
(الفصل الثالث)
في ذكر الفلوات والظلال والسير والنعاس وما يجري مع ذلك فمن أبلغ ما قيل في صفة بعد الفلاة قول مسعود أخي ذي الرمة:
(ومهمةٍ فيه السرابُ يلمحُ ... يدأبُ فيه القومُ حتى يطلحوا)
(ثم يظلونَ كأن لم يَبرَحُوا ... كأنما أمسوا بحيثُ أصبحوا)
وقال رؤبةُ بن العجاج
(يكلُ وفد الريح من حيث إنخرق ... )
(2/128)

ذكر أن الريح تكل فيه لبعده، ووفد الريح مأخوذ من قول تأبط شرا
(ويسبقُ وفد الريح من حيثُ ينتحي)
وقال مسلم بن الوليد:
(تجري الرياحُ بها مرضى مولهةً ... حَسَرى تَلوذُ بأطراف الجلاميدِ)
قوله
(بأطراف الجلاميد)
زيادة ليست في بيت رؤبةَ. ويشبهون استواء الفلاة باستواء ظهر الترس قال الشاعر
(ومهمةٍ كمثلِ ظهرِ الترسِ ... )
وأحسنَ ذو الرمة حيث يقول في هذا المعنى: د
(ودَوٍّ ككفِّ المشتري غيرَ أنهُ ... بساطٌ لأخماسِ المراسيلِ واسعُ)
شبهه بكف المشتري لأن كفه ألصق، وفي رواية أخرى لأن المشتري يبسط كفه للصفق. وقلت في نحوه:
(وبحر ككفِّ الأكرمينَ يحفهُ ... صعيدٌ كأيدي السائلينَ مديدُ)
وقال بعض المحدثين:
(ودَوِّيةٍ مثل السماءِ قطعُتها ... مطوقةٌ آفاقُها بسمائِها)
(ومن عجيب التشبيه في وصف الآل قول بعض الأعراب:
(كفى حَزَنَاً أني تطاللتُ كيْ أرَى ... ذَرى علمي دَمخ فما يُرَيان)
(كأنهما والآلُ ينجابُ عنهما ... من البعدِ عينا برقع خلقان)
وهذا من أغرب ما روي من تشبيهات القدماء. وقال جميل بن معمر في السراب:
(ألا تيكما أعلامُ بثنةَ قد بَدَت ... كأنَ ذراها عممته سبيب)
(طوامِس لي من دُونِهنَّ عداوةٌ ... ولي من وراءِ الطامساتِ حبيبُ)
(بعيدٌ على كسلانَ أو ذي ملالةٍ ... وأما على ذي حاجةٍ فقريب)
والسبيب الشقة البيضاء. وقال ابن المعتز:
(والآلُ ينزو بالصوى أمواجه ... نزوَ القطا الكدريّ في الأشراك)
(والظلُّ مقرونٌ بكلَ مطيةٍ ... مشى المهارِ الدُّهم بين رِماكِ)
ولا أعرف في هذا المعنى تشبيهاً أحسن ولا أصوب من هذا.
(2/129)

ومن عجيب التشبيه في وصف اعتدال الظل عند الظهيرة قول الراجز
(وانتعل الظل فصار جوربا ... )
وقال آخر:
(إذا شئتُ أدَّانيَ صرومٌ مشيعٌ ... معي وعقامٌ تتقي الفحل مُقلت)
(يطوف بها من جانبيها ويتقي ... بها الشمس حيٌّ في الأكارع ميت)
أداني: أعاني، صرومٌ: أي صارمٌ، مشيعٌ: شجاع كأن معه أصحاباً يشيعونه فهو جرئ يعني قلبه، العقام: التي لا تلد فذاك أشد لها يعني ناقة، والمقلت: التي لا يبقى لها ولدٌ، وحيٌ في الأكارع ميتٌ: يعني ظلا قد ضارع عند انتصاف النهار. ومن بديع ما قيل في السراب قول ابن المعتز:
(وما راعني بالبَيْنِ إلا ظعائنٌ ... دَعوْنَ بكائي فاستجابت سواكبه)
(بدَتْ في بياض الآلِ والبعدُ دونهُ ... كأسطر رِقٍّ أمرضَ الخط كاتِبه)
ولهم في وصف الأسفار في البحار شعرٌ قليلٌ فمن أجود ما وصف به الموج قول الهذلي:
(نعاجٌ يرتمين إلى نعاج ... )
ولا أعرف في السير والنعاس أجود لفظاً واستعارة مما أنشدناه أبو تمام:
(يقولُ وقد مالت بنا نشوةُ الكرَى ... نعاساً ومن يعلق سُرى الليل يكسل)
(أنخ نُعطِ أنضاء النُعاسِ دواءَها ... قليلاً ورفّهَ عن قلائصَ ذبّلِ)
(فقلتُ له كيف الإناخةُ بعد ما ... حدا الليل عريان الظريفة مُنجلي)
ومما يجري مع ذلك قول الآخر:
(عودٌ على عود على عود خلق ... كأنه والليل يرمي بالغسق)
(مشاجبُ وفلق سقبٍ وطلق ... )
وعود: يريد شيخاً كبيراً؟ على عود أي على بعير مسن، على عود خلق أي طريق قديم دارس فكأنه يريدُ كأن ذلك كما قال رؤبةُ:
(فيها خطوطٌ من سواد وبلق ... كأنّه في الجلدِ توليعُ البهقِ)
أي كأن ذلك شبه البعير بالمشاجب والطريق بالسقب وهو عمودٌ من عمد
(2/130)

الخباء، شبه والشيخ بالطلق وهو القيد لانحنائه. وقريبٌ منه قول الآخر:
(عودٌ على عودِ قوود للإبل ... يموتُ بالترك ويحيا بالعملِ)
عودٌ: بعير، على عود يعني طريقاً، يموت بالترك: يعني الطريق يدرس إذا لم يسلك، ويحيا بالعمل: إذا سلك استبان. ومن المختار في صفة النعاس قول الآخر:
(فأصبحنَ بالموماةِ يحملنَ فتيةً نشاوى من الأدلاج ميلُ العمائم)
(كأن الكري سقاهم صرخديةً ... عُقاراً تمشي في المطا والقوائم)
وأخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر عن عبد الرحمن عن الأصمعي أن أبا عمرو ابن العلاء كان يستحسن قول بشامة بن غدير ويعجب منه غاية العجب:
(كأن يديها وقد أرقلت ... وقد حرنَ ثم اهتدينَ السبيلا)
(يدا سابح خرَ في غمرةٍ ... فأدركه الموتُ إلا قليلا)
ومما يجري مع ذلك قول الأعرابي:
(بدأن بنا وابن الليالي كأنّهُ ... حُسامٌ جلا عنه القيون صقيلُ)
(فما زلتُ أفني كلَ يوم شبابَهُ ... إلى أن أتتك العيسُ وهو ضئيلُ)
(الفصل الرابع)
(في ذكر الوحوش والسباع والكلاب والصيد وما يجري مع ذلك) فمن أجود ما قيل في وصف الثور إذا عدا فيخفى تارة ويظهر أخرى قول الطرماح، وكان الأصمعي يتعجب من حسنه:
(يبدو وتضمرُهُ البلادُ كأنّهُ ... سيفٌ على شرف يُسَلُّ ويغمدُ)
وقد أحسن عدي بن الرقاع في وصف ثورين وما يثيران في عدوهما من الغبار وهو:
(يتعاورانِ من الغبارِ مُلاءةً ... بيضاءَ مُخملةً هما نسجاها)
(2/131)

(تُطْوَى إذا عَلَوَا مكاناً جاسِياً ... وإذا السنابكُ أسْهَلتْ نَشَرَاها)
لا أعرف في صفة الغبار أحسن ولا أتم من هذا. وأما قوله في صفة قرن الظبي فليس له شبيه وهو من المشهور:
(يزجي أغنَ كأن إبرةَ روقهِِ ... قلمٌ أصابَ من الدَّواةِ مِدَادَها)
وقد أحسن الراعي في وصف الوعل:
(يرود بها ذبَ الريادِ كأنّه ... فتىً فارسيٌ في سراويل رامحِ)
ذب الرياد أي الوعل، ويرود يجئ ويذهب، شبه ما على قوائمه من الشعر بالسروايل وشبه قرنه بالرمح. وقال ابن المعتز:
(كأني على طاوٍ من الوحشِ ناشطٍ ... تخالُ قرون الأجلِ من خلفهِ غابا)
الأجل: القطيع من بقر الوحش، والغاب: الأجمة. وقال أيضاً:
(وجَرَتْ لنا سُنحاً جآذرُ رملةٍ ... تتلو المها كاللؤلؤ المتبدِّدِ)
(قد أطلعت إبَرَ القرونِ كأنها ... أخذ المَرَاود مِن سحيقِ الإثمِدِ)
وقال ابن المعتز:
(شغلته لواقحٌ ملأته ... غيرةً فهو خلفَهن كمىُ)
(قابضٌ جمعها إليه كما يجمع ... أيتامه إليه الوصي)
(كلما شم لاقحا سئ منها ... رأس فحلٍ برجِلها معليُّ)
(خارجٌ من ظلالِ نقع كما ... مزقَ جِلبابه الخليعُ الغويُّ)
(قد طواها التسويق والشدُّ حتى ... هي قبٌ كأنهن القسيُّ)
(هربت في رؤوسهن عيونٌ ... غائراتٌ كأنهن الركيُّ)
وقال أيضاً:
(كأن آثارَ أظلافِ الظِّباء به ... ودعٌ يخلِّفه أظلافهُ نسقُ)
ومن فصيح ما قيل في الكلب وبليغه قول أبي نواس:
(كأن لحييه على افترارهِ شكّ مساميرٍ على طوارِهِ)
(2/132)

طواره: نواحيه.
(سمعٌ إذا استروحَ لم يمارهِ ... إلا بأنْ يطلقَ من عذارهِ)
(فانصاع كالكوكبِ في انحدراهِ ... لفتَ المشير موهناُ بنارهِ)
(شداً إذا أخصف في جداره ... خرّق أذنيه شبا أظفارهِ)
وهذا مثل قوله:
(من كل أخدى ميسانِ المنكبِ ... يشبُ في القودِ شبوبَ المقربِ)
(يلحق أذنيه بحدّ المخلبِ ... )
المقرب: الكريم من الخيل يشد لكرمه بقرب البيوت، ميسان المنكب أي من سعة جلده يميس منكبه. ومن بديع الوصف قوله:
(كأنما الأظفورُ في قنابهِ ... موسى صناعٍ ردُ في نصابهِ)
(تراه في الحضر إذا هاهابه ... يكادُ أن يخرج من اها به)
أخذه من قول ذي الرمة:
(لا يذخران من الإيغال باقية ... حتى تكاد تفري عنهما الأهب)
والقناب: الغلاف. وقد أحسن في قوله وأجاد:
(فجاء يزجيها على شياتها ... شمّ العراقيبِ مُؤنفاتُها)
(مفروشة الأيدي شر نبثاتها ... مشرفة الأكتاف موفداتها)
(قود الخراطيم مخرطماتها ... غرّ الوجوهِ ومحجلاتها)
الموفدات: المشرفات، خرطوم مخرطهم مثل ليل أليل: ( ... كأن أقماراً على لبَّاتها ... ذل المآخير عملساتها)
(لتفثأ الأرنب عن حياتها ... إن حياة الكلب في وفاتها)
وقال ابن المعتز في سعة أشداق الكلاب:
(2/133)

(كأنها في حلقِ الأطواقِ ... ضواحك من سعة الأشداقِ)
وقال في شدة عدو الكلب
(كأنها تعجل شيئاً تحسبه ... )
من قول أبي نواس
(كأنما يُعجلن شيئاً لقْطا ... )
ومن بليغ ما قيل في شدة العدو قول الأحمر في الثور:
(وكأنما جهدت أليتهُ ... أن لا تمسَ الأرضَ أربعةُ)
ومن جيد وصف السرعة قول الحماني:
(يبادرُ الناظر وهو يبدُرُه ... كأنّ من يُبصرُهُ لا يبصرهُ)
وقال الأصمعي وأحسن ما قيل في صفة الذئب قول حميد بن ثور:
(ترى طرفيهِ ينسلانِ كلاهما ... كما أهتزَ عودُ النبعةِ المتتابعُ)
(ينام بأحدى مقليتهُ ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظانُ هاجعُ)
وقال الأصمعي من أوجز الكلام قول الراجز في الذئب:
(أطلس يخفي شخصهُ غبارهُ ... في فمهِ شفرتهُ ونارهُ)
(هو الخبيث عينه فرارُه ... )
ومما يجري مع ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن عبد الرحمن عن عمه عن أبي عمرو قال: رأيت باليمن غلاماً من جرم ينشد عنزاً فقلت له صفها يا غلام فقال: حسراء مقبلة شعراء مدبرة بين عثرة الدهسة وقنو الدبسة سجحاء الخدين خطلاء الأذنين قعساء الصورين كأن زنمتيها تتوا قلنسوة يالها أم عيال وثمال مال. الحسراء: التي قل شعر مقدمها، والشعراء: التي قد كثر شعرها، والغثرة غثرة كدرةٌ، والدهسة لون الأرض، والقنو شدة الحمرة، والدبسة حمرةٌ كدرةٌ، والسجحاء السهلة الخدين، والخطلاء الطويلة الأذنين المضطربتهما، والقعساء المتباعدة بين طرفي القرنين، والصور: القرن.
(2/134)

الزنمتان اللحمتان المعلقتان تحت حنك الشاة، والتتو ذؤابة القلنسوة. ولأعرابي في الذئب:
(وأطلس ملء العين يحملُ زورهُ ... وأضلاعهُ من جانبيه شوى النهدُ)
(له ذنبٌ مثل الشراع يمدُّه ... ومتنٌ كمتنِ القوس أعوجُ منأدُ)
(طواه الطوى حتى استمر مريرهُ ... فما فيهِ إلاّ الروحٌ والعظمُ والجلدُ)
(يُقضقضُ عضلاً في أسرتها الردى ... كقضقضةِ المقرُور أرعَدَه البرد)
(عَوَى ثم أقعى فارتجزتُ فهجتهُ ... فأقبل مثل البرق يتبعه الرعدُ البرد)
(وأتبعته أخرى وأضللتُ نصله ... بحيث تلوى اللبُ والرعْب والحقدُ)
وقال غيره في الفيل:
(أجردُ كالعود طويل النابين ... بعيد ما بينَ محطَ الرجلين)
(ينفض أذنين كفضلى بردين ... )
وقال ابن الرومي فيه:
(ولا أعضل النابين حامل مخطم ... به حجنٌ طوراً وطوراً به فَعَم)
(يقلب جثماناً عظيماً موثقاً ... يهدُّ بركنيه الجبالَ إذا زَحَم)
(ويسطو بخرطوم يطاوع أمرهُ ... ومشتبهات ما أصابَ بها عَثَم)
(ولست ترى بأساً يقوم لبأسهِ ... إذا أعملَ النابين في الناس أو صدم)
(الفصل الخامس من الباب العاشر)
في ذكر الطيور مما جاء من منثور الكلام في وصف الحمام قول بعضهم: بهرماني العينين عاجي
(2/135)

المنقار أصهب القرطمتين سبجي الجناحين كأنما خطا بقلمين دري الدفتين فضي الحقيبة والبطن والكشحين أرجواني الساقين والقدمين معتدل الهامة جاحظ الحدقتين رحب الأذنين والمنخرين وساع الحوصلة والشدقين محدد النكبين والركبتين سبط الذنب والكفين طويلُ العنق والقوادم والفخدين قصير الخوافي والساقين عريض الصدر والدفتين والوظيفتين غليظ القصب أجش الهدرة منتصب الهامة ذكي الحركة بعيد الذرقة. ووصف ابن المعتز حماماً طلبه من إنسان: أريد حرمي الطرق عاجي المنقار أغنَ الهدير ذا ذنبٍ قصير يسحبُ حوصلته إذا هدر وتروح صفقته إذا صفق قرطاسي الدفتين سبجي الجناحين كأن رجليه خاضتا دماً أو شربتا عندما وكأن عينيه جمرة ورأسه زبدة. وقلت في حمام أبلق:
(ومُتفقاتِ الشكل مُختلفاته ... لبسنَ ظلاماً بالصباح مرقّعا)
(أخّذْنَ من الكافور أنفاً ومِنسراً ... وخَضّبن بالحناءِ كفاً وإصبعا)
(وتدنو بأبصارٍ إذا ما أدرتَها ... جلونَ عقيقاً للعيونِ مرصعا)
(تطيرُ بأمثالِ الجُلام كأنّها ... جنادلُ تدحوها ثلاثاً وأربعا)
(تبوع بها في الجوّ من غير فترةٍ ... كأن مجاذيفاً تبوعُ بها معا)
(إذا هيَ عبّت في الغديرِ حسبتها ... تزقُّ فراخاً في المغادر جُوَّعا)
وقال بعضهم في عين العقعق:
(يُقَلِّبُ عينين في رأسهِ ... كأنهما نقطتا زئبق)
ومن المختار في الديك ما أنشده الجاحظ:
(كأن الديكَ ديكُ بني نميرٍ ... أمير المؤمنين على السريرِ)
والناس يستحسنون قول ابن المعتز في الديك:
(2/136)

(صفق إما إرتياحه لسني ... الصبح وإما على الدُّجى أسفا)
وقال ديك الجن:
(أوفى بصبغ أبي قابوس مفرقهُ ... كدرةِ التاج لما عُلَّيت شرفا)
وقوله
(صبغ أبي قابوس)
يعني شقائق النعمان، وهذا كلامٌ بعيدُ المتناول ظاهر التكلف. وقلت فيه:
(متوجٌ بعقيقٍ مقرطٌ بلجينِ ... عليه قرطق وشي مشمر الكفين)
(قدزينَ النحر منه ثنتان كالودرتين ... حتى إذا الصبح يبدو مطرز الطرتين)
(دعا دعا طروبٍ مصفق الكفين ... يزهي بتاجٍ وطوقٍ كأنه ذو رُعين)
وقال السري الرفاء:
(كشفَ الصباح قناعهُ فتألقا ... وسطا على الليل البهيم فأطرقا)
(وعلا فبشرَ بالصباح مدرعٌ ... بالوشي توج بالعقيق وطوقا)
(مُرخى فضولِ التاجِ في لَبَّاته ... ومُشّمرُ ثوباً عليهِ مغمقا)
وقال ابن المعتز:
(وقامَ فوقَ الجدارِ مشترفٌ ... كمثلِ طرفٍ أعلاهُ أسوارُ)
(رافعُ رأسٍ طوراً وخافضهُ ... كأنما العُرْف منه مِنشار)
ومن أجود ما قيل في وصف النعام قول عدي بن زيد:
(ومكانٍ زعل ظلمانهُ ... كرجالِ الحُبش تمشي بالعمد)
فقال شبه أعناقها إذا مدت بالعمد. ومن أحسن تشبيه أخذه العماني:
(كأنها حين مدت عنقها حرقا ... سودُ الرجالِ تعادي بالمزاريق)
وكان ينبغي أن يقول
(مدت أعناقها)
والذي قال ردئٌ، وقد جاء مثله. وقال ابن أبي عيينة:
(يا جنةً فاتت الجنانَ فما ... تبلغها قيمةٌ ولا ثمن)
(ألفتُها فاتخذُتها وطناً ... أنَ فؤادي لحبها وطن)
(2/137)

(أنظر وفكّر فيما تطيفُ به ... أنَ الأريبَ المفكر الفطنُ)
(من سفنٍ كالنعام مقبلةٍ ... ومن نعام كأنها سفنُ)
ومثله قوله:
(زر وادي القصرِ نعم القصرُ والوادي ... وحبذا أهلهُ من حاضر بادي)
(ترقى قراقيرهُ والعيسُ واقفةٌ ... والضبُّ والنونُ والملاحُ والحادي)
وقول الآخر:
(كأنّ بالسَّهب على خربائه ... عرشاً يخرّ الريحُ في قصبائه)
(يضحك جنُ الأرضِ من نحائه ... كأنّ قوسَ الغيمِ من ورائه)
يعني الغبار المنعرج خلفه. وقلتُ في فاختة:
(مررتُ بمطرابِ الغداةِ كأنّها ... تُعلُّ مع الاشراقِ راحاً مُفلفَلا)
ويروي
(تعل رحيقاً في الغصون مفلفلا)
:
(منمرة كدراء تحسبُ أنها ... تجللُ من جلدِ السحابةِ مفصلا)
(بَدَتْ تجتلي للعينِ طوقاً ممسكاً ... وطرفاً كما ترنو الخريدةُ أكحلا)
(لها ذنبٌ وافي الجوانبِ مثل ما ... تُقشِّرُ طلعاً أو تجردُ مِنصلا)
(إذا حلقّت في الجوّ خلتَ جناحَها ... يردُ صغيراً أو يحرك جُلجلا)
(وقال أبو نواس في جباريات:
(يخطرنَ من برانس قُشوب ... من حبرٍ عولينَ بالتذهيبِ)
(فهن أمثالُ النصارى الشيب)
وقلت في قبجة:
(أهديتُها كالهديّ آنسةٍ ... وهي سليلُ النواشزِ النفرِ)
(تلبسُ سمُّورةً مُشمّرةً ... تصونُ أطرافها من العفرِ)
(وقد جرى المسكُ من محاجرها ... فضمَّ لبَّاتها مع الثغر)
(2/138)

(تخطرُ في حلةٍ مصدرةٍ ... كأنّ أكمامها من الحِبر)
(واحمرّ منقارُها ومنخرها ... تفتحُ الوردِ في ندَى السحر)
(كأنّها حينَ نقط قرطمها ... تضربُ ياقوتةً على دُرَرِ)
وقال أبو نواس في طير الماء:
(كأنما يصفرنَ من ملاعق ... صرصرة الأقلام في المهارق)
ونقله إلى موضع آخر فقال أيضاً:
(يصفرُ أحياناً إذا لم يهزجْ ... من مثلِ حرفٍ المجدحِ المغنج)
المجدح: ما يجدح به السويق، والمغنج: المعطف. وأحسن ما شبه به ذلك قول بعض الأعراب يصف طيراً أنشده الأصمعي:
(يضربنَ أحناكاً إلى الماءِ كلّها ... لبيقٌ كمفروج المناقيشِ أسجحِ)
لبيقٌ: أي رفيق بذلك حاذق به، يقول هذه الأحناك لبيقة بالشرب، والمفروج: المفتوح ما بينه. وقلت في الخطاف:
(وزائرةٍ في كلِّ عامٍ تزورنا ... فيخبرُ عن طيبِ الزمانِ مزارها)
(تخبرُ أنَّ الجوَّ رقَ قميصهُ ... وأنَ الرّياضَ قد توشّى إزارها)
(وأنَ وجُوهَ الغُدرِ راقَ بياضها ... وأنَ وجوهَ الأرضِ راع اخضرارها)
(تحنُّ إلينا وهي من غيرِ شكلنا ... فتدنو على بُعدٍ من الشكل دارُها)
(فيعجبنا وسطَ العراصِ وقوعُها ... ويُؤنسنا بينَ الديارِ مطارُها)
(أغارَ على ضوءِ الصباحِ قميصُها ... وفازَ بألوانِ الليالي خِمارُها)
(تصيحُ كما صرّت نعالُ عرائس ... تمشت إليها هندها ونوارها)
(تجاورُنا حتى تشبَّ صغارُها ... وتقضي لباناتِ النفوسِ كبارها)
ولم أسمع في ذلك أحسن من قول بعض المحدثين:
(وغريبة حنّتْ إلى أوطانها ... جاءت تبشرُ بالزمانِ المقبل)
(2/139)

(فرشت حناح الآبنوسِ وسطرت ... بالعاج فيهِ وقهقهتْ بالصندلِ)
وقلت في أصواتها:
(أيا عجباً من آنس لك نافرٍ ... يعاودُ وُصلاً وهو في حالِ هاجرِ)
(يزور على بعدِ المكان ولم يردِ ... وصالاً فقل في زائر غيرِ زائر)
(له في الذُّرى شذرٌ يمرُ وينثني ... كما حَرك الكعبين كفُ مُقامِر)
وهذا معنى لم أسبق إليه. وقال أبو نواس في أصوات الخطاف:
(كأن أصواتها في الجوّ طائرة ... صوتُ الجُلامِ إذا ما قصّت الشعرا)
وقال ابن المعتز في البازي:
(فارسُ كفٍ مائلِ كالأسوارِ ... ذو جُؤجُؤٍ مثلِ الرُّخامِ المرمارِ)
(أو مصحفٍ منمنمٍ بأسطارٍ ... ومقلة صفراءَ مثلِ الدّينارِ)
(يرفع جفناً مثلَ حرفِ الزُّنار ... )
وهذا تشبيه في غاية الاصابة. ومن أحسن ما قيل في منسر البازي قول أبي نواس:
(ومنسرٍ أكلفَ فيه شنج ... كأنه عقدُ ثمانينا)
وقال ابن المعتز في عين البازي وأجاد فيه:
(ومقلةٍ تصدقهُ إذا رَمَقْ ... كأنها نرجسةٌ بلا ورق)
وقال أبو النواس:
(في هامةٍ علياءَ تهدي مِنسراً ... كعطفةِ الجيم بكفَ أعسرا)
وقال ابن المعتز في بزاة:
(وفتيان غدوا والليل داجٍ ... وضوءُ الصبح متهمُ الطلوعِ)
(كأن بُزاتهم أمراءُ جيشٍ ... على أكتافها صدأٌ الدُّروعِ)
وقال في عين البازي
(كأنها في الرأس مسمار ذهب ... )
(2/140)

وقال أيضاً:
(ومنسر عضب الشباه دام ... كعقدك الخمسينَ بالإبهامِ)
(وخافق للصيدِ ذي اصطلام ... ينشرهُ للنهضِ والإقدامِ)
(كنشرك البردَ على المستامِ ... )
وقال أيضاً:
(ذي جؤْجؤ محبر موشيّ ... ومقلةٍ تلحقُ بالقصيّ)
(كأنها دينارُ صيرفيّ ... واتصلت براته القُوهِيّ)
(صاف كغصن الذهب المجلي ... )
وقال أيضاً: أقمر من ضرب قمرِ ... يصقلُ حملاقاً شديدَ الطحرِ)
(كأنه مكتحلٌ متبرٌ ... في هامةٍ لمّتْ كلِمَ الفقرِ)
(تريح إن راح لأمرِ بهر ... من منخرٍ رحبٍ كعقدِ العشرِ)
وقلت في الصقر:
(وصَلَتَان فلتان أنمَر ... كأنه إذا هوى للأعفرِ)
(معنبرٌ يهوي إلى مزعفرِ ... بأبيضٍ من البزاةِ أقمر)
(منمنم الصدرِ كصدرِ الدفتر ... بمثل أهداب جفون الأحور)
وقلت:
(بصلتانٍ سلطٍ جسورِ ... تخالهُ في مفصلٍ مزرور)
(ضمَ جناحيهِ على سمُّور ... معوّج المنسرِ والأظفور)
(كالجيم في منقطع السطور ... )
وقلت في عصفورة يقال لها السقا:
(ومفتنَّة الألوانِ بيضٌ وجوهها ... ونمرٌ تراقيها وصفرٌ جنوبُها)
(كأنّ دراريعاً عليها قصيرةً ... مرقعةً أعطافُها وجيوبُها)
(تعدلُ ألوانَ الأغاني كأنما ... تعدلُ أوزانَ الأغاني عريبها)
(تسامُ إستقاءً في العشا إذا عرى ... وعطلَ أيام المصيفِ ذنوبُها)
وكان الأصمعي يتعجب من حسن بيت الطرماح في صفة الظليم مجتاب. وقلت في بلابل:
(2/141)

(مررتُ بدكنِ القمصِ سودِ العمائمِ ... تغني على أعرافٍ غيدٍ نواعمِ)
(زُهينَ بأصداغ تروقُ كأنها ... نجومٌ على أعضادِ أسود فاحم)
(ترى ذهباً ألقتهُ تحتَ مآخر ... لها ولجيناً بطنه بالمقادم)
(فيا حسنَ خلقٍ من نضارٍ وفضةٍ ... وخزٍِّ وديباج أحمّ وقاتم)
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن أبي ذكوان وأبي خليفة عن التوزي قال قال عمرو بن الحارث الجمحي ما رأى الأصمعي مثل نفسه قال الرشيد يوماً أنشدونا أحسن ما قيل في وصف العقاب فعذر القوم ولم يأتوا بشئ فقال الأصمعي أحسن ما قيل فيها:
(باتتْ يورَّقها في وكرِها سغبٌ ... وناهضُ يخلسُ الأقواتَ من فيها)
وقال امرؤ القيس:
(كأن قلوبَ الطيرِ رَطباً ويابساً ... لدى وَكرِها العنابُ والحشفُ البالي)
فقال الرشيدُ ما بعل القوم بشئ إلا وجدت عندك فيه شيئاً. وقال آخر في الغراب:
(وجرى ببينهم غداةَ تحملوا ... من ذي الأبارقِ شاجحٌ يتفيدُ)
(شنج النسا خرقُ الجناح تخاله ... في الدارِ إثر الظاعنينَ مُقَيدُ)
وقال آخر في عقعق:
(إذا بارك الله في طائرٍ ... فلابارك الله في عقعق)
(طويل الذنابي قصير الجناح ... متى ما يجد غفلةً يسرق)
(يُقلِّب عينينِ في رأسهِ ... كأنهما قطرتا زئبق)
وقال آخر في الزنابير:
(لها حماةٌ كأنها شعرِ ... تظهرُ مسودةَ وتستترُ)
(قد أذهبت فلي الجبينِ غرَّتهُ ... إذ فضِّضتْ في جيادِنا الغرَر)
وقلت في ظبية داجنة وقمارى:
(2/142)

(فيها مؤانسةٌ لنا وحشيةٌ ... تومي بناظرها إلى ظمياء)
(تختالُ في مَتصْندلٍ متكفر ... تبراً أضرَ بفضةٍ بيضاء)
(ودقيقة الأطراف وهي جسيمةٌ ... ريِّا تمرمرُ في متونِ ظِماء)
(ومغنياتٍ من وراءِ ستائرٍ ... مشقوقة الأوساطِ والأحناءِ)
(غنَّتْ فلم تحوج إلى مشهورةٍ ... وشَدَتْ فلم تفقر إلى الميلاء)
(تبدو على أعناقهنَّ أهلةٌ ... سودٌ تبدلُ ظلمةً بضياءِ)
(الفصل السادس من الباب العاشر)
(في ذكر بقية الحيوان من السنور والقنفذ والفأرة والحية والعقرب والحرباء والضب والبق والبراغيث وما يجري مع ذلك) كتب الصاحب أبو القاسم في وصف قنفذ: قد أتحفتك يا سيدي بعلق نفيس يتعجب المتأمل من أحواله ويحار الناظر في أوصافه ويتبلد المعتبر في آياته فما تعرف بديهة النظر أمن الحيوان هو أم من الجماد أم هو من الشجر أم من النبات ومن الناطق هو أم من الصامت أم من الحار أم من البارد أم من الرطب أم من اليابس حتى إذا أعطى متدبره النظر أوفى حقوقه والفحص أكمل شروطه علم أنه حي سلاحه في حضنه ورامٍ سهامه في ضمنه مقاتل رماحه على ظهره ومخاتلٌ سره خلاف جهره ومحارب حصنه من نفسه يلقاك بأخشن من حد السيف ويستتر بألين من مسه حتى إذا حذر جمع أطرافه فتحسبه رابية قتاد أو كرة حرشف ومتى أمن بسط أكنافه وهي أمضى من الأجل وأرمى من ثعل إن رأته الأراقم رأت حينها أو عاينت الأساود عانيت حتفها صعلوك ليل لا يحجم عن دامسه وحارس ظلام لا يجبن في حنادسه شعر:
(كمغشم الفتيانِ غير مهبَّل ... سهّد إذا ما نام ليلُ الهوجلِ)
(2/143)

لجرمه من الضب شبه ومن الفأر شكل ومن الورل نسبة ومن الدلدل سبب ولم أعمه عليك وهو أنقد ولذلك قيل من لم يذق غماضا ولم يرقد حثاثا بات بليلة الأنقد، وذكره الشهيم وهو الشيظم وأثناه عيمة معرفة لا يدخل الألف واللام عليها كتحوط ودجلة وكحل، ولا أعنيك هو القنفذ، ومن أحواله أن العرب تسلخ جلده فتخرجه كالشحمة البيضاء وتجعله من أنفس مآكلها وأفخر مطاعمها حتى تراه أرفع من الأفاعي وأنفع من الجرذان وتدعي جهلة الأعراب أنه من مراكب الشيطان وهو ألطفُ من الفرس حساً وأصدق سمعاً وقد جاء في المثل (أسمع من قنفذ) ومن أو ابده أنه يَسود إذا هرم ويصير كأبر ما يكون من الكلاب وأعظم ويشبهُ به ركب المرأة عقب النتف والنورة ولذلك قال ابن طارق في أرجوزة له:
(يصيرُ بعدَ حلقهِ ونورِتهْ ... كقنفذِ القفَ اختبى في فَروته)
ويشبه الساعي والنمام به لخبثه ومكره واضطرابه في ليله قال أيمن به خريم:
(كقنفذِ الرملِ لا تخفى مدارجهُ ... خبٌ إذا نامَ ليلُ الناسِ لم ينم)
وقال عبدة بنِ الطبيب:
(قومٌ إذا دَمسَ الظلامُ عليهم ... حدجوا قنافذَ بالنميمة تمرعُ)
وقال جرير:
(يَدبّون حولَ ركياتهم ... دبيبَ القنافذِ في العرفج)
فخذه يا سيدي ممتعاً واقبله شاكراً بري فيه فاحتط عليه احتياط الشحيح على ماله والجبان على روحه وارغب إلى الله تعالى في حفظه واسأله إطالة عمره وهو حسبي ونعم الوكيل. ولم أسمع في صفة الهرة أظرف من قول ابن طباطبا العلوي الاصفهاني قال فيها:
(أرِقتْ مُقلتي لحبَ عَرُوس ... طفلةٍ في الملاح غيرِ شموس)
(فتنتني بظلمةٍ وضياءٍ ... إذ بَدتْ لي كالعاج في الأبنوس)
(2/144)

(تتلقّى الظلامَ من مُقلتيها ... بشعاع يحكي شُعاعَ الشموس)
(ذات دَل قصيرة كلما قامت ... تهادى طويلة في الجلوس)
(لم تزل تسبغُ الوضوءَ وتنقى ... كلَ عضوٍ لها مس التنجيسٍ)
(دأبها ساعةَ الطهارةِ دفنُ العنبرِ ... الرطبِ في الحنوطِ اليبيس)
ومن أجود ما قيل في الحية قول النابغة:
(صلُ صفا لا ينطوي من القصَرْ ... طويلةُ الأطرافِ من غيرِ خَفَر)
(مهروتةُ الشدقينِ حولاءُ النظَرْ ... تفترُ عن عُوج حِداد كالابَرْ)
(داهية قد صغرت من الكبر ... )
وقال الآخر:
(خُلِقتْ لهازمُهُ عرين ورأسه ... كالقرص فطلح من دقيقٍ شعيرِ)
(فكأنَّ شدقيةِ إذا إستعرضتهُ ... شِدْقا عجوزٍ مضمضَتْ لطهورِ)
وأجاد خلف في قوله:
(ثم أتى بحيةٍ ما تنجي ... أبتر مثل يبذقِ الشطرنجِ)
وليس من شعر المحدثين في الحية أحسن من قول ابن المعتز:
(كأنني ساورتني يومَ بينهم ... رقشاءُ مجدولة في لونها بلقُ)
(كأنها حين تبدو من مكامنها ... غصنٌ تَفتح فيهِ النورُ والورق)
(ينسل منها لسانٌ تستغيثُ به ... كما تعوذَ بالسبابةِ الغرقُ)
وقوله أيضاً:
(أنعتُ رقشاء لا يحيى لديغتها ... لوقدِها السيف لم يعلق بهِ بللُ)
(تلقى إذا انسلختْ في الأرض جلدتها ... كأنّها كمُ درع قدهُ بطلُ)
وقلت:
(وخفيفةِ الحركاتِ تقترعُ الربىِ ... كالبرقِ يلمعُ في الغَمام الرائح)
(منقوطة تحكي بطونَ صحائف ... أبانَ تبدو من بطونِ صفائحِ)
(ترضى من الدنيا بظلَ صخيرةٍ ... ومن المعايش باشتمامِ روائح)
(2/145)

وهذا من قولهم إن الحية إذا هرمت لم تحتج إلى الطعم واكتفت بالنسيم)
وقال أعرابي:
(وحنشٍ كحلقةِ السوارِ ... غايتهُ شبرٌ من الأشبارِ)
(كأنهُ قضيبُ ماءٍ جاري ... يفترُ عن مثل تلظّي النار)
وقال آخر:
(يرقونه فكأنما ... يعنى برُقْيتهِ سواه)
وقال أبو العباس ثعلبُ يقالُ إنه لم يسمع في صفة الحية أحسن من هذا البيت وأنشد:
(كأنما لسانهُ على فيهِ ... دخانُ مصباحٍ ذكتْ ذواكيه)
وقال عبد الصمد بنُ المعدل في العقرب:
(يا ربَ ذي إفكٍ كثير خُدعه ... يبرزُ كالقرنينِ حينَ يطلعهُ)
(في مثلِ ظهرِ السبتِ حينَ تلطعه ... أسودُ كالسّيحةِ فيه مصبعه)
(لا تصنعُ الرقشاءُ مالا تصنعه ... )
وقلت فيها أيضاً:
(وإذا شتوتُ أمنتُ لسعةَ عقربٍ ... كالنارِ طارتْ من زنادِ القادحِ)
(قد خلتها تمشي بسبحة عابدٍ ... كلا لقد تمشي بصعدةٍ رامح)
وقال آخر:
(يحملُ رُمحاً ذا كعوبٍ مُشتهر ... فيه سنانٌ كالحريقِ يستعرْ)
(أنفَ تأنيفاً على حسنِ قدرِ ... تأنيف أنفِ القوسِ شُدَّت بالوتر)
ومن أحسن ما قيل في الحرباء وهي دويبة شبيهة بالعظاءة تأتي شجرة التنضبة فتمسكُ بيديها غصنين منها وتقابل الشمس بوجهها فكلما زالت عين الشمس عن ساق منها خلت يديها عنه وأمسكت بساق آخر حتى تغيب الشمس فتسبح في الأرض وترتع قال أبو داود:
(أنَّى أتيحَ لها حرباءُ تنضبة ... لا يرسلُ الساقَ إلا ممسكاً ساقا)
والعرب تقول أحزمُ من الحرباء لأنها لاترسل غصناً إلا أمسكت بآخر،
(2/146)

ويشبهُ به الرجل الحصيف الذي لا يترك سبباً إلا أخذ بسبب أمتن منه. قال ابن الرومي في امرأة ورقيبها:
(ما بالها قد حُسِّنت ورقيبُها ... أبداً قبيحٌ قُبِّح الرقباءُ)
(ما ذاك إلا أنها شمسُ الضُحى ... أبداً يكونُ رقيبها الحِرباءُ)
وقال بعض العلماء: الحرباء فارسيةٌ معربة وأصلها خورباء أي حافظ الشمس، وخور اسم للشمس بالفارسية. وكان ذو الرمة أنعت العرب للحرباء قال:
(ودَوِّيّةٍ جرداء جدَّاء خيَّمت ... بها صبواتُ الصيفِ من كل جانبْ)
(كأنَ يدي حربائها متمسكاً ... يدا مُذنب يستغفرُ الله تائبْ)
وقال أيضاً:
(وقد جعل الحرباء يصفرُّ لونهُ ... ويخضرُّ من حرَ الهجيرِ غباغبه)
(ويسبح بالكفينِ سبحاً كأنه ... أخو فجرة أوفى به الجذعُ صالبُهْ)
وقال ايضاً:
(يصلى بها الحرباء للشمس مائلا ... على الجذل إلا أنه لا يُكبِّر)
(إذا حولَ الظلَ العشىُ رأيته ... حنيفاً وفي قرنِ الضحى يتنصَّرُ)
وهذه تشبيهاتٌ مصيبةٌ عجيبةُ الإصابة دالةٌ على شدة الحذق وثقوب الذهن، وقد أجمعت العرب أن ذا الرمة أحسنهم تشبيهات. وقال ابن المعتز:
(ومهمهٍ فيه بيضاتُ القطا كِسرا ... كأنها في الأفاحيصِ القواريرُ)
(كأنَ حربائها والشمسُ تَصهرهُ ... صال لنا من لهيبِ النارِ مقرور)
وهذا تشبيهٌ مصيببٌ أيضاً إلا أن للأول ماءً وطلاوةِ ليس لذا ومن أحسن ما قيل في الضب قول الحماني
(ترى ضبّها متسعاً رأسه ... كما مدَ ساعِده الأقطعُ)
(له ظاهرٌ مثل بردِ الوشيّ ... وبطنٌ كما حسر الأصلع)
(هو الضبُ ما مدَ سكانه ... فإذ ضمّه فهو الضُّفدعَ)
ومن أجود ما قيل في البعوض وأجمعه قول بعضهم أنشده أبو عثمان:
(2/147)

(إذا البعوضُ زجلتْ أصواتها ... وأخَذَ اللحن مُغنياتها)
(لم تُطربِ السامع خافضاتها ... وأرقَ العينينِ رافعاتها)
(صغيرةٌ كبيرةٌ أذاتها ... يقصر عن بُغْيتها بُغاتها)
(ولا يصيب أبداً رُماتها ... رامحة خرطومها قناتها)
وقال آخر:
(حنانة أعظمها أذاها ... )
وقال ابن المعتز:
(بتُ بليلٍ كلّهِ لم أطرفِ ... قرقسهُ كالزيبر المنتَّفِ)
(يثقبُ الجلدَ وراء المطرفِ ... حتى ترى فيه كشكل المِصحفِ)
(أو مثل روس العصفر المندَّف ... )
وقلت:
(غناءٌ يسخنُ العينَ ... وينفي فَرَحَ القلبِ)
(ولا يأتي على الزمرِ ... ولا يجري مع الضّرب)
(غِناءُ البقَ بالليلِ ... ينافي طرَبَ الشّربِ)
(إذا ما طرَقَ المرء ... جرى في طلقِ الكرب)
(نحيفٌ راحِ كالشنَ ... ولكنْ بات كالوطب)
(إذا ما نقبَ الجلدَة ... أخفى موضعَ النَّقب)
(سوى حمرٍ خفياتٍ ... تحاكي نقطَ الكتبِ)
وقد ذكروا أن كل معنى للأوائل أخذه المتأخرون وتصرفوا فيه إلا قول عنترة في الذباب فإنه لم يتعرض له ولو رامة من رامه لا فتضح وهو قوله:
(وترى الذبابَ بها يُغني وحدَهُ ... زجلاً كفعل الشاربِ المترنمِ)
(هزجاً يحكُ ذراعَه بذراعهِ ... فعلَ المكبَ على الزنادِ الأجذمِ)
وقلت:
(وبدا فغناني البعوضُ مُطرباً ... فهرقتُ كأس النوم إذ غناني)
(ثم انبرى البرغوثُ ينقطُ أضلعي ... نقطَ المعلمُ مُشكلَ القرآن)
(حتى إذا كشفَ الصباحُ قِناعَه ... قرأتْ ليَ الذبانُ بالألحانِ)
(2/148)

وكتب أبو القسم الآمدي: وصار كاتب الديوان أفرغ من حجام ساباط وحسبك أيدك الله أن كاتب الديوان في هذا الوقت شيخٌ كان يخلفني ويخلف من كان يلي الديوان قبلي يُعرفُ بابن نوح حسن الشيبة عظيم الهامة كثير الصمت لو رأيته لقلتَ هذا نوح النبي & سمتاً ووقاراً وليس له عملٌ خلف سلته إلا صيد الذبانِ فهو أعلم خلق الله بأجناسها إذا مر به ذبانَ يطيرُ عرفه بطيرانه قبل أن يسقط فيقول هذا ذكرٌ وهذا أنثى وهذا ربيعيٌ وهذا صيفي وهذا مُلحٌ وهذا لجوجٌ يسقط على العين والأنف ويطرد فيعود وهذا يلسع وهذا ليس بلساع وهذا يقع على الأقذار وهذا نزهٌ عيوف لا يقع إلا على المآكل الحلوة والأشياء العذبة وهذا من صيد الليث وهو جنس من العناكب وليس هذا من صيده وهذا يقع في شبكة الخدرنق وهو العنكبوت الطويل الأرجل وهذا يسفدُ وهو يطير وهذا لا يسفد إلا واقعاً وهذا مما يدخل رأسه في رؤوس الذبان السبعة التي تقع في الأكحال لأنه أقرح وهذا إن وقع رأسه في كحل عمي من يكتحل به لأنه أحمر الجبهة وهذا يقبل بدنه على خرطومه وهذا لا يقبل وهذا هزجٌ مغنٍ وهذا صموتٌ وهذا يُنذرُ وهذا يبشرُ بطنينه وزمزمته فيصدق فيما يعدُ ويوعد ويكون ذلك أخذاً بالكف. وقد ألف فيها كتابا حسنا فيه نوادر وعبر. وظننته قد نظر في باب الذباب والبعوض من كتاب الحيوان واستقى من هناك ففاتحتة فاذا هو لايعرف الجاحظ ولا سمع بكتاب الحيوان قط ونظرت فإذا أبو عثمان لم ينته في معرفة الذباب إلى شئ مما انتهى إليه وعرفه. ومن أجود ما قيل في البراغيث قول بعضهم وقد ظرف في ذلك:
(فيا لعبادِ اللهِ ما لقبيلةٍ ... إذا ظهرتْ في الأرضِ شدُ مُغيرها)
(فلا الدينُ ينهاها ولا هي تنتهي ... ولا ذو سلاح من معدٍ يضِيرُها)
وقال آخر:
(هنيئاً لأهل الرّيِّ طيبُ بلادهم ... وأن أميرَ الرِّيِّ يحيى بنُ خالدِ)
(2/149)

(بلادٌ إذا جنَ الظلامُ تقاقرت ... براغيثها من بينِ مثنى وواحدِ)
(ديازجةٌ سودُ الجلودِ كأنّها ... نعالُ بريدٍ أرسلتْ في المزاود)
وقلت:
(ومن براغيث تنفي النوم عن بصري ... كأنّ جَفنيَّ عن عيني قَصيرَانِ)
(يطلبنَ مني ثأراً لستُ أعرفهُ ... إلا عدواة سودانٍ لبيضان)
وقد شكاهن الرماح الأسدي فأحسن في قوله:
(تطاولَ بالفسطاس ليلي ولم يكن ... بحنو الفضَا ليلي عليّ يطولُ)
(يؤرقني حدبُ صغارٌ أذلةٌ ... وإنّ الذي يؤذينهُ لذليلٌ)
(إذا ما قتلناهنَ أضعفنَ كثرةً ... علينا ولا ينعى لهنَ قتيلُ)
(ألا ليتَ شعري هل أبيتنَ ليلةً ... وليس لبرغوثٍ إليّ سبيلُ)
وقال ابن بالمعتز:
(وبراغيث إن ظفرنَ بجسمي ... خلتُ في كلِّ موضعٍ منهُ خالا)
وأما القمل فأعجب ما قيل فيه قول بعضهم:
(للقملِ حولَ أبي العلاءِ مصارعٌ ... من بينِ مقتولٍ وبين عقيرِ)
(وكأنهنَ إذا عَلونَ قميصَهُ ... فردٌ وتوأمَ سمسمٍ مقشورِ)
وقد أبدع جرير في قوله:
(ترى الصيبانَ عاكفةً عليهِِ ... كعنفقة الفرزدقِ حين شابا)
وقلت في النمل:
(وحيٍ أناخوا بالمنازلِ باللوى ... فصاروا بها بَعدَ القطارِ قطينا)
(إذا اختلفوا في الدارِ ظلتْ كأنهاِ ... تبددُ فيها الريحُ بزرَ قطونا)
(إذا طرقوا قِدري مع الليلِ أصبحتْ ... بواطنُها مثلَ الظوِاهرِ جُونا)
(لهم نظرةٌ يُمنى ويُسرَى إذا مشوا ... كما مرَ مرعوبٌ يخافُ كمينا)
(ويمشون صفاً في الديارِ كأنّما ... يجرونَ خيطاً في الترابِ مُبينا)
(ففي كلَ بيتٍ من بيوتيَ قريةٌ ... تضُمُّ صُنوفاً مِنهُمُ وفنُونا)
(2/150)

(فيا مَنْ رأى بيتاً يضيقُ بخمسةٍ ... وفيهِ قرياتٌ يَسعن مئينا)
قالوا ومن الأبيات الجامعة للشر قول بعض القدماء:
(به البقُ والحمّى وأسدٌ خفيةٌ ... وعمرو بنُ هند يعتدي ويجورُ)
(وبالمصر برغوثٌ وبقٌ وحصبةٌ ... وحُمّى وطاعونٌ وتلك شرور)
(وبالبدو جوعٌ لايزالُ كأنَّهُ ... دخانٌ على حدِّ الأكامِ يمورُ)
(ألا إنما الدنيا كما قالَ رَبنُّا ... لأحمدَ حزنٌ تارَةً وسرورُ)
وقلت في الجراد:
(أجنحةُ كأنها أرديةٌ من قصبِِ ... لكنها منقوطةٌ مثل صدورِ الكُتبِ)
(وأرجل كأنّها ... مناشرٌ من ذهب)
وقلت:
(وأعرابية ترتادُ زاداً ... فتمرقُ من بلادٍ في بلادِ)
(غدتْ تمشي بمنشارٍ كليلٍ ... تبوعُ به قرارةَ كلَ وادي)
(وتنشر في الهواء رداءَ شرب ... على أرجائه نقطُ المدادِ)
(وتلبسُ تحتَ ذاك عطاف لاذٍ ... على أكنافه ودع الجساد)
ومن عجيب ما قيل في الفأر ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن سعيد عن الرياشي قال دخل أعرابي البصرة فاشترى خبزاً فأكله الفأر فقال في ذلك:
(عجّلْ ربُ الناسِ بالعقابِ ... لعامراتِ البيتِ بالخرابِ)
(كحل العيونِ وقس الرقابِ ... مجردات أحبل الأذنابِ)
(مثل مدارِ الطفلةِ الكعابِ ... كيف لها بأنمر وثّاب)
(مُنهرتِ الشدقِ حديدِ النابِ ... كأنما يكشرُ عن حرابِ)
(يفرسها كالأسد الوثابِ ... )
آخر الباب العاشر من كتاب ديوان المعاني والحمد لله حق حمده وصلواته على محمد وآله وصحبة والخلفاء الراشدين من بعده.
(2/151)

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما أراد بنا من عاجل الخير وآجله ومؤتنفه وراهنه فجعل لنا في أنفسنا مواعظ وفي أبداننا زواجر يرشدنا ويهدينا ويكفنا عما يردينا من مرض بعد صحة وشيبة بعد شيبة لنعتبر بتغير الأحوال علينا وتغير الحدثان إيانا حمداً تتألف أشتاتهُ وتتصل مواده وصلى الله على محمد وآله.
(هذا كتاب المبالغة)
(في صفة الشباب والشيب والخضاب والعلل والموت والمراثي) والزهد وما يجري مع ذلك وهو:
(الباب الحادي عشر من كتاب ديوان المعاني)
فأول ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي قال سمعتُ ابن الأعرابي يقولُ لا أعرفُ في التفجع على الشباب وفي ذم الشيب أحسن من قول أبي حازم الباهلي على قرب عهده:
(لا تكذبنَ فما الدُّنيا بأجمعها ... من الشبابِ بيومٍ واحدٍ بدلُ)
(شَرْخ الشبابِ لقد أبقيتَ لي أسفاً ... ما جدَ ذكرك إلا جّدَّ لي ثكلُ)
(كفاك بالشيب ذنباً عندَ غانيةٍ ... وبالشبابِ شفيعاً أيها الرجلُ)
(2/152)

وأحسن منه عندي قول منصور النمري:
(ما تنقضي حسرةٌ مني ولا جزعُ ... إذا ذكرتُ شباباً ليس يرتجعُ)
(بانَ الشبابُ ففاتتني بشرتهِ ... صروفُ دهرٍ وأيام لنا خُدعُ)
(ما كنتُ أوفي شبابي كنهَ غرتهِ ... حتى انقضى فإذا الدنيا لهُ تبع)
قوله
(فأذا الدنيا له تبع)
من أشرف كلام وأنبله وأجمعه وأوجزه، وسمعه الرشيد فقال نعم لا خير في دنيا لا يخطر فيها ببرد الشباب. وقال محمود الوراق:
(لا يحسن النسك والشباب ... ولا البطالاتُ والخضابُ)
(كلُ نعيمٍ وكلُ عيشٍ ... قبلَ الثلاثينَ يُستطابُ)
وقال غيره:
(فقالتْ وهل بعدَ الثلاثينَ مَلعب ... فقلتُ وهل قبلَ الثلاثينَ ملعبُ)
وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الصولي قال حدثنا الفضل بن الحباب الجمحي قال حدثنا محمد بن سلام قال من كلام يونس بن حبيب: الكبر وكل عيب والعزل وكل ذم والولاية وكل مدح والشباب وكل صحة واليسار وكل فضيلة والفقر وكل ذلة. وقال ابن المعتز:
(لهفي على دَهر الصبا القصيرِ ... وغصنهِ ذي الورقِ النضيرِ)
(وسكرهِ وذنبهِ المغفورِ ... وَمَرح القلوبِ في الصُّدورِ)
(وطولِ حبلٍ الأملِ المجرورِ في ظلِّ عيشٍ غافلٍ غريرِ)
(أغدو وجنى الصبا أميري ... ملء العيونِ الغانياتِ الحورِ)
وقال الحماني:
(وأيامهُ الغُرُ مثلُ الخطوطِ ... في المسكِ فوقَ خدودِ الحسانِ ( ...
(2/153)

(لياليَ أنت جُذيلُ الصِّبا ... وأيامه وعُذيق الغواني)
وقال أيضاً:
(أيام كنتُ من الغواني ... كالسوادِ من القلوبِ)
(فإذا أستطعنَ خبأني ... بين المخانقِ والجيوب)
وقال أبو عبد الله بن المعتز:
(يا قلبُ ليسَ إلى الصبا من مرجعٍ ... فاحزنْ فلستَ بمثلهِ مفجوعا)
وقال يصف نفسه في شبيته:
(من بعدِ ما قد كنتُ أيَّ فتىً ... كقضيبِ بانٍ ناعمٍ رطبِ)
(فإذا رأتني عينُ غانيةٍ ... قالت أو ابدُ طرفها حسبي)
ونحوه قوله:
(إذا ما تمشت فيَّ عينُ خريدةٍ ... فليستْ تخطّاني إلى من ورائيا)
وقال أعرابي:
(سقى اللُّه أياماً لنا وليالياً ... لهنَ بأكنافِ الشبابِ ملاعبُ)
(إذا العيشُ عضٌ والشبابُ بغرةٍ ... وشاهدُ آفاتِ المحبينَ غائبُ)
وإنما آتي بالبيت والبيتين لأني أعتمد الفقرة فأوردها وأقصد النادرة فأكتبها وأتوخى المعنى الشريف واللفظ الظريف فأزفهما إليك وأجلوهما عليك ولو تحذلقت في المعاني وأضفتُ إلى كل شئ منها شكله وقرنتُ إليه مثله أو أكثرت من عدد ما أورده من الأبيات لصار كل فصل من فصول كتابنا باباً طويلاً وكل باب منه كتاباً كبيراً حتى يكون جديراً بالإملال والإضجار وداخلاً في حد الإكثار والإهذار ونعوذ بالله منهما. وقلت في معنى ابن المعتز:
(تذكرُ إذا أنتَ قضيبٌ رطيب ... عليه للحسنِ رداءٌ قشيبْ)
(خالطَ ماءَ الحسنِ في وجههِ ... ماءُ شبابٍ لم يَرقه المشيبْ)
(إذا مشى يخطر في بردهِِ ... غابر فيه الشكل حسنٌ رطيبْ)
(كنتَ قضيبَ البانِ لم يقتضبْ ... وأنتَ من بعدُ قضيبٌ قضيبْ قضيبْ)
(فاللهو مُغبرٌ مقادِيمه ... معفرُ الوجهِ حريبٌ سليب)
(2/154)

(خذ بنصيبٍ من سرورِ الصبا ... فما لشيخٍ من سرورٍ نصيبْ)
وأول من بكى الشباب وذم المشيب عبيد بن الأبرص في قوله:
(والشيبُ شينٌ لمن أمسى بساحتهِ ... لله درُ سواد الله الخالي)
وقال مُزاحم العقيلي:
(عزاء على ما فاتَ من وصلِ خلّةٍ ... وريق شبابٍ سلهُ الشيبُ منجلي)
(ومثل ليالينا بخطمة فاللوى ... بلينَ وأيام قصار بمأسلِ)
وقد أحسن أبو العتاهية في قوله:
(عريتُ من الشبابِ وكانَ غضّاً ... كما يَعرى من الوَرَقِ القضيبُ)
(ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً ... فأخبرهُ بما فعلَ المشيبُ)
وقلت:
(قوامٌ كما شاءَ المشيبُ معوجٌ ... ووجهٌ كما لا تشتهيه مُشنّجُ)
(وفرعٌ جلاه الشيبُ حتى كأنّما ... تغشَّاه معروفٌ من الصُّبحِ أبلجُ)
(وعهدي به بالأمس جَوْناً كأنما ... تجلّله عرفٌ من الليلِ أدعجُ)
(لياليَ جاءتك الليالي عرائساُ ... تَروقُ وتصبي أو تضوعُ وتأرجُ)
(حسانَ الوجوهِ كالرياضِ أنيقة ... تخيطُ لها كفُ الغمامِ وتنسج)
(رِقاقُ جلابيبِ النسيم أريجةٌ ... لها نكهةٌ كالمسكٍِ أبانَ يُمزَجُ)
وقال رؤبةَ وأحسن في ذلك:
(كرَ الجديدانِ بنا وانطلقا ... ولا يجدانِ إذا ما أخلقا)
(2/155)

(ولو يبيعانِ الشبابَ أنفقا ... والشيب لا سوقَ له إن سُوِّقا)
وقال المقنع أظنه:
(وذادت عن هواه البيض بيضٌ ... لها في مفرقِ الراسِ إنتشار)
(جديدٌ واللبيسٌ أعزُّ منه ... وأحرَى أنْ ينافسَهُ التجار)
وقد أحسن الفرزدق في قوله:
(وفي الشيبِ لذاتٌ لخادعِ نفسهِ ... ومن قبلهِ عيشٌ تعلّلَ جادبُهْ)
ومن الشعر الجذل السهل المطيع الممتع القريب البعيد الممكن المتعذر قول النمري:
(ومنازل لك بالحمى ... وبها الخليطُ نزولُ)
(أيامهنَ قصيرةٌ ... وسرورهنَ طويلُ)
(وسعودهنَ طوالع ... ونحوسُهُنَّ أفولُ)
(والمالكية والشباب ... وقينةٌ وشَمولُ)
ومن أبلغ ما قيل في كراهة الشيب قول البحتري:
(وددتُ بياضَ السيفِ يومَ لقينني ... مكانَ بياضِ الشيبِ حَلّ بمفرقي)
وقد أحسن أبو تمام الاحتجاج للشيب في قوله:
(فأصغري أنّ شيباً لاحَ بي حدثاً ... وأكبري أنني في المهدِ لم أشبِ)
(لا تنكري منه تجديداً تجللهِ ... فالسيفُ لا يُزدرَى إن كان ذا شطب)
(ولايروعنك إيماضُ القتيرِ بهِ ... فأنَ ذاك إبتسامُ الرأي والأدب)
ووجدت بيتاً فاسد السبك فأصلحته وقلت:
(نجومُ مشيبٍ في ظلامِ شبيبةٍ ... وما حسنُ ليلٍ ليسَ فيهِ نجومُ)
وقال أبو عبد الله الأسباطي:
(لا يرعكِ المشيب با ابنةَ عبد الله ... فالشيب زينةٌ ووقار)
(وإنما تحسنُ الرياضُ إذا ما ... ضحكت في خلالها الأنوار)
وقال الخوارزمي متأخر:
(2/156)

(وقالوا أفِقْ من سكرةِ اللهو والصِّبا ... فقد لاحَ صبحٌ في دُجاكَ عجيبُ)
(فقلت لهم كفُّوا الملامَ وأقصروا ... فإنَّ الكرّى عندَ الصباحِ يطيبُ)
وهذا معنى مليح أظنه ما سبق إليه. وأول من تهاون بالشيب جرير في قوله:
(يقولُ العاذلاتُ علاكَ شيبٌ ... أهذا الشيبُ يمنعني مراحي)
وتبعه الناس فمن أحسنهم قولاً فيه ابن الرومي حيث يقول:
(لاحَ شيبي فرحتُ أمرحُ فيهِ ... مَرَحَ الطرفِ في العذارِ المحلى)
(وتولى الشبابُ فازددت غياً ... في ميادينِ باطلي إذ تولّى)
(إنَ من ساءهُ الزمانُ بشئٍ ... لأحقُ امرئٍ بأن يتسلى)
وهذا من قول أحمد بن زياد الكاتب:
(ولما رأيتُ الشيبَ حلَ بياضُه ... بمفرقِ رأسي قلتُ للشيب مرحبا)
(ولو خلتُ أني إن كففتُ تحيتي ... تنكبَ عني رمتُ أن يتنكَّبا)
(ولكنْ إذا ما الكرهُ حلَ تسامحتْ ... بهِ النفس يوماً كان للكرهِ أذهبا)
وفي ألفاظ هذه الأبيات زيادة على معناها، وأبيات ابن الرومي متوازنة اللفظ والمعنى مع إصابة تشبيهه في وقوله:
(مرح الطرفِ في العذار المحلى ... )
وقد بالغ في ذم الشيب أبو تمام فقال:
(دقةٌ في الحياةِ تدْعى جمالاً ... مثل ما سمِّيَ اللديغ سليما)
(غرةٌ مرةٌ إلا إنما كنت ... أغرّاً أيامَ كنت بهيما)
وقال ابن المعتز:
(لقد أبغضتُ نفسي في مشيبي ... فكيفَ تحبّني الخودُ الكعابُ)
وقلت:
(فلا تعجبا أن يعبنَ المشيبَ ... فما عبنَ مِنْ ذاك إلا معيبا)
(إذا كانَ شيبي بغيضاً إليَّ ... فكيفَ يكون إليها حبيبا)
(وقد كنتُ أرفُل بردَ الشبابِ ... قشيباً وأرفُلُ وشْياً قشيبا)
(2/157)

(إذا ملتُ ملتُ قضيباً رطيبا ... وإن صلت صلت قضيباً قضوبا)
ومن مليح ما قيل في الشيب وهزء النساء من صاحبه قول كشاجم:
(ضَحكت من شيبةٍ ضحكتْ ... في سوادِ اللمةِ الرجلهْ)
(ثم قالتْ وهي هازلةٌ ... جاءَ هذا الشيبُ بالعجله)
(قلتُ من حبيك لا كِبر ... شابَ رأسي فانثنتْ خجلهْ)
(وثنتْ جَفناً على كحلٍ ... هي منه الدهرَ مُكتحله)
(أكثرتْ منهُ تُعجُّبها ... وهي تجنيهِ وتضحكُ لهْ)
ومن مليح ما قيل في ذلك وغريبه قول الآخر:
(فظللتُ أطلبُ وصلها بتعطفٍ ... والشيبُ يغمزُها بان لا تفعلي)
وذكر مسلم بن الوليد كراهة الشيب وكراهة مفارقته إذا جاء فأحسن حيث يقول:
(الشيب كرهٌ وكرهٌ أن يفارقني ... أحبب بشئٍ على البغضاءِ مودودُ)
فتبعه علي بن محمد الكوفي فقال:
(بكى للشيبِ ثم بكى عليهِ ... فكانَ أعزّ فقداً من شبابِ)
(فقلْ للشيبِ لا تبرح حميداً ... إذا نادَى شبابُك بالذهاب)
ونقله إلى موضع آخر فقال:
(لعمرك للمشيبُ علىَ مما ... فقدتُ من الشبابِ أشدّ فَوتا)
هذا البيتُ مضطربُ اللفظ والرصف والصنعة فاعتبره:
(تمليتُ الشبابَ فكانَ شيباً ... وأبليت المشيبَ فصارَ مَوتا)
وكان من تمام الصنعة أن يقول
(أشد فقداً)
لقوله
(فقدت من الشباب)
وقلت:
(والشيب زورٌ يجتوى وقربُه ... لا يرتضى وفقدهُ لا يشتهي)
(قد يشتهي كلُ امرئٍ بُلوغَه ... وقلَ من يبلغه إلا شكا)
(كأنما الشبابُ كانَ فرقةً ... له من الأنفسِ حبٌ وقِلى)
وقد أجاد الأعرابي في قوله في صفة الشيب: أكره ضيف وأبغض طيف أحب
(2/158)

غائب وأفجع آيب. وقلت:
(تكلف مدحَ الشيبِ عندي مُعَّمرٌ ... وهل يمدحنَّ الشيبُ إلا تكلفا)
(فقلت أنظرني أو لا منه مؤلماً ... لقلبِ فتًى أو آخراً منه مُتلفا)
(تصرَّم من عمري ثلاثونَ حِجةً ... لبستُ بها ثوبَ الشبّابِ مُطرَّفا)
(شبابٌ أطارَ الوجدَ عنّي غيابُهُ ... وصرفُ زمانٍ لم أجد عنه مصرفا)
(أقمتُ به صدرَ السرورِ فلم يَزَلْ ... به الشيبُ حتى ردّه مُتحنِّفَا)
(فطِرْ بجناحِ اللهوِ في زَمَنِ الصِّبا ... فأخِلق به إنْ شئتَ أنْ يتحيفا)
(تناولَ وخْط الشيب أطرافَ عارضي ... فأصبحَ ليلاً بالصباحِ مُشنَّفا)
ومن المشهور قول دعبل الخزاعي:
(لا تعجبي يا سلمَ من رجلٍ ... ضحك المشيبُ برأسهِ فبكى)
ومما يحتج به للمشيب على الشباب أن الشباب قلما يبقى أكثر من أربعين سنة وقد يعيش المرء في الشيب التسعين والمائة، وقال امرؤ القيس في ذلك:
(ألا انَّ بعدَ الفقرِ للمرءِ قنوةَ ... وبعد المشيبِ طولَ عمرٍ ومَلبَسَا)
وقال أعرابي:
(ما بالُ شيخ قد تخدّد لحمهُ ... أبلى ثلاثَ عمائم ألوانا)
(سوداءُ داجيةٌ وسحقٌ مفوّفُ ... وأجدّ لوناً بعد ذاك هجانا)
(قصّر الليالي خطوهُ فتدانى ... وحنونَ قائمَ ظهرهِ فتحاني)
(والموتُ يأتي بعد ذلك كلهِ ... وكأنما يعني بذاك سوانا)
لا أعرف في وصف الشيب من أول ما يبتدئ إلى أن ينتهي أحسن من هذا، وقوله
(وكأنما يعني بذاك سوانا)
من أبلغ ما يكون من الموعظة. وقلت:
(وشبابٍ خفَ نازله ... ليته عادَ كما كانا)
(ومشيب آبَ نازلهُ ... ليته إذ كان ما بانا)
(2/159)

(خانني دهرٌ وثقت بهِ ... رُبَ موثوقٍ به خانا)
وأنشدنا أبو أحمد:
(وأنكرتُ شمسَ الشيبِ في ليلِ لمنى ... لعمري لليلي كانَ أحسنَ من شمسي)
(كأنَ الصبا والسمت يطمسُ نورهُ ... عروسُ أناسٍ ماتَ في ليلةِ العُرسِ)
ومن بديع الاستعارة في الشيب قول البحتري:
(في الشيبِ زجرٌ لهُ لو كانَ ينزجرُ ... وبالغٌ منهُ لولا أنه حجرُ)
(إبيضَّ ما اسودَ من فوديهِ وارتجعتْ ... جلية الصُّبحَ ما قد أغفلَ السَّحرُ)
(وللفتى مهلةٌ في الحبَ واسعةٌ ... ما لم يمتْ في نواحي رأسهِ الشَّعَرُ)
ولا أعرف في الشيب أجمع من قول أبي تمام:
(غدا الشيبُ مختَطاً بفوديَّ خُطةً ... سبيلُ الرّدَى منها إلى النفسِ مهيعُ)
(هو الزورُ يجفى والمعاشرُ يُجتوى ... وذو الألفِ يُقلى والجديدُ يرقعُ)
(لهُ منظرٌ في العينِ أبيضُ ناصع ... ولكنهُ في القلبِ أسودُ أسفعُ)
(ونحن نرحيهِ على الكرهِ والرِّضا ... وأنفُ الفتى في وجههِ وهو أجدعُ)
ومن أعجب ما سمعت في الخضاب قول بعضهم:
(عجبَتْ لمّا رأتني ... غادةٌ ما بين غيدِ)
(ضحكَتْ إذ أبصرتْني ... قد تزينتُ لعيدِ)
(ثم نادينَ جميعاً ... يا عتيقاً في جديدِ)
(غرَّنا منكَ خضابٌ ... قد تراءى من بعيد)
(لا تغالطنا فما ... تصلح إلا للصُّدُودِ)
وقال ابن الرومي:
(فدعتهُ إلى الخضابِ وقالتْ ... إنّ دفنَ المعيبِ غيرُ مُعيبِ)
(2/160)

وقال:
(عذارٌ كمثلِ الأتحمي مطرزٌ ... وفرعٌ كلونِ العبقري محبرُ)
(وقد كانَ من صبغِ الشبابِ ممسّكاً ... فأصبحَ في كفَ المشيبِ مكفرُ)
(فقلْ للعذولِ أقصرِ الآن إنني ... على الرَّغمِ من أنفِ الصبابةِ مُقصرُ)
(كَفَاك تكاليفَ الملامِ كواكبٌ ... من الشيبِ في ليلِ الشبيبة تزهرُ)
(لوائح من تحت الخضابِ كأنما ... سنى الصبح في وجهِ الدجنة يكشر)
وأول من ذكر أنه شاب من غير كبر ابن مقبل في وقوله:
(ما شبتُ من كبرٍ ولكني أمرؤٌ ... عالجت قرعَ نوائبِ الدهرِ)
(فرأيتها عضلا موقحة ... عزت فما تُسطاع بالكسرِ)
(فلذاك صرت معَ الشبيبة نازلا ... في غير منزلتي من العمر)
ومن أجود ما قيل في تقارب الخطو قول أبي الطمحان:
(حنتني حادثاتُ الدهر حتى ... كأني خاتلٌ أدنو لصيدِ)
(قريب الخطو يحسبُ من رآني ... ولستُ مقيداً أني بقيد)
وقد أحسن الآخر في قوله أيضاً:
(الدَّهرُ أبلاني وما أبليتهُ ... والدهرُ غيّرني وما يتغيّرُ)
(والدهرُ قيّدني بقيدِ مُبرَمٍ ... فمشيْتُ فيه وكلِّ يومٍ يقصرُ)
وقوله
(وكل يوم يقصر)
من أحسن العبارة عن ازدياد الضعف وتقاصر الخطو في كل يوم. ومن أعجب ما قيل في الصلع قول الأعرابي:
(قد ترك الدهر عصاتي صفصفا ... فصار رأسي جبهةً إلى القفا)
(كأنما قد كان ربعاً فعفا ... يمسي ويضحي للمنايا هدفا)
ومثله قول الآخر:
(ثم حسرت عن صفاةٍ تلمع ... فأقبلتْ قائلةً تسترجعُ)
(ما رأس ذا إلا جبيناً أجمع ... )
(2/161)

ومثله أيضاً:
(جلاه عن أهلِ الهوى قبح الجلا ... جبين وجهٍ وجبينٌ في القفا)
وقال ابن الرومي في معناه يهجو رجلاً يجذب طرته من قفاه إلى وجهه:
(يجذبُ من نقرته طُرةً ... إلى مدى تقصرُ عن نيله)
(فوجههُ يأخذ من رأسه ... أخذَ نهارِ الصيفِ من ليلهْ)
وأنشدنا أبو أحمد عن الصولي لخلف بن خليفة:
(وقام إلى رأسهِ حاذقٌ ... فصيرَ من رأسهِ قرعَهْ)
(يُريكَ بريقاً كطست الجلا ... بيض كما نصب الطلعه)
(فما شوق عيني إلى قرة ... كشوقِ يميني للصَّلْعه)
(يكادُ وإن لم يردها الضميرُ ... تشوقُ الحليم إلى صَفْعه)
(فملنا عليهِ بأيماننِا ... نسائلهُ عن خبرِ الوقعة)
وقال مالك بن أسماء:
(أو أرى بذيّال على العقبِ جُثّتي ... إذا الصلعُ وارَوا هامَهم بالقلانسِ)
(تودُ النساء المبصراتي أنَّهُ ... يعار فيستأجرنه للعرائسِ)
وقلت في مدح الحلق:
(قُتل الشعر من خفيف ثقيل ... وكثيرٍ على الرؤوسِ قليل)
(ضِيق الشعر حينَ طال قليلاً ... ضامَه اللهُ من قصيرٍ طويل)
(إنما الحلقُ راحةٌ وجمالٌ ... فاشدُدِ الكفّ بالمريحِ الجميلِ)
(ما أرى للحسامِ يصدأ حُسناً ... إنما الحسنُ للحسامِ الصقيلِ)
ويشبهون الرأس المحلوق بالصخرة أخبرنا أبو أحمد قال
أخبرنا أبو بكر بن دريد عن عبد الرحمن عن عمه قال كان يزيد بن الطثرية زير نساء يتحدث إليهن فتحدث إلى امرأة من بني أسد فهويها وهويته فخطبها إلى أبيها فرده، وخطبها ابن عم له فزوجه فدخل عليها ابن عمها وهي تقول:
(2/162)

(لم يبق إلا شبحاً وعظما ... وأدمعاً تنهلُ منها سجما)
(علمت ما بي فجفوت علماً ... من سئمَ الوصل تجني الجرما)
فنهاها زوجها أن تتمثل فأنشأت تقول:
(تمثلتُ بيتاً ثم أذريتُ دمعةً ... فمن لامني فيه فبدَّل ما بيا)
(فما أشرف الايفاع إلا صبابةً ... وما أضربُ الأمثال إلا تداويا)
فأتى الزوج أباها فأخبره فأتاها أبوها فقال والله لأن تمثلت لأضربن ظهرك وبطنك، فدخل عليها زوجها وهي تقول:
(فإن تضربوا ظهري وبطني كلاهما ... فليس لقلب بين جنبيَّ ضاربُ)
فاشتد ذلك على زوجها وهم بطلاقها وخرج مغضبا وإذا يزيد بفنائه وهو يقول:
(تراءتْ وأستارٌ من البيتِ دونَها ... إلينا وحانت غفلةُ المتفقدِ)
(بعيني مهاةٍ تحدرُ الدمعُ منهما ... بريمين شتى من دموعٍ واثمدِ)
فجمع أهل بيته وإخوته وأتى أخاه واستعداه عليه فضربه أخوه وحلقه. فقال وهو يحلق:
(أقول لثورٍ وهو يحلقٌ لمتي ... بعقفاءَ مردودٌ عليها نصابها)
(تَرفق بها يا ثورُ ليس ثوابُها ... بهذا ولكن غير هذا ثوابها)
(فيا رُبّ يوم قد تغلل وسطها ... أنامل رخصات حديث خضابها)
(تولى بها ثورٌ تزفُ كأنها ... سلاسل درع لينها وانسكابها)
(وأصبح رأسي كالصخيرةِ أشرَفتْ ... عليها عقابٌ ثم طارت عقابها)
وقد أحسن الفرزدق الاستعارة في وصف الشيب وهو قوله:
(والشيب ينهض بالشبابِ كأنَّهُ ... ليلٌ يصيحُ بجانبيهِ نهارُ)
ولأبي إسحاق الصابي أبيات في الصلع لم يسبق إلى معناها قالها على وجه المجون:
(لما رماني الزمانُ بالصّلعِ ... وقلَّ مالي وضاقَ متسعي)
(2/163)

(حاسبتُ عن لمتي مزينها ... حسابَ شيخ للحقّ متبعِ)
(قلتُ له اقنع من أصلِ واجبها ... بالثلثِ مما به عملتَ معي)
(واعملْ على أنها مزارعةٌ ... شكوتُ فيها شكاةَ مُتضع)
(فاحطط خراجَ الذي أصبتَ به ... واستوفِ مني خراجَ مُزدرَعِ)
ومما جاء في مدح الصلع ما أخبرنا به أبو أحمد عن ابن الأنباري عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال ألح رجلٌ النظر إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال له إلى أي شئ تنظر؟ قال إلى بطن مندح وهامةٍ صلعاء فقال عليه السلام أما البطن فأسفله طعم وأعلاه علم وأما الهامةُ فكما قال الشاعر:
(بنى لنا المجدَ آباءُ لهن شرفٌ ... صُلعُ الرؤوسِ وسيما السؤددِ الصلعُ)
وقال آخر:
(كفى حَزناً أني أدبِ على العصا ... فيأمنُ أعدائي ويبغضني أهلي)
(ويوصي بي الوغدُ الضعيفُ مخافةً ... عليَّ وما قام الحواضنُ عن مثلي)
(أقيمُ العصا بالرجلِ والرجلَ بالعصا ... فما عدّلت ميلي عصايَ ولا رجلي)
وقال محمود الوراقُ في ذم الخضاب:
(يشيبُ الناسُ في زمنٍ طويل ... ولي في كلَ ثالثةٍ مشيبُ)
(وأخفي الشيبَ جهدي وهو يبدو ... كما غطى على الريبِ المريبُ)
وقلت:
(جريت لعارضِ غيثِ الليالي ... تحالك لونه فابيضَّ جُلُّه)
(وصرت تقصّ ما يبيضُ منه ... أتحلقه إذا ما ابيضَّ كلُّه)
(تعزّ عن الشبيبةِ والهَ عنها ... فإن الليلَ ليسَ يدوم ظله)
(وخلَ الشيبَ يضحكُ ناجذاهِ ... فإنَّ الصبحَ لا يخفى مطله)
(وإن حلت عرى اللذاتِ فيهِ ... فلستَ بعاقدٍ ماجذ حبله)
(2/164)

(الفصل الثاني من الباب الحادي عشر)
(في ذكر العلل والأمراض والمراثي والتعازي والزهد) أحسن ما قيل في الرمد قول الواثق أنشدناه أبو أحمد عن الصولي قال وجدتُ مع هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات من شعر الواثق بالله في خادم له قد اشتكت عينه:
(لي حبيبٌ قد طال شوقي إليه ... لا أسميهِ من حذاري عليه)
(لم تكن عينهُ لتجحدَ قتلي ... ودمي شاهدٌ على جفنيه)
ومن ههنا أخذ هذا المعنى فتدوول قال ابن الرومي أو الناجم:
(قالوا اشتكت عينهُ فقلتُ لهم ... من كثرةِ القتلِ مسها الوَصَبُ)
(حُمرتها من دماء من قتلت ... والدمُ في النّصلِ شاهدٌ عجب)
ومن بديع ذلك وغريبه ما أنشدناه أبو أحمد عن الصولي أيضاً:
(يكسِر لي طرفاً به حمرةٌ ... قد خلطَ النّرجِسَ في وردهِ)
(ما احمرت العينُ ولكنه ... يكحلها من وردتيْ خدِّهِ)
أخذه من بعض أهل زمانه:
(قالوا بدت في عينه حمرةٌ ... قد حازها من وردة الخد)
(فقلت لم يرمد ولكنه ... يصافح النرجسَ بالوردِ)
ومن مليح ما قيل في شكاية الحبيب قول العباس بن الأحنف:
(زعموا لي أنها صارتْ تحم ... ابتلى الله بهذا من زعمْ)
(اشتكتْ أكمل ما كانت كما ... يكسف البدر إذا ما قيل تم)
ومما قيل في اصفرار اللون من العلة قول أبي تمام:
(معدن الحسنِ والملاحة قد أصبح ... للسّقم مَعدِناً وقراراً)
(2/165)

(لم تشن وجهه الجميلَ ولكن ... حَملت ورد جنتيهِ بهارا)
ونحوه قول أحمد ابن إسحاق الطالقاني:
(لقد حلّتِ الحمّى بساحةِ خَدّهِ ... فأبدلتِ التّفاحَ بالسوسنِ الغضَ)
والأصل في ذلك قول عبد نبي الحسحاس أخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا أبو إسحاق الشطبي قال حدثنا ابن أبي سعيد قال حدثنا الخزامي قال حدثنا عبد الملك الماجشون عن يوسف بن عبد العزيز الماجشون قال كتب عبد الله بن عامر إلى عثمان بن عفان: إني اشتريت لك عبداً حبشياً شاعراً. فكتب إليه عثمان لا حاجة لي فيه فإن قصارى الشاعر منهم أن يهجو أعراضهم ويشبب بكريماتهم فاشتراه بنو الحسحاس وكان يكسرُ في كلامه فقال يوسف فحدثني من رآه في شجرة واضعاً إحدى رجليه على الأخرى يقرض الشعر وينسب بأخبث نسيب ويقول:
(ماذا يُريدُ السقامُ من قمرٍ ... كلُ جمالٍ لوجههِ تبعُ)
(ما يبتغي خابَ من محاسنها ... أما لهُ في القباحِ متسّع)
(لو كانَ يبغي الفداءَ قلتُ له ... ها أنا دونَ الحبيبِ يا وجع)
ثم يقول لنفسه (أحسنك والله) يريدُ أحسنت. وكان كما حدث عثمان رضي الله عنه فإنه ما زال يهجو مواليه ويشبب بفتياتهم حتى قتلوه فضحكت منه امرأةٌ وقد ذهبوا ليقتلوه فقال فيها:
(فإن تضحكي مني فيا ربَ ليلةٍ ... جعلتكِ فيها كالقباء المفرّجِ)
وقال أيضاً:
(ولقد تحدرَ من جبينِ فتاتكم ... عَرَقٌ على وجهِ الفراشِ وطيبُ)
ومن عجيب ما يُروي له قوله يمدح نفسه:
(إن كنتُ عبداً فنفسي حُرةٌ كرماً ... أو أسودَ اللونِ إني أبيضُ الخلقِ)
وهذا أحسن ما مدح به أسود. ومن أحسن ما وصف به نحول العليل قول أبي نواس الحسن بن هانئ:
(2/166)

(يا قمراً للنصفِ من شهرهِ ... أبدى ضياءً لثمان بقين)
ومن أحسن ما قيل في تهوين الحمى على المحموم قول محمد بن زياد الكاتب:
(قالوا محمدٌ المحمدُ موجعُ ... والشمسُ تكسفُ ساعةً وتعودُ)
(فلئن حُممت فلا حُممت فإنها ... داءُ الأسودِ وفي الرجالِ أسودُ)
وهذا عندي أحسن من قول البحتري:
(وما الكلبُ محموماً وإن طال عُمرهُ ... ألا إنما الحمى على الأسدِ الوردِ)
على أنه معنى مولد وشئ تدعيه العامة ولا تعرف صحته. وقلت:
(وقد سرَّني أني رأيتُكَ واطئاُ ... على عقبي داءٍ تراخَى فأدبرا)
(وقد ظلّ يبغي رائدَ البرءِ مورداً ... لديكَ ويبغي فارِطَ السّقمِ مصدرا)
(ولا غرْوَ أن يغشاك عارضُ علةٍ ... فإني رأيتُ الوردَ يغشى الغضنفرا)
(ولو كنتَ نجماً ما كسفتَ وإنما ... كسوفُك إن أمسيتَ بدراً مُنوّرا)
ومن ذلك قول علي بن العباس النونجتي:
(لئنْ تخطّتْ إليك نائبةٌ ... حطّتْ بقلبي ثقلاً من الألمِ)
(فالدهرُ لا بُدّ محدثٌ طبعاً ... في صفحتيْ كلِّ صارمٍ خَذمِ)
وفي ألفاظ هذا البيت زيادة على معناه. وقال أيضاً في رجَل اعتل:
(طالَ فكري تعجّباً لمصوغٍ ... ذهباً كان يقبلُ الأقذاءَ)
(والحسامُ الهذاذ يزدادُ حُسناً ... كلما زادهُ الصقالُ جلاءً)
والرغبة من هذين البيتين في معناهما وأما سبكهما ووصفهما فلا خير فيه والبيت الثاني أصلح والبيت الأول متكلف جداً. وقال عبد الصمد بن المعذل يذكر الحمى:
(فطوراً ألقيها سُخنةً ... وطوراً ألقيها فَتره)
(2/167)

(وقد أعقبتْ خلفي حِدَّةً ... وأورثني إلفها ضجره)
(للعبد إن غاظني لطمةٌ ... وللحرِّ إن ساءني زجره)
(ويربو الطحالُ إذا ما شبعت ... فتعلوا الترائب والصدره)
(وأمسى كأني من معدتي ... لبستُ ثيابي على ذُكره)
(أسائلُ أهلي عن سحنتي ... وأمنحهم نظرةً نظره)
(وأجزع إن قيل بي صفرةٌ ... وأشفقُ إن قيلَ بي حُمره)
ومن أجود ما قيل في الفصد قول ابن الرومي:
(أيها البدرُ لم تَزَل في كمال الأمرِ ... بدراً وفي النماء هلالاً)
(كيفَ كانت عقبى افتصادك كانت ... صحةً مستفادةً واندمالا)
(واعتدلاُ بينَ المزاج كما أوتيتَ ... في الخلقِ والخلاقِ اعتدالا)
(فعلَ الله ذاك إنك ما زلت ... لمرضي ما ارتضى فعَّالا)
وفي الفصد شعرٌ كثيرٌ ليس في أكثر ما مر بي مختارٌ إلا ما أنشدتهُ لعلي بن عبد العزيز الجرجاني:
(ياليتَ عيني تحملتْ ألمكِ ... وليتَ نفسي تقسمتْ سقمكْ)
(أو ليتَ كفّ الطبيب إذ فصدتْ ... عرقك أجرى من ناظريَّ دمك)
(أعرتهُ حسنَ وجنتيك كما ... تعيره إن لثمتَ من لثمك)
(طرفك أمضى من حدِّ مبضعهِ ... فالحظ بهِ العرقَ واغتنم ألمك)
ومن مليح ما قيل في الزكام ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي عن أبي ذكوان الجرمي قال دعا عيسى بن علي عبد الله بن المقفع إلى الغداء فقال: أعزك اللهُ لستُ يومي هذا للكرام باكيل. قال ولم؟ قال لأني مزكومٌ والزكمة قبيحة الجوار مانعة من عشرة الأحرار. قال وكانت عجوز من بني عجل تقول: حقر من يحقر الزكام. ولم يمر بي في الصداع شئ مليح أثبته لك غير أني سمعت لبعضهم أبياتاً في صغر العمامة حتى أشبهت عصابة يعصب بها الصداع وهي هذه الأبيات:
(2/168)

(وقدّمتَ إلي وعداً بأنك مُلبسي ... ثياباً إليهنَ المحاسنَ تنسبُ)
(فلا تكسني منهنَ إلا عمامةً ... بأمثالها الأمثالُ في النقص تضربُ)
(يقولُ أناسٌ لي إذا ما لبستها ... أرأسك هذا من صداعُ معصبُ)
على أن رصفها ليس بمختار. ولبشار بيت حسنٌ فيه ذكر الصداع وهو قوله:
(حلَ من قلبهِ مَحَلَ شرابٍ ... يشتهى شربهُ ويخشى صُدَاعهْ)
وقد قارب الآخر:
(لطيرتي بالصداعِ نالتْ ... فَوقَ منالِ الصداعِ مِني)
(وجدتُ فيهِ إتفاقَ سوءٍ ... صدَّعنّي مثل صدَّعني)
وقلت في المعنى الأول:
(يقومُ بقامةٍ كنواةِ قسبٍ ... وينشر لحية مثلَ الشراع)
(عليهِ عمامةٌ قصرت وذفت ... فتحسبهُ تعصبَ من صُداعَ)
وقال بعضهم في الجدري:
(وجههُ للحسنِ معدنْ ... فتأملْ وتبيّنْ)
(نقطٌ من جدري ... كدباقي معَيَّنْ)
وأما النقرس فقد مربي فيه أبياتٌ جيادٌ أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن سوار بن أبي شراعة عن عبد الله بن محمد الدمشقي الكاتب عن محمد بن الفضل ابن إسماعيل بن علي بن عبد الله أن أبا الفضل ناله نقرس في رجله فدخل إليه أبوه إسماعيل يعوده فقال له كيف أنت يا بني؟ فقال:
(أشكو إلى الله ما أصبتُ بهِ ... من ألمٍ في أناملِ القدمِ)
(كأنني لم أطأ بها كَبِداً ... من حاسدٍ سرَّ قلبهُ ألمي)
(والحمد لله لا شريكَ لهُ ... لحمي للأرضِ بعدها ودمي)
(ما مِنْ صحيحٍ إلا ستنقله ... الايامُ من صحة إلى سقم)
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن المبرد وأبي العيناء قال كان أبو علي الحرمازي
(2/169)

في ناحية عمرو بن مسعدة وكان يجري عليه فخرج عمرو إلى الشام مع المأمون وتخلف الحرمازي ببغداء لنقرس ناله فقال:
(أقامَ بأرض الشام فاختلَّ جانبي ... ومطلبهُ بالشام غُير قريبِ)
(ولا سيما من مفلسٍ حلفَ نقرس ... أما نقرسٌ في مفلسٍ بعجيب)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن زكريا قال ذكر أعرابي رجلاً قد أثرى فقال قد تنقرس، وذلك لقول الناس إن النقرس يعرض لذوي النعمة والترفة، ومنه قول الأعرابي:
(فصرتُ بعدَ الفقرِ والتأيس ... يخشى عليَّ القومُ داءَ النقرسِ)
ويقال للرجل العالمِ نقرس وللداهية نقرس قال الملتمس ( ... يخشي عليك من الحباء النقرس)
ومن مليح النوادر ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي عن يموت بن المزرع قال حضر الجماز عند أبي يوماً ودخل رجلٌ فقال له ما أخرك عنا فقال أصابتني خلفه أما تري وجهي فقال الجماز ما أبين الاختلاف على وجهك. وقال المتنبي في الحمى:
(وزائرتي كأنَ بها حياءً ... فليسَ تزورُ إلا في الظلامِ)
(جعلتُ لها المطارفَ والحشايا ... فعافتها وباتتْ في عظامي)
(إذا ما فارقتني غسَّلتني ... كأنا عاكفانِ على حرام)
وهذا البيت معيب لأن الغسل غير مقصور على الحرام وحده بل هو من الحلال والحرام جميعا فليس لتخصيص الحرام به وجه. وقلت في حمى نالتني:
(وأخبر أني رحتُ في حلة الضنى ... لياليَ عشراً ضامها اللهُ من عشرِ)
(تنفضني الحمَّى ضحى وعشيةً ... كما انتفضتْ في الدجنِ قادمتيْ نَسر)
(تذرُ عليّ الورس في وضح الضحى ... وتبدله بالزعفرانِ لدَى العصرِ)
(إذا انصرفتْ جاء الصداع مشمراً ... فأربى عليها في الأذيةِ والشرَ)
(وتجعل أعضائي عيوناً دوامعا ... تواصل بين السكب والسجم والهمرِ)
(فتحسبه طلاًّ على أقحوانة ... وعهدي به يحكي حباباً على حمر)
(2/170)

(ولما تمادتْ عذتُ منها بحميّة ... كمنْ ترك الرمضاء وانفل في الجمر)
(وما منها إلا بلاءٌ وفتنةٌ ... وضرُ على الأحرار يا لك من ضر)
من مرض لمرض الجفون: أنشدني أبو أحمد عن الصولي قال أنشدني أبو عبيد الله ابن عبد الله لنفسه:
(تمارضتَ لما لم تكنْ لك علةٌ ... وقلتَ شهيدي ما بطرفي من القسم)
(فلا تجعلنْ سقماً بطرفك علةً ... فقد كانَ ذاك السقم في صحةِ الجسمِ)
وقال غيره:
(أحببتُ من أجلهِ منْ كان يشبهه ... وكلُ شئ من المعشوقِ معشوق)
(وقد حلبت بجسمي سُقْم مقلته ... كأنَّ جسمي مِن عينيهِ مسروق)
وقال الأخطل:
(كيف يضني بعد ما ... كان الضَّنى عوناً لعينهْ)
وقال ابن الرومي وقد مرض فتخلفَ اخوانه عن عيادته:
(عليلكم لا يعادُ من عللهْ ... وضيفكم لا يسَدّ من خللهْ)
(لا إن جفوتم دنا المماتُ ولا ... إن زُرتمُ تنسؤنَ في أجلهْ)
(ما ضرَ مجفوَّكم جفاؤكمُ ... بالأمس في جسمه ولا أملهْ)
وأنشدني أبو أحمد عن الصولي لمحمد بن محمد بن إبراهيم اليزيدي:
(مالي مرضتُ فلم تعدْ ... ورغبتُ فيك فلم تُجد)
(الحبُ يذهبهُ الأذى ... فاحذرْ عليه ولا تعد)
وهذا شعرٌ مطبوعٌ مختار، والبيت الأخير مأخوذ من قول الأعرابي:
(فإني رأيتُ الحبَ في القلبِ والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبُ يذهبُ)
وقلت:
(وقد عادني الأخوانُ من كلِّ جانب ... وما قصروا في العرفِ والفضل والبرَ)
(فلمْ لم تكنْ فيهم فيكمل حسنهم ... أيا ظالماً أخلى النجومَ من البدرِ)
(وإذ كنتَ لم تنهضْ إليَّ ولم تكد ... فلم لمْ تسلْ عني فتخبر عن أمري)
(ومالك لم تبعثْ إليَّ بأسطرٍ ... تمجمجها إحدى يمينك في ظهر)
(2/171)

(تضنُ بتسليم وزرةِ ساعةٍ ... فكيف يُرحي جودُ كفيك بالوفر)
(فإن كنتَ لا تبقي على الحال بيننا ... فهلا تخاف سوء بادرةِ الشعرِ)
(إذا لمْ تكونوا للحقوقِ فمنْ لها ... وأنتم كرامُ الناسِ في البدوِ والحضر)
(وأنتَ إذا أنحيتَ تفري أديمَها ... فما ذنبُ ذي جهلٍ فرَى مثلَ ما تفري)
(وما لعداة العلم تذكرُ عيبهم ... وأنت على أمثالِ غايرهم تجري)
ومن الغريب البديع مدح الموت وهو قول ابن الرومي:
(قد قلت إذْ مدحوا الحياةَ فأكثروا ... للموتِ ألفُ فضيلةٍ لا تعرفُ)
(فيها أمانُ لقائهِ بلقائهِ ... وفراقُ كلِّ معاشرٍ لا يُنصِفُ)
ومن أحسن ما قيل في مكابدة النفس عند الموت قوله أيضاً:
(بات الأميرُ وباتَ بدرُ سمائنا ... هذا يُودَّعنا وهذا يكسفُ)
ولعل ذلك مأخوذٌ من قول الأول:
(ألمْ يبلغك والأنباء تنمى ... وللدنيا بأهليها صروفُ)
(صريعٌ لم يُوسدهُ قريب ... ولم يشركه في الشكوى أليفُ)
(يظلُ كأنه قمرٌ منيرٌ ... يجولُ على محاسنهِ كسوفُ)
ولهذا البيت رونقٌ عجيبٌ وطلاوة حسنة. ومن عجيب ما جاء في وصف المصيبة قول حذيفة بن اليمان: إن الله تعالى لم يخلق شيئاً إلا صغيراً ثم يكبر إلا المصيبة فأنها خلقت كبيرة ثم تصغر. وهذا قول مصيبٌ لا يتمارى به ومنه أخذ قوله:
(وكما تَبلى وجوهٌ في الثّرى ... فكذا يَبلى عليهنَ الحزنُ)
ولا أعرف في التعزي عن المصيبة كاملاً أحسن تقسيماً من قول الأعرابي ومات له ثلاثة بنين في يوم واحد فدفنهم وعاد إلى مجلسه فجعل يتحدث كأن لم يفقد واحداً فليمَ على ذلك فقال: ليسوا في الموت ببدع ولا أنا في المصيبة بأوحد ولا جدوى للجزع فعلام تلومونني. فهذه الثلاثة الأقسام لا رابع لها.
(2/172)

وعزي رجل رجلاً وقد ولدت امرأته ابناً وماتت في نفاسها فقال أعظم الله أجرك فيما أبادو أجزل حظك فيما أفاد. ولا أعرف أحداً أجاد هذا المعنى كما أجاده عبد الملك بن صالح الكاتب: أخبرنا أبو أحمد عن الصولي قال قيل للرشيد إن عبد الملك بن صالح يعد كلامه ويفكر فيه فلذلك بانت بلاغته فأنكر ذلك الرشيد وقال هو طبعٌ فيه ثم أمسك حتى جاء يوماً ودخل عبدُ الملك فقال للفضل بن الربيع إذا قرب من سريري فقل له ولد لأمير المؤمنين في هذه الليلة ابنُ ومات له ابنٌ فقال له الفضل ذلك فدنا عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين سرك الله فيما ساءك ولا ساءك فيما سرك وجعلها واحدة بواحدةٍ ثواب الشاكرين وأجر الصابرين. فلما خرج قال الرشيد أهذا الذي زعموا أنه يتصنع للكلام ما رأى الناس أطبع من عبد الملك في الفصاحة قط. وعزي أعرابي رجلاً قفال لا أراك الله بعد مصيبتك ما ينسيكها. أحسن ما قيل في مدفون قول ابن الرومي في بستان جارية أم علي بنت الراس:
(لله ما ضمنتْ حفيرتُها ... من حُسنِ مرأىً وطُهر مُختبرِ)
(أضحتْ من الساكني حفائرِهمْ ... سُكنى الغوالي مداهنَ السررِ)
(لو علمَ القبرُ من أتيحَ لهُ ... لانخفضَ القبرُ غير محتفرِ)
وهذا البيت مأخوذ من قول الأول:
(لو علمَ القبرُ من يواري ... تاهَ على كلِّ مَنْ يليه)
وقالوا أحسن مرثيه للعرب ابتداءً قول أوس بن حجر:
(أيتها النفسُ أجملي جَزَعاً ... إن الذي تحذرينَ قد وقعا)
وأحسن مرثية لمحدث ابتداءً قول أبي تمام الطائي:
(أصمَّ بك الداعي وإن كانَ اسمعا ... وأصبحَ مغنى الجودِ بعدك بلقعا)
فقال فيها:
(فتىً كان شرباً للعفاةِ ومرتعى ... فأصبح للهنديةِ البيضِ مرتعا)
(2/173)

(إذا ساءَ يوماً في الكريهةِ منظراً ... تصلاهُ علماً أن سيحسنُ مسمعا)
(فإن ترم عن عمرٍ تدانى به المدى ... فخانك حتى لم يجدْ فيك منزعا)
(فما كنتَ إلا السيفَ لاقي ضربيةً ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا)
وقالوا أرثى بيت قالته العرب قول متمم بن نويرة في أخيه مالك قتل في الردة قتله خالد بن الوليد: أخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا أبو بكر بن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال كان متمم بن نويرة قدم العراق فأقبل لا يرى قبراً إلا بكى عنده فقيل له يموت أخوك بالملا وتبكي على قبره بالعراق! فقال:
(لقد لامني عندَ القبورِ على البكا ... رفيقي لتذرافِ الدموع السوافك)
هذا البيت غير مختار الرصف عندي وفي ألفاظه زيادة على معناه:
(أمنْ أجلِ قبرٍ بالملا أنت نائحٌ ... على كلَ قبر أو على كلَ هالكِ)
(فقلت له أنَ الشجي يبعثُ الشجى ... فدعني فهذا كلهُ قبرُ مالك)
يقول قد ملأ الأرض مصابه عظماً فكأنه مدفون بكل مكان. وهذا أبلغ ما قيل في تعظيم الميت. ومنه أخذ القائل قوله أخبرنا به أبو أحمد عن ابن الأنباري عن ثعلب عن الرياشي لرجل يرثي عمر بن عبد العزيز وهو عندي من أرثى ما قيل:
(لهفي عليك للهفة من خائف ... كنتَ المجيرَ لهُ وليسَ مجيرُ)
(عمتْ صنائعهُ فعمَ مصابهُ ... فالناسُ فيهِ كلهم مأجورُ)
(فالناسُ مأتمهمْ عليهِ واحدٌ ... في كلَ وادٍ رنةٌ وزفيرُ)
(يثني عليك لسان من لم تولهِ ... خيراً لأنك بالثناءِ جدير)
(ردَّتْ صنائعه إليه حياتَه ... فكأنه من نشرها منشورُ)
والصحيح أن يقول (منشرٌ) لأنه يقال أنشر الله الموتى فنشرواهم. وقالوا أرثى بيت قالته العرب قول المحدث:
(على قبرهِ بينَ القبورِ مهابةٌ ... كما قبلها كانَتْ على صاحبِ القبرِ)
(2/174)

وقالوا بل قول الآخر:
(أرادوا ليخفوا قبرهُ عن عدوهِ ... فطيبُ ترابِ القبرِ دلَ على القبرِ)
وقالوا أرثاه قول ابن مناذر:
(أنعى فتَى الجودِ إلى الجود ... ما مثل من أنعى بموجودِ)
(أنعى فتًى مصَ الثرى بعده ... بقيّة الماءِ من العودِ)
وأخبرنا أبو أحمد قال سمعت محمد بن يحيى قال سمعت محمد بن يزيد يقول لو سئلتُ عن أحسن أبيات تعرف في المراثي لم أختر على أيبات الخريمي:
(ألم ترني أبني على الليث بنيةً ... وأحثي عيلهِ التربَ لا أتخشعُ)
(وأعددته ذُخراً لكلَ ملمةٍ ... وسهمُ المنايا بالذَّخائرِ مُولعُ)
(وأني وإن أظهرتُ مني جلادةً ... وصانعتُ أعدائي عليه لموجعُ)
(ولو شئتُ أن أبكي دماً لبكيتهُ ... عليهِ ولكن ساحةُ الصبرِ أوسع)
وقال أبو عمر بن العلاء أرثى بيت قول عبدة:
(فما كانَ قيسٌ هلكهُ هلك واحدٍ ... ولكنه بُنيانُ قوم تهدَّما)
وقال خلف الأحمر أرثى بيت:
(الآن لما كنتَ أكمل من مشى ... وافتر نابك عن شباة القارح)
(وتكاملت فيك المروءة كلها ... وأعنتَ ذلك بالفعالِ الصالح)
وقال الأصمعي أرثى بيت للعرب:
(ومن عجبٍ أن بتَ مستشعرَ الثّرى ... وزدت بما زودّتني مُتمتعا)
(ولو أنني أنصفُتك الودَ لم أبتْ ... خلافك حتى ننطوي في الثرى معا)
ومن أحسن ما قيل في بقايا آثار الميت قول الحسين بن مطير:
(فتى عيشَ في معروفهِ بعدَ موتهِ ... كما كانَ بعدَ السيلِ مجراه مرتعا)
(2/175)

وفي هذه القصيدة:
(أيا قبرَ معنٍ كنت أولَ حفرةٍ ... من الأرض خطتْ للسماحة مضجعا)
(ويا قبرَ معن كيفَ واريتَ شخصه ... ولو كان حياً ضقتَ حتى تصدعا)
(فلما مضى معنٌ مضى الجودُ والندى ... وأصبحَ عرنينُ المكارم أجدعا)
وأنا أقول إن هذه الأبيات أرثى ما قيل في الجاهلية والاسلام. وقالوا أرثى بيت قيل قول مهلهل في كليب:
(نبئتُ أنَّ النارَ بعدك أوقدتْ ... واستبَّ بعدك يا كليبُ المجلسُ)
(وتكلموا في أمر كلَ عظيمة ... لو كنتَ شاهدهم إذاً لم ينبسوا)
وكان كليب إذا أوقد ناراً لم يوقد أحدٌ ناراً ولم ينزل ضيفٌ إلا عليه وإذا جلس مجلساً لم يتكلم فيه أحد إلا هو. وقالوا أحسن ما قيل في المراثي قول متمم بن نويرة في أخيه مالك: ( ... وكن كندْمانَي جذيمةَ حقبةً ... من الدهرِ حتى قيلَ لن نتصدعا)
(فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطولِ اجتماعٍ لم نبتْ ليلةً معا)
وليس في المحدثين أحسن مراثي من أبي تمام فمن ذلك قوله:
(غدا غودة والمجدُ نسجُ ردائِه ... فلم ينصرفْ إلا وأكفانهُ الأجرُ)
(فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رجلهُ ... وقال لها من تحتِ أخمصكِ الحشر)
(فتى ماتَ بينَ الضّربِ والطعن ميتةً ... تقومُ مقامَ النصرِ إنْ فاتَه النصرُ)
(فتى سلبتْه الخيلُ وهو لها حمى ... وبزتهُ نارُ الحربِ وهو لها جمر)
(كأن بني نبهانَ يومَ وفاتهِ ... نجومِ سماءٍ خرَ من بينها البدرُ)
(مضى طاهرَ الأثوابِ لم تبقَِ روضةٌ ... غداةَ ثوى إلا اشتهتْ إنها قبرُ)
(وكيف احتمالي للسحاب صنعية ... بإسقائه قبراً وفي لحدهِ البحرُ)
ولولا كراهة الإطالة لا وردت القصيدة كلها إذ ليس فيها إلا مختارٌ.
(2/176)

وقوله في إدريس بن بدر السامي:
(أإدريسُ ضاع المجدُ بعدك كلُّه ... ورأي الذي يرجوهُ بعدك أضيعُ)
(وضلَ بك المرتادُ من حيث يهتدي ... وضرت بك الأيامُ من حيث تنفعُ)
(وتبسطُ كفاً في الخطوبِ كأنما ... أناملُها في البأسِ والجودِ أذرعُ)
(ولم أنسَ سعي الجود حول سريره ... باكسسفِ بالٍ يستقيمُ ويظلعُ)
(وقد كانَ يدعى لابس الصبرِ حازماً ... فقد صار يُدعى حازماً حين يجزعُ)
وقوله في بني حميد:
(عهدي بهم تستنيرُ الأرضُ إن نزلوا ... فيها وتجتمعُ الدنيا إذا اجتمعوا)
(ويضحكُ الدهرُ منهم عن غَطارفةٍ ... كأنَ أيامَهم منْ أُنسِها جُمع)
(فيما الشماتة إعلاناً بأسدِ وغى ... أفناهُم الصبرُ إذْ أبقاهم الجزعُ)
وقوله أيضاً:
(إذا فقدَ المفقودُ من آل مالكٍ ... تقطعَ قلبي رحمةً للمكارمِ)
(خليليَّ من بعد الأسى والجوَى قفا ... ولا تقفا فيضَ الدُّموع السّواجمِ)
(ألمّا فهذا مصرعُ البأسِ والندى ... وحسبكما إن قلتُ مصرعُ هاشمِ)
(ألم تريا الأيامَ كيفَ فجعننا ... به ثمَّ قد شاركننا في المآتمِ)
(خطوْنَ إليه من نداهُ وبأسِه ... خلائق أوقى من سيور الثمائم)
وقد كثرت علة محاسنه في هذا الباب فما أدري ما أوردُ وما أترك. وقد أحسن القائل:
(وسميته يحيى ليحيا ولم يكنْ ... إلى ردَ أمرٍ الله فيهِ سبيلُ)
(تيممتُ فيه الفالَ حين رزُقته ... ولم أدرِ أنَّ الفالَ فيه يفيلُ)
وأخذ أبو تمام قول الفرزدق في جارية له ماتت وفي بطنها غلام:
(وجفن سلاح من معدّ رُزئته ... )
والبيت:
(وفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو أنَ الليالي أنسأته لياليا)
(2/177)

وكان وجه الكلام أن يقول
(وفي جوفه ذو حفيظة من دارم)
فقال أبو تمام وزاد زيادة أسقط بها بيت الفرزدق حتى صار لا قيمة له معها وهو قوله في ابنين لعبد الله بن طاهر قد ماتا صغيرين في يومٍ واحدٍ:
(نجمانِ شاءَ الله أن لا يطلعا ... إلا ارتدادَ الطرفِ حتى يأفلا)
(إن الفجيعةَ بالرياض نواضراً ... لأجل منها بالرياضِ ذوابلا)
(لو ينسيان لكان هذا غاربا ... للمكرماتِ وكانَ هذا كاهلا)
(لهفي على تلك الشواهدِ فيهما ... لو أمهلتْ حتى تكونَ شمائلا)
(لغدا سكونُهما حِجاً وصباهما ... حِلماً وتلك الأريحيّةُ نائلا)
(إنَّ الهلالَ إذا رأيتَ نموَّهُ ... أيقنتَ أن سيكون بدراً كاملا)
ثم قال يوسيه:
(إن ترزَ في طَرفيْ نهارٍ واحدٍ ... رُزءين هاجا لوعة وبلابلا)
(فالثقل ليس مضاعفاً لمطيةٍ ... إلا إذا ما كان وهماً بازلا)
ثم قال أيضا:
(شمخت خلالك أن بؤسيك مرء ... أو أن تذكّرَ ناسياً أو غافلا)
(إلا مواعظ قادها لك سمحة ... أسجاج لُبِّك سامعاً أو قائلا)
(هل تكلفُ الأيدي بهزّ مُهّندٍ ... إلا إذا كان الحسامُ الفاصلا)
وقالوا ليس للعرب مرثية أجود من قصيدة كعب بن سعد التي يرثي فيها أخاه أبا المغوار ويقول فيها:
(أتى دونَ حلوِ العيشِ حتى أمرهُ ... نكوبٌ على آثارهنَ نُكوبُ)
(هوتْ أمهُ ما يَبعثُ الصبحُ غاديا ... وماذا يؤدِّي الليلُ حينَ يؤوبُ)
(حليمٌ إذا ما الحلم زين أهلَه ... مع العلمِ في عينِ العدوِّ مهيبُ)
(2/178)

(هوتْ أمهُ ماذا تضمنَ رحلهُ ... من الجودِ والمعروف حينَ ينوب)
(فتى أريحي كيف يهتزُّ للندى ... كما اهتزَّ من ماءِ الحديدِ قضيب)
(حليفُ الندى يدعو الندَى فيجيبهُ ... قريباً ويدعوه الندَى فيجيب)
(فإن تكنِ الأيامُ أحسنَ مرَّة ... إليّ فقد عادتْ لهنَ ذنوبُ)
(وحدَثتماني إنما الموتُ بالقرى ... فكيف وهذي هضبةٌ وكثيبُ)
وقال فيها:
(وداعٍ دعانا من يجيب إلى الندى ... فلما يجبه عند ذاك مجيب)
(فقلت ادع أخرى وارفض الصوتَ مسمعا ... لعلَ أبا المغوارِ منك قريبٌ)
ومن عجيب المراثي قول الرقاشي في البرامكة:
(الآن استرحنا واستراحتْ ركابنا ... وقلَ الذي يجدي ومن كان يجتدي)
(فقلْ للمطايا قد أمنتِ من السُّرَى ... وطيِّ الفيافي فدفداً بعد فدفدِ)
(وقلْ للمنايا قد ظفرت بجعفر ... ولن نظفري من بعدهِ بمسّود)
(وقلْ للعطايا بعدَ فضل تعطلي ... وقل للرزايا كلّ يوم تجدَّدي)
(ودونك سيفاً برمكياً مُهنّداً ... أصيبَ بسيفِ الهاشميّ المهندِ)
ومن جيد المراثي قول الآخر:
(سأبكيك للدُّنيا وللدِّين أنني ... رأيتُ يدَ المعروفِ بعدك شلتِ)
(ربيعٌ إذا ضنَ الغمامُ بمائهِ ... وليثٌ إذا ما المشرفيةُ سلتِ)
وقد أحسن أبو الحسن بن الأنباري القول في ابن بقية حين صلب:
(عُلوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ ... بحقٍ أنتَ إحدى المعجزات)
(كأنَّ الناسَ بعدك حينَ قاموا ... وفودُ نداك أيامَ الصلات)
وهذا البيت مأخوذٌ من قول ابن المعتز في عبد الله بن سليمان حين توفي:
(وصلوا عليه خاشعين كأنهم ... قيامٌ خضوعٌ للسلامِ عليه)
(2/179)

(كأنك قائمٌ فيهم خطيباً ... وكلهمُ قيامٌ للصلاتِ)
(مددتَ يديك نحوهمُ جميعا ... كمدِّكها إليهمْ بالهباتِ)
(ولما ضاقَ بطنُ الأرضِ عن أن ... يضمَّ عُلاك من بعدِ المماتِ)
(أصاروا الجوَّ قَبرك واستنابوا ... عن الأكفانِ ثوبَ السافياتِ)
(فلم أرَ قبلَ جذعِك قطُ جذعاً ... تمكنَ من عناقِ المكرماتِ)
ومن جيد ما قيل في عظم شأن الميت قول ابن المعتز:
(هذا أبو القاسم في نعشهِ ... قوموا انظرُوا كيف تزولُ الجبالُ)
وقول أبي تمام:
(بني مالك قد نيّهَتْ خاملَ الثرى ... قبورٌ لكم مستشرفات المعالمِ)
(رواكد قيد الكفَ من متناولٍ ... وفيها عُلاً لا يرتُقى بالسلالمِ)
وقلت:
(سائل القبرَ كيفَ أضمرتَ قدساً ... وأباناً ويَذّبُلاً وحراءَ)
(من رأى البدرَ بالتراب توارَى ... أو على ذروةِ النعوشِ تراءى)
وقال ابن المعتز وأحسن:
(تعالوا نزر قبر السماحةِ والرفد ... ولا نعتذر من دمعِ عينٍ على خدِّ)
(لقد عشتَ لم يَعَلَقْ بفعلكِ ذمةٌ ... ومتَ على رغمِ المحامدِ والمجدِ)
وقال أيضاً:
(ألستَ ترى موتَ العلى والمحامد ... وكيفَ دفّنا الخلقَ في قبر واحدِ)
(وللدَّهرِ أيامٌ يُسئنَ عوامداً ... ويحسنَ إن أحسنَّ غيرَ عوامدِ)
وقال دعبل بن علي الخزاعي:
(حنطتهُ يا نَصرُ بالكافور ... ورفعتهُ للمنزلِ المهجورِ)
(هلاّ ببعضِ خلالهِ حنطتهُ ... فيضوعُ أفقُ منازلٍ وقبورِ)
(2/180)

وقلت:
(على الرغم من أنف المكارم والعلى ... غدتْ داره قفراً ومغناه بلقعا)
(ألم ترَ أن البأسَ أصبحَ بعدهُ ... أشلَ وأنَ الجودَ أصبحَ أجدعا)
(فمرا على قبرِ المسودِ وانظرا ... إلى المجدِ والعلياءِ كيف تخشعا)
(فإن يكَ واراه الترابُ فكبّرا ... على الجودِ والمعروفِ والفضلِ أربعا)
(ولا تسأما نَوْحاً عليهِ مُكرَّراً ... ونَوحاً لفقدِ العارفاتِ مُرجّعا)
(فما كان قيسٌ هلكهُ هلكُ واحد ... ولكنّه بنيانُ قوم تضعضعا)
(ولا تحسبا أني أواريهِ وحدهُ ... ولكنني واريتهُ والنَّدَى معا)
ومن بارع المراثي قول ديك الجن الحمصي:
(ماتَ حبيبٌ فمات ليثٌ ... وغاضَ بحرٌ وباخَ نجمُ)
(سَمَتْ عيونُ الرَّدَى إليهِ ... وهي إلى المكرماتِ تسمو)
(ما أمك اجتاحتِ المنايا ... كلُ فؤاد عليك أمُّ)
ومما جاء في صفة القبر قول الشاعر:
(ورَسمُ دارٍ مُقفرُ الجنابِ ... يزدادُ عُمراناً على الخرابِ)
وقالوا أصدق ما قيل في صفة الدنيا قول أبي نواس:
(إذا إمتحنَ الدنيا لبيبٌ تكشَّفتْ ... له عن عدوٍ في ثيابِ صديقِ)
وهو مأخوذٌ من قول جرير في وصف النساء:
(دعينَ الهوى ثم ارتمينَ قلوبنا ... بأسهم أعداءٍ وهنَ صديق)
وقالوا بل أصدق ما قيل في صفة الدنيا قول الأول:
(حُتوفها رصدٌ وعيشُها نكدٌ ... وصفوها رتقٌ وملكُها دُوَلُ)
وقلت:
(ما بالُ نفِسك لا تهوَى سلامتَها ... فأنت في عَرَضِ الدنيا ترغبها)
(دارٌ إذا أتتِ الآمالُ تعمُرها ... جاءت مقدمةُ الآجالِ تخرِبها)
(أصبحتَ تطلبُ دنيا لستَ تدركُها ... فكيف تُدركُ أخرى لستَ تطلبها)
ومن جيد ما قيل في الزهد قول ابن المعتز:
(2/181)

(نسيرُ إلى الآجال في كلِّ لحظةٍ ... وأيامُنا تطوَى وهنَ مراحلُ)
(ولم أرَ مثلَ الموتِ حقاً كأنه ... إذا ما تخطته الأمانيُّ باطل)
وقلت:
(ألستَ تَرى موتَ العلا والفضائل ... وكيفَ غروبُ النجم بين الجنادلِ)
(فما للمنايا أغفلتْ كلَ ناقصٍ ... ونقبنَ في الآفاقِ عن كلَ فاضل)
(على الرِّغم من أنفِ العُلا سبقَ الرَّدَى ... بكلَ كريمِ الفعلِ حرِ الشمائل)
(على أنَ من أبقتهَ ليسَ بخالدٍ ... وليسَ امرؤٌ يرجو الخلودَ بعاقل)
(رأيتُ المنايا بينَ غادٍ ورائحٍ ... فما للبرايا بينَ ساهٍ وغافل)
(ولم أرَ كالدنيا حبيباً مضرةُ ... ولم أرَ مثلَ الموتِ حقاً كباطلِ)
وقال ابن المعتز:
(كم بدارِ الموتِ من ذي إرْبَة ... عجزتْ منهُ على الموتِ الحِيَلْ)
(ومُلوك بليتْ أيديهم ... ولقد كانت مطايا للقبل)
وقلت:
(فتعجبتُ كيفَ لانحذرُ الموت ... وأنفاسُنا خُطانا إليه)
وقرأت للجاحظ كلاماً مفقود النظير معدوم الشبيه لا أعرف لأحد مثله وهو: أيها المستدل على أمور الدنيا كفاك بها على نفسها دليلاً ويومها لك من غدها تشبيهاً وتمثيلاً تالله لقد أطلعتك بمؤتلفاتها على حدوث تأليفها وأثبتت لك الصانع بآثار صنعته فيها ووقفتك على معرفة كمالها بما توافى فيك من أجزائها ودلتك بتحليل المركبات فيها على انحلال تركيبها. ووقفتك بقطع الشمس والقمر قطرها على إدبارها وانقطاعها فكشف لك انتهاء حدودها عن تناهي أمدها وأبان لك دؤوب اطراد نهارها وليلها وتتابع دوران بروجها ونجومها وتعاقب أزمنة بردها وحرها واعتدالها وحركات نيرانها ورياحها ومياهها أنه مسوقة محثوثة إلى أمدها كما تحث براياها بالأوقات الجارية إلى آجالها. ثم قال وتحدث ما تخوفك به طوارق أحداثها وتوطنك على إيطان جثمانها حدثاً من أحداثها لا تمسك منها بعروة إلا شهدت على أشكالها فأية نصيحة أصدق لك من نصيحتها أوعظة أشفى
(2/182)

وأبلغ من عظتها أو شهادة أصح وأعدل من شهادتها بالفناء على نفسها، ألم تر أجزاءها مؤتلفة بالاجتماع مختلفة بالطباع يهلك بعضها بعضاً ويعود إبرامها نقضاً، فيا ناسياً للصخر وتهدمه وللحديد وتثلمه واثقاً ببقاء لحمه ودمه ومساعفاً لشبقه وقرمه إذكر أن جسدك وشيكا مفارقك وأنه وإن جددته مخلقك وأنك تطلقه في شهواته ويوثقك وتبقى عليه من التعب ويوبقك ففيم تشتغل به عن مصلتحك وعلام تتكل في عقبيك إلى أن قال وتقوى على الزهد فيما يتنافسه الجهال بذكر الموت وفجأته وبغتاته ووضوح آياته وغموض ميقاته وانخذال المحالة عن دفعه ويأس النفوس من منعه عند غوصه عليها في الأبدان وتخليله لها من الأعظم والأعصاب والعروق واللحم والإهاب حتى يسوقها من الإغماض والأوصال سياق رهاق مضيق للخناق محقق للفراق مؤيس من التلاق عند إحساسه بموت جسده عضواً فعضواً وفقدان قوته جزءً جزءً وهي تمرح في الصدر حشرجة وفي الجوانح رجرجة وفي اللهوات غرغرة وفي الحلقوم خرخرة بالنزع الجاذب والعلن الكاذب والفواق الدائب والأنفاس الذواهب فهناك تنفس الصعداء وتوقد البرحاء وفي سمعه وبصره بقية يرمق بها أولاده يتامى ونساءه أيامي وأمواله نهبى وجموعه شتى ووجوه الشامتين به مشرقة والدموع من أحبته مستبقة والجيوب عليه مشققة والشعور مقطعة والخدود باللطم مبقعة وذلك غير عائد عليه ولا عليهم بمنفعة في كلام طويل. ومن جيد ما قيل في إفضاء السلامة بصاحبها إلى الهلاك قول النمر بن تولب:
(تداركْ ما قبلَ الشبابِ وبعدَهُ ... حوادثَ أيامٍ تمرُ وأغفل)
(يودُ الفتى طولَ السلامةِ والغنى ... فكيفَ ترى طولَ السلامة يفعل)
(يُرَدُّ الفتى بعد اعتدالٍ وصِحّةٍ ... ينوءُ إذا رام القيامَ ويحمل)
وقيل لرجل من الأوائل: ما كان سبب موت أخيك؟ قال كونه فأحسن ما شاء. وقال بعضهم في معناه:
(ما بالُ من آفته بقاؤهُ ... نغصَ عيشي كله فناؤهُ)
(2/183)

وقال آخر في نحوه:
(فإنَّ الداء أكثر ما تراهُ ... من الأشياء تحلو في الحلوقِ)
ومن جيد ما قيل في موت الولد قول ابن الرومي:
(بكاؤكما يشفي وإن كانَ لا يجدي ... فجودا فقد أودي نظيركما عندي)
(توفى حمامُ الموتِ أوسطَ صبيتي ... فللَّه كيفَ اختارَ واسطةَ العقدِ)
(طواهُ الرّدَى عني فأضحى مَزَارهُ ... بعيداً على قرب قريباً على البعدِ)
(عجبت لقلبي كيفَ لم ينفطِرْ له ... ولو أنه أقسى من الحجر الصَّلدِ)
(وما سرَّني أن بعتهُ بثوابهِ ... ولو أنه التخليد في جنةِ الخلدِ)
(ولا بعتهُ طوعاً ولكنْ غُصِبتُه ... وليسَ على ظلمِ الحوادثِ من مُعدي)
وأما موت الأخ فقد روينا فيه خبراً مليحاً أخبرنا به أبو طاهر محمد بن يوسف قال أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن بكر قال حدثنا أيوب بن سليمان قال حدثني يوسف قال حدثنا صهيب بن محمد قال حدثنا إسماعيل بن عمرو قال حدثنا إسماعيل ابن عياش عن عبد الله بن دينار قال قدم لقمان من سفرٍ فلقى غلاماً له فقال له فعل أبي؟ قال مات قال ملكت أمري فما فعلت أمي؟ قال ماتت قال ذهب همي قال فما فعلت أختي؟ قال ماتت قال سترت عورتي قال فما فعلت امرأتي؟ قال ماتت قال جدد فراشي قال فما فعل أخي؟ قال مات قال: أوه انقطع ظهري انتهى. وذكر قدامة بن جعفر أن أبا جعفر المنصور لمادفن ابنه جعفر الأصغر قال للربيع كيف قال مطيع بن إياس فأنشده:
(يا أهل بكوا لقلبي القرح ... وللدموع الذوارفِ السفيح)
(راحوا بيحي ولو تطاوعني ... الأقدار لم تبتكرْ ولم ترحِ)
(يا خيرَ من يحسن البكاء له ... اليوم ومنْ كانَ أمسِ للمِدَحِ)
(قد شمتُ الحزنَ بالسرورِ وقد ... أديلَ مكروهُه من الفرحِ)
(2/184)

فبكى المنصور ثم قال: صاحب هذا القبر أحق بهذا الشعر، ثم أذن للناس فدخلوا ونصبت الموائد فلم يقدر أن يمد يده من الجزع الذي كان خامره فقام شبيب بن شيبة فأنشده قول الثقفي في ابنه علي وكان شرطة عبيد الله بن العباس باليمن فقتله بشر بن أرطأة فقال يرثيه:
(لعمري لقد أوْدَى ابنُ أرطأةَ فارساً ... بصنعاءَ والليث الهزبر أبي الأجر)
(تأملْ فإن كانَ البكا رَدَّ هالكاً ... على أحدٍ فاجهدْ بُكاك على عمرِو)
فسري عنه وأكل مع الناس ورفع الحزن مع رفع الطعام. ومن عجيب المراثي قول الأشجع:
(مضى ابن سعيد حين لم يبقَ مشرقٌ ... ولا مغربٌ إلا لهُ فيهِ مادحُ)
(وما كنتُ أدري ما فواضلُ كفه ... على الناس حتى غيبتهُ الصفائحُ)
(فأصبحَ في لحدٍ من الأرضِ ميتاً ... وكانَ بهِ حياً تضيقُ الأباطحُ)
(سأبكيك ما فاضتْ دُمُوعي وإن تغض ... فحسبك مني ما تحنُ الجوانحُ)
(كأنْ لم يمتْ حيٌّ سِواكَ ولم تقمْ ... على أحدٍ إلا عليك النوائحُ)
(لئن حسنتْ فيك المراثي وقيلها ... لقد حسنتْ من قبلُ فيك المدائحُ)
(وما أنا من رزءٍ وإن جَلّ جازعٌ ... ولا بسرورٍ بعدَ موتك فارح)
وأنشدنا أبو قاسم عبد الوهاب بن إبراهيم قال أنشدنا العقدي قال أنشدنا أبو جعفر عن المدائني لعرفجة بن شريك يرثي أوساً:
(رأيتُ المنايا تصطفي سَرَواتنا ... كأنَّ المنايا تبتغي من تفاخِره)
(فما كانَ قيسٌ عاجزاً غير إنهُ ... حمى أنفه من أن يضيعَ مجاورُه)
(وطابَ لوردِ الموتِ نفساً ولم يخمْ ... وقد ضاقَ بالنكس اللئيم مصادِرُه)
(فصادفَ رق الموت حراً سميدعاً ... إذا سئلَ المعروفَ لانت مكاسره)
(حمى أنفه أوس ولم يثن وجههُ ... ويفني الحياءُ المرءَ والرمح شاجِره)
ومن ههنا أخذ أبو تمام قوله:
(2/185)

(وقد كان فوتُ الموت سهلاُ فردَّهُ ... عليهِ الحفاظ المرُ والخلقُ الوعرُ)
وعزى ابن السماك الرشيد عن ابن له مات فقال: أما بعد فإن استطعت أن يكون شكرك الله حين أخذه أكثر من شكرك لله حين وهبه فافعل فإنه حين قبضه أحرز لك هبته ولو بقي لم تسلم من فتنته، عجباً لجزعك على ذهابه وتلهفك على فراقه أرضيت الدار لنفسك فترضاها لولدك أما هو فقد خلص من الكدر وبقيت معلقاً بالخطر والسلام. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداًُ لا يحصى عدده ولا يبلغ أمده، وصلواته على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين المختارين وسلم.
(هذا كتاب المبالغة)
(في صفة أشياء مختلفة يختم بها كتاب ديوان المعاني وهو:)
3 - (الباب الثاني عشر منه فأول ذلك)
(القول في الحنين إلى الأوطان)
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان قال قال أبو سرح سمعني أبو دلف أنشد:
(لا يمنعنك خفضُ العيشِ في دعةٍ ... نزوعُ نفسٍ إلى أهلٍ وأوطانِ)
(تلقى بكلَ بلادٍ أنتَ ساكنها ... أهلاً بأهل وجيراناً بجيرانِ)
(2/186)

فقال: هذا ألأم بيت قالته العرب. قال أبو هلال رحمه الله: النزوع ههنا ردئ والجيد النزاع، وإنما جعل أبو دلف هذا البيت الأم بيت لأنه يدل على قلة رعاية وشدة قساوة وحنين الرجل إلى أوطانه منقبة من علامات الرشد لما فيه من الدلائل على كرم الطينة وتمام العقل. وقالت الحكماء: حنين الرجل إلى وطنه من علامات الرشد. وقال بزرجمهر: من أمارات العاقل بره بإخوانه وحنينه إلى أوطانه ومداراته لأهل زمانه. وقال أعرابي: لا تشك بلداً فيه قبائلك ولا تجف أرضاً فيها قوابلك. وقالت العرب: أكرم الخيل أشدها خوفا من السوط وأكيس الصبيان أشدهم بغضاً للمكتب وأكرم الصفايا أشدها حنيناً إلى أوطانها وأكرم المهارة أشدها ملازمة لأمهاتها وأكرم الناس آلفهم للناس. وقد بين الله تعالى فضل الوطن وكلف النفوس به في قوله تعالى {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم} فجعل خروجهم من ديارهم كفؤ قتلهم لأتفسهم ومنه قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} وقول تعالى: {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا} فجعل إخراجه إياهم من ديارهم بدلاً من العذاب المستأصل لهم لشبهه به عندهم. وقال بعض الحكماء: الخروج من الوطن أحد السبابين والجلاء أحد القتلين. وقال يحيى بن طالب:
(إذا إرتجلت نحو اليمامة رفقةٌ ... دعاني الهوى وارتاح قلبي إلى الذكرِ)
(يقولونَ إنَّ الهجرَ يشفي من الهوى ... وما ازددتُ إلا ضعف ما بي على الهجرِ)
وكان كثيرٌ من العرب ممن يعتزي إلى فضل كرم لا ينتجعون وكذلك كانت قريش. وقال الحارث بن ظالم:
(رفعتُ الرُّمح إذ قالوا قُريشٌ ... وشبهت الشمائل والقبابا)
(2/187)

(ولو أني أطاوعُ كنتُ فيهم ... وما سيرتُ أتبع السحابا)
وقال الحويدرة:
(وتقيمُ في دار الحفاظ بيوتنا ... زمناً ويظعنُ غيرنا للأمرعِ)
والأمرع جمع لا واحد له من لفظه، وكانوا يسمون منزلهم دار الحفاظ لأنهم كانوا يقيمون فيه لقرى الأضياف وإعطاء الفقير وصلة المسكين وابن السبيل. وقال أبو تمام:
(كم منزل في الأرضِ يألفهُ الفتى ... وحنينهُ أبداً لأوّل منزلِ)
وقد قالت الهند: حرمة بلدك عليك مثل حرمة أبويك لأن غذاءك منهما وغذاءهما منك. وقال آخر: أرض الرجل ظئره وداره مهده. وقال آخر: الحنين إلى الوطن من رقة القلب ورقة القلب من الرعاية والرعاية من الرحمة والرحمة من كرم الفطرة وكرم الفطرة من طهارة الرشد وطهارة الرشد من كرم المحتد قال الشاعر:
(لقربُ الدَّار في الاقتار خيرٌ ... من العيش المُوسّع في اغترابِ)
وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أهله كما تتقوت الحبة ببل المطر إذا أصاب الأرض. وقال أفلاطن: غذاء الطبيعة من أنجع أدويتها. وقال يدواي كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تتطلع إلى هوائها وتنزع إلى غذائها. وقلنا: ليس الإنسان أقنع بشئ منه بوطنه لأنه يتبرم بكل شئ ردئ ويتذمم من كل شئ كريه إلا من وطنه وإن كان ردئ التربة كريه الغذاء ولولا حب الناس للأوطان لخرب أخابث الأرض والبلدان، قال الشاعر:
(ألا ليت شعري هل تحننَّ ناقتي ... بصحراء من نجران ذات ثرى جعدِ)
(وهل تنفضنَّ الريحُ أفنانَ لمتي ... على لاحقِ الأطلين مطمر ورد)
(وهل أردن الدهر حسمي مزاحم ... وقد ضَربْتهُ نفحةٌ من صبا نجد)
وذكر بن الرومي العلة التي يحب الوطن لأجلها وليس له في ذلك امام إلا
(2/188)

أحمد بن إسحاق الموصلي فإنه قال:
(أحبُ الأرضَ تسكنها سليمى ... وإن كانتْ بواديها الجدوب)
(وما دهري بحب تراب أرض ... ولكنْ من يحلُّ بها حبيبٌ)
وقال ابن الرومي:
(ولي وطنٌ آليتُ أن لا أبيعهُ ... وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا)
(عهدتُ به شرخَ الشبابِ ونعمةً ... كنعمةٍ قوم أصبحوا في ظلالكا)
(فقد ألفتهُ النفسُ حتى كأنهُ ... لها جسدٌ لولاهُ غودرتُ هالكا)
(وحبّبَ أوطانَ الرجالِ إليهم ... مآربُ قضاها الشبابُ هُنالكا)
(إذا ذكروا أوطانهمْ ذكرتهمُ ... عهود الصبا فيها فحنوا ذلكا)
(وقد ضامني فيه اللئيم وغرَّني ... وها أنا منهُ معصمٌ بحبالكا)
(فإن أخطأتني من يمينك نعمة ... فلا تخطئنه نقمةٌ من شمالكا)
وقلت في نحو من ذلك:
(ثوى في حفرةِ العانات يمنٌ ... تغلغل في المنازل والرباع)
(وإن تهوَ البقاع فليس غرواً ... هوى أهل البقاع هوى البقاعِ)
وقال ابن الرومي:
(فإذا تصورَ في الضمير وجدتهُ ... وعليه أفنانُ الشباب تميدُ)
وقيل لأعرابي كيف تصنع بالبادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شئ ظله؟ فقال وهل العيش إلا ذاك يمشي أحدنا ميلا ويرفض عرقاً ثم ينصب عصاه ويلقي عليها كساءه ويجلس يكتال الريح فكأنه في إيوان كسرى. وذكر أعرابي بلده فقال رملةٌ كنت جنين ركامها ورضيع غمامها. وقالت أعرابيةٌُ: إذا كنت في غير أهلك فلا تنس نصيبك من الذل. وقال الشاعر في معناه
(نصيبك من ذلِّ إذا كنت خاليا ... )
وقلت:
(حسبتُ الخيرَ يكثر في التنائي ... فكانَ الخيرُ أكثر في التداني)
(2/189)

(ذكرتُ مقامنا بسراة حُزوى ... فسرت مع الوساوس في عنان)
(ألا لله حزمٌ واصطبارٌ ... تقاسمه بنياتُ الزَّمان)
(عزيزٌ أضمرتهُ نوى شطون ... فظلَ من المهانةِ في ضمان)
(يناطُ إلى العزيز إذا تبوَّى ... بمنزل غربةٍ طرف الهوانِ)
وقال آخر: يحن اللبيب إلى وطنه كما يحن النجيب إلى عطفه. وقلت:
(إذا أنا لا أشتاقُ أرضَ عشيرتي ... فليسَ مكاني في النهى بمكينِ)
(من العقل أن أشتاقَ أول منزلٍ ... عنيتُ بخفضٍ في ذراهُ ولين)
(وروض رعاهُ بالأصائلِ ناظري ... وغصن ثناهُ بالغداةِ يميني)
وقال ابن المولى:
(سررتُ بجعفرٍ والقرب منه ... كما سرَ المسافرُ بالإيابِ)
(كممطورٍ ببلدتهِ فأضحى ... غنياً عن مطالعة السحابِ)
وهو من قول الآخر:
(فكنتُ فيهمْ كممطور ببلدتهِ ... فسرَ أن جمعَ الأوطانَ والمطرا)
وفضل بعضهم السفر على المقام واحتج بقول الله تعالى {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} قال فقسم الحاجات فجعل أكثرها في البعدُ، وقال تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} قال فاخرج الكلام مخرج العموم ولم يخص أرضاً دون أرضِ ولا قرباً دون بعد، وينشد في هذا المعنى قول أبي تمام:
(وطولُ مُقام المرءِ في الحيَ مخلقٌ ... لديباجتيهِ فاغتربْ تتجددِ)
(فإني رأيتُ الشمسَ زِيدتْ محبةً ... إلى الناس إذ ليستْ عليهم بسرمدِ) وقال في الحث على الأسفار والطلب والتزهيد في المقام والدعة: الراحة
(2/190)

عقلةٌ في الحركات ومن غلى دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء. وقال عبد الله بن وهب: حب الهوينا يكسب الضنى، وقال أبو المعافى:
(وإنَّ التواني أنكحَ العجرَ بنتهِ ... وساقَ إليها حينَ أنكحها مهرا)
(فراشاً وطيئاً ثمَ قال لها أتكي ... فقصرا كمالا بُد أن تلد الفقرا)
وقال نهيك بن أساف:
(أأمّ نُهيك إرفعي الطرفَ صادِقاً ... ولا تيأسِي أن يثرَي الدهر بائس)
(سيغنيك سعي في البلادِ وغربتي ... وبعل التي لم تحظَ في البيت جالس)
أخبرنا أبو أحمد عن ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال قال أكثم بن صيفي: ما يودني أني مكفي وأني أسمنت وألينت، قيل ولم ذاك قال مخافة عادة العجز. وفي الحديث المرفوع (سافروا تغنموا) وقال الشاعر وذم طول الضجعة:
(فإن تأتياني بالشتاء وتلمسا ... مكان فراشي فهو بالليل باردُ)
وقال آخر:
(أبيض بسامَ برودٌ مضجعه ... واللقمةُ الفردُ مراراً تشبعهُ)
وقال الحطيئة يهجو القعود والراحة:
(دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي)
وقال أبو عبادة البحتري:
(وقد سألتُ فما أعطيتُ مرغبةً ... وكان حقيَ أن أُعطي ولم أسلِ)
(أرمي بظني ولا أعدو الخطاءَ به ... فاعجبْ لاخطاءِ رامٍ من بني ثُعَلِ)
(أسيرُ إذ كنت في طولِ المقام بها ... أكدي لعليَ أجدى عند مُرتحلي)
(شرق وغرب فعهد العاهدين بما ... طالبت في ذملان الأنيق الذمل)
(2/191)

(ولا تقل أممٌ شتَّى ولا فرق ... فالأرض من تربةٍ والناس من رجلِ)
وقال بشار بن برد:
(تخاف المنايا إذ ترحلَ صاحبي ... كأنَ المنايا في المقام يناسيه)
أخذه من قول الأعشى:
(وكم مِن رَدٍ أهلَه لم يَرِمْ ... )
والأول أجود سبكاً وأفصحُ لفظاً. وأخبرنا أبو أحمد عن الجوهري عن أبي زيد قال قال أبو الحسن كان خالد بن عبد الله القسري يطعم الأعراب في حطمه أصابتهم في كل يوم يطعم ثلاثين ألف انسان خبزاً وسويقاً وتمراً فقيل لأعرابي لو أتيت خالداً فإنه يطعم الأعراب فقال:
(يقولُ ابنُ حجاج تجهزْ ولا تمت ... هُزالا بحرَّان تعاوى كِلابها)
(فقد خبرَ الركبان أنَ جديدَه ... تباح ورغفانا شباعاً رِغابُها)
(وماء فراتٍ ما اشتهيتُ وقريةَ ... تدبُ دبيبَ النملِ فيك شرابُها)
(فأقسم لا أبتاعُ رُغفانَ خالد ... بأرواحِ نجدٍ ما أقامَ تُرابُها)
(إذا باحت بالعُرمتين وصارةٌ ... رِياح الخزامى حينَ تندى رِحابها)
وأخبرنا أبو أحمد قال حدثنا أبو بكر بن دريد قال حدثنا الفضل بن محمد العلاف قال لما قدم بغاببتي نمير كنت كثيراً ما آتيهم فلا أعدم أن ألقى منهم الفصيح فجئت يوماً إليهم في عقب مطر فإذا شابٌ جميلٌ قد نهكه المرض فليس به حَراك وإذا هو ينشد:
(ألا ياسني برقٍ على قللِ الحمى ... ليهنك من برقٍ عليّ كريمُ)
(لمعتَ اقتداء الطرفِ والقومُ هُجَّع ... فهيجت أسقاماً وأنت سقيمُ)
(فهل من مُعير طرفَ عينٍ خلية ... فإنسانُ طرف العامريّ كليمُ)
(رمى قلَبه البرقُ اليمانيُّ رميةً ... بذكر الحمى وهناً فباتَ يهيم)
قال فقلت إن فيما بك لشغلاً عن الشعر قال صدقت ولكن البرق أنطقني.
(2/192)

وقال عبد الله بن محمد الفقعسي:
(ألا ليت شعري هل أبيتينَ ليلة ... بسلع ولم تغلقْ عليَّ دروبُ)
(وهل أحدٌ باد لنا وكأنه ... حصان أمام المقربات جنيب)
(يحول السراب الطلح بيني وبينه ... فيبدو لعيني تارةً ويغيب)
(فإني لأرعى النجمَ حتى كأنني ... على كلِّ نجمٍ في السماء رقيبُ)
(وأشتاقُ للبرقِ اليماني إذا بدا وأزدادُ شوقاً إن تهبّ جَنوب)
وله أيضاً:
(ومنْ حاجتي لولا الحياءُ وأنني ... أرى الناسَ قد أغروا بعيب صبا الكهلِ)
(مسيري مع الفتيانِ في طلقِ الهوى ... أباري مطاياهم على سلسلٍ رسلِ)
(فلم يبقَ من تلك اللذاذةِ عندهم ... وعنديَ غيرُ الذكر للعهدِ والأهلِ)
وقال أعرابيٌ:
(أمُغترباَ أصبحتَ في رامهرمزٍ ... ألا كل كعبيّ هناك غريبُ)
(إذا راحَ ركبٌ مصعداً إنَّ قلبهُ ... مع الرائحينَ المصعدينَ جنيبُ)
(وإنَّ الكثيبَ الفردَ من أيمن الحمى ... ليحلو بسمعي ذكرهُ ويطيبُ)
(تفوقتُ ذرّات الصبا في ظلالهِ ... إلى أن أتاني بالفطام مشيبُ)
(إذا هبَ عُلوي الرِّياح استمالني ... كأني لعلويِّ الرياح نسيبُ)
ومما يجري مع ذلك قول الآخر:
(إذا عقدَ القضاءُ عليك أمراً ... فليسَ يحلهُ غيرُ القضاءِ)
(فما لكَ قد أقمتَ بدارِ ذُلٍّ ... ودارُ العزَ واسعة الفضاء)
(تبلغ بالكفاف فكل شئٍ ... من الدنيا يؤولُ إلى إنقضاء)
وقال امرئ القيس:
(وقد طَوَّفْتُ في الآفاقِ حتى ... رضيتُ من السلامةِ بالإيابِ)
(2/193)

وقال البحتري:
(وكانَ رجائي أن أؤوبَ مُمَلَّكاً ... فصارَ رجائي أن أؤوب سليما)
(فصل في مدح الاخوان)
من أحسن التشبيه في مدح الأخ ما أنشدني أبو علي بن أبي حفص عن جعفر بن محمد:
(أخٌ لي كأيام الحياةِ أخاؤهُ ... تلوّن ألواناً عليّ خطوبُها)
(إذا عبتُ منه خلةً فهجرتهُ ... دعتني إليه خَلةُ لا أعيبُها)
وقال البحتري:
(قدمتَ فأقدمتَ الندى يحمل الرضا ... إلى كلِّ غضبانٍ على الدهرِ عاتبِ)
(وجئت كما جاء السحابُ محرِّكاً ... يديك بأخلاق تفي بالسحائبِ)
(فعادتْ بك الأيامُ وهي كواكبٌ ... جلا الدهرُ منها عن خُدودِ الكواعبِ)
(وما أنسَ لا أنسَ اجتذابَك همّتي ... إليك وتزييني بأعلى المراتبِ)
(فيا خيرَ مصحوبٍ إذا أنا لم أقمْ ... بشكرِك فاعلمْ أنني شرُ صاحبِ)
وكتب بعضهم: لست أذم من أيامنا إلا قصرها وطول الحسرة على أثرها. وقريبٌ من المعنى الأول قول الآخر:
(خليلٌ إذا ما جئتُ أبغيه حاجةً ... رجعت بما أبغي ووجهي بمائه)
(بلوت رجالاً بعده في إخائهم ... فما ازددت إلا رغبة في إخائه)
وقال دعبل بن علي:
(أخٌ لي عاداهُ الزمانُ فأصبحتْ ... مذمّمة فيما لديه المطالبُ)
(متى ما تذوقهُ التجاربُ صاحباً ... من الناس ردته إليك التجاربُ)
وقال إبراهيم بن العباس:
(2/194)

(ومؤمل للنائبات إذا ... هبَ الزمان باذره هبَّا)
(لما رآني نهب حادثة ... جعل الذخائر دونها نهبا)
وقال أيضاً:
(ولكنَ الجوادَ أبا هشام ... وفي العهد مأمون المغيب)
(بطئُ العهد ما استغنيت عنهُ ... وطلاعٌ عليك مع الخطوبِ)
والبيت الأخير يشير إلى قول جرير
(وإني لعف الفقر مشترك الغنى ... )
ونحوه قول إبراهيم أيضاً:
(أسدٌ ضارٍ إذا هيجتهُ ... وأبٌ برٌ إذا ما قدرا)
(يعرفُ الأبعدُ إن أثرى ولا ... يعرفُ الأدنى إذا ما افتقرا)
وقال أيضاً:
(ولكنَ عبدَ اللهِ لما حوى الغنى ... وصارَ له من بين إخوانه مالُ)
(رأى خلةً منهم تسدُ بمالهِ ... فساهمهمْ حتى استوتْ بهمُ الحال)
ونحوه قوله أيضاً:
(بدا حينَ أثرَى بإخوانهِ ... ففلل عنهمْ شباه العدمْ)
(وذكره الحزمُ غبَ الأمور ... فبادَرَ قبلَ انتقال النعمْ)
ومما هو في هذا السبيل ما كتب بعضهم: ما شخصتُ حتى شخص عقلي فصار عديلك واستقل ودي فأضحى زميلك ولا مطمع لي في مستقرهما حتى تستقر النوى بك وتحقق الأماني فيك ولك. وقال أبو تمام:
(ليالي نحنُ في غفلاتِ عيش ... كأنَ الدهرَ منها في وثاقِ)
(وأياماً لنا وله لدانا ... عرِينا في حواشيها الرقاقِ)
وفي هذا الموضع أيضاً قوله:
(2/195)

(أأيامنا ما كنتِ إلا مواهباً ... وكنت بإسعافِ الحبيبِ حبائبا)
(سنغربُ تجديداً لعهدك في البكا ... فما كنتِ في الأيام إلا غرائبا)
وقلت في فضل الصديق على القريب:
(رأيتُ بالودَ عن القربى غنى ... وليسَ بالقربَى عن الودِّ غنى)
(وصاحب الودِّ حُسامٌ منتضى ... يزينُ في السلم ويكفي في الوغى)
وقلت أيضاً في قوله:
(ليسَ حدُ الحسام أكفى وأغنى ... من أخ ذي كفاية وغناءِ)
(وأخُ المرءِ عصمةٌ في بلاءٍ ... يعتريهِ وزينةٌ في الرخاءِ)
وقال شبيب بن البرصاء:
(إذا المرءُ أغراهُ الصديقُ بدالهُ ... بأرض الأعادي بعض ألوانها الربد)
ومن أجود ما قيل في الاغضاء عن الأخ قول النابغة:
(ولستَ بمستبقٍ أخاً لا تلمهُ ... على شعثٍ إيُّ الرجالِ المهذبُ)
وقال بشار بن برد:
(إذا كنتَ في كلَ الأمورِ معاتباً ... صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتُبه)
(فعشْ واحداً أو صِلْ أخاك فإنهُ ... مقارفُ ذنبٍ مَرَّة ومجانبهْ)
(إذا أنتَ لم تَشرب مراراً على القذى ... ظمئتَ وأيُّ الناسِ تصفو مشاربُهُ)
وقال آخر: ألبس أخاك على تصنُّعه ... فلربَّ مُفتضح على النص)
(ما ظلتُ أفحص عن أخي ثقةً ... إلا ذممتُ عواقبَ الفحصِ)
وقال آخر:
(ومنْ ذا الذي ترضى سجاياهُ كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعدَ معائيه)
وكتب الصاحب في فصل: وتمثلت لي أخلاقك التي لولاها لم يسلس الماء ولم يرق الهواء ولم ترع الحقوق والذمم ولم يعرف المجد والكرم أخلاقٌ جددٌ غير
(2/196)

أخلاق لا تأخذ الأيام جدتها ولا تثهج الليالي بردتها. ومن جيد ما قيل في إظهار الرغبة في الإخوان قول أبي فراس بن حمدان:
(قل لإخواننا الجفاةِ رويداً ... إذ رجونا إلى احتمال الملال)
(إن ذاك الصدودَ من غير جُرم ... لم يَدَع فيّ موضعاً للوصال)
(أحسنوا في وصالكم أو فسيئوا ... لاعدمناكم على كلَ حالِ)
وقلت في معناه:
(كم قد منحتك حسناً ... وليس منك جزاءُ)
(ترَى يضرُّك أن لوْ ... يكون منك وفاءُ)
(لا تبلنا بصدود ... إنَ الصدودَ بلاءُ)
(بل مالنا منك بد ... فاصنع بنا ما تشاء)
وأنشدنا أبو أحمد:
(اذكر أخانا تولى اللهُ صحبتهُ ... إني وإن كنتُ لا ألقاهُ ألقاهُ)
(اللَّهُ يعلمُ أني لستُ أذكره وكيفَ يذكره من ليس ينساه)
وقال الخريمي:
(أخٌ لي كَذوبُ الشهدِ طعمُ إخائهِ ... إذا اختلفتْ بيضُ الليالي وسودُها)
(كأمنيةِ الملهوفِ حزماُ ونائلاً ... وعوناً على عمياءِ أمرٍ يكيدُها)
(لهِ نعمٌ عندي ضعفتُ بشكرها ... على أنهُ في كلَ يومٍ يزيدُها)
(تحملَ عني شكرها فأراحني ... وللشكرِ مرقاةٌ كؤودٌ صعودها)
وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدني أبو إسحاق الشطبي قال أنشدنا حماد الراوية:
(2/197)

(تصفحتُ إخواني بعينِ عنايةٍ ... فأصلحتُ منها كلَ ما أفسدَ الدهرُ)
(وأرضاك عفو الشكر دونَ إجتهادهِ ... وفي دون ما أوليت ما اجتهد الشكرُ)
ومن مليح ما قيل في مدح الزمان:
(رقَ الزمانُ لفاقتي ... ورثى لطولِ تحرُّقي)
(فأنالني ما أشتهي ... وأراحَ مما أتقي)
(فلأعفرنَ له الكثيرَ ... من الذنوبِ السُّبَّقِ)
(حتى جنايتهُ بما ... فعلَ المشيب بمفرقي)
(في ذم الإخوان والرفقاء وما يجري مع ذلك)
من قديم ما يروى في ذلك قول لبيد بن ربيعة:
(ذهبَ الذين يُعاشُ في أكنافهمْ ... وبقيت في خلفٍ كجلدِ الأجربِ)
وضمنه جحظة البرمكي فقال:
(قومٌ أحوالُ نَيلَهم فكأنني ... حاولتُ نتفُ الشعرِ من آنافِهِمْ)
(قمْ فاسقنيها بالكبيرِ وغنّني ... ذهبَ الذينَ يُعاشُ في أكنافهم)
وأنشدنا أبو القسم عن العقدي عن أبي جعفر لأبي الشيص:
(وصاحبٍ كان لي وكنتُ له ... أشفقَ من والدٍ على ولدِ)
(كنا كساقٍ يمشي بها قدمٌ أو كذراعٍ نيطتْ إلى عضدِ)
(حتى إذا دانت الحوادثُ منْ ... خطوي وحلَ الزمانُ من عقدي)
(2/198)

(أحولَّ عني وكان ينظرُ منْ ... عيني ويرمي بساعدي ويدي)
(وكانَ لي مؤنساً وكنتُ له ... ليس بنا حاجةٌ إلى أحدِ)
(حتى إذا استرفدتْ يدي يدَه ... كنت كمسترفدٍ يدَ الأسد)
ومن جيد ما قيل في ذي الوجهين:
(تعاشرُني ضحكاً كأنك ناصحٌ ... وعينك تُبدي أنَّ قلبك لي دوِي)
(لسانك لي شهدٌ وقلبك علقمٌ ... وشرُّك مبسوطٌ وخيرك ملتوي
(أراك إذا لم أهو شيئاً هويتهُ ... ولستَ لما أهوى من الشئ بالهوِي)
(عدوُّك يخشى صولتي إن لقيته ... وأنت عدوِّي ليس ذاك بمستوي)
(وكم موطن لولايَ طحتَ كما هوى ... بإجرامه من قُلة النيقِ مُنهوي)
(كأنك ان قيل ابنُ عمك غانمٌ ... شج أو عميدٌ أو أخو مغلة جوي)
(بدا منك غشٌ طالما قد كتمته ... كما كتمتَ داءَ ابنها أم مُدَّوِي)
وقريبٌ من ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد قال أخبرنا الصولي قال أخبرنا أبو ذكوان عن الرياشي قال سمعت أبا عبيدة يقول دخل رجلٌ الكوفةَ فنزل بآل عطارد فلم يضيفوه ورأى لهم أبينةً عاليةً فقال ارتجالاً:
(تناهوا برفع الدُّور حتى كأنها ... جبال وما شدى بخير شعابها)
(فليسوا بفتيان السماحة والنَّدَى ... ولكن فتيانا تسوَّى ثيابها)
(فقد أصبحتْ أضيافُ آل عُطارِدٍ ... خماصاً مطاياها خفاقاً عيابها)
ومن ذلك قول الشاعر:
(لعمري لقد أعطيتَ بُرداً وحُلةً ... وعراك من ثوبِ السماحةِ سالبهُ)
(فما يكُ من خيرٍ فما تستطيعه ... وما يك من شرٍ فإنك صاحبُه)
وقال يزيد المهلبي:
(فإذا غنيت فكلهم لي خاتلٌ ... وإذا افتقرت فكلهم لي جافي)
وما أكثر أحدٌ في ذم الزمان إكثار إبراهيم بن العباس فمن جيد قوله:
(2/199)

(كم أخٍ كانَ مني فلما ... أن رأى الدَهرَ جفاني جفاني)
(مُستعدٌّ لي بسهم فلما ... أن أرى الدَّهرَ رماني رماني)
وقال غيره:
(إحذَرْ مودةَ ماذقٍ ... شابَ المرارةَ بالحلاوَهْ)
(يُحصي العيوبَ عليك أيامَ ... الصداقةِ للعدواة)
وقال إبراهيم:
(بلوتُ الزمانَ وأهلَ الزَّمان ... وكلٌ بلومٍ وذمٍ حقيق)
(فأوحشني من صديقي الزمان ... وآنسني بالعدو الصديق)
وقوله:
(أخ كنت آوي منهُ عندَ ادّكارِه ... إلى ظل آباءٍ من العزِ باذخ)
(سمعت نوبُ الأيامِ بيني وبينه ... فأقلعنَ منا عن ظلومٍ وصارخ)
(وإني وإعدادي لدهري محمداً ... كملتمس إطفاء نارٍ بنافخ)
وقال بعض الجعفرين:
(إن الجديدينِ في طولِ اختلافهما ... لا يفسدانِ ولكن أفسد الناسِ)
(فلا يغرنك أضغانٌ مُزملةٌ ... قد يُركبُ الدبر الدامي بأحلاسِ)
قالوا هو من قول زفر بن الحارث:
(وقد ينبتُ المرعى على دِمن الثرىِ ... وتبقى حزازاتُ النفوسِ كما هيا)
قالوا يعني الرجل يظهر لك الود ويضمر خلافه كالنبات الحسن ينبت على القذر فيصير رائق الظاهر خبيث الباطن، وقال آخرون: الدمنة حيثُ تنزلُ الإبلُ فتدمن بالأبوال والأبعار فلا تنبت شيئاً فإذا طال عليه العهد وسفته الرياح وأصابته السماء نبت بعد حين، فيقول قد ينبت ذاك وهو مما لا ينبت ويتغير بالنبات وتبقى حزازات القلوب لا تتغير، وهذا التفسير هو الصحيح لأن ألفاظ البيت تقتضيه والأول فاسدٌ لأنه ليس على مقتضاها. وقال أبو فراس بن حمدان في ذم الإخوان فأجاد:
(تناساني الأصحابُ إلا عُصيبَةً ... ستلحقُ بالأخرى غداً وتحولُ)
(2/200)

(فمن قبلُ كانَ الغدرُ في الناس سُبّهً ... وذمَّ زمانٍ واستلامَ خليل)
(وفارق عمرو بنُ الزبيرِ شقيقَه ... وخلّى أميرَ المؤمنين عقيلُ)
(ومن الذي يبقى على الدهر إنهم ... وإنْ كثُرتْ دعواهمُ لقليلُ)
(وصرنا نَرَى أنَّ المتارِكَ مُحسنٌ ... وان خليلا لا يضرُّ وصولُ)
(أقلّبُ طرفي لا أرى غيرَ صاحبٍ ... يميلُ مع النعماءِ حيثُ تميلُ)
وقلت:
(إلى كم تستمر على الجفاء ... ولا ترعى حُقوقَ الأصدقاءِ)
(فمن لي أن أرَى لك مثلَ فعلي ... فنصبح في الودادِ على استواءِ)
(ألا أني لأعرفُ كلَ شئٍ ... سوى خلقِ الرعايةِ والوفاءِ)
(عريتَ من الوفاءِ ليس بدعاً ... لأنك قد عريتَ من الحياءِ)
(فإن ترجع إلى الحسنى وإلا ... فخيرُ سبيلنا تركُ اللقاءِ)
(وإن كانَ التقاربُ ليس يُجدي ... فما الاجداءُ إلا في التنائي)
وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدني ابن لنكك البصري لنفسه يذم الزمان:
(يا زماناً ألبسَ ... الأحرار ذلاً ومهانَهْ)
(لستَ عندي بزمان ... إنما أنتَ زُمانَهْ)
وقلت:
(زمانٌ كثوبِ الغولِ فيهِ تلونٌ ... فأولهُ صفوٌ وآخرهُ كدرُ)
وقال آخر في خلاف ذلك:
(أرى حُللاً تصانُ على رجال ... وأعراضاً تهانُ فلا تصانُ)
(يقولونَ الزَّمان به فسادٌ ... وهم فسدوا وما فسدَ الزَّمانُ)
وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا أبو بكر بن دريد:
(مشى فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكبَ الأعالي بارتفاعِ الأسافلِ)
وقال أبو الشعر موسى بن سحيم:
(متى ما تفكر في الزمانِ وأهلهِ ... ثقل لاعبٌ هذا وليسَ بلاعبِ)
(2/201)

وأنشدنا الآخر أيضاً:
(تبلدَ هذا الدهرَ فيما رَجوته ... على أنه فيما أحاذِره نَدب)
وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا جحظة لمحمد بن يعقوب بن داود:
(لا تعجبنك عمامتي ... فالفقرُ من تحتِ العمامة)
(والفقرُ في زمنِ اللئامَ ... لكلَ ذي كرم علامه)
وقلت في قريب منه:
(وليسَ ينفكُ كشخانٌ يجاذبنا ... علامةُ الحرَ أن يبلى بكشخانِ)
وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا جحظة البرمكي لنفسه:
(ربَ قد ضاقت النفوسُ ... وقد قلَّت الحِيلْ)
(فلكٌ لا يدورُ ... إلا بما تشتهي السفلْ)
وقال أبو تمام:
(على أنها الأيامُ قد صرنَ كلها ... عجائب حتى ليسَ فيها عجائبُ)
(ومن عادةِ الأيام أنَّ صُروفَها ... إذا سرَ منها جانبٌ ساء جانبُ)
وقال قابوس بن وشمكير:
(قلْ للذي بصروفِ الدهرِ عيَّرنا ... هل عاندَ الدَّهرُ إلا من له خطرُ)
(فإن تكنْ نشبتْ أيدي الزمانِ بنا ... ومسّنا من تمادي بُؤسه ضَررُ)
(ففي السماءِ نجومٌ غير ذي عدد ... وليسَ يكسفُ إلا الشمسُ والقمرُ)
(أما ترى البحرَ يعلو فوقه جيفٌ ... وتستقرُ بأقصى قعره الدُّرَر)
وقريبٌ من هذا ما قلته:
(إن كنتَ تسلم من شغبِ الزمان ولا ... أعطى السلامة منه كلما شغبا)
(فالعاصفاتُ إذا مرَّتْ على شجرٍ ... حطمنه وتركن البقلَ والعشبا)
وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا جحظة البرمكي لنفسه في المعنى الأول:
(2/202)

(يقولونَ زُرنا واقضِ واجبَ حقنا ... وقد أسقطتْ حالي حقوقهمُ عني)
(إذا أبصروا حالي ولم يأنفوا لها ... ولا لهم أنفتُ لهم منّي)
وأنشدنا أبو علي بن أبي حفص قال أنشدني أبو جعفر للعطوي:
(ليَ خمسونَ صديقاً ... بين قاضٍ وأميرِ)
(لبسوا الوفرَ فلم أخلع ... بهمْ ثوبَ الفقيرِ)
(كلهمْ كالَ ليّ الحر ... مانَ بالصّاعِ الكبيرِ)
ومن ههنا أخذ ابن الرومي قوله:
(سألتُ قفيزينِ من حنطة ... فجدتَ بكرٍ من المنع وافي)
وقد تقدم. وقلت:
(أليس صعباً أن ترى كاشحاً ... مالك يُدٌ من مداراته)
(أصبحت في دار إساآته ... أعداد أنفاسي وساعاته)
وأنشدني عم أبي لأبي الأسد الدينوري:
(ليتك أدَّبتني بواحدةٍ ... تقنعني منك آخرَ الأبدِ)
(تحلفُ لي لا تبرُّني أبداً ... فإنّ فيها برداً على كِبدي)
(اشفِ فؤادي مِنِّي فإنّ به ... عليّ قرحاً نكأته بِيَدي)
(إن كانَ رزقي إليك فارمِ به ... في ناظري حيةٍ على رصدِ)
(فكيفَ أخطأت لا أصبت ولا ... تهضت من عثرة إلى سَدَدِ)
(2/203)

(لو كنتُ حُراً كما زعمت وقد ... كَدَدتني بالمطالِ لم أعُد)
(لكنني عُدتُ ثم عُدت فإن ... عدتُ إلى مثلِ هذه فعد)
(قد صرتُ من سوءِ ما بليتُ به ... أكْنَى أبا الكلبِ لا أبا الأسدِ)
وقلت:
(العين تذرف والفؤاد يذوبُ ... والوجد يحضر والعزاء يغيبُ)
(ولقلة الكرماء أنت مضيعٌ ... ولكثرة الجهالِ أنت غريب)
(تالله لم تخطئك أسباب الغنى ... إلا لأنك عاقلٌ وأديب)
(فاصبر فقد عزّاك عن دركِ الغنى ... أن ليسَ يدركه أغرُ نجيبُ)
(عابوا قطوبي ان تعذرَ مطلبي ... أرأيتَ بدراً ليس فيه قطوب)
(وشحوب جسمي من مواصلة السرى ... هل من هلالٍ ليسَ فيهِ شحوب)
(ولقد يَدلُ على كمال كرامتي ... أني إلى قلبِ الكريم حبيبُ)
(ولقد جلا حزني وفرّج كربتي ... أنَّ اللئيم لرؤيتي مكروبُ)
(لا تلعبنَ فمن ورائك طالبٌ ... ومن العجائبِ لاعبٌ مطلوبُ)
وقال أبو تمام:
(هب من له شئٌ يريدُ حجابهُ ... ما بال لا شئ عليه حجابُ)
(ما زالَ وسواسي لقلبي خادعا ... حتى رجا مطراً وليس سحاب)
(ما إنْ سمعتُ ولا أراني سامعاً ... يوماً بصحراء عليها بابُ)
(ما كنت أدري لا دريت بأنه ... يجري بأفنية البيوتَ سرابُ)
(فصل فيما قيل في فضل الوعد ومدح الإنجار)
أخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الصولي قال حدثنا ابن زكريا عن ابن دينار قال حدثنا محمد بن عبيد الله العتبي قال كلم منصور بن زياد يحيى بن خالد بن برمك في حاجة لرجل فقال عده عني قضاءها فقال وما يدعوك أعزك الله إلى العدة مع وجود القدرة؟ فقال له يحيى هذا قول من لم يعرف موضع الصنائع من القلوب إن الحاجة إذا
(2/204)

لم يتقدمها موعد ينتظر به تجحها لم تتجاذب الأنفس بسرورها ولم تتلذذ بتناولها وإن الوعد تطعم والإنجاز طعام. وليس من فاجأ طعام كمن وجد رائحته وتمطق له وتطعمه ثم طعمه فدع الحاجة تحتم بالوعد ليكون لها عند المصطنع حسن موقع ولطف محل وحلاوة ذوق. وأخبرنا أبو أحمد قال حدثنا الصولي قال حدثنا أحمد بن يزيد قال أخبرنا البحتري عن خارجة بن مسلم بن الوليد عن أبيه قال سألت الفضل بن سهل حاجةً فقال أسوفك اليوم بالوعد وأحبوك غداً بالإنجاز فإني سمعت يحيى بن خالد يقول المواعيد شباك الكرام يصطادون بها محامد الإخوان وإن كان المعطي لا يعد لارتفعت مفاخر إنجاز المواعيد وبطل فضل صدق القول. وقال عيسى بن ماهان لجلسائه إني أحب أن أهب بلا وعد وأحب أن أعد لأخرج بالإنجاز من جملة المخلفين وأدخل في عداد الوافين ويؤثر عني كرم المنجزين فإن من سبق فعله وعده وصف بكرمٍ فرد وسقط عنه جميع ما ذكرت. وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي قال أخبرني عون بن محمد قال ذكر العتابي المأمون فقال إنه ألقح معروفه عندي بالوعد ونتجه بالنجح وأرضعه بالزيادة وشيبه بالتعهد وهرمه باستتمامه من جهاته وهنأه بترك الامتنان به. ومن عجيب ما جاء في الحث على الإنجاز ما حدثني به أبو أحمد عن الصولي عن يموت بن المزرع قال حدثنا عبد الصمد بن المعذل قال شكا رجلٌ جعفر بن يحيى إلى أبيه بأنه وعده ومطل به. فوقع: يا بني أنتم معاقل الأحرار ومظان المطالب ومعادن الشكوى فكونوا سواءً في الأقوال والأفعال فإن الحر يدخر وعد الحر ويعتقده وينفقه قبل ملكته فإن أخفق أمله كان سبباً لذمه واتهامه وسوء ظنه حتى يوارى قبح ذلك وحسن تقيته فأنجذ الوعد وإلا فقصر القول فإنه أعذر والسلام. وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن يونس عن الحميدي عن سفيان قال سمعت الزهري يقول: حقيق على من أزهر بالوعد أن يثمر بالفعل. ومن جيد ما مدح به المنجز قول أبي تمام:
(2/205)

(نؤمُّ أبا الحسين وكان قدما ... فتى أعمارُ موعدة قصارُ)
(تحنُ عِداته أثر التقاضي ... وتنتجُ مثل مانتج العِشارُ)
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن المغيرة بن محمد قال كلم المأمون في الحسين ابن الضحاك الخليع أن يردَ عليهِ رزقه فقال المأمون: أليسَ هو القائل في الأمين:
(فلاَ فرحَ المأمون بالملك بعدَه ... ولا زال في الدنيا طريداً مشردا)
فما زالوا به حتى أذن له أن ينشده فأنشده:
(ابن لي فإني قد ظمئتُ إلى الوعدِ ... متى تنُجز الوعدَ المؤكّد بالعهدِ)
(أُعيذك من صدَ الملوك وقد ترَى ... تقطع أنفاسي عليك من الوجدِ)
(فما لي شفيعٌ عندَ حُسنك غيرهُ ... ولا سببٌ إلا التمسك بالوُدَّ)
(أيبخلُ فرد الحسنِ فرد صفاتِه ... عليّ وقد أفردته بهوى فردِ)
فاستحسن الناسُ هذا التشبيب فلما قال:
(رأى اللهُ عبد الله خير عباده ... فملكهُ واللهُ أعلم بالعبدِ)
قال هذه بتلك وقد عفونا عنك. فقال يا أمير المؤمنين فأتبع عفوك بإحسانك فأمر برد أرزاقه عليه وكانت في كل شهر خمسمائة دينار فقال المأمون لولا أني نويت العفو عنه وجعلت ذلك وعداً له من قبل ما فعلته، وإنما ذكر العهد في تشبيبه فذكرنيه. وماأحسن ما قاله بعض ملوك العجم: البخل بعد وعد يضعف قبحه على البخل قبله فما قولك في أمر البخل أحسن منه وأجمل.
(ما قيل في الضحك والبشر عند السؤال)
أول من أتى بذلك زهير في قوله:
(تراهُ إذا ما جئته مُتهلِّلاً ... كأنك مُعطيه الذي أنت سائلُهْ)
ولو قال مكان (إذا ما جئته) (إذا ما سألته) لكان أجود. ومن الجيد في ذلك قول أبي نواس:
(2/206)

(بشرهمُ قبلَ النوالِ اللاحقِ ... كالبرقِ يبدو قبل جودٍ دافقِ)
(والغيثُ يخفي وقعهُ المرامق ... إن لم يجده بدليلِ البارق)
وأخذه أبو تمام هذا فقال:
(يستنزلُ الأملَ البعيدَ ببشرهِ ... بُشرى المخيلة بالغياث المغدقِ)
(وكذا السحائبُ قلما تدعو إلى ... معروفها الرُّوّاد ما لم تبرقِ)
وتبعهُ البحتري فقال:
(كانت بشاشُتك الأولى التي بدأتْ ... بالبشرِ ثم أقتبلنا بعدها النَّعما)
(كالمُزنة استؤنفَتْ أولى مخيلتها ... ثم استهلت بغزر تابعَ الدِّيَما)
وقال أبو عبد الله القطر بلي قلت للبحتري وقعت دون أبي تمام في هذا المعنى فقال لعمري ولكن سأرضيك فيه فقال في أبي الصقر:
(يُوليك صدرَ اليوم قاصية الغنى ... بفوائد قد كنَّ أمسِ مواعدا)
(سُوم السحائبِ ما بدأنَ بوارقا ... في عارضٍ إلا ثنينَ رواعدا)
والرعد لا يكون إلا ومعه الغيثُ فكأنه قال إلا ثنين مواطراً ثم رده فقال:
(إنما البشرُ روضةٌ فإذا ... أعقب بذلاً فروضةٌ وغدِيرُ)
وقال البحتري:
(ملكٌ عندهُ على كلَ حالِ ... كرمٌ زائدٌ على التقديرِ)
(وكأنّا من وعدِهِ ونداه ... أبداً بين روضة وغدير)
وقال:
(ضحكات في إثرهنَّ العطايا ... وبروق السحابِ قبلَ رُعودهْ)
وله أيضاًُ:
(متهللٌ طلقٌ إذا وعدَ الغنى ... بالبشر أتبع بشرَه بالنائلِ)
(كالمزن إن سطعتْ لوامعُ برقه ... أجلتْ لنا عن ديمة أو وابل)
وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا الصولي لنفسه:
(2/207)

(لست تلاقي سائلاُ برد ... تعيد بشر سؤدد وتبدي)
(كالبرقِ يأتيك أمامَ الرَّعدِ ... بشرى الغيوثِ بحبابِ رغدِ)
(يلقى بك الطالبُ نجمَ السعدِ ... بلغت في الأعمار أقصى العدِ)
(فصل في تعمية الأشعار)
عمى عبد كان للأحول على أبي صالح محمد بن عبيد الله بيتاً غلط فيه ورسمه:
(نظيف خفيف نظيف فايق ... نظيف مقيل بعلب نظيف)
(طريف مدل فايق نظيف ... فايق مقبل نظيف فايق)
(رشيق بدر معلب لمن ... نظيف مهذب معشوق نظيف)
مهذب ملاحظ رشيق مغاضب نظيف. فأخرجه وكان البيت:
(إذا قلتُ أسلو دامت العينُ بالبكا ... دماءً وحقنها مدامعُ حفلُ)
وكان الجواب الصادر:
(ألا أيها الشخصُ الذي كان نزهة ... يحصِّنهُ سترٌ من الله مسبل)
(لماذا هتكت الستر عنك تعمداً ... ولستَ بحمدِ اللهِ ممن يُجهل)
(رأيتك قد عميتَ بيتاً رسمتهُ ... بكلَ خطاءٍ فهو مثلك أحولٌ)
(وكان لمتبولِ الفؤادِ معذبٌ ... أخي حسرةُ بالهجرِ والصدِّ يُقتلٍِ)
(فقالَ وقد رامَ السلوَ فلم يجد ... وبات كئيباً بالياً يتململُ)
(إذا قلتُ أسلو دامت العينُ بالبكا ... دماءً وحقنها مدامعُ حُفَّلُ)
وعمى حمزة الأصفهاني على أبي جعفر محمد بن أيوب بيتاً رسمه:
(نرجس خيري بنفسج حماحم ... شاهسفرم اقحوان نسرين)
(نسرين أقحوان نسرين مرزنجوش ... ورد ياسمين نسرين)
(زعفران نمام سُوسن أفرنجمشك ... آس منثور مرزنجوش)
(بنفسج بلحية ياسمين مرزنجوس ... نسرين نمام منثور)
(2/208)

خيري منثور أقحوان زعفران سيسنبر خزامى بنفسج مرزنجوش. فأخرجه وكان البيت:
(كفى حزناً أنَ الجوادَ مُقتَّرٌ ... عليهِ ولا مَعرُوفَ عند بخيل)
فكان الجواب الصادر:
(فِداك أبا يعلى أخٌ لك لم يَزَلْ ... يَعدُّك ذخراً عندَ كلَ جليلِ)
إلى أن قال:
(فقالَ وقد جابَ البلادَ فلم يجد ... أخا ثروةٍ يسخى لهُ بفتيل)
(كفى حزناً أنَ الجوادَ مقترٌ ... عليهِ ولا معروفَ عندَ بخيلِ)
ومن أحسن ما قيل في هذا قول أبي سعيد الأصفهاني وقد عمى عليه زياد بن جعفر الهمداني بيتاً فأخرجه وكان الجواب:
(إذا العارضُ السحُ بالوبلِ جادا ... وأنزل غيثاً أغاثَ البلادا)
(وأسرجَ فيهِ وميضُ البروقِ ... مصابيحَ تزهو منه اتقادا)
(وثج فما شكَ ذو ناظر ... رأى سيلهُ أنَّ فيهِ مزادا)
(فعمَ بشؤبوبه سادتي ... وخصَ بأغزرِ سقى زيادا)
(زياد بن جعفر المستجار ... لصرفِ الزمانِ إذا ما تمادى)
(فداؤك نفسي وإن سمتني ... غناءً طويلاً حماني الرُّقادا)
(أتتني الطيورُ فساترنني ... ببيت تعمقت فيهِ عنادا)
(إلى أن تمكنتُ من صيدها ... وقد صدتها إذ عرفتُ المصادا)
(وقلتُ لها غرِّدي بالذي ... كتمتِ فأسرعنَ نحوي انقيادا)
(وأنشدتُ بيتاً مُعادَ الفصول ... ولستَ ترى فيه معنى مُعادا)
(ومن ذلَ قلَ ومن قلَ ذلَ ... ومن سادَ جادَ ومن جاد سادا)
(أردتَ سقاطي فما نلتهُ ... فنلتُ المنى وبلغتُ المرادا)
(وأبقاك ربي بقاء النعيم ... عليك وملاك منه وزادا)
(2/209)

وكتب إلى أبي عبد الله جعفر بن القاسم الكرخي جواباً عن معمى:
(دمعي على الخدِّ سكبُ ... ونارُ شوقي تشبُ)
(وليس يبقى على ما ... يلقاه قلبي قلبُ)
(للهِ عهد الليالي ... إذ مورد العيش عذبُ)
(وإذ شبابيَ لدنٌ ... وغصنُ قدّي شطب)
(يا جعفر القوم يا من ... يدعي إذا جلَ خطب)
(فداكَ عبدٌ مشوقٌ ... إلى لقائك صبُّ)
(أبعدتني وسواءٌ ... بعدٌ لديّ وقرب)
(أخلاطٌ طيبٍ أتتني ... منها يبيسٌ ورطب)
(قربتْها نارُ طبعٍ ... يدوم والنارُ تخبو)
(عودٌ ومسكٌ ذكيٌ ... وعنبرٌ مستحبُ)
(أوردتُها نارَ فكري ... ففاحَ شرقٌ وغرب)
(وهبَ للفهم منها ... روائحٌ لا تهبُ)
(فنلت بالشمِ مالم ... ينله عجمٌ وعُرب)
(بيتا كما أهتزَ روضٌ ... أو أكملَ الوشي عصب)
(شيبٌ وسنٌ وجهلٌ ... هذا لعمرك صعب)
(بجعفرٍ وأخيه ... نالَ الورى ما أحبوا)
(نفسي فداكم وما قد ... أهلَ يالحج ركب)
(ذنبي انقطاعي إليكم ... إن عدَ للناس ذنب)
(فذاك للخلق كهفٌ ... وذاك للمجدِ قطب)
(ليثٌ إذا عضَ دهر ... غيثٌ إذا إشتدَ جدبُ)
(لي منهما اليومَ رأىٌ ... يُرى غداً وهو كسبُ)
والتعمية أن تجعل مكان كل حرف من البيت اسماً على مثال ما تقدم فإذا
(2/210)

مضت الكلمة تدير دائرة على ذلك حتى تأتي على آخر البيت. ووجه استخراج المعمى أن تنظر إلى الأسماء التي جعلت مكان الحرف فما تكرر منها وكثر في البيت فظن أنه للألف وربما لم يصدق هذا الظن ولكنه الأمر الأكثر فاطلب بعده اللام فإنها تقع بعد الألف كثيراً وانظر إلى ما طال في البيت من الكلمات فإذا رأيت الألف في أولها فظن بالثانية أنها لام وربما تكرر ذلك في موضعين من البيت وثلاثة، ومما يستدل به على معرفة اللام أيضاً أن يقع بعد الاسم إذا ظننت أنه الألف حرفان على صورة واحدة في مثل اللبيب والليل والليث وفي قولك الله وما أشبه ذلك، ومما يستدل به على معرفة اللام أيضاً أن يقع في البيت كلمة على حرفين وقد عرفت الألف واللام فتكون الكلمة تزداد يقيناً في الألف واللام وإذا صحت لك الألف واللام رأيت في البيت كلمة على حرفين والثاني منهما ألف فظن أنها (ما) أو (ذا) أو (يا) لأن ذلك أكثر ما يقع فإذا صحت الميم من (ما) ثم رأيت كلمة على حرفين فظن بها أنها (من) فإن رأيت كلمة على حرفين وأولها ألف فظن بالثاني أنه نون أو واو أو ميم، فإذا عرفت الألف في أول كلمة ورأيت قبلها حرفاً فظن أنه واو أو فاء أو باء أو كاف فإذا عرفت الألف ورأيتها وقد وقعت آخر البيت فظن بالحرف الذي قبلها أنه هاءٌ أو كاف لأن ذلك أكثر ما يقع فإذا تكررت لك هذه الحروف في البيت وقفت منه على أكثره، ثم تعمد إلى الحروف التي يقل تكرارها في البيت فتنظر إلى الكلمة الرباعية أو الخماسية فتظن أنها أبداً أن فيها أحد الحروف الستة اللام والراء والنون والفاء والتاء والميم لأنها لا تخلو من حرف منها أو حرفين. ولا ينفع ما مثلناه من هذه الأمثلة إلا مع جودة الفريحة وشدة الذكاء والفطنة ومع النشاط وصدق الشهوة. وذكر بعض أهل العلم وأظنه أبا الحسن العروضي أنه عمي له قول الشاعر:
(وكن ذاكراً بيت النويبغ إنه ... سيحلو على سمع اللبيب ويعذبُ)
فكانت تعميته: زيد بكر عمرو سعد بدر بكر بدر سهل صقر فهد بدر شهر
(2/211)

عمرو زيد صقر سهل رشد بدر عمرو حمد قصر عقر مكر شهر زيد بدر فخر شهر صقر قصر سلم فخر بدر شهر شهر سهل صقر سهل زيد صقر فخر سعد سهل صقر. قال فأول ما استخرجت منه الألف لأنها أكثر ما فيه من الحروف ثم عرفت بعدها اللام لأنهما واقعتان في قوله (النويبغ) وفي قوله (اللبيب) فلما صحت الألف واللام رأيت اللام قد تكرر فعلمت أنها لا تتكرر إلا في مثل اللبيب واللطيف وكان أقربها في ظني اللبيب، عمدت بعد ذلك إلى الكلمة الثالثة فرأيت الباء والياء فيهما وبقي الحرف الثالث فعرضته على الحروف فخرج لي بيت وبيد ويبش وبيض وبيع وبين فلم أجزم على شئ منها فتركتها موقوفة ثم قصدت إلى الكلمة السابعة فرأيت فيها اللام والباء فلم أشك أن الحرف الأول العين وأن الكلمة (على) ثم قصدت الكلمة الثامنة فرأيت العين في آخرها فطلبت على هذا المثال ما آخره عين فجاءني جمع ورجع ودمع وسمع فتركتها موقوفة ثم عمدت إلى الكلمة الأخيرة فرأيت فيها ما تبينته وعرفته الياء والعين والباء فعمدت إلى الياء والعين فوضعتهما مع سائر الحروف فخرج لي: يعتب ويعجب ويعذب ويعرب ويعطب وما شاكل ذلك فقابلت ما خرج من وجوه الكلمة الأخيرة على ما يقرب في المعنى مع إدخال اللبيب بينهما فصح لي أن الثامنة (سمع) وأن الأخيرة يعذب وعلمت أن زيداً في أول الكلمة الأخيرة واو فلما صح (على سمع البيب) لم أشك أن الكلمة السادسة (سيحلو) قد ظهرت فيه السين والياء واللام والواو والألف فلما عرضت الكلمة مع سائر الحروف لم يطابق يعذب في المعنى إلا يحلو فلما ظهر ذلك علمت بالمعنى والوزن جميعاً أن الذي ظهر من البيت يدل على أنه في ذكر شئ فيه كناية في وسط البيت وأولها ألف والنون تليها كثيراً فأدى الوزن إلى أن بعدها هاء وأن الكلمة (إنه) فلما ظهرت النون وكنت قد عرفت الواو من الكلمة الأخيرة علمت أن أول كلمة في البيت (وكن) بغير شك وأن الثانية (ذاكرا) لأن الذال ظهرت في يعذب والألف معروفة والكاف قد بانت من الكلمة الأولى والألف الثانية
(2/212)

معروفة بقيت الراء فلما عرضتها على سائر الحروف لم يجئ غير الراء ثم قصدت إلى الكلمة الرابعة فلم أجد فيها حرفاً غير ظاهر قد عرفته إلا الغين فقط فلم أدر ما هو فلولا أن الوزن أدى إليه بعد طول تعب لك يكن يظهر فلما علمت أنها (النويبغ) لم أشك أن الثالثة (بيت) وظهر البيت كله. ومن المعمى بغامض الحساب قول ابن طباطبا:
(إن رحت ما في يديه ملتمساً ... وكنتُ أشكو إليهِ ضيقَ يدي)
(أحصت ألوفا يسراهُ أربعة ... منقوصة سبعة من العددِ)
وفي هذا المعنى شئ كثير هذا أجوده فاعرف ذلك. وقلت في ضرب من المعمى:
(وأصفرٌ تحمرٌ أطرافه ... يا حسنهُ منْ مطرف مُعلمِ)
(صدَّره الانسانُ في بيتهِ ... وهو مهانٌ ليسَ بالمكرم)
(والمرءُ قد يعلو على ظهره ... وهو سليم الدِّين لم يأثم)
(وهو على ما كان من ذلّة ... سُمِّى باسم الملك الأعظمِ)
أعني حصيراً والملك يسمى حصيراً، قال الشاعر:
(ومقامه غلب الرّقاب كأنهم ... جندٌ لدى باب الحصير قيامُ)
وقلت:
(وميت لا يكاد المرء يدفنه ... إلا إذا عادَ حياً بعدما ماتا)
(وميّت غيبوا في الأرض جُثَّته ... عمداً لكي يجعلوا الأحياء أمواتا)
الأول الذكر والثاني الفخ. ومن مليح المعمى ما أخبرنا به أبو أحمد قال حدثنا ابن عمار قال حدثنا يعقوب بن إسرائيل قال حدثنا عبد الحميد بن عقبة قال حدثني أبو عثمان المازني قال هجا أبو عيينة إسماعيل بن جعفر بن سليمان بشعر موري فلم يفهمه وكان كلما جاءه من يأنس به عرضه عليه حتى دخل رجل فأقرأه إياه وهو قوله:
(إني أحاجيك فاعلمنَّ فما ... لؤلؤةٌ منك قد ثقبناها)
(وكرمةٍ من أبيك منبتها ... حتى إذا أينعتْ قطفناها)
(تخبرنا ما هما وما سُبُلٌ ... تشعبت منك قد سلكناها)
(2/213)

(لم نمش فيها ريثاً ولا عجلاً ... ولم نطأها وقد وطئناها)
(فإن تصبها فأنت ذو فطن ... وحاجتي أنْ تصيب معناها)
فقال أيها الأمير أنه كلامٌ ردئ أكره أن أستقبلك به فقال هاته قال أما اللؤلؤة فالبنت وأما الكرمة من أبيك فالأخت وأما السبل التي تشعبت فالأم لم نطأها بالاقدام ووطأناها بالفعل وقال الآخر يذكر دعوة يدعو بها على رجل:
(وسارية لم تسر في الأرض تبتغي ... محلاً ولم يقطع بها البيدَ قاطعٌ)
(سرت حيثُ لم تسرِ الركاب ولم تنخ ... لورد ولم يقصر لها القيد مانع)
(تكرّ وراءَ الليلِ والليلُ مظلمٌ ... إذا قرعَ الأبوابَ منهنّ قارعُ)
(إذا وفدت لم يردد اللهُ وفدها ... على أهلها واللهُ راءٍ وسامعُ)
(وإني لأرجو الله حتى كأنني ... أرى بجميلِ الظنّ ما الله صانعُ)
(أحسن ما قيل في تقبيل اليد)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن خالد عن أبي بكر بن محمد بن خلاد الباهلي عن محمد بن الفضل عن أبي الزناد عن عبد الرحمن عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن عمر قال كنت في غزوة في بعض مصالح رسول الله
فتلقانا العدو فحاص الناس حيصة فكنت فيمن حاص ثم قلنا حين رجعنا إلى أنفسنا كيف ننظر في وجوه القوم وقد بؤنا بغضب من الله ثم قلنا نأتي المدينة فنبيت بها ثم نخرج فلا يرانا أحدٌ فلما أتينا المدينة قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله
فأتيناه فلما خرج إلى الصلاة قلنا يا رسول الله نحن الفرارون. قال (بل أتنم الكرارون) فقبلنا يده قال ثم قلنا يا رسول الله إنا هممنا بكذا فقال إنا فئة المسلمين ثم قرأ {إلا متحرفا فالقتالِ أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغض من الله} . وبإسناد لنا أن ابن أبي ليلى قبل يد أبي مسلم فقال له رجل أتقبل يد أبي مسلم فقال له رجلٌ أتقبل يد أبي مسلم؟ قال أو ليس أبو عبيدة قبل يد عمر؟ قال أوتجعل أبا مسلم مثل عمر؟ قال أوتجعلني
(2/214)

مثل أبي عبيدة. وحدثنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن زكريا عن محمد بن عبيد الله العتبي قال قبل رجلٌ يد المهدي فقال يد أمير المؤمنين أحق يد بتقبيل لعلوها في المكارم وطهرتها من الماء ثم وأنك ليوسفي العفو إسمعيلي الصدق شعبي الرفق فمن أرادك بريدة خوف أو سوء فجعله الله طريد خوفك وحصيدة سيفك. ومن أجود ما قيل في ذلك من الشعر ما أنشدنا أبو أحمد عن الصولي لإبراهيم بن العباس في الفضل بن سهل قال أنشدنا ثعلب وأبو ذكوان:
(لفضلِ بن سهل يدٌ ... تقاصرَ عنها المثلْ)
(فبسطتها للغِنى ... وسطوتُها للأجل)
(وباطنها للندَى وظاهرُها للقبل)
فأخذه ابن الرومي فقال للقسم بن عبيد الله رحمه الله:
(أصبحتَ بين خصاصةٍ وتجمّل ... والمرءُ بينهما يموتُ هزيلا)
(فأمدد إليّ يداً تعوَّد بطنُها ... بذلَ النوالِ وظهرها التقبيلا)
وقال أيضاً
(له راحةٌ فيها الحطم وزمزم ... )
وقلت:
(فظاهرُها للناس ركنٌ مقبلٌ ... وباطنهُا عين من الجواد عيلم)
(هو البحر لاعينٌ من الجودِ عيلمٌ ... عفاء على عين من الجود عيلم)
(يجلُ عن تقبيلِ ظاهرِ كفه ... وباطنها عن أن تقاس بزمزم)
ومما جاء في كراهة ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي عن الغلابي عن العتبي قال إستأذن رجل هروان الجعدي في تقبيل يده فأبى وقال إنها لمن العربي ذلة ومن العجمي خدعة فلا حاجة لي في أن تذل لي أو تخدع فاعفني من ذلك.
(الحض على السلام)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن إبراهيم بن عبد الله النمري عن الضحاك بن مخلد عن ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله & (إذا
(2/215)

جاء أحدكم المجلس فليسلم فإن قام والقوم جلوس فليسلم فإن الأولى ليست بأحق من الآخرة) وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن إبراهيم بن فهد عن عبد الله بن رجاء عن سعيد بن سلمة عن أبي بكر عن نافع عن ابن عمر أن رجلا مر برسول الله
وهو يهرق الماء فسلم عليه الرجل فرد عليه فقال إنه ما حملني على الرد عليك إلا أني خشيت أن تقول سلمت عليه فلم يرد علي فإذا رأيتني هكذا فلا تسلم علي فإنك إن تفعل لا أرد عليك السلام) وعنه عليه السلام (تمام التحيةِ أخذٌ باليد) وحدثنا أبو أحمد عن الصولي عن الغلابي عن العباس بن بكار عن المفضل الضبي عن جدته عن مكعت الأسدي قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت:
(يقولُ أبو مُكعت صادقاً ... عليك السلامُ أبا القاسم)
(سلام الإله وريحانه ... وروح المصلين والصائم)
فقال رسول الله
(عليك السلامُ تحيةُ الموتى) قال المصنف تقول العرب للميت (عليك السلام) قال الشاعر:
(عليك أبا بشر سلامٌ ورحمةٌ ... وقد بنْتَ منا كلنا لك حامدُ)
(فلا يُبعدَنك اللهُ ميتاً فإنما ... حياةٌ الفتى سيراً إلى الموتِ قاصدُ)
وقال عبدة بن الطبيب:
(عليك سلامُ الله قيس بن عاصم ... ورحمتهُ ما شاءَ أنْ يترحما)
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن الغلابي عن ابن عائشة قال دخل الحسن بن الكناني على عبد الله بن جعفر ذي الجناحين فأنشده قوله فيه:
(عليك السلامُ أبا جعفرٍ ... وسيد فهر لدى المحضر)
(فأنتَ المهذَّبُ من هاشم ... وخير قريشٍ إذا تذكر)
(2/216)

فقال له عبد الله أخطأت مرتين (عليك السلام) أكثر ما تستعمل هذه للأموات وقد أمكنك أن تقول (سلامٌ عليك أبا جعفر) ثم جعلت لي ما كان لرسول الله
ووصفتني بصفته، قال فاستمع البيت الذي سقت له ما سقت قال هاته فقال:
(فهذي ثيابي قد أخلقتْ ... وقد عضَّني زمنٌ منكرُ)
فقال عبد الله هذي ثيابي لك بها، ودعا بغيرها ودفعها إليه.
(السلام على الكفار)
حدثنا أبو أحمد عن الصولي عن الغلابي عن العباس بن بكار عن أبي بكر الهذلي قال سلم نصراني علي الشعبي فقال له الشعبي وعليك السلام ورحمة الله، فقال له رجل سبحان الله تقول لهذا النصراني ورحمه الله! فقال الشعبي أليس في رحمة الله يعيش قال بلا قال فما وجه الإنكار علي عافاك الله تعالى وإيانا برحمته.
(رد السلام بالإشارة)
حدثنا أبو أحمد عن الصولي عن العباس بن الفضل الأسفاطي عن ثابت عن عبد العزيز عن هشام بن سعدٍ عن نافع عن عبد الله قال خرجنا مع رسول الله
إلى البقيع فقام فصلى فجاءت الأنصار تسلم عليه قال فسألت بلالاً كيف كان يردُ عليهم قال كان يشير إليهم بيده. وأنشدنا عنه عن محمد الأسدي عن أبي هفان عن أبي محلم لأبي طراد أسعد بن البكا البكري:
(مررنا فقلناها السلام عليكمُ ... فبلغها ضيق المحل غَيورُ)
(وما كنت أدري أن في الخير ربية ... ولا إنّ رجعاً بالسلام يضير)
(ما جاء في المصافحة)
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن الأسفاطي عن يعقوب بن حميد عن إسحاق ابن إبراهيم بن سعيد عن صفوان بن سليم عن إبراهيم بن عبيد بن رفاهة عن ابن
(2/217)

أبي ليلى عن حذيفة قال قال النبي & (إذا لقي المؤمن المؤمن فصافح أحدهما صاحبه تناثرت الخطايا بينهما كما يتناثر ورق الشجر) . وقال الحسن: المصافحة تزيد المودة. وحدثنا عنه عن الغلابي عن ابن عائشة قال دخل سوار العنبري على المنصور فقال يا أمير المؤمنين على ما أحدث الناسُ اليوم أم على ما كان عليه الأوائل؟ قال بل على ما كان عليه، فدنا فصافحه. وأخبرنا عنه قال سمعت إبراهيم بن المنذر يقول دخل الفقهاء على المتوكل ونحن وقوف بين يديه فاستدناهم فكلٌ قبل يده إلا إسحاق بن إسرائيل فإنه قال يا أمير الؤمنين ما ينقصك أن أقبل يدك ولم يقبل يد المتوكل وقد حدثني الفضل ابن عياض عن هشام بن حسان عن الحسن قال المصافحة تزيد في المودة ويبقى بها المؤمنين فبسط المتوكل يده فصافحه، وصله المتوكل بأكثر مما وصل به أصحابه. وأنشدنا عنه عن أحمد بن إبراهيم المازحي لبعض شعراء الشام:
(تصافحت الأكفُ وكان أشهى ... إلينا لو تصافحت الخدُودُ)
(نموت إذا التقى كفٌّ وكفٌّ ... فكيفَ إذا التقى جيدٌ وجيد)
وقال آخر:
(فصافحتُ من لاقيتُ في البيتِ غيرها ... وكلُ الهوَى مني لمنْ لم أصافحْ)
وقال أبو العتاهية يهجو عبد الله بن معن بن زائدة:
(أختُ بني الشيبان مرَّتْ بنا ... ممسوطةً كوراً على بغلِ)
(قد نقطتْ في كفِّها نقطةً ... مخافةَ العينِ من الكحلِ)
(لقيتهُ يوماً فصافحته ... فقال دع كفي وخذ رجلي)
(حياك الله وبياك)
معنى حياك الله سلام عليك، والتحية أيضاً الملك فحياك الله على هذا التأويل ملكك الله، والتحية البقاء، وهو على هذا التأويل أبقاك الله، قال الأصمعي بياك
(2/218)

أضحكك، وقال علي الأحمري أرادوا بوأك منزلاً فقال بياك للاتباع كما قالوا الغدايا والعشايا، وقال ابن الأعرابي معناه قصدك بالتحية وبيت الشئ قصدته واعتمدته. وحدثنا عنه عن زياد بن خليل التستري عن إبراهيم بن بشار الرمادي عن سفيان عن محمد بن سوقة قال أتانا ميمون بن مهران فقلت له حياك الله فقال مه هذه تحية الشباب قل حياك الله بالسلام. وحدثنا عنه عن المغيرة بن محمد عن إسحاق الموصلي قال نزل الطماح العقيلي بقوم من بني تميم فأحسنوا إليه فأراد الرحيل عنهم فقال:
(حيَّاكم اللهُ فإني مُنقلبْ ... بشكرِ إحسانكم كذا يجبْ)
(وإنما الشاعر كالكلبِ الكلِب ... يملك عند رغبٍ وإنْ رهبْ)
(لا يرعوي لمبغض ولا مُحبّ ... أكثر ما يأتي على فيهِ الكذبْ)
وأنشدنا عنه عن المبرد لعمارة:
(حيَّا الآله خيالها من دانِ ... لو كانَ زارَ زيارةَ اليقظان)
(لو كانَ عَرَّج أو تعللَ ساعة ... حتى نسأله عن الأوطانِ)
(كفانِ شيدتا بناءَ محامدٍ ... لمهذّبٍ هشّ أخي إخوان)
(تلقى له دعة الكهولِ وحلمهم ... وتقاهُم وحلاوة الفتيان)
وأنشدنا عنه عن أحمد بن إبراهيم:
(حياكَ من لم تكن ترجو تحيتهُ ... لولا الدراهمُ ما حّياكَ إنسانُ)
(قولهم مرحبا)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن زيد المبرد النحوي عن أبي عثمان المازني قال لما أتى الرشيد الرقة تلقاه محمد بن ذؤيب العماني فأنشده:
(هارون يا ابن الأكرمينَ حسباً ... لما ترحَّلتَ وكنتَ كثبا)
(من أرض بغداد تؤم المغربا طابت لنا ريح الجنوب والصبا)
(2/219)

(ونزلَ الغيثُ لنا حتى رَبا ... ما كانَ من نشرٍ وما تصوّبا)
(فمرحباً ومرحباً ومرحبا ... )
فقال الرشيدُ وبك مرحباً وأهلا، ووصله بصلة سنية. وحدثنا عنه عن عبيد الله بن عبد الله قال لما دخل أبو مضر أنشده سعيد بن الوليد المعروف بالبطين:
(مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً ... بابن ذي الجودِ طاهرِ بن الحسينِ)
(مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً ... بابن ذي الغرتينِ في الدولتينِ)
(مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً ... بابن ذي المحتدينِ في المصرينِ)
(مرحباً مرحباً بمن كفهُ البحرُ ... إذا فاضَ مُزبد العبرينِ)
فوصله وقدمه. وقديماً ما استعلموا مرحباً في كلامهم، (ومنه) قول طفيل الغنوي:
(وبالسهل ميمون النقيبةِ قوله ... لملتمس المعروفِ أهلٌ ومرحبُ)
وأخبرنا عنه عن محمد بن العباس اليزيدي عن محمد بن الحسن الزرقي عن الحسين بن علي العلوي المديني عن بعض أصحابه عن المازني قال كان أعرابي يلزمنا وكان فصيحاً فقال له علي بن جعفر بن سليمان وكان جافياً لا يعطيه شيئاً إلا مرحباً فقال فيه الأعرابي:
(وما مَرْحباً إلا كريح تنسمتْ ... إذا أنتَ لم تخلطْ نوالاً بمرحبِ)
ومثل هذا قول جحظة البرمكي:
(قائلٌ إن شدوتُ أحسنتَ زدني ... وبأحسنتَ لا يباعُ دقيقُ)
وأخبرنا عنه عن أبي العيناء قال استأذن رجل على الحسن بن سهل فقيل له من أنت قال رجل أمر له الأمير يوم كذا بعشرة آلاف درهم فأمر بإدخاله فلما رآه قال مرحباً بمن توسل إلينا بنا وشكر إحساننا إلينا، وأكرمه. وأخبرنا عنه قال سمعت إبراهيم بن المدبر الكاتب الضبي يثني على ابن الجهم في
(2/220)

صداقته ومروءته فقال في ذلك كنت واقفاً بين يدي المتوكل وقد جئ برأس إسحاق بن إسماعيل وجهٍ به بغا، فارتجل علي بن الجهم شعراً وقال:
(أهلاً وسهلاً بك من رسول ... جئتَ بما يشفي من الغليلِ)
(بجملة تغني عن التفصيلِ ... برأس إسحاق بن إسماعيل)
ومر بأبيات فاستحسن ذلك المتوكل ووصله بصلةٍ سنية، قال وأنشدني ثعلب:
(فمالك نعمةٌ سلفتْ إلينا ... وكيفَ وأنتَ تبخلُ بالسلامِ)
(سوَى أن قلتَ لي أهلاً وسهلاً ... وكانت رَمية من غير رام)
وقلت:
(تضنُ بتسليم وزورةِ ساعةٍ ... فكيفَ يُرَجّى جودُ كفيك بالوفرِ)
وأنشدنا عنه عن أبي موسى محمد بن موسى مولى بني هاشم قال أنشدني عبد السلام ابن رغبان الحمصي المعروف بديك الجن لنفسه:
(بأبي وإن قلتُ لهُ بأبي ... من ليسَ يعرفُ غيرَه أربي)
(قَرْطسْتُ عشراً في مَوَدَّتهِ ... لبلوغِ ما أمّلتُ من طلبي)
(ولقد أراني لو مددْتُ يدي ... شهرين أرمي الأرضَ لم أصب)
أنشدنا عنه قال أنشدنا عبد الله بن المعتز لنفسه:
(قلتُ يوماً لها وحركتِ العود ... بمِضرابها فغنَّتْ وغنَّى)
(ليتني كنتُ ظهرَ عودِك يوماً ... فإذا ما أخذتهِ صرتُ بطنا)
(فبكتْ ثم أعرضتْ ثم قالتْ ... مَن بهذا أنباكَ في النومِ عنّا)
(قلتُ لما رأيتُ ذلك منها ... بأبي ما عليك أنْ أتمَنَّى)
قال وسمعت محمد بن عبيد الله بن يحيى الوزير يقول دخل أبو العيناء إلى أبي فقال له كيف حالك فقال أبو العيناء أنت أعزك الله الحال فانظر كيف أنت لي فوصله ووقع له بأرزاقه وحدثنا عنه عن عون بن محمد الكندي عن عبيد الله. عمر قال قيل لرجل من قريش كيف حالك؟ فقال كيف حالُ من يهلك ببقائه ويسقم بصحته ويؤتى من مأمنه. ومثله:
(2/221)

(ما حال من آفته بقاؤه ... نغصَ عيشي كله فناؤه)
وقال سعيد بن حميد:
(لكَ عبدٌ فلو سألت ... بهِ كيفَ حالهُ)
(يا قريباً مزارهُ ... وبعيداً نوالهُ)
(حاضراً لي صدوده ... حينَ يرجى وصاله)
(مسعدٌ لي مقاله ... فاتكٌ لي مطاله)
(محسنٌ في كلامه ... ومسئٌ فعالهُ)
(ما جاء في أطال الله بقاك)
أول من قاله عمر رضي الله عنه روى عن رفاعة بن رافع قال شهدت نفراً من أصحاب رسول الله
فيهم عمر وعثمان وعليٌ وطلحة والزبير وسعدٌ يذكرون الموؤدة فاختلفوا فيها فقال عمر أنتم أصحاب رسول الله
تختلفون فكيف بمن بعدكم فقال عليٌ عليه السلام إنها لا تكون موؤودة حتى يأتي عليها الحالات السبع فقال له عمر صدقت أطال الله بقاك. قال ابن لهيعة المعنى لا تكون موؤدة حتى تكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم لحماً ثم تظهر ثم تستهل فحينئذ إذا دفنت فقد وئدت وليس كما يقول بعض الناس إن المرأة إذا تدوات فأسقطت فقد وأدت. وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن أحمد ابن يحيى عن عبد الله بن شبيب قال كتب إلي بعض إخواني من البصرة إلى المدينة: أطال الله بقاك كما أطال جفاك وجعلني فداك إن كان في فداؤك شعر:
(كتبت ولو قدرتُ هوىً وشوقاً ... إليك لكنتُ سطراً في الكتاب)
قال الشيخ أبو هلال رحمه الله تعالى: والبيت لأبي تمام.
(جعلت فِداك)
دخل الزبير على النبي & وهو عليلٌ فقال ما يعمدك جعلني الله فداك فقال
(2/222)

النبي & (يا زبير أما تركتَ أعرابيتك بعدُ) وحدثنا عنه عن يحيى بن علي عن أبي أيوب المديني عن إسحاق قال حجبني خادمٌ لجعفر بن يحيى يقال له نافذ فانقطعت عنه فسأل عني فعرفه سبب انقطاعي فقال قل له إن حجبك إنسانٌ فافعل به لا يكنى قال فجئت فحجبني فكتبت إليه ارتجالاً في الحال:
(جُعلتُ فداءَك من كلِّ سوءٍ ... إلى حسنِ رأَيك أشكو أُناساً)
(يحولونَ بيني وبينَ الدخولِِ ... فما أنْ أسلم إلا اختلاسا)
(وأنفذتُ أمركَ في نافذٍ ... فما زاده ذاك إلا شِماسا)
فضحك لما قرأ الأبيات وأدخلني وقال أفعلت يا أبا إسحاق فقلت بعض ذلك، وتقدم إلى نافذ وغيره أن لا أحجب متى حضرت.
(دعاء المكاتبة)
حدثنا عنه عن أبي ذكوان قال سمعت إبراهيم بن العباس يقول ما أظن قول الكتاب: وقدمني الله قبلك مأخوذ إلا من قول الأغر بن كاسر في أخيه صقر:
(أخي أنت في دينٍ ودُنيا كلاهما ... أسرُ بأن تبقى سليماً وأفخرُ)
(إذا ما أتى يومٌ يفرِّقُ بيننا ... بموتِ فكن أنت الذي يتأخر)
فقيل له هذا يروى لحاتم فقال وما على من لا يدري أن ينسب شيئاً إلى غير قائله. فأما قولهم (وأتم نعمته عليه وزاد في إحسانه إليه) فهو من قول عدي بن الرقاع:
(صلّى الآله على امرئ ودعته ... وأتم نعمته عليه وزادها)
قالوا وأول من قال (وأسأله أن يصلي على محمد) إسحاق بن سليمان بن علي. وأنشد للسري في ضد قولهم مت قبلك وإن الحظ عنده أن يكون هو ومن يحب يموتان في وقت واحد:
(لامت قبلك يا أخي لا باخلاً ... بالنفسِ عنك ولا تمتْ قبلي)
(وبقيتَ لي وبقيتُ فيك مُمتَّعاً ... بالبرَ والنعماءِ والفضلِ)
(2/223)

(حتى إذا قصد الحمامُ لنا ... من بعدِ عمرٍ وارد الحبل)
(مُتنا جميعاً لا يُؤخَّرُ واحد ... عن واحدٍ لمرارةِ الثكلِ)
(وكفاك من نفسي شهيدٌ ناطقٌ ... يا صاحِ أنك عندها مِثلي)
وفي نحو ذلك قول الآخر:
(إني لأشفقُ أن أُؤخرها ... بعدي وأكره أن أقدِّمها)
وقال يعقوب بن الربيع:
(فلو أنها إذْ حانَ وقتُ حِمامها ... أحكمُ في أمري لشاطرتها عمري)
(فحلّ بنا المقدارُ في ساعة معاً ... فماتت ولا أدري ومتُ ولا تدري)
وقريب منه قول الآخر:
(لا متَّ من قبلي ولا متُ من ... قبلك بل عشنا إلى الحشرِ)
(حتى نُوافي الموتَ في ساعةٍ ... لا أنتَ تدري بي ولا أدري)
(كيف أصبحت)
حدثنا عنه عن أيوب بن سليمان بن داود المهلبي عن محمد بن عباد قال كان جرير ابن حازم يقول: العربُ تقول كيف أصبحت من نصف الليل إلى نصف النهار وكيف أمسيتَ من نصف الزوال إلى نصف الليل الأول، وتقول في يومك كان الليلة كذا إلى الزوال فإذا زالت الشمس قلت البارحة، هذا معروفٌ عندهم، وحدثنا عنه عن الفضل بن الحباب عن التنوخي قال العرب تقول صبحتك الأنعمة بطينات الأطعمة وحدثنا عنه عن البلعي عن أبي حاتم عن الأصمعي قال قيل لأبي عمرو بن العلاء كيف أصبحت قال أصبحت كما قال الربيع بن ضبع الفزاري:
(أصبحتُ لا أحملُ السلاحَ ولا ... أملكُ رأسَ البعيرِ إن نفراً)
(والذَّئْبُ أخشاهُ إن مررتُ بهِ ... وحدي وأخشى الرياحَ والمطرا)
وحدثنا عنه عن أبي ذكوان عن التنوخي عن الفراء قال كنتُ عند الكسائي
(2/224)

فقال له رجلٌ كيف أصبحت؟ فقال أصبحت كما قال الصمة بن عبد الله بن طفيل القشيري:
(أصبحتُ مالي من عز ألوذ بهِ ... إلا التعرز بعد السيف والبدن)
(تعرضة جانب الأدنون جانِبها ... والأهلُ بالشام والإخوانُ باليمنِ)
وأنشدنا عنه قال أنشدنا محمد بن يزيد المبرد النحوي قال أنشدني المازني عن أبي زيد:
(كيف أصبحتَ كيف أمسيتَ مما ... يثبتُ الودَ في فؤادِ الكريمِ)
وحدثنا عنه عن محمد بن الفضل بن الأسود عن عمر بن شبة عن الحسين ابن الضحاك الخليع قال كنت في المسجد الجامع بالبصرة إذ دخل علينا أبو نواس وعليه جبة خز جديد فقلتُ له من أين لك هذه يا أبا علي؟ فلم يخبرني فتوهمت أنه أخذها من مويس بن عمران لأنه دخل من باب بني تميم فقمت فأجد مويساً وقد لبس جبة أخرى فقلت:
(كيف أصبحتَ يا أبا عمرانِ ... يا كريمَ الإخاءِ والإخوانِ)
فقال صبحك الله به وأسمعك خيراً. فقلتُ:
(إنَ لي حاجةً فرأيك فيها ... إننا في قضائها سيانِ)
فقال هاتها على اسم الله تعالى فقلت:
(جُبة من جبابك الخزِّ حتى ... لا يراني الشتاءُ حيثُ يراني)
قال خذها، ومد كمه فذرعتها وجئت فقال أبو نواس من أين لك هذه؟ قلت من حيثُ كانت لك تلك. وحدثنا عنه عن وكيع عن علي بن عبد الله بن حمزة بن عتبة اللهبي قال دخلت على محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزومي أعوده فقلت له كيف أصبحت فقال كما قال الشاعر:
(2/225)

(إن الليالي أسرعت في نفضي ... أخذن بعضي وتركن بعضي)
(أقعدني من بعد طول نهضي ... )
وقيل لأعرابي كيف أصبحت؟ فقال أصبحت والله كما قال الشاعر:
(يا خيرُ إني قد جعلتُ أشتمر ... أرفعُ من ثوبيَ ما كنت أجُرّ)
وحدثنا عنه عن الغلابي عن محمد بن عبد الرحمن التيمي عن أبيه قال لقي بكر بن عبد الله المزني أبا تميمة الهجيمي فقال كيف أصبحت أبا تميمة؟ فقال أصبحت بين ذنوب قد سترها الله علي ما يقدر أحدٌ أن يعيرني منها بذنب وبين محبةٍ قد ألقاها الله في قلوب الناس لستُ لها بأهل وقد خفتُ أن أهلك بين هذين وأنا ضعيف الشكر. قال وقيل لقريبة الدبيرية كيف أصبحت؟ فقالت:
(بخيرٍ على أنَّ النوَى مطمئنةٌ ... بليلى وإنَ العينَ يجري مَعينها)
وقيل لأعرابي كيف أصبحت؟ قال بخير أحتسب على الله بالحسنةِ ولا أحتسب على نفسي بالسيئة. وقال رجلٌ لأبي العيناء وقد كبر وضعف: كيف أصبحت؟ فقال في الداء الذي يتمناه الناس لأعدائهم. وحدثنا عنه عن الغلابي عن إبراهيم عن عمر عن أبي عبيدة قال قيل للنمر بن تولب كيف أصبحت يا أبا ربيعة؟ فقال ارتجالاً على البديه:
(أصبحتُ لا يحملُ بعضي بعضا ... أشكو العروقَ النابيات نبضا)
(كما تشكي الأرجبي الغرضا ... كأنما كان شبابي قرضا)
وحدثنا عنه عن القاسم بن إسماعيل عن محمد بن سلام عن ابن داب قال قيل لمحارب بن دثار كيف أصبحت؟ فقال أصبحت كما قال الشاعر الأعشى:
(أرقتُ وما هذا السهادُ المؤرِّقُ ... وما بي من سُقمٍ وما بي عشقُ)
(ولكنْ أراني ما أزال بحادثٍ ... أغادي بما لم يُمسِ عندي وأطرقُ)
وحدثنا عنه عن المقدمي عن أبي عمر بن خلاد قال قال الربيع الحاجب لأبي العتاهية كيف أصبحت فقال:
(2/226)

(أصبحتُ والله في مضيق ... هل منْ دليلٍ على الطريقِ)
(أفٍ لدنيا تلاعبتْ بي ... تلاعبَ الموج بالغريقِ)
(أصبتُ فيها دُريهماتٍ ... فبغضتني إلى الصديقِ)
وحدثنا عنه عن علي بن الصباح عن بشر بن مسعود المازني قال كان لسفيان بن عيينة جارٌ سئ الحال فحسنت حاله فقال له سفيان كيف أصبحت وكيف حالك لقد سررت بما صرت إليه بعد غم بما كنت فيه فدعا الرجل له ومضى، فقال له بعض جلسائه كيف تكلم هذا؟ قال هو جارٌ قال إنه قد صار صراطاً لهؤلاء، قال سفيان إن كان في الناس أحدٌ طلب الدنيا من حيث يستحق فهذا. وحدثنا عنه عن المغيرة بن محمد المهلبي قال قدم أبو العتاهية البصرة إلى عيسى بن جعفر فأقام شهوراً ثم أعتل فقال:
(أصبحتُ بالبصرة ذاغربة ... أدفَعُ من همّ إلى كرْبَه)
(أطلبُ عُتبي من حبيب نأى ... وليسَ لي عُتبي ولا عُتبه)
وحدثنا عنه عن المبرد قال قال الجماز لأبي العالية كيف أصبحت؟ قال على غير ما يحب الله وغير ما أحب وغير ما يحب إبليس لأن الله تعالى يحب أن أطيعه ولاأعصيه ولست كذلك وإبليس يحب أن أعصي الله ولا أطيعه ولست كذلك وأنا أحب أن أكون على غابة الثروة والصحة ولست كذلك. حدثنا عنه عن الحسن بن الحسين الأزرق عن العباس بن محمد عن عمرو بن الحارث عن محمد بن سلام قال قال أبو حراثة وهو من بني ربيعة بن حنظلة ليزيد بن المهلب: كيف أصبحت أصلح الله الأمير؟ قال كما تحب يا أبا حراثة قال لو كنت كذا لكنت قائماً مثلي وكنت أنا قاعداً في مقعدك وكان قميص ابني المرقوع على ابنك والتومتان اللتان في أذن ابنك على ابني. قال يزيد فالحمد لله الذي جعلك كذا وجعلني كذا، فقال إلا أني في ضيق أنتظر سعةً وأنت في سعة تنتظر ضيفاً. وحدثنا عنه عن أبي العيناء عن العتبي قال قيل لأعرابي كيف
(2/227)

أصبحت قال أصبحت أعثر بالعبرة وأقيد بالشعرة وأفزع من النعرة. وحدثنا عنه عن الغلابي عن دماذ عن الهيثم بن عدي قال كان هرم بن سنان المزني قد آلى على نفسه أن لا يسلم عليه زهير إلا وهب له غرة من ماله فأشفق عليه زهير من ذلك وكان يمر بالمجلس وهرم فيهم فيقول أنعموا صباحاً غير هرم خيركم تركت ففخر عقبة بن كعب بن زهير بذلك في قوله:
(إني لأصرفُ نفسي وهي صاديةٌ ... عن مصعبٍ ولقد بانت ليَ الطرق)
(رعوي عليه كما أرعى على هرم ... قبلي زهيرٌ وفينا ذلك الخلقُ)
(مدحُ الكرام وسعىٌ في مسرتهم ... ثم الغنى ويدُ الممدوح منطلقُ)
ومثله قول حاجز الأزدي:
(وإني لأستبقي إذا العسرُ مسني ... بشاشةَ وجهي حينَ تبلى الطبائعُ)
(فأعفي ثرى قومي ولو شئتُ نولوا ... إذا ما تشكى الملحفُ المتضارع)
(مخافةَ أن أقلي إذا جئتُ زائراً ... وترجعني نحوَ الرجالِ المطامع)
ومن مليح ما قيل في فديتك:
(فدتك النفس وهي أقلُ بذلٍ ... صلي حسن المقال بحسنِ فعلِ)
(أريني منك في أمري نهوضاً ... يبين أن شغلك بي كشغلي)
وأخبرنا عنه عن محمد بن خلف بن المرزبان قال اجتمع عندي أحمد بن أبي طاهر والناشي ومحمد بن عروس فدعوت لهم مغنية فجاءت ومعها رقيبة لم ير الناس أحسن منها قط فلما شربوا أخذ الناشي رقعة فكتب فيها /
(فديتك لو أنهم أنصفوا ... لردُّوا النواظرَ عن ناظريك)
(تَردِّينَ أعيننا عن سواك ... وهل تنظر العينُ إلا إليك)
(ألا يقرؤا ويحهم ما يرونَ ... من وحي حسنك في وجنتيك)
(وقد جعلوك رقيباً علينا ... فمن ذا يكون رقيباً عليك)
(2/228)

قال فشغفنا بالأبيات فقال ابن أبي طاهر أحسنت والله وأجملت قد والله حسدتك هذه الأبيات ووالله لا جلست وقام وخرج من ساعته ولم يعد إلى الشرب بقية يومه.
(ما جاء في الدعاء للخارج إلى السفر)
أخبرنا عنه عن إبراهيم بن فهد الساجي عن نصر بن علي عن عبد الله بن داود عن مسعر عن ميسرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ودع رسول الله & رجلاً أراد سفراً فقال (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك) وحدثنا عنه عن أبي علي العتابي قال رأيت أبا شراعة القيسي آخذاً بسفينة إبراهيم بن المدبر وقد عزل عن البصرة وهو يريد الخروج وأبو شراعة ينشده:
(ليت شعري أيَّ قوم أجدبوا ... فأغيثوا بك من طولِ العجفْ)
(نَزَلَ الرحبُ من الله بهم ... وحُرمناك لذنبٍ قد سلف)
(إنما أنتَ ربيعٌ باكرٌ ... حيثما صَرَّفه الله انصرفْ)
(يا أبا إسحاق سِرْ في دعةٍ ... حيثما شئتَ فما منك خلفْ)
وأخبرنا عنه عن الغلابي عن الزبير قال ودع ابن المعافي صديقاً له أراد سفراً فأنشده عند وداعه:
(خلفَ الله الذي خلفته ... ووقاك اللهُ وعثاءَ السفرْ)
(إنني أشكرُ ما أوليتني ... لم يضع حسن بلاء من شكر)
(ردَّك اللهُ إلينا سالماً ... بعدَ غنم واغتباطٍ وظفر)
(2/229)

(الدعاء للقادم من السفر)
أنشدنا عنه لمحمد بن عبد الله الأخيطل:
(أقدمُ قدمتَ قدومَ عارضِ مُزنةٍ ... يهتزُّ بينَ أهابِها الفضفاضِ)
(من كلِّ مثعبة الرِّياح ثقيلةٍ ... تمشي به مشي الوجى المنهاض)
(مُسودةٌ مُبيضةٌ فكأنها ... دُهمٌ مولوعةٌ الشوى ببياض)
وقال ابن الرومي:
(قدومُ سعادةٍ وقفولُ يمن ... هي السرَّاء تمحقُ كلَ حُزنِ)
(أظلتك السلامة ما تغنَّتْ ... مُطوَّقة على فننٍ تغني)
قوله (أظلتك السلامة) في غاية الرشاقة وأحسن منه قوله: تمحق كل حزن.
(الدعاء للمهزوم)
حدثنا عنه عن الغلابي عن عبد الله بن الضحاك عن الهيثم بن عدي عن عوانه قال لما انهزم أسلم بن زرعة الكلبي من مرداس بن أذنية بآسك وكان في ألفي رجل، ومرداس الخارجي في أربعين رجلاً، وفيهم يقول شاعرهم
(أألفا مؤمن منكم زعمتم ... ويهزمكم بآسك أربعونا)
(كذبتم ليسَ ذَاك كما زعمتم ... ولكنّ الخوارجَ مؤمنونا)
(همُ الفئة القليلة قد علمتم ... على الفئة الكثيرة ينصرونا)
فدخل أسلم البصرة فقالت له امرأةٌ من قومه والله لأن تعيش حميداً خيرٌ من أن تموت شهيداً ولأن تدوم عبادتك بحياتك أزلف لك من أن تنقطع بمماتك،
(2/230)

قال ودخل على ابن زيادٍ فعنفه واستعجزه فقال أيها الأمير كنت في ألفين جميعهم مثلي وقاتلت أربعين كل واحدٍ منهم مثلي ويزيد علي ولأن يذمني الأمير حياً خيرٌ من أن يمدحني ميتاً. وحدثنا عنه عن القسم بن إسماعيل عن رفيع بن سلمة عن أبي عبيدة قال لما هزم أبو فديك أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بهجر قدم البصرة في ثلاثة أيام فدخل عليه الناس وفيهم صفوان بن عبد الله بن الأهتم المنقري أبو خالد بن صفوان والناس لا يدرون كيف يدعي للمهزوم حتى قال صفوان أم والله أيها الأمير لقد تعرضت للشهادة جهدك وطلبتها طاقتك ووسعك فعلم الله فقرنا إليك وقلة عوضنا منك فاختار لنا عليك ببقائك ولم يختر لك علينا باستشهادك فالحمد لله الذي زين بك مصرنا وآنس ببقائك وحشنا وجلا بسلامتك غمنا. فعلم الناس كيف يدعى للمهزوم فسلكوا هذا المسلك. ومن أحسن الاعتذار للمهزوم قول فروة بن مسيك العطيفي وأجاد:
(فإن نهزم فهزّامونَ قدماً ... وإن نهزم فغير مهزمينا)
(وما إن طبّنا جبنٌ ولكنْ ... منايانا ودولة آخرينا)
فقوله (ودولة آخرين) من أحسن الاعتذار الواقع من المهزوم.
(الدعاء للمعزول)
أنشدنا عنه عن عون بن محمد الكندي لأبي تمام الطائي:
(ليهنك إن أصبحتَ مجتمعَ الشملِ ... وراعي المعالي والمحامي عن المجدِ)
(وإنك صنتَ الأمرَ فيما وليتهُ ... وفرقتَ ما بينَ الغوايةِ والرشدِ)
(فلا يحسب الأعداءُ عزلك مغنما ... فإنّ إلى الإصدارِ ما غاية الورد)
(وما كنتَ إلا السيفُ جردَ للوغى ... وأخمد فيه ثم رُدَ إلى الغمدِ)
وأخبرنا عنه عن الحسين بن يحيى قال حدثنا إسحاق قال عزل هشام بن إسماعيل
(2/231)

المخزومي عن المدينة فاشتد العزل عليه فقال له عروةُ بن أذينة:
(فإن تكن الأمارة عنك زالت ... فإنك للمغيرة والوليدِ)
(وقد مرَ الذي أصبحتَ فيهِ ... على مروانَ ثمَ على سعيد)
وأخبرنا عنه قال دخلت يوماً مع أبي العباس محمد بن يزيد النحوي إلى عبد الله ابن الحسين القطر بلى وقد صرف عن عمل فقال أقول لك ما قاله أبو عبادة البحتري:
(شهدَ الخرجُ إذ توليتهُ أنك ... في جمعهِ الأمينُ الأعفُ)
(حيثُ لا عند مجتبي منه إلظاظ ... ولا في سياق جابيهِ عُنفُ)
(سيرةُ القصدِ لا الخشونة عنفٌ ... لتعدي المدى ولا اللين ضعفُ)
(وعلى حالتيك يستصلحُ الناس ... إباءً من جانبيك وعطفُ)
(لن يُولي تلك الطساسيج إلا ... خلف منك آخرَ الدهرِ خلفُ)
(إنْ تشكت رعيةٌ سوءَ قبضٍ ... بك أو أعقبَ الولايةَ صرفَ)
(فقديماً تداولَ العسرُ واليسر ... وكلّ قذى على الريح يطفو)
(يفسدُ الأمر ثم يصلحُ عن قربٍ ... وللماءِ كدرةٌ ثم يصفو)
ولما عزل إبراهيم بن المدبر عن البصرة أنشده أبو صفوان الثقفي:
(أبا إسحاقَ إن تكن الليالي ... عطفنَ عليك بالعزلِ اللئيم)
(فلم أرَ صرفَ هذا الدهر يجري ... بمكروهٍ على غيرِ الكريمِ)
وقال أبو العتاهية في محمد بن هشام السدري:
(لا يهنأ الأعداء عزل ابن هاشمٍ ... فكلُ مُولى قصرهُ الصرفُ والعزلُ)
(لقد كان ميمونَ الولايةِ قابضاً ... يدَ الجورِ مبسوطاً به الحقُ والعدلُ)
(يَرُومُ رجالٌ حطهُ وهو سابقٌ ... أبى الله إلا أن يطولَ وأن يعلو)
(دعاء الأعياد)
أخبرنا عنه عن جبلة بن محمد الكوفي عن أبيه قال قال ابن شبرمة لعيسى
(2/232)

ابن موسى يوم أضحى: قبل الله منك الفرض والسنة واستقبل منك الخير والنعمة وقرن بالإقبال يومك.
(ما قيل في القيام للأجلاء)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي قال حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الأكبر قال خضر بعض العرب مجلساً فجاء صديقٌ له فتلقاه من بعيد وقال:
(لئن قمتُ ما في ذاك عنديَ غضاضةٌ ... عليَّ وإني للشريفِ مُذلل)
(على أنه مني لغيرك ذلةٌ ... ولكنه بيني وبينك يجملُ)
ومن مشهور ما قيل في هذا المعنى:
(فلما بصرنا بهِ ماثلاً ... حللنا الحبى وابْتدَرْنَا القياما)
(فلا تنكرنَّ قيامي لهُ ... فإن الكريمَ يجلُ الكراما)
وأنشدنا أبو أحمد عن الصولي عن يحيى البحتري لأبيه في عبيد الله بن عبد الله من قصيدة طويلة:
(ومُبجل وسطَ الرجالِ خُفوفهم ... لقيامهِ وقيامهم لقعودهِ)
(فالله يكلؤهُ لنا ويحوطهُ ... ويعزهُ ويزيدُ في تأييده)
وقال غيره:
(أتعجبُ أن أقومَ إذا بدا لي ... لأكرمهُ وأعظمهُ هِشامُ)
(فلا تعجبْ لإسراعي إليهِ ... فإنّ لمثلهِ خلقَ القيامُ)
وقال البحتري:
(يقومونَ من بعدٍ إذا بصروا بهِ ... لأبلجَ موفورِ الكرامةِ أروعِ)
(ويبتدرُ الراؤونَ منهُ إذا بدا ... سنى قمرٍ من سُدَّة الملكٍ مَطلعِ)
(إذا سارَ كفَ اللحظ عن كلِّ منظر ... سواه وغضَ السمعُ عن كلِّ مسمعِ)
(2/233)

(فلستَ ترى إلا إفاضةَ شاخصٍ ... إليهِ بعينٍ أو مشيراً بأصبعِ)
(ما قيل في شعبان وشهر رمضان وشوال)
فمنه قول الفرزدق وأجاد في ذلك:
(إذا ما مضى عشرونَ يوماً تحركت ... أراجيفُ بالشهرِ الذي أنا صائمه)
(وطارتْ رقاعٌ بالمواعيدِ بيننا ... لكيْ يلتقي مظلومُ قوم وظالمهْ)
(فإن شالَ شوالٌ تُشل في أكفنا ... كؤوسٌ تعادى العقلَ حينَ تسالمه)
ومعاني هذه الأبيات كلها متبكرة لم يسبق إليها الفرزدق. وأنشدنا أبو أحمد عن الصولي عن الرياشي عن أبيه:
(وقفنا فلولا أننا راضنا الهوى ... لهتكنا عندَ الرقيبِ نحيبُ)
(ومن دونِ ما نلقاهُ من لوعةِ الهوى ... تُشَقُّ جيوبٌ بل تُشقُ قلوبُ)
(على أنَ شوالاً أشالَ بوصلنا ... ومرتعهُ للعاشقينَ خصِيب)
وأنشدنا أبو أحمد عن الصولي قال أنشدنا ابن بسام لنفسه:
(سقيا لشهرِ الصومِ من شهرِ ... عندي لهُ ما شاءَ من شكرٍ)
(كم من عزيزٍ فيهِ فُزنا به ... أنهضهُ الليلُ من الوكر)
(ومن إمامٍ كانَ لي وصلهُ ... إلى كحيلِ العينِ بالسحرِ)
(لو كانَ يدري بالذي خلفهُ ... أعجلهُ ذاك عن الوتر)
(وخلةٌ زارتك مُشتاقة ... في ليلةِ القدرِ على قدرِ)
(فانصرفَ الناسُ بما أمَّلوا ... وبُؤت بالآثام والوزرِ)
وأنشد المبرد للحارثي:
(شهرُ الصيام وإن عظَّمت حرمتهُ ... شهرُ طويلٌ بطئ السيرِ والحركهْ)
(يمشي الهوينا إذا ما رامَ فرقتنا ... كأنهُ بطةٌ تنجرُ في شبكه)
(لا يستقرُ فأما حينَ يطلبنا ... فلاسليك يُدانيهِ ولا سُلكه)
(2/234)

(كأنهُ طالبٌ ثأراً على فرس ... أجدُ في إثرِ مطلوب على رمكهْ)
(يا صدق من قالَ أيامٌ مباركةٌ ... إن كانَ يكنى عن اسم الطولِ بالبركهْ)
وقال آخر:
(مضى رمضانُ محموداً وأوفى ... علينا الفطرُ يقدمهُ السرورُ)
(وفي مرَ الشهورِ لنا فناءٌ ... ونحنُ نحبُّ أن تفنى الشهورُ)
وحدثنا أبو أحمد عن الصولي قال حدثنا الحسين بن يحيى قال كتب الحسين بن وهب إلى الحسن بن رجاء يوم شك وقد أفطر الواثق:
(هَززتكَ للصبوحِ وقد نهانا ... أميرُ المؤمنينَ عن الصيامِ)
(وعندي من قنان المصرِ عشرٌ ... تطيبُ بهنَ دائرةُ المدام)
(فكن أنتَ الجوابَ فليسَ شئٌ ... أحبّ إليَّ من حذفِ الكلامِ)
وقال غيره:
(أقول لصاحبيَّ وقد بدا لي ... هلالُ الفطرِ من تحتِ الغمام)
(سنسكرُ سكرةً شنعاءَ جهراً ... وننعرُ في قفا شهرِ الصيام)
وقال محمد بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله الجعفري:
(هل لك في صهباءَ مشمولةٍ ... ليست من الدبسِ الذي ينبذُ)
(فإنَ شعبانَ على طيبهِ ... دربٌ إذا فكرتَ لا ينفذُ)
وقال أحمد بن يزيد:
(ألا سقياني من معتقةِ الخمرِ ... فلا عذرَ لي في الصبرِ أكثرَ من شهرِ)
(وإنْ كنتما لم تعلما فتعلما ... بأنَ زمانَ الصومِ ليس من العمرِ)
وحدثنا أبو أحمد عن الصولي قال حدثنا أبو الحسن محمد بن أبي الموج الرازي وقال حدثني أبي قال كتب علي بن جبلة إلى أبي دلف يستسقيه نبيذاً في يوم عيد الفطر فوجه إليه بما كفاه وبمائتي دينار فقال علي بن جبلة
(2/235)

(وأبيض عجليُّ رأيتُ غمامةُ ... وأسيافهُ تقضي على الحِدْثَانِ)
(مَددتُ إليهِ ذمّتي فأجارها ... وأغنى يدي عن غيرهِ ولسانيِ)
(شربتُ وَرَوَّيْت النديمَ بماله ... وأدركت ثأرَ الراح من رمضانِ)
(وكانَ لشوالٍ عليّ ضمانةٌ ... فكانت عطايا جودهِ بضمانِ)
وحدثنا عن الصولي قال
حدثنا أبو ذكوان القسم بن إسماعيل قال
حدثنا التوزي عن أبي عبيدة قال أسلم أعرابي في أول الإسلام فأدركه شهر رمضان فجاع وعطش فقال الأعرابي يذكر ذلك:
(وجدنا دينكم سهلاً علينا ... شرائعهُ سوى شهرِ الصيامِ)
(فصل في معان مختلفة)
أخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن عمه قال كانت عند رجل من بني أسد ابنة عم له ورآها فدخل إليها يوماً وهي متغضبة فقال ما شأنك. قالت إنك لا تشبب بي كما يشبب الرجال بنسائهم، قال أفعل ثم أنشأ يقول:
(تمتْ عبيدةُ إلاّ في ملاحِتها ... والحسنُ منها بحيثُ الشمسُ والقمرُ)
(ما خالفَ الظبيُ منها حينَ تُبصِرُها ... إلا سوالفُهُ والجيدُ والنظرُ)
(قُلْ للذي عَابها من حاسد حَنق ... أقصر فرأسُ الذي قد عبتَ والحجر)
وأنشدنا للعديل بن الفرج العجلي:
(هل تقضينَ لمستهام حاجةً ... نيطت إليك بها حبالُ رجائهِ)
(أفنى تجلدهُ بقاءُ دموعهِ ... وأدامَ عَبرتهُ فناءُ عزائهِ)
وحدثنا أبو أحمد عن الصولي عن أحمد بن محمد الخراساني قال كنت في مجلس ابن ثوابة فناظره رجلٌ عن ضيعة له فاستقصى الحجة وأخذ بنفسه فقال ابن ثوابة
(2/236)

يا مابون فوثب الرجل وهو يقول:
(كلانا يرى الجوزاءَ يا جُمل أن بدت ... ونجمُ الثريا والمزارُ بعيدُ)
فتحدث الناس بها مدةَ. قال أبو بكر ويشبه هذا حديثاً حدثناه أبو العيناء قال خاصم يوماً جيلان القمي المقبول الزيادي فقال المقبول يا دعي فأنشأ جيلان يقول:
(بثينةُ قالت يا جميلُ أربتني ... فقلت كلانا يا بثين مُريبُ)
فبلغ هذا ابن عائشة التيمي فقال: جيلان في التمثل بهذا البيت في هذا الموضع أشعر من جميل قائله. أنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا أبو بكر بن دريد لنفسه يهجو بعض النحويين:
(عفظير إن اختلفنا ... في الفعلِ من فاعلينِ)
(فقال قومٌ يثني ... لجمعنا الهمزتين)
(وقال قومٌ يعدّي ... بملتقى الساكنين)
(وأنتَ أعلم منا ... بذا وذاك وذين)
(لأنكَ الدهرَ فعلٌ ... يعتلُ من جهتينِ)
وأنشدني عم أبي رحمه الله:
(صحبتكم دهراً طويلاً لعسرتي ... أرجى نجاحاً والظنونُ فنون)
(فما نلتُ منكم طائلاً غيرَ أنني ... تعلمتُ ذلَ العيشِ كيفَ يكونُ)
وأنشدني أيضاً في مسجون:
(لئن حجبتك الحجبُ عنا فربما ... رأينا جلابيبَ السحابِ على الشمسِ)
وأنشدنا أبو أحمد عن ابن المسيب عن ابن الرومي:
(خيرُ مال موزونه لذوي الحمد ... كما خيرُ حمدِهم مَوْزونهْ)
(وأصحُ الآراءِ ما ظنَ ذو الأفنِ ... بذي الرأي أنهُ مأفونه)
ومن ههنا أخذ المتنبي قوله:
(وإذا أتتك مذمَّتي من ناقصٍ ... فهي الشهادةُ لي بأني فاضلُ)
(2/237)

(والمحلُ الخلاءُ من كلِّ ضيفٍ ... ومضيف معطلٌ مسكونهُ)
(وأخسُ الرجالِ من راحَ فيهمْ ... مُسلمَ العرضِ سالماً ماعونهُ)
(أنفقِ المال قبل انفاقك العمرَ ... ففي الدهرِ ريبهُ ومنونهْ)
(لا تظننَ أنَّ مالك شئ ... كدم الجوفِ خيرهُ محقونهْ)
(قلما ينفعُ الثراءُ بخيلاً ... علقتْ في الثرَى المهيْلِ رهونْه)
(كلْ وأطعمْ فربما راع ريعاً ... زاكياً منْ تعولهُ وتمونهْ)
(وإذا ما ظننتَ شرّاً فخفهُ ... ربَ شرٍ يقينهُ مظنونهْ)
(كم ركونٍ جنى عليك حذاراً ... من أطالَ الركونَ قلَّ ركونهْ)
وأنشدنا أبو أحمد عن ابن الأنباري عن أبيه:
(يموتُ قومٌ فيحي العلمُ ذكرَهُمُ ... ويلحقُ الجهلُ أحياءَ بأمواتِ)
ونحوه قول دعبل:
(سأقضي ببيتٍ يحمدُ الناسُ أمرَهُ ... ويكثر من أهلِ الروايةِ حامله)
(يموت ردئ الشعرِ من قبلِ ربهِ ... وجيّده يبقى وإنْ ماتَ قائله)
أخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر عن أبي عثمان عن التوزي عن أبي عبيدة عن خالد عن يونس: دخل الطرماحُ بن حكيم على خالد بن عبد الله القسري فقال له: أنشدني بعض شعرك فأنشده قوله:
(وشيبني أنْ لا أزال مُناهِضاً ... بغيرِ غِنى أسمو بهِ وأبوعُ)
(وإنَّ رجالَ المالِ أضحوا ومالهم ... لهم عندَ أبوابِ الملوك شفيع)
(امخترمي ريبُ المنونِ ولم أنلْ ... من المالِ ما أعصى بهِ وأطيعْ)
فأمر له بعشرين ألفاً وقال له اعصي بها الآن وأطع إذا شئت.
(2/238)

(التفاضل بين الإخوان)
أنشدنا أبو أحمد عن أبي بكر:
(وبعضُ الأمرِ أصلحهُ ببعضٍ ... فإنَ الغثَّ يحملهُ السمينُ)
(ترى بينَ الرجالِ العينُ فضلاً ... وفيما أضمروا الفضلُ المبين)
(كلونِ الماءِ مشتبهاً وليست ... تخير عن مذاقتهِ العيون)
(الحث على موافقة الناس)
من أحسن ما ورد في ذلك قول الشاعر:
(الناسُ إن وافقتهم عذبوا ... أولاً فإنّ جناهمُ مرُ)
(كم منْ رياضٍ لا نظيرَ لها ... تُركتْ لأنّ طريقها وعرٌ)
وقلت:
(لما أدلّ أملني فسلوته ... من ذا يدلُ فلا يملُ محُّبه)
(تالله ما اتبُّعَ النبيُّ محمدٌ ... لو كانَ فظاً أو غليظاً قلبه)
(إغباب الزيارة)
قال مسلم بن الوليد:
(إني كثرتُ عليهِ في زيارتهِ ... فملَ والشئ مملولٌ إذا كثرا)
(قد رابني منهُ أني لا أزالُ أرى ... في عينهِ قصراً عني إذا نظرا)
وقال الكميتُ:
(ولو لم تغب شمس النهار لَملَّتِ ... )
فأخذه أبو تمام فقال:
(فإني رأيتُ الشمسَ زِيدتْ محبةً ... إلى الناس إذ ليستْ عليهم بسرمدِ)
ونقله آخر إلى ذكر الغيث:
(عليك بإقلالِ الزيارةِ إنها ... تكون متى دامت إلى الهجرِ مسلكا)
(فإني رأيتُ القطرَ يسأم دائبا ... ويطلبُ بالأيدي إذا هو أمسكا)
(2/239)

وقال آخر:
(وأغببتُ الزيارةَ لا ملالاً ... ولكنْ منْ محاذرةِ الملالِ)
وهذا كله من قول النبي & (زد غباً تزدد حباً) وقلت:
(ما زلتَ تلقاهُ فضاقَ صَدْرُه ... وعادَ من بعدِ الوصالِ هجرُهُ)
(من أكثر الغشيانَ خسَّ قدْرُهُ ... لو كثرَ الياقوتُ هانَ أمره)
(ولم يعزّ حُمرُهُ وصُفرُهُ ... ولا علا بين الأنامِ ذِكرهُ)
(في ذم العجائز قول الشاعر)
(رأيتُ البيضَ قد أعْرضنَ عني ... فمنْ لي أن تساعدَني عجوزُ)
(كأنَ مجامعَ اللحيينِ منها ... إذا حَسرتْ عن اللحيينِ كوز)
ومن المشهور قول الحرمازي:
(لا تنكحنَ عجوزاً إنْ دعيتَ لها ... واخلَعْ ثيابَك عنها ممعناً هربا)
(فإن أتَوْك وقالوا إنها نصفٌ ... فإنَ أطيبَ نصفيها الذي ذهبا)
وقال آخر:
(وما غرني إلاّ خضابٌ بكفِّها ... وكحلٌ بعينيها وأثوابها الصفرُ)
(وجاءوا بها قبلَ المحاقِ بليلةٍ ... فكانَ محاقاً كلهُ ذلك الشهرُ)
(ما ورد في فضل الحمام)
قال السري بن عبد الله الرفاء:
(أسعيدُ هلْ لكَ في زيارةِ منزلٍ ... تثنى عليهِ جوارحُ الزوارِ)
(رحب ترَى الجُدران فيهِ ينابعاً ... وترى السماء كثيرة الأقمار)
(ينضو حيُ الوجهِ ثوب حيائهِ ... فيهِ فيخطر كالجسام العاري)
(وترى على غدرانهِ بُهمَ الوغى ... يخطرنَ ما بين القنَا الخطارِ)
(2/240)

(سُلت سيوفهمُ بغيرِ بوارقٍ ... وجَرت خُيولهم بغيرِ غبارِ)
مع أبيات أخر غير مختارة الرصف. وقلت:
(قُم بنا نَنزل في خيرِ دارِ ... وهيَ إن ميزتَها شرُ دارِ)
(منزلٌ تخلعُ دينَك فيهِ ... حينَ تأتيهِ خليعَ الإزار)
(لا ترَى فيهِ الشموسَ نهاراً ... وترى الأقمارَ نصفَ النهّار)
(وعلى حيطانهِ أسدُ حربٍ ... فَوقَ أمهارٍ وفوقَ مِهار)
(شَهدُوا الحربَ بأرْماح زورٍ ... وسيوفٍ نابياتِ الشفار)
(وترى الأبدان حينَ أتته ... تكتسي الصحةَ وهي عواري)
(بينابيعَ كقضبانِ درٍ ... تتكافا من وراءِ الجِدار)
وقال عبد الله بن المعتز في ذم حمام:
(وحمامنا كالعجوز ... يشقى بها الواردُ)
(فبيتٌ لهُ منتنٌ ... وبيتٌ لهُ باردُ)
ولقد أخذ هذا اللفط بعينه بعض المحدثين وزاد فيه فقال:
(وحمّامُنا هذه كالعجوز ... تلذُّ ويشقى بها الواردُ)
(فبيتٌ لها منتنٌ ضيقٌ ... وبيتٌ لها واسعٌ باردُ)
ومن أجود ما قيل في صفة النورة قول الآخر:
(ومجرَّدٌ كالسيفِ أسلم نفسهُ ... لمجردٍ يكسوهُ مالا ينسجُ)
(ثوباً تمزِّقُهُ الأناملُ رقةً ... ويذيبهُ الماءُ القراحُ فيبهج)
(وكأنه لما ألتقى في خصره ... نصفان ذاعجُ وذا فيروزجُ)
(الشطرنج قلت فيه)
(إذا أعفيت الصهباء ... من قدحٍ ومن شجَ)
(وكانَ الكأسُ لا يجُدي ... ومزجي الراحَ لا يزجي)
(مجتاب شملة برجد بسراته ... قذرا واسلم ما سواه البرجد)
(2/241)

(وألغى اللهوَ من يلغى ... وأرجى الشربُ من يرجي)
(لأيام أخاضتنا ... من الأحزانِ في لجَ)
(فمنها الجسمُ في نقصٍ ... ومنها القلبُ في وهج)
(فما أنفكُ في حرٍ ... وإنْ أصبحتُ في ثلجِ)
(وما منْ شَرِّها ناجٍ ... وما من كيدها مُنجي)
(تمتعنا بمسموعٍ ... مليحِ النظم والنسج)
(ونتلو ذكرَ من نهوَى ... على نردٍ وشِطرَنج)
(كأنا منهُ في هرج ... ولسنا منهُ في هرج)
(تمشَّى الزنجُ للرُّوم ... وقامَ الرومُ للزنج)
(فما أحسنها بيضاً ... تمشينَ إلى دعج)
(أقمنا بيننا حَرْباً ... بلا عجٍ ولا ثجّ)
(شهدناها بلا طبلٍ ... ولا بوقٍ ولا صنج)
(وجئناها بلا سيفٍ ... ولا رُمح ولا زج)
(ترى أفراسنا تعدو ... بلا لجم ولا سرج)
(مشى الفرزانُ مُعوجاً ... لأمرِ غيرِ مُعوجِّ)
(ورخٌ ينتحي نهجاً ... فلا يعدو عن النهج)
(وفيلٌ ليسَ يحدوهُ ... يدا شلج ولا علج)
(وعند الشاهِ منصوبٌ ... لواءُ النصرِ والفلج)
(وحولي أوجهُ غُرٌ ... عليها سيمةُ السرجِ)
(إذا ما دونَ الحسنُ ... تراهمْ أولَ الدّرجِ)
(ما ورد في النرد)
وقال السري بن عبد الله الرفاء:
(ومحكمان على النفوسِ وربما ... لم يحكما فيهنَ حكما عادلا)
(2/242)

(يلقاهما المرزوقُ سعداً طالعاً ... ويراهما المحروم سعداً آفلاً)
(فإذا هما اصطحبا على كفِّ الفتى ... ضراء أو نفعاه نفعاً عاجلا)
(وأما القدح)
فأجود ما قيل فيه قول ابن مقبل:
(خروجٌ من الغمي إذا صكَ صكةَ ... بدا والعيونُ المستكفةُ تلمحُ)
(غدا وهو مجدولٌ وراحَ كأنهُ ... من المسِّ والتقليب بالكفِّ أفطح)
(إذا امتحنتهُ من معد عصابةٌ ... غدا ابهِ قبل المفيضين يقدح)
(انتظار الفرج)
أنشدنا أبو أحمد عن ابن دريد:
(إذا اشتملت على اليأسِ القلوبُ ... وضاقَ بما بهِ الصدرُ الرحيبُ)
(وأوطنت المكارهُ واطمأنَّتْ ... وأرستْ في مطامِنها الخطوبُ)
(أتاك على قيوط منك غوثٌ ... يمنُ بهِ اللطيفُ المستجيبُ)
(وكلُ الحادثاتِ إذا تناهتْ ... فمقرونٌ بها الفرج القريب)
وقلت:
(لكلَ ملمةٍ فرجٌ قريبٌ ... كمثلِ الليل يتلوهُ الصباحُ)
(وإنَ لكلَ صالحةٍ فساداً ... كذاك لكلَ فاسدةٍ صلاحَ)
(وللأيامِ أيدٍ باسطاتٌ ... وأفنيةٌ موسعةٌ فساحُ)
(وقد تأتي وأوجهها صباحٌ ... كما تأتي وأوجهها قباحُ)
(وللحالاتِ ضيقٌ وإتساعٌ ... وللدُّنيا إنفلاقٌ وانفتاح)
(فلا تجزعْ لها واصبرْ عليها ... فإنَ الصبرَ عقباهُ النجاح)
(وكلُ الحادثاتِ إذا تناهتْ ... فمقرونٌ بها الفرجُ المتاحُ)
(معنى آخر)
قد ينفعُ الأدبُ الأحداثَ في مهلٍ ... وليسَ ينفعُ بعدَ الكبرةِ الأدبُ)
(2/243)

(إنَ الغصونَ إذا قَوَّمْتها اعتدلتْ ... ولا يلينُ إذا قومتهُ الخشبُ)
وأجود ما قيل في ازدحام المنتجعين على أبواب المفضلين البيت المشهور:
(مَن أكثر الإحسانَ من فعلهِ ... وعمَ بالفضلِ جميعَ الأنامْ)
(يزدحمُ الناس على بابهِ ... والمشربُ العذبُ كثيرُ الزِّحام)
وقال أبو الهول:
(إذا السماء أبَتْ إلاّ محاذَرَةً ... سحَّتْ يد الفضل ياقوتاً وعقيانا)
(ترَى الرِّفاق إلى أبوابهِ زمراً ... وردَ القطا أقبلتْ مثنى ووحدانا)
(معنى آخر)
(ليسَ جودٌ أعطيتهُ بسؤالٍ ... قد يهزُ السؤالُ غيرَ جوادِ)
(إنما الجودُ ما أتاك ابتداءً ... لم تذق فيهِ ذلةَ الترداد)
(ومن أجود التشبيهات في المحجمة قول بعضهم)
(وخضراء لا من بناتِ الهديل ... يلففُ بالسير مِنقارها)
(كأنّ مشقَ عيونِ القطا ... إذا هنّ تؤمن آثارها)
وقال أيضاً في الحجامة:
(أما وأبيك لا أنساهُ تدمي ... مضاربُ سيفهِ البطلِ الكميا)
(وبَرقاً في أناملهِ إذا ما ... تألقَ فتّح الوردَ الجنيا)
(إذا ظمئتْ فراخُ أبيك يوماً ... سقاها من رقابِ الناس ريّا)
(وإن جَرحَ الأخادعَ مطمئناً ... كسا الوجناتِ ديباجاً بهيا)
(ولم أرَ مثلهُ يأتي عُقوقاً ... ويدعوهُ الورى برّاً تقيا)
وقال آخر:
(أبوك أوهى النجادُ عاتقه ... كم من كميّ أدمى ومن بطلِ)
(يأخذنَ من مالهِ ومن دمهِ ... لم يمس من ثأرهِ على وجلٍ)
(2/244)

(ومما قيل في خطل الرأي قول الآخر)
(عُذرك عندي بك مبسوطُ ... والعتبُ عن مثلك محطوطُ)
(ليس بمسخوطٍ فعالُ امرئ ... كلُ الذي يأتيهِ مسخوطُ)
وقال آخر:
(يا من يقلقله طنينُ ذبابِ ... ويفلُ عزمتهُ صريرُ البابِ)
(ضربَ السرادق في رُواقي بابهِ ... والدارُ تعجزُ عن مقيلِ ذبابِ)
(وأقامَ للبوابِ حاجبِ حاجبٍ ... أرأيتَ حاجبَ حاجبِ البوابِ)
(إفساد المعروف بالمن)
قال بعضهم:
(ألبانُ إبلِ تَعِلَّة بنِ مساورٍ ... ما دامَ يملكها عليَ حَرامُ)
(وطعام عمر وابن أوفى مثله ... ما دامَ يسلك في البطونِ طعام)
(إنَ الذين يسوغ في أحلاقهم ... زادٌ يمنُ عليهم للئامُ)
(لعنَ الإله تعلةَ بنَ مساورٍ ... لعناً يشنُ عليهِ من قُدام)
(من يعيب غيره وهو معيب)
من المشهور في ذلك قول الشاعر:
(أرَى كلَ إنسانٍ يرى عيبَ غيرهِ ... ويعمي عن العيب الذي وهو فيه)
(وما خيرُ من تخفى عليهِ عيوبهُ ... ويبدو له العيبُ الذي لأخيه)
ولأبي دلامة في معناه:
(إذا الناسُ غطوني تغطيت عنهمُ ... وإن بحثوا عني ففيهم مباحثُ)
(2/245)

(إن حفروا بئري حفرتُ بئارهم ... ليعلمَ قومٌ ما تضمُ النبائت)
(معنى آخر)
(صديقك حينَ تستغني كثيرٌ ... ومالك عندَ فقرك من صديقِ)
(فلا تغضبْ على أحدٍ إذا ما ... طوَى عنكَ الزيارةَ عند ضيق)
في مدح قوادة حاذقة:
(تكادُ لو لم تك إنسيةً ... تجري من الأنسانِ مجرَى الدم)
(لا تعصم الحسناءُ من كيدِها ... ولو ثوتَ في منزلِ الأعصَم)
وقول الآخر في ذلك:
(تُسهلُ كلَ ممتنع عسيرٍ ... وتأتي بالمرادِ على إقتصادِ)
(فلو كلفتها تحصيل طيفِ الخيالِ ... ضحى لزارَ بلا رُقادِ)
وقريبٌ من ذلك قول الآخر:
(مَن ذمَ إدريسَ في قيادتهِ ... فإنني شاكرٌ لإدريسِ)
(منَّ بمستصعب فجاءَ بهِ ... أطوعَ من آدمٍ لإبليس)
(وكانَ في سرعةٍ المجئ بهِ ... آصف في حملِ عرشِ بلقيس)
(معنى آخر)
(ما ازددتُ في أدبي حرفاً أسرُ بهِ ... إلاّ تزيدتُ حرفاً تحته شوم)
(إنّ المقدَّم في حذقٍ بصنعتهِ ... أنى توجهَ منها فهو محروم)
وقريب منه:
(ولرُبَّما رُزِق الفتى بسكوته ... ولربما حُرمَ الفتى ببيانه)
ومن الجيد في ذلك قول الآخر:
(إذا اجتمعت في امرءينِ صناعةٌ ... وأحببتَ أن تدري الذي هو أحذقُ)
(فحيث يكون النقص فالمالُ واسعٌ ... وحيث يكون الحذق فالرِّزق ضيق)
(2/246)

(معنى آخر)
(إذا قلَّ مالُ المرءِ لانتْ قناتهِ ... وهانَ على الأدنى فكيفَ الأباعدُ)
ومثله قول الآخر:
(المرء يكرمُ للغنى ... ويهان للعدمِ العديم)
وقال آخر:
(غضبان يعلم أن المالَ ساقَ لهِ ... ما لم يسقه له علمٌ ولا أدبٌ)
(فمن يكنْ عن كرام الناس يسألني ... فأكرم الناسِ من كانت له نشب)
وقال آخر:
(كفي حزناً أني أروحُ وأغتدي ... ومالي من مالٍ أصونُ به عرضي)
(وأكثر ما ألقى صديقي بمرحباً ... وذلك لا يغني الصديقَ ولا يرضي)
وقال آخر في معناه:
(أجلك قومٌ حينَ صرت إلى الغنى ... وكلُ غنيٍ في القلوبِ جليلُ)
(وليس الغنى إلا غنى زينَ الفتى ... عشيةَ يُقري أو غداةَ ينيل)
(ما ورد في حظ الجاهل)
فمن جملة ذلك قول الشاعر:
(وما لبُ اللبيبِ بغيرِ حظٍ ... بأغنى في المعيشة من فتيلِ)
(رأيت الخط يسر كل عيب ... وهيهات الخظوظ من العقولِ)
والعرب تقول إسع بجد أودع. وقال الحارث بن حلزة:
(والعيش خيرٌ في ظلال ... النوكِ ممن عاش كدَّا)
وقلت:
(لكلَ حرٍ مبتلي ... يعيشُ في حلا نكد)
(والنحسُ في طالعهِ ... أثبتُ من وصلِ وتد)
(فكن رقيعاً ساقطاً ... تصدرُ بحظٍ وترِدْ)
(وكن رفيعاً ماجداً ... واصبر على مالم ترد)
(هيهاتَ أن يحظى الفتى ... بجدِّ سعدٍ دونَ جد)
وقال آخر:
(الجدُ انهضُ بالفتى من عقلهِ ... فانهض بجدٍ في الحوادثِ أو ذر)
(وإذا تعسرتِ الأمورُ فارجها ... واستأنفِ الأمرَ الذي لم يعسر)
(2/247)

(ما أقربَ الأشياءَ حينَ يسوقها ... قَدرٌ وأبعدها إذا لم يُقدر)
(الاستعانة بالجاهل في وقت الحاجة)
قال بعضهم:
(ولن يلبث الجهالُ أن يتهضموا ... أخا الحلم ما لم يستعنْ بجهولِ)
وقال الأحنف بن قيس:
(وذي ضغنٍ أمتُ القولَ منه ... بحلم واستمرّ على المقال)
(ومن يحلم وليسَ لهُ سفيهٌ ... يلاقي المعضلاتِ من الرجالِ)
وقال غيره:
(لا بدَ للسيدِ من أرماح ... ومن عديدِ يتقى بالرَّاح)
(ومن سفيهٍ دائم النباح)
(معنى آخر)
(وما الجودُ من فقرِ الرجالِ ولا الغنى ... ولكنهُ خيمُ النفوس وخيرُها)
(فنفسك أكرمْ عن أمورٍ كثيرةٍ ... فمالك نفسٌ بعدها تستعيرها)
(وقد تخدعُ الدنيا فيمس غنيها ... فقيراً ويغنى بعد بؤسٍ فقيرها)
(وكم طامعٍ في حاجةٍ لا ينالها ... وكم آيسٍ منها أتاهُ بشيرها)
(الاقتداء بالقرين)
أجود ما قيل فيه قول رسول الله & (المرء على دين خليله) . ومن أقدم ما قيل فيه قول عدي بن زيد العبادي:
(عن المرءِ لا تسألْ وأبصرْ قرينهُ ... فإنَّ القرينَ بالمقارنِ مقتدي)
(2/248)

وليس وصقه بالجيد. وقال غيره:
(ولا يسل الإنسانُ إلا قرينهُ ... وإنْ لم يكونا من قبيلٍ ولا بلد)
(المأخوذ بذنب غيره)
قال الشاعر في ذلك:
(جنى ابن عمك ذنباً فابتليت بهِ ... إن الفتى بابنِ عمَ السوءٍ مأخوذ)
ومن قديم ما قيل في ذلك قول النابغة:
(أحملتني ذَنبَ امرئٍ وتركتهُ ... كذي العُرِّ يكوى غَيرَهُ وهو راتعُ)
وقال غيره:
(إني وقتلى سلكياً ثم أعقله ... كالثورِ يضربُ لما عافتِ البقرُ)
(في النهي عن الظلم قول الأول)
(البغيُ يصرعُ أهله ... والظلم مرتعهُ وخيم)
وقال النبي & (الظلم ظلماتُ يومَ القيامة) وقال بعضهم:
(ظُلمك من خُلقك مُستخرَجٌ ... والظلمُ مشتقٌ من الظُّلمة)
وقلت في عاملٍ صودر: ( ... لو أنصفَ الظالمُ من نفسهِ ... لأنصفَ الظالمُ في نفسه)
(إن كانَ لا يرحمُ في يومهِ ... لكانَ لا يرحمُ في أمسه)
(ما ورد في الجبن)
(وأفلتنا هجين بني سُليم ... يُفدِّي المُهر من حبَ الإياب)
(فلولا اللهُ والمُهرُ المُفدَّى ... لأبْتَ وأنتَ غربالُ الإهابِ)
وقال آخر:
(باتَتْ تُشجِّعني هندٌ وقد علمتْ ... أن الشجاعةَ مقرونٌ بها العطبُ)
(2/249)

(يا هندُ لا والذي حجَ الحجيجُ لهُ ... ما يشتهي الموتَ عندي من له أدبُ)
وقال أخر في المعنى:
(نجوتُ نجاءَ لم يرَ الناسُ مثله ... كأنِّي عُقابٌ عندَ تيمن كاسرُ)
وقال آخر:
(يقولُ ليَ الأميرُ بغيرِ شكٍ ... تقدم حينَ جد بنا المراسُ)
(ومالي إنْ أطعتك من حياةٍ ... ومالي بعدَ هذا الرأسِ راس)
(ومن المضحكات قول الآخر)
(ألم ترني وعمراً حينَ نغدو ... إلى الحاجاتِ ليس لنا نظيرُ)
(أسايرهُ على يُمنَى يديهِ ... وفيما بيننا رجلٌ ضريرُ)
ومن المضحكات قول القاساني في الجبن والتطفيل:
(أرىَ في النوم رُمحاً أو أسناناً ... فأسلحُ في الفراشِ على مكاني)
(ولكني المبارزُ حينَ أدعى ... إلى أكل العصيدةِ والفراني)
(وما عمروٌ هناك أشدّ مني ... ولا العبسي عنترة الطعانِ)
(ولا زيد الفوارسِ حينَ أدنو ... فألقى بالكلاد كل والجران)
(تراني عندها ليثاً نفيراً ... إذا ما اصطكَّ مني الماضغان)
(أشدُ على الخبيصةِ لا أبالي ... بأيّ جنوبها وقعتْ بناني)
(وكم طبق رددتُ وليسَ فيه ... من البقلِ المحصل حبتان)
(الخلق من الثياب)
قال الحمدوني:
(طالَ تردادهُ إلى الرَّفوِ حتى ... لو بعثناهُ وحدهُ لتهدّى)
وقال آخر:
(قال غسّاليَ لما ... جئته قولاً صحيحا)
(يا عزيزي أنا لا ... أغسلُ بالصابونِ ريحا)
(2/250)

وأحسن من ذلك كله وأشهرُ قول الآخر:
(يا ابن حربٍ كسوتي طيلساناً ... ملَ من صحبةِ الزمانِ وصدَّا)
(إن تنحنحت فيه ينحز عيراً ... أو تحركتُ فيه ينقدُ قدَّا)
(من أحب لبناته الموت)
قال بعض الأعراب:
(إني وإن سيقَ إليّ المهرُ ... ألفٌ وعبدان وذودٌ عشرُ)
(أحبُ أصهاري إليّ القبر ... )
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
(لكلَ أبي بنتٍ يُراعي شؤونها ... ثلاثةُ أصهارٍ إذا طُلبَ الصهرُ)
(فبعلٌ يُراعيها وخدرٌ يكنها ... وقبرٌ يُواريها وخيرُهما القبرُ)
جعل القبر خير الثلاثة الأصهار فإنه نعم الصهر في الستر. كلام الملحدين لعنهم الله " فمنهم ديك الجن عبد السلام بن رغبان الحمصي:
(هي الدنيا وقد نعِموا بأخرى ... وتسويفُ النفوسِ من السوافي)
(فإن كذبوا أمنت وإن أصابوا ... فإنَ المبتليك هو المُعافي)
(وأصدقُ ما أبثُّك أن قلبي ... بتصديقِ القيامةِ غير صافي)
وقال ابن أبي البغل:
(باحَ ضميري بمضمرِ الأمرِ ... وذاك أني أقولُ بالدهرِ)
(وليسَ بعد المماتِ حادثةٌ ... وإنما الموتُ بيضةُ العقرِ)
وقال آخر:
(يا ناظراً في الدين ما الأمر ... لا قدرٌ صحَ ولا جَبرُ)
(ما صحّ عندي من جميعِ الورى ... يذكرُ إلا الموتُ والقبرُ)
قبحهم الله لقد أعظموا القول ولم ينتفعوا إلا بالفضيحة في الدنيا والاثم في الآخرة. وإنما أورد مثل هذا لتعرف أهله ولأن تسمية الكتاب توجيه. ونحوه
(2/251)

قول ابن الرومي وأجاد:
(أيارب إن سويتَ بيني وبينهُ ... لما كانَ عدلاً أن نكونَ سواءً)
(فكيفَ وقد أعليتهُ وخفضتني ... فكنتُ له أرضاً وكانَ سماءً)
(فصل آخر)
كتب أبو الشيص إلى رجل كان وعده مخدة فأبطأت عليه:
(يا صديقي وأخي في ... كلَ ما يعرو وشِدَّه)
(ليتَ شعري هلْ زَرَعتمْ ... بذرَ كتانِ المخدَّه)
وأخبرني أبو أحمد عن أبيه عن أحمد بن أبي طاهر قال أهدى بعض العمال إلى دعبل بن علي الخزاعي برذوناً زمناً فرده وكتب إليه:
(وأهديتهُ زَمِناً فانيا ... فلا للركوبِ ولا للثمنْ)
(حملتَ على زمنٍ شاعراً ... فسوفَ يكافي بشعرٍ زمن)
(أيا الفضل ذمّاً وغرماً معاً ... فما كنتَ ترجو بهذا الغبن)
ووعد رجل دعبلاً نعلاً يهديها إليه عند قدومه من الحج فأبطأت عليه فقال دعبل الخزاعي:
(وعدتُ النعلَ ثمَّ صدفتَ عنها ... كأنك تشتهي شتما وقذفا)
(فإنْ لم تهدِ لي نعلاُ فكنها ... إذا أعجمت بعد النونِ حرفا)
وأخبرني أبو أحمد عن أبيه عن أحمد بن أبي طاهر قال كتب إلى أبو علي البصير يستهدني بخوراً كنتُ أهديثُ منه إلى بعض إخواني، والأبيات:
(يا شقيقي ويا خليلي إباءً ... المرجَّى لكلَ خيرٍ ومير)
(أنتَ من أطيبِ الأنامِ بخوراً ... غيرَ أني شممتهُ عندَ غيري)
(وهو جمُ لديك فابعث بدرجٍ ... منهُ إن لم أكنْ تعديتُ طوري)
فكتبتُ إليه:
(قد بعثنا إليك منهُ بدرجٍ ... وأزرناك منهُ أطيبَ زورِ)
(2/252)

(بين ندٍ وبينَ عودٍ مطرّاً ... مالهُ مشبهٌ بنجدٍ وغورٍ)
(أنتَ منه أزكى وأطيب عرفاً ... وهو أزكى من كل طيبٍ وَنور)
(ما تعديتَ فيه طوْرَك عندي ... فتبخر منهُ بأيمنِ طير)
وحدثني أبو أحمد عن أبيه عن أحمد قال حدثني أبو دعامة الشاعرُ قال كتب العتابي إلى مالك بن طوق ويستزيده ويستهديه ويدعوه إلى صلة الرحم والقرابة بينه وبينه وكان مما كتب: إن قرابتك من قرب منك خيره وإن ابن عمك من عم نفعه وإن عشيرتك من أحسن معاشرتك وإن أحب الناس إليك أجداهم بالمنفعة عليك وإن أهداهم إلى مودتك من أهدى إليك، ولذلك أقولُ:
(ولقد بلوتُ الناسَ ثمَ سبرتهم ... ووصلتُ ما قطعوا من الأسباب)
(فإذا القرابةُ لا تقربُ قاطعاً ... وإذا المودةُ أقربُ الأنسابِ)
قال أبو هلال رحمه الله: هذا آخر ما رأينا تضمينه هذا الكتاب وبالله التوفيق والحمد لله حق حمده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه آمين.
(2/253)