Advertisement

صبح الأعشى في صناعة الإنشاء 006

الجزء السادس
(بسم الله الرحمن الرحيم) وصلّى الله وسلّم على سيدنا محمد وآله وصحبه
[تتمة المقالة الثالثة]
[تتمة باب الاول من المقالة الثالثة]
[تتمة الجملة السادسة]
المهيع الثاني في ذكر الألقاب والنعوت المستعملة عند كتّاب الزمان، وبيان معانيها، ومن يقع عليه كل واحد منها من أرباب السّيوف وغيرهم (وهي نوعان)
النوع الأوّل (الألقاب الإسلامية، وهي صنفان)
الصنف الأوّل (المذكّرة، وهي ضربان)
الضرب الأوّل (الألقاب المفردة المختصة في اصطلاح الكتّاب باسم الألقاب)
وهذه جملة منها مرتبة على حروف المعجم ليسهل استخراجها.
حرف الألف
(الأتابكيّ) وهو من ألقاب أمير الجيوش ومن في معناه، كالنائب «1»
(6/3)

الكافل ونحوه، وهو بالأتابك أخصّ. وقد تقدّم معنى الأتابك في الكلام على ألقاب أرباب الوظائف، وأنّ أصله بالطاء فقلبت تاء في الاستعمال، وأن معناه «الأب الأمير» وحينئذ فتكون النسبة فيه للمبالغة. نعم إن نسب إليه غيره من أتباعه كانت النسبة إليه حقيقيّة على بابهما.
(الأتقى) من ألقاب ملوك المغرب التي يكتب إليهم بها من الأبواب السلطانية، مضاهاة لما يوجد في مكاتباتهم من الألقاب، وهو أفعل التفضيل من التّقوى.
(الأثير) بالثاء المثلّثة من ألقاب أرباب الأقلام: من القضاة والعلماء والكتّاب ونحوهم؛ وربما استعمل في ألقاب الصّلحاء أيضا. وأصله في اللغة المخالص، وحينئذ فيصلح أن يكون لقبا لكلّ من نسب إلى المخالصة من أرباب السيوف والأقلام جميعا، والأثيريّ نسبة إليه للمبالغة.
(الأثيل) بالمثلثة أيضا من ألقاب أرباب الأقلام: كالأثير، ومعناه في اللغة الأصيل، ومنه قيل مجد مؤثّل وأثيل أي أصيل. وحينئذ فيصلح أن يكون لقبا لكلّ ذي أصالة من أرباب السيوف والأقلام؛ والأثيليّ نسبة إليه للمبالغة.
(الأجلّ) يكون في الاصطلاح من ألقاب السلطان كما يقال السلطان السيّد الأجلّ ويكون من ألقاب السامي بغير ياء فما دونه فيقال: «السامي الأمير الأجلّ» ونحو ذلك؛ وهو مما ينكر على كتّاب الزمان: لاستعماله في الأعلى والأدنى على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. على أن هذا اللقب في الدولة الفاطميّة كان هو أعلى الألقاب وأرفعها قدرا، حتى قال ابن شيث «1» في «معالم
(6/4)

الكتابة» : إنه محظور على غير الوزير. وقد كانت الوزارة في زمانهم بمثابة السّلطنة في زماننا، فتصرّف فيه الكتّاب حتّى استعملوه في أدنى الرّتب أيضا؛ والأجلّيّ نسبة إليه للمبالغة.
(الأخصّ) من ألقاب أرباب «1» السّيوف، والكتّاب يستعملونه في أدنى الألقاب مما تسقط فيه ياء النسب: من السامي بغير ياء فما دونه، على أن معناه رفيع، لأخذه من الخصوصية، وهي الانفراد بالشيء، وكان الأحقّ أن يكون مختصّا بالألزام المقرّبين دون غيرهم، والأخصّيّ نسبة إليه للمبالغة.
(الأخويّ) من الألقاب المختصة في الغالب بالمكاتبات الإخوانيّة، وربما وقعت في المكاتبات الملوكية إذا كان قدر الملكين المتكاتبين متقاربا، وهو نسبة إلى الاخوة، وكأنه جعله أخاه حقيقة.
(الأريب) من ألقاب أرباب الأقلام. وهو في اللّغة العاقل، ومنه قيل للدّهاء إرب بكسر الهمزة وإسكان الراء لأنّ الدّهاء من جملة العقل؛ والأريبيّ نسبة إليه للمبالغة.
(الأرقى) من ألقاب ملوك المغرب. وهو مأخوذ من الرّقيّ: وهو الارتفاع والعلوّ في الدّرج.
(الأزكى) من ألقاب ملوك المغرب أيضا. وهو مأخوذ من الزّكاة: وهي الزيادة، كأنه نسبه إلى الزيادة في الرّفعة ونحوها.
(الأسرى) بالسين المهملة من ألقاب ملوك المغرب. وهو مأخوذ من
(6/5)

السّرو وهو سخاء في مروءة، ومنه قيل لمن اشتمل على ذلك سريّ، وبه لقّب من لقّب «سريّ الدّين» .
(الاسفهسلار) بسينين مهملتين بينهما فاء ثم هاء من ألقاب أرباب السيوف؛ وكان في الدولة الفاطمية لقبا على صاحب وظيفة تلي صاحب الباب، على ما تقدّم بيانه في الكلام على ترتيب الدولة الفاطمية في المقالة الثانية.
ومعناه «مقدّم العسكر» وهو مركّب من لفظين: فارسيّ، وتركيّ، فأسفه بالفارسية بمعنى المقدّم، وسلار بالتركية بمعنى العسكر، والعامة تقول لبعض من يقف بباب السلطان من الأعوان (أسباسلار) بالباء الموحدة، وكأنهم راعوا فيه معنى المقدّم في الجملة، والباء تعاقب الفاء في اللغة الفارسية كثيرا، ولذلك قالوا: أصبهان وأصفهان بالباء والفاء جميعا؛ والأسفهسلاريّ نسبة إليه للمبالغة. وقد ذكر المقرّ الشهابيّ «1» بن فضل الله في بعض دساتيره أن هذا اللقب يختصّ بأمراء الطّبلخاناه «2» على أنه قد ترك استعماله في زماننا، وكأنهم كرهوا مشاركة بعض الأعوان فيه فأضربوا عنه لذلك، أو لم يفهموا معناه فتركوه.
(الأسنى) من ألقاب ملوك المغرب. وهو مأخوذ من السّناء بالمدّ: وهو الرفعة؛ ويجوز أن يكون من السّنا بالقصر: وهو الضّياء.
(الأشرف) من ألقاب المقام والمقرّ «3» في مصطلح كتّاب الزّمان على ما
(6/6)

تقدّم ذكره؛ وربما وقع أيضا في ألقاب ملوك المغرب. وهو أفعل التفضيل من الشّرف بمعنى العلوّ.
(الأصعد) من ألقاب ملوك المغرب، وهو أفعل التفضيل من الصّعود ضدّ الهبوط.
(الأصيل) من ألقاب أرباب الأقلام غالبا. وربما وقع في ألقاب أرباب السّيوف إذا كان لصاحب اللقب عراقة نسب؛ وهو فعيل من الأصل بمعنى الحسب؛ والأصيليّ نسبة إليه للمبالغة. قال في «عرف «1» التعريف» : ويختصّ بمن له ثلاثة في الرّياسة، ابن عن أب عن جدّ.
(الأضخم) من ألقاب ملوك المغرب، وهو مأخوذ من الضّخامة؛ والمراد بها هنا العظمة. وهي في أصل اللغة الغلظ واستعملت في العظمة تجوّزا.
(الأعزّ) من ألقاب ملوك المغرب؛ وقد يستعمل في ألقاب من لم يثبت فيه ياء النسب من السامي بغير ياء فما دونه كالأخصّ: فيقال «الأعزّ الأخصّ» ونحو ذلك؛ وهو أفعل التفضيل من العزّ.
(الأعظم) من ألقاب السلطان، يقال فيه «السلطان الأعظم» ويقع في ألقاب ملوك المغرب أيضا. وهو أفعل التفضيل من العظمة: وهي الكبرياء.
(الأعلى) من ألقاب ملوك المغرب، وهو أفعل التفضيل من العلوّ: وهو الارتفاع.
(6/7)

(الأعلم) من ألقاب ملوك المغرب. وهو أفعل التفضيل من العلم الذي هو خلاف الجهل.
(الأفخم) من ألقاب ملوك المغرب. وهو أفعل التفضيل من الفخامة:
وهي العظمة والقوّة.
(الأفضل) من ألقاب السلطان؛ ويستعمل في ألقاب ملوك المغرب أيضا وهو أفعل التفضيل [من الفضل] بمعنى الزيادة، والمراد الزيادة في الفضيلة.
(الأكمل) من ألقاب السلطان أيضا؛ ويستعمل في ألقاب ملوك المغرب، وفي ألقاب من لم تثبت فيه ياء النسب من السامي بغير ياء فما دونه؛ والأكمليّ نسبة إليه للمبالغة.
(الإمام) من ألقاب الخلفاء كما يقال في المكاتبات عنهم «من عبد الله ووليّه الإمام الفلانيّ» وقد تقدّم أن أوّل من تلقّب به «إبراهيم بن محمد» أوّل من بويع له بالخلافة من بني العبّاس، ويقع أيضا في ألقاب أكابر العلماء.
وأصل الإمام في اللغة الذي يقتدى به، ولذلك وقع على المجتهدين كالأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة: وهم الشافعيّ، ومالك، وأبو حنيفة وأحمد «1» . والإماميّ نسبة إليه للمبالغة.
(الأمجد) من ألقاب ملوك المغرب؛ وربما كتب به للتّجّار ونحوهم في ألقاب الصّدر الأجلّ. وهو أفعل التفضيل من المجد: وهو الشّرف أو الأصالة.
(الأميرىّ) من ألقاب أرباب السيوف. قال في «عرف «2» التعريف» :
ويكتب به لكبار..... «3» ... وإن كانوا من أرباب الأقلام. وذكر في دستور
(6/8)

له آخر أنه يكتب به لنقيب الأشراف ولا يكتب له القضائيّ أصلا وإن كان من أرباب الأقلام؛ وقد تقدّم لقب الأمير مجرّدا عن ياء النسب وأصله المأخوذ منه في الكلام على ألقاب أرباب الوظائف فأغنى عن إعادته هنا. واعلم أنهم لم يستعملوا فيه النسبة لنفس الإمرة فلم يقولوا في النسبة إليه الإمريّ كما قالوا في النسبة إلى القضاء القضائيّ.
(الأمين) من ألقاب التّجّار الخواجكيّة «1» وألقاب الخدّام المعروفين في زماننا بالطّواشية «2» ، خصّوا بذلك لائتمان التجّار على الجواري والمماليك في حال جلبهم إلى الملوك، وائتمان الخدّام على الحريم والمماليك بأبواب الملوك؛ وهو مأخوذ من الأمانة ضدّ الخيانة والأمينيّ نسبة إليه للمبالغة.
(الأوحد) يقع في الألقاب السلطانية، ويكون من ألقاب أرباب الأقلام لمن لا تثبت الياء في ألقابه من السامي بغير ياء فما دونه، وفيه ما تقدّم في الكلام على الأجل من الاعتراض على الكتّاب في جمعهم الأعلى والأدنى في لقب واحد؛ والأوحديّ نسبة إليه للمبالغة.
حرف الباء
(البارع) من ألقاب أرباب الأقلام، وهو فاعل من البراعة: وهي النّهضة بالشيء والتقدّم فيه؛ والبارعيّ نسبة إليه للمبالغة.
(البليغ) من ألقاب أرباب الأقلام، وأحسن ما يقع في ألقاب ذوي البلاغة من الكتّاب ونحوهم، وهو فعيل من البلاغة: وهي تأدية كنه المراد بإيجاز لا يخلّ وإطناب لا يملّ، والبليغيّ نسبة إليه للمبالغة.
(6/9)

حرف التاء
(التّقيّ) من ألقاب ملوك المغرب، يقال التقيّ الزّكيّ ونحو ذلك؛ وربما استعمل بالديار المصرية في ألقاب أرباب الأقلام وأهل الصلاح، وهو مأخوذ من التقوى كما تقدّم في الأتقى.
حرف الجيم
(الجليل) من ألقاب من يكتب له الحاجّ كمقدّمي الدولة ونحوهم، ويقال فيه: «الحاجّ الجليل» ونحو ذلك؛ والجليل في أصل اللغة العظيم، وكان مقتضى الوضع أن يكون لأعلى من هذه الرّتبة.
حرف الحاء المهملة
(الحاجّ) من ألقاب مقدّمي الدّولة ومهتاريّة «1» البيوت ومن في معناهم وإن لم يكن قد حجّ، وإن كان موضوع الحاجّ في العرف العامّ إنما هو لمن حجّ البيت وإنما اصطلح لهم على ذلك حتّى صار كالعلم عليهم.
(الحافظ) من ألقاب المحدّثين، وأصله من الحفظ ضدّ النّسيان، واختصّ بالمحدّثين لاحتياجهم إلى كثرة الحفظ لمتون الأحاديث وأسماء الرجال ونحو ذلك؛ والحافظيّ نسبة إليه للمبالغة.
(الحافل) من ألقاب ملوك المغرب، ومعناه الكثير الجمع، أخذا من قولهم واد حافل إذا كثر سيله.
(الحاكم) من ألقاب القضاة. قال أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتّاب» : وأصله من الحكمة بفتح الكاف، وهي حديدة مستديرة في اللّجام
(6/10)

تمنع الدابّة من الجري والشّباب «1» ؛ سمّي بذلك لأنه يردّ الناس عن الظّلم؛ وأكثر ما يستعمله كتّاب الزمان في عنوان المكاتبات في تعريف المكتوب إليهم، وفي أثنائها في وصف المكتوب بسببه، والحاكميّ نسبة إليه للمبالغة.
(الحائز) من ألقاب ملوك المغرب، وهو فاعل من الحيازة، وهي الحياطة، والمراد الحائز للملك، أو الحائز للفضائل ونحو ذلك.
(الحبر) من ألقاب أكابر العلماء- وهو بفتح الحاء وكسرها لغتان، والذي اختاره ابن قتيبة «2» في «أدب الكاتب» الكسر، وبه سمّي الحبر الذي يكتب به، ولكن الجاري على ألسنة الناس الفتح؛ والحبريّ نسبة إليه للمبالغة.
(الحجّيّ) بضم الحاء وكسر الجيم المشدّدة وفي الآخر ياء النسب من ألقاب أكابر القضاة والعلماء، وهو منسوب إلى الحجّة بحذف تاء التأنيث منه على قاعدة النّسب، كما تحذف من طلحة ونحوه على ما هو مقرّر في علم النحو، وبعض جهلة الكتّاب يثبت فيه تاء التأنيث مع النسب فيقول الحجّتيّ وهو خطأ. ثم النسبة فيه حقيقيّة لأن المنسوب إليه وهو الحجة غير من له اللقب، ويجوز أن تكون للمبالغة بأن يجعل صاحب اللقب هو نفس الحجة تجوّزا وهو أبلغ.
(الحسيب) من ألقاب الشّرفاء من ولد عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه من فاطمة رضي الله عنها، أخذا من الحسب؛ وهو ما يعدّه الإنسان من مفاخر آبائه على ما ذكره جماعة من أهل اللغة ولذلك اختص في الاصطلاح بالشّرفاء، إذ كان آباؤهم أعظم الناس مفاخر، لكن قد ذكر ابن السّكّيت في «إصلاح
(6/11)

المنطق» أن الحسب يكون في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف؛ وعلى هذا فلا يختص هذا اللقب بذوي الأنساب التي فيها عراقة؛ والحسيبيّ نسبة إليه للمبالغة.
حرف الخاء المعجمة
(الخاشع) من ألقاب الصّوفيّة وأهل الصّلاح، وربما استعمل في العلماء، بل ربما استعمل في أرباب السّيوف إذا كان المكتوب له متّصفا بذلك، بل ربما استعمل في ألقاب بطاركة النصارى من الباب وغيره، على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. والخاشع في اللغة الخاضع والمتذلّل، والخاشعيّ نسبة إليه للمبالغة.
(الخواجا) من ألقاب أكابر التّجّار الأعاجم من الفرس ونحوهم. وهو لفظ فارسيّ، ومعناه السيّد، والخواجكيّ بزيادة كاف نسبة إليه للمبالغة، وكأنّ الكاف في لغتهم تدخل مع ياء النسب.
(الخيّر) بفتح الخاء وتشديد الياء المثناة تحت، من ألقاب أهل الدّين والصّلاح، وهو في أصل اللغة خلاف الشّرّير، ثم غلب استعماله فيمن غلب عليه الخير، والخيّريّ نسبة إليه للمبالغة، وقلّ أن يستعمله الكتّاب إلا بإثبات الياء في آخره.
حرف الذال المعجمة
(الذّخر) بضم الذال وإسكان الخاء من ألقاب أرباب السيوف، وربما أطلق على غيرهم. وأصله في اللغة لما يذخر من النفائس، وهو مصدر ذخرت الشيء أذخره، وكثيرا ما يغلط فيه فيجعل بالدال المهملة. وممّن وقع له الوهم في ذلك الشيخ جمال الدين الإسنويّ «1» في «طبقات الفقهاء» «2» فأورد صاحب
(6/12)

«الذّخائر» في الدال المهملة، والذّخريّ نسبة إليه للمبالغة وأكثر ما يستعمله الكتّاب كذلك.
حرف الراء المهملة
(الرّبّانيّ) من ألقاب الصّوفيّة وأهل الصّلاح، وربما لقّب به العالم فيقال «العالم الرّبّانيّ» قال الجوهريّ، وهو المتألّه والعارف بالله تعالى. قال تعالى: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
«1» .
(الرّحلة) بضم الراء من ألقاب أكابر العلماء والمحدّثين، والرّحلة في اللغة ما يرحل إليه، لقّب بذلك لأنه في حيّز أن يرحل إليه للأخذ عنه. أما الرّحلة بالكسر فالارتحال؛ والرّحليّ بالضم أيضا نسبة إليه للمبالغة.
(الرّئيس) بالهمزة على وزن فعيل من ألقاب علية الناس وأشرافهم، ويقال فيه ريّس على وزن قيّم قاله الجوهريّ. وأصله من الرّياسة وهي رفعة القدر وعلوّ الرّتبة؛ والرئيسيّ نسبة إليه للمبالغة، وغالب ما يستعمله الكتّاب كذلك، وهو من ألقاب أرباب الأقلام من العلماء والكتّاب.
حرف الزاي
(الزاهد) من ألقاب الصّوفيّة وأهل الصّلاح، وهو في اللغة خلاف الراغب، والمراد هنا من أعرض عن الدنيا فلم يلتفت إليها، والزاهديّ نسبة إليه للمبالغة.
(6/13)

(الزّعيميّ) من ألقاب أكابر أرباب السيوف «1» كنوّاب «2» السلطنة ومن في معناهم؛ وهو نسبة إلى الزّعيم، بمعنى السيد والكافل وكأنّه بولايته على القوم سادهم أو كفلهم وتولّاهم؛ ولم يستعملوا فيه الزعيم بغير ياء؛ لأنه إذا كان مختصا بكبار أرباب السيوف دون أدانيهم «3» ، وجب إثبات الياء للمبالغة.
(الزّكيّ) من ألقاب المتدينين من أرباب الأقلام وغيرهم، يقال التقيّ الزكيّ ونحو ذلك. وهو في أصل اللغة بمعنى الزاكي وهو الزائد وقد تقدّم مثله في الأزكى في حرف الألف.
حرف السين المهملة
(السالك) من ألقاب الصوفية وأهل الصلاح، وهو فاعل من السلوك، والمراد سلوك سبيل الرشاد الموصل إلى الله تعالى، والسالكيّ نسبة إليه للمبالغة.
(السامي) من ألقاب المجلس، وقد تقدّمت الإشارة إليه في الكلام على الألقاب الأصول وأنه ينقسم إلى الساميّ بالياء والسامي بغير ياء فليراجع منه.
(السّفيريّ) قال في «عرف التعريف» : وهو من الألقاب الخاصة بالدّوادار «4» ،
(6/14)

على أني قد رأيته في بعض الدساتير الشامية قد كتب به لبعض التجار الخواجكيّة لسفارتهم بين الملوك وتردّدهم في الممالك لجلب المماليك والجواري ونحو ذلك وهو منسوب إلى السفير: وهو الرسول والمصلح بين القوم نسبة مبالغة ولم يستعمله الكتاب مجرّدا عن الياء؛ لأنه إذا كان خاصّا بهذين ورتبتهما علية لا يليق بها حذف الياء لم يناسب استعماله مجرّدا عنها.
(السلطانيّ) من ألقاب الملوك فيثبت في ألقاب المقام الشريف ونحوه، فيقال المقام الشريف العالي السلطانيّ ونحو ذلك؛ وهو منسوب إلى السلطان وقد تقدّم الكلام عليه في الكلام على أرباب الوظائف.
(السيّد) من الألقاب السلطانية؛ يقال: السلطان السيّد الأجلّ ونحو ذلك؛ ويقع في اللغة على المالك والزّعيم ونحوهما؛ والسيّديّ نسبة إليه للمبالغة، وهو من الألقاب الخاصة بالجناب الشريف فما فوقه. قال في «عرف التعريف» ولا يكتب به عن السلطان لأحد.
حرف الشين المعجمة
(الشّاهنشاه) من الألقاب الملوكية المختصة بالسلطان وأكابر الملوك.
وهو لفظ فارسيّ معناه بالعربية «ملك الأملاك» وقد ورد النهي عن التسمّي به؛ وفي الحديث أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أخنع اسم عند الله رجل تسمّى ملك الأملاك؛ لا ملك الأملاك إلا الله» . قال سفيان بن عيينة «1» : معناه شاهنشاه، ولذلك يحذفه المتديّنون من الكتّاب من الألقاب السلطانية، وقد أشار إلى ذلك في «التثقيف» «2» في مكاتبة صاحب المغرب.
(6/15)

واعلم أنّه كان قد وقع في تلقيب الملوك بهذا اللّقب نزاع بين العلماء في سلطنة السلطان «جلال الدولة» «1» السّلجوقيّ في سنة تسع وعشرين وأربعمائة كما حكاه ابن الأثير في تاريخه «الكامل» «2» وذلك أن السلطان جلال الدولة كان قد سأل أمير المؤمنين (القائم بأمر الله) الخليفة يومئذ في «3» أن يخاطب بملك الملوك فامتنع، فكتب فتوى للفقهاء في ذلك، فكتب «4» القاضي أبو الطيّب الطبريّ، والقاضي أبو عبد الله الصّيمريّ، والقاضي ابن البيضاويّ، وأبو القاسم الكرخيّ بجوازه، ومنع «5» منه أقضى القضاة أبو الحسن الماورديّ، وجرى بينه وبين من أفتى بجوازه مراجعات، وخطب لجلال الدولة ب «ملك الملوك» . وكان الماورديّ من أخصّ الناس بجلال الدولة، وكان يتردّد إلى دار المملكة كلّ يوم، فلما أفتى في ذلك «6» بالمنع، انقطع ولزم بيته خائفا، وأقام منقطعا من شهر رمضان إلى يوم النحر، فاستدعاه جلال الدولة، فحضر خائفا، فأدخله عليه وحده، وقال له: قد علم كلّ أحد أنك من أكثر الفقهاء مالا وجاها وقربا منا وقد خالفتهم فيما خالف هواي، ولم تفعل ذلك إلا لعدم المحاباة منك واتّباع الحقّ، وقد بان لي موضعك من الدّين ومكانك من العلم، وجعلت جزاء ذلك إكرامك بأن أدخلتك إليّ وحدك، وجعلت إذن الحاضرين إليك، ليتحقّقوا عودي إلى ما تحب. فشكره ودعا له وأذن لكل من حضر للخدمة بالانصراف «7» .
(6/16)

(الشريف) من ألقاب المقرّ والجناب، من حيث إنه يقال المقرّ الشريف والجناب الشريف، وذكر في «عرف التعريف» أنه مختصّ بالأشراف أبناء فاطمة من عليّ رضي الله عنهما، وكأنه يريد في الألقاب المطلقة التي لا تلي المقرّ والجناب وهو فعيل من الشرف وهو العلوّ والرفعة، قال ابن السكيت «1» : ولا يكون إلا لمن له آباء يتقدّمونه في الشرف بخلاف الحسيب ومن هنا جعله الكتّاب أعلى رتبة من الكريم لاشتماله على قدر زائد لا يعتبر في الكريم من عراقة الأصل وشرف المحتد «2» ، والشّريفيّ نسبة إليه للمبالغة.
(الشهير) من ألقاب ملوك المغرب، ومعناه المشهور الظاهر، والمراد هنا من اشتهر علوّ قدره ورفعته.
(الشيخ) من ألقاب العلماء والصلحاء وأصله في اللغة الطاعن في السّن، ولقّب به أهل العلم والصّلاح توقيرا لهم كما يوقّر الشيخ الكبير، والشيخيّ نسبة إليه للمبالغة.
حرف الصاد المهملة
(الصاحب) من ألقاب الوزراء. قال في «عرف التعريف» : وهو مختص بأرباب «3» الأقلام منهم دون أرباب السّيوف. وهو في أصل اللغة اسم للصّديق، وأوّل من لقّب به من الوزراء كافي الكفاة إسماعيل «4» بن عبّاد، وذلك
(6/17)

أنه كان يصحب الأستاذ ابن العميد «1» فكان يقال له بذلك «صاحب ابن العميد» ثم غلب عليه حتّى استعمل فيه بالألف واللام، ثم صار لقبا على كل من ولي الوزارة بعده. على أن كتّاب الإنشاء بالممالك الشامية يلقّبون العلماء من قضاة القضاة ومن في معناهم بذلك، وهم على ذلك إلى الآن، بخلاف كتّاب الديار المصرية، فإنهم يقصرونه على الوزراء دون غيرهم كما تقدّمت الإشارة إليه.
والصاحبيّ نسبة إليه للمبالغة وهو المستعمل عند كتّاب الإنشاء، وبغير الياء في العرف العامّ.
(الصالح) من ألقاب أهل الصّلاح والصّوفية؛ يقال: الشيخ الصالح ونحو ذلك. وهو مأخوذ من الصّلاح ضدّ الفساد، ولم يستعملوه بإثبات ياء النسب فلم يقولوا الصالحيّ، وكأنهم تركوا ذلك خوفا من الالتباس بالنسبة إلى البلد المعروف أو غيره.
(الصّدر) من ألقاب التّجّار ونحوهم، والمراد من يكون صدرا في المجالس؛ وصدر كلّ شيء في اللغة أوّله، وعبّر عن صدر المجلس بأوّله لأنه في الحقيقة أوّل المجلس وكل جانب من جانبيه تلو له، والصّدريّ نسبة إليه للمبالغة.
(6/18)

حرف الطاء
(الطاهر) من ألقاب ملوك المغرب، والمراد المتنزّه عن الأدناس.
حرف الظاء
(الظّهيريّ) من ألقاب كبار أرباب السّيوف كأعيان الأمراء من نوّاب السلطنة وغيرهم، وهو نسبة إلى الظّهير بمعنى العون للمبالغة، ومنه قوله تعالى:
لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
«1» ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النسب لاختصاص المظاهرة بأكابر أرباب السّيوف، وهو بغير الياء لا يقع إلا على الأدوان منهم.
حرف العين
(العابد) من ألقاب الصّوفية وأهل الصّلاح، وهو فاعل من العبادة وهي الطاعة. وربما استعمل في أرباب السيوف والأقلام أيضا؛ لاتصاف متّصف منهم بذلك أو وقوعه أوّلا على متصف به منهم ثم لزومه من بعده من أهل تلك المرتبة كما في نائب الشام، حيث كتب لبيدمر «2» الخوارزمي في نيابته بذلك، ثم لزم من بعده من نوّاب الشام والنائب الكافل على ما سيأتي ذكره في المكاتبات إن شاء الله تعالى.
(العادل) من ألقاب السّلطان، وهو خلاف الجائر، وذلك أعلى ما وصف به الملك ونحوه من ولاة الأمور: لأن العدل به تقع عمارة الممالك؛ والعادليّ نسبة إليه للمبالغة؛ وهو من ألقاب أكابر أرباب السيوف من النّواب ونحوهم.
(6/19)

(العارف) من ألقاب أكابر أهل الصّلاح، وهو خلاف الجاهل؛ ومنهم من يفرّق بينه وبين العالم بأن المعرفة قد يتقدّمها جهل والعلم لا يتقدّمه جهل، ولذلك لم يطلق اسم العارف على الباري سبحانه وتعالى بخلاف العالم فإنه يطلق عليه؛ والعارفيّ نسبة إليه للمبالغة.
(العاضد) من ألقاب ملوك المغرب؛ وهو في أصل اللغة اسم للمعين؛ يقال: عضدته أعضده إذا أعنته.
(العالم) من ألقاب السّلطان، وهو خلاف الجاهل، ثم هو في الحقيقة إنما هو من ألقاب العلماء إلا أنهم نعتوا به الملوك تعظيما؛ إذ العلم كلّ أحد يزاحم على الاتصاف به؛ والعالميّ نسبة إليه للمبالغة. وهو من الألقاب المشتركة في الاصطلاح بين أرباب السيوف والأقلام وإن كان المختصّ بها في الحقيقة العلماء.
(العالي) من الألقاب التي يشترك فيها أرباب السيوف والأقلام، ويوصف به المقام والمقرّ والجناب والمجلس في إحدى حالتيه؛ وهو من العلاء بالمدّ وهو الشرف. يقال علي بكسر اللام يعلى بفتحها إذا شرف، ومنه قيل في عليّ ونحوه «علاء الدّين» ويحتمل أن يكون من العلوّ في المكان، يقال فيه: علا بفتح اللام يعلو علوّا؛ وسيأتي معنى الفرق بينه وبين السامي وإن كان بمعناه في اللغة.
(العامل) من ألقاب أهل الصّلاح، والمراد المجدّ في العمل المجتهد في العبادة؛ والعامليّ نسبة إليه للمبالغة، وهو من الألقاب المشتركة بين أرباب السيوف والأقلام كالعالميّ.
(العريق) من ألقاب ذوي الأصالة، وأكثر ما يقع على أرباب الأقلام، والمراد من له عراقة في كرم الأصل، والعريقيّ نسبة إليه للمبالغة.
(العزيز) من ألقاب ديوان الخلافة، يقال فيه: «الدّيوان العزيز» على
(6/20)

ما سيأتي بيانه في المكاتبة إلى أبواب الخلافة، وربما استعملوه في الولد فقالوا: الولد العزيز؛ ولم يستعملوه مضافا إلى النّسب.
(العضد) من ألقاب أرباب السّيوف؛ وهو في الأصل اسم للساعد: وهو ما بين المرفق والكتف، واستعمل في المعين والمساعد لقيامه في المساعدة مقام العضد الحقيقيّ من الإنسان؛ ثم الأفصح فيه فتح العين مع ضم الضاد، ويجوز فيه كسر الضاد وإسكانها مع الفتح أيضا وضمّ العين مع إسكان الضاد؛ والعضديّ نسبة إليه للمبالغة.
(العونيّ) من الألقاب المختصة بأكابر أرباب السيوف، وهو نسبة إلى العون وهو الظّهير على الأمر المعاون عليه. ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النسب لوقوع العون على الواحد من أعوان صاحب الشّرطة ونحوه.
(العلّامة) بالتشديد من ألقاب أكابر العلماء. قال الجوهريّ: وهو العالم للغاية، وقلّ أن يستعملوه إلا في ألقاب المكتوب بسببه ونحو ذلك، وحذف الهاء منه لغة، وليست بمستعملة بين الكتّاب أصلا؛ والعلّاميّ نسبة إلى العلّام أو العلّامة للمبالغة. قال في «عرف التعريف» : ويختص بالمفتي.
حرف الغين المعجمة
(الغازي) من ألقاب أرباب السّيوف، وهو من الأسماء المنقوصة كالقاضي ونحوه، وقلّ أن يستعمل إلا في ألقاب السامي بغير ياء فما دونه.
(الغوث) بالثاء المثلثة من ألقاب الصّوفيّة، وهو عندهم لقب على القطب الذي هو رأس الأولياء؛ وأصله في اللغة من قول الرجل: واغوثاه، وقلّ أن تستعمله الكتّاب بل لم يستعملوه مضافا إلى ياء النسب أصلا.
(الغياثي) من ألقاب أرباب السيوف، وأكثر ما يستعمل في الملوك، وهو في اللغة الاسم من استغاثني فأغثته. وأصله الغواثيّ بالواو فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها.
(6/21)

حرف الفاء
(الفاتح) من ألقاب ملوك المغرب، وهو فاعل من الفتح بمعنى النّصر، والمراد فتح الأمصار وتملّكها.
(الفاضل) من ألقاب أرباب الأقلام، وأكثر ما يقع في ألقاب العلماء، وربما وقع في ألقاب الكتّاب، وهو خلاف الناقص، والمراد زائد الفضل، وبه لقّب القاضي الفاضل «عبد الرحيم البيسانيّ» «1» الكاتب المشهور؛ والفاضليّ نسبة إليه للمبالغة.
(الفائز) من ألقاب ملوك المغرب؛ وهو فاعل من الفوز بمعنى النّجاة أو الظّفر، وقد يشاحح في التلقيب به فإن الفوز يطلق على الهلاك أيضا على ما هو مقرّر في كتب اللغة، ومثل ذلك يجب اجتنابه لما فيه من الاشتراك بين المحمود والمذموم، إلا أنه غلب استعماله في النّجاة حتّى إنه لم يرد في القرآن إلا بمعناها، ولذلك عوّل الكتّاب على استعماله.
(الفقيه) من ألقاب العلماء وهو اسم فاعل من فقه بضم القاف إذا صار الفقه له سجيّة، ككرم إذا صار الكرم له سجيّة. قال المسيليّ «2» في «شرح مختصر ابن الحاجب» : وإنما يقع على المجتهد دون المقلّد؛ أما إطلاقه على فقهاء المكاتب ونحوهم فعلى سبيل المجاز. على أن الكتّاب بالديار المصرية لم يستعملوا هذا اللقب إلا في القليل النادر، بل كثير من جهلة الكتّاب وغيرهم
(6/22)

يستصغرون التلقيب به ويعدّونه نقصا، وإنما يعظّم به جدّ التعظيم أهل المغرب، والفقيهيّ نسبة إليه للمبالغة، وهو مستعمل في ألقاب العلماء.
(الفريديّ) من ألقاب أكابر العلماء، وهو نسبة إلى الفريد بمعنى المنفرد للمبالغة، والمراد المنفرد بما لم يشاركه فيه غيره، ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النّسب.
حرف القاف
(القاضويّ) من ألقاب أرباب الأقلام، وهو نسبة إلى القاضي للمبالغة ثم في الحقيقة كان يجب أن يختص بالقضاة الذين هم حكّام الشريعة دون غيرهم إلا أنه توسّع فيه حتّى استعمل في غيرهم من ألقاب أرباب الأقلام.
(القدوة) بكسر القاف وضمها، لغة من ألقاب العلماء والصّلحاء، وهو بمعنى الأسوة، يقال: فلان قدوة يقتدى به، والقدويّ نسبة إليه للمبالغة، وحذفت منه تاء التأنيث المبدلة من الهاء على قاعدة النسب عند النحاة، وكثير من جهلة الكتّاب يثبتون فيه تاء التأنيث مع النسب فيقولون: القدوتيّ، وهو خطأ كما تقدّم في الكلام على الحجّة في حرف الحاء.
(القضاميريّ) من الألقاب التي يستعملها بعض الكتّاب في ألقاب من اجتمع له رياسة السيف والقلم؛ وهو نسبة إلى القضاء والأمير تشبيها بمذهب من يرى النسبة إلى المضاف والمضاف إليه جميعا فيقول في النسبة إلى عبد شمس عبشميّ، وإلى عبد الدّار عبدريّ، ونحو ذلك، وهو مذهب مرجوح على ما تقدّم بيانه في المقالة الأولى في الكلام على النحو، والأحسن فيه النسبة إلى كلّ منهما على انفراده، فيقال القضائيّ الأميريّ، أو الأميريّ القضائيّ، وعلى العمل به فاللائق بعلوّ الرّتبة أن يقال: القاضميريّ ليكون مركبا من القاضويّ والأميريّ، إذ كان القاضويّ في المعنى أبلغ من القضائيّ لما في القاضويّ من المبالغة على ما تقدّم بيانه.
(6/23)

(القضائيّ) من ألقاب أرباب الأقلام، وهو نسبة إلى القضاء فلا مبالغة فيه.
(القطب) من ألقاب الصّوفية وأهل الصّلاح، وهو عندهم عبارة عن رأس الأولياء الذي عليه مدارهم كما تقدّم في الغوث، وقلّ أن يستعمله الكتّاب ولم يستعملوه مضافا إلى ياء النسب فيما وقفت عليه أصلا. والقطب في أصل اللغة كوكب بين الجدي والفرقدين يدور عليه الفلك فيما قاله الجوهري.
والتحقيق أنه نقطة متوهّمة بالقرب من هذا الكوكب على ما هو مقرّر في علم الهيئة، ولذلك قيل لسيّد القوم الذي عليه مدار أمرهم: قطب بني فلان، ومن هنا عبّروا عن مدار الأولياء بالقطب. وقلّ أن يستعمله الكتّاب، ولم يستعملوه مضافا إلى ياء النسب فيما وقفت عليه.
(القواميّ) بفتح القاف من ألقاف أرباب السيوف. وهو نسبة إلى القوام وهو العدل. ومنه قوله تعالى: وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
«1» ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النسب.
حرف الكاف
(الكافل) من الألقاب المختصّة بنائب السلطنة بالحضرة، يقال فيه:
النائب الكافل ونحو ذلك، والكافل في اللغة الذي يكفل الإنسان ويعوله، ومنه قوله تعالى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا
«2» ولقّب بذلك لأنه يكفل الرعية ويعولهم؛ والكافليّ نسبة إليه للمبالغة. قال في «عرف التعريف» : وهو مختص بنائب سلطان أو وزير كبير. وذكر في دستور آخر أنه لا يكتب به لغير هما.
(الكبير) من الألقاب المشتركة بين أرباب السيوف والأقلام، وهو في الأصل لخلاف الصغير، والمراد هنا الرفيع الرّتبة؛ والكبيريّ نسبة إليه للمبالغة.
(6/24)

(الكريم) من ألقاب المقرّ والجناب، ويشترك فيه أرباب السيوف والأقلام، والكريم خلاف اللئيم فيما يقتضيه كلام الجوهريّ حيث قال: الكرم نقيض اللّؤم وحينئذ فيكون المراد بالكريم الخالص من اللّؤم، ومن ثمّ جعل دون الشريف في الرّتبة، إذ في الشّرف قدر زائد على ذلك، وهو اعتبار ثبوت رفعة القدر، بل اعتبار ذلك في آبائه أيضا كما قاله ابن السكيت على ما تقدّم ذكره في الكلام على لقب الشريف، ويوضّح ذلك أن الفقهاء قالوا: يستحبّ في الزوجة أن تكون نسيبة فحمله بعضهم على الصحيحة النّسب احترازا بذلك عن بنت الزّنا، وحمله آخرون على العراقة في النّسب، والأوّل في معنى الكرم الذي لم يعتبر فيه سوى خلوصه من اللّؤم، والثاني بمعنى الشريف الذي اعتبر فيه قدر زائد؛ ثم هو فعيل من كرم بضم الراء إذا صار الكرم له سجية كما تقدّم في الفقيه.
(الكفيليّ) من ألقاب أكابر نوّاب السلطنة، وهو أعلى من الكافل، لأن صيغة فعيل أبلغ من صيغة فاعل على ما هو مقرّر في علم النحو والتصريف.
حرف اللام
(اللّبيب) من ألقاب أرباب الأقلام، وهو فعيل من اللّبّ وهو العقل؛ واللّبيبيّ نسبة إليه للمبالغة.
(اللّوذعيّ) بالذال المعجمة من ألقاب أرباب الأقلام، وهو الذّكيّ القلب.
حرف الميم
(الماجد) من ألقاب أرباب الأقلام غالبا، وربما أطلق على غيرهم، وهو مختص بذوي الأصالة فقد قال ابن السكيت: إن المجد لا يكون إلّا بالآباء؛ والماجديّ نسبة إليه للمبالغة.
(المالكيّ) من الألقاب المختصّة بأكابر أرباب السيوف والأقلام. قال
(6/25)

في «عرف التعريف» : ولا يكتب به عن السلطان لأحد، وهو نسبة إلى المالك الذي هو خلاف المملوك للمبالغة، ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النسب.
(المثاغر) بالثاء المثلثة من ألقاب السلطان، والمراد القائم بسدّ الثّغور، وهي البلاد التي في نحر العدوّ، أخذا من الثّغر وهو السّنّ، لأنه كالباب على الحلق الذي يمتنع الوصول إليه إلا منه؛ والمثاغريّ نسبة إليه للمبالغة. وهو من ألقاب أكابر أرباب السيوف كنوّاب السلطنة ونحوهم.
(المتصرّفيّ) من ألقاب الوزراء ومن في معناهم، والمراد من ينفذ تصرّفه في الأمور، ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النسب.
(المجاهد) من الألقاب السلطانية، والمراد المجاهد في سبيل الله تعالى، وربما استعمل في ألقاب السامي من غير ياء فما دونه كما تقدّم في الغازي؛ والمجاهديّ نسبة إليه للمبالغة. وهو من ألقاب أكابر أرباب السيوف كنوّاب السلطنة ونحوهم.
(المجتهد) من ألقاب العلماء، والمراد به في الأصل من يستنبط الأحكام الشرعية من الكتاب «1» والسّنّة والإجماع والقياس، وقلّ أن يستعمله الكتّاب؛ والمجتهديّ نسبة إليه للمبالغة. وأكثر استعماله كذلك.
(المحترم) من ألقاب العامّة ممن يلقّب بالصّدر الأجلّ. فيقال: «الصّدر الأجلّ الكبير المحترم» ونحو ذلك.
(المحقّق) من ألقاب العلماء، وربما استعمل في ألقاب الصّوفية، والمراد أنه يأتي بالأشياء على حقائقها لحدّة ذهنه وصحّة حدسه؛ والمحقّقيّ نسبة إليه للمبالغة.
(المختار) من ألقاب أرباب السّيوف غالبا، ويختصّ بالسامي بغير ياء
(6/26)

فما دونه، وهو اسم مفعول من الاختيار، بمعنى أن الملوك وأرباب الأمور يختارونه، على أن اسم الفاعل منه أيضا المختار كلفظ المفعول على السّواء وإنما ترشد إليه القرائن.
(المخدوم) من الألقاب المختصّة بالمكاتبات، والمراد من هو في رتبة أن يكون مخدوما لعلوّ رتبته وسموّ محلّه؛ والمخدوميّ نسبة إليه للمبالغة. قال في «عرف التعريف» : ولا يكتب به عن السّلطان لأحد.
(المدبّريّ) من ألقاب الوزراء ومن في معناهم ككتّاب السرّ ونحوهم، وهو نسبة إلى المدبّر بكسر الباء الموحدة: وهو الذي ينظر في الأمر وما تؤول إليه عاقبته، ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النّسب.
(المدقّق) من ألقاب العلماء، وهو الذي ينعم النظر في المسائل ويدقّقه؛ والمدقّقيّ نسبة إليه للمبالغة.
(المرابط) من الألقاب السّلطانية، وهو مفاعل من الرّباط، وهو ملازمة ثغر العدوّ؛ والمرابطيّ نسبة إليه للمبالغة. وهو من ألقاب أكابر أرباب السيوف، كنوّاب السلطنة ونحوهم.
(المربّي) من ألقاب الصوفية، والمراد من يربّي المريدين «1» ويسلّكهم ويعرّفهم الطريق إلى الله تعالى.
(المرتضى) من ألقاب أرباب السّيوف والأقلام، ويختصّ بالسامي بغير ياء فما دونه، والمراد من يرضاه ولاة الأمور ويختارونه.
(المرشد) من ألقاب ملوك المغرب، وربما استعمل في ألقاب الصوفيّة، والمراد من يرشد الناس إلى الحق ويهديهم السبيل؛ والمرشديّ نسبة إليه للمبالغة.
(6/27)

(المسدّديّ) من ألقاب أرباب السيوف وألقاب الوزراء ومن في معناهم، وهو بفتح الدال المشدّدة نسبة إلى المسدّد، وهو اسم مفعول من السّداد بالفتح:
وهو الصّواب والقصد من القول والعمل. ويجوز أن يكون بالكسر على أنه اسم فاعل منه بمعنى أنه يسدّد غيره، ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النسب.
(المسلّك) بتشديد اللام المكسورة من ألقاب الصوفيّة، وهو اسم فاعل من تسليك الطريق وهو تعريفها، والمراد تعريف المريدين الطريق إلى الله تعالى؛ وأصل التسليك إدخال الشيء في الشيء، ومنه قيل للخيط: سلك، لقب بذلك لإدخاله المريدين في الطريق؛ والمسلّكيّ نسبة إليه للمبالغة.
(المشيّديّ) بتشديد الياء المكسورة من ألقاب أكابر أرباب السيوف، كنوّاب السلطنة ونحوهم، وهو نسبة إلى المشيّد فاعل من التشييد، وهو رفع البناء، ومنه قوله تعالى: وَقَصْرٍ مَشِيدٍ
«1» أي مرتفع، والمراد أنه يشيّد قواعد المملكة ويرفعها؛ ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النسب إذ لا يليق بالأدنين «2» .
(المشيريّ) من ألقاب الوزراء وأكابر الأمراء ومن ضاهاهم ممن يؤخذ رأيه.
واختلف في أصله المأخوذ منه فقيل: من شرت العسل إذا استخرجته من كوّارة النحل، لأن الرأي يستخرج من المشير. وقيل من شرت الناقة إذا عرضتها على الحوض؛ لأن المستشير يعرض ما عنده على المشير، ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النسب لانحطاطه عن رتبة الأكابر.
(المظاهر) من ألقاب ملوك المغرب، ومعناه المعاون أخذا من المظاهرة: وهي المعاونة.
(6/28)

(المظفّر) من الألقاب السلطانية، أخذا من الظّفر وهو النّصر؛ والمظفّريّ نسبة إليه للمبالغة، وهو من ألقاب أكابر أرباب السيوف.
(المعرق) بضم الميم وإسكان العين وكسر الراء من ألقاب ملوك المغرب، والمراد به من أعرق في الكرم. على أن المعرق قد يطلق في اللغة على المعرق في اللّؤم أيضا فهو من الأضداد، ومثل ذلك يجتنب في التلقيب.
(المعزّز) بزاءين معجمتين؛ الأولى منهما مشدّدة مفتوحة من ألقاب ملوك المغرب، وهو اسم مفعول من العزّ خلاف الذّلّ، ومنه قراءة من قرأ (ويعزّزوه ويوقّروه) «1» بزاءين معجمتين.
(المعظّم) بفتح الظاء المشدّدة من ألقاب ملوك المغرب أيضا، وهو اسم مفعول من العظمة وهي الجلالة، وربما استعمل في ألقاب بعض ملوك الكفر على ما سيأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
(المفخّم) بفتح الخاء المعجمة المشدّدة من ألقاب ملوك المغرب، وهو مأخوذ من الفخامة وهي الضّخامة.
(المفوّه) بفتح الواو المشدّدة من ألقاب البلغاء من الكتّاب وغيرهم. وهو البليغ اللّسن؛ والمفوّهيّ نسبة إليه للمبالغة.
(المفيد) من ألقاب العلماء، وهو اسم فاعل من الإفادة وهي إنالة الشخص ما لم يكن حاصلا عنده؛ والمفيديّ نسبة إليه للمبالغة.
(المقدّمي) بفتح الدال المشدّدة من ألقاب أرباب السيوف. ويختص بمقدّمي الألوف من الأمراء، والمراد أنه مقدّم على مضاهيه من الأمراء والأجناد، ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النّسب.
(6/29)

(المقرّب) بفتح الراء المشدّدة من ألقاب الخدّام والخواجكيّة، والمراد أنه مقرّب عند الملوك ومن في معناهم، وهو من القرب خلاف البعد؛ والمقرّبيّ نسبة إليه للمبالغة.
(المكرّم) بفتح الراء المشدّدة من ألقاب ملوك المغرب. وهو مفعّل من الكرامة.
(الملكيّ) بفتح اللام من ألقاب الملك وألقاب أتباعه المنسوبين إليه من الأمراء والوزراء ومن في معناهم؛ وهو نسبة إلى الملك بكسر اللام وإنما فتحت لامه في النسب جريا على قاعدة النسب في نمر فإنه ينسب إليه نمريّ بفتح الميم على ما هو مقرّر في علم النحو. على أن كثيرا من كتّاب الزمان يغلطون فيه فيكسرون لامه في النسب أيضا وهو خطأ. ثم النسبة إن كانت في حق الملك نفسه كقولهم في ألقاب الملك الملكيّ، فالنسبة فيه للمبالغة، وإن كانت في حق أحد من أتباعه كقولهم في حق بعض الأمراء ونحوهم الملكيّ الفلاني فالنسبة فيه على حقيقة النسب.
(الممجّد) بفتح الجيم المشدّدة، من ألقاب ملوك المغرب، وهو مفعّل من المجد، وهو الشرف. وقد تقدّم في الكلام على الماجد عن ابن السكّيت أنه يكون «1» المجد للرجل وإن لم يتقدّمه شرف آباء.
(الممهّديّ) بكسر الهاء المشدّدة من ألقاب أكابر أرباب السيوف، نسبة إلى الممهّد، وهو الذي يمهّد الممالك ويدوّخها، والنسبة فيه للمبالغة، ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النسب.
(المنتخب) من ألقاب التّجّار الخواجكيّة: وهو المختار؛ والمنتخبيّ نسبة
(6/30)

إليه للمبالغة.
(المنفّذيّ) بكسر الفاء المشدّدة وبالذال المعجمة من ألقاب الوزراء ومن في معناهم نسبة إلى المنفّذ: وهو الذي له معرفة بتنفيذ الأمور ووضع الأشياء في مواضعها، والنسبة فيه للمبالغة؛ ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النسب.
(المنصفيّ) من ألقاب الوزراء وولاة الأمور، نسبة إلى المنصف، وهو الذي ينصف المظلوم من الظالم، والنسبة فيه للمبالغة؛ ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النسب.
(المنصور) من الألقاب السلطانية، يقال منه «المؤيّد المنصور» ونحو ذلك، ومعناه ظاهر، والمنصوريّ نسبة إليه للمبالغة؛ وهو من ألقاب أكابر أرباب السيوف كنوّاب السلطنة ونحوهم.
(المؤتمن) من ألقاب الخدّام والتّجّار الخواجكيّة، والمراد أن الخدّام يؤتمنون على الحريم والمماليك في الحضر، والتّجّار يؤتمنون على المماليك والجواري في السّفر، أو يؤتمنون على أخبار الممالك وأحوالها، فلا يخبرون عن مملكة بمملكة أخرى إلا بما فيه السّداد.
(المولى) من ألقاب الكتّاب، وأكثر ما يجري ذلك في تعيين كاتب السرّ ونحوه. فيقال: «المولى فلان الدّين» والمراد هنا السيّد، والمولويّ نسبة إليه للمبالغة. وهو من ألقاب أكابر أرباب السيوف والأقلام. قال في «عرف التعريف» : ولا يكتب به عن السلطان لأحد. على أن المولى لفظ مشترك يقع في اللغة على السيد كما تقدّم ويعبّر عنه بالمولى من أعلى؛ ويقع على المملوك والعتيق ويعبّر عنه بالمولى من أسفل؛ ويقع على المنضمّ إلى القبيلة من غير أنفسها، كما يقال في الإمام البخاريّ «1» : «الجعفيّ مولاهم» بمعنى أنه ليس
(6/31)

من صلب القبيلة؛ ويطلق على غير ذلك أيضا. وإذا كان مشتركا بين المولى من أعلى والمولى من أسفل فكان الأحسن الإضراب عنه.
(المؤيّد) بفتح الياء المشدّدة من الألقاب السلطانية، وبالكسر من ألقاب الساميّ بالياء فما دونه، والمراد أنه يؤيّد الملك وينصره، وكلاهما مأخوذ من الأيد وهو القوّة، والمراد أن الله تعالى يؤيّده ويقوّيه، ومنه قولهم في الدعاء:
«أيّده الله تعالى» أي قوّاه؛ والمؤيّديّ بالفتح من الألقاب الملوكية نسبة إلى المؤيّد بالفتح للمبالغة؛ وبالكسر من ألقاب أكابر أرباب السيوف نسبة إلى المؤيّد بالكسر للمبالغة.
(الملاذيّ) بالذال المعجمة من ألقاب الوزراء ومن في معناهم من ولاة الأمور. وهو منسوب إلى الملاذ بمعنى الملجإ نسبة مبالغة؛ ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النسب.
حرف النون
(الناسك) من ألقاب الصّوفية وأهل الصلاح، ومعناه العابد أخذا من النّسك وهو العبادة؛ والناسكيّ نسبة إليه للمبالغة. وهو من ألقاب الصّلحاء أيضا، وربما كتب به لأرباب السيوف والأقلام إذا كان فيهم من ينسب إلى الصّلاح.
(النّبويّ) من ألقاب ديوان الخلافة وما في معناه من متعلّقاتها، يقال فيه:
«الدّيوان العزيز النبويّ» ونحو ذلك. ويقع أيضا في ألقاب ولاة العهد بالخلافة؛ وربما وقع في ألقاب الأشراف. وهو نسبة إلى النبوّة لانتساب الخلافة العبّاسيّة إلى العبّاس عمّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وانتساب الأشراف إلى ابنته فاطمة رضي الله عنها.
(6/32)

(النّسيب) من ألقاب الشّرفاء أبناء فاطمة من عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما، والمراد العريق في النّسب؛ لقّبوا بذلك لأنهم أعرق الناس نسبا، لانتسابهم إلى بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ومن خصائصه صلّى الله عليه وسلّم جواز نسبة أولاد بناته إليه بخلاف غيره، على ما هو مقرّر في كتب الفقه. وقد أوضحت ذلك في كتابي المسمّى ب «الغيوث الهوامع، في شرح جامع المختصرات ومختصر الجوامع» في أوائل النكاح؛ والنّسيبيّ نسبة إليه للمبالغة.
(النّصير) من ألقاب أرباب السيوف للمجلس الساميّ بالياء فمن دونه.
وهو بمعنى الناصر إلا أنه أبلغ منه، لأن صيغة فعيل أبلغ من صيغة فاعل على ما تقدّم، والنّصيريّ نسبة إليه للمبالغة في نصره.
(النّظاميّ) من ألقاب الوزراء ومن في معناهم، وهو نسبة إلى النّظام، وهو صورة الاجتماع والالتئام، ومنه نظم اللّؤلؤ وغيره، والمراد أنه يكون به انتظام الأمور والتئامها، وحينئذ فيكون النسب فيه على حقيقته، لأنه نسبة إلى غير صاحب اللّقب؛ ويجوز أن تكون النسبة فيه للمبالغة على معنى أن صاحب اللقب قد جعل «1» عن النظام تجوّزا؛ ولم يستعملوه مجرّدا عن ياء النسب.
(النّوين) بضم النون وفتح الواو وسكون الياء المثناة تحت ونون في الآخر من ألقاب كفّال الممالك بالممالك القانيّة، كنائب «2» السّلطنة، وأمراء «3»
(6/33)

الألوس، والوزير، ونحوهم فيما كان عليه مملكة إيران إلى آخر مملكة أبي «1» سعيد، والنّوينيّ نسبة إليه للمبالغة. قال في «التثقيف» «2» : وهو بمثابة الكافليّ في ألقاب النّوّاب. قال: وهو نعت يستعمل دائما لأهل تلك البلاد ولا يستعملون الكافليّ أصلا.
حرف الهاء
(الهمام) من ألقاب أرباب السّيوف، والمراد الشّجاع؛ والهماميّ نسبة إليه للمبالغة.
حرف الواو
(الوالديّ) من ألقاب المسنّين من الأكابر، وهو نسبة إلى الوالد، وكأنه جعله والدا له فتكون النسبة إليه على حقيقة النسب، لأن النسبة فيه ليست «3» إلى صاحب اللقب نفسه، وربما قصد بذلك الوالد حقيقة؛ وأكثر ما يقع هذا اللقب في المكاتبات.
(الورع) من ألقاب الصّوفيّة وأهل الصلاح، وربما لقّب به أرباب السيوف والأقلام أيضا إذا اتصفوا بذلك؛ والمراد من يتنزّه عن الوقوع في الشّبهات. وهو في اللغة التقيّ، يقال منه: ورع يرع بكسر الراء فيهما ورعا فهو ورع؛ والورعيّ نسبة إليه للمبالغة.
(الوزيريّ) من الألقاب الخاصة بالوزراء من أرباب السيوف والأقلام.
(6/34)

وهو نسبة إلى الوزير، وقد تقدّم معناه واشتقاقه في الكلام على ألقاب أرباب الوظائف.
(الولديّ) من ألقاب الأحداث من الرؤساء، وهو نسبة إلى الولد، كأنه جعله ولدا له، وربما وقع على الولد حقيقة؛ وأكثر ما يقع في المكاتبات كما تقدّم في الوالديّ.
حرف اللام ألف
(الألمعيّ) من ألقاب الأذكياء. قال الجوهريّ: ومعناه الذّكيّ المتوقّد.
حرف الياء
(اليمينيّ) من ألقاب الدوادار «1» وكاتب السرّ والحاجب. قال في «عرف التعريف» ولا يقال لغيرهم، وهو نسبة إلى اليمين كأنه يمين السلطان الذي يتناول به الأشياء، وإلا فمجلس كاتب السرّ بدار العدل عن يسار السلطان، والدّوادار والحاجب قائمان أمامه.
الضرب الثاني (المركّبة المعبّر عنها في اصطلاح الكتّاب بالنّعوت) (وهذه جملة منها مرتّبة على حروف المعجم أيضا)
حرف الألف
(أتابك العساكر) من نعوت الأمير الأتابك ومن في معناه كالنائب الكافل ومن في رتبته. وذكر في «عرف التعريف» أنه مما يختصّ بالنائب الكافل. وقد تقدّم ذكر معنى الأتابك في الكلام على الألقاب الأصول؛ والعساكر جمع عسكر وهو الجيش.
(6/35)

(إسكندر الزّمان) من الألقاب السلطانية، والمراد بالإسكندر هنا الإسكندر بن فيلبس اليونانيّ، وهو الذي يؤرّخ بظهوره على الفرس وغلبته إياهم على ما سيأتي في الكلام على التاريخ في أواخر هذه المقالة.
كان ملكا عظيما ملك الشأم، وبيت المقدس، والعراقين، والسّند، والهند، وبلاد الصّين، والتّبّت، وخراسان، وبلاد التّرك؛ وذلّت له سائر الملوك؛ وهاداه أهل الغرب، والأندلس، والسّودان؛ وهو الذي بنى مدينة الإسكندريّة، ويقال: إنه ذو القرنين الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز. قال المؤيّد صاحب «1» حماة في تاريخه: والصحيح أن ذا القرنين ملك عظيم كان قبل الإسكندر بزمن طويل.
(أثير الإمام) من ألقاب أرباب الأقلام غالبا، وهو أثير بمعنى مأثور، والمراد أن الإمام يؤثره على غيره فيقدّمه عليه.
(إعتضاد صناديد الزمان) من ألقاب أرباب السّيوف؛ وقد يكتب به لبعض الملوك. والاعتضاد الاستعانة، يقال: اعتضدت بفلان إذا استعنت به، والصّناديد جمع صنديد، وهو الشّجاع.
(أكرم نجباء الأبناء في العالمين) من ألقاب الرؤساء من أرباب الأقلام، وأكرم أفعل التفضيل من الكرم خلاف اللّؤم، والنّجباء جمع نجيب، وهو الكريم.
(أجمل البلغاء في العالمين) من ألقاب أرباب البلاغة من الكتّاب وغيرهم، ومعناه ظاهر.
(الذّابّ عن حوزة المؤمنين) من ألقاب ملوك المغرب، ويصلح لكل
(6/36)

ملك مسلم يقوم بفرض الجهاد. والذابّ الدافع، والحوزة بفتح الحاء المهملة والزاي المعجمة الناحية.
(القائم في مصالح المسلمين) من ألقاب ملوك المغرب. ذكر في «التعريف» أنه يكتب به إلى صاحب تونس، ويصلح لكل متّصف بذلك من ملوك الإسلام، ومعناه ظاهر.
(المجاهد عن الدّين) من ألقاب ملوك المغرب، ومعناه ظاهر أيضا.
(المعفّي ملوك آل ساسان، وبقايا فراسياب وخاقان) من ألقاب عظماء ملوك الأعاجم. وقد ذكره في «التعريف» «1» في ألقاب صاحب الهند. والمعفّي بتشديد الفاء المكسورة الماحي للأثر، يقال: عفّت الريح كذا بالتشديد إذا درسته ومحت أثره، وشدّد للمبالغة.
وآل ساسان ملوك الأكاسرة وهم الطبقة الرابعة من ملوك الفرس الساسانيّة إلى أن غلبهم الإسلام وانتزع الملك من أيديهم، ينسبون إلى جدّهم ساسان، وهو ساسان «2» بن أردشير بهمن بن كيبستاسف من ملوك الطبقة الثانية فيهم، على ما سيأتي بيانه في الكلام على مكاتبة ملوك إيران، في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
وفراسياب بفاء في أوّله ثم سين مهملة بعدها ياء ثم ألف وباء موحدة ملك عظيم من ملوك الترك، ويقال: إن أصله من أبناء ملوك الفرس، وهو فراسياب «3» بن طوج بن أفريدون، من الطبقة الأولى من ملوك الفرس، وإن
(6/37)

ابن عمه منوشهر غلب عليه بعد أن قتل أباه طوجا ففرّ إلى بلاد الترك وتزوّج منهم، وانتهت به الحال إلى أن ملكهم وعظم ملكه فيهم.
وخاقان بخاء معجمة وقاف ونون ملك من ملوك الترك أيضا كان في زمن كسرى أنو شروان فيما يقتضيه كلام أبي هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» حيث ذكر أنه كان بينه وبينه حرب.
(المواقف المقدّسة) من ألقاب الخلفاء في مخاطباتهم في المكاتبات ونحوها، والمراد الأماكن التي يقف فيها الخليفة، كني بها عن الخليفة تنويها عن التصريح بذكره؛ والمقدّسة المطهّرة، والمراد طهارتها عن الأدناس المعويّة.
(إمام الأئمة) من ألقاب العلماء، وربما قيل «إمام الأئمة في العالمين» .
(إمام البلغاء) من ألقاب أهل البلاغة من الكتّاب ومن في معناهم.
(إمام المتكلّمين) من ألقاب العلماء، وهو بأهل المعقول أليق لإطلاق علم الكلام «1» على أصول الدّين، وإنما سمّي بذلك لأنه لما وقع القول بخلق القرآن في صدر الإسلام ممن وقع كثر الكلام والخوض في ذلك فأطلق على أصول الدين علم الكلام وبقي علما عليه.
(أوحد الأشراف) من ألقاب الشّرفاء، وربما قيل «أوحد الأشراف في العالمين» أو «أوحد الأشراف الطاهرين» أو «أوحد الأشراف الماجدين» ونحو ذلك.
(6/38)

(أوحد الأصحاب) من ألقاب الوزراء من أرباب الأقلام ومن في معناهم ككاتب السّر ونحوه وإن كان الصاحب يختصّ بالوزير في عرف [كتّاب الديار المصرية «1» ] على ما تقدّم.
(أوحد الأكابر) من ألقاب التّجّار الخواجكيّة، وربما كتب به لغيرهم من الرؤساء، وربما قيل «أوحد الأكابر في العالمين» .
(أوحد الأمّة) من ألقاب العلماء، وربما أطلق على غيرهم.
(أوحد الأمناء في العالمين) من ألقاب الكتّاب، والأمناء جمع أمين، وهو خلاف الخائن.
(أوحد الأئمة العلماء في العالمين) من ألقاب العلماء، وربما اقتصر على أوحد العلماء.
(أوحد البلغاء) من ألقاب أرباب الأقلام، وربما قيل «أوحد البلغاء في العالمين» ونحو ذلك والبلغاء جمع بليغ وقد تقدّم معناه.
(أوحد الرّؤساء) وربما قيل «أوحد الرّؤساء في العالمين» أو «أوحد الرؤساء في الأنام» «2» ونحو ذلك، ومعناه ظاهر.
(أوحد الحفّاظ) من ألقاب المحدّثين، وربما قيل «أوحد الحفّاظ في العالمين» ونحو ذلك.
(أوحد الخطباء في العالمين) من ألقاب الخطباء.
(أوحد العلماء الأعلام) من ألقاب العلماء، وربما قيل «أوحد العلماء في العالمين» .
(6/39)

(أوحد الفضلاء) من ألقاب العلماء، وربما استعمل في غيرهم من أرباب الأقلام، وربما قيل «أوحد الفضلاء المفيدين» أو «أوحد الفضلاء العارفين» ونحو ذلك.
(أوحد الكبراء) من ألقاب التّجّار الخواجكيّة، ويجوز أن يستعمل في غيرهم.
(أوحد الكتّاب) من ألقاب الكتّاب سواء كتّاب الإنشاء وغيرهم.
(أوحد المتصرّفين) من ألقاب الوزراء ومن في معناهم.
(أوحد المجاهدين) من ألقاب أرباب السّيوف.
(أوحد المحقّقين) من ألقاب العلماء.
(أوحد المتكلّمين) من ألقاب العلماء، وهو بعلماء المعقول أنسب.
(أوحد المفيدين) من ألقاب العلماء.
(أوحد الملوك والسلاطين) من الألقاب السلطانية.
(أوحد الوعّاظ) من ألقاب أهل التذكير والوعظ.
(أوحد الوقت) من ألقاب أرباب الأقلام، وربما قيل «أوحد الوقت والأوان» والوقت معروف، والأوان الحين، ويجمع على آونة مثل زمان وأزمنة.
حرف الباء
(بركة الأنام) من ألقاب الصّلحاء، وقد تستعمل للعلماء أيضا.
(بركة الدّولة) من ألقاب الصّلحاء أيضا، وقد يقال «بركة الدّول» على الجمع، وربما كتب به لأرباب الأقلام من العلماء وغيرهم. والمراد بالدولة المملكة القائمة، وأصلها من الدّولة في الحرب وهي النّصر والغلبة.
(بركة المسلمين) من ألقاب الصّلحاء، وقد تستعمل لأهل العلم أيضا.
(بقيّة الأكابر) من ألقاب بقايا البيوت الرئيسية من أهل الأقلام وغيرهم، وربما قيل «بقيّة الأكابر في العالمين» .
(6/40)

(بقيّة البيت النبويّ) من ألقاب الأشراف، وبه يكتب إلى إمام الزيدية باليمن.
(بقيّة السّلف) من ألقاب العلماء والصّلحاء، وربما قيل «بقية السّلف الصالح» أو «بقيّة السّلف الكرام» والمراد بالسّلف الآباء المتقدّمون، أخذا من قولهم سلف إذا مضى، وربما أطلق على من تقدّم في صدر الإسلام من الصّحابة والتابعين.
(بقيّة السّلالة الطاهرة) من ألقاب الأشراف، وقد يقال فيه بقيّة السّلالة الطاهرة الزّكيّة، وربما أطلق على غيرهم. وبذلك يكتب لصاحب تونس لادّعائه أنه من نسل أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه. والسّلالة في الأصل ما استلّ من الشيء، والمراد هنا النّطفة لأنها مستلّة من الإنسان.
(بقيّة الملوك والسلاطين) من ألقاب من له سلف من الملك، كصاحب حصن كيفا «1» من بقايا الملوك الأيّوبيّة.
(بقيّة الأصحاب) من ألقاب الوزراء أرباب الأقلام ومن في معناهم.
(بقيّة شجرة الفخار) من ألقاب ذوي الأصالة العريقين في النّسب، وبه يكتب لابن الأحمر «2» صاحب الأندلس.
(بهاء الأعيان) من ألقاب أرباب الأقلام، والبهاء الحسن، والأعيان جمع
(6/41)

عين تجمع على أعين وعيون وأعيان، والمراد هنا الخيار، إذ عين كلّ شيء خياره.
(بهاء الأنام) من ألقاب أرباب السيوف غالبا، وربما أطلق على غيرهم؛ والأنام الخلق.
(بهاء العصابة العلويّة) من ألقاب الأشراف، وبه يكتب لأميري مكة والمدينة المشرّفتين، والعصابة بالكسر الجماعة من الناس وتجمع على عصائب. والعلويّة نسبة إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
حرف التاء المثناة من فوق
(تاج العلماء والحكّام) من ألقاب القضاة، والتاج ما يوضع على الرأس وهو معروف.
(تاج الأمناء) من ألقاب التّجّار الخواجكيّة، ويصلح لكتّاب الأموال أيضا.
(تاج المتصرّفين) من ألقاب الوزراء ومن في معناهم.
(تاج الفضلاء) من ألقاب أرباب الأقلام. ورأيت في بعض الدّساتير الشاميّة «تاج الفضلاء المنشئين» وهو مناسب لمن هو في أوّل نشأته وابتداء رياسته، وحداثة سنّه.
(تاج الملّة) من الألقاب التي يشترك فيها أرباب السيوف والأقلام جميعا. والملّة في أصل اللغة الدين والشّريعة، والمراد هنا ملّة الإسلام، والألف واللام فيها للعهد الذّهنيّ.
حرف الثاء المثلثة
(ثقة الدّول) من ألقاب التّجار الخواجكيّة، وربما قيل «ثقة الدولتين» والثّقة في اللغة الأمين وخصّ ذلك بالتّجّار لتردّدهم في الممالك، ويحسن أن
(6/42)

يلقّب به المتردّدون في الرسائل بين الملوك.
حرف الجيم
(جامع كلمة الإيمان) من الألقاب السلطانية.
(جامع طرق الواصفين) من ألقاب الصّوفيّة وأهل الصّلاح، وربما قيل «جامع الطّرق» ويصلح أن يكون من ألقاب العلماء أيضا.
(جمال الإسلام) من ألقاب العلماء، وربما قيل جمال الأكابر من ألقاب التجّار الخواجكيّة، وقد يستعمل لأرباب الأقلام، والجمال في اللغة الحسن.
(جمال الذّرّية) والمراد ذرّيّة النبي صلّى الله عليه وسلّم، لأن الذرّيّة تشمل أولاد البنات، وقد عدّ الله تعالى عيسى عليه السّلام [من ذرّيّة إبراهيم عليه السّلام] «1» وهو ابن بنته.
(جمال الصّدور) من ألقاب أرباب الأقلام، والصّدور جمع صدر، والمراد صدور المجالس.
(جمال الأئمة) من ألقاب العلماء، وربما قيل «جمال الأئمة العارفين» .
(جمال البارعين) من ألقاب أرباب الأقلام، «والبارعين» جمع بارع وهو الناهض.
(جمال البلغاء) من ألقاب كتّاب الإنشاء ونحوهم.
(جمال الطائفة الهاشميّة) من ألقاب الشّرفاء، والطائفة في أصل اللغة
(6/43)

اسم للقطعة من الشيء. قال ابن «1» عباس وتطلق على الواحد فما فوقه، والهاشميّة نسبة إلى هاشم: وهو هاشم بن عبد مناف جدّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
(جمال العترة الطاهرة) من ألقاب الشّرفاء أيضا، وربّما اقتصر على جمال العترة فقط. وعترة الرجل نسله وأهله الأدنون، والمراد عترة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
(جمال العصبة الفاطميّة) من ألقاب الشّرفاء أيضا، والعصبة بفتح العين والصاد واحدة العصبات، وهي في أصل اللغة البنون والقرابة للأب. قال الجوهريّ: سمّوا عصبة لأنهم عصبوا بالشخص بمعنى أنهم أحاطوا به: فالأمّ طرف، والأب طرف، والعمّ جانب، والأخ جانب. والمراد هنا أبناء فاطمة رضي الله عنها وهم أحد أفراد العصبة. ولا يجوز أن يقال العصبة بضم العين وإسكان الصاد: لأن المراد بذلك الرجال ما بين العشرة والأربعين كما قاله الجوهريّ. وبنو فاطمة رضي الله عنها قد أربوا عن العدد في الشّرق والغرب.
(جمال العلماء) من ألقاب أهل العلم.
(جمال الفضلاء) من ألقاب أرباب الأقلام من العلماء والكتّاب، وربما قيل «جمال الفضلاء المفيدين» ونحو ذلك ويختصّ حينئذ بالعلماء.
(جمال الكتّاب) من ألقاب كتّاب الإنشاء وغيرهم من الكتّاب.
(جمال المملكة) من ألقاب الكتّاب.
(جمال الورعين) من ألقاب الصّوفية وأهل الصّلاح.
(جمال أهل الإفتاء) من ألقاب أكابر العلماء.
(جلال الإسلام) من ألقاب أرباب الأقلام، ويصلح أن يكون لقبا لبعض
(6/44)

الملوك، وبه يكتب لإمام الزّيديّة باليمن، وربما قيل «جلال الإسلام والمسلمين» .
(جلال الأصحاب) من ألقاب الوزراء، ومن في معناهم.
(جلال الأكابر) من ألقاب أرباب الأقلام، وبه يكتب لناظر «1» الخاصّ.
(جلال الحكّام) من ألقاب أكابر القضاة، والجلال في اللغة العظمة.
(جلال العترة الطاهرة) من ألقاب الشرفاء، وبه يكتب لأميري مكة والمدينة المشرّفتين.
(جلال العلماء في العالمين) من ألقاب أهل العلم، وربما قيل «جلال العلماء العاملين» ونحو ذلك.
(جلال الكبراء) من ألقاب أكابر أرباب الأقلام.
(جلال الأسرة الزاهرة) من ألقاب الأشراف. والأسرة بضم الهمزة الرّهط، والمراد رهط بني هاشم، والزاخرة المضيئة، وبه سمّي الكوكب المعروف بالزّهرة.
(جهبذ الحذّاق) من ألقاب الكتّاب، وربما قيل «جهبذ الحذّاق المتصرّفين» والجهبذ بفتح «2» الجيم وإسكان الهاء وفتح الموحدة النّقّاد للذّهب والفضّة، ولذلك يقال للصيرفيّ جهبذ، والمراد هنا أنه ينقد الأمور فيستخرج جيدها من رديئها كما يفعل الصيرفي.
(6/45)

حرف الحاء المهملة
(حاكم الحكّام) من ألقاب قضاة القضاة.
(حاكم أمور ولاة الزمان) من ألقاب أرباب السّيوف، وربما كتب به لبعض الملوك.
(حافظ الأسرار) من ألقاب كاتب السرّ.
(حجّة الأمة) من ألقاب قضاة القضاة وأكابر العلماء، والحجّة في اللغة البرهان ومنه قوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ
«1» والأمّة في أصل اللغة الجماعة، والمراد هنا أمّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمعنى أنه تقوم به الحجة لأهل الإسلام على غيرهم.
(حجّة الأئمة) من ألقاب أكابر العلماء؛ والأئمة جمع إمام، وقد تقدّم أنه الذي يقتدى به.
(حجّة البلغاء) من ألقاب أرباب الأقلام، وهو بالكتّاب أمسّ.
(حجّة العرب) من ألقاب النّحاة واللّغويين ومن في معناهم، كأنهم يحتجّون به للغتهم.
(حجّة المذاهب) من ألقاب أكابر العلماء، وربما قيل «حجّة المذهب» إذا أريد مذهبه خاصّة، وهو دون الأوّل.
(حجّة المفتين) من ألقاب أكابر العلماء، والمراد بالمفتين من هم أهل للفتوى في الأحكام الشرعيّة.
(حرز الإمام) من ألقاب الوزراء ومن في معناهم من حفظة الأموال.
والحرز في اللغة الموضع الحصين، والمراد بالإمام السلطان ومن في معناه.
(حسام أمير المؤمنين) من ألقاب أرباب السيوف كنوّاب السلطنة
(6/46)

ونحوهم. والحسام من أسماء السّيف، سمّي بذلك أخذا من الحسم، وهو القطع.
(حسنة الأيّام) من ألقاب أكابر أرباب الأقلام من الوزراء والقضاة ومن في معناهم. والحسنة خلاف السيئة، والمراد أنّ الأيام أحسنت بالامتنان به. وقد ذكر القاضي «شهاب الدين «1» بن فضل الله» في بعض دساتيره أنه يصلح لكل من له سلف في الكتابة، وهو بعيد المأخذ.
(حكم الملوك والسلاطين) من ألقاب قضاة القضاة، والحكم بمعنى الحاكم.
حرف الخاء المعجمة
(خادم الحرمين الشريفين) من الألقاب السلطانية، والمراد حرم مكة المشرّفة، والمدينة النبويّة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسّلام والتحية والإكرام.
(خالصة الدولة) من ألقاب الوزراء، والخالصة في اللغة بمعنى الخاصّة. يقال هذا لي خالصة يعني خاصّة. ومنه قوله تعالى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
«2» وعليه [حمل] قوله تعالى: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
«3» .
(خالصة الملوك والسلاطين) من ألقاب أرباب الأقلام. قال في «عرف
(6/47)

التعريف» : وهو في حقّ من لم يكن حاكما في مقام حكم الملوك والسلاطين لمن هو حاكم.
(خالصة أمير المؤمنين) من ألقاب أرباب الأقلام.
(خالصة الإمام) من ألقاب الصّوفيّة، وربما جعل من ألقاب العلماء أيضا، والمراد بالإمام الخليفة أو السلطان.
(خالصة سلف الأنصار) من الألقاب التي يكتب بها لابن الأحمر «1» صاحب الأندلس؛ لأنه يذكر أنه من ذرّية «سعد بن عبادة» الأنصاريّ رضي الله عنه، ويصلح لكل من وافقه في ذلك، وكان الأحسن أن يقال: «خلاصة» بدل «خالصة» ، لما تقدّم من أن المراد بالخالصة الخاصّة. والمراد بالأنصار أنصار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهم الأوس والخزرج الذين هاجر إليهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة.
(خطيب الخطباء) من ألقاب أكابر الخطباء، وربما كتب به لقضاة القضاة، إذا أضيف له خطابة جليلة، كخطابة جامع القلعة بالديار المصرية، وخطابة الجامع الأمويّ بدمشق.
(خلف الأولياء) من ألقاب أولاد الصالحين.
(خليفة الأئمة) من ألقاب الشّيعة، والمراد من يعتقدونه من الأئمة المعصومين كالإمامية ونحوهم. وبه يكتب لإمام الزيديّة باليمن.
(خليل أمير المؤمنين) من ألقاب أولاد السلطان، وربما كتب به لبعض الملوك، والخليل بمعنى الصّديق.
(خلاصة الخلافة المعظّمة) من ألقاب بعض الملوك، والخلاصة: الذي خلص من الثّفل «2» ونحوه. ويقال فيه خلاص أيضا بغير هاء.
(6/48)

(خلاصة سلف القوم) من ألقاب الصّوفية وأهل الصّلاح، والقوم يختصّ في اللّغة بالرجال دون النساء قال تعالى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ
«1» ثم قال:
وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ
«2» .
(خيرة الإسلام) من ألقاب أهل الصّلاح فيما ذكره في «عرف التعريف» : ويصلح لأهل العلم أيضا. والخيرة الاسم من قولك: اختار فلان فلانا، والمراد أنّ الإسلام اختاره.
حرف الدال المهملة
(دليل المريدين إلى أوضح الطّرائق) من ألقاب مشايخ الصّوفيّة، والمراد بالمريدين طلّاب الطّريق إلى الله تعالى.
(داعي الدّعاة بالبراهين الظاهرة إلى استعلام الحقائق) من ألقاب العلماء.
حرف الذال المعجمة
(ذخر الإسلام والمسلمين) من ألقاب الملوك، وبه يكتب لصاحب تونس وملك التّكرور «3» . والذّخر في اللغة مصدر ذخرت الشيء أذخره بفتح الخاء إذا جعلته دخيرة.
(ذخر الأمّة) من ألقاب أكابر أرباب السيوف كنوّاب السلطنة ونحوهم.
(ذخر الدّولة) من ألقاب أرباب السيوف، وقد يقع في ألقاب الصّلحاء والعلماء.
(ذخر الغزاة والمجاهدين) من ألقاب أرباب السيوف أيضا.
(6/49)

(ذخر الطالبين) من ألقاب الصّلحاء والعلماء، والمراد طالبو الوصول إلى الحق أو نحو ذلك.
(ذخر المسلمين) من ألقاب الملوك، وبه يكتب لإمام الزيديّة باليمن فيما ذكره في «التعريف» .
(ذخر الملّة) من ألقاب أرباب السيوف، وقد تقدّم معنى الملّة.
(ذخر الممالك) من ألقاب بعض الملوك. وربّما قيل ذخر المملكة.
(ذخر الموحّدين) من ألقاب أكابر أرباب السيوف كالنائب الكافل ونحوه، وجعله في «عرف التعريف» خاصّا بالكافل دون غيره.
(ذخر أمير المؤمنين) من ألقاب الملوك، وهو دون خليل أمير المؤمنين.
حرف الراء المهملة
(رأس البلغاء) من ألقاب أكابر كتّاب الإنشاء ككاتب السّرّ ومن يجري مجراه.
(رأس الصّدور) من ألقاب أكابر أرباب الأقلام في الجملة من أهل العلم والكتّاب ومن يجري مجراهم. والمراد رأس صدور المجالس.
(رأس العلياء) من ألقاب أكابر أرباب الأقلام من العلماء والوزراء ومن في معناهم، ويصلح لكلّ عليّ القدر في الجملة، وبه يكتب إلى إمام الزّيديّة باليمن.
(رحلة الحفّاظ) من ألقاب المحدّثين، وقد تقدّم أن الرّحلة بضم الراء ما يرحل إليه، والحفّاظ جمع حافظ، والمراد حفظ الحديث.
(رحلة القاصدين) من ألقاب كبار أرباب الأقلام، وهو بأهل الكرم والجود أخصّ، والمراد من يقصد بالتّرحال إليه.
(رحلة المحصّلين) من ألقاب العلماء، والمراد من يرحل إليه لتحصيل
(6/50)

العلم بالأخذ عنه.
(رحلة الوقت) من ألقاب العلماء والمراد من انفرد في الوقت بالرحيل إليه لأخذ العلم عنه.
(رضيّ الدولة) من ألقاب الكتّاب، والمراد من يرضيه أعيان الدولة بالتقريب. ثم الظاهر أنه بكسر الضاد بمعنى مرضيّ عند أعيان أهل الدولة.
ويجوز أن يكون بفتح الضاد على جعله هو نفس الرّضا تجوّزا.
(رضيّ أمير المؤمنين) من ألقاب أرباب الأقلام. والكلام فيه كالكلام في الذي قبله.
(ركن الإسلام والمسلمين) من ألقاب أكابر أرباب السيوف. وبه كان يكتب للنائب الكافل على ما هو مذكور في «التعريف» والرّكن واحد الأركان وهو معروف.
(ركن الأمّة) من ألقاب الملوك، وبه يكتب لملك التكرور «1» .
(ركن الملوك والسلاطين) من الألقاب الملوكيّة وما في معنى ذلك من أرباب السيوف. ونقل في «التثقيف» أنه كتب به لبعض مشايخ التصوّف ثم أنكره وقال: الأولى أن يكون بدله (بركة الملوك والسلاطين) وما ذكره واضح.
على أنه في «عرف التعريف» قد أورده في ألقاب الصلحاء، وكأنهم راعوا في ذلك أنه ركن لهم من حيث البركة والدعاء إلا أن الأوّل أظهر.
(ركن الأولياء) من ألقاب أهل الصلاح على أن المراد أولياء الله تعالى ويجوز أن يكون من ألقاب أرباب السيوف وأرباب الأقلام أيضا على معنى أن المراد أولياء الدولة.
(6/51)

(رئيس الكبراء) من ألقاب الوزراء من أرباب الأقلام ومن في معناهم.
وأهل الشأم يستعملونه في أرباب الأقلام من قضاة القضاة ونحوهم، وقد تقدّم «1» المراد بالصاحب في الكلام على الألقاب المفردة.
حرف الزاي المعجمة
(زعيم الجنود) من ألقاب أكابر أرباب السّيوف كالنائب الكافل، والزّعيم الكفيل. والمراد هنا التكفّل بالجنود والقيام بأمرها. ويجوز أن يكون بمعنى السيّد، يقال لسيّد القوم زعيمهم، والأوّل أليق بالمقام، والجنود جمع جند، وهم الأعوان على ما تقدّم.
(زعيم الجيوش) من ألقاب أكابر أرباب السّيوف كنوّاب السلطنة ونحوهم، والجيوش جمع جيش، وهو العسكر.
(زعيم الموحّدين) من ألقاب صاحب تونس على تخصيص الموحّدين، والمراد بالموحّدين فيه أتباع المهدي «2» بن تومرت الذين من بقاياهم ملوك تونس. كان المهديّ المذكور قد سمّاهم الموحّدين تعريضا بذمّ من كان قبله ببلاد المغرب ممن يدّعي التجسيم على ما سيأتي ذكره في الكلام على مكاتبة صاحب تونس في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى. ويجوز أن يراد بالموحّدين هنا عامة أهل الإيمان ويكون المراد بالموحدّين جميع المؤمنين. ويصح وقوع هذا اللقب حينئذ على غير صاحب تونس من الملوك ونحوهم، ولذلك يكتب به
(6/52)

لملك التّكرور على ما ذكره في «التعريف» .
(زعيم المؤمنين) من الألقاب التي يكتب بها لإمام الزيديّة باليمن.
ويصحّ وقوعه على غيره من ملوك المسلمين أيضا كما في «زعيم الموحّدين» إذا جعل عامّا في حق كل موحّد على ما تقدّم بيانه.
(زعيم جيوش الموحّدين) من ألقاب أكابر أرباب السيوف، كنائب السلطنة بحلب، وبه يكتب لصاحب حصن كيفا «1» فيما ذكره في «التعريف» .
(زين الإسلام والمسلمين) من ألقاب أرباب الأقلام، والزّين في اللغة نقيض الشّين.
(زين الأعيان) من ألقاب أرباب الأقلام، والأعيان جمع عين، وقد تقدّم الكلام عليه.
(زين الأكابر) من ألقاب التّجّار الخواجكيّة ومن في معناهم.
(زين الأنام) من ألقاب صغار أرباب السيوف، وربما كتب به لغيرهم.
(زين الأئمة) من ألقاب العلماء، وربما قيل «زين الأئمة العلماء» .
(زين البلغاء) من ألقاب الكتّاب ونحوهم.
(زين الحكّام) من ألقاب القضاة.
(زين الذّوائب الهاشميّة) من ألقاب الشرفاء، والذّوائب بالذال المعجمة جمع ذؤابة بالهمز، وهي ما يرخى من الشّعر. قال الجوهريّ: وكان الأصل ذائب [لأن الألف التي في ذؤابة] «2» كالألف التي في رسالة، حقّها أن تبدل
(6/53)

منها همزة في الجمع، ولكنهم استثقلوا أن تقع ألف الجمع بين الهمزتين فأبدلوا من الأولى واوا. وإنما اختصّ هذا اللقب بالشّرفاء لأنهم من صميم عرب الحجاز، وعادة عرب الحجاز إرخاء الرجال الذّوائب.
(زين الزّهّاد) من ألقاب الصّوفيّة وأهل الصلاح.
(زين العبّاد) من ألقاب أهل الصّلاح أيضا.
(زين العترة الطاهرة) من ألقاب الشّرفاء، وبه يكتب لأميري مكة والمدينة. وقد تقدّم معنى العترة.
(زين الكتّاب) من ألقاب كتّاب الإنشاء وغيره.
(زين المجاهدين) من ألقاب أرباب السيوف، وربما قيل «زين الأمراء المجاهدين» وربما كتب به لبعض صغار الملوك، كصاحب ذنقلة «1» ونحوه.
(زين المنشئين) رأيته في بعض الدساتير الشاميّة في ألقاب الكتّاب ونحوهم، وهو صالح لكل حدث مترقّ في العلوّ.
حرف السين المهملة
(سداد الثّغور) من ألقاب الوزراء، وهو بكسر السين وتخفيف الدال بعدها، بمعنى أنه الذي تسدّ به الثّغور، أخذا من سداد القارورة، وهو ما يسدّ به فمها، ومنه قول الشاعر «2» : (وافر)
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر!
(6/54)

ويحكى أنّ المأمون نطق بمثل ذلك بفتح «1» السين بحضرة النضر «2» بن شميل فردّه عليه فأمر له بثمانين ألف درهم، فكان النضر يفتخر بذلك ويقول:
أخذت بإفادة حرف واحد ثمانين ألف درهم.
(سفير الأمة) من ألقاب الدّوادار وكاتب السرّ، وقد تقدّم معنى السّفير.
(سفير الدولة) من ألقاب المذكورين.
(سفير الممالك) من ألقاب من تقدّم، وربما قيل «سفير المملكة» .
(سفير الملوك والسلاطين) كذلك.
(سلطان الإسلام والمسلمين) من ألقاب السلطانية.
(سلطان الأوان) من الألقاب السلطانية الجليلة.
(سلطان البسيطة) من الألقاب السلطانية، والبسيطة الأرض أخذا من البسطة، وهي السّعة ومنه قيل: تبسّط فلان في البلاد إذا سار فيها طولا وعرضا.
(سلطان العرب والعجم والتّرك) من الألقاب السلطانية أيضا. وهو غير محرّر الوضع لأن العجم في اللغة يقع على من عدا العرب في الجملة ولا يختص بالفرس على ما هو المعروف بين العامة وهو مقصودهم هنا، فالتّرك من جملة العجم فكان يكفي أن يقال سلطان العرب والعجم، وإنما حملهم على ذلك زيادة الإطراء والمدح.
(سليل الأطهار) من ألقاب الشّرفاء، والسّليل الولد، والمراد بالأطهار المبرّؤون عن الأدناس.
(6/55)

(سليل الأكابر) من ألقاب أولاد الأكابر والرؤساء.
(سليل الطيّبين) من ألقاب أرباب الأقلام من ذوي الأصالة.
(سليل الملوك والسلاطين) من ألقاب أولاد الملوك ومن مضى له سلف في الملك.
(سيد الأمراء المقدّمين) من ألقاب الأمراء مقدّمي الألوف، في الرتبة المتوسطة.
(سيّد الأمراء في العالمين) من ألقاب أكابر أرباب السيوف كنوّاب السلطنة ونحوهم، وربما كتب به لبعض الملوك عن الأبواب السلطانية.
(سيّد الرؤساء في العالمين) من ألقاب أكابر أصحاب الأقلام ككاتب السّر ونحوه.
(سيد العلماء والحكّام في العالمين) من ألقاب القضاة.
(سيّد الكبراء في العالمين) من ألقاب أكابر أرباب الأقلام كناظر الخاصّ ونحوه.
(سيد الوزراء في العالمين) من الألقاب الخاصّة بالوزراء.
(سيّد أمراء العالمين) من ألقاب النّواب المتوسطين.
(سيف الإسلام والمسلمين) من ألقاب أرباب السيوف، وربما كتب به لبعض الملوك.
(سيف الحقّ) من ألقاب العلماء وأهل النّظر.
(سيف الخلافة) من الألقاب الملوكية، وبه يكتب لملك التّكرور.
(سيف المناظرين) من ألقاب العلماء، والمراد بالمناظرين أهل البحث والجدل، أخذا من النّظر وهو الفكر المؤدّي إلى الدّليل.
(سيف النّظر) بمعناه أيضا.
(سيف أمير المؤمنين) من ألقاب أرباب السيوف كنوّاب السلطنة، وهو في الرّتبة المتوسطة.
(6/56)

(سيف جماعة الشاكرين) من الألقاب الخاصّة بصاحب تونس، وهذا اللّقب رأيته واردا في «التثقيف» ولم أعرف له معنى؛ وسألت «قاضي القضاة وليّ الدين بن خلدون» هل يعرف لذلك معنى؟ فقال: لا.
حرف الشين المعجمة
(شرف الأصفياء المقرّبين) من ألقاب كبار التّجّار الخواجكيّة.
(شرف الدّول) من ألقاب بعض الملوك، ويصلح لغير الملوك أيضا.
(شرف الأمراء في العالمين) من ألقاب أرباب السيوف، وربما قيل شرف الأمراء الأشراف في العالمين إذا كان شريفا، أو شرف الأمراء العربان في العالمين إذا كان غير «1» أمير عرب، وربما قيل «شرف الأمراء المقدّمين» إذا كان مقدّم ألف، وقد يقتصر على شرف الأمراء فقط.
(شرف الرّؤساء في العالمين) من ألقاب أكابر أرباب الأقلام كوزير الشأم ونحوه، وربما اقتصر على «شرف الرؤساء» ويكون من ألقاب التجّار الخواجكيّة ونحوهم.
(شرف الصّلحاء في العالمين) من ألقاب أهل الصّلاح.
(شرف العلماء العاملين) من ألقاب أكابر العلماء كقضاة القضاة ونحوهم، وربما قيل «شرف العلماء في العالمين» .
(شرف الكتّاب في العالمين) من الألقاب الكتابية.
(شرف الملوك والسلاطين) من الألقاب الملوكية.
(شمس الأفق) من ألقاب أكابر أرباب الأقلام، وهو بالعلماء أليق، لأن بهم يحصل النّور كما يحصل بالشمس. وهو ما يتخيّل انطباق السماء على الأرض بالنظر في كل ناحية فيه. وأصل الأفق الناحية ومنه قيل للنّواحي آفاق، وإنما
(6/57)

خصّ الشمس هنا بالإضافة للأفق لأنها عند مطلعها تكون في النظر أعظم صورة.
(شمس الشّريعة) من ألقاب أكابر العلماء، والمراد بالشريعة هنا شريعة الإسلام، استعيرت الشمس لها لمشابهتها لها في النّور.
(شمس العصر) من ألقاب العلماء والصّلحاء ونحوهم.
(شمس المذاهب) من ألقاب العلماء الأكابر، والمذاهب جمع مذهب، وهو ما يذهب إليه المجتهد، وأصله في اللغة لموضع الذّهاب.
(شيخ المشايخ) من ألقاب العلماء وأهل الصّلاح، وربما قيل «شيخ شيوخ الإسلام» .
(شيخ الملوك والسلاطين) من ألقاب المسنّين من الملوك. وهذا اللقب رأيته في كتاب وقف عن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب، بعث به نجم الدين أيوب والد السلطان صلاح الدين يوسف.
(شيخ شيوخ العارفين) من ألقاب الصّوفية وأهل الصلاح، ومرادهم بالعارفين العارفون بالله تعالى.
حرف الصاد المهملة
(صالح الأولياء) من ألقاب إمام الزيديّة باليمن، ويصلح لأهل الصلاح أيضا.
(صدر المدرّسين) من ألقاب العلماء.
(صدر مصر والشام) من ألقاب أكابر العلماء كقضاة القضاة ونحوهم، وإنما خصّ هذان القطران بالذكر لكثرة علمائهما، وربما قيل «صدر مصر والعراق والشام» وربما اقتصر على صدر الشام فقط إذا كان برسم وظيفة في الشأم ونحو ذلك.
(6/58)

(صفوة الدّولة) من ألقاب من في معنى الوزراء كناظر الخاصّ ونحوه.
(صفوة الصّلحاء) من ألقاب أهل الصّلاح.
(صفوة الأتقياء) من ألقاب الصّلحاء أيضا.
(صفوة الملوك والسلاطين) من ألقاب أرباب الأقلام كناظر الشام «1» ونحوه، وربما كتب به للتّجّار الخواجكيّة.
(صلاح الإسلام) من ألقاب الصّوفيّة والعلماء.
(صلاح الإسلام والمسلمين) من ألقاب أكابر أرباب الأقلام، كالوزراء ومن في معناهم.
(صلاح الدول) من ألقاب بعض الملوك، وبه يكتب لصاحب تونس.
ويصلح أيضا لأكابر أرباب الأقلام من الوزراء وغيرهم.
(صلاح الملّة) من ألقاب العلماء والصلحاء.
حرف الضاد المعجمة
(ضياء الإسلام) من ألقاب العلماء والصّلحاء، وربما قيل «ضياء الإسلام والمسلمين» والضّياء خلاف الظّلام، وهو مخصوص بما كان مضيئا لذاته، بخلاف النور فإنه يقع على ما هو مكتسب النّور، ولذلك قال تعالى:
جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً
«2» فخصّ الضياء بالشمس لأنّ نورها لذاتها، والنور بالقمر لأن نوره مكتسب من الشمس، على ما هو مقرّر في علم الهيئة.
(ضياء الأنام) من ألقاب من تقدّم ذكره.
(6/59)

حرف الطاء المهملة
(طراز العصابة العلويّة) من ألقاب الأشراف كأميري مكة والمدينة المشرّفتين. والطّراز «1» في أصل اللغة علم الثوب. قال الجوهريّ: وهو فارسيّ معرّب، كأن صاحب اللقب جعل علما لتلك الطائفة كما جعل الطّراز علما للثوب.
حرف الظاء المعجمة
(ظلّ الله في أرضه) من الألقاب السلطانية، والظل ما يحصل عن الشاخص في ضوء الشمس، والمراد أن الخلق يستظلّون بالسلطان من حرّ الجور كما يستظلّ المستظلّ بظلّ الشجرة ونحوها من حرّ الشمس. وقال ابن قتيبة في «أدب الكاتب» أصل الظّلّ السّتر ومنه قولهم: أنا في ظلّك أي في سترك، ثم اسم الظلّ مخصوص بما قبل الزوال؛ أما بعد الزوال فإنه يسمّى فيئا لأنه يرجع من جهة الغرب إلى جهة الشرق أخذا من قولهم فاء إذا رجع.
(ظهير الملوك والسلاطين) من ألقاب أكابر أرباب السيوف كنوّاب السلطنة.
(ظهير أمير المؤمنين) من ألقاب أرباب السيوف أيضا، وربما كتب به لبعض الملوك كصاحب الأندلس ونحوه.
(ظهير الإمامة) من ألقاب بعض الملوك، وبه يكتب إلى صاحب التّكرور.
(6/60)

حرف العين المهملة
(عاقد البنود) من ألقاب النائب الكافل ونحوه، والعاقد فاعل من العقد نقيض الحلّ، والبنود جمع بند- بفتح الباء وإسكان النون- وهو العلم الكبير.
قال الجوهريّ: وهو فارسيّ معرب.
(عزّ الإسلام) من ألقاب بعض الملوك، وبه يكتب إلى ملك التّكرور.
(عزّ الإسلام والمسلمين) من ألقاب الرّتبة الوسطى من نوّاب السلطنة ومن في معناهم، وربما كتب به لبعض الملوك.
(عدّة الدنيا والدّين) من ألقاب الملوك، وبه يكتب لصاحب تونس.
والعدّة بالضم في اللغة ما أعددته لحوادث الدهر من المال والسلاح ونحو ذلك وهو المراد هنا، وربما أطلق على نفس الاستعداد.
(عدّة الملوك والسلاطين) من ألقاب أصاغر أرباب السيوف.
(عضد الملوك والسلاطين) من ألقاب متوسّطي أرباب السيوف، وقد تقدّم «1» أن أصل العضد لما بين الساعد والكتف.
(عضد أمير المؤمنين) من ألقاب أكابر أرباب السيوف من نوّاب السلطنة وغيرهم. وربما كتب به إلى بعض الملوك كملك التّكرور.
(علم الدولة) من ألقاب الأمراء والوزراء ومن في معناهم. وقد تقدّم معنى العلم ومعنى الدولة.
(علم الزّهّاد) من ألقاب الصّوفيّة وأهل الصّلاح، وقد تقدّم أن المراد بالعلم الراية وبالزّهد الإقلاع عن الدنيا.
(علم العلماء الأعلام) من ألقاب أكابر أهل العلم، وربما قيل «علم
(6/61)

المفسّرين» أو «علم النّحاة» ونحو ذلك.
(علم الهداة) من ألقاب إمام الزيديّة باليمن، ويصلح لأكابر العلماء والصلحاء. والهداة جمع هاد، وهو المرشد.
(علم الأعلام) من ألقاب العلماء والصلحاء، ويصلح لأرباب السيوف أيضا.
(عماد الحكّام) من ألقاب أكابر القضاة، وربما قيل «عماد الحكّام البارعين» أو «عماد الحكّام في العالمين» ونحو ذلك. وأصل العماد في اللغة الأبنية الرفيعة، واحدها عمادة، ومنه قيل: فلان طويل «1» العماد كأنّ بناءه بالارتفاع صار علما لزائريه.
(عماد العرب) من ألقاب أكابر أمراء العربان، كأمير آل فضل ونحوه.
(عماد الدّولة) من ألقاب الأمراء وأكابر الوزراء ونحوهم.
(عماد الملّة) كذلك.
(عماد المملكة) نحوه، وهو دونه في الرّتبة.
(عماد المحدّثين) من ألقاب علماء الحديث النبويّ على صاحبه أفضل الصلاة والسّلام، وبه يكتب لقضاة القضاة ومن في معناهم.
(عمدة الملوك والسلاطين) من ألقاب صغار أرباب السيوف، وهو دون عدّة الملوك والسلاطين والعمدة في اللغة ما يعتمد عليه.
(عون العساكر) من ألقاب ناظر الجيش ونحوه، والعون في اللغة الظّهير والمعاون.
(عون جيوش الموحّدين) من ألقاب بعض الملوك، وبه يكتب لملك
(6/62)

التّكرور، ويصلح لكبار أرباب السيوف من أهل المملكة أيضا.
(علاء الإسلام والمسلمين) من ألقاب العلماء والصلحاء ويصلح لأرباب السيوف أيضا.
والعلاء بالفتح والمدّ مصدر علا في الشرف ونحوه يعلى بفتح اللام.
(عين المملكة) من ألقاب أرباب الأقلام ونحوهم.
(عين الأعيان) نحوه.
حرف الغين المعجمة
(غرّة الزمان) من ألقاب أرباب الأقلام، والغرّة في أصل اللغة بياض في جبهة الفرس فوق الدّرهم، شبّه بالغرّة في وجه الفرس لظهورها وتحسين الفرس بها.
(غوث الأنام) من ألقاب أكابر أرباب السيوف كالنائب الكافل ونحوه وقد تقدّم معنى الغوث.
(غياث الأنام) من ألقاب أكابر الملوك كصاحب الهند ونحوه. وقد تقدّم «1» معنى الغياث.
(غياث الأمّة) نحوه.
حرف الفاء
(فاتح الأقطار) من الألقاب السلطانية، والفاتح فاعل من الفتح وهو معروف، والأقطار جمع قطر، وهو الناحية والجانب، والمراد نواحي الممالك.
(فارس المسلمين) من ألقاب أكابر أرباب السيوف، ذكره ابن شيث من كتّاب الدولة الأيّوبية في «معالم الكتابة» .
(6/63)

(فخر الأنام) من ألقاب أرباب الأقلام، ويجوز أن يكون من ألقاب أرباب السيوف أيضا.
(فخر الأسرة الزاهرة) من ألقاب الشرفاء كأميري مكة والمدينة المشرّفتين، وأسرة الرجل بضم الهمزة رهطه.
(فخر الأعيان) من ألقاب التّجّار الخواجكيّة، ويصلح لغيرهم من الرّؤساء أيضا.
(فخر الرّؤساء) من ألقاب التجّار الخواجكيّة.
(فخر السّلالة الزاهرة) من ألقاب الأشراف، كأميري مكة والمدينة المشرّفتين، والسّلالة الزاهرة تقدّم الكلام على معناها.
(فخر الصّدور) من ألقاب أرباب الأقلام، وربما كتب به للتّجّار الخواجكيّة.
(فخر الصّلحاء) من ألقاب الصّوفيّة وأهل الصّلاح.
(فخر العبّاد) من ألقاب أهل الصّلاح أيضا.
(فخر المجاهدين) من ألقاب أرباب السيوف.
(فخر المحدّثين) من ألقاب أصحاب الحديث.
(فخر المدرّسين) من ألقاب العلماء، وبه يكتب لقضاة القضاة ونحوهم.
(فخر المفيدين) من ألقاب العلماء أيضا.
(فخر الملوك والسلاطين) من ألقاب بعض الملوك.
(فخر الشّجرة الزكيّة) من ألقاب الشرفاء، والمراد شجرة نسبهم الشريف.
(فخر النّسب العلويّ) من ألقاب الشرفاء أيضا، وبه يكتب لإمام الزيديّة باليمن.
(6/64)

(فرد السالكين) من ألقاب أهل الصلاح.
(فرد الزمان) من ألقاب العلماء والصلحاء.
(فرد الوجود) من ألقاب العلماء وأهل الصلاح.
(فرد الشّجرة الزّكيّة) من ألقاب الشرفاء.
حرف القاف
(قامع البدعة) من ألقاب أكابر العلماء، وربما قيل «قامع البدع» وقد يقال «قامع البدع ومخفي أهلها» والقامع فاعل من قمعه إذا ضربه بالمقمعة، وهي محجن من حديد يضرب به على رأس الفيل، والبدعة واحدة البدع، وهي خلاف السّنّة النبويّة وما عليه الجماعة.
(قدوة الأولياء) من ألقاب أهل الصلاح.
(قدوة البارعين) من ألقاب أرباب الأقلام، وهو بالكتّاب أليق، والبارع الماهر.
(قدوة البلغاء) من ألقاب أرباب الأقلام. وهو بكتّاب الإنشاء ومن في معناهم أخصّ.
(قدوة الخلف) من ألقاب العلماء وأهل الصلاح، والخلف في اللغة الذي يجيء بعد غيره ويقوم مقامه؛ والمراد خلف من سلف من علماء الأمة أو صالحيها.
(قدوة العبّاد) من ألقاب أهل الصلاح، وربما قيل «قدوة العبّاد والزّهّاد» أو نحو ذلك.
(قدوة العلماء) من ألقاب أكابر أهل العلم، وربما قيل «قدوة العلماء العاملين» ونحو ذلك.
(قدوة الفرق) من ألقاب العلماء، والمراد فرق أهل الحقّ من أرباب المذاهب والعقائد الصحيحة، والفرق جمع فرقة.
(6/65)

(قدوة الفضلاء) من ألقاب أكابر العلماء، والفضلاء جمع فاضل، وهو خلاف الناقص.
(قدوة الكتّاب) من ألقاب أكابر الكتّاب كالوزراء من أرباب الأقلام ومن في معناهم من كاتب السرّ ونحوه.
(قدوة المجتهدين) من ألقاب كبار العلماء، وقد تقدّم في الألقاب أنّ الاجتهاد عبارة عن استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسّنّة والإجماع والقياس.
(قدوة المحقّقين) من ألقاب أكابر العلماء، وقد تقدّم معنى التحقيق.
(قدوة المسلّكين) من ألقاب الصّوفيّة وأهل الصّلاح، والمراد بالمسلّكين المعرّفون الطريق إلى الله تعالى كما تقدّم بيانه.
(قدوة المشتغلين) من ألقاب أهل العلم، والمراد الاشتغال بالعلم.
(قدوة الموحّدين) من الألقاب الخاصّة بصاحب تونس؛ لوقوع الموحّدين في اصطلاحهم على أتباع المهديّ «1» بن تومرت؛ وصاحب تونس الآن من بقاياهم كما تقدّم.
(قسيم أمير المؤمنين) من الألقاب السلطانية، وهو فعيل بمعنى فاعل فيكون معناه يقاسم أمير المؤمنين، والمراد مقاسمته الأمر.
(قطب الزهّاد) من ألقاب أهل الصلاح؛ والقطب «2» تقدّم معناه.
(قطب الأولياء) من ألقابهم أيضا، والأولياء جمع وليّ، وهو خلاف العدوّ، والمراد أولياء الله تعالى.
(قوام الأمة) من ألقاب الوزراء ومن في معناهم، والقوام بالكسر نظام
(6/66)

الشيء وعماده وملاكه؛ يقال فلان قوام أهل بيته، ومنه قوام الأمر بمعنى نظامه.
(قوام الجمهور) قال في «عرف التعريف» : هو من ألقاب الوزراء؛ والجمهور من الناس جلّهم، أخذا من الجمهور، وهي الرملة المجتمعة المشرفة على ما حولها.
(قوام الدّولة) من ألقاب الكتّاب وهو بالكسر أيضا.
(قوام المصالح) من ألقاب أكابر الكتّاب من الوزراء ومن في معناهم، وهو بالكسر أيضا، والمصالح جمع مصلحة، وهي خلاف المفسدة.
(قوام الإسلام) من ألقاب الصوفية وأهل الصلاح، وهو بالكسر كالذي قبله.
حرف الكاف
(كافل السّلطنة) من ألقاب كبار النّواب كنائب دمشق، وقد تقدّم معنى الكافل في الكلام على ألقاب أرباب الوظائف.
(كافل الممالك الإسلاميّة) من ألقاب النائب الكافل: وهو النائب بحضرة السلطان.
(كافي الدّولة) من ألقاب الوزراء ومن في معناهم، والكافي اسم فاعل من الكفاية.
(كنز التّقى) من ألقاب الصوفية وأهل الصلاح، والكنز في أصل اللغة المال المدفون، استعير لصاحب اللّقب لأنه كالشيء المكنوز لذلك الباب.
(كنز الطالبين) من ألقاب العلماء.
(كنز العلماء) من ألقاب أهل العلم وربما قيل «كنز المفسّرين» أو «كنز المتفقّهين» ونحو ذلك.
(كنز المسلّكين) من ألقاب الصوفيّة وأهل الصّلاح.
(6/67)

(كهف الأسرة الزاهرة) من ألقاب الشرفاء، والكهف الملجأ، ومنه قولهم: فلان كهف. والأصل في الكهف البيت المنقور في الجبل ويجمع على كهوف؛ وقد تقدّم الكلام على الأسرة والزاهرة.
(كهف الكتّاب) من ألقاب أكابر الكتّاب كالوزير من أرباب الأقلام وكاتب السرّ ومن في معناهم.
(كهف الملّة) من ألقاب أكابر أرباب السيوف كنوّاب السلطنة ونحوهم.
(كوكب الأسرة الزاهرة) من ألقاب الأشراف كأميري مكة والمدينة المشرّفتين والكوكب واحد الكواكب، وهو يقع على النّجوم والشمس والقمر.
(كوكب الذّرّيّة) من ألقاب الشرفاء أيضا، والمراد الذّرّية العلويّة.
حرف اللام
(لسان الحقيقة) من ألقاب الصوفية، واللسان هنا جارحة الكلام، والحقيقة خلاف المجاز، وهي في الأصل عين الحق، والمراد هنا معرفة الأمر على ما هو عليه.
(لسان الحفّاظ) من ألقاب المحدّثين والوعّاظ، والمراد المتكلم عنهم، يقال: فلان لسان القوم إذا كان متكلّما عنهم، ويجوز أن يكون المراد اللسان الذي هو جارحة الكلام ويكون المعنى آلتهم للكلام كما أن اللسان آلة الكلام للمتكلّم، ويجوز أن يكون من اللسان بمعنى اللّغة، كما في قوله تعالى:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
«1» ويكون المعنى أنه المترجم عنهم والمتكلّم بلغاتهم المختلفة.
(لسان الدّولة) من ألقاب كاتب السرّ ومن في معناه، واللسان فيه يحتمل المعنيين.
(6/68)

(لسان السلطنة) من ألقاب كاتب السرّ.
(لسان المتكلّمين) من ألقاب العلماء، والمتكلّمون يجوز أن يراد بهم كلّ متكلم في الجملة تعميما للمدح؛ ويجوز أن يراد العلماء بعلم الكلام وهو أصول الدّين، لأن أصحابه هم أرباب النظر الدّقيق والبحث لدقّة متعلّقه، وهو الظاهر.
(لسان الممالك) من ألقاب كتّاب السرّ، والممالك جمع مملكة، وهي «1» موضع الملك، والمعنى أنه يتكلم بلسان ملوك الممالك.
(لسان ملوك الأمصار) من ألقاب كاتب السرّ.
حرف الميم
(مالك زمام الأدب) من ألقاب البلغاء من الكتّاب ونحوهم، ويصلح لكاتب السرّ ومن في معناه.
(مانح الممالك والأقاليم والأمصار) من الألقاب السلطانية، والمانح المعطي، والممالك تقدّم بيانها، والأقاليم جمع إقليم وله معنيان أحدهما واحد الأقاليم السبعة التي تسمّيها الحكماء، ممتدّة في طول الأرض ما بين المغرب والمشرق، والثاني الواحد من الأقاليم العرفيّة، كمصر والشام والعراق وما أشبه ذلك وقد مرّ القول فيهما.
(متعمّد المصالح) من ألقاب الوزراء ومن في معناهم، والمراد بالمتعمّد المتقصّد.
(مجد الإسلام) من ألقاب صغار أرباب السيوف.
(مجد الإسلام والمسلمين) من ألقاب متوسطيهم.
(مجد الأمراء) من ألقاب أصاغر أرباب السيوف كأمراء العشرين ونحوهم.
(6/69)

(مجد الرّؤساء) من ألقاب التّجّار الخواجكيّة.
(مجلّي الغياهب) من ألقاب أكابر العلماء، والمجلّي بالتشديد الكاشف؛ يقال: جلا الأمر إذا أوضحه وكشفه، ومنه جلوت السيف ونحوه إذا كشفته من الصّدإ؛ والغياهب جمع غيهب، وهو الظّلمة الشديدة، يقال: فرس أدهم غيهب إذا اشتدّ سواده.
(مجد الصّدور) من ألقاب التّجّار الخواجكيّة.
(مجمّل الأمصار) من ألقاب أكابر أرباب الأقلام، والمجمّل فاعل الجمال، والأمصار جمع مصر، وهو الإقليم.
(مجهد نفسه في رضا مولاه) من ألقاب الصوفية وأهل الصلاح [والمراد به] المعمل نفسه للغاية. يقال: اجهد جهدك في هذا الأمر أي أبلغ غايتك، والمراد بالمولى هنا الخالق سبحانه وتعالى.
(محيي السّنّة) من ألقاب العلماء والصلحاء.
(محيي العدل في العالمين) من الألقاب السلطانية.
(مدبّر الجيوش) من ألقاب ناظر الجيش.
(مدبّر الممالك) من ألقاب الوزراء، وربما قيل «مدبّر الدولة» والمدبّر فاعل التدبير، وقد تقدّم معناه في الكلام على المدبّريّ في جملة الألقاب المفردة.
(مدبّر أمور السلطنة) من ألقاب الوزراء وكتّاب السّرّ وغيرهم.
(مذكّر القلوب) من ألقاب الخطباء والوعّاظ، والمذكّر فاعل التذكير، وهو الأخذ بالذكرى، ومنه قوله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
«1» .
(مذلّ البدعة) من ألقاب علماء السنة، والمذلّ نقيض المعزّ.
(مذلّ حزب الشيطان) من ألقاب العلماء والصلحاء، والحزب الطائفة،
(6/70)

وحزب الرجل أصحابه.
(مربّي المريدين) من ألقاب الصلحاء.
(مرتّب الجيوش) من ألقاب ناظر الجيش.
(مرتضى الدولة) من ألقاب الكتّاب، والمرتضى بمعنى المرضيّ المقبول.
(مرتضى الملوك والسلاطين) من ألقاب أرباب السيوف والأقلام جميعا.
(مستخدم أرباب الطّبل والعلم) من ألقاب النائب الكافل ونحوه.
(مشيّد الممالك) من ألقاب الوزراء ومن في معناهم، والمشيّد فاعل التشييد، وهو رفع البناء.
(مشير الدّولة) من ألقاب الوزراء ومن في معناهم، والمشير الذي يشير على غيره بالرأي.
(مشير السلطنة) مثله.
(مشير الملوك والسلاطين) مثله.
(مظهر أنباء الشريعة) من ألقاب العلماء، وهو بضم الميم وإسكان الظاء على أنه فاعل من الظّهور «1» ، والأنباء جمع نبأ، وهو الخبر، والمراد أنه يظهر أخبار الشريعة ويذيعها، ويجوز أن يكون بفتح الميم على أنه هو نفس المظهر وهو أبلغ.
(معزّ الإسلام والمسلمين) من ألقاب النائب الكافل ومن في معناه.
(معزّ السّنّة) من ألقاب العلماء، والسّنّة خلاف البدعة.
(معين الحقّ وناصره) من ألقاب الحكّام من أرباب السيوف وغيرهم.
(مفتي المسلمين) من ألقاب العلماء.
(مفيد البلغاء) من ألقاب أهل البلاغة من الكتّاب وغيرهم.
(6/71)

(مفيد الطالبين) من ألقاب العلماء.
(مفيد المناحج) من ألقاب الوزراء، والمناجح جمع منجح أخذا من لنجاح وهو الظّفر بالحوائج.
(مفيد أهل مصر والعراق والشام) من ألقاب العلماء.
(مفيد كلّ غاد ورائح) من ألقابهم أيضا.
(مقرّب الحضرتين) من ألقاب التّجّار الخواجكيّة إذا كان متردّدا بين مملكتين.
(مقرّب الدّول) من ألقاب التّجّار الخواجكيّة، وهو أعمّ من الأوّل.
(ملجأ الفقراء والمساكين) من ألقاب النائب الكافل ونائب الشأم على ما استقرّ عليه الحال آخرا.
(ملجأ المريدين) من ألقاب الصوفيّة وأهل الصلاح.
(ملك البحرين) من الألقاب السلطانية، والمراد بحر الرّوم وبحر القلزم، لأنهما يتقاربان بين مصر والشام على القرب من العريش.
(ملك البلغاء) من ألقاب أهل البلاغة من الكتّاب وغيرهم.
(مملّك الممالك والتّخوت والتّيجان) من الألقاب السلطانية أيضا، والمراد بالتّخوت هنا تخوت الملك، يريد أنه مملّك الملوك من تحت يده.
(ممهّد الدّول) من ألقاب أكابر أرباب السيوف كنوّاب السلطنة ونحوهم، وربما كتب به لبعض الملوك أيضا، وقد تقدّم الكلام على التمهيد عند الكلام على الممهّديّ في جملة الألقاب المفردة.
(منبّه الخواطر) من ألقاب الخطباء والوعّاظ، والمنبّه الموقظ، والخواطر جمع خاطر.
(منجد الملوك والسلاطين) من ألقاب النائب الكافل، وبه يكتب لإمام الزيديّة باليمن. والمنجد المعين أخذا من قولهم: استنجدني فلان فأنجدته أي استعان بي فأعنته.
(6/72)

(منشي العلماء والمفتين) من ألقاب أكابر العلماء.
(منصف المظلومين من الظالمين) من الألقاب السلطانية.
(مورد الجود) من ألقاب الكرماء.
(موصّل السالكين) من ألقاب الصوفية والصّلحاء.
(موضّح الطّريقة) من ألقاب الصوفيّة والصلحاء أيضا، وربما قيل «موضّح الطّرائق» وقد تقدّم أن المراد الطريق إلى الله تعالى.
(مولي الإحسان) من الألقاب السلطانية، والمراد بالمولي المنيل.
(مؤمّن الأرض المحيطة) من الألقاب السلطانية أيضا، وكأنهم يريدون الأرض المحيطة لاتساعها، ويكون المراد أرض المملكة، وإلّا فالأرض محوطة من حيث استدارة الماء عليها لا محيطة بغيرها.
(ملاذ الطالبين) من ألقاب العلماء والصلحاء، والمراد الملجأ.
(ملاذ العبّاد) من ألقاب الصلحاء، وفيه نظر؛ لأن العبّاد لا يلوذون إلّا بالله تعالى ولا يلجأون إلّا إليه.
(ملاذ الكتّاب) من ألقاب أكابر الكتّاب، ككاتب السرّ ونحوه.
(مؤيّد الحقّ) من ألقاب أرباب السيوف وغيرهم، والمؤيّد المقوّي أخذا من الأيد، وهو القوّة.
(مؤيّد الملّة) من ألقاب العلماء.
(مؤيّد أمور الدّين) كذلك. وبه يكتب لإمام الزيديّة باليمن.
حرف النون
(ناصح الملوك والسلاطين) من ألقاب التّجّار الخواجكيّة.
(ناصر السّنّة) من ألقاب العلماء.
(ناصر الغزاة والمجاهدين) من ألقاب أكابر أرباب السيوف كالنائب الكافل ونحوه، وربما كتب به لبعض الملوك كملك التّكرور ونحوه.
(6/73)

(ناصر الشّريعة) من ألقاب العلماء، والشريعة ما شرعه الله تعالى من الدّين، يقال شرع لهم شرعا، وأصله من الشّريعة التي هي مورد الماء.
(ناشر لواء العدل والإحسان) من الألقاب السلطانية.
(نجل السلطنة) من ألقاب أولاد الملوك، والمراد أنه ولد في السلطنة.
(نجل الأكابر) من ألقاب ذوي الأصالة، والنجل النسل، يقال: نجله أبوه إذا ولده.
(نسيب الإمام) من ألقاب الشرفاء كأميري مكة والمدينة المشرّفتين والنّسيب القريب؛ يقال: فلان نسيب فلان أي قريبه، وذلك أن مرجع بني العبّاس والعلويّين إلى بني هاشم.
(نسيب أمير المؤمنين) مثله.
(نصر الغزاة والمجاهدين) من ألقاب أكابر أرباب السيوف كنوّاب السلطنة ونحوهم، وهو عندهم [فوق] ناصر الغزاة.
(نصر الغزاة والمجاهدين) كذلك، وهو عندهم دون الأوّل وفوق الثاني، وفيه كلام يأتي ذكره.
(نظام الدولة) من ألقاب أكابر أرباب السيوف والكتّاب، وقد تقدّم «1» الكلام على النّظام في الألقاب المفردة.
(نظام الممالك) من ألقاب الوزراء وكتّاب السرّ ونحوهم.
(نظام المناجح) من ألقابهم أيضا.
(نور الزّهّاد) من ألقاب الصوفية وأهل الصلاح.
(6/74)

حرف الهاء
(همام الدولة) من ألقاب أرباب السيوف وقد تقدّم «1» في الكلام على الألقاب المفردة أن الهمام بمعنى الشجاع.
حرف الواو
(وارث الملك) من الألقاب السلطانية.
(وليّ أمير المؤمنين) من الألقاب التي يشترك فيها أرباب السيوف والأقلام كالوزراء وقضاة القضاة وكاتب السرّ ومن في معناهم، والوليّ في اللغة خلاف العدوّ.
حرف اللام ألف
(لابس ثوب الفخار) من ألقاب أكابر أرباب الأقلام.
(لافت الغواة إلى طريق الرّشاد) من ألقاب الصلحاء والوعّاظ، واللافت الصارف؛ يقال: لفت وجهه عني إذا صرفه، وأصل اللّفت اللّيّ، والغواة جمع غاو، وهو الضالّ، يقال: غوى يغوي غيّا إذا ضلّ فهو غاو.
حرف الياء
(يمين الملوك والسلاطين) قال في «عرف التعريف» : يختصّ بالدّوادار وكاتب السّرّ، وقد تقدّم الكلام على معنى ذلك في الكلام على اليمينيّ في الألقاب المفردة، وأن المراد يمين السلطان التي يتناول بها، وإلا فمجلس كاتب السرّ عن يسار السلطان والدّوادار واقف أمامه.
(يمين المملكة) مثله.
(يمين الدولة) كذلك.
(6/75)

[الصنف] الضرب الثاني (من الألقاب المفردة المؤنّثة، ولتأنيثها سببان)
السبب الأوّل (الجمع)
بأن يجمع شيء من الألقاب المذكّرة المفردة أو المركّبة فتنتقل من التذكير إلى التأنيث، فإنّ الجموع كلّها مؤنّثة على ما هو مقرّر في علم النحو، ويتأتّى ذلك في المطلقات مثل أن يجمع في صدر المطلق بين المقرّ الكريم والجناب الكريم والجناب العالي والمجلس العالي؛ ثم يتبعها بالألقاب التي تليق بها مما يأتي ذكره، فيأتي بتلك الألقاب مجموعة بلفظ التأنيث مفردة ومركبّة، مثل أن يكتب إلى المقرّ والجناب الكريمين، والجنابات العالية، والمجلس العالي:
الأميريّة، الكبيريّة، العالميّة، العادليّة، المؤيّديّة، الزّعيميّة، العونيّة، الغياثية، المثاغرية، المرابطيّة، الممهّديّة، المشيّدية، الظّهيريّة، الكافليّة، الفلانية، إعزاز الإسلام والمسلمين، سادات الأمراء في العالمين، أنصار الغزاة والمجاهدين، زعماء الجيوش، مقدّمي العساكر، ممهّدي الدول، مشيّدي الممالك، عمادات الملّة، أعوان الأمّة، ظهيري الملوك والسلاطين، سيوف أمير المؤمنين، ونحو ذلك.
واعلم أن هذه الألقاب كلّها من جملة الألقاب المفردة والمركبة المتقدّم ذكرها، فيستغنى عن بيان مشكلها وتعريف أحوالها هنا اكتفاء بما تقدّم، إلا أنّ من الألقاب المجموعة ما يقوم لفظ الإفراد مقامه بأن يكون اللقب اسم جنس، مثل عضد ومجد ونحو ذلك مما لا يجوز جمعه لأنه يقصد به الجنس، فيجوز للكاتب حينئذ أن يأتي بذلك بلفظ الجمع ولفظ الإفراد الذي معناه الجمع، وقد أشار إلى ذلك القاضي شهاب الدين بن فضل الله في «التعريف» في الكلام على المطلقات، فقال عند ذكره اعتضاد الملوك والسلاطين، ويجوز فيه أعضاد الملوك وعضد الملوك، إطلاقا للافراد على الجمع.
(6/76)

السبب الثاني (تأنيث اللقب الأصل الذي تتفرّع عليه الألقاب الفروع. وله حالتان)
الحالة الأولى-
أن يكون اللقب الأصل لمؤنّث غير حقيقيّ كالحضرة واليد والباسطة، فتأتي الألقاب المفرّعة عليها مؤنثة بناء على أن الصفة تتبع الموصوف في تذكيره وتأنيثه، على ما هو مقرّر في علم النحو. أما نعوت الحضرة فمثل أن يقال: «الحضرة الشريفة، العليّة، السنيّة، العالميّة، العامليّة، العادليّة، الأوحديّة، المؤيّديّة، المجاهديّة، المرابطيّة، المثاغريّة، المظفّريّة، المنصوريّة، وما أشبه ذلك» وأما نعوت الباسطة فمثل أن يقال:
«الباسطة الشريفة، العالية، المولويّة، الأميريّة، الكبيريّة، العالميّة، العادليّة، المؤيّديّة، المحسنيّة، السّيديّة المالكيّة، الفلانية» وفي معناها نعوت اليد.
وألقاب هذه الحالة كلّها في معنى ما تقدّم من الألقاب المذكّرة لا تختلف الحال فيها إلا في التذكير والتأنيث، وأنه ليس فيها ألقاب مركّبة، فيستغنى بما تقدّم عن ذكر معانيها وأحوالها أيضا.
الحالة الثانية-
أن يكون اللقب الأصل لمؤنّث حقيقيّ، كالدّار والسّتارة، والجهة إذا كني بها عن المرأة في الكتابة إليها مثل أن يقال: «الدار الكريمة» و «الستارة الرفيعة» و «الجهة المصونة» ونحو ذلك، فتتبعها الألقاب المفرّعة عليها أيضا في التأنيث إلا أنّ لها معاني تخصها. وهي على ضربين: مفردة ومركبة كما تقدّم في المذكّرة، وإن لم تبلغ شأوها في الكثرة. فأما المفردة فكالشريفة، والكبرى، والعالية، والمعظّمة، والمكرّمة، والمحجّبة، والمصونة، والخاتونيّة، والخوند، وربما قيل الوالديّة اذا كانت والدة حقيقة أو في مقامها، والولدية إذا كانت بنتا حقيقة أو قائمة مقامها، والحاجّيّة إذا كانت حاجّة ونحو ذلك.
ثم الألقاب المفردة تارة تكون مجرّدة عن ياء النسب، كالألقاب المتقدّم ذكرها؛ وقد تلحقها ياء النسب للمبالغة في التعظيم فيما تدخل فيه ياء النسب في
(6/77)

المذكّر، مثل أن يقال: المعظّميّة والمكرّميّة، والمحجّبيّة، وما أشبه ذلك. وهذه الألقاب أكثرها منقول عن المذكر، فيستغنى عن ذكر معانيها وأحوالها؛ وفيها ألقاب لم يتقدّم ذكر مثلها في المذكر كالمحجّبيّة، وهو مأخوذ من الحجاب كأنها محجوبة عن أن يراها الناس؛ ومنها المصونة وهو مأخوذ من الصّيانة، وهي جعل الشيء في الصّوان وقاية له عن مثل النظر والمسّ ونحو ذلك؛ ومنها الخاتون، وهو لفظ تركيّ معناه السيدة؛ ومنها الخوند، وهي لفظة عجمية بمعنى السيادة أيضا.
وأما المركّبة فمثل جلال النساء، وسيدة الخواتين في العالمين، وشرف الخواتين، وجميلة المحجّبات، وجليلة المصونات، وقرينة الملوك والسلاطين، وسليلة الملوك والسلاطين، إذا كانت بنتا لسلطان أو في معناها، وكريمة الملوك والسلاطين إذا كانت أخت سلطان. ومعاني هذه الألقاب ظاهرة معلومة.
[النوع] الصنف «1» الثاني (من الألقاب المفرّعة على الأصول ألقاب من يكتب إليه من أهل الكفر، مما اصطلح عليها لمكاتباتهم)
واعلم أنه لم يكن ملك من ملوك الكفر ممن يكتب له عن الأبواب السلطانية غير النصارى؛ لأنه لم يكن لغيرهم من أهل الملل بالقرب من هذه المملكة مملكة قائمة، بل اليهود ليس لهم مملكة قائمة في قطر من الأقطار بعد غلبة الإسلام، إنما يؤدّون الجزية حيث حلّوا، إذ يقول تعالى في حقهم:
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ
«2» .
ثم من يلقّب من أهل الكفر في المكاتبات إن كان من متديّنتهم كالباب «3»
(6/78)

والبطرك، ناسبه من الألقاب ما فيه معنى التنسّك والتعبّد، وإن كان من الملوك ناسبه ما فيه معنى الشّجاعة والرّياسة والقيام بأمر دينه وتحمّله أعباء رعيّته وما في معنى ذلك. فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كتب إلى هرقل: «من محمّد رسول الله إلى هرقل عظيم الرّوم» وفي كتب السيرة أنه صلّى الله عليه وسلّم كتب إلى كسرى:
«من رسول الله إلى كسرى عظيم فارس» وأنه كتب إلى المقوقس: «من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط» فعبّر عن كلّ من الملوك الثلاثة بعظيم قومه لمناسبة ذلك لهم.
وبالجملة فالألقاب التي تكتب إليهم على ضربين:
الضرب الأوّل (الألقاب المذكّرة، وهي نمطان)
النمط الأوّل (المفردة)
وأكثر ما تبنى على صفات الشّجاعة وما في معناها. وهذه جملة منها مرتبة على حروف المعجم أيضا، مقفّاة عليها.
حرف الألف
(الأسد) من الألقاب التي اصطلح عليها بمعنى الشجاعة، وهو في الأصل للحيوان المفترس، ثم استعمل في الرجل الشجاع مجازا لعلاقة ما بينهما من الشّجاعة.
(الأصيل) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم أيضا، وقد تقدّم في الكلام على الألقاب الإسلامية نقلا عن «عرف التعريف» أنه يختصّ بكلّ من له ثلاثة آباء في الرياسة، وحينئذ فيكون هنا مختصا بمن له ثلاثة آباء في الملك، على أنهم الآن لا يقفون مع ذلك بل يراعون من له أدنى نسب.
(الانجالوس) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وهي لفظة
(6/79)

يونانيّة معناها الملك، واحد الملائكة، وإنما كتب إليهم بذلك مضاهاة للكتب الواردة عنهم، ولعلّ الكاتب لم يعلم معنى ذلك، وكذلك غيرها من الألفاظ التي في معناها.
حرف الباء
(البالالوغس) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وهي لفظة يونانيّة أصلها البالي لوغس، ومعناها «الكلمة القديمة» .
حرف الجيم
(الجليل) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، ومعنى الجليل في اللغة العظيم، لكن قد استعمل في ألقابهم في المكاتبات لملوكهم، فيقال:
«الملك الجليل» والمراد الجليل بالنسبة إلى ملوك الكفر، وإلا فالكافر لا يوصف بالعظمة. وكان الأحسن أن لا يكتب به إليهم، لا سيّما وهو اسم من أسمائه تعالى.
حرف الخاء المعجمة
(الخاشع) من الألقاب التي اصطلح عليها لمتديّنتهم: كالباب والبطرك.
وقد تقدّم في الألقاب الإسلامية أنه يكون من ألقاب الصّلحاء والصوفية، وأن معنى الخاشع المتذلّل.
(الخطير) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، والخطير في اللغة الكبير الجليل القدر، ومنه قولهم: أمر له خطر أي مقدار كبير.
حرف الدال المهملة
(الدّوقس) بضم الدال وكسر القاف من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم. وقد يقال (الضّوقس) بالضاد بدل الدال، وهي لفظة يونانيّة أصلها دقستين، ومعناها المشكور.
(6/80)

حرف الراء المهملة
(الرّوحانيّ) من الألقاب التي اصطلح عليها للمتديّنين منهم، وهو بضم الراء نسبة إلى الرّوح التي بها مناط الحياة للمخلوقين، ومنه نسب إلى الملائكة والجنّ روحانيّ، وبالفتح نسبة إلى الرّوح بمعنى الرائحة، والمعنى الأوّل أقرب إلى مراد الكتّاب.
حرف السين
(السّميدع) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم. قال الجوهري:
وهو بضم السين، وقال في «كفاية المتحفّظ» بفتحها، ومعناه السيّد، وكأن المراد: سيد قومه وزعيمهم.
حرف الضاد المعجمة
(الضّرغام) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وهو من أسماء الأسد، لقّب به ملوكهم لما فيه من معنى الشجاعة.
حرف الغين المعجمة
(الغضنفر) بفتح الغين والضاد المعجمتين وسكون النون وفتح الفاء من أسماء الأسد، اصطلح الكتّاب على تلقيبهم بذلك لما فيه من معنى الشجاعة كالأسد والضّرغام. على أنه قد يطلق في اللغة على الرجل الغليظ كما حكاه الجوهريّ، ولا بأس باستعمال الألفاظ التي لها كامل؟؟؟ «1» في المكاتبات إلى الكفّار.
حرف القاف
(القدّيس) بكسر القاف، من الألقاب التي اصطلح عليها لمتديّنتهم من
(6/81)

الباب والبطريرك ونحوهما، وأصله من التقديس وهو التنزيه.
حرف الكاف
(الكرّار) بتشديد الراء من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، والكرّار صيغة مبالغة من الكرّ خلاف الفرّ. والمراد أنه يرجع في المحاربة على قرنه المرّة بعد المرّة ولا ينهزم عنه.
(الكمينيوس) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وهو لفظ روميّ معناه........ «1» .
حرف الميم
(المتبتّل) من الألقاب التي اصطلح عليها لمتديّنتهم، ومعناه المنقطع عن الدنيا.
(المتخّت) بفتح الخاء المعجمة المشدّدة من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، والمراد أنه ممن يجلس مثله على تخت الملك لاستحقاقه له.
(المتوّج) بفتح الواو المشدّدة من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، والمراد أنه ممن يلبس التاج لاستحقاقه له.
(المحتشم) من الألقاب التي اصطلح عليها لتجّار الروم والفرنج، والمراد بالمحتشم هنا الرئيس الذي له حشم، وهو خوله وخدمه. وأصل الحشمة في اللغة الغضب، وسمي خول الرجل وخدمه حشما لأنهم يغضبون له؛ وبعضهم يطلق المحتشم على المستحيي وعليه عرف العامة وهو المراد هنا، وأنكره ابن قتيبة وغيره حتّى قال النحاس إنه لا يعرف احتشم إلا بمعنى غضب وإن كان الجوهريّ قد حكاه.
(6/82)

(المعزّز) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم [وهو اسم مفعول من العز خلاف الذل.
(الممجد) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم] «1» وهو مفعّل من المجد. وقد تقدّم الكلام عليه في الألقاب الإسلامية.
حرف الهاء
(الهمام) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وقد تقدّم «2» في الألقاب الإسلامية أنّ معناه الشجاع.
النمط الثاني (من الألقاب التي يكتب بها لملوك الكفر الألقاب المركّبة)
وهذه جملة منها مرتّبة على حروف المعجم أيضا.
حرف الألف
(آخر ملوك اليونان) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وهي تصلح لكل ملك ينتسب إلى اليونان أو قام مقامهم في الملك. واليونان أمّة معروفة مشهورة، وكانت مملكتهم أوّلا في الجانب الشرقيّ من الخليج القسطنطينيّ المعروف الآن ببلاد الرّوم ثم ملكوا بعدها العراق، والتّرك، والهند، وبلاد أرمينية، والشام، ومصر، والإسكندرية. ومنهم أكثر الحكماء والفلاسفة، وكانت دولتهم من أعظم الدّول؛ واختلف في نسبهم، فنقل ابن سعيد عن البيهقيّ وغيره من المحقّقين أنهم من ولد أفريقش بن يونان، بن علجان، بن يافث، بن نوح عليه السّلام، والمنقول عن التوراة أن يونان هو ابن يافث لصلبه، واسمه فيها ياقان بفاء تقرب في اللفظ من الواو فعرّبت يونان،
(6/83)

وخالف كثير من المؤرّخين فنسبوا يونان إلى عابر بن فالغ، فجعله أخا لقحطان جدّ العرب العاربة، وأنه خرج من اليمن مغاضبا لأخيه قحطان فنزل ما بين الأفرنجة والروم واختلط نسبه بنسبهم. وقيل: بل اليونان «1» من جملة الرّوم من ولد صوفر بن العيص، بن إسحاق، بن إبراهيم عليه السّلام.
(أسوة الملوك والسلاطين) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، والإسوة بكسر الهمزة وضمها بمعنى القدوة ومنه قولهم: لي في فلان إسوة يعني قدوة، وكأنهم جعلوه إسوة لملوك الكفر يقتدون به وإلا فلا يجوز إطلاق ذلك على الملوك من حيث هم لدخول ملوك الإسلام فيهم.
(العادل في ملّته) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وقد تقدّم معنى العادل والملّة في الكلام على الألقاب الإسلامية.
(العادل في مملكته) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وقد تقدّم معنى العادل، والمملكة في الأصل موضع الملك ثم أطلقت على الرعيّة مجازا.
(الرّيد أرغون) من الألقاب التي اصطلح عليها لبعض ملوكهم ممن يملك البلاد المعروفة بأرغون «2» وقد ذكر في «الروض المعطار» بلاد أرغون، وقال: هو اسم بلاد غرسيه بن شانجة، تشتمل على بلاد ومنازل وأعمال، ولم يذكر في أيّ حيّز هي ولا في أيّ قطر. وقد رأيت هذا اللقب في «التعريف» للمقرّ الشّهابيّ بن فضل الله في ألقاب صاحب القسطنطينية وفي «التثقيف»
(6/84)

لابن ناظر الجيش في ألقاب الأذفونش صاحب طليطلة من الأندلس، ويحتاج إلى تحقيق من يملك هذه الطائفة منهما فيكتب به إليه. والرّيد في لغتهم بمعنى الملك كما تقدّم في الكلام على ريد أفرنس في ألقاب الملوك.
(المنصف لرعيّته) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، والرعيّة من يسوسه الملك، سمّوا بذلك تشبيها لهم بالغنم وله بالراعي.
(أوحد الملوك العيسويّة) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، ويصلح للملكانيّة واليعقوبية جميعا؛ لأنه لم يقيد بمذهب من مذاهب النصارى.
(أوحد ملوك اليعقوبيّة) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوك الحبشة:
لأن ملكها من طائفة اليعقوبيّة.
حرف الباء
(بطل النّصرانيّة) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وهو صالح لكل واحد منهم؛ ومعنى البطل في اللغة الشجاع، سمّي بذلك لأنه يبطل حركة قرنه.
(بقيّة أبناء التّخوت والتّيجان) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم وهي تصلح لكلّ منهم أيضا من الملكانية واليعاقبة جميعا.
(بقيّة الملوك الأغريقيّة) من الألقاب التي اصطلح عليها لبعض الملوك من بقايا طائفة الأغريقية من اليونان، وهم طائفة من اليونان تنسب إلى أغريقش ابن يونان المقدّم ذكره، وهم اليونان الأول، وقد ذكره في «التعريف» في ألقاب ملك الكرج، ولعله اطّلع على أنه من بقايا هذه الطائفة، وهو مما يحتاج إلى تحرير.
(بقيّة سلف قيصر) من الألقاب التي اصطلح عليها لبعض ملوكهم ممن انتسب إلى القياصرة ملوك الروم أو قام مقامهم. وقيصر اسم قديم لكل من ملك الروم، وأصل هذه اللفظة في اللغة الرومية جاشر بجيم وشين معجمة فعرّبت
(6/85)

قيصر؛ ولها عندهم معنيان: أحدهما الشيء المشقوق عنه، والثاني الشّعر.
واختلف في أوّل من لقّب بذلك منهم فقيل: أغانيوش قيصر، أوّل الطبقة الثانية من ملوك الروم؛ ماتت أمّه وهو حمل فشقّ بطنها وأخرج فسمّي بذلك لما فيه من الشق عليه، وقيل يوليوش قيصر، وهو الذي ملك بعد أغانيوش المقدّم ذكره، وقيل أغشطش قيصر وهو الذي ولد المسيح عليه السّلام في زمانه، فقد قيل إنه الذي ماتت أمّه وهو حمل فشقّ جوفها وأخرج فسمّي بذلك، وقيل لأنه ولد وله شعر تامّ فسمي قيصر لوجود الشعر فيه حينئذ.
حرف الجيم
(جامع البلاد الساحليّة) من الألقاب التي تصلح لكل ملك [مملكة] متسعة على ساحل البحر كصاحب القسطنطينيّة ونحوه.
حرف الحاء المهملة
(حافظ البلاد الجنوبيّة) من الألقاب التي اصطلح عليها لملك الحبشة من النصارى، على أنه يصلح لغيره من ملوك السّودان أيضا ممن أخذ في الجنوب من المسلمين وغيرهم.
(حامل راية المسيحيّة) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وهي تصلح لكل ملك كبير من ملوك النصارى والمراد بالمسيحيّة الملة المسيحيّة، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، يريدون ملّة المسيح وهو عيسى عليه السّلام. واختلف في [سبب] تسميته بالمسيح، فقيل لأنه كان ممسوح القدمين بمعنى أنه لا أخمص له. وقيل لأنه مسح الأرض بالسّياحة، وقيل غير ذلك. أما تسمية الدّجّال بالمسيح فلأنه ممسوح العين لأنه أعور، وقيل لأنه يمسح الأرض بالسير فيها.
(حامي البحار والخلجان) من الألقاب التي تصلح لكل من مملكته منهم على البحر، والبحار جمع بحر، وأصله في اللغة الشّقّ، ومنه سمّيت البحيرة
(6/86)

المذكورة في القرآن، وهي الناقة التي تشقّ أذنها فلا تعارض؛ والخلجان جمع خليج؛ وهو الجدول الصغير، والمراد ما يتشعّب من البحر كخليج القسطنطينية وجون البنادقة ونحوهما.
(حامي حماة بني الأصفر) من الألقاب التي تصلح لملوك الرّوم والفرنج بالممالك العظام، كصاحب القسطنطينية وغيره، والمراد ببني الأصفر الروم فإنهم من ولد صوفر بن العيص، بن إسحاق، بن إبراهيم عليه السّلام، والمؤرّخون يعبّرون عن صوفر بالأصفر. وإنما خصّه بحماية الحماة تفخيما له فإنه إذا حمى الحماة كان بحماية غيرهم أجدر.
حرف الخاء المعجمة
(خالصة الأصدقاء) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، والمراد بالخالصة هنا من ليس في صداقته شائبة.
(خلاصة ملوك السّريان) من الألقاب التي تصلح لكل من ينسب إلى بقايا السّريانيين من الملوك. والسّريان «1» أقدم الأمم في الخليفة، وكانوا يدينون بدين الصابئة «2» ، وينتسبون إلى صابيء بن إدريس عليه السّلام. قال ابن حزم:
ودينهم أقدم الأديان على وجه الأرض، ومدار مذاهبهم على تعظيم الرّوحانيّات والكواكب. وكانت منازلهم أرض بابل من العراق. قال المسعوديّ «3» : وهم أوّل
(6/87)

ملوك الأرض بعد الطّوفان.
حرف الذال المعجمة
(ذخر ملوك البحار والخلج) من الألقاب التي تصلح لكل ملك منهم على ساحل البحر، وقد تقدّم معنى الذّخر والبحار، والخلج هي الخلجان؛ وقد تقدّم معناها.
(ذخر الأمة النصرانيّة) من الألقاب التي تصلح لجميع ملوك النصرانية من الملكانيّة واليعاقبة، وقد تقدم معنى الذّخر والأمّة في الكلام على الألقاب الإسلامية.
حرف الراء المهملة
(رضيّ الباب بابا رومية) يجوز أن يكون بفتح الراء وكسر الضاد بمعنى مرضيّ الباب، ويجوز أن يكون بكسر الراء وفتح الضاد بمعنى أنه يجعل نفس رضا الباب وهو أبلغ. وهو من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم؛ وقد تقدّم في الألقاب الأصول معنى البابا، ورومية اسم لرومية التي بها الباب مقيم، إضافة إليها لإقامته بها، وقد مرّ القول عليها في الكلام على المسالك والممالك في المقالة الثانية. وتأتي الإشارة إليها في الكلام على مكاتبة الباب في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
(ركن الأمّة العيسويّة) من الألقاب التي اصطلح عليها لكبار ملوكهم كملك الحبشة ونحوه، ويصلح للملكانيّة واليعاقبة جميعا.
حرف الشين المعجمة
(شبيه مريحنّا المعمدان) من الألقاب التي تصلح لكبار ملوكهم، ومريحنّا بفتح الميم وسكون الراء المهملة وضم الياء المثناة تحت وبعدها حاء مهملة ونون.
ومعنى مر السيد، ويحنّا بلغتهم يحيى، والمراد شبيه السيد يحيى، والمعمدان بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة صفة عندهم ليحيى فهم يزعمون
(6/88)

أن مريم عليها السّلام خرجت بعيسى عليه السّلام من الشأم إلى مصر وعادت به إلى الشأم وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فتلقّاه يحيى عليه السّلام وهو ابن خالته، فغمسه في نهر الأردنّ وهو عندهم أصل ماء المعموديّة الذي لا يصح عندهم تنصّر نصرانيّ إلا به فأطلقوا على يحيى عليه السّلام المعمدان لمعنى ذلك؛ وكأنه شبّهه به من حيث إنه أصل المعموديّة بزعمهم.
حرف الصاد المهملة
(صديق الملوك والسلاطين) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، والمراد أن فيه صداقة وودّا لملوك الإسلام وسلاطينهم.
حرف الضاد المعجمة
(ضابط الممالك الرّوميّة) من الألقاب التي اصطلح عليها لصاحب القسطنطينيّة، وهو نظير حافظ البلاد الجنوبية لملك الحبشة.
حرف الظاء المعجمة
(ظهير الباب بابا رومية) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وقد تقدّم معنى الباب والبابا.
حرف العين المهملة
(عزّ الملّة النّصرانية) من الألقاب التي اصطلح عليها لأكابر ملوكهم.
(عماد بني المعموديّة) من الألقاب التي اصطلح عليها لكبار ملوكهم، والعماد في اللغة الأبنية الرفيعة، يذكّر ويؤنّث، وقد مرّ بيان معنى المعمودية في حرف الشين.
حرف الفاء
(فارس البرّ والبحر) يصلح لمن يكون مجاورا للبرّ والبحر من الملوك كأصحاب الجزائر، وقد يصلح لغيرهم أيضا.
(6/89)

(فخر الملّة المسيحيّة) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وتصلح للملكانيّة واليعاقبة منهم.
حرف الميم
(متّبع الحواريّين والأحبار الرّبّانيّين والبطاركة القدّيسين) من ألقاب عظماء ملوكهم، والمراد بالحواريّين أصحاب عيسى عليه السّلام الذين بعثهم إلى أقطار الأرض للبشارة به وللدّعاية إلى الله تعالى، وعنهم أخبر تعالى بقوله قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ*
«1» وهم اثنا عشر نفسا، أسماؤهم يونانيّة.
أحدهم- بطرس، ويقال له شمعون الصّفا، وهو الذي بشّر بالقدس وأنطاكية وما حولها.
والثاني- أندراوس. وهو الذي بشّر ببلاد الحبشة والسّودان.
والثالث- يعقوب بن «2» زيري. وهو الذي بشر بمدينة........... «3»
والرابع- يوحنّا الإنجيليّ، وهو الذي بشّر ببلاد أفسس وما معها.
والخامس- فيلبّس، ولم أقف على موضع بشارته.
والسادس- برتلوما، وهو الذي بشّر في الواحات والبربر.
والسابع- توما، ويعرف بتوما الرسول، وهو الذي بشّر في السّند والهند.
والثامن- متّى، وهو الذي بشّر بأرض فلسطين، وصور، وصيدا، ومصر، وقرطاجنّة «4» من بلاد المغرب.
(6/90)

والتاسع- يعقوب بن حلفا، وهو ممن بشّر ببلاد الهند أيضا.
والعاشر- سمعان، ويقال شمعون الصّفا، وهو الذي بشر بشمشاط «1» وحلب ومنبج وبزنطية: وهي القسطنطينيّة.
والحادي عشر- بولس، ويقال له تداوس، وهو الذي بشّر بدمشق وبالقدس أيضا وبلاد الروم والجزائر ورومية.
والثاني «2» عشر- يهوذا الأسخر يوطيّ «3» ، وهو الذي خرج عن طاعة المسيح ودلّ عليه اليهود ليقتلوه فألقى الله تعالى شبه المسيح عليه فأمسكه اليهود وقتلوه وصلبوه ورفع الله تعالى المسيح إليه، وليس هذا من المراد بالحواريّين هنا؛ لأنه قد خرج عن دائرتهم. فلفظ الحواريين مأخوذ من الحور، وهو شدّة البياض، سمّوا بذلك لصفائهم وتفانيهم في اتّباع المسيح عن الدّخل، وقيل لأنهم كانوا في الأوّل قصّارين يبيّضون الثياب.
والأحبار جمع حبر، بفتح الحاء وكسرها، وهو العالم.
والرّبّانيّون جمع ربّانيّ، وقد تقدّم معناه في الألقاب الإسلامية.
والبطاركة جمع بطرك، وقد تقدّم الكلام عليه في الألقاب الأصول وأن أصله بطريرك، وأنه يقال فيه فطرك بالفاء بدل الباء، وكان لهم خمسة كراسيّ كرسيّ برومية، وهو الذي قعد فيه الباب، وكرسيّ بالإسكندرية، وهو الذي استقرّ لبطرك اليعقوبية الآن، وكرسيّ ببزنطية وهي القسطنطينية، وكرسيّ بأنطاكية وكان فيه بطرك النسطوريّة، وكرسيّ بالقدس وهو أصغرها عندهم.
(محيي طرق الفلاسفة والحكماء) من الألقاب التي اصطلح عليها
(6/91)

لصاحب القسطنطينية؛ لأن مملكته منبع حكماء اليونان وفلاسفتهم. والفلاسفة جمع فيلسوف بكسر الفاء، وهي لفظ يوناني مركّب من مضاف ومضاف إليه، معناه محبّ الحكمة، فلفظ فيل بمعنى محبّ، وسوف بمعنى الحكمة، وهم يطلقون الفلسفة على من يحيط بالعلوم الرياضية، وهي: الهيئة والهندسة والحساب واللحون وغيرها، والحكماء جمع حكيم، وهو من يحسن دقائق الصناعات ويتقنها أو من يتعاطى الحكمة، وهي معرفة أفضل الأشياء وأفضل العلوم، وأوّل ما صارت الحكمة فيهم في زمن بختنصّر «1» ، ثم اشتهرت فيهم بعد ذلك، ولذلك عبّر بالفلاسفة القدماء إشارة إلى أوّل زمن الحكماء.
(مخوّل التّخوت والتّيجان) من الألقاب التي اصطلح عليها لصاحب القسطنطينيّة لعظم مملكته في القديم والحديث، والمخوّل المملّك، والتّخوت جمع تخت، وهو كرسيّ الملك الذي يجلس عليه الملك في مجلسه العامّ؛ والتيجان جمع تاج، وهو الذي يوضع على رأس الملك إذا جلس على تخته، والمعنى أنه يعطي الملوك الممالك من تحت يده لسعة مملكته وعظمتها، وقد كانت القسطنطينيّة قبل غلبة الفرنج وقوّة شوكتهم ملكا عظيما.
(مسيح الأبطال المسيحيّة) من الألقاب التي اصطلح عليها لأكابر ملوكهم كصاحب القسطنطينيّة. أضاف المسيح إلى الأبطال ثم وصفها به جمعا له بين رتبتي الشجاعة والتديّن بدينه.
(مصافي المسلمين) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم،
(6/92)

والمصافي مفاعل من الصّفاء، والمراد أنه صافي النية للمسلمين، والمسلمون صافو النية له.
(معزّ النّصرانية) من الألقاب التي اصطلح عليها لأكابر ملوكهم، والمراد بالنصرانية ملة النصرانية، حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، والنصرانية في الأصل منسوبة إلى الناصرة، وهي القرية التي نزلها المسيح وأمه عليهما السّلام من بلاد القدس عند عودهما إلى مصر، وقيل مأخوذة من قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السّلام مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ*
«1» .
(معظّم البيت المقدّس) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وربّما زيد فيها فقيل: «معظّم البيت المقدّس بعقد النية» لموافقة الرويّ في السّجعة التي تقارنها؛ ويصلح لكل ملك من ملوكهم لأن جميعهم يعتقدون تعظيم البيت المقدّس، والبيت المقدّس معروف، والتقديس التنزيه والتطهير.
(معظّم كنيسة صهيون) من الألقاب المختصة بملك الحبشة لأنه يعقوبيّ، وكنيسة صهيون بالإسكندرية، وهي كنيسة بطرك اليعاقبة الآن.
ومعتقدهم أنه لا يصح ولاية ملك منهم إلّا باتصال من هذا البطرك؛ على أنه في ابتداء البطركية في زمن الحواريّين لم يكن بكرسيّ الإسكندرية أحد من الحواريين، إنما كان بها مرقص الإنجيلي تلميذ بطرس الحواريّ صاحب كرسيّ رومية، والنصارى يومئذ على طريقة واحدة قبل ظهور الملكية واليعقوبية، فلما افترق دين النصرانية إلى الملكانيّة واليعاقبة وغيرهم، كانت بطركية الإسكندرية يتداولها الملكية واليعقوبية تارة وتارة بحسب انتحال الملوك والميل إلى كلّ من المذهبين، ثم استقرّت آخرا في بطرك اليعاقبة إلى زماننا، وتبعه ملوك الحبشة لانتحالهم مذهب اليعاقبة، كما تبع الروم والفرنجة الباب «2»
(6/93)

برومية، لانتحالهم مذهب الملكانية، وسيأتي الكلام على طرف من ذلك في الكلام على مكاتبة ملك الحبشة إن شاء الله تعالى.
(ملك ملوك السّريان) من الألقاب التي اصطلح عليها لصاحب القسطنطينية لعظمته عندهم، وقد تقدّم ذكر السّريان فيما قبل.
(موادّ المسلمين) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وهو بتشديد الدال أخذا من المودّة.
(مؤيّد المسيحيّة) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، والمؤيّد المقوّي، والمراد بالمسيحية الملّة المسيحيّة، كما تقدّم بيانه، وربما قيل «مؤيّد العيسويّة» : والأمر فيهما كذلك.
حرف النون
(ناصر الملّة المسيحيّة) من الألقاب التي اصطلح عليها لأكابر ملوكهم، وقد تقدّم معنى هذه الألقاب في مواضعها.
حرف الواو
(وارث التّيجان) من الألقاب التي اصطلح عليها لملوكهم، وقد تقدّم «1» معنى التّيجان، والمراد أنه انتقل إليه الملك وراثة من آبائه.
(وارث آبائه في الأسرّة والتّيجان) من الألقاب التي اصطلح عليها لمن يكون عريقا في الملك، وهو قريب من اللّقب الذي قبله.
(وارث القياصرة العظماء) من الألقاب التي اصطلح عليها لصاحب القسطنطينية التي هي قاعدة القياصرة، وقد تقدّم أوّل من سمّي قيصر فيما سلف من الألقاب.
(6/94)

الضرب الثاني (من ألقاب أهل الكفر الألقاب المؤنّثة: بأن يكون اللقب الأصل مؤنّثا فتتبعه الألقاب الفروع في التأنيث. ولها حالتان)
الحالة الأولى-
أن يكون اللقب الأصل لمؤنّث غير حقيقيّ كالحضرة مثلا، فترد ألقابه مؤنّثة، وفي الغالب إنما يقع التأنيث في اللّقب الأوّل ثم ينتقل إلى الألقاب المذكّرة، مثل أن يقال: «الحضرة العالية أو السامية أو العلية، حضرة الملك الجليل» ويؤتى بما يناسبه من الألقاب بعد ذلك؛ وربما أتي للحضرة بلقبين فأكثر طلبا للتفخيم، ثم يعدل إلى الألقاب المذكّرة، مثل «الحضرة العالية المكرّمة» ثم يقال «حضرة الملك الجليل» وما أشبه ذلك.
الحالة الثانية-
أن يكون اللقب الأصل لمؤنّث حقيقيّ بأن يكون لامرأة كما إذا كانت ملكة في بعض ممالكهم، على قاعدة الأعاجم في إسناد الملك إلى بنات الملوك، فيؤتى بألقابها المفردة والمركّبة مؤنثة، فيكتب مثلا «الملكة الجليلة المكرّمة المبجّلة الموقّرة المفخّمة المعزّزة فلانة العادلة في مملكتها، كبيرة دين النّصرانية، نصرة الأمّة العيسوية، حامية الثّغور، صديقة الملوك والسلاطين» وما أشبه ذلك، ومعاني هذه الألقاب معلومة مما تقدّم.
قلت: قد أتيت من ألقاب أهل الإسلام وألقاب أهل الكفر: المفردة والمركّبة على ما تضمنه «التعريف بالمصطلح الشريف» للمقرّ الشهابي بن فضل الله، و «عرف التعريف» في الإخوانيّات له، و «تثقيف التعريف» للقاضي تقيّ الدين ابن ناظر الجيش إلا ما شرد عنه القلم، مع ما ضممته إلى ذلك مما وجدته في غيرها من الدساتير المجموعة في السلطانيات والإخوانيات المصريّة والشامية جاريا على عرفهم مما استعمله أهل الزمان ومن قاربه؛ والكاتب الماهر إذا فهم أصلها وعرف طرقها، اخترع ما شاء من الألقاب والنّعوت؛ والضابط في وضع الألقاب أن يراعى فيها أحوال المكتوب له، فيؤتى منها بما يناسب حاله في الوظيفة والرّياسة وسائر أوصاف المدح اللائقة به، فيؤتى لصاحب السيف
(6/95)

بالألقاب المقتضية للشّجاعة والبسالة مثل المجاهديّ والمثاغريّ والمرابطيّ وما أشبه ذلك. وربما أضيف له بعض الألقاب المقتضية للعلم والصّلاح، كالعالميّ والعامليّ ونحو ذلك، لاشتراك الناس في المدح بمثل ذلك. ويؤتى للعالم والقاضي ونحوهما بالألقاب المقتضية للعلم كالعالميّ والمحقّقيّ ونحو ذلك. وربما أضيف إليها الألقاب المقتضية للصّلاح لتمدّح العلماء به. ويؤتى للصوفية وأهل الصّلاح بالألقاب المقتضية للصلاح والتعبّد كالعابديّ والزاهديّ ونحوهما. ويؤتى لكتّاب الإنشاء بالألقاب المقتضية للبلاغة كالبليغ والمفوّهيّ ونحو هما. ويؤتى للنساء بالألقاب المقتضية للصّيانة والعفّة كالمصونة والمحجّبة وما أشبههما. ويؤتى لأهل الكفر من الملوك ونحوهم بما لا حرج فيه على الكاتب كالشجاعة وما في معناها، والتقدّم على ملوك طائفته وأهل ملّته وما في معنى ذلك. فإن اجتمع في شخص واحد أوصاف متعدّدة من الممادح جمعت له، على أن أكثر ما يستعمله الكتّاب من الألقاب غير موجودة في صاحبها، وإنما هي ألقاب حفظوها لرتب معيّنة لا يسعهم الإخلال بشيء منها وإن كانت كذبا محضا وإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
«1» . وقد كان في القديم قاعدة مستقرّة: وهو أنه لا يلقّب أحد بلقب ولا يكنى بكنية إلا أن يكون الخليفة هو الذي يلقّب بذلك أو يكني.
الجملة السابعة (في تفاوت الألقاب في المراتب، وهي قسمان)
القسم الأوّل (ما يقع التفاوت فيه بالصّعود والهبوط، وهو نوعان)
النوع الأوّل (ما يقع التفاوت فيه بحسب القلّة والكثرة، وله حالتان)
الحالة الأولى
- أن يكون المكتوب إليه من أتباع المكتوب عنه، كنوّاب
(6/96)

السلطنة فيما يكتب عن الأبواب السلطانية من مكاتبات وولايات، فزيادة الألقاب وكثرتها في هذه الحالة علوّ وشرف في حقّ المكتوب إليه، لأنها من باب المدح والإطراء، ولا شكّ أن كثرة المدح من المتبوع للتابع أعلى من قلّته، ولذلك تقع الإطالة في ألقاب كبار النّوّاب والاختصار في صغارهم، وتأتي في غاية الاختصار في نحو ولاة النّواحي ومن في معناهم.
الحالة الثانية-
أن يكون المكتوب له أجنبيّا عن المكتوب عنه، كالملوك الذين تكتب إليهم المكاتبات عن السلطان، فقلّة الألقاب في حقّه أرفع لأن الإكثار من ذلك يرى أنه من باب الملق المذموم بين الأكابر في المكاتبات، فوجب تجنّبه كما يجب تجنّب المدح وكثرة الدعاء، ولذلك يقع الاختصار في الألقاب فيما يكتب لهم عن السلطان إجلالا لقدرهم عن رتبة رعاياه الذين يكثر من ألقابهم.
النوع الثاني (ما يقع فيه التفاوت في العلوّ والهبوط بحسب ما يقتضيه جوهر اللفظ أو ما وقع الاصطلاح عليه. وهو صنفان)
الصنف الأوّل (الألقاب المفردة. وهي على أربعة أنماط)
النّمط الأوّل (التوابع)
وهي التي تلي الألقاب الأصول كالتي تلي المقام والمقرّ والجناب والمجلس، فيلي المقام لفظ الأشرف ولفظ الشريف ولفظ العالي، فالمقام يقال فيه «المقام الأشرف العالي» و «المقام الشريف العالي» و «المقام العالي» . ويلي المقرّ لفظ الأشرف ولفظ الشريف ولفظ الكريم ولفظ العالي. فيقال «المقرّ الأشرف العالي» و «المقرّ الشريف العالي» و «المقرّ الكريم العالي» و «المقرّ العالي» .
(6/97)

ويلي الجناب لفظ الكريم ولفظ العالي، فيقال «الجناب الكريم العالي» و «الجناب العالي» . ويلي المجلس لفظ العالي والسامي، فيقال «المجلس العالي» و «المجلس السامي» . والألفاظ التي تتبع، وهي الأشرف والشريف والكريم والعالي والسامي، بعضها أرفع من بعض على الترتيب. فالأشرف أرفع من الشريف؛ لأن أشرف أفعل تفضيل يقتضي الترجيح على غيره كما هو مقرّر في علم النحو؛ والشريف أرفع رتبة من الكريم لما تقدّم عن ابن السّكّيت أن الكرم يكون في الرجل وإن لم يكن له آباء شرفاء، والشّرف لا يكون إلا لمن له آباء شرفاء. ومقتضى ذلك ترجيح الشريف على الكريم لاقتضائه الفضل في نفس الشخص وفي آبائه، بخلاف الكرم؛ ولذلك اختير الشرف لأبناء فاطمة رضي الله عنها دون الكرم. والكريم أرفع رتبة من العالي، لأن الكريم يحتمل أن يكون من الكرم الذي هو خلاف اللّؤم ويحتمل أن يكون من الكرم الذي هو خلاف البخل، وكلاهما مقطوع بأنه صفة مدح، وإن الأقرب إلى مراد الكتاب المعنى الأوّل. والعالي يحتمل أن يكون من علي بكسر اللام يعلى بفتحها علاء بفتح العين والمدّ إذا شرف؛ ويحتمل أن يكون من علا يعلو علوّا إذا ارتفع في المكان؛ وليس العلوّ في المكان مما يدلّ على صفة المدح إلا أن يستعار للارتفاع في الشرف فيكون صفة مدح حينئذ على سبيل المجاز وإن كان مراد الكتّاب هو المعنى الأوّل؛ وما كان مقطوعا فيه بالمدح من الجانبين أعلى مما يكون مقطوعا فيه بالمدح من جانب دون جانب. وقد اصطلحوا على أن جعلوا العالي أرفع من السامي، وهو مما أنكر على واضعه، إذ لا فرق بينهما من حيث المعنى، لأن السموّ بمعنى العلوّ. والذي يظهر أن الواضع لم يجهل ذلك ولعله إنما جعل العالي أرفع رتبة من السامي وإن كان بمعناه لأن العالي لفظ واضح المعنى يفهمه الخاصّ والعامّ، فيكون المدح به أعمّ باعتبار من يفهمه، بخلاف السامي فإنه لا يفهم معنى العلوّ منه إلا الخاصة، فيكون المدح به أخصّ لاقتصار الخاصّة على معرفته دون العامّة.
(6/98)

النمط الثاني (ما يقع التفاوت فيه بحسب لحوق ياء النسب وتجرّده منها)
قد تقدّم أن الألقاب المفردة منها ما تلحق به ياء النسب ومنها ما يتجرّد عنها، وأن الذي تلحقه ياء النسب منها منه ما هو منسوب إلى شيء خارج عن صاحب اللقب كالقضائيّ فإنه منسوب إلى القضاء الذي هو نفس الوظيفة، فيكون النسب فيه على بابه، ومنه ما هو منسوب إلى صاحب اللّقب نفسه كالأميريّ فإنه نسبة إلى الأمير وهو عين صاحب اللقب فدخلت فيه ياء النسب للمبالغة، كما في قولهم لشديد الحمرة أحمريّ على ما تقدّم بيانه.
وبالجملة فقد اصطلحوا على أن يكون ما لحقت به ياء النسب ارفع رتبة مما تجرّد عنها، سواء منسوبا إلى نفس صاحب اللقب أو غيره، فيجعلون الأميريّ أعلى رتبة من الأمير، والقضائيّ أرفع رتبة من القاضي؛ ثم يجعلون المنسوب إلى نفس صاحب اللقب أرفع رتبة من المنسوب إلى شيء خارج عنه؛ ومن أجل ذلك جعلوا القاضويّ «1» أرفع رتبة من القضائيّ. أما كون ما لحقت به ياء النسب «2» أرفع رتبة من المجرّد عنها فظاهر؛ لأن المبالغة تقتضي الرفعة ضرورة؛ وأما كون المنسوب إلى شيء آخر غير المنسوب إليه يقتضي الرفعة وإن لم يكن فيه مبالغة، فللإلحاق بما فيه المبالغة استطرادا، لئلا يلتبس الحال في النسبتين على الضعيف الفهم فلا يفرق بين ما هو منسوب إلى هذا وبين ما هو منسوب إلى ذاك. على أنهم لم يقفوا مع (الحكم في كون ما دخلت عليه ياء النسب أرفع مما لم تدخل عليه فقد استعملوا الأجل ونحوه في الألقاب السلطانية التي هي أعلى الألقاب، فقالوا: «السلطان الأجلّ العالم العادل» إلى آخر ألقابه المفردة من غير إلحاق ياء النسب بها؛ ثم استعملوا مثل ذلك في ألقاب السامي بغير ياء فما دونه مما هو أدنى الألقاب رتبة. وكأنهم اكتفوا بمكانة
(6/99)

السلطان من الرّفعة عن المبالغة في ألقابه بإلحاق ياء النسب، من حيث إنّ المعرّف لا يحتاج إلى تعريف.
النمط الثالث (ما يقع التفاوت فيه بصيغة مبالغة غير ياء النسب)
فيكون أرفع رتبة لمعنى المبالغة كما في الكفيلّي فإنه أرفع رتبة من الكافليّ، لأن صيغة فعيل أبلغ في المعنى من صيغة فاعل من حيث أن فعيلا لا يصاغ إلّا من فعل بضم العين إذا صار ذلك الفعل له سجية؛ كما يقال: كرم فهو كريم وعظم فهو عظيم وحلم فهو حليم، بخلاف فاعل؛ ومن أجل ذلك كان لفظ فقيه أبلغ من لفظ فاقه لأن فاقه يصاغ من فقه بكسر القاف إذا فهم، ومن فقه بفتحها إذا سبق غيره إلى الفهم. وفقيه إنما يصاغ من فقه بضمها إذا صار الفقه له سجيّة كما مرّ القول عليه في الكلام على الفقيه والفقيهيّ في الألقاب الإسلامية المفردة.
النمط الرابع (ما يقع فيه التفاوت بحسب ما في ذلك اللّقب من اقتضاء التشريف لعلوّ متعلّقه ورفعته)
كالممهّديّ والمشيّديّ، فإن المراد ممهّد الدول ومشيّد الممالك على ما مرّ في الألقاب المركّبة؛ فإنّ من ينتهي في الرّتبة إلى تمهيد الدّول وتشييد الممالك فلا نزاع في أنه من علوّ الرتبة بالمكان الأرفع، وكذلك ما يجري هذا المجرى كالمدبّريّ بالنسبة إلى الوزراء ومن في معناهم، والمحقّقيّ بالنسبة إلى العلماء، والأصيليّ بالنسبة إلى العريق في كرم الأصل ونحو ذلك.
(6/100)

الصنف الثاني (الألقاب المركّبة، وهي على ضربين)
الضرب الأوّل (ما يترتّب بعضه على بعض لقبا بعد لقب، وله اعتباران)
الاعتبار الأوّل (أن يشترك في رعاية الترتيب أرباب السيوف والأقلام وغيرهم، وهو على ثلاثة أنماط)
النمط الأوّل (ما يضاف إلى الإسلام، وله ثلاثة أحوال)
الحال الأوّل- أن يكون ذلك في ألقاب أرباب السّيوف
. وقد اصطلح المقرّ الشّهابي بن فضل الله على أن جعل أعلاها ركن الإسلام والمسلمين فذكر ذلك في المكاتبة إلى النائب الكافل، ومكاتبته يومئذ بالجناب الكريم، ثم أبدل الكتّاب ذلك بعده بمعزّ الإسلام والمسلمين، وجعلوه مع المكاتبة إليه بالمقرّ الكريم على ما استقرّ عليه الحال آخرا في المكاتبة إلى النائب الكافل ونائب الشام، وجعلوا دون ذلك عزّ الإسلام والمسلمين فأوردوه مع الجناب الكريم والجناب العالي على ما استقرّ عليه مصطلحهم في السلطانيات. وجعل في «عرف التعريف» في الإخوانيّات عزّ الإسلام والمسلمين أعلى الألقاب فأورده في ألقاب المقرّ الشريف، ثم طرده فيما بعد ذلك من المقرّ الكريم والمقرّ العالي ولم يعده إلى ما بعد، ثم جعل دونه مجد الإسلام والمسلمين، فأورده مع المجلس العالي مطلقا مع الدعاء وصدرت، ثم جعل دون ذلك مجد الإسلام فقط من غير عطف المسلمين عليه، فأورده في المجلس الساميّ بالياء والسامي بغير ياء، ولم يعده إلى مجلس الأمير بل أعاضه بمجد الأمراء على ما سيأتي ذكره، وتابعه على ذلك في التثقيف.
(6/101)

الحال الثاني- أن يكون ذلك في ألقاب الوزراء من أرباب الأقلام
ومن في معناهم ككاتب السّر، وناظر الجيش، وناظر الخاصّ فمن دونهم من الكتاب.
وقد ذكر المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله في بعض دساتيره السامية أن أعلاها لهم ركن الإسلام والمسلمين، وجعل في «عرف التعريف» أعلاها للوزراء صلاح الإسلام والمسلمين، ولمن في معنى الوزراء عزّ الإسلام والمسلمين أو جلال الإسلام والمسلمين وأورد ذلك مع المقرّ الشريف وما بعده: من المقرّ الكريم، والمقرّ العالي والجناب الشريف، والجناب الكريم، وجعل دون ذلك مجد الإسلام مجرّدا عن عطف المسلمين عليه، وأورده مع المجلس العالي، والمجلس السامي.
أما تخصيص صلاح الإسلام والمسلمين بالوزراء، وعز الإسلام والمسلمين وجلال الإسلام والمسلمين بمن في معناهم فلأنّ الصلاح فيه معنى السّداد والقصد، والعزّ والجلال فيهما معنى العظمة والهيبة، ولا شك أن وظيفة الوزارة التي مناطها تدبير الملك بالصلاح أجدر؛ على أنه إذا حصل الصلاح تبعته العظمة والهيبة ضرورة. وأما كون جلال الإسلام والمسلمين أعلى من مجد الإسلام، فلأمرين؛ أحدهما أنّ الجلال بمعنى العظمة، والمجد بمعنى الشرف، والعظمة أبلغ من الشرف لما في العظمة من نفاذ الكلمة. والثاني أن الإضافة في جلال الإسلام والمسلمين في المعنى إلى شيئين وفي مجد الإسلام إلى أحدهما.
الحال الثالث- أن يكون في ألقاب القضاة والعلماء
، وقد جعل في «عرف التعريف» أعلاها حجّة الإسلام أو ضياء الإسلام، فأوردهما مع الجناب الشريف الذي هو عنده أعلى الرّتب لهذه الطائفة، وجعل دون ذلك بهاء الإسلام فأورده مع الجناب الكريم، وجعل دونه مجد الإسلام فأورده مع المجلس العالي والساميّ بالياء وبغير ياء.
أما كون حجة الإسلام وضياء الإسلام أعلى رتبة من مجد الإسلام فلأن
(6/102)

الحجة في اللغة بمعنى البرهان وهو الدليل القاطع، وبه تتقرّر قواعد الإسلام ومبانيه، والضياء في أصل اللغة خلاف الظلمة، ثم استعير للهداية وما في معناها، ولا شكّ أن الوصف بهذين الأمرين أبلغ من الوصف بالمجد الذي هو بمعنى الشرف.
الحال الرابع- أن يكون في ألقاب الصلحاء
، وقد جعل في «عرف التعريف» أعلاها صلاح الإسلام وأورده مع الحضرة؛ ومع الجناب الشّريف، والجناب الكريم، وجعل دونه جلال الإسلام وأورده مع الجناب العالي، ودونه ضياء الإسلام وأورده مع المجلس العالي، وجعل دونه جلال الإسلام فأورده مع المجلس الساميّ بالياء فما دونه.
أمّا كون صلاح الإسلام والمسلمين أعلى من جلال الإسلام والمسلمين فقد تقدّم بيانه. وأمّا كون جلال الإسلام والمسلمين أعلى من ضياء الإسلام والمسلمين فلأنّ الجلال معناه العظمة، وهي أعلى من الضياء على ما فيه من التعسّف.
النمط الثاني (من الألقاب المركّبة ما يضاف إلى الأمراء والوزراء ونحوهم، من أرباب المراتب السّنيّة، وهو على الأحوال الأربعة المتقدّمة الذكر فيما يضاف إلى الإسلام)
الحال الأوّل- أن يكون في ألقاب أرباب السيوف
. قد جعل في «عرف التعريف» أعلاها سيّد الأمراء في العالمين، وأورده مع المقرّ الشريف، والمقرّ الكريم، والمقرّ العالي. وجعل دونه سيّد الأمراء المقدّمين، وأورده مع الجناب الشريف، والجناب الكريم، والجناب العالي. ودونه شرف الأمراء المقدّمين، وأورده مع المجلس العالي والدّعاء. ودونه شرف الأمراء في الأنام «1» ، وأورده مع الساميّ بالياء. ودونه زين الأمراء المجاهدين، وأورده مع
(6/103)

السامي بغير ياء. ودونه مجد الأمراء، وأورده مع مجلس الأمير.
والذي في «التثقيف» بعد سيّد الأمراء في العالمين سيّد أمراء العالمين، وأورده مع الجناب العالي. ودونه شرف الأمراء في العالمين، وأورده مع المجلس العالي والدعاء. ودونه شرف الأمراء المقدّمين، وأورده مع صدرت والعالي. ودونه شرف الأمراء فقط، وأورده مع الساميّ بالياء. ودونه فخر الأمراء، وأورده مع السامي بغير ياء. ودونه مجد الأمراء، وأورده مع مجلس الأمير. ولا يخفى ما بينهما من الاختلاف. ولا مشاحّة في الاصطلاح بعد فهم المعنى، ولا نزاع في أن الترتيب الذي في التثقيف أحسن. وإذا تأمّلت ذلك وعرضته على ما تقدّم من التوجيه في النمط الأوّل ظهر لك حقيقة ذلك.
الحال الثاني- أن يكون في ألقاب الوزراء ومن في معناهم
. فقد ذكر في «عرف التعريف» أن أعلاها للوزراء سيد الوزراء في العالمين، ولمن في معناهم من كاتب السرّ ونحوه سيّد الكبراء في العالمين، وأورد ذلك مع المقرّ الشريف، والمقرّ الكريم، والمقرّ العالي، والجناب الشّريف، والجناب الكريم، والجناب العالي، وجعل دونه لمن دون هؤلاء من الكتّاب فخر الأنام، وأورده في المجلس العالي والدعاء مع ما بعده.
الحال الثالث- أن يكون من ألقاب القضاة والعلماء.
وقد جعل في «عرف التعريف» : أعلاها شرف الأنام. وأورده مع الجناب الشريف الذي جعله أعلى المكاتبات لهم، ومع الجناب الكريم والجناب العالي وجعل دونه فخر الأنام، فأورده مع المجلس العالي بالدعاء.
ودونه بهاء الأنام، وأورده مع صدرت والعالي، ومع الساميّ بالياء والسامي بغير باء.
الحال الرابع- أن يكون من ألقاب الصلحاء
وقد جعل في «عرف التعريف» أعلاها خالصة الأنام، وأورده مع الحضرة الشريفة التي جعلها أكبر رتبهم، ومع الجناب الشريف، والجناب الكريم، والجناب العالي؛ وجعل دونه
(6/104)

شرف الأنام وأورده مع المجلس العالي. ودونه زين الأنام، وأورده مع الساميّ بالياء وبغير ياء.
النّمط الثالث (من الألقاب المركّبة ما يضاف إلى الملوك والسّلاطين، وهو على الأحوال الأربعة المتقدّمة الذكر)
الحال الأوّل- أن يكون من ألقاب أرباب السّيوف
. وقد ذكر في «عرف التعريف» أن أعلاها ظهير الملوك والسلاطين، وأورده مع المقرّ الشريف والمقرّ الكريم، والمقرّ العالي، والجناب الشريف، والجناب الكريم، والجناب العالي؛ وجعل دونه عضد الملوك والسلاطين، وأورده مع المجلس العالي والمجلس الساميّ بالياء. ودونه عمدة الملوك والسلاطين، وجعله مع مجلس الأمير. والذي في «التثقيف» إيراد ظهير الملوك والسلاطين مع المقرّ الكريم وما بعده إلى آخر المجلس العالي؛ وجعل عضد الملوك والسلاطين مع الساميّ بالياء، وعمدة الملوك والسلاطين مع السامي بغير ياء، وعدّة الملوك والسلاطين مع مجلس الأمير.
والحاصل أنه في «التثقيف» زاد رتبتين في ظهير الملوك والسلاطين، فجعله في المجلس السامي مع الدعاء ومع صدرت، على أن التحقيق أن عضد الملوك والسلاطين أعلى في الحقيقة من ظهير الملوك والسلاطين؛ لأن العضد عضو من أعضاء الإنسان، وهو ما بين المرفق والكتف، والظّهير خارج عنه، وما كان من نفس الإنسان كيف يجعل ما هو خارج عنه أرفع منه بالنسبة إلى ذلك الشخص؟.
الحال الثاني- أن يكون من ألقاب الوزراء ومن في معناهم
. وقد جعل في «عرف التعريف» أعلاها ظهير الملوك والسلاطين أيضا، وأورده مع المقرّ الشريف، والمقرّ الكريم، والمقرّ العالي، والجناب الشريف، والجناب الكريم، والجناب العالي؛ وجعل دونه صفوة الملوك والسلاطين، وأورده مع
(6/105)

المجلس العالي فما دونه.
الحال الثالث- أن يكون من ألقاب القضاة والعلماء
. وقد جعل في «عرف التعريف» أعلاها للقضاة حكم الملوك والسلاطين، ولغيرهم من العلماء خالصة الملوك والسلاطين، وهو عنده للجناب الشريف فما فوقه. ودونه بركة الملوك والسلاطين، وأورده مع الجناب الكريم، والجناب العالي، والمجلس العالي، مع الدّعاء. وجعل دونه صفوة الملوك والسلاطين، وأورده في صدرت والعالي فما دون ذلك.
الحال الرابع- أن يكون في ألقاب الصّلحاء
. ولم يزد في «عرف التعريف» على أنه يكتب لهم بركة الملوك والسلاطين، وحينئذ فيقتصر عليها لجميعهم ممن يستحقّ ذلك بحسب ما يقتضيه حال المكتوب بسببه.
النمط الرابع (من الألقاب المركّبة ما يضاف لأمير المؤمنين، وهو على الأحوال الأربعة «1» المتقدّم ذكرها)
الحال الأوّل- أن يكون من ألقاب أرباب السيوف
، وأعلاها قسيم أمير المؤمنين، وهو من الألقاب الخاصّة بالسلطان كما تقدّم ذكره في موضعه. ودونه خليل أمير المؤمنين، وهو من ألقاب أولاد الملوك وألقاب بعض الملوك الأجانب المكتوب إليهم عن الأبواب السلطانية. ودونه عضد أمير المؤمنين، وهو أعلى ما يكتب لنوّاب السلطنة عن الأبواب السلطانية؛ وجعله في «عرف التعريف» مع المقرّ الشريف خاصّة. ودونه سيف أمير المؤمنين، وأورده مع المقرّ الكريم والمقرّ العالي؛ ودونه حسام أمير المؤمنين، وجعله في «عرف التعريف» مع الجناب الشريف والجناب الكريم والجناب العالي؛ ولم يورد بعد ذلك لقبا بالإضافة إلى أمير المؤمنين بل اقتصر على ما يضاف إلى الملوك والسّلاطين.
(6/106)

وأما في التثقيف فجعله مع المقرّ الكريم والمقرّ العالي. ودونه حسام أمير المؤمنين، وأورده مع المجلس العالي والدّعاء، ولم يورد فيما بعد ذلك لقبا بالإضافة إلى أمير المؤمنين.
والحاصل أنه في «عرف التعريف» زاد رتبة فيما يضاف إلى أمير المؤمنين، وهي حسام أمير المؤمنين.
الحال الثاني- أن يكون من ألقاب الوزراء ومن في معناهم
. ولم يزد في «عرف التعريف» على وليّ أمير المؤمنين، وأورده مع المقرّ الشريف، والمقرّ الكريم، والمقرّ العالي والجناب الشريف؛ ويحسن أن يجيء مع الجناب الكريم خالصة أمير المؤمنين، ومع الجناب العالي صفيّ أمير المؤمنين أو صفوة أمير المؤمنين، ولا يضاف إلى أمير المؤمنين مع المجلس العالي فما دونه شيء من الألقاب اكتفاء بما يضاف إلى الملوك والسلاطين كما تقدّم في أرباب السيوف.
الحال الثالث- أن يكون من ألقاب القضاة والعلماء
. فقد جعل في «عرف التعريف» أعلاها وليّ أمير المؤمنين، وجعله مع الجناب الشريف فما فوقه، ويحسن أن يجيء مع الجناب الكريم خالصة أمير المؤمنين، ومع الجناب العالي صفيّ أمير المؤمنين أو صفوة أمير المؤمنين، كما تقدّم في الوزراء ومن في معناهم ومن دونهم من الكتّاب.
الاعتبار الثاني (في الألقاب المركّبة أن يختصّ الترتيب في الألقاب بنوع من المكتوب لهم، وهو أربعة أنماط)
النمط الأوّل (ما يختصّ بأرباب السيوف، وله حالان)
الحال الأوّل- أن تقع الإضافة فيه إلى الغزاة والمجاهدين
. وقد جعل
(6/107)

المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله في «التعريف» ناصر الغزاة والمجاهدين أعلاها، فأورده في المكاتبة إلى نائب الشام، والمكاتبة إليه يومئذ دون المكاتبة إلى النائب الكافل؛ وهو خلاف مقتضى تركيب لغة العرب لما تقدّم من أن صيغة فعيل أعلى من صيغة فاعل، ولذلك جعلوا الكفيل أعلى من الكافل على ما تقدّم بيانه.
وحينئذ فيكون نصير الغزاة والمجاهدين أعلى من ناصر الغزاة والمجاهدين على خلاف ما ذكره.
أما في «عرف التعريف» فإنه أعرض عن ذكر الألقاب المضافة إلى الغزاة والمجاهدين مع المقرّ الشريف الذي هو أعلى الألقاب لأرباب السيوف من النّوّاب ومن في معناهم، وأتى بعده مع المقرّ الكريم بنصير الغزاة والمجاهدين، ثم أتى بعده مع الجناب الشريف إلى آخر المجلس العالي بنصرة الغزاة والمجاهدين، فجعل نصير الغزاة أبلغ من نصرة الغزاة؛ لما في نصير من التذكير وفي نصرة من لفظ التأنيث، والتذكير أعلى رتبة من التأنيث؛ ثم أتى مع الساميّ بالياء بذخر الغزاة والمجاهدين، ثم مع السامي بغير ياء بزين الأمراء المجاهدين على وصف الأمراء بالمجاهدين دون عطف المجاهدين على الأمراء؛ ثم مع مجلس الأمير بزين المجاهدين.
وجعل في «التثقيف» أعلاها ناصر الغزاة والمجاهدين تبعا «للتعريف» وأورده مع المقرّ الكريم؛ ودونه نصرة الغزاة والمجاهدين، وأورده مع الجناب الكريم وما بعده إلى آخر المجلس العالي؛ ثم أتى مع الساميّ بالياء بأوحد المجاهدين، ومع السامي بغير ياء ومجلس الأمير بزين المجاهدين، والحال في ذلك قريب.
الحال الثاني- أن يكون اللقب مضافا إلى الجيوش
. وقد جعل في «التعريف» أعلاها أتابك الجيوش، وأورده في ألقاب النائب الكافل؛ وجعل دونه زعيم الجيوش وأورده في ألقاب نائب الشام، وهو يومئذ دون النائب الكافل؛ ثم جعل دونه زعيم جيوش الموحّدين، وأورده في ألقاب نائب حلب.
(6/108)

وعلى نحو من ذلك جرى في «عرف التعريف» فجعل أعلاها زعيم الجيوش وأورده مع المقرّ الشريف، والمقرّ الكريم والمقرّ العالي؛ ودونه زعيم جيوش الموحّدين، وأورده مع الجناب الشريف والجناب الكريم والجناب العالي؛ ولم يورد شيئا في هذا المعنى فيما بعد ذلك، وعلى نحو ذلك جرى في التثقيف.
النمط الثاني (ما يختص بالوزراء ومن في معناهم: من كاتب السرّ ونحوه فمن دونهم من الكتّاب)
وقد ذكر في «عرف التعريف» أن أعلاها للوزراء سيّد الوزراء في العالمين، ولمن في معناهم سيّد الكبراء في العالمين، وأورد ذلك مع المقرّ الشريف والمقرّ الكريم والمقرّ العالي والجناب الشريف والجناب الكريم والجناب العالي؛ وجل دونه لمن دونهم من الكتّاب شرف الرؤساء، وأورده مع المجلس العالي، ولا شكّ أنه يجيء بعده أوحد الكتّاب أو شرف الكتّاب مع المجلس الساميّ بالياء، ثم جمال الكتّاب للسامي بغير الياء فما دونه.
النمط الثالث (ما يختصّ بالقضاة والعلماء)
وقد جعل في «عرف التعريف» أعلاها سيّد العلماء والحكّام، ولغيرهم أوحد العلماء الأعلام، وجعله للجناب الشريف فما فوقه، ثم للجناب الكريم، والجناب العالي؛ وجعل دونه تاج العلماء والحكّام، أو شرف العلماء والحكّام، وأورده مع المجلس العالي، ودونه جمال العلماء أوحد الفضلاء، وأورده مع الساميّ بالياء؛ ودونه جمال الأعيان مع السامي بغير ياء فما دونه.
النّمط الرابع (ما يختصّ بالصّلحاء)
وقد جعل في «عرف التعريف» أعلاها لهم شيخ شيوخ العارفين،
(6/109)

وأورده مع الحضرة الطاهرة، وجعل دون ذلك أوحد المحقّقين، فأورده مع الجناب الكريم؛ ودونه أوحد النّاسكين، فأورده مع الجناب العالي.
قلت: وليس وضع هذه الألقاب على الترتيب في العلوّ والهبوط راجعا إلى مجرّد التّشهّي من غير تقصّ لعلوّ أو هبوط يدلّ عليه جوهر اللفظ، بل لا بدّ أن يكون لتقدّم كلّ لقب منها على الآخر ورفعته عليه في الرّتبة سبب يقتضيه اللفظ وتوجبه دلالته الظاهرة أو الخفيّة. وما وقع فيها مما يخالف ذلك فلعدم تأمّل الواضع لذلك، أو وقوعه من بعض المدّعين الظانّين أن القلم في ذلك مطلق العنان، يتصرّف في وضعه كيف شاء من غير نظر إلى ما يوجب تقديما ولا تأخيرا. ومما يوضّح ذلك ويبيّنه أنك إذا اعتبرت الألقاب المضافة إلى الإسلام المتقدّمة الذكر في أرباب السيوف مثلا، رأيت أعلاها ركن الإسلام والمسلمين، على ما هو مذكور في «التعريف» وغيره من سائر دساتير المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله؛ وأعلاها على ما ذكره في «التثقيف» معزّ الإسلام والمسلمين، ودون ذلك في الرتبة عزّ الإسلام والمسلمين، ودونه مجد الإسلام والمسلمين، ودونه مجد الإسلام فقط من غير عطف، على ما تقدّم ذكره.
أمّا كون ركن الإسلام والمسلمين أعلى من عز الإسلام والمسلمين، فلأنّ ركن الشيء في اللغة جانبه الأقوى، وقد قال الأصوليّون «1» : إن الرّكن ما كان داخل الماهيّة، وحينئذ فيكون ركن الشيء بعضا منه بخلاف العزّ فإنه معنى من المعاني خارج عنه، وما كان بعضا للشيء كان أخصّ به مما هو خارج عنه.
وأما وجه إبدالهم ركن الإسلام والمسلمين بمعزّ الإسلام والمسلمين فلأن في الرّكن معنى العزّ والقوّة، وقد فسر قوله تعالى حكاية عن لوط عليه السّلام:
أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
«2» بالعزّ والمنعة، فجعل المعزّ لهذا الاعتبار في
(6/110)

الألقاب قائما مقام الركن.
وأمّا كون عزّ الإسلام والمسلمين أعلى من مجد الإسلام والمسلمين؛ فلأن العزّ أجدى في النّفع من المجد، فقد تقدّم أنّ ابن السكّيت «1» قال: إن المجد لا يكون إلا بشرف الآباء، ولا نزاع في أن العزّ في تعارف الملوك أكثر جدوى وأوفر نفعا في تحصيل المقاصد. وقد ذكر أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتّاب» أن الكتّاب في الزمن القديم كانوا يجعلون الدّعاء بالعزّ عقب الدعاء بطول البقاء، فإنه يكون بالعز مصونا عاليا آمنا غنيّا.
وأمّا كون مجد الإسلام والمسلمين أعلى من مجد الإسلام، فلأنّ الشيء كلّما تعدّى فعله إلى غيره كان أرفع رتبة، ومجد الإسلام والمسلمين يتعدّى إلى شيئين، وهما الإسلام والمسلمين، ومجد الإسلام لا يتعدّى إلا إلى شيء واحد وهو الإسلام. فلذلك «2» إذا اعتبرت الألقاب المضافة إلى أمير المؤمنين، رأيت أعلاها في أرباب السيوف قسيم أمير المؤمنين، ودونه خليل أمير المؤمنين، ودونه عضد أمير المؤمنين ودونه سيف أمير المؤمنين، ودونه حسام أمير المؤمنين.
أمّا كون قسيم أمير المؤمنين أعلى من خليل أمير المؤمنين، فلأنّ القسيم بمعنى المقاسم، والمراد أنه قاسم أمير المؤمنين الملك وساهمه في الأمر فصارا فيه مشتركين، وخليل أمير المؤمنين مأخوذ من الخلّة بضم الخاء، وهي الصّداقة، وفرق بين من يقاسم الخليفة فيصير عديله في الأمر، وبين من يكون خليله وصاحبه. على أنه قد تقدّم أنّ الملوك قد أربت «3» بأنفسها عن هذا اللقب لاستبدادهم بالملك واستيلائهم عليه.
وأمّا كون خليل أمير المؤمنين أعلى من عضد أمير المؤمنين؛ فلأن العضد
(6/111)

ليس المراد منه العضو الحقيقيّ الذي هو بين الكتف والمرفق، وإنما استعير للناصر وكأنه ينصره بنفسه كما ينصره عضده، ومثل هذا الوصف لا يكون إلا للأتباع، بخلاف الخليل والصّديق فإنه لا تكاد رتبته عند الشخص تنحطّ عن رتبة نفسه.
وأمّا كون عضد أمير المؤمنين أعلى من سيف أمير المؤمنين، فلأن العضد وإن قصد به الناصر فإنه منقول عن العضو للناصر كما تقدّم وعضو الإنسان عنده في العزّة وقوّة النّصر فوق سيفه في ذلك.
وأمّا كون سيف أمير المؤمنين أعلى من حسام أمير المؤمنين- وإن كان الحسام متضمّنا لوصف القطع الذي هو المقصود الأعظم من السيف من حيث إنه مأخوذ من الحسم، وهو القطع- فلأن السيف مأخوذ من ساف إذا هلك كما صرح به الشيخ «جمال الدين بن هشام» في شرح قصيدة كعب بن زهير، ولا شكّ أن معنى الإهلاك أبلغ من معنى القطع؛ لأن القطع قد يقع في بعض البدن مما لا يتضمّن الإهلاك، وهذا مما يجب التنبّه له فإنه ربما توهّم أن الحسام أبلغ من السيف لتضمّن وصف القطع كما تقدّم.
وبالجملة فلا سبيل إلى استيعاب جميع ما يرد من هذا الباب بالتوجيه؛ لأن ذلك يؤدّي إلى الإسهاب والملل. والقول الجامع في ذلك أنه ينظر إلى الألفاظ الواقعة في الألقاب وما تقتضيه من أصناف المدح، وما تنتهي إليه رتبتها فيه من أعلى الدرجات أو أوسطها أو أدناها فيرتبها على هذا الترتيب، ويوجّهها بما يظهر له من التوجيه على نحو ما تقدّم. كما إذا اعتبرت رتبة الجلال والجمال فإنك تجد الجلال أعلى رتبة؛ لأن معنى الجلال العظمة، ومعنى الجمال الحسن، ولا نزاع في أن العظمة أبلغ وأعلى موقعا من الحسن. وكما إذا اعتبرت الضّياء والبهاء، فإن الضّياء يكون أبلغ؛ لأن الضياء معناه النّور الذاتيّ، وهو متعدّي النفع عامّ الفضيلة، والبهاء معناه الحسن، وهو قاصر على صاحبه.
وفيما ذكر إرشاد إلى ما لم يذكر.
(6/112)

القسم الثاني (مما تتفاوت فيه مراتب الألقاب ما يقع التفاوت فيه بالتقديم والتأخير، وهو نوعان)
النوع الأوّل (الألقاب المفردة، وهي على ستة أنماط)
النّمط الأوّل (الألقاب التي تلي الألقاب الأصول)
وهي التي تلي المقام والمقرّ والجناب والمجلس، كالأشرف والشريف والكريم والعالي والسامي. فالأشرف يلي المقام والمقرّ، فيقال: المقام الأشرف، والمقرّ الأشرف، والشريف يلي المقام والمقرّ والجناب، فيقال:
المقام الشريف، والمقرّ الشريف، والجناب الشريف. والكريم يلي المقرّ والجناب، فيقال: المقرّ الكريم، والجناب الكريم. والعالي يلي المقام والمقرّ والجناب والمجلس، فيقال: المقام العالي، والمقرّ العالي، والجناب العالي، والمجلس العالي. والسامي يلي المجلس خاصّة، فيقال: المجلس السّامي.
والعالي يلي الأشرف والشريف والكريم، فيقال: الأشرف العالي، والشريف العالي، والكريم العالي.
النمط الثاني (ما يلي العالي أو السامي من الألقاب)
وهو اللقب الذي يميّز نوع المكتوب له، كالأميريّ لأرباب السيوف، والصاحبيّ للوزراء من أرباب الأقلام، والقضائيّ والقاضويّ لسائر أرباب الأقلام، والشّيخيّ للصوفيّة وأهل الصّلاح، والصّدريّ للتّجّار ومن في معناهم، مثل أن يقال: المقرّ الكريم العالي [الأميريّ] «1» والجناب العالي الصاحبيّ، أو
(6/113)

الجناب العالي القاضويّ، أو المجلس العالي، أو المجلس السامي الشّيخيّ، أو المجلس السامي الصّدريّ، وما أشبه ذلك. والمعنى في وضع هذه الألقاب في هذا الموضع أن يدلّ أوّل لقب يذكر بعد اللقب الأصل وتابعه على الوظيفة كما تدلّ براعة الاستهلال على صورة الحال في المكاتبة أو الولاية أو غيرهما، وربما كان المحلّ مما يقتضي التلقيب بالمولويّ فيقدّم لقب المولويّ على لقب الوظيفة، مثل أن يقال: المقرّ الشريف العالي المولويّ الأميريّ، فإن كان اللقب الأصل مضافا لمجلس الأمير أو مجلس القاضي أو مجلس الشيخ أو مجلس الصّدر، قام المضاف إليه مقام لقب الوظيفة؛ فيقوم الأمير من مجلس الأمير مقام الأميريّ، والقاضي من مجلس القاضي مقام القضائيّ، والشيخ من مجلس الشيخ مقام الشّيخيّ، والصّدر من مجلس الصدر مقام الصّدريّ. ثم لا ينعت بعد ذلك في هذه الحالة إلّا بالأجلّ، ويؤتى بعده بما يناسبه من الألقاب.
النمط الثالث (ما يلي لقب الوظيفة «1» )
وهو الكبير أو الكبيريّ، فيؤتى به تلو اللقب الدالّ على الوظيفة، مثل أن يقال: المقرّ العالي الأميريّ الكبيريّ، أو الجناب العالي القضائيّ الكبيريّ، أو المجلس الساميّ الكبيريّ إذا كان بالياء، أو الكبير إذا كان بغير الياء.
النمط الرابع (ما يقع قبل لقب التعريف الذي هو الفلانيّ أو فلان الدّين)
وهو اللقب الدالّ على الوظيفة دلالة خاصّة، كالكافليّ والكفيليّ للنوّاب، والوزيريّ للوزراء، والحاكميّ للقضاة. فإن كان المكتوب له نائب سلطنة كتب له قبل الفلاني الكافليّ أو الكفيليّ بحسب ما يقتضيه الحال، وإن كان حاكما
(6/114)

كتب الحاكميّ. قال في «التثقيف» : وإن كان وزيرا كتب في آخر ألقابه الوزيريّ. والذي ذكره في «عرف التعريف» أن الوزيريّ يلي لقب الوظيفة، فإذا كان الوزير من أرباب السيوف كتب الأميريّ الوزيريّ؛ وإن كان من أرباب الأقلام كتب الصاحبيّ الوزيريّ. وما ذكره في «التثقيف» متّجه فيما إذا كان الوزير صاحب قلم، فإن التعريف في الوظيفة يعرف أولا من قوله الصاحبيّ. وما ذكره في «التعريف» ظاهر فيما إذا كان الوزير من أرباب السيوف، فإنه يتعين تقديم الوزيريّ فيذكر بعد الأميريّ ليدل من الابتداء على الوظيفة، إذ مطلق الإمرة لا يدلّ على وزارة ولا عدمها، فلو أخّر إلى آخر الألقاب لما عرف أنها ألقاب وزير إلى حين ذكر هذا اللقب، وإنما رتّب هذا الترتيب ليدلّ باللقب الذي هو أوّل الألقاب بعد العالي أو السامي على حال صاحب تلك الألقاب هل هو من أرباب السيوف أو الأقلام أو غير ذلك، وباللقب الذي هو آخر الألقاب المفردة على وظيفته الخاصّة به.
النمط الخامس (ما يقع فصلا بين الألقاب المفردة والمركّبة)
وهو لقب التعريف كالفلانيّ وفلان الدين، فقد جعلوه فاصلا بينهما.
النمط السادس (ما ليس له موضع مخصوص من الألقاب المفردة)
وهو ما بين اللقب الذي يقع به التمييز بين الأميريّ ونحوه، وبين اللقب الذي قبل لقب التعريف كالعالميّ والعادليّ ونحوهما، فالقلم في ذلك مطلق العنان بالتقديم والتأخير على ما يقتضيه الحال بحسب ما يراه الكاتب.
(6/115)

النوع الثاني (مما تتفاوت فيه مراتب الألقاب بالتقديم والتأخير، الألقاب المركبة المعبّر عنها بالنّعوت، وهي على ثلاثة أنماط)
النمط الأوّل (ما يلي لقب التعريف الذي هو الفلانيّ أو فلان الدين)
وهو ما يضاف إلى الإسلام مثل ركن الإسلام والمسلمين وعزّ الإسلام والمسلمين وما أشبه ذلك، فقد اصطلحوا على أن يكون ذلك أوّل الألقاب المركّبة، وتوجيهه ظاهر لأن المضاف يشرف بشرف المضاف إليه، ولا أشرف عند أهل الإسلام من الإسلام فوجب تقديم ما يضاف إليه على غيره.
النمط الثاني (ما يقع في آخر الألقاب المركّبة)
ويختلف الحال فيه باختلاف حال المكتوب له، فإن كان ممن يكتب له المجلس السامي بغير ياء فما دونه جعل آخر الألقاب فيه ما يضاف إلى الملوك والسلاطين، مثل أن يقال: صفوة الملوك والسلاطين، أو اختيار الملوك والسلاطين وما أشبه ذلك. وإن كان ممن يكتب له الساميّ بالياء فما فوقه جعل آخر الألقاب فيه ما يضاف إلى أمير المؤمنين، مثل عضد أمير المؤمنين، ووليّ أمير المؤمنين، وخالصة أمير المؤمنين، وما أشبه ذلك على ما تقتضيه رتبة المكتوب له. والمعنى فيه أنّ حسن الاختتام بالإضافة إلى الملوك والسلاطين الذين هم ثاني رتبة الخلافة.
النمط الثالث (ما بين أوّل الألقاب المركّبة وبين آخرها)
فقد اصطلحوا على أن يكون المقدّم منها مما يقتضي تقديم المكتوب له على أبناء جنسه، مثل: سيّد الأمراء في العالمين، وسيّد العلماء والحكّام في
(6/116)

العالمين، وما أشبه ذلك، ثم في حقّ كل أحد من أرباب الأقلام والسيوف بحسب ما يقتضيه حاله على نحو ما تقدّم في الكلام على ما تتفاوت رتبه بالعلوّ والهبوط.
الجملة الثامنة (في بيان محل اللّقب المضاف إلى الملك ولقب التعريف الخاصّ به الواقع تلو اللقب الملوكيّ، مثل الملكيّ الناصريّ الزّينيّ وما أشبه ذلك؛ وله ثلاثة أحوال)
الحالة الأولى- أن يكون ذلك في ألقاب السلطان نفسه
، كما يقع في التقاليد والمناشير ونحوهما، فموضعه بعد رسم بالأمر الشريف، أو خرج الأمر الشريف، مثل أن يكتب رسم بالأمر الشريف العالي المولويّ السلطانيّ الملكيّ الناصريّ الزّينيّ، أو- فلذلك رسم بالأمر الشريف الفلانيّ، أو خرج الأمر الشريف العالي المولويّ السلطانيّ الملكيّ الفلانيّ الفلانيّ، وما أشبه ذلك.
الحالة الثانية- أن يكون اللقب المضاف إلى الملك في ألقاب المكتوب له
، كما لو كتب في تقليد أو نحوه. ومحلّه بعد ذكر اسم المكتوب له بعد الألقاب، مثل أن يقال بعد انتهاء الألقاب: فلان الظاهريّ أو الناصريّ ونحو ذلك، ولا يقال له: الملكيّ حينئذ.
الحالة الثالثة- أن يكون في ألقاب المكتوب عنه
كما يكتب في أوّل المكاتبات الملكيّ الفلانيّ، وقد اصطلحوا على أن يكتب ذلك تحت جرّة البسملة على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(6/117)

الجملة التاسعة (في ترتيب جملة الألقاب الفروع على الألقاب الأصول على قدر طبقاتها
، وهي قسمان)
القسم الأوّل (الألقاب الإسلاميّة)
واعلم أن ترتيب الألقاب تارة يكون في السّلطانيّات، وتارة يكون في الإخوانيّات وما يكتب عن النّواب. وقد كانوا في الأيّام الناصريّة «محمد بن قلاوون» يستعملون في الإخوانيّات وما يكتب عن النّواب النّعوت المركّبة كما في السّلطانيات، لا يفرق بينهما إلا ما في الإخوانيات وما في معناها من الألقاب التي لا تصلح للسلطانيات، كالمولويّ والسيّديّ والمخدوميّ ونحوها. أما الآن فقد وقع الاقتصار فيها على المفردات دون المركّبات، وصارت المركّبات مختصة بالسلطانيّات.
ثم الألقاب الإسلامية الفروع المرتّبة على الألقاب الأصول على سبعة أضرب:
الضرب الأوّل (الألقاب المتعلّقة بالخلافة وما يلتحق بها، ومبناها على الاختصار؛ وهي ثلاثة أنواع)
النوع الأوّل (ألقاب الخلفاء، وهي صنفان)
الصنف الأوّل- أن تكون لنفس الخليفة
، فكان يقال فيها في الزمن القديم «عبد الله فلان أمير المؤمنين» [فإن كان اسم الخليفة عبد الله كالمأمون كرّر الاسم مرتين: مرة للاسم العلم ومرة للقب الخلافة، فيقال: «عبد الله عبد الله
(6/118)

أمير المؤمنين» ] «1» ثم زيد فيها الكنية بعد ذلك، فقيل «عبد الله فلان أبو فلان أمير المؤمنين» ثم زيد لفظ الإمام فقيل «عبد الله فلان أبو فلان [الإمام] «2» الفلانيّ- بلقب الخلافة مثل المتوكل على الله ونحوه- أمير المؤمنين» ثم زيد ووليّه بعد عبد الله، فقيل: «عبد الله ووليّه فلان أبو فلان الإمام الفلانيّ أمير المؤمنين» وهو ما استقرّ عليه الحال آخرا.
الصنف الثاني- أن تكون الألقاب للدّيوان في مكاتبة أو غيرها
. والذي اصطلح عليه أن يقال «الدّيوان العزيز المولويّ السيّديّ. النّبويّ الإماميّ الفلانيّ» بلقب الخلافة.
النوع الثاني (ألقاب ولاة العهد بالخلافة)
وهي «الجانب الشريف، المولويّ السيّديّ، النّبويّ، الفلانيّ» بلقبه المنسوب إلى الخلافة. وربما قيل فيه الجناب بدل الجانب، وبقيّة الألقاب على ما تقدّم.
النوع الثالث (ألقاب إمام الزيدية باليمن)
وهي «الجناب الكريم، العالي، السيّديّ، الإماميّ، الشّريفيّ، النّسيبيّ، الحسيبيّ، الفلانيّ» بلقب التعريف «سليل الأطهار، جلال الإسلام، سيف الإمام، بقيّة البيت النبويّ، فخر الحسب العلويّ، مؤيّد أمور الدين، خليفة الأئمة، رأس العلياء، صالح الأولياء، علم الهداة، زعيم المؤمنين، ذخر المسلمين، منجد الملوك والسلاطين» .
(6/119)

الضرب الثاني (الألقاب الملوكية، وهي نوعان)
النوع الأوّل (الألقاب التي اصطلح عليها للسلطان بالدّيار المصرية على ما الحال مستقرّ عليه، وقد ذكر فيها في التعريف مذهبين)
المذهب الأوّل- أن يقال «السّلطان السيّد الأجلّ الملك الفلانيّ العالم العادل المجاهد المرابط المثاغر المؤيّد المظفّر المنصور الشاهنشاه فلان الدنيا والدّين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، وارث الملك، ملك العرب والعجم والتّرك، ظلّ الله في أرضه، القائم بسنّته وفرضه، إسكندر الزمان، مملّك أصحاب المنابر والأسرّة والتّيجان، واهب الأقاليم والأمصار، مبيد الطّغاة والبغاة والكفّار، حامي الحرمين الشريفين والقبلتين، جامع كلمة الإيمان، لواء العدل والإحسان، سيّد ملوك الزمان، أبو فلان فلان، ابن السلطان الشهيد الملك الفلاني، والد الملوك والسلاطين، أبي فلان فلان» .
أما في «التثقيف» فإنه ذكر ذلك بزيادة وتغيير، وتقديم وتأخير- فقال:
«السلطان الأعظم، المالك الملك الأشرف السيد الأجلّ العالم العادل المؤيّد المجاهد المرابط المثاغر المظفّر الشاهنشاه ناصر الدّنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك، فاتح الأقطار، مانح الممالك والأمصار، إسكندر الزمان، مولي الإحسان، جامع كلمة الإيمان، مملّك أصحاب المنابر والتّخوت والتّيجان، ملك البحرين، مسلّك سبل القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، ظلّ الله في أرضه، القائم بسنّته وفرضه، سلطان البسيطة، مؤمّن الأرض المحيطة، سيد الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين، أبو فلان فلان بن فلان» . وذكر أن الغالب أن تحذف الشاهنشاه، لأن معناها ملك
(6/120)

الأملاك، وقد تقدّم النهي عن التسمّي بذلك. ثم قال: والواجب أن يكون بدل وليّ أمير المؤمنين، قسيم أمير المؤمنين.
المذهب الثاني- أن يكتب المقام الشريف أو الكريم أو العالي مجرّدا عنهما، ويقتصر على المفردة دون المركّبة، مثل أن يكتب «المقام الشريف العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ، أبو فلان فلان» . قال في «التعريف» : وإلى هذا ذهب المتأخرون من الكتّاب؛ ثم قال: وأنا على الأوّل أعمل.
النوع الثاني (الألقاب التي يكتب بها عن السلطان لغيره من الملوك، وهي على ثلاثة أصناف)
الصنف الأوّل (ألقاب ولاة العهد بالسّلطنة)
«وهي المقام العالي، العالميّ، العادليّ، الملكيّ، الفلانيّ، الفلانيّ- بلقب الملك واللقب المتعارف» . قال في «التثقيف» : فإن كان أخا للسلطان زيد فيه الأخويّ، أو ولدا زيد فيه الولديّ.
الصنف الثاني (ألقاب الملوك المستقلّين بصغار البلدان)
كما كان صاحب حماة في الدولة الناصرية، محمد «1» بن قلاوون، وكان
(6/121)

يكتب له: «المقام الشريف العالي السّلطانيّ الملكيّ الفلانيّ، بلقب الملك» .
وربما كتب له قبل لقب الملك «الأصيليّ» لعراقته في الملك.
الصنف الثالث (ألقاب المكتوب إليهم من الملوك عن الأبواب السلطانية، وهي نمطان)
النمط الأوّل (ما يصدّر بالألقاب المذكّرة. وهي على أربع طبقات)
الطبقة الأولى- ما يصدّر بالمقام
. وأعلاها «المقام الأشرف» كألقاب صاحب الهند، وهي: «المقام الأشرف العالي المولويّ السلطانيّ الأعظميّ الشاهنشاهيّ العالميّ العادليّ المجاهديّ المثاغريّ المظفّريّ المؤيّديّ المنصوريّ إسكندر الزمان، سلطان الأوان، منبع الكرم والإحسان، المعفّي آل ساسان، وبقايا فراسياب وخاقان، ملك البسيطة، سلطان الإسلام، غياث الأنام، أوحد الملوك والسلاطين» .
ودونه «المقام الشريف» كألقاب الشيخ حسن الكبير صاحب بغداد كان، وهي: «المقام الشريف العالي الكبيريّ السلطانيّ العالميّ العادليّ المجاهديّ المؤيّديّ المرابطيّ المنصوريّ الملكيّ الفلانيّ- بلقبي الملك والتعارف.
ودونه «المقام العالي» كألقاب القان ببلاد أزبك فيما ذكره في «التثقيف» وهي: «المقام العالي السلطانيّ الكبيريّ الملكيّ الأكرميّ الفلانيّ- بلقب التعريف- فلان الدّنيا والدين مؤيّد الغزاة والمجاهدين قاتل الكفرة والمشركين، وليّ أمير المؤمنين» . وكألقاب صاحب المغرب فيما ذكره في «التعريف» وهي: «المقام العالي السلطانيّ السيد الأجلّ العالم العادل المجاهد المرابط المثاغر المؤيّد المظفّر المنصور على أعداء الله أمير المسلمين، قائد الموحّدين، مجهّز الغزاة والمجاهدين، مجنّد الجنود، عاقد
(6/122)

البنود، ماليء صدور البراري والبحار، مزعزع أسرّة الكفّار، مؤيّد السنّة، معزّ الملّة، شرف الملوك والسلاطين، بقيّة السلف الكريم، والنّسب الصّميم، ربيب الملك القديم، أبو فلان فلان» .
الطبقة الثانية- ما يصدّر بالمقرّ
، وأعلاها فيما رأيت «المقرّ الكريم» كألقاب صاحب هراة «1» فيما ذكره في «التعريف» وهي: «المقرّ الكريم» العالي العالميّ العادليّ المجاهديّ المؤيّديّ المرابطيّ المثاغريّ الأوحديّ الفلانيّ، شرف الملوك والسلاطين، خليل أمير المؤمنين» . وكألقاب صاحب كرمينان [من بلاد الروم] «2» فيما ذكره في «التثقيف» وهي: «المقرّ الكريم العالي الملكيّ الأجلّيّ العالميّ [العادليّ] «3» المجاهديّ المؤيّديّ المرابطيّ المثاغريّ المظفّريّ المنصوريّ الفلانيّ، عزّ الإسلام والمسلمين، فخر الملوك والسلاطين، نصير الغزاة والمجاهدين، زعيم الجيوش مقدّم العساكر ظهير أمير المؤمنين» .
ودونه «المقر العالي» كألقاب صاحب مالّي من بلاد التّكرور «4» فيما ذكره في «التعريف» ، وهي: «المقرّ العالي السلطانيّ الجليل الكبير العالم العادل المجاهد المؤيّد الأوحد؛ عزّ الإسلام، شرف ملوك الأنام، ناصر الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، جمال الملوك والسلاطين؛ سيف الخلافة، ظهير الإمامة، عضد أمير المؤمنين» .
الطبقة الثالثة- ما يصدّر بالجناب
. وأعلاها «الجناب الكريم» كألقاب ملك التّكرور فيما ذكره في «التثقيف» أنه استقرّ عليه الحال، وهي: «الجناب
(6/123)

الكريم، العالي الملك الجليل العالم العادل المجاهد المؤيّد المثاغر المرابط العابد الخاشع الناسك الأوحد فلان، ذخر الإسلام» . وكألقاب ملكي البرنو والكانم «1» فيما ذكره في «التعريف» وهي: «الجناب الكريم العالي الملك الجليل الكبير العالم العادل الغازي المجاهد الهمام الأوحد المظفّر المنصور عزّ الإسلام» . ثم بقيّة الألقاب من نسبة ألقاب ملك التّكرور.
الطبقة الرابعة- ألقاب المجلس
. وأعلاها «المجلس العالي» كألقاب صاحب حصن كيفا «2» فيما ذكره في «التعريف» وهو: «المجلس العالي الملكيّ الفلانيّ الأجلّيّ العالميّ العادليّ المجاهديّ المؤيّديّ المرابطيّ المثاغريّ الأوحديّ الأصيليّ الفلاني- بلقب التعريف- عزّ الإسلام والمسلمين، بقيّة الملوك والسلاطين، نصير الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، شرف الدول، ذخر الممالك، خليل أمير المؤمنين أو عضد أمير المؤمنين» على مخالفة فيه فيما أورده في «التثقيف» تأتي في المكاتبة إليه.
ودونه المجلس الساميّ بالياء- كألقاب صاحب أرزن «3» ، وهي «المجلس الساميّ الملكيّ الفلانيّ- بلقب الملك- الأصيليّ الكبيريّ العالميّ المجاهديّ المؤيّديّ المرابطيّ الأوحديّ الفلاني- بلقب التعريف- عزّ الإسلام، شرف الملوك في الأنام، بقيّة السلاطين، نصرة الغزاة والمجاهدين، وليّ أمير المؤمنين» .
ودونه المجلس بغير ياء في ألقابه كألقاب صاحب دنقلة «4» إذا كان
(6/124)

مسلما، فيما ذكره في «التعريف» وهي: «المجلس الكبير الغازي المجاهد المؤيّد الأوحد العضد، مجد الإسلام، زين الأنام، فخر المجاهدين، عمدة الملوك والسلاطين» ولم يذكر فيه السامي ولا لقبا مضافا إلى الملك، وهو الملكيّ: إلا أنهم أوردوه في عدّة الملوك.
قلت وأكثر هذه الألقاب يؤتى فيها بالألقاب المختصّة بالملك، إما في المفردة كالملكيّ الفلانيّ، وإما في المركّبة مثل «بقيّة الملوك والسلاطين» ونحو ذلك، لتدلّ على أن المكتوب له ملك فيمتاز عن غيره. وربما أتي فيها بالألقاب الإماريّة دون الملوكية لوقوع اصطلاح أهل تلك المملكة على ذلك.
كما يكتب في ألقاب صاحب تونس «أمير المؤمنين» لادّعائه الخلافة، وفي ألقاب صاحب فاس «أمير المسلمين» اتباعا ليوسف «1» بن تاشفين صاحبها في القديم، إذ كان أوّل من تلقب بذلك خضوعا عن أن يتلقّب بأمير المؤمنين، لاختصاصه بالخلافة كما سيأتي الكلام عليه في المكاتبة إليه إن شاء الله تعالى.
النمط الثاني (ما يصدّر بالألقاب المؤنّثة، وهي الحضرة)
ويختلف الحال فيها باختلاف الممالك؛ فألقاب القان بمملكة إيران على ما كان عليه الحال في أيام السلطان أبي سعيد وما قبله «الحضرة، الشريفة، العالية، السلطانيّة، الأعظميّة، الشاهنشاهيّة، الأوحدية، القانيّة، الفلانية» .
قال في «التعريف» : ولا يخلط فيها الملكية لهوانها لديهم وإن كان صاحب «التثقيف» قد أثبت فيها الملكية أيضا على ما سيأتي في الكلام على المكاتبة
(6/125)

إليه في موضعه إن شاء الله تعالى. وألقاب صاحب تونس فيما ذكره في «التثقيف» «الحضرة، العلية، السّنيّة، السّريّة، المظفّرية، الميمونة، المنصورة، المصونة، حضرة الأمير العالم» إلى آخر الألقاب المذكورة.
الضرب الثالث (من الألقاب الإسلامية الألقاب العامّة لسائر الطوائف مما يكتب به عن الأبواب [السلطانية] «1» ، وهي ثمانية أنواع)
النوع الأوّل (ألقاب أرباب السيوف من أهل المملكة وغيرهم: من الأمراء والعربان والأكراد والتّركمان. وهي على خمس درجات)
الدرجة الأولى (درجة المقرّ، وفيها ثلاث مراتب)
المرتبة الأولى- مرتبة المقرّ الشريف
، وهو مختصّ في عرف الزمان بما يكتب عن نوّاب السلطنة.
وصورتها على ما أورده في «عرف التعريف» : «المقرّ الشريف، العالي، المولويّ، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الزّعيميّ، المقدّميّ، الغوثيّ، الغياثيّ، المرابطيّ، المثاغريّ، الظّهيريّ، المالكيّ، المخدوميّ، الفلاني؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، زعيم الجيوش، مقدّم العساكر، عون الأمة، غياث الملّة، ممهّد الدّول، مشيّد الممالك، ظهير الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين» .
المرتبة الثانية- مرتبة المقرّ الكريم
، وهي مستعملة في السّلطانيات وما
(6/126)

يكتب عن النّوّاب.
فأما في السّلطانيات فصورتها على ما أورده في «التثقيف» في الألقاب المستقرّة للنائب الكافل ونائب الشام: «المقرّ الكريم، العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الزّعيميّ، الغوثيّ، الغياثيّ، المثاغريّ، المرابطيّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظّهيريّ، العابديّ، الناسكيّ، الأتابكيّ، الكفيليّ، الفلانيّ؛ معزّ الإسلام والمسلمين، سيّد أمراء العالمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، ممهّد الدّول، مشيّد الممالك، عماد الملّة، عون الأمّة، ظهير الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين» .
وأما فيما يكتب عن النّواب فقد ذكر في «التعريف» أنّ ألقابها من نسبة ما تقدّم في ألقاب المقرّ الشريف.
وصورتها على ما أورده شهاب الدين الفارقي في دستوره عن نائب الشام:
«المقرّ الكريم، العالي، المولويّ، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الممهّديّ، الغوثيّ، المقدّميّ، الذّخريّ، الغياثيّ، الفلاني؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيد الأمراء في العالمين، زعيم جيوش الموحّدين، مقدّم العساكر المجاهدين، ذخر الدولة، بهاء الملّة، ممهّد المملكة، ظهير الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده الصّلاح الصّفديّ «1» في دستوره عن نائب الشام أيضا: «المقرّ الكريم، العالي، المولويّ، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ،
(6/127)

العادليّ، المؤيّديّ، المجاهديّ، الذّخريّ، العضديّ، النّصيريّ، المقدّميّ، الغوثيّ، الغياثيّ، الفلانيّ، ركن الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، غياث الملّة، كهف الأمّة، ذخر الملوك والسلاطين» . ثم قال: وإن كان المكتوب إليه نائب سلطنة زيد في ألقابه «الممهّديّ، المشيّديّ، الزّعيميّ، المدبّريّ، الكافليّ، الفلانيّ» .
وصورتها على ما أورده غيره: «المقرّ الكريم، العالي، المولويّ، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، الغوثيّ، الغياثيّ، الذّخريّ، الزّعيميّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، جمال الدولة، ذخر الملّة، زين المملكة، عين السلطنة، سفير الأمة، ظهير الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما رأيته في بعض الدّساتير عن نائب حلب: «المقرّ الكريم، العالي، المولويّ، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الذّخريّ، المشيّديّ، الزّعيميّ، الظّهيريّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، زعيم الجيوش، مقدّم العساكر، عون الأمّة، ظهير الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثالثة- مرتبة المقرّ العالي
. وقد ذكر في «عرف التعريف» أن ألقابها من نسبة ما تقدّم في المقرّ الشريف. وذكر الصّلاح الصّفديّ في دستوره عن نائب الشام في ألقابه ما تقدّم له في ألقاب المقرّ الكريم ثم قال: إلا أنه لا يقال فيه الذّخريّ.
وصورتها على ما رأيته في توقيع نقيب الأشراف بحلب عن النائب بها:
«المقرّ العالي، الأميريّ، الكبيريّ، النّقيبيّ، الشّريفيّ، الحسيبيّ، النّسيبيّ، العريقيّ، الأصيليّ، الفاضليّ، العلّاميّ، الحجّيّ، القدويّ، الناسكيّ، الزاهديّ، العابديّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، جلال العلماء العاملين، جمال الفضلاء البارعين، حجّة الأمراء الحاكمين، زين العترة
(6/128)

الطاهرة، شرف الأسرة الزاهرة، حجّة العصابة الهاشمية، قدوة الطائفة العلويّة، نخبة الفرقة الناجية الحسينية، شرف أولي المراتب، نقيب أولي المناقب، ملاذ الطّلّاب الراغبين، بركة الملوك والسلاطين» .
الدرجة الثانية (درجة الجناب، وفيها ثلاث مراتب)
المرتبة الأولى- مرتبة الجناب الشريف
، وليست مستعملة في السلطانيات، وهي مستعملة فيما يكتب عن النّواب.
وصورتها على ما أورده في «عرف التعريف» : «الجناب الشريف العالي، المولويّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، الممهّديّ، الذّخريّ، الأوحديّ، العونيّ، الظّهيريّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء المقدّمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، عماد الملة، عون الأمّة، ذخر الملّة، ظهير الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين» .
المرتبة الثانية- مرتبة الجناب الكريم
، وهي مستعملة في السّلطانيات وما يكتب عن النّواب.
فأما في السلطانيات فصورتها على ما أورده في «التعريف» في ألقاب النائب الكافل في الزّمن المتقدّم: «الجناب الكريم العالي، الأميريّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الزّعيميّ، الذّخريّ، المقدّميّ، العونيّ، الغياثيّ، المرابطيّ، المثاغريّ، المظفّريّ، المنصوريّ، الأتابكيّ؛ ركن الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، أتابك الجيوش، مقدّم العساكر، زعيم الجنود، عاقد البنود، ذخر الموحّدين، ناصر الغزاة والمجاهدين، غياث الأمّة، عون الملّة، مشيّد الدّول، كافل الممالك، ظهير الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب النائب الكافل أيضا على ما كان الحال عليه أوّلا: «الجناب الكريم العالي، الأميريّ، الكبيريّ،
(6/129)

العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الزّعيميّ، العونيّ، الغياثيّ، المثاغريّ، المرابطيّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظّهيريّ، الكافليّ، الفلانيّ؛ مؤيّد الإسلام والمسلمين، سيّد أمراء العالمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، مقدّم العساكر، ممهّد الدول، مشيّد الممالك، عماد الملّة، عون الأمّة، كافل السلطنة، ظهير الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في «التعريف» في ألقاب نائب الشام على ما كان الحال عليه أوّلا: «الجناب الكريم العالي، الأميريّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الممهّديّ، المشيّديّ، العونيّ، الغياثيّ، الذّخريّ، الزّعيميّ، المقدّميّ، الظّهيريّ، الكافليّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، زعيم الجيوش، مقدّم العساكر، عون الأمّة، غياث الملّة، ممهّد الدول، مشيّد الممالك، ظهير الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في المكاتبة لنائب الشام على ما كان عليه الحال أيضا: «الجناب الكريم العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الزّعيميّ، العونيّ، الغياثيّ، المثاغريّ، المرابطيّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظّهيريّ، الكافليّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، مقدّم العساكر، ممهّد الدول، مشيّد الممالك، عماد الملّة، عون الأمّة، ظهير الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في المكاتبة إلى أحد الأمراء الألوس بمملكة إيران في دولة السلطان أبي سعيد: «الجناب الكريم العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الزّعيميّ، العونيّ، الغياثيّ، المثاغريّ، المرابطيّ، الممهّديّ، المشيّديّ، النّوينيّ، الفلانيّ؛ عون الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، ممهّد الدّول، عماد الملّة، عون الأمّة، كافي الدولة
(6/130)

القانيّة، كافل المملكة الشرقية، أمير التّوامين، أمير الألوس، ظهير الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب ابن المظفّر اليزدي:
«الجناب الكريم العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، العونيّ، الزّعيميّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظّهيريّ، الغياثيّ، المثاغريّ، المرابطيّ، النّوينيّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، مقدّم العساكر، ممهّد الدول، مشيّد الممالك، عماد الملّة، عون الأمّة، حاكم أمور ولاة الزمان، موضّح قوانين العدل والإحسان، اعتضاد صناديد الأوان، مستنيب ملوك العجم، مستخدم أرباب الطّبل والعلم، ظهير الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين» .
وأمّا فيما يكتب عن النواب وما كان يكتب به في الإخوانيات في الزمن المتقدّم، فقد ذكر في «عرف التعريف» أن ألقابه من نسبة ما تقدم في ألقاب الجناب الشريف.
وصورتها على ما أورده القاضي شهاب الدين الفارقيّ في دستوره عن نائب الشام: «الجناب الكريم العالي، المولويّ، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، العضديّ، النّصيريّ، المؤيّديّ، المقدّميّ، الذّخريّ، الفلانيّ؛ مجد الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، ظهير الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما أورده الصّلاح الصفديّ في دستوره عن نائب الشام:
«الجناب الكريم العالي، المولويّ، الأميريّ، العالميّ، العادليّ، العونيّ، الغياثيّ، الظّهيريّ، المقدّميّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، ظهير الملوك والسلاطين» .
(6/131)

وصورتها على ما أورده الصّلاح الصفدي في دستوره عن نائب الشام:
«الجناب الكريم العالي، المولويّ، الأميريّ، العالميّ، العادليّ، العونيّ، الغياثيّ، الظّهيريّ، المقدّميّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء في العالمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، ظهير الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثالثة- مرتبة الجناب العالي
، وهي مستعملة في السلطانيات وما يكتب عن النواب وما كان في الإخوانيّات قديما.
فأمّا في السلطانيات فلها رتبتان:
الرتبة الأولى- مع الدعاء بمضاعفة النعمة
. وصورتها على ما أورده في «التعريف» في ألقاب نائب حلب على ما كان الحال عليه أوّلا: «الجناب العالي، الأميريّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، الممهّديّ، المشيّديّ، العونيّ، الذّخريّ، الزّعيميّ، المقدّميّ، الظّهيريّ، المرابطيّ، المثاغريّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيد الأمراء في العالمين، نصير الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، عماد الأمّة، ذخر الدولة، ظهير الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب نائب طرابلس ومن في رتبته: «الجناب العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، العونيّ، الزّعيميّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظّهيريّ، الكافليّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد أمراء العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، مقدّم العساكر، ممهّد الدّول، مشيّد الممالك، عماد الملّة، عون الأمّة، ظهير الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب قطلوبغا إيناق أحد أمراء الألوس ببلاد أزبك: «الجناب العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، العونيّ، الزعيميّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظهيريّ، النّوينيّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، زعيم الجيوش، مقدّم العساكر، كهف الملّة، ذخر الدولة،
(6/132)

ظهير الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين» .
الرتبة الثانية- مع الدعاء بدوام النعمة.
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب مقدّم العسكر بغزّة ومن في رتبته: «الجناب العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الأوحديّ، النّصيريّ، العونيّ، الهماميّ، المقدّميّ، الظّهيريّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، مقدّم العساكر، كهف الملّة، ذخر الدّولة، عماد المملكة، ظهير الملوك والسلاطين، حسام أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب مماي، أحد الحكّام ببلاد أزبك كان: «الجناب العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، الذّخريّ، النّصيريّ، الهماميّ، المقدّميّ، النّوينيّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، مقدّم العساكر، ذخر الدولة، عضد الملوك والسلاطين، حسام أمير المؤمنين» .
وأمّا ما يكتب عن النواب وما كان يكتب في الإخوانيات قديما، فقد ذكر في «عرف التعريف» أن ألقابه من نسبة ما تقدّم في ألقاب الجناب الشريف.
وصورتها على ما أورده الصّلاح الصفديّ في دستوره عن نائب الشام في الرتبة الأولى منها: «الجناب العالي، الأميريّ، الأجليّ، الكبيريّ، المؤيّديّ، المجاهديّ، العونيّ، المقدّميّ، الاسفهسلاريّ، الظّهيريّ، الفلانيّ؛ مجد الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء المقدّمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، عضد الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما أورده في «التذكرة الآمديّة» عن نائب الشام أيضا في الرتبة الثانية من هذه المرتبة: «الجناب العاليّ، الأميريّ، الكبيريّ، العضديّ، الذّخريّ، النّصيريّ، المؤيّديّ، المقدّميّ، الظّهيريّ، الفلانيّ، مجد الإسلام
(6/133)

والمسلمين، شرف الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، ظهير الملوك والسلاطين» .
الدرجة الثالثة (درجة المجلس وفيها ثلاث مراتب)
المرتبة الأولى (مرتبة المجلس العالي)
وهي مستعملة في السلطانيات وما يكتب عن النواب وما كان يكتب في الإخوانيات قديما.
فأما في السلطانيات فلها رتبتان:
الرتبة الأولى- مع الدعاء للمجلس.
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب نائب الكرك: «المجلس العاليّ، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، المقدّمي، الأوحديّ، النّصريّ، الهماميّ، الظّهيريّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، مقدّم العساكر، كهف الملّة، ذخر الدولة، ظهير الملوك والسلاطين، حسام أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» أيضا في ألقاب وزير القان ببلاد أزبك: «المجلس العاليّ الأميريّ، الكبيريّ، الذّخريّ، الأوحديّ، الأكمليّ، المتصرّفيّ، العونيّ، الوزيريّ، الفلانيّ؛ مجد الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء والوزراء في العالمين، جمال المتصرّفين، أوحد الأولياء المقرّبين، ذخر الدولة، مشير الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» أيضا في ألقاب حافظ أخي علي باشاه: «المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، الأوحديّ، النّصيريّ، العونيّ، الهماميّ، المقدّميّ، الظّهيريّ،
(6/134)

النّوينيّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، زعيم الجيوش، مقدّم العساكر، كهف الملّة، عماد الأمّة، ظهير الملوك والسلاطين، حسام أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب أمير مكة المشرفة:
«المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، الشريفيّ، الحسيبيّ، النّسيبيّ، العالميّ، المجاهديّ، المقدّميّ، الأوحديّ، النّصيريّ، العونيّ، الهماميّ، الظّهيريّ، الأصيليّ، العريقيّ، الشّهابيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء الأشراف في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، كهف الملّة، عون الأمّة، فخر السّلالة الزاهرة، زين العترة الطاهرة، بهاء العصابة العلوية، جمال الطائفة الهاشمية، ظهير الملوك والسلاطين، نسيب أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب أمير آل فضل من عرب الشام: «المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، الأوحديّ، النّصيريّ، العونيّ، الهماميّ، المقدّميّ، الظهيريّ، الأصيليّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء العربان في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، مقدّم العساكر، كهف الملّة، ذخر الدولة، عماد العرب، ظهير الملوك والسلاطين، حسام أمير المؤمنين» .
الرتبة الثانية- المجلس العالي مع صدرت.
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب نائب الرّحبة ومن في رتبته: «المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العضديّ، الذّخريّ، النّصيريّ، الأوحديّ، المؤيّديّ، العونيّ، الهماميّ، المقدّميّ، الظهيريّ، الفلانيّ؛ مجد الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء المقدّمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، مقدّم العساكر، ذخر الدولة، كهف الملّة، ظهير الملوك والسلاطين.
(6/135)

وأما فيما يكتب عن النّواب وما كان يكتب في الإخوانيّات أوّلا، فصورتها على ما أورده في «عرف التعريف» : «المجلس العالي، الأميريّ، الأسفهسلاريّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، النّصيريّ، الظّهيريّ، الفلانيّ؛ مجد الإسلام والمسلمين، زين الأمراء المقدّمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، عضد الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما أورده الصلاح الصّفديّ في دستوره عن نائب الشام:
المجلس العالي، الأميريّ، الأجليّ، الكبيريّ، المؤيّديّ، المجاهديّ، الاسفهسلاريّ، العونيّ، الظّهيريّ، الفلانيّ، مجد الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء المقدّمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، عضد الملوك والسلاطين.
وصورتها على ما أورده في «التذكرة الآمديّة» عن نائب الشام:
«المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العضديّ، النّصيريّ، المؤيّديّ، المجاهديّ، الذّخريّ؛ مجد الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء المقدّمين، ذخر الغزاة والمجاهدين، عضد الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثانية (مرتبة المجلس الساميّ بالياء)
وهو مستعمل في السلطانيات وغيرها.
فأما في السلطانيات، فصورتها على ما ذكره المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في بعض دساتيره في توقيع نقيب الأشراف: «المجلس الساميّ، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، الشريفيّ، الحسيبيّ، النّسيبيّ، الذّخريّ، النّصيريّ، الأوحديّ، الأصيليّ؛ عزّ الإسلام، زين الأنام، نسيب الإمام، شرف الأمراء، نقيب النّقباء، جمال العترة الطاهرة، جلال الأسرة الزاهرة، ذخر الغزاة والمجاهدين، ظهير الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين» .
(6/136)

وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب الكشّاف بالوجهين القبليّ والبحريّ بالديار المصرية: «المجلس الساميّ، الأميريّ، الكبيريّ، الذّخريّ، النّصيريّ، الأوحديّ، المؤيّديّ، الفلانيّ؛ مجد الإسلام، بهاء الأنام، شرف الأمراء، أوحد المجاهدين، عضد الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما رأيته في بعض المراسيم لأمير آل «1» مرا من عرب الشام: «المجلس الساميّ، الأميريّ، الكبيريّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، العضديّ، الذّخريّ، النّصيريّ، الأوحديّ، الأصيليّ، العريقيّ؛ مجد الإسلام، بهاء الأنام، شرف الأمراء، زين القبائل، فخر العشائر، ملاذ العرب، عضد الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب وزير الشيخ أويس ببغداد: «المجلس الساميّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، الأوحديّ، المقدّميّ، المنتخبيّ، الفلانيّ؛ مجد الإسلام، بهاء الأنام، شرف الرؤساء، أوحد الأعيان، صفوة الملوك والسلاطين» .
وصورتها في ألقاب أمراء العرب: «المجلس الساميّ، الأميريّ، الكبيريّ، الذّخريّ، المؤيّديّ، الفلانيّ؛ مجد الإسلام، بهاء الأنام، زين القبائل، فخر العشائر، عماد الملوك والسلاطين» .
وأما فيما يكتب عن النّواب ونحوهم، فصورتها على ما أورده في «عرف التعريف» : «المجلس الساميّ، الأميريّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، المؤيّديّ، العضديّ، النّصيريّ، الأوحديّ، الهماميّ، الفلانيّ؛ مجد الإسلام، زين الأمراء في الأنام؛ ذخر الغزاة والمجاهدين، عضد الملوك والسلاطين» .
(6/137)

وصورتها على ما أورده شهاب الدين الفارقيّ في دستوره عن نائب الشام:
«المجلس الساميّ، الأميريّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، العضديّ، النّصيريّ، المؤيّديّ، الفلانيّ؛ مجد الإسلام، جمال الأمراء، نصرة الغزاة والمجاهدين، عضد الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما أورده الصّلاح الصّفديّ في دستوره عن نائب الشام أيضا: «المجلس الساميّ، الأميريّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، المؤيّديّ، المجاهديّ، العضديّ، النّصيريّ، الهماميّ، الفلانيّ؛ مجد الإسلام، شرف الأمراء، نصرة الغزاة، عمدة الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثالثة (مرتبة المجلس السامى بغير ياء)
وهي مستعملة في السلطانيّات وغيرها.
فأما في السّلطانيات، فصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب الولاة الطّبخاناه بالوجهين القبليّ والبحريّ: المجلس السامي، الأمير، الأجلّ، الكبير، الغازي، المجاهد، المؤيّد، الأوحد، المرتضى؛ فلان الدين، مجد الإسلام، بهاء الأنام، فخر الأمراء، زين المجاهدين، عمدة الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما رأيته في بعض نسخ التّواقيع: ترتيب الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي «1» : «المجلس السامي، الأمير، الأجلّ، الكبير، الحسيب، النّسيب، الطاهر، الكامل، العالم، العامل، الفاضل، الزاهد، الورع، الزّكيّ، التقيّ، فلان الدين، جلال الإسلام، شرف السادة الأشراف، فخر العترة الطاهرة، زين السّلالة الزاهرة، نقيب نقباء الشّرفاء، مجد العصبة
(6/138)

العلويّة، جمال العصبة الفاطميّة، صدر الأئمة العلماء، مجتبى الدولة، بهاء الملّة، خالصة الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما في ألقاب النائب بالينبع: «المجلس السامي، الأمير، الأجلّ، المجاهد، المؤيّد، الشريف، الحسيب، النّسيب، مجد الإسلام، بهاء الأنام، زين العترة، فخر الأسرة، جمال الذّرّية، فخر الشجرة الزّكيّة، عمدة الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب أكابر عربان آل فضل من عرب الشام: «المجلس السامي، الأمير، الأجلّ، الكبير، الغازي، المجاهد، المؤيّد، الأوحد، الأصيل؛ فلان الدين، مجد الإسلام، بهاء الأنام، فخر القبائل، زين العشائر، عماد الملوك والسلاطين» .
وأما فيما يكتب عن النّواب ومن في معناهم، فصورتها على ما أورده في «عرف التعريف» : «المجلس السامي، الأمير، الأجلّ، الكبير، الغازي، المجاهد، المؤيّد؛ فلان الدين، مجد الإسلام، زين الأمراء، فخر الأنام، ذخر الغزاة والمجاهدين، عضد الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما أورده في «التذكرة الآمديّة» عن نائب الشام:
«المجلس السامي، الأمير، الأجلّ، الكبير، المؤيّد، المجاهد، العضد، النّصير، فلان الدين، مجد الأمراء، شرف الخواصّ، زين الغزاة، عدّة الملوك والسلاطين» .
الدرجة الرابعة (درجة مجلس الأمير)
وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها على مرتبة واحدة.
فأما في السلطانيات، فصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب
(6/139)

الولاة العشرات بالوجهين القبليّ والبحريّ: «مجلس الأمير، الأجلّ، الكبير، الغازي، المجاهد، المؤيّد، الأوحد، المرتضى؛ فلان الدين، مجد الأمراء، زين المجاهدين، عدّة الملوك والسلاطين» .
وأما فيما يكتب عن النّوّاب ومن في معناهم، فصورتها على ما أورده في «عرف التعريف» : «مجلس الأمير، الأجلّ، الكبير، الغازي، المجاهد، المرتضى، فلان الدين، فخر الأمراء، زين المجاهدين، عمدة الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما أورده الفارقيّ في دستوره عن نائب الشام: «مجلس الأمير، الأجلّ، الكبير، الأخصّ، الأكمل، الغازي، المجاهد، المرتضي، المختار، فلان الدين، مجد الأمراء، زين الغزاة، عدّة الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما أورده في «التذكرة الآمديّة» : «مجلس الأمير، الأجلّ، الكبير، المؤيّد، المجاهد، الأعزّ، الأخصّ، الأكمل، المجتبى، المختار؛ فلان الدين، مجد الأمراء، زين الغزاة، عدّة الملوك والسلاطين» .
الدرجة الخامسة (درجة الأمير مجرّدا عن مضاف إليه)
وأكثر ما يأتي ذلك في الولايات أو فيمن يكتب بسببه كتاب وما أشبه ذلك.
وصورتها في السلطانيات: «الأمير الأجلّ» وربما زيد على ذلك فقيل:
«الكبير الغازي» .
وصورتها في غير السّلطانيات على ما أورده في «التذكرة الآمديّة» :
«الأمير، الأجلّ، الأخصّ، الأكمل» .
(6/140)

النوع الثاني (من الألقاب الإسلامية الألقاب الدّيوانية، وهي أيضا على خمس درجات)
الدرجة الأولى (درجة المقرّ)
وليست مستعملة في السلطانيات جملة لأنه لا يكتب لأحد من هذا النوع عن السلطان بالمقرّ، وهي مستعملة فيما يكتب عن النّوّاب ومن في معناهم، ولها ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى- مرتبة المقرّ الشريف
، وصورتها على ما أورده في «عرف التعريف» في ألقاب الوزراء من أرباب الأقلام،: «المقرّ الشريف، العالي، المولويّ، الصاحبيّ، الوزيريّ، المنفّذيّ، العالميّ، الممهّديّ، المشيّديّ، العونيّ، الغياثيّ، المالكيّ، المخدوميّ، الفلانيّ؛ صلاح الإسلام والمسلمين، سيّد الوزراء في العالمين، رئيس الأصحاب، قوام الأمّة، نظام الملّة، مدبّر الدولة، ذخر الممالك، ظهير الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في «عرف التعريف» أيضا في ألقاب غير الوزراء من الكتّاب: «المقرّ الشريف، العالي، المولويّ، القضائيّ، السّيّديّ، العالميّ، العادليّ، الممهّديّ، المشيّديّ، العونيّ، الغياثيّ، المالكيّ، المخدوميّ، الفلانيّ، صلاح الإسلام والمسلمين، سيّد الرؤساء في العالمين، رئيس الأصحاب، قوام الأمّة، نظام الملّة، زين الدولة، ذخر الممالك، ظهير الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما رأيته في بعض الدساتير عن نائب الشام في ألقاب بعض كتّاب السّرّ العلماء: «المقرّ الشريف، العالي، المولويّ، القاضويّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، العلّاميّ، الأكمليّ، الأفضليّ، المفيديّ،
(6/141)

الفريديّ، القدويّ، المحقّقيّ، المسلّكيّ، الأصيليّ، العريقيّ، المدبّريّ، المشيريّ، اليمينيّ، السّفيريّ، المالكيّ، المخدوميّ، الشيخيّ، العلّاميّ، ضياء الإسلام والمسلمين، سيّد العلماء والرؤساء والمشايخ في العالمين، رئيس الأصحاب، فخر الكتّاب، حسنة الأيّام، بقيّة السّلف الكرام، صدر مصر والشام، لسان السلطنة، سفير المملكة، شيخ شيوخ العارفين، جامع طرق الواصفين، صدر المدرّسين، مشير الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين» .
المرتبة الثانية- مرتبة المقرّ الكريم
. قال في «عرف التعريف» : والألقاب فيها من نسبة ما تقدّم في ألقاب المقرّ الشريف.
وصورتها على ما أورده الصّلاح الصّفديّ في دستوره عن نائب الشام:
«المقرّ الكريم، العالي، المولويّ، القضائيّ، العالميّ، القواميّ، النّظاميّ، المدبّريّ، المشيريّ، الملاذيّ، الفلانيّ؛ جلال الإسلام والمسلمين، سيّد الأكابر في العالمين، عون الأمّة، ذخر الملّة، مدبّر الدّول، جمال الممالك، حسنة الوجود، خالصة الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثالثة- مرتبة المقرّ العالي
. وقد جعلها في «عرف التعريف» من نسبة ما تقدّم من ألقاب المقرّ الشريف أيضا.
وصورتها على ما رأيته في بعض الدّساتير عن نائب الشام فيما كتب به للقاضي شرف الدين عبد الوهاب بن أبي الطيب كاتب السرّ بالشام: «المقرّ العالي، المولويّ، القضائيّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الكامليّ، البارعيّ، الأوحديّ، الماجديّ، القواميّ، النّظاميّ، المفوّهيّ، الرئيسيّ، الأثيريّ، الأثيليّ، الأصيليّ، العريقيّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، شرف الرؤساء في العالمين، أوحد الفضلاء الماجدين، حجّة المنتشئين، صدر الرؤساء، رأس الصدور، عين الأعيان، خالصة الملوك والسلاطين» .
(6/142)

الدرجة الثانية (درجة الجناب، وفيها ثلاث مراتب)
المرتبة الأولى- مرتبة الجناب الشريف
، وهي مستعملة «1» في غير السلطان دون السّلطانيات، قال في «عرف التعريف» : وهي من نسبة الألقاب المتقدّمة في المقرّ الشريف.
المرتبة الثانية- مرتبة الجناب الكريم
. وجعلها في «عرف التعريف» من نسبة ما تقدّم في المقرّ الشريف.
وصورتها على ما أورده الصّلاح الصّفديّ في دستوره عن نائب الشام:
«الجناب الكريم العالي، المولويّ، القضائيّ، العالميّ، الأوحديّ، الرئيسيّ، الأجلّيّ، الأثيريّ، البارعيّ، الماجديّ، الفلانيّ، مجد الإسلام والمسلمين، شرف الرؤساء في العالمين، جمال الأكابر، فخر الأعيان، أوحد الكتّاب، خالصة الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما رأيته في بعض الدّساتير عن نائب الشام في توقيع باسم شهاب الدين بن أبي الطيب بكتابة الدّست «2» بالشام: «الجناب الكريم، العالي، المولويّ، القضائيّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، البارعيّ، الكامليّ، الماجديّ، القواميّ، النّظاميّ، الرئيسيّ، الأصيليّ، العريقيّ، الأوحديّ، الفلانيّ، جلال الإسلام والمسلمين، أوحد الرؤساء في العالمين، تاج الفضلاء المنتشئين، جهبذ الحذّاق المتصرّفين، سلالة الأتقياء العارفين، خالصة الملوك والسلاطين» .
(6/143)

المرتبة الثالثة- مرتبة الجناب العالي
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
فأما في السلطانيات، فصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب الوزارة بالديار المصرية: «الجناب العالي، الصاحبيّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، الأوحديّ، الأكمليّ، القواميّ، النّظاميّ، الأثيريّ، البليغيّ، المنفّذيّ، المسدّديّ، المتصرّفيّ، الممهّديّ، العونيّ، المدبّريّ، المشيريّ، الوزيريّ، الفلانيّ، صلاح الإسلام والمسلمين، سيّد الوزراء في العالمين، رئيس الكبراء، كبير الرؤساء، أوحد الأصحاب، ملاذ الكتّاب، قوام الدّول، نظام الملك، مفيد المناجح، معتمد المصالح، مرتّب الجيوش، عماد الملّة، عون الأمّة، مشير الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين» .
وأما في غير السلطانيات، فصورتها على ما رأيته في بعض الدساتير عن نائب الشام في ألقاب كاتب دست بالشام: «الجناب العالي، القضائيّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الأكمليّ، البارعيّ، الأوحديّ، القواميّ، النظاميّ، المفوّهيّ، الرئيسيّ، الماجديّ، الفلانيّ، مجد الإسلام والمسلمين، شرف الرؤساء في العالمين، أوحد الفضلاء الماجدين، قدوة البلغاء، جمال الكتّاب، زين المنتشئين، خالصة الملوك والسلاطين» .
الدرجة الثالثة (درجة المجلس، وفيها ثلاث مراتب)
المرتبة الأولى- مرتبة المجلس العالي
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
فأما في السلطانيات، فصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب كاتب السرّ بالأبواب السلطانية: «المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، العلّاميّ، الأفضليّ، الاكمليّ، البليغيّ، المسدّديّ،
(6/144)

المنفّذيّ، المشيّديّ، العونيّ، المشيريّ، اليمينيّ، السّفيريّ، الأصيليّ، العريقيّ، الفلانيّ، صلاح الإسلام والمسلمين، سيّد الرؤساء في العالمين، قدوة العلماء العاملين، جمال البلغاء، أوحد الفضلاء، جلال الأصحاب، كهف الكتّاب، يمين المملكة، لسان السّلطنة، سفير الأمّة، سليل الأكابر، مشير الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب ناظر الخواصّ الشريفة:
«المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الأوحديّ، الأكمليّ، الرئيسيّ، البليغيّ، البارعيّ، القواميّ، النّظاميّ، الماجديّ، الأميريّ، المنفّذيّ، المسدّديّ، المتصرّفيّ، الفلانيّ، جمال الإسلام والمسلمين، سيّد الرؤساء في العالمين، قوام المصالح، نظام المناجح، جلال الأكابر، قدوة الكتّاب، رئيس الأصحاب، عماد الملّة، صفوة الدولة، خالصة الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في ألقاب وزير دمشق إذا صرّح له بالوزارة:
«المجلس العالي، الصاحبيّ، الوزيريّ، الأصيليّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الأوحديّ، القواميّ، النظاميّ، الماجديّ، الأثيريّ، المشيريّ، الفلانيّ؛ صلاح الإسلام والمسلمين، سيّد الوزراء في العالمين، رئيس الكبراء، كبير الرّؤساء، بقيّة الأصحاب، ملاذ الكتّاب، عماد الملّة، خالصة الدولة، مشير الملوك والسلاطين، خالصة أمير المؤمنين» .
وصورتها على ما أورده في ألقابه إذا لم يصرّح له بالوزارة، بل كان ناظر النّظّار بالمملكة الشامية: «المجلس العالي، القضائيّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الأوحديّ، الرئيسيّ، الأثيريّ، القواميّ، النّظاميّ، المنفّذيّ، المتصرفيّ، الفلانيّ، مجد الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء في العالمين، أوحد الفضلاء، جلال الكبراء، حجّة الكتّاب، صفوة الملوك والسلاطين، خالصة أمير المؤمنين» .
(6/145)

وأما في غير السلطانيات، فصورتها على ما أورده في «التذكرة الآمديّة» في بعض التواقيع من ترتيب المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله بكتابة الدّست بالشام: «المجلس العالي، القضائيّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، الرئيسيّ، العالميّ، العامليّ، البارعيّ، الأوحديّ، الماجديّ، الأثيريّ، الأثيليّ، الأفضليّ، الأصيليّ، الفلانيّ، مجد الإسلام، بهاء الأنام، شرف الرؤساء، أوحد الكبراء، صدر الأعيان، جمال الكتّاب، جلال الحسّاب، صفوة الدولة، خالصة الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثانية- مرتبة المجلس الساميّ بالياء
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
فأما في السلطانيات فلم يذكر صورتها في «التثقيف» .
وصورتها على ما رأيته في بعض الدساتير: «المجلس الساميّ، القضائيّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الكافليّ، الرئيسيّ، الأوحديّ، الأصيليّ، الأثيريّ، البليغيّ، الفلانيّ، مجد الإسلام، شرف الرؤساء، فخر الأنام، زين البلغاء، جمال الفضلاء، أوحد الكتّاب، فخر الحسّاب، صفوة الملوك والسلاطين» .
وأما في غير السلطانيات فصورتها على ما رأيته في «التذكرة الآمديّة» في توقيع بكتابة «1» الدّرج عن نائب الشام: «المجلس الساميّ، القضائيّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الكامليّ، البليغيّ، الأصيليّ، الرئيسيّ، الفلانيّ، مجد الإسلام، شرف الرؤساء، أوحد الكتّاب، جمال
(6/146)

البلغاء، مرتضى الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثالثة- مرتبة المجلس السامي بغير ياء
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
فأما في السلطانيات، فلم يذكر لها صورة في «التثقيف» أيضا.
وصورتها على ما رأيته في «التذكرة الآمديّة» في توقيع شريف بكتابة الدّرج: المجلس السامي، القاضي، الأجلّ، الكبير، الصدر، الرئيس، الأوحد، البارع، الكامل، الأصيل، الفاضل؛ فلان الدين، جمال الإسلام بهاء الأنام، شرف الأكابر، زين الرؤساء، أوحد الفضلاء، زين الكتّاب، صفوة الملوك والسلاطين» .
وأما في غير السلطانيات، فصورتها على ما رأيته في «التذكرة الآمديّة» في توقيع كريم عن نائب الشام بكتابة الدّرج بالشام، ترتيب مؤلّف «التذكرة» المذكورة: «المجلس السامي، القاضي، الأجلّ، الكبير، الفاضل، البارع، الكامل، الأوحد، الرئيس، الأثير، فلان الدين، مجد الإسلام، شرف الصّدور، أوحد الفضلاء، زين الكتّاب، جمال الحسّاب، صفوة الملوك والسلاطين» .
الدرجة الرابعة (درجة مجلس القاضي، وهي مستعملة في السلطانيّات وغيرها)
فأما في السلطانيات، فلم يورد لها في «التثقيف» أيضا صورة.
وصورتها على ما يقتضيه عرف الدّيوان: «مجلس القاضي، الأجلّ، الكبير، الفاضل، الأوحد، الأثير، الرئيس، البليغ، العريق، الأصيل؛ فلان الدين، مجد الإسلام، بهاء الأنام، شرف الرؤساء» .
وأما في غير السلطانيات، فعلى نحو ذلك.
(6/147)

الدرجة الخامسة (درجة القاضي، وهي مستعملة في السلطانيات [وغيرها] )
«1» وصورتها فيهما: «القاضي الأجل» وربما زيد في تعظيمه فقيل: «الكبير الصدر الرئيس» ونحو ذلك.
النوع الثالث (من الألقاب الإسلامية ألقاب أرباب الوظائف الدّينية، وهي على خمس درجات أيضا)
الدرجة الأولى (درجة المقرّ)
وهي مختصّة بغير السلطانيات، لأنه لا يكتب لأحد من أهل هذا النوع عن السلطان بالمقرّ أيضا، بل قال في «عرف التعريف» : إنه لا يكتب به لأحد من هذا النوع في غير السلطانيات أيضا ولكنّي رأيته مستعملا فيما يكتب عن النّواب بالممالك. وهي على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى- مرتبة المقرّ الشريف
. وصورتها على ما رأيته في بعض الدّساتير في توقيع عن نائب الشام للقاضي جمال الدين إبراهيم بن العديم ببعض الأنظار والتداريس بالشام:
«المقرّ الشريف، العالي، المولويّ، القاضويّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، الأصيليّ، العريقيّ، القواميّ، النّظاميّ، الإماميّ، العلّاميّ، القدويّ، المفيديّ، الشيخيّ، الصاحبيّ، الحاكميّ، المحسنيّ، الفلانيّ؛ جمال الإسلام والمسلمين، سيّد الفضلاء العاملين، قدوة العلماء في العالمين، لسان المتكلّمين، برهان المناظرين، صدر المدرّسين، جلال الطالبين، بقيّة السلف الكرام الدّارجين، بركة الملوك والسلاطين، خالصة أمير المؤمنين» .
(6/148)

المرتبة الثانية- مرتبة المقرّ الكريم.
وصورتها على ما رأيته في بعض الدّساتير عن نائب الشام في توقيع ببعض الوظائف الدّينيّة بدمشق: «المقرّ الكريم العالي، المولويّ، القضائيّ، الصاحبيّ، الإماميّ، العالميّ، العامليّ، العلّاميّ، المفيديّ، الفريديّ، البليغيّ، الأوحديّ، المحقّقيّ، القواميّ، النّظاميّ، العريقيّ، الحاكميّ، المحسنيّ، الفلانيّ، جمال الإسلام والمسلمين، جلال العلماء العاملين، أوحد المتكلّمين، أكمل البلغاء في العالمين، قدوة المحقّقين، بركة الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثالثة- مرتبة المقرّ العالي.
وصورتها على ما رأيته في بعض الدساتير عن نائب حلب بتدريس بها:
«المقرّ العالي، المولويّ، الشيخيّ، الكبيريّ، الإماميّ، العالميّ، العلّاميّ، المفيديّ، القدويّ، الفريديّ، المحقّقيّ، القواميّ، النّظاميّ، الحاكميّ، الفلانيّ؛ علاء الإسلام والمسلمين، أوحد الفضلاء العارفين، رحلة «1» الطالبين، نخبة المحقّقين، جمال العلماء في العالمين، خالصة الملوك والسلاطين» .
الدرجة الثانية (درجة الجناب)
وقد جعلها في «عرف التعريف» أعلى ما يكتب لهذا النوع، وهي على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى- مرتبة الجناب الشريف
، وهي مختصة بغير السلطانيات.
وصورتها على ما أورده في «عرف التعريف» «الجناب الشريف العالي،
(6/149)

المولويّ، القضائيّ، السيديّ، الإماميّ، العالميّ، العامليّ، العلّاميّ، الكامليّ، الأصيليّ، الأوحديّ، المفيديّ، القدويّ، الفريديّ، الحجّيّ، المجتهديّ، الفلانيّ، حجّة الإسلام، أو ضياء الإسلام، شرف الأنام، أثير الإمام، صدر الشام، سيّد العلماء والحكّام، أو أوحد العلماء الأعلام، بقيّة السلف الكرام، شيخ المذاهب، مجلّي الغياهب، قدوة الفرق، رئيس الأصحاب، مفتي السّنّة، مؤيّد الملّة، شمس الشريعة، سيف النّظر، مفيد الطالبين، لسان المتكلّمين، وليّ أمير المؤمنين» .
فإن كان حاكما قيل قبل الفلانيّ «الحاكمي» وقبل وليّ أمير المؤمنين «حكم الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثانية- مرتبة الجناب الكريم
، وهي مختصّة بغير السلطانيات أيضا.
وصورتها على ما رأيته في بعض الدّساتير الشامية في توقيع القاضي جمال الدين بن أبي جرادة الحنفيّ ببعض الوظائف الدينية: «الجناب الكريم العالي، المولويّ، القضائيّ، الكبيريّ، الصاحبيّ، الإماميّ، العالميّ، الفاضليّ، الكامليّ، الأريبيّ، اللّبيبيّ، الأصيليّ، العريقيّ، القواميّ، النظاميّ، الفلانيّ، جمال الإسلام والمسلمين، أوحد الفضلاء في العالمين، أكمل نجباء الأبناء العالمين، خالصة الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثالثة- مرتبة الجناب العالي
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
فأما في السلطانيات، فصورتها على ما استقرّ عليه الحال في ألقاب قاضي القضاة الشافعي بالديار المصرية: «الجناب العالي، القاضويّ، الشيخيّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الأفضليّ، الأكمليّ، الأوحديّ، البليغيّ، الفريديّ، المفيديّ، النّجيديّ، القدويّ، الحجّيّ، المحقّقيّ، الورعيّ، الخاشعيّ، الناسكيّ، الإماميّ، العلّاميّ، الأصيليّ، العريقيّ، الحاكميّ،
(6/150)

الفلانيّ، جمال الإسلام والمسلمين، شرف العلماء العاملين، أوحد الفضلاء المفيدين، قدوة البلغاء، حجّة الأمّة، عمدة المحقّقين، فخر المدرسين، مفتي المسلمين، جلال الحكّام، بركة الدولة صدر مصر والشام، معزّ السنّة، مؤيّد الملّة، شمس الشريعة، رئيس الأصحاب، لسان المتكلمين، حكم الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين» .
وأما في غير السلطانيات، فصورتها على ما رأيته في بعض الدساتير في توقيع عن نائب الشام ببعض الوظائف الدينية لبعض العلماء: «الجناب العالي، الشيخيّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الكامليّ، الأوحديّ، الماجديّ، القواميّ، النّظاميّ، الفلانيّ؛ ضياء الإسلام والمسلمين، أوحد الفضلاء العارفين، جلال الأئمة في العالمين، خالصة الملوك والسلاطين» .
الدرجة الثالثة (درجة المجلس وفيها ثلاث مراتب)
المرتبة الأولى- مرتبة المجلس العالي
، وهي مستعملة في السّلطانيات وغيرها.
فأمّا في السلطانيات، فصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب القضاة الثلاثة بالديار المصرية غير الشافعي: «المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الأفضليّ، الأكمليّ، الأوحديّ، البليغيّ، الفريديّ، المفيديّ، النّجيديّ، القدويّ، الحجّيّ، المحقّقيّ، الإماميّ، الأصيليّ، العريقيّ، الحاكميّ، الفلانيّ، جمال الإسلام والمسلمين، سيّد العلماء العاملين، أوحد الفضلاء المفيدين، قدوة البلغاء، حجّة الأمّة، عمدة المحدّثين، فخر المدرّسين، مفتي المسلمين، جلال الحكّام، حكم الملوك والسلاطين» .
(6/151)

وأما في غير السلطانيات، فصورتها على ما أورده في «عرف التعريف» :
«المجلس العالي، القضائيّ، الأجلّيّ، الإماميّ، الصّدريّ، الرّئيسيّ، الفقيهيّ، العالميّ، العلّاميّ، الكامليّ، الأوحديّ، الفلانيّ، مجد الإسلام، فخر الأنام، تاج العلماء والحكّام أو شرف العلماء والحكّام جمال الأمّة، أوحد الأئمة، صدر المدرّسين، خالصة الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثانية- مرتبة المجلس الساميّ بالياء
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
فأمّا في السلطانيات، فلم يذكر لها في «التثقيف» صورة.
وصورتها على ما رأيته في بعض التواقيع: «المجلس الساميّ، القضائيّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الأوحديّ، الرئيسيّ، المفيديّ، البليغيّ، القدويّ، الأثيريّ، مجد الإسلام والمسلمين؛ جمال العلماء العاملين، أوحد الفضلاء، صدر المدرّسين، عمدة المفتين، خالصة الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما رأيته في بعض تواقيع بعض الخطباء «المجلس الساميّ، القضائيّ، الشّيخيّ، الإماميّ، العالميّ، العامليّ، العابديّ، الزاهديّ، الخاشعيّ، الناسكيّ، الخطيبيّ، الفلانيّ، ضياء الإسلام والمسلمين، أوحد الخطباء في العالمين، جمال الأئمة الفصحاء البارعين، لسان البيان، ترجمان الزمان، بركة الملوك والسلاطين» .
وأمّا في غير السلطانيات، فصورتها على ما أورده في «عرف التعريف» :
«المجلس الساميّ، القضائيّ، الأجليّ، الإماميّ، الصّدريّ، الفقيهيّ، العالميّ، الكامليّ، الفاضليّ، الفلانيّ، مجد الإسلام، بهاء الأنام، جمال العلماء، أوحد الفضلاء، شرف النّبلاء، صفوة الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثالثة- مرتبة المجلس السامي بغير ياء
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
(6/152)

فأما في السلطانيات فلم يذكر لها صورة في «التثقيف» .
وصورتها على ما رأيته في بعض التواقيع: «المجلس السامي، القاضي، الأجلّ، الكبير، الصدر، الرئيس، العالم، الفاضل، الكامل، فلان الدين، مجد الصدور، زين الأعيان، مرتضى الملوك والسلاطين» .
وأمّا في غير السلطانيات، فصورتها على ما ذكره في «عرف التعريف» :
«المجلس السامي، القاضي، الأجلّ، الكبير، العالم، الفاضل، الكامل، الأوحد، الأثير، البارع؛ فلان الدين، مجد الإسلام، بهاء الأنام، فخر الصدور، جمال الأعيان، مرتضى الدولة، صفوة الملوك والسلاطين» .
الدرجة الرابعة (درجة مجلس القاضي، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها)
فأمّا في السلطانيات فلم يذكر لها صورة في «التثقيف» .
وصورتها على ما رأيته في بعض التواقيع: «مجلس القاضي، الأجلّ الكبير، العالم، الفاضل، الأوحد، الكامل، الصدر، الرئيس؛ مجد الإسلام؛ بهاء الأنام، زين الأعيان، فخر الصدور، مرتضى الملوك والسلاطين» .
وأمّا في غير السلطانيات فعلى نحو من ذلك.
الدرجة الخامسة (درجة القاضي، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها)
وصورتها فيهما: «القاضي، الأجلّ» وربما زيد في التعظيم نحو «الكبير الصدر الرئيس» ونحو ذلك.
(6/153)

النوع الرابع (من الألقاب الإسلامية ألقاب مشايخ الصوفيّة وأهل الصّلاح، وهي على خمس درجات)
الدرجة الأولى (درجة المقرّ، وليس لها استعمال في السلطانيات؛ وفي غير السلطانيات لها ثلاث مراتب)
المرتبة الأولى- مرتبة المقرّ الشّريف.
وصورتها: «المقرّ الشريف، العالي، المولويّ، الشّيخيّ، السّيديّ، الإماميّ، العالميّ، الكافليّ، الفاضليّ، الورعيّ، الزاهديّ، العابديّ، الناسكيّ، السالكيّ، الخاشعيّ، المسلّكيّ، المحقّقيّ، المدقّقيّ، الفلانيّ، صلاح الإسلام والمسلمين، جمال الأصفياء العاملين، خالصة الأنام، صفوة الأتقياء، قطب العبّاد، الملك على الحقيقة، والمالك لأزمّة الطريقة، بقيّة السّلف، قدوة الخلف، مفيد الطالبين، أوحد المحقّقين، ركن الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين» .
وقد تقدّم أنّ الأحسن في اللقب المضاف إلى السلاطين هنا «بركة الملوك والسّلاطين» .
المرتبة الثانية- مرتبة المقرّ الكريم
، وألقابها من نسبة الألقاب المتقدّمة.
المرتبة الثالثة- مرتبة المقرّ العالي
، وألقابها نحو ذلك.
الدرجة الثانية (درجة الجناب، وفيها ثلاث مراتب)
المرتبة الأولى- مرتبة الجناب الشريف
، وهي مختصّة بغير السلطانيات.
وصورتها: «الجناب الشريف، العالي، المولويّ، الشيخيّ، الإماميّ، العالميّ، العامليّ، الكافليّ، الفاضليّ، الزاهديّ، العابديّ، الخاشعيّ،
(6/154)

الناسكيّ، الورعيّ، جلال الإسلام، سيف الإمام، قطب الزّهّاد، علم العبّاد، أوحد الناسكين، فرد السالكين، بركة الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثانية- مرتبة الجناب الكريم
، وهي مختصة بغير السلطانيات أيضا.
وصورتها على ما رأيته في بعض التواقيع عن نائب الشام: «الجناب الكريم، العالي، الشيخيّ، العالميّ، العامليّ، العلّاميّ، الأوحديّ، القدويّ، العابديّ، الناسكيّ، الخاشعيّ، المسلّكيّ، المربّيّ، الربانيّ، الأصيليّ، الفلانيّ، مجد الإسلام، حسنة الأيام، قدوة الزّهاد، ملاذ العبّاد، جمال الورعين، مربّي المريدين، أوحد المسلّكين، خلف الأولياء، بركة الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثالثة- مرتبة الجناب العالي
، وهي مختصّة بغير السلطانيات.
وصورتها على ما رأيته في بعض التواقيع عن نائب الشام: «الجناب العالي، الشيخيّ، العالميّ، العامليّ، الأوحديّ، العابديّ، الناسكيّ، الورعيّ، الزاهديّ، الخاشعيّ، المسلّكيّ، الأصيليّ، الفلانيّ، مجد الإسلام، بهاء الأنام، قدوة العبّاد، جمال الزّهّاد، أوحد المسلّكين، بركة الملوك والسلاطين» .
الدرجة الثالثة (درجة المجلس، وفيها ثلاث مراتب)
المرتبة الأولى- مرتبة المجلس العالي
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
فأمّا في السلطانيات، فصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب شيخ الشّيوخ بخانقاه سرياقوس: «المجلس العالي، الشيخيّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، السالكيّ، الأوحديّ، الزاهديّ، العابديّ، الخاشعيّ، الناسكيّ، المفيديّ، القدويّ، الإماميّ، النّظاميّ، الملاذيّ، جلال الإسلام
(6/155)

والمسلمين، شرف الصلحاء في العالمين، شيخ شيوخ الإسلام، أوحد العلماء في الأنام، قدوة السالكين، بركة الملوك والسلاطين» .
وأمّا في غير السلطانيات، فصورتها على ما أورده في «عرف التعريف» :
«المجلس العالي، الشيخيّ، الأجلّيّ، الإماميّ، العالميّ، العامليّ، الزاهديّ، العابديّ، الورعيّ، الخاشعيّ، الناسكيّ، القدويّ، الفلانيّ، خيرة الإسلام، شرف الأنام، زين العبّاد، نور الزّهّاد، ذخر الطالبين، كنز التّقى، ملجأ المريدين، بركة الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثانية- مرتبة المجلس الساميّ بالياء
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
أمّا في السلطانيات، فصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب الشيخ شمس الدين الطّوطي ممّن كان يكتب إليه قديما: «المجلس الساميّ، الشيخيّ، الأجلّيّ، العالميّ، العامليّ، الكامليّ، الفاضليّ، الزاهديّ، الورعيّ، العابديّ، الخاشعيّ، الناسكيّ، القدويّ، الأوحديّ، الفلانيّ، مجد الإسلام، ضياء الأنام، بقيّة السلف الكرام، فخر الصّلحاء، أوحد الكبراء، زين الزّهّاد، عماد العبّاد، قدوة المتورّعين، ذخر الدّول، ركن الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما رأيته في بعض التواقيع الشريفة: «المجلس الساميّ، الشيخيّ، الكبيريّ، الأوحديّ، الأكمليّ، العابديّ، الخاشعيّ، الناسكيّ؛ جمال الإسلام، زين الأنام، صفوة الصلحاء، فخر العبّاد، بركة الملوك والسلاطين» .
وأمّا في غير السلطانيات، فصورتها على ما ذكره المقرّ الشّهابي بن فضل الله في بعض التواقيع عن نائب الشام: «المجلس الساميّ، الإماميّ، العالميّ، العامليّ، الخاشعيّ، الورعيّ، الناسكيّ، السالكيّ، العارفيّ، القدويّ،
(6/156)

البليغيّ، الأصيليّ، الشيخيّ، الفلانيّ، مجد الإسلام، شرف العلماء، قدوة الفضلاء، فخر الصّلحاء، جمال النّسّاك، قدوة السّلّاك، أوحد العارفين، بركة الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثالثة- مرتبة المجلس السامي بغير ياء
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
فأما في السلطانيات فلم يورد لها صورة في «التثقيف» .
وصورتها على ما رأيته في بعض التواقيع الشريفة: «المجلس السامي، الشيخ، الصالح، الزاهد، العابد، الورع، الخاشع، الناسك، السالك، فلان الدين مجد الصلحاء، زين المشايخ، قدوة السالكين، بركة الملوك والسلاطين» .
وأمّا في غير السلطانيات، فصورتها على نحو من ذلك.
الدرجة الرابعة (درجة مجلس الشيخ)
وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
ولم يورد لها صورة في «التثقيف» . وصورتها على ما في بعض الدّساتير:
«مجلس الشيخ، الصالح، الزاهد، العابد، الناسك، السالك، فلان الدين، مجد الصّلحاء، زين المشايخ، بركة الملوك والسلاطين» .
الدرجة الخامسة (درجة الشيخ)
وهي «الشيخ، الصالح، الورع، الزاهد» ونحو ذلك.
(6/157)

النوع الخامس (ألقاب التّجّار الخواجكيّة، والمستعمل فيه أربع درجات)
الدرجة الأولى (درجة الجناب)
ولم أر فيها غير مرتبة الجناب العالي فيما عدا السلطانيّات.
وصورتها على ما رأيته في بعض الدّساتير الشاميّة فيما كتب به لبعض الخواجكيّة، «الجناب العالي، الصّدريّ، الكبيريّ، المحترميّ، المؤتمنيّ، الأوحديّ، الأكمليّ، الرئيسيّ، العارفيّ، المقرّبيّ، الخواجكيّ، الفلانيّ، مجد الإسلام والمسلمين، شرف الأكابر في العالمين، أوحد الأمناء المقرّبين، صدر الرؤساء، رأس الصّدور، عين الأعيان، كبير الخواجكيّة، ثقة الدولة، مؤتمن الملوك والسلاطين» . فإن اتفق أن يكتب لأحد من الخواجكيّة بأعلى من الجناب العالي، كتب له من نظير هذه الألقاب وأعلى منها.
الدرجة الثانية (درجة المجلس، وفيها ثلاث مراتب)
المرتبة الأولى- مرتبة المجلس العالي
، وهي مختصة بغير السلطانيات.
وصورتها على ما رأيته في بعض الدساتير الشاميّة: «المجلس العالي، الصدريّ، الرئيسيّ، الكبيريّ، المحترميّ، المؤتمنيّ، الأوحديّ، الأكمليّ، المقرّبيّ، الخواجكيّ، الفلانيّ، مجد الإسلام، شرف الأكابر، أوحد الأمناء، صدر الرؤساء، زين الأعيان، ثقة الدولة، مؤتمن الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثانية- مرتبة المجلس الساميّ بالياء
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
فأمّا في السلطانيات، فصورتها على ما ذكره في «التثقيف» في ألقاب خواجا عسّاف بن مسافر، ونظام الدّين الإسعرديّ: المجلس الساميّ،
(6/158)

الصّدريّ، الكبيريّ، الكامليّ، الماجديّ، الأوحديّ، المقرّبيّ، المنتخبيّ، الأمينيّ، الأثيريّ، الخواجكيّ، الفلانيّ، مجد الإسلام، زين الأنام، شرف الرؤساء، أوحد الكبراء، تاج الأمناء، فخر الأعيان، مقرّب الحضرتين، مؤتمن الدّول، صفوة الملوك والسلاطين» .
وأمّا في غير السلطانيات، فصورتها على نحو من ذلك.
المرتبة الثالثة- مرتبة المجلس السامي بغير ياء
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
فأمّا في السلطانيات، فصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب بعض الخواجكيّة: «المجلس السامي، الصدر، الأجلّ، الكبير، الكامل، الماجد، الأوحد، المقرّب، المنتخب، الأمين، الأثير، الخواجا؛ فلان الدين، مجد الرؤساء، زين الأكابر، مجد الصّدور، جمال الأعيان، مقرّب الدولة، صفوة الملوك والسلاطين» .
وأمّا في غير السلطانيات فعلى نحو من ذلك.
الدرجة الثالثة (درجة مجلس الصّدر، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها)
فأمّا في السلطانيات، فصورتها على ما ذكره في «التثقيف» : «مجلس الصدر، الأجلّ، الكبير، المحترم، المقرّب، الأوحد، فلان الدين» .
وأمّا في غير السلطانيات، فلا تخرج عن ذلك.
(6/159)

الدرجة الرابعة (درجة الصّدر، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها)
فأمّا في السلطانيات فصورتها على ما أشار إليه في «التثقيف» : «الصّدر الأجلّ، الكبير، المحترم، المقرّب، الأوحد، فلان الدين» .
وأمّا في غير السلطانيات، فلا تبعد من ذلك.
النوع السادس (من الألقاب الإسلامية ألقاب أرباب الصناعات الرئيسيّة، كرياسة الطب، ورياسة الكحّالين «1» ، ورياسة الجرائحية، ونحو ذلك، والمستعمل فيه درجتان)
الدرجة الأولى (درجة المجلس، وفيها ثلاث مراتب)
المرتبة الأولى- مرتبة المجلس العالي
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
فأمّا في السلطانيات، فكألقاب رئيس الأطبّاء، وهي «المجلس العالي، [القضائيّ، العالميّ، الفاضليّ، الكامليّ، الأوحديّ، الفلانيّ، جمال الإسلام والمسلمين، سيّد الرؤساء في العالمين، أوحد الفضلاء المقرّبين، خاصّة الملوك والسلاطين» «2» ] .
(6/160)

وأمّا في غير السلطانيات فعلى نحو من ذلك.
المرتبة الثانية- مرتبة المجلس الساميّ
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
فأمّا في السلطانيات، فصورتها: «المجلس الساميّ، الصدريّ، الأجليّ، الكبيريّ، الرئيسيّ، الفلانيّ» .
وأمّا في غير السلطانيات فعلى نحو منه.
المرتبة الثالثة- مرتبة المجلس السامي بغير ياء
، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها.
فأما في السلطانيات، فصورتها: «المجلس الساميّ، الصدر، الأجلّ، الكبير، الرئيس، المحترم» .
وأما في غير السلطانيات، فعلى نحو ذلك.
الدرجة الثانية (درجة الصّدر، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها)
وصورتها فيهما: «الصدر الأجلّ» فإن زيد في تعظيمه، قيل: «الكبير المحترم» .
النوع السابع (من الألقاب الإسلامية ألقاب الحاشية السلطانية، كمهتاريّة البيوت، ومهندس العمائر، ورئيس الحرّاقة ونحوهم، وفيه درجتان)
الدرجة الأولى (درجة مجلس الصّدر، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها)
(6/161)

فأما في السلطانيات، فصورتها على ما ذكره في «التثقيف» في ألقاب المهندس والرئيس: «مجلس الصّدر، الأجلّ، الكبير، المحترم، المؤتمن، فلان الدين» . وفي ألقاب مهتاريّة البيوت: من مهتار الشّراب خاناه، والطّشت خاناه، والفراش خاناه، وإخوان سلار ونحوهم،: «مجلس الصّدر، الأجلّ، الكبير، المحترم، المؤتمن، الحاج فلان» .
وأما في غير السلطانيات، فكذلك أو أزيد.
الدرجة الثانية (درجة الصّدر، وهي مستعملة في السلطانيات وغيرها)
وصورتها فيهما: «الصّدر الأجلّ» فإن زيد في رعايته قيل بعد ذلك:
«الكبير المحترم» .
النوع الثامن (من الألقاب الإسلامية ألقاب النساء، وفيه درجتان)
الدرجة الأولى (درجة الجهة، وفيها مرتبتان)
المرتبة الأولى- مرتبة الجهة الشريفة
، وصورتها على ما ذكره في «التثقيف» في ألقاب إلى «1» بنت الملك الناصر محمد بن قلاوون عن والدتها:
«الجهة الشريفة، العالية المحجّبة، المصونة، الولديّة، العصميّة، عصمة الدين، جلال النساء، شرف الخواتين، سليلة الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما ذكره في «التثقيف» أيضا في المكاتبة إلى أم آنوك،
(6/162)

زوجة السلطان الملك «1» الناصر عنه: «الجهة الشريفة العالية المعظّمة، المحجّبة، المصونة، الكبرى، خوند خاتون؛ جلال النساء في العالمين، قرينة الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما ذكره في المكاتبة إلى أخت السلطان الملك الناصر حسن عنه: «الجهة الشريفة، العالية، المكرّمة، المحجّبة، المصونة، الكبرى الخاتون، جلال النساء في العالمين، جميلة المحجّبات، جليلة المصونات، كريمة الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما ذكره في ألقاب الستّ حدق: «الجهة الشريفة، العالية الكبيريّة، المحجّبيّة، المصونيّة، الحاجّيّة، الوالديّة؛ جلال النساء في العالمين، بركة الدولة، والدة الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما رأيته في بعض الدّساتير في ألقاب والدة الأشرف «2» شعبان بن حسين: «الجهة الشريفة العالية، الكبرى، المعظّمة، المحجّبة، العصميّ، الخاتونيّ، جلال النساء في العالمين، سيّدة الخواتين، جميلة المحجّبات، جليلة المصونات، والدة الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثانية- مرتبة الجهة الكريمة.
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب دلشاه، زوج الشيخ حسن الكبير ببغداد: الجهة الكريمة، المحجّبة المصونة، العصميّة، الخاتونيّة، المعظّمة، سيدة الخواتين، زينة النّساء في العالمين، جميلة المحجّبات، جليلة المصونات، قرينة نوين الملوك والسلاطين.
(6/163)


الدرجة الثانية (درجة الدار
، وهي على نحو المرتبتين المتقدّمتين في الألقاب السابقة)
الدرجة الثالثة (درجة الستارة
، وهي لا تكاد تخرج عما تقدّم من المرتبتين المتقدّمتين)
القسم الثاني (من الألقاب المرتّبة ألقاب أهل الكفر، وهي على ثلاثة أضرب)
الضرب الأوّل (ألقاب متدينتهم، وهي نوعان)
النوع الأوّل (ألقاب بطاركة النصارى)
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب الباب برومية:
«الباب، الجليل، القدّيس، الرّوحانيّ، الخاشع، العامل، بابا رومية؛ عظيم الملّة المسيحيّة، قدوة الطوائف العيسويّة، مملّك ملوك النصرانية، حافظ البحار والخلجان، ملاذ البطاركة والأساقفة والقسوس والرّهبان، تالي الإنجيل، معرّف طائفته التحريم والتحليل، صديق الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما ذكره في «التثقيف» في ألقاب البطريرك بالديار المصرية: «البطريرك الجليل، القدّيس، الخاشع، قدوة النصرانية» . ثم قال:
ومن نسبة ذلك.
وصورتها على ما رأيته في بعض التواقيع له: «الحضرة السامية، الشيخ، الرئيس، المبجّل، المكرّم، الكافي، المعزّز، المفخّر، القدّيس، شمس الرياسة، عماد بني المعمودية، كنز الطائفة الصّليبيّة، اختيار الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما رأيته في بعض الدساتير الشاميّة عن نائب الشام للبطريرك
(6/164)

بها: «البطريرك، المحتشم، المبجّل، العارف، الحبر، فلان، العالم بأمور دينه، المعلّم لأهل ملّته، ذخر الملّة المسيحية، كنز الطائفة العيسوية، المشكور بعقله عند الملوك والسلاطين» .
النوع الثاني (ألقاب رؤساء اليهود)
وصورتها على ما رأيته في بعض التواقيع لرئيس اليهود بالشام من إنشاء القاضي محيي الدين بن «1» الزكي في سنة ست وعشرين وستمائة: «الرئيس، الأوحد، الأعزّ، الأخصّ، الكبير، شرف الطائفة الإسرائيلية فلان» .
الضرب الثاني (ألقاب ملوكهم وتختصّ بالنصارى، وهو نمطان)
النمط الأوّل (الألقاب المذكّرة، وهي على ثلاثة أنواع)
النوع الأوّل (ما يصدّر بالألف واللام، وهي على خمس مراتب)
المرتبة الأولى- مرتبة الحضرة العالية.
وصورتها على ما أورده في «التعريف» في ألقاب ملك الحبشة:
«الحضرة العالية، حضرة الملك الجليل، الهمام، الضّرغام، الأسد، الغضنفر، الخطير، الباسل، السّميدع «2» ؛ العالم في ملّته، العادل في
(6/165)

مملكته، المنصف لرعيّته، المتّبع لما يجب في أقضيته، عزّ الأمّة النصرانية، ناصر الملّة المسيحية، ركن الأمّة العيسويّة، عماد بني المعمودية، حافظ البلاد الجنوبية، متّبع الحواريّين، والأحبار السّريانيّين، والبطاركة القدّيسين، معظّم كنيسة صهيون، أوحد ملوك اليعقوبية، صديق الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما أورده في «التعريف» أيضا في ألقاب صاحب القسطنطينيّة: «الحضرة العالية، المكرّمة، حضرة الملك الجليل، الخطير، الهمام، الأسد، الغضنفر، الباسل، الضّرغام، المعرق، الأصيل، الممجّد، الأثيل، البلالاوس، الرّيد أرغون، ضابط الممالك الرّوميّة، جامع البلاد الساحلية، وارث القياصرة القدماء، محيي طرق الفلاسفة والحكماء، العالم بأمور دينه، العادل في ممالكه، معزّ النّصرانيّة، مؤيّد المسيحية، أوحد ملوك العيسوية، مخوّل التّخوت والتّيجان، حامي البحار والخلجان، ملك ملوك السّريان، عماد بني المعموديّة، رضي الباب بابا رومية، ثقة الأصدقاء، صديق المسلمين، أسوة الملوك والسلاطين فلان» .
المرتبة الثانية- مرتبة الحضرة العليّة.
وصورتها على ما أورده في «التعريف» في ألقاب ملك الكرج «1» : «الحضرة العليّة، حضرة الملك الجليل، الهمام، الباسل، الضّرغام، السّميدع، الكرّار، الغضنفر، المتخّت، المتوّج؛ العالم في ملّته، العادل في رعيّته، بقيّة الملوك الإغريقيّة، سلطان الكرج، ذخر ملوك البحار والخلج، حامي حمى الفرسان، وارث آبائه في الأسرة والتّيجان، سياج بلاد الرّوم وإيران، سليل اليونان، خلاصة ملوك السّريان، بقية أبناء التّخوت والتّيجان، معزّ النصرانية،
(6/166)

مؤيّد العيسويّة، مسيح الأبطال المسيحيّة، معظّم البيت المقدّس بعقد النية، عماد بني المعموديّة، ظهير الباب بابارومية، موادّ المسلمين، خالصة الأصدقاء المقرّبين، صديق الملوك والسلاطين» .
المرتبة الثالثة- مرتبة الحضرة السامية.
وصورتها على ما أورده في «التعريف» في ألقاب الأدفونش صاحب طليطلة وإشبيلية من الأندلس: «الحضرة السامية، الملك الجليل، الهمام، الأسد، الباسل، الضّرغام، الغضنفر؛ بقيّة سلف قيصر، حامي حماة بني الأصفر، الممنّع السلوك، وارث لذريق «1» وذراريّ الملوك؛ فارس البرّ والبحر، ملك طليطلة وما يليها من البلاد الأندلسية، بطل النصرانية، عماد بني المعموديّة، حامل راية المسيحيّة، وارث التّيجان، شبيه مريحنّا المعمدان، محبّ المسلمين، صديق الملوك والسلاطين» .
المرتبة الرابعة- مرتبة الحضرة المكرّمة.
وصورتها على ما رأيته في بعض الدّساتير الشامية في ألقاب صاحب قبرس: «الحضرة المكرّمة، حضرة الملك الجليل، البطل، الباسل، الهمام، السميدع الضّرغام، الغضنفر، القمقام؛ مؤيّد الملّة المسيحية، عماد بني المعموديّة، ذخر الملّة النّصرانية، حامي الجزائر القبرسيه، موادّ المسلمين، صديق الملوك والسلاطين، الملك فلان» .
المرتبة الخامسة- مرتبة الحضرة الموقّرة.
وصورتها على ما ذكره في «التثقيف» في ألقاب الأدفونش المقدّم ذكره:
«الحضرة الموقّرة، الملك الجليل، المكرم، المبجّل، الخطير، البطل، الباسل، الهمام، الضّرغام، الرّيد أرغون؛ نصر النصرانية، فخر الأمّة العيسوية.
ذخر الملّة المسيحية، حامي الثّغور، متملّك السواحل والبحور، عماد بني
(6/167)

المعمودية، ظهير بابا رومية، ملاذ الفرسان، جمال التّخوت والتّيجان، صديق الملوك والسلاطين» .
النوع الثاني (ما يصدّر بحضرة مع الإضافة)
وصورتها على ما ذكره في «التثقيف» في ألقاب صاحب القسطنطينيّة:
«حضرة الملك، الجليل، المكرّم، المبجّل، الأسد، الخطير، البطل، الباسل، الهمام، الضّرغام، فلان؛ العالم في ملّته، العادل في أهل مملكته، عزّ الأمّة المسيحية، كنز الطائفة الصّليبيّة، جمال بني المعمودية، صمصام الملوك اليونانيّة، حسام المملكة المالوصية، صاحب أمصار الرّوس والعلّان، معزّ اعتقاد الكرج والسّريان، وارث الأسرّة والتّيجان، الحاكم على الثّغور والبحور والخلجان، الدّوقس الأنجالوس الكمينيوس البالالوغس، صديق الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما ذكره في «التثقيف» في ألقاب ملك الكرج: «حضرة الملك الجليل، المكرّم، الخطير، الباسل، القمقام «1» ، القدّيس، الرّوحانيّ، فلان، عزّ الأمّة المسيحية، كنز الطائفة الصليبية، فخر دين النّصرانية، ملك الجبال والكرج والجرجان، صديق الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما رأيته في بعض الدساتير في ألقاب ملك الكرج أيضا:
«حضرة الملك الجليل، العالم في ملّته، العادل في مملكته؛ المتوّج من الله فلان؛ سيد ملوك النّصرانية، أكبر زعماء الملّة المسيحية، ضابط الممالك الكرجية، ... «2» ... خليل الملوك والسلاطين» .
(6/168)

وصورتها على ما ذكره في «التعريف» في ألقاب متملّك سيس «1» قبل فتحها: «حضرة الملك الجليل، البطل، الباسل، الهمام، السّميدع، الضّرغام، الغضنفر فلان، فخر الملّة المسيحية، ذخر الأمّة النصرانية، عماد بني المعمودية، صديق الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما ذكره في «التثقيف» في ألقاب متملّك سيس المذكور أيضا: «حضرة الملك الجليل، المكرّم، المبجّل، المعزّز، الهمام، الباسل، فلان، عزّ دين النصرانية، كبير الطائفة الصّليبية، عماد بني المعمودية، صديق الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما ذكره في «التثقيف» أيضا في ألقاب صاحب البندقيّة:
«حضرة الدّوك الجليل، المكرّم، الخطير، الباسل، الموقّر، المفخّم، فلان، فخر الملّة المسيحة، جمال الطائفة الصليبيّة، دوك البندقيّة والمانسية، فلان، زين بني المعمودية، صديق الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب ملك السّرب والبلغار:
«حضرة الملك الجليل، المكرّم، المبجّل، الهمام، الضّرغام، الباسل، الدّوقس، الأنجالوس، الكمينيوس، فلان، عماد النصرانية، مالك السّرب والبلغار، فخر الأمّة العيسويّة، ذخر الملّة المسيحية، فارس البحور، حامي الحصون والثّغور» .
وصورتها على ما أورده في ألقاب ملك مونفراد: «حضرة الملك الجليل، المكرّم، البطل، الهمام، الأسد، الضّرغام، فلان، مجد النصرانية، فخر
(6/169)

العيسوية، عماد بني المعموديّة، جمال الطائفتين الرّومية والفرنجيّة، ملك منفراد، وارث التاج، معزّ الباب» .
وصورتها على ما أورده في ألقاب لدوك البندقيّة غير ما تقدّم: «حضرة المحتشم، الجليل، المبجّل، الموقّر، المكرّم، المفخّم، الباسل، الضّرغام، فلان، عزّ الملّة المسيحية، جمال الطائفة العيسويّة، ذخر الملة الصّليبيّة، صديق الملوك والسلاطين» .
النوع الثالث (ما يصدّر بالملك وما في معناه)
وصورته على ما ذكره في «التثقيف» في ألقاب ملك الحبشة: «الملك الجليل، المكرّم، الخطير، الأسد، الضّرغام، الباسل، فلان، العالم في ملّته، العادل في مملكته، حطّي ملك أمحرا، أكبر ملوك الحبشان، نجاشيّ عصره، سند الملّة المسيحيّة، عضد دين النصرانية، عماد بني المعمودية، صديق الملوك والسلاطين» .
وصورتها على ما ذكر في «التثقيف» في ألقاب دوك البندقية غير ما تقدّم: «الدّوك الجليل، المكرّم، المبجّل، الموقّر، البطل، الهمام، الضّرغام، الغضنفر، الخطير، مجد الملّة النصرانيّة، فخر العيسويّة، عماد بني المعمودية، معزّ بابا رومية، صديق الملوك والسلاطين فلان» .
النمط الثاني (من ألقاب ملوك الكفر [الألقاب المؤنّثة] )
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» في ألقاب صاحبة بابل «1» :
(6/170)

«الملكة الجليلة، المكرّمة، المبجّلة، الموقّرة، المفخّمة، المعزّزة، فلانة، العالمة في ملّتها، العادلة في مملكتها، كبيرة دين النّصرانية، نصيرة الملّة العيسويّة، حامية الثغور، صديقة الملوك والسلاطين» .
الضرب الثالث (ألقاب نوّاب ملوكهم وكناصلتهم ومن في معنى ذلك. وهو على نوعين)
النوع الأوّل (ألقاب النّوّاب)
وصورتها على ما ذكره في «التثقيف» في ألقاب النائب بالأبواب:
«النائب الجليل، المبجّل، الموقّر، القدّيس، الرّوحانيّ» والنّعوت من نسبة ألقاب متملّك سيس.
وصورتها على ما ذكره في «التثقيف» في ألقاب صاحب دنقلة «1» :
«النائب الجليل، المبجّل، الموقّر، الأسد، الباسل، فلان، مجد الملّة المسيحية، كبير الطائفة الصّليبيّة، غرس الملوك والسلاطين» .
النوع الثاني (ألقاب الكناصلة)
وصورتها على ما ذكره في «التثقيف» في ألقاب الكنصل بانكفا «2» كألقاب متملّك سيس «3» المنقولة عن التثقيف فيما تقدّم.
(6/171)

وصورتها على ما أشار إليه في «التثقيف» في ألقاب المطران نائب الباب بالابقية «1» وهي قبرس نحو ما تقدّم في ألقاب البطرك بالديار المصرية.
قال: ويزاد عليه «المطران فلان» ويقال في نعوته «ناصح الملوك والسّلاطين» .
وصورتها على ما رأيته في بعض الدّساتير الشامية في ألقاب إبراهيم كري، أحد كتّاب الفرنج عن نائب دمشق: «المحتشم، الكبير، المخوّل، الأسد، الهمام، الغضنفر، موادّ المسلمين، متّبع الحواريّين، جمال العيسويّة، أوحد بني المعمودية، صاحب الملوك والسلاطين» .
قلت: قد تبيّن مما تقدّم من الألقاب والنّعوت الإسلاميّة وألقاب أهل الكفر ونعوتهم أنها ليست واقفة عند حدّ، بل هي راجعة إلى اصطلاح الكتّاب واختيارهم في زيادة الألقاب ونقصها، والإتيان بلقب دون لقب، مع رعاية المناسبة لكلّ مقام وما يحتمله من الألقاب، إلا أن لذلك (أصولا يرجع إليها) وقوانين يوقف عندها، إذا اعتمدها الكاتب ومشى على نهجها ونسج على منوالها، أصاب سواء الثّغرة من الصّناعة، وطبّق المفصل بالمفصل في الإتيان بالمقصد، ومتى أهملها وفرّط في مراعاتها ضلّ سواء السبيل، وخرج عن جادّة الصواب: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ*
«2» .
الأصل الأوّل
- أن يقف على ما رتّبه البلغاء من أرباب الصنعة من الألقاب والنّعوت لكلّ صنف من ذوي الألقاب والنعوت، لأهل الإسلام وأهل الكفر.
ويجري ذلك منه مجرى الحفظ والاستحضار، ليسهل عليه إيراده في موضعه، ولا يشذّ عنه شيء منها عند الاحتياج إليه. وقد تقدّم من ذلك جملة مستكثرة يهتدى بنجمها، ويستضاء في ظلمة اللّبس بضوئها.
الأصل الثاني
- أن يعرف ما هو من الألقاب والنّعوت حقيقيّ لصاحب
(6/172)

اللّقب الذي يستعمله فيه، كالعالميّ لأهل العلم، والعابديّ لأهل الصّلاح، والعادليّ للحكّام من أرباب السيوف وغيرهم؛ وما هو منها مجازيّ، كالعالميّ لأرباب السّيوف والكتّاب حيث لا اتصاف لصاحب اللّقب بالعلم، والأصيليّ لمن ليس له آباء في الرّياسة ولا عراقة في النّسب، ونحو ذلك مما يجري هذا المجرى.
الأصل الثالث
- أن يعرف الألقاب الخاصّة ببعض دون بعض، كالشّريفيّ، والحسيبيّ، والنّسيبيّ، للأشراف أولاد فاطمة رضي الله عنها، والكافليّ لنائب السلطنة أو وزير كبير، والنّوينيّ لأمير التّوامين بالشرق، والمدبّريّ للوزير ونحوه من ناظر الخاص ومن في معناه، والمشيريّ لمن يؤخذ رأيه من أكابر أرباب السيوف والأقلام، والسّفيريّ للحاجب والدّوادار وكاتب السرّ، واليمينيّ للدّوادار وكاتب السرّ، والعريقيّ لذي العراقة في النسب، والأصيليّ لمن له ثلاثة آباء في الرياسة.
وكذلك النعوت كوالد الملوك والسلاطين لمن يكون له أولاد من الملوك، وولد الملوك والسلاطين لأولاد الملوك، وعضد الملوك والسلاطين للأمراء ونحوهم، وكافل الممالك للنائب الكافل، وسفير الدولة ولسان المملكة للدّوادار وكاتب السرّ، ويمين الملوك والسلاطين لهما أيضا، ووالدة الملوك والسلاطين لمن يكون من أولادها ملك، وكريمة الملوك والسلاطين لمن يكون من إخوتها سلطان، وقرينة الملوك والسلاطين لمن تكون زوجة ملك، وصديق الملوك والسلاطين، أو موادّ الملوك والسلاطين لملوك الكفر، وقرين الملوك والسلاطين لنّوابهم، ونحو ذلك مما يجري هذا المجرى، فيوقع كلّ لقب أو نعت منها في موضعه ولا يجاوزه إلى غيره. وأنت إذا تأمّلت ما سلف من ترتيب الألقاب والنّعوت على الأصول المتقدّمة، ظهر لك منها ما تستعين به على ترتيبها وإيقاعها مواقعها.
الأصل الرابع
- أن يعرف الألقاب والنّعوت الرفيعة المقدار، فيلحقها بما يناسبها من الألقاب الأصول؛ كإلحاق العالميّ والعادليّ وممهّد الدّول ومشيّد
(6/173)

الممالك وما شاكل ذلك بالمقرّ والجناب الكريم ونحو ذلك. ويعرف الألقاب النازلة، فيخرج منها ما يجرّده عن الياء ويلحقه بالسامي بغير الياء فما دونه كالعضد والذّخر وما أشبه ذلك.
الأصل الخامس
- أن يعرف مراتب الألقاب في التقديم والتأخير، مثل أن يعلم أن الشريف والكريم يليان المقرّ والجناب، والعالي يليهما؛ ثم العالي يلي المقرّ والجناب والمجلس، والسامي يلي المجلس حيث لا يليه العالي. وأن النعت المضاف إلى أمير المؤمنين مثل عضد أمير المؤمنين، وسيف أمير المؤمنين، وحسام أمير المؤمنين، يكون آخر النّعوت. وأن المضاف إلى الملوك والسلاطين مثل عضد الملوك والسلاطين، وظهير الملوك والسلاطين، يكون قبله المضاف إلى أمير المؤمنين إن كان في رتبة يثبت فيها ما يضاف إلى أمير المؤمنين، وإلا يكون المضاف إلى الملوك والسلاطين هو آخر الألقاب. وأن يعلم أن لقب التّعريف، وهو الفلانيّ أو فلان الدين يكون واسطة بين الألقاب والنعوت، فاصلا بينهما. وأن لقب الوظيفة كالكافليّ والحاكميّ وما أشبههما يكون قبل لقب التعريف غالبا على ما تقدّم بيانه؛ فيضع هذه الألقاب في مواضعها ولا يخرجها عنها، بخلاف ما يجوز فيه التقديم والتأخير من الألقاب والنّعوت.
الجملة العاشرة (في ذكر ألقاب تقع على أشياء متفرّقة قد جرت في عرف الكتّاب، وهي على ضربين)
الضرب الأوّل (فيما يجري من ذلك مجرى التفاؤل، ويختلف باختلاف الأحوال والوقائع، ويتنوع إلى أنواع)
النوع الأول (ما يوصف بالنّصر، كالجيوش والعساكر والقلاع والبريد ونحو ذلك)
فيقال في الجيوش والعساكر: «الجيوش المنصورة، والعساكر
(6/174)

المنصورة» ويقال في القلاع المنصورة «وقلعة دمشق المنصورة وقلعة حلب المنصورة» ونحو ذلك، وكذلك يقال «القلاع المنصورة» على الجمع تفاؤلا بحصول النّصر لها؛ ويقال في البريد: «البريد المنصور» على ما اصطلح عليه كتّاب الزمان، على أن في وصف البريد بالمنصور نظرا؛ لأنه إنما وضع ليوصّل الأخبار ونحو ذلك، وكان الأحسن أن يوصف بالسّعيد ونحوه اللهم إلا أن يراد أنه ربما وصل به خبر النصر على العدوّ، وهو من أهم المهمات، وكأنه وصف بأشرف متعلّقاته.
النوع الثاني (ما يوصف بالحراسة، كالمدن والثّغور «1» )
فيقال في المدن «مصر المحروسة» و «القاهرة المحروسة» و «دمشق المحروسة» و «حلب المحروسة» ونحو ذلك. ويقال في الثغور «الثّغر المحروس» و «ثغر الإسكندريّة المحروس» و «ثغر رشيد المحروس» و «ثغر دمياط المحروس» و «ثغر أسوان المحروس» ونحو ذلك تفاؤلا بوقوع الحراسة لها. على أنه لو وصفت القلاع أيضا بالحراسة فقيل «القلعة المحروسة» و «القلاع المحروسة» ونحو ذلك لكان له وجه ظاهر.
وبكل حال فكلّ ما كان محلّ خوف مما ينبغي حراسته والاحتفاظ به، حسن وصفه بالحراسة. وقد رأيت من يذكر ضابطا لذلك في البلاد: وهو أن كل مدينة مسوّرة يقال فيها محروسة وإلا فلا، وهو بعيد، والظاهر ما قدّمنا ذكره.
النوع الثالث (ما يوصف بالعمارة، كالدواوين)
وهي المواضع التي يجلس فيها الكتّاب على ما تقدّم بيانه في مقدّمة الكتاب وغير ذلك. فيقال: «الدّيوان المعمور» و «الدّواوين المعمورة» تفاؤلا بأنها لا تزال معمورة بالكتّاب، أو بدوام عزّ صاحبها وبقاء دولته.
(6/175)

النوع الرابع (ما يوصف بالسّعادة، كالدواوين أيضا)
فيقال: «الدّيوان السعيد» و «الدّواوين السعيدة» تفاؤلا بدوام سعادتها بدوام سعادة صاحبها.
النوع الخامس (ما يوصف بالقبول)
كالضّحايا المقبولة تفاؤلا بأنّ الله تعالى يتقبّلها، وهو في الحقيقة بمعنى الدعاء، كأنه يقال تقبّلها الله تعالى.
النوع السادس (ما يوصف بالبرّ، كالصّدقة والأحباس)
فيقال في الأحباس: «الأحباس المبرورة» وفي الصّدقة «الصدقة المبرورة» تفاؤلا بأنها تكون جارية مجرى البرّ الذي يلحق به الثواب. وكتّاب الجيش ونحوهم يستعملون ذلك في وصف الرّزقة أيضا، وهي القطعة من الأرض ترصد لمصالح المسجد أو الرّباط أو الشخص المعيّن. فيقولون:
«الرّزقة المبرورة» لجريانها مجرى الصدقة.
النوع السابع (ما يوصف بالخذلان، كالعدوّ ونحوه)
فيقال: «العدوّ المخذول» على الإجمال و «فلان المخذول» بالتصريح باسمه «وأهل الكفر المخذولون» ونحو ذلك تفاؤلا بأنّ الله تعالى يوقع بالعدوّ الخذلان ويرميه به.
(6/176)

الضرب الثاني (ما يجري من ذلك مجرى التشريف ويختلف أيضا باختلاف الأحوال، ويتنوّع أنواعا)
النوع الأوّل (ما يوصف بالعزّ، كالكتاب بمعنى القرآن)
فيقال فيه: «الكتاب العزيز» ومن ثمّ يقولون في قاريء القرآن: «من حملة كتاب الله العزيز» وربما وصف بذلك الدّيوان أيضا، كما يقال في ديوان الخلافة: «الدّيوان العزيز» على ما تقدّم ذكره في الكلام على الألقاب.
النوع الثاني (ما يوصف بالشريف، كالمصحف والعلم)
فيقال في المصحف: «المصحف الشريف» وفي العلم «العلم الشريف» ولذلك يقولون «فلان من طلبة العلم الشريف» ونحو ذلك، وكذا في الأماكن الرفيعة، كمكّة والمدينة النبويّة والقدس. فيقال: «مكّة المشرّفة» و «المدينة الشريفة» و «القدس الشريف» والحرم الشريف تارة لحرم مكّة وتارة لحرم المدينة. فإذا جمعا قيل: «الحرمان الشّريفان» وربما أطلق، في عرف الكتّاب، الحرمان على القدس الشريف ومقام الخليل عليه السّلام، وهو مراد المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في كتابه «التعريف» في قسم الوصايا بناظر الحرمين الشريفين دون حرم مكة والمدينة المشرّفتين. وقد اصطلح كتّاب الزمان على أن وصفوا أكثر ما يضاف إلى السلطان بالشريف، فيقولون فيما يصدر عن السلطان من عهد وتقليد وتوقيع ومرسوم ومثال وتذكرة: «عهد شريف» و «تقليد شريف» و «توقيع شريف» و «مرسوم شريف» و «مثال شريف» و «تذكرة شريفة» ونحو ذلك.
(6/177)

النوع الثالث (ما يوصف بالكريم، كالقرآن)
فيقال: «القرآن الكريم» والأصل فيه قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
«1» وقد اصطلح كتّاب الزمان على أن جعلوه دون الشريف في الوصف، فوصفوا به ما يصدر عمّن دون السلطان من أكابر الدولة من النّواب والأمراء والوزراء: من توقيع ومرسوم ومثال وتذكرة ونحو ذلك. فيقولون: «توقيع كريم» و «مرسوم كريم» و «مثال كريم» و «تذكرة كريمة» . وقد توصف به المكاتبة أيضا فيقال:
«إنّ مكاتبته الكريمة وردت» ونحو ذلك، وقد ورد في التنزيل: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
«2» على أنه قد تقدّم أنه كان ينبغي أن يكون أرفع رتبة من الشريف لورود التنزيل بوصف القرآن به.
النوع الرابع (ما يوصف بالعلوّ، وهو في معنى الكرم في اصطلاحهم)
فيقال: «توقيع عال» و «مرسوم عال» ونحو ذلك، وقد يوصف به الرأي فيقال: «الرأي العالي» ، وقد يوصف به أمر السلطان أيضا من ذي الرّتبة الرفيعة، مثل كتابة الوزير على المراسيم الشريفة ونحوها «أمتثل الأمر العالي» .
النوع الخامس (ما يوصف بالسعادة)
ك «الرأي السّعيد» و «الآراء السعيدة» وربما وصف بذلك الدّيوان فقيل:
«الدّيوان السعيد» ونحو ذلك.
(6/178)

النوع السادس (ما يوصف بالبركة، كالكعب)
فيقال: «كعب مبارك» وقد يوصف به المنزل فيقال: «منزل مبارك» وقد يوصف به الأمر لمن دون العالي، فيقال: «يتقدّم أمره المبارك» وكذلك المكاتبة، فيقال: «إن مكاتبته المباركة وردت» ونحو ذلك.
(6/179)

الباب الثاني من المقالة الثالثة (في مقادير قطع الورق، وما يناسب كلّ مقدار منها من الأقلام، ومقادير البياض في أوّل الدّرج «1» وحاشيته، وبعد ما بين السطور في الكتابات، وفيه فصلان)
الفصل الأوّل (في مقادير قطع الورق، وفيه طرفان)
الطرف الأوّل (في مقادير قطع الورق في الزّمن القديم)
قد ذكر محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدواة» أن الخلفاء لم تزل تستعمل القراطيس امتيازا لها على غيرها من عهد معاوية بن أبي سفيان.
وذاك أنه يكتب للخلفاء في قرطاس من ثلثي طومار «2» ، وإلى الأمراء من نصف طومار، وإلى العمّال والكتّاب من ثلث، وإلى التّجّار وأشباههم من ربع، وإلى الحسّاب والمسّاح من سدس. فهذه مقادير لقطع الورق في القديم، وهي الثلثان والنصف والثلث والربع والسّدس. ومنها استخرجت المقادير الآتي ذكرها. ثم المراد بالطّومار الورقة الكاملة، وهي المعبّر عنها في زماننا بالفرخة،
(6/180)

والظاهر أنه أراد القطع البغداديّ؛ لأنه الذي يحتمل هذه المقادير، بخلاف الشاميّ، لا سيما وبغداد إذ ذاك دار الخلافة، فلا يحسن أن يقدّر بغير ورقها مع اشتماله على كمال المحاسن. وقد تقدّم في الكلام على آلات الكتابة في المقالة الأولى بيان الخلاف في أوّل من صنع الورق.
الطرف الثاني (في بيان مقادير قطع الورق المستعمل في زماننا، وفيه ثلاث جمل)
الجملة الأولى (في مقادير الورق المستعمل بديوان الإنشاء بالأبواب السلطانية بالديار المصرية، وهي تسعة مقادير)
المقدار الأول- قطع البغداديّ الكامل
، وعرض درجه عرض البغداديّ بكماله، وهو ذراع واحد بذراع القماش المصريّ؛ وطول كلّ وصل من الدّرج المذكور ذراع ونصف بالذراع المذكور. وفيه كان تكتب عهود الخلفاء وبيعاتهم. وفيه تكتب الآن عهود أكابر الملوك، والمكاتبات إلى الطبقة العليا من الملوك، كأكابر القانات من ملوك الشّرق.
المقدار الثاني- قطع البغداديّ الناقص
، وعرض درجه دون عرض البغداديّ الكامل بأربعة أصابع مطبوقة. وفيه يكتب للطبقة الثانية من الملوك، وربما كتب فيه [للطبقة العليا «1» ] لإعواز البغداديّ الكامل.
المقدار الثالث- قطع الثلثين من الورق المصريّ
، والمراد به ثلثا الطّومار من كامل المنصوريّ، وعرض درجه ثلثا ذراع بذراع القماش المصريّ أيضا. وفيه تكتب مناشير الأمراء المقدّمين، وتقاليد النّواب الكبار والوزراء وأكابر القضاة ومن في معناهم. ولم تجر العادة بكتابة مكاتبة عن الأبواب السلطانية فيه.
(6/181)

المقدار الرابع- قطع النصف
، والمراد به قطع النّصف من الطّومار المنصوريّ؛ وعرض درجه نصف ذراع بالذراع المذكور. وفيه تكتب مناشير الأمراء الطّبلخاناه، ومراسيم الطبقة الثانية من النّواب، والمكاتبات إلى الطبقة الثانية من الملوك.
المقدار الخامس- قطع الثلث
. والمراد به ثلث القطع المنصوريّ؛ وعرض درجة ثلث ذراع بالذراع المذكور. وفيه تكتب مناشير أمراء العشرات، ومراسيم صغار النّواب، والمكاتبات إلى الطبقة الرابعة من الملوك.
المقدار السادس- القطع المعروف بالمنصوريّ
، وعرضه تقدير ربع ذراع بالذراع المذكور. وفيه تكتب مناشير المماليك السلطانية ومقدّمي الحلقة، ومناشير عشرات التّركمان ببعض الممالك الشامية، وبعض التواقيع وما في معنى ذلك.
المقدار السابع- القطع الصغير
، ويقال فيه قطع العادة، وعرض درجه تقدير سدس ذراع بالذراع المذكور. وفيه تكتب عامة المكاتبات لأهل المملكة وحكّامها، وبعض التواقيع والمراسيم الصّغار، والمكاتبات إلى حكّام البلاد بالممالك، وما يجري هذا المجرى. وقد كان هذا القطع والذي قبله في أوّل الدّولة التركية، طول كلّ وصل منه شبران وأربعة أصابع مطبوقة فما حول ذلك.
المقدار الثامن- قطع الشاميّ الكامل
، وعرض درجه عرض الطّومار «1» الشاميّ في طوله. وهو قليل الاستعمال بالدّيوان، إلا أنه ربما كتب فيه بعض المكاتبات، كما كتب فيه عن الأشرف شعبان «2» بن حسين لوالدته حين سافرت
(6/182)

إلى الحجاز الشريف.
المقدار التاسع- القطع الصغير
، وهو في عرض ثلاثة أصابع مطبوقة من الورق المعروف بورق الطّير، وهو صنف من الورق الشاميّ رقيق للغاية، وفيه تكتب ملطفات الكتب وبطائق الحمام.
الجملة الثانية (في مقادير الورق المستعملة بدواوين الإنشاء بالممالك الشامية: دمشق، وحلب، وطرابلس، وحماة، وصفد، والكرك. في المكاتبات والولايات الصادرة عن النّواب بالممالك، وهي لا تخرج عن أربعة مقادير)
المقدار الأوّل- قطع الشاميّ الكامل
، وهو الذي يكون عرضه عرض الطّومار الشاميّ الكامل في طوله على ما تقدّم فيه. وفيه يكتب عن النّواب لأعلى الطبقات من أرباب التّواقيع والمراسيم ليس إلّا.
المقدار الثاني- قطع نصف الحمويّ
، وعرض درجه عرض نصف الطّومار الحمويّ، وطوله بطول الطّومار. وفيه يكتب للطبقة الثانية من أرباب التواقيع والمراسيم الصادرة عن النّواب.
المقدار الثالث- قطع العادة من الشاميّ
، وعرض درجه سدس ذراع بذراع القماش المصريّ في طول الطّومار أو دونه. وفيه يكتب للطبقة الثالثة من أرباب التواقيع والمراسيم الصادرة عن النّواب وعامّة المكاتبات الصادرة عن النّوّاب إلى السلطان فمن دونه من أهل المملكة وغيرهم، إلا أن نائب الشام ونائب الكرك قد جرت عادتهما بصدور المكاتبات عنهما في الورق الأحمر دون غيرهما من النّواب.
المقدار الرابع- قطع ورق الطير
المقدّم ذكره في آخر المقادير المستعملة بالأبواب السلطانية بالديار المصرية. وفيه تكتب الملطّفات والبطائق على ما تقدّم.
(6/183)

قلت: هذه مقادير قطع الورق بالديار المصرية والبلاد الشاميّة. أما غير مملكة الديار المصرية من الممالك، فالحال فيها يختلف في مقادير الورق المستعمل بدواوينها. فأمّا بلاد المشرق فعلى نحو المقادير المتقدّمة. وأما بلاد المغرب والسّودان وبلاد الفرنج، فعادة كتابتهم في طومار واحد، يزيد طوله على عرضه قليلا، ما بين صغير وكبير بحسب ما يقتضيه حال المكتوب.
الجملة الثالثة (في مقادير قطع الورق الذي تجري فيه مكاتبات أعيان الدّولة من الأمراء والوزراء وغيرهم بالديار المصرية والبلاد الشامية)
وهو قطع العادة من البلديّ بالديار المصرية، ومن الشامي بالبلاد الشامية.
(6/184)

الفصل الثاني من الباب الثاني من المقالة الثالثة (في بيان ما يناسب كلّ مقدار من مقادير قطع الورق المتقدّمة الذكر من الأقلام، ومقادير البياض الواقع في أعلى الدّرج وحاشيته، وبعد ما بين السّطور في الكتابة. وفيه طرفان)
الطرف الأوّل (فيما يناسب كلّ مقدار منها من قطع الورق من الأقلام)
قد ذكر المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في كتابه «التعريف» في آخر القسم الثاني ما يناسب كلّ مقدار من مقادير الورق المستعملة بديوان الإنشاء بالديار المصرية من أقلام الخطّ المنسوب فقال: إن لقطع البغداديّ قلم مختصر الطّومار، ولقطع الثلثين قلم الثلث الثقيل، ولقطع النّصف قلم الثلث الخفيف، ولقطع الثلث قلم التوقيعات، ولقطع العادة قلم الرّقاع. ومن ذلك يعلم ما يناسب كلّ قطع من مقادير القطع المستعملة بدواوين الإنشاء بالممالك الشامية.
فيناسب الشاميّ الكامل قلم التوقيعات، لأنه في مقدار قطع الثّلث البلديّ أو قريب منه. ويناسب نصف الحمويّ والعادة من الشاميّ قلم الرّقاع؛ لأنهما في معنى القطع المنصوريّ والعادة بالديار المصرية. أما قلم «1» الجناح لكتابة بطائق
(6/185)

الحمام به. وأما ما كان يكتب به الخلفاء أسماءهم في الزمن القديم وبه يكتب الملوك أسماءهم الآن، فقلم الطّومار، وهو القلم الجليل الذي لا قلم فوقه. وقد تقدّم الكلام على هذه الأقلام في بيان ما يحتاج إليه الكاتب في أواخر المقالة الأولى.
الطرف الثاني (في مقادير البياض الواقع في أوّل الدّرج، وحاشيته وبعد ما بين السّطور في الكتابة)
أما مقدار البياض قبل البسملة، فيختلف في السلطانيات باختلاف قطع الورق، فكلّما عظم قطع الورق، كان البياض فيه أكثر؛ فقطع البغداديّ يترك فيه ستة أوصال بياضا، وتكتب البسملة في أوّل السابع، وقطع الثلثين يترك فيه خمسة أوصال، وقطع النصف يترك فيه أربعة أوصال، وقطع الثلث يترك فيه ثلاثة أوصال، وقطع المنصوريّ والعادة تارة يترك فيه ثلاثة أوصال، وتارة يترك فيه وصلان، بحسب ما يقتضيه الحال. وقطع الشاميّ الكامل في معنى قطع الثلث، وقطع نصف الحمويّ والعادة من الشاميّ في معنى القطع المنصوريّ والعادة في البلديّ. وربما اجتهد الكاتب في زيادة بعض الأوصال ونقصانها بحسب ما تقتضيه الحال. وفي المكاتبات الصادرة عن سائر أرباب الدولة مصرا وشاما يترك في جميعها قبل البسملة وصل واحد فقط. وفي كتابة الأدنى إلى الأعلى يترك بعض وصل.
وأما حاشية الكتاب، فبحسب اجتهاد الكاتب فيه في السّعة والضّيق. وقد رأيت بعض الكتّاب المعتبرين يقدّر حاشية الكتاب بالرّبع من عرض الدّرج، وهو اعتبار حسن لا يكاد يخرج عن القانون.
وأما بعد ما بين السطور، فيختلف باختلاف حال المكتوب واختلاف قطع
(6/186)

الورق؛ ففي السلطانيات كلّها على اختلاف قطع الورق فيها «1» تكتب البسملة في أوّل الفصل بعد ما يترك من أوصال البياض في أعلى الدّرج بحسب ما تقتضيه الحال، ثم يكتب تحت البسملة سطر ملاصق لها بحسب ما يقتضيه وضع القلم المكتوب به في القرب والبعد، بحسب الدّقّة والغلظ؛ ثم يكتب السطر الثاني في آخر الوصل الذي كتبت البسملة في أوّله، بحيث يبقى من الوصل ثلاثة أصابع مطبوقة أو نحوها في القطع الكبير، وقدر إصبعين في القطع الصغير، وما بينهما بحسبه.
وقد قدّر صاحب «موادّ البيان» البياض الباقي بين السطر «2» الأوّل والثاني أيضا. وهذا إنما يقارب في القطع الكبير. وقد ذكر ابن شيث في «معالم الكتابة» - وكان في آخر الدولة الأيّوبية فيما أظنّ- أنّ مقدار ما بين كلّ سطرين يكون ثلاثة أصابع أو أربعة أصابع. والذي جرت به عادة الكتّاب في زماننا أنه يكون في قطع العادة والمنصوريّ في كلّ وصل من أوصال «3» الزمان ثلاثة أسطر، وفيما عداه سطران. وربما وقع التفاوت في القطع الصغير بحسب الحال حتّى يكون في التواقيع التي على ظهور القصص ونحوها بين كلّ سطرين بعد بيت العلامة قدر إصبعين؛ وربما تواصلت الأسطر كما في الملطفات ونحوها.
أمّا ما يكتب عن النّواب من الولايات والمكاتبات من سائر أعيان الدولة، فدون السلطانيات في مقدار خلوّ موضع العلامة، وهو ما بين قدر خمس أصابع مطبوقة ونحوها؛ وقدر [بعد] «4» السطور فيما بعد بيت العلامة من قدر إصبعين إلى ما دونهما.
(6/187)

الباب الثالث من المقالة الثالثة (في بيان المستندات، وكتابة الملخّصات، وكيفيّة التعيين، وفيه فصلان)
الفصل الأوّل (في بيان المستندات، وهي التوقيع على القصص وما يجري مجراه، وما يحتاج فيه إلى كتابة المستندات، وهو على ضربين)
الضرب الأوّل (السّلطانيات، وهي صنفان)
الصنف الأوّل (ما يصدر عن متولّي ديوان الإنشاء، كولايات النّوّاب والقضاة وغيرهما من أرباب الوظائف، والتواقيع التي تكتب في المسامحات والإطلاقات، ومكاتبات البريد الخاصّة بالأشغال السلطانية، وأوراق الطريق وما يجري مجرى ذلك)
وجميعها معدوقة «1» بنظر صاحب ديوان الإنشاء. فما كان منها جليل الخطر كولايات النّوّاب والقضاة وأكابر أرباب الوظائف والمكاتبات المتعلّقة
(6/188)

بمهمّات السلطنة، فلا بدّ من مخاطبة صاحب ديوان الإنشاء فيها واعتماد ما يبرز به أمره. وما كان منها حقيرا بالنسبة إلى مخاطبة السلطان فيه استقلّ فيه بما يقتضيه رأيه.
ثم من ذلك ما يكتب به صاحب الديوان رقاعا «1» لطيفة بخطه ويعيّنها على الكاتب الذي يكتبها وتدفع إليه لتخلّد عنده شاهدا له، كالولايات والمسامحات والإطلاقات والمكاتبات المتعلّقة بأمور المملكة ونحو ذلك. ومن ذلك ما يبرز به أمر صاحب الديوان مشافهة فيكتبه من غير شاهد عنده، وذلك في الأمور التي لا درك فيها على الكاتب، كتقاليد النّوّاب وبعض المكاتبات، إذ لا تهمة تلحق كاتب الإنشاء في مثل ولاية نائب كبير أو قاض حفيل؛ لأن مثل ذلك لا يخفى على السلطان، فأشبه خطاب صاحب الديوان فيها الكاتب خطاب السلطان صاحب الديوان حيث لا شاهد عليه إلا الله تعالى، بخلاف الأمور التي يلحق كاتبها الدّرك، فإنه لا بدّ في كتابتها من تخليد شاهد. وكان الواجب أن لا يكتب حقير ولا جليل إلا بشاهد من صاحب الديوان، فإن الأمور تتراكم وتكثر، والإنسان معرّض للنسيان، وربما عرض إنكار بسبب ما يكتبه الكاتب ونسيه صاحب الديوان فيكون الكاتب قد عرّض نفسه لأمر عظيم. ولا يقاس الكاتب على صاحب الديوان في عدم أخذه شاهدا بخطّ السلطان، فإن صاحب الديوان هو المتصرّف حقيقة، والسلطان وكلّ جميع أمور المملكة إليه، فلا يتّهم في شيء منها، بخلاف الكاتب.
وقد ذكر أبو الفضل الصّوريّ في «تذكرته» أن المكتوب من الديوان إن كان مكاتبة فالواجب أن يكون عنوانها بخط متولّي الديوان، وإن كان منشورا فالواجب أن يكون التاريخ بخطّه ليدلّ على أنه وقف على المكتوب وأمضى حكمه ورضيه، ويكون ذلك قد قام مقام كتابة اسمه فيه. ثم قال: وقد كان
(6/189)

الرسم بالعراق- وفيه الكتّاب الأفاضل- أن يكتب الكتّاب ما يكتبون ثم يقولون في آخره: «وكتب فلان بن فلان» باسم متولّي ديوان الرسائل. وما ذكره عن أهل العراق قد ذكر نحوه أبو جعفر النّحاس في «صناعة الكتّاب» إلا أنه قد جعل بدل اسم متولّي الديوان اسم الوزير [فقال] ويكتب في آخر الكتاب «وكتب فلان بن فلان» باسم الوزير واسم أبيه. وقد رأيت نسخا عدّة من سجلّات الخلفاء الفاطميين بالديار المصرية مستشهدا فيها باسم الوزير على النّهج المذكور. على أنه كان الواجب أن يكون الاستشهاد في آخر كل كتاب باسم كتابه الذي يكتبه ليعلم من كتبه، فإن الخطوط كثيرة التشابه، لا سيما وقد كثر كتّاب الإنشاء في زماننا وخرجوا عن الحدّ، حتّى أنه لم يعرف بعضهم بعضا فضلا عن أن يعرف خطّه. وقد كان كتّاب النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، إذا سجّلوا عنه سجلّا أو نحوه كتب الكاتب في آخره «وكتب فلان بن فلان» . وهذه الرّقعة التي كتبها النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، لتميم «1» الداريّ بإقطاع قرى من قرى الشام موجودة بأيدي التميميّين إلى الآن مستشهدا فيها بخطّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه. وإنما عدلوا عن اسم الكاتب نفسه إلى اسم متولّي الديوان أو الوزير استصغار للكاتب أن يستشهد للكتاب باسمه فيما يكتب به عن الخليفة. قال أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» : وقد قالوا إن أوّل من كتب في آخر الكتاب «وكتب فلان بن فلان» أبيّ «2» بن كعب رضي الله عنه.
(6/190)

الصّنف الثاني (ما يصدر عن غير صاحب ديوان الإنشاء، كالأمور التي يكتب بها من الدواوين السلطانية غير ديوان الإنشاء وتلتمس الكتب من ديوان الإنشاء على مقتضاها، كالمكاتبات الخاصّة بتعلّقات شيء من الدواوين المذكورة، وبعض التواقيع التي أصلها من ديوان الوزارة)
وينحصر ذلك في أربعة دواوين:
الديوان الأوّل- ديوان الوزارة
: وهو أعظمها خطرا، وأجلّها قدرا.
وقد جرت العادة أنه إذا دعت الضرورة إلى كتابة كتاب من ديوان الإنشاء يتعلّق بديوان الوزارة أن تكتب به قائمة من ديوان الوزارة في ورقة ديوانيّة بما مثاله: «رسم بالأمر الشريف- شرّفه الله تعالى وعظّمه- أن يكتب مثال شريف إلى فلان الفلاني بكذا وكذا» . وكيفية وضع هذه القائمة أن يكون السطر الأوّل في رأس الورقة من الوجه الأوّل منها، وآخره «شرّفه الله تعالى وعظّمه» وبينه وبين السطر الثاني قدر إصبعين معترضين بياضا، وباقي السطور مسترسلة متقاربة بقلم الرقاع؛ ويكتب الوزير في البياض الذي بين السطر الأوّل والثاني بقلم الثلث ما مثاله: «يكتب» . ويوجّه بالقائمة إلى ديوان الإنشاء صحبة مدير من ديوان الوزارة أو غيره، فيكتب على حاشيتها يكتب بذلك، ويعيّنها على بعض كتّاب الإنشاء فيكتب مثالا بما فيها، ويخلّد القائمة عنده شاهدا له، وربما خلّدت بديوان الإنشاء في جملة ما يخلّد في الأضابير «1» شاهدا لديوان الإنشاء، والأوّل هو الأليق.
وإن كان الذي يكتب من ديوان الوزارة توقيعا بإطلاق أو نحوه مما أصله من ديوان الوزارة، كتب الوزير على حاشية قصة صاحبه ما مثاله «يكتب بذلك، أو
(6/191)

يوقّع بذلك» وتبعث إلى ديوان الإنشاء فيكتب عليها صاحب ديوان الإنشاء بالتعيين. ثم إن كان التوقيع ملصقا بقصة فذاك، وإلا خلّد الكاتب القصة شاهدا عنده على ذلك؛ وربما كتب بالإطلاقات من ديوان الوزارة مربّعات بخطّ مستوفي الصّحبة.
الديوان الثاني- ديوان الخاصّ
: وهو في كتابة الأمثلة الشريفة على ما مرّ من كتابة القائمة ليخرج المثال على نظيرها، على ما تقدّم في ديوان الوزارة؛ فتكتب القائمة على لحكم المتقدّم من غير فرق، ويكتب ناظر الخاص عليها نظير كتابة الوزير السابقة، ويوجّه إلى ديوان الإنشاء فيكتب عليها بالتعيين كما تقدّم، ويخلّد الكاتب القائمة عنده شاهدا له، أو تخلّد بديوان الإنشاء على ما تقدّم في ديوان الوزارة. ولا يكتب من ديوان الخاصّ تواقيع بإطلاقات ونحوها بل تكتب بها مراسيم مربّعة في ورق شاميّ بخطّ مباشري ديوان الخاصّ.
الديوان الثالث- ديوان الإستدّرايّة
: وحكمه في ذلك حكم ديوان الخاصّ من غير فرق، ويكتب الإستدّار عليها كما يكتب الوزير وناظر الخاص، ويبعث بها إلى ديوان الإنشاء، فيجري الحكم فيها على ما تقدّم في الديوانين المذكورين.
الديوان الرابع- ديوان الجيش
: والذي يرد إلى ديوان الإنشاء منه ابتداء هي المربّعات التي تكتب بالإقطاعات لتخرج المناشير على نظيرها.
وصورتها أن يكتب في نصف فرخة مكسورة في القطع البلديّ بعد البسملة الشريفة ما مثاله «المرسوم بالأمر العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ، الفلانيّ، أعلاه الله تعالى وشرّفه، وأنفذه وصرّفه؛ أو أعلاه الله تعالى وأسماه، وشرّفه وأمضاه، أن يقطع باسم فلان الفلاني- أحد الأمراء المقدّمين، أو الطبلخانات، أو العشرات، أو الخمسات- بالمكان الفلاني؛ أو
(6/192)

أحد المماليك السلطانية، أو مقدّمي الحلقة، أو أجناد الحلقة، بالمكان الفلانيّ المرسوم استقراره في أمراء العشرات، أو الطّبلخانات، أو المقدّمين، أو نحو ذلك- ما رسم له به الآن من الإقطاع» . فإن كان أميرا قيل بعد ذلك: «لخاصّته ولمن يستخدمه من الأجناد الجياد للخدمة الشريفة، والبرك التام، والعدّة الكاملة، بمقتضى المثال الشريف، أو الخطّ العالي الكافليّ؛ أو بمقتضى الإشهاد المشمول بالخطّ الشريف، أو الخط الكافليّ على نظير ما تقدّم» أو «بمقتضى المربّعة المكتتبة من المملكة الفلانية المشمولة بالخط الشريف» إن كان أصله مربّعة من بعض الممالك وما أشبه ذلك. فإن كان أميرا ذكرت عدّته على ما سيأتي في الكلام على المناشير في المقالة الخامسة. ثم يقال: «حسب الأمر الشريف» ويكمل التاريخ «والحمد لله، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم» ويبعث بها إلى ديوان الإنشاء فيكتب عليها صاحب الديوان بالتعيين على بعض كتّاب الإنشاء، فيكتبها ويخلّد المربعة شاهدا عنده.
الضرب الثاني (ما يتعلق بالكتب في المظالم، والنظر فيه من وجهين)
الوجه الأوّل (فيما يتعلّق بالقصص)
وهي ترفع إلى ولاة الأمور بحكاية صورة الحال المتعلّق بتلك الحاجة، وسمّيت قصصا على سبيل المجاز، من حيث إن القصّة اسم للمحكيّ في الورقة لا لنفس الورقة. وربما سمّيت في الزمن القديم رقاعا لصغر حجمها، أخذا من الرّقعة في الثوب.
ثم الذي يجب في هذه القصص الإيجاز والاختصار مع تبليغ الغرض المطلوب والقرب من فهم المخاطب، فإنها متى كانت خارجة عن الحدّ في الطول، أدّت إلى الإضجار والسّآمة المنفّرين للرؤساء. وربما كان في ذلك حرمان الطالب ودفعه عن حاجته، إما للإعراض عنها استثقالا، وإما لعدم فهم
(6/193)

المقصود منها لطولها واختلاط بعض مقاصدها ببعض. وأما كونها مبلّغة للغرض المطلوب وفهم المخاطب، فلأنها إذا كانت بصدد الاختصار المجحف والتعقيد، نبا عنها فهم الرئيس ومجّها سمعه، فإما أن يعرض عنها فيفوت على صاحبها المطلوب، وإما أن يسأل غيره عن معناها فيكون سببا لتنزّله عن عزّ الرياسة إلى ذلّ السؤال، وكلاهما غير مستحسن.
وقد جرت العادة في مثل ذلك أن يخلّى من أوّل الورقة قليلا، ويجعل لها هامش بحسب عرضها، ويبتدأ فيها بالبسملة ثم يكتب تحت أوّل البسملة:
«المملوك فلان يقبّل الأرض، وينهي كذا وكذا» إلى آخر إنهائه، ثم يقال:
«وسؤاله كذا وكذا» فإن كان السؤال لغير للسلطان قال: «وسؤاله من الصّدقات الشريفة كذا وكذا» وإن كان السؤال لغير السلطان قال: «وسؤاله من الصّدقات العميمة كذا وكذا» . ثم إن كان المسؤول كتابا؛ فإن كان عن السلطان قال:
وسؤاله مثال شريف بكذا وكذا، وإن كان عن غير السلطان قال: «مثال كريم بكذا وكذا» ثم يقول إن شاء الله تعالى، ويحمد الله تعالى ويصلّي على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويحسبل «1» . وربما كتب «المملوك فلان» بحاشية القصّة، خارجا عن سمت «2» البسملة. وربما أبدل لفظ المملوك بلفظ الفقير إلى الله تعالى.
ويقال حينئذ بدل «يقبّل الأرض» «يبتهل إلى الله تعالى بالأدعية الصالحة» أو «يواصل بالأدعية الصالحة» ونحو ذلك.
وقد جرت العادة في كتابة القصص أن صاحبها إن كان أميرا ونحوه كتب تحت البسملة «الملكيّ الفلانيّ» بلقب سلطانه، مخليا بياضا من جانبيها. على أنه قد تصدّى لكتابة القصص من لا يفرّق بين حسنها وقبيحها، ولا ينظر في دلالتها، ولا يراعي مدلولها. وذلك كسنّة الزمان في أكثر أحواله.
قلت: وقد جرت عادة أكثر الناس في القصص أنه إذا فرغ الكاتب من
(6/194)

كتابة القصّة يقطع قليلا من زاويتها اليمنى من الجهة السّفلى، مستندين في ذلك إلى كراهة التّربيع.
ومن غريب ما يحكى في ذلك أن بعض الوزراء قال يوما بمجلس ...
...... «1» ...... وأنا ولّيت الوزارة رابع ربيع الأوّل سنة أربع وأربعين وأربعمائة- فقال له بعض جلسائه: إن تفاءلت أنت به فقد تطيّرنا نحن به. ولا شكّ أن مستندهم في ذلك التشاؤم بالتربيع في القرآن النّجوميّ، ولا يعوّل عليه. وقد ورد أنّ حوض النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، في القيامة زواياه على التربيع، ولولا أن التربيع أحسن الأشكال لما وضع عليه حوض النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
الوجه الثاني (فيما يتعلق بالنّظر في المظالم، وما يكتب على القصص، وما ينشأ عنها من المساءلات وغيرها)
وهو أمر مهمّ، به يقع إنصاف المظلوم من الظالم، وخلاص المحقّ من المبطل، ونصرة الضعيف على القويّ، وإقامة قوانين العدل في المملكة. وقد نبّه أبو الفضل الصّوري في «تذكرته» على جلالة هذا القدر وخطره، ثم قال:
ومن المعلوم أن أكثر المتظلّمين يصلون من أطراف المملكة ونواحيها، وفيهم الحرم والمنقطعات والأيتام والصّعاليك، وكلّ من يفد منهم معتقد أنه يصير إلى من ينصره ويكشف ظلامته «2» ويعديه على خصمه. فيجب أن يتلقّى كلّ منهم بالتّرحاب واللّطف، ويندب لهم من يحفظ رقاعهم ويتنجّز التوقيع فيها من غير التماس رشوة ولا فائدة منهم، وأن تكون التوقيعات لهم شافية في معانيها، مستوعبة لكشف ظلاماتهم، مؤذنة بإنجاح طلباتهم.
قال أبو هلال العسكري في كتابه «الأوائل» : كان المهديّ يجلس للمظالم
(6/195)

وتدخل القصص إليه، فارتشى بعض أصحابه بتقديم بعضها، فاتخذ بيتا له شبّاك حديد على الطريق تطرح فيه القصص، وكان يدخله وحده فيأخذ ما يقع بيده من القصص أوّلا فأوّلا فينظر فيه لئلّا يقدّم بعضها على بعض.
قال: وقدم عليه رجل فتظلّم فأنصفه فاستخفّه الفرح حتّى غشي عليه، فلمّا أفاق قال: ما حسبت أني أعيش حتى أرى هذا العدل فلما رأيته داخلني من السرور ما زال معه عقلي- فقال له المهديّ: كان الواجب أن ننصفك في بلدك، وكان قد صرف في نفقة طريقه عشرين دينارا فأمر له بخمسين دينارا وتحلّل منه.
قال أبو الفضل الصّوريّ: ومهما كان من الرّقاع يحتاج إلى العرض على السلطان، عرضه عليه، وأحسن السّفارة والتلطّف فيه، ووقّع بما يؤمر به، فقد تحدث في هذه الرقاع الأمور المهمّة التي تنتفع بها الدولة، وتستضرّ بتأخير النظر فيها، ويفهم من طيّ هذه الرقاع من جور بعض الولاة والمستخدمين ما توجب السياسة صرفهم عمّا ولّوه منها. ومهما كان منها مما يشكّ السلطان في صحته، ندب من يثق به للكشف مع رافعه، فإن صحّ قوله أنصف من خصمه، وإن بان تمحّله قوبل بما يردع أمثاله عن الكذب والتمرّد، ويعلم الولاة والمشارفون وسائر المستخدمين أنّ السلطان متفرّغ للنظر في قصص الناس وشكاويهم، وقد نصب لذلك من يتفرّغ له ويطالعه بالمهمّ منه فيكفّ أيديهم عن الظلم، ويحذرون سود عاقبة فعلهم، ويقلّ المتظلّمون قولا واحدا، وتحسن سمعة الدولة بذلك فيكون لها به الجمال الكبير.
قلت: والذي يرفع من القصص في معنى ذلك في زماننا على ستة أنواع.
النوع الأوّل منها (ما يرفع إلى السلطان في آحاد الأيّام)
وقد جرت العادة فيه أن يقرأ على السلطان: فما أمضاه منه كتب على ظهر
(6/196)

القصّة ما مثاله «يكتب» ثم تحمل إلى كاتب السر فيعيّنها على بعض كتّاب الإنشاء، فيكتب بمقتضاها ويخلّدها عنده شاهدا له.
النوع الثاني (ما يرفع لصاحب ديوان الإنشاء)
وقد جرت العادة في ذلك أنّ رافع القصّة والمحتاج إلى الأمثلة الشريفة السلطانية في مهمّاته ومتعلّقاته إن كان من الأعيان والمعتبرين كأحد من الأمراء أو المماليك السلطانية وأكابر أرباب الأقلام، بعث بقصّته لديوان الإنشاء، فيقف عليها صاحب ديوان الإنشاء ويتأمّلها وينظر ما تضمّنته، فإن كان مما يحتاج فيه إلى مخاطبة السلطان ومؤامرته، أخذها ليقرأها عليه عند حضوره بين يديه، ويمتثل ما يأمر به فيها، فيكتب بمقتضاه، سواء طابق سؤال السائل أم لا، ويعيّنها على كاتب من كتّاب الإنشاء، فيكتب بمقتضاها ويخلّد القصة شاهدا عنده. وهذه المثالات ورقها من ديوان الإنشاء من المرتّب السلطاني، وإن كان رافع القصة من غير المعتبرين كآحاد الناس، دفع القصة إلى مدير من مدراء ديوان الإنشاء فيجعل عليها علامة له، ويجمع كلّ مدير ما معه من القصص، وترفع إلى صاحب ديوان الإنشاء، فما كان منها غير سائغ للكتابة عليه قطعه أو ردّه؛ وما كان منها سائغا كتب عليه وعيّنه. وربما استشكل بعضها فأخّره ليقرأه على السلطان وينظر ما يأمر به فيه فيعتمده. وإذا عيّنها على كاتب من كتّاب الإنشاء كتب بمقتضاها وخلّد القصّة عنده شاهدا.
النوع الثالث (ما يرفع من القصص بدار العدل عند جلوس السلطان للحكم في المواكب)
وقد جرت العادة في ذلك أنه إذا ترتّب مجلس السلطان على ما تقدّم في ترتيب المملكة أن القصص تفرّق على كاتب السرّ ومن حضر من كتّاب
(6/197)

الدّست «1» ، فيقرأ كاتب السرّ منها ما عنّ له قراءته؛ ثم يقرأ الذي يليه من كتّاب الدّست، ثم الذي يليه إلى آخرهم، ويشير السلطان برأسه أو يده بإمضاء ما شاء منها؛ فيكتب كاتب السرّ أو كاتب الدّست على تلك القصّة بما فيه خلاص قلمه، ثم تحمل إلى ديوان الإنشاء فيعيّنها على من يشاء من كتّاب الإنشاء فيكتبها، ويخلّد تلك القصص عنده شاهدا.
النوع الرابع (ما يرفع منها للنائب الكافل، إذا كان ثمّ نائب)
وقد جرت العادة أن النائب يكون عنده كاتب من كتّاب الدّست يجلس بين يديه لقراءة القصص عليه، وتنفيذ ما يكتب عنه. فإذا رفعت القصة إلى النائب الكافل قرأها عليه كاتب الدّست وامتثل أمره فيها، وأصلح في القصّة ما يجب إصلاحه، وضرب على ما يجب الضرب عليه، وزاد بين سطوره ما تقتضيه الزيادة؛ ثم تدفع القصة إلى النائب الكافل، فيكتب على حاشيتها في الوسط آخذا من جهة أسفلها إلى جهة أعلاها بقلم مختصر الطّومار «2» ما مثاله «يكتب» ثم تحمل بعد ذلك إلى كاتب السر فيعيّنها على بعض كتّاب الإنشاء فيكتبها.
النوع الخامس (ما يرفع من القصص إلى الأتابك؛ إذا كان في الدولة أتابك عسكر، وهو الأمير الكبير)
وغالب ما يكون ذلك إذا كان السلطان طفلا أو نحو ذلك. وقد جرت العادة أن يكون عند الأتابك كاتب من كتّاب الدّست أيضا، فإذا رفعت القصة إلى الأتابك، وإن «3» كان الأمر فيها واضحا كخلاص حقّ أو نحوه، كتب كاتب الدّست
(6/198)

على حاشيتها ما تقتضيه الحال في ذلك من غير قراءتها على الأتابك. وإن كان الأمر فيها غير واضح كما إذا كان الأمر راجعا إلى منازعة خصمين ونحو ذلك، قرأها على الأتابك وامتثل أمره فيها، وكتب عليها ما برز به مرسومه. وفي كلتا الحالتين جرت العادة في زماننا [أنه يعمد] إلى أشهر حرف في اسم الأتابك فيرقمه في آخر ما يكتبه أو تحته؛ كما كان يكتب عن برقوق قبل السلطنة (ق) وعن إيتمش (ش) وعن نوروز (ن) ونحو ذلك.
النوع السادس (ما يرفع منها للدّوادار لتعلّق عنه الرسالة عن السلطان به)
واعلم أن العادة كانت جارية في الزمن المتقدّم أن السلطان إذا أمر بكتابة شيء على لسان أحد من الدّواداريّة، حمل بريديّ من البريديّة الرسالة لذلك عن ذلك الدّوادار إلى كاتب السرّ فيسمع كلام البريديّ ويكتب على القصّة إن كانت، أو ورقة مفردة ما مثاله: «حضرت رسالة على لسان فلان البريديّ بكذا وكذا» ويعيّنه على من يكتبه من كتّاب الإنشاء. ولم يزل الأمر على ذلك إلى الدولة الناصرية «محمد «1» بن قلاوون» فأفرد المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله صاحب ديوان الإنشاء كاتبا من كتّاب الإنشاء لتعليق الرسالة؛ فصار يكتب ما كان كاتب السرّ يكتبه من ذلك على القصص أو الورقة المفردة ثم ترفع إلى كاتب السرّ فيكتب عليها بالأمر بكتابتها؛ ويعيّنها على من يكتب بمقتضاها، وتخلّد القصة أو الورقة التي علّقت فيها الرسالة عنده شاهدا له. واستمرّ ذلك إلى مباشرة القاضي فتح الدين بن شاس أحد كتّاب الدّست عند الدّوادار؛ والدّوادار يومئذ الأمير يونس النّوروزي، فأذن له كاتب السرّ في تعليق الرسالة عن الأمير يونس الدّوادار على ظهور القصص وغيرها ففعل. وكان يكتب على حواشي
(6/199)

القصص في وسط القصّة آخذا من جهة اليمين إلى جهة اليسار بميلة إلى الأعلى بقلم دقيق متلاصق الأسطر ما مثاله: «رسم برسالة الجناب العالي الأميري الكبيريّ الشّرفيّ يونس الدّوادار الظاهريّ- ضاعف الله تعالى نعمته- أن يكتب مثال شريف بكذا أو توقيع شريف بكذا» وما أشبه ذلك، ويؤرخه بيوم الكتابة، ثم تحمل إلى كاتب السرّ فيكتب عليها بالأمر بالكتابة، ويعيّنها على كاتب من كتّاب الإنشاء، فيكتب بمقتضاها ويخلّدها شاهدا عنده، وجرى الأمر على ذلك بعده إلى آخر وقت.
قلت: وقد كان في الدولة الفاطميّة كاتب مفرد لتعليق الرسالة عن الخليفة، يسمّى صاحب القلم الدقيق، يعلّق ما تبرز به أوامر الخليفة في الرّقاع وحواشي القصص، وتحمل إلى ديوان الوزارة، فيعتمدها الوزير، ويبرز أمره إلى ديوان الإنشاء باعتمادها وكتابة ما فيها، على ما تقدّم ذكره في ترتيب الخلافة الفاطمية بالديار المصرية في المقالة الثانية.
(6/200)

الفصل الثاني (في التعيين وكيفية كتابة صاحب ديوان الإنشاء على الرّقاع والقصص، وتعيينها على كتّاب الإنشاء)
[الطرف الاول]
ويختلف الحال في ذلك باختلاف حال الكاتب المعيّن عليه وحال الرّقعة المعيّنة. فأما اختلافه باختلاف حال من يعيّن عليه. فإنه إن كان المعيّن عليه كاتبا من كتّاب الدّست، كتب له كاتب السرّ في التعيين: «المولى القاضي، فلان الدين، أعزّه الله تعالى» وربما رفع قدره على ذلك فيكتب له: «المولى، الأخ، القاضي، فلان الدين؛ أعزّه الله تعالى» . وإن كان من كتّاب الدّرج: فإن كان كبيرا كتب له: «المولى فلان الدين» . وإن كان صغيرا، كتب له: «الولد فلان الدين» وربما وقع التمييز لبعض كتّاب الدّست أو كتّاب الدّرج للتقدّم بالفضل فكتب له: «المولى، الشيخ فلان الدين» أو «الشيخ فلان الدين» تارة مع الدعاء وتارة دونه.
وأمّا اختلافه باختلاف حال المكتوب الذي يعيّن، فإنه إن كان قصّة بظاهرها خط السلطان «يكتب» فموضع كتابة التعيين تحت خط السلطان بظاهر القصّة، ولا كتابة له عليها غير ذلك.
وإن كان رقعة جميعها بخط كاتب السرّ، فإنه يكتب فيها «يكتب بكذا وكذا» ثم يكتب التعيين بأوّل ذيلها.
وإن كان قصة رفعت إلى كاتب السرّ، فإنه يكتب على حاشيتها في أعاليها آخذا من جهة أسفل القصة إلى أعلاها ما مثاله: «يكتب بذلك» أو «يكتب بكذا
(6/201)

وكذا» ثم يكتب التعيين بحاشيتها أسفل ذلك في عرض الحاشية مميلا للكتابة إلى جهة الأعلى قليلا.
وإن كان قصة عليها خطّ النائب الكافل، فإنه يكتب عليها بالتعيين ليس إلّا، وموضع التعيين فيها بحاشية القصّة أسفل خط النائب.
وإن كان قصة قد كتب بهامشها مرسوم الأتابك أو علّق بحاشيتها رسالة الدّوادار، كتب في جهة أعلى القصة: «يكتب بذلك» وعلى القرب منه التعيين.
وإنما يكتب هنا في جهة أعلى القصة وفيما عليه خطّ النائب الكافل في جهة أسفلها؛ لأنّ التعليق الذي على الهامش فيما علّق عن مرسوم الأتابك أو رسالة الدّوادار بخط كاتب الدّست الذي في خدمته، بخلاف ما عليه خطّ النائب بنفسه.
وإن كان الذي يقع فيه التعيين قائمة من ديوان الوزارة، أو ديوان الخاصّ أو ديوان الإستدّار، كتب بهامش القائمة من أعلاها مقابل كتابة المتحدّث على ذلك الديوان ما مثاله: «يكتب بذلك» ثم يكتب التعيين تحته على القرب منه.
وإن كان الذي يقع فيه التعيين مربعّة إقطاع من ديوان الجيش، كتب بالتعيين في آخرها مقابل التاريخ من الجهة اليمنى، ولا كتابة له عليها غير ذلك.
قلت: وقد جرت عادة كتّاب السرّ في زماننا أنه يكتب على القصص ونحوها، «يكتب بذلك» أو «يكتب بكذا وكذا» على ما تقدّم بيانه بغير لام في أوّله. وكذلك الوزير وناظر الخاصّ والإستدّار يكتبون بغير لام في الأوّل. أما القضاة في الإذن بكتابة المحاضر ونحو ذلك فإنهم يكتبون «ليكتب» بإثبات اللام في أوّله، وهذه اللام تسمى لام الأمر وقد صرّح الإمام أبو «1» جعفر النحاس في
(6/202)

«صناعة الكتّاب» أنه لا يجوز حذفها. وعلى ذلك ورد لفظ القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
«1» . وقوله: ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ
«2» ونحو ذلك.
وحكى جمال الدين بن هشام في المغني «3» [وقد تحذف اللام في الشعر ويبقى عملها كقوله (طويل) :
فلا تستطل منّي بقائي ومدّتي ... ولكن يكن للخير منك نصيب!
وقوله (وافر) :
محمّد، تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا!
] «4»
الطّرف الثاني «5» (في كتابة الملخّصات والإجابة عنها من الدواوين السلطانية)
قد تقدّم في الكلام على ما ينظر فيه صاحب الديوان أنه لما كان صاحب ديوان الإنشاء يضيق زمنه عن استيعاب حال الكتب الواردة من المملكة لوفورها واتّساع الدولة وكثرة المكاتبين، ناسب أن يتّخذ كاتبا يتصفّح الكتب الواردة ويتأملها، ويلخّص مقاصدها؛ قال أبو الفضل الصّوري في «تذكرته» : والرسم في ذلك أنّ الكاتب الذي يقيمه صاحب الديوان يتسلّم الكتب الواردة ويخرج معانيها على ظهورها، ملخّصا الألفاظ الكثيرة في اللفظ، غير مخلّ بشيء من
(6/203)

المعنى ولا محرّف له، مسقطا فضول القول وحشوه، كالدعاء والتصدير والألفاظ المتردّدة.
قال: ويخرج أيضا ما يختصّ بديوان الخراج «1» ، من الأمور التي ترد ضمن الكتب في معنى الخراج في أوراق يعيّن فيها الكتب التي وصلت فيها وتاريخها والجهة التي وردت منها، وينصّها على هيئتها، ويوجّهها إلى ديوان الخراج، فيجاب عنها منه، ويستدعي من متولّي ديوان الخراج الجواب عنها؛ ثم يعرض جميع ذلك على الملك، ويستخرج أمره بإمضاء المكاتبة به أو بغيره.
فإن كان بخطّ مخالف للعربيّ، كالرّوميّ والفرنجيّ والأرمنيّ وغيرها، أحضر من يعرف ذلك الخطّ ممن يوثق به ليترجمه في ظهره، فإن كان ذلك المترجم يحسن الخطّ العربيّ، كتب بخطه في ظهر الكتاب ما مثاله «يقول فلان: إني حضرت إلى ديوان الإنشاء وتسلّمت الرّقعة أو الكتاب الذي هذا الخط بظاهره، وسئلت عن تفسيره فذكرت أنه كذا وكذا» ويسرده إلى آخره «وبذلك أشهدت على نفسي» ويشهد عليه شاهدان: «هذا الذي ذكره بلا زيادة ولا نقص» .
وإن كان الكتاب مشحونا بالكلام بطنا وظهرا، نقله بخطه بالقلم الذي هو مكتوب به، وترجمه على ظاهره بخطّه بالعربيّ. وإن لم يحسن الكتابة بالعربيّ، كتب عنه الكاتب بمحضر من الشاهدين وأشهد عليه ليهاب أو يحجم فيما يقول، أو يغيّره أو ينقصه لأن أكثر من يترجم على مذهب صاحب الخط، فربما كتم عنه أوداجى فيه. فإذا خوّف بالإشهاد عليه وخشي أنّ غيره قد يقرأه على غير الوجه الذي أشهد به على نفسه ربما أدّى الأمانة فيه، فإذا لخّصت المكاتبة بظاهرها، سلّمت إلى متولّي الديوان ليقابل ظاهرها بباطنها؛ فإن وجده أخلّ فيها بشيء، أضافه بخطه وأنكر عليه إهماله ليتنبّه في المستقبل. فإن لم يكن فيها خلل عرضه على الملك واعتمد أمره فيه، وكتب تحت كل فصل منها ما يجب أن يكون
(6/204)

جوابا عنه على أحسن الوجوه وأفضلها؛ ثم يسلّمها إلى من يكتب الجواب عنها ممن يعرف اضطلاعه بذلك، ثم يقابل الجواب بالتخريج وما وقّع به تحته؛ فإن وجد فيها خللا سدّه، أو مهملا ذكره، أو سهوا أصلحه. وإن رآها قد كتبت على أفضل الوجوه وأسدّها، لم يفوّت فيها معنى ولم يزد إلا لفظا ينمّق به كتابه ويؤكّد به قوله، عرضها «1» على الملك حينئذ ليعلّم، ثم استدعى من يتولّى الإلصاق فألصقها بحضرته، وجعل على كلّ منها بطاقة يشير فيها إلى مضمونها؛ لئلّا يسأل عن ذلك بعد إلصاقها فلا يعلم ما هو؛ ثم يسلّمها إلى من يتولّى تنفيذها إلى حيث أهّلت له؛ وتسلّم النسخ الملخّصة إلى من يؤهّله لحفظها وترتيبها.
قلت: قد تبيّن بما تقدّم من كلام أبي الفضل الصّوريّ [ما كان عليه الحال في زمنه] والذي عليه حال الديوان في زماننا فيما يتعلق بذلك أن الكتب الواردة إلى الأبواب السلطانية من أهل المملكة وغيرها من سائر الممالك يتلقّاها أكبر الدّواداريّة، وهو مقدّم ألف على ما تقدّم ذكره في الكلام على ترتيب الدّيار المصرية؛ ويحضر القاصد المحضر للكتاب من بريديّ أو غيره، ثم يناوله للسلطان فيفضّ ختامه، وكاتب السرّ جالس بين يديه، فيدفعه السلطان إليه فيقرأه عليه ويستصحبه معه إلى الديوان؛ فإن كان الكتاب عربيّا دفعه كاتب السرّ إلى نائبه أو من يخصّه بذلك ليلخّص معناه، فينعم النظر فيه، ويستوفي فصوله، ويلخّص مقاصدها، ويكتب لكلّ ديوان من الدواوين التي يرفع إليها متعلّق ذلك الكتاب ملخّصا بالفصول المتعلّقة به في ورقة مفردة، ليجاوب عليها متولّي ذلك الديوان بما رسم له من الجواب عنها.
واعلم أن الذي تكتب له الملخّصات في زماننا من الدواوين السلطانية خمسة دواوين، وهي: ديوان الإنشاء، وديوان الوزارة، وديوان الجيش، وديوان الخاصّ، وديوان الإستدّاريّة، وهو الديوان المفرد.
(6/205)

والطريق إلى كتابة الملخّصات أن يحذف ما في صدر الكتب من الحشو على ما تقدّم في كلام أبي الفضل الصّوري، ثم يعمد إلى مقاصد الكتاب فيستوفي فصوله ويتصوّرها بذهنه، ثم ينظر في متعلّقات تلك الفصول، ويكتب لكل ديوان من الدواوين المتقدّمة ملخّصا بما يتعلق به من الفصول في فصل واحد أو أكثر، بحسب ما تقتضيه قلّة الكلام وكثرته.
وكيفية كتابته أن يترك من رأس الوصل قدر ثلاثة أصابع بياضا، ثم قدر إصبعين بياضا عن يمينه، وقدر إصبعين بياضا عن يساره؛ ويكتب في صدره ما مثاله: «ذكر فلان في مكاتبته الواردة على يد فلان المؤرّخة بكذا وكذا» يمدّ لفظ «ذكر» بين جانبي الوصل، ويكتب باقي الكلام تحتها في أوّل الوصل إلى آخره في العرض من غير خلوّ بياض «أنه اتفق من الأمر ما هو كذا وكذا» أو «أنه سأل في كذا وكذا» . ثم يخلّي بياضا قدر أربعة أصابع مثلا ويكتب في وسط الدّرج بخلوّ بياض من الجانبين، «وذكر» على نحو ما تقدّم؛ ثم يكتب باقي الكلام من أوّل الوصل إلى آخره، ويفعل ذلك بكل فصل في الكتاب يتعلّق بذلك الديوان المختص بذلك الملخّص؛ ويكتب في آخر كل فصل «وقد عرض على المسامع الشريفة» و «مهما برزت به المراسيم الشريفة كان العمل بمقتضاه» ونحو ذلك.
ثم إن كان الملخّص لديوان الإنشاء، كتب بأعلى الوصل من ظاهره من الجانب الأيسر منه ما مثاله «ديوان الإنشاء» . وإن كان لديوان الجيش كتب هناك ما مثاله «ديوان الجيش» . وكذا ديوان الخاصّ وسائر الدواوين المتقدّمة الذكر.
فإذا كملت الملخّصات، وقف عليها كاتب السرّ؛ فما كان منها متعلّقا بديوان الإنشاء عرضه على السلطان واستمطر جوابه عنه، فيكتب مقابله في الملخص «يكتب بذلك» أو «يكتب بكذا وكذا» أو «رسم بذلك» أو «رسم بكذا وكذا» . وما كان منها متعلّقا بديوان الوزارة بعث به إلى الوزير؛ وما كان منها متعلقا بديوان الجيش بعث به إلى ناظر الجيش؛ وما كان منها متعلقا بديوان الخاص بعث به إلى ناظر الخاصّ: ليقرأ كلّ منهم ملخّصه على السلطان وينظر ما يأمر به فيه، فما كان كتب به بجانب الفصل الذي كتب به في الملخّص «أمضي ذلك» أو «لم
(6/206)

يمض» أو «رسم بكذا وكذا» ونحو ذلك، وسائر الدواوين على هذا النمط.
وإن كان الكتّاب غير عربيّ؛ فإن كان بالتركية المغلية ونحوها كالكتب الواردة عن بعض القانات من ملوك الشّرق فإنه يتولى ترجمتها من يوثق به من أخصّاء الدولة، من الأمراء أو الخاصكيّة ونحوهم، ممن يعرف ذلك اللسان؛ ثم يقرأ ترجمته على السلطان، ويعتمد ما يأمر به في جوابه ليكتب به. وإن كان بالرومية أو الفرنجية ونحوهما من اللغات المختلفة، ترجم على نحو ما تقدّم، وكتب ملخّصه وقريء على السلطان والتمس جوابه، وكتب كاتب السرّ على الملخّص بما رسم فيه.
(6/207)

الباب الرابع من المقالة الثالثة (في الفواتح والخواتم واللّواحق، وفيه فصلان)
الفصل الأوّل (في الفواتح، وفيه ستة أطراف)
الطّرف الأوّل (في البسملة، وفيه ثلاث جمل)
الجملة الأولى (في أصل الافتتاح بها)
كانت قريش قبل البعثة تكتب في أوّل كتبها «باسمك اللهم» والسبب في كتابتهم ذلك ما ذكره المسعوديّ في «مروج الذهب» عن جماعة من أهل المعرفة بأيّام الناس وأخبار من سلف، كابن دأب، والهيثم بن عديّ، وأبي مخنف لوط ابن يحيى، ومحمد بن السائب الكلبيّ، أن أميّة بن أبي الصّلت «1» الثّقفيّ خرج إلى
(6/208)

الشأم في نفر من ثقيف وقريش في عير لهم «1» ، فلما قفلوا راجعين [نزلوا منزلا واجتمعوا لعشائهم، إذ] «2» أقبلت حيّة صغيرة حتّى دنت منهم فحصبها «3» بعضهم بحجر في وجهها فرجعت، فشدّوا سفرتهم، ثم قاموا فشدّوا على إبلهم وارتحلوا من منزلهم، فلما برزوا من المنزل»
، أشرفت عليهم عجوز من كثيب رمل متوكّئة على عصا «5» ، فقالت: ما منعكم أن تطعموا رحيبة «6» ، اليتيمة الصغيرة التي باتت لطعامكم عليلة، قالوا: وما «7» أنت؟ قالت أمّ العوام، أرملت «8» منذ أعوام؛ أما وربّ العباد، لتفرّقنّ «9» في البلاد، ثم ضربت بعصاها الأرض وأثارت بها الرمل، وقالت: أطيلي إيابهم، وفرّقي ركابهم! فوثبت الإبل كأنّ على ذروة كلّ منها شيطانا، ما يملكون منها شيئا حتّى افترقت في الوادي، فجمعوها من آخر النهار إلى غدوة، فلما أناخوا الرّواحل طلعت عليهم العجوز وفعلت كما فعلت أوّلا وعادت لمقالها الأوّل، فخرجت الإبل كما خرجت في اليوم الأوّل، فجمعوها من غد. فلما أنا خوها ليرحلوها، فعلت العجوز مثل فعلها في اليوم الأوّل والثاني فنفرت الإبل؛ وأمسوا في ليلة مقمرة ويئسوا من ظهورهم؛ فقالوا لأميّة بن أبي الصّلت: أين ما كنت تخبرنا به عن نفسك وعلمك؟
(6/209)

[فقال: اذهبوا أنتم في طلب الإبل ودعوني] «1» . فتوجّه إلى الكثيب الذي كانت تأتي منه العجوز حتّى هبط من ثنيّته «2» الأخرى، ثم صعد كثيبا آخر حتّى هبط منه؛ ثم رفعت له كنيسة فيها قناديل ورجل معترض مضطجع على بابها، وإذا رجل جالس أبيض الرأس واللحية. قال أميّة: فلمّا وقفت قال لي: [إنك لمتبوع.
قلت أجل. قال: فمن أين يأتيك صاحبك؟ قلت: من أذني اليسرى. قال: فبأيّ الثّياب يأمرك؟ قلت: بالسّواد. قال: هذا خطيب الجنّ، كدت ولم تفعل، ولكن صاحب هذا الأمر يكلّمه في أذنه اليمنى، وأحبّ الثياب إليه البياض. فلما جاء بك وما «3» ] . حاجتك؟ فحدّثته حديث العجوز. فقال «4» : هي امرأة يهوديّة هلك زوجها منذ أعوام، وإنها لن تزال تفعل بكم ذلك حتّى تهلككم إن استطاعت- قال أميّة: قلت فما الحيلة- قال: اجمعوا ظهركم فإذا جاءتكم وفعلت ما كانت تفعل، فقولوا سبعا من فوق وسبعا من أسفل «باسمك اللهمّ» فإنها لن تضرّكم.
فرجع أميّة إلى أصحابه فأخبرهم بما قيل له وجاءتهم العجوز ففعلت كما كانت تفعل فقالوا سبعا من فوق وسبعا من أسفل باسمك اللهمّ فلم تضرّهم. فلما رأت الإبل لا تتحرّك، قالت: قد علّمكم صاحبكم، ليبيّضنّ الله أعلاه وليسوّدنّ أسفله. وساروا فلما أدركهم الصبح، نظروا إلى أميّة قد برص في غرّته «5» ورقبته وصدره واسودّ أسفله. فلما قدموا مكة ذكروا هذا الحديث، فكتبت «6» قريش في أوّل كتبها «باسمك اللهمّ» فكان أوّل ما كتبها أهل مكة وجاء الإسلام والأمر على ذلك.
(6/210)

قال إبراهيم بن محمد الشيبانيّ: ولم تزل الكتب تفتتح «باسمك اللهم» حتّى نزل قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
«1» فاستفتح بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصارت سنّة بعده. وروى محمد بن سعد في طبقاته، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كات يكتب كما تكتب قريش «باسمك اللهمّ» حتّى نزل عليه وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
«2» . فكتب باسم الله، حتّى نزل قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
«3» . فكتب «بسم الله الرحمن» حتّى نزل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
«4» فكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» . وذكر في «موادّ البيان» نحوه.
وعن سفيان الثوريّ أنه كان يكره للرجل أن يكتب شيئا حتّى يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» . وعن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يكره أن يكتب كتابا أو غيره حتّى يبدأ ب «بسم الله الرحمن الرحيم» . وعن سعيد بن جبير أنه كان يقول: لا يصلح كتاب إلا أن يكون أوّله «بسم الله الرحمن الرحيم» .
وهذه الأحاديث والآثار كلّها ظاهرة في استحباب الابتداء بالبسملة فيما يكتب به من أصناف المكاتبات والولايات وغيرها، وعلى ذلك مصطلح كتّاب الإنشاء في القديم والحديث، إلا أنهم قد اصطلحوا على حذفها من أوائل التّواقيع والمراسيم الصّغار، كالتي على ظهور القصص ونحوها، وكأنهم أخذوا ذلك من مفهوم ما رواه أبو داود وابن ماجة في سننهما وأبو عوانة الأسفرايينيّ في مسنده عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع» يعني ناقص البركة، وما يكتب في التواقيع والمراسيم الصغار ليس من الأمور المهمّة فناسب ترك البسملة في أوّلها
(6/211)

لكن قد ذكر محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدواة» أنّ أهل العلم كرهوا حذف البسملة من التواقيع والسّراحات وذمّوه. وقد كان القاضي علاء الدّين الكركيّ كاتب السرّ في الدولة الظاهرية «برقوق» في أوّل سلطنته الثانية أمر بأن يكتب في أوّلها بسملة بقلم دقيق، ثم بطل ذلك بعد موته وبقي الأمر على ما كان عليه أوّلا. ثم قد اختلف في كتابتها أمام الشّعر، فذهب سعيد بن المسيّب والزّهريّ إلى منع ذلك. وذهب سعيد بن جبير وإبراهيم النّخعيّ إلى جوازه.
ويروى مثله عن ابن عباس، رضي الله عنه، قال أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتّاب» ورأيت عليّ بن سليمان يميل إليه. قال محمد بن عمر المدائنيّ: ولا بأس إن يكن «1» بين الشّعر وبينها كلام، مثل أنشدني فلان الفلانيّ وشبه ذلك، فأما أن يصله بها فلا يجوز.
الجملة الثانية (في الحثّ على تحسينها في الكتابة وما يجب من ترتيبها في الوضع)
أما الحثّ على تحسينها في الكتابة، فينبغي للكتاب أن يبالغ في تحسينها في الكتابة ما استطاع تعظيما لله تعالى. فقد روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كتب بسم الله الرحمن الرحيم فحسّنه أحسن الله إليه» . وعن واصل مولى أبي عيينة قال: سمعت حمّادا يقول: كانوا يحبّون أن تحسّن بسم الله الرحمن الرحيم.
وأما ما يجب من ترتيبها، فأوّل ما يجب من ذلك إطالة الباء لتدلّ على الألف المحذوفة منها لكثرة الاستعمال، ثم إثبات السين بأسنانها الثلاث، غير مرسل لها إرسالا كما يفعله بعض الكتّاب، فقد كره ذلك أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب، رضي الله عنه، وزيد بن ثابت والحسن وابن سيرين، حتّى يروى أن عمر رضي الله عنه ضرب كاتبا على حذف السين منها- فقيل له: فيم ضربك
(6/212)

عمر» - فقال: في سين، فجرى مثلا. ويروى أن غلاما لعمر بن عبد العزيز كتب إليه من مصر كتابا ولم يجعل لبسم الله الرحمن الرحيم سينا، فكتب إليه عمر يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قال: اجعل لبسم الله الرحمن الرحيم سينا وانصرف إلى مصر. وكذلك لا يمدّ الباء قبل السين ثم يكتب السين بعد المدّة كما يفعله بعض كتّاب المغاربة، فقد روى محمد بن عمر المدائنيّ من حديث شعيب بن [أبي] الأشعث أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم فلا يمدّها قبل السين. يعني الباء» وعن ليث عن مجاهد يرفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم نحوه. ويروى مثله عن ابن عمر، وابن سيرين. وعن عبد العزيز ابن عبد الله وعبد الله بن دينار وغيرهما أن العلماء كانوا يكرهون ذلك وينهون عنه أشدّ النهي حتّى روي عن الضحّاك بن مزاحم أنه قال: وددت أنّي لو رأيت الأيدي تقطع فيه. نعم يستحبّ المدّبين السين والميم كما هو عادة كتّاب المصريين وأهل المشرق. وكذلك استحسنوا مدّ الحاء من الرحمن قبل الميم وقالوا: إنه من حسن البيان، حتّى يروى أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عمّاله إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم فليمدّ الرحمن. وهذا مما يتعاطاه كتّاب المغرب دون كتّاب مصر وأهل المشرق. أما غير ذلك من وجوه التحسين فيأتي الكلام «1» عليه في الكلام على الخط إن شاء الله تعالى.
الجملة الثالثة (في بيان موضعها من المكتوب ويتعلّق به أمران)
الأمر الأوّل (تقدّمها في الكتابة)
فيجب تقديمها في أوّل الكلام المقصود، من مكاتبة أو ولاية أو منشور إقطاع أو
(6/213)

غير ذلك، تبرّكا بالابتداء بها وتيمّنا بذكرها، وعملا بالأخبار والآثار المتقدمة في الجملة الأولى. على أنه قد اختلف في معنى قوله تعالى حكاية عن بلقيس حين ألقي إليها كتاب سليمان عليه السّلام: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
«1» :
فذهب بعض المفسرين إلى أن قوله إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
من كلام بلقيس، وإنها حكت الكتاب بقولها: وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إلى آخر الآية، فيكون ابتداء الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم، ويكون ذلك احتجاجا على وجوب تقديمها. وذهب آخرون إلى أن قوله إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
بداية كتاب سليمان، فيكون سليمان عليه السّلام، قد بدأ في كتابه باسمه. فإن قيل كيف ساغ على ذلك تقديم اسمه على اسم الله تعالى في الذّكر مع أنّ الأنبياء عليهم السّلام أشدّ الناس أدبا مع الله تعالى؟ فالجواب ما قيل: إنه كان عادة ملوك الكفر أنه إذا ورد عليهم كتاب بما يكرهون ربما مزّقوا أعلاه أو تفلوا «2» فيه، فجعل سليمان عليه السّلام اسمه تقيّة لاسم الله تعالى فذكره أوّلا. ومن هنا اصطلح الكتّاب في الكتب الصادرة عن ملوك الإسلام إلى ملوك الكفر بكتابة ألقاب الملك المكتوب عنه في وصل فوق البسملة، تأسّيا بسليمان عليه السّلام.
أما ما يكتب في طرّة الولايات من العهود والتقاليد وغيرها، فإنه في الحقيقة جزء من المكتوب، فلا يوصف بأنه شيء مقدّم على البسملة. وأما الطغراة «3» التي كانت توضع في مناشير الإقطاعات في وصل بين وصل الطّرّة والبسملة فيها ألقاب السلطان على ما سيأتي في الكلام على كتابة المناشير في موضعه إن شاء الله تعالى، فإنها كتابة أجنبيّة مكتوبة بخطّ غير الكاتب فلم تنسب
(6/214)

في الحقيقة إلى التقديم. على أن ذلك قد بطل في زماننا. وهاتان المسألتان المتعلّقتان بالطّغراة المكتوبة في المناشير ومكاتبات أهل الكفر مما سأل عنه الشيخ جمال الدين بن نباتة في رسالته التي كتبها إلى كتّاب ديوان الإنشاء بالشام، في مباشرة الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ، حين بلغه أن بعضهم وقع فيه.
الأمر الثاني (إفرادها في الكتابة)
قال محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدواة» : ينبغي للكاتب أن يفرد البسملة في سطر وحدها، تبجيلا لاسم الله تعالى وإعظاما وتوقيرا له؛ ثم ساق بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «نهى أن يكتب في سطر بسم الله الرحمن الرحيم غيرها» . وعلى هذه الطريقة جرى كتّاب الإنشاء في مكاتبتهم وسائر ما يصدر عنهم. أما النّسّاخ وكتّاب الوثائق فربما كتبوا بعدها في سطرها «الحمد لله» أو «الصّلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» ونحو ذلك.
وكذلك يكتب القضاة «الحمدلة» في علامات الثّبوت في المكاتيب الشرعيّة.
الطرف الثاني (في الحمدلة)
لما كان الحمد مطلوبا في أوائل الأمور طلبا للتيمّن والتبرّك، عملا بما رواه الراوون لحديث البسملة المتقدّم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «كلّ أمر ذي بال لايبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم» «1» اصطلح الكتّاب على الابتداء به في الكثير مما يكتبونه من المكاتبات والولايات وغيرهما مما له شأن وبال، كمكاتبات أكثر الملوك من قانات الشّرق، وكلّ ما تضمّن نعمة من المكاتبات ونحو ذلك، وكالبيعات والعهود والتقاليد على رأي من يرى افتتاحها
(6/215)

بالخطب، وغير ذلك مما يأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. بل ربما كرّروا الحمد المرّات المتعددة إلى السّبع في الخطبة الواحدة، على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، وأتوا بالحمد لله بعد البسملة تأسّيا بكتاب الله تعالى، من حيث أن البسملة آية من الفاتحة كما هو مذهب الشافعيّ «1» رضي الله عنه، أو فاتحة لها- وإن لم تكن منها- كما هو مذهب غيره. أما سائر المكاتبات والولايات المفتتحة بغير الحمد، فإنما حذف منها الحمد استصغارا لشأنها، إذ كان الابتداء بالحمد إنما يكون في أمر له بال كما دل عليه الحديث المتقدّم، وسيأتي الكلام على كل شيء من ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال في «الصناعتين» : وإنما افتتح الكلام بالحمد لأن النفوس تتشوّف للثناء على الله تعالى، والافتتاح بما تتشوّف النفوس إليه مطلوب. وربما أتى الكتّاب بالحمد بعد البعديّة فكتبوا: أما بعد حمد الله، أو «أما بعد فالحمد لله» فأما الصيغة الأولى فالحمد مقدّم فيها معنى وإن لم يذكر لفظا لأن قوله أما بعد حمد الله يقتضي تقدّم حمد الله، وأما الصيغة الثانية فإنها تقتضي تقدّم شيء على الحمد، ولا شك أنّ المقدّم هنا هو البسملة على ما سيأتي في الكلام على أما بعد فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ثم قد يستعمل الحمد بصيغة الفعل كقولهم في المكاتبات: فإني أحمد إليك الله. وقد اختلف في أيّ الصيغتين أبلغ؛ صيغة الحمد لله، أو صيغة أحمد الله، فذهب المحقّقون إلى أن صيغة الحمد لله أبلغ، لما فيها من معنى الاستغراق والثبوت والاستمرار على ما هو مقرّر في علم المعاني. وذهب ذاهبون
(6/216)

إلى أن صيغة أحمد الله أبلغ؛ لأن القائل «الحمد لله» حاك لكون الحمد لله، بخلاف القائل «أحمد الله» فإنه حامد بنفسه، ولذلك يؤتى بالتحميد ثانيا في الخطب بصيغة الفعل.
وله في الاستعمال ثلاث صيغ:
الصيغة الأولى
- «يحمده أمير المؤمنين» فيما إذا كان ذلك صادرا عن الخليفة في مكاتبة أو غيرها.
الصيغة الثانية
- «نحمده» إما بنون الجمع الحقيقية كما إذا كان ذلك صادرا عن......... «1» مثل أن يؤتى بذلك في بيعة لخليفة أو نحوها، أو بنون الجمع للتعظيم كما إذا كان ذلك صادرا عن السلطان نحو ما يقع في خطب التقاليد والتواقيع في زماننا.
الصيغة الثالثة
- «أحمده» بلفظ الإفراد، كما إذا كان ذلك صادرا عن واحد فقط حيث لا تعظيم له.
الطرف الثالث (في التشهد في الخطب)
قد جرت عادة المتأخّرين بالإتيان بالتشهّد بعد التحميد في الخطب ويكون تابعا لصيغة التحميد، فإن كان قد قيل يحمده أمير المؤمنين، قيل بعده:
ويشهد؛ وإن كان قد قيل نحمده، قيل بعده: ونشهد؛ وإن كان بعد أما بعد حمد الله، قيل والشهادة له بالجرّ عطفا على حمد. على أن الخطب الموجودة في مكاتبات المتقدّمين لا تشهّد فيها. ومستند المتأخّرين في ذلك ما رواه أبو داود والترمذي وصحّحه البيهقي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «كلّ خطبة ليس فيها تشهّد فهي كاليد الجذماء» .
(6/217)

الطرف الرابع (في الصلاة والسّلام على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله وصحبه في أوائل الكتب)
لا نزاع في أن الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مطلوبة في الجملة، وناهيك في ذلك قوله تعالى في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
«1» والأحاديث الواردة في الحثّ على ذلك أكثر من أن تحصر، فناسب أن تكون في أوائل الكتب، تيمّنا وتبرّكا. وقد جاء في تفسير قوله تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ
«2» أن المعنى ما ذكرت إلا وذكرت معي. فإذا أتي بالحمد في أوّل كتاب، ناسب أن يؤتى بالصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أوّله، إتيانا بذكره بعد ذكر الله تعالى. وقد روي من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من صلّى عليّ في كتاب لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب» . قال الشيخ عماد الدين في تفسيره: إلا أنه ضعيف، ضعّفه المحدّثون. قال محمد بن عمر المدائنيّ في «كتاب القلم والدواة» : وقد رأينا بعض الكتّاب لا يرى الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الكتب، فباءوا بأعظم الوزر مع ما فاتهم من الثواب.
وأمّا السّلام عليه صلّى الله عليه وسلّم بعد التصلية، فقد قال الشيخ محيي الدين النوويّ في كتابه «الأذكار» : وإذا صلّى على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فليجمع بين الصلاة والتسليم ولا يقتصر على أحدهما فلا يقال صلّى الله عليه فقط، ولا عليه السلام فقط. قال الشيخ عماد الدين بن كثير: وهذا منتزع من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ
الآية «3» .
وأما الصلاة على الآل والصحب بعد الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقد نقل
(6/218)

الشيخ عماد الدين بن كثير في تفسيره الإجماع على جواز الصلاة على غير الأنبياء عليهم السّلام بطريق التبعيّة، مثل أن يقال: اللهمّ صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريّته ونحو ذلك. ثم قال: وعلى هذا يخرج ما يكتبونه من قولهم: وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه فلا نزاع فيه، وإنما الخلاف في جواز إفراد غير الأنبياء عليهم السّلام بالصلاة: فأجازه قوم محتجّين بنحو قوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ
«1» وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى» . ومنعه آخرون احتجاجا بأن الصلاة صارت شعارا للأنبياء عليهم السّلام فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال: أبو بكر صلّى الله عليه وسلّم وإن كان المعنى صحيحا، كما لا يقال: محمد عزّ وجلّ، وإن كان عزيزا جليلا.
ثم الصحيح من مذهب الشافعيّ، رضي الله عنه، أن ذلك لا يجوز في غير التبعية. وحكى النوويّ في «الأذكار» فيه قولا بأنه كراهة تحريم، وقولا بأنه كراهة تنزيه، وقولا بأنه خلاف الأولى، ورجّح كونه كراهة تنزيه، لأنه شعار أهل البدع «2» .
وأما السّلام على غير الأنبياء فحكى النوويّ عن أبي محمد الجوينيّ منعه في الغائب من حيّ وميّت وأنه لا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: عليّ عليه السّلام، بخلاف الحاضر فإنه يخاطب به.
إذا علمت ذلك فالصلاة وتوابعها في أوائل الكتب قد تكون بعد التحميد في الخطبة كما في الولايات [والمكاتبات] المفتتحة بالخطب من البيعات والعهود والتقاليد والتفاويض والتّواقيع والمراسيم وغيرها، وكما في الكتب المفتتحة بالخطب. وقد تكون في صدور المكاتبات المفتتحة بغير الخطب، كما كان يكتب في القديم في صدور المكاتبات «وأسأله أن يصلّي على محمد
(6/219)

عبده ورسوله» وهو مما أحدثه الرشيد في المكاتبات. قال في «ذخيرة الكتّاب» : وكان ذلك من أجلّ مناقبه. وكان الخلفاء الفاطميون بمصر يقولون عن لسان الخليفة: ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد، ويخصون الصلاة بعده بأمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه على طريقة الشّيعة.
الطرف الخامس (في السّلام في أوّل الكتب)
إنما جعل السّلام في ابتداء الكتب وصدورها لأنه تحية الإسلام المطلوبة لتأليف القلوب، فكما أنه يفتتح به الكلام طلبا للتأليف كذلك تفتتح به المكاتبات وتصدّر طلبا للتأليف، إذ يقول صلّى الله عليه وسلّم: «ألا أنبّئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم! أفشوا السّلام بينكم» . قال في «الصناعتين» : وتقول في أوّل كتابك:
«سلام عليك» وفي آخره «والسّلام عليك «والمعنى فيه أن الأوّل نكرة إذ لم يتقدّم له ذكر والثاني معرفة يشار به إلى السّلام الأوّل على حدّ قوله تعالى:
كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ
«1» فأتى في الأوّل بتنكير الرسول وفي الثاني بتعريفه. وكذلك قال تعالى في سورة مريم في قصة يحيى عليه السّلام: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
«2»
لعدم تقدّم ذكر السّلام؛ ثم قال بعد ذلك في قصّة عيسى عليه السّلام:
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
«3» وإلى ذلك يشير أحمد بن يوسف بقوله: اكتب في أوّل كتابك سلام عليك واجعله تحية، وفي آخره «والسّلام عليك» واجعله وداعا. وذلك أن سلام التحية يكون ابتداء فيكون نكرة، وسلام الوداع يكون انتهاء فيكون معرفة لرجوعه إلى الأوّل. وقد
(6/220)

كره بعض العلماء أن يقال في الإبتداء: عليك السّلام، احتجاجا بما روي عن أبي مكعت الأسديّ أنه قال «أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنشدته» : (متقارب)
يقول أبو مكعت صادقا: ... عليك السّلام أبا القاسم!
فقال: يا أبا مكعت عليك السّلام تحيّة الموتى» . وجعل ابن حاجب النّعمان من ذلك قول عبدة «1» بن الطّبيب: (طويل)
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما
«2» قال ابن حاجب النعمان: ويكتب السّلام بإسقاط الألف في صدر الكتاب وعجزه. قال أبو جعفر النحاس: وقولهم في أوّل الكتاب سلام عليك، بالرفع ويجوز فيه النصب والاختيار الرفع وإن كان النّحاة قد قالوا: إنّ ما كان مشتقّا من فعل فالاختيار فيه النصب نحو قولك سقيا لك؛ لأن معنى السّلام في الرفع أعمّ، إذ ليس يريد أفعل فعلا، فيكون المعنى تحية عليك بنصب تحية. وقيل: سلام عليك بمعنى سلام لك. وسيأتي الكلام على إتباع السّلام الرحمة في الكلام على الخواتم فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الطّرف السادس (في أما بعد)
اعلم أن «أما بعد» تستعمل في صدور المكاتبات والولايات وربما استعملت في ابتدائها. وهي مركّبة من لفظين أحدهما «أما» والثاني «بعد» . فأما «أما» فحرف شرط و «بعد» ظرف زمان إذا أفرد بني على الضم، قال تعالى:
(6/221)

لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
«1» وأجاز الفرّاء أما بعدا بالنصب والتنوين، وأما بعد بالرفع والتنوين. وأجاز هشام أما بعد بفتح الدال ومنعه النحاس وقال: إنه غير معروف.
ثم «أمّا» تقع في كلام العرب لتوكيد الخبر، والفاء لازمة لها لتصل ما بعدها بالحرف الملاصق لما قبلها، فتقول أما بعد أطال الله بقاءك! فإنّي قد نظرت في الأمر الذي ذكرته. ويجوز أمّا بعد فأطال الله بقاءك إني نظرت في ذلك، فتثبت الفاء في أطال وإن كان معترضا لقربه من أما، ويجوز أما بعد فأطال الله بقاءك فإنّي نظرت، ويجوز أما بعد ثمّ أطال الله بقاءك فإنّي نظرت حكى ذلك كلّه النحاس، ثم قال: وأجودها الأوّل وهو اختيار النحويين. قال: وأجود منه أما بعد فإني نظرت أطال الله بقاءك. فإن أضيفت بعد إلى ما بعدها فتحت فتقول أما بعد حمد الله ونحو ذلك. قال في «ذخيرة الكتاب» وإذا كانت بعد البسملة فمعناه أما بعد قولنا «بسم الله الرحمن الرحيم» فقد كان كذا وكذا.
وقد اختلف في أوّل من قال أما بعد: فقيل داود عليه السلام، وبه فسّر فصل الخطاب في قوله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ «2»
على أحد الأقوال، وقيل أوّل من قالها كعب بن لؤيّ جدّ النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقيل أوّل من قالها قسّ بن «3» ساعدة الإياديّ. قال سيبويه: ومعناها مهما يكن من شيء.
(6/222)

الفصل الثاني (في الخواتم واللّواحق، وفيه سبعة أطراف)
الطرف الأوّل (في الاستثناء بالمشيئة، بأن يكتب إن شاء الله تعالى، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في الحثّ على كتابة إن شاء الله تعالى)
اعلم أنه يستحبّ للكاتب عند انتهاء ما يكتبه، من مكاتبة أو ولاية أو غيرهما أن يكتب «إن شاء الله تعالى» تبرّكا ورغبة في نجاح مقصد الكتاب، فقد ورد الحثّ على التعليق بمشيئة الله تعالى والنّدب إليه؛ قال تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
«1» . وذمّ قوما [على ترك الاستثناء] «2» فقال: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ
«3» إلى آخر القصّة. قال أصحاب السّير: كان باليمن رجل له جنّة يأخذ منها قوت سنته ويتصدّق بالباقي، وكان يترك للمساكين ما أخطأ المنجل من الزّرع أو القطّاف من العنب والنّخل وما بقي على البساط الذي يبسط تحت النّخلة، فلمّا مات شحّ بنوه على المساكين بما كان يتركه أبوهم وحلفوا على قطعها في الغلس «4» كيلا يدركهم الفقراء؛ فأصابتها نار في الليل فاحترقت
(6/223)

وأصبحت كالصّريم يعني الليل المظلم. قال المفسرون: والمراد بقوله: وَلا يَسْتَثْنُونَ
أنهم لم يقولوا إن شاء الله تعالى. قال الزمخشريّ: وسمّي استثناء وإن كان بمعنى الشرط لأنه يؤدّي مؤدّى الاستثناء من حيث أن معنى قولك لأخرجنّ إن شاء الله ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد.
واعلم أن الاستثناء لا يدخل على ماض، فلا يقال: ما فعلت ذلك إن شاء الله، وإنما يدخل على مستقبل فتقول لا أفعل ذلك إن شاء الله، على حدّ قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «1»
. وكذلك كلّ ما فيه معنى الاستقبال، كما قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السّلام: وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
«2» ونحو ذلك.
أما ما ورد من ذلك بلفظ المضيّ مثل قول القائل لزوجته أنت طالق إن شاء الله فإنه وإن لم يكن مستقبلا لفظا، فإنه مستقبل معنى، إذ معناه الإنشاء وإلا لما وقع به الطلاق. إذا علمت ذلك، فلفظ «إن شاء الله تعالى» في آخر المكاتبة أو الولاية ونحوهما يكون معلّقا بآخر المكتوب مما يناسب ذلك، كتعلّقها بالتأييد من قوله والله تعالى يؤيّده بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى، ونحو ذلك.
الجملة الثانية (في محل كتابتها وصورة وضعها في الدّرج)
لا نزاع في أنها أوّل خاتمة تكتب من خواتم المكتوب، فمحلّها من الدّرج أسفل المكتوب، في وسط الوصل، مكتنفة ببياض عن يمينها وشمالها، وبينها وبين السّطر الآخر من المكتوب كما بين سطرين أو دونه.
وقد جرت عادة الكتّاب في كتابتها بأنها إن كانت بقلم الرّقاع كما في
(6/224)

القطع الصغير، كتبت معلّقة مسلسلة على هذه الصورة الله تعالى أو ما قاربها، وإن كانت بقلم جليل كالثلث ونحوه، كتبت واضحة مبينّة، والغالب فيها أن تكون على هذه الصورة ان شالله تعالى. قال جمال الدّين بن شيث في «معالم الكتابة» : ولا يضيف الكاتب إليها شيئا في سطرها، بل تكون مفردة في سطر واحد.
الطّرف الثاني (في التاريخ، وفيه ثماني «1» جمل)
الجملة الأولى (في معناه)
وقد اختلف في أصل لفظه؛ فذهب قوم إلى أنه عربيّ، وأن معناه نهاية الشيء وآخره، يقال فلان تاريخ قومه إذا انتهى إليه شرفهم، وعليه يدلّ كلام صاحب «موادّ البيان» وابن حاجب النعمان في «ذخيرة الكتّاب» ونقل الشيخ علاء الدين بن الشاطر في «زيجه» عن بعض أهل اللّغة أن معناه التأخير فيكون مقلوبا منه. وذهب آخرون إلى أنه فارسيّ، وأن أصله «ماه زور» فعرّب مورخ، ثم جعل اسمه التاريخ، وإليه يرجع كلام السلطان عماد الدين صاحب حماة رحمه الله في تاريخه، ويقال منه أرّخت وورّخت بالهمزة والواو لغتان، ولذلك قالوا في مصدره تأريخ وتوريخ، كما يقال تأكيد وتوكيد. قال في «ذخيرة الكتّاب» : «أرّخت» لغة قيس، و «ورّخت» لغة تميم. قال أبو هلال العسكريّ في كتاب «الأوائل» : ولا تكاد «ورّخت» تستعمل اليوم، وكأنّ الكتّاب كانوا قد رفضوا هذه اللغة في زمانه وإلا فهي لغة مستعملة إلى الآن، إلا أنها لما غلبت في ألسنة العوامّ ابتذلت. قال الشيخ «أثير الدين أبو حيان» في شرح التسهيل: والتاريخ هو عدد الليالي والأيام بالنظر إلى ما مضى من السنة أو الشهر
(6/225)

وإلى ما تبقّى منهما، قال في «موادّ البيان» : وهو محقّق للخبر، دالّ على قرب عهد الكتاب وبعده.
الجملة الثانية (في وجه الاحتياج إليه)
قال محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدواة» : أجمعت العلماء والحكماء والأدباء والكتّاب والحسّاب على كتابة التاريخ في جميع المكتتبات.
قال صاحب «1» «نهاية الأرب» : ولا غنية عنه، لأن التاريخ يستدلّ به على بعد مسافة الكتاب وقربها، وتحقيق الأخبار على ما هي عليه. وقد قال بعض أئمة الحديث: لما استعملوا الكذب استعملنا لهم التاريخ. وقد اصطلح الكتّاب على أنهم يؤرّخون المكاتبات والولايات ونحوها مما يصدر عن الملوك والنّواب والأمراء والوزراء وقضاة القضاة ومن ضاهاهم، بخلاف المكاتبات الصادرة عن آحاد الناس، فإنه لم تجر العادة فيها بكتابة تاريخ.
الجملة الثالثة (في بيان أصول التواريخ) [وهو على قسمين]
قال القضاعيّ في «عيون المعارف في تاريخ الخلائف» : كانت الأمم السالفة تؤرّخ بالحوادث العظام وبملك الملوك، فكان التاريخ بهبوط آدم عليه السّلام، ثم بمبعث نوح، ثم بالطّوفان، ثم بنار إبراهيم عليه السّلام.
ثم تفرق بنو أبراهيم؛ فأرّخ بنو إسحاق بنار إبراهيم إلى يوسف؛ ومن يوسف إلى مبعث موسى عليه السّلام؛ ومن موسى إلى ملك سليمان عليه السّلام. ثم بما كان من الكوائن. ومنهم من أرّخ بوفاة يعقوب عليه السّلام، ثم
(6/226)

بخروج موسى من مصر ببني إسرائيل، ثم بخراب بيت المقدس.
وأما بنو إسماعيل، فأرّحوا ببناء الكعبة، ولم يزالوا يؤرّخون بذلك حتّى تفرّقت بنو معدّ، وكان كلّما خرج قوم من تهامة «1» أرّخوا بخروجهم. ثم أرّخوا بيوم «2» الفجار، ثم بعام الفيل «3» .
وكان بنو معدّ بن عدنان يؤرّخون بغلبة جرهم العماليق وإخراجهم إيّاهم من الحرم. ثم أرّخوا بأيّام الحروب: كحرب بني وائل، وحرب «4» البسوس، وحرب «5» داحس.
(6/227)

وكانت حمير وكهلان يؤرّخون بملوكهم التّبابعة، وبنار ضرار «1» ، وهي نار ظهرت ببعض خراب اليمن، وبسيل «2» العرم، ثم أرّخوا بظهور الحبشة على اليمين.
وأما اليونان والرّوم «3» ، فكانوا يؤرّخون بملك بختنصّر؛ ثم أرّخوا بملك دقلطيانوس القبطيّ.
وأما الفرس فكانوا يؤرّخون بآدم عليه السّلام، ثم أرّخوا بقتل دارا وظهور الإسكندر عليه، ثم بملك يزدجرد «4» . والذي ذكره السلطان عماد الدين صاحب حماة في تاريخه في دائرة اتصال التواريخ القديمة بالهجرة عشرون تاريخا، ذكر ما بينها وبين الهجرة من السنين، إلا أنه لم يراع الترتيب في بعضها، وأهمل منها تاريخ يزدجرد لوقوعه بعد الهجرة.
وبالجملة فالتواريخ على قسمين:
القسم الأوّل (ما قبل الهجرة، وقد أوردت منه تسعة عشر تاريخا)
الأوّل- من هبوط آدم عليه السّلام
. وقد اختلف فيما بينه وبين الهجرة
(6/228)

اختلافا فاحشا؛ فمقتضى ما في التوراة اليونانيّة على اختيار المؤرّخين أنّ بينهما ستة آلاف سنة ومائتين وستّ عشرة سنة «1» ، وعلى اختيار المنجّمين أنّ بينهما خمسة آلاف وسبعمائة «2» وتسعا وستين سنة.
ومقتضى ما في التوراة السامريّة على اختيار المؤرّخين خمسة آلاف ومائة وسبع وثلاثون سنة، وعلى اختيار المنجّمين ينقص عن ذلك.
ومقتضى ما في التوراة العبرانيّة، على اختيار المؤرّخين أن بينهما أربعة آلاف وسبعمائة وإحدى وأربعين سنة، وعلى اختيار المنجّمين ينقص مائتين وتسعا وأربعين «3» سنة.
الثاني- من الطّوفان
. وبينه وبين الهجرة ثلاثة آلاف وتسعمائة وأربع وتسعون «4» سنة على اختيار المؤرّخين، وعلى اختيار المنجّمين ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وعشرون سنة وثلاثمائة «5» وستة أيامّ.
الثالث- من تبلبل الألسن
. وبينه وبين الهجرة على اختيار المؤرّخين ثلاثة آلاف وثلاثمائة وأربع وستون «6» سنة، وعلى اختيار المنجّمين ينقص عن ذلك مائتين وتسعا وأربعين سنة.
الرابع- من مولد إبراهيم عليه السّلام
. وبينه وبين الهجرة على اختيار المؤرّخين ألفان وثمانمائة وثلاث وتسعون سنة، وعلى اختيار المنجّمين ينقص عن ذلك مائتين وتسعا وأربعين سنة.
(6/229)

الخامس- من بناء إبراهيم الكعبة
. وبينه وبين الهجرة ألفان وسبعمائة وثلاث وسبعون «1» سنة.
السادس- من وفاة موسى عليه السّلام
. وبينه وبين الهجرة على اختيار المؤرّخين ألفان وثلاثمائة وثمان وأربعون سنة.
السابع- من عمارة سليمان عليه السّلام بيت المقدس
. وبينه وبين الهجرة ألف وثمانمائة وستّون سنة «2» .
الثامن- من ابتداء ملك بختنصّر
. وبينه وبين الهجرة ألف وثلاثمائة وتسع وستون سنة. قال صاحب حماة: بلا خلاف.
التاسع- من تخريب بختنصّر بيت المقدس
. وبينه وبين الهجرة ألف وثلاثمائة وخمسون سنة.
العاشر- من ملك فيلبس أبي الإسكندر
. وبينه وبين الهجرة تسعمائة وخمس «3» وأربعون سنة ومائة وسبعة عشر يوما.
الحادي عشر- من غلبة الإسكندر على ملك فارس وقتل دارا ملك الفرس
. وبينه وبين الهجرة تسعمائة واثنتان «4» وثلاثون سنة ومائتان وتسعون يوما.
الثاني عشر- من مولد المسيح عليه السّلام
. وبينه وبين الهجرة ستّمائة وإحدى وثلاثون سنة.
الثالث عشر- من ملك أرديالونص
«5» . وبينه وبين الهجرة خمسمائة وتسع
(6/230)

وستون «1» سنة.
الرابع عشر- من ملك أردشير «2» أوّل ملوك الأكاسرة من الفرس
. وبينه وبين الهجرة أربعمائة واثنتان وعشرون سنة.
الخامس عشر- من خراب بيت المقدس المرّة الثانية
، وبينه وبين الهجرة ثلاثمائة «3» وستّ وأربعون سنة.
السادس عشر- من ملك دقلطيانوس «4» ، آخر عبدة الأصنام من ملوك الروم على القبط
. وبينه وبين الهجرة ثلاثمائة «5» وسبع وثلاثون سنة وأحد وعشرون يوما.
السابع عشر- من غلبة أغشطش ملك الروم على قلوبطرا ملكة اليونان ومصر
. وبينه وبين الهجرة مائتان «6» وخمسون سنة ومائتان وستة وأربعون يوما.
الثامن عشر- من عام الفيل
، وهو العام الذي ولد فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم. وبينه وبين الهجرة ثلاث وخمسون سنة وشهران وثمانية أيام.
التاسع عشر- من مبعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم
. وبينه وبين الهجرة ثلاث «7» عشرة سنة وشهران وثمانية أيام.
(6/231)

القسم الثاني (ما بعد الهجرة)
وفيه تاريخ واحد، وهو من هلاك يزدجرد آخر ملوك الفرس. وكان بعد الهجرة بعشر سنين وثمانية وسبعين يوما.
الجملة الرابعة (في أصل وضع التاريخ الإسلاميّ وبنائه على الهجرة دون غيرها)
وقد اختلف في أصل ذلك، فحكى أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتّاب» عن محمد بن جرير، أنه روى بسنده إلى ابن شهاب أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لمّا قدم المدينة- وقدمها في شهر ربيع الأوّل- أمر بالتاريخ. وعلى هذا فيكون ابتداء التاريخ في عام الهجرة. قال النحاس: والمعروف عند العلماء أن ابتداء التاريخ بالهجرة كان في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ثم اختلف في السبب الموجب لذلك، فذكر النحاس أن السبب فيه أن عامل عمر بن الخطاب رضى الله عنه باليمن قدم عليه فقال: أما تؤرّخون كتبكم؟ فاتخذوا التاريخ. ووافقه على ذلك صاحب «موادّ البيان» . وذكر أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» أن السبب فيه أن أبا موسى الأشعريّ كتب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه: إنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب لا ندري على أيّها نعمل قد قرأنا [كتابا منها] «1» محلّه شعبان، فما ندري في أيّ الشّعبانين ألماضي أو الآتي، فأحدث عمر التاريخ. وتبعه على ذلك ابن حاجب النعمان في «ذخيرة الكتّاب» . وذكر صاحب حماة في تاريخه، أنه رفع إلى عمر رضي الله عنه صكّ محلّه شعبان فقال: أيّ شعبان، لا ندري ألذي نحن فيه أم الذي هو آت، ثم جمع وجوه الصحابة وقال: إنّ الأموال قد كثرت، وما
(6/232)

قسمناه منها غير مؤقّت فكيف التوصّل إلى ما يضبط به ذلك؟ - فقالوا: يجب أن نعرف ذلك من أمور الفرس، فاستحضر الهرمزان «1» وسأله- فقال: إن لنا حسابا نسمّيه (ماه زور) ومعناه حساب الشّهور والأيام فعمل عمر التاريخ.
الجملة الخامسة (في بيان صورة ابتدائهم وضع التاريخ من الهجرة)
قال في «ذخيرة الكتّاب» : لما أراد عمر التأريخ، جمع الناس للمشورة، فقال بعضهم: نؤرّخ بمبعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم- وقال بعضهم: بل بوفاته- وقال بعضهم: بل بهجرته من مكة إلى المدينة؛ لأنها أوّل ظهور الإسلام وقوّته.
فصوّبه عمر واجتمع رأيه عليه؛ وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد ولد في عام الفيل المقدّم ذكره في التواريخ القديمة. قال في «ذخيرة الكتّاب» : وكان وقوع ذلك في اليوم الثاني عشر من شباط سنة ثمانمائة واثنتين وثمانين لذي القرنين. وبعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على رأس أربعين سنة من ولادته، وأقام بمكة بعد النبوّة عشر «2» سنين؛ ثم هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأوّل بعد عشر من النبوّة، وقدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة منه.
ثم بعد اتفاقهم على التأريخ من الهجرة اختلفوا في الشهر الذي تقع البداءة «3» به، فأشار بعضهم بالبداءة برمضان لشرفه وعظمه- فقال عمر بل بالمحرّم؛ لأنه منصرف الناس من حجّهم، فرجعوا «4» القهقرى ثمانية وستين يوما، وهي القدر الذي مضى من أوّل المحرّم [إلى ذلك الوقت] «5» واستقر تاريخ الإسلام من الهجرة.
(6/233)

قال القضاعي في «عيون المعارف» : وكان ذلك في سنة تسع عشرة أو ثماني عشرة من الهجرة.
قلت: واستقرّت تواريخ الأمم على أربعة تواريخ، ابتداء بعضها مقدّم على ابتداء بعض.
أوّلها- غلبة الإسكندر على الفرس. وعليه تاريخ السّريان والرّوم إلى زماننا.
والثاني- ملك دقلطيانوس ملك الروم على القبط. وعليه تاريخ القبط إلى زماننا.
والثالث- الهجرة النبوّية على صاحبها أفضل الصلاة والسّلام. وعليها مدار التاريخ الإسلاميّ.
والرابع- هلاك يزدجرد آخر ملوك الفرس. وبه تؤرّخ الفرس إلى زماننا، وقد تقدّم بيان بعد ما بين تاريخ كلّ من غلبة الإسكندر وملك دقلطيانوس وبين الهجرة في القبلية، وبعد ما بين تاريخ يزدجرد وبين الهجرة في البعدية في الكلام على أصول التواريخ، مع ما سبق في المقالة الأولى في بيان ما يحتاج إليه الكاتب من ذكر مقدار سنة كلّ منها وعددها من الأيام، وسيأتي الكلام على استخراج بعضها من بعض فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الجملة السادسة (في كيفيّة تقييد التاريخ في الكتابة بزمن معيّن، وهو ضربان)
الضرب الأوّل (التاريخ العربيّ)
ومداره الليالي دون الأيام؛ لأن سني العرب قمريّة، والقمر أوّل ما يظهر للأبصار هلالا في الليل، فتكون الليالي بهذا الاعتبار سابقة للأيّام، إذ اليوم عندهم عبارة عن النهار، وهو إما من طلوع الفجر على ما ورد به الشرع في
(6/234)

الصوم ونحوه، وإما من طلوع الشمس على رأي المنجّمين. قال أبو إسحاق الزجاجيّ في كتابه «الجمل» : وإنما حمل على الليالي دون الأيام لأن أوّل الشهر ليله، فلو حمل على الأيام سقطت منه ليلة. قال الشيخ أثير الدين أبو حيّان في «شرح التسهيل» : واستغني بالليالي عن الأيام للعلم أن مع كلّ ليلة يوما، فإذا مضى عدد من الليالي مضى مثله من الأيام، فيجوز أن يستغنى بذكر أحدهما عن الآخر. وقد ذكر جمال الدين عبد الرحيم بن شيث في كتابه «معالم الكتابة» ، أن كتب السلطان والأعيان تؤرّخ بالليالي، والكتب من الأدنى إلى الأعلى تؤرّخ بالأيام. ولم أعلم من أين أخذ ذلك ولا ما مستنده فيه.
إذا علم ذلك فلكتابة التاريخ ثلاثة اعتبارات:
الاعتبار الأوّل (أن يؤرّخ ببعض ليالي الشهر، وله ستّ حالات)
الحالة الأولى (أن تقع الكتابة في الليلة الأولى من الشهر، أو في اليوم الأوّل منه)
فإن كانت الكتابة في الليلة الأولى منه فقد ذكر أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتاب» أنه يكتب «كتب غرّة شهر كذا، أو [أوّل] «1» ليلة من كذا، أو مستهلّ شهر كذا، أو مهلّ شهر كذا» . وحكى الشيخ أثير الدين أبو حيّان مثل ذلك عن بعضهم، وزاد أنه يكتب أيضا «كتب أوّل شهر كذا» .
قال النحاس: لا يجوز حينئذ لليلة خلت ولا مضت لأنهم في الليلة بعد.
قال في «ذخيرة الكتّاب» : وربما كتب بعض الكتّاب ليلة الاستهلال «لليلة [تخلو] «2» » .
(6/235)

وإن كانت الكتابة في اليوم الأوّل، وهو النهار الذي يلي الليلة الأولى من الشهر، كتب «ليلة خلت أو مضت من شهر كذا» . قال النحاس: ويجوز «كتب لغرّة الشهر أو لأوّل يوم من الشهر» ومنع أن يقال حينئذ: أوّل ليلة من شهر كذا، أو مستهلّ شهر كذا، أو مهلّ شهر كذا، موجّها لذلك بأن الاستهلال إنما يقع في الليل. وتبعه على ذلك ابن حاجب النعمان في «ذخيرة الكتّاب» وصاحب «موادّ البيان» وبه جزم الشيخ جمال الدين بن هشام في ورقاته في الوراقة.
وكلام ابن مالك في التسهيل يوهم جواز ذلك فإنه قد قال: فيقال أوّل الشهر، كتب لأوّل ليلة منه، أو لغرّته أو مهلّه أو مستهلّه. وأوّل الشهر أعمّ من اليوم والليلة بل هو إلى الليلة أقرب؛ لأن الليلة سابقة بالأوّلية.
قال الشيخ أثير الدين: ومفتتح الشهر أوّل يوم منه. ومقتضى كلامه أنه يؤرّخ بالمفتتح في اليوم الأوّل من الشهر دون الليلة وفيه نظر، بل الظاهر جواز استعماله فيهما، بل الليلة بالمفتتح أولى لسبقها اليوم كما تقدّم، أللهم إلا أن يراعى فيه موافقة المفتتح لليوم في التذكير دون الليلة لتأنيثها. قال في «موادّ البيان» : والعرب تسمّي أوّل ليلة من الشهر النّحيرة، ولكن لا تستعمله الكتّاب في التواريخ.
الحالة الثانية (أن تقع الكتابة فيما بعد مضيّ اليوم الأوّل من الشهر إلى آخر العشر)
فإن كان قد مضى منه ليلتان، كتب «لليلتين خلتا من شهر كذا، أو لليلتين مضتا منه» قال في «ذخيرة الكتّاب» : ولا يكتب ليوم خلا ولا ليومين خلوا؛ لأن ذكر الليالي في باب التأريخ أغلب، كما تقول ليلة السبت وليلة الأحد، فتضيف الليلة إلى اليوم لأنها أسبق، ولا تضيف اليوم إلى الليلة.
وحكى الشيخ أثير الدين أبو حيّان أنه إذا مضى من الشهر يوم كتب «ليوم مضى» وإذا مضى يومان كتب «ليومين مضيا» . والتحقيق في ذلك أنه يختلف الحال فيه باختلاف الكتابة في الليل والنهار؛ فإن كتب في الليلة الثانية، ناسب
(6/236)

أن يكتب «ليوم خلا من شهر كذا» ؛ لأنه إن كتب لليلتين خلتا فهو في الليلة الثانية بعد، وإن كتب لليلة خلت لم يظهر الفرق بينه وبين الكتابة في اليوم الأوّل من الشهر. وإن كتب في اليوم الثاني من الشهر، ناسب أن يكتب لليلتين خلتا أو مضتا. وإن كان قد مضى من الشهر ثلاث ليال، كتب لثلاث خلون أو مضين من شهر كذا، أو لثلاث ليال خلون أو مضين. ويجوز فيه لثلاث خلت أو لثلاث ليال خلت على قلّة؛ وكذا في الباقي إلى العشر فتقول: لعشر خلون أو مضين، أو لعشر ليال خلون أو مضين، أو لعشر، أو لعشر ليال خلت أو مضت على اللغة القليلة.
الحالة الثالثة (أن تقع الكتابة فيما بعد العشر إلى النصف)
فيكتب لأحدى عشرة خلت أو مضت من شهر كذا. أو لإحدى عشرة ليلة خلت أو مضت، ويجوز فيه لإحدى عشرة خلون أو لإحدى عشرة ليلة خلون على قلة. وكذا في الباقي إلى النصف من الشهر. قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: فإن صرّح بالمميز وكان مذكّرا، أعيد الضمير عليه فيقال: لأحد عشر يوما خلا أو مضى ونحو ذلك.
الحالة الرابعة (أن تقع الكتابة في الخامس عشر من الشهر)
فيكتب: «كتب لنصف شهر كذا» . قال النحاس: وأجازوا لخمس عشرة ليلة خلت أو مضت. وكلام ابن مالك في «التسهيل» يشير إلى جواز لخمس عشرة ليلة خلت أو مضت [أو بقيت] «1» على رأي من يجوّز التاريخ بالباقي.
ولو حذف ذكر الليلة فقال: لخمس عشرة خلت أو مضت أو بقيت صحّ. قال في «التسهيل» والتاريخ بالنصف أجود.
(6/237)

الحالة الخامسة (أن تقع الكتابة فيما بعد النصف من الشهر إلى الليلة الأخيرة منه)
وفيه لأهل الصناعة مذهبان:
المذهب الأوّل
- أن يؤرّخ بالماضي من الشهر كما في قبل النصف، فيقال: لستّ عشرة خلت أو مضت، أو لستّ عشرة ليلة خلت أو مضت. وكذا إلى العشرين فيقال: لعشرين خلت أو مضت، أو لعشرين ليلة خلت أو مضت، وكذا في البواقي إلى آخر التاسع والعشرين، فيكون التاريخ في جميع الشهر من أوّله إلى آخره بالماضي دون الباقي فرارا من المجهول إلى المحقّق، وهو مذهب الفقهاء؛ لأنه لا يعرف هل الشهر تامّ أو ناقص. قال النحاس: ورأيت عليّ بن سليمان يختاره. قال في «ذخيرة الكتّاب» : وهو أثبت وحجّته أقوى.
ثم لا شكّ أنّ من يرى التاريخ باليوم يجوّز لستة عشر خلا أو مضى من شهر كذا، وكذا فيما بعده.
المذهب الثاني
- أن يؤرّخ بما بقي من الشهر. وللمؤرّخين فيه طريقان:
الطريق الأوّل
- أن يجزم بالتاريخ بالباقي فيكتب لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر كذا، ثم لثلاث عشرة ليلة بقيت، وهكذا إلى الليلة الأخيرة من الشهر؛ فيكتب لليلة بقيت، وهو مذهب الكتّاب. قال النحاس: ورأيت بعض العلماء وأهل النظر يصوّبونه، لأنهم إنما يكتبون ذلك على أن الشهر تامّ، وقد عرف معناه وأن كاتبه وقارئه إنما يريد إذا كان الشهر تامّا فلا يحتاج إلى التلفّظ به. قال محمد بن عمر المدائنى: واحتجّوا لذلك بأن معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه، حين كتب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لابن الحضرميّ كتب في آخر الكتاب: «وكتب معاوية بن أبي سفيان لثلاث ليال بقين من ذي القعدة «1» بعد فتح مكة سنة
(6/238)

ثمان» ثم قرأه عثمان بن عفّان، رضي الله عنه، والناس حوله. قال النحاس:
وقد وقع مثل ذلك في كلام النّبوّة. فقد ورد في الحديث أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال في ليلة القدر: «التمسوها في العشر الأواخر لسابعة تبقى أو لخامسة تبقى» . وهذا الحديث الذي استشهد به النحاس ثابت في الصحيح فلا نزاع في العمل به.
الطريق الثاني
- أن يعلّق التاريخ بالباقي على شرط، فيكتب لأربع عشرة إن بقيت، أو لأربع عشرة ليلة إن بقيت، وعلى ذلك في الباقي، فرارا من إطلاق التاريخ بما لا يعلم تمامه أو نقصه وتعليقا له على حكم التمام؛ وكأنه يقول:
لأربع عشرة ليلة بقيت من الشهر إن كان تماما. ومن يرى التاريخ بالأيام يجوّز لأربعة عشر يوما تبقى من شهر كذا، وكذا في الجميع.
الحالة السادسة (أن تقع الكتابة في الليلة الأخيرة من الشهر أو في اليوم الأخير منه)
فإن كان في الليلة الأخيرة منه كتب «لآخر ليلة من شهر كذا، أو في سلخ شهر كذا، أو في انسلاخه» . وإن كان في اليوم الآخر منه كتب «لآخر يوم من شهر كذا، أو في سلخه أو انسلاخه أيضا» . ولم يختلفوا هنا في جواز التاريخ باليوم. قال ابن حاجب النعمان: وذلك أن الشهر يبتديء بابتداء اللّيالي وينقضي بانقضاء النهار. وذكر صاحب «موادّ البيان» أن الذي كان كتّاب مصر يستعملونه بالديار المصرية أن يجعل شهر ثلاثين يوما وشهر تسعة وعشرين، وهذا جنوح منهم إلى الاعتبار النّجوميّ، ولا معوّل على ذلك في الشريعة.
قلت: وكتّاب زماننا قد أهملوا النظر في ذلك جملة وعوّلوا على التاريخ بالأيّام، واقفين عند حدّ اليوم الذي ينتهي إليه العدد من الشهر عند الكتابة فيكتبون في اليوم الأوّل: كتب في مستهلّ شهر كذا، ثم في ثاني شهر كذا أو ثالثه إلى العشر؛ ثم في حادي عشرة وثاني عشرة إلى العشرين، ثم في العشرين من شهر كذا، أو الحادي والعشرين، والثاني والعشرين إلى التاسع والعشرين.
وفي اليوم الأخير من الشهر يكتبون في سلخ شهر كذا لا يعرفون غير ذلك.
(6/239)

ثم مما يستحسن في التاريخ أنه إذا وقعت الكتابة في يوم مشهور- كأيام المواسم- أرّخ به، مع قطع النظر عن عدد ما مضى من الشهر أو بقي منه.
فيكتب في اليوم الأوّل من شوّال «كتب في يوم عيد الفطر» وفي تاسع ذي الحجّة «كتب في يوم عرفة» وفي عاشره «كتب في يوم عيد النّحر، أو في يوم عيد الأضحى» وفي حادي عشر «كتب في يوم القرّ» - بفتح القاف، سمي بذلك؛ لأن الناس يستقرّون فيه بمنى «1» ، وفي ثاني عشره «كتب في يوم النّفر الأوّل» لأن الحجيج ينفرون فيه من منى، وفي ثالث عشره «كتب في يوم النّفر الثاني» .
الاعتبار الثاني (أن يؤرّخ بجملة من أيام الشهر)
فإن أرّخ بعشر من الشهر، بناه على التأنيث، فيكتب «كتب في العشر الأولى، أو في العشر الأوّل- بضم الهمزة وفتح الواو، جمع أوّلة «2» . أو كتب في العشر الوسطى أو في العشر الوسط- بضم الواو وفتح السين، جمع وسطى، أو كتب في العشر الأخرى أو في العشر الأخر- بضم الهمزة وفتح الخاء، جمع آخرة. قال الشيخ أثير الدين أبو حيّان: ولا يكتب العشر الأوّل ولا الأوسط ولا الآخر. وقال بعض النحويين: يكتب «وكتب في العشر الآخرة أو الأواخر» ولا يكتب الأخرى ولا الأخر؛ لئلا يلتبس بالآخر بمعنى الثاني أو الأخر بمعنى الثواني. وقد تقدّم في الكلام على أيام الشهر أن العرب تسمّي ليالي الشهر كلّ ثلاث منها باسم، وقد تقدّم ذكر أسمائها هناك. فإذا وقعت الكتابة في ثلاث
(6/240)

منها، كالغرر، وهي الثلاث الأولى من الشهر، والدّآدي، وهي الثلاث الأخيرة منه، كان للكاتب أن يؤرّخ بها كما يؤرّخ بعشر من الأعشار الثلاث، بل الثلاث أقرب لمعرفة التاريخ في العشر. وقد أشار إلى ذلك الشيخ أثير الدين في «شرح التسهيل» فقال: وإن أرّخ بالثلاث الأخيرة من الشهر كتب الدّآدي. وإذا كان في السنّة أيام مشهورة، أرّخ «1» بها كالأيام المعلومات، وهي العشر الأول من ذي الحجّة، والأيام المعدودات، وهي أيام التشريق على ما تقدّم ذكره في موضعه، كان للكاتب أن يؤرّخ بها.
الاعتبار الثالث (أن يؤرّخ بأجزاء اليوم أو الليلة)
وأكثر ما يحتاج الكاتب إلى ذلك في تاريخ بطائق الحمام، وقد سبق في الكلام على الأيام أنّ كلّ واحد من الليل والنهار اثنتا عشرة ساعة زمانيّة، تطول بطول أحدهما وتقصر بقصره، ولكلّ ساعة منها اسم يخصّها، كالشّروق، وهو أوّل ساعات النهار، والغروب، وهو آخر ساعاته، والشّفق، وهو أوّل ساعات الليل، والصّباح، وهو آخر ساعاته. فينبغي للكاتب إذا كتب بطاقة من بطائق الحمام أن يكتب الساعة التي كتبت فيها من ساعات النهار، أما ساعات الليل فلا يتأتّى فيها ذلك، لأن الحمام لا يسرّح في الليل، اللهم إلا أن تدعو الضرورة إلى التاريخ بساعة من ساعات الليل في بعض المكاتبات فيؤرخ بها.
قلت: وهذا الترتيب قد تركه كتّاب زماننا، وصاروا يؤرّخون بالساعات المشهورة عندهم، كالاولى من النهار، أو الثانية، أو وقت الظهر، أو وقت العصر، ونحو ذلك.
(6/241)

الضرب الثاني (التاريخ العجميّ)
ومداره الأيام دون الليالي؛ لأن سنتهم مع اختلافها في الشهور ومبادئها ومقاطعها شمسيّة، والشمس محلّ ظهورها النهار دون الليل، فلذلك أرّخوا بالأيام. قال أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» : قال أحمد بن يحيى البلاذريّ: حضرت مجلس المتوكّل، وإبراهيم بن العبّاس يقرأ الكتاب الذي أنشأه في تأخير النّوروز «1» ، والمتوكّل يتعجّب من حسن عبارته ولطف معانيه والجماعة تشهد له بذلك، فدخلتني نفاسة «2» فقلت: يا أمير المؤمنين، في هذا الكتاب خطأ! فأعادوا النظر، وقالوا: ما نراه فما هو؟ - قلت: أرّخ السنة الفارسيّة بالليالي، والعجم تؤرّخ بالأيام، واليوم عندهم أربع وعشرون ساعة تشتمل على الليل والنهار، وهو جزء من ثلاثين جزءا من الشهر؛ والعرب تؤرّخ بالليالي؛ لأن سنيهم وشهورهم قمريّة، وابتداء الهلال بالليل- قال: فشهدوا بصحّة ما قلته، واعترف به إبراهيم. وقال: ليس هذا من علمي.
قلت: وأكثر ما يحتاج إلى ذلك في تحويل السّنين ونقل النّيروز عند دوران السنين، كما في كتاب إبراهيم بن العباس المقدّم ذكره، وكذلك في كتابة الهدن «3» فسيأتي أنه يجمع فيها بين التاريخ العربيّ والعجميّ جميعا، ويجب فيه تقديم العربيّ على العجميّ، مثل أن يكتب «كتب لعشر خلون من المحرّم سنة ثمانمائة، موافقا للعاشر من توت من شهور القبط» أو العاشر من تشرين الأوّل من شهور السريان، أو العاشر من ينير من شهور الروم، أو العاشر من أفرودين ماه، من شهور الفرس ونحو ذلك.
(6/242)

الجملة السابعة (في تقييد التاريخ بالسنة)
قد علمت أن فائدة التاريخ إنما تتحقّق بذكر السنة بعد اليوم والشّهر، وإلا فلا يعلم من أيّ السنين. فإذا كتب يوم كذا من شهر كذا كتب بعد ذلك، سنة كذا، سواء كان التاريخ عربيّا أو عجميّا، أو مركّبا منهما، مثل أن يكتب سنة كذا من الهجرة الموافق لكذا من سني الرّوم أو سني الفرس.
ثم للكاتب في كتابة تاريخ السنة مصطلحان.
المصطلح الأوّل- أن يكتب «سنة كذا» فيحتاج إلى حذف الهاء من العدد، على قاعدة حذفها من عدد المؤنّث، مثل أن يكتب سنة ستّ وثمانمائة ونحو ذلك، وعلى هذا اصطلح كتّاب الديار المصرية وبلاد المشرق.
المصطلح الثاني- أن يكتب «عام كذا» فيحتاج إلى إثبات الهاء في العدد على قاعدة إثباتها في عدد المذكّر، مثل أن يكتب «عام ستّة وثمانمائة» وعلى نحو ذلك يجري كتّاب الغرب غالبا، لما يقال: إن العام يختصّ بالخصب، والسنة تختص بالمحل على ما تقدّم ذكره في الكلام على السّنين فيما يحتاج إليه الكاتب في المقالة الأولى.
الجملة الثامنة (في معرفة بعض التواريخ من بعض)
قد ذكر في «موادّ البيان» أن من جملة أدب الكاتب العلم بتواريخ سني العالم واستخراج بعضها من بعض في كل وقت من أوقات اليوم الذي هو فيه من كل شهر وسنة من سني الأمم. وقد تقدّم أيضا أن المستعمل من التواريخ في زماننا بين الأمم أربعة تواريخ، بعضها أقدم من بعض.
أوّلها- تاريخ غلبة الإسكندر
، وهو التاريخ الذي تؤرّخ به السّريان والروم والفرنجة ومن في معناهم إلى الآن، وهو بعد الطّوفان فيما حرّره الشيخ علاء
(6/243)

الدين بن الشاطر في «زيجه» بثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وثلاثين سنة وثلاثمائة وعشرين يوما.
الثاني- التاريخ من ملك دقلطيانوس
، وهو الذي يؤرّخ به القبط الى الآن، وربما عبّروا عنه بتاريخ الشّهداء، إشارة إلى تسميتهم الذين قتلهم دقلطيانوس من القبط شهداء؛ وهو بعد غلبة الإسكندر بخمسمائة وأربع وتسعين سنة وثلاثمائة واثنين وثلاثين يوما.
الثالث- التاريخ من الهجرة
، وعليه تاريخ الإسلام. وهي بعد ملك دقلطيانوس بثلاثمائة وست وثلاثين سنة وثلاثمائة وأحد وعشرين يوما.
الرابع- التاريخ من هلاك يزدجرد آخر ملوك الفرس
. وقد تقدّم أنه بعد الهجرة بعشر سنين وثمانية وسبعين يوما.
فأما التاريخ السّريانيّ والروميّ وهو الذي مبدأه من غلبة الإسكندر فقد تقدّم أن شهور السّريانيين اثنا عشر شهرا؛ وهي: تشرين الأول- تشرين الثاني- كانون الأول- كانون الثاني- شباط- أذار- نيسان- أيّار- حزيران- تمّوز- آب- أيلول. منها سبعة أشهر؛ كلّ شهر منها أحد وثلاثون يوما، وهي: تشرين الأوّل، وكانون الأوّل، وكانون الثاني، وأذار، وأيّار، وتمّوز، وآب، وأربعة أشهر كل شهر منها ثلاثون يوما، وهي: تشرين الثاني، ونيسان، وحزيران، وأيلول. ومنها واحد ثمانية وعشرون يوما: وهو شباط، فتكون أيام سنيه ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، ويضاف إليه ربع يوم مراعاة للسنة الشمسيّة، فتصير ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم ينقص جزءا يسيرا. ومن أجل ذلك يعدّون ثلاث سنين بسائط يكون «1» شباط فيها تسعة وعشرين يوما؛ لإضافة ربع اليوم في السنين الأربع
(6/244)

إليه، وتكون السنة فيها ثلاثمائة وستة وستين يوما.
وقد تقدّم أيضا أن شهور السنة الرّومية تضاهي شهور السنة السّريانية في عدد الأيام، بل هي هي، إلا أن الرّوم يسمّون أشهر هم بأسماء غير أسماء شهور السّريان، ويكون أوّل شهورهم موافقا لكانون الثاني، وهو الشهر الرابع من شهور السّريان، ويكون آخر شهورهم موافقا لكانون الأوّل.
وأسماء شهورهم: ينيّر، فبراير، مارس، إبريل، مايه، يونيه، يوليه، أغشت، شتنبر، أكتوبر، نونمبر، دجنبر. ولا فرق في شيء منها سوى اختلاف الأسماء وابتداء رأس السنة، وحينئذ فيكون الكلّ فيها في التاريخ واحدا.
وأما التاريخ القبطيّ، وهو الذي مبدأه من ملك دقلطيانوس، فقد تقدّم أن شهور السنة القبطية اثنا عشر شهرا؛ وهي: توت، بابه، هتور، كيهك، طوبه، أمشير، برمهات، برموده، بشنس، بؤونة، أبيب، مسرى. وكل شهر منها ثلاثون يوما من غير اختلاف، ثم بعد مسرى خمسة أيام يسمّونها أيام النسيء، فتكون أيام سنتهم ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، وتزيد بعد ذلك ربع يوم في كل سنة كما في التاريخ الروميّ، وقد اصطلحوا على أن يعدّوا منها ثلاث سنين بسائط، كلّ سنة منها ثلاثمائة وخمسة وستون يوما لا زيادة فيها، والرابعة كبيسة تكون أيام النسيء فيها ستة أيام وزيادة ربع يوم؛ وتصير أيّام تلك السنة ثلاثمائة وستة وستين يوما، على نحو ما تقدّم في السّريانيّ والرّوميّ.
وأما التاريخ العربيّ: وهو الذي مبدأه الهجرة، فقد تقدّم في الكلام على الشهور في المقالة الأولى أن شهور سنة العرب اثنا عشر شهرا. وهي: المحرّم، صفر، ربيع الأول، ربيع الآخر، جمادى الأولى، جمادى الآخرة، رجب، شعبان، رمضان، شوّال، ذو القعدة، ذو الحجّة. وأنها قمرية مدارها رؤية الهلال، إلا
(6/245)

أن المنجّمين اعتمدوا فيها على الحساب دون الرؤية لتصحيح حساب التواريخ ونحوها، وجعلوا فيها شهرا تامّا عدده ثلاثون يوما، وشهرا ناقصا عدده تسعة وعشرون يوما، على ترتيب شهور السنة، فالمحرّم عندهم تامّ، وصفر ناقص، وربيع الأوّل تامّ، وربيع الآخر ناقص، وجمادى الأولى تامّ، وجمادى الآخرة ناقص، ورجب تام، وشعبان ناقص، ورمضان تام، وشوّال ناقص، وذو القعدة تامّ، وذو الحجّة ناقص. فيكون من السنة ستة أشهر تامة وستة أشهر ناقصة، وتكون السنة حينئذ ثلاثمائة يوم وأربعة وخمسين يوما؛ ويلحقها بعد ذلك كسر في كل سنة، وهو خمس يوم وسدس يوم، فتصير السنة ثلاثمائة يوم وأربعة وخمسين يوما وخمس يوم وسدس يوم «1» مفرّقة في ثلاثين سنة؛ ويجعلون الكبيسة سنة بعد سنة ثم سنة بعد سنتين، ثم سنة بعد سنة، وعلى هذا الترتيب إلى آخر الثلاثين، فتكون الكبائس هي: الثانية، والخامسة، والسابعة، والعاشرة، والثالثة عشرة، والخامسة عشرة، والثامنة عشرة، والحادية والعشرين، والرابعة والعشرين، والسادسة والعشرين، والتاسعة والعشرين. فتكون كل سنة منها ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوما، ويجعل الزائد فيها في ذي الحجة، فيكون فيها ثلاثين يوما وباقي سني الثلاثين بسائط، كلّ سنة منها ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما، وذو الحجة فيها تسعة وعشرون يوما، بناء على الأصل في أن يكون شهر تامّا وشهر ناقصا.
وأما التاريخ الفارسيّ: وهو الذي مبدأه من هلاك يزدجرد، فقد تقدّم في الكلام على الشهور أن سني الفرس اثنا عشر شهرا؛ كلّ شهر منها ثلاثون يوما.
(6/246)

وهي: أفرودين ماه، أرديهشتماه، حردادماه، تير ماه، ترد ماه، شهريرماه، مهر ماه، أبان ماه، أدرماه، ذي ماه، بهمن ماه، اسفندار ماه. وبين أبان ماه وأدر ماه خمسة أيام تسمّى المسترقة بمثابة أيام النسيء في آخر سنة القبط؛ وبمقتضى ذلك تكون سنتهم ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، وليس فيها زيادة ولا نقص. فلا بدّ من معرفة هذه الأصول لاستخراج تواريخ بعض السنين المذكورة من بعض.
ثم مما يجب تعرّفه بعد ذلك أن تعلم أن التاريخ السّريانيّ والروميّ سنونه سريانية أو رومية على ما تقدّم، فيعتبر فيها ما يعتبر في السنين السّريانية والروميّة من عدد الأيام والكبائس، والتاريخ القبطيّ سنونه قبطية فيعتبر فيها ما يعتبر في السنين القبطيّة من الأيام والكبائس، والتاريخ العربيّ سنونه عربية فيكون على ما تقدّم في السّنين العربية من عدد الأيام والكبائس، والتاريخ الفارسيّ سنونه فارسيّة فيعتبر فيها ما يعتبر في السنين الفارسية من عدد الأيام، ولا كبيسة فيها.
إذا علمت ذلك فإذا أردت استخراج بعض هذه التواريخ من بعض، فانظر التاريخ المعلوم عندها عندك، كالتاريخ العربيّ مثلا عند الإسلاميين فاجعل السنين التامّة من التاريخ المعلوم أيّاما، وزد عليها ما مضى من السنة المكسورة من الشهور والأيام إلى اليوم الذي تريد أن تعلم موافقته لمثله من التاريخ المجهول، ثم انظر، فإن كان التاريخ المعلوم أقدم من التاريخ المجهول، فانقص من أيام التاريخ المعلوم ما بين التاريخين من الأيام فما بقي فهو أيام التاريخ المجهول، وإن كان التاريخ المجهول أقدم، فزد ما بين التاريخين من الأيام فما بقي فهو أيام التاريخ المعلوم، فما بلغ فهو أيام التاريخ المجهول. فإذا علمت أيام التاريخ المجهول بزيادة ما بين التاريخين على أيام التاريخ المعلوم أو نقصانها منه على ما تقدّم، فاجعل ما حصل معك من أيام التاريخ
(6/247)

المجهول الذي تريد استخراجه، فما كان فهو السّنون التامّة للتاريخ الذي تريد استخراجه، فإن بقي شيء من الأيام بعد السنين التامّة، فخذ منها لكل شهر عدد أيامه، وما بقي من الأيام دون شهر فهو الماضي من أيام الشهر الذي يلي ذلك.
مثال ذلك إذا أردت أن تستخرج التاريخ السّريانيّ أو الروميّ الموافق لآخر سنة ثمانمائة من الهجرة، فقد تقدّم لك أن التاريخ السريانيّ والروميّ مبدأه من غلبة الإسكندر على الفرس، وهو قبل الهجرة بتسعمائة سنة واثنتين وثلاثين سنة ومائتين «1» وسبعة وثمانين يوما، وذلك ثلاثمائة ألف يوم وأربعون ألف يوم وسبعمائة يوم، فاحفظ ذلك، ثم ابسط الماضي من سني الهجرة وهو ثمانمائة سنة أياما، بأن تضرب الثمانمائة في عشرة آلاف وستمائة وأحد وثلاثين يوما، وهي بسط السنة العربية من حين كسرها الزائد على أيامها، وهو خمس يوم وسدس يوم، يكون ثمانية آلاف ألف وخمسمائة ألف وأربعة آلاف وثمانمائة؛ فاقسمه على ثلاثين وهي مخرج الكسر الذي هو الخمس والسدس، يخرج بالقسمة مائتا ألف وثلاثة وثمانون ألفا وأربعمائة وثلاثة وتسعون، وهو عدد أيام الثمانمائة سنة، فأضفه على ما بين غلبة الإسكندر والهجرة من الأيام، وهو ثلاثمائة ألف وأربعون ألفا وسبعمائة يوم، ويكون الجميع ستّمائة ألف وأربعة وعشرين ألفا ومائة وثلاثة وتسعين، فاجعل تلك الأيام سنين سريانية، بأن تضرب تلك الأيام في أربعة، يحصل منها ألفا ألف وأربعمائة ألف وستة وتسعون ألفا وسبعمائة واثنان وسبعون يوما؛ فاقسمه على ألف وأربعمائة وأحد وستين، يخرج بالقسمة ألف وسبعمائة وثمانية، وهي سنون تامّة؛ ويفضل بعد ذلك ألف وثلاثمائة وأربعة وثمانون، فاقسمها على أربعة، يخرج ثلاثمائة وستة وأربعون يوما، يكون ذلك أحد عشر شهرا، من أوّل تشرين الأوّل وأحد عشر يوما من الشهر الثاني عشر من الشهور السريانية وهو أيلول؛ فيكون آخر يوم من سنة
(6/248)

ثمانمائة هجرية موافقا لليوم الحادي عشر من أيلول سنة ألف وسبعمائة وتسع من السريانية.
وإن أردت أن تستخرج التاريخ القبطيّ لآخر سنة ثمانمائة، فقد تقدّم أن التاريخ القبطيّ ابتداؤه من ملك دقلطيانوس على القبط، وهو قبل الهجرة بثلاثمائة وسبع وثلاثين سنة وثلاثمائة وعشرين يوما، وجملة أيامه مائة ألف يوم وثلاثة وعشرون ألف يوم وأربعمائة يوم وتسعة أيام، فأضف أيام الماضي من سني الهجرة، وهو مائتا ألف وثلاثة وثمانون ألفا وأربعمائة وثلاثة وتسعون على ما تقدّم في التاريخ السريانيّ [على ما قبل الهجرة] «1» وهو مائة ألف وثلاثة وعشرون ألفا وأربعمائة وتسعة أيام، يكون المجموع أربعمائة ألف وستّة آلاف وتسعمائة يوم ويومين؛ فاجعله سنين قبطية، بأن تضرب ذلك في أربعة عدد مخرج كسر السنة القبطية، وهو الربع الزائد على الخمسة وستين، يكون ألف ألف وستمائة ألف وسبعة وعشرين ألفا وستمائة وثمانية؛ فاقسمه على ألف وأربعمائة وأحد وستين، يخرج بالقسمة ألف ومائة وأربعة عشر، وهو عدد السنين القبطية التامة، ويبقى بعد ذلك أربعة وخمسون؛ فاقسمه على الأربعة المذكورة يخرج بالقسمة أربعة عشر، وهي أيام من الشهر الأوّل من السنة القبطية الناقصة، فيكون آخر يوم من سنة ثمانمائة للهجرة موافقا لرابع عشر شهر توت سنة ألف ومائة وخمس عشرة من السنين القبطية.
وإن أردت أن تستخرج التاريخ الفارسيّ لآخر سنة الثمانمائة المذكورة، فقد تقدّم أن ابتداء التاريخ الفارسيّ بعد الهجرة بعشر سنين وثمانين يوما، وجملة أيامه ثلاثة آلاف يوم وستّمائة يوم وأربعة وعشرون يوما؛ فأسقطها من الحاصل من أيام النّسيء «2» الماضي من الهجرة آلى آخر الثمانمائة، يكون الباقي بعد ذلك مائتي ألف وتسعة وسبعين ألفا وثمانمائة وتسعة وستين يوما؛
(6/249)

فاقسمها على ثلاثمائة وخمسة وستين، يخرج لك سبعمائة وستة وستون سنة، وهو عدد السنين الفارسية التامة؛ ويفضل بعد ذلك مائتان وتسعة وسبعون يوما، فخذ لكل شهر عدد أيامه، وهو ثلاثون يوما ويبقى تسعة أيام، منها خمسة أيام في نظير الخمسة الأيام الزائدة في آخر أبان ماه المعروفة بالمسترقة، يبقى أربعة أيام من شهر ذي ماه، وهو الشهر العاشر من شهورهم، فيكون آخر يوم من ثمانمائة من الهجرة موافقا لليوم الرابع من ذي ماه من شهور الفرس سنة سبعمائة وسبع وستين.
فلو فرض أنه مضى من سنة إحدى وثمانمائة ستة أشهر مثلا، فاجعل الأشهر شهرا تامّا وشهرا ناقصا على ما تقدّم، تكون أيامها مائة وسبعة وسبعين يوما فأضفها على أيام الثمانمائة؛ وافعل فيها ما تقدّم ذكره، لا يتغير العمل في شيء من ذلك.
مثال ذلك: إذا أردت استخراج التاريخ السّريانيّ في آخر جمادى الآخرة سنة إحدى وثمانمائة، فأضف مائة وسبعة وسبعين، وهي أيام ستة أشهر على أيام الثمانمائة، وهي مائتا ألف وثلاثة وثمانون ألفا وأربعمائة وثلاثة وتسعون، يكون المجموع مائتي ألف وثلاثة وثمانين ألفا وستمائة وستين يوما، فأضف إليه ما بين الهجرة والتاريخ السّريانيّ، وهو ثلاثمائة ألف وأربعون ألفا وسبعمائة، يحصل من ذلك ستمائة ألف وأربعة وعشرون ألفا وثلاثمائة وسبعون؛ فاضربه في أربعة يخرج ألف وستّمائة وتسعة، ويفضل من الأيام مائة وثمانية وخمسون يوما، تكون سابع أذار من شهور السريان، فيكون آخر يوم من جمادى الآخرة سنة إحدى وثمانمائة موافقا للسابع من شهر أذار سنة ألف وسبعمائة وعشر من سني السريان.
قلت: وفي كتب الزّيجات وغيرها طرق مختلفة لاستخراج التواريخ، وجداول موضوعة لا يحتملها هذا الكتاب فليراجعها من احتاج إلى زيادة على ذلك.
(6/250)

الجملة الثامنة (في موضع كتابة التاريخ من الكتاب، وصورة وضعه في الكتابة)
أمّا موضعه من الكتاب، فقال محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدّواة» : رسموا تاريخ الكتب في آخرها، وجعلته العامّة في صدورها.
والتحقيق في ذلك ما ذكره صاحب «موادّ البيان» وغيره أن الكتب التي تؤرّخ على ضربين:
الضرب الأوّل- الكتب السلطانية، ولها حالان
: الحالة الأولى
- أن يكون الكتاب في أمر تتشوّف النّفوس إلى معرفة اليوم الذي وقع ذلك الأمر فيه، كالحوادث العظام، والفتوحات والمواسم ونحوها، فيؤرّخ الكتاب في صدره، مثل أن يكتب في صدر الكتاب «كتاب أمير المؤمنين إليك، أو كتابنا إليك يوم كذا من سنة كذا» كما كان يكتب في الزمن المتقدّم في مثل ذلك.
الحالة الثانية
- أن يكون الكتاب في أمر لا تتشوّف النفوس إلى معرفة اليوم الذي يقع ذلك الأمر فيه، فيؤرّخ الكتاب في آخره.
الضرب الثاني- كتب الأتباع إلى الرؤساء
. والرسم فيها أن تؤرّخ في صدورها. قال في «موادّ البيان» : وذلك مثل أن يقال: كتب العبد من مقرّ خدمته يوم كذا.
قلت: والذي استقرّ عليه حال كتّاب الزمان كتابة التاريخ في آخر الكتاب بكل حال، سواء كان المكتوب ولاية أو مكاتبة أو غير ذلك؛ ولعلّ الولايات وما في معناها لم يقع الاختلاف في كتابتها في آخر المكتوب في زمن من الأزمان.
وأمّا صورة وضع التاريخ في الكتابة، فقد اصطلح الكتّاب على أن جعلوا التاريخ بعد كتابة إن شاء الله تعالى في سطرين، فيكتبون «كتب في كذا من
(6/251)

شهر كذا» في سطر، ثم يكتبون «سنة كذا» في سطر تحته؛ وفي الكتب عن قضاة القضاة يجعل كتّابهم جميع التاريخ في سطر واحد.
الطّرف الثالث (في المستندات، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في صورة ما يكتب، وهو على ضربين)
الضرب الأوّل (أن يضاف إلى مرسوم السلطان، وله خمس حالات)
الحالة الأولى- أن يكون بتلقّي كاتب السرّ
، إما بما يأمر به السلطان عند قراءته القصة عليه، أو بما يكتبه كاتب السر ويمضيه من نفسه، كما في خلاص الحقوق ونحوها؛ فيكتب فيه «حسب المرسوم الشريف» في سطر واحد لا غير.
الحالة الثانية- أن يكون بتلقّي كاتب السرّ
أو أحد من كتّاب الدّست «1» بدار العدل، عند جلوس السلطان في المواكب بالإيوان وقراءة كاتب السرّ وكتّاب الدّست قصص المظالم ونحوها عليه. فيكتب فيه «حسب المرسوم الشريف من دار العدل الشريف» سطرين أحدهما تحت الآخر، ويكون في السطر الأوّل «حسب المرسوم الشريف» والباقي في السطر الثاني.
الحالة الثالثة- أن يكون برسالة الدّوادار
. فيكتب فيه «حسب المرسوم الشريف» سطرا واحدا، ثم يكتب تحته «برسالة الجناب العالي الأميريّ الدّوادار، الفلانيّ» باللقب المضاف إلى الملك كالناصريّ ونحوه «ضاعف الله تعالى نعمته» ويكون آخر السطر الأوّل «الأميريّ الفلانيّ» .
(6/252)

الحالة الرابعة- أن يكون من ديوان الخاص
. فيكتب فيه «حسب المرسوم الشريف من ديوان الخاص الشريف» ويكون «حسب المرسوم الشريف» سطرا، وباقي الكلام سطرا.
الحالة الخامسة- أن يكون بخط السلطان بظاهر قصّة
. فيكتب «حسب المرسوم الشريف بالخطّ الشريف» سطرين، ويكون «حسب المرسوم الشريف» سطرا على ما تقدّم، وما بعده سطرا.
قلت: ومما يجب التنبّه له أنّ لفظ حسب الواقع في المستندات منقول اللغة فيه بفتح السين كما تقول: فعلت ذلك حسب أمرك، ولا يجوز تسكينها بحال كما أطبق عليه علماء اللغة، إلا ما حكاه الجوهريّ في «صحاحه» من جواز تسكينها في ضرورة الشعر، على أن جلّ كتّاب الزمان يغلطون في ذلك فلا ينطقون بها إلا ساكنة السين، وربما ضبطوه كذلك في الكتابة.
الضرب الثاني (أن يجعل مستنده الإشارة، وله ثلاث حالات)
الحالة الأولى- أن يكون بإشارة النائب الكافل
، فيكتب «بالإشارة العالية الأميرية الكبيرية الكافلية، كافل الممالك الشريفة الإسلامية، أعلاها الله تعالى!» سطرين، ويكون آخر السطر الأوّل الكافلية الفلانية.
الحالة الثانية- أن يكون بإشارة الوزير
، فيكتب «بالإشارة العالية الوزيرية الفلانية، مدبّر الممالك الشريفة أعلاها الله تعالى!» سطرين، ويكون آخر السطر الأوّل الوزيرية الفلانية.
الحالة الثالثة- أن يكون بإشارة الإستدّار
، فيكتب «بالإشارة العالية الأميريّة الكبيرية الفلانية، إستدّار العالية، أعلاها الله تعالى!» سطرين، ويكون آخر السطر الأوّل الكبيرية الفلانية. وقد تقدّم في الكلام على الألقاب ما جرى عليه الكتّاب في لفظ إستدّار من التحريف، واستعملوه بلفظ إستادار، أو استاد
(6/253)

الدار، وتجب موافقتهم عليه وإن كان خطأ جريا على المصطلح.
الجملة الثانية (في موضع كتابة المستند)
وقد اصطلح الكتّاب على أن يكتب المستند في الغالب بعد التاريخ، ويكون الظرف أو الجارّ والمجرور فيه متعلّقا من التاريخ بلفظ كتب، وكأنه يقول: كتب في تاريخ كذا، حسب الأمر الشريف، أو بالإشارة الفلانية. وربما كتب بحاشية المكتوب في المراسيم الصّغار التي تكتب على ظهور القصص ونحوها، وكذلك أوراق الطّريق؛ وموضع كتابته يقابل بين السطرين الأوّلين آخذا من جهة الأسفل إلى جهة الأعلى بحيث يكون آخر كتابة المستند مسامتا للسطر الأوّل، فإن كان «حسب المرسوم الشريف» فقط، كتبه سطرا واحدا، وإن كان «من دار العدل» كتب «حسب المرسوم الشريف» سطرا، و «من دار العدل الشريف» سطرا تحته، وكذلك إن كان «من ديوان الخاص» كما يكتب في أسفل الكتاب. وإن كان برسالة الدوادار، فقد جرت العادة أن يكتب «حسب المرسوم الشريف» في أسفل الكتاب تحت التاريخ سطرا واحدا، ويكتب «برسالة الجناب العالي، الأميريّ، الكبيريّ، الفلانيّ، الدّوادار، الفلانيّ ضاعف الله تعالى نعمته!» بالهامش في المحل المتقدّم، سطرين كما كان يكتب بآخر الكتاب. وإن كان المستند الإشارة كتب جميعه بحاشية الكتاب في المحل المقدّم ذكره سطرين على ما تقدّم بيانه.
الطرف الرابع (في الحمدلة في آخر الكتاب، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في الأصل في كتابتها)
والأصل في ذلك أنّ الله سبحانه كما جعل الحمد مفتاحا للأمور تيمّنا
(6/254)

بالافتتاح به، جعله ختاما لها تيمّنا بالاختتام به، قال تعالى: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
«1» وقال جلّت قدرته: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
«2» . وكان النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، إذا رجع من السفر قال: «آئبون تائبون لربّنا حامدون» . قال السهيليّ: ومن ثمّ سمّي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم (أحمد) إشارة إلى أنه خاتم الأنبياء وآخر المرسلين.
ولما كان الأمر كذلك، اصطلح الكتّاب على اختتام الكتب بالحمد تبرّكا.
قال ابن شيث في «معالم الكتابة» : ولا يختم بالحمد لله في التواقيع في المظالم؛ وربما ختم بها في تواقيع الإطلاقات. وقد اصطلح كتّاب الزمان على حذفها من آخر ما لا تكتب في أوّله البسملة، كالتواقيع الصّغار ونحوها، على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وكأنهم يشيرون بذلك إلى أنّ مثل ذلك لا يهتمّ بشأنه، فكما حذفوا البسملة من أوّلها حذفوا الحمدلة من آخرها إشارة إلى عدم الاهتمام بها كما حذفت من أوّل الكلام الذي لا يهتمّ به لأجل ذلك على ما تقدّم بيانه.
الجملة الثانية (في بيان ما يكتب وصورة وضعه في الكتابة)
أمّا ما يكتب، فقد اصطلحوا على أن يكتبوا في حمدلة آخر الكتاب «الحمد لله وحده» وربما كتبوا: «الحمد لله ربّ العالمين» . على أنهم لو أطبقوا على كتابتها لكان أولى. فقد ذكر النوويّ في كتابه «الأذكار» أنها أفضل صيغ الحمد ومن أجل ذلك افتتحت بها فاتحة الكتاب التي هي أمّ القرآن.
(6/255)

وأما وضعها في الكتابة، فقد اصطلحوا على أن جعلوها بعد كتابة المستند عن يمنة الدّرج «1» ، على بعد قدر ما بين إن شاء الله تعالى والسطر الآخر من المكتوب. قال في «معالم الكتابة» وقد تحتمل الخروج عن سمت السّطور.
الطرف الخامس (في الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في آخر الكتاب، وما يلتحق بذلك، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في أصل إثباتها في آخر الكتب)
والأصل في ذلك مع ما تقدّم في الكلام على الصلاة على النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، في أوّل الكتب في الكلام على الفواتح أنه كما ذكرت في أوائل الكتب تبرّكا، كذلك ذكرت في آخرها تبرّكا. وقد قال تعالى في حقّه صلّى الله عليه وسلّم: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ «2»
فإنّ معناه ما ذكرت إلا ذكرت معي، ولما اختتمت الكتب بالحمد لله، ناسب أن يقرن الحمد بالصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، جمعا بين ذكره وذكر الله تعالى.
وقد ذكر ابن هشام في «سيرته» أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، كتب في آخر عهده لعمرو بن حزم حين وجّهه إلى اليمن «صلّى الله على محمد» .
ثم الكلام في الجمع بين الصلاة والسّلام، والصلاة على الآل والصّحب بعده صلّى الله عليه وسلّم في آخر الكتاب على ما مرّ في الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم في أوّل «3» الكتاب.
قلت: فلو كتب كتاب لسلطان أو غيره من المسلمين إلى أحد من أهل الكفر، فهل يؤتى بالصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما يؤتى بها في الكتاب إلى المسلم
(6/256)

إرغاما للكافر بالصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أو لا يؤتى بها صيانة لاسمه صلّى الله عليه وسلّم عن حصوله في يد كافر، كما يمنع من السّفر بالمصحف إلى بلاد الكفر؟ لم أر من تعرّض له، والظاهر أنه يؤتى بها إرغاما للكافر، ومواجهة له بما يكره.
وقد حكى أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» أن عبد الملك بن مروان، حين أحدث كتابة سورة الإخلاص وذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، على الدّنانير والدّراهم، كتب إليه ملك الروم: إنكم قد أحدثتم في طواميركم «1» شيئا من ذكر نبيّكم، فاتركوه وإلا أتاكم في دنانيرنا ذكر ما تكرهون؛ فعظم ذلك في صدر عبد الملك، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية يستشيره في ذلك، وكان أديبا عالما فقال له خالد: فرّخ روعك «2» يا أمير المؤمنين، حرّم دنانيرهم واضرب للناس سككا فيها ذكر الله تعالى وذكر رسوله صلّى الله عليه وسلّم ولا تعفهم مما يكرهون في الطّوامير، ففعل.
الجملة الثانية (في بيان ما يكتب في التصلية في آخر الكتب، وصورة وضعه في الكتابة)
أما صورة ما يكتب، فقد اصطلح الكتّاب على أن يكتبوا في التصلية في آخر الكتاب بعد «الحمد لله وحده» ما صورته «وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه» . وهي صيغة مستحسنة للإتيان بالصلاة فيها بصيغة الجمع، والجمع بين الصلاة والسّلام، وإتباع الصلاة والسّلام عليه صلّى الله عليه وسلّم، بالصلاة والسّلام على الآل والصّحب. وربما أتى بعض الكتّاب بالصلاة بلفظ الإفراد، فيكتب وصلاته.
واعلم أن الصلاة يجوز كتابتها بالألف على هذه الصورة «الصّلاة» ويجوز كتابتها بالواو على هذه الصورة «الصّلوة» إلا أن محلّ ذلك ما إذا لم
(6/257)

تضف إلى ضمير نحو صلاته وصلاتك. فإن أضيفت إلى الضمير تعيّنت كتابتها بالألف دون الواو، وربما غلط فيها بعض الكتّاب فكتبها بالواو.
وأما موضعها في الكتابة، فقد اصطلحوا على أن يكتبوا ذلك تلو «الحمد لله وحده» ، يفصل بياض بينهما لتكون الحمدلة في أوّل السطر، والتصلية في آخره.
الطرف السادس (في الحسبلة في آخر الكتاب، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في أصل كتابتها)
والأصل في ذلك ما دلّ عليه قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ
«1» فجعل قولهم: حسبنا الله ونعم الوكيل سببا لحسن المنقلب والصّون عن السوء. وقد قيل: من قال حسبنا الله ونعم الوكيل لم يخب في قصده.
الجملة الثانية (في بيان ما يكتب في ذلك، وكيفيّة وضعه في الكتابة)
أما ما يكتب، فقد اصطلح الكتّاب على أن يكتبوا «حسبنا الله ونعم الوكيل» بلفظ الجمع، على أن المتكلم يتكلّم بلسانه ولسان غيره من الأمّة، لا أنّ الجمع للتعظيم؛ لأنه ليس بلائق بالمقام. وكان بعض الكتّاب يستحبّ أن يكتب «حسبي الله» بلفظ الوحدة فرارا من اللّبس في لفظ الجمع بين التّعظيم
(6/258)

والجمع الحقيقيّ. وقد أشار في «صناعة الكتّاب» إلى بعض ذلك. قال ابن شيث في «معالم الكتابة» : وقد يتأدّب الأدنى مع الأعلى، فيأتي بالآية على نصّها فيقول: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ «1»
فرارا من نون الجمع التي هي للعظمة. قال: وقد يقال في مكانها: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
«2» ثم قال: فأما الأعلى إذا كتب للأدنى فلا يخرج عن «حسبنا الله ونعم الوكيل» .
ثم بعض الكتّاب قد يكتب مع الحسبلة واوا بأن يكتب: وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا معنى للواو هنا، إذ لا علاقة بين الحسبلة وما قبلها حتّى يسوغ العطف عليه، فالواجب حذفها كما نبّه عليه الشيخ جمال الدين بن هشام في «ورقاته في الوراقة» .
وأما موضع وضعها في الكتابة، فقد اصطلحوا على أن يكتبوها سطرا واحدا بعد سطر الحمدلة والتصلية، ويكون بينهما في البعد قدر ما بين إن شاء الله تعالى وبين السطر الآخر من البياض. قال ابن شيث: وموضعها ثلث السطر من الجانب الأيمن إلى حيث ينتهي.
واعلم أن الكتّاب قد اصطلحوا على أن يكتبوا تحت الحسبلة صورة حاء لطيفة منكبة على هذه الصورة «حر» ولا معنى لها، إذا هي في الأصل إشارة إلى الحسبلة نفسها، وكأنّ بعض الكتّاب كان يكتفي بها عن الحسبلة، ثم التبس ذلك على بعض الكتّاب فأثبتها مع الحسبلة على ظنّ أن فيها قدرا زائدا عليها؛ ويحتمل أنها إنما وضعت في الأصل لسدّ البياض كما يكتب بعض الدّوائر لسدّ البياض أو الفصل بين الكلامين وغير ذلك.
(6/259)

الطرف السابع (في اللّواحق، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في التتريب، ويتعلّق به أمران)
الأمر الأوّل (في النّدب إلى التتريب)
لا نزاع في أن تتريب الكتاب بعد الفراغ منه بإلقاء الرّمل ونحوه عليه مطلوب، وفيه معنيان:
المعنى الأول- التبرّك طلبا لنجح القصد
؛ فقد روى محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدواة» بسنده عن إسماعيل بن محمد بن وهب عن هشام بن خالد وهو أبو مروان الأزديّ، عن بقيّة بن الوليد، عن عطاء، عن ابن جريج، عن ابن عباس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ترّبوا «1» الكتاب ونحّوه من أسفله فإنه أعظم للبركة وأنجح للحاجة» . وفي حديث «إذا كتب أحدكم كتابا فليترّبه فإنّه مبارك وهو أنجح لحاجته» .
ومن كلام أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضى الله عنه: ترّبوا «2» الكتاب تنجحوا. ويؤيد ذلك ما روي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كتب كتابين إلى أهل قريتين فترّب أحدهما ولم يترّب الآخر، فأسلمت القرية التي ترّب كتابها. وهذا المعنى موجود في المكاتبات والولايات وغيرهما لطلب البركة والنّجاح في جميع ذلك.
وقد حكي أنّ أبا دهمان مرض مرضا أشفى فيه، فأوصى وأملى وصيته
(6/260)

على ابنه، فكتبها وأتربها فقال: نعم ترّبها فإنه أنجح للحاجة. ولا فرق في ذلك بين أن يكون المكتوب قد جفّ أم لا؛ لأن القصد إنما هو النّجح والبركة.
المعنى الثاني- التجفيف
لما كتبه بطرح التّراب عليه كي لا ينمحي بما يصيبه قبل الجفاف، وهذا المعنى أضعف من الأوّل، ومقتضاه أنه إذا جفّ الكتاب لا يترّب، وعليه عمل كتّاب الزمان. ومن هنا يضعون التراب على آخر الكتاب من حيث أنه أقرب عهدا بالكتابة فيحتاج إلى التجفيف، بخلاف أوّل الكتاب فإنه يكون قد جفّ عند نهاية الكتاب غالبا، لا سيما في الزمن الحارّ، أو مع طول الكتاب وامتداد زمن كتابته. على أن صاحب «مواد البيان» وغيره من قدماء الكتّاب قد صرّحوا بأنه يستحبّ وضع التّراب أوّلا على البسملة، ثم يمرّه الكاتب منها على سائر المكتوب ليعمّ الكتاب بركة البسملة. ولقائل أن يقول إن التتريب من آخر الكتاب إلى أعلاه لا يخلو أيضا من بركة؛ لملامسة التراب أوّلا الحمدلة والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والحسبلة. وربما بلغ بالتراب من أسفل الكتاب إلى البسملة ثم أعاده فيجمع فيه بين البركتين.
الأمر الثاني (فيما يترّب به الكتاب)
وقد اصطلح كتاب الزمان على التتريب بالرّمل الأحمر. أما تخصيصهم التتريب بالرمل؛ فلأنه لا غبار فيه يعلق بالكتاب فيذهب بهجة الورق. وأما اختيارهم الأحمر دون غيره فلأنه أبهج إذا لصق بالكتاب، قال محمد بن عمر المدائنيّ: وكرهوا ونهوا عن تراب الحيطان، ومالوا إلى النّشارة والأشنان «1» .
قال: وبلغنا أن بعض الأئمة من أهل العلم كان يترّب الحديث بالصّندل ويقول:
لا أطرح على حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، التراب. وكان حيوة بن شريح يخرج إلى
(6/261)

الصّحراء فيأخذ الطّين الأسود فيدقّه وينخله فيترّب به. وقد صرّح الرافعيّ وغيره من أصحابنا الشافعية أنه يحرم التتريب من جدار الغير، ومعناه ظاهر لما فيه من الاغتصاب والاعتداء. وقد سبق في المقالة الأولى في الكلام على الخط ذكر أنواع الرمل، وأن من أحسنه رملا يؤتى به من صحراء ماردين «1» ، فيه شذور صفر كشذور الذهب، يلقى في الرمل الأحمر فيترّب به الأمراء والوزراء ومن في معناهم.
الجملة الثانية (في نظر الكاتب في الكتاب وتأمّله بعد الفراغ منه)
قد نصّوا على أنه إذا فرغ الكاتب من كتابة الكتاب ينبغي له أن يتأمّله من أوّله إلى آخره ويتتّبع ألفاظه ويتأمّل معانيه ويصلح منها ما لعلّه وهم فيه الفكر أو سبق إليه القلم؛ ليسلم من قدح القادح وطعن الطاعن. وقد تقدّم في مقدّمة الكتاب أن صاحب الديوان لا يكتفي بنظر الكاتب في ذلك، بل يكله إلى نظر كاتب كامل ينصبه لذلك، ثم يتأمّله هو بنفسه بعد ذلك ليتنقّح الكتاب ويتهذّب.
(6/262)

المقالة الرابعة (في المكاتبات، وفيها بابان)
الباب الأوّل (في أمور كلّية في المكاتبات، وفيه فصلان)
الفصل الأوّل (في مقدّمات المكاتبات، وفيه ثلاثة أطراف)
الطرف الأوّل (في أصول يعتمدها الكاتب في المكاتبات)
ويتعلّق المقصود منها بعشرة أصول «1» :
الأصل الأوّل (أن يأتي الكاتب في أوّل المكاتبة بحسن الافتتاح المطلوب في سائر أنواع الكلام، من نثر ونظم مما يوجب التحسين؛ ليكون داعية لاستماع ما بعده، على ما تقدّم بيانه في الكلام على علوم البلاغة في المقالة الأولى)
ويرجع حسن الافتتاح في المكاتبات إلى معنيين.
المعنى الأوّل- أن يكون الحسن فيه راجعا إلى المبتدإ به
. إما بالافتتاح بالحمد لله كما في بعض المكاتبات؛ لأن النّفوس تتشوّف إلى الثناء على الله تعالى، أو بالسلام الذي جعله الشارع مفتتح الخطاب أو نحو ذلك. وإما بالافتتاح بما فيه تعظيم المكتوب إليه، من تقبيل الأرض أو اليد أو الدّعاء له أو غير ذلك، فإنّ أمر المكاتبات مبنيّ على التملّق واستجلاب الخواطر وتألّف
(6/263)

القلوب، إلى غير ذلك مما يجري هذا المجرى، على ما يقتضيه اصطلاح كلّ زمن في الابتداآت.
المعنى الثاني- أن يكون الحسن فيه راجعا إلى ما يوجب التحسين. من سهولة اللفظ، وصحة السبك، ووضوح المعنى، وتجنّب الحشو، وغير ذلك من موجبات التحسين؛ كما كتب الأستاذ أبو الفضل بن العميد عن ركن الدولة بن بويه، إلى من عصى عليه، مفتتحا كتابه بقوله: «كتابي إليك، وأنا متردّد بين طمع فيك وإياس منك، وإقبال عليك وإعراض عنك؛ فإنك تدلّ بسالف خدم أيسرها يوجب رعاية، ويقتضي محافظة وعناية؛ ثم تشفعها بحادث غلول وخيانة، وتتبعها بألف خلاف ومعصية، أدنى ذلك يحبط أعمالك، ويسقط كل ما يرعى لك» .
وكما كتب أبو حفص «1» بن برد الاندلسيّ عن ملكه إلى من عصى عليه ثم عاد إلى الطاعة كتابا افتتحه بقوله: «أما بعد فإن الغلبة لنا والظّهور عليك جلبابك إلينا على قدمك، دون عهد ولا عقد يمنعان من إراقة دمك. ولكنّا لما «2» وهب الله تعالى لنا من الإشراف على سرائر الرياسة، والحفظ لشرائع السّياسة؛ تأمّلنا من ساس جهتك قبلنا، فوجدنا يد سياسته خرقاء، وعين خدامته «3» عوراء، وقدم مداراته شلّاء، لأنه مال عن ترغيبك فلم ترجه، وعن ترهيبك فلم تخشه؛ فأدّتك حائجتك إلى طلاب المطاعم «4» الدّنيّة، وقلّة مهابتك إلى التّهالك على
(6/264)

المعاصي الوبيّة «1» » ونحو ذلك من الافتتاحات البهجة، والابتداآت الرائقة، مما ستقف على الكثير منه في خلال هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
الأصل الثاني (أن يأتي في ابتداء المكاتبة ببراعة الاستهلال المطلوبة في كلّ فنّ من فنون الكلام)
بأن يأتي في صدر المكاتبة بما يدلّ على عجزها؛ فإن كان الكتاب بفتح، أتى في أوّله بما يدلّ على التهنئة، أو بتعزية أتى في أوّله بما يدلّ على التعزية، أو في غير ذلك من المعاني أتى في أوّله بما يدلّ عليه؛ ليعلم من مبدإ الكتاب ما المراد منه. كما يحكى أن عمرو بن مسعدة كاتب المأمون أمر كاتبه أن يكتب إلى الخليفة كتابا يعرّفه فيه أن بقرة ولدت عجلا وجهه وجه إنسان، فكتب: «أمّا بعد حمد الله خالق الأنام، في بطون الأنعام» . وفضلاء الكتّاب وأئمتهم يعتنون بذلك كلّ الاعتناء، ويرون تركه إخلالا بالصنعة، ونقصا في الكتابة، حتّى أن الوزير ضياء الدين بن الأثير في المثل السائر قد عاب أبا إسحاق الصابي على جلالة قدره في الكتابة، واعترافه له بالتقدّم في الصناعة، بكتاب كتبه بفتح بغداد وهزيمة التّرك فقال في أوّله:
«الحمد لله ربّ العالمين، الملك الحقّ المبين؛ الوحيد الفريد، العليّ المجيد؛ الذي لا يوصف إلا بسلب الصّفات، ولا ينعت إلا برفع النّعوت؛ الأزليّ بلا ابتداء، الأبديّ بلا انتهاء، القديم لا منذ أمد محدود، الدائم لا إلى أجل معدود، الفاعل لا من مادّة امتدّها، الصانع لا بآلة استعملها، الذي لا تدركه الأعين بألحاظها، ولا تحدّه الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهزمه الدّهور بكرورها، ولا تجاريه أقدام النّظراء والأشكال، ولا تزاجمه مناكب القرناء والأمثال، بل هو الصّمد الذي لا كفء له، والفرد الذي
(6/265)

لا توءم معه، والحيّ الذي لا تخترمه المنون، والقيّوم الذي لا تشغله الشّؤون، والقدير الذي لا تؤوده المعضلات، والخبير الذي لا تعييه المشكلات» ثم قال:
إن هذه التحميدة لا تناسب الكتاب الذي افتتحه بها، ولكنها تصلح أن توضع في صدر مصنّف من مصنّفات أصول الدين ككتاب «الشامل» للجويني، أو كتاب «الاقتصاد» للغزاليّ، وما جرى مجراهما. فأما أن توضع في أوّل كتاب فتح فلا.
واعلم أن براعة الاستهلال في المكاتبات قد تقع مع الابتداء بالتحميد، كما في كتاب عمرو بن مسعدة المتقدّم ذكره، وكما كتب إبو إسحاق الصابي عن الطائع إلى بعض ولاة الأطراف، عند زوال الوحشة بينه وبين الأمراء، ووقوع الصّلح والاتفاق: «أمّا بعد، فالحمد لله ناظم الشّمل، بعد شتاته، وواصل الحبل، بعد بتاته؛ وجابر الوهن إذا انثلم، وكاشف الخطب إذا أظلم» .
وقد تقع مع الابتداء بالتقبيل كما كتبت «1» إلى بعض الرّؤساء بثغر الإسكندرية، ملوّحا إلى التعبير عنه بالثّغر، وعن الرّيح التي تهبّ عليه من جانب البحر بالملثم «2» ، وعن مستنزه من مستنزهاته بالرمل، وعن المساكن التي به بالقصور «3» ، مع قربه من البحر، ومناسبة ذكر النّسيم بالثّغر بما صورته: يقبّل أرض ثغر قد رقّ ملثمه، وراق مبسمه؛ باثّا لشكر يعترف الرّمل بالقصور عن حدّه، وتقف أمواج البحر المحيط دون عدّه» .
وقد تقع مع الابتداء بالدعاء، وتكون براعة الاستهلال في الدعاء المعطوف على المبتدإ به، بأن يكون الدّعاء مناسبا للحالة المكتوب فيها، كما
(6/266)

نبّه عليه صاحب «المثل السائر» وغيره، وسيأتي الكلام على أمثلة ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ثم من المكاتبات ما يعسر معه الإتيان ببراعة الاستهلال «1» فيما يلي ذلك من الكلام في مقدّمة المكاتبة قبل الخوض في المقصود ولا يهملها جملة. على أن الشيخ شهاب الدين محمودا الحلبيّ، رحمه الله، قد ذكر في كتابه «حسن التوسل» أنه إن عسر عليه براعة الاستهلال، أتى بما يقارب المعنى. وبكل حال فإذا أتى ببراعة استهلال في أوّل مكاتبته استصحبها إلى الفراغ من الخطبة إن كان الكتاب مفتتحا بخطبة، وإلّا استصحبها إلى الفراغ من مقدّمة الكتاب الآتي بيانها.
الأصل الثالث (أن يأتي في المكاتبة المشتملة على المقاصد الجليلة بمقدّمة يصدّر بها تأسيسا لما يأتي به في مكاتبته)
مثل أن يأتي في صدور كتب الحثّ على الجهاد بذكر افتراضه على الأمّة، وما وعد الله تعالى به من نصر أوليائه، وخذلان أعدائه، وإعزاز الموحّدين، وقمع الملحدين. وفي صدور كتب الفتح بإنجاز وعد الله الذي وعده أهل الطاعة من النّصر والظّفر، وإظهار دينه على الدّين كلّه. وفي صدور كتب جباية الخراج «2» ، يصدّر بحاجة قيام الملك وأسّ السلطنة إلى الاستعانة بما يستخرج من حقوق السلطان في عمارة الثّغور، وتحصين الأعمال، وتقوية الرّجال، ونحو ذلك مما يجري على هذا النمط مما سيأتي بيانه في مقاصد المكاتبات في الكلام على الابتداآت والجوابات فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فقد قيل: إنه لا يحسن بالكاتب أن يخلي كلامه- وإن كان وجيزا- من مقدّمة يفتتحه بها وإن وقعت في حرفين أو ثلاثة، ليوفّي التأليف حقّه. قال في
(6/267)

«موادّ البيان» : وعلى هذا السبيل جرت سنّة الكتّاب في جميع الكتب كالفتوح، والتّهاني، والتّعازي، والتّهادي، والاستخبار، والاستبطاء، والإحماد، والإذمام، وغيرها؛ ليكون ذلك بساطا لما يريد القول فيه، وحجّة يستظهر بها السلطان؛ لأن كلّ كلام لا بدّ له من فرش يفرش قبله: ليكون منه بمنزلة الأساس من البنيان.
قال: ويرجع في هذه المقدّمات إلى معرفة الكاتب ما يستحقّه كلّ نوع من أنواع الكلام من المقدّمات التي تشاكلها. ثم قال: والطريق إلى إصابة المرمى في هذه المقدّمات أن تجعل مشتملة على ما بعدها من المقاصد والأغراض، وأن يوضع للأمر الخاصّ مقدّمة خاصّة، وللأمر العامّ مقدّمة عامّة، ولا يطوّل في موضع الاقتصار، ولا يقصّر في موضع الإيجاز، ولا يجعل أغراضها بعيدة المأخذ، معتاصة «1» على المتصفّح؛ وذلك أن الكاتب ربّما قصد إظهار القدرة على الكلام والتّصرّف في وجوه المنطق، فخرج إلى الإملال والإضجار الذي تتبرّم منه النّفوس، ولاسيما نفوس الملوك وذوي الأخطار الجليلة.
أما الأمور التي لا تشتمل على المقاصد الجليلة، كرقاع التّحف والهدايا ونحوهما. فقد ذكر في «موادّ البيان» أنه لا يجعل لها مقدّمة تكون أمامها، فإنّ ذلك غير جائز ولا واقع موقعه. قال: ألا ترى أنهم استحسنوا قول بعضهم في صدر رقعة مقترنة بتحفة في يوم مهرجان أو نحوه: «هذا يوم جرت فيه العادة، بأن تهدي فيه العبيد إلى السادة» واستظرفوا الكاتب لإيجازه وتقريب المأخذ.
الأصل الرابع (أن يعرف الفرق بين الألفاظ المستعملة في المكاتبات فيضعها في مواضعها)
قال في «ذخيرة الكتّاب» : يجب على الكاتب الرئيس أن يعرف مرتبة
(6/268)

الألفاظ ومواقعها؛ ليرتّبها ويفرق بينها فرقا يقفه على الواجب وينتهي به إلى الصواب، فيخاطب كلّا في مكاتبته بما يستحقّه من الخطاب؛ فإنه قبيح به أن يكون خطابه أوّلا خطاب الرئيس للمرؤوس، ويتبع ذلك بخطاب المرؤوس للرئيس، أو يبدأ بخطاب المرؤوس للرئيس ثم يتبعه بخطاب الرّئيس للمرؤوس.
قال: ومتى استمرّ الكاتب على هذه المخالفة من الألفاظ والمناقضة، نقصت المعاني، ورذلت الألفاظ، وسقطت المقاصد، وكان الكاتب قد أخلّ من الصّناعة بمعظمها، وترك من البلاغة غاية محكمها. بل يجب أن يبدأ بخطاب رئيس أو نظير أو مرؤوس، ويكون ما يتخلل مكاتبته من الألفاظ على اتساق إلى آخرها واطّراد من غير مخالفة بينها ولا مضادّة ولا مناقضة.
فمن ذلك الفرق بين أصدرنا هذه المكاتبة أو أصدرناها، وبين أصدرت، وبين صدرت. فأصدرناها أعلى بالنسبة إلى المكتوب إليه؛ للتصريح فيها بالضمير العائد على الرئيس التي صدرت المكاتبة عنه، إذ الشيء يشرف بشرف متعلّقه. ويلي ذلك في الرتبة أصدرت، لاقتضائها إصدارا في الجملة، والإصدار لا بدّ له من مصدر، وذلك المصدر هو الرئيس الصادرة عنه في الحقيقة. وإنما كانت دون الأولى للتصريح بالضمير هناك دون هنا. ودون ذلك في الرتبة صدرت لاقتضاء الحال صدورها بنفسها دون دلالة على المصدر أصلا.
ومن ذلك الفرق بين «ونبدي لعلمه» وبين «ونوضّح لعلمه» : فنبدي لعلمه أعلى بالنسبة إلى المكتوب إليه؛ لأن الإبداء يرجع في المعنى إلى إظهار شيء خفيّ، والإيضاح يرجع إلى بيان مشكل، وحصول الإشكال المحتاج إلى الإيضاح ربما دلّ على بعد فهم المخاطب عن المقصود، بخلاف إظهار الخفيّ فإنه لا ينتهي إلى هذا الحدّ.
ومن ذلك الفرق بين «علمه الكريم» وبين «علمه المبارك» فالكريم
(6/269)

أعلى من المبارك؛ لأن في الكريم عراقة أصل وشرف قد توجد في المبارك وقد تتخلف عنه.
ومن ذلك الفرق بين «ومرسومنا لفلان بكذا» وبين «والمرسوم له بكذا» ؛ فمرسومنا أعلى بالنسبة إلى المكتوب عنه لاشتماله على نون الجمع المقتضية للتعظيم، ولذلك اختصّت بالملوك دون غيرهم؛ بخلاف والمرسوم له بكذا فإنه عار عن ذلك.
ومن ذلك الفرق بين «والمسؤول» وبين «والمستمدّ» : فإن المسؤول أعلى بالنسبة إلى المكتوب إليه «1» ، فإن المسؤول يتضمّن نوع ذلّة بخلاف الاستمداد فإنه لا يستلزم ذلك.
ومن ذلك الفرق بين «بلغنا» وبين «أنهي إلى علمنا» وبين «اتصل بنا» . فاتصل بنا أعلى من أنهي إلى علمنا، لما في معنى الاتصال من التلاصق، بخلاف الإنهاء؛ وأنهي إلى علمنا أعلى من بلغنا؛ لأن البلوغ قد يكون على لسان آحاد الناس.
ومن ذلك الفرق بين «أنهى فلان كذا» وبين «عرّفنا كذا» : فعرّفنا أعلى بالنسبة إلى رافع الخبر، لأن في التعريف مزيّة قرب من الرئيس، بخلاف الإنهاء فإنه لا يقتضي ذلك.
ومن ذلك الفرق بين «وردت مكاتبته» وبين «وردت علينا مكاتبته» ؛ فوردت علينا أعلى بالنسبة إلى صاحب المكاتبة الواردة؛ لتخصيصها بالورود على الرئيس بخلاف الورود المطلق.
ومن ذلك الفرق بين «عرضت علينا مكاتبتك» وبين «وقفنا على مكاتبتك» فوقفنا أعلى بالنسبة إلى صاحب المكاتبة؛ لأن الوقوف عليها يكون بنفسه،
(6/270)

والعرض يكون من غيره.
ومن ذلك الفرق بين «وشكرت الله تعالى على سلامته» وبين «وتوالى شكري لله تعالى» ؛ فتوالى شكري أعلى بالنسبة إلى المكتوب إليه؛ لما فيه من معنى التكرار ومزيد الشكر المعدوق بالاحتفال.
ومن ذلك الفرق بين «ورغبت إلى الله تعالى» وبين «وضرعت إلى الله تعالى» ؛ فضرعت أعلى من رغبت؛ لما في الضّراعة من مزيد التأكيد في الطّلب، بخلاف الرّغبة فإنها لا تبلغ هذا المبلغ.
ومن ذلك الفرق بين «وقابلت أمره بالطاعة» وبين «وامتثلت أمره بالطاعة» ؛ فامتثلت أمره أعلى من قابلت أمره؛ لما في الامتثال من معنى الإذعان والانقياد، بخلاف المقابلة.
ومن ذلك الفرق بين «وشفعت له» وبين «وسألت فيه» ؛ فالسؤال أعلى في حق المسؤول من الشّفاعة؛ لما «1» في الشفاعة من رفعة المقام المؤدّي إلى قبول الشفاعة.
ومن ذلك الفرق بين «وخاطبت فلانا في أمره» وبين «وتحدّثت في أمره» ؛ فتحدّثت أشدّ في تواضع المتكلّم من خاطبت؛ لأن الخطاب من الألفاظ الخاصة التي لا يتعاطاها كلّ أحد بخلاف التحدّث.
ومن ذلك الفرق بين «تشريفي بكذا» وبين «إسعافي بكذا» [وبين «إتحافي بكذا» ] «2» فالإسعاف أعلى رتبة من التشريف لما فيه من دعوى الحاجة والفاقة إلى المطلوب، بخلاف التشريف، وإتحافي دون تشريفي؛ لأن
(6/271)

الإتحاف قد لا يقتضي تشريفا.
ومن ذلك الفرق بين قوله: «نزل عنده» وبين قوله: «نزل بساحته» ؛ فالساحة أعلى لما فيها من معنى الفسحة والاتساع.
ومن ذلك الفرق بين «فيحيط علمه بذلك» وبين «فيعلم ذلك» ؛ فيحيط علمه أعلى من يعلم ذلك؛ لأن في قوله «فيحيط علمه بذلك» نسبته إلى سعة العلم؛ لما فيه من معنى الإحاطة بخلاف «فيعلم ذلك» .
الأصل الخامس (أن يعرف مواقع الدّعاء في المكاتبات، فيدعو بكل دعاء في موضعه)
ويتعلق النظر فيه بستة أوجه:
الأوّل- أن يعرف مراتب الدّعاء ليوقعها في مواقعها
، ويوردها في مواردها، ويتأتّى ذلك في عدّة أدعية.
(منها) الدّعاء بإطالة البقاء، والدّعاء بإطالة العمر؛ فالدعاء بإطالة البقاء أرفع من الدّعاء بإطالة العمر؛ وذلك أن البقاء لا يدلّ على مدّة تنقضي لأنه ضدّ الفناء، والعمر يدلّ على مدّة تنقضي؛ ولذلك يوصف الله تعالى بالبقاء ولا يوصف بالعمر. قال في «موادّ البيان» : ومن هنا جعل الدعاء بإطالة البقاء أوّل مراتب الدعاء وخصّ بالخلفاء، وجعل ما يليه لمن دونهم، ويتلوه الدعاء بالمدّ في العمر، فيكون دون الدعاء بالإطالة؛ لأن الوصف بطول الزمان أبلغ من الوصف بالمدّ فيه من حيث إن المدّ قابل للمدّة الطويلة والمدّة القصيرة؛ ولذلك صارت مرتبة الطّول أقرب إلى مرتبة البقاء من مرتبة المدّ.
(ومنها) الدعاء بدوام النّعمة، والدعاء بمضاعفتها؛ فالدعاء بالمضاعفة أعلى؛ لأن الدوام غايته استصحاب ما هو عليه، والمضاعفة مقتضية للزيادة على ذلك.
(ومنها) الدعاء بعزّ الأنصار، وبعزّ النّصر، وبعزّ النّصرة. وقد اصطلح
(6/272)

كتّاب الزمان على أن جعلوا أعلاها الدعاء بعز الأنصار؛ لأن عزّ أنصاره عزّ له بالضرورة مع ما فيه من تعظيم القدر ورفعة الشأن؛ إذ الأنصار لا تكون إلا لملك عظيم أو أمير كبير. والدعاء بعزّ النصر أعلى من الدعاء بعزّ النّصرة؛ لما في الأوّل من معنى التذكير وهو أرفع رتبة من التأنيث. على أنه لو جعل الدعاء بعز النصر أعلى من الدعاء بعز الأنصار، لكان له وجه؛ لما في عزّ النصر من الغناء عن عزّ الأنصار.
(ومنها) الدّعاء بعزّ الأحكام، والدعاء بتأييد الأحكام؛ فالدعاء بعزّ الأحكام أعلى؛ لأن المراد بالتأييد التقوية، فقد توجد القوّة ولا عزّ معها.
وينبغي للكاتب أن يحترز في تنزيل كلّ أحد من المكتوب إليهم منزلته في الدعاء، فلا ينقص أحدا عن حقّه، ولا يزيده فوق حقّه، فقد قال في «موادّ البيان» : إن الملوك تسمح ببدرات المال ولا تسمح بالدّعوة الواحدة.
الثاني- أن يعرف ما يناسب كلّ واحد من أرباب المناصب الجليلة من الدعاء فيخصّه به
. فيأتي بالدعاء في المكاتبة للملوك بإطالة البقاء، ودوام السلطان، وخلود الملك، وما أشبه ذلك.
ويأتي في المكاتبة إلى الأمراء بالدعاء بعزّ الأنصار، وعزّ النّصر، ومضاعفة النّعمة، ومداومتها وما شاكل ذلك. على أن ابن شيث قد ذكر في «معالم الكتابة» أن الدعاء بعزّ النّصر ومضاعفة الاقتدار كان في الدولة الأيوبية مما يختصّ بالسلطان دون غيره.
ويأتي في المكاتبات للوزراء من أرباب الأقلام ومن في معناهم بالدعاء بسبوغ النّعماء، وتخليد السّعادة، ودوام المجد، وما يضاهي ذلك.
ويأتي في المكاتبات للقضاة والحكّام بالدعاء بعزّ الأحكام، وتأييد الأحكام وما يطابق ذلك.
(6/273)

ويأتي في المكاتبة إلى التّجّار بالدعاء بمزيد الإقبال، وخلود السعادة وشبه ذلك.
ويأتي في المكاتبة في الإخوانيّات ومكاتبات النّظراء من الدعاء بما يقتضيه الحال بينهم من الودّ والإدلال، بحسب ما يراه الكاتب ويؤدّي إليه اجتهاده. قال في «موادّ البيان» : وقد كانوا يختارون في الدعاء للأدباء، أبقاك الله، وأكرمك الله. وفي الدعاء للابن والحرمة «أبقاك الله» و «أمتع بك» .
أمّا أهل الكفر فقد اصطلحوا على الدعاء لهم بطول البقاء وما في معناه. أمّا جواز أصل الدعاء لهم فلما روي أنّ النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، استسقى فسقاه يهوديّ، فقال له: جمّلك الله، فما رؤي الشيب في وجهه حتّى مات، فدلّ على جواز الدعاء للكافر بما لا ضرر فيه على المسلمين ما لم تنضمّ إليه قوّة ونحو ذلك، بل ربما كان في طول بقائه حمل جزية أو غنيمة أو ثواب جهاد ونحو ذلك. وقد حكى أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتّاب» أن الشافعيّ، رضي الله عنه، قال لنصرانيّ: أعزّك الله! فعوتب في ذلك، فقال.......... «1» ...
واعلم أنه يجب مع ذلك أن يعرف مرتبة المكتوب إليه من الدعاء، فيدعو بعزّ الأنصار لواحد، ويدعو بعزّ النصر لمن دونه؛ لأن عزّ الأنصار مستلزم لعزّ النصر. على أنه لو قيل: إنّ عزّ النصر أعلى لكونه دعاء لنفس الشيء بخلاف الدعاء بعزّ الأنصار فإنه دعاء لشيء خارجيّ لكان له وجه. ويدعو بعز النّصرة لمن دون من يدعى له بعز النصر؛ لأن النصر مذكّر ورتبة التذكير أعلى من رتبة التأنيث. ويدعو بدوام النعمة لواحد ويدعو بمضاعفة النّعمة لمن دونه «2» ؛ لأن
(6/274)

الصيغة تقتضي مزيدا على القدر الحاصل، بخلاف الدّوام فإنه يقتضي استصحاب القدر الحاصل فقط، وعلى هذا النهج. قال في «معالم «1» الكتابة» : ولا يكتب عن السلطان إلى أحد ممن في ممالكه بلا زال، ولا برح، بل يختصّ ذلك بملك مثله. قال: ولا حرج في الكتابة بذلك عن السلطان إلى ولده إذا كان نائبا عنه في الملك. قال: وكذلك لا يدعو الأعلى للأدنى بلا زال، ولا برح.
قلت: والذي استقرّ عليه الحال الكتابة عن السلطان بذلك لأكابر النّوّاب، ويكتب به أكابر الدّولة بعضهم إلى بعض.
الثالث- أن يعرف ما يناسب كلّ حالة من حالات المكاتبات
، فيأتي لكل حالة بما يناسبها من الدّعاء. قال في «موادّ البيان» : يبغي أن تكون الأدعية دالّة على مقاصد الكتاب؛ فإن كان في الهناء كان بما راجت معرفته، وإن كان في العزاء كانت مشتقّة من وصفه، وكذلك سائر فنون المكاتبات، فإنه متى خرج الدعاء عن المناسبة وباين المقصود، خرج عن جادّة الصناعة وتوجّه اللوم على الكاتب، لا سيّما إذا أتى بما يضادّ المراد. كما حكى أبو هلال العسكريّ في «الصناعتين» أن بعضهم كتب إلى محبوبته: عصمنا الله وإيّاك مما يكره. فكتبت إليه: يا غليظ الطّبع، إن استجيب لك لم نلتق أبدا.
ويختلف الحال في ذلك باختلاف حال المكاتبات؛ فتارة تكون باعتبار الشيء المكتوب بسببه. كما يكتب في معنى البشارة بجلوس الملك على تخت الملك: لا زال أمره! وأمتعه من البشائر بما يتوضّح على جبين الصّباح بشره، وما يترجّح على ميزان الكواكب قدره، وما ينفسح من أوقات أمن لا يختلف فيها زيده وعمره.
وكما يكتب في البشرى بفتح: ولا زالت آيات النصر تتلى عليه من
(6/275)

صحف البشائر، ونفائس الظّفر تجلى على سرّه في أسعد طائر، وفواتح الفتح تزهى به الأسرّة وتزهو بنوره المنابر.
وكما يكتب في التهنئة بعافية، ولا برح في برد الصحة رافلا...... «1»
بعزمه وحزمه كافلا، والإقبال لجنابه العالي بالهناء بعافيته واصلا.
وتارة تكون باعتبار حال المكتوب إليه التي هو بصددها.
كما يكتب لمن خرج إلى الغزو: وحفّه بلطفه فلا يخيب، وهيّأ له النصر والفتح القريب، وجعل على يديه دمار الكفّار حتّى لا يبقى لهم بشدّة بأسه من السلامة نصيب.
وكما يكتب إلى من خرج إلى الصّيد: وأمتعه بصيوده، وجعل الأقدار من جنوده، وأراه من مصارع أعدائه بسيوفه ورماحه ما يراه من مصارع صيده ببزاته «2» وفهوده.
وكما يكتب لمن خرج في سفر: وقضى بقرب رجعته، وجعله كالهلال في مسيره سبب رفعته، وسكّن بقدومه أشواق أوليائه وأهل محبّته.
وكما يكتب لمن خرج لتخضير «3» البلاد: وألبس البلاد بقدومه أخضر الأثواب، وأحلّه أشرف محلّ وأخصب جناب.
وتارة تكون باعتبار وظيفة المكتوب إليه التي هو قائم بها.
كما يكتب إلى كافل المملكة: ولا زالت كفاية كفالته تزيد على الآمال، وتتقرّب إلى الله تعالى بصالح الأعمال، وتكفل ما بين أقصى الجنوب وأقصى الشّمال.
(6/276)

وكما يكتب إلى قاض: وفصل بين الخصوم بأحكامه المسدّدة، وأقضيته التي بها قواعد الإسلام ممهّدة، وأبنية الشرع المطهّر وأركانه مشيّدة.
وكما يكتب إلى متصوّف: وأعاد من بركات تهجّداته، وأنار الليالي بصالح دعواته.
وتارة تكون باعتبار بلد المكتوب إليه وناحيته.
كما يكتب إلى نائب الشام: ولا زال النّصر حلية أيّامه وشامة شامه، وغمامة ما يحلّق على بلده المخصب من غمامه.
وكما يكتب إلى نائب حلب في زمن الحروب: ولا زال يعدّ ليوم تشيب فيه الولدان، ويصدّ دونه كلّ محارب بين الشّهباء «1» والميدان، ويعمّ حلب من حلى أيامه ما لا يفقد معه إلا اسم ابن حمدان، ونحو ذلك مما ينخرط في هذا السلك.
وتارة تكون باعتبار اسم المكتوب إليه أو لقبه.
كما يكتب إلى من لقبه سيف الدين: ولا زال سيفه في رقاب أعدائه مغمدا، وحدّه يذر كلّ ملحدا ملحدا.
وكما يكتب إلى من لقبه عزّ الدين: ولا زال عزّه دائما، والزمان في خدمته قائما، وطرف الدهر عن مراقبة سعادته نائما.
وكما يكتب إلى من لقبه شمس الدين: ولا زالت شمس سعادته مشرقة، وأغصان فضله بالعوارف مورقة، وعيون طوارق الغير عنه في كلّ زمن مطرقة.
وكما يكتب إلى من لقبه ناصر الدين: ونصر عزائمه، وشكر مكارمه، ووفّر من الحسنات مغانمه. إلى غير ذلك من الأمور التي ستقف على الكثير منها في
(6/277)

الكلام على مقاصد المكاتبات إن شاء الله تعالى.
الرابع- أن يعرف مواضع الدعاء على المكتوب إليه
، ومن الذي يصرّح بذلك في المكاتبة إليه. وقد ذكر ابن شيث في «معالم الكتابة» أن الدّعاء على الأعداء في صدور الكتب كان من عوائد مكاتبة الأدنى إلى الأعلى، مثل:
وقصم، وأذلّ، وقهر، وخضد «1» . وكذلك المماثل والمقارب؛ فأما من الأعلى إلى الأدنى فلم يكن ذلك معروفا عند المتقدّمين، لا سيما إذا كان الكتاب عن السلطان. ثم قال: ولكن قد أفلت الحبل في ذلك الآن [إلى أن] قال: ولا يقال للأدنى غير كبت عدوّه، أو ضدّه، أو حسوده خاصة.
ومنها «2» - أن يعرف ما كرهه الكتّاب من الدعاء فيتجنبه. وهو على ضربين:
الضرب الأوّل (ما كرهوه في المكاتبة إلى كل أحد)
قال في «موادّ البيان» : كانت عادتهم جارية أن يتجنّبوا من الأدعية مالا محصول له، كقولهم: جعلني الله فداك، وقدّمني إلى السّوء دونك؛ لما في ذلك من التصنّع والملق الذي لا يرضاه السلطان؛ لأن نفس الداعي لا تسمح باستجابته. ويؤيّد ما ذكره ما كتب به ابن عبد كان إلى بعض أصدقائه: جعلت فداك على الصحة والحقيقة، لا على مجرى المكاتبة ومذهب العادة. قال في «موادّ البيان» : وإنما يحسن ذلك من الخواصّ الذين يتحقّقون أن بقاءهم معذوق «3» ببقاء رؤسائهم، وثبات نعمهم مقرون بثبات أيام سلاطينهم؛ لأنه يصدر عن عقائد مستحكمة من بذل الأنفس دونهم. وما ذهب إليه من كراهة ذلك قد نقل
(6/278)

في «صناعة الكتّاب» مثله عن مالك «1» بن أنس، واحتجّ له بما روي عن الزبير رضي الله عنه أنه قال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «جعلت فداك- فقال له أما تركت أعرابيّتك بعد!» على أن بعضهم قد أجاز ذلك احتجاجا بقوله، صلّى الله عليه وسلّم لسعد بن مالك يوم أحد «2» : «ارم فداك أبي وأمّي» وبما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال له: «ألا أعلّمك كلمات ينفعك الله بهنّ؟ قال نعم جعلني الله فداك!» ولم ينكر عليه، ونحو ذلك؛ وفي معنى ذلك كلّ ما يجري هذا المجرى ونحوه.
الضرب الثاني (ما تختصّ كراهته بالبعض دون البعض، وهو نوعان)
النوع الأوّل- ما يختص بالرجال
، فمن ذلك ما ذكره في «موادّ البيان» أنهم كانوا لا يستحسنون الدعاء بالإمتاع نحو «أمتع الله بك» و «أمتعني الله بك» في حق الإخوان. ومما يحكى في ذلك أن محمد بن عبد الملك الزّيات، كتب إلى عبد الله بن طاهر في كتاب: وأمتع بك؛ فكتب إليه عبد الله بن طاهر [منسرح]
أحلت عمّا عهدت من أدبك؟ ... أم نلت ملكا فتهت في كتبك؟
أتعبت كفّيك في مكاتبتي ... حسبك مما «3» يزيد في تعبك!
إنّ جفاء «4» كتاب ذي مقة ... يكون في صدره: «وأمتع بك» .
(6/279)

فأجابه محمد بن عبد الملك الزيّات معتذرا بقوله [منسرح]
كيف أخون الإخاء يا أملي؟ ... وكلّ شيء أنال من سببك!
إن يك جهل أتاك من قبلي، ... فعد بفضل عليّ من أدبك «1» .
على أن في كراهة الدعاء للإخوان بذلك نظرا فسيأتي في الكلام على ترتيب المكاتبات على سبيل الإجمال أن أمّ حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم [قالت] : اللهم أمتعني بزوجي رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية- في حديث طويل يأتي ذكره هناك إن شاء الله تعالى.
أما الدعاء بالإمتاع للأتباع، فقد أجازه جماعة من محقّقي الكتّاب، محتجّين على ذلك بأنّه، صلّى الله عليه وسلّم دعا لأبي اليسر: كعب بن عبيد «2» الله بقوله «اللهمّ أمتعنا به» . قال ابن عفير: فكان آخر أهل بدر وفاة، مات سنة خمس وخمسين من الهجرة.
النوع الثاني- ما يختصّ بالنساء
. فقد ذكر «أبو جعفر النحاس» أنه لا يقال في مكاتبتهنّ «وأدام كرامتك» ولا «وأتمّ نعمته عليك» ولكن لديك، ولا «فضله عندك» ولا «وأدام سعادتك» . أما منع الدعاء لهنّ بالكرامة، فلما حكى محمد بن عمر المدائني أن بعض عمال زبيدة كتب إليها كتابا بسبب ضياع لها فوقّعت له على ظهر كتابه: أردت أن تدعو لنا فدعوت علينا، فأصلح خطأك في كتابك وإلّا صرفناك عن جميع أعمالك! فأدركه القلق، وجعل يتصفّح الكتاب ويعرضه على الكتّاب فلا يجد فيه شيئا، إلى أن عرضه على بعض أهل المعرفة فقال: إنما
(6/280)

كرهت دعاءك في صدر كتابك بقولك: وأدام كرامتك؛ لأنّ كرامة النساء دفنهنّ- قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «دفن البنات من المكرمات» فغير ذلك الحرف من كتابه وأعاده إليها فوقّعت له على ظهره- أحسنت ولا تعد- وأما كراهة «وأتمّ نعمته عليك» وإبدال ذلك بلفظ و «أتم نعمته لديك» ، فكأنه لما يلمح فيه من ذكر العلوّ على النساء. وأما منع «وأتمّ فضله عندك» ، أو «وأتم سعادتك» فيحتاج إلى تأمل.
الخامس- أن يتجنب الخلاف في الدعاء في فصول الكتاب
، ولا يوالي بين دعوتين منه [متفقين] . فأما الخلاف في الدعاء، فقال أبو جعفر النحاس:
هو مثل أن يقول: أطال الله بقاء سيّدي- بلفظ الغيبة، ثم يقول بعد ذلك:
وبلّغك أملك- بلفظ الخطاب. وأما الموالاة بين «1» دعوتين ولا يأتي بهما متفقتين، فقال في «موادّ البيان» : هو مثل «حرس الله الأمير أعزّه الله» ؛ ثم يقول في الفصل الذي بعده: أعزّه الله تعالى، وما أشبه ذلك.
السادس- أن يتجنب وقوع اللّبس في الدعاء
. فإذا ذكر الرئيس مع عدوّه مثلا، لم يدع للرئيس حينئذ، فإنه لو ذهب يقول وقد كان من عدوّ سيّدي- أبقاه الله- كذا، لاحتمل عود الدعاء إلى الرئيس وإلى عدوّه فيقع اللّبس. أما إذا ذكر الرئيس وحده كما إذا قال: وقد كنت عرّفت سيّدي- أبقاه الله- كذا، فإنه لا التباس.
الأصل السادس (أن يعرف ما يناسب المكتوب إليه من الألقاب فيعطيه حقّه منها) ويتعلق الغرض من ذلك بثلاثة أمور.
أحدها- أن يعرف ما يناسب من الألقاب الأصول
- المتقدّمة الذكر في
(6/281)

المقالة الثالثة عند الكلام على الألقاب المصطلح عليها بحسب ذلك الزمان، كالمقام، والمقرّ، والجناب، والمجلس- في زماننا؛ فيعطي كلّ أحد من المكتوب إليهم ما يليق به من ذلك؛ فيجعل المقام لأكابر الملوك، والمقرّ لمن دونهم من الملوك، وللرّتبة العليا من أهل المملكة. والجناب للرتبة الثالثة من الملوك والرّتبة الثانية من أهل الدّولة. والمجلس للرتبة الرابعة من الملوك والرتبة الثالثة من أهل الدولة. ومجلس الأمير لمن دون ذلك من أهل الدولة على المصطلح المستقرّ عليه الحال.
الثاني- أن يعرف ما يناسب كلّ لقب من الألقاب الأصول من الألقاب والنّعوت التابعة لذلك
، فيتبع كلّ واحد من الأصول بما يناسبه من الفروع.
الثالث- أن يعرف مقدار المكتوب إليه
، فيوفّيه قسطه من الألقاب في الكثرة والقلّة بحسب ما يجري عليه الاصطلاح. فقد ذكر في «معالم الكتابة» أن السلطان لا يكثر في المكاتبة إليه من نعوته، بل يقتصر على الأشياء التي تكون فيه مثل العالم العادل. أما غير ذلك فيقع باللقبين المشهورين وهما نعته المفرد، ونعته المضاف إلى الدّين. وأنه في الكتابة عن السلطان كلّما زيد في النّعوت كان أمير؛ لأنها على سبيل التشريف من السلطان، ويجعل المضاف إلى الدين متوسّطا بين الألقاب لا في أوّلها.
الأصل السابع (أن يراعي مقاصد المكاتبات، فيأتي لكل مقصد بما يناسبه) ومدار ذلك على أمرين:
الأمر الأوّل- أن يأتي مع كل كلمة بما يليق بها
، ويتخير لكل لفظة ما يشاكلها. قال ابن عبد ربه «1» : وليكن ما تختم به فصولك في موضع ذكر البلوى بمثل: نسأل الله رفع المحذور، وصرف المكروه، وأشباه ذلك. وفي موضع
(6/282)

ذكر المصيبة: إنّا لله وإنا إليه راجعون. وفي موضع ذكر النّعمة: الحمد لله خالصا، والشّكر لله واجبا، وما شاكل ذلك. قال في «موادّ البيان» : وإذا ذكر البلوى شفعها بالاستعانة بالله تعالى والرّجوع إليه فيها، وردّ الأمر إلى حوله وقوّته. قال ابن عبد ربه «1» : فإن هذه المواضع مما يتعيّن على الكاتب أن يتفقّدها ويتحفّظ فيها، فإن الكاتب إنما يصير كاتبا بأن يضع كلّ معنى في موضعه، ويعلّق كلّ لفظ على طبقه في المعنى.
ومما يلتحق بذلك أيضا أنه إذا ذكر الرئيس في أثناء المكاتبة، دعا له، مثل أن يقول عند ذكر السلطان: خلّد الله ملكه. وعند ذكر الأمير الكبير: عزّ نصره، أو: أعزّ الله تعالى أنصاره. وعند ذكر الحاكم: أيّد الله تعالى أحكامه، وما أشبه ذلك مما يجري هذا المجرى.
الأمر الثاني- أن يتخطّى التصريح إلى التلويح
والإشارة إذا ألجأته الحال إلى المكاتبة بما لا يجوز كشفه وإظهاره على صراحته، مما في ذكره على نصّه هتك ستر، أو في حكايته اطّراح مهابة السلطان، وإسماعه ما يلزم منه إخلال الأدب في حقه؛ كما لو أطلق عدوّه لسانه فيه بلفظ قبيح يسوءه سماعه. قال في «موادّ البيان» : فيحتاج المنشيء إلى استعمال التّورية «2» في هذه المواضع، والتلطّف في العبارة عن هذه المعاني، وإبرازها في صورة تقتضي توفية حقّ السلطان في التوقير والإجلال والإعظام، والتنزيه عن المخاطبة بما لا يجوز إمراره على سمعه، وإيصال المعنى إليه من غير خيانة في طيّ ما لا غنى به عن علمه. قال: وهذا مما لا يستقلّ به إلا المبرّز في الصناعة، المتصرّف في تأليف الكلام.
الأصل الثامن (أن يعرف مقدار فهم كل طبقة من المخاطبين في المكاتبات من اللسان فيخاطب كلّ أحد بما يناسبه من اللفظ، وما يصل إليه فهمه من الخطاب) .
(6/283)

قال أبو هلال العسكري في كتابه «الصناعتين» : أوّل ما ينبغي أن تستعمل في كتابك مكاتبة كل فريق على مقدار طبقتهم في الكلام وقوّتهم في المنطق. قال:
والشاهد على ذلك أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لمّا أراد أن يكتب إلى أهل فارس، كتب إليهم بما يمكنهم ترجمته فكتب إليهم: «من محمد رسول الله إلى كسرى أبرويز عظيم فارس، سلام على من اتّبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وأدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافّة لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ
«1» فأسلم تسلم، وإن أبيت فإثم المجوس عليك» فسهّل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الألفاظ غاية التسهيل حتّى لا يخفى منها شيء على من له أدنى معرفة بالعربيّة.
ولما أراد «2» أن يكتب إلى قوم من العرب، فخّم اللفظ لما عرف من قوّتهم على فهمه، وعادتهم بسماع مثله؛ فكتب لوائل «3» بن حجر الحضرميّ:
«من محمد رسول الله إلى الأقيال «4» العباهلة «5» من أهل «6» حضر موت بإقامة الصلاة وإيتاء الزّكاة. على التّيعة «7» الشاة، والتّيمة «8» لصاحبها، وفي السّيوب «9» الخمس، لا خلاط «10» ولا وراط «11» ولا شناق «12» ولا شغار «13» ، ومن
(6/284)

أجبى «1» فقد أربى، وكلّ مسكر حرام» .
وقد ذكر العسكريّ أيضا في باب الإطناب ما يحسن أن يكون شاهدا لذلك من القرآن الكريم- فقال: قد رأينا أنّ الله تعالى إذا خاطب العرب والأعراب، أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي كما في قوله تعالى خطابا لأهل مكة إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
«2» وقوله: إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
«3» وقوله: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
«4» في أشباه كثيرة لذلك. وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم، جعل الكلام مبسوطا، كما في سورة طه وأشباهها، حتّى إنه قلّما تجد قصّة لبني إسرائيل في القرآن إلا مطوّلة مشروحة ومكررة في مواضع معادة، لبعد فهمهم، وتأخّر معرفتهم.
قال في «موادّ البيان» : فيجب على الكاتب أن يتنقّل في استعمال الألفاظ على حسب ما تقتضيه رتب الخطاب والمخاطبين، وتوجبه الأحوال المتغايرة، والأوقات المختلفة؛ ليكون كلامه مشاكلا لكلّ منها، فإنّ أحكام الكلام تتغيّر بحكم تغيّر الأزمنة والأمكنة ومنازل المخاطبين والمكاتبين.
قال: ولتحرّي الصّدر الأوّل من الكتّاب إيقاع المناسبة بين كتبهم وبين الأشياء المتقدّمة الذكر استعمل كتّاب الدولة الأمويّة من الألفاظ العربية الفحلة، والمتينة الجزلة، ما لم تستعمل مثله الدولة العباسيّة؛ لأن كتّاب الدولة الأمويّة
(6/285)

قصدوا ما شاكل زمانهم الذي استفاضت فيه علوم العرب ولغاتها، حتّى عدّت في جملة الفضائل التي يثابر على اقتنائها، والأمكنة التي نزلها ملوكهم من بلاد العرب، والرجال الذين كانت الكتب تصدر إليهم؛ وهم أهل الفصاحة واللّسن والخطابة والشّعر.
أما زمان بني العباس، فإن الهمم تقاصرت عمّا كانت مقبلة على تطلّبه فيما تقدّم من العلوم المقدّم ذكرها، وشغلت بغيرها من علوم الدين؛ ونزل ملوكهم ديار العراق وما يجاورها من بلاد فارس، وليس استفاضة لغة العرب فيها كاستفاضتها في أرض الحجاز والشام. ومن المعلوم أن القوم الذين كانوا يكاتبون عنهم لا يجارون تلك الطبقة في الفصاحة والمعرفة بدلالات الكلام؛ فانتقل كتّابها من اللفظ المتين الجزل، إلى اللفظ الرّقيق السّهل، وكذلك انتقل متأخّر والكتّاب عن ألفاظ المتقدّمين إلى ما هو أعذب منها وأخفّ، للمعنى المتقدّم ذكره.
قال: وحينئذ ينبغي للكاتب أن يراعى هذه الأحوال، ويوقع المشاكلة بين ما يكتبه وبينها، فإذا احتاج إلى إصدار كتاب إلى ناحية من النواحي، فلينظر في أحوال قاطنيها؛ فإن كانوا من الأدباء البلغاء العارفين بنظم الكلام وتأليفه، فليودع كتابه الألفاظ الجزلة، التي إذا حلّيت بها المعاني زادتها فخامة في القلوب، وجلالة في الصّدور، وإن كانوا ممن لا يفرّق بين خاص الكلام وعامّه، فليضمّن كتابه الألفاظ التي يتساوى سامعوها في إدراك معانيها، فإنه متى عدل عن ذلك ضاع كلامه، ولم يصل معنى ما كتب فيه إلى من كاتبه؛ لأن الكلام البليغ إنما هو موضوع بإزاء أفهام البلغاء والفصحاء، فأما العوامّ والحشوة «1» ، فإنما يصل إلى أفهامهم الكلام العاطل من حلى النّظم، العاري من كسوة التأليف، فيجب على الكاتب أن يستعمل في مخاطبة من هذه صورته أدنى رتب البلاغة وأقربها من أفهام العامة والأمم الأعجميّة إذا كتب إليهم.
ثم قال: فأما الكتب المعتدّة عن السلطان، فإنّ منها كتب الفتوحات
(6/286)

والسلامات ونحوها، وهي محتملة للألفاظ الفصيحة الجزلة، والإطالة القاضية بإشباع المعنى، ووصوله إلى أفهام كافّة سامعيه من الخاص والعام، ومنها كتب الخراج وجبايته وأمور المعاملات والحساب، وهي لا تحتمل اللفظ الفصيح، ولا الكلام الوجيز؛ لأنها مبنيّة على تمثيل ما يعمل عليه، وإفهام من لا يصل المعنى إلى فهمه إلا بالبيان الشافي في العبارة. ومنها مخاطبته السلطان عن نفسه، فيجب فيها مخاطبته على قدر مكانه من الخدمة من الألفاظ المتوسّطة، ولا يجوز أن يستعمل فيها الفصيحة التي لا تحتمل من تابع في حقّ متبوع؛ لما فيه من تعاطي التفاصح على سلطانه، وهو غير جائز في أدب الملوك، وكذلك لا يجوز فيه تعاطي الألفاظ المبتذلة الدائرة بين السّوقة؛ لما في ذلك من الوضع من السلطان بمقابلته إيّاه بما لا يشبه رتبته.
وأما الكتب الإخوانيّات النافذة في التّهاني والتّعازي، فإنها تحتمل الألفاظ الغريبة القويّة الأخذ بمجامع القلوب، الواقعة أحسن المواقع من النّفوس؛ لأنها مبنيّة على تحسين اللفظ، وتزيين النظم؛ وإظهار البلاغة فيها مستحسن واقع موقعه.
قلت: والذي تراعى الفصاحة والبلاغة فيه من المكاتبات عن الأبواب السلطانية في زماننا مكاتبات ملوك المغرب كصاحب تونس، وصاحب تلمسان، وصاحب فاس، وصاحب غرناطة من الأندلس، وكذلك القانات العظام من ملوك المشرق ومن يجري هذا المجرى، ممن تشتمل بلاده على العلماء بالبلاغة وصناعة الكتابة. ويظهر ذلك بالاستخبار عن بلادهم، وبالاطّلاع على كتبهم الصادرة عن ملوكهم إلى الأبواب السلطانية، بخلاف من لا عناية له بذلك كحكّام أصاغر البلدان وأصحاب اللّغات العجمية من الرّوم والفرنج والسّودان ومن في معناهم؛ فإنه يجب خطابهم بالألفاظ الواضحة، إلا أن يكون في بعض بلادهم من يتعاطى البلاغة من الكتّاب ووردت كتبهم على نهجها فإنه ينبغي مكاتبتهم على سنن البلغاء.
(6/287)

الأصل التاسع (أن يراعي رتبة المكتوب عنه والمكتوب إليه في الخطاب، فيعبّر عن كل واحد منهما في كلّ مكاتبة بما يليق به، ويخاطب المكتوب إليه بما يقتضيه مقامه)
فأما المكتوب عنه، فيختلف الحال فيه باختلاف منصبه ورتبته.
فإن كان المكتوب عن خليفة، فقد جرت عادة من تقدّم من الكتّاب بالتعبير عنه في الكتب الصادرة عن أبواب الخلافة بأمير المؤمنين، مثل أن يقال: فجرى أمر أمير المؤمنين في كذا على كذا وكذا، وأوعز أمير المؤمنين إلى فلان بكذا، واقتضى رأي أمير المؤمنين كذا، وخرج أمر أمير المؤمنين بكذا، وتقدّم أمر أمير المؤمنين إلى فلان بكذا، وما شاكل ذلك. وربما عبّر عنه بالسلطان، مثل أن يقال في حقّ المخالفين: وحاربوا عساكر السلطان، أو ومنعوا خراج السلطان وما أشبه ذلك، يريدون الخليفة، على ما ستقف عليه في الكتب التي نوردها في المكاتبات عن الخلفاء فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وقال ابن شيث في «معالم الكتابة» : ويخاطب بالمواقف المقدّسة الشريفة، والعتبات العالية، ومقرّ الرحمة، ومحلّ الشرف. وذكر المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» نحوه، فقال: ويخاطب بالديوان العزيز، والمقام الأشرف، والجانب الأعلى أو الشريف، وبأمير المؤمنين، مجرّدة عن سيّدنا ومولانا ومرّة غير مجرّدة، مع مراعاة المناسبة، والتسديد والمقاربة. قال: وسبب الخطاب بالديوان العزيز الخضعان عن مخاطبة الخليفة نفسه، وتنزيل الخطاب منزلة من يخاطب نفس الديوان، والمعنيّ به ديوان الإنشاء، إذ الكتب وأنواع المخاطبات إليه واردة وعنه صادرة.
وقد سبق في الكلام على الألقاب في المقالة الثالثة نقلا عن ابن حاجب النعمان في «ذخيرة الكتاب» إنكار هذه الاستعارات والمخترعات «1» ، وسيأتي في
(6/288)

المكاتبة إلى الخلفاء ذكر ترتيبها إن شاء الله تعالى.
وإن كان المكتوب عنه ملكا، فقد جرت العادة أن يعبّر عنه بنون الجمع للتعظيم فيقال: فعلنا كذا، وأمرنا بكذا، واقتضت آراؤنا الشريفة كذا، وبرزت مراسيمنا بكذا، ومرسومنا إلى فلان أن يتقدّم بكذا، أو يتقدم أمره بكذا، وما أشبه ذلك. وذلك أن ملوك الغرب كانوا يجرون على ذلك في مخاطباتهم، فجرت الملوك على سننهم في ذلك. وفي معنى الملوك في ذلك سائر الرؤساء، من الأمراء، والوزراء، والعلماء، والكتّاب، ونحوهم من ذوي الأقدار العلية، والأخطار الجليلة، والمراتب السنيّة في الدّين والدنيا، ممّن يصلح أن يكون آمرا وناهيا، إذا كتبوا إلى أتباعهم ومأموريهم، إذ كانت هذه النون مما يختصّ بذوي التعظيم دون غيرهم. وشاهد ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ
«1» فدعاه دعاء المفرد لعدم المشاركة له في ذلك الاسم، وسأله سؤال الجمع لمكان العظمة، إلى غير ذلك من الآيات الواردة مورد الاختصاص له كما في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها
«2» وقوله: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى «3»
وقوله: نَحْنُ الْوارِثُونَ «4»
وغير ذلك من الآيات. قال في «معالم الكتابة» : وقد أخذ كتّاب المغرب بهذا مع ولاة أمورهم في الجمع بالميم فخاطبوا الواحد مخاطبة الجمع مثل: أنتم، وفعلتم، وأمرتم، وما أشبه ذلك.
قلت: والأمر في ذلك عندهم مستمرّ إلى الآن. قال ابن شيث: وهو غير ما صوّر به عند غيرهم.
(6/289)

وإن كان المكتوب عنه مرؤوسا بالنسبة إلى المكتوب إليه كالتابع ومن في معناه، فقال في «موادّ البيان» : ينبغي أن يتحفّظ في شأن الكتب النافذة عنه من الإتيان بنون العظمة وغيرها من الألفاظ التي فيها تعظيم شأن المكتوب عنه مثل أن يقول: أمرت بكذا، أو نهيت عن كذا، أو أوعزت بكذا، أو تقدّم أمري إلى فلان بكذا، أو أنهي إليّ كذا، أو خرج أمري بكذا، وما في معنى ذلك مما لا يخاطب به الأتباع رؤساءهم، بل يعدل عن مثل هذه الألفاظ إلى ما يؤدّي إلى معناها مما لا عظمة فيه، مثل أن يقول: وجدت صواب الرأي كذا ففعلته، ورأيت السياسة تقتضي كذا فأمضيته، وما أشبه ذلك، إن كان عرف الكتّاب على الخطاب بالتاء، وإلا قال: وجد المملوك صواب الرأي كذا ففعله، ورأى السياسة تقتضي كذا فأمضاه، وما يجري هذا المجرى.
وأما المكتوب إليه، فقال أبو هلال العسكريّ في كتابه «الصناعتين» :
ينبغي أن يعرف قدر المكتوب إليه من الرؤساء، والنّظراء، والعلماء، والوكلاء؛ ليفرّق بين من يكتب إليه «أنا أفعل كذا» ومن يكتب إليه «نحن نفعل كذا» (فأنا) من كلام الأشباه والإخوان، (ونحن) من كلام الملوك؛ ويفرّق بين من يكتب إليه «فإن رأيت أن تفعل كذا» وبين من يكتب إليه: (فرأيك) . قال في «موادّ البيان» : وذلك إنّ قولهم فإن رأيت أن تفعل كذا لفظ النّظراء والمساوين، بخلاف فرأيك، فإنه لا يكتبه إلا جليل معظّم؛ لتضمنها معنى الأمر والتقدير فر رأيك، بخلاف فإن رأيت، فإنه لا أمر فيه، إذ يقال: فإن رأيت أن تفعل كذا فافعله. على أنّ الأخفش قد أنكر هذا على الكتّاب؛ لأن أقل الناس يقول للسلطان: انظر في أمري، ولفظه لفظ الأمر ومعناه السؤال. وذكر مثله في «صناعة الكتّاب» عن النحويين. قال في «موادّ البيان» : وحجّة الكتّاب أن المشافهة تحتمل ما لا تحتمله المكاتبة؛ لأن المشافهة حاضر يحضر الإنسان لا يمكنه تقييده وترتيبه، والمكاتبة بخلاف ذلك، فلا عذر لصاحبها في الإخلال بالأدب. قال ابن شيث: وقد اصطلحوا على أن يكتب في أواخر الكتب:
(6/290)

«وللآراء العالية فضل السموّ والقدرة إن شاء الله تعالى» . ودون ذلك: «وللرأي السامي حكمه» ودونه: «والرأي أعلى» . ودونه: «والرأي موفّق» وموفّقا بالرفع والنصب. ودونه: «ورأيه» للمجلس: «ورأيها» للحضرة. قال: وربما قالوا: «فإن رأى مولانا أن يكون كذا وكذا أمر به أو فعل» إلا أنها لا تقوم مقام قوله: والرأي أعلى. فأما لمن دونه فمحتمل. وذكر أنه كان مصطلحهم أن يقال في آخر كتب السلطان: «فاعلم ذلك واعمل به إن شاء الله تعالى» . وإن أعيان أصحاب الأقلام كانوا يكتبونه إلى من دونهم.
قلت: والذي استقرّ عليه الحال أن يكتب في مثل ذلك: «وللآراء العالية مزيد العلوّ» وأن تختم الكتابة للأكابر بمثل: «فنحيط علمه بذلك» ولمن دونهم: «فنحيط بذلك علما» وللأصاغر: «فليعلم ذلك ويعتمده» ونحو ذلك.
قال محمد بن إبراهيم الشيبانيّ: إن احتجت إلى مخاطبة الملوك والوزراء والعلماء والكتّاب والأدباء والخطباء وأوساط الناس وسوقتهم، فخاطب كلّا منهم على قدر أبّهته وجلالته وعلوّه وارتفاعه وفطنته وانتباهه. ولكل طبقة من هذه الطّبقات معان ومذاهب يجب عليك أن ترعاها في مراسلتك إيّاهم في كتبك؛ وتزن كلامك في مخاطبتهم بميزانه، وتعطيه قسمته، وتوفيّه نصيبه، فإنه متى أهملت ذلك وأضعته، لم آمن عليك أن تعدل بهم عن طريقتهم، وتسلك بهم غير مسلكهم، وتجري شعاع بلاغتك في غير مجراه، وتنظم جوهر كلامك في غير سلكه، فلا تعتدّ بالمعنى الجزل ما لم تكسه لفظا مختلفا على قدر المكتوب إليه؛ فإنّ إلباسك المعنى- وإن صح إذا أشرب «1» - لفظا لم تجربه عادة المكتوب إليه تهجين للمعنى، وإخلال لقدر المكتوب إليه، وظلم يلحقه، ونقص مما يجب له، كما أنّ في اتباع متعارفهم، وما انتشرت به عادتهم، وجرت به سنّتهم، قطعا لعذرهم، وخروجا عن حقّهم، وبلوغا إلى غاية مرادهم،
(6/291)

وإسقاطا لحجّة أدبهم. قال ابن عبد ربه: فامتثل هذه المذاهب وأجر عليها القوم «1» .
قال في «موادّ البيان» : وذلك أن المعاني التي يكتب فيها وإن كان كلّ منها جنسا بعينه، كالتهنئة والتّعزية والاعتذار والعتاب والاستظهار ونحو ذلك، فإنه لا يجوز أن يخرج المعنى لكلّ مخاطب على صيغة واحدة من اللفظ، بل ينبغي أن يخرج في الصيغة المشاكلة للمخاطب، اللائقة بقدره ورتبته. ألا ترى أنك لو خاطبت سلطانا أو وزيرا بالتعزية عن مصيبة من مصائب الدنيا، لما جاز أن تبني الكلام على وعظه وتبصيره وإرشاده وتذكيره وحضّه على الأخذ بحظّ من الصبر، ومجانبة الجزع، وتلقّي الحادثات بالتسليم والرّضا؛ وإنما الصواب أن تبني الخطاب على أنه أعلى شانا، وأرفع مكانا، وأصحّ حزما، وأرجح حلما، من أن يعزّى؛ بخلاف المتأخّر في الرتبة، فإنه إنما يعزّى تنبيها وتذكيرا، وهداية وتبصيرا، ويعرّف الواجب في تلقّي السّرّاء بالشّكر، والضّرّاء بالصبر، ونحو ذلك.
وكذلك إذا كاتبت رئيسا في معنى الاستزادة والشّكوى، لا يجوز أن تأتي بمعناهما في ألفاظهما الخاصّة، بل يجب أن تعدل عن [ألفاظ] الشكوى إلى ألفاظ الشّكر، وعن ألفاظ الاستزادة إلى ألفاظ الاستعطاف والسّؤال في النّظر، لتكون قد رتّبت كلامك في رتبته، وأخرجت معناك مخرج من يستدعي الزيادة لا من يشكو التقصير.
قال ابن شيث في «معالم الكتابة» : ولا يخاطب السلطان في خلال الكتابة إليه بسيّدنا مكان مولانا، فإن «سيدنا» كأنها خصّصت بأرباب المراتب
(6/292)

الدينية والدّيوانية، «ومولانا» تخصّ السلطان وحده، وإن كان من نعوت السلطان السيّد الأجلّ.
قال: على أن ذلك مخالف لمذهب المغاربة؛ فإنهم يعبّرون عن ولاة أمورهم بالسادة، ويعبّرون عن صاحب الأمر بسيّدنا، وكأن هذا كان في زمانه، وإلا فالمعروف عند أهل المغرب والأندلس الآن التعبير عن السلطان بالمولى، يقول أحدهم مولانا فلان. وأهل مصر الآن يطلقون السادة على أولاد الملوك.
وكذلك لو وقع واقع للسلطان فنصحته لم يجز أن تورد ذلك مورد التنبيه على ما أغفله، والإيقاظ لما أهمله، والتعريف من الصواب لما جهله؛ لأن ذلك من القبيح الذي لا يحتمله الرؤساء من الأتباع، ولكن تبني الخطاب على أنّ السلطان أعلى وأجلّ رأيا، وأصحّ فكرا، وأكثر إحاطة بصدور الأمور وأعجازها، وأن آراء خدمه جزء من رأيه، وأنهم إنما يتفرّسون مخايل الإصابة بما وقفوا عليه من سلوك مذهبه، والتأدّب بأدبه، والارتياض بسياسته، والتنقّل في خدمته، وإنّ مما يفرضونه في حكم الإشفاق والاهتمام، وما يسبغ عليهم من الإنعام، المطالعة بما يجري في أوهامهم، ويحدث في أفكارهم، من الأمور التي يتخيّلون أنّ في العمل بها مصلحة للدولة، وعمارة للمملكة، ليتصفّحه بأصالة رأيه التي هي أوفر وأثبت. فإن استصوبه أمضاه، وإن رأى خلافه ألغاه، وكان الرأي الأعلى ما يراه؛ إلى غير ذلك مما يجرى هذا المجرى.
قال ابن شيث في «معالم الكتابة» : ولا يقارن الكاتب السلطان في تكرار المواضع التي يقع الالتباس فيها بين الكاتب والمكتوب إليه؛ لأن هاء الضمير تعود عليهما معا لما تقدّم من ذكرهما، وإن كان في القرينة ما يدلّ على ذلك بعد الفكرة وإذا ابتدأ معهم بالمملوك لا يقال بعد ذلك العبد ولا الخادم، وإن كان ذلك جائزا مع غير السلطان.
قال: ولا بأس بتكرار الإشارة إلى السلطان في المواضع التي يجمل فيها الاشتراك بينه وبين المكتوب إليه، مثل أن يقال: وكان قد ذكر كذا وكذا،
(6/293)

والضمير في كان يصلح لهما معا، فلا بدّ هنا من ذكر المملوك، إن كان الالتباس من جهة الكاتب، أو مولانا إن كانت الإشارة إلى السلطان.
الأصل العاشر (أن يراعي مواقع آيات القرآن والسّجع في الكتب، وذكر أبيات الشعر في المكاتبات)
أما آيات القرآن الكريم، فقد ذكر ابن شيث في «معالم الكتابة» أنها في صدر الكتب، قد يذكرها الأدنى للأعلى في معنى ما يكتب به، مثل قوله تعالى:
فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً «1»
وقوله تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ «2»
إلى غير ذلك من الآيات المناسبة للوقائع وإن كانت في أثناء الكتب، فقد استشهد بها جماعة من الكتّاب في خلال كتبهم مما رأيته.
وأما السجع، فقد ذكر ابن شيث: أنه لا يفرق فيه بين كتاب الأعلى للأدنى وبالعكس، وأنه بما يكتب عن السلطان أليق؛ لكن قد ذكر بعض المتأخّرين أن الكتابة بالسّجع نقص في حق المكتوب إليه، وقضيّته أنه لا يكتب به إلا من الأعلى للأدنى، إلا أن الذي جرى عليه مصطلح كتّاب الزمان تخصيصه ببعض الكتب دون بعض من الجانبين.
وأما الشعر فيورده حيث يحسن إيراده، ويمنعه حيث يحسن منعه، فليس كلّ مكاتبة يحسن فيها إيراد الشعر، بل يختلف الحال في ذلك بحسب المكتوب
(6/294)

عنه والمكتوب إليه. فأما المكاتبات الصادرة عن الملوك والصادرة إليهم، فقد ذكر في «موادّ البيان» أنه لا يتمثل فيها بشيء من الشعر، إجلالا لهم عن شوب العبارة عن عزائم أوامرهم ونواهيهم والأخبار المرفوعة إليهم، بما يخالف نمطها ووضعها، ولأن الشعر صناعة مغايرة لصناعة الترسّل، وإدخال بعض صنائع الكلام في بعض غير مستحسن.
قلت: الذي ذكره عبد الرحيم بن شيث في كتابه «معالم الكتابة ومواضع الإصابة» أنه [يتمثّل] بالشعر في المكاتبات الصادرة عن الملوك دون غيرهم، وهو معارض لما ذكره في «موادّ البيان» . وكأنه في موادّ البيان يريد الكتب النافذة عن الملوك إلى من دونهم، أو ممّن دونهم إليهم. أما الملوك والخلفاء إذا كتبوا إلى من ضاهاهم في أبّهة الملك وقاربهم في علوّ الرتبة، فإنه لا يمنع التمثّل بأبيات الشعر فيها، تطريزا للنثر بالنّظم، وجمعا بين جنسي الكلام اللذين هما خلاصة مقاصده. وما زالت الخلفاء والملوك السالفة يخلّلون كتبهم الصادرة عنهم إلى نظرائهم في علوّ الرتبة بالأبيات الرقيقة الألفاظ، البديعة المعاني، للاستشهاد على الوقائع المكتوب بسببها، كما كتب أمير المؤمنين «عثمان بن عفّان» رضي الله عنه حين تمالأ عليه القوم واجتمعوا على قتله إلى عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: (طويل)
فإن كنت مأكولا، فكن خير آكل ... وإلّا فأدركني ولمّا أمزّق
«1» ! وكما كتب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه! إلى معاوية بن أبي سفيان، في جواب كتاب له حين جرى بينهما التنازع في الخلافة، فقال في أثناء كتابه: وزعمت أنّي لكلّ الخلفاء حسدت، وعلى كلّهم بغيت؛ فإن يك ذلك كذلك فليست الجناية عليك، فيكون العذر إليك: (طويل)
(6/295)

وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
وعلى ذلك جرى كثير من خلفاء الدولتين الأموية والعبّاسية، كما حكى العسكريّ في «الأوائل» أن أهل حمص وثبوا بعاملها فأخرجوه، ثم وثبوا بعده بعامل آخر، فأمر المتوكّل إبراهيم بن «1» العباس أن يكتب إليهم كتابا يحذّرهم فيه ويختصر، فكتب.
أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين يرى من حقّ الله تعالى عليه فيما قوّم «2» به من أود أو عدّل به من زيغ، أو لمّ به من شعث، ثلاثا يقدّم بعضهن أمام بعض، فأولاهن ما يستظهر به من عظة وحجّة، ثم ما يشفعه به من تحذير وتنبيه، ثم التي لا ينفع حسم الداء غيرها: (طويل)
أناة فإن لم تغن عقّب بعدها ... وعيد، فإن لم يجد؛ أجدت عزائمه!
وممن كان يكثر التمثّل بالشعر في المكاتبات من خلفاء بني العباس وتصدر إليه المكاتبات كذلك «الناصر لدين الله» حتّى يحكى أن الملك الأفضل، عليّ ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب دمشق حين تعصّب عليه أخوه الملك العزيز عثمان وعمّه الملك العادل أبو بكر، كتب إلى الناصر لدين الله يستجيشه عليهما كتابا يشير فيه إلى ما تعتقده الشّيعة من أنّ الحقّ في الخلافة كان لعليّ، وأن أبا بكر وعثمان رضي الله عنهما، تقدّما عليه، إذ كان الناصر يميل إلى التشيّع، وكتب فيه: (بسيط)
مولاي، إنّ أبا بكر وصاحبه ... عثمان قد غصبا بالسّيف حقّ علي!
(6/296)

فانظر إلى حظّ هذا الاسم كيف لقي ... من الأواخر ما لاقى من الأول!
فكتب إليه الناصر الجواب عن ذلك، وكتب فيه: (كامل)
وافى كتابك يا ابن يوسف ناطقا ... بالحقّ يخبر أنّ أصلك طاهر!
غصبوا عليّا حقّه إذ لم يكن ... بعد النّبيّ له بيثرب ناصر!
فاصبر فإنّ على الإله حسابهم ... وابشر فناصرك الإمام الناصر!
وعلى ذلك جرى الملوك القائمون على خلفاء بني العباس في مكاتباتهم أيضا. كما كتب أبو إسحاق الصابي عن معزّ الدولة بن بويه، إلى عدّة الدولة أبي تغلب كتابا يذكر له فيه خلاف قريبين له، لم يمكنه مساعدة أحدهما على الآخر، واستشهد فيه بقول المتلمس «1» : (طويل)
وما كنت إلا مثل قاطع كفّه ... بكفّ له أخرى فأصبح أجذما!
فلمّا استقاد الكفّ، بالكفّ، لم يجد ... له دركا في أن تبينا فأحجما
«2» وعلى هذا النّهج جرى الحال في الدّولة الأيّوبية بالديار المصرية. كما كتب القاضي الفاضل عن السلطان صلاح الدين «يوسف بن أيّوب» إلى ديوان الخلافة ببغداد، عند قتل ابن رئيس الرّؤساء وزير الخليفة كتابا ليسلّي الخليفة عنه، وكان ممن أساء السيرة وأكثر الفتك، متمثّلا بالبيتين المقولين في أبي حفص الخلّال، وزير أبي العبّاس السّفّاح، وكان يعرف بوزير آل محمد: (كامل)
إنّ المكاره قد تسرّ، وربّما ... كان السّرور بما كرهت جديرا!
(6/297)

إنّ الوزير وزير آل محمّد ... أودى، فمن يشناك كان وزيرا
وكما كتب القاضي «محيي الدين بن عبد الظاهر» عن «المنصور قلاوون» إلى صاحب اليمن في جواب تعزية أرسلها إليه في ولده الملك الصالح، مع تعريضه في أمر له بأن الحروب مما يشغل عن المصائب في الأولاد، مستشهدا فيه بقوله: (وافر)
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما تمرّ به الوحول!
وكما كتب صاحبنا الشيخ علاء الدين البيري، رحمه الله، عن «الظاهر برقوق» صاحب الديار المصرية، جوابا لصاحب تونس من بلاد المغرب، واستشهد فيه لبلاغة الكتاب الوارد عنه بقوله: (خفيف)
وكلام كدمع صبّ «1» غريب ... رقّ حتّى الهواء يكثف عنده!
راق لفظا، ورقّ معنى، فأضحى ... كلّ سحر من البلاغة عبده!
وعلى ذلك جرت ملوك المغرب من بني مرين وغيرهم. كما كتب بعض كتّاب السلطان أبي «الحسن المرينيّ» عنه إلى السلطان الملك الناصر «محمد بن قلاوون» صاحب الديار المصرية كتابا يخبره في خلاله أنّ صاحب بجاية «2» خرج عن طاعته فغزاه، وأوقع به وبجيوشه ما قمعه، مستشهدا فيه بقوله:
(سريع)
إن عادت العقرب، عدنا لها ... وكانت النّعل لها حاضره
إلى غير ذلك من المكاتبات الملوكية التي لا تحصى كثرة. بل ربما وقع التمثيل بالشّعر في المكاتبات عن الخلفاء والملوك إلى من دونهم وبالعكس.
(6/298)

كما حكى العسكريّ في «الأوائل» أن رافعا رفع كتابا إلى الرّشيد، وكتب في أسفله: (طويل)
إذا جئت عارا أو رضيت بذلّة، ... فنفسي على نفسي من الكلب أهون!
فكتب إليه الرشيد كتابا وكتب في أسفله: (طويل)
ورفعك نفسا طالبا فوق قدرها ... يسوق لك الحتف المعجّل والذّلّا
وبالجملة فمذاهب الناس في التمثّل بالشّعر في المكاتبات الملوكيّة مختلفة، ومقاصدهم متباينة بحسب الأغراض؛ ولذلك أورد الشيخ جمال الدين بن نباتة هذه المسألة في جملة أسؤولته، التي سأل عنها كتّاب الإنشاء بدمشق، مخاطبا بها الشيخ شهاب الدين محمودا الحلبيّ، وهو يومئذ صاحب ديوان الإنشاء بها فقال: ومن كره الاستشهاد في مكاتبة الملوك بالأشعار؟ وكيف تركها على ما فيها من الآثار؟
أما المكاتبات الإخوانيات الواقعة بالتّهاني، والتّعازي، والتّزاور، والتّهادي، والمداعبة، وسائر أنواع الرّقاع في فنون المكاتبات، فقد قال في «موادّ البيان» : إنه يجوز أن تودع أبيات الشعر على سبيل التمثّل وعلى سبيل الاختراع، محتجّا بأن الصّدر الأوّل كانوا يستعملون ذلك في هذه المواضع. وهذا الذي ذكره لا خفاء فيه، وكتب الرسائل المدوّنة من كلام المتقدّمين والمتأخّرين من كتّاب المشرق والمغرب شاهدة بذلك، ناطقة باستعمال الشعر في المكاتبات، وأثنائها ونهاياتها، ما بين البيت والبيتين فأكثر، حتّى القصائد الطّوال. وأكثر ما يقع من ذلك البيت المفرد والبيتان فما حول ذلك. كما استشهد القاضي الفاضل في بعض مكاتباته في الشوق بقوله: (طويل)
ومن عجبي أنّي أحنّ إليهم، ... وأسأل عنهم من أرى وهم معي!
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي!
وكما كتب أيضا لبعض إخوانه في جواب كتاب: (طويل)
(6/299)

وكم قلت حقّا: ليتني كنت عنده! ... وما قلت إجلالا له: ليته عندي!
وكما كتب في وصف كتاب ورد عليه مستشهدا بقوله: (كامل)
وحسبته- والطّرف معقود به- ... وجه الحبيب بدا لوجه محبّه!
وكما كتب في كتاب تعزية بصديق مستشهدا فيه بقوله: (طويل)
وذاك الّذي لا يبرح الدّهر رزؤه «1» ، ... ولا ذكره ما أرزمت أمّ حائل.
إلى غير ذلك من المكاتبات التي لا يأخذها حصر، ولا تدخل تحت حدّ، مما ستقف على الكثير منه في الكلام على مقاصد المكاتبات، إن شاء الله تعالى.
الأصل الحادي عشر (أن يأتي في مكاتبته بحسن الاختتام)
ويرجع إلى معنيين، كما في حسن الافتتاح المقدّم ذكره.
المعنى الأوّل- أن يكون الحسن فيه راجعا إلى المعنى المختتم به
، إما بمعاطاة الأدب من المرؤوس إلى الرئيس ونحو ذلك، وإما بما يقتضي التعزير والتوقير من الرئيس إلى المرؤوس، كالاختتام بالدعاء ونحو ذلك، مما يقع في مصطلح كل زمن.
المعنى الثاني- أن يكون الحسن فيه راجعا إلى ما يوجب التحسين من سهولة اللفظ
، وحسن السّبك، ووضوح المعنى، وتجنّب الحشو، وغير ذلك من موجبات التحسين؛ كما كتب الصاحب بن عبّاد في آخر رسالة له: «لئن حنثت «2» فيما حلفت، فلا خطوت لتحصيل مجد، ولا نهضت لاقتناء حمد، ولا سعيت إلى مقام فخر، ولا حرصت على علوّ ذكر» . قال أبو هلال
(6/300)

العسكري: فهذه اليمين، لو سمعها عامر بن الظّرب، لقال هي اليمين الغموس لا القسم باللات والعزّى «1» ومناة الثالثة الأخرى، ونحو ذلك مما يجري هذا المجرى.
قلت: واعتبار هذه الأصول [الأحد عشر] «2» بعد ما تقدّم اعتباره في الكلام على صنعة إنشاء الكلام وترتيبه في المقالة الأولى، من أنه لا يستعمل في كلامه ما أتت به آيات القرآن الكريم، من الاختصار، والحذف، ومخاطبة الخاصّ بمخاطبة العامّ، ومخاطبة العامّ بمخاطبة الخاصّ، ولا ما يختصّ بالشّعر من صرف ما لا ينصرف، وحذف ما لا يحذف، وقصر الممدود، ومدّ المقصور، والتقديم والتأخير، والإضمار في موضع الإظهار، وتصغير الاسم في موضع التعظيم، مثل دويهية، وما شاكل ذلك مما تقدّم التنبيه عليه في موضعه، فلا بدّ من اعتباره هنا.
الأصل الثاني عشر (أن يعرف مقادير قطع الورق، وسعة الطّرّة والهامش، وسعة بيت العلامة ومقدار ما بين السّطور وما يترك في آخر الكتاب)
أما مقدار قطع الورق، فقد تقدّم في المقالة الثالثة أنه يختلف باختلاف المكتوب إليهم عن السلطان، فكلّما عظم قدر المكتوب إليه، عظم مقدار قطع الورق؛ وربما روعي في ذلك قدر المكتوب عنه والمكتوب إليه جميعا.
(6/301)

وأما طول الطّرّة «1» في أعلى الكتاب، فقد ذكر في «معالم الكتابة» أنها تطوّل فيما إذا كان الكتاب من الأعلى إلى الأدنى، وتكون متوسطة من الأتباع، وسيأتي أنّ المصطلح عليه في زماننا أن المكاتبات الصادرة عن السلطان تكون الطرّة فيها ما بين ثلاثة أوصال إلى وصلين، ومن النّواب ومن في معناهم تكون وصلا واحدا.
وأما مقدار سعة الهامش فقد سمعت بعض فضلاء الكتّاب يذكر أن الضابط فيه أن يكون ثلث عرض الدّرج المكتوب فيه.
وأما بيت العلامة فقد تقدّم أنه يكون مقدار نحو شبر في كتب السلطان، أما في غيره- حيث كانت العلامة تحت البسملة- فتكون نحو ثلاثة أصابع أو أربعة.
وأما سعة ما بين السطور فقد تقدّم أنها تكون بمقدار نصف بيت العلامة.
وذكر ابن شيث أنها ثلاثة أصابع أو أربعة.
وأما [ما يترك في] آخر الكتاب فقد ذكر ابن شيث أنه لا يترك في آخر المكاتبة شيئا.
وأما الخطّ فإنه كلّما غلظ القلم واتسعت السطور كان أنقص في رتبة
(6/302)

المكتوب إليه وقد ذكر في «معالم الكتابة» أنّ الكتب الصادرة إلى السلطان لا يكون بين سطورها أكثر من إصبعين.
الطّرف الثاني (في بيان مقادير المكاتبات وما يناسبها من البسط والإيجاز، وما يلائم كلّ مكاتبة منها من المعاني)
ولتعلم أن المكاتبات على ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل (ما يكتب عن السلطان أو من في معناه من الرؤساء إلى الأتباع، وهي على ضربين)
الضرب الأوّل (ما يعمل فيه على الإيجاز والاختصار)
وقد استحسنوا الإيجاز في خمسة مواضع:
أحدها- أن يكون المكتوب عن السلطان في أوقات الحروب إلى نوّاب الملك
. قال في «حسن التوسل» : فيجب أن يتوخّى الإيجاز والألفاظ البليغة الدالة على القصد، من غير تطويل ولا بسط يضيع المقصد ويفصل الكلام بعضه من بعض. ولا يعمد في ذلك إلى تهويل لأمر العدوّ يضعف القلوب، ولا تهوين لأمره بحيث يحصل به الاغترار.
الثاني- أن يكون ما يكتب به عن السلطان خبرا يريد التورية به عنه
وستر حقيقته، كإعلامهم بالحوادث الحادثة على الملوك، والنوائب الملمّة بالدولة من هزيمة جيش، أو تغيير رسم، أو إحداثه، أو تكليف الرعيّة ما لا يسهل عليها تكليفه وما أشبه ذلك. قال في «موادّ البيان» : فيجب أن يقصد في ذلك الاختصار والإيجاز، ويعدل عن استعمال الألفاظ الخاصّة بالمعنى إلى غيرها مما يحتمل التأويل، ولا تنفر الأسماع عنه، ولا تراع القلوب به، من غير أن يحتمل كذبا
(6/303)

صراحا «1» ؛ فإنه لا شيء أقبح بالسلطان، ولا أغمص لشأنه وقدره من أن يضمّن كتابه ما ينكشف للعامّة بطلانه. قال: وينبغي للكاتب أن يتخلّص من هذا الباب التخلّص الجيّد الذي يزيّن به الأثر، من غير تصريح بكذب، وأن يخرج الباطل في صورة الحق، ويعرّض سلطانه في ذلك للإحماد والتقريظ من حيث يستحقّ التأنيب والإذمام، فإن هذه سبيل البلاغة، وطريقة فضلاء الصّناعة؛ لأن الأمر الظاهر الحسن المجمع على فضله لا يحتاج في التعبير عن حسنه إلى كدّ الخاطر، وإتعاب الفكر، إذ الألكن «2» لا يعجز عن التعبير عنه فضلا عن اللّسن «3» ، وإنما الفضل في تحسين ما ليس بحسن، وتصحيح ما ليس بصحيح، بضروب من التمويه والتخييل، وإقامة المعاذير، والعلل المعفّية على الإساءة والتقصير، من حيث لا يلحق كذب صريح ولا زور مطلق. ولضيق هذا المقام وصعوبة مرتقاه، أورده الشيخ جمال الدين بن نباتة في جملة مسائله التي سأل عنها كتّاب الإنشاء بدمشق- فقال: وما الذي يكتب عن المهزوم إلى من هزمه؟.
الثالث- أن يكون المكتوب به عن السلطان أمرا أو نهيا
. قال في «موادّ البيان» : فحكمها حكم التوقيعات الوجيزة الجامعة للمعاني، الجازمة بالأمر أو النهي، اللهم إلا أن يكون الأمر أو النهي مما يحتاج إلى رسوم ومثل يعمل عليها، فيحتاج إلى الإطالة والتكرير، بحسب ما يؤمر به وينهى عنه دون الحذف والإيجاز.
الرابع- أن تكون الكتب المكتوبة عن السلطان باستخراج الخراج
وجباية الأموال وتدبير الأعمال. قال في «موادّ البيان» : فسبيلها أن ينصّ فيها على ما رآه السلطان ودبّره، ثم يختتم بفصل مقصور على التوكيد في امتثال أمره
(6/304)

وإنفاذه؛ ولا يقتصر على ما تقدّم، إيجابا للحجّة، وتضييقا للعذر، وحسما لأسباب الاعتذار.
الخامس- أن يكون ما يكتب به عن السلطان إحمادا أو إذماما
، أو وعدا أو وعيدا أو استقصارا أو عذلا أو توبيخا. قال في «موادّ البيان» : فيجب أن يشبع الكلام ويمدّ القول، بحسب ما يقتضيه أمر المكتوب إليه، في الإساءة والإحسان، والاجتهاد والتقصير، لينشرح صدر المشمّر المحسن، وينبسط أمله ورجاؤه؛ ويرتدع المقصّر المسيء، ويرتجع عما يذمّ منه، ويتلافى ما فرّط فيه.
الضرب الثاني (ما يعمل فيه على البسط والإطناب)
وقد استحسنوا البسط في موضعين:
أحدهما- أن يكون ما يكتب به السلطان خبرا يريد تقرير صورته في نفوس العامة
، كالإخبار بالفتوحات المتجدّدة في إعلاء الدّين والسلطان. قال في «موادّ البيان» : فيجب أن يشبع القول فيها، ويبني على الإسهاب والإطناب وتكثير الألفاظ المترادفة، ليعرفوا قدر النّعمة الحادثة، وتزيد بصائرهم في الطاعة، ويعلو موضع سلطانهم من عناية الله تعالى به، فتقوى قلوب أوليائه، وتضعف قلوب أعدائه؛ لأنه لو كتب كتابا في فتح جليل ليقرأ في المحافل والمشاهد العامّة على رؤوس الأشهاد بين العامّة ومن يراد تفخيم السلطان في نفسه على صورة الاختصار، لأوقع كلامه في غير رتبته، ودلّ ذلك على جهله. وقد أوضح الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ، رحمه الله، هذا المقام في كتابه «حسن التوسل» فقال: وإذا كتب في التهاني بالفتوح فليس إلا بسط الكلام والإطناب في شكر نعمة الله تعالى، والتبرّي من الحول والقوّة إلا به، ووصف ما أعطى من النصر، وذكر ما منح من الثبات، وتعظيم ما يسّر من الفتح؛ ثم وصف ما بعد ذلك من عزم، وإقدام، وصبر، وجلد، عن الملك وعن جيشه مما حسن وصفه ولاق ذكره، وراق التوسّع فيه، وعذب بسط الكلام معه. قال: ثم كلّما اتسع
(6/305)

مجال الكلام في ذكر الواقعة ووصفها، كان أحسن وأدلّ على السّلامة، وأدعى لسرور المكتوب إليه، وأحسن لتوقّع المنّة عنده، وأشهى إلى سمعه، وأشفى لغليل شوقه إلى معرفة الحال. قال: ولا بأس بتهويل أمر العدوّ، ووصف جمعه وإقدامه، فإنّ في تصغير أمره تحقيرا للظّفر به.
قال في «موادّ البيان» : ولا يحتجّ للإيجاز في كتب الفتوح بما كتب به كاتب المهلّب «1» بن أبي صفرة إلى الحجّاج في فتح الأزارقة، على ارتفاع خطره، وطول زمانه، وعظم صيته، من سلوكه فيه مسلك الاختصار؛ حيث كتب فيه:
«الحمد لله الذي كفى بالإسلام فقد ما سواه، وجعل الحمد متصلا بنعماه؛ وقضى أن لا ينقطع المزيد من فضله، حتّى ينقطع الشّكر من خلقه. ثم إنّا كنّا وعدوّنا على حالين مختلفين، نرى منهم ما يسرّنا أكثر مما يسوءنا، ويرون منا ما يسوءهم أكثر مما يسرّهم؛ فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم، ينصرنا الله ويخذلهم، ويمحّصنا ويمحقهم؛ حتّى بلغ الكتاب بناديهم أجله فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
«2» .
فإنه إنما حسن في موضعه لمخاطبة السّلطان به، ولغرض كانت المكاتبة فيه. قال: فإن كتب مثل هذا الكتاب عن السلطان في مثل هذا الفتح أو ما يقاربه؛ ليورد على العامّة، ويقرّر في نفوسهم به قدر النعمة، لم يحسن موقعه،
(6/306)

وخرج عن شرط البلاغة بوضعه إيّاه في غير موضعه، وذكر العسكريّ نحو ذلك في «الصناعتين» .
ثم قال في «حسن «1» التوسل» : وإن كان المكتوب إليه ملكا صاحب مملكة بمفرده، تعيّن أن يكون البسط أكثر، والإطناب والتهويل أبلغ، والشرح أتمّ. ثم قال: وإن اضطرّ أن يكتب مثل ذلك إلى ملك غير مسلم لكنّه غير محارب، فالحكم في ذلك أن يذكر من أسباب المودّة ما يقتضي المشاركة في المسارّ، وأنّ أمر هذا العدوّ مع كثرته أخذ بأطراف الأنامل، وآل أمره إلى ما آل.
ويعظّم ذكر ما جرى عليه من القتل والأسر، ويقول: إن تلك عوائد نصر الله تعالى لنا، وانتقامه ممّن عادانا.
وإن كان المكتوب إليه متّهما بممالأة العدوّ، كتب إليه بما يدل على التّقريع والتهكّم والتهديد في معرض الإخبار.
الثاني- أن يكون ما يكتب به عن السلطان في أوقات حركات العدوّ إلى أهل الثّغور
، يعلمهم بالحركة للقاء عدوّهم قال في «حسن «2» التوسل» : فيجب أن يبسط القول في وصف العزائم، وقوّة الهمم، وشدّة الحميّة للدّين، وكثرة العساكر والجيوش وسرعة الحركة، وطيّ المراحل، ومعاجلة العدوّ، وتخييل أسباب النّصر، والوثوق بعوائد الله تعالى في الظّفر، وتقوية القلوب منهم، وبسط آمالهم، وحثّهم على التيقّظ، وحفظ ما بأيديهم، وما أشبه ذلك. ويبرز ذلك في أمثل كلام وأجلّه وأمكنه، وأقربه من القوّة والبسالة، وأبعده من اللّين والرقّة. ويبالغ في وصف الإنابة إلى الله تعالى واستنزال نصره وتأييده، والرّجوع إليه في تثبيت الأقدام، والاعتصام به في الصبر، والاستعانة به على العدوّ، والرغبة إليه في خذلانهم وزلزلة أقدامهم وجعل الدائرة عليهم، دون التصريح ببطلان حركتهم، ورجاء تأخّرهم، وانتظار العرضيّات في ضعفهم، لما في ذلك
(6/307)

من إيهام الضّعف عن لقائهم، واستشعار الوهم والخوف منهم.
القسم الثاني (ما يكتب به عن الأتباع إلى السلطان والطّبقة العليا من الرؤساء، وهو على ضربين)
الضرب الأوّل (ما يعمل فيه على الإيجاز والاختصار)
وقد استحبّوا الإيجاز في ثلاثة مواضع:
أحدها- أن يكون ما يكتب به من باب الشكر على نعمة يسبغها سلطانه عليه
، وعارفة يسديها إليه. قال في «موادّ البيان» : فسبيله أن لا يبنيها على الإسهاب وتجاوز الحدّ، بل يبنيها على اللّفظ الوجيز، الجامع لمعاني الشّكر، المشتمل على أساليب الاعتراف والاعتداد، فإنّ إطناب الأصاغر في شكر الرؤساء داخل في باب الإضجار والإبرام، ولا سيّما إذا رجعوا إلى خصوصيّة وتقدّم خدمة. وكذلك لا يكثر من الثناء عليه؛ لأن ذلك من باب الملق الذي لا يليق إلا بالأباعد الذين لم يتقدّم لهم من المواتّ «1» والحرم»
ما يدلّ على صحّة عقائدهم، ولم يضف عليهم من النّعم ما يوجب خلوص نيّاتهم. أما إذا كان المثني أجنبيّا متكسّبا بالتقريظ والثناء، فإنه لا يقبح به الإيغال والإغراق فيهما. قال: وكذلك لا ينبغي للخاصة الإكثار من الدعاء، وتكريره في صدور الكتب عندما يجري ذكر الرئيس، فإنّ في ذلك مشقّة وكلفة يستثقلها الملوك.
والحكم فيما يستعمل من ذلك في الكتب شبيه بما يستعمل شفاها منه. ويقبح من خادم السلطان أن يشغل سمعه في مخاطبته إياه بكثرة الدعاء وتكريره.
الثاني- أن يكون ما يكتب به التابع إلى السلطان
ونحوه في سؤال حسن
(6/308)

النظر وشكوى الفقر والخصاصة «1» . قال في «موادّ البيان» : فيبني القول على الإيجاز ويمزج الشكوى بالشّكر والاعتداد بالآلاء «2» ، والرغبة في مضاعفة الإحسان والزيادة في البرّ، والإلحاق بالطّبقة الرابعة في إيلاء العوارف، فإن ذلك أعطف لقلب الرئيس، وأدعى إلى بلوغ الغرض. ولا يكثر شكوى الحال ورثاثتها، واستيلاء الخصاصة والفقر عليه، فإن ذلك يجمع إلى الإضجار والإبرام شكاية الرئيس بسوء حال مرؤسه، وقلة ظهور نعمته عليه، وذلك مما يكرهه الرؤساء ويذمّونه.
الثالث- أن يكون ما يكتب به التابع إلى المتبوع من باب التنصّل
والاعتذار عن شيء قرف به عند رئيسه. قال في «موادّ البيان» : فسبيله أن يبني كلامه على الاختصار، ويعدل عن الإسهاب والإطناب، ويقصد إلى النّكت التي تزيل ما عرض عنده من الشّبهة في أمره، وتمحو الموجدة السابقة إلى ضمير رئيسه. ولا يصرّح ببراءة الساحة عن الإساءة والتقصير، فإنّ ذلك مما يكرهه الرؤساء من أتباعهم؛ لأن عادتهم جارية بإيثار اعتراف الخدم بالتقصير والتّفريط، والإقرار بالمقروف به ليكون لهم في العفو عند الإقرار موضع منّة مستأنفة تستدعي شكرا، وعارفة مستجدّة تقتضي نشرا. أما إذا أقام التابع الحجة على براءته مما قرف به، فلا موضع للإحسان إليه في إقراره على منزلته والرضا عنه، بل يكون ذلك قدرا واجبا له، إن منعه إيّاه ظلمه وتعدّى عليه.
الضرب الثاني (ما يعمل فيه على البسط والإطناب)
وقد استحبّوا البسط هنا في موضع واحد؛ وهو ما إذا كان ما يكتب به
(6/309)

التابع إلى السلطان واقعا في باب الإخبار بأحوال ما ينظر فيه من الأعمال، وما يجري على يديه من المهمّات. قال في «موادّ البيان» : فسبيله أن يوفّي حقّه في الشرح والبيان، ويسلك فيه طريقة يجمع فيها بين إيضاح الأغراض من غير هذر يضجر ويملّ، ولا اختصار يقصّر ويخلّ، وأن يقصد إلى استعمال الألفاظ السّهلة التي تصل معانيها إلى الأفهام من غير كلفة، ويتجنب ما يقع فيه تعقيد وتوعير أو إبهام، إلا أن يعرض له في المكاتبة ما يحتاج إلى التّورية والكناية كما تقدّم فيما إذا أطلق عدوّ لسانه في السلطان فإنه يحتاج إلى الكناية عنه على ما مرّ.
القسم الثالث (ما يكتب به إلى الأكفاء «1» والنّظراء، والطبقة الثانية من الرؤساء)
قال في «موادّ البيان» : وسبيل مكاتبتهم أن يؤتى فيها باللفظ المساوي للمعنى من غير إيجاز ولا إطناب؛ لأنها رتبة متوسطة بين الرّتبتين المتقدّمتين.
ولا يخفى أنّ ما ذكره إنما هو عند الوقوف مع حقائق المكاتبات. أما الإخوانيّات المطلقة، فإنها تكون في الطّول والقصر بحسب ما بين الصديقين من المودّة والقرب، وما يعلمه كلّ واحد منهما من خلق الآخر، وما توجبه دالّته عليه.
وسيأتي في مقاصد المكاتبات من أمثلة الأقسام الثلاثة ما يوضّح مقاصدها ويقرّب مآخذها إن شاء الله تعالى.
الطّرف الثالث (في أمور تختص بالأجوبة، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في بيان أيّ الأمرين من الابتداء والجواب أعلى رتبة وأبلغ في صناعة الكتابة)
وقد اختلف الكتّاب في ذلك، فذهب أكثر البلغاء إلى أن الكتب الجوابيّة
(6/310)

أتعب مطلبا وأصعب مرتفى من الكتب الابتدائية، وأن فيها تظهر مهارة الكاتب وحذقه، لا سيما إذا كان الخطاب محتملا «1» للاعتذار والاعتلال عن امتثال الأوامر والنواهي، والتّورية عن نصوص الأحوال، والإعراض عن ظواهرها، قائدا إلى استعمال المغالطة، موجبا للانفصال عن الاحتجاج والإلزام، ونحو ذلك مما يؤدّي إلى الخلاص من المكاره.
واحتجّوا لترجيح ذلك بوجوه.
منها- أن المبتديء محكّم في كتابه، يبتديء بألفاظه كيف شاء، ويقطعها حيث يشاء، ويتصرّف في التقديم والتأخير، والحذف والإثبات والإيجاز والإسهاب؛ ويبني على أساس يؤسسه لنفسه، والمجيب ليس له تقديم ولا تأخير، وإنما هو تابع لغرض المبتديء، بان على أساسه.
ومنها- أنّ المجيب- إذا كان جوابه محتملا للإشباع والتوسّع- مضطرّ إلى اقتصاص ألفاظ المبتديء واتّباعها للإجابة عنها، وذلك يؤدّي إلى تصفّح كلام المبتديء والمجيب ويصل ما بين الكلامين، لأن الكلامين يتقابلان فلا تخفى رتبتهما والفاضل منهما من الرّذل، وهذا مرفوع عن المبتديء.
ومنها- أن تأليف الكلام وانتظامه واتّساقه والتئامه يقدر منها المبتديء على ما لا يقدر عليه المجيب؛ لأن الجواب يفصّل أجزاء الكلام ويبدّد نظامه ويقسّمه أقساما، لمكان الحاجة إلى استئناف القول من الفصل بعد الفصل بقول وأمّا كذا وأمّا كذا، فظهور الصورة المستحسنة، في المتصل أكثر من ظهورها في المنفصل.
أما إذا كان الجواب مقتضبا مبنيّا على امتثال مأمور، أو انتهاء عن منهيّ عنه، فإنه سهل المرام، قريب المتناول؛ لأنه إنما يشتمل على ذكر وصول الكتاب والعمل بما فيه.
(6/311)

وذهب صاحب «موادّ البيان» إلى أنّ الابتداء والجواب في ذلك على حدّ واحد، وإن «1» كان الكاتب قد يجيد في الابتداء ولا يجيد في الجواب وبالعكس محتجّا لذلك بأن كلّا من المبتديء والمجيب ممتاح «2» من جودة الغريزة، محتاج من البلاغة والصّناعة إلى ما يحتاج إليه الآخر، لأن الكاتب يكون تارة مبتدئا وتارة مجيبا، وليست الإجابة بصناعة على حيالها، ولا البداية بصناعة على حيالها، بل هما كالنوعين للجنس، ولا منع من أن يكون الكاتب ماهرا في نوع دون نوع.
قال: والكاتب لا يكون في الأمر الأعمّ كاتبا عن نفسه وإنما يكون كاتبا عن آمر يأمره بالكتابة في أغراضه ويسلّمها إليه منثورة، فيحتاج إلى نظمها وضمّها وإبرازها في صورة محيطة بجميع الأغراض من غير إخلال بشيء منها، فعلى المبتديء من المشقّة في إيراد أغراض المكتوب عنه في الصّورة الجامعة لها مع نظمها في سلك البلاغة مثل ما على المجيب من المشقّة في توفية فصول كتاب المبتديء حقّها من الإجابة والتصرّف على أوضاع ترتيبها، بل كلفة المجيب قريبة، لأنه يستنبط من نفس معاني كتاب المبتديء للمعاني التي يجيب بها، لأن الجواب لا يخلو من أن يكون يوافق الابتداء أو يناقضه، فإن وافقه فالأمر سهل، وإن ناقضه فإنّ كل نقيض قائم في الوهم على مقابلة نقيضه، إلا أنه أتعب على كل حال من الموافق، ولا شكّ أن الجواب بتجزئته قد خفّ تحمّله، إذ ليس من يجمع خاطره على الفصل الواحد حتّى يخرج عن جوابه كمن يجمع خاطره على الكتاب كلّه، ثم قال: وليس القصد مما ذكرناه مناقضة مشايخ صناعتنا «3» ، ولكن القصد تعريف الحق الذي يجب اعتقاده والعمل عليه.
(6/312)

الجملة الثانية (في بيان ترتيب الأجوبة)
واعلم أن للجواب حالتين:
الحالة الأولى- أن يكون الجواب من الرئيس إلى المرؤوس عما كتب به الرئيس إليه
، فالذي ذكره في «موادّ البيان» أن للرئيس أن يبني حكاية كتاب مرؤوسه إليه في جوابه على الاختصار، ويجمع معانيه في ألفاظ وجيزة، محيطة بما وراءها كأن يقول: وصل كتابك في معنى كذا وفهمناه.
الحالة الثانية- أن يكون الجواب من المرؤوس إلى الرئيس عما كتب به الرئيس إليه
، قال في «موادّ البيان» : والواجب في هذه الحالة أن يحكي فصول كتاب رئيسه على نصّها ويقصّها على وجهها من غير إخلال بشيء منها، إعظاما لقدر الرئيس وإجلالا لخطابه. قال: وليس للمجيب إن مرّ في كتاب الرئيس بلفظة واقعة في غير موضعها أن يبدلها بغيرها، لما في ذلك من الإشارة إلى أن هذا أصحّ من كتاب رئيسه في ألفاظه ومعانيه. قال: ولا يجوز الخروج عن حكاية لفظ رئيسه في كتابه بحال، اللهم إلا أن يكون الكتاب الوارد على المجيب في معنى الشكر والتّقريظ من رئيسه له والثناء عليه في قيامه بالخدمة، فإنه لا يجوز أن يأتي به على نصه؛ لأنه يصير بذلك مادحا نفسه، ومدح الإنسان نفسه غير سائغ، ولا يجوز أن يهمل ذكره جملة؛ لأنه يكون قد أخلّ بما يجب من شكره له على تشريف رتبته بإحماده له والثّناء عليه، بل الواجب أن يوقع تلك الصفة على جملة تجعل نفسه بعضا منها، مثل أن يقول: «فأما ما وصفه من اعتداده بخادمه في جملة من نهض بحقوق خدمته، وقام بفرض طاعته، فأهلّه لما يرفع الأقدار من إحماده وثنائه، ويعلي الأخطار من شكره ودعائه» وما يضاهي هذا من العبارة التي تشتمل على معاني ألفاظ رئيسه، فإنه إذا قصد هذا السبيل في حكاية كتاب رئيسه في هذا المعنى، فقد جمع بين البلاغة والإتيان على معاني ألفاظ رئيسه والأدب في ترك التفخيم لنفسه بإضافته لها إلى جملة الخاصّة دون إيقاع المدح عليها فقط.
(6/313)

قلت: هذا هو الترتيب الذي يجب اعتماده في الأجوبة، فلا يجوز الخروج عنه إلى غيره، على أن كتّاب زماننا قد اطّرحوا النظر في ذلك جملة، وصاروا يكتبون الأجوبة بحسب التشهّي؛ فمنهم من يحكي الكتاب الذي يقع الجواب عنه بنصه مطلقا، سواء كان من رئيس أو مرؤوس وبالعكس، مع قطع النظر عما وراء ذلك. فتنبه لهذه الجملة فإنها دقيقة جليلة.
(6/314)

الفصل الثاني من الباب الأوّل من المقالة الرابعة (في ذكر أصول المكاتبات وترتيبها، وبيان لواحقها ولوازمها. وفيه طرفان)
الطرف الأوّل (في ذكر أصولها وترتيبها. وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في المكاتبات إلى أهل الإسلام)
واعلم أنّ المكاتبات الدائرة بين المسلمين من صدر الإسلام وإلى زماننا لا يأخذها حدّ ولا تدخل تحت حصر.
والمشهور استعماله منها في دواوين الإنشاء على اختلاف الأزمان خمسة عشر أسلوبا.
الأسلوب الأوّل (أن تفتتح الكتب بلفظ «من فلان إلى فلان» )
قال أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» : وأوّل من كتب بذلك قسّ «1» ابن ساعدة الإياديّ، وعلى ذلك كانت مكاتبات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والسلف من الصحابة
(6/315)

والتابعين رضوان الله عليهم. فكان النبي، صلّى الله عليه وسلّم يكتب: «من محمد رسول الله إلى فلان» . ثم كتب أبو بكر الصدّيق، رضي الله عنه، في خلافته: «من أبي بكر خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» . ثم كتب عمر بعده: «من عمر بن الخطاب خليفة خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى فلان» . فلما لقّب بأمير المؤمنين زاد في ذلك لفظ «عبد الله» قبل عمر، ولقب «أمير المؤمنين» ، بعده؛ فكان يكتب: «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى فلان» . ولم يزل الأمر على ذلك إلى خلافة هارون الرشيد، فأمر أن يزاد في صدور الكتب بعد «فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلّي على جدّه «1» محمد عبده ورسوله» . فجرى الأمر على ذلك في زمنه وما بعده، قال أبو هلال العسكريّ في «الأوائل» : وكان ذلك من أجلّ مناقبه. قال صاحب «ذخيرة الكتّاب» : وكان الرشيد قد قال ليحيى بن خالد: إني قد عزمت على أن يكون في كتبي: «من عبد الله هارون الإمام أمير المؤمنين عبد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» - فقال له يحيى: قد عرف الله نيّتك في هذا يا أمير المؤمنين! [وأجزل] لك الأجر؛ والتعبد إنما هو لله وحده لا لغيره- قال: فأكتب «من هارون مولى محمد رسول الله» - فقال: إن المولى ربما كان في كلام العرب ابن العمّ، وجزى الله أمير المؤمنين خيرا عن هذه النية وهذا الفكر.
الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بلفظ «لفلان من فلان» أو «إلى فلان من فلان» وبقية الصّدر، والتخلص ب «أما بعد» أو غيرها، والاختتام بالسلام وغيره على ما تقدّم في الأسلوب الأوّل)
وقد اختلف العلماء في جواز الابتداء في المكاتبة باسم المكتوب إليه؛ فذهب جماعة من العلماء إلى جواز ذلك، محتجّين بأن الصّحابة رضي الله
(6/316)

عنهم، وبعض الملوك كانوا يكتبون إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كذلك. كما كتب إليه خالد ابن الوليد والنجاشيّ «1» والمقوقس «2» ، في إحدى الروايات، على ما سيأتي ذكره في المكاتبات إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وقد روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا كتب أحدكم فليبدأ بنفسه، إلّا إلى والد أو والدة أو إمام يخاف عقوبته» . وعن نافع قال: كانت لابن عمر إلى معاوية حاجة، فقال له ولده: إبدأ به في الكتاب، فلم يزالوا به حتّى كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم، إلى معاوية من عبد الله بن عمر» . وعن الأوزاعيّ «3» أنه كان يكتب إلى عمر بن عبد العزيز فيبدأ به فلا ينكر ذلك. وعن سعيد بن عبد العزيز قال: كتب عمر (يعني ابن عبد العزيز) إلى الحجّاج، فبدأ بالحجّاج قبل نفسه- فقيل له في ذلك- فقال: «بدأت به لأحقن دم رجل من المسلمين. قال سعيد:
فحقن له دمه. وعن بكر بن عبد الله أنه كتب إلى عامل في حاجة، فكتب:
«بسم الله الرحمن الرحيم، إلى فلان من بكر» - فقيل له: أتبدأ باسمه؟ فقال:
وما عليّ أن أرضي صاحبي وتقضى حاجة أخي المسلم؟ قال في «صناعة الكتّاب» : وعلى ذلك جرى التعارف في المكاتبة إلى الإمام.
وذهب قوم إلى كراهة ذلك؛ لأنه مأخوذ عن ملوك العجم. قال ميمون بن مهران: كان العجم يبدأون بملوكهم إذا كتبوا إليهم. وقد روي عن العلاء بن الحضرميّ أنه كتب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فبدأ بنفسه. وعن الربيع بن أنس قال: ما كان أحد أعظم حرمة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكان أصحابه يكتبون إليه يبدأون بأنفسهم. وعلى ذلك جرى «4» في «نهاية الأرب» فقال: كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأمراء
(6/317)

جيوشه يكتبون إليه كما يكتب إليهم، يبدأون بأنفسهم. وعن ميمون بن مهران أنه قال: كان ابن عمر إذا كتب إلى أبيه كتب «من عبد الله بن عمر إلى عمر بن الخطّاب» . وعن يحيى بن سعيد القطّان قال: قلت لسفيان الثوري: أكتب إلى أمير المؤمنين يعني المهديّ، قال: إن كتبت إليه بدأت بنفسي- قلت: فلا تكتب إليه إذن. وهذه الأقوال كلها جانحة إلى ترجيح بداءة المكتوب عنه بنفسه. قال أبو جعفر النحاس: وهذا عند أكثر الناس هو الإجماع الصحيح، لأنه هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم.
ولتعلم أن الذاهبين إلى جواز الابتداء باسم المكتوب إليه اختلفوا؛ فذهب قوم إلى أنه إنما يكتب «إلى فلان من فلان» كما تقدم في كتاب ابن عمر إلى معاوية، ولا يكتب «لفلان من فلان» . واستشهد لذلك بما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: يكتب الرجل «من فلان إلى فلان» ولا يكتب لفلان؛ وبما روي عن هشيم عن المغيرة عن إبراهيم أنه قال: كانوا يكرهون أن يكتبوا «بسم الله الرحمن الرحيم لفلان من فلان» . لكن قد روي أن رجلا كتب عند ابن عمر «بسم الله الرحمن الرحيم لفلان من فلان» فقال ابن عمر: مه! فإنّ اسم الله هو له إذن. ومقتضى ذلك أن الكراهة إنما هي لإيهام أن البسملة للمكتوب إليه، لا للابتداء باسم المكتوب إليه.
وذهبت طائفة إلى جواز أن يكتب « «لفلان من فلان» واحتجّ لذلك بما روي عن مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار أنّ ابن عمر كتب إلى عبد الملك ابن مروان: «بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، لعبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن عمر» وهو ظاهر، فقد كانت مكاتبة خالد بن الوليد والنّجاشيّ والمقوقس «لمحمد رسول الله» على ما سيأتي ذكره. وعلى ذلك «1» كانت
(6/318)

المكاتبة للخلفاء؛ فكان يكتب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، من عمّاله وغيرهم «لعبد الله عمر أمير المؤمنين» وعلى ذلك جرى الحال في المكاتبة إلى سائر الخلفاء بعده على ما ستقف عليه في مواضعه إن شاء الله تعالى.
الأسلوب الثالث (أن يفتتح الكتاب بلفظ أما بعد)
وعليه ورد بعض المكاتبات الصادرة عن النبي، صلّى الله عليه وسلّم، وعن الخلفاء من الصحابة فمن بعدهم في صدر الإسلام على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وكانوا بعد حدوث الدعاء في المكاتبات يتبعونها بالدعاء بطول البقاء غالبا، فيقال: «أما بعد، أطال الله بقاءك» ونحو ذلك؛ ثم أضرب بعض الكتّاب بعد ذلك. قال أبو هلال العسكري في كتابه «الصناعتين» : وكان الناس فيما مضى يستعملون في أوائل فصول الرسائل «أما بعد» وقد تركها جماعة من الكتّاب فلا يكادون يستعملونها. قال: وأظنّهم ألمّوا بقول ابن «1» القرّيّة- وقد سأله الحجاج عما ينكره من خطابته- فقال: إنك تكثر الرّذ، وتشير باليد، وتستعين بأمّا بعد. فتحاموها لهذه الجهة. ثم قال: فإن استعملتها اتّباعا للسلف ورغبة فيما جاء فيها من التأويل أنها فصل الخطاب، فهو حسن؛ وإن تركتها توخّيا لمطابقة أهل عصرك، وكراهة للخروج عما أصّلوه لم تكن ضائرا. أما الآن فقد ترك الابتداء في الكتب بأما بعد حتّى لا يكاد يعوّل عليها في الابتداء كاتب من كتّاب الزمان، ولا يفتتح بها مكاتبة. نعم يؤتى بها في أثناء بعض
(6/319)

المكاتبات على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على معناها وأوّل من قالها في الكلام على الفواتح في المقالة الثالثة، وكتّاب المغاربة ربما افتتحوا مكاتباتهم بلفظ وبعد.
الأسلوب الرابع (أن تفتتح المكاتبة بخطبة مفتتحة بالحمد لله)
وأصل هذه المكاتبة مختلس من الأسلوب الأوّل من قولهم: فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. ثم جاء عبد «1» الحميد بن يحيى كاتب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أميّة، فأطال التحميدات في صدور الكتب مع الإتيان بأما بعد، وتبعه الكتّاب على ذلك، ثم توسّعوا فيه حتّى كرّروا الحمد المرّات في الكتاب الواحد، لا سيما في أماكن النّعم الحادثة، كالفتوحات ونحوها؛ ثم توسّع بعض الكتّاب في ذلك حتّى جعل الحمد لله افتتاحا، واستمرّ ذلك إلى الآن. وعلى ذلك بعض المكاتبات السلطانية في زماننا، على ما ستقف على ذلك جميعه في مواضعه إن شاء الله تعالى.
ولا خفاء في أنّ الحمد أفضل الافتتاحات، وأعلى مراتب الابتداآت، وإن لم يقع الابتداء به في صدر الإسلام، فهو من المبتدعات المستحسنة. وحيث افتتحت المكاتبة بالحمد لله كان التخلّص منها إلى المقصود «بأما بعد» ؛ وربما وقع التخلّص بغير ذلك، ويكون الاختتام فيها تارة بالسلام، وتارة بالدّعاء، وتارة بغير ذلك. قال ابن شيث في «معالم الكتابة» : والتحميد في أوّل الكتب لا
(6/320)

يكون إلا في الكتب المكتوبة عن السلطان. قال: وغاية عظمة الكاتب أن يكرّر التحميد ثانية وثالثة في الكتاب، ثم يذكر الشهادتين والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
قلت: والتكرار في الحمد يكون بحسب مقدار النعمة المكتوب بسببها من فتح ونحوه.
الأسلوب الخامس (أن تفتتح الكتاب بلفظ «كتابي إليك» أو «كتابنا إليك من موضع كذا، أو في وقت كذا والأمر على كذا» وتشرح القضية؛ وتختم المكاتبة «بكتابنا إليك» بنحو قولك: «فإن رأيت أن تفعل كذا فعلت» والمكاتبة «بكتابي إليك» بنحو قولك: «فرأيك في كذا» وما يجري هذا المجرى)
والأصل في هذه المكاتبة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، كان يكتب في بعض المكاتبات الصادرة عنه: «هذا كتاب من محمد رسول الله إلى فلان، أو إلى الجماعة الفلانيين» . فلما كان أيام بني بويه في أثناء الدولة العباسية، استخرج كتّابها من هذا المعنى الابتداء «بكتابي إليك» إذا كانت المكاتبة إلى النظير ومن في معناه، والابتداء «بكتابنا إليك» إذا كانت المكاتبة عمّن له رتبة نون العظمة من الملوك ونحوهم؛ وكانوا يتبعون ذلك بالدعاء بطول البقاء نحو «كتابي اليك أطال الله بقاءك» أو «كتابنا إليك أطال الله بقاءك» . وربما عبر «بهذه «1» الخدمة» وما أشبه ذلك؛ ويكون التخلّص فيه إلى المقصد بواو الحال، مثل أن يقال: «كتابي إليك والأمر على كذا وكذا» ونحو ذلك؛ وربما وقع التخلّص بخلاف ذلك. ويكون الاختتام فيه تارة بالسلام وتارة بالدعاء، وتارة بغير ذلك. وكتّاب المغرب عدلوا عن لفظ الاسم في كتابي إلى لفظ الفعل. مثل أن يقال: «كتبنا إليك» أو «كتبت
(6/321)

إليك والأمر على كذا، أو من موضع كذا» .
الاسلوب السادس (أن تقع المكاتبة بلفظ «كتب» بصيغة الفعل)
وهذه المكاتبة كان يكتب بها عن الوزراء ومن في معناهم إلى الخلفاء.
فيكتب الوزير ونحوه: «كتب عبد أمير المؤمنين» أو «كتب العبد من محلّ خدمته بمكان كذا، والأمر على كذا وكذا» . وعلى نحو من ذلك يجري كتّاب المغاربة في الكثير من كتبهم، مثل «إنا كتبنا إليكم من محلّ كذا» أو «كتبت إليك من محلّ كذا» وما أشبه ذلك. وهذه في الأصل مأخوذة من الأسلوب الذي قبل.
الأسلوب السابع (أن يقع الافتتاح بالدعاء)
والأصل في ذلك ما حكاه أبو جعفر النحاس: إنّ معاوية بن أبي سفيان كتب إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، عند جريان الخلاف ووقوع الحرب بينهما: «أما بعد عافانا الله وإيّاك من السّوء» . ثم زاد الناس في الدعاء بعد ذلك.
وقد اختلف في جواز المكاتبة بالدّعاء في الجملة؛ فذهب ذاهبون إلى جواز ذلك كما يجوز الدّعاء في غير المكاتبة، سواء تضمّن الدعاء معنى الدّوام والبقاء أم لا. وهو الذي رجّحه محمد بن عمر المدائنيّ في كتاب «القلم والدواة» وإليه يميل كلام غيره أيضا، وحكاه النحاس عن أبي جعفر أحمد بن سلامة، وكلامه يميل إلى ترجيحه. أمّا ما يتضمن معنى الدّوام والبقاء، فلما روي أنّ النبي، صلّى الله عليه وسلّم، قال لأبي اليسر كعب «1» ابن عليّة: «اللهم أمتعنا به» قال النحاس: وذلك دليل الجواز، بل حكي عن بعضهم أنّ الدعاء بطول البقاء
(6/322)

أكمل الدعاء وأفخمه؛ لأنّ كل نعمة لا ينتفع بها إلا مع طول البقاء. ثم قال:
والمعنى في الدّعاء في المكاتبات التودّد والتحبّب؛ وقد أمر صلّى الله عليه وسلّم المسلمين أن يكونوا إخوانا، ومن أخوّتهم ودّ بعضهم بعضا. وكذلك القول بما يؤكّد الأخوّة بينهم والمودّة من بعضهم لبعض، وإذا قال له ذلك، كان قد بلغ من قلبه نهاية مبلغ مثله منه، ويكون من قال ذلك قد علم من قلبه في شأنه ما يكون من قلب مثله. وقد قال الشيخ محيي الدين النوويّ: من قال لصاحبه- حفظا لمودّة-:
«أدام الله لك النّعم» ونحو ذلك فلا بأس به.
وأمّا ما لم يتضمن معنى الدوام والبقاء، كالعزّ والكرامة، فقد روي عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من رأى منكم مقتل حمزة؟
فقلت: أعزّك الله! أنا رأيته» . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل جرير بن عبد الله على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فضنّ الناس بمجالسهم فلم يوسّع له أحد، فرمى له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ببردته «1» وقال: اجلس عليها يا جرير، فتلقّاها بوجهه ونحره فقبّلها ثم ردّها على ظهره وقال: أكرمك الله يا رسول الله كما أكرمتني» فقد دعا له صلّى الله عليه وسلّم كعب بن مالك بالعز، وجرير بن عبد الله بالكرامة ولم ينكر ذلك على واحد منهما.
وذهب آخرون إلى أنه لا تجوز المكاتبة بالدّعاء، سواء تضمّن معنى الدوام والبقاء أم لا؛ لأنه خلاف ما وردت به السنة وجرى عليه اصطلاح السّلف.
وفصّل بعضهم فقال: «إن كان الدعاء مما لا يتضمّن معنى الدوام والبقاء نحو «أكرمك الله بطاعته» و «تولّاك بحفظه» و «أسعدك بمعرفته» و «أعزّك بنصره» جاز؛ لحديثي كعب بن مالك وجرير بن عبد الله المتقدّمين. وإن كان مما
(6/323)

يتضمّن معنى الدوام والبقاء، نحو «أطال الله بقاءك» و «نسأ أجلك» و «أمتع بك» وما أشبه ذلك، لم تجز المكاتبة به.
واحتجّ لذلك بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «أنّ أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، زوج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالت: اللهمّ، أمتعني بزوجي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية- فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لقد دعوت لآجال مضروبة، وأرزاق مقسومة لا يتقدّم منها شيء قبل أجله ولا يتأخّر بعد أجله، ولو سألت الله أن يقيك عذاب النار لكان خيرا لك» . وبما روي أن الزّبير بن العوّام، رضي الله عنه، قال للنّبي صلّى الله عليه وسلّم: «جعلني الله فداك» فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«أما تركت أعرابيّتك بعد» ؟ فقد أنكر صلّى الله عليه وسلّم على أمّ حبيبة والزبير الدعاء بما فيه طول البقاء. وإذا امتنع ذلك في مطلق الدعاء، امتنع في المكاتبة من باب أولى؛ لمخالفة طرقها التي وردت بها السنة. قال حمّاد بن سلمة: كانت مكاتبة المسلمين «من فلان إلى فلان، أما بعد، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأسأله أن يصلّي على محمد عبده وآل محمد» حتّى أحدث الزنادقة- لعنهم الله- هذه المكاتبة التي أوّلها «أطال الله بقاءك» .
وعن إسماعيل بن إسحاق أنّ أوّل من كتب «أطال الله بقاءك» الزنادقة. وقد قال الإمام الرافعيّ وغيره من أئمة أصحابنا الشافعية: إن الدعاء بالطّليقة- وهي أطال الله بقاءك- لا أصل له في الشرع. قال الشيخ محيي الدين النوويّ: وقد نصّ السلف على كراهته. ونقل النحاس عن بعضهم أنه استحبّ تقييده بالإضافة إلى شيء آخر، مثل أن يكتب «أطال الله بقاءك في طاعته وكرامته» أو «أطال الله بقاءك في أسرّ عيش وأنعم بال» وما أشبه ذلك.
واعلم أنّ الناس قد اختلفوا في صورة الابتداء بالدعاء؛ فالأوّلون- لابتداع الدّعاء في المكاتبات- كانوا يفتتحون بطول البقاء للخلفاء وغيرهم؛ ثم توسّعت الطبقة الثانية من الكتّاب في المكاتبة فافتتحوا بالدعاء للخلفاء والملوك بخلود الملك، ودوام الأيام، ودوام السّلطان وخلوده، وما في معنى ذلك؛
(6/324)

ولمن دونهم بعد النّصر والنّصرة والأنصار بدوام النّعمة وخلود السّعادة ومدّ الظّل وإسباغ الظّلال، وغير ذلك مما يأتي ذكره في الكلام على مصطلح كل طبقة فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ثم للكتّاب في الخطاب «1» بالدّعاء مذهبان:
أحدهما- أن يقع الدعاء بلفظ الخطاب، نحو «أطال الله بقاءك، وأعزّك الله، وأكرمك الله، وأدام كرامتك وسعادتك» وما أشبه ذلك.
والثاني- أن يقع بلفظ الدعاء للغائب مثل: «أطال الله بقاء أمير المؤمنين» و «أطال الله بقاء سيّدي» و «أطال الله بقاء مولانا» أو «أعز الله أنصار المقام أو المقرّ» أو «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب» أو «أدام الله نعمة الجناب أو المجلس» وما أشبه ذلك.
قال في «صناعة الكتّاب» : وهو أجلّ الدعاء فيما اصطلحوا عليه. قال:
ورأيت عليّ بن سليمان ينكر ذلك ويقول: الدعاء للغائب جهل باللّغة، ونحن ندعو الله عزّ وجلّ بالمخاطبة.
الأسلوب الثامن (أن يفتتح الكتاب بالسلام)
ويقع التخلّص إلى المقصود بلفظ «ونبدي لعلمه» أو نحو ذلك؛ ويقع الاختتام فيه بالسلام أيضا، وهو منتزع من قولهم في صدر المكاتبة في الأسلوب الأوّل: سلام عليك فإنّي أحمد إليك الله، تصرّف الكتّاب فيه فجعلوا السّلام في ابتداء المكاتبة، وصاروا يبتدئونها بنحو سلام الله ورحمته وبركاته» . وقد كانوا يبتدئون المكاتبة إلى الخلفاء ببغداد في الدولة الأيّوبية بالديار المصرية بالسلام في بعض الأحيان، وعلى ذلك استقرّت المكاتبة عن الخليفة الآن. وبه يفتتح
(6/325)

بعض المكاتبات إلى مشايخ الصّوفيّة، على ما سيأتي في الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال في «صناعة الكتّاب» : وإنما قدّموا السّلام على الرحمة لتصرّفه؛ لأنه من أسماء الله تعالى أو جمع سلامة. قال في «موادّ البيان» : أو اسم للجنّة كما في قوله تعالى: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ
«1» ثم عقّب ذلك بأن قال:
والسّلام في هذا الموضع من السّلامة، وتقديم السلامة التي تكون في الدنيا أولى من تقديم الرحمة التي تكون في الآخرة.
الأسلوب التاسع (أن يفتتح الكتاب بيقبّل الأرض)
ويتخلص إلى المقصود بلفظ «وينهي» ويقع الاختتام ب «طالع» أو «أنهى» وهذه المكاتبة مما هو موجود في بعض مكاتبات القاضي الفاضل، ولم أرها فيما قبله؛ وكأنهم لما استعملوا في صدور المكاتبات إلى الخلفاء المكاتبة بيقبّل الأرض والعتبات ونحو ذلك، استنبطوا منه ابتداء مكاتبة وجعلوها لمكاتبة الرّؤساء من السلطان ومن في معناه بالنّسبة إلى المرؤوس. والأصل في ذلك أن تحيّة الملوك والرّؤساء والأكابر في الأمم الخالية كانت بالسّجود، كما يحيّي المسلمون بعضهم بعضا بالسلام. وقد قال قتادة في قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف عليهم السّلام: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً «2»
: كانت تحيّة الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض، وعليه حمل قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا «3» *
على أحد التفاسير، وهو المرجّح عند الإمام فخر الدين وغيره من المفسّرين. قال الشيخ عماد الدين بن كثير رحمه الله في تفسيره: وكان ذلك
(6/326)

مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملّتنا. قال معاذ «يا رسول الله! إنّي قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم فأنت يا رسول الله أحقّ أن يسجد لك. فقال: [لا] «1» لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها من عظم حقّه عليها» . وعن صهيب: «أن معاذا [لما] «2» قدم من اليمن سجد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال يا معاذ، ما هذا؟ قال: إن اليهود تسجد لعظمائها وعلمائها، ورأيت النصارى تسجد لقسّيسيها وبطارقتها، قلت ما هذا؟
قالوا: تحيّة الأنبياء- فقال عليه السّلام: كذبوا على أنبيائهم» . وعن سفيان الثوريّ عن سماك بن هانيء قال: دخل الجاثليق «3» على عليّ بن أبي طالب، فأراد أن يسجد له، فقال له عليّ: اسجد لله ولا تسجد لي.
فلما وردت شريعة الإسلام بنسخ التحيّة بالسجود وغلب ملوك العجم على الأقطار، استصحبوا ما كان عليه الأمر في الأمم الخالية، وعبّروا عنه بتقبيل الأرض فرارا من اسم السّجود ولورود الشريعة بالنهي عنه؛ واستمر ذلك تحية الملوك إلى الآن، فاستعار الكتّاب ذلك ونقلوه من الفعل إلى اللّفظ، فاستعملوه في مكاتباتهم إلى الخلفاء والملوك؛ ثم توسّعوا في ذلك فكاتبوا به كلّ من له عظمة بالنسبة إلى المكتوب عنه، ورتّبوه مراتب على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. ولا خفاء فيما في هذه المكاتبة من الكراهة.
الأسلوب العاشر (أن يفتتح الكتاب «بيقبّل اليد» وما في معناها من الباسط والباسطة)
ويقع التخلّص منه إلى المقصود بما يقع به التخلص في الأسلوب الذي
(6/327)

قبله من الانتهاء «1» ويختم بالدعاء ونحوه.
والأصل في هذه المكاتبة أنّ يقبّل اليد وما في معناها مما يؤذن بالتعظيم، والتبجيل والتكريم، وعلوّ القدر وزيادة الرفعة، مع أنه ليس بممنوع في الشريعة.
فقد ثبت في الصحيحين في حديث الإفك: «أنه لما أنزل الله تعالى براءة أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قال لها أبوها: قومي إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقبّلي يده» . ولم يكن الصدّيق، رضي الله عنه، ليأمرها بما هو ممنوع في الشريعة.
وقد نصّ الفقهاء رحمهم الله على أنه يجوز تقبيل يد العالم والرجل الصالح ونحوهما، فاستعار الكتّاب ذلك ونقلوه من الفعل إلى الكتابة أيضا، كما فعلوا في تقبيل الأرض، ورتّبوه مراتب على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. على أنّ بعض الكتّاب قد جعل «يقبّل القدم» رتبة بين «يقبّل الأرض» و «يقبّل اليد» وما في معناها، وهو ظاهر لكنه لم يشتهر في عرف الكتّاب.
الأسلوب الحادي عشر (أن يفتتح الكتاب بلفظ «صدرت المكاتبة» )
ويتخلص فيها إلى المقصود بلفظ «وتوضّح لعلمه» أو «موضّحة لعلمه» وما أشبه ذلك. ويقع الاختتام فيها بمثل «والله الموفّق» ونحو ذلك. وربما قيل فيها: «أصدرت هذه المكاتبة» أو «أصدرناها» .
وأصل هذه المكاتبة أنه كان يكتب في الدّولة السّلجوقيّة ببغداد، والدولة الأيّوبيّة بالديار المصرية «صدرت هذه الخدمة» أو «أصدرت هذه الخدمة» .
وربما كتب «صدرت هذه الجملة» فعدل عنه كتّاب الزمان بالديار المصرية ومن قاربهم إلى التعبير بقولهم: «صدرت هذه المكاتبة» . على أن كتّاب الزمان بالديار المصرية إنما أخذوها من صدور المكاتبات المفتتحة بالدعاء مثل «أعزّ الله أنصار المقرّ» ، حيث يقال في تصديرها «أصدرناها» ومثل «ضاعف الله
(6/328)

نعمة الجناب» و «أدام الله نعمة الجناب أو المجلس» وما أشبه ذلك. حيث يقال في تصديرها: «صدرت هذه المكاتبة» فجعلوا الصّدور ابتداء.
الأسلوب الثاني عشر (أن يفتتح الكتاب بلفظ «هذه المكاتبة» )
ويتخلص منها إلى المقصود بنحو ما وقع التخلّص به في الأسلوب الذي قبله، ويقع الاختتام بمثل ما وقع به اختتامه.
وهذه المكاتبة مأخوذة في الأصل من ابتدائهم في الأسلوب الخامس بلفظ: «كتابي إليك» وما في معناه، على أن كتّاب الزمان إنما أخذوا ذلك من المكاتبة التي قبلها، فجعلوا بعض الصّدر فيها ابتداء، كما جعلوا جميع الصّدر ابتداء في الأسلوب الذي قبلها.
الأسلوب الثالث عشر (أن يفتتح الكتاب بالإعلام)
كما يكتب كتّاب الزمان: «يعلم فلان أنّ الأمر كذا وكذا» والاختتام فيها بمثل الأسلوبين اللذين قبلها ولا تخلّص فيها؛ لأن الافتتاح فيها موصّل إلى المقصود. على أن الصواب إثبات اللام في أوّلها، بأن يقال: «ليعلم فلان» لأن لام الأمر لا يجوز حذفها على ما تقرّر في آخر المقالة الثالثة. وعلى ذلك كتب غازان أحد ملوك بني جنكزخان ببغداد وما معها إلى الملك الناصر «محمد بن قلاوون» صاحب الديار المصرية، وكتب الجواب عن الملك الناصر إليه كذلك، على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
الأسلوب الرابع عشر (أن يفتتح الكتاب بلفظ «يخدم» )
مثل «يخدم الجناب» أو «يخدم المجلس» وما أشبه ذلك. ويكون
(6/329)

التخلّص منها بمثل: «وينهي» أو «ويبدي» ونحو ذلك، ويقع الاختتام فيها بالدعاء.
وهذه المكاتبة كانت مستعملة في مكاتبات الفاضل بقلّة، وتداولها الكتّاب بعد ذلك إلى أن صارت مستعملة بين الكتّاب في المكاتبات الدائرة بين أهل الدّولة في زماننا؛ ثم رفضت بعد ذلك وتركت حتّى لم يستعملها منهم إلا القليل النادر.
الأسلوب الخامس عشر (أن يفتتح الكتاب بلفظ الخلافة أو المقام الذي شأنه كذا، أو الإمارة التي شأنها كذا)
مثل: «خلافة فلان» أو «مقام فلان» أو «إمارة فلان» وما أشبه ذلك.
ثم يقع التخلّص في ذلك بمثل: «معظّم مقامها يخصّها بسلام صفته كذا ويبدي لعلمها كذا» وما أشبه ذلك. ويقع الاختتام فيها بالسلام، وهذا الأسلوب مما اختص به كتّاب المغرب لا سيما المتأخرّون منهم، على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
قلت: ووراء هذه الأساليب أساليب أخرى لكتّاب أهل الشّرق والغرب بالديار المصرية في الأزمنة المتقدّمة، لا يأخذها حصر، ولا تدخل تحت حدّ، وأكثر ما تكون في الإخوانيات، وسيأتي ذكر الكثير من أنواعها في مواضعه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الجملة الثانية (في المكاتبات إلى أهل الكفر؛ وللكتّاب فيه أسلوبان)
الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «من فلان إلى فلان» )
وعلى ذلك كتب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، إلى أهل الكفر، وكان يكتب في
(6/330)

مكاتباته صلّى الله عليه وسلّم: «السّلام على من اتّبع الهدى» بدل «والسّلام» ويتخلّص فيها بأمّا بعد تارة، وبغيرها أخرى؛ وعلى ذلك جرى الخلفاء من الصحابة رضي الله عنهم، وخلفاء بني أميّة، وخلفاء بني العبّاس ببغداد، ومن شاركهم في الأمر من ملوك بني بويه وبين سلجوق ومن في معناهم. وتختتم هذه المكاتبة تارة بلفظ «والسّلام على من اتبع الهدى» إن لم يذكر السّلام في الأوّل، وتارة بغير ذلك.
الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة بالدعاء)
كما يكتب كتّاب الزمان «أطال الله بقاء الحضرة الفلانية: حضرة الملك الفلاني» أو «أطال الله بقاء الملك الفلاني» وما أشبه ذلك. وقد تقدّم الخلاف في أصل جواز المكاتبة بالدّعاء، وما قيل في الدعاء بطول البقاء وما في معناه، من الكراهة، وأنّ جماعة من العلماء والكتّاب أجازوه.
فإن قيل: على تقدير جواز ذلك في حقّ المسلم، فكيف يجوز في حقّ الكافر؟ فالجواب أنه قد ورد «أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، استسقى فسقاه يهوديّ، فقال له:
جمّلك الله، فما رؤي الشّيب في وجهه حتّى مات» فقد دعا صلّى الله عليه وسلّم ليهوديّ بالجمال، وقد لا يكون في طول بقائه على الإسلام ضرر، بل قد يكون فيه نفع، كحمل جزية ونحوه، وإنما يمنع الدعاء له بالعزّ والنّصر وما في معنى ذلك.
تنبيه- اعلم أن الأجوبة قد تفتتح بما تفتتح به الابتداءات من الأساليب المتقدّمة، ثم يؤتى بالأجوبة في أثنائها مثل أن يقال: «وقد وصل كتاب المجلس أو الجناب» أو «وردت مكاتبته» أو «عرضت مكاتبته على أمير المؤمنين، أو على المسامع الشريفة» وما أشبه ذلك. وقد يجعل الجواب ابتداء، فيفتتح الكتاب بنحو: «عرضت مكاتبتك على أمير المؤمنين» مثلا كما كان يكتب في الزمن المتقدّم، أو «عرضت المكاتبة الواصلة من جهة المجلس أو الجناب الفلانيّ على المسامع الشريفة» أو «وردت مكاتبته» أو «وصلت مكاتبته»
(6/331)

ونحو ذلك، ويؤتى على ما تضمّنته المكاتبة وما اقتضاه الجواب عنه؛ ثم يؤتى في الاختتام بنظير ما يؤتى به في المكاتبة المبتدأة.
الطرف الثاني (في ذكر لواحق المكاتبات ولوازمها، وفيه ستّ جمل)
الجملة الأولى (في التّرجمة عن المكتوب عنه)
أما الترجمة عن السلطان، فقد ذكر ابن شيث أنّ مصطلح الدولة الأيوبيّة أن يكتب لأرباب خدمته العلامة فإنها أليق به معهم. فإن أراد تمييز أحد منهم، كتب له بخطه شيئا مكان العلامة. وأنّ ترجمته للفقهاء والقضاة وذوي التنسّك «أخوه» و «ولده» . وذكر أن الأحسن أن يقال في «ولده» «محل ولده» لقوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ
«1» أما «أخوه» فلا حرج عليه فيه: لقوله تعالى:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ «2»
وقوله: فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ «3» *
وذكر أنه يترجم لهؤلاء من وليّ الأمر أيضا: «المعترف ببركته» و «المتبرّك بدعائه» و «المرتهن بمودّته» . وذكر أنّ الفقهاء والقضاة وذوي التنسّك يترجمون عن أنفسهم ب «الخادم» ودون ذلك «خادمه» .
قال: وربما ترفّعوا عن الترجمة بهذه اللفظة مطلقا فقالوا: «الخادم بالدّعاء الصالح» أو «الخادم بدعائه» . قال: وأهل الورع خاصة يترجمون ب «الفقير إلى رحمة الله» . وربما راعوا المترجم له مثل أن يكون وليّ الأمر، فيقول: «العبد الفقير إلى رحمة الله» ويعني أنه عبد الله، ويحصل بذلك المقصود من الأدب مع السلطان. ومنهم من يكتب: «الدّاعي لدولته»
(6/332)

و «المبتهل بدعائه الصالح لأيّامه» و «المواظب على خدمته بالدعاء» وأمثال ذلك. قال: وأكثر الناس يرى الترجمة لولده، فإن ترجم له لم يسمّ اسمه لأنه ليس له والدان، ولا أقل من أن يكون بينه وبين من يكتب بوالده غير الأب هذا الفرق؛ فأما أن يقول: «والده فلان بن فلان» بحيث يذكر اسم أبيه فقبيح. ثم قد كانوا في الزمن الأوّل يكتفون بذكر اسم المكتوب عنه في صدر الكتاب وعنوانه، نحو: «من فلان إلى فلان» ثم أحدث الكتّاب في أيام بني بويه وما بعدها تراجم رتّبوها، بعضها أرفع من بعض.
وقد ذكر في «ذخيرة الكتّاب» لذلك مراتب في الصّدور والعنوان بعضها أعلى من بعض، فجعل أعلاها بالنسبة إلى المكتوب عنه أن يكتب اسمه، ودونه «صديقه» ودونه «محبّه» ودونه «شاكره» ودونه «المعتدّ به» ودونه «أخوه» ودونه «وليّه» ودونه «عبده» ودونه «خادمه» ودونه «عبده وخادمه» ودونه «العبد» ودونه «العبد الخادم» ودونه «الصّنيعة «1» » ودونه «مملوكه» ودونه «المملوك» ودونه «المملوك الصّنيعة» . وهو الأعلى بالنسبة إلى المكتوب إليه. ثم قال: ويتفرّع من هذه الأصول فروع كثيرة لا تحصر مما يختاره الكتّاب ويقترحونه ويبتكرونه، ويكاتبون به أصدقاءهم وأودّاءهم «2» حسب ما تقتضيه مودّاتهم وتوجبه مصافاتهم، كصفيّ مودّته، والمفتخر بمحبته، والمعتمد على أخوّته، وعبد مودّته، وخادم مجده، وشاكر أياديه، وحامد تفضّله، والمعتدّ بتطوّله وما يجري هذا المجرى مما هو أوسع من أن يجمع وأكثر من أن يحصر؛ ولكنه أكثر ما يكون بين النّظراء والأقران.
ورتّب عبد الرحيم بن شيث في «معالم الكتابة» ترتيبا آخر، فذكر أن الترجمة إلى ديوان الخلافة من ذوي الولايات كلّهم «العبد» ومن الملوك كلّهم
(6/333)

«الخادم» وأن الترجمة إلى الملوك من الأجناد كلّهم «المملوك» مع النسبة إلى أشهر ألقاب الملك، كالناصريّ للناصر، والعادليّ للعادل، وما جرى مجرى ذلك. ودون المملوك في الخضوع: «عبده، وخادمه» ودونه «العبد» مفردة.
ودونه «مملوكه» ودونه «العبد الخادم» ؛ لأن الثاني كأنه ناسخ للأوّل، ودونه «الخادم» ودونه «عبده» ودونه «خادمه» ودونه «عبده وأخوه» ودونه «أخوه» ودونه «شاكر تفضّله» ودونه «شاكر إحسانه» ودونه «شاكر مودّته» ودونه «وليّه وصفيّه» ودونه «محبّه ووادّه وشاكره» . ودونه الاسم، ودونه العلامة.
ثم قال: أما «أصغر المماليك» وما يجري مجراها، فلا يليق من الأجانب. ورأيت في دستور صغير في المكاتبات يعزى للمقرّ الشهابيّ بن فضل الله، أنّ أكبر الآداب في اسم المكتوب عنه بالنسبة إلى المكتوب إليه «المملوك» ثم «المملوك الرّقّ» ثم «المملوك الأصغر» ثم «المملوك المحبّ» ثم «المملوك الدّاعي» ثم «مملوكه ومحبه» ثم «الخادم» ثم «خادمه» ثم «أخوه» ثم «محبّه» ثم «شاكره» ثم «الفقير إلى الله تعالى» . ولا يخفى ما في بعض هذه التراجم من التخالف بين ما ذكره وما تقدّم ذكره عن «ذخيرة الكتّاب» .
والذي استقرّ عليه الحال في زماننا في ترجمة العلامة بالقلم الشريف السلطاني «أخوه» ثم «والده» ثم الاسم؛ وفي حق غيره «المملوك» ثم الاسم.
وربما كتب بعضهم «العبد» بدل الاسم تواضعا، على أنهم قد اختلفوا في جواز التّرجمة بالعبد والمملوك، فذهب بعضهم إلى منع ذلك، محتجّا بما روي أن النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يقولنّ أحدكم عبدي ولا أمتي «1» ، كلّكم عبيد الله وكلّ نسائكم إماء الله ولكن غلامي وجاريتي» . والذي عليه العمل جواز ذلك احتجاجا بقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ «2»
والاستدلال به لا يخلو من نزاع، وقضاة القضاة يكتبون «الدّاعي» .
(6/334)

الجملة الثانية (في العنوان، وفيه سبع لغات)
حكاها صاحب «ذخيرة الكتّاب» . واقتصر في «صناعة الكتّاب» على ذكر بعضها: إحداها عنوان- بضم العين وواو بعد النون. والثانية عنيان- بضم العين وياء تحتية بعد النّون. والثالثة عنيان- بكسر العين. والرابعة علوان- بضم العين ولام بدل النون. والخامسة علوان- بفتحها. والسادسة علوان- بكسرها.
والسابعة عليان بالكسر مع إبدال الواوياء؛ ويجمع عنوان على عناوين، وعلوان على علاوين. ويقال: عنونت الكتاب عنونة وعلونته علونة، وعنّنته بنونين الأولى منهما مشدّدة تعنينا، وعنّيته بنون مشدّدة بعدها ياء تعنية، وعنوته أعنوه عنوا بفتح العين وسكون النون، وعنوّا بضمّهما وتشديد الواو.
واختلف في اشتقاقه؛ فمن قال عنوان، جعله مأخوذا من العنوان بمعنى الأثر؛ لأن عنوان الكتاب [أثر بيان] «1» ممن هو وإلى من هو. قال النحاس:
وأكثر الكتّاب لا يعرف غير هذا؛ واحتجّوا لذلك بقول الشاعر يذكر قتل أمير المؤمنين «عثمان بن عفّان» رضي الله عنه: (بسيط)
ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا
وزعم بعضهم أن العنوان مأخوذ من قول العرب: عنت الأرض تعنو إذا أخرجت النبات، وأعناها المطر إذا أظهر نباتها. قال النحاس: فيكون عنوان على هذا فعلانا ينصرف في النّكرة ولا ينصرف في المعرفة. وقيل هو مأخوذ من عنّ يعنّ، إذا عرض وبدا. قال النحاس: فعلى هذا ينصرف في النّكرة والمعرفة لأنه فعلال.
ومن قال: علوان، أبدل من النون لاما، كما في صيدلانيّ وصيدنانيّ؛
(6/335)

فيكون الاشتقاق واحدا. وقيل علوان مشتقّ من العلانية؛ لأنه خطّ ظاهر على الكتاب.
ومن قال: عنيان وعنيان، جعله من عنيت فلانا بكذا إذا قصدته. قال في «موادّ البيان» : والعنوان كالعلامة، وهو دالّ على مرتبة المكتوب إليه من المكتوب عنه. والأصل «1» فيه الإخبار عن اسمهما حتّى لا يكون الكتاب مجهولا، والمراد أنه يكتب فيه «من فلان إلى فلان» أو «لفلان من فلان» قال:
ولم يزالوا يكاتبون بأسمائهم إلى أن ولي عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه، الخلافة ولقّب بأمير المؤمنين، فكتب: «من عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب» . ثم وقع الاصطلاح على العنونة للرّؤساء والنّظراء والمرؤوسين والأتباع بالأسماء؛ ثم تغيّر هذا الرسم أيضا.
وكان المأمون يكتب في أوّل عنوانات كتبه: بسم الله الرحمن الرحيم، فكانت تكتب قبل اسم المكتوب إليه والمكتوب عنه. وقد ذكر أبو جعفر النحاس أن ذلك بقي إلى زمانه، وكان بعد الثلاثمائة. قال في «موادّ البيان» : ثم بطل بعد ذلك. قال: والأصل فيه أن يبتدأ باسم المكتوب عنه ثم باسم المكتوب إليه وهو الترتيب الذي تشهد به العقول؛ لأن نفوذ الكتاب من المكتوب عنه إلى المكتوب إليه كنشء الشيء وخروجه من ابتداء إلى نهاية. فابتداؤه من المكتوب عنه، وانتهاؤه إلى المكتوب إليه؛ ولفظ «من» يتقدّم لفظ «إلى» بالطبع؛ لأن حرف «من» ينبيء عن منشإ الشيء، و «إلى» حرف يخبر عن النهاية التي عندها قرار الشيء، والابتداآت في الأشياء قبل النّهايات.
قال: وعلى هذا كانت كتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومن سلف من الأمم الماضية؛ ثم عرض للناس رأي في تغيير هذا الرّسم إلى غيره، ففرّقوا بين مراتب المكاتبين من الرؤساء والعظماء والخدم والأتباع بتقديم اسم المكتوب
(6/336)

إليه إذا قصدوا إعظامه وإجلاله وتأخير اسم المكتوب عنه، ورأوا أنه الصواب الصحيح. على أن كتّاب زماننا يقتصرون في أكثر عنواناتهم على ذكر المكتوب إليه دون المكتوب عنه ولا يذكرون المكتوب عنه إلا في مكاتبات خاصّة قليلة.
قال في «صناعة الكتّاب» : ولا يتكنّى المكتوب عنه على نظيره، بل يتسمّى له ولمن فوقه، ثم يقول: المعروف بأبي فلان. وإن كانت كنيته أشهر من اسمه واسم أبيه، جاز أن يكتب كنيته «1» بغير ألف ويجريها مجرى الأسم. قال النحاس: وإن كان الكتاب إلى اثنين أحدهما أكبر من الآخر، فيقدّم الأكبر، وكذلك لو كان لى ثلاثة. قال أبو جعفر النحاس: وقد استحسن جماعة أن يصغّر اسم المكتوب عنه على عنوانات الكتب، ورأوا أن ذلك تواضع. وما ذكره هو المستعمل في المكاتبات الجاري عليه حكم الدواوين إلى زماننا. والأصل في ذلك ما ذكره النحاس أن الحجاج بن يوسف، كتب إلى عبد الملك بن مروان وهو خليفة، في طومار «2» : «لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين» ثم كتب في طرّته بقلم ضئيل: من الحجّاج بن يوسف، فجرى الكتّاب على أسلوبه فيما بعد.
قال في «معالم الكتابة» : ولا يكثر النعوت ولا الدّعاء على العنوان للسلطان ولا للكبراء، أما من الأعلى «3» إلى الأدنى فحسن. وقد تقدم في مقدّمة الكتاب أن صاحب ديوان الإنشاء هو الذي يعنون الكتب السلطانية، وأنها كانت لا تعنون قبل كتابة السلطان عليها علامته. والذي استقرّ عليه الحال في كتب السلطان وما في معناها من المشتملة على الألقاب أن تكتب الألقاب في العنوان، ويدعى فيها بدعوة واحدة وهي المفتتح بها المكاتبة.
(6/337)

الجملة الثالثة (في طيّ الكتاب وختمه)
أما طيّه فمعروف، وهو أن يلفّ بعضه على بعض لفّا خاصّا. والطّيّ في اللغة خلاف النّشر؛ ويقال: طوى الكتاب يطويه طيّا، ومنه قوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ
«1» . والترتيب في ذلك أن تكون الكتابة إلى داخل الكتاب؛ لأن المقصود صون المكتوب فيه.
ثم للناس في صورة الطيّ طريقتان:
الطريقة الأولى- أن يكون لفّه مدوّرا كأنبوبة الرّمح
، وهي طريقة كتّاب الشرق من قديم الزمان وإلى الآن.
والطريقة الثانية- أن يكون طيّه مبسوطا في قدر عرض أربعة أصابع مطبوقة
، وعلى ذلك كان الحال جاريا في الدولة الأيّوبية بالديار المصريّة. فقد ذكر عبد الرحيم بن شيث «2» من كتّاب دولتهم، أنّ طيّ الكتب السلطانية يكون عرض أربعة أصابع، وكذلك من العلية إلى من دونهم، أما الكتاب من الأدنى إلى الأعلى فلا يتجاوز به عرض إصبعين، وهذا ظاهر في أنّ الطّيّ يكون عريضا لا مدوّرا، وهي طريقة أهل المغرب والرّوم والفرنج.
وأما ختمه، فالختم مصدر ختم، يقال: ختم الكتاب يختمه ختما، ومعناه الطّبع، ومنه قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ
«3» والمراد شدّ رأس الكتاب والطبع عليه بالخاتم، حتّى لا يطّلع أحد على ما في باطنه حتّى يفضّه المكتوب إليه، على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وهو أمر
(6/338)

مطلوب مرغّب فيه، فمن كلام عمر رضي الله عنه: «طينة خير من ظنّة» يعني أنّ ختم الكتاب بطينة خير من ظنّة تقع في الكتاب بالنظر فيه أو زيادة أو نقص، والظّنّة التّهمة. ومن كلام غيره: «اختم تسلم» . ومن كلام غيره: «إن طيّنت وإلّا وقعت» يعني إن طيّنت الكتاب وإلا وقعت في المحذور. ويقال: إنّ في ختم الكتاب تعظيما للمكتوب إليه. قال بزرجمهر أحد ملوك الفرس: من لم يختم كتابا فقد استخفّ بصاحبه، وجهّل في رأيه. وقد قيل: إن أوّل من ختم الكتاب سليمان عليه السّلام؛ وقد فسّر قوله تعالى حكاية عن بلقيس: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
«1» بأنه مختوم. وعلى نهجه في ذلك جرت ملوك العجم. قال في «موادّ البيان» : ولم تزل كتب العرب منشورة حتى كتب عمرو «2» بن هند الصحيفة إلى المتلمّس «3» ، فقرأها ولم يوصّلها، فختمت العرب الكتب من حينئذ. وقد ورد في الحديث «أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أراد أن يكتب إلى بعض العجم فقيل له: يا رسول الله، إنهم لا يقرأون كتابا غير مختوم، فأمر أن يتّخذ له خاتم حديد، فوضعه في إصبعه، فأتاه جبريل عليه السّلام فقال له: انبذه من
(6/339)

إصبعك، فنبذه وأمر أن يتّخذ له خاتم نحاس فوضعه في إصبعه فأتاه جبريل عليه السّلام فقال: انبذه من إصبعك فنبذه، ثم أمر أن يتّخذ له خاتم، فاتّخذ له خاتم من فضة فختم به، وكتب إلى من أراد أن يكتب من الأعاجم؛ ونقش عليه «محمد رسول الله» ثلاثة أسطر؛ وكان الخاتم في يد رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، حتّى قبضه الله تعالى؛ ثم تختّم به أبو بكر رضي الله عنه حتّى قبض؛ ثم تختّم به عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتّى قتل؛ ثم تختّم به عثمان رضي الله عنه، فبينما هو ذات يوم على بئر أريس من بئار المدينة، إذ عبث بالخاتم فسقط من يده، فنزح كلّ ما كان في البئر من الماء فلم يوجد؛ فلما يئس منه أمر أن يصاغ له خاتم مثله وينقش عليه «محمد رسول الله» ففعل ذلك وتختّم به. هكذا أورده صاحب «ذخيرة الكتاب» وبعضه في الصحيح. وقيل: إن نقش الخاتم الذي اتخذه كان «آمنت بالّذي خلق فسوّى» . وقيل: كان نقشه «لتصبرنّ أو لتندمنّ» .
ثم كان لكلّ من الخلفاء بعد عثمان رضي الله عنه خاتم يختم به، عليه نقش مخصوص؛ فكان نقش خاتم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه «الملك لله الواحد القهّار» ونقش خاتم ابنه الحسن «لا إله إلا الله الملك الحقّ المبين» ونقش خاتم معاوية بن أبي سفيان «لكلّ عمل ثواب» وقيل:
«لا قوّة إلّا بالله» ونقش خاتم يزيد بن معاوية «ربّنا الله» ونقش خاتم معاوية بن يزيد «الدّنيا غرور» «1» ونقش خاتم مروان ابن الحكم «الله ثقتي ورجائي» ونقش خاتم عبد الملك ابن مروان، «آمنت بالله مخلصا» ونقش خاتم الوليد بن عبد الملك «يا وليد، إنّك ميّت ومحاسب!» ونقش خاتم عمر بن عبد العزيز «عمر بن عبد العزيز يؤمن بالله» ونقش خاتم يزيد بن عبد الملك «قني «2»
(6/340)

السّيّئات «1» يا عزيز» ونقش خاتم هشام بن عبد الملك «الحكم للحكم الحكيم» ونقش خاتم الوليد بن يزيد «يا وليد احذر الموت» ونقش خاتم يزيد بن الوليد «يا يزيد قم بالحق» ونقش خاتم إبراهيم بن الوليد «توكّلت على الحيّ القيّوم» ونقش خاتم مروان بن محمد «اذكر الله يا غافل» .
وكان نقش خاتم السّفّاح، أوّل خلفاء بني العبّاس «الله ثقة عبد الله» ونقش خاتم المهديّ «2» «حسبي الله» ونقش خاتم الرّشيد «العظمة والقدرة لله» . وقيل: «كن من الله على حذر» ونقش خاتم الأمين «محمد واثق بالله» ونقش خاتم المأمون «سل الله يعطيك» ونقش خاتم المعتصم «الله ثقة أبي إسحاق بن الرشيد وبه يؤمن» ونقش خاتم الواثق «الله ثقة الواثق» ونقش خاتم المتوكّل «على الحيّ اتّكالي» ونقش خاتم المنتصر «يؤتى الحذر من مأمنه» ونقش خاتم المستعين «في الاعتبار غناء عن الاختبار» ونقش خاتم المعتز «الحمد لله ربّ كلّ شيء وخالق كلّ شيء» ونقش خاتم المهتدي «من تعدّى الحقّ ضاقت مذاهبه» ونقش خاتم المعتمد «السّعيد من وعظ بغيره» ونقش خاتم المعتضد «الاضطرار يزيل الاختيار» ونقش خاتم المكتفي «بالله عليّ بن أحمد يثق» ونقش خاتم المقتدر بالله «الحمد لله الذي ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء» ونقش خاتم القاهر «محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» ونقش خاتم المتّقي «المتّقي لله» كلقبه للخلافة، ونقش خاتم المستكفي «المستكفي بالله يثق» ولم أقف على نقش خاتم أحد من الخلفاء غير هؤلاء.
واعلم أنه كان للختم في أيام الخلفاء ديوان مفرد يعبّر عنه بديوان الخاتم.
وقد اختلف في أوّل من اتّخذ ديوان الخاتم؛ فروى محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدواة» بسنده إلى ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: لم يكن أبو
(6/341)

بكر ولا عمر يلبسون «1» خواتم ولا يطبعون كتابا، حتّى كتب زياد بن أبي سفيان إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنك تكتب إلينا بأشياء ليست لها طوابع؛ فاتخذ عند ذلك عمر طابعا يطبع به، وخزم «2» الكتاب ولم يكن قبل يخزم.
ومقتضى ذلك أن يكون أوّل من اتخذ الختم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويكون لبسه خاتم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لغير الختم. وذكر الطبريّ في تاريخه: أن أوّل من اتخذ ذلك معاوية بن أبي سفيان في خلافته، وذلك أنه أمر لعمرو بن الزبير بمائة ألف من عند زياد، ففتح الكتاب وجعل المائة مائتين؛ فلما رفع زياد حسابه أنكر ذلك معاوية، وطلب عمرا فحسبه حتّى قضاها عنه أخوه عبد الله بن الزّبير واتخذ معاوية حينئذ ديوان الختم، وخزم الكتاب ولم يكن قبل يخزم. قال القاضي وليّ الدين بن خلدون في تاريخه: «وديوان الختم عبارة عن الكتّاب القائمين على إنفاذ كتب السلطان. قال: وهذا الخاتم خاصّ بديوان الرسائل، وكان ذلك للوزير في أيام الدولة العباسية. ويشهد لذلك قول الرشيد ليحيى بن خالد لما أراد أن يستوزر جعفرا، ويستبدل به من الفضل أخيه: إني أحوّل الخاتم من يميني إلى شمالي، فكنى بالخاتم عن الوزارة، لانضمام ديوان الرسائل إلى الوزير إذ ذاك. ثم اختلف العرف بعد ذلك، فصار ليس إليه الرسائل في الدولة.
ثم للختم ثلاث صور:
الصورة الأولى- أن يلصق رأس الكتاب بنوع من أنواع اللّصاق، كالكثيراء «3» المدافة «4» بالماء، والنّشا المطبوخ ونحو ذلك. وهذا هو المستعمل بالديار المصرية وبلاد المشرق من قديم الزمان وهلمّ جرّا إلى زماننا؛ والمستعمل بالدواوين هو النّشادون غيره، لنصاعة بياضه وشدّة لصاقه. قال في «موادّ
(6/342)

البيان» : ويجب أن يكون اللّصاق خفيفا كالدّهن لئلا يتكرّس ويكثف في جانب الورق. وقد كانت عادتهم في بلاد المشرق أيام الخلفاء أن يختم بخاتم الخليفة، بأن يغمس في طين معدّ لذلك أحمر الصبغ، ويختم به على طرفي اللّصاق، ليقوم مقام علامة الخليفة. وكان هذا الطين يجلب إليهم من سيراف «1» من بلاد فارس، وكأنّه مخصوص بها؛ وعلى نهج الخلفاء جرى الملوك حينئذ.
والذي استقرّ عليه الحال الآن بالديار المصرية ونحوها من البلاد الشرقية الاقتصار على مجرّد اللّصاق اكتفاء بما فيه من الضبط وظهور فضّه إن فضّ.
وهذه المسألة مما سأله الشيخ جمال الدين بن نباتة كتّاب ديوان الإنشاء بدمشق مخاطبا به للشيخ جمال الدين محمود الحلبي- فقال: ومن ختم الكتاب بالطين وربطه؟ ومن غيّر الطين إلى النّشا وضبطه؟. وقد سبق الكلام في النّشا وسائر أنواع اللّصاق في الكلام على آلات الدواة في المقالة الأولى.
الصورة الثانية- أن يخزم الكتاب من وسطه بالأشفار حتّى تنفذ في بعض طيّات الكتاب ثم تخرج من وجه الورق أيضا، ويدخل فيه دسرة «2» من الورق كالسّير الصغير ويقطّ طرف الدسرة؛ ثم يلصق على ذلك بشمع أحمر؛ ثم يختم عليه بخاتم يظهر نقشه فيه، ويسمّى هذا النوع من الختم الخزم- بالخاء والزاي المعجمتين- أخذا من خزم البعير، وهو أن يثقب أنفه ويجعل فيه خيط أو نحوه..
ولعل هذه الطريقة من الختم هي التي كان عليها الحال حين أحدث الختم في صدر الإسلام، ويدل على ذلك قول ابن عمر رضي الله عنه في رواية «3» الطبريّ
(6/343)

المتقدّمة: وخزم الكتاب ولم يكن قبل يخزم. وعلى هذا الآن أهل المغرب والرّوم والفرنج ومن في معناهم.
الصورة الثالثة- أن يلفّ على الكتاب بعد طيّه قصاصة من الورق كالسّير في عرض رأس الخنصر، وتلف على الكتاب ثم يلصق رأسها؛ ويكون ذلك في الرّقاع الصغيرة المتردّدة بين الإخوان، وتسمّى القصاصة التي يلصق بها سحاءة- بفتح السين وبالمدّ، وتقال بكسر السين أيضا، وربما قيل سحاية؛ ويقال فيه:
سحوت الكتاب أسحوه سحوا، وسحّيته بالتشديد أسحّيه تسحية فهو مسحوّ ومسحيّ ومسحّى؛ والأمر من سحوت الكتاب أسح، ومن سحّيته بالتشديد سحّ، وأصله من السّحو وهو القشر. يقال: سحوت اللحم عن العظم إذا قشرته.
الجملة الرابعة (في حمل الكتاب وتأديته)
وهو من جملة الأمانات الداخلة في عموم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
«1» . وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: من أعظم الأمانة أداء الكتاب إلى أهله. قال محمد بن عمر المدائني:
حمل الكتاب أمانة، وترك إيصاله خيانة. وقد روي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من بلّغ كتاب غاز في سبيل الله إلى أهله أو كتاب أهله إليه، كان له بكلّ حرف عتق رقبة وأعطاه الله كتابه بيمينه وكتب له براءة من النار» . وقد نطق القرآن الكريم بتأدية الهدهد كتاب سليمان عليه السّلام إلى بلقيس، حيث قال حكاية عن سليمان: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ
«2» إلى أن قال: قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
«3» .
(6/344)

وقد وردت الأحاديث بأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، كان يبعث كتبه مع رسله إلى الملوك، فبعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى أبرويز ملك الفرس؛ وبعث دحية الكلبيّ إلى قيصر ملك الروم؛ وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر؛ وبعث عمرو بن أميّة الضّمريّ إلى الضّحّاك «1» ملك الحبشة؛ وبعث شجاع بن وهب الأسديّ إلى الحارث بن أبي شمر الغسّاني؛ وبعث سليط بن عمرو إلى هوذة بن عليّ صاحب اليمامة؛ وبعث العلاء بن الحضرميّ إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين؛ وبعث عمرو بن العاص إلى عبد «2» وجيفر ابني الجلندى ملكي عمان. قال ابن الجوزيّ: وبعث جرير بن عبد الله البجليّ إلى ذي الكلاع الحميريّ.
واعلم أنه يجب أن يكون حامل الكتاب المؤدّى له عن الملك ونحوه وافر العقل، شديد الشّكيمة في الجواب، طلق اللسان في المحاورة، فإنه لسان ملكه، وترجمان مرسله، وربما سأله المكتوب إليه عن شيء أو أورد عليه اعتراضا فيكون بصدد إجابته. وقد قيل: إنّه يستدلّ على عقل الرجل بكتابه ورسوله. ومن غريب ما يروى في ذلك ما ذكره ابن عبد الحكم، أن النّبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، لما بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر، وبلّغه كتاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال له: ما منعه أن يدعو عليّ فيسلّط عليّ؟ - قال له حاطب: ما منع عيسى أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل ويفعل؟ فوجم ساعة ثم استعادها، فأعادها عليه حاطب، فسكت. ويروى أنه حين سأله عن أمر النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، في حرب قومه، وذكر له أنّ الحرب تكون بينهم سجالا، تارة له وتارة عليه، قال له المقوقس: النّبيّ يغلب! فقال له حاطب: فالإله يصلب! - يشير بذلك إلى ما تزعمه النصارى من أن المسيح عليه السّلام صلب مع دعواهم فيه أنه إله.
وذكر السّهيليّ أن دحية الكلبيّ حين دخل على قيصر بكتاب النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم،
(6/345)

قال له دحية: هل تعلم أكان المسيح يصلّي؟ قال نعم، قال: فإنّي أدعوك إلى من كان المسيح يصلّي له، وأدعوك إلى من دبّر خلق السموات والأرض والمسيح في بطن أمه. فألزمه من صلاة المسيح أنه عبد لله تعالى، وضمّن ذلك بيتا من أبيات له فقال: (متقارب)
فقرّرته بصلاة المسيح ... وكانت من الجوهر الأحمر!
ويحكى أن بعض ملوك الرّوم كتب إلى خليفة زمانه يطلب منه من يناظر علماء النّصرانية عنده فإن قطعهم أسلموا؛ فوجّه إليه بالقاضي أبي بكر بن الطيّب المالكيّ، وكان من أئمة علماء زمانه؛ فلما حضر المجلس واجتمع لديه علماء النصارى، قال له بعضهم: إنّ معتقدكم أنّ الأنبياء عليهم السّلام معصومون في الفراش، وقد رميت عائشة بما رميت به. فإن كان ما رميت به حقّا، كان ناقضا لأصلكم الذي أصّلتموه في عصمة الأنبياء في الفراش، وإن كان غير حقّ كان مؤثّرا في إيمان من وقع منه. فقال القاضي أبو بكر: إمرأتان حصينتان رميتا بالفرية «1» ، إحدهما لها زوج ولا ولد لها، والأخرى لها ولد ولا زوج لها- يشير بالأولى إلى عائشة رضي الله عنها، وبالثانية إلى مريم عليها السّلام، فسجدوا له على عادة تحيّتهم في ذلك، إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى كثرة.
فإذا كان الرسول متمكّنا من عقله، عالما بما يأتي وما يذر، كفى ملكه مؤونة غيبته، وأجاب عن كل ما يسأل عنه؛ وإذا كان بخلاف ذلك انعكست القضيّة، ورجع على مرسله بالوبال. ثم إن اقتضى رأي الملك زيادة في الرسالة على الرسول الواحد فعل؛ ليتعاونا على ما فيه المصلحة، ويتشاورا فيما يفعلان، فقد ذكر السهيليّ أن جبرا مولى أبي ذرّ الغفاريّ كان رسولا مع حاطب ابن أبي بلتعة إلى المقوقس. وإن اقتضى الحال إرسال أكثر من اثنين أيضا فعل، فقد ذكر ابن الجوزيّ أن أبا بكر الصدّيق، رضي الله عنه، في خلافته
(6/346)

بعث إلى قيصر ثلاثة رسل، وهم: هشام بن العاص، ونعيم بن عبد الله، ورجل آخر.
ومما يجب التنبيه عليه أنه يحرم على حامل الكتاب النظر فيه، والاطّلاع على ما تضمّنه. قال محمد بن عمر المدائني: في فضّ الكتاب إثم وسوء أدب، وساق بسنده إلى معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من اطّلع في كتاب أخيه بغير إذنه، أطلعه طلعة في النار» .
الجملة الخامسة (في فضّ الكتاب وقراءته)
أما فضّه فالمراد فكّ ختمه وفتحه؛ والفضّ في أصل اللغة الكسر والتفريق؛ ومن الأوّل ما ثبت في الصحيح من قول القائلة لابن عمّها في قصّة الثلاثة الذين دعوا الله بأحبّ أعمالهم: «إتقّ الله ولا تفضّ الخاتم إلا بحقّه» تريد إزالة بكارتها. ومن الثاني هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا»
. وقد تقدّم في الكلام على ترتيب المملكة في المقالة الثانية أن الرسول أو البريديّ الواصل إلى باب السلطان يقدّمه الدّوادار إلى السلطان، ثم يتناول الكتاب منه ويمسح به وجه من حضر على يده، ثم يدفعه إلى السلطان فيفضّ ختامه، ثم يتناوله الدّوادار من السلطان ويدفعه إلى كاتب السر، فيقرأه على السلطان.
واعلم أنّ لفضّ الكتاب حالتين:
الحالة الأولى- أن يكون مختوما باللّصاق بالنّشا على طريقة المشارقة وأهل الديار المصرية
، فيشقّ ظاهره على القرب من محلّ اللّصاق بسكّين ثم يفتح.
(6/347)

الحالة الثانية- أن يكون مخزوما مسمّرا بدسرة «1» من الورق على عادة المغاربة
ومن جرى مجراهم، فيرفع الختم الملصق عليه من الشّمع، وتقلع الدّسرة ويفتح الكتاب.
وأما قراءة الكتب فإنه يجب أن يكون من يقرأ الكتب على الملوك ومن في معناهم ماهرا في القراءة، فصيح اللسان في النّطق، رقيق حاشية اللّسان في حسن الإيراد، قويّ الملكة في استخراج الخطوط المختلفة، سريع الفهم في حسن الإيراد، قويّ المملكة في استخراج الخطوط المختلفة، سريع الفهم في إدراك المعاني الخفيّة؛ وأن تكون قراءته على رئيسه- من سلطان أو غيره- بحسب ما يؤثر ملكه أو أميره سماعه من السّرعة والبطء، وأن يكون ذلك بصوت غير خفيّ بحيث يعسر سماعه، ولا مرتفع بحيث يعدّ صاحبه خارجا عن أدب المخاطبة للأكابر، وأن يقرّب لمن يقرأ عليه فهم المقاصد التي اعتاصت عليه إذا سأله عنها، أو غلب على ظنه أنها لم تصل إلى فهمه، بحسن إيراد، وتلطيف عبارة يحسن موقعها في النفوس ويجمل وقعها في الأذهان.
الجملة السادسة (في كراهة طرح الكتاب بعد تخزيقة: وهو فضّه، وحفظه بعد ذلك في الإضبارة «2» )
أما كراهة طرحه فقد قال محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدواة» : كرهوا تخزيق الرسائل ورميها في الطّرق والمزابل، خوفا على اسم الله تعالى أن يداس، أو تلحقه النجاسة والأدناس. قال: وفي رفع ما طرح من
(6/348)

الكتاب أعظم الرغائب وأجلّ الثواب؛ وساق بسنده إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، أنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من كتاب يلقى ببقعة من الأرض فيه اسم من أسماء الله إلّا بعث الله إليه سبعين ألف ملك يحفّونه بأجنحتهم ويقدّسونه، حتّى يبعث الله إليه وليّا من أوليائه فيرفعه من الأرض. ومن رفع كتابا من الأرض فيه اسم من أسماء الله تعالى، رفع الله اسمه في علّيّين وخفّف عن والديه العذاب وإن كانا مشركين» . ويروى: «من رفع قرطاسا من الأرض فيه مكتوب «بسم الله الرحمن الرحيم» إجلالا له أن يداس، أدخله الله الجنة وشفّعه في عشرين من أهل بيته كلّهم قد وجب له النار» .
وأما حفظه في الإضبارة فهو أمر مطلوب، والإضبارة عبارة عن ورقة تلفّ على جملة من الكتب قد جمعت في داخلها ويلصق طرفها بالنّشا. والقاعدة فيها أن تلوى الكسرة من أسفلها، وإن طال بعضها في طيّه وقصر بعض جعل التفاوت في الطّول والقصر من أعلاها. قال في «صناعة الكتّاب» : ومعناها الجمع؛ لأنها يجمع بعضها إلى بعض. ومنه قيل: تضبّر القوم إذا تجمّعوا، ورجل مضبّر الخلق أي مجتمعه، وناقة مضبّرة ومضبورة، وضبر الفرس إذا جمع قوائمه ووثب. ويقال للإضبارة أيضا إضامة «1» بكسر الهمزة وتشديد الميم لضم بعضها إلى بعض، والمعنى فيها صيانة الكتب وحفظها عن الضّياع. وقد جرت عادة كتّاب ديوان الإنشاء بالديار المصرية أن يجعل لكل شهر إضبارة تجمع فيها الكتب الواردة على أبواب السلطان من أهل المملكة وغيرهم، ويكتب عليها «شهر كذا» . وقد سبق القول في مقدّمة الكتاب أن الديوان كان له في زمن الفاطميين كاتب يكتب الكتب الواصلة ويبسط عليها جرائد، كما يكتب
(6/349)

الكتب الصادرة عن الأبواب السلطانية ويبسط عليها جرائد؛ وأن ذلك بطل في زماننا وصار الأمر قاصرا فيها على حفظ الكتب في الإضبارات؛ متى احتيج إلى الكشف عن كتاب منها، أخذ بالحدس أنه ورد في السنة الفلانية، وتكشف إضباراتها واحدة بعد واحدة حتّى يقع العثور عليه، ولا خفاء فيما في ذلك من المشقّة، بخلاف ما إذا كان لها جرائد مبسوطة، فإنه يسهل الكشف منها، ويستدلّ بتاريخه على إضبارته فتخرج ويقع الكشف منها، ولكن أهمل ذلك في جملة ما أهمل.
(6/350)

الباب الثاني من المقالة الرابعة (في مصطلحات المكاتبات الدائرة بين كتّاب أهل الشرق والغرب والديار المصرية في كل زمن من صدر الإسلام وهلمّ جرّا إلى زماننا، وفيه ستة فصول)
الفصل الأوّل (في الكتب الصادرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفيه ثلاثة أطراف)
الطرف الأوّل (في ذكر ترتيب كتبه صلّى الله عليه وسلّم في الرسائل على سبيل الإجمال)
كان صلّى الله عليه وسلّم يفتتح أكثر كتبه بلفظ «من محمد رسول الله إلى فلان» وربما افتتحها بلفظ «أما بعد» وربما افتتحها بلفظ «هذا كتاب» وربما افتتحها بلفظ «سلم أنت» .
وكان يصرّح في الغالب باسم المكتوب إليه في أوّل المكاتبات، وربما اكتفى بشهرته «1» . فإن كان المكتوب إليه ملكا كتب بعد ذكره اسمه «عظيم القوم الفلانيين» وربما كتب «ملك القوم الفلانيين» وربما كتب «صاحب مملكة كذا» .
وكان يعبّر عن نفسه صلّى الله عليه وسلّم في أثناء كتبه بلفظ الإفراد. مثل: «أنا» و «لي»
(6/351)

و «جاءني» و «وفد عليّ» وما أشبه ذلك، وربما أتى بلفظ الجمع مثل «بلغنا» و «جاءنا» ونحو ذلك.
وكان يخاطب المكتوب إليه عند الإفراد بكاف الخطاب. مثل: «لك» و «عليك» وتاء المخاطب. مثل: «أنت قلت كذا وفعلت كذا» . وعند التثنية بلفظها مثل: «أنتما» و «لكما» و «عليكما» . وعند الجمع بلفظه. مثل: «أنتم» و «لكم» و «عليكم» وما أشبه ذلك.
وكان يأتي في صدور كتبه بالسلام. فيقول في خطاب المسلم «سلام عليك» وربما قال: «السّلام على من آمن بالله ورسوله» وفي خطاب الكافر:
«سلام على من اتّبع الهدى» وربما أسقط السّلام من صدر الكتاب.
وكان يأتي في صدور الكتب بالتحميد بعد السّلام. فيقول: «فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو» وربما تركه، وقد يأتي بعد التحميد بالتشهّد وقد لا يأتي به.
وكان يتخلّص من صدر الكتاب إلى المقصود تارة بأما بعد وتارة بغيرها.
وكان يختم كتبه بالسلام تارة، فيقول في خطاب المسلم: «والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته» وربما اقتصر على السلام. ويقول في خطاب الكافر: «والسّلام على من اتّبع الهدى» وربما أسقط السّلام من آخر كتبه.
أما عنونة كتبه، صلّى الله عليه وسلّم، فلم أقف فيها على نصّ صريح، والذي يظهر أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يعنون كتبه بلفظ: «من محمد رسول الله إلى فلان» على نحو ما في الصّدر، وتكون كتابته «من محمد رسول الله» عن يمين الكتاب، و «إلى فلان» عن يساره، وعليه يدلّ ما تقدّم من كلام صاحب «موادّ البيان» في الأصل الثاني عشر من أصول المكاتبات حيث ذكر في الكلام على العنوان أن الأصل أن يبتدأ باسم المكتوب عنه ويثنّى باسم المكتوب إليه، ثم قال: وعلى هذا كانت كتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
(6/352)

الطرف الثاني (في كتبه صلّى الله عليه وسلّم إلى أهل الإسلام، وهو على ثلاثة أساليب)
الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الكتاب بلفظ «من محمد رسول الله إلى فلان» )
فمن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم إلى خالد بن الوليد، في جواب كتابه إليه صلّى الله عليه وسلّم بإسلام بني الحارث وهو على ما ذكره ابن إسحاق في سيرته:
«من محمد رسول الله إلى خالد بن الوليد:
سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو. أما بعد فإنّ كتابك جاءني مع رسولك، يخبرني أنّ بني الحارث قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام، وشهدوا أن لا إله إلّا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه، فبشّرهم وأنذرهم، وأقبل وليقبل معك وفدهم، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته» .
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم، إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين من جهة الفرس، في جواب كتابه إليه صلّى الله عليه وسلّم. ونسخته على ما ذكره السّهيليّ في «الروض الأنف» :
«من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى.
سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، وأشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد فإنّي أذكّرك الله عزّ وجلّ، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي ويتّبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإنّ رسلي قد أثنوا عليك خيرا، وإني قد شفّعتك في
(6/353)

قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذّنوب فاقبل لهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك، ومن أقام على مجوسيّته فعليه الجزية» .
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم، إلى فروة بن عمرو الجذاميّ. ونسخته على ما ذكره ابن الجوزي في «كتاب الوفاء» :
«من محمد رسول الله إلى فروة بن عمرو.
أما بعد، فقد قدم علينا رسولك، وبلّغ ما أرسلت به، وخبّر عمّا قبلكم خيرا، وأتانا بإسلامك وأنّ الله هداك بهداه» .
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم، إلى طهفة النّهدي وقومه. ونسخته فيما حكاه ابن الأثير في «المثل السائر» :
«من محمد رسول الله إلى بني نهد.
السّلام على من آمن بالله ورسوله. لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة «1» ، ولكم الفارض «2» والفريش «3» ، وذو العنان الرّكوب والفلوّ الضّبيس «4» ، لا يمنع سرحكم «5» ، ولا يعضد طلحكم «6» ، ولا يحس «7» درّكم ما لم تضمروا
(6/354)

الإماق «1» ، وتأكلوا الرّباق «2» . من أقرّ [بما في هذا الكتاب «3» ] فله [من رسول الله «4» ] الوفاء بالعهد والذّمّة، ومن أبي فعليه الرّبوة «5» » .
وهذا الكتاب مما يحتاج إلى شرح غريبه ليفهم. «فالوظيفة» النّصاب في الزكاة وأصله الشيء الراتب. «والفريضة» الهرمة المسنّة، والمراد أنها لا تؤخذ منهم في الزكاة بل تكون لهم. «والفريش» بالفاء والشين المعجمة ما انبسط من النبات وفرش على وجه الأرض ولم يقم على ساق، وقد يطلق على الفرس إذا حمل عليها بعد النّتاج أيضا. «وذو العنان الرّكوب» الفرس الذّلول، «والفلوّ» المهر الصغير وقيل الفطيم من جميع أولاد الحافر. «والضّبيس» بالضاد المعجمة والباء الموحدة والسين المهملة العسر الصّعب الذي لم يرض. «والسّرح» السارحة، وهي المواشي، والمعنى أنها لا تمنع من المرعى. والعضد القطع.
والطلح شجر عظام من شجر العضاه. والدّرّ اللبن، والمراد ذوات الدّرّ من المواشي، أراد أنها لا تحشر إلى المصدّق وتمنع المرعى إلى أن تجتمع الماشية ثم تعدّ لما في ذلك من الإضرار. و «الإماق» مخفّف، من أمأق الرجل إذا صار ذا مأقة، وهي الحميّة والأنفة، وقيل مأخوذ من الموق وهو الحمق، والمراد إضمار النّكث والغدر أو إضمار الكفر. و «الرّباق» بالراء المهملة والباء الموحدة والقاف جمع ربقة، وهي في الأصل اسم لعروة تجعل في الحبل وتكون في
(6/355)

عنق البهيمة أو يدها تمسكها، والمراد هنا نقض العهد واستعار الأكل لذلك؛ لأن البهيمة إذا أكلت الرّبقة خلصت من الشدّ. و «الرّبوة» بكسر الراء الزيادة، والمراد هنا الزيادة في الفريضة الواجبة عليه كالعقوبة له.
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم إلى أكيدر دومة فيما ذكره أبو عبيدة، وهو:
«من محمد رسول الله لأكيدر دومة حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها: إنّ لنا الضاحية من الضّحل والبور والمعامي وأغفال الأرض والحلقة والسّلاح والحافر والحصن.
ولكم الضّامنة من النّخل. والمعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم، ولا تعدّ فاردتكم، ولا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقّها، عليكم بذلك عهد الله والميثاق» .
وهذا الكتاب أيضا مما يحتاج إلى معرفة غريبه: فالأنداد جمع ندّ بكسر النون وهو ضدّ الشيء الذي يخالفه في أموره، وينادّه أي يخالفه، والمراد ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله تعالى. والأصنام جمع صنم: وهو ما اتّخذ إلها من دون الله، وقيل: ما كان له جسم أو صورة، فإن لم يكن له جسم ولا صورة فهو وثن. والأكناف بالنون جمع كنف بالتحريك وهو الجانب والناحية.
والضاحية بالضاد المعجمة والحاء المهملة الناحية البارزة التي لا حائل دونها، والمراد هنا أطراف الأرض؛ والضّحل بفتح الضاد المعجمة وسكون الحاء المهملة القليل من الماء، وقيل الماء القريب من المكان، وبالتحريك مكان الضّحل. والبور الأرض التي لم تزرع، وهو بالفتح مصدر وصف به، وبالضم جمع بوار، وهو الأرض الخراب التي لم تزرع. والمعامي المجهولة من الأرض التي ليس فيها أثر عمارة، واحدها معمّى. وأغفال الأرض بالغين المعجمة والفاء الأرض التي ليس فيها أثر يعرف كأنها مغفول عنها. والحلقة بسكون اللام
(6/356)

السّلاح عامّا، وقيل الدّروع خاصّا، والسلاح ما أعدّ للحرب من آلة الحديد مما يقاتل به، والسّيف وحده يسمّى سلاحا. والضامنة من النخل بالضاد المعجمة والنون ما كان داخلا في العمارة من النخيل وتضمّنته أمصارهم وقراهم، وقيل سميت ضامنة لأن أربابها ضمنوا عمارتها وحفظها، فهي ذات ضمان كعيشة راضية بمعنى ذات رضا. والمعين من المعمور الماء الذي ينبع من العين في العامر من الأرض. وقوله: لا تعدل سارحتكم بالذال «1» المعجمة، أي لا تصرف ماشيتكم وتمال عن الرّعي ولا تمنع. وقوله: ولا تعدّ فاردتكم أي لا تضمّ إلى غيرها وتحشر إلى الصدقة حتّى تعدّ مع غيرها وتحسب. والفاردة الزائدة على الفريضة.
وقوله: ولا يحظر عليكم النّبات بالظاء المعجمة، أي لا تمنعون من الزّرع والمرعى حيث شئتم، والحظر المنع.
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم، إلى وائل «2» بن حجر وأهل حضر موت، وهو:
«من محمد رسول الله إلى الأقيال «3» العباهلة «4» من أهل «5» حضر موت، بإقامة الصّلاة، وإيتاء الزكاة. على التّيعة «6» الشاة، والتّيمة «7» لصاحبها، وفي
(6/357)

السّيوب «1» الخمس، لا خلاط «2» ولا وراط «3» ولا شناق «4» ولا شغار «5» ، ومن أجبى «6» فقد أربى؛ وكلّ مسكر حرام» «7» .
وذكر القاضي عياض في «الشّفاء» أن كتابه لهم: «إلى الأقيال العباهلة، والأرواع المشابيب. وفي التّيعة شاة، لا مقورّة الألياط، ولا ضناك، وأنطوا الثّبجة، وفي السّيوب الخمس، ومن زنى مم بكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عاما، ومن زنى مم ثيّب فضرّجوه بالأضاميم، ولا توصيم في الدّين، ولا غمّة في فرائض الله تعالى، وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفّل على الأقيال» «8» .
وهذا الكتاب في معنى ما تقدّم من الاحتياج إلى شرح غريبه. الأقيال بالقاف والياء المثناة تحت جمع قيل: وهو الملك. والعباهلة الذين أقرّوا على ملكهم لا يزالون عنه؛ وحضر موت بلدة في اليمن في أقصاها، وقيل هي أحد مخالفيها.
والتّيعة بالمثناة من فوق ثم المثناة من تحت والعين المهملة اسم لأدنى ما تجب فيه الزكاة من الحيوان، كالخمس من الإبل والأربعين من الغنم. قال ابن الأثير:
وكأنها الجملة التي للسّعاة عليها سبيل من تاع يتيع إذا ذهب إليه. والتّيمة بالكسر الشاة الزائدة على الأربعين حتّى تبلغ الفريضة الأخرى، وقيل هي الشاة التي تكون لصاحبها في منزله يحلبها وليست بسائمة، وهي بمعنى الدّاجن. والسّيوب الرّكاز أخذا من السّيب وهو العطاء، قاله أبو عبيدة؛ وقيل هي عروق الذهب والفضّة التي تسيب في المعدن بمعنى تتلوّن وتظهر. وقال الزمخشريّ: هي
(6/358)

جمع سيب، يريد به المال المدفون في الجاهلية أو المعدن لأنه من فضل الله تعالى لمن أصابه. والخلاط بالكسر مصدر خالط، يقال: خالطه يخالطه خلاطا ومخالطة، والمراد أن يخلط الرجل إبله بإبل غيره أو بقره أو غنمه ليمنع حقّ الله تعالى منها، ويبخس المصدّق فيما يجب له. والوراط بالكسر أيضا أن تجعل الغنم في وهدة من الأرض لتخفى على المصدّق، مأخوذ [من الورطة] وهي الهوّة من الأرض. والشّناق بكسر الشين المشاركة في الشّنق بفتح النون، وهو ما بين الفريضتين من كلّ ما تجب فيه الزكاة، وهو ما زاد من الإبل على الخمس إلى التّسع، وما زاد على العشر إلى أربع عشرة، والمراد أن لا تؤخذ الزيادة على الفريضة. قال ابن الأثير: ويجوز أن يكون معناه المشاركة في الشّنق والشّنقين، وهو بمعنى الخلاط المتقدّم ذكره، لكن حمله على الأوّل أولى، لتعدّد المعنى. والشّغار بكسر الشين وبالغين المعجمة نكاح معروف في الجاهلية، وهو أن يزوّج الرجل ابنته أو أخته على أن يزوّجه بنته أو أخته، ويكون بضع كلّ منهما صداقا للأخرى. والأرواع جمع رائع: وهم الحسان الوجوه من الناس.
وقيل: الذين يروعون الناس أي يفزعونهم بشدّة الهيبة. قال ابن الأثير: والأوّل أوجه. وقوله: ومن أجبى هو بالجيم والباء الموحدة: وهو بيع الزّرع قبل بدوّ صلاحه. وقيل هو أن يغيّب إبله عن المصدّق أخذا من أجبأته إذا واريته. وقيل هو أن يبيع من الرجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل معلوم ثم يشتريها منه بالنقد بأقلّ من الثمن الذي باعها به؛ ومعنى أربى وقع في الربا. والمشابيب السادة الرؤوس الزّهر الألوان الحسان المناظر واحدها مشبوب. والمقورّة الألياط المسترخية الجلود لهزالها والاقورار الاسترخاء في الجلود. والألياط جمع ليط:
وهو قشر العود، شبّه به الجلد لالتزاقه باللحم. والضّناك بالكسر الكثير اللحم، ويقال الذكر والأنثى فيه سواء، والمراد أنه لا تؤخذ المفرطة في السّمن كما لا تؤخذ الهزيلة. وقوله: وأنطوا هو بلغة أهل اليمن بمعنى أعطوا، خاطبهم صلّى الله عليه وسلّم بلغتهم. والثّبجة بثاء مثلثة بعدها باء موحدة ثم جيم هي الوسط من المال التي ليست من خياره ولا رذالته، أخذا من ثبجة الناقة وهو ما بين الكاهل إلى الظهر.
(6/359)

وقوله مم بكر جرى فيه على لغة أهل اليمن حيث يبدلون لام التعريف ميما. قال ابن الأثير: وعلى هذا فتكون راء بكر مكسورة من غير تنوين لأن أصله من البكر، فلما أبدلت الألف واللام ميما بقيت الحركة بحالها، ويكون قد استعمل البكر موضع الأبكار. قال: والأشبه أن تكون بكر منوّنة، وقد أبدلت نون من ميما؛ لأن النون الساكنة إذا كان بعدها باء قلبت في اللفظ ميما نحو عنبر ومنبر، ويكون التقدير ومن زنى من بكر. وقوله فاصقعوه هو بالصاد المهملة والقاف أي اضربوه، وأصل الصّقع الضرب على الرأس، وقيل الضرب ببطن الكف.
وقوله: واستوفضوه هو بالفاء والضاد المعجمة أي انفوه، أخذا من قولهم:
استوفضت الإبل إذا تفرّقت [في رعيها] وقوله: فضرّجوه- بالضاد المعجمة والجيم أي أدموه بالضرب، ويطلق الضّرج على الشّق أيضا. والأضاميم بالضاد المعجمة الحجارة واحدها إضمامة، والمراد ارجموه بالحجارة. والتوصيم بالصاد المهملة الفترة والتّواني، أي لا تفتروا في إقامة الحدود ولا تتوانوا فيها.
وقوله: ولا غمّة في فرائض الله- أصل الغمّة السّتر، أي لا تستر فرائض الله ولا تخفى، بل تظهر ويجهر بها وتعلن. وقوله: يترفّل- أي يسود ويترأس، استعارة من ترفيل الثوب وهو إسباغه وإرساله؛ والأقيال الملوك وقد تقدّم الكلام عليه.
الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «هذا كتاب» ويذكر المقصد فيما بعد، وهو قليل الوقوع في المكاتبات)
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم لقبيلة همدان من اليمن، فيما ذكره ابن هشام وهو:
«هذا كتاب من محمد رسول الله لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف الرّمل، مع وافدها ذي المشعار، «1» لمالك «2» بن نمط ولمن أسلم من قومه، على أنّ
(6/360)

لهم فراعها ووهاطها [وعزازها] ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عافيها، لكم بذلك عهد الله وذمام رسوله، وشاهدكم المهاجرون والأنصار» «1» .
وذكر القاضي عياض في «الشفاء» أن في كتابه إليهم: «إنّ لكم فراعها ووهاطها وعزازها، تأكلون علافها وترعون عفاءها، «2» لنا من دفئهم وصرامهم ما سلّموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصّدقة الثّلب والناب والفصيل والفارض والداجن والكبش الحوريّ، وعليهم فيها الصّالغ والقارح» .
وهذا من نسبة ما تقدّم مما يحتاج إلى شرح غريبه: فالفراع بالكسر «3» جمع فرعة، وهو ما ارتفع من الأرض. والوهاط جمع وهطة، وهي ما اطمأنّ من الأرض. والعلاف بالكسر- جمع علف كجبل وجبال، والمراد ما تعتلفه الدوابّ من نبات الأرض. والعزاز- ما صلب من الأرض واشتدّ وخشن، ويكون ذلك في أطرافها. والعفاء العافي- وهو ما ليس لأحد فيه ملك، من قولهم: عفا الأثر إذا درس. والدفء- نتاج الإبل وما ينتفع به منها، سمّي دفئا لأنه يتخذ من أوبارها ما يستدفأ به، والمراد هنا الإبل والغنم. والصّرام- النخل، وأصله قطع الثمرة.
والثّلب من ذكور الإبل- الذي هرم وتكسّرت أسنانه. والناب- المسنّة من إناثها.
والفصيل من أولاد الإبل- الذي فصل عن أمه من الرّضاع. والفارض- المسنّ من الإبل، والمراد أنه لا يؤخذ منهم في الزكاة. والداجن- الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم والكبش الحوريّ منسوب إلى الحور، وهي جلود تتّخذ من جلود الضأن، وقيل: هو ما دبغ من الجلود بغير القرظ «4» . والصالغ بالصاد المهملة
(6/361)

والغين المعجمة، وهو من البقر والغنم الذي كمل وانتهى، ويكون ذلك في السنة السادسة، ويقال: بالسين بدل الصاد. والقارح الفرس الذي دخل في السنة الخامسة.
الأسلوب الثالث (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «سلّم أنت» )
فمن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم إلى المنذر بن ساوى. وهو فيما ذكره أبو عبيد في «كتاب الأموال» : «سلّم أنت، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو.
أمّا بعد، فإنّ من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ذمّة الله وذمّة الرسول؛ فمن أحبّ ذلك من المجوس فإنّه آمن، ومن أبي فإنّ عليه الجزية» .
الطرف الثالث (في كتبه صلّى الله عليه وسلّم إلى أهل الكفر للدّعاية إلى الإسلام، وهو على ثلاثة أساليب)
الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الكتاب بلفظ «من محمد رسول الله إلى فلان» كما في الأسلوب الأوّل من كتبه إلى أهل الإسلام)
فمن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم إلى هرقل: وهو قيصر، وقيل نائبه بالشام.
وهو على ما ثبت في الصحيحين: «من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الرّوم، سلام على من اتّبع الهدى.
أما بعد، فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيّين، ويأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألّا نعبد إلّا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون.
(6/362)

وذكر أبو عبيد في «كتاب الأموال» : أنّ كتابه صلّى الله عليه وسلّم، إلى هرقل كان فيه:
«من محمد رسول الله إلى صاحب الروم؛ إنّي أدعوك إلى الإسلام:
فإن أسلمت فلك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، وإن لم تدخل في الإسلام فأعط الجزية، فإنّ الله تعالى يقول: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ
«1» وإلا فلا تحل بين الفلّاحين وبين الإسلام أن يدخلوا فيه أو يعطوا الجزية» .
قال أبو عبيد: وأراد بالفلّاحين أهل مملكته؛ لأن العجم عند العرب كلّهم فلّاحون لأنهم أهل زرع وحرث.
وفي مسند البزّار أنه صلّى الله عليه وسلّم، كتب إليه: «من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الرّوم» .
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم إلى كسرى أبرويز «2» ، ملك الفرس فيما ذكره ابن الجوزيّ، وهو:
«من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس.
سلام على من اتّبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وأدعوك بدعاية الله عزّ
(6/363)

وجلّ فإنّي أنا رسول الله إلى الناس كافّة، لأنذر من كان حيّا ويحقّ القول على الكافرين، وأسلم تسلم فإن تولّيت فإنّ إثم المجوس عليك» .
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم، إلى المقوقس صاحب مصر. وهو فيما ذكره ابن عبد الحكم:
«من محمد رسول الله إلى المقوقس «1» عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى.
أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فعليك إثم القبط. يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألّا نعبد إلّا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون» .
وذكر الواقديّ أن كتابه إليه كان بخطّ أبي بكر الصّديق رضي الله عنه، وأن فيه:
من محمد رسول الله إلى صاحب مصر.
أما بعد، فإنّ الله أرسلني رسولا وأنزل عليّ قرآنا، وأمرني بالإعذار والإنذار ومقاتلة الكفّار حتّى يدينوا بديني ويدخل الناس في ملّتي، وقد دعوتك إلى الإقرار بوحدانيّته، فإن فعلت سعدت، وإن أبيت شقيت، والسّلام» .
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم إلى النّجاشيّ ملك الحبشة. وهو فيما ذكره ابن إسحاق:
«من محمد رسول الله إلى النجاشيّ ملك الحبشة، إني أحمد إليك الله الملك القدّوس السّلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم البتول.
(6/364)

الطّيّبة الحصينة، حملته من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده. وإنّي أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وأن تتّبعني وتؤمن بالّذي جاءني، فإنّي رسول الله، وإنّي أدعوك وجنودك إلى الله عزّ وجلّ، وقد بلّغت ونصحت، فاقبلوا نصحي. وقد بعثت إليكم ابن عمّي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، والسّلام على من اتّبع الهدى» .
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم إلى هوذة «1» بن عليّ، صاحب اليمامة، وكان نصرانيّا.
وهو فيما ذكره السهيليّ.
«من محمد رسول الله إلى هوذة بن عليّ.
سلام على من اتّبع الهدى. واعلم أنّ ديني سيظهر إلى منتهى الخفّ والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك» .
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم، إلى نصارى نجران. وهو فيما ذكره صاحب «الهدي المحمّديّ» :
بسم الله الرحمن الرحيم، إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
أما بعد، فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد؛ فإن أبيتم فالجزية؛ فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب الإسلام «2» .
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم، إلى جيفر وعبد ابني الجلندى ملكي عمان.
وهو: «من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي، سلام على من اتّبع الهدى.
(6/365)

أما بعد، فإنّي أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإنّي رسول الله إلى الناس كافّة لأنذر من كان حيّا ويحقّ القول على الكافرين، وإنّكما إن أقررتما بالإسلام ولّيتكما، وإن أبيتما أن تقرّا بالإسلام فإنّ ملككما زائل عنكما، وخيلي تحلّ بساحتكما، وتظهر نبوّتي في ملككما. وكتب أبيّ بن كعب» .
وفي رواية ذكرها أبو عبيد في «كتاب الأموال» أنه كتب إليهما:
«من محمد رسول الله لعباد الله أسيد بن ملوك عمان، وأسيد عمان: من كان منهم بالبحرين، إنهم إن آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا الله ورسوله وأعطوا حقّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ونسكوا نسك المسلمين، فإنّهم آمنون، وإنّ لهم ما أسلموا عليه، غير أنّ مال بيت النار ثنيا لله ورسوله، وإنّ عشور التّمر صدقة، ونصف عشور الحبّ، وإنّ للمسلمين نصرهم ونصحهم، وإنّ لهم على المسلمين مثل ذلك، وإنّ لهم أرحاء يطحنون بها» .
قال أبو عبيد: وبعضهم يرويه لعباد الله الأسبيين اسما أعجميّا نسبهم إليه. قال: وإنما سمّوا بذلك لأنهم نسبوا إلى عبادة فرس، وهو بالفارسية أسب فنسبوا إليه، وهم قوم من الفرس وفي رواية من العرب.
ومن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم، إلى مسيلمة «1» الكذّاب في جواب كتابه إليه صلّى الله عليه وسلّم، أنه إن جعل له الأمر بعده آمن به.
(6/366)

وهو: «من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب: السّلام على من اتّبع الهدى، أما بعد، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين «1» .
الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بلفظ «أما بعد» وهو أقلّ وقوعا مما قبله)
فمن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم إلى أهل نجران، ودينهم النصرانية.
وهو فيما ذكره ابن الجوزيّ:
«بسم الله الرحمن الرحيم، إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
أما بعد، فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب الإسلام» «2» .
الأسلوب الثالث (أن يفتتح الكتاب بلفظ «هذا كتاب» )
فمن ذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم، مع رفاعة بن زيد إلى قومه. وهو فيما ذكره ابن إسحاق:
«هذا كتاب من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد، إني بعثته إلى قومه عامّة ومن دخل فيهم، يدعوهم إلى الله وإلى رسوله، فمن أقبل منهم ففي حزب الله وحزب رسوله، ومن أدبر فله أمان شهرين» .
قلت: وقد كتب صلّى الله عليه وسلّم، إلى جماعة غير من تقدّم، لم أقف على صورة ما
(6/367)

كتب إليهم، كجبلة «1» بن الأيهم الغسّانيّ، وذي الكلاع الحميريّ وغيرهم، وستأتي كتبه صلّى الله عليه وسلّم في معنى الولايات والإقطاعات والهدن والأمانات في مواضعها إن شاء الله تعالى.
(6/368)

الفصل الثاني من الباب الثاني من المقالة الرابعة (في الكتب الصادرة عن الخلفاء، وهي على قسمين)
القسم الأوّل (المكاتبات إلى أهل الإسلام، وفيه تسعة أطراف)
الطّرف الأوّل (في الكتب الصادرة عن الخلفاء من الصحابة رضي الله عنهم، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في المكاتبات الصادرة عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه)
وكانت تفتتح بلفظ: «من أبي بكر خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى فلان» وباقي الكتاب من نسبة كتب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من التصدير بالسلام والتّحميد، والتّخلّص بأما بعد، والاختتام بالسلام وما يجري هذا المجرى، مع لزوم الخطاب بالكاف وتاء المخاطب للواحد، وبالتثنية للاثنين، والجمع للجماعة. وعنونتها «من أبي بكر خليفة رسول الله» في الجانب الأيمن ثم «إلى فلان الفلانيّ» في الجانب الأيسر على ما يقتضيه الترتيب المتقدّم.
وهذه نسخة كتابه رضي الله عنه إلى أهل الرّدة حين ارتدّوا عن الإسلام بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وهو على ما ذكره صاحب «نهاية الأرب» :
(6/369)

«من أبي «1» بكر خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إلى من بلغه كتابي هذا من عامّة وخاصّة، أقام على الإسلام «2» أو رجع عنه، سلام على من اتّبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضّلالة والعمى؛ فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا عبده ورسوله، وأقرّ «3» بما جاء به [وأكفّر من أبى وأجاهده «4» ] .
أما بعد، فإن الله أرسل محمدا بالحقّ من عنده إلى خلقه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، لينذر من كان حيّا ويحقّ القول على الكافرين، يهدي «5» الله للحقّ من أجاب إليه، وضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بإذنه من أدبر عنه حتّى صار إلى الإسلام طوعا وكرها، ثم توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد نفّذ لأمر الله، ونصح لأمّته، وقضى الذي عليه، وكان الله قد بيّن له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزله «6» ، فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «7»
وقال: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ «8»
وقال للمؤمنين: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ «9»
فمن كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله وحده لا شريك له فإنّ الله بالمرصاد، حيّ قيّوم لا يموت ولا تأخذه سنة ولا نوم،
(6/370)

حافظ لأمره، منتقم من عدوّه بحزبه «1» ، وإنّي أوصيكم بتقوى الله وحظّكم ونصيبكم من الله، وما جاء به نبيّكم، وأن تهتدوا بهديه «2» ، وأن تعتصموا بدين الله، فإنّ من لم يهد الله ضلّ «3» ، وكلّ من لم يعافه مبتلى، وكلّ من لم ينصره «4» مخذول. فمن هداه الله كان مهديّا «5» ، ومن أضلّه كان ضالّا: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً «6»
ولم يقبل منه في الدنيا عمل حتّى يقرّ به، ولم يقبل له في الآخرة صرف ولا عدل.
وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقرّ بالإسلام وعمل به اغترارا بالله وجهالة بأمره، وإجابة للشّيطان، وقال الله جلّ ثناؤه: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا
«7» . وقال جلّ ذكره: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ
«8» وإنّي أنفذت «9» إليكم فلانا في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته أن لا يقاتل أحدا ولا يقتله حتّى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقرّ وكفّ وعمل صالحا، قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرته «10» أن يقاتله على ذلك، ولا يبقى على أحد منهم قدر عليه «11» ،
(6/371)

وأن يحرّقهم بالنّيران «1» ، ويقتلهم كلّ قتلة، ويسبي النساء والذّراريّ، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام؛ فمن آمن فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله. وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كلّ مجمع لكم، والداعية «2» الأذان، فإن «3» أذّن المسلمون فأذّنوا كفّوا عنهم، وإن لم يؤذّنوا [عاجلوهم، وإن أذّنوا «4» ] سلوهم ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقرّوا قبل منهم وحملهم على ما ينبغي لهم.
الجملة الثانية (في المكاتبات الصادرة عن بقيّة الخلفاء من الصحابة رضوان الله عليهم)
وهي على أسلوبين:
الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الكتاب بلفظ «من فلان إلى فلان» )
يقال إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لما صارت الخلافة إليه بعد أبي بكر، كان يكتب في كتبه: «من عمر بن الخطاب خليفة خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى فلان» فلما تلقّب بأمير المؤمنين على ما تقدّم في المقالة الثالثة، أثبت هذا اللّقب في كتبه، وزاد في ابتدائها لفظ «عبد الله» قبل اسمه، ليكون اسمه نعتا له، فكان يكتب: «من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى فلان» وباقي الكتاب على ما مرّ في كتب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والصدّيق بعده في التصدير والتعبير عن نفسه بلفظ الإفراد، مثل أنا ولي وعليّ، وعن المكتوب له بكاف الخطاب، مثل لك وعليك، وتاء المخاطب، مثل قلت وفعلت، وتبعه الخلفاء على ذلك. وعنونتها «من عبد الله فلان أمير المؤمنين»
(6/372)

في الجانب الأيمن، ثم «إلى فلان الفلاني» في الجانب الأيسر كما تقدّم ترتيبه.
فمن ذلك ما كتب به أمير المؤمنين عمر، رضي الله عنه، إلى عمرو بن العاص وهو يومئذ أمير مصر، وهو:
«من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك.
أمّا بعد، فقد بلغني أنّه فشت لك فاشية من خيل وإبل وبقر وعبيد، وعهدي بك قبل ذلك ولا مال لك، فاكتب إليّ من أين أصل هذا المال» .
ومن ذلك ما كتب به معاوية بن أبي سفيان في خلافته إلى ابنه يزيد، وقد بلغه مقارفته اللذات، وانهماكه على الشّهوات، وهو:
«من معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين إلى يزيد بن معاوية.
أمّا بعد، فقد أدّت ألسنة التصريح إلى أذن العناية بك ما فجع الأمل فيك، وباعد الرّجاء منك إذ ملأت العيون بهجة، والقلوب هيبة؛ وترامت إليك آمال الرّاغبين، وهمم المتنافسين؛ وشحّت بك فتيان قريش وكهول أهلك، فما يسوغ لهم ذكرك إلا على الجرّة المهوّعة «1» ، والكظّ الجشء «2» . اقتحمت البوائق «3» ، وانقدت للمعاير، واعتضتها من سموّ الفضل، ورفيع القدر؛ فليتك يزيد إذ كنت لم تكن. سررت يافعا ناشئا، وأثكلت كهلا ضالعا، فواحزناه عليك يزيد! ويا حرّ صدر المثكل بك! ما أشمت فتيان بني هاشم! وأذلّ فتيان بني عبد
(6/373)

شمس! عند تفاوض المفاخر ودراسة المناقب! فمن لصلاح ما أفسدت، ورتق «1» ما فتقت؟ هيهات خمشت الدّربة وجه التصبّر بك، وأبت الجناية إلا تحدّرا على الألسن، وحلاوة على المناطق! ما أربح فائدة نالوها، وفرصة انتهزوها! انتبه يزيد للّفظة، وشاور الفكرة، ولا تكن إلى سمعك أسرع من معناها إلى عقلك. واعلم أنّ الذي وطّأك وسوسة الشّيطان، وزخرفة السّلطان، مما حسن عندك قبحه، واحلولى عندك مرّه، أمر شركك فيه السّواد ونافسكه الأعبد، لا لأثرة تدّعيها أو حبتها لك الإمرة، وأضعت بها من قدرك، فأمكنت بها من نفسك، فكأنك شانيء «2» نفسك، فمن لهذا كله؟
اعلم يا يزيد، أنك طريد الموت وأسير الحياة، بلغنى أنك اتخذت المصانع والمجالس للملاهي والمزامير كما قال تعالى: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
«3» وأجهرت الفاحشة حتّى اتخذت سريرتها عندك جهرا.
اعلم يا يزيد، أن أوّل ما سلبكه السّكر معرفة مواطن الشّكر لله على نعمه المتظاهرة، وآلائه المتواترة، وهي الجرحة العظمى، والفجعة الكبرى، ترك الصّلوات المفروضات في أوقاتها، وهو من أعظم ما يحدث من آفاتها، ثم استحسان العيوب، وركوب الذّنوب، وإظهار العورة، وإباحة السّرّ. فلا تأمن نفسك على سرّك، ولا تعقد على فعلك. فما خير لذة تعقب الندم، وتعفّي الكرم؟ وقد توقّف أمير المؤمنين بين شطرين من أمرك، لما يتوقّعه من غلبة الآفة واستهلاك الشّهوة. فكن الحاكم على نفسك، واجعل المحكوم عليه ذهنك ترشد إن شاء الله تعالى. وليبلغ أمير المؤمنين ما يردّ شاردا من نومه، فقد أصبح
(6/374)

نصب الاعتزال من كل مؤانس، ودرأة «1» الألسن الشامتة، وفّقك الله فأحسن.
الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بلفظ «أمّا بعد» )
وهو على ما تقدّم خلا الابتداء والتصدير بالسلام والتحميد، ويكون الافتتاح فيه بالمقصد، كما كتب أمير المؤمنين عثمان بن عفّان إلى عليّ بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، حين خرج عليّ إلى الينبع «2» واختلف الناس على عثمان.
أما بعد، فقد بلغ السّيل «3» الزّبى [وجاوز «4» ] الحزام الطّبيين، وطمع فيّ كلّ من كان يضعف [عن الدفع «5» ] عن نفسه، ولم يغلبك مثل مغلّب، فأقبل إليّ صديقا كنت أو عدوّا: (طويل)
فإن كنت مأكولا، فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولمّا أمزّق
«6»
(6/375)

الطرف الثاني (في الكتب الصادرة عن خلفاء بني أميّة)
وهي على ما تقدّم من الكتب عن الخلفاء من الصحابة في التصدير والتعبير، إلا أنه يعبّر عن الخليفة بأمير المؤمنين، وربما عبّر عنه بلفظ الإفراد، مثل: فعلت وأفعل وما أشبه ذلك أما الخطاب للمكتوب له، فبكاف الخطاب وتاء المخاطب مثل، إنك أنت قلت كذا، وفعلت كذا، وما أشبه ذلك.
وعنوانها: «من عبد الله فلان أمير المؤمنين» في الجانب الأيمن، ثم «إلى فلان الفلانيّ» في الجانب الأيسر.
ثم هي على أسلوبين:
الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الكتاب بلفظ «من عبد الله فلان أمير المؤمنين إلى فلان» )
كما كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج بن يوسف- وقد بلغه تعرّضه لأنس بن مالك رضي الله عنه- «من عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى الحجّاج بن يوسف.
أما بعد، فإنّك عبد علت «1» بك الأمور فطغيت، وعلوت فيها حتّى جزت حدّ قدرك، وعدوت طورك. وايم «2» الله لأغمزنّك كبعض غمزات اللّيوث الثّعالب، ولأركضنّك ركضة تدخل منها في وجعاء أمّك! أذكر مكاسب آبائك في الطائف، إذا كانوا ينقلون الحجارة على أعناقهم، ويحفرون الآبار والمناهر «3» بأيديهم، قد نسيت ما كنت عليه أنت وآباؤك من الدّناءة واللّوم والضّراعة. وقد بلغ أمير المؤمنين استطالة منك على أنس بن مالك جرأة منك على أمير
(6/376)

المؤمنين، وغرّة بمعرفة غيره ونقماته وسطواته على من خالف سبيله، وعمد إلى غير محجّته، ونزل عند سخطته، وأظنّك أردت أن تروزه «1» . بها فتعلم ما عنده من التغيير والتنكير فيها، فإن سوّغتها مضيت قدما، وإن غصصت بها ولّيت دبرا أيها «2» العبد الأخفش العينين، الأصكّ الرجلين، الممسوح الجاعرتين «3» ، ولن يخفى عن أمير المؤمنين نبؤك، ولكلّ نبأ مستقرّ وسوف تعلمون.
الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بلفظ «أما بعد» ويقع الشروع منه في المقصد)
كما كتب يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة النبويّة- على ساكنها أفضل الصلاة والسّلام، والتحية والإكرام- وقد بلغه خلافهم عليه.
«أما بعد، فإنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال. إنّي والله قد لبستكم فأخلقتكم! ورفعتكم على رأسي، ثم على عيني، ثم على فمي، ثم على بطني، وايم الله لئن وضعتكم تحت قدمي لأطأنّكم وطأة أقلّ بها عددكم، وأترككم بها أحاديث تنسخ منها أخباركم كأخبار عاد «4» وثمود» .
وكما كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديّ بن أرطاة، وهو عامله على بعض النواحي:
«أما بعد، فإذا أمكنتك القدرة على المخلوق، فاذكر قدرة الخالق عليك! واعلم أنّ مالك عند الله مثل ما للرّعيّة عندك» .
(6/377)

وكما كتب يزيد بن الوليد المعروف بالناقص إلى مروان بن محمد- وقد بلغه عنه تلكّؤ في بيعته:
«أما بعد، فإنّي أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى، فإذا أتاك كتابي فاعتمد على أيّهما شئت والسّلام» .
قلت: ولم يزل الأمر في المكاتبات في الدولة الأمويّة جاريا على سنن السّلف، إلى أن ولي الوليد بن عبد الملك، فجوّد القراطيس، وجلّل الخطوط، وفخّم المكاتبات، وتبعه من بعده من الخلفاء على ذلك، إلا عمر بن عبد العزيز، ويزيد بن الوليد المقدّم ذكره، فإنهما جريا في ذلك على طريقة السلف. ثم جرى الأمر بعدهما على ما سنّه الوليد بن عبد الملك، إلى أن صار الأمر إلى مروان بن محمد آخر خلفائهم، وكتب له عبد الحميد «1» بن يحيى- وكان من اللّسن والبلاغة على ما اشتهر ذكره- فأطال الكتب وأطنب فيها، حيث اقتضى الحال تطويلها والإطناب فيها، حتّى يقال: إنه كتب كتابا عن الخليفة جاء وقر جمل، واستمر ذلك فيما بعده.
الطرف الثالث (في الكتب الصادرة عن خلفاء بني العبّاس ببغداد وولاة العهد بالخلافة، وفيه ثلاث جمل)
الجملة الأولى (في بيان ترتيب كتبهم في الرسائل على سبيل الإجمال)
كانوا يفتتحون أكثر كتبهم بلفظ «من فلان إلى فلان» وتارة ب «أما بعد»
(6/378)

وربما افتتحوها بغير ذلك. فأما افتتاحها بلفظ من فلان إلى فلان فكان يكتب عنهم في أوّل دولتهم كما كان يكتب عن خلفاء بني أميّة، وهو «من عبد الله فلان أمير المؤمنين، سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو» ثم يتخلّص إلى المقصود بلفظ أما بعد. إلا أنهم زادوا بعد اسم الخليفة لفظ «الإمام الفلاني» بلقب الخلافة، فكان يقال: «من عبد الله الإمام الفلاني أمير المؤمنين» فلما صارت الخلافة إلى الرشيد زاد بعد التحميد «ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله صلّى الله عليه وسلّم» فلما ولّي ابنه الأمين اكتنى في كتبه وتبعه من بعده من الخلفاء على ذلك.
وقد اختلف في تقديم الاسم والكنية واللّقب، والذي رتّبه أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتّاب» تقديم الاسم على الكنية وتقديم الكنية على اللقب، مثل أن يقال: «من عبد الله فلان أبي فلان الإمام الفلاني أمير المؤمنين» ثم قال: وهذه المكاتبة هي التي اصطلح عليها في الأمور السلطانية التي تنشأ بها الكتب من الدواوين، إلا أن بعض العلماء قد خالفهم في هذا، وقال: الأولى أن يبدأ باللقب، مثل أن يقال «من الراضي» أو «المتوكل» وما أشبه ذلك، كما قال الله جل وعز: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ «1»
وذلك لأن اللقب لا يشاركه فيه غيره، فكان أولى أن يبدأ به.
وترتيب المكاتبة على ما ذكره في «صناعة الكتّاب» أن يكتب: «من عبد الله فلان أبي فلان الإمام الفلاني أمير المؤمنين، سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله» . ثم يفصل ببياض يسير، ويكتب «أما بعد فإن كذا وكذا» ؛ ثم يأتي على المعنى، فإذا فرغ من ذلك وأراد أن يأمر بأمر، فصل ببياض يسير، ثم يكتب: «وقد أمر أمير المؤمنين بكذا ورأى أن يكتب إليك بكذا» ، فيؤمر بامتثال ما أمر به والعمل بحسبه، ثم يفصل ببياض ويكتب: فاعلم ذلك من رأي أمير
(6/379)

المؤمنين، واعمل به، إن شاء الله تعالى. «وكتب فلان بن فلان» باسم الوزير واسم أبيه، يوم كذا، من شهر كذا، من سنة كذا. وقد يكتب في أواخر المكاتبة بعد استيفاء المقصد: «هذه مناجاة أمير المؤمنين لك» أو «هذه مفاوضة أمير المؤمنين لك» .
ويقال في السّلام على أعلى الطبقات من المكتوب إليهم «والسّلام عليك ورحمة الله» وربما قيل: «ورحمة الله وبركاته» .
وأما افتتاحها بلفظ «أما بعد» ، فغالب ما يقع في الكتب المطلقة، كالبشرى بالفتوح وغيرها. ثم تارة يعقّب البعدية بالحمد لله، إما مرة أو أكثر، وغالب ما يكون ثلاث، وتارة يعقّب بغير الحمد.
وأما الافتتاح بغير هذين الافتتاحين، فتارة يكون بالدعاء، وتارة يكون بغيره، ويكون التعبير عن الخليفة في كتبه الصادرة عنه «بأمير المؤمنين» على ما تقدّم في خلافة بني أميّة.
ثم إن كان المكتوب إليه معيّنا، فالذي كان عليه الحال في أوّل دولتهم أن يكتب إليه باسمه، ثم لما تغلب بنو بويه على الخلفاء وغلبوا عليهم، وعلت كلمتهم في الدولة وتلقّبوا بفلان الدّولة وفلان الملّة، فكان يكتب إليهم بذلك في الكتب إليهم. ثم لما كانت الدولة السّلجوقيّة في أواخر الدولة العباسية ببغداد، استعملوا كثرة الألقاب للمكتوب إليه عن الخليفة في صدر المكاتبة. قال في «موادّ البيان» : ولا يخاطب أحد عن الخليفة إلا بالكاف. وقد يخاطب الإمام وزيره في المكاتبة الخاصة بما يرفعه فيه عن خطاب المكاتبة العامّة الديوانية، ويتصرّف في ذلك ويزاد وينقص على حسب لطافة محل الوزير ومنزلته من الفضل والجلالة.
قال في «ذخيرة الكتاب» : ويكون الدعاء من الخليفة لمن يكاتبه على
(6/380)

قدر موضعه في خدمته ومحلّه عنده، وقد تقدّم أن أعلى الدعاء كان عندهم بإطالة البقاء؛ ولذلك كان يدعى لملوك بني بويه فمن بعدهم بلفظ: «أطال الله بقاءك» . وقد تقدّم في المقالة الثالثة في الكلام على مقادير قطع الورق وما يناسب كلّ قطع من الأقلام أنه إن كانت المكاتبة عن الخليفة ترك الكاتب من رأس الدّرج قدر ذراع بياضا، ثم يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» ثم يكتب في سطر ثان يلاصقها ويخرج يسيرا، من عبد الله إلى آخر التصدير الذي يليه «أمّا بعد» ، وأن التصدير يكون في سطرين بينهما فضاء قدر شبر، لا يزيد عن ذلك ولا ينقص، ثم يترك بعد هذين السطرين فضاء بنصف ما بين الأوّلين فيما ذكره في «موادّ البيان» : وبقدره فيما ذكره في «ذخيرة الكتاب» ثم يقول: أما بعد، ويأتي على المكاتبة إلى آخرها على هذا النحو.
أما عنونة كتبهم، فكانت في أوّل دولتهم: «من عبد الله فلان الإمام الفلانيّ أمير المؤمنين» في الجانب الأيمن، وفي الجانب الأيسر «إلى فلان بن فلان» . ثم زاد المأمون في أوّل عنواناته «بسم الله الرحمن الرحيم» . ولما تكنّى الأمين في كتبه بعد ذلك زيدت الكنية في العنوان، فكان يكتب في الجانب الأيمن «بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله فلان أبي فلان الإمام الفلاني» وفي الجانب الأيسر، «إلى فلان بن فلان» . وقد تقدّم في الكلام على ترتيب المكاتبات أن البسملة بقيت في العنونة إلى زمن النّحاس في خلافة الراضي، وأن صاحب «موادّ البيان» ذكر أنها بطلت منه بعد ذلك.
قال النحاس: فإن كان المكتوب إليه من موالي بني هاشم، نسب إلى ذلك. وإن لم يكن ينسب إليهم ترك.
الجملة الثانية (في الكتب العامّة، وهي على أسلوبين)
الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الكتاب بلفظ «من فلان إلى فلان» )
(6/381)

بأن يكتب «من عبد الله فلان أبي فلان الإمام الفلاني أمير المؤمنين إلى آخر المكاتبة على ما تقدّم ترتيبه.
وهذه نسخة «1» كتاب من ذلك كتب به أبو إسحاق «2» الصابي عن الطائع «3» لله إلى صمصام «4» الدولة بن عضد الدولة بن بويه بسبب كردويه، الخارج عن الطاعة، وليس فيه تكنية للخليفة وهو:
من عبد الله عبد الكريم الإمام الطائع لله أمير المؤمنين إلى صمصام الدولة وشمس الملّة أبي كاليجار بن عضد الدولة وتاج الملّة مولى أمير المؤمنين.
سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.
أما بعد- أطال الله بقاءك- فإن أمير المؤمنين وإن كان قد بوّأك المنزلة
(6/382)

العليا، وأنالك من أثرته الغاية القصوى، وجعل لك ما كان لأبيك عضد الدولة وتاج الملة- رحمة الله عليه- من القدر والمحلّ، والموضع الأرفع الأجلّ، فإنه يوجب لك عند بذلك «1» أثرا يكون لك في الخدمة، ومقام حمد تقومه في حماية البيضة، إنعاما يظاهره، وإكراما يتابعه ويواتره. والله يؤيّدك «2» من توفيقه وتسديده، ويمدّك بمعونته وتأييده، ويخير لأمير المؤمنين فيما رأيه مستمرّ عليه من مزيدك وتمكينك، والإبقاء بك وتعظيمك، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
وقد عرفت- أدام الله عزّك- ما كان من أمر كردويه «3» كافر نعمة أمير المؤمنين ونعمتك، وجاحد صنيعته وصنيعتك، في الوثبة التي وثبها، والكبيرة التي ارتكبها، وتقريره «4» أن ينتهز الفرصة التي لم يمكّنه الله منها، بل كان من وراء [ذلك] دفعه وردّه عنها، ومعاجلتك إيّاه الحرب التي أصلاه الله نارها، وقنّعه عارها وشنارها «5» ، حتّى انهزم والأوغاد «6» الذين شركوه في إثارة الفتنة، على أقبح أحوال الذّلة والقلّة، بعد القتل الذّريع، والإثخان الوجيع فالحمد لله على هذه النعمة التي جلّ موقعها، وبان على الخاصّة والعامّة أثرها، ولزم أمير المؤمنين خصوصا والمسلمين عموما نشرها، والحديث بها، وهو المسؤول إقامتها وإدامتها برحمته.
وقد رأى أمير المؤمنين أن يجازيك عن هذا الفتح العظيم، والمقام المجيد الكريم، بخلع «7» تامّة، ودابّتين ومركبين «8» ذهبا من مراكبه، وسيف
(6/383)

وطوق وسوار مرصّع، فتلقّ ذلك بالشكر «1» عليه، والاعتداد بنعمته فيه، والبس خلع أمير المؤمنين وتكرمته، وسر من بابه على حملاته، وأظهر ما حباك به لأهل حضرته، ليعزّ الله بذلك وليّه ووليّك، ويذلّ عدوّه وعدوّك، إن شاء الله تعالى، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته. (وكتب أحمد بن محمد لثمان إن بقين من شهر ربيع الأوّل سنة خمس وسبعين وثلاثمائة) أطال الله بقاءك، وأدام عزّك، وأحسن «2» حفظك وحياطتك، وأمتع أمير المؤمنين بك، وبالنعمة فيك وعندك.
وهذه نسخة كتاب آخر من ذلك أيضا، كتب به عن المقتفي لأمر الله إلى السلطان مسعود «3» بن محمد بن ملكشاه السلجوقيّ في تعزية بولد مات له، وفيه تكنية الخليفة وتقديم الكنية على الاسم وكثرة الألقاب للمكتوب إليه وهو.
«من عبد الله أبي عبد الله محمد المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، إلى شاهنشاه المعظّم مولى الأمم، مالك رقاب العرب والعجم، جلال دين الله، ظهير عباد الله، حافظ بلاد الله، معين خليفة الله، غياث الدنيا والدّين، ناصر الإسلام والمسلمين، محيي الدولة القاهرة، معزّ الملة الزاهرة، عماد الملة الباهرة، أبي الفتح «مسعود بن محمد ملكشاه» قسيم أمير المؤمنين.
سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله ويسلّم تسليما.
(6/384)

أما بعد، أطال الله بقاءك! وأدام عزّك وتأييدك وسعادتك ونعمتك، وأحسن حفظك وكلاءتك ورعايتك؛ وأمتع أمير المؤمنين بك، وبالنعمة الجليلة والموهبة الجزيلة والمنحة النّفيسة فيك وعندك، ولا أخلاه منك!، فإن أولى من ادّرع للحوادث جبّة الاصطبار، ونظر أحوال الدنيا في تقلّبها بعين الاعتبار، ورجع إلى الله تعالى في قدره وقضائه، وسلّم لأمره الذي لا رادّ له في امتحانه وابتلائه، وعرف أنّ له سبحانه في كلّ ما يجريه على عباده حكمة باطنة، ومصلحة كامنة، من خير عاجل ينشره، وثواب آجل يؤخّره لهم إلى يوم الجزاء ويدّخره، وفائدة هو أدرى بها وأعلم، وفعله فيها أتقن وأحكم، من خصّه بما خصّك الله به من الدين الراجح، والخلق الصالح، والمعتقد الواضح، والنّعم التي جادك في كلّ يوم مقام سحابها، واتسعت بين يديك عند مضايق الأمور رحابها، وأنست إذا استوحشت من العاجزين عن ارتباطها بالشّكر صحابها؛ والمناقب التي فرعت بها صهوات المجد، وتملّكت رقّ الثناء والحمد؛ وعلوت فيها عن المساجل والمطاول، وبعد ما حضر لك منها عن أن تناله يد القائم المحاول. وتأدّى إلى حضرة أمير المؤمنين- أمتعه الله ببقائك، ودافع له عن حوبائك «1» - نبأ الحادثة بسليلك الذي اختار الله له كريم جواره، فأحبّ له الانتقال إلى محلّ الفوز ومداره، فوجد لذلك وجوما موفّرا، وهمّا للسّكون منفّرا؛ وتوزّعا تقتضيه المشاركة لك فيما ساويته (؟) والمساهمة الحاصلة في كل ما حلا من الأمور وأمرّ، وأمر عند ورود هذا الخبر بالتصدّي للعزاء، وإعلان ما يعلن عن مقاسمتك في الضّرّاء- دفعها الله عنك- والسّرّاء؛ وندب جمعا من الخدم المطيفين بشريف سدّته، المختصين بعزيز خدمته؛ بتعزّ يتصوّنه لباس التعزية، ويستدني بتقمّصه عازب التسلية، إبانة عن انصراف الهمم الإماميّة إليك فيما خصّ وعمّ من حالك، واستجلابه لك دواعي المسارّ في حلّك
(6/385)

وترحالك، وكون الأفكار الشريفة موكّلة بكل ما حمى من الروائع قلبك، وأعذب شربك، وأنت حقيق بمعرفة هذه الحال من طويّته لك ونيته، ورأيه فيك وشفقته، ورعاية مصلحتك منه بعين كالية، ورجوعه من المحافظة في حقّك إلى ألفة بالصّفاء حالية، وتلقّي الرّزيّة التي أرادها الله وقضاها، وأنفذ مشيئته فيها وأمضاها بالصبر المأمور به والاحتساب، والتسليم الموعود عليه بجزيل الثّواب؛ علما أن الأقدار لا تغالب، وغريمها لا يطالب، وإن الله تعالى إذا قال لنبيه صلّى الله عليه وسلّم- وهو سيد البشر- إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
«1» فلا سبيل لأحد من خلقه إلى البقاء، ولا وجه للخلود في دار الفناء، ولا دافع لحكمه جلّت عظمته فيما قدّره من الآجال، وسبق في علمه من الرّوائع في دار الابتلاء والأوحال وما يزال التطّع واقعا إلى وصول جوابك الدالّ على السّلوة التي هي الأليق بك، والأدعى إلى حصول بغيتك من قضاء الله وأدبك؛ لتحطّ الأنسة مع وصوله في رحالها، وتؤذن لصرف الغموم الجارية لأجلك بارتحالها.
هذه مناجاة أمير المؤمنين لك، أدام الله تأييدك! وأمتع بك! إن شاء الله تعالى، والسّلام عليك ورحمة الله.
الأسلوب الثاني (أن يكون الافتتاح بلفظ «أما بعد» وهو على نوعين)
النوع الأوّل (أن يعقب البعدية «الحمد لله» ؛ وهو على ضربين)
الضرب الأوّل (أن يتعدّد الحمد في أوّل الكتاب)
ويكون ذلك في الكتب المؤذنة بحصول نعمة ظاهرة كالفتوح ونحوها.
(6/386)

ويقع التعدّد فيها بحسب ما تقتضيه النعمة، وغالب ما يكون ثلاث مرات، وربما وقع التحميد في أوّل الكتاب وآخره.
وهذه نسخة كتاب من هذا النوع كتب بها عن المعتصم «1» إلى ملوك الآفاق من المسلمين عند قبض الأفشين على بابك «2» ملك الروم، وهي:
أما بعد، فالحمد لله الذي جعل العاقبة لدينه، والعصمة لأوليائه، والعزّ لمن نصره، والفلج لمن أطاعه، والحقّ لمن عرف حقّه، وجعل دائرة السّوء على من عصاه وصدف عنه، ورغب عن ربوبيته، وابتغى إلها غيره. لا إله إلا هو وحده لا شريك له. يحمده أمير المؤمنين حمد من لا يعبد غيره، ولا يتوكّل إلا عليه، ولا يفوّض أمره إلّا إليه؛ ولا يرجو الخير إلا من عنده، والمزيد إلا من سعة فضله، ولا يستعين في أحواله كلّها إلا به. ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله، وصفوته من عباده، الذي ارتضاه لنبوته، وابتعثه بوحيه واختصّه بكرامته، فأرسله بالحق شاهدا ومبشّرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. والحمد لله الذي توجّه لأمير المؤمنين بصنعه، فيسّر له أمره، وصدق له ظنّه، وأنجح له طلبته «3» ، وأنفذ له حيلته، وبلّغ له محبّته، وأدرك المسلمون بثأرهم على يده، وقتل عدوّهم، وأسكن روعتهم، ورحم فاقتهم، وآنس
(6/387)

وحشتهم، فأصبحوا آمنين مطمئنّين مقيمين في ديارهم، متمكّنين في أوطانهم، بعد القتل والخوف والتشريد وطول العناء، وتتابع البلاء، منّا من الله عز وجلّ على أمير المؤمنين بما خصّه به، وصنعا له فيما وفّقه لطلبه، وكرامة زادها فيما أجرى على يده. فالحمد لله كثيرا كما هو أهله، ونرغب إلى الله في تمام نعمه ودوام صنعه، وسعة ما عنده بمنّه ولطفه. ولا يعلم أمير المؤمنين- مع كثرة أعداء المسلمين وتكنّفهم إيّاه من أقطاره، والضغائن «1» التي في قلوبهم على أهله، وما يترصّدونه من العداوة، وينطوون عليه من المكايدة، إذ كان هو الظاهر عليهم، والآخذ منهم- عدوّا كان أعظم بليّة، ولا أجلّ خطبا، ولا أشدّ كلبا، ولا أبلغ مكايدة، ولا أرمى بمكروه، من هؤلاء الكفرة الذين يغزوهم المسلمون، فيستعلون عليهم، ويضعون أيديهم حيث شاءوا منهم، ولا يقبلون لهم صلحا، ولا يميلون معهم إلى موادعة، وإن كان لهم على طول الأيّام وتصرّف الحالات وبعض ما لا يزال يكون من فترات ولاة الثّغور أدنى دولة من دولات الظّفر وخلسة من خلس الحرب، كان بما لهم من خوف العاقبة في ذلك منغّصا لما تعجّلوا من سروره، وما يتوقعون من الدوائر بعد، مكدّرا لما وصل إليهم من فرحة.
فأما اللعين بابك وكفرته، فإنهم كانوا يغزون أكثر مما يغزون، وينالون أكثر مما ينال منهم، ومنهم المنحرفون عن الموادعة، المتوحّشون عن المراسلة، ومن أديلوا من تتابع الدول، ولم يخافوا عاقبة تدركهم، ولا دائرة تدور عليهم. وكان مما وطّأ ذلك ومكّنه لهم أنهم قوم ابتدؤا أمرهم على حال تشاغل السلطان، وتتابع من الفتن، واضطراب من الحبل، فاستقبلوا أمرهم بعزّة من أنفسهم، وضعف واستثارة ممّن باراهم، فأجلوا من حولهم لتخلص البلاد لهم، ثم أخربوا البلاد ليعزّ مطلبهم، وتشتدّ المؤونة «2» وتعظم الكلفة، ويقووا
(6/388)

في ذات أيديهم؛ فلم يتواف إليهم قوّاد السلطان إلا وقد توافت إليهم القوّة من كل جانب، فاستفحل أمرهم، وعظمت شوكتهم، واشتدّت ضروراتهم واستجمع لهم كيدهم، وكثر عددهم واعتدادهم، وتمكّنت الهيبة في صدور الناس منهم، وتحقّق في نفوسهم أن كلّ ما يعدهم الكافر ويمنّيهم أخذ باليد.
وكان الذي بقي عندهم منه كالذي مضى، وبدون هذا ما يختدع الأريب ويستنزل العاقل ويعتقل الفطن، فكيف بمن لا فكرة له، ولا رويّة عنده؟
هذا مع كل ما يقوم في قلوبهم من حسد أهل النّعم، ومنافستهم على ما في أيديهم، وتقطّعهم حسرات في إثر ما خصّوا به، وأنهم إن لا يكونوا يرون أنفسهم أحقّ بذلك، فإنهم يرون أنّهم فيه سواء.
ولم يزل أمير المؤمنين قبل أن تفضي إليه الخلافة مادّا عنقه، موجّها همته إلى أن يولّيه الله أمر هؤلاء الكفرة ويملّكه حربهم، ويجعله المقارع لهم عن دينه، والمناجز لهم عن حقّه، فلم يكن يألو في ذلك حرصا وطلبا واحتيالا، فكان أمير المؤمنين رضي الله عنه يأبى ذلك لضنّه به، وصيانته بقربه، مع الأمر الذي أعدّه الله له وآثره به؛ ورأى أنّ شيئا لا يفي بقوام الدين وصلاح الأمر.
فلما أفضى الله إلى أمير المؤمنين بخلافته وأطلق الأمر في يده، لم يكن شيء أحبّ إليه ولا آخذ بقلبه من المعاجلة للكافر وكفرته، فأعزه الله وأعانه الله، فلله الحمد على ذلك وتيسّره، فأعدّ من أمواله أخطرها، ومن قوّاد جيشه أعلمهم بالحرب وأنهضهم بالمعضلات، ومن أوليائه وأبناء دعوته ودعوة آبائه- صلوات الله عليهم- أحسنهم طاعة، وأشدّهم نكاية، وأكثرهم عدّة. ثم أتبع الأموال بالأموال، والرّجال بالرجال، من خاصّة مواليه وعدد غلمانه، وقبل ذلك ما اتكل عليه من صنع الله جلّ وعزّ، ووجه إليه من رعبته. فكيف رأى الكافر اللعين وأصحابه الملاعين؟ ألم يكذب الله ظنونهم، ويشف صدور أوليائه منهم؟
يقتلونهم كيف شاءوا في كل موطن ومعترك، ما دامت عند أنفسهم مقاومة.
فلما ذلّوا وقلّوا وكرهوا الموت، صاروا لا يتراءون إلا في رؤوس الجبال
(6/389)

ومضايق الطّرق وخلف الأودية ومن وراء الأنهار، وحيث لا تنالهم الخيل، حصنا للمطاولة وانتظارا للدوائر، فكادهم الله عند ذلك وهو خير الكائدين، واستدرجهم حتّى جمعهم إلى حصنهم معتصمين فيه عند أنفسهم، فجعلوا اعتصامهم لحين «1» لهم، وصنع لأوليائه وإحاطة منه به تبارك وتعالى، فجمعهم وحصرهم لكي لا تبقى منهم بقيّة ولا ترجى لهم عاقبة، ولا يكون الدين إلا لله، ولا العاقبة إلا لأوليائه، ولا التعس والنّكس «2» إلا لمن خذله.
فلما حصرهم الله وحبسهم عليهم ودانتهم مصارعهم، سلّطهم الله عليهم كيد واحدة، يختطفونهم بسيوفهم، وينتظمونهم برماحهم، فلا يجدون ملجأ ولا مهربا. ثم أمكنهم من أهاليهم وأولادهم ونسائهم وحرمهم وصيّروا الدار دارهم والمحلة محلّتهم، والأموال قسما بينهم، والأهل إماء «3» وعبيدا. وفوق ذلك كلّه ما فعل بهؤلاء وأعطاهم من الرحمة والثواب، وما أعدّ لأولئك من الخزي والعقاب، وصار الكافر بابك لا فيمن قتل فسلم من ذلّ الغلبة، ولا فيمن نجا فعاين في الحياة بعض العوض، ولا فيمن أصيب، فيشتغل بنفسه عن المصيبة بما سواه، لكنه سبحانه وتعالى أطلقه وسدّ مذاهبه، وتركه ملدّدا «4» بين الذّل والخوف، والغصّة والحسرة، حتّى إذا ذاق طعم ذلك كلّه وفهمه، وعرف موقع المصيبة، وظنّ مع ذلك كلّه أنه على طريق من النجاة، فأضرب الله وجهه، وأعمى بصره، وسدّ سبيله، وأخذ بسمعه وبصره، وحازه إلى من لا يرقّ له، ولا يرثي لمصرعه، فامتثل ما أمر به الأفشين (حيدر بن طاوس «5» )
(6/390)

مولى أمير المؤمنين في أمره، فبثّ له الحبائل، ووضع عليه الأرصاد، ونصب له الأشراك حتّى أظفره الله به أسيرا ذليلا موثقا في الحديد، يراه في تلك الحالة من كان يراه ربّا، ويرى الدائرة عليه من كان يظنّ أنها ستكون له. فالحمد لله الذي أعزّ دينه، وأظهر حجّته، ونصر أولياءه وأهلك أعداءه، حمدا يقضى به الحقّ، وتتمّ به النّعمة، وتتصل به الزيادة. والحمد لله الذي فتح على أمير المؤمنين وحقّق ظنّه، وأنجح سعيه، وحاز له أجر هذا الفتح وذخره وشرفه، وجعله خالصا لتمامه وكماله بأكمل الصنع وأحسن الكفاية، ولم ير بوسا فيه ما يقذي عينه، ولا خلا من سرور يراه، وبشارة تتجدّد له عنه، فما يدري أمير المؤمنين ما متّع فيه من الأمل، أو ما ختم له من الظفر. فالحمد لله أوّلا! والحمد لله آخرا! والحمد لله على عطاياه التي لا تحصى، ونعمه التي لا تنسى، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة كتاب من هذا الضرب، كتب به أبو سعيد العلاء «1» بن موصلايا عن القائم بالله، إلى عضد الدولة «ألب أرسلان» إلى مسعود بن محمود صاحب غزنة من أوائل بلاد الهند، بالبشارة بالنّصر على البساسيريّ «2» وهو:
أما بعد، فالحمد لله منير الحق ومبديه، ومبير الباطل ومرديه، الكافل بإعزاز حزبه، وإذلال حربه، المؤيّد في نصرة دينه خصب الدّهر بعد إمحاله وجدبه، الناظم شمل الشرع بعد شتاته وتفرّقه، الحاسم داعي الفساد بعد
(6/391)

استيلائه وتطرّقه، ذي المشيئة النافذة الماضية، والعزّة الكاملة الوافرة والعظمة الظاهرة البادية، والبراهين الرائعة الرائقة، والدلائل الشاهدة بواحدانيّته الناطقة، حمدا لا انتهاء لأمده، ولا إحصاء لعدده. والحمد لله الذي اختص محمدا صلّى الله عليه وسلّم، برسالته وحباه، وأولاه من كرامته ما حاز له به الفضل وحواه، وبعثه على حين فترة من الرّسل، وخلاء من واضح السّبل، فجاهد بمن أطاعه من عصاه، وبلغ في الإرشاد أقصى غايته ومداه، ولم يزل مبديا أعلام الإعجاز، وملحقا الهوادي «1» بالأعجاز، إلى أن دخل الناس في الدين أفواجا، وسلكوا في نصرته جددا «2» واضحا ومنهاجا؛ وغدت أنوار الشرع ضاحكة المباسم، وآثار الشّرك واهية الدعائم، ومناهل الهدى عذبة صافية. فصلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وأصحابه المنتخبين وخلفائه الأئمة الراشدين، وسلّم تسليما.
والحمد لله الذي أصار إلى أمير المؤمنين من تراث النبوّة ما استوجبه واستحقّه، وأنار لديه من مطالع الجلال ما تملك به الفخر واسترقّه، ومنحه من حسن التمكين والإظفار، وإجراء الأقضية على مراده والأقدار ما ردّ صرف الدهر عن حوزته مفلول الحدّ، ومدّ باع مجده إلى أقصى الغاية والحدّ، وحمى سرب «3» إمامته من دواعي الخوف والحذر، ووقى مشرب خلافته من عوادي الرّنق «4» والكدر، وجعل معالم العدل في أيامه مشرقة الأوضاح والحجول، مفترّة النواجذ «5» عن الكمال الضافي الأهداب والذّيول، مؤذنة باستقرار أمداد السعادة، واستمرار الأحوال على أفضل الرّسم والعادة، وهو يستديمه من لطيف الصّنع وجميله، ووافي الطّول وجزيله ما يزيد آراءه سدادا ورشادا، وأرومة عزّه
(6/392)

اتساعا وامتدادا، ومجاري الأمور لديه اتساقا على المراد واطّرادا، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب!.
ومعلوم ما اعتمده شاهنشاه المعظّم بعد مسيره إلى العراق، في الجيوش التي يضيق بها الفضاء، ويجري على مرادها القضاء، قاصدا تلبية الدعوة، وخاضدا «1» شوك كلّ من سدّ»
عن الدين أسباب المضرّة والمعرّة، ومعتمدا ما حمى حوزة أمير المؤمنين من الشوائب المعترضة، وحوى أقسام الفخار في اتباع شروط الخدمة الملتزمة المفترضة، من المبادرة للّكع «3» اللعين البساسيريّ ولفيفه المخاذيل، مدّرعا من الاعتضاد بالله تعالى أقوى الجنن «4» وأسبغ السّرابيل، ليطهّر الأرض من دنس كفرهم، ويوفّر الجدّ «5» في فصم حدّهم وحسم كيدهم، فأطلّ على بلاد الشام متطلبا من ألجأه حذره إلى الإمعان في الهرب، وقطع كلّ أخيّة وسبب، ومعتزما الائتمام إلى مصر لانتزاعها وبقية الأعمال، من أيدي أحلاف الغواية والضّلال، وقرّب الأمر فيما حاوله من ذلك ورامه اعتماده فيه صنوف التجدّد وأقسامه، فاعترضه من عصيان إبراهيم اينال وعقوقه، وخروجه عن زمرة أبناء الطاعة ومروقه، بإفساد اللّعين إيّاه، وإحالته بمكره عن مناهج هداه، ما أحوجه إلى ترك ما هو بصدده واللّحاق بأثره حذارا من استفحال خطبه، وبدارا إلى فلّ حدّه وغربه، فعاد ذلك بتجمّع الأعداء واحتشادهم، وسلوكهم المحجّة التي خصّوا فيها بعدم توفيقهم ورشادهم، وإقدامهم على فضل الإمامة المكرمة بالمحاربة، واطّراحهم في منابذتها حكم الاحتشام والمراقبة، ووقوع التظافر على المجاهرة بخلافها، والتظاهر بشعار أشياع الغواية وأحلافها، جرأة على الله تعالى واستنزالا لعقابه، واطّراحا لما توجبه الجناية العظمى من توقّع العذاب
(6/393)

وارتقابه، وادّراعا لملابس الخزي في الدنيا والآخرة، واتباعا لداعي الضّلالة المغوية في البدء والخاتمة، فاقتضى حكم الاستظهار الانتقال من دار الخلافة- بمدينة السّلام- إلى (حديثة عانة «1» ) لما هي عليه من امتناع الجانب وشدّة الحصانة، إلى أن أسفر خطب شاهنشاه ركن الدين- أمتع الله به- عن إدراك المطالب، وتيسّر المصاعب، فعاد بنصرة الدولة العباسيّة الإمامية القائميّة مستنفدا في ذلك أقسام الوسع والاجتهاد، ومستنجدا بمعونة الله تعالى على إبادة الكفر بصنوف القراع والجهاد. ولم يزل ساعيا في إزالة العار، وانتزاع المغتصب وارتجاع المستعار، إلى أن صدّق الله تعالى الأمل وحقّقه، وأصفى منهل العز من كل ما شابه ورنّقه، وأطلع شمس الحقّ بعد غروبها، ومنّ بخضد «2» شوكة الباطل وفلّ غروبها.
وعاد أمير المؤمنين إلى دار ملكه ومقرّ مجده في يوم كذا ضافية على راياته جلابيب النّصر والظّفر، جارية على إرادته تصاريف القضاء والقدر، بيمن نقيبة شاهنشاه الذي أدّى في الطاعة الفرض والواجب، وتمسّك من المشايعة بأفضل ما تضمّ عليه الرّواجب، وغدا للدولة عضدا موفيا على الأمثال، في دفعه عن الإسلام وذبّه، ومتقمّصا للجلال، بحسن إخلاصه في حالتي بعده وقربه. وما زالت ثقة أمير المؤمنين مستحكمة بالله تعالى عند ما ألمّ به من تلك الحال، ودهم من الخطب المحتفّ به سطوة الاشتداد والاستفحال، في إجرائه على ما ألفه من النّصر والإعزاز، وإظهار آلائه في تأييده والإعجاز؛ إذ لم يكن ما عرّاه
(6/394)

استعادة للحقّ المسلّم إليه، والموهبة التي ضفت جلابيبها عليه، بل جعل الله ذاك إلى امتحان صبره سبيلا، وعلى وفور أجره دليلا، وبإبادة كل ناعق في الفتنة كفيلا؛ لتزداد أنوار علاه نضارة وحسنا، وأعلام جلاله سعادة ويمنا، ورباع عزّه سكونا وأمنا، لطفا منه جلّت آلاؤه في ذلك ومنّا. وتلا هذه النعمة التي جدّدت عهود الشرع وافية النّضارة، وأزالت عن الدّين مفاسده العارضة ومصارّه، ما سهّله الله وهنّاه، وأجزل به صنيعه الجزيل وأسناه، من ظفر السّرايا التي تورّدها لاصطلام اللّعناء واجتياحهم، وحسم فسادهم وهدم عراصهم، وإخماد ما أضرموه من نار الشّرك وشبّوه، وإبطال ما أحدثوه من رسم الجور وسنّوه، وأفضى الحال إلى النّصر على الأعداء من كل جانب، وقهر كلّ منحرف عن الرشاد ومجانب، وحلول التأييد على الرايات المنصورة العباسيّة التي لم تزل مكنوفة على صرف الدهر أشياعها وأنصارها، وإجلاء الحرب عن قتل اللعين البساسيري وأخذ راسه، وتكذيب ظنّه في احرازه من طوارق الغير واحتراسه، وإراحة الأرض وأهلها من دنسه وعدوانه؛ وكون من ضامّه من طبقات العرب والأكراد والأتراك البغداديين والعوامّ بين قتيل مرمّل «1» بدمه، وأسير تلقّى المنون بغصة أسفه وندمه، وصريع في بقيّة من ذمائه «2» ، وهارب والطلب واقع من ورائه. فأنجز الله وعده في هذا المارق، والعبد الآبق «3» الذي غرّه إمهال الله تعالى إيّاه فنسي عواقب الإهمال في الغواية، والإمهال في الطّغيان إلى أقصى الحدّ والغاية، وحمل رأسه إلى الباب العزيز فتقدّم بالتّطواف به في جانبي مدينة «4» السّلام وشهره، إبانة عن حاله وإيضاحا لجليّة أمره، وكفي
(6/395)

ما يوجبه إقدامه على العظائم التي علم الله تعالى سوء مصيرها ومآلها، وحرم الرّشد في التمسّك والتشبّث بأذيالها، وتلك عاقبة من بغى واعتدى، وأتزر بالغدر وارتدى، وأمعن في الضّلّة واعتدى. والجدّ واقع من بعد في المسير للاحتواء على بلاد المخالفين الدانية والقاصية، والأخذ مع مشيئة الله تعالى بنواصي كل فئة طاغية عاصية.
فالحمد لله على المنحة التي بشّرت الإسلام بجبر كسره، وأنقذت الهدى من ضيق الكفر وأسره، وأبدت نجوم العدل بعد أن أفلت وغارت، وأردت شيعة الباطل بعد أن اعتدت على الحقّ وأغارت. وهو المسؤول صلتها بأمداد لها تقضي إذ ذاك سائر الأغراض وبلوغها، وتقضي بكمال رائق الآلاء وسبوغها.
اقتضى مكانك- أمتع الله بك- من رأي أمير المؤمنين الذي وطّأ لك معاقد العزّ وهضابه، وكمّل لديك دواعي الفخر وأسبابه، ونحلك من إيجابه الذي وصلت به إلى ذروة العلاء، وصلت على الأمثال والنّظراء، إشعارك بما جدّده الله تعالى من هذه النعمة التي غدت السّعود بها جمّة المناهل، سامية المراتب والمنازل، لتأخذ من حظّه بها، والشكر لله تعالى على ما تفضّل به فيها بالقسم الأوفى، كفاء ما يوجبه ولاءك الذي امتطيت به كاهل المجد، واصطفيت به كامل السعد، وكونك لدولة أمير المؤمنين شهابها المشرق في الحنادس «1» ، وصفيّها الرافل من إخلاص مشايعتها في أفخر الحلل والملابس، والله تعالى لا يخليك، من كل ما تستدرّ به أخلاف «2» معاليك، ولا يعدم أمير المؤمنين منك الوليّ الحميد السّيرة، الرشيد العقيدة والسّريرة، الشّديد الشاكلة والوتيرة.
(6/396)

هذه مناجاة أمير المؤمنين لك، أجراك فيها على ما عوّدك من التجمّل والإكرام، وحباك فيها بما هو مبشّر لك بالسعادة الوافية الأصناف والأقسام، فتلقّها بالجذل والاستبشار، وواصل شكر الله تعالى على ما تضمّنته من حسن مجاري الأقضية والأقدار؛ وطالع حضرة أمير المؤمنين بأنبائك، وتابع إنهاء ما يتشوّف نحوه من تلقائك؛ إن شاء الله تعالى.
الضرب الثاني (أن يتّخذ التحميد في أوّل الكتاب، وهو أقلّ وقوعا من الضرب الذي قبله)
وهذه نسخة كتاب من ذلك، كتب به أبو إسحاق الصابي «1» عن «المطيع لله» «2» إلى بعض ولاة الأطراف، عند طاعة عبد «3» الملك بن نوح أحد ملوك بني ساسان، وهي:
أما بعد، فالحمد لله الوليّ بالاستحماد، المستحقّ لكنه الاعتباد، القدير على تأليف الأجساد، البصير بسبل خفايا الأحقاد، ذي الحكمة في تبديل الضّغن «4» والسّخيمة «5» ذمّة، والمنابذة عصمة، والقطيعة وصلة، والشّحناء خلّة، والحرج فرجة، والشّعث نضارة وبهجة. الذي جعل الصّلح فتحا هنيّا، والسّلم منجا بهيّا، والموادعة منّا جزيلا، والإرعاء أمنا جميلا، والإقالة حرما لا
(6/397)

يضلّ هداه، ولا تحلّ قواه، ولا تخيب عواقبه، ولا تخفى مآثره ومناقبه، رأفة منه بالخلق، وصيانة لأهل الحقّ، وإمهالا في العهد، ورخصة في الاختصار دون الحدّ؛ ليقرّب فيئة المتأمل، ويسهّل رجعة المتحصل، وتسرع رفاهية المستبصر، ويخفّ اجتهاد المزاول المشمّر، وقد قال الله عزّ وجلّ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
«1» وهو المسؤول عمارة الإسلام بالسّلامة، والأنام بالاستقامة، والسلطان بالطّاعة، والملك ببخوع «2» الجماعة، حتّى تزال الفتنة مهيضة «3» الجناح، مريشة الاجتياح، فليلة الشّباة «4» ، قليلة الأدوات، فتكون النفوس واحدة، والأيدي مترافدة؛ والمودّات صافية، والمآرب متكافية متضاهية، في الشكر الذي يذاد به عن النّفوس، ويحمى به حريم الدّين؛ ويرجى معه التأييد، ويبتغى بوسيلته المزيد، فقد قال الله- وقوله الحق-: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ «5»
والله سميع مجيب. وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل! وقد علمت ما فرط من نوح بن نصر في السّهو، ونقم منه في الهفو، الذي ألهاه عن التقوى، وأنساه شيمة الرّقبى «6» ، فعدل عن سنن القصد، وزاغ عنه على عمد، وحال عن آداب آبائه رحمهم الله وهم القدوة، وسجاياهم وبهم الأسوة، وما كان ينتمي به من الولاء، ويعتزي إليه من الوفاء، وصار أدنى معنى ممن يحسده على كرم الأصل، وينافسه في شرف المحل، ويدخل على عقله مدّخل النصيحة، ويطّلع بظاهرها على آرائه الصريحة، وكلّ ذلك إلحاد في أمير
(6/398)

المؤمنين وعهدته، ومروق عن أزمّته، وعقوق بالبرية يشقى به الباقي، ولن يشقى به النازح الماضي. فإنّ أمير المؤمنين ما زال واعيا لأوامر سلفه، عارفا بمآثر خلفه، متجافيا لأولئك عما ابتدعه، متنوّيا لهذا التّجاوز عمّا صنعه، فقد كان نمي إلى أمير المؤمنين أنّ عبد الملك بن نوح، مولى أمير المؤمنين، سليم السّريرة، سديد البصيرة، يرجع إلى رأيه وتدبيره، ولم يجد وشمكير بن زنار، عاجله بالبوار، مساغا إلى ختله، ولا احتيالا في ليّه وفتله، وكان لعبد الملك ركن الدولة بن مالك مولى أمير المؤمنين ظهير صدق، إن وسن أيقظه، وإن ماد أيّده، خلّة فضل فطره الله عليها، وغريزة تمييز أحسن الله إليه فيها، فإنه لو قال أمير المؤمنين: إنه لا مثل له استحقّ هذا الوصف، ولأمن أمير المؤمنين فيه الخلف. ترك لباس أبيه فنزعه، واعتاض منه وخلعه، وتنصّل مما كان منه منتهكا، فعاد عليه محتنكا، وأتى الأمر من طريقه، ولجأ فيه إلى فريقه، ركن الدولة أبي عليّ مولى أمير المؤمنين، أحسن الله ولايته، ومعزّ الدولة أبي الحسين تولّى الله معونته، واستصلحهما، وكفى، واستخلصهما، وغنى، وراسل في الإنابة وإن لم يكن حائدا، والاستقالة وإن لم يكن جانيا، فما ترك ركن الدولة ومعز الدولة- كلأهما الله- إكبار قدره، وإجلال أمره، والقيام بخلاصه، والنطق عن أمير المؤمنين بلسان مشاركته، وإذكار أمير المؤمنين بما لم ينسه من تلك الوثائق، التي صدّر بها كتابه، والعلائق، التي وشّح بها خطابه، إلى أن أجلّ أبا محمد نوحا وترحم عليه، وقبل عبد الملك وأحسن إليه، وواصل رسله، واستمع رسائله، وقلّده خراسان ونواحيها، وسائر الأعمال الجارية فيها، وعهد إليه في ذلك عهدا وميّزه باللواء، والخلع «1» والحباء، بعد أن كنّاه بلسانه، ووفّاه حدود إحسانه؛ وألحقه في ذلك بآبائه، ولم يقصّر فيه بشأوه.
وكتاب أمير المؤمنين هذا، وقد اطّردت الحال واستوثقت، وامتزجت الأهواء واتفقت؛ وخلا المشرق من الاضطراب الذي طال أمده، ولم يكد يرى أثره،
(6/399)

وصارت العساكر الدانية والنائية فوضى لا تمتاز، ولا تنفرد وتنحاز، وذلك صنع الله لأمير المؤمنين في جمع الشّتات، وتلافي الهنات «1» ، ولمّ خلل التّخاذل، ومداواة نغل الدّخائل؛ لتتمّ الكلمة في ولايته، وتعمّ النّعم في طاعته، ولا يكون للشيطان سبيل على شيعته، ولا طريق إلى مكيدة أبناء دعوته، والله ذو الفضل العظيم.
فاحمد الله على هذا النبإ الذي تطوّع به المقدار، والخبر الذي دلّت عليه الأخبار، من الفتح الذي لم ينغّصه تعب، ولم يكدّره عناء ولا نصب، فإنه تأتّى سهلا، وأتى رسلا؛ وابتدأ عفوا، وانتهى خالصا صفوا، فقد قمع الله به العندة، وجمع بتهيئة العبدة، وآذن عقباه بالسعادة، وبشّر في سيماه باتصال المادة، وأنزل أبا الفوارس عبد الملك بن نوح، مولى أمير المؤمنين، منزلة من رآه أمير المؤمنين أهلا للوديعة، وآمنه على الصّنيعة، ورتّبه مرتبة المسبحة، واستحفظ الله حسن الموهبة به، وما قد تجدّد بين أبي الفوارس وبينهما من الاتحاد، المتولد عن الاغتباط والاعتداد، فقلّ من شاقّهما فلم يندم، وتمرّد عليهما فلم يكلم، وتمسك بهما فلم يسعد، وارتبع أكنافهما فلم يوعد؛ وأجب عن هذا الكتاب بوصوله إليك، وموقع متضمّنه لديك، وما يحدثه لك من الجذل، وانفساح الأمل؛ موفّقا إن شاء الله تعالى.
النوع الثاني (أن لا يعقب البعدية «تحميد» ، بل يقع الشروع عقبها في المقصود)
وهذه نسخة كتاب من ذلك، كتب به أبو إسحاق «2» الصابي عن الطائع لله إلى من بصحار «3» وسوادها، وجبال عمان وأعمالها، وحاضرتها وباديتها، بالأمر
(6/400)

بالاجتماع على الطاعة، وهي:
أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين للذي حمّله الله من أعباء الإمامة، وأهّله له من شرف الخلافة، واستودعه من الأمانة في حياطة المسلمين، والاجتهاد لهم في مصالح الدنيا والدّين، يرى أن يراعي من بعد منهم ونأى، كما يراعي من قرب ودنا، وأن يلاحظ جماعتهم بالعين الكالية، ويطلبهم بالعين الوافية، ويتصفّح ظواهر أمورهم، وبواطن دواخلهم، فيحمد من سلك نهج السلامة، ويرشد من عدل عن الاستقامة، وينظم شمل الجماعة على الألفة التي أمر الله بها وحضّ عليها، ويزيلهم عن الفرقة التي ذمّها وو نهى عنها؛ إذ يقول جلّ من قائل: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
«1» :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
«2» . فلا يزال أمير المؤمنين يعرّفهم ما افترض الله عليهم من طاعة الأئمة وأولي الأمر الذين لا عصمة لمخالفهم، ولا ذمّة لمعاندهم، ولا عذر لمسلم ولا معاهد نأى بجانبه عنهم، وضلّ بوجهه عن سبيلهم، إذ كان الإمام حجة الله على خلقه، وخليفته في أرضه، وكانت الطاعة واجبة له ولمن قلّده أزمّة أموره، واستنابه في حمل الأعباء عنه، فمن آنس منه الهداية أحمده، ومن أنكر منه الغواية أرشده بالوعظ ما اكتفى به، أو بالبسط إن أحوج إليه. وإنّ أمير المؤمنين يسأل الله أن يوفّقه للرأي السّديد، ويمدّه بالصّنع والتأييد، ويتولّاه بالمعونة على كلّ ما لمّ «3» الشعث، وسدّ الخلل، وقوّم الأود وعدل الميل؛ وأحسن العائدة على المسلمين جميعا في شرق الأرض وغربها، وسهلها وحزنها، إنه بذلك جدير، وعليه قدير، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
وقد علمتم أن أمير المؤمنين أحسن إلى الرعيّة بما كان فوّضه إلى عضد
(6/401)

الدولة وتاج الملّة- رحمة الله عليه- من سياستهم باديا، ثم أحسن باستخلاف عديله وسليله صمصام الدولة وشمس الملة ثانيا؛ إذ كان خيرة أمير المؤمنين وصفوته، وحسامه ومجنّه «1» ، والمورد المصدر عنه بالعهدين المستمرّين من أمير المؤمنين بالنص عليه، ومن الوالد رحمه الله بالوصيّة إليه. وإن هذه العقود المؤكّدة، والعهود المشدّدة، موجبة على الكافّة طاعة من حصلت له، أو استقرّت بوثائقها في يده، إذ لا يصحّ من حاكم حكم، ولا من عاقد عقد، ولا من وال إقامة حدّ، ولا من مسلم تأدية فرض حتّى يكون ذلك مبنيّا على هذا الأصل، ومدارا على هذا القطب، وإن كان خارج عنهما وراض بخلافهما، خرج من دينه، أثم بربه، بريء من عصمته، وأنتم من بين الرعية فقد خصصتم سالفا بحسن النظر لكم، وعرفت الطاعة الحسنة منكم، فتقابلت النعمة والشّكر، تقابلا طاب به الذّكر، وانتظم به الأمر. ثم حدثت الهفوة المعترضة قبيل، فكان أمير المؤمنين موجبا للمعاقبة الموجبة على الجاهل الموضع في الفتنة، والمعاتبة الممضّة على الحكيم منكم القاعد عن النّصرة، إلى أن وردت كتب أستاد هرمز «2» بن الحسن، حاجب صمصام «3» الدولة، باستمراركم على كلمة سواء، في نصرة الأولياء، والمحاماة دونهم، ومدافعة الأعداء والمراماة لهم. فوقع ذلك من أمير المؤمنين أحسن مواقعه، ونزل لديه ألطف منازله، وأوجب لكم به رضاه المقترن برضا الله سبحانه، الموجب للقربة والزّلفى «4» عنده، وأمير المؤمنين يأمركم بالدوام على ما أنتم، والثبات على ما استأنفتم،
(6/402)

والمبادرة إلى كلّ ما يأمركم به فلان الوالي عليكم من صمصام الدولة بالاستخلاف والتفويض، ومن أمير المؤمنين، بالإمضاء لما أمضاه، والرضا بما يرضاه، فاعلموا ذلك من رأي أمير المؤمنين وأمره، وانتهوا فيه إلى حدّه ورسمه، وكونوا لفلان الوالي خير رعيّة، يكن لكم خير راع، فقد أمر فيكم بحسن السّيرة، وإجمال المعاملة، وتخفيف الوطأة، ورفع المؤونة «1» ؛ وجعل إليه عقاب المسيء، وثواب المحسن، ومسالمة المسالم، ومحاربة المحارب، وأمان المستأمن، وإقالة المستقيل، وحمل الجماعة على سواء السبيل، إن شاء الله تعالى.
الجملة الثالثة (في الكتب الخاصة مما يصدر عن الخلفاء، وهي على ضربين)
الضرب الأوّل (ما يكتب عن الخلفاء إلى وزرائهم)
قال في «صناعة الكتاب» : ويكاتب الإمام الوزير أو من حلّ محله «أمتعني الله بك وبدوام النّعمة عندي بك، وبقاء الموهبة لي فيك» وما جرى هذا المجرى.
وذكر في «ذخيرة الكتاب» : أن الدعاء للوزير «أمتعنا الله بك وبدوام النّعمة لنا فيك وتجديد الموهبة عندنا بك» . ثم قال: ودعا «المكتفي بالله» للقاسم بن عبد الله لما أمر بتكنيته، وكان الكتاب بخطه «أمتعني الله بك وبالنعمة فيك» ووقّع المستنصر إلى وزيره أحمد بن الخصيب «مدّ الله في عمرك» . وهو قريب مما ذكره في «صناعة الكتاب» في ذلك كله. والذي رأيته في مكاتبات العلاء بن موصلايا «2» عن «القائم بأمر الله» التصدير بما فيه تعظيم
(6/403)

الوزير وتقريظه، من غير ضابط في الابتداء، والدعاء في أثناء ذلك بالحياطة ثم التوصل إلى المقصد.
وهذه نسخة كتاب كتب به العلاء بن موصلايا عن القائم إلى وزيره:
لمّا خص الله تعالى الدولة القاهرة العبّاسية بامتداد الرّواق «1» ، في العز واتساع النطاق، وأجرى لها الأقدار بما يجمع شمل الحق ويمنع من نفاق النّفاق، وأفرد أيّامها بالبهاء المنير الأعلام، والانتهاء في قوّة الأمر إلى ما يتأدّى في طاعتها بين اليقظات والأحلام، وجعل الزمان واقفا عند حدّها في النقض والإبرام، ومتصرّفا على حكمها في كل ما حاول من حال ورام، ومكّن لها في الأرض حتّى أذلّت نواصي الأعداء قهرا وقسرا، وحسرت عن قناع القدرة على ردّ الطامعين في إدراك مداها ظلّعا حسرى، فإن الله تعالى لم يخلها كلّ وقت من قائل في نصرتها فاعل، وقائم بإقامة حشمتها من كل حاف من الأنام وناعل، وراغب في الذّبّ عن حوزتها سرّا وجهرا، وخاطب من خدمتها ما يرجى أن يكون رضا الله في المقابلة عنه أغلى مهرا، وناهج جدد الرّشد في المناضلة عنها بسيفه وقلمه، وفارج للكرب الحادثة فيها بنطق فيها بنطق فيه وسعي قدمه.
وقد منح الله أيام أمير المؤمنين- من كونك الوليّ بمواصلة المقامات الغرّ فيها، والخليّ من كل ما يباين صحّة الموالاة وينافيها، والضّمين لما عاد عليها باستقامة النظام، والضّنين بما يوجد للغير الطريق إلى وصول الحتف إليها والاهتضام، والمتجرّد في إمداد عزّها بالإحصاف والإمرار، والمتفرّد بإعداد أقسام المناضلة دونها في الإعلان والإسرار، والباذل وسعه فيما ثنى إليها أعنّة السعد ولواها، والخاذل كلّ مستنجد بها فيما يخالف محبتها وهواها- ما أوفى «2» على المألوف في أمثالها من قبل، وصار لك به على كل من سلفك من الأعضاء
(6/404)

التقدّم والفضل؛ فهي- بآثارك الحميدة فيها، وإكبارك الجدّ في تشييد مبانيها، وكونك كافيا أمر المحاماة من ورائها، كافّا عنها ما يخشى من حدوث أسباب الفساد واعترائها- منيعة الجانب مريعة الجناب، سريعة فيها السّعود إلى ما يلبّي نداءها بأحسن التلبية والجواب.
ثم إنه وإن كانت زلفك «1» إلى حضرة أمير المؤمنين بادية الحجول والغرر، غير محتاجة إلى إقامة الدليل عليها بما اتضّح من أمرها واشتهر، فإنّ فلانا يعيد جلاءها دائما في أبهى الملابس وأنضرها، ويجيد الجدّ في الدّلالة على تقابل مخبرها في الجمال ومنظرها، ويكشف من صفاء السرائر فيها والبواطن، وما يطّلع عليه منها في كل المحال والمواطن، ما يسهب في وصفه ويعجب سماع ذكره ويطرب.
وفي هذه النّوبة عاد، وقد زاد، على المعهود من شكرك وجازه، وأبان عن صلته بالوعد في ضمان النّجح منك نجازه، وأوجب على نفسه أن لا يقف عند حدّ فيما يؤدّي إلى نشر محامدك في الأرض، وطيّ الجوانح لك على الإخلاص الصادق المحض.
ولما مثل بحضرة أمير المؤمنين على رسمه الذي وسم بالجمال جبينه، وابتسم ثغر التوفيق فيه عمّا أصبح النّجح أليف سعيه وقرينه، وبحسب فوزه من شرف الحظوة برتبة لم ينلها أحد الأقران له في الزمان، وفوته شأو أبناء جنسه يوم المضمار والرّهان، كفاء ما يستوجبه بغلاء قيمته في الكمال، والغناء به في كل مقام أمن حدّ مضائه فيه الكلال، أشار بذكر مقاصدك التي حزت بها من غنائم الحمد الصّفايا، وشاد مباني محامدك بفضل الإبانة عن السرائر والخفايا، وتابع الثّناء على كلّ من أفعالك التي أمسى هلالك فيها مقمرا، ووضح فيها كونك بشروط الإخلاص محبّا مضمرا، وشرح من توفّرك على كلّ قربة غرّاء تغري
(6/405)

الألسنة بحمدك، وتنبيء عن حسن مقصدك برفع عماد الحقّ وعمدك، ما قامت عليه الأدلّة، واستقامت به على سنن الرّشد الأهواء المضلّة، وبيّن من إمضائك كلّ عزم في تهيئة القربات إلى حضرة أمير المؤمنين حالا فحالا، وإبطائك خطا الجدّ فيما يراد بزلفك «1» البالغة أقصى الغايات لديه سابقا واتصالا، ما يضاهي المظنون في تلك العقيدة التي طالما ألفيت في نصرة الدولة القاهرة صافية المورد والمنهل، حالية من الحسن بكل حال اتضح فيها ما ألهى عن غيرها من الوصف وأذهل، فقوبلت بما تستحقّه من إحماد أشيع وأذيع، واتّبع فيه الواجب وأطيع، وتضاعف الاعتداد بأفعالك التي أعنت بالعون منها في الجمال والأبكار، وأعدت بها الأمور في الصّلاح إلى ما يؤمّن إيضاحه الجحد والإنكار.
ومن أحقّ منك بكلّ فعال تضيء مصابيح الخير فيه، وينتشر جميل الذّكر من مطاويه- وأنت للدولة الوليّ الأمين- وبحفظ نظام كلّ أمر يختصّ بها الكفيل الضّمين؟ ومن أولى منك بكلّ حمد يفد إليك إمداده أرسالا، وتجد منه ضالّة نشدت مثلها آمال سواك فآبت بالخيبة عجالا؟ فلك من الحقوق ما لا ينسى، وما يلزم أن يرعى في كل مصبح وممسى. فأحسن الله جزاءك عن كونك في دولته ذابّا عن الجحد حاميا.
فأما ما تحدّد في معنى الأعمال على الوصف الذي قضى بزوال الخلف وانحسامه، واقتضى رأيك إجراء الأمر على ما استصوب من اتّساقه وانتظامه، فقد وقفت عليه، وأجيز ما أشرت إليه. فأعواض الدنيا تهون وتسهل في ضمن ما يلحظ من اعتناقك أحكام مشايعة الدولة التي قمت بأعبائها في كل أوان، وغدت آثارك فيها باقية الذّكر والأجر على تقضّي الأزمان. فأنت المرغوب في الثناء ولاية وإن شانت «2» الأحوال، والمخلص الذي لا عوض عنه في كلّ مقام ومقال، فقد أحاط العلم بتفصيل ذلك وجملته، وتحقّق أن الخيرة في كل ما تشير إلى
(6/406)

سلوك طريقه وجدده؛ ولذلك أجيب فلان إلى الحضور والمستخدمون معه، وأذن في المقابلة بالقوانين القديمة والباقي والجرائد، والموافقة على ما رأيته في البوادي والعوائد، والتنزّه عن كل ما شذّ عن الحجة المؤكّدة بتوفيقك وتوفّر الموجود لهذه السّنة فيه عليه، وحسم موادّ استزادته في كلّ ما تمسّك به وأشار إليه، والثّقة من بعد مستحكمة بتوفّرك على ما يرادف إليك إمداد الحمد، وتجديدك كل قربة تنضمّ إلى سوابقها المتجاوزة حدّ الإحصاء والعدّ.
فأما ما تضمّنته إشارتك في حقّ الستر الرفيع، فهل الصّلاح إلا من نتائج أقوالك؟ وهل مساعيك إلا موقوفة على الخير وأفعالك؟، وهل الموافقة إلا لك في جميع آرائك وأبحاثك، وبحكم ابتدائك لاستقامة النّظام فيما قرب وبعد، والسّكون إلى إسعافك في كلّ أمر يحدث ويتجدّد، ويبعث على ما يعيذ رونق الحشمة من الوهن، ويهز طاعتك في كل أمر يحقّق التقدير فيها والظّن؟ فإذا تصفّحت حقوق الوكلاء المجتباة وجدت موفّرة على اقتناء الأجر، مصروفة في وجوه البرّ التي هي أنفع الذّخر في غد. وهل الأعواض إلا عند من يظنّ الدنيا بعينها قيمة تنافس؟ وهل مصيرها إلا إلى انقضاء ولو أسعفت بالرغائب والنفائس؟ غير أن الأحوال إذا كشف مستورها أثبت ما يقتضي إسبال ستر الإشفاق، والبواطن متى أعرب عنها أشمت ذاك كلّ مجانب للدولة من أهل النّفاق.
وأنت المعتمد لتدبير ما يصون حشمة الدولة عن البذلة والخلل، والمرجوع إليه في تحسين الأمر فيما وقع الاجتهاد فيه حتى تيسّر قدره وتسهّل. ولهذا تفصيل قد أوعز إلى فلان باستقصاء شرحه، وإطلاعك على حقيقة الأمر وفصّه. فكن بحيث الظنّ فيك، تجد زند جمالك بذلك أورى، وتجب لك به صنوف الشّكر طورا، إن شاء الله تعالى.
الضرب الثاني (ما يكتب عن الخلفاء إلى وزراء الملوك)
وهي مما يؤتي في صدرها بحرف النداء غالبا. كما كتب عن المسترشد
(6/407)

إلى معزّ الدين الفضل بن محمود، وزير معز الدين سنجر «1» بن ملكشاه.
مقامك يا معزّ الدين، أحسن الله حياطتك وكمّل موهبته عندك- في خدمة الدار العزيزة التي ما زلت لجهدك فيها باذلا، وفي جلابيب المناصحة رافلا؛ لا يقبضنّك أن تواصل حالا فحالا بأنبائك، وتستديم ما خصصت به من شريف الآداب الموفية بك على أكفائك. وعرض بحضرة أمير المؤمنين ما ورد منك دالّا على طاعتك المعهودة، وموالاتك الرائقة المشهودة، واستمرارك على الجدد «2» والمهيع «3» فيما حاز المراضي الشريفة الإمامية لك، وحقّق في الفوز بجميل الآراء أملك، وناطقا بحال فلان المارق عن الدين، المجاهر بمعصية الله تعالى في مخالفة أمير المؤمنين، وما اقتضاه الرأي المعزّيّ بحسن سفارتك، وسداد مقصدك في الطاعة وصفاء نيتك. وأحاط علما بمضمونه الذي لا ريب أنه ثمرة مناصحتك، ونتيجة سعيك المضاهي نصيحة عقيدتك. ومن أولى منك بهذه الحال؟ وأنت الحوّل القلّب «4» ، ذو الحنكة المجرّب، الذي تفرّد في الأنام «5» .
(6/408)

بكماله، وقصّر أكفاؤه «1» عن درك شأوه في الخير ومثاله. وما زلت حديثا وقديما موسوما، بهذه المزيّة مرقوما، وبغير شكّ أنك تراعي ما بدأت به، وتعضّد مقالك في موارده بما تعمده في مصادره، وتحرس ما قدّمته من الاحتياط بتحرّيك في أواخره، وتمضي العزيمة لإتمام ما شرعت فيه، كفاء ما يوجبه دينك ويقتضيه، جريا على وتيرتك فيما قضى للأحوال بالانتظام والاتّساق، وآذن لشمس الصّلاح بالإضاءة والإشراق.
وبعد، فقد عرفت ما تكرّر إليك في أمر هذه الطائفة الخبيثة، المكاشفة بمذهب الإلحاد، المبارزة بسوء الاعتقاد، بعثا على جهادها، وكفّ ضررها عن الإسلام وفسادها، ورفع ستر المراقبة عنها، والانتقام لله ولرسوله منها. وما يقنع من همة معزّ الدولة والدين- أمتع الله ببقائه- ومن وافر عقلك ودينك، وصدق يقينك، إلّا بإرهاف العزيمة في مكاشفتها، وخوض الغمار في محاربتها، والقصد لمضايقة من اعتصم منها بالقلاع، وقتل كلّ من يظفر به في سائر البقاع، حميّة وامتعاضا للدين، وأنفا مما استولى عليه بها من الضرر المبين.
فكن من وراء الحبّ لمعزّ الدنيا والدين على تيقّنك هذا المثال، والادّكار بما تفوز به مع الامتثال له في المآل، وانهض في تنفيذ ما يأمرك به في هذا الباب نهضة من أتزر رضا الله وأراده، وبذل في صلاح معاده اجتهاده، فإن الله سبحانه لا يرضى منكما للانتصار لدينه بالتقصير، وأمير المؤمنين أمركما بالجدّ فيه والتشمير.
وقد شرّفك بتحفة أمر بحملها إليك من بين يدي سدّته، وأعرب بها عن مكانك من حضرته، إنافة على الأمثال بقدرك، وإضفاء لملابس فخرك، فاعرف بمكان النعمة في ذلك، واسلك في القيام بشكرها أوضح المسالك، وأدم المواصلة بمطالعتك، وقدّم التوقّع من إجابتك، تفز من المراضي الشريفة بالحظ الأسنى، ويجتمع لك منها الاسم والمعنى، إن شاء الله تعالى.
(6/409)

الطرف الرابع (في الكتب الصادرة عن خلفاء بني العباس في الديار المصرية بعد مصير الخلافة إليها)
وهي على ثلاثة أساليب:
الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الكتاب بلفظ «من فلان إلى فلان» )
والحكم فيها على ما كان الأمر عليه في خلافتهم ببغداد، إلا أنه زاد فيه لفظ «ووليّه» بعد لفظ «عبد الله» في أوّل الكتاب فيقال في افتتاحه: «من عبد الله ووليّه أبي فلان فلان الإمام الفلاني» . ثم يقال: أما بعد حمد الله، ويؤتى على آخر الخطبة، ثم يتخلص منها ويختم بالأمر بامتثال ما أمر به. ويقال بعد ذلك: موفّقا إن شاء الله تعالى. والخطاب فيه بالكاف، وربما افتتح الكتاب بآية من القرآن الكريم مناسبة للمعنى.
وهذه نسخة كتاب كتب به عن الإمام المستكفي بالله «أبي الربيع سليمان ابن الحاكم بأمر الله أحمد» إلى الملك المؤيّد هزبر الدين داود ابن الملك المظفّر صلاح الدين يوسف بن رسول في الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون «1» » في سنة سبع وسبعمائة، حين منع صاحب اليمن الهديّة التي جرت العادة بإرسالها إلى الأبواب الشريفة بالديار المصرية، مفتتحا بآية من القرآن وهو:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
«2» .
(6/410)

من عبد الله ووليّه أبي الربيع سليمان:
أما بعد حمد الله مانح القلوب السليمة هداها، ومرشد العقول إلى أمر معادها ومبداها، وموفّق من اختاره إلى محجّة صواب لا يضلّ سالكها، ولا تظلم عند إخلاف الأمور العظام مسالكها، وملهم من اصطفاه لاقتفاء آثار السّنن النبويّة والعمل بموجبات القواعد الشرعية، والانتظام في سلك من طوّقته الخلافة عقودها وأفاضت على سدّته الجليلة برودها، وملّكته أقاصي البلاد وأناطت بأحكامه السديدة أمور العباد، وسارت تحت خوافق أعلامه أعلام الملوك الأكاسرة، وشيّدت بأحكامه مناجح الدّنيا ومصالح الآخرة، وتبختر كلّ منبر من ذكره في ثوب من السيادة معلم، وتهلّلت من ألقابه الشريفة أسارير كلّ دينار ودرهم.
يحمده أمير المؤمنين على أن جعل أمور الخلافة ببني العبّاس منوطة، وجعلها كلمة باقية في عقبه إلى يوم القيامة محوطة، ويصلّي على ابن عمه محمد الذي أخمد الله بمبعثه ما ثار من الفتن، وأطفأ برسالته ما اضطرم من نار الإحن، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين حموا حمى الخلافة وذادوا عن مواردها، وعمدوا إلى تمهيد المعالم الدينييّة فأقاموها على قواعدها، صلاة دائمة الغدوّ والرّواح، متصلا أوّلها بطرّة الليل وآخرها بجبين الصّباح.
هذا وإنّ الدين الذي فرض الله على الكافّة الانضمام إلى شعبه، وأطلع فيه شموس هداية تشرق من مشرقه ولا تغرب في غربه، جعل الله حكمه بأمرنا منوطا، وفي سلك أحكامنا مخروطا، وقلّدنا في أمر الخلافة المعظّمة سيفا طال نجاده، وكثر أعوانه وأنجاده، وفوّض إلينا أمر الممالك الإسلاميّة وإلى حرمنا تجبى ثمراتها، ويرفع إلى ديواننا العزيز نفيها وإثباتها، يخلف الأسد إن مضى في غابه شبله، ويلفى في الخبر والخبر مثله.
ولما أفاض الله علينا حلّة الخلافة، وجعل محلّنا الشريف محلّ الرحمة والرافة، وأقعدنا على سدّة خلافة أشرقت بالخلائف من آبائنا، وابتهجت بالسادة
(6/411)

الغطاريف من أسلافنا، وألبسنا خلعة هي من سواد السّؤدد مصبوغة، ومن سواد العيون وسويداوات القلوب مصوغة، وأمضينا على سدّتنا الشريفة أمر الخاصّ والعامّ، وقلّدنا كلّ إقليم من عملنا «1» من يصلح سياستها على الدّوام، واستكفينا بالكفاة من عمّالنا على أعمالنا، واتخذنا مصر دار مقامنا وبها سدّة مقامنا؛ لما كانت في هذا العصر قبّة الإسلام، وفيئة الإمام وثانية دار السّلام، تعيّن «2» علينا أن نتصفّح جرائد عمّالنا، ونتأمّل نظام أعمالنا، مكانا فمكانا، وزمانا فزمانا، فتصفّحناها فوجدنا قطر اليمن خاليا من ولايتنا في هذا الزمن. عرّفنا هذا الأمر من اتخذناه للممالك الإسلامية عينا وقلبا، وصدرا ولبّا، وفوّضنا إليه أمر الممالك الإسلامية فقام فيها مقاما أقعد الأضداد، وأحسن في ترتيب ممالكها نهاية الإصدار وغاية الإيراد، وهو السّلطان الأجلّ، السيد الملك الناصر المبجّل، لا زالت أسباب المصالح على يديه جارية، وسحابة الإحسان من أفق راحته سارية، فلم يعد جوابا لما ذكرناه، ولا عذرا عمّا أبديناه، إلا بتجهيز شرذمة من جحافله المشهورة، وتعيين أناس من فوارسه المذكورة، يقتحمون الأهوال، ولا يعبأون بتغيّرات الأحوال، يرون الموت مغنما إن صادفوه، وشبا المرهف مكسبا إن صافحوه، لا يشربون سوى المدام «3» مدامة، ولا يلبسون غير الترانك «4» عمامة، ولا يعرفون طربا إلا ما أصدره صليل الحسام من غنا، ولا ينزلون قفرا إلا ونبت ساعة نزولهم من قنا. ولما وثقنا منه بإنفاذهم راجعنا رأينا الشريف، فاقتضى أن يكاتب من بسط يده في ممالكها، واحتاط على جميع مسالكها، واتخذ أهلها خولا «5» ، وأبدى في خلال ديارها من عدم سياسته
(6/412)

خللا. برز مرسومنا الشريف النبويّ أن يكاتب من قعد على تخت مملكتها، وتصرّف في جميع أمور دولتها، وطولع بأنّه ولد السلطان الملك المظفر يوسف ابن عمر الذي له شبهة تمسّك بأذيال المواقف المستعصمية وهو مستصحب الحال على زعمه، أو ما علم الفرق بين الأحياء والأموات؟ أو ما تحقّق الحال التي بين النفي والإثبات؟، أصدرناها إلى الرّحاب التّعزّية، والمعالم اليمنية تشعر من تولّى عنها فاستبدّ، وتولى كبره فلم يعرّج على أحد، أن أمر اليمن ما برحت نوّابنا تحكم فيه بالآية الصحيحة، والتّفويضات التي هي غير جريحة، وما زالت تحمل إلى بيت المال المعمور وما تمشي به الجمال مشيا وئيدا، وتقذفه بطون الجواري إلى ظهور اليعملات «1» وليدا، ويطالعنا بأمر مصالحه ومفاسده، وبحال دياره ومعاهده. ولك أسوة بوالدك فلان، هلّا اقتفيت ما سنّه من آثاره، ونقلت ما دوّنته أيدي الزمن من أخباره؟
واتصل بمواقفنا الشريفة أمور صدرت منك.
منها- وهي العظمى التي ترتّب عليها ما ترتب- قطع الميرة «2» عن البيت الحرام، وقد علمت أنّه واد غير ذي زرع، ولا يحلّ لأحد أن يتطرّق إليه بمنع.
ومنها- انصبابك إلى تفريغ مال بيت المال في شراء لهو الحديث، ونقض العهود القديمة بما تبديه من حديث.
ومنها- تعطيل أجياد المنابر من عقود اسمنا، وخلوّ تلك الأماكن من أمور عقدنا وحلّنا. ولو أضحنا لك ما اتصل بنا من أمرك لطال، ولاتّسعت فيه دائرة المقال، رسمنا بها والسيف يودّ لو سبق القلم حدّه، والعلم المنصور يودّ لو فات العلم واهتزّ بتلك الرّوابي قدّه، والكتائب المنصورة تختار لو بدرت عنوان الكتاب، وأهل العزم والحزم يودّون إليك إعمال الرّكاب، والجواري المنشآت
(6/413)

قد تكوّنت من ليل ونهار، وبرزت كصور الأفيلة لكنّها على وجه الماء كالأطيار، وما عمدنا إلى مكاتبتك إلّا للإنذار، ولا احتجنا إلى مخاطبتك إلا للإعذار، فأقلع عمّا أنت بصدده من الخيلاء والإعجاب، وانتظم في سلك من استخلفناه فأخذه بيمينه ما أعطي من كتاب، وصن بالطاعة من زعمت أنهم مقيمون تحت لواء علمك، ومنتظمون في سلك أوامر كلمك، وداخلون تحت طاعة قلمك. فلسنا نشنّ الغارات على من نطق بالشهادتين لسانه وقلبه، وامتثل أوامر الله المطاعة عقله ولبّه. ودان بما يجب من الدّيانة، وتقلّد عقود الصّلاح والتحف مطارف الأمانة. ولسنا ممنا يأمر بتجريد سيف إلا على من علمنا أنه خرج عن طاعتنا، ورفض كتاب الله ونزع عن مبايعتنا. فأصدرنا مرسومنا هذا إليه نقصّ عليه من أنباء حلمنا ما أطال مدّة دولته، وشيّد قواعد صولته، ونستدعي منه رسولا إلى مواقفنا الشريفة، ورحاب ممالكنا المنيفة؛ لينوب عنه في قبول الولاية مناب نفسه، وليجن بعد ذلك ثمار شفقاتنا إن غرس شجر طاعتها. ومن سعادة المرء أن يجني ثمار غرسه، بعد أن يصحبه من ذخائر الأموال ما كثر قيمة وخفّ حملا، وتعالى رتبة وحسن مثلا، واشرط على نفسك في كل سنة قطيعة ترفعها إلى بيت المال. وإيّاك ثم إيّاك! أن تكون على هذا الأمر ممن مال، ورتّب جيشا مقيما تحت علم السلطان الأجلّ الملك الناصر للقاء العدوّ المخذول التّتار، ألحق الله أوّلهم بالهلاك وآخرهم بالبوار «1» . وقد علمت تفاصيل أحوالهم المشهورة، وتواريخ سيرهم المنكورة، فاحرص على أن يخصّك من هذا المشرب السائغ أوفر نصيب، وأن تكون ممن جهّز جيشا في سبيل الله فرمى بسهم فله أجر كان مصيبا أو [غير] مصيب، ليعود رسولك من دار الخلافة بتقاليدها وتشاريفها حاملا أهلّة أعلامنا المنصورة، شاكرا برّ مواقفنا المبرورة.
وإن أبى حالك إلا أن استمرّيت على غيّك، واستمريت مرعى بغيك، فقد منعناك التصرّف في البلاد، والنظر في أحكام العباد، حتّى تطأ خيلنا العتاق
(6/414)

مشمخرّات حصونك، وتعجّل حينئذ ساعة منونك. وما علّمناك غير ما علمه قلبك، ولا فهّمناك غير ما حدسه لبّك، ولا تكن كالصغير يزيده كثرة التحريك نوما، ولا ممن غرّه الإمهال يوما فيوما. أعلمناك ذلك فاعمل بمقتضاه، موفّقا إن شاء الله تعالى.
الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بخطبة إمّا مصدّرة بآية من القرآن الكريم أو دونها)
كما كتب عن الإمام الحاكم بأمر الله أبي العباس «أحمد بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان» إلى السلطان الملك الناصر، أحمد ابن الملك الناصر محمد «1» بن قلاوون، وهو بالكرك «2» ، يستدعي حضوره إلى قلعة الجبل بالقاهرة المحروسة لتقليد السلطنة الشريفة، بعد خلع أخيه الملك الأشرف كجك ابن الناصر محمد، وإمساك الأمير قوصون ومن معه من الأمراء.
وقد ذكر صاحب «الدرّ الملتقط» أنه كتبه في قطع البغداديّ الكامل بين يدي الأمير قطلوبغا الفخريّ كافل السلطنة الشريفة. وهذه نسخته:
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ «3» .
فالحمد لله الذي أسبغ نعمه الظاهرة والباطنة، وألّف قلوب أوليائه المتفقة والمتباينة، وأخذ بنواصي أعدائه المراجعة والبائنة، وأعلى جدّ هذه الدولة القاهرة، وأطلع في أسنّة العوالي نجومها الزاهرة، وحرّك لها العزائم فملكت
(6/415)

والأمور- بحمد الله- ساكنة، والبلاد- والمنة لله- آمنة، والرّعايا في مكانها قاطنة، والسيوف في أغمادها مثل النّيران في قلوب حسّادها كامنة، وأقام أهل الطاعة بالفرض واستوفى بهم القرض، وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض، وأعزّ أنصار المقام الشريف العالي وأعزّ نصره، وأعدّ لعدوّه حصره، وأتى بدولته الغراء تسمو شموسها، وتثمر غروسها، وتظهر في حلل الصباح المشرق عروسها وتجيء منه بخير راع للرعية يسوسها، وبشّره بالملك والدّوام وسرّه بما اجتمع له من طاعة الأنام، وأقدمه على كرسيّ ملكه تظلّه الغمام، وأراه يوم أعدائه وكان لا يظنّ أن يرى في المنام، ولا يزال مؤيّد الهمم، مؤكّد الذّمم، مجدّد البيعة على رقاب الأمم، ولا برحت أيامه المقبلة مقبلة بالنّعم، خضر الأكناف على رغم من كاد وغيظ من رغم؛ ولا فتئت عهود سلفه الشريفة تنشأ له كما كانت، ورعاياه تدين له بما دانت، وجنوده تفدّيه من النفوس بأعزّ ما ذخرت وما صانت، وسعادة سلطانه تكشف الغمم وتنشر الذّمم وتعيد إلى أنوف أهل الأنفة الشّمم، وتحفظ ما بقي لأوليائه من بياض الوجوه وسواد اللّمم.
سطّرها وأصدرها وقد حقّقت بعوائد الله الظّنون، وصدّقت الخواطر العيون، وأنجز الله وعده، وأتمّ سعده، وجمع على مقامه الكريم قلوب أوليائه، وفرّق فرق عدوّه وأباته بدائه، ووطّد لرقيّه المنابر، ورجّل لترقّيه العساكر، وهيّأ لمقاتل أعدائه في أيدي أوليائه السّيوف البواتر. وأخذ قوصون وأمسك ونهب ماله واستهلك، وهدمت أبنيته وهدّت أفنيته، وخرّبت دياره وقلعت آثاره، وأخليت خزائنه وأخرجت من بطون الأرض دفائنه، وما مانعت عنه تلك الربائب التي ظنّها قساور ولا ناضلت تلك القسيّ التي طبعها أساور، ولا أغنى عنه ذلك المال الذي ذهب، ولا ذلك الجوهر الذي كان عرضا لمن نهب. وأعيد إلى المهد ذلك الطفل الذي أكل الدّنيا باسمه، وقهر أبناءها بحكمه، وموّه به على الناس وأخلى له الغاب وما خرج من الكناس، وغالب به الغلب حتّى وطيء الرّقاب وداس الأعقاب، وخادع ودلّه الشيطان بغروره ودلّس عليه عاقبة أموره، فاعتدّ
(6/416)

بعتاده واعتزّ بقياده واغترّ بأنّ الأرض له وما علم أنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فأمسك ومعه رؤوس أشياعه، وحصرت بالخوف نفوس أتباعه- ومنهم الطنبغا. وقد أحاط العلم الشريف بكيفية وصوله وحقيقة الخبر وما قاساه في طريقه من العبر، وداس عليه حتّى وصل من وخز الإبر. وكذلك من جاء معه، وخلّف وراءه الحقّ وتبعه، بعد الهزيمة التي ألجأهم إليها خوف العساكر المنصورة التي قعدت لهم على الطريق وأخذت عليهم بمدارج أنفاسهم في فم المضيق، وعبّئت لهم صفوف الرجال، وأعدّت لهم حتوف الآجال، وحيّرتهم في سعة الفجاج، وأرتهم بوارق الموت في سحب العجاج. ثم لم يصلوا إلا وهم أشلاء ممزّقة، وأعضاء مفرّقة قد فني تحتهم الظهر، وقني بيومهم الدّهر، وساقتهم سعادة سلطان المقام العالي إلى شقاوتهم وهم رقود، وعبّئت لهم الخيل والخلع إلا أنها ملابس الذّلّ وهي القيود. فأخذوا جميعا ومن كانوا على موالاته، وفارقوا الجماعة لمواتاته، وحملوا إلى الحبس النائي المكان، وأودعوا أحياء في ملحده إلّا أنهم كالأموات، وقد نالوا المقصد إلا أنهم ما أمنوا الفوات. ووكّل بحفظهم إلى أن يشرّف سرير الملك بقعود مقامه وعقود أيّامه الحوالي، وسعود زمانه الذي لا يحتم بالنجوم إلا خدم الليالي.
وهذا النصر إنما تهيّأت- ولله الحمد- أسبابه، وهذا الفتح إنما فتحت بمشيئة الله أبوابه، بمنّة الله ونيّة المقام العالي لا بمنّة أحد، ولا بمنّة بأس من أقدر ولا يأس من حجر، وما قضى الله به من سعادة هذه الأيام، ومضى به القدر السابق وعلى الله التمام، وبمظافرة الجناب الكريم السّيفيّ، قطلوبغا الفخريّ الساقي الناصريّ، أدام الله نصرته لهذه العصابة المؤيّدة. وبمضاء عزائمه التي ماونت، وقضاء قواضبه التي ما انثنت، وبموازرة من التفّ عليه من أكابر الأمراء، وبما أجمعوا عليه من مظافرة الآراء، ونزولهم على النية لا يضرّهم من خذلهم، ولا يهينهم من بذلهم، ولا يبالون بعساكر دمشق المقيمة على حلب ومن مال إليهم، وتمالأ معهم عليهم، ومن انضاف إليهم من جنود البلاد، وجيوش العناد، ولا لواهم ما كان يبعث إليهم ذلك الخائن من وعيده، ولا ولّاهم
(6/417)

ما كاد يخطف أبصارهم من تهديده، ولا بالوا بما ألّب عليهم من جند الشام من كلّ أوب، وصبّ عليهم سيوله من كل صوب، وخادعهم بالرسائل التي ما تزيدهم عليه إلا إباء، ولا تشكّكهم أن السيف أصدق منه إنباء، حتّى ولّى لا تنفعه الخدع، ولا تنصره البدع، فما أسعدته تلك الجموع التي جمعها، ولا أجابته تلك الجنود التي سار عليها إلى مكمن أجله، ولا وقت تلك السيوف التي لم يظهر له من بوارقها إلا حمرة الخجل، حتى أخذ مع طاغيته بل طاغوته بمصر ذلك الأخذ الوبيل، وقذف به إلى مهوى هلكة سيل ذلك السبيل، وقام من بالديار المصرية قيام رجل واحد، وتظافروا على إزالة ذلك الكافر الجاحد، ولم يبق من الأمراء إلا من بذل الجهد، وجمع قلوب الرعية والجند، وفعل في الخدمة الشريفة ما لم يكن منه بدّ، حتّى حمد الأمر وخمد الجمر، وتواترت الكتب بما عمّت به البشرى من إقامة البيعة باسمه الكريم، وأنه لم يبق إلا من أعطى اليمين وأعطى اليمين، وأتمّ الحلف إتماما لا يقدّر معه ثمين، وأقيمت له السّكة والخطبة فرفع على المنابر اسمه وتهلل به وجوه النّقود، وظهر على أسارير الوجود، وضربت البشائر، ونهبت المسرّات السّرائر، وتشوّقت أولياء هذه الدولة القاهرة أدام الله سلطانها إلى حضور ملكها، وسفور الصّباح لإذهاب ما أبقته عقابيل تلك الليلة من حلكها. والمقام العالي ما يزداد علما ولا يزاد عزما، وهو أدرى بما في التأخير، وبما في بعده من الضرر الكبير ومثله لا يعلّم، ومنه يتعلّم؛ فهو أعلم بما يجب من مسابقة قدومه للبشير، وما سيعنّ من معاجلته لامتطاء جواديه ظهر الخمال وبطن السّرير، فالله الله! في تعجيل حفظ هذا السّوام المشرّد، وضمّ هذا الشّمل المشتّت ونظم هذا العقد المبدّد، وجمع كلمة الإسلام التي طالما افترقت، وانتجاع عارض هذه النعمة التي أبرقت، وسرعة المسير فإنّ صبيحة اليوم المبارك الذي يعرف من أوّله قد أشرقت، فما بقي ما به يقتدر، ولا سوى مقدمه السعيد ينتظر.
وقد كتبناها ويدنا ممدودة لمبايعته وقلوب الخلق كلّها مستعدّة لمتابعته، وكرسيّ الملك قد أزلف له مقعده ومؤمّل الظّفر قد أنجز له موعده، والدهر
(6/418)

مطاوعه والزمان مسعده، وطوائف أوليائه ليوم لقائه ترصده والعهد له قد كتب ولواء الملك عليه قد نصب والمنبر باسمه عليه قد خطب، والدينار والدرهم هذا وهذا له قد ضرب ولم يبق إلا أن يقترب وترى العيون منه ما ترتقب، ويجلس على السّرير ويزمع المبشّر ويعزم على المسير، وتزيّن الأقاليم ويبيّن لتسيير شهابه ما كان يقرأ له في التّقاويم، لا زال جيب ملكه على الأقطار مزرورا وذيل فخاره على السماء مجرورا وحبل وليّه متّصلا وقلبه مسرورا، ومقدمه يحوز له من إرث آبائه نعما جمة وملكا كبيرا؛ إن شاء الله تعالى.
الأسلوب الثالث (ما استقرّ عليه الحال في زماننا إلى خلافة الإمام المتوكل على الله خليفة العصر)
وهو أن تفتتح المكاتبة بالسلام، ويؤتى في ألقاب المكتوب إليه بما يكتب من الألقاب عن السلطان على ما سيأتي ذكره في المكاتبات السلطانيات في الباب الثاني من هذه المقالة، إن شاء الله تعالى.
مثال ذلك أن تكون المكاتبة إلى نائب الشأم مثلا، فالذي يكتب إليه عن السلطان: «أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم العالي» إلى آخر الألقاب الآتي ذكرها هناك، ويكتب عن الخليفة «سلام الله تعالى ورحمته وبركاته يخصّ المقرّ الكريم العالي» إلى آخر الألقاب.
قلت: ولو سلكوا سبيل الخلفاء السابقين في المكاتبات الصادرة عنهم:
من الابتداء بلفظ «من عبد الله ووليّه أبي فلان فلان الإمام الفلاني أمير المؤمنين إلى فلان على ما تقدّم» وأتوا في ألقاب المكتوب إليه بالألقاب المستعملة في [ذلك] الزمان في المكاتبات السلطانية، مثل أن يكتب عن الإمام المتوكّل على الله محمد خليفة العصر إلى نائب الشام «من عبد الله ووليّه أبي عبد الله محمد الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين، إلى المقرّ الكريم العالي الأميريّ
(6/419)

الكبيريّ» إلى آخر الألقاب المقدّم بيانها في المقالة الثالثة. ثم يقال: «وسلام على المقرّ الكريم، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليه الله الذي لا إله إلا هو ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله صلّى الله عليه وسلّم» . ثم يقال: أمّا بعد، فإنّ كذا وكذا، ويؤتى على المقصد ويختم بالدعاء وغيره؛ لكان أذهب مع الصواب، وأوفق لمكاتبة الخلفاء السابقين، وأقرب إلى اقتفاء سبيلهم.
الطرف الخامس (في الكتب الصادرة عن الخلفاء الفاطميين بالديار المصرية، وفيه ثلاث جمل)
الجملة الأولى (في الكتب الصادرة عنهم على سبيل الإجمال)
وقد ذكر صاحب «موادّ البيان» وكان من كبار دولتهم في المكاتبات الصادرة عنهم نحو المكاتبات الصادرة عن خلفاء بني العبّاس ببغداد، فقال:
وإن كانت المكاتبة من الخليفة فينبغي للكاتب أن يفضل من الدرج قدر ذراع ثم يستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم في سطر أوّل؛ لأنها أولى ما يستفتح به، ثم يكتب في سطر ثان يلاصقها ويخرّج يسيرا «من عبد الله ووليه فلان بن فلان إلى فلان» ويبدأ بذكر نعته إن كان الإمام شرّفه بنعت: «سلام عليك فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ويسأله أن يصلّي على محمد خاتم النبيين وسيّد المرسلين وعلى آله الأئمة المهديّين ويسلّم تسليما» . ويكون هذا التصدير في سطرين، يجعل بينهما فضاء قيس شبر، ولا يزيده عن ذلك ولا ينقصه فيخرجه عن حدّه، ثم يترك بعد هذين السطرين فضاء نصف الذي بينهما. ثم يقول: أمّا بعد، ويقتصّ المعاني معنى معنى، فإن كان أمرا أمر به الإمام قال بعد انقضاء الكلام: وأمر أمير المؤمنين بكذا. ثم يقول بعد فصل أوسع من الفصل الأول «فاعلم ذلك من أمير المؤمنين ورسمه واعمل عليه بحسبه» . ويقول للمخاطبين من الطبقة العالية: والسّلام عليك ورحمة الله،
(6/420)

ويفرد بالسلام من دونها.
وقد كانت العادة جارية أن يقال في آخر الكتب النافذة عن الإمام «وكتب فلان بن فلان» باسم الوزير واسم أبيه، ثم بطل هذا الرسم في الدولة العلويّة ولا يكتب أحد بالتصدير إلا الإمام ووليّ عهده. وهذه المكاتبة عامّة للناس جميعا في الأمور السلطانية التي تنشأ فيها الكتب من الدواوين، ولا يخاطب أحد عن الخليفة إلا بالكاف.
الجملة الثانية (في الكتب العامة؛ وهي على أسلوبين)
الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الكتاب بلفظ: «من عبد الله ووليه أبي فلان فلان الإمام الفلاني» على ما تقدّم ترتيبه)
وعلى هذا الأسلوب كان الحال في ابتداء دولتهم وإلى أوساطها.
وهذه نسخة كتاب كتب به الإمام العزيز بالله نزار «1» الفاطميّ إلى عامله بمصر يبشّره بالفتح حين خرج إلى قتال القرمطيّ بالشام في سنة سبع وستين وثلاثمائة، مما أورده المسبّحيّ في تاريخه:
من عبد الله ووليّه نزار أبي المنصور العزيز بالله أمير المؤمنين، إلى حسين بن القاسم.
(6/421)

سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على جده محمد نبيه ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وعلى الأئمة من عترته الأبرار، الطاهرين المطهرين وسلّم تسليما.
أما بعد، فالحمد لله الملك العظيم، العليم الحليم، ذي الطّول الكريم، والمنّ الجسيم، والعزّ المديد، والمحال الشّديد، وليّ الحقّ ونصيره وما حق الباطل ومبيره، المتكفّل بالنصر والتمكين، والتأييد والتحصين، لأوليائه المتقين وخلفائه المصطفين الذابّين عن دينه، والقائمين بحقّه، والدالين على توحيده؛ الحاكم بإعلاء كلمتهم، وإفلاج حججهم وظهورهم على أعدائه المشاقّين له، الضالّين عن سبيله، الملحدين في آياته، الجاحدين نعمه، المنزّل رجزه، وقوارع بأسه على من عصاه فحادّه، وصدّ عنه فنادّه، القاضي بالعواقب الحسنى والفوز والنعماء لمن أسلم وجهه له وتوكل عليه في أمره، وفوّض إليه حكمه كلّ ذلك فضلا منه وعدلا، وقضاء فصلا، وهو الحكم العدل الذي لا يظلم الناس شيئا ولكنّ الناس أنفسهم يظلمون. فتبارك الله الغالب على أمره الفرد في ملكه، سبحانه وتعالى علوّا كبيرا. والحمد لله الذي ابتعث عبده المصطفى، وأمينه المرتضى، من أكرم سنخ «1» ونبعة، وأظهر ملّته وشرعه في أفضل دهر وعصر، وأنزل عليه كتابا من وحيه حكيما غير ذي عوج قيّما بديع النظام، داخلا في الأفهام، خارجا عن جميع الكلام، ليس كسجع الكهّان، ولا كتحبير ذوي اللسن والبيان، وقد تفرّقت بالأمم أهواؤهم، وتوزّعتهم آراؤهم، فضلّت أحلامهم وعميت أفهامهم واستحوذ عليهم الشيطان، فعبدوا الأصنام والأوثان، جهلا بعبادة الرحمن، فدعاهم إلى الإقرار بإلههم، وعرّفهم وحدانية ربّهم وكان حريصا على إرشادهم، جادّا في الاجتهاد، هاجرا للدّعة والمهاد، صابرا على تكذيب المشركين، وتفنيد الملحدين، ينصح لهم فيستكبرون، ويهديهم فيضلّون، ويحذّرهم فيستهزئون، حتّى ظهر دين الله فسما، وطمس
(6/422)

الكفر فانمحق وعفا؛ وعمّت بركته، وفضّلت على الأمم أمّته، وعلت على الملل ملّته، صلّى الله عليه أفضل صلاة المصلّين، وزاده شرفا في العالمين إلى يوم الدين.
والحمد لله الذي حبا أمير المؤمنين وانتخبه لخلافته، وجعله صفيّه من خلقه وأمينه على عباده وهاديا إلى سبيله، قائما بحقه، مقسطا في أرضه، ذابّا عن دينه، محييا ما أماته أهل الكفر من أحكامه، وأيّده بنصره، وأمدّه بقوّته، وتكفّل له بالنّجح في مسعاه، والظّفر بمبتغاه، ونيل طلبته فيما أمّه وارتآه. وحكم بكبت كلّ عدوّ له وخزيهم، وإذلالهم ومحقهم وخذلهم، وإيهان كيدهم. وضرب الذّلّة عليهم حيث كانوا وأين كانوا، فلا ينعق ناعق منهم بطلال، أو يسعى بفسق وخبال، أو يدفع إلى افتراء على الله أو مروق عن دينه أو إذهاب ما فرض الله عز وجل من طاعة إلا اصطلمه وأخزاه، وأكبّه لوجهه وأرداه، وقضى عليه بالشّقوة في دنياه، وعذاب الآخرة في أخراه.
والحمد لله الذي منح فأجمل، وأعطى فأجزل، من نعمه السابغة، وآلائه المتتابعة، التي لا يوازيها شكر، ولا يدرك كنهها ذكر، حمدا يوجب منه المزيد، ويستدعي المنن والتّجديد، وإليه يرغب أمير المؤمنين خاضعا ويسأله راغبا حسن العون على ما بلّغ رضوانه، وامترى فضله وإحسانه. وتقدّم أمير المؤمنين إليك بما هيّأه الله من وصوله إلى مدينة الرملة «1» على أجمل صنع وألطف كفاية، وأتمّ أمن، وأكمل عزّ وأوطد حال، وأحسن انتظام، وأبسط يد، وأظهر قدرة، وأشمل هيبة وبما أولى الله أمير المؤمنين في حلّه وظعنه، وارتحاله وثوائه، من نعمه العميمة، ومواهبه الجسيمة، ومنحه الجليلة، ومننه الجزيلة، وإنه مما يستغرق الحمد والشّكر، ويفوت الإحصاء والنّشر، وذكر أمير المؤمنين أمر اللعين التركيّ وهربه من بين يديه، وأنه لم يلو
(6/423)

على شيء إلى أن بلغ طبريّة للذي تداخله من الفرق «1» ، واستولى عليه من القلق، ولما سكن قلبه من الرّعب، وحشاه من الرّهب، بقصد أمير المؤمنين إيّاه وإغذاذه «2» السير في طلبه ومواصلته الأسباب، ومتابعته الإدآب. ووصف أمير المؤمنين ما عليه عزمه في تتبّعه واقتفاء أثره، والحلول بعقوته «3» حيث قصد وحلّ، لثقته بالله ربّه، وتوكّله عليه، وتفويضه إليه. ولم يزل جلّ وعز يولي أمير المؤمنين- بعد نفوذ كتابه- من عزّ يؤيده، وظفر يؤكّده، ونصر يوطّئه؛ وآلاء يجدّدها، ومواهب يتابعها، وعدوّ يذلّه، ومناو يقلّه، وشارد يصرفه إلى طاعته، ومارق يعيده إلى موالاته، إلى أن تمّ له من ذلك ما واصل به حمد الله عليه، وتهيّأ له ما تواتر شكره له جل وعزّ فيه وكان مع ذلك مواصلا إلى.
اللعين الإعذار، ومتابعا الإنذار، ومحذّرا له ما يعذر، ومستدعيه إلى ما يختار ويؤثر، وممنّيا له مما يمنّى به مثله من العفو عنه، وتغمّد ما جرى منه، والإقالة لعثرته، والتجاوز عن هفوته، والامتنان عليه بما رغب فيه من تقليده ناحية من نواحي الشام، وإدرار الأرزاق عليه وعلى رجاله وأصحابه، وإيثارة بالفضل الجليل، واختصاصه بالطّول الجزيل. فما نجح في الفاسق وعد، ولا نجع فيه وعظ، ولا وفّق إلى قبول حظ، ولا أصغى إلى قبول تذكرة، ولا أناب إلى تبصرة. وما زال جادّا في تهوّكه «4» ، متماديا على تمهّكه «5» ، جاريا على ضلالته، سالكا سبيل عمايته، مترددا في غوايته، متلدّدا في جهالته، مقدّرا أن بأس الله لا يرهقه، وسطوته لا تلحقه، ورجزه لا يمحقه، وذنوبه لا تزهقه، وأجرامه لا توبقه. وما زال اللّعين في خلال ذلك يبسط آمال العرب ويرجّيها، ويرغّبها ويمنّيها؛ بأقوال كاذبة، وآمال خائبة، ومواعيد باطلة، حتّى أصغى أكثرها إلى غروره، وقبول إفكه
(6/424)

وزوره، وأجابته طائفة طاغية، ووصلت إليه متتابعة، فتوفّر جمعه، وكثر عدده واشتدّ طعمه، وقوي أمله، وتمكن له باستدراج الله إيّاه وغضبه عليه أن يورّط عصبته ومن اختدعه بغيّه واستفزّه معه جهله، ويوردهم جميعا ونفسه الرّذلة موردا لا صدر له، ولا علل بعده؛ فخرج من طبريّة وحلّ بيسان، محلّ الخزي والهوان، فعندها انتهى إلى أمير المؤمنين خبره وهو يومئذ في المنهل، الذي حصل فيه بعد رحيله من الرملة وهو الموضع المعروف بالطّواحين. فعندما قرب استجرار الفاسق اللعين، واعتمد ما يعود بأطماعه، أقام في الموضع أياما ناظرا فيما يحتاج إليه، متأهّبا لما يريده، وكان ذلك هو السبب الذي أطعمه. فبعد ما طمع قاده الحين «1» الغالب، والقدر الجالب، وما أراد الله عز وجلّ من استدراجه إلى موضع نكاله، ومنهل وباله، ورحل من بيسان «2» رحيل من استعجلته البليّة، واستدعته الرّزيّة، فحلّ بموضع يعرف بكفر «3» سلّام، كافرا بحدود الإسلام، متجرّئا على الله محاربا لنجل نبيّه عليه السّلام، وأقام بها متلدّدا في حيرته، متردّدا في سكرته؛ ثم استجرّه شؤمه، وقاده حينه ولؤمه، إلى أن رحل فنزل بكفر «4» سابا البريد، فأنبأه اسمها بما حلّ به من السّبي المبيد والخزي الشديد ثم لم يلبث أن ضرب مضاربه المأكولة، ونصب أعلامه المخذولة، وأقام صفوفه المفلولة، وأظهر آلة الحرب إقداما، و [أخفى] عن اللقاء إحجاما.
فأمر أمير المؤمنين بتزيين العساكر المنصورة والجيوش المظفّرة وتعبئتها على مراتبها، وترتيبها على مواكبها. وتقدّم إلى قوّادها أن لا يمشوا إلا صفّا، ولا يسيروا إلا زحفا، وعرّفهم أنه سيسير بنفسه، ويقصد اللعين بموكبه وجمهوره
(6/425)

ومن معه من حماة رجاله، وأنه لا يثنيه عن الفاسق ثان ولا يصرفه عن الاقتحام صارف، فبدا من عزائمهم، وشدّة شكائمهم، وخلوص بصائرهم، وسكون أفئدتهم، وثبات أقدامهم، ما كانت به دلائل النصر واضحة، وشواهد الفلج لائحة، وعلامات الفتح ظاهرة، وآيات النّجح باهرة، فمشوا على ما أمروا، وساروا على ما سيّروا، فعند ما دنوا من عدوّ الله أصابوه للجلاد معدّا، وفي المحاربة مجدّا، واستخاروا الله عز وجل وتدانوا للتّلاق، والأخذ بالنواصي والأعناق وقامت الحرب على ساق، وتجرّع منها أمرّ مذاق، فاستطار شرارها، وتأججّت نارها، وارتفع دخانها، وعظم شانها، والتزم الأقران بالأقران، واشتدّ الضّرب والطّعان، إلى أن مشى أمير المؤمنين بنفسه، وجمهور موكبه، متوكّلا على الله، ماتّا إليه بجدّه محمد صلّى الله عليه وسلّم، متوسّلا بمتقدّم وعده، وسالف إنعامه عنده، وقصد اللعين غير متلوّم عن مصادمته، ولا معرّج عن ملاحمته، فقويت نفوس أوليائه وعبيده، ومن اشتملت عليه عساكره المنصورة، وجيوشه المظفّرة بما تبيّنوه من إقدامه، وشاهدوه من اعتزامه، وحملوا على الفاسق وأحزابه، وقذف الله في قلوبهم الرّعب فتزلزلت أقدامهم، وأرعشت أيديهم ونخبت أفئدتهم، وولّوا الدّبر منهزمين، ومنحوا ظهورهم مولّين، وافترقوا ثلاث فرق:
فرقة قتلت في المعركة، وصرعت في الملحمة؛ فاحتزّت رؤوسهم، وفرقة أحسّت وقع السّيوف وإرهاق الحتوف، فاستأمنت تحت الذّلّة والصّغار، والغلبة والاقتدار، فبقّيت عليهم الأرواح، وحقنت منهم الدّماء. وفرقة أسرت أسرا، وقيّدت قيدا، وهرب التّركيّ اللعين رئيس ضلالتهم، وعميد كفرهم، في شر يذمة من أصحابه، فظنّ أن ذلك من بأس الله ينجيه، ومن الأخذ بكظمه يوقيه، هيهات! كما قال الله عز وجل: هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ «1»
: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ «2»
فاتّبعه سرعان الخيل
(6/426)

وخفاف الرّجال، مع مفرّج بن دغفل بن جراح، فأخذه قبضا وأتى به قودا أسيرا من غير عهد، وذليلا من غير عقد، واستولى أهل العساكر المنصورة، والجيوش المظفّرة، على مناخه وسواده، وما كان فيه من مال وأثاث وكراع «1» وقناع «2» ، وقليل وكثير، وجليل وحقير، فحازوه واتّسعوا به، وأكثروا من حمد الله، وانصرفوا إلى معسكرهم سالمين، بالمغنم والظّفر آمنين، لم يكلم منهم أحد، ولم ينقص لهم عدد. وكان جملة ما أتوا به معهم من رؤوس الفسقة زائدا على ألف رأس، ومن أسراهم ثمانمائة أسير، غير من استؤمن وقت الإيقاع بهم، ولم يفلت من الفسقة إلا من هرب بحشاشة نفسه مع من لاءم التركيّ اللعين، وصاحب عقده ومورّطه في هلاكه، وقائده إلى نقماته، وسائقه إلى موبقاته «3» ، وهو كاتبه المعروف بابن الحمارة. فلحق بطبريّة فقتل هو وجلّ من كان معه واحتزّ رأسه وأتي به، فكملت النعمة، وتمت الموهبة، وتجدّد حمد أمير المؤمنين واتصل شكره، لما أولاه من جليل عطائه، وكريم حبائه، وسنيّ آلائه.
وكان ما آتاه الله من عظيم آياته، وأكبر شواهده، واختصاص الله إيّاه وانتخابه له.
فالحمد لله! ثم الحمد لله! ثم الحمد لله ربّ العالمين على عطائه الهنيّ، وحبائه السّنيّ، وما أيّد أمير المؤمنين، وأعزّ الدين، وقمع المشركين، إذ كان الفاسق اللعين، التركيّ الغويّ المبين، ثلّة من ثللهم وركنا من أركانهم، وحزبا من أحزابهم، ووثنا من أوثانهم، وطاغية من طواغيتهم. ولم يكن لهم في بلد المسلمين يد تصدّ عنهم بأس غيرهم، ولا عضد يدفعون بها سواه. وأمير المؤمنين يرغب إلى الله عز وجلّ أن يوزعه الشّكر على ما أولاه، ويوجده سبيلا إلى بلوغ مبتغاه، من إعزاز الملّة والدّين، وإحياء شريعة جدّه سيد المرسلين، ومجاهدة التّرك والمشركين، وقمع الظالمين والقانطين والمارقين، حتّى يكون الدين كلّه لله، ويجمع القلوب على طاعته بإذن الله.
(6/427)

أمر أمير المؤمنين بتعريفك ذلك، وتلخيص الكتاب إليك، لتقف عليه وتذيعه، وتشهّره فيما قبلك، وتحمد الله على ما منح أمير المؤمنين من النصر، ومكّنه من الظّفر. فاعلمه إن شاء الله تعالى، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب يوم الخميس لخمس ليال بقين من المحرّم سنة سبع وستين وثلاثمائة.
الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بخطبة مفتتحة بالحمد لله)
وعليه كان الحال في أواخر دولتهم. وعليه جرى في «موادّ البيان» في الأمثلة التي ذكرها.
وهذه نسخة «1» كتاب مما أورده في «موادّ البيان» ببشارة بفتح، وهي:
الحمد لله مديل الحقّ ومنيره ومذلّ الباطل ومبيره، مؤيّد الإسلام بباهر الإعجاز وقصم «2» وعده في الإظهار بوشيك الإنجاز. أخمد كلّ دين وأعلاه، ورفض كلّ شرع واجتباه، وجعله نوره اللامع، وظلّه الماتع، وابتعث به السراج المنير، والبشير النّذير، فأوضح مناهجه، وبيّن مدارجه، وأنار أعلامه، وفصّل أحكامه، وسنّ حلاله وحرامه، وبيّن خاصّه وعامّه، ودعا إلى الله بإذنه، وحضّ على التمسّك بعصم دينه، وشمّر في نصره مجاهدا من ندّ عن سبيله، وعند عن دليله، حتّى قصّد الأنصاب «3» والأصنام، وأبطل الميسر والأزلام «4» ، وكشف غيابات الإظلام، وانتعلت خيل الله بقبائل «5» الهام.
(6/428)

يحمده أمير المؤمنين أن جعله من ولاة أمره، ووفّقه لاتّباع سنّة رسوله واقتفاء أثره. وأعانه على تمكين الدّين، وتوهين المشركين، وشفاء صدور المؤمنين. وأنهضه بالمراماة عن الملّة، والمحاماة عن الحوزة، وإعزاز أهل الإيمان، وإذلال حزب الكفران. ويسأله الصلاة على خيرته المجتبى، وصفوته المنتصى، محمد أفضل من ذبّ وكافح، وجاهد ونافح، وحمى الذّمار «1» ، وغزا الكفّار، صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمه «2» عليّ بن أبي طالب سيفه القاطع، ومجنّه «3» الدافع، وسهمه الصارد، وناصره العاضد، فارس الوقائع، ومعنوس «4» (؟) الجمائع، مبيد الأقران، ومبدّد الشّجعان، وعلى الطّهرة من عترته أئمة الأزمان، وخالصة الله من الإنس والجانّ. وإن أولى النّعم بأن يرفل في لباسها، ويتوصّل بالشّكر إلى لباثها «5» ، ويتهادى طيب خبرها، ويتفاوض بحسن أثرها، نعمة الله تعالى في التوفيق لمجاهدة أهل الإلحاد والشّرك، وغزو أولي الباطل والإفك، والهجوم عليهم في عقر دارهم، واجتثاث أصلهم وهدم «6» منارهم، واستنزالهم من معاقلهم، وتشريدهم عن منازلهم، وتغميض نواظرهم الشّوس «7» ، وإلباسهم لباس البوس؛ لما في ذلك من ظهور التوحيد وعزّه، وخمود الإلحاد وعرّه، وعلوّ ملة المسلمين، وانخفاض دولة المشركين، ووضوح محجّة الحق وحجّته، وفضوح «8» برهانه وآيته.
(6/429)

وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك، وقد انكفأ عن ديار الفلانيّين والمشركين «1» إلى دست خلافته، ومقرّ إمامته، بعد أن غزاهم برّا وبحرا، وشرّدهم سهلا ووعرا، وجرّعهم من عواقب كفرهم مرّا، وفرّق جمائهم التي تطبّق سهوب الفضاء خيلا ورجلا، وتضيق بها المهامه حزنا وسهلا، ومزّق كتائبهم التي تلحق الوهاد بالنّجاد، وتختطف الأبصار ببوارق الأغماد، وسبى «2» الذّراريّ والأطفال، وأسر البطاريق والأقيال، وافتتح المعاقل والأعمال، وحاز الأسلاب والأموال، واستولى من الحصون على حصن كذا وحصن كذا، ومحا منها رسوم الشرك وعفّاها، وأثبت سنن التوحيد بها وأمضاها، وغنم أولياء أمير المؤمنين ومتطوّعة المسلمين من الغنائم ما أقرّ العيون، وحقّق الظّنون، وانفصلوا وقد زادت بصائرهم نفاذا في الدّين، وسرائرهم إخلاصا في طاعة أمير المؤمنين، بما أولاهم الله من النّصر والإظفار، والإعزاز والإظهار، ووضح للمشركين بما أنزله «3» عليهم من الخذلان، وأنالهم إيّاه من الهوان، أنّهم على مضلّة من الغيّ والعمى، وبعد «4» من الرّشد والهدى، فضرعوا إلى أمير المؤمنين في السّلم والموادعة، وتحمّلوا بذلا بذلوه تفاديا من الكفاح والمقارعة، فأجابهم إلى ذلك متوكّلا على الله تعالى، ومتمثّلا «5» بقوله تعالى إذ يقول: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «6»
. وعاقد طاغيتهم على كتاب هدنة كتبه له، وأقرّه في يده، حجّة مضمونة.
أشعرك أمير المؤمنين ذلك لتأخذ من هذه النعمة بنصيب مثلك من المخلصين، وتعرف موقع ما تفضّل الله تعالى به على الإسلام والمسلمين،
(6/430)

فتحسن «1» ظنّك، وتقرّ عينك، وتشكر الله تعالى شكر المستمد من فضله، المعتدّ بطوله، وتتلو كتاب أمير المؤمنين، على كافّة من قبلك من المسلمين؛ ليعلموا ما تولّاهم الله به من نصره وتمكينه، وإذلال عدوّهم وتوهينه؛ فاعلم ذلك واعمل به «2» .
الجملة الثالثة (في الكتب الخاصّة، كالمكاتبة إلى الوزير ومن في معناه)
قال في «موادّ البيان» بعد ذكر صورة المكاتبات العامّة عنهم: وقد يخاطب الإمام وزيره في المكاتبة الخاصّة بما يرفعه فيه عن خطاب المكاتبة العامّة الدّيوانيّة، ويتصرّف في ذلك، ويزاد وينقص على حسب لطافة محلّ الوزير ومنزلته من الفضل والجلالة. قال: وليس لهذه المكاتبة الخاصة حدود ينتهي إليها، ولا قوانين يعتمد عليها، وطريقها مستفيضة معلومة. وقد تقدّم في المكاتبات الخاصة عن خلفاء بني العبّاس أن مكاتبة الوزير «أمتعني الله بك» في أدعية أخرى.
الطرف السادس (في الكتب الصادرة عن خلفاء بني أمية بالأندلس)
ولم أقف على شيء من المكاتبات الصادرة عنهم، وإن ظفرت بشيء منها بعد ذلك ألحقته إن شاء الله تعالى.
(6/431)

الطرف السابع (في الكتب الصادرة عن الخلفاء الموحّدين أتباع المهديّ بن «1» تومرت المستمرّ بقاياهم الآن بتونس وسائر بلاد أفريقيّة، وهي على أسلوبين)
الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «من فلان إلى فلان» )
وكان الرسم فيها أن يقال: «من أمير المؤمنين فلان» ويدعى له بما يناسبه «إلى فلان» ويدعى له بما يليق به؛ ثم يؤتى بالسلام؛ ثم يؤتى بالبعدية والتحميد والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والترضية عن الصحابة، ثم عن إمامهم المهديّ؛ ثم يؤتى على المقصود، ويختم بالسلام. والخطاب فيه بنون الجمع عن الخليفة وميم الجمع عن المكتوب إليه.
كما كتب عن عبد المؤمن «2» خليفة المهديّ إمامهم إلى الشيخ أبي عبد الله محمد بن سعد «3» :
(6/432)

«من أمير المؤمنين أيّده الله بنصره، وأمدّه بمعونته، إلى الشيخ أبي عبد الله محمد بن سعد وفّقه الله، ويسّره لما يرضاه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد فالحمد لله الذي له الاقتدار والاختيار، ومنه العون لأوليائه والإقدار، وإليه يرجع الأمر كلّه فلا يمنع منه الاستبداد والاستئثار. والصلاة على محمد نبيّه الذي ابتعثت بمبعثه الأضواء والأنوار، وعمرت بدعوته الأنجاد والأغوار، وخصم بحجّته الكفر والكفّار، وعلى آله وصحبه الذين هم الكرام الأبرار، والمهاجرين والأنصار، والرّضا عن الإمام المعصوم، المهديّ المعلوم، القائم بأمر الله حين غيّرته الأغيار، وتقدّم الامتعاض له والانتصار. وهذا كتابنا- كتب الله لكم نظرا يريكم المنهج، ويلفيكم الأبهج فالأبهج، وآتاكم الله من نعمة الإيمان، وعصمة الانقياد له والإذعان، ما تجدون به اليقين والثّلج- من حضرة مرّاكش حرسها الله تعالى، ولا استظهار إلا بقوّته وحوله، ولا استكثار إلا من إحسانه وطوله.
ولما جعل الله هذا الأمر العظيم رحمة لخلقه، ومطيّة لرقيه وقرارة لإقامة حقّه، وحمّل حملته الدعاء إليه، والدلالة به عليه، والترغيب في عظيم ما عنده ونعيم ما لديه، وجعل الإنذار والإعذار من فصوله المستوعبة، وأحكامه المرتّبة، ومنجاته المخلّصة من الخطوب المهلكة والأحوال المعطبة- رأينا أن نخاطبكم بكتابنا هذا أخذا بأمر الله تعالى لرسوله في المضاء إلى سبيله، والتحريض على اغتنام النجاء وتحصيله، وإقامة الحجّة في تبليغ القول وتوصيله، فأجيبوا- رفعكم الله- داعي الله تسعدوا، وتمسّكوا بأمر المهديّ- رضي الله عنه- في اتّباع سبيله تهتدوا، واصرفوا أعنّة العناية إلى النظر في المآل، والتفكّر في نواشيء التغيّر والزوال، وتدبّروا جري هذه الأمور وتصرّف هذه الأحوال، واعلموا أنه لا عزّة إلا بإعزاز الله تعالى فهو ذو العزّة والجلال. وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ «1» *
فالدّنيا دار الغرور، وسوق المحال، وليس لكم في قبول
(6/433)

النصيحة، وابتداء التوبة الصحيحة، والعمل بثبوت الإيمان في هذه العاجلة الفسيحة، إلّا ما تحبّونه في ذات الله تعالى من الأمنة والدّعة، والكرامة المتّسعة والمكانة المرفّعة، والتنعّم بنعيم الراحة المتصلة والنفس الممتنعة. فنحن لا نريد لكم ولسائر من نرجو إنابته، ونستدعي قبوله وإجابته، إلا الصّلاح الأعمّ، والنجاح الأتمّ. وتأملوا- سدّدكم الله- من كان بتلك الجزيرة- حرسها الله- من أعيانها، وزعماء شانها، هل تخلّص منهم إلى ما يودّه، وفاز بما يدّخره ويعدّه، إلا من تمسّك بهذه العروة الوثقى، واستبقى لنفسه من هذا الخير الأدوم الأبقى، وتنعّم بما لقي من هذا النعيم المقيم ويلقى؟ وأما من أخلد إلى الأرض واتّبع هواه، ورغب بنفسه عن هذا الأمر العزيز إلى ما سواه، فقد علم بضرورتي المشاهدة والاستفاضة سوء منقلبه، وخسارة مذهبه ومطّلبه، وتنقّل منه حادث الانتقام أخسر ما تنقّل به. وحقّ عليكم- وفقكم الله ويسّركم لما يرضاه- أن تحسنوا الاختيار، وتصلوا الادّكار والاعتبار، وتبتدروا الابتدار. وما حقّ من انقطع إلى هذا الأمر الموصول الواصل، وأزمع ما يناله من خيره المحوز الحاصل، أن يناله منكم شاغل يشغله عن مقصوده، ويحيط به ما يصرفه عن محبوبه ومودوده، فقد كان منكم في أمر أهل بلنسية «1» حين إعلانهم بكلمة التوحيد، وتعلّقهم بهذا الأمر السعيد ما كان، ثم كان منكم في عقب ذلك ما اعتمدتموه في أمر أهل لورقة «2» - وفّقهم الله- حين ظهر اختصاصهم، وبان إخلاصهم. وليس لذاك وأمثاله عاقبة تحمد، فالخير خير ما يقصد، والنجاة فيما ينزح عن الشر ويبعد. وإنا لنرجوا أن يكفّكم عن ذلك وأشباهه إن شاء الله تعالى نظر موفّق، ومتاع محقّق، ويجذبكم إلى موالاة هذه الطائفة المباركة جاذب يسعد، وسائق يرشد، والله يمنّ عليكم بما ينجّيكم، ويمكّن لكم في طاعته
(6/434)

أسباب تأميلكم وترجّيكم، بمنّه. والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب في السادس عشر من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
الأسلوب الثاني (أن يفتتح المكاتبة بلفظ «أما بعد» )
والأمر فيه على نحو ما تقدّم في الأسلوب قبله بعد البعدية، كما كتب أبو الميمون عن المستنصر بالله، أحد خلفائهم إلى بعض نوّابه، وقد نقض العهد على بعض المهادنين من النصارى.
«أما بعد حمد الله الآمر بالوفاء بالعهود، والصلاة على سيدنا محمد المصطفى الكريم سيّد الوجود، وعلى آله وصحبه ليوث البأس وغيوث الجود، والرّضا عن الإمام المعصوم، المهديّ المعلوم، الآتي بالنّعت الموجود، في الزّمن المحدود، وعن خلفائه الواصلين بأمره إلى التّهائم والنّجود، والدعاء لسيدنا الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين بسعد تذلّ له النواصي، ويهدّ الأقطار القواصي، فكتبناه- كتبكم الله ممّن إذا همّ بأمر تدبّر عواقبه، وإذا عزم على ركوب غرر ألفى معاطبه- من فلانة كلأها الله تعالى. وقد بلغنا ما كان منكم من اكتساح النصارى، والزيادة على ذلك باختطاف الأسارى «1» ، ونعوذ بالله من شهوة تغلب عقلا، ونخوة تعقب هوانا وذلّا. وقد أخطأتم في فعلتكم الشّنعاء من ثلاثة أوجه؛ أحدها أنه خلاف ما أمر الله تعالى به من الوفاء بالعهد، والوقوف مع العقد. والثاني عصيان الأمر العزيز وفيه التغرير بالمهج، وترك السّعة للحرج.
والثالث أنكم تثيرون على أنفسكم من شرّ عدوّكم- قصمه الله- شررا يستعر، وضررا يعدم فيه المنتصر، فليتكم إذ تجلّيتم بالعصيان، ورضيتم الغدر المحرّم في سائر الأديان، ثبتّم للعدّو إذا دهمكم، ولقيتموه بالجانب القويّ متى زحمكم، بل تتدرّعون له الفرار، وتتركونه في مخلّفيكم وما اختار. وقد جرّبتم
(6/435)

مرّات أنكم لا ترزؤونهم ذرّة، إلا رزؤوكم ألف بدرة، ولا تصيبونهم مرّة، إلا أصابوكم ألف مرّة. وإلى متى تنهون فلا تنتهون؟ وحتّام «1» تنبّهون فلا تنتبهون؟
فإذا وافاكم كتابنا هذا بحول الله وقوّته فأدّوا من أسرتم إلى مأمنه، وردّوا ما انتهبتم إلى مسرحه، ولا تمسكوا من الأسارى بشعرة، ولا من الماشية بوبرة.
ومن سمعنا عنه- بعد وصول هذا الكتاب- أنه تعدّى هذا الرّسم، وخالف هذا الحكم، أنفذنا عليه الواجب، وحكّمنا فيه المهنّد القاضب، فلتسرع من نومة الغفلة إفاقتكم، ولا تتعرّضوا من الشّر لما تعجز عنه طاقتكم، ونحن متعرّفون ما يكون منكم من تأنّ أو بدار، ومقابلون لكم بما يصدر عنكم من إقرار وإنكار، وهو يرشدكم بمنّه. والسّلام عليكم ورحمة الله» .
قلت: ثم طرأ بعد ذلك الإكثار من ألقاب خلفائهم في المكاتبات الصادرة عنهم، والمبالغة في مدحهم، وإطرائهم على ما سيأتي ذكره في الكلام على المكاتبات الواردة من ملوك الأقطار إلى الأبواب السلطانية بالديار المصرية فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الطّرف الثامن (في الأجوبة، وهي على ضربين)
الضرب الأوّل (ما يضاهي الأجوبة في الابتداء، وهو على أسلوبين)
(الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الجواب بلفظ «من فلان إلى فلان» )
مثل أن يكتب «من عبد الله ووليه أبي فلان فلان الإمام الفلانيّ أمير المؤمنين» إلى آخر الصدر على ما تقدّم في الابتداءات؛ ثم يقال: أما بعد، وينساق
(6/436)

منه إلى ذكر الكتاب الوارد وعرضه على الخليفة، وما اقتضته آراء الخلافة فيه، ويكمّل على نحو الابتداء. كما كتب عن المقتفي لأمر الله، إلى غياث الدين مسعود «1» بن ملكشاه السّلجوقيّ في جواب كتابه الوارد عليه، يخبره بأن بعض من كان خرج عن طاعته دخل فيها، وانحاز إليه، وهو:
«من عبد الله أبي عبد الله محمد الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، إلى فلان بألقابه.
أما بعد- أطال الله بقاءك- فإن كتابك عرض بحضرة أمير المؤمنين معربا عن أخبار سعادتك، وجري الأمور على إرادتك، وبلوغ الأغراض من الوجهة التي توجّهت إليها، والأطراف التي أشرقت سعادتك عليها، بميامن ما تثق به من الطاعة الإمامية وتضمره، وتعتقده من الإخلاص وتستشعره وأن ركن الدين محمدا ومن انضمّ إلى جملته وانتظم في سلك موافقته لمّا ظفروا منك بذمام اطمأنّوا إليه وسكنوا، وأمان وثقوا به وركنوا، أبصروا الرّشد فاتّبعوه، واستجابوا الداعي إذ سمعوه، وأذعنوا لطاعتك مسرعين، وانقادوا إلى متابعتك مهطعين، على استقرار مسيرهم تحت لوائك إلى باب همذان ليكون تقرير القواعد الجامعة للمصالح عند وصولها، والتوفّر على تحرّي ما تقرّ به الخواطر مع حلولها، والانفصال إلى من يفد إلى الأبواب العزيزة مؤتنسا بقرب الدار، ومستسعدا بالخدمة الشريفة الإمامية المؤذنة ببلوغ الأوطار. ووقف عليه وعرف مضمونه، وجدّد ذلك لديه من الابتهاج، والاغتباط الواضح المنهاج، ما تقتضيه ثقته بجانبك واعتقاده، وتعويله على جميل معتقدك واعتماده، واعتضاده من طاعتك بحبل لا تنقض الأيّام مبرمه، وسكونه من ولائك إلى وزر «2» لا تروّع المخاوف حرمه وواصل شكر الله تعالى على ما شهدت به هذه النعمة العميمة، والموهبة الجسيمة، من إجابة الأدعية التي ما زالت جنودها نحوك مجهّزة،
(6/437)

ووعوده- جلّت عظمته- بقبول أمثالها منجّزة، وإمدادك منها بأمداد تستدعي لك النصر وتستنزله، وتستكمل الحظّ من كلّ خير وتستجز له، وتبلّغ الأمل منك فيمن هو العدّة للملمّات، والحامي لتقرير الأنس من روائع الشّتات، ومن ببقائه تكفّ عن الامتداد أكفّ الخطوب، وتطلق وجوه المسارّ من عقل القطوب، ويأبى الله العادل في حكمه وحكمته، الرؤوف بعباده وخليقته، إلا إعلاء كلمة الحق بالهمم الإماميّة، والإجراء على عوائد صنيعته الحفية، الكافلة بصلاح العباد والرعيّة، وقد أقيمت أسواق التهنئة بهذه البشرى، وأفادت جذلا تتّابع وفوده تترى؛ لا سيّما مع الإشارة إلى قرب الأوبة التي تدني كلّ صلاح وتجلبه، وتزيل كلّ خلل أتعب القلوب وتذهبه. وإلى الباري جلّ اسمه الرغبة في اختصاصك من عنايته بأحسن ما عهدته وأجمله، وصلة آخر وقتك في نجح المساعي بأوّله؛ وأن لا يخلي الدار العزيزة من إخلاصك في ولائها، ورغبتك في تحصيل مراضيها وشريف آرائها.
هذه مناجاة أمير المؤمنين- أدام الله تأييدك- ابتغى الله جزاءك فيها على عادة تكرمته، وأعرب بها عن اعتقاده فيك وطويّته، ومكانك الأثيل في شريف حضرته، وابتهاجه بنعمة الله عندك وخيرته فتأمّلها تأمّلا يشاكل طاعتك الصافية من الشّوائب والأقذاء، وتلقّها بصدق الاعتماد عليها وحسن الإصغاء، تفز بالإصابة قداحك، ويقرن بالتوفيق مغداك ومراحك، إن شاء الله تعالى، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته» .
وكما كتب بعض كتّاب الفاطميين عن الحافظ لدين الله، أحد خلفائهم إلى شمس الدولة أبي منصور محمد بن ظهير الدين بن نوري بن طغتكين ببعلبكّ جوابا عن كتابه الوارد عنه على الخليفة، ويذكر أنه حسّن لفخر الملك رواج وروده على الخليفة بالديار المصرية، ويذكر نصرته على الفرنج بطرابلس، وقتله القومص ملكها.
(6/438)

«من عبد الله ووليّه عبد المجيد أبي الميمون الإمام الحافظ لدين الله أمير المؤمنين، إلى الأمير فلان.
أما بعد، فإنه عرض بحضرة أمير المؤمنين كتابك من يد فتاه ووزيره، وصفيّه وظهيره، السيد الأجل الأفضل، الذي بذل نفسه في نصرة الدين تقى وليانا، وأوضح الله للدولة الحافظيّة بوزارته حجّة وبرهانا، وأسبغ النعمة على أهلها بأن جعله فيهم ناظرا ولهم سلطانا، ووفّقه في حسن التدبير، والعمل بما يقضي بمصالح الصغير والكبير وبما أعاد المملكة إلى أفضل ما كانت عليه من النّضرة والبهجة، ولم يخرج المادحون لها إذا اختلفوا عن التحقيق وصدق اللهجة، فقد ساوت سياسته بين البعيد والقريب، وأخذ كلّ منهما بأجزل حظّ وأوفر نصيب، وسارت سيرته الفاضلة في الآفاق مسير المثل، واستوجب من خالقه أجر من جمع في طاعته بين القول والعمل. وشفع عرضه من وصفك وشكرك، والثناء عليك وإطابة ذكرك، وأنهى ما أنت عليه من الولاء، وشكر الآلاء، بما يضاهي ما ذكرته فيه مما علم عند تلاوته، وأصغي إلى عند قراءته.
وقد استقرّ بحضرة أمير المؤمنين مكانك من المشايعة، وموقعك من المخالصة وكونك من ولاء الدولة على قضية كسبتك «1» شرفا تفيّأت ظلاله، وأفاضت عليك ملبسا جررت أذياله، وسمت بك إلى محلّ لا يباهي من بلغه ولا يطاول من ناله، وكنت في ذلك سالكا للمنهج القويم، ومعتمدا ما أهل بيتك عليه في القديم؛ ولا جرم «2» أنه عاد عليك من حسن رأي أمير المؤمنين بما تقصر عنه كلّ أمنيّة، ويشهد لك بمخالصة جمعت فيها بين عمل ونيّة، والله يضاعف أجرك على اعتصامك من طاعة أمير المؤمنين، بالحبل المتين، ويوزعك شكر
(6/439)

ما منحك من الاستضاءة بنور الحق المبين.
فأما الأمير الأسفهسلار فخر الملك رواج وبعثك له على الوصول إلى الباب، وحضّك إيّاه على التعلّق من الخدمة بمحصد الأسباب، فما كان الإذن له في ذلك إلّا لأنّ كتابه وصل بملتمسه، وعرض فيه نفسه وبذل المناصحة والخدمة، ويسأل سؤال من يعرف قدر العارفة بالإجابة إليه وموقع النعمة، فأجيب إلى ذلك إسعافا له بمراده، وعملا برأي الدولة فيمن يرغب إلى التحيّز إليها من أقطاره وبلاده، وإلا فلا حاجة لها إليه ولا إلى غيره؛ لأن الله تعالى- وله الحمد- وفّر حظّها من الأولياء والأشياع، والأنصار والأتباع، والعساكر والجيوش والأجناد والأنجاد، والأعوان الأقوياء الشّداد، وعبيد الطاعة الذين يتبارون في النّصح ويتنافسون في الاجتهاد والحرص، وسعة الأموال، وعمارة الأعمال، وجمع الرّجال في العزائم بين الأفعال والأقوال ولو وصل المذكور لكانت المنّة للدولة عليه، والحاجة له في ذلك لا إليه، قال الله عز من قائل:
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
«1» .
وأمّا توجهه إلى طرابلس وظفره بقومصها وقتله إيّاه مع من بها، وعظيم أمره فيها؛ فالله تعالى يعزّ الإسلام وينشر لواءه، ويعلي مناره ويخذل أعداءه، وينصر عساكره وأجناده، ويبلّغه في أحزاب الكفر والضلال مراده، وهو عز وجلّ يمتّعك من الولاء بما منحك، وينيلك في دينك ودنياك أملك ومقترحك؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى» .
الأسلوب الثاني (أن يفتتح الجواب بلفظ «أمّا بعد» )
كما كتب عن المقتفي إلى السلطان محمود «2» بن محمد السّلجوقيّ جوابا
(6/440)

عن كتابه الوارد بإخباره باجتماعه مع عمه سنجر، ونسخته «1» :
أما بعد، فإنّ كتابك عرض بحضرة أمير المؤمنين ناطقا بدرك الأوطار، وحصول المقاصد على الآثار، وما أنهيته من الاجتماع بعزّ الدنيا والدّين جمع الله في طاعته شملكما ووصل بالألفة والتوادد حبلكما! ومن إكرام الوفادة الذي أنت أهله ووليّه، وحقيق أن يتبع وسميّه لديك وليّه، والموافقة على كل حال آذنت ببلوغ الأغراض وتيسّرها، ونجاز المساعي على أتمّ وفاق وتقرّرها، وانتظام الأمور على أجمل معتاد وأكمل مراد، وأحسن اتّساق واطّراد، واستقرار القواعد على الوصف الجامع أشتات الاتّفاق، الدالّ على صدق المحافظة بينكما وفرط الإشفاق، محفوفا بالسعادة التي لا تزال مآثرك في الطاعة الإمامية تملك قيادها، وتقلّدك على الاتصال نجادها، فتهللت بهذا النّبإ المبهج أسرّة البشرى، وأصبح الجذل بمكانه أفعم عرفا وأذكى نشرا، وقامت لأجله في عراص «2» الدار العزيزة مواسم، أضحت المسرّة بها مفترّة الثغور ضاحكة المباسم؛ وجدير بمن كان له من الهمم الشريفة مدد واف، ومنجد يدفع في صدر كلّ خطب مواف، أن تكتنفه الميامن والسّعود، ويصدق «3» في كل مرمى ينحوه من النّجح الموعود، وتنقاد له المصاعب ذللا، ويعود بيمن نقيبته كلّ عاف من الصلاح جديدا مقتبلا ولا ينفكّ صنع الله جلّ اسمه لطيفا، وبرباعه محدقا مطيفا، والتوفيق مصاحبه أنّى حلّ وثوى، أو ثنى عنانه إلى وجه ولوى، والله يمتّع أمير المؤمنين منك بالعضد الذي يذبّ عن دولته ويحامي، ويناضل دونها بجنود الإخلاص ويرامي،
(6/441)

ولا يخليك من رعايته التي لا يزال يستقر فيها إليك، ويرغب إليه في إسباغ لباسها عليك، حتّى تتسنّى لك المطالب معا، ويغدو الزمان فيما ينشأ متّبعا.
هذه مفاوضة أمير المؤمنين إليك، أدام الله تأييدك، أجراك فيها على مألوف العادة، وجدّد لك بها برود الفخار والسعادة، فاجر على وتيرتك في إتحاف حضرته بطيّب أخبارك، ومجاري الأمور في إيرادك وإصدارك، تهد إليها ابتهاجا وافرا، وابتساما يظلّ لثامه عن حمد الله المسند بها سافرا؛ إن شاء الله تعالى.
الضرب الثاني (أن يكون الافتتاح في الجواب مصدّرا بما فيه معنى وصول المكاتبة إلى الخليفة)
فقد جرت عادة المتقدّمين من الكتّاب في التعبير عن ذلك بلفظ «العرض على الخليفة» ويؤتى فيه على ما تضمنه الكتاب المجاب عنه، ثم يختم كما تختم الابتداآت.
كما كتب العلاء «1» بن موصلايا عن القائم بأمر الله إلى «أتسز» عند ورود كتابه على أبواب الخلافة يتضمّن انتظامه في سلك الطاعة وغلبته الأعداء، وهو:
عرض بحضرة أمير المؤمنين ما ورد منك دالّا على تمسّكك من الطاعة الإمامية بما لا تزال تجدّ فيه ملابس التوفيق حالا بعد حال، وتجد به مرائر السعد محصفة في كل حلّ وترحال، منبئا عن توفّرك على المقامات التي انتقمت بها للهدى من الضّلال، واستقمت فيها حتّى أجلت عن كلّ صلاح ممتدّ الظّلال، شاهدا بما أنت عليه من موالاة لا تألو جهدا في التزام شروطها بادئا عائدا، ولا تخلو فيها من حسن أثر يكون لدعائم الصواب عامدا، وترى فيه قاصدا لاجتلاب
(6/442)

الخير عائدا. ووقف عليه وقوف من ارتضى ما يتوالى من قرباتك التي لا تزال في إعذاب ورودها ساعيا. ولما يفضي إلى إعشاب مرعاها في طلب الحمد مراعيا، وانتضى منك للخدمة بتلك الأعمال حساما باترا آجال بقايا الكفر هناك، ماضيا في كل ما يقضي بانفساح مجال آمالك في الدهر ومبارّك، واعتدّ لك بما أنهاه عنك رسول أمير المؤمنين العائد من قبلك، وأوضحه من زلفك «1» التي شفع قولك فيها عملك، وطالع به الرسول الذي نفّذته معه لقصد بابه، والمناب في تأكيد دواعي النّجح وتمهيد أسبابه، وحلّ كلّ ذلك لديه المحلّ الذي ستجني ثمره كلّما يطيب ويحلو، ويسلم من كل «2» الاستزادة ويخلو، ويعزّ مهر الفوز به على غيرك ويغلو، وتأثّل لك من الرّتبة بحضرته ما يدني لك كلّ مطلب إلى مرادك آئل، ويدوي قلب كلّ منحرف عن وفائك مائل؛ وصرت من أعيان الخلصاء الذين وسمت الهدى أفعالهم بالحمد، وسمت بالطاعة آمالهم إلى توقّل هضاب المجد، فما تهمّ بك الغير إلا وتنقطع دونك أعناقها، وترجع في جلباب الخيبة وحيصها إليك وإعناقها، ولا تمتدّ نحوك يد ضدّ إلا ردّها عنك جميل الآراء الشريفة فيك وغلّها، وأوجب نهلها عن موارد القصور وعلّها وكيف لا يكون ذاك ولك في الطاعة كلّ موقف اغتذى بلبان الحمد، واعتنى باشتهاره بلوغ المدى في وصفه والحدّ؟ فأحسن الله توفيقك فيما أنت بإزائه من إخماد لهب الباطل بتلك الشّعاب، وإجهاد النّفس في إخمال المتاعب وإذلال الصّعاب، وأمدّك بالعون على ما بدأت له من جب..... «3» ... فيما يليك، وطبّ أدواء الفساد في نواحيك. ومع ما فزت به من هذه المنحة التي قد جاز قدرها التقدير والظّن، وجاد لك الدهر فيها بما كان شحّ به على أمثالك وضنّ فيجب أن تستديمها، وتحصّن من النّغل «4» أديمها، بمزيد من الخدمة تنتهز
(6/443)

الفرص بالإسراع إليه والبدار، وتنتهج أقوم الجدد «1» في مقابلة الإيراد منه بالإصدار، وتنفد وسعك في كل مسعى ينثني إليك عنان الثّناء معه، وتنفق عمرك في كل أمر يجمع لك مرأى الرضا عنك ومسمعه، لتجد من جدوى ذلك ما ينظم في السعادة شملك، ويضحى به القياد فيما يصدّق أملك أملك، وأن تحمد السيرة في الرعايا الذين غدوا تحت كنفك، وتجعل الاشتمال على مصالحهم معربا عن فضل شغفك بالخير وكلفك؛ فإنهم ودائع الله تعالى يلزم أن تحمى من ضياع يتسلّط عليها في حال، وتحيا من درّ الإحسان برضاع لا يخطر الفطام عنه ببال فلا تقفنّ عند غاية في إفاضة الفضل عليهم وإسباغ ظلّه، واعتمادهم بتخفيف ثقل الحيف عنهم أو إزالة كلّه، ليكونوا في أفياء الأمن راتعين، ولخرق كل ملمّ بحسن ملاحظتك راقعين فالذي يراه أمير المؤمنين في فرضك حتّى يزداد باعك طولا، ولا يترك لك على الزمان اقتراحا ولا سولا، يقتضي أن يتبع كلّ سابق إليك من الإحسان بلاحق، ويمرع جناب النّعمى لديك عند ذرّ «2» كلّ شارق. وكذلك يرى أن يجدّد لك من تشريفه المنوّر مطالع الفجر، المنوّه بالذّكر في الدهر، الذي لا تزال الهمم العالية تصبو إلى الفوز به وتميل، وتقف عند حدّ الرجاء والتأميل، ما أصحب رسولك المشار إليه لتدّرع من خلاله ما الشّرف الأكبر في مطاويه، وتمتطي من صهوة العزّ فيه ما يبعد على النظراء إدراك مراميه. ويجب أن تتلقى مقدم ذلك عليك بما ينبيء عن اقتران النعمة الغراء فيه، وأقمار أهلّة التوفيق عندك بما تقصد في المعنى وتنتحيه وإذا عاد رسولك إلى باب أمير المؤمنين حسب ما ذكرت، أصدر على يده من ضروب التشريفات ما يقرّ فيك عيون من يودّك، ويقرّ في مغانيك كلّ سعد يوري فيه زندك فاسكن إلى حبائك بالمزيد من كلّ رتبة أهّلت لها، وكن بحيث الظّنّ فيك توقّر عليك أقسام الحمد كلّها، وثق بمترادف آلاء ينضمّ لديك شملها، ويثقل كلّ كاهل حملها، إن شاء الله تعالى.
(6/444)

الطرف التاسع (في الكتب الصادرة عن ولاة العهد بالخلافة)
لم أقف على مكاتبة صريحة التصوير عن ولاة العهد، غير أن الإمام أبا جعفر النحاس «1» في «صناعة الكتّاب» بعد أن ذكر أن صورة المكاتبة عن الخليفة: «من عبد الله أبي فلان فلان الإمام الفلاني إلى فلان» أتبع ذلك بأن قال: وليس أحد من الرؤساء يكاتب عنه بالتصدير إلا الإمام ووليّ العهد، ولم يزد على ذلك. وقد فسّر ابن حاجب النعمان في «ذخيرة الكتاب» التصدير بأن قال: يكتب «من عبد الله أبي فلان فلان» باسمه وكنيته ونعته. ويقال: أمير المؤمنين أبي فلان.
أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو إلى آخره، على ما تقدّم بيانه.
وذكر النحاس في الكلام على العنوان من الرئيس إلى المرؤوس أنه يحذف من الكتاب عن وليّ العهد لفظ الإمام، ولفظ أمير المؤمنين، ويقال فيه:
وليّ العهد. وظاهر ذلك أن المكاتبة عن وليّ العهد مشابهة للمكاتبة عن الخليفة، وأن لفظ وليّ العهد في المكاتبة عنه يقوم مقام أمير المؤمنين في المكاتبة عن الخليفة نفسه، وحينئذ فيتجه أن تكون المكاتبة عنه «من عبد الله أبي فلان فلان المعتضد بالله مثلا وليّ عهد المسلمين. سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله صلّى الله عليه وسلّم. أما بعد: فإن كذا وكذا» ويؤتى على المقصد إلى آخره. وعلى ذلك يدلّ كلام صاحب «ذخيرة الكتّاب» . فإنه قال بعد ذكر المكاتبة عن الخليفة: وكذلك المكاتبة عن وليّ العهد. على أنّ المكاتبة عن وليّ العهد قد بطلت في زماننا جملة.
(6/445)

الطرف العاشر (من المكاتبات عن الخلفاء المكاتبات إلى أهل الكفر)
وكان الرّسم فيها أن يكتب «من فلان إلى فلان» . ويقع التخلّص فيها إلى المقصود ب «أما بعد» . ويختم الكتاب بلفظ «والسّلام على من اتّبع الهدى» . فقد حكى أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» أنه كان على الروم ملكة، وكانت تلاطف الرشيد ولها ابن صغير، فلمّا نشأ فوّضت الأمر إليه فعاث وأفسد، فخافت أمّه على ملك الروم فقتلته، فخرج عليها تقفور ملك الرّوم فقتلها واستولى على ملكها وكتب إلى الرشيد:
«أما بعد، فإنّ هذه المرأة وضعتك موضع الشاه، ووضعت نفسها موضع الرّخّ «1» ، وينبغي أن تعلم أنّي أنا الشاه وأنت الرّخّ. فأدّ إليّ ما كانت المرأة تؤدّي إليك» . فلما قرأ الكتاب، قال لكتّابه أجيبوا عنه، فكتبوا ما لم يرتضه، فكتب هو إليه:
«من عبد الله هارون أمير المؤمنين، إلى تقفور كلب الرّوم. أما بعد، فقد فهمت كتابك، والجواب ما تراه لا ما تسمعه، والسّلام على من اتبع الهدى» .
ويقال: إنه كتب «الجواب ما تراه لا ما تسمعه، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار» . ولا يخفى ما في ذلك من البلاغة مع الإيجاز.
وكما كتب عن الحافظ لدين الله، أحد خلفاء الفاطميين بمصر إلى صاحب صقلّيّة «2» وما معها من ملوك الفرنج:
(6/446)

«من عبد الله ووليّه عبد المجيد أبي الميمون الإمام الحافظ لدين الله أمير المؤمنين، إلى الملك بجزيرة صقلّيّة، وأنكورية وأنطالية وقلّورية وسترلو وملف وما انضاف إلى ذلك، وفّقه الله في مقاصده! وأرشده إلى العمل بطاعته في مصادره وموارده.
سلام على من اتّبع الهدى، وأمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد خاتم النبيّين، وسيد المرسلين، صلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين، الأئمة المهديّين، وسلّم تسليما.
أما بعد، فإنه عرض بحضرة أمير المؤمنين الكتاب الواصل من جهتك، ففضّ ختامه واجتلي، وقريء مضمونه وتلي، ووقعت الإصاخة إلى فصوله، وحصلت الإحاطة بجمله وتفاصيله. والإجابة تأتي على أجمعه، ولا تخلّ بشيء من مستودعه، أما ما افتتحته به من حمد الله تعالى على نعمه، وتوسيعك القول فيما أولاك من إحسانه وكرمه، فإنّ مواهب الله تعالى ومننه التي جعل تواليها اختبار شكر العبد وامتحانه على أنه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور عليم، وهو القائل فيمن أثنى عليهم: أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
«1» لا يزال مضاعفها ومرادفها، ومتبعا سالفها آنفها، وهو يوليها كلّا من عبيده بقدر منزلته عنده، ويخصّ أصفياءه بأوفى مما تمنّاه الآمل المبالغ وودّه. والله تبارك وتعالى يمنح أمير المؤمنين، وآباءه الأئمة الراشدين، ما غدت مستقدمات الحمد والشكر عند لوازمه مستأخرة، إذ كان أفردهم دون الخليقة بأن أعطاهم الدنيا ثم أعطاهم معها الآخرة، واختصّهم من حبائه «2» بما لا يحصيه عدد، وخوّلهم من آلائه بما لا يقوم بشكره أحد.
(6/447)

وأما ما ذكرته من افتتاحك الجزيرة المعروفة بجربة «1» لما شرحته من عدوان أهلها، وعدولهم عن طرق الخيرات وسبلها، واجترائهم في الطّغيان على أسباب لا يجوز التغافل عن مثلها، واستعمالهم الظّلم تمرّدا، وتماديهم في الغيّ تباهيا في الباطل وغلوّا، يأسا من الجزاء لمّا استبطأوه، فإنّ من كانت هذه حالته حقيق أن تكون الرحمة عنه نائية، وخليق أن يأخذه الله من مأمنه أخذة رابية، كما أنه من كان من أهل السلامة، وسالكا سبيل الاستقامة؛ ومقبلا على صلاح شانه، وغير متعدّ للواجب في سرّه وإعلانه؛ تعيّن أن نوفّر من الرعاية سهمه، ونجزل من العناية نصيبه وقسمه، ويؤمّن مما يقلقه ويزعجه، ويقصد بما يسرّه ويبهجه، ويصان عن أن يناله مكروه، ويحمى من أذى يلمّ به ويعروه.
وأما شكرك لوزيرك الأمير تأييد الدولة وعضدها عزّ الملك وفخره نظام الرّياسة، أمير الأمراء، فإنّ من تهذّب بتهذيبك، وتخلّق بأخلاقك وتأدّب بتأديبك، لا ينكر منه إصابة المرامي، ولا يستغرب عنده نجح المساعي.
وواجب عليه أن لا يجعل قلبه إلا مثوى للنصائح، وأن لا يزال عمره بين غاد في المخالصة ورائح.
وأما المركب العروس ووصول كتاب وكيله ذاكرا ما اعتمده مقدّم أسطولك من صونه وحمايته، وحفظه ورعايته، وإعادة ما كان أخذ منه قبل المعرفة بأنه جار في الديوان الخاص الحافظي، ففعل يجمل عنك صدره، ويليق بك أن ينسب إليك ذكره وخبره، ويدلّ على علم أصحابك برأيك وإحكام معاقدة المودّة، ويعرب عن إيثارك إبرازها كلّما تقادم عهدها في ملابس بهجة مستجدّة، وهذا الفعل من خلائقك الرضية غير مستبدع، وقد ذخرت منه عند أمير المؤمنين ما حصل في أعز مقرّ وأكرم مستودع. لا جرم «2» أن أوامره خرجت إلى مقدّمي
(6/448)

أساطيله المظفّرة بما يجنيك ثمرة ما غرسته، ويعلي منار ثنائك الذي قرّرته على أقوى أصل وأسّسته، وقد نفذت مراسيمه بإجرائك على غلاتك المستمرّة في المسامحة بما وجب للديوان عما وصل برسمك على مراكبك، وبرسم الأمير تأييد الدولة وزيرك، والرسولين الواردين عن حق الورود إلى ثغر الإسكندرية حماه الله تعالى، ثم إلى مصر حرسها الله وحقّ الصدور عنهما، وكلّ ما يصل من جهتك فعلى هذه القضية.
وأما شكرك على الأسرى الذين أمر أمير المؤمنين بإطلاقهم إجابة لرغبتك، ورسم بتسييرهم إليك محافظة على مرادك وبغيتك، فأوزعنا شعارهم أنهم عتقاء شفاعتك، وأرقّاء منّتك، فذلك من الدلائل على ما ينطوي عليه من جميل الرأي وكريم النّية، ومن الشواهد بأنه يوجب لك ما لا يوجبه لأحد من ملوك النّصرانية،.
وأما سؤالك الآن في إطلاق من تجدّد أسره، وإنهاؤك أنّ ذلك مما يهمّك أمره، فقد شفّعك أمير المؤمنين بالإجابة إليك على ما ألف من كريم شيمته، وسيّر إليك مع رسولك من تضمّن الثبت ذكر عدّته، وقد علمت ما كان من أمر بهرام ووصوله إلى الدولة الفاطمية خلّد الله ملكها شريدا طريدا، قد نبت به أوطانه، وقذفته دياره، لا مال له ولا حال، ولا عشيرة ولا رجال، فقبلته أحسن قبول، وبلغت به في الإحسان ما يزيد على السّول، وغمرته من الإنعام ما يقصر عن اقتراحه كلّ أمل، وجعلته فواضلها يقلّب الطّرف بين الخيل والخول. وكانت أموره كلّ يوم في نموّ وزيادة، وأحواله توفي على البغية والإرادة، إلى أن جرت نوبة اقتضى التدبير في وقتها أن عدقت به الوزارة، ونيطت به السّفارة، فوسوس له خاطره ما زخرفه البطر وزيّنه، وصوّره الشيطان وحسّنه، وأظهر ما ظهرت أماراته، ووضحت أدلّته وعلاماته، فاستدعى قبيله وأسرته، وجنسه وعشيرته، بمكاتبات منه سرّيّة، وخطوط عثر عليها بالأرمنية، فكانوا يصلون أوّل أوّل، إلى أن اجتمع منهم عشرون ألف رجل من فارس وراجل، ومن جملتهم ابنا أخيه
(6/449)

وغيرهما من أهله، فدلّوه بالغرور، وحملوه على ما قضى بالاستيحاش منه والنّفور، وقوّوا عزمه فيما يؤدّي إلى اضطراب الأحوال واختلال الأمور، فامتعض العساكر المنصورة مما أساء به سياستهم، وأبوا الصبر على ما غيّر به رسمهم وعادتهم. فلما رأى أمير المؤمنين ذلك استعظم الحال فيه، وتيقّن أن التغافل عنه يقتضي بما يعسر استدراكه وتلافيه، فكاتب وليّه وصفيّه الذي ربّي في حجر الخلافة، وسما به استحقاقه إلى أعلى درج الإنافة، وحصلت له الرياسة باكتسابه وانتسابه، وغدا النظر في أمور المملكة لا يصلح لغيره ولا يليق إلا به، السيد الأجلّ الأفضل، وهو يومئذ والي الأعمال الغربية. وصدرت كتب أمير المؤمنين تشعره بهذا الأمر الصّعب، وتستكشف به ما عرا الدولة من هذا الخطب، فأجاب دعاءه، ولبّى نداءه، وقام قيام مثله ممن أجزل الله حظّه من الإيمان، وجعله جلّ وعز حسنة هذا الزمان، واختصّه بعناية قويّة، وأمدّه بموادّ علويّة، وأيّده بإعانة سماويّة، تخرج عن الاستطاعة البشريّة. فجمع الناس وقام خطيبا فيهم، وباعثا لهم على ما يزلفهم عند الله ويحظيهم؛ وموضّحا لهم ما يخشى على الدولة من الأمر المنكر، فاجتمعوا إليه كاجتماعهم يوم المحشر، وغصّت النّجود والأغوار، وامتلأت السّهول والأوعار، وضاقت الأرض على سعتها بالخلائق، وارتفعت في توجّههم لطلب المذكور الأعذار والعوائق. ولم يبق فضاء إلّا وهو بهم شرق «1» ، ولا أحد إلا وهو منزعج بقصده وعلى تأخّر ذلك قلق. وكان بهرام وأصحابه بالإضافة إليهم كالشامة في اللّون البسيط، وكالقطرة في البحر المحيط، وساروا مع السيّد الأجلّ الأفضل نحوه مسارعين، وعلى الانقضاض عليهم متهافتين. فلما شعر بذلك لم يبق له قرار، ولاذ بالهرب والفرار، يهجر المناهل، ويطوي المراحل، ويرى الشّرود غنما، ويعدّ السّلامة حلما. واستقرّت وزارة أمير المؤمنين لهذا السيد الأجلّ الأفضل الذي لم تزل فيه راغبة، وله خاطبة، ونحو تولّيه إيّاها متطلّعة، وإلى نظره فيها مبادرة متسرّعة،
(6/450)

ولم تنفكّ لزينة دستها مستبطئة، وفي التلهّف على تأخّر ذلك معيدة مبدئة، فأحسن إلى الكافّة قولا وفعلا، وعمل في حقّ الدولة ما لم يجعل له في الوزراء شبها ولا في الملوك العظماء مثلا، وغدا للملّة الحنيفيّة حجّة وبرهانا، وأولى الأولياء إعزازا وتكريما والأعداء إذلالا وإهوانا. وصان الخلافة عن نفاذ حيلة، وتمام غيلة، ومخادعة ماكر، ومخاتلة غادر؛ فلذلك انتضاه أمير المؤمنين حساما باترا ماضي الغرار، واجتباه هماما في المصالح لا يطعم جفنه غير الغرار، واصطفاه خليلا وظهيرا لتساوي باطنه وظاهره في الصّفاء، واستخلصه لنفسه لمفاخره الجمّة التي ليس بها من خفاء. وانتظمت الأمور بكفالته في سلك الوفاق، وعمّت الخيرات بوزارته عموم الشمس بأنوارها جميع الآفاق، فسعدت بنظره الجدود، وتظاهرت ببركاته الميامن والسّعود. وأصبح غصن المعالي بيمنه مورقا، وعلى الملّة من يمن آرائه تمائم من مسّ الحوادث ورقى، فآثاره توفي على ضياء الصّباح، وعزماته تزري بمضاء المهندة الصّفاح، ومآثره تفوت شأو الثناء وغاية الامتداح. فالله تعالى يحفظ النعمة على الخلافة الحافظيّة، ويوزع شكره على سبوغها كافّة البريّة؛ بكرمه وفضله، ومنّه وطوله.
ولما أمعن بهرام في الهرب، وجدّت العساكر المنصورة وراءه في الطّلب، وضاقت عليه المسالك، وتيقّن أنه في كل وجهة يقصدها هالك، عاد لمكارم الدولة وعواطفها، وسأل أمانا على نفسه من متالفها، فشملته الرحمة، وكتب له الأمان فعاودته النّعمة، واختلط برجال العساكر المنصورة، وصار حظّه بعد أن كان مبخوسا من الحظوظ الموفورة.
وأما اعتذار الكاتب عما وجّه إليه بأنّ من الكلام ما إذا نقل من لغة إلى لغة أخرى اضطرب مبناه فاختلّ معناه، ولا سيما إن غرس فيه لفظ ليس في إحدى اللّغتين سواه، فقد أبان فيما نسب إليه السهو فيه عن وضوح سببه، وقد قبل عذره ولم تفكّ يده عن التمسّك به.
وأما ما سيّرته إلى خزائن أمير المؤمنين تحفة وهديّة، وأبنت به عن همّة
(6/451)

بدواعي المجد مليّة، فإنه وصل وتسلّم كلّ صنف منه متولّي الخزائن المختصة به بعد عرضه على الثّبت المعطوف كتابك عليه وموافقته، وقد أجري رسولك في إكرامه وملاحظته على أفضل ما يعتمد مع مثله بمنزلة من ورد من جهته، وعلى قدر من وصل برسالته. وقد سيّر أمير المؤمنين من أمراء دولته، ووجوه المقدّمين بحضرته، الأمير المؤتمن، المنصور، المنتخب، مجد الخلافة، تاج المعالي، فخر الملك، موالي الدولة وشجاعها، ذا النّجابتين، خالصة أمير المؤمنين، أبا منصور جعفرا الحافظيّ رسولا بهذه الإجابة؛ لما هو معروف من سداده، وموصوب من مستوفق قصده ومستصوب اعتماده، وألقي إليه ما يذكره ويشرحه، وعوّل عليه فيما يشافه به ويوضّحه، وأصحبه من سجاياه وألطافه، ما تضمّنه الثبت الواصل على يده، إبانة لمحلّك عنده، وموقفك منه، ومكانك لديه. وأمير المؤمنين متطلّع إلى ورود كتبك متضمنة من سارّ أنبائك وطيب أخبارك ما يسكن إلى معرفته ويثق بعلم حقيقته. فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى.
(6/452)

الفصل الثالث من باب الثاني من المقالة الرابعة (في المكاتبات الصادرة عن الملوك ومن في معناهم مما الجاري عليه الحال في زماننا، وهو على قسمين)
القسم الأوّل (المكاتبات الصادرة عن الملوك إلى أهل الإسلام، وفيه أطراف)
الطرف الأوّل (في مكاتباتهم إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفيه ثلاث جمل)
الجملة الأولى (في ترتيب كتبهم إليه صلّى الله عليه وسلّم على سبيل الإجمال)
كانت أمراء سراياه صلّى الله عليه وسلّم ومن أسلم من الملوك تفتتح المكاتبة إليه صلّى الله عليه وسلّم باسمه صلّى الله عليه وسلّم، ويثنّون بأنفسهم، ويأتون بالتحميد والسّلام عليه صلّى الله عليه وسلّم، ويتخلّصون إلى المقصود «بأما بعد» أو بغيرها، ويختمون بالسلام. وملوك الكفر يبدأون بأنفسهم؛ وربما بدأوا باسمه صلّى الله عليه وسلّم. وكان المكتوب عنه منهم يعبّر عن نفسه بلفظ الإفراد. مثل: أنا، ولي، وقلت، وفعلت. وربما عبّر بعض الملوك عن نفسه بنون الجمع. ثم إن كان المكتوب عنه مسلما، خاطبه صلّى الله عليه وسلّم بلفظ الرّسالة والنّبوّة مع كاف الخطاب وتاء المخاطب؛ وإن كان كافرا، خاطبه بالكاف والتاء المذكورتين، وربما خاطبه باسمه. فإن كان المكتوب عنه مسلما ختم الكتاب بالسلام عليه صلّى الله عليه وسلّم.
(6/453)

أما عنونة هذه الكتب، فيظهر أنها إن افتتحت باسمه صلّى الله عليه وسلّم، وثنّي باسم المكتوب إليه عنونت كذلك، فكتب في الجانب الأيمن «لمحمد رسول الله» أو نحو ذلك، وفي الجانب الأيسر «من فلان» وإن كانت ممن يفتتح المكاتبة باسم نفسه عنونت على العكس من ذلك.
الجملة الثانية (في صورة مكاتبتهم إليه صلّى الله عليه وسلّم)
[وفيه أسلوبان:
الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة باسم المكتوب إليه)
] «1» كما كتب خالد بن الوليد رضي الله عنه إليه صلّى الله عليه وسلّم بإسلام بني الحارث، بالكتاب الذي تقدّمت إجابته صلّى الله عليه وسلّم عنه، وهو على ما ذكره ابن هشام في «السّيرة» .
«لمحمد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رسول الله من خالد بن الوليد:
السّلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد يا رسول الله، صلّى الله عليك فإنّك بعثتني إلى بني الحارث ابن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيّام، وأن أدعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا قبلت منهم «2» وعلّمتهم معالم الإسلام ثلاثة «3» أيام وكتاب الله وسنّة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم. وإني قدمت إليهم «4» فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة
(6/454)

أيّام كما أمر «1» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبعثت فيهم كتابا «2» : يا بني الحارث، أسلموا تسلموا. فأسلموا ولم يقاتلوا وأنا مقيم بين أظهرهم، آمرهم بما أمر الله به، وأنهاهم عمّا نهاهم الله عنه، وأعلّمهم معالم الإسلام وسنّة النبيّ حتّى يكتب إليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. والسّلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته!» .
وكما كتب النجاشيّ ملك الحبشة إليه صلّى الله عليه وسلّم في جواب كتابه صلّى الله عليه وسلّم إليه.
ونسخته على ما ذكره ابن إسحاق:
«إلى محمد رسول الله، من النجاشيّ أصحمة، سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الذي لا إله إلا هو، الذي هداني للإسلام.
أما بعد، فقد بلغني كتابك يا رسول الله؛ فما ذكرت من أمر عيسى فوربّ السّماء والأرض إنّ عيسى عليه السّلام ما يزيد على ما ذكرت ثفروقا «3» ، إنه لكما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقدم ابن عمّك وأصحابه (وفي رواية:
وقد قرّبنا ابن عمّك وأصحابه) وأشهد أنك رسول الله [صادقا مصدّقا] ، وقد بايعتك وبايعت ابن عمّك، وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين. وقد بعثت إليك بابني، وإن شئت أتيك [بنفسي] «4» فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أنّ ما تقوله حقّ، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته» .
وكما كتب المقوقس صاحب مصر إليه صلّى الله عليه وسلّم جواب كتابه الوارد عليه منه في
(6/455)

رواية ذكرها ابن عبد الحكم، وهو:
«لمحمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك.
أما بعد، فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه. وقد علمت أنّ نبيّا قد بقي وكنت أظنّ أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسّلام عليك» .
ولم يزد على هذا. وزاد غيره أنّ في أوّل الكتاب «بسم الله الرحمن الرحيم» . وذكر الواقديّ: أن في كتابه إليه:
باسمك اللهم، من المقوقس إلى محمد.
أما بعد، فقد بلغني كتابك وفهمته وأنت تقول إنّ الله أرسلك رسولا، وفضّلك تفضيلا، وأنزل عليك قرآنا مبينا، فكشفنا عن خبرك فوجدناك أقرب داع دعا إلى الله، وأصدق من تكلّم بالصّدق، ولولا أنّي ملكت ملكا عظيما، لكنت أوّل من آمن بك، لعلمي أنك خاتم النبيين وإمام المرسلين. والسّلام عليك منّي إلى يوم الدّين.
الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة باسم المكتوب عنه)
كما كتب مسيلمة «1» الكذّاب إليه صلّى الله عليه وسلّم الكتاب الذي تقدّمت إجابته صلّى الله عليه وسلّم في المكاتبات الصادرة عنه، وهو:
«من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله «2» .
أما بعد، فإنّي قد أشركت في الأمر معك، إنّ لنا نصف الأرض ولقريش
(6/456)

نصف الأرض، ولكنّ قريشا قوم يعتدون» .
الجملة الثالثة (في المكاتبات التي كتبت إليه قبل ظهوره صلّى الله عليه وسلّم وبعد وفاته)
أما الكتب التي كتبت إليه صلّى الله عليه وسلّم قبل ظهوره، فقد حكى «صاحب الهناء الدائم بمولد أبي القاسم» أن تبّعا الأوّل حين مرّ بموضع المدينة النبويّة، على ساكنها أفضل الصلاة والسّلام والتحية والإكرام، أخبره من معه من علماء أهل الكتاب أنّ هذا الموضع مهاجر نبيّ يخرج في آخر الزمان، فعمر هناك مدينة وأسكن فيها جماعة من العلماء، وكتب إليه كتابا فيه:
«أما بعد، يا محمد، فإنّي آمنت بك وبربّك وربّ كلّ شيء، وبكتابه الذي ينزله عليك وأنا على دينك، وسنّتك، آمنت بربّك وربّ كلّ شيء، وبكل ما جاء من ربّك من شرائع الإسلام والإيمان، وإني قلت ذلك، فإن أدركتك فبها ونعمت، وإن لم أدركك فاشفع فيّ يوم القيامة ولا تنسني فإني من أمّتك الأوّلين، وتابعتك قبل مجيئك وقبل أن يرسلك الله، وأنا على ملّتك وملّة أبيك إبراهيم» «1» .
وختم الكتاب. ونقش عليه «لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله» .
وكتب عنوانه: «إلى محمد بن عبد الله خاتم المرسلين ورسول رب العالمين صلّى الله عليه، من تبّع الأوّل حمير، أمانة الله في يد من وقع إليه أن يدفعه إلى صاحبه» .
ودفعه إلى رئيس العلماء الذين رتّبهم بالمدينة، فبقي عنده وعند بنيه يتداولونه واحدا بعد واحد، حتّى هاجر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة، فلقيه الذي صار
(6/457)

الكتاب إليه يومئذ من بني ذلك العالم في طريق المدينة ودفع إليه الكتاب.
وأما الكتب التي تكتب إليه صلّى الله عليه وسلّم بعد وفاته، فقد جرت عادة الأمّة من الملوك وغيرهم بكتابة الرسائل إليه صلّى الله عليه وسلّم بعد وفاته بالسلام والتحيّة والتوسّل والتشفّع به إلى الله تعالى في المقاصد الدّنيويّة والأخرويّة، وتسييرها إلى تربته صلّى الله عليه وسلّم. وأكثر الناس معاطاة لذلك أهل المغرب لبعد بلادهم، ونزوح أقطارهم.
ومن أحسن ما رأيت في هذا المعنى ما كتب به ابن «1» الخطيب وزير ابن الأحمر بالأندلس وصاحب ديوان إنشائه عن سلطانه يوسف «2» بن فرج بن نصر:
(طويل) .
إذا فاتني ظلّ الحمى ونعيمه ... كفاني وحسبي أن يهبّ نسيمه «3»
ويقنعني أنّي به متكيّف ... فزمزمه دمعي، وجسمي حطيمه
«4»
(6/458)

يعود فؤادي ذكر من سكن الغضا «1» ... فيقعده فوق الغضا ويقيمه
ولم أر شيئا كالنّسيم إذا سرى ... شفى سقم القلب المشوق سقيمه
نعلّل بالتّذكار نفسا مشوقة ... ندير عليها كأسه ونديمه «2»
وما شفّني بالغور رند «3» مرنّح ... ولا شاقني من وحش وجرة ريمه
ولا سهرت عيني لبرق ثنيّة ... من الثّغر يبدو موهنا فأشيمه
براني شوق للنّبيّ محمد ... يسوم فؤادي برحه ما يسومه
ألا يا رسول الله ناداك ضارع ... على البعد «4» محفوظ الوداد سليمه
مشوق إذا ما اللّيل مدّ رواقه ... تهمّ به تحت الظّلام همومه
إذا ما حديث عنك جاءت به الصّبا ... شجاه من الشّوق الحديث «5» قديمه
أيجهر بالنّجوى، وأنت سميعها ... ويشرح ما يخفى، وأنت عليمه «6» ؟
وتعوزه السّقيا، وأنت غياثه؟ ... وتتلفه البلوى، وأنت رحيمه «7» ؟
بنورك نور الله قد أشرق الهدى ... فأقماره وضّاحة ونجومه
بك انهلّ فضل الله في الأرض ساكبا «8» ... فأنواؤه ملتفّة وغيومه
ومن فوق أطباق السماء بك اقتدى ... خليل الّذي أوطاكها وكليمه «9»
(6/459)

لك الخلق الأرضى الّذي بان فضله ... ومجّد في الذّكر العظيم عظيمه «1»
يجلّ مدى علياك عن مدح مادح ... فموسر درّ القول فيك عديمه
ولي يا رسول الله فيك وراثة ... ومجدك لا ينسى الذّمام كريمه «2»
وعندي إلى أنصار دينك نسبة ... هي الفخر لا يخشى انتقالا مقيمه
وكان بودّي أن أزور مبوّءا ... بك افتخرت أطلاله ورسومه
وقد يجهد الإنسان طرف اعتزامه ... ويعوزه من بعد ذاك مرومه
وعذري في تسويف عزمي ظاهر ... إذا ضاق عذر العزم عمّن يلومه «3»
عدتني بأقصى الغرب عن تربك العدا «4» ... جلالقة الثّغر الغريب ورومه
أجاهد منهم في سبيلك أمّة ... هي البحر يعيي أمرها من يرومه «5»
فلولا اعتناء منك يا ملجأ الورى «6» ... لريع حماه واستبيح حريمه
فلا تقطع الحبل الذي قد وصلته ... فمجدك موفور النّوال عميمه
وأنت لنا الغيث الذي نستدرّه ... وأنت لنا الظّلّ الذي نستديمه
ولمّا نأت داري وأعوز مطمعي ... وأقلقني شوق تشبّ جحيمه
بعثت بها جهد المقلّ معوّلا ... على مجدك الأعلى الذي جلّ خيمه «7»
[وكلت بها همّي وصدق قريحتي ... فساعدني هاء الرويّ وميمه
«8» ]
(6/460)

فلا تنسني يا خير من وطيء الثّرى ... فمثلك لا ينسى لديه خديمه
عليك صلاة الله ما ذرّ «1» شارق ... وما راق من وجه الصّباح وسيمه
«2» «إلى رسول الحقّ، إلى كافّة الخلق، وغمام الرحمة الصادق البرق، والحائز «3» في ميدان اصطفاء الرحمن قصب السّبق، خاتم الأنبياء، وإمام ملائكة السماء، ومن وجبت له النبوّة وآدم بين الطّين والماء، شفيع أرباب الذّنوب، وطبيب أدواء القلوب، ووسيلة الخلق إلى «4» علّام الغيوب، نبيّ الهدى الذي طهّر قلبه، وغفر ذنبه، وختم به الرسالة ربّه، وجرى في النّفوس مجرى الأنفاس حبّه، [الشّفيع] «5» المشفّع يوم العرض، المحمود في ملإ السماء والأرض، صاحب اللّواء المنشور يوم النّشور، والمؤتمن على سرّ الكتاب المسطور، ومخرج الناس من الظّلمات إلى النّور، المؤيّد بكفاية الله وعصمته، الموفور حظّه من عنايته وحرمته «6» ، الظّلّ الخفّاق على أمّته، من لو حازت الشمس بعض كماله ما عدمت إشراقا، أو كان للآباء رحمة قلبه ذابت نفوسهم إشفاقا، فائدة الكون ومعناه وسرّ الوجود الذي بهر «7»
الوجود سناه، وصفيّ حضرة القدس الذي لا ينام قلبه إذا نامت عيناه، البشير الذي سبقت له البشرى، ورأى من آيات ربّه الكبرى، ونزل فيه سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى
«8» من الأنوار من عنصر نوره مستمدّة، والآثار تخلق وآثاره مستجدّة، من طوي بساط الوحي لفقده، وسدّ باب الرسالة والنّبوّة من بعده، وأوتي جوامع الكلم فوقفت
(6/461)

البلغاء حسرى دون حدّه، الذي انتقل في الغرر الكريمة نوره، وأضاءت لميلاده مصانع الشام وقصوره، وطفقت الملائكة تحيّيه «1» وفودها وتزوره، وأخبرت الكتب المنزّلة على الأنبياء بأسمائه وصفاته، وأخذ عهد الأنبياء «2» به على من اتصلت بمبعثه منهم أيام حياته، المفزع الأمنع يوم الفزع الأكبر، والسند المعتمد عليه في أهوال المحشر، ذي «3» المعجزات التي أثبتتها المشاهدة والحسّ، وأقرّ بها الجنّ والإنس، من جماد يتكلّم، وجذع لفراقه يتألّم، وقمر له ينشقّ وشجر «4» يشهد أنّ ما جاء به هو الحقّ، وشمس بدعائه عن مسيرها تحبس، وماء من بين أصابعه يتبجّس، وغمام باستسقائه يصوب، وطوى بصق في أجاجها «5» فأصبح ماؤها وهو العذب المشروب، المخصوص بمناقب الكمال وكمال المناقب، المسمّى بالحاشر العاقب، ذي «6» المجد البعيد المرامي والمراقب، أكرم من رفعت إليه وسيلة المعترف المغترب، ونجحت لديه قربة البعيد «7» والمقترب، سيد الرّسل محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، الذي فاز بطاعته المحسنون، واستنقذ بشفاعته المذنبون، وسعد باتّباعه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، صلّى الله عليه وسلّم ما لمع برق وهمع «8» ودق، وطلعت شمس، ونسخ اليوم أمس:
«من عتيق شفاعته، وعبد طاعته، المعتصم بسببه، المؤمن بالله ثم به، المستشفي بذكره كلّما تألّم، المفتتح بالصلاة عليه كلّما تكلّم، الذي إن ذكر
(6/462)

تمثّل طلوعه بين أصحابه وآله، وإن هبّ النّسيم العاطر وجد فيه طيب خلاله، وإن سمع الأذان تذكّر صوت بلاله «1» ، وإن ذكر القرآن استشعر تردّد جبريل بين معاهده وحلاله، [لاثم تربه، ومؤمّل قربه، ورهين طاعته وحبّه] «2» المتوسل به إلى رضى ربه، يوسف بن إسماعيل بن نصر:
«كتبته «3» يا رسول الله والدّمع ماح، وخيل الوجد ذات جماح، عن شوق يزداد كلّما نقص الصّبر، وانكسار لا يتاح له إلا بدنوّ مزارك الجبر، وكيف لا يعنى مشوقك بالأمر، ويوطيء «4» على كبده الجمر، وقد مطلت الأيام بالقدوم على تربتك «5» المقدّسة اللّحد. ووعدت الآمال ودانت بإخلاف الوعد، وانصرفت الرّفاق والعين بنور ضريحك ما اكتحلت، والركائب إليك ما رحلت، والعزائم قالت وما فعلت، والنّواظر في تلك المشاهد الكريمة لم تسرح، وطيور الآمال عن وكور العجز لم تبرح؛ فيا لها من معاهد فاز من حيّاها، ومشاهد ما أعطر ريّاها، بلاد نيطت بها عليك التّمائم، وأشرقت بنورك منها النّجود والتّهائم، ونزل في حجراتها عليك الملك، وانجلى بضياء فرقانك فيها الحلك، مدارس الآيات والسّور، ومطالع المعجزات السافرة الغرر، حيث قضيت الفروض وحتمت وافتتحت سورة الوحي وختمت، وابتدئت الملّة الحنيفيّة وتمّمت، ونسخت الآيات وأحكمت. أما والذي بعثك بالحقّ هاديا، وأطلعك للخلق نورا باديا، لا يطفيء غلّتي إلا شربك، ولا يسكّن لوعتي إلا قربك؛ فما أسعد من أفاض من حرم الله إلى حرمك وأصبح بعد أداء ما فرضت
(6/463)

عن الله ضيف كرمك، وعفّر الخدّ في معاهدك ومعاهد أسرتك، وتردّد ما بين داري بعثتك وهجرتك! وإنّي لمّا عاقتني عن زيارتك العوائق وإن كان شغلي عنك بك، وعدتني الأعداء فيك عن وصل سببي بسببك وأصبحت ما بين بحر تتلاطم أمواجه، وعدوّ تتكاثف أفواجه، ويحجب الشمس عند الظهيرة عجاجه في طائفة من المؤمنين بك وطّنوا على الصّبر نفوسهم، وجعلوا التوكّل على الله وعليك لبوسهم «1» ، ورفعوا إلى مصارختك رؤوسهم، واستعذبوا في مرضاة الله تعالى ومرضاتك بوسهم، يطيرون من هيعة إلى أخرى، ويتلفّتون والمخاوف يمنى «2» ويسرى، ويقارعون وهم الفئة القليلة جموعا كجموع قيصر وكسرى، لا يبلغون من عدوّ كالذّرّ عند انتشاره معشار معشاره «3» ، قد باعوا من الله تعالى الحياة الدّنيا، لأن تكون كلمة الله تعالى هي العليا، فيا له من سرب مروع، وصريخ إلا عنك «4» ممنوع، ودعاء إلى الله وإليك مرفوع وصبية حمر الحواصل، تخفق فوق أوكارها أجنحة المناصل، والصليب قد تمطّى ومدّ «5» ذراعيه، ورفعت الأطماع بضبعيه، وقد حجبت بالقتام السّماء، وتلاطمت أمواج الحديد، والبأس الشديد فالتقى الماء، ولم يبق إلا الذّماء «6» ، وعلى ذلك فما ضعفت البصائر ولا ساءت الظّنون، وما وعد به الشهداء تعتقده القلوب حتّى تكاد تراه»
العيون، إلى أن نلقاك غدا إن شاء الله تعالى وقد أبلينا العذر، وأرغمنا الكفر، وأعملنا في سبيل
(6/464)

الله وسبيلك البيض «1» والسّمر.
استنبت «2» رقعتي هذه لتطير إليك [من شوقي «3» ] بجناح خافق، وتسعد من نيّتي التي تصحبها برفيق موافق، فتؤدّي عن عبدك وتبلّغ، وتعفّر الخدّ في تربتك «4» وتمرّغ، وتطيب بريّا معاهدك الطاهرة وبيوتك، وتقف وقوف الخشوع «5» والخضوع تجاه تابوتك، وتقول بلسان التملّق، عند التشبّث بأسبابك والتعلّق، منكسرة الطّرف، حذرا بهرجها من عدم الصّرف: يا غياث الأمّة، وغمام الرحمة، إرحم غربتي وانقطاعي، وتغمّد بطولك قصر باعي، وقوّ على هيبتك خور طباعي. فكم جزت من لجّ مهول، وجبت من حزون وسهول، وقابل بالقبول نيابتي، وعجّل بالرّضا إجابتي. ومعلوم من كمال تلك الشّيم، وسجايا تيك الدّيم، أن لا تخيّب «6» قصد من حطّ بفنائها، ولا يظمأ وارد أكبّ على إنائها.
اللهم، يا من جعلته أوّل الأنبياء بالمعنى وآخرهم بالصّورة، وأعطيته لواء الحمد يسير آدم فمن دونه تحت ظلاله المنشورة، وملّكت أمّته ما زوي له من زوايا البسيطة المعمورة، وجعلتني من أمّته المجبولة على حبّه المفطورة، وشوّقتني إلى معاهده المبرورة، ومشاهده المزورة، ووكلت لساني بالصلاة عليه، وقلبي بالحنين إليه، ورغّبتني بالتماس ما لديه، فلا تقطع عنه أسبابي، ولا تحرمني «7» في حبّه أجر ثوابي، وتداركني بشفاعته يوم أخذ كتابي.
(6/465)

هذه، يا رسول الله، وسيلة من بعدت داره، وشطّ مزاره، ولم يجعل بيده اختياره. فإن لم يكن «1» للقبول أهلا فأنت للإغضاء والسّماح أهل، وإن كانت ألفاظها وعرة فجنابك للقاصدين سهل، وإذا «2» كان الحبّ يتوارث كما أخبرت، والعروق تدسّ حسب ما إليه أشرت؛ فلي بانتسابي إلى سعد عميد أنصارك مزيّة، ووسيلة أثيرة خفيّة، وإن «3» لم يكن لي عمل ترتضيه فلي نيّة. فلا تنسني ومن بهذه الجزيرة المفتتحة بسيف كلمتك، على أيدي خيار أمّتك، فإنما نحن بها وديعة تحت بعض أقفالك، نعوذ بوجه ربّك من إغفالك، ونستنشق من ريح عنايتك نفحة، ونرتقب من نور «4» محيّا قبولك لمحة، ندافع بها عدوّا طغى وبغى، وبلغ من مضايقتنا ما ابتغى. فمواقف التمحيص قد أعيت من كتب وورّخ، والبحر قد أصمت من استصرخ، والطاغية في العدوان مستبصر، والعدوّ محلّق والوليّ مقصّر. وبجاهك ندفع ما لا نطيق، وبعنايتك نعالج سقيم الدّين فيفيق، فلا تفردنا ولا تهملنا، وناد ربّك فينا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا «5»
، وطوائف أمتك حيث كانوا عناية منك تكفيهم، وربّك يقول لك وقوله الحقّ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
«6» ، والصلاة والسّلام عليك يا خير من طاف وسعى، وأجاب داعيا إذا دعا، وصلّى الله على جميع أحزابك وآلك، صلاة تليق بجلالك، وتحقّ لكمالك، وعلى ضجيعيك وصديقيك، وحبيبيك ورفيقيك، خليفتك في أمتك، وفاروقك المستخلف بعده على جلّتك، وصهرك ذي النّورين المخصوص ببرّك ونحلتك، وابن عمك سيفك المسلول على حلتك،
(6/466)

بدر سمائك ووالد أهلّتك، والسلام الكريم عليك وعليهم [كثيرا أثيرا «1» ] ورحمة الله وبركاته.
من «2» حضرة جزيرة الأندلس غرناطة صانها الله ووقاها، ودفع عنها ببركتك كيد عداها.
الطرف الثاني (في المكاتبات الصادرة عن الأمراء من العمّال وأمراء السّرايا، إلى الخلفاء من الصحابة رضوان الله عليهم، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في ترتيب هذه المكاتبات على سبيل الإجمال)
كانت المكاتبة إليهم تفتتح تارة بلفظ «من فلان إلى فلان» ويؤتى في الصدر بالسلام والتحميد على نحو ما تقدّم في المكاتبة عن الخلفاء. ويقع التخلّص إلى المقصود ب «أما بعد» وتارة يقع الافتتاح ب «أما بعد» ويؤتى بالمقصود تلو ذلك، ويعبّر المكتوب عنه فيها عن نفسه بلفظ الإفراد، وعن الخليفة بأمير المؤمنين، وتختم بالسلام على أمير المؤمنين.
الجملة الثانية (في صورة هذه المكاتبات، وهي على أسلوبين كما تقدّمت الإشارة إليه)
الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «لفلان من فلان» )
وكان الرسم فيها أن يكتب: «لعبد الله فلان أمير المؤمنين، سلام عليك
(6/467)

فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو أما بعد فإنّ كذا» .
كما كتب عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في جواب الكتاب منه إليه المقدّم ذكره في المكاتبة عن الخلفاء من الصحابة،