Advertisement

صبح الأعشى في صناعة الإنشاء 002


الجزء الثاني
[تتمة المقالة الاولى]
[تتمة الباب الأول]
[تتمة الفصل الثاني]
[تتمة الطرف الأول]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
النوع الثامن عشر المعرفة بالأحكام السلطانية
ليعرف «1» كيف يخلص قلمه على حكم الشريعة المطهرة، وما يشترط في كل ولاية من الشروط، فينبه عليها ويقف عندها؛ وما يلزم ربّ كل وظيفة من أرباب الوظائف وما يندب له، فيورده في وصاياه. وقد أورد أقضى القضاة أبو الحسن علي ابن «2» حبيب الماورديّ رحمه الله في الأحكام السلطانية ما فيه مقنع من ذلك. ونحن نورد في هذا الكتاب نبذة من كل باب، مما به يستغني الناظر فيه عن مراجعة غيره.
والذي تكلم عليه الماورديّ من الوظائف الأصول: الإمامة «3» ، والوزارة، وتقليد الإمارة على البلاد، وتقليد الإمارة على الجهاد، والولاية على ضروب المصالح، وولاية القضاء «4» ، وولاية المظالم، وولاية النّقابة «5» على ذوي الأنساب، والولاية
(2/3)

على إقامة الصلوات، والولاية على الحج، والولاية على الصدقات، وقسم الفيء والغنيمة، ووضع الجزية والخراج، ومعرفة ما تختلف أحكامه من البلاد، وإحياء الموات «1» ، واستخراج المياه، والحمى «2» ، والأوقاف، وأحكام الإقطاع، وأحكام الديوان، وأحكام الجرائم، وأحكام الحسبة «3» .
وأنا أقتصر من ذلك هنا على ما تفضي إليه حاجة الكاتب من الأحكام، دون ما عداه من الفروع الزائدة على ذلك؛ فإذا عرف حكم كل ولاية من هذه الولايات، وما يوجب توليتها، وما يعتبر في متوليها من الشروط، وما يلزمه من الأمور إذا تولاها، وما ينافي أمورها، ويجانب أحوالها؛ عرف ما يأتي من ذلك وما يذر، فيكون ما ينشئه من البيعات، والعهود، والتقاليد، والتفاويض، والتواقيع، وما يجري مجرى ذلك جاريا منه على السداد، ماشيا على القواعد الشرعية التي من حاد عنها ضلّ، ومن سلك خلاف طريقها زلّ. وكذلك المناشير المتعلقة بالإقطاعات «4» ، وعقد الجزية والمهادنات والمفاسخات، وما يجري مجرى ذلك من الأمور السلطانية. فإذا عرف حكم كل قضية، وما يجب على الكاتب فيها، وفّاها حقها، وأتى بذكر ما يتعلق بها من الشروط، وجرى في وصايا الولايات بما
(2/4)

يناسب كل ولاية منها؛ فجرى الأمر في ذلك على السّداد، ومشت كتابته فيها على أتم المراد؛ إن كتب بيعة أو عهدا لخليفة، تعرّض فيه إلى وجوب القيام بأمر الخلافة، ونصب إمام للناس يقوم بأمرهم وتعرّض إلى اجتماع شروط الخلافة في المولّى، وأنه أحق بها من غيره. ثم إن كانت بيعة نشأت عن موت خليفة تعرّض لذكر الخليفة الميت، وما كان عليه أمره من القيام بأعباء الخلافة، وأنه درج بالوفاة، وأن المولّى استحقها من بعده دون غيره. وإن كانت ناشئة عن خلع خليفة تعرّض للسبب الموجب لخلعه؛ من الخروج عن سنن الطريق، والعدول عن منهج الحق ونحو ذلك مما يوجب الخلع لتصح ولاية الثاني. وإن كان عهدا تعرّض فيه إلى عهد الخليفة السابق إليه بالخلافة، وأنه أصاب في ذلك الغرض، وجرى فيه على سواء الصراط، ونحو ذلك مما يجري هذا المجرى من سائر الولايات على ما سيأتي ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وهذه فقرة من بيعة أنشأتها توضح ما أشرت إليه من ذلك.
فمن ذلك ما قلته فيها مشيرا إلى وجوب القيام بالإمامة:
أما بعد، فإن عقد الإمامة لمن يقوم بها من الأمة واجب بالإجماع، مستند لأقوى دليل تنقطع دون نقضه الأطماع، وتنبو عن سماع ما يخالفه الأسماع.
ومن ذلك ما قلته فيها مشيرا إلى اجتماع شروط الخلافة في المولّى وهو:
وكان فلان أمير المؤمنين، هو الذي جمع شروطها فوفّاها، وأحاط منها بصفات الكمال واستوفاها، ورامت به أدنى مراتبها فبلغت أغياها «1» ، وتسوّر معاليها فرقي إلى أعلاها، واتحد بها فكان صورتها ومعناها.
ومن ذلك ما قلته فيها مشيرا إلى عقد البيعة: فجمع أهل الحل والعقد، المعتبرين للاعتبار والعارفين بالنقد؛ من القضاة والعلماء، وأهل الخير
(2/5)

والصلحاء، وأرباب الرأي والنّصحاء؛ واستشارهم في ذلك فصوّبوه، ولم يروا العدول عنه إلى غيره بوجه من الوجوه.
ومن ذلك ما قلته فيها مشيرا إلى القبول: وقابل عقدها بالقبول بمحضر من القضاة والشهود فلزمت، ومضى حكمها على الصحة فانبرمت، إلى غير ذلك ممّا ينخرط في هذا من سائر الولايات وغيرها.
قلت: وكما يجب عليه معرفة الأحكام السلطانية، يتعين عليه معرفة ما عدا ذلك من الأمور الصناعية التي ينتظم أصحابها في سلك الولايات كالهندسة ونحوها، وسيأتي التنبيه فيما يجب على كل واحد من أرباب الولايات عند ذكر ولاية كل منهم في موضعها إن شاء الله تعالى.
الطرف الثاني في معرفة ما يحتاج الكاتب إلى وصفه في أصناف الكتابة مما تدعوه ضرورة الكتابة إليه على اختلاف أنواعها، ويشتمل على أنواع
النوع الأوّل ممّا يحتاج إلى وصفه النوع الإنساني، وهو على ضربين
الضرب الأوّل أوصافه الجسمية، وهي على ثلاثة أقسام
القسم الأوّل ما يشترك فيه الرجال والنساء، وهي عدّة أمور
منها: حسن اللون؛ والألوان في البشر ترجع إلى ثلاثة أصول؛ وهي البياض، والسّمرة، والسّواد؛ ويعبّر عن السواد بشدّة الأدمة «1» ، وربما عبّر عن البياض برقّة السمرة؛ ويستحسن من هذه الألوان البياض؛ وأحسن البياض ما كان
(2/6)

مشربا بحمرة؛ وقد جاء في حديث ضمام بن ثعلبة أنه حين سأل عن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم عند وفوده عليه بقوله: «أيّكم ابن عبد المطّلب؟ قيل: هو ذاك الأمغر المتّكيء» :
والأمغر هو المشرب بحمرة، أخذا من المغرة؛ وهي الصّبغ «1» المعروف.
وقد جاء في وصفه صلّى الله عليه وسلّم أنه: «أزهر اللّون» ؛ والأزهر هو الأبيض بصفرة خفيفة. والسّمرة مستحسنة عند كثير من الناس، وهو الغالب في لون العرب، وقد قيل في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «بعثت إلى الأحمر والأسود» ، إن المراد بالأحمر: العجم لغلبة البياض فيهم؛ والمراد بالأسود: العرب لغلبة السّمرة فيهم؛ أما السواد فإنه غير ممدوح بل قد ذمّ الله تعالى السواد، ومدح البياض بقوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
«2» الآية؛ على أن كثيرا من الناس قد جنحوا إلى استحسان السّودان والميل إليهم، وتأنقوا في الاحتفال بأمرهم؛ وقد نص أصحابنا الشافعية على أنه لو قال لزوجته: إن لم تكوني أحسن من القمر فأنت طالق، لم تطلق وإن كانت زنجية سوداء؛ فقد قال تعالى: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ*
«3» . وبالجملة فالحسن في كل لون مستحسن؛ ولله القائل:
إن المليح مليح ... يحبّ في كلّ لون
ومنها: حسن القدّ؛ وأحسن القدود الرّبعة: وهو المعتدل القامة، الذي لا طول فيه ولا قصر، وليس كما يقع في بعض الأذهان من أنّ المراد منه دون الاعتدال. وقد جاء في وصف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، «أنّه كان ربعة» . ويستحسن في القدّ القوام والرّشاقة، ويشبّه بالرمح وبالغصن، وأكثر ما يشبه به في ذلك أغصان البان لقوامها.
ومنها: سواد الشعر؛ وأكثر ما يكون ذلك في السّمر، فإن اجتمع مع البياض
(2/7)

سواد الشعر كان ذلك في غاية من الحسن، ويشبّه سواد الشعر بالليل؛ وربما وقعت المبالغة فيه فشبّه بفحمة الليل، وبدجى الليل، وبفحمة الدّجى؛ وقد يشبّه بالآبنوس ونحوه مما يغلب فيه حلك السّواد.
وقد اختلف الناس في جعودة الشعر وسبوطته أيّهما أحسن؟ فذهب قوم إلى استحسان الجعودة؛ وهي انقباض الشعر بعض انقباض، وهو مما يستحسنه العرب، وإليه ذهب الفقهاء حتّى لو شرط البائع في عبد كونه جعد الشعر وظهر سبط الشعر ردّ بذلك بخلاف العكس؛ وذهب آخرون إلى استحسان السّبوطة، وهي استرسال الشعر وانبساطه من غير انكماش؛ وأكثر ما يوجد ذلك في الترك ومن في معناهم. ثم الذاهبون إلى استحسان الجعودة يستحسنون التواء شعر الصّدغ، ويشبّهونه بالواو تارة وبالعقرب أخرى.
ومنها: وضوح الجبين، وسعة الجبهة، وانحسار الشعر عنها؛ فيستقبح الغمم؛ وهو عموم الجبهة أو بعضها بشعر الرأس.
ومنها: وسامة الوجه وحسن المحيّا. ويشبّه الوجه في الحسن بالشمس، وبالقمر، وبالسيف؛ إلا أن التشبيه بالشمس وبالقمر أتمّ من التشبيه بالسيف لما فيه من صورة الاستطالة؛ وقد جاء في بعض الآثار أنه قيل لبعض الصحابة رضي الله عنهم: هل كان وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كالسيف؟ فقال بل كالشمس والقمر.
ويستحسن في الوجه حمرة الوجنتين؛ ويشبّه لونهما بالورد، وبالشّقيق، وبالعقيق، وبالعندم «1» ؛ وما يجري مجرى ذلك مما تغلب فيه الحمرة المشرقة.
ومنها: بلج الحاجبين وزججهما، فالبلج: انقطاع شعر الحاجبين؛ بألا يكون بينهما شعر يصل ما بينهما، وهو خلاف القرن؛ وربما استحسن الخفيّ من القرن، وهو الذي دقّ فيه شعر ما بين الحاجبين حتّى لا يظهر فيه إلا خضرة خفيّة.
(2/8)

والزّجج: دقة الحاجب مع طوله بحيث ينتهي إلى مؤخر العين؛ وقد جاء في وصف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أنّه كان أزجّ الحاجبين.
ويستحسن في الحاجبين سواد شعرهما، وأن يكونا مقوّسين؛ ويشبّه تقويسهما بالنون تارة، وبالقوس أخرى.
ومنها: حسن العينين؛ ويستحسن في العين الحور؛ وهو خلوص بياض العين؛ والنّجل: وهو سعتها، ويقال فيه حينئذ: أنجل، وربما قيل: أعين، ومنه قيل للحور: عين. والدّعج؛ وهو شدّة سواد الحدقة. والكحل؛ وهو أن تسودّ مواضع الكحل من العين خلقة.
وتشبه العين بالصاد تارة، وبالجيم أخرى؛ وتشبه بالنّرجس وربما شبهت بنور الباقلّى «1» ؛ واعترض بأن فيه حولا. وربما شبهت العين بالسيف، وبالسّهم، وبالسّنان؛ وقد يستحسن في العينين الفتور وضعف الأجفان.
ومنها: حسن الأنف؛ ويستحسن فيه القنا؛ وهو ارتفاع وسط الأنف قليلا عن طرفيه مع دقّة فيه، وهو الغالب في العرب؛ وقد جاء في وصفه صلّى الله عليه وسلّم: أنّه كان أقنى الأنف؛ ويستحسن فيه الشّمم أيضا؛ وهو استواء قصبة الأنف وعلّو أرنبته.
ويشبه الأنف بالسيف في بريقه.
ومنها: حسن الفم؛ ويستحسن فيه الضّيق، ويشبّه بالميم، وبالصاد، وبالخاتم.
ومنها: حسن الشفتين؛ ويستحسن فيهما الحمرة، وتشبّه حمرتهما بما تشبّه به الوجنة من الورد والعقيق والمرجان ونحوها؛ ويستحسن فيهما اللّمى؛ وهو سمرة تعلو حمرتهما.
ومنها: حسن الأسنان؛ ويستحسن فيها الشّنب؛ وهو بياض وبريق
(2/9)

يعلوهما. وتشبه الأنسان في البياض وحسن النظم باللؤلؤ، وبالبرد، وبالطّلع؛ وهو نبت أبيض، وبالأقاح، وبالحبب؛ وهو الذي يعلو الكأس عند شجّه «1» بالماء؛ وقد تشبه بالجوهر؛ ويستحسن فيها الأشر؛ وهو تحديد الأنسان كما يقع في كثير من الصّبيان؛ ويستحسن في السّنخ- وهو لحم الأسنان- حمرة لونه؛ ويشبه بالعقيق والورد وسائر ما يشبه به الخدّ.
ومنها: حسن الجيد؛ وهو العنق؛ ويستحسن فيه طوله وبياضه من الأبيض؛ ويشبه بإبريق فضة.
ومنها: دقّة الخصر؛ وهو مقعد الإزار حتّى إنهم يشبهونه بدور دملج «2» ، ودور خلخال وما أشبه ذلك.
قلت: وهذه الصفات وإن كان مستحسنة في الرجال والنساء جميعا فإنها في النساء آكد؛ فإن الأمر في الحسن منوط بهنّ؛ فمهما كانت المرأة أحسن كان أعظم لشأنها، وأعز لمكانها. وقد قيل لرجل من بني عذرة «3» : ما بال الرجل منكم يموت في هوى امرأة! إنما ذلك لضعف فيكم يا بني عذرة، فقال: أما والله لو رأيتم النّواظر الدّعج، فوقها الحواجب الزّج، تحتها المباسم الفلج «4» ، لاتّخذتموها الّلات والعزى! وقد أكثر الشعراء من التغزل بهذه المحاسن بما ملأ الدفاتر مما لا حاجة بنا إلى ذكره هنا.
(2/10)

القسم الثاني ما يختص به الرجال
وأخص ما يختص به الرجال من المحاسن: اللّحية، وقد قيل في قوله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ
«1» : إن المراد اللحية، على خلاف في ذلك؛ ويستحسن في اللحية استدارتها وتوسّطها في المقدار، وسواد شعرها. فإذا حسنت اللحية من الرجل كملت محاسنه. وتزيد الأحداث على الرجال في الحسن بمقدّمات ذلك؛ فيستحسن منهم خضرة «2» الشارب، وخضرة العارض «3» والعذار «4» ، ويشبه كل منهما بالآس، وبالريحان، وبدبيب النمل ونحو ذلك.
ويشبّه العذار بالألف، وباللام، والباء. ويشبه الشارب الأخضر فوق حمرة الشفتين بقوس قزح، وبالآس مع الورد ونحو ذلك؛ على أن أهل الفراسة قد استحسنوا في الرجل أمورا تخالف ما تقدّم:
منها: سعة الفم وغلظ الشفتين وما أشبه ذلك، قائلين: إن ذلك مما يدل على الشجاعة وهو أمر مطلوب في الرجال كما تقدّم.
القسم الثالث ما يختص به النساء
ومما ينفرد به النساء من الأوصاف الجسميّة «5» : السّمن، فهو أمر مطلوب في المرأة ما لم يفرط ويخرج عن الحدّ المطلوب؛ ففي الصحيحين من حديث أمّ زرع: «بنت أبي زرع وما بنت أبي زرع؟ ملء كسائها، وغيظ جارتها» إشارة إلى
(2/11)

امتلائها بالشحم. ووصف أعرابيّ امرأة فقال: «بيضاء رعبوبة «1» ، بالشحم مكروبة «2» ، بالمسك مشبوبة «3» » .
وهذا بخلاف الرجال فإن المطلوب فيهم: الخفّة وقلة اللحم لأجل قوّة النّهضة، وسرعة الحركة في الحرب وغيره، والسّمن يمنع ذلك، مع ما يقال إن فيه تبليدا للذهن؛ قال بعضهم: ما رأيت حبرا سمينا إلا محمد بن الحسن «4» يعني صاحب أبي حنيفة رضي الله عنه. وربما استحسن قلّة اللحم في المرأة أيضا، وتوصف حينئذ بالهيف.
ومن ذلك ثقل الردف؛ فهو مما يتمدّح به من النساء بخلاف الرجل فإن ذلك فيه غير محمود.
ومن غريب ما يحكى في ذلك أن رجلا أخذ خطرا «5» من قوم على أن يغضب معاوية بن أبي سفيان مع غلبة حلمه، فعمد إلى معاوية وهو ساجد في الصلاة، فوضع يده على عجيزته وقال: ما أشبه هذه العجيزة بعجيزة هند! - يعني أم معاوية، فلما سلم من صلاته، التفت إلى ذلك الرجل وقال: يا هذا إن أبا سفيان كان محتاجا من هند إلى ذلك، وإن كان أحد جعل لك شيئا على ذلك فخذه.
ومما يستحسن في المرأة طول الشعر في الرأس، ودقّة العظم، وصغر القدم، ونعومة الجسد، وقلة شعر البدن، في أمور أخرى يطول ذكرها.
(2/12)

الضرب الثاني الصفات الخارجة عن الجسد، وهي على ثلاثة أقسام أيضا
القسم الأوّل ما يشترك فيه الرجال والنساء
وهو يرجع إلى أصلين: العقل والعفّة؛ ويدخل تحت كل من هذين الأصلين عدّة من أوصاف المدح. فأمّا العقل فيدخل تحته العلم؛ وصفاته:
المعرفة، والحياء، والبيان، والسّياسة، والكفاية، والصّدع «1» بالحجّة، والحلم عن سفاهة الجهلة وغير ذلك مما يجري هذا المجرى. ولا يخفى أن هذه الأوصاف مطلوبة في الرجال والنساء جميعا وإن كان أكثرها بالرجال أليق.
وأما العفّة فيدخل تحتها: القناعة، وقلّة الشّره، وطهارة الإزار، وغير ذلك مما لا يستغني عنه رجل ولا امرأة، وإذا ركّب العقل مع العفّة حدث عنهما صفات أخرى مما يتمدّح به: كالنّزاهة، والرغبة عن المسألة، والاقتصار على أدنى معيشة، ونحو ذلك مما ينخرط في هذا السلك.
القسم الثاني ما يختص به الرجال دون النساء
وهو يرجع إلى أصلين أيضا؛ وهما العدل والشجاعة، ويدخل تحت كل من الأصلين عدّة أوصاف من أوصاف المدح؛ فيدخل تحت العدل السّماحة، والتبرّع بالنّائل، وإجابة السائل، وقرى الضيف، وما شابه ذلك. ويدخل تحت الشجاعة عدّة أوصاف كالحماية والدّفاع، والأخذ بالثأر، والنّكاية في العدوّ، والمهابة، وقتل الأقران، والسير في المهامه «2» الموحشة، وما أشبه ذلك؛ وإذا ركّب العقل مع
(2/13)

الشجاعة حدث عنهما صفات أخرى مما يتمدّح به كالصبر على الملمات ونوازل الخطوب، والوفاء بالوعد ونحو ذلك.
القسم الثالث ما يختص به النساء
ويرجع إلى أصلين مذمومين في الرجل؛ وهما الجبن والبخل؛ وذلك أن المرأة إذا جبنت كفّت عن المساوي خوفا على نفسها أو عرضها، وإذا بخلت حفظت مال زوجها عن الضيّاع والإتلاف؛ وحينئذ فتكون أوصاف الرجال الممدوحة أربعة أوصاف: اثنان يشتركون فيهما مع النساء؛ وهما العقل والعفة؛ واثنان ينفردون بهما عن النساء؛ وهما العدل والشجاعة.
وتكون أوصاف النساء الممدوحة أربعة أيضا: اثنان يشتركن فيهما مع الرجال؛ وهما العقل والعفة؛ واثنان ينفردن بهما عن الرجال؛ وهما الجبن والبخل؛ فيمدح كل من الصنفين بما هو مشتمل عليه بحسب ما يقتضيه المقام وما يوجبه الحال.
قال قدامة بن جعفر «1» الكاتب في نقد الشعر: ومدائح الرجال تنقسم بحسب الممدوحين من أصناف الناس في الارتفاع والاتضاع، وضروب الصناعات والتبدّي والتحضّر؛ فيحتاج إلى الوقوع على المعنى اللائق بمدح كلّ؛ فمدح الملوك يكون بما يلائم قدرهم من رفعة القدر وعلو الرتبة والانفراد عن المثل والقرين؛ كقول النابغة في النعمان بن المنذر:
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
(2/14)

وما يجري مجرى ذلك؛ ومدح الوزير الكاتب بما يليق بالعقل والدّربة، وحسن التنفيذ والسياسة، فإن أضيف إلى ذلك الوصف بالسرعة في إصابة الحزم، والاستغناء بحضور الذهن عن الإبطاء لطلب الإصابة كان أحسن وأكمل للمدح كما قيل:
بديهته مثل تفكيره ... متى رمته فهو مستجمع
وكما قيل:
يرى ساكن الأوصال باسط وجهه ... يريك الهويني والأمور تطير
ويمدح القائد يعني الأمير الذي يقود الجيش بما يجانس البأس والنجدة، ويدخل في باب البطش والبسالة، فإن أضيف إلى ذلك المدح بالجود والسماحة والحذق والبذل والعطية كان أحسن وأتم، من حيث إن السخاء أخو الشجاعة، وهما في أكثر الأمور موجودان في ذوي بعد الهمة، والإقدام والصولة، كما قال بعضهم جامعا بين البأس والجود:
فتّى دهره شطران ممّا ينوبه ... ففي بأسه شطر وفي جوده شطر
فلا من بغاة الخير في عينه قذى ... ولا من زئير الحرب في أذنه وقر
قال: وتمدح السّوقة والمتعيشون بأصناف الحرف وضروب المكاسب، والصّعاليك بما يضاهي الفضائل النفسانية من العقل والعفّة والعدل والشّجاعة، خاليا عن مثل الملوك ومن تقدّم ذكره من الوزراء والكتّاب والقوّاد.
ويمدح ذو والشجاعة منهم بالإقدام والفتك والتشمير والتيقّظ والصبر مع التحذّق والسّماحة وقلّة الاكتراث بالخطوب الملمة ونحو ذلك.
قلت: ويؤخذ مما ذكره قدامة أن القضاة والعلماء يوصفون بما يليق بمحلهم من ذلك، فيوصف العالم بثقابة الذهن، وحدّة الفهم، وسعة الباع في الفضل؛ وما يجري مجرى ذلك، ويوصف القضاة بذلك وبالعدل والعفة ومباينة الجور ونحو ذلك؛ وستقف في قسم الولايات في نسخ البيعات والعهود والتقاليد والتواقيع
(2/15)

والتفاويض والمراسيم ونحوها من ذلك بما «1» يتضح لك به سواء السبيل.
واعلم أن الكاتب كما يحتاج إلى معرفة الصفات المحمودة من النوع الإنسانيّ كذلك يحتاج إلى معرفة الصفات المذمومة منه؛ فربما احتاج إلى الكتابة بذم شيء من ذلك فيكون عنده من العلم بالصفات المذمومة ما يتّفق معه؛ كما حكي أن بعض العمال بعث إلى الرشيد بعبد أسود فقلب كتابه ووقّع عليه: أما بعد فإنّك لو وجدت عددا أقل من الواحد، أوّ لونا شرّا من السواد لبعثت به إلينا والسلام.
ولا يخفى أن كل ما خالف صفة من الصفات المستحسنة المتقدّمة فهو مستقبح، مع ما هو معلوم من الصفات المذمومة الجسمية، كالحدب والحول ونحوهما؛ ومن الصفات المعنوية، كسوء الخلق وبذاءة اللسان ونحو ذلك. وفي هذا مقنع في الإرشاد إلى المراد والتنبيه على القصد.
النوع الثاني مما يحتاج إلى وصفه من دوابّ الركوب؛ وهي أربعة أصناف
الصنف الأوّل «الخيل»
ويحتاج إلى المعرفة بوصفها في مواضع، من أهمها وصفها عند بعث شيء منها في الإنعام والهدايا، والجواب عن ذلك؛ ووصفها في ترتيب الجيوش والمواكب، وذكرها في مجالات الحرب، وما يجري مجرى ذلك؛ ويشتمل الغرض منه على معرفة أصنافها، وألوانها، وشياتها «2» ؛ وما يستحسن ويستقبح من صفاتها؛ ومعرفة الدوائر التي تكون فيها؛ والبصر بأمور أسنانها وأعمارها.
(2/16)

أما أصنافها فثلاثة
الأوّل: العراب
؛ وهي أفضلها وأعلاها قيمة، وأغلاها ثمنا، تطلب للسبق واللّحاق؛ والملوك تتغالى في أثمانها وتعدّها لمهمّ الحرب؛ وتوجد ببلاد العرب ومحلاتهم في أقطار الأرض، كالحجاز، ونجد، واليمن، والعراق، والشأم، ومصر، وبرقة «1» ، وبلاد المغرب وغيرها.
الثاني: العجميّات
؛ وهي البراذين ويقال لها: الهماليج، وتعرف الآن بالأكاديش «2» وتجلب من بلاد الترك، ومن بلاد الروم، وغالب ما توجد مشقوقة المناخر، وتطلب للصبر على السير وسرعة المشي.
الثالث: المولّد بين العراب والبراذين
؛ فإن كان الأب عجميّا والأم عربية قيل له: هجين، وإن كان بالعكس قيل له: مقرف؛ وهي تكون في الجري والمشي متوسطة بين النوعين.
وأما ألوانها
فقد ذكر ابن أبي أصبع «3» : أن أصول الألوان فيها ترجع إلى أربعة ألوان، وما سواها مفرّع عنها:
الأوّل: البياض
، وقلّ أن يخلص من لون يخالطه؛ فإن صفا بياضه قيل فيه:
أشهب قرطاسيّ؛ فإن كان أذناه وقوائمه وعرفه وذيله سودا قيل: مطرّف؛ فإن خالط البياض شعر أسود والأغلب فيه البياض قيل: أشهب كافوريّ؛ وإن كان السواد فيه أغلب قيل: أشهب حديديّ، وأشهب أشمط، وأشهب مخلّس «4» ؛ فإن كان فيه
(2/17)

نكت سود قيل: أشهب مفلّس؛ فإن اتّسعت قليلا قيل: أشهب مدنّر؛ فإن كان في شهبته طرائق قيل: أشهب مجزّع؛ فإن كان فيه بقع من أيّ لون كان دون البياض قيل: مبقّع؛ فإن صغرت تلك البقع قيل: أبقع؛ فإن تفرّقت واختلفت مقاديرها قيل: أشيم؛ فإن تعادل ذلك اللون مع البياض مع صغر النّقط من اللونين قيل:
أنمش؛ فإن تناهت في الصغر قيل: أبرش؛ فإن كان البياض نكتا صغيرة في ذلك اللون قيل: مفوّف؛ فإن كان شيء من ذلك كله في عضو واحد قيد به مثل قولك:
مفوّف القطاة، وأنمش الصدر وما أشبه ذلك.
الثاني: السّواد
؛ فإذا كان الفرس شديد السواد قيل فيه: أدهم؛ فإن اشتدّ سواده قيل: أدهم غيهبيّ؛ فإن علا السّواد خضرة قيل: أحوى «1» والجمع حوّ؛ فإن خالط سواده شقرة قيل: أدبس؛ فإن انضم إليه أدنى حمرة أو صفرة قيل: أحمّ «2» ؛ فإن ضرب سواده إلى يسير بياض قيل: أورق، ونحوه الأكهب؛ وفي دونه من السواد يقال: أربد.
الثالث: الحمرة
، إذا كان الفرس خالص الحمرة، وعرفه وذيله أسودان قيل فيه: أورد «3» والجمع وراد والأنثى وردة؛ فإن خالط حمرته سواد فهو كميت، الذكر والأنثى فيه سواء؛ فإن صفت حمرته شيئا قليلا قيل: كميت مدمّى؛ فإن كان صافيا قليل الحمرة وعرفه وذيله أشقران قيل: أشقر؛ فإن كان أحمر وذيله وعرفه كذلك قيل: أمغر؛ فإن خالط شقرة الأشقر أو الكميت شعرة بيضاء قيل: صنابيّ، أخذا من الصّناب وهو الخردل بالزبيب؛ فإن كانت حمرته كصدإ الحديد قيل: أصدأ؛ فإن زاد فيه السواد شيئا يسيرا قيل: أجأى والاسم: الجؤوة.
الرابع: الصّفرة
؛ فإن كانت صفرته خالصة تشبه لون الذهب وعرفه وذيله
(2/18)

أصهبان مائلان إلى البياض قيل: أصفر خالص؛ فإن كانا أبيضين قيل: أصفر فاضح؛ فإن كانا أسودين قيل: أصفر مطرّف، وهو الذي يسمونه في زماننا الحبشيّ؛ فإن كان أصفر ممتزجا ببياض قيل: أشهب سوسنيّ؛ فإن كان في أكارعه «1» خطوط سود قيل: موشيّ «2» .
وأما شياتها وهي البياض المخالف للونها، فمنها: الغرّة؛ وهي البياض الذي يكون في وجه الفرس إذا كان قدره فوق الدّرهم؛ فإن كان دون الدرهم قيل في الفرس أقرح والعامة تقول فيه: أغرّ شعرات؛ فإن جاوز البياض قدر الدرهم قيل فيه: أعرم؛ ثم أوّل رتبة الغرّة يقال له: النّجم؛ فإن سالت الغرّة ورقّت ولم تجاوز جبهته قيل فيه: أغرّ عصفوريّ؛ فإن تمادت حتّى جلّلت خيشومه ولم تبلغ جحفلته قيل: أغرّ شمراخيّ؛ فإن ملأت جبهته ولم تبلغ العينين قيل: أشدخ؛ فإن أصابت جميع وجهه إلا أنه ينظر في سواد قيل: مبرقع؛ فإن فشت حتّى جاوزت عينيه وابيضّت منها أشفاره قيل: مغرب؛ فإن أصابت منه خدّا دون خدّ قيل: لطيم أيمن أو أيسر؛ فإن كان بشفته العليا بياض قيل: أرثم «3» ؛ وإن كان بالسفلى بياض قيل: ألمظ «4» ؛ فإن نالهما جميعا قيل: أرثم ألمظ.
ومنها: التحجيل في الرّجلين وما في معنى ذلك؛ إن كان البياض في مؤخر الرّسغ لم يستدر عليه قيل في الفرس: منعل؛ وإن كان في الأربع قيل: منعل الأربع؛ أو في بعضها أضيف إليه فقيل: منعل اليدين أو الرجلين أو اليد أو الرجل
(2/19)

اليمنى أو اليسرى؛ فإن استدار على الرّسغ؛ وهو المفصل الذي يكتنفه الوظيف «1» والحافر وكان في إحدى الرجلين قيل: أرجل؛ وإن كان في الرجلين جميعا قيل:
مخدّم وأخدم؛ فإن جاوز رسغ الرّجل واتصل بالوظيف؛ وهو ما بين الكعب وبين أسفله ولم يجاوز ثلثيه قيل: محجّل، أخذا من الحجل؛ وهو الخلخال؛ فإن كان في رجل واحدة قيل: محجّل الرجل اليمنى أو الرجل اليسرى؛ فإن كان في الرجلين جميعا قيل: محجّل الرجلين؛ فإن كان معه في إحدى اليدين بياض يجاوز الرّسغ إلى دون ثلثي الوظيف قيل: محجّل الثلاث مطلق اليد اليمنى أو اليسرى؛ فإن كان البياض في اليد الأخرى كذلك قيل: محجّل الأربع؛ فإن كان البياض في اليدين فقط قيل: أعصم، سواء جاوز الرسغ أم لا؛ ولا يطلق التحجيل على اليدين أو إحداهما إلا بانضمام إلى تحجيل الرجلين أو إحداهما؛ فإن كان في اليد الواحدة قيل: أعصم اليد اليمنى أو اليسرى؛ وإن كان فيهما قيل: أعصم اليدين، وإن كان التحجيل في يد ورجل من جانب واحد قيل: ممسك؛ وإن كان ذلك من الجانب الأيمن قيل: ممسك الأيامن مطلق الأياسر؛ وإن كان بالعكس قيل: ممسك الأياسر مطلق الأيامن؛ وإن كان التحجيل في يد ورجل من خلاف فهو الشّكال؛ وقيل: الشكال بياض القائمتين من جانب «2» ، وقيل: بياض ثلاث قوائم؛ فإن تعدّى البياض حتّى جاوز عرقوبي الرّجلين أو ركبتي اليدين قيل فيه:
مجبّب؛ فإن علا البياض حقوي «3» رجليه ومرفقي يديه قيل: أبلق؛ فإن زاد على ذلك حتّى بلغ الأفخاذ والأعضاد قيل: أبلق مسرول؛ فإن اختص البياض بيديه وطال حتّى بلغ مرفقيه قيل: أقفز ومقفّز؛ فإن كان البياض في الوظيف غير متصل بالرسغ ولا بالعرقوب ولا بالرّكبة قيل: موقّف.
(2/20)

ومنها: الشّيات التي تتخلل سائر جسدها؛ فإن كان الفرس مبيضّ الأذنين أو في أذنيه نقش بياض دون سائر لونه قيل فيه: أذرأ؛ وإن كان مبيض الرأس قيل:
أصقع؛ فإن ابيضّ قفاه قيل: أقنف؛ فإن شابت ناصيته قيل: أسعف؛ فإن ابيضّت جميعها قيل: أصبغ الناصية؛ فإن غشّى البياض جميع رأسه قيل: أغشى، وربما قيل فيه: أرخم؛ فإن ابيضّ رأسه وعنقه جميعا قيل: أدرع؛ فإن أبيضّ ظهره قيل:
أرحل؛ فإن كان ذلك البياض من أثر الدّبر قيل: مصرد؛ فإن ابيضّ بطنه قيل:
أنبط؛ فإن ابيضّ جنباه قيل: أخصف؛ فإن كان البياض بأحد جنبيه قيل: أخصف الجنب الأيمن أو الأيسر؛ فإن ابيضّ كفله «1» قيل: آزر؛ فإن ابيض عرض ذنبه من أعلاه قيل: أشعل «2» ؛ فإن ابيض بعض هلبه «3» دون بعض قيل: مخصّل؛ فإن ابيضّ جميع هلبه قيل: أصبغ هلب الذّنب؛ فإن عدا عرقوبه البياض جملة قيل:
بهيم ومصمت من أيّ لون كان.
وأما ما يستحسن من أوصافها فقد قال العلماء بأمر الخيل: يستحبّ في الفرس: دقّة الأذنين وطولهما وانتصابهما، ودقة أطرافهما، وقرب ما بينهما؛ وكل ذلك من علامات العتق «4» ؛ وفي الناصية: اعتدال شعرها في الطّول، بحيث لا تكون خفيفة الشعر ولا مفرطة في كثرته؛ ويقال في هذه: الناصية الجثلة.
ويستحبّ مع ذلك: لين الشّكير- وهو ما طاف بجنب الناصية من الزّغب- ويستحب: عظم الرأس وطوله وسعة الجبهة، وأسالة الخدّ، وملاسته، ودقّته، وقلّة لحم الوجه، وعري الناهضين- وهما عظمان في الخدّ- وسعة العين، وصفاء الحدقة؛ وذلك كله من علامات العتق. ويستحبّ في العين: السّموّ والحدّة ورقّة الجفون وبعد نظره.
(2/21)

قال ابن قتيبة: وهم يصفونها بالقبل «1» والشّوس «2» والخوص «3» ، وليس ذلك فيها عيبا ولا هو خلقة، وإنما تفعله لعزة أنفسها. ويستحبّ في المنخر:
السّعة، لأنه إذا ضاق شقّ عليه النّفس، قال: وربما شقّ منخره لذلك وبعد ما بين المنخرين. ويستحب في الفم: الهرت- وهو طول شقّ شدقيه من الجانبين- لأنه أوسع لخروج نفسه، ورقة الجحفلتين وهما الشفتان لأنه دليل العتق، وطول اللسان ليكثر ريقه فلا ينبهر «4» ، ورقته لأنه أسرع لقضمه العلف، وصفاء الصهيل لأنه دليل صحة رئته وسهولة نفسه. ويستحب في العنق: الطّول، فقد كان سلمان ابن ربيعة «5» يفرق بين العتاق والهجن، فدعا بطست من ماء فوضعت بالأرض ثم قدّمت الخيل إليها واحدا واحدا فما ثنى سنبكه «6» منها ثم شرب هجّنه؛ وما شرب ولم يثن سنبكه جعله عتيقا، لأن في أعناق الهجن قصرا فلا تنال الماء حتّى تثني سنابكها؛ وقد روي أنه هجّن فرس عمرو بن معدي كرب «7» فاستعدى عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال سلمان: ادع بإناء فيه ماء! ثم أتي بفرس عتيق لا شك في عتقه فأشرع في الإناء فصف بين سنبكيه ومدّ عنقه فشرب؛ ثم قال: ائتوني بهجين لا شك فيه! فأشرع فبرك فشرب؛ ثم أتي بفرس عمرو بن معدي كرب فأشرع فصف بين سنبكيه ومدّ عنقه ثم ثنى أحد سنبكيه قليلا فشرب؛ فقال عمر: أنت سلمان الخيل.
ويستحب فيها مع ذلك الكبر لأنه أقرب لانقياده وعطفه، وغلظ مركّب عنقه
(2/22)

ودقّة مذبحه. ويستحب فيه: ارتفاع الكتفين والحارك والكاهل «1» ؛ وقصر الظهر وعرض الصّهوة- وهي مقعد الفارس في الظهر- وارتفاع القطاة- وهي مقعد الرّدف من الظهر أيضا- وقلة لحم المتنين وهما ما تحت دفتي السرج من الظهر.
ويستحب في الكفل: الاستواء والاستدارة والملاسة والتدوير. ويستحب: طول السّبيب؛ وهو الشعر المسترسل في ذيله، وقصر العسيب؛ وهو عظم الذنب وجلده؛ ولذلك قال بعض الأعراب: اختره طويل الذّنب قصير الذّنب يعني طويل الشعر قصير العسيب.
قال ابن قتيبة «2» : ويستحب أن يرفع ذنبه عند العدو، ويقال: إن ذلك من شدّة الصّلب «3» ويستحب عرض الصدر؛ وهو ما عرض حيث ملتقى أعلى لببه، ويسمّى: اللّبان والكلكل؛ وكذلك ارتفاعه عن الأرض مع دقّة الزّور، وهو ما استدق من صدره بين يديه بحيث يقرب ما بين المرفقين لأنه أشدّ له وأقوى لجريه.
ويستحب فيه: عرض الكتف وغلظه وقصر النّسا، وهو عرق في الساق مستبطن الفخذ، وشنجه «4» وقصر وظيف اليد؛ وهو قصب يديه، وقصر الرّسغ، ودقّة إبرة العرقوب وتحديده، لأنه أشدّ لقصب الساق؛ وطول وظيف الرجل ليخذف «5» الأرض بها فيكون أشدّ لعدوه، وغلظ عظم القوائم، وغلظ الحبال؛ وهي عصب الذراعين، ولطف الرّكبة، وقرب ما بين الركبتين، وشدّة كعبه، لأن ضعف الكعب داعية الجرد «6» ، وانحناء الرجلين وتوتّرهما، وبعد ما بين الرجلين؛ وهو الفحج،
(2/23)

لأنه أشد لتمكّن رجليه من الأرض. ويستحب: صفاء الحافر، وصلابته، وسعته، وكونه أزرق أو أخضر غير مشوب ببياض؛ لأن البياض دليل الضعف فيه؛ وأن يكون مع ذلك فيه تقعّب «1» ، ولطف نسوره؛ وهي شيء في باطن حافره كالنوى، لأنه إذا ضاق موضعها كان أصلب لحافره؛ وأن تكون أطراف سنابكه وهي مقادم حوافره رقيقة.
ويستحب فيه مع ذلك كلّه: اتساع إهابه وهو جلده، ورقّة أديمه، وصفاء لونه، ولين شعره، وكثرة عرفه «2» ، وكثرة نومه، وسعة خطوه، وخفّة عنانه، ولين ظهره، وحسن استقلاله في أوّل سيره، وخفّة وقع قوائمه على الأرض إذا مشى، وشدّة وقعها إذا عدا، مع حدّة نفسه وسرعة عدوه، واتساع طرقته؛ وقد يغتفر القطاف «3» في المشي في دوابّ الجري.
ثم إنه قد يحتمل فوات آلة الحسن والفراهة في المشي ولا يغتفر النقص في آلة الجودة وشدّة العدو والصّبر، لأن بهما يدرك ما يطلب، وينجو مما يهرب.
وأما ما يستقبح ويذمّ من أوصافها، فقد ذكروا للفرس عدّة عيوب، بعضها خلقية وبعضها حادثة «4» .
فمن العيوب
[الضرب الأول العيوب الخلقية]
الخلقية: البدد «5» ؛ وهو بعد ما بين اليدين، والصّمم؛ وهو ألا
(2/24)

يسمع وعلامته أن يراه يصرّ أذنيه أبدا إلى خلف، وإذا جرّ خلفه خشبة ونحوها لا يشعر ولم ينفر عنها؛ والخداء، وهو أن يكون أذناه مسترخيتين منكوستين نحو العينين أو الخدّين كآذان الكلاب السّلوقيّة؛ والطّول؛ وهو أن تطول إحدى أذنيه وتقصر الأخرى، وكونه أسكّ؛ وهو أن يكون صغير الأذن.
ومنها: السّفا؛ وهو قلّة شعر الناصية؛ والغمم؛ وهو أن يكثر شعر الناصية، ويطول حتّى يغطّي العين؛ وهو عيب خفيف؛ والسّفا «1» ؛ وهو خفة الناصية «2» .
ومنها: القرح؛ وهو أن يكون البياض الذي في الوجه دون قدر الدرهم كما تقدّم إلا أن يكون معه بياض آخر من تحجيل ونحوه فلا يكره حينئذ؛ فإن كان في وسط البياض في الوجه سواد كان عيبا يتشاءم به.
ومنها: العشا؛ وهو ألّا يبصر ليلا فيصير بمثابة نصف فرس، لأنه لا ينتفع به في الليل دون النهار، وكونه قائم العين؛ وهو الذي يكون على ناظره سواد يضرب للخضرة والكدرة يقلّ معها بصره؛ والحول؛ وهو أن يكون بإحدى عينيه بياض خارج سواد الحدقة من فوق، ويكون خلاف العين الأخرى، وهو مع ذلك مما يتبرّك به بعض الناس، ويقول: إذا كان ذلك في العينين كان أعظم لبركته؛ والخيف؛ وهو أن تكون إحدى عينيه زرقاء «3» ، وهو مما يتشاءم به لا سيما إذا كانت الزّرقة في العين اليسرى، فإن ازرقّت العينان جميعا كان أقلّ لشؤمه؛ وغؤر العينين؛ وهو دخولهما في وجهه؛ والغرب؛ وهو بياض أشفار العينين، يكون عنه ضعف وهو ذخولهما في وجهه؛ والغرب؛ وهو بياض أشفار العينيين، يكون عنه ضعف بصره في القمر والحرّ الشديد، والكمنة؛ وهو أن يبصر قدّامه، ولا يبصر عن يمينه ولا شماله.
(2/25)

ومنها: القنا؛ وهو احديداب في الأنف، ويكون في الهجن؛ والخنس؛ وهو أن يرى فوق منخريه منخسفا لأنه يضيق نفسه إذا ركض.
ومنها: الفطس، وهو أن تكون أسنانه العليا داخلة عن أسنانه السّفلى؛ والطّبطبة، وهو أن تسترخي جحفلته السفلى فإذا سار حركها وطبطبها كالبعير الأهدل، وأن يكون في حنكه شامة سوداء وسائر فمه أبيض.
ومنها: قصر اللسان؛ لأنه إذا قصر لسانه قلّ ريقه فيسرع إليه العطش، والخرس، وعلامته أن تراه يصهل ولا يحمحم؛ وهو عيب لطيف.
ومنها: القصر، وهو غلظ في العنق «1» ؛ واللّفف، وهو استدارة فيه مع قصر، والدّنن، وهو طمأنينة «2» في أصل العنق؛ والهنع؛ وهو طمأنينة في وسط العنق؛ والقود؛ وهو يبس في العنق بحيث لا يقدر الفرس أن يدير عنقه يمينا ولا شمالا ولا يرفع رأسه إذا مشى؛ وهو عيب شديد؛ والجسأ؛ وهو يبس المعطف.
ومنها: الكتف؛ وهو انفراج يكون في أعالي كتفي الفرس مما يلي الكاهل؛ والقعس؛ وهو أن يطمئنّ الصّلب من الظهر وترتفع القطاة «3» ، والبزخ، وهو أن يطمئن الصّلب والقطاة جميعا؛ وهو عيب رديء يضرّ بالعمل؛ وكون الكفل فيه تحديد ويكون العجز صغيرا؛ والفرق؛ وهو «4» نقصان إحدى حرقفتي الوركين، فإن نقصتا جميعا فهو ممسوح الكفل ولا عيب فيه.
ومنها: الدّنن؛ وهو تطامن الصدر ودنوّه من الأرض؛ وهو من أسوإ
(2/26)

العيوب، والزّور؛ وهو دخول إحدى فهدتي «1» الصدر وخروج الأخرى.
ومنها: الهضم؛ وهو استقامة الضّلوع ودخول أعاليها؛ والإخطاف؛ وهو لحوق ما خلف المحزم من بطنه؛ والثّجل، وهو خروج الخاصرة ورقّة الصّفاق «2» .
ومنها: العصل؛ وهو التواء عسيب «3» الذّنب حتّى يبرز بعض باطنه الذي لا شعر عليه؛ والكشف؛ وهو أكثر «4» من ذلك؛ والصّبغ؛ وهو بياض الذّنب، والشّعل؛ وهو أن يبيضّ عرض الذنب وهو وسطه.
ومنها: الفحج؛ وهو إفراط بعد ما بين الكعبين؛ والحلل؛ وهو رخاوة الكعبين، ويلتحق به تقويس اليدين؛ وهو عيب فاحش، والطرق؛ وهو أن ترى ركبتيه مفسوختين كالمقوّستين إلى داخل؛ وهو عيب فاحش، والقسط؛ وهو أن ترى رجلاه منتصبتين غير محنّبتين «5» ؛ والبدد «6» ؛ وهو بعد ما بين اليدين؛ والفحج «7» ؛ وهو إفراط بعد ما بين العرقوبين، والقفد؛ وهو إنتصاب الرّسغ وإقباله على الحافر ولا يكون إلا في الرّجل، والصّدف؛ وهو تداني الفخذين وتباعد الحافرين في التواء من الرّسغين بحيث ترى رسغي يديه مفتوحين؛ والتّوجيه؛ وهو نحو منه إلا أنه أقل من ذلك؛ والفدع، وهو التواء الرّسغ من عرضه الوحشيّ «8»
(2/27)

من الجانبين «1» من رأس الشّظى، ووطؤه على وحشيّ حافريه جميعا وهو الجانب الخارج؛ والارتهاش «2» ؛ وهو أن يصكّ بعرض حافره عرض عجايته من اليد الأخرى وذلك لضعف يده؛ والحنف، وهو أن يكون حافرا يديه مكبوبين إلى داخل؛ والنّقد؛ وهو أن يرى الحافر كالمتقشر، والشّرج؛ وهو أن يكون ذو الحافر له بيضة واحدة؛ والأرحّ، وهو أن يمس الأرض بباطن حافره.
ومنها: البدد في اليدين؛ وهو أن يكون إذا مشى يدير حافره إلى خارج عند النّقل وليس فيه ضرر في العمل؛ والتلقّف، وهو أن يخبط بيديه مستوى «3» لا يرفعهما إلى بطنه؛ وهو خلاف البدد.
ومنها: التّلويح، وهو أن يكون الفرس إذا ضربته حرّك ذنبه، وهو عيب فاحش في الحجورة لأنه ربما بالت الحجر «4» ورشّت به صاحبها.
الضرب الثاني العيوب الحادثة، وهي عدّة عيوب
منها: الحدب، ويكون في الظهر بمثابة حدبة الإنسان، وهو عيب فاحش؛ والغدّة وتكون في الظهر أيضا بإزاء السّرة.
ومنها: العنق؛ وهو انتفاخ وورم بقدر الرّمانة أو أقلّ مما يلي الخاصرة، وهو عيب فاحش لا علاج فيه.
ومنها: الحمر؛ وهو عيب يحدث عن تخمة الشعير، وربما كان من شرب الماء على التعب فيحدث عنه ثقل الصدر.
(2/28)

ومنها: الانتشار؛ وهو انتفاخ العصب بواسطة التّعب، ويكون من فوق الرّسغ إلى آخر الركبة؛ وهو عيب فاحش.
ومنها: تحرّك الشّظاة «1» ، وهو عظم لاصق بالذّراع، وهو على الفرس أشق من الانتشار.
ومنها: الرّوح، وهو داء يكون منه غلظ في القوائم كمثل داء الفيل في البشر.
ومنها: المشش؛ وهو داء يكون في بدء أمره ماء أصفر، ثم يصير دما، ثم يصير عظما، ويكون على الوظيف وفي مفصل الركبة، وهو على العصب والركبة شرّ منه على الوظيف.
ومنها: القمع، ويكون في الرجلين في طرف العرقوبين؛ وهو غلظ يعتريهما؛ والملح، ويكون في الرجلين تحت القمع من خلف، وهو انتفاخ «2» مستطيل لا يضر بالعمل؛ والجرذ؛ وهو كالعظم الناتىء يكون في الرجلين تحت العرقوبين على المفصل من داخل ومن خارج؛ وهو عيب فاحش تؤول منه الدابة إلى العطب؛ والنّفخ؛ وهو انتفاخ يكون في مواضع الجرذ؛ وهو من دواعي الجرذ؛ والعقال؛ وهو أن تقلص رجله، وذلك يكون في عصب الرجل الواحدة دون الأخرى، وربما كان في الرجلين جميعا؛ وهو عيب فاحش يضرّ بالعمل؛ وهو في البرد أشدّ منه في الحرّ.
ومنها: الشّقاق «3» ؛ وهو داء يصيبه في أرساغه، وربما ارتفع إلى وظيفه؛ والسّرطان، وهو داء يأخذ في الرّسغ فييبّس عروقه حتّى ينقلب حافره.
(2/29)

ومنها: العرن؛ وهو جسوء «1» في رسغ رجله، والدّخس، وهو ورم يكون في حافره؛ والقفد؛ وهو تشنّج عصب رسغه حتّى ينقلب حافره إلى داخل فيمشي على ظاهر الحافر «2» .
ومنها: النّملة؛ وهي شقّ في الحافر من ظاهره؛ والرّهسة؛ وهي ما يكون في الحافر من صدمة ونحوها- والعامّة تقولها بالصاد «3» - والقشر، وهو أن تتقشر حوافره؛ وهو عيب فاحش؛ والنّاسور- وهو الذي تسميه العامة الوقرة- وهو داء يحدث في نسور «4» الدابة فإذا قطع سال الدم منه.
ومنها: الأدرة؛ وهي عظم الخصيتين؛ وربما عظمت خصيتاه في الصيف واحمرت «5» في الشتاء؛ والمدلي؛ وهو الذي يدلي ذكره ثم لا يردّه؛ وهو عيب قبيح بحيث يقبح ركوب الفرس الذي به هذا العيب.
ومنها: البرص؛ وهو بياض يعتري الفرس في مرقّاته؛ كالجحفلة وجفون العينين وبين الفخذين والخصيتين.
ومنها: الحلد؛ وهو داء شديد ينقب موضعه من بدن الدابة يسيل منه ماء أصفر، فإذا كوي بالنار برأ وانفتح موضع آخر، فلا يزال كذلك حتّى تعطب الدابة؛ وهو عيب فاحش، في عيوب أخرى يطول ذكرها.
وفي كتب البيطرة، ذكر الكثير من ذلك مع علاج ما له علاج منه وبيان ما لا علاج له.
(2/30)

وأما الدوائر التي تكون في الخيل فقد عدّها العرب ثماني عشرة دائرة، بعضها مستحب وبعضها مكروه.
الأولى: دائرة المحيّا- وهو الوجه- وهي اللاحقة بأسفل الناصية. الثانية:
دائرة اللّطاة؛ وهي دائرة تكون في وسط الجبهة. الثالثة: دائرة النّطيح؛ وهي دائرة ثانية في الجبهة بأن يكون في الجبهة دائرتان. الرابعة: دائرة اللهزمة، وهي دائرة تكون في لهزمة «1» الفرس. الخامسة: دائرة المقود «2» ؛ وهي التي تكون في موضع القلادة. السادسة: دائرة السّمامة، وهي دائرة تكون في وسط العنق. السابعة والثامنة: دائرتا البنيقتين؛ وهما دائرتان في نحر الفرس فيما قاله الأصمعي.
وقال أبو عبيد «3» : البنيقة الشعر المختلف في منتهى الخاصرة والشاكلة.
التاسعة: دائرة الناحر؛ وهي دائرة في باطن الحلق إلى أسفل من ذلك. العاشرة:
دائرة القالع؛ وهي دائرة تكون تحت اللّبد. الحادية عشرة: دائرة الهقعة؛ وهي دائرة تكون في عرض الزّور. الثانية عشرة: دائرة النافذة؛ وهي دائرة ثانية تكون في الزّور بأن تكون فيه دائرتان في الشّقين في كل شقّ منهما دائرة؛ وتسمّى النافذة، دائرة الحزام أيضا. الثالثة عشرة والرابعة عشرة: دائرتا الخرب، وهما اللتان يكونان تحت الصّقرين وهما رأسا الحجبتين اللتين هما العظمان الناتئان المشرفان على الخاصرتين كأنهما صقران. الخامسة عشرة والسادسة عشرة:
دائرتا الصّقرين؛ وهما دائرتان بين الحجبتين والقصريين. السابعة عشرة والثامنة عشرة: دائرتا الناخس؛ وهما دائرتان تكونان تحت الجاعرتين «4» .
(2/31)

قال ابن قتيبة: وهم يكرهون منها أربع دوائر؛ وهي دائرة الهقعة «1» ، مع ذكره أن أبقى الخيل: المهقوع. ودائرة القالع، ودائرة الناخس، ودائرة النطيح. قال:
وما سوى ذلك من الدوائر فليس بمكروه.
وذكر صاحب زهر الآداب «2» في اللغة: أنهم يستحبون من الدوائر دائرة المقود «3» ؛ ودائرة السّمامة؛ ودائرة الهقعة، احتجاجا بأن أبقى الخيل المهقوع؛ ويكرهون دائرة النّطيح، ودائرة اللهزمة، ودائرة القالع.
ورأيت في بعض كتب البيطرة، أن المستحب منها ثلاث دوائر: دائرة المقود، ودائرة السّمامة، ودائرة الهقعة؛ وما عدا ذلك فهو مكروه.
وكره حكماء الهند دوائر أخرى ذكروها؛ وهي أن يكون في مقدّم يده دائرة، أو في أصل ذنبه من الجانبين دائرتان أو على ناصيته دائرة، أو على محجره دائرة، أو في جحفلته السّفلى دائرة، أو على سرّته دائرة، أو على منسجه «4» دائرتان.
وأما أسنان الخيل: فأوّل ما تضع الحجرة «5» جنينها قيل: مهر، والأنثى مهرة؛ فإذا فصل عن أمه قيل: فلوّ؛ فإذا استكمل حولا قيل: حوليّ والأنثى حوليّة؛
(2/32)

فإذا دخل في الثانية قيل: جذع والأنثى جذعة، فإذا دخل في الثالثة قيل: ثنيّ والأنثى ثنيّة؛ فإذا دخل في الرابعة قيل: رباع والأنثى رباعية؛ فإذا دخل في الخامسة قيل: قارح للذكر والأنثى.
وفي الغالب يلقي أسنانه في السنة الثالثة، وربما تأخر إلقائها إلى السنة الرابعة؛ وذلك إذا كان أبواه شابّين، وقد يلقي أسنانه في حول واحد؛ وذلك إذا كان أبواه هرمين. ثم لكل مهر اثنتا عشرة سنّا: ستّ من فوق وستّ من أسفل، ويليها من كل جانب ناب، ويليها الأضراس، وتنبت ثناياه، بعد وضعه بخمسة أيام؛ وتنبت رباعياته بعد ذلك إلى مدّة شهرين؛ وتنبت قوارحه بعد ذلك إلى ثمانية أشهر؛ ويختص التبديل منها بالأسنان الاثنتي عشرة دون الأنياب والأضراس.
وربما ألقى المهر بعض أسنانه، ثم لا تنبت؛ وإذا قرح المهر اصفرّت أسنانه، وأسودّت رؤوسها وطالت فيبقى كذلك خمس سنين؛ فإذا جاوزت ذلك ابيضت وحفي رؤوسها، ثم تنتقل فتصير كلون العسل خمس سنين، ثم تبيض فتصير كلون الغبار ويزداد طولها؛ وربما دلّس النّخاسون فنشروا أسنانها وسوّوها.
ومما وجد في الكتب القديمة: أنّ الفرس تتحرّك ثناياه في سبع وعشرين سنة؛ وتتحرّك الرّباعيات في ثمان وعشرين سنة، وتتحرّك القوارح في تسع وعشرين سنة؛ ثم تسقط الثنايا في ثلاثين سنة، والرّباعيات في إحدى وثلاثين سنة، والقوارح في اثنتين وثلاثين سنة وهو عمر الدابة.
وأما التفرّس في الخيل: فاعلم أن المهر وإن ظهرت فيه علامات النّجابة أو العكس لا عبرة بذلك، فإنه قد يتغير فيقبح منه ما كان حسنا، ويحسن منه ما كان قبيحا؛ وإنما يتفرّس فيه إذا ركبه لحم العلف، وذهب عنه لحم الرّضاع.
وأفضل الفراسة في المهر: أخذه في الجري، فإنه صنعته التي خلق عليها وإليها يؤول، فإذا أحسن الأخذ في الجري فهو جواد؛ ولكنه ربما تغير أخذه للجري إذا ركب لضعف فيه حينئذ، وقصور عن بلوغ مدى قوّته؛ وقد لا يجري جذعا ويجري ثنيّا، وقد لا يجري ثنيّا ويجري رباعيا، وقد لا يجري رباعيّا ويجري
(2/33)

قارحا حين تجتمع له قوّته. ويعرف ضعف الضعيف منها بتلوّيه تحت فارسه وعجزه عنه وفترته إذا نزل عنه.
ومما يدل على جودة الفرس وحسن جريه: أنه يراه إذا أخذ في الجري سما بهاديه «1» ، وأثبت رأسه، ولم يستعن بهما في حضره «2» واجتمعت قوائمه، وسبح بيديه وضرح «3» برجليه، ولها في حضره، وامتدّ، وبسط ضبعيه «4» حتّى لا يجد مزيدا، وتكون يداه في قرن «5» ورجلاه في قرن؛ فإذا كان الفرس كذلك فهو الجواد السابق.
وقد قيل: إن خير الخيل الذي إذا مشى تكفّأ «6» ، وإذا عدا بسط يديه، وإذا أدبر جفا، وإذا أقبل أقعى.
الصنف الثاني «البغال»
وفيها نوعيّة في الخيل والحمير، ومن حيث أنها تتولّد بين حصان وأتان، أو بين حمار وحجرة «7» . وفيها النفيس المختار لركوب الرؤساء من العلماء، والوزراء، والحكام وسائر رؤساء المتعمّمين. وإنه صلّى الله عليه وسلّم في يوم أحد كان راكبا بغلة، ولولا شرفها ونفاستها وقيامها مقام الخيل لما ركبها النبي صلّى الله عليه وسلّم في موطن الحرب. وألوانها وأسنانها على ما تقدّم في الخيل.
(2/34)

ويستحسن فيها غالب ما يستحسن في الخيل؛ وقد قيل: إن خيار ما يقتنى من البغال ما اشتدّت قوائمه وعظمت قصرته «1» ، وعنقه وهامته، وصفت عيناه، ورحب جوفه، وعرض كفله، وسلم من جميع العيوب والعلل.
ومما يستحسن في البغال دون الخيل: السّفا؛ وهو خفة شعر الناصية؛ وأن يكون بيديها ورجليها خطوط مختلفة، جلّ ما تكون للسّنّور، ويقال: إن خير ما يختار للسرج والركوب البغال المصرية، لأن أمّهاتها عتاق وهجن؛ وخيار ما يحتاج إليه للسّرايا والمواكب والرّكض مع الخيل: بغال الجزيرة وإفريقية.
ومما ينبغي التنبيه عليه: أن في البغلات منها شدّة محبة للدواب إذا ربطت معها، وفساد للدواب إذا اعتادتها حتّى يصير أحدهما لا يفارق الآخر إلا بمشقة.
ويحسن في البغال: الخصي، وفي البغلات: التّحويص «2» . ولا يعاب ركوب شيء منها حينئذ إذا كان نفيسا.
الصنف الثالث «الإبل»
ويشتمل الغرض منها على معرفة أنواعها، وألوانها، وأسنانها؛ وما يستقبح ويستحسن من صفاتها.
أما أنواعها فإنها ترجع إلى نوعين:
الأول: البخاتيّ؛ وهي جمال جفاة القدود، طويلة الوبر، تجلب من بلاد الترك.
الثاني: العراب؛ وهي الإبل العربية وأصنافها لا يأخذها الحصر. وأما ألوانها فترجع إلى ثلاثة أصول:
(2/35)

الأوّل: البياض، فالجمل إذا كان خالص البياض قيل: آدم والأنثى أدماء على الضدّ من بني آدم؛ فإن خالط البياض يسير شقرة قيل: أعيس والأنثى عيساء.
الثاني: الحمرة، فإن احمرّ وغلبت عليه الشّقرة قيل: أصهب والأنثى صهباء؛ فإن خلصت حمرته قيل: أحمر والأنثى حمراء؛ فإن خالط حمرته قنوء «1» قيل: كميت؛ فإن صفت حمرته قيل: أحمر مدمىّ؛ فإن خالط الحمرة خضرة قيل:
أحوى؛ فإن خالطها صفرة قيل: أحمر رادنيّ بكسر الدال؛ فإن خالطها سواد قيل:
أرمك والأنثى رمكاء؛ فإن كانت حمرته كصدأ الحديد قيل: أجأى.
الثالث: السواد، فإن كان السواد فيه ضعيفا قيل: أكلف؛ فإن خالط السواد صفرة قيل: أحوى، فإن علق بسواده بياض قيل: أورق؛ فإن زادت ورقته حتّى أظلم بياضه قيل: أدهم؛ فإن اشتد سواده قيل: جون، فإن كان بين الغبرة والحمرة قيل: خوّار والأنثى خوّارة.
وأما أسنانها فإنه يقال لولد الناقة عند الوضع قبل أن يعرف أذكر أم أنثى:
سليل؛ فإن بان أنه ذكر قيل: سقب؛ وإن بان أنه أنثى قيل: حائل، ثم هو حوار حتّى يفطم؛ فإذا فطم وفصل عن أمه قيل: فصيل؛ وذلك في آخر السنة الأولى من وضعه؛ فإذا دخل في الثانية قيل: ابن مخاض؛ لأن أمّه فيها تكون من المخاض- وهي الحوامل- والأنثى بنت مخاض؛ فإذا دخل في الثالثة قيل: ابن لبون؛ لأن أمّه فيها تكون ذات لبن والأنثى بنت لبون؛ وإذا دخل في الرابعة قيل: حقّ، لأنه يستحق أن يحمل عليه والأنثى حقّة؛ فإذا دخل في الخامسة قيل: جذع والأنثى جذعة؛ فإذا دخل في السادسة قيل: ثنيّ، لأنه يلقي فيها ثنيّته والأنثى ثنيّة؛ فإذا دخل في السابعة قيل: رباع- بفتح الراء- لأن فيها يلقي رباعيته والأنثى رباعية بالتخفيف؛ فإذا دخل في الثامنة قيل: سديس وسدس، الذكر والأنثى فيه سواء، وربما قيل في الأنثى سديسة؛ فإذا دخل التاسعة قيل: بازل، لأنه فيها
(2/36)

يبزل «1» نابه، والذكر والأنثى فيه سواء؛ وقد يقال فيه: فاطر؛ فإذا دخل في العاشرة قيل: مخلف؛ وليس وراء ذلك للإبل ضبط بل يقال مخلف عام ومخلف عامين فأكثر؛ فإذا علا السن بعد ذلك قيل فيه: عود والأنثى عودة؛ فإن علا عن ذلك قيل:
قحر؛ فإن تكسرت أنيابه لطول هرمه قيل: ثلب والأنثى ثلبة؛ ويقال في الناقة إذا كان فيها بعض الشباب: عزوم، وربما قيل: شارف.
وأما ما يستحسن من صفاتها فقد رأيت في بعض المصنّفات أن كلّ ما يستحب في الفرس يستحب في البعير خلا عرض غاربه، وفتل مرفقه، ونكس جاعرته وهي أعلى الورك، واندلاق بطنه، وتفرّش رجليه، فإن ذلك يستحب في الإبل دون الخيل.
وقد صرّح الشعراء في أشعارهم بعدّة أوصاف مستحسنة في الناقة.
منها: دقة الأذن، وتحديد أطرافها، وكبر الرأس، واستطالة الوجه، وعظم الوجنتين؛ وقنوّ الأنف، وطول العنق، وغلظه، ودقة المذبح، وطول الظهر، وعظم السّنام- وهي: الكوماء- وطول ذنبها، وكثرة شعره؛ غليظة الأطراف، قليلة لحم القوائم؛ ليست رهلة، ولا مسترخية؛ وأن تكون مع ذلك كثيرة اللحم؛ ملساء الجلد، تامّة الخلق، قويّة، صلبة، خفيفة سريعة السير.
وأما كرمها فإنه يقال لكل كريم خالص من الإبل: هجان من نتاج مهرة:
وهي قبيلة من قضاعة باليمن؛ والعيديّة منسوبة إلى بني العيد من قبيلة مهرة المذكورة؛ والأرحبيّة منسوبة إلى بني أرحب؛ والغريريّة منسوبة إلى غرير؛ وهو فحل كريم مشهور في العرب؛ والشّذقميّة منسوبة إلى شذقم: فحل كريم أيضا، والجديليّة منسوبة إلى جديل: فحل كريم؛ والدّاعريّة منسوبة إلى داعر: فحل كريم كذلك. قال في كفاية المتحفظ: والشّدنيّة منسوبة إلى فحل أو بلد.
(2/37)

الصنف الرابع «الحمير»
ومنها النّفيس الغالي الثمن، وخيرها حمر الديار المصرية، وأحسنها ما أتي به من صعيدها؛ وهي تنتهي في الأثمان إلى ما يقارب أثمان أوساط الخيل، وربما يميّز العالي القدر منها على المنحط القدر من الخيل. والأحسن فيها ما كان غليظ القوائم، تامّ الخلق، حديد النفس.
ولا عيب في ركوب الحمار ولا وهيصة «1» ؛ فقد ثبت في الصحيح أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ركب الحمار؛ ولا عبرة بترفّع من ترفّع عن ركوبه بعد أن ركبه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
النوع الثالث ما يحتاج إلى وصفه من جليل الوحش وكريم صيوده، وهو أصناف
الصنف الأوّل «جليل الوحش»
وهو ما يتخذه الملوك للزّينة وما في معناها. ويحتاج الكاتب إليه لوصفه في الهدايا والمواكب، وما يجري مجراهما.
والمعوّل عليه من ذلك خمسة أضرب:
الأوّل «الأسد»
- ويجمع على أسد وأسد وأسود وآساد- ويقال له أيضا:
اللّيث والضّيغم، والضّرغام، والهزبر، والهيصم، والهرماس، والفرافصة، وحيدرة، والقسورة؛ وله أسماء كثيرة سوى هذه لا تكاد تدخل تحت الحصر، حتّى
(2/38)

قال ابن خالويه «1» : للأسد خمسمائة اسم. ويقال لولده: الشّبل، ولأنثاه: اللّبؤة.
قال ابن السندي «2» في كتابه «المصايد والمطارد» : وإذا تأملت أصناف الحيوان وبحثت صورها وما أعطيت من الأسلحة، ومقادير الخلق، وجدت الأسد أعظم خلقة، وأكثر آبدة، وأشد إقداما من جميعها، ليست له غريزة في الهرب البتّة.
ومن خصائصه وعجيب خلقه أن عظم عنقه عظم واحد ليست له خرز عظام كما في غيره من الحيوان، بدليل أنه لا يلوي عنقه ولا يلتفت؛ ومع ذلك فهو يبتلع الشيء العظيم. ولبوته لا تلد إلا جروا واحدا، وإنها تضعه كاللّحمة ليس فيه حسّ ولا حركة، فتحرسه ثلاثة أيام، ثم يأتي أبوه فينفخ فيه المرّة بعد المرة حتّى يتحرّك، ثم تأتي أمّه فترضعه؛ ولا يفتح عينيه إلا بعد سبعة أيام؛ ويكتسب لنفسه بالتعليم من أبويه بعد ستة أشهر. وهو قليل الشرب للماء وإن كان لا يفارق الغياض، وله صبر على الجوع، ولكنه إذا جاع ساءت أخلاقه، وليس يلقي رجيعه إلا مرة واحدة في اليوم، ويرفع رجله عند البول كما يفعل الكلب، ويبول إلى خلف كما تبول الجمال، وهو أشدّ السّباع ضراوة على أكل بني آدم، وإذا افترس فريسة وأكل منها لا يعود إليها، ولا يطأ أثره شيء من السباع.
قال ابن السندي في «المصايد والمطارد» : ولا يأكل من فريسة غيره من السباع. وقد قيل: إنه يهرب من الهر، ومن الجرو، ومن الدّيك الأبيض؛ وإنه إذا رأى النار عرضت له فكرة أورثته بهتة، وأنه يهرب من عواء الجر وإذا عركت أذنه.
ويقال: إن جلده إذا جعل فيما يخاف عليه السّوس من الثياب وغيرها أمن من
(2/39)

ذلك؛ وإنه إذا عمل منه وتر قوس وأضيف إلى أوتار من فراء ومعى أو غيرهما أبطل أصواتها وعلا صوته عليها. ومن طبعه أنه لا يشرب ماء ولغ فيه كلب وإن مات عطشا.
الثاني «النّمور»
- جمع نمر (بفتح النون وكسر الميم) ويجمع أيضا على أنمار ونمار، والأنثى نمرة. وهو حيوان مرقّع اللون بسواد وبياض، أقرب شيء من خلقة الفهد؛ وهو أخبث من الأسد؛ لا يملك نفسه عند الغضب حتّى إنه ربما قتل نفسه من شدّة غضبه.
قال ابن السندي: وهو ودود لجميع الحيوان، عدوّ للنّسر، وينام ثلاثة أيام.
والحيوان يطيف به ويميل إليه استحسانا لجلدته.
وهو جنسان، أحدهما: عظيم الجثّة صغير الذّنب، والثاني: صغير الجثّة عظيم الذنب.
قال في «المصايد والمطارد» : ويصاد بالحمر لأنه يحبها. قال: ومن أراد قتله تمسّح بشحم ضبع ودخل عليه فقتله.
الثالث «الكركدنّ
- بفتح الكافين وسكون الراء المهملة وفتح الدال المهملة ونون مشدّدة «1» في الآخر.
قال الزمخشري في «ربيع الأبرار «2» » : وهو وحش يكون ببلاد الهند يسمّى الحمار الهنديّ، له قرن واحد في جبهته يبلغ غلظه شبرين، وهو محدّد الرأس إلا أنه ليس بالطويل؛ وأنه إذا قطع ظهرت فيه صورة عجيبة. وإنه ربّما نطح الفيل فبعجه بقرنه. وإن أنثاه تحمل سبع سنين؛ وإنه إذا كان بأرض لم يدع شيئا من
(2/40)

الحيوان حتّى يكون بينه وبينه مائة فرسخ من جميع جهاته هيبة له وهربا منه.
الرابع «الفيل»
- وهو حيوان يؤتى به من بلاد الهند والحبشة.
قال الجاحظ: وهو من الحيوانات المائية وإن كان لا يسكن الماء. وهو من ذوات الخراطيم، وخرطومه أنفه، كما أن لكل شيء من الحيوان أنفا، وهو يده، وبه يتناول الطعام والشراب، ومنه يغنّي ويجرّ فيه الصوت كما يجرّه الزامر في القصبة بالنفخ. قال: وأصحابنا يزعمون أنه بينه وبين السّنّور عداوة، وأن الفيل يهرب منه هربا شديدا.
وذكر صاحب «الحيل في الحروب» أنه يقصر «1» عن صوت الخنزير وأنه بذلك ينفّر في الحروب. وقد ذكر الجوزي: أن للفيل إقداما على السبع.
قال الجاحظ: وهو يعادي البعوض لأنه يثقب جلده بقرصه، ومن ثم يرى الفيل دائما يحرك آذانه ليطرد عنه الناموس. وهو مخصوص بخفة وقع قوائمه على الأرض إذا مشى، حتّى لو أن إنسانا كان جالسا وجاء الفيل من خلفه لما شعر به.
وذكر عبد القاهر «2» البغداديّ: أن الفيلة تحمل سبع سنين، وقيل: سنتين، وقيل: ثلاث «3» قبل أن تضع؛ وأن لسان الفيل مقلوب: طرفه داخل حلقه وأصله من خارج، على العكس من سائر الحيوان؛ وأن ثدييها على كبدها، وترضع أولادها من تحت صدرها.
وقد ذكر الغزالي «4» : أن فرجها تحت بطنها، فإذا كان وقت الضّراب ارتفع وبرز للفحل حتى يتمكن من إتيانها.
(2/41)

الخامس «الزّرافة»
- (بفتح الزاي وضمها) وهي حيوان يؤتى به من بلاد الحبشة واليمن، طويل اليدين، قصير الرجلين، ذنبه وحوافره كذنب البقر وحوافرها، ورقبته ورأسه كرقبة الجمل ورأسه، ولونه موشّى بالبياض والصّفرة.
قال الجاحظ: وقد زعموا أن الزرافة تتولد بين الناقة من نوق الحبشة وبين بقر الوحش وبين الذّيخ- وهو ذكر الضّباع- وذلك أن الذيخ يعرض للناقة فيسفدها فتلقح بولد يجيء خلقه بين الناقة والضبع، فإن كان الولد أنثى عرض لها الثور الوحشي فيضربها فيأتي الولد زرافة، وإن كان ذكرا تعرّض للمهاة فألقحها فيأتي الولد زرافة أيضا.
قال: ومنهم من يزعم أن الزّرافة الأنثى لا تلقح من الزّرافة الذكر؛ ثم قال:
وهذا مشهور باليمن والحبشة. ثم إن كانت أسنانها سودا دلت على هرمها، وإن كانت بيضا دلت على حداثة سنّها.
ومن أمراضها: الكلب- وهو كالجنون يعتريها كما يعتري الكلب فيقتلها- وكلّ من عضته وهي على هذه الحالة قتلته إلا ابن آدم فإنه ربما عولج فسلم. ومن أمراضها أيضا: الذّبحة والنّقرس.
الصنف الثاني «معلّمات الصيد»
وقد يعبر عنها بالضّواري؛ وهي كل ما يقبل التعليم من الوحوش كائنا ما كان؛ حتّى حكي عن السّودانيّ القنّاص، أنه بلغ من حذقه أنه ضرّى ذئبا حتّى اصطاد به الظّباء وما دونها، وألّفه حتّى رجع إليه من ثلاثين فرسخا، وضرّى أسدا حتّى اصطاد به حمر الوحش. ويقال: إن ابن عرس يجعل حبل في عنقه ويدخل على الثعلب فلا يخرج إلا به. وهي على ضربين:
الأوّل «الفهودة»
- جمع فهد بكسر الهاء «1» - وقد زعم أرسطوطاليس:
(2/42)

أنه يتولد من أسد ونمرة أو من نمر ولبوة. وهو من السباع التي تصاد ثم تؤنّس حتّى تصيد. وهو من الحيوان المحدّد الأسنان، وأسنانه يدخل بعضها في بعض كالكلب وغيره.
قال في «التعريف» «1» : وأوّل من صاد به كسرى أنوشروان أحد ملوك الطبقة الأخيرة من الفرس. قال في «المصايد والمطارد» : ويصطادونه بضروب من الصيد:
منها: الصوت الحسن، فإنه يصغي إليه إصغاء شديدا.
ومنها: كدّه وإتعابه حتّى يحمى ويعيا وينبهر ويحفى، فإذا أخذ غطّيت عيناه وأدخل في وعاء، وجعل في بيت ما دام وحشيّا، ووضع عنده سراج ولازمه سائسه ليلا ونهارا ولم يدعه يرى الدنيا، ويجعل له مركبا كظهر الدابة يعوّده ركوبه ويطعمه على يده فلا يزال كذلك حتى يتأنّس، فإذا ركب مؤخّر الدابة فقد صار داجنا وصاد.
وفي طباعه أمور:
منها: كثرة النوم حتّى يضرب بنومه المثل فيقال: «أنوم من فهد» وكثرة الحياء حتّى إنه لا يعلم أنه عاظل أنثى بين يدي الإنس، وقد عني بمراعاته في ذلك فلم يوقف عليه، وإن كان الأسد يفعل ذلك كثيرا.
ونقل ابن السندي عن بعض الفهّادة: أن سائسه إذا أمرّ يده عليه اطمأنّ إليه ومال، فإذا وضع يده على فرجه نفر وعضّ يده.
ومنها: الغضب حتّى إنه إذا أرسل على صيد فلم يحصّله احتد؛ وإن لم يأخذ سائسه في تسليته قتل نفسه أو كاد.
قال صاحب «المصايد والمطارد» : والمسنّ من الفهود إذا صيد كان أسرع
(2/43)

في الصيد من الجر والذي يربّى ويؤدّب. والأنثى أصيد من الذكر كعامّة إناث الجوارح. قال: وليس شيء من الوحش في قدر جرم الفهد إلا والفهد أفضل منه.
قال في «المصايد والمطارد» : وضدّ الفهد الظباء والوعول على اختلاف أجناسها.
الثاني «الكلاب»
- جمع كلب ويجمع على أكلب أيضا وعلى كليب، كعبد وعبيد. والأنثى كلبة، وتجمع على كلبات بالفتح. وهو حيوان شديد الرّياضة، كثير الوفاء مشترك الطّباع بين السبع والبهيمة، لأنه لو تم له طباع السّبعية لما ألف الناس، ولو تم له طباع البهيمية لما أكل اللحم. ويقال: إنه يحتلم وأنثاه تحيض؛ وتحمل أنثاه ستين يوما، وربما حملت أقل من ذلك. ويسفد بعد سنة، وربما تقدّم على ذلك، ولها عند السّفاد اشتباك عظيم. وإذا سفد الأنثى كلبان مختلفان أتت من كل واحد بلونه. وفيه من اقتفاء الآثار وشمّ الرائحة ما ليس لغيره من الحيوان. والميتة أحبّ إليه من اللحم الغريض.
ومن طبعه: إنه يحرس صاحبه شاهدا أو غائبا، ذاكرا أو غافلا، ونائما أو يقظان. وهو أيقظ حيوان في الليل؛ وإذا نام كسر أجفان عينيه ولا يطبقها لخفّة نومه.
ومن عجيب شأنه أنه يكرم الرئيس من الناس فلا ينبحه وإنما ينبح أوباش الناس.
ومن طبعه أن الضبع إذا مشت على ظلله في القمر رمى بنفسه بين يديها فتأكله، وإذا ظفر بكلب غريب كاد يفترسه.
وقد أجاز الشارع اتخاذها للصيد ونحوه، وأباح صيدها مع نجاسة عينها.
قال في «التعريف» : وأوّل من اتخذها للصيد دارا أحد ملوك الفرس.
قال في «المصايد والمطارد» : وإذا كسر الكلب الأرانب فهو نهاية وإن كان يطيق فوق ذلك. والكلب يمسك لصاحبه، ولذلك لا يأكل من الصيد بخلاف سائر
(2/44)

الجوارح. قال: وإناثها أسرع تعلّما من الذكور، وأطول أعمارا حتّى إنها تعيش عشرين سنة.
ومن خاصية الكلب: أنه إذا عاين الظّباء قريبة كانت أو بعيدة عرف منها العليل من غيره، والعنز من التيس؛ فيتبع التيس منها دون العنز وإن كان التيس أشدّ عدوا وأبعد وثبة، لأنه يعلم أن التيس إذا عدا شوطا أو شوطين غلب عليه البول ولا يستطيع إرساله في عدوه فيقلّ عند ذلك عدوه ويقصر مدى خطاه فيدركه الكلب؛ بخلاف العنز فإنها إذا اعتراها البول أرسلته لسعة مسيله؛ والكلب يعرف ذلك كلّه طبعا، وكذلك يعرف جحرة الأرانب والثّعالب، وإن ركبها الثلج والجليد يشمه فيقف عليه ويثير ما فيها من الوحش؛ وإذا صعد منه أرنب إلى أعلى جبل شاهق كان له من التلطّف في الارتقاء والصعود ما لا يلحقه غيره، بل لا يخفى عليه من الصيد الميت من المتماوت.
ومن خصائص الأنثى: أنها تحمل ستين يوما ويبقى جروها بعد الولادة اثني عشر يوما أعمى؛ وأكثر ما تضع ثمانية أجراء، وربما وضعت واحدا فقط. ورأس الكلب كله عظم واحد. والكلب يطرح مقادم أسنانه ويخلفها، ولكنه لا يظهر لكثير من الناس لأنه لا يلقي منها شيئا حتّى ينبت في مكانه غيره. والفرق بين الذكر والأنثى أن الذكر إذا أدرك يرفع رجله عند البول والأنثى تبول مقعية وربما رفعت رجلها؛ والذكر يهيج للسّفاد في السنة قبل الأنثى؛ وأسنان الذكر أكثر، ومضغه أشدّ.
قال الجاحظ: وخير الكلاب ما كان لونه يذهب إلى لون الأسد بين الصفرة والحمرة، ثم البيض إذا كانت عيونها سوداء. وذكر صاحب «المصايد والمطارد» : أن الأبيض أفره، والأسود أصبر على الحر والبرد.
ومن علامة النجابة والفراهة فيه: أن يكون تحت حنكه طاقة شعر مفردة غليظة، وأن يكون شعر حدّيه جافيا. ومن علامة الفراهة: طول ما بين يديه
(2/45)

ورجليه، وقصر ظهره، وصغر رأسه، وطول عنقه، وغضف «1» أذنيه، وبعد ما بينهما، وزرقة عينيه، وضخامة مقلتيه، ونتوء حدقته، وطول خطمه وذقنه، وسعة شدقه، ونتوّ جبهته وعرضها.
ويستحب فيه: أن يكون قصير اليدين، طويل الرجلين، طويل الصدر غليظه، قريبه من الأرض، ناتيء الزور، غليظ العضدين، مستقيم اليدين، منضمّ الأظافير، عريض ما بين مفاصل الأعطاف، عريض ما بين عظمي أصل الفخذين مع طولهما وشدّة لحمهما، دقيق الوسط، مستقيم الرجلين، قصير الساقين، غير محنيّ الركبتين، قصير الذنب إن كان ذكرا مع دقة وصلابة. وإن الكلبة إذا ولدت واحدا كان أفره من أبويه، وإن ولدت اثنين كان الذكر منهما أفره من الأنثى، وإن ولدت ثلاثة فيها أنثى في شبه الأم كانت أفره من الثلاثة، وإن كان في الثلاثة ذكر واحد كان أفرهها؛ وإذا ألقيت الجراء وهي صغار في مكان نديّ فأيها مشى على أربع فهو أفره.
ومن أعظم أدوائها: الكلب- بفتح اللام- وهو داء كالجنون يعتري الكلب يؤثّر فيمن عضه أنه يخرج من ذكره جراء صغار.
ومن عجيب ما يحكى في ذلك: أن رجلا عضّه كلب كلب فتلقاه بكمه فأصابته أسنانه ولعابه، فشمّر كمّه ساعة ثم نشره فتساقط منه جراء صغار.
ثم كلاب الصيد على ضربين: سلوقيّة (بفتح السين) وزغاريّة (بضم الزاي) .
فأمّا «السّلوقية» فمنسوبة إلى سلوق: بلدة من اليمن، كما قاله صاحب «المصايد والمطارد» والمؤيد «2» صاحب حماه في تقويم البلدان، والمقرّ
(2/46)

الشهابي ابن فضل الله في «التعريف» .
قال في «التعريف» : وهي مولدة بين الثعالب والكلاب، ولذلك لا تقبل التعليم إلا في البطن الثالث منها؛ قال: ولها سلاح جيد. قال في «المصايد والمطارد» : ولها أنساب كأنساب الخيل، قال: وقلّ أن يعرض لها مرض الكلب.
وأمّا «الزّغاريّة» فهي ألطف قدّا من السّلوقية؛ ولم أدر إلى ماذا تنسب.
الصنف الثالث ما يعتنى بصيده من الوحش، والمشهور منه عشرون ضربا
الأوّل «الحمارة العتابية»
- وهي حيوان في صورة البرذون موشّى الجلد بالبياض والسّواد يروق الناظر حسنها. وقد كان أهدي للظاهر برقوق- سقى الله عهده- حمارة من هذا النوع، فأقامت مدّة، ثم أعطاها فقيرا من فقراء العجم فكان يركبها كما تركب الخيل والحمير ويمشي بها في القاهرة، ثم عوّضه الناصر بن الظاهر سلطان العصر عنها عوضا، واعتادها منه، وأرسلها في هديّة لابن عثمان صاحب بلاد الروم غربيّ الخليج القسطنطيني.
الثاني «البقر الوحشية»
- وتعرف بالمها؛ وهي دون البقر الأهلية في المقدار، ولها قرنان في رأسها، في كل قرن منهما شعب؛ وهي من جليل الصيد؛ ويقال للفتيّ منها: المها؛ وبها يضرب المثل في حسن العيون وسوادها.
ومن طبعه: الشّبق وشدّة الشهوة، ولذلك إذا حملت أنثاه هربت منه خوفا من تعبّثه بها وهي حامل؛ وربما ركب الذكر الذكر لشدّة شبقه.
قال صاحب «المصايد والمطارد» : وكل إناث الحيوان أرق صوتا من الذكور إلا البقر الوحشية فإن الأنثى أفخم صوتا وأظهر من الذكر. ومواضعها من البرّيّة: الوهدات، وما استوى من الأرض ودنا من الماء والعشب، وليست مما يسكن الجبل؛ ولذلك عيب في ذلك محمد بن عبد الملك الزيّات كاتب المعتصم ووزيره حيث وصف ثورا من ثيرانها برعيه في الجبل.
(2/47)

وهي مما يصاد بالطّرد على الخيل. ويقال: إن أوّل من طردها على الخيل ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، فإنه أوّل من ركب الخيل على قول؛ ولما ركبها رأى بقرة وحشية فطردها فلجأت إلى مكان يمكنه أخذها منه، فرقّ لها وتركها.
ويقال: إن من الكلاب ما يتسلط عليها ويتعلّق بها؛ وأقدر معين له عليها من جوارح الطير العقاب. قال ابن السنديّ: ودمها أسرع إلى الجمود من دم سائر الحيوان.
الثالث «الحمر الوحشية» -
ويقال للأنثى من حمر الوحش: أتان، وللذكر: حمار وعير، كما يقال في الحمر الإنسية؛ وربما قيل: الفراء؛ وهو من أشدّ الصيد عدوا، ولذلك يضرب به المثل فيقال: «كلّ الصّيد في جنب الفرا» أوفي جوف الفرا. وبه تشبّه العرب خيلها وإبلها في السّرعة. ويقال: إن الحمار الوحشيّ لا ينزو إلا إذا كان له من العمر ثلاثون شهرا؛ وإن الأنثى لا تلقح منه حتّى يتم له ثلاث سنين، وقيل سنتان وستة أشهر. ويوصف بشدّة الغيرة على أتنه حتّى يقال: إن فيها ما إذا ولد له ولد ذكر كدم «1» قضيبه وخصيبه «2» حتى يقطعهما.
قال في «المصايد والمطارد» : وليس يتعلّق به شيء من الضّواري ولا الجوارح إلا العقاب؛ ولا شيء أبلغ في صيده من الرمي بالنّشاب.
الرابع «الغزلان» -
ويقال لها الظّباء (بكسر الظاء) واحدها ظبي. ثم الظّباء على ثلاثة أضرب:
أحدها: البيض-
ويقال لها: الآرام جمع رئم، ومساكنها الرمل، ويقال:
هي ضأن الظّباء.
وثانيها: الأدم-
وهي ظباء سمر الظّهور، بيض البطون، طويلة الأعناق والقوائم، وهي أسرعها عدوا؛ ومساكنها الجبال والشّعاب.
(2/48)

وثالثها: العفر-
وهو صنف يعلوه مع البياض حمرة؛ قصار الأعناق؛ ومسكنها صلاب الأرض.
ويصيد جميعها الفهد والكلب والعقاب؛ وتصاد أيضا بالحبالة والشّرك، وربما صيدت بإيقاد النار بإزائها، لأن الظبي إذا رأى النار في الليل تأمّلها وأدمن النظر إليها وغشي بصره وذهل؛ وقد يضاف إلى النار تحريك جرس ونحوه فيزداد ذهوله فيؤخذ؛ وتصاد بأمور أخرى غير ذلك.
الخامس «الأياييل» -
جمع أيّل (بضم الهمزة وتشديد الياء المثناة تحت ولام في الآخر) . وهو حيوان قريب الشّبه من الظباء، له قرنان في رأسه كالظبي.
قال في «المصايد والمطارد» : وهو معتصم بالجبل قلّما يحلّ السهل؛ وقرونه مصمتة لا تجويف فيها، ويخلفها في كل عام غيرها، ويبتديء في ذلك بعد مضيّ سنتين من ولادته؛ وله أربع أسنان في كل ناحية من ناحيتي فيه، وذكره عصب لا لحم فيه ولا غضروف ولا عظم؛ ودم كل حيوان يجمد إلا دمه؛ وليس للأنثى منها قرون البتّة؛ وأصوات ذكورها أحمد من أصوات إناثها؛ وهو يرتاح لسماع الغناء. وإذا مر بشجرة الزيتون ذلّ لها؛ ويأكل الحيات ولا يضرّه سمها.
وسيأتي في الكلام على الأحجار أن البادزهر الحيواني من صنف منه.
ومن خواصه: أنه إذا بخر بقرنه مع كبريت أحمر هربت الحيّات.
السادس «الأرانب» -
جمع أرنب، والأرنب مؤنّثة «1» ؛ وهي حيوان صغيرة الجثّة قصيرة اليدين قريب من لون الثعلب؛ وليس شيء مما يوصف بقصر اليدين أسرع منها.
ومن خصائصها: كثرة الشّعر حتّى إنه لينبت في بطون شدقيها وتحت رجليها. وقضيب ذكر الأرنب من عظم؛ وربما ركبت الأنثى الذكر في السّفاد. ولا
(2/49)

ينام الأرنب إلا مفتوح العين. ومن طبعها أنها تطأ الأرض بباطن كفها لتعفّي أثرها، إلا أن الكلب الماهر يدرك أثر قوائمها.
ومن شأنها: ألّا تأوي إلى ساحل البحر، وإذا طردت لجأت إلى الجبال واشتدّ عدوها فيها؛ والأنثى لا تسمن؛ وهي عند العرب مما يحيض؛ وتسفد وهي حبلى؛ وتلد الأوّل والثاني على ما في بطنها.
السابع «الذّئاب» -
جمع ذئب؛ وهو حيوان في صورة الكلب في لونه بلق «1» ؛ بكمودة «2» ؛ والذئبة أجرأ من الذئب وأشدّ عدوا؛ وأسنانه عظم مخلوق في فكيه ليست مغروسة فيهما كسائر الحيوان.
قال ابن السندي: وأخبرني أبو بكر الدقيشي أن هذه الخلقة في أسنان الضبع أيضا. والذئب صاحب خلوة وانفراد، ومتى رأى الإنسان قبل أن يراه أخفى صوته؛ وإن رآه جزع منه اجترأ عليه وساوره. وإذا تسافد هو وأنثاه التحما التحاما شديدا حتّى يقال: إنه إذا هجم عليهما داخل في هذه الحالة قتلهما كيف شاء، ولذلك يبعدان في هذه الحال إلى مكان لا يريان فيه. وإذا تهارش ذئبان فأدمى أحدهما الآخر عدا الذي أدمى على المدمى فقتله خوفا من أخذ الثأر؛ وإذا عجز الذئب عن الدفع عوى فاجتمع إليه الذئاب نصرة له؛ وإذا لقي الفارس والأرض مثلوجة خمش الثلج بيديه ورمى به في وجه الفارس ليدهشه ثم يعقر دابته فيتمكّن منه؛ ومتى وطيء الفرس أثر الذئب رعد وخرج الدّخان من جسده كله، ولذلك قلّ من يطرد من الفرسان ولا يتفطّن لوطء أثره. ويصاد بالكلاب وغيرها؛ وقد تقدّم أن السودانيّ ضرّى ذئبا حتّى اصطاد له الظباء.
الثامن «الثعالب
- جمع ثعلب؛ وهو حيوان معروف، موصوف بكثرة الرّوغان في عدوه وبالحيل حتّى إنه يتماوت عند رؤية الغراب فينزل عليه الغراب
(2/50)

على ظنّ موته ليأكل منه فيقبضه هو. ومن خبثه وحيلته يختلط بكبار الوحوش وجلّتها.
قال في «المصايد والمطارد» : ومن فضائله تشبيههم مشية الخيل بمشيته التي يقال لها: الثعلبية.
ومن عجائبه: أن قضيبه في خلقة الأنبوبة، أوسطه عظم في صورة الثقب والباقي عصب ولحم. وهو كريم الوبر؛ والأسود من وبره في الغاية القصوى، والأبيض منه لا يكاد يفرق بينه وبين الفنك «1» .
ومن خصائصه: أنه يتمرّغ في الزرع فلا ينبت موضعه؛ وربما سفد الكلبة فولدت كلبا في خلقة السّلوقيّ الذي لا يقدر على مثله؛ وقد تقدّم ذكر ذلك في الكلام على الكلاب السّلوقية. ومواضعه الكروم والآجام. ويصيده الفهد والكلب وجوارح الطير.
التاسع «الضّباع»
- جمع ضبع- ويقال لها: أمّ عامر؛ وهي مما يؤكل وإن كانت من ذوات الناب لورود النص بذلك. وتزعم العرب أنها تكون سنة ذكرا وسنة أنثى.
ومن خصائصها: أنها إذا رأت الكلب في ليلة مقمرة على سطح ووطئت ظلّه وقع فأكلته. وإذا اقتحم عليها مقتحم وجارها وقد سدّ جميع منافذ جحرها حتّى يمتنع منه الضوء فلا يبقى فيه خرم إبرة؛ ربطها بحبل وخرج بها؛ وإن بقي ما يدخل منه الضوء، ولو قدر سمّ إبرة وثبت عليه فأكلته، ومن كان معه شيء من الحنظل لم تقربه الضبع.
العاشر «سنّور البر» -
وهو التفا «2» . وفي حلّه عند الشافعية وجهان،
(2/51)

أصحهما التحريم. وصيده يحتاج إلى علاج كبير؛ وربما وثب على وجوه الناس؛ وطرده بالخيل من أعسر الطراد؛ وأولى ما يصاد به الرمي. ومنهم من يعدّه في السباع.
قال في «المصايد والمطارد» : وقلّما انتفع به في صيد، إلا أنه يثب على الكركي «1» وما في مقداره من الطيور فيصيده. أما السّنّور الأهليّ، وهو الهر المعروف، فغير مأكول ولا يصيد إلا الفأر وما في معناه من خشاش «2» الأرض؛ ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في الهرّة: «ولكنها من الطّوّافين عليكم» بمعنى تطوف على النائم في بيته فتقبض ما لعله يسرح عليه من الخشاش.
الحادي عشر «الدّبّ» -
وهو حيوان قريب في الصورة من السبع؛ وهو يسكن الجبال والمغاير «3» ؛ والأنثى ترفع ولدها أياما هربا به من الذرّ والنمل لأنها تضعه كقطعة لحم، فلا تزال تنقله وتراعيه حتّى تشتدّ أعضاؤه، وتجعله تحت شجرة الجوز وتصعدها فتجمع الجوز في كفها ثم تضرب اليمنى على اليسرى وترمي إليه؛ فإذا شبع نزلت؛ وربما قطعت من الشجرة العود الذي يعجز الناس عنه وتقبض عليه في موضع مقبض العصا وتشدّ به على الفارس وغيره فلا تصيب به شيئا إلا أهلكته.
ومن خصيصته: أنه يستتر في الشتاء فلا يظهر إلا في الصيف بخلاف سائر الحيوان.
الثاني عشر «الخنزير»
- وهو حرام بنص القرآن، نجس في مذهب الشافعي رضي الله عنه قياسا على الكلب، بل قالوا: إنه أسوأ حالا منه لعدم حلّ اقتنائه، إلا أنه مباح القتل فيكون في معنى الصيد. وهو حيوان في نحو مقدار
(2/52)

الحمار وشعره كالإبر؛ وله نابان بارزان من فكّه الأسفل.
ومن خاصّته: أنه لا يلقي شيئا من أسنانه، بخلاف سائر الحيوان فإنها تلقي أسنانها خلا الأضراس. وهو كثير السّفاد كثير النّسل، حتّى إنه ربما بلغت عدّة خنانيصه «1» ، وهي أولاده، اثني عشر «2» خنّوصا.
قال في «المصايد والمطارد» : وهو من الحيوان البريّ الجاهل الذي لا يقبل التأديب والتعليم، ويقبل السّمن سريعا؛ ويقال إنه إذا جعل بين الخيل سمنت.
الثالث عشر «السّمّور» «3» -
بفتح السين وبالميم المشدّدة المضمومة على وزن السّفّود والكلّوب؛ وهو حيوان برّي يشبه السّنّور، وقد يكون أكبر منه.
قال عبد اللطيف البغدادي «4» : وهو حيوان جريء ليس في الحيوان أجرأ منه على الإنسان، لا يصاد إلا بالحيل. ووقع للنووي «5» في «تهذيب الأسماء واللغات» : أن السّمّور طير؛ ولعله سبق قلم منه. وأغرب ابن هشام البستي «6» في «شرح الفصيح» «7» فقال: إنه ضرب من الجن. والتحقيق أنه من جملة الوحوش كما تقدّم. وحكمه حلّ أكله. ومنه يتخذ نفيس الفراء التي لا يلبسها إلا الملوك وأكابر الأعيان ممن يداني الملوك لحسنها ودفائها؛ وأحسنه ما كان منه شديد النّعومة مائلا إلى السواد.
(2/53)

الرابع عشر «الفنك»
- بفتح الفاء والنون- وهو دويبّة لطيفة لها وبر حسن أبيض يخالطه بعض حمرة يتّخذ من جلوده الفراء.
قال ابن البيطار «1» : وفروه أطيب من جميع الفراء؛ ومزاجه أبرد من السّمّور وأحر من السّنجاب، ويصلح للأبدان المعتدلة؛ قال: وكثيرا ما يجلب من بلاد الصّقالبة «2» .
الخامس عشر «القاقم» «3» -
بقافين الثانية منهما مضمومة- وهو دويبّة في قدر الفأر لها شعر أبيض ناعم؛ ومنه يتّخذ الفراء. وهو أبرد مزاجا وأرطب من السّنجاب؛ ولذلك كان لونه البياض؛ وهو أعز قيمة من السنجاب.
السادس عشر «الدّلق» «4» -
بفتح الدال المهملة واللام وقاف في الآخر- فارسيّ معرّب؛ وهو دويبّة تقرب من السّمّور.
قال عبد اللطيف البغداديّ: وهو يفترس في بعض الأحايين ويكرع في الدم. وذكر ابن فارس «5» : أنه النّمس. وقد ذكر الرافعيّ «6» أنّه يسمّى: ابن مقرض، والمعروف أن الدّلق حيوان تتخذ منه الفراء.
السابع عشر «السّنجاب» -
وهو حيوان أكبر من الفأر ووبره في غاية
(2/54)

النّعومة وجلده في نهاية القوة. وحكمه الحلّ؛ وقال بتحريمه بعض الحنابلة.
ويتخذ من جلده الفراء النّفيسة التي يلبسها أعيان الناس ورؤساؤهم.
ومن شأنه: أنه إذا أبصر الإنسان صعد الشجر العالي، وفيها يأوي، ومنها يأكل. وهو كثير ببلاد الفرنج والصقالبة، وأحسن ألوانه الأزرق؛ ثم إنه يقال إنه ربما تبقى زرقته «1» لأنه يخنق ولا يذكّى، فإن صح ذلك فهو ميتة لا يطهر شعره بالدباغ على أظهر القولين من مذهب الشافعي رضي الله عنه خلافا للأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني «2» وابن أبي عصرون «3» فإنهما يريان طهارة الشعر بالدباغ وهو رواية الربيع الجيزي «4» عن الشافعي واختاره الشيخ تقيّ الدين السبكي «5» رحمه الله.
الثامن عشر «سنّور الزّباد» «6» -
وهو في صورة السّنّور الأهليّ إلا أنه أطول ذنبا منه وأكبر جثّة؛ ولونه إلى السواد أميل، وربما كان أنمر، وهو يجلب من بلاد الهند والسند؛ والزّباد فيه شبيه بالوسخ الأسود اللزج، ذفر الرائحة، يخالطه طيب كطيب المسك، ويوجد في باطن إبطه، وباطن أفخاذه، وباطن ذنبه، وحول دبره؛ فيؤخذ من هذه الأماكن بملعقة ونحوها.
التاسع عشر «السّنّور الأهلي» -
وهو الهرّ- ويقال في أصل خلقه: إن
(2/55)

أهل السفينة شكوا إلى نوح عليه السلام ضرر الفأر فمسح على وجه الأسد بيده فعطس فخرج السّنّور من أنفه، ولذلك هو يشبهه في التكوين وكيفية الأعضاء.
وفيه مشاركة للإنسان في خصال:
منها: أنه يعطس، ويتثاءب، ويتناول الشيء بيده، ويأكل اللحم، ويمسح وجهه بلعابه كأنه يغسله؛ وإذا اتسخ شيء من بدنه نظّفه، وإذا قضى حاجته خبأ ما يخرج منه، ويشمّه حتّى تخفى رائحته. ويقال: إنه يفعل ذلك كيلا يشمّه الفأر فيهرب، وهو يهيج للسّفاد في آخر الشتاء، ويكثر الصياح حينئذ، وتحمل الأنثى منه مرة في السنة، وتقيم حاملا خمسين يوما؛ وإذا ألف منزلا منع غيره من السنانير من الدخول إليه، وإذا طرده أهل البيت تملّق لهم وترقق، وإذا اختطف شيئا هرب به خوف المعاقبة عليه.
والهرّة إذا جاعت أكلت أولادها، ويقال: إنها تفعل ذلك من شدّة الحنوّ.
وقد ذكر القزويني «1» : أن نوعا من السنانير له أجنحة كأجنحة الخفافيش متصلة من أذنها إلى ذنبها.
العشرون «النّمس» -
قال الجوهري «2» : وهو دويبّة عريضة كأنها قطعة قديد، تكون بأرض مصر تقتل الثّعبان، والنّمس بمصر معروف، وهو حيوان قصير اليدين والرجلين أغبر اللون، طويل الذّنب، يصيد الدّجاج، وإذا رأى ثعبانا قبض عليه وقتله؛ وربما صيد وأنّس فتأنّس.
فإذا علم الكاتب صفات الوحوش، وخصائصها، عرف كيف يورد الجليل منها من الأسد والفيل ونحوها موارده في الوصف، وكيف يصف ضواري الصيد
(2/56)

كالفهد وكيف يصف وحوش الصيد كالظّباء، وبقر الوحش، وحمر الوحش وغيرها؛ وكذلك ما يقع من التشبيهات بشيء من الحيوان كما قال بعض الشعراء:
وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب يلغن فيه
وكما أنشد الجاحظ:
جاءت مع الأفشين «1» في هودج ... تزجي إلى البصرة أجنادها
كأنّها في فعلها هرّة ... تريد أن تأكل أولادها
مشيرا بذلك إلى ما تقدّم من أكل الهرّة أولادها، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، وسيأتي ذكر ما في معنى ذلك من الرسائل المتعلقة بأوصاف الحيوان في المقالة العاشرة المعدّة لذلك إن شاء الله تعالى.
النوع الرابع فيما يحتاج إلى وصفه من الطيور
ويحتاج الكاتب إلى ذلك في رسائل الصيد، وإهداء الجوارح، والجواب عن إهدائها، وكتابة قدم البندق «2» ، وما يجري مجرى ذلك؛ وهو على أربعة أصناف:
الصنف الأوّل «الجوارح»
وهي يصاد بها الطير والوحش؛ ويحتاج الكاتب إلى وصفها في الرسائل الصيديّة وفي إهداء شيء من الجوارح أو الجواب عنها.
(2/57)

واعلم أن الصائد الكبير الجثّة المعتبر في الصيد في جميع أجناس الجوارح هي الإناث؛ أما ذكورها فإنها ألطف في المقدار وأضعف في الصيد على ما يأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
قال في «التعريف» : ويستحب في الجوارح كبر هامتها، ونتوّ صدرها، واتساع حماليقها «1» ، وقوّة إبصارها، وحدّة مناسرها، وصفاء ألوانها، ونعومة رياشها، وقوّة قوادمها، وتكاثف خوافيها، وثقل محملها، وخفّة وثباتها، واشتدادها في الطلب، ونهمها في الأكل؛ وقد قسمها في «التعريف» إلى قسمين: صقور وبزاة، وفرّق بينهما بأن الصّقر ما كان أسود العين، والبازي ما كان أصفر العين على اختلاف المسمّيات، ثم قال: أما العقاب فإنّه لا يعدّ في الصّقور ولا في البزاة وهو معدود في الجوارح، وفي الطير الجليل. وبالجملة فالجوارح على ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل «العقاب» ؛ وهو ضربان
الضرب الأوّل-
المخصوص باسم العقاب وهي مؤنّثة لا تذكّر، وتجمع على عقبان وأعقب.
قال في «المصايد والمطارد» : وهي من أعظم الجوارح، وليس بعد النّسر في الطير أعظم منها، وأصل لونها السواد.
فمنها: سوداء دجوجيّة، وخداريّة «2» ؛ وهي التي لا بياض فيها.
ومنها: البقعاء؛ وهي التي يخالط سوادها بياض.
(2/58)

ومنها: الشّقراء؛ وهي التي في رأسها نقط بياض. قال أبو عبيدة «1» ويونس «2» : ويقال لذكر العقاب الغرن- بفتح الغين والراء المهملة- ويقال: إن ذكور العقبان من طير آخر لطاف الجرم لا تساوي شيئا، تعلب بها الصّبيان.
والعقاب من أسرع الطير طيرانا؛ فقد حكي أن عقابا حملت كفّ عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد المسمّى بيعسوب قريش المقتول يوم الجمل بالكوفة؛ فألقتها بمكة فأخذت فوجد بها حلقة فعرف أنها كفه؛ وأرّخ ذلك الوقت فتبيّن أنها ألقتها يوم الجمل الذي قتل فيه.
وأوّل من صادها أهل المغرب؛ فلما نظرت الرّوم إلى شدّة أمرها وإفراط سلاحها قال حكماؤهم: هذا لا يفي خيره بشرّه.
وصفة الوثيق النجيب منها: وثاقة الخلق، وثبوت الأركان، وحمرة اللون، وغؤور العين بالحماليق؛ وأن تكون صقعاء «3» ، عجزاء «4» لا سيما ما كان منها من أرض سرت «5» أو جبال المغرب. وهي تصيد الظّباء والثّعالب والأرانب، وقد تصيد حمر الوحش؛ وطريق صيدها إيّاها أنها إذا نظرت حمار الوحش رمت بنفسها في الماء حتّى يبتلّ جناحاها ثم تخرج فتقع على التراب فتحمل منه ومن الرمل ما يعلق بهما، ثم تطير طيرانا ثقيلا حتّى تقع على هامته فتصفّق على عينيه بجناحيها فيمتلئان ترابا من ذلك التراب الذي علق بجناحيها، فلا تستطيع المسير بعد ذلك فيدركها القانص فيأخذها، وربما كسرت الآدميّ.
(2/59)

ومما يحكى في ذلك: أن قيصر ملك الرّوم أهدى إلى كسرى ملك الفرس عقابا، وكتب إليه: إنها تعمل أكثر من عمل الصّقور؛ فأمر بها كسرى فأرسلت على ظبي فاقتنصته، فأعجبه ما رأى منها فانصرف وجوّعها ليصيد بها فوثبت على صبيّ له فقتله؛ فقال كسرى: إن قيصر قد جعل بيننا وبينه دما ثائرا بغير جيش، ثم إن كسرى أهدى إلى قيصر نمرا وكتب إليه: أن قد بعثت إليك فهدا يقتل الظباء وأمثالها من الوحش، وكتم ما صنعت العقاب، فأعجب قيصر حسن النمر ووافق صفته ما وصف من الفهد، وغفل عنه فافترس بعض فتيانه فقال: صادنا كسرى.
ومن شأنها: أنها لا تطلب شيئا من الوحش الذي تصيده؛ وهي لا تقرب إنسانا أبدا خوفا من أن يطلب صيدها، ولا تزال مرقبة «1» على مرقب عال؛ فإذا رأت بعض سباع الطير قد صاد شيئا انقضّت عليه، فإذا أبصرها هرب وترك الصيد لها؛ فإن جاعت لم يمتنع عليها الذئب في صيدها، وربما اغتالت البزاة فقتلتها.
ومن خصائصها: أنها أشدّ إخفاء لفراخها من سائر الطير.
قال غطريف بن قدامة الغساني صاحب صيد هشام بن عبد الملك: وأوّل من لعب بالعقاب أهل المغرب؛ فلما عرفوا أسرارها نفّذوها إلى ملك الروم فاستدعى جميع حكمائه فقال لهم: انظروا في قوّة هذا الطير وعظم سلاحه، كيف تجب تربيته، وتعرّفوا أسراره في صيده وتعليمه، وكيف ينبغي أن يكون؟ فأجابوا جميعا:
بأن هذا الطائر دون سائر أجناسه كالأسد في سائر الوحوش، وكما أن الأسد ملك كذلك هذا ملك بين سائر سباع الطير. وعند العداوة والغضب كلّ الأجناس عنده من سائر الحيوان على اختلاف أنواعه واحد لقوّة غضبه وشدّة بأسه، فهو لا يستعظم الآدميّ ولا غيره من الحيوان.
الضرب الثاني- «الزّمّج» -
بضم الزاي وفتح الميم المشدّدة ثم جيم- والعامّة تبدل الزاي جيما والجيم زايا، وهو طائر معروف تصيد به الملوك الوحش،
(2/60)

وأهل البيزرة «1» يعدّونه من خفاف الطير الجوارح، إلا أنهم يصفونه بالغدر وقلّة الإلف لكثافة طبعه وكونه لا يقبل التعليم إلا بعد بطء.
ومن عادته أنه يصيد على وجه الأرض؛ وأحسن صفاته أن يكون أحمر اللون.
وقال الليث «2» : الزّمّج طائر دون العقاب حمرته غالبة، والعجم تسميه دوبرا دران، ومعناه أنه إن عجز عن الصيد أعانه عليه أخوه.
القسم الثاني من الجوارح «البزاة» وهي ما اصفرّت عينه، وهي على خمسة أضرب:
الأوّل «البازي» -
المختص في زماننا باسم البازي؛ وفي ضبطه ثلاث لغات أفصحها بازي بكسر الزاي وتخفيف الياء في الآخر، والثاني باز بغير ياء في آخره، والثالث بازيّ باثبات الياء وتشديدها حكاها ابن سيده «3» ؛ ويقال في التثنية:
بازيان، وفي الجمع: بواز وبزاة، ولفظه مشتق من البزوان، وهو الوثب. وهو خفيف الجناح، سريع الطّيران، وهو من أشرف الطّيور الجوارح وأحرصها على طلب صيده.
ففي أخبار نصر بن سيّار «4» أن بعض كبراء الدّهاقين «5» غدا عليه
(2/61)

بطبرستان «1» ومعه منديل فيه شي ملفّف، فكشف عنه بين يديه فإذا فيه شلوباز «2» ودرّاجة، فأطلقه عليها فأحسّت به- وكنت قد أمرت بإحراق قصب قد أفسد أرضا لي- فتحاملت الدّرّاجة حتّى اقتحمت النّار هاربة من البازي، واشتدّ طلبه لها وحرصه عليها فلم تردّه النار عنها واقتحمها في أثرها، فأسرعت فيهما، فأدركهما وقد احترقا، فأحضرهما إلى الأمير ليراهما فيرى بهما ثمرة إفراط الحرص وإفراط الجبن، وهو من أشدّ الحيوان كبرا وأضيقها خلقا.
قال القزوينيّ: ولا يكون إلا أنثى، وذكرها نوع آخر من حدأة «3» أو شاهين «4» أو غيرهما؛ ولذلك تختلف أشكالها. والبازي قليل الصبر على العطش، ومأواه مساقط الشجر.
ومن فضيلته: أن الصيد فيه طبيعة لأنه يؤخذ من وكره فرخا من غير أن يكون يصيد مع أبويه، فيصيد ابتداء وقريحة من غير تضرية، بخلاف الصقر فإنه إذا أخذ قبل أن يتصيد مع أبويه لم ينجب ولم يصد، وإذا كان قد لحق أبويه وصاد معهما ثم عوّد أكثر مما يوجد عنده في تلك الحال وجرّيء على ما هو أكبر من الظباء اعتاد ذلك ومهر فيه.
قال صاحب «المصايد والمطارد» : وعدد ريش جناح البازي عشرون ريشة: أربع قوادم، وأربع مناكب، وأربع أباهر، وأربع كلّى، وأربع خواف، ويقال: سبع قوادم وسبع خواف، وسائره لغب «5» . والخوافي أخفّ من القوادم.
(2/62)

والمستحب من صفاته: صغر المنسر، والرأس، وغلظ العنق، وسعة اللحيين، ودائرتي الأذنين والشّدقين، وسعة الحدقة، وطول القوادم، وقصر الخوافي والذّنب، وشدّة اللحم، وعرض ما بين المنكبين والزّور، وسعة الحوصلاء، وسعة ما ينتقل إليه طعمه، وعرض المخالب، ورزانة المحمل، وغلظ خطوط الصدر، وذكاء القلب، والتشمير، وكثرة الأكل، وتتابع النّهش، وسرعة الاستمراء، وشدّة الانتفاض، وضخامة السّلاح، وبعد الذّرق «1» . وأن تراه كأنه مقعيا إذا استقبلته على يد حامله، تشبيها بالغراب الأبقع.
قال صاحب «المصايد والمطارد» : والمختار من ألوانها الأحمر الأكثر سوادا، الغليظ خطوط الصدر، والأشهب الشديد الشهبة، الشّبيه بالأبيض، والأصفر المدبّج الظهر، قال: وسواد لسانه أدلّ على نجابته.
والبازي يصيد الكلب، والأرنب، والغزال، والكركيّ وما في معناه، والدّرّاج والحجل، وسائر الحمام، والبطّ، وسائر طيور الماء.
ومن محاسن البازي: عدم الإباق «2» ، فإنه إن صاد بقي على فريسته، وإن لم يصد وقف مكانه فلا يحتاج إلى كدّ ولا تعب ولا طرد خيل.
وأوّل من صاده من الملوك قسطنطين ملك الروم؛ وذلك أنه مر يوما بلحف جبل فرأى بازيا يطير ثم نزل على شجرة كثيرة الأغصان كبيرة الشوك، فأعجبته صورته، وراقه حسن لباسه؛ فأمر بأن يصاد له جملة من البزاة فصيدت له وحملت إليه فارتبطها في مجلسه، فعرض لبعضها في بعض الأيام أيم «3» فوثب عليه فقتله، فقال هذا ملك يغضبه ما يغضب الملوك فنصب له بين يديه كندرة «4» ، وكان هناك ثعلب داجن، وهو الذي يربّى في البيوت، فوثب عليه فما أفلت إلا جريحا، فقال:
(2/63)

هذا ملك جبّار لا يحتمل ضيما، ثم مرّ به طائر فكسره ونهش منه؛ فقال: هذا ملك نوعه لما جاع أخذ طعامه بسلطان وقدرة، فحمله على يده وصاد به.
الثاني «الزّرّق» -
بضم الزاي المعجمة وتشديد الراء المهملة المفتوحة وقاف في الآخر- وهو ذكر البازي.
قال في «المصايد والمطارد» : وهو يصيد ما يصيد البازي من دقّ الطير ولا ينتهي إلى صيد الكركيّ.
الثالث «الفقيمي»
«1» - وهو باز قضيف «2» قليل الصيد ذاهل النفس.
الرابع «الباشق»
- بكسر الشين وفتحها- فارسي معرّب وهو طائر لطيف وصفاته المحمودة كصفات البازي المحمودة؛ وأفضلها أثقلها وزنا.
قال في «المصايد والمطارد» : وهو يصيد العصافير وما قاربها. وقال في حياة الحيوان «3» : إنه يصيد أفخر ما يصيده البازي، وهو الدّرّاج والحمام والورشان «4» ، وإذا قوي على صيده لا يتركه إلا أن يتلف أحدهما.
الخامس «البيدق»
- وهو دون الباشق، وصيده العصافير.
القسم الثالث من الجوارح «الصقور» - وهي السّود العيون من الجوارح وهي ضربان:
الضرب الأول: «الشّواهين»
(واحدها شاهين) وهي صنفان؛ الأوّل:
(2/64)

المشتهر باسم الشاهين، وقد ذكر العلماء بالجوارح: أن الشّواهين هي أسرع الجوارح كلها وأشجعها وأخفّها وأحسنها تقلبا، وإقبالا، وإدبارا، وأشدّها ضراوة على الصيد؛ إلا أنهم عابوها بالإباق وما يعتريها من شدّة الحرص، حتّى إنها ربما ضربت نفسها على الغلظ من الأرض فماتت، وهي أصلب عظاما من غيرها من سائر الجوارح؛ ويقال: إن صدرها عصب مجدول ملحم، ولذلك تجدها تضرب بصدرها ثم تعلق بكفها، وهم يحمدون منها ما قرنص «1» داجنا دون ما قرنص وحشيّا.
ومن كلام بعضهم: الشاهين كاسمه- يعني كالميزان المسمّى بالشاهين- فإنها لا تحمل أيسر حال من الشبع ولا أيسر حال من الجوع؛ بل حالها معتدل كاعتدال الميزان؛ ويقال: إن الحمام يخافها أكثر مما يخاف غيرها من الصقور.
ثم المختار من صفاتها فيما ذكره صاحب «المصايد والمطارد» : الأحمر اللون إذا كان عظيم الهامة، واسع العينين حادّهما، سائل السّفعتين «2» ، تامّ المنسر، طويل العنق، رحب الصدر، ممتليء الزّور، عريض الوسط، جليل الفخذين، قصير الساقين، قريب العقدة من القفا، طويل الجناحين، قصير الذّنب، سبط الكف، غليظ دائرة الخصر، قليل الريش ليّنه، تام الخوافي، ممتليء العكوة «3» ، رقيق الذّنب، إذا صلب عليه جناحيه لم يفضل عنهما شيء من ذنبه.
قال صاحب «المصايد والمطارد» : وأهل الاسكندرية يزعمون أن السود منها هي المحمودة، وأن السواد هو أصل لونها وإنما انقلبت إلى لون البراري فحالت؛ قال: والحمر منها تكون في الأرياف والمواضع السّهلة؛ والشّهب في الجبال والبراري، ثم قال: ولا يصيد منها الكركيّ والحبرج إلا البحريّة.
(2/65)

وأوّل من صادها فيما يقال قسطنطين ملك الروم أيضا، وذلك أنه رأى شاهينا محلّقا على طير الماء يصطاده فأعجبه ما عاين من فراهته وسرعة طيرانه وحسن صيده؛ فإنه رآه يحلّق في طيرانه حتّى يلحق بعنان الجوّ ثم يعود في طرفة عين فيضرب طير الماء فيأخذه قناصا، فقال: ينبغي أن يصاد هذا الطائر ويعلّم، فإن كان قابلا للتعليم ظهر منه أعجوبة في أمر الصيد، فأمر بصيده وتعليمه، فصيد وعلم وحمله على يده.
قال في «المصايد والمطارد» وإنه كان من رتبة ملوك الروم أنه إذا ركب سارت الشواهين حائمة على رأس الملك حتّى ينزل فتقع حوله إلى أن ركب بها ملك منهم، وسار وهي على رأسه، فطار طائر فانقضّ بعض تلك الشواهين عليه فاقتنصه، وأعجب الملك به فضرّاها على الصيد وصاد بها.
وقال ابن عفير «1» : كانت ملوك العرب إذا ركبت في مواكبها طيّروا الشواهين فوق رؤوسهم، وكان ذلك عندهم هو الرتبة العظيمة.
الثاني من الشواهين: الأنيوه، قال في «المصايد والمطارد» : وهو دون الشاهين في القوة، وله سرعة لا تزيد على صيد العصافير.
الضرب الثاني: من الصقور ما عدا الشواهين وهي أصناف
: الأول «السّنقر» -
قال في «التعريف» : وهو أشرف الجوارح وإن كان لا ذكر له في القديم. قال: والسّناقر تجلب من البحر الشاميّ مغالى في أثمانها؛ ثم قال: وكان الواحد منها يبلغ ألف دينار، ثم نزل عن تلك الرتبة، وانحط عن تلك الهضبة.
الثاني- المخصوص في زماننا باسم «الصّقر»
، ويجمع على أصقر
(2/66)

وصقور وصقورة، قال في «التعريف» : والعرب تسمي هذا النوع الحرّ؛ ويقال له: الأكدر، والأجدل.
قال في «المصايد والمطارد» : ويقال لها: بغال الطير، لأنها أصبر على الأذى، وأحمل لغليظ الغذاء، وأحسن إلفا، وأشدّ إقداما على جلّة الطير، ومزاجه أبرد من البازي والشاهين.
وبسبب ذلك يضرّى على الغزال والأرنب ولا يضرّى على الطير لأنه يفوته، وهو أهدى من البازي نفسا، وأسرع استئناسا بالناس، وأكثرها قنعا، وأبرد مزاجا، لا يشرب ماء وإن أقام دهرا؛ ونوعه يوصف بالبخر ونتن الفم، ومسكنه المغائر والكهوف وصدوع الجبال دون رؤوس الأشجار وأعالي الجبال.
والعرب تحمد من الصّقور ما قرنص وحشيّا، وتذم ما قرنص داجنا، وتقول:
إنه يتبلد ولا يكاد يفلح. وهي تصيد الكركيّ وما في معناه، والبطّ وسائر طير الماء.
والصقور من أثبت الجوارح جنانا في الطيران، وأحرصها في اتباع الصيد، حتّى يحكى أن بعض ملوك مصر أرسل صقرا على كركيّ صبيحة يوم الجمعة بمصر، فبينما الناس يصلّون الجمعة بدمشق إذ وقع هو والكركيّ بالجامع الأمويّ بدمشق، فأخذ فوجد فيه لوح السلطان فعرف به؛ فكتب نائب الشام إلى السلطان يخبره وأرسله إليه هو وصيده.
قال في «المصايد والمطارد» : ومن ألوان الصقر كونه أحمر، وأبغث «1» ، وأحوى «2» ، وأبيض، وأخرج «3» ، وهو الذي فيه نقط بيض. قال: ويستحب في الصقر أن يكون أحمر اللون، عظيم الهامة، واسع العينين، تام المنسر، طويل العنق، رحب الصّدر، ممتلىء الزّور، عريض الوسط، جليل الفخذين، قصير
(2/67)

الساقين، قريب القعدة من القفا، طويل الجناحين، قصير الذّنب، سبط الكف، غليظ الأصابع فيروزجها، أسود اللسان. قال: وتجمع هذه الصفات الفراهة والوثاقة والسرعة.
قال أدهم بن محرز «1» : وأوّل من لعب بالصقر الحارث بن معاوية بن كندة «2» الكنديّ، خرج يوما إلى الصيد فرأى صيّادين قد نصبوا شباكا عدّة، فوقع فيها عصافير عدّة، فحين رآها صقر من الجوّ انقضّ عليها يطلبها، فأمر الحارث بنصب الشباك للصقور فنصبت لها فاصطاد منها جملة. ويقال: إن صيد الصقر غير طبيعيّ له؛ وإنما يستفيد ذلك بالتعليم، بدليل أنّ فراخ الباز إذا أخذت من العشّ وعلّمت اصطادت أجود صيد لأن صيدها طبيعيّ، بخلاف الصقر فإنه إذا أخذ من الوكر ثم كبر فإنه لا يصطاد غير طعمه فلذلك ينهى عن تربية الصقر.
الثالث «الكونج» -
قال في حياة الحيوان: نسبته من الصقور كنسبة الزّرّق إلى البازي إلا أنه أحرّ منه، ولذلك كان أخفّ جناحا وأقلّ بخرا. قال: ويصيد أشياء من طير الماء ويعجز عن الغزال لصغره.
الرابع «الكوهيّة» -
وهي موشّاة بالبياض والسواد يخالط لونها صفرة.
وقال في «التعريف» : وتجلب من البحر.
الخامس «السقاوة» -
وهي قريبة الشكل من الصقر.
السادس «اليؤيؤ» -
بضم الياء المثناة تحت وهمزة بعدها وضم الثانية وهمزة بعدها أيضا.
قال في «المصايد والمطارد» : وتسميه أهل مصر والشام «الجلم» ،
(2/68)

وبهذا سماه في «التعريف» ؛ وهو طائر صغير أسود اللون يضرب للزّرقة، وهي مع صغرها يجتمع الاثنان منها على الكركيّ فيصيدانه، وسمّوه الجلم أخذا من الجلم؛ وهو المقصّ تشبيها به لأن له سرعة كسرعة المقصّ في قطعه؛ ومزاجه بالنسبة إلى الباشق بارد رطب لأنه أصبر نفسا منه، وأثقل حركة. وهو يشرب الماء شربا ضروريا كما يشربه الباشق؛ ومزاجه بالنسبة إلى الصقر حارّ يابس ولذلك هو أشجع منه. ويقال: إن أوّل من ضرّاه على الصيد واصطاد به بهرام جور «1» - أحد ملوك الفرس- وذلك أنه رأى يؤيؤا يطارد قنبرة، ويراوغها، ويرتفع معها ثم لم يتركها حتّى صادها؛ فأمر بتأديبه والصيد به.
الصنف الثاني الطير الجليل
وهو المعبر عنه بطير الواجب، وبه تعتني رماة البندق ونحوها، وتفتخر بإصابته وصرعه، ويحتاج إليه في الرسائل الصيدية، وفي كتابة قدم البندق ونحوها. وهو أربعة عشر طائرا؛ وهي على ضربين:
الضرب الأوّل «طيور الشتاء» -
وهي التي يكثر وجدانها فيه، وهي عشرة طيور:
الأوّل «الكركيّ» -
وهو طائر أغبر، طويل الساقين، في قدر الإوزّة، ويجمع على كراكيّ؛ وفي طبعه خور يحمله على التحارس، حتّى إنه إذا اجتمع جماعة من الكراكيّ لا بدّ لها من حارس يحرسها بالنّوبة بينها. ومن شأن الذي يحرس منها أن يهتف بصوت خفيّ كأنه ينذر بأنه حارس، فإذا قضى نوبته، قام واحد ممن كان نائما يحرس مكانه حتّى يقضي كلّ منها نوبته من الحراسة، ولا تطير متفرقة بل صفّا واحدا، يقدمها واحد منها كالرئيس لها وهي تتبعه، يكون ذلك حينا ثم يخلفه آخر منها مقدّما حتّى يصير الذي كان مقدّما مؤخّرا؛ وفي طبعها
(2/69)

التناصر والتعاضد. ومن خاصتها أن أنثاها لا تقعد للسفاد بل يسفدها وهي قائمة، ويكون سفاده سريعا كالعصفور.
وذكر جميع بن عمير التميمي أن الكراكيّ تبيض في السماء، ولا تقع فراخها؛ وكذبه المحدّثون في ذلك وإن كان قد روى عنه أهل السنن.
قال القزويني في عجائب المخلوقات: والكركيّ لا يمشي على الأرض إلا بإحدى رجليه ويعلّق الأخرى، وإن وضعها وضعا خفيفا مخافة أن تخسف به الأرض.
قال في «المصايد والمطارد» : وهو من أبعد الطير صوتا يسمع على أميال.
قال: وإذا تقدّم مجيئها في الفصل استدلّ بذلك على قوّة الشتاء. ويقال: إن الكراكيّ تأتي إلى مصر من بلاد التّرك. وفي طلبه وصيده تتغالى ملوك مصر تغاليا لا يدرك حدّه، وتنفق في ذلك الأموال الجمّة التي لا نهاية لها، وكان لهم من علوّ الشأن بذلك ما لا يكون لغيرهم. وأكله حلال بلا نزاع.
الثاني «الإوزّ» -
بكسر الهمزة وفتح الواو- واحدته إوزّة وجمعوه على إوزّون، والمراد هنا الإوز المعروف بالتركيّ، وهو: طير في قدر الإوز البلديّ أبيض اللون. وله تبختر في مشيته كالحجل. وهو من جملة طير الماء مقطوع بحل أكله.
الثالث «اللّغلغ»
«1» - وهو دون الإوز في المقدار، لونه كلون الإوز الحبشي إلى السواد، أبيض الجفن، أصفر العين، ويعرف في مصر بالعراقي، ويأتي إليها في مباديء طلوع زرعها في زمن إتيان الكراكيّ إليها؛ ومن شأنها أن يتقدّمها واحد منها كالدليل لها، ثم قد تكون صفّا واحدا ممتدّا كالحبل، ودليلها في وسطها متقدّم عليها بعض التقدّم؛ وقد يصفّ خلفه صفين ممتدّين يلقيانه في زاوية حادّة حتى يصير كأنه حرف جيم بلا عراقة، متساوية الطرفين؛ ومن خاصتها
(2/70)

أنها إذا كبرت حدث في بياض بطونها وصدورها نقط سود، والفرخ منها لا يعتريه ذلك.
الرابع «الحبرج» -
بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة وضم الراء المهملة وجيم في الآخر- وهو الحبارى.
قال في «المصايد والمطارد» : ويقع على الذكر والأنثى ويجمع على حباريات؛ وذكر غيره أنّ واحده وجمعه سواء، وبعضهم يقول: إنّ الحبرج هو ذكر الحبارى.
قال في «المصايد والمطارد» : وهو طائر في قدر الديك كثير الرّيش، ويقال لها: دجاجة البرّ.
قال في حياة الحيوان: وهي طائر طويل العنق، رماديّ اللون، في منقاره بعض طول؛ يقال لذكر الحبارى: الخرب- بفتح الخاء المعجمة وسكون «1» الراء المهملة وباء موحدة في الآخر- ويجمع على خراب وأخراب وخربان.
ومن خاصته: أنّ الجارح إذا اعتنقها أرسلت عليه ذرقا حاصلا معها- متى أحبت أرسلته- فيه حدّة تمعّط ريشه، ولذلك يقال: سلاحها سلاحها.
قال في حياة الحيوان: وهي من أشدّ الطير طيرانا، وأبعدها شوطا، فإنها تصاد بالبصرة فيوجد في حواصلها الحبة الخضراء التي شجرها البطم، ومنابتها تخوم بلاد الشام، وإذا نتف ريشها وأبطأ نباته ماتت كمدا؛ قال: وهي من أكثر الطير جهدا في تحصل الرزق، ومع ذلك تموت جوعا بهذا السبب.
قال في «المصايد والمطارد» : وهي مما يعاف لأنها تأكل كلّ شيء حتّى الخنافس؛ وقال في حياة الحيوان: حكمها الحلّ لأنها من الطيبات؛ واستشهد له بحديث الترمذي «2» من رواية سفينة «3» مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أكلت مع
(2/71)

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حبارى» ويقال لولدها: اليحبور، وربما قيل له: نهار، كما يقال لولد الكروان: ليل.
الخامس «التّمّ» -
بفتح التاء وتشديد الميم- وهو طائر في قدر الإوز أبيض اللون، طويل العنق، أحمر المنقار، وهو أعظم طيور الواجب وأرفعها قدرا.
السادس «الصوغ» -
بضم الصاد «1» المهملة وغين معجمة في الآخر- وهو طائر مختلط اللون من السواد والبياض، أحمر الصدر، وأكثر ميله إلى الخضرة والأشجار.
السابع «العنّاز» -
بضم العين المهملة وتشديد النون وزاي معجمة في الآخر- وهو طائر أسود اللون، أبيض الصدر، أحمر الرجلين والمنقار.
الثامن «العقاب» -
وقد تقدّم ذكره في الكلام على الجوارح حيث هو معدود منها ومن طير الواجب؛ ومما يتعلق بهذا المكان أنها منها: الأسود، والخوخية، والسّفع «2» ، والأبيض، والأشقر؛ ومنها ما يأوي الجبال، وما يأوي الصحاري، وما يأوي الغياض، وما يأوي حول المدن.
وقد تقدّم ذكر الخلاف في أن ذكرها من جنسها أو من جنس آخر في الكلام على الجوارح. وحكمها تحريم الأكل لأنها من ذوات المخلب من الطير، واختلف في قتلها هل هو مستحبّ أم لا؟ فجزم الرافعيّ والنوويّ من أصحابنا الشافعية في الحج باستحباب قتلها. وجزم النوويّ في شرح المهذب بأنها من القسم الذي لا يستحب قتله ولا يكره، وهو ما يجتمع فيه نفع ومضرة؛ وبه جزم
(2/72)

القاضي أبو الطيب «1» رحمه الله.
التاسع «النسر»
- بفتح النون- ويجمع في القلة على أنسر؛ وفي الكثرة على نسور، وسمّي نسرا لأنه ينسر «2» الشيء ويبتلعه.
والنّسر ذو منسر وليس بذي مخلب وإنما له أظفار حداد المخالب، وهو يسفد كما يسفد الديك. وزعم قوم أن الأنثى منه تبيض من نظر الذكر إليها وهي لا تحضن بيضها، وإنما تبيض في الأماكن العالية الظاهرة للشمس فيقوم حرّ الشمس للبيض مقام الحضن.
والنسر حادّ البصريرى الجيفة من أربعمائة فرسخ، وكذلك حاسّة شمه في الغاية؛ ويقال: إنه إذا شم الرائحة الطيبة مات لوقته؛ وهو أشدّ الطير طيرانا وأقواها جناحا حتّى يقال: إنه يطير ما بين المشرق والمغرب في يوم واحد؛ وإذا وقع على جيفة وعليها عقبان تأخرت ولم تأكل ما دام يأكل منها، وكل الجوارح تخافه، وهو في غاية الشّره والنّهم في الأكل، إذا وقع على جيفة وامتلأ منها لم يستطع الطيران حتّى يثب وثبات يرفع بها نفسه طبقة في الهواء حتى يدخل تحت الريح؛ وربما صاده الضعيف من الناس في هذه الحالة. والأنثى منه تخاف على بيضها وفراخها الخفّاش فتفرش في أوكارها ورق الدّلب لتنفر منه الخفّاش؛ وهو من أشدّ الطير حزنا على فراق إلفه، حتى إذا فارق أحدهما الآخر مات حزنا.
وهو من أطول الطير أعمارا حتّى يقال: إنه يعمّر ألف سنة وحكمه تحريم أكله لأنه يأكل الجيف.
العاشر «الأنيسة» -
قال في حياة الحيوان: بذلك تسميه الرّماة وإنما اسمه الأنيس.
(2/73)

قال: وهو طائر حادّ البصر، يشبه صوته صوت الجمل، ومأواه قرب الأنهار والأماكن الكثيرة المياه الملتفة الأشجار؛ وله لون حسن، وتدبير في معاشه.
وقال «1» أرسطو: إنه يتولد من الشّقرّاق «2» والغراب، وذلك بيّن في لونه.
ويقال: إنه يحب الأنس، ويقبل الأدب والتربية، في صفيره وقرقرته أعاجيب، حتّى إنه ربما أفصح بالأصوات كالقمريّ؛ وغذاؤه الفاكهة واللحم وغير ذلك.
ومن شأنه ألفة الغياض. وحكمه الحل لأنه طيب غير مستخبث. فإن صح تولده من الشّقراق والغراب فينبغي تحريمه.
والأنيسة ذات ألوان مختلفة، بدنها يميل إلى الغبرة، وعنقها يشتمل على خضرة وزرقة؛ ويقال: إنها أشرف طيور الواجب وأعزّها وجودا.
الضرب الثاني: «طيور الصيف»
- وهي التي يكثر وجودها فيه، وهي أربعة أطيار:
الأوّل «الكي»
«3» - بضم الكاف-: وهو طير أغبر اللون إلى البياض، أحمر المنقار والحوصلة، رجلاه تضربان إلى السواد.
الثاني «الغرنوق»
- بكسر الغين المعجمة وفتح النون- ويقال فيه غرنيق- بضم الغين وفتح النون- ويجمع على غرانيق.
قال الجوهري: وهو طائر أبيض من طير الماء طويل العنق، وتبعه الزمخشريّ على ذلك. وقال أبو خيرة «4» : وسمي غرنيقا لبياضه.
(2/74)

وقال صاحب «المصايد والمطارد» : الغرنيق كركيّ إلا أنه أخضر طويل المنقار، وقيل: لونه كلون الكركيّ إلا أنه أسود الصدر والرأس، وله ذؤابتان في رأسه. وقال: ومن خصائصها أن ريشها في شبيبتها يكون رماديّا، فإذا كبرت اسودّ وليس ذلك في سائر الطير، فإن الريش لا يحوّل بياضه إلى السواد بل يحوّل سواده إلى البياض كما في الغربان والعصافير والخطاطيف.
الثالث «المرزم» -
وهو طير أبيض في أطراف ريشه حمرة، طويل الرجلين والعنق؛ وهو حلال الأكل.
الرابع «الشّبيطر» -
بضم الشين المعجمة وفتح الموحدة والطاء المهملة- ويسمّى: اللّقلق أيضا، ويعرف بالبلارح؛ وكنيته عند أهل العراق: أبو خديج، وهو طائر أبيض، أسود طرفي الجناحين، ورجلاه ومنقاره حمر؛ وهو يأكل الحيّات ولكنه يوصف بالفطنة والذكاء.
وفي حله عند الشافعية وجهان أصحهما في شرح المهذّب «1» والورضة «2» :
الحرمة، وإن كان من طير الماء.
وسيأتي الكلام على ما يحمل من هذه الطيور الأربعة عشر بأعناقه وما يحمل منها بأسيافه فيما يتعلق بمصطلح الرماة في الكلام على كتابة قدم البندق في موضعه إن شاء الله تعالى. وطيور الواجب كلّها حلال إلا النسر والعقاب.
(2/75)

الصنف الثالث ما عدا الطير الجليل مما يصاد بالجوارح وغيرها، وهو على ضربين:
الضرب الأوّل ما يحل أكله
وهو أنواع كثيرة لا يأخذه الحصر، ونحن نقتصر على ذكر المشهور من أنواعه.
فمنها «النّعام» -
وهو اسم جنس، الواحدة نعامة؛ وهو طائر معروف، مركّب من صورتي جمل وطائر، ولذلك تسميه الترك: دواقش بمعنى طير جمل، وتسميه الفرس: اشتر مرك، ومعناه جمل وطائر. وتجمع النعامة على نعامات، ويسمى ذكرها: الظّليم.
ومن المتكلمين على طبائع الحيوان من لم يجعلها طيرا وإن كانت تبيض لعدم طيرانها؛ ومن الناس من يظنّ أنها متولدة من جمل وطير ولم يصح ذلك.
ومساكنها الرمل، وتضع بيضها سطرا مستطيلا بحيث لو مدّ عليها خيط لم تخرج واحدة منها عن الأخرى، ثم تعطي كلّ بيضة منها نصيبها من الحضن، لأنها لا تستطيع ضم جميع البيض تحتها، وإذا خرجت للطّعم فوجدت بيض نعامة أخرى حضنته ونسيت بيضها، فربما حضنت هذه بيض هذه، وربما حضنت هذه بيض هذه، ولذلك توصف في الطير بالحمق، ويقال إنها تقسم بيضها أثلاثا:
فمنه ما تحضنه، ومنه ما تجعله غذاء لها، ومنه ما تفتحه وتجعله في الهواء حتّى يتولد فيه الدود فتغذّي به أفراخها إذا خرجت.
وليس للنعام حاسّة سمع ولكنه قويّ الشم، يستغني بشمّه عن سماعه حتى يقال: إنه يشمّ رائحة القانص من بعد.
والعرب تقول: إن النعامة ذهبت تطلب قرنين فقطعوا أذنيها. وهو لا يشرب ماء، وإن طال عليه الأمد، ولذلك يسكن البراريّ التي لا ماء فيها. وأكثر ما يكون عدوها إذا استقبلت الريح.
ومن خصائصها أنها تبتلع العظم الصّلب والحجر والحديد فتذيبه معدتها
(2/76)

حتّى تدفعه كالماء، وتبتلع الجمر فيطفئه جوفها، وإذا رأت في أذن صغير لؤلؤة أو حلقة اختطفتها. وحكمه حلّ أكله إجماعا. ومن خاصته أن مرارته سمّ وحيّ «1» .
ومنها «الإوزّ» -
بكسر الهمزة وفتح الواو- وهو اسم جنس واحده إوزة، وجمعوه على إوزّون، وهو مما يحبّ السّباحة في البحر، وإذا خرج فرخه من البيضة سبح في الحال، وإذا حضنت الأنثى قام الذكر يحرسها لا يفارقها، ويخرج فرخها في دون الشهر من البيضة. وهو من الطيبات، وغذاؤه جيد إلا أنه بطيء الهضم.
ومنها «البطّ» -
وهو من طيور الماء، واحده بطّة للذكر والأنثى وليس بعربيّ، وهو عند العرب من جملة الإوز.
ومنها «القرلّى» -
بكسر القاف- ويسمّى: ملاعب ظله. وهو طائر صغير الجرم من طيور الماء، سريع الاختطاف، لا يزال مرفرفا على وجه الماء على جانب كطيران الحدأة، يهوي بإحدى عينيه إلى قعر الماء طمعا، ويرفع الأخرى حذرا؛ فإن أبصر في الماء ما يستقلّ بحمله من السمك أو غيره انقضّ عليه كالسهم المرسل فأخرجه من قعر الماء، وإن أبصر في الجوّ جارحا مرّ في الأرض. وبه يضرب المثل في الإقبال على الخير والإدبار عن الشرّ، فيقال: «كأنه قرلّى، إن رأى خيرا تدلّى، أو رأى شرّا تولّى» .
ومنها «الغطّاس» -
ويقال له: الغوّاص، وهو طائر أسود نحو الإوزّة، يغوص في الماء فيستخرج السمك فيأكله. ووهم فيه في حياة الحيوان فجعله:
القرلّى.
ومنها «الدجاج» -
بفتح الدال المهملة وكسرها وضمها- حكاه ابن معن الدّمشقي «2» وابن مالك «3» وغيرهما، وأفصحها الفتح وأضعفها الضم والواحدة
(2/77)

دجاجة، والذكر والأنثى فيه سواء.
قال ابن سيده: وسميت دجاجة لإقبالها وإدبارها، يقال: دجّ القوم إذا مشوا بتقارب خطو، وقيل: إذا أقبلوا وأدبروا. والفرخ يخرج من البيضة بالحضن، وتارة بالصنعة والتدفئة بالنار، وإذا خرج الفرخ من البيضة خرج كاسيا ظريفا سريع الحركة، يدعى فيجيب، ثم كلما مرّت عليه الأيام حمق ونقص حسنه. ومما يعرف به الذكر من الأنثى في حالة الصغر أن يعلق الفرخ بمنقاره فإن اضطرب فهو ذكر، وإلا فهو أنثى.
والدجاج يبيض في جميع السنة، وربما باضت الدجاجة في اليوم مرتين، ويتم خلق البيض في عشرة أيام، وتخرج لينة القشر فإذا أصابها الهواء تصلّبت.
وتشتمل البيضة على بياض وصفرة ويسمى: المحّ؛ ومن البياض يتخلق الولد؛ والصفرة غذاء له في البيضة يتغذاه من سرّته، وربما كان للبيضة بياضان، ويتخلق من كل بياض فرخ، فإذا كبرت الدجاجة لم يبق لبيضها محّ وحينئذ فلا يخلق منه فرخ. ثم الدجاج من الطيور الدواجن في البيوت.
وقد ورد في سنن ابن ماجه «1» من رواية أبي هريرة رضي الله عنه: أمر الأغنياء باتخاذ الغنم وأمر الفقراء باتخاذ الدجاج. قال عبد اللطيف البغداديّ: أمر كل قوم من الكسب بحسب مقدرتهم.
ومن عجيب أمر الدجاجة أنها تمرّ بها سائر السباع فلا تحاماها، فإذا مرّ بها ابن آوى وهي على سطح رمت نفسها إليه، وهي توصف بقلة النوم وسرعة الانتباه ويقال: إن ذلك لخوفها وخور طباعها.
ومن الدجاج نوع يقال له: الحبشيّ؛ أرقط اللون، متوحش؛ وربما ألف
(2/78)

البيوت. والحكم في الجميع الحل.
ومنها «الديك» -
وهو ذكر الدجاج، ويجمع على ديكة وديوك، وهو أبله الطبيعة حتّى إنه إذا سقط من حائط لم يكن له هداية ترشده إلى دار أهله، ومع ذلك فقد خصه الله تعالى بمعرفة الأوقات حتّى رجح الرافعيّ من مذهب الشافعيّ رضي الله عنه اعتماد الديك المجرّب وفاقا للمتولّي «1» والقاضي حسين» .
ومن عجيب أمره أنه يقسّط أوقات الليل تقسيطا لا يخلّ فيه بشيء طال الليل أم قصر. ولكن قد ورد في معجم الطبرانيّ «3» وغيره: إنّ لله سبحانه وتعالى ديكا أبيض، جناحاه موشّيان بالزّبرجد والياقوت واللّؤلؤ، له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، رأسه تحت العرش، وقوائمه في الهواء، يؤذّن كلّ سحر فيسمع تلك الصيحة أهل السموات وأهل الأرض إلا الثقلين: الجنّ والإنس، فعند ذلك تجيبه ديوك الأرض؛ وحينئذ فيكون الديك في ذلك تابعا. وقد ورد عدّة أحاديث في النهي عن سبّ الديك، ومدح الديك الأبيض، والحثّ على اتخاذه.
ومن حميد خصال الديك: أنه يسوّي بين دجاجه، ولا يؤثر واحدة على الأخرى. ويقال: إنه يبيض في السنة بيضة؛ ويفرق بين بيضته وبيضة الدجاجة أن بيضته أصغر من بيضة الدجاجة، وهي مدوّرة لا تحديد في رأسيها.
ومنها «القطا» -
بفتح القاف- وهو طائر معروف واحده قطاة ويجمع على قطوات وقطيات، وأكثر ما يبيض ثلاث بيضات، ويسمّى قطا لحكاية صوته، لأنه يصيح «قطا قطا» ولذلك تصفها العرب بالصدق.
(2/79)

قال الجوهريّ: وهو معدود من الحمام، وبه قال ابن قتيبة، وعليه جرى الرافعيّ في الحج والأطعمة؛ قال الشيخ محب الدين الطبريّ «1» : والمشهور خلافه.
ثم القطا نوعان: كدريّ وجونيّ، وزاد الجوهريّ نوعا ثالثا وهو الغطاط، فالكدريّ: غبر اللون، رقش البطون والظهور، صفر الحلوق، قصار الأذناب.
والجونيّ: سود بطون الأجنحة والقوادم، وظهرها أغبر أرقط، تعلوه صفرة، وهي أكبر جرما من الكدريّ، تعدل كلّ جونيّة كدريّتين، والكدرية تفصح باسمها في صياحها، والجونيّة لا تفصح بل تقرقر بصوت في حلقها.
ومن خاصتها أنها لا تسير إلا جماعة. ومن طبعها أنها تبيض في القفر على مسافة بعيدة من الماء؛ وتطلب الماء من مسافة عشرين ليلة وفوقها ودونها؛ وتخرج من أفاحيصها «2» في طلب الماء عند طلوع الفجر فتقطع إلى حين طلوع الشمس مسيرة سبع مراحل، فترد الماء فتشرب ثم تقيم على الماء ساعتين أو ثلاثا ثم تعود إلى الماء ثانية. والجونية تخرج إلى الماء قبل الكدريّة، وهي توصف بالهداية فتأتي أفاحيصها ليلا ونهارا فلا تضلّ عنها، وتوصف بحسن المشي وبقلة النوم.
ومنها «الكروان» -
بفتح الكاف والراء- وهو طائر في قدر الدجاجة، طويل الرجلين، حسن الصوت، لا ينام الليل، ويجمع على كروان- بكسر الكاف- والأنثى: كروانة.
ومنها «الحجل» -
بفتح الحاء المهملة والجيم- وهو طائر على قدر الحمام كالقطا، أحمر المنقار والرجلين؛ ويسمّى: دجاج البر؛ ويقع على الذكر والأنثى؛ وقد يقال له: القبج أيضا- بفتح القاف وسكون الموحدة وجيم في
(2/80)

الآخر- يقال للذكر والأنثى منه: قبجة، ويسمّى الذكر منه: اليعقوب. والقبج «1» - بفتح القاف والموحدة وجيم في الآخر- ويقال في الأنثى منه: حجلة، وهو صنفان: نجديّ وتهاميّ، فالنجديّ أحمر الرجلين، والتهاميّ فيه بياض وخضرة؛ ومن شأنه أنه يأتي إلى مصر عند هيجان زرعها ويصيح صياحا حسنا، تقول العامّة:
إنه يقول في صياحه: «طاب دقيق السّبل» . ومن شأن الأنثى منه إذا لم تلقح أنها تتمرغ في التراب وتصبه على أصول ريشها فتلقح؛ ويقال: إنها تلقح بسماع صوت الذكر، وبريح يهبّ من قبله؛ وإذا باضت ميز الذكر الذكور منها فحضنها، وتحضن الأنثى الإناث، وكذلك في التربية. وفرخها يخرج كاسيا بزغب الريش كما في الدّجاج.
وفي «المصايد والمطارد» «2» : أن القبج كثير السّفاد، وأنه إذا اشتغلت عنه الأنثى ورأى بيضها كسره.
قال التوحيدي «3» : ويعيش الحجل عشر سنين ويعمل عشّين، يجلس الذكر في واحد والأنثى في واحد، وهو من أشدّ الطيور غيرة على أنثاه حتّى إن الذكرين ربما قتل أحدهما الآخر بسبب الأنثى، فمن غلب منهما دانت له.
ومن طبعه أنه يأتي عشّ غيره فيأخذ بيضه ويحضنه، فإذا طارت الفراخ لحقت بأمهاتها التي باضتها؛ وفيه من قوّة الطيران ما يظنه من لم يحقّقه عند طيرانه أنه حجر رمي بمقلاع لسرعته.
ومنها «القمريّ» -
بضم القاف وسكون الميم- وهو طائر معروف حسن الصوت، ويجمع على قماريّ غير مصروف. قال في «المحكم» «4» : ويجمع
(2/81)

على قمر أيضا؛ والأنثى منه قمريّة، ويقال للذكر منه: الورشان- بفتح الواو والراء المهملة والشين المعجمة- ويقال له أيضا: ساق حرّ. قال البطليوسيّ «1» : وسمّي ساق حرّ، حكاية لصوته كأنه يقول ذلك، ويكنى: أبا الأخضر، وأبا عمران، وأبا الناجية.
قال ابن السمعانيّ «2» : والقمريّ منسوب إلى القمر، وهي بلدة تشبه الجصّ لبياضها؛ قال: وأظنها بمصر. وقال ابن سيده القمريّ طير صغير، وعدّه في «المحكم» من الحمام. ويقال: إن الهوامّ تهرب من صوت القماريّ.
قال القزويني: ومن خاصية القماريّ أنها إذا ماتت ذكورها لم تتزاوج إناثها. والورشان الذي هو ذكر القمريّ يوصف بالحنوّ على أولاده حتّى إنه ربما قتل نفسه إذا رآها في يد القانص.
قال عطاء: وهو يقول في صياحه:
لدوا للموت وابنو للخراب
ومنه نوع أسود حجازيّ يقال له: النوى، شجيّ الصوت جدّا.
ومنها «الفاختة» -
بالفاء والخاء المعجمة والتاء المثناة- والجمع الفواخت- بفتح الفاء وكسر الخاء- وهي طائر من ذوات الأطواق، حجازية في قدر الحمام، حسنة الصوت، ويقال: إنّ الحيّات تهرب من صوتها، حتّى يحكى أنّ الحيّات كثرت بأرض، فشكا أهلها ذلك إلى بعض الحكماء، فأمرهم بنقل الفواخت إليها فانقطعت الحيّات عنها. وفي طبعها الأنس بالناس؛ وتعيش في
(2/82)

الدّور، إلا أن العرب تسمها بالكذب، فإن صوتها عندهم تقول فيه: هذا أوان الرّطب، وهي تقول ذلك والنخل لم يطلع بعد؛ ولذلك تقول العرب في أمثالهم:
«أكذب من فاختة» .
ومنها «الدّبسيّ» -
بضم الدال- وهو طائر صغير منسوب إلى دبس الرّطب- بكسر الدال- وذلك أنهم يغيّرون في النسب فيقولون في النسبة إلى الدّهر: دهريّ ونحو ذلك، وهو ضرب من الحمام. ثم هو أصناف: مصريّ، وحجازيّ، وعراقيّ؛ وكلها متقاربة، لكن أفخرها المصريّ، ولونه الدّكنة، وقيل:
هو ذكر اليمام. وفي طبع الدّبسيّ ألا يرى ساقطا على وجه الأرض، بل في الشتاء له مشتىّ، وفي الصيف له مصيف، لا يعرف له وكر.
ومنها «الشّفنين» -
بفتح الشين «1» المعجمة وسكون الفاء ونون مكسورة بعدها ياء مثناة تحت ثم نون- وهو الذي تسميه العامّة بمصر: اليمام، وهو دون الحمام في المقدار، ولونه الحمرة مع كمودة، وفي صوته ترجيع وتحزين. ومن شأنها أنها تحسن أصواتها إذا اختلطت. ومن طبعه أنه إذا فقد أنثاه لم يزل أعزب إلى أن يموت، وكذلك الأنثى إذا فقدت ذكرها؛ وفيه ألفة للبيوت، وعنده احتراس.
ومنها «الدرّاج» -
بفتح الدال «2» - وكنيته أبو الحجّاج وأبو خطّار؛ وهو طائر ظاهر جناحيه أغبر وباطنهما أسود، على خلقة القطا إلا أنه ألطف. وهو يطلق على الذكر والأنثى. والجاحظ يعدّه من جنس الحمام لأنه يجمع بيضه تحت جناحه كما يفعل الحمام. والناس يعبّرون عن صوته بأنه يقول: «بالشّكر تدوم النّعم» .
ويقال: إنه طائر مبارك، وهو كثير النتاج، يبشر بقدوم الربيع؛ وهو يصلح بهبوب الشّمال، وصفاء الهواء، ويسوء حاله بهبوب الجنوب حتّى لا يقدر على الطيران.
(2/83)

ومنها «العصفور» -
بضم العين- وحكى ابن رشيق «1» في كتاب «الغرائب» : فتحها، والأنثى: عصفورة، وكنيته: أبو الصّفو، وأبو محرز، وأبو مزاحم، وأبو يعقوب.
قال حمزة «2» : سمّي عصفورا لأنه عصى وفرّ؛ وهو أنواع كثيرة، وأشهرها المعروف بالدّوريّ؛ ووكره العمران تحت السقوف خوفا من الجوارح؛ فإذا خلت مدينة من أهلها ذهبت العصافير منها؛ وهو كثير السّفاد حتّى إنه ربما سفد في الساعة الواحدة مائة مرة، ولفرخه تدرّب على الطيران حتّى إنه يدعى فيجيب. قال الجاحظ: بلغني أنه يرجع من فرسخ.
ومنها «الشّحرور» -
بفتح الشين «3» المعجمة وسكون الحاء المهملة- وهو طائر أسود فويق العصفور له صوت شجيّ؛ ويكون بأرض الشّأم كثيرا.
ومنها «الهزار» -
بفتح الهاء والزاي المعجمة- طائر نحو العصفور له صوت حسن ويسمّى العندليب أيضا، ويجمع على عنادل.
ومنها «البلبل» -
بضم الموحدتين وسكون اللام الأولى والثانية «4» - وهو طائر أسود فوق العصفور، والحجري منه فوق ذلك؛ ويقال له: النّغر- بضم النون وفتح الغين المعجمة وراء مهملة في الآخر- والكعيث- بضم الكاف وفتح العين المهملة ومثناة فوقية في الآخر- والجميل- بضم الجيم- وقد ثبت في الصحيحين من رواية أنس رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ لأمّي فطيم يقال له: عمير، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا جاءنا قال:
(2/84)

«يا أبا عمير ما فعل النّغير؟» لنغر كان يلعب به.
ومنها «السّمانى» -
بضم السين المهملة وفتح النون ولا تشدّد ميمه- وهو طائر معروف فوق العصفور ويجمع على سمانيات، وهو من الطيور التي لا يعرف من أين تأتي، بل يأتي في البحر الملح يغوص بأحد جناحيه في الماء ويقيم الآخر كالقلع للسفينة فتدفعه الريح حتّى يأتي الساحل؛ وكثيرا ما يوجد ببلاد السواحل، وله صوت حسن. ومن شأنه أنه يسكت في الشتاء فإذا أقبل الربيع صاح.
ومنها «الحسّون» -
وتسميه أهل الجزيرة والشأم وحلب وتوابعها: زقيقية، وهو طائر فطن، ويسميه الأندلسيّون: أبو الحسن، والمصريون: أبو زقاية، وربما أبدلوا الزاي منه سينا، وهو عصفور ذو ألوان: حمرة وصفرة وبياض وسواد وزرقة وخضرة، وهو قابل للتعليم، يعلّم أخذ الشيء كالفلس ونحوه من يد الإنسان على البعد والإتيان به لصاحبه.
ومنها «أبو براقش» -
بكسر القاف وبالشين المعجمة- وهو طائر كالعصفور يتلون ألوانا، وبه يضرب المثل في التلوّن.
ومنها «الزاغ» -
بزاي وغين معجمتين بينهما ألف- وهو ضرب من الغربان صغير أخضر اللون لطيف الشكل حسن المنظر، وقد يكون أحمر المنقار والرجلين، وهو الذي يقال له: غراب الزيتون، سمّي بذلك لأنه يأكل الزيتون.
ومنها «الغداف» -
بضم الغين المعجمة وبالدال المهملة والفاء في آخره- وهو غراب الغيط «1» ، ويجمع على غدفان بكسر الغين.
قال ابن فارس: هو الغراب الضخم. وقال العبدريّ: هو غراب صغير أسود، لونه كلون الرّماد. وقد قال النوويّ في الروضة بتحريمه وإن كان الرافعيّ
(2/85)

قد جزم بحلّه؛ ورجحه صاحب المهمات «1» .
ومنها «غراب الزرع» -
وهو غراب أسود المنقار. وفيه وجه بالتحريم.
الضرب الثاني ما يحرم أكله
وهو أنواع كثيرة أيضا:
منها «الطاوس»
- ويجمع على طواويس- وهو طائر في نحو مقدار الإوزّة حسن اللون، والذكر منه غاية في الحسن؛ له في رأسه رياش خضر قاتمة كالشربوش «2» ، وفي ذنبه ريش أخضر طويل في أحسن منظر، وليس الأنثى شيء من ذلك؛ وهو في الطير كالفرس في الدواب عزّا وحسنا؛ وفي طبعه الزّهو بنفسه والخيلاء والإعجاب بريشه؛ والأنثى منه تبيض بعد ثلاث سنين من عمرها، وفي هذا الحدّ يكمل ريش الذكر ويتم لونه. وبيضه مرة واحدة في السنة، ويكون بيضه من اثنتي عشرة بيضة إلى ما حولها، ولا يبيض متتابعا. وسفاده في أيام الربيع. وفي الخريف يلقي ريشه كما يلقي الشجر ورقه حينئذ؛ فإذا بدا طلوع أوراق الأشجار طلع ريشه. وهو كثير العبث بالأنثى إذا حضنت وربما كسر بيضها؛ ولذلك يحضن بيضه تحت الدّجاج؛ لكن لا تقوى الدجاجة على حضن أكثر من بيضتين منها، وتتعاهد الدجاجة بالطّعمة والسقية وهي راقدة عليه، كيلا تقوم عنه فيفسد بالهواء، إلا أن ما تحضنه الدجاجة يكون ناقص الجثة عما تحضنه أنثاه؛ وليس له من الحسن والبهجة ما لذلك؛ ومدّة حضنه ثلاثون يوما؛ وفرخه يخرج من البيضة كالفرّوج كاسيا بالريش يلقط الحب للحال.
ومنها «السّمندل» -
بفتح السين المهملة والميم وسكون النون وبفتح
(2/86)

الدال المهملة ولام في الآخر- وقال الجوهريّ: السّندل بغير ميم. وقال ابن خلّكان «1» : السّمند بغير لام؛ وهو طائر يكون بأرض الصّين والهند؛ ومن خاصته أنه لا تؤثر النار فيه حتّى يقال: إنه يبيض ويفرخ فيها ويستلذ بمكثه فيها. ويتخذ من ريشه مناديل ونحوها، فإذا اتسخت ألقيت في النار، فتأكل النار وسخها ولا تتأثر هي في نفسها.
قال ابن خلّكان في ترجمة يعقوب بن صابر المنجنيقي «2» : رأيت منه قطعة ثخينة منسوجة على هيئة حزام الدابة في طوله وعرضه، فألقيت في النار فما أثّرت فيها، فغمس أحد جوانبها في الزيت وجعل في النار فاشتعل وبقي زمانا طويلا ثم أطفيء، وهو على حاله لم يتغير. قال: ورأيت بخط عبد اللطيف البغدادي: أنه أهدي للظاهر ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب قطعة منه عرض ذراع في طول ذراعين، فغمست في الزيت وقربت من النار فاشتعلت حتّى فني الزيت، ثم عادت بيضاء كما كانت. وبعضهم يقول: إنه وحش كالثعلب وإن ذلك يعمل من وبره.
ومنها «الببّغاء» -
بباءين مفتوحتين، الأولى منهما مخففة والثانية مشدّدة وغين معجمة بعدها ثم ألف- وهو المعبر عنه بالدّرّة- بدال مهملة مضمومة- وقال ابن السمعاني في الأنساب: هي بإسكان الباء الثانية، وهي طائر أخضر اللون في قدر الحمام يحاكي ما يسمعه من اللفظ؛ ثم هي على ضربين: هندي وهي أكبر جثّة ومنقارها أحمر، ونوبي وهي دونها ومنقارها أسود؛ ويقال: إن منها نوعا أبيض؛ ويذكر أنه أهدي لمعز الدولة ابن بويه «3» ببّغاء بيضاء اللون سوداء المنقار
(2/87)

والرجلين، على رأسها ذؤابة فستقيّة. وهي طائر دمث الأخلاق، ثاقب الفهم، له قوّة على حكاية الأصوات وقبول التلقين؛ تتخذه الملوك والأكابر لينمّ بما يسمع.
ومن شأنه أنه يتناول طعمه برجله كما يتناوله الإنسان بيده؛ والهنديّ منه أقرب إلى التعليم من النوبيّ.
ومنها «أبو زريق» -
بزاي مضمومة ثم راء مهملة وفي آخره قاف- ويقال له: القيق- بكسر القاف- والزّرياب- بزاي معجمة مكسورة ثم راء مهملة ساكنة ثم ياء مثناة تحت، وبعد الألف باء موحدة- وهو طائر ألوف للناس يقبل التعليم، سريع الإدراك لما يعلّم؛ وقد يزيد على الببّغاء إذا أنجب، بل إذا تعلم جاء بالحروف مبيّنة حتّى يظن سامعه أنه إنسان، بخلاف الببغاء فإنها لا تفصح كلّ الإفصاح.
ومن غريب ما يحكى في أمره ما حكاه صاحب «منطق الطير» «1» : أن رجلا خرج من بغداد ومعه أربعمائة درهم، لا يملك غيرها، فوجد في طريقه عدّة من فراخه فاشتراها بما معه، ثم رجع إلى بغداد فعلقها في أقفاص في حانوته، فهبت عليها ريح باردة فماتت كلّها إلا واحدا كان أضعفها وأصغرها، فثقل ذلك عليه وبات ليلته تلك يبتهل إلى الله تعالى بالدعاء وينادي: يا غياث المستغيثين أغثني! فلما أصبح إذا ذلك الفرخ الذي بقي يصيح بلسان فصيح: يا غياث المستغيثين أغثني؛ فاجتمع الناس عليه يسمعون صوته؛ فاجتازت جارية للخليفة فاشترته منه بألف درهم.
ومنها «الهدهد»
- بضم الهاءين وإسكان الدال المهملة بينهما- وهو طائر معروف ذو خطوط موشيّة وألوان، ويجمع على هداهد «2» . ويذكر عنه أنه يرى الماء من باطن الأرض كما يراه الإنسان في باطن الزجاج- قوّة ركبها الله تعالى فيه-
(2/88)

ولذلك عني به سليمان عليه السلام مع صغره كما قاله البيهقي «1» في «شعب الإيمان» ويقال: إنه كان دليلا لسليمان عليه السلام على الماء؛ وقصته مع سليمان مذكورة في التنزيل «2» .
وقد ذكر الزمخشري أن سبب تخلفه عن سليمان أنه رأى هدهدا آخر، فحكى له عظيم ملك سليمان؛ فحكى له ذلك الهدهد عظيم ملك بلقيس باليمن؛ فذهب ليكشف الخبر فلم يرجع إلا بعد العصر؛ فلما عاد إليه توعّده، فأرخى رأسه وجناحيه تواضعا بين يديه، وقال: يا نبيّ الله، اذكر وقوفك بين يدي الله! فارتعد سليمان وعفا عنه.
ومنها «الخطّاف» -
بضم الخاء المعجمة- ويجمع على خطاطيف وهو طائر في قدر العصفور، أسود، وباطن جناحيه إلى الحمرة؛ والناس يسمونه عصفور الجنة لأنه يعرض عن أقواتهم ويقتات البعوض والذّباب. ومن شأنه السكنى في البيوت المعمورة بالناس في أفاحيص يبنيها من الطين؛ ويختار منها السّقوف والأماكن التي لا يصل إليه فيها أحد.
وقد ذكر الثعلبي «3» في تفسيره في سورة النمل: أن سبب قرب الخطاطيف من الناس أن الله تعالى لما أهبط آدم إلى الأرض، استوحش؛ فآنسه الله تعالى بالخطّاف وألزمه البيوت؛ فهو لا يفارق بني آدم أنسا لهم. والخفّاش يعاديه، فلذلك إذا أفرخ جعل في عشّه قضبان الكرفس «4» لينفّر الخفّاش عنها.
ومن عادته أنه لا يفرخ في عشّ عتيق حتى يطيّنه بطين جديد، ولا يلقي شيئا
(2/89)

من ذرقه في عشه بل يلقيه إلى ما شاء. وإذا سمع حس الرعد يكاد يموت. ويوجد في عشّه حجر اليرقان وهو حجر صغير فيه خطوط بين الحمرة والسواد إذا علق على من به اليرقان أو شرب من سحالته بريء؛ وإنما يأتي بهذا الحجر إذا أصاب فراخه اليرقان؛ ولذلك يحتال بعض الناس بلطخ فراخه بالزعفران ليظن أن اليرقان قد أصابها فيأتي إليها بهذا الحجر فيؤخذ منه.
ومن الخطاطيف نوع آخر ألطف قدرا من هذا، يسكن شطوط الأنهار وجوانب المياه. وعدّوا من أنواعه أيضا الذي يسميه أهل مصر: الخضيري؛ وهو طائر أخضر دون الببّغاء في المقدار لا يزال طائرا وهو يصيح؛ يقتات الفراش والذباب.
ومنها «الصرد» -
بضم الصاد وفتح المهملة ودال مهملة في الآخر- ويجمع على صردان. قال ابن قتيبة: وسمي صردا، حكاية لصوته، ويسمّى:
الواق- بكسر القاف- وكنيته: أبو كثير؛ وهو طائر فوق العصفور، نصفه أبيض ونصفه أسود، ضخم الرأس، ضخم المنقار والبراثن؛ لا يرى إلا في شعفة «1» أو شجرة بحيث لا يقدر عليه أحد؛ وله صفير مختلف.
ومن شأنه أنه يصيد العصافير وما في معناها؛ فيصفّر لكل طير يريد صيده بلغته، يدعوه إلى التقرّب منه فيثب عليه فيأكله. والعرب تتشاءم به وتنفر من صياحه. وهو مما وردت الشريعة بالنهي عن قتله.
ومنها «العقعق» -
بعينين مهملتين مفتوحتين بينهما قاف ساكنة- وربما قيل فيه: القعقع على القلب.
قال الجاحظ: سمي بذلك لأنه يعقّ فراخه فيتركهم أياما بلا طعم. ويقال لصوته: العقعقة؛ وهو طائر على قدر الحمامة في شكل الغراب وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة؛ ذو لونين: أبيض وأسود، طويل الذّنب.
(2/90)

ومن شأنه أنه لا يأوي تحت سقف ولا يستظل به، بل يهييّء وكره في المواضع المشرفة؛ وفي طبعه الزنا والخيانة؛ ويوصف بالسرقة والخبث. وإذا رأى حليّا أو عقدا اختطفه؛ والعرب تضرب به المثل «1» في جميع ذلك. وإذا باضت الأنثى منه أخفت بيضها بورق الدّلب خوفا عليه من الخفّاش، فإنه متى قرب من البيض مذر وتغير من ساعته. ويقال: إنه يخبأ قوته كما يخبؤه الإنسان والنملة إلا أنه ينسى ما يخبؤه. وبعضهم يعدّه في جملة الغربان. وفيه وجه عندنا بحل أكله.
ومنها «الشّقراق» -
بفتح الشين المعجمة وسكون القاف وألف بين الراء المهملة والقاف الثانية- ويجوز فيه كسر الشين أيضا، وربما قلبوه فقالوا:
الشّرقاق؛ ويسمّى: الأخيل أيضا؛ وهو طائر صغير بقدر الحمام أخضر مشبع الخضرة، حسن المنظر في أجنحته سواد. والعرب تتشاءم به.
وفي طبعه الشّره حتّى إنه يسرق فراخ غيره. وعدّه الجاحظ نوعا من الغربان؛ ويكثر ببلاد الشام والروم وخراسان؛ ولا يزال متباعدا من الإنس، يألف الرّوابي ورؤوس الجبال؛ إلا أنه يحضن بيضه في عوالي العمران التي لا تنالها الأيدي.
وعشّه شديد البنيان، وله مشتى ومصيف.
قال الجاحظ: وهو كثير الاستغاثة، إذا مر به طائر ضربه بجناحه وصاح كأنه هو المضروب. وفيه وجه بحلّ أكله.
ومنها «الغراب الأبقع» -
قال الجوهريّ: وهو الذي فيه بياض وسواد، ويسمّى: غراب البين أيضا؛ قال صاحب «المجالسة» «2» : سمي بذلك لأنه بان عن نوح عليه السلام حين أرسله لينظر الماء فذهب ولم يرجع؛ قال ابن قتيبة:
وجعل فاسقا لأجل ذلك. ويسمّى: الأعور، إمّا لانه يغمض إحدى عينيه لقوّة بصره، وإما لصفاء عينيه وحدّة بصره من باب الأضداد.
(2/91)

ومن طبعه الخيانة والسرقة؛ والعرب تتشاءم به وتكره صوته؛ وقد سبق القول على ذلك في أوابد العرب من هذه المقالة.
ومن طبع الغراب الاستتار عند السّفاد وأنه يسفدها مواجهة ملقاة على ظهرها؛ والأنثى تبيض أربع بيضات وخمسا؛ وإذا خرجت الفراخ من البيض نفر عنها الأبوان لبشاعة منظرها حينئذ، فتغتذي من البعوض والذباب الكائن في عشّها حتّى ينبت ريشها فيعود الأبوان إليها؛ وعلى الأنثى الحضن وعلى الذكر أن يأتيها بالطّعم. وفيه حذر شديد وتناصر، حتّى إنه إذا صاح الغراب مستنصرا اجتمع إليه عدّة من الغربان.
ومنها «الغراب الأسود الكبير» -
وهو الجبليّ. وفيه وجه بحله.
ومنها «الحدأة» -
بكسر الحاء، والهمز- الطائر المعروف، ويجمع على حدإ وحدءان. ومن ألوانها السّود والرّمد. وهي لا تصيد بل تخطف.
ومن طبعها أنها تصفّ في الطيران وليس ذلك لشيء من الكواسر غيرها.
وزعم ابن وحشية «1» وابن زهر «2» : أن الحدأة والعقاب يتبدّلان، فتصير الحدأة عقابا والعقاب حدأة. وربما قيل: الغراب بدل العقاب. ويقال: إنها تصير سنة ذكرا وسنة أنثى. ويقال: إنها أحسن الطير مجاورة لما جاورها من الطير حتّى لو ماتت جوعا لا تعدو على فرخ جارتها.
وفي طبعها أنها إنما تختطف ممن تختطف منه من يده اليمنى دون اليسرى حتّى يقال: إنها عسراء. وقد ثبت في الصحيحين حل قتلها في الحل والحرم.
ومنها «الرّخمة» -
بفتح الراء المهملة والخاء المعجمة- وكنيتها: أم
(2/92)

جعران، وأمّ رسالة، وأمّ عجيبة، وأم قيس، وأم كثير «1» . ويقال لها: الأنوق- بفتح الهمزة- وهي طائر أبقع ببياض وسواد، فوق الحدأة في المقدار تأكل الجيف.
وهي معدودة في بغاث الطير. وهي تسكن رؤوس الجبال العالية وأبعدها من أماكن أعدائه؛ ولذلك تضرب العرب المثل ببيضه فيقولون: «أعزّ من بيض الأنوق» والأنثى لا تمكن من نفسها غير ذكرها وتبيض بيضة واحدة وربما باضت بيضتين.
ومنها «البومة» -
بضم الباء الموحدة وفتح الميم- للذكر والأنثى؛ وهو طائر من طير الليل في قدر الإوزّة، لها وجه مستدير بالريش النابت حوله، يشبه وجه الآدميّ، في صفرة عينين وتوقّدهما. ويقال للذكر منها: الصّدى والضّوع- بضم الضاد المعجمة- والفيّاد- بالفاء وتشديد المثناة تحت- ويقال للأنثى:
الهامة. وكنية الأنثى: أمّ الخراب، وأمّ الصّبيان؛ ولها في الليل قوّة سلطان لا يحتملها شيء من الطير؛ تدخل على كل طائر في وكره في الليل فتخرجه منه وتأكل فراخه وبيضه، ولا تنام الليل؛ والطير بجملته يعاديها من أجل ذلك؛ فإذا رأوها «2» في النهار قتلوها ونتفوا ريشها؛ ومن ثم يجعلها الصيّادون في شباكهم ليقع عليها الطير فيقتنصونها؛ فهي لا تظهر بالنهار لذلك.
ونقل المسعوديّ «3» في مروج الذهب عن الجاحظ أنها إنما تمتنع من ظهورها في النهار خوفا من أن تصاب بالعين لحسنها وجمالها، لأنها تصوّر في نفسها أنها أحسن الحيوان. ومن طبعها سكنى الخراب دون العامر.
ومن غريب ما يحكى ما ذكره الطرطوشي «4» في «سراج الملوك» : أن عبد
(2/93)

الملك بن مروان أرق ليلة فاستدعى نميرا يحدّثه، فكان مما حدّثه أن قال: يا أمير المؤمنين كان بالبصرة بومة وبالموصل بومة، فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة بنتها لابنها؛ فقالت بومة البصرة: لا أفعل حتّى تجعلي في صداقها مائة ضيعة خراب؛ فقالت بومة الموصل: لا أقدر على ذلك الآن ولكن إن دام والينا سلّمه الله علينا سنة واحدة فعلت؛ فاستيقظ لها وجلس للمظالم.
ومنها «البؤة» -
بضم الباء وفتح «1» الهمزة- قال الجوهري: وهو طائر يشبه البومة إلا أنه أصغر منها. وذكر ابن قتيبة في أدب الكاتب نحوه، ويقال له البوهة أيضا؛ وهي من طير الليل أيضا. ولا يخفى أنها التي يسمّيها الناس في زماننا المصّاصة ويزعمون أنها تنزل على الأطفال فتمصّ أنوفهم.
ومنها «الخفّاش» -
بضم الخاء المعجمة وتشديد الفاء وبالشين المعجمة، ويجمع على خفافيش- وهو طائر غريب الشّكل والوصف لا ريش عليه؛ وأجنحته جلدة لا صقة بيديه، وقيل لا صقة بجنبه. وسمي خفّاشا لأنه لا يبصر نهارا، وبه سمي الرجل: أخفش؛ والعامّة تسميه الوطواط، وقيل: الخفّاش الصغير، والوطواط الكبير، ويقال: إن الوطواط هو الخطّاف لا الخفّاش. وليس هو من الطير في شيء، فإن له أسنانا وخصيتين، ويحيض ويضحك كما يضحك الإنسان، ويبول كما تبول ذوات الأربع، ويرضع ولده من ثديه.
ولما كان لا يبصر نهارا التمس وقتا يكون بين الظلمة والضوء وهو قريب غروب الشمس، لأنه وقت هيجان البعوض، فالبعوض يخرج في ذلك الوقت يطلب قوته من دماء الحيوان؛ والخفّاش يخرج لطلب الطّعم فيقع طالب رزق على طالب رزق. ويقال: إنه هو الذي خلقه المسيح عليه السلام من الطين، ونفخ فيه فكان طيرا بإذن الله. قال بعض المفسرين: ومن أجل ذلك كان مباينا لغيره من
(2/94)

الطيور، ولذلك سائر الطيور مبغضة له وتسطو عليه؛ فما كان منها يأكل اللحم أكله، وما كان منها لا يأكل اللحم قتله؛ وهو شديد الطّيران، سريع التقلب؛ يقتات البعوض والذباب وبعض الفواكه. وهو موصوف بطول العمر حتّى يقال: إنه أطول عمرا من النّسر؛ وتلد الأنثى ما بين ثلاثة أفراخ وسبعة، وكثيرا ما يسفد وهو طائر في الهواء. وهو يحمل ولده معه إذا طار تحت جناحه، وربما قبض عليه بفيه حنوّا عليه، وربما أرضعت الأنثى ولدها وهي طائرة. وفي طباعه أنه متى أصابه ورق الدلب خدر ولم يطر. وقد ورد النهي عن قتله.
فإذا عرف الكاتب أحوال الطير وخواصّها، تصرف فيها بحسب ما يحتاج إليه في نظمه ونثره، كما في قول الشاعر:
وإذا السعادة لا حظتك عيونها ... نم، فالمخاوف كلّهنّ أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان
إشارة إلى عظم العنقاء وعدم القدرة على مقاومتها؛ ومع ذلك تنقاد بالسعد. وكما في قول أبي الفتح كشاجم «1» ، مخاطبا لولده يطلب البرّ منه:
اتّخذ فيّ خلّة في الكراكي ... أتّخذ فيك خلّة الوطواط
أنا إن لم تبرّني في عناء ... فببرّي ترجو جواز السراط
يشير إلى ما تقدّم من أنّ في طبع الكركي برّ والديه إذا كبرا، كما أن في طبع الوطواط برّ أولاده بحيث يحملها معه إلى حيث توجه؛ وكما في قول الشاعر:
مثل النهار يزيد إبصار الورى ... نورا ويعمي أعين الخفّاش
إشارة إلى أن الخفّاش لا يبصر نهارا، بخلاف سائر أرباب الأبصار؛ وكما قيل في وصف شارد عن القتال:
(2/95)

وهم تركوه «1» أسلح من حبارى ... رأى صقرا، وأشرد من نعام
يريد ما تقدّم مما يعرض للحبارى من إرسالها سلحها على الجارح عند اقتناصه لها؛ وأنّ النعام في غاية ما يكون في البرية من الشّراد والنّفار، ونحو ذلك مما يجري هذا المجرى.
الصنف الرابع الحمام
وقد اختلف في الحمام في أصل اللغة؛ فنقل الأزهريّ «2» عن الشافعيّ رضي الله عنه أن الحمام يطلق على كل ما عبّ وهدر وإن تفرقت أسماؤه، فيدخل فيه الحمام، واليمام، والدّباسيّ، والقماري، والفواخت وغيرها. وذهب الأصمعيّ «3» إلى أن الحمام يطلق على كل ذات طوق كالفواخت والقماريّ وأشباهها. ونقل أبو عبيد عن الكسائيّ «4» سماعا منه أن الحمام هو الذي لا يألف البيوت، وأن اليمام هو الذي يألف البيوت؛ لكن الذي غلب عليه إطلاق الحمام هذا النوع المخصوص المعروف.
ثم هو على قسمين:
أحدهما ما ليس له اهتداء في الطيران من المسافة البعيدة.
والثاني ما له اهتداء، ويعرف بالحمام الهدي وهو المراد هنا، وقد اعتنى الناس بشأنه في القديم والحديث، واهتم بأمره الخلفاء؛ كالمهديّ ثالث خلفاء بني
(2/96)

العباس، والواثق، والناصر؛ وتنافس فيه رؤساء الناس بالعراق، لا سيما بالبصرة.
فقد ذكر صاحب «الروض المعطار» «1» : أنهم تنافسوا في اقتنائه، ولهجوا بذكره، وبالغوا في أثمانه حتّى بلغ ثمن الطائر الفاره منها سبعمائة دينار، ويقال:
إنه بلغ ثمن طائر منها جاء من خليج القسطنطينية ألف دينار، وكانت تباع بيضة الطائر المشهور بالفراهة بعشرين دينارا. وإنه كان عندهم دفاتر بأنساب الحمام كأنساب العرب. وإنه كان لا يمتنع الرجل الجليل ولا الفقيه ولا العدل من اتخاذ الحمام والمنافسة فيه والإخبار عنها، والوصف لأثرها والنعت لمشهورها، حتّى وجه أهل البصرة إلى بكار بن قتيبة البكراني «2» ، قاضي مصر- وكان في فضله وعقله ودينه وورعه ما لم يكن عليه قاض- بحمامات لهم مع ثقات، وكتبوا إليه يسألونه أن يتولّى إرسالها بنفسه، وكان الحمام عندهم متجرا من المتاجر لا يرون بذلك بأسا.
وذكر المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» : أن الحمام أوّل ما نشأ- يعني في الديار المصرية والبلاد الشامية- من الموصل وأنّ أوّل من اعتنى به من الملوك ونقله من الموصل: الشهيد نور الدين بن زنكي صاحب الشام رحمه الله في سنة خمس وستين وخمسمائة. وحافظ عليه الخلفاء الفاطميون بمصر، وبالغوا حتّى أفردوا له ديوانا وجرائد بأنساب الحمام. وقد اعتنى بعض المصنفين بأمره؛ حتّى صنّف فيه أبو الحسن بن ملاعب القوّاس البغداديّ كتابا للناصر لدين الله العباسي، ذكر فيه أسماء أعضاء الطائر، ورياشه، والوشوم التي توشم في كل عضو، وألوان
(2/97)

الطيور، وما يستحسن من صفاتها، وكيفية إفراخها، وبعض المسافات التي أرسلت منها، وذكر شيء من نوادرها وحكاياتها وما يجري مجرى ذلك.
وذكر في «التعريف» : أن القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر «1» صنف فيها كتابا سمّاه «تمائم الحمائم» ؛ ويتعلق الغرض منها بأمور.
الأمر الأوّل ذكر ألوانها
قال أبو الحسن القوّاس: وقد أكثر الناس من ذكر ألوانها؛ ويرجع القصد فيها إلى ذكر ألوان ستة:
اللون الأوّل «البياض» -
ومنه الأبيض الصافي، والأشقر؛ وهو ما كان يعلوه حمرة؛ فإن كان الغالب في شقرته البياض قيل: فضّيّ، فإن زاد قيل: أشقر.
اللون الثاني «الخضرة» -
إن كانت خضرته مشبعة إلى السواد قيل:
أخضر مسنّي، فإن كان دون ذلك قيل: نبتيّ الخضرة، فإن كان دون ذلك قيل:
صافي الخضرة؛ فإن تكدّرت خضرته بأن لم يكن صافي الخضرة قيل: أسمر.
اللون الثالث «الصّفرة» -
وهي عبارة عن أن تكون خضرته تميل إلى البياض؛ فإن كان صافيا قيل: أصفر قرطاسيّ.
اللون الرابع «الحمرة» -
إذا كان شديد الحمرة قيل: عنّابيّ؛ فإن كان دون ذلك قيل: خمري؛ فإن كان دون ذلك قيل: خلوقيّ؛ فإن كانت حمرته تضرب إلى الخضرة قيل: أكفأ؛ فإن كانت حمرته تضرب إلى البياض قيل: أحمر صدقيّ.
اللون الخامس «السواد» -
إذا كان شديد السواد لا بياض فيه قيل: أسود
(2/98)

مطبق؛ فإن كان لون سواده ناقصا قيل: أسود أخلس؛ فإن كان سواده يضرب إلى الخضرة قيل: أسود رماديّ؛ فإن كان في سواده مائية قيل: أسود برّاق، فإن كان ساقاه أيضا أسودين قيل: أسود حالك، وأسود زنجيّ.
اللون السادس «النّمري» -
وهو أن يكون في الطائر نقط يخالف بعضها بعضا؛ ويختلف الحال فيه باختلاف كبر النّقط وصغرها، فتارة يقال: مدنّر، وتارة يقال: ملمّع، وتارة يقول: أبرش، وتارة يقال: موشّح، وتارة يقال: أبقع، وتارة يقال: أبلق، وتارة يقال: دباسيّ، وتارة يقال: مدرّع، إلى غير ذلك مما لا يستوفى كثرة. ثم إن كان الطائر أكحل العينين وحول عينيه حمرة قيل: فقيع، فإن كان أصفر العين قيل: أصفر زرنيخي؛ فإن كان أبيض العنق قيل: هلاليّ، وهو أحسنها، والأصفر العين بعده؛ فإن كانت العين بيضاء وفيها حمرة قيل: رمّاني العين.
الأمر الثاني في عدد ريش الجناحين والذنب المعتدّ به وأسمائها
أما الجناحان فإن فيهما عشرين ريشة، في كل جناح منهما عشر ريشات، الأولى منها وهي التي في طرف الجناح تسمّى: الصمة؛ والثانية وهي التي بعدها تسمّى: المضافة الرئيسية؛ والثالثة وهي التي بعدها تسمّى: الواسطية؛ والرابعة وهي التي بعدها تسمّى: المضافة؛ والخامسة وهي التي بعدها تسمّى: المنظفة؛ والسادسة وهي التي بعدها تسمّى: المنحدرة؛ والسابعة وهي التي بعدها تسمّى:
الناقصة؛ والثامنة وهي التي بعدها تسمّى: المؤنسة؛ والتاسعة وهي التي بعدها تسمّى: الزّاملة، والعاشرة وهي التي بعدها تسمّى: المعينة.
وبعضهم يسمّي الأولى: الصغيرة، والثانية: الرقيقة، والثالثة: الموفية، والرابعة: الباحلة، والخامسة: الحيرة، والسادسة: الصرافة، والسابعة: ممسكة الرمي، والثامنة والتاسعة: الحافظتين، والعاشرة: الملكة.
وربما كان في كل جناح إحدى عشرة ريشة، فيسمّى الطائر حينئذ: أعلم.
(2/99)

ولهذه الريشات العشر عشر ريشات مع كل واحدة منها رادفة، وهي الريش الصّغار التي تغطّي قصب الجناح من ظاهره؛ ولكل ريشة من هذه الريشات العشر ريشة صغيرة تغطي قصبتها؛ لكل واحدة منها اسم يخصها.
ومن ريش الجناح أيضا: الخوافي، وهي الريش المستقر مع العشر ريشات الطّوال المنقلب برؤوسه إلى مؤخّر الجناح؛ وهي تسع ريشات، الأولى منها تسمّى: الحدقة، والثانية: الرّتمة، والثالثة: الغرّة، والرابعة: الحز، والخامسة: الجائزة، والسادسة: المسلّمة، والسابعة: الملازمة، والثامنة:
الشعثة، والتاسعة: اللامعة؛ وبعضهم يسمّي الأولى: بنت الملكة، والثانية:
الإبرة، والثالثة: المقشعرّة، والرابعة: الصافية، والخامسة: المصفية، والسادسة: المصفرة، والسابعة: الزرقاء، والثامنة: السوداء، والتاسعة:
المزرقّة، وعدّ فيها عاشرة تسمّى: المخضرّة؛ ولكل ريشة من الريشات التّسع ريشة صغيرة تغطي قصبتها لها اسم يخصها أيضا.
وبعد الخوافي: الغفار، ولكل ريشة من الغفار ريشة صغيرة من باطنها تغطّي قصبتها.
ومن ريش الجناحين: المقوّمات، وهي ثلاث ريشات في طرف الجناح، تسمّى: الزوائد؛ ومن فوقها ثلاث ريشات صغار تغطي قصبتها، تسمّى:
الغواشي، وأصلها مع أصل «1» أيضا.
وأما الذّنب، فالمعتبر فيه اثنتا عشرة ريشة من كل جانب: منه ست ريشات تسمّى الأولى منها: الغزالة، والثانية: العروس، والثالثة: الباشقة، والرابعة:
الباقية، والخامسة: المجاورة، والسادسة: العمود، ومن الجانب الآخر كذلك،
(2/100)

الأمر الثالث الفرق بين الذكر والأنثى
وقد ذكروا بينهما فروقا؛ منها أن الأنثى إذا تمشت قدّمت الرّجل اليسرى، والذكر يقدّم الرّجل اليمنى، ومنها أن يرى الذكر مقتدرا في الأرض مستشيطا، والأنثى بالضدّ من ذلك؛ ومنها أن ريش الذكر أعرض وأطول وأحسن استواء من الأنثى، ومنها أن مذبح الذكر يكون عريضا ومذبح الأنثى دقيقا؛ ومنها أن يكون وجه الذكر عريض الخدّ والأنثى بالضدّ من ذلك؛ ومنها أنّ الأنثى إذا طارت فتحت جناحيها والذكر إذا طار أخرج عشريه «1» .
الأمر الرابع في بيان صفة الطائر الفاره
قال أبو الحسن القوّاس: علامته أن يكون رأسه مكعبا، وعينه معتدلة، غير ناتئة ولا غائرة، ولا فاترة، ولا قلقة منزعجة، وأن يكون منقاره غليظا قصيرا، وأن يكون وسط المنخرين مكلثم القرطمتين «2» أهرت «3» الشّدقين، واسع الصدر، نقيّ الريش، طويل الفخذين، قصير الساقين، غليظ الأصابع، شثن «4» البراثن، طويل القوادم من غير إفراط.
ويستحب فيه قصر الذنب ودقّته، واجتماع ريشه من غير تفرّق؛ وأن يكون ظهره معتدلا وإلى القصر أقرب؛ وأن يكون جؤجؤه، وهو جانب الصدر، طويلا ممتدّا؛ وعنقه طويلا منتصبا؛ وريش قوامه وخوافيه مبنيّا متطابقا بعضه مع بعض من غير تفرّق ولا تمعّط؛ وأن يكون شديد اللحم مكتنزا، غير رخو ولا رهل.
(2/101)

ويستحب فيه أيضا أن يكون قليل الرّعدة عند الفزع، سريع اللّقط للحب؛ خفيف الحركة والنّهوض والنزول من غير طيش ولا اختلاط؛ وأن يكون ظهره مسطّحا لا أحدب ولا أوقص «1» ؛ ويستحب فيه إذا وقف أن ينصب صدره، ويرفع عنقه، ويفتح ما بين فخذيه شبه البازي.
ومن علامة فراهته أنه إذا طال عليه الطّيران وأراد النزول على سطحه «2» ألا يدلّي رجليه حتّى يقع صدره على سطحه لأنه إذا دلّى ساقيه كان عيبا عظيما، يقولون: قد انحلت سراويله بمعنى أنه قد أدّى جميع ما عنده من القوّة والطاقة، ويكره فيه دقة المغرز، وطول الذّنب، وتفرّق الريش.
الأمر الخامس الفراسة في الطائر من حال صغره قبل الطيران
قالوا من علامة الطائر الفاره في صغره: أن يكون حديد النظر، شديد الحذر، خفيف اللحم، قليل الريش، سريع النّهضة، كثير التّلفّت في الجوّ، ممتدّ العظم، مستويا، لطيف الذّنب، خارج العنق، قصير الساقين، طويل الفخذين، محجّلا، مذيل المنقار، مدوّر القراطم، مضاعف المحاجر، يلزم موضعا واحدا من صغره، إلى ازدواجه، فإذا ازدوج على السّطح يكون حريصا على طائرته، حسن الأخلاق معها لا يطردها طرد الكلاب ولا يغتال غيلة الذئاب، قليل الذّرق كثير الدهن، مدلّا بنفسه، كأنه يعلم أنه فاره. فإن كان فيه بعض هذه الخصال كانت فراهته على قدر ما فيه من ذلك.
قال أبو الحسن الكاتب: ومن علامة شهامة الفرخ أن تكون فيه الحركة وهو تحت أبيه وأمه، وكلما جمعته لتضمّه تحتها، خرج من تحتها ويعتلق للخروج؛ وأن يكون ريش رأسه كأن فيه جلحا «3» وريش جسده وجناحه مستطيلا عند نبعه من
(2/102)

جسده، وأن يطول ريشه حتّى يغطّي ظهره ولا ينتشر إلا بعد ذلك؛ وأن يكون من جؤجؤ الصدر إلى مغرزه أقصر من بطنه إلى رأس براثنه.
وفي الحمام طائر يقال له: الأندم، وصفته أن يكون أسود المنقار ليس فيه بياض، ورأس منقاره وأصله سواء، لا تحديد في رأسه؛ عريض القراطم غليظ الشّدقين، منتشر المنخرين، جهوريّ الصوت، غائر العين؛ قال أبو الحسن القوّاس: ولا تكون هذه الصفة إلا في الطائر الفاره الأصيل، الكريم الأب والأم.
الأمر السادس بيان الزمان والمكان اللائقين بالإفراخ
أما الزمان فأصلح أوقات التأليف: أيلول، وتشرين الأول، وتشرين الثاني، وآذار، ونيسان، وأيار، فإذا وقع الإفراخ في شيء من هذه الأوقات كانت الفراخ أقوياء نجباء، أذكياء، ونهوا عن الإفراخ في كانون الأول، وكانون الثاني، وشباط، وآب، وتموز، وحزيران، فإن الذي يفرخ فيه لا يزال ناقص البدن، قليل الفطنة، يلقي ريشه في السنة مرتين فيضعف.
وأما المكان فقد حكي عن إقليمن الهندي: أن أولى ما أفرخ الحمام بالسّطوح. وذلك أنّ الفرخ يخرج من القشر فيلقى خشونة الهواء وحرّ الموضع فيصير له عادة ثم لا ينهض حتّى يعرف وطنه وينقلب إليه أبوه وأمه بالزّقّ والعلف فيعرف السّطح حقّ المعرفة، وينتقل خلفهما فيعلمانه الصّعود والهبوط، وربما أخذه إلى الرّعي بالصحراء فلا يكمل حتّى يصير شهما عارفا بأمور الطيران؛ بخلاف ما إذا أفرخ بالسّفل فإنه يتربّى جسده على برودة الفيء ولين الهواء، فإذا كمل وترقّى الى السطح لقيه خشونة الهواء وقوة الحرّ، فيحدث له الحرّ الجامد بفؤاده الكباد والدّقّ «1» .
(2/103)

الأمر السابع في مسافة الطيران
قد تقدّم أنّ طائرا طار من الخليج القسطنطينيّ إلى البصرة، وأن الحمام كان يرسل من مصر إلى البصرة أيضا.
وذكر ابن سعيد «1» في كتابه «جنى المحل وجنى النحل» : أنّ العزيز ثاني خلفاء الفاطميين بمصر ذكر لوزيره يعقوب بن كلس «2» أنه ما رأى القراصية البعلبكية، وأنه يحب أن يراها، وكان بدمشق حمام من مصر وبمصر حمام من الشام، فكتب الوزير بطاقة يأمر فيها من بدمشق أن يجمع ما بها من الحمام المصريّ ويعلق في كل طائر حبّات من القراصية البعلبكية وترسل ففعل ذلك؛ فلم يمض النهار إلا وعنده قدر كثير من القراصية، فطلع بها إلى العزيز من يومه؛ وذكر أيضا في كتابه «المغرب في أخبار المغرب» : أن الوزير اليازوري «3» المغربي وزير المستنصر الفاطمي وجّه الحمام من مدينة تونس من إفريقية من بلاد المغرب إلى مصر فجاء إلى مصر.
وقد ذكر أبو الحسن القوّاس في كتابه في الحمام: أنّ حماما طار من عبّادان «4» إلى الكوفة، وأن حماما طار من التّرناوذ إلى الأبلّة «5» ونحو ذلك. وسيأتي
(2/104)

الكلام على أبراج الحمام بالديار المصرية في المقالة العاشرة فيما بعد إن شاء الله تعالى.
النوع الخامس ما يحتاج إلى وصفه من نفائس الأحجار
ويحتاج الكاتب إليه من وجهين: أحدهما من حيث مخالطة الملوك، فلا بدّ أن يكون عارفا بصفات الجواهر وأثمانها والنّفيس منها وخواصّها، لأنه ربما جرى ذكر شيء من ذلك بحضرة ملكه، فتكون مشاركته فيه زيادة في رفعة محله، وعلوّ مقداره، وهذا هو الذي عوّل عليه صاحب «موادّ البيان» »
في احتياج الكاتب إلى ذلك.
والثاني: أن يحتاج إلى وصف شيء من ذلك مع هدية تصدر عن ملكه أو هدية تصل إليه، مع ما يحتاج إليه من ذلك لمعرفة التشبيهات والاستعارات التي هي عمود البلاغة؛ فمن لم يكن عارفا بأوصاف الأحجار، ونفائس الجواهر، لا يحسن التعبير عنها، ألا ترى إلى تشبيهات ابن المعتز «2» ووصفه للجواهر كيف تقع في نهاية الحسن وغاية الكمال لمعرفته بالمشاهدة فهو يقول عن علم، ويتكلم عن معرفة «وليس الخبر كالمعاينة» وقد اعتنى الناس بالتصنيف في الأحجار في القديم والحديث.
فممن صنف فيه في القديم من حكماء الفلاسفة: أرسطوطاليس «3» ؛ وبلينوس «4» ، وياقوس الأنطاكي.
(2/105)

وممن صنّف فيه من الإسلاميين: أحمد بن أبي خالد المعروف بابن الجزار «1» ، ويعقوب بن إسحاق الكندي وغيرهما، وأحسن مصنّف فيه مصنّف أبي العباس أحمد بن يوسف التّيفاشيّ «2» .
والذي يتعلق الغرض منه بذلك اثنا عشر صنفا:
الصنف الأول اللؤلؤ
وهو يتكوّن في باطن الصّدف، وهو حيوان من حيوان البحر الملح له جلد عظميّ كالحلزون، ويغوص عليه الغوّاصون فيستخرجونه من قعر البحر، ويصعدون به فيستخرجونه منه. وله مغاصات كثيرة، إلا أن مظانّ النفيس منه بسرنديب من الهند، وبكيش «3» ، وعمان، والبحرين من أرض فارس، وأفخره لؤلؤ جزيرة خارك، بين كيش والبحرين.
أمّا ما يوجد منه ببحر القلزم وسائر بحار الحجاز فرديء ولو كانت الدّرّة منه في نهاية الكبر؛ لأنه لا يكون لها طائل ثمن. وجيّد اللؤلؤ في الجملة هو الشّفّاف الشديد البياض، الكبير الجرم، الكثير الوزن، المستدير الشكل، الذي لا تضريس فيه، ولا تفرطح، ولا اعوجاج. ومن عيوبه أن يكون في الحبة تفرطح، أو اعوجاج، أو يلصق بها قشر أو دودة، أو تكون مجوّفة غير مصمته، أو يكون ثقبها متسعا.
(2/106)

ثم من مصطلح الجوهريين أنه إذا اجتمع في الدرّة أوصاف الجودة، فما زاد على وزن درهمين ولو حبة يسمّى درّا؛ فإن نقصت عن الدرهمين ولو حبة سمّيت حبّة لؤلؤ؛ وإذا كانت زنتها أكثر من درهمين وفيها عيب من العيوب فإنها تسمّى حبّة أيضا؛ ولا عبرة بوزنها مع عدم اجتماع أوصاف الجودة فيها. وتسمّى الحبة المستديرة الشكل عند الجوهريين: الفأرة، وفي عرف العامّة: المدحرجة. ومن طبع الجوهر أنه يتكون قشورا رقاقا طبقة على طبقة حتّى لو لم يكن كذلك فليس على أصل الخلقة بل مصنوع.
ومن خواصه أنه إذا سحق وسقي مع سمن البقر نفع من السّموم.
وقال أرسطوطاليس: من وقف على حل اللؤلؤ من كباره وصغاره حتّى يصير ماء رجراجا ثم طلى به البرص أذهبه. وقيمة الدرّة التي زنتها درهمان وحبة مثلا أو وحبتان، مع اجتماع شرائط الجودة فيها، سبعمائة دينار؛ فإن كان اثنتان على هذه الصفة كانت قيمتهما ألفي دينار، كل واحدة ألف دينار لاتفاقهما في النظم؛ والتي زنتها مثقال وهي بصفة الجودة قيمتها ثلاثمائة دينار، فإن كان اثنتان زنتهما مثقال وهما بهذه الصفة على شكل واحد لا تفريق بينهما في الشكل والصورة، كانت قيمتهما أكثر من سبعمائة دينار.
وقد ذكر ابن الطوير في تاريخ الدّولة الفاطمية: أنه كان عند خلفائهم درّة تسمّى اليتيمة زنتها سبعة دراهم تجعل على جبهة الخليفة بين عينيه عند ركوبه في المواكب العظام على ما سيأتي ذكره في الكلام على ترتيب دولتهم في المسالك والممالك إن شاء الله تعالى.
ويضرّه جميع الأدهان، والحموضات بأسرها لا سيما الليمون، ووهج النار، والعرق، وذفر الرائحة، والاحتكاك بالأشياء الخشنة؛ ويجلوه ماء حماض الأترج، إلا أنه إذا أثجّ «1» عليه به قشره ونقص وزنه، فإن كانت صفرته من أصل تكوّنه في البحر فلا سبيل إلى جلائها.
(2/107)

الصنف الثاني الياقوت
قال بلينوس: وهو حجر ذهبيّ، وهو حصى يتكوّن بجزيرة خلف سرنديب من بلاد الهند بنحو أربعين فرسخا، دورها نحو ستين فرسخا في مثلها، وفيها جبل عظيم يقال له جبل الرّاهون، تحدر منه الرياح والسيول الياقوت فيلتقط، والياقوت حصباؤه؛- وهو الجبل الذي أهبط الله تعالى عليه آدم عليه السلام- فإذا لم تحدر السيول منه شيئا عمد أهل ذلك الموضع إلى حيوان فذبحوه وسلخوا جلده وقطّعوه قطعا كبارا وتركوه في سفح ذلك الجبل فيختطفه نسور تأوي إلى ذلك الجبل فتصعد باللحم إلى أعلاه فيلصق بها الياقوت؛ ثم تأخذه النسور وتنزل به إلى أسفل فيسقط منه ما علق به من الياقوت؛ فإذا أخذ كان لونه مظلما ثم يشف بملاقاة الشمس ويظهر لونه على أيّ لون كان.
ثم هو على أربعة أضرب:
الضرب الأوّل «الأحمر» -
ومنه البهرمان؛ ولونه كلون العصفر «1» الشديد الحمرة الناصع في القوّة الذي لا يشوب حمرته شائبة؛ ويسمّى: الرّمّانيّ لمشابهته حبّ الرّمان الرائق الحب؛ وهو أعلى أصناف الياقوت وأفضلها وأغلاها ثمنا.
ومنه: الخيريّ؛ وهو شبيه بلون الخيريّ «2» ؛ وهو المنثور؛ ويتفاضل في قوّة الصبغ وضعفه حتى يقرب من البياض.
ومنه الورديّ: وهو كلون الورد ويتفاضل في شدّة الصبغ وضعفه حتّى يقرب من البياض.
(2/108)

وأردأ ألوانه الورديّ الذي يضرب إلى البياض، والسّمّاقي الذي يضرب إلى السّواد.
الضرب الثاني «الأصفر» -
وأعلاه الجلّناريّ؛ وهو أشدّه صفرة، وأكثره شعاعا ومائية؛ ودونه الخلوقيّ، وهو أقلّ صفرة منه؛ ودونه الرقيق وهو قليل الصفرة كثير الماء ساطع الشّعاع. وأردأ الأصفر ما نقص لونه ومال إلى البياض.
الضرب الثالث «الأبيض» -
ومنه المهانيّ: وهو أشدّها وأكثرها ماء وأقواها شعاعا؛ ومنه الذكر؛ وهو أثقل من المهانيّ وأقلّ شعاعا وأصلب حجرا؛ وهو أدون أصناف الياقوت وأقلها ثمنا. وأجود الياقوت الأحمر البهرمانيّ والرمانيّ والورديّ النيّر المشرق اللون الشّفّاف الذي لا ينفذه البصر بسرعة. وعيوبه الشّعرة؛ وهي شبه تشقيق يرى فيه، والسوس؛ وهو خروق توجد فيه باطنة ويعلوها شيء من ترابية المعدن.
ومن أردأ صفاته قبح الشكل.
ومن خواصّ الياقوت: أنه يقطع كل الحجارة كما يقطعها الماس؛ وليس يقطعه هو على أيّ لون كان غير الماس.
ومن خواصه أيضا: أنه لا ينحكّ على خشب العشر الذي تجلى به جميع الأحجار؛ بل طريق جلائه أن يكسّر الجزع «1» اليماني ويحرق حتّى يصير كالنّورة «2» ثم يسحق بالماء حتّى يصير كأنه الغراء ثم يحك على وجه صفيحة من نحاس حجر الياقوت، فينجلي ويصير من أشدّ الجواهر صقالة.
ومن خواصه: أنه ليس لشيء من الأحجار المشفّة شعاع مثله، وأنه أثقل من سائر الأحجار المساوية له في المقدار، وأنه يصبر على النار فلا يتكلّس بها كما يتكلس غيره من الحجارة النفيسة؛ وإذا خرج من النار برد بسرعة حتّى إنّ الإنسان
(2/109)

يضعه في فيه عقب إخراجه من النار فلا يتأثر به؛ إلا أن لون غير الأحمر منه كالصفرة وغيرها يتحوّل إلى البياض؛ أمّا الحمرة فإنها تقوى بالنار، بل إذا كان في الفص نكتة حمراء، فإنها تتّسع بالنار وتنبسط في الحجر بخلاف النكتة السوداء فيه، فإنها تنقص بالنار، فما ذهبت حمرته بالنار فليس بياقوت، بل ياقوت أبيض مصبوغ أو حجر يشبه الياقوت.
ومن منافعه ما ذكره أرسطاطاليس: أن التختم به يمنع صاحبه أن يصيبه الطاعون إذا ظهر في بلد هو فيه، وأنه يعظم لابسه في عيون الناس، ويسهل عليه قضاء الحوائج، وتتيسر له أسباب المعاش، ويقوّي قلبه ويشجعه، وأن الصاعقة لا تقع على من تختم به. وإذا وضع تحت اللسان، قطع العطش. وامتحانه أن يحكّ به ما يشبهه من الأحجار، فإنه يجرحها بأسرها ولا تؤثر هي فيه.
قال التيفاشيّ: وقيمة الأحمر الخالص على ما جرى عليه العرف بمصر والعراق أن الحجر إذا كان زنته نصف درهم كانت قيمته ستة مثاقيل من الذهب الخالص؛ والحجر الذي زنته درهم قيمته ستة عشر دينارا؛ والحجر الذي زنته مثقال قيمته بدينارين القيراط؛ والحجر الذي زنته مثقال وثلث قيمته ثلاثة دنانير القيراط إلى ثلاثة ونصف؛ ويزيد ذلك بحسب زيادة لونه ومائيته وكبر جرمه، حتّى ربما بلغ ما زنته مثقال من جيّده مائة مثقال من الذهب إذا كان بهرمانا نهاية في الصّبغ والمائية والشعاع، قد نقص منه بالحك كثير من جرمه؛ وقيمة الأصفر منه زنة كل درهم بدينارين؛ وقيمة الأزرق والماهانيّ كل درهم بأربعة دنانير؛ وقيمة الأبيض على النصف من الأصفر. ويختلف ذلك كله بالزيادة والنقص في الصّبغ والمائية مع القرب من المعدن والبعد عنه.
وقد ذكر ابن الطوير في ترتيب مملكة الفاطميين: أنه كان عندهم حجر ياقوت أحمر في صورة هلال زنته أحد عشر مثقالا يعرف بالحافر، يجعل على جبين الخليفة بين عينيه مع الدّرّة المتقدّمة الذكر عند ركوبه.
(2/110)

الصنف الثالث البلخش
قال في مسالك الأبصار «1» : ويسمّى اللّعل.
قال بلينوس: وانعقاده في الأصل ليكون ياقوتا إلا أنه أبعده عن الياقوتية علل من اليبس والرطوبة وغيرهما، وكذلك سائر الأحجار الحمر. ومعدن البلخش الذي يتكوّن فيه بنواحي بلخشان. والعجم تقول: بذخشان بذال معجمة وهي من بلاد الترك تتاخم الصين «2» .
قال التيفاشي: وأخبرني من رأى معدنه من التّجار أنه وجد منه في المعدن حجرا وفي باطنه ما لم يكمل طبخه وانعقاده بعد، والحجر مجتمع عليه؛ وهو على ثلاثة أضرب: أحمر معقرب، وأخضر زبرجديّ، وأصفر؛ والأحمر أجوده.
قال التيفاشي: وليس لجميعه شيء من خواص الياقوت ومنافعه؛ وإنما فضيلته تشبهه به في الصّبغ والمائية والشعاع لا غير. قال: وقيمته في الجملة غالبا على النصف من قيمة الياقوت الجيد.
قال في مسالك الأبصار: وهو لا يؤخذ من معدنه إلا بتعب كثير وإنفاق زائد، وقد لا يوجد بعد التعب والإنفاق، ولهذا عز وجوده، وغلت قيمته، وكثر طالبه، والتفتت الأعناق إلى التحلي به. قال: وأنفس قطعة وصلت إلى بلادنا من البلخش قطعة وصلت مع تاجر في أيام العادل كتبغا «3» وأحضرت إليه وهو بدمشق، وكانت قطعة جليلة مثلثة على هيئة المشط العوديّ، وهي في نهاية الحسن وغاية الجودة، زنتها خمسون درهما، كاد المجلس يضيء منها، فأحضر الصاحب نجم
(2/111)

الدين الحنفيّ الجوهريّ وسأله عن قيمتها، فقال له نجم الدين الجوهريّ: إنما يعرف قيمتها من رأى مثلها، وأنا وأنت والسلطان ومن حضر لم نر مثلها فكيف نعرف قيمتها؟ فأعجب بكلامه، وصالح عليها صاحبها.
الصنف الرابع عين الهرّ
قال التيفاشي: وهو في معنى الياقوت إلا أن الأعراض المقتصرة به أقعدته عن الياقوتية، ولذلك إنما يوجد في معدن الياقوت المتقدّم ذكره، وتخرجه الرياح والسيول كما تخرج الياقوت على ما تقدّم، قال: ولم أجده في كتب الأحجار، وكأنه محدث الظهور بأيدي الناس، والغالب على لونه البياض بإشراق عظيم ومائية رقيقة شفافة، إلا أنه ترى في باطنه نكتة على قدر ناظر الهر الحامل للنور المتحرك في فصّ مقلته، وعلى لونه- على السواد- وإذا تحرّك الفصّ إلى جهة، تحركت تلك النكتة بخلاف جهته؛ فإن مال إلى جهة اليمين، مالت النكتة إلى جهة اليسار وبالعكس، وكذلك الأعلى والأسفل؛ وإن كسر الحجر أو قطع على أقلّ جزء، ظهرت تلك النكتة في كل جزء من أجزائه، ولذلك يسمّى: عين الهر.
وأجوده ما اشتدّ بياض أبيضه وشفيفه، وكثرت مائية النكتة التي فيه مع سرعة حركتها وظهور نورها وإشراقها؛ ولا يخفى أن حسن الشكل وكبر الجرم يزيدان في قيمته كسائر الأحجار.
قال التيفاشي: والمشهور من منافعه عند الجمهور أنه يحفظ حامله من أعين السوء. ونقل عن بعض ثقات الجوهريّين: أنه يجمع سائر الخواصّ التي في الياقوت البهرمانيّ في منافعه، ويزيد عليه بألا ينقص مال حامله ولا تعتريه الآفات، وأنه إذا كان في يد رجل وحضر مصافّ حرب وهزم حزبه فألقى نفسه بين القتلى رآه كل من يمرّ به من أعدائه كأنه مقتول متشحط في دمه، وأن ثمنه بالهند مع قرب معدنه أغلى من ثمنه ببلاد المغرب بكثير، لعلمهم بخواصه؛ وقيمته تختلف بحسب الرغبة فيه؛ وإذا وقع ببلاد المغرب بيع المثقال منه بخمسة دنانير، ويزيد
(2/112)

على ذلك بحسب الغرض.
وذكر التيفاشي عن بعض التجار أن حجرا منه بيع في المعبر من بلاد الهند بمائة وخمسين دينارا، وأنه بيع منه حجر ببلاد الفرس بسبعمائة دينار.
الصنف الخامس الماس
قال بلينوس في كتاب الأحجار: وابتدأ في معدنه لينعقد ذهبا، فأبعدته العوارض عن ذلك؛ وهو يتكوّن في معدن الياقوت المقدّم ذكره، وتخرجه الرياح والسيول من معدنه كما تخرج الياقوت؛ وهو ضربان: أحدهما أبيض شديد البياض يشبه البلّور يسمّى البلّوريّ لذلك؛ والثاني يخالط بياضه صفرة فيصير كلون الزّجاج الفرعوني، ويعبر عنه: بالزيتي.
قال الكنديّ: والذي عاينته من هذا الحجر ما بين الخردلة إلى الجوزة ولم أر أعظم من ذلك.
ومن خواصه: أنه يقطع كل حجر يمرّ عليه؛ وإذا وضع على سندال «1» حديد ودقّ بالمطرقة لم ينكسر، وغاص في وجه السندال والمطرقة وكسرهما، ولا يلتصق بشيء من الأجساد إلا هشم؛ ويمحو النقوش التي في الأحجار كلّها؛ وإنما يكسر بأحد طريقين: أحدهما أن يجعل داخل شيء من الشمع ويدخل في أنبوب قصب وينقر بمطرقة أو غيرها برفق بحيث لا يباشر جسمه الحديد، فينكسر حينئذ؛ أو يجعل في أسربّ وهو الرّصاص ويفعل به ذلك فيكسر أيضا.
ومن خواصه: أن الذباب يشتهي أكله فما سقطت منه قطعة صغيرة إلا سقط عليها الذباب وابتلعها أو طار بها؛ ومتى ابتلع منه الإنسان قطعة، ولو أصغر ما يكون حرقت أمعاءه وقتلته على الفور.
قال أرسطوطاليس: وبينه وبين الذهب محبة يتشبّث به حيث كان.
ومن خاصته: أن كلّ قطعة تؤخذ منه تكون ذات زوايا قائمة الرأس: ستّ
(2/113)

زوايا وثمان زوايا وأكثر، وأقله: ثلاث زوايا، وإذا كسر لا ينكسر إلا مثلّثا، وبه يثقب الدرّ والياقوت والزّمرّد وغيرها من جميع ما لا يعمل فيه الحديد من الأحجار كما يثقب الحديد الخشب، بأن يركّب في رأس منقار حديد منه قطعة بقدر ما يراد من سعة الثّقب وضيقه ثم يثقب به، فيثقب بسرعة.
ومن منفعته فيما ذكره أرسطوطاليس: أن من كان به الحصاة الحادثة في المثانة في مجرى البول إذا أخذ حبة من هذا الحجر وألصقها في مرود «1» نحاس بمصطكى «2» إلصاقا محكما ثم أدخل المرود إلى الحصاة فإنها تثقبها.
قال أحمد بن أبي خالد «3» : وبذلك عالجت وصيفا الخادم من حصاة أصابته وامتنع من الشق عليها بالحديد.
وقال ابن بوسطر: وإذا علّق على البطن من الخارج نفع من المغس «4» الشديد، ومن فساد المعدة. وقيمته الوسطى فيما ذكره التيفاشي أنّ زنة قيراط منه بدينارين. ونقل عن الكنديّ: أن أغلى ما شاهد منه ببغداد المثقال بثمانين دينارا، وأرخص ما شاهد منه ببغداد أيضا المثقال بخمسة عشر دينارا؛ وأنه إذا بدرت منه قطعة كبيرة تصلح لفصّ قدر نصف مثقال يضاعف ثمنها على ما هو قدر الخردلة أو الفلفلة ثلاثة أضعاف وأربعة وخمسة.
الصنف السادس الزّمرّد
يقال بالذال المعجمة والمهملة؛ قال بلينوس: والزّمرّد ابتدأ لينعقد ياقوتا، وكان لونه أحمر إلا أنه لشدّة تكاثف الحمرة بعضها على بعض عرض له
(2/114)

السواد، وامتزجت الحمرة والسواد فصار لونه أخضر. ومعدنه الذي يتكوّن فيه في التخوم بين بلاد مصر والسودان خلف أسوان من بلاد الديار المصرية، يوجد في جبل هناك ممتدّ كالجسر فيه معادن.
قال في مسالك الأبصار: وبينه وبين قوص «1» ثمانية أيام بالسير المعتدل، ولا عمارة عنده ولا حوله ولا قريبا منه، والماء عنده على مسيرة نصف يوم أو أكثر في موضع يعرف بغدير أعين. فمنه ما يوجد قطعا صغارا كالحصى منبثة في تراب المعدن وهي الفصوص، وربما أصيب العرق منه متصلا فيقطع وهو القصب، وهو أجوده.
قال في مسالك الأبصار: وتلك العروق منبثة في حجر أبيض تستخرج منه بقطع الحجر. قال التيفاشي: ويوجد على بعضه تربة كالكحل الشديد السواد، وهو أشدّه خضرة وأكثره ماء. وقد ذكر المؤيد صاحب حماه في تاريخه: أن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب رحمه الله لما استولى على قصر الفاطميين بعد موت العاضد «2» ، وجد فيه قصبة من زمرّد طولها أربعة أذرع أو نحوها. وهو على ثلاثة أضرب:
الأوّل «الذّبابي» -
وهو شديد الخضرة، لا يشوب خضرته شيء آخر من الألوان من صفرة ولا سواد ولا غيرهما، حسن الصّبغ، جيد المائية، شديد الشّعاع، ويسمّى: ذبابيّا، لمشابهة لونه في الخضرة لون كبار الذّباب الأخضر الربيعيّ؛ وهو من أحسن الألوان خضرة وبصيصا.
قال في مسالك الأبصار: وهو أقلّ من القليل بل لا يكاد يوجد.
الثاني «الرّيحانيّ» -
وهو مفتوح اللون، شبيه بلون ورق الرّيحان.
الثالث «السّلقيّ» -
وخضرته أشبه شيء بلون السّلق.
(2/115)

الرابع «الصابونيّ» -
ولونه كلون الصابون الأخضر.
قال في «مسالك الأبصار» : وإذا استخرج الزّمرّد من المعدن جعل في زيت الكتّان ثم لفّ في قطن وصرّ في خرقة كتّان ونحوها؛ ولم يزل العمل في هذا المعدن إلى أثناء الدّولة الناصرية محمد بن قلاوون فترك لكثرة كلفته.
وأفضل أنواعه وأشرفها: الذبابيّ، ويزداد حسنه بكبر الجرم واستواء القصبة، وعدم الاعوجاج فيها. ومن عيوب الذبابيّ: اختلاف الصّبغ بحيث يكون موضع منه مخالفا للموضع الآخر، وعدم الاستواء في الشكل، والتشعير، وهو شبه شقوق خفية إلا أنه لا يكاد يخلو منه، والرّخاوة، وخفة الوزن، وشدة الملاسة والصّقال والنّعومة، وزيادة الخضرة والمائية إذا ركب على البطانة، وهو ينحل بالنار ويتكلس فيها ولا يثبت ثبات الياقوت.
ومن خاصّيّة الذبابيّ التي امتاز بها عن سائر الأحجار: أن الأفاعيّ إذا نظرت إليه ووقع بصرها عليه انفقأت عيونها؛ قال التيفاشي: وقد جربت ذلك في قطعة زمرّد ذبابيّ خالص فحصّلت أفعى وجعلتها في طشت وألصقته بشمع في رأس سهم وقرّبته من عينها فسمعت قعقعة خفية كما في قتل صؤابة «1» ، فنظرت إلى عينيها فإذا هما قد برزتا على وجهها وضعفت حركتها؛ وبهذه الخاصّة يمتحن الزّمرّد الخالص من غيره كما يمتحن الياقوت بالصّبر على النار.
ومن منافعه: أن من أدمن نظره أذهب عن بصره الكلال؛ ومن تختم به دفع عنه داء الصّرع إذا كان قد لبسه قبل ذلك؛ ومن أجل ذلك كانت الملوك تعلقه على أولادها؛ وإذا كان في موضع لم تقر به ذوات السموم؛ وإذا سحل منه وزن ثمان شعيرات وسقيته شارب السمّ قبل أن يعمل السم فيه، خلصته منه؛ وإذا تختم به نفث الدم أو إسهاله منع من ذلك؛ وإذا علّق على المعدة من خارج نفع من وجعها؛ وشرب حكاكته ينفع من الجذام.
(2/116)

وقيمة الذبابيّ الخالص في الحجر الذي زنته درهم: أربعة دنانير القيراط، ويتضاعف بحسب كبره، وينقص بحسب صغره؛ إلا أنه لا ينقص بالصّغر نقص غيره من الأحجار، لوجود خاصيته في الكبير والصغير والمعوجّ والمستقيم. أما بقية أصناف الزّمرّد فإنه لا يعتدّ بها لعدم المنافع الموجودة في الذبابيّ.
الصنف السابع الزّبرجد
وهو حجر أخضر يتكوّن في معدن الزّمرّد؛ ولذلك يظنه كثير من الناس نوعا منه إلا أنه أقلّ وجودا من الزّمرّد.
قال التّيفاشيّ: أما في هذا الزمان فإنه لا يوجد في المعدن أصلا، وإنما الموجود منه بأيدي الناس فصوص تستخرج بالنبش من الآثار القديمة بالإسكندرية؛ وذكر أنه رأى منه فصّا في يد رجل أخبره أنه استخرجه من هنا لك، زنته درهم، لا يكاد البصر يقلع عنه لرقة مائه وحسن صفائه.
وأجوده: الأخضر المعتدل الخضرة، الحسن المائية، الرقيق المستشفّ، الذي ينفذه البصر بسرعة، ودونه الأخضر المفتوح اللون؛ وليس فيه شيء من خواص الزّمرّد إلا أن إدمان النظر إليه يجلو البصر. وقيمة خالصه نصف درهم بدينار.
الصنف الثامن الفيروذج
وهو حجر نحاسيّ يتكون في معادن النّحاس من الأبخرة الصاعدة منها، إلا أنه لا يوجد في جميع معادن النّحاس، ومعدنه الذي يوجد فيه بنيسابور، ومنه يجلب إلى سائر البلدان، ومنه نوع آخر يوجد في نشاور «1» إلا أن النيسابوري خير منه.
(2/117)

وهو ضربان: بسحاقيّ «1» وخلنجيّ؛ والخالص منه العتيق هو البسحاقيّ.
وأجوده: الأزرق الصافي اللون، المشرق الصفاء، الشديد الصّقالة، المستوي الصّبغ؛ وأكثر ما يكون فصوصا؛ وذكر الكنديّ أنه رأى منه حجرا زنته أوقية ونصف.
ومن خاصته: أنه يصفو بصفاء الجوّ ويكدر بكدرته؛ وإذا مسه الدّهن أذهب حسنه وغيّر لونه؛ والعرق يطفىء لونه، والمسك إذا باشره أفسده وأذهب حسنه؛ وإذا وضع الفصّ الجيد منه إلى جانب ما هو دونه في الجودة أذهب بهجته؛ وإذا وضع إلى جانب الدّهنج «2» غلب الدهنج على لونه فأذهب بهجته، ولو كان الفصّ الفيروزج في غاية الحسن والجودة.
ومن منافعه: أنه يجلو «البصر بالنظر إليه؛ وإذا سحق وشرب نفع من لدغ العقارب. وقيمته تختلف باختلاف الجودة اختلافا كثيرا، فربما كان الفصّان منه زنتهما واحدة وثمن أحدهما دينار وثمن الآخر درهم.
وبالجملة: فالخلنجيّ الجيد على النصف من البسحاقي الجيد.
قال التيفاشيّ: وأهل المغرب أكثر الناس له طلبا وأشدّهم في ثمنه مغالاة، وربّما بلغوا بالفصّ منه عشرة دنانير مغربية، ويحرصون على التختم به، وربما زعموا أنه يدخل في أعمال الكيمياء.
الصنف التاسع الدّهنج
وقد ذكر أرسطوطاليس: أنه أيضا حجر نحاسيّ يتكوّن في معادن النحاس يرتفع من أبخرتها وينعقد، لكنه لا يوجد في جميع معادن كرمان وسجستان من بلاد
(2/118)

فارس. قال: ومنه ما يؤتى به من غار بني سليم من برية المغرب، في مواضع أخرى كثيرة.
وأجود أنواعه أربعة: وهي الإفرنديّ «1» ، والهنديّ، والكرمانيّ، والكركيّ؛ وأجوده في الجملة الأخضر المشبع الخضرة، الشبيه اللون بالزّمرّد، معرّق بخضرة حسنة، فيه أهلّة، وعيون بعضها من بعض حسان، وأن يكون صلبا أملس يقبل الصّقالة.
ومن خاصته في نفسه: أن فيه رخاوة بحيث أنه إذا صنع منه آنية أو نصب للسكاكين ومرت عليه أعداد سنين، ذهب نوره لرخاوته وانحل، ولذلك إذا حكّ انحك سريعا، وإذا خرط خرزا أو أواني أو غير ذلك كان في خرطه سهولة، وإذا نقع في الزيت اشتدت خضرته وحسن، فإن غفل عنه حتّى يطول لبثه في الزيت مال إلى السواد.
ومن منافعه: أنه إذا مسح به على مواضع لدغ العقرب سكنه بعض السكون، وإذا سحق منه شيء وأذيب بالخل ودلك به موضع القوبة «2» الحادثة من المرّة «3» السوداء أذهبها.
ومن عجيب خواصّه أنه إذا سقي من سحالته شارب سمّ نفعه بعض النفع؛ وإن شرب منه من لم يشرب سمّا كان سمّا مفرطا ينفّط «4» الأمعاء، ويلهب البدن،
(2/119)

ويحدث فيه سمّا «1» لا يبرأ سريعا، لا سيما إذا حكّ بحديدة، ومن أمسكه في فيه ومصه أضرّ به. وقيمته أن الأفريديّ «2» الخالص منه كل مثقال بمثقالين من الذهب، ويوجد منه فصوص وغيرها. وقد ذكر يعقوب بن إسحاق الكنديّ: أنه رأى منه صحفة تسع ثلاثين رطلا.
الصنف العاشر البلّور
قال بلينوس: وهو حجر بورقيّ «3» وأصله اليوقوتية «4» إلا أنه قعدت به أعراض عن بلوغ رتبة الياقوت؛ وقد اختلف أصحابنا الشافعية رحمهم الله في نفاسته على وجهين: أصحهما أنه من الجوهر النفيس كالياقوت ونحوه؛ والثاني أنه ليس بنفيس لأن نفاسته في صنعته لا في جوهره.
ويوجد بأماكن، منها برّية العرب من أرض الحجاز وهو أجوده، ومنه ما يؤتى به من الصين وهو دونه، ومنه ما يكون ببلاد الفرنجة وهو في غاية الجودة ومنه معادن توجد بأرمينية تميل إلى الصفرة الزجاجية.
وقد ذكر التيفاشيّ: أنه ظهر في زمنه معدن منه بالقرب من مرّاكش من المغرب الأقصى إلا أن فيه تشعيرا، وكثر عندهم حتّى فرش منه لملك المغرب مجلس كبير، أرضا وحيطانا، ونقل عن بعض التّجّار: أن بالقرب من غزنة من بلاد الهند على مسيرة ثلاثة عشر يوما منها بينها وبين كاشغر جبلين من بلور خالص مطلّين على واد بينهما، وأنه يقطع في الليل لتأثير شعاعه إذا طلعت عليه الشمس بالنهار في الأعين.
(2/120)

وأجوده: أصفاه وأنقاه وأشفّه وأبيضه وأسلمه من التشعير؛ فإن كان مع ذلك كبير الجرم- آنية أو غيرها- كان غاية في نوعه.
وقد ذكر الكندي: أن في البلور قطعا تخرج كل قطعة منه من المعدن أكبر من مائة منّ «1» . ونقل التيفاشيّ: أنه كان بقصر شهاب الدين الغوري صاحب غزة «2» أربع خواب للماء كلّ خابية تسع ثلاث روايا ماء على محامل من بلور، كل محمل ما بين ثلاثة قناطير إلى أربعة؛ وذكر أيضا أنه رأى منه صورة ديك مخروط من صنعة الفرنج إذا صبّ فيه الشراب ظهر لونه في أظفار الديك.
ومن خاصّته: ما ذكره أوفرسطس الحكيم أنه يذوب بالنار كما يذوب الزجاج، ويقبل الصّبغ.
ومن خاصته أيضا: أنه إذا استقبل به الشمس ووجه موضع الشعاع الذي يخرج منه إلى خرقة سوداء احترقت وظهر فيها النار.
ومن منافعه: أن من تختم به أو علقه عليه لم ير منام سوء. وقيمته تختلف بحسب كبر آنيته وصغرها وإحكام صنعتها.
قال التيفاشي: وبالجملة فالقطعة التي تحمل «3» منه رطلا إذا كانت شديدة الصّفاء سالمة من التشعير، تساوي عشرة دنانير مصرية.
الصنف الحادي عشر المرجان
وهو حجر أحمر في صورة الأحجار المتشعبة الأغصان؛ ومعدنه الذي
(2/121)

يتكوّن فيه بموضع من بحر القلزم بساحل إفريقيّة، يعرف بمرسى الخرز، ينبت بقاعه كما ينبت النبات، وتعمل له شباك «1» قوية مثقّلة بالرّصاص، وتدار عليه حتّى يلتفّ فيها، ويجذب جذبا عنيفا فيطلع فيها المرجان. وربما وجد ببعض بلاد الفرنجة إلا أن الأكبر والأكثر والأحسن بمرسى الخرز؛ ومنه يجلب إلى بلاد المشرق.
ولأهل الهند فيه رغبة عظيمة؛ وإذا استخرج حك على مسنّ الماء؛ ويجلى بالسّنباذج «2» المعجون بالماء على رخامة فيظهر لونه ويحسن؛ ويثقب بالفولاذ أو الحديد المسقى.
وأجوده ما عظم جرمه، واستوت قصباته، واشتدت حمرته، وسلم من التسويس- وهو خروق توجد في باطنه حتّى ربما كان منه شيء خاو كالعظم- وأردؤه: ما مال منه إلى البياض أو كثرت عقده وكان فيه تشطيب، ولا سبيل إلى سلامته من العقد لوجود التشعب فيه؛ فإن اتفق أن تقع منه قطعة مصمتة مستوية لا عقد فيها ولا تشطيب كانت في نهاية الجودة.
وقد يوجد منه قطع كبار فتحمل إلى صاحب إفريقيّة فيعمل له منها دويّ وأنصبة سكاكين.
قال التيفاشيّ: رأيت منها محبرة طول شبر ونصف، في عرض ثلاث أصابع، وارتفاع مثلها بغطائها، في غاية الحمرة وصفاء اللون. وقد ذكر ابن الطوير في تاريخ الدّولة الفاطمية بالديار المصرية وترتيبها: أنه كان لخلفاء الفاطميين دواة من المرجان تحمل مع الخليفة إذا ركب في المواكب العظام أمام راكب على فرس، كما سيأتي ذكره في الكلام على المسالك والممالك في المقالة الثانية فيما بعد إن شاء الله تعالى.
(2/122)

ومن خاصته في نفسه: أنه إذا ألقي في الخل لان وابيضّ، وان طال مكثه فيه انحلّ، وإذا اتخذ منه خاتم أو غيره ولبّس جميعه بالشمع ثم نقش في الشمع بإبرة بحيث ينكشف جرم المرجان وجعل في خل الخمر الحاذق يوما وليلة أو يومين وليلتين ثم أخرج وأزيل عنه الشمع ظهرت الكتابة فيه حفرا بتأثير الخل فيه، وبقية الخاتم على حاله لم يتغير.
قال التيفاشيّ: وقد جر بنا ذلك مرارا. ومتى ألقي في الدهن ظهرت حمرته وأشرق لونها.
ومن منافعه فيما ذكره الإسكندر «1» : أنه إذا علق على المصروع أو من به النّقرس «2» نفعه؛ وإن أحرق واستنّ به زاد في بياض الأسنان وقلع الحفر منها وقوّى اللّثّة؛ وطريق إحراقه أن يجعل في كوز فخار ويطيّن رأسه ويوضع في تنّور ليلة. وإذا سحق وشربه من به عسر البول نفعه ذلك؛ ويحلل أورام الطحال بشربه؛ وإذا علق على المعدة نفع من جميع عللها كما في الزّمرّد؛ وإذا أحرق على ما تقدّم وشرب منه ثلاثة دوانق مع دانق «3» ونصف صمغ عربيّ ببياض البيض وشرب بماء بارد نفع من نفث الدم.
قال التيفاشيّ: وقيمته بإفريقية غشيما الرطل المصريّ من خمسة دنانير إلى سبعة مغربية، وهي بقدر دينارين إلى ما يقار بهما من الذهب المصري،
(2/123)

وبالإسكندرية على ضعفي ذلك وثلاثة أضعافه، ومن الإسكندرية يحمل إلى سائر البلاد؛ ويختلف سعره بحسب قرب البلاد وبعدها، وقلّته، وكثرته، وصغره، وجودته، ورداءته، وحسن صنعته.
الصنف الثاني عشر البادزهر الحيوانيّ
وهو حجر خفيف هشّ. وأصل تكوّنه في الحيوان المعروف بالأيّل بتخوم الصين؛ وإن هذا الحيوان هناك يأكل الحيات، قد اعتاد ذلك غذاء له، فيحدث عن ذلك وجود هذا الحجر منه على ما سيأتي بيانه؛ وقد اختلف الناس في أيّ موضع يكون من هذا الحيوان، فقيل: إنه يتكوّن في مآقي عينيه من الدموع التي تسقط من عينيه عند أكل الحيات، ويتربّى الحجر حتّى يكبر فيحتكّ فيسقط عنه؛ وقيل: يكون في قلبه فيصاد لأجله ويذبح ويستخرج منه؛ وقيل: في مرارته.
قال أرسطاطاليس: وله ألوان كثيرة منها: الأصفر والأغبر المشرب بالحمرة والمشرب بالبياض. وأعظم ما يوجد منه من مثقال «1» إلى ثلاثة مثاقيل.
وأجوده: الخالص الأصفر الخفيف الهشّ، ويستدلّ على خلوصه بكونه ذا طبقات رقاق متراكبة كما في اللؤلؤ، وبه نقط خفية سود، وأن يكون أبيض المحكّ مرّ المذاق.
قال التيفاشيّ: وكثيرا ما يغشّ فتصنع حجارة صغار مطبقة من أشياء مجموعة تشبه شكل البادزهر الحيوانيّ، ولكنها تتميّز عن البادزهر الحقيقيّ بأن المصنوع أغبر كمد اللون ساذج غير منقط؛ والبادزهر الحقيقيّ الخالص: أصفر أو أغبر بصفرة فيه نقط صغار كالنّمش، وطبقاته أرقّ من طبقات المصنوع بكثير، وهو أحسن من المصنوع وأهش ومحكّه أبيض.
(2/124)

ومن خاصته في نفسه: أن احتكاكه بالأجسام الخشنة يخشّنه ويغيّر لونه وسائر صفاته حتّى لا يكاد يعرف. وقد ذكر التيفاشي: أنه كان معه حجر منه، فجعله مع ذهب في كيس وسافر به فاحتك بالذهب فتغير لونه ونقص وزنه حتّى ظنّ أنه غيّر عليه؛ وأنه ربطه بعد ذلك في خرقة وتركه أياما فعاد في الصفة إلى ما كان، إلا أنه بقي على نقص ما ذهب منه.
ومن منافعه: دفع السموم القاتلة وغير القاتلة، حارّة كانت أو باردة، من حيوان كانت أو من نبات، وأنه ينفع من عضّ الهوامّ ونهشها ولدغها، وليس في جميع الأحجار ما يقوم مقامه في دفع السموم. وقد قيل: إن معنى لفظ بادزهر:
النافي للسم؛ فإذا شرب منه المسموم من ثلاث شعيرات إلى اثنتي عشرة شعيرة مسحوقة أو مسحولة أو محكوكة على المبرد بزيت الزيتون أو بالماء أخرج السم من جسد بالعرق، وخلصه من الموت. وإذا سحق وذرّ على موضع النهشة جذب السم إلى خارج وأبطل فعله.
قال ابن جمع «1» : وإن حكّ منه على مسنّ في كل يوم وزن نصف دانق وسقيته الصحيح على طريق الاستعداد والاحتياط قاوم السموم القتّالة ولم تخش له غائلة ولا إثارة خلط. ومن تختم منه بوزن اثنتي عشرة شعيرة في فصّ خاتم ثم وضع ذلك الفص على موضع اللدغة من العقارب وسائر الهوامّ ذوات السموم نفع منها نفعا بيّنا، وان وضع على فم الملدوغ أو من سقي سمّا نفعه.
قلت: هذه هي الأحجار النفيسة الملوكية التي تلتفت الملوك اليها وتعتني بشأنها، أما غيرها من الأحجار كالبنفش، والعقيق، والجزع «2» ، والمغناطيس،
(2/125)

واليشم «1» ، والسبج «2» ، واللّازورد، وغيرها مما ذكره المصنفون في الأحجار فلا اعتداد به ولا نظر إليه ولذلك أهملت ذكره.
النوع السادس نفيس الطيب
ويحتاج الكاتب إلى وصفه عند وصوله في هديّة وما يجري مجرى ذلك؛ والمعتبر منه أربعة أصناف:
الصنف الأوّل المسك
وهو أجلّها. قال محمد بن أحمد التميميّ المقدسي في كتابه «طيب العروس» «3» : وأصل المسك من دابة ذات أربع، أشبه شيء بالظبي الصغير؛ قيل: لها قرن واحد، وقيل: قرنان، غير أن له نابين رقيقين أبيضين في فكه الأسفل خارجين من فيه، قائمين في وجهه كالخنزير.
قال بعص أهل المعرفة بالمسك: وهو فضل دمويّ يجتمع من جسمها إلى سرتها، بمنزلة المواد التي تنصبّ إلى الأعضاء في كل سنة في وقت معلوم، فيقع الورم في سرّتها ويجتمع إليها دم غليظ أسود فيشتدّ وجعها حتّى تمسك عن الرّعي وورود المياه حتّى يسقط عنها.
ثم قيل: إن تلك الظباء تصاد وتذبح وتؤخذ سررها بما عليها من الشعر،
(2/126)

والمسك فيها دم عبيط «1» ؛ وهي النوافج؛ فإن كانت النافجة «2» كثيرة الدم اكتفي بما فيها، وإن كانت واسعة قليلة الدم زيد فيها من غيرها، ويصب فيها الرصاص المذاب وتحاط بالخوص وتعلق في حلق مستراح أربعين يوما، ثم تخرج وتعلق في موضع آخر حتّى يتكامل جفافها وتشتد رائحتها، ثم تصيّر النوافج في مزاود صغار وتخيطها التّجّار وتحملها، وقيل: إنه يبنى لهذه الظباء حين يعرض لها هذا العارض بناء كالمنارة في طول عظم الذراع لتأتي الظباء فتحك سررها بذلك البناء فتسقط النوافج، حتّى إنه يوجد في تلك المراغة ألوف من النوافج ما بين رطب وجامد.
ثم قيل: إن هذه الظباء توجد بمفازات بين الصين وبين التّبّت «3» والصّغد «4» من بلاد الترك؛ وإن أهل التّبّت يلتقطون ما قرب إليهم، وقد قيل: إن المسك يحمل إلى التّبّت من أرض بينها وبين التّبّت مسيرة شهرين.
وبالجملة فإنه تختلف أسماء أنواعه باختلاف الأماكن التي ينسب إليها؛ إما باعتبار أصل وجوده فيها، وإما باعتبار مصيره إليها.
وأجوده في الجملة: ما طاب مرعى ظبيه؛ ومرعى ظبيه؛ ومرعى ظبائه النبات الذي يتخذ منه الطيب كالسنبل ونحوه؛ ولا يخفى أن بعض نبات الطيب أطيب رائحة من بعض، حتّى يقال إن منه ما رائحته كرائحة المسك. وقيل أجوده: ما كمل في الظبي قبل بينونته عنه.
(2/127)

وقال أحمد بن يعقوب: وأجود المسك في الرائحة والنظر ما كان تفّاحيّا تشبه رائحته رائحة التفاح اللّبنانيّ، وكان لونه يغلب عليه الصّفرة، ومقاديره وسطا بين الجلال والرّقاق، ثم ما هو أشدّ سوادا منه إلا أنه يقاربه في الرأي والمنظر، ثم ما هو أشدّ سوادا منه، وهو أدناه، قدرا وقيمة. قال وبلغني عن تجّار الهند: أن من المسك صنفين آخرين يتّخذان من نبات أرض: أحدهما لا يفسد بطول المكث، والثاني يفسد بطول المكث؛ والمشهور منه عشرة أصناف.
ونحن نوردها على ترتيبها في الفضل مقدّما منها في الذكر الأفضل فالأفضل على ما رتّبه أحمد:
الأوّل: التّبّتي-
وهو ما حمله التّجار من التّبّت إلى خراسان على الظهر لطيب مرعاه وحمله في البر دون البحر.
الثاني: الصّغديّ-
وهو ما حمل من الصّغد من بلاد التّرك على الظهر إلى خراسان.
الثالث: الصّينيّ-
وإنما نقصت رتبته لأن مرعاه في الطّيب دون مرعى التّبّتيّ، ولما يلحقه من عفونة هواء البحر بطول مكثه فيه. وأفضل الصينيّ: ما يؤتى به من خانفو «1» ؛ وهي مدينة الصين العظمى، وبها ترسو مراكب تجار المسلمين، ومنها يحمل في البحر إلى بحر فارس؛ فإذا قرب من بلد الأبلّة ارتفعت رائحته؛ وإذا خرج من المركب جادت رائحته وذهبت عنه رائحة البحر.
الرابع: الهندي-
وهو ما يحمل من التّبّت إلى الهند ثم يحمل إلى الدّبيل «2» ثم يحمل في البحر إلى سيراف «3» من بلاد العجم، وعمان من البحرين، وعدن
(2/128)

من اليمن، وغيرها من النواحي؛ وسبب انحطاط رتبته عن الصينيّ وإن كان من جنس التّبّتى مع أنه أقرب مسافة من الصينيّ ما ذكره المسعوديّ: أنه إذا حمل إلى الهند أخذه كفرة الهند فلطّخوه على أصنامهم من العام إلى العام ثم يبدّلونه بغيره؛ ويبيعه سدنة الأصنام، فبطول مكثه على الأصنام تضعف رائحته؛ على أن محمد بن العباس قد فضّل الهنديّ على الصيني لقرب مسافة حمله في البحر.
الخامس: القنباري-
ويؤتى به من بلد تسمّى قنبار بين الصين والتّبّت.
قال أحمد بن يعقوب: وهو مسك جيد إلا أنه دون التبتي في القيمة، والجوهر، واللون، والرائحة. قال: وربما غالطوا به فنسبوه إلى التبتي.
السادس: الطّغرغزيّ-
وهو مسك رزين يضرب إلى السّواد، يؤتى به من أرض الترك الطغرغز «1» - وهم التتر- وهو بطيء السحق، ولا يسلم من الخشونة إلا أنهم ربما غالطوا به أيضا.
السابع: القصاري-
ويؤتى به من بلد يقال لها القصار بين الهند والصين.
قال ابن يعقوب: وقد يلحق بالصينيّ إلا أنه دونه في الجوهر والرائحة والقيمة.
الثامن: الجزيري-
وهو مسك أصفر حسن الرائحة، يشابه التبّتيّ إلا أن فيه زعارة «2» .
التاسع: الجبليّ-
وهو مسك يؤتى به من السّند من أرض الموليان، وهو كبير النوافج حسن اللّون إلا أنه ضعيف الرائحة.
(2/129)

العاشر: العصماري-
وهو أضعف أصناف المسك كلها وأدناها قيمة، يخرج من النافجة التي زنتها أوقية زنة درهم واحد من المسك.
قلت: أمّا المسك الداريّ فإنه منسوب إلى دارين، وهي جزيرة في بحر فارس معدودة من بلاد البحرين ترسو إليها مراكب تجّار الهند، ويحمل منها إلى الأقطار، وليست بمعدن للمسك.
الصنف الثاني العنبر
قال محمد بن أحمد التميمي: والأصل الصحيح فيه أنه ينبع من صخور وعيون في الأرض، يجتمع في قرار البحر، فإذا تكاثف اجتذبته الدّهانة التي هي فيه على اقتطافه من موضعه الذي تعلّق به، وطفا على وجه الماء وهو حارّ ذائب فتقطّعه الريح وأمواج البحر قطعا كبارا وصغارا فترمي به الريح إلى السواحل، لا يستطيع أحد أن يدنو منه لشدّة حره وفورانه، فإذا أقام أياما وضربه الهواء جمد، فيجمعه أهل السواحل.
قال أحمد بن يعقوب: وربما ابتلعته سمكة عظيمة يقال لها: أكيال، وهو فائر فلا يستقرّ في جوفها حتّى تموت فتطفو ويطرحها البحر إلى الساحل فيشقّ جوفها ويستخرج منها؛ ويسمّى: العنبر السّمكيّ، والعنبر المبلوع.
قال التميمي: وهو في لونه شبيه بالنار، رديء في الطيب للسّهوكة «1» التي يكتسبها من السمك. قال: وربما طرح البحر القطعة العنبر فيبصرها طائر أسود كالخطّاف فيرفرف عليها بجناحيه، فإذا سقط عليها ليختطف بمنقاره منها تعلّق منقاره ومخاليبه بها فيموت ويبلى ويبقى منقاره ومخاليبه فيها، ويعرف: بالعنبر المناقيريّ.
(2/130)

قال التميمي: ولأهل سواحل البحر التي يوجد بها العنبر نجب يركبونها مؤدّبة تعرف العنبر، يسيرون عليها في ليالي القمر على شاطىء البحر، فإذا رأت العنبر وقد نام راكبها أو غفل بركت بصاحبها حتّى ينزل عنها فيأخذه.
قال التميمي: وألوان العنبر مختلفة، منها: الأبيض، وهو الأشهب، والأزرق، والرّمادي، والجزازي، وهو الأبرش، والصفايح وهو الأحمر؛ وهما أدنى العنبر قدرا. قال: وأفضل العنبر وأجوده ما جمع قوّة رائحة وذكاء بغير زعارة.
قال أحمد بن يعقوب: وأنواع العنبر كثيرة، وأصنافه مختلفة، ومعادنه متباينة، وهو يتفاضل بمعادنه وبجوهره؛ والذي وقفت على ذكره منه ستة أضرب:
الأوّل: الشّحريّ-
وهو ما يقذفه بحر الهند إلى ساحل الشّحر من أرض اليمن. قال: وهو أجود أنواع العنبر، وأرفعه، وأفضله وأحسنه لونا، وأصفاه جوهرا وأغلاه قيمة.
الثاني: الزّنجيّ-
وهو ما يقذفه بحر البربر الآخذ من بحر الهند في جهة الجنوب إلى سواحل الزّنج وما والاها.
قال التميمي: وزعم الحسين بن يزيد السيرافيّ أنه أجود العنبر وأفضله، ويؤتى به منها إلى عدن، ولونه البياض.
الثالث: السلاهطي-
قال التميمي: وأجوده الأزرق الدّسم الكثير الدّهن، وهو الذي يستعمل في الغوالي.
الرابع: القاقلّيّ-
وهو ما يؤتى به من بحر قاقلّة من بلاد الهند إلى عدن من بلاد اليمن، وهو أشهب جيد الريح، حسن المنظر خفيف، وفيه يبس يسير، وهو دون السلاهطي لا يصلح للغوالي إلا عن ضرورة؛ وهو صالح للذرائر والمكلّسات.
الخامس: الهندي-
وهو ما يؤتى به من سواحل الهند الداخلة، ويحمل إلى البصرة وغيرها؛ ومنه نوع يؤتى به من الهند يسمّى: الكرك بالوس، يأتون به إلى
(2/131)

قرب عمان تشتريه منهم أصحاب المراكب.
السادس: المغربيّ-
وهو ما يؤتى به من بحر الأندلس فتحمله التّجار إلى مصر؛ وهو أردأ الأنواع كلّها، وهو شبيه في لونه بالعنبر الشّحريّ. قال التميمي: ويغالط به فيه.
قال التميمي: ومن العنبر صنف يعرف بالنّدّ؛ ونقل عن جماعة من أهل المعرفة أن دابة تخرج من البحر شبيهة ببقر الوحش فتلقيه من دبرها فيؤخذ وهو ليّن يمتدّ، فما كان منه عذب الرائحة حسن الجوهر فهو أفضله وأجوده. قال: وهو أصناف: أحدها الشّحريّ وهو أسود فيه صفرة، يخضب اليد إذا لمس، ورائحته كرائحة العنبر اليابس، إلا أنه لا بقاء له على النار، وإنما يستعمل في الغوالي إذا عزّ العنبر السلاهطي. ومنه: الزّنجيّ وهو نظير الشّحريّ في المنظر ودونه في الرائحة؛ وهو أسود بغير صفرة. ومنه: الخمريّ وهو يخضب اليد وأصول الشعر خضبا جيدا، ولا ينفع في الطيب.
قلت: أمّا المعروف في زماننا بالعنبر مما يلبسه «1» النساء فإنما يقال له:
النّد، وفيه جزء من العنبر، قال في نهاية الأرب «2» : وهو على ثلاثة أضرب:
الأوّل: المثلّث- وهو أجودها وأعطرها، وهو يركّب من ثلاثة أجزاء: جزء من العنبر الطيّب، وجزء من العود الهنديّ الطيب، وجزء من المسك الطيّب.
الثاني- وهو دونه؛ أن يجعل فيه من العنبر الخام الطّيب عشرة مثاقيل، ومن النّدّ العتيق الجيد عشرة مثاقيل، ومن العود الجيد عشرون مثقالا.
الثالث- وهو أدناها؛ أن يؤخذ لكل عشرة مثاقيل من الخام عشرة مثاقيل من النّدّ العتيق وثلاثون مثقالا من العود، ومن المسك ما أحب.
(2/132)

الصنف الثالث العود
قال التميميّ: أخبرني أبي عن جماعة من أهل المعرفة أنه شجر عظام تنبت ببلاد الهند، فمنه ما يجلب من أرض قشمير «1» الداخلة؛ من أرض سرنديب، ومن قمار «2» ، وما اتّصل بتلك النواحي؛ وأنه لا تصير له رائحة إلا بعد أن يعتق؛ ويقشّر فإذا قشر وجفف حمل إلى النواحي حينئذ.
قال: وأخبرني بعض العلماء به أنه لا يكون إلا من قلب الشجرة، بخلاف ما قارب القشر كما في الآبنوس والعنّاب ونحوهما من الأشجار التي داخلها فيه دهانة، وما في خارجها خشب أبيض؛ وأنه يقطع ويقلع ظاهره من الخشب الأبيض، ويدفن في التراب سنين حتّى تأكل الأرض ما داخله من الخشب ويبقى العود لا تؤثر فيه الأرض.
وحكى محمد بن العباس: أنه يكون في أودية بين جبال شاهقة، لا وصول لأحد إليها لصعوبة مسلكها، فيتكسر بعض أشجاره أو يتعفّن بكثرة السيول لممرّ الأزمان، فتأكل الأرض ما فيه من الخشب ويبقى صميم العود وخالصه فتجرّه السيول وتخرجه من الأودية إلى البحر فتقذفه الأمواج إلى السواحل، فيلتقطه أهل السواحل ويجمعونه فيبيعونه.
ويقال: إنه يأتي به قوم في المراكب إلى ساحل الهند فيقفون على البعد بحيث لا ترى أشخاصهم، ثم يطلعون ليلا فيضعونه بفرضة تلك البلاد، ويخرج أهل البلد نهارا فيضعون بإزائه بضائع ويتركونها إلى الليل، فيأتي أصحاب العود فمن أعجبه ما بإزاء متاعه أخذه وإلا تركه، فيزيدونه حتّى يعجبه فيأخذه، كما
(2/133)

يحكى في السّمّور وغيره في ساكني أقصى الشّمال.
وأجود العود ما كان صلبا، رزينا، ظاهر الرّطوبة، كثير المائية والدّهنية، الذي له صبر على النار، وغليان، وبقاء في الثياب.
أمّا اللون فأفضله: الأسود، والأزرق الذي لا بياض فيه، ثم منهم من يفضل الأسود على الأزرق، ومنهم من يفضل الأزرق على الأسود.
وهو على ثمانية عشر ضربا:
الأوّل: المندليّ
- نسبة إلى معدنه، وهو مكان يقال له: المندل من بلاد الهند.
قال محمد بن العباس الخشيكي: وهو أرفع أنواع العود وأفضلها وأجودها وأبقاها على النار وأعبقها بالثياب؛ على أن التّجّار لم تكن تجلبه في الجاهلية وإلى آخر الدولة الأمويّة، ولا ترغب في حمله للمرارة في رائحته إلى أن دخل الحسين»
بن برمك الى بلاد الهند هاربا من بني أمية، ورأى العود المندليّ فاستجاده ورغّب التجار في حمله؛ فلما غلب بنو العباس على بني أمية، وحضر بنو برمك إليهم وقرّبوهم؛ دخل الحسين بن برمك يوما على المنصور فرآه يتبخّر بالعود القماريّ، فأعلمه أن عنده ما هو أطيب منه، فأمره بإحضاره فأحضره إليه فاستحسنه، وأمر أن يكتب إلى الهند بحمل الكثير منه، فاشتهر بين الناس وعز من يومئذ، واحتمل ما فيه من مرارة الرائحة وزعارتها، لأنها تقتل القمل وتمنع من تكوّنه في الثياب.
الثاني: القامرونيّ
- وهو ما يجلب من القامرون؛ وهو مكان مرتفع من الهند. وقيل القامرون: اسم لشجر من العود؛ وهو أغلى العود ثمنا وأرفعه قدرا.
قال التميميّ: وهو قليل لا يكاد يجلب إلا في بعض الحين، وهو عود رطب
(2/134)

جدّا، شديد سواد اللون، رزين «1» ، كثير الماء.
وذكر الحسين بن يزيد السيرافيّ: أنه ربما ختم عليه فانطبع وقبل الختم للينه. قال: ويكون فيه ما قيمة المنّ منه مائتا دينار.
الثالث: السّمندوريّ
- وهو ما يجلب من بلاد سمندور؛ وهي بلد سفالة الهند، ويسمّى لطيب رائحته: ريحان العود، وبعضه يفضل بعضا. قال التميمي:
وتكون القطعة الضخمة منه منّا واحدا.
الرابع: القماريّ
- وهو ما يجلب من قمار، وهي أرض سفالة الهند، وبعضه يفضل بعضا أيضا، وتكون القطعة منه نصف رطل إلى ما دون ذلك.
الخامس: القاقلّيّ
- وهو ما يجلب من جزائر بحر قاقلّة، وهو عود حسن اللون، شديد الصّلابة دسم، فيه ريحانيّة خمرة، وله بقاء في الثياب، إلا أن قتاره «2» ربما تغير على النار فينبغي ألا يستقصى إلى آخره.
السادس: الصّنفيّ
- وهو ما يجلب من بلد يقال لها الصّنف ببلاد الصين، وهو من أحلى «3» الأعواد وأبقاها في الثياب.
قال التميمي: ومنهم من يفضله على القاقلّيّ ويرى أنه أطيب وأعبق وآمن من القتار، وربما قدّموه على القماريّ أيضا. قالوا: وأجود الصّنفيّ الأسود الكثير الماء، وتكون القطعة منه منّا وأكثر وأقلّ. ويقال: إن شجره أعظم من شجر الهنديّ والقماريّ.
السابع: الصندفوري
- وهو ما يجلب من بلاد الصندفور من بلاد الصين؛ وهو دون الصّنفيّ، ويقال: إنه صنف منه ولذلك كانت قيمته لاحقة بقيمته، وفيه
(2/135)

حسن لون وحلاوة رائحة، ورزانة، وصلابة، إلا أنه ليس بالقطع الكبار.
الثامن: الصّينيّ
- ويؤتى به من الصّين، وهو عود حسن اللون، أوّل رائحته تشاكل رائحة الهنديّ إلا أن قتاره غير محمود؛ وتكون القطعة منه نصف رطل وأكثر وأقلّ.
التاسع: القطعي
- وهو عود رطب حلو طيب الرائحة، وهو نوع من الصّينيّ.
العاشر: القسور
- وهو عود رطب حلو طيّب الرائحة؛ وهو أعذب رائحة من القطعيّ إلا أنه دونه في القيمة.
الحادي عشر: الكلهي
- وهو عود رطب يمضغ، وفيه زعارة، وشدّة مرارة للدّهانة التي فيه؛ وهو من أعبق الأعواد في الثياب وأبقاها.
الثاني عشر: العولاتي
- وهو عود يجلب من جزيرة العولات بنواحي قمار من أرض الهند.
الثالث عشر: اللوقيني
- وهو ما يجلب من لوقين؛ وهي طرف من أطراف الهند، وله خمرة «1» في الثياب إلا أنه دون هذه الأعواد في الرائحة والقيمة.
الرابع عشر: المانطائي
- وهو ما يجلب من جزيرة مانطاء؛ وقيمته مثل قيمة اللوقيني، وهو خفيف ليس بالحسن اللون.
قال أحمد بن العباس: وهو قطع كبار ملس لا عقد فيها، إلا أن رائحته ليست بطيبة وإنما يصلح للأدوية.
الخامس عشر: القندغلي
- ويؤتى به من ناحية كله «2» وهي ساحل الزنج- وهو يشبه القماري إلا أنه لا طيب لرائحته.
(2/136)

السادس عشر: السمولي
- وهو عود حسن المنظر، فيه خمرة وله بقاء في الثياب.
السابع عشر: الرانجيّ
- وهو عود يشبه قرون الثيران، لا ذكاء له، ولا بقاء في الثياب.
الثامن عشر: المحرّم
- سمى بذلك لأنه قد وقع بالبصرة فشكّ الناس في أمره، فحرّمه السلطان ومنعه فسمّي المحرّم، وهو من أدنى أصناف العود.
وجعل بعضهم بين الصّنفيّ والقاقلّيّ صنفا يقال له: العطلي، يؤتى به من الصّين، وهو عود صلب خفيف حسن المنظر إلا أنه قليل الصبر على النار. وقد ذكر أحمد بن العباس بعد ذلك أصنافا من العود ليست بذات طائل.
منها: الأفليق؛ وهو عود يؤتى به من أرض الصّين، يكون في العظم مثل الخشب الرانجي الغلاظ يباع المنّ منه بدينار وأقل وأكثر؛ والعود الطيب الريح في قشوره، وداخله خشب خفيف مثل الخلاف «1» ، وإذا وضع على الجمر وجد له في أوّله رائحة حلوة طيبة؛ فإذا أخذت النار منه ظهرت منه رائحة رديئة كرائحة الشعر.
الصنف الرابع الصّندل
وهو خشب شجر يؤتى به من سفالة الهند؛ وهو على سبعة أضرب:
الأوّل: المقاصيري
- وهو الأصفر، الدّسم، الرّزين، الذي كأنه مسح بالزّعفران الذّكي الرائحة.
واختلف في سبب تسميته بالمقاصيريّ فقيل: نسبة إلى بلد تسمّى:
مقاصير؛ وقيل: إن بعض خلفاء بني العباس اتخذ لبعض أمهات أولاده ومحاظيّه
(2/137)

مقاصير منه، وهو شجر عظام يقطع رطبا، وأجوده ما اصفرّ لونه وذكت رائحته ولم يكن فيه زعارة.
قال التميمي: وهو يدخل في طيب النساء الرطب واليابس، وفي البرمكيات، والمثلثات، والذّرائر؛ ويتخذ منه قلائد، ويدخل في الأدوية؛ ويقال: إن صاحب اليمن الآن يعمل له منه الأسرّة، وإنه يأمر بقطع ما يحمل منه من اليمن إلى غيرها من البلاد قطعا صغارا حتّى لا يكون منها ما يعمل سريرا لغيره من الملوك.
الثاني: الأبيض منه الطيب الريح
- وهو من جنس المقاصيري المتقدّم ذكره لا يخالفه في شيء إلا في البياض؛ ويقال: إنّ المقاصيري هو باطن الخشب وهذا الأبيض ظاهره.
الثالث: الجوزي
- وهو صلب العود أبيض، يضرب لونه إلى السّمرة، ويؤتى به من موضع يقال له: الجوز «1» ، وهو طيب الرائحة إلا أنه أضعف رائحة من الذي قبله.
الرابع: الساوس ويقال: الكاوس
- وهو صندل أصفر طيب الرائحة إلا أنّ في رائحته زعارة؛ ويستعمل في الذرائر، والمثلثات، في الطيب والبخورات.
الخامس: يضرب لونه إلى الحمرة
- وهو على نحو من الذي قبله.
السادس: صندل «2» جعد الشعرة
- لا بساطة فيه إذا شقق بل يكون فيه تجعيد كما في خشب الزيتون؛ وهو أذكى أصناف الصندل إلا أنه لا يستعمل في شيء سور البخورات والمثلثات.
(2/138)

السابع: أحمر اللون
- وهو خشب حسن اللون، ثقيل الوزن لا رائحة له، إلا أنه تتخذ منه المنجورات والمخروطات كالدّويّ وقطع الشّطرنج ونحوها مع ما يدخل فيه من الأعمال الطيبة.
قلت: هذا ما يحتاج الكاتب إلى وصفه من أصناف الطيب النفيسة مما يهدى أو يرد هدية، ويجري ذكره في مكاتبات الملوك، أما ما عدا ذلك من أصناف الطيب كالسّنبل والقرنفل، والكافور، فليس من هذا القبيل.
النوع السابع ما يحتاج إلى وصفه من الآلات، وهي أصناف:
الصنف الأوّل الآلات الملوكية
ويحتاج الكاتب إلى وصفها عند وصف المواكب الحفيلة التي يركب فيها السلطان، وهي عدّة آلات:
منها: الخاتم- بفتح التاء وكسرها- وحكى فيه ابن قتيبة والجوهريّ وغيرهما خيتام وخاتام؛ وهو ما يجعل في الإصبع من الحليّ، وهو مأخوذ من الختم، وهو الطبع؛ سمي بذلك لأنه يختم بنقشه على الكتب الصادرة عن الملوك. وسيأتي في الكلام على ختم الكتب: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أراد أن يكتب إلى بعض ملوك الأعاجم فقيل له: إنهم لا يقرأون كتابا غير مختوم، فاتخذ خاتما «1» من ورق «2» وجعل نقشه «محمد رسول الله» واقتدى به في ذلك الخلفاء بعده؛ ثم توسعوا فيه إلى أن جعلوا للكتب طابعا مخصوصا وأفردوا له ديوانا سموه «ديوان
(2/139)

الخاتم» «1» واقتفى الملوك أثرهم في ذلك، ثم غلب بمملكتنا وما ناهزها الاكتفاء في المكاتبات باللّصاق «2» ، وصار اسم الخاتم مقصورا على ما يجعل في الإصبع خاصة سواء كان فيه نقش أم لا؛ وصارت الملوك إنما تلبس الخواتم بفصوص الجواهر من اليواقيت ونحوها تجمّلا، وربما بعثت بها في تأمين الخائف علامة للرضا عليه والصفح عما جناه واقترفه.
ومنها: المنديل بكسر الميم؛ وهو منديل يجعل في المنطقة المشدودة في الوسط مع الصولق «3» وغيره؛ ثم جرى اصطلاح الملوك على البعث به في الأمانات كما تقدم في الخاتم.
والمنديل: آلة قديمة للملوك؛ فقد حكي أنه كان للأفضل بن أمير الجيوش أحد وزراء الفاطميين مائة بدلة مغلقة على أوتاد من ذهب، على كل بدلة منها منديل من لونها؛ ولم يكن المنديل من آلات الخلافة بل إنما كان من آلاتها البردة «4» على ما سيأتي ذكره في الكلام على ترتيب الخلافة في المقالة الثانية إن شاء الله تعالى.
ومنها: التّخت، ويقال له: السرير؛ وهو ما يجلس عليه الملوك في المواكب، ولم يزل من رسوم الملوك قديما وحديثا، رفعة لمكان الملك في الجلوس عن غيره حتّى لا يساويه غيره من جلسائه؛ وقد أخبر تعالى في كتابه العزيز
(2/140)

أنه كان لسليمان عليه السلام كرسي بقوله: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً
«1» ورأيت في بعض التواريخ أنه كان له كرسيّ من عاج مغشّى بالذهب.
ثم هذه الأسرّة تختلف باختلاف حال الملوك، فتارة تكون من أبنية رخام ونحوه، وتارة تكون من خشب، وتارة من فرش محشوّة متراكبة، وقد حكي أنه كان لملوك الفرس سرير من ذهب يجلسون عليه، وكان عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو أمير مصر يجلس مع قومه على الأرض غير مرتفع عليهم «2» ، ويأتيه المقوقس ومعه سرير من ذهب، يحمل معه على الأيدي، فيجلس عليه فلا يمنعه عمرو من ذلك، إجراء له على عادته في الملك فيما قيل، لما عقده له من الذمّة واتخذه معه من العهد.
ومنها: المظلّة، واسمها بالفارسية: الجنز- بنون بين الجيم والزاي المعجمة- ويعبر عنها العامّة الآن بالقبّة والطّبر، وهي قبة من حرير أصفر، تحمل على رأس الملك، على رأس رمح بيد أمير يكون راكبا بحذاء الملك، يظلّه بها حالة الركوب من الشمس في المواكب العظام، وسيأتي ذكرها في الكلام على ترتيب المملكة في الدولة الفاطمية. وهذه الدولة في المقالة الثانية إن شاء الله تعالى.
ومنها: الرّقبة، وهي لباس لرقبة فرس السلطان من حرير أصفر، قد طرّزت بالذهب الزّركش حتّى غلب عليها وصار الحرير غير مرئيّ فيها، تشدّ على رقبة فرس الملك في المواكب العظام لتكون مضاهية لما يركب به من الكنبوش «3» الزركش المغطّي لظهر الفرس وكفله.
(2/141)

ومنها: الغاشية، وهي غاشية سرج من أديم مخروزة بالذهب، يظنها الناظر كلّها ذهبا، ويلقيها على يديه يمينا وشمالا.
ومنها: الچفتاه «1» ؛ وهي فرسان أشهبان قريبا الشبه، برقبتين من زركش، وعدّة تضاهي عدّة مركوب السلطان، كأنهما معدّان لأن يركبهما السلطان، يعلوهما مملو كان من المماليك السلطانية قريبي الشبه أيضا، على رأس كل منهما قبّعة من زركش مشابه للآخر.
ومنها: المنطقة- بكسر الميم- وهي ما يشدّ في الوسط، وعنها يعبّر أهل زماننا بالحياصة؛ وهي من الآلالات القديمة؛ فقد روي: أن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان له منطقة. وهذه الآلة قد ذكرها في «التعريف» في الآلالات الملوكية، على أن ملوك الزمان لم تجر لهم عادة بشدّ منطقة وإنما يلبسها الملك للأمراء عند إلباسهم الخلع والتشاريف؛ وهي تختلف بحسب اختلاف الرتب، فمنها ما يكون من ذهب مرصّع بالفصوص، ومنها ما ليس كذلك.
ومنها: الأعلام؛ وهي الرايات التي تحمل خلف السلطان عند ركوبه، وهي من شعار الملك القديمة؛ وقد ورد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يعقد لأمراء سراياه الرايات عند بعثها؛ ثم قد يعبّر عن بعضها بالعصائب جمع عصابة، وهي الألوية، أخذا من عصابة الرأس، لأن الراية تعصب رأس الرمح من أعلاه؛ وقد يعبر عنها بالسّناجق جمع سنجق، والسّنجق باللغة التركية معناه الطعن؛ سميت الراية بذلك لأنها تكون في أعلى الرمح؛ والرمح هو آلة الطعن يسمّى بذلك مجازا.
ومنها: الطّبول؛ ويقال لها: الدّبادب، والبوقات، والزمر المعروف بالصهان الذي يضرب به عشيّة كل ليلة بباب الملك وخلفه إذا ركب في المواكب ونحوها، وهي المعبر عنها بالطّبلخاناه، وهي من شعار الملك القديم.
(2/142)

وقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن الطبل في بلاد المغرب يختص ضربه بالسلطان دون غيره من كل أحد كما سيأتي ذكره في الكلام على مملكة المغرب في المسالك والممالك إن شاء الله تعالى.
والسر فيها إرهاب العدوّ وتخذيله كما كتب «1» به أرسطو في كتاب «السياسة» للإسكندر، أو تقوية النفوس وتشجيعها على الحرب كما قاله «2» الغزالي رحمه الله في «الإحياء» «3» ، وكلما كثرت أعدادها كان أفخم لشأن الملك وأبلغ في رفعة شأنه. وقد حكي أن دبادب الإسكندر كانت أربعين حملا.
قلت: وقد ذكر في «التعريف» من جملة الآلات الملوكية الدواة، والقلم، والمرملة «4» ؛ ولا يخفى أنها بآلات الكتّاب أليق وإن كان السلطان لا يستغني عنها، وسيأتي الكلام عليها في الكلام على آلات الكتابة من هذه المقالة إن شاء الله تعالى.
الصنف الثاني آلات الركوب؛ وهي عدّة آلات
منها: السرج- وهو ما يقعد فيه الراكب على ظهر الفرس؛ وأشكال قوالبه مختلفة، ثم من السرج ما يكون مغشّى بالذهب، وهو مما يصلح للملوك.
ومنها: ما يكون مغشّى بالفضة البيضاء، وكل منها قد يكون منقوشا وقد يكون غير منقوش، ومنها ما يكون بأطراف فضة، ومنها ما يكون ساذجا «5» .
ومنها: اللّجام- وهو الذي يكون في فكّ الفرس يمنعه من الجماح؛ وقوالبه
(2/143)

أيضا مختلفة، ثم منها ما يكون مطليّا بالذهب، ومنها ما يكون مطليّا بالفضة، ومنها ما يكون ساذجا، ومنها ما يكون رأسه وجنباه محلّى بالفضة، ومنها ما يكون غير محلّى.
ومنها: الكنبوش- وهو ما يستر به مؤخر ظهر الفرس وكفله؛ وهو تارة يكون من الذهب الزركش، وتارة يكون من المخايش، وهي الفضة الملبّسة بالذهب، وتارة يكون من الصوف المرقوم؛ وبه يركب القضاة وأهل العلم.
ومنها: العباءة بالمدّ- وهي التي تقوم مقام الكنبوش.
ومنها: المهماز- وهو آلة من حديد تكون في رجل الفارس، فوق كعبه، فوق الخف وما في معناه، ومؤخره إصبع محدّد الرأس إذا أصاب جانب الفرس تحرّكت وأسرعت في المشي أو جدّت في العدو، وهو تارة يكون من ذهب محض، وتارة يكون من فضّة، وتارة يكون من حديد مطليّ بالذهب أو الفضة؛ وقد اعتاد القضاة والعلماء في زماننا تركه.
ومنها: الكور- وهو ما يقعد فيه الراكب في ظهر النجيب؛ وهو «1» الهجين؛ والعرب تسميه: الرّحل؛ ثم قد يكون مقدّمه ومؤخره مغشّى بالذهب أو الفضة، وقد يكون غير مغشّى.
ومنها: الزّمام- وهو ما يقاد به النّجيب، ويضبطه به الراكب كما يضبط الفارس الفرس بالعنان.
ومنها: الرّكاب- وهو ما تجعل فيه الرّجل عند الركوب، وكانت العرب تعتاده من الجلد والخشب، ثم عدل عن ذلك إلى الحديد.
قال أبو هلال العسكريّ «2» في كتابه «الأوائل» «3» : وأوّل من اتخذه من
(2/144)

الحديد المهلّب بن أبي صفرة «1» ؛ وكانت ركب العرب من خشب فكان الفارس يصكّ الراكب «2» بركابه فيوهن مرفقه.
ومنها: السّوط- وهو ما يكون بيد الراكب يضرب به الفرس أو النجيب، وأهل زماننا يعبرون عنه بالمقرعة لأنه يقرع به المركوب إذا تقاعس؛ وهو بدل من القضيب الذي كان للخلفاء على ما سيأتي ذكره في الكلام على ترتيب الخلافة في المقالة الثانية إن شاء الله تعالى.
الصنف الثالث آلات السفر، وهي عدّة آلات
منها: المحفّة- بكسر الميم- وهي محمل على أعلاه قبّة، وله أربعة سواعد: ساعدان أمامها وساعدان خلفها، تكون مغطاة بالجوخ تارة وبالحرير أخرى، تحمل على بغلين أو بعيرين يكون أحدهما في مقدّمتها والآخر في مؤخرتها؛ إذا ركب فيها الراكب صار كأنه قاعد على سرير، لا يلحقه انزعاج؛ وقد جرت عادة الملوك والأكابر باستصحابها في السفر خشية ما يعرض من المرض.
ومنها: المحمل- بكسر الميم الأولى وفتح الثانية «3» - وهو آلة كالمحفّة إلا أنه يحمل على أعلى ظهر الجمل بخلاف المحفّة فإنها تحمل بين جملين أو بغلين.
ومنها: الفوانيس- جمع فانوس- وهي آلة كريّة ذات أضلاع من حديد، مغشّاة بخرقة من رقيق الكتّان الصافي البياض، يتخذ للاستضاءة بغرز الشمعة في
(2/145)

أسفل باطنه فيشفّ عن ضوئها، ومن شأنها أن يحمل منها اثنان امام السلطان أو الأمير في السفر في الليل.
ومنها: المشاعل، جمع مشعل، وهي آلة من حديد كالقفص مفتوح الأعلى، وفي أسفله خرقة لطيفة، توقد فيه النار بالحطب فيبسط ضوءه؛ يحمل أمام السلطان ونحوه في السفر ليلا أيضا.
ومنها: الخيام، جمع خيمة؛ ويقال لها: الفسطاط والقبّة أيضا؛ وهي بيوت تتخذ من خرق القطن الغليظ ونحوه، تحمل في السفر لوقاية الحرّ والبرد؛ وكانت العرب تتخذها من الأديم، وقد امتنّ الله تعالى عليهم بذلك في قوله تعالى:
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ
«1» .
والملوك»
تتناهى في سعتها وتتباهى بكبرها. وسيأتي في الكلام على ترتيب الدولة الفاطمية أنه كان لبعض خلفائهم خيمة تسمّى: القاتول، سميت بذلك لأن فرّاشا من الفرّاشين وقع من أعلى عمودها فمات لطوله.
ومنها: الخركاه، وهي بيت من خشب مصنوع على هيئة مخصوصة ويغشّى بالجوخ ونحوه، تحمل في السفر لتكون في الخيمة للمبيت في الشتاء لوقاية البرد.
ومنها: القدور، جمع قدر، وهي الآلة التي يطبخ فيها وتكون من نحاس غالبا، وربما كانت من برام.
والملوك تتباهى بكثرتها وعظمها، لأنها من دلائل كرم الملك وكثرة رجاله، وقد أخبر الله تعالى عن سليمان عليه السلام بعظيم قدر ما كانت الجن تعمله له من
(2/146)

القدور بقوله: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ
«1» .
ومنها: الأثافيّ؛ وهي الآلة المثلثة التي تعلّق عليها القدر عند الطبخ، وتكون من حديد.
ومنها: النار التي يوقد بها للطبخ ونحوه، وقد تقدّم في الكلام على نيران العرب ذكر نار القرى؛ وهي نار كانت ترفع ليلا ليراها الضيف فيهتدي بها إلى الحيّ.
ومنها: الجفان، جمع جفنة، وهي الآنية التي يوضع فيها الطعام؛ وقد تقدّم في الكلام على القدور أنها مما كانت الجن تعمله لسليمان عليه السلام أيضا. وقد كانت العرب تفتخر بكبر الجفان لدلالتها على الكرم، وفي ذلك يقول الأعشى في مدح المحلّق «2» ليلة بات عليه:
نفى الذّام عن آل المحلّق جفنة ... كجابية الشّيخ العراقيّ تفهق «3»
قيل: أراد بالشيخ العراقيّ كسرى، فشبه جفنته بجفنته.
ومنها: حياض الماء؛ وهي حياض من جلد تحمل في السفر ليبقى الماء فيها لسقي الدّوابّ ونحوها، وكبر قدرها دليل على رفعة قدر صاحبها وفخامته لدلالتها على كثرة دوابه، واتساع عسكره.
(2/147)

الصنف الرابع آلات السلاح؛ وهي عدّة آلات
منها: السّيف؛ وهو معروف. وسيأتي في الكلام على الألقاب في المقالة الثالثة أنه مأخوذ من قولهم: ساف إذا هلك لأنه به يقع الهلك.
واعلم أن السيف إن كان من حديد ذكر- وهو المعبّر عنه بالفولاذ- قيل:
سيف فولاذ، وإن كان من حديد أنثى- وهو المعبر عنه في زماننا بالحديد- قيل:
سيف أنيث؛ فإن كان متنه من حديد أنثى وحدّاه من حديد ذكركما في سيوف الفرنجة، قيل: سيف مذكّر. ويقال: إن الصاعقة إذا نزلت إلى الأرض وردّت «1» صارت حديدا، وربما حفر عليها وأخرجت فطبعت سيوفا، فتجيء في غاية الحسن والمضاء. ثم إن كان عريض الصّفيح قيل له: صفيحة؛ وإن كان محدقا «2» لطيفا قيل له: قضيب؛ فإن كان قصيرا قيل: أبتر؛ فإن كان قصره بحيث يحمل تحت الثياب ويشتمل عليه قيل: مشمل- بكسر الميم- فإن كان له حدّ وجانبه الآخر جافّ قيل فيه: صمصامة- وبهذا كان يوصف سيف عمرو بن معدي كرب فارس العرب، فإن كان فيه حزوز مستطيلة «3» قيل فيه: فقارات- وبذلك سمي سيف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ذا الفقار» «4» يروى أنه كان فيه سبع عشرة فقارة.
ثم تارة ينسب السيف إلى الموضع الذي طبع فيه، فيقال فيما طبع بالهند:
هنديّ ومهنّد، وفيما طبع باليمن: يمان، وفيما طبع بالمشارف- وهي قرّى من قرى العرب قريبة من ريف العراق- قيل له: مشرفيّ؛ فإن كان من المعدن المسمّى بقساس؛ وهو معدن موصوف بجودة الحديد قيل له: قساسيّ.
(2/148)

وتارة ينسب السيف إلى صاحبه كالسيف السّريجيّ نسبه إلى قين «1» من قيون العرب اسمه: سريج، معروف عندهم بحسن الصنعة. ويوصف السيف بالحسام؛ وهو القاطع؛ أخذا من الحسم، وهو القطع، وبالصارم؛ وهو الذي لا ينبو عن الضّريبة.
والناس يبالغون في تحلية السّيوف فتارة ترصّع بالجواهر، وتارة يحلّونها بالذهب، وتارة يحلونها بالفضة، وإن كان الاعتبار إنما هو بالسيف لا بالحلية.
ومنها: الرّمح: وهو آلة الطعن. والرماح ضربان:
أحدهما: متّخذ من القنا، وهو قصب مسدود الداخل، ينبت ببلاد الهند يقال للواحدة منه: قناة، ويقال لمفاصلها: أنابيب، ولعقدها: كعوب؛ فإن كان قد نشأ في نباته مستقيما بحيث لا يحتاج إلى تثقيف قيل له: الصّعدة- بفتح الصاد وسكون العين المهملتين- وان احتاج إلى تقويم مقوّم قيل له: مثقّف.
ويوصف القنا: بالخطّيّ- بفتح الخاء المعجمة- نسبة إلى الخطّ؛ وهي بلدة بالبحرين تجلب إليها الرّماح من الهند، وتنقل منها إلى بلاد العرب، وليست تنبت القنا كما توهّمه ابن أصبغ «2» في أرجوزته المذهبة.
الثاني: ما يتّخذ من الخشب كالزان ونحوه، ويسمّى: الذابل- بالذال المعجمة وكسر الموحدة-.
ويقال للحديد الذي في أعلى الرّمح: السّنان، وللذي في أسفله: الزّجّ والعقب. ويوصف الرّمح: بالأسمر، لأن لون القنا السّمرة، وبالعسّال؛ وهو الذي يضطرب في هزّه، وباللّدن؛ وهو الليّن، وبالسّمهريّ، نسبة إلى بلدة يقال لها سمهرة من بلاد الحبشة، وقيل إلى السّمهرة؛ وهي الصّلابة.
(2/149)

ومنها: الطّبر؛ وهو باللغة الفارسية الفأس، ولذلك يسمى السّكّر الصّلب:
بالطّبرزذ يعني الذي يكسر بالفأس. وإلى الطّبر تنسب الطّبر داريّة- وهم الذين يحملون الأطبار حول السلطان- على ما سيأتي ذكره في الكلام على ترتيب المملكة في المسالك والممالك إن شاء الله تعالى.
ومنها: السّكّين، وسيأتي ذكرها في آلات الدّواة في الكلام على آلات الكتابة، وإنما سميت سكّينا لأنها تسكّن حركة الحيوان؛ وتسمّى: المدية أيضا لأنها تقطع مدى الأجل. وهذه الاشتقاقات أولى بآلة الحرب من آلة الكتابة.
وحاصل الأمر أن السكين تختلف أحوالها بحسب الحاجة اليها، فتكون لكل شيء بحسب ما يناسبه.
ومنها: القوس، وهي مؤنثة. والقسيّ على ضربين:
أحدهما: العربية، وهي التي من خشب فقط، ثم إن كانت من عود واحد قيل لها: قضيب، وان كانت من فلقين قيل لها: فلق.
الثاني: الفارسية؛ وهي التي تركّب من أجزاء من الخشب والقرن والعقب والغراء؛ ولأجزائها أسماء يخص كلّ جزء منها اسم؛ فموضع إمساك الرامي من القوس يسمى: المقبص؛ ومجرى السهم فوق قبض الرامي يسمى: كبد القوس؛ وما يعطف من القوس يسمى: سية القوس، وما فوق المقبض من القوس، وهو ما على يمين الرامي يسمى: رأس القوس؛ وما أسفله؛ وهو ما على يسار الرامي يسمّى: رجل القوس.
ومنها: النّشاب؛ والنّبل؛ فالنّبل ما يرمى به عن القسيّ العربية؛ والنّشاب ما يرمى به عن القسيّ الفارسيّة، حكاه الأزهري «1» .
ومجرى الوتر من السّهم يسمّى: الفوق؛ حديده يسمّى: النّصل؛ والريش يسمّى: القذذ؛ والسهم قبل تركيب الريش يسمّى: القدح- بكسر القاف وسكون الدال المهملة-.
(2/150)

ومنها: الكنانة، ويقال لها. الجعبة؛ وهي بكسر الكاف، وهي ظرف السهام، وتكون تارة من جلد وتارة من خشب.
ومنها: الدّبّوس، ويسمّى: العامود؛ وهو آلة من حديد ذات أضلاع ينتفع بها في قتال لا بس البيضة ومن في معناه؛ ويقال إن خالد بن الوليد رضي الله عنه به كان يقاتل.
ومنها: العصا؛ وهي آلة من خشب تفيد في القتال نحو إفادة الدبّوس.
ومنها: البيضة؛ وهي آلة من حديد توضع على الرأس لوقاية الضرب ونحوه، وليس فيه ما يرسل على القفا والآذان؛ وربما كان ذلك من زرد.
ومنها: المغفر- بكسر الميم؛ وهو كالبيضة إلا أن فيه أطرافا مسدولة على قفا اللابس وأذنيه، وربما جعل منها وقاية لأنفه أيضا، وقد تكون من زرد أيضا.
ومنها: الدّرع؛ وهو جبّة من الزّرد المنسوج يلبسها المقاتل لوقاية السيوف والسهام؛ وهي تذكر وتؤنث، وقد أخبر الله تعالى عن داود عليه السلام أنه ألين له الحديد فكان يعمل منه الدروع بقوله تعالى: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ
«1» . وقوله: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ
«2» ولذلك تنسب الدروع الفائقة إلى نسج داود عليه السلام.
ومن الدروع ما يقال لها: السّلوقيّة، نسبة إلى سلوق- قرية من قرى اليمن؛ وربما قيل: دروع حطوميّة «3» - بضم الحاء المهملة- نسبة لحطوم «4» رجل من عبد القيس.
واعلم أن لبس العرب في الحرب كان الزرد، أما الآن فقد غلب عمل
(2/151)

القرقلات «1» من الصفائح المتخذة من الحديد المتواصل بعضها ببعض.
ومنها: التّرس؛ وهو الآلة التي يتقى بها الضرب والرمي عن الوجه ونحوه، وتسمى: الجنّة أيضا، بضم الجيم، أخذا من الاجتنان وهو الاختفاء؛ وربما قيل لها:
الحجفة- بفتح الحاء المهملة والجيم- ثم هي تارة تكون من خشب، وتارة تكون من حديد، وتارة تكون من عيدان مضموم بعضها إلى بعض بخيط القطن ونحوه؛ فإن كانت من جلد قيل لها: درقة- بفتح الدال والراء المهملتين-.
الصنف الخامس آلات الحصار؛ وهي عدة آلات
منها: المنجنيق- بفتح الميم وسكون النون وفتح الجيم وكسر النون الثانية وسكون الياء وقاف في الآخر- وحكى ابن الجواليقي «2» فيه كسر الميم، وحكي فيه منجنوق بالواو ومنجميق بإبدال النون الثانية ميما؛ وهو أسم أعجميّ، فإن الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة عربية، ويجمع على مجانيق ومناجيق.
قال الجوهريّ: وأصله «من جي نيك» وتفسيره بالعربية: ما أجودني. قال ابن خلكان: تفسير من وتفسير جي: ايش، وتفسير نيك: جيد.
قال ابن قتيبة في كتابه «المعارف» وأبو هلال العسكريّ في «الأوائل» : وهو آلة من خشب لها دفّتان قائمتان بينهما سهم طويل رأسه ثقيل وذنبه خفيف، وفيه تجعل كفّة المنجنيق التي يجعل فيها الحجر، يجذب حتى ترفع أسافله على أعاليه، ثم يرسل فيرتفع ذنبه الذي فيه الكفّة فيخرج الحجر منه فما أصاب شيئا إلا أهلكه.
(2/152)

وأوّل من وضع المنجنيق: جذيمة الأبرش ملك الحيرة على العرب. وذكر الواحديّ «1» في تفسير سورة الأنبياء: أن الكفارّ لما أضرموا النار لإحراق إبراهيم عليه السلام ولم يقدروا على القرب من النار ليلقوه فيها، فجاءهم اللّعين إبليس فعلمهم وضع المنجنيق فعملوه وألقوه فيه فقذفوا به في النار، فكان أول منجنيق عمل.
ومما يلتحق بالمنجنيق: الزيارت، وهي اللّوالب والحبال التي يجذب بها المنجنيق حتى ينحط أعلاه ليرمى به الحجر.
ومنها: السّهام الخطاية «2» ؛ وهي سهام عظام يرمى بها عن قسيّ عظام توتر بلوالب يجرّ بها ويرمى عنها فتكاد تخرق الحجر.
ومنها: مكاحل البارود؛ وهي المدافع التي يرمى عنها بالنّفط؛ وحالها مختلف: فبعضها يرمى عنه بأسهم عظام تكاد تخرق الحجر، وبعضها يرمى عنه ببندق من حديد من زنة عشرة أرطال بالمصريّ إلى ما يزيد على مائة رطل؛ وقد رأيت بالإسكندريّة في الدّولة الأشرفية- شعبان بن حسين، في نيابة الأمير صلاح الدين بن عرّام رحمه الله- بها مدفعا قد صنع من نحاس ورصاص وقيّد بأطراف الحديد رمي عنه من الميدان ببندقة من حديد عظيمة محماة، فوقعت في بحر السلسلة خارج باب البحر؛ وهي مسافة بعيدة.
ومنها قوارير النّفط؛ وهي قدور ونحوها يجعل فيها النّفط ويرمى بها على الحصون والقلاع للإحراق؛ على أن القوارير في اللغة اسم للزّجاج وإنما استعيرت في آلات النّفط مجازا.
ومنها الستائر؛ وهي آلات الوقاية من الطوارق وما في معناها مما يستر به
(2/153)

على الأسوار والسفن التي يقع فيها القتال ونحو ذلك.
الصنف السادس آلات الصيد، وهي عدّة آلات
منها قوس البندق- ويسمّى الجلاهق- قوس يتّخذ من القنا ويلّف عليه الحرير ويغرّى؛ وفي وسط وتره قطعة دائرة تسمّى الجوزة توضع فيها البندقة عند الرّمي.
ومنها الجراوة؛ وهي آلة من جلد يجعل فيها البندق الطين الذي يرمى به عن القوس المقدّم ذكره.
ومنها الشّباك؛ وهي آلة تتخذ تعقد من خيطان وتنصب لاقتناص الصيد، وكذلك تطرح في الماء فيصاد بها السمك.
ومنها الزّبطانة «1» ؛ وهي آلة من خشب مستطيلة كالرمح مجوّفة الداخل يجعل الصائد بندقة من طين صغيرة في فيه، وينفخ بها فيها فتخرج منها بحدّة فتصيب الطير فترميه؛ وهي كثيرة الإصابة.
ومنها الفخّ؛ وهو آلة مقوّسة لها دفّتان تفتحان قسرا، وتعلّقان في طرف شظاة ونحوها، إذا أصابها الصيد انطبقت عليه.
ومنها الصّنانير، جمع صنّارة؛ وهي حديدة معقّفة محدّدة الرأس يصاد بها السمك.
الصنف السابع آلات المعاملة؛ وهي عدّة آلات
منها الميزان، وهو أحد الآلات التي يقع بها تقدير المقدّرات، فالموازين قديمة الوضع؛ قال تعالى: وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ
(2/154)

وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ
«1» وأمر شعيب عليه السلام قومه بإقامة القسط بالوزن كما أخبر تعالى عنه بقوله: وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ*
«2» .
قال أبو هلال العسكريّ: وأوّل من اتخذ الموازين من الحديد عبد الله بن عامر «3» . قال: وأوّل من وضع الأوزان سمير اليهوديّ، وذلك أن الحجّاج ضرب الدراهم بأمر عبد الملك بن مروان ونهى أن يضربها أحد غيره، فضربها سمير، فأمر الحجاج بقتله لاجترائه عليه. فقال سمير: أنا أدلّك على ما هو خير للمسلمين من قتلي، فوضع الأوزان: وزن ألف وخمسمائة إلى وزن ربع قيراط، وجعلها حديدا فعفا عنه.
وكان الناس قبل ذلك إنما يأخذون الدرهم الوازن فيزنون به غيره، وأكثرها يؤخذ عددا.
ومنها: الذراع، مؤنثة، وهي إحدى الآلات التي تقدّر بها المقادير أيضا، بها تقدّر الأرضون، ويقاس البزّ «4» وما في معناه؛ ولم يزل الناس قديما وحديثا يتعاملون بها على اختلافها؛ وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى:
فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ
«5» . وقد ذكر الماوردي «6» في الأحكام السلطانية سبع أذرع:
إحداها العمريّة؛ وهي الذراع التي قدّرها أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه لمسح سواد العراق. قال موسى بن طلحة: «7» وطولها ذراع وقبضة
(2/155)

وإبهام. قال الحكم بن عتيبة: «1» عمد عمر رضي الله عنه إلى أطولها ذراعا وأقصرها ذراعا، فجمع منها ثلاثة وأخذ الثّلث منها وزاد عليها قبضة وإبهاما قائمة، ثم ختم في طرفها بالرّصاص، وبعث بذلك إلى حذيفة «2» وعثمان بن حنيف «3» فمسحا بها السّواد.
الثانية الهاشمية،»
وتسمى الزّياديّة.
قال: وهي أربع وعشرون إصبعا، كل إصبع سبع شعيرات معتدلات معترضات ظهرا لبطن، كل شعيرة عرض سبع شعرات من شعر البرذون؛ وهذه الذراع التي يعتمدها الفقهاء في الشرعيات، وبها قدروا البريد المعتبر في مسافة قصر الصلاة وغيرها، وربما عبّروا عنها بذراع الملك؛ وسميت بالهاشمية لأن أبا جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس اعتبرها وعمل بمقتضاها في المساحة وتبعه سائر خلفائهم على ذلك؛ وبنو العباس من بني هاشم، فنسبت إلى بني هاشم مباينة لمن تقدّمهم من خلفاء بني أميّة.
قال الماورديّ: وتسمّى الزّياديّة، لأن زيادا مسح بها السّواد أيضا.
الثالثة البلاليّة؛ وهي أنقص من الهاشمية المقدّم ذكرها ثلاثة أرباع عشرها؛ وإنما سميت البلاليّة لأن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري هو الذي وضعها، وذكر أنها ذراع جدّه أبي موسى.
الرابعة السّوداء؛ وهي دون البلالية بإصبعين وثلثي أصبع؛ وأوّل من وضعها الرشيد، قدّرها بذراع خادم أسود كان قائما على رأسه.
(2/156)

قال الماوردي: وهي التي يتعامل بها الناس في ذرع البزّ والتجارة والأبنية وقياس نيل مصر.
الخامسة اليوسفيّة؛ وهي دون الذراع السوداء بثلثي إصبع؛ وأوّل من وضعها أبو يوسف «1» صاحب أبي حنيفة.
قال الماورديّ: وبها يذرع القضاة الدّور ببغداد.
السادسة القصبة «2» ؛ وهي أنقص من الذراع السوداء بإصبع وثلثي إصبع، وأوّل من وضعها ابن أبي ليلى القاضي «3» .
قال الماوردي: وبها يتعامل أهل كلواذى «4» .
السابعة المهرانية؛ قال الماوردي: وهي بالذراع السوداء ذراعان وثلثا ذراع، وأوّل من وضعها المأمون؛ وهي التي يتعامل بها في حفر الأنهار ونحوها.
ومنها: المقصّ- بكسر الميم- وهو الآلة المعروفة، وينتفع به في أمور مختلفة.
الصنف الثامن آلات اللّعب؛ وهي عدّة آلات
منها: النّرد- بفتح النون وسكون الراء المهملة- وهو من حكم الفرس، وضعه أردشير بن بابك أوّل طبقة الأكاسرة من ملوكهم، ولذلك قيل له: نردشير؛ وضعه مثالا للدنيا وأهلها، فرتب الرقعة اثني عشر بيتا بعدد شهور السنة،
(2/157)

والمهارك ثلاثين قطعة بعدد أيام الشهر؛ وجعل الفصوص بمثابة الافلاك، ورميها مثل تقلّبها ودورانها، والنّقط فيها بعدد الكواكب السيارة، كلّ وجهين منها سبعة:
وهي الشش ويقابله اليكّ، والبنج ويقابله الدو، والجهار ويقابله الثا؛ وجعل ما يأتي به اللاعب من النقوش كالقضاء والقدر، تارة له وتارة عليه، وهو يصرف المهارك على ما جاءت به النقوش، إلا أنه إذا كان عنده حسن نظر عرف كيف يتالي، وكيف يتحيل على الغلب وقهر خصمه، مع الوقوف عند ما حكمت به الفصوص كما هو مذهب الأشاعرة، لكن قد وردت الشريعة بذمّه، قال صلّى الله عليه وسلّم: «من لعب بالنّردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير» وفي رواية: «ملعون من لعب بالنّردشير» . وفي تحريمه عند أصحابنا الشافعية وجهان: أصحهما التحريم، والثاني الكراهة. وإذا قلنا: حرام، فالأصح أنه صغيرة، وقيل: كبيرة.
ومنها: الشّطرنج- بفتح «1» الشين المعجمة أو السين المهملة لغتان، والأولى منهما أفصح- وهو فارسيّ معرّب، وأصله بالفارسية شش رنك، ومعناه ستة ألوان وهي: الشاه- والمراد بها الملك- والفرزان، والفيل، والفرس، والرّخّ، والبيدق.
ثم الشّطرنج من أوضاع حكماء الهند وحكمهم. وضعه صصه بن داهر الهندي لبلهيب ملك الهند مساواة لأردشير بن بابك في وضعه النرد، وعرضه على حكماء زمانه فقضوا بتفضيله؛ ثم عرضه على الملك وعرّفه أمره، فقال: احتكم عليّ، فتمنّى عليه عدد تضعيف بيوته من قمحة إلى نهاية البيوت، فاستصغر همته وأنكر عليه مواجهته بطلب نزر يسير، فقال: هذه طلبتي، فأمر له بذلك، فحسبه أرباب دواوينه فقالوا للملك: إنه لم يكن عندنا ما يقارب القليل من ذلك، فأنكر ذلك فأوضحوه له بالبرهان، فكان إعجابه بالأمر الثاني أكثر من الأوّل.
قال ابن خلّكان: ولقد كان في نفسي من هذه المبالغة شيء حتّى اجتمع بي
(2/158)

بعض حسّاب الإسكندرية، فأوضح لي ذلك وبيّنه؛ وذلك أنه ذكر أنه ضاعف الأعداد إلى البيت السادس عشر، فأثبت فيه اثنين وثلاثين ألفا وسبعمائة وثمانية وستين حبة، وقال: تجعل هذه الجملة مقدار قدح، ثم ضاعف السابع عشر إلى البيت العشرين فكان فيه ويبة؛ ثم أنتقل من الويبات إلى الأردب، ولم يزل يضعّفها حتّى انتهى في البيت الأربعين إلى مائة ألف إردب وأربعة وسبعين ألف إردب وسبعمائة واثنين وستين إردبا وثلثي إردب، وقال: هذا المقدار شونة، ثم ضاعف الشّون إلى بيت الخمسين فكانت الجملة ألفا وأربعة وعشرين شونة، وقال: هذا المقدار مدينة، ثم إنه ضاعف ذلك البيت إلى الرابع والستين، وهو نهايتها؛ فكانت الجملة ست عشرة ألف مدينة وثلاثمائة وأربعا وثمانين مدينة، وقال: تعلم أنه ليس في الدنيا مدن أكثر من هذا العدد.
قال الصلاح الصّفدي «1» في شرح اللامية: وآخر ما اقتضاه تضعيف رقعة الشّطرنج ثمانية عشر ألف ألف ست مرات، وأربعمائة وستة وأربعون ألفا خمس مرات، وسبعمائة وأربعة وأربعون ألفا أربع مرات، وثلاثة وسبعون ألفا ثلاث مرات، وسبعمائة وتسعة آلاف مرتين، وخمسمائة وأحد وخمسون ألفا، وستمائة وخمس عشرة حبة عددا.
قال الشيخ شمس الدين الأنصاري: إذا جمع هذا العدد هرما واحدا مكعّبا، كان طوله ستين ميلا، وعرضه كذلك، وارتفاعه كذلك؛ بالميل الذي هو أربعة آلاف ذراع.
واللعب بالشّطرنج مباح؛ وقد ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازيّ رحمه الله في «المهذب» «2» : أن سعيد بن جبير الإمام الكبير التابعي المشهور كان يلعب
(2/159)

الشّطرنج عن استدبار. وممن يضرب به المثل في لعب الشّطرنج الصّولي، وهو أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن صول تكين الكاتب «1» . ويقال: إن المأمون كان لا يجيد لعب الشّطرنج، فكان يقول: عجبا مني كيف أدبّر ملك الأرض من الشرق إلى الغرب ولا أحسن تدبير رقعة ذراعين في ذراعين. ثم في حلّه عند أصحابنا الشافعية ثلاثة أوجه أصحها أنه مكروه، والثاني أنه مباح، والثالث حرام؛ فإن اقترن به رهن من الجانبين أو أحدهما فإنه محرم بلا نزاع.
الصنف التاسع آلات الطرب؛ وهي عدّة آلات
منها العود، وهو آلة من خشب مخرقة، له عنق ورأسه ممال إلى خلفه، وهو آلة قديمة وتسميه العرب المزهر- بكسر الميم- وهو أفخر آلات الطرب وأرفعها قدرا وأطيبها سماعا، حتّى يقال إنه قيل له: هل يسمع أحسن منك؟ فقال: لا، وأمال رأسه إلى خلفه فهي ممالة لأجل ذلك.
ومنها الحنك؛ قال في «التعريف» : وهو آلة محدثة طيبة النّغمة، لذيذ السماع يقارب العود في حسنه، وشكله مباين لشكل العود، ورأسه ممال إلى أسفل، يقال إنه قيل له: هل يسمع أحسن منك؟ فقال: نعم، يريد العود.
ومنها الرّباب- بفتح الراء- وهي آلة مجوّفة مركب عليها خصلة لطيفة من شعر ممرّ عليها بقوس وتره من شعر فيسمع لها حسّ طيّب؛ وأكثر من يعانيها العرب.
ومن أنواعها نوع يعبر عنه بالكمنجة لطيف القدر في تدوير، أطيب حسّا وأشجى من الرّباب.
ومنها الدّفّ- بضم الدال- وهو معروف، ثم إن كان بغير صنوج- وهي
(2/160)

المعبر عنها في زمننا بالصراصير- حلّ سماعه، أو بصنوج فالأصح كذلك.
ومنها الشّبّابة- بفتح الشين- وهي الآلة المتخذة من القصب المجوّف، ويقال لها: اليراع أيضا، تسمية لها باسم ما اتخذت منه، وهو اليراع يعني القصب؛ وربما عبّر عنها بالمزمار العراقيّ، وتصحيح مذهب الشافعي رضي الله عنه يختلف فيها، فالرافعي رحمه الله يجيز سماعها والنّوويّ يمنع من ذلك.
الصنف العاشر المسكرات وآلاتها؛ وهي عدة أشياء
منها الخمر؛ وهي ما اتخذ من عصير العنب خاصة، وهي محرّمة بنصّ القرآن. قال تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ
«1» وأبو حنيفة يبيحها للتداوي والعطش، ولم تبح عند الشافعية إلا لإساغة لقمة المغصوص خاصة، وشاربها يحدّ بالاتفاق؛ وحكم بنجاستها تغليظا في الزجر عنها؛ وأباح أبو حنيفة المثلّث: وهو ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، وقال بطهارته، وجرى عند أصحابنا الشافعية وجه بالطهارة.
أما المتخذ من الزبيب والتمر وما شاكله فإنما يقال له نبيذ؛ وقد ذهب الشافعيّ رضي الله عنه إلى القول بتنجيسه والحدّ بشر به وإن لم ينته منه إلى قدر يحصل منه سكر. ومنع أبو حنيفة الحدّ في القدر الذي لا يسكر.
ثم للخمر أسماء كثيرة باعتبار أحوال، فتسمّى الخمر لانها تخمّر العقل أي تغطّيه، والحميّا لأنها تحمي الجسد، والعقار لأنها تعاقر الدّنّ أي تطول مدّتها فيه إلى غير ذلك من الأسماء التي تكاد تجاوز مائة.
ومنها الإبريق، وهو الإناء الذي يصبّ منه؛ والإبريق في أصل اللغة ما له خرطوم يصبّ منه.
(2/161)

ومنها القدح، وهو إناء من زجاج ونحوه يصبّ فيه من الإبريق المقدّم ذكره.
ومنها الكأس؛ وهو القدح بعد امتلائه، ولا يسمّى كأسا إذا كان فارغا بل قدحا كما تقدّم.
ومنها الكوب- بالباء الموحدة- وهو الذي لا عروة له يمسك بها، أما إذا كانت له عروة فإنه يقال له كوز بالزاى المعجمة.
قلت: والعجب ممن يذهب طيّباته في حياته الدّنيا، ويفوز بما وصفه المرارة وطبعه إزالة العقل الذي به تدرك اللذة، ويفوت النعيم المقيم في دار البقاء! فقد ورد «أن من شرب الخمر في الدّنيا لم يطعمها في الآخرة» .
قال العلماء: إذا رآها، لا يشتهيها ولم تطلبها نفسه، وقد وصف الله تعالى حال خمر الجنة بقوله: طُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
«1» وأتبع ذلك بكمال النعمة في قوله:
وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً
«2» .
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة! فلا تحرمنا خير ما عندك بشرّ ما عندنا.
ومنها: الحشيشة التي يأكلها سفلة الناس وأراذلهم، وتسميها الأطباء بالشّهدانج، وعبر عنها ابن البيطار في مفرداته بالقنّب الهنديّ، وهي مذمومة شرعا، مضرة طبعا، تفسد المزاج، وتؤثر فيه الجفاف وغلبة السوداء، وتفسد الذهن، وتورث مساءة الأخلاق، وتحطّ قدر متعاطيها عند الناس؛ إلى غير ذلك من الصفات الذميمة المتكاثرة. وكلام القاضي حسين يدل على أنه لا يحدّ متعاطيها وإن فسّق، فإنه قال: وغير الخمر مثل البنج وجوز ماثل والأفيون لا يحدّ متعاطيه بحال؛ بل إن تعمّد تناوله فسّق به، وإن تناوله غلطا أو للتداوي لم يفسّق؛ وقد
(2/162)

أفرد ابن القسطلاني «1» الحشيشة بتصنيف سماه «تكرمة المعيشة، في ذمّ الحشيشة» ذكر الكثير من معانيها ومساوي متعاطيها، أعاذنا الله تعالى من ذلك.
النوع الثامن مما يحتاج إلى وصفه الأفلاك والكواكب، وفيه مقصدان:
المقصد الأوّل في بيان ما يقع عليه اسم الفلك وعدد أكره «2» ، وما بين كل كرتين وحركة الأفلاك في اليوم والليلة
أما ما يقع عله اسم الفلك فالمراد بالأفلاك السموات. قال صاحب «مناهج الفكر» «3» : تواطأت الأمم على تسمية أجرام السموات أفلاكا، وقال ابن قتيبة في «أدب الكاتب» : الفلك مدار النجوم الذي يضمها، واحتج بقوله تعالى بعد ذكر النجوم: «وكلّ في فلك يسبحون» «4» قال: وسمّي فلكا لاستدارته، ومنه قيل: فلكة المغزل لاستدارتها.
وأما شكل الفلك وهيئته، فقد اختلف علماء الهيئة في ذلك: فذكر الأكثرون منهم أنها كريّة لا مسطّحة، لأن أسرع الأشياء حركة السموات وأسرع الأشكال حركة الكرة لأنها لا تثبت على مكان من الأمكنة إلا بأصغر أجزائها.
وأما عدد أكره فقد ذكر الجمهور من علماء الهيئة أن الفلك عبارة عن تسع
(2/163)

أكر متسقة، ملتفة بعضها فوق بعض التفاف طبقات البصلة، بحيث يماسّ محدّب كلّ كرة سفلى مقعر كرة أخرى عليا إذ لا خلاء بينهما عندهم. قالوا:
وأقرب هذه الأكر إلى الأرض كرة القمر، ثم كرة عطارد، ثم كرة الزّهرة، ثم كرة الشّمس، ثم كرة المرّيخ، ثم كرة المشتري، ثم كرة زحل، ثم كرة الكواكب الثابتة، ثم كرة الفلك الأطلس؛ وسمّي بالأطلس لأنه لا كواكب فيه، ثم الفلك المحيط، ويسمّى فلك الكل، وفلك الأفلاك، والفلك الأعلى، والفلك الأعظم، وحكى النومحسي «1» في «كتاب الآراء والديانات» أن بعض القدماء ذهب إلى أن كرة الشمس أعلى من سائر كرات الكواكب، وبعدها كرة القمر، وبعدها كرة الكواكب المتحيرة «2» ، ثم كرة الكواكب الثابتة. والمتفلسفون من الإسلاميين لما حكمت عليهم نصوص الكتاب والسنة بالاقتصار على ذكر سبع سموات، زعموا أن الفلك الثامن من الأفلاك التسعة هو الكرسيّ، والفلك التاسع هو العرش. وذهب بعض القدماء من علماء الهيئة إلى أن فوق الكرة التاسعة كرة عاشرة هي المحرّكة لسائر الأكر. وذهب آخرون إلى أن وراء نهاية الأجرام السماوية خلاء لا نهاية له، وذهب بعض الفلاسفة إلى أن وراءها عالم الصورة، ثم عالم النفس، ثم عالم السياسة، ثم عالم العلّة الأولى، ويعنون به الباري تعالى عن الجهة.
والصابئة «3» يسمون هذه العوالم أفلاكا.
وأما ما بين كل كرتين، فذهب أهل الهيئة «4» إلى أنها متراصّة لا خلاء بينها،
(2/164)

لكن قد ورد الشرع بما يخالف ذلك، فأطبق القصّاص من أهل الأثر على أن بين كلّ سماء وسماء خمسمائة سنة، وفي سنن التّرمذي أن «بين كل سماء وسماء واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة» .
وأما حركة الأفلاك اليومية، فإن الفلك الأطلس المقدّم ذكره يتحرّك بما في ضمنه في اليوم والليلة حركة واحدة دوريّة على قطبين مائلين يسمّيان قطبي العالم، أحدهما «1» عظمى تقطع هذا الفلك نصفين تسمّى دائرة معدّل النهار، لأن الشمس متى حلّت بها اعتدل النهار في سائر الأقطار، وتقاطع هذه الدائرة دائرة أخرى متوهّمة تقسم هذا الفلك نصفين على نقطتين متقابلتين، يصير نصفها في شماليّ معدّل النهار ونصفها الآخر في جنوبيّه، ويسمّى منطقة البروج، وهذه الدائرة ترسمها الشمس بحركتها الخاصة في السنة الشمسية، ومن ثمّ قسمت اثني عشر قسما ويسمّى كلّ قسم منها برجا.
المقصد الثاني في ذكر الكواكب ومحلها من الأفلاك «2» ؛ وهي على ضربين
الضرب الأوّل الكواكب السبعة السيّارة
وهي زحل، والمشتري، والمرّيخ، والشّمس، والزّهرة، وعطارد، والقمر. ويتعلق القول بها من جهة مراتبها، واشتقاق أسمائها، ومقادير أبعادها من الأرض، وقدر محطّ كل كوكب منها.
(2/165)

فأما القمر، فمأخوذ من القمرة وهي البياض، سمي بذلك لبياضه؛ وقد تقدّم أنّ فلكه أقرب الأفلاك إلى الأرض؛ وهو المعبر عنه بالسماء الدّنيا، ودوره ألف ومائة وخمسة وثمانون ميلا، وهو جزء من تسعة وثلاثين جزءا من الأرض؛ وبعده عن الأرض مائة ألف وسبعة آلاف وخمسمائة وتسعون ميلا «1» . وهو يسمّى هلالا الليلة الأولى والثانية والثالثة، ثم هو قمر إلى آخر الشهر. ويسمّى في ليلة أربع عشرة: بالبدر، قيل لمبادرته الشمس «2» قبل الغروب، وقيل: لتمامه وامتلائه، كما قيل لعشرة آلاف: بدرة لأنها تمام العدد ومنتهاه. ويستسرّ ليلة في آخر الشهر؛ وربما استسرّ ليلتين فلا يرى، بمعنى أنه يختفي فلا يرى، ويسمّى هذا الاختفاء السّرار.
وأما عطارد فمعناه النافذ في الأمور، ولذلك سمي الكاتب، وهو في الفلك الثاني بعد فلك القمر، ودور قرصه سبعمائة وعشرون ميلا، وهو جزء من اثنين وعشرين جزءا من الأرض؛ وبعد ما بينه وبين الأرض مائتا ألف وخمسة آلاف وثمانمائة ميل.
وأما الزّهرة فمأخوذة من الزاهر وهو الأبيض، سميت بذلك لبياضها، وهي في الفلك الثالث من القمر، ودور قرصها ستة آلاف وسبعة وأربعون ميلا وهي جزء من ستة وثلاثين جزءا من الأرض؛ وبعدها عن الأرض خمسمائة ألف وخمسة وثلاثون ألفا وستمائة وأربعة عشر ميلا.
وأما الشمس فسميت بذلك لشبهها بالشمسة وهي الواسطة التي في المخنقة، لأن الشمس واسطة بين ثلاثة كواكب سفليّة، وهي القمر وعطارد والزّهرة، وبين ثلاثة علويّة، وهي المرّيخ والمشتري وزحل، وذلك أنها في الفلك الرابع من القمر؛ ودور قرصها مائة ألف وثمانمائة وثمانون ميلا، وهي مثل الأرض
(2/166)

مائة وستّ وستون مرة وربع وثمن مرة، وبعدها عن الأرض ثلاثة آلاف وخمسة آلاف واثنان وتسعون ألفا ومائة وثلاثة وأربعون ميلا.
وأما المرّيخ فمأخوذ من المرخ، وهو شجر تحتكّ أغصانه فتوري النار، فسمّي بذلك لشبهه بالنار في احمراره، وقيل: المرّيخ في اللغة هو السهم الذي لا ريش له، والسهم الذي لا ريش له يلتوي في سيره، فسميّ النجم المذكور بذلك لكثرة التوائه في سيره؛ وهو في الفلك الخامس من القمر؛ وهو مثل الأرض مرّة ونصفا، وبعده عن الأرض ثلاثة آلاف وتسعمائة ألف واثنا عشر ألفا وثمانمائة وستة وستون ميلا.
وأما المشتري فسمّي بذلك لحسنه كأنه اشترى الحسن لنفسه، وقيل: لأنه نجم الشّراء والبيع عندهم، وهو في الفلك السادس من القمر، ودور قرصه أحد وتسعون ألفا وتسعمائة وتسعة وسبعون ميلا، وهو مثل الأرض خمس وسبعون مرة ونصف وثمن مرّة وبعده عن الأرض ثمانية وعشرون ألف ألف وأربعمائة ألف وثمانية وستون ألفا ومائتا ميل.
وأما زحل فمأخوذ من زحل إذا أبطأ، سمي بذلك لبطئه في سيره؛ وقد فسّر به بعض المفسرين قوله تعالى: النَّجْمُ الثَّاقِبُ
«1» ودور قرصه تسعون ألفا وسبعمائة وتسعة عشر ميلا، وبعده عن الأرض ستة وأربعون ألف ألف ومائتا ألف وسبعمائة وسبعة وسبعون ميلا؛ وأهل المغرب يسمون زحل المقاتل، ويسمون المّريخ الأحمر، ويسمّون عطارد الكاتب.
والفرس يسمون الكواكب السبعة بأسماء بلغتهم، فيسمون زحل كيوان، والمشتري تير، والمرّيخ بهرام، والشمس مهر، والزّهرة أناهيد، وعطارد هرمس، والقمر ماه.
واعلم أن لكلّ من هذه الكواكب السبعة حركتين:
إحداهما قسريّة؛ وهي حركته بحركة فلك الكل في اليوم والليلة حركة تامة،
(2/167)

وتسمّى الحركة السريعة.
والثانية حركة ذاتية يتحرّك فيها هو بنفسه من المغرب إلى المشرق وتسمّى الحركة البطيئة.
ويخلف الحال فيها بالسير باختلاف الكواكب، فلكل واحد منها سير يخصّه؛ وهذه الحركة في القمر أبين لسرعة سيره، إذ يقطع الفلك بالسير من المغرب إلى المشرق في كل ثمانية وعشرين يوما مرة. وقد مثّل القدماء من الحكماء للحركتين المذكورتين بمثالين:
أحدهما بحركة السفينة براكبها إلى جهة جريان الماء وتحرك الراكب فيها إلى خلاف تلك الجهة.
والثاني تحرّك نملة تدبّ على دولاب إلى ذات الشّمال، والدّولاب يدور إلى ذات اليمين.
الضرب الثاني الكواكب الثابتة
وهي الكواكب التي في الفلك الثامن على رأي علماء الهيئة، وسميت ثابتة لأنها ثابتة بمكانها من الفلك لا تتحرك من المغرب إلى المشرق، كما تتحرك السبعة السيارة، إلا حركة يسيرة جدّا، وإنما تتحرك بحسب حركة فلك الكل بها من المشرق إلى المغرب في اليوم والليلة؛ والذي يحتاج إلى ذكره منها الكواكب المشهورة مما تتعرّف به الأزمنة على ما تقدّم ذكره، أو ما يدخل تحت الوصف والتشبيه.
وهي ثلاثة أصناف:
الصّنف الأوّل نجوم البروج التي تنتقل فيها الشمس في فصول السنة
وهي اثنتا عشرة صورة في اثني عشر برجا، بعضها من منازل القمر،
(2/168)

وبعضها من صور أخرى جنوبية وشمالية، وبعضها من كواكب متفرقة لا تنسب إلى صورة.
الأوّل الحمل وهو الكبش
، وهو صورة كبش على خط وسط السماء مقدّمه في المغرب ومؤخره للمشرق، وأوّل ما يطلع منه فمه؛ وهو الكوكب الجنوبي المنفرد من الكوكبين الشّماليين من مفصل اليد من الشّرطين «1» ، وعلى قرنيه الكوكبان الجنوبيان المقتربان من الشّرطين، وعلى عينه اليمنى الكوكب الشّماليّ المضيء من الشّرطين، وعلى عينه اليسرى كوكب خفيّ بقرب الشّماليّ من الشّرطين، وعلى لحييه آخر مثله، وعلى مفصل يده الكوكبان الشّماليان اللذان على عقب الرّجل اليسرى من الثريا، وهو الذي يقال له البطين «2» ، ويده وساقاه ممتدان إلى الشّمال، وكأنه إنما يظهر منه يد واحدة ورجل واحدة، والثريا «3» على طرف أليته.
الثاني الثّور
، وهو صورة ثور على خط السماء، مقدّمه إلى المشرق ومؤخره إلى المغرب، وظهره إلى الشمال، ويداه ورجلاه إلى الجنوب، وعلى مؤخره أربعة كواكب تسمّى القطع أي هي موضع ذنبه المقطوع، والدّبران «4» وجهه، وركن الدّبران فمه، والكوكب المضيء الذي في الدّبران عينه، وكوكبان خارجان عن الدّبران فردة قرنه، وقرنه الآخر كوكب متباعد عن الدبران نفسه إلى الشّمال، وليس وجهه مستويا ولكنه شبيه بالمقطوع الذي جعل خدّه على رأس عنقه ويداه منحطتان إلى الجنوب، ويظهر منه رجل واحدة ويدان، وذنبه أبتر، والثريا خارجة عنه إلى الشّمال وكذلك اللّطخة، وهي ثلاثة أنجم تشبه الثريا بين الثريا والدّبران «5» وليستا من صورته.
(2/169)

الثالث التّوأم
: وهو المعبّر عنه في ألسنة الناس بالجوزاء. قال الحسين بن يونس الحاسب في كتابه في «هيئة الصّور الفلكية» : والناس مخطئون في ذلك وإنما الجوزاء هي الصورة المعروفة بالجبّار في الصور الجنوبية، وقدم التوأم الأيمن بعض كواكب الجبّار التي على تاجه. قال: والتوأم على خط وسط السماء جسدان ملتصقان برأسين، يظهر لكل واحد منهما يد واحدة ورجل واحدة، والرأسان في جهة المشرق، ورجلاهما في جهة المغرب، والذراع الشاميّ هو الرأسان، ويده اليمنى وهي التي في جهة الشّمال هي الذراع اليماني، والمضيء من الذّراع اليمانيّ يسمّى الشّعرى الغميصاء «1» ، ويده اليسرى ممتدّة إلى التوابع.
الرابع السّرطان
: وهو صورة سرطان على وسط السماء، رأسه إلى الشّمال ومؤخره إلى الجنوب؛ والنّثرة»
على صدره؛ وعيناه كوكبان خفيّان تحت النثرة يدعيان بالحمارين وزباناه «3» كوكبان فيهما خفاء، وأحدهما أضوأ من الآخر، يكونان شماليين من التوأم، ومؤخّره كفّ الأسد.
الخامس الأسد
، في وسط السماء، فمه مفتوح إلى النّثرة، وعلى رأسه كواكب مضيئة، والطّرف «4» على عنقه، والجبهة «5» على صدره، وقلبه «6» الكوكب الجنوبي المضيء من النّثرة؛ وهو عظيم النور، وكاهله كواكب خفية خارجة عن الطّرف والجبهة إلى الشّمال، والخراتان «7» خاصرته، والصّرفة «8» ذنبه، وكفّه المتقدّمة في آخر السّرطان، وكفه الأخرى بعد هذه الكف إلى المشرق، ورجله
(2/170)

الأولى تخرج من الكوكب القبليّ من الخراتين إلى الجنوب، والأخرى تحت هذه للمشرق، وكبده كوكب يتوسط مع الجبهة شماليّ منها، وسائر فقاراته إلى المشرق.
السادس العذراء في وسط السماء
. قال حسين بن يونس: والعرب تسميها السّنبلة وهو خطأ، وإنما هي حاملة السنبلة، ورأسها في الشّمال بميلة إلى المغرب ورجلاها في الجنوب؛ وهي مستقبلة المشرق وظهرها إلى المغرب.
قال: ورأسها كواكب صغار مستديرة كاستدارة رأس الإنسان تكون جنوبية من كوكبي الخراتين، ومنكباها أربعة كواكب تحت هذه إلى الشرق، وجناحها الأيمن ستة كواكب كهيئة الجناح.
السابع الميزان
، وهو صورة ميزان، كفّتاها «1» إلى جهة المشرق وقبّها «2» إلى جهة المغرب، والسماك الأعزل «3» على قبّها من الجهة اليمنى ومقابله كوكب آخر على قبّها من الجهة الشّمالية، وكوكب آخر خارج من وسطها إلى المغرب على علاقتها، وهو على قصبة السّنبلة؛ وكوكبان من الغفر «4» على محامله مع كواكب أخر؛ وزبانيا العقرب كفّتاه.
الثامن العقرب
، وهو صورة عقرب على وسط السماء، رأسه في المغرب، وذنبه في المشرق، وإحدى رجليه في الجنوب، والأخرى في الشّمال، والغفر «5» على رأسه، والزّبانيان اللذان هما كفّتا الميزان زبانياه، وعيناه كوكبان خفيان فيما بينهما وبين الإكليل «6» والإكليل على صدره، والقلب «7» هو قلبه، ونياط «8» القلب
(2/171)

كوكبان خفيان والقلب في وسطهما، وهو خارج عنهما إلى الشّمال، والشّولة «1» ذنبه، والكواكب التي على طرفها جبهته، وإبرته لطخة مستطيلة فيما بين الشّولة والنّعائم «2» الصادرة؛ ففيه من منازل القمر خمس منازل، وهي الغفر، والزّبانيان «3» ، والإكليل «4» ، والقلب «5» ، والشّولة «6» ؛ وأظهر ما تكون صورة العقرب وهو على الأنف عند الغروب، ففيه من منازل القمر ثلاث منازل: الإكليل والقلب والشولة.
التاسع القوس
، ويسمّى الرامي، ونجوم هذا البرج نصفه شبه فرس، وهو مؤخّره إلى جهة المغرب، ونصفه وجه إنسان تقوس وهو في جهة المشرق، ورأسه في الشّمال ورجلاه في الجنوب، والنّعائم الواردة على وسطه، وهو على الجسد الذي يشبه بدن القوس، وذنبه يشبه لطخة مستطيلة مع كوكب صغير تحتها والكواكب رعبان «7» أي النعائم، والبلدة «8» على مقبض القوس ويده اليمنى قابضة على رأس السهم، وهي كواكب تكون تحت لطخة صغيرة قريبة منها.
العاشر الجدي
: وهو صورة جدي مستلق على ظهره، مقدّمه في المغرب، ومؤخّره في المشرق، وظهره للجنوب ويداه ورجلاه إلى الشّمال، وهو شبيه بالمنقلب إلى القوس، وقرناه إلى بطنه، وفمه إلى القوس، وليس له إلا يد واحدة، والكوكب الشّمالي من سعد الذابح «9» أحد قرنيه، والجنوبيّ منه قرنه الآخر، وكوكب آخر خفيّ «10» تحت سهم القوس غربيّ سعد الذابح فمه، وعلى كتفيه سعد بلع، «11» وعلى وركه سعد السّعود «12» ، والمضيء من سعد السعود حقّ وركه، وشق الحوت الجنوبيّ على ظهره، وطرف يده ثلاثة كواكب مضيئة بقرب اللامح فيها خفاء، وطرف رجله الكوكب المسمّى رأس الدّلو.
الحادي عشر الدّلو
، وهو صورة رجل قائم بيده دلو؛ رأسه إلى الشّمال
(2/172)

ورجلاه إلى الجنوب، وظهره إلى المشرق، ووجهه إلى المغرب، والكواكب التي تسمّى الخباء من سعد الأخبية «1» رأسه، ويده اليسرى من فوق رأسه حتّى تنزل إلى الدّلو الذي عن يمينه، وسعد الأخبية مرفقه الأيسر، وبطنه يسمّى الجرّة، ودلوه أربعة سعود من السّعود السبعة «2» التي ليست من منازل القمر، هي سعد ناشرة، وسعد الملك، وسعد البهام وسعد الماتح «3» ؛ وكل سعد منها كوكبان، وعلى رجله اليسرى كوكب عظيم النور، وعلى رجله اليمنى كوكب أبيض يقرب في العظم من الذي قبله، والفرع المقدّم خارج عن صورته إلى الشّمال.
الثاني عشر الحوت
: وهو صورة سمكتين إحداهما المنزلة التي تسميها أصحاب المنازل بطن الحوت وهي شمالية، والثانية جنوبية عنها وهي أطول منها وأخفى الكواكب؛ والكواكب السبعة السيارة ترسم الجنوبية منهما بمسيرهن، وشقّ السمكة الجنوبية ثلاثة من السّعود السبعة التي من غير منازل القمر هي سعد الهمام وسعد البارع وسعد الماطر، «4» ، وليس الفرغ المؤخّر «5» في جسم الحوت بل خارج عنه إلى الشّمال والمغرب.
الصنف الثاني نجوم منازل القمر التي ينتقل فيها القمر من أوّل الشهر إلى الثامن والعشرين منه
وهي ثمان وعشرون منزلة يداخل أكثرها صور البروج الاثني عشر المتقدّمة.
الأولى الشّرطان
، والشّرطان تثنية شرط، وهو العلامة، كأنه سمي بذلك لكونه علامة على طلوع الفجر عند طلوعه، وتسمىّ أيضا النّطح والناطح لأنها عند أصحاب الصور قرنا الحمل، وهما كوكبان نيّران بينهما قاب قوسين، أحدهما في
(2/173)

الشّمال والآخر في الجنوب إلى الجانب الجنوبيّ، ومنها كوكب ألطف منه يعدّ معه أحيانا ولذلك يسمّي بعضهم هذه المنزلة الأشراط على الجمع لا على التثنية، وهذه الثلاثة الكواكب إذا ظهرت في المشرق ظهرت كأنها مقلوبة منكّسة، وواحد منها أحمر مضيء وتحته آخر خفيّ، والثالث في الشّمال وهو أحمر مضيء.
الثانية البطين
، تصغير بطن، وإنما صغّر فرقا بينه وبين بطن الحوت الآتي ذكره في جملة المنازل، والبطين ثلاثة كواكب مثل أثافيّ القدر: وهي الشكل المثلّث الذي ينصب عليه القدر عند الطبخ، وهي على القرب منها في موضع بطن الحمل من الصورة، وواحد منها مضيء واثنان خفيان، والخفيان يطلعان قبل المضيء.
الثالثة الثّريّا
، ويسمّى النجم علما عليها، وبه فسر قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى
«1» وهي ستة أنجم صغار يظنها الناظرين سبعة أنجم، وهي في شكل مثلث متساوي الساقين، وبين نجومها نجوم صغار جدّا كالرشاش، ومطلعها إلى الشمال عن مطلع الشّرطين والبطين، وأوّل ما يطلع منها ويغيب هو الجانب العريض دون الأفخاذ منها، وهي عند أصحاب الصور بالقرب من محل ذنب الثور المقطوع. قال ابن يونس: وليست من صورة الثور، وبعضهم يسميها ألية الحمل لقربها منه.
الرابعة الدّبران
، ويسمّى تالي النجم لكونه يطلع تلو الثريّا، وربما سمّي حادي النجم لذلك، ويسمّى أيضا المجدح وعين الثور؛ وهذه المنزلة سبعة أنجم تشبه شكل الدال، واحد منها مضيء أحمر عظيم النّور، واسم الدّبران واقع عليه في الأصل ثم غلب عليه وعلى باقي المنزلة. وهذه الكواكب السبعة عند أصحاب الصور هي رأس الثّور، وأوّل ما يطلع منه طرف الدال، ويكون رميها إلى الجنوب وفتحها إلى الشّمال، والكوكب الأحمر المضيء هو آخر ما يطلع منها، والعرب
(2/174)

تقول للكوكبين القريبين منه: كلباه، والباقي غنمه، وربما قالوا: قلاصه «1» ، ويقولون في خرافاتهم: إن الدّبران خطب الثريّا إلى القمر فقالت: ما أصنع بسبروت «2»
؟ فساق إليها الكواكب المسماة بالقلاص مهرا فهربت منه فهو يطلبها أبدا، ولا يزال تابعا لها، ومن ثمّ قالوا في أمثالهم: «أوفى من الحادي «3» وأغدر من الثريّا» .
الخامسة الهقعة
، سميت بذلك تشبيها بدائرة تكون في عنق الفرس، وقد مر القول عليها في الكلام على أوصاف الخيل؛ وهي ثلاثة كواكب محابية صغار تسمّى الأثافيّ، وهي على أعلى القدم اليسرى من التوأم المعبر عنه بالجوزاء.
السادسة الهنعة
، وهي خمسة أنجم على شكل الصّولجان، أربعة منها على خط مستقيم، الثالث منها يسمّى قوس الجوزاء، والخامس منعطف الى جهة الجنوب مقدار شبر في رأى العين، وسميت هنعة لأنعطافها أخذا من قولهم:
هنعت الشيء إذا عطفته، وبعضهم يسميها التحية «4» ، وهي عند أصحاب الصّور خلاف لأحد التوأمين المعبر عنهما بالجوزاء، ويقال: الهنعة قوس، الجوزاء يرمى بها ذراع الأسد، وقائل ذلك يزعم أنها ثمانية أنجم في صورة قوس، من مقبضها النجمان اللذان يقال لهما: الهنعة، وبعضهم يقول: إن الهنعة كوكبان مقترنان، الشّماليّ منهما أضوؤهما، وحذاءهما ثلاثة كواكب تسمّى التّحايي ربّما عدل القمر فنزل بها.
السابعة الذّراع
: وهي كوكبان: أحدهما نيّر والآخر مظلم، بينهما قدر سوط
(2/175)

في رأي العين، وفيما بينهما كواكب صغار تسميها العرب الأظفار، وسميت هذه المنزلة بالذراع لأنها عندهم ذراع الأسد وللأسد ذراعان، مقبوضة، وفيها ينزل القمر وهي جنوبية؛ وسميت مقبوضة لأن الأخرى أرفع منها في السماء، ولهذا سميت مبسوطة، وهي مثلها في الصورة، وأصحاب الصور يجعلون هذه الذراع في صورة الكلب الأصغر، وربما عدل القمر عن المقبوضة فنزل بها.
الثامنة النّثرة
، وهي لطخة كقطعة سحاب يجعلها أصحاب الصّور على صدر السّرطان؛ وسميت نثرة لأن إلى جانبها نجمين صغيرين هما عند العرب على منخري الأسد، وتسميهما الحمارين، وقيل إنها لما كانت أمام جبهة الأسد شبهت بشيء نثره من أنفه، ويقال إنها فم الأسد ومنخراه، وتسمّى اللهاة أيضا وتشبّه بالمعلف.
التاسعة الطّرف
، وهي كوكبان خفيان مقترنان بين يدي الجبهة، سميا بذلك لموقعهما موقع عيني الأسد، وقدّامهما ستة كواكب صغار تسميها العرب الأشفار، أثنان منها في نسق الطّرف، والأربعة البواقي بين يديه.
العاشرة الجبهة
، ثلاثة كواكب نيرة قد عدل أوسطها إلى الشرق، فهي لذلك على شكل مثلّث مستطيل القاعدة قصير الساقين، وإلى الجنوب عنها نجم أحمر مضيء جدّا يسمّى قلب الأسد يرسمه المنجمون في الاسطرلاب «1» ، وأصحاب الصور يجعلون الجبهة على كتف الأسد.
الحادية عشرة الخراتان
، وتسمّى الزّبرة وعرف الأسد والزبرتين، وهما كوكبان نيّران بينهما في رأي العين مقدار ذراعين، وهما معترضان ما بين المشرق
(2/176)

والمغرب، يمتدّان عند التوسط مع خط الاستواء، وسميا الخراتين تشبيها بثقبين في السماء، ومنه خرت الإبرة، وتحت هذين النجمين تسعة أنجم صغار. وسميت الزّبرة لشعر يكون فوق ظهر الأسد مما يلي خاصرته، وعدّوا الجميع أحد عشر كوكبا، منها نجمان هما الخراتان والتسعة الشعر.
الثانية عشرة الصّرفة
، وهي كوكب نيّر، وهو عند أصحاب الصور قنب الأسد، والقنب: وعاء القضيب، وبالقرب من هذا الكوكب سبعة أنجم صغار طمس ملاصقة له، وسمّي هذا الكوكب بالصّرفة لانصراف الحرّ عند طلوعه مع الفجر من المشرق، وانصراف البرد إذا غرب مع الشمس؛ ويقال الصّرفة ناب الدّهر لأنّها تفترّ عن فصل الزمانين، ويشكّل مع الخراتين مثلّثا له زاوية قائمة وإحدى ساقيه أطول من الأخرى وفي قاعدته قصر.
الثالثة عشرة العوّاء
، وهي خمسة كواكب نيّرة على شكل «1» لام، وكان اعتبر ابتداؤها من الشّمال وعطفها من جهة الجنوب، لكن المصطف منها أربعة والمنعطف واحد، ويقال لها أيضا وركا الأسد، وتشبهها العرب بكلاب تعوي خلف الأسد لأنها وراءه، ولذلك سميت العوّا، وأصحاب الصور يجعلونها في السّنبلة على صدرها.
الرابعة عشرة السّماك
، وهو السّماك الأعزل: وهو كوكب نيّر يميل لونه إلى الزّرقة، وسمي سماكا لكونه قريبا من سمت الرأس، وسمت الرأس أعلى ما يكون من الفلك، وسمته العرب الأعزل لأنه يطلع إلى جانبه نجم مضيء يسمونه السّماك الرامح لكوكب صغير بين يديه، والأعزل لا شيء بين يديه ففرق بينهما، وأحدهما جنونيّ، وهو المنزلة، وأصحاب الصّور يثبتون السماكين: الأعزل والرامح في صورة العذراء، وهي السنبلة، والعرب تجعلهما ساقي الأسد، وربما عدل القمر فنزل بعجز الأسد، وهو أربعة كواكب بين يدي السّماك الأعزل يقال لها عرش
(2/177)

السّماك، وتسمّى أيضا الخباء، والأحمال، والغراب؛ وهذه المنزلة حدّ ما بين المنازل اليمانية والمنازل الشامية، فما كان أسفل من مطلعه فهو يماني وهو شق الجنوب، وما كان فوقه فهو شامي وهو شقّ الشّمال.
الخامسة عشرة الغفر
، ثلاثة كواكب خفية على خطّ فيه تقويس، وسميت بذلك لخفائها، مأخوذة من المغفرة التي تستر الذّنب وتخفيه يوم القيامة، ومنه المغفر الذي فوق الرأس، وقيل لأنها زبانى العقرب، وقيل مأخوذة من الغفرة وهي الشعر الذي في طرف ذنب الأسد، وأصحاب الصور يجعلونها بين ساقي الأسد.
السادسة عشرة الزّبانان
، وهما كوكبان نيّران هما عند العرب يد العقرب يترس بهما: أي يدفع عن نفسه، وأصحاب الصّور يجعلونهما كفّتي الميزان، وبينهما في رأي العين قدر قامة الرجل.
السابعة عشرة الإكليل
، وهو ثلاثة كواكب مجتمعة في خفاء الغفر، مصطفّة معترضة، بين كل كوكب وكوكب منها قدر ذراع في رأي العين، سميت بذلك لأنها فوق جبهة العقرب كالتاج، وهي عند أصحاب الصّور على عمود الميزان.
الثامنة عشرة القلب
، وهو كوكب أحمر نيّر مضطرب قريب من الجبهة بين كوكبين خفيين تسميهما العرب نياطي القلب أي علاقتيه، وسمّته أصحاب الصّور قلبا لوقوعه موضع القلب من صورة العقرب، والقلوب أربعة هذا أحدها، والثاني قلب السمكة، والثالث قلب الثور، والرابع قلب الأسد. وحيث ذكر القلب على الإطلاق دون إضافة فالمراد قلب العقرب هذا.
التاسعة عشرة الشّولة
، وهي كواكب متقاطرة على تقويس في برج العقرب أشبه شيء بذنب العقرب إذا شالته، ولذلك سميت الشّولة، وفي الشولة كوكبان خفيّان ملتصقان يظهران كأنهما كوكب واحد مشقوق يسميان الإبرة والحمة، وخلفهما نجم صغير لا يزايلهما يقال له التابع. وقال قوم: إنما ينزل القمر الشّولة على المحاذاة ولا ينحط إليها لأنها منحدرة عن طريقه، وربما نزل بالسفار فيما بين القلب والشّولة، وهي ستة كواكب بيض منعطفة.
(2/178)

العشرون النّعائم
، وكواكبها ثمانية، منها أربعة يمانية نيّرة تشكل مربّعا فيه أطراف تسمى الواردة وهي المنزلة، وسميت واردة: لأنها لما كانت قريبة من المجرّة شبهت بنعام وردت نهرا، والأربعة الأخرى تسمّى النعائم الصادرة، لأنها لما كانت بعيدة من المجرّة شبهت بنعام وردت ثم صدرت، والواردة التي هي المنزلة عند أصحاب الصّور واقعة في يد الرامي الذي يجذب بها القوس.
الحادية والعشرون البلدة
، وهي فرجة في السماء مستديرة شبه الرّقعة ليس فيها كواكب، والبلدة في كلام العرب الفرجة من الأرض، ويقال لصدر الإنسان:
البلدة، لأنها قطعة مستطيلة، ويدل عليها ستة كواكب مستديرة صغار خفية تشبه القوس، وبعضهم يسميها الأدحيّ لأن بالقرب منها كواكب تسميها العرب البيض لقربها من النعائم، وربما عدل القمر فنزل بالأدحيّ، وأصحاب الصور يجعلون البلدة على جبهة الرامي.
الثانية والعشرون سعد الذّابح
، وهو كوكبان صغيران بينهما في رأي العين أقلّ من قدر ذراع، أحدهما مرتفع في ناحية الشّمال والآخر منخفض في ناحية الجنوب، سمي سعدا لا نهمال الأمطار في أيام طلوعه، وسمي ذابحا لقوّة البرد في إبّان طلوعه فتموت المواشي ببرده، وقيل سمي ذابحا لأن بالقرب من نجمه الشّماليّ نجما صغيرا كأنه ملتصق به، تقول العرب: هو شاته التي تذبح، ولذلك جعلوا الذابح صفة لسعد بخلاف سائر السعود، فإنها يضاف إليها ما بعدها كما قاله الزجاج «1» في مقدمة أدب الكاتب «2» ؛ وأصحاب الصّور يثبتون هذا السعد في موضع قرني الجدي من الصورة.
الثالثة والعشرون سعد بلع
، وهو نجمان أيضا يشبهان سعدا الذابح في
(2/179)

المسافة التي بينهما، لكن أحد الكوكبين خفيّ وهو الذي بلعه، وهذا السعد عند أصحاب الصّور على كعب ساكب الماء القريب من صورة الدّلو، وسمي بلع لأنه في أيام طلوعه تغيض الأنهار وتزيد الآبار، فكأن الأرض ابتلعت ماءها، وقيل لأنه يطلع في الوقت الذي قيل فيه «يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي» «1» زمن نوح (عليه السلام) .
الرابعة والعشرون سعد السّعود
، وعدّته كوكبان أيضا على ما تقدّم في السعدين من البعد، وقيل هو ثلاثة كواكب أحدها نيّر والآخران دونه في النور؛ وأصحاب الصّور يثبتونه على صدر ساكب الماء القريب من صورة الدّلو، وربما قصر القمر فنزل سعد ناشرة، وهو أسفل من سعد السعود، ويسمّي أصحاب الصور نجميه بالمحبّين، وهما في مؤخر الجدي، ومنهم من يثبت سعد السعود نجما واحدا.
الخامسة والعشرون سعد الأخبية
، والناس مختلفون فيه، فمنهم من يقول:
إنه كوكب واحد حوله ثلاثة كواكب مثلثة تشبه رجل بطّة والكوكب هو السعد والثلاثة الخباء، ومنهم من يجعل الكوكب الذي في وسط الثلاثة عمود الخباء، وهو عند أصحاب الصّور على الكتف الشرقية من جسد ساكب الماء، وسمي سعد الأخبية لخروج المخبّات فيه من الثمار والحشرات، وكانت العرب تتبرك به لاخضرار العود فيه.
السادسة والعشرون الفرغ المقدم
، ويقال فيه مقدّم الدّلو والفرغ الأوّل والفرغ الأعلى وعرقوة الدّلو العليا، وهو كوكبان نيّران بينهما في رأى العين نحو من خمسة أذرع؛ وأصحاب الصّور يزعمون أن الشّماليّ منهما على متن الفرس.
السابعة والعشرون الفرغ المؤخّر
، ويقال له مؤخر الدّلو السفلي، وهو كوكبان يشبهان ما تقدّم، أحدهما شماليّ والآخر جنوبيّ، وهما عند أصحاب
(2/180)

الصّور على مؤخر الفرس، وربما قصر القمر فنزل في الكرب الذي في وسط العراقي، وربما نزل ببلدة «1» الثعلب.
الثامنة والعشرون الحوت
، وهو آخر المنازل، ويقال لها السّمكة، وتسمى الرّشاء أيضا، وهي ثمانية عشر كوكبا تشكل شكل سمكة رأسها في جهة الشّمال وذنبها في جهة الجنوب، وفي الشرقّي منها كوكب نيّر يسمى سرّة الحوت، وبطن الحوت، وبطن السمكة، وقلب السمكة، وربما عدل القمر فنزل بالسمكة الصّغرى، وهي من السمكة الكبرى في الشّمال مثل صورتها إلا أنها أعرض منها وأقصر، وأصحاب الصّور يجعلون الكوكب النّيّر من الحوت في حدّ المرأة المسلسلة، ورأسها هو الشّمالي من الفرع المؤخّر.
الصنف الثالث من النجوم الثوابت ما ليس داخلا في شيء من البروج ومنازل القمر مما هو مشهور.
مما ذكرته العرب في شعرها وشبهت به وضربت به الأمثال وهي عدّة نجوم:
منها بنات نعش، وهي سبعة أنجم على القرب من القطب الشّماليّ، منها أربعة في صورة نعش وثلاثة أمامه مستطيلة وهي المعبّر عنها بالبنات، وتعرف هذه ببنات نعش الكبرى، وبالقرب منها سبعة أنجم على شكلها.
ومنها الجدي الذي تعرف به القبلة، وهو نجم صغير على القرب من القطب الشّماليّ يستدلّ به على موضع القطب، ويقال له جدي بنات نعش الصغرى.
ومنها الفرقدان، وهما كوكبان متقاربان معدودان في بنات نعش.
ومنها السّها، وهو كوكب خفيّ في بنات نعش الكبرى، والناس يمتحنون به أبصارهم لخفائه.
(2/181)

ومنها السّماك الرامح، وهو غير الأعزل المقدّم ذكره في منازل القمر، سمي رامحا لكوكب يقدمه، تقول العرب: هو رمحه بخلاف الأعزل فإنه الذي لا رمح معه.
ومنها النّسر الواقع، وهو ثلاثة أنجم كأنها أثافي، سمي الواقع لأنهم يجعلون اثنين منه جناحيه ويقولون: قد ضمهما إليه كأنه طائر وقع.
ومنها النّسر الطائر، سمي بذلك لأنهم يجعلون اثنين منه جناحيه ويقولون:
قد بسطهما كأنه طائر، والعامّة تسميه الميزان.
ومنها الكفّ الخضيب، وهو كف الثّريّا المبسوطة، ولها كف أخرى يقال لها الجذماء، وهي أسفل من الشّرطين.
ومنها العيّوق، وهو في طرف المجّرة الأيمن، وعلى أثره ثلاثة كواكب بيّنة يقال لها الأقلام، وهي من مواقع العيّوق.
ومنها سهيل، وهو كوكب أحمر منفرد عن الكواكب، ولقربه من الأفق كأنه أبدا يضطرب، وهو من الكواكب اليمانية، قال ابن قتيبة: ومطلعه عن يسار مستقبل قبلة العراق. قال: وهو يرى في جميع أرض العرب، ولا يرى في شيء من بلاد أرمينية.
ومنها الشّعريان: العبور، وكانت تعبد في الجاهلية بقوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى
«1» وهي في الجوزاء، والشّعرى الغميصاء، ومع كل واحدة منهما كوكب يقال له المرزم.
ومنها سعد ناشرة، وسعد الملك، وسعد البهام، وسعد الهمام، وسعد البارع، وسعد مطر، وكل سعد منها كوكبان، بين كل كوكبين في رأي العين قدر ذراع فهي متناسقة، وهذه السعود الستة غير السعود الأربعة المتقدّمة في منازل
(2/182)

القمر؛ تكون جملة السعود عشرة «1» .
فإذا عرف الكاتب أحوال الأفلاك والكواكب وأسماءها وصفاتها، عرف كيف يصفها عند احتياجه إلى وصفها، وكيف يعبّر عنها عند جريان ذكرها كما قال بعضهم يمدح بعض الرؤساء:
لا زلت تبقى وترقى للعلا أبدا ... ما دام للسبعة الأفلاك أحكام
مهر وماه وكيوان وتير معا ... وهرمس وأناهيد وبهرام
مشيرا بذلك إلى ذكر الأفلاك السبعة، وما لها من الكواكب السبعة السيارة بالأسماء الفارسية المقدّم ذكرها.
وكما قال الطّغرائي «2» في لامية العجم:
وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
مشيرا إلى كون فلك زحل أعلى من فلك الشمس لما تقدّم أنها في الرابع، وهو في السابع.
وكما قال بعضهم يصف خضرة السماء وما لها من الكواكب:
كأنّ سماءنا والشّهب فيها ... وأصغرها لأكبرها مزاحم
بساط زمرّد نثرت عليه ... دنانير يخالطها دراهم
وكما قال ذو الرّمة «3» وقد ذكر الثريّا:
(2/183)

يدفّ على آثارها دبرانها ... فلا هو مسبوق ولا هو يلحق
بعشرين من صغرى النجوم كأنها ... وإيّاه في الخضراء لو كان ينطق
قلاص حداها راكب متعمّم ... إلى الماء من جوز التّنوفة مطلق
مشيرا إلى ما تقدّم من خطبة الدّبران الثريّا وهربها منه وإمهاره إياها بالقلائص، هي النجوم التي حولها.
وكما قال أبو الفرج الببّغا «1» ذاكرا حال مختف يرجى له الظهور:
ستخلص من هذا السّرار وأيّما ... هلال توارى في السّرار فما خلص
مشيرا بذلك إلى حالة تواري القمر حالة السّرار ثم خلوصه عند إهلاله.
النوع التاسع مما يحتاج الكاتب إلى وصفه العلويّات مما بين السماء والأرض، وهي على أصناف
الصنف الأوّل الريح
وهي مؤنثة، يقال هبّت الريح تهبّ هبوبا، وتجمع على رياح، وقد دل الاستقراء على أنها حيث وردت في القرآن الكريم في معرض العذاب، كانت بلفظ الإفراد، وحيث وردت في معرض الرحمة كانت بلفظ الجمع. قال تعالى في جانب العذاب: فأرسلنا عليهم الرّيح العقيم «2» وقال: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً
«3» وقال في جانب الرحمة: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ
(2/184)

رَحْمَتِهِ
«1» وقال جلّت قدرته: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً
«2» إلى غير ذلك من الآيات. ومن ثمّ كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا اشتدّت الريح قال: «اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» وقد ورد القرآن الكريم بأن الله تعالى هو الذي يرسلها، قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً
«3» .
وذهبت الفلاسفة إلى أنها تحدث عن الطبيعة، وأن سبب ذلك دخان يرتفع من الأرض فيضربه البرد في ارتفاعه فيتنكّس ويتحامل على الهواء ويحرّكه الهواء بشدّة فيحصل الريح.
وأصول الرياح أربعة:
الأولى «الصّبا» : وهي التي تأتي من المشرق، وتسمّى القبول أيضا، لأنها في مقابلة مستقبل المشرق.
قال في صناعة الكتّاب «4» : وأهل مصر يسمونها الشرقية، لأنها تأتي من مشرق الشمس، وهي التي نصر بها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم الأحزاب كما أخبر صلّى الله عليه وسلّم بقوله:
«نصرت بالصّبا» .
الثانية «الدّبور» : ومهبّها من مغرب الشمس إلى حدّ القطب الجنوبيّ، وسميت الدّبور لأن مستقبل المشرق يستدبرها، وتسمّى الغربية لهبوبها من جهة المغرب، وبها هلكت عاد كما أخبر عليه السلام بقوله: «وأهلكت عاد بالدّبور» .
الثالثة «الشّمال» : ويقال فيها شمال وشمأل وشامل وشأمل مهموزا وغير مهموز؛ ومهبّها من حدّ القطب الشماليّ إلى مغرب الشمس، وسميت شمالا لأنها على شمال من استقبل المشرق.
(2/185)

قال في صناعة الكتّاب: وتسمى البحرية لأنها يسار بها في البحر على كل حال.
الرابعة «الجنوبية» : ومهبّها من حدّ القطب الأسفل إلى مطلع الشمس وتسمّى بالديار المصرية: القبليّة، لأنها تأتي من القبلة فيها، وتسمّى بها أيضا المريسيّة لأن في الجهة القبلية بلاد المريس «1» ، وهم ضرب من السّودان، وهي أردأ الرياح عند أهل مصر. وقال النحاس «2» : وكل ريح جاءت من مهبّي ريحين تسمّى النّكباء، سميت بذلك لأنها نكبت عن مهابّ هذه الرياح وعدلت عنها.
قال في «فقه اللغة» «3» : وإذا جاءت بنفس ضعيف وروح فهي النسيم، وإن ابتدأت بشدّة قيل لها: النافجة؛ فإن حركت الأغصان تحريكا شديدا وقلعت الأشجار قيل: زعزع؛ فإن جاءت بالحصباء قيل: حاصبة؛ فإذا هبّت من الأرض كالعمود نحو السماء قيل لها: إعصار. وقد ورد بها القرآن في قوله تعالى:
فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ
«4» والعامّة تسميها: الزّوبعة، ويزعمون أن الشيطان هو الذي يثيرها، ومن ثمّ سماها الترك نعيم بك يعني الشيطان؛ فإذا كانت باردة، فهي: الصّرصر. وقد وقع ذكرها في قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً
«5» ، فإذا لم تلقح شجرا ولم تحمل مطرا، فهي العقيم. وقد قال تعالى في قصة عاد: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ
«6» كانت لا مطر فيها.
الصنف الثاني السحاب
وهو الأجرام التي تحمل المطر بين السماء والأرض ينشئها الله سبحانه
(2/186)

وتعالى كما أخبر بقوله: وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ
«1» ويسوقها إلى حيث يشاء، كما ثبت في الصحيح أنّ رجلا سمع صوتا من سحابة: اسق حديقة فلان.
وذهب الحكماء إلى أنه بخار متصاعد من الأرض مرتفع من الطبقة الحارّة إلى الطبقة الباردة فيثقل ويتكاثف وينعقد فيصير سحابا.
قال الثعالبيّ في «فقه اللغة» : وأوّل ما ينشأ يقال له: النّشء؛ فإذا انسحب في الهواء، قيل له: سحاب؛ فإذا تغيرت به السماء، قيل له: غمام، فإن سمع صوت رعده من بعيد قيل فيه: عقر؛ فإذا أظل، قيل: عارض.
وقد أخبر تعالى عن قوم عاد بقوله: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا
«2» ؛ فإن كان بحيث إذا رؤي ظنّ أنّ فيه مطرا قيل له:
مخيّلة؛ فإن كان السحاب أبيض قيل له: مزن؛ فإذا هراق ما فيه قيل: جهام، وقيل الجهام: هو الذي لا مطر فيه.
وقد أولع أهل النظم والنثر بوصفه وتشبيهه.
الصنف الثالث الرعد
وهو صوت هائل يسمع من السحاب، وقد اختلف في حقيقته فروي أنه صوت ملك يزجر به السحاب، وقيل غير ذلك؛ والنصيرية من الشّيعة يزعمون أنه صوت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه حيث زعموا أنّ مسكنه السحاب؛ وذهبت الفلاسفة إلى أنه دخان يتصاعد من الأرض ويرتفع حتّى يتصل بالسحاب ويدخل في تضاعيفه ويبرد فيصير ريحا في وسط الغيم، فيتحرّك فيه بشدّة فيحصل منه صوت الرعد، ويقال منه: رعدت السماء؛ فإذا زاد صوتها،
(2/187)

قيل: ارتجست؛ فإذا زاد قيل: أرزمت ودوّت؛ فإذا اشتدّ قيل: قصفت وقعقعت؛ فإذا بلغ النهاية قيل: جلجلت وهدهدت.
الصنف الرابع البرق
وهو ضوء يرى من جوانب السحاب، وقد اختلف فيه أيضا فروي أنّ الرعد صوت ملك يزجر به السحاب وأنّ البرق ضحكه؛ والنصيرية من الشّيعة يزعمون أنه ضحك أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه أيضا، والفلاسفة يقولون: إنه دخان يرتفع من الأرض حتّى يتصل بالسحاب كما تقدّم في الرعد، ثم تقوى حركته فيشتعل من حرارة الحركة الهواء والدخان فيصير نارا مضيئة وهو البرق؛ ويقال:
ومض البرق إذا لمع لمعانا قويّا، وأومض إذا لمع لمعانا خفيّا؛ فإن أطمع في المطر ثم ظهر أن لا مطر فيه قيل: خلّب.
الصنف الخامس المطر
وهو الماء الذي يخلقه الله تعالى في السحاب ويسوقه إلى حيث يشاء، وقد ذهب الحكماء إلى أنه بخار يتصاعد من الأرض أيضا فيه أو في حرارة الشمس أو فيهما «1» فيجتمع، وربما أعانت الريح على جمعه بأن تسوق البعض إلى البعض حتّى يتلاحق؛ فإذا انتهى إلى الطبقة الباردة تكاثف وصار ماء وتقاطر كالبخار الذي يتصاعد من القدر وينتهي إلى غطاء القدر، وعند أدنى برودة ينعقد قطرات.
ثم للمطر زمان يكثر فيه، وزمان يقلّ فيه؛ وقد رتب العرب ذلك على أنواء الكواكب التي هي منازل القمر، وجعلوا لكل منها نوءا ينسب إليه.
قال أبو حنيفة الدّينوريّ»
«في كتاب الأنواء الكبير» : كانت العرب تقول: لا بد
(2/188)

نوء كوكب من أن يكون فيه مطر، أو ريح، أو غيم، أو حر، أو برد، ينسبون ما كان فيه من ذلك إليه؛ وقد اختلف في معنى النّوء فذهب ذاهبون إلى أنّ النّوء في اللغة:
النّهوض؛ وذهب الفرّاء «1» إلى أنه: السّقوط والميلان؛ وذهب آخرون إلى أنه يطلق على النهوض والسقوط جميعا، على أنهم متفقون أنّ العرب كانت ترى الأمر للسقوط دون الطلوع، فمن ذهب إلى أن المراد بالنّوء: السقوط، يجريه على بابه، ومن ذهب إلى أنّ المراد بالنوء: النهوض، يقول: إنما سمي نوءا لطلوع الكوكب لا لسقوط الساقط، ومنهم من يطلق النّوء على السقوط وإن كان موضوعه في اللغة النهوض من باب التفاؤل، كما يقال للديغ «2» : سليم، وللمهلكة: مفازة، على أنّ بعضهم قد ذهب إلى أنّ الكوكب ينوء بمعنى ينهض ثم يسقط، فإذا سقط فقد مضى نوؤه ودخل نوء الكوكب الذي بعده.
قال أبو حنيفة الدّينوري: وهو التأويل المشهور الذي لا ينازع فيه لأنّ الكوكب إذا سقط النجم الذي بين يديه أطلّ هو على السّقوط، وكان أشبه حالا بحال الناهض. وقد عدّها أبو حنيفة ثمانية وعشرين نوءا بعدد منازل القمر المتقدّمة الذكر، وذكر أن بعضها أجهر وأشهر من بعض.
الأوّل- «نوء الشّرطين» ، وهو ثلاث ليال، وأثره محمود عندهم.
الثاني- «نوء البطين» ، وهو ثلاث ليال، وليس بمذكور عندهم ولا محمود.
قال ابن الأعرابي «3» : يقال إنه ما ناء البطين والدّبران أو أحدهما فكان له نظر، إلا كاد ذلك العام يكون جدبا.
(2/189)

الثالث- «نوء الثريّا» ، وهو خمس ليال وقيل سبع؛ وأثره محمود عندهم مشهور.
الرابع- «نوء الدّبران» ، وهو ثلاث ليال وقيل ليلة؛ وليس بمحمود عندهم، ولم يسمع في أشعارهم له ذكر.
الخامس- «نوء الهقعة» ، وهو ست ليال، ولا يذكرون نوءها إلا بنوء الجوزاء التي الهقعة رأسها، والجوزاء مذكورة النوء مشهورة.
السادس- «نوء الهنعة» ، وهو ثلاث ليال لا يكاد ينفرد عن نوء الجوزاء.
السابع- «نوء الذّراع المقبوضة» وهي خمس ليال؛ وقال ابن كناسة «1» :
ثلاث ليال، وهو أوّل أنواء الأسد، وأثره محمود عندهم موصوف؛ وربما نسب إلى المرزم، وهو أحد كوكبي الذراع المذكورة، وربما نسب إلى الشّعرى الغميصاء، وهو كوكبها الآخر الذي هو أنور من المرزم؛ وقد ذكر العرب مع الذراع المقبوضة الذراع المبسوطة فتجمعهما معا في النوء، وهما لا ينوءان معا، بل ولا يطلعان معا، لكن لكثرة صحبة إحداهما للأخرى في الذكر واجتماعهما في اسم واحد مع تجاورهما وكونهما عضوي صورة واحدة، وهي صورة الأسد.
الثامن- «نوء النّثرة» ، وهو سبع ليال، وله عندهم ذكر مشهور.
التاسع- «نوء الطّرفة» ، وهو ست ليال، ولم يسمع به مفردا لغلبة الجبهة الآتية الذكر عليه.
العاشر- «نوء الجبهة» ، وهو سبع ليال، وذكره مشهور لديهم.
الحادي عشر- «نوء الزّبرة» ، ونوءها أربع ليال، وقلما تنفرد لغلبة الجبهة عليها أيضا.
الثاني عشر- «نوء الصّرفة» ، وهو ثلاث ليال، ولا يكاد يوجد لها ذكر عندهم في أشعارهم.
(2/190)

الثالث عشر- «نوء العوّاء» ، وهو ليلة واحدة، وليس من الأنواء المشهورة.
الرابع عشر- «نوء السّماك الأعزل» ، وهو أربع ليال، وله ذكر مشهور، وكثيرا ما يذكر معه السّماك الرامح، وليس له نوء معه، ولكنهما متقاربان في الطلوع، وحينئذ فإفراد السّماك الرامح بالنوء خطأ.
الخامس عشر- «نوء الغفر» ، وهو ثلاث ليال، وقيل ليلة، وما بينه وبين نوء الهنعة المتقدّمة الذكر من أنواء الأسد، وهي ثمانية أنواء: أوّلها الذراع، وآخرها نوء السماك؛ وليس له في السماء نظير في كثرة الأنواء.
السادس عشر «نوء الزّبانى» ، وهو ثلاث ليال.
السابع عشر «نوء الإكليل» ، وهو أربع ليال.
الثامن عشر- «نوء القلب» ، وهو ليلة واحدة، وليس بمحمود.
التاسع عشر- «نوء الشّولة» ، وهو ثلاث ليال، وقلما يذكر.
العشرون- «نوء النعائم» ، وهو ليلة واحدة، وليس له ذكر.
الحادي والعشرون- «نوء البلدة» ، وهو ثلاث ليال، وقيل ليلة.
الثاني والعشرون- «نوء سعد الذابح» ، وهو ليلة واحدة.
الثالث والعشرون- «نوء سعد بلغ» ، وهو ليلة واحدة.
الرابع والعشرون- «نوء سعد السعود» ، وهو ليلة، وليس بمحمود، ولا مذكور.
الخامس والعشرون- «نوء سعد الأخبية» ، وهو ليلة واحدة.
السادس والعشرون- «نوء الفرغ المقدّم» ، وهو أربع ليال، وله ذكر مشهور.
السابع والعشرون- «نوء الفرغ المؤخر» ، وهو أربع ليال، وله ذكر أيضا.
الثامن والعشرون- «نوء الحوت» ، وهو ليلة واحدة، وليس بالمذكور من
(2/191)

حيث إنه يغلب عليه ما قبله وما بعده فلا يذكر.
قال أبو حنيفة الدّينوريّ: والأيام في هذه الأنواء تابعة لليالي لتقدّم الليل عليها، قال: وإنما جعلوا لهذه النجوم أنواء موقوتة وإن لم تكن جميع فصول السنة مظنّة الأمطار، لأنه ليس منها وقت إلا وقد يكون فيه مطر.
وقال ابن قتيبة: أوّل المطر الوسميّ، سمي بذلك لأنه يسم الأرض بالنبات، ثم الربيع، ثم الصيف، ثم الحميم.
قال الثعالبيّ عن أبي عمرو: إقبال الشتاء الخريف، ثم الوسميّ، ثم الربيع، ثم الصيف، ثم الحميم.
الصنف السادس الثلج
وهو شيء ينزل من الهواء كالقطن المندوف فيقع على الجبال وعلى سطح الأرض فتذيب الشمس منه ما لا قته شدّة حرارتها، ويبقى في أماكن مخصوصة من أعالي الجبال بالأمكنة الباردة جميع السنة؛ وقد ذكر الحكماء أنه بخار يتصاعد من الأرض إلى الهواء كما يتصاعد المطر فيصيبه برد شديد قبل أن ينعقد قطرات فيتساقط أجزاء لطيفة، ثم ينعقد بالأرض إذا نزل إليها؛ ويوصف بشدّة البرد وشدّة البياض، وسيأتي الكلام على ما ينقل منه من الشأم إلى ملوك الديار المصرية في خاتمة الكتاب إن شاء الله تعالى.
الصنف السابع البرد بفتح الراء
وهو حب يسقط من الجوّ؛ وقد ذكر الحكماء أنه بخار يتصاعد من الأرض أيضا ويرتفع في الهواء فلا تدركه البرودة حتّى يجتمع قطرات، ثم تدركه حرارة من الجوانب فتنهزم برودتها إلى مواطنها فتنعقد؛ وحبّ هذا البرد متفاوت المقادير، منه ما هو قدر الحمّص فما دونه، ومنه ما هو فوق ذلك؛ ويذكر أنه يقع منه ما هو
(2/192)

بقدر بيض الحمام والدّجاج.
قال الحكماء: ولا يتصوّر وقوعه إلا في الخريف والربيع ويوصف بما يوصف به الثلج من شدّة البرد وشدّة البياض، ويشبّه به أسنان الإنسان الناصعة البياض.
الصنف الثامن قوس قزح
وهو قوس يظهر في الجوّ من حمرة وخضرة؛ وقد ورد النهي عن تسميته قوس قزح، وتسميته قوس الله، لأن قزح اسم للشيطان.
قال الحكماء: والسبب فيه أن الهواء إذا صار رطبا بالمطر مع أدنى صقالة صار كالمرآة، والمحاذي له إذا كان الشمس في قفاه يرى الشمس في الهواء كما يرى في الشمس المرآة، ويشتبك ذلك الضوء بالبخار الرطب فيتولد منه هذا القوس.
قال الحكماء: ويكون له ثلاثة ألوان، يعنون حمرة بين خضرتين أو خضرة بين حمرتين، وربما لا يكون اللون المتوسط، ويكون مرتفعا ارتفاعا قريبا من الأرض؛ فإن كان قبل الزوال رؤي ذلك القوس في المغرب، وإن كان بعد الزوال رؤي في المشرق، وإن كانت الشمس في وسط السماء، فلا يمكن أن يرى إلا قوسا صغيرا في الشتاء إن اتفق.
وفيه تشبيهات للشعراء يأتي ذكرها في آخر المقالة العاشرة إن شاء الله تعالى.
الصنف التاسع الهالة
وهي الدائرة التي تكون حول القمر. قال الحكماء: والسبب فيها أن الهواء المتوسط بين البصر وبين القمر صقيل رطب، فيرى القمر في جزء منه، وهو
(2/193)

الجزء الذي لو كان فيه مرآة لرؤي القمر فيها، ثم الشيء الذي يرى في مرآة من موضع لو كانت فيه مراء كثيرة محيطة بالبصر، وكانت موضوعة على تلك النسبة فيرى الشيء في كل واحدة من المرائي، فإذا تواصلت المرائي رؤي في الكل، فترى حينئذ دائرة.
ولأهل النظم والنثر فيها وصف وتشبيه.
الصنف العاشر الحرّ
وسلطانه أواخر فصل الربيع وأوائل فصل الصيف، والسبب فيه مسامتة الشمس للرؤوس، فتشتد ثاثرة في الهواء وجرم الأرض، لا سيما الحجاز وما في معناه.
وأهل النظم والنثر مولعون بوصف شدّة حره.
الصنف الحادي عشر البرد
وسلطانه أواخر فصل الخريف وأوائل فصل الشتاء.
وأهل النظم والنثر مكثرون من ذكره ووصفه، حتّى إنه ربما أفرد بعض الناس ما قيل فيه وفي وصفه بالتصنيف.
الصنف الثاني عشر الهباء
وهو الذي يحصل من ضوء الشمس عند مقابلتها كوّة يدخل منها الضوء، فيكون شبه عمود ممتدّ من الكوّة إلى حيث يقع ضوء الشمس من الأرض، وفيه أجزاء لطيفة متفاوتة تحسّ بالنظر دون اللمس؛ وقد شبه الله تعالى به أعمال الكفّار في القيامة فقال جل من قائل: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً
(2/194)

مَنْثُوراً
«1» ؛ ومن الناس من يزعم أن الواحدة من أجزائه هي المراد بالذّرّة المذكورة في القرآن بقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
«2» .
ولأهل النظم والنثر أيضا فيه الوصف والتشبيه.
النوع العاشر مما يحتاج الكاتب إلى وصفه الأجسام الأرضية، وهي على أصناف
الصنف الأوّل الجبال، والأودية، والقفار
فأما «الجبال» فهي أوتاد الأرض، أرسى الله تعالى بها الأرض حيث مادت لمّا دحاها الله تعالى على الماء. وقد روي أن الكعبة كانت رابية حمراء طافية على وجه الماء قبل أن يدحو الله الأرض، وأن الأرض منها دحيت، فلما مادت وأرسيت بالجبال كان أوّل جبل أرسي منها جبل أبي قبيس بمكة المشرّفة، فلذلك هو أقرب الجبال من الكعبة مكانا. وقد نقل أن قاف جبل محيط بالدنيا «3» عنه تتفرّع جميع جبال الأرض، والله أعلم بحقيقة ذلك. وتوصف الجبال بالعظمة في القدر والعلوّ وصعوبة المسلك، وما يجري مجرى ذلك.
وأما «الأودية» فهي وهاد في خلال الجبال جعلها الله تعالى مجاري للسيل ونبات الزرع ومدارج الطّرق وغير ذلك. وتوصف بالاتساع وبعد المسافة والعمق، وربما وصفت بخلاف ذلك.
وأما «القفار» فهي: البراري المتسعة الأرجاء الخالية من الساكن. وتوصف
(2/195)

بالسّعة وبعد السمافة وقلة الماء والإيحاش وصعوبة المسلك، وما يجري مجرى ذلك.
الصنف الثاني المياه الأرضية؛ وهي على ضربين
الضرب الأوّل الماء الملح
ووقع في لغة الإمام الشافعيّ رضي الله عنه الماء المالح؛ وهو أحد العناصر الأربعة، وسيأتي في الكلام على الأرض في المقالة الثانية أنه محيط بالأرض من جميع جهاتها إلا ما اقتضته الحكمة الإلهية لعمارة الدنيا من كشف بعض ظاهرها الأعلى، وأنه تفرّعت منه بحار منبثّة في جهات الأرض لتجري السفن فيها بما ينفع الناس.
وقد ذكر الحكماء أن في الماء الملح كثافة لا توجد في الماء العذب، ومن أجل ذلك لا ترسب فيه الأشياء الثقيلة كما ترسب في الماء العذب، حتّى يقال: أن السفن التي تغرق في البحر الملح لا تبلغ أرضه بخلاف التي تغرق في الأنهار فإنها تنزل إلى قعرها، وشاهد ذلك أنك إذا طرحت في الماء العذب بيضة دجاجة ونحوها غرقت فيه، فإذا أذبت في ذلك الماء ملحا بحيث يغلب على الماء وطرحت فيه البيضة عامت، وقد اختلف في الماء الملح هل هو كذلك من أصل الخلقة أو عرضت له الملوحة بسبب مالاقاه من سبخ الأرض على مذهبين. ومن خصائص البحر الملح أنه في غاية الصّفاء حتّى إنه يرى ما في قعره على القرب من شطّه.
ويوصف البحر بالسّعة والطول والعرض وكثرة العجائب حتّى يقال في المثل:
«حدّث عن البحر ولا حرج» .
الضرب الثاني الماء العذب
قالت الحكماء: والسبب فيه أن الأبخرة تتصاعد من قعر الأرض فتدخل في
(2/196)

الجبال وتحتبس فيها ولا تزال تتكامل ويتحصل منها مياه عظيمة فتنبعث لكثرتها.
وهو على ثلاثة أنماط:
النّمط الأوّل- «ماء الأنهار»
، وهي ما بين صغار وكبار وقريبة المدى وبعيدته؛ وقد وردت الأخبار بأن أفضلها خمسة أنهار، وهي: سيحون «1» ، وجيحون «2» ، والدّجلة، والفرات، ونيل مصر، والنيل أفضل الخمسة وأعذبها وأخفّها ماء على ما سيأتي ذكره في المقالة الثانية إن شاء الله تعالى. وفي الأنهار الكبار تسير السفن.
النمط الثاني- «العيون»
، وهي مياه تنبع من الأرض وتعلو إلى سطح الأرض ثم تسرح في قنيّ «3» قد حفرت لها، وهي منبثة في كثير من الأقطار.
النمط الثالث- «البئار»
«4» ، وهي حفائر تحفر حتّى ينبع الماء من أسفلها ويرتفع فيها ارتفاعا لا يبلغ أعلاها. وقد اختلف في الماء الذي نبع من الأرض هل هو الذي نزل من السماء أو غيره، فذهب ذاهبون إلى أنه هو الذي نزل من السماء محتجين لذلك بقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ
«5» الآية. وذهب آخرون إلى أن الذي نبع من الأرض غير الذي نزل من السماء محتجين بقوله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً
«6» ويوصف الماء للاستحسان بالعذوبة، والصفاء، والرقة، والخفّة، وشدّة البرد؛ وفي معناه الشّبم، ويشبّه في شدّة البرد بالزّلال وهو ما يتربّى داخل الثّلج في تجاويف توجد فيه فيكون من أشدّ الماء بردا،
(2/197)

الصنف الثالث النبات؛ وفيه ثلاثة مقاصد
المقصد الأوّل في أصل النبات
قد ذكر المسعوديّ في مروج الذهب: أنّ آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض خرج من الجنة ومعه ثلاثون قصيبا مودعة أصناف الثمر، منها عشرة لها قشر وهي الجوز، واللّوز، والجلّوز «1» ، والفستق، والبلّوط، والشاه بلّوط «2» ، والصّنوبر، والنّارنج، والرّمّان، والخشخاش؛ ومنها عشرة لثمرها نوى وهي الزّيتون، والرّطب، والمشمش، والخوخ، والإجّاص، والغبيراء «3» ، والنّبق «4» ، والعنّاب، والمخّيطى «5» ، والزّعرور؛ ومنها عشرة ليس لها قشر ولا نوى وهي التّفّاح، والسّفرجل، والكمّثري، والعنب، والتّين، والأترجّ، والخرنوب، والتّوت، والقثّاء، والبطّيخ.
المقصد الثاني فيما تختص به أرض دون أرض من أنواع النبات
إعلم أن النبات منه ما يوجد في كثير من الآفاق، ومنه ما يختصّ ببعض الأماكن دون بعض، وقد حكى أبو بكر بن وحشيّة في كتاب الفلاحة النبطيّة: أن
(2/198)

ببلاد سجلماسة من جنوبي بلاد المغرب الأقصى شجرة ترتفع نصف قامة أو أرجح، ورقها كورق الغار، إذا عمل منها إكليل ولبسه الرجل على رأسه ومشى أو عدا أو عمل عملا لم ينم ما دام ذلك الإكليل على رأسه، ولا يناله من ضرر السّهر وضعف القوّة ما ينال من سهر وعمل.
وفي بلاد إفرنجة «1» شجرة إذا قعد الإنسان تحتها نصف ساعة مات، وإن مسّها ماسّ أو قطع منها غصنا أو ورقة أو هزّها مات.
قلت: ومما يختصّ بأرض دون أرض البلسان وهو: شجرة لطيفة على نحو ذراع تتفرع فروعا، لا تنبت في سائر الدنيا إلا في الديار المصرية بموضع مخصوص من بلدة يقال لها المطرية، على القرب من مدينة عين شمس، وتسقى من بئر هناك؛ ويقال: إنه اغتسل فيها المسيح عليه السلام، ولذلك النصارى يعظمون البلسان ويتبرّكون به.
المقصد الثالث في ذكر أصناف النبات التي أولع الكتّاب والشعراء بوصفها وتشبيهها، وهي على أضرب
الضرب الأوّل ما له ساق
وهو الشجر، وأكثر ما أولع أهل النظم والنثر بثمارها أو نورها في الوصف والتشبيه نثرا ونظما، كاللّوز، والفستق، والجلّوز وهو البندق، والشاة بلّوط وهو القصطل، والصّنوبر، والرّمّان، والجلّنار، والإجّاص، والقراصيا، والزّعرور
(2/199)

والخوخ، والمشمش، والعنّاب، والنّبق، والعنب، والتّين، والتّوت، والتّفّاح، والسّفرجل، والكمّثري، واللّفّاح «1» ، والخرّوب، والأترجّ، والنارنج، واللّيمون، والطّلع «2» ، والبلح، والبسر «3» ، والتمر، والرّانج وهو جوز الهند؛ والتّجّار يسمّونه النارجيل. وربما وقع الوصف والتشبيه لبعض أصول الشجر، كالنخل والكرم وغيرها.
الضرب الثاني ما ليس له ساق
وقد أولعوا بالوصف والتشبيه منه، فمن ذلك: الزرع من البرّ والشعير ونحوهما، ويتبع ذلك نور الباقلاء، وكذلك الخشخاش، والكتّان، والبطّيخ الهندي وهو الأخضر، والخراساني وهو العبدلي؛ نسبة إلى عبد الله بن طاهر «4» ، فإنه أوّل من نقله من خراسان إلى مصر، والبطّيخ الصيني وهو الأصفر، والرسنيتو وهو المعروف باللّفّاح، والقثّاء، والخيار، والباذنجان، والسّلجم وهو اللّفت، والجزر، والثّوم، والبصل، والكرّاث، والرّيباس، والهليون، والنّعناع، وغير ذلك.
الضرب الثالث الفواكه المشمومة
والذي أولع بوصفه وتشبيهه منه الورد على اختلاف ألوانه: من أحمر، وأبيض، وأصفر، وأزرق، وأسود؛ والنّسرين، والبان، والخلاف «5» والنّيلوفر،
(2/200)

والبنفسج، والنّرجس، والياسمين، والآس، والزّعفران، والرّيحان.
الضرب الرابع الأزهار
والذي وقع الولوع بوصفه وتشبيهه من ذلك الخيريّ وهو المنثور من أصفر أو أزرق، والسّوسن، والآذريون وهو ورد أصفر له ريح، والخزم وهو الخزامى، والشّقيق «1» ، ويسمّى: الشقاق، ويقال له: شقائق النّعمان، لأن النّعمان بن المنذر حمى ظهر الكوفة وبه هذا النبات فعرف به، والبهار وهو نور أحمر، والأقحوان، وغير ذلك.
الضرب الخامس الرياض
وهي الأماكن المشتملة على الأشجار، والأزهار، والمياه الجارية ونحو ذلك. وقد اتفق جوّابو الأرض على أن منتزهات «2» الأرض أربعة مواضع وهي:
سغد سمرقند «3» ، وشعب بوّان «4» ، ونهر الأبلّة «5» ، وغوطة»
دمشق.
وقد أكثر الشعراء في وصف الرياض وولع الكتّاب بمثل ذلك.
(2/201)

الطرف الثالث من الباب الأوّل من المقالة الأولى في صنعة الكلام، ومعرفة كيفية إنشائه، ونظمه، وتأليفه، وفيه مقصدان
المقصد الأوّل [في الأصول التي يبنى الكلام عليها وهي سبعة أصول]
الأصل الأوّل [المعرفة بالمعاني، والنظر فيه من وجهين]
الوجه الأوّل [في شرف المعاني، وفضلها]
إعلم أن المعاني من الألفاظ بمنزلة الأبدان من الثّياب، فالألفاظ تابعة، والمعاني متبوعة، وطلب تحسين الألفاظ إنما هو لتحسين المعاني، بل المعاني أرواح الألفاظ وغايتها التي لأجلها وضعت، وعليها بنيت؛ فاحتياج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى أشدّ من احتياجه إلى تحسين اللفظ، لأنه إذا كان المعنى صوابا واللفظ منحطّا ساقطا عن أسلوب الفصاحة كان الكلام كالإنسان المشوّه الصورة مع وجود الرّوح فيه، وإذا كان المعنى خطأ كان الكلام بمنزلة الإنسان الميّت الذي لا روح فيه؛ ولو كان على أحسن الصّور وأجملها.
قال الوزير ضياء الدين بن الأثير في «المثل السائر» «1» : ومما رأيته من المدّعين لهذا الفن الذين حصلوا منه على القشور، وقصروا معرفتهم على الألفاظ المسجوعة الغثّة، التي لا حاصل وراءها، أنهم إذا أنكرت هذه الحالة عليهم؛ وقيل لهم: إنّ الكلام المسجوع ليس عبارة عن تواطؤ الفقر على حرف واحد فقط، إذ لو كان عبارة عن هذا وحده لأمكن أكثر الناس أن يأتوا به من غير كلفة، وإنما هو أمر وراء هذا، وله شروط متعدّدة، فإذا سمعوا ذلك أنكروه لخلوّهم عن معرفته،
(2/202)

وإذا أنكر عليهم الاقتصار على الألفاظ المسجوعة، وهدوا إلى طريق المعاني، يقولون: لنا أسوة بالعرب الذين هم أرباب الفصاحة؛ فإنهم إنما اعتنوا بالألفاظ، ولم يعتنوا بالمعاني إعتناءهم بالألفاظ. فلم يكفهم جهلهم فيما أرتكبوه حتّى ادّعوا الأسوة بالعرب فيه فصارت جهالتهم جهالتين. قال: ولم يعلموا أن العرب، وإن كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها وتهذّبها فإن المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها، وأشرف قدرا في نفوسها.
ولما كانت الألفاظ عنوان المعاني وطريقها إلى إظهار أغراضها أصلحوها، وزيّنوها وبالغوا في تحسينها، ليكون ذلك أوقع لها في النفس، وأذهب بها في الدّلالة على القصد. ألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعا لذّ لسامعه فحفظه، وإذا لم يكن مسجوعا لم يأنس به أنسه في حالة السجع؛ فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها ورقّقوا حواشيها وصقلوا أطرافها، فلا تظنّ أن العناية أذ ذاك إنما هي بالألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم للمعاني، فصار ذلك كإبراز صورة الحسناء في الحلل الموشّاة والأثواب المحبّرة، فإنا قد نجد من المعاني الفاخرة ما شوّه من حسنه بذاذة لفظه وسوء العبارة عنه.
قال أبو هلال العسكري رحمه الله: ومن عرف ترتيب المعاني واستعمل الألفاظ على وجوهها بلغة من اللّغات ثم انتقل إلى لغة أخرى تهيأ له فيها من صنعة الكلام ما تهيأ له في الأولى. ألا ترى أن عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها لمن بعده من اللسان الفارسيّ، وحوّلها إلى اللسان العربيّ. فلا يكمل لصناعة الكلام إلا من تكمّل لإصابة المعنى وتصحيح اللفظ والمعرفة بوجوه الاستعمال.
قال في «المثل الثائر» : واعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها، وأول من تكلم في ذلك حكماء اليونان؛ غير أن الحصر كليّ لا جزئيّ، ومحال أن تحصر جزئيات المعاني وما يتفرّع عليها من التفريعات التي لا نهاية لها، لا جرم أن ذلك الحصر لا يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم، ولا يفتقر إليه؛ فإن البدويّ
(2/203)

الباديّ راعي الإبل ما كان يمرّ شيء من ذلك بفهمه، ولا يخطر بباله، ومع هذا؛ فإنه كان يأتي بالسّحر الحلال إن قال شعرا أو تكلم نثرا.
قال: ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا، وانساق الكلام إلى شيء ذكره لأبي عليّ بن سينا في الخطابة والشّعر، وذكر ضربا من ضروب الشعر اليوناني يقال له اللوغاذيا، وقام فأحضر كتاب الشفاء لأبي عليّ ووقفني على ما ذكره، فلما وقفت عليه استجهلته، فإنه طوّل فيه وعرّض كأنه يخاطب بعض اليونان، وكل هذا الذي ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربيّ شيئا، ثم مع هذا جميعه فإن معوّل القوم فيما يذكر من الكلام الخطابيّ أنه يورد على مقدّمتين ونتيجة «1» ، وهذا مما لم يخطر لأبي عليّ بن سينا ببال فيما صاغه من شعر أو كلام مسجوع عمله، وعند إفاضته في صوغ مصاغه لم تخطر المقدّمتان والنتيجة له ببال، ولو أنه فكّر أوّلا في المقدّمتين والنتيجة، ثم أتى بنظم أو نثر بعد ذلك، لما أتى بشيء ينتفع به، ولطال الخطب عليه.
قال: بل إن اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم، لم ينظموه في وقت نظمه وعندهم فكرة في مقدمتين ولا نتيجة، وإنما هذه أوضاع توضع وتطول بها مصنّفات كتبهم في الخطابة والشعر، وهي كما يقال:
قعاقع ليس لها طائل ... كأنّها شعر الأبيوردي «2»
(2/204)

الوجه الثاني في تحقيق المعاني؛ ومعرفة صوابها من خطئها، وحسنها من قبحها.
وقد قسم صاحب الصناعتين «1» المعاني على خمسة أصناف
الصنف الأوّل ما كان من المعاني مستقيما حسنا
، كقولك رأيت زيدا وهو أعلى الأنواع الخمسة وأشرفها قال في «الصناعتين» : والمعنى الصحيح الثابت ينادي على نفسه بالصحة، ولا يحوج إلى التكلّف لصحته حتّى يوجد المعنى فيه خطيبا.
فأما المعنى المستقيم الجزل من النظم، فمن الوعظ قول النّمر بن تولب «2» يذم طول الحياة:
يودّ الفتى طول السّلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة يفعل «3»
يكاد «4» الفتى بعد اعتدال وصحّة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
وقول أبي العتاهية في الوعظ بزوال العز والنعمة بالموت:
وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا!
وفي وصف الأيام قول أبي تمّام:
على أنها الأيّام قد صرن كلّها ... عجائب حتّى ليس فيها عجائب
ومن المدح قول أمية بن أبي الصّلت:
عطاؤك «5» زين لأمريء إن حبوته ... بسيب وما كلّ العطاء يزين
(2/205)

وليس بشين لأمريء بذل وجهه ... إليك كما بعض السّؤال يشين
وقول أبي تمام:
يستعذبون مناياهم كأنّهم ... لا ييأسون من الدّنيا إذا قتلوا
وقول الآخر:
هم الألى وهبوا للمجد أنفسهم ... فما يبالون ما نالوا إذا حمدوا
ومن الفخر قول معن بن أوس «1» .
لعمرك ما أهديت «2» كفّي لريبة ... ولا حملتني نحو فاحشة رجلي!
ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلّني رأيي عليها ولا عقلي!
وأعلم أنّي لم تصبني مصيبة ... من الدّهر إلا قد أصابت فتى قبلي!
ولست بماش ما حييت لمنكر ... من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي!
ولا مؤثر «3» نفسي على ذي قرابة ... وأوثر ضيفي ما أقام، على أهلي!
وقول الآخر:
ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر
وقول الشنفرى «4» :
أطيل مطال «5» الجوع حتّى أميته ... وأضرب عنه القلب صفحا فيذهل
ولولا اجتناب العار لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لديّ ومأكل
(2/206)

ومن الغزل قول جرير:
إن العيون التي في طرفها حور «1» ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّبّ حتّى لا حراك به «2» ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا
وقول النظام «3» :
توهّمه طرفي فآلم خدّه ... فصار مكان الوهم من نظري أثر
وصافحه قلبي فآلم كفّه ... فمن صفح قلبي في أنامله حفر
ومرّ بفكري خاطرا فجرحته ... ولم أر خلقا قطّ يجرحه الفكر
ومن التشبيب قول القائل:
ومن عجب أنّي أحنّ إليهم ... وأسأل عنهم من أرى وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
وقول الآخر:
إن لم أزر ربعكم سعيا على حدقي ... فإنّ ودّي منسوب إلى الملق
تبّت يدي إن ثنتني عن زيارتكم ... بيض الصّفاح ولو سدّت بها طرقي
ومن الحكمة قول المتنبي:
والظّلم من شيم النّفوس فإن تجد ... ذا عفّة فلعلّة لا يظلم
وقول الآخر:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه؟
(2/207)

وقول الآخر «1» :
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرّجال المهذّب؟
ومن الهجو قول الطّرمّاح «2» في تميم:
تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت
وقول الآخر «3» :
لو اطّلع الغراب على تميم ... وما فيها من السّوءات شابا
إلى غير ذلك من معاني الشعر الحسنة البهيجة الرائقة.
ومما ينخرط في هذا السلك من النثر ما يحكى أن أعرابيا وقف على عبد الملك بن مروان برملة اللّوى «4» فقال: رحم الله امرأ لم تمجّ أذناه كلامي، وقدّم معاذه من سوء مقامي، فإن البلاد مجدبة، والحال مسغبة، والحياء زاجر، يمنع من كلامكم، والفقر عاذر، يدعو إلى إخباركم، والدعاء إحدى الصدقتين، فرحم الله امرأ أمر بمير، أو دعا بخير.
ومعاني القاضي الفاضل «5» هي التي ترقص لها القلوب، وتطرب لها الألباب، ويهجم قبولها على النفوس من غير حاجب ولا بوّاب؛ فمن ذلك قوله:
«يا بني أيّوب، لو ملكتم الدهر لا متطيتم لياليه أداهم، وقلّدتم أيامه صوارم، وأفنيتم شموسه وأقماره في الهبات دنانير ودراهم؛ وأيّامكم أعراس وما ثمّ
(2/208)

فيها على الأموال مآتم، والجود في أيديكم خاتم، ونفس حاتم في نقش ذلك الخاتم» .
فهذا هو السّحر الحلال، والمعاني التي تخضع لها شمّ الجبال، ولا يقال فيه قيل ولا قال.
الصنف الثاني ما كان مستقيما قبيحا كقولك قد زيدا رأيت
قال في «الصناعتين» : وإنما قبح لأنك أفسدت نظام اللفظ بالتقديم والتأخير. وهذا النوع يسميه علماء المعاني: التعقيد. وسماه ابن الأثير في «المثل السائر» المعاظلة «1» المعنوية، وهو تقديم ما الأولى به التأخير، كتقديم الصفة أو ما يتعلّق بها على الموصوف، وتقديم الصّلة على الموصول ونحو ذلك؛ وهو من المذموم المرفوض عند أهل الصنعة، لأن المعنى يختلّ به ويضطرب. قال في «المثل السائر» : وهو ضدّ الفصاحة، لأن الفصاحة هي الظّهور والبيان، وهذا عار عن هذا الوصف؛ فمن ذلك قول بعضهم:
فأصبحت بعد خطّ بهجتها ... كأن قفرا رسومها قلما
يريد فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأنّ قلما خط رسومها فقدم خبر كأنّ وهو خطّ عليها فجاء مختلّا مضطربا، وأقبح منه وأكثر اختلالا قول الفرزدق:
إلى ملك ما أمّه من محارب ... أبوه، ولا كانت كليب تصاهره
يريد إلى ملك أبوه ما أمّه من محارب، والمعنى ما أم أبيه من محارب، يمدحه بذلك ذمّا لمحارب. وكذلك قوله، يمدح خال «2» هشام بن عبد الملك:
(2/209)

وما مثله في الناس إلا مملّكا ... أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه
يريد وما مثله في الناس حيّ يقاربه إلا مملّكا أبو أمه أبوه؛ وهو خاله، فلما استعمل فيه التقديم والتأخير في غير موضعه جاء مشوّها رثّا كما تراه. قال الوزير «ضياء الدين بن الأثير» : وقد استعمل الفرزدق من التعاظل كثيرا كأنه يقصد ذلك ويتعمّده لأن مثله لا يجيء إلا متكلّفا مقصودا، وإلا فإذا ترك مؤلف الكلام نفسه تجري على سجيّتها وطبعها في الاسترسال لم يعرض له شيء من هذا التعقيد؛ ألا ترى أن المقصود من الكلام معدوم في هذا النوع، إذ المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح والإبانة وإفهام المعنى؛ فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من الكلام ذهب المراد به. ولا فرق عند ذلك بينه وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية وغيرهما.
الصنف الثالث ما كان مستقيما ولكنه كذب كقولك حملت الجبل، وشربت ماء البحر، وما أشبه ذلك
واعلم أن المعاني المستعملة في الشعر والكتابة أكثرها جار على هذا الأسلوب خصوصا المعاني الشعريّة، فإنه مقدّمات تخييلية توجب في النفس انقباضا وانبساطا على ما هو مقرّر في علم المنطق. وقد قال في «الصناعتين» :
إن أكثر الشعر مبني على الكذب والاستحالة من الصفات الممتنعة، والنعوت الخارجة عن العادة، والألفاظ الكاذبة: من قذف المحصنات، وشهادة الزّور، وقول البهتان، ولا سيما الشعر الجاهليّ الذي هو أقوى الشعر وأفحله. قال: وليس يراد منه إلا حسن اللفظ وجودة المعنى؛ فهذا الذي سوّغ استعمال الكذب وغيره مما جرى ذكره فيه. وقيل لبعض الفلاسفة: فلان يكذب في شعره، فقال: يراد من الشاعر حسن الكلام، والصدق يراد من الأنبياء عليهم السلام.
قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع رحمه الله في كتابه «تحرير
(2/210)

التحبير» «1» : وأنا أقول قد اختلف في المبالغة، فقوم يرون إن أجود الشعر أكذبه، وخير الكلام ما بولغ فيه، ويحتجّون بما جرى للنابغة الذبيانيّ مع حسان بن ثابت رضي الله عنه في استدراك النابغة عليه تلك المواقع الحجية في قوله:
لنا الجفنات «2» الغرّ يلمعن بالضّحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فإن النابغة إنما عاب على حسان ترك المبالغة؛ والقصة مشهورة. قال:
والصواب مع حسان وإن روي عنه انقطاعه في يد النابغة؛ وقوم يرون المبالغة من عيوب الكلام، ولا يرون محاسنه إلا ما خرج مخرج الصدق، وجاء على منهج الحق؛ ويزعمون أن المبالغة من ضعف المتكلم وعجزه عن أن يخترع معنى، أو يفرّع معنى من معنى؛ أو يحلي كلامه شيئا من البديع، أو ينتخب ألفاظا موصوفة بصفات الحسن، ويجيد تركيبها، فإذا عجز عن ذلك كله عدل إلى المبالغة يسدّ بها خلله ويتم نقصه؛ لما فيها من التهويل على السامع، ويدّعون أنها ربما أحالت المعاني فأخرجتها عن حدّ الإمكان إلى حدّ الامتناع. قال: وعندي أن هذين المذهبين مردودان، أما الأوّل فلقول صاحبه إن خير الكلام ما بولغ فيه، وهذا قول من لا نظر له، لأنا نرى كثيرا من الكلام والأشعار جاريا على الصدق المحض خارجا مخرج البحث، وهو في غاية الجودة، ونهاية الحسن، وتمام القوّة؛ وكيف لا والمبالغة ضرب واحد من المحاسن، والمحاسن لا تحصر ضروبها؛ فكيف يقال: إن هذا الضرب على انفراده يفضل سائر ضروب المحاسن على كثرتها! وهذا شعر زهير والحطيئة وحسان، ومن كان مذهبه توخّي الصدق في شعره غالبا، ليس فوق أشعارهم غاية لمترقّ، ألا ترى إلى قول زهير:
ومهما يكن عند امرىء من خليقة ... وإن حالها تخفى على الناس تعلم
(2/211)

وإلى قول طرفة:
لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطّول «1» المرخى وثنياه في اليد
وإلى قوله:
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وإلى قوله الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
فإنك تجد هذه الأشعار في الطبقة العليا من البلاغة، وإن خلت من المبالغة؛ والذي يدل على أن مذهب أكثر الفحول ترجيح الصّدق في أشعارهم على الكذب ما روي عن الحرورية امرأة عمران بن حطّان قاضي الصّفريّة من الخوارج أنها قالت له يوما: أنت أعطيت الله تعالى عهدا ألّا تكذب في شعرك، فكيف قلت:
فهناك مجزأة «2» بن ثور ... كان أشجع من أسامه «3» ؟
فقال: يا هذه، إن هذا الرجل فتح مدينة وحده وما سمعت بأسد فتح مدينة قط، وهذا حسان يقول:
وإنما الشعر لبّ المرء يعرضه ... على المجالس، إن كيسا وإن حمقا
وإنّ أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا
على أن هؤلاء الفحول وإن رجّحوا هذا المذهب لا يكرهون ضدّه، ولا يجحدون فضله، وقلّما تخلو بعض أشعارهم منه؛ إلا أن توخّي الصدق كان الغالب
(2/212)

عليهم، وكانوا يكثرون منه، ومن أكثر من شيء عرف به، كما أن النابغة ومن تابعه على مذهبه لا يكرهون ضدّ المبالغة، وإلا فكلّ احتجاج جاء به على النّعمان في الاعتذار جار مجرى الحقيقة كقوله:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
فعائب الكلام الحسن بترك المبالغة فقط مخطيء، وعائب المبالغة على الإطلاق غير مصيب، وخير الأمور أوساطها.
والتحقيق أن المبالغة إذا لم تخرج عن حدّ الإمكان، ولم تجر مجرى الكذب المحض، فإنها لا تذمّ بحال، كقول قيس بن الخطيم «1» :
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها
ملكت بها كفّي فأنهرت «2» فتقها ... يرى قائم من دونها من «3» وراءها
فإن ذلك من جيد المبالغة، إذ لم يكن خارجا مخرج الاستحالة مع كونه قد بلغ النهاية في وصف الطعنة، وكذلك قول أبي تمّام:
تكاد تنتقل الأرواح لو تركت ... من الجسوم إليها حين تنتقل
فإنه لم يقنع بصحيح المبالغة وقربها من الوقوع فضلا عن الجواز بتقديم كاد، حتّى قال: لو تركت، قال: وهذا أصح بيت سمعته في المبالغة وأحسنه؛ وعلى حدّه ورد قول شاعر الحماسة، وقد بالغ في مدح ممدوحه فقال:
رهنت يدي بالعجز عن شكر برّه ... وما فوق شكري للشّكور مزيد
ولو كان مما يستطاع استطعته ... ولكنّ ما لا يستطاع شديد
(2/213)

فإن هذا الشاعر ألقى بيده وأظهر عجزه، واعترف بقصوره عن شكر برّ هذا الممدوح، وفطن أنه لو اقتصر على ذلك، لاحتمل أن يقال له: عجزك عن شكره لا يدل على كثرة برّه لاحتمال أن يكون لضعف مادّتك عن الشكر، إذ لا يلزم من عجز الإنسان عن شيء تعظيم ذلك الشيء، ولا بدّ لاحتمال أن يكون العجز لضعف الانسان، فاحترز عن ذلك بقوله:
وما فوق شكري للشّكور مزيد
ثم تمم المعنى بأن قال للشّكور للمبالغة في الشكر، فإن شكورا معدول عن شاكر للمبالغة كما تقدّم، ثم أظهر عذره في عجزه بأن قال في البيت الذي يليه:
ولو كان مما يستطاع استطعته
ثم ذيّل هذا المعنى بإخراج بقية البيت مخرج المثل السائر ليكثر دورانه على الألسنة فيحصل تجديد مدح الممدوح كل حين، والتنويه بذكره في كل زمان، حيث قال:
ولكنّ ما لا يستطاع شديد
أما إذا خرجت المبالغة عن حدّ الإمكان، وجرت مجرى الكذب المحض، فإنها مذمومة في الشرع وإن كان الشعراء يستبيحون مثل ذلك ولا يتحاشون الوقوع فيه. وقد أخبر تعالى عنهم بالكذب بقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
«1» وفي قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل «2»
إشارة لذلك أيضا.
(2/214)

فمن المبالغة في الشعر المنتهية إلى حدّ الكذب قول «1» البحتري:
ولو قست يوما حجلها بحقابها ... لكانا سواء لا بل الحجل أوسع «2»
وصفها برقّة الخصر وغلظ الساق حتّى جعل حجلها الذي يدور على ساقها أوسع من حقابها الذي يدور على خصرها؛ وأبلغ منه قول الآخر «3» :
من الهيف لو أنّ الخلاخيل «4» صيّرت ... لها وشحا جالت عليها الخلاخل
فجعل الخلخال يجول في بدنها، ولكنه ليس من المدح في شيء لأن الخلخال لو صار وشاحا للمرأة لكانت في غاية الدّمامة حتّى تصير في خلقة الجرو «5» والهرّ.
وأبلغ منه قول الآخر:
ورحب صدر لو انّ الأرض واسعة ... كوسعه لم يضق عن أهله بلد
فجعل صدره في السّعة والرّحب أوسع من الأرض، ونحوه قول الآخر «6» :
ويوم كطول الدّهر في عرض مثله ... ووجدي من هذا وهاذاك أطول
إلا أنه استعمل العرض في غير موضعه؛ إذ الدهر يوصف بالطول لا بالعرض، وهو قد جعل له طولا وعرضا؛ ويقرب منه قول أبي الطّيّب:
كفى بجسمي نحولا أنّني رجل ... لولا مخاطبتي إيّاك لم أبن «7»
(2/215)

فجعل كلامه هو الذي يدل عليه من شدّة النّحول.
قال الشيخ زكيّ الدين بن أبي الأصبع: ومما يجري به التمثيل في باب المبالغة قول بعض العرب يذم إنسانا بقوله: فلان تكون له الحاجة فيغضب قبل أن يطلبها، وتكون إليه فيردّها قبل أن يفهمها. وقول بعض بلغاء الكتّاب: إن من النعمة على المثني عليك ألّا يخلو من مساعد ولا يخشى من معاند، ولا تلحقه نقيصة المكذّب، ولا يكرهه عوز الأوصاف بالتطلب، ولا ينتهي من القول إلى منتهى إلا وجد بعده مقتضى ووراءه منحى. وسيأتي من المبالغة في أوصاف الخيل والسلاح، وغيرها في قسم الأوصاف من ذلك ما فيه مقنع إن شاء الله تعالى.
الصنف الرابع ما كان محالا، وهو ما لا يمكن كونه البتة، كقولك آتيك أمس، وأتيتك غدا، وما أشبه ذلك
قال في «الصناعتين» : فإن اتصل الكذب بمحال صار كذبا محالا، كقولك: رأيت قاعدا قائما، ومررت بيقظان نائم، فإنه كذب للإخبار بخلاف الواقع، ومحال لعدم إمكان الجمع بين النقيضين، وقد تقدّم في النوع الثالث أن أكثر الشعر مبني على الكذب، والاستحالة من الصفات الممتنعة والنعوت الخارجة عن العادة، وذلك في الكذب مما لا نزاع في كثرته في الشعر كما تقدّم.
أما المحال فإنه قليل الوقوع، نادر في النظم والنثر، معدود من المعايب، محكوم عليه بالردّ.
فمن ذلك قول عبد الرحمن بن عبد القسّ:
وإنّي «1» إذا ما الموت حلّ بنفسها ... يزال بنفسي قبل ذاك فأقبر
قال العسكريّ: هذا من المحال الذي لا وجه له، قال: وهو شبيه بقول
(2/216)

القائل: إذا دخل زيد الدار، دخل عمرو قبله، ثم قال: وهذا عين المحال الممتنع الذي لا يجوز، يريد أنه قد توقف كل من الأمرين على الآخر لأنه لا يوجد إلا به فيلزم الدّور، وهو محال فيحكم فيه بالبطلان وقطع الدّور.
ومما يلتحق بالمحال وينخرط في سلكه تناقض المعاني واضطرابها.
فمن ذلك قول المسيّب بن علس «1» في وصف ناقة:
فتسلّ حاجتها إذا هي أعرضت ... بخميصة سرح اليدين وساع «2»
فكأنّ قنطرة بموضع كورها ... ملساء بين غوامض الأنساع «3»
وإذا أطفت بها أطفت بكلكل «4» ... بيض الفرائص «5» مجفر «6» الأضلاع
قال في «الصناعتين» : وهذا من المتناقض لأنه قال بخميصة، ثم قال موضع كورها قنطرة، وهي مجفرة الأضلاع، فكيف تكون خميصة وهذه صفتها! وقريب منه قول الحطيئة:
حرج يلاوذ بالكناس كأنّه ... متطوّف حتّى الصباح يدور
حتّى إذا ما الصّبح شقّ عموده ... وعلاه أسطع من سناه «7» منير
وحصى الكثيب بصفحتيه كأنّه ... خبث الحديد أطارهنّ الكير
(2/217)

زعم أنه لم يزل يطوف حتّى أصبح وأشرف على الكثيب، فمن أين صار الحصى بصفحتيه! وقول المرقّش الأصغر «1» :
صحا قلبه عنها على أن ذكرة ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما «2»
وكيف صحا عنها من إذا ذكرت دارت به الأرض!
الصنف الخامس ما كان غلطا، وهو أن تريد الكلام بشيء فيسبق لسانك إلى خلافه، كقولك: ضربني زيد وأنت تريد ضربت زيدا
قال في «الصناعتين» : فإن تعمدت ذلك، صار كذبا، وهذا النوع أكثر وقوعا من الذي قبله، قال: وقد وقع فيه الفحول من الشعراء.
وأصناف الغلط في المعاني كثيرة، فمن ذلك الغلط في الأوصاف، وهي على وجوه: منها وصف الشيء بخلاف ما هو عليه وذكره بما ينافيه.
فمن غريب هذا النوع قول الراعي «3» في وصف المسك:
يكسو المفارق واللّبّات ذا أرج ... من قصب معتلف الكافور درّاج
(2/218)

فجعل المسك من قصب الظّبي، وهو معاه، وجعل الظّبي يعتلف الكافور فيتولد منه المسك، وهذا من طرائف الغلط. وقريب منه قول زهير يصف الضّفادع:
يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع تخاف «1» الغمّ والغرقا «2»
ظن أن الضفادع يخرجن من الماء مخافة الغرق، ونشوؤها فيه. وقريب منه قول ذي الرّمّة:
إذا انجابت الظّلماء أضحت رؤوسها ... عليهن من جهد الكرى وهي ضلّع «3»
فوصف الرءوس بالضّلع؛ قال ابن أبي فروة «4» : ما أغفلت هذا، ولقد قلت لذي الرمة: ما علمت أحدا أضلع الرؤوس غيرك، قال: أجل.
قال في «الصناعتين» : ومما لم يسمع مثله قط قول عديّ بن زيد «5» في الخمر:
والمشرف الهيدب «6» يسعى بها ... أخضر مطموثا بماء الحريص «7»
(2/219)

فوصف الخمر بالخضرة، والحريص: السحابة تحرص وجه الأرض أي تقشرها، ومنه سميت إحدى الشّجاج في الرأس الحارصة لأنها تشق الجلد.
ومنها وصف الشيء على خلاف المعهود والعادة المعروفة.
فمن ذلك قول المرّار «1» :
وخال على خدّيك يبدو كأنه ... سنا البدر في دعجاء باد دجونها
والمعروف أن الخيلان سود أو سمر، والخدود الحسان إنما هي البيض، فأتى هذا الشاعر بقلب المعنى؛ ومثله قول الآخر:
كأنّما الخيلان في وجهه ... كواكب أحدقن بالبدر
قال أبو هلال العسكريّ: ويمكن أن يحتجّ لهذا الشاعر بأن يقال: تشبيه الخيلان بالكواكب من جهة الاستدارة لا من جهة اللون.
ومن ذلك قول امريء القيس في وصف الفرس أيضا:
وللسوط ألهوب وللساق درّة ... وللزّجر منه وقع أخرج مهذب «2»
قال أبو هلال العسكريّ: فلو وصف أخسّ حمار وأضعفه، ما زاد على ذلك؛ وقول القائل «3» :
(2/220)

صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
فجعل ضربها بالسوط من باب الظلم لأنها لا تحوجه إلى ذلك؛ ومن ذلك قول امريء القيس:
وأركب في الرّوع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر
شبه ناصية الفرس بسعف النخلة لطولها، وإذا غطّى الشعر عين الفرس لم يكن كريما.
ومثله قول طرفة يصف ذنب البعير:
كأنّ جناحي مضرحيّ تكنّفا ... حفافيه، شكّافي العسيب بمسرد «1»
فجعل ذنبه كثيفا، طويلا عريضا؛ وإنما توصف النجائب بخفة الذّنب ورقّة الشعر.
ومنها أن يجري في مقاصد المعاني على خلاف المألوف المعروف، وذلك قول جنادة «2» :
من حبها أتمنّى أن يلاقيني ... من نحو بلدتها ناع فينعاها
لكي يكون فراق لا لقاء له ... وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها
فإذا تمنّى المحب للحبيب الموت فماذا عسى أن يتمنّى البغيض لبغيضه؛ وقول الآخر:
ولقد هممت بقتلها من حبّها ... كيما تكون خصيمتي في المحشر
فذكر أن شدّة الحبّ حملته على قتل محبوبته حتّى تخاصمه في الحشر لطلب حقها، وشدّة الحب لا تحمل إلا على الإكرام والبرّ، على أنها قد تكون
(2/221)

تكرهه، فتترك حقّها له حتّى لا يطول وقوفها معه للخصام؛ وقول نصيب «1» :
فإن تصلي أصلك وإن تعودي ... بهجر بعد ذاك فلا أبالي «2»
والعاشق يلاطف قلب محبوبه ولا يحاجّه، ويلاينه ولا يلاجّه «3» .
الأصل الثاني من صناعة إنشاء الكلام النظر في الألفاظ؛ والنظر فيها من وجهين
الوجه الأوّل في فضل الألفاظ وشرفها
قد تقدّم في الكلام على المعاني أن الألفاظ من المعاني بمنزلة الثياب من الأبدان، فالوجه الصبيح يزداد حسنا بالحلل الفاخرة والملابس البهيّة، والقبيح يزول عنه بعض القبح، كما أن الحسن ينقص حسنه برثاثة ثيابه وعدم بهجة ملبوسه، والقبيح يزداد قبحا إلى قبحه. فالألفاظ ظواهر المعاني، تحسن بحسنها، وتقبح بقبحها؛ وقد قال أبو هلال العسكريّ في كتابه «الصناعتين» : ليس الشأن في إيراد المعاني، لأن المعاني يعرفها العربيّ والعجميّ والقرويّ والبدويّ وإنما هو في جودة اللفظ، وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه، وكثرة طلاوته ومائه، مع صحة السّبك والتركيب، والخلوّ من أود «4» النظم والتأليف.
قال: وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتّى يكون على ما تقدّم من نعوته؛ ثم قال: ومن الدليل على أن مدار البلاغة
(2/222)

تحسين اللفظ، أنّ الخطب الرائعة، والأشعار الرائقة، ما عملت لإفهام المعاني فقط، لأن الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيد منها في الإفهام، وإنما يدل حسن الكلام وإحكام صنعته، ورونق ألفاظه، وجودة مقاطعه، وبديع مباديه، وغريب مبانيه، على فضل قائله، وفهم منشئه؛ وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى الألفاظ دون المعاني، وتوخّي صواب المعاني أحسن من توخّي هذه الأمور في الألفاظ؛ فلهذا يتأنّق الكاتب في الرسالة، والخطيب في الخطبة، والشاعر في القصيدة، ويبالغون في تجويدها، ويغلون في ترتيبها، ليدلّوا على براعتهم، وحذقهم بصناعتهم؛ ولو كان الأمر في المعاني لطرحوا أكثر ذلك فربحوا كدّا كثيرا، وأسقطوا عن أنفسهم تعبا طويلا؛ وأيضا فإن الكلام إذا كان لفظه حلوا عذبا، وسلسا سهلا، ومعناه وسطا، دخل في جملة الجيّد، وجرى مع الرائع النادر كقول الشاعر:
ولما قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح
وشدّت على حدب المهارى رحالنا ... ولم «1» ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
وليس تحت هذه الألفاظ كثير معنى، وهي رائقة معجبة، وإنما هي: ولما قضينا الحجّ، ومسّحنا بالأركان، وشدّت رحالنا على مهازيل الإبل، ولم ينتظر بعضنا بعضا، جعلنا نتحدّث وتسير بنا الإبل في بطون الأودية؛ وإذا كان المعنى صوابا واللفظ باردا فاترا كان مستهجنا ملفوظا، ومذموما مردودا، كقول أبي العتاهية في أبي عثمان سعيد بن وهب «2» .
مات والله سعيد بن وهب ... رحم الله سعيد بن وهب
يا أبا عثمان أبكيت عيني ... يا أبا عثمان أوجعت قلبي
(2/223)

الوجه الثاني الألفاظ المفردة، وبيان ما ينبغي استعماله منها، وما يجب تركه
إعلم أن الذي ينبغي أن يستعمل في النظم والنثر من الألفاظ هو الرائق البهج الذي تقبله النفس، ويميل إليه الطبع، وهو الفصيح من الألفاظ دون غيره.
والفصيح في أصل اللغة هو الظاهر البيّن، يقال: أفصح الصبح إذا ظهر وبان ضوؤه، وأفصح اللبن إذا تجلت عنه رغوته وطهر، وأفصح الأعجميّ وفصح إذا أبان بعد أن لم يكن يبين، وأفصح الرجل عما في نفسه إذا أظهره.
قال في «المثل السائر» : وأهل البيان يقفون عند هذا التفسير، ولا يكشفون عن السر فيه. قال: وبهذا القول لا تتبين حقيقة الفصاحة، لأنه يلزم أنه إذا لم يكن اللفظ ظاهرا بيّنا لم يكن فصيحا جيّدا، ثم إذا ظهر وتبين صار فصيحا؛ على أنه قد يكون اللفظ ظاهرا لزيد ولا يكون ظاهرا لعمرو، فيكون فصيحا عند واحد دون آخر، وليس كذلك؛ بل الفصيح ما لم يختلف في فصاحته، لأنه إذا تحقق حدّ الفصاحة وعرف ما هي لم يبق في اللفظ المختص بها خلاف؛ وأيضا فإنه لو جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع، وهو مع ذلك ظاهر بيّن، فينبغي أن يكون فصيحا، وليس كذلك؛ لأن الفصاحة وصف حسن اللفظ لا وصف قبحه.
قال: وتحقيق القول في ذلك أن يقال: الكلام الفصيح هو الظاهر البيّن، والظاهر البين أن تكون ألفاظه مفهومة لا يحتاج في فهمها إلى استخراج من كتب لغة؛ وإنما كانت بهذه الصفة لأنها تكون مألوفة الاستعمال بين أرباب النظم والنثر، دائرة في كلامهم؛ وإنما كانت مألوفة الاستعمال دائرة في الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان حسنها، وذلك أن أرباب النظم والنثر غربلوا اللّغة باعتبار ألفاظها، وسبروا وقسّموا فاختاروا الحسن من الألفاظ فاستعملوه، ونفوا القبيح منها فلم يستعملوه؛ فحسن الألفاظ سبب استعمالها دون غيرها، واستعمالها دون غيرها سبب ظهورها وبيانها؛ فالفصيح إذا من الألفاظ هو الحسن. ثم قال:
والمرجع في تحسين الألفاظ وقبحها إلى حاسة السمع، فما يستلذه السمع منها
(2/224)

ويميل إليه هو الحسن، وما يكرهه وينفر عنه هو القبيح، بدليل أن السمع يستلذ صوت البلبل من الطير وصوت الشّحرور ويميل إليهما، ويكره صوت الغراب وينفر عنه، وكذلك يكره نهيق الحمار ولا يجد ذلك في صهيل الفرس؛ والألفاظ جارية هذا المجرى؛ فإنه لا خلاف في أن لفظة المزنة والدّيمة يستلذهما السمع، ولفظة البعاق «1» قبيحة يكرهما السمع، والألفاظ الثلاثة من صفة المطر ومعناها واحد؛ وأنت ترى لفظتي المزنة والدّيمة وما جرى مجراهما مألوفة الاستعمال، وترى لفظ البعاق وما جرى مجراه متروكا لا يستعمل، وإن استعمل فإنما يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة أو من ذوقه غير سليم، لا جرم أنه ذم وقدح فيه، ولم يلتفت إليه، وإن كان عربيّا محضا من الجاهلية الأقدمين؛ فإن حقيقة الشيء إذا علمت وجب الوقوف عندها ولم يعرّج على ما خرج عنها.
إذا علمت ذلك فلا يوصف اللفظ المفرد بالحسن حتّى يتصف بأربع صفات:
الصفة الأولى ألّا يكون غريبا؛ وهو ما ليس مأنوس الاستعمال ولا ظاهر المعنى.
ويسمّى: الوحشيّ أيضا، نسبة إلى الوحش لنفاره وعدم تأنّسه وتألّفه، وربما قلب فقيل: الحوشي، نسبة إلى الحوش «2» ، وهو النّفار.
قال الجوهريّ: وزعم قوم أن الحوش بلاد الجنّ وراء رمل يبرين «3» لا يسكنها أحد من الناس، فالغريب والوحشيّ والحوشيّ كله بمعنى.
(2/225)

ثم الغريب على ضربين:
الضرب الأوّل- ما يعاب استعماله مطلقا، وهو ما يحتاج في فهمه إلى بحث وتنقيب، وكشف من كتب اللغة؛ كقول ابن جحدر.
حلفت بما أرقلت حوله ... همرجلة خلقها شيظم
وما شبرقت من تنوفيّة ... بها من وحى الجن زيز يزم «1»
فالإرقال: ضرب من السير؛ وهو نوع من الخبب، يقال منه: أرقلت الناقة ترقل إرقالا، والهمرجلة: الناقة السريعة، وقال أبو زيد: الهمرجلة: الناقة النّجيبة الراحلة. والشّيظم: الشديد الطويل، وهو من صفات الإبل والخيل والأنثى شيظمة. والشّبرقة: القطع، يقال: شبرقت الثوب أشبرقه شبرقة إذا قطعته، وشبرقت الطريق إذا قطعتها. والتّنوفة: المفازة، ويقال فيها: تنوفيّة أيضا. والوحى هنا. الصوت الخفيّ، يقال: سمعت وحاة الرعد، وهو صوته الممتدّ الخفي.
وقوله زيز يزم: حكاية لأصوات الجن إذا قالت: زي زي؛ وحاصله أنه يقول:
حلفت هذه الحلفة بما سارت هذه الناقة الشديدة السير العظيمة الخلق، وما قطعت من مفازة لا يسمع فيها إلا أصوات الجنّ؛ وهذا مما لا يوقف على معناه إلا بكدّ وتعب في كشفه وتتبّعه من كتب اللغة.
الضرب الثاني- ما يحتاج إلى تدقيق النظر في التصريف وتخريج اللفظ على وجه بعد، كلفظ مسرّج من قول العجاج «2» .
ومقلة وحاجبا مزجّجا ... وفاحما ومرسنا مسرّجا
فالمقلة: شحمة العين. والحاجب معروف. والمزجج: المقوّس مع طول ودقّة في طرفه. والفاحم: الشّعر الأسود الذي لونه كلون الفحم. والمرسن:
(2/226)

الأنف؛ وصفه بكونه مسرّجا إما أنه كالسيف السّريجيّ في الدّقّة والاستواء، والسّريجيّ نسبة إلى قين يسمّى سريجا تنسب إليه السّيوف؛ وإما أنه كالسّراج في البريق واللّمعان، أو من قولهم سرّج الله وجهه إذا بهّجه وحسّنه. فهذا ومثله مما لا يقف على معناه إلا من عرف التصريف وأتقنه.
إذا تقرر ذلك فاعلم أن اللفظ يختلف في الغرابة وعدمها باختلاف النّسب والإضافات؛ فقد يكون اللفظ مألوفا متداول الاستعمال عند كل قوم في كل زمن، وقد يكون غريبا متوحّشا في زمن دون زمن، وقد يكون غريبا متوحشا عند قوم، مستعملا مألوفا عند آخرين.
وهو أربعة أصناف:
الصنف الأوّل المألوف المتداول الاستعمال عند كل قوم في كل زمن
وهو ما تداول استعماله الأوّل والآخر من الزمان القديم وإلى زماننا: كالسماء والأرض، والليل والنهار، والحرّ والبرد، وما أشبه ذلك؛ وهو أحسن الألفاظ وأعذبها، وأعلاها درجة، وأغلاها قيمة؛ إذ أحسن اللفظ ما كان مألوفا متداولا كما تقدّم؛ وهذا لا يقع عليه اسم الوحشيّ بحال.
قال في «المثل السائر» : وأنت إذا نظرت إلى كتاب الله العزيز الذي هو أفصح الكلام وجدته سهلا سلسا، وما تضمنه من الكلمات الغريبة يسير جدّا.
هذا وقد أنزل في زمن العرب العرباء، وألفاظه كلّها من أسهل الألفاظ وأقربها استعمالا وكفى بالقرآن الكريم قدوة. وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنزل في التّوراة ولا في الإنجيل مثل أمّ القرآن وهي السّبع المثاني» يريد فاتحة الكتاب. وإذا نظرت إلى ما اشتملت عليه من الألفاظ وجدتها سهلة قريبة يفهمها كل أحد حتى صبيان المكاتب وعوامّ السّوقة وإن لم يفهموا ما تحتها من أسرار الفصاحة والبلاغة، فإن أحسن الكلام ما عرف الخاصة فضله، وفهم العامّة معناه؛ وهكذا فلتكن الألفاظ المستعملة في سهولة فهمها وقرب متناولها؛ والمقتدي بألفاظ
(2/227)

القرآن يكتفي بها عن غيرها من جميع الألفاظ المنثورة والمنظومة؛ وقد كانت العرب الأول في الزمن القديم تتحاشى اللفظ الغريب في نظمها ونثرها، وتميل إلى السهل وتستعذبه؛ ويكفي من ذلك كلام قبيصة بن نعيم لما قدم على امريء القيس في أشياخ بني أسد يسألونه العفو عن دم أبيه، فقال له: «إنك في المحلّ والقدر من المعرفة بتصرّف الدّهر وما تحدثه أيّامه، وتنتقل به أحواله، بحيث لا تحتاج إلا تذكير من واعظ، ولا تبصير من مجرّب؛ ولك من سودد منصبك، وشرف أعراقك، وكرم أصلك في العرب محتد يحتمل ما حمّل عليه من إقالة العثرة ورجوع عن الهفوة؛ ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي، وبصيرة الفهم، وكرم الصّفح، ما يطوّل رغباتها، ويستغرق طلباتها، وقد كان الذي كان من الخطب الجليل، الذي عمّت رزيّته نزارا واليمن، ولم تخصص بذلك كندة دوننا للشرف البارع الذي كان لحجر؛ ولو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله، ولكنه مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه، ولا يلحق أقصاه أدناه؛ فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث: إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتا، فقدناه إليك بنسعة «1» تذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته «2» فنقول: رجل امتحن بهالك عزيز فلم يستلّ سخيمته «3» إلا تمكينه من الانتقام؛ أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها، فهي ألوف تجاوز الحسبة، فكان ذلك فداء رجعت به القضب «4» إلى أجفانها، لم يرددها تسليط الإحن على البرآء؛ وإما أن وادعتنا إلى أن تضع الحوامل فتسدل الأزر وتعقد الخمر فوق الرايات» .
فبكى امرؤ القيس ساعة، ثم رفع رأسه فقال:
(2/228)

«لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم، وأني لن أعتاض به جملا ولا ناقة، فأكتسب به سبّة الأبد، وفتّ العضد، وأما النّظرة فقد أوجبتها الأجنّة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببا، وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك، تحمل في القلوب حنقا، وفوق الأسنّة علقا:
إذا جالت الحرب في مأزق ... تصافح فيه المنايا النّفوسا
أتقيمون أم تنصرفون؟ قالوا: بل ننصرف بأسوإ الاختيار وأبلى الاجترار، بمكروه وأذيّة، وحرب وبليّة.
ثم نهضوا عنه وقبيصة يتمثل:
لعلّك أن تستوخم الورد إن غدت ... كتائبنا في مأزق الحرب تمطر
فقال امرؤ القيس: لا والله! ولكن أستعذبه، فرويدا ينفرج لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير، ولقد كان ذكر غير هذا بي أولى إذ كنت نازلا بربعي، ولكنك قلت فأوجبت.
فقال قبيصة: ما يتوقّع فوق قدر المعاتبة والإعتاب، فقال إمرؤ القيس: هو ذاك «1» .
قال في «المثل السائر» : فلينظر إلى هذا الكلام من الرجلين: قبيصة وامرىء القيس، حتّى يدع المتعمّقون تعمّقهم في استعمال الوحشي من الألفاظ؛ فإن هذا الكلام قد كان في الزمن القديم قبل الإسلام بما شاء الله، وكذلك هو كلام كل فصيح من العرب مشهور، وما عداه فليس بشيء. قال: وهذا المشار إليه هاهنا هو من جزل كلامهم، وهو على ما تراه من السّلاسة والعذوبة؛ وإذا تصفّحت أشعارهم أيضا وجدت الوحشي من الألفاظ قليلا بالنسبة إلى المسلسل في الفم
(2/229)

والسمع؛ وعلى هذا المنهج في الجزالة والسّهولة يجري من النظم قول امرىء القيس:
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
فانظر إلى هذين البيتين ليس فيهما لفظة غريبة، ولا كره مع ما فيهما من الجزالة؛ وكذلك أبيات السّموأل المشهورة وهي:
إذا المرء لم يدنس من اللّؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النّفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثّناء سبيل
تعيّرنا أنّا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل
وما ضرّنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
يقرّب حبّ الموت آجالا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منّا سيّد في فراشه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل
وأسيافنا في كلّ غرب ومشرق ... بها من قراع الدّارعين فلول
معوّدة ألّا تسلّ نصالها ... فتغمد حتّى يستباح قبيل
فإذا نظرت ما تضمنته هذه الأبيات من الجزالة، خلتها زبرا من الحديد مع ما هي عليه من السّهولة والعذوبة، وأنها غير فظّة ولا غليظة. وقد ورد للعرب في جانب الرّقة من الأشعار ما يكاد تذوب لرقّته القلوب، كقول عروة بن أذينة: «1» .
إن التي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
بيضاء باكرها النّعيم فصاغها ... بلباقة فأدقّها وأجلّها
حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها!
وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلّها
(2/230)

وقول يزيد بن الطّثريّة «1» في محبوبته من بني جرم:
بنفسي من لو مرّ برد بنانه ... على كبدي كانت شفاء أنامله
وإذا كان هذا قول ساكن الفلاة، لا يرى إلا شيحة أو قيصومة «2» ، ولا يأكل إلا ضبّا أو يربوعا، فما بال قوم سكنوا الحضر، ووجدوا رقّة العيش، يتعاطون وحشيّ الألفاظ وشظف العبارات! ولا يخلد إلى ذلك إلا جاهل بأسرار الفصاحة، أو عاجز عن سلوك طريقها، فإن كلّ أحد ممن حصل على نبذة من علم الأدب يمكنه أن يأتي بالوحشيّ من الكلام، إما بأن يلتقطه من كتب اللغة، أو يتلقفه من أربابها. وأما الفصيح المتّصف بصفة الملاحة، فإنه لا يقدر عليه، ولو قدر عليه لما علم أين يضع يده في تأليفه وسبكه.
قال: وإن مارى في ذلك ممار فلينظر إلى أشعار علماء الأدب ممن كان يشار إليه حتّى يعلم صحة ذلك، فإن ابن دريد «3» قد قيل إنه أشعر علماء الأدب، وإذا نظرت إلى شعره وجدته بالنسبة إلى شعر الشعراء المجيدين منحطّا، مع أن أولئك الشعراء لم يعرفوا من علم الأدب عشر معشار ما علمه؛ وأين شعره من شعر العباس ابن الأحنف «4» ! وهو من أوائل الشعراء المحدثين، وشعره كمرّ نسيم على عذبات أغصان، أو كلؤلؤات طلّ على طرر ريحان؛ وليس فيه لفظة واحدة غريبة يحتاج إلى استخراجها من كتاب من كتب اللغة، كقوله:
وإنّي ليرضيني قليل نوالكم ... وإن كنت لا أرضى لكم بقليل
بحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الودّ إلا عدتمو بجميل
وقوله في محبوبته فوز:
(2/231)

يا فوز يا منية عبّاس ... قلبي يفدّي قلبك القاسي
أسأت إذ أحسنت ظنّي بكم ... والحزم سوء الظنّ بالناس
يقلقني شوقي فآتيكم ... والقلب مملوء من الياس
وهل أعذب من هذه الأبيات، وأعلق بالخاطر، وأسرى في السمع؟ ولمثلها تسهر راقدات الأجفان، وعن مثلها تتأخر السوابق عند الرّهان، ومن الذي يستطيع أن يسلك هذه الطريق التي هي سهلة وعرة، قريبة بعيدة؟. وقد كان أبو العتاهية أيضا في غرّة الدولة العباسية، وشعر العرب إذ ذاك موجود كثيرا، وإذا تأملت شعره وجدته كالماء الجاري، رقّة ألفاظ، ولطافة سبك، وليس بركيك ولا واه، وانظر إلى قصيدته التي يمدح بها المهديّ ويشبب بجاريته عتب وهي:
ألا ما لسيّدتي مالها ... تدلّ فأحمل إدلالها
ألا إن جارية للإمام ... قد أسكن الحسن سربالها
لقد أتعب الله قلبي بها ... وأتعب في اللّوم عذّالها
كأنّ بعينيّ في حيث ما ... سلكت من الأرض تمثالها
فلما وصل إلى المديح قال من جملته:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلّا له ... ولم يك يصلح إلّا لها
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه نيات القلوب ... لما قبل الله أعمالها
فهذه الأبيات من أرقّ الشعر غزلا ومديحا، وقد أذعن لمديحها الشعراء من أهل العصر، وهي على ما ترى من السّلاسة واللّطافة على أقصى الغايات، حتّى قال بشّار عند سماع المهديّ لها من أبي العتاهية: «انظروا إلى أمير المؤمنين هل طار عن أعواده؟» يريد هل زال عن سريره طربا بهذا المديح. وعلى هذا الأسلوب كان أبو نواس في السهولة والسّلاسة والرّقّة، ولذلك قدّم على شعراء عصره مع ما فيه من فحول الشعراء ومفلقيهم كمسلم بن الوليد وغيره، وذلك لرقة شعره
(2/232)

وسهولته، كقوله في محبوبته جنان:
ألم تر أنّني أفنيت عمري ... بمطلبها ومطلبها عسير
فلّما لم أجد سببا إليها ... يقرّبني وأعيتني الأمور
حججت وقلت قد حجّت جنان ... فيجمعني وإيّاها المسير
فانظر إلى هذه الأبيات ليس فيها لفظة منغلقة، وكذلك سائر شعره؛ وكان هو وأبو العتاهية كأنما ينفقان من كيس واحد. ومن لطيف ما يحكى في توافق طريقتهما واتحاد مأخذهما أن أبا نواس جلس يوما إلى بعض التّجّار ببغداد هو وجماعة من الشعراء، فاستسقى أبو نواس ماء فلما شرب قال:
عذب الماء وطابا
ثم قال: أجيزوه! فأخذ أولئك الشعراء يتردّدون في إجازته، وإذا هم بأبى العتاهية مجتازا فقال: ما شأنكم مجتمعين؟ فقالوا كيت وكيت وقد قال أبو نواس:
عذب الماء وطابا
فقال أبو العتاهية مجيزا له:
حبّذا الماء شرابا
فعجبوا لقوله على الفور من غير تلبث، فهذا هو الكلام السهل الممتنع تراه يطمعك أن تأتي مثله، فإذا حاولت مماثلته راغ عنك كما يروغ الثعلب، وهكذا ينبغي أن يكون من خاض في كتابة أو شعر، فإن خير الكلام ما دخل الأذن بغير إذن.
ومن النثر قول سعيد بن حميد: «1» وأنا من لا يحاجّك عن نفسه، ولا يغالطك عن جرمه، ولا يستدعي برّك إلا من طريقته، ولا يستعطفك إلا بالإقرار
(2/233)

بالذّنب، ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالجرم، نبت بي عنك غرّة الحداثة، وردّتني إليك الحنكة، وباعدتني منك الثقة بالأيّام، وقادتني إليك الضّرورة، فإن رأيت أن تستقبل الصنيعة بقبول العذر، وتجدّد النعمة باطّراح الحقد، فإنّ قديم الحرمة وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة؛ وإن أيام القدرة وإن طالت قصيرة، والمتعة بها وإن كثرت قليلة، فعلت إن شاء الله تعالى.
فانظر إلى قوة هذا الكلام في سهولته، وقرب مأخذه مع بعد تناوله والإتيان بمشاكله. وأجزل منه مع السهولة قول الشّعبيّ «1» للحجّاج، وأراد قتله لخروجه عليه مع ابن الأشعث «2» : أجدب بنا الجناب، وأحزن بنا المنزل، فاستحلسنا «3» الحذر، واكتحلنا السهر، وأصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء» فعفا عنه «4» .
قال صاحب «الصناعتين» : وقد غلب الجهل على قوم فصاروا يستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه إلا بكدّ، ويستفصحونه إذا وجدوا ألفاظه كزّة «5» غليظة، وجاسية «6» مريبة، ويستحقرون الكلام إذا رأوه سلسا عذبا، وسهلا حلوا؛
(2/234)

ولم يعلموا أن السهل أمنع جانبا، وأعزّ مطلبا، وهو أحسن موقعا، وأعذب مستمعا؛ ولهذا قيل: «أجود الكلام السّهل الممتنع» وكان المفضّل يختار من الشعر ما يقلّ تداول الرواة له، ويكثر الغريب فيه. قال العسكري: وهذا خطأ في الاختيار، لأن الغريب لم يكثر في كلام إلا أفسده، وفيه دلالة على الاستكراه والتكلف.
ووصف الفضل بن سهل «1» عمرو بن مسعدة «2» فقال: هو أبلغ الناس، ومن بلاغته أن كل أحد يظن أنه يكتب مثل كتبه، فإذا رامها، تعذرت عليه.
وقال «3» العباس بن ميمون: قلت للسيد «4» : ألا تستعمل الغريب في شعرك؟
فقال: ذلك عيّ في زماني، وتكلّف مني لو قلته، وقد رزقت طبعا واتساعا في الكلام، فأنا أقول ما يعرفه الصغير والكبير، ولا يحتاج إلى تفسير، ثم أنشدني:
أيا ربّ إنّي لم أرد بالذي به ... مدحت عليّا غير وجهك فارحم
قال في «الصناعتين» : فهذا كلام عاقل يضع الكلام موضعه، ويستعمله في إبّانه.
ومن كلام بعض الأوائل: تلخيص المعاني رفق، والتشادق في غير أهل نقص، والنظر في وجوه الناس عيّ، ومس اللّحية هلك، والاستعانة بالغريب عجز، والخروج عما بني عليه الكلام إسهاب؛ فأجود الكلام ما كان جزلا سهلا، لا ينغلق معناه، ولا يستبهم مغزاه، ولا يكون مكدودا مستكرها، ومتوعرا متقعّرا، ويكون بريئا من الغثاثة، عاريا من الرّثاثة؛ فالكلام إذا كان لفظه غثّا، ومعرضه
(2/235)

رثّا، كان مردودا ولو احتوى على أجلّ معنى وأنبله، وأرفعه وأفضله. قال في «المثل السائر» : أما البداوة والعنجهيّة، فتلك أمة قد خلت، ومع أنها قد خلت وكانت في زمن العرب العاربة فإنها قد عيبت على مستعملها في ذلك الوقت، فكيف الآن وقد غلب على الناس رقة الحضر.
الصنف الثاني الغريب المتوحش عند كل قوم في كل زمن
وهو ما لم يكن متداول الأستعمال في الزمن الأوّل ولا ما بعده، بل كان مرفوضا عند العرب كما هو مرفوض عند غيرهم، ويسمّى الوحشيّ الغليظ، والعكر، والمتوعّر؛ وهو على ثلاثة أضرب:
الضرب الأوّل ما يعاب استعماله في النظم والنثر جميعا
قال في «المثل السائر» : والناس في قبح استعماله سواء، لا يختلف فيه عربيّ باد، ولا قرويّ متحضّر. قال: وليس وراءه في القبح درجة أخرى، ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن لم يخطر بباله شيء من معرفة هذا الفنّ أصلا، وهو ما مجّه سمعك، ونبا عنه لسانك؛ وثقل عليك النطق به؛ على أنه قد وقع منه ألفاظ لبعض الشعراء المفلقين من العرب والمحدثين. فمن ذلك لفظ الجحيش «1» في قول تأبط شرّا «2» من أبيات الحماسة:
يظلّ بموماة «3» ويمسى بغيرها ... جحيشا ويعروري ظهور المسالك
فإن لفظه جحيش من الألفاظ المنكرة القبيحة.
(2/236)

قال في «المثل السائر» : ويالله العجب! أليس أنها بمعنى فريد؟ وفريد لفظة حسنة رائقة، لو وضعت في هذا البيت موضع جحيش لما اختل شيء من وزنه، فتأبط شرّا ملوم من وجهين: أحدهما استعماله القبيح، والثاني أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنها؛ وأقبح من ذلك لفظ اطلخمّ في قول أبي تمّام:
قد قلت لما اطلخمّ الأمر وانبعثت ... عشواء تالية غبسا دهاريسا «1»
فإن لفظة اطلخمّ من الألفاظ المنكرة التي جمعت الوصفين القبيحين: من أنها غريبة، وأنها غليظة في السمع، كريهة على الذّوق، وكذلك لفظة دهاريس في آخر البيت المذكور.
وعلى حدّ ذلك ورد لفظ جيدر في قوله من أبيات في وصف فرس:
نعم متاع الدّنيا حباك به ... أروع لا جيدر ولا جبس «2»
فلفظة جيدر وحشية غليظة؛ وأغلظ منها لفظة جفخت في قول أبي الطّيّب المتنبي:
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأغرّ دلائل
فإن لفظة جفخ مرّة الطعم، وإذا مرّت على السمع اقشعرّ منها، وكان له مندوحة عن استعمالها، فإن جفخت بمعنى فخرت وهما في وزن واحد، فلو أتى بلفظ فخرت ويفخرون مكان جفخت ويجفخون لاستقام وزن البيت وحظي في استعماله بالأحسن، فهو في ذلك كتأبّط شرّا في لفظة جحيش في توجه الملامة عليه من وجهين.
(2/237)

قال في «المثل السائر» : وما أعلم كيف يذهب هذا وأمثاله على هؤلاء الفحول من الشعراء! هذا ما أورده ابن الأثير من هذا النوع، ويشبه أن يكون منه لفظ الحقلّد في قول زهير:
تقيّ نقيّ لم يكثّر غنيمة ... بنهكة ذي قربى ولا بحقلّد
والحقلّد: السيء الخلق «1» .
قال في «الصناعتين» : وقد أخذ الرّواة على زهير في لفظة الحقلّد فاستبشعوها، وقالوا: ليس في لفظ زهير أنكر منها، وكذلك لفظ الجرشّى في قول أبي الطّيّب في مدح سيف الدولة بن حمدان واسمه عليّ:
مبارك الاسم أغرّ اللّقب ... كريم الجرشّى شريف النّسب
فلفظ الجرشّى مما يكرهه السمع، وينبوعنه اللسان، والجرشّى بمعنى النّفس، فجعل اسمه مباركا، ولقبه أغرّ، ونفسه كريمة، ونسبه شريفا، وذلك أنه كان يسمّى عليّا وهو اسم مبارك لموافقة أسم امير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه، ويلقب سيف الدولة وهو لقب أعرابي مشهور، وأغرّ أخذا من غرّة الفرس لأنها أشهر ما فيها، ووصفه بكرم النفس إما باعتبار الحسب والعراقة، وإما باعتبار بذل المال وكثرة العطاء، وأشار إلى شرف نسبه باعتبار عراقته في بيت الملك وعراقة حسبه.
الضرب الثاني ما يعاب استعماله في النثر دون النظم
وهذا الضرب مما ذكر صاحب المثل السائر أنه استخرجه بفكره، ولم يجد فيه قولا لغيره. قال: وهذا ينكره من يسمعه حتّى ينتهي إلى ما أوردته من الأمثلة،
(2/238)

ولربما أنكره بعد ذلك إما عنادا وإما جهلا لعدم الذوق السليم عنده، ثم ذكر منه امثلة، منها لفظ شرنبثة «1» من قول الفرزدق:
ولولا حياء زدت رأسك شجّة ... إذا سبرت ظلّت جوانبها تغلى
شرنبثة شمطاء من يرما بها ... يشبه ولو بين الخماسيّ والطّفل
قال: فلفظة شرنبثة من الألفاظ الغريبة التي يسوغ استعمالها في الشعر، وهي ها هنا غير مستكرهة، إلا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة، لعيبت على مستعملها.
ومنها لفظة مشمخرّ «2» الواردة في أبيات بشر في وصفه لقاءه الأسد حيث قال:
وأطلقت المهنّد عن «3» يميني ... فقدّ له من الأضلاع عشرا
فخرّ مضرّجا بدم كأنّي ... هدمت به بناء مشمخرّا
وكذلك في قول البحتريّ في قصيدته التي يصف فيها إيوان كسرى:
مشمخرّ تعلو له شرفات ... رفعت في رؤوس رضوى وقدس
فإن لفظة مشمخرّ لا يحسن استعمالها في الخطب والمكاتبات، ولا بأس بها في الشعر؛ وقد وردت في خطب الشيخ الخطيب ابن نباتة «4» كقوله في خطبة يذكر فيها أهوال يوم القيامة: اقمطرّ «5» وبالها، واشمخرّ نكالها، فما طابت ولا ساغت.
ومنها لفظة الكنهور «6» من أوصاف السحاب كقول أبي الطّيّب:
(2/239)

يا
ليت باكية شجاني دمعها ... نظرت إليك كما نظرت فتعذرا
وترى الفضيلة لا تردّ فضيلة ... الشّمس تشرق والسّحاب كنهورا
فلفظة الكنهور لا تعاب نظما، وتعاب نثرا.
ومنها لفظة العرمس، وهو اسم الناقة الشديدة؛ فإن هذه اللفظة يسوغ استعمالها في الشعر ولا يعاب مستعملها كقول المتنبي:
ومهمه جبته على قدمي ... تعجز عنه العرامس الذّلل
فإنه جمع هذه اللفظة ولا بأس بها، ولو استعملت في الكلام المنثور من الخطب لما طابت ولا ساغت؛ وقد جاءت موحّدة في شعر أبي تمام في قوله:
هي العرمس الوجناء وابن ملمّة ... وجاش على ما يحدث الدهر خافض
ومنها لفظة الشّدنيّة في قول أبي تمام أيضا.
يا موضع الشّدنيّة الوجناء
وهي ضرب من النّوق؛ فإن الشدنيّة لا تعاب شعرا وتعاب لو وردت في كتابة أو خطبة. هذا ما أورده في «المثل السائر» لهذا الضرب من الأمثلة.
ثم قال: وهكذا يجري الحكم في أمثال هذه الألفاظ؛ وعلى هذا فاعلم أن كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنثور يسوغ استعماله في الكلام المنظوم، وليس كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنظوم يسوغ استعماله في الكلام المنثور. قال: وذلك شيء استنبطته واطلعت عليه لكثرة ممارستي هذا الفن، ولأنّ الذوق الذي عندي دلّني عليه، فمن شاء أن يقلّدني فيه، وإلا فليدمن النظر حتّى يطّلع على ما اطلعت عليه، والأذهان في مثل هذا المقام تتفاوت. على أن الشيخ سعد الدين التفتازاني «1» رحمه الله قد تابعه على ذلك في شرح التلخيص «2» ، فلا
(2/240)

أعلم أقلده في ذلك أم ذوقه أدّاه إليه؟.
الضرب الثالث ما يعاب استعماله بصيغة دون صيغة
قال في «المثل السائر» : وهذا الضرب من هذه الصناعة بمنزلة عليّة، ومكانة شريفة، وجلّ الأسرار اللفظية منوط به. قال: وقد لقيت جماعة من مدّعي فن الفصاحة وفاوضتهم وفاوضوني، وسألتهم وسألوني، فما وجدت أحدا منهم يتقن معرفة هذا الموضع كما ينبغي؛ وقد استخرجت فيه أشياء لم أسبق إليها؛ فإن اللفظة الواحدة قد تنتقل من هيئة إلى هيئة، أو من صفة إلى صفة، فتنتقل من القبح إلى الحسن وبالعكس فيصير القبيح حسنا، والحسن قبيحا، والمرجع في ذلك إلى الذوق الصحيح والطبع السليم؛ وقد نبّه منه على تسعة أنماط:
النمط الأوّل-
ما يترجح فيه الاسم في الاستعمال على الفعل، وذلك في مثل لفظ خود، فإنها عبارة عن المرأة الناعمة، فإذا نقلت إلى صيغة الفعل، قيل خوّد على وزن فعّل بتشديد العين، ومعناها أسرع. يقال: خوّد البعير إذا أسرع في مشيه، فهي على صيغة الاسم حسنة رائقة، قد وردت في النظم والنثر كثيرا، وإذا جاءت على صيغة الفعل لم تكن حسنة، كقول أبي تمّام:
وإلى بني عبد الكريم تواهقت ... رتك النّعام رأى الطريق «1» فخوّدا «2»
إلا أن لفظة خوّد قد استعملت على غير هذا الوجه في بعض المواضع فزال عنها بعض القبح وإن لم تلحق بدرجة الرائق الحسن، كقول بعض شعراء الحماسة:
(2/241)

أقول لنفسي حين خوّد رألها: ... رويدك «1» لما تشفقي حين مشفق
رويدك «2» حتّى تنظري عمّا تنجلي ... عماية هذا العارض المتألّق
والرّأل: النعام «3» ، والمراد أن نفسه فرّت وفزعت، شبه بإسراع النعام في فراره وفزعه، فلما أورد ذلك على سبيل المجاز زال بعض القبح.
قال: وهذا يدركه الذوق الصحيح، فهي في بيت أبي تمّام قبيحة سمجة، وهاهنا بين بين، ويقاس على ذلك أشباهه ونظائره.
النمط الثاني-
ما يترجح فيه فعل الأمر والمستقبل في الاستعمال على الفعل الماضي وذلك في مثل لفظة ودع، وهي فعل ماض ثلاثيّ لا ثقل بها على اللسان، ومع ذلك فإنها لا تستعمل على صيغتها الماضية إلا جاءت غير مستحسنة، فإذا استعملت على صيغة الأمر أو الاستقبال جاءت حسنة بهجة رائقة؛ أما على صيغة الأمر فكما في قوله تعالى: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا*
«4» ولم ترد في القرآن الكريم إلا على هذه الصيغة؛ وأما على صيغة الاستقبال فكقول النبي صلّى الله عليه وسلّم وقد واصل في شهر رمضان فواصل معه قوم، فقال: «لو مدّ لنا الشّهر لواصلنا وصالا يدع له المتعمّقون تعمّقهم» . وقد استعملها أبو الطّيّب على هذا الوجه في قوله:
تشقّكم بقناها كلّ سلهمة «5» ... والضّرب يأخذ منكم فوق ما يدع
فجاءت في كلامه بهجة رائقة، وأما الماضي من هذه اللفظة فلم يستعمل إلا شاذا ولا حسن له، كقول أبي العتاهية:
أثروا فلم يدخلوا قبورهم ... شيئا من الثّروة التي جمعوا
وكان ما قدّموا لأنفسهم ... أعظم نفعا من الذي ودعوا
(2/242)

فلم تقع في كلامه من الحسن موقعا، ولا أصابت من الطّلاوة غرضا؛ وهذه لفظة واحدة لم يتغير شيء من أحوالها سوى أنها نقلت من صيغة إلى صيغة، وكذلك لفظة وذر، فإنها لا تستعمل ماضية، وتستعمل على صيغة الأمر كقوله تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا
«1» وتستعمل مستقبلة أيضا كقوله تعالى:
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ
«2» ولم ترد في القرآن الكريم إلا على هاتين الصيغتين، وكذلك في غير القرآن الكريم من فصيح الكلام، أما في حالة المضيّ، فإنها أقبح من لفظة ودع، وقد استعملت ماضية مع شذوذ، وهذه لم تستعمل أصلا.
النمط الثالث-
ما يترجح فيه الإفراد في الاستعمال على التثنية، وذلك في مثل لفظ الأخدع «3» ، فإنها يحسن استعمالها في حالة الإفراد دون التثنية؛ فممّا وردت فيه مفردة فجاءت حسنة رائقة، قول الصّمّة بن عبد الله «4» من شعراء الحماسة:
تلفّتّ نحو الحيّ حتّى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا «5» وأخدعا
ومما ورد فيه لفظ التثنية فجاء ثقيلا مستكرها قول أبي تمّام:
يا دهر قوّم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك
هكذا ذكره في المثل السائر، ثم قال: وليس لذلك سبب إلا أنها جاءت موحدة في أحدهما فحسنت، وجاءت مثناة في الآخر فقبحت.
النمط الرابع-
ما يترجح فيه الإفراد في الاستعمال على الجمع، وذلك
(2/243)

كلفظة الأرض، فإنها لم ترد في القرآن الكريم إلا مفردة، سواء أفردت بالذكر عن السماء كما في قوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
«1» أو قرنت بالسماء مفردة كما في قوله تعالى: وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ
«2» أو مجموعة كما في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
«3» ولو كان استعمالها بلفظ الجمع مستحسنا لكان هذا الموضع وشبهه به أليق لمقابلة الجمع في السموات، ولما أراد أن يأتي بها مجموعة قال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ
«4» وكذلك لفظة البقعة، وكذلك لفظة طيف في ذكر طيف الخيال، فإنها تجمع على طيوف، وهي في حالة الإفراد من أرقّ الألفاظ وألطفها، فإذا جمعت زالت عنها تلك الطّلاوة، وفارقتها تلك البهجة، ولذلك وردت في القرآن الكريم بلفظ الإفراد، قال تعالى: إنّ الّذين اتّقوا إذا مسّهم طيف «5» من الشّيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون «6» . ولم تزل الشعراء في القديم والحديث يستعملونه بلفظ الإفراد فيقع أحسن موقع، ولم يلمّوا باستعماله مجموعا.
قال في «المثل السائر» : ويالله العجب، من هذه اللفظة ومن أختها عدّة ووزنا، وهي صيف! فإنها تستعمل مفردة ومجموعة، وكلاهما في الاستعمال حسن رائق، قال: وهذا مما لا يعلم السرّ فيه، والذوق السليم هو الحاكم في الفرق بين هاتين اللفظتين وما يجري مجراهما. وكذلك يجري الحكم في جميع المصادر، فإنها في حالة الإفراد أحسن منها في حالة الجمع؛ وقد جاء منها بعض ألفاظ مجموعة فجاءت غثّة مستكرهة كما في قول عنترة:
(2/244)

فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحقّ له الفقود
فالفقود جمع مصدر من قولنا: فقد يفقد فقدا، وليس له من الرّونق والطّلاوة ما لمفرده، وهو لفظ فقد، وإن كان جائزا من جهة العربية.
النمط الخامس-
ما يترجّح فيه الجمع في الاستعمال على الإفراد كلفظة اللّبّ الذي هو العقل، فإن استعمالها بصيغة الجمع في غاية الحسن والبهجة والطّلاوة، وقد ورد بهذه الصيغة في غير موضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
«1» وقوله: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ*
«2» إلى غير ذلك من الآيات الوارد فيها ذلك بصيغة الجمع، أما في حالة الإفراد فإنها قليلة الاستعمال مع أنها لفظة ثلاثية خفيفة على النطق، بعيدة المخارج، ليست بمستثقلة ولا مكروهة.
قال في «المثل السائر» : وإذا تأملت القرآن الكريم ودققت النظر في رموزه وأسراره وجدت هذه اللفظة قد روعي فيها الجمع دون الإفراد، فإن أضيفت أو أضيف إليها حسن استعمالها، وساغ في طريق الفصاحة إيرادها. أما إضافتها فكقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في ذكر النساء: «ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الحازم من إحداكنّ يا معشر النّساء» وأما الإضافة إليها فكقول جرير:
إنّ العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّب حتّى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا
قال في «المثل السائر» : فإن عريت هذه اللفظة عن الجمع والإضافة لم تأت حسنة. قال: ولا تجد دليلا على ذلك إلا مجرّد الذوق السليم؛ وكذلك لفظة كوب فإنها لم ترد في القرآن الكريم إلا مجموعة، وهي وإن لم تكن مستقبحة في حالة الإفراد فإن الجمع فيها أحسن. وانظر إلى ما عليها من الطّلاوة والمائية في
(2/245)

قوله تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ
«1» وعلى هذا النحو لفظ رجا بالقصر، ومعناه الجانب، فإنها قد وردت في القرآن بلفظ الجمع في قوله تعالى: وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها
«2» أي جوانبها، ولم تستعمل مفردة: لأن الجمع يكسبها من الحسن ما لم يوجد لها حالة الإفراد، فإن أضيفت حالة الإفراد كرجا البئر ونحوه حسنت كما في حالة الجمع.
قال في «المثل السائر» : وليس كذلك لفظ الصّوف والأصواف، وإن كان لم يرد في القرآن الكريم إلا مجموعا حيث قال تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ
«3» لأن لفظ الصوف مستحسن في حالة الإفراد كما في حالة الجمع. قال: وإنما قبح ذكره في قول أبي تمّام:
كانوا برود زمانهم فتصدّعوا ... فكأنّما لبس الزمان الصّوفا
لأنها جاءت مجازية في نسبتها إلى الزمان. قال: وعلى هذا النّهج وردت لفظة حبر وأحبار فإنها مجموعة أحسن منها مفردة، ولم ترد في القرآن الكريم إلا مجموعة.
النمط السادس-
ما يترجّح فيه بعض الجموع في الاستعمال على بعض كما في جمع صائب من قولك: سهم صائب، فإنه يقال في الجمع سهام صوائب وصائبات وصيّب بالتشديد، وهذه الجموع كلها حسنة، رائقة، معجبة، دائرة على ألسنة أرباب النثر والنظم، ويقال في جمعه أيضا صيب على وزن كتب، وهو جمع قبيح، مرفوض الاستعمال، ثقيل على النطق، جاف عن السمع، وقد استعمله أبو نواس في شعره حيث قال:
(2/246)

ما أحلّ الله ما صنعت ... عينه تلك العشية بي
قتلت إنسانها كبدي ... بسهام للردى صيب
فجاءت غثّة كريهة نابية عن السمع، نافرة عن اللسان؛ وكذلك الجمع في قيد، فإنه يجمع على قيود، وهو جمع سائغ القبول، شائع الاستعمال؛ ويقال في جمعه أيضا: أقياد، وهو من الجموع المستكرهة الخارجة عن الاستعمال، وقد ورد في قول عويف «1» القوافي من أبيات الحماسة:
ذهب الرّقاد فما يحسّ رقاد ... مما شجاك ونامت العوّاد
لما أتاني من عيينة أنه ... أمست عليه تظاهر الأقياد
فلم يحسن ولم يرق، وكذلك القول في جمع قبّة، فإنه يجمع على قباب وهو جمع حسن دائر على ألسنة الفصحاء من أهل النظم والنثر، ويجمع أيضا على قبب، وليس بمستحسن، وإن كان هو في الكراهة دون أقياد في جمع قيد وقد استعمله ابن محكان التّميميّ «2» في قوله:
ماذا ترين أندنيهم لأرحلنا ... في جانب البيت أم نبني لهم قببا؟
فلم يحسن كحسن قباب بل جاءت كريهة مستشنعة؛ وأعجب ما في هذا الباب أن الجمع قد يكون متفقا في لفظة واحدة إلا أنها مختلفة المعنى، فيختلف الاستعمال في الجمع باختلاف المعاني، حتى لو جيء بجمع في مكان جمع لم يحسن استعماله وإن كان جائزا من جهة العربية؛ كلفظ العين، فإنها تطلق من جملة مدلولاتها على العين الباصرة، والعين من الناس، وهو النّبيه منهم، والعين الباصرة تجمع على عيون، والعين من الناس تجمع على أعيان، وقد شذ هذا
(2/247)

الموضع على المتنبي في قوله:
والقوم في أعيانهم خزر «1» ... والخيل في أعيانها قبل «2»
فجمع العين الباصرة على أعيان في الموضعين.
قال في «المثل السائر» : وكأنّ الذوق يأبى ذلك ولا يجد له على اللسان حلاوة وإن كان جائزا؛ وأعجب من ذلك كله أنك ترى وزنا واحدا من الألفاظ، فتارة تجد مفرده حسنا، وتارة تجد جمعه حسنا، وتارة تجدهما جميعا حسنين.
فما مفرده أحسن من جمعه حبرور، وهو فرخ الحبارى، فإنه يجمع على حبارير ومفرده أحسن من جمعه، وكذلك طنبور وطنابير، وعرقوب وعراقيب، وما أشبه ذلك.
ومما جمعه أحسن من مفرده بهلول وبهاليل، ولهموم ولهاميم، وهذا ضد الأوّل. ومما مفرده حسن وجمعه حسن جمهور وجماهير، وعرجون «3» وعراجين وما أشبه ذلك.
النمط السابع-
ما يترجح فيه أحد صور الوزن الواحد باختلافه بالحركة والسكون كلفظ الثلث والربع إلى العشر، فإنها في حالة سكون الوسط كلها حسنة سائغة الاستعمال، فإذا تحرّكت أوساطها فقلت: ثلث، وربع، وخمس، وكذلك إلى عشر، فإن الحسن من ذلك جميعه ثلاثة وهي الثّلث، والخمس، والسّدس، أما الربع، والسبع، والثمن، والتسع، والعشر فليس كذلك في حسنه. قلت: إنما يظهر ذلك في السبع، والتسع، والعشر خاصة فإن الثّقل ظاهر فيها، أما الربع والثمن فإنهما في الحسن مع تحريك الوسط كالثلث، والخمس، والسدس، وقد
(2/248)

ورد القرآن بتحريك الوسط فيهما في سورة النساء حيث قال تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ
«1» وقوله: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ
«2» وأي حسن وفصاحة بعد وروده في القرآن الكريم؟
النمط الثامن-
ما تترجح فيه أبنية بعض أسماء الفاعلين في الاستعمال على بعض، كاسم الفاعل المبنيّ من فعل بفتح الفاء وكسر العين؛ فإنه يبنى على فاعل وفعل بكسر العين وفعلان، نحو حمد فهو حامد، وحمد، وحمدان، وفرح فهو فرح، وفارح، وفرحان، وغضب فهو غضبان، وغاضب؛ فالأفعال الثلاثة على وزن واحد، وصيغ أسماء الفاعلين المبنية منها مختلفة في الأحسن الغالب استعماله، فحامد من حمد أحسن من حمد وحمدان، وفرح من فرح أحسن من فارح وفرحان، وغضبان من غضب أحسن من غاضب، وإن كان جائزا، وقد جاء بناء اسم الفاعل من فرح على فارح في قول بعض شعراء الحماسة.
فما أنا من حزن وإن جلّ جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح
فلم يحسن كحسن فرح، أما ما جاء منه على وزن فعلة نحو همزة ولمزة وجثمة ونومة ولكنة ولحنة، وما أشبه ذلك؛ فقد قال في «المثل السائر» : الغالب على هذه اللفظة أن تكون حسنة.
النمط التاسع-
ما يترجح من أوزان الأفعال بعضها على بعض كلفظة فعل وافتعل، فإن لفظة فعل لها موضع تستعمل فيه، ولفظة افتعل لها موضع تستعمل فيه، تقول: قعدت إلى فلان إذا جلست إليه، واقتعدت غارب الجمل، إذا ركبت عليه، ولا يحسن أن تقول اقتعدت إلى فلان وقعدت على غارب الجمل، وإن كان ذلك جائزا؛ وكذلك أفعل وافعوعل فإنك تقول أعشب المكان، فإذا كثر عشبه قلت: اعشوشب، فلفظة افعوعل للتكثير، وهي على ما فيها من تكرار الحروف طيّبة
(2/249)

عذبة، وكذلك سائر ما في وزنها نحو اخشوشن المكان، واغرورقت العين، واحلولى الطعم، وما أشبه ذلك.
قال في «المثل السائر» : وهذا كله مما أخذته بالاستقراء، وفي اللغة مواضع كثيرة من ذلك لا يمكن استقصاؤها.
فانظر إلى ما يفعله اختلاف الصيغة بالألفاظ، وعليك بتفقّد أمثال هذه الكلمات لتعلم كيف تضع يدك في استعمالها، فكثيرا ما يقع فحول الخطباء والشعراء في مثلها، ومؤلّف الكلام من كاتب وشاعر إذا مرّت به الألفاظ عرضها على ذوقه الصحيح، فما يجده الحسّ منها موحّدا وحّده، وما يجده الحس منها مجموعا جمعه؛ وكذلك يجري الحكم فيما سوى ذلك من الألفاظ.
الصنف الثالث المتوحش في زمن دون زمن
وهو ما كان متداول الاستعمال في زمن العرب، ثم رفض وترك بعد ذلك، وبهذا لا يعاب استعماله على العرب لأنه لم يكن عندهم وحشيّا، ولا لديهم غريبا، كما سيأتي التنبيه عليه، وإنما يعاب استعماله على غيرهم ممن قصر فهمهم عنه، وقلّت معرفتهم به؛ وقد كان كلام العرب مشحونا به في نظمهم ونثرهم، دائرا على ألسنتهم في مخاطباتهم ومحاوراتهم، غير معيب ولا ملوم عليه، وانظر إلى ما تضمنته خطبهم وأشعارهم من الغريب ترى ذلك [غير معاب] ، فمن ذلك قول أبي المثلّم الهذليّ:
آبي الهضيمة ناب «1» بالعظيمة متلاف الكريمة جلد غير ثنيان «2» حامي الحقيقة نسّال الوديقة معتاق الوسيقة لا نكس ولا وان «3»
(2/250)

ربّاء مرقبة منّاع مغلبة ... وهّاب سلهبة قطّاع أقران «1»
هبّاط أودية حمّال ألوية ... شهّاد أندية سرحان فتيان «2»
وقول أعرابيّ في وصف إبل: كوم بهازر، مكد خناجر، عظام الحناجر، سباط المشافر، أجوافها رغاب، وأعطانها رحاب، تمنع من البهم، وتبرك للجمم. يريد بالكوم جمع كوماء، وهي الناقة العظيمة السّنام، والبهازر جمع بهزرة، وهي الناقة العظيمة، والمكد جمع مكود، وهي الناقة الغزيرة اللبن، والخناجر جمع خنجور، وهي بمعنى المكود أيضا، والعظام الحناجر: غلاظ الأعناق، وسباط المشافر أي مرسلات المشافر، والمشفر من الناقة كالجحفلة من الفرس؛ ونحو ذلك مما يجري هذا المجرى وينخرط في هذا السّلك؛ فهذا ومثله لا يعاب استعماله على العرب لأنه لم يكن عندهم غريبا ولا لديهم وحشيّا، بل شائعا بينهم، دائرا على ألسنتهم في نظمهم ونثرهم؛ وأعظم شاهد لاستحسان استعماله عندهم ووضوح منهجه لديهم أن القرآن الكريم الذي هو أفصح كلام وأبهج لفظ قد اشتمل على ألفاظ من ذلك، كقوله تعالى: وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ
«3» وقوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
«4» وما أشبه ذلك، وهذه الألفاظ كانت مفهومة عند العرب، معلومة المعاني عند المخاطبين: لأن الله تعالى قد خاطبهم به وأمرهم فيه ونهاهم، والخطاب بما لا يفهم بعيد، وقد قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
«5» . وكذلك ورد في الأخبار النبوية
(2/251)

جملة مستكثرة من ذلك، وهي المعبر عنها بغريب الحديث، كقوله صلّى الله عليه وسلّم «من قعد مقعدا لم يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله تعالى ترة» أي نقص، وقيل تبعة، وقيل حسرة. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليسترجع أحدكم حتّى في شسع نعله فإنها من المصائب» والشّسع: أحد سيور النعل؛ وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ألظّوا بياذا الجلال والإكرام» أي الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها، وقوله صلّى الله عليه وسلّم في الدعاء: «واغسل حوبتي واسلل سخيمة قلبي» «1» وأشباه ذلك.
وحديث أمّ زرع صريح في شيوع ذلك فيهم، وعمومه في مخاطباتهم ومكالماتهم؛ وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت:
«جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن ألّا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا.
قالت الأولى: زوجي لحم جمل غثّ على رأس جبل «2» ، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى، وفي رواية فينتقل «3» .
قالت الثانية: زوجي لا أبثّ خبره، إنّي أخاف ألّا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره «4» .
قالت الثالثة»
: زوجي العشنّق «6» ، إن أنطق أطلّق، وإن أسكت أعلّق.
(2/252)

قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حرّ ولا قرّ ولا خوف ولا سآمة «1» .
قالت الخامسة «2» : زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد «3» .
قالت السادسة «4» : زوجي إن أكل لفّ، وإن شرب اشتفّ، وإن اضطجع التفّ، ولا يولج الكفّ، ليعلم البثّ «5» .
قالت السابعة «6» : زوجي غياياء طباقاء، كلّ داء له داء، شجّك أو فلّك أو جمع كلّالك «7» .
قالت الثامنة «8» : زوجي الريح ريح زرنب، والمسّ مسّ أرنب «9» .
قالت التاسعة «10» : زوجي رفيع العماد، طويل النّجاد، عظيم الرّماد، قريب
(2/253)

البيت من النّاد.
قالت العاشرة «1» : زوجي مالك، وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل قليلات المسارح، كثيرات المبارك، وإذا سمعن صوت المزهر أيقنّ أنهنّ هوالك.
قالت الحادية عشرة «2» : زوجي أبو زرع، وما أبو زرع «3» ؟ أناس «4» من حليّ أذنيّ، وملأ من شحم عضديّ، وبجّحني فبجحت إليّ نفسي، ووجدني في أهل غنيمة بشقّ «5» ، فجعلني في أهل صهيل وأطيط «6» ودائس «7» ومنقّ «8» ؛ فعنده أقول فلا أقبّح، وأرقد فأتصبّح، وأشرب فأتقنّح «9» ، (وفي رواية فأتقمّح) ؛ أمّ أبي زرع، فما أمّ أبي زرع؟ عكومها «10» رداح، وبيتها فساح؛ ابن أبي زرع، فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسلّ شطبة «11» ، وتشبعه ذراع
(2/254)

الجفرة «1» ؛ بنت أبي زرع، فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها، وطوع أمّها «2» ، وملء كسائها، وغيظ جارتها «3» ؛ جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع؟ لا تنثّ حديثنا تنثيثا (وفي رواية لا تبثّ حديثنا تبثيثا) ، ولا تنقّث ميرتنا تنقيثا «4» ، ولا تملأ بيتنا تعشيشا»
. قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض «6» ، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمّانتين «7» ، فطلّقني ونكحها، فنكحت بعده رجلا سريّا، ركب شريّا «8» ، وأخذ خطّيّا «9» ، وأراح عليّ نعما ثريّا، وأعطاني من كلّ رائحة زوجا، (وفي رواية فأعطاني من كل ذابحة زوجا) وقال: كلي أمّ زرع وميري أهلك، فلو جمعت كلّ شيء أعطاني ما بلغ أصغر آنية أبي زرع» .
قالت عائشة: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع» وفي رواية «غير أنّي لا أطلّقك» .
(2/255)

فإذا كان هذا كلام نسائهم الدائر فيما بينهن من محادثاتهن مع بعضهن في خلواتهن، فما ظنك بفرسان الكلام في نظمهم ونثرهم! فأنّى يعاب عليهم ذلك، وينكر عليهم الإتيان بمثله! وقد اختصم رجل وامرأة إلى يحيى بن يعمر «1» ، وهو من أكابر التابعين وجلّتهم، فقال للرجل: أأن سألتك ثمن شكرها وشبرك، أنشأت تطلّها وتضهلها «2» ؟ أما غير العرب ممن تكلف ذلك وأتى به في كلامه المعتاد في مخاطباته أو نثره ونظمه فإنه يعاب عليه ذلك، وينحط به عن درجة الفصاحة، ويخرج به عن قانونها، إذ المقصود من الكلام إنما هو الإفهام لا غير، فيخاطب كلّ أحد بما يفهمه ولا يكلّف بما لا يعلمه، وخير الكلام ما جاد وأفاد.
قال بشر بن المعتمر «3» : إيّاك والتّوعّر، فإنه يسلمك الى التعقيد والتقييد، وهو الذي يستهلك معانيك ويمنعك مراميك.
قال أبو هلال العسكري: وربما غلب سوء الرأي وقلة العقل على بعض علماء العربية فيخاطبون السّوقيّ، والمملوك والأعجميّ، بألفاظ أهل نجد، ومعاني أهل السّراة وحكاياتهم في ذلك كثيرة.
قال أبو نصر الجوهريّ: سقط عيسى بن عمر «4» عن حمار له فاجتمع عليه الناس فقال: ما لكم تكأكأتم عليّ تكأكؤكم على ذي جنّة! افرنقعوا عنّي. أي ما لكم اجتمعتم عليّ اجتماعكم على ذي جنّة تفرّقوا عني. وذكر الجاحظ هذه الحكاية عن أبي علقمة النحويّ بزيادة فقال: مرّ أبو علقمة ببعض طرق البصرة
(2/256)

فهاجت به مرّة فوثب عليه قوم يعضّون إبهامه ويؤذّنون في أذنه، فأفلت من أيديهم وقال: ما لكم تكأكأتم عليّ كما تكأكؤون على ذي جنّة! افرنقعوا عنّي. فقال بعضهم: دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهنديّة.
وقال أبو علقمة يوما لحاجمه: اشدد قصب اللهازم «1» ، وأرهف ظبات «2» المشارط، وأمرّ المسح «3» ، واستنجل «4» الرّشح، وخفّف الوطء، وعجل النّزع، ولا تكرهنّ أبيّا «5» ، ولا تردّن أتيّا «6» ؛ فقال له الحجّام: ليس لي علم بالحروف «7» .
ونظر إليه رجل وتحته بغل مصريّ حسن المنظر، فقال: إن كان مخبر هذا البغل كمنظره فقد كمل، فقال أبو علقمة: والله لقد خرجت عليه من مصر فتنكّبت الطريق مخافة السّرّاق وجور السلطان، فبينا أنا أسير في ليلة ظلماء قتماء، طحياء مدلهمّة، حندس «8» داجية، في صحصح «9» أملس، إذ أحسّ بنبأة «10» من صوت نغر «11» ، أو طيران ضوع «12» ، أو نغض سبد «13» فحاص عن الطريق متنكّبا لعزّة نفسه، وفضل قوّته، فبعثته باللجام فعسل «14» ، وحرّكته بالركاب فنسل «15» ؛ وانتعل
(2/257)


الطريق يغتاله معتزما، والتحف الليل لا يهابه مظلما، فو الله ما شبّهته إلا بظبية نافرة تحفزها «1» فتخاء شاغية «2» ؛ فقال الرجل: فادع الله وسله أن يحشر معك هذا البغل يوم القيامة، قال: ولم؟ قال: ليجيزك الصّراط بطفرة «3» .
وكانت امرأة تأكل الطّين فحصل لها بسببه إسهال مرضت منه، وكان لها ولد يتكلم بالغريب، فكتب رقاعا وطرحها في المسجد الجامع بمدينة السّلام فيها:
صين امرؤ ورعي، دعا لامرأة إنقحلة مقسئنّة «4» قد منيت بأكل الطّرموق «5» فأصابها من أجله الاستمصال «6» أن يمنّ الله عليها بالاطرغشاش «7» . فكل من قرأ رقعته، دعا عليه ولعنه ولعن أمّه.
وحكى محمد بن أبي المغازي «8» الضبي عن أبيه قال: كان لنا جار بالكوفة لا يتكلم إلا بالغريب، فخرج إلى ضيعة له على حجر معها مهر فأفلتت، فذهبت ومعها مهرها فخرج يسأل عنها، فمرّ بخيّاط فقال: يا ذا النّصاح «9» وذات السّمّ «10» ، الطاعن بها في غير وغّى لغير عدى، هل رأيت الخيفانة القبّاء «11» يتبعها الحاسن المسرهف «12» ؟ كأنّ غرّته القمر الأزهر، ينير في حضره كالخلّب الأجرد؟ فقال
(2/258)

الخيّاط: اطلبها في ترللج «1» ؛ فقال: ويحك ما تقول، قبّحك الله! فإني ما أعرف رطانتك؛ قال: لعن الله أبغضنا لفظا وأخطأنا منطقا.
وضرب عمر بن هبيرة «2» عيسى بن عمر النحويّ ضربا كثيرا من أجل وديعة فكان يقول وهو يضرب: ما هي إلا أثيّاب في أسيفاط أخذها عشّاروك «3» .
وسأله رجل عن مسألة. فقال: ليست مسألتك يتنا. أي ليست مستوية؛ وأصل اليتن: خروج رجل الولد قبل رأسه. وسأله آخر عن كتابته، فقال: كتبت حتّى انقطع سوائي أي ظهري، على أن أبا جعفر النحّاس قد عدّ عيسى بن عمر من المطبوعين في ذلك. قال الجاحظ: رأيتهم يديرون في كتبهم هذا الكلام، فإن كانوا إنما رووه ودوّنوه لأنه يدل على فصاحة وبلاغة، فقد باعده الله من صفة الفصاحة والبلاغة، وإن كانوا فعلوا ذلك لأنه غريب فأبيات من شعر العجّاج وشعر الطّرمّاح وأشعار هذيل «4» تأتي لهم مع الرصف الحسن على أكثر من ذلك. فلو خاطب أحد الأصمعيّ بمثل هذا الكلام، لظننت أنه يستجهل نفسه، وهذا خارج عن عادة البلغاء.
الصنف الرابع الغريب المتوحش عند قوم دون قوم
وذلك ككلام أهل البادية من العرب بالنسبة إلى أهل الحضر منهم، فإن أهل الحضر يألفون السّهل من الكلام، ويستعملون الألفاظ الرقيقة، ولا يستعملون
(2/259)

الغريب إلا في النادر؛ وأهل البادية يألفون اللفظ الجزل ويميلون إلى استعمال الغريب؛ وإذا نظرت إلى أهل مكة وكلام قريش الذين نزل القرآن بلغتهم وبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أرومتهم، وكلام أهل حضرموت وما جاورها من اليمن ومخاليف الحجاز، علمت فرق ما بين الكلامين، وتباين ما بين الطّرفين، حتّى كأنّ البادي يرطن بالنسبة إلى الحاضر، ويتكلم بلغة غير العربية؛ وكانت لغة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التي يتكلم بها على الدوام، ويخاطب بها الخاص والعامّ، لغة قريش وحاضرة الحجاز، إلا أنه صلّى الله عليه وسلّم أوتي جوامع الكلم وجمع إلى سهولة الحاضرة جزالة البادية، فكان يخاطب أهل نجد وتهامة وقبائل اليمن بلغتهم، ويخاطبهم في الكلام الجزل على قدر طبقتهم.
فمن ذلك كلامه صلّى الله عليه وسلّم لطهفة النّهديّ وكتابه إلى بني نهد، وذلك أنه لما قدم وفود العرب على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قدم عليه طهفة بن أبي زهير النّهديّ، فقال: أتيناك يا رسول الله من غور تهامة على أكوار الميس «1» ، ترتمي بنا العيس، نستحلب الصّبير «2» ، ونستجلب الخبير «3» ونستعضد البرير «4» ، ونستخيل الرّهام «5» ، ونستخيل الجهام «6» ؛ من أرض غائلة النّطاء «7» ، غليظة الوطاء؛ قد جفّ المدهن «8» ، ويبس الجعثن «9» ؛ وسقط الأملوج «10» ، ومات العسلوج «11» ؛ وهلك
(2/260)

الهديّ «1» ، وفاد الوديّ «2» ؛ برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعثن «3» ، وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام، وشريعة الإسلام، ما طما البحر، وقام تعار «4» ، ولنا نعم همل أغفال «5» ، ما تبضّ ببلال «6» ، ووقير كثير الرّسل «7» ، قليل الرّسل «8» ، أصابتها سنيّة حمراء مؤزلة «9» ، ليس لها «10» علل ولا نهل؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهمّ بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها «11» وفرقها، وابعث راعيها في الدّثر «12» بيانع الثّمر، وافجر لهم الثمد «13» ، وبارك لهم في المال والولد؛ من أقام الصلاة كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا.
لكم يا بني نهد ودائع «14» الشّرك، ووضائع الملك «15» ؛ لا تلطط «16» في الزكاة، ولا تلحد في الحياة، ولا تتثاقل عن الصلاة» .
وكتب معه كتابا إلى بني نهد فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم! السلام على
(2/261)

من آمن بالله ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة «1» ، ولكم العارض والفريش وذو العنان الرّكوب، والفلوّ الضّبيس «2» ، لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يمنع درّكم، ما لم تضمروا الإمآق، وتأكلوا الرّباق «3» ؛ من أقرّ فله الوفاء بالعهد والذّمّة، ومن أبى فعليه الرّبوة «4» » .
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم إلى قبيلة همدان، وذلك أنه لما قدم عليه صلّى الله عليه وسلّم وفود العرب قدم وفد همدان على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، منهم مالك بن نمط أبو ثور، وهو ذو المشعار، ومالك بن أيفع، وضمام بن مالك السلماني، وعميرة بن مالك الخارقيّ، فلقوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرجعهم من تبوك، وعليهم مقطّعات الحبرات «5» والعمائم العدنيّة، برحال الميس «6» على المهريّة والأرحبيّة «7» ، ومالك بن نمط ورجل آخر يرتجزان بالقوم، يقول أحدهما:
همدان خير سوقة وأقيال ... ليس لها في العالمين أمثال
محلّها الهضب ومنها الأبطال ... لها إطابات «8» بها وآكال
ويقول الآخر:
(2/262)

إليك جاوزن سواد الرّيف ... في هبوات الصّيف والخريف
مخطّمات «1» بحبال اللّيف
فقام مالك بن نمط بين يديه، ثم قال: يا رسول الله، نصيّة «2» من همدان من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج «3» متّصلة بحبال الإسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف خارف، ويام، وشاكر «4» ؛ أهل السّواد والقرى، أجابوا دعوة الرسول، وفارقوا آلهة الأنصاب «5» ، عهدهم لا ينقض ما أقام لعلع «6» ، وما جرى اليعفور بصلّع «7» .
فكتب لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم! هذا كتاب من محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف الرّمل، مع وافدها ذي المشعار مالك بن نمط، ولمن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها ووهاطها «8» ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها ويرعون عافيها «9» ؛ لهم بذلك عهد الله وذمام رسوله، وشاهدهم المهاجرون والأنصار» .
فقال في ذلك مالك بن نمط:
ذكرت رسول الله في فحمة الدّجى ... ونحن بأعلى رحرحان وصلدد «10»
(2/263)

وهنّ بنا خوص طلائح «1» تعتلي ... بركبانها في لاحب «2» متمدّد
على كلّ فتلاء الذّراعين جسرة ... تمرّ بنا مرّ الهجفّ الخفيدد «3»
حلفت بربّ الرّاقصات «4» إلى منى ... صوادر بالرّكبان من هضب قردد «5»
بأن رسول الله فينا مصدّق ... رسول أتى من عند ذي العرش مهتد
فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبرّ وأوفى ذمّة من محمّد
وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه ... وأمضى بحدّ المشرفيّ المهنّد
وفي رواية أن في كتابه إليهم: «إن لكم فراعها ووهاطها وعزازها «6» ، تأكلون علافها وترعون عفاءها «7» ؛ لنا من دفئهم وصرامهم «8» ما سلّموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصّدقة الثّلب والنّاب، والفصيل والفارض، والدّاجن «9» والكبش الحوريّ «10» ، وعليهم فيها الصّالغ والقارح «11» » .
(2/264)

ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم لأكيدر دومة «1» . قال أبو عبيدة: أنا قرأته فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم! من محمد رسول الله، لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد «2» والأصنام، مع خالد بن الوليد، سيف الله في دومة الجندل وأكنافها، إن لنا الضّاحية من الضّحل والبور والمعامي وأغفال الأرض، والحلقة والسّلاح والحافر والحصن، ولكم الضّامنة من النخل، والمعين من المعمور «3» ، لا تعدل سارحتكم «4» ، ولا تعدّ فاردتكم «5» ، ولا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقّها، عليكم بذلك عهد الله والميثاق، ولكم بذلك الصدق والوفاء، شهد الله ومن حضر من المسلمين» .
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم إلى وائل بن حجر وأهل حضر موت، وهو «بسم الله الرحمن الرحيم! من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة «6» من أهل حضر موت بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، على التّيعة «7» الشّاة، والتّيمة «8» لصاحبها وفي
(2/265)

السّيوب «1» الخمس، لا خلاط ولا وراط «2» ، ولا شناق ولا شغار «3» ؛ ومن أجبى فقد أربى «4» ، وكل مسكر حرام.
وفي رواية أنه كتب إليهم «إلى الأقيال العباهلة والأرواع المشابيب «5» ، وفي التّيعة شاة لا مقورّة الألياط ولا ضناك «6» ، وأنطوا الثّبجة «7» وفي السّيوب الخمس؛ ومن زنى من امبكر «8» فاصقعوه مائة، واستوفضوه «9» عاما؛ ومن زنى من امثيّب
(2/266)

فضرّجوه بالأضاميم «1» ، ولا توصيم «2» في الدين، ولا غمّة «3» في فرائض الله تعالى؛ وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفّل «4» على الأقيال» .
قال الوزير ضياء الدين بن الأثير رحمه الله «في المثل السائر» : وفصاحة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا تقتضي استعمال هذه الألفاظ، ولا تكاد توجد في كلامه إلا جوابا لمن يخاطبه بمثلها كحديث طهفة وما جرى مجراه؛ على أنه قد كان في زمنه أوّلا متداولا بين العرب ولكنه صلّى الله عليه وسلّم لم يستعمله إلا يسيرا لأنه أعلم بالفصيح والأفصح.
الصفة الثانية اللفظ الفصيح ألّا يكون مبتذلا عامّيّا، ولا ساقطا سوقيّا واللفظ المبتذل على قسمين
القسم الأوّل ما لم تغيره العامّة عن موضعه اللغويّ إلا أنها اختصت باستعماله دون الخاصة فابتذل لأجل ذلك وسخف لفظه
، وانحطّت رتبته لاختصاص العامّة بتداوله، وصار من استعمله من الخاصة ملوما على الإتيان به لمشاركة العامة فيه؛ وقد وقع ذلك لجماعة من فحول الشعراء فعيب عليهم.
(2/267)

فمن ذلك قول الفرزدق من قصيدة:
وأصبح مبيضّ الضّريب كأنه ... على سروات النّبت قطن مندّف
فقوله مندّف من الألفاظ العامية المبتذلة، وإن كان له أصل في اللغة، يقال ندف القطن إذا ضربه بالمندف، ولذلك قيل للقطن المندوف: نديف.
ومن ذلك قول أبي نواس:
وملحّة بالعذل تحسب أنني ... بالجهل أترك صحبة الشّطّار
فالشطار جمع شاطر، وهو في أصل اللغة اسم لمن أعيا أهله خبثا؛ يقال منه: شطر وشطر بالفتح والضم شطارة بالفتح فيهما، ثم استعمل في الشجاع الذي أعيا الناس شجاعة، وغلب دورانه على لسان العامة فامتهن وابتذل؛ فاستعمال أبي نواس له غير لائق، وكذلك قوله أيضا:
يا من جفاني وملّا ... نسيت أهلا وسهلا
وما تمرحبت لما ... رأيت ما لي قلّا
إني أظنّك فيما ... فعلت تحكي القرلّى
فلفظ القرلّى من أشدّ ألفاظ العامة ابتذالا، وهو اسم لطائر صغير من طيور الماء يخطف صغار السمك من الماء برجليه ومنقاره، فإذا سقط على الماء ولم يحصل على صيد ارتفع بسرعة، فتضرب به العامة المثل تقول: فلان كأنه قرلّى، إن وجد خيرا تدلّى، وإن وجد شرّا تعلّى.
وقوله أيضا:
وأنمر الجلدة صيّرته ... في الناس زاغا وشقرّاقا
ما زلت أجري كلكلي فوقه ... حتّى دعا من تحته قاقا
فقوله: قاقا حكاية لصوت يضرب به المثل لصياح المغلوب، يقال: فعلت بفلان كذا وكذا حتّى قال: قاق؛ وأقبح من ذلك كله في الابتذال بين العامة والسّخافة قول المتنبي:
(2/268)

ومن الناس من يجوز عليهم ... شعراء كأنها الخاز باز
قال في «المثل السائر» : وهذا البيت من مضحكات الأشعار وهو من جملة البرسام الذي ذكره في قوله:
إن بعضا من القريض هذاء ... ليس شيئا وبعضه أحكام
فيه ما يجلب البراعة والفهم وفيه ما يجلب البرسام وعدّ منه في «المثل السائر» قول البحتريّ:
وجوه حسّادك مسودّة ... أم صبغت بعدي بالزّاج؟
قال: فلفظة الزاج من أشدّ ألفاظ العامة ابتذالا، وكذلك عدّ منه قول النابغة الذّبيانيّ:
أو دمية في مرمر مرفوعة ... بنيت بآجرّ يشاد بقرمد
قال فلفظة آجرّ مبتذلة جدّا. وإذا شئت أن تعلم شيئا من سرّ الفصاحة التي تضمنها القرآن الكريم، فانظر إلى هذا الموضع فإنه لما جيء فيه بذكر الآجرّ لم يذكر بلفظه، ولا بلفظ القرمد أيضا، ولا بلفظ الطّوب الذي هو لغة أهل مصر، فإن هذه الأسماء مبتذلة، لكن ذكر في القرآن على وجه آخر، وهو قوله تعالى: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً
«1» فعبر عن الآجرّ بالوقود على الطين؛ نعم من الألفاظ المبتذلة السخيفة لفظة الكنس، وما اشتق منه، ولذلك عابها القاضي الفاضل رحمه الله تعالى على ابن سناء الملك «2» في بعض أشعاره حيث قال من أبيات:
يزخرف منها وجهها فهو جنّة ... ويخضرّ منها نضرة فهو سندس
(2/269)

صليني وهذا الحسن باق فربّما ... يعزّل بيت الحسن منه ويكنس
فلما وقف القاضي الفاضل رحمه الله على هذا القصيدة كتب إلى ابن سناء الملك من جملة فصل: وما قلت هذه الغاية، إلا وتعلمني أنها البداية، ولا قلت هذا البيت آية القصيدة إلا تلا ما بعده: وما نريهم من آية. أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون. ولا عيب في هذه المحاسن إلا قصور الأفهام، وتقصير الأنام، وإلا فقد لهج الناس بما تحتها، ودوّنوا ما دونها، وشغلوا التصانيف والخواطر والأقلام بما لا يقاربها، وسارت الأشعار وطالت بما لا يبلغ مدّها ولا نصيفه؛ والقصيدة فائقة في حسنها، بديعة في فنّها؛ وقد ذلّت السين فيها وانقادت، فلو أنها الراء لما رادت؛ وبيت يعزّل ويكنس أردت أن أكنسه من القصيدة، فإن لفظة الكنس غير لائقة في مكانها.
فأجابه ابن سناء الملك قائلا: وعلم المملوك ما نبه عليه مولانا من البيت الذي أراد أن يكنسه من القصيدة، وقد كان المملوك مشغوفا بهذا البيت، مستحليا له متعجبا منه، معتقدا أنه قد ملّح فيه، وأنّ قافية بيته أميرة ذلك الشعر وسيدة قوافيه، وما أوقعه في الكنس إلا ابن المعتز في قوله:
وقوامي مثل القناة من الخط ... وخدّي من لحيتي مكنوس
والمولى يعلم أن المملوك لم يزل يجري خلف هذا الرجل ويتعثّر، ويطلب مطالبه فتتعسر عليه وتتعذر؛ ولا آنس ناره إلا لمّا وجد عليها هدى، ولا مال المملوك إلا إلى طريق من ميّله إليه طبعه؛ ولا سار قلبه إلا إلى من دلّه عليه سمعه؛ ورأى المملوك أبا عبادة «1» قد قال:
ويا عاذلي في عبرة قد سفحتها ... لبين وأخرى قبلها للتجنّب
تحاول منّي شيمة غير شيمتي ... وتطلب منّي مذهبا غير مذهبي
(2/270)

وقال:
وما زارني إلّا ولهت صبابة ... إليه وإلّا قلت أهلا ومرحبا
فعلم المملوك أنّ هذه طريقة لا تسلك، وعقيلة لا تملك، وغاية لا تدرك؛ ووجد أبا تمّام قد قال:
سلّم على الرّبع من سلمى بذي سلم
وقال:
خشنت عليه أخت بني خشين
فاشمأزّ من هذا النّمط طبعه، واقشعرّ منه فهمه، ونبا عنه ذوقه، وكاد سمعه يتجرّعه ولا يكاد يسيغه؛ ووجد هذا السيد عبد الله بن المعتز قد قال:
وقفت في الرّوض أبكي فقد مشبهه ... حتّى بكت بدموعي أعين الزّهر
لو لم أعرها دموع العين تسفحها ... لرحمتي لاستعارتها من المطر
وقال:
قدّك غصن لا شكّ فيه كما ... وجهك شمس نهاره جسدك
فوجد المملوك طبعه إلى هذا النّمط مائلا، وخاطره في بعض الأحيان عليه سائلا؛ فنسج على هذا الأسلوب، وغلب عليه خاطره مع علمه أنه المغلوب؛ «وحبّك الشيء يعمي ويصمّ» فقد أعماه حبّه وأصمه إلى أن نظم تلك اللفظة في تلك الأبيات تقليدا لابن المعتز حيث قالها، وحمل أثقالها؛ وهي تغفر لذاك في جنب إحسانه، فأما المملوك فهي عورة ظهرت من لسانه.
فأجابه القاضي الفاضل رحمه الله بقوله: ولا حجة فيما احتج به عن الكنس في بيت ابن المعتز، فإنه غير معصوم من الغلط، ولا يقلّد إلا في الصواب فقط، وقد علم ما ذكره ابن رشيق في عمدته من تهافت طبعه، وتباين وضعه، فذكر من محاسنه ما لا يعلّق معه كتاب، ومن بارده وغثّه ما لا تلبس عليه الثياب.
وقد تعصّب القاضي السعيد على أبي تمّام فنقصه من حظه، وللبحتريّ
(2/271)

فأعطاه أكثر من حقه، وما أنصفهما:
ولو كان هذا موضع العتب لا شتفى ... فؤادي ولكن للعتاب مواضع
قال المولى صلاح الدين الصّفدي رحمه الله تعالى في شرح لامية العجم:
وقد استعمل ابن سناء الملك رحمه الله تعالى هذه اللفظة في غير هذا الموضع ولم يتّعظ بنهي الفاضل ولا ارعوى ولا ازدجر عما قبحه لأنه غلب عليه الهوى، فقال:
توسوس شعري به مدّة ... وما برح الحلي والوسوسه
وخلّصني من يدي عشقه ... ظلام على خدّه حندسه «1»
كنست فؤادي من عشقه ... ولحيته كانت المكنسه
قال: وأما القاضي الفاضل، فما أظنه خلا في هذا الإيراد، من ضعف انتقاد؛ وأحاشي ذاك الذهن الوقّاد، من هذا الاعتقاد في ورطة هذا الاعتقاد؛ وما أراه إلا أنه تعمّد أن يعكس مراده، ويوهي ما شدّه ويوهن ما شاده؛ ويرميه ببلاء البلادة؛ إما على سبيل النّكال أو النّكادة، لأن الفاضل رحمه الله ممن يتوخّى هذه الألفاظ ويقصدها، وينشيها وينشدها، ويوري زنادها ويوردها.
فمن كلام القاضي الفاضل في بعض رسائله: وما استطاعت أيديهم أن تقبض جمره، ولا ألبابهم أن تسيغ خمره، ولا سيوفهم أن تكنس قميمه «2» .
قال في «المثل السائر» : ومثل هذه الألفاظ إذا وردت في الكلام، وضعت من قدره ولو كان معناه شريفا. قال: وهذا القسم من الألفاظ المبتذلة لا يكاد يخلو منه شعر شاعر، لكن منهم المقلّ ومنهم المكثر.
(2/272)

القسم الثاني ما كان من الألفاظ دالّا على معنى وضع له في أصل اللغة فغيرته العامة وجعلته دالّا على معنى آخر. وهو على ضربين
الضرب الأوّل- ما ليس بمستقبح في الذكر ولا مستكره في السمع
. وذلك كتسميتهم الإنسان إذا كان دمث الأخلاق، حسن الصورة أو اللباس أو ما هذا سبيله ظريفا، والظّرف في أصل اللغة: مختص بنطق اللسان فقط، كما أن الصّباحة مختصة بالوجه، والوضاءة مختصة بالبشرة، والجمال مختص بالأنف، والحلاوة مختصة بالعينين، والملاحة: مختصة بالفم، والرّشاقة: مختصة بالقدّ، واللّباقة:
مختصة بالشمائل؛ فالظّرف إنما يتعلق بالنطق فغيرته العامة عن بابه ونقلته إلى أعمّ من موضوعه كما تقدّم؛ وممن وقع له الذّهول عن ذلك فغلط فيه أبو نواس في قوله:
اختصم الجود والجمال ... فيك فصارا إلى جدال
فقال هذا يمينه لي ... للعرف والبذل والنوال
وقال هذاك وجهه لي ... للظّرف والحسن والكمال
فافترقا فيك عن تراض ... كلاهما صادق المقال
فوصف الوجه بالظّرف، وهو من صفات النطق كما تقدّم؛ وكذلك أبو تمّام في قوله:
لك هضبة الحلم التي لو وازنت ... أجأ «1» إذا ثقلت وكان خفيفا
وحلاوة الشّيم التي لو مازجت ... خلق الزمان الفدم «2» عاد ظريفا
فوصف الشّيم بالحلاوة وهي مختصة بالعينين، ووصف الخلق بالظّرف وهو
(2/273)

مختص بالنطق كما تقدّم بيانه.
الضرب الثاني- ما يستقبح ذكره
كما في لفظ الصّرم بالصاد المضمومة والسّرم بالسين؛ فإن الصّرم بالصاد في أصل اللغة عبارة عن القطع، يقال: صرمه يصرمه صرما وصرما بالفتح والضم إذا قطعه، وبالسين عبارة عن المحل المخصوص، وقد كانت العرب تستعمله بالصاد المضمومة في أشعارها بهذا المعنى فلا يعاب عليها؛ قال أبو صخر الهذليّ «1» :
قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصّرم
فاستعمله بمعنى القطع ولم يعب عليه لأن الألفاظ في زمن العرب لم تتغير بل كانت باقية على أوضاعها الأصلية، فقلبت العامة السين من المحل المخصوص صادا واستعملت لفظ الصّرم الذي هو القطع في المحل المخصوص، فصار لفظه مستقبحا وسماعه مستكرها، وعيب على أبي الطّيّب استعماله في قوله:
أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعفّ فجازاهنّ عنّي بالصّرم
على أنه إنما يكره استعماله بصيغة الاسم لما تقدّم، أما إذا استعمل بصيغة الفعل مثل صرم ويصرم وما شاكل ذلك، فإنه لا حجر في استعماله، وقد استعمله ابن الروميّ بالسين على بابه فجاء أقبح وأشنع، فقال يهجو الورد:
كأنه سرم بغل حين يخرجه ... عند البراز وباقي الرّوث في وسطه
قال الصلاح الصّفديّ: وأين هذا التشبيه القبيح من قول الآخر في الورد أيضا:
كأنه وجنة الحبيب وقد ... نقّطها عاشق بدينار
(2/274)

قال: فانظر إلى هذا: وجنة، وحبيب، ودينار، وإلى ذلك: سرم، وبغل، وروث. وشتّان ما بينهما.
الصفة الثالثة من صفات اللفظ المفرد الفصيح ألّا يكون متنافر الحروف
، فإن كانت حروفه متنافرة بحيث يثقل على اللسان ويعسر النطق به فليس بفصيح وذلك نحو لفظ الهعخع في قول بعض العرب عن ناقة: تركتها ترعى الهعخع بالخاء المعجمة والعين المهملة، وهو نبت أسود، وكذلك لفظ مستشزرات من قول امريء القس في قصيدته اللامية التي من جملة القصائد السبع الطّوال:
غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضلّ المداري في مثنّى ومرسل
فلفظ مستشزرات من المتنافر الذي يثقل على اللسان، ويعسر النطق به.
قال الوزير ضياء الدين بن الأثير رحمه الله في «المثل السائر» : ولقد رآني بعض الناس وأنا أعيب على امريء القيس هذا اللفظ فأكبر ذلك لوقوفه مع شبهة التقليد في أن امرأ القيس أشعر الشعراء، فعجبت من ارتباطه بمثل هذه الشبهة الضعيفة، وقلت له: لا يمنع إحسان امريء القيس من استقباح ماله من القبيح، بل مثال ذلك كمثال غزال المسك فإنه يخرج منه المسك والبعر، ولا يمنع طيب ما يخرج من مسكه من خبث ما يخرج من بعره، ولا تكون لذاذة ذلك الطّيب حامية للخبيث من الاستكراه، فأسكت الرجل عند ذلك.
إذا علمت ذلك، فإن معظم اللغة العربية دائرة على ذلك، لأن الواضع قسّمها في وضعه إلى ثلاثة أقسام: ثلاثيّا، ورباعيّا، وخماسيّا، فالثلاثيّ من الألفاظ هو الأكثر، ولا يوجد فيه ما يكره استعماله إلا النادر؛ والخماسيّ هو الأقلّ، ولا يوجد فيه ما يستعمل إلا الشاذ النادر، والرباعيّ وسط بين الثّلاثيّ والخماسيّ في الكثرة عددا واستعمالا، فيكون أكثر اللغة مستعملا غير مكروه. قال: ولا تقتضي حكمة هذه اللغة التي هي سيّدة اللغات إلا ذلك؛ ولذلك أسقط الواضع منها
(2/275)

حروفا كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقالا واستكراها، فلم يؤلّف بين حروف الحلق كالحاء والعين، وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف، ولا بين اللام والراء، ولا بين الزاي والسين، وذلك دليل على عنايته بتأليف المتباعد المخارج دون المتقارب؛ وكيف كان الواضع يخلّ بمثل هذا الأصل الكلّي في تحسين اللغة وقد اعتنى بأمور جزئية دون ذلك! كمماثلته بين حركات الفعل في الوجود وبين حركات المصدر في النطق كالغليان، والضّربان، والنّقزان، والنّزوان، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، فإن جميع حروفه متحركات ليس فيها حرف ساكن، وهي مماثلة لحركات الفعل في والوجود.
ومن نظر في حكمة وضع هذه اللغة إلى هذه الدقائق التي هي كالأطراف والحواشي فكيف كان يخلّ بالأصل المعوّل عليه في تأليف الحروف بعضها إلى بعض!. على أنه لو أراد الناظم أو الناثر أن يعتبر مخارج الحروف عند استعمال الألفاظ، أهي متباعدة أو متقاربة، لطال الخطب في ذلك وعسر، ولما كان الشاعر ينظم قصيدا، ولا الكاتب ينشيء كتابا إلا في مدّة طويلة، والأمر بخلاف ذلك، فإن حاسّة السمع هي الحاكمة في هذا المقام في تحسين لفظ وتقبيح آخر؛ على أنه قد يجيء من المتقارب المخارج ما هو حسن رائق، ألا ترى أن الحروف الشّجريّة، وهي الجيم والشين والياء، متقاربة المخارج لأنها تخرج من وسط اللسان بينه وبين الحنك، وإذا ترتب منها لفظ جاء حسنا رائقا، فإن لفظة جيش قد اجتمع فيها الحروف الشّجريّة الثلاثة، وهي مع تقارب مخارجها حسنة رائقة؛ وكذلك الحروف الشّفهية وهي الباء والميم والفاء متقاربة المخارج، فإن مخرج جميعها من الشّفة؛ وإذا ترتب منها لفظ جاء سلسا غير متنافر، كقولك أكلت بفمي، وهو في غاية الحسن، والحروف الثلاثة الشفهية مع تقارب مخارجها مجتمعة فيها؛ وقد يجيء من المتباعد المخارج ما هو قبيح متنافر، كقولك: ملع بمعنى عدا، فإن الميم من الشفة، والعين من حروف الحلق، واللام من وسط اللسان؛ فهذه الحروف كلها متباعدة من بعضها ومع ذلك فإنها كريهة الاستعمال، ينبو عنها الذوق السليم، ولو كان التباعد سببا للحسن لما كان سببا للقبح؛ على أنه لو عكست
(2/276)

حروف هذه اللفظة صارت علم وعاد القبح منها حسنا؛ مع أنه لم يتغير شيء من مخارجها، على أن اللام لم تزل فيها وسطا والميم والعين يكتنفانها من جانبيها؛ ولو كانت مخارج الحروف معتبرة في الحسن والقبح لما تغيرت هذه اللفظة بتقديم بعض الحروف وتأخير بعض، وليس ذلك لأن إدخال الحروف من الشّفة إلى الحلق في ملع أعسر من إخراجها من الحلق إلى الشّفة في علم، فإنّ لفظة بلع فيها الباء وهي من حروف الشفة، واللام وهي من وسط اللسان، والعين وهي من حروف الحلق وهي غير مكروهة.
قال في «المثل السائر» : ولربما اعترض بعض الجهال بأن الاستثقال في لفظ مستشزرات إنما هو لطولها وليس كذلك، فإنا لو حذفنا منها الألف والتاء وقلنا مستشزر لكان ثقيلا أيضا، لأن الشين قبلها تاء وبعدها زاي؛ فثقل النطق بها؛ نعم لو أبدلنا من الزاي راء ومن الراء فاء فقلنا مستشرف لزال ذلك؛ ومن ثمّ ظهر لك أن اعتبار ابن سنان «1» تركيب الكلمة من أقل «2» الأوزان تركيبا غير معتبر، وقد ورد في القرآن العظيم ألفاظ طوال لا شكّ في حسنها وفصاحتها كقوله تعالى:
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
«3» وقوله تعالى: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
«4» فإن لفظ فسيكفيكهم مركب من تسعة أحرف، ولفظ ليستخلفنهم مركب من عشرة أحرف، ولفظ مستشزرات مركب من ثمانية أحرف. قال: والأصل في هذا الباب أن الأصول لا تحسن إلا من الثلاثيّ وفي بعض الرّباعيّ، كقولك عذب وعسجد، فالأولى ثلاثيّة، والثانية رباعيّة؛ أما الخماسيّ من الأصول فإنه
(2/277)

قبيح، كقولك: صهصلق «1» وجحمرش «2» ، وما جرى مجراهما؛ ولهذا لا يوجد في القرآن الكريم من الخماسيّ الأصول شيء إلا ما كان من اسم نبيّ عرّب اسمه، ولم يكن في الأصل عربيا كإبراهيم وإسماعيل ونحوهما.
الصفة الرابعة من صفات اللفظ المفرد الفصيح ألّا يكون على خلاف القانون المستنبط من تتبع مفردات ألفاظ اللغة العربية وما هو في حكمها
كوجوب الإعلال في نحو قام والإدغام في نحو مدّ، وغير ذلك مما يشتمل عليه علم التصريف، فإنه لو فكّ الإدغام في مدّ فقال مدد لم يكن فصيحا، وعلى حدّ ذلك جاء قول بعض العرب:
الحمد لله العليّ الأجلل
فإنّ قياس بابه الإدغام فيقال الأجلّ.
قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح التلخيص: وأما نحو أبى يأبى وعور واستحوذ وقطط شعره وما أشبه ذلك من الشواذ الثابتة فليست من المخالفة في شيء لأنها كذلك ثبتت عن الواضع، فهي في حكم المستثناة.
فهذه الصفات الأربع هي عمود الفصاحة في اللفظ المفرد، وقطب دائرة حسنه، فمتى اتصف بها وسلم من أضدادها كان بالفصاحة متّسما، وبالحسن والرونق مشتملا، وللطبع ملائما، وللسمع موافقا؛ ومتى عري عن ذلك خرج عن طرائق الفصاحة، وحاد عن سبيل الحسن، ومال إلى الهجنة، فمجّه السمع، وقلاه الطبع، ورفضته النفوس، ونفرت منه القلوب، فلزم العيب قائله، وتوجه العتب على مستعمله.
(2/278)

قال ابن الأثير رحمه الله: وقد رأيت جماعة من الجهّال إذا قيل لأحدهم:
إن هذه اللفظة حسنة وهذه قبيحة أنكر ذلك وقال: بل كل الألفاظ حسن، والواضع لم يضع إلا حسنا. قال: ومن يبلغ جهله إلى غاية لا يفرق بين لفظة الغصن ولفظة العسلوج «1» ، وبين لفظ المدامة ولفظ الإسفنط «2» ، وبين لفظ السّيف ولفظة الخنشليل «3» ، وبين لفظة الأسد ولفظة الفدوكس «4» ؛ فلا ينبغي أن يخاطب بخطاب، ولا يجاب بجواب، بل يترك وشأنه كما قيل: «أتركوا الجاهل بجهله، ولو ألقى الجعر «5» في رحله «6» » .
وما مثاله في ذلك إلا كمن يسوي بين صورة زنجية سوداء مظلمة السواد، شوهاء الخلق، ذات عين محمرّة، وشفة غليظة، وشعر قطط «7» ، وبين صورة روميّة بيضاء، مشربة بحمرة، ذات خدّ أسيل، وطرف كحيل، ومبسم كأنما نظم من أقاح، وطرّة كأنها ليل على صباح. فإذا كان بإنسان من سقم النظر أن يسوّي بين هذه الصورة وهذه، فلا يبعد أن يكون به من سقم الفكر أن يسوّي بين هذه الألفاظ وهذه، ولا فرق بين السمع والنظر في ذلك؛ فإن هذه حاسّة وهذه حاسّة، وقياس حاسة على حاسة غير ممتنع؛ ولا عبرة بمن يستحسن الألفاظ القبيحة، ويميل إلى الصورة الشنيعة؛ فإن الحكم على الكثير الغالب، دون الشاذ النادر الخارج عن الاعتدال؛ فإنا لو رأينا من يحبّ أكل الفحم والجصّ والتراب، ويختار ذلك على ملاذّ الأطعمة فإنا لا نستجيد هذه الشهوة بل نحكم عليه بالمرض وفساد المعدة، وأنه يحتاج إلى العلاج والمداواة؛ ومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ في الأذن
(2/279)

نغمة لذيذة كنغمة الأوتار، وصوتا منكرا كصوت الحمار، وأن لها في الفم حلاوة كحلاوة العسل، ومرارة كمرارة الحنظل. ولا حجة لاستعمال العرب لهذه الألفاظ، فإن استحسان الألفاظ واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب، لأنه ليس للتقليد فيه مجال؛ وإنما له خصائص وهيئات وعلامات إذا وجدت علم حسنه من قبحه والله أعلم.
الأصل الثالث من صناعة إنشاء الكلام، تركيب الكلام، وترتيب الألفاظ والنظر فيه من وجوه
الوجه الأوّل في بيان فضل المعرفة بذلك، ومسيس حاجة الكاتب إلى معرفته، والإشارة إلى خفي سره وتوعّر مسلكه
قال أبو هلال العسكريّ: وأجناس الكلام المنظوم ثلاثة: الرسائل، والخطب، والشعر؛ جميعها يحتاج إلى حسن التأليف، وجودة التركيب؛ وحسن التأليف يزيد المعنى وضوحا وشرحا، ومع سوء التأليف ورداءة الرّصف والتركيب شعبة من التعمية؛ فإذا كان المعنى سيّئا، ورصف الكلام رديئا «1» ، لم يوجد له قبول، ولم تظهر عليه طلاوة. فإذا كان المعنى وسطا ورصف الكلام جيدا، كان أحسن موقعا وأطيب مستمعا، فهو بمنزلة العقد إذا جعل كل خرزة منه إلى ما يليق بها كان رائقا في المرأى، وإن لم يكن مرتفعا نبيلا «2» ؛ وإن اختلّ نظمه فضمّت الحبة منه إلى ما لا يليق بها اقتحمته العين وإن كان فائقا ثمينا؛ وحسن الرّصف أن توضع الألفاظ في مواضعها، وتمكّن من أماكنها، ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير والحذف والزيادة إلا حذفا لا يفسد الكلام، ولا يعمّي المعنى، وتضم كل لفظة
(2/280)

منها إلى شكلها وتضاف إلى وفقها «1» ؛ وسوء الرّصف تقديم ما ينبغي تأخيره منها، وصرفها عن وجوهها، وتغيير صيغتها، ومخالفة الاستعمال في نظمها.
وقد قال العتابيّ «2» : الألفاظ أجساد والمعاني أرواح، وإنما تراها بعيون القلوب، فإذا قدّمت منها مؤخرا وأخرت منها مقدّما أفسدت الصورة وغيرت المعنى، كما أنه لو حوّل رأس إلى موضع يد أو يد إلى موضع رأس أو رجل لتحوّلت الخلقة، وتغيّرت الحلية.
قال في «الصناعتين» : وقد أحسن في هذا التمثيل.
قال الوزير ضياء الدين بن الأثير رحمه الله في «المثل السائر» : وهذا الموضع يضلّ في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم والنثر، فكيف الجهال الذين لم تنفحهم منه رائحة! ومن الذي يؤتيه الله فطرة ناصعة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار «3» ، حتّى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ فيضعها في مواضعها؟ وذلك أن تفاوت التفاضل لم يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها، إذ التركيب أعسر وأشقّ، ألا ترى أن ألفاظ القرآن الكريم من حيث انفرادها قد استعملتها العرب ومن بعدهم، وهي مع ذلك تفوق جميع كلامهم وتعلو عليه، وليس ذلك إلا لفضيلة التركيب. وانظر إلى قوله تعالى:
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
«4» وما اشتملت عليه هذه الآية من الحسن والطلاوة والرونق والمائية الّتي لا يقدر البشر على الإتيان بمثلها، ولا يستطيع أفصح الناس وأبلغ العالم مضاهاتها؛ على أن ألفاظها المفردة كثيرة
(2/281)

الاستعمال دائرة على الألسنة، فقوّة التركيب وحسن السبك هو الذي ظهر فيه الإعجاز وأفحمت فيه البلاغة من حيث لاقت اللفظة الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة، وكذلك سائر الألفاظ إلى آخر الآية. ويشهد لذلك أنك لو أخذت لفظة منها من مكانها وأفردتها عن أخواتها لم تكن لابسة من الحسن والرونق ما لبسته في موضعها من الآية، ولكلّ كلمة مع صاحبتها مقام.
قال ابن الأثير: ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلّان على معنى واحد، كلتاهما في الاستعمال على وزن واحد وعدّة واحدة، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما في مواضع السّبك؛ وهذا مما لا يدركه إلا من دقّ فهمه، وجلّ نظره. وإذا نظرت إلى قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
«1» وقوله تعالى: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً
«2» رأيت ذلك عيانا، فإن الجوف والبطن بمعنى واحد، وقد استعمل الجوف في الآية الأولى والبطن في الآية الثانية ولم يستعمل أحدهما مكان الآخر؛ وكذلك قوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
«3» وقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
«4» فالقلب والفؤاد سواء في الدلالة وإن كانا مختلفين في الوزن، ولم يستعمل أحدهما موضع الآخر.
ومما يجري هذا المجرى قول الأعرج «5» من أبيات الحماسة:
نحن بنو الموت إذا الموت نزل ... لا عار بالموت إذا حمّ الأجل
الموت أحلى عندنا من العسل
(2/282)

وقول أبي الطيب المتنبّي:
إذا شئت حفّت بي على كل سابح ... رجال كأنّ الموت في فمها شهد
فلفظة الشهد ولفظة العسل كلاهما حسن مستعمل، وقد جاءت لفظة الشهد في بيت أبي الطّيّب أحسن من لفظة العسل في بيت الأعرج، على أن لفظة العسل قد وردت «1» في القرآن دون لفظة الشهد فجاءت أحلى من الشهد في موضعها؛ وكثيرا ما تجد أمثال ذلك في أقوال الشعراء المفلقين وبلغاء الكتّاب ومصاقع الخطباء، وتحتها دقائق ورموز، إذا علمت وقيس عليها كان صاحب الكلام قد انتهى في النظم والنثر إلى الغاية القصوى في وضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها.
قال: وأعجب من ذلك أنك ترى اللفظة الواحدة تروقك في كلام، ثم تراها في كلام آخر فتكرهها؛ وقد جاءت لفظة في آي القرآن الكريم بهجة رائقة، ثم جاءت تلك اللفظة بعينها في كلام آخر فجاءت ركيكة نابية عن الذوق، بعيدة من الاستحسان؛ فمن ذلك لفظة يؤذي فإنها وردت في قوله تعالى: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ
«2» فجاءت في غاية الحسن ونهاية الطلاوة، ووردت في قول أبي الطيب:
تلذّ له المروءة وهي تؤذى ... ومن يعشق يلذّ له الغرام
فجاءن رثّة مستهجنة، وإن كان البيت من أبيات المعاني الشريفة، وذلك لقوّة تركيبها في الآية وضعف تركيبها في بيت الشعر؛ والسبب في ذلك أن لفظة تؤذي إنما تحسن في الكلام إذا كانت مندرجة مع ما يأتي بعدها، متعلقة به كما في الآية الكريمة حيث قال: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَ
«3» وفي بيت المتنبي جاءت منقطعة ليس بعدها شيء تتعلق به حيث قال:
(2/283)

تلذّ له المروءة وهي تؤذى
ثم استأنف كلاما آخر فقال:
ومن يعشق يلذّ له الغرام
وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبويّ مضافة إلى كاف خطاب، فأخذت من المحاسن بزمامها، وأحاطت من الطّلاوة بأطرافها؛ وذلك أنه لما اشتكى النبي صلّى الله عليه وسلّم جاءه جبريل فرقاه فقال: «بسم الله أرقيك من كلّ داء يؤذيك» فصارت إلى الحسن بزيادة حرف واحد، وهذا من السّرّ الخفي الذي يدقّ فهمه.
وعلى نهج لفظة يؤذي يرد لفظة لي، فإنها لا تحسن إلا أن تكون متعلقة بما بعدها، ولذلك لحقها هاء السّكت في قوله تعالى: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
«1» لما لم يكن بعدها ما تتعلق به، بخلاف قوله: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
«2» فإنه لم تلحقها هاء السكت اكتفاء بما هي متعلقة به.
ومما يجري مثل هذا المجرى لفظة القمّل، فإنها قد وردت في قوله تعالى:
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ
«3» فجاءت في غاية الحسن، ووردت في قول الفرزدق:
من عزّه اجتحرت كليب عنده ... زربا كأنّهم لديه القمّل «4»
فجاءت منحطة نازلة، وذلك لأنها قد جاءت في الآية مندرجة في ضمن كلام لم ينقطع الكلام عندها، وجاءت في البيت قافية انقطع الكلام عندها.
هذا ملخص ما ذكره ابن الأثير، وقال: إنه لم يسبق إليه، وجعل الحاكم
(2/284)

فيه الذوق السليم دون غيره. وعلى الجملة فلا نزاع في أن تركيب الألفاظ يعطي الكلام من القوّة والضّعف ما تزيد به قيمة الألفاظ الفصيحة، ويرتفع به قدرها، أو يحطّ مقدارها عن درجة الفصاحة والحسن إلى رتبة القبح والاستهجان.
الوجه الثاني في بيان ما يبنى عليه «تركيب الكلام» وترتيبه
. وله ركنان الركن الأول- أن يسلك في تركيبه سبيل الفصاحة والخروج عن الّلكنة والهجنة.
والفصاحة في المركب بأن يتصف بعد فصاحة مفرداته بصفات:
الصفة الأولى أن يكون سليما من ضعف التأليف
بأن يكون تأليف أجزاء الكلام على القانون النحويّ المشتهر فيما بين معظم أصحابه حتّى لا يمتنع عند الجمهور، وذلك كالإضمار قبل الذكر لفظا أو معنى، نحو ضرب غلامه زيدا، فإنه غير فصيح وإن كان ما اتصل بالفاعل فيه ضمير المفعول به مما أجازه الأخفش «1» ، وتبعه ابن جني «2» لشدّة اقتضاء الفعل المفعول به كالفاعل، واستشهد بقوله:
لما عصى أصحابه مصعبا ... أدّى إليه الكيل صاعا بصاع
وقوله:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمّار «3»
(2/285)

وقوله:
ألا ليت شعري، هل يلومنّ قومه ... زهيرا على ما جرّ من كلّ جانب
الصفة الثانية أن يكون سليما من التعقيد
وهو ألّا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى الذي يراد منه، وهو على ضربين:
الضرب الأوّل
- وهو الذي يسميه ابن الأثير: المعاظلة «1» المعنوية- ألّا يكون ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني بسبب تقديم أو تأخير، أو حذف، أو إضمار، أو غير ذلك مما يوجب صعوبة فهم المراد، وإن كان ثابتا في الكلام، جاريا على القوانين، كقول الفرزدق في مدح إبراهيم «2» بن هشام بن إسماعيل المخزومي، خال هشام بن عبد الملك:
وما مثله في الناس إلا مملّكا ... أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه
أي وما مثل هذا الممدوح في الناس حيّ يقاربه ويشبهه في الفضائل إلا مملّكا، أبو أمّ ذلك المملّك أبو الممدوح، فيكون الممدوح خال المملّك، والمعنى أنه لا يماثل أحد هذا الممدوح الذي هو إبراهيم بن هشام إلا ابن أخته هشام، أفسده وعقّد معناه، وأخرجه عن حدّ الفصاحة إلى حدّ اللّكنة؛ وكذلك قوله في الوليد بن عبد الملك:
إلى ملك، ما أمّه من محارب ... أبوه، ولا كانت كليب تصاهره
(2/286)

يريد إلى ملك ما أمّ أبيه من محارب، وقوله:
تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من ياذئب يصطحبان
يريد نكن يا ذئب مثل من يصطحبان، وقوله:
وليست خراسان التي كان خالد ... بها أسد، إذ كان سيفا أميرها
يريد أن خالد بن عبد الله كان قد ولي خراسان ووليها أسد «1» بعده، فمدح خالدا بأنه كان سيفا، بعد أن كان أسد أميرها، فكأنه يقول وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفا إذ كان أسد أميرها «2» .
قال ابن الأثير: وعلى هذا التقدير ففي كان الثانية ضمير الشأن والحديث، والجملة بعدها خبر عنها، وقد قدّم بعض ما إذ مضافة إليه وهو أسد عليها، وفي تقديم المضاف إليه أو شيء منه على المضاف من القبح ما لا خفاء به. قال: وأيضا فإن أسدا أحد جزأي الجملة المفسّرة للضمير، والضمير لا يكون تفسيره إلا من بعده، ولو تقدّم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير، ولما سماه الكوفيون الضمير المجهول؛ وعلى نحو ذلك ورد قول الآخر:
فأصبحت بعد خطّ بهجتها ... كأنّ قفرا رسومها قلما
يريد فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأنّ قلما خط رسومها، فقدّم خبر كأنّ وهو خطّ عليها فجاء مختلّا مضطربا.
قال في «المثل السائر» : وهذا البيت من أقبح هذا النوع لأن معانيه قد تداخلت، وركب بعضها بعضا؛ على أن ذلك قد وقع لجمع من فحول شعراء العرب؛ كقول امرىء القيس:
(2/287)

هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يوما نبوة فدعاهما
يريد أخوا من لا أخوي «1» له في الحرب؛ وقول النابغة:
يثرن الثّرى حتّى يباشرن برده ... إذا الشمس مجّت ريقها بالكلاكل «2»
قال أبو هلال العسكريّ: وهذا البيت مستهجن جدّا لأن المعنى تعمّى فيه، يريد يثرن الثرى حتى يباشرن برده بالكلاكل إذا الشمس مجّت ريقها، وقول أبي حيّة النّميريّ «3» :
كما خطّ الكتاب بكّفّ، يوما، ... يهوديّ يقارب أو يزيل
يريد كما خط الكتاب بكف يهوديّ يوما يقارب أو يزيل؛ وقول ذي الرمة:
نضا البرد عنه وهو من، ذو، جنونه ... أجاريّ، صهّال وصوت مبرسم «4»
يريد وهو من جنونه ذو أجاريّ؛ قال في «الصناعتين» : كأنه تخليط كلام مجنون أو هجر مبرسم؛ وقول الشماخ «5» :
تخامص عن برد الوشاح إذا مشت ... تخامص حافي الخيل «6» في الأمعز الوجي «7»
يريد تخامص حافي الخيل في الوجي، الأمعز «8» .
(2/288)

قال أبو هلال العسكري: وليس للمحدث أن يجعل هذه الأبيات حجة ويبنى عليها فإنه لا يعذر في شيء منها، لإجماع الناس اليوم على مجانبة أمثالها واستجادة ما يضح من الكلام ويستبين، واسترذال ما يشكل منه ويستبهم؛ وقد كان عمر رضي الله عنه يمدح زهيرا بأنه لم يكن يعاظل بين الكلام.
قال في «المثل السائر» : والفرزدق أكبر الشعراء تعاظلا وتعقيدا في شعره، كأنه كان يقصد ذلك ويتعمّده، لأن مثله لا يجيء إلا متكلّفا مقصودا، وإلا فإذا ترك مؤلف الكلام نفسه تجري على سجيّتها وطبعها في الاسترسال لم يعرض له شيء من هذا التعقيد، بدليل أن المقصود من الكلام معدوم في هذا النوع، إذ المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح والإبانة وإفهام المعنى، فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من الكلام ذهب المراد به، ولا فرق عند ذلك بينه وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية وغيرهما.
الضرب الثاني من التعقيد
- ألّا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد بخلل في انتقال الذهن من المعنى الأوّل المفهوم بحسب اللغة إلى الثاني المقصود، لإيراد اللوازم البعيدة المفتقرة إلى الوسائط الكثيرة، مع خفاء القرائن الدالة على المقصود، كقول العبّاس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدّار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدّموع لتجمدا
يريد إني أطلب بعد الدار عنكم لتقربوا مني، وتسكب عيناي الدّموع لتجمد وتكفّ الدمع بحصول التلاقي؛ والمعنى أنّي طبت نفسا بالبعد والفراق، ووطّنت نفسي على مقاساة الأحزان والأشواق، وأتجرّع الغصص، وأحتمل لأجلها حزنا يفيض الدّموع من عينيّ، لأتسبب بذلك إلى وصل يدوم، ومسرّة لا تزول، فتجمد عيني ويرقأ دمعي، فإن الصبر مفتاح الفرج؛ فكنّى بسكب الدموع عن الكآبة والحزن، وهو ظاهر المعنى لأنه كثيرا ما يجعل دليلا عليه، يقال: أبكاني الدهر وأضحكني يمعنى ساءني وسرّني، وكنّى بجمود العين عما يوجبه دوام التلاقي من الفرح والسرور؛ فإن المتبادر إلى الذهن من جمود العين بخلها بالدمع عند إرادة
(2/289)

البكاء حال الحزن، بخلاف ما قصده الشاعر من التعبير به عن الفرح والسرور، وإن كانت حالة جمود الدمع مشتركة بين بخل العين بالدمع عند إرادة البكاء، وبين زمن السرور الذي لم يطلب فيه بكاء، وكذلك يجري القول في كل لفظ مشترك ينتقل الذهن فيه من أحد المعنيين إلى الآخر إذا لم يكن هناك قرينة تصرفه إلى أحدهما، كما صرح به الرمانيّ «1» وغيره، خصوصا إذا كان أحد المعنيين الذي يدلّ عليه اللفظ المشترك مستقبحا كما نبه عليه ابن الأثير في الكلام على فصاحة اللفظ المفرد؛ ألا ترى أن لفظة التعزير مشتركة بين التعظيم والإكرام، وبين الإهانة بسبب الخيانة التي لا توجب الحدّ من الضرب وغيره، والمعنيان ضدّان، فحيث وردت معها قرينة صرفتها إلى معنى التعظيم جاءت حسنة رائقة، وكانت في أعلى درجات الفصاحة؛ وعلى نحو ذلك ورد قوله تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
«2» وقوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ
«3» الآية، فإنه لما ورد معها قرينة التوقير في الآية الأولى وقرينة الإيمان والنصر في الآية الثانية زال اللبس وحسن الموقع؛ ولو وردت مهملة بغير قرينة بإرادة المعنى الحسن لسبق الفهم إلى المعنى القبيح، كما لو قلت عزّر القاضي فلانا وأنت تريد أنه عظمه، فإنه لا يتبادر من ذلك إلى الفهم إلا أنه أهانه، وعلى هذا النّهج يجري الحكم في الحسن والقبح مع القرينة وعدمها.
قال ابن الأثير رحمه الله: فما ورد مع القرينة فجاء حسنا قول تأبط شرّا:
أقول للحيان، وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيّق الجحر معور
فإنه أضاف الجحر إلى اليوم فأزال عنه هجنة الاشتباه لأن الجحر يطلق على
(2/290)

كل ثقب كجحر الحيّة واليربوع ونحوهما، وعلى المحل المخصوص «1» من الحيوان، فإذا ورد مهملا بغير قرينة تخصّصه سبق إلى الفهم المعنى القبيح لاشتهاره دون غيره. ومما ورد مهملا بغير قرينة فجاء قبيحا قول أبي تمّام:
أعطيتني دية القتيل وليس لي ... عقل ولا حقّ عليك قديم
فإن المتبادر إلى الأفهام من قوله وليس لي عقل أنه من العقل الذي هو ضد الجنون، ولو قال وليس لي عليك عقل لزال اللبس. قال: فيجب إذا على صاحب هذه الصناعة أن يراعي في كلامه مثل هذا الموضع.
الصفة الثالثة أن يكون الكلام سلما من تنافر الكلمات وإن كانت مفرداته فصيحة
وقد اختلف في معنى هذا التنافر على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأوّل- أن المراد بتنافر الكلمات أن يكون في الكلام ثقل على اللسان ويعسر النطق به على المتكلم
، وإليه ذهب السّكّاكيّ «2» وغيره من علماء البيان.
وهو على ضربين:
الضرب الأوّل- أن يكون فيه بعض ثقل
، كقول أبي تمام:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي، وإذا مالمته، لمته وحدي
فقوله أمدحه أمدحه فيه بعض الثّقل على اللسان في النطق، وذلك أن الحاء والهاء متقاربان في المخرج، وقد اجتمعا في قوله أمدحه، ثم تكررت الكلمة في البيت مع تقارب مخرج الحرفين فثقلت بعض الثقل.
(2/291)

وأوّل من نبه على ذلك الأستاذ ابن العميد «1» رحمه الله.
ومما يحكى في ذلك: أن الصاحب بن عبّاد أنشد هذا البيت بحضرة ابن العميد، فقال له ابن العميد: هل تعرف في هذا البيت شيئا من الهجنة؟ فقال:
نعم، مقابلة المدح باللوم، وإنما يقابل المدح بالذم والهجاء، فقال له ابن العميد:
غير هذا أريد، قال: لا أرى غير ذلك. فقال ابن العميد: هذا التكرير في أمدحه، أمدحه مع الجمع بين الحاء والهاء وهما من حروف الحلق خارج عن حدّ الاعتدال، نافر كلّ التنافر، فاستحسن الصاحب بن عبّاد ذلك.
قال الشيخ سعد الدين التفتازانيّ في شرح تلخيص المفتاح: ولا يجوز أن يراد أن الثقل في لفظة أمدحه دون تكرار، فإنّ مثل ذلك واقع في التنزيل نحو قوله تعالى: فَسَبِّحْهُ*
والقول باشتمال القرآن على كلام غير فصيح مما لا يجتريء عليه المؤمن.
الضرب الثاني- ما كان شديد الثقل بحيث يضطرب لسان المتكلم عند إرادة النطق به
، كقوله:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
قال في عجائب المخلوقات: إن من الجن نوعا يقال له الهاتف، فصاح واحد منهم على حرب بن أميّة «2» فمات، فقال ذلك الجنّي هذا البيت. قال المسعوديّ في «مروج الذهب» : والدليل على أنه من شعر الجن أمران: أحدهما الرواية، والثاني أنه لا يقوله أحد ثلاث مرات متواليات إلا تعتع فيه.
قال ضياء الدين بن الأثير: والسبب في ثقل البيت تكرير حرفي الباء والراء
(2/292)

فيه، فهذه الباءات والراءات فيه كأنها سلسلة، ولا خفاء بما في ذلك من الثقل.
قال: وكذلك يجري الحكم في كل ما تكرر فيه حرف أو حرفان؛ إلا أنه لم يطلق على ذلك اسم التنافر، وجعل التنافر قسما مستقلا برأسه كما سيأتي، وعدّ هذا من أنواع المعاظلة اللفظية؛ ثم ذكر من أمثلته قول الحريري «1» في مقاماته:
وازورّ من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه
وقول كشاجم:
والزّهر والقطر في رباها ... ما بين نظم وبين نثر
حدائق، كفّ كلّ ريح ... حلّ بها خيط كلّ قطر
وقول الآخر:
مللت مطال مولود مفدّى ... مليح مانع منّي مرادي
وقول المتنبي:
كيف ترثي التي ترى كلّ جفن ... زاءها غير جفنها غير راقي
وعاب بيت الحريريّ لتكرر العين فيه في قوله:
وعاف عافي العرف عرفانه
وعاب البيت الثاني من بيت كشاجم لتكرر الكاف فيه في كفّ «وكلّ» الأولى و «كلّ» الثانية، وقال: هذا البيت يحتاج الناطق به إلى بركار يضعه في شدقه حتّى يديره له؛ وعاب البيت الذي يليه لتكرر الميم فيه في أوائل الكلمات، وقال: هذه الميمات كأنها عقد، متصلة بعضها ببعض، وعاب بيت المتنبي لتكرر الجيم والراء في أكثر كلماته، وقال: هذا وأمثاله إنما يعرض لقائله في نوبة الصّرع التي تنوبه في بعض الأيام. قال: وكان بعض أهل الأدب من أهل عصرنا يستعمل هذا
(2/293)

القسم من المعاظلة كثيرا في كلامه نثرا ونظما، وذلك لعدم معرفته لسلوك الطريق، كقوله في وصف رجل سخيّ: أنت المريح كبد الريح، والمليح إن تجهّم المليح بالتكليح، عند سائل يلوح، بل تفوق إذ تروق مرأى يوح «1» ، يا مغبوق «2» كأس الحمد، يا مصبوح ضاق عن نداك اللّوح «3» ، وببابك المفتوح يستريح ويريح ذو التّبريح، ويرفّه الطليح «4» . فأنظر إلى حرفي الراء والحاء كيف لزمهما في كل لفظة من هذه الألفاظ فجاء على ما تراه من الثقل والغثاثة.
ثم قال: واعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف في كثير من كلامهم، وذاك أنه إذا تكرر الحرف عندهم أدغموه استحسانا، فقالوا في جعل لك: جعلّك، وفي تضربونني تضربونّي، وكذلك قالوا: استعدّ فلان للأمر إذا تأهب له، والأصل فيه استعدد، واستتبّ الأمر إذا تهيأ والأصل فيه استتبب، وأشباه هذا كثير في كلامهم حتّى إنهم لشدّة كراهتهم لتكرير الحروف أبدلوا الحرفين «5» المكررين حرفا آخر غيره، فقالوا: أمليت الكتاب، والأصل فيه أمللت، فأبدلوا اللام ياء طلبا للخفة وفرارا من الثقل، وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في اللفظة الواحدة فما ظنك بالألفاظ الكثيرة التي يتبع بعضها بعضا.
قلت: ليس تكرار الحروف مما يوجب التنافر مطلقا كما يقتضيه كلامه بل بحسب التركيب، فقد تتكرر الحروف وتترادف في الكلمات المتتابعة مع القطع بفصاحتها وخفّتها على اللسان وسهولة النطق بها، ألا ترى إلى قوله تعالى: قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ
«6» كيف اجتمع فيه ستّ عشرة ميما في آية واحدة، قد
(2/294)

تلاصق منها أربع ميمات في موضع وميمان في موضع، مع ما اشتملت عليه من الطّلاوة والرّونق الذي ليس في قدرة البشر الإتيان بمثله، والله أعلم.
المذهب الثاني- أن المراد بتنافر الكلمات أن تكون أجزاء الكلام غير متلائمة، ومعانيه غير متوافقة
، بأن يكون عجز البيت أو القرينة غير ملائم لصدره، أو البيت الثاني غير مشاكل للبيت الأوّل، وعليه جرى العسكريّ في «الصناعتين» ؛ فمما اختلفت فيه أجزاء البيت الواحد قول السموأل:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل
فليس بين قوله ما في نصابنا كهام وقوله فنحن كماء المزن مناسبة لأن المراد بالكهام الذي لا غناء به ولا فائدة فيه، يقال قوم كهام أي لا غناء عندهم، ورجل كهام أي مسنّ، كذلك سيف كهام أي كليل، ولسان كهام أي عييّ، وفرس كهام أي بطيء، فهو يصف قومه بالنّجدة والبأس، وأنه ليس فيهم من لا يغني، وماء المزن إنما يحسن في وصف الجود والكرم. قال في «الصناعتين» : ولو قال: ونحن ليوث الحرب وأولو الصّرامة والنجدة، ما في نصابنا كهام، لكان الكلام مستويا، أو فنحن كماء المزن صفاء أخلاق وبذل أكفّ، لكان جيدا.
ومن ذلك قول طرفة:
ولست بحلّال التّلاع «1» مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد
فالمصراع الثاني من البيت غير مشاكل لصورة المصراع الأوّل وإن كان المعنى صحيحا لأنه أراد: ولست بحلّال التّلاع مخافة السؤال ولكنني أنزل الأمكنة المرتفعة لينتابوني وأرفدهم، وهذا وجه الكلام، فلم يعبر عنه تعبيرا صحيحا، ولكنه خلطه وحذف منه حذفا كثيرا فصار كالمتنافر؛ وأدواء الكلام كثيرة.
(2/295)

ومنه قول الأعشى:
وإنّ امرأ أسرى إليك ودونه ... سهوب وموماة وبيداء سملق «1»
لمحقوقة أن تسجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المعان موفّق
فقوله: وأن تعلمي أن المعان موفق غير مشاكل لما قبله؛ وعلى نحو ذلك ورد قول عنترة:
حرق الجناح كأنّ لحيي رأسه ... جلمان بالأخبار هشّ مولع «2»
إنّ الذين نعبت لي بفراقهم ... هم أسلموا ليل التّمام وأوجعوا
فليس قوله: «بالأخبار هشّ مولع» من صفة جناحيه ولحييه؛ وقريب منه قول أبي تمّام:
محمّد إنّ الحاسدين شهود «3» ... وإنّ مصاب المزن حيث تريد
فليس النصف الثاني من النصف الأوّل في شيء؛ وكذلك قول الطالبيّ «4» :
قوم هدى الله العباد بجدّهم ... والمؤثرون الضيف بالأزواد
فلا مناسبة بين صدر البيت وعجزه بوجه.
وعدّ بعض الأدباء من هذا النوع قول أمرىء القيس:
كأنّي لم أركب جوادا للذّة، ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبإ الزّقّ الرّويّ ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
(2/296)

وقال: لو وضع مصراع كل بيت من هذين البيتين في موضع الآخر لكان أحسن وأدخل في استواء النسج، فكان يقال:
كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كرّي كرة بعد إجفال
ولم أسبإ الزق الرويّ للذة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
لأن ركوب الجواد مع ذكر كرور الخيل أجود، وذكر الخمر مع ذكر الكواعب أحسن.
قال في «الصناعتين» : قال أبو أحمد: «1» والذي جاء به امرؤ القيس هو الصحيح لأن العرب تضع الشيء مع خلافه، فيقولون: الشدّة والرخاء، والبؤس والنعيم، ونحو ذلك. وكذلك كل ما يجري هذا المجرى.
قال أبو هلال العسكري: أخبرني أبو أحمد قال: كنت أنا وجماعة من أحداث بغداد ممن يتعاطى الأدب نختلف إلى مدرك نتعلم منه الشعر، فقال لنا يوما: إذا وضعتم الكلمة مع لفقها كنتم شعراء، ثم قال: أجيزوا هذا البيت:
ألا إنّما الدّنيا متاع غرور
فأجازه كل واحد منا بشيء فلم يرضه فقلت أنا:
وإن عظمت في أنفس وصدور
فقال: هذا هو الجيّد المختار.
قال «2» : وأخبرني أبو أحمد الشطنيّ قال: حدثنا أبو العباس بن عربيّ، قال:
حدثنا حماد بن «3» يزيد بن جبلة، قال: دفن مسلمة رجلا من أهله ثم قال:
نروح ونغدو كلّ يوم وليلة
(2/297)

ثم قال لبعضهم: أجز فقال:
فحتّى متى هذا الرّواح مع الغدوّ
فقال مسلمة: لم تصنع شيئا، ثم قال لآخر: أجز فقال:
فيالك مغدى مرّة ومراحا «1»
فقال: لم تصنع شيئا، ثم قال لآخر: أجز فقال:
وعمّا قليل لا نروح ولا نغدو
فقال: الآن تم البيت؛ وأشباه ذلك ونظائره كثيرة.
ومما اختلف فيه البيت الأوّل والثاني قول ابن هرمة «2» :
وإنّي «3» وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفّيّ زندا شحاحا «4»
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
وقول الفرزدق:
فإنّك «5» إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سجوف «6» العمائم
كمهريق ماء بالفلاة، وغرّه ... سراب أذاعته رياح السّمائم «7»
كان ينبغي أن يكون بيت ابن هرمة الأوّل مع بيت الفرزدق الثاني، وبيت الفرزدق الأوّل مع بيت ابن هرمة الثاني، فيقال في الأوّل:
(2/298)

وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفّيّ زندا شحاحا «1»
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السمائم
مع تغيير إحدى القافيتين، ويقال في الثاني:
وإنك إذ تهجوا تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سجوف «2» العمائم
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
مع تغيير إحدى القافيتين حتّى يصح التشبيه للشاعرين جميعا.
المذهب الثالث- أن المراد بتنافر الكلمات أن تذكر لفظة
أو ألفاظا يكون غيرها مما في معناها أولى بالذكر، فتجيء الكلمة غير لائقة بمكانها، وهو ما أصطلح عليه ابن الأثير في «المثل السائر» . وهو على ضربين:
الضرب الأوّل: ما يوجد منه في اللفظة الواحدة فيمكن تبديله بغيره مما هو في معناه سواء كان ذلك الكلام نظما أو نثرا؛ وهو على أنواع شتّى:
منها فك الإدغام في غير موضع فكّه، كقول ابن أمّ صاحب «3» :
مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا
ففك الإدغام في ضننوا، وكان الأحسن أن يقال: وإن ضنوا أي بخلوا.
وعلى حدّ ذلك ورد قول المتنبي:
فلا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم
فلو أدغم لجاءت اللفظة في مكانها غير قلقة ولا نافرة، وكذلك كل ما جاء على هذا النهج فلا يحسن أن يقال: بلّ الثوب فهو بالل، ولا سلّ السيف فهو سالل، ولا همّ بالأمر فهو هامم، ولا خط الكتاب فهو خاطط، ولا حنّ إلى كذا فهو حانن، وهذا لو عرض على من لا ذوق له أدركه، فكيف من له ذوق صحيح كأبي
(2/299)

الطيب؟ لكن لا بدّ لكل جواد من كبوة.
ومنها زيادة حرف في غير موضعه كقول دعبل «1» :
شفيعك فاشكر في الحوائج إنّه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
فالفاء في قوله فاشكر زائدة في غير محلها، نافرة عن مكانها.
قال الوزير ضياء الدين بن الأثير: أنشدني بعض الأدباء هذا البيت فقلت له:
عجز هذا البيت حسن، وأما صدره فقبيح لأن سبكه قلق نافر، والفاء في قوله فاشكر كأنها ركبة البعير، وهي في زيادتها كزيادة الكرش، فقال: لهذه الفاء في كتاب الله تعالى أشباه كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ
«2» فقلت له: بين هذه الفاء وتلك فرق ظاهر يدرك بالعلم أوّلا وبالذوق ثانيا، أما العلم فإن الفاء في قوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ
فهي الفاء العاطفة إذ وردت بعد قوله: قُمْ فَأَنْذِرْ
وهي مثل قولك: امش فأسرع، وقل فأبلغ، وليست الفاء التي في قول دعبل: شفيعك فاشكر من هذا القبيل، بل هي زائدة ولا موضع لها، وإنما نسبتها أن يقال: ربك أو ثيابك فطهر من غير تقدّم معطوف عليه «3» ، وحاشا فصاحة القرآن من ذلك. فأذعن بالتسليم ورجع إلى الحق.
قال: ومثل هذه الدقائق التي ترد في الكلام نظما كان أو نثرا لا يتفطّن لها إلا الراسخ في علم الفصاحة.
ومنها وصل همزة القطع في الشعر وإن كان ذلك جائزا فيه بخلاف النثر كقول أبي تمّام:
قراني اللها «4» والودّ حتّى كأنّما ... أفاد الغني من نائلي وفوائدي
فأصبح يلقاني الزّمان من اجله ... بإعظام مولود ورأفة والد
(2/300)

فقوله من اجله بوصل همزة القطع من الكلام النافر؛ وعلى حدّه ورد قول أبي الطّيّب:
يوسّطه المفاوز كلّ يوم ... طلاب الطّالبين لا الانتظار
فقوله لا الانتظار بوصل همزة الانتظار كلام نافر.
ومنها قطع همزة الوصل في الشعر أيضا وإن كان جائزا فيه كقول جميل:
ألا لا أرى إثنين أجمل «1» شيمة ... على حدثان الدّهر منّي ومن جمل
وقوله أيضا:
إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه ... بنشر «2» وتكثير الوشاة قمين
فقطع ألف الوصل في لفظ الاثنين في البيت الأوّل والثاني.
ومنها أن يفرق بين الموصوف والصفة بضمير من تقدّم ذكره كقول البحتريّ:
حلفت لها بالله يوم التّفرّق ... وبالوجد من قلبي بها المتعلّق
تقديره من قلبي المتعلق بها، فلما فصل بين الموصوف الذي هو قلبي والصفة التي هي المتعلق بالضمير الذي هو بها قبح ذلك، ولو قال: من قلب بها متعلق لزال ذلك القبح وذهبت تلك الهجنة. ونحو ذلك.
الأصل الرابع المعرفة بالسجع الذي هو قوام الكلام المنثور وعلوّ رتبته ويتعلق به ستة أغراض
الغرض الأوّل- في معرفة معناه في اللغة والاصطلاح، وبيان حكمه في حالتي الدرج والوقف.
(2/301)

أما في اللغة فقال في «موادّ البيان» : إنه مشتق من الساجع: وهو المستقيم لاستقامته في الكلام، واستواء أوزانه، وقيل من سجع الحمامة وهو ترجيعها الصوت على حدّ واحد، يقال منه سجعت الحمامة تسجع سجعا فهي ساجعة، سمّي السجع في الكلام بذلك لأن مقاطع الفصول تأتي على ألفاظ متوازنة متعادلة، وكلمات متوازية متماثلة، فأشبه ذلك الترجيع.
وأما في الاصطلاح، فقال في «موادّ البيان» : هو تقفية مقاطع الكلام من غير وزن «1» ، وذكر نحوه في «المثل السائر» فقال: هو تواطؤ الفواصل من الكلام المنثور على حرف واحد، ويقال للجزء الواحد منه سجعة، وتجمع على سجعات، وفقرة بكسر الفاء أخذا من فقرة الظهر وهي إحدى عظام الصّلب، وتجمع على فقر وفقرات بكسر الفاء وسكون القاف وفتحها، وربما فتحت الفاء والقاف جميعا، ويقال لها أيضا: قرينة لمقارنة أختها وتجمع على قرائن، ويقال للحرف الأخير منها: حرف الرّويّ والفاصلة.
وأما بيان حكمه في الوقف والدّرج فاعلم أن موضوع حكم السجع أن تكون كلمات الأسجاع ساكنة الأعجاز، موقوفا عليها بالسكون في حالتي الوقف والدّرج؛ لأن الغرض منها المناسبة بين القرائن، أو المزاوجة بين الفقر، وذلك لا يتم إلا بالوقف، ألا ترى أن قولهم: ما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت، لو ذهبت تصل فيه لم يكن بدّ من إعطاء أواخر القرائن ما يعطيه حكم الإعراب فتختلف أواخر القرائن ويفوت الساجع غرضه.
الغرض الثاني في بيان حسن موقعه من الكلام
قال في «الصناعتين» : لا يحسن منثور الكلام، ولا يحلو حتّى يكون
(2/302)

مزدوجا، ولا «1» تجد لبليغ كلاما محلولا من الازدواج، وناهيك أن القرآن الكريم الذي هو عنصر البلاغة ومناط الإعجاز مشحون به، لا تخلو منه سورة من سوره وإن قصرت، بل ربما وقع السجع في فواصل جميع السورة، كما في سورة النجم، واقتربت، والرحمن وغيرها من السّور. بل ربما وقع في أوساط الآيات، كقوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
«2» وقوله:
لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ
«3» وقوله: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
«4» وما أشبه ذلك. وكذلك وقع في الكثير من كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كقوله عليه السلام عند قدومه المدينة الشريفة: «أفشوا السّلام، وأطعموا الطّعام، وصلو الأرحام، وصلّوا باللّيل والنّاس نيام، تدخلوا الجنّة بسلام» . بل ربما صرف صلّى الله عليه وسلّم الكلمة عن موضعها في تصريف اللغة طلبا للمزاوجة كقوله في تعويذه لابن ابنته: «أعيذه من الهامّة والسامّة، والعين اللّامّة» وأصلها في اللغة الملمّة لأنها من ألمّ، فعبر عنها باللامّة لموافقة الهامّة والسامّة، وكذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم للنساء: «انصرفن مأزورات غير مأجورات» والأصل في اللغة أن يقال موزورات أخذا من الوزر، فعبر بمأزورات لموافقة مأجورات؛ وعلى ذلك كان يجري كلام العرب في مهمّ كلامهم من الدعاء وغيره كقول بعض الأعراب وقد ذهب السيل بابنه: اللهم إن كنت قد أبليت، فطالما عافيت. وقول الآخر: اللهم هب لنا حبك، وأرض عنا خلقك، ونحو ذلك. وأما ما ورد من أنه صلّى الله عليه وسلّم حين قضى على رجل في الجنين بغرة عبد أو أمة، فقال الرجل: أأدى من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، ومثل ذلك يطل «5» ؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم «أسجعا كسجع الكهّان» فليس فيه دلالة على كراهة
(2/303)

السجع في الكلام وإن تمسك به بعض من نبا عن السجع طبعه، ونفرت منه قريحته، إذ يحتمل أنه صلّى الله عليه وسلّم إنما كره السجع من ذلك الرجل لمشابهة سجعه حينئذ سجع الكهّان، لما في سجعهم من التكلّف والتعسّف كما وجهه أبو هلال العسكريّ، وإما لجريانه على عادتهم في الجواب في الأحكام وغيرها بالكلام المسجوع كما وجهه غيره، أو أنه إنما كره حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع بإنكار إيجاب الدية، لانفس السجع المأتي به كما اختاره صاحب «المثل السائر» ؛ ولو كره صلّى الله عليه وسلّم السجع نفسه، لا قتصر على قوله: أسجعا، ولم يقيده بسجع الكهّان.
الغرض الثالث في بيان أقسام السجع، وهي راجعة إلى صنفين
الصنف الأوّل أن تكون القرينتان متفقتين في حرف الرّويّ، ويسميه الرّمّانيّ السجع الحاني
وعليه عمل أكثر الكتّاب من زمن القاضي الفاضل، وهلمّ جرّا إلى زماننا؛ وفيه ثلاث مراتب
المرتبة الأوّلى- أن تكون ألفاظ القرينتين مستوية الأوزان متعادلة الأجزاء ويسمّى التصريع
«1» ، وهو أحسن أنواع السجع وأعلاها. ومنه في النثر قوله تعالى:
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ
«2» وقوله: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
«3» . وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في دعائه: «اللهمّ اقبل توبتي، واغسل حوبتي» . وقوله للأنصار: «إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطّمع» وقول بعض الأعراب في وصف سنة جدبة: سنة جردت، وحال جهدت، وأيد جمدت، ونحو ذلك. ومثاله في النظم قول الخنساء «4» :
(2/304)

حامي الحقيقة محمود الخليقة، ... مهديّ الطريقة نفّاع وضرّار
جوّاب قاصية جزّاز ناصية ... عدّاد «1» ألوية للخيل جرّار
المرتبة الثانية- أن يختص التوازن بالكلمتين الأخيرتين من الفقرتين فقط دون ما عداهما من سائر الألفاظ
«2» ، كقوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ
«3» ثم قال: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ
«4» . وكقول الحريريّ في مقاماته: ألجأني حكم دهر قاسط، إلى أن أنتجع أرض واسط. وقوله: وأودى الناطق والصّامت، ورثى لنا الحاسد والشّامت، وما أشبه ذلك.
المرتبة الثالثة- أن يقع الاتفاق في حرف الرّويّ مع قطع النظر عن التّوازن في شيء من أجزاء الفقرة في آخر ولا غيره، ويسمّى المطرّف
، كقوله تعالى:
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
«5» وقولهم: جنابه محطّ الرّحال، ومخيّم الآمال. وما يجري هذا المجرى.
الصنف الثاني أن يختلف حرف الرّويّ في آخر الفقرتين، وهو الذي يعبرون عنه بالازدواج
. والرّمانيّ يسميه السّجع العاطل، وعليه كان عمل السلف من الصحابة ومن قارب زمانهم، وهو على ضربين
الضرب الأوّل أن يقع ذلك في النثر، وفيه مرتبتان
المرتبة الأولى- أن يراعي الوزن في جميع كلمات القرينتين
أو في أكثرها
(2/305)

مع مقابلة الكلمة بما يعادلها وزنا، ويسمّى التوازن وهو أحسنها وأعلاها، كقوله تعالى: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
«1» وكقول الحريريّ: اسودّ يومي الأبيض، وابيضّ فودي الأسود.
المرتبة الثانية- ألّا يراعى التوازن إلا في الكلمتين الأخيرتين من القرينتين فقط
، ويسمّى التوازن أيضا، ومنه قوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ
«2» وقولهم: اصبر على حرّ القتال، ومضض النّزال، وشدّة النّصاع، ومداومة البراز «3» ، وما أشبه ذلك.
الضرب الثاني السّجع الواقع في الشّعر
ويسمّى التصريع في البيت الأوّل، ومحل الكلام عليه علم البديع، وقد ذكره في «المثل السائر» في أعقاب الكلام على السجع في الكلام المنثور، وجعله على سبع مراتب:
المرتبة الأولى- وهي أعلاها درجة- أن يكون كل مصراع من البيت مستقلّا بنفسه
، غير محتاج إلى ما يليه؛ ويسمّى التصريع الكامل، كقول امريء القيس:
أفاطم مهلا بعض هذا التّدلّل ... وإن كنت قد أزمعت هجري «4» فأجملي
فإن كل مصراع من البيت مفهوم المعنى بنفسه، غير محتاج إلى ما يليه في الفهم، وليس له به ارتباط يتوقف عليه.
(2/306)

المرتبة الثانية- أن يكون المصراع الأوّل مستقلّا بنفسه، غير محتاج إلى الذي يليه إلا أنه مرتبط به
، كقول امريء القيس أيضا:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
فإن المصراع الأوّل منه غير محتاج إلى الثاني في فهم معناه، ولكنه لما جاء الثاني صار مرتبطا به.
المرتبة الثالثة- أن يكون الشاعر مخيّرا في وضع كل مصراع موضع الآخر، ويسمى التصريع الموجّه
، كقول ابن حجّاج «1» :
من شروط الصّبوح في المهرجان ... خفّة الشّرب مع خلوّ المكان
فإنه لو جعل المصراع الثاني أوّلا والآخر ثانيا، لساغ له ذلك.
المرتبة الرابعة- أن يكون المصراع الأوّل غير مستقلّ بنفسه، ولا يفهم معناه إلا بالثاني؛ ويسمّى التصريع الناقص
، وليس بمستحسن، كقول المتنبي:
مغاني الشّعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزّمان
فإنّ المصراع الأوّل لا يستقلّ بنفسه في فهم معناه دون المصراع الثاني.
المرتبة الخامسة- أن يكون التصريع في البيت بلفظة واحدة في الوسط والقافية، ويسمّى التصريع المكرر
؛ ثم اللفظة التي يقع بها التصريع قد تكون حقيقة لا مجاز فيها كقول عبيد بن الأبرص «2» :
وكلّ ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب
وقد تكون اللفظة التي يقع بها التصريع مجازيّة كقول أبي تمّام الطائيّ:
(2/307)

فتى كان
شربا للعفاة ومرتعا ... فأصبح للهنديّة البيض مرتعا
المرتبة السادسة- أن يكون المصراع الأوّل معلّقا على صفة يأتي ذكرها في أوّل المصراع الثاني؛ ويسمّى التصريع المعلّق
. كقول امريء القيس:
ألا أيّها الليل الطّويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
فإن المصراع الأوّل معلق على قوله بصبح، وهو مستقبح في الصنعة.
المرتبة السابعة- أن يكون التصريع في البيت مخالفا لقافيته؛ ويسمّى التصريع المشطور
، وهو أنزل درجات التصريع وأقبحها. كقول أبي نواس:
أقلني قد ندمت على الذّنوب ... وبالإقرار عذت من الجحود
فإنه قد صرّع في وسط البيت بالباء ثم في آخره بالدال.
قلت: وإنما أوردت هذا الصنف مع السجع وإن كان من خصوصيات الشعر لأنه قد يقع مثله في النثر، إذ الفقرة من النثر كالبيت من الشعر، فالفقرتان كالبيتين، وأيضا فإن الشعر من وظيفة الكاتب.
الغرض الرابع في معرفة مقادير السّجعات في الطّول والقصر، وهي على ضربين
الضرب الأوّل السّجعات القصار
وهي ما صيغ من عشرة ألفاظ فما دونها، قال في «حسن التوسل» «1» : وهي تدل على قوّة التمكن وإحكام الصنعة، لا سيما القصير منها للغاية، وأقل ما يكون من لفظتين كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ
«2» .
(2/308)

وقوله: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً
«1» وما أشبه ذلك، وأمثاله في القرآن الكريم كثير إلا أن الزائد على ذلك أكثر. كقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
«2» . وقوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ
«3» . وقوله: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا
«4» ونحو ذلك.
الضرب الثاني السجعات الطوال
قال في «حسن التوسل» : وهي ألذّ في السمع، يتشوّق السامع إلى ما يرد متزايدا على سمعه، وأقلّ ما تتركب من إحدى عشرة كلمة فما فوقها، وغالب ما تكون من خمس عشرة لفظة فما حولها، كقوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
«5» فالأولى من إحدى عشرة لفظة، والثانية من ثلاث عشرة لفظة، قوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
«6» فالأولى من أربع عشرة لفظة، والثانية من خمس عشرة، وقوله: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ
(2/309)

الْأُمُورُ
«1» فالأولى عشرون لفظة، والثانية تسع عشرة، وهذا غاية ما انتهى إليه الطّول في القرآن الكريم. وينبغي أن يكون ذلك نهاية الطول في السجع وقوفا مع ما ورد به القرآن الكريم الذي هو أفصح كلام، وأقوم نظام، وإن كان الوزير ضياء الدين بن الأثير، والشيخ شهاب الدين محمود الحلبي وغيرهما، قد صرحوا بأنه لا ضابط لأكثره.
واعلم أنه قد جرت عادة كتّاب الزمان ومصطلحهم أن تكون السجعة الأولى من افتتاح الولاية من تقليد أو توقيع أو غير ذلك قصيرة بحيث لا يتعدّى آخرها السطر الثاني في الكتابة ليقع العلم بها بمجرّد وقوع النظر على أوّل المكتوب.
وعلى هذا فيختلف القصر فيها باختلاف ضيق الورق وسعته في العرض.
الغرض الخامس في ترتيب السجعات بعضها على بعض في التقديم والتأخير باعتبار الطول والقصر وله حالتان
الحالة الأولى ألا يزيد السجع على سجعتين؛ وله ثلاث مراتب
المرتبة الأولى- أن تكون القرينتان متساويتين لا تزيد إحداهما على الأخرى
كقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
«2» ، وقوله:
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً فَالْمُورِياتِ قَدْحاً فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً
«3» وأمثال ذلك.
المرتبة الثانية- أن تكون القرينة الثانية أطول من الأولى بقدر يسير
كقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ
(2/310)

بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
«1» فالأولى ثمان كلمات، والثانية تسع، ونحو ذلك؛ أما إذا طالت الثانية عن الأولى طولا يخرج عن الاعتدال، فإنه يستقبح حينئذ، ووجّهه في «حسن التوسل» بأنه يبعد دخول القافية على السامع فيقلّ الالتذاذ بسماعها. والمرجع في قدر الزيادة والقصر إلى الذوق.
المرتبة الثالثة- أن تكون القرينة الثانية أقصر من الأولى
. قال في «المثل السائر» : وهو عندي عيب فاحش، لأن السمع يكون قد استوفى أمده من الفصل الأوّل بحكم طوله، ثم يجيء الفصل الثاني قصيرا فيكون كالشيء المبتور، فيبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها؛ وفيما قاله نظر، فقد تقدّم في قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا
«2» الآيتين، أن الأولى عشرون كلمة والثانية تسع عشرة، بل قد اختار تحسين ذلك أبو هلال العسكريّ في «الصناعتين» محتجّا له بكثرة وروده في كلام النبوّة كقوله صلّى الله عليه وسلّم للأنصار:
«إنّكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطّمع» وقوله: «المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، وهم يد على من سواهم» وقوله: «رحم الله من قال خيرا فغنم أو سكت فسلم» .
الحالة الثانية أن يزيد السجع على سجعتين، ولها أربع مراتب
المرتبة الأولى- أن يقع على حدّ واحد في التّساوي
وهو مستحسن، وقد ورد في القرآن الكريم بعض ذلك كقوله تعالى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ
«3» فهذه السجعات الثلاث مركبة من لفظتين لفظتين.
(2/311)

المرتبة الثانية- أن تكون الأولى أقصر والثانية والثالثة متساويتين
كقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
«1» فالأولى من ثمان كلمات، والثانية والثالثة من تسع تسع.
المرتبة الثالثة- أن تكون الأولى والثانية متساويتين، والثالثة زائدة عليهما
؛ وقد أشار إلى هذه المرتبة في «حسن التوسل» حيث قال: فإن زادت القرائن على اثنتين فلا يضر تساوي القرينتين الأوليين وزيادة الثالثة، ولم يمثل لها.
المرتبة الرابعة- أن تكون الثانية زائدة على الأولى، والثالثة زائدة على الثانية
؛ قال في «المثل السائر» : وينبغي أن تكون في هذا الحالة زيادة الثالثة متميزة في الطول على الأولى والثانية أكثر من تميز الثانية على الأولى. ثم قال: فإذا كانت الأولى والثانية أربع لفظات أربع لفظات تكون الثالثة عشر لفظات أو إحدى عشرة لفظة، ومثّل له في «حسن التوسل» بقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً
«2» فالأولى من ثمان كلمات، والثانية من تسع، والثالثة من عشر، ومثل له في «المثل السائر» بقوله في وصف صديق: فقلت: الصديق من لم يعتض عنك بخالف، ولم يعاملك معاملة الحالف، وإذا بلّغته أذنه وشاية أقام عليها حدّ السارق أو القاذف؛ فالأولى:
وهي لم يعتض عنك بخالف والثانية بعدها أربع كلمات، والثالثة عشر كلمات. ثم قال: وينبغي أن يكون ما يستعمل من هذا القبيل، فإن زادت الأولى والثانية على هذه العدّة زادت الثالثة بالحساب، وإن نقصت الأولى والثانية، فكذلك. لكن قد ضبط في «حسن التوسل» الزيادة في الثالثة بألّا تجاوز المثل، والأمر فيما بين
(2/312)

الضابطين قريب؛ ولا يخفى حكم الرابعة في الزيادة مع الثالثة. قال في «حسن التوسل» : ولا بدّ من الزيادة في آخر القرائن.
الغرض السادس فيما يكون فيه حسن السجع وقبحه
أما حسنه، فيعتبر فيه بعد ما يقع فيكون به تحسين الكلام من أصناف البديع ونحوها بأمور أخرى:
منها أن يكون السجع بريئا من التكلف، خاليا من التعسف، محمولا على ما يأتي به الطبع وتبديه الغريزة، ويكون اللفظ فيه تابعا للمعنى، بأن يقتصر من اللفظ على ما يحتاج إليه في المعنى دون الإتيان بزيادة أو نقص تدعو إليه ضرورة السجع، حتّى لو حصلت زيادة أو نقص بسبب السجع دون المعنى، خرج السجع عن حيّز المدح إلى حيز الذم.
ومنها أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادّة، لا غثّة ولا باردة، مونقة المعنى حسنة التركيب، غير قاصرة على صورة السجع الذي هو تواطؤ الفقر، فيكون كمن نقش أثوابا من الكرسف «1» ، أو نظم عقدا من الخرز الملوّن. قال في «المثل السائر» : وهذا مقام تزلّ عنه الأقدام، ولا يستطيعه إلا الواحد من أرباب هذا الفن بعد الواحد. قال: ومن أجل ذلك كان أربابه قليلا، ولولا ذلك كان كل أديب سجّاعا، إذ ما منهم من أحد إلا وقد يتيسر عليه تأليف ألفاظ مسجوعة في الجملة.
ومنها أن تكون كلّ واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالّة على معنى غير المعنى الذي دلت عليه أختها، لأنّ اشتمال السجعتين على معنى واحد يمكن أن يكون في إحداهما بمفردها هو عين التطويل المذموم في الكلام، وهو الدلالة على
(2/313)

المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها على ما هو مقرّر في علم البيان. قال في «المثل السائر» : فلا يكون مثل قول الصابي «1» في وصف مدبّر: «يسافر رأيه وهو دان لم ينزح، ويسير تدبيره وهو ثاو لم يبرح» ولو قال: يسافر رأيه وهو دان لم ينزح، ويثخن الجراح في عدوّه وسيفه في الغمد لم يجرح، لسلم من هجنة التكرار، فإنه تصير كل سجعة محتوية على معنى بحياله.
ومنها أن يقع التحسين في نفس الفواصل، كقولهم: إذا قلّت الأنصار، كلّت الأبصار؛ وقولهم: ما وراء الخلق الدّميم، إلّا الخلق الذميم، ونحو ذلك.
ومنها أن يقع في خلال السجعة الطويلة قرائن قصار فتكون سجعا في سجع، كقوله تعالى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
«2» . وقوله: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
«3» فإن قوله: عَلى أَمْوالِهِمْ
. وقوله: عَلى قُلُوبِهِمْ
سجعتان داخلتان في السجعة التي آخرها حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
. وقوله: بِآخِذِيهِ
وقوله: تُغْمِضُوا فِيهِ
سجعتان داخلتان في السجعة التي آخرها غَنِيٌّ حَمِيدٌ
وعدّ العسكريّ منه قولهم «4» : عاد تعريضك تصريحا، وتمريضك تصحيحا.
وأما قبحه فيعتبر بأمور:
منها التجميع، وهو أن تكون فاصلة الجزء الأوّل بعيدة المشاكلة لفاصلة الجزء الثاني كما حكى قدامة «5» أن كاتبا كتب في جواب كتاب: وصل كتابك
(2/314)

فوصل به ما يستعبد الحرّ، وإن كان قديم العبودية، ويستغرق الشكر، وإن كان سالف فضلك «1» لم يبق شيئا منه؛ فإن العبودية بعيدة عن مشاكلة منه.
ومنها التطويل، فيما ذكر قدامة وغيره: وهو أن يجيء الجزء الأوّل طويلا فيحتاج إلى إطالة الثاني بالضرورة، كما حكى قدامة أن كاتبا كتب في تعزية: إذا كان للمحزون في لقاء مثله كبير الراحة في العاجل، وكان طويل «2» الحزن راتبا إذا رجع إلى الحقائق وغير زائل. قال في «الصناعتين» : وذلك أنه لما أطال الجزء الأوّل، وعلم أن الجزء الثاني ينبغي أن يكون مثله أو أطول، احتاج إلى تطويل الثاني فأتي باستكراه وتكلف. قال في «موادّ البيان» : والإطالة بقوله «وغير زائل» .
الأصل الخامس حسن الاتباع، والقدرة على الاختراع
واعلم أن لكاتب الإنشاء مسلكين:
المسلك الأوّل طريقة الاتباع
وهي نظر الكاتب في كلام من تقدّمه من الكتّاب، وسلوك منهجهم، واقتفاء سبيلهم، وسماها ابن الأثير التقليد، وهي على صنفين:
الصنف الأوّل الاتباع في الألفاظ
وهو اعتماد الكاتب على ما رتبه غيره من الكتّاب، وأنشأه سواه من أهل صناعة النثر، بأن يعمد إلى ما أنشأه أفاضل الكتّاب ورتبه علماء الصناعة: من نثر أو نظم، فيأخذه برمّته، ويأتي عليه بصيغته؛ وغايته أن يكون ناسخا ناقلا لكلام غيره،
(2/315)

حاكيا له. ولمثل ذلك توضع الدساتر، وتدوّن الدواوين؛ على أنه ربما غيّر وبدّل، وحرّف وصحّف، وأزال اللفظ عن وضعه؛ وأحال المعنى عن حكمه؛ وبعضهم ربما حملته الأنفة والخوف من أن يقال أخذ كلام فلان برمته، فعدل إلى كلام غيره، فالتقط من كل مكان سجعتين أو سجعات، ورتب بعضها على بعض حتّى تقوم بمقصوده، وينتهي إلى مراده.
فإن كان لطيف الذوق، حسن الاختيار، رائق الترتيب، فاختار من خلال السجع لطيفه، وأحسن رصفه وتأليفه، جاء بهجا رائقا، لأنه أتى من كل كلام بأحسنه، إلا أن فيه إخراج الكلام عن وضعه الذي قصده الناثر، وتفريق ما دوّن من كلام الأفاضل وتبديد شمله، وخروج الكلام عن أن يعرف قائله، ويعلم منشئه، فيقع من القلوب بمكان صاحبه ويهتدي بهديه، وينسج على منواله.
وإن لم يكن لطيف الذوق، ولا حسن الاختيار، جاء مالفقّه من كلام غيره رثّا ركيكا، نابيا عن الذوق، بعيدا عن الصنعة، يعاد من النسخ إلى المسخ، وأخرج الكلام عن موضوعه، وأفسده في وضعه وتركيبه، فإن صحبه التصحيف والتحريف فتلك الطامّة الكبرى، والمصيبة العظمى؛ ثم لا يكتفي بذلك حتى يتبجح به ويعتقد أن ذلك عين الإنشاء وحقيقته، محتجّا في ذلك بقول الحريري:
«إن صناعة الحساب موضوعة على التحقيق، وصناعة الإنشاء مبنية على التلفيق» ظانّا أن التفليق هو ضم سجعات منتظمة، وفقرات مؤلّفة بعضها إلى بعض، ولم يعلم أن المراد بالتلفيق ضم لفظة إلى أختها، وإضافة كلمة إلى مشاكلتها وشتّان ما بين التلفيقين، وبعدا لما بين الطريقين:
وللزّنبور والبازي جميعا ... لدى الطّيران أجنحة وخفق
ولكن بين ما يصطاد باز ... وما يصطاده الزّنبور فرق
وقد عابوا أخذ المعنى إذا كان ظاهرا مكشوفا، فما ظنّك بمن يأخذ الكلام برمته، واللفظ بصورته، فيصير ناسخا لكلام غيره، وناقلا له! فأيّ فضيلة في ذلك؟
(2/316)

وقد قيل: من أخذ معنى بلفظه كان سارقا «1» ، ومن أخذ بعض لفظه كان سالخا، ومن أخذه فكساه لفظا من عنده كان أولى به ممن تقدّمه، وأين من هو أولى بالشيء ممن سبقه إليه ممن يعدّ سارقا وسالخا؟ ويقال إن أبا عذرة «2» الكلام من سبك لفظه على معناه، ومن أخذ معنى بلفظه فليس له فيه نصيب. هذا فيمن أخذ سجعة أو سجعتين في خطبة أو رسالة، أو بيتا أو بيتين في قصيدة وما قارب ذلك؛ أما من أخذ القصيدة بكمالها، أو الخطبة أو الرسالة برمّتها، أو لفّقها من خطب أو رسائل فذاك إنما يعدّ ناسخا إن أحسن النقل، أو ماسخا إن أفسده.
واعلم أن الناثر الماهر، والشاعر المفلق قد يأتي بكلام سبقه إليه غيره، فيأتي بالبيت من الشعر، أو القرينة من النثر، أو أكثر من ذلك بلفظ الأوّل من غير زيادة ولا نقصان، أو بتغيير لفظ يسير، وهذا هو الذي يسميه أهل هذه الصناعة وقوع الحافر على الحافر. وقد سئل أبو عمرو بن العلاء «3» عن الشاعرين يتفقان على لفظ واحد ومعنى فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها.
والواقع من ذلك في كلامهم على قسمين:
القسم الأوّل ما وقع الاتفاق فيه في المعنى واللفظ جميعا.
كقول الفرزدق:
وغرّ قد وسقت مشمّرات ... طوالع لا تطيق لها جوابا
(2/317)

بكلّ ثنيّة وبكلّ ثغر ... غرائبهنّ تنتسب انتسابا
بلغن الشمس حين تكون شرقا ... ومسقط رأسها من حيث غابا
ووافقه جرير فقال مثل ذلك من غير زيادة ولا نقص.
ويروى أنّ عمر بن أبي ربيعة أنشد ابن عباس رضي الله عنه:
تشطّ غدا دار جيراننا
فقال ابن عباس رضي الله عنه:
وللدّار بعد غد أبعد
فقال عمر: والله ما قلت إلا كذلك.
قال أبو هلال العسكريّ في كتابه «الصناعتين» :
وأنشدت الصاحب إسماعيل بن عبّاد رحمه الله:
كانت سراة الناس تحت أظلّه «1»
فسبقني وقال:
فغدت سراة الناس فوق سراته
وكذلك كنت قلت: قال الوزير ضياء الدين بن الأثير رحمه الله في كتابه «المثل السائر» : ويحكى أن امرأة من عقيل يقال لها ليلى كان يتحدّث إليها الشّباب، فدخل الفرزدق إليها وجعل يحادثها، وأقبل فتى من قومها كانت تألفه فدخل إليها فأقبلت عليه وتركت الفرزدق، فغاظه ذلك فقال للفتى: أتصارعني؟
فقال: ذاك إليك، فقام إليه فلم يلبث أن أخذ الفرزدق فصرعه وجلس على صدره فضرط، فوثب الفتى عنه وقال: يا أبا فراس هذا مقام العائذ بك، والله ما أردت ما جرى، قال: وحيك! والله ما بي أنك صرعتني ولكن كأنّي بابن الأتان، (يعني جريرا) وقد بلغه خبري فقال يهجوني:
جلست إلى ليلى لتحظى بقربها ... فخانك دبر لا يزال يخون
(2/318)

فلو كنت ذا حزم شددت وكاءه ... كما شدّ جربان الدّلاص قيون «1»
فما مضى إلا أيام حتّى بلغ جريرا الخبر، فقال فيه هذين البيتين. قال: وهذا من أغرب ما يكون في هذا الموضع وأعجبه؛ قال في «الصناعتين» : وإذا كان القوم في قبيلة واحدة، في أرض واحدة، فإن خواطرهم تقع متقاربة، كما أن أخلاقهم وشمائلهم تكون متضارعة. قال في «المثل السائر» : ويقال إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد. قال: وهذا عندي مستبعد، فإن ظاهر الأمر يدل على خلافه، والباطن لا يعلمه إلا الله تعالى، وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدّم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى من بعده، علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه؛ وهب أن الخواطر تتفق في استخراج المعاني الظاهرة المتداولة، فكيف تتفق الألسنة أيضا في صوغ الألفاظ؟ وكلام العسكريّ في «الصناعتين» يوافقه بالعتب على المتأخر، وإن ادّعى أنه لم يسمع كلام الأوّل في مثل ذلك.
القسم الثاني ما وقع الاتفاق فيه في المعنى وبعض اللفظ، وهو على ضربين
الضرب الأوّل ما اتفق فيه المعنى وأكثر اللفظ
كقول امرىء القيس:
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمّل
وقول طرفة:
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلّد
(2/319)

فالتخالف بينهما في كلمة القافية فقط.
وقول البعيث «1» :
أترجو كليب أن يجيء حديثها ... بخير وقد أعيا كليبا قديمها؟
وقول الفرزدق:
أترجو ربيع أن تجيء صغارها ... بخير وقد أعيا ربيعا كبارها؟
فالتخالف بينهما في موضعين من البيت، كلمة القافية واسم القبيلة.
وقول بعض المتقدّمين يمدح معبدا صاحب الغناء:
أجاد طويس والسّريجيّ بعده ... وما قصبات السّبق إلا لمعبد «2»
وقول «3» الفرزدق بعده:
محاسن أصناف المغنّين جملة ... وما قصبات السّبق إلا لمعبد «4»
فاتفقا في النصف الثاني واختلفا في النصف الأوّل، إلى غير ذلك من الأشعار التي وقعت خواطر الشعراء عليها، وتوافقت عقولهم عندها.
(2/320)

الضرب الثاني ما اتفق فيه المعنى مع يسير اللفظ «1»
فمن ذلك قول البحتريّ في وصف غلام:
فوق ضعف الصغير «2» إن وكل الأمر ... إليه، ودون كيد الكبار «3»
أخذه من قول أبي نواس:
لم يجف من كبر عما يراد به ... من الأمور ولا أزرى به الصّغر
وقول أبي تمّام:
لم أمدحك تفخيما بشعري ... ولكنّي مدحت بك المديحا
أخذه من قول حسان بن ثابت يمدح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
ما إن مدحت محمدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمّد «4»
وقول أبي الطّيّب:
أين أزمعت أيّها ذا الهمام ... نحن نبت الرّبا وأنت الغمام
أخذه من قول بشّار:
كأنّ الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخطأه القطار
الصنف الثاني التقليد في المعاني
وهذا مما لا يستغني عنه ناظم ولا ناثر. قال أبو هلال العسكريّ رحمه الله في
(2/321)

كتابه «الصناعتين» : ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعاني ممن تقدمهم والصّبّ على قوالب من سبقهم، ولكن عليهم إذا أخذوها أن يكسوها ألفاظا من عندهم، ويبرزوها في معارض من تأليفهم، ويوردوها في غير حليتها الأولى، ويزيدوا عليها في حسن تأليفها وجودة تركيبها، وكمال حليتها ومعرضها، فإذا فعلوا ذلك فهم أولى بها ممن سبق إليها. قال: ولولا أن القائل يؤدّي ما سمع لما كان في طاقته أن يقول، وإنما ينطق الطفل بعد استماعه من البالغين؛ وقد قال أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه: لولا أن الكلام يعاد لنفد. ومن كلام بعضهم:
كل شيء إذا ثنيته قصر إلا الكلام، فإنك إذا ثنيته طال، والمعاني مشتركة بين العقلاء، فربما وقع المعنى الجيّد للسّوقيّ والنّبطيّ والزّنجيّ. وإنما يتفاضل الناس في الألفاظ ورصفها، وتأليفها ونظمها، وقد أطبق المتقدّمون والمتأخرون على تداول المعاني بينهم، فليس على أحد فيه عيب إلا إذا أخذه بكل لفظه، أو أفسده في الأخذ وقصّر فيه عمن تقدّمه. قال في «الصناعتين» : وما يعرف للمتقدّم معنى شريف إلا نازعه فيه المتأخر وطلب الشركة فيه معه، إلا بيت عنترة:
وخلا الذّباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنّم «1»
هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح المكبّ على الزّناد الأجذم «2»
فإنه ما نوزع فيه على جودته. قال: وقد رامه بعض المحدثين «3» فاتضح مع العلم بأن ابتكار المعنى والسبق إليه ليس فيه فضيلة ترجع إلى المعنى، وإنما ترجع الفضيلة فيه إلى الذي ابتكره وسبق إليه؛ فالمعنى الجيّد جيّد وإن كان مسبوقا إليه،
(2/322)

والوسط وسط والرديء رديء وإن لم يكن مسبوقا إليهما. على أن بعض علماء الأدب قد ذهب إلى أنه ليس لأحد من المتأخرين معنى مبتدع، محتجّا لذلك بأن قول الشعر قديم مذ نطق باللغة العربية، وأنه لم يبق معنى من المعاني إلا وقد طرق مرارا. قال في «المثل السائر» : والصحيح أن باب الابتداع مفتوح إلى يوم القيامة، ومن الذي يحجر على الخواطر وهي قاذفة بما لا نهاية له؟ إلا أنّ من المعاني ما يتساوى فيه الشعراء ولا يطلق عليه اسم الابتداع لأوّل قبل آخر لأن الخواطر تأتي به من غير حاجة إلى اتباع الآخر الأوّل، كقولهم في الغزل:
عفت الديار وما عفت ... آثارهنّ من القلوب
وقولهم في المديح: إن عطاءه كالبحر أو كالسّحاب، وإنه لا يمنع عطاء اليوم عطاء غد، وإنه يجود بماله من غير مسألة؛ وأشباه ذلك.
وقولهم في المراثي: إن هذا الرزء أوّل حادث، وإنه استوى فيه الأباعد والأقارب، وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة، وإنّ بعد هذا الذاهب لا يعدّ للمنيّة ذنب، وما أشبه ذلك. وكذلك سائر المعاني الظاهرة التي تتوارد عليها الخواطر من غير كلفة، ويستوي في إيرادها كلّ بارع. قال: ومثل ذلك لا يطلق على الآخر فيه اسم السرقة من الأوّل، وإنما يطلق اسم السرقة في معنى مخصوص كقول أبي تمّام:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في النّدى والباس
فالله قد ضرب الأقلّ لنوره ... مثلا من المشكاة والنّبراس
فإن هذا معنى ابتداعه مخصوص بأبي تمّام، وذلك أنه لما أنشد أحمد بن المعتصم قصيدته السنيية التي مطلعها:
ما في وقوفك ساعة من باس
انتهى إلى قوله منها:
(2/323)

إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس «1»
فقال الحكيم الكنديّ: وأيّ فخر في تشبيه ابن أمير المؤمنين بأجلاف العرب؟ فأطرق أبو تمّام ثم أنشد هذين البيتين معتذرا عن تشبيهه إيّاه بعمرو وحاتم وإياس. فالحال يشهد بابتداعه هذا المعنى، فمن أتى بعده بهذا المعنى أو بجزء منه كان سارقا له، وكذلك كلّ ما جرى هذا المجرى. ولم يزل الشعراء والخطباء يقتبسون من معاني من قبلهم، ويبنون على بناء من تقدّمهم.
فمما وقع للشعراء من ذلك قول أبي تمّام:
خلقنا رجالا للتّجلّد «2» والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم
أخذه من قول عبد الله بن الزّبير لما قتل مصعب بن الزبير: وإنما التسليم والسّلو لحزماء الرجال، وإن الجزع والهلع لربّات الحجال؛ وقوله أيضا:
تعجّب «3» أن رأت جسمي نحيفا «4» ... كأنّ المجد يدرك بالصّراع
أخذه من قول زياد ابن أبيه لأبي الأسود الدؤلي: لولا أنك ضعيف لاستعملتك، وقول أبي الأسود له في جواب ذلك: إن كنت تريدني للصّراع فإني لا أصلح له، وإلا فغير شديد أن آمر وأنهى، وقوله من قصيدة البيت المتقدّم:
أطال يدي على الأيّام حتّى ... جزيت صروفها «5» صاعا بصاع
أخذه من قول أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه:
(2/324)

فإن تقتلا أو يمكن الله منكما «1» ... نكل لكما «2» صاعا بصاع المكايل
وقول أبي الطّيّب المتنبي:
وإذا كانت النّفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
أخذه من قول أرسطوطاليس: إذا كانت الشهوة فوق القدرة كان هلاك الجسم دون بلوغ الشهوة.
وقول الخاسر «3» :
من راقب الناس مات غمّا ... وفاز باللّذّة الجسور
أخذه من قول بشّار:
من راقب النّاس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيّبات الفاتك اللهج
فلما سمع بشّار بيت الخاسر قال: ذهب ابن الفاعلة ببيتي. ومثل هذا وأشباهه مما لا ينحصر كثرة، ولا يكاد أن يخلو عنه بيت إلا نادرا.
ومما وقع للكتّاب من ذلك ما كتب به إبراهيم بن العبّاس من قوله في فصل من كتاب: إذا كان للمحسن من الثواب ما يقنعه، وللمسيء من العقاب ما يقمعه، ازداد المحسن في الإحسان رغبة، وانقاد المسيء للحقّ رهبة. أخذه من قول عليّ كرم الله وجهه: يجب على الوالي أن يتعهّد أموره، ويتفقّد أعوانه، حتّى لا يخفى عليه إحسان محسن، ولا إساءة مسيء، ثم لا يترك واحدا منهما بغير جزاء؛ فإن ترك ذلك تهاون المحسن واجترأ المسيء، وفسد الأمر، وضاع العمل.
وما كتب به بعض الكتّاب في فصل وهو: لو سكت لساني عن شكرك، لنطق
(2/325)

أثرك عليّ. وفي فصل آخر: ولو جحدتك إحسانك، لأكذبتني آثارك، ونمّت عليّ شواهدها؛ أخذه من قول نصيب:
ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب «1»
وما كتب به أحمد بن يوسف «2» من فصل وهو: أحقّ من أثبت لك العذر في حال شغلك، من لم يخل ساعة من برّك في وقت فراغك. أخذه من قول عليّ رضي الله عنه: لا تكونن كمن يعجز عن شكر ما أولي، ويلتمس الزيادة فيما بقي.
والاقتباس من الأحاديث والآثار كثير، وقد تقدّم الكلام عليه قبل ذلك. قال في «الصناعتين» : ومن أخفى أسباب السرقة أن يأخذ معنى من نظم فيورده في نثر، أو من نثر فيورده في نظم، أو ينقل المعنى المستعمل في صفة خمر فيجعله في مديح، أو في مديح فينقله إلى وصف؛ إلا أنه لا يصل لهذا إلا المبرّز الكامل المقدّم.
وقال في «المثل السائر» : أشكل سرقات المعاني، وأدقّها وأغربها، وأبعدها مذهبا، أن يؤخذ المعنى مجرّدا من اللفظ. قال: وذلك مما يصعب جدّا ولا يكاد يأتي إلا قليلا، ولا يتفطن له ويستخرجه من الأشعار إلا بعض الخواطر دون بعض.
فمن ذلك قول أبي تمّام في المدح:
فتى مات بين الضّرب والطّعن ميتة ... تقوم مقام النّصر إذ فاته النّصر
أخذه من قول عروة بن الورد من شعراء الحماسة:
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كلّ مطرح
(2/326)

ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
فعروة جعل اجتهاده في طلب الرزق عذرا يقوم مقام النجاح، وأبو تمّام جعل الموت في الحرب الذي هو غاية اجتهاد المجتهد في لقاء العدوّ قائما مقام الانتصار؛ قال في «المثل السائر» : وكلا المعنيين واحد، غير أن اللفظ مختلف.
وأظهر من ذلك أخذا قول القائل:
وقد عزّى ربيعة أن يوما ... عليها مثل يومك لا يعود
أخذه من قول ابن المقفّع في باب المراثي من الحماسة:
وقد جرّ نفعا فقدنا لك أننا ... أمنّا على كلّ الرّزايا من الجزع
على أنه ربما وقع للمتأخر معنى سبقه إليه من تقدّمه من غير أن يلمّ به المتأخر ولم يسمعه؛ ولا استبعاد في ذلك كما يستبعد اتفاق اللفظ والمعنى جميعا.
قال أبو هلال العسكريّ: وهذا أمر قد عرفته من نفسي فلا أمتري فيه، وذلك أني كنت عملت شيئا في صفة النساء فقلت:
سفرن بدورا وانتقبن أهلّة
وظننت أني لم أسبق إلى جمع هذين التشبيهين حتّى وجدت ذلك بعينه لبعض البغداديين فكثر تعجبي، وعزمت على ألّا أحكم على المتأخر بالسرقة من المتقدّم حكما حتما.
إذا تقرر ذلك فسرقة المعنى المجرّد عن اللفظ لا تخرج عن اثني عشر «1» ضربا.
الضرب الأوّل أن يؤخذ المعنى ويستخرج منه ما يشبهه ولا يكون هو إيّاه
. قال في «المثل
(2/327)

السائر» : وهذا من أدق السرقات مذهبا وأحسنها صورة، ولا يأتي إلا قليلا. فمن ذلك قول المتنبي:
وإذا أتتك مذمّتي من ناقص ... فهي الشّهادة لي بأنّي كامل «1»
وهذا المعنى استخرجه المتنبي من قول بعض «2» شعراء الحماسة، وإن لم يكن صريحا فيه حيث يقول:
لقد زادني حبّا لنفسي أنّني ... بغيض إلى كلّ امريء غير طائل «3»
قال في «المثل السائر» : والمعرفة بأنّ هذا المعنى من ذلك المعنى عسر غامض غير متبيّن إلا لمن أعرق في ممارسة الشعر، وغاص على استخراج المعاني. قال: وبيان ذلك أن الأوّل يقول: إن بغض الذي هو غير طائل إيّاي قد زاد نفسي حبّا إليّ، أي قد جمّلها في عيني وحسّنها عندي كون الذي هو غير طائل منقصي؛ والمتنبي يقول: إن ذم الناقص إياه بفضله كتحسين بغض الذي هو غير طائل نفس ذلك عنده.
وأظهر من ذلك أخذا من هذا الضرب قول البحتريّ في قصيدة «4» يفخر فيها بقومه:
شيخان قد ثقل السّلاح عليهما ... وعداهما رأي السميع المبصر
(2/328)

ركبا القنا من بعد ما حملا القنا ... في عسكر متحامل في عسكر
أخذه من قول أبي تمّام في وصف جمل:
رعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها وماء الرّوض ينهلّ ساكبه
فأبو تمّام ذكر أن الجمل رعى الأرض، ثم سار فيها فرعته أي أهزلته، فكأنها فعلت به مثل ما فعل بها؛ والبحتريّ نقله إلى وصف الرجل بعلوّ السنّ والهرم، فقال: إنه كان يحمل الرمح في القتال، ثم صار يركب الرّمح أي يتوكأ منه على عصا كما يفعل الشيخ الكبير.
وأوضح من ذلك وأكثر بيانا في الأخذ قول البحتريّ أيضا:
أعاتك ما كان الشّباب مقرّبي ... إليك فألحى الشّيب إذ هو مبعدي «1»
أخذه من قول أبي تمّام:
لا أظلم النّأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النّوى عندي نوى قذفا «2»
الضرب الثاني أن يؤخذ المعنى فيعكس
«3» ؛ قال في «المثل السائر» : وذلك حسن يكاد يخرجه حسنه عن حدّ السرقة.
(2/329)

فمن ذلك قول أبي نواس:
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطيّ إليّ ما لم يركب
كم بين حبّة لؤلؤ مثقوبة ... نظمت وحبّة لؤلؤ لم تثقب؟
وقول ابن الوليد في عكسه:
إن المطيّة لا يلذّ ركوبها ... حتى تذلّل بالزّمام وتركبا
والدّرّ ليس بنافع أربابه ... حتّى يزيّن بالنّظام ويثقبا
ومنه قول ابن جعفر:
ولمّا بدا لي أنها لا تريدني ... وأنّ هواها ليس عنّي بمنجلي؟
تمنّيت أن تهوى سواي لعلّها ... تذوق صبابات الهوى فترقّ لي
وقول غيره في عكسه:
ولقد سرّني صدودك عنّي ... في طلابيك، وامتناعك مني
حذرا أن أكون مفتاح غيري ... وإذا ما خلوت، كنت التّمنّي
أما ابن جعفر فإنه ألقى عن منكبيه رداء الغيرة؛ وأما الآخر فإنه جاء بالضدّ من ذلك وبالغ غاية المبالغة.
ومنه قول أبي الشّيص «1» :
أجد الملامة في هواك لذيذة «2» ... شغفا بذكرك، فليلمني اللّوّم
وقول أبي الطيب في عكسه:
أأحبّه وأحبّ فيه ملامة ... إنّ الملامة فيه من أعدائه
(2/330)

ومنه قول أبي تمّام:
ولولا خلال سنّها الشّعر ما درى ... بغاة العلا من أين تؤتى المكارم
وقول الوزير ضياء الدين بن الأثير في عكسه:
لولا الكرام وما سنّوه من كرم ... لم يدر قائل شعر كيف يمتدح
الضرب الثالث أن يؤخذ بعض المعنى دون بعض «1»
فمن ذلك قول أميّة بن أبي الصّلت يمدح عبد الله بن جدعان «2» :
عطاؤك زين لامريء إن حبوته ... ببذل، وما كلّ العطاء يزين «3»
وقول أبي تمّام بعده:
تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت ... كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا
ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا ... حتّى رأيت سؤالا يجتنى شرفا
فأمية بن أبي الصّلت أتى بمعنيين أحدهما أن عطاءك زين، والآخر أن عطاء غيرك ليس بزين، وأبو تمّام أتى بالمعنى الأوّل فقط.
ومنه قول عليّ بن جبلة «4» :
(2/331)

وأثّل ما لم يحوه متقدّم ... وإن نال منه آخر فهو تابع
وقول أبي الطّيّب بعده:
ترفّع عن عون المكارم قدره ... فما يفعل الفعلات إلا عذاريا «1»
فابن جبلة أتى بمعنيين، أحدهما أنه فعل ما لم يفعله أحد ممن تقدّمه، وإن نال الآخر شيئا فهو مقتد به وتابع له؛ وأبو الطّيّب أتى بالمعنى الأوّل فقط، وهو أنه فعل ما لم يفعله غيره مشيرا إلى ذلك بقوله:
فما يفعل الفعلات إلا عذاريا
أي يستبكرها ويزيل عذرتها.
ومنه قول الآخر:
أنتج الفضل أو تخلّ عن الدنيا ... فهاتان غاية الهمم
وقول البحتريّ بعده:
ادفع بأمثال أبي غالب ... عادية العدم أو استعفف
فالبحتريّ اقتصر على بعض المعنى ولم يستوفه.
الضرب الرابع أن يؤخذ المعنى فيزداد عليه معنى آخر
«2» . قال في «المثل السائر» : وهذا النوع من السّرقات قليل الوقوع بالنسبة إلى غيره.
فمن ذلك قول الأخنس بن شهاب:
(2/332)

إذا
قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
وقول مسلم بن الوليد بعده:
إن قصر الرّمح لم نمش الخطا عددا ... أو عرّد السيف لم نهمم بتعريد
أخذ مسلم المعنى الذي أورده الأخنس «1» وهو وصل السلاح إذا قصر بالخطا إلى العدوّ وزاد عليه عدم تعريدهم أي فرارهم إذا عرّد السيف. ومنه قول جرير في وصف أبيات من شعره:
غرائب «2» آلاف إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما
وقول أبي تمام بعده:
غرائب «3» لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب
فزاد أبو تمام على جرير قران ذلك بالممدوح ومدحه مع الأبيات. ومنه قول المعذّل بن غيلان «4» :
ولست «5» بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر
وقول أبي تمام بعده:
يصدّ عن الدّنيا إذا عنّ سودد ... ولو برزت في زيّ عذراء ناهد
(2/333)

فزاد عليه قوله:
ولو برزت في زيّ عذراء ناهد
ومما اتفق لي نظمه في هذا الباب أنه لما عمّرت مدرسة «1» الظاهر برقوق بين القصرين بالقاهرة المحروسة، وكان القائم بعمارتها الأمير جركس الخليليّ أميراخور «2» الظاهريّ، وكان قد اعتمد بناءها بالصّخور العظيمة التي لا تقلّها الجمال حملا، ولا تحمل إلا على العجل الخشب، فأولع الشعراء بالنظم في هذا المعنى؛ فنظم بعض الشعراء أبياتا عرّض فيها بذكر الخليليّ وقيامه في عمارتها، ثم قال في آخرها:
وبعض خدّامه طوعا لخدمته ... يدعو الصّخور فتأتيه على عجل
وألزمني بعض الإخوان بنظم شيء في المعنى، فوقع لي أبيات من جملتها:
وبالخليليّ قد راجت عمارتها ... في سرعة بنيت من غير ما مهل
كم أظهرت عجبا أسواط حكمته ... وقد غدت مثلا ناهيك من مثل
وكم صخور تخال الجنّ تنقلها ... فإنّها بالوحا تأتي وبالعجل
فزدت عليه ذكر الوحا الذي معناه السرعة أيضا وصار مطابقا لما يأتي به المعزّمون في عزائمهم من قولهم: الوحا الوحا العجل العجل مع ما تقدّم له من التوطئة بقولي: تخال الجنّ تنقلها. على أني لست من فرسان هذا الميدان، ولا من رجال هذا الوغى.
الضرب الخامس أن يؤخذ المعنى فيكسى عبارة أحسن من العبارة الأولى
؛ قال في «المثل
(2/334)

السائر» : وهذا هو المحمود الذي يخرج به حسنه عن باب السرقة؛ فمن ذلك قول أبي تمام:
إنّ الكرام كثير في البلاد وإن ... قلّوا كما غيرهم قلّ وإن كثروا
أخذه البحتريّ فقال:
قلّ الكرام فصار يكثر فذّهم ... ولقد يقلّ الشيء حتّى يكثرا
ومنه قول أبي نواس:
يدلّ على ما في الضّمير من الفتى ... تقلّب عينيه إلى شخص من يهوى «1»
وقول أبي الطيب بعده:
وإذا خامر الهوى قلب صبّ ... فعليه لكلّ عين دليل
ومنه قول أبي العلاء بن سليمان «2» في مرثيّة:
وما كلفة البدر المنير قديمة ... ولكنّها في وجهه أثر اللّطم
وقول القيسرانيّ «3» بعده:
وأهوى الّذي يهوي له البدر ساجدا ... ألست ترى في وجهه أثر التّرب
ومنه قول ابن الروميّ:
إذا شنأت عين امريء شيب نفسه ... فعين سواه بالشّناءة أجدر
وقول من بعده:
(2/335)

إذا كان شيبي بغيضا إليّ ... فكيف يكون إليها حبيبا
الضرب السادس أن يؤخذ المعنى ويسبك سبكا موجزا
، قال في «المثل السائر» : وهو من أحسن السرقات: لما فيه من الدلالة على بسطة الناظم في القول وسعة باعه في البلاغة، فمن ذلك قول أبي تمام:
برّزت في طلب المعالي واحدا ... فيها تسير مغوّرا أو منجدا
عجبا بأنّك سالم من وحشة ... في غاية ما زلت فيها مفردا
وقول ابن الرومي بعده:
غرّبته الخلائق الزّهر في النّا ... س وما أوحشته بالتّعريب
فأخذ معنى البيتين في بيت واحد، ومنه قول أبي العتاهية:
وإنّي لمعذور على فرط حبّها ... لأنّ لها وجها يدلّ على عذري
أخذه أبو تمام فقال:
له وجه إذا أبصرته ... ناجاك عن عذري
فأوجز في هذا المعنى غاية الإيجاز؛ ومنه قول أبي تمام يمدح أحمد بن سعيد:
كانت مساءلة الرّكبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
حتّى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري
أخذه أبو الطيب فأوجز في أخذه فقال:
وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلمّا التقينا صغّر الخبر الخبر «1»
(2/336)

ومن قول بعض الشعراء:
أمن خوف فقر تعجّلته ... وأخّرت إنفاق ما تجمع؟
فصرت الفقير وأنت الغنيّ ... وما كنت تعدو الذي تصنع
أخذه أبو الطيب فقال:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر «1»
الضرب السابع زيادة البيان مع المساواة في المعنى
، بأن يؤخذ المعنى فيضرب له مثال يوضحه، فمن ذلك قول أبي تمام:
هو الصّنع إن يعجل فنفع وإن يرث ... فللرّيث في بعض المواطن أنفع
أخذه أبو الطيب فقال:
ومن الخير بطء سيبك عنّي ... أسرع السّحب في المسير الجهام
فزاده وضوحا بضرب المثال له بالجهام وهو السحاب الذي لا مطر فيه.
ومنه قول أبي تمام أيضا:
قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من شدّة التّعبيس مبتسما
أخذه أبو الطيب فقال:
وجاهل مدّه في جهله ضحكي ... حتّى أتته يد فرّاسة وفم
(2/337)

إذا رأيت نيوب اللّيث بارزة ... فلا تظنّنّ أنّ اللّيث مبتسم «1»
فضرب له مثالا بظهور أنياب الليث فزاده وضوحا.
ومنه قول أبي تمام أيضا:
وكذاك لم تفرط كآبة عاطل ... حتّى يجاورها الزّمان بحال
أخذه البحتريّ فقال:
وقد زادها إفراط حسن جوارها ... لأخلاق أصفار من المجد خيّب
وحسن دراريّ الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من اللّيل غيهب
فضرب له مثالا بالكواكب في ظلام الليل فأوضحه وزاده حسنا.
الضرب الثامن اتحاد الطريق واختلاف المقصود
، مثل أن يسلك الشاعران طريقا واحدة فتخرج بهما إلى موردين، وهناك يتبين فضل أحدهما على الآخر.
فمن ذلك قول النابغة:
إذا ما غزا بالجيش حلّق فوقه ... عصائب طير يهتدي بعصائب
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب
وهذا المعنى قد توارده الشعراء قديما وحديثا وأوردوه بضروب من العبارات، فقال أبو نواس:
يتوخّى الطّير غزوته ... ثقة باللّحم من جزره
وقال مسلم بن الوليد:
قد عوّد الطّير عادات وثقن بها ... فهنّ يتبعنه في كلّ مرتحل
(2/338)

وقال أبو تمام:
وقد ظلّلت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدّماء نواهل «1»
أقامت مع الرّايات حتّى كأنّها ... من الجيش إلا أنها لا تقاتل «2»
وكل هؤلاء قد أتوا بمعنى واحد لا تفاضل بينهم فيه إلا من جهة حسن السبك أو من جهة الإيجاز. قال: ولم أر أحدا أغرب في هذا المعنى فسلك هذا الطريق مع اختلاف مقصده إلا مسلم بن الوليد فقال:
أشربت أرواح العدا وقلوبها ... خوفا فأنفسها إليك تطير
لو حاكمتك فطالبتك بذحلها «3» ... شهدت عليك ثعالب ونسور
فهذا قد فضل به مسلم غيره في هذا المعنى، ولما انتهى الأمر إلى أبي الطيب سلك هذه الطريق التي سلكها من تقدّمه، إلا أنه خرج فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه فأغرب وأبدع، وحاز الإحسان بجملته، وصار كأنه مبتدع لهذا المعنى دون غيره فقال:
سحاب من العقبان يزحف تحتها ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه «4»
فحوى طرفي الإغراب والإعجاب.
الضرب التاسع
بياض بالأصل «5» .
(2/339)

الضرب العاشر أن يكون المعنى عامّا فيجعل خاصّا أو خاصّا فيجعل عامّا
، وهو من السرقات التي يسامح صاحبها؛ فأما جعل العامّ خاصّا فمن ذلك قول الأخطل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم «1»
أخذه أبو تمام فقال:
أألوم من بخلت يداه وأغتدي ... للبخل تربا ساء ذاك صنيعا
فالأخطل نهى عن الإتيان بما ينهى عنه مطلقا فجاء بالخلق منكّرا فجعله شائعا في بابه، وأبو تمام خصّص ذلك بالبخل وهو خلق واحد من جملة الأخلاق.
وأما جعل الخاص عامّا، فمن ذلك قول أبي تمام:
ولو حاردت شول عذرت لقاحها ... ولكن منعن الدّرّ والضّرع حافل «2»
أخذه أبو الطيب فجعله عامّا فقال:
وما يؤلم الحرمان من كفّ حارم ... كما يؤلم الحرمان من كفّ رازق
الضرب الحادي عشر قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة
. قال في «المثل السائر» : وهذا لا
(2/340)

يسمى سرقة بل يسمّى إصلاحا وتهذيبا، فمن ذلك قول أبي نواس في أرجوزة يصف فيها اللّعب بالكرة والصّولجان فقال من جملتها:
جنّ على جنّ وإن كانوا بشر ... كأنّما خيطوا عليها بالإبر
أخذه المتنبي فقال:
فكأنّها نتجت قياما تحتهم ... وكأنّهم خلقوا على صهواتها «1»
فهذا في غاية العلوّ والارتقاء بالنسبة إلى قول أبي نواس، ومنه قول أبي الطّيب:
لو كان ما تعطيهمو من قبل أن ... تعطيهمو لم يعرفوا التّأميلا
وقول ابن نباتة السعديّ:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمّله ... تركتني أصحب الدّنيا بلا أمل
فكلام ابن نباتة أحسن في الصورة من كلام المتنبي هنا وإن كان مأخوذا منه «2» .
الضرب الثاني عشر قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة
، وهو الذي يعبّر عنه أهل هذه الصناعة بالمسخ، وهو من أرذل السرقات وأقبحها، فمن ذلك قول أبي تمام:
(2/341)

فتى لا يرى أنّ الفريصة مقتل ... ولكن يرى أنّ العيوب مقاتل
أخذه أبو الطيب فمسخه فقال:
يرى أنّ ما بان منك لضارب ... بأقتل ممّا بان منك لعائب
ومنه قول عبد السلام بن رغبان «1» :
نحن نعزّيك ومنك الهدى ... مستخرج والصّبر مستقبل
أخذه أبو الطيب فمسخه فقال من أبيات:
وبألفاظك أهتدي فإذا عزّا ... ك قال الّذي له قلت قبلا «2»
المسلك الثاني طريقة الاختراع
قال الوزير ضياء الدين بن الأثير في «المثل السائر» : فهي ألّا يتصفح كتابة المتقدّمين ولا يطّلع على شيء منها، بل يصرف همّته إلى حفظ القرآن الكريم وكثير من الأخبار النبوية وعدّة من دواوين فحول الشعراء ممن غلب على شعره الإجادة في المعاني والألفاظ، ثم يأخذ في الاقتباس من القرآن والأخبار النبوية والأشعار فيقوم ويقع، ويخطىء ويصيب، ويضلّ ويهتدي، حتّى يستقيم إلى طريق يفتتحها لنفسه؛ وأخلق بتلك الطريق أن تكون مبتدعة غريبة لا شركة لأحد من المتقدّمين فيها! قال: وهذه الطريق هي طريق الاجتهاد وصاحبها يعدّ إماما في الكتابة كما يعدّ الشافعيّ وأبو حنيفة ومالك وغيرهم من المجتهدين في علم الفقه، إلا أنها مستوعرة جدا، لا يستطيعها إلا من رزقه الله تعالى لسانا هجّاما، وخاطرا
(2/342)

رقّاما «1» . قال: ولا أريد بهذا الطريق أن يكون الكاتب مرتبطا في كتابته بما يستخرجه من القرآن الكريم والأخبار النبوية والأشعار، بحيث أنه لا ينشيء كتابا إلا في ذلك، بل أريد أنه إذا حفظ القرآن الكريم، وأكثر من حفظ الأخبار النبوية والأشعار، ثم نقّب عن ذلك تنقيب مطّلع على معانيه، مفتش على دفائنه، وقلبه ظهرا لبطن، عرف حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه، واستعان بالمحفوظ على الغريزة الطبيعية. على أنه لا بدّ للكاتب المرتقي إلى درجة الاجتهاد في الكتابة مع حفظ القرآن الكريم، والاستكثار من حفظ الأخبار النبوية، والأشعار المختارة، من العلم بأدوات الكتابة وآلات البيان: من علم اللغة، والتصريف، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع، ليتمكن من التصرف في اقتباس المعاني واستخراجها فيرقى إلى درجة الاجتهاد في الكتابة؛ كما أن المجتهد من الفقهاء إذا عرف أدوات الاجتهاد: من آيات الأحكام، وأحاديثها، ونعتها، وعرف النحو والناسخ والمنسوخ من الكتاب والسّنّة، والحساب والفرائض وإجماع الصحابة، وغير ذلك من آلات الاجتهاد وأدواته، استخرج بفكره حينئذ ما يؤديه إليه اجتهاده؛ فالمجتهد في الكتابة يستخرج المعاني من مظانّها من القرآن الكريم، والأخبار النبوية، والأشعار، والأمثال، وغير ذلك بواسطة آلة الاجتهاد، كما أن المجتهد في الفقهيات يستخرج الأحكام من نصوص الكتاب والسنة بواسطة آلة الاجتهاد. فإذا أراد الكاتب المتصف بصفة الاجتهاد في الكتابة إنشاء خطبة أو رسالة أو غيرهما مما يتعلق بفنّ الانشاء بياض بالأصل.
الأصل السادس وجود الطبع السليم، وخلو الفكر عن المشوش
أما وجود الطبع فقال في «موادّ البيان» : أوّل معاون هذه الصناعة الجليلة
(2/343)

القريحة الفاضلة، والغريزة الكاملة، التي هي مبدأ الكمال، ومنشأ التمام، والأساس الذي يبنى عليه، والركن الذي يستند إليه، فإن المرء قد يجتهد في تحصيل الآداب، ويتوفّر على اقتناء العلوم واكتسابها، وهو مع ذلك غير مطبوع على تأليف الكلام فلا يفيده ما اكتسبه، بخلاف المطبوع على ذلك، فإنه وإن قصّر في اقتباس العلوم واكتساب الموادّ فقد يلحق بأوساط أهل الصناعة؛ وذلك أن الطبع يخص الله تعالى به المطبوع دون المتطبّع، والمناسب بغزيرته للصناعة دون المتصنّع، ولا سبيل إلى اكتساب سهولة الطبع ولا كزازته «1» ، بل هو موهبة تخصّ ولا تعمّ، وتوجد في الواحد وتفقد في الآخر.
قال ابن أبي الأصبع في «تحرير التحبير» «2» : ومن الناس من يكون في البديهة أبدع منه في الرّوية، ومن هو مجيد في الرّوية وليست له بديهة، وقلّما يتساويان. ومنهم من إذا خاطب أبدع، وإذا كاتب قصّر، ومن هو بضدّ ذلك، ومن قوي نثره ضعف نظمه، ومن قوي نظمه ضعف نثره، وقلما يتساويان. وقد يبرّز الشاعر في معنى من مقاصد الشعر دون غيره من المقاصد، ولهذا قيل: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، وعنترة إذا كلب «3» ، والأعشى إذا طرب. قال في «المثل السائر» : بل ربما نفذ في بعض أنواع الشعر دون بعض، فيرى مجيدا في المدح دون الهجو أو بالعكس، أو ماهرا في المقامات ونحوها دون الرسائل، أو في بعض الرسائل دون بعض. قال ابن أبي الأصبع: ولربما واتاه العمل في وقت دون وقت؛ ولذلك قال الفرزدق: إني ليمرّ عليّ الوقت ولقلع ضرس من أضراسي أيسر عليّ من قول الشعر، ولذلك عزّ تأليف الكلام ونظمه على كثير من العلماء باللغة، والمهرة في معرفة حقائق الألفاظ، من حيث نبوّ طباعهم عن تركيب بسائط الكلام الذي قامت صور معانيه في نفوسهم،
(2/344)

وصعب الأمر عليهم في تأليفه ونظمه، فقد حكي أن الخليل بن أحمد مع تقدّمه في اللغة، ومهارته في العربية، واختراعه علم العروض، الذي هو ميزان شعر العرب، لم يكن يتهيأ له تأليف الألفاظ السهلة لديه الحاصلة المعاني في نفسه على صورة النظم إلا بصعوبة ومشقّة، وكان إذا سئل عن سبب إعراضه عن نظم الشعر يقول يأباني جيّده وآبى رديئه، مشيرا بذلك إلى أن طبعه غير مساعد له على التأليف المرضيّ الذي تحسن نسبته إلى مثله. وقيل للمفضّل الضّبيّ «1» : ألا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ فقال: علمي به يمنعني من قوله، وأنشد:
أبى الشّعر إلا أن يفيء رديئه ... عليّ ويأبى منه ما كان محكما
فيا ليتني إن لم أجد حوك وشيه ... ولم أك من فرسانه كنت مفحما
وأنشد أبو عبيدة خلفا الأحمر «2» شعرا له فقال اخبأ هذا كما تخبأ السّنّورة حاجتها، مع ما كان عليه أبو عبيدة من العلم باللغة وشعر العرب وأمثالها وأيام حروبها، وما يجري مجرى ذلك من موادّ تأليف الكلام ونظمه. ويحكى عن أبي العباس المبرّد «3» أنه قال: لا أحتاج إلى وصف نفسي: لأن الناس يعلمون أنه ليس أحد بين الخافقين تختلج في نفسه مسألة مشكلة إلا لقيني بها وأعدّني لها، فأنا عالم ومعلّم، وحافظ ودارس، ولا يخفى عليّ مشتبه من الشعر، والنحو، والكلام المنثور، والخطب، والرسائل، ولربما احتجت الى اعتذار من فلتة، أو التماس حاجة، فأجعل المعنى الذي أقصد نصب عيني ثم لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه بيد
(2/345)

ولا لسان، ولقد بلغني أن عبيد الله بن سليمان «1» ذكرني بجميل فحاولت أن أكتب إليه رقعة أشكره فيها وأعرّض ببعض أموري، فأتعبت نفسي يوما في ذلك فلم أقدر على ما أرتضيه منها، وكنت أحاول الإفصاح عما في ضميري فينحرف لساني إلى غيره، ولذلك قيل: زيادة المنطق على الأدب خدعة، وزيادة الأدب على المنطق هجنة.
فقد تبين لك أن العبرة وبالطبع وأنه الأصل المرجوع إليه في ذلك؛ على أن الطبع بمفرده لا ينهض بالمقصود من ذلك نهوضه مع اشتماله على الموادّ المساعدة له على ذلك من الأنواع السابقة فيما تقدّم في أوّل هذه المقالة، من العلم باللغة والنحو والتصريف والمعاني والبيان والبديع، وحفظ كتاب الله تعالى، والإكثار من حفظ الأحاديث النبوية، والأمثال والشعر والخطب، ورسائل المتقدّمين وأيام العرب وما يجري مجرى ذلك مما يكون مساعدا للطبع، ومسهّلا طريق التأليف والنظم، بل يتفاوت في العلوّ والهبوط بحسب التفاوت في ضعف المساعد من ذلك وقوّته؛ إذ معرفته هذه الأمور قائمة من الإنشاء مقام المادة، والطبع قائم منه مقام الآلة، فلا يتم الفعل وإن قامت الصورة في نفس الصانع ما لم توحد المادّة والآلة جميعا، ولو كان حصول المادّة كافيا في التوصل إلى حسن التأليف الذي هو نظم الألفاظ المتناسبة وتطبيقها على المعاني المساوية لكانت صناعة الكلام المؤلّف من الرسائل والخطب والأشعار سهلة، والمشاهد بخلاف ذلك، لقصور الأفاضل عن بلوغ هذه الدرجة.
وأما خلوّ الفكر عن المشوّش فإنه يرجع إلى أمرين:
الأمر الأوّل صفاء الزمان
فقد قال أبو تمام الطائيّ في وصيته لأبي عبادة البحتريّ مرشدا له للوقت
(2/346)

المناسب لذلك: تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شيء أو حفظه أن يختار وقت السّحر، فإن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة، وقسطها من النوم، وخفّ عنها ثقل الغذاء، وصفا الدّماغ من أكثر الأبخرة والأدخنة، وسكنت الغماغم «1» ، ورقّت النسائم، وتغنّت الحمائم.
وخالف ابن أبي الأصبع في اختيار وقت السحر، وجنح إلى اختيار وسط الليل أخذا من قول أبي تمّام في قصيدته البائية:
خذها ابنة الفكر المهذّب في الدّجى ... واللّيل أسود رقعة الجلباب
مفسرا للدّجى بوسط الليل، محتجّا لذلك بأنه حينئذ تكون النفس قد أخذت حظها من الراحة، ونالت قسطها من النوم، وخفّ عنها ثقل الغذاء، فيكون الذّهن حينئذ صحيحا، والصدر منشرحا، والبدن نشيطا، والقلب ساكنا، بخلاف وقت السحر فإنه وإن كان فيه يرقّ النسيم وينهضم الغذاء، إلا أنه يكون قد انتبه فيه أكثر الحيوانات، الناطق وغيره، ويرتفع معظم الأصوات، ويجري الكثير من الحركات، وينقشع بعض الظّلماء بطلائع أوائل الضوء، وربنا انهضم عن بعض الناس الغذاء فتحرّكت الشهوة لإخلاف ما انهضم منه وخرج من فضلاته، فكان ذلك داعيا الى شغل الخاطر، وباعثا على انصراف الهمّ إلى تدبير الحدث الحاضر، فيتقسم الفكر، ويتذبذب القلب، ويتفرّق جميع الهمّ، بخلاف وسط الليل فإنه خال من جميع ذلك.
الأمر الثاني صفاء المكان
وذلك بأن يكون المكان الذي هو فيه خاليا من الأصوات، عاريا عن
(2/347)

المخوفات والمهولات والطوارق، وأن يكون مع ذلك مكانا رائقا معجبا، رقيق الحواشي، فسيح الأرجاء، بسيط الرّحاب، غير غمّ ولا كدر، فإن انضمّ إلى ذلك ما فيه بسط للخاطر: من ماء وخضرة وأشجار وأزهار وطيب رائحة، كان أبسط للفكر وأنجح للخاطر.
وقد ذهب بعضهم إلى أنه ينبغي خلوّ المكان من النقوش الغريبة، والمرائي المعجبة، فإنها وإن كانت مما ينشّط الخاطر فإن فيها شغلا فيتبعه القلب فيتشتّت.
المقصد الثاني من الطرف الثالث في بيان طرق البلاغة ووجوه تحسين الكلام،
وكيفية إنشائه وتأليفه، وتهذيبه، وتأديته، وبيان ما يستحسن من الكلام المصنوع، وما يعاب به أما إنشاؤه وتأليفه فقد قال ابن أبي الأصبع في «تحرير التحبير» : يجب على كل من كان له ميل إلى عمل الشعر وإنشاء النثر أن يتعهد أوّلا نفسه ويمتحنها بالنظر في المعاني، وتدقيق الفكر في استنباط المخترعات؛ فإذا وجد لها فطرة سليمة، وجبلّة موزونة، وذكاء وقّادا، وخاطرا سمحا، وفكرا ثاقبا، وفهما سريعا، وبصيرة مبصرة، وألمعيّة مهذّبة، وقوة حافظة، وقدرة حاكية، وهمة عالية، ولهجة فصيحة، وفطنة صحيحة، أخذ حينئذ في العمل، وإن كان بعض ذلك غير لازم لرب الإنشاء، ولا يضطرّ إليه أكثر الشعراء، ولكن إذا كملت هذه الصفات في الكاتب والشاعر، كان موصوفا في هذه الصناعة بكمال الأوصاف النفيسة.
قال أبو هلال العسكري في «الصناعتين» : إذا أردت أن تصنع كلاما فأخطر معانيه ببالك، ونقّ له كرائم اللفظ فاجعلها على ذكر منك ليقرب عليك تناولها، ولا يتعبك تطلّبها، واعمله ما دمت في شباب نشاطك، فإذا غشيك الفتور، وتخوّنك الملال، فأمسك، فإن الكثير مع الملال قليل، والنفيس مع الضّجر خسيس، والخواطر كالينابيع يسقى منها شيء بعد شيء، فتجد حاجتك من
(2/348)

الرّيّ، وتنال أربك من المنفعة، فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها، فقلّ عنك غناؤها. وينبغي أن تخرج مع الكلام معارضه، فإذا مررت بلفظ حسن أخذت برقبته، أو معنى بديع تعلقت بذيله. وتحرّز أن يسبقك فإنه إن سبقك تعبت في تطلّبه، ولعلك لا تلحقه على طول الطلب، ومواصلة الدّأب، وهذا الشاعر يقول:
إذا ضيّعت أوّل كلّ شيء «1» ... أبت أعجازه إلّا التواء
وقد قالوا: ينبغي لصانع الكلام ألا يتقدّم الكلام تقدّما، ولا يتتبع ذناباه تتبّعا، ولا يحمله على لسانه حملا، فإنه إن تقدّم الكلام لم يتبعه خفيفه وهزيله وأعجفه والشارد منه، وإن تتبعه فاتته سوابقه ولواحقه، وتباعدت عنه جياده وغرره، وإن حمله على لسانه ثقلت عليه أوساقه وأعباؤه، ودخلت مساويه في محاسنه، ولكنه يجري معه فلا تندّ عنه نادّة تعجبه سمنا إلا كبحها، ولا تتخلف عنه مثقلة هزيلة إلا أرهقها، وطورا يفرّقه ليختار أحسنه، وطورا يجمعه ليقرب عليه خطوة الفكر، ويتناوله من تحت لسانه، ولا يسلّط الملل على قلبه، ولا الإكثار على فكره، فيأخذ عفوه، ويستغزر درّه، ولا يكره آبيا، ولا يدفع آتيا. وإيّاك والتعقيد والتوعّر، فإنّ التوعّر هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك، ومن أراغ «2» معنى كريما، فليلتمس له لفظا كريما، فإن حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن يصونهما عما يدنّسهما، ويفسدهما ويهجّنهما، فتصير بهما إلى حدّ تكون فيه أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس البلاغة، وترتهن نفسك في ملابستها؛ وليكن لفظك شريفا عذبا، فخما سهلا، ومعناه ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا؛ فإن وجدت اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصل إلى مركزها، ولم تتصل بشكلها، وكانت قلقة في موضعها، نافرة عن مكانها، فلا تكرهها على اغتصاب أماكنها، والنزول في غير أوطانها؛ وإن بليت بتكلف القول، وتعاطي الصناعة، ولم تسمح
(2/349)

لك الطبيعة في أول وهلة، وعصت عليك بعد إجالة الفكر، فلا تعجل ودعه سحابة يومك، ولا تضجر، وأمهله سواد ليلتك، وعاوده عند نشاطك، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من الصناعة على عرف؛ وينبغي أن تعرف أقدار المعاني فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين وأقدار الحالات، فتجعل لكل طبقة كلاما، ولكل حال مقاما، حتّى تقسم أقدار المستعمين على أقدار الحالات، فإن المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال «1» .
قال في «موادّ البيان» «2» : ويكون استعمال كلّ من جزل الألفاظ وسهلها، وفصيحها وسلسلها وبهجها في موضعه، وأن يسلك في تأليف الكلام الطريق الذي يخرجه عن حكم الكلام المنثور العاطل الذي تستعمله العامّة في المخاطبات والمكاتبات إلى حكم المؤلّف الحالي بحلي البلاغة والبديع، كالاستعارات، والتشبيهات، والأسجاع، والمقابلات، وغيرها من أنواع البديع.
قال في «الصناعتين» : وإن عملت رسالة أو خطبة فتخطّ ألفاظ المتكلّمين كالجسم، والجوهر، والعرض، واللون «3» ، والتأليف، واللاهوت، والناسوت، فإن ذلك هجنة.
قال في «موادّ البيان» : وذلك بأن يقصد الكاتب إلى ألفاظ الصّناعة فيخرج منها إلى ألفاظ غريبة عن الصناعة غير مجانسة لها. قال: وإنما يؤتي الكاتب في هذا الباب من جهة أن يكون له شركة في صناعة غير الكتابة، كصناعة الفقه والكلام وغيرهما، مثل صناعة أصحاب الإعراب ونحوها؛ فلكل طبقة من هذه الطبقات ألفاظ خاصة بها، يستعملونها فيما بينهم عند المحاورة والخوض في الصناعة؛
(2/350)

ومن عادة الإنسان إذا تعاطى بابا من هذه الأبواب أن يسبق خاطره إلى الألفاظ المتعلّقة به، فيوقعها في الكتب التي ينشئها لغلبة عادة استعماله إياها، فيهجّنها بإدخاله فيها ما ليس من أنواعها.
قال في «الصناعتين» : وتخيّر الألفاظ وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام، وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته، فإن أمكن مع ذلك انتظامه من حروف سهلة المخارج كان أحسن له، وأدعى للقلوب إليه، وإن اتفق له أن يكون موقعه في الإطناب أو الإيجاز أليق بموقعه، وأحق بالمقام والحال، كان جامعا للحسن، بارعا في الفضل؛ فإن بلغ مع ذلك أن تكون موارده تنبيك عن مصادره، وأوّله يكشف قناع آخره، كان قد جمع نهاية الحسن، وبلغ أعلى مراتب التمام.
قال في «موادّ البيان» : وإذا سلكت طريقا فمرّ فيها، ولا تتنازل عنها إن كانت رفيعة، ولا ترتفع عنها إن كانت وضيعة. وخالف ابن أبي الأصبع، فقال:
ولا تجعل كل الكلام شريفا عاليا، ولا وضيعا نازلا، بل فصّله تفصيل العقود، فإن العقد إذا كان كله نفيسا لا يظهر حسن فرائده، ولا يبين جمال واسطته، فإن الكلام إذا كان متنوّعا في البلاغة، أفتنت الأسماع فيه، ولا يلحق النفوس ملل من ألفاظه ومعانيه، ولا يخرج عن عرض إلى غيره حتّى يكمل كل ما ينتظم فيه، كما إذا كان ينشيء كتابا في العذل والتوبيخ، فيشوب ألفاظه بألفاظ أخرى تخرج عن الخشونة إلى اللّين، فإن اختلاف رقعة الكلام من أشدّ عيوبه.
قال في «الصناعتين» : ولا تجعل لفظك حوشيّا بدويّا، ولا مبتذلا سوقيّا، ورتّب الألفاظ ترتيبا صحيحا، فتقدّم منها ما يحسن تقديمه، وتؤخر منها ما يحسن تأخيره؛ ولا تقدّم منها ما يكون التأخير به أحسن، ولا تؤخر ما كان التقديم به أليق، ولا تكرر الكلمة الواحدة في كلام قصير، كما كتب سعيد بن حميد: «ومثّل خادمك بين يديه ما يملك فلم يجد شيئا يفي بحقّك، ورأى أن تقريظك بما يبلغه اللسان وإن كان مقصرا عن حقك أبلغ في أداء ما يجب لك» . فكرر ذكر الحق مرتين في مقدار يسير. على أن أبا جعفر النحاس قد ذكر في «صناعة الكتاب» أنّ
(2/351)

ذلك ليس بعيب عند كثير من أهل العربية، وهو الحق، فقد وقع مثل ذلك من التكرير في القرآن الذي هو أفصح كلام، وآنق نظام، في قوله تعالى: وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ
«1» فكرر ذكر الميزان ثلاث مرات في مقدار يسير من الكلام، وأمثاله في القرآن الكريم كثير.
قال في «الصناعتين» : فإن احتاج إلى إعادة المعاني أعادها بغير اللفظ الذي ابتدأ به كما قال معاوية: «من لم يكن من بني عبد المطلب جواد فهو دخيل، ومن لم يكن من بني الزّبير شجاعا فهو لزيق، ومن لم يكن من بني المغيرة تيّاها فهو سنيد» . فقال: دخيل، ثم قال: لزيق، ثم قال: سنيد، والمعنى واحد، والكلام على ما ترى حسن؛ ولو قال لزيق ثم أعاد لسمج. على أن الوزير ضياء الدين بن الأثير في «المثل السائر» قد ذكر ما ينافي ذلك، وتعقّب أبا إسحاق الصابي في قوله في تحميدة كتاب: الحمد لله الذي لا تدركه الأعين بألحاظها، ولا تحدّه الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدّهور بكرورها؛ وقوله بعد ذلك في الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم: لم ير للكفر أثرا إلّا طمسه ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفّاه؛ فقال لا فرق بين مرور العصور، وكرور الدهور؛ وكذلك لا فرق بين محو الأثر وإعفاء الرسم؛ ويحتمل أن يقال إنما كره صاحب «المثل السائر» ذلك لتوافق القرينتين في جميع المعنى بخلاف كلام معاوية فإنه متوافق في اللفظة الأخيرة فقط.
قال في «الصناعتين» : وتجنّب كلّ ما يكسب الكلام تعمية كما كتب سعيد ابن حميد يذكر مظلمة إنسان في كتابه: لفلان- وله بي حرمة- مظلمة، يريد لفلان مظلمة وله بي حرمة، بمعنى أنه راعى حرمته. قال: واعلم أن الذي يلزمك في تأليف الرسائل والخطب هو أن تجعلها مزدوجة فقط ولا يلزمك فيها
(2/352)

السجع، فإن جعلتها مسجوعة كان أحسن ما لم يكن في سجعك استكراه وتنافر وتعقيد؛ وكثيرا ما يقع ذلك في السجع، وقلّما يسلم إذا طال من استكراه وتنافر.
قال ابن أبي الأصبع: ولا تجعل كلامك كلّه مبنيّا على السجع فتظهر عليه الكلفة، ويتبيّن فيه أثر المشقّة، وتتكلّف لأجل السجع ارتكاب المعنى الساقط، واللفظ النازل؛ وربما استدعيت كلمة للقطع رغبة في السجع فجاءت نافرة من أخواتها، قلقة في مكانها. بل اصرف كلّ النظر إلى تجويد الألفاظ وصحة المعاني، واجهد في تقويم المباني، فإن جاء الكلام مسجوعا عفوا من غير قصد، وتشابهت مقاطعه من غير كسب كان، وإن عزّ ذلك فاتركه وإن اختلفت أسجاعه، وتباينت في التقفية مقاطعه، فقد كان المتقدّمون لا يحتفلون بالسّجع جملة، ولا يقصدونه إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء الكلام، واتّفق من غير قصد ولا اكتساب؛ وإنما كانت كلماتهم متوازية، وألفاظهم متساوية، ومعانيهم ناصعة، وعبارتهم رائعة، وفصولهم متقابلة، وجمل كلامهم متماثلة؛ وتلك طريقة الإمام علي رضي الله عنه ومن اقتفى أثره من فرسان الكلام، كابن المقفّع، ويزيد بن هارون «1» ، وإبراهيم بن العباس «2» ، والحسن بن سهل «3» ، وعمرو بن مسعدة «4» ، وأبي عثمان الجاحظ، وغيرهم من الفصحاء البلغاء.
قال في «موادّ البيان» : وأقلّ ما يكون من الازدواج قرينتان.
قال في «الصناعتين» : وينبغي أن يجتنب إعادة حروف الصّلات والرباطات في موضع واحد إذا كتب، في مثل قول القائل له منه عليه، أو عليه منه،
(2/353)

أو به له منه، وحقه له عليه. قال: وسبيله أن يداويه حتّى يزيله، بأن يفصل ما بين الحرفين مثل أن يقول: أقمت به شهداء عليه، كقول المتنبي:
وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد «1»
قال ابن أبي الأصبع: وليراع الإيجاز في موضعه، والإطناب في موضعه، بحسب ما يقتضيه المقام، ويتجنّب الإسهاب والتطويل غير المفيد.
قال العسكري: وينبغي أن يأتي في تأليفه الكلام بآيات من الكتاب العزيز في الأمور الجليلة للترصيع والتحلية، والاستشهاد للمعاني على ما يقع في موقعه، ويليق بالمكان الذي يوقع فيه، ولكنه لا يستكثر منه حتّى يكون هو الغالب على كلامه، تنزيها لكلام الله تعالى عن الابتذال، فإنه إنما يستعمله على جهة التبرّك والزينة، لا ليجعل حشوا في الكلام؛ وإذا استعير منه شيء أتي به على صورته؛ ولا ينقله عن صيغته، ليسلم من تحريفه، ومخالفة اختيار الله تعالى فيه. قال:
وكما لا يجوز الإكثار منه لا يجوز أن يخلّي كلامه من شيء منه تحلية له، فإن خلوّ الكلام من القرآن يطمس محاسنه، وينقص بهجته؛ ولذلك كانوا يسمّون الخطبة الخالية من القرآن بتراء.
وينبغي ألّا يستعمل في كتابته ما جاء به القرآن العظيم من الحذف ومخاطبة الخاص بالعامّ، والعامّ بالخاص، والجماعة بلفظ الواحد، والواحد بلفظ الجماعة، وما يجري هذا المجرى، لأن القرآن قد نزل بلغة العرب، وخوطب به فصحاؤهم بخلاف الرسائل.
قال في «الصناعتين» : لا يجوز أن يستعمل فيها ما يختص بالشّعر من صرف ما لا ينصرف، وحذف ما لا يحذف، وقصر الممدود، ومدّ المقصور، والإخفاء في موضع الإظهار، وتصغير الاسم في موضع تكبيره، إلا أن يريد تصغير
(2/354)

التعظيم كقول القائل: «أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب» «1» . ومما يستحسن من وصية أبي تمام لأبي عبادة البحتريّ في الشعر مما لا يستغني الناثر عن المعرفة به، والنّسج على منواله: لأنه يجب أن يناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام، ويكون كخيّاط يقدّر الثياب على قدر الأجسام، وأن يجعل شهوته لتأليف الكلام هي الذّريعة إلى حسن نظمه، فإنّ الشهوة نعم المعين، ويعتبر كلامه بما سلف من كلام الماضين، فما استحسنه العلماء فليقصده، وما استقبحوه فليجتنبه، وينبغي أن يعمل السجعات مفرّقة بحسب ما يجود به الخاطر، ثم يرتبها في الآخر ويحترز عند جمعها من سوء الترتيب، ويتوخّى حسن النسق عنه التهذيب، ليكون كلامه بعضه آخذا بأعناق بعض، فإنه أكمل لحسنه، وأمثل لرصفه؛ وأن يجيد المبدأ والمخلص والمقطع، ويميز في فكره محط الرسالة قبل العمل، فإنه أسهل للقصد؛ ويجتهد في تجويد هذه المواضع وتحسينها؛ ويوضّح معانيه ما استطاع.
قلت: وقد سبق في أوّل هذه المقالة في بيان ما يحتاج إليه الكاتب من الأدوات وذكر أنواعها بيان كيفية الاقتباس من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية والاستشهاد بها، وكيفيّة حل الشعر إلى النثر، وتضمينه في خلال الكلام المنثور وما يجري هذا المجرى، فأغنى عن إعادته هنا.
وأما بيان ما يستحسن من الكلام المصنوع فقد قال في «الصناعتين» : إن الكلام يحسن بسلاسته وسهولته ونصاعته، وتخيّر لفظه، وإصابة معناه، وجودة مطالعه، ولين معاطفه، واستواء تقاسيمه وتعادل أطرافه وتشبّه أعجازه بهواديه،
(2/355)

وموافقة أواخره لمباديه، مع قلّة ضروراته بل عدمها أصلا، حتّى لا يكون لها في الألفاظ أثر، فتجد المنظوم مثل المنثور في سهولة مطلعه، وجودة مقطعه، وحسن رصفه وتأليفه، وكمال صوغه وتركيبه؛ فإذا كان الكلام قد جمع العذوبة والجزالة والسّهولة والرّصانة مع السّلاسة والنّصاعة، واشتمل على الرّونق والطّلاوة، وسلم من ضعف التأليف، وبعد من سماجة التركيب، صار بالقبول حقيقا، وبالتحفّظ خليقا؛ فإذا ورد على السمع المصيب استوعبه ولم يمجّه، والنفس تقبل اللطيف، وتنبو عن الغليظ، وتقلق عن الجاسي «1» البشع؛ وجميع جوارح البدن وحواسّه تسكن إلى ما يوافقه وتنفر عما يضادّه ويخالفه؛ والعين تألف الحسن، وتقذى بالقبيح؛ والأنف يرتاح للطّيب ويعاف المنتن؛ والفم يلتذّ بالحلو، ويمجّ المرّ؛ والسمع يتشوّق للصوت الرائع، وينزوي عن الجهير الهائل؛ واليد تنعم بالليّن، وتتأذّى بالخشن؛ والفهم يأنس من الكلام بالمعروف، ويسكن إلى المألوف، ويصغى إلى الصواب، ويهرب من المحال، وينقبض عن الوخم «2» ، ويتأخّر عن الجافي الغليظ، ولا يقبل الكلام المضطرب إلا الفهم المضطرب والرويّة الفاسدة.
قال: وليس الشأن في إيراد المعاني لأن المعاني يعرفها العربيّ والأعجميّ، والقرويّ والبدويّ، وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه، وكثرة طلاوته ومائه، وصحة السبك والتركيب، والخلوّ من أود «3» النظم والتأليف؛ وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتّى يكون على ما وصف من نعوته التي تقدّمت. ألا ترى أن الخطب الرائعة، والأشعار الرائقة، لم تعمل لإفهام المعاني فقط، لأن الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيد منها في الإفهام؛ وإنما يدلّ حسن الكلام، وإحكام صنعته، ورونق ألفاظه، وجودة مقاطعه، وبديع مباديه، وغريب مبانيه، على فضل قائله ومنشيه. وأيضا فإن
(2/356)

الكلام إذا كان لفظا حلوا عذبا وسطا دخل في جملة الجيد، وجرى مع الرائع النادر. وأحسن الكلام ما تلاءم نسجه ولم يسخف، وحسن نظمه ولم يهجن، ولم يستعمل فيه الغليظ من الكلام فيكون خلقا بغيضا، ولا السّوقيّ من الألفاظ فيكون مهلهلا دونا، ولا خير في المعاني إذا استكرهت قهرا، والألفاظ إذا أجبرت قسرا؛ ولا خير فيما أجيد لفظه إلا مع وضوح المغزى وظهور المقصد. قال: وقد غلب على قوم الجهل فصاروا يستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه إلا بكدّ، ويستفصحونه إذا وجدوا ألفاظه كزّة غليظة، وجاسية غريبة، ويستحقرون الكلام إذا رأوه سلسا عذبا، وسهلا حلوا؛ ولم يعلموا أن السهل أمنع جانبا، وأعزّ مطلبا، وهو أحسن موقعا، وأعذب مستمعا؛ ولهذا قيل أجود الكلام السهل الممتنع. وقد وصف الفضل بن سهل عمرو بن مسعدة فقال: هو أبلغ الناس، ومن بلاغته أنّ كلّ أحد يظنّ أنه يكتب مثل كتبه، فإذا رامها تعذّرت عليه؛ وأنشد إبراهيم بن العبّاس لخاله العبّاس بن الأحنف:
إن قال لم يفعل وإن سيل لم ... يبذل وإن عوتب لم يعتب «1»
صبّ بعصياني ولو قال لي ... لا تشرب البارد لم أشرب
ثم قال «2» : هذا والله الشعر الحسن المعنى، السهل اللفظ، العذب المستمع، القليل النظير، العزيز الشبيه، المطمع الممتنع، البعيد مع قربه، الصّعب مع سهولته، قال فجعلنا نقول: هذا الكلام والله أحسن من شعره. وقيل لبعضهم «3» : ألا تستعمل الغريب في شعرك؟ فقال: ذلك عيّ في زماني، وتكلّف منّي لو قلته، وقد رزقت طبعا واتساعا في الكلام، فأنا أقول ما يعرفه الصغير والكبير، ولا يحتاج إلى تفسير.
(2/357)

وقال أبو داود: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر الألفاظ، والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه، وما كان من الكلام لفظه سهلا ومعناه مكشوفا بيّنا فهو من جملة الرديء المردود، لا سيما إذا ارتكبت فيه الضرورات؛ فأما الجزل المختار من الكلام، فهو الذي تعرفه العامة إذا سمعته، ولا تستعمله في محاوراتها؛ وأجود الكلام ما كان سهلا جزلا، لا ينغلق معناه، ولا يستبهم مغزاه، ولا يكون مكدودا مستكرها، ومتوعّرا متقعّرا؛ ويكون بريئا من الغثاثة، عاريا من الرّثاثة. فمن الجزل الجيّد من النثر قول سعيد بن حميد: وأنا من لا يحاجّك عن نفسه، ولا يغالطك عن جرمه، ولا يلتمس رضاك إلا من جهته، ولا يستدعي برّك إلا من طريقته، ولا يستعطفك إلا بالإقرار بالذنب، ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالجرم؛ نبت بي عنك غرّة «1» الحداثة وردّتني إليك الحنكة، وباعدتني منك الثقة بالأيّام، وقادتني إليك الضرورة، فإن رأيت أن تستقبل الصنيعة بقبول العذر، وتجدّد النعمة باطّراح الحقد، فإنّ قديم الحرمة وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة؛ وإن أيام القدرة وإن طالت قصيرة، والمتعة بها وإن كثرت قليلة، فعلت إن شاء الله تعالى.
وأجزل منه قول الشعبيّ للحجاج وقد أراد قتله لخروجه عليه مع ابن الأشعث: أجدب بنا الجناب «2» ، وأحزن بنا المنزل فاستحلسنا «3» الحذر، واكتحلنا السّهر، وأصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء. فعفا عنه.
ومن النظم قول المرّار:
لا تسألي القوم عن مالي وكثرته ... قد يقتر المرء يوما وهو محمود
(2/358)

أمضي على سنّة من والدي سلفت ... وفي أرومته «1» ما ينبت العود
فهذا وإن لم يكن من كلام العامة فإنهم يعرفون الغرض منه ويقفون على أكثر معانيه لحسن ترتيبه وجودة نسجه.
قال في «الصناعتين» : أما إذا كان لفظ الكلام غثّا، ومعرضه رثّا، فإنه يكون مردودا، ولو احتوى على أجلّ معنى وأنبله، وأرفعه وأفضله، كقول القائل:
أرى رجالا بأدنى الدّين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا في العيش بالدّون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
قال: فهو لا يدخل في جملة المختار، ومعناه كما ترى جميل، فاضل جليل، وأما الجزل الرديء الفجّ الذي ينبغي ترك استعماله فقد مر في الكلام على الغريب الحوشيّ.
المقصد الثالث في بيان مقادير الكلام ومقتضيات إطالته وقصره
اعلم أن الكلام المصنوع من الخطب والمكاتبات، والولايات وغيرها على ثلاثة ضروب:
الضرب الأوّل الإيجاز
وهو جمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، وعليه ورد أكثر آي القرآن الكريم، فمن ذلك قوله تعالى في مفتتح سورة الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
. انتظم فيه خلق السموات والأرض وسائر المخلوقات لم يشذّ عنه شيء، في أوجز لفظ وأقربه وأسهله؛ ومنه قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
(2/359)

استوعب جميع الأشياء على الاستقصاء في كلمتين لم يخرج عنهما شيء؛ وقوله أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ
«1» فدخل تحت الأمن جميع المحبوبات لأنه نفى به أن يخافوا شيئا من الفقر والموت وزوال النّعمة والجور وغير ذلك؛ وقوله: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ
«2» جمع منافع الدنيا والآخرة؛ وقوله في صفة خمر أهل الجنة: لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ
«3» انتظم بقوله: وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ
عدم ذهاب العقل وذهاب المال ونفاد الشراب، فلم يكن فيها شيء من ذلك؛ وقوله: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
«4» فجمع فيها مكارم الأخلاق بأسرها، لأنّ في العفو صلة القاطعين، وإعطاء المانعين؛ وفي الأمر بالمعروف تقوى الله تعالى، وصلة الرحم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطّرف عن المحرّمات، والتبرّي من كل قبيح، إذ لا يأمر بالمعروف من هو ملابس شيئا من المنكر؛ إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى كثرة.
ومن كلام النبوة قوله صلّى الله عليه وسلّم: «نيّة المرء خير من عمله» وقوله عليه السلام:
«حبّك الشّيء يعمي ويصمّ» إلى غير ذلك من جوامع الكلم.
الضرب الثاني الإطناب
وهو الإشباع في القول، وترديد الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد. وقد وقع منه الكثير في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
«5» وقوله جلّ وعزّ: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
«6»
(2/360)

كرر اللفظ في الموضعين تأكيدا للأمر وإعلاما أنه كذلك لا محالة. وقوله: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
«1» فكرر إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
من حيث إن الكفر وإن تعدّدت أقسامه لا يخرج عن تعطيل أو شرك، ففي قوله: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
نفي التّعطيل بإثبات الإله، وفي قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ*
حيث عدّد فيها نعمه، وأذكر عباده آلاءه، ونبّههم على قدرها، وقدرته عليها، ولطفه فيها، وجعلها فاصلة بين كلّ نعمة ونعمة، تنبيها على موضع ما أسداه إليهم فيها، وكذلك كرّر في سورة المرسلات: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ*
تأكيدا لأمر القيامة المذكورة فيها. وقد وقع التكرار للتأكيد في كلام العرب كثيرا كما في قول الشاعر:
أتاك أتاك اللّاحقون أتاكا «2»
وقول الآخر:
كم نعمة كانت لكم كم كم وكم
إلى غير ذلك مما وقع في كلامهم مما لا تأخذه الإحاطة.
الضرب الثالث المساواة
بأن تكون الألفاظ بإزاء المعاني في القلة والكثرة لا يزيد بعضها على بعض.
وقد مثل له العسكريّ في «الصناعتين» بقوله تعالى: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ
«3» وقوله: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
«4» وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تزال أمّتي بخير ما لم تر الأمانة مغنما، والزّكاة مغرما» وقوله: «إيّاك والمشارّة، فإنها تميت
(2/361)

الغرّة وتحيي العرّة» «1» وقول بعض الكتّاب: سألت عن خبري وأنا في عافية لا عيب فيها إلا فقدك، ونعمة لا مزيد فيها إلا بك. وقول آخر: وقد علّمتني نبوتك سلوتك، وأسلمني يأسي منك إلى الصّبر عنك. وقول آخر: فتولّى الله النعمة عليك وفيك، وتولّى إصلاحك والإصلاح بك، وأجزل من الخير حظّك والحظّ منك، ومنّ عليك وعلينا بك. وقول الشاعر:
أهابك إجلالا وما بك قدرة ... عليّ ولكن ملء عين حبيبها
وما هجرتك النّفس أنّك عندها ... قليل ولا أن «2» قلّ منك نصيبها
إذا علمت ذلك فقد اختلف البلغاء في أيّ الثلاثة أبلغ وأولى بالكلام، فذهب قوم إلى ترجيح الإيجاز، محتجّين له بأنّه صورة البلاغة وأن ما تجاوز مقدار الحاجة من الكلام فضلة داخلة في حيّز اللّغو والهذر، وهما من أعظم أدواء الكلام، وفيهما دلالة على بلادة صاحب الصّناعة وغباوته، وقد قال الأمين محمد بن الرشيد: عليكم بالإيجاز فإن له إفهاما، وللإطالة استبهاما. وقال جعفر ابن يحيى لكتابه: إن قدرتم على أن تجعلوا كتبكم توقيعات فافعلوا. وقال بعضهم:
البلاغة بالإيجاز أنجع من البيان بالإطناب، وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ قال:
الإيجاز. وقيل لابن حازم لم لا تطيل القصائد؟ فأنشد:
أبى لي أن أطيل الشّعر قصدي ... إلى المعنى وعلمي بالصّواب
وإيجازي بمختصر قريب ... حذفت به الفضول من الجواب
وذهبت طائفة إلى أن الإطناب أرجح، واحتجّوا لذلك بأن المنطق إنما هو بيان، والبيان لا يحصل إلا بإيضاح العبارة، وإيضاح العبارة لا يتهيأ إلا بمرادفة الألفاظ على المعنى حتّى تحيط به إحاطة يؤمن معها من اللبس والإبهام، وإنّ
(2/362)

الكلام الوجيز لا يؤمن وقوع الإشكال فيه، ومن ثم لم يحصل على معانيه إلا خواصّ أهل اللّغة العارفين بدلالات الألفاظ، بخلاف الكلام المشبع الشافي فإنه سالم من الالتباس لتساوي الخاصّ والعامّ في جهته، ويؤيد ذلك ما حكي أنه قيل لقيس بن خارجة: ما عندك في جمالات ذات حسن «1» ؟ قال: عندي قرى كل نازل، ورضا كلّ ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل، وأنهى عن التقاطع؛ فقيل لأبي يعقوب الجرميّ «2» هلّا اكتفى بقوله آمر فيها بالتواصل عن قوله: «وأنهى عن التقاطع» ؟ فقال: أو ما علمت أن الكتابة والتعريض لا تعمل عمل الإطناب والتكشّف؟ ألا ترى أن الله تعالى إذا خاطب العرب والأحزاب «3» أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعل الكلام مبسوطا؟ وقلما تجد قصة لبني إسرائيل في القرآن إلا مطوّلة مشروحة، ومكررة في مواضع معادة لبعد فهمهم، وتأخّر معرفتهم، بخلاف الكلام المشبع الشافي فإنه سالم من الالتباس لتساوي الخاصّ والعامّ في فهمه.
وذهبت فرقة إلى ترجيح مساواة اللفظ المعنى، واحتجوا لذلك بأن منزع الفضيلة من الوسط دون الأطراف، وأن الحسن إنما يوجد في الشيء المعتدل.
قال في «موادّ البيان» : والذي يوجبه النظر الصحيح أن الإيجاز والإطناب والمساواة صفات موجودة في الكلام ولكل منها موضع لا يخله فيه رديفه، إذا وضع فيه انتظم في سلك البلاغة ودلّ على فضل الواضع، وإذا وضع غيره دلّ على نقص الواضع وجهله برسوم الصّناعة.
فأما الكلام الموجز فأنه يصلح لمخاطبة الملوك، وذوي الأخطار العالية،
(2/363)

والهمم المستقيمة، والشؤون السنيّة، ومن لا يجوز أن يشغل زمانه بما همّته مصروفة إلى مطالعة غيره.
وأما الإطناب فإنه يصلح للمكاتبات الصادرة في الفتوحات ونحوها مما يقرأ في المحافل، والعهود السلطانية، ومخاطبة من لا يصل المعنى إلى فهمه بأدنى إشارة. وعلى ذلك يحمل ما كتبه المهلّب بن أبي صفرة إلى الحجّاج في فتح الأزارقة من الخوارج والظهور عليهم على ارتفاع خطر هذا الفتح وطول زمانه وبعد صيته، فإنه كتب فيه: «الحمد لله الذي كفى بالإسلام قصد ما سواه، وجعل الحمد متصلا بنعماه، وقضى ألّا ينقطع المزيد وحيله، حتّى ينقطع الشكر من خلفه؛ ثم إنا كنا وعدوّنا على حالتين مختلفتين نرى منهم ما يسرّنا أكثر مما يسرّهم، ويرون منا ما يسوءهم أكثر مما يسرّهم، فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم، ينصرنا الله ويخذلهم، ويمحّصنا ويمحقهم، حتّى بلغ الكتاب بناديهم أجله فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
«1» .
فإن الذي حمله على الاختصار في هذا الكتاب إنما هو كونه إلى السلطان الذي من شأنه اختصار المكاتبات التي تكتب إليه، بخلاف ما لو كتب به عن السلطان إلى غيره، فإنه يتعين فيه بسط القول وإطالته على ما سيأتي ذكره في أوّل المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
وأما مساواة اللفظ للمعنى فإنه يصلح لمخاطبة الأكفاء والنّظراء والطّبقة الوسطى من الرؤساء. فكما أن هذه المرتبة متوسّطة بين طرفي الإيجاز والإطناب، كذلك يجب أن تخصّ بها الطبقة الوسطى من الناس. قال: أما لو استعمل كاتب ترديد الألفاظ ومرادفتها على المعنى في المكاتبة إلى ملك مصروف الهمة إلى أمور كثيرة متى انصرف منها إلى غيرها دخلها الخلل، لرتّب كلامه في غير رتبه، ودلّ على جهله بالصناعة. وكذا لو بنى على الإيجاز كتابا يكتبه في فتح جليل الخطر، حسن الأثر، يقرأ في المحافل والمساجد الجامعة على رؤوس الأشهاد من العامّة
(2/364)

ومن يراد منه تفخيم شأن السلطان في نفسه، لأوقع كلامه في غير موقعه، ونزّله في غير منزلته، لأنه لا أقبح ولا أسمج من أن يستنفر الناس لسماع كتاب قد ورد من السلطان في بعض عظائم أمور المملكة أو الدّين، فإذا حضر الناس كان الذي يمرّ على أسماعهم من الألفاظ واردا مورد الإيجاز والاختصار لم يحسن موقعه وخرج من وضع البلاغة لوضعه في غير موضعه.
قلت: وما ذكرته من الأصول والقواعد التي تبنى عليها صنعة الكلام هو القدر اللازم الذي لا يسع الكاتب الجهل بشيء منه، ولا يسمح بإخلاء كتاب مصنّف في هذا الفنّ منه.
أما المتمّمات التي يكمل بها الكاتب، من المعرفة بعلوم البلاغة ووجوه تحسين الكلام من المعاني والبيان والبديع، فإن فيها كتبا مفردة تكاد تخرج عن الحصر والإحصاء، فاقتضى الحال من المتقدّمين للتصنيف في هذا الفنّ أن قد قصروا تصانيفهم على علوم البلاغة وتوابعها كالوزير ضياء الدين بن الأثير في «المثل السائر» وأبي هلال العسكريّ في «الصناعتين» والشيخ شهاب الدين محمود الحلبي في «حسن التوسل» «1» كما تقدّمت الإشارة إليه في مقدّمة الكتاب، فليطلب ذلك من مظانّه من هذه الكتب وغيرها، إذ هذا الكتاب إنما يذكر فيه ما يشق طلبه من كتب متفرّقة، وتصانيف متعدّدة، أو يكون في المصنّف الواحد منه النّبذة غير الكافية، ولا يجتمع منه المطلوب إلا من كشف الكثير من المصنّفات المتفرّقة في الفنون المختلفة.
(2/365)

الفصل الثالث من الباب الأوّل من المقالة الأولى في معرفة الأزمنة والأوقات من الأيام والشهور والسنين على اختلاف الأمم فيها
، وتفاصيل أجزائها، والطرق الموصلة إليها، ومعرفة أعياد الأمم، وفيه أربعة أطراف
الطرف الأوّل في الأيام وفيه ست جمل
الجملة الأولى في مدلول اليوم ومعناه، وبيان ابتداء الليل والنهار
وقد اختلف الناس في مدلول اليوم على مذهبين:
المذهب الأوّل (وهو مذهب أهل الهيئة)
- أنّ اليوم عبارة عن زمان جامع لليل والنهار، مدّته ما بين مفارقة الشمس نصف دائرة عظيمة ثابتة الموضع بالحركة الأولى إلى عودها إلى ذلك النصف بعينه، وأظهر هذه الدوائر الأفق وفلك نصف النهار. والحذّاق من المنجّمين يؤثرون فلك نصف النهار على الأفق بسولة تحصل بذلك في بعض أعمالهم؛ لأن اختلاف دوائره في سائر الأوقات اختلاف واحد؛ وبعضهم يؤثر استعمال الأفق لأن الطلوع منه والغروب فيه أظهر للعيان، وهو الموافق لما نحن فيه.
ثم منهم من يقدّم الليل فيفتتح اليوم بغروب الشمس ويختم بغروبها من اليوم القابل، وعلى ذلك عمل المسلمين وأهل الكتاب، وهو مذهب العرب، لأن شهورهم مبنية على مسير القمر، وأوائلها مقدّرة برؤية الهلال.
ومنهم من يقدّم النهار على الليل فيفتتح اليوم بطلوع الشمس ويختم بطلوعها من اليوم القابل، وهو مذهب الروم والفرس.
ويحكى أن الاسكندر سأل بعض الحكماء عن الليل والنهار أيّهما قبل
(2/366)

صاحبه فقال: هما في دائرة واحدة، والدائرة لا يعلم لها أوّل ولا آخر، ولا أعلى ولا أسفل.
المذهب الثاني (وهو مذهب الفقهاء)
- أن اليوم عبارة عن النهار دون الليل، حتّى لو قال لزوجته: أنت طالق يوم يقدم فلان فقدم ليلا لم يقع الطلاق على الصحيح. ثم القائلون بذلك نظروا إلى الليل والنهار باعتبارين: طبيعيّ، وشرعيّ.
أما الطبيعيّ فالليل من لدن غروب الشمس واستتارها بحدبة الأرض إلى طلوعها وظهورها من الأفق، والنهار من طلوع نصف قرص الشمس من المشرق إلى غيبوبة نصفها في الأفق في المغرب، وسائر الأمم يستعملونه كذلك.
وأما الشرعيّ- فالليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، وهو المراد بالخيط الأبيض من قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
«1» والنهار من الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وبذلك تتعلق الأحكام الشرعية من الصوم والصلاة وغيرهما.
واعلم أن الشمس في الليل تكون غائبة تحت الأرض، فإذا قربت منا في حال غيبتها أحسسنا بضيائها المحيط «2» بظل الأرض الذي هو الليل، وهذا الضياء طليعة أمامها يطلع في السّحر بياض مستطيل مستدقّ الأعلى، وهو الفجر الكاذب إذ لا حكم له في الشريعة، ويشبّه بذنب السّرحان لانتصابه واستطالته ودقّته، ويبقى مدة ثم يزداد هذا الضوء إلى أن يأخذ طولا وعرضا وينبسط في عرض الأفق، وهو الفجر الثاني ويسمّى الصادق، وعليه تترتب جميع الأحكام الشرعية المتعلقة بالفجر، وبعده يحمرّ الأفق لاقتراب الشمس وسطوع ضيائها على المدوّرات الغربية من الأرض، ويتبعه الطلوع، وعند غروبها ينعكس الحكم في
(2/367)

الترتيب المتقدّم فيبقى الأفق محمرّا من جهة المغرب بعد الغروب، ثم تزول الحمرة ويبقى البياض الذي هو نظير الفجر الصادق، وبالحمرة حكم صلاة العشاء عند الشافعية وبالبياض حكمها عند الحنفية، ثم يزداد البياض ضعفا شيئا فشيئا إلى أن يغيب، ثم يتبعه البياض المستطيل المنتصب نظير الفجر الكاذب مدّة من الليل ثم يذهب، وهذا لا حكم له في الشرعيات. والهند لا يعدّون الفجر ولا الشّفق من الليل ولا من النهار، ويجعلونهما قسما مستقلّا، وهذا في غاية البعد لأن الله تعالى قسم الزمان إلى ليل ونهار ولم يذكر معهما سواهما.
الجملة الثانية في اختلاف الليل والنهار بالزيادة والنقصان والاستواء باختلاف الأمكنة واعلم أن البلاد والنواحي على قسمين:
القسم الأوّل ما يستوي فيه الليل والنهار أبدا، لا يختلفان بزيادة ولا نقصان
وذلك في البلاد التي لا عرض لها وهي ما مرّ عليه خط الاستواء؛ والعلة في التّساوي هي أن أصحاب الهيئة لما توهموا أن بين قطبي فلك البروج دائرة عظمى تقسم سطح السماء نصفين على السّواء وسمّوها دائرة معدّل النهار، وتوهموا أيضا في موازاتها دائرة أخرى تقسم سطح الأرض نصفين وسمّوها دائرة الاستواء وخط الاستواء؛ وكل بلد يمرّ عليه هذا الخط لا عرض له، وذلك لانقسام الكرة فيه وطلوع الشمس أبدا على رؤوس ساكنيه، وميلها في ناحيتي الشمال والجنوب بقدر واحد، ودوائر الأوقات تقطع جميع الدوائر الموازية لدائرة معدّل النهار بنصفين نصفين، فيكون قوس النهار وهو الزمان الذي من طلوع الشمس إلى غروبها مساويا لقوس الليل وهو الزمان الذي من غروب الشمس إلى طلوعها، فيكون الليل والنهار متساويين أبدا في هذه المواضع في جميع السنة.
(2/368)

القسم الثاني ما يختلف فيه الليل والنهار في السنة بالاستواء والزيادة والنّقصان، وهي البلاد ذوات العروض
والعلّة في الزيادة والنّقصان أن المواضع التي تميل عن خطّ الاستواء إلى الشمال، تميل في كل موضع منها دائرة معدّل النهار إلى الجنوب وتنحطّ الشمس ويرتفع القطب الشماليّ من الأفق ويصير للبلد عرض بحسب ذلك الارتفاع، وبقدر بعده عن الخطّ. وإذا مالت الدائرة قطعت الآفاق كلّ دائرة من الدوائر الموازية لها بقطعتين مختلفتين، فيكون ما فوق الأرض من قسميها أعظم من الذي تحتها، لأن القطب لما ارتفع ارتفعت الدوائر الشمالية فظهر من كل واحدة أكثر من نصفها، وانحط مدار الشمس عن سمت الرأس إلى جهة الجنوب فبعد مشرق الصيف عن مشرق الشتاء فطال النهار وقصر الليل، وكلما زاد ارتفاع القطب في الأقاليم زاد الاختلاف الذي هو بين هذه القطع إلى أن تكون نهاية الأطوال حيث يكون ارتفاع القطب اثنتي عشرة درجة ونصفا وربعا وهو أوّل المعمور، اثنتي عشرة ساعة ونصفا وربعا؛ وحيث يكون ارتفاعه تسعا وعشرين درجة وهو آخر الاقليم الثاني، ثلاث عشرة ساعة ونصفا وربعا، وحيث يكون ارتفاعه ثلاثا وثلاثين درجة ونصفا وهو آخر الإقليم الثالث أربع عشرة ساعة وربعا، وحيث يكون ارتفاعه تسعا وثلاثين درجة وهو آخر الإقليم الرابع أربع عشرة ساعة ونصفا وربعا؛ وحيث يكون ارتفاعه ثلاثا وأربعين درجة ونصفا وهو آخر الإقليم الخامس خمس عشرة ساعة وربعا، وحيث يكون ارتفاعه سبعا وأربعين درجة وهو آخر الإقليم السادس خمس عشرة ساعة ونصفا وربعا، وحيث يكون ارتفاعه خمسين درجة وهو آخر الإقليم السابع ست عشرة ساعة وربعا.
ولا يزال اختلاف مطالع البروج يزداد بالامعان في الشمال ويتسع شرقا المنقلبين ويتقاربان مع مغربيهما إلى أن يلتقيا في العرض المساوي لتمام الميل الأعظم، وهو حيث يكون ارتفاع القطب ستّا وستين درجة؛ وفي هذا الموضع
(2/369)

يكون قطب فلك البروج في دوره يمرّ على سمت الرؤوس، ويكون أوّل السّرطان فقط ظاهرا فوق الأرض أبدا، ومدار أوّل الجدي فقط غائبا أبدا، فيكون مقدار النهار الأطول أربعا وعشرين ساعة لا ليل فيه. ويعرض في هذه المواضع عند موازاة قطب فلك البروج سمت الرؤوس أن دائرة فلك البروج تنطبق حينئذ على دائرة الأفق، فيكون أوّل الحمل في المشرق، وأوّل الميزان في المغرب، وأول السّرطان في الأفق الشماليّ، وأوّل الجدي في الأفق الجنوبيّ. فاذا صار قطب فلك البروج والأفق نصفين وارتفع النصف الشرقيّ من فلك البروج وانخفض النصف الغربيّ فيطلع حينئذ ستة بروج دفعة واحدة، وهي من أول الجدي إلى آخر الجوزاء، وكذلك تغرب الستة الباقية دفعة واحدة. وحيث يكون ارتفاع القطب سبعا وستين درجة وربعا فهناك يكون مدار ما بين النصف من الجوزاء إلى النصف من السّرطان ظاهرا فوق الأرض أبدا، وما بين النصف من القوس إلى النصف من الجدي غائبا أبدا، فيكون مقدار شهر من شهور الصيف نهارا كله لاليل فيه، وشهر من الشتاء ليلا كله لا نهار فيه، والعشرة الأشهر الباقية من السنة كلّ يوم وليلة أربعا وعشرين ساعة. وحيث يكون ارتفاع القطب تسعا وستين درجة ونصفا وربعا فهناك يكون مدار برجي الجوزاء والسّرطان ظاهرا فوق الأرض، ومدار برجي القوس والجدي غائبا تحت الأرض أبدا، ولذلك يكون مقدار شهرين من الصيف نهارا كله، وشهرين من الشتاء ليلا كلّه. وحيث يكون ارتفاع القطب ثلاثا وسبعين درجة يكون ما بين النصف من الثور إلى النصف من الأسد ظاهرا أبدا والأجزاء «1» النظيرة لها غائبة أبدا، فيكون مقدار ثلاثة أشهر من الصيف نهارا كلّه، وثلاثة أشهر من الشتاء ليلا كلّه. وحيث يكون ارتفاع القطب ثماني وسبعين درجة ونصفا فهناك يكون مدار الثور والجوزاء والسّرطان ظاهرا أبدا والبروج النظيرة لها غائبة أبدا، فيكون أربعة أشهر من الصيف نهارا كلّه وأربعة أشهر من الشتاء ليلا كلّه. وحيث
(2/370)

يكون ارتفاع القطب أربعا وثمانين درجة فهناك يكون مدار ما بين النصف من الحمل إلى النصف من السّنبلة ظاهرا أبدا والبروج النظيرة لها غائبة أبدا فيكون خمسة أشهر من الصيف نهارا كلّه وخمسة أشهر من الشتاء ليلا كلّه.
ومما يعرض في هذه المواضع التي تقدّم ذكرها أنه إذا كان قطب فلك البروج في دائرة نصف النهار مما يلي الجنوب كان أوّل الحمل في المشرق وأوّل الميزان في المغرب، وتكون البروج الشمالية ظاهرة أبدا فوق الأرض والجنوبيّة غائبة تحتها، وهناك يطلع ما له طلوع من آخر الفلك فيما بين الجدي والسّرطان منكوسا، فيطلع الثور قبل الحمل، والحمل قبل الحوت، والحوت قبل الدلو، وكذلك تغرب نظائرها منكوسة. وحيث يكون ارتفاع القطب تسعين درجة فيصير على سمت الرأس فهناك تكون دائرة معدّل النهار منطبقة على الأفق أبدا، ويكون دور الفلك رحويّا «1» موازيا للأفق، ويكون نصف السماء الشمالي عن معدّل النهار ظاهرا أبدا فوق الأرض والنصف الجنوبيّ غائبا تحتها، فلذلك اذا كانت الشمس في البروج الشمالية، كانت طالعة تدور حول الأفق ويكون أكثر ارتفاعها عنه بمقدار ميلها عن معدّل النهار، وإذا كانت في البروج الجنوبية، كانت غائبة أبدا فتكون السنة هناك يوما واحدا ستة أشهر ليلا وستة أشهر نهارا، ولا يكون لها طلوع ولا غروب. فظهر من هذا أن حركة الفلك بالنسبة للآفاق إمّا دولابيّة، وهي في خط الاستواء، وإما حمائلية، وهي في الآفاق المائلة عنه، وإما رحويّة، وهي في المواضع التي ينطبق فيها قطب العالم على سمت الرأس؛ فسبحان من أتقن ما صنع!
الجملة الثالثة في معرفة زيادة الليل والنهار ونقصانهما بتنقّل الشمس في البروج
اعلم أن للشمس حركتين: سريعة وبطيئة.
(2/371)

أما السريعة فحركة فلك الكلّ بها في اليوم والليلة من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق، وتسمّى الحركة اليوميّة.
وأما الحركة البطيئة فقطعها فلك البروج في سنة شمسيّة من الجنوب إلى الشمال ومن الشّمال إلى الجنوب، ولتعلم أن جهة المشرق وجهة المغرب لا تتغيّر ان في أنفسهما بل جهة المشرق واحدة وكذلك جهة المغرب، وإن اختلفت مطالعهما. قال تعالى رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ*
«1» أي جهة الشّروق وجهة الغروب في الجملة، إلا أن الشمس لها غاية ترتفع إليها في الشّمال، ولتلك الغاية مشرق ومغرب وهو مشرق الصيف ومغربه، ومطلعها حينئذ بالقرب من مطلع السّماك الرامح «2» ، ولها غاية تنحطّ إليها في الجنوب، ولتلك الغاية أيضا مشرق ومغرب: وهو مشرق الشتاء ومغربه، ومطلعها حينئذ القرب من مطلع بطن العقرب، وهذان المشرقان والمغربان هما المراد بقوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ
«3» وبين هاتين الغايتين مائة وثمانون مشرقا، ويقابلها مائة وثمانون مغربا، ففي كل يوم تطلع من المشرق غير الذي تطلع فيه بالأمس، وتغرب في مغرب غير الذي تغرب فيه بالامس. وذلك قوله تعالى: بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ
«4» ونقطة الوسط بين هاتين الغايتين وهي التي يعتدل فيها الليل والنهار، يسمّى مطلع الشمس فيها مشرق الاستواء، ومغرب الاستواء، ومطلعها حينئذ بالقرب من مطلع السماك الأعزل «5» .
وقد قسّم علماء الهيئة ما بين غاية الارتفاع وغاية الهبوط اثني عشر قسما،
(2/372)

قالوا: والمعنى في ذلك أن الشمس في المبدإ الأوّل لما سارت مسيرها الذي جعله الله خاصّا بها قطعت دور الفلك التاسع في ثلاثمائة وستين يوما، وسميت جملة هذه الأيام سنة شمسية ورسمت بحركتها هذه في هذا الفلك دائرة عظمى على ما توهّمه أصحاب الهيئة، وقسمت هذه الدائرة إلى ثلاثمائة وستين جزءا وسمّوا كلّ جزء درجة، ثم قسمت هذه الدّرج إلى اثني عشر قسما على عدد شهور السنة، وسمّوا كل قسم منها برجا، وجعلوا ابتداء الاقسام من نقطة الاعتدال الربيعيّ: لاعتدال الليل والنهار عند مرور الشمس بهذه النقطة، ووجدوا في كل من قسم هذه الأقسام نجوما تتشكّل منها صورة من الصّور فسمّوا كلّ قسم باسم الصورة التي وجدوها عليه، وكان القسم الأول الذي ابتدأوا به نجوما إذا جمع متفرّقها تشكلت صورة حمل، فسمّوها بالحمل، وكذلك البواقي.
قال صاحب «مناهج الفكر» «1» : وذلك في أوّل ما رصدوا، وقد انتقلت الصّور عن أمكنتها على ما زعموا فصار مكان الحمل الثور، وهي تنتقل على رأي بطليموس في ثلاثة آلاف سنة، وعلى رأي المتأخرين في ألفي سنة.
إذا علمت ذلك فاعلم أن الدّورة الفلكية في العروض الشّمالية تنقسم إلى ثلاثمائة وستين درجة، كما تقدمت الإشارة إليه؛ والسنة ثلاثمائة وستون يوما منقسمة على الاثني عشر برجا المتقدم ذكرها، لكل برج منها ثلاثون يوما، وتوزّع عليها الخمسة أيام والربع يوم، والليل والنهار يتعاقبان بالزيادة والنّقصان بحسب سير الشمس في تلك البروج، فما نقص من أحدهما زيد في الآخر، وذلك أنها إذا حلّت في رأس الحمل وهي آخذة في الارتفاع إلى جهة الشّمال، وذلك في السابع عشر من برمهات من شهور القبط، ويوافقه الحادي والعشرون من آذار من شهور السّريان، وهو مارس من شهور الروم، والرابع والعشرون من حرداد ماه من شهور الفرس، اعتدل الليل والنهار، فكان كل واحد منهما مائة وثمانين درجة، وهو أحد الاعتدالين في السنة، ويسمى الاعتدال الربيعيّ لوقوعه أوّل زمن الربيع، فيزيد
(2/373)

النهار فيه في كل يوم نصف درجة، وينقص الليل كذلك، فتكون زيادة النهار فيه لمدّة ثلاثين يوما خمس عشرة درجة، ونقص الليل كذلك، ويصير النهار بآخره على مائة وخمس وتسعين درجة، والليل على مائة وخمس وستين درجة.
ثم تنقل إلى الثور فيزيد النهار فيه كلّ يوم ثلث درجة، وينقص الليل كذلك، فتكون زيادة النهار فيه لمدة ثلاثين يوما عشر درجات ونقص الليل كذلك، ويصير النهار بآخره على مائتين وخمس درجات، والليل على مائة وخمس وخمسين درجة.
ثم تنقل إلى الجوزاء فيزيد النهار فيها كلّ يوم سدس درجة وينقص الليل كذلك، فتكون زيادة النهار فيها لمدة ثلاثين يوما خمس درجات، ونقص الليل كذلك، ويصير النهار آخرها على مائتين وعشر درجات والليل على مائة وخمسين درجة وذلك غاية ارتفاعها في جهة الشمال. وهذا أطول يوم في السنة وأقصر ليلة في السنة.
ويسمّى سير الشمس في هذه البروج الثلاثة شماليّا صاعدا لصعودها في جهة الشمال.
ثم تنقل الشمس إلى السّرطان وتكرّ راجعة إلى جهة الجنوب، ويسمّى ذلك المنقلب الصيفيّ، وذلك في العشرين من بؤنة من شهور القبط، ويبقى من حزيران من شهور السّريان ويونيه من شهور الروم خمسة أيام، وحينئذ يأخذ الليل في الزيادة والنهار في النقصان، فينقص النهار فيه في كل يوم سدس درجة، ويزيد الليل كذلك، فيكون نقص النهار فيه لمدة ثلاثين يوما خمس درجات، وزيادة الليل كذلك، ويصير النهار بآخره على مائتين وخمس درجات، والليل على مائة وخمس وخمسين درجة.
ثم تنقل إلى الأسد فينقص النهار فيه كل يوم ثلث درجة، فيكون نقص النهار فيه لمدة ثلاثين يوما عشر درجات، وزيادة الليل كذلك، ويصير النهار بآخره على مائة وخمس وتسعين درجة، والليل على مائة وخمس وستين درجة.
(2/374)

ثم تنقل 7 لى السّنبلة فينقص النهار فيها كلّ يوم نصف درجة، ويزيد الليل كذلك، فيكون نقص النهار فيها لمدة ثلاثين يوما خمس عشرة درجة، وزيادة الليل كذلك، ويصير النهار بآخرها على مائة وثمانين درجة والليل كذلك، فيستوي الليل والنهار، ويسمّى الاعتدال الخريفيّ: لوقوعه في أوّل الخريف، ويسمّى سير الشمس في هذه البروج الثلاثة شماليّا هابطا لهبوطها في الجهة الشمالية.
ثم تنقل إلى الميزان في الثامن عشر من توت من شهور القبط، وهي آخذة في الهبوط، والنهار في النقص والليل في الزيادة، فينقص النهار فيه كلّ يوم نصف درجة، ويزيد الليل كذلك، فيكون نقص النهار فيه لمدّة ثلاثين يوما خمس عشرة درجة، وزيادة الليل كذلك، ويصير النهار بآخره على مائة وخمس وستين درجة والليل على مائة وخمس وتسعين درجة.
ثم تنقل إلى العقرب، فينقص النهار في كل يوم ثلث درجة، ويزيد الليل كذلك، فيكون نقص النهار فيه لمدة ثلاثين يوما عشر درجات، وزيادة الليل كذلك، ويصير النهار بآخره على مائة وخمس وخمسين درجة، والليل على مائتين وخمس درجات.
ثم تنقل إلى القوس، فينقص النهار فيه كلّ يوم سدس درجة، ويزيد الليل كذلك، فيكون نقص النهار فيه لمدة ثلاثين يوما خمس درجات، وزيادة الليل كذلك، ويصير النهار بآخره على مائة وخمسين درجة، والليل على مائتين وعشر درجات، وهو أقصر يوم في السنة وأطول ليلة في السنة، وذلك غاية هبوطها في الجهة الجنوبية. ويسمّى سير الشمس في هذه البروج جنوبيّا هابطا، لهبوطها في الجهة الجنوبية.
ثم تنقل إلى الجدي في السابع عشر من كيهك وتكرّ راجعة، فتأخذ في الارتفاع ويأخذ النهار في الزيادة والليل في النقصان، فيزيد النهار فيه كلّ يوم سدس درجة، وينقص الليل كذلك، فتكون زيادة النهار فيه لمدة ثلاثين يوما خمس درجات ونقص الليل كذلك، ويصير النهار بآخره على مائة وخمس
(2/375)

وخمسين درجة، والليل على مائتين وخمس درجات.
ثم تنقل إلى الدلو، فيزيد النهار فيه كلّ يوم ثلث درجة، وينقص الليل كذلك، فتكون زيادة النهار فيه لمدة ثلاثين يوما عشر درجات ونقص الليل كذلك، ويصير النهار بآخره على مائة وخمس وستين درجة والليل على مائة وخمس وتسعين درجة.
ثم تنقل إلى الحوت، فيزيد النهار فيه كلّ يوم نصف درجة وينقص الليل كذلك، فتكون زيادة النهار فيه لمدة ثلاثين يوما خمس عشرة درجة ونقص الليل كذلك، ويصير النهار بآخره على مائة وثمانين درجة والليل كذلك، فيستوي الليل والنهار وهو رأس الحمل وقد تقدّم. ويسمّى سير الشمس في هذه البروج الثلاثة جنوبيّا صاعدا لصعودها في الجهة الجنوبيّة، وهذا شأنها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
وهذا العمل إنما هو في مصر وأعمالها؛ فإذا اختلفت العروض كان الأمر في الزيادة والنّقصان بخلاف ذلك والله أعلم.
تنبيه- إذا أردت أن تعرف الشمس في أي برج من البروج وكم قطعت منه في أيّ وقت شئت، فأقرب الطرق في ذلك أن تعرف الشهر الذي أنت فيه من شهور القبط «1»
وتعرف أمسه «2» .
الجملة الرابعة في بيان ما يعرف به ابتداء الليل والنهار
وقد تقدّم أن النهار الطبيعيّ أوّله طلوع الشمس وآخره غروبها، والنهار الشرعيّ أوله طلوع الفجر الثاني وآخره غروب الشمس؛ فيخالفه في الابتداء
(2/376)

ويوافقه في الانتهاء، وطلوع الشمس وغروبها ظاهر يعرفه الخاصّ والعامّ، أما الفجر فإن أمره خفيّ لا يعرفه كلّ أحد، وقد تقدّم انقسامه إلى كاذب: وهو الأول، وصادق: وهو الثاني، وعليه التعويل في الشرعيات، فيحتاج إلى موضّح يوضّحه ويظهره للعيان، وقد جعل المنجّمون وعلماء الميقات له نجوما تدّل عليه بالطّلوع والغروب والتوسط، وهي منازل القمر، وعدّتها ثمان وعشرون منزلة وهي الشّرطان، والبطين، والثّريّا، والدّبران، والهقعة، والهنعة، والذّراع، والنّثرة، والطّرف، والجبهة، والخرتان، والصّرفة، والعوّاء، والسّماك، والغفر، والزّبانان، والإكليل، والقلب، والشّولة، والنّعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السّعود، وسعد الأخبية، والفرغ المقدّم، والفرغ المؤخّر، وبطن الحوت «1» .
والمعنى في ذلك أن الشمس إذا قربت من كوكب من الكواكب الثابتة أو المتحركة سترته وأخفته عن العيون، فصار يظهر «2» نهارا ويختفي ليلا ويكون خفاؤه غيبة له، ولا يزال كذلك خافيا إلى أن تبعد عنه الشمس بعدا يمكن أن يظهر معه للأبصار وهو عند أوّل طلوع الفجر، فإن ضوء الشمس يكون ضعيفا حينئذ فلا يغلب نور الكوكب فيرى الكوكب في الأفق الشرقيّ ظاهرا، وحصة كل منزلة من هذه المنازل من السنة ثلاثة عشر يوما وربع سبع يوم ونصف ثمن سبع يوم على التقريب كما سيأتي «3» على المنازل الثمانية والعشرين، خص كل منزلة ما ذكر من العدد والكسور، ولما كان الأمر كذلك جعل لكل منزلة ثلاثة عشر يوما، وهي ثلاث عشرة درجة من درج الفلك، وجمع ما فضل من الكسور على كل ثلاثة عشر يوما بعد انقضاء أيام المنازل الثمانية والعشرين، فكان يوما وربعا، فجعل يوما في المنزلة التي توافق آخر السنة وهي الجبهة فكان حصتها أربعة عشر يوما، وبقي ربع
(2/377)

يوم ونسيء أربع سنين حتّى صار يوما فزيد على الجبهة أيضا، فكانت كواكب المنازل المذكورة تطلع مع الفجر، منها أربعة عشر يوما ثلاث سنين، وفي السنة الرابعة تطلع بالفجر خمسة عشر يوما.
فأما الشّرطان وهما المنزلة الأولى، فأوّل طلوعهما بالفجر في الثالث والعشرين من برمودة من شهور القبط، وهو الثامن عشر من نيسان من شهور السّريان «1» .
وأما البطين وهو المنزلة الثانية، فأوّل طلوعه بالفجر في السادس من بشنس من شهور القبط، وهو أوّل يوم من أيّار من شهور السّريان.
وأما الثّريّا وهي المنزلة الثالثة، فأوّل طلوعها بالفجر في التاسع عشر من بشنس من شهور القبط، وهو الرابع عشر من أيار من شهور السّريان.
وأما الدّبران وهو المنزلة الرابعة، فطلوعها بالفجر في الثاني من بؤنة من شهور القبط، وهو السادس والعشرون من أيار من شهور السريان.
وأما الهقعة وهي المنزلة الخامسة، فأوّل طلوعها بالفجر في الخامس عشر من بؤنة من شهور القبط، وهو التاسع من حزيران من شهور السريان.
وأما الهنعة وهي المنزلة السادسة، فأوّل طلوعها بالفجر في الثامن والعشرين من بؤنة من شهور القبط، وهو الثاني والعشرون من حزيران من شهور السريان.
وأما الذّراع وهو المنزلة السابعة، فأوّل طلوعه بالفجر في الحادي عشر من أبيب من شهور القبط؛ وهو الثامن عشر من تموز من شهور السّريان.
وأما النّثرة وهي المنزلة الثامنة، فأوّل طلوعها بالفجر في الرابع والعشرين من أبيب من شهور القبط، وهو الثامن عشر من تموز من شهور السريان.
وأما الطّرف وهو المنزلة التاسعة، فأوّل طلوعه بالفجر في السابع من مسرى من شهور القبط، وهو اليوم الآخر من تموز من شهور السّريان.
(2/378)

وأما الجبهة وهي المنزلة العاشرة، فأوّل طلوعها بالفجر في العشرين من مسرى من شهور القبط، وهو الثالث عشر من آب من شهور السريان.
وأما الخرتان وهو المنزلة الحادية عشرة، فأول طلوعه بالفجر في الرابع من أيام النسيء القبطيّ، وفي السنة الكبيسة في الخامس منه، وهو السابع والعشرون من آب من شهور السريان.
وأما الصّرفة وهي المنزلة الثانية عشرة، فأوّل طلوعها بالفجر في الثاني عشر من توت من شهور القبط، وهو التاسع من أيلول من شهور السّريان.
وأما العوّاء وهي المنزلة الثالثة عشرة، فأوّل طلوعها بالفجر في الخامس والعشرين من توت من شهور القبط، وفي الثاني والعشرين من أيلول من شهور السّريان.
وأما السّماك وهي المنزلة الرابعة عشرة فأوّل طلوعها بالفجر في الثامن من بابه من شهور القبط، وهو الخامس من تشرين الأوّل من شهور السريان.
وأما الغفر وهي المنزلة الخامسة عشرة فأوّل طلوعها بالفجر في الحادي والعشرين من بابه من شهور القبط، وهو الثامن عشر من تشرين الأوّل من شهور السّريان.
وأما الزّبانان وهما المنزلة السادسة عشرة فأوّل طلوعهما بالفجر في الرابع من هاتور من شهور القبط، وهو آخر يوم من تشرين الأوّل من شهور السّريان.
وأما الإكليل وهو المنزلة السابعة عشرة، فأوّل طلوعه بالفجر في السابع عشر من هاتور من شهور القبط، وهو الثالث عشر من تشرين الثاني من شهور السريان.
وأما القلب وهو المنزلة الثامنة عشرة فأوّل طلوعه بالفجر في آخر يوم من هاتور من شهور القبط وهو السادس والعشرون من تشرين الثاني من شهور السّريان.
(2/379)

وأما الشّولة وهي المنزلة التاسعة عشرة، فأوّل طلوعها بالفجر في الثالث عشر من كيهك من شهور القبط، وهو التاسع من كانون الأوّل من شهور السريان.
وأما النّعائم وهي المنزلة العشرون، فأوّل طلوعها بالفجر في السادس والعشرين من كيهك من شهور القبط، وهو الثاني والعشرون من كانون الأوّل من شهور السريان.
وأما البلدة وهي المنزلة الحادية والعشرون، فأوّل طلوعها بالفجر في التاسع من طوبه من شهور القبط، وهو الرابع من كانون الثاني من شهور السريان.
وأما سعد الذابح وهو المنزلة الثانية والعشرون، فأوّل طلوعها بالفجر في الثاني والعشرين من طوبه من شهور القبط، وهو السابع عشر من كانون الثاني من شهور السريان.
وأما سعد بلع وهو المنزلة الثالثة والعشرون، فأوّل طلوعها بالفجر في الخامس من أمشير من شهور القبط، وهو الثلاثون من كانون الآخر من شهور السّريان.
وأما سعد السّعود وهو المنزلة الرابعة والعشرون، فأوّل طلوعها بالفجر في الثامن عشر من أمشير من شهور القبط، وهو الثاني عشر من شباط من شهور السّريان.
وأما سعد الأخبية وهو المنزلة الخامسة والعشرون، فأوّل طلوعها بالفجر أوّل يوم من برمهات من شهور القبط، وهو الخامس والعشرون من شباط من شهور السريان.
وأما الفرغ المقدّم وهو المنزلة السادسة والعشرون فأوّل طلوعها بالفجر في الرابع عشر من برمهات من شهور القبط، وهو السابع من آذار من شهور السريان.
وأما الفرغ المؤخّر وهو المنزلة السابعة والعشرون، فأوّل طلوعها بالفجر في السابع والعشرين من برمهات من شهور القبط، وهو الثاني والعشرون من آذار
(2/380)

من شهور السريان.
وأما بطن الحوت وهو المنزلة الثامنة والعشرون، فأوّل طلوعها بالفجر في العاشر من برموده من شهور القبط، وهو الخامس من نيسان من شهور السريان.
وقد نظم الشيخ كمال الدين حفيد الشيخ أبي عبد الله محمد القرطبي «1» أبياتا، يعلم منها مطالع هذه المنازل بالفجر بحروف رمزها للشهور والأعداد والكواكب، وربما غلط بعض الناس فنسبها إلى الشيخ عبد العزيز الديريني «2» رحمه الله، وهي هذه:
تبيص تهكع بحس بكأغ هدز ... هيزاء هلق كيجش ككون برز
ططب طكبذ أهب أيحس بأخ ... بيدم بكزم بيت بكجش رمز «3»
وليس فيها من الحشوات قط سوى ... أواخر النظم فافهم شرحها لتعز
وبيان كلّ ذلك أنّ الحرف الأوّل من كلّ كلمة اسم للشهر الذي تطلع فيه تلك المنزلة والحرف الآخر منها اسم المنزلة، وما بين الآخر والأوّل عدد ما مضى من الشهر بحساب الجمّل، مثال ذلك التاء من تبيص كناية عن توت، والصاد منها كناية عن الصّرفة، والياء والباء اللذان بينهما عددهما بالجمّل اثنا عشر، إذ الياء بعشرة والباء باثنتين فكأنه قال في الثاني عشر من توت تطلع منزلة الصّرفة بالفجر، وكذلك البواقي، إلا أنه لا عبرة بأواخر البيتين وهي برز في البيت الأوّل ورمز في البيت الثاني.
ونظم الإمام محب الدين جار الله الطبريّ أبياتا كذلك على شهور السريان وهي هذه:
(2/381)

تهس تحيع تلز تجيء ... توكق كطش كبكن نزول
كدب كويذ كلب شبيس ... شهكح أزيم أبكم ألول
نهب نحيش أآب ... أوكد حطت حبكه صجول
والحال في هذه الكلمات من أوائل الأبيات وأواخرها وأوساطها كالحال في الأبيات المتقدّمة، فالتاء من تهس إشارة لتشرين الأوّل، والسين إشارة للسماك، والهاء بينهما بخمسة ففي الخامس من تشرين الأوّل يطلع السماك، وعلى هذا الترتيب في البواقي.
واعلم أن هذه المنازل لا تزال أربع عشرة منزلة منها ظاهرة فوق الأرض في نصف الفلك، وأربع عشر منزلة منها خافية تحت الأرض في نصف الفلك، وهي مراقبة بعضها لبعض لاستواء مقادير أبعادها، فإذا طلعت واحدة في الأفق الشرقي غربت واحدة في الأفق الغربيّ، وكانت أخرى متوسطة في وسط الفلك فهي كذلك أبدا.
والقاعدة في معرفة ذلك أنك تبتديء بأية منزلة شئت، وتعد منها ثمانية من الطالع فالثامنة هي المتوسطة والخامسة عشرة هي الغاربة؛ فإذا كان الطالع الشّرطين فالمتوسط النّثرة والغارب الغفر؛ وكذلك في جميع المنازل؛ وفي مراقبة الطالع منها للغارب يقول بعض الشعراء مقيّدا لها على الترتيب بادئا بطلوع النّطح وهو الشّرطان وغروب الغفر حينئذ:
كم أمالوا من ناطح باغتفار ... وأحالوا على البطين الزّبانى
والثّريّا تكلّلت فرأينا ال ... قلب منها يشعّر الدّبرانا
هقعوا شولة وهنعوا نعاما ... بعد ما ذرّعوا البلاد زمانا
نثروا ذبحهم بطرف بليع ... جبهة السّعد في خرات خبانا
فانصرفنا وفي المقدّم عوّا ... آخرا والسّماك مدّ رشانا
وقال آخر:
النّطح يغفر والبطين مزابن ... ثم الثّريّا تبتغي إكليلا
(2/382)

والقلب للدّبران خلّ عاذر ... من أجل هقعة شولة ما قيلا
تهوى الهنيعة للنّعائم مثل ما ... ينوي الذّراع لبلدة ترجيلا
والنّثر يذبح عند طرف بلوعه ... ولجبهة سعد غدا منقولا
ولزبرة وسط الخباء إقامة ... فاصرف مقدّم ذكرها تعجيلا
يهوي المؤخّران إن سماك مرّة ... مدّ الرّشاء لجيده تنكيلا
وقد نظم صاحبنا الشيخ إبراهيم الدهشوريّ الشهير بالسهرورديّ أرجوزة، ذكر فيها الطالع، ثم الغارب في بيت وبعده المتوسط، ثم الوتد وهو الذي يقابله تحت الأرض في بيت ثان- قال:
إن طلع الشرطان «1»
بطينها نور الزّبانين خلع ... فناعس الطّرف رمى سعد بلع
ثريا مع الإكليل بالوقود ... تنوّر الجبهة في السّعود
والدّبران القلب منه يخفق ... فالخرتان للخباء يطرق
وهقعة شولتها منهزمه ... وصرفة بفرغها مقدمه
وهنعة منها النّعائم نفرت ... بعوّة بالفرغ قد تأخّرت
رمى الذراع بلدة أصابها ... سماك بطن الحوت ما أصابها
فهذه جملتها مكمّله ... للشمس في ثلاث عشر منزله
الجملة الخامسة في ساعات الليل والنهار
قال أصحاب الهيئة: لما كان الفلك متحرّكا حركات متعدّدة يتلو بعضها بعضا جعل مقدار كل حركة منها يوما، ولما كانت الشمس في حركة من هذه الحركات تارة تكون ظاهرة لأهل الرّبع المعمور، وتارة مستترة عنهم بحدبة
(2/383)

الأرض، انقسم لذلك مقدار تلك الحركة إلى الليل والنهار، فالنهار عبارة عن الوقت الذي تظهر فيه الشمس على ساكن ذلك الموضع من المعمور، والليل عبارة عن الوقت الذي تخفى عنهم فيه، فإنه يوجد وقت الصبح في موضع وقت طلوع الشمس في موضع آخر، وفي موضع آخر وقت الظهر، وفي موضع آخر وقت المغرب، وفي موضع آخر وقت نصف الليل.
ولما كانت منطقة البروج مقسومة إلى اثني عشر برجا، وكل برج إلى ثلاثين درجة، وكانت الشمس تقطع هذه المنطقة بحركة فلك الكل لها في زمان اليوم الجامع لليل والنهار، قسّم كل واحد منهما إلى اثني عشر جزءا، وجعل قسط كل جزء منها خمس عشرة درجة وسمّي ساعة. ثم لما كان الليل والنهار يزيد أحدهما على الآخر ويتساويان في الاعتدالين على ما مرّ، اضطرّ إلى أن تكون الساعات نوعين: مستوية وتسمّى المعتدلة، وزمانيّة وتسمّى المعوجّة. فالمستوية تختلف أعدادها في الليل والنهار، وتتفق مقاديرها بحسب طول النهار وقصره، فإنه إن طال كانت ساعاته أكثر، وإن قصر كانت ساعاته أقلّ، مقدار كل ساعة منه خمس عشرة درجة لا تزيد ولا تنقص، والمعوجة تتفق أعدادها وتختلف مقاديرها، فإن زمان النهار طال أو قصر ينقسم أبدا إلى اثنتي عشرة ساعة مقدار كل واحدة منها نصف سدس الليل والنهار، وهي في النهار الطويل أطول منها في القصير. والذي كانت العرب تعرفه من ذلك الزمانيّة دون المستوية، فكانوا يقسمون كلّا من الليل والنهار إلى اثنتي عشرة ساعة، ووضعوا لكل ساعة من ساعات الليل والنهار أسماء تخصّها.
فأما ساعات الليل فسمّوا الّاولى منها الشاهد، والثانية الغسق، والثالثة العتمة، والرابعة الفحمة، والخامسة الموهن، والسادسة القطع، والسابعة الجوشن، والثامنة الهتكة، والتاسعة التّباشير «1» ، والحادية عشرة الفجر الأوّل،
(2/384)

والثانية عشرة الفجر المعترض.
فأما النهار فسّموا الساعة الأولى منه الذّرور، والثانية البزوغ، والثالثة الضّحى، والرابعة الغزالة، والخامسة الهاجرة، والسادسة الزّوال، والسابعة الدّلوك، والثامنة العصر، والتاسعة الأصيل، والعاشرة الصّبوب، والحادية عشرة الحدود «1» ، والثانية عشرة الغروب.
وتروى عنهم على وجه آخر، فيقال فيها: البكور، ثم الشّروق، ثم الإشراق، ثم الرّاد، ثم الضّحى، ثم المتوع، ثم الهاجرة، ثم الأصيل، ثم العصر، ثم الطّفل (بتحرك الفاء) ، ثم العشيّ، ثم الغروب، ذكرهما ابن النحاس في «صناعة الكتاب» .
قال في «مناهج الفكر» : ويقال إن أوّل من قسم النهار إلى اثنتي عشرة ساعة آدم عليه السلام، وضمّن ذلك وصيّة لابنه شيث عليه السلام، وعرّفه ما وظّف عليه كلّ ساعة من عمل وعبادة؛ والله أعلم.
الجملة السادسة في أيام الأسبوع، وفيها أربعة مدارك
المدرك الأوّل في ابتداء خلقها وأصل وجودها
وقد نطق القرآن الكريم بذكر ستة أيام منها على الإجمال والتفصيل.
أما الإجمال فقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
«2» .
وأما التفصيل فقوله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ
(2/385)

فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ
«1» والمراد بالأربعة الأولى بما فيها من اليومين المتقدّمين، ومثله في كلام العرب كثير، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم «إذا نام أحدكم جاء الشيطان فعقد تحت رأسه ثلاث عقد، فإذا استيقظ فذكر الله تعالى انحلّت عقدة، فإذا توضّأ انحلّت عقدتان، فإذا صلّى انحلّت الثالثة» فالمراد بقوله عقدتان عقدة والعقدة الأولى، وقد ظهر بذلك أن المراد من الآية ستة أيام فقط، وهو ما ورد به صريح الآيات في غير هذه الآية أن خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وقد ورد ذلك مبينا فيما رواه ابن جرير «2» من رواية ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ اليهود أتت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، تسأله عن خلق السموات والأرض، فقال: «خلق الله الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين، وخلق الجبال يوم الثّلاثاء وما فيهنّ من منافع، وخلق يوم الأربعاء المدائن والشّجر والعمران والخراب، فهذه أربعة أيّام، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة خلق آدم وأسكنه الجنّة وأمر إبليس بالسّجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة» قالت اليهود:
ثم ماذا؟ قال: «ثم استوى على العرش» قالوا: أصبت لو أتممت، قالوا: ثم استراح فغضب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غضبا شديدا فنزل وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ
«3» قال الشيخ عماد الدين بن كثير «4» في تفسيره: وفيه غرابة، ولا ذكر في هذا الحديث ليوم السبت في أوّل الخلق ولا في آخره، نعم ثبت في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بيدي فقال: «خلق الله التّربة يوم السّبت،
(2/386)

وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشّجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثّلاثاء، وخلق النّور يوم الأربعاء، وبثّ فيها الدّوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى اللّيل» قال ابن كثير: وهو من غرائب الصحيح، وعلله البخاريّ في تاريخه فقال: رواه بعضهم عن أبي هريرة عن كعب الأحبار وهو أصح، فقد ورد التصريح في هذا الحديث بذكر الأيّام السبعة ووقوع الخلق فيها. قال أبو جعفر النحاس: زعم محمد بن إسحاق «1» أن هذا الحديث أولى من الحديث الذي قبله، واستدلّ بأن الفراغ كان يوم الجمعة، وخالفه غيره من العلماء الحذّاق النّظّار.
وقالوا: دليله دليل على خطئه، لأن الخلق في ستّة أيام يوم الجمعة منها كما صح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم برواية الجماعة، فلو لم يدخل في الأيام لكان الخلق في سبعة وهو خلاف ما جاء به التنزيل؛ على أن أكثر أهل العلم على حديث ابن عباس، فتبين أن الابتداء يوم الأحد إذ كان الآخر يوم الجمعة، وذلك ستة أيام كما في التنزيل.
قال أبو جعفر: على أن الحديثين ليسا بمتناقضين، لأنا إن عملنا على الابتداء بالأحد فالخلق في ستة أيام وليس في التنزيل أنه لا يخلق بعدها شيئا، وإن عملنا على الابتداء بالسبت فليس في التنزيل أنه لم يخلق قبلها شيئا.
إذا علمت ذلك فقد حكى أبو جعفر النحاس أن مقدار كل يوم من أيام خلق السموات والأرض ألف سنة من أيام الدّنيا، وأنه كان بين ابتدائه عز وجل في خلق ذلك وخلق القلم الذي أمره بكتابة كلّ ما هو كائن إلى قيام الساعة يوم وهو ألف عام، فصار من ابتداء الخلق إلى انتهائه سبعة آلاف عام، وعليه يدل قول ابن عباس: إن مدّة إقامة الخلق إلى قيام الساعة سبعة أيّام كما كان الخلق في سبعة أيام.
(2/387)

قال أبو جعفر: وهذا باب مداره على النقل دون الآراء.
المدرك الثاني في أسمائها، وقد اختلف في ذلك على ثلاث روايات
الرواية الأولى- ما نطقت به العرب المستعربة من ولد إسماعيل عليه السلام
وجرى عليه الاستعمال إلى الآن: وهو الأحد والاثنان والثّلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسّبت.
والأصل في ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «إن الله عز وجلّ خلق يوما واحدا فسمّاه الأحد، ثم خلق ثانيا فسمّان الاثنين، ثم خلق ثالثا فسمّاه الثّلاثاء، ثم خلق رابعا فسمّاه الأربعاء، ثم خلق خامسا فسمّاه الخميس» ولا ذكر في هذه الرواية للجمعة والسبت. وقد ذكرهما الله تعالى في كتابه العزيز، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
«1» وقال جل وعز إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً
«2» . وسيأتيان في غير هذه الرواية عند ذكر الاختلاف فيما ابتديء فيه الخلق منها.
فالأحد بمعنى واحد ويقال بمعنى أوّل ورجحه النحاس، وهو المطابق لتسمية الثاني بالاثنين، والثالث بالثّلاثاء، وقيل أصله وحد بفتح الواو والحاء كما أن أناة أصلها وناة، ويجمع في القلّة على آحاد وأحدات، وفي الكثرة على أحود وأوحاد «3» ويحكى في جمعه أحد أيضا قال النحاس: كأنه جمع الجمع.
والاثنان بمعنى الثاني. قال النحاس: وسبيله ألّا يثنّى، وأن يقال فيه: مضت أيام الاثنين إلا أن تقول ذوات، قال: وقد حكى البصريّون الأثن والجميع الثّنيّ.
وقال ابن قتيبة في أدب الكاتب: إن شئت أن تجمعه فكأنه مبني للواحد قلت
(2/388)

أثانين. وحكى النحاس مثله عن كتاب الفرّاء في الأيام وقال: إنما يجوز على حيلة بعيدة، وهي أن يقال: اليوم الاثنان فتضمّ النون فتصير ماثل عمران فتثنيه وتجمعه على هذا. وحكي عن الفراء أيضا في جمع الكثرة أثان فتقول مضت أثان مثل أسماء وأسام، قال: وقرأت على أبي إسحاق في كتاب سيبويه «1» فيما حكاه اليوم الثّني فتقول على هذا في الجمع الأثناء.
والثّلاثاء بمعنى الثالث، ويجمع على ثلاثاوات، وحكى الفراء أثالث، قال النحاس: ويجوز أثاليث، وكذا ثلاثث مثل جمع ثلاثة لأن ألفي التأنيث كالهاء، وتقول فيه: مضت الثّلاثاء على تأنيث اللفظ ومضى على تذكير اليوم، وكذا في الجمع تقول مضت ثلاث ثلاثاوات، وثلاثة ثلاثاوات.
والأربعاء بمعنى الرابع، ويجمع على أربعاوات وكذا أرابيع والياء فيه عوض ما حذف، فإن لم تعوّض قلت أرابع؛ وأجاز الفراء أربعاءات مثل ثلاثاءات ومنعه البصريون للفرق بين ألف التأنيث وغيرها.
والخميس بمعنى الخامس، ويجمع في القلّة على أخمسة، وفي الكثرة على خمس وخمسان كرغف ورغفان، ويقال أخمساء كأنصباء، وحكي عن الفراء في الكثرة أخامس.
والجمعة (بضم الميم وإسكانها) ومعناها الجمع؛ واختلف في سبب تسميته بذلك فقال النحاس: لاجتماع الخلق فيه، وهذا ظاهر في أن الاسم كان بها قديما؛ وقيل لاجتماع الناس للصلاة فيه؛ ثم اختلف فقيل سميت بذلك في الجاهلية واحتجّ له بما حكاه أبو هلال العسكريّ في كتابه الأوائل: أن أوّل من سمّى الجمعة جمعة كعب بن لؤيّ جدّ النبي صلى الله عليه وسلّم، وذلك أنّه جمع قريشا وخطبهم فسميت جمعة وكانوا لا يعرفون قبل ذلك إلا العروبة. وقيل إنما سميت بذلك في
(2/389)

الإسلام وذلك أن الأنصار قالوا: إن لليهود يوما يجتمعون فيه بعد كلّ ستة أيام، وللنصارى كذلك فهلمّوا نجعل لنا يوما نجتمع فيه نذكر الله تعالى ونصلّي، فقالوا يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوا يوم العروبة لنا، فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة الأنصاري فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكّرهم فسمّوه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه فأنزل الله تعالى سورة الجمعة. على أن السّهيليّ قد قال في الروض الأنف «1» : إن يوم الجمعة كان يسمّى بهذا الأسم قبل أن يصلّي الأنصار الجمعة.
أما أوّل جمعة جمّعها رسول الله صلى الله عليه وسلّم فيما حكاه صاحب الأوائل فإنه لما قدم المدينة مهاجرا نزل على بني عمرو بن عوف وأقام عندهم أيّاما ثم خرج يوم الجمعة عائدا إلى المدينة فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلّى بهم الجمعة. وتجمع على جمع وجمعات بالفتح والتسكين «2» .
والسبت ومعناه القطع، بمعنى قطع فيه الخلق على رأي من يرى أن السبت آخر أيام الجمعة، وأنه لا خلق فيه على ما سيأتي ذكره. وقول النحاس إنه مشتقّ من الراحة أيضا لا عبرة به لمضاهاة قول اليهود فيه على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. ويجمع في القلّة على أسبت وسبتات بالتحريك، وفي الكثرة على سبوت بضم السين مثل قرح وقروح.
الرواية الثانية- ما يروى عن العرب العاربة من بني قحطان وجرهم الأولى
: وهو أنهم كانوا يسمّون الأحد الأوّل لأنه أوّل أعداد الأيام ويسمّون الاثنين أهون أخذا من الهون والهوينى، وأوهد أيضا أخذا من الوهدة وهي المكان المنخفض من الأرض لانخفاضه عن اليوم الأوّل في العدد. ويسمّون الثّلاثاء جبارا (بضم الجيم) لأنه جبر به العدد. ويسمّون الأربعاء دبارا (بضم الدال المهملة) لأنه دبر
(2/390)

ما جبر به العدد بمعنى أنه جاء دبره، ويسمون الخميس مؤنسا لأنه يؤنس به لبركته- قال النحاس: ولم يزل ذلك أيضا في الإسلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلّم يتبرّك به ولا يسافر إلا فيه وقال: «اللهمّ بارك لأمّتي في بكورها يوم خميسها» - ويسمّون الجمعة العروبة (بفتح العين مع الألف واللام) وفي لغة شاذّة عروبة بغير ألف ولام مع عدم الصرف، ومعناه اليوم البيّن أخذا من قولهم: أعرب إذا أبان، والمراد أنه بيّن العظمة والشّرف، إذ لم يزل معظّما عند أهل كل ملة وجاء الإسلام فزاده تعظيما؛ وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه دخل الجنّة، وفيه أخرج منها» . ويسمّونه أيضا حربة بمعنى أنه مرتفع عال كالحربة التي هي كالرّمح، كما يقال محراب لارتفاعه وعلوّ مكانته، ويسمّون السبت شيارا (بفتح الشين المعجمة وكسرها مع الياء المثناة تحت) أخذا من شرت الشيء إذا استخرجته وأظهرته من مكانه، إمّا بمعنى أنه استخرج من الأيام التي وقع فيها الخلق على مذهب من يرى أنه آخر أيام الأسبوع وأن ابتداء الخلق الأحد وانتهاءه الجمعة، وإما بمعنى أنه ظهر أوّل أيام الجمعة على مذهب من يرى أنه أوّل الجمعة وكان ابتداء الخلق فيه، وإلى هذه الأسماء يشير النابغة بقوله:
أؤمّل أن أعيش وأنّ يومي ... لأوّل أو لأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار
الرواية الثالثة- ما حكاه النحاس عن الضّحّاك
: أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستّة أيام، ليس منها يوم إلا له اسم: أبجد هوّز حطّي كلمن سعفص قرشت. وقد حكى السهيلي رحمه الله أن الأسماء المتداولة بين الناس الآن مرويّة عن أهل الكتاب، وأن العرب المستعربة لما جاورتهم أخذتها عنهم، وأن الناس قبل ذلك لم يكونوا يعرفون إلا الأسماء التي وضعتها العرب العاربة وهي أبجد هوّز حطّي كلمن سعفص قرشت التي خلق الله تعالى فيها سائر المخلوقات:
علويّها وسفليّها. وهذا يخالف ما تقدّم في الرواية الثانية عن العرب العاربة؛ وعلى أنها أسماء للأيام التي وقع فيها الخلق يحتمل أن يكون أبجد اسما للأحد
(2/391)

على مذهب من يرى أن ابتداء الخلق يوم الأحد ويكون السبت لا ذكر له في هذه الرواية «1» .
المدرك الثالث في بيان أوّل أيام الأسبوع، وما كان فيه ابتداء الخلق منها.
وقد اختلف الناس في ذلك على ثلاثة مذاهب
المذهب الأوّل- أن أوّل أيام الأسبوع وابتداء الخلق الأحد
. واحتج لذلك بما تقدّم من حديث ابن عباس أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلّم فسألته عن خلق السموات والأرض فقال: «خلق الله عز وجلّ الأرض يوم الأحد» الحديث وبحديثه الآخر:
«خلق الله يوما واحدا فسمّاه الأحد» وإذا كان ابتداء الخلق الأحد لزم أن يكون أوّل الأسبوع الأحد.
المذهب الثاني- أن أوّل أيام الأسبوع وابتداء الخلق السبت
. واحتج له بحديث أبي هريرة المتقدم «أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلّم بيدي فقال: خلق الله التّربة يوم السبت» الحديث، وإذا كان ابتداء الخلق السبت لزم أن يكون أوّل الأسبوع السبت.
المذهب الثالث- أن أوّل أيام الأسبوع الأحد
، لحديث «خلق الله يوما واحدا فسمّاه الأحد ثم خلق ثانيا فسمّاه الاثنين» الحديث. وابتداء الخلق يوم السبت لحديث أبي هريرة المتقدّم. قال النحاس: وهذا أحسنها.
المدرك الرابع في التفاؤل بأيام الأسبوع والتطيّر بها وما يعزى لكلّ منها من خير أو شرّ، على ما هو متداول بين الناس
واعلم أنه لا أصل لذلك من الشريعة، ولم يرد فيه نصّ من كتاب ولا سنة.
(2/392)

وقد وردت القرعة عن جعفر الصادق رضي الله عنه في توزيع الأعمال على الأيام أنه قال: السبت يوم مكر وخديعة؛ ويوم الأحد يوم غرس وعمارة؛ ويوم الاثنين يوم سفر وتجارة؛ ويوم الثلاثاء يوم إراقة دم وحرب ومكافحة؛ ويوم الأربعاء يوم أخذ وعطاء؛ ويقال: يوم نحس مستمر؛ ويوم الخميس يوم دخول على الأمراء وطلب الحاجات؛ ويوم الجمعة يوم خلوة ونكاح. ووجهوا هذه الدعوى بأن قريشا مكرت في دار الندوة «1» يوم السبت، وأن الله ابتدأ الخلق يوم الأحد، وأن شعيبا سافر للتجارة يوم الأثنين، وأن حوّاء حاضت يوم الثلاثاء، وفيه قتل قابيل هابيل أخاه، وأن فرعون غرق هو وقومه يوم الأربعاء، وفيه أهلك الله عادا وثمودا «2» ، وأن إبراهيم دخل على النّمرود يوم الخميس، وأن الأنبياء عليهم السلام كانت تنكح وتخطب يوم الجمعة. وقد نظم بعض الشعراء هذه الاختيارات في أبيات وإن كان قد خالف الواضع في مواضع فقال:
لنعم اليوم يوم السّبت حقّا ... لصيد إن أردت بلا امتراء
وفي الأحد البناء فإنّ فيه ... تبدّى الله في خلق السماء
وفي الإثنين إن سافرت فيه ... سترجع بالنجاح وبالغناء
وإن ترد الحجامة في الثّلاثا ... ففي ساعاته هرق الدّماء
وإن شرب امرؤ منكم دواء ... فنعم اليوم يوم الأربعاء
وفي يوم الخميس قضاء حاج ... فإنّ الله يأذن بالقضاء
ويوم الجمعة التّزويج حقّا ... ولذّات الرّجال مع النّساء
وسيأتي الكلام على ما يتعلق من ذلك بأيام الشهر في الكلام على الشّهور في الفصل السابع من الكتاب إن شاء الله تعالى.
(2/393)

الطرف الثاني في الشّهور، وهي على قسمين: طبيعيّ واصطلاحيّ «1»
القسم الأوّل الطبيعيّ والمراد به القمريّ
وهو مدّة مسير القمر من حين يفارق الشمس إلى حين يفارقها مرة أخرى، وهي على ضربين:
الضرب الأوّل شهور العرب
والشهر العربيّ عبارة عمّا بين رؤية الهلال إلى رؤيته ثانيا، وعدد أيامه تسعة وعشرون يوما ونصف يوم على التقريب، ولما كان هذا الكسر في العدد عسرا عدّوا جملة الشهرين تسعة وخمسين يوما، أحدهما ثلاثون وهو التام، والآخر تسعة وعشرون وهو الناقص. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أمّ سلمة رضي الله عنها: «أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم حلف لا يدخل على بعض نسائه شهرا فلما مضى تسعة وعشرون غدا عليهم أو راح فقيل: يا رسول الله، حلفت لا تدخل عليهنّ شهرا فقال: الشهر يكون تسعة وعشرين» ، وذلك بحسب مسير النّيّرين: الشمس والقمر بالمسير الأوسط، أما بالمسير المقوّم فإنه يتفق إذا استكمل الشهر برؤية الهلال عيانا أن يتوالى شهران وثلاثة تامّة، وتتوالى كذلك ناقصة، وعلى ذلك عمل العرب واليهود. ولهم في استعماله طريقتان:
الطّريقة الأولى طريقة العرب
ومدّة الشهر عندهم من رؤية الهلال إلى رؤية الهلال، وهي أسهل الطّرق
(2/394)

وأقربها، وعليها جاء الشرع، وبها نطق التنزيل قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ
«1» وفيها جملتان:
الجملة الأولى في أحوال الأهلّة التي عليها مدار الشهور في ابتدائها وانتهائها
واعلم أن مسير القمر مقدّر بمعرفة الشهور والسنين قال تعالى: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
«2» والشمس تعطيه في كل ليلة ما يستضيء به نصف سبع قرصه حتّى يكمل ثم تسلبه من الليلة الخامسة عشرة كلّ ليلة نصف سبع قرصه حتى لا يبقى فيه نور فيستتر. ويروى عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه سئل عن القمر فقال:
يمحق كل ليلة ويولد جديدا؛ ويبعد مثل هذا عن جعفر الصادق.
إذا علمت ذلك فللقمر حركتان: سريعة وبطيئة كما تقدّم في الشمس.
أما الحركة السريعة فحركة فلك الكلّ به من المشرق إلى المغرب، ومن المغرب إلى المشرق في اليوم والليلة.
واعلم أن الهلال إذا طلع مع غروب الشمس كان مغيبه على مضيّ ستة أسباع ساعة من الليل، ولا يزال مغيبه يتأخر عن مغيبه في كل ليلة ماضية هذا المقدار حتّى يكون مغيبه في الليلة السابعة نصف الليل، وفي الليلة الرابعة عشرة طلوع الشمس، ثم يكون طلوعه في الليلة الخامسة عشرة على مضيّ ستة أسباع ساعة منها، ولا يزال طلوعه يتأخر عن طلوعه في كل ليلة ماضية بعد الإبدار هذا المقدار حتّى يكون طلوعه ليلة إحدى وعشرين نصف الليل، وطلوعه ليلة ثمان وعشرين مع الغداة.
وإذا أردت أن تعلم على مضيّ كم من الساعات يغيب أو يطلع من الليل،
(2/395)

فإن أردت المغيب وكان قد مضى من الشهر خمس ليال تقديرا فاضربها في ستة تكون ثلاثين فأسقطها سبعة سبعة يبقى اثنان فيكون مغيبه على مضيّ أربع ساعات وثلاثة «1» أسباع ساعة، وكذلك العمل في أيّ ليلة شئت، وإن أردت الطلوع وكان قد مضى من الإبدار ستّ ليال مثلا فاضرب ستة في ستة يكون ستة وثلاثين فأسقطها سبعة سبعة يبقى واحد، فيكون طلوعه على خمس ساعات وسبع، وكذلك العمل في أيّ ليلة شئت.
وقد قسمت العرب ليالي الشهر بعد استهلاله كلّ ثلاثة أيام قسما وسمتها باسم، فالثلاث الأول منها هلال، والثلاث الثانية قمر، والثلاث الثالثة بهر، والثلاث الرابعة زهر (والزّهر البياض) ، والثلاث الخامسة بيض، لأن الليالي تبيضّ بطلوع القمر فيها من أوّلها إلى آخرها والثلاث السادسة درع، لأن أوائلها تكون سودا وسائرها بيض، والثلاث السابعة ظلم، والثلاث الثامنة حنادس، والثلاث التاسعة دآدىء (الواحدة منها دأدأة على وزن فعللة) ، والثلاث العاشرة ليلتان منها محاق وليلة سرار لإمحاق الشمس القمر فيها.
ومنهم من يقول: ثلاث غرر (وغرّة كلّ شيء أوّله) ، وثلاث شهب، وثلاث زهر، وثلاث تسع «2» ، لأن آخر يوم منها اليوم التاسع، وثلاث بهر، بهر فيها ظلام الليل، وثلاث بيض، وثلاث درع، وثلاث دهم وفحم وحنادس، وثلاث دآدىء «3» .
ويروى عنهم أنهم يسمّون ليلة ثمان وعشرين الدّعجاء، وليلة تسع وعشرين الدّهماء، وليلة ثلاثين اللّيلاء، وهم يقولون في أسجاعهم: القمر ابن
(2/396)

ليلة، رضاع سخيلة «1» ، حلّ أهلها برميلة؛ وابن ليلتين حديث أمتين، كذب ومين «2» ؛ وابن ثلاث، قليل اللّباث «3» ، وابن أربع، عتمة أمّ ربع «4» ، لا جائع ولا مرضع؛ وابن خمس، حديث وأنس، وعشاء خلفات قعس «5» ، وابن ستّ، سروبتّ «6» ؛ وابن سبع، دلجة ضبع، وحديث وجمع؛ وابن ثمان، قمر إضحيان؛ وابن تسع، محذوّ النّسع «7» ، ويقال الشّسع «8» وابن عشر، مخنق الفجر، وثلث الشّهر.
هذا هو المحفوظ عن العرب في كثير من الكتب.
قال صاحب مناهج الفكر: وعثرت في بعض المجاميع على زيادة إلى آخر الشهر، وكأنها والله أعلم مصنوعة، وهي على ألسنة العرب موضوعة، وهي: وابن إحدى عشرة، يرى عشاء ويرى بكرة، وابن اثنتي عشرة، مرهق البشر «9» ، بالبدو والحضر، وابن ثلاث عشرة، قمر باهر، يعشي الناظر، وابن أربع عشرة مقبل الشباب، مضيء دجنّات السّحاب، وابن خمس عشرة تمّ التمام، ونفدت الأيّام،
(2/397)

وابن ستّ عشرة نقص الخلق، في الغرب والشّرق، وابن سبع عشرة، أمكنت المقتفر القفرة «1» ، وابن ثمان عشرة قليل البقاء، سريع الفناء؛ وابن تسع عشرة بطيء الطّلوع، سريع الخشوع؛ وابن عشرين يطلع سحرة، ويغيب بكرة؛ وابن إحدى وعشرين كالقبس، يطلع في الغلس، وابن اثنتين وعشرين يطيل السّرى، ريثما يرى؛ وابن ثلاث وعشرين يرى في ظلمة الليال، لا قمر ولا هلال؛ وابن خمس وعشرين دنا الأجل، وانقطع الأمل؛ وابن ست وعشرين دنا ما دنا، فما يرى إلّا سنا، وابن سبع وعشرين يشقّ الشمس، ولا يرى له حسّ، وابن ثمان وعشرين ضئيل صغير لا يراه إلا البصير.
وأما حركته البطيئة، فحركته من جهة الشّمال إلى جهة الجنوب، ومن جهة الجنوب إلى جهة الشمال، وتنقله في المنازل الثمانية وعشرين في ثمانية وعشرين يوما بلياليها كالشمس في البروج قال تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
«2» فما تقطعه الشمس من الشمال إلى الجنوب وبالعكس في جميع السنة يقطعه القمر في ثمانية وعشرين يوما. والمنازل للقمر كالبروج للشّمس، وذلك أنه لما اتصل إلى العرب ما حققه القدماء برصدهم من الكواكب الثابتة، وكان لا غنى لهم عن معرفة كواكب ترشدهم إلى العلم بفصول السنة وأزمنتها، رصدوا كواكب وامتحنوها، ولم يستعملوا صور البروج على حقيقتها، لأنهم قسّموا فلك الكواكب على مقدار الأيام التي يقطعه القمر فيها، وهي ثمانية وعشرون يوما، وطلبوا في كل قسم منها علامة تكون أبعاد ما بينها وبين العلامة الأخرى مقدار مسير القمر في يوم وليلة، وسمّوها منزلة إلى أن تحقق لهم ثمانية وعشرون على ما تقدّم ذكره في الكلام على طلوعها بالفجر، لأن القمر إذا سار سيره الوسط انتهى في اليوم التاسع والعشرين إلى المحاق الذي بدأ منه، فحذفت
(2/398)

المتكرّر فبقي ثمانية وعشرون ويزاد بالشّرطين، لأن كواكبه من جملة كواكب الحمل الذي هو أوّل البروج.
ثم هذه المنازل على قسمين: شماليّ وجنوبيّ كما في البروج، وكل قسم منها أربع عشرة منزلة. فالشماليّ منها ما كان طلوعه من ناحية الشام، وتسمّى الشاميّة وهو ما كان منها من نقطة الاعتدال، التي هي رأس الحمل والميزان صاعدا إلى جهة الشمال؛ وهي الشّرطان، والبطين، والثّريّا، والدّبران، والهقعة، والهنعة، والذّراع، والنّثرة، والطّرف، والجبهة، والخرتان، والصّرفة، والعوّاء، والسّماك، وبطلوعها يطول الليل ويقصر النهار. والجنوبيّ منها ما كان طلوعه من ناحية اليمن وتسمى اليمانية وهو ما كان منها من نقطة الاعتدال المذكور هابطا إلى جهة الجنوب؛ وهي الغفر، والزّبانان، والإكليل، والقلب، والشّولة، والنّعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السّعود، وسعد الأخبية، والفرغ المقدّم، والفرغ المؤخّر، وبطن الحوت؛ وبطلوعها يقصر الليل ويطول النهار.
ثم المنزلة عند المحققين قطعة من الفلك مقدارها ربع سبع الدور، وهو جزء من ثمانية وعشرين جزءا من الفلك عبارة عن............ «1» لا عن الكواكب وإنما الكواكب حدود تفرق بين كل منزلة وأخرى فعدل بالتسمية إليها وغلبت عليها.
ونزول القمر في هذه المنازل على ثلاثة أحوال: إما في المنزلة نفسها وإما فيما بينها وبين التي تليها، وإما محاذيا لها خارجا عن السمت شمالا أو جنوبا. وقد تقدّم الكلام على عدول القمر عن بعض المنازل ونزوله في غيرها.
ولتعلم أن المنازل مقسومة على البروج الأثني عشر موزّعة عليها، فالشّرطان والبطين وثلث الثريا للحمل، وثلثا الثّريّا والدّبران وثلثا الهقعة للثّور،
(2/399)

وثلث الهقعة والهنعة والذّراع للجوزاء، والنّثرة والطّرف وثلث الجبهة للشّرطان، وثلثا الجبهة والخرتان وثلثا الصّرفة للأسد، وثلث الصّرفة والعوّاء والسّماك للسّنبلة؛ والغفر والزّبانان وثلث الإكليل للميزان، وثلثا الإكليل والقلب وثلثا الشولة للعقرب؛ وثلث الشولة والنعائم والبلدة للقوس، وسعد الذابح وسعد بلع وثلث سعد السعود للجدي «1» ، وثلث الفرغ المقدّم والفرغ المؤخر وبطن الحوت للحوت.
إذا علمت ذلك فإذا أردت أن تعرف القمر في أيّ منزلة هو أو كم مضى له فيها من الأيام، فخذ ما مضى من سنة القبط شهورا كانت أو أياما أو شهورا وأياما وابسطها أياما، وأضف إلى ما حصل من ذلك يومين، ثم اطرح المجموع ثلاثة عشر ثلاثة عشر، وهو عدد لبث القمر في كل منزلة من الأيام، واجعل أوّل كل منزلة من العدد الخرتان، فما بقي من الأيام دون الثلاثة عشر فهو عدد ما مضى من المنزلة التي انتهى العدد إليها.
مثال ذلك أن يمضي من سنة القبط شهر توت وأربعة أيام من بابه فتبسطها أياما تكون أربعة وثلاثين يوما فتضيف إليها يومين تصير ستة وثلاثين يوما فاطرح منها ثلاثة عشر مرتين بستة وعشرين للخرتان منها ثلاثة عشر وللصّرفة ثلاثة عشر تبقى عشرة، وهي ما مضى من المنزلة الثالثة وهي العوّاء.
وإن أردت أن تعرف في أيّ برج هو فاحسب كم مضى من الشهر العربي يوما وزد عليه مثله ثم زد على الجملة خمسة وأعط لكل برج خمسة وابدأ من البرج الذي فيه الشمس فأعط لكل برج خمسة فأينما نفد حسابك فالقمر في ذلك البرج والاعتماد في ذلك على كم مضى من الشهر العربيّ بالحساب دون الرؤية، والله أعلم.
(2/400)

الجملة الثانية في أسمائها، وفيها روايتان
الرواية الأولى- ما نطقت به العرب المستعربة
وجرى عليه الاستعمال إلى الآن وقد نطق القرآن الكريم بصدقها قال تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
«1» والمراد شهور العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، ومدارها الأهلّة سواء جاء الشهر ثلاثين أو تسعة وعشرين. الشهر الأوّل منها المحرم؛ سمّي بذلك لأنهم كانوا يحرّمون فيه القتال، ويجمع على محرّمات ومحارم ومحاريم. الشهر الثاني صفر، سمي «2» بذلك لأنهم كانوا يغيرون فيه على بلاد يقال لها الصّفريّة، ويجمع على صفرات وأصفار وصفور وصفار. الشهر الثالث ربيع الأوّل سمي بذلك لأنهم كانوا يحصّلون فيه ما أصابوه في صفر، والرّبيع في اللغة الخصب، وقيل لارتباعهم فيه؛ قال النحاس:
والأوّل أولى بالصواب، ويقال في التثنية ربيعان الأوّلان وفي الجمع ربيعات الأوّلات، ومن شرط فيه إضافة شهر قال في التثنية شهرا ربيع الأوّلان وفي الجمع شهرات ربيع الأوّلات والأوائل، وان شئت قلت في القليل أشهر وفي الكثير شهور، وحكي عن قطرب «3» الأربعة الأوائل، وعن غيره ربع الأوائل. الشهر الرابع ربيع الآخر، والكلام في تسميته وتثنيته وجمعه كالكلام في ربيع الأوّل.
الشهر الخامس جمادى الأولى، سمي بذلك لجمود الماء فيه، لأن الوقت الذي سمّي فيه بذلك كان الماء فيه جامدا لشدّة البرد، ويقال في التثنية جماديان الأوليان وفي الجمع جماديات الأوليات. الشهر السادس جمادى الآخرة، والكلام فيه
(2/401)

تسمية وتثنية وجمعا كالكلام في جمادى الأولى. الشهر السابع رجب، سمي بذلك لتعظيمهم له أخذا من الترجيب وهو التعظيم «1» ، ويجمع على رجبات وأرجاب، وفي الكثرة على رجاب ورجوب. الشهر الثامن شعبان، سمي بذلك لتشعّبهم فيه لكثرة الغارات عقب رجب؛ وقيل لتشعب العود في الوقت الذي سمّي فيه. وقيل لأنه شعب بين شهري رجب ورمضان ويجمع على شعبانات وشعابة «2» على حذف الزوائد، وحكى الكوفيون شعابين، قال النحاس: وذلك خطأ على قول سيبويه كما لا يجوز عنده في جمع عثمان عثامين. الشهر التاسع رمضان، سمي بذلك أخذا من الرمضاء لأنه وافق وقت تسميته زمن الحرّ، ويجمع على رمضانات، وحكى الكوفيون رماضين، والقول فيه كالقول في شعابين، ومن شرط فيه لفظ شهر قال في التثنية: شهرا رمضان وفي الجمع شهرات رمضان وأشهر رمضان وشهور رمضان. الشهر العاشر شوّال، سمي بذلك أخذا من شالت الإبل بأذنابها إذا حملت لكونه أوّل شهور الحج، وقيل من شال يشول إذا ارتفع، ولذلك كانت الجاهلية تكره التزويج فيه لما فيه من معنى الإشالة والرفع إلى أن جاء الإسلام بهدم ذلك؛ قالت عائشة رضي الله عنها فيما ثبت في صحيح مسلم:
«تزوّجني رسول الله صلى الله عليه وسلّم في شوّال وبنى بي في شوّال فأيّ نسائه كان أحظى عنده منّي» ويجمع على شوّالات وشواويل وشواول. الشهر الحادي عشر ذو القعدة، ويقال بالفتح والكسر، سمّي بذلك لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال لكونه من الأشهر الحرم، ويجمع على ذوات القعدة، وحكى الكوفيون أولات القعدة، وربما قالوا في الجمع: ذات القعدة أيضا. الشهر الثاني عشر ذو الحجة، سمي بذلك لأن الحجّ فيه، والكلام في جمعه كالكلام في ذي القعدة. ثم من الأشهر
(2/402)

المذكورة أربعة أشهر حرم كما قال تعالى: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ
«1» وقد أجمعت العلماء على أن الأربعة المذكورة هي رجب وذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم. وقد اختلف في الابتداء بعددها فذهب أهل المدينة إلى أنه يبتدأ بذي القعدة فيقال: ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجب؛ ويحتجّون على ذلك بأنّ النبي صلى الله عليه وسلّم عدّها في خطبة حجّة الوداع كذلك فقال: «السّنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجب» واختاره أبو جعفر النحاس. وذهب أهل الكوفة إلى أنه يبتدأ بالمحرّم فيقال: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجّة ليأتوا بها من سنة واحدة وإليه ميل الكتّاب. قال النحاس:
ولا حجّة لهم فيه لأنه إذا علم أن المقصود ذكرها في كل سنة فكيف يتوهم أنها من سنتين. وكانت العرب في الجاهلية مع ما هم عليه من الضّلال والكفر يعظّمون هذه الأشهر ويحرّمون القتال فيها حتّى لو لقي الرجل فيها قاتل أبيه لم يهجه، إلى أن حدث فيهم النسيء فكانوا ينسئون المحرّم فيؤخرونه إلى صفر فيحرّمونه مكانه وينسئون رجبا فيؤخّرونه إلى شعبان فيحرّمونه مكانه ليستبيحوا القتال في الأشهر الحرم.
واعلم أنه يجوز أن يضاف لفظ شهر إلى جميع الأشهر فيقال: شهر المحرّم، وشهر صفر، وشهر ربيع الأوّل وكذا في البواقي، على أنّ منها ثلاثة «2» أشهر لم تكد العرب تنطق بها إلا مضافة إليها، وهي شهرا ربيع وشهر رمضان؛ ويؤيد ذلك في رمضان ما ورد به القرآن من إضافته، قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
«3» وقد روى عثمان بن الأسود «4» عن مجاهد «5» أنه قال: «لا تقل رمضان
(2/403)

ولكن قل كما قال الله عز وجل: شهر رمضان، فإنك لا تدري ما رمضان» وعن عطاء نحوه وأنه قال: لعلّ رمضان اسم من أسماء الله تعالى؛ لكن قد ثبت في الصحيحين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلّم قال: «إذا جاء رمضان أغلقت النّيران وصفّدت الشّياطين» الحديث وهذا صريح في جواز تعريته عن الإضافة.
وقد اختلف الناس في ذلك على ثلاثة مذاهب أصحّها أنه يجوز تعريته عن لفظ شهر مطلقا، سواء قامت قرينة أم لا، فيقال جاء رمضان وصمت رمضان، وما اشبه ذلك وهو ما رجّحه النوويّ في شرح مسلم، والثاني المنع مطلقا، والثالث إن حفّت قرينة تدلّ على الشهر كما في قوله: صمت رمضان فقد جازت التعرية، وإن لم تحفّ قرينة لم تجز؛ وزاد بعضهم فيما يضاف إليه لفظ شهر رجب أيضا، وقال كل شهر في أوّله حرف راء فلا يقال إلا بالإضافة. ويقال في المحرّم أيضا شهر الله المحرّم ويقال في الربيعين: ربيع الأوّل وربيع الآخر، وفي الجماديين: جمادى الأولى وجمادى الآخرة، قال ابن مكيّ «1» : ولا يقال جمادى الأوّل بالتذكير وجوّزه في كلامه على «تثقيف اللسان» «2» .
قال النحاس: وإنما قالوا ربيع الآخر وجمادى الآخرة ولم يقولوا ربيع الثاني وجمادى الثانية كما قالوا: السنة الاولى والسنة والثانية لأنه إنما يقال الثاني والثانية لما له ثالث وثالثة، ولمّا لم يكن لهذين ثالث ولا ثالثة قيل فيهما الآخر والآخرة كما قيل: الدنيا والآخرة؛ على أن أكثر استعمال أهل الغرب على ربيع الثاني وجمادى الثانية. ويقال في رجب الفرد: لانفراده عن بقية الأشهر الحرم، ويقال
(2/404)

فيه أيضا: رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، ويقال في شعبان المكرّم لتكرمته وعلوّ قدره، وفي رمضان: المعظّم والمعظّم قدره لعظمته وشرفه، وفي شوّال المبارك للفرق بينه وبين شعبان خشية الالتباس في الكتابة، ويقال في كلّ من ذي القعدة وذي الحجّة الحرام. قال النحاس: وقد جاء في ذي الحجة أيضا الأصمّ، وروى فيه حديثا بسنده من رواية مرّة الهمداني «1» عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم خطيبا على ناقة حمراء مخضرمة «2» ، فقال:
أتدرون أيّ يوم يومكم هذا؟ قلنا: يوم النحر قال: صدقتم يوم الحجّ الأكبر، اتدرون أيّ شهر شهركم هذا؟ قلنا: ذو الحجّة قال: صدقتم شهر الله الأصمّ.
الرواية الثانية- ما روي عن العرب العاربة
، وهو أنهم كانوا يقولون في المحرّم: المؤتمر أخذا من أمر القوم إذا كثروا بمعنى أنهم يحرّمون فيه القتال فيكثرون. وقيل أخذا من الائتمار بمعنى «3» أنه يؤتمر فيه بترك الحرب، ويجمع على مؤتمرات ومآمر ومآمير. ويقولون في صفر: ناجر إما من النّجر والنّجار (بفتح النون وكسرها) الأصل، بمعنى أنه أصل للحرب لأنه يبتدأ فيه بعد المحرم؛ وإما من النّجر وهو السّوق الشديد. لشدة سوقهم الخيل إلى الحرب فيه، وإما من النجر، وهو شدّة الحرّ لشدة حرارة الحرب فيه، ويجمع على نواجر. ويقولون في شهر ربيع الأوّل: خوّان (بالخاء المعجمة) لأن الحرب تشتدّ فيه فتخونهم فتنقصهم، ويجمع على خوّانات وخواوين وخواون. ويقولون في ربيع الآخر:
وبصان، أخذا من الوبيص وهو البريق: لبريق الحديد فيه، ويجمع على وبصانات، وحكى قطرب فيه بصان فيجمع على أبصنة وفي الكثرة بصنان.
ويقولون لجمادى الأولى: حنين لأنهم يحنّون فيه إلى أوطانهم لكونه كان يقع في
(2/405)

زمن الربيع، ويجمع على أحنّة وحنن كرغيف ورغف. ويقولون لجمادى الآخرة:
ربّى وربّة لأنه يجتمع به لجماعة من الشهور التي ليست بحرم وهي ما بعد صفر.
قال أبو عبيد: ربّان كل شيء جماعته، ويجمع على ربّيات وربايا مثل حبالى.
ومن قال ربّة جمعه على مآريب «1» . ويقولون في رجب: الأصم لما تقدّم من أنه لا يسمع صوت السلاح ولا الاستغاثات فيه، ويجمع على أصامّ. قال النحاس: ولا تقل صمّ لأنه ليس بنعت كما أنك لو سمّيت رجلا أحمر جمعته على أحامر ولم تجمعه على حمر. ويقولون في شعبان: عادل «2» ، بمعنى أنهم يعدلون فيه عن الإقامة لتشعبهم في القبائل ويجمع على عوادل. ويقولون في رمضان: ناتق لكثرة المال عندهم فيه لإغارتهم على الأموال في الذي قبله، ويجمع على نواتق.
ويقولون في شوّال: وعل أخذا من قولهم: وعل إلى كذا إذا لجأ إليه لأنهم يهربون فيه من الغارات لأن بعده الأشهر الحرم فيلجأون فيه إلى أمكنة يتحصّنون فيها، ويجمع على أوعال ككتف وأكتاف، وفي الكثرة وعول. ويقولون في ذي القعدة:
ورنة والواو فيه منقلبة عن همزة أخذا من أرن إذا تحرّك لأنه الوقت الذي يتحرّكون فيه إلى الحج، أو من الأرون وهو الدنوّ لقربه من الحج ويجمع على ورنات ووران كجفان. ويقولون في ذي الحجة: برك، غير مصروف لأنه معدول عن بارك، أو على التكثير كما يقال: رجل حكم وهو مأخوذ من البركة لأن الحج فيه، أو من برك الجمل لأنه الوقت الذي تبرك فيه الإبل للموسم، ويجمع على بركان مثل نغر ونغران.
وفي هذه الأسماء خلاف عند أهل اللغة والمشهور ما تقدّم ذكره «3» .
وقد نظم بعضهم ذلك في أبيات على الترتيب فقال:
بمؤتمر وناجر ابتدأنا ... وبالخوّان يتبعه البصان
(2/406)

وربّى ثم أيّدة تليه ... تعود أصمّ صمّ به السّنان
[وعادلة وناطلة جميعا ... وواغلة فهم غرر حسان] «1»
وورنة بعدها برك فتمّت ... شهور الحول يعربها البيان
ثم للناس في إخراج أوّل الشهر العربي طرق، أسهلها أن تعرف أوّل يوم من المحرّم، ثم تعدّكم مضى من السنة من الشهور بالشهر الذي تريد أن تعرف أوّله وتقسمها نصفين، فإن كان النصف صحيحا أضفت على الجملة مثل نصفه، وإن كان مكسورا كملته وأضفته على الجملة، ثم تبتدىء من أوّل يوم من السنة وتعدّ منه أياما على توالي أسماء الأيام بعدد ما حصل معك من الأصل والمضاف، فحيث انتهى عددك فذلك اليوم هو أوّل الشهر.
مثال ذلك في الصحيح النصف: إن أردت أن تعرف أوّل يوم من شعبان وكان أوّل المحرّم يوم الأحد مثلا فتعدّ من أوّل المحرم إلى شعبان وتدخل شعبان في العدد فيكون ثمانية أشهر فتقسمها نصفين يكون نصفها أربعة فتضيف الأربعة إلى الثمانية تكون اثني عشر، ثم تبتديء من يوم الأحد الذي هو أوّل المحرّم فتعدّ الأحد والاثنين والثّلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت، ثم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس فيكون انتهاء الاثني عشر في يوم الخميس فيكون أوّل شعبان يوم الخميس.
ومثاله في المكسور النصف: إذا أردت أن تعرف أوّل رمضان أيضا وكان أوّل المحرم الأحد كما تقدّم فتعدّ ما مضى من شهور السنة وتعدّ منها رمضان يكون تسعة أشهر فتقسمها نصفين يكون نصفها أربعة ونصفا فتكملها بنصف تصير خمسة فتضيفها إلى الأصل المحفوظ وهو تسعة يكون المجموع أربعة عشر، ثم تبتديء عدد الأيام من أوّل المحرم، وهو الأحد كما تقدّم فيكون انتهاء الرابع عشر
(2/407)

في يوم السبت فيكون أوّل رمضان يوم السبت.
ومن الطّرق المعتبرة في ذلك أن تنظر في الثالث من أيام النسيء من شهور القبط كم يوما مضى من الشهر العربيّ فما كان جعلته أصلا لتلك السنة، فإذا أردت أن تعرف أوّل شهر من الشهور العربية أو كم مضى من الشهر الذي أنت فيه فخذ الأصل المحفوظ معك لتلك السنة، وانظر كم مضى من السنة القبطية شهرا فخذ لكل شهرين يوما، فإن انكسرت الأشهر وجاءت فردا فاجبرها بيوم زيادة حتّى تصير زوجا، وزد على ذلك يومين أصلا أبدا؛ ثم انظركم يوما مضى من الشهر القبطي الذي أنت فيه فأضفه على ما اجتمع معك، وأسقط ذلك ثلاثين ثلاثين فما بقي فهو عدد ما مضى من الشهر العربيّ، ومنه يعرف أوّله.
ومثال ذلك: نظرت في الثالث من أيام النسيء فوجدت الماضي من الشهر العربيّ ثلاثة أيام فكانت أصلا لتلك السنة، ثم نظرت في الشهور القبطية فوجدت الشهر الذي أنت فيه أمشير مثلا فتعدّ من أوّل شهور السنة القبطية (وهو توت) إلى أمشير يكون ستة أشهر فتأخذ لكل شهرين يوما تكون ثلاثة أيام فتضيفها على الأصل الذي معك من أيام النسيء وهو ثلاثة تصير ستة فزد عليها اثنين يصير المجموع ثمانية، ثم تنظر في الشهر القبطي الذي أنت فيه (وهو أمشير) تجده قد مضى منه يومان فتضيفهما على المجموع يكون عشرة، وهو الماضي من الشهر العربي الذي أنت فيه ومنه يعرف أوّله.
الضرب الثاني شهور اليهود
والشهر عندهم من الاجتماع إلى الاجتماع، وهو اقتران الشمس والقمر في آخر الشهر ولذلك توافق شهورهم في التقدير شهور العرب، ولا تخالف أوائلها إلا بيوم واحد في بعض الأحيان لأسباب في ملّتهم ولكنها لا تطابق شهرا لشهر، فإنّ شهور العرب غير مكبوسة، وشهور اليهود مكبوسة، وهذه الطريقة لا تعرف إلا بتقويم الكواكب ومعرفة سير الشمس والقمر؛ ولذلك لا يعرف شهور اليهود منهم
(2/408)

إلا الآحاد، وشهورهم وهي اثنا عشر شهرا بعضها ثلاثون، وبعضها تسعة وعشرون على ما يقتضيه مسير الشمس والقمر، وفي السنة الكبيسة تكون شهورهم ثلاثة عشر شهرا كما سيأتي، وشهورهم توافق شهور السّريان في بعض أسمائها دون بعض، الأوّل تشرى، الشهر الثاني مرحشوان، الشهر الثالث كسلا «1» ، الشهر الرابع طابات «2» ، الشهر الخامس شباط «3» ، الشهر السادس آذار «4» ، الشهر السابع نيسان «5» ، الشهر الثامن أيار، الشهر التاسع سيوان، الشهر العاشر تموز، الشهر الحادي عشر آب، الشهر الثاني عشر أيلول، وفي السنة التي يكبسون فيها بعد كل سنة أو بعد كل سنتين على ما سيأتي بيانه يكبسون شهرا كاملا بعد آذار وهو الشهر السادس من شهورهم ويسمونه آذار الثاني، وسيأتي ذلك مفصلا في الكلام على السنين إن شاء الله تعالى. وقد تقدّم أنها توافق شهور العرب إلا في القليل إلا أنها يدخلها الكبس لأمور في ملّتهم، وسيأتي الكلام على كبسهم عند ذكر السنين إن شاء الله تعالى.
القسم الثاني من الشهور الاصطلاحيّ والمراد به الشمسيّ
وهي مدّة قطع الشمس مدار برج من بروج الفلك الاثني عشر، وذلك ثلاثون يوما وثلاثة عشر «6» يوما تقريبا، وعليه عمل القبط، والفرس، والسريان، والروم. وهي على صنفين:
(2/409)

الصنف الأول ما يكون كلّ شهر من شهور السنة ثلاثين يوما وما فضل عن ذلك جعل نسيئا بين الشهور وهو الشهور القبط، والفرس
فأما شهور القبط (وتنسب لدقلطيانوس الملك) فكلّ شهر منها ثلاثون يوما وأيام النسيء في آخر الثاني عشر منها وهي خمسة أيام.
الشهر الأوّل منها توت، ودخوله في العشرين من آب من شهور السّريان، وآخره السادس والعشرون من أيلول منها، فيه يدرك الرّطب، ويكثر السّفرجل والعنب الشّتويّ، وتبتديء المحمضات. وأوّل يوم منه يوم النّيروز وهو رأس سنة القبط، وفي سابعه يبتديء لقط الزيتون؛ وفي سابع عشره عيد الصليب، فيه تفتح أكثر الترع بمصر، وفي ثامن عشره أوّل فصل الخريف، وفي تاسع عشره يبتديء هيجان السوداء في البدن، وفي العشرين منه يفصد البلسان وفي الحادي والعشرين منه يبتدىء بيض النّعام، وفي الرابع والعشرين منه أول دي ماه من شهور الفرس؛ وفي الثامن والعشرين منه يذهب الحر، وفي التاسع والعشرين منه أوّل رعي الكراكيّ، وفي الثلاثين منه وهو آخره يزرع الهليون.
الشهر الثاني بابه، ودخوله في السابع والعشرين من أيلول من شهور السّريان، وآخره السادس والعشرون من تشرين الأوّل منها، فيه يبذر كلّ ما لا تشقّ له الأرض كالبرسيم وغيره؛ وفي آخره تشقّ الأرض بالصعيد؛ وفيه يحصد الأرز، ويطيب الرّمّان، وتضع الضأن والمعز والبقر الخيسيّة «1» ، ويستخرج دهن الآس واللينوفر، ويدرك الثمر والزبيب وبعض المحمضات، وفي ثالثه رأس سنة السريان؛ وفي رابعه أوّل تشرين الأوّل من شهورهم، وفي خامسه عرس النيل؛ وفي سادسه يطيب شرب الدواء؛ وفي سابعه «2» نهاية زيادة النيل؛ وفي ثامنه يكره
(2/410)

خروج الدم؛ وفي حادي «1» عشره يبتديء النيل في النقص، وفي ثالث عشره بداية الوخم؛ وفي رابع عشره يكثر الناموس؛ وفي خامس عشره يبتديء زرع القرط؛ وفي سادس عشره تبتديء كثرة السّعال، وفي تاسع عشره يبتديء زرع السّلجم «2» ، وفي الثاني والعشرين منه يبتديء صلاح المواشي، وفي الثالث والعشرين منه تبتديء كثرة الغيوم، وفي الرابع والعشرين منه تبتديء أهل مصر الزرع، وفي السابع والعشرين منه يبتديء سمن الحيتان، وفي الثامن والعشرين منه أوّل المدّ، وفي التاسع والعشرين منه أوّل الليالي البلق.
الشهر الثالث هتور «3» ؛ ودخوله في السابع والعشرين من تشرين الأول؛ وآخره الخامس والعشرون من تشرين الثاني. فيه يزرع القمح ويطلع البنفسج والمنثور، وأكثر البقول، ويجمع ما بقي من الباذنجان وما يجري مجراه، ويحمل العنب من قوص، وفي ثانيه يبتديء حصاد الأرز، وفي خامسه أوّل تشرين الثاني من شهور السريان، وفيه يبتديء برد المياه، وفي سادسه أوّل المطر الوسميّ، وفي سابعه يبتديء أهل الشام الزّرع «4» ، وفي ثامنه يبتديء هبوب الرياح الجنوبيّة وفي تاسعه «5» يبتديء زرع الخشخاش وفي حادي عشره يبتدىء اختفاء الهوامّ، وفي ثالث عشره يبتديء غليان البحر، وفي رابع عشره تعمى الحيّات، وفي سادس عشره يجمع الزعفران، وفي ثامن عشره تكثر الوحوش، وفي الثامن والعشرين منه يغلق البحر الملح وتمتنع السّفن من السفر فيه لشدّة الرياح، وفي الثالث والعشرين منه تبتديء سخونة بطن الأرض، وفي الرابع والعشرين منه أوّل اسفيدار ماه من شهور الفرس.
الشهر الرابع كيهك؛ ودخوله في السادس والعشرين من تشرين الثاني من شهور السّريان، وآخره الخامس والعشرون من كانون الأوّل منها، فيه تدرك
(2/411)

الباقلاء وتزرع الحلبة وأكثر الحبوب، ويدرك النّرجس والبنفسج، وتتلاحق المحمضات، وفي أوّله ابتداء أربعينيّات مصر، وفي ثالثه يبتديء موت الذّباب، وفي خامسه «1» أوّل كانون الأوّل من شهور السّريان، وفي سابعه «2» آخر الليالي البلق وأوّل الليالي السّود «3» ، وفي حادي عشره «4» يبتديء الشجر في رمي أوراقه، وفي ثاني عشره تظهر البراغيث، وفي سابع عشره أوّل فصل الشتاء وهو أوّل أربعينيّات الشام، وفي ثامن عشره يتنفّس النهار، وفي الحادي والعشرين منه يكثر الطير الغريب بمصر، وفي الثالث والعشرين منه أوّل مردوماه «5» من شهور الفرس، وهو نوروزهم وأوّل سنتهم، وفي الخامس والعشرين منه يهيج البلغم، وفي السادس والعشرين منه تلقح الإبل، وفيا السابع والعشرين منه يكثر شرب الماء في الليل، وفي الثلاثين منه يبتديء تقليم الكروم «6» .
الشهر الخامس طوبه، ودخوله في السادس والعشرين من كانون الأوّل من شهور السريان، وآخره الرابع والعشرون من كانون الثاني منها، في زرع القمح فيه تغرير، وفيه تشقّ الأرض للقصب والقلقاس، ويتكامل النّرجس، وفي أوّله تبيت الرياح الشديدة، وفي ثانيه يدرك القرط، وفي سادسه أوّل كانون الثاني من شهور السّريان، وفي عاشره آخر «7» أربعينيّات مصر، وفي حادي عشره أوّل نصب الكروم، وفي ثاني عشره يشتدّ البرد، وفي ثالث عشره يبتديء زرع المقات، وفي
(2/412)

سابع عشره يبتديء غرس الأشجار، وفي ثامن عشره تبتديء كثرة النّدى، وهو آخر «1» الليالي السود، وفي تاسع عشره يبتديء وقوع الثلج بالشام وغيره، وفي الرابع والعشرين منه يبتديء صفو ماء النيل، وفي التاسع والعشرين منه يبتديء اختلاف الرياح.
الشهر السادس أمشير؛ ودخوله في الخامس والعشرين من كانون الثاني من شهور السريان وآخره الثالث والعشرون من شباط منها. فيه تغرس الأشجار، وتقلّم الكروم، ويدرك النبق واللوز الأخضر، ويكثر البنفسج والمنثور، وفي رابعه «2» يبتديء إفراخ النخل، وفي سادسه أوّل شباط من شهور السّريان، وفي حادي عشره يبتديء إنتاج الطيور وزرع بقول الصّيف، وفي ثاني عشره يبتديء تحرّك دوابّ البحر، وفي الثاني «3» والعشرين منه ثاني جمرة فاترة، ويبتديء مرض الأطفال، ويبتديء خروج ورق الشجر، وفي الثالث والعشرين منه يبتديء خروج الدوابّ للمرعى وفي الرابع والعشرين منه أوّل حردادماه من شهور الفرس، وفي الخامس والعشرين منه يبتديء هيجان الرّياح، وفي السابع والعشرين منه تبتديء ثالث جمرة حامية، وفي الثامن والعشرين منه أوّل المفرطات، وفي التاسع والعشرين منه آخر نهي أبقراط.
الشهر السابع برمهات، ودخوله في الرابع والعشرين من شباط من شهور السّريان، وآخره الخامس والعشرون من آذار. فيه تزهر الأشجار، ويعقد أكثر الثمار، ويزرع أوائل السّمسم ويقلع الكتّان، ويدرك الفول والعدس، وفي ثانيه يحمد خروج الدم، وهو أوّل «4» الأعجاز، وفي ثالث عشره «5» تفتّح الحيات أعينها،
(2/413)

وفي خامس عشره تطيب الألبان، وفي سادس عشره يبتديء خروج دود القزّ، وفي ثامن عشره يهيج الدم، وفي تاسع عشره «1» ظهور الهوام، وفي العشرين منه يزرع السّمسم، وفي الرابع والعشرين منه أوّل تير ماه من شهور الفرس، وفي السادس والعشرين منه يبتديء شرب المسهل، وفي السابع والعشرين «2» منه خروج الذّباب الأزرق.
الشهر الثامن برموده؛ ودخوله في السادس والعشرين من آذار من شهور السريان، وآخره الرابع والعشرون من نيسان منها، فيه تقطف أوائل عسل النحل، وفيه تكثر الباقلاء، وينفض جوز الكتّان، ويكثر الورد الأحمر، والبطن الأوّل من الجمّيز ويقلع بعض الشعير، ويدرك الخيار شنبر «3» . وفي أوّله يؤكل الفريك، وفي رابعه يعصر دهن البلسان، وفي خامسه تبتديء كثرة الزهر، وفي سادسه أوّل نيسان من شهور السّريان، وفي ثاني عشره يخاف على بعض الزرع، وفي ثامن عشره آخر قلع الكتّان، وفي العشرين منه ينهى عن أكل البقول، وفي الثاني والعشرين منه ظهور الكمأة، وفي الثالث والعشرين منه الختام الكبير للزرع، وفي الرابع والعشرين منه أوّل ترد ماه من شهور الفرس، وفي الخامس والعشرين منه نهاية مدّ الفرات، وفي الثامن والعشرين منه يبيض النّعام.
الشهر التاسع بشنس، ودخوله في الخامس والعشرين من نيسان من شهور السريان، وآخره التاسع والعشرون من أيّار منها. فيه يكثر التّفّاح القاسمي، ويبتديء التّفّاح المسكيّ، والبطّيخ العبدليّ «4» والحوفي، والمشمش، والخوخ الزّهري، والورد الأبيض. وفي نصفه يبذر الأرز، ويحصد القمح، وفي سادسه
(2/414)

أوّل أيّار من شهور السّريان، وفي رابع عشره يجمع الخشخاش، وفي ثامن عشره يجمع العصفر، وفي الحادي والعشرين منه تبتديء برودة الأرض، وفي الرابع والعشرين منه أوّل شهر برماه من شهور الفرس.
الشهر العاشر بؤنه «1» ؛ ودخوله في الخامس والعشرين من أيّار من شهور السّريان؛ وآخره الثالث والعشرون من حزيران منها، فيه يكثر الحصرم ويطيب بعض العنب والتين البونيّ وهو الديفور، والخوخ الزّهري والمشعر، والكمّثري البوهيّ، والقراصيا، والتّوت، ويطلع البلح، ويقطف جمهور العسل، وفي ثالثه يبتديء توحّم النيل، وفي سادسه يكمل الدّرياق «2» ؛ وفي سابعه أوّل حزيران من شهور السّريان، وفي تاسعه يبتديء مهبّ الريح الشمالية، وفي عاشره «3» يبتديء تنفّس النيل، وفي خامس عشره تتحرك شهوة الجماع، وفي ثاني عشره عيد ميكائيل في ليلته يوزن من الطين زنة ستة عشر درهما عند غروب الشمس ويرفع في مكان ويوزن عند طلوع الشمس فما زاد كان بكل خروبة زادت على السّتة عشر ذراع، وفي ثالث عشره يبتديء نقص الفرات، وفي رابع عشره تهبّ الرياح السّمائم، وفي تاسع عشره تذهب البراغيث، وفي العشرين منه تهيج الصفراء، وفي الثاني والعشرين منه يعقد الجوز، ويقوى اندفاع النيل، وفي الرابع والعشرين منه يثور وجع العين وهو أوّل مهر ماه من شهور الفرس، وفي السابع والعشرين «4» منه يؤخذ قاع النيل، وفي الثامن والعشرين «5» منه ينادى عليه، وفي التاسع والعشرين منه يدرك البّطيخ.
الشهر الحادي عشر أبيب، ودخوله في الرابع والعشرين من حزيران من
(2/415)

شهور السريان، وآخره الثالث والعشرون من تمّوز منها، فيه يكثر العنب والتين ويقلّ البطّيخ العبدليّ ويطيب البلح وتقطف بقايا العسل وتقوى زيادة النيل، وفي رابعه أوّل نهي أبقراط، وفيه يموت الجراد، وفي سابعه أوّل تمّوز من شهور السريان، وفي عاشره يبتديء وقع الطاعون، وفي ثاني عشره تبتديء قوة السمائم، وفي ثالث عشره تدرك الفاكهة، وفي سابع عشره «1» تغور العيون، وفي ثامن عشره يجمع السّمّاق، وفي الثاني والعشرين منه يدرك الفستق، وفي الرابع والعشرين منه أوّل أبان ماه من شهور الفرس، وفي السادس والعشرين منه طلوع الشّعرى اليمانية، وفي التاسع والعشرين منه يدرك نخل الحجاز.
الشهر الثاني عشر مسرى، ودخوله في الرابع والعشرين من تموز من شهور السريان، وآخره السابع والعشرون من آب منها، فيه يعمل الخلّ، ويدرك البسر والموز، وتتغيّر طعوم الفاكهة لغلبة الماء على الأرض، ويدرك اللّيمون التّفّاحيّ «2» ، ويبتديء إدراك الرّمّان، وفي رابعه نقصان الدّجلة، وفي خامسه أوّل العصير، وفي ثامنه أوّل آب من شهور السّريان، وفي ثاني عشره فصال المواشي، وفي رابع عشره تقلّ الألبان، وفي خامس عشره تسخن المياه، وفي سابع عشره تختلف الرياح، وفي ثامن عشره يحذر لسع الهوامّ، وفي الثاني والعشرين منه آخر العصير، وفي الرابع والعشرين منه يهيج النّعام، وفي الخامس والعشرين منه تكثر الغيوم، وفي الثامن والعشرين «3» منه آخر السّمائم، وفي التاسع والعشرين منه أوّل آذرماه من شهور الفرس.
أيام النسيء «4» - ودخولها في الثامن والعشرين من آب من شهور السريان ويختلف آخرها باختلاف السنة الكبيسة وغيرها.
وقد وضع الناس طرقا لإخراج أوّل الشهر القبطيّ بالحساب، أقربها أن تعرف
(2/416)

يوم النّيروز ثم تعدّ ما مضى من الشهور القبطية بالشهر الذي تريد أن تعرف أوّله فما كان فأضعفه فما تحصّل فأسقط منه واحدا أبدا، ثم أسقط الباقي سبعة سبعة فما فضل فعدّ من يوم النّيروز إلى آخر الباقي بعد الإسقاط على توالي الأيام فأينما انتهى العدد فذلك اليوم هو أوّل الشهر المطلوب.
مثال ذلك، كان يوم النيروز الأحد، وأردنا أن نعرف أوّل أمشير، عددناكم مضى من أوّل الشهور القبطية وعددنا منها أمشير، وجدنا ذلك ستة، أضعفناها صارت اثني عشر، أسقطنا منها واحدا بقي أحد عشر، أسقطنا منها سبعة بقي أربعة، عددنا من يوم النيروز وهو الأحد أربعة فكان آخرها يوم الأربعاء فعلمنا أن أوّل أمشير الأربعاء.
وأما شهور الفرس، فهي اثنا عشر شهرا كلّ شهر منها ثلاثون يوما، وأيام النّسيء خمسة أيام في آخر الشهر الثامن منها وهو أبان ماه. الشهر الأوّل منها افرودين ماه، ودخوله في الرابع والعشرين من كيهك من شهور القبط، وآخره الثالث والعشرون من طوبه منها، وأوّل يوم منه نيروز الفرس ورأس سنتهم. الشهر الثاني ارديهشتماه ودخوله في الرابع والعشرين من طوبه من شهور القبط، وآخره الثالث والعشرون من أمشير منها. الشهر الثالث حرداد ماه، ودخوله في الرابع والعشرين من أمشير من شهور القبط، وآخره الثالث والعشرون من برمهات منها.
الشهر الرابع تيرماه، ودخوله في الرابع والعشرين من برمهات من شهور القبط، وآخره الثالث والعشرون من برموده منها. الشهر الخامس تردماه، ودخوله في الرابع والعشرين من برموده من شهور القبط، وآخره الثالث والعشرون من بشنس منها. الشهر السادس شهر برماه، ودخوله في الرابع والعشرين من بشنس من شهور القبط، وآخره الثالث والعشرون من بؤنه منها. الشهر السابع مهرماه، ودخوله في الرابع والعشرين من بؤنه من شهور القبط، وآخره الثالث والعشرون من أبيب منها. الثامن أبان ماه، ودخوله في الرابع والعشرين من أبيب من شهور القبط، وآخره الثالث والعشرون من مسرى، منها أيام النسيء، وتسمّى بالفارسية الاندركاه، ودخولها في الرابع والعشرين من مسرى وآخرها الثامن والعشرون
(2/417)

منها. الشهر التاسع ادرماه، ودخوله في التاسع والعشرين من مسرى من شهور القبط، وآخره الثالث والعشرون من توت. الشهر العاشر دي ماه، ودخوله في الرابع والعشرين من توت من شهور القبط، وآخره الثالث والعشرون من بابه منها.
الشهر الحادي عشر بهمن ماه، ودخوله في الرابع والعشرين من بابه من شهور القبط، وآخره الثالث والعشرون من هاتور منها. الشهر «1» الثاني عشر [اسفندارماه، ودخوله في الرابع والعشرين من هاتور من شهور القبط، وآخره الثالث والعشرون من كيهك منها] .
ولكل يوم من أيام الشهر عندهم اسم خاص يزعمون أنه اسم ملك من الملائكة موكل به.
وقد علم مما تقدّم من شهور القبط ما يقع في هذه الشهور من ... «2»
والفواكه وغيرها.
الصنف الثاني من الشهور الاصطلاحية ما يختلف عدده بالزيادة والنقصان، فيكون بعض الشهور فيه ثلاثين، وبعضها أقلّ، وبعضها أكثر، وهو شهور السريان والروم
فأما شهور السريان وتنسب للإسكندر «3» فاثنا عشر شهرا، منها أربعة كل
(2/418)

شهر منها ثلاثون يوما، وشهر واحد ناقص عن الثلاثين، وسبعة زائدة عليها. الشهر الأوّل منها تشرين الأوّل، وهو أحد وثلاثون يوما، ودخوله في الرابع من بابه من شهور القبط، وآخره الرابع من هاتور منها، ويوافقه أكتوبر من شهور الروم، وهو الشهر العاشر منها. الشهر الثاني تشرين الثاني، وهو ثلاثون يوما، ودخوله في الخامس من هاتور من شهور القبط، وآخره الرابع من كيهك منها، ويوافقه نوفمبر من شهور الروم، وهو الشهر الحادي عشر منها. الشهر الثالث كانون الأوّل وهو أحد وثلاثون يوما، ودخوله في الخامس من كيهك من شهور القبط، وآخره الخامس من طوبه منها، ويوافقه دجنبر من شهور الروم، وهو الشهر الثاني عشر منها. الشهر الرابع كانون الثاني، وهو أحد وثلاثون يوما، ودخوله في السادس من طوبه من شهور القبط، وآخره السادس من أمشير منها، ويوافقه ينير من شهور الروم، وهو الشهر الأوّل منها. الشهر الخامس أشباط، ويقال شباط، وهو ثمانية وعشرون يوما «1» ، ودخوله في السابع من أمشير، وآخره الرابع من برمهات، ويوافقه فبراير من شهور الروم، وهو الثاني من شهورهم. الشهر السادس آذار، وهو أحد وثلاثون يوما، ودخوله في الخامس من برمهات من شهور القبط، وآخره الخامس من برموده منها، ويوافقه مارس من شهور الروم، وهو الثالث من شهورهم. الشهر السابع نيسان، وهو ثلاثون يوما، ودخوله في السادس من برموده من شهور القبط، وآخره الخامس من بشنس منها، ويوافقه ابريل من شهور الروم، وهو الرابع من شهورهم. الشهر الثامن أيّار، وهو أحد وثلاثون يوما، ودخوله في السادس من بشنس من شهور القبط، وآخره السادس من بؤنه منها، ويوافقه مايه من شهور الروم، وهو الخامس من شهورهم. الشهر التاسع حزيران،
(2/419)

وهو ثلاثون يوما، ودخوله في السابع من بؤنه من شهور القبط، وآخره السادس من أبيب منها، ويوافقه يونيه من شهور الروم، وهو السادس من شهورهم. الشهر العاشر تمّوز، وهو أحد وثلاثون يوما، ودخوله في السابع من أبيب من شهور القبط، وآخره السابع من مسرى منها، ويوافقه يوليه من شهور الروم، وهو السابع من شهورهم. الشهر الحادي عشر آب، وهو أحد وثلاثون يوما، ودخوله في الثامن من مسرى من شهور القبط، وآخره الثالث من توت منها، ويوافقه اغشت من شهور الروم، وهو الثامن من شهورهم. الشهر الثاني عشر أيلول وهو ثلاثون يوما، ودخوله في الرابع من توت من شهور القبط، وآخره الثالث من بابه منها، ويوافقه ستنبر من شهور الروم، وهو التاسع من شهورهم، وبذهابه يذهب الحر جملة، وفي ذلك يقول أبو نواس:
مضى أيلول وارتفع الحرور ... وأخبت نارها الشّعرى العبور
وقد نظمها صاحبنا الشيخ إبراهيم الدهشوري في أبيات ابتدأ فيها بأيلول فقال:
وابدأ بأيلول من السّرياني ... تشرين الأوّل يتبعنه الثاني
كانون كانون شباط يطلع ... آذار نيسان أيار يتبع
ثمّ حزيران وتمّوز وأب ... تبارك الرحمن يهدي من أحب
وقد نظم الشيخ أبو عبد الله الكيزاني «1» رحمه الله أبياتا ذكر فيها الأشهر التي منها ثلاثون يوما والناقصة عن الثلاثين ولم يتعرّض للزائدة على الثلاثين وليست بالطائل، وهي هذه:
شهور الرّوم ألوان زيادات ونقصان ... فتشرينهم الثاني وأيلول ونيسان
(2/420)

ثلاثون ثلاثون سواء وحزيران ... شباط خصّ بالنقص وقدر النّقص يومان
ونظم صاحب «مناهج الفكر» «1» تداخلها مع شهور القبط في أرجوزة فجاءت في غاية الحسن والوضوح إلا أن فيها طولا، وهي هذه:
متى تشأ معرفة التّداخل ... من أوّل الشّهور في المنازل
فعدّ من توت بلا تطويل ... أربعة فهي ابتدا أيلول
وبابة كذاك مع تشرين ... الأوّل السابق في السنين
والخامس المعدود من هتور ... أوّل تشرينهم الأخير
أوّل كانون بغير دلسه ... إذا نقصت من كيهك خمسه
وطوبة إن مرّ منه ستّة ... أتاك كانون الأخير بغته
ومن شباط أوّل يوافق ... سابع أمشير حساب صادق
أول آذار إذا جعلته ... لبرمهات خامسا وجدته
أوّل نيسان لدى التّجريد ... السادس المعدود من برمود
ومثله أيار مع بشنس ... واحدة مقرونة بخمس
أمّا حزيران فيحسبونه ... أوّله السابع من بؤنه
كذلك السابع من أبيب ... أوّل تمّوز بلا تكذيب
أوّل آب عند من يحصّل ... ثامن مسرى ذاك ما لا يجهل
وبالغ بعض المتأخرين فنظم معنى هذه الأرجوزة في بيت واحد، الحرف الأوّل من الكلمة منه للشهر السريانيّ والحرف الأخير للشهر القبطيّ وما بينهما لعدد الأيام التي إذا مضت من ذلك الشهر القبطيّ دخل ذلك الشهر السرياني وهو:
أدّت تدب تهه كهك كوط أزا ... أهب نوب أوب حزب تزا أحم
فالألف من أدّت إشارة لأيلول من شهور السّريان، وهو آخر شهورهم،
(2/421)

والتاء إشارة لتوت من شهور القبط، وهو أوّل شهورهم، والدال من أدت بأربعة، ففي الرابع من توت يدخل أيلول، والتاء من تدب إشارة لتشرين الأوّل، والباء إشارة لبابه، والدال بينهما بأربعة، ففي الرابع من بابه يدخل تشرين الأوّل، والتاء من تهه إشارة لتشرين الثاني، والهاء الأخيرة إشارة لهتور، والهاء المتوسطة بينهما بخمسة ففي الخامس من هاتور يدخل تشرين الثاني، والكاف الأولى من كهك إشارة لكانون الأوّل والكاف الأخيرة إشارة لكيهك والهاء بينهما بخمسة، ففي الخامس من كيهك يدخل كانون الأوّل، والكاف من كوط إشارة لكانون الثاني، والطاء إشارة لطوبه، والواو بينهما بستة، ففي السادس من طوبه يدخل كانون الثاني؛ والألف الأولى من أزا إشارة لأشباط، والألف الأخيرة إشارة لأمشير، والزاي بينهما بسبعة، ففي السابع من أمشير يدخل أشباط؛ والألف من أهب إشارة لآذار، والباء إشارة لبرمهات، والهاء بينهما بخمسة، ففي الخامس من برمهات يدخل آذار، والنون من نوب إشارة لنيسان، والباء إشارة لبرموده، والواو بينهما بستة، ففي السادس من برموده يدخل نيسان؛ والألف من أوب إشارة لأيّار، والباء إشارة لبشنس، والواو بينهما بستة، ففي السادس من بشنس يدخل أيّار؛ والحاء من حزب إشارة لحزيران، والباء إشارة لبؤنه، والزاي بينهما بسبعة، ففي السابع من بؤنه يدخل حزيران، والتاء من تزأ إشارة لتموز، والألف إشارة لأبيب، والزاي بينهما بسبعة، ففي السابع من أبيب يدخل تمّوز، والألف من أحم إشارة لآب، والميم إشارة لمسرى، والحاء بينهما بثمانية، ففي الثامن من مسرى يدخل آب.
وأما شهور الروم: (وتنسب لأغشطش «1» ملك الروم) وهو قيصر الأوّل، فاثنا عشر شهرا؛ بعضها ثلاثون يوما، وبعضها زائد على الثلاثين، وبعضها ناقص عنها كما في شهور السريان؛ وهي مطابقة لشهور السريان في العدد، مخالفة لها في الأسماء والترتيب. الشهر الأوّل ينير، ويوافقه كانون الثاني من شهور السريان، وهو الرابع من شهورهم، وفي أوّل يوم منه يكون القلداس، ويوقد أهل الشام في
(2/422)

ليلته نيرانا عظيمة، لا سيما مدينة أنطاكية، وكذلك سائر بلاد الشام وأرض الروم، وسائر بلاد النصارى. الشهر الثاني فبرير، ويوافقه شباط من شهور السريان؛ وهو الخامس من شهورهم. الشهر الثالث مارس، ويوافقه آذار من شهور السريان؛ وهو السادس من شهورهم. الشهر الرابع ابريل؛ ويوافقه نيسان من شهور السريان، وهو السابع من شهورهم. الشهر الخامس مايه، ويوافقه أيّار من شهور السريان، وهو الثامن من شهورهم. الشهر السادس يونيه؛ ويوافقه حزيران من شهور السريان، وهو التاسع من شهورهم. الشهر السابع يوليه، ويوافقه تمّوز من شهور السريان، وهو العاشر من شهورهم. الشهر الثامن أغشت، ويوافقه آب من شهور السريان، وهو الحادي عشر من شهورهم. الشهر التاسع شتنبر، ويوافقه أيلول من شهور السريان، وهو الثاني عشر من شهورهم. الشهر العاشر أكتوبر، ويوافقه تشرين الأوّل من شهور السريان، وهو الأوّل من شهورهم. الشهر الحادي عشر نونمبر، ويوافقه تشرين الثاني من شهور السريان، وهو الثاني من شهورهم.
الشهر الثاني عشر دجنبر، ويوافقه كانون الأوّل من شهور السريان، وهو الثالث من شهورهم، وقد نظمها الشيخ إبراهيم الدهشوري فقال:
ينير فبرير مارس للروم ... أبريل مايه خامس المعلوم
ينيه ويليه ثمّ اغشت شتنبر ... أكتوبر نونمبر دجنبر
الطرف الثالث في السنين، وفيه ثلاث جمل
الجملة الأولى في مدلول السنة والعام
يقال: السنة، والعام، والحول؛ وقد نطق القرآن بالأسماء الثلاثة قال تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً
«1» فأتى بذكر السنة والعام في
(2/423)

آية واحدة، وقال جل وعز: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ
«1» وقد تختص السنة بالجدب والعام بالخصب، وبذلك ورد القرآن الكريم في بعض الآيات قال تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
«2» فعبر بالعام عن الخصب وقال جل ذكره: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ
«3» فعبر بالسنين عن الجدب. على أنه قد وقع التعبير بالسّنين عن الخصب أيضا في قوله تعالى: قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ
«4» . أما الحول فإنه يقع على الخصب والجدب جميعا.
الجملة الثانية في حقيقة السنة، وهي على قسمين: طبيعيّة واصطلاحية كما تقدّم في الشهور
القسم الأوّل السنة الطبيعية وهي القمريّة
وأوّلها استهلال القمر في غرّة المحرّم، وآخرها سلخ ذي الحجّة من تلك السنة، وهي اثنا عشر شهرا هلاليّا قال تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
«5» . وعدد أيّامها ثلاثمائة يوم وأربعة وخمسون يوما وخمس وسدس يوم تقريبا؛ ويجتمع من هذا الخمس والسدس يوم في كل ثلاث سنين فتصير السنة ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوما، ويبقى من ذلك بعد اليوم الذي اجتمع شيء، فيجتمع منه ومن خمس اليوم وسدسه في السنة السادسة يوم واحد، وكذلك إلى أن يبقى الكسر أصلا بأحد عشر يوما عند
(2/424)

تمام ثلاثين سنة، وتسمّى تلك السنين كبائس العرب.
قال السهيلي «1» : كانوا يؤخّرون في كل عام أحد عشر يوما حتّى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة فيعود إلى وقته، فلما كانت سنة حجّة الوداع وهي سنة تسع من الهجرة عاد الحجّ إلى وقته اتفاقا في ذي الحجّة كما وضع أوّلا، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلّم فيه الحجّ، ثم قال في خطبته التي خطبها يومئذ: «إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّموات والأرض» بمعنى أن الحج قد عاد في ذي الحجّة.
وفي بعض التعاليق أن سني العرب كانت موافقة لسني الفرس في الدخول والانسلاخ فحدث في أحوالهم انتقالات فسد عليهم بها الكبس في أوّل السنة السادسة من ملك أغبطش، وذلك بعد ملك ذي القرنين بمائتين وثمانين سنة وأربعين يوما فسنّوا كبس الربع من ذلك اليوم في كل سنة فصارت سنينهم بعد ذلك الوقت محفوظة المواقيت. وقيل لم تزل العرب في جاهليتها على رسم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لا تنسأ سنيها إلى أن جاورتهم اليهود في يثرب، فأرادت العرب أن يكون حجّهم في أخصب وقت من السنة، وأسهل زمان للتردّد بالتجارة فعلموا الكبس من اليهود والله أعلم أيّ ذلك كان.
القسم الثاني الاصطلاحية وهي الشمسيّة
وشهورها اثنا عشر شهرا كما في السنة الطبيعية إلا أن كل طائفة راعت عدم دوران سنيها جعلت في أشهرها زيادة في الأيام إما جملة واحدة وإما متفرّقة وسمّتها نسيئا بحسب ما اصطلحوا عليه كما ستقف عليه في مصطلح كل قوم إن شاء الله تعالى. وعدد أيّامها عند جميع الطوائف من القبط، والفرس، والسريان، والروم،
(2/425)

وغيرهم ثلاثمائة يوم وخمسة وستون يوما وربع يوم، فتكون زيادتها على العربية عشرة أيام وثمانية أعشار يوم وخمسة أسداس يوم. وقد قال بعض حذّاق المفسرين في قوله تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً
«1» إنه إن حمل على السنين القمرية فهو على ظاهره من العدد، وإن حمل على السنين الشمسية فالتسع الزائدة هي تفاوت زيادة الشمسية على القمرية، لأنّ في كل ثلاثمائة سنة تسع سنين لا تخلّ بالحساب أصلا.
قال صاحب «مناهج الفكر» : ولذلك كانوا في صدر الإسلام يسقطون عند رأس كل ثلاث وثلاثين سنة عربيّة سنة ويسمّونها سنة الازدلاف، لأن كل ثلاث وثلاثين سنة عربية اثنتان وثلاثون سنة شمسية تقريبا. قال: وإنما حملهم على ذلك الفرار من اسم النسيء الذي أخبر الله تعالى أنه زيادة في الكفر.
ثم المعتبرون السنة الشمسية اختلفت مصطلحاتهم فيها بحسب اختلاف مقاصدهم.
المصطلح الأوّل- مصطلح القبط
، وقد اصطلحوا على أن جعلوا شهرهم ثلاثين يوما كما تقدّم، فإذا انقضت الاثنا عشر شهرا أضافوا إليها خمسة أيام يسمّونها أيام النسيء «2» ، يفعلون ذلك ثلاث سنين متوالية، فإذا كانت السنة الرابعة أضافوا إلى خمسة النسيء المذكورة ما اجتمع من الربع يوم الزائد على الخمسة أيام في السنة الشمسية فتصير ستة أيام، ويجعلونها كبيسة في تلك السنة، وبعض ظرفائهم يسمّي الخمسة المزيدة السنة الصغيرة.
قال أصحاب الزيجات: وأوّل ابتدائهم ذلك في زمن أغشطش. وكانوا من قبل يتركون الربع إلى أن تجتمع أيام سنة كاملة وذلك في ألف سنة وأربعمائة وإحدى وستين سنة يسقطونها من سنيهم؛ وعلى هذا المصطلح استقرّ عملهم
(2/426)

بالديار المصرية في الإقطاعات، والزرع، والخراج، وما شاكل ذلك.
المصطلح الثاني- مصطلح الفرس
؛ وشهورهم كشهور القبط في عدد الأيام على ما تقدّم، فإذا كان آخر شهر أبان ماه، وهو الشهر السابع «1» من شهورهم أضافوا إليه الخمسة الأيام الباقية وجعلوه خمسة وثلاثين يوما، وتسمّي الفرس هذه الأيام الخمسة: الأندركاه؛ ولكل يوم منها عندهم اسم خاص كما في أيّام الشهر؛ ولما لم يجز في معتقدهم كبس السنة بيوم واحد بعد ثلاث سنين كما فعل القبط كانوا يؤخّرونه إلى أن يتم منه في مائة وعشرين سنة شهر كامل فيلقونه، وتسمّى السنة التي يلقى فيها بهبرك «2» ، قال المسعوديّ في «مروج الذهب» : وإنما أخّروا ذلك إلى مائة وعشرين سنة لأن أيّامهم كانت سعودا ونحوسا فكرهوا أن يكبسوا في كل أربع سنين يوما فتنتقل بذلك أيام السّعود إلى أيام النّحوس، ولا يكون النّيروز أوّل يوم من الشهر وعلى هذا المصطلح كان يجبى الخراج للخلفاء، وتتمشى الأحوال الديوانية في بداية الأمر، وعليه العمل في العراق وبلاد فارس إلى الآن.
المصطلح الثالث- مصطلح السريان
، وشهورهم على ما تقدّم من كونها تارة ثلاثين يوما وتارة زائدة عليها، وتارة ناقصة عنها، وإنما فعلوا ذلك حتّى لا يلحقهم النسيء في شهورهم إذ الأيام الخمسة المذكورة الزائدة على شهور القبط والفرس موزّعة على رؤوس الزوائد من شهورهم، وذلك أن من شهورهم سبعة أشهر يزيد كل شهر منها يوما على الثلاثين وهي تشرين الأوّل، وكانون الأوّل، وكانون الثاني، وآذار، وأيّار، وتموز، وآب، فتكون الزيادة سبعة أيام يكمل منها شباط وهو ثمانية وعشرون يوما بيومين يبقى خمسة أيام؛ وهي نظير النسيء في سنة القبط والفرس، ويبقى بعد ذلك الربع يوم الزائد على الخمسة أيام في السنة
(2/427)

الشمسية، فإذا انقضت ثلاث سنين متواليات جمعوا الأرباع الثلاثة الملغاة إلى الربع الرابع فيجتمع منها يوم فيجعلونه نظير اليوم الذي كبسه القبط ويضيفونه إلى شباط، فيصير تسعة وعشرين يوما.
المصطلح الرابع- مصطلح اليهود
، وشهورهم وإن كانت قمريّة كالعربية كما تقدّم فقد اضطرّوا إلى أن تكون سنتهم شمسيّة لأنهم أمروا في التوراة أن يكون عيد الفطر في زمان الفريك فلم يتأتّ لهم ذلك حتّى جعلوا سنيهم قسمين: الأوّل بشيطا ومعناه بسيطة وهي القمرية، والثاني معبارت، ومعناه كبيسة وهم يكبسون شهرا كاملا، ومعبارت اسم موضوع عندهم على الكامل؛ فإنه لما كان في بطنها زيادة عليها كانت هذه السنة مثلها بإضافة الشهر المكبوس إليها، وكل واحدة من السنين ثلاثة أنواع أحدها حسارين ومعناه ناقصة، وهي التي يكون الشهر الثاني والثالث منها (وهما مرحشوان وكسلا) ناقصين، وكل واحد منهما تسعة وعشرون يوما؛ والنوع الثاني شلاميم ومعناه تامّة، وهي التي يكون فيها كل شهر من الشهرين المذكورين تامّا، والنوع الثالث كسدران معناه معتدلة، وهي التي تكون أشهرها ناقص يتلوه تام؛ وهذا يلزم من جهة أنهم لا يجيزون أن يكون رأس سنتهم يوم أحد ولا يوم أربعاء ولا يوم خميس.
وأما معبارت فإنها تكون في كل تسع عشرة سنة سبع مرات، ويسمون الجملة مخزورا ومعناه الدور؛ وهذه السبعة لا تكون على التوالي، وإنمّا تكون تارة سنتان بشيطان يتلوهما معبارت، وتارة سنة بشيطا يتلوها معبارت، كل ذلك حتّى لا تخرم عليهم قاعدة الثلاثة أيام التي لا يختارونها أن تكون أوّل سنتهم، فإذا انقضى آذار من هذه السنة كبسوا شهرا وسموه آذار الثاني، فإذا انقضت التسع عشرة سنة أعادوا دورا ثانيا وعملوا فيه كذلك وعلى هذا أبدا.
أما مصطلح المنجّمين فالسنة عندهم من حلول الشمس في أوّل نقطة من رأس الحمل إلى حلولها في آخر نقطة من الحوت، ومنهم من يجعلها من حلول الشمس في أوّل نقطة من رأس الميزان إلى حلولها في آخر نقطة من السّنبلة،
(2/428)

والأوّل هو المعروف. وتساهل بعضهم فقال: هي من كون الشمس في نقطة ما من فلك البروج إلى عودها إلى تلك النقطة، ويقال إن سنة الجند والمرتزقة بالديار المصرية كانت أوّلا على هذا المصطلح، وبه يعملون في الإقطاعات ونحوها.
الجملة الثالثة في فصول السنة الأربعة وفيه ثلاثة مهايع
المهيع الأوّل في الحكمة في تغيير الفصول الأربعة في السنة
واعلم أن الفصول تختلف بحسب اختلاف طبائع السنة لتباين مصالح أوقاتها حكمة من الله تعالى. قال بطليموس: تحتاج الأبدان إلى تغيير الفصول فالشتاء للتجميد، والصيف للتّحليل، والخريف للتّدريج، والربيع للتّعديل وعلى ذلك يقال: إن أصل وضع الحمّام أربعة بيوت بعضها دون بعض على التدريج ترتيبها على الفصول الأربعة.
المهيع الثاني في كيفيّة انقسام السنة الشمسية إلى الفصول
واعلم أن دائرة منطقة البروج لما قاطعت دائرة معدّل النهار على نقطتين متقابلتين مال «1» عنهما في جهتي الشمال والجنوب بقدر واحد، فالنقطة التي تجري عليها الشمس من ناحية الجنوب إلى الشمال عن معدّل النهار تسمّى نقطة الاعتدال الربيعيّ، وهي أوّل الحمل، والنقطة التي تجوز عليها من الشمال إلى الجنوب تسمى نقطة الاعتدال الخريفيّ وهي أوّل الميزان. ويتوهم في الفلك دائرة ث؟؟؟
معترضة من الشمال إلى الجنوب تمرّ على أقطاب تقابل الدائرة المخطوطة على الفلكين تقطع كلّ واحد من فلك معدّل النهار وفلك البروج بنصفين، فوجب أن
(2/429)

يكون قطعها لفلك البروج على النقطتين اللتين هما في غاية الميل والبعد عن معدّل النهار في جهتي الشمال والجنوب فتسمّى النقطة الشمالية نقطة المنقلب الصيفيّ وهي أوّل السّرطان، وتسمّى النقطة الجنوبية نقطة المنقلب الشّتويّ، وهي أوّل الجدي. واختلاف طبائع الفصول عن حركة الشمس وتنقّلها في هذه النّقط، فإنها إذا تحرّكت من الحمل، وهو أوّل البروج الشمالية أخذ الهواء في السّخونة لقربها من سمت الرؤوس وتواتر الإسخان إلى أن تصل إلى أوّل السرطان، وحينئذ يشتدّ الحرّ في السّرطان والأسد إلى أن تصل إلى الميزان، فحينئذ يطيب الهواء ويعتدل؛ ثم يأخذ الهواء في البرودة ويتواتر إلى أوّل الجدي، وحينئذ يشتدّ البرد في الجدي والدّلو لبعد الشمس من سمت الرؤوس إلى أن تصل إلى الحمل فتعود الشمس إلى أوّل حركتها.
المهيع الثالث في ذكر الفصول، وأزمنتها، وطبائعها، وما حصة كلّ فصل منها من البروج والمنازل؛ وهي أربعة فصول
الأول- فصل الربيع
- وابتداؤه عند حلول الشمس برأس الحمل، وقد تقدم ومدّته أحد وتسعون يوما وربع يوم ونصف ثمن يوم. وأوّله حلول الشمس رأس الحمل، وآخره عند قطعها برج الجوزاء؛ وله من الكواكب القمر، والزّهرة، ومن المنازل الشّرطان، والبطين، والثّريّا، والدّبران، والهقعة، والهنعة، والذّراع بما في ذلك من التداخل كما مر؛ ومن الساعات الأولى والثانية والثالثة؛ ومن الرّياح الجنوب؛ وطبعه حارّ رطب؛ وله من السّن الطّفولية والحداثة؛ ومن الاخلاط الدم، ومن القوى الهاضمة. وفيه تتحرّك الطبائع، وتظهر المواد المتولدة في الشّتاء، فيطلع النبات، وتزهر الأشجار وتورق، ويهيج الحيوان للسّفاد، وتذوب الثّلوج، وتنبع العيون، وتسيل الأودية، وأخذت الأرض زخرفها وازّينت فتصير كأنها عروس تبدّت لخطّابها، في مصبّغات ثيابها؛ ويقال: إذا نزلت الشمس رأس الحمل تصرّم الشتاء، وتنفّس الربيع، واختالت الأرض في وشيها
(2/430)

البديع، وتبرّجت للنظّارة في معرض الحسن والنّضارة.
ومن كلام الوزير المغربيّ «1» : لو كان زمن الربيع شخصا لكان مقبّلا، ولو أن الأيام حيوان لكان لها حليا ومجلّلا، لأن الشمس تخلص فيه من ظلمات حوت السماء، خلاص يونس من ظلمات حوت الماء؛ فإذا وردت الحمل وافت أحبّ الأوطان اليها وأعزّ أماكنها عليها.
وكان عبدوس الخزاعيّ يقول: من لم يبتهج بالربيع، ولم يستمتع بأنواره ولا استروح بنسيم أزهاره، فهو فاسد المزاج، محتاج إلى العلاج.
ويروى عن بقراط الحكيم مثله، وفيه بدل قوله: «فهو فاسد المزاج» فهو عديم حسّ، أو سقيم نفس. ولجلالة محلّ هذا الفصل في القلوب، ولنزوله من النفوس منزلة الكاعب الخلوب، كانت الملوك إذا عدمته استعملت ما يضاهي زهره من البسط المصوّرة المنقّشة، والنّمارق المفوّفة «2» المرقّشة. وقد كان لأنوشروان بساط يسميه بساط الشّتاء، مرصّع بأزرق الياقوت والجواهر، وأصفره وأبيضه وأحمره، وقد جعل أخضره مكان أغصان الأشجار، وألوانه بموضع الزّهر والنوار. ولما أخذ هذا البساط في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في واقعة القادسيّة، حمل إليه فيما أفاء الله على المسلمين؛ فلما رآه قال: «إن أمّة أدّت هذا إلى أميرها لأمينة» ثم مزّقه فوقع منه لعليّ عليه السلام قطعة في قسمه مقدارها شبر في شبر فباعها بخمسة عشر ألف دينار.
وقد أطنب الناس في وصف هذا الفصل ومدحه، وأتوا بما يقصر عن شرحه، وتغالى الشعراء فيه غاية التّغالي، وفضّلوا أيامه ولياليه على الأيّام والليالي، وما أحلى قول البحتريّ:
(2/431)

أتاك الربيع الطّلق يختال ضاحكا ... من الحسن حتّى كاد أن يتكلّما
وقد نبّه النّوروز في غسق الدّجى ... أوائل ورد كنّ بالأمس نوّما
يفتّحها برد النّدى فكأنّما ... يبثّ حديثا بينهنّ مكتّما
ومن شجر ردّ الربيع رداءه ... كما نشرت ثوبا عليه منمنما
أحلّ فأبدى للعيون بشاشة ... وكان قذى للعين إذ كان محرما
ورقّ نسيم الجوّ حتّى كأنّما ... يجيء بأنفاس الأحبّة نعّما
وأحلى منه قول أحمد بن محمد العلويّ:
أو ما ترى الأيّام كيف تبرّجت ... وربيعها وال عليها قيّم؟
لبست به الأرض الجمال فحسنها ... متأزّر ببروده متعمّم
انظر إلى وشي الرّياض كأنّه ... وشي تنشّره الأكفّ ينمنم
والنّور يهوى كالعقود تبدّدت ... والورد يخجل والأقاحي تبسم
والطّلّ ينظم فوقهنّ لآلئا ... قد زان منهنّ الفرادى التّوأم
ويكاد يذري الدّمع نرجسها اذا ... أضحى ويقطر من شقائقها الدّم
ومنها:
أرض تباهيها السماء اذا دجا ... ليل ولاحت في دجاها الأنجم
فلخضرة الجوّ اخضرار رياضها ... ولزهره زهر ونور ينجم
وكما يشقّ سنا المجرّة جرّه ... واد يشقّ الأرض طام مفعم
لم يبق إلا الدّهر إذ باهت به ... وحيا يجود به ملثّ مرهم «1»
وقول الآخر:
طرق الحياء ببّره المشكور ... أهلا به من زائر ومزور
(2/432)

وحبا الرّياض غلالة من وشيه ... بغرائب التّفويف والتّحبير
وأعارها حليا تأنّى الغيث في ... ترصيعه بجواهر المنثور
بمورّد كمورّد الياقوت قا ... رن أبيضا كمصاعد الكافور
ومعصفر شرق وأصفر فاقع ... في أخضر كالسّندس المنشور
فكأنّ أزرقه بقايا إثمد «1» ... في أعين مكحولة بفتور
كملت صفات الزّهر فيه فناب عمّ ... اغاب من أنواعه بحضور
وقول الآخر:
إشرب هنيئا قد أتاك زمان ... متعطّر متهلّل نشوان
فالأرض وشي والنّسيم معنبر ... والماء راح والطّيور قيان
الثاني- فصل الصيف
: وهو أحد وتسعون يوما وربع ونصف ثمن يوم وابتداؤه إذا حلّت الشمس رأس السّرطان، وانتهاؤه إذا أتت على آخر درجة من السّنبلة؛ فيكون له من البروج السرطان، والأسد، والسنبلة. وهذه البروج تدلّ على السّكون، وله من الكواكب المرّيخ والشمس؛ ومن المنازل النّثرة، والطّرف، والجبهة، والزّبرة، والصّرفة، والعوّاء، والسّماك يتداخل فيه؛ وله من الساعات الرابعة والخامسة والسادسة، ومن الرياح الصّبا، وطبعه حارّ يابس؛ وله من السنّ الشّباب؛ ومن الأخلاط المرّة الصفراء؛ ومن القوى القوّة النفسية والحيوانية. وللعرب في هذا الفصل وغرات «2» : وهي الحرور؛ منها وغرة الشّعرى، ووغرة الجوزاء، ووغرة سهيل، أوّلها أقواها حرّا؛ يقال إن الرجل في هذه الوغرة يعطش بين الحوض والبئر، وإذا طلع سهيل ذهبت الوغرات؛ وتسمّى الرياح التي في هذه الوغرات البوارح؛ سميت بذلك لأنها تأتي من يسار الكعبة كما برح الظّبي إذا أتاك من يسارك؛ وقد أولع الناس بين لفحات الحرّ وسمومه، وأتوا
(2/433)

فيه ببدائع تقلع من قلب الصّبّ غمام غمومه. وفي ذلك قول بعضهم: أوقدت الظهيرة نارها، وأذكت أوارها، فأذابت دماغ الضّبّ، وألهبت قلب الصّبّ؛ هاجرة كأنها من قلوب العشّاق، إذا اشتعلت فيها نار الفراق، حرّ تهرب له الحرباء من الشمس، وتستجير بمتراكم الرّمس؛ لا يطيب معه عيش، ولا ينفع معه ثلج ولا خيش؛ فهو كالقلب المهجور، أو كالتّنّور المسجور. ووصف بعضهم، وهو ذو الرمّة، حرّ هاجرة فقال:
وهاجرة حرّها واقد ... نصبت لحاجبها حاجبي
تلوذ من الشّمس أطلاؤها ... لياذ الغريم من الطّالب
وتسجد للشمس حرباؤها ... كما يسجد القسّ للرّاهب
وقال سوّار بن المضرّس:
وهاجرة تشتوى بالسّموم ... جنادبها «1» في رؤوس الأكم
إذا الموت أخطأ حرباءها ... رمى نفسه بالعمى والصّمم
وقال أبو العلاء المعريّ:
وهجيرة كالهجر موج سرابها ... كالبحر ليس لمائها من طحلب
واخى به الحرباء عودي منبر ... للظّهر إلا أنه لم يخطب
وقال آخر:
وربّ يوم حرّه منضج ... كأنّه أحشاء ظمآن
كأنّما الأرض على رضفة «2» ... والجوّ محشوّ بنيران
وبالغ الأمير ناصر الدين بن الفقيسي «3» فقال من أبيات:
(2/434)

في زمان يشوي الوجوه بحرّ ... ويذيب الجسوم لو كنّ صخرا
لا تطير النّسور فيه إذا ما ... وقفت شمسه وقارب ظهرا
يشتكي الضّبّ ما اشتكى الصّبّ فيه ... ولحربائه إلى الظلّ حرّا
ويودّ الغصن الرّطيب به لو ... أنّه من لحائه يتعرّى
وقال أيضا يصف ليلة شديدة الحر:
يا ليلة بتّ بها ساهرا ... من شدّة الحرّ وفرط الأوار
كأنّني في جنحها محرم ... لو أنّ للعورة منّي استتار
وكيف لا أحرم في ليلة ... سماؤها بالشّهب ترمي الجمار
على أن أبا عليّ بن رشيق قد فضّله على فصل الشتاء فقال:
فصل الشّتاء مبين لا خفاء به ... والصّيف أفضل منه حين يغشاكا
فيه الذي وعد الله العباد به ... في جنّة الخلد إن جاؤوه نسّاكا
أنهار خمر وأطيار وفاكهة ... ما شئت من ذا ومن هذا ومن ذاكا
فقل لمن قال لولا ذاك لم يك ذا ... إذا تفضّل على أخراك دنياكا
سمّ الشّتاء بعبّاس تصب غرضا ... من الصّواب وسمّ الصّيف ضحّاكا
الثالث- فصل الخريف
، وهو أحد وتسعون يوما وربع يوم ونصف ثمن يوم، وأوّله عند حلول الشمس رأس الميزان؛ وذلك في الثامن عشر من توت وإذا بقي من أيلول ثمانية أيام؛ وآخره إذا أتت الشمس على آخر درجة من القوس؛ فيكون له من البروج الميزان والعقرب والقوس؛ وهذه البروج تدلّ على الحركة، وله من الكواكب زحل، ومن الساعات السابعة والثامنة. والطالع فيه مع الفجر من المنازل الغفر والزّبانان والإكليل والقلب والشّولة والنّعائم والبلدة يتداخل فيه.
وهو بارد يابس، له من السّن الكهولة؛ تهيج فيه المرّة السّوداء، وتقوى فيه القوّة الماسكة، وتهبّ فيه الرياح الشّمالية، وفيه يبرد الهواء، ويتغيّر الزمان، وتنصرم الثّمار، ويتغير وجه الأرض، وتهزل البهائم، وتموت الهوامّ، وتجحر الحشرات، ويطلب الطير المواضع الدّفئة، وتصير الأرض كأنها كهلة مدبرة. ويقال: فصل
(2/435)

الخريف ربيع النفس كما أن الربيع ربيع العين، فإنه ميقات الأقوات، وموسم الثّمار، وأوان شباب الأشجار؛ وللنّفوس في آثاره مربع، وللجسوم بمواقع خيراته مستمتع. وقد وصفه الصابي فقال: الخريف أصحّ فصول السنة زمانا، وأسهلها أوانا؛ وهو أحد الاعتدالين المتوسّطين بين الانقلابين، حين أبدت الأرض عن ثمرتها، وصرّحت عن زبدتها؛ وأطلقت السماء حوافل أنوائها، وآذنت بانسكاب مائها؛ وصارت الموارد، كمتون المبارد؛ صفاء من كدرها، وتهذّبا من عكرها؛ واطّرادا مع نفحات الهواء، وحركات الرّياح الشّجواء؛ واكتست الماشية وبرها القشيب، والطائر ريشه العجيب.
ومن كلام ابن شبل «1» : كلّ ما يظهر في الربيع نوّاره ففي الخريف تجتنى ثماره.
وقال أبو بكر الصنوبري «2» :
ما قضى في الربيع حقّ المسرّات ... مضيع لحقّها في الخريف
نحن منه على تلقّي شتاء ... يوجب القصف أو وداع مصيف
في قميص من الزّمان رقيق ... ورداء من الهواء خفيف
يرعد الماء فيه خوفا اذا ما ... لمسته يد النّسيم الضّعيف
وقال ابن الرومي يصفه:
لولا فواكه أيلول إذا اجتمعت ... من كلّ فنّ ورقّ الجوّ والماء
إذا لما حفلت نفسي إذا اشتملت ... عليّ هائلة الحالين غبراء
يا حبّذا ليل أيلول إذا بردت ... فيه مضاجعنا والرّيح شجواء
(2/436)

وخمّش القرّ فيه الجلد والتأمت ... من الضّجيعين أجسام وأحشاء
وأسفر القمر الساري بصفحته ... يرى لها في صفاء الماء لألاء
بل حبّذا نفحة من ريحه سحرا ... يأتيك فيها من الرّيحان أنباء
قل فيه ما شئت من فضل تعهّده ... في كلّ يوم يد لله بيضاء
وقال عبد الله بن المعتز يصفه ويفضله على الصيف من أبيات:
طاب شرب الصّبوح في أيلول ... برد الظلّ في الضّحى والأصيل
وخبت لفحة الهواجر عنّا ... واسترحنا من النّهار الطّويل
وخرجنا من السّموم إلى برد ... نسيم وطيب ظلّ ظليل
فكأنّا نزداد قربا من الجنّة ... في كلّ شارق وأصيل
ووجوه البقاع تنتظر الغيث ... انتظار المحبّ ردّ الرّسول
وقريب منه قول الآخر:
اشرب على طيب الزّمان فقد حدا ... بالصّيف للنّدمان أطيب حاد
وأشمّنا بالليل برد نسيمه ... فارتاحت الأرواح في الأجساد
وافاك بالأنداء قدّام الحيا ... فالأرض للأمطار في استعداد
كم في ضمائر تربها من روضة ... بمسيل ماء أو قرارة واد
تبدو إذا جاء السّحاب بقطره ... فكأنّما كنّا على ميعاد
ومما يقرب منه قول جحظة البرمكيّ «1» :
لا تصغ للّوم إن اللّوم تضليل ... واشرب ففي الشّرب للأحزان تحليل
فقد مضى القيظ واجتثّت رواحله ... وطابت الرّيح لمّا آل أيلول
وليس في الأرض بيت يشتكي مرها ... إلا وناظره بالطّلّ مكحول
(2/437)

وبالغ بعضهم فسوّى بينه وبين فصل الربيع فقال في ضمن تهنئة لبعض إخوانه:
هنيّت إقبال الخريف ... وفزت بالوجه الوضيّ
تمّ اعتدالا في الكمال ... فجاء في خلق سويّ
فحكى الرّبيع بحسنه ... ونسيم ريّاه الذّكيّ
وينوب ورد الزّعفران ... له عن الورد الجنيّ
وأبلغ منه قول الآخر يفضله على فصل الربيع الذي هو سيد الفصول ورئيسها:
محاسن للخريف لهنّ فخر ... على زمن الرّبيع وأيّ فخر
به صار الزّمان أمام برد ... يراقب نزحه وعقيب حرّ
ومع ذلك فالأطباء تذمّه لاستيلاء المرّة السّوداء فيه، ويقولون: أنّ هواءه رديء متى تشبّث بالجسم لا يمكن تلافيه؛ وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
خذ في التّدثّر في الخريف فإنّه ... مستوبل ونسيمه خطّاف
يجري مع الأيّام جري نفاقها ... لصديقها ومن الصّديق يخاف
الرابع- فصل الشتاء
وهو أحد وتسعون يوما وربع يوم ونصف ثمن يوم، ودخوله عند حلول الشمس رأس الجدي؛ وذلك في الثامن عشر من كيهك وإذا بقي من كانون الأول ثمانية أيام؛ وآخره إذا أتت الشمس على آخر درجة من الحوت فيكون له من البروج الجدي والدّلو والحوت؛ وهذه البروج تدلّ على السكون؛ والطالع فيه مع الفجر سعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السّعود، وسعد الأخبية، والفرغ المقدّم والفرغ المؤخّر، والرّشاء. فيه تهبّ رياح الدّبور؛ وهو بارد رطب.
فيه يهيج البلغم، وتضعف قوى الأبدان. له من السنّ الشّيخوخة، ومن القوى البدنيّة القوة الدافعة، وفيه يشتدّ البرد، ويخشن الهواء، ويتساقط ورق الشّجر، وتنجحر «1» الحيّات، وتكثر الأنواء، ويظلم الجوّ، وتصير الأرض كأنها عجوز هرمة
(2/438)

قد دنا منها الموت. وله من الكواكب المشتري وعطارد، ومن الساعات العاشرة والحادية عشرة. ويقال: إذا حلّت الشمس الجدي، مدّ الشّتاء رواقه، وحلّ نطاقه، ودبّت عقارب البرد لاسبة «1» ، ونفع مدّخر الكسب كاسبه. وللبلغاء في وصف حال من أظله ملح تدفع عن المقرور متى استعدّ بها طلّه ووبله.
فمن ذلك قول بعضهم يصف شدّة البرد: برد يغيّر الألوان، وينشّف الأبدان، ويجمّد الريق في الأشداق، والدّمع في الآماق «2» ؛ برد حال بين الكلب وهريره، والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره.
ومن كلام الفاضل «3» : في ليلة جمد خمرها، وخمد جمرها، إلى يوم تودّ البصلة لو ازدادت قمصا «4» إلى قمصها، والشمس لو جرّت النار إلى قرصها؛ أخذه بعضهم فقال:
ويومنا أرياحه قرّة ... تخمش الأبدان من قرصها
يوم تودّ الشمس من برده ... لو جرّت النار إلى قرصها
ولابن حكينا البغداديّ:
البس إذا قدم الشّتاء برودا ... وافرش على رغم الحصير لبودا
الرّيق في اللهوات أصبح جامدا ... والدّمع في الآماق صار برودا
وإذا رميت بفضل كأسك في الهوا ... عادت إليك من العقيق عقودا
وترى على برد المياه طيورها ... تختار حرّ النار والسّفّودا
(2/439)

يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرّق لنا عودا وحرّك عودا
ولبعضهم:
شتاء تقلص الأشداق منه ... وبرد يجعل الشّبّان شيبا
وأرض تزلق الأقدام فيها ... فما تمشي بها إلا دبيبا
ومن كلام الزمخشري:
أقبلت يا برد ببرد أجود ... تفعل بالأوجه فعل المبرد
أظل في البيت كمثل المقعد ... منقبضا تحت الكساء الأسود
لو قيل لي أنت أمير البلد ... فهات للبيعة كفّا يعقد
ومن كلام أبي عبد الله بن أبي الخصال «1» يصف ليلة باردة من رسالة:
والكلب قد صافح خيشومه ذنبه، وأنكر البيت وطنبه «2» ، والتوى التواء الجباب «3» ، واستدار استدارة الحباب «4» ، وجلّده الجليد، وضربه الضّريب، وصعّد أنفاسه الصّعيد، فحماه مباح، ولا هرير ولا نباح.
ومن شعر الحماسة في وصف ليلة شديدة البرد:
في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من أندائها الطّنبا
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتّى يلفّ على خيشومه الذّنبا
ولأبي القاسم التنوخيّ «5» :
(2/440)

وليلة ترك البرد البلاد بها ... كالقلب أسعر نارا فهو مثلوج
فإن بسطت يدا لم تنبسط خصرا ... وإن تقل فبقول فيه تثبيج «1»
فنحن منه ولم نخرس ذوو خرس ... ونحن فيه ولم نفلج مفاليج
وقال بعضهم يصف يوما باردا كثير الضّباب:
يوم من الزّمهرير مقرور ... عليه جيب السّحاب مزرور
وشمسه حرّة مخدّرة ... ليس لها من ضبابه نور
كأنّما الجوّ حشوه إبر ... والأرض من تحته قوارير
وحكي أنّ أعرابيّا اشتدّ به البرد فأضاءت نار فدنا منها ليصطلي، وهو يقول:
اللهم لا تحرمنيها في الدّنيا ولا في الآخرة؛ أخذه بعضهم فقال وهو في غاية المبالغة:
أيا ربّ إن البرد أصبح كالحا ... وأنت بحالي عالم لا تعلّم
فإن كنت يوما مدخلي في جهنّم ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم
وقد اعتنى الناس بمدحه فقال بعضهم: لو لم يكن من فضله إلا أنه تغيب فيه الهوامّ وتنجحر الحشرات، ويموت الذّباب، ويهلك البعوض، ويبرد الماء، ويسخن الجوف، ويطيب العناق، ويظهر الفرش، ويكثر الدخن، وتلذّ جمرة البيت لكفى.
وتابعه بعض الشعراء فقال:
تركت مقدّمة الخريف حميده ... وبدا الشّتاء جديده لا ينكر
مطر يروق الصّحو منه وبعده ... صحو يكاد من الغضارة يمطر
غيثان والانواء غيث ظاهر ... لك وجهه والصّحو غيث مضمر
وقال أبو الفتح كشاجم:
(2/441)

أذن الشّتاء بلهوه المستقبل ... فدنت أوائله بغيث مسبل
متكاثف الأنواء منغدق الحيا ... هطل النّدى هزج الرّعود بجلجل
جاءت بعزل الجدب فيه فبشّرت ... بالخصب أنواء السّماك الأعزل
وقد ولع الناس بذكر الاعتداد لها قديما وحديثا.
قيل لأعرابيّ: ما أعددت للبرد؟ فقال: طول الرّعدة، وتقرفص القعدة، وذوب «1» المعدة، أخذه ابن سكّرة «2» ، فقال:
قيل ما أعددت للبر ... د وقد جاء بشدّه
قلت درّاعة عري ... تحتها جبّة رعده
واعلم أن ما تقدّم من أزمان الفصول الأربعة هو المصطلح المعروف، والطريق المشهور. وقد ذكر الآبيّ في كتاب الدرّ «3» : أن العرب قسّمت السنة أربعة أجزاء فجعلوا الجزء الأوّل الصّفريّة وسمّوا مطره الوسمي، وأوّله عندهم سقوط عرقوة الدّلو السّفلى، وآخره سقوط الهقعة، وجعلوا الجزء الثاني الشتاء، وأوّله سقوط الهنعة، وآخره سقوط الصّرفة. وجعلوا الجزء الثالث الصيف، وأوّله سقوط العوّاء، وآخره سقوط الشّولة، وجعلوا الجزء الرابع القيظ. وسمّوا مطره الخريف، وأوّله سقوط النّعائم، وآخره سقوط عرقوة الدلو العليا.
وذكر ابن قتيبة في «أدب الكاتب» طريقا آخر فقال:
الربيع يذهب الناس إلى أنه الفصل الذي يتبع الشتاء ويأتي فيه الورد والكمأة، والنّور، ولا يعرفون الربيع غيره. والعرب تختلف في ذلك فمنهم من
(2/442)

يجعل الربيع الفصل الذي تدرك فيه الثمار، وهو الخريف، وبعده فصل الشتاء، ثم فصل الصيف وهو الوقت الذي تسمّيه العامّة الربيع، ثم فصل القيظ وهو الذي تسميه العامة الصّيف، ومنهم من يسمّي الفصل الذي تدرك فيه الثمار وهو الخريف الربيع الأوّل، ويسمّي الفصل الذي يلي الشتاء وتأتي فيه الكمأة والنّور الربيع الثاني، وكلهم مجمعون على أن الخريف هو الربيع.
وفي بعض التعاليق أن من العرب من جعل السنة ستة أزمنة: الأوّل الوسمي وحصّته من السنة شهران، ومن المنازل أربع منازل وثلثا منزلة وهي العوّاء، والسّماك والغفر، والزّبانان، وثلثا الإكليل. الثاني الشتاء، وحصته من السنة شهران، ومن المنازل أربع منازل وثلثا منزلة وهي ثلث الإكليل، والقلب، والشّولة، والنّعائم، والبلدة، وثلث الذّابح، الثالث الربيع، وحصته من السنة شهران، ومن المنازل أربع منازل وثلثا منزلة، وهي ثلثا الذابح وبلع، والسّعود، والأخبية، والفرغ المقدم، الرابع الصيف، وحصته من السنة شهران، ومن المنازل أربع منازل وثلثا منزلة، وهي الفرغ المؤخّر، وبطن الحوت، والشّرطان، والبطين، وثلثا الثريّا، الخامس الحميم، وحصته من السنة شهران، ومن المنازل أربع منازل وثلثا منزلة وهي ثلث الثريا، والدّبران والهقعة، والهنعة، والذّراع وثلث النثرة. السادس الخريف، وحصّته من السنة شهران، ومن المنازل أربع منازل وثلثا منزلة وهي ثلثا النّثرة، والطّرف، والجبهة، والخرتان، والصّرفة.
والأوائل من علماء الطّب يقسمون السنة إلى الفصول الأربعة، إلا أنهم يجعلون الشتاء والصيف أطول زمانا وأزيد مدّة من الربيع والخريف، فيجعلون الشّتاء أربعة أشهر، والصيف أربعة أشهر، والربيع شهرين، والخريف شهرين، إذ كانا متوسطين بين الحرّ والبرد وليس في مدّتهما طول ولا في زمانهما اتّساع.
واعلم أن ما تقدّم من تفضيل بعض الفصول على بعض إنما هو أقاويل الشّعراء وأفانين الأدباء، تفنّنا في البلاغة؛ وإلا فالواضع حكيم جعل هذه الفصول مشتملة على الحرّ تارة وعلى البرد أخرى لمصالح العباد، ورتّبها ترتيبا خاصّا على
(2/443)

التدريج، يفهم ذلك أهل العقول وأرباب الحكمة، جلّت صنعته أن تكون عريّة عن الحكمة، أو موضوعة في غير موضعها ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
«1» .
الطرف الرابع في أعياد الأمم ومواسمها، وفيه خمس جمل
الجملة الأولى في أعياد المسلمين
واعلم أن الذي وردت به الشريعة وجاءت به السنّة عيدان: عيد الفطر، وعيد الأضحى. والسبب في اتخاذهما ما رواه أبو داود في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قدم المدينة ولأهلها يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ فقالوا: كنّا نلعب فيهما في الجاهليّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: إنّ الله عزّ وجلّ قد بدّلكم خيرا منهما «2» يوم الأضحى، ويوم الفطر» فأوّل ما بديء به من العيدين عيد الفطر، وذلك في سنة اثنتين من الهجرة. وروى ابن باطيش «3» في كتاب الأوائل أن أوّل عيد ضحّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم سنة اثنتين من الهجرة وخرج إلى المصلّى للصلاة، وحينئذ فيكون العيدان قد شرعا في سنة واحدة، نعم قد ابتدعت الشيعة عيدا ثالثا وسمّوه عيد الغدير. وسبب اتخاذهم له
(2/444)

مؤاخاة النبيّ صلى الله عليه وسلّم لعليّ كرم الله وجهه يوم غدير خمّ وهو غدير على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطريق تصبّ فيه عين وحوله شجر كثير، وهي الغيضة التي تسمّى خمّا، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما رجع من حجّة الوداع نزل بالغدير وآخى بين الصحابة ولم يؤاخ بين عليّ وبين أحد منهم فرأى النبيّ صلى الله عليه وسلّم منه انكسارا فضمّه إليه وقال «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيّ بعدي والتفت إلى أصحابه وقال من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه» وكان ذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشر من الهجرة.
والشيعة يحيون ليلة هذا العيد بالصلاة ويصلّون في صبيحتها ركعتين قبل الزوال وشعارهم فيه لبس الجديد، وعتق العبيد، وذبح الأغنام، وإلحاق الأجانب بالأهل في الإكرام. والشعراء والمترسلون يهنّئون الكبراء منهم بهذا العيد.
الجملة الثانية في أعياد الفرس
وكان دينهم المجوسية، وأعيادهم كثيرة جدّا حتّى إن عليّ بن حمزة الأصبهانيّ»
عمل فيها كتابا ذكر فيه أسباب اتخاذهم لها، وسبب سلوكهم فيها؛ وقد اقتصرنا منها على المشهور الذي ولع الشعراء بذكره، واعتنى الأمراء بأمره؛ وهي سبعة أعياد:
العيد الأوّل النّيروز
- وهو تعريب نوروز، ويقال إن أوّل من اتخذه جم شاد أحد ملوك الطبقة الثانية «2» من الفرس، ومعنى شاد الشّعاع والضياء «3» وإن سبب «4» اتخاذهم لهذا اليوم عيدا أن الدّين كان قد فسد قبله، فلما ملك جدّده
(2/445)

وأظهره فسمّي اليوم الذي ملك فيه نوروز أي اليوم الجديد. وفي بعض التعاليق أن جم شاد ملك الأقاليم السبعة والجنّ والإنس، فاتخذ له عجلة ركبها، وكان أوّل يوم ركبها فيه أوّل يوم من شهر افرودين ماه «1» ، وكان مدّة ملكه لا يريهم وجهه، فلما ركبها أبرز لهم وجهه، وكان له حظ من الجمال وافر، فجعلوا يوم رؤيتهم له عيدا، وسمّوه نوروزا. ومن الفرس من يزعم أنه اليوم الذي خلق الله فيه النّور، وأنه كان معظّما قبل جم شاد. وبعضهم يزعم أنه أوّل الزمان الذي ابتدأ الفلك فيه بالدّوران. ومدّته عندهم ستة أيام أوّلها اليوم الأوّل من شهر افرودين ماه «2» الذي هو أوّل شهور سنتهم. ويسمّون اليوم السادس النّوروز الكبير، لأن الأكاسرة كانوا يقضون في الأيام الخمسة حوائج الناس على طبقاتهم، ثم ينتقلون إلى مجالس أنسهم مع ظرفاء خواصّهم.
وحكى ابن المقفّع أنه كان من عادتهم فيه أن يأتي الملك رجل من الليل قد أرصد لما يفعله، مليح الوجه، فيقف على الباب حتّى يصبح، فإذا أصبح دخل على الملك من غير استئذان، ويقف حيث يراه، فيقول له: من أنت؟ ومن أين أقبلت؟ وأين تريد؟ وما اسمك؟ ولأيّ شيء وردت؟ وما معك؟ فيقول: أنا المنصور، واسمي المبارك، ومن قبل الله أقبلت، والملك السعيد أردت، وبالهناء والسلامة وردت ومعي السّنة الجديدة، ثم يجلس، ويدخل بعده رجل معه طبق من فضّة وعليه حنطة، وشعير، وجلبان وحمّص وسمسم، وأرزّ من كل واحد سبع سنبلات، وسبع حبّات وقطعة سكّر، ودينار ودرهم جديدان؛ فيضع الطبق بين يدي الملك، ثم تدخل عليه الهدايا، ويكون أوّل من يدخل عليه بها وزيره، ثم صاحب الخراج، ثم صاحب المعونة «3» ، ثم الناس على طبقاتهم، ثم يقدّم للملك رغيف كبير من تلك الحبوب مصنوع موضوع في سلّة، فيأكل منه ويطعم من حضر، ثم يقول: هذا يوم جديد، من شهر جديد، من عام جديد، يحتاج أن
(2/446)

يجدّد فيه ما أخلق من الزّمان، وأحق الناس بالفضل والإحسان الرأس لفضله على سائر الأعضاء؛ ثم يخلع على وجوه دولته، ويصلهم، ويفرّق عليهم ما وصل إليه من الهدايا.
وأما عوامّ الفرس فكانت عادتهم فيه رفع النار في ليلته، ورشّ الماء في صبيحته؛ ويزعمون أن إيقاد النّيران فيه لتحليل العفونات التي أبقاها الشّتاء في الهواء. ويقال إنما فعلوا ذلك تنويها بذكره، وإشهارا لأمره. وقالوا في رشّ الماء:
إنما هو بمنزلة الشّهرة «1» لتطهير الأبدان مما انضاف إليها من دخان النار الموقدة في ليلته.
وقال آخرون: إن سبب رش الماء فيه أن فيروز بن يزدجرد لما استتم سورجيّ، وهي أصبهان القديمة، لم تمطر سبع سنين في ملكه، ثم مطرت في هذا اليوم ففرح الناس بالمطر وصبّوا من مائه على أبدانهم من شدّة فرحهم به، فصار ذلك سنّة عندهم في ذلك اليوم من كل عام، وما أحلى قول بعضهم يخاطب من يهواه، ويذكر ما يعتمد في النيروز من شب النّيران وصبّ الأمواه:
كيف ابتهاجك بالنّيروز يا سكني ... وكلّ ما فيه يحكيني وأحكيه
فتارة كلهيب النّار في كبدي ... وتارة كتوالي عبرتي فيه
أسلمتني فيه يا سؤلي إلى وصب ... فكيف تهدي الى من أنت تهديه
وأوّل من رسم هدايا النّيروز والمهرجان في الإسلام الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ، ثم رفع ذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، واستمرّ المنع فيه إلى أن فتح باب الهديّة فيه أحمد بن يوسف الكاتب فإنه أهدى فيه للمأمون سفط ذهب فيه قطعة عود هنديّ في طوله وعرضه، وكتب معه: هذا يوم جرت فيه العادة، بإتحاف العبيد السادة، وقد قلت:
(2/447)

على العبد حقّ وهو لا شكّ فاعله ... وإن عظم المولى وجلّت فواضله
ألم ترنا نهدي إلى الله ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله
فلو كان يهدي للجليل بقدره ... لقصّر عنه البحر يوما وساحله
ولكنّنا نهدي إلى من نجلّه ... وإن لم يكن في وسعنا ما يشاكله
وكتب سعيد بن حميد إلى صديق له يوم نيروز: هذا يوم سهّلت فيه السنّة للعبيد الإهداء للملوك، فتعلّقت كلّ طائفة من البر بحسب القدرة والهمّة، ولم أجد فيما أملك ما يفي بحقّك، ووجدت تقريظك أبلغ في أداء ما يجب لك، ومن لم يؤت في هديّته إلا من جهة قدرته فلا طعن عليه.
هذا ما يتعلق بنيروز الفرس «1» من ذكر الهدايا فيه، وإيقاد النار، ورشّ الماء، وأوّل من سنّه. وأما تعلّقه بالخراج فسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى عند الكلام على جباية الخراج في فنّ الدّيونة.
العيد الثاني من أعياد الفرس المهرجان
- وهو في السادس والعشرين من تشرين الأوّل من شهور السّريان، وفي السادس عشر من مهرماه من شهور الفرس، وفي التاسع من أبيب من شهور القبط؛ وبينه وبين النيروز مائة وسبعة وستون يوما، وهذا الأوان في وسط زمان الخريف، وفي ذلك يقول الشاعر:
أحبّ المهرجان لأنّ فيه ... سرورا للملوك ذوي السّناء
وبابا للمصير إلى أوان ... تفتّح فيه أبواب السّماء
ومدّته ستة أيام، ويسمّى اليوم السادس منه المهرجان الأكبر، كما يسمّى اليوم السادس من أيام النّيروز عندهم النّيروز الأكبر.
قال المسعودي: وسبب تسميتهم لهذا اليوم بهذا الاسم أنهم كانوا يسمّون شهورهم بأسماء ملوكهم، وكان لهم ملك يسمّى مهرا يسير فيهم بالعنف والعسف
(2/448)

فمات في النصف من هذا الشهر، وهو مهرماه، فسمّي ذلك اليوم مهرجان، وتفسيره نفس مهر ذهبت، والفرس تقدّم في لغتها ما تؤخّره العرب في كلامها وهذه اللغة الفهلوية وهي الفارسية الأولى وزعم آخرون أن مهر بالفارسية حفاظ وجان الروح، وفي ذلك يقول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر «1» :
إذا ما تحقّق بالمهرجان ... من ليس يعرف معناه غاظا
ومعناه أن غلب الفرس فيه ... فسمّوه للرّوح فيه حفاظا
ويقال: إنما ظهر في عهد افريدون الملك، ومعنى هذا الاسم إدراك الثأر؛ وذلك أن افريدون أخذ بثأر جدّه جم شاد من الضّحّاك، فإنه كان أفسد دين المجوسيّة وخرج على جم شاد فأخذ منه الملك وقتله؛ فلمّا غلبه افريدون قتله بجبل دنباوند «2» وأعاد المجوسية إلى ما كانت، فاتّخذ الفرس يوم قتله عيدا، وسمّوه مهرجان، والمهر الوفاء، وجان سلطان، وكان معناه سلطان الوفاء.
وزعم بعض الفرس أن الضحّاك «3» هو النّمرود وافريدون «4» هو إبراهيم عليه السلام، بلغتهم.
ويقال إن المهرجان هو اليوم الذي عقد فيه التاج على رأس اردشير بن بابك «5» ، أوّل ملوك الفرس الساسانيّة، وكان مذهب الفرس في المهرجان أن يدّهن
(2/449)

ملكهم بدهن البان تبرّكا، وكذلك العوام، وأن يلبس القصب والوشي، ويتوّج بتاج عليه صورة الشمس وحجلتها الدائرة عليها، ويكون أوّل من يدخل إليه الموبذان بطبق فيه أترجّة، وقطعة سكّر، ونبق، وسفرجل وعنّاب، وتفّاح، وعنقود عنب أبيض، وسبع طاقات آس، قد زمزم «1» عليها؛ ثم تدخل الناس على طبقاتهم بمثل ذلك، وربما كانوا يذهبون الى تفضيله على النّيروز؛ وفيه يقول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أخا الفرس إن الفرس تعلم إنّه ... لأطيب من نيروزها مهرجانها
لإدبار أيّام يغمّ هواؤها ... وإقبال أيّام يسرّ زمانها
قال المسعودي: وأهل المروءات بالعراق وغيرها من مدن العجم يجعلون هذا اليوم أوّل يوم من الشتاء فيغيّرون فيه الفرش والآلات، وكثيرا من الملابس.
العيد الثالث السّدق
- ويسمّى أبان روز «2» ، ويعمل في ليلة الحادي عشر من شهر بهمن ماه «3» من شهور الفرس، وسنّتهم فيه إيقاد النّيران بسائر الأدهان والولوع بها حتى إنهم يلقون فيها سائر الحبوب «4» ؛ ويقال إن سبب اتخاذهم لهذا العيد أن الأب الأوّل، وهو عندهم كيومرت لما كمل له من ولده مائة ولد زوّج الذكور بالإناث، وصنع لهم عرسا أكثر فيه وقود النيران، ووافق ذلك الليلة المذكورة فاستسنّت «5» ذلك الفرس بعده. وقد ولعت الشعراء بوصف هذه الليلة
(2/450)

فقال ابو القاسم المطرّز «1» يصف سدقا عمله السلطان ملكشاه بدجلة، أشعل فيه النّيران والشموع في السّماريّات «2» من أبيات:
وكلّ نار على العشّاق مضرمة ... من نار قلبي أو من ليلة السّدق
نار تجلّت بها الظّلماء واشتبهت ... بسدفة الليل فيها غرّة الفلق
وزارت الشمس فيها البدر واصطلحا ... على الكواكب بعد الغيظ والحنق
مدّت على الأرض بسطا من جواهرها ... ما بين مجتمع وار ومفترق
مثل المصابيح إلّا أنّها نزلت ... من السّماء بلا رجم ولا حرق
أعجب بنار ورضوان يسعّرها ... ومالك قائم منها على فرق
في مجلس ضحكت روض الجنان له ... لما جلا ثغره عن واضح يقق
وقال ابن حجاج من أبيات، يمدح بها عضد الدولة:
ليلتنا حسنها عجيب ... بالقصف والتّيه قد تحقّق
لنارها في السّما لسان ... عن نور ضوء الصّباح ينطق
والجوّ منها قد صار جمرا ... والنجم منها قد كاد يحرق
ودجلة أضرمت حريقا ... بألف نار وألف زورق
فماؤها كلّه حميم ... قد فار مما غلى وبقبق
وقال عبد العزيز بن نباتة من أبيات يمدح بها عضد الدولة أيضا:
لعمري لقد أذكى الهمام بأرضه ... مشهّرة ينتابها الفخر صاليا
تغيب النّجوم الزّهر عند طلوعها ... وتحسد أيّام الشّهور اللّياليا
قلادة مجد أغفل الدّهر نظمها ... عليه «3» وقد السّنين الخواليا
(2/451)

هي اللّيلة الغرّاء في كلّ شتوة ... تغادر جيد الدّهر أبلج حاليا
العيد الرابع الشركان
«1» - وهو في الثالث عشر من تيرماه من شهور الفرس، زعموا أن أرس «2» رمى سهمه لما وقعت المصالحة بين منوجهر وقراسياب التركي من المملكة على رمية سهم، فامتدّ السهم من جبال طبرستان إلى أعالي طخارستان.
العيد الخامس أيام الفرودجان
«3» - وهي خمسة أيام؛ أوّلها السادس والعشرون من أبان ماه من شهور الفرس، ومعناه تربية الرّوح، لأنهم كانوا يعملون فيها أطعمة وأشربة لأرواح موتاهم، ويزعمون أنها تغتذي بها.
العيد السادس ركوب الكوسج
- ويعمل في أوّل يوم من أدرماه من شهور الفرس، وسنّتهم فيه أن يركب في كل بلد من بلادهم رجل كوسج «4» قد أعدّ لما يصنع به بأكل الأطعمة الحارّة كالجوز، والثّوم، واللّحم السمين ونحوها، وبشرب الشراب الصرّف أيّاما قبل حلول الشهر، فإذا حلّ الشهر لبس غلالة سابويّة «5» ، وركب بقرة وأخذ على يده غرابا، ويتبعه الناس يصبّون عليه الماء، ويضربونه بالثّلج، ويروّحون عليه بالمراوح، وهو يصيح بالفارسية: كرم كرم أي الحرّ الحرّ، يفعل ذلك سبعة أيام، ومعه أوباش الناس ينهبون ما يجدون من الأمتعة في الحوانيت، وللسلطان عليهم مال، فإذا وجدوا بعد عصر اليوم السابع ضربوا وحبسوا.
قال المسعودي: ولا يعرف ذلك إلا بالعراق، وأرض العجم؛ وأهل الشام
(2/452)

والجزيرة ومصر واليمن لا يعرفون ذلك. ويقال إن هذا الفعل كان يتداوله أهل كل بيت منهم كوسج، وحكى الزمخشري في كتابه «ربيع الأبرار» أن سبب ذلك أن كوسجا كان يشرب في هذه الأيام الدّواء ويطلي بدنه فيها فغلب عليها، وفي ذلك يقول الشاعر:
قد ركب الكوسج ياصاح ... فانزل على الزّهرة والرّاح «1»
وانعم بآدرماه عيشا وخذ ... من لذّة العيش بأفياح «2»
والسّنة عندهم منقسمة على أقسام، في أوّل كل قسم منها خمسة أيام تسمّى الكنبهارات، زعم زرادشت أن في كل يوم خلق الله تعالى نوعا من الخليقة فهم يتخذونها أعيادا لذلك.
العيد السابع عيد بهمنجة
- ويتخذونه في يوم بهمن من شهر بهمن ماه، وسنّتهم فيه أنهم يأكلون فيه البهمن الأبيض باللّبن الحامض على أنه ينفع الحفظ، ورؤساء خراسان يعملون فيه الدّعوات على طعام يطبخون فيه كلّ حبّ مأكول ولحم حيوان يؤكل، ويحضر ما يوجد في ذلك الوقت من بقل أو نبات.
فهذه أعياد الفرس المشهورة الدائرة بين عامّتهم وخاصّتهم.
الجملة الثالثة في أعياد القبط
واعلم أن أعياد القبط كثيرة، وقد أتينا على ذكر تفصيلها سردا في خلال شهور القبط مع ذكر غيرها، وأوردنا كلّ عيد منها في يومه من شهور القبط، وربما ذكرنا بعضها أيضا في شهور السّريان والروم، على أن منها ما لا يتعلق بوقت مقيّد كالفصح الأكبر عندهم، فإنه متعلق بفطرهم من صومهم الأكبر، وهو غير مؤقت
(2/453)

بوقت معين، بل يتغير بالتقديم والتأخير قليلا على ما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى، ونحن نقتصر في هذا الفصل على المشهور من أعيادهم دون غيره، ونبين أوقاتها، ونشرح أسبابها. وهي أربعة عشر عيدا. وهي على ضربين: كبار وصغار.
الضرب الأوّل الكبار، وهي سبعة
العيد الأوّل البشارة
، ويعنون به بشارة غبريال، (وهو جبريل على زعمهم) لمريم عليها السلام بميلاد عيسى صلوات الله عليه، يعملونه في التاسع والعشرين من برمهات من شهور القبط.
الثاني الزّيتونة
، وهو عيد الشّعانين، وتفسيره بالعربيّة التّسبيح، يعملونه في سابع أحد من صومهم؛ وسنّتهم فيه أن يخرجوا بسعف النخل من الكنيسة، وهو يوم ركوب المسيح لليعفور «1» ، (وهو الحمار) في القدس ودخوله صهيون وهو راكب والناس يسبّحون بين يديه، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر «2» .
الثالث الفصح
، وهو العيد الكبير عندهم، يعملونه يوم الفطر من صومهم الأكبر، يزعمون أن المسيح قام فيه بعد الصّلبوت بثلاثة أيام، وخلّص آدم من الجحيم، وأقام في الأرض أربعين يوما آخرها يوم الخميس، ثم صعد إلى السماء. قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ*
«3» .
الرابع خميس الأربعين
، ويسميه الشاميّون السّلّاق «4» ، وهو الثاني
(2/454)

والأربعون من الفطر، ويقولون إنّ المسيح عليه السلام تسلّق فيه من تلاميذه إلى السماء بعد القيام، ووعدهم بإرسال الفارقليط، وهو روح القدس عندهم.
الخامس عيد الخميس
، وهو عيد العنصرة يعملونه بعد خمسين يوما من القيام؛ وهو في السادس والعشرين من بشنس، ويقولون إن روح القدس حلّت في التلاميذ وتفرّقت عليهن ألسنة الناس فتكلموا بجميع الألسنة، وذهب كلّ واحد منهم إلى بلاد لسانه الذي تكلمّ به يدعوهم إلى دين المسيح.
السادس الميلاد
، وهو اليوم الذي يقولون إن المسيح ولد فيه ببيت لحم (قرية من أعمال فلسطين) ويعملونه في التاسع والعشرين من كيهك من شهور القبط، وهم يقولون إنه ولد يوم الأثنين، فيجعلون عشيّة الأحد ليلة الميلاد، فيوقدون فيها المصابيح بالكنائس ويزيّنونها «1» .
السابع الغطاس
، يعملونه في الحادي عشر من طوبه، من شهور القبط.
يقولون إن يحيى بن زكريّا عليه السلام وينعتونه بالمعمدان غسل عيسى عليه السلام ببحيرة الأردنّ، وأن عيسى لما خرج من الماء اتصل به روح القدس على هيئة حمامة، والنصارى يغمسون أولادهم فيه في الماء على أنه يقع في شدّة البرد، إلا أنّ عقبه يحمى الوقت، يقول المصريون: غطّستم صيّفتم، ونورزتم شتّيتم.
الضرب الثاني من أعياد القبط الأعياد الصّغار، وهي سبعة أيام
الأوّل الختان
، ويعملونه في سادس بؤنة من شهور القبط، ويقولون: إن المسيح ختن في هذا اليوم وهو الثامن من الميلاد.
الثاني الأربعون
، يعملونه في الثامن من شهر أمشير من شهور القبط، ويقولون: إن سمعان الكاهن دخل بعيسى عليه السلام مع أمه بعد أربعين يوما من
(2/455)

ميلاده الهيكل وبارك عليه؛ تلك عقول أضلّها باريها، وإلا فأين مقام الكاهن من مقام عيسى عليه السلام، وهو روح الله وكلمته.
الثالث خميس العهد
، يعملونه قبل الفصح بثلاثة أيام، وشأنهم أن يأخذوا إناء ويملأوه ماء ويزمزموا عليه، ثم يغسل البطريرك به أرجل جميع النصارى الحاضرين، ويزعمون أنّ المسيح عليه السلام فعل هذا بتلاميذه في هذا اليوم يعلّمهم التواضع، وأخذ عليهم العهد ألّا يتفرقوا وأن يتواضع بعضهم لبعض، والعامّة من النصارى يسمّون هذا الخميس خميس العدس «1» ؛ وهم يطبخون فيه العدس على ألوان.
الرابع سبت النّور
، وهو قبل الفصح بيوم. يقولون: إن النور يظهر على مقبرة المسيح في هذا اليوم فتشتعل منه مصابيح كنيسة القمامة بالقدس. قال صاحب «مناهج الفكر» وغيره: وما ذاك إلا من تخييلاتهم النيرنجية التي يفعلها القسّيسون منهم ليستميلوا بها عقول عوامّهم الضعيفة، وذلك أنهم يعلّقون القناديل في بيت المذبح ويتحيّلون في إيصال النار اليها بأن يمدّوا على جميعها شريطا من حديد في غاية الدقة مدهونا بدهن البلسان ودهن الزنبق، فإذا صلّوا وجاء وقت الزوال فتحوا المذبح فتدخل الناس إليه، وقد اشتعلت فيه الشموع ويتوصّل بعض القوم إلى أن يعلق النار بطرف الشريط الحديد فتسري عليه فتتقد القناديل واحدا بعد واحد، إذ من طبيعة دهن البلسان علوق النار فيه بسرعة مع أدنى ملامسة، فيظنّ من حضر من ذوي العقول الناقصة أن النار نزلت من السماء فأوقدت القناديل، فالحمد لله على الإسلام.
الخامس حدّ الحدود
، وهو بعد الفصح بثمانية أيام؛ يعملونه أوّل أحد بعد الفطر، لأن الآحاد قبله مشغولة بالصوم؛ وفيه يجدّدون الآلات وأثاث البيوت، ومنه
(2/456)

يأخذون في الاستعداد للمعاملات والأمور الدّنيويّة.
السادس التجلّي
، ويعملونه في الثالث عشر من مسرى من شهور القبط، وآخره السابع والعشرون منها. يقولون: إن المسيح عليه السلام تجلّى لتلاميذه بعد أن رفع في هذا اليوم، وتمنّوا عليه أن يحضر لهم إيليا وموسى عليهما السلام، فأحضرهما لهم بمصلّى بيت المقدس ثم صعد وصعدا.
السابع عيد الصّليب
، وهو في السابع عشر من توت من شهور القبط، والنصارى يقولون إن قسطنطين بن هيلاني انتقل عن اعتقاد اليونان إلى اعتقاد النصرانية، وبنى كنيسة قسطنطينية العظمى وسائر كنائس الشام، ويزعمون أن سبب ذلك أنه كان مجاورا للبرجان «1» فضاق بهم ذرعا من كثرة غاراتهم على بلاده فهمّ أن يصانعهم ويفرض لهم عليه إتاوة في كل عام ليكفّوا عنه، فرأى ليلة في المنام أن ملائكة نزلت من السماء، ومعها أعلام عليها صلبان فحاربت البرجان فانهزموا؛ فلما أصبح عمل أعلاما وصوّر فيها صلبانا ثم قاتل بها البرجان فهزمهم، فسأل من كان في بلده من التّجّار هل يعرفون فيما طافوه من البلاد دينا هذا زيّه؟
فقالوا له: دين النصرانيّة، وإنه في بلد القدس والخليل من أرض الشام. فأمر أهل مملكته بالرّجوع عن دينهم إليه، وأن يقصّوا شعورهم ويحلقوا لحاهم. وإنما فعل ذلك لأنهم يزعمون أنّ رسل عيسى عليه السلام كانوا قد وردوا على اليونان قبل يأمرونهم بالتعبّد بدين النصرانية فأعرضوا عنهم ومثّلوا بهم هذه المثلة نكالا لهم ففعلوا ذلك تأسّيا بهم. ولما تنصّر قسطنطين خرجت أمّه هيلاني إلى الشام فبنت به الكنائس، وسارت إلى بيت المقدس وطلبت الخشبة التي زعمت النصارى أن المسيح صلب عليها فحملت إليها فغشّتها بالذهب، واتخذت ذلك اليوم عيدا.
وسيأتي الكلام على ذلك مفصّلا في ترجمة قسطنطين في خاتمة الكتاب عند
(2/457)

ذكر الملوك الذين استولوا على الديار المصرية، وفيما ذكرنا هنا مقنع والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد صار من أعيادهم المشهورة بالديار المصرية النّيروز؛ وهو أوّل يوم من سنتهم؛ وإن لفظة النيروز فارسية معرّبة، وكأن القبط والله أعلم اتخذوا ذلك على طريقة الفرس واستعاروا اسمه منهم فسمّوا اليوم الأول من سنتهم أيضا نيروزا وجعلوه عيدا.
قال في «مناهج الفكر» : وهم يظهرون فيه من الفرح والسرور، وإيقاد النيران، وصبّ الأمواه أضعاف ما يفعله الفرس؛ ويشاركهم فيه العوامّ من المسلمين.
قال المسعوديّ: وأهل الشام يعملون مثل ذلك في أوّل سنتهم أيضا، وهو أوّل يوم من ينير من شهور الروم، ويوافقه كانون الثاني، وهو الشهر الرابع من شهور السّريان؛ وذلك في السادس من طوبة من شهور القبط، ويسمّونه القلنداس، إلا أن أهل مصر يزيدون فيه التّصافع بالأنطاع، وربما حملهم ترك الاحتشام على أن يتجرّأوا على الرجل المطاع؛ ولولا أنّ ولاة الأمر يردعونهم ويمنعونهم من ذلك، لمنعوا الطريق من السالك؛ وهم مع ذلك من ظفروا به لا يتركونه إلا بما يرضيهم. والذي استقرّ عليه الحال بالديار المصرية إلى آخر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة أنهم يقتصرون على رشّ الأمواه والتّصافع، وترك الاحتشام دون إيقاد النيران، إلا من يفعل ذلك من النصارى في بيته أو خاصّته.
ولهم أعياد ومواسم سوى ما تقدّم ذكرها صاحب التذكرة ونحن نذكرها على ترتيب شهور القبط، وهي:
عيد سيغورس، وعيد متّى الإنجيلي، وهما في الثاني من توت. عيد سمعان الحبيس، وهو في الرابع من توت. عيد ماما؛ وهو في الخامس من توت. عيد شعيا؛ وهو في السادس من توت. عيد ساويرس؛ وهو في السابع من توت. عيد موسى النبيّ عليه السلام؛ وهو في الثامن من توت. عيد توما التلميذ؛ وهو في
(2/458)

التاسع من توت. وخروج نوح عليه السلام من السفينة، ومولد مريم عليها السلام، وهما في العاشر من توت. عيد باسيليوس، وهو في الحادي عشر من توت. عيد ميخائيل، وصوم جدليا، وهما في الثالث عشر من توت. عيد سمعان الحبيس، وعيد تادرس الشهيد؛ وهما في الرابع عشر من توت. عيد اسفانوس؛ وهو في السادس عشر من توت، وصوم كبور؛ وهو في العشرين من توت. ونياحة أبي جرج؛ وهي في الثاني والعشرين من توت. عيد أولاد الفرس؛ وهو في الثالث والعشرين من توت. عيد أليصابات، وهو في السادس والعشرين من توت. عيد اسطاتوا، وانتقال يوحنا؛ وهما في السابع والعشرين من توت. عيد اجرويفون؛ وهو في أول بابه. عيد سوسنان، وهو في الثاني من بابه. عيد يعقوب بن حلفا؛ وهو في الخامس من بابه. عيد أبو بولا؛ وهو في السابع من بابه. عيد توما؛ وهو في الثامن من بابه. عيد أبي مسرجة؛ وهو في العاشر من بابه. عيد يعقوب؛ وهو في الحادي عشر من بابه. وشهادة متّى؛ وهي في الثاني عشر من بابه. عيد الفرات، وهو في الثالث عشر من بابه. وشهادة يوحنّا؛ وهي في العشرين من بابه. وتذكار السيدة؛ وهو في الحادي والعشرين من بابه. عيد لوقا؛ وهو في الثاني والعشرين من بابه. عيد أبي جرج؛ وهو في الثالث والعشرين من بابه. ودخول السيدة الهيكل، وهو في الحادي والعشرين من بابه. عيد يعقوب ويوسف؛ وهو في السادس والعشرين من بابه. عيد أبي مقار، وهو في السابع والعشرين من بابه.
عيد مرقص؛ وهو في آخر يوم من بابه. عيد بطرس البطرك؛ وهو في أوّل يوم من هاتور. عيد زكريّا؛ وهو في الرابع من هاتور. واجتماع التلاميذ؛ وهو في السادس من هاتور. وتكريز أبي جرج؛ وهو في السابع من هاتور. وعيد الأربع حيوانات، وهو في الثامن من هاتور. وتذكار الثلاثمائة وثمانية عشر، وهو في التاسع من هاتور. ونياحة إسحاق؛ وهو في العاشر من هاتور. عيد ميكائيل؛ وهو في الثاني عشر من هاتور. وشهادة أبي مينا؛ وهو في الخامس عشر من هاتور. عيد فيلبس الرسول؛ وهو في التاسع عشر من هاتور. عيد أساسياس؛ وهو في العشرين من هاتور. عيد شمعون؛ وهو في الحادي والعشرين من هاتور. تذكار الشهداء، وهو
(2/459)

في الثاني والعشرين من هاتور. عيد مركوريوس؛ وهو في الرابع والعشرين من هاتور. عيد أبي مقورة؛ وهو في الخامس والعشرين من هاتور. عيد ادفيانيوس، وهو في السادس والعشرين من هاتور. عيد يعقوب المقطّع؛ وهو في السابع والعشرين من هاتور. عيد ياهور؛ وهو في الثاني من كيهك. عيد اندراس؛ وهو في الرابع من كيهك. عيد سيورس؛ وهو في الخامس من كيهك. عيد بزبارة، وهو في السابع من كيهك. عيد أيامين؛ وهو في الثامن من كيهك. عيد ماري نقولا؛ وهو في العاشر من كيهك. عيد سمعان؛ وهو في الرابع عشر من كيهك. ونياحة يوحنا، وهي في السادس عشر من كيهك؛ وصوم الميلاد؛ وهو في الثالث والعشرين من كيهك. وقتل الأطفال؛ وهو في الثالث من طوبه. عيد يوحنّا الإنجيلي، وهو في الرابع من طوبه. وعيد توما؛ وهو في السابع من طوبه. عيد الختان؛ وهو في الثامن من طوبه. وعيد إبراهيم، وهو في التاسع من طوبه. وصوم الغطاس؛ وأوّله العاشر من طوبه. وصوم العذارى؛ وهو في الثالث عشر من طوبه. عيد ملسوس؛ وهو في الرابع عشر من طوبه. عيد غاريوس، وهو في الخامس عشر من طوبه. عيد قيلانوس؛ وهو في السادس عشر من طوبه. عيد يوحنس؛ وهو في التاسع عشر من طوبه. ونزول الإنجيل، وتذكار السيدة؛ وهما في العشرين من طوبه. وصوم نينوى، وهو في الحادي والعشرين من طوبه.
ومقتل يحيى؛ وهو في الرابع والعشرين من طوبه. عيد أبي بشارة؛ وهو في الخامس والعشرين من طوبه. عيد الشهداء؛ وهو في السادس والعشرين من طوبه. عيد طيمارس الرسول؛ وهو في السابع والعشرين من طوبه؛ وآخر نياحة نقولا؛ وهو في اليوم الآخر من طوبه. عيد العذارى، وعيد يهوذا؛ وهما في الأوّل من أمشير. عيد مقار، وهو في الثاني من أمشير. ونياحة تيادرس؛ وهو في السادس من أمشير. ونياحة برصوما، وهو في التاسع من أمشير. عيد بيطن، وشهادة يعقوب، وهما في العاشر من أمشير. عيد أبي مسرجة؛ وهو في الرابع عشر من أمشير. عيد قلانوس؛ وهو في السادس عشر من أمشير. عيد يعقوب الرسول؛ وهو في السابع عشر من أمشير. عيد بطرس الشهيد؛ وهو في التاسع عشر من أمشير.
(2/460)

ونزول السيدة من الجبل؛ وهو في الحادي والعشرين من أمشير. وشهادة سدرس؛ وهو في السادس والعشرين من أمشير. ووجود رأس يوحنا؛ وهو في اليوم الآخر من أمشير. عيد الجلبانة؛ وهو في الثالث من شهر برمهات. عيد أرمانوس، وهو في السابع من برمهات. عيد المعمودة، وهو في التاسع من برمهات. وظهور الصليب؛ وهو في العاشر من برمهات. عيد أبي مينا؛ وهو في الحادي عشر من برمهات. عيد ميلاخي، وهو في الثاني عشر من برمهات. عيد إلياس الشهيد؛ وهو في السابع عشر من برمهات. ونياحة بولص؛ وهي في الثاني والعشرين من برمهات. عيد العازر؛ وهو في الثالث والعشرين من برمهات. عيد الشعانين؛ وهو في الرابع والعشرين من برمهات. عيد المرسونة، وهو في الخامس والعشرين من برمهات. وغسل الأرجل؛ وهو في الثامن والعشرين من برمهات. وجمعة الصلبوت؛ وهو في التاسع والعشرين من برمهات. عيد مرقص الإنجيلي؛ وهو في اليوم الآخر من برمهات. عيد توما البطرك؛ وهو في الثاني من برموده. عيد حزقيال النجيب؛ وهو في الخامس من برموده. عيد مرقص؛ وهو في السابع من برموده.
والأخذ بالجديد؛ وهو في الثامن من برموده. عيد يوحنا الأسقفّ؛ وهو في الحادي عشر من برموده. عيد جرجس؛ وهو في الثالث عشر من برموده. عيد أبي متّى؛ وهو في السادس عشر من برموده. عيد يعقوب، عيد سنوطه، وهما في التاسع عشر من برموده. وذكران الشهداء؛ وهو في الحادي والعشرين من برموده. عيد ساويرس؛ وهو في السادس والعشرين من برموده. عيد أبي نيطس؛ وهو في السابع والعشرين من برموده. عيد أصحاب الكهف، وهو في التاسع والعشرين من برموده. عيد مرقص الإنجيلي، وهو في اليوم الآخر من برموده. عيد تيادرس؛ وهو في الثاني من بشنس. عيد شمعون؛ وهو في الثالث من بشنس. عيد الحندس؛ وهو في الرابع من بشنس. ونياحة يعقوب، وهو في السابع من بشنس. عيد دفرى سوه؛ وهو في السادس من بشنس. عيد أساسياس؛ وهو في السابع من بشنس.
وصعود المسيح عندهم في الثامن من بشنس. عيد دير القصير؛ وهو في الحادي والعشرين من بشنس. ونزول السيد إلى مصر؛ وهو في الرابع والعشرين من
(2/461)

بشنس. عيد سوس، وهو في الخامس والعشرين من بشنس. عيد توما التلميذ؛ وهو في السادس والعشرين من بشنس. عيد سمعون العجاس؛ وهو في السابع والعشرين من بشنس. عيد طيمارس؛ وهو في التاسع والعشرين من بشنس. عيد الورد بالشا؛ وهو في اليوم الآخر من بشنس. عيد أبي مقار؛ وهو في الثاني من بؤنه. ووجود عظام لوقا؛ وهو في الثالث من بؤنه. وعيد توما، وعيد مامور؛ وهما في الرابع من بؤنه. عيد يوحنا، ونزول صحف إبراهيم (عليه السلام) ؛ وهما في التاسع من بؤنه. عيد أبي مينا؛ وهو في الخامس عشر من بؤنه. عيد أبي مقار، وهو في السادس عشر من بؤنه. عيد السيدة؛ وهو في الحادي والعشرين من بؤنه.
عيد اتريب وهو في الثالث والعشرين من بؤنه. عيد أبي مينا، وهو في..... «1»
والعشرين من بؤنه. وتذكار تيادرس؛ وهو في أوّل أبيب. ونياحة بولص، وهو في الثاني من أبيب والثالث منه أيضا. وعيد المعينة، وعيد القيصرية؛ وهما في الخامس من أبيب. وعيد أبي سنوبة، وهو في السابع من أبيب. وعيد اسنباط؛ وهو في الثامن من أبيب. وشهادة هارون، وعيد سمعان، وهما في التاسع من أبيب.
وعيد تادرس نطيره؛ وهو في العاشر من أبيب. وعيد أبي هور؛ وهو في الثاني عشر من أبيب. وعيد أبي مقار؛ وهو في الرابع عشر من أبيب. وعيد اقدام السرياني، وهو في الخامس عشر من أبيب. عيد يوحنا وذكريا، وهو في السادس عشر من أبيب. وعيد يعقوب التلميذ، وهو في السابع عشر من أبيب. وعيد بولاق، وهو في التاسع من أبيب. وعيد تادرس الشهيد، وهو في العشرين من أبيب. وعيد السيدة، وعيد ميخائيل؛ وهما في الحادي والعشرين من أبيب. وعيد سمعان البطرك، وعيد شنوده؛ وهما في الثالث والعشرين من أبيب. وعيد سمنود؛ وهو في الرابع والعشرين من أبيب. وعيد مرقور يوص، وهو في الخامس والعشرين من أبيب. وعيد حزقيل النبيّ عليه السلام؛ وهو في السابع والعشرين من أبيب. ورفعة إدريس عليه السلام، وعيد مريم؛ وهما في الثامن والعشرين من أبيب. وحرم
(2/462)

السيد، وهو في اليوم الآخر من أبيب. وعيد الخندق، وهو في اليوم الأوّل من مسرى. وعيد أبي مينا، وهو في اليوم الثاني من مسرى. وعيد سمعان المعموديّ؛ وهو في الثالث من مسرى. ودخول نوح السفينة؛ وهو في الثامن من مسرى.
وعيد طور سينا، وعيد السيدة، وهما في التاسع من مسرى. وعيد اللباس؛ وهو في العاشر من مسرى. وشهادة أنطونيوس، وعيد العدوية، وهو في الخامس عشر من مسرى. وعيد يعقوب الشهيد، وهو في السابع عشر من مسرى. وعيد أبي مقار؛ وهو في الثامن عشر من مسرى. وعيد اليسع؛ وهو في التاسع عشر من مسرى.
وعيد أصحاب الكهف، وهو في العشرين من مسرى. وصوم الأربعين؛ وهو في الحادي والعشرين من مسرى. وعيد الحوزة بدمشق؛ وهو في الثالث والعشرين من مسرى. وعيد صوفيل؛ وهو في السادس والعشرين من مسرى. وعيد إبراهيم وإسحاق، وهو في الثامن والعشرين من مسرى. وعيد موسى الشهيد، وشهادة يوحنا، وهو في اليوم الآخر من مسرى.
الجملة الرابعة في أعياد اليهود، وهي على ضربين
الضرب الأوّل ما نطقت به التوراة بزعمهم، وهي خمسة أعياد
العيد الأوّل- رأس السنة
، يعملونه عيد رأس سنتهم ويسمّونه عيد رأس هيشا أي عيد رأس الشهر، وهو أوّل يوم من تشرى يتنزل عندهم منزلة عيد الأضحى عندنا، ويقولون: إن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح إسماعيل «1» ابنه فيه وفداه بذبح عظيم.
العيد الثاني- عيد صوماريا ويسمونه الكبور
، وهو عندهم الصوم العظيم الذي يقولون إن الله تعالى فرض عليهم صومه، ومن لم يصمه قتل عندهم. ومدّة
(2/463)

هذا الصوم خمس وعشرون ساعة يبدأ فيها قبل غروب الشمس في اليوم التاسع «1» من شهر تشرى، وتختم بمضيّ ساعة بعد غروبها في اليوم العاشر «2» ، وربما سمّوه العاشور. ويشترط فيه لجواز الإفطار عندهم رؤية ثلاثة كواكب عند الإفطار وهي عندهم تمام الأربعين الثلاثة التي صامها موسى عليه السلام. ولا يجوز أن يقع هذا الصوم عندهم في يوم الأحد، ولا في يوم الثلاثاء، ولا في يوم الجمعة، ويزعمون أن الله يغفر لهم فيه جميع ذنوبهم ما خلا الزنا بالمحصنة، وظلم الرجل أخاه، وجحده ربوبية الله تعالى.
العيد الثالث- عيد المظلّة
، وهو سبعة «3» أيام أوّلها الخامس عشر من تشرى وكلها أعياد عندهم، واليوم الآخر منها يسمّى عرايا أي شجر الخلاف، وهو أيضا حج لهم. يجلسون في هذه الأيام تحت ظلال من جريد النخل وأغصان الزّيتون والخلاف، وسائر الشجر الذي لا ينتشر ورقه على الأرض؛ ويزعمون أن ذلك تذكار منهم لإظلال الله إياهم في التيه بالغمام.
العيد الرابع- عيد الفطير ويسمّونه الفصح
«4» ، ويكون في الخامس عشر من نيسان؛ وهو سبعة أيام أيضا، يأكلون فيها الفطير، وينظّفون بيوتهم فيها من خبز الخير «5» لأن هذه الأيام عندهم هي الأيام التي خلّص الله فيها بني إسرائيل من يد فرعون وأغرقه، فخرجوا إلى التيه، فجعلوا يأكلون اللحم والخبز الفطير وهم بذلك فرحون، وفي أحد «6» هذه الأيام غرق فرعون.
العيد الخامس- عيد الأسابيع، ويسمّى عيد العنصرة وعيد الخطاب،
(2/464)

ويكون بعد عيد الفطير بسبعة أسابيع، واتخاذهم لهذا العيد في السادس من سيوان «1» من شهور اليهود، وهو الثالث والعشرون من بشنس من شهور القبط.
يقولون: إنه اليوم الذي خاطب الله فيه بني إسرائيل من طور سينا، وفي جملة هذا الخطاب العشر كلمات، وهي وصايا تضمنت أمرا ونهيا، وضمنت التوفيق لمن حصّلها حفظا ورعيا، وهو حج من حجوجهم؛ وحجوجهم ثلاثة: الأسابيع، والفطير، والمظلّة؛ وهم يعظمونه، ويأكلون فيه القطائف، ويتفننون في عملها، ويجعلونها بدلا عن المنّ الذي أنزل الله عليهم في هذا اليوم، ويسمّى هذا العيد أيضا عشرتا، ومعناه الاجتماع.
الضرب الثاني ما أحدثه اليهود زيادة على ما زعموا أن التوراة نطقت به، وهو عيدان
العيد الأوّل- الفوز
«2» ، وهو عندهم عيد سرور ولهو وخلاعة يهدي فيه بعضهم إلى بعض؛ وهم يقولون: إن سبب اتخاذهم له أن بختنصر لما أجلى من كان ببيت المقدس من اليهود إلى عراق العجم أسكنهم بحيّ «3» ، وهي إحدى مدينتي أصفهان ثم ذهبت أيام الكلدانيين وملكت الفرس الأولى والأخيرة، فلما ملك أردشير بن بابك وتسميه اليهود بالعبرانية أجشادوس «4» ، وكان له وزير يسمونه بلغتهم هيمون «5» ، ولليهود يومئذ حبر يسمّى بلغتهم مردوخاي، فبلغ أردشير أن له ابنة عمّ من أحسن أهل زمانها وأكملهم عقلا، فطلب تزويجها منه فأجابه لذلك، فحظيت عنده حظوة صار بها مردوخاي قريبا منه، فأراد هيمون إصغاره واحتقاره
(2/465)

حسدا له، وعزم على إهلاك طائفة اليهود التي في جميع مملكة أردشير، فرتب مع نوّاب الملك في جميع الأعمال أن يقتل كلّ أحد منهم من يعلمه من اليهود، وعين له يوما وهو النصف «1» من آذار؛ وإنما خصّ هذا اليوم دون سائر الأيام لأن اليهود يزعمون أنّ موسى ولد فيه وتوفّي فيه، وأراد بذلك المبالغة في نكايتهم ليتضاعف الحزن عليهم بهلاكهم وبموت موسى، فاتضح لمردوخاي ذلك من بعض بطانة هيمون، فأرسل إلى ابنة عمه يعلمها بما عزم عليه هيمون في أمر اليهود، وسألها إعلام الملك بذلك، وحضّها على إعمال الحيلة في خلاص نفسها وخلاص قومها، فأعلمت الملك بالحال وذكرت له: إنما حمله على ذلك الحسد على قربنا منك ونصيحتنا لك، فأمر بقتل هيمون وقتل أهله، وأن يكتب لليهود بالأمان والبرّ والإحسان في ذلك اليوم، فاتخذوه عيدا؛ واليهود يصومون قبله ثلاثة أيام، وفي هذا العيد يصوّرون من الورق صورة هيمون ويملأون بطنها نخالة وملحا ويلقونها في النار حتّى تحترق، يخدعون بذلك صبيانهم.
العيد الثاني- عيد الحنكة
، وهو ثمانية أيام، يوقدون في الليلة الأولى من لياليه على كل باب من أبوابهم سراجا، وفي الليلة الثانية سراجين، وهكذا إلى أن يكون في الليلة الثامنة ثمانية سرج. وهم يذكرون أن سبب اتخاذهم لهذا العيد أن بعض الجبابرة تغلّب على بيت المقدس وفتك باليهود وافتضّ أبكارهم، فوثب عليه أوّلا كهّانهم وكانوا ثمانية فقتله أصغرهم، وطلب اليهود زيتا لوقود الهيكل فلم يجدوا إلا يسيرا وزّعوه على عدد ما يوقدونه من السّرج على أبوابهم في كل ليلة إلى تمام ثمان ليال فاتخذوا هذه الأيام عيدا وسمّوه الحنكة، ومعناه التنظيف لأنهم نظّفوا فيه الهيكل من أقذار شيعة الجبار، وبعضهم يسميه الربّاني «2» .
(2/466)

الجملة الخامسة في أعياد الصابئين
ومدار أعيادهم على الكواكب؛ وأعيادهم عند نزول الكواكب الخمسة المتحيّرة وهي زحل والمشتري، والمرّيخ، والزّهرة، وعطارد في بيوت شرفها، وذلك أن من البروج ما يقوم لهذه الكواكب مقام قصر العز للملك، يشتهر فيه ويعلو ويشرف؛ وفيها درجات معلومة ينسب الشرف إليها؛ ومنها ما يخمل فيه ويفسد حاله، ويكون ذلك أيضا في درجات معلومة، تقابل درجات الشرف به من البرج المقابل، ويسمّى ذلك هبوطا؛ فزحل شرفه في إحدى وعشرين درجة من الميزان، ويهبط في مثلها من الحمل، والمشتري يشرف في خمس عشرة درجة من السّرطان، ويهبط في مثلها من الجدي، والمرّيخ يشرف في ثمان عشرة درجة من الجدي، ويهبط في مثلها من السّرطان؛ والزّهرة تشرف في تسع وعشرين درجة من الحوت، وتهبط في مثلها من السّنبلة؛ وعطارد شرفه في خمس عشرة درجة من السنبلة، ويهبط في مثلها من الحوت، وكذلك الشمس تشرف في تسع عشرة درجة من الحمل، وتهبط في مثلها من الميزان؛ والقمر يشرف في ثلاث درجات من السنبلة، ويهبط في مثلها من الحوت. وهم يعظمون اليوم الذي تنزل الشمس فيه الحمل، ويلبسون فيه أفخر ثيابهم. وهو عندهم من أعظم الأعياد. وكانت ملوكهم تبني الهياكل وتجعل لها أعيادا بحسب الكواكب التي بنيت على اسمها فيه.
(2/467)

الباب الثاني من المقالة الأولى فيما يحتاج إليه الكاتب من الأمور العملية وهو الخط وتوابعه ولواحقه؛ وفيه فصلان.
الفصل الأوّل في ذكر آلات الخط، ومباديه وصوره، وأشكاله، وما ينخرط في سلك ذلك؛ وفيه ثلاثة أطراف
الطرف الأوّل في الدّواة وآلاتها؛ وفيه مقصدان
المقصد الأوّل في نفس الدّواة، وفيه أربع جمل
الجملة الأولى في فضلها
قد أخرج ابن أبي حاتم «1» من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «خلق الله النّون وهي الدّواة» وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله
(2/469)

عنهما، قال: «لمّا خلق الله النّون وهي الدّواة وخلق القلم فقال اكتب فقال وما أكتب قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» . وهذا الخبر والأثر دالّان على أن المراد بالنون في الآية هو الدّواة، وإن فسره بعضهم بغير ذلك، إذ الدواة هي المناسبة في الذّكر لذكر القلم وتسطير الكتابة في قوله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ
«1» . وبالجملة فإن الدواة هي أمّ آلات الكتابة، وسمطها الجامع لها، ولا يخفى ما يجب من الاهتمام بأمرها والاحتفال بشأنها؛ فقد قال عبد الله بن المبارك «2» : من خرج من بيته بغير محبرة وأداة فقد عزم على الصّدقة» قال المدائني: يعني بالأداة مثل السّكّين والمقلمة، وأشباههما. قال محمد بن شعيب ابن سابور: مثل الكاتب بغير دواة كمثل من يسير إلى الهيجاء بغير سلاح.
الجملة الثانية في أصلها في اللغة
قال أبو القاسم بن عبد العزيز: تقول العرب: دواة ودويات في أدنى العدد، وفي الكثير دويّ ودويّ (بضم الدال وكسرها) ويقال أيضا دواء، ودواء (بضم الدال وكسرها) ودوايا مثل حوايا؛ وأدويت دواة أي اتخذت دواة؛ ورجل دوّاء (بفتح الدال وتشديد الواو) إذا كان يبيعها، كقولك عطّار وبزّاز.
الجملة الثالثة فيما ينبغي أن تتخذ منه، وما تحلّى به
أمّا ما تتخذ منه فينبغي أن تتّخذ من أجود العيدان وأرفعها ثمنا كالآبنوس، والسّاسم «3» ، والصّندل، وهذا اعتماد منه على ما كان يعتاده أهل زمانه، ويتعاناه أهل عصره.
(2/470)

قلت: وقد غلب على الكتّاب في زماننا من أهل الإنشاء وكتّاب الأموال اتخاذ الدّويّ من النّحاس الأصفر، والفولاذ، وتغالوا في أثمانها وبالغوا في تحسينها. والنّحاس أكثر استعمالا، والفولاذ أقلّ لعزّته ونفاسته، واختصاصه بأعلى درجات الرياسة كالوزارة وما ضاهاها.
وأمّا دويّ الخشب فقد رفضت وتركت إلا الآبنوس والصّندل الأحمر، فإنه يتعاناه في زماننا قضاة الحكم وموقّعوهم وبعض شهود الدواوين.
وأمّا التحلية، فقال الحسن بن وهب «1» : سبيل الدّواة أن يكون عليها من الحلية أخفّ ما يكون ويمكن أن تحلّى به الدّويّ، وفي وثاقة ولطف، ليأمن من أن تنكسر أو تنقصم في مجلسه، قال: وحق الحلية أن تكون ساذجة بغير حفر ولا ثنيات فيها ليأمن من مسارعة القذى والدّنس إليها. ولا يكون عليها نقش ولا صورة. وحقّ هذه الحلية مع ما ذكره ابن وهب أن تكون من النحاس ونحوه دون الفضّة والذهب. على أن بعض الكتّاب في زماننا قد اعتاد التحلية بالفضة، ولا يخفى أنّ حكم ذلك حكم الضبة في الإناء فتحرم مع الكبر والزينة، وتكره مع الصغر والزينة والكبر والحاجة، وتباح مع الصغر والحاجة من كسر ونحوه، كما قرّره أصحابنا الشافعية رحمهم الله، نعم يحرم التكفيت بالذهب والفضة، وكذلك التمويه إذا كان يحصل منه بالعرض على النار شيء، والله أعلم.
الجملة الرابعة في قدرها وصفتها
قال الحسن بن وهب: سبيل الدواة أن تكون متوسطة في قدرها، لا بالقصيرة فتقصر أقلامها وتقبح، ولا بالكثيفة فيثقل محملها وتعجف. فلا بدّ لصاحبها أن يحملها ويضعها بين يدي ملكه أو أميره في أوقات مخصوصة، ولا يحسن أن يتولّى ذلك غيره. قال الفضل: ويكون طولها بمقدار عظم الذراع أو
(2/471)

فويق ذلك قليلا لتكون مناسبة لمقدار القلم. قلت: وقد اختلفت مقاصد أهل الزمان في هيئة الدواة: من التدوير والتربيع. فأما كتّاب الإنشاء فإنهم يتخذونها مستطيلة مدوّرة الرأسين، لطيفة القدّ، طلبا للخفّة، ولأنهم إنما يتعانون في كتابتهم الدّرج، وهو غير لائق بالدواة في الجملة. على أن الصغير من الدّرج لا يأبى جعله في الدواة المدوّرة. وأما كتّاب الأموال، فانهم يتخذونها مستطيلة مربعة الزوايا، ليجعلوا في باطن غطائها ما استخفوه مما يحتاجون إليه من ورق الحساب الديوانيّ المناسب لهذه الدواة في القطع. وعلى هذا الأنموذج يتخذ قضاة الحكم وموقّعوهم دويّهم؛ إلا أنها في الغالب تكون من الخشب كما تقدّم.
واعلم أنه ينبغي للكاتب أن يجتهد في تحسين الدواة وتجويدها وصونها.
ولله المدائني حيث يقول:
جوّد دواتك واجتهد في صونها ... إن الدّويّ خزائن الآداب
وأهدى أبو الطّيّب عبد الرحمن بن أحمد بن زيد بن الفرج الكاتب إلى صديق له دواة آبنوس محلّاة وكتب معها:
لم أر سوداء قبلها ملكت ... نواظر الخلق والقلوب معا
لا الطّول أزرى بها ولا قصر ... لكن أتت للوصول مجتمعا
فوقك جنح من الظّلام بها ... وبارق بائتلاقها لمعا
خذها لدرّ بها تنظّمه ... يروق في الحسن كلّ من سمعا
أما المحبرة المفردة عن الدواة فقد اختلف الناس فيها، فمنهم من رجّحها ومالوا إلى اتخاذها لخفّة حملها، وقالوا: بها يكتب القرآن والحديث والعلم.
وكرهها بعضهم واستقبحها من حيث إنها آلة النسخ الذي هو من أشد الحرف وأتعبها، وأقلها مكسبا.
ويروى أن شعبة «1» رأى في يد رجل محبرة فقال: ارم بها فإنها مشؤومة لا
(2/472)

يبقى معها أهل ولا ولد، ولا أمّ ولا أب.
الطرف الثاني في الآلات التي تشتمل عليها الدواة، وهي سبع عشرة آلة، أوّل كل آلة منها ميم
الآلة الأولى- المزبر
(بكسر الميم) ، وهو القلم أخذا له من قولهم زبرت الكتاب إذا اتقنت كتابته، ومنه سميت الكتب زبرا كما في قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ
«1» وفي حديث أبي بكر أنه دعا في مرضه بدواة ومزبر أي قلم. وفيه جملتان:
الجملة الأولى في فضله
عن الوليد بن عبادة بن الصامت «2» رضي الله عنه قال: دعاني أبي حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «أوّل ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: يا ربّ وما أكتب؟ قال: اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد» رواه أحمد وأبو داود والتّرمذي «3» ، وقال: حسن غريب، وابن أبي حاتم واللفظ له. وعن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه «إن أوّل ما خلق الله القلم والحوت، فقال له اكتب، فقال: يا ربّ وما أكتب؟ قال: اكتب كلّ شيء كائن إلى يوم القيامة» ثم قرأ ن وَالْقَلَمِ
رواه الطبراني ووقفه ابن جرير على ابن عبّاس. وفي رواية قال ابن عباس: «أوّل ما خلق الله القلم، قال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال:
اكتب القدر، فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم قيام الساعة، ثم خلق النون
(2/473)

ورفع بخار الماء، فتفتّقت منه السماء وبسطت الأرض على ظهر النّون، فاضطرب النّون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإنها لتفخر على الأرض لأنها أثبتت عليها» رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وروى محمد بن عمر المدائني بسنده إلى مجاهد «إن أوّل ما خلق الله اليراع، ثم خلق من اليراع القلم، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: ما هو كائن، قال: فزبر القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» . وأخرج بسنده إلى ابن عباس، قال: «أوّل ما خلق الله اليراع: وهو القصب المثقّب، فقال: اكتب قضائي في خلقي إلى يوم القيامة» . ويروى أنه لما خلقه الله تعالى نظر إليه فانشقّ بنصفين، ثم قال: اجر! قال: يا رب بما أجري؟ قال: بما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ بذلك، وكان منه تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
«1» . ويروى أنّ خلقه قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
واعلم أن القلم أشرف آلات الكتابة وأعلاها رتبة، إذ هو المباشر للكتابة دون غيره، وغيره من آلات الكتابة كالأعوان، وقد قال الله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ
«2» فأقسم به، وذلك في غاية الشرف. ولله أبو الفتح البستيّ «3» حيث يقول:
إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم ... وعدّوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتّاب عزّا ورفعة ... مدى الدّهر أن الله أقسم بالقلم
وقال تعالى: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
«4» فأضاف التعليم
(2/474)

بالقلم إلى نفسه. قال ابن الهيثم «1» : من جلالة القلم أن الله عز وجل لم يكتب كتابا إلا به، لذلك أقسم به. قال المدائني: وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال «من قلم قلما يكتب به علما أعطاه الله شجرة في الجنة خير من الدّنيا وما فيها» . وقد قيل الأقلام مطايا الفطن، ورسل الكرم. وقال عبد الحميد: القلم شجرة ثمرها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة، وفيه ريّ العقول الكامنة. وقال جبل بن زيد: القلم لسان البصر يناجيه بما ستر عن الأسماع. وقال ابن المقفّع: القلم بريد العلم يحث على البحر «2» ، ويبحث عن خفيّ النظر. وقال أحمد بن يوسف: ما عبرات الغواني في خدودهن بأحسن من عبرات الأقلام. وقيل: القلم الطلسم الأكبر. وقيل: البيان اثنان: بيان لسان، وبيان بنان؛ ومن فضل بيان البنان أن ما تثبته الأقلام باق على الأبد، وما ينبسه اللسان تدرسه الأيام. ويقال: عقول الرجال تحت أسنّة أقلامها، بنوء الأقلام يصوب غيث الحكمة. وقال جعفر بن يحيى: لم أر باكيا أحسن تبسّما من القلم.
قال ابن المعتز: القلم مجهّز لجيوش الكلام، تخدمه الإرادة، ولا يملّ من الاستزادة، كأنه يقبّل بساط سلطان، أو يفتّح نور بستان.
ومن إنشاء الوزير ضياء الدين بن الأثير الجزريّ، من جواب كتبه للعماد الأصفهاني: وكيف لا يكون ذلك، وقلمها هو اليراع الذي نفثت الفصاحة في روعه، وكمنت الشجاعة بين ضلوعه، فإذا قال أراك كيف تنسّق الفرائد في الأجياد.
ومن كلام أبي حفص بن برد الأندلسيّ «3» : ما أعجب شأن القلم! يشرب
(2/475)

ظلمة، ويلفظ نورا؛ قد يكون قلم الكاتب، أمضى من شباة المحارب؛ القلم سهم ينفذ المقاتل، وشفرة تطيح بها المفاصل. ومن كلام العميد عمر بن عثمان الكاتب: قلم يطلق الآجال والأرزاق، وينفث السّم والدّرياق؛ قلم تدق عن الإدراك حركاته، وتحلّى بالنفائس فتكاته؛ يسرع ولا انحدار السيل إلى قراره، وانقداح الضوء من شراره، معطوفة الغايات على المبادي، مصروفة الأعجاز إلى الهوادي؛ وإذا صال أراك كيف اختلاف الرماح بين الآساد. وله خصائص أخرى يبدعها إبداعا، فإذا لم يأت بها غيره تطبّعا أتى بها هو طبعا، فطورا يرى إماما يلقي درسا، وطورا يرى ماشطة تجلو عرسا، وطورا يرى ورقاء تصدح في الأوراق، وطورا يرى جوادا مخلّقا بخلوق السّباق، وطورا أفعوانا مطرقا، والعجب أنه لا يزهو إلا عند الإطراق! ولطالما نفث سحرا، وجلب عطرا، وأدار في القرطاس خمرا؛ وتصرّف في صنوف الغناء فكان في الفتح عمر «1» ، وفي الهدي عمّارا «2» ، وفي الكيد عمرا «3» فلا تحظى به دولة إلّا فخرت على الدول، واستغنت عن الخيل والخول.
وقال الإسكندر: لولا القلم ما قامت الدنيا، ولا استقامت المملكة. وكلّ شيء تحت العقل واللسان لأنهما الحاكمان على كل شيء، والقلم يريكهما صورتين، ويوجدكهما شكلين.
وقال بعض حكماء اليونان: أمور الدنيا تحت شيئين: السيف والقلم، والسيف تحت القلم. وقال آخر: فاقت صنعة القلم عند سائر الأمم جمع الحكم في صحون الكتب. وقال العتابي: ببكاء القلم تبسم الكتب. وقال البحتري:
الأقلام مطايا الفطن. وقال أبو دلف العجليّ «4» : القلم صائغ الكلام، يفرغ ما
(2/476)

يجمعه الفكر، ويصوغ ما يسبكه اللب. وقال سهل بن هارون «1» : القلم أنف الضمير، إذا رعف أعلن أسراره، وأبان آثاره. وقال ثمامة «2» : ما أثّرته الأقلام لم تطمع في درسه الأيام. وقال هشام بن الحكم: أحسن الصنيع صنيع القلم والخطّ الذي هو جنى العقول. وقال علي بن منصور: بنور القلم تضيء الحكمة. وقال الجاحظ: من عرف النعمة في بيان اللسان كان بفضل النعمة في بيان القلم أعرف.
وقال غيره: بالقلم تزفّ بنات العقول إلى خدور الكتب. وقال المأمون: لله درّ القلم كيف يحوك وشي المملكة. وقال بعض الأعراب: القلم ينهض بما يظلع «3» بحمله اللّسان، ويبلغ ما لا يبلغه البيان. وقال بعضهم: القلم يجعل للكتب ألسنا ناطقة، وأعينا ملاحظة؛ وربما ضمنها من ودائع القلوب ما لا تبوح به الإخوان عند المشاهدة. وقال أوميرس الحكيم: الخط شيء أظهره العقل بواسطة سن القلم، فلما قابل النفس عشقته بالعنصر. وقال مرطس الحكيم: الخط بالقلم ينمّي الحكمة. وقال جالينوس: القلم الطلسم الأكبر. وقال بقراط: القلم على «4» إيقاع الوتر، والمهنة المنطقية مقدّمة على المهنة الطبيعية. وقال بليناس: القلم طبيب المنطق. قال أرسطاطاليس: القلم العلّة الفاعلة، والمداد العلة الهيولانيّة، والخط العلة الصّورية، والبلاغة العلّة التمامية. وقد أكثر الشعراء القول في شرف القلم وفضله.
فمن ذلك قول أبي تمّام الطائيّ:
إن يخدم القلم السّيف الذي خضعت ... له الرّقاب وذلّت خوفه الأمم
(2/477)

فالموت والموت لا شيء يغالبه ... ما زال يتبع ما يجري به القلم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم
وقوله:
لك القلم الأعلى الذي بشباته ... تصاب من الأمر الكلي والمفاصل
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل
له ريقة ظلّ ولكنّ وقعها ... بآثاره في الشّرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الحمس اللّطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل
أطاعته أطراف القنا وتقوّضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل
إذا استغزر الذهن الجليّ وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافل
وقد رفدته الخنصران وسدّدت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل
رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنا وسمينا خطبه وهو ناحل
وقول أبي هلال العسكريّ:
انظر إلى قلم ينكّس رأسه ... ليضمّ بين موصّل ومفصّل
تنظر إلى مخلاب ليث ضيغم ... وغرار مسنون المضارب مفصل
يبدو لناظره بلون أصفر ... ومدامع سود وجسم منحل
فالدّرج أبيض مثل خدّ واضح ... يثنيه أسود مثل طرف أكحل
قسم العطايا والمنايا في الورى ... فإذا نظرت إليه فاحذر وأمل
طعمان شوب حلاوة بمرارة ... كالدّهر يخلط شهده بالحنظل
فإذا تصرّف في يديك عنانه ... ألحقت فيه مؤمّلا بمؤمّل
ومذلّلا بمعزّز ولربّما ... ألحقت فيه معزّزا بمذلّل
وقوله:
لك القلم الجاري ببؤس وأنعم ... فمنها بواد ترتجى وعوائد
(2/478)

إذا ملأ القرطاس سود سطوره ... فتلك أسود تتّقى وأساود «1»
وتلك جنان تجتنى ثمراتها ... ويلقاك من أنفاسهنّ بوارد
وهنّ برود ما لهنّ مناسج ... وهنّ عقود ما لهن معاقد
وهنّ حياة للوليّ رضيّة ... وهنّ حتوف للعدوّ رواصد
الجملة الثانية في اشتقاقه
وقد اختلف في ذلك؛ فقيل: سمّي قلما لاستقامته كما سميت القداح أقلاما في قوله تعالى: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ
«2» قال بعض المفسرين تشاحّوا في كفالتها فضربوا عليها بالقداح، والقداح مما يضرب بها المثل في الاستقامة؛ وقيل: هو مأخوذ من القلّام وهو شجر رخو فلما ضارعه القلم في الضعف سمي قلما؛ وقيل: سمي قلما لقلم رأسه، فقد قيل إنه لا يسمّى قلما حتّى يبرى، أما قبل ذلك فهو قصبة. كما لا يسمّى الرمح رمحا إلا إذا كان عليه سنان وإلا فهو قناة، ومنه قلامة الظفر؛ وإلى ذلك يشير أبو الطّيّب الأزديّ بقوله:
قلم قلّم أظفار العدا ... وهو كالإصبع مقصوص الظّفر
أشبه الحيّة حتّى إنه ... كلّما عمّر في الأيدي قصر
وقيل لأعرابيّ: ما القلم؟ ففكّر ساعة وقلب يده، ثم قال: لا أدري، فقيل له: توهمه، قال: هو عود قلّم من جوانبه كتقليم الظّفر، فسمي قلما.
الجملة الثالثة في صفته
قال إبراهيم بن العباس لغلام بين يديه يعلمه الخطّ: ليكن قلمك صلبا بين
(2/479)

الدّقة والغلظ، ولا تبره عند عقدة فإن فيه تعقيد الأمور، ولا تكتب بقلم ملتوي، ولا ذي شقّ غير مستوي؛ وإن أعوزك البحريّ والفارسيّ، واضطررت إلى الأقلام النبطية فاختر منها ما يميل إلى السّمرة.
وقال إبراهيم بن محمد الشيباني «1» : ينبغي للكاتب أن يتخيّر من أنابيب القصب أقلّه عقدا، وأكثفه لحما، وأصلبه قشرا، وأعدله استواء. وقال العتابي:
سألني الأصمعيّ يوما بدار الرشيد: أيّ الأنانبيب للكتابة أصلح وعليها أصبر؟
فقلت: ما نشف بالهجير ماؤه، وستره من تلويحه غشاؤه؛ من التّبريّة القشور، الدّرّيّة الظهور، الفضية الكسور.
وكتب عليّ بن الأزهر إلى صديق له يستدعي منه أقلاما:
أما بعد، فإنا على