Advertisement

صبح الأعشى في صناعة الإنشاء 005

الجزء الخامس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وصلّى الله وسلّم على سيدنا محمد وآله وصحبه
[تتمة المقالة الثانية]
[تتمة الفصل الاول من الباب الرابع من المقالة الثانية]
المقصد الثاني (في ممالك جزيرة العرب الخارجة عن مضافات الديار المصرية)
قد تقدّم في الكلام على مملكة الديار المصرية ومضافاتها ذكر جزيرة العرب، وأنه يحدّها من جهة الغرب بحر القلزم، ومن جهة الجنوب بحر الهند، ومن جهة الشرق بحر فارس، ومن جهة الشّمال الفرات. وأنها تحتوي الحجاز ونجدا وتهامة واليمن واليمامة والبحرين، وقطعة من بادية الشام، وقطعة من بادية العراق وتقدّم هناك الكلام على ما هو مضاف إلى مملكة الديار المصرية.
منها مكة، والمدينة، على الحالّ «1» بها أفضل الصلاة والسلام، والتحية والإكرام، والينبع، وما هو من بادية الشام كتدمر ونحوها.
والمقصود هنا الكلام على باقى أقطارها، التي لم تدخل في مضافات الديار المصرية. ويتوجه القصد منها إلى ثلاثة أقطار:
القطر الأوّل (اليمن)
قال في «اللباب» «2» : بفتح المثناة التحتية والميم وفي آخرها نون. قال:
وينسب إليه يمنيّ ويمانيّ. وهو قطعة من جزيرة العرب يحدّها من الغرب بحر
(5/3)

القلزم، ومن الجنوب بحر الهند، ومن الشّمال بحر فارس، ومن الشرق حدود مكة حيث الموضع المعروف بطلحة «1» الملك، وما على سمت «2» ذلك إلى بحر فارس.
وقد وردت السّنة بتفضيله بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الإيمان يمان» «3» واختلف في سبب تسميته باليمن فقيل: سمّي بيمن بن قحطان. وقيل: إن قحطان نفسه كان يسمّى بيمن. وقيل: سمّي بيمن بن قيدار. وقيل: سمّي بذلك لأنه عن يمين الكعبة. قال «ابن الكلبي» «4» : سميت بذلك لتيامنهم «5» إليها. قال «ابن عباس» : استتبّ الناس «6» وهم العرب فتيامنوا إلى اليمن فسمّيت بذلك.
وقيل: تيامنت بنو يقطن إليها فسمّيت بذلك. وقيل: لمّا كثر الناس بمكة وتفرّقوا عنها التأمت بنو يمن إلى اليمن وهو أيمن الأرض.
وهو إقليم متسع له ذكر في القديم، وبه كان قوم سبإ «7» المنصوص خبرهم في سورة «سبإ» «8» وبلقيس «9» المذكور عرشها في سورة «النمل» «10»
(5/4)

وقد ذكر «البكريّ» «1» أن عرضه ستّ عشرة مرحلة، وطوله عشرون مرحلة.
قال في «مسالك الأبصار» «2» : وله ذكر قديم. قال: وهو كثير الأمطار، ولكن لا تنشأ منه السّحب؛ ويمطر في الغالب من وقت الزوال إلى أخريات النهار.
قال الحكيم «صلاح الدين محمد بن البرهان» : وأكثر مطره في أخريات الربيع إلى وسط الصيف. وهو إلى الحرّ أميل، وبه الأنهار الجارية، والمروج الفيح، والأشجار المتكاثفة في بعض أماكنه، وله ارتفاع صالح من الأموال، وغالب أمواله موجبات التّجّار الواصلين من الهند ومصر والحبشة؛ مع مالها من دخل البلاد.
وذكر عن الحكيم صلاح الدين المذكور، أن لأهل اليمن سيادات بينهم محفوظة، وسعادات عندهم ملحوظة، ولأكابرها حظّ من رفاهية العيش والتنعم والتفنّن في المأكل، يطبخ في بيت الرجل منهم عدّة ألوان، ويعمل فيها السكّر والقلوب، وتطيّب أوانيها بالعطر والبخور، ويكون لأحدهم الحاشية والغاشية، وفي بيته العدد الصالح من الإماء، وعلى بابه جملة من الخدم والعبيد والخصيان من الهند والحبوش، ولهم الدّيارات الجليلة، والمباني الأنيقة، إلا الرّخام ودهان الذهب واللازورد، فإنه من خواصّ السلطان، لا يشاركه فيه غيره من الرّعايا.
وإنما تفرش دور أعيانهم بالخافقيّ ونحوه، على أن ابن البرهان قد غضّ من اليمن في أثناء كلامه فقال: واسم اليمن أكبر منه، لا تعدّ في بلاد الخصب بلاده.
(5/5)

وذكر في «مسالك الأبصار» أنه ليس باليمن أسواق مرضية دائمة، إنما يقام لها سوق يوم الجمعة؛ تجلب فيه الأجلاب «1» ويخرج أرباب الصنائع والبضائع بضائعهم وصنائعهم، فيبيع من يبيع، ويشتري من يشتري، من أعوزه شيء في وسط الجمعة لا يكاد يجده إلا المأكل.
ثم اليمن على قسمين:
القسم الأوّل (التهائم)
وهي المنخفض من بلاده. قال في «مسالك الأبصار» : وهي باردة الهواء طيّبة المسكن. وفيه أربع جمل:
الجملة الأولى (في ذكر ما اشتمل عليه من القواعد والمدن)
قال في «مسالك الأبصار» : وهو يشتمل على عدّة بلاد، وقلاع، وحصون حصينة، ولكن يفصل البرّ ما بين بعضها عن بعض، وبه قاعدتان:
القاعدة الأولى (تعز)
وهي مصيف صاحب اليمن. قال في «تقويم البلدان» «2» بكسر «3» المثناة من فوق والعين المهملة وزاى معجمة في الآخر. وموقعها في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة. قال: والقياس حيث الطول خمس وستون درجة وثلاثون دقيقة،
(5/6)

والعرض ثلاث عشرة درجة وأربعون دقيقة. قال: وهي في زماننا هذا مقرّ ملوك اليمن (يعني من أولاد رسول الآتى ذكرهم في الكلام على ملوكه) .
ثم قال: وهي حصن في الجبال، مطلّ على التهائم وأراضي زبيد «1» ، وفوقها منتزه يقال له مهلة، قد ساق له صاحب اليمن المياه من الجبال التي فوقها، وبنى فيها أبنية عظيمة في غاية الحسن في وسط بستان هناك.
قال في «الروض المعطار» «2» : ولم تزل حصنا للملوك. قال: وهو بلد كثير الماء، بارد الهواء، كثير الفاكهة. قال؛ ولسلطانهم بستان يعرف بالينعات، فيه قبّة ملوكية، ومقعد سلطاني، فرشهما وأزرهما من الرّخام الملوّن؛ وبهما عمد قليلة المثل، يجري فيهما الماء من نفثات تملأ العين حسنا، والأذن طربا، بصفاء نميرها «3» ، وطيب خريرها؛ وترمي شبابيكهما على أشجار قد نقلت إليه من كل مكان، تجمع بين فواكه الشام والهند، لا يقف ناظر على بستان أحسن منه جمعا، ولا أجمع منه حسنا، ولا أتم صورة ولا معنى.
القاعدة الثانية (زبيد)
وهي مشتى صاحب اليمن من بني رسول. قال في «تقويم البلدان» : بفتح الزاى المعجمة وكسر الباء الموحدة وسكون المثناة من تحت ودال مهملة. وهي مدينة من تهائم اليمن. قال في «العبر» : بناها محمد بن إبراهيم، بن عبيد الله، بن زياد، بن أبيه في خلافة المامون. وموقعها في أوائل الإقليم الأول من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» حيث الطول أربع وستون درجة وعشرون دقيقة، والعرض أربع عشرة درجة وعشر دقائق. قال في «العبر» «4» : وهي مدينة مسوّرة،
(5/7)

وبها كان مقام بني زياد ملوك اليمن، وهم الذين بنوها، ثم غلب عليها بنو الصّليحيّ، ثم صارت قاعدة بني رسول. وهي قصبة التهائم؛ وهي مبنيّة في مستو من الأرض، عن البحر على أقلّ من يوم، وماؤها من الآبار، وبها نخيل كثيرة، وعليها سور، وفيها ثمانية أبواب.
قال البيروني «1» : وهي فرضة اليمن، وبها مجتمع التّجّار من الحجاز ومصر والحبشة؛ ومنها تخرج بضائع الهند والصين. قال المهلّبي «2» : ولها ساحل يعرف بغلافقة، وبينهما خمسة عشر ميلا.
قال في «مسالك الأبصار» : وهي شديدة الحرّ لا يبرد ماؤها ولا هواؤها، وهي أوسع رقعة وأكثر بناء، ولها نهر جار بظاهرها، ومساكن السلطان فيها في نهاية العظمة من فرش الرّخام والسّقوف.
وباليمن عدّة مدن سوى القواعد المتقدّمة الذكر منها (عدن) «3» قال في «تقويم البلدان» : بفتح العين والدال المهملتين ونون في الآخر. وهي من تهائم اليمن. قال: وهي خارجة إلى الجنوب عن الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول سبع وستون درجة، والعرض تسع عشرة درجة. قال في «الروض المعطار» : وأوّل من نزلها عدن بن سبإ فعرفت به. قال في «تقويم البلدان» : ويقال لها عدن أبين- بفتح الهمزة
(5/8)

وسكون الباء الموحدة وفتح المثناة التحتية ثم نون- وقال في «المشترك» «1» : عن سيبويه بكسر الهمزة، وهو رجل من حمير أضيفت إليه عدن. قال في «العبر» : وهو أبين بن زهير، بن الغوث، بن أيمن، بن الهميسع، بن حمير.
وذكر «الأزهري» أن سبب تسميتها بذلك أن الحبشة [عبرت] «2» في سفنهم إليها، وخرجوا منها فقالوا (عدونه) يريدون خرجنا فسميت عدن لذلك. وقيل مأخوذة من قولهم عدن بالمكان إذا أقام به. وهي على ساحل البحر ذات حطّ وإقلاع. قال في «مسالك الأبصار» : وهي أعظم المراسي باليمن، وتكاد تكون ثالثة تعزّ وزبيد في الذّكر؛ وبها قلعة حصينة مبنية، وهي خزانة مال ملوك اليمن، إلا انه ليس بها زرع ولا ضرع؛ وهي فرضة اليمن، ومحطّ رحال التّجّار، لم تزل بلد تجارة من زمن التّبابعة وإلى زماننا، عليها ترد المراكب الواصلة من الحجاز والسّند والهند والصّين والحبشة؛ ويمتار أهل كل إقليم منها ما يحتاج إليه إقليمهم من البضائع. قال «صلاح الدين بن الحكيم» : ولا يخلو أسبوع من عدّة سفن وتجّار واردين عليها، وبضائع شتى ومتاجر منوّعة، والمقيم بها في مكاسب وافرة، وتجائر مربحة؛ ولحطّ المراكب عليها وإقلاعها مواسم مشهورة، فإذا أراد ناخوذة «3» السفر بمركب إلى جهة من الجهات، أقام فيها علما برنك «4» خاصّ به، فيعلم التجّار بسفره، ويتسامع الناس فيبقى كذلك أيّاما، ويقع الاهتمام بالرحيل، وتسارع التجّار في نقل أمتعتهم، وحولهم العبيد بالقماش السريّ والأسلحة النافعة، وتنصب على شاطيء البحر الأسواق، ويخرج أهل عدن للتفرّج هناك.
قال في «العبر» : ويحيط بها من جهة شماليها على بعد جبل دائر إلى البحر
(5/9)

ينثقب فيه من طرفيه ثقبان كالبابين، بينهما على ظهر الجبل مسيرة أربعة أيام، وليس لأهلها دخول ولا خروج إلا على الثّقبين أو من البحر. وكان ملكها لبني معن ابن زائدة «1» ، ثم لبني زياد: أصحاب زبيد؛ ثم انتزعها منهم أحمد بن المكرّم «2» الصّليحي، وصفا الملك فيها لبني الزّريع منهم؛ وبقيت بأيديهم حتّى ملكها منهم (توران شاه) بن أيوب: أوّل ملوك اليمن من الأيّوبيّة؛ ومن الأيّوبيّة انتقلت لبني رسول ملوك اليمن الآن.
وذكر في «مسالك الأبصار» عن الحكيم «صلاح الدين بن البرهان» أنه أقام بها مدّة، وقال إن المقيم بها يحتاج إلى كلفة في النّفقات: لارتفاع الأسعار بها في المآكل والمشارب؛ ويحتاج المقيم بها إلى ما يتبرّد به في اليوم مرّات في زمن قوّة الحرّ. قال: ولكنهم لا يبالون بكثرة الكلف، ولا بسوء المقام لكثرة الأموال النامية.
ومنها (ظفار) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الظاء المعجمة والفاء وألف وراء مهملة. قال: وهي من تهائم اليمن، من أوائل الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة. قال في «القانون» : حيث الطول سبع وستون درجة والعرض ثلاث عشرة درجة وثلاثون دقيقة.
قال السّهيلي «3» : وهي مدينة عظيمة، بناها مالك بن أبرهة «4» ذي المنار.
(5/10)

وذكر في «العبر» أنها كانت دار ملك التّبابعة؛ وخرّبها أحمد الناخوذة سنة تسع عشرة وستمائة لأنها لم يكن لها مرسى، وبنى على الساحل مدينة ظفار «1» بالضم، وسمّاها الأحمديّة.
قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينة على ساحل خور «2» قد خرج من البحر الجنوبي وطعن في البر في جهة الشّمال نحو مائة ميل، ومدينة ظفار على طرفه، ولا تخرج المراكب من ظفار في هذا الخور إلا بريح البرّ، ويقلع منها في الخور المذكور إلى الهند. قال: وهي قاعدة بلاد الشّحر، ويوجد في أرضها كثير من نبات الهند كالرّانج والتّنبل «3» ، وشماليّ ظفار رمال الأحقاف التي كان بها قوم عاد «4» وهي المذكورة في القرآن، وبينها وبين صنعاء أربعة وعشرون فرسخا.
قال: وعن بعضهم أن لها بساتين على السّواني «5» قال في «مسالك الأبصار» : وهي في زماننا لأولاد الواثق ابن عم صاحب اليمن. قال: وهم وإن أطلق عليهم اسم الملك نوّاب له. وذكر أن البضائع منها تنقل في زوارق حتّى تخرج من خورها، ثم توسق «6» في السّفن. قال في «العبر» :
وكانت منزلة الملوك في صدر الدولتين.
(5/11)

ومنها (حلي) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الحاء المهملة وسكون اللام ثم ياء مثناة من تحت. وهي بلدة من اليمن، واقعة في الإقليم الأوّل. قال في «الأطوال» : حيث الطول ستّ وستون درجة، والعرض ثلاث عشرة درجة وثلاثون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي من أطراف اليمن من جهة الحجاز وتعرف بحلي ابن يعقوب.
ومنها (المهجم) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم وسكون الهاء وجيم وميم. وهي مدينة من تهائم اليمن، واقعة في الإقليم الأوّل. قال في «الأطوال» : حيث الطول أربع وستون درجة، والعرض ستّ عشرة درجة. قال في «تقويم البلدان» : وهي من أجلّ مدن اليمن، وهي عن زبيد ثلاثة أيام [وهي] في الشرق والشمال عن زبيد؛ وعن صنعاء على ستّ مراحل. قال الإدريسيّ «1» : ومن عدن على ست مراحل.
ومنها (حصن الدّملوة) . قال في «تقويم البلدان» : بكسر «2» الدال المهملة وسكون الميم ثم لام وواو وهاء في الآخر. وهو حصن من حصون اليمن، واقع في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة. قال أبو العقول: حيث الطول أربع وستون درجة وأربعون دقيقة، والعرض أربع عشرة درجة،. قال في «تقويم البلدان» : وهو حصن في شمال عدن في جبال اليمن. قال ابن سعيد «3» : وهو على الجبل الممتدّ من الجنوب إلى الشمال، وهو خزانة صاحب اليمن؛ ويضرب بامتناعه وحصانته المثل.
ومنها (الشّرجة) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الشين المعجمة
(5/12)

وسكون الراء المهملة وجيم وهاء. وهي ميناء على ساحل البحر، واقعة في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة. قال في «القانون» : حيث الطول خمس وستون درجة، والعرض سبع عشرة درجة وثلاثون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي صغيرة وبيوتها أخصاص «1» ومنها (جبلة) . قال في «تقويم البلدان» : بضم الجيم وسكون الباء الموحدة ولام مفتوحة وهاء. وهي مدينة بين عدن وصنعاء، واقعة في الإقليم الأوّل. قال: وقياس قول أبي العقول أنها حيث الطول خمس وستون درجة، والعرض ثلاث عشرة درجة وعشر دقائق. قال: وهي على نهرين ولذلك يقال لها مدينة النّهرين. قال بعض الثقات: وبينها وبين تعزّ دون يوم، وهي عن تعزّ في الشرق بميلة يسيرة إلى الشّمال.
ومنها (الجند) . قال في «اللباب» : بالجيم والنون المفتوحتين ودال مهملة في الآخر. وهي مدينة شماليّ تعزّ؛ على نحو نصف مرحلة منها؛ واقعة في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول خمس وستون درجة، والعرض أربع عشرة درجة وثلاثون دقيقة. وهي عن صنعاء على ثمانية وأربعين فرسخا، وعن ظفار على أربعة وعشرين فرسخا.
وقال الشريف الإدريسيّ: هي بين ذمار وبين زبيد. وهو بلد جليل به مسجد جامع ينسب لمعاذ بن جبل «2» الصحابيّ رضي الله عنه، وعلى القرب من الجند وادى سحول، ومنه يسير في صحارى إلى جبل عرضه أحد وعشرون فرسخا، ثم يسير في صحراء ورمال إلى مدينة زبيد. والجند بلد وخم في غاية الوخامة.
(5/13)

ومنها (سرّين) . قال في «اللباب» : بكسر السين المهملة وفتح الرّاء المهملة المشدّدة وسكون المثنّاة من تحت ونون في الآخر. وهي بلدة على تسعة عشر فرسخا من حلي، في جهة الشمال منها، واقعة في آخر الإقليم الأوّل. قال في «الأطوال» : حيث الطول ستّ وستون درجة وأربعون دقيقة، والعرض عشرون درجة. وقال المهلّبيّ: هي مدينة على ساحل البحر على أربعة أيام من مكة.
قال الإدريسيّ: وهي على القرب من قرية يلملم: ميقات أهل اليمن للإحرام.
ومنها (مرباط) . قال في «تقويم البلدان» : بكسر الميم وسكون الراء المهملة ثم باء موحدة وألف بعدها طاء مهملة. وهي بليدة على ساحل خور ظفار المقدّم ذكره. قال: وهي خارجة عن الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة إلى الجنوب أو منه. قال في «الأطوال» : حيث الطول اثنتان وسبعون درجة، والعرض اثنتا عشرة درجة. قال ابن سعيد: وهي في الشرق والجنوب عن ظفار.
قال الإدريسي: وقبر هود عليه السّلام منها على خمسة أيّام. قال في «نزهة المشتاق» «1» : وبجبال مرباط ينبت شجر اللّبان «2» ، ومنها يجهّز إلى البلاد.
ومنها (بلاد مهرة) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم ثم هاء ساكنة وراء مهملة مفتوحة وهاء في الآخر. والمراد بمهرة بنو مهرة بن حيدان: قبيلة من قبائل اليمن؛ وقد بسطت القول على ذلك في كتابي المسمّى «بنهاية الأرب في معرفة قبائل العرب» . وموقعها في الإقليم الأوّل. قال في «الأطوال» : وآخرها حيث الطول خمس وسبعون درجة، والعرض ستّ عشرة درجة. قال في «تقويم البلدان» : وليس بها نخيل ولا زرع وإنما أموال أهلها الإبل. قال: وألسنتهم مستعجمة لا يكاد يوقف عليها، وينسب إليها البخت «3» المفضّلة، ويحمل منها اللّبان إلى الآفاق.
(5/14)

ومنها (الشّحر) «1» بكسر الشين المعجمة وسكون الحاء المهملة وراء مهملة في الآخر. قال ياقوت الحموي: وهي بليدة صغيرة، ولم يزد على ذلك.
والذي يظهر أن لها إقليما ينسب إليها، وإليها ينسب العنبر الشّحريّ على ما تقدّم القول عليه في الكلام على ما يحتاج الكاتب إلى وصفه في المقالة الأولى.
الجملة الثانية (في ذكر حيوانه، وحبوبه، وفواكهه، ورياحينه ومعاملاته، وأسعاره)
وأنا أذكر جملة من ذلك على ما ذكره في «مسالك الأبصار» عن أبى جعفر أحمد بن محمد المقدسيّ المعروف بابن غانم كاتب الإنشاء بها، وأبى محمد عبد الباقى بن عبد المجيد اليمني الكاتب.
أما حيوانه- فيه من الحيوان الخيل العربية الفائقة، والبغال الجيّدة للركوب والحمل، والحمر، والإبل، والبقر، والغنم، ومن الطير الدّجاج، والإوزّ، والحمام، وفيها من الوحوش الزرافة والأسد، والغزلان والقردة؛ وغير ذلك.
وأما حبوبه- فبه من الحبوب الحنطة والشعير والذّرة والأرزّ والسّمسم؛ وغالب قوتهم الذّرة وأقلّة الحنطة والشعير.
وأما فواكهه فيه العنب والرّمان، والسّفرجل، والتّفّاح، والخوخ، والتّوت، والموز، واللّيمون، والأترجّ «2» ، في أنواع أخرى من الفاكهة قليلة المقدار؛ وبه البطّيخ الأخضر والأصفر.
قال ابن البرهان «3» : وغالب ما يوجد بمصر من الفواكه يوجد باليمن، إلا أنه
(5/15)

بالغ في وصف السّفرجل به.
وأما أسعاره فرخيّة في الغالب. وذكر ابن البرهان أن الحنطة فيه تغلو، واللحوم فيه رخيصة.
الجملة الثالثة (في الطريق الموصّلة إلى اليمن)
وله طريقان: طريق في البرّ، وطريق في البحر.
أما طريقه في البر، فالطريق من مصر إلى مكة معروفة. قال في «تقويم البلدان» : ومن مكة إلى عدن نحو شهر. قال: ولها طريقان: أحدهما على ساحل البحر، وهو الأبعد. والثاني على نجران، وجرش، وصعدة، وصنعاء؛ وهو الأقرب.
وأما في البحر، فمن مصر إلى السّويس ثلاثة أيام في البرّ، ثم يركب في البحر إلى زبيد وعدن. وربما عدل المسافرون عن السّويس إلى الطّور فتطول الطريق في البر، وتقصر في البحر، وربما وقع السفر إلى قوص في النيل أو في البر؛ ثم من قوص إلى عيذاب أو إلى القصير، فيركب في البحر إلى زبيد أو عدن.
الجملة الرابعة (في ذكر ملوكه: جاهليّة وإسلاما)
أما ملوكه في الجاهلية فعلى عشر طبقات:
الطبقة الأولى (العاديّة)
وهم بنو عاد بن عوص، بن إرم، بن سام، بن نوح عليه السّلام.
وكانت منازلهم بالأحقاف من اليمن، وعمان من البحرين إلى حضرموت والشّحر.
(5/16)

وأوّل من ملكها منهم (عاد) المقدّم ذكره. ويقال: إنه أوّل من ملك من العرب وطال عمره وكثر ولده، حتّى يقال إنه ولد أربعة آلاف ولد ذكر لصلبه، وتزوّج ألف امرأة، وعاش ألف سنة ومائتي سنة. وقال البيهقي: عاش ثلاثمائة سنة.
ثم ملك بعده ابنه (شديد) بن عاد.
ثم ملك بعده ابنه الثاني (شدّاد) بن عاد وسار في الممالك، واستولى على كثير من بلاد الشام والعراق والهند ويقال إنه ملك مصر أيضا.
ثم ملك بعده ابنه (إرم) بن عاد.
والذي ذكره المسعودي أنه ملك بعد عاد بن عوص ابنه عاد بن عاد وأن جيرون بن سعد بن عاد كان من ملوكهم، وأنه الذي اختطّ مدينة دمشق ومصرّها، وإليه ينسب باب جيرون «1» بها كما تقدّم في الكلام عليها في مضافات الديار المصرية.
وذكر ابن سعيد: أن شدّاد بن بدّاد، بن هدّاد، بن شدّاد، بن عاد غلب قفط ابن قبط على أسافل الديار المصرية، ثم هلك هناك، ويقال أن ملكهم على عهد هود عليه السّلام كان اسمه الخلجان بن عاد، بن رقيم، بن عاد الأكبر، ولقمان بن عاد بن عاديا بن صداقا بن لقمان، وكفر الخلجان، وأهلك الله من كفر منهم بالريح العقيم «2»
(5/17)

وانتقل ملك لقمان إلى ولده (لقيم) واتصل ملك لقمان ورهطه ألف سنة أو أكثر إلى أن غلبهم عليه يعرب بن قحطان الآتى ذكره.
الطبقة الثانية (القحطانيّة)
وأوّل من ملك منهم (قحطان) بن عابر، بن أرفخشذ، بن سام، بن نوح عليه السّلام. قال المؤيد صاحب حماة: وهو أوّل من ملك اليمن ولبس التاج.
ثم ملك بعده ابنه (يعرب) بن قحطان، وغلب عادا على اليمن، وعظم ملكه. وهو أوّل من حيّاه قومه بتحية الملك؛ وولى أخاه حضرموت بن قحطان على بلاد حضرموت فعرفت به؛ وولّى أخاه عمان بن قحطان على بلاد عمان من البحرين فعرفت به.
ثم ملك بعده ابنه (يشجب) بن يعرب.
ثم ملك بعده ابنه (عبد شمس) وأكثر الغزو والسبي، فسمّي سبأ؛ وبنى قصر سبإ ومدينة مأرب باليمن «1» ويقال: إنه غزا مصر، وبنى بها مدينة عين شمس، التي أثرها بالقرب من المطرية الآن.
ثم ملك بعده ابنه (حمير) خمسين سنة، وهو أوّل من تتوّج بالذهب.
ثم ملك بعده ابنه (وائل) . وقيل: بل ملك بعده أخوه (كهلان) .
ثم ملك بعد وائل ابنه (السّكسك) .
ثم ملك بعده ابنه (يعفر) بن السّكسك.
(5/18)

ثم غلب على الملك (عامر) بن باران، بن عوف، بن حمير؛ ويعرف بذى رياش «1» ثم ملك بعده ابنه (المعافر) واسمه النعمان بن يعفر المقدّم ذكره.
ثم ملك بعده ابنه (أسمح) بن النعمان؛ فاضطرب أمر حمير، وصار ملكهم في طوائف إلى أن ظهرت ملوك التّبابعة.
ويقال: إنه ملك منهم (أبين) بن زهير، بن الغوث، بن أيمن، بن الهميسع، وإليه تنسب عدن أبين على ما تقدّم ذكره «2» وملك منهم أيضا (عبد شمس) بن وائل، بن الغوث، بن حيدان، بن قطن، بن عريب، بن زهير، بن أيمن، بن الهميسع، بن حمير.
وملك منهم أيضا (حسّان) بن عمرو، بن قيس، بن معاوية، بن جشم؛ بن عبد شمس.
ثم ملك بعده أخوه (لقمان) . ثم أخوه (ذو شدد) : وهو ذو مراثد. ثم ابنه (الصّعب) ويقال: إنه ذو القرنين. ويقال: إن بني كهلان بن سبإ داولوا بني حمير في الملك.
وملك منهم (جبّار) بن غالب، بن زيد، بن كهلان؛ وانه ملك من شعوب قحطان أيضا (نجران) بن زيد، بن يعرب، بن قحطان؛ وبه عرفت نجران المقدّم ذكرها.
(5/19)

الطبقة الثالثة (التبابعة) »
إمّا بمعنى أن الناس يتبعونهم كما قاله السهيليّ والزمخشريّ، وإما بمعنى يتبع بعضهم بعضا كما قاله ابن سيده. قال في «العبر» : وكانت منازلهم ظفار.
وأوّل من ملك منهم (الحارث) بن ذي شدد، بن الملطاط، بن عمرو، بن ذي يقدم؛ بن الصوار، بن عبد شمس، بن وائل، بن الغوث، بن حيدان، بن قطن، بن عريب بن زهير، بن الغوث بن أيمن بن الهميسع، بن حمير، بن سبإ.
وسمّى الرائش لأنه لما ملك الناس راشهم بالعطاء. قال السهيليّ وكان مؤمنا.
ثم ملك بعده ابنه (أبرهة ذو المنار) «2» مائة وثمانين سنة قاله المسعودى.
وقال ابن هشام هو أبرهة بن الصّعب، بن ذي مراثد، بن الملطاط المقدّم ذكره، وسمّى ذا المنار لأنه رفع منارا يهتدى به.
ثم ملك بعده ابنه (إفريقش) بن أبرهة مائة وستين سنة.
وقال هشام ابن الكلبي هو إفريقش، بن قيس، بن صيفيّ أخي الحارث الرائش وسار إلى بلاد المغرب وفتح أفريقية فعرفت به.
ثمّ ملك بعده أخوه (عمرو العبد) بن أبرهة المعروف بذي الأذعار خمسا وعشرين سنة. قال المسعوديّ: وسمّى ذا الأذعار لكثرة ذعر الناس منه، قال وكان على عهد سليمان عليه السّلام أو قبله بقليل.
وقال الطبريّ: عمرو بن أبرهة ذي المنار، بن الحارث الرائش، بن قيس، ابن صيفيّ، بن سبإ الأصغر.
(5/20)

ثم ملك بعده (الهدهاد) بن شرحبيل، بن عمرو ذي الأذعار ستّ سنين أو عشر سنين، وهو ذو الصّرح.
ثم ملك بعده ابنته (بلقيس) «1» بنت الهدهاد بن شرحبيل سبع سنين وهي صاحبة القصة مع سليمان عليه السّلام.
وقال الطبريّ: بلقيس هي يلقمة بنت ليشرح بن الحارث بن قيس.
ثم ملك بعدها (سليمان) عليه السلام. ثم أقاموا في ملكه وملك بنيه أربعا وعشرين سنة.
ثم ملك (ناشر) بن عمرو ذي الأذعار. ويقال له ناشر ينعم، وربما قيل ناشر أنعم، سمّى بذلك لإنعامه عليهم. وقال السهيليّ: ناشر بن عمرو. ثم قال:
ويقال له ناشر النّعم. وقال المسعوديّ ناشر بن عمرو ذي الأذعار. وقيل ناشر بن عمرو، بن يعفر، بن شرحبيل، بن عمرو ذي الأذعار؛ وسار إلى وادي الرمل بأقصى الغرب، فلم يجد وراءه مذهبا، فنصب صنما من نحاس، وزبر «2» عليه بالمسند «3» «هذا الصنم لناشر أنعم، ليس وراءه مذهب، فلا يتكلّف أحد ذلك فيعطب» .
ثم ملك بعده ابنه (شمر) مائة وستين سنة. ويقال له شمر مرعش، سمّى بذلك لارتعاش كان به. وقال السهيليّ: شمر بن مالك، ومالك هو الأملوك.
ويقال إنه وطيء أرض العراق وفارس وخراسان وافتتح مدائنها، وخرّب مدينة الصّغد وراء نهر جيحون، فقالت العجم: شمر كند أي شمر خرّب، وبنى هناك مدينة فسميت بذلك، ثم عرّبت سمرقند. ويقال: إنه الذي بنى الحيرة بالعراق.
وملك بلاد الروم واستعمل عليها ماهان قيصر.
(5/21)

ثمّ ملك بعده (تبّع الأقرن) ثلاثا وخمسين سنة، وقيل ثلاثا وستين سنة واسمه زيد، قال المسعوديّ: وهو ابن شمر مرعش، وقال الطبريّ: ابن عمرو ذى الأذعار. قال السهيليّ: وسمّي الأقرن لشامة كانت في قرنه.
ثم ملك بعده ابنه (كليكرب) .
ثم ملك بعده (تبان) أسعد أبو كرب، بن قيس، بن زيد الأقرن، بن عمرو ذي الأذعار، وهو تبّع الآخر. ويقال له الرائد، وكان على عهد يستاسف أحد ملوك الفرس الكيانية وحافده «1» أردشير «2» ، وملك اليمن والحجاز والعراق والشام، وغزا بلاد الترك والتبّت والصين، ويقال: إنه ترك ببلاد التبّت قوما من حمير، هم بها إلى الآن، وغزا القسطنطينية ومرّ في طريقه بالعراق فتحير قومه فبنى هناك مدينة سمّاها الحيرة، وقد مرّ الكلام عليها مع العراق في الكلام على مملكة إيران، ويقال إنه أوّل من كسا الكعبة الملاء وجعل لبابها مفتاحا وأوصى ولاتها من جرهم بتطهيرها ودام ملكه ثلاثمائة وعشرين سنة.
ثم ملك من بعده (ربيعة) بن نصر، بن الحارث، بن نمارة، بن لخم، ويقال ربيعة، بن نصر، بن أبي حارثة، بن عمرو، بن عامر. وبعضهم يعكس فيقول نصر بن ربيعة، ثم رأى رؤيا هالته فسار بأهله إلى العراق وأقام بالحيرة، ومن عقبه كان النّعمان بن المنذر ملك الحيرة وهو النعمان بن المنذر بن عمرو بن عديّ بن ربيعة بن نصر.
ثم ملك بعده (حسّان ذو معاهر) بن تبان أسعد أبي كرب.
ثم ملك بعده أخوه (عمرو) بن تبان أسعد أبي كرب ويسمّى الموثبان ثلاثا وستين سنة، ومات عن أولاد صغار وأكبرهم قد استهوته الجنّ، فوثب على ملك
(5/22)

التبابعة (عبد كلال) بن مثوب، فملك أربعا وتسعين سنة وهو تبّع الأصغر، وله مغاز وآثار بعيدة.
ثم ملك بعده أخوه لأمه (مرثد) بن عبد كلال سبعا وثلاثين سنة.
[ثم ملك من بعده ابنه وليعة بن مرثد] .
ثم ملك بعده (أبرهة بن الصّباح) بن لهيعة، بن شيبة، بن مرثد، بن نيف ابن معدى كرب، بن عبد الله، بن عمرو، بن ذي أصبح الحارث، بن مالك؛ وقيل إنما ملك تهامة فقط.
ثم ملك بعده (حسّان بن عمرو) بن تبّع، بن كليكرب سبعا وخمسين سنة.
ثم ملك بعده (لخيعة) بن ينوف ذو شناتر سبعا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده (ذو نواس زرعة) تبّع بن تبان أسعد أبي كرب ثمانين سنة، ويسمّى يوسف، وكان يدين باليهودية وحمل الناس عليه.
ثم ملك بعده (ذو جدن) واسمه علس بن زيد، بن الحارث، بن زيد الجمهور. وقيل: علس بن الحارث، بن زيد، بن الغرث، بن سعد، بن عوف، ابن عديّ، بن مالك، بن زيد الجمهور، وهو آخر ملوك اليمن من العرب. وقيل غير ذلك من تقديم وتأخير وتبديل اسم باسم.
وبالجملة فأخبار التّبابعة غير مضبوطة، وأمورهم غير محقّقة. قال المسعوديّ: ولا يسمى أحد منهم تبّعا حتى يملك اليمن والشّحر وحضرموت؛ على أن الطبري قد ذكر أن الملك من ملوك اليمن لا يتجاوز مخلافه، وإن تجاوزه فبمسافة يسيرة.
الطبقة الرابعة (الحبشة)
وأوّل من ملك منهم (أرياط) بعثه صاحب الحبشة مقدّما على جيوشه حين تهوّد ذو نواس وأحرق الإنجيل؛ ففتح اليمن واستقرّ في ملكه.
(5/23)

ثم ملك بعده (أبرهة الأشرم) وهو صاحب الفيل الذي جاء به لتخريب الكعبة.
ثم ملك بعده ابنه (يكسوم) .
ثم ملك بعده أخوه (مسروق) وهو آخر ملوك اليمن من الحبشة.
الطبقة الخامسة (الفرس)
وأوّل من ملك منهم (وهزر) وذلك أن سيف بن ذي يزن، بن عابر، بن أسلم، بن زيد، بن غوث، بن سعد، بن عوف، بن عديّ، بن مالك، بن زيد الجمهور الحميريّ، استجاش كسرى أنو شروان: ملك الفرس على مسروق بن أبرهة آخر ملوك الحبشة باليمن فأسعفه بجيش، ففتح به اليمن واستنابه فيه، فقتله بعض من استخلصه من الحبشة، فولّى كسرى (وهزر) مكانه وهلك، فأقام كسرى مكانه ابنه (المرزبان) ثم هلك، فأقام مكانه (خذخسرو) بن السّيحان بن المرزبان، ثم عزله وولّى على اليمن (باذان) فلم يزل به إلى أن كانت البعثة فأسلم وفشا الإسلام باليمن، وتتابعت الوفود منه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
الطبقة السادسة (عمّال النبي صلّى الله عليه وسلّم والخلفاء بعده)
لما أسلم (باذان) نائب كسرى، ولّاه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على جميع مخاليف اليمن، وكان منزله بصنعاء: دار مملكة التبابعة، وبقى حتّى مات بعد حجّة الوداع فولّى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ابنه (شهر) بن باذان على صنعاء، وولّى على كل جهة واحدا من الصحابة رضوان الله عليهم إلى أن خرج (الأسود «1» العنسيّ) فقتل شهر بن باذان،
(5/24)

وأخرج سائر عمّال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من اليمن. فلما قتل العنسيّ رجع عمّال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى أعمالهم، واستولى (قيس بن عبد يغوث) المراديّ على صنعاء، وتوفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والأمر على ذلك.
ثم ولّى أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه (فيروز الدّيلميّ) .
ثم ولّى بعده (المهاجر) بن أبى أميّة، و (عكرمة) بن أبي جهل، على قتال أهل الرّدّة، ثم استقرّ في ولاية (يعلى بن منبّه) .
ثم ولّى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في خلافته (عبيد الله) بن عباس، ثم أخاه (عبد الله) .
ثم ولّى معاوية على صنعاء (فيروز) الديلميّ، ومات سنة ثلاث وخمسين من الهجرة.
ثم جعل عبد الملك بن مروان اليمن في ولاية الحجّاج بن يوسف، حين بعثه لقتال ابن الزبير سنة اثنتين وسبعين.
ثم كان به (يوسف) بن عمرو سنة ثمان ومائة.
ثم لما جاءت دولة بني العبّاس، ولّى السفّاح: أوّل خلفائهم على اليمن عمّه (داود) وتوفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة. فولّى مكانه (عمر) بن زيد، بن عبد الله، ابن عبد المدان، وتوفّي سنة أربع وثلاثين ومائة، فولّى السفاح مكانه (عليّ بن الربيع) بن عبيد الله.
ثم في سنة ثلاث وخمسين ومائة كان عليها (يزيد) بن منصور؛ ثم عزله المهديّ في خلافته، وولّى مكانه (رجاء بن روح) .
ثم ولّى بعده (عليّ بن سليمان) ثم عزله سنة اثنتين وستين ومائة، وولّى مكانه (عبد الله بن سليمان) . ثم عزله سنة ثلاث وستين ومائة، وولّى مكانه (منصور بن يزيد) . ثم عزله في سنة ست وستين ومائة، وولّى مكانه (عبد الله بن سليمان الربعي) . ثم ولّى سليمان بن يزيد ثانيا.
(5/25)

ثم ولّى الرشيد سنة أربع وثمانين حمّادا اليزيديّ.
الطبقة السابعة (ملوكها من بني زياد)
لم تزل نوّاب الخلفاء متوالية على اليمن إلى أيام المأمون، فاضطرب أمر اليمن، فوجّه المأمون إليه (محمد بن إبراهيم) بن عبيد الله، بن زياد، بن أبيه، ففتح اليمن وملكه، وبنى مدينة زبيد في سنة أربع ومائتين؛ وولّى مولاه جعفرا على الجبال، فعرفت بمخلاف «1» جعفر إلى الآن.
ثم ملك اليمن بعده ابنه (إبراهيم) بن محمد [ثم ابنه زياد بن إبراهيم] «2» ثم ملك بعده أخوه (أبو الجيش) إسحاق بن إبراهيم وطالت مدّته، وتوفي سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وخلّف طفلا فتولت أخته هند بنت أبى الجيش كفالته، وتولّى معها عبد لأبى الجيش اسمه رشيد فبقي حتّى مات، فتولّى مكانه حسين بن سلامة (وسلامة اسم أمه) وصار وزيرا لهند وأخيها حتى ماتا.
ثم ملّكوا عليهم طفلا اسمه (إبراهيم) وقيل (عبد الله) بن زياد، وقام بأمره عمّته وعبد من عبيد حسين بن سلامة اسمه (مرجان) ثم قبض (قيس) عبد مرجان على الطفل وعمته في سنة سبع وأربعمائة واستبدّ بالملك؛ ثم قتل قيس بزبيد.
وملك بعده (نجاح) عبد مرجان أيضا وعظم شأنه، وركب بالمظلّة وضربت السكة باسمه، وبقي حتّى توفي سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة.
وملك بعده ابنه (سعيد الأحول) بن نجاح.
ثم غلب على الملك الملك المكرّم (أحمد بن عليّ الصّليحيّ) في سنة
(5/26)

إحدى وثمانين وأربعمائة. وقيل سنة ثمانين، وأقام بزبيد.
ثم ملكها (جيّاش بن نجاح) في بقايا سنة إحدى وثمانين، ومات سنة ثمان وتسعين وأربعمائة.
ثم ملك بعده ابنه فاتك ثم ملك بعده (منصور بن فاتك) بن جيّاش بن نجاح.
ثم ملك بعده ابنه (فاتك) بن منصور بن فاتك.
ثم ملك بعده ابن عمه (فاتك بن محمد) بن فاتك، بن جيّاش، بن نجاح في سنة احدى وثلاثين وخمسمائة، وقتل في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. وهو آخر ملوك بني نجاح.
الطبقة الثامنة (ملوكها من بني مهديّ)
لما قتل فاتك، ملك بعده (علي بن مهديّ) واستقرّ في دار الملك بزبيد في رابع عشر شهر رجب سنة أربع وخمسين وخمسمائة، ومات بعد شهرين وأحد وعشرين يوما؛ وكان مذهبه التكفير بالمعاصي وقتل من خالف مذهبه.
ثمّ ملك بعده ابنه (مهدي بن علي) بن مهدي.
ثمّ ملك بعده ابنه (عبد النبي) بن مهدي.
ثمّ ملك بعده عمه (عبد الله «1» ) بن مهدي.
ثمّ عاد (عبد النبي) ثانيا، وهو آخرهم.
(5/27)

الطبقة التاسعة (ملوكها من بني أيوب ملوك مصر)
وأوّل من ملكها منهم (شمس الدولة توران «1» شاه بن أيوب) سيّره إليها أخوه السلطان «صلاح الدين يوسف بن أيوب» «2» صاحب الديار المصرية في سنة تسع وستين وخمسمائة، ففتح زبيد وأسر صاحبها (عبد النبي) . ثم ملك عدن وأسر صاحبها (ياسر) واستولى على اليمن لأخيه صلاح الدين، ثم استناب توران شاه على زبيد حطّان بن كامل بن منقذ الكناني، ورجع إلى الشام في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فأضاف إليه أخوه السلطان صلاح الدين الإسكندرية، وبقيت نوّابه باليمن يحملون إليه الأموال من زبيد إلى أن توفّي بالإسكندرية في سنة ست وسبعين وخمسمائة فاضطرب أمر اليمن، فوجّه السلطان صلاح الدين إليه أميرا، فعزل عنه حطّان بن كامل وتولّى مكانه، ثم توفي الأمير فعاد حطّان إلى ولايته.
ثم بعث السلطان صلاح الدين أخاه (سيف الإسلام «3» طغتكين) بن أيوب إلى اليمن فقبض على حطّان واستقرّ في مملكة اليمن، وبقي به حتّى مات بزبيد في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
ثم ملك بعده ابنه (الملك العزيز إسماعيل) فأساء السيرة فقتله أمراؤه.
وملك بعده أخوه (الناصر) صغيرا، فقام بتدبير مملكته سنقر مملوك أبيه
(5/28)

أربع سنين ثم مات، فتزوّج أمّ الناصر غازي بن جبريل: أحد أمراء دولته وقام بتدبيرها، ثم مات الناصر وبقي (غازي) في المملكة فقتله جماعة من العرب، فغلبت أم الناصر على زبيد.
وكان (سليمان بن شاهنشاه) بن المظفر تقيّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب قد خرج فقيرا، فاتفق أن وافى اليمن فتزوّج أمّ الناصر وملك اليمن فأساء السيرة، فبعث إليه عمّه الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر، ابنه (الملك المسعود) أطسر المعروف باقسيس، في جيش فملك اليمن من سليمان، ثم كره المقام فيه فسار قاصدا الشام فتوفي بمكة؛ وهو آخر ملوكها من بني أيوب.
الطبقة العاشرة (دولة بني رسول، وهم القائمون بها الآن)
وأوّل من ملكها منهم عليّ بن رسول. وذلك أنه لما توفّي الملك المسعود أقسيس ابن الملك الكامل محمد، كان معه أمير اخور لابيه اسمه رسول، فلما خرج الملك المسعود يريد الشام، استخلف على اليمن (عليّ بن رسول) المذكور؛ فاستقرّ نائبا باليمن لبني أيوب حتّى مات سنة ثلاثين وستمائة، ووقع في «التعريف» : أن المستقرّ في اليمن أوّلا هو رسول والد عليّ المذكور، ولم أره في تاريخ.
ثم استقر بعد عليّ بن رسول المذكور في النيابة ولده الملك المنصور (عمر بن عليّ) . ثم تغلّب على اليمن وخرج عن طاعة بني أيّوب ملوك مصر، واستقلّ بملك اليمن، وتلقب بالملك المنصور، ثم قتل في سنة ثمان وأربعين وستمائة.
وملك بعده ابنه الملك المظفّر شمس الدين (يوسف بن عمر) بن علي بن رسول، وصفا له ملك اليمن وطالت مدّته، وأرسل إلى الملك المنصور «1» قلاوون
(5/29)

صاحب الديار المصرية حينئذ هدية نفيسة، وسأل أن يكتب له أمانا، فقبلت هديته وكتب له بالأمان، وقرّرت عليه إتاوة لملوك مصر، وأعيدت رسله في سنة ثمانين وستمائة. ومات بقلعة تعزّ سنة أربع وتسعين وستمائة.
وملك بعده ابنه الأشرف ممهّد الدين (عمر بن المظفّر يوسف) وبقي حتّى مات سنة ست وتسعين وستمائة.
ثم ملك بعده أخوه الملك المؤيد (هزبر الدين داود) واستمر على مواصلة ملوك مصر بالهدايا والتّحف والضريبة المقرّرة عليه. وتمذهب بمذهب الشافعى رضي الله عنه واشتغل بالعلم واعتنى بجمع الكتب. حتّى اشتملت خزائنه على مائة ألف مجلّد؛ وبرّ العلماء، وكانت تحفه تصل إلى الشيخ تقيّ الدين بن دقيق العيد رحمه الله في كل وقت؛ وتوفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة.
وملك بعده ابنه الملك المجاهد (سيف الدين علي) وكان في الأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» صاحب الديار المصرية، فأساء السيرة، فقبض عليه وخلع وحبس في سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة.
وملك بعده عمّه الملك المنصور (أيوب بن المظفّر يوسف) ثم قتله شيعة المجاهد، وأعادوا الملك المجاهد. وكان الظاهر أسد الدين عبد الله بن المنصور أيوب بحصن الدّملوة المقدّم ذكره فعصى عليه، وملك عدن وغيرها. وبعث الملك المجاهد للملك الناصر «محمد بن قلاوون» يستصرخه على الظاهر عبد الله. فجهّز إليه العساكر فوصلت إليه سنة خمس وعشرين وسبعمائة، فأوقعوا الصلح بينهما على أن تكون الدّملوة للظاهر المذكور، وتمهّد اليمن للمجاهد، واستنزل الظاهر عن الدّملوة؛ ثم قبض عليه وقتله.
(5/30)

ثم حجّ المجاهد سنة إحدى وخمسين في أيام الملك «الناصر حسن» بن محمد بن قلاوون صاحب مصر.
وكان الأمير طاز أحد أكابر أمراء الديار المصرية قد حجّ، وأشيع أن المجاهد يريد كسوة الكعبة في تلك السنة، فوقعت الفتنة بين العسكر المصريّ والمجاهد، فانهزم المجاهد ونهبت عساكره وسائر أهل اليمن، وأسر المجاهد صاحب اليمن وحمل إلى مصر فاعتقل بها؛ ثم أطلق سنة ثنتين وخمسين وسبعمائة في دولة الصالح، ووجّه معه الأمير قشتمر المنصوري ليوصله إلى بلاده، فلما بلغ به الينبع، ارتاب منه في الهرب، فرجع به إلى مصر، فحبس في الكرك من بلاد الشام؛ ثم أطلق وأعيد إلى ملكه، وأقام على مداراة صاحب مصر إلى أن توفي سنة ست وستين وسبعمائة.
وملك بعده ابنه الملك الأفضل (عباس) بن المجاهد عليّ، فاستقام له ملك اليمن وبقي حتى مات سنة ثمان وسبعين وسبعمائة.
وملك بعده ابنه الملك المنصور (محمد) ومات.
وملك أخوه الملك الأشرف (إسماعيل) بن الأفضل عباس، فاستقام أمره بها، ثم مات.
وولي بعده ابنه [الملك الناصر أحمد ابن الملك الأشرف إسماعيل] «1» بن الأفضل عباس، بن المجاهد علي، بن المؤيد داود، بن المظفر يوسف، بن المنصور عمر، بن علي، بن رسول، وهو باق باليمن إلى آخر سنة اثنتي عشرة وثمانمائة.
وله مكاتبة عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، يأتي ذكرها في المكاتبات إن شاء الله تعالى.
(5/31)

الجملة [الخامسة] السادسة (في ترتيب هذه المملكة على ما هي عليه في زمن بني رسول: ملوكها الآن: في مقدار عساكرها، وزيّ جندها، وبيان أرباب وظائفها، وحال سلطانها)
أما مقدار عساكرها. فقد قال في «مسالك الأبصار» : أخبرني أقضى القضاة، أبو الربيع: سليمان بن محمد، بن الصدر سليمان (وكان قد توجه إلى اليمن، وخدم في ديوان الجيوش به) أن جميع جند اليمن لا يبلغ ألفي فارس.
قال: وينضاف إليهم من العرب المدافعين في طاعته مثلهم، وأراني جريدة «1» للجيش تشهد بما قال. ذكر أن غالب جنده من الغرباء. ونقل عن الحكيم «صلاح الدين بن البرهان» أن الإمرة عندهم قد تطلق على من ليس بأمير، وأما الإمرة الحقيقية التي ترفع بها الأعلام والكؤوسات «2» ، فإنها لمن قلّ، وربما أنه لا يتعدّى عدّة الأمراء بها عشرة نفر.
وأما زيّ السلطان والجند بها، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» أن لباس السلطان وعامّة الجند باليمن أقبية إسلامية، ضيّقة الأكمام، مزنّدة على الأيدي، وفي أوساطهم مناطق مشدودة، وعلى رؤوسهم تخافيف لانس، وفي أرجلهم الدلاكسات، وهي أخفاف من القماش الحرير الأطلس والعتّابيّ وغير ذلك.
قال المقر الشهابيّ بن فضل الله: وقد حضر عليّ بن عمر بن يوسف الشهابيّ: أحد أمراء الملك المجاهد باليمن إلى الديار المصرية، في وحشة «3» حصلت بينه وبين سلطانه، وهو بهذا الزّيّ خلا الدلاكس فإنه قلعه ولبس الخفّ
(5/32)

المعتاد بالديار المصرية، وكان يحضر الموكب السلطانيّ بالديار المصرية، وهو على هذا الزّيّ.
وأما شعار السلطنة، فقد ذكر عن الحكيم بن البرهان أيضا أن شعار سلطان اليمن وردة حمراء في أرض بيضاء. قال المقر الشهابيّ بن فضل الله: ورأيت أنا السّنجق اليمنيّ، وقد رفع في عرفات سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وهو أبيض فيه وردات حمر كثيرة.
وأما أرباب الوظائف، فنقل عن ابن البرهان أن باليمن أرباب وظائف: من النائب، والوزير، والحاجب، وكاتب السر، وكاتب الجيش وديوان المال. وبها وظائف الشادّ والولاية، وأنه يتشبه بالديار المصرية في أكثر أحواله. قال: أما كتّاب الإنشاء ثمّ، فإنه لا يجمعهم رئيس يرأس عليهم يقرأ ما يرد على السلطان ويجاوب عنه ويتلقّى المراسيم وينفّذها، وإنما السلطان إذا دعت حاجته إلى كتابة كتب، بعث إلى كلّ منهم ما يكتبه. فإذا كتب السلطان ما رسم له به، بعثه على يد أحد الخصيان فقدّمه إليه، فيعلّم فيه وينفّذه.
قال المقر الشهابيّ بن فضل الله: وعادة ما يكتب عنه في ديوان الإنشاء كعادة الديار المصرية في المصطلح. قال: ورأيت علامة الملك المؤيّد داود على توقيع مثالها «الشاكر لله على نعمائه» في سطر، وتحته «داود» في سطر آخر.
وأما ترتيب أحوال السلطان، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن صاحب اليمن قليل التصدّي لإقامة رسوم المواكب والخدمة والاجتماع بولاة الأمور ببابه، فإذا احتاج أحد من أمرائه وجنده إلى مراجعته في أمر، كتب إليه قصة يستأمره فيها، فيكتب عليها بخطه ما يراه؛ وكذلك إذا رفعت إليه قصص المظالم هو الذي يكتب عليها بخطه بما فيه إنصاف المظلوم.
ونقل عن ابن البرهان: أن ملوك اليمن أوقاتهم مقصورة على لذّاتهم، والخلوة مع حظاياهم وخاصّتهم من النّدماء والمطربين، فلا يكاد السلطان يرى، بل ولا يسمع أحد من أهل اليمن خبرا له على حقيقته، وأهل خاصّته المقرّبون
(5/33)

الخصيان، وله أرباب وظائف للوقوف بأموره، وهو ينحو في أموره منحى صاحب مصر: يتسمّع أخباره، ويحاول اقتفاء آثاره في أحواله، وأوضاع دولته، غير أنه لا يصل إلى هذه الغاية، ولا تخفق عليه تلك الراية، لقصور مدد بلاده، وقلّة عدد أجناده، وللتّجّار عندهم موضع جليل، لأن غالب متحصّلات اليمن منهم وبسببهم، وغالب دخله من التّجّار والجلّابة «1» برّا وبحرا. ولذلك كانت مملكة بني رسول هذه أكثر مالا من مملكة الشّرفاء بصنعاء وما والاها لمجاورة مملكة بني رسول البحر. وصاحب اليمن لا ينزل في أسفاره إلّا في قصور مبنيّة له في منازل معروفة من بلاده، فحيث أراد النزول بمنزلة وجد بها قصرا مبنيّا ينزل به. قال:
وإنما تجتمع لهم الأموال لقلة الكلف في الخرج والمصاريف والتكاليف، ولأن الهند يمدّهم بمراكبه، ويواصلهم ببضائعه.
قال في «مسالك الأبصار» : ولا تزال ملوك اليمن تستجلب من مصر والشام طوائف من أرباب الصناعات والبضائع ببضائعهم على اختلافها. قال أقضى القضاة أبو الربيع سليمان بن الصدر سليمان: وصاحب هذه المملكة أبدا يرغب في الغرباء، ويحسن تلقيهم غاية الإحسان، ويستخدمهم بما يناسب كلّا منهم، ويتفقّدهم في كل وقت بما يأخذ به قلوبهم ويوطّنهم عنده.
وذكر في «مسالك الأبصار» عن ملوك هذه المملكة: أنهم لم يزالوا مقصودين من آفاق الأرض، قلّ أن يبقى مجيد في صنعة من الصنائع إلا ويصنع لأحدهم شيئا على اسمه، ويجيد فيه بحسب الطاقة، ثم يجهّزه إليه ويقصده به فيقدّمه إليه، فيقبل عليه ويقبل منه. ويحسن نزله، ويسني جائزته؛ ثم إن أقام في بابه، أقام مكرما محترما، أو عاد محبوّا محبورا، يجزلون من نعمهم العطايا، ويثقلون بكرمهم المطايا، ما قصدهم قاصد إلا وحصل له من البرّ والإيناس وتنويع الكرامة ما يسليهم عن الأوطان، ولكنهم لا يسمحون بعود غريب، ولا يصفحون
(5/34)

في زلل عن بعيد ولا قريب، فإن أراد الارتحال عن دارهم، مكّنوه من العود كما جاءهم، وخرج عنهم على أسوإ حال. مسلوبا ما استفاد عندهم من نعمة، عقابا له على مفارقته لأبوابهم لا بخلا بما جادوا به. أما من قدّم إليهم القول بأنه أتاهم راحلا لا مقيما، وزائرا لا مستديما، فإنهم لا يكلّفونه المقام لديهم، ولا دواما في النزول عليهم، بل يجزلون إفادته، ويجملون إعادته.
ثم بعد أن ذكر ما بين صاحب اليمن هذا وبين إمام الزّيديّة «1» باليمن من المشاجرة والمهادنة تارة والمفاسخة أخرى، قال: وصاحب اليمن لا عدو له، لأنه محجوب ببحر زاخر وبرّ منقطع من كلّ جهة، وللمسالمة بينه وبينهم، فهو لهذا قرير العين، خالي البال، لا يهمّه إلا صيد، ولا يهيجه إلا بلبال. قال: وهم مع ذلك على شدة ضبط لبلادهم ومن فيها، واحترازهم على طرقها برّا وبحرا من كل جهة، لا يخفى عليهم داخل يدخل إليها، ولا خارج يخرج منها، ومع ذلك فهو يداري صاحب مصر ويهاديه «2» ، لمكان إمكان تسلّطه عليه من البرّ والبحر الحجازيّ، ولذلك اكتتب الملك «المؤيد داود» وصية أوصى فيها الملك الناصر «محمد بن قلاوون» صاحب الديار المصرية على ابنه الملك المجاهد عليّ. فلما مات المؤيد نجم على ابنه المجاهد ناجم، فبعث بوصية أبيه إلى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فجهز معه عسكرا إلى اليمن فمنعه من عدوّه الناجم عليه، ومكّن له في اليمن وبسط يده فيه.
القسم الثاني (من اليمن النّجود)
وهي ما ارتفع من الأرض، وبها مستقرّ أئمة الزيدية الآن.
(5/35)

قال في «مسالك الأبصار» : وهي شديدة الحرّ، وقد انطوى فيها جزء من اليمن، وإن كان ما بيد أولاد رسول هو الجزء الوافر الأعظم.
وفيه أربع جمل:
الجملة الأولى (فيما اشتملت عليه من النواحي، والمدن، والبلاد)
قال في «مسالك الأبصار» حدّثني الحكيم صلاح الدين بن البرهان: أن اليمن منقسم إلى قسمين: سواحل، وجبال، وأن السواحل كلّها لبني رسول، والجبال كلّها أو غالبها للأشراف. قال: وهي أقلّ دخلا من السواحل: لمدد البحر لتلك واتصال سبيلها عنه، وانقطاع المدد عن هذه البلاد لانقطاع سبيلها من كلّ جهة.
قال: وحدثني أبو جعفر بن غانم: أن بلاد الشّرفاء هؤلاء متصلة ببلاد السّراة، إلى الطائف، إلى مكة المعظّمة.
قال: وهي جبال شامخة، ذات عيون دافقة ومياه جارية، على قرى متصلة، الواحدة إلى جانب الأخرى، وليس لواحدة تعلّق بالأخرى بل لكل واحدة أهل يرجع أمرهم إلى كبيرهم، لا يضمّهم ملك ملك، ولا يجمعهم حكم سلطان، ولا تخلو قرية منها من أشجار وعروش ذوات فواكه أكثرها العنب واللوز، ولها زروع أكثرها الشعير، ولأهلها ماشية أعوزتها الزرائب، وضاقت بها الحظائر.
قال: وأهلها أهل سلامة وخير وتمسّك بالشريعة ووقوف معها، يعضّون على دينهم بالنّواجذ «1» ، ويقرون «2» كلّ من يمرّ بهم، ويضيّفونه مدّة مقامه حتّى
(5/36)

يفارقهم. وإذا ذبحوا لضيفهم شاة، قدّموا له جميع لحمها ورأسها وأكارعها وكبدها وقلبها وكرشها، فيأكل ويحمل معه ما يحمل. ولا يسافر أحد منهم من قرية إلى أخرى إلا برفيق يسترفقه منها فيخفره، لوقوع العداوة بينهم.
ثم هي تشتمل على عدّة حصون وبلاد مخصبة.
وقاعدتها مدينة (صنعاء) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الصاد المهملة وسكون النون وعين مهملة وألف ممدودة. وهي مدينة من نجود اليمن، واقعة في أوائل الإقليم الأول من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» حيث الطول سبع وستّون درجة، والعرض أربع عشرة درجة وثلاثون دقيقة. قال في «الروض المعطار» : واسمها الأول «أوال» «1» يعني بضم الهمزة وفتح الواو من الأوّلية بلغتهم. فلما وافتها الحبشة ونظروا إلى بنائها، قالوا: هذه صنعة، ومعناه بلغتهم حصينة فسمّيت صنعاء من يومئذ. قال: والنسبة إليها صنعانيّ على غير قياس.
ويقال: إنها أوّل مدينة بنيت باليمن.
ثم اختلف: فقيل بناها سام بن نوح عليه السّلام، وذلك أنه طلب مكانا معتدل الحرارة والبرودة فلم يجد ذلك إلّا في مكان صنعاء فبنى هذه المدينة هناك وقيل بنتها عاد.
قال في «تقويم البلدان» : وهي من أعظم مدن اليمن، وبها أسواق ومتاجر كثيرة، ولها شبه بدمشق: لكثرة مياهها وأشجارها، وهواؤها معتدل، وتتقارب فيها ساعات الشتاء والصيف، وفي أطول يوم في السنة يكون الشاخص عند الاستواء لا ظلّ له.
(5/37)

وقال في موضع آخر: تشبه بعلبكّ في الشام، لتمامها الحسن وحسنها التّمام، وكثرة الفواكه، تقع بها الأمطار والبرد. وهي كرسيّ ملوك اليمن في القديم، ويقال إنها كانت دار ملك التّبابعة. قال في «الروض المعطار» » : وهي على نهر صغير يأتي إليها من جبل في شماليها، ويمرّ منحدرا إلى مدينة ذمار، ويصبّ في البحر الهنديّ، وعمارتها متصلة، وليس في بلاد اليمن أقدم منها عمارة، ولا أوسع منها قطرا.
قال في «تقويم البلدان» : وكانت في القديم كرسيّ مملكة اليمن. قال:
وبها تلّ عظيم يعرف بغمدان «1» ، كان قصرا ينزله ملوكها. قال في «الروض المعطار» : هو أحد البيوت السبعة التي بنيت على اسم الكواكب السبعة، بناه الضّحّاك على اسم الزّهرة، وكانت الأمم تحجّه فهدمه عثمان رضي الله عنه فصار تلّا عظيما قال في «تقويم البلدان» : وهي شرقيّ عدن بشمال في الجبال.
ولها عدّة بلاد وحصون مضافة إليها؛ جارية في أعمالها.
منها (كحلان) بفتح الكاف وسكون الحاء المهملة ثم لام ألف ونون في الآخر. وهي قلعة من عمل صنعاء على القرب منها. قال ابن سعيد: كان بها في أوّل المائة الرابعة بنو يعفر من بقايا التبابعة. قال: ولم يكن لها نباهة في الملك إلى أن سكنها بنو الصّليحيّ، وغلب عليها الزيديّة، ثم السّليمانيّون بعد بني الصّليحيّ.
ومنها (نجران) . قال في «اللباب» : بفتح النون وسكون الجيم وراء مهملة وألف ونون في الآخر. قال الأزهري: وسميت بنجران بن زيد، بن سبإ، بن يشجب، بن يعرب، بن قحطان. وهي بلدة من بلاد قبيلة همدان، واقعة في
(5/38)

الإقليم الأول. قال في «الأطوال» حيث الطول سبع وستون درجة، والعرض تسع عشرة درجة.
قال في «تقويم البلدان» : وهي بليدة فيها نخيل، بين عدن وحضرموت، في جبال بين قرى ومدائن وعمائر ومياه، تشتمل على أحياء من اليمن، وبها يتّخذ الأدم، وهي شرقيّ صنعاء بشمال، وبها أشجار، وبينها وبين صنعاء عشر مراحل، ومنها إلى مكة عشرون يوما في طريق معتدل. وجعلها صاحب الكمام صقعا مفردا عن اليمن.
ومنها (صعدة) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الصاد وسكون العين المهملتين ودال مهملة وهاء في الآخر. قال في «الروض المعطار» : والنسبة إليها صاعديّ على غير قياس. قال في «القانون» : وتسمى (غيل) أيضا. وهي بلدة على ستين فرسخا من صنعاء، وموقعها في الإقليم الأول من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» حيث الطول سبع وستون درجة وعشرون دقيقة، والعرض ستّ عشرة درجة. قال في «العزيزيّ» : وهي مدينة عامرة آهلة خصبة، وبها مدابغ الأدم وجلود البقر، التي تتّخذ منها النّعال.
ومنها (خيوان) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة من تحت وفتح الواو، ثم ألف بعدها نون. وهي صقع معروف باليمن، واقع في الإقليم الأول. قال في «الأطوال» : حيث الطول سبع وستون درجة وإحدى وعشرون دقيقة، والعرض خمس عشرة درجة وعشرون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي بلاد تشتمل على قرى ومزارع ومياه، معمورة بأهلها، وبها أصناف من قبائل اليمن. قال المهلبيّ: وهي طرف منازل بني الضّحّاك من بني يعفر من بقايا التبابعة؛ وماؤها من السماء. قال الإدريسيّ: وبينها وبين صعدة ستة
(5/39)

عشر فرسخا. وقال المهلبيّ: بينهما أربعة وعشرون ميلا.
ومنها (جرش) . قال في «تقويم البلدان» : بضم الجيم وفتح الراء المهملة وشين [معجمة] «1» في الآخر. وهي بلدة باليمن، موقعها في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول سبع وستون درجة وخمسون دقيقة، والعرض سبع عشرة درجة. وهي بلدة بها نخيل، مشتملة على أحياء من اليمن، ويتّخذ بها الأدم الكثير. قال في «العزيزي» : وهي بلدة صالحة، وحولها من شجر القرظ «2» ما لا يحصى، وبها مدابغ كثيرة. قال الإدريسيّ: وهي ومدينة نجران متقاربتان في المقدار والعمارة، ولهما مزارع وضياع وبينهما ستّ مراحل.
ومنها (مأرب) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم وهمزة ساكنة وراء مهملة مكسورة وفي آخرها باء موحدة. وذكر أنه رآها مكتوبة في الصحاح كذلك، ثم قال: والمشهور فتح الهمزة ومدّها. وهي مدينة على ثلاث مراحل من صنعاء، واقعة في الإقليم الأول من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول ثمان وستون درجة، والعرض أربع عشرة درجة. قال في «تقويم البلدان» : وهي في آخر جبال حضرموت، ويقال لها مدينة سبإ، تسمية لها باسم بانيها، وبها كان السّد.
قال: وكانت قاعدة التبابعة وهي اليوم خراب.
ومنها (حضرموت) . قال في «اللباب» : بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء المهملة، وبعدها ميم مفتوحة وواو ساكنة وتاء مثناة من فوقها في الآخر. وهي ناحية من نواحي اليمن، وأعمالها أعمال عريضة، ذات شجر ونخل ومزارع.
(5/40)

قال الأزهريّ: وسميت حضرموت بحاضر، بن «1» سنان، بن إبراهيم، وكان أوّل من نزلها.
قال صاحب «العبر» : وكانت بلاد حضرموت لعاد مع البحرين وعمان، ثم غلبهم عليها بنو يعرب بن قحطان، حين ولّى أولاده البلاد أعطى هذه ابنه حضرموت فعرفت به. والنسبة إليها حضرميّ، وقصبتها مدينة «شبام» . قال في «اللباب» : بكسر الشين المعجمة وفتح الباء الموحدة وألف وميم، ووهم ابن الأثير «2» في «اللباب» : فجعل شبام قبيلة لا بلدا. قال في «تقويم البلدان» : وهي خارجة عن الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة إلى الجنوب. قال في «الأطوال» :
وهي حيث الطول إحدى وسبعون درجة، والعرض اثنتا عشرة درجة وثلاثون دقيقة، وهي قلعة فوق جبل منيع فيه قرى ومزارع كثيرة. قال في «العزيزيّ» :
وفيه سكّان كثيرة. قال: وفيه معدن العقيق والجزع «3» وبينها وبين صنعاء أحد وعشرون فرسخا، وقيل إحدى عشرة مرحلة، وبينها وبين ذمار مرحلة واحدة.
الجملة الثانية (في الطرق الموصلة إلى هذه المملكة)
قد تقدّم أن الطريق من مصر إلى مكة معروفة. قال ابن خرداذبه: ثم من مكة إلى بئر ابن المرتفع، ثمّ إلى قرن المنازل: قرية عظيمة، وهي ميقات أهل اليمن للحجّ منه يحرمون، ثمّ إلى الفتق: وهي قرية كبيرة، ثمّ إلى صقر، ثم إلى تربة: وهي قرية كبيرة، ثمّ إلى كديّ، وفيها نخيل وعيون، ثمّ إلى رنية، وفيها نخيل وعيون أيضا، ثم إلى تبالة، وهي مدينة كبيرة فيها عيون جارية، ثمّ إلى
(5/41)

جسدا وفيها بئر ولا أهل فيها، ثمّ إلى كشة، وهي قرية عظيمة فيها عيون وحرس، ثمّ إلى بيشة يقطان، وفيها ماء ظاهر وكرم، والحرس منها على ثلاثة أميال، ثم إلى المهجرة، وهي قرية عظيمة فيها عيون وفيما بين سروم راح والمهجرة طلحة الملك: وهي شجرة عظيمة. وهناك حدّ ما بين عمل مكة المشرفة وعمل اليمن، ثم منها إلى عرقة، وماؤها قليل ولا أهل فيها؛ ثم إلى صعدة، وقد تقدم ذكرها؛ ثم إلى الأعمشيّة، وفيها عين صغيرة ولا أهل فيها، ثم إلى خيوان، وقد تقدّم ذكرها؛ ثم إلى أثافت، وهي مدينة فيها زرع وكرم وعيون، ثم إلى مدينة صنعاء، وهي قاعدة هذه المملكة على ما تقدّم.
الجملة الثالثة (فيمن ملك هذه المملكة إلى زماننا)
قد تقدّم في الكلام على صنعاء أنها كانت قاعدة ملك التبابعة، وقد مرّ القول عليهم في الكلام على ملوك اليمن في مملكة بني رسول، في القسم الأول من اليمن.
أما حضرموت، فقد قال عليّ بن عبد العزيز الجرجاني «1» : إنه كان لهم في الجاهلية ملوك يقاربون ملوك التّبابعة في علوّ الصّيت ونباهة الذّكر. ثم قال: وقد ذكر جماعة من العلماء أوّل من انبسطت يده منهم، وارتفع ذكره (عمرو بن الأشنب) بن ربيعة، بن يرام، بن حضرموت؛ ثم خلفه ابنه (نمر الأزجّ) فملكهم مائة سنة، وقاتل العمالقة.
ثم ملك بعده ابنه (كريب، ذو كراب) بن نمر الأزج مائة وثلاثا وثلاثين سنة.
(5/42)

ثم ملك بعده (مرثد ذو مران) بن كريب مائة وأربعين سنة، وكان يسكن مأرب، ثمّ تحوّل إلى حضرموت.
ثم ملك بعده ابنه (علقمة ذو قيقان) بن مرثد ذي مرّان ثلاثين سنة.
ثم ملك بعده ابنه (ذو عيل) بن ذي قيقان عشرين سنة. ثم تحوّل من حضرموت إلى صنعاء واشتدّت وطأته. وهو أوّل من غزا الرّوم من ملوك اليمن، وأدخل الحرير والدّيباج اليمن.
ثم ملك بعده ابنه (بدعيل بن ذي عيل) أربع سنين، وبنى بها حصونا وخلّف آثارا.
ثم ملك بعده ابنه (يدنو ذو حمار) بن بدعيل بحضرموت وبحر فارس، وكان في أيام سابور ذي الأكتاف «1» من ملوك الفرس، ودام ملكه ثمانين سنة، وهو أوّل من اتخذ الحجّاب من ملوكهم.
ثم ملك بعده ابنه (ليشرح) ذو الملك، بن ودب، بن ذي حمار، بن عاد من بلاد حضرموت مائة سنة، وهو أوّل من رتّب المراتب، وأقام الحرس من ملوكهم.
ثم ملك بعده (ينعم) بن ذي الملك دثار بن جذيمة.
ثم ملك بعده (ساجي) بن نمر، وفي أيامه تغلبت الحبشة على اليمن، وقد مرّ القول على ملكهم، ثم ملك الفرس بعدهم إلى ظهور الإسلام في الكلام على ملوك اليمن في القسم الأوّل من اليمن، فأغنى عن إعادته هنا.
وأما نجران وجرش، فإنهما [كانا] بيد جرهم من القحطانية، ثمّ غلبهم على ذلك بنو حمير، وصاروا ولاة للتبابعة، فكان كلّ من ملك منهم يسمّى أفعى.
(5/43)

ومنهم كان الأفعى الذي حكم بين أولاد نزار بن معدّ بن عدنان في قصتهم المشهورة.
ثم نزل نجران بنو مدحج، واستولوا عليها، ثم نزل في جوارهم الحارث بن كعب الأزديّ فغلبهم عليها، وانتهت رياسة بني الحارث فيها إلى بني الدّيّان، ثم صارت إلى بني عبد المدان، إلى أن كان منهم في زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يزيد، فأسلم على يد خالد بن الوليد رضي الله عنه.
وكان منهم زياد بن عبد الله بن عبد المدان خال السّفّاح، ولّاه نجران واليمامة، وخلّف ابنه محمدا ويحيى، ودخلت المائة الرابعة والملك بها لبني أبي الجود بن عبد المدان، واتصل مجيئهم وكان آخرهم عبد القيس الذي أخذ عليّ بن مهديّ الملك من يده.
أما في الإسلام، فقد تقدّم في الكلام على القسم الأوّل من اليمن أيضا أنه لمّا ظهر الإسلام أسلم باذان نائب الفرس على اليمن، وتتابع أهل اليمن في الإسلام، وولّى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على صنعاء شهر بن باذان المذكور، فلما خرج الأسود العنسيّ «1» ، أخرج عمّال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من اليمن على ما تقدّم، وزحف إلى صنعاء فملكها وقتل شهر بن باذان وتزوّج امرأته. فلما قتل العنسيّ ورجع عمّال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى اليمن، استبدّ بصنعاء قيس بن عبد يغوث المراديّ، وتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والأمر على ذلك.
ثم كانت خلافة أبي بكر رضي الله عنه، فولّى على اليمن (فيروز الديلميّ) ثم ولّى بعده (المهاجر بن أبي أميّة) . ثم توالت عمّال الخلفاء على اليمن على ما تقدّم في الكلام على القسم الأوّل من اليمن. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن كان أوّل المائة الرابعة بعد الهجرة أو ما قاربها. فغلب على صنعاء وما والاها بنو يعفر من بقايا التبابعة. قال ابن سعيد: وكان دار ملكهم كحلان، وهي
(5/44)

قلعة من عمل صنعاء بالقرب منها، ولم أقف على تفاصيل أحوالهم وأسماء ملوكهم.
ثم كانت دولة أئمة الزيدية القائمين بها إلى الآن، وهم بنو القاسم الرّسّيّ، ابن إبراهيم طباطبا، بن إسماعيل الديباج، بن عبد الله «1» ، بن الحسن المثنّى، بن الحسن السبط، ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
وكان مبدأ أمرهم أن محمّد بن إبراهيم طباطبا خرج بالكوفة في خلافة المأمون، في سنة تسع وتسعين ومائة ودعا إلى نفسه، وكان شيعته من الزيديّة وغيرهم يقولون: إنه مستحقّ للإمامة بالتوارث من آبائه عن جدّه إبراهيم الإمام، وغلب على كثير من بلاد العراق، ثم خمدت سورته، فتطلّب المأمون أخاه القاسم الرّسّيّ فهرب إلى الهند، ولم يزل به حتى هلك سنة خمس وأربعين ومائتين، فرجع ابنه الحسين بن القاسم الرسيّ بن إبراهيم طباطبا إلى اليمن، فكان من عقبه هؤلاء الأئمة.
وأوّل من خرج منهم باليمن (يحيى بن الحسين الزاهد) بن القاسم الرسيّ ودعا لنفسه بصعدة وتلقّب بالهادي، وبويع بالإمامة سنة ثمان وثمانين ومائتين في حياة أبيه الحسين، وجمع الشيعة وغيرهم وحارب إبراهيم بن يعفر، ويقال أسد بن يعفر، القائم من أعقاب التبابعة بصنعاء وكحلان، وملك صنعاء ونجران وضرب السكة باسمه.
قال في «مسالك الأبصار» : واستجاب الناس لندائه، وصلّوا بصلاته وأمّنوا على دعائة؛ وقام فيهم مقاما عظيما، وأثّر فيهم من الصلاح أثرا مشهودا، قال: وفي ذلك يقول: (طويل)
(5/45)

بني حسن إنّي نهضت بثاركم ... وثار كتاب الله والحقّ والسّنن
وصيّرت نفسي للحوادث عرضة ... وغبت عن الإخوان والأهل والوطن
ثم ارتجعهما بنو يعفر منه ورجع هو إلى صعدة، فتوفّي بها سنة ثمان وتسعين ومائتين، لعشر سنين من بيعته. قال ابن المحاب: وله مصنّفات في الحلال والحرام. وقال غيره، كان مجتهدا في الأحكام الشرعية، وله في الفقه آراء غريبة، وتآليف بين الشّيعة مشهورة، قال ابن حزم: ولم يبعد في الفقه عن الجماعة كلّ البعد.
قال الصوليّ: ثم ولي بعده ابنه (محمد المرتضى) وتمّت له البيعة، فاضطرب الناس عليه. قال في «أنساب الطالبيين» : واضطرّ إلى تجريد السيف فجرّده. وفي ذلك يقول: (رمل)
كدر الورد علينا بالصّدر ... فعل من بدّل حقّا أو كفر
أيّها الأمّة عودي للهدى ... ودعي عنك أحاديث البشر
عدمتني البيض «1» والسّمر معا ... وتبدّلت رقادا بسهر
لأجرّنّ على أعدائنا ... نار حرب بضرام وشرر
ومات سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة لثنتين وعشرين سنة من ولايته.
وولي بعده أخوه (الناصر) فاستقام ملكه.
ثم ولي بعده ابنه (الحسين) المنتجب (بالجيم) ومات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
وولي بعده أخوه (القاسم المختار) بعهد من أخيه المذكور، وقتله أبو القاسم بن الضحاك الهمدانيّ سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.
وولي بعده صعدة (جعفر الرشيد) ثم بعده أخوه (المختار) ثم أخوه (الحسن المنتجب) ثم أخوه (محمد المهديّ) .
(5/46)

قال «ابن المحاب» : ولم تزل إمامتهم بصعدة مطردة إلى أن وقع الخلاف بينهم وجاء السليمانيّون أمراء مكة حين غلبة الهواشم عليهم فغلبوا على صعدة في المائة السادسة.
قال ابن سعيد: وقام بها منهم (أحمد بن حمزة) بن سليمان، بن داود، ابن عبد الله، بن المثنّى، بن الحسن السبط، وغلب على زبيد وملكها من بني مهديّ، ثمّ انتزعها بنو مهديّ منه، وعاد إلى صعدة ومات.
فولي بعده ابنه المنصور (عبد الله) بن أحمد بن حمزة، وامتدت يده مع الناصر «1» لدين الله خليفة بني العباس ببغداد، وبعث دعاته إلى الدّيلم والجبل، فخطب له بهما وأقيم له بهما ولاة، وكان بينه وبين سيف الإسلام بن أيوب «2» ، ثم الملك مسعود ابن الملك الكامل حروب باليمن. وبقي حتى توفي سنة ثلاثين وستمائة عن عمر طويل.
وولي بعده ابنه (أحمد) بن المنصور عبد الله بن أحمد بن حمزة، ولقّب بالمتوكل صغيرا ولم يخطب له بالإمامة لصغر سنّه.
وكان بنو الرسيّ حين غلب عليهم السليمانيون بصعدة أووا إلى جبل شرقيّ صعدة، فلم يبرحوا عنه، والخبر شائع بأن الأمر يرجع إليهم، إلى أن كان المتوكل أحمد من السليمانيين، فبايع الزيديّة أحمد الموطّىء، بن الحسين المنتجب، بن أحمد الناصر، بن يحيى الهادي، بن الحسين، بن القاسم الرسيّ، بن إبراهيم طباطبا، المقدّم ذكره في سنة خمس وأربعين وستمائة.
وكان الموطّىء فقيها أديبا عالما بمذهبهم، قوّاما صوّاما، فأهمّ عمر بن عليّ بن رسول صاحب زبيد شأنه، فحاصره بحصن ملا سنة فلم يصل إليه،
(5/47)

وتمكن أمر الموطّىء وملك عشرين حصنا، وزحف إلى صعدة فغلب السّليمانيين عليها، فنزل أحمد المتوكل: إمام السليمانيين إليه، وبايعه في سنة تسع وأربعين وستمائة، وحجّ سنة خمسين وستمائة وبقي أمر الزيديّة بصعدة في عقبه.
وقد ذكر المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «مسالك الأبصار» : أنه سأل تاج الدين عبد الباقي اليمانيّ أحد كتّاب اليمن عن تفاصيل أحوال هذه الأئمة فقال:
إن أئمة الزيديين كثيرون، والمشهور منهم المؤيّد بالله، والمنصور بالله، والمهديّ بالله، والمطهّر يحيى بن حمزة. قال: ويحيى بن حمزة هو الذي كان آخرا على عهد الملك المؤيّد داود بن يوسف صاحب اليمن، وكانت الهدنة تكون بينهما.
وذكر في «التعريف» أن الإمامة في زمانه كانت في بني المطهّر. ثم قال:
واسم الإمام القائم في وقتنا حمزة. ثم قال: ويكون بينه وبين الملك الرسوليّ باليمن مهادنات ومفاسخات تارة وتارة. قال قاضي القضاة وليّ الدين بن خلدون في تاريخه: وقد سمعت بمصر أن الإمام بصعدة كان قبل الثمانين والسبعمائة عليّ ابن محمد من أعقابهم، وتوفي قبل الثمانين، وولي ابنه صلاح، وبايعه الزيديّة، وكان بعضهم يقول فيه: إنه ليس بإمام لعدم اجتماع شروط الإمامة، فيقول: أنا لكم على ما شئتم: إمام أو سلطان.
ثم مات صلاح آخر سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وقام بعده ابنه (نجاح) وامتنع الزيدية من بيعته. فقال: أنا محتسب لله تعالى.
قلت: وقد وهم في «التعريف» : فجعل هذه الأئمة من بقايا الحسنيين القائمين بآمل الشّطّ من بلاد طبرستان، وأن القائم منهم بآمل الشّطّ بطبرستان هو الداعي المعروف بالعلويّ من الزيدية، وهو الحسن، بن زيد، بن محمد، بن إسماعيل، بن الحسن السبط، بن عليّ، بن أبي طالب رضي الله عنه، خرج سنة خمس وخمسين ومائتين أو ما يقاربها، فملك طبرستان وجرجان وسائر أعمالها ثم مات، وقام أخوه (محمد بن زيد) مقامه. وكان لشيعته من الزيدية دولة هناك، ثم
(5/48)

انقرضت وورثها الناصر الأطروش وهو (الحسن) بن عليّ، بن الحسين، بن علي، بن عمر، بن على زين العابدين، بن الحسين السبط، بن عليّ، بن أبي طالب، وكان له دولة هناك.
ثم خرج على الأطروش من الزيدية الداعي الأصغر، وهو (الحسن) بن القاسم، بن علي، بن عبد الرحمن، بن القاسم، بن محمد البطحائي، بن القاسم، بن الحسن، بن زيد، بن الحسن السبط، وجرى بينه وبين الأطروش حروب إلى أن قتل سنة تسع عشرة وثلاثمائة، ويجتمع الداعي الأصغر مع الداعي الأكبر في الحسن بن زيد، وليس بنو الرسيّ الذين منهم أئمّة اليمن من هؤلاء بوجه.
الجملة [الرابعة] الثالثة (في ترتيب مملكة هذا الإمام)
قال في «التعريف» بعد أن ذكر إمام زمانه: وهذا الإمام وكلّ من كان قبله على طريقة ما عدوها، وهي إمارة أعرابية، لا كبر في صدورها، ولا شمم في عرانينها، وهم على مسكة من التقوى، وتردّ بشعار الزّهد، يجلس في نديّ قومه كواحد منهم، ويتحدّث فيهم ويحكم بينهم، سواء عنده المشروف والشّريف، والقويّ والضعيف. قال: وربما اشترى سلعته بيده، ومشى بها في أسواق بلده، لا يغلّظ الحجاب، ولا يكل الأمور إلى الوزراء والحجّاب، يأخذ من بيت المال قدر بلغته من غير توسّع، ولا تكثّر [غير مشبع] «1» هكذا هو وكل من سلف قبله، مع عدل شامل، وفضل كامل.
وذكر في «مسالك الأبصار» عن تاج الدين عبد الباقي اليمانيّ الكاتب نحو ذلك. فقال: وأئمتهم لا يحجبون ولا يحتجبون، ولا يرون التفخيم والتعظيم، الإمام كواحد من شيعته: في مأكله ومشربه وملبسه، وقيامه وقعوده، وركوبه
(5/49)

ونزوله، وعامّة أموره، يجلس ويجالس، ويعود المرضى، ويصلّي بالناس وعلى الجنائز؛ ويشيّع الموتى ويحضر دفن بعضهم. قال: ولشيعته فيه حسن اعتقاد، ويستشفون بدعائه، ويمرّون يده على مرضاهم، ويستسقون المطر به إذا أجدبوا، ويبالغون في ذلك مبالغة عظيمة، قال «المقرّ الشهابيّ بن فضل الله» :
ولا يكبر لإمام هذه سيرته (في التواضع لله وحسن المعاملة لخلقه، وهو من ذلك الأصل الطاهر، والعنصر الطيب) أن يجاب دعاؤه، ويتقبّل منه. وينادى ببلاد هذا الإمام في الأذان «بحيّ على خير العمل» بدل الحيعلتين «1» ، كما كان ينادى بذلك في تأذين أهل مصر في دولة الخلفاء الفاطميين بها. قال في «التعريف» :
وأمراء مكة تسرّ طاعته، ولا تفارق جماعته. قال ابن غانم: هذا الإمام يعتقد في نفسه ويعتقد أشياعه فيه أنه إمام معصوم، مفترض الطاعة، تنعقد به عندهم الجمعة والجماعة، ويرون أنّ ملوك الأرض وسلاطين الأقطار يلزمهم طاعته ومبايعته، حتى خلفاء بني العباس، وأن جميع من مات منهم مات عاصيا بترك مبايعته ومتابعته. قال: وهم يزعمون ويزعم لهم أن سيكون لهم دولة يدال بها بين الأمم، وتملك منتهى الهمم، وأن الإمام الحجة المنتظر في آخر الزمان منهم.
وذكر عن رسول هذا الإمام، الواصل إلى مصر: أن الأئمة في هذا البيت أهل علم يتوارثونه: إمام عن إمام، وقائم عن قائم. وذكر عن بعض من مرّ بهم أنه فارقهم في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وهم لا يشكّون أنه قد آن أوان ظهورهم، وحان حين ملكهم، ولهم رعايا تختلف إلى البلاد، وتجتمع بمن هو على رأيهم، تصوّن ضعف الدولة في أقطار الأرض.
وحكى «المقرّ الشهابيّ بن فضل الله» عن قاضي القضاة كمال الدين محمد ابن الزملكاني قاضي حلب: أنه مات رجل من شيعتهم بحلب، فوجد عنده صندوقان، ضمنهما كتب من أئمة هذه البلاد إلى ذلك الرجل وإلى سلفه، يستعرفون فيها
(5/50)

الأخبار، وأحوال الشّيعة، والسؤال عن أناس منهم، وأن في بعضها: «ولا يؤخّر مدد من هنا من إخوانكم المؤمنين في هذه البلاد الشاسعة، وهو حقّ الله فيه تزكية أموالكم، ومدد إخوانكم من الضعفاء واتّقوا الله واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً
«1» ونقل عن الشيخ شهاب الدين بن غانم: أنه حدّثه عند وصوله من اليمن أنّ هذا الإمام في منعة منيعة، وذروة رفيعة، وأنه يركب في نحو ثلاثة آلاف فارس، وأن عسكره من الرّحالة، خلق لا جسم، وذكر عمن أقام عندهم: أنهم أهل نجدة وبأس، وشجاعة ورأي، غير أن عددهم قليل وسلاحهم ليس بكثير، لضيق أيديهم، وقلّة بلادهم، ونقل عن تاج الدين عبد الباقي اليمني: أن قومه معه على الطّواعية والانقياد، لا يخرج أحد منهم له عن نصّ، ولا يشاركه فيما يتميّز به.
قال ابن غانم: وزيّ هذا الإمام وأتباعه زيّ العرب في لباسهم والعمامة والحنك، بخلاف ما تقدّم من زيّ صاحب اليمن من بني رسول، قال الشيخ شهاب الدين بن غانم: وهذا الإمام لا يزال صاحب اليمن يرعى جانبه، وفي كل وقت تعقد بينهما العقود، وتكتب الهدن، وتوثّق المواثيق، وتشترط الشروط.
قال في «التعريف» : وقد وصل إلينا بمصر في الأيام الناصرية (سقى الله تعالى عهدها) رسول من هذا الإمام بكتاب أطال فيه الشكوى من صاحب اليمن، وعدّد قبائحه، ونشر على عيون الناس فضائحه، واستنصر بمدد يأتي تحت الأعلام المنصورة لإجلائه عن دياره، وإجرائه مجرى الذين ظلموا في تعجيل دماره. وقال: إنه إذا حضرت الجيوش المؤيّدة قام معها، وقاد إليها الأشراف والعرب أجمعها، ثم إذا استنقذ منه ما بيده أنعم عليه ببعضه، وأعطي منه ما هو إلى جانب أرضه، قال: فكتبت إليه مؤذنا بالإجابة، مؤدّيا إليه ما يقتضي إعجابه،
(5/51)

وضمن الجواب أنه لا رغبة لنا في السّلب، وأن النّصرة تكون لله خالصة وله كلّ البلاد لا قدر ما طلب.
وسيأتي ذكر المكاتبة إلى هذا الإمام عن الأبواب السلطانية، في الكلام على المكاتبات، في المقالة الرابعة فيما بعد إن شاء الله تعالى.
القطر الثاني (مما هو خارج من جزيرة العرب عن مضافات الديار المصرية «بلاد البحرين» تثنية بحر)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وفتح الراء المهملة وسكون المثناة من تحت ثم نون، وهي قطعة من جزيرة العرب المذكورة. قال في «تقويم البلدان» : وهي ناحية من نواحي نجد، على شطّ بحر فارس، ولها قرى كثيرة، قال: وهي (هجر) ونهايتها الشرقية الشمالية قال في «الأطوال» ونهايتها من الشمال في الإقليم الثاني حيث الطول أربع وسبعون درجة وعشرون دقيقة، والعرض خمس وعشرون درجة وخمس وأربعون دقيقة.
قال في «المشترك» : ويقال للبحرين هجر أيضا- بفتح الهاء والجيم ثم راء مهملة وليست هجر مدينة بعينها. قال الأزهريّ: وإنما سمّيت هجر بالبحرين ببحيرة بها عند الأحساء وبالبحر الملح يعنى بحر فارس، والنسبة إلى البحرين بحرانيّ. قال الجوهريّ: والنسبة إلى هجر هاجريّ على غير قياس. قال الأزهريّ: وسمّيت هجر بهجر بنت المكنف، وهي التي بنتها.
وفيها ثلاث جمل:
الجملة الأولى (فيما تشتمل عليه من المدن)
وقاعدتها (عمان) قال في «اللباب» : بضم العين المهملة وفتح الميم ونون
(5/52)

في الآخر بعد الألف. قال الأزهريّ: وسمّيت بعمان بن نعسان «1» بن إبراهيم عليه السلام، وموقعها في الإقليم الأوّل. قال: وهي على البحر تحت البصرة. قال المهلبيّ: وهي مدينة جليلة، بها مرسى السّفن من السّند والهند والزّنج، وليس على بحر فارس مدينة أجلّ منها، وأعمالها نحو ثلاثمائة فرسخ. قال: وهي ديار الأزد قال في «تقويم البلدان» : وهي بلدة كثيرة النخيل والفواكه، ولكنها حارّة جدّا. وكانت القصبة في القديم مدينة صحار. قال في «تقويم البلدان» : بضم الصاد وفتح الحاء المهملتين كما في الصحاح. قال: وهي اليوم خراب.
وبها بلاد أخرى غير ذلك.
منها (الأحساء) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الهمزة وسكون الحاء وفتح السين المهملتين وألف في الآخر. قال في «المشترك» : والأحساء جمع حسي، وهو رمل يغوص فيه الماء، حتى إذا صار إلى صلابة الأرض أمسكته فتحفر عنه العرب وتستخرجه. وموقعها في أوائل الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول ثلاث وسبعون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض اثنتان وعشرون درجة. قال في «تقويم البلدان» : ذات نخيل كثير، ومياه جارية، ومنابعها حارّة شديدة الحرارة، ونخيلها بقدر غوطة دمشق، وهو مستدير عليها، وهي في البرية، في الغرب عن القطيف بميلة إلى الجنوب، على مرحلتين منها.
قال: وتعرف بأحساء بني سعد.
ومنها (القطيف) . قال في «اللباب» : بفتح القاف وكسر الطاء المهملة وسكون المثناة من تحت وفاء في الآخر. وهي بلدة على مرحلتين من الأحساء من جهة الشّرق والشّمال، واقعة في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة. قال في «تقويم البلدان» : والقياس أنها حيث الطول ثلاث وسبعون درجة وخمس
(5/53)

وخمسون دقيقة، والعرض اثنتان وعشرون درجة وخمس وثلاثون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي على شطّ بحر فارس، وبها مغاص لؤلؤ، وبها نخيل دون نخيل الأحساء. قال: وعن بعض أهلها أن لها سورا وخندقا ولها أربعة أبواب، والبحر إذا مدّ يصل إلى سورها وإذا جزر ينكشف بعض الأرض، وهي أكبر من الأحساء. قال: ولها خور في البحر تدخل فيه المراكب الكبار الموسقة في حالة المدّ والجزر، وبينها وبين البصرة ستة أيام، وبينها وبين عمان مسيرة شهر.
ومنها (كاظمة) . قال في «تقويم البلدان» : بكاف وألف وظاء معجمة مكسورة وميم وهاء. قال: وهي جون على ساحل البحر، بين البصرة والقطيف، في سمت الجنوب عن البصرة، وبينها وبين البصرة مسيرة يومين، وبينها وبين القطيف أربعة أيام.
الجملة الثانية (في ذكر ملوكها)
قد ذكر صاحب «العبر» : أنها كانت في القديم لعاد مع حضرموت والشّحر وما والاهما، ثم غلب عليها بعد ذلك بنو يعرب بن قحطان.
الجملة الثالثة (في الطريق الموصّل إليها)
قد تقدّم في الكلام على مملكة إيران الطريق من مملكة مصر إلى البصرة.
قال ابن خرداذبه: ثم من البصرة إلى عبّادان، ثم إلى الحدوثة، ثم إلى عرفجاء، ثم إلى الزّابوقة، ثم إلى المغز، ثم إلى عصا، ثم إلى المعرّس، ثم إلى خليجة، ثم إلى حسّان، ثم إلى القرى، ثم إلى مسيلحة، ثم إلى حمض، ثم إلى ساحل هجر، ثم إلى العقير، ثم إلى القطن، ثم إلى السّبخة، ثم إلى عمان.
وذكر لها طريقا أخرى من مكة إليها على الساحل: وهي من مكة إلى جدّة؛ إلى منزل، ثم إلى الشّعيبة، ثم إلى المرجاب، ثم إلى أغيار، ثم إلى السّرّين،
(5/54)

ثم إلى مرسى حلي، ثم إلى مرسى ضنكان، ثم إلى سجّين، ثم إلى مخلاف الحكم، ثم إلى الجودة، ثم إلى مخلاف عكّ؛ ثم إلى غلافقة، ثم إلى مخلاف زبيد، ثم إلى المندب، ثم إلى مخلاف الرّكب، ثم إلى المنجلة، ثم إلى مخلاف بني مجيد، ثم إلى مغاص اللّؤلؤ، ثم إلى عدن، ثم إلى مخلاف لحج، ثم إلى قرية عبد الله بن مذحج، ثم إلى مخلاف كندة؛ ثم إلى الشّحر، ثم إلى ساحل هماه، ثم إلى عوكلان، ثم إلى فرق، ثم إلى عمان. وهي طريق بعيدة.
ولعربها مكاتبات عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، على ما سيأتي ذكره في الكلام على المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
القطر الثالث (مما هو خارج من جزيرة العرب عن مضافات الديار المصرية «اليمامة» )
قال في «تقويم البلدان» : بفتح المثنّاة من تحت والميم وألف وميم وهاء في الآخر. وهي قطعة من جزيرة العرب من الحجاز، وعليه جرى الفقهاء فحكموا بتحريم مقام الكفر بها كما بسائر أقطار الحجاز، وهي في سمت الشرق عن مكة المشرّفة. قال البيهقي: وهي ملك منقطع بعمله، ويحدّها من جهة الشرق البحرين، ومن الغرب أطراف اليمن، ومن الشّمال نجد والحجاز، وأرضها تسمّى العروض: لاعتراضها بين الحجاز والبحرين، وطولها عشرون مرحلة.
وهي في جهة الغرب عن القطيف، وبينهما نحو أربع مراحل، وبينها وبين مكة أربعة أيام. وسمّيت اليمامة باسم امرأة: وهي اليمامة بنت سهم بن طسم، كانت تنزلها إلى أن قتلها عبد كلال «1» وصلبها على بابها فسمّيت بها، سمّاها بذلك تبّع الآخر.
قال في «تقويم البلدان» : وكان اسمها في القديم جوّا بفتح الجيم وسكون «2» الواو. قال في «تقويم البلدان» : وهي عن البصرة على ستّ عشرة مرحلة، وعن
(5/55)

الكوفة مثل ذلك. قال في «تقويم البلدان» : وبها من القرب عين ماء متّسعة وماؤها سارح، وذكر أنها [أكثر نخيلا من] «1» سائر الحجاز، ثم نقل عمن رآها في زمانه أن بها آبارا وقليل نخل، وكأنه حكى [معبرا] «2» عما كانت عليه في القدم، وبها واد يسمّى- الخرج- بخاء معجمة مفتوحة وراء مهملة ساكنة وجيم في الآخر، كما هو مضبوط في الصّحاح.
وفيها ثلاث جمل:
الجملة الأولى (فيما اشتملت عليه من البلدان)
قد ذكر في «تقويم البلدان» عمن أخبره ممن رآها في زمانه أن بها عدّة قرى.
وبها الحنطة والشعير كثير. وقاعدتها دون مدينة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، واقعة في أوائل الإقليم الثاني. قال في «الأطوال» حيث الطول إحدى وسبعون درجة وخمس وأربعون دقيقة، والعرض إحدى وعشرون درجة وثلاثون دقيقة.
ومن بلادها (حجر) قال في «المشترك» : بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم وراء مهملة في الآخر. وهي في الغرب عن مدينة اليمامة، على مرحلتين منها، وبعضهم يجعلها قاعدة اليمامة، وموقعها في أوائل الإقليم الثاني. قال في «تقويم البلدان» : والقياس أنها حيث الطول إحدى وسبعون درجة وعشر دقائق، والعرض اثنتان وعشرون درجة. قال: وبها قبور الشّهداء الذين قتلوا في حرب مسيلمة الكذّاب «3»
(5/56)

الجملة الثانية (في ذكر ملوكها)
قال صاحب «العبر» : كانت هي والطائف بيد بني هزّان بن يعفر بن السّكسك، إلى أن غلبهم عليها (طسم) . ثم غلبهم عليها (جديس) «1» ، ومنهم زرقاء اليمامة «2» ثم استولى عليها (بنو حنيفة) وكان منهم هوذة بن عليّ، وهو الذي كتب إليه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يدعوه إلى الإسلام. ثم ملكها من بني حنيفة (ثمامة) بن أثال على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأسر ثمّ أسلم، ثم كان بها منهم (مسيلمة الكذّاب) «3» زمن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه وقتل في حرب المسلمين معه.
وكان لبني (الأخيضر) من الطالبيين بها دولة.
وأوّل من ملكها منهم (محمد بن الأخيضر) بن يوسف، بن إبراهيم، بن موسى الجون، بن عبد الله، بن الحسن المثنّى، بن الحسن السّبط؛ ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان استيلاؤه عليها أيام المستعين الخليفة العبّاسيّ. ثم ملكها بعده ابنه (يوسف) ثم (ابنه الحسن) ثم ابنه (أحمد) ولم يزل ملكها فيهم إلى أن غلب عليهم القرامطة «4» على ما تقدّم ذكره في الكلام على بلاد البحرين.
قال ابن سعيد: وسألت عرب البحرين في سنة، لمن اليمامة اليوم؟ فقالوا لعرب من قيس عيلان وليس لبني حنيفة بها ذكر.
.
(5/57)

قلت: ولم أقف لعربها على ذكر في المكاتبات السلطانية بالديار المصرية.
الجملة الثالثة (في الطريق الموصّل إليها)
قد تقدّم أنها في جهة الشرق عن مكة، وانّ بينهما أربعة أيام، وطريق مكة معروف على ما تقدّم.
أما ما ذكره ابن خرداذبه من طريقها على البصرة- فمن البصرة إلى المنجشانية، ثم إلى الكفير، ثم إلى الرّحيل، ثم إلى الشّجي، ثم إلى الحفر، ثم إلى ماويّة، ثم إلى ذات العشر، ثم إلى الينسوعة، ثم إلى السّمينة، ثم إلى النّباج؛ ثم إلى العمومية، ثم إلى القريتين، ثم إلى سويقة، ثم إلى صداة، ثم إلى السّد، ثم إلى السقي، ثم إلى المنبية، ثم إلى السّفح، ثم إلى المريقة، ثم إلى اليمامة، والبصرة قد تقدّم أكثر الطريق إليها في الكلام على مملكة إيران.
القطر الرابع (مملكة الهند ومضافاتها)
قال في «مسالك الأبصار» : وهي مملكة عظيمة الشأن لا تقاس في الأرض بمملكة سواها: لاتساع أقطارها، وكثرة أموالها وعساكرها، وأبّهة سلطانها في ركوبه ونزوله، ودست ملكه، وفي صيتها وسمعتها كفاية. ثم قال: ولقد كنت أسمع من الأخبار الطائحة والكتب المصنّفة ما يملأ العين والسمع، وكنت لا أقف على حقيقة أخبارها لبعدها منا، وتنائي ديارها عنّا، ثم تتبّعت ذلك من الرّواة، فوجدت أكثر مما كنت أسمع، وأجلّ مما كنت أظنّ. وحسبك ببلاد في بحرها الدّرّ، وفي برّها الذّهب، وفي جبالها الياقوت والماس، وفي شعابها العود والكافور، وفي مدنها أسرّة الملوك؛ ومن وحوشها الفيل والكركدّن، ومن حديدها سيوف الهند، وأسعارها رخيّة، وعساكرها لا تعدّ، وممالكها لا تحدّ، ولأهلها
(5/58)

الحكمة ووفور العقل، وهم أملك الأمم لشهواتهم وأبذلهم للنفوس فيما يظن به الزّلفى.
قال: وقد وصف محمد بن عبد الرحيم الاقليشي هذه المملكة في كتابه «تحفة الألباب» فقال: الملك العظيم، والعدل الكثير، والنعمة الجزيلة، والسّياسة الحسنة، والرضا الدائم، والأمن الذي لا خوف معه في بلاد الهند. وأهل الهند أعلم الناس بأنواع الحكمة والطّب والهندسة والصّناعات العجيبة ثم قال:
وفي جبالهم وجزائرهم ينبت شجر العود والكافور وجميع أنواع الطّيب: كالقرنفل والسّنبل «1» والدار صيني، والقرفة، والسّليخة «2» والقاتلة، والكبابة «3» ، والبسباسة «4» وأنواع العقاقير. وعندهم غزال المسك وسنّور «5» الزّباد، هذا مع ما هذه المملكة عليه من اتساع الأقطار، وتباعد الأرجاء، وتنائي الجوانب.
فقد حكى في «مسالك الأبصار» : عن الشيخ مبارك بن محمود الأنباتي: أن عرض هذه المملكة ما بين سومنات وسرنديب إلى غزنة، وطولها من الفرضة المقابلة لعدن إلى سدّ الإسكندر عند مخرج البحر الهندي، من البحر المحيط، وأن مسافة ذلك ثلاث سنين في مثلها بالسير المعتاد، كلّها متصلة المدن ذوات المنابر والأسرة والأعمال، والقرى، والضّياع، والرّساتيق «6» ، والأسواق، لا يفصل بينها خراب، بعد أن ذكر عنه أنه ثقة ثبت عارف بما يحكيه إلا أنه استبعد
(5/59)

هذا المقدار، وقال: إن جميع المعمور لا يفي بهذه المسافة، اللهمّ إلا أن يريد أن هذه مسافة من يتنقّل فيها حتى يحيط بجميعها مكانا، فيحتمل على ما فيه.
وفيه إحدى عشرة جملة.
الجملة الأولى (فيما اشتملت عليه هذه المملكة من الأقاليم)
وتحتوي هذه المملكة على إقليمين عظيمين:
الإقليم الأوّل (إقليم السّند وما انخرط في سلكه من مكران، وطوران، والبدهة، وبلاد [القفس] والبلوص)
فأما السّند، فبكسر السين المهملة وسكون النون ودال مهملة في الآخر.
قال ابن حوقل: ويحيط به من جهة الغرب حدود كرمان، وتمام الحدّ مفازة سجستان؛ ومن جهة الجنوب مفازة هي فيما بين كرمان والبحر الهنديّ، والبحر جنوبيّ المفازة، ومن جهة الشرق بحر فارس أيضا: لأن البحر يتقوّس على كرمان والسّند، حتى يصير له دخلة شرقيّ بلاد السند؛ ومن جهة الشمال قطعة من الهند.
قال ابن خرداذبة: وبالسند القسط «1» ، والقنا، والخيزران «2» وقاعدته (المنصورة) - قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم وسكون النون وضم الصاد المهملة وسكون الواو وفتح الراء المهملة وهاء في الآخر.
وهي مدينة بالسّند واقعة في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول خمس وتسعون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض أربع وعشرون درجة واثنتان وأربعون دقيقة. قال في «القانون» : واسمها القديم يمنهو وإنما سمّيت المنصورة
(5/60)

لأن الذي فتحها من المسلمين قال نصرنا. وقال المهلبي: إنما سمّيت المنصورة لأن عمر بن حفص «1» المعروف بهزارمرد بناها في أيام أبي جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس وسمّاها بلقبه.
قال ابن حوقل: وهي مدينة كبيرة يحيط بها خليج من نهر مهران (وهو نهر يأتي من الملتان) فهي كالجزيرة ولكنها بلدة حارّة وليس بها سوى النخيل، وبها قصب السّكّر، وبها أيضا ثمر على قدر التّفّاح شديد الحموضة، يسمى اليمومة.
وبها عدّة مدن وبلاد أيضا.
منها (الدّيبل) قال في «اللباب» : بفتح الدال المهملة وسكون المثناة من تحتها وضم الباء الموحدة ولام في الآخر. وهي بلدة على ساحل البحر، واقعة في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتان وتسعون درجة وإحدى وثلاثون دقيقة، والعرض أربع وعشرون درجة وعشرون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي بلدة صغيرة على ساحل ماء السّند شديدة الحرّ. قال ابن حوقل: وهي شرقيّ مهران، وهي فرضة تلك البلاد. وقال في «اللباب» : إنها على البحر الهندي قريبة من السند. قال ابن سعيد: وهي في دخلة من البرّ في خليج السّند، وهي أكبر فرض السند وأشهرها؛ ويجلب منها المتاع الدّيبليّ. قال في «تقويم البلدان» : وبها سمسم كثير، ويجلب إليها التّمر من البصرة، وبينها وبين المنصورة ست مراحل.
ومنها (البيرون) . قال في «اللباب» : بكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وضم الراء المهملة وبعدها واو ونون في الآخر. وهي مدينة من أعمال الدّيبل بينها وبين المنصورة، واقعة في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال في
(5/61)

«القانون» : حيث الطول أربع وتسعون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض أربع وعشرون درجة وخمس وأربعون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي من فرض بلاد السّند التي عليها خليجهم المالح الخارج من بحر فارس. قال في «العزيزيّ» وأهلها مسلمون، ومنها إلى المنصورة خمسة عشر فرسخا. قال ابن سعيد: وإليها ينسب أبو الرّيحان البيرونيّ، يعنى صاحب «القانون» في أطوال البلاد وعروضها.
ومنها (سدوسان) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح السين وضم الدال المهملتين وواو ثمّ سين مهملة ثانية مفتوحة وألف ونون. وهي مدينة غربيّ نهر مهران، واقعة في أوائل الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة قال في «القانون» : حيث الطول أربع وتسعون درجة وخمسون دقيقة، والعرض ثمان وعشرون درجة وعشر دقائق. قال ابن حوقل: وهي خصبة كثيرة الخير وحولها قرى ورستاق، وهي ذات أسواق جليلة.
ومنها (المولتان) قال في «تقويم البلدان» : بضم الميم وسكون اللام ثم تاء مثناة فوقية وألف ونون. قال: وهي في أكثر الكتب مكتوبة بواو. وهي مدينة من السند فيما ذكره أبو الرّيحان «1» البيرونيّ، وإن كان ابن حوقل جعلها من الهند وعليه جرى في «مسالك الأبصار» لأن البيرونيّ أقعد بذلك منه: لأن السند بلاده فهو بها أخبر، واقعة في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة. قال في «القانون» :
حيث الطول ست وتسعون درجة وخمس وعشرون دقيقة، والعرض ثمان وعشرون درجة وأربعون دقيقة. قال ابن حوقل: وهي أصغر من المنصورة.
وقد ذكر في «مسالك الأبصار» عن بعض المصنّفات أن قرى الملتان مائة ألف قرية وستة وعشرون ألف قرية. قال المهلّبيّ: وأعمال الملتان واسعة من
(5/62)

قرب حدّ مكران من الجنوب إلى حدّ المنصورة، وبينها وبين غزنة ثمانية وستون فرسخا.
ومنها (أزور) . قال ابن حوقل: وهي مدينة تقارب الملتان في الكبر، وعليها سوران وهي على نهر مهران. وقال في «العزيزيّ» : هي مدينة كبيرة وأهلها مسلمون في طاعة صاحب المنصورة وبينهما ثلاثون فرسخا، قال في «القانون» : حيث الطول خمس وتسعون درجة وخمس وخمسون دقيقة، والعرض ثمان وعشرون درجة وعشر دقائق.
وأما مكران، فقال في «اللباب» : بضم الميم وسكون الكاف وفتح الراء المهملة وألف ونون. قال ابن حوقل: وهي ناحية واسعة عريضة، والغالب عليها المفاوز «1» والقحط والضّيق. وقد اختلف كلام صاحب تقويم البلدان فيها فذكر في الكلام على السّند أنها منه، وذكر في كلامه على مكران في ضمن بلاد السند أنها من كرمان.
وقاعدتها (التّيز) قال في «اللباب» : بالتاء المثناة الفوقية الممالة ثم ياء آخر الحروف وزاي معجمة في الآخر، وموقعها في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول ستّ وثمانون درجة، والعرض ست وعشرون درجة وخمس عشرة دقيقة. قال ابن حوقل: وهي فرضة مكران وتلك النواحي، وهي على شطّ نهر مهران في غربيّه بقرب الخليج المنفتح من مهران على ظهر المنصورة.
(5/63)

وأما طوران. فناحية على خمس عشرة مرحلة من المنصورة. قال في «القانون» : وقصبتها (قندابيل) قال: وهي حيث الطول خمس وتسعون درجة، والعرض ثمان وعشرون درجة.
وذكر ابن حوقل أن قصبة طوران (قزدار) قال في «اللباب» : بضم القاف وسكون الزاي المعجمة وفتح الدال المهملة وألف وراء مهملة. وقد نقل في «تقويم البلدان» عن إخبار من رآها أنها قليعة. قال في «تقويم البلدان» : وهي كالقرية لصغرها، وهي في وطاءة «1» من الأرض على تليل»
، وحولها بعض بساتين. وذكر في «اللباب» أن قزدار ناحية من نواحي الهند. قال في «تقويم البلدان» : وبينها وبين الملتان نحو عشرين مرحلة.
وأما البدهة، فقال ابن حوقل: وهي مفترشة ما بين حدود طوران ومكران والملتان ومدن المنصورة؛ وهي في غربيّ نهر مهران، وأهلها أهل إبل كالبادية، ولهم أخصاص وآجام. قال في «تقويم البلدان» : ومن المنصورة إلى أوّل البدهة خمس مراحل، ومن أراد البدهة من المنصورة احتاج إلى عبور نهر مهران.
الإقليم الثاني (إقليم الهند)
قال في «الأنساب» : بكسر الهاء وسكون النون ودال مهملة في الآخر.
قال في «تقويم البلدان» : والذي يحيط به من جهة الغرب بحر فارس، وتمامه حدود السّند، ومن جهة الجنوب البحر الهنديّ، ومن جهة الشرق المفاوز الفاصلة بين الهند والصين، ولم يذكر الحدّ الذي من جهة الشّمال. وذكر في «مسالك
(5/64)

الأبصار» أن حده من جهة الشّمال بلاد التّرك. وذكر عن الشيخ مبارك الأنباتيّ: أنه ليس في هذه المملكة خراب سوى مسافة عشرين يوما مما يلي غزنة، لتجاذب صاحب الهند وصاحب تركستان وما وراء النهر بأطراف المنازعة، أو جبال معطّلة، أو شعواء «1» مشتبكة.
قال صاحب «مسالك الأبصار» : وسألت الشيخ مبارك الأنباتيّ عن برّ الهند وضواحيه فقال: إن به أنهارا ممتدّة تقارب ألف نهر كبار وصغار، منها ما يضاهي النيل عظما، ومنها ما هو دونه، ومنها ما هو مثل بقيّة الأنهار. وعلى صغار الأنهار القرى والمدن؛ وبه الأشجار الكثيفة والمروج الفيح: قال: وهي بلاد معتدلة لا تتفاوت حالات فصولها، ليست مفرطة في حرّ ولا برد، بل كأنّ كلّ أوقاتها ربيع، وتهبّ بها الأهوية والنسيم اللطيف، وتتوالى بها الأمطار مدّة أربعة أشهر، وأكثرها في أخريات الربيع إلى ما يليه من الصيف.
ثم لمملكة الهند قاعدتان:
القاعدة الأولى (مدينة دلّي)
قال في «تقويم البلدان» : بدال مهملة ولام مشدّدة مكسورة ثم مثناة تحتية، ولم يتعرّض لضبط الدال والناس ينطقون بها بالفتح وبالضم. وسمّاها صاحب «تقويم البلدان» في تاريخه دهلي بابدال اللام هاء. وهي مدينة ذات إقليم متّسع، وموقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة قال في «القانون» :
حيث الطول مائة وثمان وعشرون درجة وخمسون دقيقة، والعرض خمس وثلاثون درجة وخمسون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينة كبيرة في مستو من الأرض، وتربتها مختلطة بالحجر والرمل، وعليها سور من آجرّ، وسورها أكبر من
(5/65)

سور حماة، وهي بعيدة من البحر، ويمرّ على فرسخ منها نهر كبير دون الفرات، وبها بساتين قليلة وليس بها عنب، وتمطر في الصيف؛ وبجامعها منارة لم يعلم في الدنيا مثلها، مبنية من حجر أحمر ودرجها نحو ثلاثمائة درجة؛ وهي كبيرة الأضلاع، عظيمة الأوضاع واسعة الأسفل وارتفاعها يقارب منارة الإسكندرية.
وذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ برهان الدين بن الخلال البزيّ الكوفيّ: أن علوّها في نحو ستّمائة ذراع. وذكر عن الشيخ مبارك الأنباتي أن دلّي مدائن جمعت ولكلّ مدينة منها اسم يخصّها ودلّي واحدة منها. قال الشيخ أبو بكر ابن الخلال: وجملة ما يطلق عليه الآن اسم دلّي إحدى وعشرون مدينة.
قال الشيخ مبارك: وهي مميّلة طولا وعرضا، ويكون دور عمرانها أربعين ميلا، وبناؤها بالحجر والآجرّ، وسقوفها بالخشب، وأرضها مفروشة بحجر أبيض شبيه بالرّخام، ولا يبنى بها أكثر من طبقتين وربما اقتصر على طبقة واحدة، ولا يفرش دوره فيها بالرّخام إلا السلطان. قال: وفيها ألف مدرسة، منها مدرسة واحدة للشافعية وباقيها للحنفية، وبها نحو سبعين بيمارستانا، وتسمّى بها دور الشفاء! وبها وببلادها من الرّبط والخوانق نحو ألفين، وفيها الزيارات العظيمة، والأسواق الممتدّة، والحمّامات الكثيرة؛ وشرب أهلها من ماء المطر، تجتمع الأمطار فيها في أحواض وسيعة كلّ حوض قطره غلوة «1» سهم أو أكثر. أما مياه الاستعمال وشرب الدواب فمن آبار قريبة المستقى، أطول ما فيها سبعة أذرع. وقد صارت دلّي قاعدة لجميع الهند [ومستقرّ السلطان] وبها قصور ومنازل خاصّة بسكنه وسكن حريمه، ومقاصير جواريه وحظاياه وبيوت خدمه ومماليكه، لا يسكن معه أحد من الخانات ولا من الأمراء، ولا يكون بها أحد منهم إلا إذا حضر للخدمة ثم ينصرف كلّ واحد منهم إلى بيته. ولها بساتين من جهاتها الثلاث: الشرق، والجنوب، والشّمال على استقامة. كل خط اثنا عشر ميلا، أما الجهة الغربية فعاطلة من ذلك لمقاربة جبل لهابة. ووراء ذلك مدن وأقاليم متعدّدة.
(5/66)

القاعدة الثانية (مدينة الدّواكير)
ومدينة الدّواكير بفتح الدال المهملة والواو وألف بعدها كاف مكسورة ثم ياء مثناة تحتية وراء مهملة في الآخر. وهي مدينة ذات إقليم متّسع. وقد ذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ مبارك الأنباتي: أنها مدينة قديمة جدّدها السلطان محمد بن «1» طغلقشاه، وسمّاها «قبة الإسلام» . وذكر أنه فارقها ولم تتكامل بعد، وأن السلطان المذكور كان قد قسمها على أن تبنى محلّات لأهل كل طائفة محلّة: الجند في محلّة، والوزراء في محلّة، والكتّاب في محلّة، والقضاة والعلماء في محلّة، والمشايخ والفقراء في محلّة، وفي كل محلّة ما يحتاج إليه من المساجد، والأسواق، والحمّامات، والطواحين، والأفران، وأرباب الصنائع من كلّ نوع حتى الصّوّاغ والصّبّاغين، والدّبّاغين، بحيث لا يحتاج أهل محلّة إلى أخرى في بيع ولا شراء، ولا أخذ ولا عطاء: لتكون كل محلّة كأنها مدينة مفردة قائمة بذاتها.
واعلم أن صاحب «تقويم البلدان» : وقد ذكر عن بعض المسافرين إلى الهند أن بلاد الهند على ثلاثة أقسام.
القسم الأوّل- بلاد الجزرات.
قال في «تقويم البلدان» : بالجيم والزاي المعجمة والراء المهملة ثم ألف وتاء مثناة فوق. وبها عدّة مدن وبلاد.
منها (نهلوارة) بالنون والهاء واللام والواو ثمّ ألف وراء مهملة وهاء. قال ابن سعيد: نهر والة، فقدّم الراء وأخّر اللام، وكذلك نقله في «تقويم البلدان» عن بعض المسافرين. وفي «نزهة المشتاق» نهر وارة براءين.
(5/67)

وموقعها في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال في «القانون» : حيث الطول ثمان وتسعون درجة وعشرون دقيقة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. وهي غربيّ إقليم المنيبار الآتي ذكره. قال: وهي أكبر من كنبايت، وعمارتها مفرّقة بين البساتين والمياه، وهي عن البحر على مسيرة ثلاثة أيام. قال صاحب حماة في «تاريخه» : وهي من أعظم بلاد الهند.
ومنها (كنبايت) قال في «تقويم البلدان» : بالكاف ونون ساكنة وباء موحّدة ثم ألف وياء مثناة تحتية وتاء مثناة من فوقها، ومقتضى ما في «مسالك الأبصار» : أن يكون اسمها أنبايت بإبدال الكاف همزة، فإنه ينسب إليها أنباتيّ.
وهي مدينة على ساحل بحر الهند، موقعها في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال في «القانون» : حيث الطول تسع وتسعون درجة وعشرون دقيقة، والعرض اثنتان وعشرون درجة وعشرون دقيقة. وذكر في «تقويم البلدان» عمن سافر إليها أنها غربيّ المنيبار على خور من البحر طوله مسيرة ثلاثة أيام. قال: وهي مدينة حسنة، أكبر من المعرّة من الشام في المقدار، وأبنيتها بالآجرّ، وبها الرّخام الأبيض وبها بساتين قليلة.
ومنها (تانة) . قال في «تقويم البلدان» : قال أبو العقول نقلا عن عبد الرحمن الريّان الهندي- بفتح المثناة الفوقية ثم ألف ونون وهاء. وهي بلدة على ساحل البحر، واقعة في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة قال في «القانون» :
حيث الطول مائة وأربع عشرة درجة وعشرون دقيقة، والعرض تسع عشرة درجة وعشرون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي من مشارق الجزرات. قال ابن سعيد: وهي مشهورة على ألسن التّجّار. قال: وأهل هذا الساحل جميعهم كفّار يعبدون الأنداد «1» ، والمسلمون ساكنون معهم. قال الإدريسيّ: وأرضها
(5/68)

وجبالها تنبت القنا والطّباشير «1» ويحمل منها إلى الآفاق. قال أبو الرّيحان: والنسبة إليها تانشيّ ومنها الثياب التانشيّة.
ومنها (صومنات) قال في «تقويم البلدان» : بالصاد المهملة ويقال بالسين المهملة ثم واو ساكنة وميم ونون مفتوحتين ثم ألف وتاء مثناة فوقية في الآخر، وموقعها في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال في «القانون» : حيث الطول سبع وتسعون درجة وعشر دقائق، والعرض اثنتان وعشرون درجة وخمس عشرة دقيقة. قال في «القانون» : وهي على الساحل في أرض البوازيج. قال ابن سعيد: وهي مشهورة على ألسنة المسافرين، وتعرف ببلاد اللّار، وموضعها في جهة داخلة في البحر فينطحها كثير من مراكب عدن لأنها ليست في جون، ولها خور ينزل من الجبل الكبير الذي في شماليّها إلى شرقيّها، وكان بها صنم تعظّمه الهنود يضاف إليها، فيقال: «صنم صومنات» فكسره يمين الدولة «محمود بن سبكتكين» «2» عند فتحها كما هو مذكور في التاريخ.
ومنها (سندان) بالسين المهملة والنون والدال المهملة والألف والنون، هكذا ذكره في «تقويم البلدان» : ونقل لفظه عن المهلبيّ في «العزيزى» .
وقال بعض المسافرين إنها (سندابور) بالسين المهملة والنون والدال المهملة وألف وباء موحدة وواو وراء مهملة في الآخر. وهي مدينة على ثلاثة أيام من تانة، موقعها في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة قال في «القانون» : حيث الطول مائة وأربع درج وعشرون دقيقة، والعرض تسع عشرة درجة وعشرون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» عن بعض المسافرين: وهي على جون في البحر الأخضر، وهي آخر إقليم الجزرات. قال في «القانون» : وهي على الساحل. قال في
(5/69)

«العزيزي» : وبينها وبين المنصورة خمسة عشر فرسخا، وهي مجمع الطّرق.
قال: وهي بلاد القسط والقنا والخيزران، وهي من أجلّ الفرض التي على البحر.
ومنها (ناكور) قال في «تقويم البلدان» : بفتح النون وألف وكاف مضمومة وواو وراء مهملة في الآخر. وهي مدينة على أربعة أيام من دلّي.
ومنها (جالور) بفتح الجيم ثم ألف ولام مضمومة وواو وراء مهملة.
وهي على تلّ تراب نحو قلعة مصياف بين ناكور وبين نهر والة. ويقال إنه لم يعص على صاحب دلّي من الجزرات غير جالور.
ومنها (منوري) . قال في «القانون» : وهي بين الفرضة وبين المعبر إلى سرنديب حيث الطول مائة وعشرون درجة، والعرض ثلاث عشرة درجة.
القسم الثاني- من إقليم الهند بلاد المنيبار.
قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحّدة ثم ألف وراء مهملة في الآخر. وهي إقليم من أقاليم الهند في الشرق عن بلاد الجزرات المقدّم ذكرها. قال: والمنيبار هي بلاد الفلفل. ثم قال: والفلفل في شجره عناقيد كعناقيد الدّخن «1» ، وشجره ربما التفّ على غيره من الأشجار كما تلتفّ الدّوالي، وبها بلاد [كثيرة] «2» وجميع بلاد المنيبار مخضرّة كثيرة المياه والأشجار الملتفّة.
ومنها (هنّور) قال في «تقويم البلدان» : بفتح الهاء والنون المشدّدة والواو ورأء مهملة. وهي غربيّ سند ابور من بلاد الجزرات المقدّم ذكرها، فتكون أوّل بلاد المنيبار من الغرب. قال: ولها بساتين كثيرة.
ومنها (باسرور) بالباء الموحدة وبالسين المفتوحة والراءين المهملات.
(5/70)

وهي بلدة صغيرة شرقيّ هنّور المقدّمة الذكر.
ومنها (منجرور) قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم وسكون النون وفتح الجيم وضم الراء المهملة ثم واو ساكنة وراء مهملة. وهي شرقيّ باسرور المقدّمة الذكر. قال: وهي من أكبر بلاد المنيبار، وملكها كافر، ووراءها بثلاثة أيام جبل عظيم داخل في البحر، يرى للمسافرين من بعد، يسمى «رأس هيلي» بفتح الهاء وسكون الياء المثناة من تحت وكسر اللام ثم ياء مثناة تحتية في الآخر.
ومنها (تنديور) بالتاء المثناة الفوقية المفتوحة وسكون النون ثم دال مهملة وياء آخر الحروف مضمومة وواو وراء مهملة. وهي بليدة شرقى «رأس هيلى» لها بساتين كثيرة.
ومنها (الشّاليات) بفتح الشين المعجمة وألف ولام وياء آخر الحروف ثمّ ألف وتاء مثناة فوقية.
ومنها (الشّنكلي) بالشين المعجمة المكسورة [وسكون النون] «1» وكاف ولام وياء آخر الحروف. وهي بلدة بالقرب من الشّاليات.
ومنها (الكولم) قال في «تقويم البلدان» : بالكاف المفتوحة والواو الساكنة ثم لام مفتوحة وميم في الآخر، وموقعها في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة قال في «الأطوال» : حيث الطول مائة وعشر درجات، والعرض ثمان عشرة درجة وثلاثون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي آخر بلاد الفلفل من الشرق، ومنها يقلع إلى عدن. قال صاحب «تقويم البلدان» : وحكى لي بعض المسافرين أنها على خور من البحر في مستو من الأرض وأرضها مرملة، وهي كثيرة البساتين، وبها شجر البقّم «2» : وهو شجر كشجر الرّمان، وورقة يشبه ورق العنّاب، وفيها حارة
(5/71)

للمسلمين وبها جامع.
القسم الثالث- من إقليم الهند بلاد المعبر.
قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الباء الموحّدة ثم راء مهملة، وهي شرقيّ بلاد الكولم بثلاثة أيام وأربعة، قال في «تقويم البلدان» : وينبغي أن تكون بميلة إلى الجنوب. قال ابن سعيد: وهو مشهور على الألسن، ومنه يجلب اللانس. وبها يضرب المثل في قصّاريها. قال:
وفي شماليّها جبال متصلة ببلاد بلهرا ملك ملوك الهند، وفي غربيها يصبّ نهر الصوليان في البحر، وذكر في «مسالك الأبصار» عن قاضي القضاة سراج الدين الهندي: أن بلاد المعبر تشتمل على عدّة جزائر كبار.
وبه عدّة مدن وبلاد.
منها (بيّرداول) قال في «تقويم البلدان» : بكسر الباء الموحدة وتشديد الياء المثناة التحتية وسكون الرّاء وفتح الدال المهملتين وألف وواو ولام. قال:
وهي قصبة بلاد المعبر، وموقعها في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول مائة واثنتان وأربعون درجة، والعرض سبع عشرة درجة وخمس وعشرون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينة سلطان المعبر، وإليه تجلب الخيول من البلاد.
ثم اعلم أن وراء ما تقدّم بلادا أخرى ذكرها في «تقويم البلدان» .
منها (ماهورة) قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم والألف والهاء والواو ثم راء مهملة وهاء. وموقعها في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال في «القانون» حيث الطول مائة درجة وأربع درج، والعرض سبع وعشرون درجة.
قال ابن سعيد: وهي على جانبي نهر كنك في انحداره من قنّوج إلى بحر الهند.
قال في «تقويم البلدان» : وهي بلد البراهمة، وهم عبّاد الهند ينسبون إلى البرهمن أوّل حكمائهم، قال ابن سعيد: وقلاعهم بها لا ترام.
ومنها (لوهور) قال في «اللباب» : بفتح اللام وسكون الواوين بينهما
(5/72)

هاء مفتوحة في الآخر وراء مهملة قال: ويقال لها أيضا لهاور. وموقعها في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة قال في «الأطوال» : حيث الطول مائة درجة والعرض إحدى وثلاثون درجة. قال في «اللباب» : وهي مدينة كبيرة كثيرة الخير، خرج منها جماعة من أهل العلم.
ومنها (قنّوج) قال في «تقويم البلدان» : بكسر القاف وفتح النون المشدّدة والواو ثم جيم. وموقعها في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول مائة وإحدى وثلاثون درجة وخمسون دقيقة، والعرض تسع وعشرون درجة. وذكر في «الأطوال» الطول بنقص سبع وعشرين درجة، والعرض بزيادة ستّ درج. قال ابن سعيد: وهي قاعدة لهاور، وهي بين ذراعين من نهر كنك. وقال المهلبيّ: هي في أقاصي الهند في جهة الشرق عن الملتان على مائتين واثنين وثمانين فرسخا. قال: وهي مصر الهند وأعظم المدن بها. ثم قال: وقد بالغ الناس في تعظيمها حتّى قالوا: إن بها ثلاثمائة سوق للجوهر، ولملكها ألفان وخمسمائة فيل، وهي كثيرة معادن الذهب. قال في «نزهة المشتاق» : هي مدينة حسنة، كثيرة التجارات، ومن مدنها قشمير الخارجة، وقشمير الداخلة، قال: وملكها يسمّى القنّوج باسمها.
ومنها (جبال قامرون) قال في «تقويم البلدان» : بفتح القاف وألف وميم وراء مهملة ثم واو ونون. وهي حجاز بين الهند والصّين، وعدّها في «القانون» من الجزائر، قال: وهي خارجة عن الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة إلى الجنوب قال في «القانون» و «الأطوال» : حيث الطول مائة وخمس وعشرون درجة، والعرض عشر درج، ومدينة الملك شرقيّها وبها معدن العود القامرونيّ.
قلت: وذكر في «مسالك الأبصار» عن قاضي القضاة سراج الدين الهندي: أن في مملكة صاحب الهند ثلاثة وعشرين إقليما، عدّ منها بعض ما تقدّم ذكره، وهي: إقليم دهلي، وإقليم الدّواكير، وإقليم الملتان، وإقليم كهران،
(5/73)

وإقليم سامانا، وإقليم سبوستان، وإقليم وجّا، وإقليم هاسي، وإقليم سرستي، وإقليم المعبر، وإقليم تلنك، وإقليم كجرات، وإقليم بدلون، وإقليم عوض، وإقليم القنّوج، وإقليم لكنوتي، وإقليم بهار، وإقليم كره، وإقليم ملاوه، وإقليم لهاور، وإقليم كلافور، وإقليم جاجنكز، وإقليم تلنج، وإقليم دور سمند.
ثم قال: وهذه الأقاليم تشتمل على ألف مدينة ومائتي مدينة، كلّها مدن ذوات نيابات: كبار وصغار، وبجميعها الأعمال والقرى العامرة الآهلة. وقال إنه لا يعرف عدد قراها، إلا أن إقليم القنّوج مائة وعشرون لكّا، كلّ لكّ مائة ألف قرية، فتكون اثني عشر ألف قرية، وإقليم تلنك ستة وثلاثون لكّا، فيكون ثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف قرية، وإقليم ملاوه أكبر من إقليم القنّوج في الجملة.
وحكي عن الشيخ مبارك الأنباتي: أن على لكنوتي مائتي ألف مركب صغار خفاف للسير، إذا رمى الرامي في إحداها سهما وقع في وسطها لسرعة جريانها، ومن المراكب الكبار ما فيه الطواحين والأفران والأسواق، وربما لم يعرف بعض ركابه بعضا إلا بعد مدّة لاتّساعه وعظمه إلى غير ذلك مما العهدة فيه عليه.
واعلم أن ببحر الهند جزائر عظيمة معدودة في أعماله، يكون بعضها مملكة منفردة.
منها (جزيرة سرنديب) قال في «تقويم البلدان» : بفتح السين والراء المهملتين وسكون النون وكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحت ثم باء موحدة. قال: ويقال لها جزيرة سنكاديب. كأنه باللسان الهنديّ، وموقعها خارج عن الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة إلى الجنوب قال «في الأطوال» : حيث الطول مائة وعشرون درجة، والعرض عشر درج. قال ابن سعيد: ويشقّ هذه الجزيرة جبل عظيم على خط الاستواء، اسمه جبل الرّهون، يزعمون أن عليه هبوط آدم عليه السّلام. قال ابن خرداذبه: وهو جبل ذاهب في السماء، يراه أهل المراكب على مسيرة عشرين يوما وأقلّ وأكثر.
وذكرت البراهمة: أن على هذا الجبل أثر قدم آدم عليه السّلام: قدم واحدة
(5/74)

مغموسة في الحجر، وأنه خطا الخطوة الأخرى إلى الهند، وهو منها على مسيرة يومين أو ثلاثة. قال: وعلى هذا الجبل شبيه بالبرق أبدا، وعليه العود وسائر العطر والأفاويه، وعليه وحواليه الياقوت وألوانه كلّها، وفي واديه الماس والسّنباذج «1» ، وغزال المسك، وسنّور الزّباد، وفي أنهار هذه الجزيرة البلّور، وحولها في البحر مغاصات اللؤلؤ، ونهرها هو المعظّم عند الهنود، وقال ابن سعيد: ومدينتها تسمّى أغنا. وهي حيث الطول مائة وأربع وعشرون درجة.
ومنها (جزيرة الرّانج) قال في «تقويم البلدان» : والظاهر أنها بالراء المهملة والألف والنون ثم جيم في الآخر، وموقعها في الجنوب عن الإقليم الأوّل. قال في «الأطوال» وطولها مائة وثلاث عشرة درجة، ولا عرض لها، وفيها عمارة وزرع ونارجيل وغير ذلك. قال في «كتاب الأطوال» : وجبالها ترى من جبال اليمن، وبها جبال تشتعل النار فيها دائما، وترى تلك النار في البحر من مسيرة أيام، وبها حيّات، تبتلع الرجل والجاموس، وفي البحر عند لهاور «دور» وهو مكان يدور فيه الماء، ويخشى على المراكب عنده. قال ابن خرداذبه: وفيها حيّات عظام تبتلع الرجل والجاموس والفيل، وفيها شجر الكافور، تظلّ الشجرة منه مائة إنسان وعجائب لا تحصى.
ومنها (جزيرة لامري) قال في «تقويم البلدان» : بلام وألف وميم وراء مهملة ثم ياء آخر الحروف، وموقعها في الجنوب عن الإقليم الأوّل قال في «الأطوال» :
حيث الطول مائة وستّ وعشرون درجة، والعرض تسع درج. قال في «تقويم البلدان» : وهي معدن البقّم والخيزران.
ومنها (جزيرة كلة) قال في «تقويم البلدان» : بالكاف واللام وهاء في الآخر. وموقعها في الجنوب عن الإقليم الأوّل قال في «القانون» : حيث الطول مائة وثلاثون درجة، ولا عرض لها. قال في «تقويم البلدان» : وهي فرضة ما بين
(5/75)

عمان والصّين، قال المهلبيّ: وفيها مدينة عامرة يسكنها المسلمون وغيرهم وبها معادن الرّصاص ومنابت الخيزران وشجر الكافور، وبينها وبين جزائر المهراج عشرون مجرى.
ومنها (جزيرة المهراج) ، قال في «تقويم البلدان» : الظاهر أنها بالميم والهاء والراء المهملة ثم ألف وجيم في الآخر. قال في «كتاب الأطوال» : وهي جزيرة سريرة، وموقعها في الجنوب من خطّ الاستواء قال في الأطوال: حيث الطول مائة وأربعون درجة، والعرض في الجنوب درجة واحدة. قال ابن سعيد:
وهي عدّة جزائر، وصاحبها من أغنى ملوك الهند وأكثرهم ذهبا وفيلة. وجزيرته الكبيرة هي التي فيها مقرّ ملكه، وعدّها المهلبيّ في جزائر الصين، وقال: إنها عامرة آهلة، وإنه إذا أقلع المركب منها طالبا للصين واجهه في البحر جبال ممتدّة، داخلة في البحر مسيرة عشرة أيام، فإذا قرب المسافرون منها وجدوا فيها أبوابا وفرجا «1» في أثناء ذلك الجبل، يفضي كلّ باب منها إلى بلد من بلدان الصين. وعدّ ابن سعيد سريرة من جزائر الرّانج، وقال: إن طولها من الشّمال إلى الجنوب أربعمائة ميل، وعرضها في كلّ طرف من الجنوبيّ والشماليّ نحو مائة وستين ميلا؛ وسريرة مدينة في وسطها، ثم يدخل منها جون إلى البحر وهي على نهر.
ومنها (جزيرة أندرابي) قال في «تقويم البلدان» : بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الدال والراء المهملتين ثم ألف وباء موحدة وفي الآخر ياء مثناة من تحتها.
ومنه (جزيرة الجاوة) . قال في «تقويم البلدان» : وهي جزيرة كبيرة مشهورة بكثرة العقاقير، قال: وطرف هذه الجزيرة الغربيّ حيث الطول مائة وخمس وأربعون درجة والعرض خمس درج. قال: وفي جنوبيّ الجاوة مدينة فنصور، التي ينسب إليها الكافور الفنصوريّ، وهي حيث الطول مائة وخمس
(5/76)

وأربعون درجة، والعرض درجة واحدة ونصف.
ومنها (جزيرة الصّنف) . التي ينسب إليها العود الصّنفيّ. وهي من أشهر الجزائر الموجودة في الكتب، وطولها من الغرب إلى الشرق نحو مائتي ميل، وعرضها أقلّ من ذلك، ومدينتها حيث الطول اثنتان وستون درجة.
ومنها (جزيرة قمار) التي ينسب إليها العود القماريّ وهو دون الصّنفيّ، ومدينتها قمار حيث الطول ستّ وستون درجة، والعرض درجتان، وشرقيّها جزائر الصين.
ومنها (جزيرة الرامي) ، قال ابن خرداذبه: وبها الكركدّن وجواميس لا أذناب لها، وبها البقّم، وفيها ناس عراة في غياض لا يفهم ما يقولون، كلامهم صفير، يستوحشون من الناس، طول كلّ إنسان منهم أربعة أشبار، للرجل منهم ذكر صغير، وللمرأة فرج صغير، وشعر رؤوسهم زغب أحمر، يتسلّقون على الأشجار بأيديهم. وفي البحر هناك ناس بيض، يلحقون المراكب سباحة والمراكب في شدة جريها، يبيعون العنبر بالحديد يحملونه في أفواهم، وجزيرة فيها ناس سود يأكلون الناس أحياء، وجبل طينه فضّة تظهر بالنار.
الجملة الثانية (في حيوانها)
قد ذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ مبارك الأنباتي: أنّ بها الخيل على نوعين: عراب «1» وبراذين «2» وأكثرها ما لا يحمد فعله، قال: ولذلك تجلب الخيل إلى الهند من جميع ما جاوره من بلاد التّرك، وتقاد له العراب من البحرين وبلاد اليمن والعراق، وإن كان في داخل الهند خيل عراب يتغالى في أثمانها
(5/77)

ولكنها قليلة. قال: ومتى طال مكث الخيل بالهند انحلّت. وعندهم البغال والحمير، ولكنها مذمومة الرّكوب عندهم، حتّى لا يستحسن فقيه ولا ذو علم ركوب بغلة.
أما الحمار فإن ركوبه عندهم مذلّة وعار عظيم، وخاصّتهم تحمل أثقالهم على الخيل، وعامتهم تحمل على البقر من فوق الأنف «1» ، وهي عندهم كثيرة، وبها الجمال قليلة لا تكون إلّا للسلطان وأتباعه: من الخانات، والأمراء والوزراء، وأكابر الدولة، وبها من المواشي السائمة «2» ما لا يحصى: من الجواميس والأبقار والأغنام والمعز، وبها من دواجن الطير الدّجاج والحمام والإوزّ وهو أقل أنواعه، وإن الدجاج عندهم في قدر خلق الإوزّ. وبها من الوحوش الفيل، والكركدّن، وقد تقدّم ذكرهما في الكلام على الوحوش فيما يحتاج الكاتب إلى وصفه من الحيوان في المقالة الأولى، وفي غير ذلك من الوحوش التي لا تعدّ.
الجملة الثالثة (في حبوبها، وفواكهها، ورياحينها، وخضراواتها، وغير ذلك)
أما الحبوب فقد ذكر عن الشيخ مبارك الأنباتي أن بها الأرزّ على أحد وعشرين نوعا، وبها من سائر الحبوب الحنطة، والشعير، والحمّص، والعدس، والماش، واللّوبياء، والسّمسم، أما الفول فلا يوجد عندهم. قال في «مسالك الأبصار» : ولعلّ عدمه من حيث إنهم قوم حكماء، والفول عندهم مما يفسد جوهر العقل، ولذلك حرّمت الصابئة «3» أكله.
وأما الفواكه ففيه التّين والعنب، على قلّة، والرّمان الكثير: من الحلو
(5/78)

والمزّ، والحامض إلى غير ذلك من الفواكه: كالموز، والخوخ، والتّوت المسمّى بالفرصاد «1» وبها فواكه أخرى لا يعهد مثلها بمصر والشام كالعنباء «2» ، وغيرها، والسّفرجل على قلة، والكمّثرى، والتّفّاح، وهما أقل من القليل، ولكنهما والسفرجل تجلب إليه. وبها من الفواكه المستحسنة الرّانج، وهو المسمّى عندهم بالنارجيل والعامة تسميه جوز الهند، وبه البطّيخ الأخضر والأصفر، والخيار والقثّاء، والعجّور، وبه من المحضمات الأترج، واللّيمون واللّيم، والنّارنج أما الحمر «3» وهو التمر الهنديّ فكثير بباديتها.
وأما الخضراوات فقصب السكّر ببلادها كثير للغاية، ومنه نوع أسود صلب المعجم، وهو أجوده للامتصاص لا الاعتصار ولا يوجد في غيرها، ويعمل من بقيّة أنواعه السكّر الكثير: من النّبات وغيره، ولكنه لا يجمد بل يكون كالسّميذ الأبيض. وعندهم من الخضراوات اللّفت والجزر، والقرع، والباذنجان، والهليون، والزّنجبيل، والسّلق، والبصل، والفوم وهو الثّوم، والشّمار والصّعتر.
وأما الرياحين فبها الورد، واللّينوفر، والبنفسج، والبان والخلاف، والعبهر «4» والنّرجس، والفاغية وهي التّامر حنّاء.
وأما غير ذلك فعندهم العسل أكثر من الكثير، والشّيرج ومنه وقودهم والزيت يأتيهم مجلوبا. أما الشّمع فلا يوجد إلا في دور السلطان، ولا يسمح فيه لأحد، والحلوى على خمسة وستين نوعا، والفقّاع «5» والأشربة، والأطعمة على ما لا يكاد
(5/79)

يوجد في غير ما هنالك. وبه من أرباب الصنائع صنّاع السّيوف، والقسيّ والرّماح والزّرد، وسائر أنواع السلاح، والصّوّاغ، والزّراكشة، وغيرهم من سائر أرباب الصنائع.
وللسلطان بدلّي دار طراز، فيها أربعة آلاف قزّاز «1» ، تعمل الأقمشة المنوّعة للخلع والكساوى «2» والإطلاقات، مع ما يحمل إليه من قماش الصين والعراق والإسكندرية.
الجملة الرابعة (في المعاملات)
أما نقودهم، فقد ذكر الشيخ مبارك الأنباتي: أن لهم أربع دراهم يتعاملون بها.
أحدها- الهشتكاني، وهو وزن الدّرهم النّقرة بمعاملة مصر، وجوازه جوازه، لا يكاد يتفاوت ما بينهما، والدّرهم الهشتكاني المذكور عنه ثمان جتيلات كل جتيل أربعة أفلس، فيكون عنه اثنين وثلاثين فلسا.
الثاني- الدّرهم السّلطاني. ويسمّى وكاني، وهو ربع درهم من الدراهم المصريّة وكلّ درهم من السلطانية عنه جتيلان، ولهذا الدرهم السلطانيّ نصف يسمّى جتيل واحد.
الثالث- الششتكاني. وهو نصف وربع درهم هشتكاني، ويكون تقديره بالدراهم السلطانية ثلاثة دراهم.
الرابع- الدرهم الدرازدهكاني، وجوازه بنصف وربع درهم هشتكاني
(5/80)

أيضا، فيكون بمقدار الششتكاني، ثم كلّ ثمانية دراهم هشتكانيّة تسمّى تنكه.
أما الذهب عندهم فبالمثقال، وكلّ ثلاثة مثاقيل تسمّى تنكة، ويعبّر عن تنكة الذهب بالتنكة الحمراء، وعن تنكة الفضّة بالتنكة البيضاء، وكل مائة ألف تنكة من الذهب أو الفضة تسمّى لكّا، إلا أنه يعبر عن لكّ الذهب باللّكّ الأحمر، وعن لكّ الفضّة باللّكّ الأبيض.
وأما رطلهم فيسمّى عندهم ستر، وزنته سبعون مثقالا، فتكون زنته بالدراهم المصرية مائة درهم ودرهمين وثلثي درهم، وكل أربعين سترا منّ واحد وجميع مبيعاتهم بالوزن أما الكيل فلا يعرف عندهم.
الجملة الخامسة (في الأسعار)
قد ذكر في «مسالك الأبصار» أسعار الهند في زمانه نقلا عن قاضي القضاة سراج الدين الهنديّ وغيره فقال: إن الجارية الخدّامة لا تتعدّى قيمتها بمدينة دهلي ثمان تنكات «1» ، واللواتي يصلحن للخدمة والفراش خمس عشرة تنكة. وفي غير دهلي أرخص من ذلك حتى قال القاضي سراج الدين: إنه اشترى عبدا مراهقا نقّاعا «2» بأربعة دراهم. ثم قال: ومع هذا الرّخص إن من الجواري الهنديّات من تبلغ قيمتها عشرين ألف تنكة وأكثر لحسنهن ولطفهن.
ونقل عن الشيخ مبارك الأنباتي (وكان فيما قبل الثلاثين والسبعمائة) فقال:
إن أوساط الأسعار حينئذ أن تكون الحنطة كلّ منّ «3» بدرهم ونصف هشتكانيّ، والشعير كلّ منّ بدرهم واحد هشتكانيّ، والأرزّ كل منّ بدرهم ونصف وربع
(5/81)

هشتكاني، إلا أنواعا معروفة من الأرزّ فإنها أغلى من ذلك، والحمّص كلّ منّين بدرهم هشتكانيّ، ولحم البقر والمعز كل أربعة أستار «1» بدرهم سلطاني، والإوزّ كل طائر بدرهمين هشتكانية، والدّجاج كلّ أربعة أطيار بدرهم هشتكانيّ، والسكر كلّ خمسة أستار بدرهم هشتكاني، والرأس الغنم الجيدة السمينة بتنكة (وهي ثمانية دراهم هشتكانية) والبقرة الجيدة بتنكتين (وهما ستة عشر درهما هشتكانية) وربما كانت بأقل، والجاموس كذلك.
أما الحمام والعصفور وأنواع الطير فبأقلّ ثمن، وأنواع الصيد من الوحش والطير كثيرة، وأكثر مأكلهم لحم البقر والمعز مع كثرة الضأن عندهم إلا إنهم اعتادوا أكل ذلك.
وقد حكى في «مسالك الأبصار» عن الخجنديّ أنه قال: أكلت أنا وثلاثة نفر رفاق في بعض بلاد دلّى لحما وخبزا بقريّا وخبزا وسمنا حتى شبعنا بجيتل: وهو أربعة أفلس كما تقدّم.
الجملة السادسة (في الطريق الموصلة إلى مملكتي السّند والهند)
اعلم أن لهذه المملكة عدّة طرق:
الطريق الأوّل: طريق البحر، قد تقدّم في الكلام على الطريق الموصلة إلى اليمن ذكر الطريق من سواحل مصر: من السويس، والطّور، والقصير، وعيذاب إلى عدن من اليمن في هذا البحر، ومن عدن إلى أن يركب في بحر الهند المتصل ببحر القلزم، إلى سواحل السند والهند، ويخرج إلى أيّ البلاد أراد من الفرض الموصلة إليها.
(5/82)

الطريق الثاني- طريق بحر فارس، قد تقدّم في الكلام على مملكة إيران ذكر الطريق الموصّلة من حلب إلى بغداد، ثم من بغداد إلى البصرة. قال ابن خرداذبه: ثم من البصرة إلى عبّادان اثنا عشر فرسخا، ثم إلى الخشبات فرسخان، ومنها يركب في بحر فارس:
فمن أراد طريق البرّ إلى السّند والهند، جاز هذا البحر إلى هرمز: مدينة كرمان، ومنها يتوصل إلى السند ثم الهند ثم الصين.
ومن أراد الطريق في البحر، فقد ذكر ابن خرداذبه: أن من أبلّة البصرة في نهر الأبلّة إلى جزيرة خارك في نخيل فارس سبعين فرسخا، ومنها إلى جزيرة لابن ثمانين فرسخا، ثم إلى جزيرة أبرون سبعة فراسخ، ثم إلى جزيرة خين سبعة فراسخ، ثم إلى جزيرة كيش سبعة فراسخ، ثم إلى جزيرة أبر كاوان ثمانية عشر فرسخا، ثم إلى جزيرة أرموز سبعة فراسخ، ثم إلى بار سبعة أيام، وهي الحدّ بين فارس والسند، ثم إلى الدّيبل ثمانية أيام، ثم إلى مصبّ مهران في البحر فرسخان، ثم من مهران إلى بكين أوّل أرض الهند أربعة أيام، ثم إلى المند فرسخان، ثم إلى كول فرسخان، ثم إلى سندان ثمانية عشر فرسخا، ثم إلى ملي خمسة أيام، ثم إلى بلّين يومان.
ثم يفترق الطريق في البحر:
فمن أخذ على الساحل- فمن بلّين إلى باس يومان، ثم إلى السّنجلي وكبشكان يومان، ثم إلى كودا مصب نهر فريد ثلاثة فراسخ، ثم إلى كيلكان يومان، ثم منها إلى سمندر، ومن سمندر إلى أورسير اثنا عشر فرسخا، ثم إلى أبينه أربعة أيام، ثم إلى سرنديب يومان.
ومن أراد جهة الصين عدل من بلّين وجعل سرنديب عن يساره. فمن جزيرة سرنديب إلى جزيرة لنكبالوس عشرة أيام إلى خمسة عشر يوما، ثم إلى جزيرة كله ستة أيام. وعن يسارها جزيرة بالوس على يومين، ثم على خمسة عشر يوما بلاد تنبت العطر.
(5/83)

الجملة السابعة (في ذكر ملوك الهند)
[أما قبل الإسلام فملكها] «1» جماعة منهم ملوك الكفر، أسماؤهم أعجمية لا حاجة إلى ذكرهم، فأضربنا عنهم.
وأمّا في الإسلام فأوّل من أخذ في فتح ما فتح من الهند بنو سبكتكين: ملوك غزنة، المتقدّم ذكرهم في مملكة خوارزم والقبجاق وما مع ذلك.
ففتح يمين الدولة (محمود بن سبكتكين) «2» منه مدينة بهاطية. وهي مدينة حصينة عالية السور وراء الملتان، في سنة «3» ستّ وتسعين وثلاثمائة وسار إلى بيدا ملك الهند، فهرب منه إلى مدينته المعروفة بكاليجار، فحاصره فيها حتى صالحه على مال، فأخذ المال وألبسه خلعته، واستعفى من شدّ وسطه بالمنطقة فلم يعفه من ذلك، فشدّها على كره.
ثم فتح (إبراهيم بن مسعود) منهم حصونا منه في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة.
ثم كانت دولة الغوريّة بغزنة أيضا. ففتح شهاب الدّين أبو المظفّر (محمد ابن سام) بن الحسين الغوري منه مدينة لهاور في سنة سبع وأربعين وخمسمائة»
، وأتبعها بفتح الكثير من بلادهم، وبلغ من النّكاية في ملوكهم ما لم يبلغه أحد من
(5/84)

ملوك الإسلام قبله، وتمكن من بلاد الهند، وأقطع مملوكه قطب الدين أيبك مدينة دهلي التي هي قاعدة الهند، وبعث أيبك المذكور عساكره، فملكت من الهند أماكن مادخلها مسلم قبله حتّى قاربت جهة الصين.
ثم فتح (شهاب الدين محمد) المذكور أيضا بعد ذلك نهرواله في سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وتوالت ملوك المسلمين وفتوحاتهم في الهند إلى أن كان (محمد بن طغلقشاه) في زمن الملك الناصر محمد بن قلاوون «1» صاحب الديار المصرية، فقوي سلطانه بالهند، وكثرت عساكره، وأخذ في الفتوح حتّى فتح معظم الهند.
قال «في مسالك الأبصار» قال الشيخ مبارك الأنباتي: وأوّل ما فتح منه مملكة تلنك؛ وهي واسعة البلاد، كثيرة القرى، عدّة قراها تسعمائة ألف قرية وتسعمائة قرية. ثم فتح بلاد جاجنكز، وبها سبعون مدينة جليلة كلّها على البحر، دخلها من الجوهر والقماش المنوّع، والطّيب، والأفاويه؛ ثم فتح بلاد لكنوتي، وهي كرسيّ تسعة ملوك. ثم فتح بلاد دواكير، ويقال لها دكير، ولها أربع وثمانون قلعة جليلات المقدار. ونقل عن الشيخ برهان الدين أبي بكر بن الخلال البزي: أن بها ألف ألف قرية ومائتي ألف قرية. ثم فتح بلاد دور سمند، وكان بها السلطان بلال الدبو وخمسة ملوك كفّار. ثم فتح بلاد المعبر: وهو إقليم جليل له تسعون مدينة بنادر على البحر، يجبى من دخلها الطّيب، واللّانس، والقماش المنوّع، ولطائف الآفاق.
وذكر أنه حصل له من الأموال بسبب الفتوح التي فتحها ما لا يكاد السامع يصدّقه. فحكى عن الشيخ برهان الدين أبي بكر بن الخلّال المقدّم ذكره: أنه حاصر ملكا على حدّ بلاد الدواكير، فسأله أن يكفّ عنه على أن يرسل إليه من
(5/85)

الدّوابّ ما يختار ليحمّله له مالا، فسأله عن قدر ما عنده من المال فأجابه فقال: إنه كان قبلي سبعة ملوك، جمع كلّ واحد منهم سبعين ألف صهريج متسعة من المال، فأجابه إلى ذلك، وختم على تلك الصهاريج باسمه وتركها بحالها، وأقرّ الملك باسم ذلك الملك، وأمر بإقامته عنده، وجعل له نائبا بتلك المملكة.
وحكى عن عليّ بن منصور العقيلي من عرب البحرين أنه تواتر عندهم من الأخبار أن هذا السلطان فتح مدينة بها بحيرة ماء، وفي وسطها بيت برّ معظّم عندهم يقصدونه بالنذر، وكلما أتي له بنذر رمي في تلك البحيرة، فصرف الماء عنها وأخذ ما كان بها من الذهب، فكان وسق مائتي فيل وآلاف من البقر، إلى غير ذلك ممّا يكاد العقل أن ينكره ولذلك حصل عنده من الأموال ما لا يأخذه الحصر، واتسعت أموال عساكره حتى جاوزت الوصف، حتى حكى الشيخ تاج الدين بن أبي المجاهد السّمرقنديّ: أنه غضب على بعض خاناته لشربه الخمر فأمسكه وأخذ ماله، فكان جملة ما وجد له من الذهب ألف مثقال وسبعة وثلاثين ألف مثقال، ومقدار ذلك ثلاثة وأربعون قنطار وسبعون قنطارا، وهو مع ذلك يعطي العطاء الجزيل ويصل بالأموال الجمّة.
فقد حكى ابن الحكيم الطياري: أن شخصا قدم له كتبا، فحثى «1» له حثية من جوهر كان بين يديه، قيمتها عشرون ألف مثقال من الذهب.
وحكى الشريف السّمرقنديّ: أن شخصا قدّم له اثنتين وعشرين حبّة من البطّيخ الأصفر، حملها إليه من بخارى، فأمر له بثلاثة آلاف مثقال من الذهب.
وحكى الشيخ أبو بكر بن أبي الحسن الملتانيّ أنه استفاض عنه أنه التزم أنه لا ينطق في إطلاقاته بأقلّ من ثلاثة آلاف مثقال، إلى غير ذلك من العطاء الذي يخرق العقول.
وحكى عن قاضي القضاة سراج الدين الهندي: أنه مع كثرة البذل وسعة
(5/86)

العطاء في هباته وما ينفقه في جيوشه وعساكره لا ينفق نصف دخل بلاده.
قلت: ثم بعد محمد شاه ولي هذه المملكة من أقاربه سلطان اسمه (فيروز شاه) وبقي في الملك نحو أربعين سنة. ثم تنقلت المملكة في بيتهم إلى أن كان من تمرلنك «1» ما كان من فتح دلّي ونهبها.
ثم آل الأمر بعده إلى سلطان من بيت الملك، اسمه (محمود خان) وهو القائم بها إلى الآن. وقد صارت الدواكير منها لسلطان بمفرده، واسمه اليوم السلطان (غياث الدين) .
الجملة الثامنة (في ذكر عساكر هذه المملكة، وأرباب وظائفها على ما ذكره في «مسالك الأبصار» عن دولة السلطان محمد بن طغلقشاه المقدّم ذكره، نقلا عن الشيخ مبارك الأنباتيّ وغيره)
أما عساكره، فقد ذكر أنها تشتمل على تسعمائة ألف فارس: منهم من هو بحضرته، ومنهم من هو في سائر البلاد، يجرى عليهم كلّهم ديوانه، وأن عسكره مجتمع من التّرك والخطا والفرس والهنود وغيرهم من الأجناس. وكلّهم بالخيل المسوّمة، والسلاح الفائق، والتجمّل الظاهر؛ وأن أعلى عسكره الخانات، ثم الملوك، ثم الأمراء، ثم الاصفهسلارية، ثم الجند.
وذكر أن في خدمته ثمانين خانا أو أكثر، وأن لكلّ واحد منهم من الأتباع ما يناسبه: للخان عشرة آلاف فارس، وللملك ألف فارس، وللأمير مائة فارس، وللاصفهسلارية دون ذلك. وأن الاصفهسلارية لا يؤهّل أحد منهم للقرب من
(5/87)

السلطان، وإنما يكون منهم الولاة ومن يجرى مجراهم، وأن له عشرة آلاف مملوك أتراك، وعشرة آلاف خادم خصيّ، وألف خزندار «1» ، وألف بشمقدار «2» ، وله مائتا ألف عبد ركابيّة، تلبس السلاح وتمشي في ركابه، وتقاتل رجّالة بين يديه، وأن جميع الجند تختصّ بالسلطان، ويجرى عليهم ديوانه حتّى من في خدمة الخانات والملوك والأمراء، لا يجرى عليهم إقطاع من جهة من هم في خدمته كما في مصر والشام.
وأما أرباب الوظائف من أرباب السيوف، فله نائب كبير، يسمّى بلغتهم امريت وأربعة نوّاب دونه، يسمّى كل واحد منهم شق، وله الحجّاب ومن يجرى مجراهم من سائر أرباب الوظائف. وأمّا من أرباب الأقلام، فله وزير عظيم، وله أربعة كتّاب سرّ، يسمّى كل واحد منهم بلغتهم دبيران، ولكلّ منهم تقدير ثلاثمائة كاتب.
وأما القضاة فله قاضي قضاة عظيم الشأن، وله محتسب وشيخ شيوخ، وله ألف طبيب ومائتا طبيب.
وأما غير هؤلاء فله ألف بازدار «3» ، تحمل الطيور الجوارح للصيد راكبة الخيل، وثلاثة آلاف سوّاق لتحصيل الصيد، وخمسمائة نديم، وألفان ومائتان من الملاهي غير مماليكه الملاهي، وهي ألف مملوك برسم تعليم الغناء خاصة، وألف شاعر بالعربيّة، والفارسيّة، والهندية، من ذوى الذّوق اللطيف. يجري على جميع أولئك ديوانه مع طهارة الذّيل والعفّة في الظاهر والباطن.
(5/88)

الجملة التاسعة (في زيّ أهل هذه المملكة)
أمّا أرباب السّيوف فنقل عن الشيخ مبارك الأنباتي: أن لبس السلطان والخانات والملوك، وسائر أرباب السيوف نتريّات، وتكلاوات، وأقبية إسلامية، مخصّرة الأوساط خوارزميّة، وعمائم صغار لا تتعدى العمامة منها خمسة أذرع أو ستة، وأن لبسهم من البياض والجوخ.
وحكي عن الشريف ناصر الدين محمد الحسيني الأدمي أن غالب لبسهم نتريّة مزركشة بالذهب، ومنهم من يلبس مطرّز الكمين بزركش، ومنهم من يعمل الطّراز بين كتفيه مثل المغل، وأقباعهم مربّعة الانبساط، مرصّعة بالجواهر، وغالب ترصيعهم بالياقوت والماس، ويضفرون شعورهم ذوائب كما كان يفعل بمصر والشام في أوّل الدولة التركية، إلا أنهم يجعلون في الذوائب شراريب من حرير، ويشدّون في أوساطهم المناطق من الذهب والفضّة، ويلبسون الأخفاف والمهاميز، ولا يشدّون السيوف في أوساطهم إلا في السّفر خاصّة.
وأما الوزراء والكتّاب، فزيّهم مثل زيّ الجند، إلا أنهم لا يشدّون المناطق: وربما أرخى بعضهم العذبة الصغيرة من قدّامه كما تفعل الصّوفيّة.
وأما القضاة والعلماء، فلبسهم فرجيّات شبيهات بالحندات ودراريع.
وحكي عن قاضي القضاة سراج الدين الهندي أنه لا يلبس عندهم ثياب الكتّان المجلوبة من الرّوس والإسكندرية إلا من ألبسه له السلطان، وإنما لباسهم من القطن الرفيع الذي يفوق البغدادي حسنا، وأنه لا يركب بالسّروج الملبّسة والمحلّاة بالذهب إلا من أنعم عليه بها السلطان.
الجملة العاشرة (في أرزاق أهل دولة السلطان بهذه المملكة)
أما الجند، فنقل عن الشيخ مبارك الأنباتيّ أنه يكون للخانات والملوك
(5/89)

والأمراء والاصفهسلاريّة بلاد مقرّرة عليهم من الديوان إقطاعا لهم.
وذكر أن إقطاع النائب الكبير المسمّى بأمريت يكون إقليما عظيما كالعراق.
ولكلّ خان لكّان، كلّ لكّ مائة ألف تنكة، كل تنكة ثمانية دراهم؛ ولكلّ ملك من ستين ألف تنكة إلى خمسين ألف تنكة؛ ولكلّ أمير من أربعين ألف تنكة إلى ثلاثين ألف تنكة، وللاصفهسلارية من عشرين ألف تنكة إلى ما حولها، ولكل جندي من عشرة آلاف تنكة إلى ألف تنكة، ولكلّ مملوك من المماليك السلطانية من خمسة آلاف تنكة إلى ألف تنكة، مع الطعام والكسوة وعليق الخيل لجميعهم على السلطان. ولكلّ عبد من العبيد السلطانية في كل شهر عشر تنكات بيضاء، ومنّان من الحنطة والأرزّ، وفي كل يوم ثلاثة أستار من اللحم، وفي كلّ سنة أربع كساو.
وأما أرباب الأقلام، فإن الوزير يكون له اقليم عظيم نحو العراق إقطاعا له، ولكلّ واحد من كتّاب السّرّ الأربعة مدينة من المدن البنادر العظيمة الدّخل، ولأكابر كتّابهم قرى وضياع. ومنهم من يكون له خمسون قرية. ولكلّ من الكتّاب الصّغار عشرة آلاف تنكة. ولقاضي القضاة المعبّر عنه بصدر جهان عشر قرى، يكون متحصّلها نحو ستين ألف تنكة، ولشيخ الشيوخ مثله، وللمحتسب قرية يكون متحصّلها نحو ثمانية آلاف تنكة.
وأما غير هؤلاء من سائر أرباب الوظائف، فذكر أنه يكون لبعض النّدماء قريتان ولبعضهم قرية، ولكل واحد منهم من أربعين تنكة إلى ثلاثين ألف تنكة إلى عشرين ألف تنكة على مقادير مراتبهم، مع الكساوى «1» والخلع والافتقادات، وليقس على ذلك.
(5/90)

الجملة الحادية عشرة (في ترتيب أحوال هذه المملكة)
وتختلف الحال في ذلك باختلاف أحوال السلطان.
أما الخدمة، فخدمتان: إحداهما الخدمة اليوميّة، فإنه في كلّ يوم يمدّ الخوان «1» في قصر السلطان: ويأكل منه عشرون ألف نفر من الخانات، والملوك، والأمراء، والاصفهسلارية، وأعيان الجند، ويمدّ للسلطان خوان خاصّ، ويحضره معه من الفقهاء مائتا فقيه في الغداء والعشاء ليأكلوا معه ويبحثوا بين يديه.
وحكي عن الشيخ أبي بكر بن الخلّال: أنه سأل طبّاخ هذا السلطان عن ذبيحته في كلّ يوم- فقال: ألفان وخمسمائة رأس من البقر، وألفا رأس من الغنم، غير الخيل المسمّنة وأنواع الطير.
والثانية- الجمعيّة، فحكي عن الشيخ محمد الخجنديّ أن لهذا السلطان يوم الثّلاثاء جلوسا عامّا في ساحة عظيمة متسعة إلى غاية، يضرب له فيها حير «2» كبير سلطانيّ، يجلس في صدره على تخت عال مصفّح بالذهب، وتقف أرباب الدّولة حوله يمينا وشمالا، وخلفه السّلاح داريّة «3» وأرباب الوظائف قيام بين يديه على منازلهم، ولا يجلس إلا الخانات وصدر جهان «وهو قاضي القضاة» والدبيران «وهو كاتب السرّ الذي تكون له النّوبة» ويقف الحجّاب أمامه، وينادى مناداة عامّة: إن من كان له شكوى أو حاجة فليحضر، فيحضر من له شكوى أو حاجة، فيقف بين يديه فلا يمنع حتّى ينهي حاله، ويأمر السلطان فيه أمره.
ومن عادته أن لا يدخل عليه أحد ومعه سلاح البتّة حتّى ولا سكّين صغيرة
(5/91)

ويكون جلوسه داخل سبعة أبواب، ينزل الداخلون عليه على الباب الأوّل، وربما أذن لبعضهم بالركوب إلى الباب السادس. وعلى الباب الأوّل منها رجل معه بوق، فإذا جاء أحد من الخانات أو الملوك أو أكابر الأمراء، نفخ في البوق إعلاما للسلطان أنه قد جاءه رجل كبير: ليكون دائما على يقظة من أمره. ولا يزال ينفخ في البوق حتّى يقارب الداخل الباب السابع، فيجلس كلّ من دخل عند ذلك الباب حتّى يجتمع الكلّ، فإذا تكاملوا أذن لهم في الدخول، فإذا دخلوا جلس من له أهليّة الجلوس ووقف الباقون، وجلس القضاة والوزير وكاتب السرّ في مكان لا يقع فيه نظر السلطان عليهم، ومدّ الخوان. ثم يقدّم الحجّاب قصص أرباب المظالم وغيرهم، ولكلّ قوم حاجب يأخذ قصصهم، ثم يرفعون جميع القصص إلى حاجب مقدّم على الكل، فيعرضها على السلطان ويسمع ما يأمر فيها. فإذا قام السلطان جلس ذلك الحاجب إلى كاتب السرّ فأدّى إليه الرسائل في ذلك فينفّذها.
ثم يقوم السلطان من مجلسه ذلك ويدخل إلى مجلس خاصّ، ويدخل عليه العلماء فيجالسهم ويحادثهم ويأكل معهم، ثم ينصرفون، ويدخل السلطان إلى دوره.
أما حاله في الركوب، فإنه كان في قصوره يركب وعلى رأسه الچتر والسلاح داريّة وراءه محمولا بأيديهم السلاح. وحوله قريب اثني عشر ألف مملوك، جميعهم ليس فيهم راكب إلا حامل الچتر والسّلاح داريّة والجمداريّة «1» حملة القماش إن كان في غير قصوره. وعلى رأسه أعلام سود في أوساطها تنّين عظيم من الذهب، ولا يحمل أحد أعلاما سودا إلا له خاصّة. وفي ميسرته أعلام حمر، فيها تنّينان ذهب أيضا. وطبوله الذي يدق بها في الإقامة والسّفر على مثل الإسكندر.
وهو مائتا حمل نقّارات، وأربعون حملا من الكوسات الكبار، وعشرون بوقا، وعشرة صنوج «2»
(5/92)

قال الشيخ مبارك الأنباتيّ: ويحمل على رأسه الچتر إن كان في غير الحرب، فإن كان في الحرب حمل على رأسه سبعة جتورة، منها اثنان مرصّعان لا يقوّمان لنفاستهما. قال: ولدسته من الفخامة والعظمة والقوانين الشاهنشاهيّة ما لا يكون مثله إلا للإسكندر ذي القرنين أو لملك شاه بن ألب أرسلان.
ثم إن كان في الصيد فإنه يخرج في خفّ من اللباس في نحو مائة ألف فارس، ومائتي فيل، ويحمل معه أربعة قصور على ثمانمائة جمل، كلّ قصر على مائتي جمل ملبّسة جميعها بستور الحرير المذهبة، وكل قصر طبقتان غير الخيم والخركاوات. فإن كان يتنقّل من مكان إلى مكان للتنزّه وما في معناه، فيكون معه نحو ثلاثين ألف فارس، وألف جنيب «1» مسرجة ملجمة، ما بين ملبّس بالذهب ومطوّق وفيها المرصّع بالجواهر واليواقيت.
وإن كان في الحرب، فإنه يركب وعلى رأسه سبعة جتورة، وترتيبه في الحرب على ما ذكره قاضي القضاة سراج الدين الهنديّ: أن يقف السلطان في القلب وحوله الأئمة والعلماء، والرّماة قدّامه وخلفه، وتمتدّ الميمنة والميسرة موصولة بالجناحين، وأمامه الفيلة الملبّسة البركصطوانات الحديد وعليها الأبراج المستّرة فيها المقاتلة، وفي تلك الأبراج منافذ لرمي النّشّاب وقوارير النّفط، وأمام الفيلة العبيد المشاة في خفّ من اللّباس بالسّتور والسلاح، فيسحبون حبال الفيلة والخيل في الميمنة والميسرة، تضم أطراف [الجيش] «2» من حول الفيلة ومن ورائها حتّى لا يجد هارب له مفرّا.
أما غير السلطان من عساكره، فقد جرت عادتهم أنّ الخانات والملوك والأمراء لا يركب أحد منهم في السّفر والحضر إلا بالأعلام، وأكثر ما يحمل الخان معه سبعة أعلام، وأقلّ ما يحمل الأمير ثلاثة، وأكثر ما يجرّ الخان في الحضر عشر
(5/93)

جنائب، وأكثر ما يجرّ الأمير في الحضر جنيبان، وفي السفر يتعاطى كلّ أحد منهم قدر طاقته.
وأما اتصال الأخبار بالسلطان، فذكر قاضي القضاة سراج الدين الهنديّ: أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال: فأحوال الرعيّة له ناس يخالطون الرعيّة، ويطّلعون على أخبارهم، فمن اطّلع منهم على شيء أنهاه إلى من فوقه، وينهيه الآخر إلى من فوقه حتى يتّصل بالسلطان. وأحوال البلاد النائية لاتصال الأخبار منها من السرعة ما ليس في غيرها من الممالك، وذلك أن بين أمّهات الأقاليم وبين قصر السلطان أماكن متقاربة، مشبّهة بمراكز البريد بمصر والشأم إلا أن هذه الأماكن قريبة المدى بعضها من بعض، بين كل مكانين نحو أربع غلوات سهم أو دونها، في كلّ مكان عشرة سعاة ممن له خفّة وقوّة، ويحمل الكتب بينه وبين من يليه، ويعدو بأشدّ ما يمكنه إلى أن يوصّله إلى الآخر ليعدو به كذلك إلى مقصده، فيصل الكتاب من المكان البعيد في أقرب وقت. وفي كلّ مكان من هذه الأمكنة مسجد وسوق وبركة ماء. وبين دلّي وقبّة الإسلام اللتين هما قاعدتا المملكة طبول مرتّبة في أمكنة خاصّة، فحيثما كان في مدينة وفتح باب الأخرى أو أغلق يدقّ الطبل، فإذا سمعه ما يجاوره دقّ، فيعلم خبر فتح المدينة وفتح باب الأخرى وغلقه.
(5/94)

الفصل الثاني من الباب الرابع من المقالة الثانية (في الممالك والبلدان الغربيّة عن مملكة الديار المصرية، وما سامت ذلك ووالاه من الجهة الشّمالية. وفيه أربع ممالك)
المملكة الأولى (مملكة تونس وما أضيف إليها. وفيه اثنتان وعشرون جملة)
الجملة الأولى (في بيان موقعها من الأقاليم السبعة [وحدودها] )
[أما موقعها من الأقاليم السبعة] فإن أكثرها واقع في الأقليم الثالث، وبعضها واقع في أواخر الثاني.
وأما حدودها فعلى ما أشار إليه في «التعريف» : حدّها من الشرق العقبة الفاصلة بينها وبين الدّيار المصرية، ومن الشّمال البحر الرّوميّ، ومن الغرب جزائر بني مزغنّان الآتي ذكرها، ومن الجنوب آخر بلاد الجريد والأرض السّوّاخة إلى ما يقال إن فيه المدينة المسماة بمدينة النّحاس.
قال في «مسالك الأبصار» : وحدّها من الجنوب الصّحراء الفاصلة بينها وبين بلاد جباوة المسكونة بأمم من السّودان. وحدّها من الشرق آخر حدود أطرابلس، وهي داخلة في التحديد. وحدّها من الشمال البحر الشاميّ: وهو الرومي. وحدّها من الغرب آخر حدود بدليس المجاورة لجزائر بني مزغنّان، آخر عمالة صاحب برّ العدوة.
وقد نقل في «تقويم البلدان» في الكلام على بونة عن ابن سعيد أنّ آخر سلطنة بجاية من الشرق مدينة بونة الآتي ذكرها، وأنها أوّل سلطنة أفريقيّة من
(5/95)

الغرب. قال في «مسالك الأبصار» : وطولها خمس وثلاثون يوما، وعرضها عشرون يوما.
الجملة الثانية (في بيان ما اشتملت عليه هذه المملكة من الأعمال وما انطوى عليه كلّ عمل)
وهذه المملكة تشتمل على عملين:
العمل الأوّل- أفريقيّة
. قال في «تقويم البلدان» : بفتح الهمزة وسكون الفاء وكسر الراء المهملة وسكون الياء المثناة تحت وكسر القاف ومثناة تحت بعدها هاء في الآخر. وقد اختلف في سبب تسميتها أفريقيّة. فقيل إن أفريقس «1» أحد تبابعة اليمن افتتحها واستولى عليها فسمّيت بذلك. وقيل إنما سمّيت بفارق بن [بيصر بن حام بن نوح عليه السّلام] «2» وكانت قاعدتها القديمة (سبيطلة) بضم السين المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون المثناة من تحتها وفتح الطاء «3» المهملة واللام وفي آخرها هاء.
وهي مدينة أزليّة في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة، حيث الطول ثلاثون درجة، والعرض ثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. وبها آثار عظيمة تدلّ على عظم أمرها.
قال الإدريسيّ: وكانت قبل الإسلام مدينة أفريسيس «4» ملك الروم
(5/96)

الأفارقة، فتحها المسلمون في صدر الإسلام وقتلوا ملكها المذكور.
ثم صارت قاعدتها في أوّل الإسلام (القيروان) . بفتح القاف وسكون المثناة تحت وفتح الراء المهملة وواو وألف وفي آخرها نون. وهي مدينة في الإقليم الثالث أيضا حيث الطول ثمان وعشرون درجة وإحدى وثلاثون دقيقة، بنيت في صدر الإسلام بعد فتح أفريقيّة في جنوبيّ جبل شماليّها؛ وهي في صحراء، وشرب أهلها من ماء الآبار وقال في «العزيزي» : من ماء المطر، وليس لها ماء جار، ولها واد في قبلة المدينة به ماء مالح يستعمله الناس فيما يحتاجونه.
قال في «العزيزي» : وهي أجلّ مدن الغرب (يعني في القديم) . وكان عليها سور عظيم هدمه زيادة الله بن الأغلب «1» . قال الإدريسي: وبينها وبين سبيطلة سبعون ميلا.
ثم صارت قاعدتها بعد ذلك (المهديّة) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدال المهملة نسبة إلى المهديّ. وهي مدينة بناها عبيد الله المهديّ جدّ الخلفاء الفاطميين بمصر في سنة ثلاث وثلاثمائة؛ وموقعها في الإقليم الثالث أيضا من الأقاليم السبعة حيث الطول ثلاثون درجة وأربعون دقيقة، والعرض اثنتان وثلاثون درجة فيما ذكره ابن سعيد. وهي على طرف داخل في البحر كهيئة كفّ متصل بزند، والبحر محيط بها غير مدخلها، وهو مكان ضيق كما في سبتة. ولها سور حصين شاهق في الهواء، مبنيّ بالحجر الأبيض بأبراج عظام. وبها القصور الحسنة المطلّة على البحر.
ثم صارت قاعدتها بعد ذلك (تونس) بضم المثناة من فوق وسكون الواو وضم النون وفي آخرها سين مهملة، وهي قاعدة هذه المملكة الآن، ومستقرّ
(5/97)

سلطانها. وهي مدينة قديمة البناء، واقعة في الإقليم الثالث قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتان وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة وإحدى وثلاثون دقيقة. وهي على بحيرة مالحة خارجة من البحر الرّوميّ، طولها عشرة أميال وتونس على آخرها.
قال البكري: ودور هذه البحيرة نحو أربعة وعشرين ميلا. قال في «العزيزي» : وهي مدينة جليلة، لها مياه ضعيفة جارية يزرع عليها، وفيها الخصب وكثرة الغلّات. وهي في وطاءة من الأرض في سفح جبل يعرف بأمّ عمرو، يستدير بها خندق وسور حصين، ولها ثلاثة أرباض كبيرة من جهاتها، وأرضها سبخة «1» ، وجميع بنائها بالحجر والآجرّ، وأبنيتها مسقّفة بالأخشاب، ودور أكابرها مفروشة بالرّخام، وذمّ في «الروض المعطار» بيوتها فقال هي كما يقال:
ظاهرها رخام، وباطنها سخام «2» وشرب أهلها من الآبار، وبيوتها صهاريج يجمع فيها ماء المطر لغسل القماش ونحوه، وبها الحمّامات والأسواق الجليلة، وبها ثلاث مدارس: وهي الشماعية والفرضية، ومدرسة الهواء، وبها البساتين البعيدة والقربية منها، والبساتين محيطة ببحيرتها المقدّم ذكرها من جنوبيها.
قال في «مسالك الأبصار» : ومذ خلا الأندلس من أهله، وأووا إلى جناح ملوكها، مصّروا إقليمها، ونوّعوا بها الغراس، فكثرت مستنزهاتها، وامتدّ بسيط بساتينها. قال: وبها يعمل القماش الأفريقيّ: وهو ثياب رفاع من القطن والكتّان معا ومن الكتّان وحده، وهو أمتع من النّصافيّ البغداديّ وأحسن، ومنه جلّ كساوى «3» أهل المغرب. وللسلطان بها قلعة جليلة يسكنها، يعبّرون عنها بالقصبة كما هو مصطلح المغاربة في تسمية القلعة بالقصبة، وللسلطان بها
(5/98)

بستانان: أحدهما ملاصق أرباض البلد يسمّى برأس الطابية، والثاني بعيد من البساتين يسمّى بأبي فهر، بينه وبين البلد نحو ثلاثة أميال، والماء منساق إليهما من ساقية بجبل يعرف بجبل زغوان بفتح الزاي وسكون الغين المعجمتين ونون في الآخر، على مسيرة يومين من تونس.
وأما ما اشتملت عليه من المدن سوى القواعد المتقدّمة الذكر.
فمن مشارق تونس (سوسة) بضم السين المهملة وسكون الواو وفتح السين الثانية ثم هاء. وهي مدينة على ساحل البحر، واقعة في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة، حيث الطول أربع وثلاثون درجة وعشر دقائق، والعرض اثنتان وثلاثون درجة وأربعون دقيقة. وهي في جنوبيّ تونس وشرقيّها في طرف داخل في البحر. قال في «العزيزي» : وهي مدينة أزليّة بها سوق وفنادق وحمّامات. قال الإدريسيّ: وهي عامرة بالناس، كثيرة المتاجر، والمسافرون إليها قاصدون وعنها صادرون، وعليها سور من حجر حصين.
وذكر في «مسالك الأبصار» : أن عليها سورا من لبن، وأنها قليلة العمارة لاستيلاء العرب عليها.
ومنها (صفاقس) بفتح الصاد المهملة ثم فاء وألف وقاف مضمومة وفي آخرها سين مهملة. وهي مدينة على ساحل البحر شرقيّ المهديّة، واقعة في الإقليم الثالث قال ابن سعيد حيث الطول خمس وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض إحدى وثلاثون درجة وخمسون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينة صغيرة في مستو من الأرض، وجنوبيّها جبل يسمّى جبل السبّع بفتح السين المهملة والباء الموحّدة وعين مهملة في الآخر. يستدير عليها سور، وشرب أهلها من الآبار، ولها بساتين قليلة، ومن بحرها يستخرج الصّوف المعروف عند العامّة بصوف السّمك المتّخذ منه الثياب النّفيسة. قال ابن سعيد: أنا رأيته كيف يخرج، يغوص الغوّاصون في البحر فيخرجون كمائم شبيهة بالبصل بأعناق، في أعلاها زويرة، فتنشر في الشمس فتنفتح تلك الكمائم عن وبر، فيمشط ويؤخذ صوفه فيغزل، ويعمل منه طعمة لقيام من الحرير، وتنسج منه الثياب.
(5/99)

ومنها (قابس) بفتح القاف وألف ثم باء موحدة وفي آخرها سين مهملة.
وهي مدينة في الإقليم الثالث، حيث الطول اثنتان وثلاثون درجة وأربعون دقيقة، والعرض اثنتان وثلاثون درجة، على ثلاثة أميال من البحر. قال في «العزيزى» :
وعليها سور وخندق. قال في «تقويم البلدان» : وهي في أفريقيّة كدمشق في الشام، ينزل إليها نهران من الجبل في جنوبيّها، يخترقان غوطتها، قال: وقد خصّت من بلاد أفريقيّة بالموز وحبّ العزيز والخيار.
ومنها (أطرابلس) بفتح الهمزة وسكون الطاء وفتح الراء المهملتين وألف وباء موحدة بعدها لام مضمومتان وسين مهملة في الآخر. وهي مدينة شرقيّ تونس على البحر، واقعة في الإقليم الثالث قال ابن سعيد حيث الطول ثمان وثلاثون درجة، والعرض اثنتان وثلاثون درجة وعشرون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي آخر المدن التي شرقيّ القيروان، وإذا فارقها المسافر مشرّقا لا يجد مدينة فيها حمّام حتّى يصل الإسكندرية. وبناؤها بالصّخر، وهي واسعة الكورة «1» ، وبها الخصب الكثير، وليس بها ماء جار، بل بها جباب «2» عليها سواق. قال في «العزيزي» : وبها مرسّى للمراكب.
ومنها (قصر أحمد) وضبطه معروف، وموقعه في أوّل الإقليم الرابع، حيث الطول إحدى وأربعون درجة واثنتان وعشرون دقيقة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة وسبع وثلاثون دقيقة. قال ابن سعيد: وهو حدّ أفريقيّة من الشرق وحدّ برقة من الغرب. وهو قرية صغيرة، وحوله قصور نحو اثني عشر ميلا، وهي بلاد زيتون ونخيل، وأهلها يجلبون الخيل للإسكندريّة، ومنها يركب المسافر البرّيّة إلى الشرق.
ومن مغارب تونس على مسيرة يومين (باجة) قال في «المشترك» بفتح
(5/100)

الباء الموحدة وألف وتخفيف الجيم ثم هاء. وهي مدينة بالإقليم الثالث قال في «الأطوال» حيث الطول تسع وعشرون درجة وخمس وأربعون دقيقة، والعرض إحدى وثلاثون درجة. وهي مدينة كبيرة، ولها بساتين قليلة وعيون ماء، وعليها سور حصين. مبنيّة في مستو من الأرض، على نحو يوم من البحر، ويقابلها على البحر مرسى الخرز.
ومنها (بنزرت) بفتح النون وسكون الباء الموحدة وفتح الزاي المعجمة والراء المهملة وفي آخرها تاء مثناة من فوق، وقيل هي بتقديم الموحدة على النون، وهي مرسى تونس، وموقعها في الإقليم الثالث قال ابن سعيد حيث الطول ثلاثون درجة وخمسون دقيقة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. وهي مدينة على نهر يجرى في شرقيّها وعليه مستنزهاتها. قال في «تقويم البلدان» :
ولها بحيرة حلوة في جنوبيّها، وبحيرة مالحة في شرقيّها، تصبّ كلّ واحدة منهما في الأخرى ستة أشهر، فلا الحلوة تفسد بالمالحة ولا المالحة تعذب بالحلوة. قال الشيخ عبد الواحد: أما زيادة الحلوة فبكثرة السّيول أيام الشتاء، وتقلّ عنها السيول في أيام الصيف فتعلو عليها المالحة.
ومنها (بونة) قال في «اللباب» بضم الباء الموحدة وسكون الواو ثم نون وهاء. قال في «مسالك الأبصار» : وهي المسمّاة الآن بلد العنّاب، وهي مدينة على ساحل البحر في أوّل الإقليم الرابع قال ابن سعيد حيث الطول ثمان وعشرون درجة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة وخمسون دقيقة. قال في «العزيزي» : وهي مدينة جليلة عامرة خصبة الزّرع، كثيرة الفواكه، رخيّة، بظاهرها معادن الحديد، ويزرع بها الكتّان الكثير. قال: وحدث بها عن قريب مغاص مرجان، ولكن ليس كمرجان مرسى الخرز.
ومن قبلي تونس للجنوب (بلاد الجريد) .
ومنها (توزر) . قال في «تقويم البلدان» عن الشيخ عبد الواحد: بضم المثناة من فوق وسكون الواو وفتح الزاي المعجمة وراء مهملة في الآخر. وموقعها
(5/101)

في الإقليم الثالث قال ابن سعيد حيث الطول ستّ وثلاثون درجة وسبع دقائق، والعرض تسع وعشرون درجة وثمان دقائق. وهي قاعدة بلاد الجريد، وبها بساتين ومحمضات «1» ونخيل وزيتون؛ ولها نهر يسقي بساتينها، والمطر بها قليل، ويزرع بها الكتّان والحنّاء. قال في «تقويم البلدان» : وبذلك وبقلّة المطر تشبه مصر. وقد عابها في «الروض المعطار» بأن أهلها يبيعون ما يتحصّل في مراحيضهم من رجيع «2» الناس، يفحّلون به بقولهم وبساتينهم، ولكنهم لا يرغبون فيه إلا إذا كان جافّا، فيحملهم ذلك على عدم الاستنجاء في مراحيضهم، ويخرج أحدهم من بيته حتّى يأتي القناة فيستنجي من مائها، وربما اتّخذ أحدهم المراحيض على قارعة الطريق للواردين عليها ليأخذ ما يتحصّل من ذلك فيبيعه.
ومنها (قفصة) بفتح القاف وسكون الفاء ثم صاد مهملة وهاء في الآخر.
وموقعها في الإقليم الثالث قال في «الأطوال» حيث الطول إحدى وثلاثون درجة، والعرض ثلاثون درجة وخمسون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي قاعدة مشهورة من بلاد الجريد بها النّخيل والفستق. قال: ولا يكون الفستق ببلاد المغرب إلا في قفصة. وبها من الفواكه والمشمومات أنواع كثيرة، ومنها يجلب دهن البنفسج وخلّ العنصل «3» ، وإليها ينسب جلد الأروى المتخذ منه النّعال الشديدة اللّيونة.
ومنها (المسيلة) قال في «تقويم البلدان» عن الشيخ عبد الواحد؛ بكسر الميم والسين المهملة وسكون المثناة من تحت وفي آخرها لام ألف، والجاري على الألسنة فتح الميم وهاء في الآخر، وهي مدينة من بلاد الجريد، موقعها في الإقليم الثالث قال ابن سعيد حيث الطول ثلاث وعشرون درجة
(5/102)

وأربعون دقيقة، والعرض تسع وعشرون درجة وخمس وأربعون دقيقة. قال في «العزيزي» : وهي مدينة محدثة، بناها القائم الفاطميّ «1» سنة خمس عشرة وثلاثمائة. قال ابن سعيد: ولها نهر يمرّ بغربيّها ويغوص في رمال الصّحارى.
ومنها (بسكرة) قال في «اللباب» بكسر الباء الموحدة وقيل بفتحها وسكون السين المهملة وكاف وراء مهملة بعدها هاء. وهي مدينة من بلاد الجريد، في أواخر الإقليم الثاني قال ابن سعيد حيث الطول أربع وعشرون درجة وخمس وعشرون دقيقة، والعرض سبع وعشرون درجة وثلاثون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي قاعدة بلاد الزّاب، ولها بلاد ذات نخيل وفواكه وزروع كثيرة، ومنها يجلب الثمر الطيّب الى تونس وبجاية.
ومنها (طرّا) قال في «تقويم البلدان» عن عبد الواحد: بضم الطاء وتشديد الراء المهملتين وفي آخرها ألف، ونقل عن بعضهم إبدال الألف هاء، وهي مدينة من بلاد الجريد في الإقليم الثالث قال ابن سعيد: حيث الطول سبع وثلاثون درجة وعشرون دقيقة، والعرض تسع وعشرون درجة، قال في «تقويم البلدان» : وبها يعمل الزّجاج الصافي وتفاصيل الصوف، ومنها يجلب إلى الإسكندرية.
ومنها (غذامس) بفتح الغين والذال المعجمتين وألف وميم مكسورة وسين مهملة. وهي مدينة في الصحراء جنوبيّ بلاد الجريد، على طريق السّودان المعروفين بالكانم، قال في «العزيزي» : وهي مدينة جليلة عامرة، وفي وسطها عين أزليّة عليها أثر بنيان روميّ عجيب، يفيض الماء منها ويقتسمه أهل المدينة بأقساط معلومة وعليه يزرعون. وأهلها قوم من البربر مسلمون، قال في «تقويم
(5/103)

البلدان» : وبها الجلود المفضّلة، وليس لهم رئيس سوى مشايخهم.
ومنها (قلعة سنان) قال في «مسالك الأبصار» : وهو قصر لا يعرف على وجه الأرض أحصن منه، على رأس جبل منقطع عن سائر الجبال في غاية العلوّ بحيث يقصر سهم العقّار «1» عن الوصول إليه يرتقى إليه من سلّم نقر في الحجر طوله مائة وتسعون درجة، وبه مصانع يجتمع فيها ماء المطر، وبأسفله عين ماء عليها أشجار كثيرة الفواكه.
العمل الثاني (بلاد بجاية)
وبجاية بكسر الباء الموحدة وفتح الجيم وألف ثم ياء مثناة تحت وهاء في الآخر مدينة من مدن الغرب الأوسط، واقعة في أوائل الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتان وعشرون درجة، والعرض أربع وثلاثون درجة وخمس وخمسون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : هي قاعدة الغرب الأوسط، وهي مقابل طرطوشة من الأندلس، وعرض البحر بينهما ثلاث مجار. قال في «مسالك الأبصار» : وهي مدينة قديمة مستورة، أضيف إلى جانبها ربض أدير عليه سور ضامّ لنطاق المدينة فصارا كالشيء الواحد. قال: والرّبض في وطاءة، والمدينة القديمة في سفح جبل، يدخل إليها خور من البحر الروميّ تدخل منه المراكب إليها. قال في «تقويم البلدان» : ولها نهر في شرقيها، على شاطئه البساتين والمنازه. قال في «مسالك الأبصار» : وبها عينان من الماء:
إحداهما كبيرة ومنها شرب أهلها، ولها نهر جار على نحو ميلين منها، تحفّ به البساتين والمناظر على ضفّتيه ممتدّة نحو اثني عشر ميلا، متصلا بعضها ببعض لا انفصال بينها إلا ما يسلك عليه إلى البساتين، إلى أن يصبّ في بحر الروم.
وبضفّتيه للسلطان بستانان متقابلان شرقا وغربا، الشرقيّ منهما يسمّى الربيع.
(5/104)

وغربيّ بجاية (جزائر بني مزغنّان) بفتح الميم وسكون الزاي، وكسر الغين المعجمتين ثم نونان بينهما ألف الأولى منهما مشدّدة، كما في «تقويم البلدان» عن الشيخ شعيب، وبعضهم يسقط النون الأخيرة، وفي «مسالك الأبصار» : مزغنّانة بزيادة هاء في الآخر. وهي فرضة مشهورة هناك. قال في «مسالك الأبصار» : وهي بلدة حسنة على ساحل البحر، تقابل (ميورقة) من بلاد الأندلس، بانحراف يسير، وبعدها عن بجاية ستة أيام.
ومن المدن التي بأعمال البجاية (قسطينة) قال في «تقويم البلدان» :
بضم القاف وسكون السين وكسر الطاء المهملتين وسكون المثناة من تحت ثم نون وهاء. قال: وعن بعض المتأخرين أن بعد السين وقبل الطاء نونا، وحينئذ فتكون بضم السين وسكون النون، وهي مدينة من الغرب الأوسط في أواخر الإقليم الثالث قال ابن سعيد حيث الطول ستّ وعشرون درجة وأربعون دقيقة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة واثنتان وعشرون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي على آخر مملكة بجاية وأوّل مملكة أفريقيّة. قال الإدريسيّ: وهي على قطعة جبل منقطع مربع فيه بعض استدارة، لا يتوصّل إليه إلا من جهة باب في غربيّها ليس بكثير السّعة، ويحيط بها الوادي من جميع جهاتها. قال في «تقويم البلدان» :
ولها نهر يصبّ في خندقها يسمع له دويّ هائل، ويرى النهر في قعر الخندق مثل ذؤابة النجم لشدّة ارتفاع البلد عن الخندق، قال الإدريسيّ: وهي مدينة عامرة، وبها أسواق وتجارات. قال: وتقيم الحنطة في مطاميرها «1» مائة سنة لا تفسد.
وشرقيّ قسطينة في آخر مملكة بجاية (مرسى الخرز) بفتح الخاء المعجمة والراء المهملة وزاي معجمة في الآخر. ومنه يستخرج المرجان من قعر البحر على ما تقدّم في الكلام على الأحجار النفيسة فيما يحتاج الكاتب إلى وصفه من المقالة الأولى.
(5/105)

ومنها (سطيف) بفتح السين وكسر الطاء المهملتين ثم ياء مثناة من تحت ساكنة بعدها فاء. وهي مدينة من الغرب الأوسط في الإقليم الثالث قال في «الأطوال» حيث الطول سبع وعشرون درجة، والعرض إحدى وثلاثون درجة.
وهي مدينة حصينة، بينها وبين قسطينة أربع مراحل، ولها حصن في جهة الجنوب، عن بجاية على مرحلتين منها، ولها كورة تشتمل على قرى كثيرة غزيرة المياه كثيرة الشجر المثمر بضروب من الفواكه، وبها الجوز الكثير، ومنها يحمل إلى سائر البلاد.
ومنها (تاهرت) - قال في «اللباب» : بفتح التاء المثناة فوق وألف وهاء وسكون الراء المهملة وفي آخرها تاء ثانية. قال في «تقويم البلدان» : ونقلت من خط ابن سعيد عوض الألف ياء مثناة تحت، قال وهو الأصح لأن ابن سعيد مغربيّ فاضل. وهي مدينة من الغرب الأوسط، وقيل من أفريقيّة في الإقليم الثالث قال في «الأطوال» حيث الطول خمس وعشرون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض تسع وعشرون درجة. قال ابن حوقل: وهي مدينة كبيرة خصبة، كثيرة الزّرع، كانت قاعدة الغرب الأوسط وبها كان مقام ملوك «بني رستم» حتى انقرضت دولتهم بدولة الفاطميين خلفاء مصر. وذكر الإدريسيّ أنها كانت في القديم مدينتين:
القديمة منهما على رأس جبل ليس بالعالي، قال في «العزيزي» : وتاهرت القديمة تسمّى «تاهرت عبد الخالق» وهي مدينة جليلة كانت قديما تسمّى «بغداد المغرب» وتاهرت الجديدة على مرحلة منها، وهي أعظم من تاهرت القديمة، والمياه تخترق دور أهلها. وهي ذات أسواق عامرة، وبأرضها مزارع وضياع جمّة، ويمرّ بها نهر يأتيها من جهة المغرب، ولها نهر آخر يجرى من عيون تجتمع فيه، منه شرب أهلها، وبها البساتين الكثيرة المونقة، والفواكه الحسنة، والسّفرجل الذي ليس له نظير: طعما وشمّا، ولها قلعة عظيمة مشرفة على سوقها.
وتاهرت كثيرة البرد، كثيرة الغيوم والثّلج، وسورها من الحجر، ولها ثلاثة «1»
(5/106)

أبواب: باب الصّفا، وهو باب الأندلس، وباب النازل، وباب المطاحن.
وأما الطريق الموصل إليها، فقد ذكر صاحب «الذيل» على كامل ابن الأثير في التاريخ عن ايدغديّ التليلي وايدغدي الخوارزمي، حين توجها رسولين إلى الغرب في سنة ست وسبعمائة: أن من إسكندرية إلى طلميثا ومنها إلى سرت، ومنها إلى سراتة، ومنها إلى طهجورة، ومنها إلى طرابلس، ومنها إلى قابس، ومنها إلى صفاقس، ومنها إلى المهديّة، ومنها إلى سوسة، ومنها إلى تونس.
وأما طريقها في البحر، فمن إسكندرية إلى تونس.
الجملة الرابعة» (في ذكر زروعها، وحبوبها، وفواكهها، وبقولها، ورياحينها)
أما زروعها، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أنها تزرع على الأمطار، وأن بها من الحبوب القمح، والشعير، والحمّص، والفول، والعدس، والذّرة، والدّخن، والجلبان، والبسلّا، واسمها عندهم البسين. أما الأرزّ فمجلوب إليها.
وأما فواكهها، فبها من الفواكه العنب والتين، كل منهما على أنواع مختلفة والرّمّان: الحلو والمزّ والحامض، والسّفرجل، والتّفّاح، والكمّثرى، والعنّاب، والزّعرور، والخوخ، والمشمش على أنواع، والتّوت الأبيض، والفرصاد، وهو التّوت الأسود، والقراصيا، والزّيتون، والأترجّ، واللّيمون، والليم «2» ، والنارنج، أما الجوز بها فقليل، وكذلك النّخيل، والفستق، والبندق مفقود بها وكذلك الموز. قال في «مسالك الأبصار» : وبها فاكهة تسمّى مصغ فوق قدر البندقة، لونها بين الحمرة والصّفرة، وطعمها بين الحموضة والقبض شبيه بطعم السّفرجل، يوجد في الشتاء، يقطف من شجره غضّا فيدفّى، ويثقّل كما يفعل بالموز فينضج
(5/107)

ويؤكل حينئذ. ويوجد بها قصب السّكّر على قلّة ولا يعتصر بها. وبها البطّيخ الأصفر على أنواع، والبطيخ الأخضر مع قلّة، واسمه عندهم الدّلاع، وكذلك الخيار والقثّاء، وبها اللّوبيا، واللّفت، والباذنجان، والقنّبيط، والكرنب «1» ، والرجلة، والبقلة اليمانية واسمها عندهم بلندس، والخسّ والهندباء على أنواع، وسائر البقول والملوخيا على قلّة، والهليون، والصّعتر.
وبها من الرّياحين الآس، والورد ومعظمه أبيض، والياسمين، والنّرجس، واللّينوفر الأصفر والتّرنجاني، والمنثور، والمرزنجوش «2» ، والبنفسج والسّوسن، والزعفران، والحبق، والنّمّام.
الجملة الخامسة (في مواشيها، ووحوشها، وطيورها)
أما مواشيها، ففيها الخيل العراب المشابهة لخيل برقة، والبغال، والحمير والإبل، والبقر، وغنم الضأن والمعز.
وأما وحوشها، ففيها الغزلان، وبقر الوحش وحمره، والنّعام، وغير ذلك.
وأما طيورها ففيها الدّجاج، والحمام كثيرا، والإوزّ بقلّة، وبها الكراكيّ «3» ، وهي صيد الملوك كما بمصر، وكذلك غيرها من طيور الصيد.
(5/108)

الجملة السادسة (فيما يتعلق بمعاملاتها: من الدنانير، والدراهم، والأرطال، والمكاييل، والأسعار)
أما الدنانير، فإنها تضرب باسم ملكهم، وزنة كلّ دينار من دنانيرهم «1» ..
...... ويعبّرون عنه بالدينار الكبير، وذهبهم دون الذهب المصريّ في الجودة، فهو ينقص عنه في السّعر.
وأما الدراهم، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» عن أبي عبد الله بن القويع:
أن دراهمهم على نوعين: أحدهما يعرف بالقديم، والآخر بالجديد، ووزنهما واحد إلا أن الجديد منهما خالص الفضّة والقديم مغشوش بالنّحاس للمعاملة، وتفاوت ما بينهما أنّ كل عشرة دراهم عتيقة بثمانية دراهم جديدة، وإذا أطلق الدرهم عندهم فالمراد به القديم دون الجديد، ثم مصطلحهم أن كل عشرة دراهم عتيقة بدينار، وهذا الدّينار عندهم مسمّى لا حقيقة له، كالدينار الجيشي بمصر، والرائج بإيران.
وأما أرطالها، فزنة كلّ رطل ستّ عشرة أوقية، كل أوقية أحد وعشرون درهما من دراهمها.
وأما كيلها، فلهم كيلان: أحدهما يسمّى القفيز، وهو ستّ عشرة ويبة، كل ويبة اثنا عشر مدّا قرويّا، وهو يقارب المدّ النبويّ، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام. وهو أيضا ثمانية أمداد بالكيل الحفصي: وهو كيل قدّره ملوكها الحفصيّون: آباء ملوكها القائمين بها الآن، بقدر مدّ ونصف من المدّ المقدم ذكره. والثاني يسمّى الصّفحة وكل صحفة اثنا عشر مدّا بالحفصيّ.
(5/109)

الجملة السابعة (في ذكر أسعارها)
قد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن أوسط الأسعار بها في غالب الأوقات أن يكون كلّ قفيز من القمح بخمسين درهما، والشعير دون ذلك. قال: وغالب سعر اللحم الضأن عندهم كلّ رطل أفريقيّ بدرهم قديم، وبقيّة اللحوم دونه في القيمة، وفي الرّبيع ينحطّ السّعر عن هذا القدر. وذكر أن الدّجاجة الجيّدة عندهم بدرهمين جديدين. ثم قال: وأحوالها مقاربة في ذلك للديار المصرية لقرب المجاورة، وقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن تونس وبجاية في المعاملة والسعر متقاربتان.
الجملة الثامنة (في صفات أهل هذه المملكة في الجملة)
قال في «مسالك الأبصار» : ولأهل أفريقيّة لطف أخلاق وشمائل بالنسبة إلى أهل برّ العدوة وسائر بلاد المغرب، بمجاورتهم مصر وقربهم من أهلها، ومخالطتهم إيّاهم، ومخالطة من سكن عندهم من أهل إشبيلية «1» من الأندلس.
وهم من هم! خفّة روح، وحلاوة بادرة. قال: وهم على كلّ حال أهل انطباع، وكرم طباع، وناهيك من بلاد من شعر ملكها السلطان أبي العبّاس «2» قوله: (طويل) .
مواطننا في دهرهنّ عجائب ... وأزماننا لم تعدهنّ الغرائب
مواطن لم تحك التواريخ مثلها ... ولا حدّثت عنها اللّيالي الذواهب
(5/110)

وقوله: (بسيط) .
انظر إلينا [تجدنا] ما بنا دهش «1» ... وكيف يطرق أسد الغابة الدّهش؟
لا تعرف الحادث المرهوب أنفسنا! ... فإننا بارتكاب الموت ننتعش!
وقوله: (طويل) .
عسى الله يدني للمحبّين أوبة ... فتشفى قلوب منهم وصدور
وكم من قصيّ الدار أمسى بحزنه ... فأعقبه عند الصّباح سرور
وإذا كان هذا رقّة طبع السلطان، فما ظنّك بغيره من العلماء والأدباء؟
الجملة التاسعة (في ذكر من ملكها جاهليّة وإسلاما)
أما ملوكها في الجاهليّة قبل الإسلام
، فإنّ بلاد المغرب كلّها كانت مع البربر «2» ، ثم غلبهم الرّوم الكيتم عليها، وافتتحوا قاعدتها (قرطاجنّة) «3» وملكوها، ثم جرى بين الرّوم والبربر فتن كثيرة كان آخرها أن وقع الصّلح بينهم على أن تكون المدن والبلاد الساحليّة للرّوم، والجبال والصّحارى للبربر، ثم زاحم الفرنج الرّوم في البلاد، وجاء الإسلام والمستولي على بلاد المغرب من ملوك الفرنجة «جرجيس» «4» ملكهم، وكان ملكه متصلا من طرابلس من جهة الشرق إلى البحر المحيط من جهة الغرب، وكرسيّ ملكه بمدينة (سبيطلة) ،
(5/111)

وبقيت في يده حتى انتزعها المسلمون منه في سريّة عبد الله بن أبي سرح «1» ، في خلافة عثمان بن عفّان.
وأمّا ملوكها في الإسلام، فعلى أربع طبقات:
الطبقة الأولى (الخلفاء)
قد تقدّم أنّ أوّل من افتتحها (عبد الله بن أبي سرح) في خلافة عثمان بن عفّان رضي الله عنه، زحف إليها في عشرين ألفا من الصحابة وكبار العرب، ففرّق جموع النّصرانية الذين كانوا بها: من الفرنجة، والروم، والبربر، وهدم سبيطلة قاعدتها وخرّبها، وعاثت خيول العرب في ديارهم إلى أن صالحوا عبد الله بن أبي سرح بثلاثمائة قنطار من الذهب، وقفل عنهم سنة سبع وعشرين من الهجرة، بعد فتح مصر بسبع سنين أو ثمان.
ثم أغزاها معاوية بن أبي سفيان (معاوية بن حديج السّكوني) «2» سنة أربع وثلاثين.
ثم ولّى معاوية (عقبة بن نافع) «3» بن عبد قيس الفهريّ سنة خمس وأربعين، فبنى عقبة القيروان.
(5/112)

ثم استعمل معاوية على مصر وأفريقيّة (مسلمة بن مخلّد) «1» فعزل عقبة عن أفريقيّة وولّى عليها (مولاه أبا المهاجر دينارا) سنة خمس وخمسين. ولما استقلّ يزيد بن معاوية بالخلافة، رجع عقبة بن نافع إلى أفريقيّة سنة اثنتين وستين.
[ثم ولّى عبد الملك بن مروان عليها زهير بن قيس البلويّ «2» في سنة سبع وستين إلى أن قتل في سنة تسع وستين فولّى عليها] «3» (حسّان بن «4» النعمان) الغسّاني، فسار ودخل القيروان، وافتتح قرطاجنّة عنوة وخرّبها، فخرجت عليه الكاهنة ملكة الغرب فهزمته، ثم عاد إليها وقتلها، واستولى على بلادها [ثم رجع إلى عبد الملك واستخلف على أفريقية رجلا اسمه صالح.
ثم ولّى الوليد بن عبد الملك] «5» (موسى «6» بن نصير) بضم النون، فقدم القيروان وبها صالح، ثم قفل موسى إلى المشرق واستخلف على أفريقيّة ابنه عبد الله.
ثم عزله سليمان بن عبد الملك في خلافته، وولّى مكانه (محمد بن يزيد) .
(5/113)

ثم ولّى عمر بن عبد العزيز في خلافته (إسماعيل) بن عبيد الله بن أبي المهاجر.
ثم ولّى يزيد بن عبد الملك (يزيد بن أبي مسلم) مولى الحجاج وكاتبه، فقدمها سنة إحدى ومائة فقتله البربر، وردّوا محمد بن يزيد الذي كان عليهم قبله إلى ولايته، وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك بذلك فأقرّه عليهم.
ثم ولّى يزيد بن عبد الملك (بشر بن صفوان الكلبيّ) «1» فقدمها سنة ثلاث ومائة؛ ومات سنة تسع ومائة.
ثم عزله هشام بن عبد الملك، وولّى مكانه (عبيدة بن عبد الرحمن السّلميّ) فقدمها سنة عشر ومائة، ثم عزل هشام عبيدة، وولّى مكانه (عبد الله بن الحبحاب) مولى بني سلول «2» ، فقدمها سنة أربع عشرة ومائة، وبنى جامع تونس، واتخذ بها دار الصّناعة للمراكب البحريّة.
ثم عزله هشام بن عبد الملك وولّى مكانه (كلثوم بن عياض) ثم قتل فبعث هشام بن عبد الملك على أفريقيّة (حنظلة بن صفوان الكلبي) «3» فقدمها سنة أربع وعشرين ومائة، فخرج عليه (عبد الرحمن بن حبيب) «4» سنة ستّ وعشرين ومائة، فقفل حنظلة إلى المشرق سنة سبع وعشرين، واستقل عبد الرحمن بملك أفريقيّة.
(5/114)

وولي مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، فكتب له بولايتها.
ثم كانت دولة بني العبّاس فأقرّه عليها السّفّاح، ثم المنصور، ثم قتل سنة سبع وثلاثين لعشر سنين من إمارته واشترك في إمارتها (حبيب بن عبد الرحمن، وعمّه عمران بن حبيب، وأخوه إلياس بن عبد الرحمن) ثم قتله عبد الملك بن أبي الجعد ثم غلب عليها (عبد الأعلى بن السّمح «1» المعافري) .
ثم ولّى أبو جعفر المنصور (محمد بن الأشعث) «2» الخزاعي فقدم القيروان سنة خمس وأربعين ومائة، وبنى سورها.
ثم ثارت عليه المضريّة وأخرجوه منها سنة ثمان وأربعين، وولّوا عليهم (عيسى بن موسى) الخراساني.
ثم ولّى أبو جعفر المنصور عليها (الأغلب بن سالم) بن عقال بن خفاجة بن سوادة التميمي «3» بعده، فقدم القيروان وسكّن الناس، ثم قتل سنة خمسين ومائة، وقام بأمر أفريقيّة المخارق بن غفار.
ولما بلغ المنصور قتل الأغلب، بعث مكانه عمر بن حفص بن قبيصة، ابن أبي صفرة التميمي «4» أخي المهلّب، فقدمها سنة إحدى وخمسين. ثم
(5/115)

انتقضت عليه البربر فضعف أمره، فولّى (يزيد بن حاتم) «1» بن قبيصة بن المهلب، بن أبي صفرة التميميّ، ودخل القيروان منتصف سنة خمس وخمسين، وهلك سنة سبعين ومائة في خلافة هارون الرشيد، وقام بأمره بعده ابنه (داود) .
ثم ولّى الرشيد أخاه (روح بن حاتم) فقدمها منتصف سنة إحدى وسبعين ومائة، ومات في رمضان سنة أربع وسبعين، فقام حبيب بن نصر مكانه، وسار ابنه (الفضل) إلى الرشيد فولّاه مكان أبيه، فعاد إلى القيروان في المحرّم سنة سبع وسبعين ومائة، ثم قتله ابن الجارود في منتصف سنة ثمان وسبعين ومائة فولّى الرشيد مكانه (هرثمة «2» بن أعين) فسار إلى القيروان، وقدمها سنة تسع وسبعين ومائة، ثم استعفى فأعفاه الرشيد لسنتين ونصف من ولايته.
وولّى مكانه (محمد بن مقاتل الكعبي) «3» فقدم القيروان في رمضان سنة إحدى وثمانين، وكان سيّء السيرة.
ثم ولّى الرشيد (إبراهيم بن الأغلب) «4» فقدم أفريقيّة منتصف سنة أربع وثمانين ومائة، وابتنى مدينة العبّاسيّة بالقرب من القيروان وانتقل إليها. وفي ولايته ظهرت دعوة الأدراسة من العلويّة بالمغرب الأقصى. ثم مات إبراهيم في شوّال سنة ستّ وتسعين ومائة بعد أن عهد لابنه أبي العبّاس (عبد الله بن إبراهيم) بن
(5/116)

الأغلب بالولاية، فقدم القيروان في صفر سنة سبع وتسعين ومائة. ثم مات في ذي الحجة سنة إحدى ومائتين.
وولي مكانه أخوه (زيادة الله بن إبراهيم) وجاءه التقليد من قبل «المأمون» ، وفي ولايته كان ابتداء فتح صقلّية على يد أسد «1» بن الفرات، وتوفّي في رجب سنة ثلاث وعشرين ومائتين لاحدى وعشرين سنة ونصف من ولايته.
وولي مكانه أخوه (أبو عقال الأغلب) بن إبراهيم بن الأغلب، وتوفي في ربيع سنة ست وعشرين ومائتين.
وولي بعده ابنه (أبو العبّاس محمد بن الأغلب بن إبراهيم) فدانت له أفريقيّة وبنى مدينة بقرب تاهرت وسمّاها العباسيّة، سنة سبع وثلاثين ومائتين، وبنى قصر سوسة وجامعها سنة ست وثلاثين ومائتين، وتوفي سنة ثنتين وأربعين.
وولي مكانه ابنه أبو إبراهيم (أحمد بن أبي العباس محمد بن الأغلب) فأحسن السيرة، وكان مولعا بالعمارة، فبنى بأفريقيّة نحوا من عشرة آلاف حصن، وتوفّي آخر سنة تسع وأربعين لثمان سنين من ولايته.
وولي مكانه ابنه (زيادة الله الأصغر) بن أبي إبراهيم أحمد، وتوفي آخر سنة خمسين ومائتين.
وولي مكانه أخوه (محمد أبو الغرانيق) بن أبي إبراهيم أحمد، ففتح جزيرة مالطة سنة خمس وخمسين ومائتين، وبنى حصونا ومحارس على مسيرة خمسة عشر يوما من برقة في جهة المغرب وهي الآن معروفة به. وفي أيامه كان أكثر فتوح صقلّية. فلما مات حمل أهل القيروان أخاه إبراهيم بن أحمد أخي أبي الغرانيق على الولاية عليهم لحسن سيرته فامتنع، ثم أجاب وانتقل إلى قصر الإمارة
(5/117)

وقام بالأمر أحسن قيام. وكان عادلا حازما فقطع أهل البغي والفساد وجلس لسماع الظّلامات، وبنى الحصون والمحارس بسواحل البحر، حتى كانت النار توقد في ساحل سبتة للإنذار بالعدوة فيتصل إيقادها بالإسكندرية في الليلة الواحدة، وبنى سور سوسة وانتقل إلى تونس فسكنها. وفي أيامه ظهرت دعوة العبيديّين بالغرب، ثم مات سنة تسع وثمانين ومائتين.
وولي ابنه أبو العبّاس (عبد الله بن إبراهيم) أخي محمد أبي الغرانيق، وكان عادلا، حسن السيرة، بصيرا بالحروب، فنزل تونس مكان أبيه «1» ودخلوا في أمره جملة وجرى بينه وبينه حروب، ثم قتل في شعبان سنة تسعين ومائتين.
وولي ابنه أبو مضر (زيادة الله) فأقبل على اللّذّات واللهو، وأهمل أمور الملك، وقتل أخاه وعمومته وأخواته، وقوي حال الدعاة لعبيد الله المهدي جدّ الخلفاء الفاطميين بمصر فحمل زيادة الله أمواله وأثقاله ولحق بمصر، فمنعه عاملها من الدّخول إليها إلا بأمر المقتدر الخليفة، فسار إلى العراق فاستأذن عليه، فأتاه كتاب المقتدر بالرجوع إلى القيروان وإظهار الدّعوة، فوصل إلى مصر فأصابه بها علّة سقط منها شعره، ورجع إلى القدس فمات بها، وانقرضت دولة بني الأغلب بالمغرب.
الطبقة الثانية (العبيديّون)
وكان مبدأ أمرهم أن محمدا الحبيب بن جعفر المصدّق، بن محمد المكتوم، بن إسماعيل الإمام، بن جعفر الصادق، بن محمد الباقر، بن عليّ زين
(5/118)

العابدين، بن الحسين السّبط، بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، كان مقيما بسلمية من أعمال حمص، وكان أهل شيعتهم بالعراق واليمن وغيرهما يتعاهدونه بالزيارة إذا زاروا قبر الحسين عليه السّلام، فلما أدركته الوفاة عهد إلى ابنه عبيد الله وقال له: أنت المهديّ وتهاجر بعدي هجرة بعيدة وتلقى محنة شديدة، وشاع خبر ذلك في الناس، واتصل بالمكتفي خليفة بني العبّاس ببغداد فطلبه ففرّ من الشام إلى العراق، ثم لحق بمصر ومعه ابنه أبو القاسم غلاما حدثا وخاصّته، وكان أبو عبد الله الشّيعي قد بعث إليه بخبره بما فتح الله عليهم من البلاد الغربيّة فعزم على اللّحوق به، وخرج من مصر إلى أفريقيّة في زيّ التّجّار، وسار حتّى وصل إلى سجلماسة من بلاد المغرب، فورد على عاملها كتاب بالقبض عليه، فقبض عليه وحبسه هو وابنه أبا القاسم. ولما استفحل أمر أبي عبد الله الشّيعي، استخلف على أفريقيّة أخاه أبا العبّاس وارتحل إلى سجلماسة، فأخرج المهديّ وابنه من الحبس وبايع للمهديّ، ثم ارتحلوا إلى أفريقيّة ونزلوا رقادة في ربيع سنة سبع وتسعين ومائتين، وبويع للمهديّ البيعة العامّة واستقام أمره وبعث العمّال على النواحي.
وولّى عهده ابنه (أبا القاسم محمدا) ويقال نزار، وبنى مدينة المهديّة، وجعلها دار ملكه. ولما فرغ منها صعد على سورها ورمى بسهم في جهة المغرب، وقال: إلى هنا ينتهي صاحب الحمار [فكان الأمر كذلك. وذلك أنه خرج بالمغرب خارجيّ اسمه أبو يزيد يعرف بصاحب الحمار وتبعه الناس فقصد مدينة المهدية يريد فتحها فانتهى إلى حيث انتهى سهم المهدي ثم رجع من حيث أتى فعظم أمر المهدي] «1» واستولى على فاس، ودخل ملوكها من الأدارسة تحت طاعته في سنة ثمان وثلاثمائة، ومهّد المغرب، ودوّخ أقطاره، وتوفّي في ربيع الأوّل سنة ثنتين وعشرين لأربع وعشرين سنة من خلافته.
وولي بعده ابنه (القائم بأمر الله أبو القاسم) المتقدّم ذكره، وفي أيامه خرج
(5/119)

أبو يزيد صاحب الحمار. وتوفّي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وكان قد عهد إلى ابنه المنصور بالله إسماعيل، فقام بالأمر بعده، وكتم موت أبيه فلم يتسمّ بالخليفة ولا غيّر السّكة والخطبة والبنود، وتوفّي سلخ رمضان سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة لسبع سنين من خلافته.
وولي الأمر بعده ابنه (المعزّ لدين الله معدّ) فاستقام له الأمر، وانتهت مملكته بالغرب إلى البحر المحيط، وافتتح مصر على يد قائده «جوهر» في منتصف شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، واختطّ له القاهرة، ثم قدم المعزّ إلى مصر، ودخل القاهرة لخمس من رمضان سنة ثنتين وستين وثلاثمائة على ما سبق في الكلام على مملكة الديار المصرية.
الطبقة الثالثة (ملوكها من بني زيري)
كان المعزّ معدّ الفاطميّ حين قدم مصر على ما تقدّم استخلف على أفريقيّة والمغرب (بلكين بن زيري) بن ميّاد البربري، ويقال: الحميريّ وأنزله القيروان، وسمّاه يوسف، وكنّاه أبا الفتوح، ولقّبه سيف الدّولة وبقي حتّى توفّي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة ومات المعزّ بالقاهرة، وانتقلت الخلافة بعده إلى ابنه العزيز نزار، فولّى على أفريقيّة والمغرب بعد بلكين ابنه (المنصور بن بلكين) بولاية عهد من أبيه وبقي حتى توفّي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
وقام بأمره بعده (ابنه باديس) بن المنصور فبقي حتى توفّي سنة ست وأربعمائة بمعسكره فجأة وهو نائم بين أصحابه.
وبويع ابنه (المعزّ بن باديس) وهو ابن ثماني سنين، واستمرّ ملكه بأفريقيّة وعظم ملكه بها؛ وكان المعزّ منحرفا عن الرّفض والتشيّع، منتحلا للسّنّة، وأعلن بذلك في أوّل ولايته؛ ثم كان آخر أمره أن خلع طاعة العبيديّين، وقطع الخطبة لهم بأفريقيّة سنة أربعين وأربعمائة على عهد المستنصر العبيديّ خليفة مصر، وخطب للقائم بن القادر الخليفة العبّاسيّ ببغداد، فاضطرب لذلك ملكه، وثارت عليه
(5/120)

الثّوّار، وملكوا منه النّواحي؛ ومات المعزّ سنة أربع وخمسين وأربعمائة.
وقام بأمره من بعد ابنه (تميم بن المعزّ بن باديس) وغلبه العرب على أفريقيّة، فلم يكن له إلا ما ضمّه السّور، واستمرّت الثّوّار في أيامه وبقي حتى هلك سنة احدى وخمسمائة.
وملك بعده ابنه (يحيى بن تميم) فراجع طاعة العبيديّين خلفاء مصر، ووصلته منهم المخاطبات والهدايا والتّحف، وأكثر في غزو النصارى من الفرنجة وغيرهم، حتى لقّبوه بالجرية من وراء البحر، ومات فجأة في قصره سنة تسع وخمسمائة.
وملك بعده ابنه (عليّ بن يحيى) وقام بالأمر على طاعة خلفاء العبيديين بمصر، ومات سنة خمس عشرة وخمسمائة.
وملك بعده ابنه (الحسن بن عليّ) وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وقام بأمره مولاه صندل، ثم مولاه موفّق وغلبه النصارى على المهديّة وبلاد الساحل كلّها إلى أن استنفذها منهم عبد المؤمن «1» شيخ الموحّدين، ولحق الحسن بالجزائر ونزل بها إلى أن فتح الموحّدون الجزائر سنة سبع وأربعين وخمسمائة بعد ملكهم المغرب والأندلس، فخرج إلى عبد المؤمن فأحسن إليه وبقي معه حتى افتتح المهديّة فأنزله بها، فأقام بها ثماني سنين. ثم سار إلى مرّاكش فمات في طريقه، وانقرضت دولة بني باديس من أفريقية في أيامهم عند وقوع الفتن.
(5/121)

الطبقة الرابعة (الموحّدون أصحاب المهديّ بن تومرت، وهم القائمون بها إلى الآن)
وكان أوّل من افتتحها منهم (عبد المؤمن «1» بن عليّ) أحد أصحاب ابن تومرت والخليفة بعده. وذلك أنه لما وقع بها ما تقدّم من الاضطراب وقيام الثّوّار واستيلائهم على النّواحي، وكان الموحّدون قد استولوا على الأندلس والغرب الأقصى والغرب الأوسط إلى بجاية، بعث عبد المؤمن المذكور العساكر إلى أفريقيّة مع ابنه عبد الله في سنة سبع وأربعين وخمسمائة، فافتتح أفريقيّة، واستكمل فتحها سنة ستّ وخمسين. وولّى عليها ابنه السيد أبا موسى (عمران بن عبد المؤمن) وأسره عليّ بن يحيى المعروف بابن غانية عند فتحه بجاية، واعتقله بها في صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
ولما ولي (المنصور يعقوب بن عبد المؤمن) بعد أبيه عبد المؤمن، ولّى على أفريقيّة في أوّل ولايته أبا سعيد ابن الشيخ أبي حفص عمر، ثم غلب ابن غانية على أكثر بلاد أفريقيّة واستولى على تونس، وخطب للخليفة العبّاسي ببغداد، ثم جهز الناصر بن المنصور بن عبد المؤمن الشيخ أبا محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص من مرّاكش إلى أفريقيّة سنة ثنتين وستمائة فانتزعها من ابن غانية، ثم وصل الناصر بن المنصور إلى أفريقيّة بعد ذلك ودخل تونس، وأقام بها إلى منتصف سنة ثلاث وستمائة، وعزم على الرحيل إلى مرّاكش فروّى نظره فيمن يوليه أمرها فوقع اختياره على الشيخ أبي محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص، ورحل الناصر إلى المغرب وقعد مقعد الإمارة بقصبة تونس يوم السبت العاشر من شوّال سنة ثلاث وستمائة وبقي حتى توفّى مفتتح سنة ثمان عشرة وستمائة.
وولي بعده ابنه الأمير (أبو زيد عبد الرحمن) وقعد بمجلس أبيه في الإمارة،
(5/122)

وورد كتاب المستنصر بن الناصر خليفة بني عبد المؤمن بعزله لثلاثة أشهر من ولايته.
وولّى المستنصر مكانه السيد أبا العلى (إدريس بن يوسف) بن عبد المؤمن، ودخل إلى تونس في ذي القعدة من السنة المذكورة، فنزل بالقصبة ورتّب الأمور؛ ومات بتونس سنة عشرين وستّمائة.
ثم مات المستنصر وصار الأمر (لعبد الواحد المخلوع) ابن يوسف بن عبد المؤمن فبعث بولاية أفريقيّة إلى (أبي زيد) بن أبي العلى.
ثم صار الأمر إلى العادل فولّى (أبا محمد عبد الله) بن أبي محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص، ودخل تونس سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وأقام في إمارته إلى أن ثار عليه أخوه الأمير (أبو زكريّا يحيى) بن أبي محمد عبد الواحد وولي مكانه ودخل تونس في رجب سنة خمس وعشرين وستمائة، وافتتح قسنطينة وبجاية سنة ست وعشرين وانتزعهما من بني عبد المؤمن.
ثم ملك تلمسان من يدهم بعد ذلك وبايعه أهل الأندلس، ومات ببونة لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وستمائة لثنتين وعشرين سنة من ولايته.
وبويع بعده ابنه ووليّ عهده المستنصر بالله (أبو عبد الله محمد) ودخل تونس في رجب من السنة المذكورة، فجدّد بيعته بها وهو أوّل من تلقب من الحفصيّين بألقاب الخلافة كما سيأتي. وأنتهى أمره إلى أن بويع له بمكّة المعظّمة، وبعث بالبيعة إليه، واستولى على ما كان بيد أبيه من الغرب الأوسط ببجاية وقسنطينة، وفتح الجزائر، وبقي حتى مات يوم الأضحى سنة خمس وسبعين وستمائة.
(5/123)

وبويع بعده ابنه (الواثق يحيى) بن المستنصر ليلة موت أبيه، فأحسن السّيرة، وبسط في الرعية العدل والعطاء؛ وبعث إليه أهل بجاية بالبيعة، وخرج عليه عمّه (أبو إسحاق) أخو المستنصر ودخل بجاية، وبايعه أهلها في ذي القعدة سنة سبع وسبعين وسبعمائة واستولى على قسنطينة، وقوي أمره ببجاية وما معها، وبلغ ذلك الواثق بن المستنصر، فتيقّن ذهاب الملك منه فانخلع عن الأمر لعمه أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى، ومن هنالك عرف بالمخلوع وأشهد على نفسه بذلك في أوّل ربيع الأوّل سنة ثمان وسبعين وستمائة، وبلغ ذلك السلطان أبا إسحاق فسار إلى تونس، ودخلها في نصف ربيع الآخر من السنة المذكورة، واستولى على المملكة جميعها واعتقل الواثق وبنيه، ثم دسّ عليهم من ذبحهم في الليل في صفر سنة تسع وسبعين وستمائة، وبقي حتّى خرج عليه (أحمد بن روق) بن أبي عمارة من بيوتات بجاية الطارئين عليها من المسيلة سنة إحدى وثمانين وستمائة، وكان شبيها بالفضل بن يحيى المخلوع فعرف بالدّعيّ، واستولى على تونس بعد خروج السلطان أبي إسحاق منها، ولحق أبو إسحاق ببجاية فمنعه ابنه الأمير أبو فارس (عبد العزيز) من الدّخول إليها فانخلع له عنها وأشهد عليه بذلك، ودعا الناس إلى بيعته في آخر ذي القعدة من السنة المذكورة فبايعوه وتلقّب بالمعتمد، ثم كان بين الدعيّ والأمير أبي فارس واقعة قتل فيها الأمير أبو فارس في سنة ثنتين وثمانين وستمائة. وخرج السلطان أبو إسحاق فلحق بتلمسان ومعه ابنه الأمير أبو زكريا، ودخل أهل بجاية في طاعة الدّعيّ.
ثم خرج على الدّعيّ الأمير (أبو حفص عمر بن يحيى) بن عبد الواحد بن أبي حفص، فكانت بينهما حرب انهزم الدّعيّ في آخرها. واستولى أبو حفص على تونس وسائر المملكة، وتلقّب بالمستنصر واختفى الدّعيّ، ثم ظفر به أبو حفص بعد ذلك وقتله، وبايعه أهل تلمسان وطرابلس وما بينهما.
وخرج الأمير (أبو زكريا يحيى) ابن السلطان أبي إسحاق على بجاية وقسنطينة فملكهما واقتطعهما عن مملكة أفريقيّة، وقسم دولة الموحدين بدولتين،
(5/124)

ولم يزل السلطان أبو حفص في ملكه إلى أن مرض في ذي الحجة سنة أربع وستين وستمائة ومات آخر ذي الحجة من السنة المذكورة.
وكان الواثق بن المستنصر لما قتل هو وأبوه ترك جارية حاملا، فسماه الشيخ محمد المرجانيّ «محمدا» وأطعم الفقراء يومئذ عصيدة من عصيدة البرّ فلقّب بأبي عصيدة «1» ، فلما مات السلطان أبو حفص بايع الناس (أبا عصيدة) المتقدّم ذكره.
ومات الأمير أبو زكريا صاحب بجاية وما معها على رأس المائة السابعة.
وقام بعده في تلك الناحية وليّ عهده ابنه (أبو البقاء خالد) فاستمرّ في تلك الناحية، وبقي السلطان أبو عصيدة في مملكة أفريقيّة حتى مات في ربيع الآخر سنة تسع وسبعمائة ولم يخلف ابنا.
وكان بالقصر (أبو بكر بن عبد الرحمن) بن أبي بكر، بن يحيى، بن عبد الواحد، بن أبي حفص في كفالة السلطان أبي عصيدة فلما مات أبو عصيدة بايعه أهل تونس، ثم ارتحل السلطان أبو البقاء خالد: صاحب بجاية إلى جهة تونس طالبا ملكها بعد أبي عصيدة، فخرج (أبو بكر الشهيد) في أهل تونس للقائة فانهزموا عنه، وقبض على أبي بكر الشهيد واعتقل ثم قتل بعد ذلك فسمّي الشهيد، واستقلّ السلطان أبو البقاء خالد بملك تونس وبجاية وحاز جميع المملكة، وتلقّب الناصر لدين الله وبقي حتى بويع (أبو يحيى زكريّا بن أحمد) بن محمد اللحياني، ابن عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص: فبويع بطرابلس، وخرج على أبي البقاء خالد فخافه فخلع نفسه فاعتقل وجاء السلطان أبو يحيى على أثره في رجب سنة إحدى عشرة وسبعمائة فبويع البيعة العامّة ودخل تونس واستولى عليها؛ ثم اضطرب عليه أمره، فخرج من تونس إلى قابس أوّل سنة سبع عشرة وسبعمائة بعد
(5/125)

أن استخلف بتونس، وانتهى إلى قابس فأقام بها وصرّف [العمّال] في جهاتها؛ وقصد السلطان أبو بكر صاحب بجاية تونس، وكان بينه وبين أهلها وقعة انتهى الحال في آخرها إلى أنّ السلطان أبا بكر رجع إلى بجاية. وبايع أهل تونس محمدا المعروف (بأبي ضربة) ابن السلطان أبي يحيى في سنة سبع عشرة المذكورة.
ثم قصد السلطان أبو بكر «1» صاحب بجاية تونس، وبها أبو ضربة فغلبه عليها، ودخلها في ربيع الآخر سنة ثمان عشرة وسبعمائة، وبويع بها البيعة العامّة.
ولحق السلطان أبو يحيى اللحيانيّ بمصر في أيام الملك الناصر «محمد بن قلاوون» فأحسن نزله وأقام عنده إلى أن مات، ولحق ابنه أبو ضربة بتلمسان فأقام بها إلى أن مات، واستقلّ السلطان أبو بكر بأفريقيّة وبجاية إلى أن غلبه على تونس (إبراهيم بن أبي بكر) الشهيد المتقدّم ذكره أوّلا، ودخلها في رجب سنة خمس وعشرين وسبعمائة.
ثم غلبه عليها السلطان أبو بكر وانتزعها من يده في شوّال من السنة المذكورة واستقرّ في يده ملك أفريقيّة وبجاية إلى أن مات فجأة في جوف الليل في ليلة الأربعاء ثاني رجب الفرد سنة سبع وأربعين وسبعمائة بمدينة تونس.
وبويع ابنه (أبو حفص عمر) بن أبي بكر من ليلته، وجلس من الغد وبويع البيعة العامّة. وكان أبوه قد عهد إلى ابنه الآخر أبي العبّاس أحمد، وكان ببلاد الجريد فاستجاش على أخيه وقدم عليه تونس، وكانت بينهما واقعة قتل فيها أبو العباس واستقرّ السلطان أبو حفص على ولايته. وكان السلطان أبو بكر حين عهد لابنه أبي العباس أرسل العهد إلى السلطان أبي الحسن المرينيّ: صاحب تلمسان وسأله في الكتابة عليه، فلما قتل أبو العباس المذكور ثقل ذلك على السلطان أبي الحسن وخرج إلى أفريقيّة في سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ووصل إلى بجاية ثم
(5/126)

إلى قسنطينة فملكهما، ثم سار إلى تونس فلقيه السلطان أبو حفص عمر، وكانت بينهما واقعة قبض فيها على أبي حفص ثم قتل. ودخل السلطان أبو الحسن إلى تونس واستولى على جميع المملكة مضافة إلى مملكته، وكمل له بذلك ملك جميع المغرب.
ثم غلب (أبو العباس الفضل) ابن السلطان أبي بكر على بجاية وقسنطينة وملكهما، وسار السلطان أبو الحسن إلى المغرب واستخلف على تونس ابنه أبا الفضل فسار الفضل ابن السلطان أبي بكر من بجاية إلى تونس فخرج منها أبو الفضل بن أبي الحسن فارّا إلى أبيه بالمغرب، ودخلها الفضل ابن السلطان أبي بكر وملكها سنة تسع وأربعين وسبعمائة واستولى على جميع المملكة، وبقي إلى أن قبض عليه في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة.
وبويع بعده أخوه (أبو إسحاق إبراهيم) ابن السلطان أبي بكر، وهي يومئذ غلام قد ناهز الحلم، وقتل الفضل في جوف الليل من الليلة القابلة خنقا، واستولى على أفريقيّة وبجاية وقسنطينة، وبقي حتى غلبه بنو مرين على بجاية وقسنطينة، وملكهما منه أبو عنان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة.
ثم استولى السلطان (أبو العبّاس أحمد) بن محمد بن أبي بكر على قسنطينة سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وبويع بها.
ثم غلبه عليها أبو عنان وقفل إلى المغرب سنة سبع وخمسين وقد استخلف بها، فتجهز إليها (أبو إسحاق إبراهيم) صاحب تونس وملكها من يد عامل أبي عنان سنة إحدى وستين، ثم قوي أمر السلطان أبي العبّاس وعاد إلى قسنطينة وملكها في السنة المذكورة.
ثم استولى (أبو عبد الله محمد) بن محمد ابن السلطان أبي بكر في رمضان سنة خمس وستين وسبعمائة فأساء السيرة بها، فسار إليه السلطان «أبو العبّاس» من تونس فقتله ودخل بجاية تاسع عشر شعبان سنة سبع وستين وسبعمائة وملكها، وبقيت بيده وتونس بيد السلطان أبي إسحاق إبراهيم ابن السلطان أبي بكر إلى أن
(5/127)

توفّي السلطان أبو إسحاق فجأة في الليل في سنة سبع وسبعين وسبعمائة.
وبويع بعده ابنه (أبو البقاء خالد) واستبدّ عليه منصور مولى أبيه، وابن الباليقي حاجب أبيه فلم يكن له في الدولة تحكّم.
ثم رحل السلطان أبو العبّاس من بجاية إلى تونس وقبض على السلطان أبي البقاء خالد بن إبراهيم بعد حصاره أيّاما واعتقله وملك تونس وانتظم في ملكه أفريقيّة وبجاية وقسنطينة وأعمالها، وبقي حتى مات في شعبان سنة ستّ وثمانين وسبعمائة.
وكان أبو العبّاس هذا له شعر رائق، طلب مرة كاتب إنشائه يحيى بن أجاد، وكان يحيى ثملا، فخافه على نفسه إن هو طلع إليه على تلك الحالة فكتب إليه (مجزوء الخفيف) .
أصبح العبد يحيى ... كصباح ابن أكثم
شغلته الحميّا «1» ... وهو بالأمر مهتم
فخشي من رقيب ... فرأى الدار أكتم
فلمّا قرأها وقّع بخطه تحت خطّه: (مجزوء الخفيف)
قرّ عينا بعيش ... صفوه بك قد تمّ
أنت أزكى عبيدي ... هاهنا كنت أو ثمّ
فكان ذلك سبب توبة يحيى.
وبويع بعده أبنه أبو فارس (عزّوز) في رابع شعبان من السنة المذكورة واستولى على تونس وبجاية وقسنطينة وسائر أعمالها. وهو السلطان أبو فارس
(5/128)

عزّوز ابن السلطان أبي العباس أحمد، ابن السلطان أبي بكر بن يحيى، بن إبراهيم، بن عبد الواحد، ابن الشيخ أبي حفص.
قلت: وهو باق إلى زماننا في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وقد شاع ذكر شجاعته وعدله حتّى إنه دوّخ البلاد ومهّدها وقتل العرب وأبادهم، ودخل من بقي منهم في طاعته بعد أن لم يدينوا لطاعة غيره، وقطع المكوس من بلاده، وأزال الحانات من تونس، مع تواضع وقرب من الفقراء، وأخذ بيد المظلومين، ووجوه برّ رتّبها وقرّرها ولم تعهد لأحد ممن قبله، إلى غير ذلك من صفات الملوك المحمودة التي امتاز بها عن الملوك، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
الجملة العاشرة (في منتمى ملوك هذه المملكة القائمين بها الآن، من الموحّدين في النّسب، ودعواهم الخلافة، وبيان أصل دولتهم، وتسميتهم الموحّدين)
أما منتماهم في النسب، فقد ذكر في «التعريف» : أن الملك القائم بها في زمانه يدّعي النسب إلى أمير المؤمنين: عمر بن الخطّاب رضي الله عنه؛ ومن أهل النّسب من ينكر ذلك: فمنهم من يجعله من بني عديّ بن كعب رهط عمر، وليس من بني عمر، ومنهم من يقول بل من هنتاتة وليسوا من قبائل العرب [في شيء] .
وهم الحفصيّون نسبة إلى أبي حفص: أحد العشرة «1» أصحاب ابن تومرت «2» وهم بقايا الموحّدين إذ كان من تقرير ابن تومرت أن الموحدين هم أصحابه، ولم يبق ملك الموحّدين إلا في بني أبي حفص هذا.
واعلم أن النسّابين قد اختلفوا في نسبه على ثلاثة أقوال.
(5/129)

أحدها- نسبته إلى أمير المؤمنين: عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وهؤلاء يقولون: هو أبو حفص عمر بن يحيى، بن محمد، بن وانّودين، بن عليّ، بن أحمد، بن والّال، بن إدريس، بن خالد، بن اليسع، بن إلياس، بن عمر، بن وافتق، بن محمد، بن نجيه، بن كعب، بن محمد، بن سالم، بن عبد الله، بن عمر بن الخطّاب، قال قاضي القضاة «وليّ الدين بن خلدون» ويظهر أن هذا النسب القرشيّ وقع في المصامدة من البربر، والتحم بهم واشتملت عليه عصبيّتهم، شأن الأنساب التي تقع من قوم إلى قوم.
الثاني- نسبته إلى بني عديّ بن كعب: رهط عمر بن الخطّاب رضي الله عنه الذي ينتسب فيه، وهو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى ابن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب جدّ النبي صلّى الله عليه وسلّم وباقي نسبه إلى عدنان معروف.
الثالث- نسبته إلى هنتاتة، وهنتاته- بفتح الهاء وإسكان النون وفتح التاء المثنّاة فوق وبعدها ألف ثم تاء مثناة فوق مفتوحة ثم هاء قبيلة من قبائل المصامدة من البربر، بجبال درن المتاخمة لمرّاكش، وهي قبيلة واسعة كبيرة، ويقال لها بالبربرية «ينتي» وكان أبو حفص هذا هو شيخهم وكبيرهم، وهو الذي دعاهم إلى اتباع ابن تومرت والحمل على طاعته.
وأما دعواهم الخلافة، فقد قال في «التعريف» عند ذكر سلطان زمانه منهم: لا يدّعي إلا الخلافة ويتلقّب بألقاب الخلفاء، ويخاطب بأمير المؤمنين في بلاده.
واعلم أن أوّل من تلقّب منهم المستنصر «1» بالله أبو عبد الله محمد ابن السلطان أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص، على أن أباه كان يمتنع من التلقّب بألقاب الخلافة، ويمنع من يخاطبه بها مقتصرا على التلقّب
(5/130)

بالأمير خاصّة حتّى إن بعض شعرائه رفع إليه قصيدة مدحه بها أوّلها: (وافر) .
ألا جل بالأمير المؤمنينا ... فأنت بها أحقّ العالمينا.
فأنكر ذلك عليه. وإنما حمل المستنصر على ذلك أن الخلافة في زمنه قد تعطّلت في سائر الأقطار. وذلك أن الخلافة الأمويّة ودعاوى بني عبد المؤمن قد زالت عنها في المغرب بغلبة بني مرين عليهم وانتزاعهم الأمر منهم، وخلافة العبيديّين قد زالت من مصر، وخلافة بني العبّاس قد زالت من بغداد باستيلاء التّتر عليها.
وأما مبدأ دولتهم ومصير آخرها إلى بني أبي حفص بأفريقيّة، فإن أصل قيامها ابن تومرت: وهو محمد بن عبد الله تومرت، بن وجلّيد، بن يامصال، بن حمزة، ابن عيسى فيما ذكره محققو المؤرخين. وبعضهم يقول: محمد بن تومرت، بن نيطاوس، بن سافلا، بن مسيعون، بن ايكلديس، بن خالد، أصله من هرغة من بطون المصامدة من البربر. وبعض المؤرّخين يجعل نسبه في أهل البيت ويقول: هو محمد بن عبد الله، بن عبد الرحمن، بن هود، بن خالد، بن تمام، بن عدنان، بن سفيان، بن صفوان، بن جابر، بن عطاء، بن رباح، بن محمد، من ولد سليمان بن عبد الله، بن حسن، بن الحسن، بن عليّ، بن أبي طالب. وسليمان هذا أخو إدريس الأكبر الذي كان لبنيه الدولة بالغرب على ما مرّ «1» في الكلام على مكاتبة صاحب برّ العدوة.
ويقال إن سليمان هذا لحق بالمغرب إثر أخيه إدريس. وقيل: بل هو من قرابة إدريس اللاحقين به إلى المغرب ويكون على هذا المقتضى نسبه قد التحم بنسب المصامدة، واتصل بهم وصار في عدادهم كما تقدّم في نسب أبي حفص.
وكان أهل بيته أهل دين وعبادة، وشبّ محمد هذا فيهم قارئا محبّا للعلم، وارتحل في طلب العلم إلى المشرق على رأس المائة الخامسة، ومرّ بالأندلس،
(5/131)

ودخل قرطبة وهي إذ ذاك دار علم، ثم لحق بالإسكندريّة وحجّ، ودخل العراق، ولقي أكابر العلماء به يومئذ وفحول النّظّار، ولقي أئمة الأشعريّة من أهل السّنّة وأخذ بقولهم في تأويل المتشابه. ويقال إنه لقي أبا حامد الغزاليّ «1» رحمه الله واستشاره فيما يريده من قيام الدولة بالمغرب.
ورجع إلى المغرب وقد حصل على جانب كبير من العلم، وطعن على أهله في الوقوف مع الظاهر وحملهم على القول بالتأويل والأخذ بمذهب الأشعريّة في جميع العقائد، وألّف العقائد على رأيهم مثل المرشدة وغيرها. وكان مع ذلك يقول بعصمة الإمام على مذهب الإمامية من الشّيعة. وانتهى إلى بجاية فأقام بها يدرّس العلم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهناك لقيه عبد المؤمن أحد أصحابه وارتحل معه إلى المغرب وصار إلى بلاد هرغة من البربر، فاجتمع إليه الطلبة ونشر العلم، وأظهر مذهب الأشعرية.
وكان الكهّان والمنجّمون يتحدّثون بظهور ملك بالمغرب من البربر، وشاع في الناس أنه ذلك الملك، واختار من أصحابه عشرة فجعلهم خاصّته: وهم عبد المؤمن بن عليّ، وأبو حفص عمر بن علي، ومحمد بن سليمان، وعمر بن تافركين، وعبد الله بن ملويات وغيرهم. ودعا المصامدة إلى بيعته على التوحيد وقتال المجسّمين، فبايعوه على ذلك سنة خمس عشرة وخمسمائة.
ولما تكاملت له البيعة لقّبوه بالمهديّ، وكان قبل ذلك يلقب بالإمام، وكان عبد المؤمن أخصّ أصحابه به، وكان يلقّبه بالخليفة، وأبو حفص بعده في الخصوصيّة، وكان يلقّبه بالشيخ، وكان يسمّي أتباعه الموحّدين تعريضا بمن يجنح عن التأويل ويقف مع الظاهر فيوقعه في التجسيم وغيره، ولم تحفظ عليه بدعة إلا ما وافق فيه الإماميّة من القول بعصمة الإمام. وقد مرّ ذكر «2» مدّة ولايته ثم استخلاف
(5/132)

عبد المؤمن بعده في الكلام على مكاتبة صاحب برّ العدوة. وقد تقدّم ابتداء انتقال مملكة إفريقيّة إلى أبي حفص وانسحابها فيهم إلى زماننا على الترتيب.
الجملة الحادية عشرة (في ترتيب المملكة بها: من زيّ الجند، وأرباب الوظائف: من أرباب السّيوف والأقلام، ومقادير الأرزاق الجارية عليهم، وزيّ السلطان، وترتيب حاله في الملك)
أما الجند
، فقد نقل في «مسالك الأبصار» عن أبي عبد الله بن القويع: أن الذي قرّره لهم مهديّهم ابن تومرت، ثم عبد المؤمن وأبناؤه بعده أنّه ليس لهم أمراء ولا أتباع يطلب بعدّتهم كعدّة الأمراء بمصر، وإنما لهم أشياخ من أعيانهم لا عدّة لهم ولا جند، بل المرء منهم بنفسه فقط، ولكلّ طائفة منهم رئيس يتولّى النظر في أحوالهم يسمّونه المزوار.
أما الجند فمن الموحّدين والأندلسيّين وقبائل بها من المضافة إليهم ومن قبائل العرب ومن هاجر إليهم من العرب القدماء، الذين هاجروا في مدّة بني عبد المؤمن، والمماليك التّرك المبتاعة من الديار المصرية، ومن الفرنج وغيرهم.
وحاصل ما ذكره في «المسالك» أن الجند عندهم على سبع طبقات.
الطبقة الأولى- الأشياخ الكبار من الموحّدين
الذين هم بقايا أتباع المهديّ ابن تومرت. قال في «مسالك الأبصار» : وهم بمثابة أمراء الألوف بمصر، وبمثابة النّوينات أمراء التوامين بمملكة إيران.
الطبقة الثانية- الأشياخ الصّغار من الموحّدين
أيضا: وهم دون من تقدّم منهم في الرتبة.
الطبقة الثالثة- الوقّافون
. قال في «مسالك الأبصار» : سألت ابن القويع عن معنى الوقّافين ما هو؟ فقال: هم قوم لهم خاصّيّة بالسلطان يسكنون معه في القصبة: وهي القلعة، بمنزلة الأمراء الخاصكيّة. قال: وهم طبقتان: وقّافون
(5/133)

كبار، ووقّافون صغار، وكلهم يقفون بين يديه في أوقات جلوسه إذا جلس للناس.
الطبقة الرابعة- عامّة الجند
. الطبقة الخامسة- الجند من قبائل العرب
. الطبقة السادسة- الصّبيان
: وهم جماعة من الشّباب بمثابة المماليك الكتّانية بالديار المصرية، يكونون في خدمة السلطان.
الطبقة السابعة- الجند من الإفرنج
، ويعبّر عنهم بالعلوج «1» ؛ وهم لخاصة السلطان لا يطمئنّ إلا إليهم.
وأما عدّة العسكر. ففي «مسالك الأبصار» عن ابن القويع أنها لا تبلغ عشرة آلاف وإنما العدد الجمّ في العرب أهل البادية ولهم قوّة شوكة.
وأما أرباب الوظائف فعلى ثلاثة أضرب.
الضرب الأول (أرباب السّيوف، وهم ثمانية)
الأوّل- الوزراء
: وهم ثلاثة وزراء: وزير الجند وهو المردود إليه الحديث في أمر الجند. قال في «مسالك الأبصار» : وهو بمثابة الحاجب بالدّيار المصرية، ووزير المال: وهو المتحدّث في أمر المال، ويعبّر عنه بصاحب الأشغال، ووزير الفضل وهو كاتب السّرّ.
الثاني- شيخ الموحّدين
. قال ابن القويع: وشيخ الموحدين كأنه نائب السلطان، ويسمّى الشيخ المعظّم وهو الذي يتولى عرض الموحدين وأمورهم.
الثالث- أهل المشورة
: وهم ثلاثة من أشياخ الموحدين يجلسون بمجلسه للرأي والمشورة.
(5/134)

الرابع- صاحب الرّقاعات
. قال ابن سعيد: وهو الذي يتولّى إبلاغ الظّلامات إلى السلطان وإيصال قصصهم إليه وعرضها عليه ثم يخرج بجوابها عنه. قال في «مسالك الأبصار» : وهذا بمثابة الدوادار (يعني بالديار المصرية) .
الخامس- صاحب العلامات
: وهو المتولّي أمور الأعلام، وهو بمثابة أمير علم بالديار المصرية. وفي معناه آخر إليه أمر دقّ الطبول، يأمر بدقّ الطّبول عند ركوب السلطان في المواكب.
السادس- الحافظ
: وهو صاحب الشّرطة، وعنه يعبّر المصريّون بوالي المدينة.
السابع- محرّكو الساقة
: وهم قوم يكون بأيديهم العصيّ، يرتّبون الناس في المواكب، بمنزلة النّقباء بالديار المصرية.
الثامن- صاحب الطّعام
: وهو بمنزلة إستاددار «1» الصّحبة.
الضرب الثاني (أرباب الأقلام)
وقد ذكر منهم ثلاثة:
الأوّل- قاضي الجماعة
: وهو مثل قاضي القضاة بالديار المصرية.
الثاني- المحتسب
: وهو معروف.
الثالث- صاحب كتب المظالم
. قال في «مسالك الأبصار» : وهو الموقّع على القصص وكأنه بمثابة موقّع الدّست «2» بمصر والشام.
(5/135)

الجملة الثانية عشرة (في ذكر الأرزاق المطلقة من جهة السلطان)
ويختلف الحال باختلاف أحوال أربابها.
فأما أشياخ الموحدين الكبار، فقد نقل في «مسالك الأبصار» عن القاضي أبي القاسم بن بنّون أنّ لهم أرضا يزرعونها أو يحكّرونها ويكون لهم عشر ما طلع منها. وهذه الأرض بمثابة الإقطاع بمصر، ولكلّ واحد منهم في كل سنة حرث عشرة أزواج بقرا، كل زوج بشعبتين، كل شعبة رأسان من البقر فيكون لكلّ واحد عشرون شعبة. قال في «مسالك الأبصار» : وهذه الشعبة هي المسماة في بلاد دمشق بالفدّان. ولهم مع ذلك راتب يفرّق عليهم في طول السنة، يسمّونه البركات، بمثابة الجوامك بمصر؛ يفرّق أربع مرّات في السنة: في عيد الفطر تفرقة، وفي عيد الأضحى تفرقة، وفي ربيع الأول تفرقة، وفي رجب تفرقة، يصيب كل واحد منهم من ذلك أربعون دينارا مسماة، تكون بثلاثمائة درهم عتيقة، والسلطان يأخذ معهم بسهم كواحد منهم على السّواء، فيكون جملة ما لكلّ واحد منهم في كل سنة مائة وعشرين دينارا مسمّاة، عنها ألف ومائتا درهم مغربية، عنها من نقد مصر والشام ستّمائة وخمسون درهما، وما يتحصّل من مغلّ عشرين فدّانا بقدر مثلها. قال في «مسالك الأبصار» : فيكون تقدير ما لأحد المشايخ الكبار الذين بمثابة أمراء الألوف بمصر والشام في كل سنة ألف وثلاثمائة وعشرة دراهم نقرة بمعاملة مصر في كل سنة.
وأما الأشياخ الصّغار، فلكلّ واحد منهم حرث خمسة أزواج من البقر، على النّصف من الأشياخ الكبار؛ والبركات في كل سنة على ما تقدّم في الكبار. قال ابن بنّون: ولعامّة الأشياخ الكبار والصّغار والوقّافين والجند شيء آخر يفرّقه السلطان عليهم، يسمّى المواساة: وهي غلة تفرّق عليهم عند تحصيل الغلّات في المخازن، وشيء ثالث يقال له الإحسان، وهو مبلغ يفرّق عليهم. قال [وكلاهما «1» ] من السنة إلى السنة ليس لها قدر مضبوط ولا قدر مخصوص، بل
(5/136)

على قدر ما يراه السلطان وبحسب أقدار الناس. ومقادير العطايا بينهم متفاوتة.
قال: وكذلك القبائل ومزاويرهم على هذا النحو. قال ابن القويع: والجند الغرباء يتميزون في الأعطيات على الموحّدين. قال: وللعرب أهل البادية إقطاعات كثيرة، ومنهم من يخرج مع السلطان إذا استدعاهم السلطان للخروج معه.
الجملة الثالثة عشرة (في لبس سلطان مملكة تونس، ولبس أشياخه، وسائر جنده، وعامّة أهل بلده)
أما لبسه فقد ذكر في «مسالك الأبصار» عن سلطان زمانه بأفريقيّة: أن له عمامة ليست بمفرطة في الكبر، بحنك وعذبة صغيرة. وقال ابن سعيد: له عمامة كبيرة من صوف وكتّان فيها طراز من حرير. ولا يتعمّم أحد من أهل دولته قدرها في الكبر. وذكر أن عذبة عمامته تكون خلف أذنه اليسرى، وأنها مخصوصة به وباقاربه؛ وله جباب «2» تليها، ولا يلبس هو ولا عامّة جنده وأشياخه خفّا إلا في السّفر. وغالب لبسه ولبس أكابر مشايخه من قماش عندهم يسمّى السّفساريّ، يعمل عندهم من حرير وقطن أو حرير وصوف رفيع جدّا، وقماش يعرف بالتّلمسانيّ يعمل بتلمسان: إما صوف خالص أو حرير خالص: مختّم وغير مختّم. قال ابن بنّون: والسلطان يمتاز بلبس الخزّ «3» ، ولونه لون الخضرة
(5/137)

والسّواد. قال: وهذا اللّون هو المسمّى بالجوزيّ، وبالغيار، وبالنّفطيّ. قال ابن سعيد: وهو ما يخرج من البحر بصفاقس.
قال في «مسالك الأبصار» : وهو المسمّى بوبر السمك بمصر والشام يعني المعبّر عنه بصوف السمك المقدّم ذكره عند ذكر صفاقس من بلاد أفريقية. قال ابن سعيد: وهي أفخر ثياب السلطان بتونس ونقل في «مسالك الأبصار» عن ابن سعيد: أنه يلبس الثياب الصوف الرفيعة، ذوات الألوان البديعة، وأكثر ما يلبس المختم الممتزج من الحرير والصّوف، بكمين طويلين من غير كثرة طول، ضيقين من غير أن يكونا مزنّدين. وثيابه دون شدّ نطاق إلا أن يكون في الحرب فإنه يشدّ المنطقة، ويلبس الأقبية، وله طيلسان صوف في نهاية اللّطافة، كان يرتدي به ولا يضعه على رأسه.
[وأما لبس الأشياخ والدواوين والوقافين والجند والقضاة والوزراء والكتاب وعامة الناس فعلى زيّ واحد، لا تكاد تتفاوت العمائم والجباب ولا يمتاز الأشياخ والوقافون والجند إلا بشيء واحد لا يكاد يظهر ولا يبين وهو صغر العمائم وضيق القماش، ولباس عامة أهل أفريقية من الجوخ ومن الثياب الصوف ومن الأقبية ومن الثياب القطن، فمن لبس غير هذا مما يجلب من طرائف الإسكندرية والعراق كان نادرا شاذّا] «1» .
الجملة الرابعة عشرة (في شعار الملك بما يتعلق بهذا السلطان)
نقل في «مسالك الأبصار» عن ابن القويع أن له علما أبيض يسمّى العلم المنصور، يحمل معه في المواكب، وذكر أن الأعلام التي تحمل معه في المواكب سبعة أعلام: الأوسط أبيض وإلى جانبه أحمر وأصفر وأخضر. قال: ولا
(5/138)

أتحقق كيف ترتيبها وأن ذلك غير أعلام القبائل التي تسير معه فلكلّ قبيلة علم تمتاز به بما عليه من الكتابة، والكتابة مثل لا إله إلا الله، أو الملك لله، وما أشبه ذلك، وأن له الطبول والبوقات والنفير.
الجملة الخامسة عشرة (في جلوس سلطان هذه المملكة في كل يوم)
قال ابن سعيد: عادة هذا السلطان في مدينة مملكته تونس: أنه يخرج باكر كلّ يوم إلى موضع يعرف بالمدرسة، ويبعث خادما صغيرا يستدعي وزير الجند من موضعه المعيّن له، فيدخل عليه رافعا صوته «بسلام عليكم» عن بعد من غير أن يوميء برأسه، ولا يقوم له السلطان، فيجلس بين يدي السلطان، ويسأله السلطان عما يتعلّق بأمور الجند والحروب، ثم يأمره باستدعاء من يريده من أشياخ الجند أو العرب أو من له تعلّق بوزير الجند؛ ثم يأمر باستدعاء وزير المال وهو المعروف بصاحب الأشغال فيأتي معه ويسلّمان جميعا من بعد على السلطان، وإن كان قد تقدّم سلام وزير الجند، ثم يتقدّم وزير المال إلى ما بين يدي السلطان ويتأخر وزير الجند إلى مكان لا يسمع فيه حديثهما، ثم يخرج وزير المال ويستدعي من يتعلّق به، ثم يحضر صاحب الطعام بطعام الجند ويعرضه على وزيرهم لئلّا يكون فيه تقصير، ثم يقوم السلطان من المدرسة إلى موضع مخصوص ويستدعي وزير الفضل: وهو كاتب السر، ويسأله عن الكتب الواردة من البلاد، وعما تحتاج خزانة الكتب إليه، وعما تجدّد في الحضرة وفي البلاد مما يتعلّق بأرباب العلم وسائر فنون الفضل والقضاة، ويأمر باستدعاء من يخصّه من الكتّاب ويملي عليه وزير الفضل ما أمر بكتابته، ويعلّم عليه وزير الفضل بخطّه؛ ثم يستدعي السلطان من شاء من العلماء والفضلاء ويتحاضرون محاضرة خفيفة. وإن كان وزير الفضل قد رفع قصيدة لشاعر وافد أو مرتّب في معنى استجدّ، أمره السلطان بقراءتها عليه، أو يأمر بحضور الشاعر لينشدها قائما أو قاعدا بحسب ما تقتضيه رتبته، ويتكلّم
(5/139)

السلطان مع وزير الفضل ومن حضر من الفضلاء في ذلك ويكتب على كل قصيدة بما يراه.
الجملة السادسة عشرة (في جلوسه للمظالم)
قال الشيخ شرف الدّين عيسى الزّواويّ: إذا جلس السلطان جلس حوله ثلاثة من كبار أشياخ الموحّدين للرأي والمشورة، ويجلس معهم وزير الجند إن كان كبيرا، وإن لم يكن كبيرا وقف بإزاء أولئك الثلاثة، ويجلس دونهم عشرة من أكابر أشياخه، وربما كان الثلاثة المختصّون بالرأي من جملة العشرة المذكورين، ويقف خمسون وقّافا وراء وزير الجند. فإذا أمر السلطان بأمر بلّغه وزير الجند لآخر واقف وراءه، وبلّغه الآخر لآخر، حتّى ينتهي إلى من هو خارج الباب بنقل ناس عن ناس، ويقف دون الخمسين المذكورين جماعة تسمّى بالوقّافين بأيديهم السيوف حوله، وهم دون الخمسين المذكورين في الرّتبة. وقد ذكر ابن سعيد: أن يوم السبت مخصوص عنده بأن يقعد في قبّة كبيرة في القصبة: وهي القلعة، ويحضر عنده أعيان دولته وأقاربه والأشياخ، ويجلس أقاربه عن جانبه الأيمن، والأشياخ عن جانبه الأيسر؛ ويجلس بين يديه وزير الجند، ووزير المال، وصاحب الشّرطة، والمحتسب، وصاحب كتب المظالم: وهو الموقّع على القصص. ويقرأ الكاتب المعيّن ما وقّع له على قصص المظالم، ويردّ كلّ ما يتعلق بوظيفة إلى ربّ تلك الوظيفة وينفّذ الباقي.
الجملة السابعة عشرة (في خروجه لصلاة الجمعة)
قال ابن سعيد: من عادة السلطان بأفريقيّة أنه لا يجتمع يوم الجمعة بأحد، بل يخرج عندما ينادى المنادى بالصلاة، ويشقّ رحبة قصره ما بين خواصّ من المماليك الأتراك، فعندما يعاينونه ينادون «سلام عليكم» نداء عاليا على صوت واحد يسمعه من يكون بالمسجد الجامع، ثم يتقدّمه وزير الجند بين يديه في
(5/140)

ساباط «1» يخرج هناك للجامع، عليه باب مذهب سلطانيّ، ويسبق الوزير فيفتح الباب، ويخرج منه السلطان وحده، ويخرج له جماعة الوقّافين من أعيان الدّولة فلا يقوم له في الجامع غيرهم؛ وليس له مقصورة مخصوصة للصلاة. فإذا انفصل عن الصلاة قعد في قبّة كبيرة له في صدر الرّحبة وحضر عنده أقاربه، ثم يدخل قصره.
الجملة الثامنة عشرة (في ركوبه لصلاة العيدين أو للسّفر)
قال القاضي شرف الدين عيسى الزّواوي: وعادته في ذلك أن يركب السلطان، وعن يمينه فارس وعن يساره فارس من أكابر أشياخه من العشرة المقدّم ذكرهم، ويمشي إلى جانبه رجلان مقلّدان سيفين رجّالة إلى جانبه: أحدهما ممسك بركابه الأيمن، والثاني ممسك بركابه الأيسر، ويليهما جماعة رجّالة من أكابر دولته: مثل الثلاثة أصحاب الرأي، والعشرة الذين يلونهم، ومن يجري مجراهم من أعيان الجند، وتسمّى هذه الجماعة ايربان، يمشون حوله بالسّيوف وبأيديهم عكاكيز. قال: وربما مشى في هؤلاء قاضي الجماعة: وهو قاضي القضاة. وأمام هؤلاء الجماعة المشّائين نفر كثير من الموحّدين أقارب السلطان بسيوف ومزاريق «2» ، ويسمّون بالمشّائين. وقدّامهم جماعة يقال لهم جفاوة: وهم عبيد سود بأيديهم حراب في رؤوسها رايات من حرير، وهم لابسون جبابا بيضا مقلّدون بالسيوف. وأمام هولاء قوم يعبّر عنهم بعبيد المخزن، وهم عوامّ البلد وأهل الأسواق، وبأيديهم الدّرق «3» والسّيوف، ومعهم العلم الأبيض المسمّى بالعلم
(5/141)

المنصور المقدّم ذكره في شعار السّلطنة.
وعادتهم أن ينادى فيهم ليلة العيد أو ركوب السلطان لسفر، فيخرج أهل كل صناعة بظاهر البلد، ويكون خلف السلطان صاحب العلامات، وهو أمير علم راكب، ووراءه أعلام القبائل، ووراء الأعلام الطّبول والبوقات، وخلفهم محرّكو الساقة الذين هم بمثابة النّقباء وبأيديهم العصيّ يرتّبون العساكر، وخلف هؤلاء العسكر. والفارس الذي عن يمين السلطان إليه أمر دقّ الطبول يقول: دقّ فلان باسم كبيرهم، ويستمرّ من حول السلطان من المشاة يمشون ثم يركبون، ويطيف بالسلطان جماعة يقرأون حزبا من القرآن الكريم. ثم يقف السلطان ويدعو ويؤمّن وزير الجند على دعائه، ويؤمّن الناس على تأمينه، ويجدّ الناس والسلطان السير. فإن كانوا في فضاء كان مشيهم على هذا الترتيب، وإن ضاق بهم الطريق مشوا كيف جاء على غير ترتيب إلا أنّ الجند لا يتقدّمون على السلطان. فإذا قربوا من المنزلة وقف السلطان ودعا وأمّن على دعائه كما تقدّم، وإن كان في صلاة العيد ذهب في طريق وعاد في أخرى.
الجملة التاسعة عشرة (في خروج السلطان للتنزّه)
قد تقدّم في الكلام على مدينة تونس أنها على طرف بحيرة خارجة من البحر الروميّ تحدق بها البساتين من كل جانب، وفي تلك البحيرة جزيرة يقال لها سكلة لا ساكن بها ربما ركب السلطان في السّفن وصار إليها في زمن الربيع، وتضرب بها أخبية ويقيم بها للتنزّه أياما ثم يعود. على أنه لا ماء فيها ولا مرعى، ولكن لما تشرف عليه من البساتين المستديرة بتلك البحيرة وما قبلها من الجواسق «1» المشرفة ومنظر البحر. وقد ذكر ابن سعيد: أنه ربما خرج إلى بستانه، فيخرج في نحو
(5/142)

مائتي فارس من الشباب المعروفين بالصّبيان الذين هم بمثابة المماليك الكتانية بالديار المصرية، يوصّلونه إلى البستان ويرجعون، ويبقى وزراؤه الثلاثة نوّابا له.
وكل ما تجدّد عند كل واحد منهم من الأمر طالعه به وجاوبهم بما يراه. قال في «مسالك الأبصار» : وركوبه إلى البستان في زقاق من قصبته إلى البستان، محجوب بالحيطان لا يراه فيه أحد.
الجملة العشرون (في مكاتبات السلطان)
قال في «مسالك الأبصار» : قال ابن سعيد: قال العلّامة أبو عبد الله بن القويع: إن هذا السلطان لا يعلّم على شيء يكتب عنه، وإنما يعلّم عنه في الأمور الكبار صاحب العلامة الكبرى، وهو كاتب السرّ في الغالب؛ والعلامة «الحمد لله» أو «الشكر لله» بعد البسملة. قال: ومن خاصّيّة كتب هذا السلطان أن تكتب في ورق أصفر. ومن عادته وعادة سائر المغاربة أن لا يطيلوا في الكتب ولا يباعدوا بين السطور كما يفعل في مصر وما ضاهاها. أما في الأمور الصّغار فإنما تكون الكتابة فيها عن وزير الجند، ويكتب عليها صاحب العلامة الصغرى اسم وزير الجند، وتكون هذه الكتب في غير الورق الأصفر.
الجملة الحادية والعشرون (في البريد المقرّر في هذه المملكة)
قد ذكر في «مسالك الأبصار» : أنه إذا كتب كتاب إلى نواحي هذه المملكة ليوصّل إلى بعض نوابها، جهّز مع من يقع الاختيار عليه من النّقباء أو الوصفان:
وهم عبيد السلطان، ويركب على بغل إمّا ملك له أو مستعار ويسافر عليه إلى تلك الجهة. فإن أعيا في مكان تركه عند الوالي بذلك المكان وأخذ منه بغلا عوضه، إما من جهة الوالي أو يسخّره له من الرعايا، إلى أن ينتهي إلى جهة قصده ثم يعود كذلك.
(5/143)

الجملة الثانية والعشرون (في الخلع والتّشاريف في هذه المملكة)
قال القاضي أبو القاسم بن بنّون: ليس من عادة سلطان افريقيّة إلباس من ولّي ولاية خلعة كما في مصر، وإنما هي كسوة: وهو قماش غير مفصّل يتصرّف فيه كيف شاء.
المملكة الثانية (من ممالك بلاد المغرب مملكة تلمسان)
وهي مملكة الغرب الأوسط. وفيها جملتان:
الجملة الأولى (في ذكر حدودها، وقاعدتها، وما اشتملت عليه من المدن، والطريق الموصّلة إليها)
أما حدودها، فحدّها من الشرق حدود مملكة أفريقيّة وما أضيف إليها من جهة الغرب، وحدّها من الشّمال البحر الرومي، وحدّها من الغرب حدود مملكة فاس الآتي ذكرها من الشرق؛ وحدّها من جهة الجنوب المفاوز الفاصلة بين بلاد المغرب وبلاد السّودان. وذكر في «العبر» : أن حدّها من جهة الغرب من وادي ملويّة الفاصل بينها وبين الغرب الأقصى إلى وادي مجمّع في جهة الشرق الفاصل بينها وبين أفريقيّة.
وأما قاعدتها، فمدينة (تلمسان) بكسر المثناة من فوق واللام وسكون الميم وفتح السين المهملة وألف ونون. وهي مدينة من الغرب الأوسط. وقال في «تقويم البلدان» : من الغرب الأقصى متاخمة للغرب الأوسط شرقيّ فاس بميلة إلى الشّمال. وموقعها في أوائل الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد:
(5/144)

حيث الطول أربع عشرة درجة وأربعون دقيقة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة واثنتا عشرة دقيقة. وهي مدينة في سفح جبل، ولها ثلاثة عشر بابا، وماؤها مجلوب من عين على ستة أميال منها، وفي خارجها أنهار وأشجار؛ ويستدير بقبليّها وشرقيّها نهر يصبّ في بركة عظيمة من آثار الأول، ويسمع لوقعه فيها خرير على مسافة، ثم يصبّ في نهر آخر بعد ما يمرّ على البساتين، ثم يصبّ في البحر، وعليه أرحاء دائرة تدخل فيه السفن اللّطاف حيث يصبّ في البحر، وبقعتها شريفة كثيرة المرافق. ولها حصون كثيرة وفرض عديدة:
منها (هنين) و (وهران) و (مستغانم) . فهنين تقابل المريّة «1» من الأندلس ووهران في شرقيّ تلمسان بشمال قليل، على مسيرة يوم من تلمسان، ومستغانم تقابل دانية من الأندلس، وعرض البحر بينهما ثلاث مجار ونصف مجرى. قال الإدريسي في «كتاب رجّار» : وبها آثار الأول، ولها أسواق ضخمة ومساجد جامعة. قال في «مسالك الأبصار» : وهي على ما بلغ حدّ التواتر أنها في غاية المنعة والحصانة مع أنها في وطاءة من الأرض ولكنها محصّنة البناء. وبلغ من حصانتها أنّ أبا يعقوب المرينيّ صاحب فاس حاصرها عشر سنين، وبنى عليها مدينة سمّاها فاس الجديدة وأعجزه فتحها ولها ثلاثة أسوار، ومن جهة القصبة وهي القلعة ستة أسوار، وبها أنهار وأشجار، وبها شجر الجوز على كثرة، ومشمشها يقارب في الحسن مشمش دمشق. قال في «مسالك الأبصار» : زكيّة الزرع والضّرع، ويقصدها تجّار الآفاق للتجارة. قال: ويطول مكث المخزونات فيها حتى إنه ربما مكث القمح والشعير في مخازنها ستّ سنين ثم يخرج بعد ذلك فيزرع فينبت.
(5/145)

وأما مدنها الداخلة في مملكتها، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» أن لها ثمان عشرة مدينة: وهي تلمسان، وجده، ومديونة، وتدرومه، وهنين، ووهران، وتميز غزان، وبرسك، وشرشال، وتونت، ومستغانم، وتنس، والجزائر، والقصبات، ومازونة، وتاحجحمت، ومليانة، والمريّة.
وأما الطريق الموصل إليها، فقد تقدّم في الكلام على مملكة تونس الطريق من الديار المصرية إلى تونس. وقد ذكر في «الذيل على الكامل» أن من تونس إلى باجة، ومنها إلى تغريه وهي آخر بلاد أفريقية، ومنها إلى قسنطينة وهي أوّل بلاد بجاية، ومنها إلى أوّل بلاد تلمسان، ومنها إلى قليلية، ومنها إلى البقيعة، ومنها إلى تلمسان.
الجملة الثانية (في حال مملكتها)
لم أقف على شيء من ترتيب مملكتها، والظاهر أنها تشبه مملكة تونس في الحال والترتيب أو قريب من ذلك. فقد ذكر في «مسالك الأبصار» أن بجاية ثانية تونس في الرّتبة والحال، والموجودات، والمعاملات. وقد تقدّم أن بجاية من الغرب الأوسط، فتكون تلمسان في معناها، وإن وقعت مخالفة في ترتيب المملكة فإنما تكون في القدر اليسير. قال في «مسالك الأبصار» وهي مملكة كبيرة، وسلطنة جليلة، قريب الثلثين من مملكة برّ العدوة. وهي وسيعة المدى كثيرة الخيرات، ذات حاضرة وبادية، وبرّ وبحر.
(5/146)

المملكة الثالثة (من بلاد المغرب- الغرب الأقصى، ويقال له برّ العدوة، وفيه ثلاثة مقاصد)
المقصد الأوّل (في بيان موقعها من الأقاليم السبعة وذكر حدودها وما اشتملت عليه من المدن والجبال المشهورة. وفيه أربع جمل)
الجملة الأولى (في بيان موقعها من الأقاليم السبعة)
فموقعها في الإقليم الثالث كما في مملكة تونس، وبعضها في الإقليم الثاني، وبعضها في أوائل الإقليم الرابع على ما سيأتي ذكره.
وأما حدودها، فقد ذكر صاحب «العبر» : أنه من مدينة آسفي حاضرة البحر المحيط إلى وادي ملويّة ومدينة تازا من جهة الشّرق، يحيط به البحر المحيط من جهة الغرب، وجبال درن وما يليها من جنوبيّه، وجبال تازا من شرقيّة، والبحر الرومي من شماليّه. ثم قال: وهو ديار المصامدة وغيرهم من البربر. وذكر في «مسالك الأبصار» نقلا عن أبي عبد الله محمد بن محمد السلايحي «1» : أن حدّها من الجنوب الصّحراء الكبيرة الآخذة من بلاد البربر إلى جنوب أفريقيّة، ومن الشرق جزائر بني مزغنّانة وما هو آخذ على حدّها إلى الصحراء الكبيرة، ومن الشّمال البحر الشاميّ، ومن الغرب البحر المحيط.
وحكى عنه: أن طول هذه المملكة من جزائر بني مزغنّانة، وهي جزائر بني مزغنّان المقدّم ذكرها في بلاد بجاية من مملكة تونس إلى البحر المحيط، وعرضها من بحر الزّقاق بسبتة إلى نهاية بلاد البربر المتّصلة بالصحراء الفاصلة بين هذه المملكة وبين بلاد السّودان ثلاثون يوما.
(5/147)

الجملة الثانية (في بيان قواعدها وما اشتملت عليه هذه المملكة من الأعمال وما انطوت عليه من المدن)
أما قواعدها فخمس: «1»
القاعدة الأولى (فاس)
بفتح الفاء ثم ألف وسين مهملة. وهي مدينة بالغرب الأقصى، واقعة في آخر الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول عشر درج وخمسون دقيقة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة. قال: وسمّيت بفاس لأنهم لمّا شرعوا في حفر أساسها، وجدوا فأسا في موضع الحفر. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينتان يشقّ بينهما نهر. الأولى (فاس القديمة) والمياه تجري بأسواقها وديارها وحمّاماتها، حتّى يقال إنه ليس بالمشرق ولا بالمغرب مدينة تضاهيها في ذلك، إلا أن أرضها ذات ارتفاع وانخفاض، وفيها عدّة عيون. قال أبو عبد الله العسلي:
عدّتها ثلاثمائة وستون عينا. قال ابن سعيد: لم أر قطّ حمّامات في داخلها عين تنبع إلا في فاس. قال: وهي أكثر مياها من دمشق. قال ابن سعيد في «المغرب» وهي مدينتان: إحداهما بناها إدريس «2» بن عبد الله: أحد خلفاء الأدارسة بالمغرب، وتعرف بعدوة الأندلس. والأخرى بنيت بعدها وتعرف بعدوة القرويّين. قال في «الروض المعطار» : وكان بناء عدوة الأندلسيين في سنة اثنتين وتسعين ومائة، وبناء عدوة القرويين في سنة ثلاث وتسعين ومائة. وعدوة القرويين أكثر عيونا وبساتين وأشجارا من عدوة الاندلسيين. ورجال عدوة الأندلسيّين أشجع ورجال
(5/148)

عدوة القرويين أجمل. ونساء عدوة الأندلسيين أجمل. وبعدوة الأندلسيين تفّاح حسن طيّب الطّعم يعرف بالطرابلسيّ لا يفلح بعدوة القرويّين. وبعدوة القرويين أترجّ حسن لا يفلح بعدوة الأندلسيّين مع التقارب على ضفّة النهر الغربية؛ وهي في مستو من الأرض؛ وهي في علو لا يحكم النهر عليها. والثانية (فاس الجديدة) وهي ثلاث مدن بناها آباء ملوكها القائمين بها الآن حين ملكوا الغرب الأقصى.
ولما نزلوها بنوا معها ثلاث مدن على ضفّة النهر الغربية.
أوّلها (المدينة البيضاء) وتعرف بالجديدة. بناها أبو يوسف «1» يعقوب بن عبد الحق أوّل من استقل بالملك بعد الموحّدين.
الثانية (مدينة حمص) ويعرف موضعها بالملّاح. بناها ولده أبو سعيد:
عثمان بن أبي يوسف إلى جانب المدينة البيضاء المقدّم ذكرها.
الثالثة (ربض النصارى) وهي المتّخذة لسكنى النصارى من الفرنج المستخدمين بخدمة السلطان. وهذه المتجدّدات الثلاث على ضفّة النهر الغربية:
فربض النصارى يقابل فاس القديمة على بعد من ضفّة النهر. والبيضاء وهي فاس الجديدة آخذة من شماليّ ربض النصارى إلى ضفّة النهر. وأوّل عمارة فاس الجديدة آخر عمارة فاس العتيقة. وحمص راكبة على النهر بشمال على جانب فاس الجديدة آخذة إلى ربض النصارى، ينصبّ من الجنوب إلى الشّمال، ثم ينعطف على زاوية آخذا من الغرب إلى الشرق حتى يصير كأنه ينحدر من الغرب، وحمص على مجراه هناك؛ ثم يمرّ آخذا إلى الشرق على حاله فوق فاس الجديدة. ثم ينعطف عليها بزاوية إلى الجنوب ثم ينعطف إلى الشرق جائزا بها؛ وهناك فاس العتيقة على الضّفّة الشّمالية، والقصبة وهي القلعة بها في غربيها مرجّلة على الأرض لا تتميز على المدينة برفعة ولا ببناء عال، ويصير النهر مستديرا
(5/149)

بفاس الجديدة من جانب الشّمال على المجرى المركّب عليه حمص، ومن الشرق حيث انعطف النهر عند فاس العتيقة.
قال في «مسالك الأبصار» : وهذا النهر متوسّط المقدار. عرضه في المكان المتسع نحو أربعين ذراعا، وفي الضّيّق دون ذلك، وربما تضايق إلى خمسة عشر ذراعا فما دونها، وعمقه في الغالب تقدير قامة رجل. ونقل في «مسالك الأبصار» عن ابن سعيد: أن نهرها يلاقي وادي سبو، وهو من أعظم أنهار المغرب، يصبّ في البحر المحيط بين سلا وقصر عبد الكريم. قال في «تقويم البلدان» قال ابن سعيد: وعلى أنهارها «1» داخل المدينة نحو ستّمائة رحا تدور بالماء دائما. قال في «مسالك الأبصار» : وعليها ناعورة ترفع الماء إلى بستان السلطان. وبناء فاس العتيقة بالآجرّ والجبال مكتنفة بها، وعلى كل من عتيقها وجديدها أسوار دائرة محصّنة ذات بروج وبدنات، وجميع أبنيتها بالحجر والآجرّ والكلس موثّقة البناء مشيّدة الأركان. وتزيد فاس الجديدة على فاس العتيقة في الحصانة والمنعة، والعتيقة بسور واحد من الحجارة والجديدة بسورين من الطين المفرغ بالقالب من التراب والرمل [والكلس المضروب وهو أشد من الحجر ولا تعمل فيه المجانيق ولا تؤثر فيه، وكذلك غالب أبنيتها، وسقوف جميعها الخشب وربما غشيت بعض السقوف بالقصدير والأصباغ الملوّنة، وأرض دور رؤسائها مفروشة بالزّلّيج.
وهو نوع من الآجر مدهون بدهان ملوّن كالقاشاني بالأبيض والأسود والأزرق والأصفر والأخضر وما يركب من هذه الألوان وغالبه الأزرق الكحلي وربما اتخذ منه الوزرات بحيطان الدور، قال في «مسالك الأبصار» : وسألت السلائحي عن مقدار عمارة فاس عتيقها وجديدها. فقال: تكون قدر ثلث مصر والقاهرة وحواضرهما. قال في «تقويم البلدان» ] «2» : وللمدينتين ثلاثة عشر بابا؛ وفي
(5/150)

القديمة مخازن الغلال، وهي مكان يستدير عليه سور منيع عليه باب وغلق داخله المطامير. وبفاس العتيقة داخل سورها جنان ورياض ذات أشجار ورياحين في دور الكبراء وبيوت الأعيان. ثم قال: وبكل من فاس القديمة وفاس الجديدة المعروفة بالبيضاء وحمص الجوامع والمساجد والمآذن والحمّامات والأسواق. أما المدارس والخوانق والرّبط فمما خلت صحائف أهل المغرب من أجورها إلا النّزر اليسير جدّا. وبفاس العتيقة مارستان، ودور فاس مجالس متقابلة على عمد من حجر أو آجرّ ورفارف تطلّ على صحن الدار، وفي وسط صحن الدار بركة يصبّ بها الماء ويعبّر عنها عندهم بالصّهريج؛ ولهم عناية باتّخاذ القباب في بيوتهم، حتّى يوجد في دار الكبير قبّتان فأكثر، وحمّاماتهم صحن واحد لا خلاوى فيها، ولذلك يتّخذ غالب رؤساهم الحمّامات في بيوتهم، فرارا من مخالطة العامة في الحمّام.
قال ابن سعيد: ومدينة فاس متوسطة بين ملك الغرب، بينها وبين مرّاكش عشرة أيام وبينها وبين تلمسان عشرة أيام، وبينها وبين سبتة عشرة أيام، وبينها وبين سجلماسة عشرة أيام، قال في «مسالك الأبصار» : ولذلك صلحت أن تكون قاعدة الملك. وهي تشبه الإسكندرية في المحافظة على علوم الشريعة وتغيير المنكر والقيام بالناموس، وتشبّه بدمشق في البساتين.
وقد ذكر ابن منقذ: رسول السلطان «صلاح الدين يوسف بن أيوب» «1» إلى بلاد المغرب: أنهم أخرجوا إلى بستان بفاس يقال له البحيرة متحصّله في كل سنة خمسة وأربعون ألف دينار، وبه بركة ذرع كل جانب منها مائتان وستة عشر ذراعا، يكون دورها ثمانمائة ذراع وأربعة وستين ذراعا. قال: وبها ما هو أكبر من ذلك.
(5/151)

قال في «تقويم البلدان» : وأهلها مخصوصون برفاهية العيش. قال في «مسالك الأبصار» : ولأهلها حسن الصنعة في المخروطات من الخشب والنّحاس. قال أبو عبد الله السلايحي: ولكنها وخمة ثقيلة الماء، تعلو وجوه سكّانها صفرة، وتحدث في أجسادهم كسلا وفتورا.
القاعدة الثانية (سبتة)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة وتاء مثناة فوق وهاء في الآخر. قال في «الروض المعطار» : والنسبة إليها سبتيّ بكسر السين. وهي في دخلة في البحر. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينة بين بحرين: بين البحر المحيط وبحر الرّوم. ومدخلها من جهة المغرب وهو مدخل ضيّق، والبحر محيط بأكثرها، ولو شاء أهلها لوصلوا البحر حولها وجعلوها جزيرة. ولها أسوار عظيمة من الصّخر، وعليها أبراج كثيرة، والماء يجلب إليها في الشّواني «1» حتى للحمّامات التي بها، وبها صهاريج من ماء المطر. ويقال إنها أوّل ما بني ببر العدوة. قال في «الروض المعطار» : وهي سبعة أجبل «2» صغار متصلة بعضها ببعض معمورة؛ طولها من الغرب إلى الشرق نحو ميل. وقال في «مسالك الأبصار» : طولها من السور الغربي المحيط بربضها إلى آخر الجزيرة خمسة أميال. قال في «الروض المعطار» : ولها بابان من جهة البرّ، ويتصل بها على ميلين من جهة الغرب جبل يعرف بجبل موسى، وهو موسى بن نصير «3» الذي فتح الأندلس، ويجاوره بساتين وأشجار وقرى كثيرة، وهناك يزرع قصب السكّر ويحمل إلى ما جاورها من البلدان، ولها نهر عذب في البحر، وكان بها كنيسة
(5/152)

جعلت جامعا، وبها يستخرج من البحر شجر المرجان الذي لا يعدله مرجان.
ويقابلها من الأندلس الجزيرة الخضراء وبحر الروم بينهما ضيّق، حتّى إنه إذا كان الصحوريئت إحداهما من الأخرى، ولذلك يسمّى بحرها بحر الزّقاق، وميناها شرقيّها، وغالب طرف الدنيا موجودة فيها، والحنطة مجلوبة إليها إذ لا يزكو نباتها فيها، ويصاد بها أسماك مختلفة على نحو مائة نوع. ويقابل هذه المدينة من برّ الأندلس الجزيرة الخضراء.
وكانت هذه المدينة قاعدة لهذا القطر قبل الإسلام، وهي يومئذ ديار عمارة من المصامدة، والحاكم عليها ملك الأندلس من القوط، وكان ملك عمارة بها في زمن الفتح يقال له يليان «1» ؛ ولما زحف إليه موسى بن نصير المذكور أمير أفريقيّة في زمن الفتح جاء معه بالهدايا، وأذعن لأداء الجزية فأقرّه عليها، واسترهن ابنه وأبناء قومه، وأنزل طارق بن زياد «2» بطنجة بالعساكر إلى أن أجاز البحر لفتح الأندلس كما سيأتي في الكلام على مكاتبة صاحب الأندلس.
ولما هلك يليان استولى المسلمون من العرب على مدينة سبتة بالصّلح من أهلها فعمروها إلى أن كانت فتنة ميسرة الخفير وما دعا إليه من مذهب الخوارج وأخذ به الكثير من البربر من غمارة وغيرهم، فزحف برابرة طنجة إلى سبتة فأخرجوا العرب منها وخرّبوها، وبقيت خالية إلى أن عمرها ماجكس من وجوه غمارة من البربر وبناها وأسلم وصحب أهل العلم، فرجع الناس إليها ومات.
فقام بأمره من بعده ابنه (عصام) فأقام بها زمنا إلى أن مات.
فولي بعده ابنه (مجير) فأقام بها إلى أن مات.
(5/153)

فوليها أخوه (الرّضيّ) ويقال ابنه، وكانوا يعطون الطاعة لبني إدريس من العلوية ملوك فاس، ولما سما الناصر «1» الأمويّ صاحب الأندلس إلى ملك المغرب وتناول أكثره من يد الأدارسة ببلاد غمارة وغيرها حين أخرجوا من فاس وقاموا بدعوة الناصر في جميع أعمالهم، نزلوا للناصر عن سبتة، فبعث إليها العساكر فانتزعها من يد الرّضيّ بن عصام سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وانقرض أمر بني عصام وصارت سبتة للناصر ومن بعده من بني أميّة خلفاء الأندلس. وكان عليّ والقاسم ابنا حمّود بن ميمون، بن أحمد، بن عليّ، بن عبيد الله، بن عمر، بن إدريس العلويّ قد لحقا بالأندلس لما أخرج المستنصر «2» الأمويّ الأدارسة من المغرب، وبقيا بالأندلس إلى أن كانت أيام المستعين سليمان «3» بن الحكم فاختصّ بقاسم وعليّ ابني حمّود، وعقد لعليّ بن حمّود على طنجة وأعمال غمارة فنزلها، ثم خرج عن طاعته ودعا لنفسه، وعاد إلى الأندلس وولي الخلافة بقرطبة كما سيأتي في مكاتبة صاحب الأندلس، وولّى على عمله بطنجة ابنه يحيى بن علي.
ثم أجاز يحيى بعد موت أبيه إلى الأندلس واستقلّ أخوه إدريس بن علي بولاية طنجة وسائر أعمال أبيه من مواطن غمارة.
ثم أجاز إلى الأندلس بعد مهلك أخيه يحيى، وعقد لحسن ابن أخيه يحيى
(5/154)

على عملهم بسبتة وطنجة وأرسل معه نجا الخادم لتدبير دولته.
ثم أجاز (نجا) الخادم إلى الأندلس ومعه حسن بن يحيى المذكور، ثم عقد حسن لنجا الخادم على عملهم في بلاد غمارة.
فلما هلك حسن بالأندلس، أجاز (نجا) إلى الأندلس واستخلف على العمل من وثق به من الموالي الصّقالبة، واستمرّت في الموالي واحدا بعد آخر إلى أن استقلّ بسبتة وطنجة من موالي بني حمّود الحاجب (سكّوت البرغوطي) فاستقلّ بسبتة وطنجة وأطاعته قبائل غمارة؛ واتّصلت أيامه إلى أن كانت دولة المرابطين، وغلب أمير المسلمين «يوسف بن تاشفين» «1» على مغراوة بفاس، وسار إلى بلاد غمارة ونازل سكوت الحاجب، وكانت بينهما واقعة قتل فيها سكوت، ولحق ضياء الدولة بن سكوت بسبتة فأقام بها إلى أن نازله المعزّ بن يوسف بن تاشفين بها فقبض عليه ثم قتله؛ وانقرضت دولة بني حمّود من بلاد غمارة وصارت في ملك المرابطين إلى أن فتح بنو عبد المؤمن من الموحّدين مرّاكش، فدخل أهل سبتة وسائر غمارة في طاعتهم؛ وأقامت على ذلك إلى أن ضعفت دولة بني عبد المؤمن:
ثار في غمارة محمد بن محمد اللّثاميّ المعروف بابي الطواجن، وكان له يد في السّيمياء، وارتحل إلى سبتة فنزل عليها وادّعى النبوّة وأظهر أنواعا من السيمياء فاتّبعه جماعة، ثم ظهر لهم حقيقة أمره فرجعوا عنه، وقتله بعض البربر غيلة، إلى أن كانت أيام بني مرين وغلبهم على بلاد المغرب فامتنعت عليهم سبتة، وقام بأمرها الفقيه أبو القاسم العزفي من مشيختها فبقيت بيده ويد بنيه إلى أن ملكها منهم بنو مرين سنة تسع وعشرين وسبعمائة في أيام السلطان أبي الحسن، فصارت
(5/155)

تابعة لفاس دار ملك بني مرين جارية في يد ملوكها، وهي باقية بأيديهم إلى زماننا بعد العشر والثمانمائة.
القاعدة الثالثة «1» (مدينة مرّاكش)
بفتح الميم وتشديد الراء المهملة وفتحها وألف ساكنة ثم كاف ثم شين معجمة.
وهي مدينة واقعة في أوّل الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول إحدى عشرة درجة، والعرض تسع وعشرون درجة. بناها أمير المسلمين «يوسف بن تاشفين» ملك المرابطين في أرض صحراويّة، وجلب إليها المياه.
قال ابن سعيد: وأوّل ما بني بها القصر المعروف (بقصر الحجر) ثم بنى الناس حوله؛ ثم زادها يعقوب بن عبد المؤمن، وكبّرها ومصرّها، وفخّمها وضخّمها؛ وجلب إليها المياه والغراس. قال في «تقويم البلدان» ودورها سبعة أميال، ولها سبعة عشر بابا. قال في «الروض المعطار» : وبنى سورها عليّ بن يوسف بن تاشفين في سنة ستّ وعشرين وخمسمائة، وقيل سنة أربع عشرة وخمسمائة. قال:
وطولها مائة وعشرون ميلا، وعرضها قريب من ذلك؛ وهي في وطاءة من الأرض ليس حولها جبال إلا جبل صغير منه قطع الحجر الذي بنى منه عليّ بن يوسف بن تاشفين قصره؛ وعامّة بنائها بالطين والطوب.
قال ابن سعيد: وهي مما سكنت بها وعرفتها ظاهرا وباطنا، ولا أرى عبارة تفي بما تحتوي عليه، ويكفي أن كلّ قصر من قصورها مستقلّ بالديار والبساتين والحمّام والإصطبلات والمياه، وغير ذلك حتّى إن الرئيس منهم يغلق بابه على جميع خوله وأقاربه وما يحتاج إليه، ولا يخرج من بابه إلى خارج داره لحاجة يحتاجها، ولا يشترى شيئا من السوق لمأكل، ولا يقريء أولاده في مكتب،
(5/156)

ويخرج من بابه راكبا فلا تقع عليه العين راجلا. قال: ولا أدري كيف أصل إلى غاية من الوصف أصف بها ترتيب هذه المدينة المحدثة؟ فإنها من عجائب همّات السلاطين، ذات أسوار ضخمة وأبواب عالية.
وبظاهرها مدينة اختطها المنصور «يعقوب بن عبد المؤمن» له ولخواصّه تعرف بتامرّاكش، وبها قصر الخلافة الذي بناه به دور عظيمة، وبها بستان يعرف بالبحيرة طوله اثنا عشر ميلا، به بركة عظيمة لم يعمل مثلها قال العقيليّ: طولها ثلاثمائة وثمانون باعا، على جانبها الواحد أربعمائة شجرة نارنج، بين كل اثنتين منها ليمونة أو ريحانة. وهي أكثر بلاد الغرب بساتين، وشجرها أكثر منها، وبساتينها تسقى بالبئار «1» وبئارها قريبة الرشاء «2» على نحو قامتين من وجه الأرض، وهي كثيرة الزّرع والضّرع، وبها دار الضيافة المعروفة بدار الكرامة. وفيها يقول محمد بن محمد البربريّ من أبيات يمدحهم ويصفها: (خفيف) .
خير قوم دعوا إلى خير دار ... هي للملك نضرة وكمامه
عالم السبعة الأقاليم فيها، ... وهم في فنائها كالقلامه
وبمرّاكش جامع جليل يعرف بالكتبيّين، طوله مائة وعشرة أذرع، وعلى بابه ساعات مرتفعة في الهواء خمسين ذراعا، كان يرمى فيها عند انقضاء كلّ ساعة صنجة زنتها مائة درهم، تتحرك لنزولها أجراس تسمع على بعد، تسمّى عندهم بالبحّانة. قال في «تقويم البلدان» : إلا أنّ الناس أكثروا فيها البساتين فكثر وخمها. قال في «الروض المعطار» : وقد هجاها أبو القاسم بن أبي عبد الله محمد ابن أيوب بن نوح الغافقيّ من أهل بلنسية بأبيات أبلغ في ذمّها، فقال: (مخلّع البسيط) .
مرّاكش إن سألت عنها، ... فإنّها في البلاد عار!
هواؤها في الشّتاء ثلج ... وحرّها في المصيف نار!
(5/157)

وكلّ ما ثمّ وهو خير ... من أهلها عقرب وفار!
فإن أكن قد مكثت فيها، ... فإنّ مكثي بها اضطرار!
وكانت هذه المدينة دار ملك المرابطين من الملثّمين الذين ملكوا بعد بني زيري، ثم الموحّدين من بعدهم. قال ابن سعيد: وبينها وبين فاس عشرة أيام.
وقال في «الروض المعطار» : نحو ثمانية أيام. قال: وبينها وبين جبال درن نحو عشرين ميلا.
القاعدة الرابعة (سجلماسة)
بكسر السين المهملة وكسر الجيم وسكون اللام وفتح الميم ثم ألف وسين مهملة مفتوحة وهاء في الآخر، وهي مدينة في جنوب الغرب الأقصى في آخر الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: حيث الطول ثلاث عشرة درجة واثنتان وعشرون دقيقة والعرض ستّ وعشرون درجة وأربع وعشرون دقيقة.
وهي مدينة عظيمة إسلامية، وبينها وبين البحر الرّوميّ خمس عشرة مرحلة، وليس قبليّها ولا غربيّها عمران، وبينها وبين غابة من بلاد السّودان مسيرة شهرين في رمال وجبال قليلة المياه، لا يدخلها إلا الإبل المصبرة على العطش. اختطّها يزيد «1» بن الأسود من موالي العرب، وقيل: مدرار بن عبد الله. وكان من أهل الحديث، يقال إنه لقي عكرمة مولى ابن عباس بأفريقيّة وسمع منه. وكان صاحب ماشية، وكان ينتجع موضع سجلماسة بالصّحراء ليرعى به ماشيته، فكان يجتمع إليه أهل تلك الصحراء من مكناسة والبربر، وكانوا يدينون بدين الصّفرية من
(5/158)

الخوارج، فاجتمع عليه جماعة منهم فلما بلغوا أربعين رجلا قدّموا عليهم يزيد بن الأسود «1» وخلعوا طاعة الخلفاء، واختطّوا هذه المدينة سنة أربعين ومائة من الهجرة. ولها اثنا عشر بابا، وهي كثيرة العمارة، كثيرة البساتين، رائقة البقاع، ذات قصور ومنازل رفيعة وعمارات متّصلة، على نهر كثير الماء يأتي من جهة المشرق من الصحراء، يزيد في الصيف كزيادة النّيل، ويزرع على مائة كما يزرع على ماء النيل، والزّرع عليه كثير الإصابة، والمطر عندهم قليل: فإذا كانت السنة كثيرة الأمطار، نبت لهم ما حصدوه في العام السابق من غير بذر، وربما حصدوه عند تناهيه وتركوا أصوله فتنبت ثانيا. ويقال: يزرع بها عاما ويحصد ثلاثة أعوام، وذلك أن أرضها مشقّة، وهي بلدة شديدة الحرّ فإذا يبس الزرع تناثر عند الحصاد ودخل في الشّقوق، فإذا كان العام الثاني وعلاه ماء النهر وخرج عنه حرثوه بلا بذر فينبت ما في الشّقوق، ويبقى كذلك ثلاث سنين.
وقد حكى ابن سعيد: أن هذا الزرع في السنة الأولى يكون قمحا، وفي باقي السنين سلتا، وهو حبّ بين القمح والشعير. وبها الرّطب، والتمر، والعنب الكثير، والفواكه الجمّة، وليس فيها ذئاب ولا كلاب لأنهم يسمّونها ويأكلونها، وقلمّا يوجد فيها صحيح العينين، ولا يوجد بها مجذوم، ولها ثمانية أبواب من أيّ باب منها خرجت ترى النهر والنخيل وغير ذلك من الشجر، وعليها وعلى جميع بساتينها حائط يمنع غارة العرب مساحته أربعون ميلا، وثمرها يفضل ثمر سائر بلاد المغرب، حتى يقال: إنه يضاهي الثّمر العراقيّ، وأهلها مياسير، ولها متاجر إلى بلاد السّودان، يخرجون إليها بالملح والنّحاس والودع، ويرجعون منها بالذهب التّبر. قال ابن سعيد: رأيت صكّا لأحدهم على آخر مبلغه أربعون ألف دينار.
ولمّا قدّموا عليهم عيسى بن الأسود «2» المقدّم ذكره، أقام عليهم أياما ثم قتلوه
(5/159)

سنة خمس وخمسين ومائة، واجتمعوا بعده على كبيرهم (أبي القاسم سمكو) ، بن واسول بن مصلان، بن أبي يزول، بن تافرسين، بن فراديس، بن ونيف، بن مكناس، بن ورصطف، بن يحيى، بن تمصيت، بن ضريس، بن رجيك، بن مادغش، بن بربر. كان أبوه سمكو من أهل العلم ارتحل إلى المدينة النبوية (على ساكنها أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام) فأدرك التابعين، وأخذ عن عكرمة مولى ابن عباس، ومات فجأة سنة سبع وستين ومائة لثنتي عشرة سنة من ولايته.
وكان مع ذلك على مذهب الصّفرية، وخطب في عمله للمنصور والمهديّ من خلفاء بني العباس.
ولما مات ولي مكانه ابنه (إلياس بن أبي القاسم) [وكان يدعى بالوزير ثم انتقضوا عليه] «1» سنة أربع وسبعين ومائة [فخلعوه] «2» وولي مكانه أخوه (اليسع بن أبي القاسم) وكنيته أبو منصور، فبنى سور سجلماسة، وشيّد بنيانها، واختطّ بها المصانع والقصور لأربع وثلاثين سنة من ولايته. وعلى عهده استفحل ملكهم بسجلماسة، وسكنها آخر المائة الثانية بعد أن كان يسكن الصّحراء وهلك سنة ثمان ومائتين.
ووليّ بعده ابنه (مدرار) ولقّب المنتصر وطال أمد ولايته. وكان له ولدان اسم كل منهما ميمون، فوقع الحرب بينهما ثلاث سنين، ثم كان آخر أمرهما أن غلب أحدهما أخاه وأخرجه من سجلماسة، ثم خلع أباه واستقلّ بالأمر، وساءت سيرته في الرعيّة فخلعوه، وأعادوا مدرارا أباه.
ثم حدّث نفسه بإعادة ابنه ميمون فخلعوه وولّوا ابنه (ميمونا) الآخر، وكان يعرف بالأمير، ومات مدرار إثر ذلك سنة ثلاث وخمسين ومائتين. [ومات ميمون
(5/160)

سنة ثلاث وستين ومائتين] «1» وولي مكانه ابنه (محمد) فبقي إلى أن توفّي سنة سبعين ومائتين.
فولي مكانه (اليسع) بن المنتصر. وفي أيامه وفد عبيد الله المهديّ الفاطميّ وابنه أبو القاسم على سجلماسة في خلافة المعتضد العباسيّ، وكان اليسع على طاعته فبعث المعتضد إليه فقبض عليهما واعتقلهما إلى أن غلب أبو عبد الله الشّيعي داعي المهديّ بني الأغلب أصحاب أفريقية، فقصد سجلماسة فخرج إليه اليسع في قومه مكناسة، فهزمه أبو عبد الله الشيعي واقتحم عليه البلد، وقتله سنة ستّ وتسعين ومائتين، واستخرج عبيد الله وابنه من محبسهما، وبايع (لعبيد الله المهديّ) .
وولّى المهديّ «2» على سجلماسة (إبراهيم بن غالب المزاتي) وانصرف إلى أفريقيّة، ثم انتقض أهل سجلماسة على واليهم إبراهيم ومن معه من مكناسة سنة ثمان وتسعين ومائتين.
وبايعوا (الفتح بن ميمون) الأمير ابن مدرار المتقدّم ذكره، ولقبه واسول، وهلك قريبا من ولايته على رأس المائة الثالثة.
وولي مكانه أخوه (أحمد بن ميمون) الأمير، واستقام أمره إلى أن زحف مصالة بن حيوس «3» في جموع كتامة ومكناسة إلى المغرب سنة تسع وثلاثمائة، فافتتح سجلماسة وقبض على صاحبها أحمد بن ميمون.
وولّى عليها ابن عمه (المعتزّ بن محمد) بن يادن بن مدرار، فلم يلبث أن
(5/161)

استبدّ وتلقب المعتزّ، وبقي حتى مات سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة قبل موت المهديّ.
وولي من بعده ابنه أبو المنتصر (محمد بن المعتزّ) فأقام عشرا ثم هلك.
وولي من بعده ابنه (المنتصر سمكو) شهرين، ودبّرته جدّته لصغره.
ثم ثار عليه ابن عمه (محمد بن الفتح) بن ميمون الأمير وتغلّب عليه، وشغل عنه بنو عبيد الله المهديّ بفتنة ابن أبي العافية «1» وغيرها، فدعا لنفسه مموّها بالدعاء لبني العبّاس وتلقّب الشاكر لله، وأخذ بمذاهب أهل السّنّة ورفض الخارجية، وكان جميع من تقدّم من سلفه على رأي الأباضيّة والصّفرية من الخوارج، وضرب السّكّة باسمه ولقبه، وبقي كذلك حتى فرغ بنو عبيد الله من الفتن، فزحف القائد جوهر أيام المعزّ لدين الله معدّ إلى المغرب سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، فغلب على سجلماسة وملكها وفرّ محمد بن الفتح عنها، ثم قبض عليه جوهر بعد ذلك وحمله إلى القيروان. فلما انتقض المغرب على العبيديّين وفشت فيه دعوة الأمويّين بالأندلس، ثار بسجلماسة قائم من ولد الشاكر، وتلقّب (المنتصر بالله) ثم وثب عليه أخوه (أبو محمد) سنة اثنتين وخمسين فقتله وقام بالأمر مكانه، وتلقب (المعتز بالله) وأقام على ذلك مدّة، وأمر مكناسة يومئذ قد تداعى إلى الانحلال، وأمر زناتة قد استفحل بالمغرب إلى أن زحف خزرون بن فلفول من ملوك مغراوة إلى سجلماسة سنة ستّ وستين وثلاثمائة، وبرز إليه أبو محمد المعتزّ فهزمه خزرون وقتله واستولى على بلده، وبعث برأسه إلى قرطبة مع كتابه بالفتح، وكان ذلك لأول حجابة المنصور بن أبي عامر «2» بقرطبة، فعقد لخزرون على
(5/162)

سجلماسة، فأقام دعوة هشام في نواحيها، فكانت أوّل دعوة أقيمت لهم في أمصار المغرب الأقصى، وانقرض أمر مكناسة من المغرب أجمع.
وانتقلت الدّولة إلى مغراوة وبني يفرن وعقد هشام (لخزرون) على سجلماسة وأعمالها، وجاءه عهد الخليفة بذلك، وضبطها وقام بأمرها إلى أن هلك.
فولي أمر سجلماسة من بعده ابنه (وانّودين بن خزرون) إلى أن غلب زيري ابن مياد على المغرب، فعقد على سجلماسة (لحميد بن فضل) المكناسي، وفرّ وانّودين بن خزرون عنها، ثم أعاده عبد الملك إلى سجلماسة بعد ذلك على قطيعة يؤدّيها إليه، ثم استقلّ بها من أوّل سنة تسعين وثلاثمائة مقيما للدعوة الأمويّة بالأندلس، ورجع المعزّ بن زيري بولاية المغرب عن المظفّر بن أبي عامر، واستثنى عليه ولاية سجلماسة لكونها بيد وانّودين، واستفحل ملك وانّودين، واستضاف إلى سجلماسة بعض أعمال المغرب ومات.
فقام بالأمر من بعده ابنه (مسعود بن وانّودين) إلى أن خرج (عبد الله بن ياسين) شيخ المرابطين، فقتل ابن وانّودين سنة خمس وأربعين وأربعمائة، ثم ملك سجلماسة بعد ذلك سنة ست وأربعين، ودخلت في ملك المرابطين لأوّل أمرهم، وانقرضت دولة بني خزرون منها، وتداولها من بعدهم من ملوك الموحّدين، ثم ملوك بني مرين على ما سيأتي ذكره في الكلام على ملوك الغرب الأقصى إن شاء الله تعالى.
وأما ما اشتملت عليه هذه المملكة من المدن المشهورة.
فمنها مدينة (آسفي) بفتح الهمزة ومدّها وكسر السين المهملة والفاء وياء مثناة تحت في آخرها. وهي مدينة واقعة في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول سبع درج، والعرض ثلاثون درجة. قال في «تقويم
(5/163)

البلدان» : وهي من عمل دكّالة، وهي كورة عظيمة من أعمال مرّاكش، قال ابن سعيد: وهي على جون من البحر داخل في البرّ، في مستو من الأرض، وهي فرضة مرّاكش، وبينها وبين مرّاكش أربعة أيام؛ وأرضها كثيرة الحجر، وليس بها ماء إلا من المطر، وماؤها النّبع غير عذب، وبساتينها تسقى على الدّواليب، وكرومها على باب البلد. قال الشيخ عبد الواحد: وهي تشبه حماة ودونها في القدر، ولكن ليس لها نهر يجري.
ومنها (سلا) بفتح السين واللام وفي آخرها ألف، وهي مدينة من الغرب الأقصى في آخر الإقليم الثالث قال ابن سعيد: حيث الطول سبع درج وعشر دقائق [والعرض ثلاث وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة] «1» وهي مدينة قديمة في غربيّها البحر المحيط وفي جنوبيّها نهر عظيم يصبّ في البحر المحيط والبساتين والكروم. وبنى «عبد المؤمن» أمامها من الشّطّ الجنوبيّ على النهر والبحر المحيط قصرا عظيما، وبنى خاصّته حوله المنازل فصارت مدينة عظيمة سماها المهديّة. وسلا متوسّطة بين بلاد المغرب الأقصى قريبة من الأندلس؛ وهي مدينة كثيرة الرّخاء، ولها معاملة كبيرة يقال لها تامسنّا، كثيرة الزّرع والمرعى، وفيها مدن كثيرة.
ومنها (لمطة) بفتح اللام وسكون الميم وفتح الطاء المهملة. وهي مدينة من الغرب الأقصى واقعة في آخر الإقليم الثاني قال بعضهم: حيث الطول سبع درج وثلاثون دقيقة، والعرض سبع وعشرون درجة، على ثلاث مراحل من البحر المحيط، ولها نهر كبير ينزل من جبل في شرقيها على مرحلتين منها، يجري على جنوبيّها غربا بميلة إلى الشّمال حتّى يصبّ في البحر المحيط.
ومنها (السّوس) بضم السين المهملة وسكون الواو ثم سين ثانية. وهي مدينة من أقصى المغرب في الإقليم الثاني قال ابن سعيد: حيث الطول ثمان درج
(5/164)

والعرض ستّ وعشرون درجة وعشرون دقيقة، وهي على طرف من البرّ داخل في البحر أربعين ميلا، وفي جانبها الشّمالي نهر يأتي من الشرق من جبل لمطة.
ومنها (قصر عبد الكريم) وضبطه معروف. وهي مدينة من الغرب الأقصى في أوائل الإقليم الرابع قال ابن سعيد: حيث الطول ثمان درج وثلاثون دقيقة، والعرض أربع وثلاثون درجة وأربعون دقيقة. وهي مدينة على نهر من جهتها الشّمالية، وهو نهر كبير تصعد فيه المراكب من البحر المحيط، وجانباه محفوفان بالبساتين والكروم. وكان قاعدة تلك الناحية قبلها مدينة اسمها (البصرة) يسكنها الأدارسة؛ فلما عمرت هذه المدينة صارت هي القاعدة.
ومنها (طنجة) بفتح الطاء المهملة وسكون النون وفتح الجيم ثم هاء في الآخر. وهي مدينة من أقاصي المغرب واقعة في الإقليم الرابع قال ابن سعيد:
حيث الطول ثمان درج وإحدى وثلاثون دقيقة، والعرض خمس وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. وهي مدينة على بحر الزّقاق، واتساع البحر عندها ثلث مجرى، فإذا شرّق عنها اتّسع عن ذلك. وهي مدينة أزليّة، واستحدث أهلها لهم مدينة على ميل منها على ظهر جبل ليمتنعوا بها، والماء ينساق إليها في قنيّ. قال في «مسالك الأبصار» : وكانت دار ملك قديم. وهي التي كانت قاعدة تلك الجهات قبل الإسلام إلى حين فتح الأندلس؛ وهي محطّ السّفن؛ وهي كثيرة الفواكه، لا سيما العنب والكمّثرى؛ وأهلها مشهورون بقلة العقل وضعف الرأي، على أن منها أبو الحسن الصّنهاجيّ الطّنجيّ، ترجم له في قلائد العقيان وأثنى عليه، وأنشد له أبياتا منها: (وافر) .
وقد تحمي الدّروع من العوالي ... ولا تحمى من الحدق الدّروع!
وكذلك أبو عبد الله بن محمد بن أحمد الحضرميّ القائل: (طويل) .
وضنّوا بتوديع، وجادوا بتركه ... وربّ دواء مات منه عليل!
ومنها (درعة) بفتح الدال وسكون الراء وفتح العين المهملات وهاء في الآخر. وهي مدينة من جنوبيّ المغرب الأقصى واقعة في الإقليم الثاني. نقل في
(5/165)

«تقويم البلدان» عن بعضهم أنّ طولها إحدى عشرة درجة وستّ دقائق، وعرضها خمس وعشرون درجة وعشر دقائق. قال في «نزهة المشتاق» : وهي قرى متصلة، وعمارات متقاربة، وليست بمدينة يحوط بها سور ولا حفير «1» ولها نهر مشهور في غربيها ينزل من ربوة حمراء عند جبل درن، وتنبت عليه الحنّاء، ويغوص ما يفضل منه بعد السّقي في صحارى تلك البلاد.
ومنها (أغمات) قال في «اللباب» : بفتح الألف وسكون الغين المعجمة وفتح الميم وألف وتاء مثناة من فوق في آخرها. وهي مدينة من الغرب الأقصى، واقعة في الإقليم الثالث. قال في «تقويم البلدان» : والقياس أن طولها إحدى عشرة درجة وثلاثون دقيقة، والعرض ثمان وعشرون درجة وخمسون دقيقة. وهي مدينة قديمة في الجنوب بميلة إلى الشرق عن مرّاكش، في مكان أفيح طيّب التّربة، كثير النبات والعشب، والمياه تخترقه يمينا وشمالا. قال ابن سعيد: وهي التي كانت قاعدة ملك أمير المسلمين «يوسف بن تاشفين» «2» قبل بناء مرّاكش.
قال الإدريسي: وحولها جنات محدّقة، وبساتين وأشجار ملتفّة؛ وهواؤها صحيح، وفيها نهر ليس بالكبير، يشقّ المدينة يأتيها من جنوبيّها ويخرج من شماليها، وربما جمد في الشتاء حتّى يجتاز عليه الأطفال.
ومنها (تادلا) قال في «تقويم البلدان» عن الشيخ عبد الواحد: بفتح المثناة من فوق ثم ألف ودال مهملة مكسورة ولام ألف. ثم قال: وفي خطّ ابن سعيد تادلة في آخرها هاء، وهي مدينة بالمغرب الأقصى في جهة الجنوب في الإقليم الثالث قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتا عشرة درجة، والعرض ثلاثون درجة. قال ابن سعيد: وهي مدينة بين جبال صنهاجة، ويقال هي قاعدة
(5/166)

صنهاجة «1» ، وغربيّها جبل درن ممتدّ إلى البحر المحيط، وهي بين مرّاكش وبين أعمال فاس، ولها عمل جليل، وأهلها بربر يعرفون بحراوة.
ومنها (أزمّور) قال الشيخ شعيب: بفتح الهمزة «2» والزاي المعجمة وتشديد الميم ثم واو وراء مهملة في الآخر. وهي مدينة على ميلين من البحر أكثر سكّانها صنهاجة.
ومنها (المزمّة) وهي فرضة ببر العدوة تقابل فرضة المنكّب من برّ الأندلس من ساحل غرناطة. والمزمّة في الشرق عن سبتة بينهما مائتا ميل.
ومنها (مدينة باديس) وهي فرضة مشهورة من فرض غمارة في الجنوب والشرق عن سبتة بينهما نحو مائة ميل. قال في «تقويم البلدان» : وهي قياسا حيث الطول عشر درج وثلاثون دقيقة، والعرض أربع وثلاثون درجة وخمس وعشرون دقيقة.
ومنها (أودغست) قال الشيخ عبد الواحد: بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الدال المهملة «3» والغين المعجمة وسكون السين المهملة وفي آخرها تاء مثناة فوق. وهي مدينة في المغرب الأقصى في الجنوب في الصّحراء في الإقليم الثاني قال في «الأطوال» : حيث الطول ثمان درج وثمان دقائق. قال في «القانون» : والعرض ستّ وعشرون درجة. قال: وهي في براريّ سودان المغرب. قال في «العزيزي» : وهي جنوبيّ سجلماسة وبينهما ستّ وأربعون مرحلة في رمال ومفاوز على مياه معروفة، ولها أسواق جليلة، والسفن تصل إليها
(5/167)

في البحر المحيط من كلّ بلد، وسكّان هذه المدينة أخلاط من البربر المسلمين، والرّياسة فيها لصنهاجة. قال في «العزيزي» . ولأودغست أعمال واسعة، وهي شديدة الحرارة، وأمطارها في الصيف، ويزرعون عليها الحنطة، والذّرة، والدّخن، واللّوبيا، والكرسنّة، وبها النخل الكثير وليس فيها فاكهة سوى التين، وبها شجر الحجاز كلّه: من السّنط والمقل وغيرهما.
قلت: وقد ذكر في «مسالك الأبصار» عدّة مدن غير هذه غير مشهورة يطول ذكرها.
الجملة الثالثة (في ذكر جبالها المشهورة. وهي عدّة جبال)
منها (جبل درن) بفتح الدال والراء المهملتين ونون في الآخر. قال ابن سعيد: وهو جبل شاهق مشهور لا يزال عليه الثلج، أوّله عند البحر المحيط الغربيّ في أقصى المغرب، وآخره من جهة الشّرق على ثلاث مراحل من إسكندرية من الديار المصرية، ويسمّى طرفه الشرقيّ المذكور رأس أوثان، فيكون امتداده نحو خمسين درجة، وفي غربيّه بلاد تينملك من قبائل البربر، وشرقيها بلاد هنتاتة من البربر أيضا وشرقيها بلاد مشكورة منهم، وشرقيها بلاد المصامدة.
ومنها (جبل كزولة) وهي قبيلة من البربر. قال ابن سعيد: وابتداؤه من البحر المحيط الغربيّ، ويمتدّ مشرّقا إلى حيث الطول اثنتا عشرة درجة، وموقعه بين الإقليم الثاني والإقليم الثالث، وبه مدينة اسمها تاعجست.
ومنها (جبل غمارة) . بضم الغين المعجمة وفتح الراء بعد الألف. وهي قبيلة من البربر أيضا؛ وهو جبل ببرّ العدوة فيه من الأمم ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وهو ركن على البحر الروميّ، فإن بحر الزّقاق إذا جاوز سبتة إلى الشّرق انعطف جنوبا إلى جبل عمارة المذكورة، وهناك مدينة باديس المقدّم ذكرها.
ومنها (جبل مديونة) بفتح الميم وسكون الدال المهملة وضم المثناة من
(5/168)

تحت وواو ثم نون مفتوحة وهاء في الآخر: وهو جبل ببرّ العدوة شرقيّ مدينة فاس، يمتدّ إلى الجنوب حتّى يتصل بجبال درن، ومديونة قبيلة من البربر واطنون به.
ومنها (جبال مدغرة) وهي شرقيّ مديونة، ومعظم أهلها كومية- بضم الكاف وكسر الميم وفتح المثناة تحت وهاء في الآخر. وهي قبيلة من البربر، منها «عبد المؤمن» أحد أصحاب المهديّ بن تومرت.
ومنها (جبل يسر) بضم الياء المثناة تحت وسكون السين المهملة. وهو جبل شرقيّ مديونة أيضا منه ينبع نهر يسر المذكور.
ومنها (جبل ونشريش) وهو جبل يتصل بجبل يسر من شرقيه، وفيه تعمل البسط الفائقة، ومنه ينبع نهر سلف المشهور. قال ابن سعيد: وهو نهر كبير يزيد عند نقص الأنهار كنيل مصر.
الجملة الرابعة (في ذكر أنهارها المشهورة، وهي عدّة أنهار)
منها (نهر السّوس الأقصى) وهو نهر يأتي من الجنوب والشرق من جبل يعرف بجبل لمطة، ويجري إلى الشمال، ويمرّ على مدينة السّوس من شماليّها، ويزرع على جانبيه قصب السكّر والحنّاء وغير ذلك كما يزرع في مصر، ويجرى حتى يصبّ في البحر المحيط الغربيّ.
ومنها (نهر سجلماسة) الآتي ذكرها، وهو نهر منبعه من جنوبيّ سجلماسة بمسافة بعيدة، ويمرّ من شرقيها ويجري حتّى يصبّ في نهر ملويّة الآتى ذكره.
ومنها (نهر ملويّة) قال ابن سعيد: وهو نهر كبير مشهور في المغرب الأقصى، يصبّ إليه نهر سجلماسة ويصيران نهرا واحدا، يجرى حتّى يصب في بحر الروم شرقيّ سبتة.
ومنها (نهر فاس) وهو نهر متوسّط يشقّ مدينة فاس كما تقدّم قال في
(5/169)

«تقويم البلدان» ومخرجه على نصف يوم من فاس، يجري في مروج وأزاهر حتّى يدخلها.
المقصد الثاني (في ذكر زروعها، وحبوبها، وفواكهها، وبقولها ورياحينها ومواشيها، ومعاملاتها، وصفات أهلها. وفيه خمس جمل)
الجملة الأولى (في ذكر زروعها، وحبوبها، وفواكهها، وبقولها، ورياحينها)
أما زرعها فعلى المطر كما تقدّم في أفريقيّة.
وأما حبوبها: ففيها من أنواع الحبوب: القمح، والشعير، والفول، والحمّص، والعدس، والدّخن، والسّلت وغير ذلك. أما الأرزّ فإنه عندهم قليل، بعضه يزرع في بعض الأماكن من برّ العدوة، وأكثره مجلوب إليهم من بلاد الفرنج. على أنهم لا نهمة لهم في أكله ولا عناية به. وبها السّمسم على قلّة، ولا يعتصر منه بالمغرب شيرج لاستغنائهم عنه بالزّيت حتّى مزورات الضعفاء وكذلك يعملون الحلوى بالعسل والزّيت، وإنما يستعمل الشّيرج عندهم في الأمور الطّبّيّة.
وأما فواكهها، فبها أنواع الفواكه المستطابة اللذيذة المختلفة الأنواع: بين النخل، والعنب، والتّين، والرمّان، والزيتون، والسّفرجل، والتّفّاح على أصناف، وكذلك الكمّثرى، وتسمّى عندهم الإنجاص كما بدمشق، وبها المشمش والتين «1» ، والبرقوق، والقراصيا، والخوخ، وغالب ذلك على عدّة أنواع، والتّوت على قلة، والجوز، واللّوز. ولا يوجد بها الفستق والبندق إلا مجلوبا. وبها الأترجّ، واللّيمون، والليم، والنارنج، والزّنبوع، وهو المسمّى
(5/170)

بمصر والشام الكبّاد. وبها البطّيخ الأصفر والأخضر واسمه عندهم الدلاع كما في سائر بلاد المغرب على قلة، والموجود منه غير مستطاب. وبها الخيار، والقثّاء، واللّفت، والباذنجان، والقرع، والجزر، واللّوبيا، والكرنب، والشّمار، والصّعتر وسائر البقول. والموز موجود بها في بعض المواضع نادرا، والقلقاس لا يزرع عندهم إلا للتفرّج على عروقه لا لأن يؤكل، وبها قصب السكر بجزائر بني مزغنّان وبسلا كثير، ويعصر ثم يعمل منه القند ومن القند السّكّر على أنواع لا سيما بمرّاكش، فإنه يقال إن بها أربعين معصرة للسّكّر، وإنّ حمل حمار من القصب يساوي درهما من دراهمهم: وهو ثلث درهم من الدراهم المصرية؛ ويعمل منه المكرّر الفائق، ومع ذلك فليس لهم به اهتمام لاكتفائهم عنه بعسل النحل مع كثرته عندهم، وميلهم إليه أكثر من السكّر، حتّى يقال إنه لا يستعمل السّكّر عندهم إلا الغرباء أو المرضى.
وأما رياحينها، فبها الورد، والبنفسج، والياسمين، والآس، والنّرجس، والسّوسن، والبهار، وغير ذلك.
الجملة الثانية (في مواشيها، ووحوشها، وطيورها)
أما مواشيها، ففيها من الدوابّ الخيل، والبغال، والحمير، والإبل، والبقر، والغنم؛ أما الجاموس فلا يوجد عندهم.
وأما الطير، فبها منه الإوزّ، والحمام، والدّجاج ونحوها، والكركيّ عندهم كثير على بعد الدار، واسمه عندهم الغرنوق، وهو صيد الملوك هناك كما بمصر والشام.
وأما وحوشها، ففيها من أنواع الوحش الحمر، والبقر، والنّعام، والغزال، والمها وغير ذلك.
(5/171)

الجملة الثالثة (فيما تتعامل به من الدّنانير، والدراهم، والأوزان، والمكاييل)
أما مثاقيل الذهب فأوزانها لا تختلف، وأما الدراهم فذكر في «مسالك الأبصار» عن السلايحي: أن معاملتها درهمان: درهم كبير، ودرهم صغير؛ فالدّرهم الكبير قدر ثلث درهم من الدراهم النّقرة بمصر والشام، والدّرهم الصغير على النّصف من الدرهم الكبير يكون قدر سدس درهم نقرة بمصر والشام. وعند الإطلاق يراد الدرهم الصغير دون الدرهم الكبير إلا بمرّاكش وما جاورها، فإنه يراد بالدرهم عند الإطلاق الدرهم الكبير. قال: وكلّ مثقال ذهب عندهم يساوي ستين درهما كبارا، تكون بعشرين درهما من دراهم النّقرة بمصر.
وأما رطلها فعلى ما تقدّم من رطل أفريقيّة، وهي كلّ رطل ستّ عشرة أوقيّة، كل أوقيّة أحد وعشرون درهما من دراهمها.
وأما كيلها فأكثره الوسق (ويسمّى الصّحفة) وهو ستّون صاعا بالصاع النبويّ على السواء.
الجملة الرابعة (في ذكر أسعارها)
قد ذكر في «مسالك الأبصار» عن السلايحي أيضا عن سعر زمانه المتوسّط في غالب الأوقات، (وهي الدولة الناصرية محمد بن قلاوون»
وما قاربها) : أنّ سعر كل وسق من القمح أربعون درهما من الدّراهم الصّغار: وهو ثلاثة عشر درهما وثلث درهم من نقرة مصر، والشعير دون ذلك. وكلّ رطل لحم بدرهم واحد من الدراهم الصّغار، وكلّ طائر من الدّجاج بثلاثة دراهم من الصّغار، وعلى نحو ذلك.
(5/172)

الجملة الخامسة (في صفات أهلها في الجملة)
قد تقدّم أن معظم هذه المملكة في الإقليم الثالث. قال ابن سعيد: والإقليم الثالث هو صاحب سفك الدماء، والحسد، والحقد، والغلّ، وما يتبع ذلك. ثم قال: وأنا أقول: إن الإقليم الثالث وإن كثرت فيه الأحكام المرّيخيّة على زعمهم، فإن للمغرب الأقصى من ذلك الحظّ الوافر، لا سيّما في جهة السّوس وجبال درن، فإن قتل الإنسان عندهم كذبح العصفور، قال وكم قتيل قتل عندهم على كلمة وهم بالقتل يفتخرون. ثم قال: إن الغالب على أهل المغرب الأقصى كثرة التنافس المفرط، والمحاققة، وقلة التغاضي، والتهوّر، والمفاتنة.
أما البخل فإنما هو في أراذلهم، بخلاف الأغنياء، فإن في كثير منهم السماحة المفرطة والمفاخرة بإطعام والاعتناء بالمفضول والفاضل.
المقصد الثالث (في ذكر ملوكها، وما يندرج تحت ذلك: من انتقال الملك من الموحّدين إلى بني مرين والتعريف بالسلطان أبي الحسن الذي أشار إليه في كلامه في «التعريف» . وهم على طبقات)
الطبقة الأولى (ملوكها قبل الإسلام)
قد تقدّم أن بلاد المغرب كلّها كانت مع البربر، ثم غلبهم الرّوم الكيتم عليها ثم افتتحوا قرطاجنّة وملكوها، ووقع بين البربر والرّوم فتن كثيرة كان آخرها أن وقع الصلح بينهم على أن تكون البلاد والمدن الساحليّة للروم، والجبال والصحارى للبربر، ثم زاحم الفرنج الروم في البلاد، وجاء الإسلام والمستولي عليها من ملوك الفرنجة جرجيس ملكهم، وكان ملكه متصلا من طرابلس إلى البحر المحيط، وكرسيّ ملكه بمدينة سبيطلة، ومن يده انتزعها المسلمون عند الفتح.
(5/173)

الطبقة الثانية (نوّاب الخلفاء من بني أمية وبني العبّاس)
كان كرسيّ المملكة بعد الفتح بأفريقيّة، وكان نوّاب الخلفاء يقيمون بها وينزلون القيروان، وكانوا يولّون على ما فتح من بلاد المغرب من تحت أيديهم.
فبقي الأمر على ذلك أيّام عبد الله بن أبي سرح «1» ، الذي افتتحها في خلافة عثمان ابن عفّان رضي الله عنه، ثم أيّام معاوية بن صالح، ثم أيام عقبة بن نافع «2» ، ثم أيّام أبي المهاجر «3» ، ثم أيّام عقبة بن نافع ثانيا، ثم أيام زهير بن قيس «4» ، ثم أيّام حسّان بن النعمان، «5» ثم أيام موسى بن نصير «6» ، ثم أيّام محمد بن يزيد، ثم أيام إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، ثم أيام يزيد بن أبي مسلم، ثم أيام بشر بن صفوان الكلبيّ «7» ، ثم أيام عبيد بن عبد الرحمن السلمي، ثم أيام عبد الله بن الحبحاب «8» ، ثم أيام كلثوم بن عياض «9» ، ثم أيام حنظلة بن صفوان «10» ، ثم أيام
(5/174)

عبد الرحمن بن حبيب «1» ، ثم أيّام حبيب بن عبد الرحمن، ثم أيام عبد الملك بن أبي الجعد، ثم أيام عبد الأعلى بن السّمح المعافري «2» ، ثم أيام محمد بن الأشعث «3» ، ثم أيّام الأغلب بن سالم «4» ، ثم أيّام عمرو بن حفص «5» ،، ثم أيام يزيد بن حاتم بن قبيصة «6» ، ثم أيام روح بن حاتم «7» ، ثم أيام الفضل «8» بن روح، ثم أيام هرثمة بن أعين «9» ، ثم أيّام محمد بن مقاتل «10» ، ثم أيّام إبراهيم بن الأغلب «11» ، ممّن تقدّم ذكره في ملوك أفريقيّة في خلافة هارون الرشيد. وفي أيامه ظهرت دعوة الأدارسة الآتي ذكرهم بعد هذه الطبقة. وسيأتي بسط القول فيهم بعض البسط في الكلام على مكاتبة صاحب تونس.
الطبقة الثالثة الأدارسة (بنو إدريس الأكبر بن حسن المثلث، بن حسن المثنّى، بن الحسن السبط، بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم)
وكان مبدأ أمرهم أنه لما خرج حسين بن عليّ بن حسن المثلّث بمكة سنة سبعين ومائة أيّام الهادي واجتمع عليه قرابته وفيهم عمّه إدريس وقتل الحسين، فرّ إدريس ولحق بالمغرب، وصار إلى مدينة وليلي من المغرب الأقصى، فاجتمع
(5/175)

إليه قبائل البربر وبايعوه وفتح أكثر البلاد، وبقي حتى مات سنة خمس وسبعين ومائة. وأقاموا الدعوة بعده لابنه إدريس الأصغر.
وكان أبوه قد مات وترك أمّه حاملا به فكفلوه حتّى شبّ، فبايعوه سنة ثمان وثمانين ومائة، وهو ابن إحدى عشرة سنة، وافتتح جميع بلاد المغرب وكثر عسكره، وضاقت عليهم وليلي فاختطّ لهم مدينة فاس سنة ثنتين وتسعين ومائة على ما تقدّم وانتقل إليها، واستقام له الأمر واستولى على أكثر بلاد البربر، واقتطع دعوة العباسيين، ومات سنة ثلاث عشرة ومائتين.
وقام بالأمر بعده ابنه (محمد بن إدريس) ومات سنة إحدى وعشرين ومائتين بعد أن استخلف في مرضه ولده (عليشا بن محمد) وهو ابن تسع سنين، ومات سنة أربع وثلاثين ومائتين لثلاث عشرة سنة من ولايته.
وكان قد عهد لأخيه (يحيى بن محمد) فقام بالأمر بعده ومات.
فولي مكانه ابنه (يحيى بن يحيى) ثم مات فاستدعوا ابن عمه (عليّ بن عمر) ابن إدريس الأصغر فبايعوه بفاس، واستولى على جميع أعمال المغرب، وقتل سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
وقام بالأمر بعده (يحيى بن إدريس) بن عمر، بن إدريس الأصغر، وملك جميع المغرب وخطب له على منابره، وبقي حتّى وافته جيوش عبيد الله المهديّ الفاطميّ «1» ، فغلبوه على ملكه وخلع نفسه من الأمر وأنفذ بيعته إلى المهديّ سنة خمس وثلاثمائة واستقرّ عاملا للمهديّ على فاس وعملها خاصّة، وبقية المغرب بيد موسى «2» بن أبي العافية كما سيأتي.
(5/176)

الطبقة الرابعة (ملوك بني أبي العافية من مكناسة)
كانت مكناسة من قبائل البربر لأوّل الفتح بنواحي (تارا) «1» من أوساط المغرب الأقصى والأوسط وكانوا يرجعون في رياستهم إلى بني أبي باسل بن أبي الضحّاك وكانت الرياسة في المائة الثالثة لمصالة- بن حيوس، بن منازل، بن أبي الضّحّاك، بن يزّول، بن تافرسين، بن فراديس، بن ونيف، بن مكناس، بن ورصطف، بن يحيى، بن تمصيت، بن ضريس، بن رجيك، بن مادغش، بن بربر-؛ وموسى بن أبي العافية، بن أبي باسل، بن أبي الضحاك المتقدّم ذكره.
ولما استولى عبيد الله المهدي على المغرب صار مصالة بن حيوس من أكبر قوّاده وولّاه مدينة تاهرت والغرب الأوسط.
ولما زحف مصالة إلى المغرب الأقصى سنة خمس وثلاثمائة واستولى على فاس ثم على سجلماسة واستنزل يحيى بن إدريس بفاس إلى طاعة عبيد الله المهديّ وأبقاه أميرا على فاس على ما تقدّم، عقد لابن عمّه موسى بن أبي العافية أمير مكناسة على سائر ضواحي المغرب وأمصاره مضافة إلى عمله من قبل: تسول وتازا وما معهما وقفل مصالة إلى القيروان.
فقام موسى بن أبى العافية بأمر المغرب، وعاود مصالة غزو المغرب سنة تسع وثلاثمائة: أغراه موسى بن أبي العافية بيحيى بن إدريس، فقبض عليه وأخذ ماله وطرده، فلحق ببني عمه بالبصرة والريف، وولّى مصالة مكانه على فاس ريحانا الكتاميّ وقفل إلى القيروان فمات، وعظم ملك موسى بن أبي العافية بالمغرب.
(5/177)

ثم ثار بفاس سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة (الحسن بن محمد) بن القاسم، بن إدريس الملقب بالحجّام، ودخل فاس على حين غفلة من أهلها وقتل ريحانا واليها، واجتمع الناس على بيعته، ثم خرج لقتال ابن أبي العافية والتقوا، فهلك جماعة من مكناسة ثم كانت الغلبة لهم. ورجع الحسن مهزوما إلى فاس فغدر به عامله على عدوة القرويّين: حامد بن حمدان الهمداني، فقبض عليه واعتقله وأمكن ابن أبي العافية من البلد، وزحف إلى عدوة الأندلسيين فملكها وقتل عاملها، وولّى مكانه أخاه محمدا، واستولى ابن أبي العافية على فاس وجميع المغرب وأجلى الأدارسة عنه.
ثم استخلف على المغرب الأقصى ابنه (مدين) وأنزله بعدوة القرويّين، واستعمل على عدوة الأندلسيّين طوال بن أبي زيد «1» ، وعزل عنه محمد بن ثعلبة.
ونهض إلى تلمسان سنة تسع عشرة وثلاثمائة فملكها، وغلب عليها صاحبها الحسن بن أبي العيش بن عيسى، بن إدريس، بن محمد بن سليمان: من عقب سليمان ابن عبد الله: أخي إدريس الأكبر الداخل إلى المغرب بعده؛ ورجع بعد فتحها إلى فاس وخرج عن طاعة العبيديين، وخطب للناصر الأمويّ خليفة الأندلس على منابر عمله، فبعث عبيد الله المهديّ قائده حميدا المكناسيّ ابن أخى مصالة إلى فاس، ففرّ عنها مدين بن موسى بن أبي العافية إلى أبيه فدخلها حميد، ثم استعمل عليها حامد بن حمدان ورجع إلى أفريقيّة، وقد دوّخ المغرب.
ثم انتقض أهل المغرب على العبيديين بعد مهلك عبيد الله، وثار (أحمد بن بكر) بن عبد الرحمن بن سهل الجذاميّ على حامد بن حمدان عامل فاس، فقتله وبعث برأسه إلى موسى بن أبي العافية، فبعث به إلى الناصر الأمويّ بالأندلس واستولى على المغرب، وزحف (ميسور الخصيّ) قائد أبي القاسم بن عبيد الله
(5/178)

المهديّ سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة إلى فاس وحاصرها فأحجم ابن أبي العافية عن لقائه، واستنزل ميسور أحمد بن بكر عاملها وقبض عليه وبعث به إلى المهديّة.
ثم خرج أهل فاس عن طاعته، وقدّموا على أنفسهم (حسن بن قاسم اللّواتي) ، ثم حاصرهم ميسور فدخلوا تحت طاعته، واشترطوا على أنفسهم الإتاوة، فقبل ميسور ذلك منهم، وأقرّ حسن بن قاسم على ولايته بفاس، وارتحل إلى حرب بن أبي العافية، فكانت بينهم حروب آخرها أن ظهر ميسور على ابن أبي العافية، وأجلاه عن أعمال المغرب إلى بلاد الصّحراء، ثم قفل ميسور إلى القيروان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. ورجع موسى بن أبي العافية من الصّحراء إلى أعماله بالمغرب، وزحف إلى تلمسان، ففرّ عنها أبو العيش ولحق بتكور، واستفحل أمر ابن أبي العافية بالمغرب الأقصى واتّصل عمله بعمل محمد بن خزر ملك مغراوة وصاحب المغرب الأوسط، وبثّوا دعوة الأمويّة في أعمالها، وبعث ابنه مدين إلى منازلة فاس فحاصرها، وهلك موسى في خلال ذلك سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
وقام ابنه (مدين) بأمره، وعقد له الناصر الأمويّ على أعمال أبيه بالمغرب، ثم قسم أعماله بينه وبين أخويه البوري وأبي منقذ، وأجاز البوريّ إلى الناصر بالأندلس سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة فعقد له ثم هلك سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وهو محاصر لأخيه مدين بفاس، فعقد الناصر لابنه (منصور) على عمله.
ثم توفّي مدين، فعقد الناصر لأخيه أبي منقذ على عمله؛ ثم غلب مغراوة على فاس وأعمالها، واستفحل أمرهم بالمغرب. وأزاحوا مكناسة عن ضواحيه وأعماله؛ وأجاز إسماعيل بن البوري ومحمد بن عبد الله بن مدين إلى الأندلس، فنزلا بها إلى أن أجازوا مع واضح أيّام المنصور بن أبي عامر عند ما خرج زيري بن عطية عن طاعتهم سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة.
(5/179)

الطبقة الخامسة (بنو زيري بن عطيّة من مغراوة من البربر)
وهو زيري بن عطية، بن عبد الله، بن خزر، بن محمد، بن خزر، بن حفص، بن صولات، بن رومان، من بطون زناتة من البربر، وكان أوّليّة أمره أنّ زيري هذا كان أمير بني خزر في وقته، وانتهت إليه رياستهم وإمارتهم في البداوة.
ولما غلب بلكين بن زيري الصّنهاجيّ صاحب أفريقيّة وقومه صنهاجة على المغرب الأوسط سنة تسع وستّين وثلاثمائة وأجلوا عنه مغرواة الذين كانوا به من تقادم السنين وصار المغرب الأوسط جميعه لصنهاجة، لحق مغراوة فيمن بقي من بني خزر، بالغرب الأقصى؛ وأمراؤهم يومئذ محمد بن الخير، ومقاتل وزيري ابنا عطية بن عبد الله، وخزرون بن فلفول، ووصلوا إلى سبتة وأميرهم المنصور بن أبي عامر حاجب.
وبعث العزيز بن نزار العبيديّ من مصر الحسن بن كنّون من الأدارسة لاسترجاع ملكه بالمغرب، فبعث المنصور لحربه أبا الحكم عمرو بن عبد الله بن أبي عامر الملقب بعسكلاجة سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، وانحاش «1» إليه زيري ابن عطية ومن معه من بني خزر في جموع مغراوة، وزحفوا إلى الحسن بن كنّون حتى ألجأوه إلى الطاعة، ثم انصرف أبو الحكم بن أبي عامر إلى الأندلس، فعقد المنصور بن أبي عامر على المغرب الأقصى للوزير (حسن بن أحمد) بن عبد الودود السلمي، وأنفذه إليه سنة ست وسبعين وثلاثمائة، وأوصاه بملوك مغراوة خصوصا زيري؛ فسار الحسن بن أحمد حتى نزل بفاس وضبط أعمال المغرب، ومات مقاتل بن عطية سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة واستقلّ أخوه زيري بن عطية برياسة مغراوة؛ وبقي الحسن بن أحمد إلى أن قتل في بعض الحروب سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وبلغ الخبر المنصور بن أبي عامر فعقد على المغرب (لزيري ابن عطية) المذكور، وكتب إليه بعهده وأمره بضبط المغرب، فاستفحل ملكه
(5/180)

وغلب على تلمسان. فملكها من يد أبي البهار الصنهاجي، وبعث بالفتح إلى المنصور بن أبي عامر فجدّد له العهد، واختطّ مدينة (وجدة) سنة أربع وثمانين، وأنزل بها عساكره.
ثم فسد ما بين المنصور بن أبي عامر وبين زيري بن عطية، فعقد المنصور لمولاه واضح على المغرب، وعلى حرب زيري بن عطية، وجهّزه إليه في عساكره؛ ثم أتبعه المنصور ابنه المظفّر عبد الملك فاجتمعا على زيري بن عطية، ودارت بينهم الحرب فكانت الهزيمة على زيري وجرح في المعركة وفرّ إلى فاس فامتنع عليه أهلها، فلحق بالصحراء جريحا؛ وكتب عبد الملك بن المنصور بالفتح إلى أبيه فاستبشر به وكتب إلى ابنه (عبد الملك) بعهده على المغرب.
وكان زيري بن عطية لمّا فرّ إلى الصحراء صرف وجهه إلى حرب صنهاجة بالمغرب الأوسط فقصده وفتح تاهرت وتلمسان وأعمالهما، وأقام الدعوة فيها لهشام بن عبد الملك خليفة الأندلس وحاجبه المنصور من بعده، وبقي على ذلك حتى مات سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة.
وبويع من بعده ابنه (المعزّ بن زيري) فجرى على سنن أبيه من الدعاء لهشام بن عبد الملك والمنصور من بعده؛ ومات المنصور في خلال ذلك.
وقام بأمره من بعده ابنه المظفّر (عبد الملك) وبعث المعزّ بن زيري يرغب إلى المظفّر في عمل فاس والمغرب الأقصى فأجابه إلى ذلك، وكتب له عهده بذلك، خلا سجلماسة فإنها كانت بيد خزرون «1» ؛ وبقي المعزّ في ولايته إلى أن هلك سنة سبع عشرة وأربعمائة.
وولي من بعده ابن عمه (حمامة) بن المعز بن عطية واستفحل ملكه؛ ثم
(5/181)

نازعه الأمير أبو الكمال (تميم بن زيري) بن يعلى اليفرني سنة أربع وعشرين وأربعمائة؛ واستقلّ بملك المغرب وبقي حتى مات سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
وولي من بعده ابنه (دوناس) المعروف بأبي العطّاف، واستولى على فاس وسائر عمل أبيه، فاستقامت دولته، واحتفل بعمارة فاس وأدار السّور على أرباضها، وبنى بها المصانع، والحمّامات، والفنادق، وبقي حتى مات سنة إحدى وخمسين وأربعمائة.
وولي من بعده ابنه (الفتّوح بن دوناس) ونازعه أخوه الأصغر عجيسة واستولى على عدوة القرويّين من فاس، وبقي الفتّوح بعدوة الأندلسيّين، وافترق أمرهما ووقعت الحرب بينهما؛ وابتنى الفتّوح بعدوة الأندلسيين (باب الفتوح) المعروف به إلى الآن، وابتنى عجيسة بعدوة القرويين (باب الجيسة) المعروف به إلى الآن، وحذفت العين منه لكثرة دورانه على الألسنة، وبقي الأمر على ذلك حتى ظفر الفتوح بأخيه عجيسة، وقتله سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، ودهم المغرب على إثر ذلك ما دهمه من أمر المرابطين من لمتونة، وخشي الفتّوح عاقبة أمرهم، فرحل عن فاس وتركها.
وزحف صاحب القلعة (بلكين) بن محمد بن حمّاد إلى المغرب سنة أربع وخمسين، فدخل فاس واسترهن بعض أشرافهم على الطاعة ورجع إلى عمله، وولّى على المغرب بعد الفتّوح (معتصر) بن حماد، بن معتصر، بن المعز، بن زيري.
(5/182)

وزحف (يوسف بن تاشفين) «1» إلى فاس فملكها صلحا سنة خمس وخمسين وأربعمائة وخلّف عليها عامله، وارتحل إلى غمارة فخالفه معتصر إلى فاس وملكها وقتل العامل ومن معه من لمتونة، وبلغ الخبر يوسف بن تاشفين فأرسل العساكر إلى فاس وحاصرها، وخرج معتصر للقاء عساكره، فكانت الدائرة عليه وقتل في المعركة سنة ستين وأربعمائة.
وبايع أهل فاس من بعده ابنه (تميم بن معتصر) فكانت أيامه أيام حصار وفتنة وشدّة وغلاء.
ولما فرغ يوسف بن تاشفين من أمر عمارة سنة ثنتين وستين وأربعمائة قصد فاس فحاصرها أيّاما ثم افتتحها عنوة وقتل بها نحو ثلاثة آلاف من مغراوة وبني يفرن ومكناسة وقبائل زناتة وهلك تميم بن معتصر في جملتهم، وأمر يوسف بن تاشفين بهدم الأسوار التي كانت فاصلة بين العدوتين وصيّرهما مصرا واحدا وأدار عليهما سورا واحدا، وفرّ من خلص من القتل من مغراوة من فاس إلى تلمسان «2» ، وانقرض ملكهم من الغرب الأقصى وتصاريف الأمور بيد الله تعالى.
الطبقة السادسة (المرابطون من الملثّمين من البربر)
كان الملثّمون من البربر من صنهاجة قبل الفتح الإسلامي متوطّنين في القفار وراء رمال الصّحراء: ما بين بلاد البربر وبلاد السّودان، في جملة قبائل صنهاجة على دين المجوسيّة؛ قد اتخذوا اللّثام شعارا يميّز بينهم وبين غيرهم من الأمم؛ والرياسة فيهم يومئذ للمتونة، ولم يزالوا على ذلك إلى أن كان فتح الأندلس واستمر ملكهم أيام عبد الرحمن «3» أوّل خلفاء بني أمية بالأندلس.
(5/183)

قال ابن أبي زرع: أوّل من ملك الصحراء من لمتونة (يتلوثان) وكان يركب في ألف نجيب «1» وتوفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين.
وملك بعده (يلتان) فقام بأمرهم وتوفّي سنة سبع وثمانين ومائتين.
وقام بأمرهم بعده ابنه (تميم) إلى سنة ستّ وثلاثمائة وقتله صنهاجة.
ثم افترق أمرهم بعد تميم مائة وعشرين سنة إلى أن قام فيهم (أبو عبد الله بن نيفاوت) المعروف بتادشت اللّمتوني، وحجّ ومات لثلاثة أعوام من رياسته عليهم.
وقام بأمرهم صهره (يحيى بن إبراهيم) فحج في سني أربعين وأربعمائة، وعاد وصحبته عبد الله بن ياسين الجزوليّ»
ليعلّمهم الدّين، فلما مات يحيى بن إبراهيم اطّرحوا عبد الله بن ياسين واستعصوا عليه وتركوا الأخذ بقوله فاعتزلهم، ثم اجتمع عليه رجال من لمتونة فخرج فيهم وقاتل من استعصى عليه منهم حتّى أنابوا إلى الحق وسمّاهم «المرابطين» وجعل أمرهم في الحرب إلى الأمير يحيى بن عمر، بن واركوت، بن ورتنطق، بن المنصور، بن مرصالة، بن منصور، بن فرصالة، بن أميت، بن راتمال؛ بن تلميت، وهو لمتونة، فافتتحوا درعة وسجلماسة، واستعملوا عليها منهم، وعادوا إلى الصحراء، وهلك يحيى بن عمر سنة سبع وأربعين وأربعمائة.
وولي مكانه أخوه (أبو بكر بن عمر) ثم افتتحوا بلاد السّوس سنة ثمان وأربعين ثم مدينة أغمات سنة تسع وأربعين، ثم بلاد المصامدة وجبال درن سنة خمسين، ثم استشهد عبد الله بن ياسين في بعض الغزوات سنة خمسين، واستمرّ أبو بكر بن عمر في إمارة قومه، وافتتح مدينة لواتة سنة ثنتين وخمسين، ثم ارتحل إلى الصحراء لجهاد السّودان واستعمل على المغرب ابن عمه (يوسف بن
(5/184)

تاشفين) بن إبراهيم بن واركوت، فسار يوسف في عسكره من المرابطين ودوّخ أقطار المغرب، واختط مدينة مرّاكش سنة أربع وخمسين.
ثم انتزع جبال زناتة بالمغرب من أيديهم، ثم افتتح فاس صلحا سنة خمس وخمسين ثم استعيدت بعد فتحها، ثم فتحها عنوة سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وأمر بهدم الأسوار التي كانت فاصلة بين عدوتي القرويّين والأندلسيّين وصيرهما مصرا واحدا، ثم افتتح بعد ذلك مدينة تلمسان واستولى على الغرب الأقصى والغرب الأوسط، ثم صار إلى الأندلس واستولى على أكثر ممالكه كما سيأتي في ذكر مكاتبة صاحب الأندلس، ثم توفّي يوسف بن تاشفين على رأس المائة الخامسة.
وقام بالأمر بعده ابنه (علي بن يوسف) فاستولى على ما كان بيد أبيه من العدوتين، وسار فيهم بأحسن السّيرة. ولأربع عشرة سنة من ولايته كان ظهور المهدي بن تومرت صاحب دولة الموحّدين. ومات عليّ بن يوسف سنة سبع وثلاثين، وقد ضعفت كلمة المرابطين بالأندلس لظهور الموحّدين.
وقام بالأمر بعده ولده (تاشفين بن علي) وأخذ بطاعته وبيعته أهل العدوتين، وقد استفحل أمر الموحّدين وعظم شأنهم، ونزل تلمسان فقصده الموحّدون، ففرّ إلى وهران واتّبعه الموحدون، ففقد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، واستولى الموحدون على الغرب الأوسط.
ثم بويع بمرّاكش (إبراهيم بن تاشفين) ، بن علي، بن يوسف بن تاشفين، فألفوه عاجزا فخلعوه.
وولّي مكانه عمه (إسحاق بن علي) بن يوسف بن تاشفين، وقد ملك الموحّدون جميع بلاد المغرب وقصدوه في مرّاكش، فخرج إليهم في خاصّته فقتلوه، وأجاز عبد المؤمن والموحّدون إلى الأندلس، فملكوه سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وفرّ أمراء المرابطين في كلّ وجه.
(5/185)

الطبقة السابعة (ملوك الموحّدين)
كان أوّل أمرهم أن المهديّ محمد بن تومرت، كان إماما متضلّعا بالعلوم، قد حجّ ودخل العراق واجتمع بأئمته من العلماء والنّظّار، كالغزاليّ [وإلكيا الهرّاسي] «1» وغيرهما، وأخذ بمذهب الأشعريّة أهل السنة، ورجع إلى الغرب وأهله يومئذ على مذهب أهل الظاهر في منع التأويل، فاجتمع إليه قبائل المصامدة من البربر وجعل يبثّ فيهم عقائد الأشعريّة، وينهى عن الجمود على الظاهر، وسمّي أتباعه الموحدين، تعريضا بتكفير القائلين بالتجسيم الذي يؤدّي إليه الوقوف على الظاهر.
وكان الكهّان يتحدّثون بظهور دولة بالمغرب لأمّة من البربر، وصرفوا القول في ذلك إليه، ودعا المصامدة إلى بيعته على التوحيد وقتال المجسّمين سنة خمس عشرة وخمسمائة فبايعوه على ذلك.
ولما كملت بيعته لقّبوه المهدي، وكان قبل ذلك يلقّب الإمام، وأخذوا في قتال المرابطين من لمتونة حتّى استقاموا على الطاعة. وتوفّي المهديّ سنة ثنتين وعشرين وخمسمائة.
وقام بالأمر بعده (عبد المؤمن) بن عليّ بعهده إليه. فكان من أمره ما تقدّم من استيلائه على العدوتين وانقراض ملك المرابطين بهما، وكان ذلك من سنة أربع وثلاثين وخمسمائة إلى سنة إحدى وأربعين. ثم صرف همّه إلى بجاية وأفريقيّة فافتتحهما، واستخلص المهديّة والبلاد الساحلية التي كانت النصارى قد
(5/186)

استولوا عليها من أيديهم واستولى على سائر بلاد أفريقيّة، وعاد إلى الغرب في سنة ستّ وخمسين وخمسمائة. وتوفّي بسلا من الغرب الأقصى في جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين.
وبويع بعده ابنه أبو يعقوب (يوسف بن عبد المؤمن) فاستولى على ما كان بيد أبيه من العدوتين وأفريقيّة، واشتغل بإصلاح الممالك وجهاد العدوّ، وأجاز إلى الأندلس لجهاد النصارى، وقتل في بعض غزواته فيه بسهم أصابه. وقيل مرض فمات سنة ثمانين وخمسمائة.
وبويع ابنه (يعقوب بن يوسف) بإشبيلية عقب وفاته وتلقّب بالمنصور، فاستولى على ما كان بيد أبيه من الممالك إلى الأندلس، وكان له مع العدو وقائع، ومرض بالأندلس فمات سنة خمس وتسعين وخمسمائة.
وبويع ابنه (محمد) وليّ عهده وتلقّب الناصر لدين الله، ورجع إلى بلاد المغرب. وفي أيامه ثار (ابن غانية) «1» على أفريقيّة وتغلّب عليها، وولّى أبا محمد ابن الشيخ أبي حفص عليها، فاستقرّت بها قدم بنيه إلى الآن، وأجاز إلى الأندلس ونزل إشبيلية، والتقى مع العدوّ في صفر سنة تسع وستمائة، وابتلي المسلمون في ذلك اليوم ورجع إلى مرّاكش فمات في شعبان من السنة المذكورة.
وبويع ابنه (يوسف بن محمد) سنة إحدى عشرة وستمائة، وهو ابن ستّ عشرة سنة، ولقّب المستنصر بالله، وتأخّر أبو محمد ابن الشيخ أبي حفص عن بيعته لصغر سنه، وغلب عليه مشيخة الموحّدين فقاموا بأمره. وبقي المستنصر حتّى مات يوم الأضحى سنة «2» ست وعشرين وستمائة.
(5/187)

وبويع بعده أبو محمد (عبد الواحد بن يوسف) بن عبد المؤمن، وهو أخو المنصور ويعرف (بالمخلوع) . وكان الوالي بالمرسية من الأندلس أبو محمد عبد الله بن يعقوب بن المنصور، بن يوسف، بن عبد المؤمن. فثار بالأندلس ودعا لنفسه وتلقّب (العادل) . واتصل الخبر بمرّاكش فاضطرب الموحّدون على (المخلوع) وبعثوا ببيعتهم إلى العادل بالأندلس، وبادر العادل إلى مرّاكش فدخلها وبقي حتّى قتل بها أيام الفطر سنة أربع وعشرين وستّمائة.
وكان أخوه (إدريس بن المنصور) بإشبيلية من الأندلس فدعا لنفسه وبويع وبعث الموحّدون ببيعتهم إليه، ثم قصد مرّاكش فهلك في طريقه بوادي أمّ ربيع مفتتح سنة ثلاثين وستمائة، وتغلب ابن هود على سبتة.
وبويع بعده ابنه (المأمون عبد الواحد بن إدريس) فلقّب الرشيد، ودخل إلى مرّاكش فبايعوه، وبقي حتّى توفّي سنة أربعين وستمائة.
وبويع بعده أخوه (أبو الحسن عليّ السعيد) ولقّب المعتضد بالله، وقام بالأمر ثم سار إلى تلمسان فكان بها مهلكه على يد بني عبد الواد في صفر سنة ستّ وأربعين وستمائة، وكان فيها استيلاء النصارى على إشبيلية.
ثم اجتمع الموحّدون على بيعة (أبي حفص) عمر «1» بن أبي إسحاق بن يوسف، بن عبد المؤمن، فبايعوه ولقّب (المرتضى) وكان بسلا فقدم إلى مرّاكش. وفي أيامه استولى أبو يحيى بن عبد الحق المرينيّ جدّ السلطان أبي الحسن على مدينة فاس سنة سبع وأربعين وستمائة، واستبدّ العزفيّ بسبتة.
ثم انتقض على المرتضى قائد حروبه (أبو العلاء) الملقّب بأبي دبّوس، بن أبي عبد الله محمد، بن أبي حفص، بن عبد المؤمن، ففرّ منه واجتمع عليه جموع
(5/188)

من الموحّدين وقصد مرّاكش وبها المرتضى فغلبه عليها، والتقيا وفرّ المرتضى إلى أزمّور فقبض عليه واليها واعتقله إلى أن ورد أمر [أبي دبّوس] «1» بقتله فقتله، واستقلّ أبو دبّوس بالأمر وتلقّب (الواثق بالله) والمعتمد على الله.
ثم جمع يعقوب «2» بن عبد الحق وقصد مرّاكش فخرج إليه أبو دبّوس، فكانت الهزيمة على أبي دبوس، ففرّ هاربا فأدرك وقتل، ودخل يعقوب بن عبد الحق مرّاكش وملكها سنة ثمان وستين وستمائة، وفرّ مشيخة الموحدين إلى معاقلهم بعد أن كانوا بايعوا عبد الواحد بن أبي دبّوس ولقّبوه المعتصم، فأقام خمسة أيام، وخرج في جملتهم، وانقرض أمر بني عبد المؤمن، ولم يبق للموحدين ملك إلا بأفريقيّة لبني أبي حفص على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
الطبقة الثامنة (ملوك بني عبد الحق من بني مرين، القائمون بها إلى الآن)
وهو عبد الحق بن محيو، بن أبي بكر، بن حمامة، بن محمد، بن ورزيز، ابن فكّوس، بن كوماط، بن مرين، بن ورتاجن، بن ماخوخ، بن جديح، بن فاتن، بن بدر، بن نجفت، بن عبد الله، بن ورتبيص، بن المعز، بن إبراهيم، بن رجيك، بن واشين، بن بصلتن، بن مشد، بن إكيا، بن ورسيك، بن أديدت، بن جانا، وهو زناتة.
كانت منازل بني مرين ما بين فيكيك إلى صاوملوية، وكانت الرياسة فيهم (لمحمد) بن ورزيز بن فكّوس.
ولما هلك محمد قام بأمره من بعده ابنه (حمامة) ثمّ من بعده أخوه (عسكر) ولما هلك قام برياسته ابنه (المخضب) فلم يزل أميرا عليهم إلى أن قتل في حرب
(5/189)

الموحّدين في سنة أربعين وخمسمائة.
وقام بأمرهم من بعده (أبو بكر ابن عمه حمامة بن محمد) وبقي حتّى هلك.
فقام من بعده ابنه (محيو) ولم يزل حتّى أصابته جراحة في بعض الحروب، وهو في عداد المنصور بن عبد المؤمن، هلك منها بعد مرجعه إلى الزّاب سنة إحدى وتسعين وخمسمائة.
وقام برياسته ابنه (عبد الحق بن محيو) وكان أكبر أولاده، وهو الذي تنسب إليه ملوك فاس الآن. فأحسن السّير في إمارته إلى أن كانت أيام المستنصر يوسف ابن الناصر: خامس خلفاء بني عبد المؤمن فثارت الفتنة بينه وبين بني مرين، وكانت بينهم حروب هلك في بعضها عبد الحق بن محيو.
ونصّب بنو مرين بعده ابنه أبا سعيد (عثمان بن عبد الحق) وشهرته بينهم ادرغال، ومعناه بلغتهم الأعور، وقوي سلطانه وغلب على ضواحي المغرب، وضرب الإتاوة عليهم وتابعه أكثر القبائل، وفرض على أمصار المغرب مثل فاس وتازا وغيرهما ضربية معلومة في كل سنة على أن يكفّ الغارة عنهم. ولم يزل على ذلك إلى أن قتله علج من علوجه سنة سبع وثلاثين وستمائة.
وقام بأمر بني مرين من بعده أخوه (محمد بن عبد الحق) فجرى على سنن أخيه في الاستيلاء على بلاد المغرب، وضرب الإتاوة على بلاده ومدنه إلى أن كانت أيام السعيد بن المأمون من بني عبد المؤمن، فجهّز عساكر الموحدين لقتال بني مرين، فخرجوا إليهم في جيش كثيف في سنة ثنتين وأربعين وستمائة، ودارت الحرب بينهم فكانت الهزيمة على بنى مرين، وقتل محمد بن عبد الحق.
وقام بأمرهم من بعده ابنه «1» أبو يحيى (زكريّا بن عبد الحق) وقسم جبايته ببلاد المغرب في عشائر بنى مرين، ودارت الحرب بينهم وبين الموحّدين، إلى
(5/190)

أن مات السعيد بن المأمون من بني عبد المؤمن، وانتقل الأمر بعده إلى ابنه عبد الله، فضعفت دولة بني عبد المؤمن. واستولى (أبو يحيى) بن عبد الحق على أكثر بلاد المغرب، وقصد فاس وبها بعض بني عبد المؤمن فأناخ عليها وتلطّف بأهلها، ودعاهم إلى الدّعوة الحفصيّة بأفريقيّة، فأجابوه إلى ذلك وبايعوه خارج باب الفتوح. ودخل إلى قصبة فاس لشهرين من موت السعيد في أوّل سنة ستّ وأربعين وستمائة، وبايعه أهل تازا وأهل سلا ورباط الفتح، واستولى على نواحيها، وأقام فيها الدّعوة الحفصيّة، واستبدّ بنو مرين بملك المغرب الأقصى، وبنو عبد الواد بملك المغرب الأوسط.
وملك سجلماسة سنة ثلاث وخمسين وستمائة من أيدي عامّة الموحّدين وبقي حتّى هلك بفاس في رجب سنة ستّ وخمسين وستمائة، ودفن بمقبرة باب الفتوح.
وتصدّى للقيام بأمره ابنه (عمر) ومال أهل الحلّ والعقد إلى عمّه أبي يوسف يعقوب بن «1» عبد الحق، وكان غائبا بتازا فقدم ثم وقع الصلح بينهما على أن ترك يعقوب الأمر لابن أخيه عمر على أن يكون له تازا وبلادها، ثم وقع الخلف بينهما والتقيا فهزم عمر ثم نزل لعمه يعقوب عن الأمر.
ورحل السلطان أبو يوسف (يعقوب بن عبد الحق) فدخل فاس مملّكا، ثم هلك عمر بعد سنة، فكفي يعقوب شأنه واستقام سلطانه، وأخذ في افتتاح أمصار المغرب. وافتتح أمره باستنقاذ مدينة سلا من أيدي النصارى، ثم قصد إلى مرّاكش فخرج إليه الخليفة المرتضى من بني عبد المؤمن، وكانت بينهما حرب هزم فيها المرتضى وقتل، وبايع الموحدون أخاه (إسحاق) ثم قبض عليه سنة أربع وستين وستمائة فقتل فيمن معه، وانقرض أمر بني عبد المؤمن من المغرب.
ووصل السلطان أبو يوسف إلى مرّاكش أوّل سنة ثمان وستين وستمائة
(5/191)

فدخلها، وورث ملك الموحدين بها، ثم رجع إلى فاس بعد أن استخلف على مرّاكش في شوّال من سنته، وشرع في بناء المدينة التي استجدّها ملاصقة لمدينة فاس في ثالث شوّال سنة أربع وسبعين وستمائة، ونزل فيها بحاشيته وذويه، وغزا في خلال ذلك النصارى بالأندلس أربع مرّات حتّى أذعن له شانجة بن أدفونش، وسأله في عقد السلّم له فعقد له على شروط اشترطها عليه، وعاد إلى بلاد المغرب فمرض ومات في آخر المحرّم سنة خمس وثمانين وستمائة.
وبويع بعده ابنه وليّ عهده أبو يعقوب (يوسف بن يعقوب) فجرى على سنن أبيه في العدل والغزو، وأجاز إلى الأندلس، وجدّد السلم مع شانجة ملك النصارى.
وغزا تلمسان مرّات وبقي حتّى طعنه خصيّ من خدمه، وهو نائم على فراشه، فمات سابع ذي القعدة سنة ستّ وسبعمائة.
وبويع بعده ابنه أبو ثابت (عامر بن أبي يعقوب يوسف) واختلفت عليه النّواحي، ثم استقام أمره وبقي حتّى انتقض عليه عثمان بن أبي العلاء «1» ، بنواحي طنجة من أقصى الغرب، فخرج لقتاله ومرض في طنجة ومات في ثامن صفر سنة سبع وسبعمائة.
وبويع بعده أخوه (أبو الرّبيع بن أبي يعقوب يوسف) فأحسن السّيرة، وأجزل الصّلات، وسار بسيرة آبائه وبقي حتّى مات بمدينة تازا في سلخ جمادى الآخرة سنة عشر وسبعمائة ودفن بصحن جامعها.
وبويع بعده أخوه أبو سعيد (عثمان بن أبي يعقوب يوسف) فلما استقام أمره
(5/192)

بالغرب الأقصى سار إلى تلمسان سنة أربع عشرة وسبعمائة فانتزعها من موسى بن عثمان بن يغمراس: سلطان بني عبد الواد بها، وانتقض عليه محمد بن يحيى العزفي صاحب سبتة فسار إليه في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة فأذعن للطاعة، وأحضر عبد المهيمن بن محمد الحضرمي «1» من سبتة وولاه ديوان الإنشاء والعلامة.
وفي أيامه قصد بطرة وجوان ملك النصارى بالأندلس غرناطة. فاستغاثوا به، فأجاز البحر إليهم ولقي عساكر النصارى فهلك بطرة وجوان في المعركة وكانت النّصرة للمسلمين. وتوفّي في ذي الحجّة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة.
وبويع بعده ابنه وليّ عهده أبو الحسن (علي بن عثمان) وهو الذي كان في عصر المقرّ الشهابيّ بن فضل الله. وسار إلى تلمسان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، فملكها من ابن أبي تاشفين سلطان بني عبد الواد بها بعد أن قتله بقصره. وملك تونس من يد أبي يحيى سلطان الحفصيين بها في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، واتصل ملكه ما بين برقة إلى السّوس الأقصى والبحر المحيط الغربي، ثم استرجع الحفصيّون تونس بعد ذلك. وملك بعد ذلك سجلماسة قاعدة من بلاد الصحراء بالغرب الأقصى، وبقي حتّى مات في الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة ثنتين وخمسين وسبعمائة بجبل هنتاتة.
وبويع بعده ابنه (أبو عنان بن أبي الحسن) وكان بنو عبد الواد قد استعادوا تلمسان في أيام أبيه فارتجعها منهم في سنة ثلاث وخمسين، ونزل له الأمير محمد ابن أبي زكريا صاحب بجاية عنها فانتظمت في ملكه. وملك قسنطينة من الحفصيّين بعد ذلك بالأمان. ثم ملك تونس من أيديهم سنة ثمان وخمسين. ورجع
(5/193)

إلى المغرب فارتجع الحفصيّون تونس وسائر بلاد أفريقيّة وبقي حتى توفي في ذي الحجة سنة تسع وخمسين.
وكان ابنه (أبو زيّان) وليّ عهده فعدل عنه إلى ابنه (السّعيد بن أبي عنان) واستولى عليه الحسن بن عمر وزير أبيه فحجبه في داره، واستقلّ بالأمور دونه.
وتغلب أبو حمو سلطان بني عبد الواد على تلمسان فانتزعها من يده في سنة ستين وسبعمائة.
ثم خرج على السعيد بن أبي عنان عمّه أبو سالم (إبراهيم بن أبي الحسن) وكان بالأندلس فجاء إليه بالأساطيل، واجتمع إليه العساكر، ووصل إلى فاس، وخلع الحسن بن عمر سلطانه السعيد عن الأمر، وأسلمه إلى عمّه أبي سالم وخرج إليه فبايعه، ودخل فاس في منتصف شعبان سنة ستين وسبعمائة، واستولى على ملك المغرب، وقصد تلمسان فأجفل عنها أبو حمو سلطان بني عبد الواد فدخلها بالأمان في رجب سنة إحدى وستين وسبعمائة، فأقرّ بملكها حفيدا من أحفاد بني عبد الواد يقال له أبو زيّان، ورجع إلى فاس في شعبان من سنته. وعاد أبو حمو إلى تلمسان فملكها من أبي زيّان. وبنى إيوانا فخما بفاس بجانب قصره، وانتقل إليه، وفوّض أمر القلعة إلى عمر بن عبد الله بن عليّ من أبناء وزرائهم، فعمد إلى أبي عمر (تاشفين الموسوس) ابن السلطان أبي الحسن فأجلسه على أريكة الملك، وبايعه في ذي القعدة سنة ثنتين وستين وسبعمائة. وأفاض العطاء في الجند.
وأصبح السلطان أبو سالم فوجد الأمر على ذلك ففرّ بنفسه، فأرسل عمر بن [عبد الله بن] «1» عليّ في أثره من قبض عليه واحتزّ رأسه وأتى بها إلى فاس.
ثم أنكر أهل الدولة على عمر بن عبد الله ما وقع منه من نصب أبي عمر المذكور لضعف عقله، فأعمل فكره فيمن يصلح للملك فوقع رأيه على (أبي
(5/194)

زيّان محمد ابن الأمير عبد الرحمن) ابن السلطان أبي الحسن. وكان قد فزع إلى ملك النصارى بإشبيلية من الأندلس، فأقام عنده خوفا من السلطان أبي سالم، فبعث إليه من أتى به، وخلع أبا عمر من الملك، وبعث إليه بالآلة والبيعة من تلقّاه بطنجة. ورحل إلى فاس في منتصف شهر صفر سنة ثلاث وستين وسبعمائة، ودخل إلى قصر الملك، فأقام به والوزير عمر بن عبد الله مستبدّ عليه لا يكل إليه أمرا ولا نهيا وحجره من كل وجه، فثقل ذلك على السلطان أبي زيّان، وأمر بعض أصحابه في الفتك بالوزير عمر، فبلغ الخبر الوزير فدخل على السلطان من غير إذن على ما كان اعتادة منه، وألقاه في بئر وأظهر للناس أنه سقط عن ظهر فرسه وهو ثمل في تلك البئر.
واستدعى من حينه (عبد العزيز) ابن السلطان أبي الحسن من بعض الدّور بالقلعة، فحضر القصر وجلس على سرير الملك، ودخل عليه بنو مرين فبايعوه وكمل أمره، وذلك في المحرم سنة ثمان وستين وسبعمائة، واستبدّ عليه كما كان مستبدّا على من قبله، فحجره ومنعه من التصرّف في شيء من أمره، ومنع الناس أن يسألوه في شيء من أمورهم، فثقل ذلك عليه غاية الثّقل، وأكنّه في نفسه إلى أن استدعاه يوما فدخل عليه القصر، وكان قد أكمن له رجالا بالقصر، فخرجوا عليه وضربوه بالسيوف حتّى مات. واستقلّ السلطان عبد العزيز بملكه، وقصد تلمسان فملكها من يد أبي حمو سلطان بني عبد الواد بالأمان بعد إجفال أبي حمو عنها.
ودخلها يوم عاشوراء سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة. وارتحل عنها آخر المحرّم إلى الغرب ووصل إلى فاس، ثم عاد إلى تلمسان وخرج منها يريد المغرب، فمرض ومات في الثاني والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وسبعمائة.
وبويع بعده ابنه (سعيد بن عبد العزيز) وهو طفل، وقام بأمره وزيره أبو بكر بن غازي ورجعوا به إلى المغرب ودخل إلى فاس وجدّدت له البيعة بها، واستبدّ عليه الوزير أبو بكر، وحجره عن التصرّف في شيء من أمره لصغره.
ورجع أبو حمو سلطان بني عبد الواد إلى تلمسان فملكها في جمادى سنة أربع وسبعين وسبعمائة.
(5/195)

وخرج عليه (أبو العباس أحمد بن أبي سالم) وكان بالأندلس فأجاز البحر وسار إلى فاس فملكها. ودخلها أوّل المحرّم سنة ستّ وسبعين وسبعمائة، واستقلّ بملك المغرب، وكان ذلك بموالاة ابن الأحمر صاحب الأندلس فاتّصلت بينهما بذلك الصّحبة، وتأكّدت المودّة، وتخلّى عن مرّاكش لعبد الرحمن، وكان بينهما صلح وانتقاض تارة وتارة، وقصد تلمسان فملكها من أبي حمو بعد فراره عنها، وأقام بها أياما وهدم أسوارها وخرج منها في أتباع أبي حمو.
وخالفه السلطان (موسى) ابن عمه أبي عنان إلى فاس فملكها، ونزل دار الملك بها في ربيع الأوّل سنة ستّ وثمانين وسبعمائة، وقدم السلطان أبو العباس إلى فاس، فوجد موسى ابن عمه قد ملكها ففرّ عنها إلى تازا، ثم أرسل إلى السلطان موسى بالطاعة والإذعان، فأرسل من أتى به إليه، فقيّده وبعث به إلى الأندلس واستقلّ السلطان موسى بملك المغرب، وتوفي [لثلاث سنين من خلافته] «1» وبويع بعده (المنتصر ابن السلطان أبي العباس) فلم يلبث أن خرج عليه (الواثق محمد بن أبي الفضل) ابن السلطان (أبي الحسن) من الأندلس، فسار إلى فاس ودخلها وحلّ بدار الملك بها، وبويع في شوّال سنة ثمان وثمانين وسبعمائة.
وبعث المنتصر إلى أبيه أبي العبّاس بالأندلس فأجاز السلطان أبو العبّاس من الأندلس إلى سبتة، فملكها في صفر سنة تسع وثمانين وسبعمائة، ثم استنزله عنها ابن الأحمر صاحب الأندلس وانتظمها في ملكه، ثم ظهرت دعوة السلطان أبي العبّاس بمرّاكش واستولى جنده عليها، ثم سار إليها ابنه المنتصر وملكها، وسار السلطان أبو العباس إلى فاس فملكها ودخل البلد الجديد بها خامس رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة لثلاثة أعوام وأربعة أشهر من خلعه، وبعث بالواثق إلى الأندلس ثم أمر بقتله فقتل في طريقه بطنجة.
(5/196)

وكان أبو حمو صاحب تلمسان قد مات واستولى عليها بعده ابنه (أبو تاشفين) قائما بدعوة أبي العبّاس صاحب فاس، ومات أبو تاشفين وأقيم ابنه طفلا فيها، ثم قتله عمّه يوسف بن أبي حمو، وجهّز السلطان أبو العباس ابنه (أبا فارس عثمان) فملكها وأقام فيها دعوة أبيه، وتوفّي السلطان أبو العباس بمدينة تازا في المحرّم سنة ست وتسعين وسبعمائة، واستدعوا ابنه أبا فارس فبايعوه بتازا، ورجعوا به إلى فاس، وأطلقوا أبا زيّان بن أبي حمو من الاعتقال وبعثوا به إلى تلمسان. وبقي أبو فارس في مملكة الغرب إلى الآن: وهو السلطان أبو فارس:
عثمان ابن السلطان أبي العباس أحمد، ابن السلطان أبي سالم إبراهيم، ابن السلطان أبي الحسن علي، ابن السلطان أبي سعيد عثمان، ابن السلطان أبي يوسف يعقوب، بن عبد الحق.
المقصد الرابع (في بيان ترتيب هذه المملكة، وفيه تسع (عشر) جمل)
الجملة الأولى (في ذكر الجند، وأرباب الوظائف: من أرباب السّيوف والأقلام، ومقادير الأرزاق الجارية عليهم، وزيّ السلطان، وترتيب حاله في الملك)
أما الجند، فأشياخ كبار وأشياخ صغار، وهم القائمون مقام الأمراء الطّبلخانات بمصر على ما تقدّم في أفريقيّة، ولا يعرف بها أمير له عدّة كما بمصر والشام وإيران، ولا يطلق اسم الإمرة عندهم على أحد من الجند بحال. ثم بعد الأشياخ عامّة الجند من الأندلسيّين وغيرهم، والعلوج من الفرنج، على ما تقدّم في مملكة أفريقيّة من غير فرق في الترتيب، والوزراء والقضاة وأرباب الوظائف على نحو ما تقدّم في أفريقيّة.
الجملة الثانية (في زيّ السلطان والأشياخ وأرباب الوظائف في اللّبس)
أما زيّ السلطان والأشياخ وعامّة الجند، فإنهم يتعمّمون بعمائم طوال،
(5/197)

قليلة العرض من كتّان، ويعمل فوقها إحرامات يلفّونها على أكتافهم، ويتقلّدون السّيوف تقليدا بدويّا، ويلبسون الخفاف في أرجلهم (وتسمّى عندهم الأنمقة) كما في أفريقيّة، ويشدّون المهاميز «1» فوقها، ويتّخذون المناطق وهي (الحوائص) ويعبّرون عنها بالمضمّات من فضّة أو ذهب. وربما بلغت كلّ مضمّة منها ألف مثقال، ولكنهم لا يشدّونها إلا في يوم الحرب أو يوم التمييز: وهو يوم عرضهم على السلطان. ويختصّ السلطان بلبس البرنس الأبيض الرفيع، لا يلبسه ذو سيف غيره. أما العلماء وأهل الصّلاح فإنه لا حرج عليهم في ذلك، ولا حرج في غير الملوّن «2» البيض من البرانس على أحد.
وأما زيّ القضاة والعلماء والكتّاب وعامّة الناس، فقريب من لبس الجند.
إلا أنّ عمائمهم خضر، ولا يلبس أحد منهم الأنمقة: وهي الأخفاف في الحضر ولا يمنع أحد منهم من لبسها في السّفر.
الجملة الثالثة (في الأرزاق المطلقة من قبل السلطان على أهل دولته)
أما رزق الأجناد ففي «مسالك الأبصار» عن السّلايحي: أن للأشياخ الكبار الإقطاعات الجارية عليهم: لكلّ واحد منهم في كل سنة عشرون ألف مثقال من الذهب، يأخذها من قبائل، وقرى، وضياع، وقلاع، ويتحصّل له من القمح والشعير والحبوب من تلك البلاد نحو عشرين ألف وسق. ولكلّ واحد مع الإقطاع الإحسان في رأس كل سنة وهو حصان بسرجه ولجامه، وسيف ورمح محلّيان، وسبنيّة: وهي بقجة قماش فيها ثوب طرد وحش مذهب سكندريّ، ويعبّرون عن هذا الثوب بالزّردخاناه، وثوبان بياض من الكتّان عمل أفريقيّة،
(5/198)

وإحرام وشاش طوله ثمانون ذراعا، وقصبتان من ملف وهو الجوخ. وربما زيد الأكابر على ذلك، وربما نقص من هو دون هذه الرتبة. وللأشياخ الصّغار من الإقطاع والإحسان نصف ما للأشياخ الكبار مع الحصان المسرج الملجم والسيف والرّمح والكسوة، ومنهم من لا يلحق هذه الرتبة فيكون أنقص. ومن عدا الأشياخ من الجند على طبقات: فالمقرّبون إلى السلطان يكون لكلّ واحد منهم ستّون مثقالا من الذهب في كلّ شهر، وقليل ما هم، ومن دون ذلك يكون له في الشهر ثلاثون مثقالا ثم ما دونها، إلى أن يتناهى إلى أقلّ الطبقات وهي ستة مثاقيل في كل شهر. وليس لأحد منهم بلد ولا مزدرع «1» وأما قاضي القضاة، فله في كلّ يوم مثقال من الذهب، وله أرض يسيرة، يزرع بها ما تجيء منه مؤونته وعلق دوّابه.
وأما كاتب السّر، فله في كلّ يوم مثقالان من الذهب، وله محيّران (يعني قريتين) يتحصّل له منهما متحصّل جيّد، مع رسوم كثيرة له على البلاد ومنافع وإرفاقات، ولكلّ واحد من كاتب السّر وقاضي القضاة في كل سنة بغلة بسرجها ولجامها، وسبنيّة قماش برسم كسوته كما للأشياخ.
الجملة الرابعة (في جلوس السلطان في كلّ يوم)
قال السلايحي: من عادة سلطانهم أن يجلس في بكرة كلّ يوم، ويدخل عليه الأشياخ الكبار فيسلّموا عليه، فيمدّ لهم السماط «2» ثرائد «3» في جفان «4» حولها
(5/199)

طوافير: وهي المخافي، فيها أطعمة ملوّنة منوّعة، ومع ذلك الحلوى: بعضها مصنوع بالسّكّر، ومعظمها مصنوع بالعسل والزّيت، فيأكلون ثم يتفرّقون إلى أماكنهم. وربما ركب السلطان بعد ذلك والعسكر معه وقد لا يركب. أما أخريات النهار فإن الغالب أن يركب بعد العصر في عسكره ويذهب إلى نهر هناك، ثم يخرج إلى مكان فسيح من الصّحراء، فيقف به على نشز من الأرض، وتتطارد الخيل قدّامه، وتتطاعن الفرسان، وتتداعى الأقران، وتمثّل الحرب لديه، وتقام صفوفها على سبيل التمرين حتّى كأنها يوم الحرب حقيقة، ثم يعود في موكبه إلى قصره، وتتفرّق العساكر، وتحضر العلماء وفضلاء الناس وأعيانهم إلى محاضرته حينئذ، فيمدّ لهم سماط بين يديه فيأكلون ويؤاكلهم. ثم يأخذ كاتب السرّ في قراءة القصص والرّقاع والكلام في المهمّات، ويبيت عنده من يسامره من الفضلاء في بعض الليالي، وربما اقتضت الحال مبيت كاتب السر فيبيت عنده.
الجملة الخامسة (في جلوسه للمظالم)
قال السلايحي: قد جرت عادة من له ظلامة أن يرتقب السلطان في ركوبه في موكبه (يعني يوم جلوسه للمظالم) فإذا اجتاز به السلطان صاح من بعد «لا إله إلا الله انصرني نصرك الله!» فتؤخذ قصته وتدفع لكاتب السرّ، فإذا عاد جلس في قبّة معيّنة لجلوسه، ويجلس معه أكابر أشياخه مقلّدين السّيوف، ويقف من دونهم على بعد، مصطفّين متكئين على سيوفهم، ويقرأ كاتب السرّ قصص أصحاب المظالم وغيرها فينظر فيها بما يراه.
الجملة السادسة (في شعار السلطان بهذه المملكة)
منها علم أبيض حرير مكتوب فيه بالذهب نسيجا بأعلى دائره آيات من القرآن، يسمّونه العلم المنصور كما في أفريقيّة. وربما عبّر عنه هؤلاء بسعد الدولة، يحمل بين يديه في المواكب.
(5/200)

ومنها- أعلام دونه مختلفة الألوان تحمل معه أيضا.
ومنها- سيف ورمح ودرقة. يحملن بين يديه في المواكب أيضا: يحملها ثلاثة من خاصّته من وصفانه أو من أبناء خدم سلفه.
ومنها- أطبار تحمل حوله. ويعبّرون عنها بالطّبرزينات، يحملها أكابر قوّاد علوجه من الفرنج ورجال من الأندلسيين خلفه وقدّامه.
ومنها- رماح طوال وقصار. يحملها خمسون رجلا مشاة بين يديه مشدودي الأوساط بيد كلّ واحد منهم رمحان: رمح طويل ورمح قصير، وهو متقلّد مع ذلك بسيف.
ومنها- الجنائب. وهي خيل تقاد أمامه، عليها سروج مخروزة بالذهب كالزّركش وركبها ذهب كل ركاب زنته ألف دينار، وعليها ثياب سروج من الحرير مرقومة بالذهب، ويعبّرون عن الجنائب بالمقادات، وعن ثياب السّروج بالبراقع.
ومنها- الطبول تدقّ خلف ساقته وهي من خصائص السلطان ليس لأحد من الناس أن يضرب طبلة غيره حتّى يمنع من ذلك أصحاب الحلق.
ومنها- البوقات مع الطبل على العادة.
الجملة السابعة (في ركوبه لصلاة العيد)
قال السلايحي: وفي ليلة العيدين ينادي والي البلد في أهلها بالمسير، ويخرج أهل كلّ سوق ناحية، ومع كل واحد منهم قوس أو آلة سلاح، متجمّلين بأحسن الثياب، ويبيت الناس تلك الليلة أهل كل سوق بذاتهم خارج البلد، ومع أهل كل سوق علم يختصّ بهم، عليه رنك أهل تلك الصناعة بما يناسبهم. فإذا ركب السلطان بكرة اصطفّوا صفوفا يمشون قدّامه، ويركب السلطان ويركب العسكر معه ميمنة وميسرة والعلوج خلفه ملتفّون به، والأعلام منشورة وراءه، والطبول خلفها حتّى يصلّي ثم يعود، فينصرف أرباب الأسواق إلى بيوتهم، ويحضر طعام السلطان خواصّه وأشياخه.
(5/201)

الجملة الثامنة (في خروج السلطان للسّفر)
من عادة هذا السلطان إذا سافر أن يخرج من قصره وينزل بظاهر بلده، ثم يرتحل من هناك فيضرب له طبل كبير قبيل الصبح إشعارا بالسفر، فيتأهّب الناس ويشتغل كلّ أحد بالاستعداد للرحيل. فإذا صلّى صلاة الصبح ركب الناس على قبائلهم في منازلهم المعلومة، ووقفوا في طريق السلطان صفّا إلى صفّ، ولكل قبيل رجل علم معروف به ومكان في الترتيب لا يتعدّاه، فإذا صلّى السلطان الصبح قعد أمام الناس، ودارت عليه عبيده ووصفانه ونقباؤه، ويجلس ناس حوله يعرفون بالطلبة يجري عليهم ديوانه، يقرأون حزبا من القرآن، ويذكرون شيئا من الحديث النبويّ، على قائله أفضل الصلاة والسلام!. فإذا أسفر الصبح ركب وتقدّم أمامه العلم الأبيض المعروف بالعلم المنصور، وبين يديه الرّجّالة بالسلاح والخيل المجنوبة، بثياب السّروج الموشيّة، ويعبّرون عن ثياب السروج بالبراقع. وإذا وضع السلطان رجله في الرّكاب، ضرب على طبل كبير يقال له تريال ثلاث ضربات إشعارا بركوبه. ثم يسير السلطان بين صفّي الخيل ويسلّم كلّ صفّ عليه بأعلى صوته «سلام عليكم» ويكتنفانه يمينا وشمالا، وتضرب جميع الطبول التي تحت البنود الكبار الملوّنة خلف الوزير على بعد من السلطان، ولا يتقدّم أمام العلم الأبيض إلا من يكون من خواصّ علوج السلطان، وربما أمرهم بالجولان بعضهم على بعض، ثم ينقطع ضرب الطبول إلى أن يقرب من المنزل.
وإذا ركب السلطان لا يسايره إلا بعض كبار الأشياخ من بني مرين أو بعض عظماء العرب، وإذا استدعى أحدا لا يأتيه إلا ماشيا، ثم ربما حدّثه وهو يمشي، وربما أكرمه فأكرمه بالركوب. فإذا قرب السلطان من المنزل تقدّمت الزّمّالة: وهم الفرّاشون، ويضربون شقّة من الكتّان في قلبها جلود يقوم بها عصيّ وحبال من القصب في أوتاد، وتستدير على كثير من الأخبية وبيوت الشّعر الخاصّة به وبعياله وأولاده الصّغار، تكون هذه الشّقّة كالمدينة لها أربعة أبواب في كل جهة باب،
(5/202)

وهذه الشّقّة هي المعبّر عنها في الديار المصرية بالحوش، ويحفّ به عبيده وعلوجه ووصفانه، ويضرب للسلطان أمام ذلك قبّة كبيرة مرتفعة من كتّان تسمّى قبة الساقة لجلوس الناس فيها وحضورهم عنده بها، وهذه هي التي تسمّى بمصر المدوّرة.
وإذا عاد السلطان إلى حضرة ملكه ضربت البشائر سبعة أيام، وأطعم الناس طعاما شاملا في موضع يسع كافّتهم.
الجملة التاسعة (في مقدار عسكر هذه المملكة)
قال في «مسالك الأبصار» : سألت أبا عبد الله السلايحي عن عدّة هذا العسكر في سلطنة أبي الحسن المرينيّ، وكان ابن جرّار قد قال إن عسكره مائة ألف وأربعون ألفا- فقال: الذي نعرفه قبل فتحه تلمسان أن جريدته المثبتة في ديوانه لا تزيد على أربعين ألف فارس غير حفظة المدن والسواحل، إلا أنه [يمكنه] إذا استجاش لحرب عليه أن يخرج في جموع كثيرة لا تكاد تنحصر، وأنه يمكن أن يكون قد زاد عسكره بعد فتح تلمسان مثل ذلك.
الجملة العاشرة (في مكاتبات السلطان)
قال في «مسالك الأبصار» : جرت العادة أنه إذا إنتهى الكاتب إلى آخر الكتاب وكتب تاريخه، كتب السلطان بخطه في آخره ما صورته «وكتب في التاريخ المؤرّخ به» ونقل عن السلايحي: أن ذلك مما أحدثه أبو حفص «عمر المرينيّ» «1» عم السلطان أبي الحسن في سلطنته، وتبعه السلطان أبو الحسن على ذلك مع وثوقه بكاتب سرّه حينئذ: الفقيه الفاضل أبي محمد عبد المهيمن بن الحضرمي «2» واعتماده عليه ومشاركته له في كل أمره.
(5/203)

المملكة الخامسة (من بلاد المغرب جبال البربر)
قال في «مسالك الأبصار» : في جنوب الغرب بين مملكة برّ العدوة وبين بلاد مالّي وما معها من بلاد السّودان ثلاثة ملوك من البربر بيض مسلمون: وهم سلطان (أهير) وسلطان (دمونسة) وسلطان (تادمكة) كلّ واحد منهم ملك مستقلّ بنفسه لا يحكم أحد منهم على الآخر، وأكبرهم ملك (أهير) وزيّهم نحو زيّ المغاربة:
يلبسون الدّراريع إلا أنها أضيق، وعمائم بأحناك، وركوبهم الإبل، ولا خيل عندهم ولا للمرينيّ [عليهم حكم ولا لصاحب مالي] «1» ولا خبز عندهم، وعيشهم عيش أهل البرّ من اللحم واللّبن، أما الحبوب عندهم فقليلة، وهم في قلّة أقوات.
ونقل عن الشيخ عيسى الزواويّ أن لهم جبالا عامرة، كثيرة الفواكه. وذكر أن ما بأيدي الثلاثة تقدير نصف ما لملك مالّي من ملوك السّودان أو أرجح بقليل، ولكن صاحب مالّي أكثر في تحصيل الأموال لاستيلائه على بلاد الذهب وما يباع بمملكته من السّلع، وما يغنمه في الغزوات من بلاد الكفّار لمجاورته لهم بخلاف هؤلاء فإنه ليس لهم يد تمتدّ إلى كسب، بل غالب أرزاقهم من دوابّهم. ثم قال:
ودون هؤلاء فيما بينهم وبين مرّاكش من بلاد المغرب جبال المصامدة، وهم خلق لا يعدّ، وأمم لا تحصى، وهم يفتخرون بالشجاعة والكرم.
ثم ذكر أنهم كانوا لا يدينون لسلطان إلا أنهم دانوا للسلطان أبي الحسن المرينيّ ودخلوا تحت ذيل طاعته، على أنهم لا يملّكون أحدا قيادهم، ولا يسلّمون إليه بلادهم. وبكل حال فهم معه بين صحّة واعتلال.
(5/204)

المملكة السادسة (من ممالك بلاد المغرب جزيرة الأندلس) «1»
قال في «تقويم البلدان» : بفتح الألف والدال المهملة وسكون النون بينهما وضمّ اللام ثم سين مهملة. وهي مقابل برّ العدوة من بلاد المغرب، وبينهما بحر الزّقاق الذي هو فم بحر الروم، وقد تقدّم ذكره في الكلام على الأبحر في أوّل هذه المقالة.
وقد اختلف في سبب تسمية الأندلس بهذا الاسم: فقيل ملكته أمّة بعد الطّوفان يقال لها الأندلش بالشين المعجمة فسمّي بهم ثم عرب بالسين المهملة، وقيل خرج من رومة ثلاثة طوالع في دين «2» الروم، يقال لأحدهم القندلش بالقاف في أوّله وبالشين المعجمة في آخره، فنزل القندلش هذه الأرض فعرفت به، ثم عرّبت بإبدال القاف همزة والشين المعجمة سينا مهملة. ويقال: إن اسمه القديم أفارية، ثم سمّي باطقة، ثم سمّي أشبانية، ثم سمّي الأندلس باسم الأمّة المذكورة. قال في «تقويم البلدان» : وسمّيت جزيرة لإحاطة البحر بها من الشرق والغرب والجنوب، وإن كان جانبه الشماليّ متصلا بالبرّ كما سيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وفيه ست جمل:
الجملة الأولى (في ذكر سمك «3» أرضه وحدوده)
قال في «تقويم البلدان» : وجزيرة الأندلس على شكل مثلّث: ركن جنوبي غربيّ، وهناك جزيرة قادس وفم بحر الزّقاق. وركن شرقي بين طرّكونة وبين
(5/205)

برشلونة، وهي في جنوبيه، وبالقرب منه بلنسية وطرطوشة وجزيرة ميورقة. وركن شماليّ بميلة إلى البحر المحيط، حيث الطول عشر درجات ودقائق، والعرض ثمان وأربعون. وهناك بالقرب من الركن المذكور مدينة شنتياقوه، وهي على البحر المحيط في شمالي الأندلس وغربيّها. قال: والضّلع الأوّل من الركن الجنوبي الغربيّ- وهو الذي عند جزيرة قادس- إلى الركن الشّرقيّ الذي عند ميورقة، وهذا الضّلع هو ساحل الأندلس الجنوبي الممتدّ على بحر الزقاق.
والضلع الثاني من الركن الشرقيّ المذكور إلى الركن الشماليّ الذي عند شنتياقوه، وهذا الضّلع هو حدّ الأندلس الشمالي، ويمتدّ على الجبل المعروف بجبل البرت الحاجز بين الأندلس وبين أرض تعرف بالأرض الكبيرة، وعلى ساحل الأندلس الممتدّ على بحر برديل والضلع الثالث من الركن الشماليّ المذكور إلى الركن الجنوبي المقدم الذكر، وهذا الضلع هو ساحل الأندلس الغربيّ الممتد على البحر المحيط.
قال ابن سعيد: قال الحجاريّ: وطول الأندلس من جبل البرت الفاصل بين الأندلس والأرض الكبيرة وهو نهاية الأندلس الشرقية إلى أشبونة: وهي في نهاية الأندلس الغربية ألف ميل، وعرض وسطه من بحر الزّقاق إلى البحر المحيط عند طليطلة وجبل البرت ستة عشر يوما. قال في «تقويم البلدان» : وقد قيل إن طوله غربا وشرقا من أشبونة: وهي في غرب الأندلس إلى أربونة: وهي في شرق الأندلس مسيرة ستين يوما، وقيل: شهر ونصف. وقيل: شهر. قال: وهو الأصح.
واعلم أن جبل البرت المقدّم ذكره متصل من بحر الزّقاق إلى البحر المحيط وطوله أربعون ميلا، وفيه أبواب فتحها الأوائل، حتى صار للأندلس طريق في البرّ من الأرض الكبيرة، وقبل فتحها لم يكن للأندلس من الأرض الكبيرة طريق. وفي وسط الأندلس جبل ممتدّ من الشرق إلى الغرب يقال له جبل الشارة، يقسمه بنصفين: نصف جنوبي ونصف شمالي.
(5/206)

الجملة الثانية (فيما اشتمل عليه من المدن)
وهو يشتمل على عدّة قواعد ومضافاتها.
القاعدة الأولى (غرناطة)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة وفتح النون وألف وطاء مهملة وهاء في الآخر. ويقال: أغرناطة بهمزة مفتوحة في أوّلها.
وهي مدينة في جنوب الأندلس، موقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول إحدى عشرة درجة وأربعون دقيقة، والعرض سبع وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : ومملكتها في الجنوب والشرق عن مملكة قرطبة، وبينها وبين قرطبة نحو خمسة أيام. قال: وغرناطة في نهاية الحصانة وغاية النّزاهة، تشبه دمشق من الشام، وتفضّل عليها بأنّ مدينتها مشرفة على غوطتها وهي مكشوفة من الشمال، وأنهارها تنصبّ من جبل الثلج الذي هو من جنوبيها وتتخرق فيها، وعليها الأرحي داخل المدينة، ولها أشجار وثمار ومياه مسيرة يومين تقع تحت مرأى العين لا يحجبها شيء. قال في «مسالك الأبصار» ولها ثلاثة عشر بابا: باب إلبيرة وهو أضخمها، وباب الكحل، وباب الرّخاء، وباب المرضى، وباب المصرع، وباب الرملة، وباب الدبّاغين؛ وباب الطّوّابين، وباب الفخّارين، وباب الخندق، وباب الدفاف، وباب البنود؛ وباب الأسدر. وحولها أربعة أرباض «1» : ربض الفخّارين، وربض الأجل، وهو كثير القصور والبساتين، وربض البيازين بناحية باب الدفاف، وهو كثير العمارة يخرج منه نحو خمسة عشر ألف مقاتل، وهو ربض مستقلّ بحكّامه وقضاته وغير ذلك.
(5/207)

وجامعها من أبدع الجوامع وأحسنها منظرا، وهو محكم البناء لا يلاصقه بناء، تحفّ به دكاكين الشّهود والعطّارين، وقد قام سقفه على أعمدة حسان، والماء يجرى داخلة، ومساجدها [ورباطاتها] لا تكاد تحصى لكثرتها.
وذكر في «مسالك الأبصار» : أنها قليلة مهبّ الرياح، لا تجري بها الريح إلا نادرا لاكتناف الجبال إيّاها. ثم قال: وأصل أنهارها نهران عظيمان (شنيل) «1» و (حدرّه) .
أما شنيل، فينحدر من جبل شكير بجنوبيها ويمرّ على غربيّ غرناطة إلى فحصها، يشقّ فيها أربعين ميلا بين بساتين وقرى وضياع كثيرة البيوت والغلال وأبراج الحمام وغير ذلك. قال: وينتهي فحصها إلى (لوشة) «2» حيث أصحاب الكهف على قول، وجبل شكير المذكور هو طود شامخ لا ينفكّ عنه الثلج شتاء ولا صيفا، فهو لذلك شديد البرد، ويؤثّر برده بغرناطة في الشتاء: لقربه منها إذ ليس بينه وبينها سوى عشرة أميال. وفي ذلك يقول ابن صدرة الشاعر قاتله الله:
(طويل) .
أحلّ لنا ترك الصلاة بأرضكم، ... وشرب الحميّا «3» وهو شيء محرّم
فرارا إلى نار الجحيم لأنّها ... أرقّ علينا من شكير وأرحم!
لئن كان ربّي مدخلي في جهنّم ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم!
وأما حدرّه، فينحدر من جبل بناحية (وادياش) «4» شرقيّ شكير فيمرّ بين
(5/208)

بساتين ومزارع وكروم إلى أن ينتهي إلى غرناطة، فيدخلها على باب الدفاف بشرقيها، يشقّ المدينة نصفين، تطحن به الأرحاء بداخلها، وعليه بداخلها خمس قناطر: وهي قنطرة ابن رشيق، وقنطرة القاضي، وقنطرة حمّام جاس، والقنطرة الجديدة، وقنطرة الفود، وعلى القناطر سواق ومبان محكمة. والماء يجري من هذا النهر في جميع البلد: في أسواقه وقاعاته ومساجده، يبرز في أماكن على وجه الأرض، وتخفى جداوله تحتها في الأكثر، وحيث طلب الماء وجد، وبالمدينة جبلان يشقّان وسطها، يعرف أحدهما بالخزة وموزور. والثاني بالقصبة القديمة، وبالز. وبهما دور حسان، وعلاليّ مشرفة على فحصها، فيرى منهما منظرا بديعا من فروع الأنهار والمزدرعات وغير ذلك مما يقصر عنه التخييل والتشبيه. وقد صارت قاعدة ملك الإسلام بالأندلس بيد ملوكها من بني الأحمر «1» الآتي ذكرهم في الكلام على ملوكها. قال في «مسالك الأبصار» : وبها من الفواكه التّفّاح، والقراصيا البعلبكيّة التي لا تكاد توجد في الدنيا منظرا وحلاوة حتى إنها ليعصر منها العسل.
وبها الحوز «2» ، والقسطل، والتين، والأعناب، والخوخ، والبلّوط، وغير ذلك.
وبجبل شكير المقدّم ذكره عقاقير الهند وعشب يستعمل في الأدوية، يعرفها الشجّارون لا توجد في الهند ولا في غيره.
قال في «التعريف» : ومقرّ سلطانها منها (القصبة الحمراء) قال: ومعنى القصبة عندهم القلعة، وتسمّى حمراء غرناطة. قال في «تقويم البلدان» : وهي قلعة عالية شديدة الامتناع. قال في «مسالك الأبصار» : وهي بديعة متّسعة كثيرة المباني الضخمة والقصور ظريفة جدّا، يجري بها الماء تحت بلاط كما يجري في المدينة، فلا يخلو منه مسجد ولا بيت، وبأعلى برج منها عين ماء، وجامعها من أبدع الجوامع حسنا، وأحسنها بناء، وبه الثّريّات الفضّيّة معلّقة، وبحائط محرابه أحجار ياقوت مرصّفة في جملة مانمّق به من الذهب والفضّة؛ ومنبره من العاج
(5/209)

والآبنوس. قال في «تقويم البلدان» في الكلام على الأندلس: ولم يبق للمسلمين بها غير غرناطة وما أضيف إليها، مثل الجزيرة الخضراء، والمريّة. قال في «مسالك الأبصار» : وطولها عشرة أيام، وعرضها ثلاثة أيام. وهي ممتدّة على بحر الزّقاق وما يلي ذلك. ثم قال: وأوّلها من جهة المشرق المريّة، وهي أوّل مراسي البلاد الإسلامية. قال في «تقويم البلدان» وكانت القاعدة قبل غرناطة حصن إلبيرة، فخرب في زمن الإسلام، وصارت القاعدة غرناطة.
وقد عدّ في «مسالك الأبصار» من هذه المملكة عدّة بلاد مضافة إلى مملكة غرناطة الآن.
منها (المريّة) قال في «المشترك» : بفتح الميم وكسر الراء المهملة وتشديد المثناة من تحت وفي آخرها هاء. وهي مدينة بين مملكتي مالقة ومرسية، موقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة. قال في «تقويم البلدان» : والقياس أنها حيث الطول أربع عشرة درجة، والعرض خمس وثلاثون درجة واثنتان وأربعون دقيقة.
قال: وهي مدينة مسوّرة على حافة الزّقاق، وهي باب الشّرق، ومفتاح الرّزق، ولها برّ فضّيّ، وساحل تبريّ، وبحر زبرجديّ، وأسوارها عالية، وقلعتها منيعة شامخة، وهواؤها معتدل، ويعمل بها من الحرير ما يفوق الجمال.
قال في «مسالك الأبصار» : والمريّة ثلاث مدن.
الأولى- من جهة الغرب تعرف بالحوض الداخلي. لها سور محفوظ من العدوّ بالسّمّار والحرّاس، ولا عمارة فيها، ويليها إلى الشرق المدينة القديمة، وتليها المدينة الثالثة المعروفة بمصلّى المريّة، وهي أكبر الثلاث. ولها قلعة بجوار القديمة من جهة الشّمال، وتسمّى القصبة في عرفهم. قال: وهما قصبتان في غاية الحسن والمنعة. وساحل المريّة أحسن السّواحل، وحولها حصون وقرى كثيرة وجبال شامخة. وجامعها الكبير بالمدينة القديمة، وهو من بديع الجوامع. وهي مدينة كثيرة الفواكه. وأكثر زرعها بالمطر وعليه يترتب الخصب وعدمه، وإليها تجلب الحنطة من برّ العدوة، وبها دار صناعة لعمارة المراكب، وبينها وبين
(5/210)

غرناطة مسيرة ثلاثة أيام. وكانت في الزمن الأوّل قبل إضافتها إلى غرناطة مملكة مستقلة. ويقال: إن وادي المريّة من أبدع الأودية على أن ماءه يقلّ في الصيف حتى يقسّط على البساتين.
قال في «مسالك الأبصار» : وعلى وادى المريّة، (بجّانة) . قال: وهي الآن قرية عظيمة جدّا، ذات زيتون وأعناب وفواكه مختلفة، وبساتين ضخمة كثيرة الثمرات.
ومنها (شلوبين) بفتح الشين المعجمة وضم اللام وسكون الواو وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة تحت ونون في الآخر. وسماها في «تقويم البلدان» :
شلوبينية. ثم قال: وهو من حصون غرناطة البحرية على بحر الزّقاق، ومنه أبو علي عمر بن محمد الشّلوبينيّ إمام نحاة المغرب. قال صاحب حماة: وقد غلط من قال الشّلوبيني هو الأشقر بلغة الأندلس. قال في «مسالك الأبصار» : وبها يزرع قصب السكر، وهي معدّة لإرسال من يغضب عليه السلطان من أقاربه.
ومنها (المنكّب) . قال في «مسالك الأبصار» : وهي مدينة على القرب من شلوبين دون المريّة، بها دار صناعة لإنشاء السّفن، وبها قصب السكّر، ومنها يحمل السكر إلى البلاد، وبها الموز، ولا يوجد في بلد من البلاد الإسلامية [هنالك] إلا بها إلا ما لا يعتبر، وبها زبيب مشهور الاسم.
ومنها (بلّش) . وهي مدينة تلي المنكّب من جهة الغرب، كثيرة التّين والعنب والفواكة. قال أبو عبد الله بن السديد: ليس بالأندلس أكثر عنبا وتينا يابسا منها.
ومنها (مالقة) قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم وألف وكسر «1» اللام
(5/211)

وفتح القاف وهاء في الآخر. وهي مدينة من جنوب الأندلس موقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة. وقياس ابن سعيد أنها حيث الطول عشر درج وثلاثون دقيقة، والعرض ثمان وثلاثون درجة وأربع وخمسون دقيقة: وكانت في القديم مملكة مستقلّة، ثم أضيفت الآن إلى غرناطة وملكها حتّى مملكة قرطبة، وهي بين مملكتي إشبيلية وغرناطة، وهي على بحر الزّقاق، وبها الكثير من التين واللّوز الحسن المنظر. ومنها ينقل يابسا إلى جميع الأندلس. قال في «مسالك الأبصار» : ولها ربضان عامران: أحدهما من علوها والآخر من سفلها وجامعها بديع، وبصحنة نارنج ونخلة نابتة، وبها دار صناعة لإنشاء المراكب، وهي مختصّة بعمل صنائع الجلد: كالأغشية، والحزم، والمدورات، وبصنائع الحديد: كالسّكّين والمقصّ ونحوهما. وبها الفخّار المذهب الذي لا يوجد مثله في بلد. قال ابن السديد: وبها سوق ممتدّ لعمل الخوص من الأطباق وما في معناها، ولها عدّة حصون في أعمالها، وفي أعمالها يوجد الحرير الكثير.
ومنها مدينة (مربلّة) بفتح الميم وسكون الراء المهملة وضم الباء الموحدة وفتح اللام المشدّدة وهاء في الآخر. وهي مدينة صغيرة مما يلي مالقة من الغرب على الساحل، وبها الفواكه الكثيرة والسمك.
ومنها (أشبونة) . وهي مما يلي مربلّة من جهة الغرب على الساحل، وهي نظيرها في كثرة الفواكه.
ومنها (جبل الفتح) . وهو الذي نزله طارق عند فتح الأندلس في أوّل الإسلام، منيع جدّا، يخرج في بحر الزّقاق ستة أميال، وهو أضيق ما يكون عنده، وقد كان هذا الجبل في مملكة الفرنج وأقام بيدهم عدّة سنين، ثم أعاده الله تعالى إلى المسلمين في أيام السلطان أبي الحسن المرينيّ، صاحب الغرب الأقصى في
(5/212)

زمن الملك الناصر «محمد بن قلاوون» «1» صاحب الديار المصرية.
ومنها (الجزيرة الخضراء) . وهي مما يلي جبل الفتح من الغرب على الساحل، وموقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة. قال في «تقويم البلدان» :
والقياس أنها حيث الطول تسع درج، والعرض خمس وثلاثون درجة وخمسون دقيقة. قال: وهي مدينة أمام سبتة من برّ العدوة من بلاد الغرب. وهي مدينة طيّبة نزهة، توسّطت مدن الساحل، وأشرفت بسورها على البحر، ومرساها من أحسن المراسي للجواز، وأرضها أرض زرع وضرع، وخارجها المياه الجارية والبساتين النضيرة؛ ونهرها يعرف بوادي العسل، وعليه مكان نزه يشرف عليه وعلى البحر يعرف بالحاجبيّة، ومن مستنزهاتها مكان يعرف بالنّقاء. قال ابن سعيد: وهي من أرشق المدن وأطيبها وأرفقها بأهلها وأجمعها لخير البرّ والبحر. قال في «المشترك» : والنسبة إليها جزيريّ، للفرق بينها وبين إقليم الجزيرة فإنه ينسب إليه جزريّ. قال في «مسالك الأبصار» : وهي آخر البلاد البحريّة الإسلامية للأندلس وليس بعدها [لهم بلاد] . ثم قال: وهي الآن بيد النصارى أعادها الله تعالى وقصمهم، وقد عدّها في «تقويم البلدان» : من كور إشبيلية مما يلي جانب نهرها من الجنوب.
ومنها (رندة) بضم الراء وسكون النون وفتح الدال المهملة وهاء في الآخر.
وهي بعيدة عن البحر. وعدّها في «تقويم البلدان» من كور إشبيلية. ثم قال: وبها معقل تعمّم بالسحاب، وتوشّح بالأنهار [العذاب] «2» وذكر أنها من كبار البلدان، ثم قال: وهي بلدة جليلة، كثيرة الفواكه والمياه والحرث والماشية، وأهلها موصوفون بالجمال ورقّة البشرة واللّطافة، وبينها وبين الجزيرة الخضراء مسيرة ثلاثة أيّام.
(5/213)

ومنها (مدينة لوشة) . قال في «تقويم البلدان» : وهي عن غرناطة على مرحلة بين البساتين والرياض.
ومنها (وادياش) بفتح الواو وألف ثم دال مهملة مكسورة بعدها ياء مثناة تحتية وألف ثم شين معجمة. ويقال: (وادآش) بإبدال الياء همزة. قال في «مسالك الأبصار» : وهي بلدة حسنة، بديعة، منيعة جدّا، كثيرة الفواكه والمزارع؛ والمياه تشقّ أمام أبوابها كما في غرناطة، قريبة من جبل شكير المقدّم ذكره مع غرناطة، فلذلك هي شديدة البرد بسبب ما على الجبل المذكور من الثّلج قال: وهي بلدة مملقة، وأهلها موصوفون بالشّعر، ويحكم بها الرؤساء من أقارب صاحب غرناطة أو من يستقلّ بها سلطانا أو من خلع من سلطان لنفسه.
ومنها (بسطة) . وهي بلدة تلي وادياش المقدم ذكرها. وعدّها في «تقويم البلدان» من أعمال جيّان. قال في «مسالك الأبصار» : وهي كثيرة الزّرع واختصّت بالزعفران، فيها منه ما يكفي أهل الملّة الإسلامية بالأندلس على كثرة ما يستعملونه منه.
ومنها (أندراش) . قال في «مسالك الأبصار» : وهي مدينة ظريفة كثيرة الخصب، وتختصّ بالفخّار لجودة تربتها، فليس في الدنيا مثل فخّارها للطّبخ.
إلى غير ذلك من البلدان مثل أرحصونة وأنتقيرة وبرجة وغيرها. قال في «مسالك الأبصار» : وحصون هذه المملكة كثيرة جدّا، فليس بها من بلد إلا وحوله حصون كثيرة محفوظة بولاة السلطان ورجال تحت أيديهم.
القاعدة الثانية (أشبونة)
قال في «تقويم البلدان» : بضم الهمزة وسكون الشين المعجمة وضم الباء الموحدة ثم واو ونون وفي آخرها هاء. قال: وعن بعض المسافرين أنّ أوّلها لام.
وهي مدينة في غرب الأندلس، وموقعها في أواخر الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول ستّ درج وخمس وخمسون دقيقة، والعرض
(5/214)

اثنتان وأربعون درجة وأربعون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي قاعدة مملكة على البحر المحيط في غربيّ إشبيلية وشماليّها، وغربيّ باجة. وهي مدينة أزليّة ولها البساتين والثّمار المفضّلة على غيرها. قال ابن سعيد: وبينها وبين البحر المحيط ثلاثون ميلا. وهي على جانب نهر يودانس. قال في «تقويم البلدان» : وبزاتها خيار البزاة. قال: وكانت في آخر وقت مضافة إلى بطليوس وملكها ابن الأفطس، وذكر في «العبر» : أنها الآن قاعدة مملكة من ممالك النصارى بالأندلس يقال لها مملكة البرتقال، وأنها عمالة صغيرة، وقد أضيفت الآن إلى أعمال جلّيقيّة كما سيأتي ذكره في الكلام على ملوك الأندلس.
ولها مضافات:
منها (شنترين) قال في «تقويم البلدان» بفتح الشين المعجمة وسكون النون وكسر المثناة من فوق والراء المهملة وسكون المثناة من تحت وفي آخرها نون فيما هو مكتوب بخط ابن سعيد. وهي مدينة كانت في القديم من جلّيقيّة شماليّ الأندلس، ثم استقرّت من أعمال أشبونة المقدّم ذكرها. موقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول ثمان درج وعشر دقائق، والعرض اثنتان وأربعون درجة وخمس وثلاثون دقيقة، وهي على بحر برطانية:
وهو بحر برديل الخارج من البحر المحيط المقدّم ذكره في الكلام على البحور، وهي على نهر يصبّ في البحر وأرضها طيّبة.
ومنها (شنترة) . وهي مدينة ذكرها في «تقويم البلدان» مع أشبونة استطرادا ونسبها إلى عملها، ولم يتعرض لضبطها ولا لطولها وعرضها، وقال: إن بها تفّاحا مفرطا في الكبر والنّبالة.
ومنها مدينة (باجة) بفتح الباء الموحدة وألف ثم جيم مفتوحة وهاء في الآخر. قال في «تقويم البلدان» : وهي شرقيّ أشبونة، وهي من أقدم مدائن الأندلس، وأرضها أرض زرع وضرع، وعسلها في نهاية الحسن، ولها خاصّيّة في حسن دباغ الأدم، وكانت مملكة مستقلّة.
(5/215)

القاعدة الثالثة (بطليوس)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح الباء الموحدة والطاء المهملة وسكون اللام وفتح المثناة التحتية وسكون الواو وسين مهملة في الآخر. وهي مدينة من غرب الأندلس موقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول تسع درج، والعرض ثمان وثلاثون درجة وخمسون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : ومملكتها في الشّمال والغرب عن مملكة قرطبة. وهي في الغرب بميلة إلى الجنوب عن مملكة طليطلة. وهي مدينة عظيمة في بسيط من الأرض مخضرّ على جانب نهر. قال: وهي مدينة عظيمة إسلامية كانت بيد المتوكّل بن عمر الأفطس «1» ، وبنى بها المباني العظيمة وفيها يقول ابن الفلاس:
بطليوس لا أنساك ما اتّصل البعد! ... فلله غور من جنابك أو نجد
ولله دوحات تحفّك بينها ... تفجّر واديها كما شقّق البرد
وبينها وبين قرطبة ستة أيام.
ولها مضافات من أعمالها.
منها (ماردة) قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم ثم ألف وراء مهملة مكسورة ودال مهملة وهاء في الآخر كما هو في خط ابن سعيد. وهي مدينة على جنوبيّ نهر بطليوس، موقعها في أول الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: حيث الطول تسع درج وخمس وخمسون دقيقة، والعرض تسع عشرة درجة. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينة أزليّة، ولها ماء مجلوب تحير صنعته.
(5/216)

قال ابن سعيد: قال الرازي: وهي إحدى القواعد التي بنتها ملوك العجم للقرار.
قال: وكان قد اتّخذها سلاطين الأندلس قبل الإسلام سريرا لملك الأندلس، وكانت في دولة بني أميّة يليها عظماء منهم ثم صار الكرسيّ بعد ذلك بطليوس، وقد صارت الآن للنصارى.
ويحكى أنه كان بكنيستها حجر يضيء الموضع من نوره، فأخذته العرب أوّل دخولها.
ومنها (يابرة) بياء آخر الحروف وألف وباء موحدة وراء مهملة وهاء في الآخر وهي مدينة ذكرها في «تقويم البلدان» بعد ذكر بطليوس استطرادا.
القاعدة الرابعة (إشبيلية)
قال في «تقويم البلدان» : بكسر الألف وسكون الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة وسكون المثناة من تحت ولام وياء ثانية تحتية وفي آخرها هاء. قال:
ومعنى اسمها المدينة المنبسطة. وهي مدينة أزليّة في غرب الأندلس وجنوبيّه على القرب من البحر المحيط، موقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: حيث الطول تسع درج وعشر دقائق، والعرض سبع وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. وهي على شرقيّ نهرها الأعظم وجنوبيه، ولها خمسة عشر بابا، ومملكتها غربيّ مملكة قرطبة، فطول مملكتها من الغرب من عند مصبّ نهرها في البحر المحيط إلى اعلى النهر من الشرق مما يلي مملكة قرطبة نحو خمس مراحل وعرضها من الجزيرة الخضراء على ساحل الأندلس الجنوبيّ إلى مملكة بطليوس في الشّمال نحو خمسة أيام، وبينها وبين قرطبة أربعة أيام، وهي الآن بيد ملوك النصارى. ولها عدّة كور في جنوبي نهرها وشماليّه.
فأما كورها التي في جنوبي نهرها وهي الأكثر:
فمنها (كورة أركش) قال في «تقويم البلدان» : بالراء المهملة معقل في غاية المنعة.
(5/217)

ومنها (كورة شريش) قال في «تقويم البلدان» : بفتح الشين المعجمة وكسر الراء المهملة وسكون الياء المثناة التحتية وشين معجمة في الآخر، وإليها ينسب «الشّريشيّ» «1» شارح «المقامات الحريرية» .
ومنها (كورة طريف) بفتح الطاء وكسر الراء المهملتين وسكون المثناة التحتية وفاء في الآخر.
وأما التي شماليّ النهر فكورتان: إحداهما (كورة أوتنة) «2» وهي أشهرها وأوتنة مدينة جليلة.
قال في «تقويم البلدان» : ومن الممالك المضافة لإشبيلية مملكة «3» شلب.
وهي كورة ومدينة في غربيّ إشبيلية وشماليّها على ساحل البحر المحيط، بينها وبين قرطبة تسعة أيام، وبشلب هذه قصر يعرف «بقصر الشّراخيب» وهو الذي يقول فيه بعض شعرائهم: (طويل) .
وسلّم على «قصر الشّراخيب» عن فتى ... له أبدا شوق إلى ذلك القصر!
القاعدة الخامسة (قرطبة)
قال في «اللباب» : بضم القاف وسكون الراء وضم الطاء المهملتين وباء موحدة وهاء في الآخر. قال في «تقويم البلدان» : هذا هو المشهور. وقال ابن سعيد: هي بلسان القوط بالظاء المعجمة ونقله عن جماعة. وهي مدينة غربيّ نهر
(5/218)

إشبيلية في غرب الأندلس بجنوب، وموقعها في أواخر الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: حيث الطول عشر درج، والعرض ثمان وثلاثون درجة وعشرون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : ومملكة قرطبة شرقي مملكة إشبيلية.
وهي في الجنوب والشرق عن مملكة بطليوس، وفي الجنوب عن مملكة طليطلة، ودور قرطبة ثلاثون ألف ذراع، وهي أعظم مدن الأندلس، وعليها سور ضخم من الحجر، ولها سبعة أبواب؛ وبلغت عدة مساجدها ألفا وستّمائة مسجد، وحمّاماتها تسعمائة حمام. وهي مدينة حصينة. وقد استولت عليها ملوك النصرانية، وهي بأيديهم إلى الآن.
ولها مضافات:
منها (مدينة الزّهراء) . وهي مدينة بناها الناصر الأمويّ «1» في غربيّ قرطبة، في سفح جبل.
ومنها (القصير) . وهو حصن في شرقيّ قرطبة على النهر، وله كورة من أشهر كورها.
ومنها (حصن المدور) . وهو المعقل العظيم المشهور، وللروم به اعتناء عظيم.
ومنها (حصن مراد) . وهو حصن في غربيّ قرطبة.
ومنها (كورة غافق) . وهي معاملة كبيرة.
ومنها (كورة إستجة) . وغير ذلك.
القاعدة السادسة (طليطلة)
قال في «تقويم البلدان» : بضم الطاء المهملة وفتح اللام وسكون المثنّاة
(5/219)

من تحت وكسر الطاء الثانية ثم لام وهاء في الآخر. وموقعها في آخر الإقليم الخامس قال ابن سعيد: حيث الطول خمس عشرة درجة وثلاثون دقيقة، والعرض ثلاث وأربعون درجة وثمان عشرة دقيقة. وهي مدينة أزلية كانت قاعدة الأندلس في القديم، وبها كان كرسيّ ملك «لذريق» : آخر ملوك القوط الذي انتزعها المسلمون منه. وهي الآن قاعدة ملك «الادفونش» «1» أكبر ملوك النصرانية بالاندلس المعروف بالفنش. قال في «تقويم البلدان» : وهي من أمنع البلاد وأحصنها، مبنية على جبل عال، والأشجار محدقة بها من كل جهة، ويصير بها الجلّنار بقدر الرمّانة من غيرها، ويكون بها شجر الرمان عدّة أنواع، ولها نهر يمرّ بأكثرها ينحدر من جبل الشارة من عند حصن هناك يقال له (باجة) وبه يعرف نهر طليطلة، فيقال: نهر باجة؛ ومنها إلى نهاية الأندلس الشرقية عند الحاجز الذي هو جبل البرت نحو نصف شهر، وكذلك إلى البحر المحيط بجهة شلب.
ولها مضافات:
منها (مدينة وليد) بفتح الواو وكسر اللام وسكون المثناة من تحت ودال مهملة في الآخر. وموقعها في أواخر الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول إحدى عشرة درجة واثنتا عشرة دقيقة، والعرض ثمان وثلاثون درجة وثلاث دقائق. قال في «تقويم البلدان» : وهي من أحسن المدن. وهي في الغرب من طليطلة في جنوبيّ جبل الشارة الذي يقسم الأندلس بنصفين. قال:
ويحلّها الفنش ملك الفرنج في أكثر أوقاته.
ومنها (مدينة الفرج) [بفتح الفاء والراء المهملة ثم جيم] وهي مدينة شرقيّ طليطلة. وشرقيها مدينة سالم. قال ابن سعيد: ويقال لنهرها وادي الحجارة.
(5/220)

ومنها (مدينة سالم) قال ابن سعيد: وهي بالجهة المشهورة بالثغر من شرقيّ الأندلس. قال: وهي مدينة جليلة. قال في «تقويم البلدان» : وبها قبر «المنصور ابن أبي عامر» «1»
القاعدة السابعة (جيّان)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح الجيم وتشديد المثناة من تحت وألف ونون في الآخر. وموقعها في أوّل الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد:
حيث الطول إحدى عشرة درجة وأربعون دقيقة، والعرض ثمان وثلاثون درجة وسبع وخمسون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : ومملكتها بين مملكتي غرناطة وطليطلة. وهي في نهاية من المنعة والحصانة. وهي عن قرطبة في جهة الشرق وبينهما خمسة أيام، وهي من أعظم مدن الأندلس وأكثرها خصبا، وكانت بيد بني الأحمر أصحاب غرناطة فأخذتها الفرنج منهم بالسيف بعد حصار طويل، وبلادها كثيرة العيون، طيبة الأرض، كثيرة الثّمار، وبها الحرير الكثير.
ولها مضافات:
منها (مدينة قبجاطة) . وهي مدينة نزهة كثيرة الخصب، أخذها النصارى بالسيف أيضا.
ومنها (بيّاسة) بفتح الباء الموحدة وتشديد المثناة التحتية وألف ثم سين مهملة مفتوحة وهاء في الآخر. وهي مدينة على نهر إشبيلية فوق إشبيلية، طيّبة الأرض، كثيرة الزّرع، وبها الزّعفران الكثير، ومنها يحمل إلى الآفاق.
ومنها (مدينة آبدة) بمدّ الهمزة المفتوحة وكسر الباء الموحدة وفتح الدال المهملة وهاء في الآخر. وهي مدينة إسلامية أحدثت في دولة بني أميّة بالأندلس
(5/221)

بجوار بيّاسة إلا أنها ليست على النهر، ولها عين تسقي الزّعفران.
ومنها (جبل سمنتان) وهو جبل به حصون وقرى كثيرة.
ومنها (معقل شقورة) و (حصن برشانة) .
القاعدة الثامنة (مرسية)
قال في «تقويم البلدان» : بضم الميم وسكون الراء وكسر السين المهملتين ثم ياء مثناة من تحتها وهاء في الآخر. وموقعها في أوائل الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول ثمان عشرة درجة، والعرض تسع وثلاثون درجة وعشر دقائق. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينة إسلاميّة محدثة، بنيت في أيام الأمويّين الاندلسيين، قال: وهي من قواعد شرق الاندلس. وهي تشبه إشبيلية في غرب الأندلس بكثرة المنازه والبساتين، وهي في الذّراع الشرقيّ الخارج من عين نهر إشبيلية.
ولها عدّة منتزهات.
منها [ (الرّشاقة) و (الزّتقات) و (جبل إيل) وهو] «1» جبل تحته البساتين، وبسط تسرح فيه العيون.
ولها مضافات:
منها (مدينة مولة) . وهي في غربيّ مرسية.
ومنها (مدينة أريولة) وغير ذلك.
القاعدة التاسعة (بلنسية)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح الباء الموحدة واللام وسكون النون وكسر
(5/222)

السين المهملة وفتح المثناة من تحت وهاء في الآخر. وموقعها في أواخر الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول عشرون درجة، والعرض ثمان وثلاثون درجة وستّ دقائق. قال في «تقويم البلدان» : وهي من شرق الأندلس، شرقيّ مرسية وغربيّ طرطوشة. وهي في أحسن مكان، وقد حفّت بالأنهار والجنان، فلا ترى إلا مياها تتفرّع، ولا تسمع إلا أطيارا تسجع. وهي على جنب بحيرة حسنة على القرب من بحر الزّقاق، يصبّ فيها نهر يجري على شماليّ بلنسية.
ولها عدّة منازه.
منها (الرّصافة) و (منية ابن عامر) وحيث خرجت منها لا تلقى إلا منازه. قال ابن سعيد: ويقال إن ضوء مدينة بلنسية يزيد على ضوء بلاد الاندلس، وجوّها صقيل «1» أبدا، لا يرى فيه ما يكدّره.
ولها مضافات:- وقد صارت الآن من مضافات برشلونة في جملة أعمال صاحبها من ملوك النصارى-.
منها (مدينة شاطبة) بفتح الشين المعجمة وألف بعدها طاء مهملة مكسورة ثم باء موحدة مفتوحة وهاء في الآخر. وهي مدينة عظيمة، ولها معقل في غاية الامتناع وعدّة مستنزهات: منها (البطحاء) و (الغدير) و (العين الكبيرة) . وإليها ينسب الشاطبيّ صاحب «القصيدة» في القراءات السبع، وقد صارت الآن مضافة إلى ملك برشلونة في يد صاحبها.
ومنها (دانية) بفتح الدال المهملة وألف ثم نون مكسورة ومثناة تحتية مفتوحة وهاء في الآخر. وهي من شرق الأندلس، وموقعها في أوائل الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول تسع عشرة درجة وعشر دقائق.
والعرض تسع وثلاثون درجة وستّ دقائق. وهي غربيّ بلنسية على البحر عظيمة
(5/223)

القدر كثيرة الخيرات، ولها عدّة حصون. وقد صارت الآن من مضافات برشلونة مع بلنسية، على ما سيأتي ذكره في الكلام على ملوك الأندلس إن شاء الله تعالى.
القاعدة العاشرة (سرقسطة)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح السين والراء المهملتين وضم القاف وسكون السين الثانية وفتح الطاء المهملة وهاء في الآخر. وهي مدينة من شرق الأندلس.
موقعها في أواخر الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: حيث الطول إحدى وعشرون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض اثنتان وأربعون درجة وثلاثون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي قاعدة الثّغر الأعلى، وهي مدينة أزليّة بيضاء في أرض طيّبة، قد أحدقت بها من بساتينها زمرّدة خضراء، والتفّ عليها أربعة أنهار فأضحت بها مرصّعة مجزّعة.
ولها متنزّهات:
منها (قصر السّرور) و (مجلس الذّهب) . وفيهما يقول ابن هود «1» من أبيات: (رمل) .
قصر السّرور ومجلس الذّهب، ... بكما بلغت نهاية الطّرب!
القاعدة الحادية عشرة (طرطوشة)
قال في «تقويم البلدان» : بضم الطاءين «2» المهملتين وبينهما راء ساكنة
(5/224)

مهملة ثم واو ساكنة وشين معجمة وهاء في الآخر. وهي مدينة في شرق الأندلس، موقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتان وعشرون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض أربعون درجة. قال: وهي من كراسيّ ملك شرق الأندلس. وهي شرقيّ بلنسية في الجهة الشرقيّة من النهر الكبير الذي يمرّ على سرقسطة ويصبّ في بحر الزّقاق، على نحو عشرين ميلا من طرطوشة.
قال: وشرقيّ طرطوشة (جزيرة مايرقة) في بحر الزّقاق، وإلى طرطوشة هذه ينسب «الطّرطوشيّ» «1» صاحب «سراج الملوك» .
القاعدة الثانية عشرة (برشنونة)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح الشين المعجمة وضم النون وسكون الواو ثم نون مفتوحة وهاء في الآخر. ويقال (برشلونة) بإبدال النون الأولى لا ما قال في «تقويم البلدان» : وهي خارجة عن الأندلس في بلاد الفرنج، وموقعها في أوائل الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول أربع وعشرون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض اثنتان وأربعون درجة. وهي الآن قاعدة ملك النصارى بشرق الأندلس، وقد أضيف إليها أرغون، وشاطبة، وسرقسطة، وبلنسية، وجزيرة دانية، وميورقة، وغير ذلك.
على ما يأتي ذكره في الكلام على ملوك الاندلس فيما بعد إن شاء الله تعالى.
القاعدة الثالثة عشرة (ينبلونة)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح الياء المثناة من تحت وسكون النون وضم
(5/225)

الباء الموحدة واللام ثم واو ساكنة ونون مفتوحة وهاء في الآخر. وموقعها في أوائل الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتان وعشرون درجة وخمس عشرة دقيقة، والعرض أربع وأربعون درجة. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينة في غرب الأندلس خلف جبل الشّارة. قال: وهي قاعدة النّبّريّ: أحد ملوك الفرنج. وتعرف هذه المملكة بمملكة نبّرة- بفتح النون وتشديد الباء الموحدة المفتوحة وفتح الراء المهملة وهاء في الآخر. وهي مملكة فاصلة بين مملكتي قشتالة وبرشلونة، وهي مما يلي قشتالة من جهة الشرق، وسيأتي ذكرها في الكلام على ملوك الاندلس فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الجملة الثالثة (في ذكر أنهاره)
اعلم أن بالأندلس أنهارا كثيرة قد تقدّم ذكر الكثير منها، وأعظمها نهران:
الأوّل (نهر إشبيلية)
. قال ابن سعيد: وهو في قدر دجلة، وهو أعظم نهر بالأندلس، ويسمّيه أهل الأندلس النهر الأعظم. قال في «تقويم البلدان» ومخرجه من جبال شقورة حيث الطول خمس عشرة درجة، والعرض ثمان وثلاثون وثلثان، وهو يجري في ابتدائه من الشرق إلى الغرب، ثم يصبّ إليه عدّة أنهر.
منها (نهر شنّيل) الذي يمرّ على غرناطة. ونهر (سوس) الذي عليه مدينة إستجة، ويسير من جبال شقورة إلى جهات جيّان، ويمرّ على مدينة بيّاسة، ومدينة آبدة، ثم يمرّ على قرطبة، ثم إذا تجاوز قرطبة وقرب من إشبيلية ينعطف ويجري من الشمال إلى الجنوب، ويمرّ كذلك على إشبيلية، وتكون إشبيلية على شرقيّه وطريانة على غربيّه مقابل إشبيلية من البر الآخر، ثم ينعطف فيجرى من الشرق إلى الغرب، ثم يجاوز حتّى يصبّ في البحر المحيط الغربيّ عند مكان يعرف ببرّ المائدة، حيث الطول ثمان درج وربع، والعرض ستّ وثلاثون وثلثان، وتكون
(5/226)

جزيرة قادس «1» في البحر الروميّ على يسار مصبّه، ويقع في هذا النهر المدّ والجزر من «2» البحر كما في دجلة عند البصرة، ويبلغ المدّ والجزر فيه سبعين ميلا إلى فوق إشبيلية عند مكان يعرف بالأرحى، ولا يملح ماؤه بسبب المدّ عند إشبيلية بل يبقى على عذوبته، وبين إشبيلية وبين مصبّ النهر في البحر خمسون ميلا، فالمدّ يتجاوز أشبيلية بعشرين ميلا، والمدّ والجزر يتعاقبان فيه كلّ يوم وليلة، وكلما زاد القمر نورا زاد المدّ، والمراكب لا تزال فيه منحدرة مع الجزر صاعدة مع المدّ، وتدخل فيه السفن العظيمة الإفرنجيّة بوسقها من البحر المحيط حتّى تحطّ عند سور إشبيلية. قال ابن سعيد: وعلى هذا النهر من الضياع والقرى ما لا يبلغه وصف.
الثاني (نهر مرسية)
. قال في «تقويم البلدان» : وهو قسيم نهر إشبيلية، يخرجان من جبال شقورة فيمرّ نهر إشبيلية مغرّبا على ما تقدّم ويصبّ في البحر المحيط. ويمرّ نهر مرسية مشرّقا حتّى يصبّ في بحر الروم عند مرسية.
الجملة الرابعة (في الموجود بالأندلس)
والظاهر أن كل ما يوجد ببلاد المغرب أو غالبه يوجد به. وقد ذكر في «تقويم البلدان» أنه يوجد به من الوحش: الإيّل، والغزال، وحمار الوحش. ولا يوجد به الاسد البتّة. وقد تقدّم ذكر ما ببلدانه من الفواكه والثّمار في الكلام على بلاده فأغنى عن إعادته هنا. قال في «تقويم البلدان» : وبه عدّة مقاطع رخام من الأبيض والأحمر والخمريّ والمجزّع وغير ذلك.
(5/227)

الجملة الخامسة (في ذكر ملوك الأندلس: جاهلية، وإسلاما. وهم على طبقات)
الطبقة الأولى (ملوكها بعد الطّوفان)
قال الرازي في كتاب «الاستيعاب» في تاريخ الأندلس: أوّل من ملكها بعد الطّوفان على ما يذكره علماء عجمها قوم يعرفون بالأندلش «1» بالشين المعجمة، وبهم سمّي الاندلش، ثم عرّب بالسين المهملة، وكانوا أهل تمجّس فحبس الله عنهم المطر حتّى غارت عيونها ويبست أنهارها فهلك أكثرهم، وفرّ من قدر على الفرار منهم، فأقفرت الاندلس وبقيت خالية مائة عام.
وقال «هروشيوش» مؤرخ الروم: أوّل من سكنها بعد الطّوفان قوم يقال لهم الأباريون، وهم من ولد طوبال بن يافث بن نوح عليه السّلام سكنوها بعد الطّوفان. قال في «الروض المعطار» ويقال: إن عدد ملوكهم الذين ملكوا الأندلس مائة وخمسون ملكا.
الطبقة الثانية الأشبانيّة (ملكوا بعد طائفة الأندلش المتقدّم ذكرهم)
قال الرازي: وأوّل من ملك منهم أشبان بن طيطش «2» ، وهو الذي غزا الأفارقة وحصر ملكهم بطارقة «3» ، ونقل رخامها إلى إشبيلية واتخذها دار ملكه، وبه سميت، وكثرت جموعه فعلا في الأرض، وغزا من إشبيلية إيلياء: وهي بيت المقدس بعد سنتين من ملكه: خرج إليها في السّفن فهدمها وقتل من اليهود مائة
(5/228)

ألف. واسترقّ مائة ألف، وفرّق في البلاد مائة ألف، ونقل رخام إيلياء وآلاتها وذخائرها إلى الاندلس.
ويحكى أن الخضر (عليه السّلام) وقف على أشبان هذا وهو يحرث أرضا له أيام حداثته، فقال له: يا أشبان، إنك لذو شان، وسوف يحظيك زمان، ويعليك سلطان، فإذا أنت تغلّبت على إيلياء، فارفق بورثة الأنبياء! - فقال له أشبان:
أساخر بي رحمك الله؟ أنّى يكون هذا وأنا ضعيف مهين، فقير حقير؟ - فقال: قدّر ذاك من قدّر في عصاك اليابسة ما تراه، فنظر أشبان إلى عصاه فرآها قد أورقت، فارتاع لذلك، وذهب الخضر عنه وقد وقر ذلك في نفسه، ووثق بكونه، فترك الامتهان، وداخل الناس، وصحب أهل الباس، وسما به جدّه فارتقى في طلب السلطان حتّى نال منه عظيما، ودام ملكه عشرين سنة، واتصلت المملكة في بنيه إلى أن ملك منهم الأندلس خمسة وخمسون ملكا.
الطبقة الثالثة (الشبونقات) «1»
وهي طائفة ثارت على الاندلس من رومة في زمن مبعث المسيح عليه السلام، وملكوا الأندلس والإفرنجة معها، وجعلوا دار مملكتهم ماردة واتصل ملكهم إلى أن ملك أربعة «2» وعشرون ملكا. ويقال: إن منهم كان ذو القرنين.
والذي ذكره «هروشيوش» مؤرّخ الروم أن الذي خرج عليهم من رومة ثلاث طوالع من الغريقيّين. وهم: الأنبيّون، والشوانيّون، والقندلش، واقتسموا ملكها:
فكانت جلّيقيّة لقندلش؛ ولشبونة وماردة وطليطلة ومرسية للشوانيين، وكانت إشبيلية وقرطبة وجيّان ومالقة للأنبيين، حتّى زحف عليهم القوط من رومة كما سيأتي.
(5/229)

الطبقة الرابعة (القوط)
خرجوا على الشبونقات «1» فغلبوا على الأندلس واقتطعوها من صاحب رومة، وانفردوا بسلطانهم، واتخذوا مدينة طليطلة دار ملكهم (دخشوش «2» ) ملك القوط، وهو أوّل من تنصّر من هؤلاء بدعاء الحواريين ودعا قومه إلى النصرانية، وكان أعدل ملوكهم وأحسنهم سيرة.
وقال «هروشيوش» : إنه كان قد ولي عليهم ملك يقال له (اطفالش) .
ثم ولي عليهم بعده ملك اسمه (طشريك) وقتله الرومانيون.
ثم ولي مكانه ملك اسمه (تالبه) ثلاث سنين، وزوّج أخته من طودشيش ملك الرومانيين، وصالحه على أن يكون له ما يفتحه من الأندلس، ثم مات.
وولي مكانه ملك اسمه (لذريق) ثلاث عشرة سنة فزحف على الأندلس وقتل ملوكها، وزرد الطوائف الذين كانوا بها، وبقي الحال على ذلك نحوا من ثمانين سنة، ثم هلك لذريق.
وولي مكانه ابنه (وريقش) سبع عشرة سنة، وانتقض عليه البشكنس إحدى طوائف القوط فقهرهم وردّهم إلى طاعته، ثم هلك.
وولي بعده (الريك) ثلاثا وعشرين سنة، ثم قتل في حرب الفرنج.
وولي عليهم (أشتريك بن طودريك) وهلك بعد خمس سنين من ملكه.
وولي عليهم بعده (بشليقش) أربع سنين.
ثم ملك بعده ملك آخر اسمه (طوذريق) إحدى وستين سنة وقتله بعض أصحابه بإشبيلية.
(5/230)

وولي بعده ملك اسمه (املريق) خمس سنين.
ثم ولي بعده ملك اسمه (طودش) ثلاث عشرة سنة.
ثم ولي بعده (طودشكل) سنتين.
ثم ملك بعده ملك اسمه (أيلة) خمس سنين، وانتقض عليه أهل قرطبة فحاربهم وردّهم إلى طاعته.
ثم ولي بعده ملك اسمه (طنجاد) خمس عشرة سنة.
ثم ولي بعده ملك اسمه (ليوبة) سنة واحدة.
ثم ولي بعده ملك اسمه (لوبيلذه) ثمانى عشرة سنة، وانتقضت عليه الأطراف فحاربهم وسكّنهم؛ ثم قتل.
وولي ابنه (رذريق) ستّ عشرة سنة، وهو الذي بنى البلاط المنسوب إليه بقرطبة.
ولما هلك ولي بعده ملك اسمه (ليوبة) سنتين.
ثم ولي بعده ملك اسمه (بتريق) سبع سنين.
ثم ولي بعده ملك اسمه (عندمار) سنتين.
ثم ملك بعده ملك اسمه (ششيوط) ثمان سنين، وعلى عهده كان (هرقل) ملك قسطنطينية والشام، ولعهده كانت الهجرة.
ثم ملك بعده ملك اسمه (رذريق) ثلاثة أشهر.
ثم ملك بعده ملك اسمه (شتنلة) ثلاث سنين.
ثم ولي بعده ملك اسمه (ششنادش) خمس سنين.
ثم ولي بعده ملك اسمه (خنشوند) سبع سنين.
ثم ولي بعده ملك اسمه (جنشوند) ثلاثا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده ملك اسمه (بانيه) ثمان سنين.
ثم ولي بعده ملك اسمه (لوري) ثمان سنين.
ثم ملك بعده رجل اسمه (أبقه) ستّ عشرة سنة.
ثم ملك بعده رجل اسمه (أيقه) ستّ عشرة سنة.
ثم ولي بعده رجل اسمه (غطسه) أربع عشرة سنة.
(5/231)

ثم ولي بعده رجل اسمه (لذريق) سنتين، وهو الذي غلبه المسلمون على الأندلس وفتحوها منه، وهو آخر من ملك منهم. قال صاحب «الروض المعطار» : وعدد من ملك منهم إلى آخرهم وهو (لذريق) ستة وثلاثون ملكا.
الطبقة الخامسة (ملوكها على أثر الفتح الإسلاميّ)
وكان فتحها في خلافة الوليد بن عبد الملك «1» : أحد خلفاء بني أميّة في سنة اثنتين وتسعين، وكان من أمر فتحها أن طليطلة كانت دار الملك بالأندلس يومئذ، وكان بها بيت مغلق متحامى الفتح، يلزمه من ثقات القوط قوم قد وكّلوا به كي لا يفتح، يعهد الأوّل بذلك للآخر، كلّما ملك منهم ملك زاد على ذلك البيت قفلا.
فلما ولي «لذريق» الأخير، عزم على فتح الباب والاطّلاع على ما في البيت، فأعظم ذلك أكابرهم وتضرّعوا إليه في الكفّ، فأبى وظنّ أنه بيت مال، ففضّ الأقفال عنه ودخله، فأصابه فارغا لا شيء فيه إلا تابوتا عليه قفل، فأمر بفتحه فألفاه أيضا فارغا ليس فيه إلا شقّة مدرجة قد صوّرت فيها صور العرب على الخيول، وعليهم العمائم متقلّدو السيوف متنكّبو القسيّ، رافعو الرايات على الرّماح، وفي أعلاه كتابة بالعجمية فقرئت فإذا هي «إذا كسرت هذه الأقفال عن هذا البيت، وفتح هذا التابوت، فظهر ما فيه من هذه الصور فإن الأمّة المصوّرة فيه تغلب على الأندلس وتملكها» فوجم لذريق وعظم غمّه وغم الأعاجم، وأمر بردّ الأقفال، وإقرار الحرس على حالهم.
وكان من سير الأعاجم أن يبعث أكابرهم بأولادهم ذكورا كانوا أو إناثا إلى بلاط الملك، ليتأدّبوا بأدبه، وينالوا من كرامته حتّى إذا بلغوا أنكح بعضهم بعضا استئلافا لآبائهم. وكان للذريق عامل على سبتة من برّ العدوة يسمّى يليان، وله ابنة
(5/232)

فائقة الجمال، فوجّه بها إلى دار لذريق على عادتهم في ذلك، فوقع نظر لذريق عليها فأعجبته، فاستكرهها على نفسها فاحتالت حتّى أعلمت أباها بذلك سرّا، فشقّ ذلك عليه، وحلف ليزيلنّ سلطان لذريق، ثم تلطّف حتّى اقتلع بنته من بيت لذريق، ثم لم يلبث يليان [أن كتب] إلى موسى بن نصير «1» أمير أفريقيّة من جهة «الوليد بن «2» عبد الملك» يحرّضه على غزو الأندلس، وحثّه على ذلك، ووصف له من حسنها وفوائدها ما دعاه إلى ذلك وهوّن عليه أمر فتحها. فتوثّق منه موسى بن نصير بذلك ودعا مولى له كان على مقدّماته، يقال له «طارق بن زياد» «3» فعقد له وبعثه إليها في سبعة آلاف، وهيّا له يليان المراكب، فعبر البحر وحلّ بجبل هناك يعرف الآن (بجبل طارق) فوجد عجوزا من أهل الأندلس- فقالت له: إنه كان لي زوج عالم بالحدثان، وكان يحدّث عن أمير يدخل بلدنا هذا، ويصفه بأنه ضخم الهامة وأنت كذلك، وكان يقول: إنه بكتفه الأيسر شامة عليها شعر، فكشف طارق ثوبه فإذا بالشامة كما ذكرت العجوز، فاستبشر بذلك.
ويحكى أنه رأى (وهو في المركب) النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والخلفاء الأربعة يمشون على الماء حتّى مرّوا، فبشّره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالفتح، وأمره بالرّفق بالمسلمين والوفاء بالعهد، فاستيقظ مستبشرا، وتيقّن الفتح، وهجم البلد فملكها. وكان عسكره قد انتهى إلى اثنى عشر ألفا إلا ستة عشر، ولذريق في ستمائة ألف، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ
«4» وأقام طارق بالأندلس حتّى قدم إليها مولاه موسى بن نصير المتقدّم ذكره في رجب من السنة المذكورة. وأقام موسى فيها سنتين ثم انصرف إلى القيروان، واستخلف عليها ابنه (عبد العزيز) فنزل قرطبة واتخذها دار إمارة لهم، وتوجّه موسى سنة ستّ وتسعين بما سباه وما غنمه إلى الوليد بن عبد
(5/233)

الملك، ثم دسّ سليمان بن «1» عبد الملك على عبد العزيز المذكور من قتله بالأندلس لاتّهامه بموالاة أخيه الوليد «2» ثم وليها بعده (عبد العزيز) بن عبد الرحمن القيسيّ سنتين وثلاثة أشهر.
ثم وليها (السّمح بن مالك) الخولانيّ سنتين وتسعة أشهر.
ثم وليها (عنبسة بن سحيم) الكلبيّ أربع سنين وخمسة أشهر.
ثم وليها (يحيى بن مسلمة) سنتين وستة أشهر.
ثم وليها (حذيفة بن الأحوص) القيسيّ سنة واحدة.
ثم وليها (عثمان بن أبي نسعة) الخثعميّ خمسة أشهر.
ثم وليها (الهيثم بن عبيد) خمسة أشهر.
ثم وليها (عبد الرحمن بن عبد الله) الغافقي سنتين وثمانية أشهر.
ثم وليها (عبد الملك) بن [قطن الفهري] أربع سنين.
ثم وليها (عقبة بن الحجّاج) خمس سنين وشهرين.
ثم وليها (مفلح بن بشر القيسي) أحد عشر شهرا.
ثم وليها (حسام بن ضرار) الكلبيّ سنتين.
ثم وليها (ثوابة «3» الجذاميّ) سنة واحدة.
ثم وليها (يوسف بن عبد الرحمن) الفهريّ تسع سنين وتسعة أشهر.
ثم كانت دولة بني أمية بالأندلس، على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
(5/234)

الطبقة السادسة (بنو أميّة، وكانت دار ملكهم بها مدينة قرطبة)
وأوّل من ملكها منهم (عبد الرحمن بن «1» معاوية) بن هشام، بن عبد الملك، بن مروان، بن الحكم، ويعرف (بعبد الرحمن الداخل) . وذلك أن بني العبّاس لما تتبّعوا بني أميّة بالقتل، هرب عبد الرحمن المذكور، ودخل الأندلس واستولى عليها في سنة تسع وثلاثين ومائة من الهجرة، وقصده بنو أميّة من المشرق والتجأوا إليه. وتوفّي في ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين ومائة.
وملك بعده ابنه (هشام) وتوفّي سنة ثمان وسبعين ومائة.
واستخلف بعده ابنه (الحكم) وفي أيامه استعاد الفرنج مدينة برشلونة في سنة خمس وثمانين ومائة، وتوفّي لأربع بقين من ذي الحجة سنة ستّ ومائتين.
وأقام في الملك بعده ابنه (عبد الرحمن) وتوفّي في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
وملك بعده ابنه (محمد) وتوفّي في سلخ صفر سنة اثنتين وسبعين ومائتين، وعمره خمس وستون سنة.
وملك بعده ابنه (المنذر) وتوفيّ لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين.
وبويع أخوه (عبد الله) يوم موته، وتوفّي في ربيع الأوّل سنة ثلاثمائة.
وولي بعده ابن ابنه (عبد الرحمن) بن محمد المقتول ابن عبد الله المتقدّم ذكره، وخوطب بأمير المؤمنين، وتلقب بالناصر بعد أن مضى من ولايته تسع وعشرون سنة، عندما بلغه ضعف خلفاء العباسيين بالعراق وظهور الخلفاء
(5/235)

العلويين بأفريقيّة، ومخاطبتهم بأمير المؤمنين، وتوفّي في رمضان سنة خمسين وثلاثمائة.
وولي الأمر بعده ابنه (الحكم) وتلقّب بالمستنصر، وتوفّي سنة ست وستين وثلاثمائة.
وعهد إلى ابنه (هشام) ولقّبة المؤيّد، وبايعه الناس بعد أبيه، فأقام إلى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.
ثم غلبه (محمد بن هشام) بن عبد الجبّار بن عبد الرحمن الناصر المتقدّم ذكره، وتلقب بالمهديّ في جمادى الآخرة من السنة المذكورة.
ثم غلبه (سليمان بن الحكم) بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر المتقدّم ذكره، فهرب محمد بن هشام المذكور واستولى على الخلافة في شوّال من السنة المذكورة.
ثم غلبه (محمد بن هشام) المهديّ المذكور في منتصف شوّال من السنة المذكورة.
ثم عاد (هشام بن الحكم) المتقدّم ذكره في سابع ذي الحجة من السنة المذكورة.
ثم عاد (سليمان بن الحكم) المتقدّم ذكره في منتصف شوّال سنة ثلاث وأربعمائة، ولقّب بالمستعين.
ثم غلبه (المهديّ محمد) بن هشام المتقدّم ذكره في أخريات السنة المذكورة.
ثم غلبه (المستعين) على قرطبة؛ ثم قتل المهديّ محمد بن هشام المذكور وعاد [هشام المؤيّد] «1» إلى خلافته، هذا كله والمستعين محاصر
(5/236)

لقرطبة، إلى أن افتتحها عنوة سنة ثلاث وأربعمائة، وقتلوا المؤيّد هشاما.
ثم جاء (عليّ بن حمّود) وأخوه (قاسم) من الأدارسة: ملوك الغرب في عساكر من البربر فملكوا قرطبة سنة سبع وأربعمائة وقتلوا المستعين وأزالوا ملك بني أميّة من الأندلس، واتصل ذلك في خلفهم سبع سنين.
ثم غلب عليّ بن حمّود، المرتضي بالله عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك، ابن المرتضي عبد الرحمن بن الناصر أمير المؤمنين.
ثم اجتمعوا على ردّ الأمر لبني أميّة، ثم ولي بعد ذلك المستظهر بالله (عبد الرحمن) بن هشام بن عبد الجبار في رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة.
ثم غلب عليه المستكفي بالله (محمد بن عبد الرحمن) بن عبيد الله، بن عبد الرحمن، الناصر أمير المؤمنين.
ثم رجع الأمر إلى (يحيى بن عليّ) بن حمّود سنة ست عشرة وأربعمائة.
ثم بويع للمعتمد بالله (هشام بن محمد) أخي المرتضي من بني أميّة سنة ثمان عشرة وأربعمائة. توفّي بها سنة ثمان وعشرين، وانقطعت دولة الأمويّة من الأندلس، والله وارث الأرض ومن عليها.
الطبقة السابعة ملوك بني حمّود من الأدارسة: ملوك الغرب)
كان في جملة جماعة المستعين: سليمان بن الحكم الأمويّ المتقدّم ذكره القاسم وعليّ ابنا حمّود، بن ميمون، بن أحمد، بن عليّ، بن عبيد الله، ابن عمر، بن إدريس بعد انقراض دولتهم بفاس وانتقالهم إلى غمارة وقيام رياستهم بها، فعقد المستعين للقاسم على الجزيرة الخضراء من الأندلس، ولعليّ على طنجة وعملها من برّ العدوة، وطمعت نفس عليّ بن حمود صاحب طنجة في الخلافة، وزعم أن المؤيّد هشاما من بني أميّة عند حصارهم إيّاه كتب له بعهد
(5/237)

الخلافة، فبايعوه بالخلافة وأجاز إلى مالقة فملكها، ودخل قرطبة سنة سبع وأربعمائة، وتلقب بالناصر لدين الله واتصلت دولته إلى أن قتله صقالبته بالحمّام سنة ثمان وأربعمائة.
فولي مكانه أخوه (القاسم) بن حمّود الذي كان بطنجة وتلقب بالمأمون.
ثم غلبه على ذلك (يحيى ابن أخيه عليّ) وزحف إلى قرطبة فملكها سنة ثنتي عشرة وأربعمائة وتلقب بالمعتلي، وكانت له وقائع كان آخرها أن اتفقوا على تسليم المدائن والحصون له، فعلا سلطانه، واشتدّ أمره، وأخذ في حصار ابن عبّاد «1» بإشبيلية فكبا به فرسه وقتل، وانقطعت دولة بني حمّود بقرطبة.
ثم استدعى قومه أخاه (إدريس) بن عليّ بن حمّود من سبتة وطنجة فبايعوه على أن يولّي سبتة (حسن ابن أخيه يحيى) فتم له الأمر بمالقة وتلقّب بالمتأيد بالله، وبايعه أهل المريّة وأعمالها ورندة والجزيرة، ومات سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
وبايع البربر بعده (حسن بن يحيى) المعتلي، ولقّبوه المستنصر، وبايعته غرناطة وجملة من بلاد الأندلس، ومات مسموما سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة.
وكان (إدريس بن يحيى) المعتلي معتقلا، فأخرج وبويع له سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، وأطاعته غرناطة وقرمونة وما بينهما، ولقّب العالي، ثم قتل محمدا وحسنا ابني عمّه إدريس، فثار السّودان بدعوة أخيهما محمد بمالقة فأسلموه.
(5/238)

وبويع (محمد بن إدريس) المتأيّد بمالقة سنة ثمان وثلاثين وتلقّب بالمهديّ، وأقام بمالقة، وأطاعته غرناطة وجيّان وأعمالها، ومات سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
وبويع (إدريس بن يحيى) بن إدريس المتأيد ولقّب الموفّق ولم يخطب له، وزحف إليه إدريس المخلوع الملقب بالعالي ابن يحيى المعتلي من قمارش فبويع له بمالقة إلى أن هلك سنة سبع وأربعين.
وبويع (محمد الأصغر) ابن إدريس المتأيد ولقّب المستعلي، وخطب له بمالقة والمريّة ورندة، وهلك سنة ستين وأربعمائة.
وكان (محمد بن القاسم) بن حمّود قد لحق بالجزيرة الخضراء سنة أربع عشرة وأربعمائة فملكها وتلقّب بالمعتصم، وبقي بها إلى أن مات سنة أربعين وأربعمائة.
ثم ملكها من بعده (ابنه القاسم) ولقب الواثق، وهلك سنة خمسين، وصارت الجزيرة الخضراء للمعتضد بن عبّاد «1» ، وانقرضت دولة بني حمّود بالأندلس.
الطبقة الثامنة (ملوك الطّوائف بالأندلس)
لما اضمحلّ أمر الخلافة من بني أميّة وبني حمّود بعدهم بالأندلس، وثب الأمراء على الجهات، وتفرّق ملك الأندلس في طوائف من الموالي، والوزراء، وكبار العرب والبربر، وقام كلّ منهم بأمر ناحية، وتغلّب بعضهم على بعض
(5/239)

وضعف أمرهم حتّى أعطوا الإتاوة لملوك الفرنجة من بني أدفونش حتّى أدركهم الله بأمير المسلمين يوسف بن تاشفين.
فأما إشبيلية وغرب الأندلس فاستولى عليهما بنو عبّاد.
كان أولهم القاضي أبو القاسم (محمد بن ذي الوزارتين) أبي الوليد، ابن إسماعيل، بن قريش، بن عبّاد، بن عمرو، بن أسلم، بن عمرو، بن عطّاف، ابن نعيم اللخمي؛ واستبدّ بإشبيلية بعد فرار القاسم بن حمّود عن قرطبة، انتزعها من أبي زيري وكان واليا عليها من جهة القاسم بن حمّود المذكور، وبقي بها إلى أن مات سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة.
ولما مات قام بأمره ابنه (عبّاد) وتلقب المعتضد، وطالت أيامه، وتغلب على أكثر الممالك بغرب الأندلس، وبقي حتّى مات سنة إحدى وستين وأربعمائة.
وولي مكانه ابنه (أبو القاسم محمد) الملقّب بالمعتمد؛ فجرى على سنن أبيه واستولى على دار الخلافة بقرطبة من يد ابن جهور، وفرّق أبناءه على قواعد الملك، واستفحل ملكه بغرب الأندلس، وغلب على من كان هناك من ملوك الطوائف، وبقي حتّى غلب أمير المسلمين «يوسف بن تاشفين» على الأندلس فقبض عليه، ونقله إلى أغمات: قرية من قرى مرّاكش سنة أربع وثمانين وأربعمائة، واعتقله بها إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
(5/240)

وأما قرطبة فاستولى عليها بنو جهور. وكان رئيس الجماعة بقرطبة أيام فتنة بني أميّة، أبو الحزم (جهور بن محمد) بن جهور، بن عبد الله، بن محمد، بن الغمر، بن يحيى، بن أبي المعافر، بن أبي عبيدة الكلبيّ، وأبو عبيدة هذا هو الداخل إلى الاندلس، وكانت لهم وزارة بقرطبة بالدولة العامريّة. ولما خلع الجند «المقتدر بالله «1» » آخر خلفاء بني أميّة بالأندلس، استبدّ جهور بالأمر واستولى على المملكة بقرطبة سنة ثنتين وعشرين وأربعمائة، وكان على سنن أهل الفضل، فأسندوا أمرهم إليه إلى أن يوجد خليفة، ثم اقتصروا عليه فدبّر أمرهم إلى أن هلك في المحرّم سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
وولي مكانه ابنه (أبو الوليد محمد بن جهور) فخلعه أهل قرطبة سنة إحدى وستين وأربعمائة، وأخرجوه [ثم فوض التدبير إلى ابنه عبد الملك بن أبي الوليد فأساء السيرة فأخرجوه] «2» عن قرطبة، فاعتقل [بشلطيلش] «3» إلى أن مات سنة ثنتين وستين.
وولّى ابن عبّاد على قرطبة ابنه (سراج الدّولة) وقتله ابن عكّاشة سنة سبع وستين، ودعا لابن ذي النّون (يحيى بن إسماعيل) وقدمها ابن ذي النّون من بلنسية وقتل بها مسموما.
وزحف المعتمد بن عبّاد بعد مهلكه إلى قرطبة، فملكها سنة أربع وثمانين وأربعمائة.
(5/241)

وأما بطليوس، فكان بها عند فتنة بني أميّة بالاندلس أبو محمد (عبد الله بن مسلمة) التّجيبي المعروف بابن الأفطس، واستبدّ بها سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، ثم هلك.
فوليّ من بعده ابنه المظفّر (أبو بكر) وعظم ملكه. وكان من أعظم ملوك الطوائف، ومات سنة ستين وأربعمائة.
وولي بعده ابنه المتوكّل «1» (أبو حفص عمر) بن محمد المعروف بساجة، ولم يزل بها إلى أن قتله (يوسف بن تاشفين» «2» سنة تسع وثمانين وأربعمائة بإغراء ابن عبّاد به.
وأما «3» غرناطة، فملكها أيام الفتنة (زاري بن زيري) بن ميّاد، ثم ارتحل إلى القيروان واستخلف على غرناطة ابنه، فبدا لأهل غرناطة أن بعثوا إلى ابن أخيه (حيوس بن ماكس) بن زيري من بعض الحصون، فوصل وملك غرناطة واستبدّ بها، وتوفّي سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
وولي مكانه ابنه (باديس) وكانت بينه وبين بني عبّاد حروب، وتوفّي سنة سبع وستين وأربعمائة.
وولي حافده المظفّر أبو محمد (عبد الله بن بلكين بن باديس) وولّى أخاه تميما بمالقة بعهد جدّه إلى أن خلعهما «يوسف بن تاشفين» سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
(5/242)

وأما طليطلة، فاستولى عليها بنو ذي النّون. وذلك أن الظافر إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذي النون الهوّاري [تغلّب] «1» أيام الفتنة على حصن أفلنتين سنة تسع وأربعمائة، وكانت طليطلة ليعيش بن محمد بن يعيش وليها في أوّل الفتنة، فلما مات سنة سبع وعشرين مضى إسماعيل الظافر إلى طليطلة فملكها، وامتد ملكه إلى جنجالة من عمل مرسية، ولم يزل بها إلى أن هلك سنة تسع وعشرين.
فولي مكانه ابنه المأمون (أبو الحسن يحيى) فاستفحل ملكه، وعظم بين ملوك الطوائف سلطانه، ثم غلب على بلنسية وقرطبة، ومات مسموما سنة سبع وستين وأربعمائة.
وولي بعده طليطلة حافده (القادر يحيى) بن إسماعيل بن المأمون يحيى بن ذي النون.
وكان الطاغية أدفونش ملك الفرنج بالأندلس قد استفحل أمره عند وقوع الفتنة بين ملوك الأندلس فضايق ابن النون حتّى تغلّب على طليطلة وخرج له عنها (القادر يحيى) سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وشرط عليه أن يظاهره على أخذ بلنسية، فقبل شرطه وتسلّمها الأدفونش ملك الفرنج، وبقيت معه إلى الآن أعادها الله تعالى إلى نطاق الإسلام.
وأما شاطبة وما معها من شرق الأندلس، فاستولى عليها العامريون. بويع للمنصور (عبد العزيز) بن الناصر عبد الرحمن بن أبي عامر بشاطبة سنة إحدى عشرة وأربعمائة، أقامه الموالي العامريّون عند الفتنة البربرية في زمن بني أميّة، فاستبدّ بها، ثم ثار عليه أهل شاطبة فترك شاطبة ولحق ببلنسية فملكها، وفوّض أمره للموالي.
(5/243)

وكان (خيران العامريّ) من مواليهم قد تغلّب قبل ذلك على أربونة سنة أربع وأربعمائة، ثم ملك مرسية سنة سبع، ثم جيّان والمريّة سنة تسع، وبايعوا جميعا للمنصور عبد العزيز «1» ثم انتقض خيران على المنصور وسار إلى مرسية وأقام بها ابن عمّه (أبا عامر محمد بن المظفّر) بن المنصور بن أبي عامر، وجمع الموالي على طاعته، وسماه (المؤتمن) ثم (المعتصم) ثم أخرج منها؛ ثم هلك خيران سنة تسع عشرة وأربعمائة.
وقام بأمره بعده الأمير (عميد الدولة أبو القاسم زهير العامريّ) وزحف إلى غرناطة فبرز إليه باديس بن حيوس فقتله بظاهرها سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وصار ملكه للمنصور (عبد العزيز) صاحب بلنسية.
وكان قائده صمادح وابنه معن يتوليان حروبه مع مجاهد العامريّ «2» صاحب دانية، فولّى على المريّة (معن بن صمادح) سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وغزا الموالي العامريّين بشاطبة فغلبهم عليها.
وولّى على بلنسية ابنه (عبد الملك) فقام بأمره وجاهد المأمون بن ذي النون فغلبه على بلنسية وانتزعها منه سنة سبع وخمسين.
(5/244)

ولما مات المأمون وولي حافده القادر على ما تقدّم ذكره، ولّى على بلنسية (أبا بكر) بن عبد العزيز بقيّة وزراء ابن أبي عامر، فحسّن له ابن هود «1» الانتقاض على القادر، ففعل واستبد بها سنة ثمان وستين وأربعمائة حين تغلّب المقتدر على دانية، ثم هلك لسنة ثمان وسبعين لعشر سنين من ولايته.
وولي ابنه القاضي (عثمان) فلما سلّم القادر بن ذي النون طليطلة للأدفونش «2» وزحف إلى بلنسية، خلعوا القاضي عثمان خوفا من استيلاء ملك الفرنج عليها.
ثم ثار على القادر سنة ثلاث وثمانين القاضي (جعفر بن عبد الله) بن حجاف، فقتله واستبد بها، ثم تغلب النصارى عليها سنة تسع وثمانين وقتلوه، ثم جاءهم (يوسف بن تاشفين) «3» وأما معن بن صمادح «4» قائد عبد العزيز بن أبي عامر، فإنه أقام بالمريّة لما ولّاه المنصور سنة ثلاث وثلاثين، وتسمّى ذا الوزارتين، ثم خلعه.
وولّى ابنه (المعتصم أبا يحيى محمد بن معن بن صمادح) «5» سنة أربع وأربعين، ولم يزل بها أميرا إلى أن مات سنة ثمانين وأربعمائة.
وولي ابنه (أحمد) وبقي حتّى خلعه يوسف بن تاشفين.
(5/245)

وأما سرقسطة والثّغر فاستولى عليهما بقية بني هود، إذ كان منذر بن يحى بن مطرّف، بن عبد الرحمن، بن محمد، بن هاشم التّجيبيّ صاحب الثّغر الأعلى بالأندلس، وكانت دار إمارته سرقسطة. ولما وقعت فتنة البربر آخر أيام بني أميّة، استقل (منذر) هذا بسرقسطة والثغر، وتلقب بالمنصور، ومات سنة أربع عشرة وأربعمائة.
وولي مكانه ابنه (يحيى) وتلقب بالمظفّر.
وكان أبو أيّوب (سليمان بن محمد) بن هود بن عبد الله بن موسى، مولى أبي حذيفة الجذاميّ من أهل نسبهم مستقلّا بمدينة (تطيلة) و (لاردة) من أوّل الفتنة.
وجدّهم هود هو الداخل إلى الأندلس، فتغلّب سليمان المذكور على المظفّر يحيى ابن المنذر وقتله سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وملك سرقسطة والثغر من أيديهم، وتحوّل إليها، وتلقّب بالمستعين واستفحل ملكه، ثم ملك بلنسية ودانية. وولّى على لاردة ابنه (أحمد المقتدر) ومات سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة.
فولي ابنه (أحمد) الملقّب بالمقتدر سرقسطة وسائر الثغر الأعلى، وولّى ابنه (يوسف) الملقب بالمظفر لاردة. ومات أحمد المقتدر سنة أربع وسبعين لتسع وثلاثين سنة من ملكه.
فولي بعده ابنه (يوسف المؤتمن) وكان له اليد الطّولى في العلوم الرياضية، وألف فيها التآليف الفائقة، مثل «المناظر» و «الاستكمال» وغيرهما، ومات سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
وولي بعده ابنه (أحمد) الملقب بالمستعين، ولم يزل أميرا بسرقسطة إلى أن مات شهيدا سنة ثلاث وخمسمائة في زحف ملك الفرنج إليها.
وولي بعده ابنه (عبد الملك) وتلقّب عماد الدولة، وزحف إليه الطاغية أدفونش ملك الفرنج فملك منه سرقسطة وأخرجه منها، واستولى عليها سنة ثنتي عشرة وخمسمائة، ومات سنة ثلاث عشرة.
(5/246)

وولي ابنه (أحمد) وتلقّب سيف الدولة والمستنصر، وبالغ في النّكاية في الطاغية ملك الفرنج، ومات سنة ست وثلاثين وخمسمائة.
وكان من ممالك بني هود هؤلاء طرطوشة، وقد كان ملكها (مقاتل) أحد الموالي العامريين سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، ومات سنة خمس وأربعين.
وملكها بعده (يعلى العامريّ) ولم تطل مدّته.
وملكها بعده (نبيل) أحدهم إلى أن نزل عنها لعماد الدولة (أحمد بن المستعين) سنة ثنتين وخمسين وأربعمائة، فلم تزل في يده ويد بنيه بعده إلى أن غلب عليها العدو المخذول فيما غلب عليه من شرق الأندلس.
وأما دانية وميورقة، فاستولى عليهما (مجاهد بن على) بن يوسف مولى المنصور بن أبي عامر، وذلك أنه بعد الفتنة كان قد ملك طرطوشة ثم تركها وسار إلى دانية واستقرّ بها، وملك ميورقة [ومنورقة] وبيّاسة، واستقلّ بملكها سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وولّى عليها ابن أخيه (عبد الله) ثم ولّى عليها بعد ابن أخيه مولاه (الأغلب) سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. وهلك مجاهد سنة ستّ وثلاثين وأربعمائة.
وولي ابنه (عليّ) وتلقّب إقبال الدولة، ودام ملكه ثلاثا وثلاثين سنة، ثم غلبه المقتدر بن هود على دانية سنة ثمان وستين وأربعمائة ونقله إلى سرقسطة، فمات قريبا من [وفاة المقتدر «1» ] سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وبقي الأغلب مولى مجاهد على ميورقة؛ وكان كثير الغزو في البحر فاستأذن عليّ بن مجاهد في الغزو، واستخلف على ميورقة صهره سليمان بن مشكيان نائبا عنه فأقام سليمان خمس سنين ثم مات فولّى عليّ بن مجاهد مكانه (مبشرا، وتسمّى ناصر الدولة) فأقام
(5/247)

خمس سنين، وانقرض ملك عليّ بن مجاهد وتغلب عليه المقتدر بن هود «1» فاستقلّ (مبشر) بميورقة ولم يزل يردّد الغزو إلى بلاد العدو حتّى جمع له طاغية برشلونة وحاصره بميورقة عشرة أشهر، ثم اقتلعها منه واستباحها سنة ثمان وخمسمائة، وكان مبشر قد بعث بالصّريخ إلى (عليّ بن يوسف) صاحب المغرب، فلم يواف أسطوله بالمدد إلا بعد تغلّب العدوّ عليها وموت مبشر، فلما وصل العساكر والأسطول دفعوا عنها العدوّ وولّى عليّ بن يوسف عليها من قبله (وانّود بن أبي بكر اللّمتوني) ثم عسف بهم فولّى عليها (يحيى بن عليّ بن إسحاق) ابن غانية صاحب غرب الأندلس فبعث إليها أخاه (محمد بن عليّ) فأقام في ولايتها عشر سنين إلى أن هلك أخوه يحيى، وسلطانهم عليّ بن يوسف واستقرّت ميورقة في ملك بني غانية وكانت لهم بها دولة ثم ملكها الموحّدون وانقرض أمر بني غانية وبقيت في أيدي الموحّدين حتى ملكها الفرنج من أيديهم آخر دولتهم.
وأما غرناطة فاستولى عليها (زاري بن زيري) بن ميّاد الصنهاجي، ثم عنّ له أن قدم على المعزّ بن باديس صاحب أفريقية وهو حفيد أخيه بلكين، فقدم عليه واستخلف مكانه بغرناطة ابنا له فأساء السيرة فيهم فأرسلوا إلى ابن عمه حيّوس بن ماكس بن زيري فحضر إليهم فبايعوه، وعظم فيها سلطانه إلى أن مات سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
وولي من بعده ابنه (باديس بن حيّوس «2» ) وتلقب بالمظفّر، وهو الذي مصرّ غرناطة واختطّ قصبتها وشيّد قصورها وحصّن أسوارها، ومات سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وقد ظهر أمر المرابطين بالمغرب.
وولي من بعده حافده (عبد الله بن بلكين) بن باديس فبقي بها إلى أن أجاز
(5/248)

يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، ونزل بغرناطة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة فقبض على عبد الله المذكور.
[الطبقة] الطائفة التاسعة (ملوك المرابطين من لمتونة: ملوك الغرب المتغلبين على الأندلس)
لما غلب أمير المسلمين (يوسف بن تاشفين) أمير المرابطين على بلاد المغرب واستولى عليها، وكان الأندلس قد تقسّم بأيدي ملوك الطوائف كما تقدم، وكان الطاغية ابن الأدفونش ملك الجلالقة «1» قد طمع في بلاد الأندلس، بعث أهل الأندلس إلى أمير المسلمين يستصرخون به فلبّى دعوتهم وسار إلى الأندلس.
ونزل الجزيرة الخضراء في سنة تسع وسبعين وأربعمائة ودفع الأدفونش، وسار تارة ببلاد المغرب وتارة ببلاد الأندلس، وملك إشبيلية وبلنسية، واستقلّ (عبد الله بن بلكين) عن غرناطة وأخاه تميما عن مالقة وغلب المعتمد بن «2» عبّاد على جميع عمله واستنزل ابنه المأمون عن قرطبة وابنه الراضي عن رندة وقرمونة، وانتزع بطليوس من صاحبها عمر بن «3» الأفطس، وانتزع عامّة حصون الأندلس من أيدي ملوك الطوائف، ولم يبق منها إلا سرقسطة في يد المستعين «4» بن هود، وانتظمت بلاد الأندلس في ملكه وانقرض ملك الطوائف أجمع منها، واستولى على العدوتين وخاطب المستظهر الخليفة العباسيّ ببغداد في زمنه فعقد له على المغرب والأندلس وكتب له بذلك عهدا وأرسله إليه، ولم يزل الأمر على ذلك حتّى توفّي سنة خمسمائة.
وقام بالأمر بعده ابنه (عليّ بن يوسف) وفي أيامه تغلب الأدفونش على سرقسطة واستولى عليها.
(5/249)

وعقد عليّ بن يوسف لولده (تاشفين) على غرب الأندلس سنة ستّ وعشرين وخمسمائة وأنزله قرطبة وإشبيلية؛ وعقد (لأبي بكر بن إبراهيم) على شرق الأندلس وأنزله بلنسية، وعقد (لابن غانية) على الجزائر الشرقية: دانية وميورقة ومنورقة. وبقي الأمر على ذلك إلى أن غلب الموحّدون على بلاد المغرب وانتزعوها من يد تاشفين بن علي في سنة إحدى وخمسين وملكوها.
ثم عقد عبد المؤمن أمير الموحدين لابنه (أبي يعقوب) على إشبيلية، ولابنه (أبي سعيد) على غرناطة ثم كانت أيّام يوسف بن عبد المؤمن فغزا الأندلس، ثم رجع إلى إشبيلية سنة ثمان وستين وولّى عمّه (يوسف) على بلنسية، وعقد لأخيه (أبي سعيد) على غرناطة، وعقد على قرطبة لأخيه (الحسن) وعلى إشبيلية لأخيه (على) . ثم عقد (لأبى زيد) ابن أخيه أبي حفص على غرناطة ولابن أخيه أبى محمد عبد الله بن أبى حفص على مالقة. ثم عقد لابنه أبى إسحاق على إشبيلية ولابنه يحيى على قرطبة، ولابنه أبى يزيد على غرناطة ولابنه أبي عبد الله على مرسية. وقتل في قتال النصارى في صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
وولي ابنه (أبو يعقوب) ورغب ابن أدفونش في مهادنته فهادنه. وعقد على إشبيلية للسيد أبي زيد بن الخليفة، وعلى بطليوس لأبي الربيع بن أبي حفص، وعلى غرب الأندلس لأبي عبد الله بن أبي حفص. ورجع إلى مرّاكش سنة أربع وتسعين وخمسمائة ومات بعدها.
وولي ابنه الناصر (محمد بن المنصور) ونزل إشبيلية، وذلك في صفر سنة تسع وستمائة ثم رجع إلى مرّاكش فمات بها.
وولي بعده ابنه (المستنصر يوسف) وكان الوالي بمرسية أبا محمد عبد الله بن المنصور فدعا لنفسه، وتسمّى بالعادل، وكان إخوته أبو العلاء صاحب قرطبة وأبو الحسن صاحب غرناطة وأبو موسى صاحب مالقة فبايعوه سرّا وخرج من مرسية إلى إشبيلية فدخلها وبعث إليه الموحدون بالبيعة، ودخل مرّاكش فكانت
(5/250)

بالأندلس فتن آخرها أن ثار ابن هود على الأندلس واستولى [عليه] وأخرج منه الموحدين.
[الطبقة] الطائفة العاشرة (بنو الأحمر ملوك الأندلس إلى زماننا هذا)
وقد تعرّض القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى الذي كان في زمانه منهم وهو (يوسف) ولم ينسبه غير أنه قال: إنه من ولد قيس بن سعد بن عبادة. ثم ذكر أنه فاضل، له يد في الموشّحات.
واعلم أن بني الأحمر هؤلاء أصلهم من أرجونة من حصون قرطبة وينتسبون إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج، ولم أقف على نسبهم إليه، ويعرفون ببني نصر، وكان كبيرهم آخر دولة الموحدين الشيخ أبو دبّوس (محمد بن يوسف) بن نصر المعروف بابن الأحمر وأخوه إسماعيل، وكان لهما وجاهة ورياسة في تلك الناحية.
ولما ضعف أمر الموحّدين بالأندلس واستقلّ بالأمر محمد بن يوسف بن هود الثائر بمرسية وقام بدعوة العبّاسيّة بالأندلس وتغلب على جميع شرق الأندلس، ثار محمد بن يوسف بن نصر: جدّ بني الأحمر على محمد بن يوسف بن هود، وبويع له سنة تسع وعشرين وستمائة، على الدعاء للأمير أبي زكريّا يحيى صاحب أفريقيّة من بقية الموحدين، وأطاعته جيّان وشريش في السنة الثانية من مبايعته. ثم بايع لابن هود سنة إحدى وثلاثين عند وصول تقليد الخليفة من بغداد لابن هود.
ثم تغلب على إشبيلية سنة اثنتين وثلاثين، واستعيدت منه بعد شهر ورجعت لابن هود [ثم تغلّب] «1» على غرناطة سنة خمس وثلاثين، وبايعوه وهو بجيّان، فقدم إليها ونزلها وابتنى بها حصن الحمراء منزلا له، وهو المعبّر عنه بالقصبة الحمراء:
وهي القلعة؛ ثم تغلب على مالقة وأخذها من يد عبد الله بن زنون الثائر بها بعد
(5/251)

مهلك ابن هود، ثم أخذ المريّة من يد محمد بن الرميمي وزير ابن هود الثائر بها سنة ثلاث وأربعين. ثم بايعه أهل لورقة سنة ثلاث وستين [وانتزعها] ممن كانت بيده. وفي أيامه وأيام ابن هود الثائر استعاد العدوّ المخذول من المسلمين أكثر بلاد الأندلس وحصونه، وهي بيدهم إلى الآن، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وبقي حتّى مات سنة إحدى وسبعين وستمائة.
وقام بأمره من بعده ابنه الفقيه (محمد) ابن الشيخ محمد بن يوسف، واستجاش بني مرين ملوك المغرب على أهل الكفر فلبّوه بالإجابة، وكان لهم مع طاغية الكفر وقائع أبلغت فيهم التأثير، وبلغت فيهم حدّ النّكاية، وبقي حتّى هلك سنة إحدى وسبعمائة.
وولي من بعده ابنه (محمد المخلوع) ابن محمد الفقيه.
ثم غلب عليه أخوه (أبو الجيوش نصر بن محمد) الفقيه، واعتقله سنة ثمان وسبعمائة، واستولى على مملكته، فأساء السّيرة في الرعية، والصّحبة لمن عنده من غزاة بني مرين.
فبايعوا (أبا الوليد إسماعيل) ابن الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر، وزحف من مالقة إلى غرناطة، فهزم عساكر أبي الجيوش، فصالحه على الخروج إلى وادياش ولحق بها، فجدّد له بها ملكا إلى أن مات سنة ثنتين وعشرين وسبعمائة، فدخل أبو الوليد إلى غرناطة وملكها، وكان بينه وبين ملك قشتالة من ملوك النصارى واقعة بظاهر غرناطة ظهرت فيها معجزة من معجزات الدّين لغلبة المسلمين مع قلّتهم المشركين مع العدد الكثير، وغدر به بعض قرابته من بني نصر فطعنه عندما انفضّ مجلسه بباب داره فقتله.
وبويع لابنه (محمد بن أبي الوليد إسماعيل) فاستولى عليه وزيره محمد ابن المحروق، وغلب عليه حتّى قتله بمجلسه غدرا في سنة تسع وعشرين وسبعمائة، واستبدّ بأمر ملكه، واستجاش بني مرين على طاغية الكفر حتّى
(5/252)

استرجع جبل الفتح من أيديهم سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة «1» ، وغدروا به بعد رجوعه من الجبل المذكور إلى غرناطة فقتلوه بالرّماح.
وقدّموا مكانه أخاه (أبا الحجاج يوسف) بن أبي الوليد إسماعيل وهو الذي ذكر في التعريف أنه كان في زمانه. وفي أيامه تغلّب النصارى على الجزيرة الخضراء، وأخذوها صلحا سنة ثلاث وأربعين بعد حروب عظيمة، قتل ولد السلطان أبي الحسن المرينيّ في بعضها وكان هو بنفسه في بعضها. ولم يزل حتّى مات يوم الفطر سنة خمس وخمسين وسبعمائة «2» ، طعن في سجوده في صلاة العيد، وقتل للحين قاتله.
وولي مكانه ابنه (محمد بن يوسف) وقام بأمره مولاهم رضوان الحاجب [فغلبه عليه وحجبه. وكان أخوه إسماعيل ببعض قصور الحمراء وكانت له ذمّة وصهر من محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن محمد ابن الرئيس أبي سعيد، فسلط محمد هذا بعض الزّعانفة فتسوّر حصن الحمراء على الحاجب فقتله، وأخرج صهره إسماعيل ونصّبه للملك] «3» وخلع أخاه السلطان محمدا، وكان بروضة خارج الحمراء ففرّ إلى السلطان أبي سالم بن أبي الحسن المرينيّ:
ملك المغرب فأحسن نزله وأكرمه.
واستقلّ أخوه (إسماعيل بن يوسف) بالملك في ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان المعظم قدره، سنة ستين وسبعمائة، وأقام السلطان إسماعيل في الملك بالأندلس إلى أن مات أوّل سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة.
وأقيم مكانه أبو الحجاج (يوسف بن إسماعيل) «4» وبايعه الناس ومات سنة أربع وتسعين وسبعمائة.
(5/253)

وبويع ابنه (محمد) وهو محمد بن يوسف بن محمد المخلوع بن يوسف بن إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر، وقام بأمره محمد الخصاصي القائد من جماعة أبيه، وقد شغل الله طاغية الكفر بما وقع بينه وبين أخيه من الفتن المستأصلة، فامتنع صاحب الأندلس عمّا كان يؤدّيه من الإتاوة للنصارى في كان سنة، وامتنع ذلك من استقبال سنة ثنتين وسبعين وسبعمائة وإلى هذا الوقت. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ
»
واعلم أنه لما افتتح المسلمون الأندلس، أجفلت أمم النصرانية أمامهم إلى سيف البحر من جانب الجوف، وتجاوزوا الدّروب من وراء قشتالة، واجتمعوا بجلّيقيّة وملّكوا عليهم (بلاية بن قاقلة) فأقام في الملك تسع عشرة سنة، وهلك سنة ثلاث وثلاثين ومائة من الهجرة.
وولي ابنه (قاقلة) سنتين ثم هلك، فولّوا عليهم بعده (أدفونش بن بطرة) من الجلالقة أو القوط، واتصل الملك في عقبه إلى الآن، فجمعهم أدفونش المذكور على حماية ما بقي من أرضهم بعد ما ملك المسلمون عامّتها، وانتهوا إلى جلّيقيّة، وهلك سنة ثنتين وأربعين ومائة لثمان عشرة سنة من ملكه.
وولي بعده ابنه (فرّويلة) إحدى عشرة سنة قوي فيها سلطانه، وقارنه اشتغال «عبد الرحمن «2» الداخل» : أوّل خلفاء بني أمية بتمهيد أمره، فاسترجع مدينة لكّ، وبرتقال، وسمّورة، وسلمنقة، وشقوبية، وقشتالة، بعد أن فتحها المسلمون وصارت في مملكتهم، وهلك سنة ثنتين وخمسين.
وولي ابنه (أور بن فرّويلة) ست سنين، وهلك سنة ثمان وخمسين.
(5/254)

وولي ابنه (شبلون) عشر سنين، وهلك سنة ثمان وستين.
فولّوا من بني أدفونش مكانه رجلا اسمه (أدفونش) فوثب عليه (مورفاط) فقتله وملك مكانه سبع سنين.
ثم ولي منهم آخر اسمه (أدفونش) ثنتين وخمسين سنة، وهلك سنة سبع وعشرين ومائتين.
فولي ابنه (ردمير) واتصل الملك في عقبه على التوالي إلى أن ولي منهم (ردمير) بن أردون آخر ملوكهم المستبدّين بأمرهم. قال ابن حيان في «تاريخ الأندلس» : وكانت ولايته بعد ترهّب أخيه أدفونش الملك قبله، وذلك سنة تسع عشرة وثلاثمائة في زمن الناصر الأمويّ الخليفة بالأندلس، وتهيأ للناصر الظهور عليه إلى أن كانت وقعة الخندق سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وحصل للمسلمين فيها الابتلاء العظيم، وهلك ردمير سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
وولي أخوه (شانجة) وكان معجبا تيّاها فوهن ملكه، وضعف سلطانه، ووثب عليه قوامس «1» دولته- وهم ولاة الأعمال من قبل الملك الأعظم- فلم ينتظم لبني أدفونش بعدها ملك مستقلّ في الجلالقة إلا بعد حين، وصاروا كملوك الطوائف. قال ابن حيان: وذلك أن فردلند قومس ألية والقلاع- وكان أعظم القوامس- انتقض على شانجة المتقدّم ذكره، ونصّب للملك مكانه ابن عمه (أردون بن أدفونش) واستبدّ عليه، فمالت النصرانية عن شانجة إليه، وظاهرهم ملك البشكنس على شانجة، ووفد شانجة على الناصر الأمويّ بقرطبة صريخا، فجهّز معه عساكر واستولى على سمّورة فملكها وأنزل المسلمين بها، واتصلت الحرب بين شانجة وفردلند القومس. وفي خلال ذلك ولي الحكم المستنصر الأمويّ، ثم هلك شانجة بن أدفونش ببطليوس.
وقام بأمرهم بعده ابنه (ردمير) وهلك أيضا فردلند قومس «2» ألية والقلاع،
(5/255)

وقام بأمره بعده ابنه غريسة، ومات الحكم المستنصر فقوي سلطان ردمير، وعظمت نكايته في المسلمين إلى أن قيّض الله لهم المنصور بن أبي «1» عامر حاجب هشام؛ فأثخن في عمل ردمير وغزاه مرارا وحاصره، وافتتح (شنت مانكس) وخرّبها فتشاءمت الجلالقة بردمير، ورجع «2» إلى طاعة المنصور سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وهلك على أثرها، فأطاعت أمه.
واتفقت الجلالقة على (برمند بن أردون) فعقد له المنصور على سمورة وليون وما اتصل بهما من أعمال غليسية إلى البحر الأخضر فقبل؛ ثم انتقض فغزاه المنصور سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، فافتتح ليون وسمورة، ولم يبق بعدها للجلالقة إلا حصون يسيرة بالجبل الحاجز بينهم وبين البحر الأخضر، ولم يزل المنصور به حتّى ضرب عليه الجزية وأنزل المسلمين مدينة سمّورة سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وولّى عليها أبا الأحوص (معن بن عبد العزيز) التّجيبي؛ وسار إلى (غرسية بن فردلند) صاحب ألية فملك عليه لشبونة قاعدة غليسية وخرّبها، وهلك غرسية.
فولي ابنه (شانجة) فضرب عليه الجزية، وصارت الجلالقة بأجمعهم في طاعة المنصور وهم كالعمّال له. ثم انتقض برمند بن أردون فغزاه المنصور حتّى بلغ شنت ياقب، مكان حجّ النصارى ومدفن يعقوب الحواريّ من أقصى غليسية، فأصابها خالية فهدمها ونقل أبوابها إلى قرطبة، فجعلها في نصف الزّيادة التي أضافها إلى المسجد الأعظم. ثم افتتح قاعدتهم (شنتمريّة) سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، ثم هلك برمند بن أردون ملك بني أدفونش.
وولي ابنه (أدفونش) وهو سبط غرسية بن فردلند صاحب ألية، وكان صغيرا فكفله (منند بن غند شلب) قومس غليسية، إلى أن قتل منند غيلة سنة ثمان
(5/256)

وتسعين وثلاثمائة فاستقلّ أدفونش بأمره، وطلب القواميس المتعذّرين على أبيه وعلى من سلف من قومه مثل بني أرغومس وبني فردلند المتقدّم ذكرهم بالطاعة فأطاعوا ودخلوا تحت أمره. ثم جاءت الفتنة البربرية على رأس المائة الرابعة فضعف أمر المسلمين، وتغلّب النصارى على ما كان المنصور تغلّب عليه بقشتالة وجلّيقيّة، ولم يزل أدفونش بن برمند ملكا على جلّيقيّة وأعمالها، ثم كان الملك من بعده في عقبه إلى أن كان ملوك الطوائف، وتغلب المرابطون ملوك الغرب من لمتونة على ملوك الطوائف بالأندلس، على ما سيأتي في الكلام على مكاتبة ابن الأحمر ملك المسلمين بالأندلس.
وفي بعض التواريخ أن ملك قشتالة الذي ضرب الجزية على ملوك الطوائف في سني خمسين وأربعمائة هو (البيطبين) وأنه لما هلك قام بأمره بنوه فردلند، وغرسية، وردمير. وولي أمرهم (فردلند) ثم هلك، وخلّف شانجة وغرسية والفنش فتنازعوا، ثم خلص الملك للفنش، واستولى على طليطلة سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وعلى بلنسية سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ثم ارتجعها المرابطون من يده حتّى استعادها النصارى سنة ست وثلاثين وستمائة. وهلك الفنش سنة إحدى وخمسمائة.
وقام بأمر الجلالقة (بنته) وتزوّجت ردمير، ثم فارقته وتزوّجت بعده قمطا من أقماطها فأتت منه بولد كانوا يسمّونه (السليطين) . وأوقع ابن ردمير بابن هود سنة ثلاث وخمسمائة الواقعة التي استشهد فيها، وملك منه سرقسطة.
وفي بعض التواريخ أن النصارى في زمن المنصور أبي «1» يعقوب ابن أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن كان دائرا بين ثلاثة من ملوكهم الفنش، والبيبوح، وابن الزند، وكبيرهم الفنش.
(5/257)

ولما فشلت ريح بني عبد المؤمن في زمن المستنصر بن الناصر، استولى الفنش على جميع ما فتحه المسلمون من معاقل الأندلس، ثم هلك الفنش.
وولي ابنه (هرّاندة) وكان أحول وبذلك يلقّب، فارتجع قرطبة واشبيلية من أيدي المسلمين.
وزحف ملك أرغون في زمنه فاستولى على ماردة، وشاطبة، ودانية، وبلنسية، وسرقسطة، والزّهراء، والزاهرة، وسائر القواعد والثّغور الشرقيّة، وانحاز المسلمون إلى سيف البحر، وملّكوا عليهم ابن «1» الأحمر بعد ولاية ابن هود. وكان استرجاع الطاغية ماردة سنة ستّ وعشرين وستّمائة، وميورقة سنة سبع وعشرين، وبلنسية سنة ستّ وثلاثين، وسرقسطة وشاطبة قبل ذلك بزمن طويل.
ثم هلك هرّاندة، وولي ابنه [شانجة] «2» ثم هلك [سنة ثلاث وتسعين] «3» وولي ابنه (هرّاندة) وكان بينه وبين عساكر يعقوب بن عبد الحق:
سلطان الغرب الواصلة إلى الأندلس حروب متصلة، الغلب فيها لعساكر ابن عبد الحق، ثم خرج على هرّاندة هذا ابنه (شانجة) فوفد هرّاندة على السلطان يعقوب بن عبد الحق فقبّل يده، واستجاشه على ولده شانجة، فقبل وفادته، وأمدّه بالمال والعساكر، ورهن عنده على المال التاج المعروف من ذخائر سلفهم، فهو عند بني عبد الحق إلى الآن.
ثم هلك هرّاندة سنة ثلاث وثلاثين وستّمائة، واستقل ابنه (شانجة) بالملك، ووفد على يوسف بن يعقوب بالجزيرة الخضراء بعد مهلك أبيه يعقوب ابن عبد الحق وعقد معه الهدنة، ثم نقض واستولى على مدينة طريف سنة ثلاث وتسعين وستّمائة؛ ثم هلك سنة ثنتي عشرة وسبعمائة.
(5/258)

فولي ابنه (بطرة) صغيرا، وكفله عمّه جوان وهلكا جميعا على غرناطة عند زحفهما إليها سنة ثمان عشرة وسبعمائة.
فولي ابنه (الهنشة بن بطرة) صغيرا وكفله زعماء دولته، ثم استقل بأمره وهلك محاصرا جبل الفتح سنة إحدى وخمسين وسبعمائة في الطاعون الجارف.
وولي (ابنه بطرة) وفرّ ابنه القمط إلى برشلونة فاستجاش صاحبها على أخيه بطرة فأجابه، وزحف إليه بطرة فاستولى على كثير من بلاده، ثم كان الغلب للقمط سنة ثمان وستين وسبعمائة، واستولى على بلاد قشتالة، وزحفت إليهم أمم النصرانية، ولحق بطرة بأمم الفرنج الذين وراء قشتالة في الجوف بجهات الليمانية وبرطانية إلى ساحل البحر الأخضر وجزائره فزوّج بنته من ابن ملكهم الأعظم المعروف بالبنس غالس، وأمدّه بأمم لا تحصى فملك قشتالة والقرنتيرة، واتصلت الحرب بعد ذلك بين بطرة وأخيه القمط، إلى أن غلبه القمط وقتله سنة ثنتين وسبعين وسبعمائة، واستولى القمط على ملك بني أدفونش أجمعه، واستقام له أمر قشتالة، ونازعه البنس غالس ملك الإفرنجة بابنه الذي هو من بنت بطرة، وطلب له الملك على عادتهم في تمليك ابن البنت، واتصلت الحرب بينهما، وشغله ذلك عن المسلمين فامتنعوا عن أداء الإتاوة التي كانوا يؤدّونها إلى من كان قبله، وهلك القمط سنة إحدى وثمانين وسبعمائة.
فولي ابنه (دن جوان) وفرّ أخوه غريس ولحق بالبرتغال، واستجاش على أخيه بجموع كثيرة، ثم رجع إليه واصطلح عليه، ثم هلك دن جوان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ونصّب قومه في الملك ابنه بطرة صبيا صغيرا لم يبلغ الحلم وقام بكفالته وتدبير دولته اليركيش خال جدّه القمط بن الهنشه والأمر على ذلك إلى الآن، وفتنهم مع البنس غالس ومع الفرنج متصلة، وأيديهم عن المسلمين مكفوفة
(5/259)

وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
«1» قلت: والممالك القائمة بجزيرة الأندلس الآن من ممالك النصرانية أربع ممالك.
المملكة الأولى (مملكة قشتالة)
التي عليها سياقة الحديث إلى أن صارت إلى بطرة بن دن جوان المتقدّم ذكره.
وهي مملكة عظيمة وعمالات متسعة تشتمل على طيطلة، واشبيلية، وقشتالة، وغليسية والقرنبيرة وهي بسط من الغرب إلى الشرق ويقال لملكها الأدفونش والعامة تسميه الفنش.
المملكة الثانية (مملكة البرتغال)
وهي في الجانب الغربيّ من قشتالة، وهي عمالة صغيرة تشتمل على أشبونة وغرب الأندلس، وهي الآن من أعمال جلّيقيّة، إلا أن صاحبها متميز بسمته وملكه.
المملكة الثالثة (مملكة برشلونة)
وهي بجهة شرق الاندلس، وهي مملكة كبيرة، وعمالات واسعة، تشتمل على برشلونة، وأرغون، وشاطبة، وسرقسطة، وبلنسية، وجزيرة دانية، وميورقة وكان ملكهم بعد العشرين والسبعمائة اسمه بطرة وطال عمره، وهلك سنة سبع وثمانين وسبعمائة، وانفرد أخوه الدك بملك سرقسطة مقاسما لأخيه ثم سار بعد
(5/260)

ذلك في أسطول فملك جزيرة صقلية من أيدي أهلها وصارت داخلة في أعمالهم.
المملكة الرابعة (مملكة نبرّة مما يلي قشتالة من جهة الشرق، فاصلا بين عمالات ملك قشتالة وعمالات ملك برشلونة)
وهي عمالة صغيرة، وقاعدتها مدينة ينبلونة، وملكها ملك البشكنس. أما ما وراء الأندلس من الفرنج فأمم لا تحصى، وسيأتي الكلام على ذكر ملكهم الأكبر ريدفرنس فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الجملة السادسة (في ترتيب هذه المملكة)
أما مملكة المسلمين فلا يخفى أنها في معنى بلاد المغرب. [وفي كثير من الأوقات يملكهم ملوك المغرب الأقصى، فبالضرورة إن ترتيبهم جار على ترتيب بلاد الغرب] «1» وقد ذكر في «مسالك الأبصار» أن أهل الأندلس في الجملة لا يتعمّمون، بل يتعهّدون شعورهم بالتنظيف والحنّاء ما لم يغلب الشّيب، ويتطيلسون فيلقون الطّيلسان على الكتف أو الكتفين مطويّا طيّا ظريفا [والمتعمم فيهم قليل] ؛ ويلبسون الثياب الرفيعة الملونة من الصّوف والكتّان ونحو ذلك، وأكثر لباسهم في الشتاء الجوخ وفي الصيف البياض. قال: وأرزاق الجند به ذهب بحسب مراتبهم، وأكثرهم من برّ العدوة من بني مرين وبني عبد الواد وغيرهم. والسلطان مسكنه القصور الرفيعة، ويقعد السلطان للناس بدار العدل في مكان يعرف بالسبيكة من القصبة الحمراء التي هي القلعة يوم الاثنين ويوم الخميس صباحا، ويحضر معه المجلس الرؤساء من أقاربه ونحوهم، ويقرأ بمجلسه عشر من القرآن وشيء من الحديث النبويّ، ويأخذ الوزير القصص من الناس فتقرأ عليه. وأما
(5/261)

الحرب فإنهم فيها سجال: تارة لهم وتارة عليهم، والنصر في الأغلب للمسلمين على قلّتهم وكثرة عدوّهم بقوّة الله تعالى. وبالبلاد البحرية أسطول الحراريق المفرّق في البحر الشامي، يركبها الأنجاد من الرّماة والرؤساء المهرة، فيقاتلون العدوّ على ظهر البحر، وهم الظافرون في الغالب، ويغيرون على بلاد النصارى بالساحل وما هو بقربه فيأسرون أهلها ذكورهم وإناثهم، ويأتون بهم بلاد المسلمين، فيبرزون بهم ويحملونهم إلى غرناطة إلى السلطان فيأخذ منهم ما يشاء ويهدي ويبيع.
وقد كانت لهم وقيعة في الإفرنج سنة تسع عشرة وسبعمائة على مرج غرناطة قتل فيها من الإفرنج أكثر من ستين ألفا وملكان: وهما بطرة وجوان عمه ففديت جيفة جوان بأموال عظيمة. وحملت جثّة بطرة إلى غرناطة، فعلّقت على باب قلعتها في تابوت، واستمرت معلّقة هناك، وجاز المسلمون غنيمة من أموالهم قلّما يذكر مثلها في تاريخ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
«1» وقد تقدم في المقالة الأولى في الكلام على النوع الرابع مما يحتاج إليه الكاتب: وهو حفظ كتاب الله تعالى: أن بعض ملوك الفرنج كتب إلى ابن الأحمر:
صاحب غرناطة كتابا يهدّده فيه، فكان جوابه أن قلبه وكتب على ظهره ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ
«2» وأما ملوك الفرنج به فعلى ترتيب سائر ممالك الفرنج مما هو غير معلوم لنا.
(5/262)

الفصل الثالث من المقالة الثانية في الجهة الجنوبيّة عن مملكة الديار المصرية
: من مصر والشام والحجاز، ومضافاتها مما هو واقع في الثاني والثالث والرابع من الأقاليم السبعة) اعلم أنه قد دخل في جهتي الشرق والغرب المتقدّمتين ذكر أماكن مما هو في جهة الجنوب عن مملكة الديار المصرية ومضافاتها، انساق الكلام إليها استطرادا واستتباعا: كأطراف اليمن، والهند، والصّين الجنوبية الخارجة عن الإقليم الثاني إلى جهة الجنوب مما استتبعته ممالك الشرق، والمقصود الآن الكلام على ما عدا ذلك، وهو بلاد السّودان.
وهي بلاد متّسعة الارجاء رحبة الجوانب، حدّها من الغرب البحر المحيط الغربيّ، ومن الجنوب الخراب مما يلي خطّ الاستواء؛ ومن [الشّرق] بحر القلزم مما يقابل بلاد اليمن والأمكنة المجهولة الحال شرقيّ بلاد الزّنج في جنوبيّ البحر الهنديّ، ومن الشّمال البراريّ الممتدّة فيما بين الديار المصرية وأرض برقة، وبلاد البربر، من جنوبي المغرب إلى البحر المحيط.
والمشهور منها ستّ ممالك.
المملكة الأولى (بلاد البجا)
والبجا بضم الباء الموحدة وفتح الجيم وألف في الآخر. وهم من أصفى السودان لونا. قال ابن سعيد: وهم مسلمون ونصارى وأصحاب أوثان، ومواطنهم
(5/263)

في جنوبي صعيد مصر مما يلي الشرق، فيما بين بحر القلزم وبين نهر النيل، على القرب من الديار المصرية.
وقاعدتهم (سواكن) بفتح السين المهملة والواو وكسر الكاف ونون في الآخر. قال في «تقويم البلدان» في الكلام على بحر القلزم: وهي بليدة للسّودان، حيث الطول ثمان وخمسون درجة، والعرض إحدى وعشرون درجة.
قلت وقد أخبرني من رآها أنها جزيرة على طرف بحر القلزم من جهته الغربيّة قريبة من البرّ يسكنها التّجّار. وصاحبها الآن من العرب المعروفين بالحداربة- بالحاء والدال المهملتين المفتوحتين وألف ثم راء مهملة وباء موحدة مفتوحة وهاء في الآخر، وله مكاتبة عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، ويقال في تعريفه الحدربيّ بضم الحاء وسكون الدال وضم الراء، على ما سيأتي ذكره في الكلام على المكاتبات في المقالة الرابعة فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
وقد عدّ في «تقويم البلدان» من مدن البجا (العلّاقي) بفتح العين المهملة واللام المشدّدة ثم ألف وقاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحت. من آخر الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول ثمان وخمسون درجة، والعرض ستّ وعشرون درجة. قال في «تقويم البلدان» : وهي بالقرب من بحر القلزم، ولها مغاص ليس بالجيّد، وبجبلها معدن ذهب، يتحصّل منه بقدر ما ينفق في استخراجه. قال المهلّبي: إذا أخذت من أسوان في سمت المشرق تصل إلى العلّاقي بعد اثنتي عشرة مرحلة. قال: وبين العلّاقي وعيذاب ثمان مراحل ومن العلّاقي يدخل إلى بلاد البجا.
المملكة الثانية (بلاد النّوبة)
بضم النون وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وهاء في الآخر. ولون بعضهم يميل إلى الصّفاء، وبعضهم شديد السّواد. قال في «مسالك الأبصار» :
وبلادهم مما يلي مصر في نهاية جنوبيّها مما يلي المغرب على ضفتي النيل الجاري
(5/264)

إلى مصر. قال في «تقويم البلدان» في الكلام على الجانب الجنوبيّ: وبينها وبين بلاد النّوبة جبال منيعة.
وقاعدتها مدينة (دنقلة) . قال في «تقويم البلدان» : الظاهر أنها بضم الدال المهملة وسكون النون وقاف مضمومة ولام مفتوحة وهاء في الآخر. وما قاله هو الجاري على ألسنة أهل الديار المصرية، ورأيتها في «الروض المعطار» مكتوبة (دمقلة) بإبدال النون ميما، مضبوطة بفتح الدال، وباقي الضبط على ما تقدّم.
وأنشد بيت شعر شاهدا لذلك. وموقعها في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة.
قال ابن سعيد: حيث الطول ثمان وخمسون درجة وعشر دقائق، والعرض أربع عشرة درجة وخمس عشرة دقيقة. قال: وفي جنوبيّها وغربيّها مجالات زنج النّوبة الذين قاعدتهم (كوشة) خلف الخطّ، وفي غربي دنقلة وشماليّها مدنهم المذكورة في الكتب. قال الإدريسيّ: وهي في غربيّ النيل على ضفّته وشرب أهلها منه.
قال: وأهلها سودان لكنهم أحسن السّودان وجوها، وأجملهم شكلا، وطعامهم الشعير والذّرة والتمر يجلب إليهم. واللحوم التي يستعملونها لحوم الإبل: طريّة ومقدّدة، ومطبوخة. وفي بلادهم الفيلة، والزّراريف، والغزلان.
قال في «مسالك الأبصار» : ومدنها أشبه بالقرى والضيّاع من المدن، قليلة الخير والخصب، يابسة الهواء. قال: وحدّثني غير واحد ممن دخل النّوبة: أن مدينة دنقلة ممتدّة على النيل، وأهلها في شظف من العيش، والحبوب عندهم قليلة إلا الذّرة، وإنما تكثر عندهم اللحوم والألبان والسّمك. وأفخر أطبختهم أن تطبخ اللّوبيا في مرق اللحم، ويثرد ويصفّ اللحم واللّوبيا على وجه الثّريد.
وربما عملت اللّوبيا بورقها وعروقها. قال: ولهم انهماك على السّكر بالمزر «1» وميل عظيم إلى الطّرب.
(5/265)

ولما خاف بنو أيّوب نور الدّين الشهيد صاحب الشام على أنفسهم حين همّ بقصدهم، بعث السلطان صلاح الدّين أخاه شمس الدولة «1» إلى (النّوبة) ليأخذها لتكون موئلا لهم إذا قصدهم، فرأوها لا تصلح لمثلهم، فعدلوا إلى اليمن واستولوا عليها، وجعلوها كالمعقل لهم. قال ابن سعيد: ودين أهل هذه البلاد النصرانية. قال في «مسالك الأبصار» : ومن هذه البلاد نجم «لقمان الحكيم» ثم سكن مدينة أيلة، ثم دخل إلى بيت المقدس. ومنها أيضا «ذو النون المصريّ» «2» الزاهد المشهور، وإنما سمي المصريّ لأنه سكن مصر فنسب إليها. وكان ملوكها في الزمن القديم وسائر أهلها على دين النّصرانية، فلما فتح عمرو بن العاص «3» رضي الله عنه مصر غزاهم. قال في «الروض المعطار» : فرآهم يرمون الحدق بالنّبل، فكفّ عنهم، وقرّر عليهم إتاوة في كل سنة. قال صاحب «العبر» وعلى ذلك جرى ملوك مصر بعده، وربما كانوا يماطلون بذلك ويمتنعون من أدائه، فتغزوهم عساكر المسلمين من مصر حتى يطيعوا، إلى أن كان ملكهم في أيام الظاهر بيبرس «4» رحمه الله، رجلا اسمه (مرقشنكز) وكان له ابن أخ اسمه (داود) فتغلب عليه، وانتزع الملك من يده، واستفحل ملكه بها، وتجاوز حدود مملكته قريب (أسوان) من آخر صعيد الدّيار المصرية؛ فقدم (مرقشنكز) المذكور على الظاهر بيبرس بالدّيار المصرية، واستنجده على ابن أخيه (داود) المذكور، فجهّز معه العساكر إلى بلاد النّوبة، فانهزم (داود) ولحق بمملكة الأبواب من بلاد السّودان، فقبض عليه ملكها وبعث به مقيّدا إلى الظاهر بيبرس،
(5/266)

فاعتقل بالقلعة حتى مات، واستقرّ (مرقشنكز) في ملك النّوبة على جزية يؤدّيها في كل سنة، إلى أن كانت دولة المنصور (قلاوون) ثم استقرّ بمملكة دنقلة في الدولة المنصورية (قلاوون) رجل اسمه سيمامون وغزته عساكر قلاوون سنة ثمانين وستّمائة.
ثم ملكهم في أيام الناصر «محمد بن قلاوون» «1» رجل اسمه (أمي) وبقي حتى توفّي سنة ستّ عشرة وسبعمائة.
وملك بعد دنقلة أخوه (كرنبس) .
ثم خرج من بيت الملك منهم رجل اسمه (نشلى) فهاجر إلى مصر، وأسلم وحسن إسلامه، وأقام بمصر بالأبواب السّلطانية؛ وأجرى عليه السلطان الملك الناصر رزقا، ولم يزل حتى امتنع (كرنبس) من أداء الجزية سنة ستّ عشرة وسبعمائة، فجهّز إليه السلطان العساكر مع نشلى المقدّم ذكره، وقد تسمّى عبد الله ففرّ كرنبس إلى بلاد الأبواب، فاستقرّ (عبد الله نشلى) في ملك دنقلة على دين الإسلام، ورجعت العساكر إلى مصر، وبعث الملك الناصر إلى ملك الأبواب في أمر كرنبس فبعث به إليه، فأسلم وأقام بباب السلطان، وبقي نشلى في الملك حتى قتله أهل مملكته سنة تسع عشرة وسبعمائة، فبعث السلطان كرنبس إليهم فملكهم وانقطعت الجزية عنهم من حين أسلم ملوكهم. قال في «العبر» : ثم انتشرت أحياء جهينة «2» من العرب في بلادهم واستوطنوها، وعاثوا فسادا، وعجز ملوك النّوبة عن مدافعتهم فصاهروهم مصانعة لهم، وتفرّق بسبب ذلك ملكهم حتى صار لبعض جهينة من أمّهاتهم على رأي العجم في تمليك الأخت وابن الأخت، فتمزّق ملكهم واستولت جهينة على بلادهم، ولم يحسنوا سياسة الملك، ولم ينقد بعضهم إلى بعض، فصاروا شيعا ولم يبق لهم رسم ملك، وصاروا رحّالة بادية
(5/267)

على عادة العرب إلى هذا الزمان.
وذكر في «مسالك الأبصار» : أن ملكها الآن مسلم من أولاد (كنز الدولة) قال: وأولاد الكنز هؤلاء أهل بيت ثارت لهم ثوائر مرّات. فيحتمل أن أولاد الكنز من جهينة أيضا جمعا بين المقالتين.
وقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أنّ سلطانهم كواحد من العامّة، وأنه تأوي الغرباء إلى جامع دنقلة فيرسل إليهم؛ فيأتونه فيضيفهم وينعم عليهم هو وأمراؤه، وأن غالب عطائهم الدّكاديك: وهي أكسية غلاظ غالبها سود: وربما أعطوا عبدا أو جارية.
(وقد ذكر في «الروض المعطار» : أن عمرو بن العاص «1» رضي الله عنه قصد قتال النّوبة فرآهم يرمون الحدق بالنّبل فكفّ عنهم، وقرّر عليهم إتاوة من الرّقيق في كل سنة) ، ولم تزل ملوك مصر تأخذ منهم هذه الإتاوة في أكثر الأوقات حتى ذكر في «مسالك الأبصار» أنه كان عليهم في زمنه مقرّر لصاحب مصر في كلّ سنة من العبيد، والإماء، والحراب، والوحوش النّوبية- قلت: أمّا الآن فقد انقطع ذلك. وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ
«2»
المملكة الثالثة (بلاد البرنو)
وبلاد البرنو- بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وضم النون وسكون الواو. وهم مسلمون والغالب على ألوانهم السواد قال في «التعريف» :
وبلاده تحدّ بلاد التّكرور من الشرق، ثم يكون حدّها من الشّمال بلاد أفريقيّة، ومن الجنوب الهمج.
(5/268)


وقاعدتهم مدينة (كاكا) بكافين بعد كلّ منهما ألف فيما ذكر لي رسول سلطانهم الواصل إلى الدّيار المصرية صحبة الحجيج في الدولة الظاهرية (برقوق) «1» وقد تعرّض إليها في «مسالك الأبصار» في تحديد مملكة مالّي على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ومن مدنهم أيضا مدينة (كتنسكي) بكاف مضمومة وتاء مثناة فوقية ساكنة ونون مكسورة وسين مهملة ساكنة وكاف مكسورة بعدها ياء مثناة تحتية. وهي شرقيّ (كاكا) على مسيرة يوم واحد منها.
قلت: وقد وصل كتاب ملك البرنو في أواخر الدولة الظاهرية (برقوق) يذكر فيه أنه من ذرّية «سيف بن ذي يزن» «2» إلا أنه لم يحقق النسب فذكر أنه من قريش وهو غلط منهم فإن «سيف بن ذي يزن» من أعقاب تبابعة اليمن من حمير. على ما يأتي ذكره في الكلام على المكاتبات، في المقالة الرابعة فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
ولصاحب البرنو هذا مكاتبة عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، يأتي ذكرها هناك إن شاء الله تعالى.
المملكة الرابعة (بلاد الكانم)
والكانم بكاف بعدها ألف ثم نون مكسورة وميم في الآخر. وهم مسلمون أيضا والغالب على ألوانهم السّواد. قال في «مسالك الأبصار» : وبلادهم بين
(5/269)

أفريقيّة وبرقة، ممتدّة في الجنوب إلى سمت الغرب الأوسط. قال: وهي بلاد قحط، وشظف، وسوء مزاج مستول عليها. وغالب عيشهم الأرزّ، والقمح، والذّرة، وببلادهم التّين، والليمون، واللّفت، والباذنجان، والرّطب. وذكر عن أبي عبد الله السلايحي، عن الشيخ عثمان الكانميّ وغيره أن الأرزّ ينبت عندهم من غير بذر. ومعاملتهم بقماش ينسج عندهم اسمه دندي، طول كلّ ثوب عشرة أذرع فأكثر. قال: ويتعاملون أيضا بالودع، والخرز، والنّحاس المكسور، والورق، لكنه جميعه يسعر بذلك القماش.
وذكر ابن سعيد: أن في جنوبيّها صحارى فيها أشخاص متوحّشة، كالغول أقرب الحيوانات إلى الشّكل الآدميّ، تؤذي بني آدم ولا يلحقها الفارس.
وذكر أبو عبد الله المرّاكشيّ في كتابه «التكملة» عن أبي اسحاق إبراهيم الكانميّ الأديب الشاعر: أنه يظهر ببلاد الكانم في الليل أمام الماشي بالقرب منه قلل نارتضيء، فإذا مشى بعدت منه، فلا يصل إليها ولو جرى، بل لا تزال أمامه.
وربما رماها بحجر فأصابها، فيتشظّى منها شرارات. قال في «مسالك الأبصار» :
وأحوالها وأحوال أهلها حسنة، وربما كان فيهم من أخذ في التعليم، ونظر من الأدب نظرة النجوم فقال إني سقيم، فما يزال يداوي عليل فهمه، ويداري جامح علمه، حتّى تشرق عليه أشعتها، ويطرّز بديباجه أمتعتها.
وقاعدتها (مدينة جيمي) . قال في «تقويم البلدان» : بكسر الجيم وبالياء المثناة تحت الساكنة وكسر الميم ثم ياء مثناة تحتية في الآخر. حسب ما هو في خط ابن سعيد. وموقعها في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول ثلاث وخمسون درجة، والعرض تسع درج، وبها مقرّة سلطانهم. قال في «مسالك الأبصار» : ومبدأ هذه المملكة من جهة مصر بلدة اسمها (دلا) وآخرها طولا بلدة يقال لها (كاكا) وبينهما نحو ثلاثة أشهر. وقد تقدّم أن كاكا هي قاعدة سلطان البرنو. وبينها وبين جيمي أربعون ميلا. قال وبها فواكه لا تشبه فواكه بلادنا، وبها الرّمان، والخوخ، وقصب السّكّر. قال في «مسالك الأبصار» :
(5/270)

وسلطان هذه البلاد رجل مسلم. قال في «تقويم البلدان» : وهو من ولد «سيف بن ذي «1» يزن» . قال في «مسالك الأبصار» : وأوّل من بثّ الإسلام فيهم الهادي العثمانيّ، ادّعى أنه من ولد «عثمان بن عفّان» رضي الله عنه وملكها، ثم صارت بعده لليزنيّين.
وذكر في «التعريف» : أن سلطان الكانم من بيت قديم في الإسلام، وقد جاء منهم من ادّعى النسب العلويّ في بني الحسن. ثم قال: وتمذهب بمذهب «الشافعيّ» رضي الله عنه. قال في «مسالك الأبصار» : وملكهم على حقارة سلطانه، وسوء بقعة مكانه، في غاية لا تدرك من الكبرياء، يمسح برأسه عنان السماء، مع ضعف أجناد، وقلة متحصّل بلاد، لا يراه أحد إلا في يوم العيدين بكرة وعند العصر. أما في سائر السنة فلا يكلمه أحد ولو كان أميرا إلا من وراء حجاب.
قال: والعدل قائم في بلادهم، ويتمذهبون بمذهب الإمام «مالك» رضي الله عنه، وهم ذوو اختصار في اللباس، يابسون في الدّين، وعسكرهم يتلثمون، وقد بنوا مدرسة للمالكية بالفسطاط ينزل بها وفودهم.
المملكة الخامسة (بلاد مالّي ومضافاتها)
و (مالّي) بفتح الميم وألف بعدها لام مشدّدة مفخّمة وياء مثناة تحت في الآخر. وهي المعروفة عند العامّة ببلاد (التّكرور) . قال في «مسالك الأبصار» :
وهذه المملكة في جنوب المغرب، متّصلة بالبحر المحيط. قال في «التعريف» :
وحدّها في الغرب البحر المحيط؛ وفي الشرق بلاد البرنو وفي الشّمال جبال البربر، وفي الجنوب الهمج. ونقل عن الشيخ سعيد الدّكّالي: أنها تقع في جنوب مرّاكش ودواخل برّ العدوة جنوبا بغرب إلى البحر المحيط. قال في «مسالك الأبصار» : وهي شديدة الحرّ، قشفة المعيشة، قليلة أنواع الأقوات، وأهلها طوال
(5/271)

في غاية السواد وتفلفل الشّعور، وغالب طول أهلها من سوقهم، لا من هياكل أبدانهم. قال ابن سعيد: والتّكرور قسمان: قسم حضر يسكنون المدن وقسم رحّالة في البوادي.
وقد حكى في «مسالك الأبصار» عن الشيخ سعيد الدّكّالي: أن هذه المملكة مربّعة، طولها أربعة أشهر أو أزيد، وعرضها مثل ذلك، وجميعها مسكونة إلا ما قلّ، وهذه المملكة هي أعظم ممالك السّودان المسلمين.
وتشتمل على ثمان جمل:
الجملة الأولى (في ذكر أقاليمها ومدنها)
وقد ذكر صاحب «العبر» : أنها تشتمل على خمسة أقاليم كل إقليم منها مملكة بذاتها.
الإقليم الأوّل (مالّي)
وقد تقدم ضبطه. وهو إقليم واسطة الأقاليم السبعة الداخلة في هذه المملكة، واقع بين إقليم صوصو وإقليم كوكو: صوصو من غربيه، وكوكو من شرقيّه.
وقاعدته على ما ذكره في «مسالك الأبصار» : مدينة (بني) «1» قال في «مسالك الأبصار» : بالباء الموحدة والنون ثم الباء الموحدة أيضا. قال: وهي ممتدّة تقدير طول بريد في عرض مثل ذلك، ومبانيها متفرّقة، وبناؤها بالبالستا. وهو أنه يبنى بالطين بقدر ثلثي ذراع، ثم يترك حتّى يجفّ، ثم يبنى عليه مثله، وكذلك حتّى
(5/272)

ينتهي، وسقوفها بالخشب والقصب، وغالبها قباب أو جملونات كالأقباء، وأرضها تراب مرمل، وليس لها سور، بل يستدير بها عدّة فروع من النيل من جهاتها الأربع، بعضها يخاض في أيام قلّة الماء، وبعضها لا يعبر فيه إلا في السّفن.
وللملك عدّة قصور يدور بها سور واحد.
الإقليم الثاني (صوصو)
بصادين مهملتين مضمومتين، بعد كلّ منهما واو ساكنة. وربما أبدلوا الصاد سينا مهملة سمّي بذلك باسم سكّانه. قال في «العبر» : وهم يسمّونها الانكارية.
وهو في الغرب عن إقليم مالّي المقدّم ذكره فيما ذكره في «العبر» عن بعض البقلة.
الإقليم الثالث (بلاد غانة)
بفتح الغين المعجمة وألف ثم نون مفتوحة وهاء في الآخر. وهي غربيّ إقليم صوصو المقدّم ذكره تجاور البحر المحيط الغربيّ.
وقاعدته (مدينة غانة) التي قد أضيف إليها. قال في «تقويم البلدان» :
وموقعها خارج الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة إلى الجنوب. قال ابن سعيد:
حيث الطول [تسع وعشرون «1» درجة] والعرض عشر درج. قال في «تقويم البلدان» : وهي محلّ سلطان بلاد غانة.
وقد حكى ابن سعيد: أن لغانة نيلا شقيق نيل مصر، يصب في البحر المحيط الغربي عند طول عشر درج ونصف، وعرض أربع عشرة. وإليها تسير التّجّار المغاربة من سجلماسة في برّ مقفر ومفاوز عظيمة في جنوب الغرب نحو خمسين يوما، فيكون بين غانة وبين مصبّه نحو أربع درج. وهي مبنيّة على ضفّتي
(5/273)

نيلها هذا. قال في «العبر» : وكان أهلها قد أسلموا في أوّل الفتح الإسلامي.
وقد ذكر في «تقويم البلدان» : أنها مدينتان على ضفّتي نيلها، إحداهما يسكنها المسلمون والثانية يسكنها الكفّار.
وقد ذكر في «الروض المعطار» : أن لصاحب غانة معلفين من ذهب، يربط عليهما فرسان له أيام مقعده.
الإقليم الرابع (بلاد كوكو)
وهي شرقيّ إقليم مالّي المقدّم ذكره. قال في «الروض المعطار» : وملكها قائم بنفسه، له حشم وقوّاد وأجناد وزيّ كامل؛ وهم يركبون الخيل والجمال، ولهم بأس وقهر لمن جاورهم من الأمم. قال: وبها ينبت عود الحيّة: وهو عود يشبه العاقر قرحا، إلا أنه أسود؛ من خاصّته أنه إذا وضع على جحر الحيّة خرجت إليه بسرعة، ومن أمسكه بيده أخذ من الحيّات ما شاء من غير جزع يدركه أو يقع في نفسه. ثم قال: والصحيح عند أهل المغرب الأقصى أن هذا العود إذا أمسكه ممسك بيده أو علّقه في عنقه لم تقربه حية البتّة.
وقاعدته (مدينة كوكو) بفتح الكاف وسكون الواو وفتح الكاف الثانية وسكون الواو بعدها. وموقعها في الجنوب عن الإقليم الأول قال ابن سعيد:
حيث الطول أربع وأربعون درجة، والعرض عشر درج. قال: وهي مقرّ صاحب تلك البلاد. قال: وهو كافر يقاتل من غربيّه من مسلمي غانة ومن شرقيّة من مسلمي الكانم.
وذكر المهلّبي في العزيزي أنهم مسلمون، وبينهما وبين مدينة غانة مسيرة شهر ونصف. قال في «الروض المعطار» : وهي مدينة كبيرة على ضفّة نهر يخرج من ناحية الشمال، يمرّ بها ويجاوزها بأيام كثيرة، ثم يغوص في الصّحراء في رمال كما يغوص الفرات في بطائح العراق. قال ابن سعيد: وكوكو في شرقيّ النهر، ولباس عامّة أهلها الجلود يسترون بها عوراتهم، وتجّارهم يلبسون الأكسية، وعلى
(5/274)

رؤوسهم الكرازين، ولبس خواصّهم الأزرق. قال في «مسالك الأبصار» :
وسكانها قبائل يرنان من السّودان.
الإقليم الخامس (بلاد تكرور)
وهي شرقيّ إقليم (كوكو) المقدّم ذكره، ويليه من جهة الغرب مملكة (البرنو) المتقدّمة الذكر، وبها عرفت هذه المملكة على كبرها واشتهرت.
وقاعدتها (مدينة تكرور) بفتح التاء المثناة فوق وسكون الكاف وضم الراء المهملة وسكون الواو وراء مهملة في الآخر. قال في «الروض المعطار» : وهي مدينة على النّيل على القرب من ضفافه أكبر من مدينة سلا من بلاد المغرب، وطعام أهلها السمك، والذّرة، والألبان، وأكثر مواشيهم الجمال، والمعز، ولباس عامّة أهلها الصّوف، وعلى رؤوسهم كرازين صوف، ولباس خاصّتهم القطن والمآزر. قال: وبينها وبين سجلماسة من بلاد المغرب أربعون يوما بسير القوافل، وأقرب البلاد إليها من بلاد لمتونة بالصحراء آسفي بينهما خمس وعشرون مرحلة.
قال: وأكثر ما يسافر به تجّار الغرب الأقصى إليها الصّوف، والنّحاس، والخرز، ويخرجون منها بالتّبر، والخدم. قلت: وذكر في «مسالك الأبصار» : أن هذه المملكة تشتمل على أربعة عشر إقليما وهي: غانة، وزافون، وترنكا، وتكرور، وسنغانة، وبانبغو، وزرنطابنا، وبيترا، ودمورا، وزاغا، وكابرا، وبراغودي، وكوكو، ومالّي. فذكر أربعة من الأقاليم الخمسة المتقدّمة الذكر، وأسقط إقليم صوصو، وكأنها قد اضمحلّت وزاد باقي ذلك، فيحتمل أنها انضافت إلى صاحبها يومئذ بالفتح والاستيلاء عليها.
قال في «مسالك الأبصار» : وفي شماليّ بلاد مالّي قبائل من البربر بيض تحت حكم سلطانها: وهم نيتصر، ونيتغراس، ومدوسة، ولمتونة، ولهم أشياخ تحكم عليهم إلا نيتصر، فإنهم يتداولهم ملوك منهم تحت حكم صاحب مالّي.
قال: وكذلك في طاعته قوم من الكفار بعضهم يأكل لحم الآدميين. ونقل عن
(5/275)

الشيخ سعيد الدّكّالي: أن في طاعة سلطانها بلاد مغارة الذهب. وهم بلاد همج، وعليهم إتاوة من التبر تحمل إليه في كل سنة، ولو شاء أخذهم ولكن ملوك هذه المملكة قد جرّبوا أنه ما فتحت مدينة من هذه المدن وفشا بها الإسلام، ونطق بها داعي الأذان، إلا قلّ بها وجود الذهب ثم يتلاشى حتّى يعدم، ويزداد فيما يليه من بلاد الكفار، فرضوا منهم ببذل الطاعة، وحمل قرّر عليهم. وذكر نحو ذلك في «التعريف» في الكلام على غانة.
الجملة الثانية (في الموجود بهذه المملكة)
قد ذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ سعيد الدّكّالي: أن بها الخيل من نوع الأكاديش التتريّة. قال: وتجلب الخيل العراب إلى ملوكهم، يتغالون في أثمانها، وكذلك عندهم البغال، والحمير، والبقر، والغنم، ولكنّها كلّها صغيرة الجثّة، وتلد الواحدة من المعز عندهم السبعة والثمانية، ولا مرعى لمواشيهم، إنما هي جلّالة على المقامات والمزابل. وبها من الوحوش الفيلة، والآساد والنّمورة، وكلّها لا تؤذي من بني آدم إلا من تعرّض لها. وعندهم وحش يسمّى (ترمّي) بضم التاء المثناة والراء المهملة وتشديد الميم، في قدر الذئب، يتولد بين الذئب والضّبع لا يكون إلا خنثى: له ذكر وفرج، متى وجد في الليل آدميّا صغيرا أو مراهقا أكله. ولا يتعرّض إلى أحد في النهار، وهو ينعر كالثور، وأسنانه متداخلة.
وعندهم تماسيح عظام منها ما يكون طوله عشرة أذرع وأكثر، ومرارته عندهم سمّ قاتل تحمل إلى خزانة ملكهم. وعندهم بقر الوحش، وحمير الوحش، والغزلان.
وفيما يسامت سجلماسة من بلادهم جواميس متوحّشة تصاد كما يصاد الوحش.
وبها من الطيور الدّواجن الإوزّ، والدّجاج، والحمام. وبها من الحبوب الأرزّ، والغوثي: وهو دق مزغّب، يدرس فيخرج منه حبّ أبيض شبيه بالخردل في المقدار
(5/276)

أو أصغر منه، فيغسل ثم يطحن ويعمل منه الخبز، وهذا الحب هو والأرزّ هما غالب قوتهم، وعندهم الذّرة وهي أكثر حبوبهم، ومنها قوتهم وعليق خيولهم ودوابّهم، وعندهم الحنطة على قلّة فيها، أما الشعير فلا وجود له عندهم البتة، وعندهم من الفواكه البستانية الجمّيز «1» وهو كثير لديهم؛ وعندهم أشجار برّية ذوات ثمار مأكولة مستطابة، منها شجر يسمّى تادموت يحمل شيئا مثل القواديس كبرا في داخلها شيء شبيه بدقيق الحنطة، ساطع البياض، طعمه مزّ لذيذ يأكلون منه، وإذا جف جعلوه على الحنّاء فيسوّده كالنوشادر، ومنها شجر يسمّى زبيزور تخرج ثمرته مثل قرون الخرّوب فيخرج منها شيء شبيه بدقيق التّرمس حلو لذيذ الطعم، له نوى. ومنها شجر يسمّى قومي، يحمل شبيه السفرجل، لذيذ الطعم يشبه طعم الموز، وله نوى شبيه بغضروف العظم، يأكله بعضهم معه. ومنها شجر اسمه فاريتي، حمله شبيه بالليمون وطعمه يشبه طعم الكمّثرى بداخله نوى ملحم، يؤخذ ذلك النوى وهو طريّ، فيطحن فيخرج منه شيء شبيه بالسمن يجمد، وتبيّض به البيوت، وتوقد منه السّرج، ويعمل منه الصابون، وإذا قصد أكله وضع في قدر على نار ليّنة، ويسقى الماء حتّى يقوى غليانه وهو مغطّى الرأس، ويسارق كشف الغطاء في افتقاده، فإنه متى كشف القدر فار ولحق بالسقف. وربما انعقد منه نار فأحرق البيت، فإذا نضج برّد، وجعل في ظروف القرع، وصار يستعمل في المأكل كالسّمن. ومتى جعل في غير ظروف القرع من الآنية خرقها. ويوجد بها من الثمرات البرّيّة ما هو شبيه بكل الفواكه البستانيّة على اختلاف أنواعها، ولكنها حرّيفة لا تستطاب، يأكلها الهمج من السّودان، وهي قوت كثير منهم.
وبها من الخضراوات اللّوبياء، واللّفت، والثّوم، والبصل، والباذنجان، والكرنب، أما الملوخيّة فلا تطلع عندهم إلا برّية، والقرع عندهم بكثرة. وعندهم شيء شبيه بالقلقاس إلا أنه الذّ من القلقاس، يزرع في الخلاء فإن سرق منه
(5/277)

سارق، قطع الملك رأسه وعلّقه مكان ما قطع منه، عادة عندهم يتوارثونها خلفا عن سلف، لا توجد فيها رخصة، ولا تنفع فيها شفاعة.
وجبالها ذوات أشجار مشتبكة، غليظة السّوق إلى الغاية، تظلّ الواحدة منها خمسمائة فارس. وفيها بغانة وما وراءها في الجنوب من بلاد السّودان الهمج معادن الذهب.
وقد حكى في «مسالك الأبصار» عن الأمير أبي الحسن عليّ بن أمير حاجب عن السلطان (منسا موسى) سلطان هذه المملكة: أنه سأله عند قدومه الديار المصرية حاجّا عن معادن الذهب عندهم- فقال: توجد على نوعين: نوع في زمان الربيع ينبت في الصحراء، له ورق شبيه بالنجيل «1» ، أصوله التبر. والثاني يوجد في أماكن معروفة على ضفّات مجارى النيل، تحفر هناك حفائر فيوجد فيها الذهب كالحجارة والحصى، فيؤخذ. قال: وكلاهما هو المسمّى بالتّبر. ثم قال:
والأوّل «2» أفحل في العيار، وأفضل في القيمة. وذكر في «التعريف» نحوه. وذكر عن الشيخ عيسى الزواويّ عن السلطان (منسا موسى) المقدّم ذكره أيضا أنه يحفر في معادن الذهب كلّ حفيرة عمق قامة أو ما يقاربها، فيوجد الذهب في جنباتها.
وربما وجد مجتمعا في سفل الحفيرة، وأنّ في مملكته أمما من الكفّار لا يأخذ منهم جزية، إنما يستعملهم في إخراج الذهب من معادنه. ثم قد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن النوع الأوّل من الذهب يوجد في زمن الربيع عقيب [الأمطار] «3» ينبت في مواقعها، والثاني يوجد في جميع السنة في ضفّات مجارى النّيل. وذكر في «التعريف» : أن نبات الذهب بهذه البلاد يبدأ في شهر
(5/278)

(أغشت) »
حيث سلطان الشمس قاهر، وذلك عند أخذ النّيل في الارتفاع والزيادة. فإذا انحطّ النيل تتبّع حيث ركب عليه من الأرض، فيوجد منه ما هو نبات يشبه النجيل وليس به. ومنه ما يوجد كالحصى. فجعل الجميع مما يحدث في هذا الزمن في أماكن النيل خاصّة، وفيه مخالفة لما تقدّم. بل قد قال: إن شهر (أغشت) الذي يطلع فيه الذهب وهو من شهور الروم، ويقع- والله أعلم- أنه يركّب من (تمّوز) و (آب) يعني من شهور السريان، وهذا غلط فاحش. فقد تقدّم في المقالة الأولى أن شهور الروم منطبقة على شهور السّريان في الابتداء والانتهاء، دون ابتداء أوّل السنة، وشهر (أغشت) من شهور الروم هو شهر (آب) من شهور السريان بعينه.
ثم قد حكى في «مسالك الأبصار» عن والي مصر عن (منسا موسى) المقدم ذكره: أن الذهب ببلاده حمّى له، يجمع له متحصله كالقطيعة، إلا ما يأخذه أهل تلك البلاد منه على سبيل السّرقة.
وحكي عن الشيخ سعيد الدّكّاليّ: أنه إنما يهادى بشيء منه كالمصانعة، وأنه يتكسّب عليهم في المبيعات لأنّ بلادهم لا شيء بها. ثم قال: وكلام الدّكّالي أثبت وعليه ينطبق كلامه في «التعريف» حيث ذكر غانة ثم قال: وله عليها إتاوة مقرّرة تحمل إليه في كلّ سنة. وبهذه البلاد أيضا معدن نحاس وليس يوجد في السّودان إلا عندهم. قال الشيخ عيسى الزواوي: قال لي السلطان موسى: إن عنده في مدينة اسمها (نكوا) معدن نحاس أحمر، يجلب منه قضبان إلى مدينة بنبى قاعدة مالّي فيبعث منه إلى بلاد السّودان الكفّار، فيباع وزن مثقال بثلثي وزنه من الذهب، يباع كلّ مائة مثقال من هذا النحاس بستة وستين مثقالا وثلثي مثقال من الذهب.
وبهذه البلاد (معدن ملح) وليس في شيء من السّودان الوالجين في الجنوب والمسامتين لسجلماسة وما وراءها ملح سواه. قال «المقرّ الشهابيّ بن
(5/279)

فضل الله» : حدّثني أبو عبد الله بن الصائغ، أن الملح معدوم في داخل بلاد السّودان، فمن الناس من يغرّر ويصل به إلى أناس منهم يبذلون نظير كلّ صبرة ملح مثله من الذهب. قال ابن الصائغ: وحدّثت أن من أمم السودان الداخلة من لا يظهر لهم بل إذا جاء التّجّار بالملح وضعوه ثم غابوا، فيجيء السّودان فيضعون إزاءه الذهب، فإذا أخذ التجّار الذهب، أخذ السّودان الملح.
قال في «مسالك الأبصار» : قال لي الدّكّاليّ: وأهل هذه المملكة كثير فيهم السحر، ولهم به عناية حتّى إنهم في بلاد الكفّار منهم يصيدون الفيل بالسحر حقيقة لا مجازا، وفي كلّ وقت يتحاكمون عند ملكهم بسببه، ويقول أحدهم: إن فلانا قتل أخي أو ولدي بالسّحر، والسلطان يحكم على القاتل بالقصاص وقتل الساحر.
وحكى عنه أيضا: أن السّموم بهذه المملكة كثيرة، فإن عندهم حشائش وحيوانات يركّبون منها السموم القتّالة، ولا سيما من سمك يوجد عندهم. قال الشيخ سعيد الدّكّالي: ومن خصّيصة هذه البلاد أن يسرع فيها فساد المدّخرات لا سيما السّمن فإنه يفسد وينتن فيها في يومين.
الجملة الثالثة (في معاملة هذه المملكة)
ذكر في «مسالك الأبصار» عن ابن أمير حاجب: أن المعاملة عندهم بالودع وأن التّجّار تجلبه إليهم كثيرا، فتربح فيه الرّبح الكثير. وكأن هذا في المعاملات النازلة من مثل المآكل وما في معناها، وإلا فالذهب عندهم على ما تقدّم من الكثرة.
(5/280)

الجملة الرابعة (في ذكر ملوك هذه المملكة)
قد تقدّم أن هذه المملكة قد اجتمع بها خمسة «1» أقاليم، وهي: إقليم مالّي، وإقليم صوصو، وإقليم غانة من الجانب الغربيّ عن مالّي، وإقليم كوكو، وإقليم تكرور في الجانب الشرقي عن مالّي، وأن كلّ إقليم من هذه الخمسة كان مملكة مستقلة، ثم اجتمع الكلّ في مملكة صاحب هذه المملكة، وأن مالّي هي أصل مملكته. قال في «مسالك الأبصار» : وهو وإن غلب عليه عند أهل مصر اسم سلطان التّكرور فإنه لو سمع هذا أنف منه، لأن التّكرور إنما هو إقليم من أقاليم مملكته، والأحبّ إليه أن يقال (صاحب مالّي) لأنه الإقليم الأكبر، وهو به أشهر.
ونقل عن الشيخ سعيد الدّكّاليّ: أنه ليس بمملكته من يطلق عليه اسم ملك إلا صاحب غانة وهو كالنائب له وإن كان ملكا. وكأنه إنما بقي اسم الملك على صاحب غانة دون غيره لعدم انتزاعها منه والاستيلاء عليها استيلاء كلّيّا. فقد قال في «التعريف» : وأما غانة فإنه لا يملكها وكأنه مالكها، يتركها عن قدرة عليها: لأن بها وبما وراءها جنوبا منابت الذهب. وذكر ما تقدّم من أن بلاد منابت الذهب متى فشا فيها الإسلام والأذان، عدم فيها نبات الذهب، وصاحب مالّي يتركها لذلك لأنه مسلم، وله عليها إتاوة كبيرة مقرّرة تحمل إليه في كل سنة.
وقد ذكر صاحب «العبر» : أن هذه الممالك كانت بيد ملوك متفرّقة، وكان من أعظمها مملكة غانة. فلما أسلم الملثّمون من البربر، تسلّطوا عليهم بالغزو حتّى دان كثير منهم بالإسلام، وأعطى الجزية آخرون، وضعف بذلك ملك غانة واضمحلّ، فتغلّب عليهم أهل صوصو المجاورون لهم، وملكوا غانة من أيدي أهلها. وكان ملوك مالّي قد دخلوا في الإسلام من زمن قديم.
(5/281)

قال: ويقال: إن أوّل من أسلم منهم ملك اسمه (برمندانّة) بباء موحدة وراء مهملة مفتوحتين وميم مكسورة ونون ساكنة ودال مهملة بعدها ألف ثم نون مشدّدة مفتوحة وهاء في الآخر فيما ضبطه بعض علمائهم. ثم حجّ بعد إسلامه، فاقتفى سننه في الحج ملوكهم من بعده.
ثم جاء منهم ملك اسمه (ماري جاظة) ومعنى (ماري) الأمير الذي يكون من نسل السلطان ومعنى (جاظة) الأسد، فقوي ملكه وغلب على صوصو، وانتزع ما كان بأيديهم من ملكهم القديم وملك غانة الذي يليه إلى البحر المحيط. ويقال: إنه ملك عليهم خمسا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده ابنه (منساولي) ومعنى (منسا) بلغتهم السلطان، ومعنى (ولي) عليّ، وكان من أعظم ملوكهم، وحجّ أيام الظاهر بيبرس صاحب مصر.
ثم ملك من بعده أخوه (والي) .
ثم ملك من بعده أخوه (خليفة) وكان أحمق، يغلب عليه الحمق فيرمي الناس بالسّهام فيقتلهم، فوثب به أهل مملكته فقتلوه.
وملك بعده سبط من أسباط «ماري جاظة» المقدّم ذكره، اسمه (أبو بكر) على قاعدة العجم في تمليك البنت وابن البنت.
ثم تغلّب على الملك مولى من مواليهم اسمه (ساكبورة) . ويقال (سيكره) فاتسع نطاق مملكته وغلب على البلاد المجاورة له، وفتح بلاد كوكو واستضافها إلى مملكته، واتّصل ملكه من البحر المحيط الغربيّ إلى بلاد التّكرور، فقوي سلطانه، وهابه أمم السّودان ورحل إليه التّجّار من بلاد الغرب وأفريقيّة. وحجّ أيام السلطان الملك الناصر «محمد بن قلاوون» «1» ورجع فقتل في أثر عوده.
وملك بعده (قو) ابن السلطان «ماري جاظة» .
(5/282)

ثم ملك من بعده (محمد بن قو) ثم انتقل الملك من ولد ماري جاظة إلى ولد أخيه أبي بكر.
فولي منهم (منسا موسى) بن أبي بكر. قال في «العبر» : وكان رجلا صالحا، وملكا عظيما، له أخبار في العدل تؤثر عنه، وعظمت المملكة في أيامه إلى الغاية، وافتتح الكثير من البلاد.
قال في «مسالك الأبصار» : حكى ابن أمير حاجب والي مصر عنه، أنه فتح بسيفه وحده أربعا وعشرين مدينة من مدن السّودان ذوات أعمال وقرى وضياع.
قال في «مسالك الأبصار» : قال ابن أمير حاجب: سألته عن سبب انتقال الملك إليه- فقال: إن الذي قبلي كان يظنّ أن البحر المحيط له غاية تدرك، فجهز مئين سفن، وشحنها بالرجال والأزواد التي تكفيهم سنين، وأمر من فيها أن لا يرجعوا حتّى يبلغوا نهايته أو تنفد أزوادهم، فغابوا مدّة طويلة، ثم عاد منهم سفينة واحدة وحضر مقدّمها، فسأله عن أمرهم. فقال: سارت السفن زمانا طويلا حتّى عرض لها في البحر في وسط اللّجة واد له جرية عظيمة، فابتلع تلك المراكب وكنت آخر القوم فرجعت بسفينتي، فلم يصدّقه: فجهّز ألفي سفينة ألفا للرجال وألفا للأزواد، واستخلفني وسافر بنفسه ليعلم حقيقة ذلك، فكان آخر العهد به وبمن معه. قال في «العبر» : وكان حجّه في سنة أربع وعشرين وسبعمائة في الأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» .
قال في «مسالك الأبصار» : قال لي المهمندار خرجت لملتقاه من جهة السلطان فأكرمني إكراما عظيما، وعاملني بأجمل الآداب، ولكنه كان لا يحدّثني إلا بترجمان مع إجادته اللسان العربيّ. قال: ولما قدم، قدّم للخزانة السلطانية حملا من التّبر؛ ولم يترك أميرا ولا ربّ وظيفة سلطانيّة إلا وبعث إليه بالذهب.
وكنت أحاوله في طلوع القلعة للاجتماع بالسلطان حسب الأوامر السلطانية فيأبى خشية تقبيل الأرض للسلطان ويقول: جئت للحجّ لا لغيره، ولم أزل به حتّى وافق على ذلك.
(5/283)

فلما صار إلى الحضرة السلطانية. قيل له: قبّل الأرض، فتوقف وأبى إباء ظاهرا. وقال: كيف يجوز هذا؟ فأسرّ إليه رجل كان إلى جانبه كلاما- فقال: أنا أسجد لله الذي خلقني وفطرني ثم سجد، وتقدّم إلى السلطان، فقام له بعض القيام وأجلسه إلى جانبه وتحدّثا طويلا، ثم قام السلطان موسى فبعث إليه السلطان بالخلع الكاملة له ولأصحابه، وخيلا مسرجة ملجمة. وكانت خلعته طرد وحش بقصب كثير، بسنجاب مقندس، مطرّز بزركش، على مفرج إسكندري، وكلّوتة زركش، وكلاليب ذهب، وشاش بحرير، ورقم خليفتيّ، ومنطقة ذهب مرصّعة، وسيف محلّى، ومنديل مذهب خزّ، وفرسين مسرجين ملجمين بمراكب بغل محلّاة وأعلام، وأجرى عليه الأنزال والإقامات الوافرة مدّة مقامه.
ولما آن أوان الحج بعث إليه بمبلع كبير من الدراهم، وهجن «1» جليلة كاملة الأكوار والعدّة لمركبه، وهجن أتباع لأصحابه وأزواد جمة، وركز له العليق في الطّرق، وأمر أمير الركب بإكرامه واحترامه.
ولما عاد، بعث إلى السلطان من هديّة الحجاز تبرّكا، فبعث إليه بالخلع الكاملة له ولأصحابه، والتّحف والألطاف، من البزّ السّكندريّ والأمتعة الفاخرة، وعاد إلى بلاده.
وذكر عن ابن أمير حاجب والي مصر أنه كان معه مائة حمل ذهبا أنفقها في سفرته تلك على من بطريقه إلى مصر من القبائل ثم بمصر، ثم من مصر إلى الحجاز توجّها وعودا حتّى احتاج إلى القرض، فاستدان على ذمّته من تجّار مصر بمالهم عليه فيه المكاسب الكثيرة، بحيث يحصل لأحدهم في كلّ ثلاثمائة دينار سبعمائة دينار ربحا، وبعث إليهم بذلك بعد توجّهه إلى بلاده. قال في «العبر» ويقال: إنه كان يحمل آلته اثنا عشر ألف وصيفة لا بسات أقبية الدّيباج.
(5/284)

قال في «مسالك الأبصار» : وذكر لي عنه ابن أمير حاجب: أنه حكى له أن من عادة أهل مملكته أنه إذا نشأ لأحد منهم بنت حسناء، قدّمها له أمة موطوءة، فيملكها بغير تزويج مثل ملك اليمن- فقلت له: إن هذا لا يحل لمسلم شرعا- فقال: ولا للملوك؟ - فقلت: ولا للملوك واسأل العلماء. فقال: والله ما كنت أعلم ذلك! وقد تركته من الآن. قال في «العبر» : ودام ملكه عليهم خمسا وعشرين سنة ومات.
فملك بعده ابنه (منسا مغا) ومعنى مغا عندهم محمد، يعنون السلطان محمدا، ومات لأربع سنين من ولايته.
وملك بعده أخوه (منسا سليمان) بن أبي بكر، وهو أخو منسا موسى المقدّم ذكره. قال في «مسالك الأبصار» : واجتمع له ما كان أخوه افتتحه من بلاد السّودان وأضافه إلى يد الإسلام، وبنى به المساجد والجوامع والمنارات، وأقام به الجمع والجماعات والأذان، وجلب إلى بلاده الفقهاء من مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، وتفقّه في الدين. قال في «العبر» ودام ملكه أربعا وعشرين سنة، ثم مات.
وولي بعده ابنه (قنبتا بن سليمان) ومات لتسعة أشهر من ملكه.
وملك بعده (ماري جاظه) بن منسا مغا بن منسا موسى فأقام أربع عشرة سنة أساء فيها السيرة، وأفسد ملكهم، وأتلف ذخائرهم بسرفه وتبذيره، حتّى انتهى به الحال في السّرف أنه كان بخزائنهم حجر ذهب، زنته عشرون قنطارا منقولا من المعدن من غير سبك ولا علاج بالنار. وكانوا يرونه من أنفس ذخائرهم لندور وجود مثله في المعدن، فباعه على تجّار مصر المتردّدين إليه بأبخس ثمن، وصرف ذلك كله في الفسوق، وكان آخر أمره أن أصابته علّة النوم وهو مرض كثيرا ما يصيب أهل تلك البلاد لا سيّما الرؤساء منهم، يأخذ أحدهم النوم حتّى لا يكاد يفيق،
(5/285)

فأقام به سنتين حتّى مات سنة خمس وسبعين وسبعمائة.
وملك بعده ابنه (موسى) فنكّب عن طريق أبيه، وأقبل على العدل وحسن السيرة.
وتغلب على دولته وزيره (ماري جاظه) فحجره وقام بتدبير الدولة، وكان له فيها أحسن تدبير، وبقي منسا موسى حتّى مات سنة تسع وثمانين وسبعمائة.
وملك بعده أخوه (منسا مغا) وقتل بعده بسنة أو نحوها.
وملك بعده (صندكي) زوج أم موسى المقدّم ذكره، ومعنى (صندكي) الوزير، ووثب عليه بعد أشهر رجل من بيت ماري جاظة.
ثم خرج من ورائهم من بلاد الكفرة رجل اسمه (محمود) ينسب إلى (منساقو) بن منساولي، بن ماري جاظة، ولقبه منسا مغا، وغلب على الملك في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة.
قال في «التعريف» : وصاحب التّكرور هذا يدّعي نسبا إلى عبد الله بن صالح، بن الحسن، بن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجوههم. قلت: هو صالح ابن عبد الله بن موسى، بن عبد الله أبي الكرام، بن موسى الجون، بن عبد الله، بن حسن المثنّى، ابن الحسن السبط، ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقد ذكر في «تقويم البلدان» : أن سلطان غانة يدّعي النسب إلى الحسن ابن عليّ عليهما السلام، فيحتمل أنه أراد صاحب هذه المملكة لأنّ من جملة من هو في طاعته غانة، أو من كان بها في الزمن القديم قبل استيلاء أهل الكفر عليها.
الجملة الخامسة (في أرباب الوظائف بهذه المملكة)
قد ذكر في «مسالك الأبصار» أن بهذه المملكة: الوزراء، والقضاة، والكتّاب، والدّواوين، وأن السلطان لا يكتب شيئا في الغالب، بل يكل كلّ أمر
(5/286)

إلى صاحب وظيفته من هؤلاء فيفصله. وكتابتهم بالخط العربيّ على طريقة المغاربة.
الجملة السادسة (في عساكر سلطان هذه المملكة، وأرزاقهم)
أما مقدار العساكر، فقد ذكر الشيخ سعيد الدّكّاليّ: أن مقدار عسكره مائة ألف نفر، منهم خيّالة نحو عشرة آلاف فارس، وباقيهم رجّالة لا خيل لهم.
وأما الإقطاعات لأمراء هذا السلطان وجنده والإنعامات عليهم، فقد قال الدّكّالي: إن من أكابرهم من يبلغ جملة ماله على الملك في كلّ سنة خمسين ألف مثقال من الذهب، وأنه يتفقّدهم مع ذلك بالخيل والقماش، وإن همته كلها في تجميل زيّهم وتمصير مدنهم.
الجملة السابعة (في زيّ أهل هذه المملكة)
قال الدكاليّ لباسهم عمائم بحنك مثل الغرب، وقماشهم بياض من ثياب قطن تنسج عندهم في نهاية الرقة واللطف تسمّى الكمصيا ولبسهم شبيه بلبس المغاربة جباب ودراريع بلا تفريج والأبطال من فرسانهم تلبس أساور من ذهب، فمن زادت فروسيّته لبس معها أطواقا من ذهب فإن زادت لبس مع ذلك خلاخل من ذهب، وكلما زادت فروسيّة البطل ألبسه الملك سراويل متسعة وسراويلاتهم ضيقة أكمام الساقين متّسعة الشرج، وأهل هذه المملكة يركبون بالسّروج وهم في غالب أحوالهم في الركوب كأنهم من العرب، إلا أن هؤلاء يبدأون في الركوب بأرجلهم اليمنى بخلاف غيرهم من سائر الناس جميعا، ولا يعرف عندهم ركوب جمل بكور.
(5/287)

الجملة الثامنة (في ترتيب هذه المملكة)
أما جلوس السّلطان في قصره فإنه يجلس على مصطبة كبيرة، على دكّة كبيرة من آبنوس، كالتخت على قدر المجلس العظيم المتسع، عليها أنياب الفيلة في جميع جوانبها، الناب إلى الناب، وعنده سلاح له من ذهب كلّه: سيف، ومزراق، وقوس، وتركاش، ونشّاب، وعليه سراويل كبير، مفصّل من نحو عشرين نصفية، لا يلبس مثله أحد منهم، بل هو من خصوصيته، ويقف خلفه نحو ثلاثين مملوكا من التّرك وغيرهم ممن تبتاع له من مصر، بيد واحد منهم جتر من حرير عليه قبّة، وطائر من ذهب صفة بازي يحمل على يساره، وأمراؤه جلوس حوله يمينا وشمالا، ثم دونهم أعيان من فرسان عسكره جلوس، وبين يديه شخص يغنّي له وهو سيّافه، وآخر سفير بينه وبين الناس يسمّى الشاعر، وتنهى إليه الشّكاوى والمظالم فيفصلها بنفسه، ولا يكتب شيئا في الغالب، بل يأمر بالقول بلسانه، وحوله أناس بأيديهم طبول يدقّون بها، وأناس يرقصون وهو يضحك منهم، وخلفه صنجقان منشوران، وأمامه فرسان مشدودان محصّلان لركوبه متى أحبّ، ومن عطس في مجلسه ضرب ضربا مؤلما، لا يسامح أحد في مثل ذلك، فإن بغت أحدا منهم العطاس، انبطح في الأرض وعطس حتّى لا يعلم به. أما الملك فإنه إذا عطس ضرب الحاضرون بأيديهم على صدورهم. ولا يدخل أحد دار السلطان منتعلا كائنا من كان، ومن لم يخلع نعليه قتل بلا عفو: عامدا كان أو ساهيا، وإذا قدم عليه أحد من أمرائه أو غيرهم، وقف أمامه زمانا، ثم يومى القادم بيده اليمنى مثل من يضرب الجوك ببلاد توران وإيران من بلاد المشرق. وصفة ذلك أن يكشف مقدّم رأسه ويرفع الذي يضرب الجوك يده اليمنى إلى قريب أذنه، ثم يضعها وهي قائمة منتصبة، ويلقيها بيده اليسرى فوق فخذه، واليد اليسرى مبسوطة الكفّ لتلقي مرفق اليمنى مبسوطة الكف مضمومة الأصابع بعضها إلى جانب بعض كالمشط، تماسّ شحمة الأذن. قال ابن أمير حاجب: وقد رأيت هذا عند خدمتهم للسلطان «موسى» لما قدم الديار المصرية. فإذا أنعم على أحد بإنعام أو وعده وعدا
(5/288)

جميلا أو شكره على فعل، تمرّغ المنعم عليه بين يديه من أوّل المكان إلى آخره، فإذا وصل إلى آخر المكان، أخذ غلمان المنعم عليه أو من هو من أصحابه من رماد يكون موضوعا في آخر مجلس الملك معدّا لهذا الشأن، فيذرّ في رأس المنعم عليه، ثم يعود ويتمرّغ، إلى أن يصل بين يدي الملك، ويضرب جوكا آخر بيده ثم يقوم.
وأما في الركوب فقد جرت عادة سلطان هذه المملكة أنه إذا قدم من سفر أن يحمل على رأسه الجتر راكب، وينشر على رأسه علم، وتضرب أمامه الطّبول، والطّنابير «1» ، والبوقات بقرون لهم فيها صناعة محكمة. قال ابن أمير حاجب:
وشعار هذا السلطان أعلام وألوية كبار جدّا، ورنكه أصفر في أرض حمراء.
وأما غير ذلك من سائر أموره، فقد ذكر الشيخ سعيد الدّكّاليّ: أن من عادة هذا السلطان أنه إذا عاد إليه أحد ممّن بعثه في شغل له أو أمر مهمّ أن يسأله عن كلّ ما حدث له من حين مفارقته له وإلى حين عوده مفصّلا. قال ابن أمير حاجب: وقد رأيت السلطان موسى وهو بمصر لا يأكل إلا منفردا وحده، لا يحضره عند الأكل أحد البتّة.
المملكة السادسة (من ممالك بلاد السّودان، مملكة الحبشة)
بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة والشين المعجمة وهاء في الآخر.
وهي مملكة عظيمة جليلة المقدار، متسعة الأرجاء، فسيحة الجوانب. قال في «مسالك الأبصار» : وأرضها صبعة المسلك: لكثرة جبالها الشامخة، وعظم أشجارها، واشتباك بعضها ببعض، حتّى إنّ ملكها إذا أراد الخروج إلى جهة من جهاتها، تقدّمه قوم مرصدون لإصلاح الطّرق بآلات لقطع الأشجار وإحراقها بالنار.
(5/289)

قال: وهم قوم كثير عددهم، ولم يملك بلادهم غيرهم من النوع الإنسانيّ، لأنهم أجبر بني حام، وأخبر بالتّوغّل في القتال والاقتحام، طول زمنهم في الأسفار، وصيد الوحش، وقتالهم إنما يكون عريا من غير لأمة «1» تدفع عنهم ولا عن خيلهم. ثم وصفهم بعد ذلك بأوصاف لولا ما هم عليه من الشرك لكانوا في الرّتبة العليا من مراتب بني آدم: فذكر أنّ المشهور عنهم مع ما هم عليه من المجاعة أنهم يقبلون الحسب ويصفحون عن الجرائم. ومن عادتهم أن من رمى سلاحه في القتال حرم قتاله، ويكرمون الضيف، ولا ينقض الصديق منهم عهد صديقه، وإذا أحبّوا أظهروا المحبة، وإذا أبغضوا أظهروا البغض، والغالب عليهم الذّكاء والفطنة وصدق الحدس، ولهم علوم وصناعات خاصّة بهم، ولهم قلم يكتبون به من اليمين إلى الشّمال كما في العربيّ، عدّة حروفه ستّة عشر حرفا، لكل حرف منها سبعة فروع، فيكون عدّتها مائة واثنين وثمانين حرفا، سوى حروف أخر مستقلّة بذاتها لا تفتقر إلى حرف من الحروف المذكورة، مضبوطة بحركات نحوية متصلة بالخط لا منفصلة عنه. ومع كونهم جنسا واحدا فلغاتهم تزيد على خمسين لسانا، ويميل الكثير من ألوانهم إلى الصّفاء، ولكل طائفة منهم وسم في وجوههم يعبر عنه بالتلعيط، بعضهم يسم في الخدّين وسما خفيفا، وأمحرا يسمون في الخدّين والجبهة إلى الأنف خطوطا طوالا. ويقال: إن أوّل بلادهم من الجهة الغربيّة بلاد التّكرور مما يلي جهة اليمن، وأوّلها من الجهة الشرقية المائلة إلى بعض الجهة الشمالية بحر الهند واليمن، وفيها يمرّ النهر المسمّى سيحون الذي يرفد منه نيل مصر. وقد عدّ منها أحد عشر إقليما من جهة الغرب بمفازة بمكان يسمّى (وادي بركة) يتوصّل منه إلى إقليم يسمّى (سحرت) ويسمّى قديما تكراي، وكان به في الزمن القديم مدينة اسمها (احسرم) بلغة أخرى من لغاتهم، وتسمّى أيضا (زرفرتا) . بها كان كرسيّ ملك النّجاشيّ، وكان مستوليا على أقاليم الحبشة. ويليه من جهة الشرق إقليم (أمحرا) الذي به الآن مدينة المملكة، ثم
(5/290)

إقليم شاوة، ثم إقليم داموت، ثم إقليم لامنان، ثم إقليم السّيهو، ثم إقليم الزلح، ثم إقليم عدل الأمراء، ثم إقليم حماسا، ثم إقليم باريا، ثم إقليم الطّراز الإسلامي. قال: وبها أقاليم كثيرة العدد، مجهولة الأسماء، غير مشهورة ولا معلومة.
ثم هي على قسمين:
القسم الأوّل (بلاد النّصرانية)
وهي القسم الأوفر عددا، الأوسع مجالا، وهو الذي يملكه ملك (أمحرا) بفتح الألف وسكون الميم وفتح الحاء والراء المهملتين وألف في الآخر. وهم جنس من الحبشة.
ويشتمل على ستّ جمل:
الجملة الأولى (في ذكر قواعدها)
وقاعدتها مدينة (مرعدي) بفتح الميم وكسر الراء وسكون العين وكسر الدال المهملتين وياء مثناة تحت في الآخر. وهي مدينة بإقليم أمحرا المقدّم ذكره فيما ذكره في «مسالك الأبصار» إلا أنه لم يذكر صفتها، والذي ذكره في «تقويم البلدان» : أن قاعدة الحبشة (مدينة جرمي) بالجيم المفتوحة والراء المهملة الساكنة ثم ميم مكسورة ثم ياء مثناة تحتية في الآخر كما ضبطه ابن سعيد. وموقعها في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول خمس وخمسون درجة، والعرض تسع درج وثلاثون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» :
وهي مدينة ذكرها أكثر المصنّفين في كتب المسالك والممالك والأطوال والعروض، وأنها كرسيّ مملكة الحبشة وقاعدتهم، ولم يزد على ذلك، فيحتمل أنها قاعدة قديمة، ويحتمل أنها القاعدة المستقرّة.
(5/291)

الجملة الثانية (في الموجود بها)
قد ذكر في «مسالك الأبصار» : أنّ بها من المواشي ذوات الأربع: الخيل، والبغال، والبقر، والغنم وما في معناها، وأغنامهم تشبه أغنام عيذاب واليمن. ومن الوحوش الأسد، والنّمر، والفهد، والفيل، والزّرافة، والغزال، وبقر الوحش، وحمار الوحش، والقردة، وغيرها من الوحوش.
وبها من الطّيور الجوّية: الصّقورة، والبزاة بكثرة، والنّسور البيض والسّود، والغراب، والحجل، وطير الواجب بجملته، والحمام، والعصفور، وغير ذلك مما لم يوجد بالديار المصرية. ومن الطيور البرّية دجاج الحبش وأمثالها. ومن الطيور المائية البطّ، وعندهم بنهرهم سمك يشبه البوريّ، وسمك يشبه الثّعبان، يطول إلى مقدار ذراعين ونصف، ويغلظ إلى مقدار كبار الخشب، وبنهرهم أيضا التّمساح وفرس البحر، وغير ذلك.
وبها من الحبوب: الحنطة، والشّعير، والحمّص، والعدس، والبسلّا، والذّرة، وبعض الباقلا، وحبوب أخرى غير ذلك منها حبّ يسمّى (قنابهول) يستعملونه قوتا كالحنطة. والحنطة عندهم على مثال الحنطة الشاميّة، والشعير حبّه عندهم أكبر من حبّ الشعير المصرية والشامية، ومنه ضرب يسمّى طمجة. ولون الحمّص عندهم إلى الحمرة. والباسلّا عندهم عزيز الوجود في أكثر البلاد، ولكنهم لا يفتقرون إليه للعلف لكثرة المراعي ببلادهم.
وعندهم حبّ يسمّى (طافي) على قدر الخردل، ولونه إلى الحمرة، ومكسره إلى السّواد، يتخذون منه الخبز. وعندهم ببعض الأقاليم حبّ شبيه بالحنطة إلا أنّ له قشرين، ينزع قشره بالهرس كالأرزّ، ويتّخذون منه طعاما يكون مغنيا عن الحنطة.
وعندهم بزر الكتّان وحبّ الرّشاد، وهم يزرعون على المطر في كل سنة مرتين: مرة في الصيف، ومرّة في الشتاء، تتحصل في كل مرة الغلّات.
(5/292)

ونقل البطرك (بنيامين) أنه يقع عندهم المطر الكثير، وتحصل مع المطر الصواعق العظيمة.
وعندهم من أصناف المقاثيء القرع، وفي بعض الأقاليم بطّيخ صغير.
وعندهم من البقول: الثّوم، والبصل، والكزبرة الخضراء، ومن الرياحين الرّيحان، والقرنفل، ونبات أبيض يسمّى بعتران. وعندهم الياسمين البرّيّ، ولكنه ليس بمشموم لهم.
وعندهم من الفواكه العنب الأسود على قلّة، والتّين الوزيريّ، وأصناف الحوامض خلا النّارنج.
وعندهم شجر يسمّى (جان) بجيم بين الجيم والشين لا ثمر له، وإنما له قلوب تشبه قلوب النارنج تؤكل فتزيد في الذّكاء والفهم، وتفرّح، إلا أنها تقلّل الأكل، والنّوم، والجماع. وعنايتهم به عناية أهل الهند بالتّنبل وإن كان بينهما مبانية. وأيّ نفع فيما فائدته تقليل النّوم والأكل والجماع، اللاتي هي لذّات الدنيا، حتّى يحكى أنه وصف لبعض ملوك اليمن- فقال: أنا لا يذهب متحصّل ملكي إلا على هذه الثلاث، فكيف أسعى في ذهابها بأكل هذا؟
ومن أشجارهم الزّيتون، والصّنوبر، والجمّيز، وفي بعض بلادهم الآبنوس، وفي بعضها المقل «1» ، وفي بعضها القنا المجوّف والمسدود. ومأكلهم شحوم البقر والمعز، وبعض شحوم الضأن، ومشروبهم اللّبن البقريّ، وفي ضعفهم يتداوون باللبن المداف بالماء وسمن البقر.
وعندهم عسل النحل بكثرة في جميع الأقاليم، تختلف ألوانه باختلاف المراعي: منه ما يوجد في الجبال فيؤخذ من غير حجر على أخذه. ومنه ماله خلايا
(5/293)

من خشب منقورة، له ملّاك يختصّون به. ووقود مصابيحهم شحوم البقر. أما الزّيت الطّيّب فيجلب إليهم. وادّهانهم بالسّمن. وأواني طعامهم فخّار مدهون أسود. واغتسالهم بالماء البارد، وربما استعملوا الحارّ منه.
وحكى البطرك (بنيامين) أن عندهم من المعادن معدن الذهب، ومعدن الحديد.
وحكي عن الشريف عز الدين التاجر: أن في بعض بلادهم يوجد معدن الفضّة. ومصاغهم الذّهب، والفضّة، والنّحاس، والرّصاص، كل أحد منهم بحسبه.
الجملة الثالثة (في ذكر معاملاتهم وأسعار بلادهم)
أما معاملاتهم، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» أن معاملتهم مقايضة بالأبقار والأغنام والحبوب وغير ذلك. وأما الأسعار فالقمح والشعير اللذان هما أصل المطعومات ليس لهما عندهم قيمة تذكر، لاستغنائهم عن ذلك باللحم واللّبن. وسيأتي ذكر معاملة الطّراز الإسلاميّ فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الجملة الرابعة (في ذكر زيّهم وسلاحهم)
أما زيّهم، فقد ذكر في «المسالك» أن لباسهم في الشتاء والصيف واحد:
لكلّ واحد منهم ثوبان غير مخيطين: أحدهما يشدّ به وسطه، والآخر يلتحف به، ولا يعرفون لبس المخيط جملة، إلا أن الخواصّ والأجناد يفضّلون في اللّبس، فيلبسون الحرير والأبراد اليمنيّة، والعوامّ يلبسون ثياب القطن على ما تقدّم.
وأما سلاح المقاتلة منهم، فالسيوف، والحراب، والمزاريق، والقسيّ، يرمون عنها بالنّبل: وهو نشّاب صغير، وربما رمى بعضهم بالنّبل عن قوس طويل يشبه قوس البندق، ولهم درق مدوّرة، ودراق طوال يتّقون بها.
(5/294)

الجملة الخامسة (في ذكر بطاركة الإسكندريّة، الذين عن توليتهم تنشأ ولاية ملوك الحبشة)
اعلم أنه قد تقدّم في المقالة الأولى في الكلام على ما يحتاج إليه الكاتب عند ذكر النحل والملل أن البطاركة عند النّصارى عبارة عن خلفاء الحواريّين الذين هم أصحاب المسيح عليه السّلام، وأنه كان لهم في القديم أربعة كراسيّ: كرسيّ برومية: قاعدة الروم، وكرسيّ بالإسكندرية من الديار المصرية، وكرسيّ بأنطاكية: قاعدة العواصم من بلاد الشام، وكرسيّ ببيت المقدس. وأن كرسيّ رومية قد صار لطائفة الملكانيّة وبه بطركهم المعبّر عنه بالبابا إلى الآن. وكرسيّ الإسكندرية قد صار آخرا لبطرك اليعاقبة تحت ذمّة المسلمين بالديار المصرية من لدن الفتح الإسلاميّ وهلمّ جرّا إلى زماننا. وأن كرسيّ بيت المقدس وكرسيّ أنطاكية قد بطلا باستيلاء دين الإسلام عليهما. ثم كرسيّ الإسكندرية بعد مصيره إلى اليعاقبة قد تبع البطرك القائم به على مذهب اليعاقبة الحبشة والنّوبة وسائر متنصّرة السّودان، وصار لديهم كالخليفة على دين النصرانية عندهم، يتصرّف فيهم بالولاية والعزل، لا تصحّ ولاية ملك منهم إلا بتوليته، حتّى قال في «التعريف» في الكلام على مكاتبة ملك الحبشة: ولولا أنّ معتقد دين النصرانية لطائفة اليعاقبة أنه لا يصحّ تعمّد معموديّ إلّا باتّصال من البطريرك، وأن كرسيّ البطريرك كنيسة الإسكندرية، فيحتاج إلى أخذ مطران [بعد مطران] «1» من عنده، وإلا كان شمخ بأنفه على المكاتبة، لكنه مضطرّ إلى ذلك. قال: ولأوامر البطريرك عنده ما لشريعته من الحرمة، وإذا كتب إليه كتابا فأتى ذلك الكتاب إلى أوّل مملكته، خرج عميد تلك الأرض فحمل الكتاب على رأس علم، ولا يزال يحمله بيده حتّى يخرجه من أرضه وأرباب الدولة في تلك الأرض كالقسوس والشّمامسة حوله مشاة بالأدخنة، فإذا خرجوا من حدّ أرضهم تلقّاهم من يليهم أبدا كذلك في كل أرض
(5/295)

بعد أرض حتّى يصلوا إلى أمحرا، فيخرج صاحبها بنفسه، ويفعل مثل ذلك الفعل الأوّل، إلا أن المطران هو الذي يحمل الكتاب لعظمته لا لتأبّي الملك، ثم لا يتصرف الملك في أمر ولا نهي ولا قليل ولا كثير حتّى ينادى للكتاب ويجمع له يوم الأحد في الكنيسة، ويقرأ والملك واقف، ثم لا يجلس مجلسه حتّى ينفّذ ما أمره به.
ولما تعذر الوقوف على معرفة تواريخ ملوكهم، اكتفينا بذكر البطاركة الذين عنهم تنشأ ولاياتهم، فكانوا هم ملوكهم حقيقة.
اعلم أنّ أوّل من ولي من البطاركة كنيسة الإسكندرية مرقص الإنجيليّ:
تلميذ بطرس الحواريّ، الذي أرسله المسيح عليه السّلام إلى رومية. وإنما سمّي بمرقص الإنجيليّ لأن بطرس الحواريّ حين كتب إنجيله كتبه بالرّوميّة ونسبه إلى مرقص المذكور فتلقّب بالإنجيلي، وأقام مرقص المذكور في بطركية الإسكندرية سبع سنين يدعو إلى النصرانية بالإسكندرية ومصر وبرقة والمغرب ثم قتله نيرون قيصر بن اقليوديش قيصر سادس القياصرة.
وولي مكانه (حنانيا) ويسمّى بالعبرانية أنانيو ثم مات لسبع وثمانين سنة للمسيح.
وولي مكانه (فلبو) فأقام ثلاث عشرة سنة ثم مات.
فولي مكانة (كرتيانو) ومات لإحدى عشرة سنة من ولايته في أيام (طرنبش قيصر) .
وولي مكانه (إيريمو) ثنتي عشرة سنة.
ثم ولي بعده (نسطس) في أيام (أندريانوس قيصر) ، وكان حكيما فاضلا فأقام في البطركية إحدى عشرة سنة ثم مات.
وولي مكانه (أرمانيون) إحدى عشرة سنة أيضا [ومات] في أيام (أندريانوس) قيصر أيضا.
وولي بعده (موقيانو) فلبث تسع سنين ومات في أيام (أنطونيس قيصر)
(5/296)

في الخامسة من ملكه.
وولي بعده (كلوتيانو) فأقام أربع عشرة سنة في أيام أنطونيس قيصر ومات.
وولي بعده (أغريتوس) فبقي اثنتي عشرة سنة ومات.
وولي بعده (يليانس) في أيام [أوراليانس] «1» قيصر فلبث عشر سنين ومات.
فولي مكانه في أيام أوراليانس (ديمتريوس) فأقام ثلاثا وثلاثين سنة.
وولي بعده (تاوكلا) فأقام ستّ عشرة سنة ومات.
فولي بعده (دونوشيوش) فلبث تسع عشرة سنة [ومات] .
وولي مكانه (مكسيموس) فأقام ثنتي عشرة سنة ومات.
وولي مكانه (ثاونا) فلبث عشر سنين [ومات] وكان النصارى إذ ذاك يقيمون الدّين خفية فلما صار بطركا صانع الروم ولاطفهم بالهدايا فأذنوا له في بناء كنيسة مريم، وأعلنوا فيها بالصلاة.
ثم ولي بعده (بطرس) فلبث عشر سنين وقتله (ديقلاديانوس قيصر) .
وولّي مكانه تلميذه (اسكندروس) وكان كبير تلامذته فلبث ثلاثا وعشرين سنة. وقيل ثنتين وعشرين سنة، وقيل ستّ عشرة سنة، وكسر صنم النّحاس الذي كان في هيكل زحل بالإسكندرية وبنى مكانه كنيسة، وبقيت حتّى هدمها العبيديّون عند ملكهم الإسكندرية، ومات لإحدى وعشرين سنة من ملك (قسطنطين) ملك الروم.
وولي مكانه تلميذه (ايناسيوس) ووثب عليه أهل إسكندرية ليقتلوه لانتحاله مذهبا غير مذهبهم فهرب.
وتولى مكانه (لوقيوش) ثم ردّ (ايناسيوس) المتقدّم ذكره إلى كرسيه بعد
(5/297)

خمسة أشهر وطرد لوقيوس، وأقام ايناسيوس بطركا إلى أن مات.
فتولّى بعده تلميذه (بطرس) سنتين ووثب عليه أصحاب لوقيوس فهرب وردّ لوقيوس إلى كرسيه، فأقام ثلاث سنين، ثم وثبوا عليه وردّوا بطرس ومات لسنة من إعادته، وقيل إنه حبس وأقيم مكانه (أريوس) من أهل سميساط.
ثم ولي (طيماناواس) أخو بطرس، فلبث فيهم سبع سنين ومات. ويقال:
إن ايناسيوس المتقدّم ذكره ردّ إلى كرسيه ثم مات.
فولي مكانه كاتبه (تاوفينا) [فأقام سبعا وعشرين سنة] «1» ومات.
وتولّى مكانه (كيرلس) ابن أخته [فأقام اثنتين وثلاثين سنة] «2» ومات.
فولي مكانه (ديسقرس) فأحدث بدعة في الأمانة التي يعتقدونها فأجمعوا على نفيه.
وولّوا مكانه (برطارس) وافترقت النصارى من حينئذ إلى يعقوبيّة وملكانية «3» ووثب أهل الإسكندرية على برطارس البطرك فقتلوه لستّ سنين من ولايته وأقاموا مكانه (طيماناوس) وكان يعقوبيا، وهو أوّل من ولي البطركية من اليعاقبة بالإسكندرية فأقام فيها ثلاث سنين ثم جاء قائد من القسطنطينية فنفاه وأقام مكانه (سوريس) من الملكية، فأقام تسع سنين. ثم عاد (طيماناوس) المتقدّم ذكره إلى كرسيه بأمر لاون قيصر. ويقال أنه بقي في البطركية اثنتين وعشرين سنة ومات.
فولي مكانه (بطرس) وهلك بعد ثمان سنين.
وولي مكانه (اثناسيوس) وهلك لسبع سنين، وكان قيّما ببعض البيع في بطركية بطرس ومات.
(5/298)

فولي مكانه (يوحنا) وكان يعقوبيا، ومات بعد سبع سنين.
وولي مكانه (يوحنا الحبيس) ومات بعد إحدى عشرة سنة.
فولي مكانه (ديسقرس الجديد) ومات بعد سنتين ونصف.
ثم ولي مكانه (طيماناوس) وكان يعقوبيّا، فمكث فيهم ثلاث سنين، وقيل سبع عشرة سنة، ثم نفي.
وولي مكانه (بولص) وكان ملكيا فلم تقبله اليعاقبة، وأقام على ذلك سنتين.
ثم ولّى قيصر قائدا من قوّاده اسمه (أثوليناريوس) فدخل الكنيسة على زيّ الجند، ثم لبس زيّ البطاركة وحملهم على رأي اليعقوبيّة، وقتل من امتنع وكانوا مائتين، ومات لسبع عشرة سنة من ولايته.
وولي مكانه (يوحنا) وهلك لثلاث سنين.
وانفرد اليعاقبة بالإسكندرية وكان أكثرهم القبط وقدّموا عليهم طودوشيوش بطركا، فمكث فيهم ثنتين وثلاثين سنة. ثم جعل الملكية بطركهم داقيانوس وطردوا طودوشيوش عن كرسيّة ستة أشهر، ثم أمر قيصر بأن يعاد فأعيد، ثم نفاه بعد ذلك.
وولّى مكانه (بولس التّنّيسي) فلم يقبله أهل الإسكندرية ولا ما جاء به، ثم مات وغلّقت كنائس القبط اليعقوبية، ولقوا شدّة من الملكية، ومات (طودوشيوش) الذي كان قد نفي.
وتولّى البطركية (بطرس) ومات بعد سنتين.
وولي مكانه (داميّانو) فمكث ستّا وثلاثين سنة، وخربت الدّيرة في أيامه.
ثم ولي على الملكية بالإسكندرية ومصر (يوحنا الرّحوم) وهو الذي عمل البيمارستان للمرضى بالإسكندرية، ولما سمع بمسير الفرس إلى مصر هرب إلى
(5/299)

قبرس فمات بها لعشر سنين من ولايته، وخلا كرسيّ الملكية بعده بالإسكندرية سبع سنين.
وكانت اليعاقبة بالإسكندرية قدّموا عليهم (انسطانيوس) فمكث فيهم ثنتي عشرة سنة، واستردّ ما كانت الملكية استولوا عليه من كنائس اليعقوبيّة ومات.
ثم ولي (اندرانيكون) بطركا على اليعاقبة فأقام ستّ سنين خربت فيها الدّيرة، ثم مات.
وولي مكانه لأوّل الهجرة (بنيامين) فمكث تسعا وثلاثين سنة. وفي خلال أيامه غلب هرقل ملك الروم على مصر وملكها.
وولّى أخاه (منانيا) بطركا على الاسكندرية وواليا وكان ملكيّا. ورأى بنيامين البطرك في نومه من يأمره بالاختفاء فاختفى، ثم غضب (هرقل) على أخيه (منانيا) لمعتقد في الدين فأحرقه بالنار ثم رمى بجثّته في البحر، وبقي (بنيامين) مختفيا إلى أن فتح المسلمون الإسكندرية فكتب له عمرو بن العاص بالأمان، فرجع إلى الإسكندرية بعد أن غاب عن كرسيّه ثلاث عشرة سنة، وبقي حتّى مات في سنة تسع وثلاثين من الهجرة، واستمرت البطركية بعده في اليعقوبيّة بمفردهم وغلبوا على مصر، وأقاموا بجميع كراسيّهم أساقفة يعاقبة، وأرسلوا أساقفتهم إلى النّوبة والحبشة فصاروا يعاقبة.
وخلفه في مكانه (أغاثوا) فمكث سبع عشرة سنة، ثم مات في سنة ستّ وخمسين من الهجرة، وهو الذي في «1» أيامه قد انتزعت كنائس الملكية من اليعاقبة، وولّي عليهم بطرك بعد أن أقاموا من لدن خلافة عمر بغير بطرك نحوا من مائة سنة ورياسة البطرك لليعاقبة وهم الذين يبعثون الأساقفة إلى النّواحي. ومن هنا
(5/300)

صارت النّوبة ومن وراءهم من الحبشة يعاقبة، وهو الذي بنى كنيسة مرقص وبقيت حتّى هدمت أيام العادل أبي بكر بن أيّوب «1» وولي مكانه بطرك اسمه (يوحنا) .
ثم ولي البطركية بعده (ايساك) فأقام سنتين وأحد عشر شهرا [ومات] . وكانت تقدمته في الثامنة عشرة ليوشطيان ملك الروم، وتقرّر أن لا يقدّم بطرك إلا يوم الأحد.
وقدّم عوضه (سيمون السرياني) فأقام سبع سنين ونصفا، ومات في الرابع والعشرين من أبيب سنة أربعمائة وستّ عشرة للشهداء في خلافة عبد الملك بن مروان.
ويقال: إنه وصل إليه رسول من الهند يطلب منه أن يقدّم لهم أسقفّا وقسوسا فامتنع إلى أن يأمره صاحب مصر، فمضى إلى غيره ففعل له ذلك.
وقدّم بعده في البطركية (الاسكندروس) في سنة إحدى وثمانين من الهجرة في يوم عيد مرقص الإنجيليّ سنة أربعمائة وعشرين للشهداء، فمكث أربعا وعشرين سنة ونصفا، وقيل خمسا وعشرين سنة، وقاسى شدّة عظيمة، وصودر دفعتين، أخذ منه في كل دفعة ثلاثة آلاف دينار، ومات في سنة ثمان ومائة، وكانت وفاته بالإسكندرية.
وقدّم عوضه (قسيما) فأقام خمسة عشر شهرا ومات.
فقدّم مكانه (تادرس) في سنة تسع ومائة فأقام إحدى عشرة سنة ومات.
(5/301)

فقدّم مكانه (ميخائيل) في سنة عشرين ومائة فأقام ثلاثا وعشرين سنة ولقي شدائد من عبد الملك بن موسى نائب مروان الجعديّ على مصر ثم من مروان لما دخل إلى مصر إلى أن قتل في أبي صير وأطلق البطرك والنصارى نائب أبي العباس السّفّاح.
وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة رسم بإعادة ما استولى عليه اليعاقبة من كنائس الملكية بالديار المصرية إليهم، فأعيدت وأقيم لهم بطرك، وكانت الملكيّة قد أقاموا بغير بطرك سبعا وتسعين سنة من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين الفتح الإسلاميّ إلى خلافة هشام بن عبد الملك.
وفي سنة سبع وأربعين ومائة صرف أبو جعفر المنصور (ميخائيل) بطرك اليعاقبة، وأقام عوضه (مينا) فأقام تسع سنين، ومات في خلافة الهادي «محمد بن المهدي» .
وقدّم مكانه (يوحنا) فاقام ثلاثا وعشرين سنة، ومات سادس عشر طوبة سنة خمسمائة وخمس عشرة للشهداء.
ثم في سنة اثنتين وسبعين ومائة في خلافة الرشيد قدّم في البطركية (مرقص الجديد) فأقام عشرين سنة وسبعين يوما. وفي أيامه رسم الرشيد بإعادة كنائس الملكية التي استولى عليها اليعاقبة ثانيا إليهم، وثارت العربان والمغاربة وخرّبوا الدّيرة بوادي هبيب «1» ولم يبق فيها من الرّهبان إلا اليسير ثم مات في سنة إحدى عشرة ومائتين.
وقدّم عوضه في البطركيّة (يعقوب) قيل في السنة الثالثة من خلافة المأمون.
وفي أيامه عمرت الديارات وعادت الرهبان إليها، ومات في سنة اثنتين وعشرين ومائتين.
(5/302)

وقدّم عوضه (سيماون) في السنة المذكورة في خلافة المعتصم «1» فأقام سنة واحدة. وقيل سبعة شهور وستة عشر يوما. وخلا الكرسيّ بعده سنة واحدة وتسعة وعشرين يوما.
وفي سنة سبع وعشرين ومائتين قدّم في البطركية (بطرس) ويقال (يوساب) وكانت تقدمته في دير (بومقار) بوادي هبيب حادي عشري هاتور سنة خمسمائة وسبعة وأربعين للشهداء. وقيل: إنه قدّم في أيام المأمون، وإنه أقام ثماني عشرة سنة، وسيّر أساقفة إلى أفريقيّة والقيروان، ومات سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وخلا الكرسيّ بعده ثلاثين يوما.
وقدّم عوضه (جاتيل) في السنة العاشرة من خلافة المتوكل. ويقال: إنه كان قسّا بدير بوحنس، فأقام سنة واحدة وخمسة أشهر، ثم مات ودفن بدير بومقار، وهو أوّل من دفن [فيه] من البطاركة. وخلا الكرسيّ بعده أحدا وثمانين يوما.
وقدّم عوضه (قسيما) في سنة أربع وأربعين ومائتين من الهجرة، وهي الثانية عشرة من خلافة المتوكل «2» ، وكان شمّاسا بدير بومقار، فأقام سبع سنين وخمسة شهور ثم مات ودفن بدنوشر، وخلا الكرسيّ بعده أحدا وخمسين يوما.
وقدّم مكانه بطرك اسمه (اساسو) ويقال (سالوسو) في أوّل سنة من خلافة
(5/303)

المعتزّ «1» وأحمد بن طولون «2» بمصر، فأقام إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر ومات، وهو الذي عمل مجاري المياه التي تجري تحت الأرض من خليج الإسكندرية إلى آدرها.
ولما مات قدّم مكانه (ميخائيل) في خلافة المعتمد «3» في سنة ثلاث وستين ومائتين، فأقام خمسا وعشرين سنة. وصادره أحمد بن طولون في عشرين ألف دينار، فباع في المصادرة رباع الكنائس بالإسكندرية، وبركة الحبش بظاهر مصر، ومات.
فبقي الكرسيّ بعده أربع عشرة سنة شاغرا إلى سنة ثلاثمائة. [وفي يوم الاثنين ثالث شوّال سنة ثلاثمائة] احترقت الكنيسة العظمى بالإسكندرية التي كانت بنتها (كلابطره) ملكة مصر هيكلا لزحل.
ثم قدّم البطرك (غبريال) في السنة السابعة من خلافة المقتدر، وهي سنة إحدى وثلاثمائة، فأقام إحدى عشرة سنة ومات.
فقدّم مكانه البطرك (قسيما) فأقام اثنتي عشرة سنة ومات. وفي السنة الأخيرة من رياسته (وهي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة) أحرق المسلمون كنيسة مريم بدمشق ونهبوا ما فيها وتتبّعوا كنائس اليعاقبة والنّساطرة.
(5/304)

ولما مات قسيما المذكور قدّموا عليهم بطركا لم أقف على اسمه، فأقام عشرين سنة، ثم مات.
وقدّم في البطركية (تاوفانيوس) من أهل اسكندرية في السنة الحادية عشرة من خلافة المطيع «1» فأقام أربع سنين وستة أشهر، ومات مقتولا في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.
وقدّم مكانه البطرك (مينا) في السنة الخامسة عشرة من خلافة المطيع، والأخشيد «2» نائب بمصر، فأقام إحدى عشرة سنة ثم مات. وخلا كرسيّ اليعاقبة بعد موته سنة واحدة.
ثم قدّم مكانه بطرك اسمه (أفراهام السرياني) في سنة ست وستين وثلاثمائة، فأقام ثلاث سنين وستة أشهر، ومات في أيام العزيز الفاطمي بمصر مسموما من بعض كتّاب النصارى: لإنكاره عليه التسرّى، وقطعت يد ذلك الكاتب بعد موته، ومات لوقته. وخلا الكرسيّ بعده ستة أشهر.
وقدّم عوضه بطرك اسمه (فيلاياوس) في سنة تسع وستين وثلاثمائة. وقيل:
في السنة الخامسة للعزيز الفاطميّ فأقام أربعا وعشرين سنة وسبعة أشهر ومات.
وقدّم بعده بطرك اسمه (دخريس) في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة في أيام الحاكم الفاطميّ، فأقام ثمانا وعشرين سنة، ثم مات ودفن ببركة الحبش. وخلا كرسيّ اليعاقبة بعده أربعة وسبعين يوما. [ثم قدّم اليعاقبة بعده (سابونين) بطركا في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، فأقام خمس عشرة سنة ومات، فخلا الكرسيّ
(5/305)

بعده سنة وخمسة أشهر] «1» ثم قدّم بعده بطرك اسمه (اخرسطوديس) في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة في خلافة المستنصر الفاطميّ، فأقام ثلاثين سنة، ومات في السنة الحادية والأربعين من خلافة المستنصر المذكور بالكنيسة المعلّقة بمصر. وهو الذي جعل كنيسة بومرقورة بمصر وكنيسة السيدة بحارة الروم بطركية. وخلا الكرسيّ بعده اثنين وسبعين يوما.
ثم قدّم بعده البطرك (كيرلص) فأقام أربع عشرة سنة وثلاثة أشهر ونصفا، ومات بكنيسة المختارة بجزيرة مصر سلخ ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وأربعمائة. وخلا الكرسيّ بعده مائة وأربعة وعشرين يوما.
وقدّم عوضه بطرك اسمه (ميخائيل) في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، في أيام المستنصر الفاطمي صاحب مصر، وكان قبل ذلك حبيسا بسنجار، فأقام تسع سنين وثمانية أشهر، ومات في المعلّقة بمصر.
وقدّموا عوضه بطركا اسمه (مقاري) سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بدير بومقار، ثم كمل بالإسكندرية، وعاد إلى مصر وقدّس بدير بومقار ثم في الكنيسة المعلّقة. وفي أيامه هدم الأفضل بن أمير الجيوش كنيسة بجزيرة مصر كانت في بستان اشتراه.
ولما مات قدّم عوضه بطرك اسمه (غبريال) أبو العلا صاعد، سنة خمس وعشرين وخمسمائة في أيام الحافظ الفاطمي، وكان قبل ذلك شمّاسا بكنيسة بومرقورة، فقدّم بالمعلّقة، وكمّل بالإسكندرية، فأقام أربع عشرة سنة، ومات بكنيسة بومرقورة. وخلا الكرسيّ بعده ثلاثة أشهر.
وقدّم بعده بطرك اسمه (ميخائيل) بن التقدوسيّ في السنة الخامسة عشرة من
(5/306)

خلافة الحافظ أيضا؛ وكان قبل ذلك راهبا بقلّاية دنشري، قدّم بالمعلّقة وكمّل بالإسكندرية، ومات بدير بومقار في رابع شوّال سنة إحدى وأربعين وخمسمائة.
وخلا الكرسيّ بعده سنة واحدة وسبعين يوما.
وقدّم عوضه بطرك اسمه (يونس) بن أبي الفتح بالمعلّقة بمصر وكمّل بالإسكندرية، فأقام تسع عشرة سنة، ومات في السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. وخلا الكرسيّ بعده ثلاثة وأربعين يوما.
وقدّم بعده بطرك اسمه (مرقص) أبو الفرج بن زرعة في سنة إحدى وستين وخمسمائة بمصر وكمّل بالإسكندرية، فأقام اثنتين وعشرين سنة وستة أشهر وخمسة وعشرين يوما، وفي أيامه أحرقت كنيسة بومرقورة بمصر، ثم مات. وخلا الكرسيّ بعده سبعة وعشرين يوما.
وقدم بعده بطرك اسمه (يونس) بن أبي غالب في عاشر ذي الحجّة سنة أربع وثمانين وخمسمائة بمصر وكمّل بالإسكندرية، وأقام ستّا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما، ومات في رابع عشر رمضان المعظّم قدره، سنة اثنتي عشرة وستمائة بالمعلّقة بمصر، ودفن ببركة الحبش.
وقدّم بعده بطرك اسمه (داود) بن يوحنا، ويعرف بابن لقلق بأمر العادل بن الكامل، فلم يوافق عليه المصريون فأبطلت بطركيته، وبقي الكرسيّ بغير بطرك تسع عشرة سنة.
ثم قدّم بطرك اسمه (كيرلس) داود بن لقلق في التاسع والعشرين من رمضان المعظم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، فأقام سبع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام، ومات في السابع عشر من رمضان المعظم سنة أربعين وستمائة، ودفن بدير الشّمع بالجيزة. وخلا الكرسيّ بعده سبع سنين وستة أشهر وستة وعشرين يوما.
وقدّم بعده بطرك اسمه (سيوس) بن القسّ أبي المكارم، في رابع رجب سنة ثمان وأربعين وستمائة وكمّل بالإسكندرية، وأقام إحدى عشرة سنة وخمسة
(5/307)

وخمسين يوما، ومات في ثالث المحرم سنة ستين وستمائة. وخلا الكرسيّ من بعده خمسة وثلاثين يوما.
ثم قدّم، بعده في الدولة الناصريّة محمد بن قلاوون «1» البطرك (بنيامين) وهو الذي كان معاصرا للمقرّ الشهابيّ بن فضل الله، ونقل عنه بعض أخبار الحبشة.
ثم قدّم بعده المؤتمن (جرجس) بن القس مفضّل في شهور سنة أربع وستين وسبعمائة.
ثم قدّم بعده البطرك متّى وطالت مدّته في البطركية ثم مات في شهور سنة اثنتي عشرة وثمانمائة.
واستقرّ بعده الشيخ الأمجد (رفائيل) في أواخر السنة المذكورة، وهو القائم بها إلى الآن.
أما ملوكهم القائمون ببلادهم، فلم يتّصل بنا تفاصيل أخبارهم، غير أنّ المشهور أنّ ملكهم في الزمن المتقدّم كان يلقّب النّجاشيّ، سمة لكلّ من ملك عليهم، إلى أن كان آخرهم (النجاشيّ) الذي كان في زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأسلم وكتب إليه بإسلامه، ومات وصلّى عليه صلاة الغائب، وكان اسمه بالحبشية (أصحمة) ويقال (صحمة) ومعناه بالعربية عطيّة.
وقد ذكر المقر الشهابيّ بن فضل الله في «مسالك الأبصار» : أن الملك الأكبر الحاكم على جميع أقطارهم يسمّى بلغتهم (الحطّي) بفتح الحاء المهملة وتشديد الطاء المهملة المكسورة وياء مثناة تحت في الآخر. ومعناه السلطان اسما موضوعا لكل من قام عليهم ملكا كبيرا. ثم قال: ويقال: إن تحت يده تسعة وتسعين ملكا، وهو لهم تمام المائة. وذكر أن الملك القائم بمملكتهم في زمانه
(5/308)

اسمه (عمدسيون) ومعناه ركن صهيون. قال: وصهيون بيعة قديمة البناء بالإسكندرية معظّمة عندهم. قال: ويقال: إنه من الشجاعة على أوفر قسم، وإنه حسن السّيرة، عادل في رعيته. قال في «التعريف» : وقد بلغنا أن الملك القائم عليهم أسلم سرّا، واستمرّ على إظهار دين النصرانية إبقاء لملكه. فيحتمل أنه (عمدسيون) المقدّم ذكره، ويحتمل أنه غيره. قال في «التعريف» : ومدبّر دولته رجل يقرب إلى بني الأرشي الأطباء بدمشق. قال في «مسالك الأبصار» :
ومع ما هم عليه من سعة البلاد، وكثرة الخلق والأجناد، مفتقرون إلى العناية والملاحظة من صاحب مصر. لأن المطران الذي هو حاكم شريعتهم في جميع بلادهم من أهل النصرانية لا يقام إلا من الأقباط اليعاقبة بالديار المصرية، بحيث تخرج الأوامر السلطانية من مصر للبطرك المذكور بإرسال مطران إليهم. وذلك بعد تقدّم سؤال ملك الحبشة الذي هو الحطّي وإرسال رسله وهداياه. قال: وهم يدّعون أنهم يحفظون مجاري النيل المنحدر إلى مصر، ويساعدون على إصلاح سلوكه تقرّبا لصاحب مصر.
وقد ذكر ابن العميد مؤرّخ النصارى في تاريخه: أنه لما توقف النيل في زمن المستنصر بالله «1» الفاطميّ، كان ذلك بسبب فساد مجاريه من بلادهم، وأنّ المستنصر أرسل البطرك الذي كان في زمانه إلى الحبشة حتّى أصلحوه واستقامت مجاريه. لكن قد تقدّم في الكلام على النيل عند ذكر مملكة الديار المصرية من هذه المقالة ما يخالف ذلك.
الجملة السادسة (في ترتيب مملكتهم)
قال في «مسالك الأبصار» : يقال إن الحطّي المذكور وجيشه لهم خيام
(5/309)

ينقلونها معهم في الأسفار والتنزّهات، وإنه إذا جلس الملك يجلس على كرسيّ، ويجلس حول كرسيه أمراء مملكته وكبراؤها على كراسيّ من حديد: منها ما هو مطعّم بالذهب، ومنها ما هو ساذج على قدر مراتبهم. قال: ويقال إن الملك مع نفاذ أمره فيهم يتثّبت في أحكامه. ولم يزد في ترتيب مملكتهم على ذلك.
ولملك الحبشة هذا مكاتبة عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، يأتي ذكرها في الكلام على المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
القسم الثاني (من بلاد الحبشة ما بيد مسلمي الحبشة)
وهي البلاد المقابلة لبرّ اليمن على أعالي بحر القلزم، وما يتصل به من بحر الهند، ويعبّر عنها «بالطّراز الإسلامي» لأنها على جانب البحر كالطّراز له. قال في «مسالك الأبصار» : وهي البلاد التي يقال لها بمصر والشام بلاد الزّيلع.
قال: والزّيلع إنما هي قرية من قراها، وجزيرة من جزائرها، غلب عليها اسمها.
قال الشيخ عبد المؤمن الزّيلعيّ الفقيه: وطولها برّا وبحرا خاصّا بها نحو شهرين، وعرضها يمتدّ أكثر من ذلك، لكن الغالب في عرضها أنه مقفر، أما مقدار العمارة فهو ثلاثة وأربعون يوما طولا، وأربعون يوما عرضا. قال في «مسالك الأبصار» :
وبيوتهم من طين وأحجار وأخشاب، مسقّفة بجملونات وقباب، وليست بذوات أسوار ولا لها فخامة بناء، ومع ذلك فلها الجوامع، والمساجد، وتقام بها الخطب والجمع والجماعات، وعند أهلها محافظة على الدّين، إلا أنه لا تعرف عندهم مدرسة، ولا خانقاه، ولا رباط، ولا زاوية. وهي بلاد شديدة الحرّ، وألوان أهلها إلى الصّفاء، وليست شعورهم في غاية التفلفل كما في أهل مالّي وما يليها من جنوب المغرب، وفطنهم أنبه من غيرهم من السّودان، وفطرهم أذكى، وفيهم الزّهّاد، والأبرار، والفقهاء والعلماء، ويتمذهبون بمذهب أبي حنيفة، خلا وفات «1» فإن ملكها وغالب أهلها شافعيّة.
(5/310)

وتشتمل على ستّ جمل:
الجملة الأولى (فيما اشتملت عليه من القواعد والأعمال)
مقتضى ما ذكره في «مسالك الأبصار» و «التعريف» أن هذه البلاد تشتمل على سبع قواعد، كلّ قاعدة منها مملكة مستقلّة بها ملك مستقل.
القاعدة الأولى (وفات)
قال في «تقويم البلدان» : بالواو المفتوحة والفاء ثم ألف وتاء مثناة فوق في الآخر، والعامّة تسميها (أوفات) . ويقال لها أيضا (جبرة) بفتح الجيم والباء الموحدة والراء المهملة ثم هاء في الآخر، والنسبة إلى جبرة جبرتيّ. وموقعها بين الإقليم الأوّل وخط الاستواء. قال في «تقويم البلدان» : والقياس أنها حيث الطول سبع وخمسون درجة، والعرض ثمان درج. قال: وعن بعض المسافرين أنها من أكبر مدن الحبشة. وهي على نشز من الأرض، وعمارتها متفرّقة، ودار الملك فيها على تلّ والقلعة على تلّ، ولها واد فيه نهر صغير، وتمطر في الليل غالبا مطرا كثيرا، وبها قصب السّكّر. قال في «مسالك الأبصار» : وقال الشيخ عبد الله الزّيلعيّ: وطول مملكتها خمسة عشر يوما وعرضها عشرون يوما بالسير المعتاد.
قال: وكلّها عامرة آهلة بقرى متصلة، وهي أقرب أخواتها إلى الديار المصرية وإلى السّواحل المسامتة لليمن، وهي أوسع الممالك السّبع أرضا، والإجلاب إليها أكثر لقربها من البلاد. قال في «مسالك الأبصار» : وعسكرها خمسة عشر ألفا من الفرسان، ويتبعهم عشرون ألفا فأكثر من الرّجّالة، وسيأتي الكلام على سائر أحوالها عند ذكر أحوال سائر أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ومن مضافاتها (زيلع) . قال في «تقويم البلدان» : الظاهر أنها بفتح الزاي المعجمة وسكون الياء المثناة التحتية وفتح اللام ثم عين مهملة في الآخر.
(5/311)

وهي فرضة من فرض هذه البلاد، وموقعها بين الإقليم الأوّل وخطّ الاستواء. قال في «القانون» : حيث الطول إحدى وستون درجة، والعرض ثمان درج. قال في «تقويم البلدان» : وهي في جهة الشرق عن (وفات) وبينهما نحو عشرين مرحلة. قال ابن سعيد: وهي مدينة مشهورة وأهلها مسلمون، وهي على ركن من البحر في وطاءة من الأرض. قال في «تقويم البلدان» : وعن بعض من رآها أنها مدينة صغيرة نحو عيذاب في القدر، وهي على الساحل والتّجّار تنزل عندهم فيضيفونهم ويبتاعون لهم. قال ابن سعيد: وهي شديدة الحرّ وماؤها عذيبي من جفارات «1» وليس لهم بساتين، ولا يعرفون الفواكه. قال في «القانون» : وفيها مغاص لؤلؤ. وقد ذكر في «مسالك الأبصار» أنها في مملكة صاحب أوفات.
وذكر في «تقويم البلدان» عن بعض من رآها أن فيها شيوخا يحكمون بين أهلها، وقال: إن بينها وبين عدن من اليمن في البحر ثلاث مجار، وهي عن عدن في جهة الغرب بميلة إلى الجنوب.
القاعدة الثانية (دوارو)
بفتح الدال المهملة وواو ثم ألف وراء مهملة وواو وهي مدينة ذكرها في «مسالك الأبصار» و «التعريف» . ولم يتعرّض لصفتها. وذكر في «مسالك الأبصار» : أنها تلي أوفات المقدّمة الذكر، وأن مملكتها طولها خمسة أيام، وعرضها يومان. ثم قال: وهي على هذا الضيّق ذات عسكر جمّ، نظير عسكر أوفات في الفارس والراجل. وسيأتي الكلام على تفصيل أحوالها مع أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
(5/312)

القاعدة الثالثة (أرابيني)
وهي مدينة ذكرها في «المسالك» و «التعريف» أيضا، ولم يذكر شيئا من صفتها. ثم ذكر أن مملكتها مربّعة: طولها أربعة أيام، وعرضها كذلك، وعسكرها يقارب عشرة آلاف فارس. أما الرجّالة فكثيرة للغاية.
القاعدة الرابعة (هدية)
قال في «تقويم البلدان» : بالهاء والدال المهملة والياء المثناة التحتية ثم هاء في الآخر على ما ذكره بعض من رآها. وموقعها بين الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة وبين خطّ الاستواء. قال: والقياس أنها حيث الطول سبع وخمسون درجة، والعرض سبع درج. وذكر عن بعض المسافرين أنها جنوبيّ (وفات) . قال في «مسالك الأبصار» : وهي تلي أرابيني المقدّم ذكرها، وطول مملكتها ثمانية أيام، وعرضها تسعة أيام، وصاحبها أقوى إخوانه من ملوك هذه الممالك السبعة، وأكثر خيلا ورجالا، وأشدّ بأسا على ضيق بلاده عن مقدار أوفات. قال: ولملكها من العسكر نحو أربعين ألف فارس سوى الرّجّالة، فإنهم خلق كثير مثل الفرسان مرتين أو أكثر. قال في «تقويم البلدان» : ومنها تجلب الخدّام، وذكر أنهم يخصونهم بقرية قريبة منها. وذكر في «مسالك الأبصار» : أن الخدّام تجلب إليها من بلاد الكفّار. ثم حكى عن الحاج فرج الفوّي التاجر: أنه حدّثه أن ملك أمحرا يمنع من خصي العبيد وينكر ذلك ويشدّد فيه. وإنما السّرّاق تقصد بهم مدينة اسمها (وشلو) بفتح الواو والشين المعجمة واللام، أهلها همج لا دين عندهم فتخصى بها العبيد، لا يقدم على هذا في جميع بلاد الحبشة سواهم. قال: ولذلك التّجّار إذا اشتروا العبيد يخرجون بهم إلى (وشلو) فيخصونهم بها لأجل زيادة الثمن، ثم يحمل من خصي منهم إلى مدينة (هدية) لقربها من (وشلو) فتعاد عليهم الموسى مرة ثانية لينفتح مجرى البول لأنه يكون قد استدّ عند الخصي
(5/313)

بالقيح، فيعالجون بهدية إلى أن يبرءوا، ولأن أهل (وشلو) وإن كان لهم معرفة بالخصي فليس لهم معرفة بالعلاج، بخلاف أهل هدية فإنهم قد درّبوا [على] ذلك وعرفوه. ثم قال: ومع هذا فالذي يموت منهم أكثر من الذي يعيش، وأضرّ ما عليهم حملهم بلا معالجة من مكان إلى مكان، فإنهم لو عولجوا في مكان خصيهم كان أرفق بهم.
القاعدة الخامسة (شرحا)
بفتح الشين المعجمة وسكون الراء المهملة وحاء ثم ألف.
وهي مدينة تلي (هدية) المقدّمة الذكر. ذكرها في «مسالك الأبصار» و «التعريف» ولم يصرّح لها بوصف. قال في «مسالك الأبصار» : وطول مملكتها ثلاثة أيام، وعرضها أربعة أيام. قال: وعسكرها ثلاثة آلاف فارس، ورجّالة مثل ذلك مرتين فأكثر، وسيأتي الكلام على سائر أحوالها مع سائر أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
القاعدة السادسة (بالي)
بفتح الباء الموحدة وألف ثم لام وياء آخر الحروف.
وهي مدينة تلي شرحا المقدّمة الذكر ذكرها في «المسالك» و «التعريف» قال في المسالك: ولكنها أكثر خصبا، وأطيب سكنا، وأبرد هواء، وسيأتي الكلام على سائر أحوالها مع سائر أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
القاعدة السابعة (دارة)
بفتح الدال المهملة وألف بعدها راء ثم هاء. وهي مدينة تلي (بالي) المقدّمة الذكر، ذكرها في «المسالك» و «التعريف» . قال في «المسالك» :
(5/314)

وطولها ثلاثة أيام، وعرضها كذلك. وهي أضعف أخواتها حالا، وأقلها خيلا ورجالا. قال: وعسكرها لا يزيد على ألفي فارس، ورجّالة كذلك، وسيأتي الكلام على سائر أحوالها في الكلام على سائر أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الجملة الثانية (في الموجود بهذه الممالك، على ما ذكره في «مسالك الأبصار» )
قد ذكر أنّ عندهم من المواشي الخيل العراب، والبغال، والحمير، والبقر، والغنم بكثرة. أما المعز فقليل عندهم. ومن الوحش: البقر، والحمر، والغزلان، والمها، والإيّل، والكركدّن، والفهد، والأسد، والضّبعة العرجاء، وتسمّى عندهم مرعفيف، وعندهم جواميس برّيّة تصاد كما تقدّم في إقليم مالّي. وعندهم من الطيور الدّواجن الدّجاج، ولكن لا رغبة لهم في أكله استقذارا له: لأكله القمامات والزّبالات، ودجاج الحبش يصيدونه ويأكلونه، وهو عندهم مستطاب.
وعندهم من الحبوب الحنطة، والشعير، والذّرة، والطّافي: وهو حبّ نحو الخردل أحمر اللون على ما تقدّم ذكره في الكلام على القسم الأوّل من بلاد الحبشة.
وعندهم الخردل أيضا. وعندهم من الفواكه العنب الأسود على قلّة، والموز، والرمّان الحامض، والتوت الأسود على قلّة فيه، والجمّيز بكثرة. وعندهم من المحمّضات: الأترجّ، واللّيمون، والقليل من النارنج. وعندهم تين برّي، وخوخ برّيّ، ولكنهم لا يأكلون الخوخ دون التين. وعندهم فواكه أخرى لا تعرف بمصر والشأم والعراق، منها شجر يسمى كشباد، ثمره أحمر على صفة البسر، وهو حلو ماويّ، وشجر يسمّى كوشى، ثمره مستدير كالبرقوق، ولونه أصفر خلوقيّ كالمشمش، وهو مزّماويّ، وشجر يسمّى طانة، ثمره أصغر من البسر، وفي وسطه شبه النّوى، وهو حلو صادق الحلاوة ونواه يؤكل معه لعدم صلابته. وشجر اسمه أوجاق- بفتح الواو والجيم- ثمره أكبر من حبّ الفلفل وطعمه شبيه به في الحرافة مع بعض حلاوة. وعندهم شجرجان المقدّم ذكره في القسم الأوّل من بلاد الحبشة، وهو الذي يؤكل عندهم للذّكاء والفطنة، ولكنه يقل النوم والنكاح على ما تقدّم ذكره هناك. وعندهم من أنواع المقاثيء البطّيخ الأخضر، والخيار، والقرع.
(5/315)

ومن الخضروات اللّوبيا، والكرنب، والباذنجان، والشّمار، والصّعتر. أما الملوخيا فإنها تطلع عندهم برّية.
الجملة الثالثة (في معاملاتهم وأسعارهم)
أما معاملاتهم فعلى ثلاثة أنواع. منها ما هو بالأعراض مقايضة: تباع البقر بالغنم ونحو ذلك كما في القسم الأول من بلاد الحبشة. ومنها ما هو بالدّنانير والدراهم كمصر والشأم ونحوهما، وهو (وفات) وأعمالها خاصّة. قال في «مسالك الأبصار» : وليس بأوفات سكّة تضرب بل معاملاتهم بدنانير مصر ودراهمها الواصلة إليهم صحبة التّجّار. وذلك أنه لو ضرب أحد منهم سكّة في بلاده لم ترج في بلد غيره. ومنها ما هو بالحكنات، جمع حكنة- بفتح الحاء المهملة وضم الكاف والنون- كما ضبطه في «مسالك الأبصار» وهي قطع حديد في طول الإبرة، ولكنها أعرض منها بحيث تكون في عرض ثلاث إبر، يتعامل بها في سائر هذه البلاد سوى ما تقدّم ذكره. قال: وليس لهذه الحكنة عندهم سعر مضبوط بل تباع البقرة الجيدة بسبعة آلاف حكنة، والشاة الجيدة بثلاثة آلاف حكنة. وتكال غلّتهم بكيل اسمه الرابعيّة، بمقدار ويبة من الكيل المصريّ. وزنة أرطالهم اثنتا عشرة أوقية كل أوقية عشرة دراهم بصنجة مصر.
وأما الأسعار فكلّها رخيّة حتّى قال في «مسالك الأبصار» : إنه يباع بالدرهم الواحد عندهم من الحنطة بمقدار حمل بغل، والشعير لا قيمة له. وعلى هذا فقس.
الجملة الرابعة (في ملوكهم)
قد تقدّم في الكلام على القسم الأول من بلاد الحبشة أن الحطّي الذي هو سلطانهم الأكبر تحت يده تسعة وتسعون ملكا وهو لهم تمام المائة. وقد ذكر في
(5/316)

«التعريف» : أن هذه السبعة من جملة التسعة والتسعين الذين هم تحت يده. قال في «مسالك الأبصار» : والملك منهم في بيوت محفوظة إلّا بالي اليوم، فإن الملك بها صار إلى رجل ليس من أهل بيت الملك، تقرّب إلى سلطان أمحرا حتّى ولّاه مملكة بالي فاستقلّ ملكا بها. على أنه قد وليها من أهل بيت الملك رجال أكفاء، ولكنّ الأرض لله يورثها من يشاء. قال: وجميع ملوك هذه الممالك وإن توارثوها لا يستقلّ منهم بملك إلا من أقامه سلطان أمحرا، وإذا مات منهم ملك ومن أهله رجال قصدوا جميعهم سلطان أمحرا، وتقرّبوا إليه جهد الطاقة، فيختار منهم رجلا يولّيه، فإذا ولّاه سمع البقيّة له وأطاعوا، فهم له كالنّواب، وأمرهم راجع إليه. ثم كلّهم متفقون على تعظيم صاحب أوفات، منقادون إليه. ثم قال: وهذه الممالك السبع ضعيفة البناء، قليلة الغناء، لضعف تركيب أهلها، وقلّة محصول بلادهم، وتسلّط الحطّي سلطان أمحرا عليهم، مع ما بينهم من عداوة الدّين، ومباينة ما بين النصارى والمسلمين. قال: وهم مع ذلك كلمتهم متفرّقة، وذات بينهم فاسدة.
ثم حكي عن الشيخ عبد الله الزّيلعيّ وغيره: أنه لو اتفقت هذه الملوك السبعة واجتمعت ذات بينهم، قدروا على مدافعة الحطّي أو التماسك معه، ولكنهم مع ما هم عليه من الضّعف وافتراق الكلمة بينهم تنافس. قال: وهم على ما هم عليه من الذّلّة والمسكنة للحطّي سلطان أمحرا عليهم قطائع مقرّرة، تحمل إليه في كل سنة من القماش الحرير والكتان، مما يجلب إليهم من مصر واليمن والعراق. ثم قال: قد كان الفقيه «عبد الله الزيلعيّ» قد سعى في الأبواب السلطانية بمصر عند وصول رسول سلطان أمحرا إلى مصر في تنجّز كتاب البطريرك إليه، بكف أذيّته عمّن في بلاده من المسلمين وعن أخذ حريمهم. وبرزت المراسيم السلطانية للبطريرك لكتابة ذلك، فكتب إليه عن نفسه كتابا بليغا شافيا، فيه معنى الإنكار لهذه الأفعال، وأنه حرّم هذا على من يفعله، بعبارات أجاد فيها، ثم قال:
وفي هذا دلالة على الحال.
قلت: وقد كتب في أوائل الدولة الظاهرية «برقوق» كتاب عن السلطان في معنى ذلك، وقرينه كتاب من البطريرك (متّى) بطريرك الإسكندرية يومئذ بمعناه.
(5/317)

وتوجّه به إلى الحطّي سلطان الحبشة، «برهان الدين الدّمياطيّ» فذهب وعاد بالحباء من جهة الملك، لكن ذكر عنه أنه أتى أمورا هناك تقدح في عقيدة ديانته، والله أعلم بحقيقة ذلك. وستأتي الإشارة إلى المكاتبة إلى هؤلاء الملوك السبعة في المقالة الرابعة في الكلام على المكاتبات إن شاء الله تعالى.
الجملة الخامسة (في زيّ أهل هذه المملكة)
أما لبسهم، فإنه قد جرت عادتهم أن الملك يعصّب رأسه بعصابة من حرير، تدور بدائر رأسه، ويبقى وسط رأسه مكشوفا، والأمراء والجند يعصّبون رؤوسهم كذلك بعصائب من قطن، والفقهاء يلبسون العمائم، والعامّة يلبسون كوافي بيضا طاقيات، والسلطان والجند يتّزرون بثياب غير مخيطة: يشدّ وسطه بثوب، ويتّزر بآخر، ويلبسون مع ذلك سراويلات. ومن عداهم من الناس يقتصرون على شدّ الوسط والاتّزار خاصّة بلا لبس سراويل. وربما لبس القمصان منهم بعض الفقهاء وأرباب النّعم.
وأما ركوبهم الخيل، فإنهم يركبونها بغير سروج، بل يوطّا لهم على ظهورها بجلود مرعزّى حتّى ملوكهم.
وأما سلاحهم فغالبه الحراب والنّشّاب.
الجملة السادسة (في شعار الملك وترتيبه)
أما شعار الملك، فقد جرت عادتهم أن الملك إذا ركب تقدّم قدّامه الحجّاب والنّقباء لطرد الناس، ويضرب بالشّبّابة «1» أمامه، ويضرب معها ببوقات من خشب، في رؤوسها قرون مجوّفة، ويدقّ مع ذلك طبول معلّقة في أعناق
(5/318)

الرجال تسمّى عندهم الوطواط. ويتقدّم أمام الكل بوق عظيم يسمّى الجنبا، وهو بوق ملويّ من قرن وحش عندهم من نوع بقر الوحش اسمه (عجرين) في طول ثلاثة أذرع، مجوّف يسمع على مسيرة نصف يوم، يعلم من سمعه ركوب الملك، فيبادر إلى الركوب معه من له عادة به.
وأما ترتيب الملك عندهم، فإن من عادتهم أن الملك يجلس على كرسيّ من حديد مطعّم بالذهب، علوّه أربعة أذرع من الأرض، ويجلس أكابر الأمراء حوله على كراسيّ أخفض من كرسيّه، وبقية الأمراء وقوف أمامه، ويحمل رجلان السلاح على رأسه. ويختصّ صاحب (وفات) بأنه إذا ركب حمل على رأسه جتر على عادة الملوك.
ثم إن كان الملك راكبا فرسا، كان حامل الجتر ماشيا بازائه والجتر بيده، وإن كان راكبا بغلا، كان حامل الجتر رديفه والجتر بيده على رأس الملك.
وبالجملة فإنه يعد من حشمة الملك أو الأمير عندهم أنه إذا كان راكبا بغلا أن يردف غلامه خلفه، بخلاف ما إذا كان راكبا فرسا فإنه لا يردف خلفه أحدا. ومما يعدّ ب (وفات) من حشمة الملك أو الأمير أنه إذا مشى يتوكّا على يدي رجلين.
وملوكهم تتصدّى للحكم بأنفسهم وإن كان عندهم القضاة والعلماء. وليس لأحد من الأمراء ولا سائر الجند إقطاعات على السلطان ولا نقود كما بمصر والشام، بل لهم الدوابّ السائمة. ومن شاء منهم زرع واستغلّ ولا يعارض في ذلك. وليس لأحد من ملوكهم سماط عامّ، بل إنما يمد سماطه له ولخاصّته، ولكنه يفرّق على أمرائة بقرا عوضا عن أمر أكلهم على السّماط. وأكثر ما يعطى الأمير الكبير منهم مائتا بقرة.
قلت: وأهمل المقرّ الشهابي بن فضل الله في «مسالك الأبصار» و «التعريف» عدّة بلاد من ممالك الحبشة المسلمين.
منها (جزيرة دهلك) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الدال المهملة وسكون الهاء ثم لام مفتوحة وكاف. وهي جزيرة في بحر القلزم، واقعة في الإقليم
(5/319)

الأول من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول إحدى وستون درجة، والعرض أربع عشرة درجة. قال في «تقويم البلدان» : وهي جزيرة مشهورة على طريق المسافرين في بحر عيذاب إلى اليمن. قال ابن سعيد: غربي مدينة (حلي) في بلاد اليمن، فطولها نحو مائتي ميل، وبينها وبين برّ اليمن نحو ثلاثين ميلا [وملك دهلك من الحبش المسلمين «1» ] وهو يداري صاحب اليمن.
ومنها (مدينة عوان) بفتح العين المهملة والواو وألف ثم نون. وهي مدينة على ساحل بحر القلزم مقابل (تهامة اليمن) حيث الطول ثمان وسبعون درجة، والعرض ثلاث عشرة درجة ونصف درجة. قال في «تقويم البلدان» : وإذا كان وقت الضحى ظهر منها (الجناح) وهو جبل عال في البحر.
ومنها (مدينة مقدشو) بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال «2» المهملة ثم شين معجمة وواو في الآخر كما نقله في «تقويم البلدان» عن ضبطه في «مزيل الارتياب» بالشكل. وموقعها بين الإقليم الأول من الأقاليم السبعة وخطّ الاستواء.
قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتان وسبعون درجة، والعرض درجتان. قال في «مزيل الارتياب» : وهي مدينة كبيرة بين الزّنج والحبشة. قال: وهي على [بحر] الهند، ولها نهر عظيم شبيه بنيل مصر في زيادته في الصيّف. قال: وقد ذكر أنه شقيق لنيل مصر في مخرجه من بحيرة كورا، ومصبّه ببحر الهند على القرب من مقدشو.
قلت: وقد أتى الحطّي ملك الحبشة النصارى على معظم هذه الممالك بعد الثمانمائة وخرّبها وقتل أهلها وحرّق ما بها من المصاحف وأكره الكثير منهم على الدخول في دين النصرانية، ولم يبق من ملوكها سوى ابن مسمار المقابلة بلاده
(5/320)

لجزيرة دهلك تحت طاعة الحطّي ملك الحبشة وله عليه إتاوة مقرّرة، والسلطان سعد الدين صاحب زيلع وما معها وهو عاص له خارج عن طاعته بينه وبينه الحروب لا تنقطع، وللسلطان سعد الدين في كثير من الأوقات النصرة عليه والغلبة والله يؤيد بنصره من يشاء.
واعلم أن ما تقدّم ذكره من ممالك السودان هو المشهور منها، وإلا فوراء ذلك بلاد نائية الجوانب بعيدة المرمى منقطعة الأخبار.
منها (بلاد الزنج) . وهي بلاد شرقيّ الخليج البربريّ المقدّم ذكره في الكلام على البحار تقابل بلاد الحبشة من البر الآخر.
وقاعدتها (سفالة الزّنج) . قال في «تقويم البلدان» بالسين المهملة والفاء ثم ألف ولام وهاء في الآخر. وموقعها جنوبيّ خط الاستواء. قال في «القانون» : حيث الطول خمسون درجة، والعرض في الجنوب درجتان. قال في «القانون» : وأهلها مسلمون. قال ابن سعيد: وأكثر معايشهم من الذهب والحديد، ولباسهم جلود النّمور. وذكر المسعوديّ أن الخيل لا تعيش عندهم، وعسكرهم رجّالة، وربما قاتلوا على البقر.
ومنها (بلاد الهمج) جنوبيّ بلاد التّكرور. فقد ذكر ابن سعيد أنه خرج على أصناف السّودان طائفة منهم يقال لهم [الدّمادم] «1» يشبهون التتر، خرجوا في زمن خروجهم فأهلكوا ما جاورهم من البلدان. وذكر في «مسالك الأبصار» عن ابن أمير حاجب والي مصر عن منسا موسى ملك التّكرور أنهم كالتتر في تدوير وجوههم، وأنهم يركبون خيولا مشقّقة الأنوف كالأكاديش، وأن همج السودان عدد لا يستوعبهم الزمان وأن منهم قوما يأكلون لحم الناس.
(5/321)

الفصل الرابع من الباب الرابع من المقالة الثانية في الجهة الشّمالية عن ممالك الدّيار المصرية ومضافاتها،
(خلا ما تقدّم ذكره مما انضمّ إلى ممالك المشرق من شماليّ الشرق، نحو أرمينية، وأرّان، وأذربيجان، وشماليّ خراسان، وشماليّ مملكة توران: من خوارزم، وما وراء النهر، وبلاد الأزق، وبلاد القرم، وما والى ذلك وما انضم إلى ممالك المغرب من شماليّ الغرب، وهو الأندلس) وينقسم ذلك إلى قسمين:
القسم الأوّل (ما بيد المسلمين مما في شرقيّ الخليج القسطنطينيّ فيما بينه وبين أرمينية وهي البلاد المعروفة ببلاد الرّوم)
قال في «التعريف» : وتعرف الآن ببلاد الدّربندات. وقد سمّاها في «التعريف» و «مسالك الأبصار» بلاد الأتراك، وكانه يريد بالأتراك التّركمان، فإنهم هم الذين انضاف ملكها بعد ذلك إليهم، على ما سيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر في «تقويم البلدان» أنه يحيط بهذه البلاد من جهة الغرب بحر الرّوم، وعامّة الخليج القسطنطيني، وبحر القرم. ومن جهة الجنوب بلاد الشام
(5/322)

والجزيرة. ومن جهة الشرق أرمينية. ومن جهة الشّمال بلاد الكرج وبحر القرم.
وذكر في «التعريف» ما يخالف ذلك فقال: إنها منحصرة بين بحرى القرم والخليج القسطنطيني، تنتهي من شرقيها إلى بحر القرم المسمّى ببحر نيطش وما نيطش، وفي الغرب إلى الخليج القسطنطيني، وتنتهي متشاملة إلى القسطنطينيّة، وتنتهي جنوبا إلى بلاد لاون: وهي بلاد الأرمن يحدّها البحر الشاميّ. وبالجملة فإنها مفارقة ما يسامت شرقيها من بلاد الأرمن المضافة إلى بلاد الشام من ممالك الدّيار المصرية. والحاصل أن هذه البلاد مبتدؤها من الشرق مما يلي المغرب حدود أرمينية في شماليّ بلاد الجزيرة وما والاها من بلاد الأرمن المضافة الآن إلى مملكة حلب، وتأخذ في جهة الغرب إلى بحر الرّوم، فيصير البحر في جانبها من الجنوب ويمتدّ عليها حتّى يتصل بالخليج القسطنطينيّ، فيدور عليها الخليج وما يتصل به من بحر القرم من جهة الغرب ثم من جهة الشمال كالجزيرة ويحيط بها البحر من جميع جوانبها خلا جهة الشرق.
وقد كانت هذه البلاد في زمان الرّوم من مضافات القسطنطينيّة وأعمالها.
قال في «مسالك الأبصار» : وقد كانت هذه البلاد على عهد الرّوم محتكّ الأعنّة، ومشتبك الأسنّة، دار القياصرة، ومكسر الأكاسرة. ثم وصفها بأتمّ الأوصاف، فقال بعد أن ذكر أنها أثرى البلاد: صخورها تتفجّر ماء، وجوّها يسخّر أنواء، تعقد دون السماء سماء، فيخصب زرعها، ويخصم المحل ضرعها، ويخصف ورق الجنّة على الحدائق ثمرها وينعها، ويطرب ورقها منظرها البديع، ويحبّرها من صناعة صنعاء الرّبيع، فلا تسمع إلا كلّ مطربة تناجي النّجيّ، وتشجي الشّجيّ، وتخلب قلب الخليّ، وتهب الغواني ما في أطواقها من الحليّ، يعجب ثوبها السّندسيّ، ونباتها المتعلّق بذيل البهار بسجافها القندسيّ. فلا تجول في أرضها إلا على أرائك، ولا تنظر إلا نساء كالحور العين وولدانا كالملائك. ثم قال بعد كلام طويل: وهي شديدة البرد لا يوصف شتاؤها، إلا أن سكّانها تستعدّ للشّتاء بها قبل دخوله، وتحصّل ما تحتاج إليه، وتدّخره في بيوتها، وتستكثر من القديد والأدهان والخمور، فتأكل وتشرب مدّة أيام الشتاء، ولا تخرج من بيوتها، ولو أرادت ذلك
(5/323)

لم تقدر عليه، حتّى تذوب الثّلوج. قال وهذه الأيام هي بلهنية «1» العيش عندهم.
وينحصر المقصود من ذلك في خمس جمل:
الجملة الأولى (فيما اشتملت عليه من القواعد، وهي على ضربين)
الضرب الأول (القواعد المستقرّة بها الملوك والحكّام ممن يكاتب عن الأبواب السّلطانية بالديار المصرية)
فأما ما ذكره المقرّ الشهابيّ بن فضل الله من ذلك في «التعريف» و «مسالك الأبصار» ، فستّ عشرة قاعدة عبّر عنها في «مسالك الأبصار» : بممالك. ونحن نوردها على ما أوردها وإن كان قد أخلّ بها في الترتيب.
القاعدة الأولى- (كرميان)
بكسر الكاف وسكون الراء المهملة والميم وفتح المثناة تحت وألف ثم نون في الآخر. وهي مدينة في شرق هذه البلاد، متوسطة في المقدار، مبنيّة بالحجر، عليها سور دائر. وبها مساجد وأسواق وحمّامات، وبوسطها قلعة حصينة على جبل مرتفع، وخارجها أنهار تجري وبساتين ذات أشجار وفواكه متنوعة، وأراض مزدرعة.
القاعدة الثانية- (طنغزلو)
بضم الطاء المهملة وسكون النون وضم الغين المعجمة وسكون الزاي المعجمة وضم اللام وواو في الآخر. وهي مدينة متوسّطة في أوساط هذه البلاد، وبناؤها بالحجر، وليس لها سور. وبها المساجد والأسواق والحمامات. وخارجها أنهار تجري وبساتين محدّقة ذات فواكه وثمار.
القاعدة الثالثة- (توازا)
بضم التاء المثناة فوق وواو مفتوحة بعدها ألف ثم
(5/324)

زاي معجمة وألف في الآخر وهي مدينة عظيمة. قال في «مسالك الأبصار» :
وهذه المملكة تقع شرقي كرميان محضا، وموقعها ما بين جنوبي بركى إلى قوله، وكرسيه توازا. قال: ولصاحبها أربع قلاع ونحو ستمائة قرية، وعساكره نحو أربعة آلاف فارس وعشرة آلاف راجل. وقد عدّها في «مسالك الأبصار» من جملة مضافات كصطمونية الآتي ذكرها. وذكر أنه كان بها إذ ذاك أمير من قبل صاحبها اسمه (مراد بك) وذكر في «التعريف» أن اسمه أرينة.
القاعدة الرابعة- (حميدلي)
. قال في «مسالك الأبصار» وحميدلي اسم للإقليم، وقاعدته مدينة (بركو) وموقعها من قوله إلى قراصار. قال: ولصاحبها أيضا إقليم بلواج وإقليم قراغاج وإقليم اكرى دوز. قال: وهذه البلاد مدنها قليلة وقراها كثيرة، وبها خمس عشرة قلعة، وعسكر صاحبها خمسة عشر ألف فارس ومثلهم رجّالة وهي نهاية ما أخذ إلى الشمال وقد ذكر في «التعريف» : أن صاحبها كان اسمه في زمانه دندار. قال: وهو أخو يونس صاحب أنطاليا»
، وحينئذ فتكون من مملكة بني الحميد.
القاعدة الخامسة- (قسطمونية)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح القاف وسكون السين وبالطاء المهملتين وضم الميم وسكون الواو وكسر النون وبالياء المثناة من تحت وهاء في الآخر، وربما أبدلوا القاف كافا، وعليه جرى في «التعريف» و «مسالك الأبصار» : وهي مدينة في شرقيّ هذه البلاد داخلة في حدودها، موقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول خمس وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض ستّ وأربعون درجة وثمان وأربعون دقيقة. قال: وهي قاعدة التّركمان، وتراكمتها يغزون (القسطنطينيّة) وهي شرقيّ (هرقلة) وفي الجنوب عن سنوب على ثلاث مراحل منها، وقيل
(5/325)

خمس مراحل، وهي في الشرق عن أنكوريه على خمسة أيام منها. وقد أخبرني بعض أهل تلك النواحي أنها مدينة متوسطة المقدار، مبنية بالحجر، ذات مساجد وأسواق وحمّامات، وليس عليها سور، وخارجها أنهر وبساتين ذات فواكه. قال في «مسالك الأبصار» : وبها الأكاديش الرّوميّة الفائقة، المفضّل بعضها على كلّ سابق من الخيل العراب، ولها أنساب محفوظة عندهم كخيل العرب، يتغالى في أثمانها لا سيّما في بلادها، حتّى تبلغ قيمة الواحد منها ألف دينار فما فوقه، بل لا يستكثر فيها من يعرفها بذل مال. قال في «التعريف» :
وكانت آخر وقت (لسليمان باشاه) وكان أميرا كبيرا كثير العدد، موفور المدد ذا هيبة وتمنّع، ثم مات.
وورث ملكه ابنه (إبراهيم شاه) وكان عاقّا لأبيه، خارجا عن مراضيه، وكان في حياته ينفرد بمملكة سنوب. قال: وهي الآن داخلة في ملكه، منخرطة في سلكه، قال: وعسكره على ما يقال لنا ويبلغنا نحو ثلاثين ألف فارس.
القاعدة السادسة- (فاويا)
. قال في «مسالك الأبصار» : ومملكتها تجاور سمسون من غربيها. قال: ولصاحبها عشر مدن ومثلها قلاع، وعسكره نحو سبعة آلاف فارس، أما الرجّالة فكثير عددهم ودرهمها نصف درهم فضة خالصة، ورطلها ستة عشر رطلا بالمصري، ومدّها نحو إردب «1» بالمصري، وأسعارها رخيّة وقد ذكر في «التعريف» : أن اسم صاحبها في زمانه (مراد الدين حمزة) قال: وهو ملك مضعوف، ورجل بمجالس أنسه مشغوف.
القاعدة السابعة- (برسا)
بضم الباء الموحدة وسكون الراء وفتح السين المهملتين وألف في الآخر. وربما أبدلت السين صادا مهملة. والموجود في «التعريف» و «مسالك الأبصار» وغيرهما إثبات السين دون الصاد. وهي مدينة كبيرة في شماليّ هذه البلاد، مبنية بالطّوب والحجر، وسقوفها من الخشب،
(5/326)

وغالبها جملونات، وبها مساجد وأسواق وحمّامات، وبعض حمّاماتها من أعين حارّة تنبع من الأرض كذلك كما في طبريّة بالشام، ولها سور عظيم، وبوسطها قلعة شاهقة مرتفعة البناء بها سكن سلطانها، وفيها قصور عظيمة متعدّدة وجامع وثلاث حمّامات.
وخارج ربض المدينة نهران:
أحدهما- يسمّى (ككدرا) بضم الكاف الأولى وسكون الثانية وفتح الدال والراء المهملتين وألف في الآخر، ومعناه واد أزرق، سمّي بذلك لأنه يخرج من جبل أزرق، وتقطع منه الحجارة بشدّة جريه، فتجري منه بجريان الماء فيأخذها من عليه من أهل تلك النواحي فيعمّر بها، ومعظم عمارة برسا منها.
والنهر الثاني- يسمّى (منرباشي) في قدر الفرات، يشقّ المدينة ويمرّ في جامعها، وبها جبل عظيم اسمه (كمش) به معدن فضّة سمّي باسم الفضّة.
وبرسا هذه هي مقرّ مملكة أولاد (عثمان جق) الذين هم الآن رؤوس ملوكها. وقد ذكر في «التعريف» : أن صاحبها في زمانه كان أرخان بن عثمان، وذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ حيدر العريان: أن عسكره نحو خمسة وعشرين ألفا، وأن بينه وبين صاحب القسطنطينيّة الحروب، وأيّامها بينهم تارات، له في غالبها على صاحب القسطنطينيّة الغلب، وملك الروم يداريه، على مال، يحمله إليه في كلّ هلال. قال: ولقد جاز الجزيرة إلى بلاد النصارى وعاث في نواحيها، وشدّ على بطارقتها لا على فلّاحيها، وألقى علوجها بحيث تعتلج سيول الدماء، وتختلج سيوف النصر من الأعداء، وسيأتي ذكر ما انتهى إليه فتحه من برّ القسطنطينيّة بعد هذا في الكلام على ملوك هذه المملكة فيما بعد إن شاء الله تعالى.
القاعدة الثامنة- (أكيرا)
. قال في «مسالك الأبصار» : وهي تجاور مملكة برسا آخذة إلى الشمال وجبل القسيس جنوبيها وسنوب شماليها وهي طريق من طرق سنوب وقلاعها وعساكرها كثيرة. ومنها يخرج الحرير الكثير واللاذن إلى
(5/327)

غيرها من البلاد، ورطلها ثمانية أرطال بالمصري، ومدّها نحو إردب ونصف وأسعارها رخية وقد ذكر في «التعريف» : أن صاحبها في زمانه كان (صارو خان ابن قراسي) ولم يبيّن من أيّ طوائف التّركمان هو.
القاعدة التاسعة- (مرمرا)
بفتح الميم وسكون الراء المهملة وفتح الميم الثانية والراء المهملة الثانية وألف في الآخر. وهي مدينة في شماليّ هذه البلاد، بها جبل فيه مقطع رخام. قال في «الروض المعطار» : والروم تسمّي الرخام مرمرا، فسميت بذلك. وذكر في «التعريف» : أن صاحبها في زمانه كان اسمه (بخشى بن قراسي) ولم يبين من أيّ طوائف التّركمان هو. وقد أخبرني بعض أهل تلك البلاد أنها قد خربت ودثرت، ولم يبق بها عمارة.
القاعدة العاشرة- (مغنيسيا)
بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وكسر النون وسكون الياء المثناة تحت وكسر السين المهملة وفتح الياء الثانية وألف في الآخر. وهي مدينة في أوساط هذه البلاد، متوسّطة في المقدار، مبنية بالحجر، وعليها سور دائر، وبها مساجد وأسواق وحمامات وبساتين ومروج. وقد ذكر في «التعريف» : أنه كان اسم صاحبها في زمانه (صارو خان) ولم يزد على ذلك.
القاعدة الحادية عشرة- (نيف)
بكسر النون وسكون الياء المثناة تحت وفاء في الآخر. وهي مدينة لطيفة بأوساط هذه البلاد، بالقرب من (مغنيسيا) المقدّم ذكرها على نحو مرحلتين منها. وهي مبنيّة بالحجر، وبها المساجد والأسواق والحمّامات وخارجها الأنهار والزّروع والبساتين المختلفة الفواكه.
القاعدة الثانية عشرة- (بركي)
بفتح الباء الموحدة وكسر الراء المهملة وكسر الكاف وياء مثناة تحت في الآخر. وهي مدينة متوسطة القدر على القرب من نيف المقدّم ذكرها على نحو مرحلتين منها، وبها المساجد والأسواق والحمّامات والمياه والبساتين والزروع.
القاعدة الثالثة عشرة- (فوكه)
. وقد ذكر في «التعريف» : أن صاحبها في زمانه كان اسمه (أرخان بن منتشا) واقتصر على ذلك.
(5/328)

القاعدة الرابعة عشرة- (أنطاليا)
«1» قال في «تقويم البلدان» : بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الطاء المهملة وألف ولام مكسورة وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة. قال في «تقويم البلدان» : والقياس أنها حيث الطول أربع وخمسون درجة واثنتان وثلاثون دقيقة، والعرض إحدى وأربعون درجة وأربعون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي بلدة مشهورة. وقال ابن حوقل: هي حصن [للروم على شطّ البحر منيع واسع الرّستاق كثير الأهل «2» ] . قال في «تقويم البلدان» : وهي على دخلة في البحر، وسورها من حجر في غاية الحصانة، ولها بابان: باب إلى البحر، وباب إلى البر. وأخبرني من رآها أنها ذات أشجار وبساتين ومياه تجري. وبها قلعة حصينة بوسطها، وبها نهر يعرف بالصّبّاب، قال في «تقويم البلدان» : وهي كثيرة المحمضات: من الأترجّ، والنارنج، والليمون، وما أشبه ذلك. قال ابن سعيد: وكانت للروم فاستولى عليها المسلمون في عصرنا. قال: وبها أسطول صاحب الدّروب، وميناها غير مأمونة في الأنواء «3» قال في «تقويم البلدان» : وكان الحاكم بها شخصا من أهل تلك البلاد فخرج منها إلى بعض جهاتها، فكبسها التّركمان وملكوها ثم أمسكوه فقتلوه.
قال: وصاحبها في زماننا واحد من بني الحميد ملوك التّركمان. وقد ذكر في «التعريف» : أن صاحبها في زمانه كان اسمه (خضر بن يونس) . وذكر في «مسالك الأبصار» : أن صاحبها في زمانه كان اسمه (خضر بن دندار) من أولاد (منتشا) . وقال: إن عسكره نحو أربعين ألف فارس. ثم قال: إن لبني دندار هؤلاء إلى ملوك مصر انتماء وكان بمصر منهم من له إمرة ثم عاد إلى بلاده.
القاعدة الخامسة عشرة- (قراصار)
بفتح القاف والراء المهملة وألف ثم صاد مهملة مفتوحة بعدها ألف ثم راء مهملة في الآخر. وتعرف بقراصار التّكا بفتح
(5/329)

التاء المثناة فوق. وهي قلعة على جبل مرتفع يحفّ بها ربض بأعلى الجبل، وحول الرّبض في الجبل زراعاتهم وبساتينهم. وقد ذكر في «التعريف» : أن اسم صاحبها في زمانه (زكريا) ولم يزد على ذلك. وهي غير مدينة قراصار الصاحب. وهي مدينة لطيفة بأوساط بلاد الروم في الغرب عن قراصار هذه وفي الشمال عن أنطاليا.
القاعدة السادسة عشرة- (أرمناك)
بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وكسر الميم وفتح النون وألف ثم كاف في الآخر. وهي مدينة في مشارق الروم، مبنيّة بالحجر غير مسوّرة، وبها مساجد وأسواق وحمّامات، وبها بساتين كثيرة وفواكه جمّة إلا أنها شديدة البرد. وقد ذكر في «التعريف» : أنها بيد أولاد قرمان.
وذكر في «مسالك الأبصار» : أن المملكة كانت بيد (محمد بن قرمان) . وذكر في «التثقيف» : أن آخر من استقرّ بها في شوّال سنة سبع وستين وسبعمائة، (علاء الدّين على بك) بن قرمان.
وأما ما زاد ذكره في «التثقيف» : فخمس قواعد:
القاعدة الأولى- (العلايا) بفتح العين المهملة واللام وألف بعدها ثم ياء مثناة تحت وألف في الآخر. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة. قال في «تقويم البلدان» : والقياس أنها حيث الطول اثنتان وخمسون درجة، والعرض تسع وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. قال: وهي بلدة محدثة أنشأها (علاء الدّين عليّ) بعض ملوك بني سلجوق بالروم فنسبت إليه. وقيل لها (العلائيّة) على النسب، ثم خفّفها الناس، فقالوا: (العلايا) ثم قال: والذي تحقّق عندي من جماعة قدموا منها أنها بليدة صغيرة أصغر من أنطاليا على دخلة في بحر الروم.
وهي من فرض تلك البلاد. وذكر أنها في الجنوب عن أنطاليا على مسيرة يومين، وعليها سور دائر، وأنها كثيرة المياه والبساتين. وقد ذكر في «التثقيف» : أن الحاكم بها في زمانه كان اسمه (حسام الدين محمود) بن علاء الدين. وقال: إنه كتب إليه عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية في شوّال سنة سبع وستين
(5/330)

وسبعمائة، ولم يبيّن من أيّ طوائف التّركمان هو. وذكر في «مسالك الأبصار» :
أنها في ساحل بلاد بني قرمان، وأن الحاكم بها من قبلهم حينئذ كان اسمه (يوسف) .
القاعدة الثانية- (بلاط) بفتح الباء الموحدة واللام وألف ثم طاء مهملة في الآخر. وهي بلدة بأوساط الروم على نحو ثمان مراحل من برسا، وهي مدينة صغيرة، بغير سور، وبها قلعة خراب كانت مبنيّة بالرّخام، وبها مساجد وأسواق وأربع حمّامات. ذكر لي بعض أهل تلك البلاد أنها بيد أولاد (منتشا) من ملوك التّركمان.
القاعدة الثالثة- (أكردور) بفتح الهمزة والكاف وسكون الراء وضم الدال المهملتين وسكون الواو وراء مهملة في الآخر. قال في «التثقيف» : ويقال أكردون بالنون بدل الراء الأخيرة. وهي بلدة غير مسوّرة بها قلعة عظيمة على جبل شاهق، وبها مساجد وأسواق وحمّامات، إلا أنّ بساتينها قليلة، وبها برج عظيم.
القاعدة الرابعة- (أياس لوق) بفتح الهمزة والياء المثناة تحت وألف ثم سين مهملة ساكنة ولام مضمومة بعدها واو ساكنة ثم قاف في الآخر. وهي مدينة عظيمة على ساحل البحر الروميّ، بها المساجد والأسواق والحمّامات، وبها أعين وأنهار تجري وبساتين ذات فواكه. وقد أخبرني بعض أهل تلك البلاد أنها في ملك بني أيدين.
القاعدة الخامسة- (سنوب) . قال في «تقويم البلدان» : بالسين المهملة والنون والواو وباء موحدة في الآخر ولم يقيّدها بالضبط وموقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول سبع وخمسون درجة، والعرض ستّ وأربعون درجة وأربعون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي فرضة مشهورة (يعني على بحر القرم) . ثم قال: وهي في الشّمال عن كسطمونية وفي الغرب عن سامسون. قال: وعن بعض الثّقات أن بسنوب سورا حصينا، يضرب البحر في بعض أبراجه. ولها بساتين كثيرة إلى الغاية، وبينها.
(5/331)

وبين سامسون نحو أربع مراحل. ثم قال: وصاحب سنوب في زماننا من ولد البرواناه، وله شوان يغزو بها في البحر ولا يكاد أن ينقهر. وذكر في «مسالك الأبصار» : أنها من مضافات كسطمونية المقدّم ذكرها، وأنه كان بها في زمانه نائب من جهة (إبراهيم بن سليمان باشاه) صاحب كسطمونية اسمه غازي چلبي.
وقال في «التثقيف» : يقال إن بها إبراهيم بك بن سليمان باشاه، فإن كان يريد الذي كان في زمن صاحب «مسالك الأبصار» : بكسطمونية، فقد أبعد المرمى. وإن كان آخر بعده كان سمّي باسمه، فيحتمل أنه في «التعريف» قد ذكر صاحبها في جملة ملوك الكفر وكأن ذلك كان قبل أن تفتح.
الضرب الثاني (من هذه البلاد ما لم يسبق إلى صاحبه مكاتبة عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، ممن هو بصدد أن تطرأ له مكاتبة، فيحتاج إلى معرفته)
وهي عدّة قواعد:
منها (سيواس) . قال في «تقويم البلدان» : بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة تحت وفتح الواو ثم ألف وسين مهملة في الآخر. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» حيث الطول إحدى وسبعون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض أربعون درجة وعشر دقائق. قال ابن سعيد: وهي من أمّهات البلاد مشهورة على ألسنة التّجّار، وهي في بسيط من الأرض. قال في «تقويم البلدان» : وهي بلدة كبيرة مسوّرة، وبها قلعة صغيرة ذات أعين، والشجر بها قليل، ونهرها الكبير بعيد عنها بمقدار نصف فرسخ.
قال: ويقول المسافرون: إن فيها [أربعا] «1» وعشرين خانا للسبيل، وهي شديدة البرد، وبينها وبين قيساريّة ستون ميلا، وكانت سيواس هذه قد غلب عليها في
(5/332)

الأيام الظاهرية «برقوق» صاحب الديار المصرية قاضيها (القاضي إبراهيم) وملكها.
ومنها (أماسية) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الهمزة والميم وألف وكسر السين المهملة ثم ياء مثناة تحتية مفتوحة وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال في «رسم المعمور» : حيث الطول سبع وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض خمس وأربعون درجة. قال في «تقويم البلدان» : ذكر بعض من رآها أنها بلدة كبيرة ذات سور وقلعة، وفيها بساتين ونهر كبير عليه نواعير يمرّ عليها ثم يصبّ في بحر سنوب يعني بحر القرم. قال ابن سعيد: وهي من مدن الحكماء، وهي مشهورة بالحسن وكثرة المياه والبساتين والكروم، وهي في الشرق عن سنوب وبينهما ستة أيام، ثم قال: وذكر بعض من رآها أن بها معدن فضّة.
ومنها (هرقلة) قال في «تقويم البلدان» : بكسر الهاء وفتح الراء المهملة وسكون القاف وفتح اللام ثم هاء في الآخر. وموقعها في الإقليم السابع من الأقاليم السبعة قال في «الأطوال» : حيث الطول سبع وخمسون درجة وعشرون دقيقة، والعرض إحدى وأربعون درجة وثلاثون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي في شرقيّ نهر ينزل من جبل العلايا إلى نحو سنوب وهرقلة عليه في قرب البحر. قال: وهي التي هدمها الرشيد. قال: وفي شرقيها جبل الكهف.
وقد حكى ابن خرداذبة في كتابه «المسالك والممالك» عن بعضهم أنه سار إلى هذا الكهف ودخل بمساعدة صاحب الروم فوجد به أمواتا برواق في كهف في جبل عليهم مسوح قد طال عليها الزمن حتّى صارت تنفرك باليد، وقد طليت أجسادهم بالمرّ والصّبر فلم يبلوا، ولصقت جلودهم بعظامهم، وجفّت، وعندهم سادن يخدمهم، وأنه أنكر أن يكون أولئك هم أهل الكهف المذكورون في القرآن، للاختلاف في محلّ الكهف هل هو في هذه البلاد أو غيرها.
ومنها (أقسرا) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الهمزة وسكون القاف
(5/333)

وفتح السين والراء المهملتين وألف في الآخر، وربّما أبدلت السين صادا مهملة.
قال: ويقال إن أصلها (أخ سرا) يعني بالخاء المعجمة بدل القاف. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول خمس وسبعون درجة، والعرض أربعون درجة. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينة ذات أشجار وفواكه، ولها نهر كبير ينجرّ وسط البلد ويدخل الماء منه بعض بيوتها، ولها قلعة حصينة في وسطها. قال ابن سعيد، وبها تعمل البسط الأقصريّة الفائقة، ومنها إلى قونية ثمانية وأربعون فرسخا، وكذلك بينها وبين قيساريّة.
ومنها (قيساريّة) . قال في «اللباب» : بفتح القاف وسكون المثناة من تحتها وفتح السين المهملة وألف ثم راء مهملة وياء مثناة تحتية مفتوحة مشدّدة وهاء في الآخر قال في «تقويم البلدان» : وتقال بالصاد المهملة بدل السين. قال ابن سعيد: وهي منسوبة إلى قيسر، وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة.
قال في «الأطوال» : حيث الطول ستون درجة والعرض أربعون درجة. قال ابن سعيد: وهي مدينة جليلة يحلّها سلطان البلاد. قال في «تقويم البلدان» وهي بلدة كبيرة ذات أشجار وبساتين وفواكه وعيون تدخل إليها. وداخلها قلعة حصينة وبها دار للسلطنة.
وقيساريّة هذه كان بها تخت السلطنة لبني سلجوق بهذه البلاد. ولما ملك التتر هذه البلاد بقوا بقاياهم في الملك إلى أن دخلها السلطان الملك (الظاهر «1» بيبرس) صاحب الديار المصرية، وجلس على تخت آل سلجوق بها، ثم عاد إلى الديار المصرية فزال ملك السّلجوقيّة منها من حينئذ، على ما سيأتي ذكره في الكلام على ملوك هذه البلاد.
(5/334)

ومنها (قونية) . قال في «تقويم البلدان» : بضم القاف وسكون الواو وكسر النون وبعدها ياء مثناة من تحت مفتوحة وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال في «الأطوال» : حيث الطول ستّ وخمسون درجة، والعرض تسع وثلاثون درجة. قال ابن سعيد: وهي مدينة مشهورة، وبها دار للسلطنة، والجبال مطيفة بها من كل جانب، وتبعد عنها من جهة الشمال.
وينزل من الجبل الجنوبيّ منها نهر يدخل إليها من غربيّها؛ وبها البساتين من جهة الجبل على نحو ستة فراسخ، ونهرها يسقي بساتينها، ثم يصير بحيرة ومروجا، وبها الفواكه الكثيرة، وفيها يوجد المشمش المعروف بقمر الدّين، وهي ثاني قاعدة مملكة السّلجوقيّة ببلاد الروم، كان الملك ينتقل منها إلى قيساريّة، ومن قيساريّة إليها. قال ابن سعيد [وبقلعتها تربة] «1» أفلاطون الحكيم.
ومنها (أق شهر) بفتح الهمزة ثم قاف ساكنة وشين معجمة مفتوحة وهاء ساكنة وراء مهملة في الآخر، كما في «تقويم البلدان» : عمّن يوثق به من أهل المعرفة، وربما أبدلوا الهاء ألفا فقالوا (أقشار) . وفي كتاب «الأطوال» : (أخ شهر) بإبدال القاف خاء معجمة. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة، قال في «الأطوال» : حيث الطول خمس وخمسون درجة، والعرض إحدى وأربعون درجة. قال ابن سعيد: وهي من أنزه البلدان، وبها بساتين كثيرة وفواكه مفضّلة.
قال في «تقويم البلدان» : وأخبرني من رآها أنها على ثلاثة أيام من قونية شمالا بغرب.
ومنها (عمّورية) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح العين المهملة وميم مشدّدة مضمومة وواو ساكنة وراء مهملة مكسورة ثم ياء مثناة من تحت مفتوحة وهاء في الآخر. قال: وهي بلدة كبيرة، ولها قلعة داخلها حصينة، وأكثر ساكنيها التركمان وبها بساتين قليلة، ولها نهر وأعين جارية، وهي التي فتحها «المعتصم
(5/335)

ابن الرشيد» «1» ، أحد خلفاء بني العبّاس، وكان المنجّمون قد زعموا أنها لا تفتح إلا في زمان التّين والعنب، فلما فتحها أنشده أبو تمّام قصيدته التي أوّلها: (بسيط) .
السّيف أصدق إنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب «2» !
ومنها (أنكورية) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الهمزة وسكون النون وضم الكاف وسكون الواو وكسر الراء المهملة ثم ياء مثناة تحتية مكسورة وهاء في الآخر. ويقال لها (أنقرة) أيضا بفتح الهمزة وسكون النون ثم قاف وراء مهملة وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول أربع وخمسون درجة، والعرض إحدى وأربعون درجة. قال ابن سعيد: وهي بلدة لها قلعة على تلّ عال، وهي بين الجبال، وليس بها بساتين ولا ماء، وشرب أهلها من الآبار، وهي عن قسطمونية في جهة الغرب على خمسة أيام.
ومنها (فلك بار) . قال في «تقويم البلدان» : الفلك معروف، وبار بباء موحدة وألف وراء مهملة في آخرها. قال: وهي مدينة أنشأها ملك من ملوك بني الحميد اسمه (فلك الدين) وهي في مستو من الأرض في وسط الجبال على قريب من منتصف الطريق بين قونية والعلايا، في الغرب من قونية على مسيرة خمسة أيام، وهي في الشرق عن أنطاليا على مسيرة خمسة أيام. قال: وليس في تلك الجبال الآن مدينة أكبر منها، وقد صارت قاعدة لبني الحميد: ملوك التّركمان بتلك الناحية.
ومنها (لارندة) . قال في «تقويم البلدان» : بلام وألف وراء مهملة مفتوحة ونون ساكنة ثم دال مهملة وهاء في الآخر. قال: وهي قريبة من قونية على
(5/336)

مسافة يوم من الشرق والشمال، حيث الطول سبع وخمسون درجة، والعرض أربعون درجة وثلاثون دقيقة.
وقد تقدّم في الكلام على مملكة الشام من مضافات الديار المصرية أن مدينة ملطية دخلت في مملكة مصر ومضافاتها فصارت في معاملة حلب.
واعلم أنه قد تقدّم أن خليج القسطنطينيّة وما اتصل به من بحر نيطش- المعروف ببحر القرم- يطيف بهذه البلاد من غربيّها وشماليها، وعلى ساحل هذا البحر عدّة فرض منتظمة في سلك هذه البلاد قد ذكرها في «تقويم البلدان» في الكلام على مملكة أرمينية وما معها، وأشار إليها في الكلام على هذا البحر عند ذكره له في جملة البحار على ما تقدّمت الإشارة إليه في الكلام على البحار في أوّل هذه المقالة، غالبها في مملكة ابن عثمان صاحب برسا.
أوّلها (الجرون) . وهي قلعة خراب عند فم الخليج القسطنطيني من الجهة الشّمالية مقابل القسطنطينيّة، حيث الطول خمسون درجة، والعرض خمس وأربعون درجة وعشر دقائق.
ويليها من جهة الشّمال بميلة إلى الشرق مدينة اسمها (كربي) بكاف وراء مهملة ثم باء موحدة وياء مثناة تحت في الآخر.
ويليها في الشرق مدينة اسمها (بنتر) بباء موحدة ونون وتاء مثناة فوق وراء مهملة.
ويليها في الشرق والشّمال بلدة اسمها (سامصرى) بسين مهملة وألف ثم ميم وصاد وراء مهملتين وألف في الآخر.
ويليها في الشرق أيضا مدينة اسمها (كترو) بكاف وتاء مثناة من فوق ثم راء وواو في الآخر وهي آخر أعمال قسطنطينيّة.
ويليها في الشرق مدينة اسمها (كينولي) بكسر الكاف وسكون المثناة التحتية وضم النون وسكون الواو وكسر اللام وياء مثنّاة من تحت في الآخر.
(5/337)

ويليها في جهة الغرب (فرضة سنوب) المقدّم ذكرها في الكلام على ما زاده في «التثقيف» .
ويليها من جهة الشرق مدينة (سامسون) المقدّم ذكرها في الكلام على الضرب الثاني من هذه البلاد.
ويليها في جهة الشرق أيضا مدينة (أطرابزون) بألف وطاء وراء مهملتين وباء موحدة بعدها زاي معجمة ثم واو ونون. وهي آخر مدن هذه البلاد على الساحل، ومنها ينتهى إلى ساحل بلاد الكرج على ما تقدّم الكلام عليه في الكلام على بحر نيطش.
الجملة الثانية (في ذكر الموجود بهذه البلاد)
قد ذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ حيدر العريان الرّومي: أن بها من المواشي الخيل، والبقر، والغنم ما لا يقع عليه عدد ولا يدخل تحت الإحصاء، ونتاج بلادهم من الخيل هي البراذين الرّوميّة الفائقة. وقد تقدّم الكلام على القسطمونيات منها في الكلام على قسطمونية، وتجلب إليهم العربيّات من بلاد الشأم وغيرها، وأكثر مواشيهم نتاجا الغنم. قال في «مسالك الأبصار» : وهي مما يبسط فرش الأرض [منها] . قال: ومنها المعز المرعزّى، ذوات الأوبار المضاهية لأنعم الحرير. ثم قال: وغالب قنية أهل الشام وديار بكر والعراق وبلاد العجم وذبائحهم مما يفضل عنها ويجلب إليها منها، وهي أطيب أغنام البلاد لحما، وأشهاها شحما، ويترتب على ذلك في كثرة الوجود الألبان وما يتحصّل عنها من السمن والجبن وغير ذلك. وبها من الحبوب القمح، والشعير، والباقلّا ونحوها، ويزرع بها الكتّان، والقطن الكثير، وبها من الفواكه كلّ ما يوجد بمصر والشأم من التّفّاح، والسّفرجل، والكمّثرى، والقراصيا، والإجّاص، والرمّان: الحلو والمزّ والحامض، وغير ذلك. أما المحمضات فلا توجد إلا ببلاد السواحل من بلادهم على ما تقدّم ذكره، والموز والنّخيل لا يوجد ببلادهم؛ وبها من العسل ما يضاهي
(5/338)

الثلج بياضا والسّكّر لذاذة وطعما، لا حدّة فيه ولا إفراط حلاوة توقف الأكل عنه، إلى غير ذلك من الأشياء التي يطول ذكرها. وقد تقدّم أنّ بها معدن فضة بمدينة برسا، ومعدن فضة بأماسية.
وذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ حيدر العريان أن بها ثلاثة معادن فضّة مستمرّة العمل: معدن بمدينة ركوة، ومعدن بمدينة كش، ومعدن بأراضي مدينة تاخرت.
الجملة الثالثة (في معاملاتها وأسعارها)
أما معاملاتها، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ حيدر العريان أن لملوك التّركمان هؤلاء نقودا ولكن لا يروج نقد واحد منهم في بلاد الآخر. قال:
ودرهمهم في الغالب تقدير نصف وربع درهم من نقد مصر، وأرطالهم مختلفة، وأكثرها بالتقريب زنة اثني عشر رطلا بالمصريّ، وأقلّها ثمانية أرطال، وكيلهم الذي تباع به الغلّات يسمّى الوط تقدير إردبّ ونصف بالمصريّ.
وأما أسعارها، فقد ذكر أنها رخيّة رخيصة الأسعار للغاية لقلّة المكوس وكثرة المراعي واتّساع أسباب التجارة واكتناف البحر لها من كل جانب بحيث يحمل إليها على ظهره كلّ شيء مما لا يوجد فيها. قال: وقيمة الغلّات بها دون قيمتها بمصر والشام أو مثلهما في الغالب. والأغنام في غاية الرّخص، حتّى إن الرأس الغنم الجيّد لا يجاوز اثني عشر درهما من دراهمهم، يكون بنحو تسعة دراهم من دراهم مصر إلى ما دون ذلك، ويترتب على ذلك رخص اللحم. أما اللبن وما يعمل منه فإنه لا يكاد يوجد من يشتريه: لاستغناء كلّ أحد بما عنده من لبن مواشيه، لا سيما في زمن الربيع. قال: والعسل لا يتجاوز الرطل منه ثلاثة دراهم برطلهم ودرهمهم، وهو (ذلك الرطل الكبير والدرهم الصغير) والفواكه في أوانها في حكم اللبن وما في معناه في زمن الربيع، في عدم وجود من يشتريه. ثم قال:
وبالجملة فبلاد الروم إذا غلت وأقحطت كانت كسعر الشام إذا أقبل وأرخص.
(5/339)

الجملة الرابعة (في ذكر من ملك هذه البلاد)
قد ذكر ابن سعيد: أن هذه البلاد كانت بيد اليونان، وهم بنو يونان بن علجان بن يافث بن نوح عليه السّلام من جملة ما بيدهم قبل أن يغلب عليهم الرّوم، ثم غلب عليها الرّوم بعد ذلك فيما غلبوهم عليه، واستمرت بأيديهم في مملكة صاحب القسطنطينيّة على ما سيأتي ذكره في الكلام على مملكة القسطنطينيّة فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وكان كلّ من ملك هذه البلاد التي شرقيّ الخليج القسطنطيني يسمّى (الدّمستق) بضم الدال المهملة وفتح الميم وسكون السين المهملة والتاء المثناة فوق وقاف في الآخر، وله ذكر في حروب الإسلام. قال في «العبر» : وكان ثغور المسلمين حينئذ من جهة الشام (ملطية) ومن جهة أذربيجان (أرمينية) إلى أن دخل بعض قرابة (طغرلبك) أحد ملوك السّلجوقيّة في عسكر إلى بلاد الروم هذه فلم يظفروا منها بشيء.
ثم دخلها بعد ذلك (مماني) أحد أمرائهم بعد الثلاثين وأربعمائة، ففتح وغنم وانتهى في بلادهم حتّى صار من القسطنطينيّة على خمس عشرة مرحلة، وبلغ سبيه مائة ألف رأس، والغنائم عشرة آلاف عجلة، والظّهر ما لا يحصى.
ثم فتح (قطلمش) بن إسرائيل بن سلجوق قونية، وأقصرا، وأعمالهما، ثم وقعت الفتنة بين قطلمش وبين (ألب أرسلان) السّلجوقيّ بعد طغرلبك، وقتل قطلمش في حربه في سنة ست وخمسين وأربعمائة.
وملك البلاد من بعده (ابنه سليمان) ثم كان بين سليمان ومسلم بن قريش صاحب الشأم حروب انهزم سليمان في بعضها وطعن نفسه بخنجر فمات في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
وملك بعده ابنه (قليج أرسلان) تلك البلاد، ثم قتل قليج أرسلان في
(5/340)

بعض الوقائع.
وولي مكانه بقونية وأقصرا وسائر بلاد الروم ابنه (مسعود) واستقام له ملكها، ثم توفّي مسعود بن قليج أرسلان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
وملك بعده ابنه (قليج أرسلان) .
ثم قسم قليج أرسلان المذكور هذه البلاد بين أولاده: فأعطى قونية وأعمالها لابنه (غياث الدين كيخسرو) وأقصرا وسيواس لابنه (قطب الدين) ودوفاط لابنه (ركن الدين سليمان) وأنكورية لابنه (محيي الدين) وملطية لابنه (عزّ الدين قيصر شاه) والأبلستين لابنه (غيث الدين) وقيساريّة لابنه (نور الدين محمود) وأعطى أماسية لابن أخيه. ثم ندم على هذه القسمة، وأراد انتزاع الأعمال من أولاده فخرجوا عن طاعته إلا ابنه غياث الدين كيخسرو صاحب قونية فإنه بقي معه.
وحاصر ابنه محمودا في قيساريّة فتوفّي وهو محاصر لها في منتصف شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
واستقلّ (غياث الدين كيخسرو) بقونية وما والاها.
ثم ملكها من يده أخوه (نور الدين محمود) .
ثم ملك (قطب الدين) صاحب أقصرا وسيواس قيساريّة من يد أخيه محمود غدرا، ثم مات قطب الدين في أثر ذلك.
فملك أخوه (ركن الدين سليمان) صاحب دوفاط ما كان بيد أخيه قطب الدين من سيواس وأقصرا وقيساريّة. ثم ملك قونية بعد ذلك من يد أخيه غياث الدين. ثم ملك أماسية، ثم سار إلى ملطية، فملكها من يد عز الدين قيصر شاه سنة سبع وتسعين وخمسمائة. ثم ملك أنكورية بعد ذلك في سنة إحدى وستمائة، واجتمع لركن الدين سليمان سائر أعمال إخوته وتوفي عقب ذلك.
وتولّى بعده ابنه (قليج أرسلان) فأقام يسيرا ثم قبض عليه أهل قونية وملّكوا عمه غياث الدين كيخسرو مكانه فقوي ملكه وعظم شأنه، وبقي حتّى قتل في حرب صاحب القسطنطينيّة سنة سبع وستمائة.
(5/341)

وملك بعده ابنه (كيكاوس) وتلقب الغالب بالله، وبقي حتّى مات سنة ستّ عشرة وستمائة، وخلّف بنين صغارا.
وملك بعده أخوه (علاء الدين كيقباد محمد شاه) وبقي حتّى توفي سنة أربع وثلاثين وستمائة.
وملك بعده ابنه (غياث الدين كيخسرو) وتوفي سنة أربع وخمسين وستمائة.
وملك بعده ابنه (علاء الدين كيقباد) بعهد من أبيه. وفي أيامه أرسل القان (منكوقان بن جنكزخان) صاحب التخت بقراقوم عسكرا فاستولوا على قيساريّة ومسيرة شهر معها ورجعوا إلى بلادهم. ثم عادوا في سنة خمس وخمسين وستمائة واستولوا على ما كانوا استولوا عليه أوّلا وزادوا عليه، فسار علاء الدين كيقباد إلى القان بهدايا استصحبها معه مصانعا له فمات في طريقه، فوصل رفقته بما معهم من الهدايا إلى القان، فأخبروه الخبر، ورغبوا إليه في ولاية (عز الدين كيكاوس) أخي كيقباد المذكور فكتب القان إليه بالولاية، ثم أشرك بعد ذلك بينه وبين أخيه (ركن الدين قليج أرسلان) على أن يكون من سيواس إلى تخوم القسطنطينيّة غربا لعز الدين كيكاوس. ومن سيواس إلى أرزن الرّوم شرقا متصلا ببلاد التتر، لركن الدين قليج أرسلان، على إتاوة تحمل إلى القان بقراقوم، وجهّز القان من أمرائه أميرا اسمه (بيدو) على أن يكون شحنة له ببلاد الروم، لا ينفّذون في شيء إلا عن رأيه، ورجعوا إلى بلادهم، وقد حملوا معهم جثّة كيقباد إلى قونية فدفنوه بها. ولم يزل الأمر على ذلك حتّى سار هولاكو «1» بن طولى بن جنكزخان بعد استيلائه على بغداد إلى الشام في سنة ثمان وخمسين وستمائة، بعث إلى عز الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان المذكورين بالطّلب، فحضرا إليه وحضرا معه فتح حلب، ومعهما معين الدين سليمان البرواناه صاحب دقليم، فاختار هولاكو
(5/342)

أن يكون البرواناه المذكور سفيرا بينه وبينهما، ثم هلك بيدو الشّحنة ببلاد الروم.
وولي بعده ابنه (صمغان) ثم غلب ركن الدين قليج أرسلان على أخيه (عز الدين كيكاوس) وبقي في الملك وحده، وفرّ كيكاوس إلى (ميخائيل اللشكري) صاحب القسطنطينيّة، فأقام عنده حتّى بلغه عنه ما غيّر خاطره عليه فقبض عليه واعتقله حتّى مات.
واستبدّ ركن الدين قليج أرسلان بسائر بلاد الروم، فغلب على أمره معين الدين سليمان البرواناه المقدّم ذكره، ولم يزل حتّى قتله.
وأقام ابنه (غياث الدين كيخسرو) بن قليج أرسلان مكانه واستولى عليه وحجره، وصار البرواناه هو المستولي على بلاد الروم والقائم بملكها.
ثم دخل (الظاهر «1» بيبرس) صاحب الديار المصرية إلى بلاد الروم في سنة خمس وسبعين وستمائة، ولقيه صمغان بن بيدو الشّحنة من جهة التتار على بلاد الروم في جيش التّتر، فهزمهم وقتل وأسر، وسار إلى قيساريّة فملكها وجلس على تخت آل سلجوق بها، ثم رجع إلى بلاده.
وبلغ ذلك (أبغا) بن هولاكو صاحب إيران، فسار في جموعه إلى قيساريّة ورأى مصارع قومه فشقّ عليه، واتهم البرواناه في ممالأة الظاهر، فقبض عليه وقتله.
واستقلّ (غياث الدّين كيخسرو) بن ركن الدين قليج أرسلان بالملك بعده.
ثم لمّا ولي (أرغون) بن أبغا مملكة إيران بعد أبيه، قبض على غياث الدين كيخسرو وقتله في سنة إحدى وثمانين وستمائة.
وأقام مكانه (مسعودا) ابن عمه كيكاوس، وعزل صمغان بن بيدو
(5/343)

الشّحنة. وولّى مكانه أميرا اسمه (أولاكو) وبقي مسعود بن كيخسرو في الملك وليس له منه سوى الاسم، والمتحدّث هو الشّحنة الذي من جهة التتر إلى أن مات في سنة ثمان عشرة وسبعمائة، واستقلّ الشّحنة بالمملكة. وبقي أمراء التتر يتغالبون على الشّحنكيّة واحدا بعد واحد إلى أن كان منهم الأمير (سلامش) وبقي بها مدّة. ثم انحرف عن طاعة بيت هولاكو صاحب إيران، وكتب إلى الملك المنصور لاچين صاحب الديار المصرية يطلب تقليدا بأن يكون حاكما بجميع بلاد الرّوم، وأن يكون (أولاد قرمان) ومن عداهم في طاعته، فكتب له تقليد بذلك بإنشاء الشيخ شهاب الدين «محمود الحلبي» على ما سيأتي ذكره في الكلام على التقاليد فيما بعد إن شاء الله تعالى في المقالة الخامسة.
ثم خاف على نفسه من (غازان) صاحب إيران، ففرّ إلى الديار المصرية في الدولة المنصورية لاچين، ثم عاد إلى بلاد الروم لإحضار من تأخّر من أهله فقبضت عليه عساكر غازان وحملته إليه فقتله. ولم يزل أمرهم على التنقل من أمير إلى أمير من أمراء التتر إلى أن كان منهم الأمير (برغلي) وهو الذي قتل هيتوم ملك الأرمن صاحب سيس.
ثم كان بعده في سنة عشرين وسبعمائة الأمير (إبشبغا) .
ثم ولّى أبو سعيد صاحب إيران بعد ذلك على بلاد الرّوم هذه (دمرداش) ابن جوبان سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة فقوي بها ملكه. ثم قتل أبو سعيد جوبان والد دمرداش المذكور، فهرب دمرداش إلى الملك الناصر محمد بن «1» قلاوون صاحب الديار المصرية. وكان سنقر الأشقر أحد أمراء الملك الناصر قد هرب إلى السلطان أبي سعيد فوقع الصلح بين السلطانين على أن كلّا منهما يقتل الذي عنده ففعلا ذلك.
وكان قد بقي ببلاد الروم أمير من أمراء دمرداش اسمه (أرتنا) فبعث إلى
(5/344)

أبي سعيد بطاعته، فولّاه البلاد فملكها، فنزل سيواس واتخذها كرسيّا لملكه، ثم خرج عن طاعة أبي سعيد وكتب إلى الناصر «محمد بن قلاوون» صاحب الديار المصرية، وسأله كتابة تقليد بالبلاد، فكتب إليه بذلك وجهّزت إليه الخلع، فأقام دعوة الخطبة الناصريّة على منابر البلاد الرّوميّة، وضرب السّكّة باسمه، وجهّز بعض الدراهم المضروبة إلى الديار المصرية، وصارت بلاد الروم هذه من مضافات الديار المصرية، ولم يزل (أرتنا) على ذلك إلى أن توفّي سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة.
واستولى على الروم أولاده من بعده إلى أن كان بها (محمد بن أرتنا) في سنة ست وستين وسبعمائة، وبقي حتّى توفّي في حدود الثمانين والسبعمائة وخلّف ابنا صغيرا.
فاستولى عليه الأمير (قليج أرسلان) أحد أمراء دولتهم وكفله.
ثم غدر به (القاضي إبراهيم) صاحب سيواس وقتله في سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة واستولى على مملكة سيواس.
قال في «العبر» : وكان من طوائف التّركمان ببلاد الروم جموع كثيرة، كانوا يستعينون بهم في حروبهم على أعدائهم، وكان كبيرهم في المائة الرابعة أميرا من أمرائهم اسمه (جق) فلما ملك سليمان بن قطلمش المقدّم ذكره قونية وأقصرا بعد أبيه على ما تقدّم ذكره، خرج جق هذا مع «مسلم بن قريش» صاحب الموصل على سليمان بن قطلمش، فلما التقي الجمعان مال (جق) بمن معه من التّركمان إلى سليمان بن قطلمش، فانهزم مسلم بن قريش وقتل، وأقام أولئك التّركمان أيام سليمان بن قطلمش بجبال تلك البلاد وسواحلها. فلما ملك التتر هذه البلاد وصار الملك لقليج أرسلان بعد غلبة أخيه كيكاوس، كان أمراء التّركمان يومئذ (محمد بك) وأخوه (إلياس بك) وصهره (علي بك) وقريبه (سونج) فخرجوا عن طاعة قليج أرسلان وبعثوا بطاعتهم إلى هولاكو صاحب إيران وتقرير إتاوة عليهم على أن يبعث إليهم بلواء الملك على عادة
(5/345)

الملوك، وأن يبعث شحنة من التتر تختصّ بهم، فأجابهم إلى ذلك وقلّدهم الملك وبعث إليهم بلواء. فملّكوا عليهم (محمد بك) .
ثم أرسل هولاكو يطلب محمد بك، فامتنع عليه وخالفه صهره عليّ بك فقدم على هولاكو فقدّمه على قومه مكان محمد بك. ثم جاء محمد بك إلى قليج أرسلان صاحب بلاد الروم مستأمنا فأمّنه ثم قتله، واستقرّ علي بك في امرة التّركمان.
ولما تناقص أمر التتر وضعف ببلاد الروم المذكورة واستقرّ بنو أرتنا بسيواس وأعمالها، غلب هؤلاء على ما وراء الدروب وما كان فتحه التتر من نواحي الشمال إلى خليج القسطنطينيّة.
واشتهر من ملوكهم ستّ طوائف:
الطائفة الأولى (أولاد قرمان)
وهم أصحاب أرمناك وقسطمونية وما والاها من شرق هذه البلاد كما تقدم.
قال في «مسالك الأبصار» : وهم أهل بيت توارثوا هذه البلاد، ولا يخاطب قائم منهم إلا بالإمارة. قال في «التعريف» : وهم أجلّ من لدى ملوكنا من التّركمان: لقرب ديارهم، وتواصل أخبارهم، ولنكايتهم في متملّك سيس وأهل بلاد الأرمن، واجتياحهم لهم من ذلك الجانب، مثل اجتياح عساكرنا لهم من هذا الجانب.
قال: وأكبرهم قدرا، وأفتكهم نابا وظفرا، الأمير (بهاء الدين موسى) وحضر إلى باب السلطان وتلقّي بالإجلال، وأحلّ في ممتدّ الظّلال، وأورد موارد الزّلال، وأري ميامن أسعد من طلعة الهلال، وحجّ مع الركب المصريّ وقضى المناسك، وأسبل في ثرى تلك الرّبا بقيّة دمعه المتماسك، وشكر أمراء الركب دينه المتين، وذكروا ما فيه من حسن اليقين، وعاد إلى الأبواب السلطانية، وأجلس في المرتين مع أمراء المشورة، فأشرك في الرأي وسأل السلطان في منشور يكتب له بما يفتح
(5/346)

بسيفه من بلاد الأرمن ليقاتل بعلمه المنشور، ويجتني من شجر المرّان جنى عسله المشور، فكتبه له.
ثم قال: وهم على ما هم عليه يدارون ملوك التتار، وهو ومن سلف من أهل بيته مع ملوك مصر لا تغبّ المكاتبات بينهم، ولا ينقطع بذل خدمته لهم، وإقبالهم عليه، واعتدادهم بموالاته.
قال في «مسالك الأبصار» : وهم عصبة ذات أيد ويد، وجيوش كثيرة العدد، وهم أصحاب الحروب التي ضعضعت الجبال، ولهم مع الأرمن وبلاد التّكفور، وقائع لا يجحدها إلا الكفور، يتخطّفهم عقبانهم القشاعم «1» [وتلتهمهم] «2» أسودهم الضّراغم. قال: وهم أهل بيت ألقى الله عليهم محبة منه، وإذا شاء أميرهم جمع أربعين ألفا. ثم ذكر بعد ذلك بكلام طويل أنهم هم الذين كانوا ألّفوا بين سلامش وبين المنصور لاچين، وأنهم هم الذين لا يرتاب في رأيهم، ولا يطعن في دينهم، بل مهما ورد من جهتهم تلقّي بالقبول، وحمل على أحسن المحامل. ثم قال: وحكي عمّن تردّد إليهم وعرف ما هم عليه أنهم رجال صدق، وقوم صبر، لا تستخفّ لهم حفيظة، ولا تردّ بحنقها لهم صدور مغيظة، ولهذا أمراء الرّوم لا يطأون لهم موطئا يغيظ، ولا يواطئون لهم عدّة شهور في مشتى ولا مقيظ؛ وما أحد ممن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله إلا من يستجيش عليهم بالتتار، ويعدّد عليهم عظام الذنوب الكبار، ووقاية الله تكفيهم، وحياطته عن عيون القوم تخفيهم، ولذلك كان السلطان (محمود غازان) يقول: أنا أطلب الباغي شرقا وغربا، والباغي في ثوبي، يريد أولاد قرمان وتركمان الروم [ومع هذا لم يسلّط عليهم] .
وحكي عن الصدر شمس الدين عبد اللطيف أخي النجيب أنه قال يوما: لولا الأكراد وأولاد قرمان وتركمان الروم، دست بخيلي مغرب الشمس.
(5/347)

الطائفة الثانية (بنو الحميد)
وهم أصحاب أنطاليا وفلك بار على ما تقدّم ذكره، وهم من عظماء ملوك التركمان.
الطائفة الثالثة (بنو أيدين)
وهم أصحاب بركي وما معها، على ما تقدّم ذكره. قال في «مسالك الأبصار» وقد ذكر محمد بن أيدين صاحب بركي المذكورة: وهذا ابن أيدين ما أعرف أن له بمن حوله من ملوك الممالك إلماما، ولا أنّ له أخبارا ترد طروقا ولا إلماما، بل هو في عزلة من كل جانب، لا مخالط ولا مجانب.
الطائفة الرابعة (بنو منتشا. وهم أصحاب فوكة وما معها)
وقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن منهم أولاد دندار. ثم قال: ولهؤلاء بني دندار إلى ملوك مصر انتماء، ولهم من تحف سلاطينها نعماء. قال: وكان بمصر منهم من له إمرة فيها ثم عاد إلى بلاده بعد مهلك تمرتاش بن جوبان، لأنه كان قد ترك بلاده لأجله، وفرّ هاربا من يده لعداوة كان قد اضطرمت بينهما شرورها، واضطربت أمورها، فلمّا خلت من مجاورة تمرتاش تلك البلاد، عاد.
ويقال: إنه قتل ولم يصل إلى بلاده.
الطائفة الخامسة (بنو أورخان بن عثمان جق)
وهو صاحب برسا على ما تقدّم ذكره. قال في «العبر» : وكان قد اتخذ برسا دارا لملكه، ولكنه لم يفارق الخيام إلى القصور، وإنما كان ينزل بخيامه في بسيطها وضواحيها ولم يزل على ذلك إلى أن مات.
(5/348)

وملك بعده ابنه (مراد بك) وتوغّل في بلاد النصرانية فيما وراء الخليج القسطنطينيّ في الجانب الغربيّ، وفتح بلادهم إلى أن قرب من خليج البنادقة، وجبال جنوة، وصير أكثرهم أمراء ورعايا له، وعاث في بلاد الكفّار بما لم يعهد قبله من مثله، وأحاط بالقسطنطينيّة من كل جانب حتّى أعطاه صاحبها الجزية. ولم يزل على ذلك حتّى قتل في حرب الصّقالبة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة.
وملك بعده ابنه (أبو يزيد) فجرى على سنن أبيه، وغلب على قطعة من بلاد الروم هذه فيما بين سيواس وأنطاليا والعلايا، بساحل البحر إلى قريب مدينة بني قرمان، ثم تزوّج في بني قرمان بنت أحدهم وغلب على ما بيده من تلك النواحي، ودخل بنو قرمان وسائر التّركمان في طاعته، ولم يبق خارجا عن ملكه إلا سيواس التي كانت بيد قاضيها (إبراهيم) المتغلّب عليها وملطية الداخلة في مملكة الديار المصرية ومضافاتها على ما تقدّم. ولم يزل على ذلك حتّى قصده تمرلنك «1» بعد تخريب الشام في سنة ثلاث وثمانمائة وقبض عليه، فبقي في يده حتّى مات.
وملك بعده ابنه (سليمان جلبي) وبقي حتّى مات.
فملك بعده أخوه (محمد بن أبي يزيد) بن مراد بك بن عثمان جق، وهو القائم بمملكتها إلى الآن.
قال في «مسالك الأبصار» : ولو قد اجتمعت هذه البلاد لسلطان واحد، وكفّت بها أكفّ المفاسد، لما وسع ملوك الأرض إلا انتجاع سحابه، وارتجاع كل زمان ذاهب في غير جنابه، ثم قال: الله أكبر إن ذلك لملك عظيم، وسلك نظيم، وسلطنة كبرى ودنيا أخرى (ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) *
«2»
(5/349)

الجملة الخامسة (في زيّ أهل هذه المملكة، وترتيب الملك بها)
أما زيّ أهلها فإن لبس السلطان والأمراء والجند أقبية تتريّة ضيقة الأكمام، مزنّدة على الأكفّ، والأمراء منهم يلبسون فوق ذلك أقبية قصار الأكمام من رقيق الخام مضرّبة تضريبا واسعا، وعلى رؤوسهم عمائم من لانس متوسطة المقدار بين الكبر والصّغر، مكوّرة تكويرا خاصّا، حسن الصّنعة، متداخل بعض اللفّات في بعض، ويلبسون خفافا من أدم، وقد شاهدت أميرا من أمرائهم ورد رسولا عن أبي يزيد بن مراد بك بن عثمان إلى الظاهر «برقوق» «1» صاحب الديار المصرية وهو على هذه الهيئة، وكثير من الجند يلبسون الطراطير البيض والحمر المتخذة من اللبد.
وأما ترتيب مملكتهم فلم تتحرّر لي كيفية ذلك إلا أنه قد تقدّم نقلا عن صاحب «العبر» أنهم كانوا يسكنون الخيم ثم نزلوا المدن بعد ذلك، فلا يبعد أن يكون ترتيب ملكهم على نحو من ترتيب التتر والله أعلم.
القسم الثاني (من الجهة الشمالية عن الديار المصرية، ما بيد ملوك النصارى)
وهو ثلاثة أضرب:
الضرب الأوّل (جزائر بحر الروم)
وهو البحر الشاميّ الممتدّ من البحر المحيط الغربيّ، المسمّى (بحر أوقيانوس) إلى ساحل الشام وما على سمته من بلاد الأرمن الممتدّ ساحله الجنوبيّ
(5/350)

على ساحل الديار المصرية، ثم على ساحل برقة، ثم على ساحل أفريقيّة، ثم على ساحل الغرب الأوسط، ثم على ساحل الغرب الأقصى إلى البحر المحيط.
وساحله الشّماليّ على بلاد الرّوم التي شرقيّ الخليج القسطنطينيّ، ثم على سواحل بلاد الروم والفرنجة من غربيّ الخليج المذكور إلى ساحل الأندلس إلى البحر المحيط، على ما تقدّم ذكره في الكلام على البحار في أول هذه المقالة.
وبه إحدى عشرة جزيرة:
إحداها- جزيرة (قبرس)
. قال في «اللباب» : بضم القاف وسكون الباء الموحدة وضم الراء المهملة وفي آخرها سين مهملة. وموقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة قال في «الأطوال» : حيث الطول سبع وخمسون درجة، والعرض خمس وثلاثون درجة. وهي جزيرة في مشارق هذا البحر. قال ابن سعيد: على القرب من ساحل الشام بينها وبين الكرك (بضم الكاف وسكون الراء المهملة من بلاد الأرمن) نحو نصف مجرى. قال: وطولها من الغرب إلى الشرق مائتا ميل، ولها ذنب دقيق في شرقيها. قال الإدريسي: ودورها مائتان وخمسون ميلا ولصاحبها مكاتبة تخصه عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، على ما سيأتي ذكره في الكلام على المكاتبات، في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
الثانية- (جزيرة رودس)
. قال في «تقويم البلدان» : بضم الراء المهملة ثم واو ساكنة ودال مهملة ويقال معجمة مكسورة ثم سين مهملة. وموقعها في الإقليم [الرابع] «1» من الأقاليم السبعة قال في «الأطوال» : حيث الطول إحدى وخمسون درجة وأربعون دقيقة، والعرض ستّ وثلاثون درجة. قال في «تقويم البلدان» :
وهي على حيال الإسكندرية، بين جزيرة المصطكى وجزيرة أقريطش. قال:
وامتدادها من الشّمال إلى الجنوب بانحراف نحو خمسين ميلا، وعرضها نصف ذلك. وبين هذه الجزيرة وبين ذنب جزيرة أقريطش مجرى واحد، وهي من الغرب عن جزيرة قبرس بانحراف إلى الشمال. قال: وبعضها للفرنج، وبعضها
(5/351)

لصاحب اصطنبول (وهي القسطنطينيّة) ومن رودس يجلب العسل الطيب العديم النظير، ولصاحبها مكاتبة تخصه عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية.
الثالثة- (جزيرة أقريطش)
. قال في «اللباب» : بفتح الألف وسكون القاف وكسر الراء المهملة وسكون الياء المثناة من تحت وكسر الطاء وشين معجمة في الآخر. قال في «الروض المعطار» : سميت بذلك لأن أوّل من عمرها كان اسمه (قراطي) قال: وتسمى أيضا (أقريطش البترليش) ومعناها بالعربية مائة مدينة. وهي على سمت برقة، وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة، قال ابن سعيد: ومدينتها حيث الطول سبع وأربعون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض أربعون درجة وثلاثون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي جزيرة عظيمة مشهورة، وامتدادها من الغرب إلى الشرق ودورها ثلاثمائة وخمسون ميلا. وقيل: هذه الأميال إنما هي طولها شرقا بغرب لا دورها، وذكر في «كتاب الأطوال» أن دورها سبعة عشر يوما. قال في «تقويم البلدان» : ومنها يجلب إلى الإسكندرية العسل والجبن وغير ذلك. قال في «الروض المعطار» : وهي جزيرة عامرة، كثيرة الخصب، ذات كروم وأشجار، وبها معدن ذهب. وأكثر مواشيها المعز، وليس بها إبل، ولم يكن بها سبع ولا ثعلب ولا غيرهما من الدوابّ الدابّة بالليل، وكذلك ليس بها حيّة، وإن دخلت إليها حيّة ماتت في عامها. ويقال: إن صناعة الموسيقى أوّل ما ظهرت بها، وبينها وبين ساحل برقة يوم وليلة، وبينها وبين قبرس أربعة مجار، وإليها ينسب الأنتيمون الأقريطشيّ المستعمل في الأدوية. وكان «عبد الله بن أبي سرح» «1» أمير مصر قد افتتحها في زمان إمارته في خلافة «عثمان» رضي الله عنه، وبقيت بأيدي المسلمين حتّى تغلب عليها النصارى في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. قال في «الروض المعطار» : وهي بيد صاحب القسطنطينيّة.
الرابعة- (جزيرة المصطكى)
بفتح الميم وسكون الصاد وفتح الطاء
(5/352)

المهملة والكاف وألف في الآخر. وسمّيت بذلك لأنه ينبت بها شجر المصطكى.
قال في «تقويم البلدان» : وهي جزيرة بالقرب من فم الخليج القسطنطيني. وقال ابن سعيد: هي داخلة في بحر الروم على مائة وخمسين ميلا من فم الخليج القسطنطيني. قال: وطولها من الشّمال إلى الجنوب نحو ستين ميلا. قال: وهي شرقيّ (جزيرة التغريب) وبينهما نحو ثلاثين ميلا. قال في «تقويم البلدان» : وبها ديورة وقرى، ومنها تجلب المصطكى إلى البلاد، وهي صمغ شجر ينبت بها يشبه شجر الفستق الصغار، يشرط في فصل الربيع بمشاريط فتسيل منها المصطكى، ثم تجمد على الشجر، وربما قطر منه شيء على الأرض، والأوّل أجود.
الخامسة- (جزيرة التّغريب)
بالتاء المثناة فوق المفتوحة وسكون الغين المعجمة وكسر الراء المهملة وياء مثناة تحت وباء موحدة في الآخر. قال في «تقويم البلدان» : وهي من الغربة، وموقعها في أواخر الإقليم السادس من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: وطرفها الشرقيّ حيث الطول ثمان وأربعون درجة وخمسون دقيقة، والعرض اثنتان وأربعون درجة وخمس وخمسون دقيقة. وهي جزيرة كبيرة في الغرب عن جزيرة المصطكى المقدّم ذكرها، وامتدادها من المغرب إلى المشرق بانحراف إلى الجنوب مائة وخمسون ميلا، وفي العرض من عشرين ميلا إلى نحو ذلك. قال في «تقويم البلدان» : وهي معروفة بخروج الشّواني والقطائع منها.
السادسة- (جزيرة لمريا)
. قال في «تقويم البلدان» : بفتح اللام وسكون الميم وكسر الراء المهملة ثم ياء مثناة تحتية وألف في الآخر. قال: وعن بعض المسافرين أن بعد المثناة هاء. قال ابن سعيد: وتعرف في الكتب بجزيرة بلونس، وموقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: ووسطها حيث
(5/353)

الطول خمس وأربعون درجة واثنتان وأربعون دقيقة، والعرض ثلاث وأربعون درجة وثلاث عشرة دقيقة. قال: وهي أكبر جزائر الرّوم ودورها على التحقيق سبعمائة ميل، وفيها أخوار وتعريجات، ومدينتها في وسطها.
السابعة- (جزيرة صقلّية)
. قال في «اللباب» : بفتح «1» الصاد المهملة والقاف ولام وياء مثناة من تحت وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة، وبين ذنبها الغربيّ وبين تونس مجرى وستون ميلا، ودورها خمسمائة ميل. وهي على صورة شكل مثلّث حادّ الزاوية: فالزاوية الأولى شمالية، وهناك المجاز الضيق إلى الأرض الكبيرة (يعني التي وراء الأندلس) وهو نحو ستة أميال. والزاوية الثانية جنوبيّة، وهي تقابل برّ طرابلس من أفريقيّة من بلاد الغرب. والزاوية الثالثة غربيّة، وهناك (بركان النار) في جزيرة صغيرة منقطعة شماليّ الزاوية المذكورة، وشماليّ صقلّية بلاد قلفرية الآتي ذكرها في الكلام على الضرب الثاني. قال في «تقويم البلدان» : وصاحب صقلّية في زماننا هذا فرنجيّ من الكيتلان اسمه الريد افريك.
وقاعدتها مدينة (بلزم) بفتح الباء الموحدة واللام وسكون الزاي المعجمة وميم في الآخر. قال ابن سعيد: وهي حيث الطول خمس وثلاثون درجة، والعرض ستّ وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. وبها عدّة مدن غير هذه القاعدة.
منها مدينة (مازر) . قال في «المشترك» : بفتح الزاي المعجمة وبعدها راء مهملة، وإليها ينسب «الإمام المازريّ المالكي» «2» شارح «موطإ مالك» وغيره.
ومنها (قصر يانّة) بلفظ قصر المعروف، ويانّة بفتح الياء المثناة تحت وألف
(5/354)

ونون مشدّدة، وهي مدينة كبيرة على سنّ جبل.
الثامنة- (جزيرة سردانية)
. قال في «تقويم البلدان» : بضم السين «1» وكسر الراء وفتح الدال المهملات ثم ألف ونون مكسورة وياء مثناة تحت مفتوحة وهاء في الآخر. قال: واسمها بالفرنجية صرداني، يعني بابدال السين صادا مهملة وحذف الهاء من الآخر. وهي غربيّ الجزر المتقدّمة الذكر. وموقعها في الإقليم الرابع بين مرسى الخرز من البر الجنوبيّ وبين مملكة بيزة من البرّ الشماليّ. قال في «الأطوال» : وطولها إحدى وثلاثون درجة، وعرضها ثمان وعشرون درجة. قال ابن سعيد: وامتدادها من الطول من الشمال إلى الجنوب مجرى ونصف، وفي غربيها مغاص المرجان الفائق الذي ليس له نظير، وبها معدن فضّة، وهي الآن بيد الفرنج الكيتلانيين، ولملك الكيتلان نائب بها.
التاسعة- (جزيرة قرسقة)
بفتح القاف وسكون الراء المهملة وفتح السين المهملة والقاف وهاء في الآخر. وهي مقابل (جنوة) الآتي ذكرها في الضرب الثاني، وبينها وبين سردانية المتقدّمة الذكر مجاز نحو عشرة أميال، وامتدادها من الشّمال إلى الجنوب مجرى ونصف، ووسطها متّسع، ورأسها من جهة جنوة ضيّق.
العاشرة- (جزيرة أنكلطرة)
بألف ونون ساكنة وكاف مفتوحة ولام مفتوحة وطاء مهملة ساكنة وراء مهملة مفتوحة وهاء في الآخر. قال ابن سعيد: ويقال (أنكلترة) بإبدال الطاء تاء مثناة من فوق. قال: وطول هذه الجزيرة من الجنوب إلى الشمال بانحراف قليل أربعمائة وثلاثون ميلا، واتساعها في الوسط نحو مائتي ميل، وفيها معدن [الذهب] «2» والفضّة والنّحاس [والقصدير] وليس فيها كروم لشدة
(5/355)

البرد بها، وأهلها يحملون الذهب إلى بلاد الفرنج، ويعتاضون عنه الخمر لعدمه عندهم.
وقاعدتها (مدينة لندرس) بلام ونون ودال وراء وسين مهملات. وصاحب هذه الجزيرة يسمى (الانكتار) بنون وكاف وتاء مثناة فوقية وألف وراء مهملة في الآخر. وهو الذي عقد الهدنة بينه وبين الملك العادل «أبي بكر بن أيوب» في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، والملك العادل على عسقلان. وكان من أمره أنه لم يحلف على الهدنة بل أخذت يده وعاهدوه، واحتج بأن الملوك لا يحلفون، وكانت الهدنة بينهما ثلاث سنين وثلاثة أشهر، أولها كانون الأوّل الموافق لحادي عشري شعبان من السنة المذكورة.
الحادية عشرة- (جزيرة السّناقر)
. جمع سنقر وهو الجارح المعروف المقدّم ذكره في الكلام على ما يحتاج الكاتب إلى وصفه في المقالة الأولى. وهي جزيرة على القرب من (جزيرة انكلترة) المقدّمة الذكر. قال ابن سعيد: وامتدادها في الطّول شرقا بغرب سبعة أيام، وفي العرض أربعة أيام. قال في «تقويم البلدان» : ومنها ومن الجزائر التي شماليها تجلب السّناقر التي هي أشرف أنواع الجوارح، وإلى ذلك أشار في «التعريف» في الكلام على أوصاف السّناقر بقوله وهي مجلوبة من البحر الشاميّ. قلت: وجزيرة جربة تقدّم ذكرها مع بلاد أفريقيّة.
وجزيرة ميورقة وجزيرة يانسة وجزيرة قادس تقدّم ذكرها مع جزيرة الاندلس.
(5/356)

الضرب الثاني (ما شماليّ بحر الروم المقدّم ذكره من غربيّ الخليج القسطنطينيّ مما يمتدّ غربا إلى البحر المحيط الغربيّ، وما يتصل بذلك مما شماليّ بحر نيطش المعروف ببحر القرم إلى أقصى الشمال، وهو جهتان)
الجهة الأولى (ما هو في جهة الغرب عن الخليج القسطنطينيّ. وهو قطران)
القطر الأوّل (ما بين الخليج المذكور وبين جزيرة الأندلس، وما على سمت ذلك. ويشتمل على ممالك كبار وممالك صغار)
فأما الممالك الكبار، فالمشهور منها خمس ممالك
: المملكة الأولى (مملكة القسطنطينية)
قال في «اللباب» : بضم القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون النون وكسر الطاء الثانية وسكون المثناة من تحت ثم نون (يعني مفتوحة) ثم هاء في الآخر. قال في «تقويم البلدان» : وتسمّى بوزنطيا يعني بالباء الموحدة والواو والزاي المعجمة والنون والطاء المهملة ثم ياء مثناة من تحت وألف في الآخر. وربما قالوا: بوزنطية بابدال الألف هاء. وموقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال في «رسم المعمور» : حيث الطول ثمان وأربعون درجة، والعرض خمس وأربعون درجة، وواقفه على ذلك صاحب «الأطوال» وصاحب «القانون» وابن سعيد: وهي قاعدة الرّوم بعد رومية وعمّورية، وهي المستقرّة قاعدة ملك لهم إلى الآن.
قال في «الروض المعطار» : نزل رومية من ملوك الروم عشرون ملكا، ثم نزل عمّورية منهم ملكان، ثم عادت المملكة إلى رومية فنزلها منهم ملكان، ثم
(5/357)

ملك (قسطنطين) بن هيلاني، فجدّد بناء بوزنطية وزاد في بنائها، وسمّاها قسطنطينيّة نسبة إليه ونزل بها فصارت دار ملك للرّوم بعده إلى الآن. قال: وهي على ضفّة الخليج المنصبّ من بحر نيطش ومانيطش إلى بحر الرّوم، وقد صار هذا الخليج مشهورا بها. فيقال فيه (الخليج القسطنطينيّ) كما تقدّم. وجهاتها الثلاث من الشرق والغرب والجنوب إلى البحر، والجهة الرابعة وهي الشّمال إلى البرّ، وقطرها من الشرق إلى الغرب ثمانية وعشرون ميلا، ولها سوران من حجارة بينهما فضاء ستّون ذراعا، وعرض السّور الداخل اثنا عشر ذراعا، وارتفاعه اثنان وسبعون ذراعا، وعرض السّور الخارج ثمانية أذرع، وارتفاعه اثنان وأربعون ذراعا، وفيما بين السّورين نهر يسمّى (قسطنطينيانوس) مغطّى ببلاط من نحاس، يشتمل على اثنين وأربعين ألف بلاطة، طول كلّ بلاطة ستة وأربعون ذراعا، وعمق النهر اثنان وأربعون ذراعا. ولها نحو مائة باب أكبرها باب الذهب: وهو باب في شماليّها، طوله أحد وعشرون ذراعا، وهو مضبّب «1» بالحديد، وبه أعمدة من ذهب، وبها قصر في غاية الكبر والعلوّ، وطريقة الذي يتوصل إليه منه يعرف بالبدندون. وهو من عجائب الدنيا، يمشى فيه بين سطرين من صور مفرّغة من النّحاس البديع الصّناعة على صور الآدميين وأنواع الخيل والسّباع وغير ذلك، وفي القصر ضروب من عجائب المصنوعات.
قال في «تقويم البلدان» : وحكى لي بعض من سافر إليها أن داخلها مزدرع وبساتين، وبها خراب كثير، وأكثر عمارتها في الجانب الشرقيّ الشّمالي، وكنيستها مستطيلة، وإلى جانب الكنيسة عمود عال دوره أكثر من ثلاثة باعات، وعلى رأسه فارس وفرس من نحاس، وفي إحدى يديه حربة كبيرة، وقد فتح أصابع يده الأخرى وهو مشير بها. قيل: إن ذلك صورة (قسطنطين) باني المدينة. قال في العزيزيّ: ولها أربع عشرة معاملة.
واعلم أن هذه المملكة كانت أوّلا بيد اليونان. قال البيهقي: وهم بنو يونان
(5/358)

ابن علجان، بن يافث، بن نوح عليه السّلام. وفي التوراة أن يونان ابن يافث لصلبه، واسمه فيها (يافان) بفاء تقرب من الواو. وخالف الكنديّ فنسبهم إلى عابر بن فالغ فجعل يونان أخا لقحطان، وذكر أنه خرج من اليمن بأهله وولده مغاضبا لأخيه قحطان فنزل ما بين إفرنجة والرّوم، فاختلط نسبه بنسبهم. وردّ عليه أبو «1» العبّاس الناشي في ذلك بقوله: (طويل)
[و] تخلط يونانا بقحطان ضلّة ... لعمري لقد باعدت بينهما جدّا!
وقيل إنهم إنما نجموا من رجل يقال له (الكن) ولد سنة سبع وأربعين لوفاة موسى عليه السّلام.
وكانت قاعدة ملكهم الأولى (مدينة أغريقية) . وهي مدينة بناها (أغريقش) ابن يونان المقدّم ذكره على الجانب الغربيّ من الخليج القسطنطيني، وهي أوّل مدنهم، ثم هدمها هيليوس أحد ملوكهم وبنى (مدينة مقدونية «2» ) في وسط المملكة بالجانب الغربيّ أيضا ونزلها فصارت منزلا لملوكهم من بعده، وإليها ينسب ملوكهم فيقال ملوك مقدونية، وقد كان يقال للإسكندر بن فيلبس المقدوني نسبة إلى مقدونية هذه. ومن طائفة اليونان كان معظم الحكماء الذين عنهم أخذت علوم الفلسفة، ومنهم بقراط وسقراط وأفلاطن وأرسطو طاليس وإقليدس وغيرهم من الحكماء.
(5/359)

وكان لهم عدّة ملوك، أوّلهم (يونان) بن يافث بن نوح.
ثم ملك بعده ابنه (أغريقش) وهو الذي بنى مدينة أغريقيّة المتقدّم ذكرها.
وتوالى الملك في ولده، وقهروا اللّطينيّين ودال ملكهم في أرمينية.
ثم ملك (هرقل الجبّار) بن ملكان، بن سلقوس، بن أغريقش.
ثم ملك بعده ابنه (بلاق) وإليه تنسب الأمّة البلاقيّة التي هي الآن على بحر سوداق، واتصل الملك في عقب بلاق المذكور إلى أن ظهر عليهم إخوانهم الروم واستبدوا بالملك.
فكان أوّلهم (هردوس) بن مطرون، بن رومي، بن يونان، فملك الأمم الثلاثة، وصار اسمه لقبا لكل من ملك بعده.
ثم ملك بعده ابنه (هرمس) وحاربه الفرس فقهروه وضربوا عليه الإتاوة.
ثم ملك بعده ابنه (مطرنوس) فحمل الإتاوة للفرس.
ثم ملك بعده (فيلبوس) فظهر على الأعداء وهدم مدينة أغريقيّة، وبنى مدينة مقدونية المتقدّم ذكرها، وكان محبّا في الحكمة فكثر الحكماء في دولته.
ثم ملك بعده ابنه (الإسكندر) فاستقام له الأمر وملك الشام، وبيت المقدس، والهند، والسّند، وبلاد الصين، والتّبّت، وخراسان، وبلاد التّرك، وذلّت له سائر الملوك، وهاداه أهل المغرب والأندلس والسّودان، وبنى مدينة الإسكندريّة بالديار المصرية عند مصبّ النيل على ساحل البحر الرّومي، وبنى بالسّند أيضا مدينة سماها الإسكندريّة، ورجع إلى بابل فمات بها، وعرض الملك على ابنه إسكندروس فأبى واختار الرّهبانيّة.
ثم ملك بعده (لوغوس) من بيت الملك، وتلقب (بطليموس) فصار ذلك علما على كل من ملك منهم. وقيل: هو بطليموس بن لاوى صاحب عسكر الإسكندرية. وهلك لأربعين سنة من ملكه.
(5/360)

وملك بعده ابنه (فلديفش) فأقام ثمانيا وثلاثين سنة، وترجمت له التوراة من العبرانيّ إلى الرّومي.
ثم ملك بعده ابنه (أنطرطيش) فأقام ستّا وعشرين سنة وهلك.
فملك بعده أخوه (قلوباظر) فأقام سبع عشرة سنة وهلك.
فملك بعده ابنه (أبيفانش) فأقام أربعا وعشرين سنة.
وملك بعده ابنه (قلوماظر) فأقام خمسا وثلاثين سنة. وكان مقرّه الإسكندرية وهلك.
فملك بعده ابنه (إبرياطش) فأقام سبعا وعشرين سنة. وعلى عهده استفحل ملك رومة، وملكوا الأندلس وأفريقيّة وهلك.
فملك بعده ابنه (شوظا) فأقام سبع عشرة سنة، وهلك.
فملك بعده أخوه (الإسكندر) فأقام عشر سنين وهلك.
فملك بعده (دنونشيش) بن شوظا، فأقام ثمانيا وثلاثين سنة، وفي أيامه ملك الرّوم بيت المقدس وأنطاكية، وهلك.
فملك بعده بنته (كلابطرة) فأقامت سنتين، وكان سكنها الإسكندرية.
وكان الملك على الروم يومئذ أغشطش قيصر ملك الروم، فقصدها، فاحتالت بأن اتخذت حيّة توجد بين الحجاز والشام، فلمست الحية فيبست مكانها، وبقيت الحية في رياحين حولها، وحضر أغشطش فوجدها جالسة ولم يشعر بموتها، فتناول من الرياحين ليشمّها فلسعته الحية فمات. وزالت دولة اليونان بزوالها.
هكذا رتّبهم (هروشيوش مؤرّخ الروم) وسبب ذلك أن الروم واليونان كانوا متجاورين متلاصقين لعلاقة النّسب فقد نقل ابن سعيد عن البيهقي أن الرّوم من ولد روميّ بن يونان المقدّم ذكره. وقيل هم بنو لطين بن يونان أخي روميّ المذكور، ولذلك يقال لهم اللّطينيّون. وقيل هم من بني كيتم بن ياثان وهو يونان. وقيل بل هم من بني عيصو بن إسحاق بن إبراهيم عليه السّلام.
(5/361)

قال صاحب حماة في تاريخه: وكان أوّل ظهورهم في سنة ستّ وتسعين وثلاثمائة لوفاة موسى عليه السّلام. قال: وهم يعرفون ببني الأصفر، والأصفر هو رويم بن العيص. قال في «العبر» : وذلك أنه لما خرج يوسف عليه السّلام من مصر بأبيه يعقوب ليدفنه بالشأم عند الخليل عليه السّلام، اعترضه بنو عيصو فحاربهم وهزمهم، وأسر منهم صفوا بن إليفار بن عيصو، وبعث به إلى أفريقيّة، فأقام بها واتصل بملكها واشتهر بالشجاعة، ثم هرب من أفريقيّة إلى أسبانية، فزوّجوه وملّكوه عليهم، فأقام في الملك خمسا وخمسين سنة، وبقي الملك في عقبه إلى أن كان منهم ملك اسمه (روميش) فبنى مدينة رومية وسكنها فعرفت به.
وبالجملة فإنهم كانوا مجاورين لهم: الروم في المغرب، واليونان في المشرق، فوقعت الحرب بينهم، وكانت الغلبة للروم على اليونان مرة بعد أخرى إلى أن كانت غلبة أغشطش على قلوبطرا على ما تقدّم ذكره.
ثم ملوك الرّوم على طبقات:
الطبقة الأولى (من ملك منهم قبل القياصرة)
قال «هروشيوش» مؤرّخ الرّوم: وأوّل من ملك منهم (بيقش) بن شطونش ابن يوب، في آخر الألف الرابع من أوّل العالم على زمن تيه بني إسرائيل.
ثم ملك بعده ابنه (بريامش) واتصل الملك في عقب بيقش المذكور وإخوته إلى أن كان منهم كرمنش بن مرسية بن شبين بن مزكة، بعد أربعة آلاف وخمسين لأوّل العالم في زمن بار بن كلعاد من ملوك بني إسرائيل، وهو الذي ألّف حروف اللسان اللّطينيّ ولم تكن قبله.
ثم كان منهم (أناش) من عقب بريامش بن بيقش المتقدّم ذكره لأربعة آلاف ومائة وعشرين للعالم.
وفي أيامه خرّب الأغريقيّون مدينة طروبة المتقدّم ذكرها في قواعد مملكتهم.
(5/362)

ثم ملك بعده ابنه (أشكنانيش) وهو الذي بنى مدينة ألبا، ثم اتصل الملك فيهم إلى أن افترق أمرهم، ثم كان من أعقابهم برقاش على عهد عزيا بن أمصيا من ملوك بني إسرائيل. واتصل الملك لابنه ثم لحافديه روملش وراملش لأربعة آلاف وخمسمائة سنة للعالم. وهما اللذان اختطّا مدينة رومية، وكان الرّوم بعد روملش وراملش وانقراض عقبهم قد سئموا ولاية الملوك عليهم، فصيّروا أمرهم شورى بين سبعين وزيرا. وقال ابن العميد: كانوا يقدّمون شيخا بعد شيخ، ولم يزل أمرهم على ذلك مدّة سبعمائة سنة، تقترع الوزراء في كلّ سنة، فيخرج قائد منهم إلى كل ناحية على ما توجبه القرعة، فيحاربون الأمم والطوائف، ويفتحون الممالك حتّى ملكوا الاندلس وأثخنوا في الجلالقة، وملكوا سمّورية «1» مدينة القوط، واستولوا على الشأم وأرض الحجاز، وافتتحوا بيت المقدس وأسروا ملكها، وكانت الحرب بينهم وبين الفرس سجالا إلى أن كانت القياصرة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الطبقة الثانية (القياصرة قبل ظهور دين النّصرانية فيهم)
قال ابن العميد: لم يزل تدبير المشايخ الذين رتّبوهم نافذا فيهم، إلى أن كان آخرهم أغانيوش فدبّرهم أربع سنين وتسمّى قيصر، وهو أوّل من تسمّى بذلك من ملوكهم، ثم صار سمة لمن بعده. وسيأتي الكلام على معنى هذه اللفظة.
ثم ملك بعده (بوليوش قيصر) ثلاث سنين.
ثم ملك بعده (أوغشطش قيصر) بن مونوخس، وهروشيوش يسمّيه (أكتبيان قيصر) وهو الثاني من القياصرة، وهو الذي سلب ملك كلابطرا آخر ملوك اليونان المقدّم ذكرها. واستولى على مصر والإسكندرية وسائر ممالك اليونان الرّوم.
(5/363)

ويقال: إنه كان آخر قوّاد الشيخ مدبّر رومة، وإنه توجه بالعساكر لفتح الاندلس ففتحها ثم عاد إلى رومة فملكها وطرد الشيخ عنها، ووافقه الناس على ذلك، ثم قتل نائبه بناحية المشرق واستولى عليها لثنتي عشرة سنة من ملكه [ولثنتين وأربعين سنة من ملك أغشطش ولد المسيح بعد مولد يحيى بثلاثة أشهر وذلك] «1» لتمام خمسة آلاف وخمسمائة سنة شمسيّة للعالم.
ثم ملك من بعده ابنه (طباريش قيصر) فاستولى على النّواحي، وفي أيامه كان رفع المسيح عليه السّلام وافتراق الحواريّين في الآفاق لإقامة الدّين وحمل الأمم على عبادة الله تعالى. ومات لثلاث وعشرين سنة من ملكه بعد أن جدّد مدينة طبريّة واشتقّ اسمها من اسمه.
ثم ملك من بعده (غابيش قيصر) وهو الرابع من القياصرة. وقال هروشيوش: وهو أخو طباريش، وسماه غابيش قليفة بن أكتبيان. قال ابن العميد:
ووقعت في أيامه شدّة على النصارى، وقتل يعقوب أخاه يوحنّا من الحواريّين، وحبس بطرس رأسهم، ثم وثب عليه بعض قوّاده فقتله.
وملك من بعده (فلوديش قيصر) وهو الخامس من القياصرة. قال هروشيوش: هو ابن طباريش المتقدّم ذكره فيكون أخا «2» غابيش، وعلى عهده كتب متّى الحواريّ إنجيله في بيت المقدس بالعبرانية، ونقله يوحنّا بن زندي إلى الروميّة، وكتب بطرس رأس الحواريّين إنجيله بالروميّة وبعث به إلى بعض أكابر الرّوم، وهلك فلوديش قيصر لأربع عشرة سنة من ملكه.
وملك بعده ابنه (نيرون قيصر) وهو السادس من القياصرة، وكان غشوما
(5/364)

فاسقا، فأنكر على من أخذ بدين المسيح وقتلهم، وقتل بطرس وبولس الحواريّين، وقتل مرقص الإنجيليّ: بطرك الإسكندرية لثنتي عشرة سنة من ملكه. وفي أيامه هدم اليهود كنيسة النصارى بالقدس، ودفنوا خشبتي الصّليب بزعمهم في الزّبالة. قال هروشيوش: وقتله جماعة من قوّاده لأربع عشرة سنة من ملكه، وانقطع ملك آل يوليوش قيصر لمائة وستّ عشرة سنة من أوّل ملكهم، قال هروشيوش: وكان نيرون قيصر قد وجّه قائدا إلى جهة الأندلس فافتتحها وعاد إلى رومة بعد مهلك نيرون قيصر فملّكه الروم عليهم. وكان لنيرون قيصر صهر على أخته يسمّى (يشبشيان) ، وابن العميد يسميه (إشبا شيانس) وكان نيرون قيصر قد وجهه لفتح بيت المقدس ففتحه وعاد فقتل ذلك القائد الذي استولى على المملكة بعد نيرون قيصر، وملك مكانه، وتسمّى قيصر كمن كان قبله واستقام له الملك، هكذا ذكره هروشيوش.
والذي ذكره ابن العميد أنه لما هلك نيرون قيصر وإشباشيانس الذي سماه هروشيوش يشبشيان [محاصر للقدس] «1» ملّك الروم عليهم غلياش قيصر، فأقام تسعة أشهر وكان رديء السيرة فقتله بعض خدمه.
ثم ملّكوا عوضه (أنون) ثلاثة أشهر، وملّكوا (بطالس) ثمانية أشهر، وسار إليه اشباشيانس الذي يسمّيه هروشيوش يشبشيان فقتله وهلك اشباشيانس المذكور لتسع سنين من ملكه.
وملك بعده ابنه (طيطش قيصر) لأربعمائة سنة من ملك الإسكندر، فأقام فيهم سنتين وقيل ثلاثا وقيل أربعا، وكان حسن السيرة متفنّنا في العلوم.
ثم ملك بعده أخوه (دومريان قيصر) وقيل اسمه دوسطيانوس، وقيل
(5/365)

دوماطيانوس، فأقام خمس عشرة سنة، وقيل ستّ عشرة سنة، وقيل تسع سنين، وهو ابن أخت نيرون قيصر المتقدّم ذكره، وكان ظلوما غاشما فحبس يوحنّا الحواريّ، وأمر بقتل النصارى ونفيهم، وقتل اليهود من نسل داود حذار أن يملكوا وهلك في حرب الفرنج.
وملك بعده (نربا) ابن أخيه طيطش، وقيل اسمه تاوداس، وقيل قارون، وقيل: برسطوس، فأقام نحوا من سنتين أو سنة ونصفا، فأحسن السّيرة وأمر بردّ من نفي من النصارى وخلّاهم ودينهم، ولم يكن له ولد.
فعهد بالملك إلى (طريانش) من عظماء قوّاده، وقيل: اسمه أنديانوش، وقيل طرينوس، فملك بعده وتسمّى قيصر، فأقام تسع عشرة سنة، ولقي النصارى في أيامه شدّة وتتبع أئمّتهم بالقتل واستعبد عامّتهم، وفي زمنه كتب يوحنّا إنجيله برومة في بعض الجزائر، وهلك طريانش المذكور لتسع عشرة سنة من ولايته.
وملك بعده (أندريانوس) فأقام إحدى «1» وعشرين سنة، وقيل عشرين سنة وهو الذي بنى مدينة القدس وسماها إيليا، وكان شديدا على النصارى وقتل منهم خلقا كثيرا، وأخذ الناس بعبادة الأوثان، وألزم أهل مصر حفر خليج من النيل إلى القلزم «2» فحفروه وأجروا فيه ماء النيل ثم ارتدم بعد ذلك.
ولما جاء الفتح الإسلاميّ ألزمهم عمرو بن العاص «3» رضي الله عنه حفره
(5/366)

فحفروه وجرى فيه الماء ثم ارتدم أيضا، وبقي على ذلك مردوما إلى زماننا. ومات أندريانوس لإحدى وعشرين سنة من ملكه.
فملك بعده ابنه (انطونيش) وتسمّى (قيصر الرحيم) فأقام ثنتين وعشرين سنة، وقيل إحدى وعشرين سنة وهلك.
فملك بعده أخوه (أوراليانس) وقيل اسمه اورالش، وقيل اسمه أنطونيش الأصغر، وأصاب الأرض في زمنه قحط ووباء عظيم، وأصاب النصارى في أيامه شدّة عظيمة، وقتل منهم خلقا كثيرا، وهلك لتسع عشرة سنة من ملكه.
وملك من بعده ابنه (كمودة) ويقال بالقاف بدل الكاف، فأقام ثلاث عشرة سنة، وقيل اثنتي عشرة سنة. وفي عاشرة ملكه ظهر «أردشير «1» بن بابك» أوّل ملوك الساسانية من الفرس. وفي زمنه كان «جالينوس» اليونانيّ المشهور بالطّب، و «بقراطس» الحكيم، ومات كمودة المذكور.
فملك بعده (ورمتيلوش قيصر) وقيل اسمه برطنوش، وقيل اسمه فرطيخوس، وقيل برطانوس، وقيل ألبيش بن طنجيش فأقام ثلاثة أشهر، وقيل شهرين، وقيل سنة، وقتله بعض قوّاده.
فملك بعده (يوليانوس قيصر) فأقام شهرين ومات.
فملك بعده (سوريانوس قيصر) وقيل اسمه سورس، وقيل طباريش، فأقام تسع عشرة سنة، وقيل ثمان عشرة، وقيل ستّ عشرة، وقيل ثلاث عشرة، وقيل ستّ سنين، واشتدّ على النصارى وفتك فيهم وسار إلى مصر والإسكندرية فقتلهم، وهدم كنائسهم وشرّدهم في البلاد، وهلك.
فملك من بعده (أنطونيش قيصر) وقيل أنطونيش قسطس لخمس وعشرين سنة وخمسمائة لغلبة الإسكندر، فأقام ستّ سنين، وقيل سبع سنين،
(5/367)

وضعف عن مقاومة الفرس فغلبوا على أكثر مدن الشأم، ونواحي أرمينية، وهلك في حروبهم.
فملك بعده (مقرين قيصر) بن مزكة، وقيل اسمه مقرونيوس، وقيل مرقيانوس، فأقام سنة وقتله قوّاد رومة.
ثم ملك من بعده (أنطونيش) قيل ثلاث سنين، وقيل أربع سنين، وفي أوّل سنة من ملكه بنيت مدينة عمواس بأرض فلسطين من الشأم وملك سابور بن أردشير مدنا كثيرة من الشام؛ ومات.
فملك من بعده (اسكندروس) فأقام ثلاث عشرة سنة، وقيل عشرين سنة، وكانت أمّه نصرانيّة، فكانت النصارى معه في سعة من أمرهم. قال هروشيوش:
ولعشر من ملكه غزا فارس وقتل سابور بن أردشير ملك الفرس، وثار عليه أهل رومة فقتلوه.
وملك بعده (مخشميان) بن لوجيه، وقيل اسمه نقيموس، فأقام ثلاث سنين ولقي النصارى منه شدّة عظيمة. قال ابن العميد: وفي ثالثة ملكه مات سابور ابن أردشير، وهو خلاف ما تقدّم من كلام هروشيوش أنه قتله [اسكندروس] في العاشرة من ملكه، وهلك.
فملك بعده (يونيوش) وقيل اسمه لوكيوش قيصر، وقيل بلينايوس، فأقام ثلاثة أشهر وقتل.
ثم ملك بعده (غرديانوس قيصر) وقيل اسمه فودينوس، وقيل فرطانوس وقيل غرديان بن بلنسيان، فأقام ستّ سنين، وقيل سبع سنين، وطالت حروبه مع الفرس، وقتله أصحابه على نهر الفرات.
وملك بعده (فلفش قيصر) بن أوليان بن أنطونيش، فأقام سبع سنين، وقيل ستّ سنين، وقيل تسع سنين، ودان بدين النصرانية، وهو أوّل من تنصرّ من ملوك الروم، وقتله قائد من قوّاده.
(5/368)

وملك ذلك القائد الذي قتله مكانه، وكان من أولاد الملوك. واسمه داجية ابن مخشميان فأقام خمس سنين، وقيل سنتين، وقيل سنة، وكان يعبد الأصنام، ولقي النصارى منه شدّة قيل وفي أيامه كانت قصّة أهل الكهف مع ملكهم؛ وهلك.
فملك من بعده (غالش قيصر) فأقام سنتين، وقيل ثلاث سنين، واستتبع في قتل النصارى، وكان في أيامه وباء عظيم أقفرت منه المدن، ومات.
فملك بعده (والاريانس) لسبعين وخمسمائة لغلبة الإسكندر، وقيل اسمه غاليوش، وقيل أقيوس وغاليوش ابنه، وقيل أورليوس، وقيل غليوش، وقيل أدرياليانوس، فأقام إحدى عشرة سنة، وقيل خمس عشرة سنة، وقيل أربع عشرة سنة، وقيل خمس سنين، وكان يعبد الأصنام فلقي النصارى منه شدّة عظيمة، ووقع في أيامه وباء عظيم فرفع الطلب عن النصارى بسببه. وفي أيامه خرج القوط من بلادهم وتغلّبوا على بلاد مقدونية وبلاد النّبط واقتلعوها منه، وقتله بعض قوّاد رومة.
وملك بعده (افلوديوش قيصر) لثمانين وخمسمائة للإسكندر، فأقام سنة واحدة، وقيل سنة وتسعة أشهر، وقيل هو فلوديش بن بلاريان، ولم يكن من بيت الملك وأقام سنتين، وقيل ملك [بعده أخوه] «1» قنطل فأقام سبعة عشر يوما، ودفع القوط عن مقدونية وأرمينية وقتله بعض قوّاده.
ثم ملك (أوريليانس) وقيل اسمه أوراليوس، وقيل أورينوس، وقيل أروليوس، وقيل أوراليان بن بلنسيان، فأقام ستّ سنين، وقيل خمس سنين، وأشتدّ على النصارى وجدّد بناء رومة وفي سادسة ملكه ولد قسطنطين، ثم قتل.
وملك بعده (طافيش بن اليش) وقيل اسمه طافسيوس، وقيل طافساس، فأقام نحو سنة، وقيل تسعة أشهر، وقيل ستة أشهر.
(5/369)

ثم ملك بعده (فروفش قيصر) وقيل اسمه فرويس، وقيل برويش، وقيل ولاكيوش، وقيل ارفيون، فأقام خمس سنين، وقيل ستّ سنين وقيل سبع سنين، وقتله قوّاد رومة.
ثم ملك بعده (قاريوش قيصر) وقيل اسمه قوروش، وقيل قاروش لخمسمائة وثنتين وتسعين للإسكندر في زمن سابور ذي الأكتاف: أحد ملوك الساسانيّة من الفرس، فأقام سنتين، وقيل ثلاث سنين، وتغلّب على كثير من بلاد الفرس، واشتدّ على النصارى وقتل منهم خلقا كثيرا وهلك في الحرب.
فملك بعده ابنه (مناريان) وقتل لوقته.
ثم ملك من بعده (ديقلاديانوس) لخمسمائة وخمس وتسعين سنة للإسكندر، وقيل اسمه دقلطيانوس، وقيل غرنيطا، فأقام إحدى وعشرين سنة، وقيل عشرين سنة، وقيل ثمان عشرة ولقي النصارى منه شدّة وأمر بغلق الكنائس، وقتل جملة من أعيان النصارى، وهلك.
فملك بعده ابنه (مقسيمانوس قيصر) فأقام سبع سنين، وقيل سنة واحدة.
وكان شريكه في الملك (مفطوس) وهو أشدّ كفرا منه، ولقي النصارى منهما شدّة عظيمة وقتل منهم خلقا كثيرا، ووقع في كلام هروشيوش ما يخالف هذا الترتيب، ولا حاجة بنا إلى ذكره.
الطبقة الثالثة (القياصرة المتنصّرة إلى الفتح الإسلاميّ)
وكانوا يدينون أوّلا بدين الصابئة، ثم دانوا بدين المجوسية، ثم بعد ظهور الحواريّين، وتسلّطهم عليهم مرة بعد أخرى أخذوا بدين النّصرانية، وكان أوّل من أخذ منهم به قسطنطين بن قسطنش بن وليتنوش، وكان قد خرج على مقسيمانوس قيصر: آخر القياصرة من الطبقة الثانية، فهزمه ورجع مقسيمانوس إلى رومة، فازدحم عسكره على الجسر فغرق فيمن غرق، ودخل قسطنطين رومة وملكها فبسط العدل، ورفع الجور، وتنصّر لثنتي عشرة سنة من ملكه، وهدم بيوت
(5/370)

الأصنام، وتوجهت أمّه (هلانة) إلى القدس واستخرجت خشبة الصّلبوت بزعمهم من تحت القمامات وبنت مكانها كنيسة قمامة، وذلك لثلاثمائة وثمان وعشرين سنة من مولد المسيح عليه السّلام. وفي السنة التاسعة عشرة من ملكه كان مجمع الأساقفة بنيقية، ولما تنصّر قسطنطين وخرج عن دين المجوسيّة، خاف من قومه فارتحل من رومة إلى مدينة بوزنطية فجدّدها وزاد فيها وسمّاها القسطنطينيّة باسمه وأقام في الملك خمسين سنة: منها ببوزنطية ستّ وعشرون سنة قبل غلبة مقسيمانوس، وأربع وعشرون بعد استيلائه على الرّوم وهلك لستمائة وخمسين للإسكندر.
وملك بعده ابنه (قسطنطين الأصغر) بن قسطنطين، بن قسطنطين، بن قسطنش فأقام أربعا وعشرين سنة ومات.
فملك بعده ابن عمه (يوليانش) فأقام سنة واحدة، وقيل سنتين، فكان على غير دين النصرانية، فقتل النصارى وعزلهم عن الكنائس واطرحهم من الدّيوان وسار لقتال الفرس فمات من سهم أصابه، وقيل ضلّ في مفازة فقتله أعداؤه.
وملك بعده (يليان) بن قسطنطين سنة واحدة وهلك.
فملك بعده (بوشانوش) فأقام سنة واحدة، وقيل إنما هو بلنسيان بن قسطنطين، وقيل واليطينوش، وانه ملك ثنتي عشرة سنة أو خمس عشرة سنة ثم هلك بالفالج.
وملك بعده أخوه (واليش) وقيل اسمه والاش فأقام أربع سنين، وقيل ثلاث سنين، وقيل سنتين، وقيل إنه كان شريك واليطينوش المتقدّم ذكره في الملك، ثم خرج على واليش خارج من العرب وقتل في حربه.
وملك بعده (اغراديانوس قيصر) وهو أخو واليش، ويقال إن ولنطيانش ويقال والنطوش بن واليش كان شريكا له في الملك فأقام سنة واحدة، وقيل سنتين، وقيل ثلاث سنين، ومات اغراديانوس وابن أخيه في سنة واحدة.
(5/371)

وملك بعدهما (تاوداسيوس) ويقال إنه طودوشيوش لستمائة وتسعين من ملك الإسكندر، فأقام سبع عشرة سنة، وفي الخامسة عشرة من ملكه ظهر أهل الكهف وأفاقوا من نومهم، فأرسل في طلبهم فوجدهم قد ماتوا فأمر أن تبنى عليهم كنيسة ويتّخذ يوم ظهورهم عيدا، وفي أيامه كان المجمع بقسطنطينيّة لمائتين وخمسين سنة من [مجمع] نيقية.
ثم ملك (اركاديش) بن تاوداسيوس، فأقام ثلاث عشرة سنة، وولد له ولد سماه طودوشيوش، فلما كبر هرب إلى مصر وترهّب، وأقام في مغارة في الجبل المقطّم ومات فبنى الملك على قبره كنيسة وديرا يسمّى دير القيصر، وهو دير البغل، وهلك.
فملك بعده ابنه (طودوشيش قيصر) الأصغر، فأقام ثنتين وأربعين سنة.
وفي أيامه كان المجمع الثالث للنصارى بمدينة أفسس، وولّى أخاه أنوريش على رومة واقتسما الملك بينهما، وقيل إن أركاديش بن طودوشيوش ولّى أخاه أنوريش على رومة واقتسما الملك وإنه لما هلك أركاديش استبدّ أخوه أنوريش قيصر بالملك خمس عشرة سنة، وإنه لما هلك ملك من بعده طودوشيش المقدّم ذكره.
ثم ملك (مرقيان قيصر) ويقال بالكاف بدل القاف، فأقام ستّ سنين.
وفي أيامه كان المجمع الرابع بخلقدونية وانقسم النصارى إلى يعقوبيّة وملكية.
ونسطوريّة. وفي أيامه سكن شمعون الحبيس الصّومعة بأنطاكية وترهّب فيها وهو أوّل من فعل ذلك من النصارى، ثم مات مرقيان.
وملك بعده (لاون قيصر) ويعرف بلاون الكبير لسبعمائة وسبعين سنة من ملك الإسكندر، وقيل اسمه ليون بن شميخلية، وكان ملكيّا فأقام ستّ عشرة سنة ومات.
وملك بعده (لاون قيصر) ويعرف بلاون الصغير، وكان يعقوبيّا فأقام سنة واحدة وهلك.
(5/372)

فملك بعده (زينون قيصر) وقيل اسمه سينون بالسين المهملة بدل الزاي، وكان يعقوبيّا فأقام سبع عشرة سنة وهلك.
فملك بعده (نشطاش قيصر) لثمانمائة وثلاث سنين للإسكندر، فأقام سبعا وعشرين سنة، وكان يعقوبيّا وسكن حماة من الشام، وأمر أن تشاد وتحصّن فبنيت في سنتين، وأمر بقتل كلّ امرأة قارئة كاتبة، وهلك.
فملك بعده (يشطيانش قيصر) لثمانمائة وثلاثين للإسكندر، وكان ملكيّا فأقام تسع سنين، وقيل سبع سنين، ويقال إنه كان معه شريك في ملكه يقال له يشطيان، وهلك.
فملك بعده (يشطيانش قيصر) لثمانمائة وأربعين للإسكندر، وكان ملكيّا وهو ابن عم يشطيانش الملك قبله، وقيل كان شريكه فأقام أربعين سنة، وقيل ثلاثا وثلاثين سنة، وأمر بأن يتّخذ عيد الميلاد في الرابع والعشرين من كانون، والغطاس في ستّ منه، وكانا قبل ذلك جميعا في سادسه، وكانت كنيسة بيت لحم بالقدس صغيرة فزاد فيها ووسّعها حتّى صارت على ما هي عليه الآن. وفي أيامه كان المجمع الخامس للنصارى بالقسطنطينيّة وهلك.
فملك بعده (يوشطونش قيصر) لثمانمائة وثمانين سنة للإسكندر في زمن كسرى أنوشروان فأقام ثلاث عشرة سنة، وقيل إحدى عشرة سنة، وهلك.
فملك بعده (طباريش قيصر) لثمانمائة وثنتين وتسعين للإسكندر فأقام ثلاث سنين، وقيل أربع سنين، وهلك.
فملك بعده (موريكش قيصر) لثمانمائة وخمس وتسعين للإسكندر، فأقام عشرين سنة، وكان حسن السّيرة، ووثب عليه بعض مماليكه فقتله.
وملك بعده (قوقاص قيصر) قريب موريكش الملك قبله، وكان هو الذي بعث مملوكه على قتله. وفي أيامه ثار كسرى أبرويز على بلاد الروم، وملك الشام ومصر. فأقاما في ملكة الفرس عشر سنين، وحاصر القسطنطينيّة طلبا لثأر
(5/373)

موريكش لمصاهرة كانت بينهما، فثار الرّوم على قوقاص فقتلته بسبب ما جلبه إليهم من الفتنة.
وملك بعده (هرقل) بن أنطونيش، وقيل هرقل بن هرقل بن أنطونيش لستمائة وإحدى عشرة من تاريخ المسيح، ولألف ومائة من بناء رومة، ولتسعمائة وثنتين وعشرين سنة للإسكندر، ولأوّل سنة من الهجرة، وقيل لإحدى عشرة سنة منها، وقيل لتسع سنين. فارتحل أبرويز عن القسطنطينيّة راجعا إلى بلاده، وأقام هرقل في الملك إحدى وثلاثين سنة ونصفا، وقيل ثنتين وثلاثين سنة، وثار على بلاد الفرس فخرّبها في غيبة كسرى، وضعفت مملكة الفرس بسبب ذلك، واستولى هرقل على ما كان كسرى استولى عليه من بلاده: وهو مصر والشأم، وأعاد بناء ما كان خرّب «1» من الكنائس فيهما، وكتب إليه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يدعوه للإسلام.
قال المسعوديّ، وقيل إن مولد النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم كان في أيام يوشطيانش، وإن ملكه كان عشرين سنة. ثم ملك (هرقل بن نوسطيونس) خمس عشرة سنة، وإليه تنسب الدراهم الهرقليّة. ثم ملك بعده (مورق بن هرقل) . قال: والمشهور بين الناس أن الهجرة وأيام الشيخين، كان ملك الروم لهرقل. قال: وفي كتب السير أن الهجرة كانت على عهد قيصر بن مورق، ثم كان بعده قيصر بن قيصر [ايام أبي بكر ثم هرقل بن قيصر] «2» أيام عمر، وعليه كان الفتح وهو المخرج من الشأم.
الطبقة الرابعة (ملوك الروم بعد الفتح الإسلاميّ إلى زماننا)
قد تقدّم أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعث وهاجر وهرقل ملك الروم، وكتب إليه يدعوه إلى
(5/374)

الإسلام. وبقي هرقل إلى أن افتتح المسلمون الشأم في خلافة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه. فلما غلب المسلمون على أكثر بلاد الشأم، خرج إلى الرّها، ثم علا على نشز من الأرض والتفت إلى الشأم وقال: «السلام عليك يا سور يا سلام لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك روميّ بعدها إلا خائفا» وسار حتّى بلغ القسطنطينيّة فأقام بها، واستولى المسلمون على الشأم ومصر والإسكندرية وأفريقيّة والأندلس، وأستولوا على جزائر البحر الرّومي: مثل صقلّيّة، ودانية، وميورقة وغيرها مما كان بيد الرّوم. وأقام في الملك إحدى وثلاثين سنة، وهلك لإحدى وعشرين سنة من الهجرة.
وملك بعده على الرّوم بقسطنطينيّة ابنه (قسطنطين) بن هرقل فأقام ستة أشهر وقتله بعض نساء أبيه.
وملك بعده أخوه (هرقل) بن هرقل، فتشاءم به الروم فخلعوه وقتلوه.
وملّكوا عليهم (قسطينو بن قسطنطين) فأقام ستّ عشرة سنة. وفي أيامه غزا معاوية بن أبي سفيان بلاد الرّوم وهو أمير على الشأم من قبل عمر بن الخطاب في سنة أربع وعشرين من الهجرة فدوّخ البلاد وفتح منها مدنا كثيرة، ثم أغزى عساكر المسلمين إلى قبرص في البحر في سنة سبع وعشرين، ففتح منها حصونا، وضرب الجزية على أهلها. ومات قسطينو سنة سبع وثلاثين من الهجرة.
فملك بعده ابنه (يوطيانس) فأقام اثنتي عشرة سنة، ومات سنة ثمان وأربعين من الهجرة.
وملك بعده ابنه (لاون) فأقام ثلاث سنين، ومات سنة خمسين من الهجرة.
فملك بعده (طيباريوس قيصر) فمكث سبع سنين. وفي أيامه غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية في عساكر المسلمين وحاصرها مدّة، ثم أفرج عنها واستشهد أبو أيّوب الأنصاريّ «1» في حصارها ودفن في ساحتها، وقتل طيباريوس المذكور
(5/375)

سنة ثمان وخمسين من الهجرة.
وملك بعده (أغشطش قيصر) فذبحه بعض عبيده.
وملك بعده ابنه (إصطفانيوس) في أيام عبد الملك بن مروان ثم خلع.
وملك بعده (لاون) ومات سنة ثمان وسبعين من الهجرة.
وملك بعده (طيباريوس) سبع سنين، ومات سنة ستّ وثمانين من الهجرة.
وملك بعده (سطيانوس) في أيام الوليد بن عبد الملك باني الجامع الأمويّ بدمشق.
ثم ملك بعده (تداوس) في سنة إحدى ومائة من الهجرة، فأقام سنة ونصفا.
ثم ملك بعده (لاون) فأقام أربعا وعشرين سنة.
وملك بعده ابنه (قسطنطين) . وفي أيامه غزا هشام بن عبد الملك الصائفة اليسرى من بلاد الروم، وأخوه سليمان الصائفة اليمنى في سنة ثلاث عشرة ومائة، فلقيهم قسطنطين المذكور في جموع الرّوم فانهزم وأخذ أسيرا ثم أطلق.
ثم ملك بعده رجل اسمه (جرجس) من غير بيت الملك فبقي أيام السّفّاح والمنصور وأمره مضطرب ثم مات.
وملك بعده (قسطنطين) بن لاون، وبنى المدن وأسكنها أهل أرمينية وغيرهم، ثم مات.
وملك بعده ابنه (لاون) وهلك.
فملك بعده (نقفور) وهلك في خلافة الأمين بن الرّشيد.
وملك بعده ابنه (استيراق قيصر) وأقام إلى خلافة المأمون. وفي أيام المأمون غلب قسطنطين [بن فلفط] «1» على مملكة الروم، وطرد ابن نقفور،
(5/376)

هكذا رتبه ابن العميد. وفي كلام المسعوديّ ما يخالفه.
قال المسعوديّ: ثم ملك بعد قسطنطين (نوفيل) أيّام المعتصم «1» ثم ملك من بعده (ميخائيل) بن نوفيل أيّام الواثق «2» والمتوكل «3» ، والمنتصر «4» ، والمستعين «5» ثم تنازع الروم وملّكوا عليهم (نوفيل بن ميخائيل) أيام المعتز «6» ، والمهتدي «7» ، وبعض أيام المعتمد «8» ثم ملك من بعده ابنه (أليون) بن نوفيل [بقية] أيام المعتمد وصدرا من أيام المعتضد «9»
(5/377)

ثم ملك من بعده (الإسكندروس) بن أليون، فنقموا سيرته، فخلعوه.
وملّكوا عليهم أخاه [لاوي] بن أليون، فأقام [بقية] أيام المعتضد والمكتفي «1» ، وصدرا من أيام المقتدر «2» ثم هلك.
وملك ابنه (قسطنطين) صغيرا، وقام بتدبير دولته أرمنوس بطريق البحر، وزوّجه ابنته وتسمّى بالدمستق، والدمستق هو الذي يلي شرق الخليج القسطنطينيّ واتصل ذلك أيام المقتدر «3» والقاهر «4» ، والراضي «5» ، والمتقي «6» ثم افترق أمر الروم.
ثم ظاهر كلام ابن الأثير أن أرمنوس المتقدّم ذكره صار إليه الملك بعد قسطنطين. قال: وكان الدّمستق على عهده قوقاس فملك ملطية من يد المسلمين بالأمان في سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة، وولّى تقفور دمستقا، وهلك أرمنوس وترك ولدين صغيرين وكان تقفور الدمستق غائبا ببلاد المسلمين فلما رجع اجتمع إليه زعماء الروم وقدّموه لتدبير أمر الصغيرين وألبسوه التاج، ثم دسّت عليه أم
(5/378)

زوجة أرمنوس أم الصغيرين، فقتلته في سنة ستين وثلاثمائة.
وقام ابنها الأكبر وهو (بسيل بن أرمنوس) بتدبير ملكه فطالت مدّته، وأقام في الملك نيّفا وسبعين سنة، وهلك بسيل سنة عشر وأربعمائة.
وملك بعده أخوه (قسطنطين) فأقام تسع سنين، ثم هلك عن ثلاث بنات.
فملّك الروم عليهم الكبرى منهن، وقام بأمرها ابن خالها (أرمانوس) وتزوّجت به فاستولى على مملكة الرّوم، ثم مالت زوجته إلى المتحكّم في دولته، واسمه ميخائيل فدسّته عليه فقتله واستولى على الأمر، ثم أصابه الصّرع ودام به.
فعهد لابن أخت له اسمه (ميخائيل) فأحسن السّيرة وطلب من زوجة خاله أن تخلع نفسها عن الملك فأبت فنفاها إلى بعض الجزر، واستولى على المملكة سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وأنكر عليه البطرك خلع المرأة فهمّ بقتله، فنادى البطرك في النصارى بخلعه فخلعوه، واستدعى الملكة التي خلعها وأعادها إلى الملك، ونفت ميخائيل كما نفاها؛ ثم اتفق البطرك والروم على خلعها فخلعت.
وملّكوا عليهم أختها (ندورة) وسملوا ميخائيل فوقع الخلف بسبب ذلك، فأقرعوا بين المترشّحين للملك منهم فخرجت على رجل منهم اسمه (قسطنطين) فملّكوه عليهم وزوّجوه بندورة الملكة في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، ثم توفّي قسطنطين المذكور سنة ستّ وأربعين وأربعمائة.
وملّك على الروم (أرمانوس) وذلك لأوّل دولة السّلجوقيّة، وخرج لبلاد الإسلام [فزحف إليه ألب أرسلان من أذربيجان فهزمه وحصل في أسره، ثم فاداه على مال يعطيه وأجروه عليه وعقد معه صلحا] «1» فوثب (ميخائيل) بعده على مملكة الروم. فلما انطلق من الأسر وعاد إلى
(5/379)

قسطنطينيّة، دفعه ميخائيل عن الملك، والتزم لألب أرسلان ما انعقد عليه الصلح. وترهّب أرمانوس وترك الملك. إلى هنا انتهى كلام ابن الأثير.
ثم توالت عليها ملوك الروم واحدا بعد واحد إلى آخر المائة السادسة. وكان ملك القسطنطينيّة يومئذ قد تزوّج أخت الفرنسيس ملك الفرنجة، فولد له منها ابن ذكر.
ثم وثب بالملك أخوه فسمله وملك مكانه، ولحق الابن بخاله الفرنسيس، فوجده قد جهّز الأساطيل لارتجاع بيت المقدس وفيها ثلاثة من ملوك الفرنجة وهم كيدقليس: أحد ملوكهم، وهو أكبرهم، ودوقس البنادقة، والمركين مقدّم الفرنسيس، فأمرهم الفرنسيس بالجواز على القسطنطينية ليصلحوا بين ابن أخته وبين عمه ملك الروم. فلما وصلوا إلى مرسى القسطنطينيّة خرج إليهم عمّه وحاربهم فهزموه ودخلوا البلد، وأجلسوا الصبيّ على سرير الملك، وساء أمرهم في البلد، وصادروا أهل النّعم، وأخذوا أموال الكنائس، وثقلت وطأتهم على الرّوم، فعقلوا الصبيّ وأخرجوهم من البلد، وأعادوا عمّ الصبيّ إلى الملك. ثم هجم الفرنج البلد وأستباحوها ثمانية أيام حتّى أقفرت، وقتلوا من بها من القسّيسين والرّهبان والأساقفة، وخلعوا الصبيّ، واقترع ملوك الفرنج الثلاثة على الملك، فخرجت القرعة على كيدقليس كبيرهم فملّكوه على القسطنطينية وما يجاورها.
وجعلوا لدوقس البنادقة الجزائر البحريّة: مثل أقريطش ورودس وغيرهما، وللمركين البلاد التي في شرقيّ الخليج: مثل أرسوا ولارتو في جوار سليمان بن قليج أرسلان، فلم يحصل لأحد منهم شيء من ذلك إلا لمن أخذ شرقيّ الخليج.
ثم تغلّب على القسطنطينية بطريق من بطارقة الرّوم شهرته لشكريّ واسمه (ميخائيل) فدفع عنها الفرنج وملكها وقتل الذي كان ملكا قبله، وعقد معه الصّلح الملك المنصور «قلاوون الصالحيّ» صاحب مصر والشام، وتوفّي سنة إحدى وثمانين وستّمائة.
وملك بعده ابنه (ياندر) وتلقّب الدوقس، وشهرتهم جميعا اللشكري،
(5/380)

وبقي بنوه في ملكها إلى الآن. ولم أقف على تفاصيل أخبارهم غير أنه لم يبق بيدهم سوى قسطنطينيّة وبعض أعمالها المجاورة لها. وقد استولى الفرنج على جهاتها الغربية، واستولى المسلمون على ما هو شرقيّ الخليج القسطنطيني وعلى أعمال كثيرة من غربيّه إلى ما يقارب خليج البنادقة على ما تقدّم بيانه في الكلام على القسم الأوّل من هذا المقصد، مع تسلّط صاحب السّراي ملك تتر الشمال من بني جنكزخان عليه بالبعوث والسّرايا قبل ذلك. حتّى إن القان أزبك صاحب هذه المملكة قرّر عليه إتاوة تحمل إليه في كل سنة ليكفّ عنه، كما أشار إليه في «التعريف» في الكلام على مكاتبة صاحب القسطنطينيّة. قال ابن سعيد: ومنتهى حكم اللشكريّ صاحب القسطنطينيّة الآن إلى إيثنية. قال في «تقويم البلدان» :
بالهمزة والياء المثناة التحتية والثاء المثلثة ونون ثم ياء مثناة تحتية ثانية وهاء في الآخر. قال ابن سعيد: وهي غربيّ الخليج القسطنطيني بشمال. قال ابن حوقل:
وهي مدينة بها مجمع النصارى بقرب البحر، وهي دار حكمة اليونان في القديم، وبها تحفظ علومهم، وحكمهم.
ولصاحب القسطنطينية المستقرّ بها مكاتبة تخصّه من الأبواب السلطانية بالديار المصرية، على ما يأتي بيانه في الكلام على مكاتبات ملوك الكفر في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
المملكة الثانية (مملكة الألمان)
قال المؤيد صاحب حماة في تاريخه: وهم من أكبر أمم النصارى، يسكنون في غربيّ القسطنطينيّة إلى الشّمال، وملكهم كثير الجنود. قال: وهو الذي سار إلى الشأم في زمن السلطان صلاح الدين «يوسف بن أيوب» في سنة ستّ وثمانين وخمسمائة، فهلك قبل وصوله إلى الشام. وكان قد خرج بمائة ألف مقاتل فسلّط الله عليهم الغلاء والوباء فمات أكثرهم في الطريق، ولما وصل إلى بلاد الأرمن نزل يغتسل في نهر هناك فغرق فيه، وبقي من عسكره قدر ألف مقاتل
(5/381)

لا غير فعادوا إلى بلادهم. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً
«1» وقاعدتهم فيما ذكر ابن سعيد (مدينة برشان) . قال في «تقويم البلدان» : بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح الشين المعجمة ثم ألف ونون في الآخر. قال: ويقال لها أيضا (برجان) بالجيم وذكر ابن سعيد: أنه كان بها الأمّة المسماة برجان في قديم الزمان فاستولت عليهم الألمانيّة وأبادوهم حتّى لم يبق منهم أحد، ولم يبق لهم أثر. وهؤلاء البرجان هم الذين كان يقاتلهم قسطنطين ورأى في منامه أعلاما عليها صلبان فتنصّر.
المملكة الثالثة (مملكة البنادقة)
وهم طائفة مشهورة من الفرنج، وبلادهم شرقيّ بلاد (الأنبردية) الآتي ذكرهم.
وقاعدة مملكتهم (البندقيّة) . قال في «تقويم البلدان» : بضم الباء الموحدة وسكون النون ثم دال مهملة وقاف ومثناة تحتية وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتان وثلاثون درجة، والعرض أربع وأربعون درجة. قال ابن سعيد: وهي على طرف الخليج المعروف بجون البنادقة، وقد تقدّم الكلام عليه عند ذكره في الكلام على بحر الرّوم. قال: وعمارتها في البحر، وتخترق المراكب أكثرها، تتردّد بين الدّور، ومركب الإنسان على باب داره، وليس لهم مكان يتمشّون فيه إلا الساباط الذي فيه سوق الصّرف، صنعوه لراحتهم إذا أرادوا التمشّي، وملكهم من أنفسهم يقال له الدّوك، يعني بضم الدال المهملة وسكون الواو وكاف في الآخر.
ودنانيرهم أفضل دنانير الفرنجة، وقد تقدّم في الكلام على معاملة الديار المصرية في أوّل هذه المقالة أن دينارهم يقال له (دوكات) نسبة إلى الدّوك الذي هو
(5/382)

ملكهم، وإليها ينسب الجوخ البندقيّ الفائق لكل نوع من الجوخ.
قال السلطان عماد الدّين صاحب حماة في تاريخه: وهي قريبة من جنوة في البر، وبينهما نحو ثمانية أيام. أما في البحر فبينهما أمد بعيد أكثر من شهرين.
وذلك أنهم يخرجون إلى بحر الرّوم في جهة الشرق ثم يسيرون في بحر الرّوم إلى جهة الغرب.
قال في «تقويم البلدان» : ومن أعمال البندقية (جزائر النّقر بنت) بفتح النون وسكون القاف والراء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون النون وتاء مثناة فوقية في الآخر. قال: وكثيرا ما يكمن بين تلك الجزائر شواني الحراميّة.
ثم قال: وفي شماليّ هذه الجزائر مملكة (أستيب) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وكسر المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية وباء موحّدة في الآخر.
وفي مملكة أستيب هذه يعمل الأطلس المعدنيّ.
المملكة الرابعة (مملكة الجنويين)
وهم طائفة من الفرنج مشهورة أيضا.
وقاعدة مملكتهم (مدينة جنوة) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الجيم والنون والواو ثم هاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول إحدى وثلاثون درجة. والعرض إحدى وأربعون درجة وعشرون دقيقة. قال: وهي على غربيّ جون عظيم من البحر الروميّ، والبحر فيما بينها وبين الأندلس يدخل في الشّمال. وهي غربيّ (بلاد البيازنة) . قال الشريف الإدريسيّ: وبها جنّات وأودية، وبها مرسى جيّد مأمون، ومدخله من الغرب. قال في «تقويم البلدان» : وعن بعض أهلها أنها في ذيل جبل عظيم، وهي على حافة البحر، وميناها عليها سور، وأنها مدينة كبيرة إلى الغاية، وفيها أنواع الفواكه، ودور أهلها عظيمة، كلّ دار بمنزلة قلعة، ولذلك اغتنوا عن عمل سور
(5/383)

عليها، ولها عيون ماء، منها شربهم وشرب بساتينهم. قال المؤيّد صاحب حماة في تاريخه: ولها بلاد كثيرة.
المملكة الخامسة (بلاد روميّة)
بضم الراء المهملة وسكون الواو وكسر الميم وفتح الياء المثناة تحت المشدّدة «1» وهاء في الآخر. قال في «تقويم البلدان» : ويقال لها أيضا رومة (يعني بضم الراء وسكون الواو وفتح الميم وهاء في الآخر) . وهي مدينة واقعة في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال في «القانون» : حيث الطول خمس وثلاثون درجة وعشرون دقيقة، والعرض أربعون درجة وخمسون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي مدينة مشهورة في جنوبيّ جون البنادقة على جانبي نهر يعرف بنهر الصّفر.
وقد ذكر «هروشيوش» مؤرّخ الروم أنها بنيت لأربعة آلاف وخمسمائة سنة من أوّل العالم، على زمن حزقيا بن احاز رابع عشر ملوك بني إسرائيل. وذكر ابن كريون: أنها بنيت في زمن داود عليه السّلام، وبينهما تفاوت كثير في المدّة. قال في «الروض المعطار» : وهي من أعظم المدن وأحفلها. يقال: إنه كان طولها من الشّمال إلى الجنوب عشرين ميلا، وعرضها من الشرق إلى الغرب اثني عشر ميلا. وقيل: دورها أربعون ميلا، وقطرها اثنا عشر ميلا، وارتفاع سورها ثمانية وأربعون ذراعا. وقيل اثنان وسبعون ذراعا، في عرض اثني عشر شبرا مبنيّ بالحجر، وهي في سهل من الأرض تحيط بها الجبال على بعد، وبينها وبين البحر الروميّ اثنا عشر ميلا، ويشقّها نهر ينقسم داخلها قسمين ثم يلتقيان آخرها، وأرضه مفروشة بالنّحاس الأصفر مسافة عشرين ميلا، وفي وسطها صحن في صخرة مرتفعة لم يظفر به عدوّ قط.
(5/384)

وفي داخلها كنيسة طولها ثلاثمائة ذراع وارتفاعها مائتا ذراع، لها أربعة أبواب من فضّة سبكا واحدا، مسقّفة بالنحاس الأصفر الملصق بالقصدير، وحيطانها ملبّسة بصفائح النّحاس، وبها كنيسة أخرى بها برج طوله في الهواء مائة ذراع، وعلى رأس ذلك البرج قبّة مبنية بالرّصاص، وعلى رأس القبة زرزور من نحاس إذا أدرك الزيتون انحشرت إليه الزّرازير من الأقطار البعيدة، في منقار كل زرزور زيتونة وفي رجليه زيتونتان، فيطرحها على ذلك البرج فيعصر ويؤخذ زيته، فيستصبح به في الكنيسة جميع السنة. قال: وأهل رومية أجبن خلق الله تعالى، ومن سنّتهم أنهم لا يدفنون موتاهم، وإنما يدخلونهم في مغائر «1» ويتركونهم فيها فيستوبيء هواؤهم ويقع الذّباب على الموتى، ثم يقع على ثمارهم فيفسدها، ولذلك هم أكثر بلاد الله تعالى طواعين، حتّى إن الطاعون يقع فيها ولا يتعدّاها إلى غيرها فوق عشرين ميلا، وجميع أهلها يحلقون لحاهم، ويزعمون أن كلّ من لا يحلق لحيته فليس نصرانيّا كاملا، زاعمين أن سبب ذلك أن شمعون الصفا والحواريّين جاءوهم وهم قوم مساكين ليس مع كل واحد منهم إلا عصا وجراب، فدعوهم إلى النّصرانية فلم يجيبوهم، وأخذوهم فعذّبوهم وحلقوا رؤوسهم ولحاهم. فلما ظهر لهم صدق قولهم واسوهم بأن فعلوا بأنفسهم مثل ذلك.
ولم تزل رومية هي القاعدة العظمى للرّوم حتّى بنيت القسطنطينيّة وتحوّل إليها قسطنطين، وصارت قسطنطينيّة هي دار ملك الروم على ما تقدّم ذكره في الكلام عليها، مع بقاء رومية عندهم على رفعة المحلّ وعظم الشأن إلى أن غلب عليها الفرنج وانتزعوها من أيديهم، ورفعوا منها قواعدهم واستولوا على ما وراءها من النواحي والبلدان والجزائر: كجنوة، والبندقيّة، وأقريطش، ورودس، واسترجعوا كثيرا مما كان المسلمون استولوا عليه من بلاد الروم كغالب الأندلس.
ثم حدثت الفتن بينهم وبين الروم بالقسطنطينيّة، وعظمت الفتن بينهم ودامت نحوا من مائة سنة «وملك الروم بالقسطنطينيّة معهم في تناقص» حتّى إن رجّار
(5/385)

صاحب جزيرة صقلّية صار يغزو القسطنطينيّة بأساطيله ويأخذ ما يجد في ميناها من سفن التّجّار وشواني المدينة، وانتهى أمره أن جرجا بن ميخائيل صاحب أساطيله دخل إلى مينا القسطنطينية في سنة أربع وأربعين وخمسمائة ورمى قصر الملك بالسّهام، فكان ذلك أنكى على الروم من كلّ نكاية. ثم تزايد الحال إلى أن استولى الفرنج على القسطنطينيّة نفسها في آخر المائة السادسة، وأوقعوا بأهلها وفتكوا وخرّبوا على ما تقدّم بيانه في الكلام على ملوك القسطنطينية. وبالجملة فرومية اليوم من قواعد الفرنج، وهي مقرّ (بابهم) الذي هو خليفة النصارى الملكانية وإليه مرجعهم في التحليل والتحريم.
ولهذا الباب مكاتبة تخصّه عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، كما سيأتي ذكره في الكلام على المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
وأما الممالك الصغار فسبع ممالك:
الأولى (مملكة المرا)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم والراء المهملة وألف. وهي مملكة تبتديء من الخليج القسطنطينيّ من الغرب على ساحل بحر الروم وتمتدّ مغرّبا [وتشتمل على قطعة من «1» ] ساحل بحر الروم وعلى بلاد وجبال خارجة عن البحر. قال: وهذه المملكة مناصفة بين صاحب قسطنطينيّة وبين جنس من الفرنج يقال لهم (القيتلان) بالقاف والياء الساكنة آخر الحروف والمثناة الفوقية ولام ألف ونون، ويقال (الكيتلان) بإبدال القاف كافا، وهذا هو الجاري على ألسنة الناس في النطق بهم.
(5/386)

الثانية (بلاد الملفجوط)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم وسكون اللام وفتح الفاء وضم الجيم وسكون الواو وطاء مهملة في الآخر. وهم جنس من الروم لهم لسان ينفردون به، وبلادهم من أعمال قسطنطينيّة على ساحل بحر الروم مما يلي مملكة المرا المقدّم ذكرها من جهة الغرب في مقابلة مشاريق برقة من البر الآخر، على ما تقدّم ذكره في الكلام على بحر الروم في أوّل هذه المقالة.
الثالثة (بلاد إقلرنس)
قال في «تقويم البلدان» : بكسر الهمزة وسكون القاف وكسر اللام والراء المهملة وسكون النون وسين مهملة في الآخر. وهي بلاد على ساحل بحر الروم غربيّ بلاد الملفجوط المقدّم ذكرها وشرقيّ بلاد الباسليسة الآتي ذكرها، وهم في مملكة الباسليسة المذكورة.
الرابعة (مملكة بولية)
بضم الباء الموحدة وسكون الواو ولام وياء آخر الحروف وهاء. قال:
ويقال لها أنبولية أيضا يعني بزيادة همزة في أوّلها ونون ساكنة بعدها. وهي مملكة على بحر الروم عند فم جون البنادقة من غربيّة، في مقابل مملكة الباسليسة من بر الجون المذكور من الجهة الشرقية، وببولية هذه يعرف الزيت المعروف بالبولية.
قال في «تقويم البلدان» : وملك بولية هذه في زماننا يقال له الريدشار.
الخامسة (بلاد قلفرية)
قال في «تقويم البلدان» : بفتح القاف واللام وسكون الفاء وكسر الراء
(5/387)

المهملة وفتح المثناة تحت وهاء في الآخر. قال: ويقال لها قلورية أيضا بإبدال الفاء واوا. وهي من جملة بولية المقدّمة الذكر، واقعة في غربيها وشرقيّ مملكة رومية المتقدّمة الذكر، وقد تقدّم في الكلام على بحر الروم أنه يقابلها طرابلس الغرب من البر الآخر.
السادسة (بلاد التّسقان)
قال في «تقويم البلدان» : بضم المثناة الفوقيّة وسكون السين المهملة وقاف وألف ونون. قال: وهم جنس من الفرنج ليس لهم ملك بعينه يحكم عليهم بل لهم أكابر يحكمون بينهم، ثم قال: وبتلك البلاد يكون نبات الزّعفران، وقد تقدّم في الكلام على البحر الروميّ أنه يقابلها مدينة تونس من البرّ الآخر.
السابعة (بلاد البيازنة)
بفتح الباء الموحدة والياء المثناة تحت وألف ثم زاي معجمة مكسورة ونون مفتوحة وهاء في الآخر. وهم فرقة من الفرنج.
وقاعدة ملكهم (مدينة بيزة) . قال في «تقويم البلدان» : بباء موحدة مكسورة وياء آخر الحروف ساكنة وزاي معجمة يعني وهاء في الآخر. قال: وقد تبدل الزاي شينا معجمة. وموقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال: والقياس أنها حيث الطول اثنتان وثلاثون درجة، والعرض ستّ وأربعون درجة وسبع وعشرون دقيقة. وقد ذكر في «تقويم البلدان» أنها على الركن الشّماليّ من بلاد الاندلس في مقابل جزيرة سردانية المقدّمة الذكر. وهي غربيّ بلاد رومية وليس لهم ملك وإنما مرجعهم إلى الباب: خليفة النصارى، وإلى بيزة هذه تنسب الفرنج البيازنة والحديد البيزانيّ. وقد تقدّم في الكلام على البحر الروميّ أنه يقابلها من البر الآخر مرسى الخرز.
(5/388)

القطر الثاني (مما غربيّ الخليج القسطنطينيّ الأرض الكبيرة)
قال صاحب حماة: وهي أرض متسعة في شماليّ الاندلس، بها ألسن كثيرة مختلفة. وقد ذكر في «التعريف» أنها في شرق الاندلس، ولا يصح ذلك إلا أن يريد منها ما هو شرق شمالي الأندلس.
ويتعلق الغرض منها بثلاث ممالك:
المملكة الأولى (مملكة الفرنج القديمة)
وقاعدتها (مدينة فرنجة) بالفاء والراء المهملة المفتوحتين وسكون النون وفتح الجيم وهاء في الآخر، وقد تبدل الجيم منها سينا مهملة فيقال فرنسة. ويقال لملكهم ريدإفرنس، ومعناه ملك إفرنس، والعامة تقول الفرنسيس. وهو الذي قصد ديار مصر وأخذ دمياط وأسره المسلمون ثم أطلقوه. يشير بذلك إلى قضية تاريخية، وهي أن الفرنج في سنة خمس عشرة وستّمائة وهم مستولون على سواحل الشام يومئذ سار منهم نحو عشرين ملكا من عكّا وقصدوا دمياط في أيام الملك العادل «أبي بكر بن أيّوب» «1» رحمة الله، وسار العادل من مصر إليهم فنزل مقابلهم، وأقاموا على ذلك أربعة أشهر، ومات العادل في أثناء ذلك، واستقرّ بعده في الملك ابنه الملك «الكامل محمد» فوقع في عسكره اختلاف تشاغل به، فهجم الفرنج دمياط وملكوها عنوة في سنة ستّ عشرة وستّمائة، وطمعوا بذلك في مملكة الديار المصرية، فبنى الملك الكامل بلدة عند مفرق النيل: الفرقة الذاهبة إلى دمياط، والفرقة الذاهبة إلى أشموم طناح، وسمّاها (المنصورة) ونزلها بعساكره، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن دخلت سنة ثمان عشرة وستّمائة، وقد اشتدّ طمع الفرنج في الديار المصرية، وتقدّموا عن دمياط إلى المنصورة وضايقوا المسلمين
(5/389)

إلى أن سألهم الملك الكامل في الصّلح على أن يكون لهم القدس، وعسقلان، وطبريّة، واللاذقيّة، وجبلة، وسائر ما فتحه السلطان صلاح الدين من سواحل الشأم، خلا الكرك والشّوبك، فأبوا إلا أن يكون لهم الكرك والشّوبك أيضا، وأن يعطوا مع ذلك ثلاثمائة ألف دينار في نظير ما خرّبوه من سور القدس، فاعمل المسلمون حينئذ الحيلة في إرسال فرع من النيل في إبّان زيادته، حال بين الفرنج وبين دمياط، انقطع بسببه الميرة عنهم، وأشرفوا على الهلاك، وكان آخر أمرهم أن أعرضوا عن جميع ما كانوا سئلوا به من الأماكن المتقدّمة الذكر ونزلوا عن دمياط للمسلمين، وتسلّمها الملك الكامل منهم، ثم عاد إلى مصر وبقيت دمياط بيد المسلمين إلى أن قصدها الفرنسيس في خمسين ألف مقاتل، ومعه الأدفونش صاحب طليطلة في أيام الملك «الصالح أيوب» بن الكامل محمد، بن العادل أبي بكر، بن أيّوب في سنة سبع وأربعين وستمائة، وهجم دمياط، وملكها عنوة، وسار الملك الصالح فنزل بالمنصورة، وسار الفرنج فنزلوا مقابله ثم قصدوا دمياط فتبعهم المسلمون وبذلوا فيهم السيف، فقتلوا منهم نحو ثلاثين ألفا، وأسر الفرنسيس وحبس بالمنصورة بدار الصاحب «فخر الدين إبراهيم بن لقمان» صاحب ديوان الإنشاء، ووكّل به الطّواشيّ صبيح «المعظميّ» ومات الصالح في أثناء ذلك، واستقر ابنه الملك المعظّم مكانه في الملك؛ ثم قتل عن قريب، وفوّض الأمر إلى «شجرة الدّرّ» «1» زوجة الملك الصالح، وقام بتدبير المملكة معها «أيبك التّركمانيّ» ثم تسلّم المسلمون دمياط من الفرنسيس وأطلقوه فسار إلى بلاده فيمن بقي معه من جماعته. وفي ذلك يقول جمال الدّين يحيى «2» بن مطروح الشاعر: (سريع) .
(5/390)

قل للفرنسيس إذا جئته ... مقال صدق من قؤول نصوح:
أتيت مصرا تبتغي ملكها ... تحسب أنّ الزّمر يا طبل ريح
وكلّ أصحابك أودعتهم ... بحسن تدبيرك بطن الضّريح!
خمسين ألفا لا ترى منهم ... غير قتيل أو أسير جريح!
وفّقك الله لأمثالها ... لعلّ عيسى منكم يستريح
آجرك الله على ما جرى ... أفنيت عبّاد يسوع المسيح
فقل لهم إن أضمروا عودة ... لأخذ ثار أو لقصد صحيح!
دار «ابن لقمان» على حالها ... والقيد باق، والطّواشي صبيح!
وقد تعرّض في «التعريف» للإشارة لهذه الواقعة في الكلام على مكاتبة الأدفونش صاحب طليطلة من الاندلس، واقتصر من هذه الأبيات على الأوّل والأخير فقط.
المملكة الثانية (مملكة الجلالقة)
قال السلطان عماد الدين صاحب حماة في تاريخه: وهم أمّة كالبهائم، يغلب عليهم الجهل والجفاء. ومن زيّهم أنهم لا يغسلون ثيابهم، بل يتركونها عليهم إلى أن تبلى، ويدخل أحدهم دار الآخر بغير إذن. قال: وهم أشدّ من الفرنج، ولهم بلاد كثيرة شماليّ الاندلس، ونسبتهم إلى مدينة لهم قديمة تسمى جلّيقيّة. قال في «اللباب» : بكسر الجيم واللام المشدّدة وبعدها ياء آخر الحروف وقاف. قال في «تقويم البلدان» : [ثم ياء ثانية] »
وهاء.
وقاعدتها (مدينة سمّورة) بسين مهملة وميم مشدّدة مضمومة وراء مهملة مفتوحة وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال ابن
(5/391)

سعيد: حيث الطول عشر درج، والعرض ستّ وأربعون درجة. قال في «اللباب» : وهي من بلاد الرّوم المتاخمة للأندلس، وكأنه يريد أنها كانت للروم أوّلا. قال في «تقويم البلدان» : وعن بعضهم أنها مدينة جليلة معظّمة عندهم، قال ابن سعيد: وهي قاعدة جلّيقيّة، أكبر مدن الفنش، في جزيرة بين فرعين من نهر يعرف بها. قال: وكان المسلمون قد ملكوها ثم استرجعها الجلالقة زمن الفتنة، ونهرها يصبّ في البحر المحيط الغربيّ حيث الطول خمس درج وثلاثون دقيقة من الجزائر الخالدات، والعرض ستّ وأربعون درجة.
المملكة الثالثة (مملكة اللّنبرديّة)
قال في «تقويم البلدان» : باللام المشددة المضمومة والنون الساكنة والباء الموحدة المفتوحة والراء المهملة الساكنة والدال المهملة والياء المثناة التحتية والهاء، قال: ويقال لها النّوبرديّة، والأنبرديّة. وموقعها في أوّل الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول ثلاثون درجة وسبع وثلاثون دقيقة، والعرض ثلاث وأربعون درجة وخمسون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي ناحية من الأرض الكبيرة، وبلادها تحيط بها جبال إلى حدّ جنوة، قال: وملكها في زماننا صاحب القسطنطينيّة، ورثها من خاله المركيش.
ثم قال: وغربيّ هذه البلاد (الرّيدراقون) بكسر الراء المهملة وسكون المثناة التحتية ثم دال مهملة وراء مهملة [وألف] «1» وقاف مضمومة وواو ونون في الآخر. ومعناه ملك راقون، وقد تبدل القاف غينا معجمة. فيقال ريدراغون وهو الموجود في مكاتبات أهل الأندلس وهدنهم.
(5/392)

الجهة الثانية (ما شماليّ مدينة القسطنطينية وبحر نيطش إلى نهاية المعمور في الشّمال)
ويشتمل على عدّة ممالك وبلاد:
منها (بلاد الجركس) : قال السلطان عماد الدين صاحب حماة في تاريخه: وهم على بحر نيطش من شرقيّه، وهم في شظف من العيش. قال والغالب عليهم دين النصرانية.
قلت: وقد جلب منهم «الظاهر برقوق» «1» صاحب الديار المصرية من المماليك أيام سلطنته ما يربو على العدد حتّى صار منهم معظم جند الديار المصرية، وصار بهم جمال مواكبها، والملك باق فيهم بالديار المصرية إلى الآن.
ومنها (بلاد الآص) : بفتح الهمزة الأولى والثانية وصاد مهملة في الآخر وهم طائفة، وبلادهم على بحر نيطش.
وقاعدتهم (مدينة قرقر) . قال في «تقويم البلدان» : بكسر القاف وسكون الراء المهملة وسكون القاف الثانية وكسر الراء المهملة في الآخر.
وموقعها في الشّمال عن الإقليم السابع أو في آخره. قال: والقياس أنها حيث الطول خمس وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض خمسون درجة. وهي قلعة عاصية منيعة في جبل لا يقدر أحد على الطلوع إليه، وفي وسط الجبل وطاءة تسع [أهل] «2» تلك البلاد. وعندها جبل عظيم شاهق يقال له (جاطر طاغ) يظهر لأهل السفن من بحر القرم. وهي في شماليّ صاري كرمان على نحو يوم منها.
(5/393)

ومنها (بلاد البرغال) بضم الموحدة وسكون الراء وفتح الغين المعجمة وألف ثم لام في الآخر. ويقال لهم أولاق أيضا بقاف في الآخر.
وقاعدتهم (مدينة طرنو) . قال في «تقويم البلدان» : بالطاء المكسورة والراء الساكنة المهملتين والنون المفتوحة وواو في الآخر، وموقعها في الإقليم السابع. قال: والقياس أنها حيث الطول ستّ وأربعون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض خمسون درجة. وهي غربيّ صقجي على ثلاثة أيام وأهلها كفّار. قال بعض المسافرين وهي على خور البرغال.
ومنها (بلاد البلغار والسّرب) وهما طائفتان على بحر نيطش.
فأما البلغار فبضم الباء الموحدة وسكون اللام وفتح الغين المعجمة وألف ثم راء مهملة. قال المؤيّد صاحب حماة في تاريخه: وهم منسوبون إلى المدينة التي يسكنونها، وقد سمّاها في كتابه «تقويم البلدان» : بلار بضم الباء وفتح اللام وألف وراء مهملة في الآخر. ثم قال: ويقال لها بالعربية (بلغار) .
وأما السّرب فبفتح السين وسكون الراء المهملتين وباء موحدة في الآخر.
وهم في مملكة صاحب البلغار. وقاعدة ملكهم مدينة بلغار المذكورة، وموقعها في الشّمال عن الإقليم السابع من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول ثمانون درجة، والعرض خمسون درجة وثلاثون دقيقة. قال: وهي بلدة في نهاية العمارة الشمالية قريبة من شط إثل من الجانب الشماليّ الشرقيّ، وهي وصراي في برّ واحد، وبينهما فوق عشرين مرحلة، وهي في وطاءة، والجبل عنها أقلّ من يوم، وبها ثلاث حمّامات، ولا يكون بها شيء من الفواكه ولا أشجار الفواكه من العنب وغيره لشدّة بردها، وبها الفجل الأسود في غاية الكبر، قال المؤيّد صاحب حماة: وحكى لي بعض أهلها أنّ في أوّل فصل الصيف لا يغيب الشّفق عنها ويكون ليلها في غاية القصر. ثم قال: وهذا الذي حكاه صحيح موافق لما يظهر بالأعمال الفلكيّة، لأن من عرض ثمانية وأربعين ونصف يبتديء
(5/394)

[عدم] «1» غيبوبة الشّفق في أوّل فصل الصيف، وعرضها أكثر من ذلك، فصحّ ذلك على كل تقدير.
وقد حكى في «مسالك الأبصار» عن حسن الرومي عن مسعود الموقّت بها: أن أقصر ليلها أربع ساعات ونصف تحريرا، وأنهم جرّبوه بالآلات الرّصدية فوجدوه كذلك. قال صاحب حماة في تاريخه: وكان الغالب عليهم النصرانية ثم أسلم منهم جماعة. وذكر في «تقويم البلدان» أن أهلها مسلمون حنفيّة، وذكر المسعودي في «مروج الذهب» أنه كان بالسّرب والبلغار دار إسلام من قديم.
قال في «مسالك الأبصار» : أما الآن فقد تبدّلت بإيمانها كفرا، وتداولها طائفة من عبّاد الصليب، ووصلت منهم رسل إلى صاحب مصر سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة بكتاب من صاحب السّرب والبلغار، يعرض نفسه على مودّته ويسأله سيفا يتقلّده، وسنجقا يقهر أعداءه به، فأكرم رسوله، وأحسن نزله، وجهّز له معه خلعة كاملة: طردوحش بقصب بسنجاب مقندس، على مفرّج إسكندري، وكلّوته زركش، وشاش بطرفين رقم، ومنطقة ذهب، وكلاليب كذلك، وسيف محلّى، وسنجق سلطانيّ أصفر مذهب، قال في «التعريف» : وجهّز له أيضا الخيل المسرجة الملجمة. وربما أنه يظهر لصاحب السراي الانقياد والطاعة. قال في «مسالك الأبصار» : وذلك لعظمة سلطانه عليهم، وأخذه بخناقهم لقربهم منه.
ولصاحب السّرب والبلغار مكاتبة تخصّه عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية.
ومنها (بلاد أفتكون) بألف وفاء وتاء مثناة ثم كاف وواو ونون. وهي بلاد تلي بلاد البلغار في جهة الشّمال.
وقاعدتهم مدينة تسمّى (قصبة أفتكون) والقصبة في مصطلحهم المدينة الصغيرة. قال في «مسالك الأبصار» : وبينها وبين البلغار مسافة عشرين يوما
(5/395)

بالسير المعتاد. وحكي عن مسعود الموقّت بالبلغار أنه حرّر ليلها فوجد أقصر ليلها ثلاث ساعات ونصف، أقصر من ليل البلغار بساعة واحدة.
ومنها (بلاد الصّقالبة) بفتح الصاد المهملة والقاف وألف وكسر اللام وفتح الباء الموحدة وهاء في الآخر. ويقال لبعض بلادها بلاد سبراوير. وهي تلي بلاد أفتكون في جهة الشمال، قال في «مسالك الأبصار» : وهي بلاد شديدة البرد، لا يفارقها الثلج مدّة ستة أشهر لا يزال يسقط على جبالهم وبيوتهم، ولهذا تقلّ المواشي عندهم. وحكى عن الفاضل شجاع الدين: عبد الرحمن الخوارزمي الترجمان أن منها يجلب السّمّور والسّنجاب، ثم قال: وليس بعدهم في العمارة شيء. وذكر أنه جاء جدّه فتيا من بعض أهلها يسأل فيها كيف تكون صلاة أهل بلد لا يغيب عندهم الشفق حتّى يطلع الصبح؟ لسرعة انقضاء الليل وهذا ظاهر في أن هذه البلاد مسلمون أو فيهم المسلمون.
ومنها (بلاد جولمان) بجيم وواو ولام ثم ميم وألف ونون. وهي تلي بلاد سبراوير المقدّمة الذكر في جهة الشمال. وهي على مثل حال بلاد سبراوير في شدّة البرد وكثرة الثلج وأشدّ من ذلك. قال في «مسالك الأبصار» قال حسن الروميّ:
وهؤلاء هم سكّان قلب الشّمال، والواصل إليهم من الناس قليل، والأقوات عندهم قليلة حتى يحكى عنهم أنّ الإنسان منهم يجمع عظام أيّ حيوان كان، ثم يغلي عليه بقدر كفايته ثم يتركها، وبعد سبع مرات لا يبقى فيها شيء من الودك «1» قال: وهم مع ضيق العيش ليس في أجناس الرّقيق أنعم من أجسامهم، ولا أحسن من بياضهم، وصورتهم تامة الخلقة في حسن وبياض ونعومة عجيبة، ولكنهم زرق العيون. وإذا سافر المسافر من جولمان إلى جهة الشرق، وصل إلى مدينة قراقوم قاعدة القان الكبير القديمة. قال: وهي من بلاد الصين، وإذا سافر منها إلى جهة الغرب وصل إلى بلاد الرّوس، ثم إلى بلاد الفرنج.
(5/396)

ومنها (بلاد الرّوس) بضم الراء المهملة وسكون الواو وسين مهملة في الآخر. قال في «مسالك الأبصار» وهي بلاد واغلة في الشمال، في غربيّ بلاد جولمان المقدّمة الذكر. قال صاحب حماة في تاريخه: ولهم جزائر أيضا في بحر نيطش.
ومنها (بلاد الباشقرد) قال صاحب حماة في تاريخه: وهم أمة كبيرة ما بين بلاد الباب وبلاد فرنجة. قال: وغالبهم نصارى وفيهم مسلمون، وهم شرسو الأخلاق. قال في «مسالك الأبصار» : وهي مصاقبة لبلاد جولمان ثم قال: وفي باشقرد قاض مسلم معتبر.
ومنها (بلاد البرجان) بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح الجيم وألف ونون، وقد تبدل الجيم شينا. قال صاحب حماة في تاريخه: وهم أمم كثيرة طاغية قد فشا فيهم التثليث. قال: وبلادهم واغلة في الشّمال، وأخبارهم وسير ملوكهم منقطعة عنّا لبعدهم وجفاء طباعهم، وقد تقدّم أن البرجان غلب على مكانهم الألمانيّة، فيحتمل أنهم هؤلاء، ويحتمل أنهم طائفة أخرى منهم غير هؤلاء.
ومنها (بلاد بمخ) بباء موحدة وميم ثم خاء معجمة. قال في «مسالك الأبصار» : وهي بلاد مشتركة بين بلاد الروس والفرنج.
ومنها (بلاد بوغزة) بباء موحدة ثم واو وغين وزاي ثم هاء في الآخر. قال في «مسالك الأبصار» : قال الشيخ علاء الدين بن النّعمان الخوارزميّ: وهي بلاد في أقصى الشّمال، وليس بعدها عمارة غير برج عظيم من بناء الإسكندر على هيئة المنارة العالية، ليس وراءه مذهب إلا الظلمات، وهي صحار وجبال لا يفارقها الثلج والبرد، ولا تطلع عليها الشمس، ولا ينبت فيها نبات، ولا يعيش فيها حيوان أصلا، متصلة ببحر أسود لا يزال يمطر والغيم منعقد عليه، ولا تطلع عليه الشمس أبدا. قال ابن النعمان: ويقال: إن الاسكندر مرّ بأطراف أوائل جبال الظّلمات الغربية من العمارة فرأى فيه أناسا من جنس التّرك أشبه شيء بالوحوش لا يعرف أحد بلغتهم، وإذا أمسكهم أحد فرّوا من يده، يأكلون من نبات الجبال المجاورة
(5/397)

لهم فإذا أقحطوا أكل بعضهم بعضا، فمرّ بهم ولم يعترضهم.
واعلم أنه قد ذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ علاء الدين بن النّعمان أن التّجار المتردّدين إلى بلاد الديار المصرية لا يتعدّون في سفرهم بلاد البلغار، ثم يرجعون من هناك، ثم تجّار بلغار يسافرون منها إلى بلاد جولمان، وتجّار جولمان يسافرون إلى بلاد بوغزة التي ليس بعدها عمارة. وقد ذكر في «تقويم البلدان» أن شماليّ بلاد الرّوس مما هو متصل بالبحر المحيط الشماليّ قوما يبايعون مغايبة. وذكر عن بعض من سافر إلى تلك البلاد أنه إذا وصل التّجّار إلى تخومهم أقاموا حتّى يعلموا بهم، ثم يتقدمون إلى مكان معروف عندهم بالبيع والشراء، فيضع كلّ تاجر بضاعته ويعلّمها بعلامة، ثم يرجعون إلى منازلهم، ثم يحضر أولئك القوم ويضعون مقابل تلك البضائع السّمّور «1» ، والوشق، والثعلب، وما شاكل ذلك، ويدعونه ويمضون ثم يحضر التجّار من الغد فمن أعجبه ذلك أخذه وإلا تركه، حتّى يتفاصلوا على الرضا. وقد تقدّم ذكر مثل ذلك عن قوم بالهند وعن قوم ببلاد السّودان في الكلام على مملكة مالّي.
قلت: وقد تقدّم في الكلام على مملكة خوارزم والقبجاق من مملكة التورانيين في القسم الثاني منها أن الجركس والرّوس والآص أهل مدن عامرة آهلة، وجبال مشجرة مثمرة، ينبت عندهم الزرع، ويدرّ الضّرع وتجري الأنهار، وتجنى الثّمار، ولا طاقة لهم بسلطان تلك البلاد. وإن كان فيهم ملوك فهم كالرّعايا لصاحب السراي إن داروه بالطاعة والتّحف والطّرف كفّ عنهم وإلا شنّ عليهم الغارات وضايقهم وحاصرهم.
(5/398)

المقالة الثالثة في ذكر أمور تشترك فيها أنواع المكاتبات، والولايات، وغيرهما من الأسماء، والكنى، والألقاب،
(ومقادير قطع الورق، وما يناسب كلّ مقدار منها من الأقلام، ومقادير البياض في أوّل الدّرج وحاشيته، ومقدار بعد ما بين السّطور في الكتابات، وبيان المستندات التي يصدر عنها ما يكتب من ديوان الإنشاء بهذه المملكة: من مكاتبات، وولايات، وكتابة الملخّصات «1» ، وكيفية تعيين صاحب الدّيوان لها، وبيان الفواتح، والخواتم، وفيه أربعة أبواب) .
الباب الأوّل (في الأسماء والكنى والألقاب، وفيه فصلان)
الفصل الأوّل (في الأسماء والكنى، وفيه طرفان)
الطّرف الأوّل (في الأسماء)
والاسم عند النّحاة ما دلّ على مسمّى دلالة إشارة، واشتقاقه من السّمة وهي العلامة لأنه يصير علامة على المسمّى يميزه عن غيره، أو من السموّ لأن الاسم يعلو المسمّى باعتبار وضعه عليه.
ثم المراد هنا بالاسم أحد أقسام الكلم، وهو ما ليس بكنية ولا لقب وفيه جملتان:
(5/399)

الجملة الأولى (في أصل التسمية والمقصود منها، وتنويع الأسماء، وما يستحسن منها، وما يستقبح)
أما أصل التسمية فهي لا تخرج عن أمرين:
أحدهما أن يكون الاسم مرتجلا: بأن يضعه الواضع على المسمّى ابتداء، كأدد اسم رجل، وسعاد اسم امرأة، فإنهما ليسا بمسبوقين بالوضع على غيرهما، والرجوع في معرفة ذلك إلى النقل والاستقراء.
والثاني أن يكون الاسم منقولا عن معنى آخر، كاسد إذا سمّي به الرجل نقلا عن الحيوان المفترس، وزيد إذا سمّي به نقلا عن معنى الزيادة وما أشبه ذلك.
وهذا هو أكثر الأسماء الأعلام وقوعا، والرجوع في معرفته إلى النقل والاستقراء أيضا كما تقدّم في المرتجل.
وأما المقصود من التسمية، فتمييز المسمّى عن غيره، بالاسم الموضوع عليه ليتعرّف.
وأما تنويع الأسماء، فيختلف باختلاف المسمّين وما يدور في خزائن خيالهم مما يألفونه ويجاورونه ويخالطونه.
فالعرب- أكثر أسمائهم منقولة عمّا لديهم مما يدور في خزائن خيالهم إما من أسماء الحيوان كبكر: وهو ولد الناقة، وأسد: وهو الحيوان المفترس المعروف، وإما من أسماء النّبات كحنظلة: وهو اسم لواحدة الحنظل الذي هو النبات المعروف من نبات البادية، وطلحة: وهو اسم لشجرة من شجر الغضى، وعوسجة: وهم اسم لشجرة من شجر البادية. وإما من أجزاء الأرض كحزن: وهو الغليظ من الأرض، وصخر: وهو الصّلد من الحجارة. وإما من أسماء الزّمان
(5/400)

كربيع: وهو أحد فصول السنة الأربعة. وإمّا من أسماء النّجوم كسماك «1» : اسم لنجم معروف. وإما من أسماء الفاعلين: كحارث فاعل من الحرث، وهمّام فاعل من همّ أن يفعل كذا، إلى غير ذلك من المنقولات التي لا تحصى.
وكان من عادتهم أن يختاروا لأبنائهم من الأسماء ما فيه البأس والشّدّة ونحو ذلك: كمحارب، ومقاتل، ومزاحم، ومدافع ونحو ذلك، ولمواليهم ما فيه معنى التّفاؤل: كفرح، ونجاح، وسالم، ومبارك، وما أشبهها، ويقولون: أسماء أبنائنا لأعدائنا، وأسماء موالينا لنا، وذلك أن الإنسان أكثر ما يدعو في ليله ونهاره مواليه للاستخدام دون أبناءه فإنه إنما يحتاج إليهم في وقت القتال ونحوه.
والتّرك- راعوا في أسمائهم ما يدلّ على الجلادة والقوّة مما يألفونه ويجاورونه، وغالب ما يسمّون باسم بغا، ومعناه بلغتهم الفحل: إما مفردا كما تقدّم وهو قليل، وإما موصوفا بحيوان من الحيوانات، مقدّمين الصفة على الموصوف على قاعدة لغتهم في ذلك، كطيبغا بمعنى فحل مهر. وإما بمعدن من المعادن: كالطنبغا بمعنى فحل ذهب، وكمشبغا بمعنى فحل فضة، وتمربغا بمعنى فحل حديد. وربما أبدل اسم الفحل باسم الحديد، واسمه بلغتهم دمركبى دمر بمعنى أمير حديد، وطي دمر بمعنى مهر حديد. وربما أفردوا الاسم بالوصف كدمر بمعنى حديد، وأرسلان بمعنى أسد، وتنكز بمعنى بحر، ونحو ذلك إلى غير ذلك من المفردات والمركّبات التي لا يأخذها حصر. وكذلك كلّ أمة من أمم الأعاجم تراعي في التسمية ما يدور في خزانة خيالها مما يخالطونه ويجاورونه.
(5/401)

وأما الأمم المتديّنة فإنهم راعوا في أسمائهم التسمية بأسماء أنبيائهم وصحابهم.
فالمسلمون
- تسمّوا باسمي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الواردين في القرآن وهما «محمد» و «أحمد» إذ يقول صلّى الله عليه وسلّم، تسمّوا باسمي. وكذلك تسمّوا باسم غيره من الأنبياء عليهم السلام: إما بكثرة: كإبراهيم، وموسى، وهارون، وإما بقلّة:
كآدم، ونوح، ولوط. وأخذوا بوافر حظّ من أسماء الصّحابة رضوان الله عليهم:
كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وحسن، وحسين، وما أشبه ذلك.
والنصارى
- تسمّوا باسم عيسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام ممن يعتقدون نبوّته: كإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وكذلك أسماء الحواريّين: كبطرس، ويوحنّا، وتوما، ومتّى، ولوقا، وسمعان، وبرتلوما، وأندراوس، ونحوها: كمرقص، وبولص، وغيرهما.
واليهود
- تسمّوا باسم موسى عليه السّلام وغيره من الأنبياء الذين يعتقدون نبوّتهم: كإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، ولم يتسمّوا باسم عيسى عليه السلام لإنكارهم نبوّته.
وأما ما يستحسن من الأسماء فما وردت الشريعة بالنّدب إلى التسمية به:
كأسماء الأنبياء عليهم السلام، وعبد الله، وعبد الرحمن، ففي سنن أبي داود والتّرمذيّ من رواية أبي وهب الجشميّ أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «تسمّوا بأسماء الأنبياء، وأحبّ الأسماء إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها حارث، وهمّام، وأقبحها حرب، ومرّة» .
وأما ما يستقبح فما وردت الشريعة بالنهي عنه: إما لكراهة لفظه كحرب ومرّة، وإما للتطيّر به كرباح، وأفلح، ونجيح، وراجح، ورافع، ونحوها. ففي
(5/402)

صحيح مسلم وغيره النهي عن التسمية بمثل ذلك معلّلا بأنك تقول: أثمّ هو؟ فيقال لا، وإما لعظمة فيه: كالتسمية بشاهنشاه، ومعناه بالفارسية ملك الأملاك. ففي الصحيحين من رواية أبي هريرة أنه أخنع اسم. وقد ورد في جامع الترمذيّ من حديث عائشة رضي الله عنها، «أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يغيّر الاسم القبيح» .
الجملة الثانية (في مواضع ذكر الأسماء في المكاتبات والولايات)
أما المكاتبات، فالأسماء التي تذكر فيها على أربعة أنواع:
النوع الأوّل (اسم المكتوب عنه)
وذكره إنما يقع في المكاتبات في موضع الخضوع والتواضع، إذ من شأن المكتوب عنه ذلك، وله محلّان:
المحل الأوّل
- في نفس المكاتبة وذلك فيما إذا كانت المكاتبة بصورة «من فلان إلى فلان» كما كان يكتب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: من محمّد رسول الله إلى فلان، وكما كان يكتب عن الخلفاء: من عبد الله فلان أمير المؤمنين إلى فلان، وكما يكتب الآن في المكاتبات السلطانية إلى ملوك المغرب، وما يكتب عنهم إلى الأبواب السلطانية ونحو ذلك.
المحل الثاني
- العلامة في المكاتبات كما يكتب المملوك فلان، أو أخوه فلان، أو شاكره فلان، أو فلان فقط، ونحو ذلك على اختلاف المراتب الآتية على ما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
النوع الثاني (اسم المكتوب إليه، وله محلّان)
المحل الأوّل
- ابتداء المكاتبة كما يكتب في بعض المكاتبات «من فلان إلى فلان، أو إلى فلان من فلان» ونحو ذلك، وكما يكتب في مكاتبات القانات،
(5/403)

فلان خان، وكما يذكر اسم ملوك الكفر في مكاتباتهم عن الأبواب السلطانية ونحو ذلك. وفيما عدا ذلك من المكاتبات المصدّرة بالتقبيل والدعاء وغيرهما من المصطلح عليه في زماننا وما قاربه لا يصرّح باسم المكتوب إليه غالبا تعظيما له عن التفوّه بذكره، إذ ترك التصريح بالاسم دليل التعظيم والتوقير والتبجيل، بخلاف الكنية واللّقب، فإنهما بصدد التعظيم للملقّب أو المكنيّ على ما سيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى ولذلك لم يخاطب الله تعالى نبيّه محمدا صلّى الله عليه وسلّم في كتابه العزيز باسمه تشريفا لمقامه، ورفعة لمحله، فلم يقل يا محمد ويا أحمد كما قال يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى، يا عيسى. بل قال يا أَيُّهَا الرَّسُولُ*
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ*
وقد صرح أصحابنا الشافعية وغيرهم أنه لا يجوز نداؤه صلّى الله عليه وسلّم باسمه احتجاجا بالآية الكريمة. وفي كتاب ابن السنيّ عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رأى رجلا معه غلام فقال للغلام: من هذا؟ - قال أبي- قال: فلا تمش أمامه ولا تستسبّ له، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه» .
المحل الثاني
- العنوان من الأدنى إلى الأعلى. كما يكتب في عنوان بعض المكاتبات «مطالعة المملوك فلان» على ما سيأتي في الكلام على العنوان. وإذا كان من تعظيم المخاطب أن لا يخاطب باسمه فكذلك في مكاتبته: لأن المكاتبة الصادرة إلى الشخص قائمة مقام خطابه، بل المكاتبة أجدر بالتعظيم لاصطلاحهم في القديم والحديث على ذلك.
النوع الثالث (اسم المكتوب بسببه)
وهو مما لا نقص فيه بسبب ذكره، إذ لا بدّ من التصريح باسمه ليعرف، اللهم إلا أن يشتهر حتّى تغني شهرته عن ذكر اسمه، وله محلان:
المحل الأوّل
- في الطرّة «1» بأن يقال «هذا ما عهد به فلان» إما الخليفة في
(5/404)

عهده بالخلافة أو السّلطنة، أو السلطان في عهده بالسلطنة على ما سيأتي بيانه.
وفي معنى ذلك البيعات بأن يقال «مبايعة شريفة لفلان» ونحو ذلك.
المحل الثاني
- صدر الولاية حيث يقال: هذا ما عهد عبد الله ووليّه فلان، أو من عبد الله ووليّه فلان، ونحو ذلك على اختلاف المذاهب في الابتداء على ما سيأتي.
النوع الرابع (اسم من تصدر إليه الولاية، وله محلان)
المحل الأوّل
- في الطّرّة إما في العهود حيث يقال. هذا ما عهد فلان إلى فلان. وإما في التقاليد والتواقيع والمراسيم، حيث يقال: أن يفوّض إلى فلان، أو أن يستقرّ فلان، أو أن يرتّب فلان.
المحل الثاني
- أثناء الولاية حيث يقال: أن يفوّض إلى فلان، أو أن يستقرّ فلان، أو أن يرتّب فلان، على نظير ما في الطرّة، أما المولّى عليه فقلّ أن يذكر كما في التحدّث على شخص معيّن ونحوه.
الطّرف الثاني (في الكنى)
والكنية عند النّحاة أحد أقسام العلم أيضا، والمراد بها ما صدّر بأب أو أمّ، مثل أبي القاسم، وأمّ كلثوم وما أشبه ذلك. وقد كان للعرب بالكنى أتمّ العناية، حتى إنهم كنّوا جملة من الحيوان بكنى مختلفة: فكنّوا الأسد بأبي الحارث، والثعلب بأبي الحصين، والدّيك بأبي سليمان، وكنّوا الضّبع بأمّ عامر، والدّجاجة بأمّ حفصة، والجرادة بأمّ عوف ونحو ذلك. وفيه ثلاث جمل:
(5/405)

الجملة الأولى (في جواز الكنية، وهي على نوعين)
النوع الأوّل (كنى المسلمين)
قال الشيخ محيي الدين النوويّ رحمه الله في كتابه «الأذكار» : وجواز التكنّي أشهر من أن نذكر فيه شيئا منقولا، فإن دلائله يشترك فيها الخواصّ والعوامّ.
قال: والأدب أن يخاطب أهل الفضل ومن قاربهم بالكنية، وكذلك إن كتب إليه رسالة، أو روى عنه رواية. فيقال: حدثنا الشيخ أو الإمام أبو فلان فلان بن فلان وما أشبهه.
واعلم أن الأوّلين أكثر ما كانوا يعظّمون بعضهم بعضا في المخاطبات ونحوها بالكنى، ويرون ذلك في غاية الرّفعة ونهاية التعظيم حتّى في الخلفاء والملوك: فيقال: أبو فلان فلان، وبالغوا في ذلك حتّى كنّوا من اسمه في الأصل كنية فقالوا في أبي بكر «أبو المناقب» اعتناء بشأن الكنية، وربما وقف الأمر في الزمن القديم في تكنية خاصّة الخليفة وأمرائه على ما يكنّيه به الخليفة، فيكون له في الرّفعة منتهى ينتهي إليه، ثم رجع أمرهم بعد ذلك إلى التعظيم بالألقاب. على أن التعظيم بالكنى باق في الخلفاء والملوك فمن دونهم إلى الآن على ما ستقف عليه في مواضعه إن شاء الله تعالى، وكذلك القضاة والعلماء، بخلاف الأمراء والجند والكتّاب، فإنه لا عناية لهم بالتكنّي.
ثم لا فرق في جواز التكنّي بين الرجال والنساء، فقد كانت «عائشة» أمّ المؤمنين رضي الله عنها تكنّى «بأمّ عبد الله» وكذلك غيرها من نساء الصحابة والتابعين كان لهنّ كنى يكتنين بها.
النوع الثاني (كنى أهل الكفر والفسقة والمبتدعين)
قال النوويّ: والكافر والفاسق والمبتدع إن كان لا يعرف إلا بالكنية جاز
(5/406)

تكنيته. قال تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
«1» واسمه عبد العزّى، قيل: إنه ذكر تكنيته لكونه كان لا يعرف إلا بها، وقيل: كراهة لاسمه حيث جعل عبدا للصّنم، وقد تكرر في الحديث ذكر أبي طالب بكنيته، واسمه عبد مناف. وفي الصحيح أنه صلّى الله عليه وسلّم «لمّا مرّ بأرض الحجر من الشأم، قال هذا قبر أبي رغال» لعاقر الناقة من قوم ثمود. قال: وكذلك إذا خيف من ذكره باسمه فتنة، كما ثبت في الصحيحين «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ركب على حمار ليعود سعد بن عبادة «2» رضي الله عنه، فمرّ في طريقه على عبد الله بن أبيّ ابن سلول المنافق «3» ، وما كان من بذاءته على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين مرّ عليه، وأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سار حتّى دخل على سعد بن عبادة- فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟ (يريد عبد الله بن أبيّ ابن سلول) قال كذا وكذا. وذكر الحديث. قال: فإن كان يعرف بغير الكنية ولم تخف فتنة لم يزد على الاسم كما ثبت في الصحيحين أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كتب «من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل» فسمّاه باسمه ولم يكنّه ولا لقّبه بملك الرّوم.
قال: ونظائر هذا كثيرة، وقد أمرنا بالإغلاظ عليهم، ولا ينبغي لنا أن نكنّيهم، ولا نرفق بهم، ولا نلين لهم قولا، ولا نظهر لهم ودّا ولا مؤالفة.
الجملة الثانية (فيما يكنى به، وهو على نوعين)
النوع الأوّل (كنى الرجال، ولها حالان)
الحال الأوّل- أن يكون للرجل ولد أو أولاد
. قال النوويّ: فإن كان له ولد
(5/407)

يكنّى به، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الولد ذكرا أو أنثى، فيجوز تكنية الرجل بأبي فلانة كما يجوز بأبي فلان. فقد تكنّى جماعة من أفاضل السّلف من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم بأبي فلانة، فمن الصحابة أبو ليلى: والد عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو فاطمة الليثيّ، وأبو مريم الأزديّ، وأبو رقيّة تميم الداريّ، وأبو زرعة المقداد بن معدى كرب. ومن التابعين أبو عائشة مسروق بن الأجدع وخلائق لا يحصون. وإن كان له أولاد يكنّى بأكبرهم: فقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يكنّى بأبي القاسم، وكان القاسم أكبر بنيه.
وفي سنن أبي داود والنّسائيّ عن شريح الحارثيّ أنه وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع قومه فسمعهم يكنّونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: إنّ الله هو الحكم وإليه الحكم! فلم تكنّى أبا الحكم؟ - فقال: إنّ قومي اختلفوا في شيء فأتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين- فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ - قال: شريح، ومسلم، وعبد الله- قال: فمن أكبرهم؟ - قال- شريح- قال: فأنت أبو شريح» .
فلو تكنّى بغير أولاده فلا بأس به قاله النوويّ. ثم قال: وهذا الباب واسع لا يحصى من يتّصف به.
وقد اختلف في جواز التكنّي بأبي القاسم: فنص الشافعيّ رضي الله عنه على أنّه لا يجوز التكنّي بذلك مطلقا، لما ورد أنه صلّى الله عليه وسلّم قال «تسمّوا باسمى ولا تكتنوا بكنيتي» . وذهب ذاهبون إلى تخصيص ذلك بحياته صلّى الله عليه وسلّم احتجاجا بأن المنع فيه كان لعلّة: وهي أن اليهود كانوا ينادون يا أبا القاسم! فإذا التفت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالوا:
لم نعنك، قصدا لإيذائه صلّى الله عليه وسلّم وقد زالت هذه العلّة بوفاته صلّى الله عليه وسلّم، واختاره النوويّ من أصحابنا الشافعية. وذهب آخرون إلى تخصيص المنع بما إذا جمع لواحد بين الاسم والكنية، بأن يتسمّى محمدا ويتكنّى بأبي القاسم، بخلاف ما إذا لم يكن اسمه محمدا فإنه يجوز، وهو وجه قويّ.
الحال الثاني- أن لا يكون للرجل ولد بأن لم يولد له ولد أصلا
، قال
(5/408)

النوويّ: فيجوز تكنيته حتّى الصّغير. ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير (قال الراوي) : أحسبه فطيما، وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا جاء يقول يا أبا عمير، ما فعل النّغير؟ لنغير كان يلعب به» . قال النوويّ: وكان من الصحابة رضوان الله عليهم جماعات لهم كنّى قبل أن يولد لهم، كأبي هريرة وخلائق لا يحصون من التابعين فمن بعدهم. قال: ولا كراهة فيه بل هو محبوب بشرطه.
واعلم أن الرجل قد يكون له كنيتان فأكثر، فقد كان لأمير المؤمنين عثمان ابن عفّان رضي الله عنه ثلاث كنّى: أبو عمرو، وأبو عبد الله، وأبو ليلى.
النوع الثاني (كنى النساء)
والحال فيه أنه إن كان للمرأة ولد تكنّت به ذكرا أو أنثى، كما تقدّم في الرجل. وإن كان لها أولاد تكنّت بأكبرهم مع جواز الكنية بغير أولادها كما في الرجل أيضا. قال النوويّ: ويجوز تكنيتها ولو لم يولد لها، ففي سنن أبي داود وغيره بأسانيد صحيحة عن عائشة رضي الله عنها قالت: «يا رسول الله كلّ صواحبي لهن كنّى، قال: فاكتني بابنك عبد الله- يعني عبد الله بن الزّبير، وهو ابن أختها أسماء، وكانت عائشة رضي الله عنها تكنى أمّ عبد الله» قال: هذا هو الصحيح المعروف. وما رواه ابن السنيّ عن عائشة أنها قالت «أسقطت من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سقطا فسمّاه عبد الله» فحديث ضعيف. ثم كما تجوز تكنية الرجل بأبي فلانة، يجوز تكنية المرأة بأمّ فلانة من باب أولى.
الجملة الثالثة (في التكنّى في المكاتبات والولايات)
فأما الكنية في المكاتبات فعلى ثلاثة أنواع:
(5/409)

النوع الأوّل (تكنّي المكتوب عنه)
قال محمد بن عمر المدايني في كتاب «القلم والدواة» : أوّل من اكتنى في كتبه «الوليد بن عبد الملك» . قال النوويّ في «الأذكار» : والأدب أن لا يذكر الرجل كنيته في كتابه ولا في غيره إلا أن لا يعرف إلا بكنيته، أو كانت الكنية أشهر من اسمه. وقال أبو جعفر النحاس: إذا كانت الكنية أشهر، يكنّى على نظيره ويسمّى لمن فوقه ثم يلحق «المعروف أبا فلان، أو بأبي فلان» .
ثم الكنية من المكتوب عنه قد تكون في صدر الكتاب كما يكتب عن الخلفاء «من عبد الله ووليه أبي فلان فلان أمير المؤمنين» أو في موضع العلامة كما يكتب في الطغراة من السلطان لملوك الكفر بعد سياقه ألقاب السلطان «أبو فلان فلان» أو في العنوان كما كان يكتب في المصطلح القديم «من أبي فلان فلان إلى فلان» .
النوع الثاني (تكنية المكتوب إليه)
وبه كان الاعتناء في الزمن المتقدّم لا سيّما إذا كان المكتوب إليه ممّن يستحقّ التعظيم بالتكنية. وكنية المكتوب إليه تارة تكون في عنوان الكتاب كما يكتب «إلى أبي فلان فلان» وتارة تكون في صدر الكتاب كما كان يكتب «من فلان إلى أبي فلان فلان» .
النوع الثالث (تكنية المكتوب بسببه)
وهي تارة تذكر في طرّة الكتاب فيقال فيمن قصد تعظيمه «بما قصده أبو فلان فلان» واستعماله قليل. وتارة تذكر في أثناء الكتاب حيث يجري ذكره.
وأما الكنية في الولايات فلها محلان:
(5/410)

أحدهما- في طرّة الولاية، حيث يقال: «عهد شريف [لأبي فلان] «1» فلان» أو «تقليد شريف بأن يفوّض إلى [أبي فلان] «2» فلان» .
والثاني- في أثناء الولايات حيث يجري ذكره على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(5/411)

الفصل الثاني من الباب الأوّل من المقالة الثالثة (في الألقاب، وفيه طرفان)
الطّرف الأوّل (في أصول الألقاب، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في معنى اللّقب والنّعت، وما يجوز منه ويمتنع)
أما اللقب «1» فأصله في اللغة النّبز- بفتح الباء. قال ابن حاجب النعمان في «ذخيرة الكتّاب» : والنّبز ما يخاطب به الرجل الرجل من ذكر عيوبه وما ستره عنده أحبّ إليه من كشفه، وليس من باب الشّتم والقذف.
وأما النعت فأصله في اللغة الصّفة. يقال: نعته ينعته نعتا إذا وصفه. قال في «ذخيرة الكتّاب» : وهو متّفق على أنه ما يختاره الرجل ويؤثره ويزيد في إجلاله ونباهته، بخلاف اللّقب. قال: لكن العامّة استعملت اللقب في موضع النّعت الحسن، وأوقعوه موقعه لكثرة استعمالهم إيّاه، حتّى وقع الاتّفاق والاصطلاح على استعماله في التشريف والإجلال والتعظيم والزيادة في النّباهة والتّكرمة.
قلت: والتحقيق في ذلك أن اللّقب والنعت يستعملان في المدح والذمّ جميعا: فمن الألقاب والنّعوت ما هو صفة مدح ومنها ما هو صفة ذمّ. وقد عرّفت النحاة اللقب بأنه ما أدّى إلى مدح أو ذمّ، فالمؤدّي إلى المدح كأمير المؤمنين، وزين العابدين، والمؤدّي إلى الذمّ كأنف الناقة وسعيد كرز وما أشبه ذلك.
(5/412)

والنعت تارة يكون صفة مدح، وتارة يكون صفة ذمّ، ولا شكّ أن المراد هنا من اللقب والنّعت ما أدّى إلى المدح دون الذمّ. وقد اصطلح الكتّاب على أن سمّوا صفات المدح التي يوردونها في صدور المكاتبات ونحوها بصيغة الإفراد كالأمير والأميريّ والأجلّ والأجلّيّ والكبير والكبيريّ ونحو ذلك ألقابا، وصفات المدح التي يوردونها على صورة التركيب كسيف أمير المؤمنين وظهير الملوك والسّلاطين ونحو ذلك نعوتا، ولا معنى لتخصيص كلّ واحد منهما بالاسم الذي سمّوه به إلا مجرّد الاصطلاح، ولا نزاع في إطلاق اللقب والنعت عليهما باعتبارين: فمن حيث إنها صفات مؤدّية إلى المدح يطلق عليها اسم اللقب، ومن حيث إنها صفات لذوات قائمة بها يطلق عليها اسم النعت.
وأما ما يجوز من ذلك ويمتنع، فالجائز منه ما أدّى إلى المدح مما يحبّه صاحبه ويؤثره، بل ربما استحبّ، كما صرح به النوويّ في «الأذكار» للإطباق على استعماله قديما وحديثا. والممتنع منه ما أدّى إلى الذمّ والنّقيصة مما يكرهه الإنسان ولا يحبّ نسبته إليه. قال النوويّ: وهو حرام بالاتفاق، سواء كان صفة له: كالأعمش، والأجلح، والأعمى، والأحول، والأشجّ، والأصفر، والأحدب، والأصمّ، والأزرق، والأشتر، والأثرم، والأقطع، والزّمن، والمقعد، والأشلّ، وما أشبه ذلك. أو كان صفة لأبيه: كابن الأعمى، أو لأمّه: كابن الصّوراء ونحو ذلك مما يكرهه قال تعالى: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ
«1» قال: واتفقوا على جواز ذكره بذلك على جهة التعريف لمن لا يعرفه إلا بذلك، ودلائل ذكره كثيرة مشهورة، وهو أحد المواضع التي تجوز فيها الغيبة.
(5/413)

الجملة الثانية (في أصل وضع الألقاب والنّعوت المؤدّية إلى المدح)
واعلم أن ألقاب المدح ونعوته لم تزل واقعة على أشراف الناس وجلّة الخلق في القديم والحديث؛ فقد ثبت تلقيب إبراهيم عليه السّلام ب «الخليل» وتلقيب موسى عليه السّلام ب «الكليم» وتلقيب عيسى عليه السّلام ب «المسيح» وتلقيب يونس عليه السّلام ب «ذي النّون» وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يلقّب قبل البعثة ب «الأمين» ووردت التواريخ بذكر ألقاب جماعة من العرب في الجاهليّة: كذي يزن، وذي المنار، وذي نواس، وذي رعين، وذي جدن، وغيرهم مما هو مشهور شائع.
وكذلك وقعت ألقاب المدح على كثير من عظماء الإسلام وأشرافه كالصحابة رضوان الله عليهم فمن بعدهم من الخلفاء والوزراء وغيرهم: فكان لقب أبي بكر «عتيقا» ثم لقّب ب «الصّدّيق» بعد ذلك، ولقب عمر «الفاروق» ولقب عثمان «ذا النّورين» ولقب عليّ «حيدرة» ولقب حمزة بن عبد المطلب «أسد الله» ولقب خالد بن الوليد «سيف الله» ولقب عمرو بن عمرو «ذا اليدين» ولقب مالك بن التّيّهان الأنصاريّ «ذا السّيفين» ولقب خزيمة بن ثابت الأنصاريّ «ذا الشّهادتين» ولقب جعفر بن أبي طالب بعد استشهاده «ذا الجناحين» .
وأما الخلفاء، فخلفاء بني أميّة لم يتلقب أحد منهم، فلما صارت الخلافة إلى بني العبّاس وأخذت البيعة لإبراهيم بن محمد، لقّب ب «الإمام» ثم تلقب من بعده من خلفائهم: فتلقب محمد بن عليّ ب «السّفّاح» لكثرة ما سفح من دماء بني أميّة. واختلف في لقبه بالخلافة: فقيل «القائم» وقيل «المهتدي» وقيل «المرتضي» وألقاب الخلفاء بعده وإلى زماننا معروفة مشهورة على ما مرّ ذكره في المقالة الثانية. وعلى ذلك كانت ألقاب خلفاء بني أميّة بالاندلس إلى حين انقراضهم على ما هو مذكور في مكاتبة صاحب الاندلس، على ما سيأتي في المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
ثم تعدّت ألقاب الخلافة إلى كثير من ملوك الغرب بعد ذلك، وتلا الخلفاء
(5/414)

في الألقاب الوزراء لاستقبال الدولة العباسيّة وما بعد ذلك: فلقّب أبو سلمة الخلّال وزير السّفّاح ب «وزير آل محمد» ولقّب المهديّ وزيره يعقوب بن داود بن طهمان «الأخ في الله» ولقّب المأمون الفضل بن سهل حين استوزره «ذا الكفايتين» ولقّب أخاه الحسن بن سهل «ذا الرّياستين» ولقّب المعتمد على الله وزيره صاعد ابن مخلد «ذا الوزارتين» إشارة إلى وزارة المعتمد والموفّق، وكان لقب إسماعيل ابن بلبل الشكور «الناصر لدين الله» كألقاب الخلفاء.
وكذلك وقع التلقيب لجماعة من أرباب السّيوف وقوّاد الجيوش: فتلقب أبو مسلم الخراسانيّ صاحب الدعوة ب «أمير آل محمد» . وقيل «سيف آل محمد» وتلقب أبو الطيّب طاهر بن الحسين ب «ذي اليمينين» ولقّب المعتصم بالله حيدر ابن كاووس ب «الأفشين» لأنه أشروسنيّ والأفشين لقب على الملك بأشرو سنة ولقّب إسحاق بن كيداح أيام المعتمد ب «ذي السّيفين» ولقّب مؤنس في أيام المقتدر ب «المظفّر» ولقّب سلامة أخو نجح أيام القاهر ب «المؤتمن» ولقّب أبو بكر بن محمد بن طغج الراضي بالله ب «الأخشيد» والأخشيد لقب على الملك بفرغانة.
ثم وقع التلقيب بالإضافة إلى الدّولة في أيام المكتفي «1» بالله: فلقّب المكتفي أبا الحسين بن القاسم بن عبيد الله وليّ الدولة، وهو أوّل من لقّب بالإضافة إلى الدولة، ولقّب المقتدر بالله عليّ بن أبي الحسين المتقدّم ذكره «عميد الدولة» .
ووافت الدولة البويهيّة أيام المطيع لله والأمر جار على التلقيب بالإضافة للدولة، فافتتحت ألقاب الملوك بالإضافة إلى الدولة، فكان أوّل من لقّب بذلك من الملوك بنو بوية الثلاثة: فلقّب أبو الحسن عليّ بن بويه ب «عماد الدولة» ولقّب أخوه أبو عليّ الحسن ب «- ركن الدولة» وأخوهما أبو الحسين أحمد ب «- معزّ الدولة»
(5/415)

ثم وافى «عضد الدولة» من بعدهم فاقترح أن يلقب ب «- تاج الدّولة» فلم يجب إليه وعدل به إلى «عضد الدولة» ، فلما بذل نفسه للمعاونة على الأتراك، اختار له أبو إسحاق الصابي صاحب ديوان الإنشاء «تاج الملّة» مضافا إلى عضد الدولة، فكان يقال «عضد الدولة وتاج الملّة» ولقّب أبو محمد الحسن بن حمدان أيام المتقي لله «ناصر الدولة» ولقّب أخوه أبو الحسن عليّ بن حمدان «سيف الدولة» .
وبقي الأمر على التلقيب بالإضافة إلى الدولة إلى أيام القادر بالله فافتتح التلقيب بالإضافة إلى الدين. وكان أوّل من لقّب بالإضافة إليه أبو نصر بهاء الدولة ابن عضد الدولة بن بويه، زيد على لقبه بهاء الدولة «نظام الدّين» فكان يقال «بهاء الدولة ونظام الدّين» قال ابن حاجب النعمان: ثم تزايد التلقيب به وأفرط، حتّى دخل فيه الكتّاب والجند والأعراب والأكراد، وسائر من طلب وأراد، وكره (؟) حتّى صار لقبا على الأصل. ولا شك أنه في زماننا قد خرج عن الحدّ حتّى تعاطاه أهل الأسواق ومن في معناهم، ولم تصر به ميزة لكبير على صغير، حتى قال قائلهم: (خفيف)
طلع الدّين مستغيثا إلى الله ... وقال العباد قد ظلموني
يتسمّون بي، وحقك لا أعرف ... منهم شخصا ولا يعرفوني
أما الديار المصرية فكان جريهم في الألقاب على ما ينتهي إليهم خبره من ألقاب الدولة العباسية ببغداد، فتلقب خلفاء الفاطميّين بها بنحو ألقاب خلفاء بني العبّاس ببغداد، فكان لقب أوّل خلفائهم بها «المعزّ لدين الله» وثانيهم بها «العزيز بالله» وعلى ذلك إلى أن كان لقب آخرهم «العاضد لدين الله» على ما تقدم في المقالة الثانية في الكلام على ملوك الديار المصرية.
وتلقب وزراؤهم وكتّابهم بالإضافة إلى الدولة، وممن لقّب بذلك في دولتهم «وليّ الدولة» بن أبي كدينة وزير المستنصر، وأيضا «وليّ الدولة» بن خيران كاتب الإنشاء المشهور. ولما صارت الوزارة لبدر الجماليّ تلقّب ب «أمير الجيوش» . ثم تلقب الوزراء بعده بنحو «الأفضل» و «المأمون» . ثم تلقبوا بالملك
(5/416)

الفلانيّ، ك «الملك الأفضل» و «الملك الصالح» ونحو ذلك على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وكان الكتّاب في أواخر الدولة الفاطميّة إلى أثناء الدولة الأيّوبيّة يلقبون ب «الفاضل» و «الرّشيد» و «العماد» وما أشبه ذلك، ثم دخلوا في عموم التلقيب بالإضافة إلى الدين، واختص التلقيب بالإضافة إلى الدولة كوليّ الدولة بكتّاب النصارى، والأمر على ذلك إلى الآن.
الطرف الثاني (في بيان معاني الألقاب، وفيه تسع جمل)
الجملة الأولى (في الألقاب الخاصّة بأرباب الوظائف المعتبرة التي بها انتظام أمور المملكة وقوامها، وهي قسمان)
القسم الأوّل (الألقاب الإسلاميّة، وهي نوعان)
النوع الأوّل (الألقاب القديمة المتداولة الحكم إلى زماننا، وهي صنفان)
الصنف الأوّل (ألقاب أرباب السيوف، وهي سبعة ألقاب)
الأوّل- الخليفة
. وهو لقب على الزعيم الأعظم القائم بأمور الأمّة، وقد اختلف في معناه، فقيل: إنه فعيل بمعنى مفعول، كجريح بمعنى مجروح، وقتيل بمعنى مقتول ويكون المعنى أنه يخلفه من بعده، وعليه حمل قوله تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
«1» على قول من قال: إن آدم عليه السّلام أوّل من عمر
(5/417)

الأرض وخلفه بنوه من بعده. وقيل: فعيل بمعنى فاعل، ويكون المراد أنه يخلف من بعده، وعليه حمل الآية من قال إنه كان قبله في الأرض الجنّ وإنه خلفهم فيها، واختاره النّحّاس «1» في «صناعة الكتّاب» : وعليه اقتصر البغويّ في «شرح السّنّة» والماورديّ في «الأحكام السّلطانية» . قال النّحاس: وعليه خوطب أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه بخليفة رسول الله.
وقد أجازوا أن يقال في الخليفة «خليفة رسول الله» لأنه خلفه في أمّته.
واختلفوا هل يجوز أن يقال فيه خليفة الله: فجوّز بعضهم ذلك لقيامه بحقوقه في خلقه محتجّين بقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ
«2» وامتنع جمهور الفقهاء من ذلك محتجّين بأنه إنما يستخلف من يغيب أو يموت والله تعالى باق موجود إلى الأبد لا يغيب ولا يموت. ويؤيّد ما نقل عن الجمهور بما روي أنه قيل لأبي بكر رضي الله عنه: يا خليفة الله- فقال: لست بخليفة الله ولكنّي خليفة رسول الله، وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: يا خليفة الله- فقال: ويلك! لقد تناولت متناولا بعيدا! إنّ أمّي سمّتني عمر، فلو دعوتني بهذا الاسم قبلت، ثم كبرت فكنّيت أبا حفص، فلو دعوتني به قبلت، ثم ولّيتمونى أموركم فسمّيتموني أمير المؤمنين، فلو دعوتني به كفاك. وخصّ البغويّ جواز إطلاق ذلك بآدم وداود عليهما السلام، محتجّا بقوله تعالى في حق آدم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
«3» وقوله في حقّ داود: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
«4» ثم قال: ولا يسمّى أحد خليفة الله بعدهما. قال في «شرح السنة» : ويسمّى خليفة وإن كان مخالفا لسيرة أئمة العدل.
ثم قد كره جماعة من الفقهاء منهم «أحمد بن حنبل» إطلاق اسم الخليفة
(5/418)

على ما بعد خلافة «الحسن بن عليّ» رضي الله عنهما فيما حكاه النحاس وغيره، محتجّين بحديث «الخلافة بعدي ثلاثون» يعني ثلاثين سنة، وكان انقضاء الثلاثين بانقضاء خلافة الحسن، ولما انقضت الخلافة صارت ملكا. قال المعافى بن إسماعيل في تفسيره: وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل طلحة والزّبير وكعبا وسلمان عن الفرق بين الخليفة والملك- فقال طلحة والزبير لا ندري- فقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرعيّة، ويقسم بينهم بالسّويّة، ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله والوالد على ولده، ويقضي بينهم بكتاب الله تعالى- فقال كعب: ما كنت أحسب أن في هذا المجلس من يفرّق بين الخليفة والملك، ولكنّ الله ألهم سلمان حكما وعلما!.
واختلف في الهاء في آخره: فقيل أدخلت فيه للمبالغة كما أدخلت في رجل داهية وراوية وعلّامة ونسّابة وهو قول الفرّاء، واستحسنه النحاس ناقلا له عن أكثر النحويين وخطّأه عليّ بن سليمان محتجّا بأنه لو كان كذلك لكان التأنيث فيه حقيقيّا، وقيل: الهاء فيه لتأنيث الصّيغة. قال النحاس: وربما أسقطوا الهاء منه وأضافوه فقالوا «فلان خليف فلان» يعنون خليفته.
ثم الأصل فيه التذكير نظرا للمعنى لأن المراد بالخليفة رجل وهو مذكّر، فيقال أمر الخليفة بكذا على التذكير، وأجاز الكوفيّون فيه التأنيث على لفظ خليفة فيقال أمرت الخليفة بكذا، وأنشد الفرّاء:
أبوك خليفة ولدته أخرى
ومنعه البصريون محتجين بأنه لو جاز ذلك لجاز قالت طلحة في رجل اسمه طلحة وهو ممتنع. فإن ظهر اسم الخليفة تعين التذكير باتّفاق فتقول قال أبو جعفر الخليفة أو قال الراضي الخليفة ونحو ذلك. ويجمع على خلفاء ككريم وكرماء، وعليه ورد قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ
«1» وعلى
(5/419)

خلائف كصحيفة وصحائف، وعليه جاء قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ
«1» والنسبة إليه خلفيّ كما ينسب إلى حنيفة حنفيّ، وقول العامة درهم خليفتيّ ونحوه خطأ، إذ قاعدة النسب أن يحذف من المنسوب إليه الياء وهاء التأنيث على ما هو مقرّر في علم النحو. وممن وهم في ذلك المقرّ الشهابيّ بن فضل الله رحمه الله في كتابه «التعريف» حيث قال: وأوّل ما نبدأ بالمكاتبة إلى الأبواب الشريفة الخليفتيّة، ولعله سبق قلم منه، وإلا فالمسألة أظهر من أن يجهلها أو تخفى عليه.
الثاني- الملك
. وهو الزّعيم الأعظم ممن لم يطلق عليه اسم الخلافة، وقد نطق القرآن بذكره في غير موضع كما في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً
«2» (وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ*
«3» إلى غير ذلك من الآيات. ويقال فيه ملك بكسر اللام وملك بإسكانها ومليك بزيادة ياء، ومنه قوله تعالى: عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
«4» قال الجوهري: والملك مقصور من مالك أو مليك، ويجمع على ملوك وأملاك. ويقال لموضع الملك المملكة.
الثالث- السّلطان
، وهو اسم خاصّ في العرف العامّ بالملوك. ويقال: إن أوّل من لقّب به «خالد بن برمك» وزير الرشيد، لقّبه به الرشيد تعظيما له، ثم انقطع التلقيب به إلى أيام بني بويه فتلقب به ملوكهم فمن بعدهم من الملوك السّلاجقة وغيرهم وهلمّ جرّا إلى زماننا.
وأصله في اللغة الحجّة قال تعالى: وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ
«5» يعني من حجّة. وسمّي السلطان بذلك لأنه حجّة على الرعية يجب عليهم الانقياد إليه.
(5/420)

واختلف في اشتقاقه: فقيل إنه مشتقّ من السّلاطة وهي القهر والغلبة:
لقهره الرعية وانقيادهم له، وقيل مشتقّ من السليط وهو الشّيرج في لغة أهل اليمن لأنه يستضاء به في خلاص الحقوق، وقيل من قولهم لسان سليط أي حادّ ماض لمضيّ أمره ونفوذه. وقال محمد بن يزيد البصريّ: السّلطان جمع واحده سليط كقفيز وقفزان وبعير وبعران.
وحكى صاحب «ذخيرة الكتّاب» «1» : أنه يكون واحدا ويكون جمعا، ثم هو يذكّر على معنى الرجل، ويؤنّث على معنى الحجّة. وحكى الكسائيّ والفرّاء على التأنيث عن بعض العرب قضت به عليك السلطان. قال العسكريّ في كتابه «الفروق» في اللغة: والفرق بينه وبين الملك أن الملك يختصّ بالزعيم الأعظم، والسّلطان يطلق عليه وعلى غيره. وعلى ما ذكره العسكريّ عرف الفقهاء في كتبهم، إذ يطلقونه على الحاكم من حيث هو حتّى على القاضي فيقولون فيمن ليس لها وليّ خاصّ يزوجها السلطان ونحو ذلك. ومن حيث إن السلطان أعمّ من الملك يقدّم عليه في قولهم السلطان الملك الفلانيّ: ليقع السلطان أوّلا على الملك وعلى غيره ثم يخرج غير الملك بعد ذلك بذكر الملك.
الرابع- الوزير
، وهو المتحدّث للملك في أمر مملكته. واختلف في اشتقاقه: فقيل مشتق من الوزر بفتح الواو والزاي وهو الملجأ، ومنه قوله تعالى:
كَلَّا لا وَزَرَ
«2» سمّي بذلك لأن الرعية يلجأون إليه في حوائجهم، وقيل مشتق من الأوزار وهي الأمتعة، ومنه قوله تعالى: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ
«3» سمّي بذلك لأنه متقلّد بخزائن الملك وأمتعته، وقيل مشتق من الوزر بكسر الواو وإسكان الزاي وهو الثّقل، ومنه قوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ
«4»
(5/421)

أَوْزارَها
سمّي بذلك لأنه يتحمل أثقال الملك وقيل مشتق من الأزر: وهو الظّهر، سمّي بذلك لأن الملك يقوى بوزيره كقوة البدن بالظهر، وتكون الواو فيه على هذا التقدير منقلبة عن همزة. وقد أوضحت القول في ذلك في «النفحات النّشرية في الوزارة البدرية» . قال القضاعي في «عيون المعارف في أخبار الخلائف» :
وأوّل من لقّب بالوزارة في الإسلام أبو سلمة: حفص بن سلمان الخلّال وزير السفّاح. قال: وإنما كانوا قبل ذلك يقولون كاتب. ثم هو إما وزير تفويض: وهو الذي يفوّض الإمام إليه تدبير الأمور برأيه وإمضاءها على اجتهاده كما كانت الوزراء بالديار المصرية من لدن وزارة بدر الجماليّ وإلى حين انقراضها، وإما وزير تنفيذ: وهو الذي يكون وسيطا بين الإمام والرّعايا معتمدا على رأي الإمام وتدبيره. وهذه هي التي كان أهل الدولة الفاطمية يعبّرون عنها بالوساطة، أما الوزارة في زماننا فقد تقاصرت عن ذلك كلّه حتّى لم يبق منها إلا الاسم دون الرّسم، ولم تزل الوزارة في الدّول تتردّد بين أرباب السيوف والأقلام تارة وتارة إلا أنها في زماننا في أرباب الأقلام.
الخامس- الأمير
. وهو زعيم الجيش أو الناحية ونحو ذلك ممن يولّيه الإمام. وأصله في اللغة ذو الأمر وهو فعيل بمعنى فاعل فيكون أمير بمعنى آمر.
سمّي بذلك لامتثال قومه أمره يقال: أمر فلان إذا صار أميرا، والمصدر الإمرة والإمارة بالكسر فيهما، والتأمير تولية الأمير، وهي وظيفة قديمة.
السادس- الحاجب
. وهو في أصل الوضع عبارة عمن يبلّغ الأخبار من الرعيّة إلى الإمام ويأخذ لهم الإذن منه، وهي وظيفة قديمة الوضع كانت لابتداء الخلافة فقد ذكر القضاعيّ في «عيون المعارف» لكل خليفة حاجبا من ابتداء الأمر وإلى زمانه: فذكر أنه كان حاجب أبي بكر الصّديق رضي الله عنه «شديدا» مولاه، وحاجب عمر «يرفأ» مولاه، وحاجب عثمان «حمران» مولاه، وحاجب عليّ «قنبرا» مولاه، وعلى ذلك في كل خليفة، ما عدا الحسن ابن عليّ رضي الله عنهما فإنه لم يذكر له حاجبا. وسمّي الحاجب بذلك لأنه يحجب الخليفة أو الملك عمّن يدخل إليه بغير إذن. قال زياد لحاجبه: «ولّيتك
(5/422)

حجابي وعزلتك عن أربع: هذا المنادي إلى الله في الصلاة والفلاح فلا تعوجنّه عنّي ولا سلطان لك عليه، وطارق الليل فلا تحجبه فشرّ ما جاء به ولو كان خيرا ما جاء في تلك الساعة، ورسول الثّغر فإنه إن أبطأ ساعة أفسد عمل سنة فأدخله عليّ وإن كنت في لحافي وصاحب الطعام فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد» .
ثم تصرّف الناس في هذا اللقب ووضعوه في غير موضعه، حتّى كان في أعقاب خلافة بني أمية بالأندلس ربما أطلق على من قام مقام الخليفة في الأمر، وكانوا في الدولة الفاطميّة بالديار المصرية يعبّرون عنه بصاحب الباب كما سبق بيانه في المقالة الثانية في الكلام على ترتيب دولتهم. أما في زماننا فإنه عبارة عمن يقف بين يدي السلطان ونحوه في المواكب، ليبلّغ ضرورات الرعية إليه، ويركب أمامه بعصا في يده، ويتصدّى لفصل المظالم بين المتداعيين خصوصا فيما لا تسوغ الدعوى فيه من الأمور الدّيوانية ونحوها. وله ببلاد المغرب والأندلس أوضاع تخصّه في القديم والحديث، على ما سيأتي ذكره في الكلام على مكاتباتهم في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
السابع- صاحب الشّرطة
. بضم الشين المعجمة وإسكان الراء: وهو المعبّر عنه في زماننا بالوالي، وتجمع الشّرطة على شرط بضم الشين المعجمة وفتح الراء. وفي اشتقاقه قولان: أحدهما أنه مشتق من الشّرط بفتح الشين والراء وهي العلامة، لأنهم يجعلون لأنفسهم علامات يعرفون بها، ومنه أشراط الساعة يعني علاماتها، وقيل من الشّرط بالفتح أيضا: وهو رذال المال، لأنهم يتحدثون في أرذال الناس وسفلتهم ممن لا مال له من اللّصوص ونحوهم.
الصّنف الثاني (ألقاب أرباب الأقلام، وفيه ثلاثة ألقاب)
الأوّل- القاضي
. وهو عبارة عمن يتولّى فصل الأمور بين المتداعيين في الأحكام الشرعيّة. وهي وظيفة قديمة كانت في زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. فقد ذكر القضاعيّ
(5/423)

أنه صلّى الله عليه وسلّم ولّى القضاء باليمن عليّ بن أبي طالب ومعاذ بن جبل «1» وأبا موسى الأشعريّ «2» ؛ وأن أبا بكر رضي الله عنه ولّى القضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ثم هو مشتقّ من القضاء، واختلف في معناه فقال أبو عبيد: هو إحكام الشيء والفراغ منه، ومنه قوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ
«3» أي أخبرناهم بذلك وفرغنا لهم منه. قال أبو جعفر النحاس: وسمّي القاضي قاضيا لأنه يقال قضى بين الخصمين إذا فصل بينهما وفرغ. وقيل معناه القطع، يقال قضى الشيء إذا قطعه، ومنه قوله تعالى: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ
«4» وسمّي القاضي بذلك لأنه يقطع الخصومة بين الخصمين بالحكم. على أن كتّاب الزمان يطلقون هذا اللقب والألقاب المتفرّعة منه كالقضائيّ والقاضويّ على أرباب الأقلام في الجملة، سواء كان صاحب اللّقب متصدّيا لهذه الوظيفة أو غيرها، كسائر العلماء والكتّاب ومن في معناهم، وعلى ذلك عرف العامّة أيضا.
الثاني- المحتسب
، وهو عبارة عمن يقوم بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والتحدّث في أمر المكاييل والموازين ونحوهما. قال الماورديّ في «الأحكام السلطانية» : وهو مشتقّ من قولهم حسبك بمعنى اكفف، سمّي بذلك لأنه يكفي الناس مؤونة من يبخسهم حقوقهم. قال النحاس: وحقيقته في اللغة المجتهد في كفاية المسلمين ومنفعتهم إذ حقيقة افتعل عند الخليل وسيبويه بمعنى اجتهد.
(5/424)

وأوّل من قام بهذا الأمر وصنع الدّرّة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه في خلافته. وقد كانوا في الأيام الفاطميّة بالديار المصرية يضيفونها إلى الشّرطة في بعض الأحيان، كما هو موجود في تقاليد الحسبة في زمانهم.
الثالث- الكاتب
. وقد تقدّم اشتقاقه ومعناه في مقدّمة الكتاب، وأنه كان في الزمن الأوّل عند الإطلاق إنما يراد به كاتب الإنشاء ثم تغيّر الحال بعد ذلك إلى أن صار في العرف العامّ بالديار المصرية عند الإطلاق يراد به كاتب المال ومن في معناه، وهو من الألقاب القديمة فقد تقدّم في الكلام على الوزارة من كلام القضاعيّ أنهم قبل التلقيب بالوزارة في الدولة العباسيّة في خلافة السفّاح إنما كانوا يقولون كاتب.
قلت: ووراء ما تقدّم من الألقاب القديمة المتداولة ألقاب أخرى كانت مستعملة في الأيام الفاطمية ثم رفضت الآن وتركت.
ك «صاحب المظالم» وهو المتحدّث في فصل الخصومات.
وصاحب الصّلاة: وهو المتحدّث في أمر المساجد والصلوات.
وكالمتحدّث في الوساطة، وهي القيام بوظيفة الوزارة ممن لم يؤهّل لإطلاق اسم الوزارة عليه.
وصاحب الباب كنحو الحاجب.
وداعي الدّعاة للشّيعة ونحو ذلك.
النوع الثاني (الألقاب المحدثة)
وهي إما عربيّة، وإما عجميّة. والعجميّة منها إما فارسيّة، وإما تركيّة، وأكثرها الفارسيّة. والسبب في استعمال الفارسيّ منها وإن كانت الفرس لم تلها في الإسلام أن الخلافة كانت ببغداد وغالب كلام أهلها الفارسية، والوظائف منقولة عنها إلى هذه المملكة، إما مضاهاة كما في الدولة الفاطمية على قلّة، كما في
(5/425)

الاسفهسلار، وإما تبعا كما في الدولة الأيوبية فما بعدها.
وهي أربعة أصناف:
الصنف الأوّل (المفردة، وهي ضربان)
الضرب الأوّل (ما لفظه عربيّ، وهو ثلاثة ألقاب)
الأوّل- النائب
: وهو لقب على القائم مقام السلطان في عامّة أموره أو غالبها، والألف فيه منقلبة عن واو. يقال: ناب فلان عن فلان ينوب نوبا ومنابا إذا قام مقامه فهو نائب. ويطلق هذا اللقب في العرف العامّ على كل نائب عن السلطان أو غيره بحضرته أو خارجا عنها في قرب أو بعد، إلا أن النائب عن السلطان بالحضرة يوصف في عرف الكتّاب بالكافل: فيقال «النائب الكافل» وفي حال الإضافة «كافل الممالك الإسلاميّة» على ما سيأتي ذكره في النّعوت إن شاء الله تعالى. والنائب عنه بدمشق يقال فيه «كافل السّلطنة» ومن دونه من أكابر النّوّاب:
كنائب حلب ونائب طرابلس ونائب حماة ونائب صفد ونائب الكرك من الممالك الشامية، ونائب الإسكندريّة ونائبي الوجهين: القبلي والبحريّ بالديار المصرية.
[يقال فيه نائب السلطنة الشريفة بكذا ليس إلا] «1» ويقال فيمن دونهم من النّوّاب بالممالك الشامية كنائب حمص ونائب الرّحبة وغيرهما «النائب بفلانة» .
الثاني- الساقي
. وهو لقب على الذي يتولّى مدّ السّماط وتقطيع اللحم وسقي المشروب بعد رفع السّماط، ونحو ذلك. وكأنه وضع في الأوّل لسقي المشروب فقط ثم استحدث له هذه الأمور الأخرى تبعا. ويجوز أن يكون لقّب
(5/426)

بذلك لأنّ سقي المشروب آخر عمله الذي يختم به وظيفته.
الثالث- المشرف
. وهو الذي يتولّى أمر المطبخ ويقف على مشارفة الأطبخة في خدمة إستادار «1» الصّحبة الآتي ذكره، ومعناه ظاهر.
الضرب الثاني (ما لفظه عجميّ وهو لقب واحد)
وهو «الأوجاقيّ» وهو لقب على الذي يتولّى ركوب الخيول للتسيير والرياضة، ولم أقف على معناه «2»
الصنف الثاني (المركّبة، وهي ثلاثة أضرب)
الضرب الأوّل (ما تمحّض تركيبه من اللفظ العربيّ، وفيه سبعة ألقاب)
الأوّل- ملك الأمراء
. وهو من الألقاب التي اصطلح عليها لكفّال الممالك من نوّاب السلطنة، كأكابر النّوّاب بالممالك الشامية ومن في معناهم. وذلك أنه قام فيهم مقام الملك في التصرّف والتنفيذ، والأمراء في خدمته كخدمة السلطان.
وأكثر ما يخاطب به النوّاب في المكاتبات، وذلك مختصّ بغير المخاطبات السلطانية، أما السلطان فلا يخاطب عنه أحد منهم بذلك.
الثاني- رأس نوبة
. وهو لقب على الذي يتحدّث على مماليك السلطان أو الأمير، وتنفيذ أمره فيهم، ويجمع على رؤوس نوب. والمراد بالرأس هنا الأعلى
(5/427)

أخذا من رأس الإنسان لأنه أعلاه. والنّوبة واحدة النّوب وهي المرّة بعد الأخرى، والعامّة تقول لأعلاهم في خدمة السلطان «رأس نوبة النّوب» وهو خطأ لأن المقصود علوّ صاحب النّوبة لا النوبة نفسها، والصواب فيه أن يقال: «رأس رؤوس النّوب» أي أعلاهم.
الثالث- أمير مجلس
. وهو لقب على من يتولّى أمر مجلس السلطان أو الأمير في الترتيب وغيره، ويجمع على أمراء، ومعناه ظاهر، والأحسن فيه أن يقال أمير المجلس بتعريف المضاف إليه، وتكون الألف واللام فيه للعهد الذّهني، إما مجلس السلطان أو غيره.
الرابع- أمير سلاح
. وهو لقب على الذي يتولّى أمر سلاح السلطان أو الأمير. ويجمع على أمراء سلاح، والسلاح آلة القتال. قال الجوهريّ: وهو مذكّر ويجوز تأنيثه.
الخامس- مقدّم المماليك
. وهو لقب على الذي يتولّى أمر المماليك للسلطان أو الأمير- من الخدّام الخصيان المعروفين الآن بالطّواشيّة. ومقامه فيهم نحو مقام رأس النّوبة، ولفظ المقدّم والمماليك معروف.
السادس- أمير علم
. وهو لقب على الذي يتولّى أمر الأعلام السلطانية والطّبلخاناه وما يجري مجرى ذلك. والعلم في اللغة يطلق بإزاء معان أحدها الراية، وهو المراد هنا.
السابع- نقيب الجيش
. وهو الذي يتكفّل بإحضار من يطلبه السلطان من الأمراء وأجناد الحلقة ونحوهم، والنقيب في اللغة العريف الذي هو ضمين القوم وفي التنزيل حكاية عن بني إسرائيل: وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً
«1» ويقال:
(5/428)

نقب على قومه ينقب نقبا مثل كتب يكتب كتبا. والجيش العسكر ويجمع على جيوش. أما بالممالك الشامية فإنه يقال في مثله نقيب النّقباء.
الضرب الثاني (ما تمحّض تركيبه من اللفظ العجميّ)
وقاعدة اللّغات العجميّة تقديم المضاف إليه على المضاف، والصّفة على الموصوف، بخلاف اللغة العربية. ولهذا الضرب حالتان:
الحالة الأولى (أن تكون الإضافة إلى لفظ دار)
وهي لفظة فارسية معناها ممسك فاعل من الإمساك. وكثير من كتّاب الزمان أو أكثرهم بل كلّهم يظنّون أن لفظ دار في ذلك عربيّ بمعنى المحلة، كدار السلطان أو الأمير ونحو ذلك، وهو خطأ كما سيأتي بيانه في الكلام على إستدّار، وخزندار وغيرهما.
والمضاف إلى لفظ دار من وظائف أرباب السيوف تسعة ألقاب:
الأوّل- الإستدّار
. بكسر الهمزة وهو لقب على الذي يتولّى قبض مال السلطان أو الأمير وصرفه، وتمتثل أوامره فيه. وهو مركّب من لفظتين فارسيتين:
إحداهما إستذ «1» ، بهمزة مكسورة وسين مهملة ساكنة بعدها تاء مثناة من فوق ثم ذال معجمة ساكنة، ومعناها الأخذ. والثانية دار، ومعناها الممسك كما تقدّم، فأدغمت الذال الأولى وهي المعجمة في الثانية وهي المهملة فصار إستدّار.
والمعنى المتولّي للأخذ، سمّي بذلك لما تقدّم من أنه يتولّى قبض المال. ويقال فيه أيضا: ستدّار بإسقاط الألف من أوّله وكسر السين والمتشدّقون من الكتّاب
(5/429)

يضمّون الهمزة في أوّله ويلحقون فيه ألفا بعد التاء، فيقولون: «أستادّار» وربما قالوا: «أستاذ الدار» بإدخال الألف واللام على لفظ الدار ظنّا منهم أن المراد حقيقة الدار في اللفظ العربيّ، وأن أستاذ بمعنى السيد أو الكبير، ولذلك يقولون «أستادّار العالية» : أو «أستاذ الدّار العالية» وهو خطأ صريح لما تقدّم بيانه.
على أن العامة تنطق به على الصواب، من كسر الهمزة وحذف الألف بعد التاء. ثم قد يزاد في هذا اللقب لفظ الصّحبة، فيصير «إستدّار الصّحبة» ويكون لقبا على متولّي أمر المطبخ، وكأنه لقّب بذلك لملازمته الباب سفرا وحضرا.
الثاني- الجوكاندار
. وهو لقب على الذي يحمل الجو كان مع السلطان في لعب الكرة، ويجمع على جو كان داريّة، وهو مركّب من لفظتين فارسيّتين أيضا:
إحداهما جو كان، وهو المحجن «1» الذي تضرب به الكرة، ويعبر عنه بالصّولجان أيضا: والثانية دار، ومعناه ممسك كما تقدّم. فيكون المعنى ممسك الجو كان.
والعامّة تقول: «جكندار» بحذف الواو بعد الجيم والألف بعد الكاف.
الثالث- الطّبردار
. وهو الذي يحمل الطّبر حول السلطان عند ركوبه في المواكب وغيرها. وهو مركّب من لفظين فارسيين: أحدهما طبر ومعناه الفأس، ولذلك يقولون في السّكّر الصّلب الشديد الصّلابة طبرزذ بمعنى يكسر بالفأس.
والثاني دار ومعناه ممسك كما تقدم، فيكون المعنى ممسك الطّبر.
الرابع- السّنجقدار
. وهو الذي يحمل السّنجق خلف السلطان. وهو مركّب من لفظين: أحدهما تركيّ وهو سنجق، ومعناه الرّمح وهو في لغتهم مصدر طعن، فعبّر به عن الرّمح الذي يطعن به. والثاني دار ومعناه ممسك كما تقدّم، ويكون المعنى ممسك السّنجق وهو الرمح. والمراد هنا العلم الذي هو الراية كما تقدّم، إلا أنه لما كانت الراية إنما تجعل في أعلى الرمح عبّر بالرمح نفسه عنها.
(5/430)

الخامس- البندقدار
. وهو الذي يحمل جراوة «1» البندق خلف السلطان أو الأمير. وهو مركّب من لفظتين فارسيتين إحداهما بندق، وإن كان الجوهريّ قد أطلق ذكره في الصحاح من غير تعرّض لأنه معرّب فقال: والبندق الذي يرمى به. ثم هو منقول عن البندق الذي يؤكل وهو الجلّوز بكسر الجيم والزاي المعجمة في آخره. فقد قال أبو حنيفة في كتاب «النبات» الجلّوز عربيّ وهو البندق والبندق فارسيّ. اللفظة الثانية دار ومعناها ممسك كما تقدّم، ويكون المعنى ممسك البندق.
السادس- الجمدار
«2» وهو الذي يتصدّى لإلباس السلطان أو الأمير ثيابه.
وأصله جاما دار فحذفت الألف بعد الجيم وبعد الميم استثقالا وقيل جمدار. وهو في الأصل مركّب من لفظين فارسيين أحدهما جاما، ومعناه الثوب. والثاني دار، ومعناه ممسك كما تقدّم فيكون المعنى ممسك الثوب.
السابع- البشمقدار
. وهو الذي يحمل نعل السلطان أو الأمير، وهو مركّب من لفظين: أحدهما من اللغة التركية وهو بشمق ومعناه النعل. والثاني من اللغة الفارسية وهو دار ومعناه ممسك على ما تقدّم. ويكون المعنى ممسك النعل.
على أن صاحب «الأنوار الضوّية في إظهار غلط الدرّة المضية في اللغة التركية» قد ذكر أن الصواب في النعل بصمق بالصاد المهملة «3» بدل الشين المعجمة، وحينئذ فيكون صوابه على ما ذكر بصمقدار. والمعروف في ألسنة الترك بالديار المصرية ما تقدّم.
الثامن- المهمندار
. وهو الذي يتصدّى لتلقي الرّسل والعربان الواردين على
(5/431)

السلطان وينزلهم دار الضيافة ويتحدّث في القيام بأمرهم. وهو مركب من لفظين فارسيين: أحدهما مهمن بفتح الميمين ومعناه الضيف، والثاني دار ومعناه ممسك كما تقدّم، ويكون معناه ممسك الضيف، والمراد المتصدّي لأمره.
التاسع- الزّنان دار المعبر عنه «بالزّمام دار»
. وهو لقب على الذي يتحدّث على باب ستارة السلطان أو الأمير من الخدّام الخصيان. وهو مركّب من لفظين فارسيين: أحدهما زنان بفتح الزاي ونونين بينهما ألف، ومعناه النساء. والثاني دار، ومعناه ممسك كما تقدّم فيكون معناه ممسك النّساء، بمعنى أنه الموكّل بحفظ الحريم إلا أن العامّة والخاصة قد قلبوا النونين فيه بميمين فعبّروا عنه بالزّمام دار كما تقدّم، ظنّا أن الدار على معناها العربيّ والزّمام بمعنى القائد، أخذا من زمام البعير الذي يقاد به.
الحالة الثانية (أن تكون الإضافة إلى غير لفظ دار، وفيها لقبان)
الأوّل- الجاشنكير
. وهو الذي يتصدّى لذوقان «1» المأكول والمشروب قبل السلطان أو الأمير خوفا من أن يدسّ عليه فيه سمّ ونحوه. وهو مركّب من لفظين فارسيين: أحدهما جاشنا بجيم في أوّله قريبة في اللفظ من الشين، ومعناه الذّوق، ولذلك يقولون في الذي يذوق الطعام والشراب الشّيشنيّ. والثاني كير وهو بمعنى المتعاطي لذلك، ويكون المعنى الذي يذوق.
الثاني- السّراخور
. وهو الذي يتحدّث على علف الدّوابّ من الخيل وغيرها. وهو مركّب من لفظين فارسيين: أحدهما سرا ومعناه الكبير. والثاني خور، ومعناه العلف «2» ، ويكون المعنى كبير «3» العلف والمراد كبير الجماعة الذين يتولّون
(5/432)

علف الدّوابّ. والعامّة يقولون سراخوريّ بإثبات ياء النسب في آخره ولا وجه له.
ومتشدّقو الكتّاب يبدلون الراء فيه لاما فيقولون سلاخوريّ وهو خطأ «1»
الضرب الثالث (ما تركّب من لفظ عربيّ ولفظ عجميّ، وله حالتان)
الحالة الأولى (أن يصدّر بلفظ أمير وهو لفظ عربيّ كما تقدّم في الكلام على ألقاب أرباب الوظائف، وفيها أربعة ألقاب)
الأوّل- أمير آخور
. وهو الذي يتحدّث على إصطبل السلطان أو الأمير، ويتولّى أمر ما فيه من الخيل والإبل وغيرهما مما هو داخل في حكم الإصطبلات، وهو مركّب من لفظين: أحدهما عربيّ وهو أمير، والثاني فارسيّ وهو آخور بهمزة مفتوحة ممدودة بعدها خاء معجمة ثم واو وراء مهملة ومعناه المعلف، والمعنى أمير المعلف: لأنه المتولّي لأمر الدوابّ على ما تقدّم وأهمّ أمورها المعلف.
الثاني- أمير جاندار
. وهو لقب على الذي يستأذن على الأمراء وغيرهم في أيام المواكب عند الجلوس بدار العدل. وهو مركّب من ثلاثة ألفاظ: أحدها عربيّ وهو أمير وقد تقدّم معناه. والثاني جان بجيم وألف ونون، ومعناه الروح بالفارسيّة والتركية جميعا. والثالث دار، ومعناه ممسك كما تقدّم، فيكون المعنى «الأمير الممسك للروح» ولم يظهر لي وجه ذلك إلا أن يكون المراد أنه الحافظ لدم السلطان فلا يأذن عليه إلا لمن يأمن عاقبته «2»
الثالث- أمير شكار
. وهو لقب على الذي يتحدّث على الجوارح من الطيور
(5/433)

وغيرها وسائر أمور الصيد. وهو مركّب من لفظين: أحدهما عربيّ وهو أمير والثاني فارسيّ وهو شكار بكسر الشين المعجمة وكاف وألف ثم راء مهملة في الآخر، ومعناه الصيد فيكون المراد «أمير الصيد» .
الرابع- أمير طبر
. وهو لقب على الذي يتحدّث على الطّبرداريّة الذين يحملون الأطبار حول السلطان في المواكب ونحوها. وهو مركّب من لفظين:
أحدهما عربيّ وهو أمير، والثاني طبر وهو بالفارسية الفأس كما تقدّم في الكلام على الطّبردار.
الحالة الثانية (أن لا يصدّر اللقب بلفظ أمير، وفيها خمسة ألقاب)
الأوّل- الدّوادار
«1» وهو لقب على الذي يحمل دواة السلطان أو الأمير أو غيرهما، ويتولّى أمرها مع ما ينضمّ إلى ذلك من الأمور اللازمة لهذا المعنى من حكم وتنفيذ أمور وغير ذلك بحسب ما يقتضيه الحال. وهو مركّب من لفظين:
أحدهما عربيّ وهو الدّواة، والمراد التي يكتب منها. والثاني فارسيّ وهو دار، ومعناه ممسك كما تقدّم. ويكون المعنى «ممسك الدّواة» وحذفت الهاء من آخر الدواة استثقالا. أما في اللغة العربية فإنه يقال لحامل الدواة «داو» على وزن قاض، فتثبت الياء فيه مع الألف واللام فتقول جاء الدّاوي ورأيت الداوي ومررت بالدّاوي، ويجوز حذفها كما في سائر الأسماء المنقوصة.
الثاني- السّلاح دار
. وهو لقب على الذي يحمل سلاح السلطان أو الأمير ويتولّى أمر السّلاح خاناه وما هو من توابع ذلك. وهو مركّب من لفظين: أحدهما عربيّ وهو السّلاح، وقد تقدّم معناه في الكلام على أمير سلاح. والثاني فارسيّ وهو دار ومعناه ممسك كما تقدّم، ويكون المعنى «ممسك السّلاح» .
(5/434)

الثالث- الخزندار
بكسر الخاء وفتح الزاي المعجمتين. وهو لقب على الذي يتحدّث على خزانة السلطان أو الأمير أو غيرهما. وهو مركّب من لفظين:
أحدهما عربيّ وهو خزانة: وهي ما يخزن فيه المال. والثاني فارسيّ وهو دار، ومعناه ممسك كما تقدّم فحذفت الألف والهاء من خزانة استثقالا فصار خزندار ويكون المعنى «ممسك الخزانة» والمراد المتولّي لأمرها، ومتشدّقو الكتّاب يسقطون الألف والهاء من خزانة على ما تقدّم ويلحقون بعد الخاء ألفا فينقلون لفظ خزانة إلى خازن فاعل من الخزن ويضيفونه إلى دار، ظنّا منهم أن الدار على معناها العربيّ كما تقدّم في الاستدّار والزّنان دار، وهو خطأ كما تقدّم بيانه هناك. على أن العامّة تنطق بحروفه على الصواب إلا أنهم يكسرون الزاي بعد الخاء والصواب فتحها.
الرابع- العلم دار
. وهو لقب على الذي يحمل العلم مع السلطان في المواكب. وهو مركّب من لفظين: أحدهما عربيّ وهو العلم، وقد تقدّم أن معناه الراية. والثاني فارسيّ وهو دار ومعناه ممسك كما تقدّم، ويكون المعنى «ممسك العلم» .
الصنف [الثالث] الثاني «1» (ألقاب أرباب الأقلام، وهي على خمسة أضرب)
الضرب الأوّل (ألقاب أرباب الوظائف من العلماء، وفيه خمسة ألقاب)
الأوّل- الخطيب
. وهو الذي يخطب الناس ويذكّرهم في الجمع والأعياد
(5/435)

ونحوهما. وقد كان ذلك في الزّمن المتقدّم مختصّا بالخلفاء والأمراء بالنّواحي على ما تقدّم في الكلام على ترتيب الخلافة في المقالة الثانية.
الثاني- المقريء
. وهو الذي يقريء القرآن العظيم، وقد غلب اختصاصه في العرف على مشايخ القراءة من قرّاء السبعة المجيدين المتصدّين لتعليم علم القراءة.
الثالث- المحدّث
. والمراد به من يتعاطى علم حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بطريق الرّواية والدّراية، والعلم بأسماء الرجال وطرق الأحاديث، والمعرفة بالأسانيد ونحو ذلك.
الرابع- المدرّس
. وهو الذي يتصدّى لتدريس العلوم الشرعية: من التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والتصريف ونحو ذلك. وهو مأخوذ من درست الكتاب دراسة إذا كرّرته للحفظ.
الخامس- المعيد
. وهو ثاني رتبة المدرّس فيما تقدّم، وأصل موضوعه أنه إذا ألقى المدرّس الدرس وانصرف أعاد للطلبة ما ألقاه المدرّس إليهم ليفهموه ويحسنوه.
الضرب الثاني (ألقاب الكتّاب، وهي نمطان)
النمط الأوّل (ألقاب أرباب الوظائف من كتّاب الإنشاء. وفيه ثلاثة ألقاب)
الأوّل- كاتب السّر
. وهو صاحب ديوان الإنشاء وقد تقدّم الكلام عليه مستوفى عند الكلام على الكتابة والكتّاب في مقدّمة الكتاب.
الثاني- كاتب الدّست
. وهو الذي يجلس مع كاتب السرّ بدار العدل أمام السلطان أو النائب بمملكة من الممالك، ويوقّع على القصص. وهم جماعة وقد تقدّم الكلام عليهم في المقدّمة أيضا.
(5/436)

الثالث- كاتب الدّرج
. وهو الذي يكتب المكاتبات والولايات وغيرها في الغالب وربما شاركه في ذلك كتّاب الدّست، ويعبّر الآن عنه بالموقّع، وقد تقدّم الكلام عليه هناك أيضا «1»
الضرب الثالث (ألقاب أرباب الوظائف من كتّاب الأموال ونحوها، وفيه تسعة ألقاب)
الأول- الوزير
إذا كان من أرباب الأقلام، وقد تقدّم الكلام عليه في ألقاب أرباب السّيوف في الصّنف الأول «2»
الثاني- الناظر
. وهو من ينظر في الأموال وينفّذ تصرّفاتها ويرفع إليه حسابها لينظر فيه ويتأمّله فيمضي ما يمضي ويردّ ما يردّ. وهو مأخوذ إمّا من النظر الذي هو رأي العين: لأنه يدير نظره في أمور ما ينظر فيه، وإما من النظر الذي هو بمعنى الفكر: لأنه يفكّر فيما فيه المصلحة من ذلك. ثم هو يختلف باختلاف ما يضاف إليه ك (ناظر الجيش) وهو الذي يتحدّث في أمر الجيوش وضبطها. أو (ناظر الخاصّ) وهو الذي ينظر في خاصّ أموال السلطان. أو (ناظر الدّواوين) وهو الذي يعبّر عنه بناظر الدّولة ويشارك الوزير في التصرف. أو (ناظر النّظّار بدمشق) وهو الذي يقوم بها مقام الوزير بالديار المصرية. أو (ناظر المملكة) بحلب، أو طرابلس، أو حماة ونحوها. أو (ناظر أوقاف أو جهات برّ) وما يجري مجرى ذلك.
الثالث- صاحب الديوان
. وكانوا في الزمن الأوّل يعبّرون عنه بمتولّي الدّيوان، وهو ثاني رتبة الناظر في المراجعة. وله أمور تخصّه كترتيب الدّرج ونحو ذلك.
الرابع- الشاهد
. وهو الذي يشهد بمتعلّقات الديوان نفيا وإثباتا.
الخامس- المستوفي
. وهو الذي يضبط الديوان، وينبّه على ما فيه مصلحته
(5/437)

من استخراج أمواله ونحو ذلك. ولعظم موقعه أشار إليه الحريريّ «1» في مقاماته بقوله: «منهم المستوفي الذي هو قطب الدّيوان» إلى آخره. ثم في بعض المباشرات قد ينقسم إلى مستوفي أصل ومستوفي مباشرة، ولكلّ منهما أعمال تخصّه.
السادس- العامل
. وهو الذي ينظّم الحسبانات ويكتبها. وقد كان هذا اللقب في الأصل إنما يقع على الأمير المتولّي العمل ثم نقله العرف إلى هذا الكاتب وخصّه به دون غيره «2»
السابع- الماسح
. وهو الذي يتصدّى لقياس أرض الزّراعة، وهو فاعل من مسح الأرض يمسحها مساحة إذا ذرعها.
الثامن- المعين
. وهو الذي يتصدّى للكتابة إعانة لأحد من المباشرين المذكورين، ومعناه واشتقاقه ظاهر.
التاسع- الصّيرفيّ
. وهو الذي يتولى قبض الأموال وصرفها. وهو مأخوذ من الصّرف: وهو صرف الذهب والفضّة في الميزان. وكان يقال له فيما تقدّم الجهبذ.
الضرب الرابع (ألقاب أرباب الوظائف من أهل الصّناعات، وفيه خمسة ألقاب)
الأوّل- مهندس العمائر
. وهو الذي يتولّى ترتيب العمائر وتقديرها ويحكم على أرباب صناعاتها. والهندسة علم معروف فيه كتب مفردة بالتصنيف.
الثاني- رئيس الأطبّاء
. وهو الذي يحكم على طائفة الأطبّاء ويأذن لهم في
(5/438)

التطبيب ونحو ذلك. وسيأتي الكلام على ضبط ذلك ومعناه في الكلام على الرئيس في الألقاب المفردة في حرف الراء فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الثالث- (رئيس الكحّالين)
. وحكمه في الكلام على طائفة الكحّالين «1» حكم رئيس الأطبّاء في طائفة الأطبّاء.
الرابع- رئيس الجرائحيّة
. وحكمه في الكلام على طائفة الجرائحيّة والمجبّرين كالرئيسين المتقدّمين.
الخامس- رئيس الحرّاقة
. وهو الذي يحكم على رجال الحرّاقة «2» السلطانية ويتولّى أمرها. وكان في الزمن المتقدّم يقال له رئيس الخلافة جريا على ما كان الأمر عليه في الخلافة الفاطمية بالديار المصرية.
الضرب الخامس (ألقاب أرباب الوظائف من الأتباع والحواشي والخدم، وهم طائفتان)
الطائفة الأولى (الأعوان، وهم نمطان)
النمط الأوّل (ما تمحّضت ألفاظه عربية، وفيه ثلاثة ألقاب)
الأوّل- مقدّم الدّولة
. وهو الذي يتحدّث على الأعوان والمتصرّفين لخدمة الوزير. والمراد المقدّم على الدولة، والدولة لفظ قد خصه العرف بمتعلّقات الوزارة. كما يقال لناظر الدّواوين ناظر الدولة على ما تقدّم ذكره.
الثاني- مقدّم الخاصّ
. وهو المتحدّث على الأعوان والمتصرفين بديوان
(5/439)

الخاص «1» المختصّ بالسلطان، كمقدّم الدولة بالنسبة إلى أعوان الوزارة.
الثالث- مقدّم التّركمان
. ويكون بالبلاد الشاميّة والحلبية متحدّثا على طوائف التّركمان الذين يقدّم عليهم.
النمط الثاني (ما تمحّض لفظه عجميا، وفيه لقب واحد)
وهو (البرددار) . وهو الذي يكون في خدمة مباشري الدّيوان في الجملة متحدّثا على أعوانه والمتصرّفين فيه، كما في مقدّم الدولة والخاصّ المقدّم ذكرهما. وأصله (فردادار) بفاء في أوله وهو مركّب من لفظين فارسيين: أحدهما فردا، ومعناه الستارة. والثاني دار، ومعناه ممسك، والمراد «ممسك السّتارة» وكأنه في أوّل الوضع كان يقف بباب السّتارة ثم نقل إلى الديوان.
الطائفة الثانية (أرباب الخدم، وهم نمطان)
النمط الأوّل (ما يضاف إلى لفظ الدار كما تقدّم في أرباب السّيوف، وهي سبعة ألقاب)
الأوّل- الشّربدار
. وهو لقب على الذي يتصدّى للخدمة بالشّراب خاناه، التي هي أحد البيوت. وهو مركب من لفظين: أحدهما شراب وهو ما يشرب من ماء وغيره، فحذفوا الألف فيه استثقالا. والثاني دار، ومعناه ممسك على ما تقدّم، والمعنى «ممسك الشّراب» .
الثاني- الطّست دار
. وهو لقب على بعض رجال الطّشت خاناه. وهو مركب
(5/440)

من لفظين أحدهما طست بفتح الطاء وإسكان السين المهملة في اللغة العربية، وهو الذي يغسل فيه، ويجمع على طسوس بسينين من غير تاء، ويقال فيه أيضا طسّ بإسقاط التاء، إلا أن العامة أبدلوا السين المهملة بشين معجمة. والثاني دار ومعناه ممسك على ما تقدّم، فيكون معناه «ممسك الطّست» .
الثالث- البازدار
. وهو الذي يحمل الطيور الجوارح المعدّة للصيد على يده. وخصّ بإضافته إلى الباز الذي هو أحد أنواع الجوارح دون غيره لأنه هو المتعارف بين الملوك في الزمن القديم، على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
الرابع- الحوندار
. وهو الذي يتصدّى لخدمة طيور الصيد من الكراكيّ والبلشونات ونحوها، ويحملها إلى موضع تعليم الجوارح. وأصله «حيوان دار» أطلق الحيوان في عرفهم على هذا النوع من الطيور، كما أطلق على من يتعانى معامل الفرّوج الحيوانيّ.
الخامس- المرقدار
. وهو الذي يتصدّى لخدمة ما يحوز المطبخ وحفظه.
سمّي بذلك لكثرة معاطاته لمرق الطعام عند رفع الخوان ونحو ذلك.
السادس- المحفّدار
بكسر الميم. وهو الذي يتصدّى لخدمة المحفّة. وهو مركب من لفظين. أحدهما محفّة فحذفت التاء منها استثقالا، والثاني دار، ومعناه ممسك على ما تقدّم، فيكون بمعنى «ممسك المحفّة» .
النمط الثاني (ما لا يتقيّد بالإضافة إلى دار ولا غيرها، وفيه خمسة ألقاب)
الأوّل- المهتار
. وهو لقب واقع على كبير كلّ طائفة من غلمان البيوت، كمهتار الشّراب خاناه، ومهتار الطّست خاناه، ومهتار الرّكاب خاناه. ومه بكسر الميم معناه بالفارسية الكبير، وتار بمعنى أفعل التفضيل، فيكون معنى المهتار الأكبر.
(5/441)

الثاني- البابا
. وهو لقب لجميع رجال الطّست خاناه ممن يتعاطى الغسل والصّقل وغير ذلك. وهو لفظ روميّ، ومعناه أبو الآباء على ما سيأتي بيانه في لقب الباب في الكلام على ألقاب أهل الكفر. وكأنه لقّب بذلك لأنه لما تعاطى ما فيه ترفيه مخدومه: من تنظيف قماشه وتحسين هيئته أشبه الأب الشفيق فلقّب بذلك.
الثالث- الرّختوان
. وهو لقب لبعض رجال الطست خاناه يتعاطى القماش.
والرّخت بالفارسية اسم للقماش «1» ، والواو والألف والنون بمعنى ياء النسب، ومعناه «المتولّي لأمر القماش» .
الرابع- الخوان سلار
. وهو لقب مختصّ بكبير رجال المطبخ السلطانيّ، القائم مقام المهتار في غير المطبخ من البيوت. وهو مركّب من لفظين: أحدهما خوان، وهو الذي يؤكل عليه. قال الجوهريّ: وهو معرّب. والثاني سلار، وهي فارسية ومعناها المقدّم وكأنه يقول مقدّم الخوان. والعامة تقول: «إخوان سلار» بألف في أوّله وهو لحن.
الخامس- المهمرد
. وهو الذي يتصدّى لحفظ قماش الجمال أو قماش الإصطبل والسقائين ونحو ذلك. ومعناه باللغة الفارسية «الرجل الكبير» فمه اسم للكبير، ومرد اسم للرجل.
السادس- (الغلام)
. وهو الذي يتصدّى لخدمة الخيل، ويجمع على غلمان وغلمة بكسر الغين وسكون اللام. وهو في أصل اللغة مخصوص بالصبيّ الصغير والمملوك ثم غلب على هذا النوع من أرباب الخدم، وكأنهم سمّوه بذلك لصغره في النّفوس. وربما أطلق على غيره من رجال الطّست خاناه ونحوهم.
(5/442)

القسم الثاني (من ألقاب أرباب الوظائف ألقاب أرباب الوظائف من أهل الكفر، والمشهور منهم طائفتان)
الطائفة الأولى النصارى (والمشهور من ألقاب أرباب وظائفهم ثمانية ألقاب)
الأول- الباب
- بباءين موحدتين مفخمتين في اللفظ. وهو لقب على القائم بأمور دين النصارى الملكانيّة بمدينة رومية. وما ذكره في «التثقيف» من أنه عندهم بمثابة القان عند التتار فخطأ ظاهر: لأن الباب قائم في النصارى مقام الخليفة، بل به عندهم يناط التحليل والتحريم، وإليه مرجعهم في أمر دياناتهم بخلاف القان فإن أمره قاصر على أمر الملك، وأصله البابا بزيادة ألف في آخره، والكتّاب يثبتونها في بعض المواضع ويحذفونها في بعض، وربما قيل فيه البابه بابدال الألف هاء.
وهي لفظة روميّة معناها أبو الآباء. وأوّل ما وضع هذا اللقب عندهم على بطرك الإسكندرية الآتي ذكره فيما بعد، وذلك أن صاحب كلّ وظيفة من وظائفهم الآتي ذكرها كان يخاطب من فوقه منهم بالأب، فالتبس ذلك عليهم فاخترعوا لبطرك الإسكندرية البابا دفعا للاشتراك في اسم الباب، وجعلوه أبا للكلّ، ثم رأوا أن بطرك رومية أحقّ بهذا اللقب: لأنه صاحب كرسيّ بطرس كبير الحواريّين ورسول المسيح عليه السّلام إلى رومية، وبطرك الإسكندرية صاحب كرسيّ مرقص الإنجيلي تلميذ بطرس الحواريّ المقدّم ذكره فنقلوا اسم البابا إلى بطرك رومية، وأبقوا اسم البطرك على بطرك الإسكندرية.
الثاني- البطرك
- بباء موحدة مفتوحة ثم طاء مهملة ساكنة وبعدها راء مهملة مفتوحة ثم كاف في الآخر. وهو لقب على القائم بأمور دين النّصرانية. وكراسيّ البطاركة عندهم أربعة: كرسيّ برومية وهو مقر الباب المقدّم ذكره، وكرسيّ بأنطاكية من بلاد العواصم، وكرسيّ بالقدس، [وكرسيّ بالإسكندرية «1» ] وقد
(5/443)

غلب الآن بالديار المصرية على رئيس النصارى اليعقوبيّة بالديار المصرية وهو المعبر عنه في الزمن القديم ببطرك الإسكندرية، ومقرّه الآن بالكنيسة المعلقة بالفسطاط «1» على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأصله البطريرك بزيادة ياء مثناة تحت مفتوحة بعدها راء ساكنة وهو لفظ روميّ معناه...... «2» ........ ورأيت في ترسّل العلاء بن موصلايا كاتب القائم بأمر الله العباسيّ في تقليد أنشأه «الفطرك» بإبدال الباء الموحدة فاء.
وقد تقدّم أن هذا البطرك هو الذي كان يدعى أوّلا بالبابا ثم نقل ذلك إلى بابا رومية، على أن بطرك الإسكندرية لم يكن في الزمن المتقدّم مختصّا ببطرك اليعقوبية بل كان تارة يكون يعقوبيا وتارة يكون ملكانيّا وإنما حدث اختصاصه باليعقوبية في الدولة الإسلامية على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
الثالث- الأسقفّ
- بضم الهمزة والقاف. وهو عندهم عبارة عن نائب البطرك.
الرابع- المطران
- بكسر الميم. وهو عبارة عن القاضي الذي يفصل الخصومات بينهم.
الخامس- القسّيس
- بكسر القاف. وهو القاريء الذي يقرأ عليهم الإنجيل والمزامير وغيرها.
السادس- الجاتليق
- بجيم بعدها ألف ثم تاء مثناة «3» فوق ولام ثم ياء مثناة تحت وقاف في الآخر. وهو عندهم عبارة عن صاحب الصّلاة.
(5/444)

السابع- الشّمّاس
- بشين معجمة في الأوّل وسين مهملة في الآخر وميم مشدّدة. وهو عبارة عندهم عن قيّم الكنيسة.
الثامن- الراهب
. وهو عبارة عن الذي حبس نفسه على العبادة في الخلوة.
الطائفة الثانية اليهود (والمشهور من ألقاب أرباب وظائفهم ثلاثة ألقاب)
الأول- الرئيس
. وهو القائم فيهم مقام البطرك في النصارى، وقد تقدّم الكلام على لفظ الرئيس وأنه يقال بالهمز وبتشديد الياء.
الثاني- الحزّان
- بحاء مهملة وزاي معجمة مشدّدة وبعد الألف نون. وهو فيهم بمثابة الخطيب يصعد المنبر ويعظهم.
الثالث- الشّليحصبّور
- بكسر الشين المعجمة واللام وفتح الياء المثناة تحت وبعدها حاء مهملة ساكنة ثم صاد مهملة مفتوحة وباء موحدة مشدّدة مضمومة بعدها راء مهملة. وهو الإمام الذي يصلّي بهم.
الجملة الثانية (في ذكر الألقاب المرتّبة على الأصول العظام من ألقاب أرباب الوظائف المتقدّمة، وهي نوعان)
النوع الأوّل (ألقاب الخلفاء المرتّبة على لقب الخليفة، وهي صنفان)
الصنف الأول (ما جرى منها مجرى العموم، وهو لقبان)
الأول- أمير المؤمنين
. وهو لقب عامّ للخلفاء. وأوّل من لقّب به منهم عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في أثناء خلافته، وكانوا قبل ذلك يدعون أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه بخليفة رسول الله، ثم دعوا عمر بعده لابتداء خلافته بخليفة خليفة رسول الله.
(5/445)

واختلف في أصل تلقيبه بأمير المؤمنين فروى أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتّاب» بسنده إلى أبي وبرة، أن أصل تلقيبه بذلك أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يجلدان في الشراب أربعين، قال فبعثني خالد إلى عمر في خلافته أسأله عن الجلد في الشراب فجئته، فقلت: يا أمير المؤمنين إن خالدا بعثني إليك- قال فيم؟ قلت: إن الناس قد تخافوا العقوبة وانهمكوا في الخمر فما ترى في ذلك فقال عمر لمن حوله ما ترون في ذلك فقال عليّ نرى يا أمير المؤمنين ثمانين جلدة فقبل ذلك عمر فكان أبو وبرة ثم عليّ بن أبي طالب أوّل من لقّبه بذلك.
وذكر أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» أن أصل ذلك أن عمر رضي الله عنه بعث إلى عامله بالعراق أن يرسل إليه رجلين عارفين بأمور العراق يسألهما عما يريد فأنفذ إليه لبيد بن ربيعة وعديّ بن هشام «1» فلما وصلا المدينة دخلا المسجد فوجدا عمرو بن العاص فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين- فقال لهما عمرو: أنتما أصبتما اسمه! ثم دخل على عمر فقال السلام على «أمير المؤمنين» - فقال: ما بدا لك يا ابن العاص؟ لتخرجنّ من هذا القول! فقصّ عليه القصة فأقرّه على ذلك، فكان ذلك أوّل تلقيبه بأمير المؤمنين، ثم استقرّ ذلك لقبا على كلّ من ولي الخلافة بعده أو ادّعاها خلا خلفاء بني أميّة بالأندلس فإنهم كانوا يخاطبون بالإمارة فقط إلى أن ولي منهم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله «2» ، ابن عبد الرحمن، وهو الثالث عشر من خلفائهم إلى زماننا.
الثاني- عبد الله ووليّه
. وهو لقب عامّ للخلفاء أيضا، إذ يكتب في نعت الخليفة في المكاتبات ونحوها «من عبد الله ووليّه أبي فلان فلان أمير المؤمنين»
(5/446)

فأما عبد الله فأوّل من تلقب به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا، فكان يكتب في مكاتباته «من عبد الله عمر» ولزم ذلك من بعده من الخلفاء حتّى إن المأمون كان اسمه عبد الله فكان يكتب من «عبد الله عبد الله بن هارون» مكرّرا لعبد الله على الاسم الخاص واللقب العامّ، وأما إردافها بقوله «ووليّه» فأحدث بعد ذلك.
الصنف الثاني (ألقاب الخلافة الخاصة بكل خليفة)
والمتلقّبون بألقاب الخلافة خمس طوائف:
الطائفة الأولى (خلفاء بني العبّاس)
قد تقدّم في الجملة الثانية من الطّرف الأوّل من هذا الفصل في الكلام على أصل وضع الألقاب والنّعوت أن خلفاء بني أميّة لم يتلقّب أحد منهم بألقاب الخلافة، وأن ذلك ابتديء بابتداء الدولة العبّاسية فتلقب إبراهيم بن محمد حين أخذت له البيعة ب «الإمام» وأن الخلف وقع في لقب السفّاح: فقيل «القائم» وقيل «المهتدي» وقيل «المرتضي» ثم تلقب أخوه بعده ب «المنصور» واستقرّت الألقاب جارية على خلفائهم كذلك إلى أن ولي الخلافة أبو إسحاق إبراهيم بن الرشيد بعد أخيه المأمون فتلقّب ب «المعتصم بالله» فكان أوّل من أضيف في لقبه من الخلفاء اسم الله. وجرى الأمر على ذلك فيمن بعده من الخلفاء ك «الواثق بالله» و «المتوكّل على الله» و «الطائع لله» و «القائم بأمر الله» و «الناصر لدين الله» وما أشبه ذلك من الألقاب المتقدّمة في الكلام على ترتيب الخلافة في المقالة الثانية.
وكان من عادتهم أنه لا يتلقّب خليفة بلقب خليفة قبله إلى أن صارت الخلافة إلى الديار المصرية فترادفوا على الألقاب السابقة، واستعملوا ألقاب من سلف من الخلفاء على ما تقدّمت الإشارة إليه في الكلام على ترتيب الخلفاء، إلى أن تلقب
(5/447)

أمير المؤمنين محمد بن أبي بكر خليفة العصر؛ ب «المتوكل على الله» وهو من أوائل ألقاب الخلافة العباسية.
الطائفة الثانية (خلفاء بني أميّة بالأندلس) (حين غلب بنو العباس على الأمر بالعراق، وانتزعوا الخلافة منهم)
وأوّل من ولي الخلافة منهم بالأندلس «عبد الرحمن» بن معاوية، بن هشام، بن عبد الملك، بن مروان، المعروف (بالداخل) لدخوله الأندلس في سنة تسع وثلاثين ومائة على ما سيأتي ذكره في مكاتبة صاحب الأندلس. ولم يتلقّب بلقب من ألقاب الخلافة جريا على قاعدتهم الأولى في الخلافة. وجرى على ذلك من بعده من خلفائهم إلى أن ولي منهم «عبد الرحمن» بن محمد، المعروف ب «المقبول» فتلقب ب «الناصر» بعد أن مضى من خلافته تسع وعشرون سنة، وتبعه من بعده منهم على ذلك إلى أن ولي عبد الرحمن بن محمد، بن عبد الملك، بن الناصر عبد الرحمن المقدّم ذكره، فتلقب ب «المرتضي بالله» وهو أوّل من أضيف في لقبه بالخلافة منهم اسم الله، مضاهاة لبني العباس، وذلك في حدود الأربعمائة، وبقي الأمر على ذلك في خلفائهم إلى أن كان آخرهم هشام ابن محمد فتلقب ب «المعتمد بالله» وانقرضت خلافتهم من الأندلس بعد ذلك بانقراضه في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.
الطائفة الثالثة (الخلفاء الفاطميّون ببلاد الغرب ثم بالديار المصرية)
وأوّل ناجم نجم منهم ببلاد الغرب (أبو محمد عبيد الله) في سنة ست وتسعين ومائتين من الهجرة، وتلقب ب «المهديّ» ثم تلقب بنوه من بعده بألقاب الخلافة المضاف فيها اسم الله ك «القائم بأمر الله» و «المنصور بالله» إلى أن كان منهم المعزّ لدين الله أبو تميم معدّ، وهو الذي انتزع الديار المصريّة من أيدي الأخشيديّة، وصار إليها في سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. وتداول خلفاؤهم بها مثل
(5/448)

هذه الألقاب إلى أن كان آخرهم العاضد لدين الله عبد الله وانقرضت خلافتهم بالدولة الأيوبية على ما تقدّم ذكره في المقالة الثانية في الكلام على ملوك الديار المصرية.
الطائفة الرابعة (الخلفاء الموحّدون الذين ملوك أفريقيّة بتونس الآن من بقاياهم)
وأوّلهم في التلقيب بألقاب الخلافة إمامهم محمد بن تومرت البربريّ، القائم ببلاد الغرب في أعقاب الفاطميين المتقدّم ذكرهم، تلقب ب «المهديّ» وآل الأمر من جماعته إلى الشيخ أبي حفص أحد أصحابه، ومن عقبه ملوك تونس المتقدّم ذكرهم فلم يتلقب أحد منهم بألقاب الخلافة إلى أن ولي منهم أبو عبد الله محمد بن أبي زكريّا يحيى فتلقب ب «المستنصر بالله» وتبعه من بعده من ملوكها على التلقيب بألقاب الخلافة إلى زماننا، ولذلك قال المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في كتابه «التعريف» في الكلام على مكاتبة صاحب تونس «لا يدّعي إلا الخلافة» وشبهتهم في ذلك أنهم يدّعون انتسابهم إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو من صميم قريش.
الطائفة الخامسة (جماعة من ملوك الغرب ممن لا شبهة لهم في دعوى الخلافة)
كملوك الطوائف القائمين بالأندلس بعد انقراض الدولة الأمويّة منها: من بني عبّاد وبني هود وغيرهم حيث كانوا يلقّبون ب «المعتمد» وغيره.
(5/449)

النوع الثاني (ألقاب الملوك المختصة بالملك، وهي صنفان)
الصنف الأوّل (الألقاب العامة، وهي التي تقع بالعموم على ملوك ممالك مخصوصة تصدق على كلّ واحد منهم، وهي ضربان)
الضرب الأوّل (الألقاب القديمة، والمشهور منها ألقاب ستّ طوائف)
الطائفة الأولى (التّبابعة ملوك اليمن)
كان يقال لكل منهم «تبّع» قال السّهيليّ في «الروض الأنف» : سمّوا بذلك لأن الناس يتبعونهم، ووافقه الزمخشريّ على ذلك. وقال ابن سيده في «المحكم» : سمّوا بذلك لأنهم يتبع بعضهم بعضا. قال المسعوديّ في «مروج الذهب» : ولم يكونوا ليسمّوا أحدا منهم تبّعا حتّى يملك اليمن والشّحر وحضرموت. وقيل: حتّى يتبعه بنو جشم بن عبد شمس، أما إذا لم يكن كذلك فإنما يسمّى ملكا. وأوّل من لقّب منهم بذلك «الحارث بن ذي شمر» وهو الرائش. ولم يزل هذا اللقب واقعا على ملوكهم إلى أن زالت مملكتهم بملك الحبشة اليمن.
الطائفة الثانية (ملوك الفرس، وهم على أربع طبقات)
الطبقة الأولى- القيشداديّة، كان يقال لكل من ملك منهم قيشداد، ومعناه «سيرة العدل» وأوّلهم كيومرث، والفرس كلهم مطبقون على أنه مبدأ نسل البشر، وكأنهم يريدون به آدم عليه السّلام.
وحكى الغزاليّ في «نصيحة الملوك» : أن كيومرث ابن آدم لصلبه، وأن
(5/450)

آدم عهد إلى شيث بأمر الدّين وإلى كيومرث بأمر الملك، وبعضهم يقول إنه كامر ابن يافث بن نوح عليه السّلام.
الطبقة الثانية- (الكيانيّة) . سمّوا بذلك لأن في أوّل اسم كل واحد منهم لفظ كي، وأوّلهم (كيقباذ) .
الطبقة الثالثة- (الأشغانيّة) . كان يقال لكل منهم «أشغان» «1» قال المسعوديّ: بالغين المعجمة ويقال بالكاف.
الطبقة الرابعة- (الأكاسرة) ، كان يقال لكل منهم «كسرى» بكسر الكاف وفتحها، وربما قيل فيهم «الساسانيّة» نسبة إلى جدّهم ساسان بن أردشير بن كي بهمن. وأوّلهم أردشير بن بابك وآخرهم يزدجرد الذي انقرض ملكهم بانتزاع المسلمين الملك من يديه في خلافة عثمان رضي الله عنه.
الطائفة الثالثة (ملوك مصر من بعد الطّوفان من القبط)
كان كلّ من ملكها منهم يسمّى «فرعون» قال إبراهيم بن وصيف شاه في «كتاب العجائب» : والقبط تزعم أن الفراعنة من ملكها من العمالقة دون القبط، كالوليد بن دومغ ونحوه. ويقال: إن أوّل