Advertisement

صبح الأعشى في صناعة الإنشاء 007

المجلد السابع
بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
[تتمة المقالة الرابعة]
[تتمة الباب الثاني]
[تتمة الفصل الثالث]
[تتمة القسم الاول]
الطّرف العاشر في المكاتبات «1» الصادرة عن ملوك الديار المصرية (ولها حالتان)
الحالة الأولى (ما كان الأمر عليه قبل دولة الخلفاء الفاطميين بها في الدولة الأخشيدية والطّولونيّة وما قبلهما)
والذي وقفت عليه من رسم المكاتبة عنهم أن تفتتح بلفظ: «من فلان إلى فلان» . كما كتب ابن عبد كان «2» عن أحمد بن طولون إلى ابنه العباس حين
(7/3)

عصى «1» [عليه] «2» بالإسكندرية، منذرا له وموبّخا له على فعله، وهو:
«من أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين «3» ، إلى الظالم لنفسه، العاصي لربه، الملمّ بذنبه، المفسد لكسبه؛ العادي لطوره «4» ، الجاهل لقدره؛ الناكص على عقبه، المركوس «5» في فتنته، المبخوس [من] «6» حظّ دنياه وآخرته» !.
سلام على كل منيب مستجيب؛ تائب من قريب، قبل الأخذ بالكظم «7» ، وحلول الفوت والنّدم.
وأحمد الله الذي لا إله إلا هو حمد معترف له بالبلاء الجميل، والطّول الجليل؛ وأسأله مسألة مخلص في رجائه، مجتهد في دعائه؛ أن يصلي على محمد المصطفى، وأمينه المرتضى ورسوله المجتبى، صلّى الله عليه وسلّم.
أما بعد، فإن مثلك مثل البقرة تثير المدية بقرنيها، والنملة يكون حتفها في جناحيها، وستعلم- هبلتك الهوابل «8» ! أيّها الأحمق الجاهل؛ الذي ثنى على الغيّ عطفه، واغتر بضجاج المواكب خلفه- أيّ موردة هلكة بإذن الله تورّدت، إذ على الله جل وعز تمرّدت وشردت، فإنه تبارك وتعالى قد ضرب لك في كتابه مثلا:
قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا
(7/4)

اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
«1» وإنا كنّا نقرّبك إلينا، وننسبك إلى بيوتنا؛ طمعا في إنابتك، وتأميلا لفيئتك «2» ؛ فلمّا طال في الغيّ انهماكك، وفي غمرة الجهل ارتباكك؛ ولم نر الموعظة تلين كبدك، ولا التذكير يقيم أودك «3» ، لم تكن لهذه النّسبة أهلا، ولا لإضافتك إلينا موضعا ومحلّا؛ بل لا نكنى بأبي العبّاس إلا تكرّها وطمعا بأن يهب الله منك خلفا نقلده اسمك ونكنى به دونك، ونعدّك كنت نسيا منسيّا، ولم تك شيئا مقضيّا؛ فانظر ولا نظر بك إلى عار نسبته تقلّدت، وسخط من قبلنا تعرّضت، واعلم أن البلاء بإذن الله قد أظلّك، والمكروه إن شاء الله قد أحاط بك؛ والعساكر بحمد الله قد أتتك كالسّيل في الليل، تؤذنك بحرب وبويل؛ فإنّا نقسم، ونرجو أن لا نجور ونظلم، أن لا نثني عنك عنانا، ولا نؤثر على شانك شانا؛ ولا تتوقّل «4» ذروة جبل، ولا تلج بطن واد؛ إلا جعلناك «5» بحول الله وقوته فيهما، وطلبناك حيث أمّمت منهما؛ منفقين فيك كلّ مال خطير، ومستصغرين بسببك كلّ خطب جليل، حتّى تستمرّ من طعم العيش ما استحليت، وتستدفع من البلايا ما استدعيت؛ حين لا دافع بحول الله عنك، ولا مزحزح لنا عن ساحتك؛ وتعرف من قدر الرّخاء ما جهلت، وتودّ أنك هبلت ولم تكن بالمعصية عجلت، ولا رأي من أضلّك من غواتك قبلت؛ فحينئذ يتفرّى «6» لك الليل عن صبحه، ويسفر لك الحقّ عن محضه؛ فتنظر بعينين لا غشاوة عليهما، وتسمع بأذنين لا وقر «7» فيهما؛ وتعلم أنك كنت متمسّكا بحبائل غرور، متماديا في مقابح أمور: من عقوق لا ينام طالبه،
(7/5)

وبغي لا ينجو هاربه؛ وغدر لا ينتعش صريعه، وكفران لا يودى «1» قتيله؛ وتقف على سوء رويّتك، وعظم جريرتك؛ في تركك قبول الأمان إذ هو لك مبذول، وأنت عليه محمول؛ وإذ السيف عنك مغمود، وباب التوبة إليك مفتوح؛ وتتلهّف والتلهّف غير نافعك إلا أن تكون أجبت إليه مسرعا، وانقدت إليه منتصحا.
وإن مما زاد في ذنوبك عندي ما ورد به كتابك عليّ بعد نفوذي على الفسطاط من التّمويهات والأعاليل «2» ، والعدات بالأباطيل، من مصيرك بزعمك إلى إصلاح ما ذكرت أنه فسد عليّ، حتى ملت إلى الإسكندرية، فأقمت بها طول هذه المدّة؛ واستظهارا عليك بالحجّة، وقطعا لمن عسى أن يتعلّق به معذرة علم بأن الأناة غير صادّة، ولا أنّه خالجني شكّ ولا عارضني ريب في أنك إنما أردت النّزوح والاحتيال للهرب، والنّزوع إلى بعض المواضع التي لعلّ قصدك إيّاها يوديك «3» ، ولعل مصيرك إليها يكفينيك؛ ويبلّغ إليّ أكثر من الإرادة فيك، لأنك إن شاء الله لا تقصد موضعا إلا تلوتك، ولا تأتي بلدا إلا قفوتك؛ ولا تلوذ بعصمة تظنّ أنها تنجيك إلا استعنت بالله عز وجلّ في جدّ «4» حبلها؛ وفصم عروتها؛ فإنّ أحدا لا يؤوي مثلك ولا ينصره إلا لأحد أمرين من دين أو دنيا. فأما الدّين فأنت خارج من جملته لمقامك على العقوق، ومخالفة ربّك وإسخاطه. وأما الدّنيا فما أراه بقي معك من الحطام الذي سرقته وحملت نفسك على الإيثار به، ما يتهيّأ لك مكاثرتنا بمثله، مع ما وهب الله لنا من جزيل النعمة التي نستودعه تبارك وتعالى إيّاها، ونرغب إليه في إنمائها، إلى ما أنت مقيم عليه من البغي الذي هو صارعك، والعقوق الذي هو طالبك.
(7/6)

وأمّا ما منّيتناه من مصيرك إلينا في حشودك وجموعك، ومن دخل في طاعتك؛ لإصلاح عملنا، ومكافحة أعدائنا؛ بأمر أظهروا فيه الشماتة بنا، فما كان إلا بسببك فأصلح أيها الصبيّ الأخرق أمر نفسك قبل إصلاحك عملنا، واحزم في أمرك قبل استعمالك الحزم لنا؛ فما أحوجنا الله وله الحمد إلى نصرتك وموازرتك، ولا اضطررنا إلى التكثر [بك] على شقاقك ومعصيتك: وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
«1» وليت شعري على من تهوّل بالجنود، وتمخرق «2» بذكر الجيوش؛ ومن هؤلاء المسخّرون لك، الباذلون دماءهم وأموالهم وأديانهم دونك؟ دون رزق ترزقهم إيّاه، ولا عطاء تدرّه عليهم؛ فقد علمت إن كان لك تمييز، أو عندك تحصيل؛ كيف كانت حالك في الوقعة التي كانت بناحية أطرابلس «3» ، وكيف خذلك أولياؤك والمرتزقة معك حتّى هزمت، فكيف تغترّ بمن معك من الجنود الذي لا اسم لهم معك؛ ولا رزق يجري لهم على يدك؟ فإن كان يدعوهم إلى نصرتك هيبتك والمداراة لك والخوف من سلطانك، فإنهم ليجذبهم أضعاف ذلك منّا، ووجودهم من البذل الكثير والعطاء الجزيل عندنا ما لا يجدونه عندك، وإنهم لأحرى بخذلك، والميل إلينا دونك. ولو كانوا جميعا معك ومقيمين على نصرتك، لرجونا أن يمكّن الله منك ومنهم، ويجعل دائرة السّوء عليك وعليهم، ويجرينا من عادته في النّصر وإعزاز الأمر على ما لم يزل يتفضّل علينا بأمثاله، ويتطوّل بأشباهه. فما دعاني إلى الإرجاء لك، والتسهيل من خناقك «4» والإطالة من عنانك، طول هذه المدّة إلا أمران: أغلبهما كان عليّ احتقار أمرك واستصغاره؛
(7/7)

وقلة الاحتفال والأكتراث به؛ وإني اقتصرت من عقوبتك على ما أخلقته «1» بنفسك من الإباق «2» إلى أقاصي بلاد المغرب شريدا عن منزلك وبلدك، فريدا من أهلك وولدك؛ والآخر أنّي علمت أن الوحشة دعتك إلى الانحياز إلى حيث انحزت إليه، فأردت التسكين من نفارك، والطمأنينة من جأشك «3» ، وعملت على أنك تحنّ إلينا حنين الولد، وتتوق إلى قربنا توقان ذي الرّحم والنّسب؛ فإنّ في رفقنا بك ما يعطفك إلينا، وفي تآخينا إيّاك ما يردّك علينا، ولم يسمع منا سامع في خلاء ولا ملإ انتقاصا بك، ولا غضّا منك؛ ولا قدحا فيك، رقّة عليك، واستتماما لليد عندك، وتأميلا لأن تكون الراجع من تلقاء نفسك، والموفّق بذلك لرشدك وحظّك؛ فأما الآن مع اضطرارك إيّاي إلى ما اضطررتني إليه من الانزعاج نحوك، وحبسك رسلي النافذين بعهد كثير إلى ما قبلك؛ واستعمالك المواربة والخداع فيما يجري عليه تدبيرك. فما أنت بموضع للصّيانة، ولا أهل للإبقاء والمحافظة، بل اللعنة عليك حالّه، والذّمّة منك بريّة، والله طالبك ومؤاخذك بما استعملت من العقوق والقطيعة، والإضاعة لرحم الأبوّة، فعليك من ولد عاقّ شاقّ «4» لعنة الله ولعنة اللاعنين، والملائكة والناس أجمعين؛ ولا قبل الله لك صرفا ولا عدلا «5» ، ولا ترك لك منقلبا ترجع إليه، وخذلك خذلان من لا يؤبه له، وأثكلك ولا أمهلك، ولا حاطك ولا حفظك. فو الله لأستعملنّ لعنك في دبر كلّ صلاة، والدعاء عليك في آناء الليل والنهار، والغدوّ والآصال؛ ولأكتبنّ إلى مصر، وأجناد الشامات والثّغور، وقنّسرين، والعواصم، والجزيرة، والحجاز، ومكّة، والمدينة كتبا تقرأ على منابرها فيك، باللّعن لك، والبراءة منك، والدلالة على عقوقك وقطيعتك، يتناقلها
(7/8)

آخر عن أوّل، ويأثرها «1» غابر عن ماض، وتخلّد في بطون الصحائف، وتحملها الرّكبان، ويتحدّث بها في الآفاق، وتلحق بها وبأعقابك عارا ما أطّرد الليل والنهار، واختلف الظّلام والأنوار.
فحينئذ تعلم أيّها المخالف أمر أبيه، القاطع رحمه، العاصي ربّه؛ أيّ جناية على نفسك جنيت؟ وأيّ كبيرة اقترفت واجتنيت، تتمنّى، لو كانت فيك مسكه «2» ، أو فيك فضل إنسانيّة، أنك لم تكن ولدت، ولا في الخلق عرفت، إلا أن تراجع من طاعتنا والإسراع إلى ما قبلنا خاضعا ذليلا كما يلزمك، فنقيم الاستغفار مقام اللعنه، والرّقة مقام الغلظه؛ والسلام على من سمع الموعظة فوعاها، وذكر الله فاتّقاه، إن شاء الله تعالى.
وكما كتب الأخشيد محمد بن طغج [صاحب الديار المصرية] «3» وما معها من البلاد الشامية، والأعمال الحجازيّة، إلى أرمانوس: ملك الروم، وقد أرسل أرمانوس إليه كتابا يذكر من جملته بأنه كاتبه وإن لم تكن عادته أن يكاتب إلا الخليفة، فأمر بكتابة جوابه فكتب له الكتّاب عدّة أجوبة ورفعوا نسخها إليه، فلم يرتض منها إلا ما كتبه إبراهيم بن عبد الله النّجيرميّ «4» وكان عالما بوجوه الكتابة.
(7/9)

ونسخته على ما ذكره ابن سعيد في كتابه «المغرب في أخبار المغرب» «1» :
من محمد بن طغج مولى أمير المؤمنين، إلى أرمانوس عظيم الروم ومن يليه.
سلام بقدر ما أنتم له مستحقّون، فإنا نحمد الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.
أما بعد، فقد ترجم لنا كتابك الوارد مع نقولا وإسحاق رسوليك، فوجدناه مفتتحا بذكر فضيلة الرّحمة، وما نمي عنا إليك، وصحّ من شيمنا فيها لديك؛ وبما نحن عليه من المعدلة وحسن السّيرة في رعايانا، وما وصلت به هذا القول من الفداء والتوصّل إلى تخليص الأسرى، إلى [غير] ذلك مما اشتمل عليه وتفهّمناه.
فأما ما أطنبت فيه من فضيلة الرحمة فمن سديد القول، الذي يليق بذوي الفضل والنّبل؛ ونحن بحمد الله ونعمه علينا بذلك عارفون، وإليه راغبون، وعليه باعثون، وفيه بتوفيق الله إيّانا مجتهدون، وبه متواصون وعاملون. وإيّاه نسأل التوفيق لمراشد الأمور وجوامع المصالح بمنّه وقدرته.
وأما ما نسبته إلى أخلاقنا من الرحمة والمعدلة، فإنا نرغب إلى الله جلّ
(7/10)

وعلا الذي تفرّد بكمال هذه الفضيلة، ووهبها لأوليائه ثم أثابهم عليها، أن يوفّقنا لها، ويجعلنا من أهلها، وييسّرنا للاجتهاد فيها، والاعتصام من زيغ الهوى عنها، وعرّة «1» القسوة بها، ويجعل ما أودع قلوبنا من ذلك موقوفا على طاعته، وموجبات مرضاته، حتّى نكون أهلا لما وصفتنا به، وأحقّ حقّا بما دعوتنا إليه، وممن يستحقّ الزّلفى من الله تعالى، فإنا فقراء إلى رحمته؛ وحقّ لمن أنزله الله بحيث أنزلنا، وحمّله من جسيم الأمر ما حمّلنا، وجمع له من سعة الممالك ما جمع لنا بمولانا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، أن يبتهل إلى الله تعالى في معونته لذلك وتوفيقه وإرشاده، فإن ذلك إليه وبيده: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
«2» وأما ما وصفته من ارتفاع محلّك عن مرتبة من هو دون الخليفة في المكاتبة لما يقتضيه عظم ملككم، وأنه الملك القديم الموهوب من الله، الباقي على الدّهر، وإنك إنما خصصتنا بالمكاتبة لما تحقّقته من حالنا عندك، فإنّ ذلك لو كان حقّا وكانت منزلتنا كما ذكرته تقصر عن منزلة من تكاتبه، وكان لك في ترك مكاتبتنا غنم ورشد، لكان من الأمر البيّن أن أحظى وأرشد وأولى بمن حلّ محلّك أن يعمل بما فيه صلاح رعيّته، ولا يراه وصمة ولا نقيصة ولا عيبا، ولا يقع في معاناة صغيرة من الأمور تعقبها كبيرة، فإن السائس الفاضل قد يركب الأخطار، ويخوض الغمار، ويعرّض مهجته، فيما ينفع رعيّته؛ والذي تجشّمته من مكاتبتنا إن كان كما وصفته فهو أمر سهل يسير، لأمر عظيم خطير؛ وجلّ نفعه وصلاحه وعائدته تخصّكم، لأن مذهبنا انتظار إحدى الحسنيين، فمن كان منّا في أيديكم فهو على بيّنة من ربه، وعزيمة صادقة من أمره، وبصيرة فيما هو بسبيله؛ وإن في الأسارى من يؤثر مكانه من ضنك الأسر وشدّة البأساء على نعيم الدنيا وخيرها لحسن منقلبه، وحميد عاقبته، ويعلم أن الله تعالى قد أعاذه من أن يفتنه، ولم يعذه من أن يبتليه؛ هذا إلى أوامر الإنجيل الذي هو إمامكم، وما توجبه عليكم عزائم
(7/11)

سياستكم، والتوصل إلى استنقاذ أسرائكم؛ ولولا أنّ إيضاح القول في الصواب، أولى بنا من المسامحة في الجواب، لأضربنا عن ذلك صفحا؛ إذ رأينا أنّ نفس السبب الذي من أجله سما إلى مكاتبة الخلفاء عليهم السلام من كاتبهم، أو عدا عنهم إلى من حلّ محلّنا في دولتهم، بل إلى من نزل عن مرتبتنا، هو أنه لم يثق من منعه، وردّ ملتمسه ممن جاوره، فرأى أن يقصد به الخلفاء الذين الشّرف كلّه في إجابتهم، ولا عار على أحد وإن جلّ قدره في ردّهم؛ ومن وثق في نفسه ممن جاوره، وجد قصده أسهل السبيلين عليه، وأدناهما إلى إرادته، حسب ما تقدّم لها من تقدّم، وكذلك كاتب من حل محلّك من قصر عن محلنا، ولم يقرب من منزلتنا، فممالكنا عدّة، كان يتقلد في سالف الدهر كلّ مملكة منها ملك عظيم الشأن.
فمنها ملك مصر الذي أطغى فرعون على خطر أمره، حتّى ادّعى الإلهية وافتخر على نبيّ الله موسى بذلك.
ومنها ممالك اليمن التي كانت للتبابعة، والأقيال العباهلة «1» : ملوك حمير، على عظم شأنهم، وكثرة عددهم.
ومنها أجناد الشام التي:
منها جند حمص، وكانت دارهم ودار هرقل عظيم الروم ومن قبله من عظمائها.
ومنها جند دمشق على جلالته في القديم والحديث، واختيار الملوك المتقدّمين له.
ومنها جند الأردنّ على جلالة قدره، وأنه دار المسيح صلّى الله عليه وسلّم وغيره من الأنبياء والحواريّين.
(7/12)

ومنها جند فلسطين، وهي الأرض المقدّسة، وبها المسجد الأقصى، وكرسيّ النصرانية، ومعتقد غيرها، ومحجّ النصارى واليهود طرّا، ومقرّ داود وسليمان ومسجدهما. وبها مسجد إبراهيم وقبره وقبر إسحاق ويعقوب ويوسف وإخوته وأزواجهم عليهم السلام، وبها مولد المسيح وأمّه وقبرها.
هذا إلى ما نتقلّده من أمر مكة المحفوفة بالآيات الباهرة، والدلالات الظاهرة؛ فإنا لو لم نتقلّد غيرها لكانت بشرفها، وعظم قدرها، وما حوت من الفضل توفي على كل مملكة، لأنها محجّ آدم ومحجّ إبراهيم وارثه ومهاجره، ومحجّ سائر الأنبياء، وقبلتنا وقبلتهم عليهم السلام وداره وقبره «1» ، ومنبت ولده، ومحجّ العرب على مرّ الحقب، ومحلّ أشرافها، وذوي أخطارها، على عظم شأنهم، وفخامة أمرهم. وهو البيت العتيق، المحرّم المحجوج إليه من كل فجّ عميق، الذي يعترف بفضله وقدمه أهل الشرف، من مضى ومن خلف؛ وهو البيت المعمور، وله الفضل المشهور.
ومنها مدينة الرسول صلّى الله عليه وسلّم المقدّسة بتربته، وإنّها مهبط الوحي، وبيضة هذا الدّين المستقيم الذي امتدّ ظلّه على البرّ والبحر، والسّهل والوعر؛ والشّرق والغرب، وصحارى العرب على بعد أطرافها، وتنازح أقطارها، وكثرة سكّانها في حاضرتها وباديتها، وعظمها في وفودها وشدّتها، وصدق بأسها ونجدتها، وكبر أحلامها، وبعد مرامها، وانعقاد النصر من عند الله براياتها. وإن الله تعالى أباد خضراء «2» كسرى، وشرّد قيصر عن داره ومحل عزّه ومجده بطائفة منها. هذا إلى ما تعلمه من أعمالنا؛ وتحت أمرنا ونهينا ثلاثة كراسيّ من أعظم كراسيّكم: بيت المقدس، وأنطاكية، والإسكندريّة، مع ما إلينا من البحر وجزائره، واستظهارنا
(7/13)

بأتمّ العتاد. وإذا وفّيت النظر حقّه علمت أن الله تعالى قد أصفانا «1» بجلّ الممالك التي ينتفع الأنام بها، وبشرف الأرض المخصوصة بالشّرف كلّه دنيا وآخرة، وتحقّقت أن منزلتنا بما وهبه الله لنا من ذلك فوق كلّ منزلة. والحمد لله وليّ كلّ نعمة.
وسياستنا لهذه الممالك قريبها وبعيدها على عظمها وسعتها بفضل الله علينا وإحسانه إلينا ومعونته لنا وتوفيقه إيّانا كما كتبت إلينا وصحّ عندك من حسن السّيرة، وبما يؤلّف بين قلوب سائر الطّبقات من الأولياء والرعية ويجمعهم على الطاعة واجتماع الكلمة، ويوسعها الأمن والدّعة في المعيشة ويكسبها المودّة والمحبة.
والحمد لله ربّ العالمين أوّلا وآخرا على نعمه التي تفوت عندنا عدد العادّين، وإحصاء المجتهدين، ونشر الناشرين، وقول القائلين، وشكر الشاكرين. ونسأله أن يجعلنا ممن تحدّث بنعمته عليه شكرا لها، ونشرا لما منحه الله منها [ومن رضي اجتهاده في شكرها، ومن أراد الآخرة] «2» وسعى لها سعيها، وكان سعيه مشكورا، إنه حميد مجيد.
وما كنت أحبّ أن أباهيك بشيء من أمر الدنيا، ولا أتجاوز الاستيفاء لما وهبه الله لنا من شرف الدين الذي كرّمه وأظهره، ووعدنا في عواقبه الغلبة الظاهرة، والقدرة القاهرة، ثم الفوز الأكبر يوم الدّين، لكنك سلكت مسلكا لم يحسن أن نعدل عنه، وقلت قولا لم يسعنا التقصير في جوابه، ومع هذا فإنا لم نقصد بما وصفناه من أمرنا مكاثرتك، ولا اعتمدنا تعيين فضل لنا نعوذ به، إذ نحن نكرم عن ذلك، ونرى أن نكرمك عند محلك ومنزلتك، وما يتّصل بها من حسن سياستك ومذهبك في الخير ومحبّتك لأهله، وإحسانك لمن في يدك من أسرى المسلمين، وعطفك عليهم، وتجاوزك في الإحسان إليهم جميع من تقدّمك من سلفك؛ ومن
(7/14)

كان محمودا في أمره، رغب في محبته، لأن الخيّر أهل أن يحبّ حيث كان، فإن كنت إنما تؤهّل لمكاتبتك ومماثلتك من اتسعت مملكته، وعظمت دولته، وحسنت سيرته؛ فهذه ممالك عظيمة، واسعة جمّة، وهي أجل الممالك التي ينتفع بها الأنام، وسرّ الأرض المخصوصة بالشرف، فإنّ الله قد جمع لنا الشرف كلّه، والولاء الذي جعل لنا من مولانا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، مخصوصين بذلك إلى مالنا بقديمنا وحديثنا وموقعنا. والحمد لله رب العالمين الذي جمع لنا ذلك بمنّه وإحسانه، ومنه نرجو حسن السعي فيما يرضيه بلطفه. ولم ينطو عنك أمرنا فيما اعتمدناه. وإن [كنت] تجري في المكاتبة على رسم من تقدّمك فإنك لو رجعت إلى ديوان بلدك، وجدت من كان تقدّمك قد كاتب من قبلنا من لم يحلّ محلّنا، ولا أغنى غناءنا، ولا ساس في الأمور سياستنا، ولا قلّده مولانا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ما قلّدنا، ولا فوّض إليه ما فوّض إلينا؛ وقد كوتب أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وآخر من كوتب تكين مولى أمير المؤمنين ولم يكن تقلد سوى مصر وأعمالها.
ونحن نحمد الله كثيرا أوّلا وآخرا على نعمة التي يفوت عندنا عددها عدّ العادّين، ونشر الناشرين. ولم نرد بما ذكرناه المفاخرة، ولكنا قصدنا بما عددنا من ذلك حالات: أوّلها التحدّث بنعمة الله علينا؛ ثم الجواب عما تضمّنه كتابك من ذكر المحلّ والمنزلة في المكاتبة، ولتعلم قدر ما بسطه الله لنا في هذه المسالك، وعندنا قوّة تامة على المكافأة على جميل فعلك بالأسارى، وشكر واف لما توليهم وتتوخّاه من مسرّتهم إن شاء الله تعالى وبه الثقة، وفّقك الله لمواهب خيرات الدنيا والآخرة، والتوفيق للسّداد في الأمور كلها، والتيسير لصلاح القول والعمل الذي يحبه ويرضاه ويثيب عليه، ويرفع في الدنيا والآخرة أهله، بمنّه ورحمته.
وأما الملك الذي ذكرت أنه باق على الدهر لأنه موهوب لكم من الله خاصّة، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. وإن الملك كلّه لله يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء بيده الخير وإليه المصير، وهو على كل شيء قدير. وإن الله عزّ وجل نسخ ملك
(7/15)

الملوك وجبريّة الجبّارين بنبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله أجمعين، وشفع نبوّته بالإمامة وحازها إلى العترة الطاهرة من العنصر الذي منه أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، والشجرة التي منها غصنه، وجعلها خالدة فيهم يتوارثها منهم كابر عن كابر، ويلقيها ماض إلى غابر؛ حتّى نجز أمر الله ووعده، وبهر نصره وكلمته، وأظهر حجته وأضاء عمود الدين بالأئمة المهتدين، وقطع دابر الكافرين ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل ولو كره المشركون حتّى يرث الله الأرض ومن عليها وإليه يرجعون.
وإنّ أحقّ ملك أن يكون من عند الله، وأولاه وأخلقه أن يكنفه الله بحراسته وحياطته، ويحفّه بعزّه وأيده «1» ، ويجلّله بهاء السكينة في بهجة الكرامة، ويجمّله بالبقاء والنّجاء «2» ما لاح فجر، وكرّ دهر، ملك إمامة عادلة خلفت نبوّة فجرت على رسمها وسننها، وارتسمت أمرها، وأقامت شرائعها، ودعت إلى سبلها، مستنصرة بأيدها، منتجزة لوعدها؛ وإنّ يوما واحدا من إمامة عادلة خير عند الله من عمر الدنيا تملّكا وجبريّة.
ونحن نسأل الله تعالى أن يديم نعمه علينا، وإحسانه إلينا بشرف الولاية، ثم بحسن العاقبة بما وفّر علينا فخره وعلاه، ومجده وإحسانه إن شاء الله، وبه الثقة، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وأما الفداء ورأيك في تخليص الأسرى، فإنا وإن كنّا واثقين لمن في أيديكم بإحدى الحسنيين، وعلى بينة لهم من أمرهم، وثبات من حسن العاقبة وعظم المثوبة، عالمين بما لهم، فإن فيهم من يؤثر مكانه من ضنك الأسر وشدّة البأساء على نعيم الدنيا ولذّتها، سكونا إلى ما يتحقّقه من حسن المنقلب وجزيل الثواب. ويعلم أن الله قد أعاذه من أن يفتنه، ولم يعذه من أن يبتليه؛ وقد تبيّنّا مع ذلك في هذا الباب ما شرعه لنا الأئمة الماضون، والسلف الصالحون، فوجدنا ذلك موافقا لما آلتمسته، وغير خارج عما أحببته؛ فسررنا بما تيسّر منه، وبعثنا
(7/16)

الكتب والرسل إلى عمّالنا في سائر أعمالنا، وعزمنا عليهم في جمع [كلّ من قبلهم وأتباعهم بما وفر الإيمان في إنفاذهم، وبذلنا في ذلك] «1» كلّ ممكن، وأخّرنا إجابتك عن كتابك ليتقدّم فعلنا قولنا، وإنجازنا وعدنا؛ ويوشك أن يكون قد ظهر لك من ذلك ما وقع أحسن الموقع منك إن شاء الله.
وأما ما ابتدأتنا به من المواصلة، واستشعرته لنا من المودّة والمحبة، فإنّ عندنا من مقابلة ذلك ما توجبه السياسة التي تجمعنا على اختلاف المذاهب، وتقتضيه نسبة الشرف الذي يؤلفنا على تباين النحل، فإن ذلك من الأسباب التي تخصّنا وإيّاك. ورأينا من تحقيق جميل ظنّك بنا إيناس رسلك وبسطهم، والاستماع منهم والإصغاء إليهم والإقبال عليهم؛ وتلقينا انبساطك إلينا، وإلطافك إيّانا بالقبول الذي يحقّ علينا، ليقع ذلك موقعه؛ وزدنا في توكيد ما اعتمدته ما حمّلناه رسلك في هذا الوقت على استقلالنا إيّاه من طرائف بلدنا وما يطرأ من البلاد علينا؛ وإن الله بعدله وحكمته أودع كلّ قرية صنفا ليتشوّف إليه من بعد عنه، فيكون ذلك سببا لعمارة الدنيا ومعايش أهلها. ونحن نفردك بما سلّمناه إلى رسولك لتقف عليه إن شاء الله.
وأما ما أنفذته للتجارة فقد أمكنّا أصحابك منه، وأذنّا لهم في البيع وفي ابتياع ما أرادوه واختاروه؛ لأنا وجدنا جميعه مما لا يحظره علينا دين ولا سياسة. وعندنا من بسطك وبسط من يرد من جهتك، والحرص على عمارة ما بدأتنا به ورعايته، وربّ «2» ما غرسته، أفضل ما يكون عند مثلنا لمثلك. والله يعين على ما ننويه من جميل، ونعتقده من خير، وهو حسبنا ونعم والوكيل.
ومن ابتدأ بجميل لزمه الجري عليه والزيادة، ولا سيما إذا كان من أهله وخليقا به. وقد ابتدأتنا بالمؤانسة والمباسطة، وأنت حقيق بعمارة ما بيننا،
(7/17)

وباعتمادنا بحوائجك وعوارضك قبلنا؛ فأبشر بتيسير ذلك إن شاء الله.
والحمد لله أحقّ ما ابتدىء به، وختم بذكره، وصلّى الله على محمد نبيّ الهدى والرحمة، وعلى آله وسلّم تسليما.
الحالة الثانية (من حالات المكاتبات الصادرة عن ملوك الديار المصرية ما كان الحال عليه بعد الدولة الفاطمية في الدولة الأيوبية)
وقد ذكر «عبد الرحيم بن شيث» «1» أحد كتّاب الدولة الأيوبية في أواخر دولتهم مصطلح «2» ما يكتب عن السلطان في خلال كلامه، فقال: إن الناس كانوا لا يكتبون «المجلس» إلا للسّلطان خاصّة، ويكتبون لأعيان الدولة من الوزراء وغيرهم «الحضرة» ثم أفردوا السلطان بالمقام والمقرّ، وصاروا يكتبون «المجلس» لمن دونه، ولم يسوّغوا مكاتبة السلطان بعد ذلك بالمجلس ولا بالحضرة. قال:
ويكتب السلطان إلى ولده المستخلف عنه «بالمجلس» دون المقام. واصطلحوا على الاختصار في نعوت الملوك المكتوب إليهم والدعاء، بخلاف من هو تحت أمر السلطان وتحت حوزته، فإنه كلّما كثرت النعوت والدعاء له في مكاتبة السلطان إليه، كان أبلغ: لأنّ ذلك في معنى التشريف من السلطان، وأنه لا يقال في المقام «السامي» بل «العالي» . وأنه إذا كتب السلطان إلى من هو دونه من ذوي الأقدار عبّر «بالمجلس السامي» ، ولا يزاد على ذلك، ثم يفرد عن النّسب بعد السامي، فيقال: الأمير الأجل من غير ياء النسب. وأنه لا يقال العالي مكان السامي في الكتابة عن السلطان، وقد يجمع بينهما لذوي الأقدار، وأنه يضاف في نعت كل أمير «عمدة الملوك والسلاطين عزّ الإسلام، أو نصرة الإسلام، أو فارس المسلمين» أو ما شابه ذلك من غير ضبط ولا تخصيص لأحد دون أحد إذا أحرزوا
(7/18)

النعت الذي اشتهر به المكتوب إليه. وأنه يقال: «عمدة الملوك والسلاطين» و «عدّة الملوك والسلاطين» و «ذخر الملوك» ودونها «اختيار الملوك» . وللأقارب «فخر الملوك» و «جمال الملوك» و «عزّ الملوك» و «زين الملوك» . وللأماثل «معين الملوك» و «نصرة الملوك» وما أشبه ذلك وأنه يكتب للأمراء الأعيان: «حسام أمير المؤمنين» و «سيف أمير المؤمنين» . ولكبراء الدولة من الكتّاب: «خاصّة أمير المؤمنين» و «وليّ أمير المؤمنين» و «صفوة أمير المؤمنين» . و «ثقة أمير المؤمنين» و «صنيعة أمير المؤمنين» على مقدار مراتبهم. وأن نعت الأجلّ يذكر بعد العلوّ والسّموّ بأن يقال: «المجلس العالي الأجلّ» أو «السامي الأجلّ» وربما كان بعد ذكر الإمرة أو القضاء فيقال «الأمير الأجلّ» أو «القاضي الأجلّ» . وأن السلطان لا يبتدىء بالدعاء في كتبه إلى أحد إلا من ماثله في الملك. وأن السلطان لا يكتب إلى أحد ممن هو تحت أمره «بلا زال» «ولا برح» في الدعاء، وإنما يكتب بذلك إلى من ماثله من الملوك، أو إلى ولده المستخلف عنه في الملك. وأن الدعاء للملوك يكون مثل «أدام الله أيّامه» و «خلّد سلطانه وثبّت دولته» وما أشبه ذلك.
وأن التحميد في أوائل الكتب لا يكون إلا في الكتب الصادرة عن السلطان. وأنّ غاية عظمة المكتوب إليه أن يكون الحمد ثانية وثالثة في الكتاب، ثم يؤتى بالشهادتين، ويصلّى على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وأنه يكتب في الكتب السلطانية «صدرت» و «أصدرناها» ولا يكتب «كتبت» . وأن الذي تخاطب به الخلافة عن السلطان:
«المواقف المقدّسة الشريفة، والعتبات العالية، ومقرّ الرحمة، ومحلّ الشرف» .
والذي يخاطب به الملوك: «المقام العالي، والمقرّ الأشرف» ولا يقال «المقام السامي» . والذي يخاطب به الوزراء: «الجناب العالي، والمحلّ السامي» . ومن دون ذلك «المجلس السامي» ودونه «مجلس الحضرة» . ودونه «الحضرة» . وأنه لا يكتب عن السلطان لمن هو تحت أمره إلا بنون الجمع لدلالتها على العظمة، ولا يكتب «تشعر» إلا عن السلطان خاصّة بخلاف «تعلم» وأن الكتب الصادرة عن السلطان تكون طويلة الطرّة «1» ، وتكون بقلم جليل غير دقيق. وأنه يوسّع بين
(7/19)

السطور حتى يكون بين كل سطرين ثلاث أصابع أو أربع أصابع. وأنه لا يخرج عن سمت البسملة في الكتابة، ولا يحتمل ذلك إلا في الحمدلة. وأنه لا يكثر النقط والشكل في الكتب الصادرة عن السلطان لا سيّما في الألفاظ الظاهرة. وأن الدعاء على العدوّ كان محظورا في الكتب الصادرة عن السلطان إلى من دونه، ثم استعمل ذلك. وأنه لا تترك فضلة في آخر الكتاب بياضا، ولا يكتب في حاشية الكتاب. وأن الترجمة عن السلطان في كتبه لمن تحت أمره أعلاهم وأدناهم، العلامة؛ فإن أراد تمييز أحد منهم كتب له شيئا بخطه في مكان العلامة. وأن العلامة تكون إلى البسملة من السلطان أقرب، وأنه لا حرج على السلطان أن يترجم للقضاة والعلماء والعبّاد بأخيه وولده. وأن عنونة الكتاب وختمه مختصّ بصاحب ديوان الإنشاء ليدلّ ذلك على وقوفه على الكتاب. وأنه لا يجوز عنونة الكتاب قبل أن يكتب عليه السلطان ترجمته أو علامته. وأن الكتب لا تبقى مفتوحة إلا أن تكون بإطلاق مال، لأن كرم الكتاب ختمه، ولا أكرم من كتب السلطان؛ ويكون طيّ الكتاب الصادر عن السلطان عرض ثلاث أصابع.
ثم مشهور مكاتباتهم على أربعة أساليب:
الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بالدعاء للمجلس أو الجناب)
مثل: أدام الله أيام المجلس، أو أدام الله سلطان المجلس، أو أدام الله نعمة المجلس، أو أدام الله اقتدار المجلس، أو أدام الله سعادات المجلس، أو خلّد الله أيام المجلس أو سلطان المجلس، أو ثبّت الله دولة المجلس، وما أشبه ذلك مما فيه معنى الدوام؛ وربما أبدل لفظ الدوام وما في معناه بالمضاعفة، مثل: ضاعف الله نعمة المجلس. ويؤتى على الألقاب إلى آخرها، ثم يقال: نشعر المجلس أو
(7/20)

الأمير بكذا ونحو ذلك، ويؤتى على المقصود إلى آخره. ويختم بالدعاء وقد يختم بغيره.
وهذه نسخة مكاتبة من هذا الأسلوب بالإخبار بفتح غزّة واقتلاعها من الفرنج الديوية «1» ، الذين كانوا مستولين عليها، وهي:
«أدام الله سعادات المجلس، وأحسن له التدبير، وأصفى عيشة من التكدير، وحقّق له وفيه أحسن الرجاء والتقدير، وجعل وجهه من أهلّة الأكابر والتكبير، وأعاذ تأخير أجله من التقديم وتقديم حظّه من التأخير.
نشعر المجلس بما منّ الله تعالى به من فتح غزّة يوم الجمعة الجامع لشمل النصر، القاطع لحبل الكفر؛ وهذه المدينة قد علم الله أنها من أوسع المدائن، وأملإ الكنائن، وأثرى المعادن؛ وهي كرسيّ الدّيويّة «2» ومهبط رؤوسهم، ومحطّ نفوسهم، وحمى كليبهم بل كلابهم، وظهير صليبهم بل أصلابهم؛ وما كانت الأبصار إليها تطمح، ولا الأقدار بها قبلنا تسمح؛ ولها قلعة أنفها شامخ في الهواء، وعطفها جامح عن عطفة اللواء؛ قد أوغلت في الجوّ مرتفعه، وأو مضت في الليل ملتمعه، وبرداء السّحاب ملتفعه؛ قد صافحتها أيدي الأنام بالسلامة من قوارعها، وهادنتها حوادث الأيام على الأمن من روائعها، إلى أن أتيح لها من أتاح
(7/21)

لها الحين «1» ، وقيّض لها من اقتضى منها الدّين؛ فصبّحها بما ساء به صباحها.
وزعزعها بالزّئير الذي خرس له نباحها. وكان من خبرها أننا لما أطللنا عليها مغيرين، وأطفنا بها دائرين، ولكؤوس الحرب مديرين؛ تغلّبت الأنجاد والأبطال على الزّحف، وأعجل ارتياح النصر عن انتظام عقد الصّف؛ وانقضّوا عليها، انقضاض البزاة على طرائدها، وأسرعوا إليها، إسراع العطاش إلى مواردها؛ ورفعت الألوية خافقة كذوائب الضّرام «2» ، طالعة برسائل الحمام، مشيرة بالعذبات «3» إشارة لم يطمئنوا إليها بالسّلام؛ وجاءهم الموت من كلّ مكان، وأمطرت الشّهب من كل سنان؛ فرأوا مثواهم الحبيب، ومحلّهم الخصيب؛ وقد ركضت فيه خيول الغير، واعترضت فيه سيول العبر، وجرّدت فيه نصول القدر؛ والنار قد لعبت فيه مجدّه، واحمرّت فيه خدودها مخدّه «4» ؛ وأقواتهم المدّخره، وأموالهم المثمّره؛ نفلا «5» مباحا، وزبدا مطاحا؛ ومغنما مشاعا، ونهبا مضاعا؛ قد ملئت منه الرّحال وأخصبت، واتّسعت به الأيدي وضاقت به الأرض بما رحبت.
الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة بلفظ الإصدار)
مثل: أصدرنا هذه المكاتبة، أو أصدرت، أو صدرت؛ ويؤتى على المقصود على ما تقدّم.
وهذه نسخة كتاب من هذا الأسلوب كتب به القاضي الفاضل «6» ، عن
(7/22)

السلطان «صلاح الدين يوسف بن أيوب» إلى أخيه سيف الإسلام سلطان اليمن، يستقدمه إليه معاونا له على قتال الفرنج خذلهم الله! ويبشّره بفتح كوكب «1» ، وصفد، والكرك في سنة أربع وثمانين وخمسمائة وهو:
«أصدرنا هذه المكاتبة إلى المجلس، ومما تجدّد بحضرتنا فتوح كوكب:
وهي كرسيّ الاستباريّة «2» ودار كفرهم، ومستقرّ صاحب أمرهم، وموضع سلاحهم وذخرهم؛ وكان بمجمع الطّرق قاعدا، ولملتقى السّبل راصدا؛ فتعلّقت بفتحه بلاد الفتح واستوطنت، وسلكت الطّرق فيها وأمنت وعمرت بلادها وسكنت؛ ولم يبق في هذا الجانب إلا صور، ولولا أن البحر ينجدها، والمراكب تردها؛ لكان قيادها قد أمكن، وجماحها قد أذعن؛ وما هم بحمد الله في حصن يحميهم، بل في سجن يحويهم؛ بل هم أسارى وإن كانوا طلقاء، وأموات وإن كانوا أحياء؛ قال الله عز وجل: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
«3» ولكلّ امرىء أجل لابدّ أن يصدقه غائبه، وأمل لابدّ أن يكذبه خائبه- وكان نزولنا على كوكب بعد أن فتحت صفد بلد الديوية ومعقلهم، ومشتغلهم وعملهم، ومحلّهم الأحصن ومنزلهم؛ وبعد أن فتحنا الكرك وحصونه؛ والمجلس السيفيّ «4» أسماه الله أعلم بما كان على الإسلام من مؤونته المثقلة، وقضيّته المشكلة، وعلّته المعضلة؛ وأن الفرنج- لعنهم الله- كانوا يقعدون منه مقاعد للسّمع، ويتبوّأون منه مواضع للنّفع، ويحولون بين قات (؟) وراكبها، فيذلّلون الأرض بما كانوا منه ثقلا على مناكبها؛
(7/23)

والآن ما أمن بلاد الهرمين، بأشدّ من أمن بلاد الحرمين؛ فكلّها كان مشتركا في نصرة المسلمين بهذه القلعة التي كانت ترامي ولا ترام، وتسامي ولا تسام؛ وطالما استفرغنا عليها بيوت الأموال، وأنفقنا فيها أعمار الرجال، وقرعنا الحديد بالحديد إلى أن ضجّت النّصال من النّصال؛ والله المشكور على ما انطوى من كلمة الكفر وانتشر من كلمة الإسلام. وإنّ بلاد الشام اليوم لا تسمع فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما. وكان نزولنا على كوكب والشتاء في كوكبه، وقد طلع بيمن الأنواء في موكبه؛ والثلوج تنشر على البلاد ملاءها الفضيض، وتكسوا الجبال عمائمها البيض؛ والأودية قد عجّت بمائها، وفاضت عند امتلائها؛ وشمخت أنوفها سيولا، فخرقت «1» الأرض وبلغت الجبال طولا؛ والأوحال قد اعتقلت الطّرقات، ومشى المطلق فيها مشية الأسير في الحلقات، فتجشّمنا العناء نحن ورجال العساكر، وكاثرنا العدوّ والزمان وقد يحرز الحظّ المكاثر؛ وعلم الله النية فأنجدنا بفضلها، وضمير الأمانة فأعان على حملها، ونزلنا من رؤوس الجبال بمنازل كان الاستقرار عليها أصعب من ثقلها، والوقوف بساحتها أهون من نقلها؛ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
«2» .
والحمد لله ربّ الذي ألهمنا بنعمته الحديث، ونصر بسيف الإسلام الذي هو سيفه وسيف الإسلام الذي هو أخونا الطيب على الخبيث؛ فمدح السيف ينقسم على حدّيه، ومدح الكريم يتعدّى إلى يديه؛ والآن فالمجلس- أسماه الله- يعلم أن الفرنج لا يسلون «3» عما فتحنا، ولا يصبرون على ما جرحنا؛ فإنهم- خذلهم الله- أمم لا تحصى، وجيوش لا تستقصى؛ ووراءهم من ملوك البحر من يأخذ كلّ سفينة غصبا «4» ، ويطمع في كل مدينة كسبا؛ ويد الله فوق أيديهم، والله محيط
(7/24)

بأقربيهم وأبعديهم؛ وسَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً
«1» ، لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً
«2» وما هم إلا كلاب قد تعاوت «3» ، وشياطين قد تغاوت «4» ، وإن لم يقذفوا من كل جانب دحورا «5» ، ويتبعوا بكلّ شهاب ثاقب مدحورا، استأسدوا واستكلبوا، وتألّبوا وجلّبوا وأجلبوا «6» ، وحاربوا، وحزّبوا؛ وكانوا لباطلهم الداحض، أنصر منّا لحقّنا الناهض؛ وفي ضلالهم الفاضح، أبصر منا لهدانا الواضح. ولله درّ جرير حيث يقول:
إن الكريمة ينصر الكرم ابنها، ... وابن اللئيمة للّئام نصور!
فالبدار إلى النّجدة البدار! والمسارعة إلى الجنة فإنها لا تنال إلا بإيقاد نار الحرب على أهل النّار؛ والهمّة الهمة! فإن البحار لا تلقى إلا بالبحار، والملوك الكبار لا يقف في وجوهها إلا الملوك الكبار:
وما هي إلا نهضة تورث العلا ... ليومك ما حنّت روازم نيب! «7»
ونحن في هذه السنة- إن شاء الله تعالى- ننزل على أنطاكية، وينزل ولدنا الملك المظفّر- أظفره الله- على طرابلس؛ ويستقرّ الركاب العادليّ «8» - أعلاه
(7/25)

الله- بمصر؛ فإنها مذكورة عند العدو- خذله الله- بأنها تطرق، وأن الطلب على الشام ومصر تفرّق؛ ولا غنى عن أن يكون المجلس السيفيّ- أسماه الله- بحرا في بلاد الساحل يزخر سلاحا، ويجرّد سيفا يكون على ما فتحناه قفلا ولما لم يفتح بعد مفتاحا، فإنه ليس لأحد ما للأخ من سمعة لها في كل مسمع سمعه «1» ، وفي كل روع روعه «2» ؛ وفي كل محضر محضر «3» ، وفي كل مسجد منبر، وفي كل مشهد مخبر؛ فما يدعى العظيم إلا للعظيم «4» و [لا يرجى] «5» لموقف الصبر الكريم إلا الكريم [هذا] «6» والأقدار ماضيه، وبمشيئة الله جاريه؛ فإن يشإ الله ينصر على العدو المضعّف، بالعدد الأضعف؛ ويوصّل إلى الجوهر الأعلى بالعرض الأدنى؛ فإنا لا نرتاب بأن الله ما فتح علينا هذه الفتوح ليغلقها، ولا جمع علينا هذه الأمة ليفرّقها؛ وأن العدوّ إن خرج من داره بطرا «7» ، ودخل إلى دارنا كان فيها جزرا «8» ؛ وما بقي إن شاء الله إلا أموال تساق إلى ناهبها، ورقاب تقاد إلى ضاربها، وأسلحة تحمل إلى كاسبها؛ وإنما نؤثر أن لا تنطوي صحائف الحمد خالية من اسمه، ومواقف الرشد خاوية من عزمه؛ ونؤثر أن يساهم آل أيّوب في ميراثهم منه مواقع الصبر، ومطالع النصر؛ فو الله إنا على أن نعطيه عطايا الآخرة الفاخرة، أشدّ منّا حرصا عى أن نعطيه عطايا الدنيا القاصرة؛ وأنا لا يسرّنا أن ينقضى عمره في قتال غير الكافر، ونزال غير الكفء المناظر؛ ولا شكّ أن سيفه لو اتصل بلسان ناطق وفم، لقال ما دمت هناك فلست ثمّ «9» ؛ وما هو محمول على خطّة يخافها، ولا
(7/26)

متكّلف قضية بحكمنا يعافها؛ والذي بيده لا نستكثره، بل نستقصره عن حقه ونستصغره؛ وما ناولناه لفتح أرضه السّلاح، ولا أعرناه لملك مركزه النّجاح؛ إلا على سخاء من النفس به وبأمثاله، على علم منّا أنه لا يقعد عنّا إذا قامت [الحرب] بنفسه وماله؛ فلا نكن به ظنّا أحسن منه فعلا، ولا نرضى وقد جعلنا الله أهلا أن لا نراه لنصرنا أهلا؛ وليستشر أهل الرّشاد فإنهم [لا يألونه] «1» حقّا واستنهاضا، وليعص أهل الغواية فانهم إنما يتغالون «2» به لمصالحهم أغراضا؛ ومن بيته يظعن، وإلى بيته يقفل «3» ؛ وهو يجيبنا جواب مثله لمثلنا، وينوى في هذه الزيارة جمع شمل الإسلام قبل نيّة جمع شملنا؛ ولا تقعد به في الله نهضة قائم، ولا تخذله عزمة عازم، ولا يستفت فيها فوت طالب ولا تأخذه في الله لومة لائم؛ فإنما هي سفرة قاصدة، وزجرة واحدة؛ فإذا هو قد بيّض الصحيفة والوجه والذّكر والسّمعة، ودان الله أحسن دين فلا حرج عليه إن فاء إلى أرضه بالرّجعة؛ وليتدبّر ما كتبناه، وليتفهّم ما أردناه؛ وليقدّم الاستخارة، فإنها سراج الاستنارة [وليغضب لله ورسوله ولدينه ولأخيه فانها مكان الاستغضاب والاستشارة] «4» وليحضر حتّى يشاهد أولادا لأخيه يستشعرون لفرقته غمّا، وقد عاشوا ما عاشوا لا يعرفون أن لهم مع عمّهم عمّا؛ والله سبحانه يلهمه توفيقا! ويسلك به إليه طريقا؛ وينجدنا به سيفا لرقبة الكفر مرقا «5» ولدمه مريقا؛ ويجعله في مضمار الطاعات سابقا لا مسبوقا.
الأسلوب الثالث (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «هذه المكاتبة إلى المجلس»
وهذه نسخة كتاب من هذا الاسلوب بالإخبار بفتح أيلة التي تحت العقبة في ممّر حجّاج مصر. وهي:
(7/27)

هذه المكاتبة إلى المجلس الفلاني أعلى الله سلطانه، وعمر بالنجاح آماله وبالسعادة أوطانه، ولا زالت يد النصر تصرّف يوم اللّقاء عنانه، ويد لطف الله تفيض على الخلق يوم العلياء عنانه «1» ، وتمكّن من هام الأعداء ونحورهم سيفه وسنانه؛ (نشعره) أنه لم تزل عوائد «2» الله سبحانه عندنا متكفّلة ما يوجب أن يبدأ الحمد ويعاد، مقرّبة لنا من الآمال كلّ ما كان رهين نأي وبعاد، موافقة لنا بالتوفيق فكأننا وإياه على ميعاد، معينة لنا على ما يعتدّه الغاشّ معاش وعيد معاد. وقد كان ما علم من غزوتنا إلى أيلة التي اتخذها العدو معقلا، وتديّرها «3» منزلا، وعدّها موئلا؛ وغاض بها رونق الجملة «4» ، وفاض «5» بها أهل القبلة، وصارت على مدارج الأنفاس، وعلى مراصد الافتراص «6» والافتراس؛ وخصّت الحرمين بأعظم قادح، واشتد عن حادثتها «7» من لطف الله أعظم فاتح؛ ولما توجّهنا إليها، ونزلنا عليها؛ شاهدنا قلعة يحتاج راميها إلى الدّهر المديد، والأمل البعيد، والزاد العتيد، والبأس الشديد؛ تنبو بعطف جامح عن الخطبة «8» ، وتعرض بذكر مانع عن الضربة؛ وتعطف بأنف على السّحاب شامخ، وتطلع في الصباح بوجه شادخ «9» ، كأنما بينها وبين الأيّام ذمام، وكأنّ نار الحوادث إذا بلغت ماءها برد وسلام؛ فأطفنا بها متبصّرين، ونزلنا من ناحية البرّ بها مفكّرين؛ وبينا نحن نأمر بالحرب أن يشبّ أوارها، وبالخيل أن تسيّر أسرارها «10» ، وبنار اللّقاء أن يستطير شرارها، وبقناطير
(7/28)

الموت من القسيّ أن تعقّد أوتارها؛ وبالمجانيق أن تعقد حناياها وتحلّ أزرارها، وبالكواكب «1» أن تذيقهم طعم الصّغار كبارها، إذ نادى مناد من أعلى قمّتها، ورأس قلّتها «2» ؛ معلنا بالأمان، ناسخا لآية الكفر بآية الإيمان؛ فأعارته الأسماع إنصاتها، واستحقت القلوب حصاتها؛ وعمدت إليه بنت بحر، عادت باب نصر، وساعة بدهر؛ وبشّرني بغلام على كبر، وبظفر في سفر على قدر؛ فأعطى فرنجها ما طلبوا؛ وأتى اللّطف للمسلمين بما لم يحتسبوا؛ وفي الحال رفعت عليها ألوية الإسلام ونشرت، وأوت إليها فئة الحق وحشرت، وتظاهرت عليها أولياء الله وظهرت؛ وقيل الحمد لله ربّ العالمين.
الأسلوب الرابع (أن تفتتح المكاتبة بلفظ: «كتابنا» وباقي الأمر على نحو ما تقدم)
وهذه نسخة كتاب من هذا الأسلوب كتب به القاضي الفاضل عن الملك الناصر «صلاح الدين يوسف بن أيوب» إلى بعض الأمراء بالشام عند وفاة السلطان نور الدين محمود. وهي:
كتابنا هذا إلى الأمير، معزّين بالرّزء الذي كملت أقسامه وتمّت، ورمت أحداثه القلوب فأصمت، وطرقت أحاديثه الأسماع فأصمّت «3» ، وأبى أن تعفو كلومه «4» ، وكاد لأجله الأفق تنكسف بدوره وتنكدر نجومه، وثلم جانب الدّين لفقد من لولاه لدرست أعلامه ولم تدرس علومه، وفجأ فاستولى على كلّ قلب وجيبه «5» وعلى كلّ خاطر وجومه؛ بانتقال المولى «نور الدين» إلى سكنى دار السلام، وقدومه على ما أعده الله له من جزاء ذبّه «6» عن الإسلام؛ وبكى أهله على فقد عزائمه
(7/29)

التي بها حفظت وحرست، وشكت الممالك وحشة بعده وإن ابتهجت الملائكة بقربه وأنست؛ فلله هو! من مصاب أغرى العيون بفيضها، والنفوس بفيظها «1» ؛ ونقل الأولياء من ظل المسرّة ونعيمها إلى هجير المساءة وقيظها؛ وأوجب تناجي الكفّار بالنّجاة من تلك السّطوة التي لم تزل تزيدها غمّا وتردّها بغيظها.
ومهنئين بما أسا الكلم وداواه، وحوى الحقّ إلى الجانب الأمنع وآواه؛ من جلوس ولده «الملك الصالح» «2» ذي التصويب والتسديد مشمولا منّا بالعرف العميم، والطّول الجسيم، جاريا على سننه المعهودة، وعادته المحمودة، في رفع صالح أدعيته عن صفاء سريرته، وخلوص عقيدته، مستمرّا على جميل تحيته، في إمدادنا ببركته، إن شاء الله تعالى.
قلت: والمصطلح الجاري عليه الحال في المكاتبات الصادرة عن ملوك الديار المصرية في زماننا مأخوذة من الأساليب الثلاثة: الأول والثاني والثالث المقدّم ذكرها. على أن في الدولة الأيوبية أساليب أخرى لا يسع استيعابها، ويغتنى عنها بما تقدّم ذكره.
الطرف الحادي عشر (في المكاتبات الصادرة عن ملوك أهل الغرب) وقد انفردوا عن كتّاب المشرق وكتّاب الديار المصرية بأمور
: منها أن المخاطبة تقع للمكتوب إليه بميم الجمع مع الانفراد، كما تقع الكتابة عن المكتوب عنه بنون الجمع مع الانفراد.
ومنها أنهم يلتزمون الدعاء بمعنى الكتابة عند قولهم: كتبنا، بأن يقال «كتبنا إليكم كتب الله لكم كذا» .
(7/30)

ومنها أنهم يترضّون عن الخليفة القائمين بدعوته في كتبهم.
ومنها أنهم يذكرون اسم المكتوب إليه في أثناء الكتاب، وباقي مكاتباتهم على نحو من مكاتبات أهل الشرق والديار المصرية؛ وكتبهم تختم بالسلام غالبا، وربما ختمت بالدعاء ونحوه.
ومنها أن الخطاب يقع عندهم بلفظ الرياسة مثل أن يقال: رياستكم الكريمة ونحو ذلك. ولها حالتان:
الحالة الأولى (ما كان الأمر عليه في الزمن المتقدّم، وهو على أربعة أساليب «1» )
الأسلوب الأول (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «من فلان إلى فلان» ويدعى للمكتوب إليه ثم يقع التخلّص إلى المقصود بأما بعد، ويؤتى عليه إلى آخره، ويختم بالسلام)
كما كتب أبو بكر بن هشام عن أبي محمد بن هود «2» ، في قيامه بالدعوة العباسية ببلاد المغرب إلى أهل بلد من رعيته.
«من فلان إلى أهل فلانة، أدام الله كرامتهم وآثرهم بتقواه، وعرّفهم عوارف نعماه، وكنفهم في حرمه المنيع وحماه، وجعلهم ممن وفّق إلى رضاه، وحفّ بخير ما قدّره وقضاه، بسلام.
أما بعد حمد الله على متتابع واسع فضله، هازم الباطل وأهله، ومورّط الجاهل في مهواة جهله؛ الماليء بدعوة الحق ما اتسّع من حزن «3» المعمور وسهله، والصلاة على سيدنا محمد نبيّه المصطفى خاتم رسله، المؤيد بالقرآن الذي عجزت الجنّ والإنس أن يأتوا بمثله؛ وعلى آله وصحبه الجارين على قويم
(7/31)

سنّته وواضح سبله؛ والرضا عن الإمام العباسيّ أمير المؤمنين «1» ، الذي لا إمام سواه للمسلمين؛ المفرّع من محتده الكريم وأصله، المدافع عن حرم أمره بسديد نظره وحديد نصله؛ والدعاء لمقامه العليّ، ومكانه السنيّ، بالسّعد المصاحب بمصاحبة ظلّه، والعضد الفاتح ما لم يفتح لأحد من قبله، فإنا كتبناه لكم- كتبكم الله ممن انتفع بقوله وعمله، وتوجّه إلى رضاه بمبسوط أمله، وجرت له الأقدار بأفضل معتاد وأجمله- من فلانة، والتوكل على الله سبحانه نتائج تبرزها الأيّام، ويستنجدها السّعد والحسام، ويستدنيها التفويض إلى الله سبحانه والاستسلام؛ والدعوة العلية- أدام الله أيّامها، وأسعد أعلامها- الآثار التي تجملت بها المذاهب، والأنوار التي وضحت بها المساري والمسارب، وأضاءت بها المشارق والمغارب. والحمد لله حمدا كثيرا- المكان الذي تتجدّد حرمته، وتتأكّد ذمّته، ولا توضع عن يد الاعتناء والاهتمام أزمّته، وإذا أنهضت العزائم لمصالح العباد تقدّمت كلّ العزمات عزمته، لأنه المكان الذي صرف وجوه الأعداء، وصابر مكابدة الإضرار والاعتداء، واحتمل مكروه الدواء، في معالجة الشّفاء ومعاجلة حسم الداء، فكرمت آثاره، وتعيّن تخصيصه بالمزيد وإيثاره، وطابت أخباره، وطالت في مضايق مجال الرجال أسنّته وشفاره، فنحن نوجب تكريمه، ونؤثر تقديمه، ونتبع حديثه في الاعتناء قديمه، والله يتولى تكميل قصدنا الجميل فيه وتتميمه!.
وقد بلغ- بلّغكم الله أملكم، وأتم نعمته قبلكم- تحرّك ذلكم الخائن «2» للإضرار بالبلاد، وإيثاره دواعي الشر والفساد؛ ومتى احتيج إلى إعلام جهة من الجهات بأحواله، وما يتصوّره بفاسد خياله، وتغلّب كبره المردي واختياله، وما يصدر عنه من قبيح آثاره وأعماله، فإنما يستعلم تحقيقها منكم، ويتعرّف تصديقها من لدنكم، بصدق جواركم، ودنوّ داركم، وتداخل آثاره مع آثاركم؛ فأنتم أقرب
(7/32)

اطّلاعا على خبث سرّه، وسوء مكره، وما يضمر للمسلمين من إذايته وضرّه؛ فمتى انصرفت وجوه المسلمين إلى جهادهم واشتغلوا بتأمين بلادهم، انتهز الفرصة في فساد يحدثه، وعقد ينكثه، واستعجال ما يعجّل عليه ولا يلبّثه؛ ونحن نعرض عنه إعراض من يرجو متابه، ويرتقب رجوعه إلى الحق وإيابه؛ وهو متخبّط في أهوائه، مستمرّ على غلوائه، مصرّ على إضراره واعتدائه، لا يكفّ عنه من استطالته، ولا يريه الاستبصار وجهة جهالته، فوجب علينا بحكم النظر للبلاد التي لحقها عدوانه، وأضرّ بها مكانه، وتكرّر عليها امتحانه، أن نعاجل حسم علله، ونسدّ مواقع خلله، ونرد عليه كلّ مضرّة لاحقة من قبله، حتّى يستريح الناس إلى أمن مبسوط، وكنف «1» مضبوط، وحوز «2» بالكفاية والوقاية محوط؛ وقد كنّا عند الفراغ من مصالح البلاد الغريبة، وانتهاء الفتح فيها إلى ما لم يدر بالخاطر ولم يحسب بالنّية، نظرنا في إعداد جموع من أجناد الغرب، وتخيّرنا منهم كلّ من درب بالطّعن والضّرب؛ وسعد لكم «3» من جماهير الأغراب «4» وجزولة «5» وسائر القبائل النازلين بالبلاد، المتأهّبين لما يطلبون به من الغزو والجهاد؛ ورسمنا لهم أن يلحقوا بنا عند الاستدعاء، على ما جدّدنا لهم في الانتخاب والانتقاء، لتأخذ الجموع كلّها من محو أثر هذا الخائن بنصيب، وتضرب فيه، وفي كلّ عمل يعفّيه، بسهم مصيب؛ لكن لما تعجّل حركته التي تعجّل بها الحين «6» ، وساقه إليها القدر الذي أعمى البصيرة والعين؛ رأينا أن ننفذ
(7/33)

إليه قصدنا، وأن نعاجله بما حضر عندنا، متوافرة الأعداد، غنيّة عن الاستمداد، غير مفتقرة إلى الازدياد؛ ومع هذا فقد أمرنا أهل الجهات كلّها باللّحاق بنا، وأن ينهض جميع أعدادهم من الخيل والبطل والرّماة على سبيلنا ومذهبنا، لتكون الأيدي في هذه المصلحة العامّة واحدة، والعقائد في دفع هذا الضرر عن الكافّة متعاقدة، حتّى يذهب أثر هذه النكّبة وعينها «1» ، ويزول عن بهجة الإحقاق والاتّفاق شينها «2» ؛ وإذا وجب على أهل هذه الجهات أن ينفروا في هذه الدّعاة خفافا وثقالا، ويبادروا ركبانا ورجالا، كان الوجوب في حقّكم وجوبين، والفرض عليكم فرضين؛ لما يخصّكم من هذه المصلحة التي أنتم أولى من يجتلي صورها، ويجتني ثمرها، ويجدّ في حاله واستقباله إثرها؛ فليكن استعدادكم بحسب ذلكم، واستوعبوا جميع أنجادكم، من خيلكم ورماتكم ورجالكم؛ وكونوا واقفين على قدم التأهّب إلى أن يكون الاجتياز من هنالكم؛ إن شاء الله تعالى والسلام» .
الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «أما بعد» وهو على ضربين)
الضرب الأوّل (أن تعقّب البعدية بالحمد لله، ويؤتى على الخطبة إلى آخرها، ثم يتخلّص إلى المقصود ويختم بالسلام على نحو ما تقدّم)
كما كتب أبو عبد الله بن الجيان «3» عن أبي عبد الله بن هود «4» أيضا إلى أكابر
(7/34)

بلده بالرّفق بالرعية عند ورود كتابهم عليه بتحصين البلد، وبلوغه جور المستخدمين بها على الرعية، وهو:
أما بعد حمد الله تعالى معلي منار الحقّ ورافعه، ومولي متوالي الإنعام ومتابعه؛ والصلاة على سيدنا محمد عبده ورسوله مشفّع الحشر وشافعه، المبعوث ببدائع الحكم وجوامعه؛ وعلى آله وصحبه المبادرين إلى مقاصده العلية ومنازعه، والذابّين عن حوزة الإسلام، بمواضي الاعتزام، وقواطعه؛ والرضا عن الخليفة الإمام العباسيّ «1» أمير المؤمنين ذي المجد الذي لا ينال سموّ مطالعه.
فإنا كتبنا إليكم- كتب الله لكم عزّة قدحها «2» بالثبوت فائز، وسعادة قسطها للنماء حائز- من فلانة «3» ، وكلمة الحق منصورة اللواء، منشورة الأضواء؛ والتوكّل على الله في الإعادة والإبداء، والتسليم إليه مناط أمرنا في الانتهاء والابتداء، وحمد الله تعالى وشكره وصّلنا إلى نيل مزيد النّعماء والآلاء؛ ومكانتكم لدينا مكانة السّنيّ المناصب، المنتمي إلى كرام المنتميات والمناسب، المتحلّي في الغناء والاكتفاء، والخلوص والصّفاء، بأكرم السّجيّات والمناقب، المعلوم ما لديه من المصالحة السالكة بأكرم السّجيّات في المناحي الحسان على المهيع الأوضح والسّنن اللاحب «4» .
(7/35)

وقد وقفنا على كتابكم معلما بخبر فلانة وما رأيتموه من المصلحة في تحصينها، والاجتهاد في أسباب تأمينها؛ ونحن نعلم أنكم تريدون الإصلاح، وتتوخّون ما تتوسّمون فيه النّجاح؛ لكن أهمّ الأمور عندنا، وأولى ما يوافق غرضنا وقصدنا، الرفق بالرعيّة، وحملها على قوانين الإحسان المرعيّة- وعلى أثر وصول كتابكم وصلنا كتاب [أهل] فلانة «1» المذكورة يشكون ضرر الخدمة المتصرّفين فيهم، ويتظلّمون من متحيّفيهم «2» ومتعسّفيهم؛ وفي هذا ما لا يخفى عليكم، ولا ترضون به لو انتهى إليكم؛ فإنه إذا كان الناظر في خدمة ممن لا يحسن سياسة الأمور، ولا يعلم طريقة الرّفق الجارية بوفق الخاصة والجمهور، أعاد التسكين تنفيرا، والتيسير تعسيرا، وتعلمون أنا لا نقدّم على إيثار العدل في عباد الله المسلمين عملا، ولا نبغي لهم باطنة بغير التخفيف عنهم والإحسان إليهم بدلا؛ وأنتم أولى من يعتقد فيه أنه يكمّل هذا المقصد، ويتحرّى في مصالح الرّعايا هذا السّنن الأرشد؛ وقد خاطبنا أهل فلانة بما يذهب وجلهم، ويبسط أملهم، وعرّفناهم بأنكم لو علمتم من جار عليهم من الخدمة لأخذتم على يده وجازيتموه بسوء معتقده، وأشعرناهم بأنّا قد استوصيناكم بهم خيرا، ونبّهناكم على ما يدفع عنه ضيما ويرفع ضيرا؛ وأنتم- إن شاء الله- تستأنفون نظرا جميلا، وتؤخّرون عنهم الخدمة الذين لا يسلكون من السياسة سبيلا، وتقدّمون عليهم من تحسن فيهم سيرته، وتكرم في تمشيته الرّفق علانيته وسريرته، ومثلكم لا يؤكّد عليه في مذهب تحسن عواقبه، وغرض يوافقه القصد الاحتياطيّ ويصاحبه، إن شاء الله تعالى والسلام.
(7/36)

الضرب الثاني (أن تعقّب البعدية بذكر المقصود من غير خطبة ثم يؤتى على المقصود إلى آخره على نحو ما تقدم)
كما كتب أبو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعيّ المعروف بالأبار «1» ، عن الأمير أبي جميل «2» إلى أهل ناحية بولاية وال عليهم وهي:
أما بعد، فالكتاب- كتب الله لكم ملء الجوانب قرارا، وأرسل عليكم سماء المواهب مدرارا- من فلانة «3» ، وليس إلا الخير الدائم، واليسر الملازم؛ وقد توالى إعلامكم بالغرض الجميل فيكم، والاعتناء المتّصل بتمهيد نواحيكم، وأنتم اليوم بثغر متحيّف «4» ، وجناب متطرّف، يتضاعف الاحتياط عليه، ويجب تيسير المير «5» إليه؛ فالنظر له معمل، والتهمّم به لا يهمل؛ وهذه ألسن «6» قد ملك قيادها، وأوثر بوجوه القرابة إمدادها، وفلان قد خاطب يستأذن في القدوم على
(7/37)

الباب الكريم، ويؤكّد ما عنده في الخدمة والتصميم؛ والخيرات بسبيل الاتصال، والمسرّات واردة مع البكور والآصال.
والحمد لله الجسيم فضله، والعظيم نيله، فاحمدوا الله على ما يسّر لنا ولكم، واستوزعوه «1» شكر ما خوّلنا وخوّلكم؛ واعلموا أنّا نرعاكم كما رعى أوّلنا أولاكم؛ وقد عيّن لموضعكم كذا وكذا فأنفذوا إلينا بعضكم معجلا، واستشعروا إنماء الأثرة واطّراد النّصرة، حالا ومستقبلا؛ والحركة الكبرى- يمّنها الله- قد شرع في أسبابها، وأتي ما يؤتي بمشيئة الله الفتح القريب من بابها؛ ولا غنى بما يدار في ذلك عن فلان وقد خوطب بالوصول، ووجّه إليكم فلان واليا عليكم، وثاويا «2» لديكم؛ وهو ممن خبرت كفايته، وارتضيت لجبر أحوالكم سياسته، وشكر هنا فأوثرتم به هنالكم؛ وقد فوّض إليكم من نظر «3» لخاصّتكم وجمهوركم، وقلد بما يستقلّ أتمّ الاستقلال من تدبير أموركم؛ وأمضي معه من الأجناد طائفة يحسنون الدفاع والذّياد، ولا يفارقون الجدّ والاجتهاد؛ ووراء هذا من كريم العناية وجميل النظر، ما يقضي لكم بالفلج والظّفر، ويديلكم بالأمانة الشاملة من الذّعر والحذر، إن شاء الله تعالى والسلام.
الأسلوب الثالث (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «كتابنا إليكم من موضع كذا، والأمر على كذا وكذا» ويؤتى على المقصد إلى آخره ويختم بالسلام)
وربما قيل: «هذا كتابنا إليكم» وربما قيل: «كتبنا إليكم» ونحو ذلك.
(7/38)

كما كتب أبو المطرّف بن عميرة «1» عن ابن هود في البشارة بفتح حصن، وهو:
كتابنا إليكم- أطلع الله عليكم من البشائر أنورها جبينا، وأوضحها صبحا مبينا- من فلانة في يوم كذا.
سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي تكفّل بنصر من ينصره، ونصلّي على سيدنا محمد الكريم محتده الزاكي عنصره؛ ونجدّد مشفوع الصلوات، ونردّد مرفوع الدعوات، للإمام الخليفة «المستنصر بالله أمير المؤمنين» ذي المناقب التي لا عادّ يعدّها، ولا حاصر يحصرها.
والحمد لله الذي أنعم علينا بتقليد إمامته، التي لا تعقد معها إمامه، وأقامنا لإقامة دعوته، التي لا تجوز على غيرها إقامه، وجعلنا نرمي الغرض باسمه الأشرف فنصيبه، ونستوهب فضل الله سبحانه فيتوفّر قبلنا نصيبه، ونستنزل بخلافته المباركة جوامع النصر، كما استنزل الفاروق بغرّة «2» جدّه هوامع القطر؛ فتسير أمام رايته السّوداء بالأثر المبيض، وتروى هذه أوام «3» كما أروى ذلك أوام الأرض؛ وما زلنا منذ كان النزول على هذا الحصن نتعرّف فيه من مخايل النّجح، ودلائل الظّفر والفتح، ما أعطانا فثلج اليقين «4» بأنا نفصم عروته، ونفرع ذروته، ولم يزل العزم
(7/39)

يذلّل شماسه «1» ، ويقلّل ناسه؛ حتّى أذعنوا لما عرّفتم به من النزول لوقت معدود، وأمد محدود. ثم إنهم خامرهم طارق الوجل، فعجّلوا أداء دينه قبل حلول الأجل؛ وأمكن الله من هذا المعقل الفذّ في المعاقل، وقتل الظانين لا متناعهم والحسام إن شاء الله تعالى في يد القاتل؛ وقد صعدت راياتنا على السّور، وسعدت إدارتنا بالعزم المنصور، وشيّد الله من هذا الفتح الجليل أقصى الفتوح بعلوّ، وأشجاها للعدوّ، وأدلّها على نجح عمل مستأنف وبلوغ أمل مرجوّ.
والحمد لله الذي ردّ حقّنا المغتصب، وكفانا في وجهنا هذا التعب والنّصب؛ وعرّفناكم بهذا الخبر الذي هو غذاء للرّوح، والمنبيء عن فتح الفتوح: لتشكروا الله عليه شكرا، وتوفّوه حقّه إذاعة له ونشرا، وتجدّدوا بحمد الله [على] ما أولى من خالص النّعم، ووافر القسم، ما يطيب به المعرّس «2» والمقيل «3» ، ويستقصر به الأمد الطويل. واكتبوا من خطابنا هذا نسخا إلى الجهات ليأخذ منها كلّ بحظه، وينعم القريب والبعيد بجلالة معناه وجزالة لفظه؛ أعاننا الله وإيّاكم على شكر إحسانه الجزيل، ولا أخلى من لطفه العميم ونظره الجميل، بمنّه والسلام.
الحالة الثانية (ما الأمر مستقرّ عليه الآن مما كان عليه علّامة متأخرى كتّاب المغرب أبو عبد الله محمد بن الخطيب «4» وزير ابن الأحمر «5» : صاحب حمراء غرناطة من الأندلس)
والأمر فيها على نحو ما تقدّم في الحالة الأولى: من التعبير عن المكتوب إليه
(7/40)

بميم الجمع وإن كان واحدا، والتزام الدعاء بمعنى الكتابة عند قولهم كتبنا إليكم ونحو ذلك. وعادتهم أن يكتب كتاب السلطان في طومار كامل، فإن استوعب الكلام جميع الطومار كتب على حاشيته، ويكتب صاحب العلامة علامة السلطان في آخره، ويطوى طيّا عريضا في نحو ثلاث أصابع معترضة، ثم يكسر ويطوى نصفين، ويكتب العنوان بالألقاب التي في الصّدر ويخزم «1» بدسرة من الورق، ثم يختم بخاتم السلطان على شمع أحمر كما تقدّم بيانه.
وهي على ثلاثة أساليب:
الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بالّلقب اللائق بالمكتوب إليه، وهو على أضرب)
الضرب الأوّل (أن يبتدأ بلفظ «المقام» وهو مختصّ بالكتابة إلى الملوك)
والرسم فيه عندهم أن يقال: «المقام» وينعت بما يليق به، ثم يقال:
«محلّ أخينا، أو محلّ ولدنا، أو محلّ والدنا السلطان» ويؤتى بألقابه ثم يسمّى؛
(7/41)

ثم يقال: «من فلان» ويفعل فيه كذلك إلى منتهى نسبه، ويدعى له بالبقاء وما يتبعه؛ ثم يقال: معظّم قدره أو معظّم مقامه، وما أشبه ذلك، ويذكر اسم المكتوب عنه؛ ثم يقال: أما بعد حمد الله ويؤتى بالخطبة إلى آخرها؛ ثم يقال: فإنا كتبناه إليكم من موضع كذا، ويؤتى على المقصود إلى آخره، ويختم بالدعاء ثم بالسلام.
كما كتب أبو عبد الله بن الخطيب المقدّم ذكره عن سلطانه ابن الأحمر المذكور أعلاه، إلى السلطان أبي عنان بن أبي الحسن المرينيّ «1» صاحب فاس، عند موت الطاغية ملك قشتالة «2» من إقليم أشبيلية، وطليطلة، وقرطبة وما معها بعد نزوله على جبل الفتح «3» من مملكة المسلمين بالأندلس لمحاربة المسلمين فيه، ورحيل قومه بعد موته به، وهو:
المقام الذي أنارت آيات سعده، في مسطور الوجود، وتبارت جياد مجده، في ميدان البأس والجود، وضمنت إيالته لمن بهذه الأقطار الغربية تجديد السّعود،
(7/42)

وإعادة العهود، واختلفت كتائب تأييد الله ونصره لوقته المشهور فيها ويومه المشهود، مقام محلّ أخينا الذي نعظّمه ونرفعه، ويوجب له الحقّ العليّ موضعه، السلطان أبي عنان ابن السلطان أبي الحسن، أبن السلطان أبي سعيد، ابن السلطان أبي يوسف، بن عبد الحق- أبقاه الله يتهلّل للبشرى جنابه، ويفتح لوارد الفتح الإلهيّ بابه؛ وتعمل في سبيل الله مكارمه وعزائمه وركابه، ويتوفّر بالجهاد فيه مجده وسعده وفخره وثوابه، معظّم قدره الأمير عبد الله يوسف ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر، سلام كريم مشفوع بالبشائر والتّهاني، محفوف [الركاب] «1» ببلوغ الأماني، ورحمة الله تعالى وبركاته.
أما بعد حمد الله مطلع أنوار الصنائع العجيبة متألّقة الغرر، ومنشيء سحائب الألطاف، الكريمة الأوصاف، هامية الدّرر، الكريم الذي يجيب دعوة المضطرّ إذا دعاه، ويكشف السّوء وما أمره إلا واحدة كلمح بالبصر؛ حجب كامن ألطافه عن قوى الفطن ومدارك الفطر، فما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ
«2» والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله ذي المعجزات الباهرة والآيات الكبر، الذي بجاهه الحصين نمتنع عند استشعار الحذر، وبنور هداه نستضيء عند التباس الورد والصّدر، فنحصل على الخير العاجل والمنتظر، والرضا عن آله وأصحابه الكرام الأثر، الذين جنوا من أفنان الصبر في الله ثمار الظّفر، وفازوا من إنجاز الوعد بأقصى الوطر، وانتظموا في سلك الملّة الرفيعة انتظام الدّرر، والدعاء لمقامكم الأعلى باتصال المسرّات وتوالي البشر، والسعد الذي تجري بأحكامه النافذة تصاريف القدر، والصّنع الذي تجلى عجائبه في أجمل الصّور، فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم من حظوظ فضله وإحسانه أجزل
(7/43)

الأقسام، وعرّفكم عوارف نعمه الثّرّة «1» وآلائه الجسام- من حمراء غرناطة- حرسها الله- واليسر بفضل الله طارد الأزمات بعد ما قعدت، وكاشف الشدائد بعد ما أبرقت وأرعدت. ثم ما عندنا من الاعتداد بإيالتكم «2» التي أنجزت لنا في الله ما وعدت، ومددنا إليها يد الانتصار على أعدائه فأسعدت، إلا الصّنع العجيب، واليسر الذي أتاح ألطافه السميع المجيب؛ واليمن الذي رفع عماده التيسير الغريب، ومدّ رواقه الفرج القريب؛ وإلى هذا أيّدكم الله على أعدائه، وأجزل لديكم مواهب آلائه، وحكم للإسلام على يديكم بظهوره واعتلائه، وعرّفكم من أخبار الهنيّ المدفع «3» وأنبائه كلّ شاهد برحمته واعتنائه. فإنا كتبناه إليكم نحقّق لديكم البشرى التي بمثلها تنضى الرّكاب «4» ، ويخاض العباب، ونعرض عليكم ثمرة سعدكم الجديد الأثواب، المفتّح للأبواب، علما بما عندكم من فضل الأخلاق، وكرم الأعراق؛ وأصالة الأحساب، والمعرفة بمواقع نعم الله التي لا تجري لخلقه على حساب، والعناية بأمور هذا القطر الذي تعلّق أذيال ملككم السامي الجناب. [وقد تقرر لدى مقامكم الأسنى ما كانت الحال آلت إليه بهذا الطاغية] «5» الذي غرّه الإمهال والإملاء «6» ، وأقدمه على الإسلام التمحيص المكتوب والابتلاء؛ فتملّأ «7» تيها وعجبا، وارتكب من قهر هذه الأمة المسلمة مركبا صعبا، وسام كلمة الإسلام بأسا وحربا، فكتائب برّه توسع الأرجاء طعنا وضربا، وكتائب بحره تأخذ كلّ سفينة غصبا، والمخاوف قد تجاوبت شرقا وغربا، والقلوب قد بلغت الحناجر
(7/44)

غمّا وكربا، وجبل الفتح الذي هو باب هذه الدار، وسبب الاستعداء على الأعداء والانتصار، ومسلك الملّة الحنيفيّة إلى هذه الأقطار، قد رماه ببوائقه، وصيّر ساحته مجرّ عواليه ومجرى سوابقه؛ واتّخذه دار مقامه، وجعله شغل يقظته وحلم منامه، ويسّر له ما يجاوره من المعاقل إملاء [من الله] لأيامه؛ فاستقرّ به القرار، واطمأنّت الدار، وطال الحصار وعجزت عن نصره الخيل والأنصار، ورجمت الظّنون «1» وساءت الأفكار، وشجر «2» نظّار القلوب الاضطرار، إلى رحمة الله والافتقار، فجبر الله الخواطر لمّا عظم بها الانكسار، ودار بإدالة «3» الإسلام الفلك الدّوّار، وتمخّض عن عجائب صنع الله الليل والنهار، وهبّت نواسم الفرج، عاطرة الأرج، ممن يخلق ما يشاء ويختار، لا إله إلا هو الواحد القهّار.
وبينما نحن نخوض من الشّفقة على ذلك المعقل العزيز على الإسلام لجّة مترامية المعاطب «4» ، ونقتعد صعبا لا يليق بالراكب؛ ولولا التعلّق بأسبابكم في أنواء تلك الغياهب، وما خلص إلى هذه البلاد من مواهبكم الهامية المواهب، ومواعيدكم الصادقة ومكارمكم الغرائب، وكتبكم التي تقوم عند العدوّ مقام الكتائب، وإمدادكم المتلاحق تلاحق العظام الجنائب «5» ، لما رجع الكفر بصفقة الخائب، إذ تجلّى نور الفرج من خلال تلك الظّلمة، وهمت سحائب الرحمة والنّعمة على هذه الأمّة، ورمى الله العدوّ بجيش من جيوش قدرته أغنى عن العديد والعدّة، وأرانا رأي العيان لطائف الفرج من بعد الشّدّة، وأهلك الطاغية حتف أنفه، وقطع به عن أمله قاطع حتفه، وغالته أيدي المنون في غيله «6» ، وانتهى
(7/45)

إلى حدود القواطع القويّة والأشعّة المرّيخيّة نصير دليله، فشفى الله منه داء، وأخذه أشدّ ما كان اعتدادا واعتداء، وحمى الجزيرة الغربية «1» وقد صارت نهبة طغاته، وأشرقه بريقه وهي مضغة في لهواته؛ سبحانه لا مبدّل لكلماته.
فانتثر سلكه الذي نظّمه، واختلّ تدبيره الذي أحكمه، ونطقت بتبار «2» محلّاته ألسنة النار، وعاجلت انتظامها أيدي الانتثار، وركدت ريحه الزّعزع من بعد الإعصار، وأصبح من استظهر به من الأشياع والأنصار يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
«3» وولّوا به يحثون التّراب فوق المفارق والتّرائب «4» ، ويخلطون تبر السّبال الصّهب «5» بذوب الذّوائب، قد لبسوا المسوح «6» حزنا، وأرسلوا الدموع مزنا، وشقّوا جيوبهم أسفا، وأضرموا قلوبهم تلهّفا، ورأوا أنّ حصن استطبونة «7» لا يتأتّى لهم به امتناع، ولا يمكنهم لمن يرومه من المسلمين دفاع، فأخلوه من سكّانه، وعاد فيه الإسلام إلى مكانه، وهو ما هو من طيب البقعة، وانفساح الرّقعة؛ ولو تمسّك به العدوّ لكان ذلك الوطن بسوء جواره مكدودا، والمسلك إلى الجبل- عصمه الله- مسدودا، فكان الصنيع فيه طرازا على عاتق تلك الحلّة الضافية، ومزيدا لحسنى العارفة الوافية، فلمّا استجلينا غرّة هذا الفتح الهنيّ، والمنح السّنيّ، قابلناه بشكر الله تعالى وحمده، وضرعنا إليه في صلة نعمه فلا نعمة إلا من عنده؛ وعلمنا أنه عنوان على مزيد ملككم الأعلى وعلامة على سعده، وأثر نيّته للإسلام وحسن قصده، وفخر ذخره
(7/46)

الله لأيامكم لا نهاية لحدّه، فإنكم صرفتم وجه عنايتكم إلى هذا القطر على نأي المحلّ وبعده، ولم تشغلكم الشواغل عن إصلاح شأنه وإجزال رفده.
وأما البلد المحصور، فظهر فيه من عزمكم الأمضى ما صدّق الآزال والظّنون، وشرح الصّدور بمقامكم وأقرّ العيون: من صلة الإمداد على الخطر، وتردّد السابلة «1» البحرية على بعد الوطن وتعذّر الوطر، واختلاف الشّواني «2» التي تسري إليه سرى الطّيف، وتخلص سهامها إلى غرضه بعد أنّى وكيف، حتّى لم تعدم فيه مرفقة يسوء فقدانها، ولا عدّة يهمّ شأنها؛ فجزاؤكم عند الله موفور القسم، وسعيكم لديه مشكور الذّمم؛ كافأ الله أعمالكم العالية الهمم، وخلالكم الزاكية الشّيم؛ فقد سعد الإسلام- والحمد لله- بملككم الميمون الطائر، وسرت أنباء عنايتكم بهذه البلاد كالمثل السائر؛ وما هو إلا أن يستتبّ اضطراب الكفّار واختلافهم، ويتنازع الأمر أصنافهم، فتغتنمون إن شاء الله فيهم الغرّة «3» التي ترتقبها العزائم الشريفة، والهمم المنيفة؛ وتجمع شيمكم الغليا، بين فخر الآخرة والدّنيا، وتحصل على الكمال الذي لا شرط فيه ولا ثنيا»
؛ فاهنأوا بهذه النّعمة التي خبأها الله إلى أيّامكم، والتّحفة التي بعثها السعد إلى مقامكم، فإنما هي بتوفيق الله ثمرة إمدادكم، وعقبى جهادكم؛ أوزعنا الله وإيّاكم شكرها وألهمنا ذكرها.
عرّفناكم بما اتّصل لدينا، وورد من البشائر علينا؛ عملا بما يجب لمقامكم من الإعلام بالمتزيّدات، والأحوال الواردات، ووجّهنا إليكم بكتابنا هذا من ينوب عنّا في هذا الهناء، ويقرّر ما عندنا من الولاء، وما يتزيّد لدينا بالأنباء، خالصة إنعامنا المتميّز بالوسيلة المرعيّة إلى مقامنا، الحظيّ لدينا، المقرّب إلينا، القائد
(7/47)

الفلانيّ أبا الحسن عبادا وصل الله عزّته، ويمّن وجهته؛ ومجدكم ينعم بالإصغاء إليه، فيما أحلنا فيه من ذلك عليه، والله يصل سعدكم ويحرس مجدكم؛ والسلام.
وكما كتب عنه أيضا إلى السلطان (أبي سعيد عثمان بن يغمراسن) «1» صاحب تلمسان، عند بعثه بطعام إلى الأندلس، شاكرا له على ذلك، ومخبرا بفتح حصن من حصون الأندلس يسمّى حصن قنيط، وهو:
المقام الذي تحدّثت بسعادته دولة أسلافه، واتّفق به قولها من بعد اختلافه، وعاد العقد إلى انتظامه والشّمل إلى ائتلافه؛ مقام وليّنا في الله الذي هيّأ الله له من جميل صنعه أسبابا، وفتح به من [مبهم] «2» السّعد أبوابا؛ وأطلع منه في سماء قومه شهابا. وصفيّنا الذي نسهب القول في شكر جلاله ووصف خلاله إسهابا؛ السلطان أبو سعيد عثمان، ابن الأمير أبي زيد، ابن الأمير أبي زكريّا، ابن السلطان أبي يحيى يغمراسن، بن زيان، مع ذكر ألقاب كل منهم بحسبه- أبقاه الله للدولة الزّيّانية- يزيّن بالأعمال الصالحة أجيادها، ويملك بالعدل والإحسان قيادها، ويجري في ميدان النّدى والباس، ووضع العرف بين الله والناس، جيادها. سلام كريم كما زحفت للصباح شهب المواكب، وتفتّحت عن نهر المجرّة أزهار الكواكب؛ ورحمة الله تعالى وبركاته.
أما بعد حمد الله جامع الشّمل بعد انصداعه وشتاته، وواصل الحبل بعد انقطاعه وانبتاته؛ سبحانه لا مبدّل لكلماته، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله الصادع بآياته، المؤيّد ببيّناته، الذي اصطفاه لحمل الأمانة العظمى، وحباه
(7/48)

بالقدر الرفيع والمحلّ الأسمى؛ والله أعلم حيث يجعل رسالاته. والرضا عن آله وصحبه وأنصاره وحزبه وحماته، المتواصلين في ذات الله وذاته، القائمين بنصر دينه وقهر عداته. فإنّا كتبناه إليكم- كتب الله لكم سعدا ثابت الأركان، وعزّا سامي المكان، ومجدا وثيق البنيان، وصنعا كريم الأثر والعيان- من حمراء غرناطة- حرسها الله- والثقة بالله سبحانه أسبابها وثيقة، وأنسابها عتيقة، والتوكّل عليه لا تلتبس من سالكه طريقه ولا تختلط بالمجاز منه حقيقة؛ وعندنا من الاعتداد بكم في الله عقود مبرمة، وآي في كتاب الإخلاص محكمة؛ ولدينا من السّرور، بما سنّاه الله لكم من أسباب الظّهور، الذي حلله معلمه «1» ، وحججه البالغة مسلّمة، ما لا تفي العبارة ببعض حقوقه الملتزمه؛ وإلى هذا- أيد الله أمركم- فإننا ورد علينا فلان وصل الله كرامته، وسنّى سلامته، صادرا عن جهتكم الرفيعة الجانب، السامية المراقب، طلق اللسان بالثناء بما خصّكم الله به من فضل الشمائل وكرم المذاهب، محدّثا عن بحر مكارمكم بالعجائب، فحضر بين يدينا ملقيا ما شاهده من ازدياد المشاهد، بتلك الإياله، واستبشار المعاهد، بعودة ذلك الملك الرفيع الجلاله، الشهير الأصاله؛ ووصل صحبته ما حمّلتم جفنة «2» من الطعام برسم إعانة هذه البلاد الأندلسيّة، والإمداد الذي افتتحتم به ديوان أعمالكم السنيّة، وأعربتم به عمّا لكم في سبيل الله من خالص النّيّة؛ وأخبر أنّ ذلك إنما هو رشّة من غمام، وطليعة من جيش لهام، ووفد من عدد، وبعض من مدد، وأنّ عزائمكم في الإعانة والإمداد على أوّلها، ومكارمكم ينسى الماضي منها بمستقبلها؛ فأثنينا على قصدكم الذي لله أخلصتموه، وبهذا العمل البرّ خصصتموه، وقلنا: لا ينكر الفضل على أهله، وهذا برّ صدر عن محلّه؛ فليست إعانة هذه البلاد الجهاديّة ببدع من مكارم جنابكم الرفيع، ولا شاذّة فيما أسدى على الأيام من حسن الصّنيع؛ فقد علم الشاهد والغائب، ولو سكتوا أثنت عليها الحقائب، ما تقدّم لسلفكم في
(7/49)

هذه البلاد من الإرفاق والإرفاد، والأخذ بالحظّ الموفور من المدافعة والجهاد؛ وأنتم أولى من جدّد عهود قومه، وكان غده في الفخر أكبر من يومه؛ وقد ظهرت لله في حيّز تلك الإيالة الزّيّانيّة نتيجة تلك المقدّمات، وعرفت بركة ما أسلفته من المكرمات. وسنّى الله سبحانه بين يدي وصول ما به تفضّلتم، وفي سبيله بذلتم، أن فتح جيشنا حصنا من الحصون المجاورة لغربيّ مالقة يعرف بحصن قنيط من الحصون الشهيرة المعروفة، والبقع المذكورة بالخصب الموصوفة؛ ودفع الله مضرّته عن الإسلام وأهله، ويسّره بمعهود فضله؛ فجعلنا من ذلك الطعام الذي وجّهتم طعمة حماته، ونفقات رجاله ورماته؛ اختيارا له في أرضى المرافق في سبل الخير وجهاته. وأما نحن فإن ذهبنا إلى تقرير ما عندنا من الثناء، على معالي ملككم الأصيل البناء، والاعتداد بمقامكم الرفيع العماد، والاستناد إلى ولائكم الثابت الإسناد، لم نبلغ بعض المراد، ولا وفى اللسان بما في الفؤاد؛ فمن الله نسأل أن يجعله في ذاته، وذريعة إلى مرضاته؛ ومرادنا من فضلكم العميم، وودّكم السليم، أن تحسبوا هذه الجهة كجهتكم فيما يعرض من الأغراض: لنعمل في تتميمها بمقتضى الودّ العذب الموارد، الكريم الشّواهد؛ والله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، والسلام.
الضرب الثاني (أن يقع الابتداء بالمقرّ)
والرسم فيه أن يقال: المقرّ، وينعت، ثم يقال: مقرّ فلان، وينعت بالألقاب، ثم يذكر المكتوب عنه. ثم يقال: أما بعد حمد الله، ويؤتى على الخطبة إلى آخرها؛ ثم يقال: فإنا كتبناه لكم من موضع كذا، ويتخلّص إلى المقصد بلفظ: وإلى هذا فإنّ كذا وكذا، ويؤتى على المقصد إلى آخره ويختم بالسلام.
كما كتب ابن الخطيب عن سلطانه ابن الأحمر إلى عجلان «1» سلطان مكة
(7/50)

شرّفها الله تعالى وعظّمها، وهو:
المقرّ الأشرف، الذي فضل المحالّ الدينيّة محلّه، وكرم في بئر زمزم منبط إسماعيل صلّى الله عليه وسلّم نهله وعلّه، وخصّه بإمرة الحرم الشريف الأمين من بيده الأمر كلّه، فأسفر عن صبح النصر العزيز فضله، واشتمل على خواصّ الشّرف الوضّاح جنسه وفصله، وطابت فروعه لما استمدّ من ريحانتي «1» الجنة أصله.
مقرّ السلطان الجليل، الكبير، الشريف، الطاهر، الظاهر، الأمجد، الأسعد، الأوحد، الأسمى الشهير البيت، الكريم الحيّ والميت، الموقّر، المعظّم، ابن الحسين «2» ، وحافد «3» سيد الثّقلين؛ تاج المعالي، عزّ الدنيا والدّين، أبي السّبق عجلان، ابن السلطان الكبير، الشهير، الرفيع، الخطير، الجليل، المثيل، الطاهر، الظاهر، الشريف، الأصيل، المعظّم، الأرضى، المقدّس، المنعّم، أسد الدين، أبي الفضل «رميثة» بن محمد بن أبي سعيد الحسني- أبقاه الله، وجعل أفئدة من الناس تهوي إلى قاطنيّ مثواه، على بعد الدار، وتتقرّب فيه إلى الله بالتئام التراب واستلام الجدار، وتجيب أذان نبيّه إبراهيم بالحجّ إجابة الابتدار؛ وهنأه المزيّة التي خصه بها من بين ملوك الأقطار، وأولي المراتب في عباده والأخطار؛ كما رفع قدره على الأقدار، وسجّل له بسقاية الحج وعمارة المسجد الحرام عقد الفخار. وينهي إليه أكرم التحيّات تتأرّج عن شذا الروضة المعطار، عقب الأمطار، معظم ما عظّم الله من شعائر مثواه، وملتمس البركة من أبواب مفاتحته ولكل امرىء ما نواه؛ وموجب حقّه الذي يليق بمن البتول والرّضا أبواه، الشّيّق إلى الوفادة عليه وإن مطله الدهر ولواه؛ فلان. كان الله له في غربته وانفراده، وتولّى عونه على الجهاد فيه حقّ جهاده.
(7/51)

أما بعد حمد الله وليّ الحمد في الأولى والآخرة، ومطمح النّفوس العالية والهمم الفاخرة؛ مؤيّد العزائم المتعاضدة في سبيله المتناصرة، ومعزّ الطائفة المؤمنة ومذلّ الطائفة الكافرة، ومنيل القياصرة الغلب والأكاسرة، وتارك أرضها للآذان السامعة والعيون الباصرة.
والصلاة على سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله نبيّ الرحمة الهامية الهامرة، والبركات الباطنة والظاهرة، المجاهد في سبيل الله بالعزائم الماضية والصّوارم الباترة، مصمت الشّقاشق «1» الهادره، ومرغم الضّلالة المكابره، المنصور بالرّعب من جنود ربّه الناصره، المحروس بحرس الملائكة الوافره، الموعود ملك أمّته بما زوي «2» له من أطراف البسيطة العامره، حسب ما ثبت بالدلائل المتواتره.
والرّضا عن آله وأحزابه، وعترته وأصحابه، المجاهدة الصابره، أولي القلوب المراقبة والألسن الذاكره، والآداب الحريصة على الاهتداء بهداه المثابره، الذين جاهدوا في الله حقّ جهاده يخوضون، لأن تكون كلمة الله هي العليا، بحار الرّوع الزّاخرة؛ ويقدمون بالجموع القليلة على الآلاف المتكاثرة، حتّى قرّت بظهور الإسلام العيون الناظره، وحلّت في العدوّ الفاقره «3» ، فكأنوا في الذّبّ عن أمّته كالأسود الكاسره، وفي الهداية بسماء ملّته كالنّجوم الزاهرة.
والدعاء لشرفكم الأصيل المناسب الطاهره، والمكارم الزاهية ببنوّة الزّهراء البتول بضعة الرسول الزّاهرة، بالصّنع الذي يسفر عن الغرر المشرقة السّافره، والعزّ الذي يضفو منه الجناح على الوفود الوافره، والفضلاء من المجاوره، ولا زال ذكركم بالجميل هجّيرى «4» الركائب الواردة والصادره، والثناء على مكارمكم
(7/52)

يخجل أنفاس الرّياض العاطره، عقب الغمائم الماطره.
فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم عناية تحجب الأسواء [بجننها] «1» الساتره، ورعاية تجمع الأهواء المختلفة والقلوب المتنافره- من حمراء غرناطة دار الملك الإسلاميّ بالأندلس- حرسها الله ووفّر جموع حاميتها المثاغرة «2» - وسدّ بيد قدرته ما همّ بها من أفواه العدى الفاغره، ولا زالت سحائب رحمة الله الحائطة لها الغامره، تظلّل جموع جهادها الظافره، وتجود رمم شهدائها الناخره، ونعم الله تحطّ ركائب المزيد في نواديها الحامدة الشاكره.
والحمد لله كما هو أهله، فلا فضل إلا فضله. وجانبكم موفّى حقّه من التعظيم الذي أناف وأربى، وقدركم يعرفه من صام وصلّى فضلا عمن حجّ ولبّى، ومستند ودّكم قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
«3» . وإلى هذا- حرس الله مجدكم ومقرّكم الأشرف، كما سحب على البيت العتيق ظلّكم الأورف- فإنّ الجهاد والحجّ أخوان، يشهد بذلك الملوان «4» ؛ مرتضعان ثدي المناسبه، ويكادان يتكافآن في المحاسبة: سفرا وزادا، ونيّة واستعدادا، وإتلافا لمصون المال وإنفادا، وخروجا إلى الله لا يؤثر أهلا ولا ولدا وإن افترقا محلّا فقد اجتمعا جهادا، ورفعا للملة منارا ساميا وعمادا، ووطننا- والحمد لله- على هذا العهد المخصوص بكمال هذه المزيّة، والقيام بفرض كفايتها البحرية والبرية عن جميع البريّة، [السليمة من الضلال البرية] «5» وهذا النسب واشجة «6» عروقه،
(7/53)

صادقة بروقه، ومتاته «1» لا يفضله متات ولا يفوقه. ونحن نعرّفكم بأحوال هذا القطر المستمسكة فروعه بتلك الجرثومة الراسية، الممدودة أيديه إلى مثابتها المتصدّقة بالدعاء المواسيه؛ فاعلموا أن الإسلام به مع الحياة في سفط «2» حرج، وفي أمر مرج «3» ؛ وطائفة الحق قليل عددها، منقطع إلا من الله مددها، مستغرق يومها في الشّدّة وغدها؛ فالطلائع في قنن الجبال تنوّر، والمصحر من بيته مغرّر «4» ؛ والصّيحة مع الأحيان مسموعه، والأعداء لردّ ما استخلصه الفتح الأوّل مجموعه؛ والصبر قد لبست مدارعه، والنصر قد التمست مشارعه، والشّهداء تنوش أشلاءهم القشاعم «5» ، وتحتفل منها للعوافي «6» الولائم والمطاعم؛ والصّبيان تدرّب على العمل بالسّلاح، وتعلّم أحكام الجهاد تعلّم القرآن في الألواح؛ وآذان الخيل مستشرفة للصيّاح «7» ، ومفارق الطائحين في سبيل الله تعالى تبلى بأيدي الرياح، والمآذن تجيبها النواقيس مناقضه، وتراجعها مغاضبة معارضه؛ وعدد المسلمين لا يبلغ من عدد الكفّار، عشر المعشار، ولا وبرة من جلود العشار «8» ؛ إلا أن الله عز وجلّ حلّ بولايتنا المخنق المشدود، وفتح إلى التيسير المهيع «9» المسدود، وأضفى ظلال اليمن الممدود، وألهم- وله الشكر على الإلهام، وتسديد السّهام. والحمد لله الذي يفوت مدارك الأفهام- إلى اجتهاد قرن به التوفيق، وجهاد نهج به إلى النجاة المنجية الطريق؛ سبحانه من كريم يلهم العمل
(7/54)

ليثيب، ويأمرنا بالدعاء ليجيب؛ فتحرّكنا حركات ساعدها- ولله المنة- السعد، وتولّى أمرها ونصرتها من له الأمر من قبل ومن بعد.
ففتحنا مدينة برغة «1» الفاصلة كانت بين البلاد المسلمه، والشّجا المعترض في نحر الكلمه؛ وتبعتها بنات كنّ يرتضعن أخلاف درّتها «2» ، ويتعلّقن في الحرب والسّلم بأرزتها.
ثم نازلنا حصن آش «3» ، ركاب الغارات الكافرة، ومستقرّ الشوكة الوافره، فرفع الله إصره «4» الثقيل، وكان من عثرة الدّين فيه المقيل.
ثم قصدنا مدينة الجزيرة «5» بنت حاضرة الكفر، وعرين الأسود الغلب وكناس الظّباء العفر؛ فاستبحناها عنوة أضرمت البلاد نارا، ودارت بأسوارها المنيعة سوارا، واستأصلنا أهلها قتلا وإسارا، وملأت الأيدي من نقاوة «6» سبي تعدّدت آلافه، وموفور غنم شذّت عن العبارة أوصافه.
ثم كانت الحركة إلى مدينة جيّان «7» وشهرتها في المعمور، وشياع وصفها
(7/55)

المشهور، تغني عن بسط مالها من الأمور؛ ففتحها الله على يدينا عنوة وجعلت مقاتلتها نهبا للسيوف الرّقاق، وسبيها ملكة للاسترقاق، وأهلّة مبانيها البيض دريئة «1» للمحاق، واستولت على جميعها أيدي الهدم والإحراق؛ ثم دكّت الأسوار، وعقرت الأشجار، واستخلف على خارجها النار، فهي اليوم صفصف ينشأ بها الاعتبار، وتعجب الأبصار.
وغزونا بعدها مدينة أبّدة «2» أختها الكبرى، ولدتها ذات المحل الأسرى؛ وكانت أسوة لها في التدمير، والتّتبير «3» والعفاء المبير.
ثم نازلنا مدينة قرطبة «4» وهي أمّ هذه البلاد الكافرة، ودار النّعم الوافره، وذات المحاسن السافره؛ فكدنا نستبيح حماها المنيع، ونشتّت شملها الجميع، ونحتفل بفتحها الذي [هو للدين أجل] «5» صنيع، لولا عوائق أمطار، وأجل منته إلى مقدار؛ فرحلنا عنها بعد انتهاك زلزل الطّود، ووعدناها العود؛ ونؤمّل من فضل الله إنفاذ البشرى بفتحها على بلاد الإسلام، ومتاحفة «6» من بها من الملوك
(7/56)

الأعلام، بالإخبار به والإعلام. وبلغ [من] «1» صنع الله لنا وهو كاف من توكّل عليه، وفوّض الأمور إليه، أن لا طفنا النصر بحصون أربعة لم نوجف عليها ركابا «2» ، ولا تملّكتها غلابا؛ فطهّرنا بيوت الله من دنس الأوثان، وعوّضنا النواقيس بكلمة الإيمان. والحمد لله على مواهب الامتنان، ومنه نستزيد عوائد الإحسان.
وهذه المجملات تحتمل شرحا، تسبح في بحره سنان الأقلام سبحا، من أوصاف مغانم شذّت عن الحصر، ومواقف لتنزّل السكينة وهبوب النّصر، وما ظهر من جدّ المسلمين في افتتاح تلك المعاقل المنيعة المنيفه، ومقارعة الجموع الكثيفة؛ وبركة الحرم الشريف في كل حال موجوده، وأقطار الإسلام بها مجوده، والوسائل إلى الله بأهله في القديم والحديث لا مخيّبة ولا مردوده؛ فهو الأصل، والغمد الذي سلّ منه النّصل؛ حتّى بلغ التخوم القاصية، وذلّل الممالك المتعاصية، وقاد من تقاعد أو تقاعس بالناصية.
وقد ظهر لنا أن نوجّه إلى المدينة المقدّسة صلوات الله على من بها وسلامه رسالة نعرّفه بهذه البركات الهامية من سماء عنايته المعدود خارقها آية من آياته، وكلّنا جناه، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله بهداه؛ وأصحبناها أشخاصا من نواقيس الفرنج مما تأتّى حمله، وأمكن نقله؛ وما سواه فكانت جبالا، لا يقبل نقلها احتيالا؛ فتناول درعها «3» المسخ والتكسير، وشفي بذهاب رسومها الاقامة والتكبير، والأذان الجهير؛ ومرادنا أن تعرض بمجتمع الوفود تذكرة تستدعي الإمداد بالدعاء، وتقتضي بتلك المعاهد النّصر على الأعداء؛ ثم تصحب ركاب الزّيارة، إلى أبواب النبوّة ومطالع الإنارة؛ وأنتم تعلمون في توفية هذه الأحوال ورعايتها، وإبلاغها إلى غايتها، ما يليق بحسبكم الوضّاح، ومجدكم الصّراح،
(7/57)

وشرفكم المتبلّجة أنواره تبلّج الإصباح (فأنتم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح) ولكم بذلك الحظّ الرّغيب في هذه الأعمال البرّة، والله سبحانه لا يضيع مثقال الذّرّة؛ وهو سبحانه يتولّاكم بما تولى به من أعزّ شعاره وعظّمها، ورعى وسائله واحترمها؛ ويصل أسباب سعدكم، وينفعكم بقصدكم.
والسلام الكريم، الطيّب البرّ العميم، يحيّي معاهدكم الكريمة على الله عهودها، النامية بغمائم الرّحمات والبركات عهودها؛ ورحمة الله وبركاته.
وربما قدّم على لفظ المقرّ صلة يعتمد عليها في البداءة.
كما كتب عنه أيضا في معنى ذلك إلى أمير المدينة النبوية على ساكنها سيدنا محمد أفضل الصلاة والسلام.
يعتمد المقرّ «1» الأشرف الذي طاب بطيبة نشره، وجلّ بإمارتها الشريفة أمره، وقدّر في الآفاق شرفه وشرف قدره، وعظم بخدمة ضريح سيد ولد آدم فخره، [أبقاه الله منشرحا بجوار روضة الجنة صدره، مشرقا بذلك الأفق الأعلى بدره،] «2» ذائعا على الألسن المادحة، في الأقطار النازحة، حمده وشكره، مزريا بشذا المسك الأذفر «3» في الجمع الأوفر ذكره؛ تحية معظّم ما عظّم الله من دار الهجرة داره، ومطلع إبداره، الملتمس بركة آثاره، المتقرّب إلى الله بحبّه وإيثاره.
فلان.
أما بعد حمد الله الذي فضّل البقع بخصائصها الكريمة ومزاياها، تفضيل الرياض الوسيمة بريّاها، وجعل منها مثابات رحمة تضرب إليها العباد آباط مطاياها، مؤمّلة من الله غفران زلّاتها وحطّ خطاياها؛ وخصّ المدينة الأمينة بضريح سيد المرسلين فأسعد منها مماتها ومحياها، ورفع علياها.
(7/58)

والصلاة على سيدنا ومولانا محمد ورسوله الكريم، الرؤوف بالمؤمنين الرّحيم؛ مطلع أوجه السعادة ببروق محيّاها، وموضّح أسرار النّجاة ومبيّن خفاياها؛ الذي تدارك الخليفة بهديه وكشف بلاياها، ورعى لسنّة الله رعاياها، وجمع بين صلاح دينها ودنياها.
والرضا عن آله وصحبه، وعترته وحزبه، التي كرمت سجاياها، وعظمت ألطافها الهادية وهداياها، وجاهدت بعده طوائف الكفّار، تشعشع لها في أكواس «1» الشّفار، مناياها، وتطلع عليها في الليل البهيم، سنا الصبّاح الوسيم، من غرر سراياها، وتسدّ بغمام الأسنّة ورياح ذوات الأعنّة ثناياها.
والدعاء لمقرّ أصالتكم الشريفة حيّاها الله وبيّاها، كما شرّفها بولادة الوصيّ الذي قرّر وصاياها وسلالة النبيّ الذي أعظم مواهب فخرها منه وعطاياها، بالسعادة التي تبرز أكفّ الأقدار على مرور الأعصار خباياها، والعزّ الذي يزاحم فرقد السماء وثريّاها.
فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم من مواهب الصّنع الجميل أغياها، كما طيّب بذكركم أطراف البسيطة وزواياها، وجعل فخر الجوار الكريم في عقبكم كلمة صدق لا تختلف قضاياها، ما مرّضت «2» الرّياض مورّسات «3» عشاياها؛ فجعلت من النواسم مشمومها ومن الأزهار البواسم حشاياها. من حمراء غرناطة- حرسها الله- ونعم الله يحوك حللها الجهاد، والسيوف الحداد، وتلبسها البلاد والعباد، وتتزيّاها. وفلول الكفر ناكصة على الأعقاب، من بعد شدّ الوثاق وضرب
(7/59)

الرقاب، خزاياها؛ وبركات حرم النبيّ الوجيه على الله يستظلّها الإسلام ويتفيّاها، وينقع الغلل من رواياها.
والحمد لله كثيرا كما هو أهله، فلا فضل إلا فضله؛ ولمعاهدكم الكريمة الارتياح، كلّما أومضت البروق وخفقت الرّياح؛ ولسنيّ عنايتها الالتماح، إذا اشتجرت الرّماح؛ وفي تأميل المثول بها تعمل الأفكار وإن هيض الجناح، وبهداها الاستنارة إذا خفي للمراشد الصّباح، وبالاعتمال في مرضاة من ضمّه منها الثّرى الفوّاح، والصّفيح الذي تراث ساكنه العوامل المجاهدة والصّفاح والجهاد الصّراح، يعظم في الصّدر الانشراح، ويعزّ المغدى في سبيل الله والمراح.
وإلى هذا أجزل الله مسرّتكم بظهور الدين، واعتلاء صبحه المبين؛ فاننا نعرّفكم أننا فتح الله علينا وعلى إخوانكم المؤمنين بهذه الثّغور المنقطعة الغربيّة، الماتّة على الآماد البعيدة بالذّمم العربيّة، فتوحا حوّزت من مملكة الكفر البلاد، ونفّلت الطارف والتّلاد؛ حسب ما تنصّه مخاطبتنا إلى نبينا الكريم الذي شرّفكم الله بخدمة لحده، واستخلفكم على دار هجرته من بعده؛ إذ لا حاجة إلى التّكرار بعد ما شرحت به الصّدور من الأخبار، في الإيراد والإصدار؛ ووجّهنا صحبتها من النّواقيس التي كانت تشيع نداء الضّلال، وتعارض الأذان بجلاد الحدال «1» ، وتبادر أمر التّمثال بالامتثال، ما يكون تذكرة تحنّ بها القلوب إلى هذه الطائفة المسلمة إذا رأتها، وتنتظر قبول الدعاء لها من الله كلّما نظرتها، وتتصوّر الأيدي المجاهدة التي جنتها من أفنان المستشرفات العالية واهتصرتها «2» إذا أبصرتها.
وهذا كلّه لا يتحصّل على التّمام إلا بمشاركة منكم تسوّغه، وإعانة تؤدّيه وتبلّغه، تشيع لكم عند تعرّفها الثناء الدائم التّرداد، والدعاء بحسن المكافأة من ربّ العباد، وسهمكم في أمر الجهاد؛ وأنتم تعملون في ذلك بما يناسب مثلكم من
(7/60)

الشّرفاء الأمجاد، والله عز وجلّ يواليكم بنعمه الثّرّة العهاد، ويعرّفكم عوارف السعادة في المبدإ والمعاد، ويختم لنا ولكم بسعادة المعاد؛ والسلام الكريم يخصّكم عودا على بدء ورحمة الله تعالى وبركاته.
الضرب الثالث (أن تفتتح المكاتبة بلفظ الإمارة)
بأن يقال: الإمارة التي نعتها كذا وكذا إمارة محلّ أخينا فلان، ويدعى له.
ثم يقال: معظّم إمارته، أو معظم أخوّته فلان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله، ويؤتى بخطبة؛ ثم يقال: فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم كذا وكذا من موضع كذا؛ ثم يتخلص إلى المقصود بلفظ وإلى هذا، ويؤتى على القصد إلى آخره، ويختم بالسلام على ما تقدّم في غيره من الضروب، وبذلك يكتب إلى الأمراء من أبناء الملوك وغيرهم. كما كتب ابن الخطيب عن ابن الأحمر إلى أبي عليّ الناصر ابن السلطان أبي الحسن المرينيّ بفاس، عند ما أرسله والده إلى ناحية من النّواحي لعمارتها وإصلاح حالها، مهنّئا له بما أجراه الله على يديه من الصّلاح، وهو:
الإمارة التي لها المكارم الراضية، والعزائم الماضية، والجلالة الراقية، والأعمال الصالحة الباقية؛ إمارة محلّ أخينا الذي نعظّم مجده السامي الجلال، ونثني على شيمه الطاهرة الخلال، ونعتدّ بودّه الكريم الأقوال والأعمال، ونسرّ بما يسنّيه الله لعزّه الفسيح المجال، من عوائد اليمن والإقبال.
الأمير الأجلّ؛ الأعزّ، الأسمى، الأطهر، الأظهر، الأسنى، الأسعد، الأرشد، الأرضى، المؤيّد، الأمضى، الأفضل، الأكمل، أبو عليّ الناصر ابن محلّ أبينا الذي نعظّمه ونجلّه، ونوجب له الحقّ الذي هو أهله، السلطان الجليل الكذا أبو الحسن ابن السلطان المؤيّد، المعان المظفّر، صاحب الجود الشهير في الأقطار، والفضل المتألّق الأنوار، والمآثر التي هي أبهى من محيّا النهار، أمير المسلمين، وناصر الدين، المجاهد في سبيل ربّ العالمين؛ أبي سعيد ابن أمير المسلمين
(7/61)

وناصر الدين، قامع الكافرين، المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي يوسف بن عبد الحق. أبقاه الله والسعود إليه مبتدرة مستبقة، والمسرّات لديه منتظمة متّسقة؛ وغرر أيامه واضحة مشرقة، والأهواء على محبته متّفقة. معظّم إمارته الرفيعة الجانب، القائم من إجلالها ونشر خلالها بالحقّ الواجب، المثني على مالها من السّير الفاضلة المذاهب، والأصالة الرفيعة المناسب، والبسالة الماضية المضارب، والمكارم التي تشهد بها مواقف الجهاد، وظهور الجياد، وصحائف الكتب وصفائح الجلاد، الأمير عبد الله يوسف ابن أمير المسلمين، أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر. سلام كريم، برّ عميم؛ تتأرّج الأرجاء من طيب نفحته، ويشرق نور الودّ الأصيل على صفحته؛ يخصّ أخوّتكم الفاضلة، وإمارتكم الحافلة؛ ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله الذي شرح بالتوكل عليه صدورا، و [جعل الودّ في ذاته كنزا مذخورا] «1» والأعمال التي تقرّب إليه نورا، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي بعثه بالحق هاديا وبالرّعب منصورا، ورفع لدعوته العالية لواء من عنايته منشورا، واختاره لإقامة دين الحق والأرض قد ملئت إفكا وزورا، حتّى بلغ ملك أمته ما كان منها معمورا.
والرّضا عن آله وأحزابه الذين اتّسقوا في قلائد ملّته الرفيعة شذورا، وطلعوا في سمائها بدورا، وبذلوا نفوسهم النفيسة في نصره وإعلاء أمره فكانت شفاعته لهم جزاء وكان سعيهم مشكورا.
والدّعاء لإمارتكم العالية بالسعد الذي يصاحب منه ركابها مددا موفورا، والتوفيق الذي يوسع عملها نجحا وأملها سرورا.
فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم سعدا متجدّد الإحكام، وصنعا مشرق القسام وافر الأقسام؛ وعرّفكم ما عوّدكم من عوارف الإنعام، وعوائد النصر
(7/62)

الواضح الأعلام-[ولا زائد بفضل الله سبحانه، ثم ببركة سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي أوضح برهانه، ثم بما عندنا من التشيّع في مقام محلّ أبينا والدكم السلطان الجليل، أسعد الله سلطانه! ومهّد به أوطانه! إلا ما يرجى من عوائد الله الجميلة، ومننه الجزيلة، وألطافه الكافية الكفيلة] «1» وعندنا من التعظيم لتلك الإمارة الرفيعة ما هو أشهر من الشهير، وأعظم من أن يحتاج إلى التفسير؛ فلا نزال نعتدّ لجانب أخوّتها بالعتاد الكبير، والذّخر الخطير، ونثني على مكارمها بالقلم واللّسان والضّمير. وإلى هذا أيّد الله إمارتكم، وسنّى إرادتكم، وأسعد إدارتكم، فقد علم الغائب والشاهد، والصادر والوارد، ما عندنا لكم من الحبّ الذي صفت منه الموارد، والولاء الذي تضوّعت من طيبه المعاهد؛ وإننا تعرّفنا ما كان من قدومكم السعيد على أحواز المريّة «2» من تلك الأقطار، وطلوعكم عليها بالعزم الماضي والجيش الجرّار. وأن محلّ والدنا وصل الله له علوّ المقدار، قدّم منكم بين يديه مقدّمة اليمن والاستبشار، ورائد السعادة المشرقة الأنوار، بخلال ما يتلاحق بها ركابه العالي قدره على الأقدار؛ وأن مخايل النّجح لإمارتكم الرفيعة قد ظهرت، وأدلّة الصّنع الجميل قد بهرت، ومن بتلك الجهات، من القبائل المختلفات، بالطاعة قد ابتدرت، وبأوامرها الإماريّة قد ائتمرت، وأنكم قد أخذتم في تسكين الأوطان وتمهيدها، واستئناف العزائم وتجديدها، [وإطفاء نار الفتن وإخمادها] «3» وإعلاء أركان تلك الإيالة ورفع عمادها؛ فكتبنا إليكم هذا
(7/63)

الكتاب نهنّئكم بما سنّاه الله لمجدكم الرفيع، من حسن الصّنيع، ونقرّر ما عندنا من الودّ الكريم، والحبّ الصّميم، ونستفهم عن أحوال أخوّتكم لنكون من علمها على السّنن القويم، وحتّى لا تزال الأسباب متّصلة، والمودّة جديدة مقتبلة؛ ولولا العوائق المانعة، والشّقّة البعيدة الشاسعة، والأمواج المترامية المتدافعة، لم نغبّ «1» المخاطبة، ولوصلنا المراسلة والمكاتبة؛ ومجدكم يقبل الأعذار الصحيحة بمقتضى كماله، ومعهود إفضاله؛ والله تعالى يصلح بكم الأحوال، ويسكّن الأهوال، ويبلّغكم من فضله الآمال. وغرضنا أن تعرّفونا بما لديكم من المتزيّدات، والصنائع المتجدّدات، وبما عندكم من أحوال محلّ أبينا وصل الله عوائد النّصر لسلطانه، وتكفّل بإعلاء أمره وتمهيد أوطانه. وقد كتبنا إليه صحبة هذا كتابا غرضنا من أخوّتكم الطاهرة، أن يصل إلى حضرته العلية تحت عنايتكم ووصاتكم، والرعاية التي تليق بذاتكم؛ وهو سبحانه يصل سعدكم ويحرس مجدكم، ويحفظ ولاءكم الكريم وودّكم؛ والسلام الكريم عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة باسم المكتوب إليه أو المكتوب عنه، وهو على ضربين)
الضرب الأول (أن تفتتح المكاتبة باسم المكتوب إليه تعظيما له)
والرسم فيه أن يقال: إلى فلان، وينعت بما يليق به؛ ثم يؤتى بالسلام، ويقال: أما بعد ويؤتى بخطبة، ثم يقال: فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم كذا وكذا، من موضع كذا، ويتخلّص إلى المقصود بلفظ «وإلى هذا» ويؤتى على المقصود إلى آخره ويختم بالسلام.
كما كتب ابن الخطيب عن سلطانه ابن الأحمر إلى الأمير يلبغا العمريّ
(7/64)

الشهير بالخاصكيّ: أتابك «1» العساكر بالديار المصرية في الدولة الأشرفيّة «شعبان بن حسين» .
إلى الأمير المؤتمن على أمر سلطان المسلمين، المقلّد بتدبيره السديد قلادة الدّين، المثني على رسوم برّه المقامة لسان الحرم الأمين، الآوي من مرضاة الله تعالى ورسوله إلى ربوة ذات قرار ومعين، المستعين من الله على ما تحمّله وأمّله بالقويّ المعين، سيف الدّعوة، ركن الدولة، قوام الملة، مؤمّل الأمّة، تاج الخواصّ، أسد الجيوش، كافي الكفاة، زين الأمراء، علم الكبراء، عين الأعيان، حسنة الزمان، الأجلّ، المرفّع، الأسنى، الكبير، الأشهر، الأسمى، الحافل، الفاضل، الكامل المعظم، الموقّر، الأمير، الأوحد، «يلبغا الخاصكيّ» وصل الله له سعادة تشرق غرّتها، وصنائع تسحّ فلا تشحّ درّتها، وأبقى تلك المثابة قلادة الله وهو درّتها؛ سلام كريم، طيب عميم، يخص إمارتكم التي جعل الله الفضل على سعادتها أمارة، واليسر لها شارة، فيساعد الفلك الدوّار مهما أعملت إدارة، وتمتثل الرسوم كلّما أشارت إشارة.
أما بعد حمد الله الذي هو بعلمه في كل مكان، من قاص ودان، وإليه توجّه الوجوه وإن اختلفت السّير وتباعدت البلدان، ومنه يلتمس الإحسان، وبذكره ينشرح الصدر ويطمئن القلب ويمرح اللّسان، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله العظيم الشان، ونبيّه الصادق البيان، الواضح البرهان،
(7/65)

والرضا عن آله وأصحابه، وأعمامه وأحزابه، أحلاس «1» الخيل، ورهبان الليل، وأسود الميدان، والدعاء لإمارتكم السعيدة بالعزّ الرائق الخبر والعيان، والتوفيق الوثيق البنيان؛ فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم حظّا من فضله وافرا، وصنيعا عن محيّا السّرور سافرا، وفي جوّ الإعلام بالنّعم الجسام مسافرا. من حمراء غرناطة- حرسها الله- دار الملك بالأندلس، دافع الله عن حوزتها كيد العداة، وأتحف نصلها ببواكر النّصر المهداة؛ ولا زائد إلا الشوق إلى التّعارف بتلك الأبواب الشريفة التي أنتم عنوان كتابها المرقوم، وبيت قصيدها المنظوم، والتماس بركاتها الثابتة الرّسوم، وتقرير المثول في سبيل زيارتها بالأرواح عند تعذّره بالجسوم.
وإلى هذا فإنّنا كانت بين سلفنا- تقبّل الله جهادهم وقدّس نفوسهم وأمّن معادهم- وبين تلك الأبواب السلطانية- ألقى الله على الإسلام والمسلمين ظلالها، كما عرّفهم عدلها وإفضالها- مراسلة ينمّ عرف الخلوص من خلالها، وتسطع أنوار السعادة من آفاق كمالها؛ وتلتمح من أسطار طروسها محاسن تلك المعاهد، الزاكية المشاهد، وتعرب عن فضل المذاهب وكرم المقاصد، اشتقنا إلى أن نجدّدها بحسن منابكم، ونصلها بمواصلة جنابكم، ونغتنم في عودها الحميد مكانكم، ونفضل لها زمانكم؛ فخاطبنا الأبواب الشريفة في هذا الغرض بمخاطبة خجلة من التقصير، وجلة من الناقد البصير؛ ونؤمّل الوصول في خفارة يدكم التي لها الأيادي البيض، والموارد التي لا تغيض؛ ومثلكم من لا تخيب المقاصد في شمائله، ولا تضحى المآمل في ظلّ خمائله؛ فقد اشتهر من عظيم سيرتكم ما طبّق الآفاق، وصحب الرّفاق واستلزم الإصفاق؛ وهذه البلاد مباركة، ما أسلف أحد فيها مشاركة، إلا وجدها في نفسه وماله ودينه وعياله، والله أكرم من وفّى لامرىء بمكياله؛ والله جل جلاله يجمع القلوب على طاعته، وينفع بوسيلة النبيّ الذي نعوّل على شفاعته، ويبقي تلك الأبواب ملجأ للإسلام والمسلمين، وظلّا لله على العالمين، وإقامة لشعائر الحرم الأمين، ويتولى إعانة إمارتكم على
(7/66)

وظائف الدّين، ويجعلكم ممن أنعم الله عليه من المجاهدين؛ والسلام الكريم يخصّكم ورحمة الله وبركاته.
الضرب الثاني (أن تفتتح المكاتبة باسم المكتوب عنه، وهو على صنفين)
الصنف الأول (ما يكتب به إلى بعض الملوك)
والرسم فيه أن يقال: من فلان إلى فلان، بألقابه ونعوته ونعوت آبائه على ما تقدّم؛ ثم يؤتى بالسلام، ويقال أما بعد حمد الله، ويؤتى بخطبة ثم يقال فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم كذا؛ ثم يقال: وإلى هذا فإن كذا وكذا، ويؤتى على المقصود إلى آخره، ويختم بالدعاء ثم بالسلام على نحو ما مرّ.
كما كتب ابن الخطيب عن ابن الأحمر إلى بعض ملوك الغرب يهنّئه بدخول مدينة بجاية «1» في طاعته ما صورته:
من أمير المسلمين عبد الله محمد، ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجّاج، ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر أيّد الله أمره، وأعز نصره، إلى محلّ أخينا الذي نصل له أسباب الإعظام والإجلال، ونثني عليه بما له من كريم الشّيم وحميد الخلال، ونسرّ له ببلوغ الآمال، ونجاح الأعمال، في طاعة ذي الجلال، السلطان فلان ابن السلطان فلان، بالألقاب اللائقة بكل منهم، وصل الله له سعدا متصل الدّوام دائم الاتّصال، وصنعا تتجلّى وجوهه من ثنايا القبول والإقبال، وعزّا اتتفيّأ ظلاله عن اليمين والشّمال؛ سلام كريم، برّ عميم، يخصّ
(7/67)

سلطانكم الأسنى، ويعتمد مقامكم المخصوص بالزيادة والحسنى، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله الواهب الفاتح، المانع المانح، مظهر عنايته بمن خلّص إليه قصده، وقصر على ما لديه صدره وورده؛ أبدى من محيّا النهار الواضح، الذي وعد من اتّقاه حقّ تقاته، على ألسنة سفرة الوحي وثقاته، بنجح الخواتم والفواتح، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله المبتعث لدرء المفاسد ورعي المصالح، وسعادة الغادي والرائح، منقذ الناس يوم الفزع الأكبر وقد طاحت بهم أيدي الطّوائح، وهاديهم إلى سواء السبيل بأزمّة النّصائح، ومظفرهم من السعادة الدائمة بأربح البضائع وأسنى المنائح، والرضا عن آله وأصحابه، وعترته وأحزابه، الذين خلفوه أمتثالا لأمر الصّحائف وإعمالا للصّفائح، وكانوا لأمّته من بعده في الابتداء بسنّته والمحافظة على سننه كالنّجوم اللوائح، والدعاء لسلطانكم الأسمى، بالسّعد الذي يغنى بوثاقة سببه، ووضوح مذهبه، عن زجر البارح والسانح «1» ، والعزّ البعيد المطارح، السامي المطامح، والصنع الجميل الباهر الملامح؛ ولا زال توفيق الله عائدا على تدبيركم السعيد بالسّعي الناجح، والتّجر الرابح.
فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم من فضله أوفر الأقسام وأوفاها، وأوردكم من موارد عنايته أعذب الجمام وأصفاها، كما أسبغ عليكم أثواب المواهب وأضفاها. [وأبدى لكم وجوه اللطائف الجميلة وأحفاها] «2» - من حمراء غرناطة- حرسها الله- وفضل الله هامية ديمه، وعوائد اللّطف يصلها فضله وكرمه، والإسلام بهذا الثغر الجهاديّ مرعيّة ذممه، وجاه النبوّة المحمديّة يعمل بين إرغام العدوّ الكافر، وإهداء المسرّات والبشائر، سيفه وقلمه، والسّرور بما يبلغ من
(7/68)

مزيد سعدكم وميضه خافق علمه، وودّكم ثابت في مواقف الخلوص قدمه.
وقد اتصل بنا ما كان من دخول حضرة بجاية حرسها الله في طاعتكم، وانتظامها في سلك جماعتكم، وانقطاعها إلى عصمتكم، وتمسّكها بأزمّتكم، وعقدكم منها ومن أختها السابقة الذّمام، الخليقة بمزيد الاهتمام، على عقيلتي الأقطار التي لا يجمع بينهما إلا ملك همام، وخليفة إمام، ومن وضحت من سعادته أحكام، وشهّرت بعناية الله له أدلّة واضحة وأعلام، ومن جمع الله له بين البرّ المتراكض الخيول، والجيش المتدافع السّيول، والخصب الذي تنضي مواجده»
المستنجزة ظهور الخيول، وبين البحر الشهير بنجدة الأسطول، وإنجاز وعد النصر الممطول، ومرسى السّفن التي تخوض أحشاء البحار، وتجلب مرافق الأمطار والأقطار، وتتحف على النّأي بطرف الأخبار.
بجاية وما بجاية دار الملك الأصيل العتيق وكرسيّ العزّ الوثيق، والعدّة، إذا توقّعت الشّدّة، كم ثبتت على الزّلزال، وصابرت مواقف النّزال، أمطاكم السّعد صهوتها، وأحلّكم التوفيق ربوتها، من غير مطاولة حصار، ولا استنفاد ذي وسع واقتدار، ولا تسوّر جدار، فأصبحت دولتكم السعيدة تتفيّأ [جنى الجنّتين، وتختال في حلّتين، وتجمع بفتيا] «2» السيوف المالكيّة بين هاتين الأختين؛ أوزعكم الله شكرها من نعمة جلّت مواهبها، ووضحت مذاهبها، وصنيعة بهرت عجائبها. وإذا كانت عقائل النّعم «3» تخطب أكفاءها، وموارد المنن تعرض على الورّاد صفاءها، فأنتم أهلها الذين لكم تذخر، وبمن دونكم تسخر؛ فإنكم تميزتم بخصال العفاف والبسالة، والحسب والجلالة، وأصبحتم في بيتكم صدرا، وفي هالة قومكم بدرا، مواقفكم شهيرة، وسيرتكم في الفضل لا تفضلها سيرة، ونحن
(7/69)

نهنّئكم بما منحكم الله من انفساح الإياله، ونموّ الجلاله، والنّعم المنثاله، بسلطان ألقى عنانه إلى مثلكم قد اختار لقياده، وارتاد فسعد في ارتياده؛ وتكفّل الحزم بحفظ بلاده، وصون طارفه وتلاده «1» ؛ وكأنّ به قد استولى على آماده، وتطاول لإرث أجداده. ولنا فيكم- علم الله- ودّ [تأسّس بناؤه، وكرمت أبناؤه] «2» وحبّ وجب بالشرع إنفاذه إليكم وإنهاؤه. وغرضنا الذي نؤثره على الأغراض والمقاصد، ونقدّمه بمقتضى الخلوص الذي زكت منه الشّواهد، أن تتصل بيننا وبينكم المخاطبة، وتتعاقب المواصلة والمكاتبة، والله عزّ وجلّ المعين على ما يجب لودّكم من برّ تكفل واجبه، وتوضّح مذاهبه، واعتقاد جميل يتساوى شاهده وغائبه، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، والسلام الكريم يخصّكم ورحمة الله وبركاته.
الصنف الثاني (ما يكتب به إلى الرّعايا)
والحكم فيه على نحو ما تقدّم في الصّنف الذي قبله، إلا أنه يخاطبهم بأوليائنا.
كما كتب ابن الخطيب عن ابن الأحمر أيضا إلى بعض رعاياه بمدينة المريّة بالأندلس، بالبشارة بموت الطاغية ملك قشتالة بجبل الفتح، ورحيل قومه به إلى بلادهم ما صورته:
من الأمير عبد الله يوسف، ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل ابن فرج بن نصر أيّد الله أمره، وأعز نصره، وأسعد عصره؛ إلى أوليائنا في الله تعالى الذين نبادر إليهم بالبشائر السافرة الغرر، ونجلو عليهم وجوه الصنائع الإلهيّة كريمة الخبر والخبر، ونعلم ما لهم من الودّ الكريم الأثر: القائد بالمريّة، والقاضي بها، والفقهاء، والأشياخ، والوزراء والأمراء والكافّة والدّهماء «3» من
(7/70)

أهلها، عرّفهم الله عوارف الأداء، وأوزعهم شكر نعمة هذا الفتح الرّبّانيّ الذي تفتّحت له أبواب السماء، وأنشرت «1» معجزاته ميّت الرجاء في هذه الأرجاء. سلام كريم، طيب برّ عميم، تنشق منه نفحات الفرج، عاطرة الأرج، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله فاتح أبواب الأمل بعد استغلاقها، ومتدارك هذه الأمة المحمديّة بالصّنع الذي تجلّى لها ملء أحداقها، والرحمة التي مدّت على النّفوس والأموال، والحرمات والأحوال، ضافي رواقها، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي دعوته هي العروة الوثقى لمن تمسك باعتلاقها «2» ، وأقام على ميثاقها، ذي المعجزات التي بهرت العقول بائتلاقها، الذي لم ترعه في الله الشدائد على اشتداد وثاقها، وفظاعة مذاقها، حتّى بلغت كلمة الله ما شاءت من انتظامها واتّساقها، والرضا عن آله وصحبه، وعترته وحزبه؛ الفائزين في ميدان الدنيا والدين بخصل «3» سباقها. فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم شكرا لنعمه، ومعرفة بمواقع كرمه، من حمراء غرناطة- حرسها الله- ولا زائد بفضل الله سبحانه إلا ما أمّن الأرجاء ومهّدها، وأنشأ معالم الإسلام وجدّدها، وأسّس أركان الدين الحنيف وأقام أودها، وأنتم الأولياء الذين نعلم منهم خلوص الأهواء، ونتحقّق ما عندهم من الخلوص والصّفاء. وإلى هذا فقد علمتم ما كانت الحال آلت إليه من ضيقة البلاد والعباد بهذا الطاغية الذي جرى في ميدان الأمل جري الجموح، ودارت عليه خمرة النّخوة والخيلاء مع الغبوق والصّبوح، حتّى طفح بسكر اغتراره، ومحّص المسلمون على يديه بالوقائع التي تجاوز منتهى مقداره، وتوجّهت إلى استئصال الكلمة مطامع أفكاره، ووثق بأنّه [يطفيء] «4» نور الله
(7/71)

بناره، ونازل جبل الفتح فشدّ مخنق حصاره، وأدار أشياعه في البرّ والبحر دور السّوار على أسواره، وانتهز الفرصة بانقطاع الأسباب، وانبهام الأبواب، والأمور التي لم تجر للمسلمين بالعدوتين على مألوف الحساب؛ وتكالب التثليث على التوحيد، وساءت الظّنون في هذا القطر الوحيد، المنقطع بين الأمم الكافرة، والبحور الزاخرة، والمرام البعيد. وإننا صابرنا بالله تيّار سيله، واستضأنا بنور التوكّل عليه في جنح هذا الخطب ودجنّة ليله، ولجأنا إلى من بيده نواصي الخلائق، واعتلقنا من حبله المتين بأوثق العلائق، وفسّحنا مجال الأمل في ذلك الميدان المتضايق؛ وأخلصنا لله مقيل العثار، ومولى أولي الاضطرار، قلوبنا، ورفعنا إليه أمرنا، ووقفنا عليه مطلوبنا، ولم نقصّر ذلك في إبرام العزم واستشعار الحزم، وإمداد الثّغور بأقصى الإمكان، وبعث الجيوش إلى ما يلينا من بلاده على الأحيان؛ فرحم الله انقطاعنا إلى كرمه، حين لجأنا إلى حرمه، فجلا بفضله سبحانه ظلام الشّدّة، ومدّ على الحريم والأطفال ظلال رحمته الممتدّة، وعرّفنا عوارف الصّنع الذي قدم به العهد على طول المدّة، ورماه بجيش من جيوش قدرته أغنى عن إيجاف الرّكاب، واحتشاد الأحزاب، وأظهر فينا قدرة ملكه عند انقطاع الأسباب، واستخلص العباد والبلاد من بين الظّفر والناب؛ فقد كان سدّ المجاز بأساطيله، وكاثر كلمة الحقّ بأباطيله، ورمى الجزيرة الأندلسيّة بشؤبوب شرّه، وصيّرها فريسة بين غربان بحره وعقبان برّه، فلم يخلص إلى المسلمين من إخوانهم مرفقة إلا على الخطر الشديد، والإفلات من يد العدوّ العنيد، مع توفّر العزائم- والحمد لله- على العمل الحميد، والسعي فيما يعود على الدّين بالتأييد.
وبينما شفقتنا على جبل الفتح تقيم وتقعد، وكلب الأعداء عليه يبرق ويرعد، واليأس والرجاء خصمان هذا يقرّب وهذا يبعد، إذ طلع علينا البشير بانفراج الأزمة، وحلّ تلك العزمة «1» ، وموت شاة «2» تلك الرّقعة، وإبقاء الله على
(7/72)

تلك البقعة؛ وأنه سبحانه أخذ الطاغية أكمل ما كان اغترارا، وأعظم أنصارا؛ وزلزل أرض عزّه وقد أصابت قرارا؛ وأنّ شهاب سعده أصبح آفلا، وعلم كبره انقلب سافلا؛ وأن من بيده ملكوت السموات والأرض طرقه بحتفه، وأهلكه برغم أنفه؛ وأن محلّته عاجلها التّباب والتّبار «1» ، وعاثت في منازله النار، وتمخّض عن سوء عاقبته الليل والنّهار، وأن حماتها يخربون بيوتهم بأيديهم، وينادي بشتات الشّمل لسان مناديهم، وتلاحق بنا الفرسان من جبل الفتح: المعقل الذي عليه من عناية الله رواق مضروب، والرّباط الذي من حاربه فهو المحروب، فأخبرت بانفراج الضيّق، وارتفاع العائق لها عن الطّريق، وبرء الداء الذي أشرق بالرّيق.
وأن النصارى دمّرهم الله جدّت في ارتحالها، وأسرعت بجيفة طاغيتها إلى سوء مآلها، وسمحت [للسّهب] «2» والنّهب والنار بأسلابها وأموالها؛ فبهرنا هذا الصّنع الإلهيّ الذي مهّد الأقطار بعد رجفانها، وأنام العيون بعد سهاد أجفانها، وسألنا الله أن يعيننا على شكر هذه النّعمة التي إن سلّطت عليها قوى البشر فضحتها ورجحتها، أو قيست بالنعم فضلتها؛ ورأينا سرّ اللطائف الخفيّة كيف سريانه في الوجود، وشاهدنا بالعيان أنوار اللطف الإلهيّ والجود، وقلنا إنما هو الفتح الأوّل شفع بثان، وقواعد الدين الحنيف أيّدت من صنع الله ببيان.
اللهم لك الحمد على نعمك الباطنة والظاهرة، ومننك الوافرة، أنت وليّنا في الدنيا والآخرة؛ وأمرنا للحين فقلّدت لبّات «3» المنابر بهذا الخبر، وجلّيت في جماعات المسلمين وجوه هذا الفتح الرائق بالغرر؛ وعجّلنا تعريفكم به ساعة
(7/73)

استجلائه، وتحقّق أنبائه، لتسحبوا له أثواب الجذل ضافية، وتردوا به موارد الأمل صافية؛ فإنما هو ستر الله شمل أنفسكم وحريمكم، وأمانه كفل ظاعنكم ومقيمكم، فقرّطوا به الآذان [وبشّروا به الإقامة والأذان] «1» وتملّوا بالعيش في ظلّه، وواظبوا حمد الله وليّ الحمد وأهله، وانشروا فوق أعواد المنابر من خطابه راية ميمونة الطائر، واجعلوا هذه البشارة سجلّا في فرقان البشائر؛ فشكر الله سبحانه يستدعي المزيد من نعمه، ويضمن اتّصال كرمه، وعرّفوا بذلك من يليكم من الرعيّة ليأخذ مثل أخذكم، ويلحظ هذا الأمر بمثل لحظكم، فحقيق عليكم أن تشيدوا بهذا الخبر في الحاضر والباد، وتجعلوا يوم عاشوراء الذي تجلّى فيه هذا الصّنع ثالث الأعياد، والله سبحانه يجعله للمسرّات عنوانا ويطلع علينا وعليكم وجوه صنعه غرّا حسانا، والسلام الكريم يخصّكم ورحمة الله وبركاته.
الأسلوب الثالث (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «أما بعد» )
والرسم فيه أن يقال أما بعد حمد الله، أو أما بعد فالحمد لله، ويؤتى بخطبة.
ثم يقال: فإنا كتبناه إليكم من موضع كذا كتب الله لكم كذا وكذا؛ ثم يتخلّص إلى المقصود ويؤتى عليه إلى آخره، ويختم بالدعاء ثم بالسلام.
كما كتب ابن الخطيب عن ابن الأحمر من الأندلس.
أما بعد حمد الله محسن العواقب، ومخلّد المناقب، ومعلي المراقي في درج عليّة المراقب، ومسخّر النجم الثاقب، في الغسق الواقب «2» ، والكفيل بالحسنى للمتوكّل عليه المراقب، ناسخ التمحيص، بالعناية والتخصيص، لتظهر حكمة المثيب والمعاقب.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله الماحي الحاشر العاقب، ذي القدر المسامي للزّهر المصاقب.
(7/74)

والرضا عن آله الذين كانوا في سماء ملّته لهداية أمته كالشّهب الثّواقب، فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم توالي المواهب، ووضوح المذاهب، ووقوف الدهر لديكم موقف الثائب من القدح النائب، ووالى لديكم مفاتحة الكتب المهنّئة بفتوح الكتائب- من حمراء غرناطة- حرسها الله- وفضل الله بتعرّف صنعه لكم هامي السّحائب، وكفيل بنيل الرغائب؛ والسرور بما سناه الله لكم من استقامة أحوالكم شأن الشاهد والغائب، والرائح والآئب.
والحمد لله على ما توالى من الألطاف والعجائب. وقد وصل كتابكم الذي أكّد السّرور وأصّله، وأجمل مقتضى البشرى وفصّله، ونظّم خبر الفتح ووصّله، وراش سهم السّعادة والسّداد والعناية والإمداد، ونصّله «1» ، وأحرز حظّ السعادة وحصّله، تعرفون ما أتاح لكم اللطيف الخبير، والوليّ النصير، من الصّنع الذي اتّسق نظامه، والنصر الذي سنّت في أمّ الكتاب أحكامه، والعز الذي خفقت أعلامه، والتوفيق الذي قرطست الغرض «2» سهامه، وأنكم من بعد الكائنة التي راش «3» لطف الله بها وجبر، وأحسن الخير وأدال الخبر، وجعل العاقبة الحسنى لمن صبر، جهزتم الجيوش المختارة، والعساكر الجرّارة، يقودها الخلصان من الوزراء، وتتقدّم رايتها ميامن الآراء، فكتب الله ثبات أقدامها، وتولّى نصر أعلامها؛ ولم يكن إلا أن حمي وطيس النّزال، ورجفت الأرض لهول الزّلزال، وتعوطيت كؤوس الآجال، في ضنك المجال؛ ودجا القتام «4» ، وتوهّم مع فضل الله الاغتنام، وعبس الوجه العبّاس وضحك النّصل البسّام، وأورد الخيل موارد الطّعان الإقدام، فكان لحزبكم الظهور الذي حكّم المهنّدة في الرّقاب، والسّمر الطّوال في الثّغر ثم في الأعقاب، وبشّرت برؤية هلال الفتح عيون الارتقاب، وحطّ عن
(7/75)

وجه الصنع الجميل ما ران من النّقاب، وأن من بغى عليكم حسب ما قرّرتم، وعلى نحو ما أجملتم وفسّرتم، من شيوخ الغرب المجلبة، ووجوه الخدم المنتمية إلى حسن العهد المنتسبة؛ تحصّل في حكم استرقاقكم، وتحت شدّ وثاقكم؛ وربما أسفر المكروه عن المحبوب، وانجلى المرهوب عن المرغوب، والله مقلّب القلوب؛ وشيمتكم في ائتلاف النافر، والأخذ من فضل العفو بالحظّ الوافر، كفيل لكم بالصّنع السافر؛ والله يحملكم على ما فيه رضاه، ويخير لكم فيما قضاه؛ فسررنا بما اتّصل لكم من الصّنع واطّرد، ورحّبنا بهذا الوارد الكريم الذي ورد، وشكرنا فضلكم في التعريف بخبره المودود، والشرح لمقامه المحمود؛ وكتبنا نهنّئكم به هناء مشفوعا، وبالدعاء لكم متبوعا، والله يطلع من توالي مسرّتكم على ما يبسط الآمال وينجح الأعمال، ويفسح في السد المجال. والذي عندنا من ودّكم أعظم من استيفائه بالمقال، أو نهوض اليراع بوظائفه الثّقال؛ يعلم ذلك عالم الخفيّات، والمجازي بالنّيّات، سبحانه. والله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الطّرف الثاني عشر (في الكتب الصادرة عن وزراء الخلفاء المنفّذين أمور الخلافة اللاحقين بشأو الملوك، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في الكتب الصادرة عن وزراء خلفاء بني العبّاس ببغداد ووزراء ملوكها يومئذ)
أما وزراء إقطاعاتها، فقد ذكر أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتّاب» «1»
(7/76)

أن المكاتبة من الوزير إلى الخليفة في زمانه كانت: «أطال الله بقاء أمير المؤمنين وأعزّه وأيّده وأتمّ نعمته عليه، وأدام كرامته له» .
قال ابن حاجب النعمان «1» في «ذخيرة الكتاب» : وإن كانت المكاتبة من الوزير إلى من دونه فدعاؤه له: «أطال الله بقاءك وأدام تأييدك وتمهيدك وكرامتك» . ودونه «أطال الله بقاءك وأدام عزّك وحراستك» . قال: وعلى مقدار المكاتب يكون الدعاء. وأقسامه كثيرة. ثم ذكر الأدعية العامّة بعد ذلك على الترتيب فقال: إن أعلاها يومئذ «أطال الله بقاءه وأدام تمكينه ورفعته وبسطته وعلوّه وسمّوه، وكبت أعداءه وحسدته» . ودونه «أطال الله بقاءه، وأدام تمكينه وارتقاه، ورفعته وسناه، وتمهيده وكبت أعداه» . ودونه «أطال الله بقاه وأدام تأييده ونعماه وكبت أعداه» . ودونه «أطال الله بقاه وأدام تأييده وحرس حوباه» «2» ودونه «أطال الله بقاه، وأدام تأييده ونعماه» . ودونه «أطال الله بقاءه وأدام نعماءه» .
ودونه «أطال الله بقاءه وأدام عزّه» . ودونه «أطال الله بقاءه وأدام توفيقه وتسديده» . ودونه «أطال الله بقاءه وأدام سداده وإرشاده» . ودونه «أطال الله بقاءه وأدام حراسته» . ودونه «أدام الله تأييده وتمهيده» . ودونه «أدام الله توفيقه وتسديده» . ودونه «أدام الله عزّه وسناه» . ودونه «أدام الله عزّه» . ودونه «أدام الله حراسته» . ودونه «أدام الله كرامته» . ودونه «أدام الله سلامته» . ودونه «أدام الله رعايته» . ودونه «أدام الله كفايته» . ودونه «أبقاه الله» . ودونه «حفظه الله» ودونه «أعزّه الله» . ودونه «أيده الله» . ودونه «حرسه الله» .
ودونه «أكرمه الله» ودونه «وفّقه الله» . ودونه «سلّمه الله» . ودونه «رعاه الله» . ودونه «عافاه الله» .
(7/77)

ثم المكاتبات الصادرة عنهم على أسلوبين:
الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «كتابي» )
والرسم فيه أن يقال كتابي- أطال الله بقاء سيدي، أو بقاء مولانا- والأمر على كذا وكذا، ومولانا أمير المؤمنين، أو والجانب الأشرف ونحو ذلك على حال كذا؛ ثم يتخلّص إلى المقصد بعد ذلك بما يقتضيه المقام ويختم بقوله ورأي حضرة سيدنا أعلى.
كما كتب بعض الكتّاب عن الوزير قوام الدين بن صدقة «1» إلى بعض وزراء ملوك زمانه في معنى أمير مكة المشرّفة، وما كان بينه وبين أمير الحاجّ في بعض السّنين ما صورته:
كتابي- أطال الله بقاء حضرة سيدنا- ومواهب الله سبحانه في أمر مولانا أمير المؤمنين جارية على الإرادة، مقابلة بالشكر المؤذن لها بالدوام والزّيادة؛ والحمد لله ربّ العالمين. وقد تتابعت المكاتبات في أمر النّوبة «2» المكيّة تتابعا علمه السامي به محيط، والعذر في الإضجار بها مع إنعام النظر بسببها مبسوط؛ وبعد ما صدر آنفا في المعنى المذكور وصل كتاب زعيم مكّة بما نفذ على جهته ليعلم منه ومما لا ريب أنه أصدره إلى الدّيوان العالي السلطاني- أعلاه الله- حقائق الأحوال بغير شكّ: أنه قد اتضح تفريط من فرط «3» في هذه النوبة وعجل، وتحقّق
(7/78)

المثل السائر «ربّ واثق خجل» وأسباب ثمرة الهوى الذي ما زال يجمح براكبه، ويريه سوء عواقبه؛ وعلم أنه لم يخط فيما شرع فيه، واستمرّت على الخطأ أواخره ومباديه، إلا بوعد أخلف، ومال أتلف؛ وخطر ارتكب، وصواب تنكّب، وحزم أضيع، وهوّى أطيع، حتّى كان قصاراه، دفع اللائمة عنه، فإنه أوصل الحجيج إلى مقصودهم وأعادهم، وأحسن التواصل حتّى أدركوا من أداء الفريضة مرادهم؛ وهل اعترض دون هذا الأمر مانع، أو كان عنه دافع؟ لولا ما صوّره من الأسباب التي أفسد بها الأمور، وأوغر بمكانها الصّدور، وكفل بعد ما قرّره من ذلك ومهّده، ما عكسه سفه الرأي عليه، وأبعده العجز عن الوصول إليه؛ وأيّ عذر في هذا المقام يستمع؟ أم أيّ لائمة عنه تندفع؟ وقد جرت الحال على ما علم، وتحدّث بانخراق حجاب الهيبة كلّ لسان ناطق وفم، ووقع الاتفاق من كافّة الحاجّ على أن تمسّك نائب مكة بطلب الرّضا، وتكفيل خصمه باستدراك ما تلف من التفريط في معايشه ومضى، ونظره في العاقبة التي ينظر فيها ذوو الألباب، وعمله بما أصدره الديوان العزيز من مكاتبة أمر فيها بالطاعة وخطاب؛ وهو الذي لأم النوبة وشعبها، وسهّل عسيرها ومستصعبها؛ ولو افتقرت إلى سعي أمير الحاجّ واجتهاده وإبراقه بعسكره وإرعاده، لكان الحجّ ممتنعا والخطر العظيم متوقّعا، ولم يحصل الوفد إلا على التغرير بالنفوس، والجود منها بكل مضنون به منفوس؛ ثم عرب الطريق الذي ما زال أمير الحاجّ في حقّهم خاطبا، ولإكرامهم بالقول المتكرّر طالبا، وجاعلا ما لعله يتأخّر من رسم أحدهم من دواعي الخطر في سلوك [الطريق] «1» المردية، وموجبات الفساد في المناهل والأدوية، يتلو من النّهب والاجتياح، والأذى العائد على فاعله بالاقتراف العظيم الوزر والاجتراح، بما يؤلم شجاعة القلوب ويحرّقها، ويبكي العيون ويؤرّقها؛ ولقد انتهى أن العسكر المنفّذ أمامه كان يتنقّل في هضاب البرّيّة وغيطانها، وينقّب عن منازل العرب وأوطانها، فيستقري أحياءهم حيّا فحيّا، ويتخلّل الفجاج فجّا ففجّا، فإذا شارفوا قبيلة منهم طلب النجاة منهم بالحشاشات «2» رجالها، وأسلمت إليهم نساؤها وأطفالها
(7/79)

وأموالها؛ فيتحكّمون في ذلك تحكّم من استحلّ موقفه في إباحة محارم الله ومقامه، وأمن مكره الحائق بالظالمين وانتقامه؛ ويستبيحون حريم كلّ بريء غافل لم يقارف ذنبا، وطائع لا يستحقّ غارة ولا نهبا؛ فأين كان [من] «1» النظر عند هذا الفعل في حفظ عرب الطريق؟ وكيف عزب عنه في هذا الرأي منهج التوفيق؟ وهل تتصوّر الثّقة بكل قبائل العرب عن إفساد الآبار والمصانع؟ والعبث بكل مستطاع في المناهل والمشارع، خاصّة إذا علموا أن الذي ظلمهم، واباح حرمهم، هو السالك للطريق آنفا، والمتمكّن فيهم من معاودة الأذى الذي أضحى كلّ به عارفا، واستدراك الفارط في هذا الأمر المهمّ متعين، ووجه الرأي فيه واضح متبيّن، والإشارة في كتاب زعيم مكة، إلى ما جرى من المعاهدة واستقرّت القاعدة عليه [من] «2» إعادة ارتفاعه المأخوذ ورسومه على التمام والكمال إليه، أدلّ الأدلّة على بعد النوبة من الالتئام، ودخول الخلل عليها وانحلال النّظام، وتعذّر الحجّ في المستقبل. على أن من أفسدها، لم يتأمّل لنفسه طريق الصّدر حين أوردها؛ والألمعيّة السامية المعزّيّة حرس الله عزّها اللامحة ببديهتها العواقب، المستشفعة سرائرها بالرأي الثاقب، أهدى إلى تدبيرها بما يستدرك الفارط «3» ، ويتلافى غلط الغالط، ويعيد الأحوال إلى جدد «4» الصلاح وسننه، ويجريها على أجمل قانون مألوف وأحسنه، وما أولاه بالتقديم في هذا المهمّ الذي لا أحق منه بالاهتمام والجدّ الصادق التام، بما تطمئنّ به النفوس إلى صلاحه وانتظامه، وارتفاع كلّ مخشيّ من الخلل الداخل عليه وانحسامه، والإعلام في الجواب بما يقع السكون إلى معرفته، ويحصل الأنس والشكر في مقابلته؛ ورأي حضرة سيدنا أعلى إن شاء الله تعالى.
(7/80)

الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة بلفظ الإصدار)
مثل أن يقال: أصدرت هذه المكاتبة، أو هذه الجملة، والأمر على كذا وكذا، بعد أن يدعى للمكتوب إليه بعد لفظ الإصدار، ثم يتخلّص إلى المقصود بما يليق بالمقام، ويؤتى على القصد إلى آخره، ويختم بقوله: ورأي حضرة سيدنا أعلى.
كما كتب عن الوزير قوام الدين بن صدقة أيضا إلى ملك سمرقند جوابا عن كتاب وصل منه إليه:
أصدرت هذه الجملة «1» - أطال الله بقاء حضرة مولانا- ومواهب الله سبحانه في الجناب الأشرف- لا زالت مطالع سعوده منيرة، وأعواد علائه مورقة نضيرة- آهلة الرّبوع، عذبة الينبوع، قارّة لا يظعن ركبها، دارّة لا يعز حلبها «2» ؛ والحمد لله رب العالمين.
ووصل كتابه، أدام الله علوّه، الصادر على يد الشيخ الأجلّ العالم أبي الحسن بن علبك ووقفت عليه وعرفت فحواه، وتضاعف الشكر لله سبحانه بما حواه، من اطّراد الأمور واتّساقها، وطلوع شمس النّجح في سماء مباغية وإشراقها، وأحدث ابتهاجا بوروده متوفّرا، واغتباطا بما أولاه جلّت آلاؤه من صنعه الذي أصبح ذنب الأيّام معه مغتفرا، وعرضت خدمته المقترنة به على مجالس العرض الشريفة قدّسها الله مشفوعة بذكر ما لبيته الكريم وسلفه الزاكى الأرومة من المآثر التي أضحى بها في الفخر علما، وعلى ناصية المجد محتويا محتكما، في ضمن إيضاح المحاسن التي أصبح أيّد الله سموّه بها منفردا، ولنجاد المحامد بحسبها مقلّدا، والمواقف في الطاعة الإمامية التي أصبحت غرّة في جبهة الزمان،
(7/81)

ولم يسع في مثلها لغيره قدمان، وانتهت في تمكين القواعد وتوطيدها، وتأكيد الأحوال وتمهيدها، والتجرّد في تحصيل الأرب، وتيسير المطلب، إلى ما يوجبه الودّ المحصف «1» الأمراس، والمصافاة الخالصة من الشوائب والأدناس؛ فآنست في مقابلة ذلك من الالتفات إلى ما أوردته مما يبيّن عن لطف مكاتبته بالموقف الأشرف ويعرب، ويصفو مورد الفخار بمثله ويعذب، وجدّد من التشريف والزيادة فيه ما يؤفي على الذي تقدّمه قدرا، ويجلّ طوقه عن أن يرضى عمرا، وشفع ذلك بتنفيذ التشريفات لولده أيّد الله علوّه والمطيفين بحضرته، واللائذين بحوزته، وابتدائهم بالإحسان والإنعام، والتّكرمة الموفية على المرام، إكبارا لشأنه، وإبانة عن محلّه من الآراء الشريفة ومكانه، وإيثارا لإعظام أمره، وإعلاء قدره، ليعلم- أيد الله علوّه- مكان التجرّد في هذه الحال، وصدق السعي الذي افترّت ثغوره عن نجح الآمال، وأرجو أن يصادف حسن المقام في ذلك عنده موقعه، ويلقى لديه اعترافا يوافق مرآه مسمعه.
فأما الإشارة إلى المشار إليه في التوزّع لتلك الهنات الجارية، التي ما زالت الأيام بمثلها جائية، والاستبشار بزوال ما عرض واضمحلاله، وعود الرأي الأشرف إلى أكمل أحواله، وقد عرفها بمزيد الاعتداد والشكر قائلها، ولم يكن الذي جرى مما يشعّب فكرا، أو يتوزّع سرّا، فإن الاعتداد الأشرف كان بحمد الله محفوظا، والاجتهاد في الخدمة بعين الاعتراف والرضا ملحوظا، لم تحله حال متجدّده، ولا رتعت الحوادث مورده؛ وما زالت ثغور الأيّام في كل وقت عن الزيادة باسمه، وسحبه بنجح اشتطاط «2» الآمال ساجمه، والمندوب لتحمّل المثال وما يقترن به من التشريف فلان، وهو من أعيان العلماء، ومن له في ميدان السبق شأو القرناء؛ وله في الدار العزيزة مجّدها الله الخدمة الوافية، والمكانة الوافرة، وما زالت مذاهبه في خدمه حميدة، ومقاصده على تقلّب الحالات مرضيّة سديدة؛
(7/82)

وجدير بتلك الألمعيّة الثاقبة أن تتلقّى ما يورده بالإصغاء، وتقابل النّعم المسداة إليه بالشكر الماطر الأنواء، وتوقظ ناظر اهتمامه للنّهوض بأعباء الخدمة الإماميّة، وحيازة المراضي المكرّمة النبويّة، وتمهي «1» عزيمتها فيما يكون بالإحماد الأشرف محظيا، ولأمثال هذا العرف المصنوع مستدعيا، ولرأي حضرة سيدنا في ذلك علوّ رأي إن شاء الله تعالى.
الجملة الثانية (في الكتب الصادرة عن وزراء خلفاء الفاطميين بالديار المصرية)
فقد ذكر عليّ بن خلف من كتّاب دولتهم في كتابه «موادّ البيان» «2» أنه إذا كانت المكاتبة من الوزير إلى من دونه، تكون بغير تصدير؛ إلا أن الخطاب فيها يجب أن يبنى على أقدار المخاطبين في مراتبهم في الدولة، ولم يزد على ذلك.
والذي وقفت عليه منه أسلوب واحد: وهو أن يفتتح الكتاب بلفظ «كتابنا والأمر على كذا» ويتعرّض فيه لذكر حال الخلافة والخليفة، ثم يتخلّص إلى المقصود بما يقتضيه الحال، ويؤتى عليه إلى آخره، ويختم بالدعاء.
كما كتب القاضي الفاضل عن بعض وزراء العاضد: آخر خلفائهم إلى بعض الملوك ما صورته:
كتابنا- أطال الله بقاء الملك- عن مودّة ظاهرة الأسباب، متظاهرة الأنساب، ضافية جلباب الشّباب، وعوائد عوارف لا يتنكّر معروفها، ووفود فوائد لا يتصدّع تأليفها، ومساعي مساعد لا ينقص معروفها ولا ينفض مسوفها «3» ؛
(7/83)

وسعادة بالخلافة التي عدق «1» إليه أمرها وأوضح سرّها، وملأ سرائرها وسريرها، وأطلع شمسها وقمرها. بمولانا وسيدنا أمير المؤمنين تتوالى ميامنها، وتتلألأ محاسنها، وتشرف درجاتها، وتتضاعف سعادتها؛ والكلمة قائمة على أصولها، وأمور الخلق جارية على ما هو لها، ونظام الإسلام بسياستها لا يهي، وسياقة الدوام في سعادتها لا تنتهي، والله الموزع شكر هذه المنن، المسؤول في الإنهاض لما نهضت فيه النيّة وقصرت عنه المنن؛ ولم نزل- أدام الله إقبال الملك المعظم- معظّمين لأمره، عارفين نبل قدره وجليل فخره، مشيدين بجميل ذكره وجزيل نصره، معيدين لما تتهادى الألسن من مستطاب نشره، قارئين من صفحات الأيام ما أمدّها به من بشره، غير مستيمنين لذكر اسمه الكريم إلا بصيامه وشكره، موردين مما هو يبلغه من بارع ضرائبه بالمقامات الشريفة من آثار سلفه ومآثرهم، ومأثور مكارمهم ومفاخرهم، واستناد المكرمات إلى أوّلهم وآخرهم، ومشهور ذبّهم عن الملّة ودفاعهم عن أهل القبلة، وسدادهم في الأمور، وسدادهم الثّغور، وسيادتهم الجمهور، وإستقلالهم بالمشقّات المتقدّمة، وإخمادهم نيران الخطوب المضطرمة، وكفّهم سيول السيوف العرمة، وموالاتهم أمور الدولة العلويّة التي اشتهر بها منهم الأكابر، وورثها كابر عن كابر، وحافظوا منها على سيرة معروف لا ينسخ، وعقد صفاء لا يفسخ، وسريرة صدق تستقرّ في الضمائر وترسخ، وتتوضّح بها غرّة في جباه السبق وتشدخ «2» ؛ وتستهدي عند إيراد هذا الذّكر العطر، والثناء المشتهر، من الدعوات الشريفة العاضديّة المعضودة بالنّجح، المتوضّحة عن مثل فلق الصّبح، ما يتهلّل لمساعيه بالميامن المستهلّة، ولمراميه بالإصابة المتصلة، بينه وبين هذه الدولة العالية، والخلافة الحالية، بكتاب منه نهجنا فيه طريقها اللاحب «3» ، واستدعينا به إجابته التي تتلقّى بالمراحب؛ وأعلمناه أنّ تمادى الأيام
(7/84)

دون المراسلة وتطاولها، وتنقّل الأحوال والدّول وتناقلها، لا يزيد مودّته إلّا استحكام معاقد، وانتظام عقائد، ووفاء مواعد، وصفاء موارد؛ وأنه لا تباعد بين القلوب بغرض المرمى المتباعد، ولا تفرّق المسافات القواصي ما بين النّيات القواصد. فلما تأخرت الإجابة، تقدّمت الاسترابة، وتناجت الظنون المعتلجة، وتراجعت الآراء المختلجة، بأن الرسول عاقته دون المقصد عوائق، وتقسّمته من الأحداث دون الطريق طرائق؛ فلم ترد المكاتبة إلى جنابه، ولا أسعد السعى بطروق جنابه، الذي تنال السعادة وتجنى به، وإلا فلو أنه أمّ له، بلغ ما أمّله، ولو وصله، لأجاب عما أوصله؛ لأن مكارم خلائقه تبعث على التبرّع بالمسنون فكيف بقضاء المفروض، وشرائف طرائقه تأبى للحقوق الواجبة أن تقف لديه وقف المطّرح المرفوض. فجدّدنا هذه المكاتبة مشتملة على ذلك المراد، وفاوضناه بما يعيره الإصغاء، ويجنّبه الإلغاء، ويحسن له الإنصات، ولا يحتاج فيه إلى الوصات «1» ورسمنا أن يكتمه حتّى من لسانه، وأن يطويه حتّى عن جنانه، وأن يتمسك بالأمر النبويّ في استعانته على أمره بكتمانه؛ فمن حسن الحزم سوء الظن، وهل لأرباب الأسرار فرج إلا ما دامت في السجن، وقد استلزمنا المرتهن لما استعظمنا الرهن، وفوّضنا إلى من لا يعترينا فيه الوهم ولا منه الوهن؛ ونحن تحبّبنا بما يعلم به حسن موقع رسالة الاسترسال، وبما يبيّن به عن دلالة الإدلال، وبما يرحّب بمودّته مجال الجمال؛ والله سبحانه يؤيّد الملك بنصر تستخدم له الأقدار، وسعادة لا تتصرّف في تصريفها أحكام الفلك المدار، وإقبال يقابل آراءه وآدابه في فاتحة الورد وعاقبة الإصدار، وعزّ لا يزال منه متوقّلا «2» في درجات الاقتدار إن شاء الله تعالى.
(7/85)

الطرف الثالث عشر (في المكاتبات الصادرة عن الأتباع، إلى الملوك ومن في معناهم؛ وفيه ثلاث جمل)
الجملة الأولى (في المكاتبات الصادرة عن أتباع ملوك الشرق إليهم في الزمن المتقدّم، وهي على أسلوبين)
الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بلفظ: «كتابي» )
ويدعى للمكتوب «1» ........... كذا وكذا، ويتخلّص إلى المقصود بما تقتضيه الحال، ويخاطب السلطان في أثناء الكتاب بمولانا أو بمولانا الملك، ويعبّر المكتوب عنه عن نفسه بتاء المتكلم ولفظ الإفراد، ويختم بقوله:
فإن رأى أن يفعل كذا فعل إن شاء الله تعالى. ويدعى للمكتوب إليه بطول البقاء مع التعرّض لذكر الخليفة في أثناء الكتاب.
وهذه نسخة كتاب من هذا الأسلوب، كتب به أبو إسحاق الصابي «2» عن أبي الفضل الشّيرازي: أحد نوّاب بني بويه إلى عضد الدولة بن بويه «3» ، في جواب
(7/86)

كتاب وصل منه إليه، يخبره بفتح خراسان وطاعة صاحبها، وهو:
كتابي- أطال الله بقاء مولانا- والأمور التي أخدم فيها جارية على السّداد، مستمرّة على الاطراد؛ والنّعم في ذلك خليفة بالتّمام، مؤذنة بالدّوام.
والحمد لله حقّ حمده، وهو المسؤول إطالة بقاء موالينا الأمراء، وحراسة ما خوّلهم من العز والعلاء؛ وأن لا يخليهم من صلاح الشان، وسموّ السلطان؛ وظهور الوليّ، وثبور «1» العدوّ.
ووصل كتاب مولانا [الأمير أطال الله بقاءه] «2» الصادر من معسكره المنصور بكازرين «3» ، بتاريخ كذا، مخبرا بشمول السلامة، مبشّرا بعموم الاستقامة، موجبا لشكر ما منح الله من فضله وأعطى، مقتضيا [نشر] «4» ما أسبغ من طوله وأضفى، مشروحا فيه الحال فيما كان يجري من الخلاف بين مولانا الأمير السيد «ركن الدولة» وبين ولاة خراسان، وجهاده إيّاهم في حياطة الدّين، وحماية حريم المسلمين، والدعاء إلى رضا رب العالمين، وطاعة مولانا أمير المؤمنين؛ وتذمّمه مع ذلك من دماء كانت باتّصال الحروب تسفك، وحرمات باستمرار الوقائع تنتهك، وثغور تهمل بعد أن كانت ملحوظة، وحقوق تضاع بعد أن كانت محفوظة؛ وأنه لما جدّدت العزيمة على قصد جرجان ومنازعة ظهير الدولة أبي منصور بن وشمكير مولى أمير المؤمنين [على تلك الأعمال، ودفعه عما ولاه أمير المؤمنين] «5» بوسيلة موالينا الأمراء أدام الله تمكينهم منها ومنازعته ومجاذبته فيها، نهض مولانا [الأمير الجليل عضد الدولة] «6» إلى كرمان على اتفاق كان بين مولانا الأمير السيد ركن الدولة وبينه في التوجّه إلى حدود خراسان، فحين عرف
(7/87)

القوم الجدّ في ردّهم، والتجريد في صدّهم، وأنه لا مطمع لهم في جنبة «1» إلى طاعة أمير المؤمنين انتسابها، وبذمام سادتنا الأمراء اعتصامها، اتّعظوا واتّزعوا، وعرّجوا ورجعوا سالكين أقصد مسالكهم، منتهجين أرشد مناهجهم، معتمدين أعود الأمور على المسلمين عموما وعليهم خصوصا باجتماع الشّمل، واتّصال الحبل، وأمن السّرب، وعذوبة الشّرب، وسكون الدّهماء، وشمول النّعماء؛ فخطبوا الصّلح والوصلة، وجنحوا إلى طلب السّلم والألفة؛ وأن مولانا [الأمير عضد الدولة] «2» آثر الأحسن واختار الأجمل: فأجاب إلى المرغوب فيه إليه، وتوسّط ما بين الأمير السيد ركن الدولة وبين تلك الجنبة فيه، وتكفّل بتقريره وتمهيده، وتحقّق بتوطيده وتشييده، وأخرج أبا الحسن عابد بن عليّ إلى خراسان حتّى أحكم ذلك وأبرمه، وأمضاه وتمّمه، بمجمع من الشيوخ والصّلحاء، ومشهد من القضاة والفقهاء؛ وأنّ صاحب خراسان عاد على يد مولانا [الأمير عضد الدولة] «3» إلى طاعة مولانا أمير المؤمنين ومشايعته، والإمساك بعلائق ولائه وعصمته؛ وصار وليّا بعد العداوة، وصديقا بعد الوحشة، ومصافيا بعد العناد، ومخالطا بعد الانفراد، وفهمته. وتأمّلت- أيد الله مولانا- ما في ذلك من ضروب النعم المتشعّبة، وصنوف المنح المتفرّعة، العائدة على الملك بالجمال، وعلى الرعيّة بصلاح الحال؛ الداعية إلى الائتلاف والاتفاق، المزيلة للخلاف والشّقاق؛ فوجدت النفع بها عظيما، والحظّ فيها جسيما، وحمدت الله حقّ حمده عليها، وشكرته أن أجراها على يد أولى الناس بها، وأحقّهم بالمكارم أجمعها، وأن قرّب الله بيمنه [ما كان بعيدا معضلا، ويسّر ببركته] «4» ما كان ممتنعا مشكلا؟ فأصلح ذات البين بعد فسادها، وأخمد نيران الفتن بعد تلهّبها واتّقادها، ووافق ما بين نيّات القلوب، وطابق بين نخائل «5» الصدور، وتحنّت الضلوع بنجح سعيه على
(7/88)

التّألف، وانضمّت الجوانح بميمون رأيه على التعاطف؛ وحصل له في ذلك من جزيل الأجر، وجميل الذكر؛ وجليل الفخر، وأريج النّشر، ما لا تزال الرّواة تدرسه، والتواريخ تحرسه، والقرون تتوارثه، والأزمان تتداوله؛ والخاصّة تتحلّى بفضله، والعامّة تأوي إلى ظله.
فالحمد لله كثيرا، والشّكر دائما على هذه الآلاء المتواترة، والعطايا المتناصرة، والمفاخر السامية، والمآثر العالية؛ وإيّاه أسأل أن يعرّف مولانا الملك الخيرة فيما ارتآه وأمضاه، والبركة فيما أولاه وأجراه؛ وأن يهنئه نعمه عنده، ويظاهر مواهبه لديه، ويسهّل عليه أسباب الصلاح، ويفتح أمامه أبواب النجاح، ويعكس إلى طاعته الرقاب الآبية، ويذلل لموافقته النفوس النائية؛ ولا يعدمه وموالينا الأمراء أجمعين المنزلة التي يرى معها ملوك الأرض قاطبة التعلّق بحبلهم أمنا، والإمساك بذمامهم حصنا، والانتماء إلى مخالطتهم عزّا، والاعتزاء إلى مواصلتهم حرزا، إنه جل وعزّ على ذلك قدير، وبإجابة هذا الدعاء جدير.
وقد اجتهدت في القيام بحقّ هذه النعمة التي تلزمني، وتأدية فرضها الذي يجب عليّ: من الإشادة بها والإبانة، والإشاعة والإذاعة؛ حتّى اشتهرت في أعماله التي أنا فيها، واستوى خاصّتها وعامّتها في الوقوف عليها، وانشرحت صدور الأولياء معها، وكبت الله الأعداء بها، واعتددت بالنعمة في المطالعة بها والمكاتبة فيها؛ وأضفتها إلى ما سبق من أخواتها وأمثالها، وسلف من أترابها وأشكالها؛ فإن رأى مولانا الأمير الجليل عضد الدولة أن يأمر أعلى الله أمره بإجرائي على أكرم عاداته فيها، واعتمادي بعوارض أمره ونهيه كلّها، فإن وفور حظّي من الإخلاص، يقتضي لي وفور الحظ من الاستخلاص، فعل. ان شاء الله تعالى.
الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بالإصدار)
مثل: أصدر الخادم أو العبد ونحوه، ويؤتى بالصدر إلى آخره؛ ثم يتخلّص
(7/89)

إلى المقصود بما يقتضيه المقام، ويختم بقوله: وللرأي العالي مزيد العلوّ ونحو ذلك.
كما كتب عن بعض وزراء الراشد أو المسترشد إلى السلطان سنجر السّلجوقي «1» ، في حق قطب الدين أبي منصور أزدشير العباديّ: وقد ورد إلى أبواب الخلافة ببغداد رسولا، وكان أبوه وخاله وسلفه من أهل العلم والزّهد، وهو من الفصحاء البلغاء ما صورته:
أصدر خادم المجلس العالي هذه الخدمة عن ضمير معمور بالولاء، وإخلاص دواعيه متصلة على الولاء، وعكوف على ما يرجو به حصول المراضي العليّة، والتحقّق لمشايعته الواضحة شواهدها الجليّة، والحمد لله رب العالمين.
وبعد، فما زال الجناب العالي السلطانيّ الشاهنشاهيّ الأعظميّ أعلاه الله لكلّ خير منبعا، وحرمه الآمن للفوائد الجمّة مغاثا ومربعا، والسعادة والتوفيق مقرونين بسامي آرائه، مطيفين به من أمامه وورائه؛ في كل رأي يرتئيه، ومقرّب يصطفيه، وامرىء يتخيّره ويقلّده، وأمر يحلّه ويعقده، وصنع جميل يصيب من الاستحقاق موضعه، ويعيد طيب الذكر مجهّزه ومبضعه؛ مناقب تفوت الإحصاء عدّا، وترد من مفاخر الوصف منهلا عذبا وتسير بذكرها الرّفاق غورا ونجدا، وتجاوز غايات المدح علاء ومجدا، وكفى على ذلك دليلا قاطعا، وبرهانا ساطعا؛ ما اقتضته الآراء العلية من التعويل على فلان العبّاديّ في تحمّل الرسالة الأعظميّة التي عدقت «2» منه بالنقيّ الجيب، البريء من العيب، العاري من دنس الشكّ
(7/90)

والرّيب؛ فإن اختياره لهذا الأمر طبّق مفصل الصواب، ولشاكلة «1» رمي الرأي أصاب؛ إذ هو الفذّ في علمه وفضله، السديد في قوله وفعله، البارع في إيجاز الخطاب وفصله، المعرق في الزّهادة والدّيانة المزيّنين لفرعه وأصله.
ولما وصل إلى الأبواب العزيزة الإماميّة- ضاعف الله تعالى مجدها- مثل بالخدمة مؤدّيا من فرضها ما يلزم أمثاله من ذوي العقائد الصحيحة، والموالاة المحضة الصريحة؛ وصادف من التّكرمة والإنعام ما يوجبه له محلّه من العلم الذي لا تكدّر الدّلاء بحره، ولا تدرك الأرشية «2» بطولها قعره؛ فهو فيه نسيج وحده، وناسج برده، وناشر علمه، ومستغزر ديمه. وألقى من ذلك ما يقتضيه اختبار أحواله الشاهدة بأنه ممن أصحب في يده قياد الفصاحة الأبيّ، وملّكته زمامها الممتنع على من عداه العصيّ، وجمع له من الفضائل ما أصبح في سواه متفرّقا، وخير له منها ما جعل جفن حاسده لفرط الكمد مؤرّقا، إلى ما زان هذه الخصائص التي تفرّد فيها وبرع، وطال مناكب الأقران وفرع: من الإخلاص الدالّ على تمسّكه بحبل الدّين المتين، واستمراره على جدده الواضح المبين، وفصل عن الأبواب العزيزة فائزا من شرف الإرعاء، ما وفّر الحظوظ والأنصباء؛ حاصلا من حميد الآراء، على أنفس العطاء وأجزل الحباء؛ وقد تمهّد له من الوجاهة والمكانة ما يفخر بمكانه، وتنقطع دون بلوغ شأوه أنفاس أقرانه؛ ورسم- أعلى الله المراسيم الإمامية وأمضاها- مطالعة المجلس العالي السلطانيّ أعلاه الله بهذه الحال، تقريرا لها عند العلم الكريم واستمدادا للطّول والإنعام، باختصاص قطب الدّين بالاحترام؛ الذي هو حقيق بمثله، وخليق أن لا يضحى عن وارف ظله، وما يوعز به من ذلك يصادف من دواعي الاستحقاق أوفاها، ويرد من مناهل الذكر الجميل أعذبها وأصفاها، ويتلقّى من شرف المحامد بألطفها وأحفاها، وللرأي العالي علوّ رأي، إن شاء الله تعالى.
(7/91)

الجملة الثانية (في المكاتبات الصادرة عن أتباع ملوك الديار المصرية إليهم، والمختار منه أسلوبان) الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بالدعاء)
مثل أن يدعى بعزّ الأنصار، أو إدامة السلطان، أو تخليده، أو إدامة بسطة السلطان، أو إدامة الأيّام ونحو ذلك. ويخاطب السلطان فيه بمولانا، ويعبّر المكتوب عنه عن نفسه بالمملوك، ويختم بالدعاء. وهي طريقة القاضي الفاضل ومن تلاه من كتاب الدولة الأيوبية بالديار المصرية.
قال ابن شيث في «معالم الكتاب» «1» : ولا يقال في مخاطبة السلطان:
سيدنا مكان مولانا، وإن كان السيد من الألقاب السلطانيّة، لأنّ لفظ سيدنا مما أصطلح عليه لأكابر المتعمّمين من الفقهاء والقضاة والكتّاب، فاجتنب في حق السلطان كي لا تقع المشاركة بينه وبين غيره في الخطاب.
وهذه نسخة كتاب من هذا الأسلوب كتب به إلى الملك العادل أبي بكر بن أيوب «2» في جواب كتاب ورد منه بالبشارة بفتح خلاط «3» وهي:
أدام الله سلطان مولانا الملك العادل وزاده من فضله، ومدّ على خلقه وارف ظلّه، وأظهر به دينه على الدّين كلّه، وأوضح إلى مرضاته ما يسلكه من سبله، ولا عدمت يد الإسلام والمسلمين التعلّق بوثيق حبله، وفرّج به الخطط المطبقة، وفتح به البلاد المستغلقة، وأخضع لطاعته الأعناق، وعمّ بفتوحه الآفاق، ودمّر
(7/92)

الكفر بمقامه، وطوى أيّامهم بما ينشره ويديمه من أيامه، وأنزل النصر في مواقف النّزال بما ترفعه راياته من أعلامه.
وقف المملوك على ما أنعم به مولانا: من كتاب البشارة التي وصلت إلى كلّ قلب وسمع، وأمّل بها كلّ مسلم كلّ خير ونفع، وعلم ما وراءها من جمع شمل كان عزيز الجمع، وعلم ما يتبعها من عواطف مولانا التي عوّدها منه أكرم طبع، وتحقّق أن الله سبحانه قد قلّد الدين منه سيفا خلقه للوصل وخلق السّيوف للقطع.
وبالجملة إن الله سبحانه نظر إلى هذه الملّة بنظر مولانا لها، وكفالته لأهلها، وسياستهم بشرف السجيّة وعدلها، وإن كل ما اختلس الملك الناصر رحمه الله فإن الله يتمّه على يديه، ويجبر به تارة بصفحة وتارة بحدّيه، ويهب له عمرا نوحيّا «1» إلى أن لا يذر على الأرض من الكافرين ديّارا، وإلى أن يورث الإسلام بسيفه منهم أرضا ومالا وديارا؛ وهذه مخايل «2» لا يخلف الله بارقتها؛ بل يردّ إلى جهة الكفر صاعقتها، فما يحسب المملوك أن جانبا يتلوّى على طاعة مولانا ولا ينحرف، ولا أنّ كلمة عليه بعد اليوم تختلف، ولا أنّ ممتنعا بالأمس يكون معه اليوم إلا أن يرضى عنه مولانا وعليه ينعطف.
وعلى هذا فالشام الفرنجيّ «3» متأخذ بجناح إلى الأخذ وبقية عمر المؤمن كما قال صلّى الله عليه وسلّم لا ثمن لها، والفرص تمرّ مرّ السحاب، والمستعاذ بالله من حسرات الفوت بعد الإمكان وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ
«4» وما يشخص «5» لخطاب الله تعالى بالجهاد إلا مولانا: النية خالصة، والبصيرة ثاقبة، والعزيمة ماضية، والشجاعة منحة من الله له موهوبة، والسماحة خليقة من خلائقه الكريمة موجودة،
(7/93)

والرجال تطأ عقبيه، والملوك تطيع أمره والشّجعان تبذل أنفسهم بين يديه، والعدو يعرف منه خصما طالما خاطبه بلسان السيف منه إليه. وليس كلّ من قدر عليه أراده، وعكّا أقرب من خلاط وأنفع للمسلمين فتحا، وأعظم في الكفّار قدحا؛ فوالله لئن انغلق باب الشام في وجه الكفر، لتنقطعنّ آمال أهل البحر والبرّ؛ وما دام في الشام بقية من الكفر فهو يقبل الزّيادة، وينتظر النّجدة ويؤمّل الاستعادة؛ وما كرر المملوك هذا الحديث جهلا بما يجب في خدمة الملوك من الأدب في أن يتكلّم في القضية إلا من استشير فيها، ولا يجتريء على الكلام إلا إذا كان مجيبا بما يؤمر بالإجابة عنه، ولكن المملوك غلب على الصّحبة، وانقطع عن الخدمة، وعلم أنه لو كان حاضرا لكان مولانا يبسطه ولا يقبضه، ويستشفّ ما عنده ويستعرضه، ويشفّع قلبه في لسانه إذا هفا، ويحمله على صفاء ضميره فيما يقوله فلا يقابل بالتكدير من صفا؛ فقد علم الله أن المملوك يتمنّى للمسلمين أن يردّ عليهم حقّهم، وترجع إليهم بلادهم، وأن تكون هذه الأمنيّة جارية على يد مولانا ومستفادة من عزيمته، ومكتوبة في صحيفته، ومغتنمة فيما يمدّه الله في حياته؛ فإن الأمور فيما بعد ملموحة، ولكن أبواب قدرة الله مفتوحة؛ فالله يجعل منها أن يفتح على مولانا فيه بلاد الساحل، وأن يأخذ للإسلام به أهبة المقيم وللمقيم أهبة الراحل؛ وما يخلط المملوك هذا المهمّ بغيره، طالع به، ولمولانا علوّ الرأي.
الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة بيقبّل الأرض مصدّرا بالمملوك)
وهي من مصطلحات الدولة الأيّوبية أيضا إذا كان المكتوب عنه دون من تقدّم.
كما كتب القاضي الفاضل عن نفسه إلى السلطان «صلاح الدين يوسف بن أيوب» يهنئه بمولود ولد له:
المملوك يقبّل الأرض بالمقام العالي الناصريّ نصر الله الإسلام بمقامه، وأهلك أعداء الحقّ بانتقامه، ولا أعدم الأمة المحمدية عقد اعتزائه بكفالتها ومضاء اعتزامه.
(7/94)

يهنّيء المملوك المولى بنعمة الله عنده وعند الإسلام وأهله بمن زاده في ولده، وكثّره في عدده؛ وهو الأمير «أبو سليمان داود» أنشأه الله إنشاء الصالحين، ومنّ الله بكمال خلقه، ووسامة وجهه، وسلامة أعضائه، وتهلّل غرّته، وابتسام أسرّته؛ ودل على أن هذا البيت الكريم فلك الإسلام لا يطلع فيه إلا البدور، كما دلّ على عناية الله بأبيه، فإن الله تعالى قال: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
«1» فطريق المولى هذه قد توالت فيها البشائر، ونصر الله فيها بألطاف أغنت بلطف الخواطر عن قوة العساكر، واشتملت عليه في الغائب من أمره والحاضر وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
«2» وكيف يحصيها المحصي ويحصرها الحاصر، أيحيط ما يفنى بما لا ينفد؟.
فالحمد لله الذي جعل كتب المولى إلى أوليائه وكتبهم إليه مبتسمة عن المسارّ، ناطقة بأطيب الأخبار، منكشفة أسرارها عمّا يروّح الأسرار؛ وهذا الولد المبارك هو الموفّى لاثني عشر «3» ولدا، بل اثني عشر نجما متوقّدا. فقد زاد الله في أنجمه عن أنجم يوسف عليه السّلام نجما، ورآهم المولى يقظة ورأى ذلك الأنجم حلما؛ ورآهم ساجدين له ورأينا الخلق له سجودا، وهو سبحانه قادر أن يزيد جدود المولى إلى أن يراهم آباء وجدودا.
الجملة الثالثة (في المكاتبات الصادرة عن أتباع ملوك الغرب إليهم، والمختار منه أربعة أساليب)
الأسلوب الأول (أن تفتتح المكاتبة بلقب المكتوب إليه)
مثل: المقام أو الجناب، وينعت، ثم يقال: مقام فلان، ثم يؤتى بالسلام ثم
(7/95)

بالبعديّة، ويؤتى بخطبة، ويتخلّص إلى المقصد، ويؤتى عليه إلى آخره، ويختم بالدعاء ثم بالسلام.
كما كتب ابن البنّاء عن ابن خلاص إلى أمير المسلمين الواثق بالله أبي بكر بن هود، في جواب كتاب ورد عليه منه ما صورته:
المقام العليّ، الواثقيّ المعتصميّ، المبارك السامي السّنيّ، معدن الفضل ومقرّه، ومسحب ذيل الفخر ومجرّه، ومناط حمل أمانة المسلمين التي لا يحملها إلا أبلج الشّرف أغرّه، ولا يتقلّد قلادتها إلا تقيّ المنشإ برّه؛ مقام مولانا جمال الملك وبهائه، والباعث في معطفه أريحيّة النجابة وازدهائه، الأمير الأجلّ المعظم، المكبّر الهمام المكرم، المبارك الميمون السعيد، الموفّق الرشيد، المظفّر المؤيّد، المرفّع الممجّد، وليّ العهد، وواسطة عقد المجد، والملبس سرابيل اليمن والسعد، الواثق بالله، المعتصم به، أبي بكر ابن مولانا مجد الإسلام، وجمال الأنام؛ ومجاهد الدّين، سيف أمير المؤمنين، المتوكّل على الله تعالى أمير المسلمين، أبقاه الله واردا من مشارع التأييد أعذبها، متخوّلا من صنع الله الجميل ما يسدّد أبعد الأمة وأقربها؛ ممتدّا مدّ السعادة ما جلت غرّة الفجر حندس «1» الظلماء وغيهبها. عبد بابه الأشرف، ومملوك إحسانه الأسحّ الأذرف، مسترقّه الآوي إلى ظل سلطانه الأمدّ الأورف، الحسن بن أحمد بن خلاص.
سلام الله الطيب الكريم وتحيّاته، يعتمد الواثقيّ المعتصميّ ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله الذي له الأمر من قبل ومن بعد، والصلاة على سيدنا محمد نبيّه الذي ترتّبت على اجتنابه الشقاوة ووجب باتباعه السعد، وعلى آله وصحبه الذين ناضلوا عن ديانته حتّى وضح السّنن وبان القصد- والرضا عن خليفته وابن عمّه الإمام العباسيّ أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور المستنصر بالله، وارث شرفه
(7/96)

النبويّ، ومجده الهاشميّ، بخصائصه التي لا تعفّي أنوارها الأبكار «1» ، ولا يطمس آثارها الحجر. وعن مولانا مجد الإسلام، جمال الأنام؛ مجاهد الدّين، سيف أمير المؤمنين، المتوكل على الله تعالى أمير المسلمين؛ ذي العزمات التي لا تغني غناءها الذّبل «2» التي منبتها الخطّ «3» ، ولا القضب «4» التي منشؤها الهند. والدعاء لمقام الثّقة والاعتصام، ومقرّ الإحسان والإنعام، بالنصر الذي يؤازره الظّفر، ويظاهره العضد.
فكتبه عبد المقام الواثقيّ المعتصميّ- كتب الله له تأييدا يحفظ على الدين نظامه، وتخليدا يرث ليالي الدّهر وأيامه- من إشبيلية حرسها الله تعالى، وللبركات المتوكّليّات والواثقيّات بها انثيال كما تتابع القطر، وسطوع كما ابتسم في مطالعه الفجر، وتعهّد لا تزال تقرّ به العين وينشرح له الصدر؛ والخدمة اللازمة للمثابة العلية الواثقية المعتصميّة- أعلى الله مكانها، وشيّد بعضده أركانها- فرض لا يسع تأخيره، وحقّ لا يعلق به تفريط المتقلّد له ولا تقصيره، ولازم من اللوازم التي لا يشغل بسواها سرّ المملوك ولا ضميره؛ والله ينجد من ذلكم على ما يتسوّغ به صفو المنّ ونميره «5» . وإن الخطاب الكريم الواثقيّ شرّف الله منازعه، ونوّر بأنوار السعادة مطالعه، ورد على العبد مشيدا بذكره، معليا من قدره، مسميا لرتبة فخره، متضمّنا من واسع الإنعام وغمره ما لو وزّع على العالم لشملهم بأسره، وأغرقهم بفيض يسير من بحره؛ فتناوله المملوك بيمين إجلاله وإعظامه، ووفّى الواجب من
(7/97)

لثمه واستلامه، وألفى به ريّا ناقعا لغليل الشوق المبرّح إلى اجتلاء غرّته الكريمة وأوامه «1» ؛ وجعل يتتبع سطوره، ويستقري فقره وشذوره، فلا يقف من ذلكم كلّه إلا على ما يملأ حوباءه «2» جذلا، ويخوّله الابتهاج غنما ونفلا «3» ؛ ويبوّئه أسنى مراتب التشريف قننا وقللا «4» ؛ وهو على ما حكمت به الأقضية من شحطه عن المثابة الواثقيّة شرّفها الله وشسوعه، وإيواء مغاني أنسه لذلكم ورجوعه؛ لا يجد أنسا إلا ما يتوالى قبله من متعهّد اهتمامها، وتهديه إليه ألسنة أقلامها؛ فكلما وفد عليه من صحائفها المكرّمة وافد، وورد من حضرتها المعظّمة وارد؛ فقد جدّد الزمان عنده يدا غرّا، وأطلع عليه بدرا، وأفاده من الابتهاج ما يعمر الخلد، وينشر نسيم الاستبشار إذا سكن وركد؛ وما ينفكّ على نأي المكان، وبعد الأوطان، يحافظ على رسمه من خدمها، ويؤدّي وظائف الشكر بجسيم منحها وعميم نعمها، ويجعل على نفسه المتملّكة رقيبا من أن يخلّ في سرّ أو جهر بعهد من عهودها أو ذمّة من ذممها؛ ومهما تجدّد صنع يتعين إهداؤه، ويجب قضاء الحق بالدلالة عليه وأداؤه؛ لم يصحبه في المطالعة به توان، ولم يعبر في جلائه أوانا إلى أوان. وقد كان قدّم مطالعاته قبل إلى الباب الواثقيّ شرفه الله باسطا لتفاصيل الأحوال، وشارحا لها على الاستيفاء والكمال؛ ولم يتجدّد بعد ذلك إلا تمكّن الرجاء في فتح لبلة «5» يسّر الله مرامها عن دنوّ بحول الله وقرب، وأنطق لسان الحال بتيسير كلّ عصيّ من محاولاتها وصعب. ولو أنّ مكانا عضّه الدهر من أنياب حوادثه
(7/98)

الجون «1» بما به عضّها، وفضّ الحصار أقفالها التي فضّها منه ما فضّها، لكان قد ذهب شميسه «2» ، وخفي عن أن يسمع حسيسه؛ لكن أبى الشقاء الغالب على أهلها إلا أن يمدّ عليهم أمد العذاب، ويرخي لهم طول المهلة المشفية بهم كلّ يوم مهاوي الخسار والتّباب، حتّى يبلغ الكتاب فيهم أجله، ويصل إلى الحدّ الذي شاء الله أن يصله؛ فيأخذهم أخذ من عمي عن إدراك الحق بصره وبصيرته، وخبث في معاندته سرّه وسريرته؛ ويرجّى أن الوقت في ذلكم دان بإمكان، والله تعالى يديم للمقام الواثقيّ ما عوّده من توالي السّعود واطّرادها، وإصحاب الآمال وانقيادها؛ وسلام الله الطيب يراوحها ويغاديها، وتحياته، ورحماته الموصولة وبركاته.
الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة بالحضرة)
وتوصف ويدعى لها، ثم يقع التخلّص إلى المقصد، ويختم بالدعاء والسلام.
كما كتب أبو المطرّف بن عميرة «3» إلى المتوكل بن هود «4» القائم بالدعوة العباسية بالأندلس عن بعض أتباعه، عند ورود كتابه عليه بخبره بفتح ...
... «5» من الأندلس وقتل الثائر بها، وهو:
(7/99)

الحضرة العلية أبقى الله ظلّ ملكها على العباد، وعرّفها من تأييده وإنجاده أفضل المعتاد، وجعل لها من الملجأ إليه والتوكل عليه أكثر الجموع وأكثف الأعداد، ولا زالت أحاديث نصرها سالمة المتون صحيحة الإسناد، وصحائف فتوحها تجمع صلاح العباد، وتطلع صباح البشائر من ليل المراد؛ عبدها ومملوكها، السالك من الخدمة والنصيحة الطريق التي يجب سلوكها، فلان.
وبعد: فكتب العبد- كتب الله للمقام العليّ المجاهديّ المتوكّليّ سعدا يردّ الصّعاب ذللا، ويسدّ من المكاره سبلا؛ وأمدّه بملائكة رسله جاعل الملائكة رسلا- من فلانة وبركاته مروية للظماء وحركاته مسكّنة للدّهماء، وآثاره في يومي سلمه وحربه آثار الأشدّاء على الكفّار والرّحماء؛ والأرض بوضوح محيّاه، وفتوح أسنّته وظباه، تهتزّ أعطافا، وتعتزّ مواسط وأطرافا، وتبرز في أثوابها القشب فيزداد حسنها أضعافا؛ والأيّام بالبشائر التي فضّت ختامها عفوا «1» على قدر، وقضت مسامها صفوا بلا كدر؛ لها أنف الشامخ تيها، ووجه الضاحك المتهلّل إشادة بحالها وتنويها، ودلالة على رحب مجالها وتنبيها. والحمد لله حمد من عرف قدر نعمائه فوفّى حقّ أسمائه تقديسا وتنزيها. وإن الخطاب العليّ الكريم ورد راصفا أجلّ الدّرر، واصفا أجمل الفتوح الغرر، رافلا في حلل الأيد «2» والقهر، رافعا منسأة «3» الحوادث بإحدى حسنات الدهر؛ فيا له من كتاب! أودع بدائع الكلم، وجوامع البيان الملتئم المنتظم؛ لو استمدّ سناءه أوّل الفلقين لم يك كاذبا، ولو أعير محيّاه ثاني الشفقين كان عن ضوء النهار نائبا؛ ذكّر بأيّام الله المشهودة بالملائكة والرّوح، ومدّ باع الكلام في فتح الفتوح؛ وأطال ذيول القول مفتاحا منه
(7/100)

للصّعب الجموح، فكان الغزير الصيّب، والكثير الطيّب؛ والمتّبع إن مضى بقلوب وأسماع، والمضاعف حسنه إن كرّر إلى غير انقطاع. كيف لا؟ وقد بشّر خبره بالمراد في المراد «1» ، وأوقع اليقين بما خرق العادات من الإسعاف والإسعاد، وكان من آحاد الاخبار لا من أخبار الآحاد «2» ؛ ومما اقتصّه ما جرى من أوائل الحركة السعيدة، واعترض من المتاعب الشديدة؛ وأن الشتاء كان في ابتدائه، والغيم ساحب لردائه، ساكب فضل أندائه. والمكاره في طيّها النّعم الجسام، والنفوس الكبار تتعب في مرادها الأجسام؛ ولذلك هانت على المقام العلي- أيده الله- تلك المشاقّ، ورجّى من عمله ونظره ما جنى من ثمرة العاقّ؛ فسار إليه بالجحفل الأحفل، والعزيمة الزعيمة بفضّ المقفل، ورضّ الأعلى والأسفل؛ وقد اعتزّ بأجلّ المدائن شانا، وأوثقها بنيانا، وأبعدها صيتا ومكانا؛ وهي التي أعيت رياضتها كلّ رائض، وسخرت بكلّ قاعد بقنونها «3» رابض؛ وجمع إليها من طرد الآفاق، وأعداد الاجتماع والاتّفاق، أتباع كلّ ناعق، وأشياع كل مارد مارق، فاستحلّوا الدماء، وركبوها مضلّة عمياء، وأدرك كلّ منهم مما شاء للإسلام ما شاء، وعدوّ الله يفتل لهم في الذّروة والغارب «4» ، ويضرب لهم سكّان البلد ضرب الغرائب؛ حتّى أباد خضراءهم، وجعلهم شرّ خلف فيمن وراءهم؛ غير مبال بما احتقب من الجرائر «5» ، واقترف من إباحة الحرائر، فاجترأ مدّة بالجلاء، وازداد إثما بالإملاء؛ وحينئذ سمت إليه عساكر الإسلام، وناولته بالموت الزّؤام، ورأى عيانا ما كان يطير
(7/101)

إليه قلبه لو رآه في المنام؛ وتداولته المطاولة المستدرجة، والعاجلة المزعجة؛ وفي كلّ ذاق عذاب الهون، فأحسّ بقاصمة المتون وقاضية المنون؛ وانقسمت شدّته إلى المهلكين: خوف وإعدام، واستكملت تسعة أشهر وكان الفتح عندها لتمام؛ وإنه للولد الذي هنّيء به الإسلام، وضنّت بمثله الأيام، واستبشر بوجوده الأنام؛ فما أعلى مقامه! وأبهج يومه وأسعد عامه! ولا غرو أن تكون غرّته أبهى الغرر، ومفتتحه مباركا كالبشر؛ وقد أسفر عن أيمن وجه النّجح، وخرج من عموم الأيام بمخصّص هذا الفتح؛ وانتقم الله فيه من الشقيّ الظالم، العظيم الجرأة على ارتكاب المظالم؛ فطاح بموبق أعماله، وعجّل الله به إلى ما أعدّ لأمثاله؛ وكان دمه شرّ دم أريق، وأديمه أخبث أديم لاقى التمزيق.
والحمد لله الذي نصر الراية العباسيّة وأعلاها، وأظهر آية عنايته وجلّاها، وأسبغ نعمه الجسيمة ووالاها. وحين ورد هذا النبأ العظيم [كان] أندى من قطر النّدى على الأكباد، وسرى في البلاد سريان الأرواح في الأجساد، وكلفت به الأسماع والأسمار، وسمت به وإليه الأمصار والأبصار؛ واستقرّ من ارتجاع البلد، وانتزاع النفس الذاهبة إلى جري الأبد، حكمان مدركهما الفعل والإقرار، وعملان تمّ بهما المراد والاختيار؛ فرفعت الأدعية إلى سامعها، وغصّت الأندية بحاضري مجامعها؛ وذاع بالبشرى فيا حسن ذائعها وشائعها، وأذعنت الآمال لإدناء نازحها وشاسعها، وأخذ العبد من المسرّة بحظّ أخلص العبيد مشهدا ومغيبا، وأجمعهم لمعالي الجدّ تطنيبا، ولمعاني الثناء والحمد تطييبا، وجدّد من شكر الواهب لجزيل هذه الهبة، والفاتح لأعظم المعاقل الأشبة «1» ما يستغرق المدد، ولا يبلغ الأمد؛ وأنّى [لمثلي] أن يصف البشرى الواصلة، أو ينصف المقالة المتطاولة، ولو حلب أشطر الإحسان «2» ، وجلب أبحر البيان؛ وكيف والفكر قد قعد حصرا، والمدى لا
(7/102)

يؤاخذه التقدير قسرا، والقول لا يجيب مطوّلا ولا مختصرا؟ فحسبه دعاء هو له رافع، ولأوقات الخلوات به قاطع، وإلى الله سبحانه في قبوله ضارع؛ والله يجيب في المقام العليّ المتوكليّ أفضل دعاء الخلق، ويضاعف له مع السابقين ثواب السّبق، ويجزيه خير الجزاء عما أزاله من الباطل وأداله من الحق؛ وهو تعالى ينصره يوم الباس، ويعصمه من الناس، ويبقي رفده للاكتساب ونوره للاقتباس، ويعرّفه في كل ما يستنبطه من أصل التوكل صحّة القياس، بمنه والسلام.
الأسلوب الثالث (أن تفتتح المكاتبة بأمّا بعد، ويتخلّص إلى المقصد ويختم بما يناسب المقام)
كما كتب أبو المطرّف بن عميرة إلى المتوكّل بن هود المقدّم ذكره، عن نفسه، يهنّئه بوصول هديّة الخليفة العباسيّ إليه من بغداد:
أما بعد، فكتب العبد- كتب الله للمقام العليّ الناصريّ المتوكّليّ مجدا يحلّ الكواكب، وجدّا يفلّ الكتائب. من شاطبة «1» ، وبركات دعوته السعيدة قد طبّقت البسيطة، وكاثرت البحار المحيطة، وأنجزت للإسلام أفضل مواعده، وجدّدت عهده لأهل بيت النبوّة الرافعة لقواعده، وفسّحت له مجال البشرى، وأطلعت عليه أنوار العناية الكبرى؛ فعاد إلى الوطن، ووجد حال السّهد طعم الوسن، وأورق عوده واتّسقت سعوده، وعاد إلى صحّته بالنظر الإماميّ الذي جاء يعوده. وحين صدور رسول دار السلام، ومثابة أهل الإسلام، ومقعد الجلالة، ومصعد إقرار الرسالة؛ ومعه الكتاب الذي هو غريب، أنس به الدّين الغريب، وبعيد الدار نزل به النصر القريب، وآية بأدلّتها الصادقة لتبطيل الشّبه الآفكة، وسكينة من ربّنا وبقيّة مما ترك آل نبيّنا تحمله الملائكة- اطمأنّت القلوب، وحصل المطلوب، ودرّت أخلاف الإيناس، وارتفع الخلاف بين الناس، وعلموا أن السالك قد أضاءت له المحجّة، والحقّ لا يعدو من بيده الحجّة؛ وأن من أمّرته
(7/103)

الخلافة العبّاسيّة «فطاعته» تجب قطعا، ومخالفته تحرم شرعا؛ ولم يبق إلا أن يبين للعيان شخصه، ويرد على الآذان نصّه؛ فيكون يومه غرّة الليالي المعتكرات، وعلم الأيام المنكّرات، واليوم الذي به تؤرّخ الأيام المستقبلة، وترفع فيه الأعمال المتقبّلة. وبإقبال الركاب السعيد إلى هذه ينزل به من سماء العلياء محكم وحكمة، ويصل به إلى الأنام فضل من الله ونعمة، ويقتضى دين على الأيام، لا يبقى معه عسرة، ويوجد جبر للإسلام، لا يكون بده كسرة، وشفاء لقلوب الأولياء هو للأعداء حسرة.
الأسلوب الرابع (أن تفتتح المكاتبة بالخطاب بلفظ «سيدي» أو «مولاي» مع حرف النداء أو دونه)
كما كتب أبو عبد الله بن الخطيب وزير ابن الأحمر صاحب الأندلس عن نفسه إلى السلطان أبي عنان ابن السلطان أبي الحسن المرينيّ صاحب فاس، عند ورود كتابه إلى الأندلس بفتح تلمسان «1» ، معرّضا بأنّ صدور كتابه من عند قبر والده السلطان أبي الحسن بالأندلس، ما صورته:
مولاي! فاتح الأقطار والأمصار، فائدة الأزمان والأعصار، أثير هبات الله الآمنة من الاعتصار، قدوة أولي الأيدي والأبصار، ناصر الحق عند قعود «2» الأنصار، مستصرخ الملك الغريب من وراء البحار، مصداق دعاء الأب المولى في الآصال والأسحار. أبقاكم الله! لا تقف إيالتكم عند حدّ، ولا تحصى فتوحات الله عليكم بعدّ، ولا يفيق أعداؤكم من كدّ، ميسّرا على مقامكم الكريم ما عسر على كل أب كريم وجدّ.
(7/104)

عبدكم الذي خلص إبريز عبوديّته لملك ملككم المنصور، المعترف لأدنى رحمة من رحماتكم بالعجز عن شكرها والقصور، الداعي إلى الله سبحانه أن يقصر عليكم سعادة القصور، ويذلّل بعز طاعتكم أنف الأسد الهصور، ويبقي الملك في عقبكم إلى يوم ينفخ في الصّور. فلان.
من الضّريح المقدّس «1» : وهو الذي تعدّدت على المسلمين حقوقه، وسطع نوره وتلألأ شروقه، وبلغ مجده السماء لمّا بسقت فروعه ورسخت عروقه، وعظم بتبوّئكم فخره فما فوق البسيطة فخر يفوقه، حيث الجلال قد رست هضابه، والملك قد سترت بأستار الكعبة الشريفة قبابه، والبيت العتيق قد ألحفت الملاحد الإمامية أثوابه، والقرآن العزيز ترتّل أحزابه، والعمل الصالح يرتفع إلى الله ثوابه، والمستجير يخفي باطنه سؤاله فيجهر بنعرة العزّ جوابه؛ وقد تفيّأ من أوراق الذكر الحكيم حديقة، وخميلة أنيقة، وحطّ بجوديّ «2» الحقّ نفسا في طوفان الضّرّ غريقة، والتحف برق الهيبة الذي لا تهتدي للنفس فيها إلا بهداية الله طريقة، واعتزّ بعزّ الله وقد توسّط جيش الحرمة المرينيّة حقيقة، إذ جعل المولى المقدّس المرحوم أبا الحسن مقدّمه وأباه وجدّه سقاه المولى الكريم بهذا المجد سيب رحماه، وطنّب عليه من الرّضا فسطاطا، وأعلى به يد العناية المرينيّة اهتماما واغتباطا، وحرّر له أحكام الحرمة نصّا جليّا واستنباطا، وضمن له حسن العقبى التزاما واشتراطا؛ وقد عقد البصر بطريق رحمتكم المنتظرة المرتقبة، ومدّ اليد إلى اللطائف بشفاعتكم التي تتكفّل بعتق المال كما تكفّلت بعتق الرّقبة، وشرع في
(7/105)

المراح بميدان نعمكم بعد اقتحام هذه العقبة؛ لما شنفت الآذان البشرى التي لم يبق طائر إلا سجع بها وصدح، ولا شهاب دجنّة إلا اقتبس من نورها واقتدح، ولا صدر إلا انشرح، ولا غصن عطف إلا مرح؛ بشرى الفتح القريب، وخبر النّصر الصحيح الحسن الغريب، ونبأ الصّنع العجيب، وهداية السميع المجيب: فتح تلمسان «1» الذي قلّد المنابر عقود الابتهاج، ووهب الإسلام منيحة النصر غنيّة عن الهياج، وألحف الخلق ظلّا ممدودا، وفتح باب الحجّ وكان مسدودا، وأقرّ عيون أولياء الله الذين يذكرون الله قياما وقعودا، وأضرع بسيف الحقّ جباها أبيّة وخدودا، وملّككم حقّ أبيكم الذي أهان عليه الأموال، وخاض من دونه الأهوال، وأخلص في الضّراعة والسّؤال، من غير كدّ يغمز عطف المسرّة، ولا جهد يكدّر صفو النعم الثّرّة، ولا حصر ينفض به المنجنيق ذؤابته، ويظهر بتكرّر الركوع إنابته.
فالحمد لله الذي أقال العثار، ونظم بدعوتكم الانتشار، وجعل ملككم يجدّد الآثار ويأخذ الثار «2» والعبد يهنيء مولاه، بما أنعم الله عليه وأولاه؛ وما أجدره بالشّكر وأولاه! فإذا أجال العبيد السّرور فللعبد المعلّى والرّقيب «3» ، وإذا استهموا «4» حظوظ الجذل فلي القسم الوافرة والنصيب؛ وإذا اقتسموا فريضة شكر
(7/106)

الله تعالى فلي الحظّ والتعصيب «1» ، لتضاعف أسباب العبودية قبلي، وترادف النّعم التي عجز عنها قولي وعملي، وتقاصر في ابتغاء مكافأتها وجدي وإن تطاول أملي؛ فمقامكم المقام الذي نفّس الكربة، وآنس الغربة، ورعى الوسيلة والقربة، وأنعش الأرماق، وفكّ الوثاق، [وأدّر الأرزاق، وأخذ على الدّهر بالاستقالة بالعهد والميثاق] «2» وإن لم يباشر العبد اليد العالية بهذا الهناء، ويتمثّل بين يدي الخلافة العظيمة السّنا والسّناء، ويمدّ بسبب البدار إلى تلك السماء؛ فقد باشر به اليد التي يحنّ مولاي لتذكّر تقبيلها، ويكمّل فروض المجد بتوفية حقوقها الأبويّة وتكميلها؛ ووقفت بين يدي ملك الملوك الذي أجال عليها القداح، ووصل في طلب وصالها المساء بالصّباح، وكأن فتحه إيّاها أبا عذرة «3» الافتتاح؛ وقلت يهنيك يا مولاي ردّ ضالّتك المنشودة، وخبر لقطتك المعرّفة المشهودة؛ [ودالتك المودودة] «4» فقد استحقّها وارثك الأرضى، وسيفك الأمضى، وقاضي دينك، وقرّة عينك، مستنقذ دارك من يد غاصبها، ورادّ رتبتك إلى مناصبها، وعامر المثوى الكريم، وستر الأهل والحريم.
مولاي! هذه تلمسان قد أطاعت، وأخبار الفتح على ولدك الحبيب إليك قد شاعت، والأمم إلى هنائه قد تداعت؛ وعدوّك وعدوّه قد شرّدته المخافة، وانضاف إلى عرب الصحراء فخفضته الإضافة؛ وعن قريب تتحكّم فيه يد احتكامه، وتسلمه السلامة إلى حمامه؛ فلتطب يا مولاي نفسك، وليستبشر رمسك، فقد نمت بركتك وزكى غرسك. نسأل الله أن يورد على ضريحك من أنباء نصره ما
(7/107)

تفتّح له أبواب السماء قبولا، ويرادف إليك مددا موصولا، وعددا آخرته خير لك من الأولى، ويعتريه بركة رضاك ظعنا وحلولا، ويضفي عليه منه سترا مسدولا.
ولم يقنع العبد بخدمة النّثر، حتّى أجهد القريحة التي ركضها الدهر وأنضاها، واستشفّها الحادث الجلل وتقاضاها؛ فلفّق من خدمة المنظوم ما يتغمّد حلمكم تقصيره، ويكون إغضاؤكم إذا لقي معرّة العتب وليّه ونصيره؛ وإحالة يا مولاي على الله في نفس جبرها، ووسيلة عرفها مجده فما أنكرها، وحرمة بضريح مولاي والده شكرها؛ ويطّلع العبد منه على كمال أمله، ونجح عمله، وتسويغ مقترحه، وتتميم مطمحه، إن شاء الله تعالى:
[يا ابن الخلائف يا سميّ محمد ... يا من علاه ليس يحصر حاصر!
أبشر فأنت مجدّد الملك الذي ... لولاك أصبح وهو رسم داثر!
من ذا يعاند منك وارثه الذي ... بسعوده فلك المشيئة دائر!
ألقت إليك يد الخلافة أمرها ... إذ كنت أنت لها الوليّ الناصر!
هذا وبينك للصريح وبينها ... حرب مضرّسة وبحر زاخر!
من كان هذا الصّنع أوّل أمره ... حسنت له العقبى وعزّ الآخر!
مولاي عندي في علاك محبّة ... والله يعلم ما تكنّ ضمائر!
قلبي يحدّثني بأنّك جابر ... كسري وحظّي منك حظّ وافر!
بثرى وجودك قد حططت قريحتي ... ووسيلتي لعلاك نور باهر!
وبذلت سعيي واجتهادي مثل ما ... يلقى لملك سيف أمرك عامر!
وهو المواليّ الذي اقتحم الرّدى ... وقضى العزيمة وهو سيف باتر!
ووليّ جدّك في الشّدائد عندما ... خذلت علاه قبائل وعشائر!
فاستهد منه النّجح واعلم أنّه ... في كلّ معضلة طبيب ماهر
إن كنت قد عجّلت بعض مدائحي ... فهي الرّياض وللّرياض بواكر] «1»
(7/108)

الطرف الرابع عشر (فيما يختص بالأجوبة الصادرة عن الملوك وإليهم)
والرسم فيه أنه إن كان الجواب صادرا عن ملك، فالتعبير عن الملك بنون الجمع، وخطاب المكتوب إليه بالكاف. وإن كان عن بعض أتباع الملك إليه، فالتعبير عن المكتوب عنه بالخادم، أو العبد، أو المملوك ونحو ذلك، ومخاطبة الملك بما تليق به مخاطبة الملوك. ثم الجواب تارة يكون الابتداء [فيه] بنفس ورود المكاتبة، وقد تقدّم في مثل ذلك في الكتب الصادرة عن الخلفاء أن المكاتبة يبتدأ فيها بلفظ عرض. أما الأجوبة المتعلّقة بالملوك فإنه يقال فيها بدل عرض:
وصل، أو ورد، أو نحو ذلك.
ثم هى على ضربين:
الضرب الأوّل (الأجوبة الصادرة عن الملوك إلى غيرهم، وفيه ثلاث جمل)
الجملة الأولى (في الأجوبة الصادرة عن ملوك المشرق، وفيه أسلوبان)
الأسلوب الأول (أن تفتتح المكاتبة بلفظ: «كتابنا» و «وصل كتابك» )
ويذكر تاريخ الكتاب، ويشار إلى ما فيه، ثم يؤتى بالجواب إلى آخره، ويختم باستماحة الرأي في ذلك الأمر؛ كما كتب أبو إسحاق الصابي «1» عن صمصام الدولة «2» إلى حاجب الحجّاب أبي القاسم سعد بن محمد، وهو مقيم
(7/109)

بنصيبين «1» على محاربة باد الكرديّ «2» كتابنا، ووصل كتابك مؤرّخا بيوم كذا، تذكر فيه ما جرى عليه أمرك في الخدمة التي نيطت بكفايتك وغنائك، ووكلت إلى تدبيرك ورأيك: من رد باد الكرديّ عن الأعمال التي تطرّقها، وحدّث نفسه بالتغلّب عليها، وتصرّفك في ذلك على موجبات الأوقات، والتردّد بين أخينا وعدّتنا أبي حرب زياد بن شهرا كويه وبينك من المكاتبات، وحسن بلائك في تحيّفه «3» ، ومقاماتك في حصّ «4» جناحه، وآثارك في الانقضاض على فريق بعد فريق من أصحابه، واضطرارك إيّاه بذلك وبضروب الرياضات التي استعملتها، والسياسات التي سست أمره بها، إلى أن نزل عن وعورة المعصية إلى سهولة الطاعة، وانصرف عن مجاهل الغواية إلى معالم الهداية، وتراجع عن السّوم «5» إلى الاقتصار وعن السّرف إلى الاقتصاد، وعن الإباء إلى الانقياد، وعن الاعتياص «6» إلى الإذعان. وأن الأمر استقرّ على أن قبلت منه الإنابة، وبذلت له فيما طلب الاستجابة؛ واستعيد إلى الطاعة، واستضيف إلى الجماعة، وتصرّف على أحكام الخدمة، وجرى مجرى من تضمّه الجملة؛ وأخذت عليه بذلك العهود المستحكمة والأيمان المغلّظة، وجدّدت له الولاية على الأعمال التي دخلت في تقليده، وضربت عليها حدوده؛ وفهمناه.
(7/110)

وقد كانت كتب أخينا وعدّتنا أبي حرب [زياد بن شهراكويه] «1» مولى أمير المؤمنين ترد علينا، وتصل إلينا، مشتملة على كتبك إليه، ومطالعاتك إيّاه؛ فنعرف من ذلك حسن أثرك وحزم رأيك، وسداد قولك، وصواب اعتمادك، ووقوع مضاربك في مفاصلها، وإصابة مراميك أغراضها؛ وما عدوت في مذاهبك كلّها، ومتقلّباتك بأسرها، المطابقة لإيثارنا، والموافقة لما أمرت به عنّا؛ ولا خلت كتب أخينا وعدّتنا أبي حرب من شكر لسعيك، وإحماد لأثرك، وثناء جميل عليك، وتلويح وإفصاح بالمناصحة الحقيقة بك، والموالاة اللازمة لك، والوفاء الذي لا يستغرب من مثلك، ولا يستكثر ممن حلّ في المعرفة محلّك؛ ولئن كنت قصدت في كل نهج استمررت عليه، ومعدل عدلت إليه، مكافحة هذا الرجل ومراغمته، ومصابرته ومنازلته، والتماس الظهور عليه في جميع ما تراجعتماه من قول، وتنازعتماه من حدّ، فقد اجتمع لك إلى إحمادنا إيّاك، وارتضائنا ما كان منك، المنّة عليه إذ سكّنت جاشه، وأزلت استيحاشه؛ واستللته من دنس [لباس] المخالفة، وكسوته من حسن شعار الطاعة، وأطلت يده بالولاية، وبسطت لسانه بالحجّة، وأوفيت به على مراتب نظرائه، ومنازل قرنائه؛ حتّى هابوه هيبة الولاة، وارتفع بينهم عن مطارح العصاة.
فالحمد لله على أن جعلك عندنا محمودا وعند أخينا وعدّتنا أبي حرب مشكورا، وعلى هذا الرجل مانّا، وفي إصلاح ما أصلحت من الأمر مثابا مأجورا؛ وإيّاه نسأل أن يجري علينا عادته الجارية في إظهار راياتنا، ونصرة أوليائنا، والحكم لنا على أعدائنا، وإنزالهم على إرادتنا، طوعا أو كرها، وسلما أو حربا؛ فلا يخلو أحد منهم أن تحيط لنا بعنقه ربقة أسر، أو منّة عفو؛ إنه جلّ ثناؤه بذلك جدير، وعليه قدير. ويجب أن تنفذ إلى حضرتنا الوثيقة المكتتبة على باد الكرديّ إن كنت لم تنفذها إلى أوان وصول هذا الكتاب: لتكون في خزائننا محفوظة، وفي
(7/111)

دواويننا منسوخة؛ وأن تتصرّف في أمر رسله وفي بقية [إن كانت بقيت من أمره] على ما يرسمه لك عنا أخونا وعدّتنا أبو حرب، فرأيك في العمل على ذلك، وعلى مطالعته بأخبارك وأحوالك؛ وما يحتاج إلى عمله من جهتك موفقا، إن شاء الله تعالى.
الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة بلفظ: «وصل كتابك» )
والأمر في ترتيبه على نحو ما تقدّم في الأسلوب الذي قبله.
كما كتب أبو إسحاق الصابي عن صمصام الدولة أيضا إلى أبي العلاء عبيد الله بن الفضل في جواب كتابه الوارد عليه بالظّفر بأهل الاقتباس ما صورته:
وصل كتابك- أدام الله عزك- المؤرّخ بوقت الظهر من أمسنا وهو يوم كذا، تذكر ما سهّله الله لك، وأجراه على يدك، وبيمن تدبيرك، وبركة خدمتك: من الإيقاع بالعصاة أهل الاقتباس، وإذاقتهم وبال ما كانوا عليه: من خلع الطاعة، وشنّ الغارة واستباحة المحارم، وارتكاب العظائم؛ وإثخانك فيهم قتلا وأسرا، وتشريدا وتشتيتا؛ وفهمناه وحمدنا الله عليه، وشكرنا ما أولى فيه، وحسن منا موقع أثرك، وتضاعف فيه جميل معتقدنا فيك ولك، وارتضينا فعل الأولياء في الخفوف إليه، والمناصحة فيه؛ وسبيلك أن تبحث عن أموال هؤلاء القوم وتثمّرها، وتستدركها وتحصّلها، وتكتب بما يصح منها؛ وتتقدّم بقصّ أثر الهاربين حتّى تلحقهم بالهالكين، وتشيع الرهبة في سائر شقّي الفرات، وتتوخّى طوائف الأشرار والخرّاب، ومخيفي السبل والساعين في الفساد بالتتبّع لهم ووضع اليد عليهم؛ فإنّ بحسب النّكاية في أهل الجهل والدّعارة سكون أهل السلامة والاستقامة؛ فرأيك في العمل بذلك والمطالعة بما يوفّقك الله له مستأنفا من مثل هذا الفعل الرشيد، والمقام الحميد؛ وبسائر الأمور التي ترى عينها وتحتاج إلى معرفة مجاريها، موفّقا إن شاء الله تعالى والسلام.
(7/112)

الجملة الثانية (في الأجوبة الصادرة عن ملوك الديار المصرية من وزراء الخلفاء الفاطميين القائمين مقام الملوك الآن فمن بعدهم)
والذي وقفت عليه منه أسلوب واحد، وهو الافتتاح بلفظ: «وصل» .
كما كتب بعض كتّاب الدولة الفاطمية عن بعض وزراء الحافظ «1» إلى أمين الدولة زنكي كشنكين ما صورته:
وصل كتابك أيها الأمير الأجلّ الدالّ على مصالحته، المعرب عن مناصحته، الشاهد له بمؤثّل «2» الخطوة والأثرة، والموضّح من أفعاله وخلاله ما لم تزل قضيته مرتسمة في النفوس مصوّرة؛ وعرضنا ما اقترن به من مطالعة المقام المقدّس النبويّ الحافظيّ- ضاعف الله أنواره، وشاد مناره، وأعز أشياعه وأنصاره- وشفعناه من الثناء على الأمير الاسفهسلار «3» بما لم تزل عادتنا جارية به مع من نعلم طاعته، ونتحقّق مشايعته، ونرى باطنه يضاهي ظاهره، وسرّه يوافق علانيته؛ ووقفنا على ما أنهاه من حال الفرنج المشركين الملعونين، وما كان من نعم الله تعالى من الظّفر بهم، والإدالة منهم، والخفض من منارهم، والتقويض لغمارهم، والإبادة لفارسهم وراجلهم، وإرشاد السيوف والسّهام إلى مقاتلهم، وتطهير الأرض منهم بدمائهم، والإحاطة بهم عن أيمانهم وشمائلهم، ومن أمامهم
(7/113)

وورائهم؛ فابتهجنا بذلك الابتهاج الذي يوجبه التوحيد، وانتهى بنا السّرور إلى الحدّ الذي ما عليه مزيد. على أننا كنا نودّ أن يكون ذلك بصفاحنا وأسنّتنا، وأن يثبته الله لنا في صحيفتنا؛ وإنا لراجون من نعم الله عندنا، وإحسانه إلينا كما عوّدنا، أن يكون من بقي من المذكورين بنا مستأصلا، ويكون أجر هذه الخاتمة لنا حاصلا. وقد عزم الله لنا عند وقوفنا على كتابه، بما خرج به أمرنا إلى جميع من بأعمال الدولة الحافظيّة خلّد الله ملكها، بعيدها ودانيها، وقصيّها ونائيها، من العساكر المظفّرة المؤيّدة، وقبائل العربان المستخلصة، وكافّة الطوائف على اختلاف أنواعها، وتباين أجناسها، وتفاوت منازلها، وتغاير مراتبها، بأن ينفروا خفافا وثقالا، وركبانا ورجالا، بقوّتهم ونجدتهم، ووفور عددهم وعدّتهم، وكثرة آلاتهم وأسلحتهم، وبالعزمات الماضية، والضمائر الخالصة، والنّيّات المستبقة، والعقائد المتّفقة، وفسّحنا للمتطوّعة أن يختلطوا بالمرتزقة، وأمرناهم بمسيرهم متتابعين، وتوجّههم مترادفين؛ وأن يكونوا كتائب متناصرة، وجحافل متواترة؛ وعساكر متوالية، لا ترى الأرض منها إلى العدوّ خالية؛ ومن الله نطلب مادّة العون والإسعاد، ونسأله توفيقا لما يقض بتضاعف أجرنا في العاجلة والمعاد. وقد شكرنا الأمير الاسفهسلار كون ما أنهاه سببا لهذه الغنيمة المتوقّعة من فضل الله وإحسانه، والنّصرة لدينه التي نؤملها من جزيل كرمه وامتنانه، وأضفنا ما اقتضته مطالعته من جذلنا وغبطتنا، إلى المستقرّ عندنا من محبته لنا، وإيثاره الذي لا يحتاج فيه إلى زيادة على معرفتنا؛ فليعلم هذا وليعمل به. إن شاء الله تعالى.
وكما كتب القاضي الفاضل عن السلطان «صلاح الدين يوسف بن أيوب» إلى صاحب مكة المشرّفة، جوابا عن كتاب ورد منه عليه في معنى وصول غلال بعث بها إلى مكة ما صورته:
وصل كتابك، أيّها الشريف معربا عن المشايعة الشائعة أنباؤها، والمخالصة الخالصة أسرارها الوافرة أنصباؤها، وحسان الخلال، التي اقتسم طرفي الحمد إعادتها وإبداؤها، ومكرمات الآل، التي تساوى في اقتناء المجد أبناؤها؛ وفضائل الإفضال، التي لا تخفّ على غير أهل العباء صلوات الله عليهم
(7/114)

أعباؤها. ونشر كتابك من محاسنك ما انطوى، ووردنا منه منهلا أروى وارده وارتوى؛ ووقفنا منه على أثر فضل اشتمل على عين الكرم واحتوى، ووفقنا وإياه من الحمد ما لا نخلفه نحن ولا هو مكانا سوى «1» ؛ فاقتضانا مزيدا في رفع قدره، واختصاصه من الإنعام بكلّ غريب الموقع ندره، وأصرنا كتابه إلى مستقرّ كاتبه من قلب الودّ وصدره؛ وكيف لا يكون ذلك وقد اشمخرّت لبيته الأنساب، وخرّت الأنصاب، وسجدت الرّقاب، وردّت له بعد ما توارت بالحجاب، وشهد بفضل توقيعهم الحرب وبفضل ليلهم المحراب.
فأمّا ما أشار إليه من الشّكر على ما سيّر من الغلّات التي كان الوعد بها علينا نذرا، وروّحنا بإرسالها قلبا وشرحنا بتسييرها صدرا؛ وأنّها حلّت ربقة الجدب وفكّتها، وجلت هبوة القحط وكفّتها؛ وهوّنت مصاعب المساغب، وخلفت سواحب السحائب، وأطفأت- ولله الحمد- بوار «2» النّوائب، فقد سررنا بحسنتنا جعله الله ممن تسرّه الحسنة، وقد نبّهنا من سنتنا لأن نستقبل بالحمد لولي السنة؛ وقد قوّى النية وقوّمها، واستزاد لهم بلسان الشكر الفصيح، وتناول لهم بباع التلطّف الفسيح، وألقح لهم سحائب محلّه منها محلّ ملقحها من الرّيح؛ واقتضى ما يعرضه أن خرج الأمر بأن يضاعف المحمول في كل عام، ولا يخصّ به خاصّ دون عام؛ وأمرنا أن يوفّر جلب الجلّاب، وتوقر ظهور الرّكاب، ليجمع للحرم الشريف بين برّ البر والبحر، وبين حمل البطن والظّهر؛ فتظلّ السنة ودودا ولودا، ويشاهد المحلّ الشريف وقد نأى عنه المحل شريدا؛ وتحطّ القلوع عما يحطّ عنه أمثالها من السحائب، وتستريح الأنفس اللواغب «3» ، فأما ما ألقاه إلى رسوله، فقد أسمع ما أسنده إليه، وأعيد بما يعيده عليه؛ وقد تكاثرت بولاء الشريف الأشهاد، فغني عن الاستشهاد، وأغنته الحظوة بجميل رأينا عما نأى أخذه لشفعة العطاء بل لشفاعة الاجتهاد، إن شاء الله تعالى.
(7/115)

الجملة الثالثة (في الأجوبة الصادرة عن ملوك الغرب)
وهي على النحو المتقدّم، وربما صدّر بلفظ: «قد» ونحوها.
كما كتب أبو المطرف بن عميرة عن بعض ملوكهم «1» في جواب كتاب ورد عليه بطاعة بلد.
قد وصل كتابكم- وصل الله معونتكم وكلاءتكم- تذكرون ما تقرّر عندكم هنالك من أحوال تلك الجهة، وباشرتموه من أمورها؛ وأنتم عندنا بمحلّ الصّدق، ومكان الإيثار للحقّ. وقد رسمنا لكم أن تثبتوا في أهل تلكم الجهات كلّها حميد الرأي فيهم، وحسن القبول لإنابتهم، وقصد الرّفق بخاصّتهم وعامّتهم؛ وأنّا قد تقبّلنا أوبتهم، واغتفرنا زلّتهم؛ وأولئكم المتشبّثون بسبب الذّمام، عرّفوهم أنكم رغبتم في شمول الصّفح عنهم، والإقالة لما كان منهم؛ فأسعفنا رغبتكم فيهم، وأدخلناهم في العفو مع غيرهم، وبذلنا لهم الأمان، وأغضينا عن جميع ما كان؛ فعرّفوهم بهذا كلّه، وأخبروهم عنّا بإعطاء التأمين لجميعهم وبذله؛ وإن كان أطيب لنفوسهم أن يصلهم مكتوب بذلك عرفتمونا، ووجّهناه إليكم. وأقيموا أنتم هنالكم أيّاما خلال ما يصلكم من متثاقل الأحوال ما تطالعون به، وتخاطبون بما تعتمدونه إن شاء الله تعالى. أدام الله كرامتكم.
(7/116)

أشرتم في خطابكم إلى أنّ عندكم من تلك الأحوال ما تذكرونه مشافهة، وربما يكون ذلك أمدا يبنى عليه نظر، أو يتوجّه بحسبه عمل؛ فمن الجيّد ان تكتبوا بشرحه، إن شاء الله تعالى والسلام.
الضرب الثاني (الأجوبة الواردة على الملوك)
وهي على نحو ما تقدّم في الأجوبة الصادرة عن الملوك من الابتداء بلفظ:
«وصل» إلا في الخطاب، فإن المكتوب عنه يقع الخطاب منه ب «الخادم أو المملوك أو العبد» . ويخاطب الملك المكتوب إليه بمولانا أو مولانا الملك أو نحو ذلك؛ وربما كتب بدل وصل: ورد.
كما كتب القاضي الفاضل عن السلطان «صلاح الدين يوسف بن أيوب» في جواب كتاب ورد عليه مخبرا فيه بالحركة للقاء العدوّ ما صورته:
ورد على المملوك- أدام الله أيام المجلس العالي الملكيّ الناصريّ، ونصره على أعدائه، وملّكه أرضه بعدل حكم سمائه، ولا أخلى من نعمتي خيره ونظره قلوب وعيون أوليائه، وأعزّ الإسلام ورفع عن أهله البلوى بلوائه. الكتب القديمة التي تسرّ الناظرين من شعارها الأصفر، وتبشّر الأولياء إن كانوا غائبين مع الغيّب بأنّ حظّهم حاضر مع الحضّر؛ وقد كانت الفترة قد طالت أيامها، واستطالت آلامها، والطّرقات قد سبق إلى الأنفس إبهامها.
فالحمد لله الذي أذهب عنّا الحزن، وأولى من النعمة ما اشترى الحمد ثمن؛ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس. ووعد [الله] سبحانه منتظر، إذ يقول في كتابه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
«1» وصدق صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «إنّ اختيار الله
(7/117)

للمؤمن خير من اختياره، وإنّ مواضع الأمل للعبد خير منها مواقع أقضية الله وأقداره» . فقد كانت حركة احتاجت إليها البلاد التي انفصل عنها، والبلاد التي قدم عليها. أما المصرية منها فبكونها على عدة من نجدته آجلا، وأما الشامية فبكونها على ثقة من نصره عاجلا؛ فقد تماسكت من المسلمين الأرماق، وقد انقطعت من المشركين الأعناق:
تهاب بك البلاد تحلّ فيها ... ولولا اللّيث ما هيب العرين!
وعرض المملوك ما وصل إليه من مكاتبات المولى على العلم العادليّ وأدركها تحصيلا، وأحاط بها جملة وتفصيلا؛ والمولى- خلّد الله ملكه- فكلّ ما أشار إليه من عزيمة أبداها، ونية أمضاها، فهو الصواب الذي أوضح الله له مسالكه، والتوفيق الذي قرّب الله عليه مداركه؛ ومن أطاع الله أطاعه كلّ شيّ، ومن استخاره بيّن له الرّشد من الغيّ؛ والله تعالى يجعل له من كلّ حادثة نخوة «1» ، ويكتب أجره في كلّ حركة ونفس وخطوة. إن شاء الله تعالى.
القسم الثاني (المكاتبات الصادرة عنهم إلى ملوك الكفر، وفيه طرفان)
الطرف الأول (في الابتداءات، وفيه ثلاث جمل)
الجملة الأولى (في المكاتبات الصادرة إليهم عن ملوك بلاد الشرق من بني بويه فمن بعدهم)
وقد كان الرسم فيها أن تفتتح المكاتبة بلفظ «كتابي أو كتابنا إلى فلان» ويخاطب المكتوب إليه بملك الروم أو نحو ذلك، ويختم بقوله: فإن رأى ذلك فعل إن شاء الله تعالى.
(7/118)

كما كتب أبو إسحاق الصابي عن القائد أبي الفوارس ختور التركي المعزي، إلى وردس بن قنبر المعروف بعسقلاروس «1» [كتابي إلى] ملك الروم الفاضل، الجليل، النبيل، الخطير، أدام الله كفايته وسلامته، ونعمته وسعادته، وعافيته وحراسته. من الحضرة الجليلة بمدينة السلام لثمان ليال خلون من ذي الحجة سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، وهو اليوم التاسع من أدار، عن شمول السلامة، وعموم الاستقامة؛ وصلاح حالي في ظل
(7/119)

الدولة المنصورة. والحمد لله رب العالمين وحده لا شريك له، وصلّى الله على محمد وآله وسلّم تسليما.
ووصل كتاب مولانا ملك الروم الفاضل الجليل الصادر عن العسكر بمرج لارضة بتاريخ التاسع من حزيران، وفهمته وجلّ عندي موقعه، وعظم في نفسي خطره؛ وحمدت الله على ما شهد به من انتظام أحواله، واطّراد أموره؛ وسألته أن يتمّم النعمة عليه، ويزيد فيها لديه، ويواصل إحسانه إليه، ويطيل مدّته، في أتمّ رشد وهداية، وأرفع قدم ومنزلة، وأعلى خطر ورتبة، بمنّه وطوله، وجوده ومجده.
فأما ما ذكره سيدنا الملك الجليل: من مقامه على العهد، وافتقاره إلى الميل والودّ، فذاك يوجب فضله البارع، وكرمه الشائع، وخلال الخير التي أهلّه الله لها، وخصّه الله بها، وبالله أحلف إنّني ما خلوت منذ افترقنا من مطالعة أخباره، وتتبّع آثاره، واستعلام مجاري شؤونه، والسرور بكل ما تمّ له ووصل إليه؛ حتّى كأنني حاضر له، وضارب بأوفر سهم فيه، بل مخصوص بجميعه. والله يجريه على أحسن ما أولاه وعوّده، ولا يخليه من الصّنع الجميل فيما أعطاه وقلّده، برحمته.
وكنت قبل ذلك عند ورود رسولي في الدّفعة الأولى على غاية الغمّ وشغل القلب بسبب الغدر الذي لحقه من عدوّه الذي أظفره الله به؛ وأنهيت ذلك في وقته إلى الملك السعيد الماضي، شرف الدولة «1» ، وزين الملة؛ رضي الله عنه.
فاشتغل قلبه- رحمه الله- به، وعمل على إنفاذ العساكر لنصرته؛ ثم أتى من قضاء الله في أمره ما قد عرفه.
ولما انتصب في المملكة مولانا السيد بهاء الدولة «2» ، وضياء الملة- أطال
(7/120)

الله بقاءه- شرحت له ما جرى قديما على سياقته، ومهّدت الحال عنده، ووجدته- أدام الله سلطانه- معتقدا لسيدنا ملك الروم الجليل- أدام الله عزّه- أفضل اعتقاد، وسر بما انتهت إليه أموره، وتنجّزت الكتب إلى موصلها الرسول حفظه الله، وسمعت منه ما كان تحمّله عن سيدنا ملك الروم أدام الله تأييده، وأخرجت معه صاحبي أبا القاسم الحسين بن القاسم، وحمّلتهما جميعا ما ينهيانه إليه في سائر الأمور التي يرى عرضها ويحتاج إلى معرفتها.
وأنا أسأل سيدنا الملك الجليل- أدام الله بركته- تعجيل ردّه إليّ، فإنه ثقتي، ومن أسكن إليه في أموري؛ وأن يتفضّل ويكلّفني حوائجه ومهمّاته، وأمره ونهيه لأقوم في ذلك بالحق الواجب له، فان رأى سيدنا ملك الروم الفاضل الجليل، الخطير النبيل، أن يعتمدني من ذلك بما يتضاعف عليه شكري، وتجلّ النعمة فيه عندي، ويشاكل الحال بينه وبيني، فعل إن شاء الله تعالى.
الجملة الثانية (في المكاتبات الصادرة عن ملوك الديار المصرية إليهم)
والذي وقفت عليه من ذلك أسلوب واحد: وهو الابتداء ب «أما بعد» والخطاب فيه بالملك، والاختتام بالدعاء.
كما كتب القاضي الفاضل عن السلطان «صلاح الدين يوسف بن أيوب» إلى بردويل أحد ملوك الفرنج، وهو يومئذ مستول على بيت المقدس وما معه،
(7/121)

معزّيا له في أبيه ومهنّئا له بجلوسه في الملك بعده، ما صورته: «1» أما بعد- خصّ الله الملك المعظّم حافظ بيت المقدس بالجدّ الصاعد، والسّعد الساعد؛ والحظّ الزائد، والتوفيق الوارد؛ وهنأه من ملك قومه ما ورّثه، وأحسن من هداه فيما أتى به الدهر وأحدثه؛ فإن كتابنا صادر إليه عند ورود الخبر بما ساء قلوب الأصادق «2» ، والنّعي الذي وددنا أنّ قائله غير صادق، بالملك العادل الأعزّ الذي لقّاه الله خير ما لقّى مثله، وبلّغ الأرض سعادته كما بلّغه محلّه؛ معزّ بما يجب فيه العزاء، ومتأسّف لفقده الذي عظمت به الأرزاء؛ إلا أنّ الله سبحانه قد هوّن الحادث، بأن جعل ولده الوارث؛ وأنسى المصاب، بأن حفظ به النّصاب، ووهبه النعمتين: الملك والشّباب؛ فهنيئا له ما حاز، وسقيا لقبر والده الذي حقّ له
(7/122)

الفداء لو جاز؛ ورسولنا الرئيس العميد مختار الدين أدام الله سلامته قائم عنا بإقامة العزاء من لسانه، ووصف ما نالنا من الوحشة لفراق ذلك الصديق وخلوّ مكانه؛ وكيف لا يستوحش ربّ الدار لفرقة جيرانه. وقد استفتحنا الملك بكتابنا وارتيادنا، وودّنا الذي هو ميراثه عن والده من ودادنا؛ فليلق التحيّة بمثلها، وليأت الحسنة ليكون من أهلها؛ وليعلم أنّا له كما كنا لأبيه: مودّة صافية، وعقيدة وافية، ومحبّة ثبت عقدها في الحياة والوفاة، وسريرة حكمت في الدنيا بالموافاة؛ مع ما في الدّين من المخالفات. فليسترسل إلينا استرسال الواثق الذي لا يخجل، وليعتمد علينا اعتماد الولد الذي لا يحمل عن والده ما تحمّل؛ والله يديم تعميره، ويحرس تأميره، ويقضي له بموافقة التوفيق، ويلهمه تصديق ظنّ الصديق.
الجملة الثالثة (في الأجوبة الصادرة إليهم عن ملوك الغرب)
والرسم فيه أن تفتتح المكاتبة بلفظ: «كتابنا» والمخاطبة بنون الجمع عن المكتوب عنه وميم الجمع عن المكتوب إليه، والاختتام بالسلام مع الدعاء بما يليق.
كما كتب أبو المطرّف بن عميرة عن أبي جميل زيّان «1» ، إلى ملك قشتالة من بلاد الأندلس في مراودة الصّلح:
كتابنا إليكم- أسعدكم الله برضاه، وأدام عزّتكم وكرامتكم بتقواه- من مرسية «2» ، ونحن نحمد الله الذي لا شيء كمثله، ونلجأ إليه في أمرنا كلّه، ونسأله
(7/123)

أن يوزعنا شكر إحسانه وفضله- وعندنا لجنابكم المرفّع تكرمة نستوفيها، ومبرّة ننتهي إلى الغاية فيها، وعلمنا بمحلّكم الشهير، وكتابكم الخطير، يستدعي الزيادة من ذلكم ويقتضيها؛ وقد كان من فضل الله المعتاد، وجميل صنعه في انتظام الكلمة في هذه البلاد، ما اكتنفته العصمة، وكملت به النّعمة والمنّة؛ وتيسّر بمعونة الله فتح أقرّ العيون، ورضيه الإسلام والمسلمون، وكانت مطالعتكم به مما آثرنا تقديمه، ورأينا أن نحفظ من الأسباب المرعيّة على التفصيل والجملة [حديثه وقديمه] «1» وحين ترجّحت مخاطبتكم من هذا المكان، ومفاوضتكم في هذا الشان، رأينا من تكملة المبرّة، وتوفية العناية البرّة، أن ننفذ إليكم من يشافهكم في هذا المعنى، ويذكر من قصدنا ما نولع به ونعنى، وهو فلان في ذكر السّلم ومحاولتها، ما يتأدّى من قبله على الكمال بحول الله تعالى. وإن رأيتم إذا انصرف من عندكم، أن توجّهوا زيادة إلى ما تلقونه إليه من رجالكم وخاصّتكم، في معنى هذا العهد وإحكامه، ومحاولته وإبرامه، فعلتم من ذلك ما نرقب أثره، ونصرف إليه من الشكر أوفاه وأوفره، إن شاء الله تعالى: وهو الموفّق لا ربّ سواه، والسلام الأتمّ عليكم كثيرا.
الطّرف الخامس عشر (المكاتبات الصادرة إلى ملوك الكفر في الأجوبة [وهي] «2» إما أن تصدّر بما يصدّر به الابتداء وقد تقدّم، وإما أن تصدّر بلفظ وصل أو ورد)
كما كتب بعض كتّاب الدولة الأيوبية عن الملك الجواد «3» : أحد ملوكهم،
(7/124)

في أيام الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر، جواب كتاب ورد عليه من فرانك: أحد ملوك الفرنج في شعبان سنة ثلاثين وستمائة:
وردت المكاتبة الكريمة الصادرة عن المجلس العالي، الملك، الأجل، الأعز الكبير، المؤيّد، الخطير، العالم العامل، الظّهير، العادل، الأوحد، المجتبى، شمس الملة النّصرانية، جلال الطائفة الصليبية، عضد الأمة الفرنجية، فخر أبناء المعموديّة؛ عمدة الممالك ضابط العساكر المسيحية، قيصر المعظّم فلان معزّ إمام رومية؛ ثبّت الله لديه نعمه، وعزّز موارد جوده وديمه، وأمضى صوارم عزائمه وأعلى هممه، ولا برحت أنوار سعده، تتلالا، وأخبار مجده، تبسط وتتعالى، وسحائب الألسنة الناطقة بحمده تستهلّ «1» وتتوالى، إلى أن يتحلّى جيد الضّحى بعقود الليل، وتطلع الشعرى من مطالع سهيل «2» - فجدّد الثناء على جلاله، وأكّد المديح لإحسانه وإفضاله؛ وأنفس أسباب المودّة والحصافة، وشدّد أواخي الإخلاص والموافاة فاستبشرت النفوس بوروده، وسرّت القلوب بوفوده؛ ووقف منه على الإحسان الذي نعرفه، ووجد عقده مشتملا على جواهر الوداد الذي نألفه؛ فشكر الله على هذه الألفة المنتظمة، والمحبّة الصادقة المكرّمة.
والمجلس العالي الملك الأجلّ أعلى الله قدره، ونشر بالخير ذكره، أولى من
(7/125)

أهدى المسرّات، بورود المراسم والحاجات، ووصل الأنس بكريم المكاتبات، مضمّنة السوانح والمهمّات.
فأما ما ذكره المقام العالي السلطانيّ الملكيّ الكامليّ الناصريّ- زاده الله شرفا وعلوّا- من أنه لا فرق بين المملكتين، فهذا هو المعتقد في صدق عهده، وخالص ودّه؛ ولا زال ملكه عاليا، وشرفه ناميا، إن شاء الله تعالى.
(7/126)

الفصل الرابع من الباب الثاني من المقالة الرابعة (في المكاتبات الصادرة عن ملوك الديار المصرية
، على ما استقر عليه الحال في ابتداء الدولة التركية وإلى زماننا على رأس الثمانمائة مما أكثره مأخوذ من ترتيب الدّولة الأيوبية التي هي أصل الدّولة التركية، وفيه [ثلاثة] «1» أطراف)
الطرف الأول (في المكاتبات الصادرة عنهم إلى الخلفاء من بني العبّاس)
قد تقدّم في الكلام على المكاتبات الصادرة عن الملوك إلى خلفاء بني العباس أنها على أساليب في ابتداء المكاتبات: منها ما يفتتح بآية من القرآن الكريم ثم بالسلام؛ ومنها ما يفتتح بالسلام ابتداء؛ ومنها ما يفتتح بالصلاة على الخليفة على مذهب من يرى جواز إفراد غير الأنبياء بالصلاة؛ ومنها ما يفتتح بالدعاء لديوان الخلافة.
ولكن الذي ذكره المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله في كتابه «التعريف بالمصطلح الشريف» «2» مما الحال مستقرّ به أن المكاتبة إلى ديوان الخلافة الشريفة: «أدام الله أيام الدّيوان العزيز، المولويّ، السيّدي، النبويّ، الإماميّ، الفلانيّ» ثم الدعاء المعطوف، والصدر بالتعظيم المألوف؛ وأنها قد تفتتح بغير هذا الدعاء نحو: «أدام الله سلطان» و «خلد الله سلطان» أو «أيام» أو غير ذلك
(7/127)

مما يقتضي العزّ والدّوام. وأن الصدر نحو: «العبد، أو المملوك، أو الخادم، يقبّل الأرض أو العتبات أو مواطيء المواقف» أو غير ذلك. وأنّ ختم الكتاب يكون تارة بالدعاء، وتارة ب «يطالع أو أنهى» أو غيرهما مما فيه معنى الإنهاء. ويخاطب الخليفة في أثناء الكتاب بالديوان العزيز، وبالمواقف المقدّسة أو المشرّفة، والأبواب الشريفة، والباب العزيز، والمقام الأشرف، والجانب الأعلى أو الشريف. وبأمير المؤمنين مجرّدة عن سيدنا ومولانا، ومرّة غير مجرّدة، مع مراعاة المناسبة، والتسديد والمقاربة. وأن خطاب المكاتب عنه بحسب من كتب عنه:
فكتب بعض ملوك بني أيوب بالديار الشامية «الخادم» . وبعضهم «المملوك» وبعضهم «العبد» وبعضهم «أقل المماليك» وبعضهم «أقلّ العبيد» . وأن علاء الدين خوارزم شاه «1» : صاحب بلاد خوارزم وما معها، وابنه جلال الدين «2» كانا يكتبان «الخادم المطواع» ، وأن أمّ جلال الدين كانت تكتب «الأمة الداعية» . قال:
في «التثقيف» «3» : وعنوانه «الديوان العزيز» إلى آخر الألقاب، ثم الدعاء يعني من
(7/128)

نسبة الصدر، نحو «أدام الله أيامه وخلّد الله سلطانه» وما أشبه ذلك. قال: وعادة العلامة إليه «الخادم» أو «المملوك» أو «العبد» . وكتب بعضهم «أقلّ المماليك» وبعضهم «أقلّ العبيد» . يريد أنّ العلامة تكون مطابقة لما يقع في أثناء المكاتبة عن المكتوب إليه من الخادم وغيره مما تقدّم ذكره، بحسب ما يؤثر الملك المكتوب عنه الخطاب به عن نفسه.
وهذه عدّة صدور مختلفات الابتداءات منقولة من التعريف وغيره.
أما قطع الورق الذي يكتب فيه إلى الخليفة، فقد تقدّم في الكلام على مقادير قطع الورق في المقالة الثالثة، نقلا عن ابن عمر المدائنيّ في «كتاب القلم والدواة» أنه يكتب للخلفاء في قرطاس من ثلثي طومار، وأن المراد بالطّومار الفرخة الكاملة، وأن المراد الورق البغدادي «1» ؛ وحينئذ فينبغي أن يجرى الأمر على ذلك تعظيما للخلافة.
صدر: أدام الله أيام الديوان العزيز، ولا زالت سيوف أوليائه في رقاب أعدائه محكّمة، وصنوف الكفّار، في أيدي عسكره الجرّار، بالنّهاب مقسّمة، وصفوف أهل الشرك مزلزلة بخوافق أعلامه المطهّرة وسنابك جياده المطهّمة؛ ولا برحت ملائكة النصر من أمداده، وملوك العصر بيض الوجوه بتعظيم شعار سواده.
الخادم ينتهب ثرى العتبات الشريفة بالتقبيل، وينتهي في قصارى الطّلبات، على الوقوف في تلك الرّبوع، ويكلّل ربى تلك الساحات، هو وكلّ ابن سبيل بلآليء الدّموع، خضوعا في ذلك الموقف الذي تنكر القلوب فيه الصّدور، وتلصق منه الترائب بالنّحور «2» ؛ ويظهر سيما «3» الجلالة في الوجود، ويغدق على الأولياء فيعرفون بسيماهم من أثر السّجود. وينهي أن ولاءه القديم، وبلاءه
(7/129)

العظيم، وأيّامه السالفة، وأفعاله التالدة والطارفة، وسوابق خدمه في امتثال الأوامر الشريفة التي لم يزل يتسارع إليها، ويقارع عليها، ويصارع غلب الأسود على تنفيذ مراسمها، وإقامة مواسمها، وإطارة صيتها، ودوام تثبيتها، تحمل الخادم على الاسترسال، وتجمل له السؤال، والذي ينهيه كذا وكذا.
صدر آخر: من «التعريف» : أدام الله سلطان الديوان العزيز، ولا زالت الخلائق بكرمه مضيّفة [والكتائب في هجير وطيسه مصيّفة] «1» ، والأبصار في نصر أنصاره مصنّفة، والمواضي بأوامره في قبضات عساكره مصرّفة، والنقود إلا ما تشرّف باسمه مزيّفة، والقلوب في صدور الأعداء بخواطف رعبه مسيّفة «2» ، والوعود إلا بما تنجزه مواهبه مسوّفة، والوغى لا ترى إلا برماحه مثقّفة، والسماء وإن علت لا تكون إلا لأذيال سيوفه مسجّفة «3» ، والمهابة بسطاه إما للمعاقل فاتحة وإما عمّا يطمع أن تناله الأيدي منها مجحفة، والأمم على اختلافها تحت راياته المنصورة مقاتلة وأخرى له محالفة، والأعلام التي يأوي إليها الإسلام به جوار الجوزاء مخلّفة، والأبطال لقتال الكفر ببوارق سيوفه، قبل مضايق صفوفه، ومخانق زحوفه مخوّفة.
الخادم يقبل بولائه إلى ذلك الجناب، ويقبّل الأرض وكتابه يحسن المناب، ويقيل عثراته إذ كان به قد لاذ، ويقيم معاذيره إذ كان به قد عاذ، ويتسربل بطاعته سرابيل تقيه إذا خاف من سهام الدهر إلى مهجته النّفاذ، ويصول بانضمامه إلى تلك العصابة المنصورة لا بما يطبع من الفولاذ، ويجلّ تلك المواقف المقدّسة أن يبلّ مواطئها بدمعه، وأن يحلّ مواطنها بقلبه قبل أن يعاجل كلّ عدوّ بقمعه؛ ويعدّ ما هدي إليه من الاعتصام بسببها سببا لفوزه، وموجبا لملك رقّ عنق كلّ عاص وحوزه؛ وينهي كذا وكذا.
(7/130)

صدر آخر: خلّد الله سلطان الديوان العزيز! ولا زالت أيامه شامخة الذّوائب، شارخة الصبّا [حتى] حيث يلحق الشّيب الشوائب، راسخة الفخار في الظّهور بالعجائب، نافخة في فحم الليل جمر الكتائب، صارخة والرعد ترتعد فرائضة بين السّحائب، ناسخة دولة كلّ علياء بما تأتي به من الغرائب، وتبذله من الرّغائب، فاسخة عقد كلّ خالع يردّه الله إليها ردّة خائب، باذخة على ماضي كلّ زمان ذاهب من عصور الخلفاء الشرفاء وآئب، سالخة لجلدة كلّ أيّم «1» ظنّ أنّ في أنياب رمحه النّوائب.
الخادم يقبّل العتبات الشريفة ساجدا بجبينه، وشاهدا يستأديه له على يمينه، وجاحدا كلّ ولاء سوى ولائه المعقود بيمينه، وعاقدا بشرف الانتساب إليه عقد دينه، وحامدا الله الذي جعله [من] «2» طاعة أمير المؤمنين عند حسن يقينه؛ وعائدا بأمله إلى كرم تثمر به الآمال، وتقمر به اللّيالي لأنها شعاره الذي تضرب به الأمثال، وتمطر به السّحب الجهام «3» فتمحى بها آية الإمحال. وينهي ورود المثال الشريف الذي طلع نيّره فأنار، وسطع متضادّه فألّف بين الليل والنهار؛ وأقبل فما رآه إلا كتابه الذي أوتيه باليمين، وسحابه الذي أعطيه يندى منه الجبين؛ ونصره أكثر من الألوف، وأنصفه أعجل من السيوف، وزاحم به الدهر فضلا عن الصّفوف، وزار به الوغى لا يهابها وخطّيّات القنا وقوف؛ فتشرّف به وطار بغير جناح، وقاتل بغير سلاح، وقرأه وبات قرّى له في السّماح، وتسلّمه كأنما تسنم به المعاقل وتسلّم منه المفتاح.
صدر آخر: خلّد الله أيام الديوان العزيز! ولا زالت سطواته تجمد برعبها
(7/131)

الأبطال المدجّحة، وتخمد بفيضها النّيران المؤججة، وتخمل بركز نفاذها إلى القلوب الرّماح المزجّجة «1» ، وتبخّل معها بعوائد كرمها السحب المثجّجة «2» ، وتخفّ لديها أوقار «3» الجبال المفجّجة «4» ، وتخرّ بل تخور خوفا أن تترقّى إليها الأصوات المضجّجة، وتخصّ بالغرق من خاطر في بحارها الملجّجة، وتحلف بسلطانها للموت أشهى من البقاء إلى طرائد سيوفها المهجّجة «5» ، وتخلّد النصر بحججها القائمة على الخصماء المتحجّجة.
الخادم يقلّب وجهه في سماء الفخار بتقبيل الأرض التي طالت السماء، فأطالت النّعماء، وفضلت النّجوم اللّوامع، وأوتيت بمالكها- أعزّ الله سلطانه- كلم الفضل الجوامع، وأحلّت شوامخ المجد من حلّها، وأجلّت قدر من جدّ فأجلّها، وأعطت مفاتيح الكنوز كنوز الشّرف لمن قبّلها كما يقبّل الحجيج الحجر، أو أمّلها كما يؤمّل الساري طلوع القمر؛ وينهي كذا وكذا.
صدر آخر: قال في «التعريف» : وهو غريب الأسلوب.
أدام الله أيام العدل والإحسان، النّعم الحسان، والفضل المشكور بكلّ لسان؛ الأيّام التي أشرق صباحها السّافر، وعمّ سماحها الوافر، وآمن بيمنها كلّ مسلم ضرب عليه سرادق الليل الكافر؛ وعلت شموسها وقد جنحت العصور الذّواهب، وقدحت أشعّتها فأضاءت بين لابتي الغياهب «6» ؛ أيّام الديوان [العزيز
(7/132)

المولوي، السيديّ، النبويّ، الإماميّ، الحاكميّ] «1» ، لا برحت أيامه مفنّنة، «2» وأحكامه مقنّنة، وسحبه على الظّماء محنّنة، وقربه بفقد ما حوته مجنّنة «3» ، وحقائقه غير مظنّنة، وطرائقه للخير مسنّنة، والخلائق تحت جناح رأفته ورحماه مكنّنة؛ ولا زال ولاؤه ضمير من اعتقد، وممير «4» من أخذ من الدهر ما نقد، ومبير الأسود المتضائلة لديه كالنّقد «5» ، وسمير من تنبّه وضجيع من رقد، ومعير البرق ندى كرمه وقد وقد، ومغير متعالي الصّباح من راياته العالية بما عقد، ومجير من لاذبه حتّى لا يضرّه من فقد ومبير عداه برداه الذي إن تأخّر إلى حين فقد «6» الخادم يخدم تلك العتبات الشريفة التي إن تاهت على السماء فما «7» ، وإن دنت للتقبيل فإن الثّريّا تودّ أن تكون فما؛ وينهب تراب تلك الأرض التي هي مساجد، ويقبّل ذلك البساط الذي لا موضع فيه إلا مكان لاثم أو ساجد؛ وينزّهها عن سواكب دمعه: لأنّ ذلك الحرم [الآمن] «8» لا تطلّ فيه الدماء، ويجلّها عن مواقع لثمه لأنها لا تلثم السماء؛ ويرفع صالح الدعاء وإنما إلى سمائها يرفعه، وينهي صادق الولاء وماثمّ من يدفعه، ويدّخر من صحيح العبوديّة ما يرجو أنه ينفعه؛ ويطالع العلوم الشريفة بكذا وكذا.
صدر آخر: أدام الله النعمة على الدين والدنيا بإيالة الديوان العزيز! وأسبغ نعمه فالنّعم في ضمنها، وملأ الآمال منها وأفاض من أنوارها التي علم قرن
(7/133)

الشمس أنّه غير قرنها، وأدال دولته التي نزل الخلق من جنّات عدلها جنّات عدنها؛ وأمضى سيوفها التي تعرب فيعرف ضمير النصر في لحنها «1» ، وأعلى آراءها التي تلقى العداة بدروع يقينها، وتلقى الغيوب بسهم ظنّها؛ ولا زالت البشائر تتبارى إليه بردها، ويضفو على أعطاف الإسلام بردها؛ ولا برحت راياته سويدات «2» قلوب العساكر، وأجنحة الدعاء المحلّق إلى أفق السماء من أفق المنابر، وولاؤها السّرّ المبهم الذي هو مما تبلى به السرائر «3» الخادم ...
صدر آخر: أعلى الله الموحّدين على الملحدين، وثبّت كلمة المتّقين على اليقين، بدوام أيّام الديوان العزيز، وروّض بولاته كل ديوان، ووسم بولائه كلّ أوان، وأنطق بحمده كلّ لسان، وألهم الخلق أن يعنونوا بطاعته صحائف الإيمان، وأسعدهم بما يتناولونه في الدنيا من كتب المنن وفي الآخرة من كتب الأمان؛ فكلّها طائر في العنق يكون بالطاعة قلائد برّ في الأطواق، وبالمعصية جوامع أسر في الأعناق.
ورد على المملوك كتاب إن لم يكن أنزل من السماء، فهو من الذين أنزل عليهم كتاب من السماء، وإن لم تنزل ألفاظه بالماء، فهو من الذين أنزلت ألفاظ دعواتهم الماء؛ وإن لم يكن كتاب العمل: لأنه ليس بيوم الكتاب، فإنه قطّ «4» عجّل له قبل يوم الحساب؛ ولولا أن أمّ الكتاب أعقمت «5» لكان ابن أمّ الكتاب، وإن هو إلا طائر ألزم في عنقه وما وكر طائره إلا المحراب.
صدر آخر: أتمّ الله ما أنعم به على الديوان العزيز وعلى الخلق، وأشرك في هذه النّعمة أهل الغرب والشّرق، وميّز الحظوظ فيها بحسب درجات السّبق. فإنه
(7/134)

لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى
«1» والله لا يخلف موعده؛ والديوان العزيز لا يكدّر مورده، ولا رفع عن أيدي الخلق يده، بل يجري عليها ما ضمّنه، ويمكّنها بما بسط لها في الأرض ومكّنه، ويرسل عليها سحائب رحمته، وينشيء منها ناشئة نعمته، ويوجّه إلى قلبها وجه كلّ أمل، ويفيض طوفانها فلا يكون به للغليل قبل، ولا يأوي إلى حصاة قلب «2» فيعصمها ولو أنه جبل.
قلت: ولم أقف على مكاتبة عن أحد من ملوك الديار المصرية إلى أبواب الخلافة مذ صارت دار الخلافة بالديار المصرية. والظاهر أنه لم تجر مكاتبة عن السلطان إلى الخليفة، لأن الخليفة لا يكاد يفارق السلطان سفرا ولا حضرا مفارقة توجب المكاتبة إليه، كما أشار إليه صاحب «التثقيف» . وقد لوّح في «التعريف» إلى ذلك فقال: وأوّل ما نبدأ بما يكتب به إلى الأبواب الشريفة الخليفتية (كذا) زادها الله شرفا، جريا على قديم العادة، ورجاء لملاحظة السّعادة.
وهذه نسخة مكاتبة من هذا النوع مما كتب به القاضي الفاضل عن السلطان «صلاح الدين يوسف بن أيوب» رحمه الله إلى ديوان الخلافة ببغداد في أيام الناصر لدين الله بخبر ملك الألمان «3» من الفرنجة والقتال معه، في جواب كتاب ورد عليه، يوضّح في هذا الموضع بيان هذا الأسلوب، ويغني عن مراجعة [كثير] من الأمثلة المذكورة في المكاتبات إلى الخلفاء على ما تقدّم، وهو:
أدام الله ظلّ الديوان العزيز النبويّ، الإماميّ، الشريف الناصريّ، ومدّه على الأمة ظليلا، وجعل الأنوار عليه دليلا، وحاطه بلطفه وتقبّل أعماله بقبول
(7/135)

حسن وأنبتها، وأرغم أعداءه وكبتها، ومسّها بعذاب من عنده وسحتها؛ ولا زالت رايته السوداء بيضاء الخبر، محمرّة المخبر في العداة مسودّة الأثر.
ورد على الخادم ما كوتب به من الديوان العزيز رائدا في استخلاصه، مبرهنا عن اختصاصه، مطلقا في الشّكر للسانه، وفي الحرب لعنانه؛ ومقتضيا لأمنيّة كان يتهيّبها، ومفيضا لمكرمة لو سمت نفسه إليها كان يتهمها؛ فلله هو! من كتاب كأنّه سورة وكلّ آية منه سجدة، قابله بالخشوع كأنما قلم الكتاب القضيب وطرسه البردة «1» ؛ وتلاه على من قبله من الأولياء مسترفها به لعزائمهم، مستجزلا به لمغانمهم، مستثبتا به للازمهم، مستدعيا به الخدمة للوازمهم، مرهفا به ظباهم في القتال، فاسحا به خطاهم يوم النّزال؛ فأثّر فيه كالاقتداح في الزّند «2» ؛ وكالانبجاس من الصّلد، وكالاستلال من الغمد؛ فشمّر من كان قد أسبل، وانتهى من كان قد أجبل «3» ؛ وكأنّما أعطوا كتابا من الدّهر بالأمان، أو سمعوا مناديا ينادي للإيمان؛ وقالوا: سمعنا وأطعنا، وعلينا من الخدمة ما استطعنا؛ هذا مع كونهم أنضاء زحوف «4» ، وأشلاء حتوف، وضرائب سيوف؛ قد وسمت وجوههم علامات الكفاح، وأحالت عرضهم أقلام الرّماح؛ صابرين مصابرين، مكاثرين مكابرين، مناضلين مناظرين؛ قد قاموا عن المسلمين بما قعد عنه سائرهم، ونزلوا بقارعة القراع فلا يسير عنها سائرهم؛ وسدّست «5» كعوب الرّماح أنملهم، وأثبتوا في معترك الموت أرجلهم؛ كلّ ذلك طاعة لله ولرسوله ولخليفتهما، وإذا رموا فأصابوا قالوا ولكنّ الله رمى.
(7/136)

ومن خبر الكفّار أنهم إلى الآن على عكّا يمدّهم البحر بمراكب أكثر عدّة من أمواجه، ويخرج للمسلمين منهم أمر من أجاجه»
؛ قد تعاضدت ملوك الكفر «2» على أن ينهضوا إليهم من كلّ فرقة منهم طائفة، ويقلّدوا لهم من كل قرن يعجز بالكرّة واصفه؛ فإذا قتل المسلمون واحدا في البرّ بعث البحر عوضه ألفا، وإذا ذهب بالقتل صنف منهم أخلف بدله صنفا؛ فالزّرع أكثر من الجداد «3» ، والثمرة أنمى من الحصاد. وهذا العدو المقاتل- قاتله الله- قد زرّ عليه من الخنادق أدراعا متينة، واستجنّ من الجنويات «4» بحصون حصينة؛ مصحرا ومتمنّعا، وحاسرا ومتدرّعا ومواصلا ومنقطعا؛ وكلّما أخرج رأسا قد قطعت منه رؤوس، وكلّما كشف وجها كشف من غطاء أجسادها نفوس؛ فكم من يوم أرسلوا أعنّة السوابق فذمّوا عقبى إرسالها، وكم من ساعة فضّوا فيها أقفال الخنادق فأفضى إليهم البلاء عند فضّ أقفالها؛ إلا أنّ عددهم الجمّ قد كاثر القتل، ورقابهم الغلب قد قطعت النّصل لشدّة ما قطعها النصل. ومن قبل الخادم من الأولياء قد آثّرت المدّة الطويلة، والكلف الثقيلة، في استطاعتهم لا في طاعتهم، وفي أجوالهم «5» لا في شجاعتهم؛ فالبرك «6» قد أنضوه، والسّلاح قد أحفوه، والدّرهم قد أفنوه؛ وكلّ من يعرفهم من أهل المعرفة، ويراهم بالعين فما هم مثل من يراهم بالصّفة؛ يناشد الله المناشدة النبويّة، في الصّيحة البدرية؛ اللهم إن تهلك هذه العصابة، ويخلص الدعاء ويرجو على يد أمير المؤمنين الإجابة. هذا والساحل قد تماسك، وما تهالك؛ وتجلّد، ما تبلّد؛ وشجّعته مواعد النّجدة الخارجة، وأسلته عن مصارع العدّة الدّارجة؛ فكيف به إذا خرج داعية الألمان، وملوك للصّلبان، وجموع ما
(7/137)

وراء البحر، وحشود أجناس الكفر؟ وقد حرّم باباهم «1» - لعنة الله عليهم وعليه- كلّ مباح واستخرج منهم كلّ مذخور، وأغلق دونهم الكنائس، ولبس وألبسهم الحداد، وحكم عليهم أن لا يزالوا كذلك أو يستخلصوا المقبرة، ويعيدوا القمامة «2» وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ
«3» اللهم أخفر جواره، واصرف جوره، وأخلف وعده، واكسر ضمانه، وأنكصه على عقبه، وعجّل في الدنيا والآخرة منهم تبابه. وما بدأتنا به من نعمتك فلا تقطعه، وما وهبتنا من نصرك فلا تسلبه، وما سترته من عجزنا فلا تهتكه. [و] في دون ما الدّين مستقبله، وعدوّه خذله الله يؤمّله؛ ما يستغرغ عزائم الرجال، ويستنفد خزائن الأموال، ويوجب لإمام هذه الأمة أن يحفظ عليها قبلتها، ويزيح في قتل عدوّها علّتها؛ ولولا أنّ في التصريح، ما يعود على عدالته بالتّجريح، لقال ما يبكي العين وينكي القلوب، وتنشقّ له المرائر وتشقّ له الجيوب؛ ولكنّه صابر محتسب، منتظر لنصر الله مرتقب، قائم في نفسه بما يجب؛ ربّ إني لا أملك إلا نفسي وأخي، وها هو قد هاجر إليك هجرة يرجوها عندك مقبولة، وولدي وقد أبرزت لعدوّك صفحات وجوههم، وهان عليّ محبوبك بمكروهي فيهم ومكروههم. ونقف عند هذا الحدّ، ولله الأمر من قبل ومن بعد؛ وإن لم يشتك الدّين إلى «ناصره» والحقّ إلى من قام بأوّله وإلى اليوم الآخر يقوم بآخره؛ فإلى من
(7/138)

يشتكى البثّ، وعند من يتفرج بالنّفث؟ ومنفعة الغوث قبل العطب، والنّجاء قبل أن يصل الحزام الطّبيين «1» والبلاغ قبل أن يصل السيل الزّبى.
فيا عصبة محمد صلّى الله عليه وسلّم اخلفه في أمّته بما تطمئن به مضاجعه، ووفّه الحقّ فينا؛ فإنّا وإنّ المسلمين عندك ودائعه، وما مثّل الخادم نفسه في هذا القول إلا بحالة من وقف بالباب ضارعا، وناجى بالقول صادعا؛ ولو رفعت عنه العوائق لهاجر، وشافه طبيب الإسلام بل مسيحه بالداء خامر؛ ولو أمن عدوّ الله أن يقول فرّ لسافر، وبعد ففيه وإن عضّ الزمان بقيّة، وقبله وإن تدارأت الشّهّاد دريّة «2» ؛ فلا يزال قائما حتّى ينصر أو يعذر، فلا يصل إلى حرم ذرّية أحمد صلّى الله عليه وسلّم ومن ذريّة أيوب واحد يذكر.
أنجز الله لأمير المؤمنين مواعد نصره! وتمم مساعدة دهره! وأصفى موارد إحسانه! وأرسى قواعد سلطانه! وحفظه وحفظ به فهو خير حافظا «3» ، ونصره ونصر على يديه فهو أقوى ناصرا، إن شاء الله تعالى.
ثم اعلم أن المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله قد ذكر في «تعريفه» أيضا أنّ المكاتبة إلى أبواب الخلافة من الملوك والسّوقة لا تختلف، بل تكون على الأنموذج المقدّم ذكره، واستلزم ذلك: فجرى على هذا المصطلح فيما كتب به إلى الديوان العزيز الحاكميّ، أحمد بن أبي الربيع سليمان «4» أحد الخلفاء
(7/139)

العباسيّين بالديار المصرية، عن رماة البندق «1» بالشام، جوابا عمّا ورد عليه من كتابهم، وهو متكلّم على رماة البندق يومئذ في أمر ناصر الدين بن الحمصيّ وهو أحد الرّماة.
أدام الله تعالى أيام الديوان العزيز، المولويّ، السيديّ، النبويّ، الإماميّ، الحاكميّ، ونصر به جمع الإيمان، وبشّر بأيّامه الزمان، ومتّعه بالملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بما ورثه من سليمان؛ ولا زال يخضع لمقامه كلّ جليل، ويعرف لأيامه كلّ وجه جميل، ويعترف لشرفه كلّ معترف بالتفضيل، ويشهد بنفاذ أوامره من ذوي نسبه الشريف كلّ أخ وخليل؛ ولا كان إلّا كرمه المأمول، ودعاءه المقبول، وعدوّه المصروع ووليّه المحمول؛ ولا برحت طاعته يعقد عليها كلّ جمع، ومراسمه ينصت إليها كلّ سمع، وطوائف الذين كذبوا عليه لا تتلى عليهم آياته إلا تولّوا وأعينهم تفيض من الدّمع.
المماليك يقبّلون الأرض بالأبواب العالية التي هي خطّة شرفهم، ومكان تعبّد القدماء منهم ومن سلفهم، ويلوذون بذلك المقام، ويعوذون بذلك الحرم الذي لا يبعد نسبه من البيت الحرام؛ ويؤمّلون ذلك الكرم الذي ما منهم إلا من سعد به طائره، وجاءته به في وجه الصّباح أشائره؛ وفي وجه العشاء بشائره؛ فنالوا به أقصى المرام، وقضوا به من العمر ما إذا قالوا: يا سعد! لا يعنون به إلا ذلك الإمام؛ وينتهون إلى ما ورد به المرسوم الشريف الذي ما من المماليك إلا من متّ لديه بتقديم عبوديّته ورقّه، وسارع إلى طائره الميمون وحمله بسبقه، وفتح له عينه وظنّ أنّه حاكم، وامتثلوا أمره وكيف لا تمتثل الرماة أمر الحاكم؟ ولا سيّما ابن عمّ
(7/140)

سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الامام الحاكم؛ وأجلّوه عن رفعه على العين إذ كانت تلك بمنزلة الحاجب، وقدّموا إليه خفوق قلوبهم الطائرة وما علموا إن كانوا قاموا بالواجب؛ ووقفوا على أحكام حاكمه فما شكّوا أنّ زمان هذا الفنّ بحياة ناصره في بغداد قد عاد، وأنّ مثاله المتمثّل في سواد الحدق مما حكته أيامه العبّاسيّة من شعار السّواد؛ وعلموا ما رسم به في معني محمد بن الحمصيّ الذي ما نوّرت الليلة أكاريخه، ولا بعدت في الإقعاد له تواريخه؛ بل أخمدت دموع ندمه نيرانه المشتعلة، وأصبح به لا يحمل القوس في يده إلا أنه مشغلة؛ وما كان أنهاه الدّيوان العزيز مما لم تذكر الخواطر الشريفة بأنه قبة المفترى، وأنه صاحب القوس إلا أن ماله سعادة المشتري؛ وأنه موّه تمويه الجاحد، وتلوّن مثل قوس قزح وإلا فقوس البندق لون واحد؛ وأدلى بغروره، وعرض المحضر الذي حمله على تغريره؛ وذلك في غيبة الأمير بهاء الدين أرسلان البندقدار الحاكمي، الذي لو كان حاضرا لكان حجّة عليه، ومؤكّدا لإبطال رميه وقوسه وبندقه في يديه؛ لما تضمّنه الخطّ الشريف المقيّد اللفظ المكتتب على المصطلح، الساحب ذيل فخاره على المقترح، الذي هدى إلى الخير، وبدا به ما وهب من الملك السليمانيّ الذي أوتي من كلّ شيء وعلّم منطق الطير «1» ؛ فإنّه لم يكتب له إلا بأن يرمي على الوجه المرضيّ واستيفاء شروط البندق، والخروج من جميع الأشكال عملا بقواعده؛ ويعلم بأنه ما رعى حقّ قدمته، ولا فعل في الباب العزيز ما يجب من التحلّي بشعار الصّدق في خدمته؛ وأنه خالف عادة الأدب، وأخطأ في الكلّ لكنه ندب «2» ؛ وذلك بعد أن عمل له جميع رماة البندق، وسئل فأجاب: بأنه سالم من كل إشكال
(7/141)

يشكل، وأنه بعد أن أقعد رمى وحمل وحمل؛ فشهد عليه السادة الأمراء ولاة العهد إخوة أمير المؤمنين ومن حضر، وكتبوا خطوطهم في المحضر؛ وما حصل الآن عند عرض قصة المماليك بالمواقف المقدّسة، ووضوح قضيته المدنّسة: من التعجّب من اعتراف المماليك، لكونهم رموا معه بعد أن رأوا الخطّ الشريف وهو لفظ مقيّد، وأمر أيّد به رأي الإمام الحاكم بأمر الله المسترشد بالله والمؤيّد؛ وكلّ ما أمر به أمير المؤمنين لا معدل عن طرقه، ولا جدال إلا به إذا ألزم كلّ أحد طائره «1» في عنقه، وأمير المؤمنين بحر لا يرد إلا من علمه، وهو الحاكم ولا رادّ لحكمه.
وإنما ابن الحمصيّ المذكور عدم السّداد، وخالف جاري العادة في الحمّص فإنه هو الذي سلق في الافتراء بألسنة حداد؛ ولم يوقف المماليك من الخط الشريف إلا على بعضه، ولا أراهم من برقه المتهلّل غير ومضه؛ والذي أوقفهم عليه منه أن يرمي محمد بن الحمصيّ ويرمى معه، وكلمة أمير المؤمنين مستمعة، ومراسيمه متّبعة؛ وإذا تقدّم كان الناس تبعه. غير أن المذكور بدت منه أمور قطع بها الأمير صارم الدين صاروجا الحاكم البندقدار «2» في حقه، وأقعده عن قدمته التي كان يمتّ فيها بسبقه؛ وانتقل عنه غلمانه، وثقل عليه زمانه؛ ونودي عليه في جمع كبير يزيد على تسعين قوسا، وجرح بخطإ بندقه جرحا لا يوسى؛ ثم بعد مدّة سنين توسّل بولد الأمير المرحوم سيف الدين تنكز إلى أبيه، وتوصّل به إلى مراميه؛ فأمر أن يرمى معه وهدّد المخالف بالضرب، ولم يرم معه أحد برضاه إلا خوف أن توقد نار الحرب، فلما مضت تلك الأيّام، وانقضت تلك الأحلام، جمع مملوك الأبواب العالية الأمير علاء الدين بن الأبو بكري الحاكم في البندق الآن من رماة البندق
(7/142)

جمعا كبيرا، واهتّم به اهتماما كثيرا؛ وذكر أمر المذكور، وأحضر محضره المسطور؛ ولم يكن عليه تعويل، ولا في حكم الحاكم المتقدّم تعليل، ولا عند هذا الحاكم الذي ادّعى له وادّعى عنده تجوز الأباطيل؛ وتحقّق أنّ الحقّ فيما حكم به عليه فتبع، وترجّح أن لا يقام منه من أقعد ولا يوصل منه ما قطع؛ فنّفذ حكم الحاكم المتقدّم، واستمرّ بقعوده المتحتّم؛ ووافقه على هذا سائر الرّماة بالبلاد الشامية وحكّامها، ومن يرجع إليه في الرّماية وإحكامها؛ وبطلت قدمة لمذكور التي ذهب فيها عمره ضائعا، وزمانه الذي لو اشتريت منه ساعة بالعمر لم يكن نافعا.
ولما ورد الآن هذا المرسوم الشريف زاده الله شرفا قبلوا الأرض لديه، وأوقفوا عليه حاكمهم المسمّى فوقف له وعليه؛ وجمع له جمعا لم يدع فيه من الرّماة معتبرا، ولا من يلقم القوس وترا، ولا من إذا قعد كالعين جرى ما جرى، ثم قرأ عليهم ما تضمّن، ودعو الأمير المؤمنين ولم يبق منهم إلا من دعا أو أمّن؛ وتضاعف سرورهم بحكمه الذي رفع الخلل، وقطع الجدل، وقالوا: لا عدمنا أيام هذا الحاكم الذي أنصف والإمام الذي عدل؛ وبقى ابن الحمصى مثله، ونودى عليه إنّه من رمى معه كان مخطئا مثله؛ ووقرت هذه المناداة في كلّ مسمع، وقرّت استقرار الفضل عليه المجمع، وذلك بما فهم من أمير المؤمنين؛ وبنص كتابه المبين، وبما قضى الله به على لسان خليفته الحاكم والله أحكم الحاكمين؛ وطالعوا بها وأنهوا صورة الحال، وجمعوا في إمضائه الآمال. لا زالت سعادة أمير المؤمنين منزّهة عن الشّبه، آخذة من خير الدارين كل اثنين في وجه، حتّى تحصل كلّ رمية من كثب، ولا يرمى في كل أمنة إلا كلّ مصطحب، ما غبّ في السماء المرزم «1» ، ووقع العقاب على ثنيّة يقرع سنّه ويتندّم، وعلا النّسر الطائر والواقع على آثاره وسائر طيور النّجوم والحوّم؛ إن شاء الله تعالى.
(7/143)

قلت: وقد اعترض في «التثقيف» كلام المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» فقال: وفيما ذكره في «التعريف» من التسوية في المكاتبة بين الملوك والسّوقة نظر. وما أشار إليه من النظر ظاهر: فإن الذي تجب مكاتبتهم به ما يكاتب به المرؤوس رئيسه بحسب ما تقتضيه الحال في ابتداء المكاتبات من يقبّل الأرض، كما تكاتب الملوك، بل هم بذلك أحقّ وأجدر. ويكون الخطاب لهم في أثناء المكاتبة بما أشار إليه في «التعريف» بالديوان العزيز، والمواقف المقدّسة أو المشرّفة، والأبواب الشريفة، والباب العزيز، والمقام الأشرف، والجانب الأعلى، ومولانا أمير المؤمنين، ونحو ذلك بحسب ما تقتضيه الحال على ما تقدّم ذكره.
الطرف الثاني (في المكاتبة إلى ولاة العهد بالخلافة)
أما على المصطلح القديم حين كانت المكاتبة إلى الخلفاء «لفلان من فلان» فقال في «صناعة الكتّاب» : ويكون التصدير في المكاتبة إلى وليّ العهد على ما تقدّم في المكاتبة إلى الخلفاء مع تغيير الأسماء، غير أنه جعل الفرق بين الإمام وغيره ممن يكاتب بالتصدير أن يقال للإمام في التصدير مع السلام: وبركاته، في أوّل الكتاب وآخره. ومن سوى الإمام تحذف وبركاته من التصدير وتثبت في آخر الكتاب.
وقد تقدّم أنّ التصدير إلى الخليفة حينئذ كان «لعبد الله أبي فلان فلان أمير المؤمنين، سلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إلى أمير المؤمنين الله الذي لا إله إلّا هو، وأسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله. أما بعد، أطال الله بقاء أمير المؤمنين إلى آخره، ويختم بقوله: والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته» .
وحينئذ فتكون المكاتبة إلى وليّ العهد على ما أشار إليه في «صناعة الكتّاب» من الابتداء بالتصدير مع تغيير الأسماء: «لعبد الله أبي فلان فلان وليّ
(7/144)

عهد المسلمين، سلام على وليّ عهد المسلمين؛ فإني أحمد إليه الله الذي لا إله إلّا هو، وأسأله أن يصلّي على رسوله صلّى الله عليه وسلّم. أما بعد: أطال الله بقاء وليّ العهد، ويختمه بقوله: والسلام على وليّ عهد المسلمين ورحمة الله وبركاته» أو نحو ذلك.
وأما على المصطلح الذي حدث بعد ذلك، فقد ذكر المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في كتابه «التعريف» أن رسم المكاتبة إلى وليّ العهد بالخلافة: ضاعف الله تعالى جلال الجانب الشريف، المولويّ، السيديّ، النّبويّ، الفلانيّ؛ ثم الدعاء المعطوف. وأبدل في «التثقيف» لفظ الجانب بالجناب. والخطاب له بمولانا وسيدنا وليّ العهد ونحو ذلك. والتعبير عن المكتوب عنه ب «الخادم يقبل العتبات الشريفة أو اليد الشريفة» أو نحو ذلك. قال في «التثقيف» : والعلامة إليه «الخادم» والعنوان «الجناب الشريف» وبقية الألقاب المذكورة إلى آخرها.
قال: وهو «1» أحسن من الجناب: لعدم اشتراك غيره معه فيه بخلاف الجناب. قال: وهذا أيضا على عادة من تقدّم من الملوك، أما في زماننا وقبله بمدّة مديدة، فلم يتفق وجود وليّ عهد للخلافة؛ وبتقدير وجوده فإذا لم يكن الخليفة يكاتب في هذا الأيام فكيف بوليّ عهده.
وهذه صدور مكاتبات إليه أوردها في «التعريف» .
صدر: ضاعف الله تعالى جلال الجانب وأطلع مع وجود الشمس بدره التّمام، وأحوج مع زاخر الحبر منه إلى مدد الغمام، وقدّمه إماما على الناس وأطال بقاء سيدنا أبيه الإمام؛ ولا عدم منه مع نظر والده الشريف جميل النظر، ولا برح صدر دسته «2» العليّ إذا غاب وثانيه إذا حضر؛ ولا زال الزمان مختالا من جود
(7/145)

وجودهما لا عرّف الله الأنام قدره إلا بالزّهر والثّمر، ولا زاد فيض كرم إلا وهو من كفّ أبيه فاض أو من وبله العميم انهمر.
الخادم يخدم تلك العتبات الباذخة الشرف، الناسخة بما وجده من الخير في تقبيلها قول من قال: لا خير في السّرف. وينهي ولاء ما عقد على مثله ضمير، ولا انعقد شبيهه لولّي عهد ولا أمير؛ وإخلاصه في انتماء أشرق منه على الجبين، وأشرف فرآه فرضا عليه فيما نطق به القرآن ورقم في الكتاب المبين.
صدر آخر: أعز الله أنصار الجانب الشريف، ولا حجب منه سرّ ذلك الجلال، ولا معنى ذلك البدر المشرق منه في صورة الهلال، ولا فيض ذلك السحاب المشرع منه هذا المورد الزّلال، ولا تلك المآثر التي دلّ عليها منه كرم الخلال، ولا تلك الشجرة المفرّعة ولا ما امتد منها به من الغصن الممتدّ الظلال، ولا ذلك الإمام الذي هو وليّ عهده وهو أعظم من الاستقلال.
الخادم يقبّل تلك اليد موفيا لها بعهده [ومصفيا منها لورده] «1» ومضفيا منها جلابيب الشرف على عطفه، وحسبه فخارا أن يدعى في ذلك المقام بعبده؛ ويترامى على تلك الأبواب، ويلثم ذلك الثرى ويرجو الثواب.
صدر آخر: ولا زالت عهود ولايته منصوصة، وإيالته بعموم المصالح مخصوصة، وصفوف جيوشه كالبنيان مرصوصة، وقوادم أعدائه بالحوالق محصوصة «2» ، وبدائع أنبائه فيما حلّقت إليه دعوته الشريفة مقصوصة [والوفود في أبوابه أجنحتها بالنّدى مبلولة مقصوصة] «3» الخادم يجدّد بتلك الأعتاب خدمه، ويزاحم في تلك الرّحاب خدمه، ويقف في تلك الصّفوف لا تنقل عن الطاعة قدمه، ويتمثّل بين تلك الوقوف ويتميز عليهم
(7/146)

إذا ذكر في السوابق قدمه؛ ويدلي بحجج سيوفه [التي أشهرها، وصروفه التي لاقى أشهرها، ومواقفه] «1» التي ما أنكرها الديوان العزيز مذ أثبتها، ولا حطّ رماحها مذ أنبتها، ولا محا سطورها، مذ كتبها، ليغيظ الأعداء ولا يشفي صدورها، منذ كبتها؛ وينهي كذا وكذا.
صدر آخر: ولا زالت مواعيد الظّفر له منصوصة، ورؤوس من كفر بطوارقه «2» مرضوضة، وصحائف الأيام عما يسرّ به الزمان فيه مفضوضة، وجفون عداه ولو اتصلت بمقل النجوم مغضوضة، وطوارق «3» الأعداء التي تجنّهم منه بسيوفه معضوضة.
الخادم يخدم أرضه المقدّسة بترامي قبله، وتقليب وجهه إلى قبله؛ ويتطوّف بذلك الحرم، ويتطوّل من فواضل ذلك الكرم؛ ويتطوّق بقلائد تلك المنن، وفرائد تلك المواهب التي إن لم تكن له وإلا فمن؛ فإنه، والله يشهد له، لا يعتقد بعد ولاء سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، والقيم بأمور الدنيا والدّين، عليه الصلاة والسلام، إلّا ولاءها، ولا يؤمّل بعد تلك الآلاء إلّا آلاءها؛ ولا يرجو من غير هذه الشجرة المباركة لأمله إثمارا، ولا لليله إقمارا؛ ولا لأيّامه حافظا، ولا لحال إقدامه في قدم صدق ولائه لافظا؛ قائما في خدم هذه الدولة القاهرة يجهد في منافعها [ويجدّ في كبت مدافعها] «4» ويدّخر شفاعتها العظمى إذا جاءت كلّ أمة بشافعها، وينهي كذا وكذا.
(7/147)

الطرف الثالث (من المصطلح المستقر عليه الحال
، في المكاتبات الصادرة عن ملوك الديار المصرية إلى أهل المملكة: من مصر والشام والحجاز، وفيه ثلاثة مقاصد)
المقصد الأول (في المكاتبات المفردة، وفيه مسلكان)
المسلك الأول (في بيان رتب المكاتبات ورتب أهلها، وهي على ضربين)
الضرب الأول (المكاتبات إلى الملوك على ما كان عليه الحال في الزمن المتقدّم مما لعلّه يعود مثله، وهي الدعاء للمقام، وفيه مكاتبتان)
الأولى- المكاتبة إلى وليّ العهد بالسلطنة
[وهي] «1» على ما ذكره في «التثقيف» :
أعزّ الله تعالى أنصار المقام العالي، الملكيّ، الفلانيّ، الأخويّ، أو الولديّ، إن كان أخا أو ولدا. ثم الدعاء اللائق به، ثم يقال: «أصدرناها إلى المقام العالي ويطالع علمه الشريف» والعلامة «أخوه» سواء كان أخا أو غير أخ، و «والده» إن كان والدا. ولم يذكر تعريفه، والذي يظهر أنه يكتب له «وليّ العهد بالسلطنة الشريفة» . ولم يذكر قطع الورق لهذه المكاتبة، والذي يظهر أنه في قطع العادة على قاعدة المكاتبات إلى أهل المملكة. قال في «التثقيف» : ولعل هذه المكاتبة نظير ما كتب به إلى الملك الصالح علاء الدين عليّ ولد المنصور قلاوون: فإنه كان وليّ عهد أبيه المذكور، توفّي في حياته «2» ثم قال: ورأيت
(7/148)

أمثلة كثيرة صدرت عنه بخلاص الحقوق، وعلامته عليها «علي بن قلاوون» .
الثانية- المكاتبة إلى صاحب حماة من بقايا الملوك الأيوبية
قبل مصيرها نيابة «1» ، وآخر من كان منهم في الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون» الملك الأفضل ناصر الدين محمد بن الملك المؤيّد عماد الدين إسماعيل «2» ، لمّا صارت إليه بعد أبيه المذكور.
ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التثقيف» في قطع العادة: «أعز الله تعالى أنصار المقام الشريف، العالي، السلطاني، الملكيّ، الأفضليّ، الناصريّ، ونحوهما» . ثم الدعاء، وبعده «أصدرناها إلى المقام الشريف» والعلامة «أخوه» وتعريفه «صاحب حماة» . قال في «التثقيف» : ولم يزل الحال على ذلك إلى أن عزل عنها الأفضل المشار إليه بعد الأيام الشّهيدية الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الشهيد الناصر محمد بن قلاوون، واستقرّ بها بعده نائبا الأمير طغاي الحمويّ أمير مجلس «3» كان، فبقيت نيابة بعده إلى الآن.
(7/149)

الضرب الثاني (المكاتبات إلى من عدا الملوك من أرباب السيوف والأقلام وغيرهم ممن جرت العادة بمكاتبته، وفيه مهيعان)
المهيع الأول (في رتب المكاتبات، وهي على عشر «1» درجات)
الدرجة الأولى (الدعاء للمقرّ)
«2» وصورته على ما ذكره في «التثقيف» : «أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم «3» ، العالي «4» ، المولويّ «5» ، الأميريّ، الكبيريّ «6» ، العالميّ «7» ،
(7/150)

العادليّ «8» ، المؤيّديّ «9» ، الزّعيميّ «10» ، العونيّ «11» ، الغياثيّ «12» ، المثاغريّ «13» ،
(7/151)

المرابطيّ «14» ، الممهّديّ «15» ، المشيّديّ «16» ، الظّهيريّ «17» ، العابديّ «18» ،
(7/152)

الناسكيّ «1» ، الأتابكيّ «2» ، الكفيليّ «3» ، الفلانيّ؛ معزّ الإسلام والمسلمين، سيد أمراء العالمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، ملجإ الفقراء والمساكين، زعيم جيوش الموحّدين، أتابك العساكر، ممهّد الدّول، مشيّد الممالك، عماد الملة، عون الأمة، ظهير الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين» . ثم الدعاء المعطوف والتصدير المناسب: مثل أن يقال: «ولا زال عزمه مؤيّدا، وعزّه مؤبّدا، وسعده على ممرّ الجديدين مجدّدا؛ أصدرناها إلى المقرّ الكريم تهدي إليه من السلام أتمّه، ومن الثناء أعمّه» . ثم يقال: «وتبدي لعلمه الكريم كذا وكذا، ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره الكريم بكذا وكذا، فيحيط علمه الكريم بذلك، والله تعالى يؤيّده بمنّه وكرمه» .
الدرجة الثانية (الدعاء للجناب الكريم)
«4» وصورته على ما أورده في «التثقيف» عما استقر عليه الحال «أعزّ الله تعالى نصرة الجناب الكريم، العالى، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ،
(7/153)

المؤيّديّ، الزعيميّ، العونيّ، الغياثيّ، المثاغريّ، المرابطيّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظهيريّ، الكافليّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيف الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة «1» والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، سيف أمير المؤمنين» . ثم الدعاء والتصدير المناسب، مثل أن يقال: «ولا زالت عزائمه مؤيّدة، وأوامره السعيدة مسدّدة؛ صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاما طيّبا، وثناء مطنبا؛ وتوضّح لعلمه الكريم كذا. ومرسومنا للجناب الكريم أن يتقدّم أمره الكريم بكذا وكذا؛ فيحيط علمه الكريم بذلك، والله تعالى يؤيده بمنّه وكرمه» .
قلت: والذي في «التعريف» : «أعز الله تعالى أنصار الجناب الكريم، بإبدال نصرة بأنصار؛ واختلاف بعض الألقاب المتقدّمة» .
الدرجة الثالثة (الدعاء للجناب العالي بمضاعفة النعمة)
وصورته على ما في «التثقيف» : «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، العونيّ، الزّعيميّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظهيريّ، الكافليّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيف الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحدين، مقدّم العساكر، ممهّد الدّول، مشيّد الممالك، عماد الملة، عون الأمّة، ظهير الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين» . ثم الدعاء والتصدير المناسب، مثل:
(7/154)

«ولا زال قدره عاليا، ومدحه متواليا، وجيد الدّهر بمحاسنه حاليا؛ وتوضّح لعلمه الكريم كذا؛ ومرسومنا للجناب العالي أن يتقدّم أمره الكريم بكذا؛ فيحيط علمه بذلك، والله تعالى يؤيّده بمنّه وكرمه» .
الدرجة الرابعة (الدعاء للجناب العالي بدوام النعمة)
وصورتها على ما أورده في «التثقيف» : «أدام الله تعالى نعمة الجناب العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيديّ، الأوحديّ، النّصيريّ، العونيّ، الهماميّ، المقدّميّ، الظّهيريّ، الفلانيّ، عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، مقدّم العساكر، كهف الملّة، ذخر الدّولة، عماد المملكة، ظهير الملوك والسلاطين، حسام أمير المؤمنين» والدعاء والتصدير المناسب، مثل أن يقال: «ولا زال قدرة رفيعا، وعزّه منيعا، و «1» مريعا. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاما طيبا، وثناء صيبّا» ثم يقال: «وتوضّح لعلمه المبارك كذا، فيحيط علمه الكريم بذلك؛ والله تعالى يؤيّده بمنّه وكرمه» .
الدرجة الخامسة (الدعاء للمجلس «2» بدوام النعمة)
ورسمها: «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، العونيّ، الأوحديّ «3» ، النّصيريّ، الهماميّ»
،
(7/155)

المقدّميّ، الظهيريّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، مقدم العساكر، كهف الملة «1» ، ظهير الملوك والسلاطين، حسام أمير المؤمنين» ثم الدعاء والتصدير المناسب، مثل:
«ولا زال عاليا قدره، نافذا أمره، جاريا على الألسنة حمده وشكره. صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي تهدي له سلاما، وثناء بسّاما» ثم يقال: «وتوضح لعلمه المبارك كذا. ومرسومنا للمجلس العالي أن يتقدّم أمره المبارك بكذا، فيحيط علمه بذلك، والله تعالى يؤيده بمنّه وكرمه» .
الدرجة السادسة (صدرت والعالي، ويعبّر عنها بالساميّ بالياء)
وصورتها على ما في «التثقيف» : «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العضديّ، الذّخري، النّصيريّ، الأوحديّ، العونيّ، الهماميّ، المقدّميّ، الظهيريّ، الفلانيّ؛ مجد الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء المقدّمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، مقدّم العساكر، ذخر الدولة، كهف الملة؛ ظهير الملوك والسلاطين» ثم الدعاء المناسب، مثل: «أدام الله سعادته، وأجزل من الخير برّه وإفادته، موضّحة لعلمه المبارك كذا؛ ومرسومنا للمجلس العالي أن يتقدّم بكذا، فيحيط علمه بذلك، والله تعالى يؤيده بمنّه وكرمه» .
(7/156)

الدرجة السابعة (صدرت والسامي «1» ، ويعبر عنها بالساميّ بغير ياء)
وصورتها: «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي، الأميريّ، الأجليّ، الكبيريّ، العضديّ، الذّخريّ، النّصيريّ، الأوحديّ، الفلانيّ؛ مجد الإسلام، بهاء الأنام، شرف الأمراء، زين المجاهدين، عضد الملوك والسلاطين» ثم الدعاء مثل: «أدام الله سعادته، وأجزل من الخير عادته؛ تتضمّن إعلامه كذا، ومرسومنا للمجلس السامي أن يتقدّم بكذا، فليعلم ذلك ويعتمده، والله الموفّق بمنّه وكرمه» .
الدرجة الثامنة
«يعلم مجلس الأمير، الأجلّ، الكبير، الغازي، المجاهد، المؤيّد؛ فلان الدين، مجد الإسلام، بهاء الأنام، شرف الأمراء، زين المجاهدين، عدّة الملوك والسلاطين» والدعاء، مثل: «أدام الله سعده، وأنجح قصده؛ أنّ الأمر كذا؛ ومرسومنا له أن يتقدّم بكذا، فليعلم ذلك ويعتمده، والله الموفّق بمنّه وكرمه» .
قلت: وقد تقدّم في أول المكاتبات أنه يتعين أن يكون الدّعاء للمكتوب إليه مناسبا للحال، مثل أن يكون موافقا لاسم المكتوب إليه أو لقبه أو وظيفته، أو محلّ نيابته، أو الأمر المكتوب بسببه: من استطلاع أمر، واسترهاف عزم، وفتح وظفر وبشارة وغيرها وما يجري مجرى ذلك، وتقدّم هناك ذكر جملة من الأدعية في الأمور المختلفة المعاني.
(7/157)

ونحن نذكر هنا نبذة من الأدعية والتصديرات اللائقة المتقدّمة، مما يدعى به للنوّاب ومن في معناهم؛ ليقرب تناوله باقترانه بصور المكاتبات» .
الأدعية والصدور لنوّاب السلطنة (أدعية تصلح للنائب الكافل) «1»
ولا زالت كفالته تبسط المعدلة، وعزائمه على الإنصاف والإسعاف مشتملة، وتقدماته تبلّغ كلّ ذي قصد أمله. أصدرناها إلى المقرّ الكريم تهدي إليه من السلام أكمله، ومن الثناء الحسن أجزله، وتبدي.
آخر: ولا زالت الممالك كلّها في كفالته، والمسالك على اختلاف طرقها آئلة إلى إيالته، والملائك محوّمة على بنوده محتفّة بهالته، والأرائك لا تثنى إلا على دست فخاره ولا تعدّ إلا لجلالته. أصدرناها إلى المقرّ الكريم تخصّه بأفضل السلام، وأطيب الثناء المرقوم على أعلى الأعلام؛ وتبدي.
آخر: ولا زالت كفاية كفالته تزيد على الآمال، وتتقرّب إلى الله بصلاح الأعمال، وتكفل ما بين الجنوب وأقصى الشّمال. أصدرناها إلى المقرّ الكريم وصدرها بذكره منشرح، وببرّه فرح، وبعلوّ قدره في أيامنا الزاهرة يسرّ ويؤمّل منه ما يزيد على أمل المقترح، وتبدي.
أدعية تصلح لنائب الشام المحروس
و [لا زالت] «2» الممالك [تؤيد] «3» بعزمه ورأيه تأييدا، والدول [تسدّد] «4» بكفالته تسديدا و [تشيد] «5» تشييدا. أصدرناها إلى المقرّ الكريم تهدي إليه سلاما
(7/158)

تضاعف أجزاؤه، وثناء يبهج الخواطر سناؤه، وتبدي لعلمه.
آخر: ولا زالت النفوس بيمن كفالته فائقه، والخواطر في محبته متوافقة، والألسن بشكر محاسنه ناطقة، وقلوب الأعداء من بأسه ومهابته خافقة. أصدرناها إلى المقرّ الكريم تهدي إليه أنواع السلام المتناسبة وأجناسه المتناسقة، وتثني على أوصافه التي أصبحت الأفواه في ذكرها صادقة، وتبدي لعلمه.
آخر: ولا زالت عزائمه مرهفة الحدّ، وكفالته كفيلة بنجح القصد، ومغانمه في سبيل الله تعرب عن الاجتهاد في قهر الأعداء والجدّ. أصدرناها إلى المقرّ الكريم تهدي إليه سلاما يفوق شذاه العنبر والنّدّ، وثناء مجاوزا أبدا الحصر وأمدا العدّ؛ وتبدي لعلمه.
آخر: ولا زالت قلوب أهل الإيمان من كفالته مؤتلفة، وفرق أهل «1» من بأسه وخوفه مختلفة، وأحوال أهل العناد بجميل تدبيره في استطلاعها واضحة منكشفة. أصدرناها إلى المقرّ الكريم تثني على همّته التي لم تزل على المصالح معتكفة، وتهدي إليه تحية شموسها مشرقة غير منكسفة؛ وتبدي لعلمه.
آخر: ولا زالت سعادته بحكم الأقدار دائمة، والمعدلة بجميل حلمه وصائب رأيه قائمة، والعيون بيمن كفالته في مهاد أمنه نائمة. أصدرناها إلى المقرّ الكريم تهدي إليه تحية طيّبة المسرى، وثناء حسن وصفا وطاب ذكرا، وتبدي لعلمه.
آخر: ولا زال النصر حلية أيامه، وشامة شامه؛ وغمامة ما يحلّق على بلده المحضرّ من غمامه. أصدرناها إلى المقرّ الكريم بسلام لا يرضى حافر جواده الهلال نعلا، ولا يحظى به إلا بلده ونخص منه الشرف الأعلى؛ وتبدي لعلمه.
آخر: وسقى عهده العهاد «2» ، وشفى بعدله العباد، وزان به حسن بلده التي
(7/159)

لم يخلق مثلها في البلاد، وهي إرم ذات العماد. أصدرناها إلى المقرّ الكريم بسلام تسرّ به النفوس، ويطوّق به فضله الجامع وتتحلّى به العروس؛ وتبدي لعلمه.
آخر: ووقى بسور جيوشه الممتنعة ضرر الضّرّاء، وكسر بأسود جنوده ذئاب الأعداء الضّراء، وسبق دهماء الليل وشهباء النهار [وحمراء الشفق] «1» وصفراء الأصيل وشقراء البرق بسابقته الخضراء. أصدرناها إلى المقرّ الكريم بسلام يملأ حدق حدائقه نورا، وقلب عساكره سرورا.
أدعية وصدور (تصلح لكلّ من النائب الكافل، ونائب الشام، ومن في معناهما كالأتابك ونحوه)
دعاء من ذلك: ووصل المسارّ بعلمه الذي لا ينكر، وحلمه الذي يشكر، وحكمه الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. أصدرناها إلى المقرّ الكريم بسلام يسرع إليه، وثناء يرد منّا عليه؛ وتبدي لعلمه.
آخر: ولا زالت الدّول برأيه مقبلة السّعود، مترقّية في الصّعود، مملوءة الرّحاب: تارة تبعث البعوث وتارة تفد عليه الوفود. أصدرناها إلى المقرّ الكريم تهدي إليه من السلام أشرقه نجوما، ومن الثناء أغدقه غيوما؛ وتبدي لعلمه.
آخر: ولا زالت الممالك بآرائه منيرة، وبراياته لأعدائها وأعداء الله مبيرة، وبرؤياه تتضاءل الشموس المشرقة وتخجل السّحب المطيرة. أصدرناها إلى المقرّ الكريم تهدي إليه من السلام درره، ومن الثناء غرره، وتبدي لعلمه.
آخر: ولا برحت آراؤه كالنّجوم بعيدة المدى، قريبة الهدى، متهلّلة كالغمام: للأعداء منها الصّواعق وللأولياء منها النّدى. أصدرناها إلى المقرّ
(7/160)

الكريم بسلام حسن الافتتاح، وثناء كما نظم الوشاح؛ وتبدي لعلمه الكريم.
آخر: ولا برحت آراؤه تنير غياهب الخطوب، وعزائمه تثير سنابك الجياد للجهاد فتظفر من التأييد بكلّ مطلوب، وصوارمه تفتك بالأعداء فتهتك منهم كلّ ستر محجوب. أصدرناها إلى المقرّ الكريم تهدي إليه سلاما أزهى من الزّهر، وأبهى من روض وافى نضارته النظر، وتبدي لعلمه.
آخر: ولا برح التأييد يصحب رايته، والعزم يخدم عزمته، والرّعب يؤمّ طليعته، والظّفر يحكّم في العدو سيفه فلا يستطيع عاصي الحصون عصمته.
أصدرناها إلى المقرّ الكريم تكافي بمزيد الشّكر همّته، وتوافي إليه بثناء واف يحسد المسك نفحته؛ وتنهي لعلمه.
آخر: ولا برحت سيوفه تسيل يوم الرّوع جداولها، وعزائمه تنصر كتائبها وجحافلها، ومنزلته على ممرّ الزمان بين السّماكين منازلها. أصدرناها إلى المقرّ الكريم تثني على محاسنه التي بهرت أوصافها، واختالت في ملابس الحمد أعطافها؛ وتبدي لعلمه.
أدعية وصدور (تصلح لنائب حلب المحروسة)
دعاء من ذلك: ولا زال يعدّ ليوم تشيب منه الولدان، ويعدّ دونه [كلّ محارب] «1» بينه وبين الشّهباء والميدان، ويعمّ حلب من حلى أيامه ما لا يفقد معه إلا اسم ابن حمدان.
فإن كان لقبه سيف الدين، قيل «ويعمّ حلب من حلى أيامه ما لا يفقد معه سيف الدّين إن فقد سيف الدولة بن حمدان. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب
(7/161)

الكريم تهدي إليه سلاما ما مرّ على روض إلا انتهب طيبه نهبا، وثناء تعقد له أعلامه على كتيبته الشّهبا؛ وتوضّح لعلمه» .
آخر: وفتح بسيوفه الفتح الوجيز «1» ، وأحلّ عقائل المعاقل منه في الكنف الحريز، وأعاد به رونق بلد ما جفّت بها زبدة حلب وهو فيها العزيز. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب الكريم بسلام ذهبه لا يذهب، وثناء لا تصلح لغير عقيلة الشهباء قلادة عنبره الأشهب، وتوضّح لعلمه الكريم.
آخر: ولا زالت هممه مطلّة على النّجوم في منازلها، مطاولة للبروق بمناصلها، قائمة في مصالح الدول مقام جحافلها. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب الكريم تهدي إليه سلاما كالدّرر، وثناء طويل الأوضاح والغرر؛ وتبدي لعلمه.
آخر: وأمدّه بعونه، وجمّله بصونه، ولا زال رأيه في النقيضين: لهذا سبب فنانه ولهذا علّة كونه. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب الكريم تهدي إليه سلاما رطيبا، وشكرا يكون على ما تخفي الصدور رقيبا؛ وتوضح لعلمه.
آخر: وأعلى له من الأقدار قدرا، وضاعف لديه من لدنه سرورا وبشرا، ولا أعدم الممالك من عزائمه تأييدا ونصرا. صدرت هذه المكاتبة إلى الباب الكريم تهدي إليه سلاما يفوق الزّهر، ويسابق في سيره الشمس والقمر، وتبدي لعلمه.
آخر: وخصّه بجميل المناقب، ومنحه من المزيد علوّ المراتب، وضاعف لديه من الإيثار شريف المواهب. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب الكريم تهدي إليه سلاما كرم وفوده، وثناء حسن وصفه وعذب وروده؛ وتوضّح لعلمه.
آخر: ولازالت الخواطر تشهد منه صدق المحبّة، والنفوس تتحقّق أنه قد جعل النصيحة لأيامنا الشريفة دأبه. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب الكريم
(7/162)

تهدي إليه سلاما زاكية أقسامه، وثناء كمل عقده واتّسق نظامه؛ وتوضح لعلمه الكريم.
آخر: وزاد عزمه المبارك تأييدا، ومنح نعمه على ممرّ الأوقات مزيدا، وجعل حظّه من كلّ خير سعيدا، وسعده بتجديد الأيام جديدا. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب الكريم تهدى إليه تحية حسن إهداؤها إليه، وثناء يبهج الخواطر وروده عليه؛ وتوضح لعلمه.
آخر: وجعل السعد المؤبّد من مغانمه، وأقامه لإبقاء الخير في معادنه وإثبات العزّ في معالمه. صدرت هذه المكاتبة إلى الباب الكريم تهدي إليه تحية طاب نشرها العاطر، وثناء أبهج ذكره الخاطر؛ وتوضح لعلمه.
آخر: ولا زال بالملائكة منصورا، وبمزيد النّعم مسرورا، وبكلّ لسان موصوفا مشكورا. صدرت هذه المكاتبة إلى الباب الكريم تهدي إليه سلاما يضوع نشره، وثناء يفوح عطره، وتوضح لعلمه.
دعاء وصدر (يصلح لنائب السلطنة بطرابلس)
[ «1» وهو من هذه النّسبة وما يبعد منها.
والدعاء مثل قولنا: وأطاب أيّامه التي ما رقّت على مثلها أسحار، وعدّد في مناقبه العقول التي تحار، وأخذ بنواصي الأعداء بيده لا تنأى بهم البراري المقفرة ولا تحصّنهم البحار.
صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي بسلام وفرت منه أسهمه التي يدرأ بها العدا في نحرها، وثناء مطرب ترقص به الخيل في أعنّتها والسّفن في بحرها.
(7/163)

دعاء آخر وصدر
ولا زالت صفوفه تشدّ بنيان الحرب، وسيوفه تعدّ للقتل وإن قيل للضرب، وسجوفه تجرّ على بلد ما مثله في شرق ولا حصل على غير المسمّى منه غرب.
صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاما يزيد أفقه تزيينا، وثناء يأتيه من فائق الدّرّ بما يستهون معه بالمينا.
دعاء وصدر (يصلح لنائب السلطنة بحماة)
وأتمّ بخدمه كلّ مبرّة، وبهممه كلّ مسرّة، وصان ما وليه أن يكون به غير النهر «العاصي» أو ينسب إليه سوى البلد المعروف «معرّة» .
صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاما تمسح أنديته بالسّحائب، وثناء يأتي به حما حماة وقرونها المنشورة بألويته معقودة الذّوائب.
[ «1» دعاء آخر وصدر
وحمى حماه، وزان موكبه بأحسن حماه، وحسّن كنائن سهامه التي لا يصلح لها غير بلده حماه] .
صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاما تحمله إليه الركائب السائرة، وثناء تشرق منه الكواكب أضعاف ما تريه أفلاك الدواليب الدائرة؛ وتوضح لعلمه.
دعاء وصدر (يصلح لنائب صفد)
وشكر هممه التي وفت، وعزائمه التي كفت، وأعلى به بلدا مذ وليه قيل:
(7/164)

صفد قد صفت. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاما لا تزال شعائره تقام، وثناء مذ هبّ على بلد قيل: إنّ هواءها يشفي الأسقام؛ وتوضح لعلمه.
آخر: ولا زالت مساعيه تسوق إليه الحظوظ [البطيّة] «1» وتقدّم له العلياء مثل المطيّة، وتهنّيه بما خصّ به من صفد وهي العطية؛ [صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاما يحيّيه في محلّه، وثناء يودع في معقله الذي لا تصل أعلى الشوامخ إلا إلى ما سفل من ظلّه] «2» وتوضح لعلمه.
أدعية وصدور (تصلح لكلّ من نوّاب طرابلس وحماة وصفد ومن في معناهم)
دعاء وصدر من ذلك: ولا برح منصور العزمات، مسدّدا في الآراء والحركات، مشيّدا قواعد الممالك بما له من جميل التقدمات. صدرت هذه المكاتبة إلى الباب العالي تهدي إليه سلاما أرجا، وثناء بهجا؛ وتوضح لعلمه.
آخر: ولا زال سيفه ماضيا، وجيده حاليا، وضدّه خاسيا. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاما، وتسدّد لرأيه الصائب سهاما، وتوضح لعلمه.
آخر: ولا زالت آراؤه سعيدة، وتأثيراته حميدة، وسيوفه لرقاب العدا مبيدة.
صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاما يتأرّج، وثناء نشره نشر الثوب المدبّج؛ وتوضح لعلمه.
آخر: ولا زالت آراؤه عالية، وأجياده حالية، ونعم الله عليه متوالية. صدرت
(7/165)

هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه السلام التامّ، والثناء الوافر الأقسام؛ وتوضح لعلمه.
أدعية وصدور (تصلح لنائب الكرك «1» ومن في معناه ممن رتبته المجلس العالي مع الدعاء)
دعاء من ذلك: وأيّد عزمه، وأبّد حزمه، وفوّق «2» إلى نحر العدا سهمه.
صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي تهدي إليه سلاما، وتسدّد لرأيه الصائب سهاما، وتوضح لعلمه.
آخر: ولا زال عاليا قدره، نافذا أمره، جاريا على الألسنة حمده وشكره.
صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي تهدي إليه سلاما، وثناء بسّاما، وتوضح لعلمه.
المهيع الثاني (في بيان مراتب المكتوب إليهم من أهل المملكة، وما يستحقه كلّ منهم من المكاتبات. وهم ثلاثة أنواع)
النوع الأول (أرباب السيوف، وهم على ثلاثة أقسام)
القسم الأول (من هو منهم بالديار المصرية، وهم ستة أصناف)
الصنف الأول (نوّاب السلطنة الشريفة، وهم أربعة نوّاب)
الأول- النائب الكافل
: وهو نائب السلطنة الشريفة بالحضرة. وقد تقدّم في
(7/166)

الكلام على المسالك والممالك في المقالة الثانية أنه أعلى نوّاب السلطان رتبة.
قال في «التثقيف» : وقلّ أن يكاتب إلا إذا كان السلطان مسافرا في غزاة أو سرحة للصيد.
ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التعريف» : أعزّ الله تعالى أنصار الجناب الكريم على ما تقدّم في الدرجة الثانية من الدّرجات العشر «1» قال في «التعريف» : وقد رأيت بعض الكتّاب قد كتب في ألقابه بعد الأميريّ «الآمريّ» .
قال: والكاتب المذكور كاتب صالح في المعرفة وليس بحجّة، وكتابته الآمريّ ليست بشيء، وإنما حمله عليها كثرة الملق. وقد نقل في «التعريف» عن هذا الكاتب أنه كتب في تعريفه «نائب السلطنة وكافل الممالك الشريفة الإسلامية» .
قال: وهو مقبول منه. ثم قال: والذي أراه أن يجمع ذكر النيابة والكفالة في تقليده، فيقال: «أن يقلّد نيابة السلطنة المعظّمة، وكفالة الممالك الشريفة الإسلامية» أو ما هذا معناه، نحو: «وكفالة الممالك الشريفة: مصرا وشاما وسائر البلاد الإسلامية أو الممالك الإسلامية» ونحو ذلك.
فأما في تعريف الكتب، فقد جرت عادة نوّاب الشام أن تقتصر في كتبها إليه على «كافل الممالك الإسلامية المحروسة» . قال: ولعمري في ذلك مقنع وإنّ في الاقتصار عليها ما هو أكثر فخامة. وعليه عمل أكثر الكتّاب بديوان مصر أيضا، ويؤيّده أنهم مقتصرون فيما يكتب باشارته على هذا التعريف، فاعلم ذلك.
ورسم المكاتبة إليه على ما استقر عليه الحال، على ما ذكره في «التثقيف» :
أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم، كما في الدرجة الأولى من الدرجات العشر، والعلامة إليه «أخوه» . وتعريفه: «كافل الممالك الشريفة الإسلامية أعلاها الله تعالى» . قال في «التثقيف» : وإنما كتب له أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ، وزيدت ألقابه على ما كانت عليه لمّا كتب بذلك لنائب الشام في ولاية بيدمر الخوارزميّ «2» ،
(7/167)

وكافل المملكة يومئذ الأمير منجك، فلزم أن يكتب له مثله لئلا يكون نائب الشام مميّزا على كافل السلطنة، على ما سيأتي في الكلام على مكاتبة نائب الشام.
قال في «التعريف» : أما نائب الغيبة، وهو الذي يترك إذا غاب السلطان والنائب الكافل وليس إلّا لإخماد النّوائر «1» وخلاص الحقوق، فحكمه كحكمه في المكاتبة إليه.
الثاني- نائب ثغر الإسكندرية المحروس
: وهو ممن استحدثت نيابته في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين» عند طروق «2» العدوّ المخذول، في سنة سبع وستين وسبعمائة من الفرنج المخذولين.
ورسم المكاتبة إليه: ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي، على ما تقدّم ذكره، إلا أنه لا يقال في ألقابه «الكافليّ» والعلامة الشريفة له «والده» وتعريفه «نائب السلطنة الشريفة بثغر الإسكندرية المحروس» .
واعلم أن بالإسكندرية حاجبا «3» يكاتب عن الأبواب السلطانية. قال في
(7/168)

«التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه: «هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» إن كان طبلخاناه، «1» و «يعلم مجلس الأمير» إن كان عشرة، والعلامة الشريفة «2» له الاسم بكل حال. وتعريفه «الحاجب بثغر الإسكندرية المحروس» .
الثالث- نائب الوجه القبلي
: وقد تقدّم أن مقرّ ولايته مدينة أسيوط «3» ، وأنّ استحداث نيابته كان في الدولة الظاهريّة «برقوق» في سنة ثمانين وسبعمائة.
ورسم المكاتبة إليه: «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي» على ما تقدّم ذكره. ولا يقال فيه «الكافليّ» أيضا، والعلامة الشريفة «والده» وتعريفه «نائب السلطنة الشريفة بالوجه القبليّ» .
(7/169)

الرابع- نائب الوجه البحريّ
: وقد تقدّم أن مقرّ ولايته مدينة دمنهور الوحش «1» من أعمال البحيرة، وأن نيابته استحدثت بعد نيابة نائب الوجه القبليّ، ولذلك لم يتعرض له في «التثقيف» .
ورسم المكاتبة إليه: «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي» كما في نائب الوجه القبليّ. والعلامة الشريفة له «أخوه» وتعريفه «نائب السلطنة الشريفة بالوجه البحريّ» .
الصنف الثاني (الكشّاف) «2»
وقد تقدّم أنه كان قبل استقرار نيابتي الوجهين: القبليّ والبحريّ كاشفان بالوجهين المذكورين: كاشف «3» بالوجه القبليّ، وكاشف»
بالوجه البحريّ. فلما استقر النيابتان، استقرّ بالفيّوم والبهنساوية «5» كاشف، وبالشرقية وما قاربها كاشف؛ وكل منهما أمير طبلخاناه.
ورسم المكاتبة إلى كلّ منهما: «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس
(7/170)

السامي» والعلامة لكلّ منهما الاسم الشريف، وتعريف كاشف الفيوم «الكاشف بالفيّوم والبهنساوية» وتعريف الآخر «الكاشف بالوجه البحريّ» .
الصنف الثالث (الولاة بالوجهين: القبلي والبحريّ)
وكلّ من ولاة الوجهين لا يخرج عن طبلخاناه أو عشرة وما في معناها كالعشرين ونحوها.
فأما الوجه القبلي، ففيه ستة ولاة، منهم ثلاثة طبلخاناه: وهم والي قوص «1» وإخميم «2» ووالي الأشمونين «3» ووالي البهنسا.
ومنهم ثلاثة عشرات: وهم والي الجيزيّة، وكان قبل ذلك طبلخاناه. ووالي إطفيح. ووالي منفلوط، وكان قبل ذلك طبلخاناه، وهو اليوم إمرة عشرين.
وأما الوجه البحري، ففيه سبعة ولاة: منهم ثلاثة طبلخاناه. وهم والي الغربيّة. ووالي المنوفيّة «4» . ووالي الشّرقيّة. وكان بدمنهور وال طبلخاناه قبل استقرارها نيابة.
(7/171)

ومنهم أربعة عشرات، وهم: والي قليوب. ووالي أشموم «1» : وهي الدقهليّة والمرتاحيّة. ووالي دمياط. ووالي قطيا.
ورسم المكاتبة إلى كلّ من ولاة الطبلخاناه منهم: «هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» وإلى كلّ من ولاة العشرات منهم «يعلم مجلس الأمير» والعلامة لكل من الطبلخاناه والعشرات الاسم الشريف، وتعريف كل منهم «والي فلانة» .
الصنف الرابع (من يتوجه من الأبواب السلطانية من الأمراء لبعض الأعمال المتقدّمة الذكر: لكشف الجسور وعمارتها أو لتخضير البلاد أو لقبض الغلال)
قال في «التثقيف» : فمن كان منهم طبلخاناه، فرسم المكاتبة إليه الساميّ بالياء. ومن كان منهم عشرة، فرسم المكاتبة إليه السامي بغير ياء «2» والعلامة للجميع الاسم الشريف. قال: ولا تذكر الوظيفة التي توجّه بسببها، ولا الإقليم الذي هو به.
الصنف الخامس (باقي الأمراء بالديار المصريّة)
وقد رتّبهم في «التعريف» على أربع مراتب:
المرتبة الأولى- مقدّمو الألوف، وقد ذكر أنّ لكبارهم أسوة كبار النّواب بالممالك الشامية، كالشام وحلب. ولأوسطهم [أسوة أوسطهم] «3» كحماة
(7/172)

وطرابلس وصفد. ولأصغرهم أسوة أصغرهم، كغزّة وحمص. ثم قال: فاعلم ذلك وقس عليه. ثم قال بعد ذلك: والذي نقوله أن لكبار المقدّمين بالأبواب السلطانية «الجناب الكريم» [ثم الجناب العالي] «1» ثم «المجلس العالي» .
وهذا على ما كان في زمانه؛ أما على ما استقرّ عليه الحال آخرا، فإنه يكون لكبارهم «المقرّ الكريم» كما يكتب للأتابك الآن، ثم «الجناب الكريم» ثم «الجناب العالي» ثم «المجلس العالي» .
المرتبة الثانية- الطّبلخانات. قد ذكر أن منهم من يكتب له «المجلس العالي» كمن يكون معيّنا للتّقدمة، وله عدّة ثمانين فارسا أو سبعين فارسا أو نحو ذلك، وكالمقرّبين من الخاصكيّة «2» ، أو من له عراقة نسب كبقايا الملوك، أو أرباب وظائف جليلة: كحاجب كبير، أو إستدّار «3» جليل، أو مدبّر دولة «4» لم
(7/173)

يصرّح له بالوزارة، أودوادار «1» متصرّف. ثم قال: وهؤلاء وإن كتب لهم بالمجلس العالي، فإنه يكتب لهم بغير افتتاح بالدعاء، والكتابة لهم بالعالي على سبيل العرض لا الاستحقاق، وإلا فأجلّ رسم مكاتبة أمراء الطبلخاناه «الساميّ» بالياء ولجمهورهم «السامي» بغير ياء.
المرتبة الثالثة- العشرات. وذكر أن لكل منهم «مجلس الأمير» ، ثم قال:
فإنّ زيد قدر أحد لسبب ما، كتب له «المجلس السامي» بغير الياء.
المرتبة الرابعة- مقدّمو الجند. وقد ذكر أن لهم أسوة أمراء العشرات في المكاتبة. ثم قال: وأما الجند، فالأمير الأجلّ. وأما جند الأمراء فالطّواشي «2» وكأنه يريد ما إذا كتب بسببهم مكاتبة أو كتب لأحد منهم توقيع، وإلا فالجند لا يكاتب أحد منهم عن الأبواب السلطانية حتّى ولا نوّاب القلاع بالشام، كما سيأتي ذكره هناك إن شاء الله تعالى.
(7/174)

الصنف السادس (العربان بالديار المصرية وبرقة)
وقد تقدّم الكلام عليه مستوفى في الكلام على أنساب العرب، فيما يحتاج إليه الكاتب في المقالة الأولى. وقد ذكر في «التعريف» أن العرب بمصر في الوجهين القبليّ والبحريّ جماعات كثيرة وشعوب وقبائل. ثم قال: ولكنهم على كثرة أموالهم «1» واتساع نطق جماعاتهم، ليسوا عند السلطان في الذّروة ولا السّنام، إذ كانوا أهل حاضرة وزرع، ليس منهم من ينجد ولايتهم، ولا يعرق ولا يشئم، ولا يخرجون عن حدود الجدران، وعلى كل حال
فالمندل «2» الرطب في أرجائه حطب.
ثم قد قسّم منازلهم إلى الوجه القبليّ والوجه البحري، وذكر أن بكل من الوجهين من يكاتب عن الأبواب السلطانية.
الضرب الأوّل (عرب البحيرة)
قال في «التعريف» : وأمراؤهم «3» عرب الديار المصرية. قال: وهم أشبه
(7/175)

القوم بالتخلّق بخلائق العرب في الحلّ والتّرحال، يغربون إلى القيروان وقابس «1» ، ويفدون على الحضرة السلطانية وفود أمثالهم من أمراء العرب. وذكر أن الإمرة فيهم في زمانه، كانت في محمد بن أبي سليمان وفائد بن مقدّم «2» وقال:
إنّ رسم المكاتبة إلى كلّ منهما: «هذه المكاتبة إلى المجلس السامي، الأمير» والعلامة السلطانية «أخوه» ولم يتعرّض لتعريفهما، والذي يظهر أن تعريف كلّ منهما اسمه.
أما بعده، فقد تغيّرت تلك الأحوال، وتناقصت رتبة عرب البحيرة، وزالت الإمرة عنهم، ولم يبق فيهم إلا مشاع عربان ذو وأموال جمّة، كان منهم في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين» رحاب، وموسى بن خضر، وأولاد بدران الغريني، ومن جرى مجراهم، ثم صار اليوم بها «3» بن رحاب، وخضر بن موسى.
الضرب الثاني (عرب الشّرقية)
وقد ذكر في «التعريف» : أنه كان في زمانه منهم نجم بن هجل شيخ عائد «4» وذكر أنه دون محمّد بن أبي سليمان وفائد بن مقدّم «5» : أميري عرب
(7/176)

البحيرة. ثم قال: ورسم المكاتبة إليه: «هذه المكاتبة إلى المجلس السامي الأمير» .
قلت: ثم تغيرت الأحوال بعد ذلك وصارت رياسة عرب الشرقية متداولة في جماعة، إلى أن كان منهم في الدلة الظاهرية «برقوق» محمد بن عيسى أمير «1» وأولادهم، وكانت الإمرة فيهم أوّلا في «2» ثم قتل بسيف السلطان في الدولة الناصرية «فرج بن برقوق» واستقرّ مكانه ... «3»
وأما عرب الوجه القبليّ، فقد ذكر في «التعريف» أنه كان منهم في زمانه نفران: أحدهما ناصر الدين عمر بن فضل. وذكر أنّ رسم المكاتبة إليه «هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» أيضا. وثانيهما سمرة بن مالك «4» قال: وهو ذو عدد جمّ، وشوكة منكية، يغزو الحبشة وأمم السّودان، ويأتي بالنّهاب والسّبايا؛ وله أثر محمود، وفعل مأثور. وفد على السلطان وأكرم مثواه، وعقد له لواء وشرّف بالتشريف، وقلّد ذلك، وكتب إلى ولاة الوجه القبليّ عن آخرهم وسائر العربان به بمساعدته ومعاضدته، والركوب للغزو معه متى أراد. وكتب له منشور بما يفتح من البلاد، وتقليد بإمرة العربان القبلية مما يلي قوص إلى حيث تصل غايته «5» ثم قال: ورسم المكاتبة إليه «السامي الأمير» كمن تقدّم.
قلت: ثم كان بعد ذلك عدد من أمراء العربان، كان آخرهم أبو بكر بن الأحدب. ثم لما انتقلت هوّارة «6» إلى الوجه القبلي، صارت الإمرة فيهم في
(7/177)

الصعيد الأدنى، في بني غريب، وأميرهم الآن «1» وفي الصعيد الأعلى في بني عمر، وأميرهم محمد بن عمر، ورسم المكاتبة إلى كل منهما ... «2»
وأما عرب برقة، فقد ذكر في «التعريف» أنه لم يبق منهم في زمانه من يكاتب إلا جعفر بن عمر»
، وأنه كان لا يزال بين طاعة وعصيان، ومخاشنة وليان؛ وأن أمراء عرب البحيرة كانت تغري به، وتغيّر خاطر السلطان عليه، وأنّ الجيوش كانت تمتدّ إليه، وقلّ أن ظفرت منه بطائل، أو رجعت بمغنم إن أصابته نوبة من الدّهر. وكان آخر أمره أنه ركب طريق الواح «4» حتّى خرج من الفيّوم، وطرق باب السلطان لائذا بالعفو، ولم يسبق به خبر، ولم يعلم السلطان به حتّى استأذن المستأذن عليه وهو في جملة الوقوف بالباب؛ فأكرم أتمّ الكرامة، وشرّف بأجل التشاريف، وأقام مدّة في قرى الإحسان وإحسان القرى. وأهله لا يعلمون بما جرى، ولا يعرفون أين يمّم، ولا أيّ جهة نحا، حتّى أتتهم وافدات البشائر. وقال له السلطان: لأيّ شيء ما أعلمت أهلك بقصدك إلينا؟ قال: خفت أن يقولوا:
يفتك بك السلطان، فأتثبّط. فاستحسن قوله، وأفاض عليه طوله؛ ثم أعيد إلى
(7/178)

أهله، فانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء، ولا رثى له صاحب، ولا شمت به عدوّ.
النوع الثاني (ممن يكاتب عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية أرباب الأقلام، وهم على ضربين:)
الضرب الأوّل (أرباب الدّواوين من الوزراء ومن في معناهم)
قال في «التعريف» ولم تزل مكاتبة أجلاء الوزراء ب «المجلس العالي» . ثم كتب لآخرهم بالديار المصرية «الجناب العالي» . وكتبت بالشام للصاحب عزّ الدين أبي يعلى، حمزة بن القلاقسيّ «1» رحمه الله، لجلالة قدره، وسابقة خدمه، وعناية من كتب إليه بها. ثم قال: والذي استقر عليه الحال للوزير بمصر «الجناب» . أما من يجري مجرى الوزراء ولا صريح له بها: مثل ناظر الخاصّ «2» ، وكاتب السّر، وناظر الجيش، وناظر الدّولة، وكتّاب الدّست، ف «الساميّ» بالياء، ومن دون هؤلاء فبغير ياء؛ ثم «مجلس القاضي أو الصّدر» .
قلت: وكأنه يريد ألقاب هؤلاء في الجملة، إما في مكاتبة تكتب بسبب أحد منهم، وإما في توقيع ونحوه يكتب لأحدهم؛ وإلا فمن ذكره من الأصاغر لا
(7/179)

يكاتب عن الأبواب السلطانية عادة. والذي صرح في «التثقيف» بذكر المكاتبة إليه من هذا الضرب نفران:
الأوّل- كاتب السرّ إذا تخلّف عن الرّكاب السلطانيّ لعارض. وذكر أن رسم المكاتبة إليه: «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي» على ما تقدّم ذكره، والعلامة «أخوه» وتعريفه «صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة» .
الثاني- ناظر الخاصّ الشريف. وذكر أن رسم المكاتبة إليه على ما استقرّ عليه الحال في أيّام ابن نقولا «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي» على ما تقدّم ذكره، والعلامة «الاسم» وتعريفه «ناظر الخواصّ الشريفة» .
قلت: ولم يتعرّض لمكاتبة الوزير، إنما ذكر ألقابه في الألقاب العامّة مما يكتب في الولايات وغيرها، ولا يستغنى عن ذكر المكاتبة إليه؛ وقد تقدّم في كلام صاحب «التعريف» أن الذي استقر عليه الحال في المكاتبة إليه «الجناب العالي» ولم يعيّن صورة الدعاء له. والذي ذكره في «التثقيف» في ألقابه أن الدعاء له «ضاعف الله تعالى نعمته» وحينئذ فتكون المكاتبة إليه إن كتب إليه «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي» بالألقاب السابقة.
الضرب الثاني (أرباب الوظائف الدينية والعلماء)
قد ذكر في «التعريف» أن كلّا من قضاة القضاة بمصر يكتب له «المجلس العالي» والمحتسب بها «1» يكتب له ب «الساميّ» بالياء، ومن دونهم
(7/180)

من أرباب الوظائف الدينية وبقية العلماء وأكابرهم: «السامي» بغير ياء، ومن دونهم «مجلس القاضي» أو «الشيخ» بحسب ما يليق به. وكأنه يريد مطلق الألقاب كما تقدّم في غيره، وإلا فهؤلاء لا يكاتبون عن الأبواب السلطانية. ولم يذكر في «التثقيف» مكاتبة لأحد من أرباب الوظائف الدينية سوى قاضي القضاة تاج الدين الإخنائي «1» المالكي، وقد حجّ في سنة سبع وستين «2» وسبعمائة في الدولة الناصرية «حسن» «3» ، جوابا عما ورد منه، وكتب له الدعاء و «المجلس العالي» . والعلامة الاسم. قال: وأما قاضي القضاة عزّ الدين بن جماعة «4» فإنه كان يحجّ ويجاور كثيرا، ولكني لم أره كتب له قطّ، وأنا شاكّ في أمره.
قلت: رأيت في «إيقاظ المتغفّل» «5» لابن المتوّج، أنه كتب إليه وهو
(7/181)

مجاور بمكة: «أعز الله تعالى أحكام المجلس العالي» ولم يتعرّض للعلامة، والظاهر أن العلامة له «أخوه» ، ويكون التعريف «قاضي القضاة الشافعية أو المالكية بالديار المصرية» .
النوع الثالث (ممن يكاتب عن الأبواب السلطانية ممّن بالديار المصريّة الخوندات «1» السلطانية: من زوجات السلطان وأقاربه ممن تدعو الضرورة إلى مكاتبته لسفره أو لسفر السلطان)
وقد ذكر في «التثقيف» منهنّ جماعة، نذكرهنّ ليكنّ أنموذجا لمن يكون في معناهنّ.
الأولى- ابنة المقام الشريف الشهيد الناصريّ «محمد بن قلاوون» لمّا كانت بحلب مع زوجها أبي بكر بن أرغون، كتب إليها ما صورته: «الذي يحيط به علم الحرمة الشريفة، العالية، المصونة، الولدية، عصمة الدين، جلال النساء، شرف الخواتين «2» ، سليلة الملوك والسلاطين، ضاعف الله تعالى جلالها» والعلامة «والدها» وتعريفها «الدار السيفيّة بحلب» والأسطر متقاربة كالملطف.
الثانية- طغاي زوجة المقام الشريف الناصريّ المشار إليه، المعروفة بأمّ أنوك، كتب إليها لما توجّهت إلى الحجاز الشريف: «ضاعف الله تعالى جلال
(7/182)

الجهة الشريفة، العالية، المعظّمة، المحجّبة، المصونة الكبرى خوند خاتون؛ جلال النساء في العالمين، سيدة الخواتين، قرينة الملوك والسلاطين» . ثم الدعاء، والعلامة الاسم الشريف، وتعريفها «والدة المقرّ الكريم الولديّ السيفيّ أنوك» : والأسطر على ما تقدّم في المكاتبة السابقة.
الثالثة- أخت المقام الشريف الناصر حسن جهة الأمير طاز، كتب لها لما كانت بالحجاز الشريف: «ضاعف الله تعالى جلال الجهة الشريفة العالية الكريمة المحجّبة المصونة الكبرى الخاتون، جلال النساء في العالمين، جميلة المحجّبات، جليلة المصونات، كريمة الملوك والسلاطين، والعلامة «أخوها» .
الرابعة- الحاجّة السّتّ حدق. كتب لها وهي بالحجاز الشريف عن الناصر حسن: «ضاعف الله تعالى جلال الجهة الشريفة العالية الكبيرية المحجّبية المصونية الحاجّيّة الوالدية، جلال النساء في العالمين، بركة الدولة، والدة الملوك والسلاطين» . ثم الدعاء والعلامة الاسم الشريف؛ وتعريفها «الحاجّة ست حدق» .
الخامسة- والدة السلطان الملك الأشرف «شعبان بن حسين» . كتب إليها عند توجّهها للحجاز الشريف: «ضاعف الله تعالى جلال الجهة الشريفة» . ثم قال: وقد كنت أنكرت ذلك: لأنه كان يعظمها كثيرا ويقبل يديها غالبا، فكان يمكن أن يكتب لها بتقبيل اليد.
قلت: وصورة المكاتبة على ما رأيته في بعض الدساتير «1» : «ضاعف الله
(7/183)

تعالى جلال حجاب الجهة الشريفة العالية الكبرى، المعظّمة المحجّبة العصميّ الخاتونيّ، جلال النساء في العالمين، سيدة الخواتين، جميلة المحجّبات، جليلة المصونات، والدة الملوك والسلاطين» ثم الدعاء، وكانت الكتابة لها في ورق دمشقيّ في قطع الفرخة بالطول كاملة بقلم الثلث الخفيف أو التوقيع.
القسم الثاني (من يكاتب بالممالك الشامية، وهم أربعة أنواع)
النوع الأوّل (أرباب السيوف من النّواب الكفّال وأتباعهم، وهي ثمان نيابات)
النيابة الأولى (نيابة دمشق، المعبّر عنها في عرف الزمان بالمملكة الشامية) والمكاتبون بها عن الأبواب السلطانية ضربان:
الضرب الأوّل (من بمدينة دمشق، وهم ثلاثة)
الأوّل- كافل السلطنة بها
، وهو من أكابر مقدّمي الألوف. وكان رسم المكاتبة إليه على ما أورده المقر الشّهابيّ بن فضل الله في «التعريف» : «أعز الله تعالى نصرة الجناب الكريم» . قال في «التثقيف» : ولم تزل المكاتبة إليه كذلك من بعد الدولة الشّهيدية الناصرية محمد بن قلاوون إلى آخر سنة خمس وسبعين وسبعمائة، واستقرّ الأمير بيدمر الخوارزمي نائب السلطنة بها في ولايته الثالثة، في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين» فاستقرّ رسم المكاتبة إليه: «أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم» على الرسم المتقدّم، والعلامة الشريفة إليه «أخوه» وتعريفه «نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس» . قال في «التثقيف» : «أو كافل المملكة الشامية المحروسة» ولا يقال في نعوته: كافل السلطنة.
الثاني- نائب قلعة دمشق
. ورسم المكاتبة إليه «صدرت هذه المكاتبة إلى
(7/184)

المجلس العالي» على ما تقدّم رسمه. والعلامة «والده» . قال في «التثقيف» :
ثم استقرّت المكاتبة إليه «الساميّ» بالياء: لأنه طبلخاناه، والعلامة الشريفة له الاسم. وتعريفه «نائب القلعة المنصورة بدمشق المحروسة» .
الثالث- حاجب الحجّاب «1» بها
. ورسم المكاتبة إليه. «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي» على ما تقدّم رسمه، والعلامة الشريفة له «والده» وتعريفه «أمير حاجب بالشام المحروس» .
الضرب الثاني (من بأعمال دمشق «2» من نوّاب المدن والقلاع، وهم خمسة نوّاب)
الأوّل- نائب حمص، قال في «التثقيف» : كان يكتب إليه نظير نائب الكرك، يعني «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي» والعلامة الشريفة له «والده» لمّا كان من مقدّمي الألوف بالشام، ثم استقرّ من أمراء الطبلخاناه، واستقرّت مكاتبته «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» فيما أظن؛ وقد
(7/185)

تقدّم رسمها. والعلامة الشريفة له الاسم الشريف، وتعريفه «النائب بحمص المحروسة» .
الثاني- نائب الرّحبة «1» وقد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك أنه كان من حقّها أن تكون من مضافات حلب. ورسم المكاتبة إليه «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي» على ما تقدّم رسمه. والعلامة الشريفة له «والده» وتعريفه «النائب بالرحبة» .
الثالث- نائب بعلبك «2» قال في «التثقيف» إن كان من أمراء الطبلخاناه فمكاتبته «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» والعلامة له الاسم الشريف. وإن كان من العشرات، فالمكاتبة إليه «يعلم مجلس الأمير» والعلامة له الاسم الشريف وتعريفه «النائب ببعلبكّ المحروسة» .
الرابع- نائب مصياف «3» وقد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك أنها كانت مضافة إلى طرابلس في جملة قلاع الدّعوة «4» ، ثم استقرّت في مضافات الشام. ورسم المكاتبة إليه «هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» والعلامة الشريفة له الاسم الشريف.
الخامس- نائب القدس الشريف. وهو ممن استحدثت نيابته في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين» في سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وكانت قبل ذلك
(7/186)

ولاية وهو طبلخاناه، وربما أضيف إليه نظر الحرمين: حرم القدس، وحرم الخليل عليه السّلام. ورسم المكاتبة إليه «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي» .
والعلامة «والده» وتعريفه «النائب بالقدس الشريف» .
قال في «التثقيف» : وكان قد استقرّ بأماكن تذكر من البلاد الشامية نوّاب، واستقرّت مكاتبة كلّ منهم: إن كان مقدّما «صدرت» و «العالي» والعلامة «والده» . وإن كان طبلخاناه «الساميّ» بالياء والعلامة الاسم الشريف. وهي تدمر، والسّخنة، والقريتان، وسلمية «1» قال: ثم بطل ذلك. ثم قال: ومن النّوّاب بالقلاع الشاميّة جماعة لم تجر لهم عادة بمكاتبة عن المواقف الشريفة، ولا تصدر ولايتهم من الأبواب الشريفة، بل نائب الشام مستقلّ بذلك. وهم، نائب عجلون، ونائب صرخد، ونائب الصّبيبة، ونائب شقيف أرنون «2» قال: وممن كتب إليه أيضا وليس بنائب ولا وال جمال الدين يوسف شاه الأتابك بمصياف في سنة أربع وسبعين وسبعمائة على يد نافع بن بدران. ورسم ما كتب به إليه «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي» وكتب في ألقابه «الأتابكيّ» وكتب تعريفه «يوسف شاه الأتابك» . قال: والظاهر أن العلامة «والده» .
(7/187)

النيابة الثانية (نيابة حلب)
والمكاتبون بها عن الأبواب السلطانية أيضا على ضربين
الضرب الأوّل (من بمدينة حلب، وهم ثلاثة)
الأوّل- النائب بها
. وهو من أكابر مقدّمي الألوف. ورسم المكاتبة إليه «أعزّ الله تعالى نصرة الجناب الكريم» على ما تقدّم رسمه. والعلامة الشريفة له «أخوه» وتعريفه «نائب السّلطنة الشريفة بحلب المحروسة» .
الثاني- نائب القلعة بها
. ورسم المكاتبة إليه «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» على ما تقدّم رسمه. والعلامة له الاسم الشريف. وتعريفه «نائب القلعة المنصورة بحلب المحروسة» .
الثالث- حاجب الحجّاب بها
. ورسم المكاتبة إليه «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي» . والعلامة «والده» وتعريفه «أمير حاجب بحلب المحروسة» .
الضرب الثاني (من بأعمال حلب من النوّاب، وهم أحد وعشرون نائبا)
الأوّل- نائب البيرة
«1» ورسم المكاتبة إليه «المجلس العالي» . والعلامة الشريفة «والده» وتعريفه «النائب بالبيرة المحروسة» .
(7/188)

الثاني- نائب قلعة المسلمين المعروفة بقلعة الرّوم
«1» ورسم المكاتبة إليه والعلامة كذلك «2» وتعريفه «النائب بقلعة المسلمين المحروسة» .
الثالث- نائب ملطية
«3» ، ورسم المكاتبة إليه والعلامة الشريفة كذلك، وتعريفه «النائب بملطية المحروسة» .
الرابع- نائب طرسوس
«4» ورسم المكاتبة إليه «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي» والعلامة «والده» وتعريفه «النائب بطرسوس» .
الخامس- نائب أذنة
«5» ورسم المكاتبة إليه والعلامة له كذلك، وتعريفه «النائب بأذنة المحروسة» .
(7/189)

السادس- نائب الأبلستين
«1» ورسم المكاتبة إليه والعلامة الشريفة له كذلك، وتعريفه «النائب بالأبلستين المحروسة» .
السابع- نائب بهسنى
«2» ورسم المكاتبة إليه «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» والعلامة له «والده» وتعريفه «النائب ببهسنى المحروسة» .
قال في «التثقيف» : ولم يعلّم لأحد من أرباب السيوف قديما «والده» مع «الساميّ» بالياء غيره.
الثامن- نائب آياس
»
وهو المعبّر عنه بنائب الفتوحات الجاهانيّة. قال في «التثقيف» : إن كان مقدّما فالمكاتبة إليه بنسبة مكاتبة نائب البيرة، فيكون رسم المكاتبة إليه «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي» والعلامة «والده» .
وإن كان طبلخاناه فيكون «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» والعلامة
(7/190)

الاسم، وتعريفه بكل حال «النائب بآياس» أو «النائب بالفتوحات الجاهانيّة المحروسة» .
التاسع- نائب جعبر
«1» ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التثقيف» «وهذه المكاتبة إلى المجلس السامي» والعلامة الاسم، وتعريفه «النائب بقلعة جعبر المحروسة» .
العاشر- نائب عينتاب
«2» ورسم المكاتبة إليه على ما في «التثقيف» «يعلم مجلس الأمير» والعلامة الاسم، وتعريفه «النائب بعينتاب المحروسة» .
قال في «التثقيف» : ورأيت بخطّ القاضي ناصر الدين بن النّشائي أن مكاتبته الاسم و «السامي» بغير ياء. ثم قال: وما تقدّم هو ما استقرّ عليه الحال آخرا. قال: وقد يكون ذلك لأنه كان بها أمير طبلخاناه، وتعريفه «النائب بعينتاب» .
الحادي عشر- نائب درندة
. قال في «التثقيف» : إن كان طبلخاناه ف «السامي» بغير ياء، وإن كان عشرة ف «مجلس الأمير» والعلامة الاسم بكل حال، وتعريفه «النائب بدرندة» .
الثاني عشر- ناب القصير
«3» . قال في «التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه «يعلم مجلس الأمير» والعلامة الاسم، وتعريفه «النائب بالقصير» .
(7/191)

الثالث عشر- نائب الرّاوندان
«1» ورسم المكاتبة إليه كمثل نائب القصير، وتعريفه «النائب بالرّاوندان» .
الرابع عشر- نائب الرّها
«2» . قال في «التثقيف» : جرت العادة أن يكون نائبها طبلخاناه، فتكون مكاتبته «السامي» بغير ياء، والعلامة الاسم. ثم قال:
وقد استقرّ في الأيام المنصوريّة في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة مقدّم ألف، فقد يكتب إليه نظير نائب البيرة وقلعة المسلمين، يعنى فتكون مكاتبته «صدرت» و «العالي» . والعلامة «والده» وتعريفه بكل حال «النائب بالرّها» .
الخامس عشر- نائب شيزر
«3» وقد ذكر في «التثقيف» أن مكاتبته «هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» فتكون العلامة الاسم، وتعريفه «النائب بشيزر» .
السادس عشر- نائب كركر
«4» ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التثقيف» «يعلم مجلس الأمير» فتكون العلامة الاسم، وتعريفه «النائب بكركر» .
السابع عشر- نائب الكختا
«5» ورسم المكاتبة إليه كذلك، وتعريفه «النائب بالكختا» .
(7/192)

الثامن عشر- نائب بغراس
«1» ورسم المكاتبة إليه كذلك، وتعريفه «النائب ببغراس» .
التاسع عشر- نائب الشّغر وبكاس
«2» . ورسم المكاتبة إليه كذلك، وتعريفه «النائب بالشّغر وبكاس» .
العشرون- نائب الدّربساك
«3» . ورسم المكاتبة إليه كذلك، وتعريفه «النائب بالدّربساك» .
الحادي والعشرون- نائب إسفندكار
«4» . ذكر في «التثقيف» أن رسم المكاتبة إليه كذلك. ثم قال في «التثقيف» لكنّي رأيت بخط القاضي ناصر الدين ابن النّشائي أن مكاتبته الاسم و «السامي» بغير ياء، يعني «هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» . قال: وما يبعد أنه كان إذ ذاك طبلخاناه. والمستقرّ عليه الحال ما تقدّم.
قلت: وقد ذكر في «التثقيف» ستّ قلاع استجدّت مكاتبة نوّابها بعد ذلك، ولم يذكر رسم المكاتبة إليه: وهم نائب حجر شغلان، ونائب كومي، ونائب قلعة كولاك، ونائب قلعة باري كروك، استجدّت مكاتبته في سنة ستين وسبعمائة، ونائب قلعة كاورّا، استجدّت مكاتبته في سنة تسع وستين وسبعمائة، ونائب كرزال، استجدّت مكاتبته في سنة سبع وسبعين وسبعمائة. ولم يذكر رسم
(7/193)

المكاتبة إليهم. والذي يظهر أن رسم المكاتبة إلى كل منهم «يعلم مجلس الأمير» والعلامة الاسم، والتعريف «النائب بفلانة» . وحينئذ فيكون المكاتبون من نوّاب أعمال حلب سبعة وعشرين نائبا.
النيابة الثالثة (نيابة طرابلس) «1»
والمكاتبون بها عن الأبواب السلطانية أيضا على ضربين:
الضرب الأوّل (من بمدينة طرابلس، وهم اثنان)
الأوّل- نائب السلطنة بها
؛ ورسم المكاتبة إليه: «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي» على الرسم المتقدّم. والعلامة «والده» وتعريفه «نائب السلطنة الشريفة بطرابلس المحروسة» .
الثاني- الحاجب بطرابلس
. ورسم المكاتبة إليه «صدرت» و «العالي» . والعلامة «والده» وتعريفه «أمير حاجب بطرابلس المحروسة» .
وليس بطرابلس قلعة «2» فيكتب إلى نائبها.
(7/194)

الضرب الثاني (من بأعمال طرابلس من النوّاب، وهم صنفان)
الصنف الأوّل (نوّاب قلاع نفس طرابلس، وهم سبعة نوّاب)
الأوّل- نائب اللاذقيّة
«1» ورسم المكاتبة إليه «السامي» بغير ياء.
والعلامة الاسم، وتعريفه «النائب باللاذقيّة» .
الثاني- نائب صهيون
«2» ورسم المكاتبة إليه «يعلم مجلس الأمير» .
والعلامة الاسم، وتعريفه «النائب بصهيون» .
الثالث- نائب حصن الأكراد
«3» ورسم المكاتبة إليه كذلك، وتعريفه «النائب بحصن الأكراد» .
الرابع- نائب بلاطنس
«4» . ورسم المكاتبة إليه كذلك، وتعريفه «النائب ببلاطنس» .
الخامس- نائب المرقب
«5» . ورسم المكاتبة إليه كذلك.
(7/195)

السادس- نائب حصن عكّار
«1» . ورسم المكاتبة إليه كذلك، وتعريفه «النائب بحصن عكّار» .
الصّنف الثاني (نوّاب قلاع الدّعوة المضافة إلى طرابلس)
وهي: قلاع الإسماعيلية الذين يسمّون أنفسهم بأصحاب الدعوة الهاديّة.
وكانت سبع قلاع فأضيفت مصياف منها إلى دمشق على ما تقدّم في الكلام على المسالك والممالك؛ وبقي من مضافات طرابلس ستّ قلاع، وهي الكهف، والمينقة، والعلّيقة، والقدموس، والخوابي، والرّصافة. ومكاتبة كلّ منهم «يعلم مجلس الأمير» والعلامة الاسم. وتعريف كلّ منهم «النائب بفلانة» .
النيابة الرابعة (نيابة حماة)
والمكاتبون بها ضرب واحد بمدينة حماة خاصّة، وهما اثنان:
الأوّل- نائب السلطنة بها
. وقد تقدّم في أول هذا الطّرف أنها كانت بيد بقايا بني أيّوب، يطلق عليهم فيها لفظ السلطنة، يتولّونها من ملوك مصر إلى أن كان آخرهم الأفضل محمد بن المؤيّد عماد الدين إسماعيل في الدولة الناصرية محمد ابن قلاوون، ثم صارت نيابة بعد ذلك يتداولها النوّاب نائبا بعد نائب. ورسم المكاتبة إلى نائبها «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي» والعلامة «والده» وتعريفه «نائب السلطنة الشريفة بحماة المحروسة» .
الثاني- الحاجب بها
. ورسم المكاتبة إليه «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» . والعلامة الاسم، وتعريفه «الحاجب بحماة المحروسة» .
(7/196)

قال في «التثقيف» : ولم يكن بها قلعة فيكتب إلى نائبها. قلت: وليس بأعمالها نوّاب فيكتب إليها إنما بها ولاة يكاتبون عن نوّابها.
النيابة الخامسة (نيابة صفد) «1»
والمكاتبون بها ضرب واحد أيضا، وهم من بالمدينة خاصّة وهم ثلاثة:
الأوّل- نائب السلطنة بها
. ورسم المكاتبة إليه «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي» . والعلامة «والده» . وتعريفه «نائب السلطنة الشريفة بصفد المحروسة» .
الثاني- الحاجب بها
. ورسم المكاتبة إليه «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» . والعلامة الاسم. وتعريفه «الحاجب بصفد المحروسة» .
الثالث- نائب القلعة بها
. ورسم المكاتبة إليه «هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» . والعلامة الاسم. وتعريفه «نائب القلعة المنصورة بصفد المحروسة» .
قلت: ولم يكن بأعمالها نوّاب فيكاتبون عن الأبواب السلطانية، بل بها ولاة يكاتبون عن نائبها خاصّة كما تقدّم في حماة.
النيابة السادسة (نيابة غزّة)
والمكاتبون بها أيضا ضرب واحد، وهم من بالمدينة خاصّة، وهما اثنان:
(7/197)

الأول- النائب بها
. وقد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك أنه إن اجتمع له البلاد الساحليّة والجبليّة، عبّر عنه بنائب السلطنة؛ وإن قصر أمره على البلاد الساحلية فقط، عبّر عنه بمقدّم العسكر وكان تحت أمر نائب دمشق. وبكل حال فإنّ رسم المكاتبة إليه «أدام الله تعالى نعمة الجناب العالي» والعلامة «والده» . ثم إن أضيف له الجهتان قيل في تعريفه «مقدّم العسكر المنصور بغزّة» .
الثاني- الحاجب بها
. ورسم المكاتبة إليه «يعلم مجلس الأمير» .
والعلامة الاسم، وتعريفه «الحاجب بغزّة المحروسة» .
قلت: وليس بعملها نوّاب، بل ولاة يكاتبون عن نائبها أو مقدّم العسكر بها. إلا أنه قد استحدث في أواخر الدولة الظاهرية «برقوق» مكاتبة كاشف الرّملة، واستقرّت مكاتبته «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» . والعلامة الاسم، وتعريفه «الكاشف بالرّملة» .
النيابة السابعة (نيابة الكرك) «1»
والمكاتبون بها من بالمدينة خاصّة، وهما اثنان:
الأول- نائب السلطنة بها
. ورسم المكاتبة إليه «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي» . والعلامة والده، وتعريفه «نائب السلطنة الشريفة بالكرك» .
الثاني- والى القلعة بها
. ورسم المكاتبة إليه «هذه المكاتبة إلى المجلس السامي» . والعلامة الاسم، وتعريفه «والي القلعة المنصورة بالكرك المحروس» .
(7/198)

قلت: ولم يكن بها حاجب يكاتب ولا بأعمالها نوّاب، بل ولاة يكاتبون عن النائب بها خاصّة.
النيابة الثامنة (نيابة سيس) «1»
وقد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك أنها مما استجدّ فتحه في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين» . وقد ذكر في «التثقيف» أن مكاتبة النائب بها كانت «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي» كنائب طرابلس ومن في معناه. ثم قال: وقد صحّ لي بعد هذا أنه استقرّت مكاتبته نظير غزّة. وهي «أدام الله تعالى نعمة الجناب العالي» . والعلامة حينئذ «والده» ، وتعريفه «مقدّم العسكر المنصور بغزة» «2» وما ذكره آخرا هو المستقرّ عليه الحال إلى آخر وقت. قال في «التثقيف» : ولم أطّلع على مكاتبة الحاجب بها. ثم قال: وما يبعد أن يكون «مجلس الأمير» لأنه فيما أظنّ أمير عشرة. قال: وإن كان طبلخاناه، فالاسم و «السامي» بغير ياء إن كتب إليه. ولم يكن بها نائب قلعة كما ذكره في الكلام على نوّاب القلاع.
قلت: وهنا أمران أشار إليهما في «التثقيف» ينبغي التّنبّه لهما.
أحدهما- أن القاعدة فيمن عدا أكابر النواب: كنوّاب القلاع والحجاب ونحوهم أنّ المكتوب إليه إن كان مقدّما ف «والده» و «صدرت» و «العالي» .
وإن كان طبلخاناه فالاسم و «السامي» بغير ياء. وإن كان عشرة، فالاسم و «مجلس الأمير» . وحينئذ فلا يتوقف مع المكاتبات السابقة، بل ينظر من هو
(7/199)

مستقرّ في ذلك الوقت ويكتب إليه بما تقتضيه رتبته، فإنه تارة تكون عادة تلك النيابة طبلخاناه ثم تستقرّ عشرة وبالعكس، وتارة تكون طبلخاناه يستقرّ فيها مقدّم ألف وبالعكس. والعبرة في ذلك بحال من هو مستقرّ حال الكتابة، خلا ما هو مستقرّ من قديم الزمان لا يتغيّر مثل مكاتبة نائب بهسنى ونحوه.
وثانيهما- أنّ نائب السلطنة بدمشق، ونائب السلطنة بحلب، ونائب السلطنة بطرابلس، ونائب السلطنة بحماة، ونائب السلطنة بصفد، ونائب السلطنة أو مقدّم العسكر بغزّة، ونائب السلطنة بالكرك، ونائب السلطنة بالقدس الشريف يكتب إليهم في جليل كلّ أمر وحقيره من المهمات السلطانية وخلاص الحقوق وغيرها.
أما من عداهم من نوّاب القلاع والنوّاب الصغار الذين بأعمال هذه الممالك والحجّاب، فإنه لا يكتب إليهم في المهمّات والأمور السلطانية: إما في مثال «1» شريف مفرد لأحدهم، أو في مطلق «2» شريف عامّ لجميعهم أو لبعضهم، وكذلك
(7/200)

في البشرى بوفاء النيل، فإنه يكتب إلى كلّ واحد منهم مثال بمفرده، خلا الحجّاب فإنه لا يكتب إليهم بذلك.
النوع الثاني (ممّن يكاتب بالممالك الشاميّة أرباب الأقلام، وهم صنفان)
الصنف الأول (أرباب الوظائف الدّيوانية)
والذي يكاتب منهم بالبلاد الشامية الوزير بدمشق، أو ناظر النّظّار «1» القائم مقامه، حيث لم يصرّح له بالوزارة.
أما الوزير بدمشق، فقد ذكر في «التعريف» أنه كتب للصاحب عزّ الدين أبي يعلى حمزة بن القلاقسيّ «2» «الجناب» لجلالة قدره، وسابقة خدمه، وعناية من كتب إليه بذلك، وأن الذي استقرّ عليه الحال للوزير بالشام «المجلس العالي» بالدعاء. كما كتب للصاحب «أمين الدين» «3» أمين الملك في وزارته في الأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» «ضاعف الله تعالى نعمة المجلس العالي، القاضي، الوزيريّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الأوحديّ، القواميّ، النظاميّ، المدبّريّ، الملجديّ، الأثيريّ، المشيريّ، الفلانيّ؛ صلاح الإسلام والمسلمين، سيّد الوزراء في العالمين، رئيس الأمراء كبير الرؤساء، بقيّة الأصحاب، ملاذ الكتّاب، عماد الملّة، خالصة الدولة، مشير الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين» . والدعاء، ثم «صدرت» . والعلامة «أخوه» . وتعريفه «مدبّر الممالك الشريفة بالشام المحروس» .
قال: ولم يكتب لأحد بذلك بعده ولا قبله. ثم قال: واستقرّ في الدولة الناصرية حسن، الصاحب فخر الدين بن قروينة وزيرا بالشام أيضا على قاعدة
(7/201)

جدّه لأمّه، أمين الدين المذكور. ولم أعلم ما كوتب به: هل كما كتب لجدّه المذكور أو دونه؟.
وأما ناظر النظار، فقد ذكر في «التثقيف» أن المكاتبة إليه «حرس الله تعالى مجد المجلس العالي، القضائيّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الكامليّ الأوحديّ، الرئيسيّ، الأثيريّ، القواميّ، النّظاميّ، المنفّذيّ، المتصرّفيّ، العلّاميّ؛ مجد الإسلام والمسلمين، سيّد الرؤساء في العالمين، أوحد الفضلاء، جلال الكبراء، حجّة الكتّاب، صفوة الملوك والسلاطين، خالصة أمير المؤمنين» . والدعاء ثم «صدرت» . والعلامة الاسم، وتعريفه «ناظر النّظّار بالشام المحروس» .
قال في «التثقيف» : وهذا هو الذي استقرّ عليه الحال إلى آخر وقت.
الصنف الثاني (القضاة والعلماء)
قد ذكر في «التعريف» : أن المكاتبة لقاضي القضاة الشافعيّ بالشام ب «المجلس العالي» ولم يذكر صورتها. قال في «التثقيف» : والذي كوتب به الشيخ تقيّ الدين السّبكيّ «1» رحمه الله؛ وهو قاضي القضاة بالشام: «أعزّ الله تعالى أحكام المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الأفضليّ، الأكمليّ، الأوحديّ، البليغيّ، الفريديّ، المفيديّ، النّجيديّ، القدويّ، الحجّيّ، المحققيّ، الإماميّ، الأصيليّ، الموفّقيّ، الحاكميّ، الفلانيّ؛ جمال الإسلام والمسلمين، شرف العلماء العاملين، أوحد الفضلاء المفيدين، قدوة
(7/202)

البلغاء، حجّة الأمة، عمدة المحدّثين، فخر المدرّسين، مفتي المسلمين، جلال الحكّام، حكم الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين» . والدعاء ثم «صدرت هذه المكاتبة» . والعلامة «أخوه» . وتعريفه «قاضي القضاة بالشام المحروس» .
ثم ذكر فيما بعد أنه كان يكتب في نعوته: «صدر الشام، معزّ السنة، مؤيّد الملّة» قال في «التثقيف» وكانت مكاتبته «شمس الشريعة، رئيس الأصحاب، لسان المتكلمين» ، ولم يعيّن مكانها. قال: وكتب بذلك إلى ولده قاضي القضاة تاج الدين السبكيّ «1» ، وهو قاضي القضاة بالشام غير مرّة. ثم زيد في ألقاب أخيه الشيخ بهاء الدين «2» عند استقراره في القضاء بالشام مكانه بعد القاضويّ «الشّيخيّ» وبعد المحقّقيّ «الورعيّ، الخاشعيّ، الناسكيّ، الإماميّ، العلّاميّ، الأصيليّ، العريقيّ» . وزيد في تعريفه بعد جلال الحكام «بركة الدولة» .
النوع الثالث (ممن يكاتب بالبلاد الشامية العربان)
قد تقدم في الكلام على أنساب العرب في المقالة الأولى، فيما يحتاج إليه الكاتب أنّ عرب الشام عدّة بطون من عدّة قبائل. وقد قال في «التعريف» : إنهم جلّ القوم وعين الناس، لا عناية للملوك إلا بهم، ولا مبالاة بغيرهم.
ونحن نذكر هنا ما يتعلّق بالمكاتبات إلى أمرائهم ومشايخهم خاصّة.
البطن الأول (آل فضل من آل ربيعة)
وقد تقدّم أنهم من طيّء، من كهلان، من العاربة. قال في «التعريف» :
(7/203)

وآل فضل منهم هم الذين في نحر العدوّ، ولهم العديد الأكثر، والمال الأوفر.
قال: وقد صاروا الآن أهل بيتين: بيت مهنّا بن عيسى، وبيت فضل بن عيسى «1» قال: وهم في جوار الفرات. ولذلك يضاعف إكرامهم، وتوفّر لهم الإقطاعات وتسنى. والإمرة الآن منهم في بيت مهنّا بن عيسى. وهو المعبّر عنه بأمير آل فضل.
وقد ذكر في «التثقيف» أنه كان في زمانه قارا بن مهنا، ثم كان في الدولة الظاهرية «برقوق» محمد نعير بن حيار بن مهنّا بن [عيسى بن مهنّا بن ماتع «2» بن حديثة «3» ابن عقبة «4» بن فضل بن ربيعة] ، ثم استقرّ بعده في الدولة الناصرية «فرج» ابنه العجل، وهو المستقرّ إلى الآن.
قال في «التعريف» : ورسم المكاتبة إلى الأمير منهم «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي الأميريّ» بألقاب جليلة معظّمة مفخّمة. وذكر في «التثقيف» أن رسم المكاتبة إليه «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، الأوحديّ، النصيريّ، العونيّ، الهماميّ، المقدّميّ، الظهيريّ، الأصيليّ، الفلانيّ، عزّ الإسلام والمسلمين، شرف أمراء العربان في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين؛ مقدّم العساكر، كهف الملّة، ذخر الدولة، عماد العرب، ظهير الملوك والسلاطين، حسام أمير المؤمنين» . ثم الدعاء و «صدرت هذه المكاتبة» . والعلامة «أخوه» . وتعريفه «فلان بن فلان» .
(7/204)

قال في «التعريف» أما من هو نظيره أو مدانيه وعدته الإمرة، فرسم المكاتبة إليه: «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي» ومن دونه «الساميّ الأميريّ» . قال: ولكلّ هؤلاء العلامة الشريفة «أخوه» ولمن دون هؤلاء «السامي الأمير» والعلامة الشريفة الاسم الشريف.
وقد ذكر في «التثقيف» أسماء جماعة من أكابر بيت مهنّا بن عيسى، وبيت فضل بن عيسى وذكر لكل منهم رسم مكاتبة.
فأما بيت مهنا المذكور، فهم خمسة:
الأول منهم- عسّاف بن مهنّا. ورسم المكاتبة إليه: «هذه المكاتبة إلى المجلس السامي، الأمير، الأجلّ، الكبير، الغازي، المجاهد، المؤيّد، الأوحد، الأصيل؛ فلان الدين، مجد الإسلام، بهاء الأنام، فخر القبائل، زين العشائر، عماد الملوك والسلاطين» والدعاء ثم «صدرت» والعلامة «والده» وتعريفه اسمه.
الثاني- عنقاء بن مهنّا أخو عسّاف. مثله في المكاتبة على السواء.
الثالث- زامل بن موسى بن مهنّا، «صدرت» و «السامي» . والعلامة «والده» وتعريفه اسمه.
الرابع- محمد بن حيار بن مهنا: وهو نعير، مثل عمّيه: عسّاف وعنقاء.
الخامس- عليّ بن سليمان بن مهنّا. ذكر أنه كان يكاتب ب «الساميّ» بالياء. والعلامة الاسم. وذكر أنّ أخاه عوّادا لم يعلم أنه كوتب عن الأبواب السلطانية.
وأما بيت فضل، فذكر منهم معيقل بن فضل، وقال: إن رسم المكاتبة إليه «الساميّ» بالياء. والعلامة «والده» . ثم قال: ولم يكاتب الآن من بني فضل غيره، فإن أخويه: سيفا وأبا بكر كانا يكاتبان عن الأبواب الشريفة، ثم توفّيا إلى رحمة الله تعالى، ولم يبق من أكابر بني فضل غيره هو وأولاد أخويه، لكنهم لم يكاتبوا
(7/205)

بشيء. فإن اتفق أن يكاتب أحد من أولاد أخويه المذكورين أو من أولاد مهنّا، مثل أولاد فيّاض، وبقية أولاد حيار ورميثة بن عمر بن موسى ونحوهم، فأعلاهم الاسم و «السامي» بغير ياء، وأدناهم الاسم و «مجلس الأمير» .
البطن الثاني (آل مرا) «1»
قد تقدّم في الكلام على أنساب العرب فيما يحتاج إليه الكاتب، في المقالة الأولى، أنّ مرا وفضلا أخوان. قال في «التعريف» : ومنازلهم بلاد حوران. وقد ذكر في «التثقيف» أن الإمرة في زمانه كانت مقسومة نصفين بين عنقاء بن شطى «2» ابن عمرو بن نونة «3» ، وعمّه فضل بن عمرو بن نونة «4» ثم قال: ومكاتبة كلّ منهما «صدرت» و «السامي» . والعلامة «والده» وتعريفه «فلان بن فلان» .
البطن الثالث (آل عليّ)
وقد تقدّم في الكلام على الأنساب أنهم من «5» آل فضل. قال في «التعريف» : وإنما نزلوا غوطة دمشق حيث صارت الإمرة إلى عيسى بن مهنّا، وبقي عيسى جار الفرات في تلابيب التّتار. قال في «التعريف» : ورسم المكاتبة إلى أميرهم «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس الساميّ الأميريّ» . والعلامة الشريفة «أخوه» . وقد ذكر في «التثقيف» أن أميرهم في زمانه كان «6» عيسى بن رملة
(7/206)

ابن جمّاز. وقال: إن رسم المكاتبة إليه كما ذكر في «التعريف» وهي: «صدرت» و «السامي» لكنه ذكر أن العلامة «والده» - وتعريفه «فلان بن فلان» .
البطن الرابع (بنو مهديّ) «1»
وقد تقدّم في الكلام على الأنساب أنّ منازلهم البلقاء من مضافات دمشق.
قال في «التعريف» : والإمرة فيهم في أربعة، رسم المكاتبة إلى كلّ منهم «مجلس الأمير» . وذكر في «التثقيف» أنها كانت في زمانه باسم ببرو بن ذؤيب «2» بن سعيد ابن محفوظ القيسي «3» ، وسعيد بن نجري «4» بن حسن العقيسي، وزامل بن عبيد بن محفوظ العقيسي، ومحمد بن عبّاس بن قاسم بن محمد بن راشد العسري. وأن مكاتبة كل منهم «مجلس الأمير» كما تقدّم في «التعريف» . ثم قال: ومن كان معه نصف الإمرة منهم، كانت مكاتبته الاسم و «السامي» بغير ياء؛ وتعريف كلّ منهم «فلان بن فلان» .
البطن الخامس (بنو عقبة) «5»
وقد تقدّم في الكلام على الأنساب أن مرجعهم إلى جذام، وأنّ منازلهم الكرك والشّوبك. قال في «التعريف» : ورسم المكاتبة إلى أميرهم مثل أمير آل مرا. وكذلك رسم المكاتبة إلى أقاربه كرسم المكاتبة إلى أقارب أمير آل مرا أيضا؛ فتكون مكاتبة أميرهم «صدرت» و «السامي» . ومكاتبة أعيان أقاربه «السامي
(7/207)

الأمير» ولمن دونهم «مجلس الأمير» . وقد ذكر في «التثقيف» أن إمرتهم في زمانه كانت باسم خاطر بن أحمد بن شطى بن عبيد «1» وذكر أن رسم المكاتبة إليه الاسم و «الساميّ» بالياء، وتعريفه «فلان بن فلان» ولم يتعرّض لأقربائه.
البطن السادس (جرم) «2»
وقد تقدّم في الأنساب أن مرجعهم إلى طيّىء، وأن منازلهم ببلاد غزّة. وقد ذكر في «التعريف» أن إمرتهم في زمانه كانت باسم فضل بن حجيّ «3» وذكر أن رسم المكاتبة إليه «مجلس الأمير» . والذي ذكره في «التثقيف» أنّ لهم مقدّما لا أميرا، وأنه كان في زمانه عليّ بن فضل. وذكر أن رسم المكاتبة إليه الاسم و «السامي» بغير ياء. وهذا عجب فإنه إذا كان أميرا ورسم المكاتبة إليه «مجلس الأمير» فكيف يكون رسم المكاتبة إليه «السامي» بغير ياء وهو مقدّم، والإمارة فوق التّقدمة بلا ريب.
قال في «التعريف» : وأما بقيّة عرب الشام، نحو زبيد المرج، وزبيد حوران، وخالد حمص، والمشارقة، وغزيّة إذا أطاعوا، وزبيد الأحلاف، فأجلّ كبرائهم وأشياخهم من يكتب له «مجلس الأمير» . وذكر في «التثقيف» نحوه، ثم قال: هذا إن انفرد أحد منهم بالمكاتبة، وإلا فالعادة أن يكتب لكلّ طائفة من هؤلاء مطلق شريف. ثم قال: على أنه لم تجر العادة بمكاتبة أحد من هؤلاء القبائل، لا على الانفراد ولا على الاجتماع. وهذا كلام متناقض؛ حيث يقول: إنّ
(7/208)

العادة أن يكتب لكل طائفة منهم مطلق شريف، ثم يقول: إن العادة لم تجر بمكاتبة أحد منهم لا على الانفراد ولا على الاجتماع.
قلت: وقد تقدّم الكلام على أنساب جميع هذه البطون وأماكنها مستوفى في الكلام على الأنساب في المقالة الأولى «1» ووقع بسط الكلام على ذلك وغيره في كتابنا المسمّى «نهاية الأرب في معرفة قبائل العرب» «2»
النوع الثالث (ممن يكاتب بالممالك الشاميّة، التّركمان)
قد تقدّم ذكر نسب التركمان في الكلام على أنساب الأمم في المقالة الأولى.
وقد ذكر في «التثقيف» أن التركمان بهذه المملكة طوائف كثيرة، وجماعة كبيرة.
ثم قال: وغالبهم لا يكتب إليه إلا إذا ضمّهم مطلق شريف. فإن كتب إلى أحد من أعيانهم، كتب إليه الاسم و «السامي» بغير ياء إن كان طبلخاناه؛ وإن كان عشرة أو عشرين، كتب إليه الاسم و «مجلس الأمير» لا غير، ثم أخلى بياضا متّسعا ولم يصرّح باسم أحد منهم. ثم ذكر في الكلام على تركمان البلاد الشرقية عدّة طوائف، عدّ منهم الأوسرية، وقال: هم تركمان حلب، والورسق. وقال: وهم تركمان طرسوس، ولم يتعرّض لمواضع غيرهم. وسيأتي كلامه مستوفى عند الكلام على تركمان البلاد الشرقية إن شاء الله تعالى.
النوع الرابع (ممن يكاتب بالممالك الشامية الأكراد)
وقد تقدّم ذكر نسبهم في الكلام على أنساب الأمم في المقالة الأولى. وقد ذكر في «التثقيف» أن بهذه المملكة منهم طوائف كثيرة كالتّركمان، وأنّ غالبهم
(7/209)

لا يكتب إليه إلا إذا ضمّهم مطلق شريف، وأنه إن كتب لأحد من أعيانهم، كتب له الاسم و «السامي» بغير ياء، إن كان طبلخاناه. وإن كان أمير عشرة أو عشرين، كتب إليه الاسم و «مجلس الأمير» كما تقدّم في التّركمان من غير فرق.
القسم الثالث (من يكاتب بالبلاد الحجازية، والمعتبر في المكاتبين منهم ثلاثة)
الأوّل- أمير مكّة المعظّمة
. وقد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك ذكر أمرائها من ابتداء الإمرة وهلمّ جرّا إلى زماننا، والقائم بها الآن [حسن بن أحمد] «1» بن عجلان.
ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التعريف» : «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، العضديّ، النّصيريّ، الذّخريّ، الغوثيّ، المفيديّ، الأوحديّ، الظهيريّ، الزّعيميّ، الكافليّ، الشريفيّ، الحسيبيّ، النّسيبيّ، الأصيليّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، جلال العترة الطاهرة، كوكب الأسرة الزاهرة؛ فرع الشجرة الزّكيّة، طراز العصابة العلويّة؛ ظهير الملوك والسلاطين، نسيب أمير المؤمنين» ثم الدعاء المعطوف. وبعده «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي بالسلام والثناء وتوضح لعلمه الكريم كذا وكذا» .
ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التثقيف» : «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، الشريفيّ، الحسيبيّ، النّسيبيّ، العالميّ، المجاهديّ، المفيديّ، الأوحديّ، النصيريّ، العونيّ، الهماميّ، المقدّميّ، الظّهيريّ، الأصيليّ، العريقيّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء الأشراف في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، كهف الملّة، عون الأمة، فخر
(7/210)

السّلالة الزاهرة، زين العترة الطاهرة، بهاء العصابة العلويّة، جمال الطائفة الهاشميّة، ظهير الملوك والسلاطين، نسيب أمير المؤمنين» ثم الدعاء و «صدرت» .
وهذا دعاء وصدر يليق به ذكره في «التعريف» : «ولا زال حرمه أمينا، ومكانه مكينا، وشرفه يبيّض له بمجاورة الحجر الأسود عند الله وجها ويضيء جبينا. صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي تحمل إليه سلاما تميل به الرّكائب، وثناء تثني على مسكه الحقائب «1» ، وشوقا أوسق قلبه لمن نسكه مع الحبائب «2» ، وتوضّح لعلمه الكريم» .
صدر آخر: ومتّعه بجوار بيته الكريم، وزاد بجميل مساعيه شرف نسبه الصّميم، وآنسه بقرب الحجر الأسود والرّكن والحطيم «3» صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي تهدي إليه سلاما، وثناء تطيب به الصّبا قبل أن تحمل شيحا أو خزامى، وتوضح لعلمه الكريم.
صدر آخر: وأراه مناسكه، وآنس بالتقوى مسالكه، وأشهد على عمله الصالح بطحاءه وما ينزله من الملائكة. صدرت هذه المكاتبة بتحيّاتها المباركة، وأثنيتها التي لا تزال إليه بها أفئدة من الناس سالكة، وتوضّح لعلمه الكريم.
(7/211)

الثاني- أمير المدينة النبوية
على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
وقد تقدّم في الكلام على أمرائها في المسالك والممالك من المقالة الثالثة أن إمارتها مستقرّة في بني الحسين، وأنّها الآن في بني جمّاز بن شيحة، وأن جدّهم كان فقيها بالعراق، فقدم على السلطان «صلاح الدين يوسف بن أيوب» رحمه الله، فولّاه المدينة فاستقرّت فيها قدمه ثم قدم بنيه، وأنّ القائم بها الآن «1» [ثابت بن جمّاز بن هبة بن جماز بن منصور بن جماز بن شيحة بن نعير] .
ورسم المكاتبة إليه كرسم المكاتبة إلى أمير مكة على الاختلاف السابق في النقل عن «التعريف، والتثقيف» . فقد ذكر كلّ منهما رسم المكاتبة إلى أمير مكة. ثم قال: ورسم المكاتبة إلى أمير المدينة كذلك.
وهذا صدر مكاتبة يليق به، وهو: ولا زال في جوار الله ورسوله، ومهبط الوحي ونزوله، ومكان يردّد فيه من أبويه الطاهرين بين حيدره وبتوله. صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي بسلام يحدو ركابها، وثناء يزين في قبا قبابها، وشوق إلى رؤيته في الروضة التي طالما استسقى فيها برسول الله صلّى الله عليه وسلّم سحابها، توضح لعلمه الكريم كذا وكذا.
صدر آخر: وزاده من الله ورسوله قربا، وأكّد له بحماية حرمه حبّا، وأبهجه كلّما رأى جدّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد جاور آلا وجالس صحبا. صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي مطربة بالسلام، مطنبة في ثنائه المفصّل النّظام، وتوضح لعلمه الكريم.
الثالث- النائب بالينبع
«2»
(7/212)

وقد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك أنها في بني حسن أيضا «1» قال في «التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه «هذه المكاتبة إلى المجلس السامي الأمير» . والعلامة الاسم، وتعريفه «النائب بالينبع» .
أما سائر العربان بالحجاز فقد ذكر في «التثقيف» أن لبني حسن القوّام بمكة «مجالس الأمراء» . والعلامة الاسم. ومن عدا بني حسن فقد ذكر في «التعريف» أنهم على ضربين:
الضرب الأوّل- أهل الدّربين: المصريّ والشاميّ «2» قال: وليس فيهم من هو في عير ولا نفير، ولا يحلّ في ذروة ولا غارب؛ وأجلّ من فيهم إذا كتب له «مجلس الأمير» كان كمن سوّر وطوّق، لا بل طيلس وتوّج.
الضرب الثاني- شيوخ لام، وخالد، والمنيفق، وعائذ الحجاز «3» قال:
(7/213)

وهؤلاء من كان منهم المشار إليه كتب إليه «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس الساميّ الأميريّ» والعلامة «أخوه» . ثم من يليهم بالسامي بغير ياء. ثم الأعيان من بقيتهم «مجلس الأمير» .
المسلك الثاني (في معرفة ترتيب المكاتبات المقدّمة الذكر، وكيفية أوضاعها. وفيه مأخذان)
المأخذ الأوّل- في ترتيب متون المكاتبات
، ولا يكون إلا ابتداء. أما الجواب فإنه لا يتأتّى فيها.
ثم هي على ضربين:
الضرب الأوّل- ما يكتب في خلاص الحقوق
. وهو ما يكتب فيه لنوّاب الإسكندرية، ونائبي الوجهين: القبليّ والبحريّ من الديار المصرية، وولاتهما، ونوّاب الشام، وحلب، وطرابلس، وحماة، وصفد، والكرك، ومقدّم العسكر بغزّة، من الممالك الشامية على ما تقدّم ذكره في الكلام على مكاتبة أهل المملكة.
والرسم في ذلك إذا كانت المكاتبة إلى نائب الشام مثلا، بسبب قضيّة تتعلّق بالأمير الدّوادار أن يكتب: «أعزّ الله تعالى المقرّ الكريم» إلى آخر الألقاب والصدر؛ ثم يكتب: «وتبدي لعلمه الكريم أن الجناب العالي» ويذكر ألقابه إلى آخرها «ضاعف الله تعالى نعمته عرّفنا كذا وكذا» . ويذكر ما في قصته برمّته. ثم يكتب: «ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي بكذا وكذا» ويأتي بما رسم له به إلى آخره؛ ثم يقول: «فيحيط علمه بذلك» ويكمّل على ما تقدّم.
وإن كان المكتوب بسببه أمير عشرة مثلا، كتب بدل «عرّفنا» : «ذكر» .
وإن كان من آحاد الناس كتب بدل ذلك: «إن فلانا أنهى» ويكمل على ما تقدّم.
وهذه نسخة مكاتبة إلى نائب الشام بسبب خلاص حقّ:
أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم، العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ،
(7/214)

العادليّ، المؤيّديّ، العونيّ، المثاغريّ، المرابطيّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الزّعيمي، الظّهيريّ، العابديّ، الناسكيّ، الأتابكيّ، الكفيليّ، الفلانيّ؛ معزّ الإسلام والمسلمين، سيد أمراء العالمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، ملجإ الفقراء والمساكين، أتابك العساكر، زعيم الموحّدين، ممهّد الدول، مشيّد الممالك، عون الأمة، كهف الملّة، عماد الدولة، ظهير الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين، ولا زال عاليا قدره، نافذا أمره، جاريا على الألسنة حمده وشكره.
أصدرناها إلى المقرّ العالي تهدي إليه من السلام أتمّه، ومن الثناء أعمّه وتبدي لعلمه الكريم أنّ الجناب العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الغوثيّ، الغياثيّ، المرابطيّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظّهيريّ، الزّعيميّ، المقدّمى، الفلانيّ؛ ظهير الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين؛ فلان رأس نوبة «1» الظاهريّ ضاعف الله تعالى نعمته عرّفنا أنّ له دعوى شرعية على أقوام بدمشق المحروسة، وهم فلان وفلان. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي بحملهم صحبة فلان قاصد المشار إليه، إلى الأبواب الشريفة، محتفظا بهم، قولا واحدا، وأمرا جازما، ليصل كلّ ذي حقّ إلى حقه، فيحيط علمه بذلك، والله تعالى يؤيّده بمنّه وكرمه.
آخر: وتبدي لعلمه الكريم أن المجلس الساميّ، الأميريّ، الكبيريّ، العضديّ، الذّخريّ، الأوحديّ، الفلانيّ؛ عمدة الملوك والسلاطين: فلان أدام الله سعادته، ذكر لنا أن الصّدقات الشريفة شملته بخلاص حقّه من فلان. وقد وكّل
(7/215)

في ذلك المجلس الساميّ القضائيّ الأجلّيّ فلان الدين. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي بطلب الغريم المذكور، وخلاص الحقّ منه بتمامه وكماله.
وإن امتنع عن ذلك يحمل للأبواب الشريفة مع الوصيّة بوكيله في ذلك، فيحيط علمه بذلك.
آخر: وتبدي لعلمه الكريم أن الأمير، الأجلّ، الكبير، فلان الدين، فلان الفلاني؛ أنهى أنّ بيده إقطاعا بالحلقة الشامية، وأن الوزير بالشام المحروس في كلّ وقت يتعرّض إلى إقطاعه، ويأخذ الموجب المقرّر له بغير طريق. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي بطلب المباشرين، والارتجاع عليهم بما التمسوه من إقطاعه، على ما يشهد به الدّيوان المعمور، بتمامه وكماله، ويستقرّ هذا المثال الشريف بيده بعد العمل به، فيحيط علمه الكريم بذلك، والله تعالى يؤيّده بمنّه وكرمه.
آخر: وتبدي لعلمه الكريم أن فلانا الفلانيّ أنهى أنّ شخصا يسمّى فلانا تزوّج بأخته، وهو مقيم بالشام المحروس، وتوفيت أخته إلى رحمة الله تعالى، ووضع الزوج المذكور يده على جميع مالها. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي بخلاص الحق على حكم الشرع الشريف مع الوصيّة به، فيحيط علمه بذلك.
آخر: وتبدي لعلمه الكريم أن قصّة «1» رفعت إلى أبوابنا الشريفة باسم
(7/216)

تجّار الفرنج، أنهوا فيها أنهم يبيعون ويبتاعون البضائع، ويقومون بما عليهم من الموجب السلطانيّ. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره بخلاص حقوقهم ممن تتعيّن في جهته على حكم الحق، وكفّ أسباب الضرر عنهم، ومنع من يتعرّض إليهم بغير حقّ ولا مستند شرعيّ، والوصية بهم ورعايتهم وملاحظتهم، فيحيط علمه بذلك.
الضرب الثاني (ما يكتب من متعلقات البريد في الأمور السلطانية، وهي صنفان)
الصنف الأوّل (ما يكتب به ابتداء)
ويختلف الحال فيه باختلاف مقتضيه: فإن كان مقتضية بروز أمر السلطان بفعل شيء أو تركه أو الحركة في شيء، كتب: «إنّ المراسيم الشريفة اقتضت كذا وكذا» . أو «إن مراسيمنا الشريفة اقتضت كذا» . أو «إن المرسوم الشريف اقتضى كذا» . أو «إن مرسومنا الشريف اقتضى كذا» : فإن كان ذلك الأمر مما يحتاج إلى إدارة الرأي فيه، كتب: «إنّ الرأي الشريف اقتضى كذا» . أو «إنّ آراءنا الشريفة اقتضت كذا» ، وما يجري هذا المجرى. وإن كان مقتضيه بلوغ خبر من حركة عدوّ أو اطّلاع على أمر خفيّ، كتب: «إنه اتّصل بالمسامع الشريفة كذا وكذا» . أو «إنه اتصل بمسامعنا الشريفة كذا وكذا» . وإن كان بسبب طلب مال أو جباية خراج ونحو ذلك، كتب: «إنّ لديوان خاصّنا «1» الشريف في الجهة الفلانية كذا» . أو «إنّ لنا في الجهة الفلانية كذا» ونحو ذلك مما ينخرط في هذا السّلك، ثم يكتب: «ومرسومنا للمقرّ الكريم، أو للجناب الكريم، أو الجناب
(7/217)

العالي» على حسب المكاتبة «أن يتقدّم أمره بكذا وكذا» على ما تبرز به المراسيم السلطانية.
وهذه مكاتبات من ذلك إلى نائب الشام، ينسج على منوالها.
مكاتبة- باستقرار نائب في نيابة بعض القلاع: وتبدي لعلمه الكريم أن المراسيم الشريفة اقتضت استقرار الأمير فلان الدين في النيابة الشريفة وجهزنا مرسومه «1» الشريفين على يد المتوجّه بهذا المثال الشريف الأمير الأجلّ فلان الدين فلان، أعزه الله تعالى. فيتقدّم المقرّ الكريم بتجهيزه إلى جهة قصده بما على يده من ذلك، وإذا عاد، يعيده إلى الأبواب الشريفة مكرما مرعيّا على عوائد همّته العليّة، فيحيط علمه بذلك.
مكاتبة- بنقل نائب سلطنة من نيابة إلى نيابة: وتبدي لعلمه الكريم أن مرسومنا الشريف اقتضى نقل الجناب الكريم، العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الغوثي، الغياثيّ، المقدّميّ، الكافليّ، الفلانيّ؛ ظهير الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين؛ فلان الظاهريّ، أعزّ الله نصرته- من نيابة السلطنة الشريفة بطرابلس، إلى نيابة السلطنة الشريفة بحلب المحروسة. والجناب العالي الأميريّ الكبيريّ الفلانيّ، ظهير الملوك والسلاطين فلان الظاهريّ من نيابة السلطنة بصفد المحروسة، إلى نيابة السلطنة الشريفة بطرابلس المحروسة. والجناب العالي الفلانيّ الظاهريّ من تقدمة العسكر المنصور بغزّة المحروسة، إلى نيابة السلطنة الشريفة بصفد المحروسة. وكتبنا لهم تقاليد شريفة بذلك، وجهّزنا إليهم تشاريفهم وهي واصلة عقيبها على يد متسفّريهم «2» ؛ وجهّزنا الأمير الأجلّ الأعز فلان الدين، مؤتمن الملوك
(7/218)

والسلاطين، فلان الخاصكيّ الظاهريّ أعزه الله تعالى للبشارة للمشار إليهم بذلك: ليأخذوا حظّهم من هذه البشرى، وتضاعف أدعيتهم بدوام أيامنا الشريفة، وآثرنا إعلام المقرّ الكريم بذلك: ليكون على خاطرة؛ والله تعالى يويّده بمنّه وكرمه.
مكاتبة- بحمل شخص للأبواب السلطانية: وتبدي لعلمه الكريم أن مرسومنا الشريف اقتضى تقدّم المقرّ الكريم حال وقوفه عليها، وقبل وضعها من يده بطلب فلان الفلانيّ وفلان الفلانيّ، وتجهيزهما إلى الأبواب الشريفة في أسرع وقت وأقربه، من غير فترة ولا توان. ونحن نؤكد عليه غاية التأكيد في سرعة تجهيزهما إلى الأبواب الشريفة صحبة الأمير الأجل، فلان الدين فلان، إلى الأبواب الشريفة محتفظا بهما، محترزا عليهما؛ ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي باعتماد ما اقتضاه مرسومنا الشريف، والاهتمام بذلك، والاحتفال به، فيحيط علمه بذلك، والله تعالى يؤيده بمنّه وكرمه.
مكاتبة- باستقرار بعض الأمراء بالقدس الشريف بطّالا «1» : وتبدي لعلمه الكريم أن مرسومنا الشريف اقتضى استقرار الأمير فلان أحسن الله تعالى عاقبته بالقدس الشريف مقيما بها، وشملته الصّدقات الشريفة أن «2» فلانة وفلانة باسمه، بمقتضى مرسوم شريف مجهّز صحبة متسفّره الأمير الأجلّ الكبير الأوحد، فلان الدين فلان، البريديّ «3» بالأبواب الشريفة، أعزّه الله تعالى، المتوجّه بهذا
(7/219)

المثال الشريف. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي بإثبات المرسوم الشريف المذكور بديوان الجيوش المنصورة بالشام المحروس على العادة؛ وتجهيز البريديّ المذكور إلى حدود الديار المصرية، مكرما مرعيا على العادة؛ فيحيط علمه الكريم بذلك.
مكاتبة- ببيع غلّة للديوان السلطاني: وتبدي لعلمه الكريم أنّ آراءنا الشريفة اقتضت تجهيز كذا وكذا إردبّا «1» من القمح من ديواننا المفرد «2» صحبة فلان. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي بطلب فلان الحاجب بالشام المحروس: ليتولّى بيع ذلك بسعر الله تعالى بما فيه الغبطة والمصلحة؛ وتجهيز الثمن إلى الأبواب الشريفة برسالة دالّة على ذلك في أسرع وقت وأقربه، مع مضاعفة الوصيّة بذلك والاحتفال به، فيحيط علمه بذلك.
مكاتبة- وتبدي لعلمه الكريم أنّ آراءنا الشريفة اقتضت توجّه الأمير الأجلّ الكبير، الأوحد، فلان الدين فلان؛ إستادار الأمير المرحوم فلان كان، بسبب استخراج الأموال وبيع الغلال والأصناف الدّيوانية المتحصّلة من القرى المستأجرة، المرتجعة للورثة عن المشار إليه بمقتضى التذكرة المسطّرة على يده. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره بمساعدة المذكور وتقوية يده على ما تضمّنته فصول التذكرة ومراعاة أحواله، وإزالة ضروراته، وخلاص الحق منه ممن يتعيّن في جهته، ويشمله بنظره الكريم فيما تعلق بفصول التذكرة. فإنّ تعلّقات الورثة المذكورين تحت نظرنا الشريف. فيبادر المقرّ الشريف إلى ذلك وسرعة عوده بعد قضاء شغله، وتجهيز المتحدّث والمباشرين للأبواب الشريفة، وصحبتهم حسابهم عند نهاية فصول التّذكرة المذكورة. ويقيم عنهم من يعوضهم
(7/220)

إلى حين عودهم من الأبواب الشريفة على ما هو المعهود من همّته الكريمة وأحتفاله، فيحيط علمه الكريم بذلك.
مكاتبة- بسبب طلب عصيّ الجواكين «1» والكرابيج والأكر: وتبدي لعلمه الكريم أن المرسوم الشريف اقتضى تجهيز عصيّ الجواكين والكرابيج والأكر إلى السّلاح خاناه من الشام المحروس، على العادة في كل سنة سريعا، وآثرنا علمه الكريم بذلك. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي باعتماد ما اقتضاه مرسومنا الشريف من ذلك كلّه على جاري العادة في كلّ سنة، والاهتمام بذلك، والاحتفال به، بحث لا يتأخّر ذلك غير مسافة الطريق؛ فإن الانتظار واقع لذلك، وفي همّته الكريمة ما يغني عن بسط القول في ذلك، فيحيط علمه الكريم بذلك.
مكاتبة- بسبب استقرار قاض بدمشق عوض من كان بها: وتبدي لعلمه الكريم أنّ الصدقات الشريفة شملت المجلس العالي، القضائيّ، الكبيريّ، العالميّ، العلّاميّ، الإماميّ، الفلانيّ، الفريديّ، المفيديّ، المجيديّ، الأصيليّ، العريقيّ، الأثيليّ، الأثيريّ، الأوحديّ، الخطيبيّ، الشّيخيّ، الحاكميّ، الفلانيّ، جلال الإسلام والمسلمين، شرف العلماء العاملين، إمام البلغاء، خطيب الخطباء، شيخ مشايخ العارفين، ملاذ المريدين، مفتي الفرق، موضّح الطّرق، لسان المتكلمين، مفيد الطالبين، حكم الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين، فلان الفلانيّ الشافعيّ. أعز الله تعالى أحكامه- بتفويض قضاء قضاة الشافعية بالشام المحروس إليه؛ عوضا عمّن به، بحكم عزله مضافا إلى خطابة الجامع الأمويّ، ومشيخة الشّيوخ بالشام المحروس. وكتبنا توقيعا شريفا له بذلك، وجهّزناه إليه قرين تشريف شريف على يد فلان المتوجّه بهذا المثال الشريف. وآثرنا علمه الكريم بذلك، ليكون ذلك على خاطره الكريم. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره الكريم بتقرير القاضي فلان الدين فلان الفلاني فيما
(7/221)

شملته به الصدقات الشريفة من ذلك كلّه، وتقوية يده في مباشرة ذلك والشّدّ منه، وتأييد أحكامه الشرعية، وتنفيذ كلمته، ورعاية جانبه، وإكرامه واحترامه، على عادة هممه الكريمة، وتقدماته السعيدة، فيحيط علمه بذلك.
مكاتبة- بسبب حمل الثّلج إلى الأبواب السلطانية: وتبدي لعلمه الكريم أنّ المرسوم الشريف اقتضى تجهيز نقلات الثلج إلى الشّراب خاناه «1» الشريفة على العادة. ومرسومنا للمقر الكريم أن يتقدّم أمره العالي بسرعة تجهيز النّقلة الأولى، بحيث لا تتأخر أكثر من مسافة الطريق على ما هو المعهود من همّته العالية، وتقدماته السعيدة. وقد جهّزنا هذا المثال الشريف على يد الأمير الأجلّ فلان الدين فلان الفلانيّ، أعزه الله تعالى، فيحيط علمه الكريم بذلك.
مكاتبة- بتمكين شخص من الحضور للأبواب السلطانية. وتبدي لعلمه الكريم أنّ فلانا كان قصد الاجتماع بأهله وأقاربه بالقاهرة المحروسة. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي بتمكينه من الحضور إلى القاهرة المحروسة على خيله: ليجتمع بأهله وأقاربه. وقد جهّزنا بهذا المثال الشريف فلانا البريديّ بالأبواب الشريفة، فيحيط علمه الكريم بذلك.
(7/222)

مكاتبة- بمنع العربان من الدخول إلى البلاد قبل فراغ الزّرع. وتبدي لعلمه الكريم أنّ المراسيم الشريفة اقتضت أنه لا يدخل أحد من العربان إلى البلاد الشامية المحروسة: كبيرهم وصغيرهم، جليلهم وحقيرهم، إلى أن يشال الزرع على العادة. ومتى- والعياذ بالله- حصل منهم مخالفة لذلك، حلّ بهم من الانتقام الشريف ما لا مزيد عليه. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي باعتماد ما اقتضته المراسيم الشريفة من ذلك، مع الاهتمام به، والاحتفال والاجتهاد فيه، قولا واحدا، وأمرا جازما، على عادة همّته العالية، وتقدماته المرضيّة، فيحيط علمه بذلك.
مكاتبة- بحفظ السواحل: وتبدي لعلمه الكريم أن مرسومنا الشريف اقتضى الاجتهاد في حفظ السواحل والمواني، والاهتمام بأمرها، وإقامة الأيزاك «1» والأبدال «2» في أوقاتها على العادة، وإلزام أربابها بمواظبتها، وكذلك المنوّرون «3»
(7/223)

بالدّيدبانات والمناظر والمناور، في الأماكن المعروفة، وتعهّد أحوالها: بحيث تقوم أحوالها على أحسن العوائد وأكملها؛ ولا يقع على أحد درك «1» بسببها.
ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي باعتماد ما اقتضاه مرسومنا الشريف من ذلك، مع مضاعفة الاحتفال بذلك والمبادرة إليه، حسب ما اقتضته المراسيم الشريفة. وقد جهّزنا بهذا المثال الشريف مجلس الأمير الأجلّ: فلان الدين فلان البريديّ، المقدّم بالأبواب الشريفة؛ فيتقدّم أمر المقرّ العالي بتجهيزه إلى جهة قصده بما على يده، وإعادته عند عوده إلى الأبواب الشريفة، على ما هو المعهود من همّته، فيحيط علمه الكريم بذلك.
مكاتبة- باستعمال قماش. وتبدي لعلمه الكريم أنّ آراءنا الشريفة اقتضت استعمال القماش الجاري به العادة برسم الركابخاناه «2» ، والإصطبلات الشريفة، على ما استقرّ عليه الحال إلى آخر السنة الخالية والتي قبلها. وقد كتبت تذكرة شريفة من ديوان استيفاء الصّحبة «3» الشريفة مفصّلة بذلك، وجهّزناها قرين هذه المفاوضة لتقرأ على مسامعه الكريمة. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي بتأمّلها، وبروز أمره بطلب وزير المملكة الشريفة، وناظر المهمّات الشريفة، واستعمال القماش الذي تضمّنته التذكرة الشريفة، والاهتمام بذلك، والاحتفال بسرعته. وقد أكتفينا بهمّة المقرّ الكريم عن تجهيز أميراخورية «4» وأوجاقية «5» من
(7/224)

إصطبلاتنا الشريفة لاستعمال ذلك، لأنّ المهمات الشريفة تحت نظره الكريم، فيصرف همّته العالية إلى الإسراع في ذلك، والاحتفال به والاهتمام. وفي اهتمامه وتنفيذه لمراسمنا الشريفة ما يغني عن التأكيد في ذلك، فيحيط علمه بذلك.
مكاتبة- بجواز. وتبدي لعلمه الكريم أنّ مرسومنا الشريف اقتضى تجهيز فلان البريديّ بالأبواب الشريفة، أعزّه الله تعالى، إلى جهة فلان بما على يده وما صحبته. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي بإزاحة أعذاره، وتجهيزه إلى المشار إليه في أسرع وقت وأقربه. وإذا عاد يتقدّم بتجهيزه إلى خدمة الأبواب الشريفة على العادة في ذلك، على عادة همّته العليّة، وشيمه المرضيّة، فيحيط علمه بذلك.
مكاتبة- وتبدي لعلمه الشريف أن مرسومنا الشريف اقتضى أن لا يمكّن أحد من نقل سلاح ولا عدّة حرب إلى جهة البلاد الرّوميّة. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي بأن لا يمكّن أحد من نقل سلاح ولا عدّة إلى جهة البلاد المذكورة، والاحتراز على ذلك كلّ الاحتراز، فيحيط علمه بذلك.
مكاتبة- وتبدي لعلمه الكريم أنه اتصل بالمسامع الشريفة أنّ غالب البلاد بالصّفقة الفلانية محميّة متجاهية «1» على الكشّاف والرّعايا، ويؤوون المفسدين.
وأنّ يد الكشّاف لا تصل إلى هذه البلاد، ولا إلى النّصفة ممن بها من المفسدين.
(7/225)

وحصل بذلك الضرر للبلاد والعباد. واقتضى الرأي الشريف الكشف عن هذه البلاد وسائر الأعمال، والمناداة في البلاد بإبطال الحماية والرّعاية، والمساواة بين العباد في سائر البلاد بالعدل والإنصاف، وكفّ أكفّ الظلم والعدوان. ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره الكريم بالمناداة في سائر البلاد بإبطال الحماية والرّعاية، والمساواة بين الخاصّ والعامّ، وتطهير الأرض من المفسدين؛ وأن لا يحمى أحد ببلد من البلاد. ومن تظاهر بحماية أو إيواء مفسد ببلد من البلاد، حلّ ماله وروحه. والتأكيد على أهل البلاد في ذلك، والتشديد والفحص عمّن يتجاهر بذلك وردعه ونشر العدل والإنصاف بتلك الأقطار، والاهتمام في ذلك كلّه، على عادة هممه الكريمة، وتقدماته السعيدة، فيحيط علمه الكريم بذلك، والله تعالى يؤيّده بالملائك.
مكاتبة- وتبدي لعلمه الكريم أنه اتّصل بمسامعنا الشريفة أن فلانا تعرّض للجهة الفلانيّة الجارية في ديوان خاصّنا الشريف، وأخذ منها مبلغ كذا وكذا.
ومرسومنا للمقرّ الكريم أن يتقدّم أمره العالي بطلب الغريم المذكور، وتجهيزه إلى الأبواب الشريفة، وإلزامه بما استأداه من ذلك، محترزا عليه مع مضاعفة الوصيّة بمباشري الجهة المذكورة والإحسان إليهم، فيحيط علمه بذلك.
الصنف الثاني (ما يكتب في الجواب عمّا يرد من النوّاب وغيرهم)
والرسم فيه أن يكتب بعد التصدير: «إن مكاتبته الكريمة» أو «مكاتبته» على قدر رتبته من ذلك «وردت على يد فلان فوقفنا عليها وعلمنا ما تضمّنته على الصّورة التي شرحها» ثم يذكر ما يناسب الجواب في ذلك من شكر الاهتمام أو غيره. ثم إن اشتملت على مقصد واحد، أجاب عنه.
وهذه مكاتبة ينسج على منوالها، وهي: وتبدي لعلمه الكريم أنّ مكاتبته
(7/226)

الكريمة وردت على يد فلان فوقفنا عليها، وعلمنا ما أصدرته من تجهيزه إلى خدمة أبوابنا الشريفة بما على يده من كتاب مخدومه. وقد وصل، وأحاطت علومنا الشريفة بما تضمّنه، وأعدناه الآن بجوابه وبهذا الجواب الشريف. فيحيط علمه الكريم بذلك.
وإن اشتملت المكاتبة المجاب عنها على عدّة فصول، أتى على فصولها فصلا فصلا. وربما قال: «فأما ما أشار إليه من كذا» إذا كان عليّ الرتبة، كنائب الشام ونحوه، «فقد علمناه» وصار على خاطرنا الشريف أو «فقد رسمنا به» أو «فلم نرسم به» . ونحو ذلك على ما يقع به الجواب السلطانيّ في الملخّص المكتوب عن مكاتبة المكتوب إليه بالجواب.
وهذه مكاتبة من هذا النمط ينسج على منوالها، وهي: وتبدي لعلمه الكريم، أنّ مكاتبته الكريمة وردت على يد مملوكه الأمير الأجلّ فلان الدين فلان، أعزّه الله تعالى، فوقفنا عليها، وعلمنا ما تضمّنته على الصورة التي شرحها، وشكرنا همّته العالية، وتقدماته السعيدة، ورأيه السعيد، واعتماده الحميد.
فأما ما أشار إليه من وصوله ومن صحبته، ونائبي السلطنة الشريفة بطرابلس وصفد المحروستين، إلى ملطية المحروسة في التاريخ الفلاني، وتلقّي نائبي السلطنة الشريفة بحلب وحماة المحروستين، المقرّ الكريم ومن معه على ظاهر المدينة المذكورة، واستمرار إقامتهم جميعا بالمنزلة المذكورة إلى تسطير مكاتبته المشار إليها في انتظار من رسم له بالحضور إليهم من عساكر القلاع المنصورة وغيرهم، من أمراء التّركمان والأكراد ومن معهم من أتباعهم وألزامهم، حسب ما اقتضته المراسيم الشريفة في المهمّ الشريف وما كتب به إلى نائب طرابلس، وإلى قرا يوسف النائب بالرّها المحروسة: من الحضور إلى المهمّ الشريف، وإجابتهما إلى ذلك؛ وكذلك ما كتب به إلى الحاكم بسيواس، وإلى أحمد بن طرغلي، وما أجابا به من الحضور إلى المهمّ الشريف، والملتقى في المكان الذي عيّنه حاكم
(7/227)

سيواس، إلى غير ذلك مما بسط القول فيه [فقد علمناه] «1» على الصّورة التي شرحها، وتضاعف شكرنا لهمّته العلية وتقدماته السعيدة.
وأمّا ما أشار إليه من اعتماده ما برزت به المراسيم الشريفة في الجواز الشريف الوارد إليه على يد مجلس الأمير الأجلّ فلان الدين فلان، والمطلق الشريف المجهّز على يده، وامتثال ما تحمّله من المشافهة الشريفة، وتقدّمه بجميع نوّاب السلطنة الشريفة المكتوب إليهم، وعقد المشورة معهم على اعتماد ما اقتضته المراسيم الشريفة؛ وتعيين جاليش «2» العساكر المنصورة ونائب السلطنة الشريفة بطرابلس المحروسة ومن معه من الأمراء المقدّمين وأتباعهم من دمشق وحلب المحروستين، ونائب السلطنة الشريفة بحماة المحروسة، ومن معه من العساكر المنصورة، وسيرهم في التاريخ الفلاني، وسيره في أثرهم بمن بقي معه من العساكر المنصورة الشامية الحلبية؛ وأن سيرهم على جهة بلد كذا على الصّورة التي شرحها لما قصده من ذلك من المصلحة؛ فقد علمنا ذلك على الصّورة التي شرحها؛ وشكرنا همته العالية، وحسن فكرته الصحيحة.
وأمّا ما أشار إليه من أن نائب ملطية جهّز الكتاب الوارد عليه من ابن تمرلنك، على يد قاصد من جهة تلمان «3» باللسان الأعجميّ، وأنه عرّبه وفهم مضمونه وجهّزه ليحيط العلوم الشريفة بمضمونه، وهي على الخواطر الشريفة، فيكون ذلك على الخاطر الكريم، وشكرنا همته العلية.
وأمّا ما أشار إليه من ورود كتاب تلمان «4» عليه، وهديّته على يد قاصده، وأنه لم يقبل هديّته وأعاد جوابه، فإنه إن كان مناصحا في الخدمة الشريفة وهو صادق
(7/228)

في كلامه، فيحضر إلى المهمّ الشريف، وما شرح في هذا المعنى فقد علمناه على الصورة التي شرحها، وشكرنا جميل اعتماده وسعيد رأيه. وكذلك أحاطت العلوم الشريفة بما ذكره في أمر حاكم عريركبر «1» وما شرحه في ذلك، فقد علمناه على الصّورة التي شرحها.
وأما ما أشار إليه من أمر ملطية المحروسة، وأنها تحتاج إلى الفكر الشريف، والنظر في أحوالها وترتيب مصالحها، وإقامة عسكر لرجال يحمونها من طوارق الأعداء المخذولين: إلى غير ذلك مما شرحه في هذا المعنى، فقد علمناه على الصّورة التي شرحها، وبقي ذلك على خواطرنا الشريفة. وعقيبها إن شاء الله تعالى تبرز المراسيم الشريفة بما فيه المصلحة للبلد المذكور على أكمل ما يكون.
وقد استصوبوا رأي المقرّ الكريم في هذا الفكر الحسن، فإنه أمر ضروريّ. وقد شكرنا للمقرّ الكريم جميل اعتماده، وحسن رأيه، وبذل همته واجتهاده في هذا المهمّ الشريف. والقصد منه الاستمرار على ما هو فيه من بذل الاجتهاد في المهمّات الشريفة بقلبه وقالبه، والعمل على بياض وجهه عند الله تعالى، من الذّبّ عن عباده وبلاده، وبذل المال والرّوح في رضا الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم في ذلك، واستقرار خواطرنا الشريفة بذلك. فإن المقرّ الكريم يعلم ما نحن مثابرون عليه، ومنقادون إليه، من محبّة رضا الله تعالى في النصيحة بصلاح العباد، وعمارة البلاد، وتسطير ذلك في صحائف حسنات الدهر بين يدي الله تعالى. والمقرّ الكريم يعلم أن جلّ اعتمادنا عليه في أكابر دولتنا الشريفة. ونحن واثقون برأيه السديد في حركاته وسكناته في المهمّات الشريفة والأشغال السلطانية. ولأجل ذلك قرّبناه، ورضينا به لنا وعلينا، وكلّما بلغنا عنه اعتماد حسن تتضاعف منزلته عندنا. والآن فإنّ نوّاب السلطنة الشريفة وأمراء دولتنا كبيرهم وصغيرهم تحت أمره
(7/229)

ومشورته، وما بقي مثل هذه الأيام المباركة والأوقات السعيدة، ولم يبق سوى انتهاز الفرص، واغتنام أوقات السعادة، وهو الحاضر والنائب عنّا في كل ما يحصل من المصالح العائد نفعها على البلاد والعباد. والمبادرة إلى عملها من غير معاودة الآراء الشريفة في كل قضيّة تتّفق له، فإن المسافة بيننا وبينه بعيدة، وتضيع المصلحة في وصول الخطاب وعود الجواب. وقد فوّضنا إليه الرأي في ذلك، والعمل بما تقتضيه المصلحة الحاضرة، في جليل الأمور ودقيقها، فيكون ذلك على خاطره الكريم، ويعمل بمقتضاه. وقد أعدنا مملوكه بهذا الجواب، فيحيط علمه بذلك.
وهذه نسخة مكاتبة في معنى الرضا عن ابن دلغادر «1» التّركماني وغير ذلك:
وتبدى لعلمه الكريم أن مكاتبته الكريمة وردت على يد فلان الدين فلان مملوكه، فوقفنا عليها وعلمنا ما تضمّنته.
فأما ما ذكره في معنى ابن دلغادر، وتكرار كتبه بالتصريح والتّرامي عليه في سؤال الصدقات الشريفة في الرّضا والعفو عنه، فقد علمنا ذلك؛ والذي نعرّف به المقرّ الكريم أنا كنا رسمنا بأن لا يكتب له جواب وردّ كتابه وقاصده؛ ولما تكرر استشفاعه بالمقرّ الكريم، ودخل دخول الحريم، وعرفنا أنه ضاقت عليه الأرض برحبها وأخلص في النّدم، عطفت عليه الصدقات الشريفة بالحنوّ والعفو كرامة
(7/230)

للمقرّ الكريم، وإعلاء لشأنه، ورفعا لمكانته ومكانه. ورسمنا للمقرّ الكريم أن يكاتب المذكور بهذا المعنى، ويلتزم على نفسه العفو الشريف، والصّفح المنيف؛ وإيصال أنواع الخير وفوق ما في خاطره من الأمان على نفسه وماله، وغير ذلك. والذي نعرّفه أنه كان جرى على اللسان الشريف الحلف أنه لا بدّ من حضوره إلى الأبواب الشريفة ودوس البساط الشريف، ولا بدّ من تحقيق ذلك لحصول البرّ والخلاص من الحلف الشريف، وقيام الناموس عند القريب والبعيد: ليعلموا أنّ سلطاننا غالب على من تمرّد، ومراحمنا شاملة لمن يلتجيء إلى حرم عفونا الشريف، وأنه قريب منه.
وأما ما ذكره في معنى كشف الصّفقة الفلانية، ووقوع الاختيار على فلان الدين فلان، وما عرضه على الآراء الشريفة من تقريره في ذلك، وبروز المراسيم الشريفة بكتابة مرسومه وتقرير غيره «1» ، فقد علمنا ذلك ورسمنا بتقريره، وكتبنا مرسومه الشريف، وجهّزناه على يد فلان العائد بهذا الجواب الشريف.
وأما ما ذكره من جهة الزاوية المستجدّة بشقحب «2» وتجهيز قائمة متضمّنة بما تدعو الضرورة إليه من تقرير السّماط وأرباب الوظائف، وما عرضه على الآراء الشريفة من كتابة مرسوم شريف مربّع «3» على حكمها، أو بما تقتضيه الآراء الشريفة من زيادة أو نقص، فقد علمنا ذلك ورسمنا به حسب ما اقتضته الآراء الشريفة: من استقرار فلان الدين فلان في الولاية في الثّغر المذكور، فقد علمنا ذلك ورسمنا به، وكتبنا مرسومه الشريف، وجهّزناه على يد العائد بهذا الجواب
(7/231)

الشريف. فالمقرّ الكريم يوصيه بحسن السّيرة وترك ما كان عليه.
وأما ما ذكره من جهة خفارة الجهة الفلانية، وما عرضه على الآراء الشريفة:
من إمضاء القائمة المجهّزة بأسماء من قرّره في الخفر المذكور، فقد علمنا ذلك ورسمنا بإمضائه حسب ما قصده المقرّ الكريم.
وأما ما ذكره من جهة فلان المعتقل بقلعة دمشق، ووقوف أولاده وعياله وشكواهم حالهم بعد كشف ما نقل عنه وعدم صحّته وما عرضه على الآراء الشريفة من الإفراج عنه، فقد علمنا ذلك ورسمنا به فيتقدّم أمر المقرّ الكريم بالإفراج عنه.
وأما ما ذكره في معنى ما ورد به كتاب النائب بالرّحبة «1» المحروسة: من الأخبار والمتجدّدات، فقد علمناه وصار على خواطرنا الشريفة.
وأما ما ذكره من وصول قاصدي حاكم الدّربند «2» وحاكم القنيطرة «3» بما على أيديهما وتجهيز ما ورد معهما من الكتب واستئذان الآراء الشريفة على ما نعتمده في أمرهما وفيمن يحضر بعدهما، فقد علمنا ذلك، وكتبنا الجواب عن ذلك، وجهّزناه قرين هذا الجواب الشريف، فيتقدّم باعادتهما إلى مرسلهما. وكذلك يفعل في كلّ من حضر من تلك النواحي إلا في مهمّ شريف على عوائد هممه. وقد أعدنا مملوكه إليه بهذا الجواب الشريف، فيحيط علم المقرّ الكريم بذلك.
(7/232)

مكاتبة أخرى- من هذا النمط في معنى أمور مختلفة. وتبدي لعلمه الكريم أنّ مكاتبته الكريمة وردت على يد المجلس الساميّ الأميريّ فلان. فوقفنا عليها وعلمنا ما تضمّنته على الصّورة التي شرحها.
فأما ما أشار إليه: من وصوله إلى دمشق المحروسة عائدا من الأغوار السعيدة، وأنه وجدها وسائر أعمالها وضواحيها والسواحل والمواني في حرز الأمن والسلامة، فقد علمنا ذلك وحمدنا الله تعالى وشكرناه على ذلك.
وأما ما أشار إليه: من أنه جهّز من متحصّل دار الضرب «1» السعيدة بدمشق المحروسة كذا وكذا مثقالا بمقتضى رسالة وما قصد من إعادة رجعة شريفة بذلك، فقد علمناه ووصل المبلغ المذكور، وكتب به رجعة شريفة على العادة في مثل ذلك، وجهّزت على يد فلان المشار إليه، فيكون ذلك على خاطرة الكريم.
وأما ما ذكره: من أمر النّحاس وقلّته من عدم وصول شيء منه، وأنه لم يوجد منه بعد الجهد سوى مبلغ عشرين قنطارا عند الفرنج، وأمر الفلوس العتق «2» وبقائها، وكثرة الفلوس الجدد «3» ، وقلّة وجود الدّرهم والدّينار، وتوقّف المعايش بسبب ذلك، وما عرضه على الآراء الشريفة إن اقتضت الآراء الشريفة إبطال دار
(7/233)

الضرب نحو شهرين إلى أن يحضر نحاس يستعمل، وتخفّ الفلوس ويستصرف ما في أيدي الناس، فقد علمنا ذلك وأجبنا سؤاله فيه. ومرسومنا أن يعمل فيه بما تكون [به] المصلحة عامّة للرعية، وتبطيل دار الضرب مدّة يراها المقرّ الكريم.
وأما ما أشار إليه: من أمر الأمير فلان وما قصده من حسن النظر الشريف في حاله، وما شرحه من ذلك، فقد علمناه على الصّورة التي شرحها، وصار ذلك على الخواطر الشريفة.
وأما ما أشار إليه: من أمر فلان، وما اتّفق من الكشف عليه حسب ما اقتضته المراسيم الشريفة، وما ادّعي عليه من كذا وكذا، وما كتب عليه من المحاضر وتجهيزها إلى الأبواب الشريفة، وتجهيز المشار إليه إلى الأبواب الشريفة صحبة البريديّ المجهّز في طلبه في أثناء ذلك، فقد علمنا ذلك على الصّورة التي شرحها، وأحاطت العلوم الشريفة به جملة وتفصيلا، وبما اشتملت عليه المحاضر المذكورة، وبقي ذلك على الخواطر الشريفة؛ واقتضت الآراء الشريفة إعادته ومن معه للخلاص من شكاته عند المقرّ الكريم، وقد أعدناهم صحبة من يحضر بهم إلى المقرّ الكريم ليكشف عليه وتنظّم المحاضر وتجهّز.
وأما ما أشار إليه من تجهيز «1» وتعريف الحسبة بالأسعار عن البرّ الفلاني على العادة في ذلك إلى الأبواب الشريفة، فقد علمنا ذلك ووصل ما جهّزة من ذلك، وأحاطت العلوم الشريفة بما اشتمل عليه، وشكرنا همة المقرّ الكريم وسعيد تقدماته، وجميل اعتماداته. وقد أعدنا الأمير فلانا بالجواب الشريف، فيحيط علمه بذلك.
قلت: وعلى ذلك يقاس ما يكتب به إلى سائر النّوّاب بالشام والديار المصرية
(7/234)

فمن دونهم ممن جرت العادة بمكاتبته من الأبواب السلطانية في الابتداء والجواب.
المأخذ الثاني (في معرفة أوضاع هذه المكاتبات)
أوّل ما يجب من ذلك معرفة قطع الورق الذي يكتب فيه. وقد سبق في المقالة الثالثة في الكلام على قطع الورق بيان مقادير قطعه، وأنّ من جملتها قطع العادة: وهو القطع الصغير. وفي هذا القطع تكتب عامّة المكاتبات المتقدّمة، مما يكتب به لأرباب السّيوف والأقلام بمصر والشام على اختلاف مقاديرهم، وتباين مراتبهم في الرّفعة والضّعة؛ خلا ما تقدّم ذكره: من أنه كتب إلى والدة السلطان الأشرف «شعبان بن حسين» في قطع الشاميّ الكامل. وقد تقدّم هناك أنّ الكتابة في قطع العادة جملة تكون بقلم الرّقاع. فتكون كتابة جميع هذه المكاتبات به.
ثم أوّل ما يكتب الكاتب في المكاتبة التعريف بالمكتوب إليه: وهو أن يكتب في رأس الدّرج، من وجه الوصل، من أوّله، من الجانب الأيمن «إلى فلان» .
ويكتب على سمته في الجانب الأيسر «بسبب كذا وكذا» . ويكتب في وسطهما على سمتهما التعريف بالعلامة التي تكتب. فإن كانت العلامة الاسم، كتب «الاسم الشريف» . وإن كانت بالأخوّة، كتب «أخوه» . وإن كانت بالوالدية، كتب «والده» . ثم يقلب الدّرج فيكتب على ظاهره عنوان المكاتبة في أسفل ما كتب عليه في رأس الورق باطنا من أوّل عرض الدّرج إلى آخر ألقاب المكتوب إليه. ويقلب الدعاء المبتدأ به في المكاتبة، فيدعو له به في آخر الألقاب. ثم يخلي بياضا ويكتب تعريف المكتوب إليه: من نيابة سلطنة أو ولاية أو اسم أو غير ذلك وتكون الأسطر متقاربة متلاصقة.
فإن كان المكتوب إليه النائب الكافل مثلا، كتب في العنوان: «المقرّ، الكريم، العالي الأميريّ، الكبيريّ» إلى آخر ألقابه. فإذا انتهى إلى آخر الألقاب، كتب «أعز الله تعالى أنصاره» . ثم يترك بياضا ويكتب: «كافل الممالك الشريفة الإسلامية أعلاها الله تعالى» بحيث ينتهي آخر كتابة ذلك إلى آخر السطر.
(7/235)

وإن كان المكتوب إليه كافل السلطنة بالشام، كتب: «المقرّ الكريم» إلى آخر الألقاب «أعز الله تعالى أنصاره» ثم يترك البياض المذكور؛ ثم يكتب:
«كافل السلطنة الشريفة بالشام المحروس» .
وإن كان المكتوب إليه نائب السلطنة بحلب، كتب: «الجناب الكريم» إلى آخر ألقابه «أعز الله تعالى نصرته» ، ثم يترك بياضا ويكتب: «نائب السلطنة الشريفة بحلب المحروسة» .
وإن كان المكتوب إليه نائب الإسكندرية، أو نائب طرابلس، أو نائب حماة، أو نائب صفد، كتب: «الجناب العالي» إلى آخر ألقابهم «ضاعف الله تعالى نعمته» ، ثم يترك بياضا ويكتب: «نائب السلطنة الشريفة بثغر الإسكندرية المحروس» ، أو «نائب السلطنة الشريفة بطرابلس المحروسة» ، أو «نائب السلطنة الشريفة بحماة المحروسة» ، أو «نائب السلطنة الشريفة بصفد المحروسة» . وكذا في البواقي بحسب تعريف كلّ من المكتوب إليهم على ما مر ذكره في مواضعه.
ثم إذا كتب العنوان: فإن كان المكتوب إليه ممن يكتب له «المقرّ الكريم» ، أو «الجناب العالي» ، أو «المجلس العالي» مع الدعاء، ترك من أعلى الدرج ثلاثة أوصال بياضا بالوصل المكتوب في ظاهره العنوان، ثم تكتب البسملة في رأس الوصل الرابع بهامش من الجانب الأيمن.
وإن كان المكتوب إليه ممن يكتب له «المجلس العالي» مع «صدرت» فما دون ذلك، ترك في أعلى الدرج وصلان بياضا فقط. وتكتب البسملة في رأس الوصل الثالث؛ ثم يكتب سطران من أوّل المكاتبة تحت البسملة على سمتها ملاصقا لها؛ ثم يخلى بيت العلامة بياضا ويكتب السطر الثاني على رأس «1» إصبع
(7/236)

أو نحوه من أسفل ذلك الوصل؛ ثم يكتب السطر الثالث في الوصل الذي يليه على بعد ثلاثة أصابع معترضات من السطر الثاني، ويؤتى على ذلك إلى آخر المكاتبة.
وقد كانت أوصال الورق في الزمن المتقدّم طويلة: فكان يكتب في كلّ وصل ثلاثة أسطر، وبين كلّ سطرين أكثر من عرض ثلاثة أصابع. أما الآن، فقصرت الأوصال، وصار كلّ وصل لا يسع في الغالب أكثر من سطرين. فإذا انتهى إلى آخر المكاتبة، أخلى بياضا يسيرا، ثم كتب في وسط الوصل: «إن شاء الله تعالى» ثم يكتب: «كتب في كذا من شهر كذا» في سطر، وتحته سنة كذا وكذا في سطر تحته، بينهما قدر إصبعين؛ ثم يكتب المستند بعد تقدير إصبعين. فإن كان بتلقّي كاتب السرّ كتب «حسب المرسوم الشريف» . وعلى ذلك يجري الحكم في جميع ما يكتب في البريد، وهو المختصّ بالأمور السلطانية.
وإن كان من دار العدل بتلقّي كاتب السّرّ أو أحد من كتّاب الدّست، كتب:
«حسب المرسوم الشريف» في سطر، وتحته «من دار العدل الشريف» في سطر آخر. وإن كان بقصّة «1» مشمولة بخطّ السلطان، كتب: «حسب الخطّ الشريف» بمقتضى أعلى ذلك. وإن كان بخطّ النائب الكافل، كتب: «بالإشارة العالية الأميريّة العالميّة الفلانية» في سطر، وتحته في سطر آخر «كافل الممالك الشريفة الإسلامية أعلاها الله تعالى» . وإن كان بأمر الوزير، كتب: «بالإشارة العالية الأميريّة الوزيرية الفلانية» في سطر، وتحته في سطر آخر «مدبّر الممالك الشريفة الإسلامية أعلاها الله تعالى» . وإن كان الوزير صاحب قلم، كتب «بالإشارة العالية الوزيريّة الصاحبيّة الفلانية، مدبّر الممالك الشريفة الإسلامية، أعلاها الله تعالى» سطرين على نحو ما تقدّم. وإن كان برسالة الدّوادار: فإن كان مقدّم ألف، كتب «برسالة الجناب العالي الأميريّ الكبيريّ الفلانيّ» في سطر، وفي سطر آخر تحته «الدّوادار الناصريّ أو الظاهريّ» ونحو ذلك «ضاعف الله
(7/237)

تعالى نعمته» . وإن كان طبلخاناه، كتب بدل الجناب «المجلس» ويدعو له «أدام الله تعالى نعمته» . وإن كان بأمر الإستادار، كتب «بالإشارة العالية الأميريّة الفلانية إستادار الفلانية أعلاها الله تعالى» . وإن كان من ديوان الجيوش المنصورة، كتب «حسب المرسوم الشريف» في سطر، وتحته «من ديوان الجيوش المنصورة» في سطر آخر. وإن كان من ديوان الخواصّ الشريفة، كتب «حسب المرسوم الشريف من ديوان الخواص الشريفة» على ما تقدّم. وإن كان من الدولة الشريفة: بأن يكون بخط ناظر الدواوين وهو قليل، كتب «حسب المرسوم الشريف من الدولة الشريفة» على نحو ما تقدّم. وقد تقدّم الكلام على المستندات في الجملة، في مقدّمة الكتاب عند الكلام على ديوان الإنشاء.
المقصد الثاني (في المكاتبات العامّة إلى أهل هذه المملكة: وهي المطلقات) «1»
قال في «التعريف» : وأقسامها لا تخرج عن ثمانية أقسام: إلى الوجه القبليّ، وإلى الوجه البحريّ، وإلى عامّة الدّيار المصرية، وإلى بعض البلاد الشامية، وإلى البلاد المصرية والشامية، وإلى الممالك الإسلاميّة وما جاورها، وإلى بعض أولياء الدولة؛ كالأمراء بدمشق أو حلب، وإلى قبائل العرب، أو التّركمان، أو الأكراد أو بعضهم.
قلت: والقاعدة في المطلقات أنه إذا اجتمع في المطلق كبار وصغار، يغلّب حكم الأكبر منهم على الأصغر: تعظيما لأمر الأكابر. فإن كان في المطلق من الألقاب ما تختصّ به الأكابر دون غيرهم، استوفي للكبير ما يختصّ به من الألقاب وأتي بالقدر المشترك فيه بعد ذلك.
ثم المطلقات منها ما يختم. قال في «التعريف» : وهو ما كان لبعض أولياء
(7/238)

الدولة إذا كان في سرّ يكتم ولا يراد إظهاره إلا عند الوقوف عليه، فيختم على عادة الكتب. وهذا يكون عنوانه بظاهره كما في غيره من المكاتبات المفردة.
ومنها ما لا يختم، وهو سائر المطلقات. قال في «التعريف» : وعنوانها (مخالف لعنوان) «1» الكتب المفردة للآحاد: فإنّ تلك في ظاهر الورق، وهذه في باطن الورق، فوق وصلين أو ثلاثة، فوق البسملة. ويقال فيها: مثال شريف مطلق إلى الولاة والنّوّاب، أو غير ذلك من نحو ما في الصدر، فيضمّن العنوان ملخّص ما فيه. ثم يقال: على ما شرح فيه، أو حسب ما شرح فيه. ومن قاعدتها أن يصرّح بذكر المكتوب إليهم في المطلق، بخلاف غيرها من المكاتبات المفردة. قال في «التعريف» : ثم بعد التعريف في المطلقات الدعاء، ثم الإفضاء إلى الكلام؛ وفي آخرها يتعيّن أن يقال: «فليعلموا ذلك ويعتمدوه» .
وحاصل مرجوعها إلى ثلاثة أضرب:
الضرب الأوّل (المطلقات المكبّرة)
قال في «التعريف» : وهي ما يكتب إلى سائر النّوّاب بالممالك الشريفة، خلا سيس فإنها مستجدّة، غير أنه إن رسم بإضافته إليهم، فيحتاج إلى تحرير الحال في أمره: هل يكتب له بعد نائب طرابلس أو بعد نائب صفد؟ ولا يمكن أن يكون بعد مقدّم العسكر بغزّة، ولا نائب الكرك، لأن رتبتة في المكاتبة أعلى منهما. فإنها نظير مكاتبة نائب طرابلس وحماة وصفد.
قلت: هذا على ما كان الأمر استقر عليه من كونها نيابة في أوّل الأمر، أما بعد استقرارها تقدمة عسكر، فإنه يكون بعد مقدّم العسكر بغزّة: لأن كلّا منهما مقدّم عسكر، ومقدّم العسكر بغزّة أقدم من مقدّم العسكر بسيس. وأيضا فإن غزّة
(7/239)

مضافة إلى دمشق وسيس مضافة إلى حلب، ودمشق أكبر من حلب.
قال في «التثقيف» : وصورة هذا المطلق أن يكتب في الطّرّة «1» : «مثال شريف مطلق إلى الجنابين الكريمين، العاليين، الأميريّين، الكافليّين، الفلانيين، نائبي السلطنة الشريفة بالشام وحلب المحروستين، أعزّ الله تعالى نصرتهما، وإلى الجنابات العالية الأميريّة الفلانية أو الفلانيّ والفلانيّ» على الترتيب. ثم يقال: «نوّاب السلطنة الشريفة بطرابلس وصفد وحماة المحروسات. وإلى الجناب العالي والمجلس العالي الأميريّ الأميريّين الفلانيين أو الفلاني والفلاني، مقدّم العسكر المنصور بغزّة المحروسة، ونائب السلطنة الشريفة بالكرك المحروس، أدام الله تعالى نعمتهما، بما رسم لهم به أن يتقدّم أمرهم الكريم بكذا وكذا ويشرح ما رسم به إلى آخره. ثم يخلي بياضا يسيرا. ثم يكتب «على ما شرح فيه» ويترك ثلاثة أوصال بياضا بالوصل الذي تكتب فيه الطرّة. ثم تكتب البسملة في أعلى الوصل الرابع. ثم يكتب قبل آخره بإصبعين ما صورته: «أعزّ الله تعالى نصرة الجنابين الكريمين! وضاعف وأدام نعمة الجناب العالي، والمجلس العالي، الأميريّة، الكبيرية، العالية، العادلية، المؤيّدية، الزعيمية، الغوثية، الغياثية، المثاغريّة، المرابطيّة، المشيّدية، الظهيرية، الكافلية، الفلانية أو الفلانيّ والفلاني» إلى آخرهم: «أعزّاء الإسلام والمسلمين، سادات الأمراء في العالمين، أنصار الغزاة والمجاهدين، زعماء الجيوش، مقدّمي العساكر، ممهّدي الدّول، مشيّدي الممالك، عمادات الملّة، أعوان الأمة، ظهيري الملوك والسلاطين، سيوف أمير المؤمنين، نوّاب السلطنة الشريفة بالشام وحلب وطرابلس وحماة وصفد المحروسات، ومقدّم العسكر المنصور بغزّة المحروسة، ونائب السلطنة الشريفة بالكرك المحروس» ثم الدعاء لهم بصيغة الجمع. ثم يقال: «صدرت هذه المكاتبة إلى الجنابين
(7/240)

الكريمين والجنابات العالية، والمجلس العالي، تهدي إليهم من السلام كذا، وتوضّح لعلمهم الكريم كذا وكذا، فيحيط علمهم الكريم بذلك، والله تعالى يؤيّدهم بمنّه وكرمه» . وتكمّل بالمشيئة وما بعدها. والعلامة «أخوهم» . قال:
في «التثقيف» : وإن أضيف إليهم نائب سيس...... «1» ... في الطرّة والصدر حسب ما تقدّم ذكره.
قال في «التثقيف» : ومما ينبّه عليه أنه قد يكتب تارة إلى بعض هؤلاء النواب ويختصر البعض، بحسب ما تدعو الحاجة إليه، فيكتب كذلك ويختصر منه من رسم باختصاره، ويذكر كلّ واحد منهم في محلّه ومرتبته على الصّورة المتقدّمة من غير تقديم ولا تأخير، ولا زيادة ولا نقص. ثم قال: وهذا هو الذي لم يزل الحال مستقرّا عليه حين كانت مكاتبة نائب الشام «الجناب الكريم» نظير نائب حلب. أما الآن حيث استقرت مكاتبته «المقرّ الكريم» . فإنه لا يليق أن يكتب لغيره بألقابه الخاصّة به. وإن اختصرت الألقاب الخاصّة به كان فيه نقص لرتبته؛ فيلزم من ذلك أن يكتب إليه على انفراده، ويكتب المطلق لمن رسم به ممّن عداه من النوّاب المذكورين.
قلت: وقد رأيت في بعض الدساتير كتابة المطلق الشامل لكافل الشام وغيره من النوّاب بعد استقرار مكاتبة نائب الشام بالمقرّ الكريم على صورتين:
الصورة الأولى- أن تستوفى ألقاب المقرّ الكريم بدعائه، ويؤتى بألقابه الخاصّة به، ثم يعطف عليه الجناب الكريم، والجنابات العالية، والمجلس العالي، بالألقاب المشتركة؛ ويميّز ما يمكن تمييزه منها، ويكمّل على نحو ما تقدّم: وذلك بأن يكتب في الطرّة «مثال شريف مطلق إلى كافل السلطنة الشريفة بالشام المحروس، أعز الله تعالى أنصاره، ونوّاب السلطنة الشريفة بحلب،
(7/241)

وطرابلس، وحماة، وصفد، ضاعف الله تعالى نعمتهم، ومقدّم العسكر المنصور بغزّة وسيس المحروستين، أدام الله تعالى نعمتهما بما رسم لهم به» إلى آخره. ثم يخلي ثلاثة أوصال، على ما تقدّم؛ ويكتب تلو البسملة في أول الوصل الرابع:
«أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم العالي، المولويّ، الأميريّ، الكبيريّ، العابديّ، الناسكيّ، الأتابكيّ؛ ونصرة الجناب الكريم، وضاعف وأدام نعمة الجنابات، والمجالس العالية، الأميريّة، الكبيريّة، العالمية، العادلية، المثاغريّة، المرابطية، العونية، الذّخرية، الغياثيّة، الممهّدية، المشيّدية، المقدّمية، الظهيرية، الكافلية، الفلاني والفلاني» إلى آخرهم: «معزّ وعزّ الإسلام والمسلمين، سيّدي الأمراء في العالمين، ناصر ونصرة الغزاة والمجاهدين، زعماء الجيوش أتابك ومقدّمي العساكر، ممهّدي الدول، مشيّدي الممالك، أعوان الأمة، كهوف الملة، ظهراء الملوك والسلاطين، عضد وسيوف أمير المؤمنين، كافل السلطنة الشريفة بالشام المحروس، ونوّاب السلطنة الشريفة بحلب، وطرابلس، وحماة، ومقدّم العسكر بغزّة وسيس؛ ونائب السلطنة الشريفة بالكرك المحروس» ولا زال إلى آخره. «أصدرناها إلى المقرّ والجناب الكريم والجنابات والمجالس العالية، تهدي إليهم من السلام كذا، ومن الثّناء كذا، وتبدي لعلمهم الكريم كذا وكذا. ومرسومنا للمقرّ والجناب الكريم والجنابات والمجالس العالية أن يتقدّموا بكذا وكذا، فيحيط علمهم بذلك» .
الصورة الثانية- أن تكتب الطرّة على ما تقدّم؛ ثم تكتب ألقاب المقرّ إلى آخرها. ثم يقال: «وتبدي لعلمه الكريم وعلم الجناب الكريم والجنابات العالية والمجلس العالي الأميرية الكبيرية» إلى آخر الألقاب «أن الأمر كذا وكذا.
ومرسومنا للمقرّ والجناب الكريمين والجنابات العالية والمجلس العالي أن يتقدّموا بكذا وكذا، فيحيط علمهم بذلك» والعلامة في هذا المطلق «أخوهم» اعتبارا بالعلامة إلى كافل الشام ونائب السلطنة بحلب.
(7/242)

[الضرب الثاني]
الضرب الثاني (المطلقات المصغّرة)
وقد ذكر لها في «التعريف» قواعد كليّة، وأشار إلى اختلاف مقاصدها في ضمن الكلام الجمليّ، فقال: وفي كلّها يكتب: «مثالنا هذا إلى كلّ واقف عليه من المجالس السامية، الأمراء، الأجلّاء، الأكابر، المجاهدين، المؤيدين، الأنصار، الغزاة، الأنجاد، الأمجاد، أمجاد الإسلام، أشراف الأمراء، أعوان الدولة، عدد الملوك والسلاطين: الولاة، والنوّاب، والشادّين «1» ، والمتصرّفين، بالوجه الفلاني، أو بالديار المصرية، أو بالبلاد الشامية، [أو بالبلاد الفلانية، أو بالديار المصرية والبلاد الشامية] «2» وسائر الممالك الاسلامية» . قال: وقد يزاد في هذا لمقتضيه: «والثّغور والحصون والأطراف المحروسة» . قال: فإذا كان إلى الممالك الاسلامية، قيل «بالديار المصرية، والبلاد الشامية، وسائر الممالك المحروسة، وما جاورها من البلاد الشّرقية، والممالك القانيّة» . وقد تكون إلى جهة الرّوم. فيقال: «وما جاورها من البلاد الروميّة وما يليها» . ثم عقّب ذلك بأن قال: فأما إذا كان إلى بعض أولياء الدولة نظر: فإن كان إلى عامّة أمراء دمشق، قيل: «صدرت هذه المكاتبة إلى المجالس العالية الأمراء» . وبقية الألقاب من نسبة ما يكتب للمجلس العالي. فإذا انتهى إلى أعضاد الملوك والسلاطين، [أو عضد الملوك والسلاطين ويجوز إطلاق هذا الافراد على الجمع] «3» قال: جماعة الأمراء مقدّمي الألوف، وأمراء الطبلخاناه، وسائر [مجالس الأمراء] «4» أمراء العشرات، ومقدّمي الحلقة «5» المنصورة. وإن كان يكتب إلى حلب أو غيرها من
(7/243)

الممالك فبالسامية. وإن كان لأمراء العربان أو التّركمان أو الأكراد، كتب على عادة المطلقات بالسامية، وكتب بعد عدد الملوك والسلاطين «الجماعة الفلانية» أو غير ذلك مما يقتضي التعريف بمن كتب إليه.
أما في «التثقيف» فقد رتّب المطلقات المصغّرة على ستة أصناف:
الصنف الأوّل المطلقات إلى جميع نوّاب القلاع بالمملكة الشامية، أو بالمملكة الحلبيّة.
وصورة ما يكتب إليهم في الطرّة: «مثال شريف مطلق إلى المجالس العالية والسامية الأميريّة، ومجالس الأمراء النوّاب بالقلاع الفلانية المحروسة، أدام الله تعالى نعمتهم بما رسم لهم به من كذا وكذا» إلى آخره. ثم يقال: على ما شرح فيه؛ ثم يخلى وصلان بياضا بوصل الطرّة؛ ثم تكتب البسملة في أعلى الوصل الثالث؛ ثم يكتب بعد البسملة: «صدرت هذه المكاتبة إلى المجالس العالية والسامية الأميريّة» وبقية ألقابهم. «ومجالس الأمراء الأجلّاء، الأكابر، المجاهدين، المؤيّدين، الأنصار، أمجاد الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء في العالمين، أنصار الغزاة والمجاهدين، مقدّمي العساكر، كهوف الملّة، أعوان الأمّة، ظهيري الملوك والسلاطين، النوّاب بالقلاع المنصورة بالمملكة الفلانية المحروسة» . والدعاء إلى آخره «موضحة لعلمهم كذا وكذا. ومرسومنا للمجالس العالية والسامية، ومجالس الأمراء أن يتقدّموا بكذا وكذا، فيحيط علمهم بذلك. والله تعالى يؤيّدهم بمنّه وكرمه» . والعلامة «والدهم» .
(7/244)

الصنف الثاني- المطلقات إلى أصاغر نواب القلاع، ممن يكتب إليه بالساميّ بالياء، أو بالسامي بغير ياء، أو بمجلس الأمير.
وصورة ما يكتب إليهم في الطرّة: «مثال شريف مطلق إلى المجالس الساميّة، ومجالس الأمراء النوّاب بالقلاع الفلانية، أو بولاية فلانة وفلانة، أدام الله تعالى علوّهم» بما رسم لهم به نظير ما تقدّم. وبعد البسملة: «مثالنا هذا إلى كلّ واقف عليه من المجالس الساميّة، ومجالس الأمراء، الأجلّاء، الأكابر، الغزاة، المجاهدين، المؤيّدين، الأنصار، أمجاد الإسلام، أشراف الأمراء، زيون «1» المجاهدين، عمد الملوك والسلاطين، أو عدد الملوك والسلاطين، النّواب بالقلاع الفلانية المحروسة» حسب ما كتب في الطرّة، والدعاء «يتضمن إعلامهم أن الأمر كذا وكذا ومرسومنا للمجالس الساميّة ومجالس الأمراء أن يتقدّموا بكذا وكذا، فليعلموا ذلك ويعتمدوه ويعلموا بحسبه، والله الموفق بمنّه وكرمه» والعلامة الاسم الشريف.
الصنف الثالث- المطلقات إلى عربان الطاعة «2» بالممالك الشاميّة.
والأمر فيه كما في الصنف الذي قبله. قال في «التثقيف» : فإن كان المطلق إلى طائفة من العربان ممن له عادة بمكاتبة جليلة: بأن تكون العلامة «والده» أو نحو ذلك: كآل مهنّا، وآل فضل، وآل عليّ، وآل مرا، ونحوهم، فإنه تكون صورة ما يكتب في الطرّة: «مثال شريف مطلق إلى جماعة العربان، آل فلان» إلى آخره. وفي الصدر بعد البسملة: «مثالنا هذا إلى كلّ واقف عليه من المجالس السامية ومجالس الأمراء» وبقية الألقاب «الكشّاف «3» والولاة والنوّاب بالوجهين
(7/245)

القبلي والبحريّ» . ثم الدعاء. ثم يقال: «يتضمّن إعلامهم كذا وكذا» . ثم البقية من نسبة ما تقدّم.
قال في «التثقيف» : وغالبا يفرد الوجه القبليّ بمطلق شريف، والوجه البحريّ بمطلق شريف. قال: وقد تضاف إلى الوجه البحريّ الثّغور. فيقال:
«الكشّاف والولاة والنّواب بالوجه البحريّ والثّغور المحروسة» . قال: وإضافة الثّغور لا تقع إلا نادرا، لا سيما وقد صار ثغر الإسكندرية نيابة لا ولاية. ثم قال:
وفي هذا الوقت قد يتعذّر إضافة نائب الوجه القبليّ مع الولاة في المطلق لارتفاع مكاتبته عنهم بدرجات؛ فيفرد بمثال شريف، ويكتب المطلق إلى بقية الكشّاف والولاة. ثم قال: هذا الذي يظهر.
قلت: ويمكن أن يجمع معهم، بأن يكتب: «أدام الله تعالى نعمة الجناب العالي» إلى آخره. ثم يقال: «صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي» إلى آخره «وتوضّح لعلمه الكريم وعلم المجالس السامية ومجالس الأمراء» إلى آخر ألقابهم «الولاة بالوجه القبلي» أن الأمر كذا وكذا: ويكمل على ما تقدّم.
قال في «التثقيف» : ومما جرت العادة به أن يكتب مطلق شريف إلى الأمراء بالمملكة الطرابلسيّة، أو الحموية، أو الصّفدية وغيرها، عند ولاية نائب السلطنة بتلك المملكة بإعلامهم بذلك؛ فيكتب على هذا الحكم، ولكنه بعنوان بغير طرّة.
قال: وصورته في الصدر بعد البسملة: «مثالنا هذا إلى كلّ واقف عليه من المجالس الساميّة، ومجالس الأمراء الأجلّاء الأكابر» إلى آخر الألقاب، والدعاء «يتضمن إعلامهم كذا وكذا» إلى آخره كما تقدّم، ولكنه لا يصرّح بذكر الولاة والنّواب كما يصرّح بذكر من يكتب إليه المطلق في غير هذه الحالة. والعنوان:
«المجالس السامية ومجالس الأمراء الأجلّاء الأكابر» إلى آخر الألقاب والنّعوت جميعها، والدعاء، والتعريف «أمراء الطبلخانات والعشرات بطرابلس المحروسة، أو بحماة، أو بصفد، أو بغزّة. قال: أما مملكتا الشام وحلب، فإنه
(7/246)

لم تجر العادة بكتابة مطلق بولاية نائبهما، بل يكتب إلى أمير حاجب «1» بتلك المملكة بإعلامه بذلك. وأما الكرك: فإنه يكتب إلى والي القلعة به بمثل ذلك.
وكذلك يكتب إلى الحاجب بالإسكندرية مثل ذلك.
وهذان شيئان يجب التنبه لهما.
أحدهما كلّ ما كان من ألقاب المطلقات بصيغة الجمع وهو «2» كأعضاد، فإنه يجوز فيه الإفراد فيقال فيه عضد، وهذا مما نبّه عليه في «التعريف» في الكلام على المطلقات.
الثاني. قال في «التثقيف» : فإن قلت: لأيّ شيء تذكر أسماء الولاة والنّواب والعربان وغيرهم في الصّدر بعد تمام النّعوت وقبل الدعاء، ولا تكتب في صدر المطلقات إلى الأمراء المتقدّمة الذكر عند ولاية النائب بها أو غيره؟ فالجواب أن ذلك في صدر المثال الشريف هو التعريف الذي من عادته أن يكون في العنوان ولا يستغنى عنه فهو قائم مقامه، حيث لا عنوان لذلك المطلق، إنما هو بطرّة لا غير، ولها عنوانات، والتعريف مذكور فيها فلا حاجة إلى ذكره في الصدر. ثم قال: ومن الجماعة «3» من ينازع في ذلك، ويدّعى أنّ ذلك في الطرّة كاف ومغن عن ذكره في الصدر، وقائم مقام التعريف في العنوان. ثم قال: وهو خطأ، وليس بشيء. والأصح ما قلناه.
[الصنف] «4» الرابع- قال في «التثقيف» : إذا كان المطلق في أمر يتعلّق بالديار المصرية والبلاد الشامية، تكون صورته «إلى الكشّاف والولاة والنوّاب
(7/247)

والشّادين والمتصرفين بالطّرقات المصرية والبلاد الشامية. وإن كان يتعلق بالبلاد الشامية خاصة، اختصر منه ذكر الطرقات المصرية» .
[الصنف] الخامس- ذكر في «التعريف» أنه يقال في آخر المطلقات بعد فليعلموا ذلك ويعتمدوه: «بعد الخط الشريف» . قال في «التثقيف» ولعل هذا كان في الزمن الذي كان هو مباشرا فيه، أما الآن فإنه لم تجر بذلك عادة، ولم يكتب ذلك في مطلق شريف مكبّر ولا غيره أصلا.
[الصنف] السادس- ذكر في «التثقيف» أنه رأى بخط القاضي ناصر الدين ابن النّشائي أنه كتب مطلقا إلى المجاهدين بمصياف؛ يعني الفداوية «1» صورته:
«يعلم كلّ واقف على مثالنا هذا من المقدّمين الأجلاء الغزاة المجاهدين المؤيّدين الأنصار، الأتابك فلان والأتابك فلان جماعة المجاهدين» ثم الدعاء.
الضرب الثاني (من المطلقات، البرالغ) «2»
بالباء «3» الموحدة والراء المهملة والألف واللام والغين المعجمة جمع برلغ، وهي لفظة تركية معناها المرسوم؛ وعليها جرى عرف كتّاب بلاد الشرق، وقلّ أن
(7/248)

تكتب بالديار المصرية، ولذلك لم يتعرّض لها في «التعريف» ولا في «التثقيف» :
وهذه صورة برلغ شريف رأيتها في تذكرة المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في الجزء السادس والأربعين منها، بخط أخيه المقرّ العلائيّ بن فضل الله رحمهما الله تعالى؛ كتب في الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون» . في عاشر شهر رجب الفرد سنة تسع وعشرين وسبعمائة لتمربغا، الرسول الواصل إلى الديار المصرية، عن القان أبي سعيد صاحب مملكة إيران بالإكرام والمسامحة بما يلزمه. وصورته في أوّل الدرج.
مثال شريف مطلق إلى كافّة من يصل إليه، ويقف عليه، للمجلس الساميّ الأميريّ السيفيّ تمربغا؟؟؟ الرسول، بالطّرخانيّة، وتمكين أصحابه من التردّد إلى الممالك الشريفة الإسلامية، وإكرام حاشيتهم وتسهيل مطلبهم، ومسامحتهم في البيع والشّراء بما طلب من الحقوق على اختلافها، وتحذير من سمع هذه المراسيم المطاعة ثم أقدم على خلافها. وبعد البسملة:
الحمد لله الذي بسط أيدينا الشريفة بالجود، ونصب أبوابنا الشريفة كعبة تهوي إليها أفئدة الوفود، وأطاب مناهلها لكافّة الأمم لتنتابها في الصّدور والورود.
نحمده على نعمة التي كم بلّغت راجيا ما يرجوه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبيضّ بها الوجوه، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي ندب إلى مكارم الأخلاق بقوله: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» ؛ صلّى الله عليه صلاة تزيد من يقرن الثناء بها تكريما، ثم على آله وصحبه وسلّم تسليما.
وبعد: فإنه لما حضر المجلس الساميّ الأميريّ، الاسفهسلاريّ «1» ، السّيفيّ، مجد الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء المقدّمين؛ ناصح الدولتين، ثقة المملكتين؛ فخر الخواصّ المقرّبين، عضد الملوك والسلاطين؛ تمربغا الرسول- أنجح الله تعالى مساعيه، وأوجب الرعاية لمن يراعيه- إلى أبوابنا
(7/249)

الشريفة ونور ولائه يسعى بين يديه، وإخلاص نيّته يظهر عليه؛ بلّغ إلينا ما أرسل فيه عن الحضرة الشريفة العالية، السلطانية، العالميّة، العادليّة، الشاهنشاهية، القانيّة، الأوحدية، الولدية، العزيزية، المعظّمية، الملكية، العلائية؛ أبي سعيد بهادر خان «1» - زيدت عظمته- وظهر لنا من كمال صفاته ما رمى البدر التمام بنقصه، ومن حسن تأتّيه في خدمة من أرسله ما يعرف به أنه أرسل حكيما ولم يوصّه؛ وعرض على نظرنا الشريف البرلغ الشريف المكتتب له عن الحضرة الشريفة، السلطان الأعظم، الولد العزيز المعظّم؛ الملك بو سعيد، أعز الله تعالى شأنه بالطّرخانيّة، وما نبّه عليه من مكانته العلية، ورفّه مطالبه من تأكيد الوصيّة؛ ثم رغب إلينا في الكتابة على حكمه إلى كافّة الممالك، وأن يسطّر له منها صحائف حسنات تقضي بها الملوك وترضى بها الملائك؛ فأجرته مراحمنا الشريفة على كرمها المعتاد؛ وأجارته نعمنا الجزيلة وجاورته حيث سار من الأرض أو أقام من البلاد؛ وأجابت صدقاتنا الشريفة بتحقيق المأمول، وأكرمت كتابه بما يستحق أن يكرم به كتاب الرّسول. ومرسومنا إلى كلّ واقف عليه من النّواب والولاة والشادّين والمتصرفين والمباشرين «2» والمتحدّثين وبقية الحكام أجمعين إلى كافة الممالك
(7/250)

الشريفة الإسلامية شرقا وغربا، وبعدا وقربا، أيّدهم الله بالتوفيق، ويسّر لهم الطريق، وجعل حسن تلقّيهم الوفود يأتي بهم من كلّ فجّ عميق؛ أن يجرى الأمير الكبير المقرّب تمربغا الرسول على ما ألفه في أبوابنا الشريفة من كرم إكرامه، وفارقنا عليه من توقير جانبه وتوفير احترامه؛ ويفسح لكلّ من يصل من جهته في التردّد إلى هذه الممالك الشريفة، والتردّي بملابس النّعم المطيفة؛ وأن تضاعف له الإعانة والعناية، والمراعاة والرّعاية؛ ولا يطلب أحد منهم في البيع والشّراء، والأخذ والعطاء، بشيء من المقرّرات الدّيوانية، والموجبات السلطانية؛ ولا يؤخذ منهم عليها شيء سواء كان قليلا أو كثيرا، جليلا أو حقيرا؛ ولا يتأوّل عليهم أحد في هذا المرسوم الشريف، ولا يتعدّى حكمه في تصرّف ولا تصريف، بل يقف كلّ واقف عليه عنده، ويعمل به في اليوم وما بعده، ويلحظ منه على من خالفه سيفا مسلولا وعلى من تجاوز حدّه؛ فنحن نحذّر وننذر من سطواتنا الشريفة من سمعه ثم زاغ قلبه عنه، أو من بلغه من لا يفهم مضمونه ثم لا يسأل عمّا هو فربّ حامل كلام إلى من هو أوعى منه؛ فلتكن عيونهم له مراعية ومسامعهم منصتة إلى سماعه بإذن واعية؛ والاعتماد على الخطّ الشريف أعلاه الله تعالى وشرّفه.
المقصد الثالث (من المكاتبات، في أوراق الجواز وبطائق الحمام، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في أوراق الجواز)
وهي المعبّر عنه في زماننا بأوراق الطّريق. قال في «التثقيف» : تكون ورقة الطريق في ثلاثة أوصال في قطع العادة، يكتب في أعلاها سطر واحد، صورته:
«ورقة طريق على يد فلان بن فلان الفلانيّ» لا غير. ثم يخلى بيت العلامة تقدير شبر، ويكتب في بقية ذلك الوصل قبل الوصل الثاني بأربعة أصابع مطبوقة بغير بسملة: «رسم بالأمر الشريف العالي المولويّ السلطانيّ الملكيّ الفلانيّ- أعلاه الله تعالى وشرّفه، وأنفذه وصرّفه- أن يمكّن فلان الفلانيّ» . وتذكر ألقابه إن
(7/251)

كان أميرا، أو معتمّما كبيرا، أو ممن له قدر، أو له ألقاب معهودة أو غير ذلك بحسب ما يقتضيه الحال «من التوجه إلى جهة قصده والعود. ويحمل على فرس واحد أو أكثر من خيل البريد المنصور من مركز إلى مركز على العادة متوجّها وعائدا» فإن كان متميز المقدار كتب: «ويعامل بالاكرام والاحترام، والرّعاية الوافرة الأقسام؛ فليعتمد ذلك ويعمل بحسبه، من غير عدول عنه بعد الخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه» . قال: وما تقدّم من كتابة أنه يمكّن من التوجّه والعود، هو فيما إذا كان عائدا ورسم بتمكينه من العود، وإلا فيكتب «أن يمكّن من التوجّه إلى جهة قصده» . فإن كان قد حضر إلى الأبواب وهو عائد، فالأحسن أن يكتب فيه «أن يمكّن من العود إلى جهة قصده» . وكذا «ويعامل بالإكرام والاحترام» لا يكتب إلا الأمير، أو ذى قدر كبير. فإن كان غيره، كتب [بد] له «مع الوصيّة به ورعايته» ونحو ذلك. وإن رسم له بنفقة، كتب بعد ذكر خيل البريد:
«ويصرف له من النّفقة في كلّ يوم كذا وكذا درهما» خلا الأماكن المرسوم بإبطالها. وذلك أن الطّرقات أماكن لا يصرف فيها شيء الآن، فيحتاج إلى أن تستثنى، وكانت قبل ذلك تعيّن! وهي: بلبيس، وطفيس، وأربد «1» وغيرها. ثم كثرت عن التّعداد، فصار يكتب كذلك. ثم قال: ومما ينبّه عليه أن صاحب ورقة الطريق إن كان من مماليك النوّاب أو رسل أحد من أكابر البلاد، ذكر فيه بعد ذكر ما يليق به من الألقاب: «فلان مملوك فلان أو رسول فلان» . وتذكر ألقاب مخدومة التي كوتب بها اختصارا. وإلا «2» تذكر نعوته على يد من رسم بنفيه،
(7/252)

كتب: «أن يمكّن الأمير فلان الدين فلان من التوجّه صحبة فلان البريديّ بالأبواب الشريفة، أو أحد النقباء بالباب الشريف ليوصّله إلى المكان الفلانيّ، ويحمل على كذا وكذا فرسا من خيل البريد المنصور» إن كان قد رسم له بشيء من خيل البريد «ويحمل البريدي على كذا من خيل البريد المنصور» أو «ويحمل النقيب على فرس واحد من خيل الكراء «1» من ولاية إلى ولاية على العادة في ذلك، ويمكّن البريديّ إن كان بريديّا أو النقيب إن كان نقيبا من العود إلى الباب الشريف» . ثم يكمل بنسبة ما تقدّم. وإذا فرغ من صورته، كتب بعد ذلك «إن شاء الله تعالى» ، ثم التاريخ والمستند على العادة.
قال: في «التثقيف» : والمستند «2» في أوراق الطريق أحد ثلاثة أمور: إما خطّ كاتب السر، وهو الغالب. أو رسالة الدّوادار، وهو كثير أيضا. أو إشارة نائب السلطان إن كان ثمّ نائب، وهو نادر. فإن كان بخطّ كاتب السر، كتب على الهامش من الجانب الأيمن سطر واحد يكون آخره يقابل السطر الأول الذي هو رسم بالأمر الشريف، وهو «حسب المرسوم الشريف» . وكذا إن كان بإشارة النائب، كتب سطران على الهامش المذكور آخرهما أيضا يقابل أوّل السطر الأول «بالإشارة العالية» كما تقدّم في الكلام على المستندات في المقالة الثانية «3» قال: وفي هاتين لا يكتب في ذيلهما بعد التاريخ سوى الحسبلة لا غير. وإن كان برسالة الدّوادار، كتب على الهامش «حسب المرسوم الشريف» فقط، وكتب تحت
(7/253)

التاريخ سطران هما «رسالة المجلس العالي الأميريّ الفلانيّ فلان الدّوادار المنصوريّ أدام الله تعالى نعمته» ثم الحسبلة.
الجملة الثانية (في نسخ البطائق «1» ، وهي على ضربين)
الضرب الأول (أن تكون البطاقة بعلامة شريفة)
قال في «التثقيف» : وتكون نحو ثلثي وصل من ورق البطائق. قال:
وصورتها أن يكتب في رأس الورق المذكور في الوسط سواء «الاسم الشريف» وتحته ملصقا به من غير بياض سطر واحد كامل من يمين الورق بغير هامش بما يأتي ذكره. ثم يخلى بيت العلامة تقدير أربعة أصابع مطبوقة، ثم تكتب تتمة الكلام أسطرا متلاصقة بنسبة الأوّل، بغير هامش أصلا إلى آخره. والذي يكتب من يمين الورق: «الله الهادي. سرّح الطائر الميمون ورفيقه، هداهما الله تعالى في الساعة الفلانية من اليوم الفلانيّ من الشهر الفلانيّ من سنة كذا وكذا، إلى المجلس الكريم، أو السامي، الأمير فلان والي فلانة، أو نحو ذلك، يعلمه أنّ الأمر كذا وكذا. ومرسومنا له أن يتقدّم بكذا وكذا. فليعلم ذلك ويعتمده، والله الموفّق بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى، حسبنا الله ونعم الوكيل» . والمستند لها «حسب المرسوم الشريف» .
الضرب الثاني (أن تكون بغير علامة)
وصورتها أن يكتب في رأس الورقة في الوسط موضع الاسم: «الله الهادي بكرمه» ، والأسطر متلاصقة بغير هامش، ولا يخلى فيها بيت علامة. وصورة ما
(7/254)

يكتب فيها: «المرسوم بالأمر الشريف، العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ، الفلاني، أعلاه الله تعالى وصرّفه- أنّ يسرّح هذا الطائر الميمون ورفيقه، هداهما الله تعالى في وقت كذا وكذا» . ويكمّل على حسب ما تقدّم «والله الموفق، حسب المرسوم الشريف، إن شاء الله تعالى» . قال في «التثقيف» : وقد يقتضي الحال نقلها من مكان إلى مكان آخر، مثل أن تنقل من بلبيس إلى قطيا «1» ، فيكتب بعد ذكر المرسوم به: «ويتقدّم بنقل هذه البطاقة إلى فلان الفلانيّ ليعتمد مضمونها ويعمل بحسبها» . فإن كانت منقولة إلى مكان ثالث، كتب بعد ذلك: «ثم ينقلها إلى فلان ليعتمد مضمونها أيضا ويعمل بمقتضاها فيعلم ذلك ويعتمده» . والتتمة حسب ما تقدّم.
الطرف الثالث (في المكاتبات إلى عظماء ملوك الإسلام
، ومن انطوت عليه ممالكهم ممّن دونهم من الملوك والحكّام المنفردين ببعض البلدان، والأمراء والوزراء وسائر من ضمّه نطاق كلّ مملكة من تلك الممالك، ممّن جرت العادة بمكاتبته عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، ممن هو مستمرّ المكاتبة أو زالت مكاتبته بزواله: ليقاس عليه من لعله يظهر مظهره) واعلم أن كتّاب الديار المصرية يراعون في المكاتبة إلى كلّ مملكة صورة المكاتبة الواردة عن تلك المملكة في غالب حالها: في الابتداء والخطاب والاختتام وغير ذلك.
وفيه أربعة مقاصد:
(7/255)

المقصد الأول (في المكاتبات إلى عظماء ملوك الشّرق
، ومن انطوت عليه كلّ مملكة من ممالكهم، ممن جرت العادة بمكاتبته، وفيه أربعة مهايع)
المهيع الأول (في المكاتبة إلى الملوك والحكّام، ومن جرى مجراهم بمملكة إيران
، وهي مملكة الأكاسرة الصائرة إلى بيت هولاكو من بني جنكزخان) وقد تقدّم في المقالة الثالثة في الكلام على المسالك والممالك ذكر حدود هذه المملكة وقواعدها ومدنها، وإلى من تنسب، ومن ملكها جاهليّة وإسلاما إلى زماننا. والمقصود هنا ذكر المكاتبات فقط، ويشتمل المقصود منها على ثلاث جمل.
الجملة الأولى (في رسم المكاتبة إلى قانها الأعظم الجامع لحدودها
، على ما كان الأمر عليه من مبدإ ملك بيت هولاكو وإلى آخر دولة أبي سعيد، وله حالتان)
الحالة الأولى- ما كان الأمر عليه في رسم المكاتبة في أوائل الدولة التّركية
، والعداوة بعد قائمة بين ملوك الديار المصرية وبين ملوكها «1» وفيه أسلوبان:
الأسلوب الأوّل- أن يكتب تحت البسملة من الجانب الأيمن
«بقوّة الله تعالى» ويكون «بقوة الله» سطرا و «تعالى» سطرا؛ ثم يكتب من الجانب الأيسر: «بإقبال دولة السلطان الملك الفلاني» . ويكون «بإقبال دولة» سطرا، وباقي الكلام سطرا ثانيا. ثم يكتب تحت ذلك «كلام فلان» سطرا ثانيا «إلى السلطان فلان» سطرا ثالثا. ثم يؤتى ببعديّة وخطبة، ويؤتى بالمقصود.
(7/256)

وطريقهم فيه على التكلّم عن لسان صاحب مصر بنون الجمع، والخطاب لسلطان إيران بميم الجمع الغائب، مضاهاة لمكاتبتهم الواردة عنهم في جميع ذلك.
وهذه نسخة كتاب، كتب به عن السلطان الملك المنصور قلاوون، صاحب الديار المصرية، في جواب كتاب ورد عن السلطان أحمد «1» القان بإيران في زمانه. يذكر فيه أنّه أسلم «2» ، إذ كان أوّل من أسلم من ملوكهم، ويذكر فيه أن أخاه الكبير «3» كان قد عزم على دخول ممالك الديار المصرية قبل موته، وأنه منع ذلك؛ وأنه لا يحب المسارعة إلى القتال، وأن المشير بذلك الشيخ عبد الرحمن «4» : أحد صلحاء بلادهم، وأنه حرّم على عساكره الغارات على البلاد، وتعرّض فيه إلى أمر الجواسيس، وأشار إلى أنّ الاتّفاق فيه صلاح العالم، وأشار إلى أشياء حمّلها لرسله «5» يذكرونها مشافهة، ووقع الجواب عن جميع ذلك على ما
(7/257)

سيأتي ذكره في الكتب الواردة على الديار المصرية. وكتب بخط ناصر الدين شافع ابن عليّ بن عباس «1» : أحد كتّاب الإنشاء، في رمضان سنة إحدى وثمانين وستمائة. والتكلّم بنون الجمع، والخطاب بالجمع الغائب كما تقدّم في الأسلوب الأوّل، وهي:
بسم الله الرّحمن الرّحيم بقوة الله بإقبال دولة تعالى السلطان الملك المنصور كلام قلاوون إلى السلطان أحمد أما بعد حمد الله الذي أوضح بنا ولنا الحقّ منهاجا، وجاء فجاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا، والصلاة على سيدنا ونبيّنا محمد الذي فضّله الله على كلّ نبيّ نجّى به أمته وعلى كل نبيّ ناجا، صلاة تنير مادجا؛ فقد وصل الكتاب الكريم، المتلقّى بالتكريم، المشتمل على النّبإ العظيم، من دخوله
(7/258)

في الدّين، وخروجه عمن سلف من العشيرة الأقربين؛ ولما فتح هذا الكتاب بهذا الخبر العلم المعلم، والحديث الذي صحّح عند أهل الإسلام إسلامه وأصحّ الحديث ما روي عن مسلم، توجّهت الوجوه بالدعاء إلى الله سبحانه في أن يثبّته على ذلك بالقول الثابت، وأن ينبت حبّ حبّ هذا الدين في قلبه كما أنبت أحسن النّبت من أخشن المنابت؛ وحصل التأمّل للفصل المبتدإ بذكره من حديث إخلاصه في أوّل عنفوان الصّبا إلى الإقرار بالوحدانية، ودخوله في الملّة المحمدية، بالقول والعمل والنيّة؛ فالحمد لله على أن شرح صدره للإسلام، وألهمه شريف هذا الإلهام؛ فحمدنا الله على أن جعلنا من السابقين إلى هذا المقال والمقام، وثبّت أقدامنا في كلّ موقف اجتهاد وجهاد تتزلزل دونه الأقدام.
وأمّا إفضاء النّوبة في الملك وميراثه بعد والده وأخيه الكبير إليه، وإفاضة جلابيب هذه النعمة العظيمة عليه؛ وتوقّله «1» للأسرّة التي طهّرها الله بإيمانه، وأظهرها بسلطانه؛ فلقد أورثها الله من اصطفاه من عباده، وصدّق المبشّرات من كرامة أولياء الله وعبّاده.
وأمّا حكاية الإخوان والأمراء الكبار ومقدّمي العساكر وزعماء البلاد في مجمع فوريلياي «2» الذي ينقدح فيه زند الآراء، وأن كلمتهم اتفقت على ما سبقت به كلمة أخيه الكبير في إنفاذ العساكر إلى هذا الجانب، وأنه قد فكّر فيما اجتمعت عليه آراؤهم، وانتهت إليه أهواؤهم؛ فوجده مخالفا لما في ضميره: إذ قصده الصّلاح، ورأيه الإصلاح؛ وأنه أطفأ تلك النائرة، وسكّن تلك الثائرة؛ فهذا فعل
(7/259)

الملك المتّقي، المشفق من قومه على من بقي؛ المفكّر في العواقب، بالرأي الثاقب؛ وإلا فلو تركوا وآراءهم حتّى تحملهم الغرّة، لكانت تكون هذه هي الكرّة؛ لكن هو كمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فلم يوافق قول من ضلّ ولا فعل من غوى.
وأما القول منه إنه لا يحبّ المسارعة، إلى المقارعة، إلا بعد إيضاح المحجّة، وتركيب الحجّة؛ فبانتظامه في سلك الإيمان صارت حجّتنا وحجته متركّبة، على من غدت طواغيته عن سلوك هذه المحجّة متنكّبة، فإن الله سبحانه وتعالى والناس كافّة قد علموا أنّ قيامنا إنما هو لنصرة هذه الملة، وجهادنا واجتهادنا إنما هو لله؛ وحيث قد دخل معنا في الدّين هذا الدّخول، فقد ذهبت الأحقاد وزالت الذّحول «1» ؛ وبارتفاع المنافرة، تحصل المظافرة؛ فالإيمان كالبنيان يشدّ بعضه ببعض، ومن أقام مناره فله أهل بأهل في كل مكان وجيران بجيران بكلّ أرض.
وأما ترتيب هذه الفوائد الجمّة على إذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن، أعاد الله تعالى من بركاته، فلم ير لوليّ قبله كرامة كهذه الكرامة، والرّجاء ببركته وبركة الصالحين أن تصبح كلّ دار إسلام دار إقامة، حتّى تتمّ شرائط الإيمان، ويعود شمل الإسلام مجتمعا كأحسن ما كان؛ ولا ينكر لمن بكرامته ابتداء هذا التمكين في الوجود، أنّ كلّ حقّ ببركته إلى نصابه يعود.
وأما إنفاذ أقضى القضاة قطب الملة والدين، والأتابك بهاء الدين؛ الموثوق بنقلهما في إبلاغ رسائل هذه البلاغة، فقد حضرا وأعادا كلّ قول حسن من أحوال «2» أحواله، وخطرات خاطره، ومسطّرات «3» ناظره، ومن كلّ ما يشكر
(7/260)

ويحمد، ويعنعن حديثهما فيه عن مسند أحمد.
وأما الإشارة إلى أنّ النّفوس إن «1» كانت تتطلّع في إقامة دليل، تستحكم [به] دواعي الودّ الجميل؛ فلينظر إلى ما ظهر من مآثره، في موارد الأمر ومصادره: من العدل والإحسان، بالقلب واللسان، والتقدّم بإصلاح الأوقات «2» ، فهذه صفات من يريد لملكه الدوام؛ فلما ملك عدل، ولم يلتفت إلى لؤم من عدا ولا لوم من عذل.
على أنها وإن كانت من الأفعال الحسنة، والمثوبات التي تستنطق بالدعاء الألسنة؛ فهي واجبات تؤدّى، وهو أكبر من أنه يؤخر غيره أو عليه يقتصر، أوله يدّخر؛ إنما يفتخر الملك العظيم بأن يعطي ممالك وأقاليم وحصون، أو يبذل في تشييد ملكه أعزّ مصون.
وأما تحريمه على العساكر والقراغولات «3» والشحاني «4» بالأطراف التعرّض إلى أحد بالأذى، و [تحتيم] إصفاء موارد الواردين والصادرين من شوائب القذى؛ فمن حين بلغنا تقدّمه بذلك تقدّمنا أيضا بمثله إلى سائر النّوّاب، بالرّحبة وحلب «5» وعينتاب؛ وتقدّمنا إلى مقدّم «6» العساكر بأطراف تلك الممالك، بمثل ذلك؛ وإذا اتحد الإيمان، وانعقدت الأيمان؛ تحتّم إحكام هذه الأحكام، وترتب عليه جميع الأحكام.
(7/261)

وأما الجاسوس الفقير الذي أمسك وأطلق وأنّ بسبب من تزيّا من الجواسيس بزيّ الفقراء قتل جماعة من الفقراء الصّلحاء رجما بالظن، فهذا باب من ذلك الجانب (ستروه، وإلى الاطّلاع على الأمور صوّروه؛ فظفر النوّاب منهم بجماعة فرفع عنهم السيف، ولم يكشف ما غطّته خرقة الفقر ولا كيف) «1» وأما الإشارة إلى أن في اتفاق الكلمة (يكون صلاح العالم، وينتظم شمل بني آدم؛ فلا رادّ لمن طرق باب الاتّحاد، ومن جنح للسلّم فما جار ولا حاد؛ ومن ثنى عنانه عن المكافحة، كمن يريد المصافحة للمصالحة) «2» ؛ والصّلح وإن كان سيد الأحكام فلا بدّ من أمور تبنى عليها قواعده، وتعلم من مدلولها فوائده؛ فإن الأمور المسطورة في كتابه (عن كلّيّات لازمة ينعم بها كلّ معنى معلوم) «3» إن تهيأ صلح أو لم، وثمّ أمور لا بدّ أن «4» تحكم، وفي سلكها عقود العهود تنظم؛ قدّ تحمّلها لسان «5» المشافهة التي إذا أوردت أقبلت من «6» معنى دخوله في الدين، وانتظام عقده بسلك المؤمنين؛ وما بسطه من عدل وإحسان، وسيرة مشهورة بكلّ لسان، فالمنّة لله في ذلك فلا يشيبها منه بامتنان؛ وقد أنزل الله تعالى على
(7/262)

رسوله صلّى الله عليه وسلّم في حقّ من امتنّ بإسلامه: قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ
»
ومن المشافهة أنه قد أعطاه الله من العطاء ما أغناه به عن امتداد الطّرف إلى ما في يد غيره من أرض ومال، فإن حصلت الرغبة في الاتفاق على ذلك فالأمن «2» حاصل؛ فالجواب أنّ ثمّ أمورا متى حصلت عليها الموافقة، تمّت المصاحبة والمصادقة؛ ورأى الله تعالى والناس كيف يكون (إذلال معادينا، وإعزاز مصافينا) «3» ؛ فكم من صاحب وجد حيث لا يوجد الأب والأخ والقرابة، وما تمّ أمر الدين المحمديّ واستحكم في صدر الإسلام إلا بمظافرة الصّحابة؛ فإن كانت له رغبة مصروفة إلى الاتحاد، وحسن الوداد، وجميل الاعتضاد، وكبت الأعداء والأضداد، والاستناد إلى من يشتدّ به الأزر «4» عند الاستناد، فقد فهم المراد «5» ومن المشافهة إذا كانت رغبتنا غير ممتدّة إلى ما في يده من أرض ومال، فلا حاجة إلى إنفاذ المغيرين الذين يؤذون المسلمين بغير فائدة تعود؛ فالجواب أنه لو كفّ كفّ العدوان من هنالك، وخلّي لملوك المسلمين ما لهم من ممالك؛ سكنت الدّهماء، وحقنت الدّماء؛ وما أحقّه بأن لا ينهى عن خلق ويأتي مثله، ولا يأمر بشيء «6» وينسى فعله؛ وقنغرطاب «7» بالرّوم الآن، وبين «8» بلاد في أيديكم خراجها يجبى إليكم، فقد سفك فيها وفتك، وسبى وهتك؛ وباع الأحرار، وأبي إلا التمادي على ذلك «9» والإصرار.
(7/263)

ومن المشافهة أنه إن حصل التصميم على أن لا تبطل هذه الإغارات، ولا يقتصر «1» عن هذه الإثارات؛ فتعيّن مكانا يكون فيه اللّقاء، ويعطي الله النصر لمن يشاء؛ فالجواب عن ذلك أن الأماكن التي اتّفق فيها ملتقى الجمعين مرّة ومرّة ومرة قد عاف مواردها من سلف «2» من أولئك القوم، وخاف أن يعادوها فيعادوه مصرع ذلك اليوم؛ ووقت اللّقاء علمه عند الله لا يقدر، وما النصر إلا من عند الله لمن أقدر لا لمن قدر؛ وما «3» نحن ممن ينتظر فلته، ولا ممّن له إلى غير ذلك لفته، وما أمر ساعة النصر إلا كالساعة التي لا تأتي إلا بغته؛ والله تعالى الموفّق لما فيه صلاح هذه الأمة، والقادر على إتمام كلّ خير ونعمه؛ إن شاء الله تعالى. مستهلّ شهر رمضان المعظم قدره، سنة إحدى وثمانين وستمائة. الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه. حسبنا الله ونعم الوكيل.
الأسلوب الثاني (أن يكتب تحت البسملة على حيال وسطها «بقوّة الله تعالى وميامين الملة المحمدية» )
ويكون «بقوّة الله تعالى» سطرا. و «ميامين الملة المحمدية» سطرا ثانيا. ثم يؤتى ببعديّة وخطبة مختصرة؛ ثم يكتب سطران ببياض من الجانبين، فيهما: «بإقبال دولة السلطان الملك» وباقي الكلام في السطر الثاني. ثم يقال:
«فليعلم السلطان فلان» . ويؤتى على المقصود إلى آخره.
وهذه نسخة كتاب من إنشاء القاضي علاء الدين عليّ بن فتح الدين محمد ابن محيي الدين بن عبد الظاهر «4» ، صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية في
(7/264)

جواب كتاب ورد عن السلطان محمود غازان، القان بمملكة إيران، يذكر فيه أنّ جماعة من عساكر البلاد الشاميّة أغاروا على ماردين، وأن الحميّة اقتضت الرّكوب في مقابلة ذلك. وذكر أنه قدّم الرسل بالإنذار. ويذكر فيه أنهم صبروا على تماديهم في غيّهم؛ ويذكر فيه نصرته على العساكر الإسلامية في المرّة السابقة. ويذكر فيه أنه أقام بأطراف البلاد. ولم يدخلها خوف التخريب والفساد. ويذكر فيه جمع العساكر وتهيئة المجانيق وغير ذلك من آلة القتال. ويذكر أنه إذا لم تجر موجبات الصلح كانت دماء المسلمين مطلولة؛ ويذكر إرسال رسله بكتابه ويلتمس التّحف والهدايا، مما كتب به عن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، في المحرّم سنة إحدى وسبعمائة وهي:
بسم الله الرّحمن الرّحيم بقوّة الله تعالى وميامين الملّة المحمدية أمّا بعد حمد الله الذي جعلنا من السابقين الأوّلين، الهادين المهتدين؛ التابعين لسنّة سيد المرسلين، بإحسان إلى يوم الدين؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الذين فضّل الله من سبق منهم إلى الإيمان في كتابه المكنون. فقال سبحانه وتعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
«1» بإقبال دولة السلطان الملك الناصر كلام محمد بن قلاوون.
(7/265)

فليعلم السلطان المعظّم محمود غازان «1» أنّ كتابه ورد، فقابلناه بما يليق بمثلنا لمثله من الإكرام، ورعينا له حقّ القصد فتلقيناه منّا بسلام؛ وتأمّلناه تأمّل المتفهّم لدقائقه، المستكشف عن حقائقه؛ فألفيناه قد تضمّن مؤاخذات بأمورهم بالمؤاخذة عليها أحرى، معتذرا في التعدّي بما جعله ذنوبا لبعض طالب بها الكلّ، والله تعالى يقول: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *
«2» أمّا حديث من أغار على ماردين من رجالة بلادنا المتطرّفة وما نسبوه إليهم من الأمور البديعة، والآثام الشّنيعة؛ وقولهم: إنهم أنفوا من تهجّمهم، وغاروا من تقحّمهم؛ واقتضت الحميّة ركوبهم في مقابلة ذلك، فقد تلمّحنا هذه الصورة التي أقاموها عذرا في العدوان، وجعلوها سببا إلى ما ارتكبوه من طغيان؛ والجواب عن ذلك أنّ الغارات من الطّرفين [و] لم يحصل من المهادنة والموادعة ما يكفّ يدنا الممتدّة، ولا يفترّ هممها المستعدّة؛ وقد كان آباؤكم وأجدادكم على ما علمتم من الكفر والشّقاق، وعدم المصافاة للإسلام والوفاق؛ ولم يزل ملك ماردين ورعيّته منفّذين ما يصدر من الأذى للبلاد والعباد عنهم، متولّين كبر نكرهم؛ والله تعالى يقول: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
«3» وحيث جعلتم هذا ذنبا للحميّة الجاهليّة، وحاملا على الانتصار الذي زعمتم أنّ همّتكم به مليّة؛ فقد كان هذا القصد الذي ادّعيتموه يتمّ بالانتقام من أهل تلك الأطراف التي أوجب ذلك فعلها، والاقتصار على أخذ الثار ممن ثار، اتباعا لقوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
«4» لا أن تقصدوا الإسلام بالجموع الملفّقة على اختلاف الأديان، وتطأوا البقاع الطاهرة بعبدة الصّلبان؛ وتنتهكوا حرمة البيت المقدّس الذي هو ثاني بيت
(7/266)

الله الحرام، وشقيق مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ وإن احتججتم بأنّ زمام تلك الغارة بيدنا، وسبب تعدّيهم من سنّتنا؛ فقد أوضحنا الجواب عن ذلك، وأنّ عدم الصّلح والموادعة أوجب سلوك هذه المسالك.
وأما ما ادّعوه من سلوك سنن المرسلين، واقتفاء آثار المتقدّمين، في إنفاذ الرّسل أوّلا، فقد تلمحنا هذه الصّورة، وفهمنا ما أوردوه من الآيات المسطورة؛ والجواب عن ذلك أنّ هؤلاء الرّسل ما وصلوا إلينا إلا وقد دنت الخيام من الخيام، وناضلت السهام السّهام، وشارف القوم، ولم يبق للّقاء إلا يوم أو بعض يوم؛ وأشرعت الأسنّة من الجانبين، ورأى كلّ خصمه رأى العين؛ وما نحن ممن لاحت له رغبة راغب فتشاغل عنها، ولا ممن يسالم فيقابل ذلك بجفوة النّفار، والله تعالى يقول: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
«1» كيف والكتاب بعنوانه! وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: «ما أضمر إنسان شيئا إلا ظهر في صفحات وجهه وفلتات لسانه» . ولو كان حضور هؤلاء الرسل والسّيوف وادعة في أغمادها، والأسنّة مستكنّة في أعوادها؛ والسّهام غير مفوّقة، والأعنّة غير مطلقة؛ لسمعنا خطابهم، وأعدنا جوابهم.
وأما ما أطلقوا به لسان قلمهم، وأبدوه من غليظ كلمهم؛ في قولهم: فصبرنا على تماديكم في غيّكم، وإخلادكم إلى بغيكم؛ فأيّ صبر ممن أرسل عنانه إلى المكافحة، قبل إرسال رسل المصالحة؛ وجاس خلال الدّيار، قبل ما زعمه من الإعذار والإنذار؟ وإذا فكّروا في هذه الأسباب، ونظروا ما صدر عنهم من خطاب، علموا العذر في تأخير الجواب، وما يتذكّر إلا أولوا الألباب.
وأمّا ما تبجّحوا به مما اعتقدوه من نصرة، وظنّوه من أنّ الله جعل لهم على حزبه الغالب في كلّ كرة الكرّة؛ فلو تأمّلوا ما ظنّوه ربحا لوجدوه هو الخسران المبين، ولو أنعموا النظر في ذلك لما كانوا به مفتخرين؛ ولتحققوا أنّ الذي اتّفق
(7/267)

لهم كان غرما لا غنما، وتدبّروا معنى قوله تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
«1» ولم يخف عنهم ما نالته السيوف الإسلامية منهم، وقد رأوا عزم من حضر من عساكرنا التي لو كانت مجتمعة عند اللّقاء ما ظهر خبر عنهم؛ فإنا كنّا في مفتتح ملكنا، ومبتدإ أمرنا، حللنا بالشام للنظر في أمور البلاد والعباد؛ فلما تحقّقنا خبركم، وقفونا أثركم؛ بادرنا نقدّ أديم الأرض سيرا، وأسرعنا لندفع عن المسلمين ضررا وضيرا، ونؤدّي من الجهاد السنّة والفرض، ونعمل بقوله تعالى:
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
«2» فاتفق اللّقاء بمن حضر من عساكرنا المنصورة، وثوقا بقوله تعالى: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً
«3» وإلا فأكابركم يعلمون وقائع الجيوش الإسلاميّة التي كم وطئت موطئا يغيظ الكفّار فكتب لها عمل صالح، وسارت في سبيل الله ففتح عليها أبواب المناجح؛ وتعدّدت أيام نصرتها التي لو دقّقتم الفكر فيها لأزالت ما حصل عندكم من لبس، ولما قدرتم أن تنكروها وفي تعب من ينكر ضوء الشمس، وما زال الله نعم المولى ونعم النصير، وإذا راجعتموهم قصّوا عليكم نبأ الاستظهار وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
«4» ؛ وما زالت تتّفق الوقائع بين الملوك والحروب، وتجري المواقف التي هي بتقدير الله فلا فخر فيها للغالب ولا عار على المغلوب؛ وكم من ملك استظهر عليه ثم نصر، وعاوده التأييد فجبر بعد ما كسر؛ خصوصا ملوك هذا الدّين، فإنّ الله تعالى تكفّل لهم بحسن العقبى فقال تعالى: وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ*
«5» وأما إقامتهم الحجة علينا، ونسبتهم التفريط إلينا؛ في كوننا لم نسيّر إليهم رسولا عند ما حلّوا بدمشق، فنحن عندما وصلنا إلى الديار المصرية لم نزد على أن
(7/268)

اعتدّينا وجمعنا جيوشنا من كل مكان، وبذلنا في الاستعداد غاية الجهد والإمكان؛ وأنفقنا جزيل الأموال في العساكر والجحافل، ووثقنا بحسن الخلف لقوله تعالى:
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ
«1» ولمّا خرجنا من الديار المصرية، بلغنا خروج الملك من البلاد، لأمر حال بينه وبين المراد؛ فتوقّفنا عن المسير توقّف من أغنى رعبه عن حثّ الركاب، وتثبّتنا تثبّت الراسيات وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
«2» وبعثنا طائفة من العساكر لمقاتلة من أقام بالبلاد فما لاح لنا منهم بارق ولا ظهر، وتقدّمت فتخطّفت من حمله على التأخّر الغرر، ووصلت إلى الفرات فما وقفت للقوم على أثر.
وأما قولهم: إننا ألقينا في قلوب العساكر والعوامّ أنهم فيما بعد يتلقّونا على حلب أو الفرات، وأنهم جمعوا العساكر ورحلوا إلى الفرات وإلى حلب مرتقبين؛ فالجواب عن ذلك أنهم من حين بلغنا حركتهم جزمنا، وعلى لقائهم عزمنا؛ وخرجنا وخرج أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله ابن عم سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الواجب الطاعة على كلّ مسلم، المفترض المبايعة والمتابعة على كل منازع ومسلّم؛ طائعين لله ولرسوله في أداء مفترض الجهاد، باذلين في القيام بما أمرنا الله تعالى غاية الاجتهاد؛ عالمين بأنه لا يتمّ أمر دين ولا دنيا إلا بمشايعته، ومن والاه فقد حفظه الله تعالى وتولّاه، ومن عانده أو عاند من أقامه فقد أذلّه الله؛ فحين وصلنا إلى البلاد الشامية تقدّمت عساكرنا تملأ السّهل والجبل، وتبلّغ بقوّة الله تعالى في النصر الرّجاء والأمل؛ ووصلت أوائلها إلى أطراف حماة وتلك النواحي فلم يقدم أحد منهم عليها، ولا جسر أن يمدّ حتّى ولا الطّرف إليها؛ فلم نزل مقيمين حتّى بلغنا رجوع الملك إلى البلاد، وإخلافه موعد اللقاء والله لا يخلف الميعاد؛ فعدنا لاستعداد جيوشنا التي لم تزل تندفع في طاعتنا اندفاع السيل،
(7/269)

عاملين بقوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ
«1» .
وأمّا ما جعلوه عذرا في الإقامة بأطراف البلاد وعدم الإقدام عليها، وأنهم لو فعلوا ذلك ودخلوا بجيوشهم ربما أخرب البلاد مرورها، وبإقامتهم فسدت أمورها؛ فقد فهم هذا المقصود، ومتى ألفت العباد والبلاد منهم هذا الإشفاق؟
ومتى اتّصفت جيوشهم بهذه الأخلاق؟ وها آثارهم موجودة على ملك آل سلجوق وما تعرّضوا لدار ولا جار، ولا عفّوا أثرا من الآثار؛ ولا حصل لمسلم منهم ضرر، ولا أوذي في ورد ولا صدر؛ وكان أحدهم يشتري قوته بدرهمه وديناره، ويأبى أن تمتدّ إلى أحد من المسلمين يد إضراره؛ هذه سنّة أهل الإسلام، وفعل من يريد لملكه الدوام.
وأما ما أرعدوا به وأبرقوا، وأرسلوا به عنان قلمهم وأطلقوا؛ وما أبدوا من الاهتمام بجمع عساكرهم وتهيئة المجانيق إلى غير ذلك مما ذكره من التهويل، فالله تعالى يقول: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
«2» .
وأما قولهم: وإلا فدماء المسلمين مطلولة، فما كان أغناهم عن هذا الخطاب، وأولاهم بأن لا يصدر إليهم عن ذلك جواب؛ ومن قصد الصّلح والإصلاح، كيف يقول هذا القول الذي عليه فيه من جهة الله تعالى ومن جهة رسوله أيّ جناح؟ وكيف يضمر هذه النية، ويتبجّج بهذه الطويّة؟ ولم يخف مواقع زلل هذا القول وخلله، والنبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «نيّة المرء أبلغ من عمله» وبأيّ طريق تهدر دماء المسلمين التي من تعرّض إليها يكون الله له في الدنيا والآخرة مطالبا وغريما، ومؤاخذا بقوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً
«3» ؟ وإذا كان الأمر كذلك
(7/270)

فالبشرى لأهل الإسلام بما نحن عليه من الهمم المصروفة إلى الاستعداد، وجمع العساكر التي تكون لها الملائكة الكرام إن شاء الله تعالى من الأنجاد؛ والاستكثار من الجيوش الإسلامية المتوفّرة العدد، المتكاثرة المدد؛ الموعودة بالنصر الذي يحفّها في الظّعن والإقامة، الواثقة [به] «1» من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على عدوّهم إلى يوم القيامة» . المبلّغة في نصر دين الله آمالا، المستعدة لإجابة داعي الله إذا قال: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا
«2» .
وأما رسلهم فلان وفلان فقد وصلوا إلينا، ووفدوا علينا؛ وأكرمنا وفادتهم، وغزّرنا لأجل مرسلهم من الإقبال مادّتهم، وسمعنا خطابهم، وأعدنا عليهم جوابهم؛ هذا مع كوننا لم يخف علينا انحطاط قدرهم، ولا ضعف أمرهم؛ وأنهم ما دفعوا لأفواه الخطوب، إلا لما ارتكبوه من ذنوب؛ وما كان ينبغي أن يرسل مثل هؤلاء لمثلنا من مثله، ولا ينتدب لمثل هذا الأمر المهمّ إلا من يجمع على فصل خطابه وفضله.
وأما ما التمسوه من الهدايا والتّحف، فلو قدّموا من هداياهم حسنة لعوّضناهم بأحسن منها، ولو أتحفونا بتحفة، لقابلناها بأجلّ عوض عنها. وقد كان عمّهم الملك أحمد راسل والدنا الشهيد، وناجى بالهدايا والتّحف من مكان بعيد؛ وتقرّب إلى قلبه بحسن الخطاب، فأحسن له الجواب؛ وأتى البيوت من أبوابها بحسن الأدب، وتمسّك من الملاطفة بأقوى سبب.
والآن فحيث انتهت الأجوبة إلى حدّها، وأدركت الأنفة من مقابلة ذلك الخطاب غاية قصدها؛ فنقول: إذا جنح الملك للسّلم جنحنا لها، وإذا دخل في الملّة المحمدية ممتثلا ما أمر الله تعالى به مجتنبا ما عنه نهى، وانتظم في سلك الإيمان، وتمسك بموجباته تمسّك المتشرف بدخوله فيه لا المنّان، وتجنّب التشبّه بمن قال
(7/271)

الله تعالى في حقهم: قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ
«1» . وطابق فعله قوله، ورفض الكفّار الذين لا يحلّ له أن يتّخذهم حوله؛ وأرسل إلينا رسولا من جهته يرتّل آيات الصلح ترتيلا، ويروق خطابه وجوابه حتّى يتلو كلّ أحد عند عوده: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
«2» .
صارت حجّتنا وحجّته مركبة على من خالف ذلك، وكلمتنا وكلمته قامعة أهل الشرك في سائر الممالك؛ ومظافرتنا له تكسب الكافرين هوانا، والشاهد لمصافاتنا مفاد قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
«3» . وينتظم إن شاء الله تعالى شمل المصالح أحسن انتظام، ويحصل التمسك من الموادعة والمظافرة بعروة لا انفصال لها ولا انفصام، وتستقرّ قواعد الصّلح على ما يرضي الله تعالى ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.
الحالة الثانية (ما كان عليه رسم المكاتبة في الدولة الناصرية
«محمد بن قلاوون» إلى أبي سعيد بهادرخان بن خدابندا «4» : آخر ملوك بني هولاكو، ملك إيران) قال في «التعريف» : وهو كتاب يكتب في قطع البغداديّ الكامل؛ يبتدأ فيه بعد البسملة وسطر من الخطبة الغراء المكتتبة بالذهب المزمّك «5» ، بألقاب سلطاننا على عادة الطغراوات «6» ؛ ثم تكمّل الخطبة وتفتتح ببعديّة إلى أن تساق الألقاب،
(7/272)

وهي: «الحضرة الشريفة، العالية، السلطانية الأعظميّة، الشاهنشاهيّة، الأوحدية، الأخويّة، القانية، الفلانية» من غير أن يخلط فيها «الملكيّة» لهوانها عليهم وانحطاطها لديهم ثم يدعى له بالأدعية المعظّمة المفخّمة الملوكية: من إعزاز السلطان ونصر الأعوان، وخلود الأيام، ونشر الأعلام، وتأييد الجنود، وتكثير الوفود. وغير ذلك مما يجري هذا المجرى. ثم يقال ما فيه التلويح والتصريح بدوام الوداد، وصفاء الاعتقاد، ووصف الأشواق، وكثرة الأتواق، وما هو من هذه النسبة. ثم يؤتى على المقاصد، ويختم بدعاء جليل، وتستعرض المراسيم «1» والخدم، ويوصف التطلع إليها، ويظهر التهافت عليها.
وهذا الكتاب تكتب جميع خطبته وطغراه [وعنوانه] «2» بالذهب المزمّك، وكذلك كلّ ما وقع في أثنائه من اسم جليل، وكلّ ذي شأن نبيل: من اسم لله تعالى، أو لنبينا صلّى الله عليه وسلّم، أو لأحد من الأنبياء، أو الملائكة عليهم السلام، أو ذكر دين الإسلام، أو ذكر سلطاننا، أو السلطان المكتوب إليه، أو ما هو متعلّق بهما. مثاله «عندنا وعندكم» و «لنا ولكم» و «كتابنا وكتابكم» . كلّ هذا يكتب بالذهب؛ وما سواه يكتب بالسّواد.
فأما العنوان، فهو بهذه الألقاب إلى أن ينتهي إلى اللّقب الخاص، ثم يدعى له بدعوة أو اثنتين، نحو: «أعزّ الله سلطانها، وأعلى شانها» أو نحو ذلك. ثم يسمّى اسم السلطان المكتوب إليه؛ ثم يقال «خان» كما كنا نكتب، فنقول: «بو سعيد بهادرخان» فقط. ويطمغ بالذهب بطمغات «3» عليها ألقاب سلطاننا، تكون على الأوصال، يبدأ بالطّمغة على اليمين في أوّل وصل، ثم على اليسار في ثاني
(7/273)

وصل، ثم على هذا النمط إلى أن ينتهي في الآخر إلى اليمين. ولا يطمّغ على الطرّة البيضاء. والكاتب يخلي لمواضع الطمغة مواضع الكتابة، تارة يمنة، وتارة يسرة.
وأوضح ذلك في «التثقيف» وبيّنه، فقال: والمكاتبة إليه في عرض البغداديّ الكامل، والطرّة ثلاثة أوصال، والبسملة ذهب مزمّك بألفات طوال بالمسطرة بخطّ الذهب؛ ثم الخطبة، وأولها «الحمد لله» والسطر الذي يلي البسملة الشريفة وثانية من أوائل الورق زائدان عن بقيّة السطور التي من أول السطر الثالث إلى آخر الكتاب. وبين هذين السطرين المذكورين، (وهو موضع بيت العلامة الشريفة) طرّة ذهب بالألقاب الشريفة؛ ثم بعد هذين السطرين الملاصقين للطرّة المذكورة بقيّة السطور بهامش جيّد في يمين الورق على العادة. وجميع السطور مكملة إلى آخر الورق، لا يخلى فيها للطّمغة مكان. وبعد الخطبة ما يناسب الابتداء إن كان، أو الجواب إلى أن يتصل الكلام بالألقاب، وهي: «الحضرة، الشريفة، العالية، السلطانية، الأعظميّة، العالمية، العادلية، الأكمليّة، القانيّة، الشاهنشاهية، الولديّة، العزيزية، الملكية، الفلانية» . ثم الدعاء. وفي أثناء خطابه «الحضرة الشريفة» تارة، وتارة «الحضرة العالية» والدعاء في أوساطه نحو «زيدت عظمته، ودامت معدلته، وأعلى الله مقامه، وأعزّ الله شانه» . والخطبة جميعها بالذهب المزمّك. وبعدها بالأسود خلا ذكر الله تعالى أو رسوله صلّى الله عليه وسلّم، أو ما أضيف إليهما، أو ما يعظّم ذكره: كالحق والعدل وأمثالهما، أو كلّ لقب أو نعت، أو كلمة مضافة إلى المكتوب عنه أو المكتوب إليه، أو ضمير فيهما، فإنه بالذّهب.
والعنوان بألقابه كاملة، وفي آخرها الدعاء له من غير توقّف.
قال: وكان قد استقر من أمر العلامة الشريفة أن يكتب على جانب يمين السطرين: الثاني والثالث، وهو مما يلي بيت العلامة «المشتاق محمد» . ثم قال: ورأيت بخط القاضي المرحوم ناصر الدين بن النّشائيّ أنّ ذلك نظير الكتاب الوارد منه في رجب سنة تسع وعشرين وسبعمائة. ثم قال: وقد ذكر في «التعريف»
(7/274)

ثلاثة أمور زائدة «1» التنبيه عليها.
أحدها- أنه يذكر تعريفه في العنوان. فيكتب بعد ذكر الاسم «خان» .
فيقال: «بو سعيد بهادرخان» .
ثانيها- أنه تستعمل الطّمغات على الأوصال.
ثالثها- أنه لا يكتب في ألقابه «الملكية» . وذكر أنه لم يكتب لأحد بهذه المكاتبة بعد السلطان أبي سعيد، خلا ما ذكر القاضي ناصر الدين بن النّشائي أنه كتب نظير ذلك بعد أبي سعيد لطغاي تمرخان. قال: ولو كتب بالمغلية كتب في القطع المذكور. أما الملطفات «2» ، ففي قطع الثلث.
وهذه نسخة مكاتبة كتب بها المقرّ الشهابيّ بن فضل الله عن السلطان الملك الناصر «محمد بن قلاوون» إلى السلطان أبي سعيد بهادرخان المقدّم ذكره، وهي:
الحمد لله الذي جعلنا بنعمته إخوانا، وجمعنا على طاعته أصولا لا تتفرّق أغصانا؛ نحمده على ما أولانا؛ ونشكره على ما ولّانا، ونرغب إليه في مزيد ألطافه التي شملت أقصانا وأدنانا؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة كالشمس لا تدع في الأرض مكانا؛ ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي شيّد بنا لشريعته أركانا، وشدّ بعضنا ببعض لنكون كما شبّهنا به بنانا أو بنيانا؛ صلى الله عليه وعلى آله صلاة لا تتوانى، ورضي الله عن أصحابه والتابعين لهم بإحسان وزادهم إحسانا، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد: فإن من أعظم المبهجات لدينا، المنهجات لطريق السّرور إلينا،
(7/275)

الملهجات بوصف أكرم وارد علينا، هو الكتاب الشريف، بل السّحاب المطيف، بل البحر الذي يقذف دررا، ويقصّ عن السحاب أثرا، ويرفع سررا «1» ، ويطلع قمرا؛ ويطوّل أوضاحا وغررا، ويحدّث عن العجائب خبرا؛ بل ينشر الروض حبرا، ويهبّ الرياح سحرا، ويبرق ذهبه المموّة آصالا وبكرا؛ الصادر عن الحضرة الشريفة العالية السلطانية، الأعظمية، العالميّة، العادلية، الشاهنشاهية، الأخويّة، القانيّة، زادها الله شرفا، وأدام بها تحفا، وصاغ بها لكلّ سمع شنفا، وأيّدها بزائد مزيده حتّى تقول: حسبي وكفى؛ فإنه وصل صحبة المجلس السامي الأمير، الكبير، المقرّب، المجتبى، المرتضى، المختار، شرف الدين، مجد الإسلام، زين الأنام، جمال المقرّبين، مرتضى الملوك والسلاطين، الحاجّ أحمد الأشقر، والشوق إليه شديد، والتطلّع إليه كمثل العيد؛ فقرّبناه إلينا نجيّا، وتلقّينا منه مهديّا؛ وكأنّ السماء ألقت منه حليّا، أو أقلّت كوكبا درّيّا، أو مدّت من المجرّة درجا، وعطفت من مهنّدات البروق خلجا؛ وقدّت من سواد القلوب شطر كلّ سطر فيها، وأغارت مقلة كلّ ريم قام بسواد ناظره يفدّيها؛ وسرّحنا منه الحدق في حدائق، ونفحنا به للحقائب حقائق، واستطلعنا به شموس الافتقاد، واطّلعنا منه على نفوس نفائس الوداد؛ وصادف منّا قلبا صاديا إلى ما يروق من أخباره، وشوقا إلى ما يهبّ من نسيم دياره؛ وتطلّعنا إلى من يرد من رسله الكرام، ويقصّ علينا ما لا يستقصى من مواقع الغمام؛ وعلمنا منه ومما ذكره المقرّب الحاجّ شرف الدين أحمد ما للحضرة الشريفة عليه من نعمة يلتحف بملابسها، ويقتطف من مغارسها؛ وتجري في السّيف رونقا، وتزيّن بالكواكب أفقا، وتجرّ على الكثبان من الشّموس رداء مخلّقا «2» . وأحضرنا الحاجّ شرف الدين أحمد بين أيدينا الشريفة، وشملناه بحسن ملاحظتنا التي زادت تشريفه؛ وكان حضوره وركابنا الشريف يهيجان الصيد المحمود، ونحن نلهج بذكره عند انتهاز كل فرصة في الصّيود؛ وما
(7/276)

حصلنا فيه على لذّة ظفر إلا وتمنّينا أن يكون له فيها مشاركة شهود، أو أن يكون حاضرا يرى كيف يسهّل الله لنا بلوغ كلّ مقصود؛ وخرج معنا إلى المصايد، وتفرّج على الصائد؛ ورأى ما حفّ بموكبنا المنصور من ذوات الوبر والجناح، وما سخّر لنا من جياد الخيول من الرّياح؛ فشاهد ما أوتينا من الملك السّليمانيّ في سرعة السير، واختلاف ما جمع لنا من الإنس والوحش والطّير؛ واستغرقت أوقاتنا الشريفة في السؤال عن مزاجه الكريم، وما هو عليه من السّرور المستديم؛ والتأييد الذي انقلب به أولياؤه بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتّبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم؛ وتجدّدت المسرّات، بهذه البشائر المسرّات «1» ؛ وأضفنا هذه النعمة إلى ما نحمد الله عليه مما أيّدنا به من النصر والظّفر والتأييد، والنعم التي توالت إلينا ونحن نرجو المزيد؛ ونضاعف الحمد والشكر لله على هذه المواهب التي أطافت بنا بطاقاتها الثمينة، وأنارت في آفاقنا أقمارها المبينة؛ وشملت ملوك الإسلام نعمها من كل جانب، وأشرقت شموسها حتّى ملأت بأنوارها المشارق والمغارب.
وأما ما أتحفت به من البلكات «2» الشريفة فقد وصلت، وتقبّلت وقبّلت؛ وأكرمت لأن مهديها كريم، وأعظمت لأنها تحفة من عظيم؛ وأثنينا عليه بما طاب، وشكر بحرنا الزاخر جود أخيه السّحاب.
وأما الإشارة العالية إلى تقاضي تجهيزة من الملاكمين والسوقات فقد رسمنا بالانتهاء إليه، لأنه لا فرق بيننا وبين أخينا فيما يخصّ مراسمنا جميعا عليه؛ وقد
(7/277)

جهّز من الملاكمين والطين المختوم ما أمكن الآن، ومنه ما كنّا رسمنا باستعماله من البلكات باسمه الشريف وتأخر؛ فلما فرغ جهّز معه، وبعد هذا نجهّز من يتوجّه إلى حضرته العالية ليجدّد عهدا، ويؤدّي إليه ودّا؛ وما يتأخر إلا ريثما تنجلي السّحب المتوالية، ويمكن التوصّل سالما إلى حضرته العالية.
وأما غير هذا: فهو أنّ الحاج أحمد أحضر إلينا ورقة كريمة، بل درّة يتيمة؛ بخط يد الحضرة الشريفة فأعجبنا بها، ووجدناها في غاية الحسن التي لا يعدّ زهر الرياض لها مشبها؛ وما رأينا مثل ما كتب فيها، كأن السماء قد نظّمت في سطورها النجوم الزّهر من دراريها؛ فأكرم بيد كتبت سطورا اعترف بها الرّمح للقلم! واستمدّ السّحاب من طروسها الكرم! وجرت بجامد ذهب وسائل دم، وتنافست على إثباتها صحائفه وأقلامه ودويّه والجوّ والبروق والدّيم؛ وطلعت منها تباشير النّجاح، وتحاسد عليها مسك الليل وكافور الصّباح «1» ؛ واتفقت على معنى واحد وقد تنوّعت قسما، وأشرقت فتمنّت السماء أن تكون لها صحيفة والبرق قلما؛ فأرخصت قدر ياقوت «2» في التقليب، وحسّنت بمحاسنها هجران حبيب «3» ؛ لقد أوتيت من الخطّ غاية الكمال، وبسطت يد ابن هلال «4» فيه عن فم ابن هلال؛ فأما الوليّ فإنّه من أوليائها، وأنواؤه مما فاض من إنائها؛ طالما حدّق إليه أبو عليّ «5» فاختطف برقه أباه مقله، وفطن ابن أسد أنه لو أدركه أبوه لنسي شبله؛ فسبحان من صرّف في يمينه القلم بل الأقاليم، ووهبه من أفضل كلّ شيء ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ*
«6» .
(7/278)

وقد أعيد المقرّب شرف الدين أحمد، وحمل من المشافهات الشريفة ما تفضّ على أخينا عقوده، وتفاض بروده؛ والحضرة الشريفة لا نقطع أخبارها عنّا التي تسرّ بأنبائه، وتسيّر بنجوم سمائه؛ لا زالت مناقبه مسموعة، والقلوب على ما يجمع كلمة الإيمان مجموعة. إن شاء الله تعالى.
تنبيه- أما الملطّفات التي كانت تكتب إلى هذا القان، فقد ذكر في «التثقيف» أنها في قطع الثلث، وكذا ما يكتب به بالمغليّ، فإنه يكون في القطع المذكور أيضا.
الجملة الثانية (في المكاتبات إلى من ملك توريز «1» وبغداد بعد موت أبي سعيد)
قد تقدّم أنه ملك توريز وبغداد بعد السلطان أبي سعيد (موسى خان) ثم محمد بن عبدجي «2» ، ثم الشيخ حسن الكبير، ثم ابنه الشيخ أويس، ثم ابنه حسن، ثم أخوه أحمد. ومنه انتزعها تمرلنك. وذكر في «التثقيف» أنّه ملك بعد أبي سعيد أرفاخان، ثم موسى خان، ثم طغاي تمرخان؛ بعد أن ذكر أنه لم يكتب إلى أحد بعد أبي سعيد بالمكاتبة المتقدّمة. ثم قال: ورأيت بخط القاضي ناصر الدّين بن النّشائي أن مكاتبة طغاي تمرخان كانت نظير مكاتبة أبي سعيد. ثم قال:
وهذا يدل على أنه لم يكاتب بذلك بعد أبي سعيد غير طغاي تمرخان المذكور.
قلت: وقد وقفت على مكاتبة عن الملك الناصر «محمد بن قلاوون» إلى
(7/279)

موسى خان المقدّم ذكره من إنشاء المقرّ الشهابيّ بن فضل الله، فيما ذكره صاحب «الدّرّ الملتقط» «1» جوابا عن كتاب ورد منه يذكر فيه النّصرة على عدوّ له؛ والقائم بتدبير دولته يومئذ علي باشا. بدأ فيها بعد الافتتاح بآية من القرآن الكريم في معنى النصر بقوله:
«إلى الحضرة الشريفة» إلى آخر الألقاب المناسبة «من أخيه ومحبه» ؛ ثم خطبة بعد ذلك مفتتحة ب «الحمد لله» . ثم «وبعد، فقد ورد الكتاب الشريف» . والخطاب ب «الحضرة الشريفة» . والاختتام بالدعاء. ولا خفاء في أن هذه نحو المكاتبة إلى أبي سعيد، لكني لم أقف على مقدار قطع الورق فيها، ولا صورة الكتاب. وهذه نسختها:
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
«2» .
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
«3» .
إلى الحضرة الشريفة العالية، السلطانيّة، الأعظميّة، العالميّة، العادليّة، الأوحديّة، الشاهنشاهيّة، القانيّة، الأخوية، الأخ العزيز، الكبير، المعظّم، موسى خان، أعزّ الله سلطانه، وثبّت بسعادة ملكه أوطانه. من أخيه ومحبّه، المخلص في حبّه، الصادق المودّة له في بعده وقربه.
الحمد لله الذي أيّد الإسلام بنصره، وضيّق على أعدائه مجال حصره، وجدّد بتأييده في زمانه ما تتحلّى به أعطاف عصره. نحمده عن الدّين الحنيف على نصرة أضاء لها الوجود بأسره، وأوقعت كلّ خارجيّ على الدّين والملك في قبضة أسره؛ ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة يخلص قائلها غاية اجتهاده،
(7/280)

ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي جاهد في الله حقّ جهاده، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تستقلّ ببشائرها أعباء عباده؛ وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فقد ورد الكتاب الشريف من الحضرة الشريفة العالية، السلطانيّة، القانيّة، أخينا وولدنا العزيز، المؤيّد بالنصر على الأعداء والفتح الوجيز؛ لا زالت دولته الشريفة دائمة الإقبال، متزيّدة تزيّد الهلال، على يد المجلسين الساميين، الأميرين، الكبيرين، عضدي الملوك والسلاطين: «دلنجي، وكراي» أدام الله تعالى عزّتهما- بالبشائر بنصرة الإسلام، وتأييد أخينا على عدوّه الخارجيّ على الدّين والملك. وحمدنا الله تعالى على هذه النّصرة، وتضاعفت بها المسرّة؛ ونحن كنّا خارجين بجميع العساكر والجيوش المنصورة الإسلاميّة، لنتساعد كلّنا على نصرة الإسلام. وما تأخّرنا إلا لمّا جاءت إلينا ممارى «1» الأخبار وما كنا تحقّقناها ثم تحقّقنا بحمد الله تعالى هذه الأخبار؛ وضربنا لها البشائر في سائر الأقطار، وعرفنا بها عناية الله تعالى بأخذ المسلمين بنواصي الكفّار؛ وقيام الجناب الكريم العالي الأمير الكبير النّوين «2» العادل المعظّم علي باشا، أعزّ الله تعالى نصرته في إعادة الحقّ إلى أهله، وصبره على ما سبق به كلّ أحد إلى جميل فعله، واجتهاده في هذا الأمر الاجتهاد الذي ما كان يطلب إلا من مثله؛ وكذلك الجنابات العالية الأمراء النّوينات الأكابر، زيدت سعادتهم! فإنّهم سارعوا إلى ما كان يجب ويتعين عليهم في خدمة سلطانه، ومن هو أحقّ بهم وأولى من عظيم عظم قانهم؛ وما من الأمير النّوين العادل علي باشا وبقية الأمراء الأكابر إلا من قام بما كان عليه من العهود، وبذل اجتهاده حتّى حصل بحمد الله المقصود؛ وما قصّروا في قيامهم حتّى تسلم المستحقّ حقّه وميراثه وما هو أحقّ به وأولى. وهم- جزاهم الله الخير-
(7/281)

قد عملوا ما يجب عليهم، وبقي ما يجب على الحضرة الشريفة من الإحسان إليهم.
وأما قول الحضرة الشريفة: إنه مثل ولدنا فهو هكذا مثل الولد وأعزّ من الولد، وكلّ أحد منّا لأخيه في الاتّفاق على المصالح الإسلامية عضد ويد، وذخر وسند؛ وقد سبق من تآلف القلوب ما اشتدّت به الآن أواخيه، وأضحى له منّا شفقة الوالد على الولد وتوقير الأخ لأخيه؛ وقد أعدنا رسله الكرام وحمّلناهم مشافهة ووصية للحضرة الشريفة في أمور تقتضيها مصلحته، فإنه عندنا أعزّ من الولد. وما القصد إلّا الاتفاق على مصالح الإسلام، وما فيه نظام كلمة الوفاق [والوثام] ، فيديم المواصلة بكتبه وأخباره السارّة، والله تعالى يديم مسارّه ويضاعف مبارّه؛ إن شاء الله تعالى.
ولم أقف لهذه المكاتبة على قطع ورق، والظاهر أنها في قطع النصف لما سيأتي أنه الذي عليه الحال في مكاتبة صاحب بغداد وتوريز، فيما بعد إن شاء الله تعالى.
واعلم أن صاحب «التثقيف» قد ذكر أن المكاتبة إلى الشيخ أويس «1» :
صاحب بغداد وتوريز، وابنه حسن بعده في ورق قطع النصف. ورسمها: «أعزّ الله تعالى أنصار المقام الشريف العالي، الكبيريّ، السلطانيّ، العالميّ، العادليّ، المجاهديّ، المؤيديّ، المرابطيّ، المنصوريّ، الملكيّ، الفلانيّ» بلقب السلطنة «الفلانيّ» بلقبه الخاص. والدعاء بما يناسبه «أصدرناها إلى المقام الشريف تهدي وتبدي» و «القصد من المقام الشريف» . ويختم بدعاء يناسب، مثل: «أعز الله أنصاره» ونحو ذلك. ومخاطبته ب «المقام الشريف» . والعنوان «المقام الشريف» إلى آخر الألقاب المذكورة. والدعاء «أعز الله تعالى أنصاره» . وتعريفه «فلان بهادرخان» مثل أن يقال: «الشيخ حسن
(7/282)

بهادرخان» . والعلامة إليه «أخوه» . قال في «التثقيف» : وكان الشيخ أويس المذكور عند استقراره بتوريز وبغداد يكتب له «المقام العالي» ، ثم كتب له بعد ذلك «المقام الشريف» .
وهذه نسخة مكاتبة كتب بها إلى الشيخ أويس المقدّم ذكره، جوابا عن كتاب ورد منه، من إنشاء القاضي تقيّ الدين ابن ناظر الجيش «1» ، حين كان يكتب إليه «المقام العالي» لابتداء أمره، على ما تقدّم، وهي:
أعزّ الله تعالى أنصار المقام العالي، إلى آخر ألقابه، ولا زال الملك زاهرا زاهيا بشرف سلطانه، والفلك يجري بإعزاز قدره، وإحراز نصره، مدى زمانه؛ والفتك منه بالأعداء يسرّ الأولياء من أهل مودّته وإخوانه، وسلك جواهر عقد ولائه منظّما من الإخلاص بجمانه؛ ولا برح مؤيّدا بأنصار الإسلام وأعوانه، مجدّدا سعده الذي يبلّغه جميل أوطاره في جميع أوطانه.
أصدرناها إلى المقام العالي تصف ما لدينا من المحبّة التي ظهر دليلها بواضح برهانه، وتبثّ إلينا مكنون المودّة التي تغنى عن صريح القول وتبيانه؛ وتبدي لعلمه الكريم أن كتابه الكريم ورد على يد فلان رسوله فأقبلنا عليه، وصرفنا وجه الكرامة إليه؛ وعلمنا ما تضمّنه من محبّته وموالاته، ومخالصته ومصافاته؛ وما اشتمل عليه ضميره من صحيح الوداد، وصريح الاتّحاد؛ وجميل الاعتقاد، وجزيل المخالصة التي يتم بها الأمل والمراد. وأن المقام العالي جهز رسوله المشار إليه ليوضّح إلينا ما هو عليه من ذلك، وينهي إلينا أسباب الائتلاف التي عمرت أرجاء الجهتين هنا وهنالك؛ ويبدي ما تحمّله عنه من المشافهات، وتفهّمه من الرسائل والإشارات؛ وقد أحطنا علما بذلك ووصل رسوله المذكور، وتمثّل
(7/283)

بمواقف سلطاننا المنصور؛ وشمله إقبالنا الشريف، وإنعامنا المطيف؛ وسمعنا جميع كلامه، وما تحمّله من المشافهة الكريمة من عالي مقامه؛ وشكرنا محبّة المقام العالي وودّه الجميل، وأثنينا على موالاته التي لا نميد عنها ولا نميل، وابتهجنا بسلامة مقامه الجليل. وقد أعدنا فلانا رسوله المذكور بهذا الجواب الشريف، إلى المقام العالي أعزّ الله أنصاره، فيتحف بمكاتباته ومهمّاته، والله تعالى يمدّه بالتأييد في حركاته وسكناته، ويعزّ نصره ويزيد في حياته.
أما المنفرد بتوريز خاصّة، فقد ذكر في «التثقيف» أنّ المكاتبة إلى الأشرف (ابن علاء الدين تمرتاش) الذي كان قد وثب على تبريز خاصّة فملكها، في قطع الثلث بقلم التوقيعات «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي الأميريّ الكبيريّ» وبقية الألقاب والنّعوت، ومنها النّوينيّ. ثم الدعاء. «صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي وتوضّح» والعلامة «أخوه» . وتعريفه «الأشرف بن تمرتاش» .
ثم ذكر أنّ أخي حق الذي وثب عليه وقتله واستولى على تبريز بعده استقرّت مكاتبته كذلك، وأنه كان يكتب في تعريفه «أخي» لا غير. ثم قال: وقد ماتا وبطل ذلك.
(أبو بكر بن خواجا على شاه) وزير صاحب تبريز «الاسم» و «السامي» وتعريفه أبو بكر ابن الخواجا المرحوم علي شاه. قال في «التثقيف» : ولم أعلم وزّر في زمن من من المتولّين.
(عمر بك) أحد أمراء الأشرف بن تمرتاش صاحب تبريز في قطع الثلث، الدعاء «1» و «العالي» والعلامة «أخوه» وتعريفه «عمر بك» . قال في «التثقيف» : وهذا ممن بطل حكمه بزوال مخدومه.
(7/284)

الجملة الثالثة (في رسم المكاتبة إلى من انطوت عليه مملكة إيران
، ممن جرت عادته بالمكاتبة عن الأبواب السلطانية، في أيام السلطان أبي سعيد فمن بعده، وهم ثمانية أصناف)
الصنف الأوّل (كفّال المملكة بحضرة القان، وهم على ضربين)
الضرب الأوّل (كفّال المملكة بالحضرة في زمن القانات العظام كأبي سعيد ومن قبله من ملوكهم حين كانت المملكة على أتم الأبّهة وأعلى الترتيب)
قد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك في المقالة الثالثة أنّ القائم بتدبير العسكر لهذه الدولة حين كانت قائمة على نمط القانيّة المتقدّم إلى آخر زمن أبي سعيد أربعة أمراء، يعبّر عنهم بأمراء الألوس «1» ، ويعبّر عن أكبرهم ببكلاري بك بمعنى أمير الأمراء «2» . وربما أطلق عليه أمير الألوس أيضا. والقائم بتدبير الأمور العامّة هو الوزير.
فأما الأمراء المذكورون، فقد كان كلّ من الأمراء الأربعة والوزير يكاتب عن الأبواب الشريفة السلطانية. وقد ذكر في «التعريف» أن المكاتبة إلى بكلاري بك في قطع النصف: «أعزّ الله تعالى نصر المقرّ الكريم» . وإلى الثلاثة الذين دونه في قطع الثلث: «أدام الله تعالى نصر الجناب الكريم» . وأنّه يقال لكلّ من الأربعة «النّوينيّ» . ثم قال: ومثل هذا مكاتبة أرتنا «3» بالرّوم، وأمير
(7/285)

التّومان «1» بديار بكر: من سوناي وبنيه وكذلك سائر الأمراء النّوينات: وهم أمراء التّوامين «2» .
والذي ذكره في «التثقيف» أن المكاتبة إلى الشيخ حسن الكبير أمير الألوس كانت على ما استقرّ عليه الحال إلى حين وفاته ببغداد في قطع الثّلث بقلم التوقيعات: «أعزّ الله تعالى أنصار الجناب الكريم، العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الزّعيميّ، العونيّ، الغياثيّ، المثاغريّ، المرابطيّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظّهيريّ، النّوينيّ، الفلانيّ: عون الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين؛ ممهّد الدّول، عماد الملة، عون الأمة؛ كافي الدولة القانيّة، كافل المملكة الشّرقية؛ آمر التّوامين، أمير الألوس، ظهير الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين» . والدعاء أربع قرائن أو أكثر: «أصدرناها إلى الجناب الكريم» و «تبدي» و «القصد من الجناب الكريم» . والعلامة «أخوه» . وتعريفه «الشّيخ حسن ألوس بك» .
قال في «التثقيف» : ولما توفي الشيخ حسن المذكور إلى رحمة الله تعالى لم يقم غيره مكانه فيما أظن، ولا كوتب أحد بعده بهذه المكاتبة. قال: والنّوينيّ في ألقاب هؤلاء بدل «الكافليّ» في ألقاب النّوّاب، يعني بالمملكة المصريّة والشاميّة. ثم قال: وهو نعت يستعمل دائما لأهل تلك البلاد، ولا يستعمل الكافليّ أصلا. وهذا عجيب منه! فقد أثبت هو «الكافليّ» في الألقاب التي أوردها في المكاتبة إلى الشيخ حسن الكبير.
وأما الوزير بهذه المملكة فقد ذكر في «التعريف» أن رسم المكاتبة إليه
(7/286)

في قطع الثلث «ضاعف الله تعالى نعمة المجلس العالي الأميريّ الوزيريّ» على عادة المكاتبات إلى الوزراء بألقاب الوزارة. قال: فإن لم تكن له إمرة، فيقال له «الوزيريّ» ولا يقال له «الصاحبيّ» لهوانها لديهم. ولم يتعرّض في «التثقيف» إلى المكاتبة إلى وزير هذه المملكة، ولا إلى الأمراء الثلاثة الباقين من أمراء الألوس، بل عدل عن ذلك إلى المكاتبة إلى الوزير ببلاد أزبك «1» .
وسيأتي ذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.
قلت: وقد محيت رسوم تلك المملكة، وعفت آثارها بزوال ترتيب المملكة بموت السلطان أبي سعيد: آخر ملوك بني جنكزخان بهذه المملكة. وإنما ذكرنا ذلك حفظا لما كان الأمر عليه: لاحتمال طروّ مثل ذلك فيما بعد، فينسج ما يأتي على منوال ما مضى، ويجري في المستقبل على منهاج الماضي؛ فالأمور ترتفع ثم تنخفض، وربما انخفضت ثم ارتفعت. والله تعالى يقول: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
«2» .
الضرب الثاني (كفّال المملكة بالحضرة بعد موت أبي سعيد)
قد ذكر في «التثقيف» منهم جماعة: منهم محمد الكازرونيّ وزكريّا وزيرا الشيخ أويس. وقد ذكر أنّ رسم المكاتبة إلى كلّ منهما في قطع العادة «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس الشاميّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، الأوحديّ، المقدّميّ، المنتخبيّ، الفلانيّ؛ مجد الإسلام، بهاء الأنام؛ شرف الرؤساء، أوحد الأعيان؛ صفوة الملوك والسلاطين» . ثم الدعاء. والعلامة «الاسم الشريف» وتعريفه «فلان وزير الشيخ أويس بهادرخان» .
(7/287)

ومنهم: الطّواشي مرجان، نائب القان أويس ببغداد، ولقبه أمين الدين بالس. ورسم المكاتبة إليه «والده» و «الساميّ» بالياء. وتعريفه «خواجا مرجان» .
ومنهم: محمد فلتان، نائب الشيخ أويس أيضا. وذكر أنّ رسم المكاتبة إليه مثل المكاتبة إلى مرجان. والعلامة «الاسم الشريف» . وتعريفه: «فلتان نائب الشيخ أويس» .
قلت: فإن اتفق أن أقيم لصاحب بغداد: كأحمد بن أويس ومن في معناه مثل هؤلاء، كانت المكاتبة إلى كلّ منهم نظير مثله من المذكورين بحسب ما يقتضيه الحال.
الصنف الثاني (ممّن جرت العادة بمكاتبته بمملكة إيران عن الأبواب السلطانية، صغار الملوك المنفردين ببعض البلدان، والحكّام بها ممن هو بمملكة إيران)
قد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك أنّ مملكة إيران تشتمل على عدّة من الأقاليم داخلة في حدودها، منتظمة في سلكها. وقد ذكر في «التعريف» جملة من المكاتبات عن الأبواب السّلطانية إلى بعض هؤلاء الملوك. وخالفة في «التثقيف» في بعض المواضع وزاد عليه عدّة مكاتبات. وها أنا أذكر ما ذكراه من ذلك، وأزيد ما اتّفق زيادته مميّزا لكلّ إقليم من أقاليم هذه المملكة بمن فيه من الملوك والحكّام ومن جرى مجراهم.
فممّن جرت العادة بمكاتبته من الملوك والحكّام بالجزيرة الفراتيّة، مما بين دجلة والفرات من ديار بكر وربيعة ومضر وغيرها على ما تقدّم ذكره في المسالك والممالك في المقالة الثالثة.
صاحب ماردين- وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها مدينة ذات قلعة
(7/288)

حصينة بديار بكر من هذه الجزيرة، وأنها بيد بقايا بني أرتق «1» المستقلّين بملكها من قديم الزمان وإلى الآن.
ورسم المكاتبة إليه فيما ذكره في «التعريف» : «أعزّ الله تعالى نصرة المقرّ الكريم العالي، الكبيريّ الملكي الفلانيّ الفلاني» يعني باللّقب الملوكي، واللّقب المضاف إلى الدين؛ مثل «الصّالحي الشّمسي» وما أشبه ذلك. ثم الدعاء. قال في «التثقيف» : ثم يقال: «أصدرناها إلى المقرّ الكريم» ، «وتبدي لعلمه الكريم» . «فيتقدّم أمره الكريم» . ويختم بما صورته «فيحيط علمه الكريم بذلك» . والدعاء. والعلامة «أخوه» . وتعريفه «صاحب ماردين» . وورقه قطع العادة. ثم قال: ويتعيّن أن تكون ألقابه إلى آخر اللقب الملوكيّ سطرين سواء، وأن يكون لقبه العاديّ كالفخريّ مثلا أوّل السطر الثالث.
وقد ذكر في «التعريف» ثلاثة صدور لمكاتبة تتعلّق بصاحبها في زمانه، وهو «الصالح شمس الدّين صالح» .
أحدها- ولا زال ملكا تاجه المدائح، ومنهاجه المنائح، وطريقته إذا وصفت قيل: هذه طريقه الملك الصالح. أصدرناها إليه وشكرها تسوقه إليه حداة الركائب، وتشوق منه إلى لقاء الحبائب؛ وتثني على مكارمه التي كلّما أقلعت منها سحائب أعقبت بسحائب؛ وتوضّح للعلم الكريم.
الثاني- ولا زالت شمسه في قبّة فلكها، وسماء ممالكه مملوءة حرسا شديدا وشهبا بملكها؛ ونعمه تتعب البحار إذا وقفت في طريقها، والغمائم إذا جازت في مسلكها. أصدرناها إليه والسلام متنوّع على كرمه، متضوّع بأطيب من أنفاس
(7/289)

المسك في نعمه، متسرّع إليه تسرّع مواهبه إلى وفود حرمه. وتوضّح للعلم الكريم.
الثالث- ولا زالت العفاة تلتحف بنعمائه، وتنتجع مساقط أنوائه، وتستضيء منه بأشرق شمس طلعت من الملك في سمائه؛ أصدرناها وثناؤها يسابق عجلا، ومدائحها تجيد متروّيا ومرتجلا؛ وشكرها لو رصّع مع الجواهر لأقام عذر الياقوت إذا اكتسى خدّه الحمرة خجلا، وتوضّح للعلم الكريم.
قلت: وعلى نمط هذه الصدور يجري الكاتب فيما يكتبه إلى صاحبها مناسبا لحاله ولقبه بحسب ما يقتضيه الحال من المناسبات.
وهذه نسخة كتاب، كتب به إلى الملك «الصالح شرف الدّين محمود بن «1» الصالح صالح» ، جوابا عمّا ورد به كتابه: من وفاة والده المنصور أحمد. نقلتها من مجموع بخطّ القاضي تقيّ الدين ابن ناظر الجيش وهو:
أعزّ الله تعالى نصرة المقرّ الكريم، إلى آخر ألقابه- ولا زال الملك باقيا في بيته الكريم، والفلك جاريا بإظهار شرفه العميم؛ وأعظم له الأجر في أكرم ملك انتقل إلى جنّات النعيم، وهنّأه بما أورثه من ذلك المحلّ الأسنى الذي هو الأولى فيه بالتقديم؛ وضاعف لسلطانه الصالح علوّ جدّه، بما منحه من ملكه الموروث عن المنصور أبيه والصالح جدّه، وبما خصّه من إقبالنا الشريف وإحساننا المستديم. أصدرناها معربة عن الودّ الثابت الصّميم؛ مهنّئة له بقيامه بأمور مملكته التي تجمّلت بمحمود صفاته ومن سلف من أسلافه في الحديث والقديم، مبدية لعلمه الكريم أنّ مكاتبته الكريمه، ومخاطبته التي فضحت من الدّرّ نظيمه، وردت على أبوابنا الشريفة على يد فلان فأقبلنا عليها، وألفتنا وجه الكرامة إليها، وعلمنا ما تضمّنته من استمساك المقرّ الكريم بأسباب الوداد، وإقتفائه في ذلك سبيل الآباء والأجداد؛ وما شرحه في معنى ما قدّره الله تعالى من وفاة والده طاب ثراه، مستمرّا
(7/290)

على الإخلاص في الطاعة الذي لم يكن شانه شين ولا اعتراه؛ وأنه مضى- إن شاء الله تعالى- إلى الجنة وقد خلّف من خلّفه، وارتضى بما نال من الرّضا عما قدّمه من العمل الصالح وأسلفه؛ وما أبداه: من أنه إن اقتضت مراسمنا الشريفة وآراؤنا العالية أن يقوم مقامه، ويرعى في حقوقه ومصالح تلك المملكة ذمامه؛ فنرسم بإجرائه على السّنّة المعتاده، من إحسان بيتنا الشريف الذي بدأ به وأعاده؛ وإلا فتبرز الأوامر الشريفة بمن يسدّ اختلالها، ويسدّد أحوالها، ويشيّد مبانيها ويصلح أعمالها؛ ليقصد المقام الشريف بأبوابنا الشريفة سالكا سبيل الطاعة المبين، منتظما في سلك أوليائنا المقرّبين؛ إلى غير ذلك مما حمّله لأستاد داره من مشافهته، وجميل مقاصده ووافر محبّته وطاعته؛ وقد أحطنا علما بذلك وسمعنا المشافهة المذكورة، وشكرنا محبّته المأثورة، وإخلاصه في الخدمة الشريفة، وجميل الموالاة التي تمنحه تكريمه وتشريفه، واستمساكه بسنّة آبائه الكرام، واجتهاده في المناصحة والطاعة التي لا تسامى من مثله ولا تسام؛ ونحن نعرّف المقرّ الكريم أنّ محلّه ومحلّ بيته الكريم لم يزل لدينا رفيعا مقداره، عاليا مناره؛ وأن مكانته من خواطرنا الشريفة متمكّنة، ومنزلته قد صحّت أحاديثها المعنعنة؛ وهو الأحقّ بمحلّ ملكه، والأولى بأن يكون من نظام عقود ملوكه واسطة سلكه؛ وقد اقتضت آراؤنا العالية أن يقوم مقام والده المرحوم، ويحلّ محلّ هذه السلطنة ليعلو قدره بإقبالنا الشريف على زهر النّجوم، وليجلس بمكانه، وليبسط المعدلة لتكون حلية زمانه، وليستنصر على أعدائنا وأعدائه بأنصار الملك وأعوانه، وليستقرّ على ما هو عليه من المحافظة على الوداد، وليستمسك بعرى الإخلاص المبرّإ من شوائب الانتقاد، وليقتف في ذلك سبيل سلفه الكريم، وليواصل بمكاتباته وأخباره على سننهم القويم؛ وقد أعدنا إستاد داره بهذا الجواب الشريف إليه.
واعلم أنه قد ذكر في «التثقيف» أنّ ممن يكتب إليه عن الأبواب السلطانية من أتباع صاحب ماردين نائبه، وذكر أنه كان اسمه في زمنه «بهادر» . وأن رسم المكاتبة إليه الاسم والسامي بغير ياء؛ وكذلك نائب الصالحيّة من عمل ماردين؛
(7/291)

وأنّ رسم المكاتبة إليه الاسم و «مجلس الأمير» . فليجر الكاتب على سنن ذلك إن احتيج إلى مكاتبتهما.
صاحب حصن كيفا- وهي مدينة من ديار بكر من بلاد الجزيرة، بين دجلة والفرات. وقد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك نقلا عن «التعريف» أن صاحبها من بقايا الملوك الأيّوبيّة، وممن تنظر إليه ملوك مصر بعين الإجلال:
لمكان ولائهم القديم لهم، واستمرار الوداد الآن بينهم.
ورسم المكاتبة إليه فيما ذكره في «التعريف» : «أدام الله نعمة المجلس العالي، الملكي، الفلاني» باللّقب الملوكي «العالميّ، العادليّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، المرابطيّ، المثاغريّ، الأوحديّ، الأصيليّ، الفلاني» باللقب المتعارف «عزّ الإسلام والمسلمين، بقيّة الملوك والسلاطين، نصرة الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، شرف الدّول، ذخر الممالك، خليل أمير المؤمنين» . وربّما قيل: «عضد أمير المؤمنين» إذا صغّر.
وذكر في «التثقيف» ما يخالف في بعض ذلك، فقال: إنّ مكاتبته: «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي، الكبيريّ، العالميّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، المرابطيّ، المثاغريّ، الأوحديّ، الفلانيّ» باللّقب الملوكي واللّقب المتعارف.
«عزّ الإسلام والمسلمين، زعيم جيوش الموحّدين. ذخر الملة، سليل الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين» . ثم الدعاء. «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي. «والعلامة» أخوه. وتعريفه «صاحب حصن كيفا» . قال:
والكتابة إليه في قطع العادة.
قد ذكر في «التعريف» صدورا لمكاتبته.
صدر: واستعاد به من الدّهر من عهود سلفه ما تسلّف؛ وحاز له من مواريث الملك أكثر مما خلّى له أوّله وما خلّف، وحطّ للرحال في حصن كيفا به على ملك:
أما المستجير به فيتحصّن وأما فضله فلا يكيّف؛ وأعان السحاب الذي كلّ عن مجاراته ويجري هو ولا يتكلف. أصدرت هذه المكاتبة إليه ونوءها يصوب،
(7/292)

ولألاؤها تشقّ به الظلماء الجيوب، وثناؤها على حسن بلائه في طاعة ربّه يقول له:
صبرا صبرا كما تعوّدتم يا آل أيّوب.
صدر آخر: وشدّ به بقيّة البيت، وحيّا طلله البالي وأحيا رسمه الميت؛ وذكر به من زمان سلفه القديم ما لا يعرف فيه هيت، وأبقى منه ملكا من بني أيّوب لا يثني وعده اللّيّ ولا يقال فيه ليت؛ ونوّر الملك بغرّته لا بما قرع السمع عن الشّمع وورد المصابيح من الزّيت، وحفظ منه جوادا لو عينه «1» أخوه السّحاب على السّبق، لقال له: هيهات كم خلّفت مثلك خلفي وخلّيت. أصدرت هذه المكاتبة إليه، أعزّ الله جانبه؛ والتحيّات موشّحة بنطقها «2» ، مصبّحة لسجاياه الكريمة بخلقها، ساحبة إليه ذيل خيلائها: لأنها إذا اختالت به تختال، وبسببه على السّرور تحتال.
ملوك كيلان «3» - قال في «التعريف: وهم جماعة كلّ منهم مستقلّ بنفسه، منفرد بملكه، على ضيق بلادهم وقرب مجاورة بعضهم من بعض. وقد تقدّم الكلام على بلادهم في المسالك والممالك. قال في «التعريف» : ورسلهم قليلة، وكتبهم أقلّ من القليل.
ورسم المكاتبة إلى كلّ منهم على ما ذكره في «التعريف» نحو ما يكتب إلى صاحب حصن كيفا. يعني يكتب لكلّ منهم: «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي الملكي الفلاني» إلى آخر ما تقدّم هناك. قال في «التعريف» : إلا صاحب يومن «4» فإنه يكتب له ب «الجناب» . وهو مثلهم في بقيّة الألقاب. قال في
(7/293)

«التثقيف» : ولم أر لهم مكاتبة، ولا كتب لهم في مدّة مباشرتي بديوان الإنشاء الشريف شيء؛ غير أني رأيت بخطّ المولى القاضي المرحوم زين الدين خضر، أنه كتب أمثلة شريفة إلى جماعة، منهم «حرم الدين» . بيومن، ثم قال: وهذا هو الذي ذكر القاضي شهاب الدين أنّ مكاتبته أعلى مكاتباتهم؛ وأنه يكتب إليه «الجناب» . قال: وما يبعد أن الجماعة الذين كتب إليهم على ما ذكر القاضي زين الدين المشار إليه هم من جملة ملوك كيلان. ثم عدّد من كتب إليه منهم فقال: وهم نوباذ شاه، وسالوك ولده، في قطع العادة.
ورسم المكاتبة إليهما: «خلّد الله تعالى سعادة الجنابين الكريمين، العاليين، الكبيريّين، العادليّين، المجاهديّين، المرابطيين، الملكيين: الشّرفيّ والسّيفيّ» . والدعاء والعلامة «أخوهما» . والعنوان سطران. وتعريفهما: نوباذ شاه وسالوك ولده صاحبا كوحسفا «1» .
ناصر الدّين بهلوان، وشرف الدين شرف الدولة صاحبا لاهجان مثل ذلك سواء.
فلك الدين صاحب دشت كذلك.
حسام الدين صاحب بومن كذلك. ثم قال نقلا عن ابن الزّينيّ خضر أيضا:
وقيل إنّ حسام الدين هذا كان صاحب بومن، وصاحبها الآن أخوه على ما ذكره محمود بن إبراهيم بن اسفندار الكيلاني حين كتب إليهم.
قلت: وهؤلاء هم ملوك كيلان، وهذه مدنهم على ما تقدّم في المسالك والممالك. والعجب كيف وقع الشّك في ذلك من صاحب «التثقيف» حتّى قال:
وما يبعد. وأما التسوية في الآخر بين صاحب بومن وغيره، فيجوز أنّ قدره انحطّ بعد زمن صاحب «التعريف» أو جهل الكاتب الثاني مقداره.
(7/294)

صاحب هراة «1» - وهي مدينة من خراسان. قال في «التعريف» : ولا يجري على الألسن الآن إلا صاحب هرى. قال: وكان ملكها الملك غياث الدين. ولم أسمع أعجميّا يقول إلا قياس الدين. وكان ملكا جليلا نبيلا مفخّما معظّما، له مكانة عند الملوك الهولاكوهيّة، ومنزلة رفيعة عليّة. وكان بينه وبين النّوين جوبان مودّة أكيدة وصداقة عظيمة؛ فلما دارت به دوائر الزمان وأفضت به الحال إلى الهرب، لجأ إلى صاحب هرى هذا، على أنه يسهّل له الوصول إلى صاحب الهند؛ أو إلى ملك ما وراء النهر، فأجابه وأنزله، وبسط أمله؛ وأسرّ له الخداع حتّى اطمأنّ إليه، فأصعده إلى قلعته ليضيفه، فصعد ومعه ابنه جلوقان، وهو ابنه من خوندة بنت السلطان خدابندا؛ وجلوقان هذا هو الذي أجيب إلى تزويجه ببنت السلطان الملك الناصر، وعلى هذا تمّت قواعد الصّلح. وبنى جوبان أمره على أنه بعد التزويج يأخذ له ملك بيت هولاكو بشبهة أنه ابن بنت خدابندا؛ وأنه لم يبق بعد أبي سعيد من يرث الملك سواه. ثم يستضيف له ملك مصر والشام بشبهة أنّ بنت صاحب مصر هي التي ترث الملك من أبيها؛ فحالت المنايا دون الأماني.
وحال صعود جوبان وابنه جلوقان القلعة أمسكهما غياث الدّين وخنقهما ليتّخذ وجها بذلك عند أبي سعيد؛ وبعث بذلك إلى أبي سعيد، فشكر له إمساكهما، وأنكر عليه التعجيل في قتلهما؛ فاعتذر بأنّني لو لم أقتلهما لم آمن استعداد من معهما لمحاصرتي؛ فقبل عذره، وطلب منه إبهام «2» جوبان ليعرف أنه قد قتله، وكان فيه زيادة سلعة ظاهرة يعرف بها؛ فجهّزه إليه فأكرم رسله وبعث إليه بالخلع؛ وأمر بإصبع جوبان فطيف بها في الممالك. ثم سألت بغداد خاتون بنت
(7/295)

جوبان «1» امرأة أبي سعيد، وكان شديد الكلف بها، في نقل أجسادهما فنقلت؛ فعقدت لهما المآتم؛ ثم أمرت بحملهما إلى مكّة المعظّمة، ثم إلى المدينة المشرّفة ليدفنا في التربة الجوبانيّة التي كان جوبان أعدّها لدفنه في حال حياته؛ فمكّنت من ذلك إلا من الدّفن فإنهما دفنا بالبقيع. ثم حضر غياث الدين حضرة أبي سعيد، فأكرم وأعطي العطايا السنيّة؛ ثم لم يلبث أن مات وولي ابنه. قال: ولم يكن صاحب هذه المملكة ممن يكاتب عن السلطان حتّى كانت واقعة جوبان فكتب إليه.
ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التعريف» : «أعزّ الله تعالى نصر المقرّ الكريم، العالي، العالميّ، العادليّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، المرابطيّ، المثاغريّ، الأوحديّ الملك الفلانيّ، شرف الملوك والسلاطين، خليل أمير المؤمنين» . قال في «التثقيف» : ولم أطّلع على ما يكتب إليه سوى ما ذكره القاضي شهاب الدّين بعد واقعة جوبان. قال: والذي يظهر لي أنه لم يكاتب بعد ذلك هو ولا من قام مقامه: لأنه لم تكن له مكاتبة مشهورة متداولة بين الموالي الجماعة، ولا كتب إليه في مدّة مباشرتي شيء. على أنّ القاضي شهاب الدين لم يذكر تعريفه.
(7/296)

الحكام بهذه المملكة (من جرت العادة بمكاتبته من الحكّام بالجزيرة الفراتيّة من هذه المملكة)
الحاكم بشمشاط- وقد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك أنّها بلدة من ديار مضر بين آمد وخرت برت. قال في «التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه «الساميّ» بالياء. والعلامة الاسم. وتعريفه «الحاكم بشمشاط» .
الحاكم بميّافارقين- وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها قاعدة ديار بكر.
قال في «التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه «السامي» بغير ياء. والعلامة الاسم. وتعريفه «الحاكم بميّافارقين» .
الحاكم بجيزان- وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها مدينة من ديار بكر.
قال في «التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه «الساميّ» بالياء. والعلامة الاسم.
وتعريفه «الحاكم بجيزان» وهو معدود في «التثقيف» في جملة الأكراد.
الحاكم بجزيرة ابن عمر- وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها مدينة صغيرة على دجلة من غربيّها. قال في «التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه «الساميّ» بالياء. والعلامة له الاسم. وتعريفه «الحاكم بجزيرة ابن عمر» .
وذكره في «التثقيف» في جملة الأكراد، وقال: كان بها عزّ الدين أحمد اليخشي.
وذكر أن رسم المكاتبة إليه الاسم و «السامي» بغير ياء. وتعريفه «أحمد بن سيف الدين اليخشي الحاكم» . واستقرّ بعد وفاته ولده عيسى، وورد كتابه في صفر سنة أربع وستين وسبعمائة، أخبر فيه بوفاة والده استقراره مكانه. على أنه قد ذكر معبّرا عنه بصاحب الجزيرة، وسماه بكلمش. وذكر أن المكاتبة إليه الاسم و «السامي» بغير ياء.
الحاكم بسنجار- وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها مدينة من ديار ربيعة. قال في «التثقيف» : وكان قد كتب لشيخو الحاكم بها مرسوم شريف بأن يكون نائبا بها حسب سؤاله في سنة ثلاث وستين وسبعمائة. قال: وكانت المكاتبة اليه أوّلا الاسم و «مجلس الأمير» وكتب له حينئذ «السامي» بغير ياء.
(7/297)

الحاكم بتلّ أعفر- وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها قلعة بين سنجار والموصل. قال في «التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه «الساميّ» بالياء. والعلامة له الاسم وتعريفه «الحاكم بتلّ أعفر» .
الحاكم بالموصل- وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها قاعدة بلاد الجزيرة كلّها في القديم حيث كانت بيد الجرامقة. قال في «التثقيف» :
والمكاتبة إليه في قطع العادة الاسم، و «صدرت» و «السامي» . وتعريفه «الحاكم بالموصل» . ورأيت في بعض الدساتير أن العلامة استقرّت له «والده» عند استقراره نائب السلطنة بها.
الحاكم بالحديثة- وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها بلدة على الفرات.
قال في «التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه الاسم و «الساميّ» بالياء. وتعريفه «الحاكم بالحديثة» . وهي غير حديثة الموصل. وهي بلدة شرقيّ دجلة تعدّ في بلاد العراق.
الحاكم بعانة- وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها بلدة صغيرة على جزيرة في وسط الفرات. قال في «التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه الاسم و «الساميّ» بالياء. وتعريفه «الحاكم بعانة» . ورأيت في بعض الدساتير أنّ المكاتبة إليه «السامي» بغير ياء.
الحاكم بتكريت «1» - وفي «التثقيف» صاحب تكريت. وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها مدينة من آخر مدن الجزيرة بين دجلة والفرات. قال في «التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه مثل الحاكم بالموصل، فتكون في قطع العادة.
والعلامة الاسم. وتعريفه «الحاكم بتكريت» .
الحاكم بقلعة كشاف- وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها في الجنوب
(7/298)

عن الموصل بين الزّاب والشّطّ، وأنه عدّها في «تقويم البلدان» من بلاد الجزيرة مرّة، ومن عراق العجم أخرى. وأنه أوردها في «التثقيف» بإثبات الألف واللام.
قال في «التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه مثل حاكمي عانة والحديثة، فتكون المكاتبة إليه «الساميّ» بالياء. ورأيت في بعض الدساتير أن المكاتبة إليه «السامي» بغير ياء. وتعريفه «الحاكم بقلعة كشاف» .
الحاكم بإسعرد- وهي سعرت. قد تقدّم في المسالك والممالك أنها مدينة من ديار ربيعة. قال في «التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه «مجلس الأمير» .
وحينئذ فتكون في قطع العادة. والعلامة الاسم. وتعريفه «الحاكم بإسعرد» .
صاحب حاني- ويقال لها حنا. وهي مدينة من ديار بكر. وقد ذكر في «التثقيف» أنّ صاحبها تاج الدين. ورسم المكاتبة إليه الاسم «والسامي» بغير ياء.
من جرت العادة بالمكاتبة إليه بالجانب المختصّ ببني جنكزخان من بلاد الرّوم من مارية وما معها
أرتنا «1» ، الذي كان قائما بهذه البلاد عن بني هولاكو من التّتر. ورسم المكاتبة إليه في قطع الثلث: «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، العونيّ، الزّعيميّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظّهيريّ، النّوينيّ، الفلانيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، زعيم الجيوش، مقدّم العساكر، كهف الملّة، ذخر الدولة، ظهير الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين» . والدعاء والسلام. والعلامة «أخوه» .
وذكر في «التثقيف» أنه كتب إلى ولده محمد بعده كذلك في قطع الورق
(7/299)

والمكاتبة والعلامة. وأنه كتب إلى على بك بن محمد المذكور بعده كذلك، إلا في العلامة فإنه استقرّت له «والده» وكتب تعريفه: «علي بك ابن أرتنا» .
من جرت العادة بمكاتبته من الحكّام ببلاد العراق
الحاكم بهيت- وعبّر عنه في «التعريف» بصاحب هيت. وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها شماليّ الفرات من أعمال بغداد. قال في «التثقيف» :
ورسم المكاتبة إليه الاسم و «الساميّ» بالياء؛ وتعريفه «الحاكم بهيت» .
الحاكم بالقنيطرة- وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها بلدة بالقرب من مرسى الحلّة. قال في «التثقيف» : والمكاتبة إليه «الساميّ» بالياء. والعلامة الاسم. وتعريفه «الحاكم بالقنيطرة» . ثم قال: وآخر ما استقرّت مكاتبته عليه «السامي» بغير ياء. وعبّر عنه في موضع آخر «بإبراهيم صاحب القنيطرة» .
وذكر أن المكاتبة إليه الاسم و «السامي» . وأن تعريفه اسمه خاصّة.
من جرت العادة بمكاتبته من الحكّام ببلاد الجبل (وهي عراق العجم)
الحاكم بإربل «1» - وعبّر عنه في «التثقيف» بصاحب إربل. قال في «التثقيف» : كان بها الشريف علاء الدين علي الدلقندي؛ ثم استقرّ بها الشريف يحيى؛ ثم استقرّ بها عليّ ولده. قال: والمستقرّ بها الآن على ما تحرّر في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة أسد الدين أسد. ورسم المكاتبة إليه الاسم و «السامي» بغير ياء. وتعريفه «الحاكم بإربل» .
(7/300)

صاحب قاشان «1» - وسمّاها في «التثقيف» قيشان. ورسم المكاتبة إليه «السامي» بغير ياء.
صاحب باب الحديد «2» - المعروفة عند الترك بتمر قابو. وهي باب الأبواب. قال في «التثقيف» : كان بها كاووس، وكتب إليه جواب في ثاني عشر ربيع الأوّل سنة اثنتين وستين وسبعمائة أويس «3» في قطع الثلث، والدعاء والعالي. وتعريفه اسمه لا غير.
من جرت العادة بمكاتبته من الحكّام، ببلاد فارس
الحاكم بشيراز- وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها قاعدة بلاد فارس.
قال في «التثقيف» : والمستقرّ بها على ما تحرّر في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، شاه شجاع، أخو شاه ولي. وذكر أنه لم يكتب إليه في مدّة مباشرته من ديوان الإنشاء، ولا وقف على مكاتبة إليه. ثم قال: غير أنه يمكن أن تكون المكاتبة إليه نظير المكاتبة إلى الأشرف تمرتاش المستولي على تبريز؛ فإنه قال:
إنّ شيراز قدر تبريز ونظيرها. فعلى هذا يكون رسم المكاتبة إليه في قطع الثلث:
«ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي الأميريّ، الكبيريّ» وبقيّة الألقاب والنّعوت. ويكون فيها «النّوينيّ» كما في مكاتبة المستولي على تبريز.
من جرت العادة بمكاتبته ببلاد كرمان
صاحب هرمز- قد تقدّم في المسالك والممالك أنّ قاعدة كرمان القديمة السّيرجان وأن هرمز فرضة كرمان، وأنها خرّبها التتر عند خروجهم على تلك البلاد بكثرة الغارات، وانتقل معظم أهلها إلى جزيرة ببحيرة بحر فارس على القرب منها
(7/301)

تسمّى وزرون «1» . وقد كتب إلى صاحبها عن سلطان العصر «الملك الناصر فرج» ابن الظاهر برقوق في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة مفاتحة في قطع ... «2» .
من جرت العادة بمكاتبته من بلاد أرمينية وأرّان وأذربيجان
النائب بخلاط من أرمينية- قد تقدّم في المسالك والممالك أنها كانت قاعدة بلاد الكرج. قال في «التثقيف» : ويقال إن حاكمها من الأكراد، واسمه أبو بكر ابن أحمد بن أزبك. ثم قال: ورسم المكاتبة إليه الأسم و «الساميّ» بالياء؛ فيكون في قطع العادة. وتعريفه «النائب بخلاط» .
الحاكم بحصن أرزن- وهي أرزن الرّوم. قال في «التثقيف» : وهو- على ما اتّضح آخرا في رمضان سنة ستّ وسبعين وسبعمائة- علاء الدين عليّ بن قرا. وردت مكاتبته أن صاحب حصن كيفا ابن خاله. ورسم المكاتبة إليه على ما في «التثقيف» مثل صاحب حصن كيفا من غير زيادة ولا نقص. على أنه في «التعريف» قد ذكر أنّ المكاتبة إليه «الساميّ» بالياء. قال في «التثقيف» :
والصحيح ما تقدّم، فإني كتبت إليه بهذه المكاتبة مرّات، وهو المتداول بين الموالي الجماعة إلى آخر وقت. وقد تقدّم في المسالك والممالك أنها في آخر بلاد الرّوم من جهة الشرق.
صاحب بدليس «3» - قد ذكر في «التعريف» أنه كان في زمانه الأمير شرف الدين أبو بكر. وقال: إنه يتّهم بمذهب النّصيريّة. ثم قال: وبلده صغير، ودخله
(7/302)

يسير، وعمله ضيّق. وهو طريق المارّة وقصّاد الأبواب السلطانية إلى الأردو إذا لم يكن بالعراق وله خدمة مشكورة. وعدّه في «التثقيف» في جملة الأكراد. قال في «التعريف» : ورسم المكاتبة إليه: «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس الساميّ الأميريّ» أسوة الأمراء. وذكر في «التثقيف» أنه كان بها ضياء الدين أبو الفوارس الروشكي أخو الغرس بالو؛ وأن المكاتبة إليه الاسم و «الساميّ» بالياء. وتعريفه «صاحب بدليس» . وأنّه استقرّ بعده ولده الرحاح، وكوتب بمثل ذلك سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة.
صاحب موقان «1» - وهي موغان. وسمّاها في «التثقيف» ميوغان. قال في «التثقيف» : وكان بها محمد شاه بن أمير شاه، وكتب إليه مستجدّا في سنة سبع وستين وسبعمائة «السامي» بغير ياء.
النائب بخرت برت «2» - وهي حصن زياد. ذكره في «التثقيف» من جملة تركمان البلاد الشرقية، وذكر أنّ اسمه يومئذ باليس، وأن رسم المكاتبة إليه الاسم و «الساميّ» بالياء. وتعريفه اسمه، ثم قال: وهكذا كان يكتب إلى صاحب خرت برت قبله. ثم ذكر أنه رأى بخط القاضي شهاب الدين بن الصّفديّ أنه استقرّ بها علاء الدين بن خالد المليشكي بعد حسام الدين خربندة، وأن مكاتبته «الساميّ» بالياء.
.
(7/303)

الصنف الثالث (ممن يكاتب بهذه المملكة العربان، وهم: عبادة وخفاجة)
وقد تقدّم في الكلام على أنساب العرب أن نسبهما في عامر بن صعصعة من قيس عيلان. وأجلّ من يكتب إليه منهم رسمه «هذه المكاتبة إلى المجلس السامي الأمير» . على أنّ صاحب التثقيف قد ذكر أنه لم يطّلع على مكاتبة إليهم.
الصنف الرابع (ممن يكاتب بهذه المملكة التّركمان)
قال في «التثقيف» : والأكابر في البلاد الشرقية الذين يكتب إليهم من هذه الطائفة مفردا قليل. أما بقيّتهم من تركمان الطاعة الشريفة، فقد يكتب إليهم عند المهمّات مطلقات شريفة، ثم ذكر جماعة ممن يكتب إليه على انفراد، ولم يعيّن لأحد منهم بلدا ولا رياسة قوم معروفين. وها أنا أذكرهم على ما ذكرهم: ليقاس عليهم لدى تحقّق مقامهم.
منهم: مراد خواجا. ورسم المكاتبة إليه الاسم و «السامي» بغير ياء.
وتعريفه اسمه.
ومنهم: باكيش الكبير ابن أخي توزطوغان. ورسم المكاتبة إليه الاسم و «السامي» بغير ياء. وتعريفه اسمه.
ومنهم: زين الملك توزطوغان. ورسم المكاتبة إليه الاسم و «السامي» بغير ياء. وتعريفه «مقدّم التّركمان بالبلاد الشرقية» .
ومنهم: علي بن إينال التّركمانيّ من الطائفة البوزقية «1» . ورسم المكاتبة إليه الاسم و «السامي» بغير ياء وتعريفه اسمه.
ومنهم: يعقوب بن علي شار. ورسم المكاتبة إليه الاسم و «الساميّ»
(7/304)

بالياء وتعريفه اسمه. قال في «التثقيف» : وقد ذكر القاضي ناصر الدين بن النّشائي أنه كتب إليه كذلك في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة.
ومنهم: سالم الدّلكريّ، ورسم المكاتبة إليه الاسم و «الساميّ» بالياء، وتعريفه اسمه.
واعلم أنه قد تقدّم في الكلام على تركمان البلاد الشامية نقلا عن «التثقيف» أن من طوائف التّركمان الذين هم تحت الطاعة من لم يكتب إليه بعد؛ بل إذا كتب في مهمّ شريف، كتب إلى كلّ طائفة منهم أو إلى سائر الطوائف مطلق شريف. وعدّ منهم طوائف:
الأولى- البوزقية: جماعة ابن دلغادر وابن إينال المقدّم ذكره.
الثانية- أولاد رمضان: الأمريّة.
الثالثة- الأوشريّة: تركمان حلب.
الرابعة- الدلكرية: جماعة سالم الدلكريّ.
الخامسة- الخربندليّة: جماعة مصطفى.
السادسة- الأغاجريّة.
السابعة- الورسق: تركمان طرسوس.
الثامنة- القنقيّة.
التاسعة- البابندريّة: وهم النقيبيّة «1» .
العاشرة- البكرلية «2» : أولاد طشحون.
الحادية عشرة- البياضيّة.
ثم قال: وثمّ جمائع كثيرة لا يمكن استيعابهم.
قلت: فإن كان من هذه الطوائف شيء بهذه البلاد، فحكمه ما تقدّم في الكلام على تركمان البلاد الشامية.
(7/305)

الصنف الخامس (ممن يكاتب بهذه المملكة الأكراد)
وقد تقدّم الكلام على طوائفهم ومنازلهم من بلاد الجبال من عراق العجم.
قال في «التعريف» : وهم خلائق لا يحصون، ولولا أن سيف الفتنة بينهم يستحصد قائمهم، وينبّه نائمهم، لفاضوا على البلاد، واستضافوا إليهم الطارف والتّلاد؛ ولكنهم رموا بشتات الرأي وتفرّق الكلمة، لا يزال بينهم سيف مسلول، ودم مطلول، وعقد نظام محلول، وطرف باكية بالدماء مبلول. وهم على ضربين:
الضرب الأوّل (المنسوب منهم إلى بلاد ومقرّات معروفة)
قال في «التعريف» : ولهم رأسان كلّ منهما رجل جليل، ولكلّ منهما عدد غير قليل.
أحدهما- صاحب جولمرك «1» ، من جبال الأكراد من عراق العجم. قال في «التعريف» : وهو الكبير منهما الذي تتّفق طوائف الأكراد مع اختلافها على تعظيمه، والإشارة بأنّه فيهم الملك المطاع والقائد المتّبع. وهو صاحب مملكة متسعة ومدن وقلاع وحصون، وله قبائل وعشائر وأنفار. قال: وهم ينسبون إلى عتبة بن أبي سفيان بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف. ثم قال:
وكانت الإمرة قد انتهت فيهم إلى أسد الدّين موسى بن مجلّي بن موسى بن منكلان. وكان رجلا كريما عظيما نهّابا وهّابا، تجلّه ملوك الممالك الجليلة، وتعظّمه حكّام الأردو وصاحب مصر. وإشارته مقبولة عند الجميع. وإذا اقتتلت
(7/306)

طائفتان من الأكراد فتقدّم إليهما بالكفّ كفّوا، وسمعوا له سمع [مراع لا سمع] «1» مطيع. وذكر أن القائم فيهم إذ ذاك من بنيه الملك عماد الدين مجلّي: وهو رجل يحبّ أهل العلم والفضل، ويحلّ منهم عنده من أتاه أعظم محل. وقد مضى القول على ذلك مستوفى في الكلام على الأكراد عند ذكر عراق العجم من المسالك والممالك، من المقالة الثانية. قال في «التعريف» : ورسم المكاتبة إليه «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي الأميريّ» والألقاب التامة الكاملة.
الثاني- صاحب عقرشوش من بلاد الجزيرة. قال في «التعريف» :
وملوكها الآن من أولاد المبارزكك. قال: وكان مبارز الدين كك هذا رجلا شجاعا كريما تغلب عليه [غرائب من] «2» الهوس. فيدّعي أنّه وليّ من الأولياء يقبل النّذور. وكانت تنذر له النذور تقرّبا إليه «3» ؛ فإذا أتاه النذر أضاف إليه مثله [من ماله] «4» وتصدّق بهما جميعا. قال: وأهل هذا البيت يدّعون عراقة الأصل في الإمرة وقدم السّودد والحشمة. ويقولون إنهم عقدت لهم ألوية الإمارة وتسلّموا أزمّة هذه البلاد وتسنّموا صهوات الصيّاصي بمناشير الخلفاء؛ وأنهم كانوا لهم أهل وفاء. ولهم في هذا حكايات كثيرة، وأخبار مأثورة؛ وهم أهل تنعّم ورفاهية ونعمة ظاهرة، وبزّة فاخرة؛ وآدر مزخرفة، ورياض مفوّقة؛ وخيول مسوّمة، وجوارح معلّمة؛ وخدم وغلمان، وجوار حسان؛ ومعازف وقيان، وسماط ممدود وخوان «5» . قال: وموقع بلادهم من أطراف بلادنا قريب، والمدعوّ منهم من الرّحبة وما جاورها يكاد يجيب. ثم قال: وملوكنا تشكر لهم إخلاص نصيحة، وصفاء سريرة صحيحة. وذكر أن القائم فيهم في زمانه شجاع الدين ابن الأمير نجم الدين خضر بن المبارزكك، إلا أنه لم يبلغ مبلغ أبيه، بل «6» لا يقاربه، ولا يدانيه؛ على
(7/307)

أنه قد ملك ملكه، ونظّم سلكه. وقد تقدّم الكلام على ذلك أيضا في الكلام على المسالك والممالك في المقالة الثانية.
ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التعريف» مثل صاحب جولمرك، وهي: «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي الأميريّ» . وذكر في «التثقيف» أن المكاتبة كانت إلى خضر بن المبارزكك «صدرت» و «العالي» . والعلامة «أخوه» . وتعريفه «خضر بن المبارزكك» . مع عدم تعريجه على ما في «التعريف» جملة. وقد ذكر في «التثقيف» منهم جماعة سوى من تقدّم ممن هم منهم بالجزيرة، كالحاكم بجزيرة ابن عمر، والحاكم بحاني، وصاحب عقرشوش. ولم يذكر بلاد من ذكره منهم ممن يأتي ذكره منهم ومن كان بكل بلد منهم من أكابرهم وحكّامهم؛ ورسم المكاتبة إليهم على ما ذكره، وهم قسمان:
القسم الأوّل- من علمت المكاتبة إليهم، وهم:
صاحب برخو- وهو يومئذ أمير حسين بن الملك أسد. ورسم المكاتبة إليه الاسم و «الساميّ» بالياء.
صاحب البلهتيّة- قال: وكان بها شمس الدين بن البيليق، ثم استقرّ بعده أخوه أحمد. ورسم المكاتبة إليه الاسم و «الساميّ» بالياء أيضا.
صاحب الدّربنده- وهو سيف الدين أصبر بن أزشير الحسيناني. ورسم المكاتبة إليه الاسم و «السامي» بغير ياء. وتعريفه «أمير أزشير الحسيناني صاحب الدّربنده» .
صاحب كرمليس- وهو سحب «1» مسعود. ورسم المكاتبة إليه الاسم و «السامي» بغير ياء.
(7/308)

صاحب العماديّة- عماد الدين إسماعيل بن عليّ بن موسى. ورسم المكاتبة إليه «السامي» بغير ياء. وتعريفه «صاحب قلعة العمادية» . وقد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك أنهم بالقرب من طائفة الجولمركية. قال في «التثقيف» وكان بها أولاد الحاجّي بن عمر، وردت مطالعته كذلك «الحاجّي بن عمر صاحب العمادية» في سنة أربعين وسبعمائة.
صاحب مازكرد- حسن بن إسماعيل. ورسم المكاتبة إليه الاسم و «السامي» بغير ياء.
صاحب رندشت- بجبال همذان وشهرزور. وهو عبد الله بن حسام الدين رسلان. ورسم المكاتبة إليه الاسم و «السامي» بغير ياء.
صاحب جرذقيل «1» - بهاء الدين عمر بن إبراهيم الهكّاريّ. ورسم المكاتبة إليه الاسم و «السامي» بغير ياء.
صاحب سكراك- كرجي بك. ورسم المكاتبة إليه «مجلس الأمير» .
والعلامة الاسم.
صاحب فيلبس «2» - سلطان شاه. ورسم المكاتبة إليه «مجلس الأمير» .
والعلامة الاسم.
صاحب شكوش- أمير أحمد. ورسم المكاتبة إليه «مجلس الأمير» والعلامة الاسم.
صاحب جرموك- «مجلس الأمير» . والعلامة الاسم الشريف.
(7/309)

صاحب بهرمان- عبد الصمد. ورسم المكاتبة إليه «مجلس الأمير» .
والعلامة الاسم.
صاحب حصن أرّان- وهو حصن الملك- شجاع الدين خضر بن عيسى الشهريّ. ورسم المكاتبة إليه «مجلس الأمير» والعلامة الاسم.
القسم الثاني- من ذكره في التثقيف ولم يذكر مكاتبته وقال: إنه وقف عليه كذلك؛ وهم:
صاحب خفتيان- تاج الدين أخو باشاك.
صاحب سوبخ- أمير عيسى بن باشاك.
صاحب أكريسنا- ملك بن باشاك.
صاحب يزاكرد- بهاء الدين الزّرزاريّ.
صاحب زاب- فخر الدّين عثمان الزّابي.
صاحب الرسه «1» - شمس الدين بن بهاء الدّين.
صاحب الدّربندات القرابلية- عليّ بن كراقي، تعريفه «صاحب دربند القرابليّ» .
صاحب قلعة الجبلين- حسام الدين بن تاج الدين العامليّ.
صاحب سيدكان- أمير عليّ بن حسام الدين الزّرزاريّ.
صاحب هرور- بهاء الدّين حسن بن عماد الدين.
صاحب رمادان- أمير عبد الله الكركانيّ.
صاحب الشّعبانيّة- حسام الدين أمير مري السبيني.
صاحب نمرية- بهاء الدين.
صاحب سياح- سنقر.
(7/310)

صاحب المحمدية- الشيخ محمد.
صاحب كزليك-.
الضرب الثاني (من لم يصرّح له بمكان)
وقد ذكر في «التثقيف» منهم جماعة ممن كان في الزمن المتقدّم، وصرّح بذكر المكاتبة إليهم، فذكر منهم أبو بكر بن المبارزكك الاسم و «السامي» بغير ياء، وتعريفه اسمه.
مبارز الدين عبد العزيز أخوه مثله.
عليّ وعمر ولدا ابن بروحى «1» خليل بن بروحى «2» . ورسم المكاتبة إلى كلّ منهما الاسم و «السامي» بغير ياء.
خالد المليكشي كذلك.
أولاده: محمود وأحمد «مجلس الأمير» .
بهاء الدين بن الغرس بالو- الاسم و «السامي» بغير ياء.
عبد الله الشّهريّ- الاسم و «السامي» بغير ياء.
شجاع الدين خضر بن عيسى الشّهري أخو عبد الله الشّهريّ- الاسم و «السامي» بغير ياء.
مبارز بن عيسى بن حسن السّلاري- الاسم و «السامي» بغير ياء. قال في «التثقيف» : ومكاتبته مستجدّة في العشر الأول من شعبان سنة ثلاث وستين وسبعمائة.
خضر بن محمد الهكّاريّ- الاسم و «السامي» بغير ياء. قال: وهو مستجدّ
(7/311)

المكاتبة أيضا في العشر الآخر من صفر سنة تسع وستين وسبعمائة.
قلت: فإن اتّفق المكاتبة إلى احد من هؤلاء المجهولي الكتابة أو غيرهم من الأكراد كتب له على قدر مقداره بالنسبة إلى من عملت المكاتبة إليه.
قال في «التعريف» هنا: ومما ينبّه عليه أنّ طرق المارّين، ومسالك المسافرين، من بلادنا إلى خراسان ومنها إلينا يظهر في بعض الأحيان أهل فساد يعمدون إلى عميد يقدّمونه عليهم فيقطعون السّبل، ويخيفون الطّرق، وتطير سمعة عميدهم، وتنتشر في قريبهم وبعيدهم؛ فيكاتب ذلك العميد من أبواب الملوك، ويضطرّ إليه لفتح الطريق بالسّلوك؛ ويكون من غير بيت الإمرة، وربّما هوى نجمه، فانقطع بانقطاع عمره اسمه؛ مثل الجملوك الخارج بطريق خراسان، والغرس بالو الخارج فيما يقارب بلاد شهرزور، ومثل الخارجين على دربند القرابلي. قال: وهؤلاء وأمثالهم يطلعون طلوع الكمأة لا أصل ممتدّ، ولا فرع مشتدّ؛ فهؤلاء لا يعرف لأحد منهم رتبة محفوظة، ولا قانون في رسم المكاتبة معروف؛ وإنما الشأن فيما يكتب إلى هؤلاء بحسب الاحتياج وقدر ما يعرف لهم من اشتداد الساعد، وعدد المساعد. قال: ولقد كتبنا إلى كلّ من الجملوك والغرس بالو، بالساميّ بالياء، وجهّزت إليهما الخلع وأتحفا بالتّحف.
الصنف السادس (ممن يكاتب بمملكة إيران أرباب الأقلام)
ذكر في «التثقيف» أنه كتب إلى مجد الدين أخي الوزير غياث الدين: «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي، الصاحبيّ، الأجليّ، الكبيريّ، العالميّ، الكافليّ، الماجدّي، الزّيني، الأميريّ، الأوحديّ، المعظّميّ، الذّخريّ، المجاهديّ» . قال في «التثقيف» : هذا ما وجدته بخطّ القاضي ناصر الدين بن النشائي؛ ولم يذكر تعريفه ولا العلامة إليه. وكتب إلى علاء الدين صاحب الديوان مثله. والعلامة إليه «أخوه» . قال في «التثقيف» : هكذا وجدته في خطّ ابن النّشائيّ ولم يذكر تعريفه.
(7/312)

الوزير شمس الدين- قال في «التثقيف» : نقلت من خطّ القاضي شهاب الدين بن الخضر أن مكاتبته في قطع العادة الاسم و «الساميّ الأميريّ الشريفيّ الحسيبيّ النسيبيّ» . وبقية الألقاب. ولم يكتب له «الصحابيّ» ولا «الوزيريّ» .
قال: ولم يذكر شيئا غير هذا. ثم قال: ولا أعلم لمن وزّر المذكور، ولا من أيّ بلاد الشرق.
ضاء الدين صاحب الديوان- المكاتبة إليه حسب ما نقله في «التثقيف» عن خط ابن الخضر أيضا الاسم و «السامي الأمير الأجلّ» . وذكر أنه كتب إليه على يد سراج الدين قاضي قيساريّة. قال في «التثقيف» : وعلى هذا أنّ ضياء الدين هذا من من أهل المملكة الرّومية.
معين الدين صاحب الديوان- مثله.
الصنف السابع (ممن يكاتب بمملكة إيران أكابر المشايخ والصّلحاء)
قد ذكر في «التثقيف» ممن كوتب من مشايخ هذه البلاد ثلاثة مشايخ. فنحن نذكرهم ليقاس عليهم، ولئلّا يهمل شيء مما أورده في التثقيف.
الأول- شمس الدين الطّوطيّ. قال في «التثقيف» : وهو فيما أظنّ ممن كان يكتب إليه قديما، ولم يكتب إليه بعد ذلك. قال: ورسم المكاتبة إليه حسب ما نقلته من خط القاضي ناصر الدين بن النّشائيّ: «صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس الساميّ الشّيخيّ، الأجلّيّ، العالميّ، العامليّ، الكامليّ، الفاضليّ، الزاهديّ، الورعيّ، العابديّ، الخاشعيّ، الناسكيّ، القدويّ، الأوحديّ، الفلانيّ، مجد الإسلام، صدر الأنام، بقيّة السّلف الكرام؛ فخر العلماء، أوحد الكبراء، زين الزّهّاد، عماد العبّاد؛ قدوة المتورّعين، ذخر الدّول، ركن الملوك والسلاطين» . والدعاء «وتصف لعلمه المبارك» . والعلامة الاسم. قال في «التثقيف» : هذا صورة ما وجدته من غير زيادة. ولم يذكر تعريفه ولا محلّه من
(7/313)

البلاد. قال: وقد كتب في نعوته: «ركن الملوك والسلاطين» . وهو غريب لأنه خلاف ما جرت به العادة.
الثاني- الشيخ غياث الدين الكججي بتبريز. ورسم المكاتبة إليه فيما ذكره المشار إليه: «أعاد الله تعالى من بركة المجلس الساميّ الشيخيّ» . وبقية الألقاب «الغياثي» وتكملة النعوت بما يناسب. والعلامة الاسم، وتعريفه «محمد الكججانيّ» .
الثالث- الشيخ حسن بن عبد القادر الجيلانيّ. وكان من المناصحين الذين يكتب إليهم قديما. قال في «التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه الاسم و «الساميّ» بالياء. ثم قال: ومن ألقابه: «الشيخ العالم العامل القدوة المرشد فلان الدين» .
قلت: هذا ذهول منه، وإلا فمقتضى هذه الألقاب المجرّدة عن الياء أن تكون الكتابة إليه «السامي» بغير ياء.
الصنف الثامن (ممن يكاتب بمملكة إيران النّساء)
وقد ذكر في «التثقيف» المكاتبة إلى أربع «1» منهنّ:
الأولى- دلّ شاد زوج الشيخ حسن الكبير
. كتب إليها في قطع العادة:
«أدام الله تعالى صون الجهة المحجّبة، المصونة، العصميّة، الخاتونيّة، المعظّميّة، سيدة الخواتين، زينة نساء العالمين، جميلة المحجّبات، جليلة المصونات، قرينة نوين الملوك والسلاطين» . والدعاء، والعلامة «أخوها» .
وتعريفها «الخاتون المعظمة دل شاد» .
الثانية- كلمش والدة بولاد مثلها
، غير أنّ العلامة الاسم، وتعريفها اسمها المذكور.
(7/314)

الثالثة- زوجة أملكان ابن الشيخ حسن الكبير
على ما استقرّ عليه الحال عند ما كتب جوابها على يد رسولها في ذي القعدة سنة أربعين وسبعمائة مثل دلشاد، والعلامة «والدها» . وتعريفها سلطان نختي.
المهيع الثاني من المكاتبة إلى الملوك (مملكة توران، وهي مملكة الخاقانيّة)
قد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك في المقالة الثانية نقلا عن المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله في كتابه «التعريف» أنّ هذه المملكة من نهر بلخ إلى مطلع الشمس على سمت الوسط؛ فما أخذ عنها جنوبا كان بلاد السّند، ثم الهند؛ وما أخذ عنها شمالا كان بلاد الخفجاج «1» وهي طائفة القبجاق «2» وبلاد الصّقلب، والجهاركس، والرّوس، والماجار، وما جاورهم من طوائف الأمم المختلفة سكّان الشّمال. فيدخل في هذه المملكة ممالك كثيرة وبلاد واسعة، وأعمال شاسعة، وأمم مختلفة لا تكاد تحصى؛ تشتمل على بلاد غزنة، والباميان، والغور، وخوارزم، ودشت القبجاق؛ وما وراء النهر: نحو بخارا، وسمرقند، والصّغد، والخوجند. وبلاد تركستان، وأشروسنة، وفرغانة. وبلاد صاغون، وطراز، وصريوم. وبلاد الخطا نحو بشمالق والمالق إلى قراقوم، وما وراء ذلك من بلاد الصّين وصين الصّين؛ فإنها كانت في القديم بيد فراسياب، بن شنك، بن رستم، ابن ترك، بن كومر، بن يافث، بن نوح عليه السّلام. وهو ملك الترك في زمان موسى عليه السّلام، على خلاف في نسبه سبق هناك. وأنها الآن بيد بني جنكزخان من ولد طوجي «3» خان ابن جنكزخان.
(7/315)

ثم هذه المملكة بيد ثلاثة ملوك عظام من بني جنكزخان.
الأوّل- صاحب خوارزم ودشت القبجاق. وتعرف في القديم بمملكة صاحب السّرير، ثم عرفت في الدولة الجنكزخانيّة ببيت بركة «1» ، نسبة إلى بركة بن طوجي خان بن جنكزخان. وقاعدتها مدينة السّراي «2» وهي مدينة على نهر إتل «3» ، بناها بركة بن طوجي خان المقدّم ذكره. وقد تقدّم الكلام على ذلك مستوفى في الكلام على المسالك والممالك.
ثم فيها جملتان:
الجملة الأولى (في رسم المكاتبة إلى قانها القائم بها)
قال في «التعريف» : وكان صاحبها في الأيام الناصريّة «4» (يعني محمد بن قلاوون) «أزبك خان» . وقد خطب إليه السلطان فزوّجه بنتا تقرّبا إليه. قال: وما زال بين ملوك هذه المملكة وبين ملوكنا قديم اتّحاد، وصدق وداد؛ من أوّل أيام الظاهر بيبرس وإلى آخر وقت. ثم قال: والملك الآن فيهم [في أولاد أزبك] «5» :
إماتني بك، وإما جاني بك، وأظّنّها في تني بك. وقد تقدّم أن الملك بعد أزبك كان جاني بك لا تني بك، على خلاف ما ظنه في التعريف.
ورسم المكاتبة إلى قانها الجامع لحدودها قال في «التعريف» : والأغلب أن يكتب إليه بالمغليّ. وذلك مما كان يتولّاه ايتمش المحمّدي، وطايربغا الناصري،
(7/316)

وإرغدلق التّرجمان. ثم صار يتولّاه قوصون الساقي. ورأيت في بعض الدساتير نقلا عن القاضي علاء الدين بن فضل الله أنه كتب له مسودّة على أن تكتب له بالعربيّ ثم بطل وكتب بالمغلي. قال: فإن كتب له بالعربيّ، فرسم المكاتبة إليه ما يكتب إلى صاحب إيران.
وقد تقدّم نقلا عن «التعريف» أنه يكتب في قطع البغداديّ الكامل، يبتدأ فيه بعد البسملة وسطر من الخطبة المكتتبة بالذهب المزمّك- بألقاب سلطاننا على عادة الطّغراوات؛ ثم تكمل الخطبة، ويفتتح ببعدية إلى أن تساق الألقاب، وهي:
«الحضرة الشريفة، العالية، السلطانية، الأعظميّة، الشاهنشاهيّة، الأوحدية، الأخوية، القانية. ولا يخلط فيها «الملكيّة» لهوانها عليهم. ثم يدعى له بالأدعية المعظّمة المفخّمة الملوكية: من إعزاز السلطان، ونصر الأعوان، وخلود الأيام، ورفع الأعلام، وتأييد الجنود، وتكثير البنود، وما يجري هذا المجرى. ثم يؤتى بذكر دوام الوداد والشّوق؛ ثم يذكر القصد؛ ثم يختم بدعاء جليل وتستعرض المراسيم ويوصف التطلّع إليها والتهافت عليها.
قال في «التثقيف» : وكان يكتب إلى أزبك في الأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» في ورق عرض البغداديّ الكامل. وبعد البسملة الشريفة سطران هكذا:
بقوّة الله تعالى وميامن الملّة المحمدية ثم يخلى موضع بيت العلامة؛ ثم تكتب الألقاب السلطانية، وهي:
«السلطان الأعظم» وبقية الألقاب الشريفة على العادة حسب ما يأتي ذكره. ثم بعد الحمدلة وخطبة مختصرة جدّا: «فقد صدرت هذه [المكاتبة] إلى الحضرة الشريفة العالية، حضرة السلطان الكبير، الاخ، الشّفيق، العالم، العادل، القان الأعظم، الأوحد، شاهنشاه، الملك، أزبك إل خان؛ سلطان الإسلام والمسلمين، أوحد الملوك والسلاطين، عمدة الملك، سلطان المغل والقبجاق والتّرك، جمال ملوك الزمان، ركن بيت جنكزخان، معز طغاج، صاحب التّخت
(7/317)

والتاج، عضد المتقين، ذخر المؤمنين. والدعاء بما يناسبه. «فإننا نخصّه بالسلام واستعلام أخباره ونفاوض علمه الشريف» . قال: والكتابة بالذهب والأسود حسب ما تقدّم في المكاتبة إلى أبي سعيد، وكذا العنوان. ثم قال: ولم يكاتب أحد بعده بنظير ذلك. وكان قد ورد على الأبواب الشريفة في سنة ست وخمسين وسبعمائة كتاب جاني بك ابن أزبك، وكتب إليه الجواب الشريف بنظير الكتاب الوارد من عنده، وهو في ورق دون البغداديّ بثلاث أصابع مطبوقة، والافتتاح بخطبة مناسبة مكتتبة بالذهب جميعها، ثم أما بعد بالأسود خلا ما تقدّم ذكره في مكاتبة أبي سعيد. والعنوان بالذهب. والذي كتب إليه من الألقاب: «الحضرة الشريفة، العالية، السلطانيّة، الأعظميّة، العالمية، العادليّة، الأكملية، القانيّة، الأخويّة، العزيزية، الملكيّة، الشرفيّة زيدت عظمتها» . قال: ولما كان في العشر الآخر من ربيع الأوّل سنة ست وسبعين وسبعمائة، رسم لي بالكتابة إلى القان محمد ببلاد أزبك، وهو القائم مقام أزبك على ما قيل، على يد رسل الأبواب الشريفة، بالسلام والمودّة واستعلام الأخبار ونحو ذلك فكتبت إليه في عرض البغداديّ الكامل حسب ما رسم به، بخطبة مختصرة بالذهب، والبقيّة بالأسود والذهب على ما تقدّم ذكره في مكاتبة القان أبي سعيد. وكتب له من الألقاب بعد المراجعة: «المقام العالي، السلطانيّ، الكبيريّ، الملكيّ، الأكرميّ، الأعدليّ، الشمسيّ، شمس الدنيا والدين، مؤيّد الغزاة والمجاهدين، قاتل الكفرة والمشركين، وليّ أمير المؤمنين خلّدت سلطنته» . والعنوان بالذهب بغير تعريف. وعلم له في بيت العلامة الشريفة بالمغرة «1» العراقيّة «المشتاق شعبان» .
وهذه نسخة ما كتب إليه بعد البسملة الشريفة.
الحمد لله الذي وهبنا ملكا دانت له ملوك الأقطار؛ وازدانت الأسرّة والتّيجان بما له من عظمة وفخار؛ وأذعنت العظماء لعزّة سلطانه الذي شمل الأولياء وقصم
(7/318)

الأعداء ببرّه الجابر وقهره الجبّار؛ وقاد الجيوش إلى أن فتح الله على يديه الشريفتين معاقل الكفّار، بأمره الجاري على الرّقاب وعسكره الجرّار؛ ومنحه خدمة الحرمين الشريفين اللذين لم يزل لهما منه الانتصاب وبهما له الانتصار.
نحمده على أن جعل مملكتنا الشريفة هي محلّ الإمامة العباسية فلا جحود ولا إنكار، ومرتبتنا المنيفة بما عهد به إلينا أمير المؤمنين إلى قيام الساعة عليّة المقدار؛ ونشكره على أن أورثنا ملك أسلافنا الشّهداء فأقرّ العيون وسرّ الأسرار، وجعل السلطنة المعظمة في بيتنا المكرّم تنتقل تنقّل البدور في بروجها إلا أنها آمنة من السّرار «1» . ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لم نزل قائمين بنصرتها، قانتين بالإخلاص في كلمتها. لنعدّ بذلك من الأبرار، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله المؤيّد بملائكته، المخصوص بنبوّته ورسالته، الذي عظّم الله قدره على سائر الرّسل كما جاءت النصوص والأخبار، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل الدّار، صلاة دائمة باقية بدوام الليل والنهار، وسلّم.
أما بعد، فإنّ قلوب الأولياء وإن تناءت الأجسام متعارفة بالائتلاف، متقاربة على بعد الديار حيث لا تناكر بينها ولا اختلاف، لا سيّما ملوك الإسلام، الذين هم متّحدون بالمصافة والاستسلام؛ فإن سرائرهم لم تزل متدانية، وضمائرهم متكافية؛ هذا والمحبّة لبيته «2» الكريم قديمة، والمودّة بين الأسلاف لم تزل مستديمة؛ فلم نكن ورثنا ذلك عن كلالة «3» ، بل تبعنا فيه سبيل السلف الصالح على أحسن حالة: لما هو محكم من عقود الاتّحاد والولاء، حيث المحبة في الآباء صلة في الأبناء؛ وكان لنا مدّة مديدة وقد تأخرت رسلنا عن حضرته ولم تصدر من جهتنا الشريفة، كذلك ولا وردت رسل من جهته؛ ولم يشغلنا عن ذلك إلا
(7/319)

مواقعة الفرنج المخذولين أعداء الدين، ومقارعتهم في سائر السّواحل بشدّة البأس والتّمكين؛ إلى أن امكن الله عز وجلّ من نواصيهم وصياصيهم بنصر من عنده، كما قال تعالى: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
«1» .
والآن فقد صدرت هذه المكاتبة إلى المقام العالي السلطاني- وبقية الألقاب والنّعوت إلى آخرها حسب ما تقدّم ذكره- تخصّ مقامه بسلام أرقّ من النّسيم، وألطف مزاجا من التّسنيم «2» ؛ وثناء قد ازرى نشره بالعبير، وسرى بشره فغدت تتهلّل به الأسارير. وتبدي لعلم المقام العالي زيدت معدلته أنه لما يبلغنا من عدل الحضرة الشريفة، وإنصافة للرّعايا وتأمين سبل الجور المخيفة؛ وسلوكه سنن الإحسان، وتأكّد عقود المحبة على عادة من سلف في سالف الزمان؛ قصدنا مفاتحته بهذه المكاتبة، وأردنا بداءته بهذه المخاطبة؛ ليعلم ما نحن عليه من صحيح الوداد، وأكيد الاتّحاد، وجميل الاعتقاد، وحسن الموالاة الخالصة من شوائب الانتقاد؛ وجهّزنا بها رسلنا فلان وفلان ومن معهما نستدعي ودّه، ونستدني ولاءه الذي أحكم عقده، لتأكّد المصافاة بين هاتين الدّولتين، والمخالصة من كلتا الجهتين، والموالاة بين المملكتين؛ ويأمر المقام العالي لا زال عاليا بتردّد التّجّار من تلكم الديار، والمواصلة بالأخبار على حسب الاختيار؛ ومتابعة الرّسل والقصّاد، على أجمل وجه معتاد.
وقد وجّهنا إلى المقام العالي أعلى الله شأنه صحبة رسلنا المذكورين من الأقمشة السّكندريّ وغيرها على سبيل الهديّة، والمواهب السنيّة، ما تضمّنته الورقة المجهّزة طيّها؛ فليأمر المقام العالي دامت معدلته بتسليم ذلك، ويتيقّن وفور المحبة من سلطاننا المالك، وتأكّد أسباب المودّة على أجمل المسالك؛ والله تعالى يجمّل ببقاء سلطانه ملك الممالك، ويديم عدله المبسوط على الأولياء
(7/320)

ويرمي ببأسه الأعداء في مهاوي المهالك، ويخلّد ملكه الذي تفتخر بالملك من مقامه العالي السّرور والأرائك؛ بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
واعلم أنّ صاحب «التثقيف» قد ذكر أن المكتوب إليه بهذه المكاتبة هو القائم مقام أزبك، وأن اسمه محمد، وأن المكاتبة إليه كانت في سنة ستّ وسبعين وسبعمائة. وقد تقدّم ذكر من ولي هذه المملكة بعد أزبك ولم يكن فيهم من اسمه محمد. وقد كان القائم بهذه المملكة في سنة ستّ وسبعين المذكورة اسمه «أرص» وهو الذي انتزع المملكة من أيبك خان المقدّم ذكره؛ وأصله من خوارزم على ما مرّ ذكره في الكلام على المسالك والممالك، فيحتمل أن يكون اسمه محمد وأرص لقب عليه، كما كان خدابندا والد أبي سعيد من ملوك إيران، اسمه محمد، ولقبه خدابندا. والأمر في ذلك راجع إلى النقل، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قلت: وقد كتب في الدولة الناصرية «فرج» «1» بن الظاهر برقوق، للقان القائم بها في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة في قطع البغداديّ الكامل من الورق المصريّ المعمول على هيئة البغداديّ، ابتديء فيه بعد خمسة أوصال بياض بالبسملة في أعلى الوصل السادس، ببياض من جانبيها عرض إصبعين من كل جهة، والسطر الثاني على سمته في آخر الوصل، بخلوّ بياض من الجانبين بقدر السطر الأوّل، والطّغراة بينهما بألقاب سلطاننا على العادة، مكتوبة بالذهب بالقلم المحقّق مزمّك بالسواد، بأعلى الطّغراة قدر عرض ثلاثة أصابع بياضا، ومثل ذلك من أسفلها، وباقي السّطور بهامش من الجانب الأيمن على العادة، وبين كلّ سطرين قدر نصف ذراع القماش القاهريّ، والأسماء المعظّمة: من اسم الله
(7/321)

تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، واسم سلطاننا والسلطان المكتوب إليه، والضمير العائد على واحد منهما بالذّهب المزمّك كما تقدّم تقريره في الكلام على مكاتبة صاحب إيران في القديم.
وهذه نسخة مما أنشأته، كتبت بإشارة المقر العالي الفتحيّ: صاحب ديوان الإنشاء الشريف وهي:
الحمد لله مؤيّد سلطاننا «الناصر» بعزيز نصره، ورافع قدر مقامنا الشريف بإعلاء مناره وإعظام ذكره، ومشيّد أركان ملكنا الشامخ بإسعاد جدّه العالي والله غالب على أمره. نحمده على ما جنّب من مواقع الحرج، وجعل أمور رعايانا بمعدلتنا الشريفة بعد الضّيق إلى فرج؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يتوارثها عظماء الملوك كابرا عن كابر، ويتناقلها منهم الخلف بعد السّلف فيسندها الناصر عن الظاهر؛ ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ جمع بعموم دعوته مفترق الأمم، ووفّق بحنيفيّ ملّته بين أقيال العرب وأساورة العجم «1» ؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين آخى بينهم فسنّ المؤاخاة، ونقّى من نغل «2» الضّغائن صدورهم ففازوا بأكمل المصافاة وأتمّ الموافاة؛ صلاة تسير بفضلها الرّكائب، وتترنّم بذكرها الحداة فتعمّ نفحاتها المشارق والمغارب، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فإنّ الأرواح إذا تمازجت تناجت بالضّمائر، والقلوب إذا تآلفت اغتنت بشواهد الحال عن إبراز ما في السّرائر، والأجساد إذا تباعدت تعلّلت
(7/322)

بالمكاتبات في بلوغ الأوطار، والدّيار إذا تناءت اكتفت بالمراسلة عن تقارب الدّار، والمودّة إذا صفت لا يؤثّر فيها البعاد، والمحبّة إذا صدقت لا تزال كلّ يوم في ازدياد؛ (والأذن تعشق قبل العين أحيانا) ، والوصف يحرّك من الشّوق أغصانا وأفنانا.
هذا وإنّ أحقّ ما اتّخذته الملوك ذريعة لدواعي الابتهاج، وأهمّ ما اهتمّ به متخّت بتخت أو متوّج بتاج؛ إحياء مذاهب الملوك السالفة في الوداد، واقتفاء آثارهم الجميلة في موارد المكاتبات على التّنائي والبعاد؛ ومن ثم صدرت هذه المكاتبة إلى المقام العالي، السلطانيّ، الكبيريّ، الأخويّ، الفلانيّ، ركن الملّة الإسلامية، عماد المملكة الجنكزخانيّة، ذخيرة الدين، خليل أمير المؤمنين- زيدت عظمته، ودامت معدلته- تخصّه بسلام تهبّ به الجنوب فتؤثّر به في الشّمال القبول «1» ، وتخصّ به إلى السّراى سراها ليكون لها ببيت بركة أشرف قدم وأكرم وصول؛ وتمدّ على خوارزم والدّشت فضل رواقه المديد؛ وتنشر على مملكة السّرير «2» لواءه فيعم ما بين جيحون وطرنا «3» ويشمل ما بين الخطا «4» والباب الحديد. وتناجي علمه الشريف بأنه غير خاف عن شريف مقامه أن من سلف من ملوك مملكتنا العالية الذّرى، والمملكة القانيّة المرفوعة الذّكر رفع نار القرى؛ لم تزل ملوكهم مجتمعة مع تنائي الدّيار، مؤتلفة على المحبّة وإن شطّ المزار، محافظين على تتابع الرّسل وإن حال دونهم الصّفاح «5» ، مثابرين على توارد الكتب
(7/323)

ولو على أجنحة الطير ومتون الرّياح؛ وقد مضت مدّة مديدة لم يقدم علينا من المقام الشريف- عظّم الله تعالى شأنه- رسول يطفيء لواعج الاشتياق، ولا ورد عنه كتاب يتعلّل المحبّ بتلقّيه عن حقيقة التّلاق؛ بل سدّ باب المكاتبة حتّى كأنّ المكاتبة لم تخلق؛ وأغلق باب المراسلة وإن كان باب المحبّة- بحمد الله- لم يغلق؛ فطمح بخاطرنا الشريف طامح الشوق المتزايد، وحملنا موصول المحبّة المستغني بمواصلته عن الصّلة والعائد، أن نفاتح المقام العالي دامت معدلته بهذه المفاوضة: لتجدّد من العهود القديمة رسومها، وتطلع من مشارق المخاطبة نجومها؛ وتنسخ آية الهجران وتمحوها، وتصقل مرآة المصافاة وتجلوها، وتستجلب الأنس وإن صحّ الميثاق، وتذكّر الخواطر الوداد وإن ثبتت منه الأصول ورسخت الأعراق، وتنوب عن نظرنا الشريف في مشاهدة محيّاه الكريم، ومصافحة كفّه التي حديث ودّها قديم، وتستطلع أخباره، وتستعرض على تعاقب الأزمان أوطاره.
وقد اخترنا لتبليغ رسالتها، وأداء أمانتها، المجلس السامي المقرّب الأمين خواجا فلان أعزّه الله تعالى، وحمّلناه من السلام ما يهتدي بضوئه الساري، ويفوق بعرفه العنبر الشّحريّ «1» والمسك الدّاري «2» : ليحكم بحسن السّفارة من المخالصة مبانيها، ويعقد منها بمتابعة الرّسل والقصّاد أواخيها؛ وجهّزنا صحبته كذا وكذا على سبيل الهديّة المندوب بذلها وقبولها، والحاكم بصحة عقد المحبّة كثيرها وقليلها؛ والله تعالى يزيد في ارتفاع قدره الخطير، ويحوط به من ملكه الجنكزخاني ما يحقّق أنه صاحب التاج والسّرير.
(7/324)

الجملة الثالثة «1» (في رسم المكاتبة إلى من انطوت عليه هذه المملكة من الأتباع والحكّام؛ وهم على «2» أصناف)
الصّنف الأوّل (كفّال المملكة)
قد تقدّم أن ترتيب هذه المملكة في أمراء الألوس والوزير نحو مملكة إيران، وإن لم يكن لأمير الألوس ولوزير بهذه المملكة من نفاذ الأمر نظير ما هنالك. ومقتضى ذلك أن يكونا منحطّين في الرتبة عن أمراء الألوس بإيران والوزير بها؛ وهذه الرسوم التي وقعت في مكاتباتهم على ما أورده في «التثقيف» .
وأمراء الألوس أربعة، أكبرهم يسمّى بكلاري بك بمعنى أمير الأمراء كما تقدم في مملكة إيران. فقد ذكر في «التثقيف» أنه كان منهم في سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة قطلوبغا إيناق، وأنه كتب إليه في عاشر جمادى الآخرة منها ما صورته:
«ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، العونيّ، الزّعيميّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظهيريّ، النّوينيّ، السّيفيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيف الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، زعيم الجيوش، مقدّم العساكر، كهف الملة، ذخر الدولة، ظهير الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين» . ثم الدعاء والعلامة «أخوه» وتعريفه «قطلوبغا إيناق نائب القان جاني بك» .
ثم ذكر أنّ الأمر كان عند القان محمد بمثابة الأمير يلبغا العمريّ «3» ، يعني
(7/325)

الخاصكيّ بالأبواب السلطانية بالديار المصرية، وأنه استحدثت المكاتبة إليه في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وأنه كتب إليه في قطع الثّلث ما صورته:
«أدام الله تعالى نعمة الجناب العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، المجاهديّ، المؤيّدي، الذّخريّ، النّصيريّ، الهماميّ، المقدّميّ، النّوينيّ، السيفيّ؛ عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، مقدّم العساكر، ذخر الدولة، عضد الملوك والسلاطين، حسام أمير المؤمنين» . والدعاء المناسب. والعلامة «والده» . وتعريفه «مماي» . وفي هذا نظر: لأنّه إذا كان بمثابة ما كان عليه يلبغا بالديار المصرية، فمقتضاه أن يكون أكبر أمرائه. وإذا كان كذلك، فكيف يكتب إليه دون أمراء الألوس؟ فقد تقدّم أنه يكتب إليهم: «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي» .
الوزير بهذه المملكة. قد ذكر في «التثقيف» أن الوزير بها كان اسمه محمودا، ولقبه حسام الدين، وكان يعرف بمحمود الدّيوان. وذكر أن رسم المكاتبة إليه في قطع الثلث ما صورته:
أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي، الآمريّ، الكبيريّ، الذّخريّ، الأوحديّ، الاكمليّ، المتصرّفيّ، العونيّ، الوزيريّ، الحساميّ، مجد الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء والوزراء في العالمين؛ جمال المتصرّفين، أوحد الأولياء المقرّبين، ذخر الدولة، مشير الملوك والسلاطين. ثم الدعاء والعلامة «والده» . وتعريفه «خواجا «1» محمود وزير المملكة القانيّة» .
قلت: وقد علمت أنّ المكاتبة إلى أمراء الألوس والوزير بهذه المملكة دون المكاتبة إلى أمراء الألوس والوزير بمملكة إيران، فقد تقدّم أن المكاتبة إلى
(7/326)

بكلاري بك أكبر أمراء الألوس بمملكة إيران: «أعزّ الله تعالى نصر المقرّ الكريم» . وإلى الثلاثة الذين دونه: «أدام الله تعالى نصر الجناب الكريم» ، ثم استقر «أعز الله تعالى أنصار الجناب الكريم» . وأن المكاتبة إلى الوزير:
«ضاعف الله تعالى نعمة المجلس العالي» . والمعنى في ذلك ما تقدّم من أنه ليس لأمراء الألوس والوزير بهذه المملكة من التصرّف ما لأمراء الألوس والوزير من التّصرّف بتلك المملكة.
قجا علي بك بهذه المملكة. قال في «التثقيف» : وهو ممن استحدثت المكاتبة إليه في سنة خمس وستين وسبعمائة.
ورسم المكاتبة إليه فيما ذكره في «التثقيف» الاسم و «الساميّ» بالياء وتعريفه اسمه.
الصنف الثاني (الحكّام بالبلاد بهذه المملكة)
وها أنا أذكر من ذكر المكاتبة إليه منهم في «التثقيف» .
الحاكم بالقرم «1» : وهو إقليم شماليّ بحر نيطش «2» . وقاعدته مدينة صلغات، وهي مدينة على نصف يوم من البحر، وقد غلب عليها اسم القرم. وقد ذكر في «التثقيف» أن الحاكم بها في سنة خمسين وسبعمائة كان اسمه زين الدين رمضان؛ ثم استقرّ بعده علي بك ابن عيسى بن تلكتمر. وقد رأيت في بعض
(7/327)

التواريخ أن الحاكم بها في حدود ستّ وسبعين وسبعمائة كان ماماي «1» المقدّم ذكره.
وقد ذكر في «التثقيف» أن رسم المكاتبة إلى الحاكم بها في قطع العادة، والعلامة «أخوه» و «صدرت» و «العالي» . والذي رأيته في دستور يعزى في الأصل للمقرّ العلائيّ بن فضل الله أنه يكتب إليه في قطع الثلث وأن المكاتبة إليه «الساميّ» بالياء. وتعريفه «الحاكم بالقرم» .
الحاكم بأوزاق: وهي مدينة على بحر مانيطش «2» المقدّم ذكره في الكلام على المسالك والممالك. وهو المعروف الآن ببحر الأزق «3» ؛ وهي عن القرم في جهة الجنوب والشرق، وبينهما نحو خمس عشرة مرحلة. قال في «التثقيف» :
ورسم المكاتبة إلى الحاكم بها مثل الحاكم بالقرم على السواء. والذي رأيته في الدّستور المقدّم ذكره أنه في قطع الثلث «السامي» بالياء كما في الحاكم بالقرم.
(الثاني (من ملوك توران من بني جنكزخان صاحب ماوراء النهر)) وقاعدة ملكه في القديم بخارا، والآن سمرقند. ومن مضافاتها غزنة «4» وما والاها من متاخم الهند. وقد تقدّم الكلام عليها مستوفى في الكلام على المسالك والممالك. وقد ذكر في «التعريف» أنّ آخر ما استقرّت لترماشيرين، وكان حسن الإسلام عادل السّيرة، طاهر الذّيل، مؤثرا للخير، محبّا لأهله، مكرما لمن يرد من العلماء والصّلحاء، وطوائف الفقهاء والفقراء.
قال: وكتب إليه على رسم المكاتبة إلى صاحب إيران. وقد تقدّم في الكلام على المكاتبة إلى صاحب إيران نقلا عن «التعريف» أنه يكتب إليه في قطع
(7/328)

البغداديّ الكامل، يبتدأ فيه بعد البسملة وسطر من الخطبة الغراء المكتتبة بالذهب المزمّك بألقاب سلطاننا على عادة الطّغراوات؛ ثم تكمّل الخطبة ويفتتح ببعدية إلى أن تساق الألقاب، وهي: «الحضرة العالية، السلطانيّة، الأعظميّة، الشاهنشاهيّة، الأوحدية، الأخوية، القانيّة، الفلانية» . ولا يخلط بها «الملكية» لهوانها عليهم؛ ثم يدعى له بالأدعية المفخّمة الملوكية: من إعزاز السّلطان، ونصر الأعوان، وخلود الأيام، ونشر الأعلام، وتأييد الجنود، وتكثير البنود، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى. ثم يقال ما فيه التصريح والتلويح بدوام الوداد، وصفاء الاعتقاد، ووصف الأشواق، وكثرة الأتواق، وما هو من هذه النسبة؛ ثم يؤتى على المقاصد، ويختم بدعاء جليل وتستعرض المراسيم والخدم، ويوصف التطلّع إليها، ويظهر التهافت عليها؛ وأنه تكتب جميع خطبة الكتاب وطغراة بالذهب المزمّك، وكذلك كلّ ما وقع في أثنائه من اسم جليل، وكل ذي شأن نبيل: من اسم الله تعالى أو لنبيه صلّى الله عليه وسلّم؛ أو ذكر الإسلام، أو ذكر سلطاننا أو السلطان المكتوب إليه، أو ما هو متعلّق بهما، مثل لنا ولكم، وكتابنا وكتابكم، جميع ذلك يكتب بالذهب وما سواه بالسّواد. وأن العنوان يكون بالألقاب إلى أن ينتهي إلى اللقب الخاص؛ ثم يدعى له بدعوة أو اثنتين نحو أعزّ الله تعالى سلطانها، وأعلى شانها؛ ونحو ذلك. ثم يسمّى اسم السلطان المكتوب إليه؛ ثم «يقال» خان: مثل أن يقال: ترماشيرين خان، ويطمغ بالذهب طمغات عليها ألقاب سلطاننا تكون على الأوصال، يبدأ بالطّمغة على اليمين في أوّل وصل، وعلى اليسار في ثاني وصل، ثم على هذا النمط إلى أن ينتهي في الآخر إلى اليمين، ولا يطمغ على الطرّة البيضاء. والكاتب يخلي لمواضع الطّمغة مواضع الكتابة تارة يمنة، وتارة يسرة، إلى غير ذلك مما سبق القول عليه.
قلت: وآخر ما استقرّت هذه المملكة لتمرلنك «1» ؛ وتمر اسمه الذي هو علم
(7/329)

عليه، ومعناه بالتركية حديد. ولنك لقب عليه، ومعناه بالفارسية أعرج: لأنّه كان به عرج ظاهر؛ ولذلك تسمّيه التّرك تمر أقصق، إذ أقصق عندهم بمعنى أعرج. وهو يتسمّى في كتبه تيمور كوركان. ومن هذه المملكة انساب على بلاد إيران حتّى استولى على جميعها، وسار إلى بلاد الهند فاستولى عليها؛ ثم طاح إلى الشام في سنة ستّ «1» وثمانمائة وعاث فسادا، وخرّب وأفسد ولقيه السلطان «الملك الناصر» فرج ابن الظاهر برقوق صاحب مصر والشام على دمشق؛ وجرت بينهما مراسلة؛ ثم طرأ للسلطان الملك الناصر ما أوجب عوده إلى مصر لأمر عرض له من جهة
(7/330)

بعض أمرائه «1» ، وبقى تمرلنك نازلا بالشام محاصرا لدمشق، إلى أن خدع أهلها وفتحها صلحا، ثم غدر بهم ونهبها وسبى حريمها، ثم حرّقها بعد ذلك بعد أن أسرف في القتل وأثخن في الجراج، وأمعن في الأسر.
وللمكاتبة إليه حالتان:
الحالة الأولى- حين كان السلطان الملك الناصر فرج- عزّ نصره- بالشام محاربا له، وكتبه حينئذ ترد في القطع الصغير على ما سيأتي ذكره، وكان يكتب إليه حينئذ في قطع «2» مما فات المؤلف رحمه الله تعالى ما كتب عن مولانا الشهيد الملك الظاهر أبي سعيد برقوق، تغمّده الله تعالى برحمته ورضوانه، في جواب الأمير تمرلنك المدعو تيمور، عن الكتب الواردة منه قبل ذلك- من إنشاء المرحوم المقرّ البدريّ محمد، ابن المرحوم المقرّ العلائيّ عليّ ابن المرحوم المقرّ المحيوي يحيى، بن فضل الله العمري العدويّ القرشيّ
(7/331)

رحمهم «1» الله تعالى- في سنة ست وتسعين وسبعمائة، عند سفر مولانا السلطان المشار إليه إلى حلب المحروسة لملتقى المذكور، في قطع الثلث بغير علامة؛ وسعة ما بين السطور قدر عرض الإصبعين. والطرّة وصلان، طولهما نحو الذّراع الهاشميّ، وكان عنوان كتاب تمرلنك الذي ورد آخرا وهو الذي اقتضى الحركة الشريفة والجواب المشار إليه.
سلام وإهداء السّلام من البعد ... دليل على حسن المودّة والعهد
فكتب العنوان الشريف:
طويل حياة المرء كاليوم في العدّ ... فخيرته أن لا يزيد عن الحدّ!
فلا بدّ من نقص لكلّ زيادة ... لأنّ شديد البطش يقتصّ للعبد!
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العليّ الشان، العظيم السلطان، العميم الإحسان، العليم بما
(7/332)

كان وما يكون في كل زمان ومكان؛ تاهت في ميادين فلوات معرفته سوابق جياد الأفهام، وتدكدكت لهيبة جلاله جبال العقول والأوهام؛ وصلّى الله على سيدنا محمد حبيب الرحمن، وسيد الأكوان، وصاحب المعجزات والبرهان، المبعوث إلى الخلق أجمعين من الإنس والجانّ، والمنعوت بالفضل العميم، والخلق العظيم، في التّوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وعلى آله وصحبه الغرّ الكرام الحسان، وعلى التابعين لهم بإحسان، وسلّم تسليما كثيرا ما تعاقب الحدثان.
وبعد، فقد وصل إلى أبوابنا الشريفة العالية كلّ ما جهّزته أوّلا وآخرا يا أمير تيمور من كتاب، وأحاطت علومنا الشريفة بما فيها من كلام وخطاب؛ وقصد وعتاب، وإرعاد وإرغاب وإرعاب.
فأما ما ذكرته في أوّل كتبك من ألقابنا الشريفة بالتعظيم، والتّبجيل والتفخيم؛ فقد علمناه وعرفناه، ولكن وجدنا الكلمتين اللتين في الطمغات آخر الكتب وهما راستي رستي منافيتين لذلك التعظيم، وهذا غير مستقيم؛ لأنه متناقض غير متناسب، فعجبنا من هذا التناقض الواضح، والتخالف الفاضح؛ وفي المثل السائر: «أصلح وقابل وأفسد وقابل» .
وأمّا إرسالك السيف والتّركاش «1» لنا، فقد تعجّبنا منه إلى الغاية، وأنكرناه إلى النّهاية: لأنك لم تزل في كتبك كلّها تستشهد بتاريخ جنكزخان وأخباره وأحواله، وتقتدي به في أقواله وأفعاله؛ وما سمعنا في التواريخ ولا أتّفق قطّ من جنكزخان، ولا ممن تقدّمه وتأخّره من ملوك مملكته في زمن من الأزمان، أنّه أهدى إلى خادم الحرمين الشريفين سيفا ولا تركاشا؛ ما اختلف في ذلك اثنان.
فإرسالهما منك إلينا هل هو من باب المحبة أو لا، وإن كان تخويفا، فنحن ما نخاف من سيفك وتركاشك بعناية الله العظيم الأعلى.
(7/333)

السّيف والرّمح والنّشّاب قد علمت ... منّا الحروب فسلها فهي تنبيكا!
إذا التقينا تجد هذا مشاهدة ... في الحرب، فاثبت فأمر الله آتيكا!
بخدمة الحرمين الله شرّفنا ... فضلا وملّكنا الأمصار تمليكا!
وبالجميل وحلو النّصر عوّدنا، ... خذ التّواريخ واقرأها تلبّيكا!
والأنبياء لنا الرّكن الشّديد فكم ... بجاههم من عدوّ راح مفلوكا «1» !
ومن يكن ربه الفتّاح ناصره، ... ممّن يخاف؟ وهذا القول يكفيكا!
وقد أجبناك عن السيف والتّركاش فيما مضى قبل هذا الوقت وتقدّم، فاعرف ذلك واعلم.
وأما ما ذكرته من قولك: إنك فتحت معنا باب المحبة والوداد، والصّحبة والاتّحاد، لا باب المخاصمة والمشاورة والعناد؛ فقد علمنا ذلك وفهمناه. والذي نعرّفك به أنّ الذي وقع منك بخلاف ما قلت: لأنك لو كنت صادقا في قولك، كنت لمّا حضر إليك شكر أحمد وأرغون السلامي «2» اللذان هما من بعض ممالكينا ومن جملة رعايانا أمسكتهما وجهّزتهما إلينا بعد أن قيّدتهما؛ فما فعلت ذلك بل عملت بالضدّ منه لأنّك آويتهما، وحميتهما وعظّمتهما وأكرمتهما؛ وجعلتهما من خواصّك وأحبابك، وأوليائك وأصحابك. وأيضا توجّه إليه صولة بن حيار «3» الذي هو قطعة هجّان «4» من هجّانتنا فأكرمته، وألبسته التاج وعظّمته؛ وبعثت معه خلعة إلى نعير»
(7/334)

المذكور وإلى غيره من عربانه، ووعدته بالتّقدمة والإمارة، بالتصريح العظيم لا بالتلويح والإشارة؛ وكتبت إليه كتابا ما تركت فيه ولا خلّيت، وأظهرت كلّ ما كان عندك وما أبقيت؛ فجهّزه إلينا وقريء على مسامعنا الشريفة كلمة كلمة، وعرفنا واضح معناه ومبهمه؛ وها نحن نشرحه لك لتعلم وتتحقّق أنه وصل إلينا، واطّلعنا عليه وما خفي أمره علينا. وهذا نصه:
(دام دولته) الأمير الكبير، المعظّم أمير نعير، أدام [الله] دولته شمسا. نعرض لعلوّ علومه المحروسة أنه قد اتّصل بنا طردك عن الشام، ومعاملتهم معك غير الواجب.
حال وقوفك على هذا المثال تسرع في الوصول إلينا بحيث نعطيك ما أعطي المرحوم عمك أمير سليمان طاب ثراه، ونجعلك مقدّم العساكر المنصورة؛ وبهذا برز الحكم المطاع من الحضرة العالية؛ ففي عزم العساكر والجيوش المعظّمة الوصول إلى أطراف البلاد شرقا وغربا وروميّا من سائر النواحي والأمصار، والبلاد والأقطار؛ وإن أبطأ ركابك عن الوصول، فنحن واصلون إليكم في طريقنا إلى مصر وغيره، ولا يبقى لطاعتك مزيّة ولا منّة، فيكون ذلك على الخاطر المبارك.
فينبغي أن لا يكون جواب الكتاب، إلا قدوم الركاب؛ ففيه لكم الفوائد العظيمة، والعطايا الجسيمة؛ ومع [ذلك] إصابة الرأي منكم، تغني عن تأكيد الوصية إليكم؛ ومهما عرض من المهامّ يقضى حسب المراد، ومنهج السّداد؛ والله الموفق.
وبحاشية الكتاب المذكور ما نصّه:
وقد كتبنا إلى السلطان أحمد أن يصل إلينا، فانظر كيف كان عاقبة أمره؟
فينبغي أن تتوجّه أو يتوجّه بعض أولادك إلينا لأجل مصالحك كافّة.
فيا أمير تيمور لو كنت صادقا، وكلامك بالحق ناطقا، ما وقع منك مثل هذا ولا صدر، ولا اتّفق بل ولا ببالك خطر؛ ولكن كلّ ما يكون في خاطر الإنسان يظهر من الكلام الذي يخرج من فيه، وكلّ وعاء ما ينضح إلا بما فيه.
(7/335)

يا فاعلا بالضّدّ من قوله ... فعل الفتى دال على باطنه
والمرء مجزيّ بأعماله ... إذا أظهرت ما كان في كامنه
وأما طلبك منّا السلطان أحمد الحلايري غير مرّة، فقد علمناه. ولكن عرّفنا يا أمير تيمور إيش عمل بك؟ حتّى حلفت له عدّة مرار بأيمان الله تعالى العظيمة وأعطيته العهود والمواثيق بأنك ما تتعرض إليه ولا إلى مملكته ولا توافيه ولا تشوّش عليه، حتّى اطمأنّ بأيمانك، وركن إليك، وأحسن ظنّه فيك، ووثق بك، واعتمد عليك فخنته وغدرته، وأتيته بغتة على حين غفلة وبدرته؛ وأخذت مملكته وبلاده، وأمواله وأولاده. وأعظم من ذلك أنّك أخذت أيضا حريمه وهنّ في عقد نكاحه وعصمته وأعطيتهنّ لغيره، وقد نطق الكتاب والسنة بتحريم ذلك وعظم ذنب فاعله وقبيح جرمه؛ ففي أيّ مذهب من المذاهب يحلّ لك أخذ حريم المسلمين، وإعطاؤهنّ لغير أزواجهنّ من المفسدين الظالمين؟ وهنّ في عصمة أزواجهنّ وعقد نكاحهنّ إنّ هذا لهو البلاء المبين؛ وكيف تدّعي أنك مسلم وتفعل هذه الفعال؟ عرّفنا في أيّ مذهب لك هذا حلال؟ فأعمالك هذه كلّها منافية لدعواك، بل منافية لدين الإسلام، وشرع سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. قال الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
«1» وقال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
«2» وقال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
«3» وقال عز وجل: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
«4» وقد بيّن لنا الخير والشر، والحلال والحرام وأهلها فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
«5» وقال تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا
«6»
(7/336)

وقال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ
«1» وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» . وقال عليه السّلام: «المسلم من سلّم المسلمون من يده ولسانه» .
ففي أيّ مذهب من دين الإسلام تستحلّ هذه المحرّمات العظيمة، والمنكرات القبيحة الشنيعة الجسيمة، التي يهتزّ لها العرش ويغضب الله عز وجلّ لها ورسله والملائكة والناس أجمعون؟ وما كفى ما فعلت مع القان أحمد المشار إليه حتّى تطلبه منا؟. اعلم أنّ القان أحمد «2» المشار إليه قد استجار بنا وقصدنا، وصار ضيفنا؛ وقد ورد: من قصدنا وجب حقّه علينا. وقال تعالى لسيد الخلق أجمعين في حقّ الكفار الذين هم أنحس الناس: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ
«3» فكيف بالمسلمين إذا استجاروا بالمسلمين؟ وكيف بالملوك أبناء ملوك المسلمين، الذين لأسلافهم الكرام معنا ومع ملوك الإسلام خدّام الحرمين الشريفين صحبة ومحبة وأخوّة في الله تعالى؟
ولو لم يكن ذلك كيف يجوز في شرع المروءة والنّخوة الوفاء أن نسلّم ضيفنا ونزيلنا والمستجير بنا؟ خصوصا وجنسنا جركس جنس ملوك الإسلام السالفين، خدّام
(7/337)

الحرمين الشريفين الذين اتّفق لهم مع التّتار ما تشهد به التواريخ، ومن عادتنا وشأننا وطباع جنسنا أننا لا نسلّم ضيفنا ولا نزيلنا ولا من استجار بنا لأحد. وإن كنت ما تصدّق ذلك فعندك من هم من جنسنا، سلهم يعرّفوك، فنحن لا يضام لنا نزيل، ونقري الضيف ونعامله بالجميل، وهذه جبلّتنا الغريزيّة وعادة أصلنا الأصيل؛ فإرسال القان أحمد إليك أمر مستحيل.
إنّا ذوو الفضل الغزير الوارف ... أبوابنا هي ملجأ للخائف!
نقري الضّيوف ولا يضام نزيلنا، ... شيم ورثنا فضلها عن سالف!
وكليمة تكفي الذي هو عاقل، ... والرّمز تصريحا غدا للعارف!
وقولك: إن العادة كانت جارية بين من سلف من ملوك الإسلام وملوك التتار، أنّه من هرب من جهة إلى أخرى يمسكه الملك الذي يهرب إليه ويقيّده ويجهّزه إلى الملك الذي هرب من عنده، وأن دمرداش بن جوبان لما هرب في الزمن الماضى من ملكه وجاء إلى سلطان مملكتنا المعظّمة المشرّفة، أمسكه وقيّده وأرسله إليه، فقد علمناه، وليس هذا الذي قلته وحكيته بصحيح، لأن الذي وقع واتّفق بخلافه: وهو أنّ أميرا من أمراء السلطان الملك الناصر كان يسمّى قراسنقر، هرب من عنده وراح إلى أبي سعيد فقطع رأسه، وجهّزه إلى الملك الناصر. وأما دمرداش المذكور فالملك الناصر ما أرسله إلى أبي سعيد مثل ما قلت وما مات دمرداش المذكور إلا في مصر المحروسة، فليكن ذلك في علمك ثابتا؛ وعلى كلّ حال فكلامك حجة عليك لا لك: لأنّك قد آويت شكر أحمد وأرغون السلامي وأكرمتهما وقرّبتهما، وكذلك كلّ من حضر إليك من مماليكنا ورعايانا وخدمنا من أهل مملكتنا، فلو أمسكتهم وقيّدتهم وجهّزتهم إلينا، كنت تكون صادقا في قولك، وكنت إذا طلبت منا أحدا ما تلام على طلبه، فكيف وأنت البادي والمعتمدي؟ فهذا الكلام كلّه شاهد عليك لا لك.
(7/338)

وأما قولك: إنّ صاحب تكريت كان حراميّا قاطع طريق، ففعلت معه ما فعلت مقابلة له على نجسه وحرامه وقطعه الطّرقات، فقد علمناه وسلّمنا لك هذا الأمر، بيّض الله وجهك، وما قصّرت فيه، فحبّذا ما عملت، ونعم ما فعلت في حقّه من إعطائه جزاءه. أفأهل بغداد كانوا حراميّة قطّاع طريق حتّى فعلت بهم ما فعلت، وقتلت منهم من التّجّار خاصّة ثمانمائة نفس في المصادرة بالعقوبة والعذاب. ففي أيّ مذهب يجوز هذا؟ وهل يحلّ لمن يدّعي الإسلام أن يعمل بخلق الله تعالى الذين أمر بالشفقة عليهم والإحسان إليهم ونشر العدل فيهم هذه الفعال؟ وقد تعجّبنا منك يا أمير تيمور إلى الغاية! كيف تدّعي أنّك عادل، وتعمل بأهل بغداد المسلمين الموحّدين وبغيرهم من المسلمين هذه العمائل؟ أما تعلم أنّ الشفقة على خلق الله تعظيم لأمر الله! وأنّ الله رحيم يحبّ من عباده الرّحماء، وأن الظّلم حرام في جميع الملل؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله تعالى يقول: يا عبادي إنّي حرّمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظّالموا» . وقال عليه السلام: «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» . وورد: «إن فاتني ظلم ظالم فأنا الظّالم» وحسب الظالمين ربّ العالمين الذي قال في حقهم أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
«1» وقال إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ*
«2» . والباغي له مصرع. ولما جاء هولاكو ومنكوتمر وغازان وقصدوا ملوك الإسلام خدّام الحرمين الشريفين، الذين كانوا من جنسنا كما ذكرنا لك أعلاه، اتّفق لهم ما اتّفق مما هو مشروح في التواريخ ومعلوم عند الناس؛ فمهما أخذه أولئك تأخذه إذا جئت.
وأما قولك في كتبك: إنه إن لم نجهّز إليك السلطان أحمد الحلايري مقيّدا تجيء في أوّل فصل الربيع إذا نزلت الشمس برج الحمل، أو لمّا تنزل الميزان، وإن جهّزناه إليك مقيدا، تتأكد المحبة والصّحبة بيننا وبينك، فقد علمناه؛ والذي
(7/339)

نعرّفك به هو أننا كنا نتوقّع أنك تجيء قبل هذا الوقت، فقد أبطأت كثيرا، وملوك الإسلام خدّام الحرمين الشريفين الذين كانوا قبلنا ما تصالحوا مع مثل هولاكو وغيره إلا حتّى تزاوروا وتقابلو واجتمعوا، ونحن أيضا كذلك، ما نصطلح إلا بعد أن نتزاور ونتقابل ونجتمع. وأنت طلبت أحمد الحلايري، وها نحن واصلون إليك به، نطلب منك أن تشفّعنا فيه، وتهبنا ذنبه الذي صدر منه، وندخل عليك بسببه، ونسأل إحسانك أن تعيّن لنا موضعا نلتقي معك فيه، حتّى نأتيك بأحمد الحلايري المذكور فيه، ونشفع فيه عندك. فعيّن لنا الموضع المذكور على حسب ما تختار: إما من ذاك الجانب من الفرات، أو من هذا الجانب. وأيّ موضع عينته وسمّيته لنا جئناك بالمشار إليه فيه، وندخل عليك في أمره، ونستوهب ذنبه منك.
وأما ما ذكرته من أمر الرسول، فقد علمناه. والذي نعرّفك به هو أن الرسول المذكور كان يكتب المنازل منزلة منزلة إلى بلادنا المحروسة، واطلع عليه في ذلك جماعة من جهتنا؛ ولما وصل إلى الرّحبة المحروسة، قال للنائب بها: بس الأرض للأمير تيمور واقرأ الخطبة باسمه. فلو كان رسولا مصلحا ما كان كتب المنازل، ولا أكثر فضوله، وتحدّث بما لا ينبغي له، وتكلّم فيما لا يعنيه، وتعدّى طوره: لأنه لا ينبغي للرسول أن يكون إلا أعمى أخرس غزير العقل، ثقيل الرأس، كما قال بعضهم:
إذا قصدت الملوك فالبس ... من التّقى والعفاف ملبس!
أدخل إذا ما دخلت أعمى، ... واخرج إذا ما خرجت أخرس!
وكيف يمكن نائبا الذي هو من جملة مماليكنا، وجبل لحمه ودمه على أنعمنا وصدقاتنا، وغذّي وربّي بلبان فضلنا وجودنا [أن] يبوس الأرض لغيرنا، أو يخطب باسم غيرنا؟ وكيف يترك اسم خادم الحرمين الشريفين أستاذه؛ ويذكر اسم غيره؟. فقد تكرّرت منك الفعال القبيحة، الموجبة لما يقدّره الله تعالى؟ ونحن نقسم بالله تعالى لولا قلت لنعير تعال حتّى أعملك مقدّم العساكر، ونمشي على الشام ومصر؛ وقرّبت مماليكنا وآويتهم، وبدأت بهذا كلّه وحصل منك التعدّي، ما
(7/340)

كان يتفق لرسلك ما اتّفق. ولكنّ الجزاء من جنس العمل، والخير بالخير والبادي أكرم، والشّرّ بالشر والبادي أظلم.
وأيضا كلّ وقت تسأل عن ممالكنا المصونة، وكثرة عساكرنا المنصورة من قلّتها. فلو كنت طالبا المحبة والصحبة والمصادقة، ما وقع منك هذا.
وأما قولك إنّ هولاكو أخذ من كلّ مائة رجل رجلين وجاء بهم، وأنت قد جئت بالرجلين وبالمائة، واعتمادك على كثرة عسكرك على قولك فقد علمناه، وإن كان اعتمادك على كثرة عسكرك فاعتمادنا نحن على الله تعالى واستمدادنا من الحرمين الشريفين، ومددنا ممّن بهما من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والصحابة والصالحين رضي الله عنهم. فإذا تلاقينا يكون ما يقدّره الله تعالى ويعطي الله النصر لمن يشاء، وتعلم ذاك الوقت لمن العاقبة؛ ويظهر فعل الربّ القادر تعالى، وعوائده الجميلة بنا التي لا شكّ عندنا فيها ولا ريب، وقطّ ملوك التتار ما انتصروا على ملوك الإسلام، بل ملوك الإسلام خدّام الحرمين الشريفين، هم المؤيّدون المنصورون المظفّرون بعون الله تعالى، وببركة سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، معوّدون من الله الكريم بالفضل والإحسان والغنائم والفتوحات:
لأنهم أهل الكتاب والسّنّة والعدل والخير والخوف من الله تعالى، لا يقعون في محارمه، ولا يقدمون على ارتكاب ما ينهى عنه، فهم المؤمنون المتّقون. وقال الله تعالى: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
«1» وقال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا
«2» وقال: وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى
«3» وقال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
«4» وسوف ينجز الله تعالى وعده، لأنه لا يخلف الميعاد.
(7/341)

وأما ما ذكرته من أمر قرا يوسف وبير حسن وغيرهما، وأنّ في معاشهم زغلا، وأنّهم مفسدون. وجعلك لكل واحد منهم ذنبا، وأنك أنت العادل الخيّر المفلح، والناس كلّهم مناحيس وأنت الصالح؛ والله يعلم المفسد من المصلح، فقد علمناه. والذي نعرّفك به هو أنّ النّور لا يجتمع مع الظلام، ولا اليقظة والمنام، ولا الخير والشّرّ في حيز واحد: لأنها متضادّة، ليس بينها اتّفاق ولا التئام، وفعل المرء دالّ على نيته وطويّته، قال الله تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
«1» وقال: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
«2» وقال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
«3» وشتّان ما بين أهل الخير والفساد، وأهل العدل وأهل البغي والعناد؛ فالخيّر هو المتّقي، ومن يرتكب ما حرّم الله ويعتقد أنه على الحق فهو الشّقي.
إذا المرء لم يعرف قبيح خطيّته ... ولا الذّنب منه مع عظيم بليّته
فذلك عين الجهل منه مع الخطا ... وسوف يرى عقباه عند منيّته
وليس يجازى المرء إلا بفعله ... وما يرجع الصّيّاد إلا بنيّته!
وأما قولك إنّ نعير العرب أرسل بالخفية يطلب السلطان أحمد، وأننا نرسم لنوّابنا أن يحترزوا من توجّهه إليه ولا يمكّنوه من ذلك، فإنه إن اتّفق توجهه إليه يكن ذلك سببا لخراب الدّيار، فقد علمناه. والذي نعرّفك به هو أننا نتحقّق أن ما يحصل خراب الديار والدّمار ومحو الآثار إلا لمن يسعى ويتكلّم بخراب الديار وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«4» . وستعلم ديار من تخرّب، وعمر من يذهب، وعلى من تكون دائرة السّوء دائرة، وسطوات المنايا قاهرة؟ وَسَيَعْلَمُ
(7/342)

الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«1» وها نحن واصلون بجيوش وجنود وعساكر مؤيّدة من السّباع أسبع، لا تروى أسلحتهم من دماء البغاة ولا تشبع، والجواب ما ترى لا ما تسمع:
قل للّذي في الورى أضحى يعادينا: ... احذر فأمرك ربّ العرش يكفينا!
ما زال يمنحنا فضلا ويكلؤنا ... وفي العدا بعظيم النّصر يشفينا!
أقامنا رحمة للناس أجمعهم، ... ولم يزل من جزيل الجود يعطينا!
بالعزّ والنّصر والتأييد عوّدنا، ... وزادنا في مديد الأرض تمكينا!
وللجميل وفعل الخير وفّقنا، ... شكرا له ستره الأعلى يغطّينا!
قد أسكن الرحمة الحسنى التي أمنت ... بها الأنام بأقصى ملكنا فينا!
فكلّما بالدّعاء المرتضى نطقت ... لنا الرّعايا، أجاب الكون آمينا!
الله حافظنا، الله ناصرنا، ... من ذا يعاندنا؟ من ذا يقاوينا؟
والله الموفّق بفضله العميم، والهادي إلى الصراط المستقيم؛ بمنّه وكرمه، وجوده ونعمه، إن شاء الله تعالى.
كتب في...... من جمادي الأولى سنة ست وتسعين وسبعمائة «2» .
الحالة الثانية- حين عاد السلطان من الشأم إلى الديار المصرية وخرّب هو دمشق وحرّقها، ثم انتقل عنها، وتردّدت رسله بطلب أطلمش: أحد أمرائه الذي كان قد أسر في أيام السلطان الملك الظاهر «برقوق» .
وفي هذه الحالة كان يكتب له في قطع الثلثين، والعنوان بقلم جليل الثّلث بحلّ الذهب سطران، مضمونهما «المقام الشريف العالي، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، المظفّريّ، الملجئيّ، الملاذيّ، الوالديّ، القطبيّ، نصرة الدين، ملجأ القاصدين، ملاذ العائذين، قطب الإسلام والمسلمين، دامت
(7/343)

معدلته تيمور كوركان» . والبسملة في أوّل الوصل الرابع، والخطبة جميعها بالذهب، وكذلك البعدية وما يتعلّق بالمكتوب إليه على عادة القانات، والعلامة بجليل الثّلث بحلّ الذهب بالهامش ما صورته: «المشتاق فرج بن برقوق» إلا أنه اختلف مكانها في المكاتبات على ما سيأتي ذكره. إلا أن افتتاح المكاتبة إليه في هذه الحالة كان على ضربين بحسب ما اقتضاه الحال.
الضرب الأوّل (الافتتاح ب «أما بعد» وذلك عند أوّل عقد الصلح)
وهذه نسخة مكاتبة كتبت إليه جوابا عما ورد منه بطلب أطلمش المذكور والتماس الصّلح: جهّزت صحبة الأمير شهاب الدين أحمد بن غلبك، والأمير قاني «1» بيه صحبة رسوله خواجا مسعود الكججانيّ رسوله الوارد بكتابه، في جمادى الأولى سنة خمس وثمانمائة. وعلّم له فيها في الهامش بين السطرين الثاني والثالث بقلم جليل الثلث بحلّ الذهب «المشتاق فرج بن برقوق» على ما تقدّم ذكره؛ والورق قطع الثلثين وهي:
أمّا بعد حمد الله الذي جعل الأرواح أجنادا مجنّدة، ووصل أسباب الرّشد والفلاح بمن افتتح باب الإصلاح ولم يخلف موعده، وكفل لمن توكّل عليه في أموره النجاح يومه وغده. والشهادة له بأنه الله القاهر فوق عباده بقدرته المؤيّدة، والصلاة والسلام على أشرف نبيّ طيّب الله عنصره ومحتده؛ وأصلح ببعض نسله الشريف بين فئتين عظيمتين بلغ كلّ منهما من الخير مقصده. وعلى آله الطاهرين، وذرّيته الظاهرين بالمصالح المرشدة، وأصحابه الذين كانت غالب قضاياهم صلحا بين الناس ورسلهم بالاتّفاق مردّدة ومن عدم الشّقاق غير متردّدة؛ صلاة وسلاما نصل بهما حبل البنوّة بالأبوّة المتجدّدة، ونخمد بهما نار الحرب المتوقّدة.
(7/344)

فقد أصدرنا هذه المفاوضة إلى المقام الشريف، العالي، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، المظفّريّ، الملجئيّ، الملاذيّ، الوالديّ، القطبيّ، نصرة الدين، ملجإ القاصدين، ملاذ العائذين، قطب الإسلام والمسلمين، تيمور كوركان، دامت معدلته. تهدي إليه سلاما تتلى سوره وآياته، وثناء تتوالى غدواته وروحاته ولا تتناهى غاياته؛ وتبدي لشريف علمه أنّ مفاوضته العالية [التي] وردت أوّلا وآخرا، تضمنت رموزها باطنا وظاهرا، تجهيز الأمير أطلمش لزم المقام الشريف إلى حضرته العليّة: لتنحسم مادّة الحركات، وتسكن القلوب والخواطر في سائر الجهات؛ وتتّحد المملكتان في الصّداقة والوفاء، والمحبّة والصّفاء، على الصّورة التي شرحها، وبيّن مناهجها ووضّحها؛ خصوصا ما أشار إليه من أنّ لجواب الكتاب حقّا لا يضيع؛ فوقفنا عليها وقوف إجلال، وفهمنا ما تضمّنته على التفصيل والإجمال.
والذي نبديه إلى علومه الشريفة أنّ سبب تأخير أطلمش أنّه قدم المقام الشريف إلى حدود الممالك الشاميّة، وتوجّهنا من الديار المصرية، عرض لنا ما أوجب العود إليها سريعا، وكان الحزم فيما فعلناه بمشيئة الله تعالى. ثم تحقّقنا من المفاوضة الواردة على يد سودون، وسودون «1» والنمر، والحاج بيسق «2» أحد أمراء أخورية، قسمه بالله الطالب الغالب، المدرك المهلك، الحيّ الذي لا ينام ولا يموت أنه إن جهّز إليه أطلمش المشار إليه، رجع المقام الشريف إلى بلاده، وأنه متوقّع حضوره إليه بقارة «3» ؛ أو سلمية «4» ، أو حمص، أو حماة. فأخذنا في تجهيزه
(7/345)

إلى حضرته الشريفة على أجمل ما يكون.
فبينا نحن على ذلك إذ وردت علينا الاخبار بما اتفق لدمشق وأهلها: من أنواع العذاب وتخريب قلعتها وديارها؛ وإحراق جامعها الذي هو الجامع الفرد في الممالك الإسلاميّة، وغيره من المساجد والمدارس والمعاهد والمعابد. فلمّا تواترت هذه الأخبار، وتحقّقت هذه المضارّ، لمحنا من عدم ترحّلكم عن دمشق وهي عامرة نقض ما تقرّر، وعدم التفاتكم إلى الأمير أطلمش المذكور وتجهيزه.
فلما وردت مفاوضته الشريفة المجهّزة إلى صاحب ماردين، أرسلها إلينا [وهي] الواصلة على يد المجلس الساميّ، الشيخي، الكبيريّ، العالميّ، الناسكيّ، الحسيبيّ، النّسيبيّ، الشّرفيّ، عبد المؤمن، شيخ الجبال، ابن «1» وليّ الله، إمام العارفين، عبد القادر الكيلانيّ «2» ، أعاد الله تعالى من بركاته، والصّدر الأجلّ فخر الدّين التاجر السّفّار، المؤرّخة بثاني عشر ذي القعدة الحرام من سنة أربع وثمانمائة، المتضمّنة وصول المقام الشريف إلى أرزنكان «3» وكماخ «4» قاصدا للبلاد الرّومية، والقصد فيها تجهيز الأمير أطلمش وأن يفتح باب المصالحة، ويسلك طريق المصادقة؛ رعاية لصلاح المملكتين، ونظرا إلى إصلاح ذات البين؛ وأنّه لا مطمع إلا في صحة المودّة، وإرسال أطلمش صحبة شخص من مقرّبي حضرتنا الشريفة: لينظر ما يصدر بعد وصولهما من تمهيد قواعد المجاملة، وتشييد مبانيّ المحبة. وأنّ المقام الشريف- زيدت عظمته- أقسم بالله الذي هو في السّماء إله وفي الأرض إله، أن يكون في هذه الحياة محبّا لمن يحبّنا، مبغضا
(7/346)

لمن يبغضنا، وأنّا نتلفّظ بحضور الأمير أطلمش كما تلفّظتم. فعند ذلك اجتمعنا مع مولانا أمير المؤمنين، المتوكل على الله، أدام الله تعالى أيّامه، والشيخ الإمام الفرد، شيخ الإسلام سراج الملّة والدّين عمر البلقينيّ «1» - أعاد الله تعالى من بركته- وقضاة القضاة ومشايخ العلم والصّلاح، وأركان الدولة الشريفة، وقرئت المفاوضة بحضورهم. فلما سمعوا ما تضمّنته من عظيم القسم، والحلف بباريء النّسم، وعلموا أنّ جلّ القصد فيها تطّلع المقام الشريف إلى تجهيز الأمير أطلمش المذكور، فاجتمعت الآراء على إرساله إلى حضرته الشريفة صحبة من اقتضته الآراء الشريفة. ثم وردت بعد ذلك المفاوضة من المقام الشريف- زيدت عظمته- على يد شخص من أهل أزمير- مؤرّخة بثاني عشر شهر صفر المبارك سنة تاريخه، متضمّنة ما حصل من النصر على ابن عثمان، والظّفر به، والاستيلاء على غالب قلاعه. وزبدة الكلام فيها الإسراع بتجهيز أطلمش المذكور، ليجتمع شمله بأولاده بالحضرة الشريفة. ثم بعد ذلك وردت علينا مفاوضة شريفة على يد المجلس الساميّ، الشيخيّ، الكبيريّ، الأوحديّ، العارفيّ، السالكيّ، المقرّبيّ، مسعود الكججانيّ، رسول المقام الشريف. وصحبته المجلس الساميّ، الشيخيّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الأماميّ، القدويّ، الشّمسيّ، شيخ القرّاء، إمام أئمة الكبراء، محمد بن الجزريّ «2» أدام الله النفع به. مؤرّخة بغرّة ربيع الأوّل سنة تاريخه، متضمنة معنى الكتابين المجهّزين من ماردين «3»
(7/347)

وأزمير «1» . وجلّ القصد فيها تجهيز الأمير أطلمش لتحصل طمأنينة قلوب العالمين، وإخماد باب الفتن، وأنّ العمدة على المشافهة التي تحمّلها الخواجا نظام الدين مسعود المشار إليه، وأن قوله قول المقام الشريف. ومهما عقد الصلح عليه والتزم به، كان من رأي المقام الشريف وشوره «2» ، لا يخرج عنه ولا يميل إلى غيره بقول ولا فعل. فلما أحضرناه وأصغينا إلى ما تحمّله من المشافهة، فإذا هي مشتملة على خالص المحبّة، وأن يكون المقام الشريف والدنا عوضا عمن قدّس الله تربه، وأن نجهز الأمير أطلمش إليه، وتكون عمدتنا بعد الله عز وجلّ عليه؛ فقابلنا ذلك بالقبول والاستبشار، ومحونا آية ليل الجفاء، وأثبتنا آية نهار الوفاء، في الإعلان والإسرار؛ وقبلنا أبوّته الكريمة على مدى الأزمان وتوالي الأعصار، وشاهد الخواجا مسعود حال أطلمش، وعلم اهتمامنا بتجهيزه قبل وصوله بمدّة اعتمادا على أليّته «3» السابقة، ووثوقا بما صرح به من الاتّحاد والمصادقة، وعقدنا الصّلح مع الشيخ نظام الدين مسعود المذكور بطريق الوكالة الشرعية عن المقام الشريف، وحلفنا نظير ما حلف عليه، بموافقة مولانا أمير المؤمنين- أدام الله أيامه- على ذلك بمحضر من شيخ الإسلام، وقضاة القضاة، ومشايخ العلم والصّلاح، وأركان الدولة الكبار، مع حضور الأمير أطلمش، لزم المقام الشريف، وشهادة من يضع خطه على نسخ الصّلح التي كتبت، وجهّزنا منها نسختين مثبوتتين إلى حضرته
(7/348)

الشريفة قرين هذا الجواب الشريف، لتحيط العلوم الشريفة بمضمونها، وبأحدهما خطّنا الشريف لتخلّد بخزانته الشريفة، والأخرى يشملها بخطه الشريف وتعاد إلينا صحبة رسولنا: المجلس العالي الأميريّ، الكبيريّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، المقرّبيّ، الأعزّيّ، الأخصّيّ، الأصيليّ، الشّهابيّ، أحمد بن أغلبك الناصري مقرّبنا ومقرّب والدنا الشهيد- أدام الله تعالى نعمته- وجهّزنا صحبته المجلس الساميّ، الأمير، الأجلّ، الكبير، المقرّب، المرتضى، الأخصّ، الأكمل، سيف الدين، قاني باي الخاصكيّ الناصريّ، أدام الله سعادته، المتوجهين بهذا الجواب الشريف، المجهّزين صحبة الأمير أطلمش، وبقية قصّاد المقام الشريف ورسله.
ومما نبديه لعلومه الشريفة أنه مما تضمنه الملخّص الشريف المجهّز عطف الكتاب الواصل على يد الشيخ مسعود الكججاني مضاعفة الوصية بأولاد الشيخ شمس الدين الجزريّ ورعاية أحوالهم وتعلّقاتهم. وقد قابلنا ذلك بالإقبال والقبول وقرّرنا لهم بالأبواب الشريفة. ونحن بشهادة الله- وكفى به شهيدا- قد أخلصنا النية للمقام الشريف، وعاهدنا الله عز وجلّ في التعاضد والتناصر والاجتهاد، في عمل المصالح للعباد والبلاد، وعدم التّقاصر والعمل بما فيه بياض الوجه عند الله في الدنيا والآخرة، وإجراء الأمور على السّداد. بتوفيق الله عز وجلّ، وطلبا لرحمته الباطنة والظاهرة. ثم استقبل لسان الحال ينشدنا:
يا أوّل الصّفو هذا آخر الكدر
فيكون ذلك في علومه الشريفة، والله تعالى يديم عوارفه الوريفة، بمنّه وكرمه.
والمستند «حسب المرسوم الشريف» .
(7/349)

الضرب الثاني (ما صار إليه الأمر بعد وصول أطلمش إليه)
وهذه نسخة جواب والعنوان سطران بقلم الثلث بماء الذهب ما صورته:
«المقام الشريف، العالي، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، المظفّريّ، الملجئيّ، الملاذيّ، الوالديّ، القطبيّ، نصرة الدين، ملجأ القاصدين، ملاذ العائذين، قطب الإسلام والمسلمين؛ تيمور كوركان- زيدت عظمته-.
والطرّة ثلاثة أوصال، والبسملة الشريفة في أوّل الوصل الرابع. ثم «الحمد لله» وتتمة الخطبة بالذّهب، وبيت العلامة عرض أربعة أصابع مضمومة، وما يليها من الأسطر سعة ثلاثة أصابع، والعلامة الشريفة بين السطر العاشر والحادي عشر من سطور الكتابة، موافقا لانتهاء الخطبة عند «أما بعد فقد صدرت هذه المفاوضة» . والعلامة الشريفة بجليل الثلث بماء الذهب «المشتاق فرج بن برقوق» . وهامش الكتاب أربعة أصابع مطبوقة، والخطبة وما يليها من البعدية وألقاب المقام القطبي المركبة والمفردة الجميع بالذهب. ومضمونه بعد البسملة:
الحمد لله الذي شيّد قواعد الإصلاح، ومهّد مواطن الرّشد والنّجاح، وجعل أذان المؤمن يجيب داعي الفلاح.
نحمده على أن ألفّ بين القلوب بلطيف الارتياح، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله زمّ نفوس المؤمنين بحبل التقوى من حميّة الجماح، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي وضح من نور رسالته فجر الإيمان ولاح، ونفح من نور معجزاته زهر الدين الحنيفيّ وفاح؛ صلّى الله عليه وعلى آله الذين شدّوا ظهور كلمهم من الصّدق بأتقن وشاح، وعلى صحابته الذين بينوا من عهودهم بفقههم في الدين الواجب والمندوب والمحظور والمباح؛ وسلّم تسليما كثيرا.
(7/350)

أما بعد، فقد صدرت هذه المفاوضة إلى المقام الشريف، العالي، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، المظفّريّ، الملجئيّ، الملاذيّ، الوالديّ، القطبيّ، نصرة الدين، ملجإ القاصدين، ملاذ العائذين، قطب الإسلام والمسلمين:
ملك يفوق الخلق طرّا هيبة ... فبه نهاية غاية التّأميل!
تيمور كوركان- زيدت عظمته، ودامت معدلته؛ ولا زالت رايات نصره خافقة البنود، وآيات فضله متلوّة في التهائم «1» والنّجود؛ وسحب فضائله هامية بالكرم والجود، ومهابة سطوته تملأ الوجود- تهدي إليه من السلام ما حلا في حالتى الصّدور والورود، ومن الإخلاص ما صفا وضفت منه البرود.
وتبدي لعلمه الشريف أن مفاوضته الشريفة وردت علينا جوابا عما كتبناه إلى حضرته الشريفة، على يد المجلس العالي الأميريّ الشهابي، أحمد بن غلبك وسيف الدين، قاني بيه الناصري، المجهّزين صحبة المجلس العالي، الأميريّ، الجلاليّ أطلمش، لزم المقام الشريف، بوصول الأمير جلال الدين أطلمش إلى حضرته الشريفة طيّبا، مبديا بين يديه ما حمّلناه من رسائل الأشواق، مبيّنا ما هو اللائق بخلاله الحسنة عن حضرتنا ما دبّج به الأوراق، شاكرا لإنعاماتنا التي هي في الحقيقة من شيم فضلكم الخفّاق، مثبتا منه ومن فحوى الخطاب في نظم الكتاب صدق المقال وصحّة العهد ورسوخ الميثاق، وأنه قد ثبت بما بثّ من غرائب المعاني حصول الأمانيّ، وسرى بعد ما يكون من هدايا التّهاني، وأن الذي اتفق الآن هو المطلوب، والمكتوب به إلى والدنا الشهيد الطاهر أوّلا هو المرغوب؛ وخلافه كان موجبا لنقل الحركات الشريفة إلى جهة البلاد، وما اتفق فيه للعباد، ولكن كلّ بقضاء وقدر. ولما حصل قبول الإشارة بتجهيز الرّسل والأمير أطلمش، صارت القلوب متّفقة، والعيون قارّة؛ وصفت موارد الصّفاء، وضفت برود الوفاء؛
(7/351)

وقطعت حبال المنافاة والجفاء. وأنّ المقام الشريف كان أقسم في كتبه قسما وأعاده، ثم فصّل مجمله وأفاده؛ وهو- والله الطالب الغالب، المدرك المهلك، الحيّ الذي لا ينام ولا يموت- من يومه هذا لا يخالف ما صدر من عقد الصّلح المسطور، ولا يرجع عن حكمه للعهد المزبور «1» ؛ ويحبّ من يحبّنا ويبعض من يبغضنا؛ ويكون سلما لمسالمينا، حربا لمحاربينا؛ ومتى استنصرنا به على أحد من مخالفينا أمدّنا بما شئنا من العساكر، وأنه أمر ما ناله أحد من الناس غيرنا، وإنه لو كان القسم على الوجه الذي ذكره مصرّحا مذكورا في لفظ الكتاب، وعبارة الخطاب، لكان أوضح والتبيين أملح؛ وأنه حيث كان بأطراف ممالكه المجاورة لممالكنا أحد من المفسدين يجهّزه إلينا مقيّدا. وحيث كان أحد من المفسدين بممالكنا المجاورة لممالكه يعرّفنا به لنجهّزه إليه: لاتفاق الكلمتين، واتحاد المملكتين، وطمأنينة لقلوب الرعايا والسالكين من الجهتين؛ وما تفضّل به: من سؤال المقام الشريف الله عزّ وجل زيادة أسباب دولتنا، ونموّ إيالتنا، وأن الهلال إذا رأيت نموّه، أيقنت أن سيصير بدرا كاملا. وأنّا سنرى ما يصنعه المقام الشريف، من الفضل المنيف، ومن تلافي الأمور، ما يظهر للخاصّة والجمهور، مما يزيد بدرنا نموّا، وقدرنا بين الملوك سموّا: لأنه لنا أكفى كفيل، وأشفق من الولد والصاحب والخليل؛ وإن من علامة الصفا، إظهار ما خفى، وهو أن في أطراف ممالكنا الآن بلادا كانت داخلة في ممالكه، وهي أبلستين، وملطية، وكركر، وكختا، وقلعة الرّوم، والبيرة؛ وأنه كان حمل معناها على لسان المجلس السامي، النظامي، مسعود الكججاني أوّلا، المجهّز الآن صحبة الأمير شهاب الدين بن غلبك وسيف الدين قاني بيه، وأن القصد أن نأمر من بها من النوّاب أن تسلّمها لنوّابه، والمعوّل في انتظام الأمور على ما تحمّله المشار إليه وعوّل عليه؛ وأنه شاكر لمرافقنا، موافق لموافقنا؛ وأنه يصغى إلى ما نبديه، ونتحف به ونهديه، على الصورة التي أبداها، والتحيّة التي بكريم الشّيم أهداها؛ فقد علمنا ذلك
(7/352)

جملة وتفصيلا، وشكرنا حسن صنيعه إقامة ورحيلا؛ وتضاعف سرورنا بوصول الأمير أطلمش إلى الحضرة الشريفة. ووصل إلينا الأمير شهاب الدين بن غلبك وسيف الدين قاني بيه مرتّلين من ذكر محاسنكم ترتيلا، وعرضا ما تفضلتم به في حقّنا إكراما وتوقيرا وتبجيلا، وأنهيا بين أيدينا ما عوملا به من الفضل الذي ما عليه مزيد، والبرّ الذي تعجز الفصحاء أن تبديء بعض محاسنه أو تعيد؛ وأنهما كانا كلّ يوم من توفّر الفضل في يوم عيد، وحصل لهما من الإقبال ما لا يحصى بالحصر والتحديد؛ فحمدنا للمقام الشريف الوالديّ حسن هذا الفضل العام، وشكرنا جميل تفضّله ألذي أخجل الغمام؛ وتزايد شوقنا وحبّنا حيث زمزمت «1» ألفاظ المفاوضة الشريفة إلى ذلك المقام.
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد!
وهذا هو اللائق بالخلال الشريفة، والمؤمّل في جلال صفاته المنيفة؛ ووصل الخواجا نظام الدين صحبتهما مبديا عن جنابكم من رسائل المحبّة والصّفاء، والمودّة والوفاء، ما يعجر عن وصفه الناظم والناثر، مظهرا من حسن المودّة وغزير المعرفة ما يفخر به الموالي والمؤاثر؛ سالكا من تأكيد أسباب الصّلح ما تتجمّل به مفارق المفاخر، معتذرا عما تقدّم فما قدّر ربما يكون سببا لإصلاح الآخر؛ متكفّلا عن صفاء طويّتكم لنا بما يسرّ السرائر؛ فضاعفنا إكرامه، ورادفنا إنعامه، ووفّرنا من العزّ أقسامه، وأنزلناه منزلا يليق به، ووصلنا كلّ خير بسببه؛ وما هو إلا مستحقّ لكل ما يراد به من فيض فضل وفضل.
وأمّا ما أشار إليه من إعادة القسم تأكيدا للصّلح، وتوضيحا للنّجح؛ ولو كان القسم الذي أقسمنا به مصرّحا لكان أولى، فقد علمنا ذلك وكتبنا ألفاظ القسم في كتاب الصّلح مصرّحة، وأعدناه إلى حضرته ليقرأ على مسامعه الشريفة؛ ويشمله
(7/353)

الخط الشريف ويعاد إلينا، ونحن نكرّر القسم، بباريء النّسم؛ الذي لا إله إلا هو، الطالب الغالب، المدرك المهلك، الحيّ الذي لا ينام ولا يموت، أنّا من يومنا هذا لا نخالف ما انتظم من عقد الصّلح المسطور، إلى يوم البعث والنّشور؛ ولا تحلّ عراه الوثيقة المشار إليها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ ونكون حربا لمن حاربه، وسلما لمن سالمه، ومبغضين لمبغضيه، ومحبّين لمحبّيه؛ ومن أشار بإشاره، أو شنّ على أحد من [رعاياه] غاره، رادفنا إسعافه وضاعفنا استظهاره، وأخلصنا القول والعمل في مصافاة المقام الشريف: لأن الصلح بحمد الله قد تمّ وكمل، فيكون ذلك في شريف علمه.
وأمّا ما أشار إليه من أمر القرى التي قصد تسليمها لنوّابه، وأنّها داخلة في حدود مملكته: كأبلستين، وملطية، وكركر، وكختا، وقلعة الرّوم، والبيرة، فقد علمنا ذلك. ونحن نبدي إلى علومه الشريفة أنّ هذه البلاد لا يحصل لنا منها خراج، ولا ينال ملكنا ونوّابنا منها في كلّ وقت إلا الانزعاج؛ وإذا جهّزنا إليها أحدا من النّوّاب، نتكفّل له غالبا بالخيل والرّجل والرّكاب؛ وبضواحيها من سرّاق التّركمان، وقطّاع الطريق من العربان، ما لا يخفى عن مقامه. ولو كانت دمشق أو حلب، أو أكبر من ذلك مماله «1» عن الطّلب؛ ما توقّفنا فيها عن قبول إشارته لتأكيد المحبّة، واتّحاد الكلمتين من الجانبين في أعلى رتبة؛ غير أنّ لتسليمها من الوهن لمملكتنا منافاة لما تفضّل به المقام الشريف من سؤال الله تعالى في زيادة سلطنتنا. خصوصا وقد وعد المقام الشريف الوالديّ بما سنرى، وسوف تظهر نتيجته مما يتفضّل به بين الورى؛ وأنّ الذي سمح لنا به من الاستظهار ما ناله أحد من الناس، وما حصل لنا بما أبداه الخواجا مسعود بين أمراء دولتنا من المشافهة عن مقامه الشريف من قوّة الجاش والإيناس؛ ونحن نترقّب بيمن حركاته، وسديد إشاراته، زيادة الخبر في النّفس والملك والمال، ونتوقّع من جميل كفالته السعادة الأبديّة في الحال والمآل؛ فيكون ذلك في شريف علمه.
(7/354)

وقد جهّزنا بهذه المفاوضة المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، الأعزيّ، الأخصّيّ، المقرّبيّ، المؤتمنيّ، الأوحديّ، النّصيريّ، مجد الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء الخواصّ في العالمين، منتخب الملوك والسلاطين، منكلي بغا الناصري أمير حاجب «1» ، أدام الله تعالى سعده، وأنجح قصده؛ وعلى يده من الهديّة المصرية ما تهيّأ تجهيزه بمقتضى القائمة الملصقة بذيلها، وأعدنا المجلس العالي النّظاميّ: مسعودا ومن معه إلى المقام الشريف، متحمّلين من رسائل الأشواق والاتّحاد، ما لا يقع عليه الحصر والتّعداد؛ وما أخرنا الخواجا نظام الدين مسعودا هذه المدّة بالباب الشريف إلا لأمر عرض من قضيّة السلطان أحمد بن أويس، وهربه «2» من بغداد إلى حلب، وجهّزنا من الباب الشريف من يحضره إلى دمشق ليحصل منه الأرب؛ ثم بعد ذلك بأيّام ورد الخبر من كافل الشام المحروس، بوصول قرا يوسف «3» بن قرا محمد إلى دمشق في نفر قليل. فجهّزنا أحد الأمراء إلى كافل الشام بمثال شريف، يتضمّن القبض على السلطان أحمد بن أويس وقرا يوسف المذكورين، وإيداعهما الاعتقال بقلعة دمشق المحروسة، وفاء للعهد وتأكيدا. وحمّلنا الأمير سيف الدين منكلي بغا المذكور، مشافهة في معناهما. والقصد من جميل محبّته، وجزيل أبوّته، قبول المجهّز من ذلك، وبسط العذر فيه إذا وصل إلى حضرته هنالك: لأن الديار المصرية وأعمالها حلّ بها من المحل لعدم طلوع النّيل في هذه السنة ما لا يحصر ولا يحصى، ولا سمع بمثله.
وشمول نسخة الصلح المعادة بالخط الشريف، ومضاعفة إكرام حاملها الأمير منكلي بغا بالبرّ الوريف؛ والإصغاء إلى ما تحمّله من المشافهة في معنى أحمد بن أويس وقرا يوسف، والله تعالى يشيّد بتمهيده قواعد الدين الحنيف، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
(7/355)

(الثالث (من ملوك توران من بني جنكزخان القان الكبير، صاحب التّخت، وهو صاحب الصّين والخطا)) قال في «التعريف» : وهو أكبر الثلاثة، ووارث تخت جنكزخان. قال:
ولم يكن يكاتب لترفّعه وإبائه، وطيرانه بسمعة آبائه؛ ثم تواترت [الآن] الأخبار بأنه قد أسلم ودان دين الإسلام، ورقم كلمة التوحيد على ذوائب الأعلام. قال: وإن صحّ ذلك- وهو المؤمّل- فقد ملأت الأمة المحمدية الخافقين، وعمّت المشرق والمغرب، وامتدّت بين ضفّتي المحيط. ثم قال: فإن صحّ إسلامه وقدّرت المكاتبة إليه، تكون المكاتبة إليه كالمكاتبة إلى صاحب إيران ومن في معناه من سائر القانات المقدّم ذكرهم، أو أجلّ من ذلك.
قلت: ولم يتعرّض إلى المكاتبة إليه على تقدير بقائه على الكفر، ويشبه أن تكون المكاتبة إليه على ذلك «1» وشدّة سطوته، فيعطى من قطع الورق بقدر رتبته.
ثم يجوز أن تبتدأ المكاتبة إليه كصاحب القسطنطينية ومن في معناه، مع مراعاة معتقده في ديانته بالنسبة إلى «2» كما يرعى مثل ذلك في المكاتبة إلى ملوك النّصرانية، والوقوف في الخطاب وما ينخرط في سلكه عند الحدّ اللائق به. والأمر في ذلك موكول إلى اجتهاد الكاتب ونظره.
(7/356)

المهيع الثالث (في المكاتبات إلى من بجزيرة العرب مما هو خارج عن مضافات الديار المصرية، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في المكاتبات إلى ملوك اليمن، وهم فرقتان)
الفرقة الأولى (أئمة الزيدية)
قال المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» : وهو من بقايا الحسنيّين القائيمن بآمل الشّطّ «1» من بلاد طبرستان، وقد كان سلفهم جاذب الدولة العباسية حتّى كاد يطيح رداءها، ويشمت بها أعداءها. وهذه البقية الآن بصنعاء وبلاد حضر موت وما والاها من بلاد اليمن. قال: والإمامة الآن فيهم في بني المطهّر، وتقدّم في المقالة الثانية في الكلام على المسالك والممالك أن أوّل من قام من هذه الأئمة باليمن الإمام (يحيى الهادي) بن الحسين الزاهد، بن أبي محمد القاسم الرّسّيّ، بن إبراهيم طباطبا، بن إسماعيل الدّيباج، بن إبراهيم «2» الغمر، بن الحسين المثنّى، بن الحسن السّبط، ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي
(7/357)

الله عنه، في سنة ثمان وثمانين ومائتين في خلافة [المعتضد] «1» ؛ وأنه كان فقيها عالما مجتهدا في الأحكام، حتّى قال فيه ابن حزم «2» : إنه لم يبعد عن الجماعة في الفقة كلّ البعد. ثم [ولي بعده ابنه محمد المرتضى وتمّت له البيعة فاضطرب الناس عليه واضطرّ إلى تجريد السيف فجرده ومات سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة لثنتين وعشرين سنة من ولايته و] «3» ولي بعده أخوه (أحمد الناصر) ثم أخوه (القاسم المختار) «4» ثم (الحسين المنتجب) . واطّرد أمرهم بصنعاء إلى أن غلب عليهم السّليمانيّون أمراء مكة عند خروجهم منها، فاستقرّت بأيديهم إلى أن ملك اليمن من جهة الساحل (أحمد الموطّيء) بن الحسين المنتجب المقدّم ذكره، وذلك في أيام سيف الإسلام ابن أيوب سنة خمس وأربعين وستمائة. وبقي أمر الزيديّة هناك في عقبه.
وقد ذكر المقرّ الشهابيّ بن فضل الله أن الإمامة في زمانه، في الدولة الناصرية ابن قلاوون كانت في (حمزة) وذكر في «مسالك الأبصار» أنّ يحيى بن حمزة ولّي بعد أبيه، وكان في زمن المؤيّد داود بن يوسف صاحب اليمن. وذكر قاضي القضاة ابن خلدون أن الإمام قبل الثمانين والسبعمائة كان (عليّ بن محمد) من أعقابهم، وتوفّي قبل الثمانين. وولي ابنه (صلاح) وتابعه الزيدية، وكان بعضهم ينكر إمامته لعدم استكمال الشروط فيه فيقول: «أنا لكم ما شئتم إمام أو سلطان» . ثم مات سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وقام بعده ابنه (نجاح) فامتنع الزيديّة من بيعته فقال: أنا «محتسب لله تعالى» . قال في «التعريف» : وأمراء
(7/358)

مكة تسرّ طاعته، ولا تفارق جماعته. قال: ويكون بين هذا الإمام وبين الملك الرّسوليّ باليمن مهادنات، ومفاسخات تارة وتارة. قال: وهذا الإمام وكلّ من كان قبله على طريقة ما غيّروها. وهي إمارة أعرابية لا كبر في صدورها، ولا شمم في عرانينها «1» ؛ وهم على مسكة من التقوى، وتردّ بشعار الزّهد؛ يجلس في نديّ قومه كواحد منهم، ويتحدّث فيهم ويحكم بينهم، سواء عنده المشروف والشريف، والقويّ والضعيف؛ وربما اشترى سلعته بيده، ومشى في أسواق بلده، لا يغلّط الحجاب، ولا يكل الأمور إلى الوزراء والحجّاب، يأخذ من بيت المال قدر بلغته من غير توسّع، ولا تكثّر غير مشبع؛ هكذا هو وكل من سلف قبله مع عدل شامل، وفضل كامل. قال: في «مسالك الأبصار» : ولشيعة هذا الإمام فيه حسن الاعتقاد، حتّى إنهم يستشفون بدعائه، ويمرّون يده على مرضاهم، ويستسقون به المطر إذا أجدبوا، ويبالغون في ذلك كلّ المبالغة. ثم قال: ولا يكبر لإمام هذه سيرته- في التواضع لله، وحسن المعاملة لخلقه، وهو من ذلك الأصل الطاهر والعنصر الطّيّب- أن يجاب دعاؤه ويتقبّل منه. قال: وزيّ هذا الإمام وأتباعه زيّ العرب في لباسهم والعمامة والحنك، وينادى عندهم بالأذان «حيّ على خير العمل» .
ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التعريف» : أدام الله تعالى أو ضاعف الله تعالى نعمة، أو جلال الجانب الكريم، العالي، السّيديّ، الإماميّ، الشريفيّ، النّسيبيّ، الحسيبيّ، العلّاميّ، سليل الأطهار، جلال الإسلام، شرف الأنام، بقيّة البيت النبويّ، فخر النّسب العلويّ، مؤيّد أمور الدّين، خليفة الأئمة، رأس العلياء، صالح الأولياء، علم الهداة، زعيم المؤمنين، ذخر المسلمين، منجد الملوك والسلاطين. ولا زال زمانه مربعا، وغيله مسبعا، وقراه مشبعا، وكرمه لفيض نداه منبعا، وهداه حيث أمّ بالصّفوف متّبعا، وملكه المجتمع باليمن لو أدركه
(7/359)

سيف بن ذي يزن «1» لم يكن إلا لديه منتضى وتبّع «2» لم يكن له إلا تبعا. ولا فتئت معاقد شرفه بالجوزاء، وعقائد حبّه تعدّ لحسن الجزاء، ومعاهد وطنه آهلة بكثرة الأعزّاء، ومياسم أهل ولائه تعزّ إليه بالاعتزاء، ومباسم ثغور أودّائه «3» ضاحكة السّيوف في وجوه الأرزاء؛ هذه النّجوى إلى روضه الممرع وإلا فما تزمّ «4» الرّكائب، وإلى حوضه المترع وإلا فما الحاجة إلى السّحائب؛ وإلى حماه المخصب وإلا ففيم يسري الرائد، وإلى مرماه المطنّب فوق السماء وإلّا إلى أين يريد الصاعد؛ تسري ولها من هادي وجهه دليل، وفي نادي كرمه مقيل، وإلى بادي حرمه وما فيه للعاكف، وإلى عالي ضرمه ما لا ينكره العارف، وفي آثار قدمه ما يحكم به كل عائف؛ وفي بدار خدمه ما يذر عداه كرماد اشتدّت به الرّيح في يوم عاصف. مبدية وأوّل ما تبدأ بسلام يقدّمه على قول كيت وكيت، وثناء ولا مثل
(7/360)

قوله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
«1» صدر آخر- ولا عطّل محراب هو إمامه، ولا بطل عمل هو تمامه، ولا جفّ ثرى نبات هو غمامه، ولا خفّ وقار امريء بيده المصرّفة زمامه، ولا ارتدّ مضرب سيف رؤوس أعاديه كمامه؛ ولا ارتأى في حصول الخيرة له من كان إلى كنفه انضمامه. وأطال الله باع عليائه، وأطاب بأنبائه سماع أوليائه، وأدام إجماع السّرور عليه، ومصافاته لأصفيائه وتراميه إليه. صدرت بها الركائب إليه مخفّة، وسرت بها النجائب لتقف عليه والقلوب بها محفّة «2» ؛ وأهوت لديه يشمخ بها لوصولها إليه الكبر، وطوت إليه البيد طيّ الشّقّة تقيسها المطايا بالأذرع والثّريّا بالشّبر؛ تأتي بالعجب إذ تجلب إليه المسك الأذفر «3» ، وتجلو له الصّباح وما لاح والليل وما أسفر؛ وتحلّ في مقرّ إمامته، وتحلّي العاطل بما نثره من الطّلّ صوب غمامته؛ موصّلة لعلمه ما لا يقطع، ومضوّعة عنده من عنبر الشّحر «4» ما يستبضع، ومعلمة له كيت وكيت.
قلت: هذا ما أصّله في «التعريف» وحاصله أنه يأتي بالصّدر المقدّم ذكره إلى قوله: «منجد الملوك والسلاطين» ، ثم يأتي بالدعاء المناسب؛ ثم يقول:
«هذه النجوى» إلى آخره «مبدية لعلمه» أو «معلمة» أو «صدرت بها الركائب» ونحو ذلك.
ثم لم يتعرّض في «التعريف» لقطع الورق الذي يكتب إليه فيه، ولا للعلامة له، ولا لعنوان كتابه، ولا لتعريفه، ونبّه على ذلك في «التثقيف» وأنه
(7/361)

أهمل ذلك ثم لم ينبّه هو عليه. وقد رأيت في دستور منسوب للمقرّ العلائيّ بن فضل الله بيان ما أهملاه من ذلك فقال: والخطاب له بمولانا الإمام، والطلب منه «والمسؤول» وختم الكتاب بالإنهاء، والعنوان بالألقاب والدعاء المقدّم ذكره، والعلامة «الخادم» .
وقد ذكر في «التعريف» أنه وصل إلى الديار المصرية، في الأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» سقى الله عهده رسول من هذا الإمام [ابن مطهّر إمام الزيدية] «1» من صنعاء، بكتاب منه يقتضي الاستدعاء. أطال فيه الشّكوى من صاحب اليمن، وعدّد قبائحه، ونشر على عيون الناس فضائحه، واستنصر بمدد يأتي تحت الأعلام المنصورة لإجلائه عن دياره، وإجرائه مجرى الذين ظلموا في تعجيل دماره؛ وقال: إنه إذا حضرت الجيوش المؤيّدة قام معها، وقاد إليها الأشراف والعرب أجمعها؛ ثم إذا استنقذ منه ما بيده أنعم عليه ببعضه، وأعطي منه ما هو إلى جانب أرضه. ثم قال: فكتبت إليه مؤذنا بالإجابة، مؤدّيا إليه ما يقتضي إعجابه؛ وضمن الجواب أنه لا رغبة [لنا] «2» في السلب، وأنّ النّصرة تكون لله خالصة وله كلّ البلاد لا قدر ما طلب.
وهذه نسخته:
ضاعف الله تعالى جلال الجانب- بالألقاب والنعوت- وأعزّ جانبه عزّا تعقد فواضله بنواصي الخيل، وصياصي «3» المعاقل التي لم يطلع على مثلها سهيل «4» ؛ وأقاصي الشرف الذي طلع منه في الطّوق وتمسّك سواه بالذّيل؛ وقدّمه للمتقين إماما، وجعله للمستقين غماما، وشرّفه على المرتقين في علا النسب العلويّ ونوّره وصوّره تماما، ومنّ على اليمن بيمنه، وأعلم بصنعاء حسن صنيعه وبحضر موت
(7/362)

[حضور] «1» موت أعدائه، وبعدن أنّها مقدّمة لجنّات عدنه؛ ولا زالت الآفاق تؤمّل من فيضه سحابا دانيا، وتتهلّل إذا شامت له برقا يمانيا، وتتنقّل في رتب محامده ولا تبلغ من المجد ما كان بانيا.
هذه النجوى وكفى بها فيما يقدّم بين يديها، ويقوّم ولا يقوم من كلّ غالي الثمن ما عليها؛ تطوي المراحل «2» ، وتجوب البرّ والبلد الماحل، وتثب إليه البحار وتقذف منها العنبر إلى الساحل؛ وترسي به سفنها، وتحط إليه بل تخط لديه مدنها؛ وتؤذن علمه- سره الله- بما لم يحل إليه من نظر، ولم يخل منه من سبب ألف به النّوم أو نفر، ورود وارد رسوله فقال: يا بشراي ولم يقل هذا غلام، ووصوله بالسلامة والسلام؛ وما تضمّنه ما استصحب منه من صحيفة كلّها كرم، وأخبار صحيحة كلّها مما لو قذف به الماء لاضطرم، ذكر فيها أمر المتغلّب العادي، [والصاحب الذي يفعل فعل الأعادي] «3» ، والجار الذي جار والظالم البادي، وما مدّ الأيدي إليه من النّهاب وما اختطف به القلوب من الإرهاب؛ وتحدّث عن أخباره وعندنا علمه، وأخبر عن أفعاله مما له أجر الصبر عليه وعليه ظلمه، وقصّ رسوله القصص، وزاد الشّجى وضيّق مجال الغصص، وأطار من وكر هذا العدوان طائرا كأنما كان في صدره، وحرّك منه لأمر كان يتجرّع له كأس صبره؛ وقد أسمع الدّاعي، وأسرع الساعي؛ وبلّغ الأمانة حاملها، وأوصل الكلمة قائلها؛ ومرحبا مرحبا بداعي القيام من قبله، وأهلا أهلا بما بلّغ على ألسنة رسله؛ وهلمّ هلمّ إلى قلع هذه الشجرة التي لم ينجب ظنّ غارسها، وقطع هذه الصّخرة التي لم تنصب إلا مزلفة لدائسها؛ والتعاضد التعاضد لما هتف به هاتفه الصارخ، وسمعه حتّى الرمح الأصمّ والسيف المتصاوخ «4» ، فليأخذ لهذا الأمر الأهبة، وليشدّ عليه فقد
(7/363)

آنت الوثبة؛ فقد سطّرت وقد نهض إلى الخيل ملجمها، وبادر وضع السهام في الكنائن مزحمها؛ وكأنّه بأوّل الأعنّة، وآذان الجياد تفوّق بين شطري وجهها الأسنّة؛ وكأنه برسوله القائد وفي أعقابه الجيش المطلّ، والألوية وكلّ بطل باسل يبتدر الوغى ولا يستذل؛ ولا أرب لنا في استزادة بلاد وسّع الله لنا نطاقها، وكثّر بنا موادّ أموالها وقدّر على أيدينا إنفاقها؛ وإنما القصد كلّه والأرب جميعه كشف تلك الكرب، وتدارك [ذلك الذّماء «1» الذي] «2» أوشك أو كرب، وإن قدّر فتوح، وتيسّر ما طرف سوانا إليه طموح، كان هو أحقّ بسقبه «3» : لأنه جار الدار، والأوّل الذي كان له البدار؛ ويقلّ له لعظيم شرفه ما نسمح به وإن جلّ، وما نهبه منه وإن عظم- شأن كلّ تبع وهو ببعضه ما استقلّ؛ وكأنّه والخيل قد وافته تجدّ في الإحضار، وتسرع إليه وتكفيه مؤونة الانتظار؛ إن شاء الله تعالى.
الفرقة الثانية (أولاد رسول)
وهم المعروفون بملوك اليمن عند الإطلاق، ومقرّ مملكتهم حصن تعزّ.
ورسول هذا الذي كان ينسب إليه ملوك هذا النّسب من اليمن هو رسول أمير اخور الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب. قال في «التعريف» : ولما بعث الملك الكامل ولده الملك المسعود أطسز، وهو الذي تسمّيه العامّة أقسيس، بعث معه رسولا أمير اخور في جملة من بعثه معه. قال: ثم تنقّلت الأحوال حتّى استقلّ رسول بملك اليمن، وصار الملك في عقبه إلى الآن. والذي ذكره المؤيّد
(7/364)

صاحب حماة، وقاضي القضاة وليّ الدين بن خلدون في تاريخيهما «1» وهو الصواب أنّ أوّل من ملك اليمن عليّ بن رسول، ثم ابنه المنصور عمر، ثم ابنه المظفّر يوسف، ثم ابنه الأشرف عمر، ثم أخوه المؤيّد هزبر الدين داود، ثم ابنه المجاهد سيف الدين عليّ، وهو الذي قال المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» إنه كان في زمنه، ثم المنصور أيوب، ثم المجاهد عليّ المقدّم ذكره ثانيا، ثم ابنه الأفضل سيف الدين عبّاس. وهو الذي قال في «التثقيف» إنه كان في زمنه في الدّولة الأشرفية «شعبان بن حسين» ثم ابنه المنصور محمد، ثم أخوه الأشرف إسماعيل، وهو الذي كان في الدولة الظاهرية برقوق. ثم ابنه [الملك الناصر أحمد] «2» وهو القائم بها الآن.
واعلم أنّ المكاتبات بين صاحب مصر وصاحب اليمن من حين استقرّت مملكة اليمن مع بني أيّوب ملوك مصر وصارت المملكتان كالمملكة الواحدة، ثم تواصلت المكاتبات بين ملوكهما وتأكّدت المودّة إلى زماننا هذا، خلا ما وقع في خلال ذلك من حصول تباين وقع بين أهل المملكتين في بعض الأزمان، وهو على ضربين:
الضرب الأوّل (ما كان الأمر عليه في الدولة الأيوبية
، وهو أن تفتتح المكاتبة بلفظ «أصدرناها» ) وهذه نسخة كتاب عن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب مصر والشام، إلى أخيه سيف الإسلام صاحب اليمن يستقدمه إليه، معاونا له على قتال
(7/365)

الفرنج، ويخبره بما وقع له من الفتوحات في سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
وهي «1» :
أصدرنا هذه المكاتبة إلى المجلس، ومما تجدّد بحضرتنا فتوح «كوكب» وهي كرسيّ الاستباريّة ودار كفرهم، ومستقرّ صاحب أمرهم، وموضع سلاحهم وذخرهم؛ وكان بمجمع الطّرق قاعدا، ولملتقى السّبل راصدا؛ فتعلّقت بفتحه بلاد الفتح واستوطنت، وسلكت الطرق فيها وأمّنت، وعمّرت بلادها وسكنت؛ ولم يبق في هذا الجانب إلا «صور» ولولا أنّ البحر ينجدها والمراكب تردها، لكان قيادها قد أمكن، وجماحها قد أذعن؛ وما هم بحمد الله في حصن يحميهم، بل في سجن يحويهم، بل هم أسارى وإن كانو طلقاء، وأموات وإن كانوا أحياء؛ قال الله عز وجلّ: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
«2» ولكل امريء أجل لا بدّ أن يصدقه غائبه، وأمل لا بدّ أن يكذبه خائبه.
وكان نزولنا على «كوكب» بعد أن فتحنا «صفد» بلد الدّيويّة ومعقلهم، ومشتغلهم وعملهم ومحلّهم الأحصن ومنزلهم؛ وبعد أن فتحنا «الكرك» وحصونه، والمجلس السيفي- أسماه الله- أعلم بما كان على الإسلام من مؤونته المثقلة، وقضيّته المشكلة وعلّته المعضلة؛ وأن الفرنج- لعنهم الله- كانوا يقعدون منه مقاعد للسّمع، ويتبوّأون منه مواضع للنّفع؛ ويحولون بين قات (؟) وراكبها، فيذلّلون الأرض بما كان منه ثقلا على مناكبها. والآن ما أمن بلاد الهرمين، بأشدّ من بلاد الحرمين؛ فكلّها كان مشتركا في نصرة المسلمين بهذه القلعة التي كانت ترامي ولا ترام، وتسامي ولا تسام؛ وطالما استفرغنا عليها بيوت الأموال، وأنفقنا فيها أعمار الرجال، وقرعنا الحديد بالحديد إلى أن ضجّت النّصال من النّصال؛ والله المشكور على ما انطوى من كلمة الكفر وانتشر من كلمة
(7/366)

الإسلام. وإنّ بلاد الشام اليوم لا تسمع فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما [فادخلوها بسلام] «1» ؛ وكان نزولنا على «كوكب» والشتاء في كوكبه، وقد طلع بيمن الأنواء في موكبه؛ والثلوج تنشر على البلاد ملاءها الفضيض، وتكسو الجبال عمائمها البيض؛ والأودية قد عجّت بمائها، وفاضت عند امتلائها؛ وشمخت أنوفها سيولا، فخرقت الأرض وبلغت الجبال طولا؛ والأوحال قد اعتقلت الطّرقات، ومشى المطلق فيها مشية الأسير في الحلقات؛ فتجشّمنا العناء نحن ورجال العساكر، وكاثرنا العدوّ والزّمان وقد يحرز الحظّ المكاثر؛ وعلم الله النيّة فأنجدنا بفضلها، وضمير الأمانة فأعان على حملها؛ ونزلنا من رؤوس الجبال بمنازل كان الاستقرار عليها أصعب من نقلها، والوقوف بساحتها أهون من نقلها وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ.
والحمد لله الذي ألهمنا بنعمته الحديث، ونصر بسيف الإسلام الذي هو سيفه وسيف الإسلام الذي هو أخونا الطّيّب على الخبيث؛ فمدح السيف ينقسم على حدّيه، ومدح الكريم يتعدّى إلى يديه؛ والآن فالمجلس- أسماه الله- يعلم أنّ الفرنج لا يسلون عما فتحنا، ولا يصبرون على ما جرحنا؛ فإنهم- خذلهم الله- أمم لا تحصى، وجيوش لا تستقصى؛ ووراءهم من ملوك البحر من يأخذ كلّ سفينة غصبا، ويطمع في كلّ مدينة كسبا؛ ويد الله فوق أيديهم، والله محيط بأقربيهم وأبعديهم؛ وسَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً
. لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً.
وما هم إلا كلاب قد تعاوت، وشياطين قد تغاوت. وإن لم يقذفوا من كلّ جانب دحورا، ويتبعوا بكلّ شهاب ثاقب مدحورا؛ استأسدوا واستكلبوا، وتألّبوا وجلّبوا وأجلبوا، وحاربوا وخرّبوا؛ وكانوا لباطلهم الدّاحض، أنصر منّا لحقّنا
(7/367)

الناهض؛ وفي ضلالهم الفاضح؛ أبصر منّا لهدانا الواضح؛ ولله درّ جرير حيث يقول:
إنّ الكريمة ينصر الكرم ابنها ... وابن اللّئيمة للّئام نصور!
فالبدار إلى النّجدة البدار! والمسارعة إلى الجنة فإنها لن تنال إلا بإيقاد نار الحرب على أهل النّار، والهمّة الهمة! فإن البحار لا تلقى إلا بالبحار، والملوك الكبار لا يقف في وجوهها إلا الملوك الكبار:
وما هي إلّا نهضة تورث العلا ... ليومك ما حنّت روازم نيب!
ونحن في هذه السنة- إن شاء الله تعالى- ننزل على أنطاكية، وينزل ولدنا الملك المظفّر- أظفره الله- على طرابلس؛ ويستقرّ الرّكاب العادليّ- أعلاه الله- بمصر فإنها مذكورة عند العدوّ- خذله الله- بأنها تطرق، وأنّ الطلب على الشام ومصر تفرّق؛ ولا غنى عن أن يكون المجلس السيفي- أسماه الله- بحرا في بلاد الساحل يزخر سلاحا، ويجرّد سيفا يكون على ما فتحناه قفلا ولما لم يفتح بعد مفتاحا؛ فإنه ليس لأحد ما للأخ من سمعة لها في كل مسمع سمعه، وفي كلّ روع روعه؛ وفي كل محضر محضر، وفي كل مسجد منبر، وفي كل مشهد مخبر؛ فما يدعى العظيم إلا للعظيم، ولا يرجى لموقف الصبر الكريم إلا الكريم؛ والأقدار ماضية، وبمشية الله جارية؛ فإن يشإ الله ينصر على العدوّ المضعّف، بالعدد الأضعف؛ ويوصّل إلى الجوهر الأعلى، بالعرض الأدنى؛ فإنّا لا نرتاب بأنّ الله ما فتح علينا هذه الفتوح ليغلقها، ولا جمع علينا هذه الأمة ليفرّقها؛ وأنّ العدوّ إن خرج من داره بطرا، ودخل إلى دارنا كان فيها جزرا؛ وما بقي إن شاء الله تعالى إلا أموال تساق إلى ناهبها، ورقاب تقاد إلى ضاربها، وأسلحة تحمل إلى كاسبها؛ وإنما نؤثر أن لا تنطوي صحائف الحمد خالية من اسمه، ومواقف الرّشد خاوية من عزمه؛ ونؤثر أن يساهم آل أيوب في ميراثهم منه مواقع الصبر، ومطالع النصر؛ فو الله إنّا على أن نعطيه عطايا الآخرة الفاخرة، أشدّ منّا حرصا على أن نعطيه عطايا الدنيا القاصرة، وإنّا لا يسرّنا أن ينقضي عمره في قتال غير الكافر، ونزال غير
(7/368)

الكفء المناظر؛ ولا شكّ أنّ سيفه لو اتّصل بلسان ناطق وفم، لقال: ما دمت هناك فلست ثمّ؛ وما هو محمول على خطّة يخافها، ولا متكلّف قضية بحكمنا يعافها؛ والذي بيده لا نستكثره، بل نستقصره عن حقّه ونستصغره؛ وما ناولناه لفتح أرضه السّلاح، ولا أعرناه لملك مركزه النّجاح؛ إلا على سخاء من النفس به وبأمثاله، على علم منّا أنه لا يقعد عنا إذا قامت [الحرب] بنفسه وماله؛ فلا نكن به ظنّا أحسن منه فعلا، ولا نرضى وقد جعلنا الله أهلا أن لا نراه لنصرنا أهلا؛ وليستشر أهل الرشاد فإنهم [لا يألونه] حقّا واستنهاضا، وليعص أهل الغواية فإنهم إنما يتغالبون به لمصالحهم أغراضا؛ ومن بيته يظعن وإلى بيته يقفل، وهو يجيبنا جواب مثله لمثلنا، وينوي في هذه الزيارة جمع شمل الإسلام قبل نيّة جمع شملنا، ولا تقعد به في الله نهضة قائم، ولا تخذله عزمة عازم؛ ولا يستفت فيها فوت طالب ولا تأخذه في الله لومة لائم؛ فإنما هي سفرة قاصدة، وزجرة واحدة؛ فإذا هو قد بيّض الصحيفة والوجه والذّكر والسّمعة، ودان الله أحسن دين ولا حرج عليه إن فاء إلى أرضه بالرّجعة؛ وليتدبّر ما كتبناه، وليتفهّم ما أردناه؛ وليقدّم الاستخارة، فإنها سراج الاستنارة، وليغضب لله ولرسوله ولدينه ولأخيه فإنها مكان الاستغضاب والاستثارة. وليحضر حتّى يشاهد أولاد أخيه يستشعرون لفرقته غمّا، وقد عاشوا ما عاشوا لا يعرفون أنّ لهم مع عمّهم عمّا؛ والله سبحانه يلهمه توفيقا، ويسلك به إليه طريقا؛ وينجدنا به سيفا لرقبة الكفر ممزقا ولدمه مريقا، ويجعله في مضمار الطاعات سابقا لا مسبوقا. إن شاء الله تعالى.
الضرب الثاني (من المكاتبات إلى صاحب اليمن ما الأمر عليه من ابتداء الدولة التركية
وهلمّ جرّا إلى زماننا، وهو على ثلاثة أساليب)
الأسلوب الأوّل
(أن تفتتح المكاتبة بلفظ «أدام الله تعالى نعمة [أيام] المقام العالي» ) وهذه نسخة كتاب كتب عن الملك الناصر محمد بن قلاوون، جواب كتاب
(7/369)

ورد من صاحب اليمن في مقابلة البشرى بدخول العساكر المنصورة إلى بلاد الأرمن، وطلب سلامش نائب التتار بالرّوم الدخول في الطاعة؛ وذكر «1» أنّ نائبا كان لأبيه في قلعة طمع وعصى عليه فظفر به فبشّر بذلك؛ ويحرّضه على الجهاد وإنفاذ الأموال، ويهدّده، ويوجّه به قصّاده إليه. من إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي «2» رحمه الله، وهي:
أدام الله تعالى نعمة أيام المقام العالي! وأنهضه بفرض الجهاد الذي بمثله ينتهج، وأيقظه لمتعيّن الغزو الذي ما «3» له تدرك الرّتب وترتفع الدّرج؛ وأشهده في سبيل الله مواقف النصر التي إذا أودعنا نشر بشرها الطروس عبقت بما فيها من الأرج؛ وأراه مشاهد فتوحنا التي إذا حدّثت الأحلام عن عجائبها حدّثت عن البحر ولا حرج؛ وصان مجده عن إضاعة الوقت في غير حديث الجهاد الذي هو أولى ما بذلت له الذّخائر وابتذلت فيه المهج.
صدرت هذه المكاتبة تخصّه بتحية تتضوّع نشرا، وتتحفه من متجدّدات الظّفر بشرا، يملأ الوجود مسرّة وبشرى، وتقصّ عليه من متجدّدات فتح يأتي على ما أتعبت فيه الأفكار قرائحها من مشتهى التّهاني فلا يدع له ذكرا؛ وتتلو على من ظنّ بعد ما سمع من البلاغ بلاغ العدا أنّ إزالة وال عن مركزه فتح كبير: لقد جئت شيئا نكرا. وتوضّح لعلمه الكريم أنّ مكاتبته الكريمة وردت مقصورة على نبإ لا يعتدّ بذكره، محصورة على خبر لا ينبغي لمثل مجده أن يمرّه على فكره، مطلقة
(7/370)

عنان القلم فيما كان ينبغي طيّ خبره وتعفّي أثره، وإخفاء سببه وتركه نسيا منسيّا فضلا عن التبجّح بذكره، والتهنئة به، إذ في ذلك مقابلة البحر بالثّماد «1» ، والرّوح بالجماد؛ والشّمس بالذّبال، والهدى بالضّلال؛ فلم يكمل له في ذلك المراد، وأتى بما قالت له التهاني: (نحن في واد وأنت في واد) ؛ وقابلناها مع ذلك بالقبول الذي اجتلى غررها، وأحمدت لديه وردها وصدرها، فأحطنا علما بما تضمّنته من الأحوال التي أبداها، والمتجدّدات التي عظم موقع نشرها عنده فأهداها.
وأما ما ذكره من أمر القلعة التي كان [النائب بها] لوالده شخصا اعتمد عليه، وولّاه مستحفظا ظنّه مع تغاير الأحوال مؤتمنا على ما في يديه؛ وأن ذلك الشخص بعد انتقال والده رحمه الله طمع فيما استودع فجحد الوديعة والموادعة، ورام المنازعة والمقاطعة، وخالف وحالف، وقارب العصيان وقارف «2» ؛ وأنه في هذا الوقت قلع ذلك النائب، من تلك القلعة المغتصبة، وأراح من همّه الناصب، وأفكاره ووصبه «3» إلى غير ذلك مما أورده على وجه البشرى لهذا السبب الضّعيف، وأبرزه في معرض التهنئة من هذا الأمر الطفيف؛ وأراد أن يتكثّر فيه بما لا مدخل له في كثرة وقلّه، فذكر بروزه بجمعه إلى شخص واحد في قبالة ما اتصل به من نبإكل موطن برز فيه الإسلام كلّه إلى الشّرك كلّه؛ وظاهر الأمر أنّ ذلك الشخص ما عصى بالمكان الذي كان فيه إلا لما رأى بالمملكة اليمنيّة من اضطراب الأحوال، وأسباب الاختلاف والاختلال، والوهن الذي حسّن له الاحتراز والاختزال، والخلوة التي حملته على أن (طلب الطّعن وحده والنّزال) ، وامتداد الأيدي العادية بكلّ جهة إلى ما يليها، وضياع رعايا كلّ ناحية بالاشتغال عن افتقاد أحوال من يباشرها وانتقاد تصرّف من يليها؛ فهو الذي أوجب طمعه، وقوّى ضلعه «4» ، وحمله من مركب العناد، وأراه نظراءه بتلك الجهة ممّن سلك الفساد.
(7/371)

وهذا الأمر ما خفي علينا خبره، ولا توارى عنّا ورده ولا صدره؛ فإن أخبار مملكة اليمن ما زالت متواصلة إلينا بما هي عليه من اضطراب واف، واختلاف غير خاف، وهيج لا يرجع الأمر فيه إلى كاف كافّ؛ وما أخّرنا لحق جيوشنا المنصورة، وعساكرنا التي ممالك العدا بمهابتها محصورة، عن الوصول إلى المملكة اليمنية لتقويم أودها، وتمكين شدّها؛ وإقامة أمر الملك فيها، وحسم مادّة الفساد عن نواحيها، وتطمين البلاد، وإنامة الرّعايا من الأمن في أوطإ مهاد، والاحتراز على الخزائن والأموال، وصونها عن الإنفاق في غير جند الله الذين منعوا دعوة الشرك أن تقام وكلمة الكفر أن تقال؛ إلّا لأنّ عساكرنا كانت الآن في الممالك والأقاليم التي بيد الكفر: من التّتار المخذولين، ومن يقول بقولهم من أعداء الدين، تقتل وتأسر، وتلقى الجيوش الكافرة فتكسب وتكسر، وتصحبهم حيث حلّوا طلائع رعبها، وتصبّحهم منها أين طلّوا ريح عاد التي تدمّر كلّ شيء بأمر ربّها.
وما سطّرنا هذه المكاتبة إلا وجيوشنا المنصورة قد وطئت عقر بلادهم فأذلّتها وأذالتها «1» ، وغيّرت أحوالها وحالتها؛ وقاسمتهم شرّ قسمة فلها منها الحصون والمصون، والجنّات الوارفة الغصون، ولهم منها الخراب والتّباب، والدارس الذي لا يحصل بكفّ دارس بيته إلا التّراب؛ وها هي قادمة إلينا يقدمها النصر، ويتقدّمها من أسر العدا وغنائمهم ما يربي عن الحصر؛ وما بينها وبين ركوب هذا البحر لملك تمهّده، وعدل تجدّده، وبغاة تكفّ غربها، ورعاة تؤمّن بالمهابة سربها، وتصفّي من أكدار الفتن شربها؛ وخزائن لها عن غير الإنفاق في سبيل الله تصونها إلا بمقدار ما تستقرّ بها المنازل استقرار السّنة «2» بالجفون لا النوم «3» ، وأضرمت نواحيها، واستاقت أهلها ومواشيها، وجعلت
(7/372)

قصورها صعيدا «1» ، وزرعها حصيدا، وعقائلها «2» إماء، ومعاقلها هباء؛ وابتذلت مصونها الذي جعله الله لها أثقالا، واختارت من حصونها لملكنا ما كانت سيوفنا له مفاتح فلمّا فتح عدن له أقفالا؛ واقتلعت من القلاع التي كانت بيد الكفر كلّ معقل أشب «3» ، وحصن شابت نواصي اللّيل وهو لم يشب؛ قد صفّح بالصّفاح، وشرّف بأسنّة الرّماح، واستدار بقنّة قلة ينهب الترقّي إليها هوج الرّياح؛ فطهّرته من النّجس، وعوضّته بصوت الأذان عن صوت الجرس، وأخرست الناقوس بسورة الفتح الذي عوذّته نوب الدهر بآيات الحرس؛ مع ما أضيف إلى تلك القلاع من بلاد وتلاد، وأغوار ونجاد؛ وجنّات وعيون، وأموال ارتجع بها ما كان للإسلام في ذمّة الكفر من بقايا الدّيون. وكلّ تلك الغنائم منحناها جيوشنا المنصورة وأبحناها، وقوّيناهم على أمثالها من الفتوح برفع العوائق التي أزلناها، بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة وأزحناها؛ وما وصل الآن قصّاده إلى أبوابنا العالية إلا والبشائر تنطق بألسنة التّهاني، وتخفق بمجدّدات هذه الفتوح في الأقاصي من ممالكنا والأداني؛ وقد شاهدوا ذلك وشهدوه، ورأوا ما رأى غيرهم من نوادر الفتوح التي أربت على ما ألفوه من قبل وعهدوه. هذا وما وضعت الحرب إلى الآن أوزارها، ولا خمدت نار الوغى التي أعدّت جيوشنا المنصورة للأعداء أوراها؛ وما يمضي وقت إلا والبشائر متواردة علينا بفتح جديد، ونصر له في كلّ يوم مخلّق تخلّق وفي كل برّ بريد. وقصارى أمر العدوّ الآن أنهم ليس لهم بلد، إلا وقد (أخنى عليه الذي أخنى على لبد) «4» ؛ ولا دار إلا وقد أضحت كدار ميّة التي (أقوت وطال
(7/373)

عليها سالف الأمد) «1» ؛ ولا جيش إلا وقد فرّ وأين يفرّ وهو يطوي في قبضتنا المراحل؟، ولا طرائد بحر إلا وهي مطرودة في اللّجج لتيقّنهم أن العطب لا السلامة في الساحل.
فمن أجل ذلك رأينا أنّ اشتغال جيش الإسلام بجانب الكفر هو المهمّ المقدّم على ما سواه، والغرض الذي نيّتنا فيه إنقاذ أهل الإسلام من كلمة الكفر وتحكّمه «ولكلّ آمريء ما نواه» ورأينا أنّ أمر هذه الجهة ما يفوت بمشيئة الله وعونه وتمكينه، وإذا كان الله قد أقام بقدرته منا ملكا لنصرة دينه فإنّ اليمن وغيره في يمينه؛ وهي محسوبة من أعداد ممالكنا المحروسة، ومعدودة من أقسام بلادنا التي هي بوفود الفتوح مأنوسة؛ ولا بدّ من النظر في أمرها، وإعمال الفكر في إزاحة ضرّها، وتجريد العساكر المنصورة إليها، وإقدام الجيوش التي عادتها الإقدام في الوغى عليها؛ ليكون العمل في أمرها بما يرضي الله ورسوله، ويبلغ من كان بتلك الجهات يروم الجهاد ولا يطيقه سوله؛ فإن المملكة المذكورة توالت عليها المدد، ومضى عليها الأبد؛ وهمّة من فيها إلى اللهو مصروفة، وعلى اللّذات موقوفة؛ وأحكام الجهاد عندهم مرفوضة حتى كأنّ الجهاد لم يبلغهم وغره حلمه «2» ، ولا أحاطت أفكارهم بشيء من علمه؛ بل كأنه على غيرهم وجب، وكأنّ ما أعدّ الله من الأجر عليه إنما أريد به الذين يكنزون الذهب؛ وتمادت الأيام وليس في نكاية أعداء الله منهم مصيب، وتفرّقت الأموال وما لجند الله فيما احتووا عليه من ذلك سهم ولا نصيب؛ وأيّ عذر عند الله لمن جعله مؤتمنا على ماله فلم يكن له في
(7/374)


سبيل الله إنفاق؟ وأيّ حجة لمن [لم] يقف موقف جهاد وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«من مات ولم يغز ولم يحدّث به نفسه مات على شعبة من نفاق» .
والآن فإنّ الله سبحانه وتعالى قد أقامنا لنصرة الإسلام ورفع كلمة الإيمان وتمهيد البلاد، وإجراء الأحوال في القريب منها والبعيد على ما يرضي الله تعالى ويرضي رسوله عليه السلام من السّداد؛ وأهمّ الأمور عندنا أمر الغزاة والمجاهدين الذين ما منهم إلا ممسك بعنان فرسه، مكتحل بسهاد حرسه؛ لا يأمن العدوّ مهاجمة خيله في سراه، ولا مفاجأة خياله في كراه، حصنه ظهر حصانه، وجوابه على لسان سنانه، كلّما سمع هيعة «1» أو رقعة طار على متن فرسه يلتمس الموت والقتل في مظانّه؛ وهؤلاء هم جيوشنا الذين دوّخوا البلاد، وأذلّوا أهل العناد؛ وطهّروا السواحل وأجروا في كل مواطن من أنهار الدماء ما يروي البلد الماحل، وهزموا جيوش التتار وهم في أعداد الكواكب، وحصدوهم بسيوفهم عرورة (؟) وهم في نحو المائة ألف راكب؛ حتّى إن ملوك التتار الآن ليتمنّون إرضاءنا وإعضاءنا، ويستدعون ويدّعون للآباد ولاءنا، ويطلبون المسالمة منا، ويودّون نسمة قبول تصدر إليهم عنّا؛ والطويل العمر منهم وممن والاهم هو الذي يهرب من بين يدي جيوشنا المنصورة ليسلم بنفسه، وإن أسلم ما يعزّ عليه من ماله وولده وعرسه. فمثل هؤلاء الذين يستحقّون أموال الممالك الإسلامية ليستعينوا بها في جهازهم لجهادهم، وينفقوها في إعدادهم لأعدائهم؛ ويصرفوها في ذبّهم عن دين ربّهم.
وهذه المملكة اليمنيّة قد اجتمع فيها من الأموال ما يربي عن الحصر والحدّ، ويزيد على الإحصاء والعدّ؛ لا ينفق منها شيء في الجهاد، ولا يعدّ منها مصروف إلا بما لا تحمد عاقبته في المعاد؛ قد صدّ عنها جند الله الذين ينفقونها سرّا وجهرا، ويستنزلون بها أرواح أعداء الله على حكم سيوفهم قسرا وقهرا؛
(7/375)

وأبيحت لمن تأبّى الجهاد جانبا، ورضي باللهو صاحبا، واقتنى السّلاح لغير يوم الباس، واعتنى بارتباط الجياد بطرا ورئاء الناس.
وكان كتابنا قد تقدّم في أمر المجاهدين وما يحتاجونه من الإعانة بما يحمل إليهم من الأموال بالمملكة اليمنيّة: ليصرف ذلك في حقه، ويصل إلى مستحقّه؛ ويكون قد أعدّ منها للإنفاق في سبيل الله جانب بحيث لا يضاع، ووصل إلى مجاهدي الأمة نصيب من مال الله الذي هو في يد من ولّاه شيئا من أمور عباده على حكم الإيداع؛ ويدخل ذلك «1» في زمرة الذين يكنزون الذهب والفضّة لا ينفقونها؛ فحصلت المكابرة في الجواب عن ذلك، وأيّ عذر في المكابرة عن مثل هذا الأمر وشغل الوقت بذكره؟ ونحن عندنا في كل وقت من البشائر بمواهب الفتح، وغرائب المنح، ومتجدّدات الظّفر والنصر، ومتحلّيات التأييد التي قسّمت أعداء الله بين الحصد والحصر، ما يهبّ نشره هبوب الرّيح في البرّ والبحار، ويودّ الدهر لو رقمه بذهب الأصيل على صفحات النّهار، وكلّ ذلك في أشدّ أعداء الله تعالى: من التتار، الذين عرف عددهم وجلدهم، والفرنج الذين طال وكثر في عداوة الإسلام أبدهم ومددهم، والأرمن الذين هم أكثر الطائفتين في الظاهر وفاقا، وأشدّ الفئتين في الباطن نفرا ونفاقا؛ وهم لهؤلاء وهؤلاء مادّة تمير وتمير، وتغريهم وتغرّهم فتصير بهم من نار الحرب المضرّسة لسيوفنا إلى جهنّم وبئس المصير؛ وأيّ شيء من ذلك يذكر عند مواقف جيوشنا المنصورة، وظفر عساكرنا المؤيّدة؟، لو كان حصل عنده الفكر الصائب ما وردت مكاتبته إلا وهي مقترنة بما يرضي الله ورسوله وأهل الإسلام: من إمداد الغزاة «2» بالأموال، وإعانتهم على الكلف التي كلّما أعد لها مال [بدت] حال يلائمها الإنفاق في سبيل الله ويسألونك عن الجبال؛ وها هي قادمة إلينا يقدمها النصر، ويتقدّمها من أسرى العدا وغنائمهم ما يربي عن الحصر؛ وما
(7/376)

بينها وبين ركوب ثبج «1» هذا البحر لملك تمهّده، وعدل تجدّده، وبغاة تكفّ غربها، ورعايا تؤمّن بالمهابة سربها، وتصفّي من أكدار الفتن شربها؛ وأموال تصونها، وخزائن ينزّه عن غير الإنفاق في سبيل الله مصونها، إلا بمقدار ما تستقرّ بها المنازل استقرار السّنة بالجفون لا النوم، وتأخذ أهبة لذلك المهمّ في يوم أو بعض يوم.
أللهم إلا أن تلبّى دعوة الجهاد من تلك الجهة بألسنة النّفير، وتعبّى صفوف الجلاد في الجواري «2» التي تكاد بأجنحة القلوع تطير؛ أو تنوب عنها خزائن الأموال التي تنفق في سبيل الله تعالى، أو تقوم مقامها النفقات التي تصرف إلى جنود الله التي تنفر في سبيل الله تعالى خفافا وثقالا، ليكون قد استدرّ ببركة ذلك الطّلّ أخلاف الوابل، وأنفق ما اختزنه في سبيل الله الذي مثل ما ينفق فيه كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل؛ وتستعدّ الجيوش المنصورة إلى طود يصون برأيه ملكه ويصول، ويستطيل على الوجود ولو أنّ البرّ سيوف والبحر نصول؛ والله تعالى يرشده إلى ما هو أقرب للتقوى، ويمسّكه من طاعته بالسبيل الأقوم والسّبب الأقوى؛ إن شاء الله تعالى.
الأسلوب الثاني (وهو المذكور في «التعريف» )
أن تفتتح المكاتبة بلفظ: «أعزّ الله تعالى جانب المقام العالي» إلى آخر الألقاب، ثم الدعاء، مثل: ولا زال يحسن ولاية حسبه، وينهض بجناح نسبه، ويصون ملكه بعدله أكثر من قضبه «3» ، ويثبت في اليمن اليمن في حالة إقامته ومنقلبه.
(7/377)

أصدرناها إلى مقامه موشّجة المعاطف بحليّه، شاكرة علا عليّه، ذاكرة من محامده ما يتكثّر السحاب بوليّه، مبدية لعلمه الكريم كيت وكيت.
وهذه أدعية وصدور تناسب كل سلطان بها:
ولا زال به «تعزّ» تعزّ وتفوز ببره زبيد، ويخرج من عدن عدن فضله المديد، وتمتلي بوفود البرّ والبحر: هذا تطير به المراكب وهذه الركائب كلاهما من مكان بعيد؛ ولا برحت به آهلة الأوطان، مشتقّة صفات قطره اليمنيّ من «الأيمان يمان» ؛ محجوبا بالجلالة أو محجوبا لما ينسب إليه من أحد الأركان.
أصدرناها والسلام يباري ما تنبت أرضه من نباتها الطيّب، ويجاري بالثّناء ما ينهلّ في أكنافه الجنوبيّة من سحابها الصيّب «1» ؛ وتسري إليه بتحيّاتنا الشريفة على قادمة كل نسيم، وفي طيّ كلّ عام له وقوف على ربعه وتسليم؛ وتوضّح لعلمه الكريم.
دعاء وصدر يختصّ بالمجاهد عليّ، وهو:
ولا زال أفضل متوّج في يمنه، وأعلى عليّ إذا قيس بابن ذي يزنه، وأشجع من حمى بعهوده ما لا تقدر السّيوف على حمايته من وطنه؛ ولا انفكّ الملك المجاهد عن عرضه المصون، وسيف الدين الذي يقوم في المفروض من مراضي الله بالمسنون؛ وأبا الحسن لما يحسن في فطنته الحسنى أو فطرته من الظّنون، والعليّ قدرا إذا أخذت الملوك مراتبها وحدّقت إليه العيون.
صدرت هذه المفاوضة إلى حضرته وسلامها يتفاوح لديها، ويصافح غمائمه في يديها، وتجري سفائن إخلاصه حتّى تقف عليها، وتسري بتحياتنا محلّقة بالبشرى في صباح كلّ يوم يقرّب من الوصول إليها، وتبدي لعلمه الكريم.
قلت: ولم أقف على صورة مكاتبة مفتتحة بلفظ «أعز الله تعالى جانب
(7/378)

المقام» كتب بها إلى بعض ملوك اليمن في زمن من الأزمان؛ فأوردها استشهادا لهذا الأسلوب.
الأسلوب الثالث (أن تفتتح المكاتبة بلفظ: «أعزّ الله تعالى نصرة المقام العالي» )
وهذه نسخة كتاب كتب به إلى صاحب اليمن أيضا، عن السلطان الملك المنصور قلاوون، مبشّرا بفتوح «1» صافيتا «2» ، من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر رحمه الله، وهو:
أعزّ الله تعالى نصرة المقام العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، المظفّريّ، الشّمسيّ؛ وأشركه في كل بشرى تشدّ الرحال لاستماعها، وتحلّ الحبى «3» لاستطلاعها؛ وتتهافت التواريخ والسّير على استرفاعها، وتتنافس الأقلام والسيوف على الأفهام بأجناسها وأنواعها؛ ولا خلا موقف جهاد من اسمه، ولا مصرف أجر من قسمه، ولا غرض هناء من سهمه، ولا أفق ابتهاج من بزوغ شمسه وطلوع نجمه. سطّر المملوك هذه البشرى والسيف والقلم يستمدّان: هذا من دم وهذا من نقس «4» ، ويمضيان: هذا في رأس وهذا في طرس؛ ويتجاوبان:
هذا بالصّليل وهذا بالصّرير، ويتناوبان: هذا يستميل وهذا يستمير «5» ؛ وكلّ منهما ينافس الآخر على المشافهة بخبر هذا الفتح الذي ما سمت إليه همم الملوك الأوائل، ولا وسمت به سيرهم التي بدت أجيادها من حلاه عواطل؛ ولا دار
(7/379)

في خلد أن مثله يتهيّأ في المدد الطويلة، ولا تشكّل في ذهن أنه سيدرك بحول ولا حيلة؛ وهو النّصر المرتّب على حركتنا التي طوى الله لركابنا فيها المراحل، وألقى بدرر عساكرنا في بحر الحديد المالح إلى الساحل؛ وهجومنا على البلاد الفرنجيّة:
وهي طرابلس وصافيتا وأنطرسوس ومرقيّة والمرقب، كما يهجم الغيث؛ ومصادمتنا صدورها كما يصدم الليث، وسلوكنا منها حيث لم يبق حيث؛ وما جرى في هذه الوجهة من إغارات أحسنت متقلّب الأعنّة؛ ومتعلّق السيوف ومخترق الأسنّة؛ وما تهيّأ منها من فتوح صافيتا التي هي أمّ البلاد، ومنتجع الحاضر والباد؛ وكونها قدّمت نفسها في جملة ما يقرى به الضيف، وقالت: هذا فتوح حضر على هذا الفتوح لهذا السيف؛ وتلطّفت في مسح أطراف الأمان، وطلبت شكرا ومنّا شكران؛ وأحضرت إلينا من أهلها الوقت وهدّت السيوف في أعناقهم فتشبّهت بها الأغلال، وأنفت أيمان أهل الإيمان من مصافحتهم لأنهم أصحاب الشّمال؛ فأطلقهم سيفنا وأمله يمتدّ إلى من هو أعزّ منهم مالا، وأكثر احتفالا، وأبزّ مآلا، وأهزّ سيوفا قصارا ورماحا طوالا؛ واستطار منها شرار نار الحرب الموقدة إلى غيرها من القلاع، واستطال إلى سواها من الحصون منهم الباع؛ فلا حصن إلا وافترّت ثنيّته عن نصر مسهّل، وفتح معجل ومؤجّل.
فمن ذلك حصن الأكراد الذي تاه بعطفه على الممالك والحصون، وشمخ بأنفه عن أن تمتدّ إلى مثله يد الحرب الزّبون «1» ؛ وغدا جاذبا بضبع «2» الشام، وآخذا بمخانق بلاد الإسلام؛ وشللا في يد البلاد، وشجا في صدر العباد؛ تنقضّ من عشّه صقور الأعداء الكاسرة، وترتاع من سطوتها قلوب الجيوش الطائرة؛ وتربض بأرباضه آساد تحمي تلك الآجام، وتفوّق من قسيّه سهام تصمي مفوّقات السّهام؛ تعطيه الملوك الجزية عن يد وهم صاغرون، ويصطفي كرام أموالهم وهم
(7/380)

صابرون لا مصابرون؛ كم شكت منه حماة تثني بنكرها قلّة الإنصاف، وكم خافته معرّة وما من معرّة خاف؛ ما زالت أيدي الممالك تمتدّ إلى الله بالدعاء عليه تشكو من جور جواره تلك الحصون والصّياصي، وتبكي بمدمع نهرها من تأثير آثاره مع عصيانها وناهيك بمدمع العاصي؛ حتّى نبّه الله ألحاظ سيوف الإسلام من جفونها، ووفّى النّصرة ما وجب من ديونها؛ وذاك بأنّا قصدنا فسيح ربعه، ونزلنا ونازلنا محميّ صقعه، وختمنا بنصالنا على قلبه وسمعه؛ وله مدن حوله خمس هو كالراحة وهي كالأنامل، وتكاد بروجه ترى كالمطايا المقطّرة وهي منها بمنزلة الزّوامل «1» ؛ ما خيّمنا به حتّى استبحنا محميّ تلك المدائن المكنيّ عنها بالأرباض، وأسحنا بساحاتها بحرا من الحديد ما اندفع حتّى فاض؛ وأخذنا الثّقوب في أسوار لا تنقض ولا ينقضّ بنيانها المرصوص، ولا تقرأ المعاول ما لخواتم أبراجها من نقوش الفصوص؛ ونصبنا عليها عدّة مجانيق حملت في شواهق الجبال، على رؤوس الأبطال؛ فتغيّظت السّمهريّة «2» أنّ الذي تقوم به هذه تلك به لا تقوم، وأنّ ما منها إلا له من الأيدي والرّؤوس مقام معلوم؛ وصار يرمي بها كلّ كميّ مختلس، وأروع منتهس «3» ، وكلّ ليث غابة يحميها وتحميه. فشكرا لأسود حتّى غاباتها تفترس؛ إلى أن جئت أسوارها على الرّكب، وكانت سهام مجانيقها تميل من العجب فصارت تميد من العجب، وكانت تطلب فصارت تهرب من الطّلب؛ واشتدّ الأمر على الكفّار فقاتلوا قتالا أقضّ مضاجع الأسلحة، وأطار حجارة مجانيقهم بغير أجنحة، وأشجى بشجو النّصول المترنّمة على غصون السّهام المترنّحة؛ هذا وأهل الإيمان يتلقّون ذلك كلّه بصبر يستطعمون منه شهدا، وإقدام يتلقّى صدى الحديد بأكباد ما زالت إلى موارده قصدا؛ يقتحمون نار الحرب التي كلّما أوقدوها أطفأها الله وقال يا نار كوني بردا، والبلاد الفرنجيّة قد غضّت منها الأبصار وخشعت القلوب،
(7/381)

واعتقد كلّ منها في نفسه أنه بعد هذا الحصن المطلوب؛ فهذه تودّ لو أكنّتها البحار تحت جناح أمواجها، وهذه لو أسبلت الرياح العواصف عليها ذيول عجاجها؛ وهذه لو اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار، وهذه لو خسف بها الثّرى وعفت منها الآثار؛ وذلك لما بلغهم وشاهدوه من ويل حلّ بأهل هذا الحصن المنيع، ومن فتك أمحل ربعه المريع، وضيّق مجاله الوسيع؛ وقراع أضجر الحديد من الحديد وا لأبطال لم تضجر، ونضال أسهر كلّ جفن حتّى جفون السيوف لأنا عوّدناها مثل جفوننا أن تسهر؛ فكم شكت النّقوب من مناكبهم زحاما، والشّرفات من ترقّبهم التزاما، والرّقاب من سيوفهم اقتساما؛ وكم حمدت التجارب من رأيهم شيخا وحمد الأقدام من ثبوتهم غلاما؛ قد دوّخوا البلاد فلا موطن إلا لهم به معركة، وأرملوا الحلائل فلا مشرك إلا وقد أرمل من مشركة، وأزعجوا الكفر فلا قلب إلا به منهم خوف ولا سمع إلا لهم به حركة، وملأوا الأرض كثرة وكيف لا يكّثر الله جمعا للإسلام جعل الله فيه بركة.
وكتابنا هذا والمولى بحمد الله أحقّ من هنّيء بهذا الفتح الذي تثني على كتاب بشائره الحقائب، وتجري إلى سماع أخباره الركائب، وتتزاحم على المسير تحت البرد الواصلة به متون الصّبا وظهور الجنائب «1» ؛ وإذا ذكرت ملاحمه، قال كلّ: هذا كتاب أم كتيبة تلوح، وإذا شوهدت حمرة طرسه قيل: وهذا ما صبغته في اليد المعلّمة عليه دم الكفر السمفوح، وينعم- أعز الله نصره- بالإعلان بهذا النبإ الحسن الذي تستروح إليه الأسماع، وتسرّ بالأفهم به أخوات هذا الحصن من مدنه ومن قلاعه العظيمة الامتناع؛ فإنه ما برح الأخ يفرح بأخيه، وإذا كان الهناء عظيما اشترك كلّ شيء فيه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة كتاب آخر إلى صاحب اليمن من هذا الأسلوب: كتب به
(7/382)

الفاضل محيي الدين بن عبد الظاهر أيضا، عن الملك المنصور قلاوون، جواب تعزية أرسلها إليه في ولده الملك الصالح في ورق أزرق؛ وكانت العادة أن تكون في ورق أصفر. ونصها بعد البسملة.
أعز الله تعالى نصرة المقام إلى آخر الألقاب، وأحسن بتسليته الصبر على كل فادح، والأجر على كلّ مصاب قرح القرائح وجرح الجوانح؛ وأوفد من تعازيه كلّ مسكّن طاحت به من تلقاء صنعاء اليمن الطّوائح؛ وكتب له جزاء التصبّر عن جار من دمع طافح، على جار لسويداء القلب صالح.
المملوك يخدم خدمة لا يذود المواصلة بها حادث، ولا يؤخّرها عن وقتها أمر كارث، ولا ينقضها عن تحسينها وترتيبها بواعث الاختلاف ولا اختلاف البواعث؛ ويطلع العلم الكريم على ورود مثال كريم، لولا زرقة طرسه وزرقة لبسه لقال:
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
«1» . تتضمّن ما كان حدث من رزء تلافى الله بتناسيه، وتوافى بعود الصبر فتولّى التسليم تليين تقاسيه وتمرين قاسيه؛ فشكرنا الله تعالى على ما أعطى وحمدناه على ما أخذ، وما قلنا: هذا جزع قد انتبه إلا وقلنا هذا تثبّت قد انتبذ، ولا توهّمنا أنّ فلذة كبد قد اختطفت إلا وشاهدنا حولنا من ذرّيتنا والحمد لله فلذ؛ وأحسنّا الاحتساب، ودخلت الملائكة علينا من كل باب، ووفّانا الله عز وجلّ أجر الصابرين بغير حساب؛ ولنا- والشكر لله- صبر جميل لا نأسف معه على فائت ولا نأسى على مفقود، وإذا علم الله سبحانه حسن الاستنابة إلى قضائه، والاستكانة إلى عطائه، عوّض كلّ يوم ما يقول المبشّر به: هذا مولى مولود. وليست الإبل بأغلظ أكبادا ممن له قلب لا يبالي بالصّدمات كثرت أو قلّت، ولا بالتّباريح حقرت أو جلّت، ولا بالأزمات إن هي توالت أو توّلت، ولا بالجفون إن ألقت بما فيها من الدّموع والهجوع وتخلّت؛ ويخاف من الدّهر من لا حلب أشطره، ويأسف على الفائت من لا بات بنبإ الخطوب الخطرة؛ على أنّ الفادح
(7/383)

بموت الولد الملك الصالح- رضي الله عنه- وإن كان منكيا، والنافح بشجوه وإن كان مبكيا، والنائح بذلك الأسف وإن كان لنار الأسف مذكيا، فإن وراء ذلك من تثبيت الله عز وجلّ ما ينسفه نسفا، ومن إلهامه الصبر ما يجدّد لتمزيق القلوب أحسن ما به ترفى. وبكتاب الله تعالى وبسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم عندنا حسن اقتداء يضرب عن كلّ رثاء صفحا، وما كنّا مع ذلك- والمنة الله- نصغي لمن يؤنّب ويؤبّن أذنا، ولا نعيرها لمن يلحا إذ الولد الذاهب في رضوان الله تعالى سالكا طريقا لا عوج فيها ولا أمتا «1» ، وانتقل سارّا بارّا صالحا صالحا وما هكذا كلّ الموتى نعيا ونعتا، ولئن كان نفعنا في الدنيا فها نحن بالصّدقات والترحّم عليه ننفعه، وإذا كان الولد عمل أبيه وقد رفع الله تعالى روح ولدنا إلى أعلى علّيّين تحقّق أنه العمل الصالح يرفعه؛ وفيما نحن بصدده من اشتغال بالحروب، ما يهوّن ما يهول من الكروب؛ وفيما نحن عاكفون عليه من مكافحات الأعداء ما بين المرء وقلبه يحول، بل عن تخيّل أسف في الخاطر يجول.
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما تمرّ به الوحول!
فلنا بحمد الله تعالى ذرّية دريّة، وعقود والشكر لله كلّها درّيّة.
إذا سيّد منهم خلا قام سيّد ... قؤول لما قال الكرام فعول!
ما منهم إلا من نظر سعده ومن سعده ينتظر، ومن يحسن أن يكون المبتدأ وأن يسدّ حاله بكفالته وكفايته مسدّ الخبر، (والشمس طالعة إن غيّب القمر) ؛ لا سيما من الذي يراد «2» هو صلاحه أعرف، ومن إذا قيل لبناء ملك هذا عليه قد وهي قيل هذا خير منه من أعلى بناء سعد أشرف. وعلى كل حال لا عدم إحسان العمل الذي يتنوّع في برّه؛ ويعاجل قضاء الحقوق فيساعف مرسومه في توصيله طاعة بحره وبرّه؛ وله الشكر على مساهمة المولى في الفرح والتّرح، ومشاركته في
(7/384)

الهناء إذا سنح وفي الدمع إذا سفح؛ وما مثل مكارم المولى من يعزب ذلك عن علمها، ولا يعزى إلى غير حكمها وحلمها؛ وهو- أعزه الله- ذو التّجارب التي مخضت له من هذه وهذه الزّبدة، وعرضت عليه منها الهضبة والوهدة. والرغبة إلى الله تعالى أن يجعل تلك المصيبة للرّزايا خاتمة، كما لم يجعلها للظّهور قاصمة؛ وأن يجعلها بعد حمل هذا الهمّ وفصاله على عليه فاطمة، وأن يحبّب إلينا كلّ ما يلهي عن الأموال والأولاد، من غزو وجهاد، وأن يخوّلنا فليس يحدّ لدينا على مفقود تأدّبا مع الله عز وجل غير السيوف فإنها تعرف بالحداد، وأن لا تقصف رماحنا إلا في فود أو فؤاد، ولا تحوّل سروج خيلنا إلا من ظهر جواد في السّرايا إلى ظهر جواد، وأن لا تشق لدينا إلا أكباد النادّ «1» ، ولا تجز غير شعور ملوك التتار تتوّج بها رؤوس الرماح ويصعد بها على قمم الصّعاد؛ والله تعالى يشكر للمولى سعي مراثيه التي لولا لطف الله بما صبّرنا به لأقامت الجنائز، واستخفّت النحائز «2» ، ولأهوت بالنّفوس في استعمال الجائز من الأسف وغير الجائز، ولا شغل الله لبّ المولى بفادحه، ولا خاطره بسانحة من الحزن أو بارحه، ولا أسمعه لغير المسرّات من هواتف الإبهاج صادحه، إن شاء الله تعالى.
الأسلوب الرابع (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «أعزّ الله تعالى أنصار المقام الشريف العالي» وعليها كان الأمر في أوّل الدولة التركية)
وهذه نسخة كتاب من ذلك، كتب بها عن الملك المظفّر قطز «3» - وصاحب
(7/385)

اليمن يومئذ المنصور- بالبشارة بهزيمة التّتار. وأظنها من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، وهي:
أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الشريف العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، المنصوريّ، وأعلى مناره، وضاعف اقتداره؛ تعلمه أنه لما كان النّصف من شهر رجب الفرد، فتح الله تعالى بنصر المسلمين على أعداء الدين:
من كلّ من لولا تسعّر بأسه ... لا خضرّ جودا في يديه الأسمر
فصدرت هذه التهنئة إليه راوية للصدق عن اليوم المحجّل الأغر:
يوم غدا بالنّقع فيه يهتدي ... من ضلّ فيه بأنجم المرّان «1»
ففي أذن الدهر من وقعه صمم، وفي عرنين البدر من نقعه شمم؛ ترفعه رواة الأسل عن الأسنّة، ويسندة مجرّ العوالي عن مجرّ الأعنّة، أما النصر الذي شهد الضرب بصحّته، والطعن بنصيحته، فهو أن التتر خذلهم الله تعالى استطالوا على الأيام، وخاضوا بلاد الشام، واستنجدوا بقبائلهم على الإسلام:
سعى الطّمع المردي بهم لحتوفهم ... ومن يمسكن ذيل المطامع يعطب
فاعتاضوا عن الصحة بالمرض، وعن الجوهر بالعرض؛ وقد أرخت الغفلة زمامهم، وقاد الشيطان خطامهم «2» ؛ وعاد كيدهم في نحورهم: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ
(7/386)

كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً
«1»
رامو الأمور فمذ لاحت عواقبها ... بضدّ ما أمّلوا في الورد والصّدر،
ظلّوا حيارى وكأس الموت دائرة ... عليهم شرعا في الورد والصّدر!
وأضعف الرّعب أيديهم فطعنهم ... بالسّمهريّة «2» مثل الوخز بالإبر!
لا جرم أنّهم لسنّ النّدم قارعون، وعلى مقابلة إحساننا بالإساءة نادمون.
تدرّعوا بدروع البغي سابغة ... والمرء يحصد من دنياه ما زرعا!
فأقلعت بهم طرائق الضّلال، وسارت مراكب أمانيّهم في بحار الآمال؛ فتلك آمال خائبة، ومراكب للظّنون عاطبة؛ وأقلعوا في البحر بمراكبه، والبرّ بمواكبه؛ وساروا وللشيطان فيهم وساوس، تغرّهم أمنيّة الظّنون الحوادس؛ فما وسوس الشيطان كفرا إلا وأحرقه الإيمان بكوكب ... «3» .... هذا وعساكر المسلمين مستوطنة في مواطنها، جاذية «4» عقبانها في وكور ظباها، رابضة آسادها في غيل «5» أقناها «6» ، وما تزلزل لمؤمن قدم إلا وقدم إيمانه راسخة، ولا ثبتت لأحد حجة إلا وكانت الجمعة لها ناسخة؛ ولا عقد [ت] برجمة «7» ناقوس إلا وحلّها الأذان، ولا نطق كتاب إلا وأخرسه القرآن؛ ولم تزل أخبار المسلمين تنتقل إلى الكفّار، وأخبار الكفّار تنتقل إلى المسلمين إلى أن خلط الصّباح فضّته بذهب
(7/387)

الأصيل، وصار اليوم كأمس، ونسخت آية الليل بسورة الشمس؛ واكتحلت الأعين بمرود السّبات، وخاف كلّ من المسلمين إصدار البيات «1» .
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأخرى الأعادي، فهو يقظان نائم!
إلى أن تراءت العين بالعين، واضطرم نار الحرب بين الفريقين؛ فلم تر إلا ضربا يجعل البرق نضوا، ويترك في بطن كلّ من المشركين شلوا؛ حتّى صارت المفاوز دلاصا «2» ؛ ومراتع الظّبا للظّبا عراصا «3» ؛ واقتنصت آساد المسلمين المشركين اقتناصا، ورأى المجرمون النار فظنّوا أنّهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مناصا؛ فلا روضة إلا درع ولا جدول إلا حسام، ولا غمامة إلا نقع ولا وبل إلا سهام؛ ولا مدام إلا دماء ولا نغم إلا صهيل، ولا معربد إلا قاتل ولا سكران إلا قتيل؛ حتّى صار كافور الدّين شقيقا، وتلوّن الحصباء من الدّماء عقيقا؛ وضرب النقع في السماء طريقا، وازدحمت الجنائب في الفضاء فجعلته مضيقا؛ وقتل من المشركين كلّ جبّار عنيد، ذلك بما قدّمت أيديهم وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
«4» .
قلت: وهذه النسخة تلقّفتها من أفواه بعض الناس، ذكر أنه وجدها في بعض المجاميع فحفظها منه، وهي في غاية من البلاغة، إلا أنها لا تخلو من تغيير وقع في بعض أماكنها، ولعله من الناقل لها، من حيث إنه ليس من أهل هذه الصناعة. ولم يسعني ترك إيرادها لما فيها من المحاسن، ولانفرادها بأسلوب من الأساليب التي
(7/388)

كتب بها إلى ملوك اليمن؛ فأورتها على ما هي عليه، وجزى الله خيرا من ظفر لها بنسخة صحيحة فقابلها عليها وصحّحها وأصلح ما فيها.
الأسلوب الخامس (وهو ما جرى عليه في «التثقيف» أن تفتتح المكاتبة بلفظ أعزّ الله تعالى أنصار المقام العالي)
صدره على ما ذكره في «التثقيف» أعزّ الله تعالى أنصار المقام العالي، السلطانيّ، الملكي، الفلاني، الفلاني، مثل أن يقال: الأفضليّ السيفيّ؛ ثم الدعاء؛ ثم يقال: أصدرناها وتبدي لعلمه الكريم كذا وكذا. قال في «التثقيف» والمكاتبة إليه في قطع النصف والطلب منه «والقصد من المقام العالي» وخاتمة الكتاب بالدعاء، والعلامة «أخوه» وتعريفه «صاحب اليمن» . وفي دستور المقرّ الشهابيّ بن فضل الله أنّ خطابه يكون بالمقام العالي.
وهذه نسخة كتاب إليه، ذكر المقرّ الشهابي بن فضل الله في تذكرته أنه أنشأها جوابا عن هديّته ولم يكتب بها إليه، وهو يومئذ الملك المجاهد سيف الدين عليّ «1» بن داود.
أعزّ الله تعالى أنصار المقام العالي، ولا زالت مكارمه تخصّ من كلّ نوع بأحسنه، وتتحف بأزيده وأزينه، وتجلب كلّ غريب الديار من وطنه، وتمنح من السّوابق بما تمتدّ المجرّة في رسنه، ومن المحاسن بما يملي على (عليّ)
(7/389)

أوصاف حسنه، ويعرب عن الفرس والسيف والرمح بأطيب لحن في نصبه وجرّه ورفعه.
صدرت إلى المقام العالي أعزّ الله جانبه تصل بوداده، وتصف حبّا علق بفؤاده؛ وتعرّض ببرحاء يمنيّة أحلام الكرى طمعا أن يرى طيفه في رقاده. وتبدي أن كتابه الكريم ورد جالبا لدرّ مننه، جالبا لليمن من يمنه، نافحا بالطّيب من عدنه، ناقدا من قوّة السيوف بما لا يدّعيه ابن ذي يزنه؛ فتؤمّل ما حوى من كرم لا يجارى، ونعم تملأ البرّ برّا والبحار بحارا؛ وأبدع في الهبة التي قدر «1» مهديها، وقدّر فيها من التّحف ما لا يوجد إلا فيها؛ وجاء بكلّ ما يستعين به المرابط، وتهتزّ به الخزائن والمرابط؛ وتفتخر من الرّماح بكل معتدل قاسط، وبما يردي العدا من أسنّته بكلّ نجم هابط. كم لها من فعل جميل لا يشارك، وكم قال طعين: إنّ لها كعبا مدوّرا وما قدر الطاعن أن يقول إلا أنها كعب مبارك. ومن السّيوف بما لا يطبع النهر في نصله، ولا يطمع البرق في مناضلة مثله، ولا يطمح الهلال أن يستقيم على شكله؛ كم أخمدت أنفاسا ولها التهاب، ولمعت من نواحي الغمود كما نصلت أنمل من خضاب. ومن الخيل بما ترقص في أعنّتها، وتفتخر على البدور بأنها تدوس على أهلّتها: من كلّ أشهب «2» يحسن ابتدارا، ويحسب قمرا قد تكمّل إبدارا، ويطلع في كلّ ناحية نهارا جهارا. وأدهم «3» قد غصب الظلام، واستدارت غرّته فأسفر وجهه تحت برقع من لئام. وأحوى «4» أخضر الجلدة من بيت للعرب، قد حوى من الروض ما سلب. وكميت «5» ينضو النقع وهو سبوق، وتقدّم في ميادينه
(7/390)

فجاء مضمّخا بالخلوق. وأشقر قد كشف البرق عذاره، وأطار الرّكض منه شراره؛ ومعها كلّ فيل كأنّه غمام تبدّى، أو ملك مفدّى، بخرطوم يرتدّ كالصّولجان، ويمتدّ كالأفعوان، ويهول منظره كأنه من تمام الخلق بنيان، ويتحرّك فتحسبه كمّ راقصة تشير به إلى النّدمان؛ تقشعرّ منها الجلود، وتقتل نفسها بنيران الحقد محافظة على عهود الهنود؛ كم أحسنت بخراطيمها لها من صدورها الضيّقة مخرجا، وأضاءت فروجها بين أنيابها طرّة صبح تحت أذيال الدّجى؛ وزرافة، لها إنافة، كأنّها شفق بينه نجوم، أو بروق تكلّلت بقطر الغيوم؛ لها في المدخل على القلوب حذاقة، وولوج من باب ودخول من طاقة. وحمارة وحشيّة جاءت بوصف الرّبيع في اعتدال الليل والنّهار، وجمعت الهالات والأقمار، ودلّت على أصل كريم تفتّحت في فروعه الأزهار، وحكت بخطوطها الدّوح مما تراكم ظلّه فأظلم وانفرج فأنار. ونمر يؤلف على نفاره، ويسبح ليله في أنهار نهاره؛ يتدفّق في مثل أنبوب القناة المضطمر «1» ، ويصدّق من شبّه ركود الرّبا على الرّمال بقطعة من جلدة النّمر. وقطّ الزّباد «2» الذي لا تحكيه الأسود في صورها، ولا تسمح غزلان المسك بما يخزنه من عرفه «3» الطيّب في سررها؛ كم تنقّل في بيوت وطابت موطنا، ومشى من دار أصحابه فقالوا: ربّنا عجّل لنا قطّنا؛ وكذلك من الطّيب، ما يطيب، وما يزور بنفحه الحبيب؛ قد بعث أكبره، وأفاد أكثره، واستخدم المتنعّمون به صندله وكافوره وعنبره. وغير هذه الأنواع مما جاد بإرساله، وأتى من كلّ بديع به وبأمثاله؛ فقوبلت بالقبول هذه التّحف، وأكرمت إكرام من لها عرف و [بها] اعترف؛ وحمد سحابه الذي تسرّعت مواطره، وبعثت من طرفها بالروض وما تنوء عنه أزاهره، وشرعت بما اتّصلت بمصر أوائله وباليمن أواخره؛ والله تعالى يشكر هممه التي تعالت، وشيمه العلويّة التي لأجلها المحامد قد توالت. وقد جهّزنا له
(7/391)

من التّحف المنعم بها ما أمكن تعجيل حمله، وجرت عوائد ملوك الأقاليم بالتشريف من خزائننا العالية بمثله؛ وحمّلنا رسله من السلام ما تعبق به الفجاج، وتعذب به البحار وهي ملح أجاج. والمراد منه أن يواصل بمكاتباته التي تتناوب الصّدور، وتنوب عن لمحة البدور، وتؤوب بما تقدم به من السرور؛ والله تعالى يديم لسلطانه التأييد، ولملكه التأييد، ولاقتداره ما به تعزّ تعزّ «1» وتميد زبيد «2» . إن شاء الله تعالى.
فائدة- المكاتبة إلى صاحب اليمن عن وليّ العهد بالسلطنة كالمكاتبة إليه عن السلطان نفسه في جميع المكاتبة على السّواء.
وعلى ذلك كتب القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر عن «الأشرف خليل ابن قلاوون» قرين كتاب أبيه المنصور قلاوون إلى صاحب اليمن، بالبشرى بفتح طرابلس.
وهذه نسخته:
أعزّ الله تعالى نصرة المقام! وأوفد عليه كلّ بشرى أحسن من أختها، وكلّ تهنئة لا يجلّيها إلا هو لوقتها؛ وكلّ مبهجة يعجز البنان والبيان عن ثبتها ونعتها، وتتبلّج فتودّ الدّرر والدّراريّ لو رقت هذه إلى ترقّيها وسمت هذه إلى سمتها.
وصبّحه منها بكل هاتفة أسمع من هواتف الحمائم، وبكل عارفة أسرع من عوارف الزّهر عند عزائم النّسائم؛ وبكلّ عاطفة أعنّة الإتحاف بالإيجاف الذي شكرت الصّفاح منه أعظم قادر والصحائف أكرم قادم؛ والغزو الذي لا يخصّ تهامة ببشراه بل جميع النّجود والتّهائم، وذوي الصّورام والصّرائم «3» ، وأولي القوى والقوائم، وكلّ ثغر عن ابتهاج الإسلام باسم، وكلّ برّ برّ بتوصيل ما ترتّب عليه من ملاحم؛
(7/392)

وكلّ بحر عذب يمون كلّ غاز لا يحبس عن جهاد الكفّار في عقر الدّار الشّكائم، وكلّ بحر ملح كم تغيّظ من مجاورة أخيه لأهل الشرك ومشاركتهم فيه فراح وموجه المتلاطم.
المملوك يخدم خدمة يقتفي فيها أثر والده، ويجري في تجميلها على أجمل عوائده، ويستفتح فيها استفتاحا تحفّ به من هنا ومن هنا تحف محامده، ويصف ولاء قد جعله الله أجمل عقوده وأكمل عقائده؛ ويشفعها بإخلاص قد جعله ميله أحسن وسائله وقلبه أزين وسائده؛ ويطلع علمه على أن من سجايا المتعرّضين إلى الإعلان بشكر الله تعالى في كلّ ما يعرض للمسلمين من نصر، ويفترض لهم من أجر غزو كم قعد عنه ملك فيما مضى من عصر؛ أن يقدروا هذه النعمة حقّ قدرها من التحدّث بنعمتها، والتنبيه بسماع نغمتها، وإرسال أعنّة الأقلام بها في ميادين الطّروس، وإدارة حرباء وصف حرّ حرب (؟) إلى مواجهة خير الشّموس.
ولما كانت غزوات مولانا السلطان ملك البسيطة الوالد خلّد الله سلطانه قد أصبحت ذكرى للبشر، ومواقفه للنصركم جاءت هي والقدر على قدر؛ وقد صارت سيرها وسيرها هذه شدو في الأسمار، وهذه جادّة تستطيب منها حسن الحدو السّفّار؛ فكم قاتلت من يليها من الكفّار، وكم جعلت من يواليها وهو منصورها منصورا بالمهاجرين والأنصار.
ولمّا أذلّ الله ببأسها طوائف التّتار في أقاصي بلاد العجم، وجعل حظّ قلوبهم الوجع من الخوف ونصيب وجوههم الوجم؛ وأخلى الله من نسورهم الأوكار ومن أسودهم الأجم، وقصّرت بهم هممهم حتّى صاروا يخافون الصّبح إذا هجم، والظّنّ إذا رجم؛ وصارت رؤية الدماء تفزعهم فلو احتاج أحدهم لتنقيص دم لمرض لأجنح من خوفه وما احتجم. وأباد الله الأرمن فحل بالنّبيل منهم الويل، وما شمّر أحد من الجنود الإسلاميّة عن ساعد إلا وشمّر هو من الذّلّ الذيل؛ ولا أثارت الجياد من الخيل عثيرا منعقدا إلا وظنّوه مساء قد أقبل أو ليل، وانتهت نوبة
(7/393)

القتل بهم والإسار إلى التكفور ليفون «1» ملك الأرمن الذي كان يحمي سرحهم، ويمرّد صرحهم، ويستنطق هتف التّتار ويسترجع صدحهم؛ وتعتزّ طرابلس الشام بأنّه خال ابرنسها «2» الكافر، ولسان شورته السّفير ووجه تدبيره السّافر. وطالما غرّ وأغرى، وأجرّ وأجرى وضرّ وأضرى؛ فلما توكّل مولانا السلطان وعزم فتوكّل، وتحقّق أنّ البلاء به قد نزل وما تشكّك أنّ ذلك في ذهن القدر قد تصوّر وتشكّل؛ وأنّ يومه في الفتك سيكون أعظم من أمنيّته، وأعظم منهما معاداة غده، وأنّ نصر الله لن يخلفه صادق وعده؛ أكل يده ندامة على ما فرّط في جنب الله وساق الحتف لنفسه بيده، فعمر الله بروحه الخبيثة الدّرك الأسفل من النار، وسقاه الحتف كأسا بعد كأس لم يكن لهما غير الملك من خمّار. وكانت طرابلس هي ضالّة الإسلام الشّريدة، وإحدى آبقاته «3» من الأعوام العديدة؛ وكلما مرّت شمخت بأنفها، وتأنّقت في تحسين منازه منازهها وتزيين ريحانها وعصفها «4» ، ومرّت وهي لا تغازل ملكا بطرفها، وكلّما تقادم عهدها تكثّرت بالأفواج والأمواج من بين يديها ومن خلفها إذ البحر لها جلباب والسّحاب لها خمار، وليس لها من البرّ إلا بمقدار ساحة الباب من الدار؛ كأنها في سيف ذلك البحر جبل قد انحطّ، أو ميل استواء قد خرج عن الخطّ، وما قصد أحد شطّها بنكاية إلّا شطّ واشتطّ.
قدّر الله تعالى أن صرف مولانا السلطان إليها العنان، وسبق جيشه إليها كلّ خبر و «ليس الخبر كالعيان» ، وجاءها بنفسه النفيسة والسعادة قد حرسته عيونها وتلك المخاوف كلّها أمان، وقد اتّخذ من إقدامه عليها خير حبائل ومن مفاجأته لها أمدّ عنان؛ وفي خدمته جنود لا تستبعد مفازه، وكم راحت
(7/394)

وغدت وفي نفسها للأعداء حزازه؛ فامتطوا بخيولهم من جبال لبنان تيجانا لها صاغتها الثّلوج، ومعارج لا مرافق بها غير الرياح الهوج؛ وانحطّت تلك الجيوش من تلك الجنادل، انحطاط الأجادل؛ واندفعوا في تلك الأوعار، اندفاع الأوعال؛ ولم يحفل أحد منهم بسرب لاصق، ولا جبل شاهق؛ فقال: أهذا منخفض أو عال، وشرعوا في التحصيل لما يوهي ذلك التحصين، وابتنى كلّ سورا أمام أسوارها من التدبير الحسن والرأي الرّصين؛ فما لبثوا إلا بمقدار ما قيل لهم دونكم والاختطاب، ونقل المجانيق على الخيل وعلى الرقاب؛ حتّى جرّوها بأسرع من جرّ النّفس، وأجروها على الأرض سفائن وكم قالوا: السّفينة لا تجري على يبس؛ وفي الحال نقلت إليها فرأوا من متوقّلها من يمشي بها على رجلين ومنهم من يمشي على أربع، ووجّهت سهامها وجوهها إلى منافذها فما شوهدت منها عين إلا وكان قدّامها منها إصبع؛ وألقيت العداوة بين الحجارة من المجانيق والحجارة من الأسوار، فكم ثقبت ونقبت عن فلذة كبدها، عن «1» وأوقدت نيران المكايد ثمّ فكم حولها من صافن ومن صافر، وكم رمتهم بشرر كالقصر فوقع الحافر كما يقال على الحافر؛ وما برحت سوق أهل الإيمان في نفاق، على أهل النّفاق، وأكابرهم تساق، أرواحهم الخبيثة إلى السّاق.
وكان أهل عكّا قد أنجدوهم من البحر بكل برّ، ورموا الإسلام بكل شرر وبكل شرّ؛ فصار السهم الذي يخرج بها لا يخرج إلا مقترنا بسهام، وشرفات ذلك الثغر كالثّنايا ولكنها لكثرة من بها لا تفترّ عن ابتسام.
وما زالت جنود الإسلام كذلك، ومولانا السلطان لا ترى جماعة مقدمة ولا متقدّمة إلا وهو يرى بين أولئك. واستمرّ ذلك من مستهلّ ربيع الأوّل إلى رابع ربيع الآخر، فزحف إليها في بكرة ذلك النهار وهو الثّلاثاء زحفا يقتحم كلّ هضبة ووهدة، وكلّ صلبة وصلدة؛ حتّى أنجز الله وعده، وفتحها المسلمون مجازا وفي
(7/395)

الحقيقة فتحها وحده؛ وطلعت سناجق الإسلام الصّفر على أسوارها، ودخلت عليهم من أقطارها، وجاست الكسابة إلى ديارها؛ فاحتازها مولانا السلطان لنفسه ملكا، وما كان يكون له في فتحها شريك وقد نفى عنها شركا؛ وكلّما قيل هذه طرابلس فتحت قال النصر لمن قتل فيها من النّجد الواصلة: وأكثر عكّا وأهل عكّا؛ وأعاد الله تعالى بها قوّة الكفر أنكاثا، فكان أخذها من مائة سنة وثمانين سنة في يوم ثلاثا، واستردّت في يوم الثّلاثا.
ولما عمّت هذه البشائر، وكل بها مولانا السلطان إلى من يستجلي حسان هذه العرائس، ويستحلي نفيس هذه النّفائس.
سيّر مولانا السلطان إلى المولى كلّ بشرى تقعقع بها البريد، لتتلى بأمره على كلّ من ألقى السمع وهو شهيد؛ وكما عمّ السرور بذلك كلّ قريب قصد أن يعمّ الهناء كلّ بعيد.
وأصدر المملوك هذه الخدمة يتجرّب بين يديه نجواها، ويتوثّب بعد هذه الفاتحة المباركة لكلّ سانحة يحسن لدى المولى مستقرّها ومثواها؛ لا برح المقام العالي يستبشر لكماة الإسلام بكلّ فضل وبكل نعمى، ويفرح بسرح الكفر إذا انتهك وبسفح الملك إذا يحمى، وبسمع الشّرك إذا يصمّ وبقلبه إذا يصمى؛ والله الموفق.
الجملة الثانية (في المكاتبات إلى عرب البحرين ومن انضاف إليهم)
قد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك في المقالة الثانية أنّ بلاد البحرين لم تزل بيد العرب، وأنها صارت الآن بيد بني عقيل- بضم العين- من بني عامر بن صعصعة، من هوازن، من قيس عيلان، من العدنانية. قال في «التعريف» : ومنهم قوم يصلون إلى باب السلطان وصول التّجّار، يجلبون جياد الخيل وكرام المهاري واللّؤلؤ وأمتعة من أمتعة العراق والهند، ويرجعون بأنواع الحباء والإنعام والقماش والسّكّر وغير ذلك؛ ويكتب لهم بالمسامحة فيردون
(7/396)

ويصدرون. قال: وبلادهم بلاد زرع وضرع، وبرّ وبحر، ولهم متاجر مربحة، وواصلهم إلى الهند لا ينقطع، وبلادهم ما بين العراق والحجاز، ولهم قصور مبنيّة، وآطام عليّة، وريف غير متّسع، إلى ما لهم من النّعم والماشية، والحاشية والغاشية؛ إلا أنّ الكلمة قد صارت بينهم شتّى، والجماعة متفرّقة. وقد سبق الكلام على بلادهم مستوفى في المقالة الثانية في الكلام على المسالك والممالك.
قال في «التعريف» : ورسم المكاتبة إلى كبرائهم «الساميّ» بالياء.
والعلامة الشريفة «أخوه» ثم ما دون ذلك لمن دونهم.
واعلم أنه في «التثقيف» قد جمع بين عرب البحرين وعرب البصرة وما والى ذلك، وجعل المكاتبة إليهم على ثلاث مراتب.
المرتبة الأولى- من يكتب إليه «الساميّ» بالياء والعلامة الاسم، وذكر أنّ بها يكاتب أميرهم، وسماه حينئذ «صدقة بن إبراهيم بن أبي دلف» وأن تعريفه فلان بن فلان. وذكر في رتبته في المكاتبة يومئذ محمد بن مانع، وأخوه حسين بن مانع، وعليّ بن منصور.
المرتبة الثانية- من يكتب إليه «الساميّ» بغير ياء والعلامة الاسم. وذكر منهم بدران بن مانع- روميّ بن أبي دلف- زين بن قاسم- يوسف بن قاسم، سعيد بن معدي- راشد بن مانع- عيسى بن عرفة- ظالم بن مجاشع- إسماعيل ابن صواري- كلبي بن ماجد بن بدران- مانع بن عليّ- مانع بن بدران.
المرتبة الثالثة- من يكتب إليه «مجلس الأمير» والعلامة الاسم. وعدّ منهم جماعة، وهم عظيم بن حسن بن مانع- موسى بن أبي الحسن- سعد بن مغامس- زيد بن مانع- هلال بن يحيى- معمر بن مانع- محمد بن خليفة.
قلت: وحاصل ما ذكره في «التعريف» و «التثقيف» أنّ جملة المكاتبة إليهم لا تجاوز المراتب الثلاث المذكورة، والكاتب يستخبر أخبارهم في المقدار، وينزل كلّ واحد منهم على قدر مرتبته من ذلك كما في الأسماء المتقدّمة الذكر.
(7/397)

المهيع الرابع (في المكاتبة إلى صاحب الهند والسّند)
وقد ذكر في «التعريف» أن صاحبه في زمانه كان اسمه أبا المجاهد محمد بن طغلقشاه «1» ثم قال: وهو أعظم ملوك الأرض شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، وبرّا وبحرا، وسهلا وقفرا؛ وأن سمته في بلاده «الإسكندر الثاني» ثم قال: وتالله إنه يستحقّ أن يسمّى بذلك ويوسم به: لاتّساع بلاده، وكثرة أعداده، وغزر أمداده؛ وشرف منابت أرضه، ووفور معادنه، وما تنبته أرضه، ويخرجه بحره. ويجبى إليه، ويرد من التّجّار عليه. وأهل بلاده أمم لا تحصى، وطوائف لا تعدّ. ثم حكى عن قوم ثقات منهم قاضي القضاة سراج الدين الهنديّ الحنفيّ، وهو يومئذ مدرّس البيدمريّة بالقاهرة، والتاج البزّي، والشيخ مبارك الأنبايتيّ: أن عسكر
(7/398)

هذا السلطان نحو التسعمائة ألف فارس، وعنده زهاء ألفي فيل يقاتل عليها، وخلق من العبيد تقاتل رجّالة مع سعة الملك والحال، وكثرة الدّخل والمال، وشرف النّفس والإباء، مع الاتّضاع للعلماء والصّلحاء؛ وكثرة الإنفاق، وعميم الإطلاق؛ ومعاملة الله تعالى بالصّدقة، وإخراج الكفاية للمرتزقة؛ بمرتّبات دائمة، وإدرارات متّصلة؛ بعد أن حكى عن رسوليه دميرخوان «1» وافتخار ما قال: إنه لو سكنت النفوس إلى براءتهما من التعصب [فيه] لحكى منه العجائب، وحدّث عنه بالغرائب؛ ثم ذكر أنه أرسل مرّة مالا برسم الحرمين وبيت المقدس، وهدية للسلطان تزيد على ألف ألف دينار؛ فقطع عليها الطريق باليمن، وقتل محضرها بأيدي مماليك صاحب اليمن، لأمر بيّت بليل؛ ثم قتل قاتلوه، وأخذ أهل اليمن المال وأكلوه؛ وكتب عن السلطان إلى صاحب اليمن في هذا كتاب منه «وقد عددت عليه فعلته» وقيل فيه: «وفعل ما لا يليق، وأمسى وهو يعدّ من الملوك فأصبح يعدّ من قطّاع الطريق» . وقد سبق في الكلام على المسالك والممالك من عظيم هذه المملكة وعظم قدر رجالها ما فيه كفاية عن الإعادة.
قال في «التعريف» : ورسم المكاتبة إليه رسم المكاتبة إلى القانات الكبار المقدّم ذكرهم، في هيئة الكتاب وما يكتب به والطّغراة والخطبة. وألقابه «المقام الأشرف، العالي، المولويّ، السلطانيّ، الأعظميّ، الشاهنشاهيّ، العالميّ، المجاهديّ، المرابطيّ، المثاغريّ، المظفّريّ، المؤيّديّ، المنصوريّ، إسكندر الزمان، سلطان الأوان، منبع الكرم والإحسان، المعفّي على ملوك آل ساسان، وبقايا أفراسياب وخاقان، ملك البسيطة، سلطان الإسلام، غياث الأنام؛ أوحد الملوك والسلاطين» ويدعى له. قال: ولم يكتب إليه في ذلك الوقت لقب ينسب إلى الخلافة نحو «خليل أمير المؤمنين» وما يجري هذا المجرى، إذ كان قد بلغنا أنه يربأ بنفسه إلى أن يدّعى الخلافة، ويرى له فضل الإنافة.
(7/399)

قلت: مقتضى ما ذكره في «التعريف» حيث قال: إن رسم المكاتبة إليه رسم المكاتبة إلى القانات الكبار في هيئة الكتاب وما يكتب به، والطّغراة والخطبة، أن المكاتبة إليه تفتتح بخطبة مبتدأة ب «الحمد لله» كما تقدّم في افتتاح المكاتبات إلى القانات. والذي ذكره في «التثقيف» أن المكاتبة إليه تكون في قطع البغداديّ الكامل بالذهب والأسود، كما جرت العادة به، يعني في كتب القانات، إلا أنه جعل رسم المكاتبة إليه: «أعزّ الله تعالى أنصار المقام، العالي، السلطانيّ، العالميّ، العادليّ، الملكيّ، الفلانيّ» . ثم قال: وهذه الألقاب سطران كاملان وبينهما بيت العلامة على العادة، وبعد السطرين المذكورين في الجانب الأيمن من غير بياض «أبو المجاهد محمد ابن السلطان طغلقشاه زيدت عظمته» . ولا يذكر لقبه. والدعاء، والعلامة «أخوه» . وتعريفه «صاحب الهند» . وقد رأيت تصويره في بعض الدساتير على هذه الصورة:
أعز الله تعالى أنصار المقام العالي بيت العلامة السلطانيّ، العالميّ، العادليّ، الملكيّ، الفلانيّ قال في «التعريف» : والعنوان جميعه بالذهب وهو سطران، وتعريفه «صاحب الهند» . وبقية الكتاب بالسواد والذهب أسوة القانات؛ وبه يشعر كلام «التعريف» فيما تقدّم.
وهذا دعاء معطوف وصدر يليق به، ذكره في «التعريف» وهو:
ولا زال سلطانه للأعداء مبيرا، وزمانه بما يقضي به من خلود ملكه خبيرا، وشأنه وإن عظم يتدفّق بحرا ويرسي ثبيرا «1» ، ومكانه- وإن جلّ أن يجلببه مسكيّ الليل- يملأ الأرجاء أرجا والوجود عبيرا، وإمكانه يستكين له الإسكندر خاضعا وإن جاز نعيما جمّا وملكا كبيرا، ولا برحت الملوك بولائه تتشّرف، وبآلائه
(7/400)

تتعرّف، وبما تطبع مهابته من البيض ببيض الهند في المهج تتصرّف. المملوك يخدم بدعاء يحلّق الله إلى أفقه، [ويحلّ العلياء والمجرّة في طرقه] «1» ، ويهدي منه ما يعتدل به التاج فوق مفرقة، ويعتدّ له النّجم ولا يثنيه إلّا وسادة تحت مرفقة؛ ويسمو إلى مقام جلاله ولا يسأم من دعاء الخير، ولا يملّ له إذا ملّت النجوم عن السّير؛ ولا يزال يصف ملكه المحمّديّ بأكثر مما وصف به الملك السليماني، وقد قال: وأوتينا من كلّ شيء، وعلّمنا منطق الطير.
قلت: وهذا الدعاء المعطوف مما يؤكد ابتداء المكاتبة بالدعاء، خلافا لما تقدّم أنه مقتضى تصوير كلامه في «التعريف» .
واعلم أنّ في هذه المكاتبة على ما ذكره في «التعريف» شيئين قد خالف فيهما قاعدة المكاتبات عن الأبواب السلطانية.
أحدهما- إتيانه في «التعريف» في ألقابه بالمولويّ. والثاني- قوله في الصدر المتقدّم الذكر «المملوك يخدم» . فقد ذكر صاحب «التعريف» في كتابه «عرف التعريف» «2» : أن السلطان لا يكتب عنه في العلامة «المملوك» وإنما خالف القاعدة في ذلك هنا تعظيما لمقام المكتوب إليه وإعلاء لرتبته، حيث قال في أوّل كلامه: إنه أعظم ملوك الأرض على ما تقدّم ذكره، فعبّر عن مقامه بما يليق به، وخاطبه بما يليق بخطابه، كما تقدّم أنه كان يكتب إلى أبواب الخلافة «المملوك» أو «الخادم ينتهب ثرى الأعتاب» أو «يقبّل الأرض» ونحو ذلك تعظيما لمحل الخلافة، لا سيما وقد تقدّم أن صاحب الهند حينئذ كان يدّعي الخلافة، إلا أنّ
(7/401)

نظام هذا الملك قد أختلّ ونقص عمّا كان بموت السلطان محمد بن طغلقشاه حين توفي، واستقر مكانه ابن خالته «1» فيروز شاه «2» ولعل المكاتبة التي ذكرها في «التثقيف» إنما رتّبت على حكم ما كان في أيّامه بعد»
ذكر المكاتبة المذكورة، بعد أن ذكر أنّ محمد بن طغلقشاه مات وقام فيروز شاه مقامه، إلا أنه مثل المكاتبة المذكورة بمحمد بن طغلقشاه، فاقتضى أن يكون هو المعنيّ بالمكاتبة. ثم تفرّقت المملكة بعد ذلك في سلطانين «4» ، فيما أخبرني به بعض أهل الهند؛ ثم تزايد نقصها بعد أن غزا «5» [ها] تمرلنك وغلب
(7/402)

عليها؛ ثم نزح عنها. وبكل حال فلا ينبغي أن يقصّر بصاحب الهند عن رتبة القانات. ولم أقف على نص مكاتبة كتب بها إلى صاحب الهند فأذكرها.
المقصد الثاني (من المصطلح المستقرّ عليه الحال من المكاتبات الصادرة عن ملوك الديار المصرية في المكاتبات إلى ملوك الغرب
، وفيه أربع جمل)
الجملة الأولى (في المكاتبات إلى صاحب أفريقيّة
، وهو صاحب تونس، وتنضم إليها بجاية وقسنطينة «1» تارة، وتنفرد عنها أخرى) وقد تقدّم في المقالة الثانية في الكلام على المسالك والممالك نقلا عن «التعريف» أنّ حدّ هذه المملكة غربا من جزائر بني مزغنّان «2» إلى عقبة برقة الفارقة بين طرابلس وبين برقة، وهي نهاية الحدّ الشرقي؛ ومن الشام البحر «3» ؛ ومن الجنوب آخر بلاد الجريد «4» والأرض السّوّاخة؛ إلى ما يقال إنه موقع المدينة
(7/403)

المسمّاة بمدينة النّحاس «1» ثم قال: وهو أجلّ ملوك الغرب مطلقا.
وقد تقدّم هناك أيضا ذكر حال مملكتها ومن ملكها جاهلية وإسلاما، وأنها كانت قبل الإسلام بيد البربر حين كان معهم جميع المغرب؛ ثم انتزعها منهم الرّوم والفرنج إلى أن انتهت حال الفتح الإسلاميّ إلى جرجيس «2» ملك الفرنج في جملة ممالك المغرب، ودار ملكه يومئذ سبيطلة «3» ، إلى أن فتحت في خلافة عثمان رضي الله عنه على يد عبد الله بن أبي «4» سرح، وتوالت عليها نوّاب الخلفاء، وصارت دار المملكة بها القيروان حتّى صارت منهم إلى [بني الأغلب] «5» ثم إلى العبيديين بني عبيد الله المهديّ؛ ثم الموحّدين أصحاب المهديّ بن تومرت، وهي بأيديهم إلى الآن، وهي مستقرّة الآن بيد الحفصيّين منهم، وهم يدّعون النسب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فيقولون: أبو حفص عمر بن يحيى بن محمد بن وانّود بن عليّ بن أحمد بن والّال بن إدريس بن خالد بن اليسع بن إلياس بن عمر بن وافتن بن محمد بن نجية بن كعب بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وباعتبار ذلك القائمون بها من بني أبي حفص يدّعون الخلافة، ويدعى القائم منهم في
(7/404)

بلاده بأمير المؤمنين، وربّما كاتبه بها بعض ملوك المغرب. قال في «التعريف» : ومن أهل النسب من ينكر ذلك، ويجعلهم تارة بنسب إلى عديّ بن كعب: رهط عمر بن الخطاب دون بني عمر. ومنهم من ينسبهم إلى هنتاتة «1» من قبائل البربر بالمغرب، وهي قبيلة عظيمة مشهورة.
وهي الآن (إلى حدود الثمانمائة) بيد السلطان أبي فارس عزّوز؛ وقد دوّخ البلاد وأظهر العدل ورفع منار الإسلام. وقد ذكر في «التعريف» أنّ السلطان بها في زمانه كان المتوكّل على الله أبو يحيى أبو بكر.
ورسم المكاتبة إليه فيما ذكره في «التعريف» أن يكتب بعد البسملة. «أما بعد حمد الله» بخطبة مختصرة في مقتضى الحال، ثم يقول فهذه المفاوضة، أو النجوى، أو المذاكرة، أو المطارحة، أو ما يجري مجرى ذلك، تهدي من طيب السلام (ومن هذا ومثله) إلى الحضرة الشريفة، العليّة، السنية، السريّة، العالميّة، العادليّة، الكامليّة، الأوحدية، حضرة الإمارة العدويّة، ومكان الإمامة القرشيّة، وبقية السّلالة الطاهرة الزكيّة، حضرة أمير المسلمين، وزعيم الموحّدين، والقائم في مصالح الدنيا والدين، السلطان السيّد الكبير، المجاهد، المؤيّد، المرابط، المثاغر، المظفّر المنصور، المتوكّل على ربه، والمجاهد في حبّه، والمناضل عن الإسلام بذبّه، فلان؛ ويدعى له بما يناسب مختصرا، ثم يذكر ما يليق بكرم الجدود.
صدر آخر- من «التعريف» أيضا:
(7/405)

صدرت إليه تهدي إليه من طيب السلام ما ترقّ في جانبه الغربيّ أصائله، ويروق فيما ينصبّ لديه من أنهار النّهار جداوله، ويحمله لكلّ غاد ورائح، وتجري به السّفن كالمدن والركائب الطّلائح «1» ؛ وتخصّ ذلك المقرّ منه بثناء يعزّ لأن ينيب لبعده الدار، ويستطلع ليل العراق به من فرق أفريقيّة النهار؛ وتحامي مصر عن جارتها الممنّعة، وتفخر بجاريتها الشمس التي لا ترى في أفقها إلا مبرقعة.
ولم يذكر في «التعريف» قطع الورق، ولا العنوان، والخاتمة، والعلامة، وما في معنى ذلك. والذي ذكره في «التثقيف» أنّ رسم المكاتبة إليه في قطع بحيث يكون تحتها سواء في الجانب الأيمن من غير بياض ما مثاله «عبد الله ووليّه» ثم يخلّى مقدار بيت العلامة؛ ثم تكتب الألقاب الشريفة من أوّل السطر مسامتا للبسملة. وهي «السلطان، الأعظم، المالك، الملك، الفلانيّ، السيد، الأجلّ، العالم، العادل، المؤيّد، المجاهد، المرابط، المثاغر، المظفّر، الشاهنشاه- وهذه تختصر غالبا- ناصر الدّنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والتّرك؛ فاتح الأقطار، مانح الممالك والأقاليم والأمصار، إسكندر الزّمان، مولي الإحسان، جامع كلمة الإيمان، مملّك أصحاب المنابر والتّخوت والتّيجان، ملك البحرين، مسلّك سبيل القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، ظلّ الله في أرضه، القائم بسنّته وفرضه؛ سلطان البسيطة، مؤمّن الأرض المحيطة؛ سيد الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين، أبو فلان فلان، ابن الملك الفلاني فلان الدين والدنيا» ويرفع في نسبه إلى منتهاه «خلّد الله سلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه. ويجتهد أن يكون «وأعوانه» آخر السطر أو قريبا
(7/406)

من آخره. قال: والواجب بدل وليّ أمير المؤمنين قسيم أمير المؤمنين؛ ثم يقول:
يخصّ الحضرة العالية، السّنيّة، الشّريفة، الميمونة، المنصورة، المصونة؛ حضرة الأمير العالم، العادل، العابد، المؤيّد، الأوحد، فلان؛ ذخر الإسلام والمسلمين، عدّة الدنيا والدّين، ناصر الغزاة والمجاهدين، سيف جماعة الشاكرين، صلاح الدول، والدعاء بإهداء السلام والشكر. ثم بعد حمد الله بخطبة مختصرة جدّا، فإنا نوضّح لعلمه الكريم؛ وتعريفه «صاحب تونس» .
قلت: وخطابه بالإخاء.
وهذه نسخة كتاب كتب بها عن الظاهر «برقوق» «1» من إنشاء علاء الدين، وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم:
من عبد الله ووليّه.
السلطان الأعظم المالك، الملك الظاهر، الأجلّ العالم العادل، المجاهد المرابط، المثاغر المؤيّد، المظفّر، سيف الدّنيا والدّين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، قامع الخوارج والمتمرّدين؛ وارث الملك، ملك ملوك العرب والعجم والتّرك، مبيد الطّغاة والبغاة والكفّار، مملّك الممالك والأقاليم والأمصار، إسكندر الزمان، ناشر لواء العدل والإحسان، مليك أصحاب المنابر والأسرّة والتّخوت والتّيجان، مالك البحرين، صاحب سبل القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، ظلّ الله في أرضه، القائم بسنّته وفرضه، سلطان البسيطة، مؤمّن الأرض المحيطة، سيد الملوك والسلاطين، قسيم أمير المؤمنين؛ «أبي سعيد برقوق» خلد الله سلطانه، ونصر جنوده وأعوانه، وأفاض على العباد والبلاد جوده وإحسانه؛ تحية تتأرّج نفحا، وتتبلّج صبحا، وتطوي بعرفها نشر الخزامى، وتعيد ميّت الأشواق حيّا إذا ما؛
(7/407)

تخصّ الحضرة العلية، السنيّة السريّة، المظفّرة الميمونة، المنصورة المصونة؛ حضرة الأمير العالم، العادل، المجاهد، المؤيّد، الأوحد، ذخر الإسلام والمسلمين، عدّة الدنيا والدين، قدوة الموحّدين، ناصر الغزاة والمجاهدين، سيف جماعة الشاكرين، صلاح الدول، المتوكّل على الله أحمد، ابن مولانا الأمير أبي عبد الله محمد، ابن مولانا أمير المؤمنين أبي يحيى أبي بكر، ابن الأمراء الراشدين، أعزّ الله دولته وأذلّ عداته، وأنجز من صعود أوليائه وسعود آلائه صادق عداته.
بعد حمد الله جامع الشمل بعد تفريقه، راتق خلل الملك عند تمزيقه، والشهادة بأن لا إله إلّا هو مبيد الباطل بحقّ سرّه وسرّ تحقيقه؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله موضّح سبيل التوكّل على الله وطريقه. وإهداء سلام ما الزّهر بأعبق من فتيقه «1» ، وثناء ما الروض بأعطر من خلوقه؛ فإننا نوضّح لعلمه الكريم أنّ كتابه الكريم ورد ورود السّنة على الجفن الساهر، أو المزنة على الروض الزّاهر؛ أو الزّلال على الأوام «2» ؛ أو البرء على السّقام؛ فمددنا إليه يد القبول، وارتحنا له ارتياح الشمائل إلى الشّمول «3» ، وملنا إلى مفاكهته ميل الغصون إلى الرّياح، وامتزجنا بمصافاته امتزاج الماء بالراح؛ وفضضنا ختامه عن فضّيّ كلامه، وذهبنا إلى ذهبيّ نثاره ونظامه؛ وتأمّلناه تأمّلا كلّ نظر عبده وخادمه، ووقفنا عليه وقوف شحيح ضاع في التّرب خاتمه؛ ونظمنا جواهر اعتباره في قلائد الأفكار، وصبونا إلى اختباره كما صبت النفوس إلى الادّكار؛ وفتحنا له جهد الطاقة بابا من المحبة لم يغلق، ونقسم بمن خلق الإنسان من علق أنّها بغير قلوبنا لم تعلق؛ فإذا سطوره جنود مصطفّة، أو قيان بها الحسان محتفّة؛ وإذا رقمه طراز حلّة، أو عقد شدّه البنان وحلّه؛ وإذا لفظه قد رقّ وراق، ومرّ بالأسماع فملأ
(7/408)

بحلاوته الأوراق؛ وإذا معناه ألطف من النّسيم الساري، وأعذب مذاقا من الماء الجاري؛ وإذا سجعه يفوق سجع الحمائم، ويزري بالرّوض الضاحك لبكاء الغمائم؛ وإذا سلامه قد حيّته الأزاهر، وطوى بعرفه نشر الروض الزّاهر؛ وإذا هناؤه قد ملك عنان التّهاني، واستمطر عنان الأمان من سماء الأماني؛ فعبّر لنا لفظ عبيره عن معنى المحبّة، وقرّب شاسع الذّكر وإن بعد المدى بين الأحبّة؛ وأقام شاهد الإخاء على دعوى الإخلاص فقبلناه، ونادى مطيع المودّة فاستجبنا له ولبّيناه؛ سقيا له من كتاب غذّي بلبان الفصاحة، وجرى جواد التماحه من مضمار الملاحة؛ لا عيب فيه، سوى بلاغة فيه، ولا نقص يعتريه، سوى كمال باريه؛ لعمري لقد فاق الأواخر والأوائل، فما أجدر كلامه بقول القائل:
وكلام كدمع صبّ غريب ... رقّ حتّى الهواء يكثف عنده!
راق لفظا ورقّ معنى فأضحى ... كلّ سحر من البلاغة عبده!
لله درّه من كتاب حلب درّ الأفراح، وجدّد من أثواب المسرّة ما كان قد أخلقته يد الأتراح؛ فهمنا معناه فهمنا، وشرحنا متن فحواه فانشرحنا؛ وعلمنا ما اتّصل بسماعكم من خبرنا العجيب، وحديث أمرنا القديم الغريب، الذي أظهر فينا لله أسرارا، وكتب لنا منه عناية كبت بها أشرارا؛ جلّ جلاله خافض رافع، معل بحكمته واضع؛ سبحانه أوجد بعد العدم وأنسى ثم أنشأ، قل اللهمّ مالك الملك تؤتي الملك من تشا؛ كسر وجبر، وقرن المبتدأ بالخبر؛ وهب ما كان سلب، وجعل لصبرنا حسن المنقلب؛ أعادنا إلى الملك مع كثرة الأعداء وقلّة الأنصار، وأظهرنا بعد الخفاء فاعتبروا يا أولي الأبصار؛ وأبرز إبريزنا بعد السّبك خالصا يروق الناظر، ويفوق برونقه وجه الروض الناضر؛ فاعلموا أنّ لله في ذلك سرّا خفيّا، لم يزل ببركة رسوله صلّى الله عليه وسلّم بنا حفيّا؛ قمتم لنا فيه بواجب الهنا، وأحاط بنا طولكم الطويل من هاهنا وهاهنا؛ فاستجلينا من كتابكم عرائس بشراه، وحمدنا عند صباح طرسه ليل مسراه؛ وشكرنا له هذه الأيادي التي تقصر عنها الأيدي المتطاولة، وثنينا إليكم عنان الثناء الذي فاق بمخايله الروض الأريض وخمائله.
(7/409)

ولمّا تمثل إلينا رسولكم المكرّم، وصاحبكم الكامل المعظّم، ذو الأصل الطاهر، والنسب الباهر؛ والرأي السّديد، والبأس الشديد، فلان: لا زال عليّ مقامه حسنا، وجفن علمه لا يبعث الجهل عليه وسنا؛ فأبدى إلينا ما في وطابه، وأثلج الصّدور بحكمة فضله وفصل خطابه، وأخذ يجاذبنا عنكم أطراف الأحاديث الطيّبة، ويرسل علينا من سماء محبّتكم مزنها الصّيّبة؛ وأطربنا بسماع أخباركم، ونصر أعوانكم وأنصاركم؛ ونبّه على ما أودعه كتابكم، وتضمّنه من النّصرة خطابكم؛ ودوس جنودكم جزيرة «غودش» وعودهم بالمنّ والمنح، وتلاوتهم عند الانتصار إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
«1» وقفولهم متفيّئين من الجهاد بظلّه، فرحين بما آتاهم الله من فضله، بعد أن نعقت منهم على الكفّار الغربان، واقتنصت الرجال آجالهم اقتناص العقبان، وجاءتهم كالجبال الرّواسي، وظفرت بهم أظافير الرّماة ومخالب المراسي، وغنّت عليهم أوتار القسيّ فأرقصت رؤوسهم على الضّرب، وسقتهم كؤوس الرّدى مترعة ونعم هذا الشّرب لأولئك الشّرب، وأعادت المسلمين بالغنائم إلى الأوطان بعد نيل الأوطار، وبشّرت الخواطر بما أقرّ العيون من النّجاح والنّجاة من الأخطار؛ هذا والعدوّ الملقي السّلم «2» عند الجهاد، جيء بهم مقرّنين في الأصفاد؛ يا لها غزاة أشرق نورها كالغزالة، وأشرق يوم إسلامها على ليل الكفر فأزاله، وتولّد منها الجهاد فلا يرى بعدها إن شاء الله عقيما، وتلا لسان الشّوق إليه يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً
«3» . لا زالت رقاب الأعداء لأسيافكم قرابا، وغزواتكم الصالحة تنيلكم من الله أجرا وثوابا.
ولما عرضت علينا من جودكم عند العشيّ الصافنات الجياد، وحلّينا منها بقلائد منّها الأجياد، نقسم لقد حيّرتنا، ألوانها إذ خيّرتنا.
(7/410)

فمن أشهب- كأنّ الشّهب له قنيصه «1» ، أو الصّباح ألبسه قميصه؛ أو كأنما قلب من اللّجين في قالب البياض، وسقي سواد أحداقه أقداح الرّباحة من غير حياض.
ومن أدهم- كأن النّقس «2» لمسه «3» في مداده، أو الطرف أمدّ طرفه بسواده؛ أو كأنما تقمّص إهاب الليل، لمّا طلع عليه فجر غرّته فولّى مشمّر الذيل.
ومن احمر- كأنما صيغ من الذهب، أو كوّن من النار واللهب؛ أو كأنّ الشّفق ألقى عليه قميصه ثم أشفق، أو الشّقيق أجرى عليه دمعه دما وجيبه شقّق.
ومن أشقر- كأنما ألبس ثوب الأصيل، وبشّر السريّة يمن طلعته بالنصر والتحصيل؛ أو كأنّ النّضار «4» كساه حلّة العشّاق، وقد ادّرعوا بأسواق المحبّة مطارف الأشواق.
ومن أخضر- كأنما تلّفّع من الروض الأريض بأوراقه، أو صبغ بالعذار المخضرّ وقد شقّت عليه مرائر عشّاقه؛ أو كأنّما الزّمرّد تلوينه، أو من شارب الشادن تكوينه؛ كلّ بطرف منها يسبق الطّرف، ويروق الناظر بالحسن الناضر والظّرف؛ تقام به حجّة الإعراض وهو باعتراف ممتطية قادرملي، وينصب إلى الإدراك حسن السير كجلمود صخر حطّة السّيل من علي- فأسرجنا «5» لها جود القبول، وامتطينا منها صهوة كلّ مأمول؛ وأعددناها مراكب للمواكب، ولليل المهمّات الواقعة بدورا وكواكب؛ وأطلقنا أعنّة شكرها في ميادين المحامد، وطفقنا نرجّع ذكرها بين شاكر وحامد.
(7/411)

(مكاتبة وزير تونس) رأيت في الدستور المنسوب للمقرّ العلائيّ بن فضل الله أنه كتب إلى أبي عبد الله بن بعلاص.
صدرت هذه المكاتبة إلى «1» الشّيخيّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الأوحديّ، الأكمليّ، الأرشدي، الأمجديّ، الأثيريّ، البليغيّ، الفلاني، مجد الإسلام، بهاء الأنام، شرف الفضلاء، زين العلماء، نجل الأكابر، أوحد الأعيان، بركة الدّولة، صفوة الملوك والسلاطين؛ (ويدعى له بما يناسبه) . وتوضّح لعلمه المبارك كيت وكيت؛ ولم يذكر قطع الورق ولا العلامة ولا التعريف. والذي يظهر أنّ قطع الورق العادة، والعلامة «أخوه» . والتعريف «وزير تونس» .
الجملة الثانية (في مكاتبة صاحب الغرب الأوسط، وهو صاحب تلمسان)
وقد تقدّم في المقالة الثانية في الكلام على المسالك والممالك الكلام على هذه المملكة ومن ملكها جاهليّة وإسلاما؛ وهي الآن بيد بني عبد الواد من زناتة من قبائل البربر- والقائم بها الآن منهم إلى حدود الثمانمائة من الهجرة هو السلطان أبو زيّان «2» ، ابن السلطان أبي حمو: موسى بن يوسف، بن عبد الرحمن، بن يحيى، ابن يغمراسن، بن زيّان، بن ثابت، بن محمد، بن ركدار «3» ، بن
(7/412)

تيدوكس، بن طاع الله، بن عليّ، بن القاسم، بن عبد الواد.
قلت: وذكر هذه المملكة في «مسالك الأبصار» مضافة إلى مملكة فاس:
لانضمامها حينئذ إليها في مملكة السلطان أبي الحسن المرينيّ: صاحب فاس في زمانه، ولذلك لم يذكر لصاحبها مكاتبة في «التعريف» . على أنّي رأيت من صاحبها موسى بن يغمراسن مكاتبة إلى الناصر «محمد بن قلاوون» صاحب مصر. وسيأتي إيرادها في جملة المكاتبات الواردة إلى هذه المملكة. وذكر صاحب «التثقيف» أن صاحبها في زمانه في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين» أي سلطانها يومئذ أبو حفص عمر بن أبي عمران موسى، وأن المكاتبة إليه مثل المكاتبة إلى صاحب تونس المقدّم ذكره على السواء. وذكر أنه كتب ذلك إليه ورأى جماعة كتّاب الإنشاء يكتبونه، وكذلك رأيته في الدّستور المنسوب إلى المقرّ العلائي بن فضل الله، ولم أظفر بصورة مكاتبة فأذكرها.
الجملة الثالثة (في المكاتبة إلى صاحب الغرب الأقصى)
وهو صاحب فاس، وتعرف مملكته ببرّ العدوة. وقد تقدّم الكلام على مملكتها وأحوالها ومن ملكها جاهليّة وإسلاما في المقالة الثانية في الكلام على المسالك والممالك، وأنها الآن بيد بني عبد الحق من بني مرين من زناتة من قبائل البربر، وأنها الآن بيد السلطان أبي فارس عثمان، ابن السلطان أبي العبّاس أحمد، ابن السلطان أبي سالم إبراهيم، ابن السلطان أبي الحسن عليّ، ابن السلطان أبي سعيد عثمان، ابن السلطان أبي يوسف يعقوب، بن عبد الحق، بن محيو، بن أبي بكر، بن حمامة، بن محمد، بن ورصيص «1» ، بن فكّوس، بن كوماط، بن مرين، بن ورتاجن، بن ماخوخ، بن وحريج «2» ، بن قاتن، بن
(7/413)

بدر، بن نجفت، بن عبد الله، بن ورتبيص، بن المعز، بن إبراهيم، بن رجيك، بن واشين، بن بصلتن، بن شرا»
، بن أكيا، بن ورشيك، بن أديدت، بن جانا، وهو زناتة.
وقد ذكر في «التعريف» أن السلطنة فيهم في زمانه في الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون» صاحب مصر كانت في السلطان أبي الحسن عليّ بن عثمان المقدّم ذكره. ثم قال: وورث هذا السلطان ملك العزفيين بسبتة، وملك بنى عبد الواد بتلمسان، وأطاعه ملك الأندلس، ودان له ملك أفريقيّة، وعرض عليه ابنته فتزوّجها، فساقها إليه سوق الأمة. ثم قال: وبنو مرين رجال الوغى وناسها، وأبطال الحرب وأحلاسها «2» ؛ وهم يفخرون بغزارة علمه وفضل تقواه.
قال: وهو اليوم ملك ملوك الغرب، وموقد نار الحرب.
ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التعريف» بعد البسملة:
من السلطان الأعظم الملك الفلانيّ، إلى آخر الألقاب المذكورة في المكاتبة لصاحب تونس، إلى قوله ونصر جيوشه وجنوده وأعوانه. ثم يقول: تحيّة بفتتح بها الخطاب، ويقدّم منها ما زكا وطاب؛ وتقال هنا سجعات مختصرة نحو أربع أو خمس، يخصّ بها الحضرة الشريفة العلية، الطاهرة الزكيّة، حضرة المقام العالي، السلطان، السيد، الأجلّ، العالم، العادل، المجاهد، المرابط، المثاغر، المؤيّد، المظفّر، المنصور، الأسرى، الأسنى، الزّكيّ، الأتقى، [المجاهد في الله] «3» المؤيّد على أعداء الله؛ أمير المسلمين، قائد الموحّدين، مجهّز الغزاة والمجاهدين، مجنّد الجنود، عاقد البنود، ماليء صدور البراري والبحار، مزعزع أسرّة الكفّار، مؤيّد السنة، معزّ الملة، شرف الملوك والسلاطين، بقيّة السّلف الكريم، والحسب الصّميم، ربيب الملك القديم، أبي
(7/414)

فلان فلان بن فلان. ويرفع نسبه إلى عبد الحق وهو أوّل نسبه. ويقال في كل منهم: أمير المسلمين أبي فلان فلان؛ ثم يدعى له: نحو أعز الله أنصاره أو سلطانه وغير ذلك من الأدعية الملوكية بدعاء مطوّل مفخّم. ثم يقال: أما بعد حمد الله، ويخطب خطبة مختصرة. ثم يقال: أصدرت إليه، وسيّرت لتعرض عليه، لتهدي إليه من السلام كذا وكذا. ثم يقال: ومما تبديه كذا وكذا.
صدر: يليق بهذه المكاتبة- تهدي إليه من السلام ما يطلع عليه نهاره المشرق من مشرقه، ويحييه به الهلال الطالع من جانبه الغربيّ على أفقه؛ وتصف شوقا أقام بين جفنيه والكرى الحرب، وودادا يملأ برسله كلّ بحر ويأتي بكل ضرب، وثناء يستروح بنسيمه وإن كان لا يستروح إلا بما يهبّ من الغرب؛ مقدّمة شكرا لما يبهر من عزماته التي أعزّت الدين، وغزت الملحدين؛ وحلّقت على من جاورها من الكفّار [تحليق] «1» صقور الرجال على مسفّة الغربان، وتقيم عند الشجاع عذر الجبان؛ وتبيّن آثارها في أعناق الأعداء وللسّيوف آثار بيان؛ وإن كان فعله أكثر مما طارت به الأخبار، وطافت به مخلّقات البشائر في الأقطار؛ وسار به الحجيج تعرف آثاره عرفات، وصارت تستعلم أخباره وتندب قبل زمانه ما فات.
والذي ذكره في «التثقيف» أنه كان السلطان في زمانه في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون» عبد العزيز بن أبي الحسن عليّ المقدّم ذكره؛ وذكر أنّ المكاتبة إليه في قطع النّصف، وأنه يكتب تحت البسملة في الجانب الأيمن من غير بياض ما مثاله «عبد الله ووليّه» ثم يخلّى بيت العلامة؛ ثم تكتب الألقاب السلطانية في أوّل السطر مسامتا للبسملة «السلطان الأعظم الملك الفلاني» إلى آخر الألقاب السلطانية المذكورة في المكاتبة إلى صاحب تونس، إلى قوله: ونصر جيوشه وأعوانه. ثم يقول: تخصّ المقام العالي، السلطان، الملك، الأجلّ، الكبير، المجاهد، المعاضد، المرابط، المثاغر، المكرّم،
(7/415)

المعظّم، المظفّر، الموقّر، المؤيّد، المسدّد، الأسعد، الأصعد، الأرشد، الأنجد، الأوحد، الأمجد، البهيّ، الزّكيّ، السّنيّ، السّريّ، فلان، أمير المسلمين ابن أبي فلان فلان، إلى عبد الحق المريني. والدعاء بما يناسب ذلك المقام؛ ثم أمّا بعد حمد الله، بخطبة لطيفة، فإنا نفاوض علمه الكريم ونحو ذلك. وأكثر مخاطبته بالإخاء وتختم بالدعاء، والعلامة «أخوه» وتعريفه «ملك الغرب» . وفي الدستور العلائيّ أنّ الطلب منه بالمستمدّ، ويختم باستعراض الحوائج والخدم مكمّلا بالدعاء.
وهذه نسخة كتاب من الملك الناصر «محمد بن قلاوون» إلى السلطان أبي الحسن المرينيّ، في جواب كتاب ورد عليه منه وهي:
عبد الله ووليّه، السلطان الملك الناصر، ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، مؤمّن أولياء الله المؤمنين، ظلّ الله الممدود، وميسّر السّبل للوفود، حامي القبلتين بحسامه من أهل الجحود، وخادم الحرمين الشريفين متّبعا للسنة الإبراهيمية في تطهير بيت الله للطائفين والعاكفين والرّكّع السّجود، والقائم بمصالح أشرف روضة وطيّبة يعطّر طيبها في الوجود؛ وليّ أمير المؤمنين جمع الله به كلمة الإسلام بعد الافتراق، وقمع برعبه أهل العناد والشّقاق؛ وأوزعه شكر نعم الله التي ألّفت على ولائه قلوب ملوك الآفاق، وأمتعه بها منحة صيّرت له الملك بالإرث والاستحقاق، وسيّرت كواكب مناقبه فلها بالمغارب إضاءة وبالمشارق إشراق. ابن السلطان السعيد الشهيد الملك المنصور، سيف الدنيا والدين، سقى الله عهده عهاد الرحمة ذوات إغراق، وأبقى مجده بمحمّده الذي للأمة المحمدية على تعظيمه إجماع وعلى تقديمه اتّفاق؛ يخصّ المقام العالى، الملك الأجلّ الكبير، المجير، العاضد، المثاغر، المظاهر، الفائز، الحائز، المنصور، المأثور، الفاتح، الصّالح، الأمكن، الأصون، الأشرف، الأعرف، الكريم، المعظّم، أبا الحسن عليّا أمير المسلمين، ابن السلطان السعيد، الحميد، الطاهر، الفاخر، الماهد، الزاهد، الأورع، الأروع، أمير المسلمين، أبي سعيد عثمان، ابن السلطان، السعيد، الرّشيد،
(7/416)

السابق، الوامق، الجامع، الصادع، أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، ناظم مفرّق الفخار، وهازم فرق الفجّار، والملازم لإحياء سنّة الجهاد المتروكة في الأقطار، حتّى يجمع في ملكه أطراف الغرب الأقصى للاستيلاء والاستظهار، ويخضع لفتكه كلّ متكبّر جبّار، ويرصّع في سلكه ما تأبّى وصعب من تلك الديار، ويرفع لنسكه أعمالا من الجهاد والاجتهاد تسرّ الحفظة الأبرار، يظهر فيها لبركة الاسم العلويّ من نشر الهدى، وقهر العداء، أوضح الأدلّة وأبين الآثار، ويؤثر سلطاننا المحمديّ من عليّ عزمه، وحميّ حزمه، بأعزّ الأعوان والأنصار، فتظفر دار الإسلام من قومه بمهاجرين من أبناء البلاد يقرّ لهم بأمّ القرى قرار، ويسير سواهم للبيت ذي الحجر والحجر «1» والباب والميزاب والملتزم والجدار والأستار، بسلام مشرق الغرر، مونق الحبر، وثناء مع ريّاه لا يعبأ بالعبير مع نشره ولا يعتبر، ووداد مخفيّ الخبر، واعتداد يطول منه ألسنة الشكر عن إحصائه واستقصائه قصر، وإيراد لمفاخره التي سارت بها الأخبار والسّير، واعتقاد لمآثره التي سبق عثمانها إلى إحراز مزايا الفضل وجاء عليّها على الأثر.
أما بعد حمد الله الذي أمر أولياءه المؤمنين بالمعاونة والمظافرة، ونهى عباده الصالحين عن المباينة والمنافرة، ورعى لحجّاج بيته حرمة القصد وكتب لهم أجر المهاجرة، ودعا إلى حرمه، من أهّله من خدمه، فأجابه بالتلبية وأثابه وآجره.
والشهادة له بالوحدانيّة التي تسعد بمصاحبة المصابرة، وتصعد إلى الدرجات الفاخرة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ذي المناقب الباهرة، والمواهب الزّاخرة، والمراتب التي منها النّبوّة والرسالة في الدنيا والوسيلة والشفاعة في الآخرة، وعلى آله وصحبه الذين أفنى الله الشرك بصوارمهم الحاصدة وأدنى القتل بعزائمهم الحاضرة، صلاة إلى مظانّ الرّضوان متواترة، ما ربحت وفود مكة البركة الوافرة، ووضحت لقاصدي الكعبة البيت الحرام أوجه القبول سافرة.
(7/417)

فإنه ورد- أورد الله تعالى البشرى على سمعه، وأيّد اهتمامه بتأليف شمل السّعد وجمعه- من جانبه المكرّم ومعهده وربعه، كتاب كريم نسبه، فخيم أدبه، عليّ منصبه، مليّ إذا أخلف السّحاب بما يهبه، سريّ سرت إلى بيت الله وحرم رسوله القريب قربه، على يد رسوله: الشيخ الأمين الأزكى، الأروع الأتقى؛ الخطيب البليغ، المدرّس، المفيد أبي إسحاق ابن الشيخ الصالح أبي زيد، عبد الرحمن بن أبي يحيى، نفع الله به، وحاجبه الكبير المختار، المرتضى، الأعزّ، أبي زيّان عريف ابن الشيخ المرحوم أبي زكريّا، أيده الله تعالى، وكاتبه الأمجد الأسعد أبي الفضل ابن الفقيه المكرّم أبي عبد الله بن أبي مدين، وفقه الله تعالى وسدّده، ومن معهم من الخاصّة والزعماء والفرسان الماثلين في خدمة الجهة المصونة بلّغها الله أربها، وقبل قربها، الواصلة بركبكم المبارك الرّواح والمغدى، المعان على إكمال فرض الحج المؤدّى، المرحولين بحمد العقبى كما حمد المبدأ؛ ففضضنا ختامه الذّكيّ، وأفضنا في حديث شكره الزّكي، وعرضنا منه بحضرتنا روضا يانع الروض به محكيّ، وحضضنا نوّابنا على إعانة خاصّة وفده وعامتهم على قضاء النّسك بذلك الحرم المكّيّ، وتلمّحنا فصوله الميمونة فإذا هي مقصورات على مثوبات محضة، ورغبات تؤدّي من الحج فرضه، وهبات يعامل بها من يضاعف أجره ويوفّيه قرضه، وقربات يحمد فاعلها يوم قيام الأشهاد نشره وحشره وعرضه.
فأمّا ما ذكره من ورود الكتابين الواصلين إلى حضرته صحبة الشيخين الأجلّين «أبي محمد عبد الله بن صالح، والحاج محمد بن أبي لمحان» وأنه أمضى حكمهما، وأجرى رسمهما، فقد آثرنا للأجر حوزه، واخترنا بالشّكر فوزه، وقصدنا بهما تجديد جلباب الوداد، وتأكيد أسباب الولاء على البعاد؛ وإلا فمع وجود إنصافه الحقوق من غاصبها تستعاد، والوثوق بنصره للمظلوم وقهره للظالم لا يختلف فيه اعتقاد؛ وقد شكرنا لكم ذلك الاحتفال، وآثرنا حمدكم في المحافل والمحال.
وأما ما نعته مما أشرتم إليه مما يتعيّن له التقديم، ويستحقّ توفية حقه من
(7/418)

تكرير التكريم، وهو تجهيز ركبكم المحروس في السّرى والمقام، في خدمة من يقوم مقام الوالدة المرحومة في الاحترام، سقى الله صوب الرحمة صفيحها، ورقّى إلى الغرفات روحها، ومعها وجوه دولتكم الغرّ، وأعيان مملكتكم من سراة بني مرين الذين تبهج مرائيهم وتسر؛ وما نبهتم عليه من ارتفاع شأنهم، واجتماع فرسانهم، واستيداع أمانتنا نفائس أنفسهم وأديانهم، فقد استقبلناهم على بعد بالإكرام، وأحللناهم من القرب في أعلى مقام، وصرفنا إلى تلقائهم وجه الإقبال والاهتمام، وعرّفنا حقّهم أهل الإسلام، ونشرنا لهم بفنائنا الأعلام، ويسّرنا لهم باعتنائنا كلّ مرام، وأمرنا بتسهيل طريقهم، وتوصيل البرّ لفريقهم، وأسدلنا الخلع على جميعهم، واحتفلنا بهم في قدومهم ومقامهم وتشييعهم، وأجزلنا لهم أقسام الإنعام في توجيههم، وكذلك يكون في رجوعهم؛ وعرضوا بين أيدينا ما أصحبتهم من الطّرف والهدايا، التي لا تحملها ظهور البحار فكيف ظهور المطايا، من عقود منظّمة، وبرود مسهّمة «1» ، ومطارف معلمه، ولطائف بالإمكان والإتقان معلمه، وصنائع محكمة، وبدائع للأفهام مفحمة، وذخائر معظّمة، وضرائر للشموس في الكون والسّمة، وبواتر تفرّق بين الهام والأجسام والهام ملحمة، وأخاير بمقدار مهديها في الجلال مفهمة، وخيول مسوّمة بالأهلّة مسرجة وبالنّجوم ملجمة، معوّدة نزال الأبطال معلّمة، ذوات صدور مبقورة وأكفال مسلّمة، تسحب من الحرير أذيالا، وتصحب من الوشي سربالا، وتميس بحللها وحلاها عجبا واختيالا، ويقيس مشبّهها سرعتها بالبرق فلا يتغالى، عاتيات الأجسام، عاليات كالآكام، لفحولها صهيل يذعر الأسود، ولسنابكها وقع يفطر الجلمود، أتعبت الرّوّاض، وركبت منها صهوة كلّ بحر سابح حيث لجج الموت تخاض؛ وقرنت مرابطها بحماية جواهر النّفوس من الأعراض، وجنيبة «2» تجرّ من ذيولها كل فضّاض؛ وحسبت لاختلاف شياتها «3» كأنها قطع الرّياض: من شهب كأنما ارتدت الأقاح،
(7/419)

أو غدت رافلة في حلل الإصباح؛ ودهم نفضت عليها الليالي صبغها فلا براح، وربما أغفلت من ذلك غرر وأوضاح؛ وكمت كأنّها فتح «1» صلب البطاح، تطير إلى الظّفر بجناح؛ وحمر كأنها خلقت للنّجاح، وأطلقت أعنّتها فقالت ألسنة أسنّتها للطّرائد: لا براح؛ وخضر كأنها البزاة الموشّاة الوشاح، أو مشيب في الشّباب قد لاح؛ وشقر تكبو في طلبها الرّياح، وتخبو نار البرق إذا أمسى بسنا سنابكها اقتداح.
ووراءها البغال، التي تحمل الأثقال، ولا تزلّ في الأوحال بحال؛ وعليها الزّنّاريّات الموشعة، وحليها الجلال الملمّعة؛ وهي تمشي رويدا، وتبدي قوّة وأيدا «2» ؛ كأن قلامتها قناه عيدا (؟) وهي وافرة الأمداد، فاخرة على الجياد، باهرة العدد متكاثرة الأعداد، راسخات القوائم كأنها أطواد، شامخات الرؤوس حاليات الأجياد، باذخات الأكفال غلاظ شداد، وسارت لها إلى رحابنا انقياد، وصارت من محلّ إسعاد إلى مواطن إصعاد؛ فتقبّلنا أجناسها وأنواعها، وتأمّلنا غرائبها وإبداعها، وجعلنا يوما أو بعض يوم في حواصلنا إيداعها؛ ثم استصفينا منها نفائس آثرنا إليها إرجاعها، وفرّقنا في أوليائنا اجتماعها، وقسمنا مشاعها، وغنمنا لمّا أفاء الله صفاياها ومرباعها «3» ؛ فتوالت لكلّ وليّ منها منح، وسارت إلى كل صفيّ منها ملح؛ وقالت الألسنة وطالت في وصف ما عليه به فتح، فاستبان
(7/420)

ووضح؛ وكان لأهل الإيمان بنعته أعظم هناء وأكبر فرح.
وسطّرناها وركبكم المبارك قد رامت السّرى نجائبهم؛ وأمّت أمّ القرى ركائبهم؛ يسايرهم الأمن ويصاحبهم، ويظاهرهم اليمن ويواظبهم؛ فقد أعدّت لهم المير «1» في جميع المنازل، وشدّت لهم الهجان البوازل، وأترعت لهم الموارد والمناهل، وأمرعت لهم بالميرة القفار والمراحل، ووكّلت بهم الحفظة في المخاوف ونصبت لهم الأدلّة في المجاهل، وجرّد معهم الفرسان، وجدّد لهم الإحسان، وأكّد لهم حقّان حقّ مرسلهم وحقّ الإيمان، وقلّد درك حياطتهم أمرا العربان، وشوهد من تعظيمنا لهم ما يحسدهم عليه ملوك الزمان بكلّ مكان؛ وكتبنا على أيديهم إلى أمراء الأشراف بالنّهوض في خدمتهم والوقوف، وأن يحيط بهم كلّ مقدّم طائفة ويطوف، يتسلّمهم زعيم من زعيم، إلى أن تحطّ رحالهم بالحطيم «2» ، ويحلّ كلّ منهم بالمقام ويقيم، وتكمل مناسكهم بشهود الموقف العظيم.
وكذلك كتبنا إلى أمراء المدينة المشرّفة، أن تتلقّى بالقبول الحسن مصحفه، وتحلّه بين الروضة والمنبر، وتجلّه فقد ربح سعي كاتبه وبرّ، وكتبت له بعدد حروفه أجور توفّر؛ ويمكّن من يرقّ لتلاوته في الآصال والبكر، ويهيمن على ذلك فإنّه من بيت هم الملاك الأعلى وعندهم وفيهم جاءت الآيات والسور.
وعمّا قليل يتمّ حجّهم واعتمارهم، ويؤمّ طيبة الطّيّبة العاطرة زوّارهم؛ فيكرم جوارهم ويعظم فخارهم، وتنعم بإشراق تلك الأنوار بصائرهم وأبصارهم، وتفوح أرواح نجد من ثيابهم، وتلوح أنوار القبول على شيبهم وشبابهم؛ ثم يعودون إلينا فنعيد لهم الصّلات، ونفيد كلّا منهم ديم النّعم المرسلات؛ ثم يصدرون إن شاء الله إليكم ركائبهم بالمنائح مثقلات، ومطالبهم بالمناجح مكمّلات؛ ويظفرون من الله في الدارين بقسم النّعم المجزلات حتّى يلقوا
(7/421)

برحابكم عصا التّسيار، ويصونوا حرّ وجوههم بالصبر على حرّ الهجير [من] لفح النار، ويدّخروا بما أنفقوا عند الله من درهم ودينار، أجرا جمّا وما عند الله خير للأبرار؛ والله تعالى يقرّبه من تلك المواطن، ويدنيه منها بالظاهر وإن كان يسري إليها بالباطن؛ ويسهّل [له] ذلل الحرم، وإن كان قد أعان القاطن والقادم، حتّى تحلّ ركائبه بين المروتين «1» وتجيز، ويكون له بذلك على ملوك الغرب تمييز، وما ذلك على الله بعزيز.
لا زالت مقبولة على المدى هداياه، مجبولة على النّدى سجاياه، مدلولة على الهدى قضاياه، منصورة على العدا سراياه، مبرورة أبدا تحاياه. والسلام الأتمّ الذي يعبق ريّاه، والثناء الأعمّ المشرق محيّاه، عليكم ورحمة الله وبركاته، والخير يكون، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة جواب الكتاب الوارد على الملك الناصر «محمد بن قلاوون» من ابن «2» أبي الحسن عليّ المرينيّ، صاحب فاس المغرب، بالبشارة بفتح بجاية، والانتصار على تلمسان.
واستفتاحه بعد البسملة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
«3» ثم المكاتبة المعهودة: من ألقاب الملكين، والدعاء. والصدر:
(7/422)

قهر الله ببأسه من ناواه من أئمة الكفر وطغاته، ونصره على من لاواه «1» من حزب الشيطان وحماته. ونشر أعلامه بالظّفر بمن خالفه من عداة الله وعداته.
وأجراه من بلوغ الوطر في سكونه وحركاته، على أجمل أوضاعه وأكمل عاداته، ويسّر له بدوام سعوده فتح ما استغلق من معاقل الحائدين عن مرضاته. ولا زالت ركائب البشائر عنه تسري وإليه من تلقائنا تسير، ومصير الظّفر حيث يصير، ويدور الفلك المستدير، بسعده الأثيل الأثير، وينوّر الحلك بضوء جبينه الذي يهتدي به الضالّ ويلجأ إليه المستجير، وتغور أعين العدا إن عاينوا جحفله الجرّار وناهدوا جيشه المبير. بتحيّة تحكي اللّطائم «2» عرفها الشميم، وتودّ الكمائم لو تفتّقت عن مثل مالها من نضارة أو تسنيم، ويودّ عقد الجوزاء لو انتظم في عقدها النّضيد النظيم.
وكيف لا وهي تحيّة صادرة عن مقام شريف إلى روضة غنّاء تزري بالنّبت العميم، واردة من محلّ عظيم، على محيّا وسيم، منطوية على «3» الأرض من سلامة ولملوك الإسلام من سلام سليم، وطرفة نشرها كالمسك الذي ينبغي أن يختتم به هذا الكتاب، وثناء يستفزّ الألباب، ويستقرّ في حبّات قلوب الأحباب، ويستدرّ أخلاف الودّين المتحابّين في الله فلا غرو أن دخلت عليهم ملائكة النصر من كلّ باب. يتسابقان إلى ذلك المجد الأسنى في أسعد مضمار، ويتساوقان بحياز قصبات السّبق إلى تلك العصبة المشرقة الأنوار، ويزداد فيّهما بالوفود عليه طيبا، ويغدو عود الودّ بهما رطيبا؛ حيث الرّبع مريع، والمهيع منيع، والعزّ مجدّد والقدر مطيع؛ وسحب الكرم ثرّة، ورياض الفضل مخضرّة، وعساكر النصر تحلّ نحوه من المجرّة؛ حيث تستعر الحرب، ويتسحرّ الضرب، وتشرق شموس المشرفيّات لامعة «4» ..
(7/423)

أما بعد حمد الله مظهر دينه على كلّ دين، ومطهّر أرجاء البسيطة من الماردين المارقين، ومجرّد سيف النصر على الجاحدين الحائدين، وموهن كيد الكافرين، ومجزل أجر الصابرين، ومنجز وعد من بشّرهم في كتابه المبين بقوله:
بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ
«1» الذي عصم حمى الإسلام بكل ملك قاهر، وفصم عرى الشّرك بكلّ سلطان غدا على عدوّ الله وعدوّه بالحقّ ظاهر، وقصم كلّ فاجر بمهابة أئمة الهدى الذين ما منهم إلا من هو للمحاسن ناظم ولقمم العدا نائر؛ ناشر علم الإيمان بحماة الأمصار، وناصر علم الإسلام بملوك الأقطار، وجاعل كلمته العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، لا جرم أنّ لهم النّار؛ جامع قلوب أهل الإيمان على إعلاء علم الدّين الحنيف وإن بعدت بينهم شقّة النّوى وشطّ المزار.
والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الذي أرسله الله رحمة للعالمين ونقمة على الكفّار، ونصره بالرّعب مسيرة شهر وبالملائكة الكرام في إيراد كلّ أمر وإصدار، وألان ببأسه صليب الصّلبوت «2» وأهان بالتنكيس عبدة الأصنام وسدنة النار، وأيّده بآل وأصهار، وأصحاب وأنصار، وجنود تهون النّقع المثار، وأتباع ما أظلم خطب إلا أجالوا سيوفهم فبدا نجم الظّفر في سماء الإيمان وأنار، وأمة ظاهرة على من ناواها، ظافرة بمن عاداها، ما تعاقب الليل والنّهار، صلاة وتسليما يدومان بدوام العشيّ والإبكار.
فقد ورد علينا كتاب مختوم بالتكريم، محتوم بالتبجيل والتقديم، محتو على وصف فضل الله العميم، ونصره العظيم، ومنّه الجسيم؛ فأكرمنا نزله، ونشرنا حلله، وتفهّمنا تفاصيله وجمله؛ فتيمّنّا بوصوله، وتأمّلنا مخايل النصر العزيز من فصوله، ووجدناه قد اشتمل من سعادة مرسله على أنواع، ومن وصف تعداد نصرته على عون من الله ومن يعن الله فهو المنصور المطاع.
(7/424)

فأما ما ذكره المقام العالي من أمر الوالدة المقدّس صفيحها «1» المغمور بالرحمة ضريحها؛ وما كانت عزمت عليه من قصد مبرور؛ وتجارة لن تبور، وأمّ إلى البيت الآمن والحرم المعمور، وما فاجأها من الأجل، وعاجلها من أمر الله عزّ وجلّ؛ فالمقام أجزل الله ثوابه يتحقّق أنّ النيّة في الأجور أبلغ من العمل، وأنه من أجاب داعي الحمام فلا تقصير في فعله ولا خلل؛ والله نسأل أن يكتب لها ما نوته من خير، وأن يطيف روحها الزكية ببيته المعمور في جنّات عدن كما أطاف أرواح الشهداء في حواصل ذلك الطّير.
وكنّا نودّ أن لو قدمت ليتلقّاها منّا زائد الإكرام، ويوافي مضاربها وافد الاحتفال والاهتمام، ونستجلب دعواتها الخالصة الصالحة، وتظفر هي من مشاهدة الحرم المعظّم والمثوى المكرّم والبيت المقدّس بالصّفقة الرابحة. على أنّه من ورد من تلقائكم قابلناه من جميل الوفادة بما به يليق، وتقدّمنا بمعاملته بما هو به حقيق، ويسّرنا له السبيل وهديناه الطريق، وأبلغناه في حرز السلامة مع ركبنا الشريف أمله من قضاء المناسك والتّطواف بالبيت العتيق.
وأمّا ما أشار إليه من أمر من كان «بتلمسان» وأنه ممن لا يعرف مواقع الإحسان، وما وصفه المقام العالي من أحوال ليس الخبر فيها كالعيان، وأنه اعتدى على من يتاخمه من الملوك، وخرج عن القصد فيما اعتمده من ذلك السّلوك؛ حتّى أن ملك تونس أرسل إلى المقام ابنه ووزيره، وسأله أن يكون ظهيره على الحق ونصيره، وأن المقام العالي أرسل إلى ذلك الشّخص منكرا اعتماده، طالبا إصلاحه لا إفساده؛ راجيا أن يكون ممن تنفعه الذّكرى، ظانّا أنه ممّن يأبى أن يقال له: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً
«2» وأنه بعد ذلك تمادى على غيّه، وأراد أن يذوق طعم الموت في حيّه، وأبى الظالم إلا نفورا، وذكر الملك عنه أنه قتل أباه بعد أن آتاه الله به نعمة وملكا كبيرا. وأن المقام العالي أتاه نبأ عن أخيه المقيم
(7/425)

بسجلماسة «1» ، وخبر صدق أوجب أن يعامل بما يليق بجميل السياسة وحريز الحراسة؛ فجنّد المقام له جنودا، وعقد بنودا، وأضرى أسودا أوهنت كيده، وأذهبت أيده، وعاجلت صيده، وأذالت باسه، وأزالت عنه سيما الملك ونزعت لباسه. وأنه في غضون ذلك أتاه سلطان الأندلس «2» يستصرخ به على عدوّ الله وعدوّ المؤمنين، ويستعديه على الكفرة المعتدين، وأنّ المقام لبّى دعوته مسرعا، وأكرم نزله ممرعا، ووعده الجميل، وحقّق له التأميل. وأن صاحب تلمسان لما غرّه الإمهال، وظنّ هذه المهامّ توجب للمقام بعض اشتغال، أعمل أطماعه «3» في التجرّي على بعض ممالكه المحروسة ومدّ، وسار إلى محلّ هو بينهما كالحدّ.
وأنّ المقام عند ذلك صرف إليه وجه العزم، وأخذ في حفظ شأنه بما لأعلام النصر من نصب وما للاعتداء من رفع وما للاهتمام من جزم. وأنه لم يقدر عليه إلا بعد أن حذّره من أليم العقاب حلولا، وتمسك فيه بقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
«4» [ولمّا] «5» لم ينفعه الإنذار، وأبى إلا المداومة والإصرار، أرسل إليه المقام العالي من جيشه الخضمّ، وعسكره الذي طالما تعضّده ملائكة السماء وإلى أعداده تنضمّ، كلّ باسل يقوم مقام الكتيبة، وكلّ مشاهد يشاهد منه في العرين كلّ غريبه، وكلّ ضرغام تعرف العدا مواقع ضربه لكنها تجهل ندّه أو ضريبه، فأذاقوه كأس الحمام صرفا، ولم يبتغوا عن حماه بدون نفسه عدلا ولا
(7/426)

صرفا، إلى أن أخذوه في جماعة من بني أبيه، وشرذمة قليلة ممّن كانت تخالصه في الشدائد وتوافيه، وأن المقام العالي بعد ذلك سيّر مطارف العدل في الرعيّة، وأقرّ أحوالهم في عدم التعرّض إلى الأموال والذّرّية، على ما هو المسنون في قتال البغاة من الأمور الشرعيّة. وفهمنا جميع ما شرحه في هذا الفصل، وما أخبر به من هذا الظّفر الذي ابيضّ به وجه الفتح وإن كان قد احمرّ به صدر النصل؛ والله تعالى يزيد ملكه رقيّا، ويجزيه لقبول النّعم لقيّا، ويجعله دائما كوصفه مظفّرا وكاسمه عليّا. وأن المقام العالي لما فرغ وجهه من هذه الوجهة، وحاز هذا الملك الذي لم يحز آباؤه كنهه، عاد إلى المهمّ الذي قدم فيه سلطان الأندلس لأنه أبدى ما المسلمون فيه من محاورة الأذى، ومجاورة العدا؛ وقرب المسافة بين هذين العدوّين كالشّجا، وفي عيونهم كالقذى. وأنه ثوى به من الطّغاة من أسدل على المسلمين أردية الرّدى، وأنه على جانب البحر المعروف بالزّقاق «1» ، وبه قطّان يمنعون الإرفاد والإرفاق، ويصدّون عن السبيل من قصد سلوكه من الرفاق. وأن البرّ أيضا مملوء منهم بصقور صائده، وعلوج مكايده، وكفّار معانده، وفجّار على السّوء متعاضده، والبحر مشحون بغربان طائرة بأجنحة القلوع طارده، صادرة بالموت وارده، جارية في فلك البحر كالأعلام إلا أنّها بالإعلام بالخبر شاهده، تتخطّف كلّ آمّ وقاصد، وتقعد لأهل الإيمان بالمراصد، وتدني الموت الأحمر، ممن ركب البحر الأخضر، وتمنع السالك، إلا أن يكون من أهل الضّلال الحالك، من بني الأصفر.
وأنّ المقام العالي عند ذلك قام لله وغار، وأنجد جنوده في طلب الثار من أهل النار وأغار، وأنجد قاصد حرمه ببعوث كرمه وأعار، وأرسل عقبان فرسانه محلّقة إلى ذلك الجبل الشّامخ الذّرى وأطار، إلى أن أحاطت بهم جنوده إحاطة الآساد بالفرائس لا إحاطة الهالات بالأقمار، فما منهم إلّا من أعمل على العدا
(7/427)

رحى المنون وأدار، وسار وناعي البين يقدمه إلى أين سار؛ وقدّم عليهم ولده «1» الميمون النّقيبة، الممنوح غربه من مواقع النصر بكلّ غريبة، الجاري على سنن آبائه الكرام، المظفّر أنّى سرى الممدوح حيث أقام. وأنه مزّق «2» جموعهم الكثيفة، وهدم معاقلهم المنيفة، واستدنى منهم القاصي، واستنزل العاصي، وأخذ بالأقدام والنّواصي، وأحلّ العذاب والنّكال، بمن يستحقّه من أهل الإلحاد والمعاصى، وقرن بين الأرواح والآجال، وأذكرهم بهذا النصر أيّام ابن نصر وأعاد، وأثبت لهذا الجبل حقيقة اسم المدح «3» ، واستقرّ في صحائف فعله المقام إلى آخر هذا المنح.
وعلمنا أيضا ما اعتمده الطاغي المغتال لعنه الله من الحضور بنفسه، وجمعه الملحدين من أبناء خدمته والمارقين من جنسه. وأنّه أعظم هذا الأمر وأكبر، وأيدى الزفير لهذا المصاب وأظهر، وأقسم بمعبوده المصوّر وصليبه المكسّر، أن لا يعود إلا بعد أن يظفر بما سلبه الحقّ إيّاه وتبصّر؛ فأبى الله والمؤمنون أن تكون النّيّة إلا خائبة، وقضت سعادة الإسلام أن تكون الأيّام لما عقده من الطّويّة الرّديّة ناكبة؛ فلمّا طال عليه الأمد وحان الحين، عاد صفر اليدين ولكن بخفّي حنين، ناكصا على عقبه، خاسئا لسوء منقلبه، وأسرع إلى مقرّ طاغوته
(7/428)

سرى وسيرا، ولو كان من ذوي الألباب لتعقّل في أمر قول الله تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً
«1» . وأنّ المقام العالي ألزمه بعد ذلك ما كان على أهل «أغرناطة» «2» له في كلّ عام موظّفا، ووضع عنهم إصر ما برج كالأسر مجحفا.
وهذه عزّة إسلاميّة جدّد الله على يد المقام بذلك القطر صدورها، وسطّر في صحائف حسناته أجورها، وأبقى له مذخورها، وأعدّها له ليوم تجد فيه كلّ نفس ما عملت من خير محضرا إذا شاهدت عرضها ونشرها، ومنّة من الله أربت على العدّ، وتجاوزت الحدّ، ومزيّة لا تطمح الآمال إلى ميلها في جانبها ولا تمتدّ، ورتب جدّ يلحق بها الولد الناجم في سماء المعالي رتب الكرام من أب له وجدّ- والله يجعله مظفّرا على العدا، منصورا على من حاد عن سواء السبيل واعتدى، مستحقا لمحاسن الأخبار على قرب المدّة وبعد المدى.
وقد كان أخونا أمير المسلمين، وسلطان الموحّدين، والدك الشهيد قدّس الله سرّه؛ وبوّأه دار النعيم وبها أقرّه، في كلّ آونة يخبرنا بمثل هذا الفتح، ويذكر لنا ما ناله من جزيل المنح؛ (فهذه شنشنة نعرفها من أخزم) «3» ، وسنّة سلك فيها الشّبل الصائد سنن ذلك الضّيغم الأعظم، ونحن نحمد الله الذي أقام المقام مقام
(7/429)

أبيه لنصرة الإسلام وأبقى، وصدّق بما تنشئه من حسن أفعالك وسعيد آرائك أنّك أبو الحسين وأنّ أباك أبو سعيد حقّا.
وحيث سلك المقام سنن والده الشهيد، وأتحفنا من أنبائه بكلّ جديد، وقصّ علينا أحاديث ذلك الجانب الغربيّ المشرق بأنواره، ونصّ متجدّداته مفصّلة حتّى صرنا كأنّا مشاهدون لذلك النصر ومواقع آثاره، فقضى الودّ أن نتحفه من أحاديث جيشنا الذي أشرقت لمعات سيوفه في الشّرق الأعلى بما يشنّف سمعه، ويسرّ معشر الإسلام وجمعه، وموطنه وربعه: ليتحقّق أنّ نعم الله لكلّ من قام بتشييد هذا الدّين المحمّديّ عامّة، ومننه لديهم تامّة، وألطافه بهم حافّة، ومناصرته ليد سلطان الإسلام في أعناق العدا مطلقة ولأكفّ أهل الشّرك كافّة، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
«1» فمما نبديه لعلمه ونهديه لسعيد فهمه، أنّ من جملة من يحمل لأبوابنا الشريفة من ملوك الكفر القطيعة في كلّ عام، ويرى أنّ ذلك من جملة الإفضال عليه والإنعام؛ متملّك سيس، الذي هو في ملّته من ساكني البرّ كالرئيس، وبين بطارقته وطغاته كالكتد «2» الأعظم أو كالقدّيس النفيس؛ وعليه مع ذلك لأبوابنا الشريفة من القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوّمة ما لا يحيد عنه ولا يحيس «3» ، ومرتّب لا يقبل التنقيص ولا يسمح لخناقه بتنفيس، تحمله نوّابه إلى أبوابنا الشريفة عن يد وهم صاغرون، ويقومون به على قدم العبوديّة وهم ضارعون.
ولمّا كان في العام الماضي سوّف ببعضه وأخّر، ودافع عند إبّانه وقصّر، وسأل مراحمنا في تنقيص بعض ذلك المقرّر، وأرسل ضراعاته إلى نوّابنا بالممالك
(7/430)

الشامية في هذا المعنى وكرّر، وقدّر في نفسه المراوغة وأسرّ خسرا في ارتعا «1» والله أعلم بما قدّر؛ فاقتضت آراؤنا الشريفة أن نرسل إليه بعثا يذلّل قياده، وينكّس صعاده، ويخرّب بلاده، ويوطيء أطواده، ويوهن عناده، ويذهب فساده، ويفرّق أجناده، ويمزّق أنجاده، ويقلّل أعداده، ويفلّل جموعه، ويدكدك ربوعه، ويذري على ملكه دموعه، ويدني خضوعه، ويفصل تلك الأبدان التي هي للطّغيان مجموعه، فأنهضنا إليه من الأبطال كلّ باسل، وأنهدنا إليه منهم كلّ ضرغام خادر يظنّ الجاهل أنه متكاسل، وأشهدنا حربه كلّ مؤمن يرى الشهادة مغنما، والتخلّف مأثما والتّباطؤ مغرما، والعذر في هذا المهمّ أمرا محرّما، ويعدّ الرّكوب إلى هذا السّفر قربه، والرّكون إلى وطنه غربه، ويرغب فيما وعد الله به جيشه المنصور وحزبه، ويربأ بنفسه أن يكون من الخالفين حبّا لها وتكريما، ويبادر إلى ما أمر به رغبة في قوله تعالى: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً
«2» ، على صافنات جياد، ليس لها غير الطّير في سرعة المرام أضداد، وعاديات عاديات على أهل العناد، وضابحات «3» ذابحات لذوي الفساد، ومغيرات طالما أسفر صبحها عن النّجاح، ومثيرات نقع يتبلّج غيهبها عن تحقّق النّجاة وإزالة الجناح. وصواهل عراب، كم للفضل بها من كمون وللموت اقتراب، وأصائل خيل، تخيّل لراكبها أنها أجرى من الرياح وأسرى من اللّيل، قد عقد الخير بنواصيها، وعهد النصر من أعرافها وصياصيها، وتسنّم راكبوها لذروة العزّ من ظهورها، واحتووا على الكبير الأعلى من نصرتها على العدا وظهورها، بسيوف تبدّد الأوهام، وتزيل الإيهام، وتقدّ الهام، وتدني الموت الزّؤام، وتطهّر بميامنها نجس الشرك ودنسه، وتقرع أجسادهم فتغدو كلّها عيونا ولكن بالدّماء منجسه، قد تسربل كلّ منهم من الإيمان درعا حصينا، واتخذ لبسه جنّة ولكن من الذهب
(7/431)

والإستبرق ليكون لفضل الله مظهرا ولإحساننا مبينا، واتّخذ لسهام القسيّ ليوم اللّقاء الألسن الحداد، ومدّ يد المظاهرة ببيض قصار وسمر صعاد.
فلمّا جاسوا خلال تلك الدّيار، وما سوا يرفلون في حلل الإيمان التي تشفي صدور قوم مؤمنين وتغيظ الكفّار، لم يسلكوا شعبا إلا سلك شيطان الكفر شعبا سواه، ولا وطئوا موطئا إلّا وكلّ كافر يأباه؛ ولا نالوا من عدوّ نيلا إلّا كتب لهم به عمل صالح كما وعدهم الله؛ وما أتوا لهم على ضرع حافل إلا جفّ، ولا مرّوا على زرع حاقل «1» إلا أصبح هشيما تذروه الرّياح أو حطيما تكفيه الكفّ؛ ولا هشيم إلا حرّقوه، ولا جمع إلا فرّقوه، ولا قطيع شاء إلا قطّعوه ومزّقوه، ولا ضائز «2» إلا ضنّوا عليه أن يدعوه لهم أو يطلقوه، وما برحوا كذلك إلى أن نازلوا البلد المسمّى بآياس، فحصل لأهله من مسمّاه الأشتقاق الأصغر والاشتقاق الأكبر «3» بقطع الأمل منه واتّصال الإياس؛ فناداهم من بذلك الحصن من أسارى المؤمنين.
يا رحمة الله حلّي في منازلنا ... حسبي برائحة الفردوس من فيك
(7/432)

ويا نصر الله انشر بالظّفر رايات مواجهنا ومنازلنا فطالما كنّا نؤمّلك ونرتجيك؛ ويا خيل الله اركبي، ويا خيل الكفّار اذهبي، ويا جند إبليس ارهبي، من جند الله الغالبين؛ وإن وجدت مناصا فانفري، وياما للإسلام من جنود وأنصار، قاتلوا الذين يلونكم من الكفّار.
وكانت موافاة عسكرنا المنصور إليهم عند الإسفار «1» ، فلم يملكوا القرار، ولا استطاعوا الفرار، ولم يجدوا ملجأ من الله إلّا إليه. وقال: لا وزر وكيف به لمن يلبّي الأوزار، ورأوا ما أعددنا لحصارهم من مجانيق تقدّ الصّخور، وتدكدك القصور، وتغيض بها مياه نفوس تلك الأجساد الخبيثة فلا يجتمعان إلى يوم البعث والنّشور؛ وأنا أمددنا جيوشنا بجاريات في بحر الفرات، مشحونة بالأموال والأقوات، والعدد والآلآت؛ وأرفدناهم من الذّهب والفضّة بالقناطير المقنطرات، وأوفدنا عليهم من أنجادنا بالديار البكريّة، وأطراف البلاد الشامية، جيوشا كالسّحاب المتراكم، وأطرنا عليهم عقبان اقتناص من عقبان التّراكمين «2» اعتادت صيد الأراقم، وأسر الضّراغم؛ فلمّا تحقّقوا الدّمار، لم يلبثوا إلا كما وصف الله تعالى حال من أهلك من القوم الفاسقين ساعة من نهار.
فعند الظهيرة حمي الوطيس، ونكص عند إعلان الأذان على عقبه إبليس؛ وشاهدوا «3» الموت عيانا، وتحقّقوا الذّهاب أموالا وإخوانا وولدانا، أذعنوا إلى السّلم، ونادوا الأمان الأمان يا أهل الإيمان والعلم، والكفّ الكفّ يا جند الملك الموصوف عند الشّقاق بالحزم، وعند القدرة على العقاب بالحلم. وأرسل طاغيتهم الأكبر ليفون، يقسم بصليبه: إنّا من القوم الذين يقومون بما عليهم من الجزية ويوفون؛ ومن الرّعيّة الذين يطيعون أمر ملكهم الأعظم وعن حمى الإسلام
(7/433)

يكفّون؛ فعند ذلك رأى نوّابنا بذلك العسكر أن تكفّ عنهم شقّة الشّقاق وتطوى، ولانت قلوبهم لتذكار قوله تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
«1» وطالعوا علومنا بما سأله القوم من الرحمة والرّأفة، وما ضرعوا إليهم فيه من الأمان والألفة، وإعطاء ما كنّا رسمنا به من تسليم قلاع معدوده، وتسويغ أراض محدوده، تستقرّ بيد نوّابنا وتقطع بالمناشير الشريفة لأهل الجهاد من أبوابنا، مع استقرار ما رسمنا به من قطيعة، وعقد الهدنة على أمور هي عندنا محبّبة ولديهم فظيعة.
هذا بعد أن استولت عساكرنا على قلاع لهم وحصون، ومحرز من أموالهم ومصون؛ وطلعت أعلامنا المحمّديّة على قلعة آياس، ونزل أهل الكفر على حكم أهل الإيمان وزال التحفّظ والاحتراس، وأعلن بالأذان في ذلك الصّرح، وظهرت كلمة الإيمان كما بدأت أوّل مرّة وهذا يغني عن الشّرح؛ وعلت الملّة الحنيفيّة بذلك القطر وقام أهلها وصالوا، وغلّت أيدي الكفّار ولعنوا بما قالوا.
وكان جيشنا قبل ذلك أخذ قلعة تسمّى «بكاورّا» واستنزلوا أهلها قسرا، واستزالوهم عنها ما بين قتلى وأسرى؛ وهي قلعة شامخة الذّرى، فسيحة العرا، وثيقة العرا، يكاد الطرف يرجع عنها خاسئا.
ولما اتّصل بأبوابنا هذا الخبر السّارّ، وشفع لنا من نرى قبول شفاعته في إجابة ما سأله هذا الشّعب من إرجاء عذاب أهل الكفر إلى نار تلك الدار؛ مننّا عليهم بالأمان، وقابلناهم بعد العدل بالإحسان؛ وتقدّم أمرنا إلى نوّابنا بكفّ السيف وإغماده، وإطفاء مسعّر الحرب وإخماده؛ وأن يجرى المنّ على مألوفه منّا ومعتاده، بعد تسليم تلك القلاع، وهدم الأسوار التي كان بها لأهل الكفر الامتناع، واستبقاء الرعيّة، واستحياء الذّرّية، وإجراء الهدنة المسؤولة على القواعد الشرعيّة؛ وعاد عسكرنا منشور الذوائب، مظفّر الكتائب، مؤيّد المواكب، مشحونا بغرائب الرّغائب.
(7/434)

وعند وصولهم إلى أبوابنا فتحنا لهم أبواب العطاء الأوفر، وبدّلناهم بالتي هي أحسن وعوّضناهم الذي هو أكثر؛ وأفضنا عليهم من خلع القبول ما أنساهم مشقّة ذلك السّرى وشقّة السّير، وتلا عليهم لسان الإنصاف (وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ
«1» وبعد ذلك ورد علينا كتاب بعض نوّابنا بالأطراف من أولاد قرمان، القائمين بمشارق ممالكنا على وجه الأمن وسعة الأمان، بأنّهم عند عودهم من سيس، ونصرتهم على حرب إبليس، استطردوا فأخذوا للكفر تسع قلاع، ما برحت شديدة الامتناع، لا تمتدّ إليها الأطماع؛ فتكمّل المأخوذ في هذه السفرة وما قبلها خمس عشرة قلعة، وبدّد الله شمل الكفر وفرّق جمعه، وآثرنا أن نعلم المقام العالي بلمحة مما لله لدينا من النّعم، ولبره من شارة يستدلّ بها على أثر أخلاف كالدّيم، ونطلعه على درّة من سحاب، وغرفة من بحر عباب، وطرفة نشرها كالمسك الذي ينبغي أن يختتم بها هذا الكتاب.
ونحن نرغب إلى المقام أن يواصل بكتبه المفتتحة بالوداد، المشتملة على النّصرة على أهل العناد، المشحونة بمواقع الفتح والظّفر التي تتضاعف إن شاء الله وتزداد، المحتوية على الطّارف من الإخلاص والتّلاد، المتّصل سببها بين الآباء الكرام ونجباء الأولاد، والله تعالى يجعله دائما لثمرات النصر من الرماح يجتني، ولوجوه الفتح من الصّوارم يجتلي، ويديم على الإسلام مزيد العزّ الذي يتجدّد كلّ آونة من طلائع رايات محمد وبدائع آراء علي «2» ، بمنه وكرمه.
(7/435)

وهذه نسخة كتاب جواب إلى صاحب فاس حيث ورد كتابه بالتعرّض لوقعة «تمرلنك» من إنشاء مؤلّفه، كتب بذلك عن السلطان الملك الناصر «فرج بن برقوق» وهو.
عبد الله ووليّه السلطان الأعظم (إلى إخر ألقاب سلطاننا) أجرى الله تعالى الأقدار برفعة قدره، وأدار الأفلاك بتأييده ونصره، وأذلّ رقاب الأعداء بسطوته وقهره، وشحن الأقطار بسمعته وملأ الآفاق بذكره، يخصّ المقام العالي (إلى آخر الألقاب) : رفع الله تعالى له في ملكه الشامخ منارا، وجعل النصر والظّفر له شعارا، وأحسن بحسن مواتاته إلا لأهل الكفر جوارا، بسلام يفوق العبير عبيقه، ويزري بفتيق المسك الداريّ فتيقه، ويخجل الروض المنمنم إذا تزيّن بالبهار خلوقه، وثناء تكلّ الألسنة البليغة عن وصفه، ويعجز بناة المجد الأثيل عن حسن رصفه، وتعترف الأزاهر بالقصور عن طيب أرجه ومسك عرفه؛ وشكر يوالي الورد فيه الصّدر، ويحقّق الخبر فيه الخبر، ويشيع في الآفاق ذكره فتتّخذه السّمّار حديث سمر.
أما بعد حمد الله واصل أسباب المودّة وحافظ نظامها، ومؤكّد علائق المحبّة بشدّة التئامها، ورابط جأش المعاضدة باتّحاد وتناسب مرامها، ومجدّد مسرّات القلوب بتوالي أخبارها المبهجة عن عالي مقامها. والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل نبيّ رعى الذّمام على البعاد، وأكرم رسول قرن صدق الإخاء منه بصحّة الوداد، صلاة تبلّغ من رتبة الشّرف منتهاها، وتنطوي الشّقّة البعيدة دون بلوغ مداها؛ فإن ورد علينا على يد رسولكم فلان كتاب كريم طاب وروده،
(7/436)

وتهللت بالبشر سعوده، وشهد بصدق المحبة الصادقة شهوده، وطلع من الجانب الغربيّ هلاله فلاحت بالمشرق بحسن التلقّي سعوده؛ فقرّ منه برؤيته الناظر، وابتهج بموافاته الخاطر، ولاحت من جوانبه لوائح البشر فأحسن تلقّيه سلطاننا الناصر.
وقابلناه من القبول بما كاد باطنه لكمال الموافاة يكون عنوانا للظاهر، وفضضنا ختامه المصون عن بديع كلام مخترع، وبنات فكر قبله لم تفترع، وفصاحة قد أحكم اللّسن مبانيها، وبلاغة تناسبت ألفاظها فكانت قوالب لمعانيها، وبراعة قد أحسنت البديهة ترتيبها فجاءت وتواليها تتبع هواديها؛ وفهمنا ما أظهره من كوامن المحبة التي بلغت من القلب الشّغاف، وبوارح الشوق الذي عندنا من مثله أضعاف أضعاف؛ وانتهينا إلى ما أشار إليه المقام العالي من التلويح إلى ما طرق أطراف ممالكنا الشريفة من طارق الاعتدا، وما كان من الواقعة التي كان خبرها لفظاعته يكون كالمبتدا.
ونحن نبدي لعلم المقام العالي ما يوضّح له أنّ ما وقع من هذه القصّة لم يكن عن سوء تدبير، ونورد عليه من بيان السبب ما يحقّق عنده أنّ ذلك لم يكن لعجز ولا تقصير، بل لأمر قدّر في الأزل، ومقدور الله تعالى لا يدفع بالحيل.
وذلك أنه لما اتّصل بمسامعنا الشريفة قصد العدوّ إلى جهتنا، وتجاوزه حدّ بلاده إلى أطراف مملكتنا؛ بادرنا الحركة إليه في عسكر لجب، وجيوش يضيق عن وسعها الفضاء الرّحب؛ من كل بطل عركته الحروب، وثقّفته الخطوب، وحنّكته التّجارب، وعجم عوده بكثرة المنازلات قراع الكتائب. قد امتطى طرفا «1» عربيّ الأصل كريم الحسب، خالص العتق صريح النّسب؛ يفوت الطّرف مدى باعه المديد، ويسبق حافره موقع بصره الحديد. ولبس درعا قد أحكم سردها، وأبرم
(7/437)

شدّها، وبالغت في السّبوغ «1» فاتّصفت بصفات الكرام، وضاقت عينها فمنعت شبحا حتّى ذباب السّهام. ووضع على رأسه بيضة «2» يخطف الأبصار وميض برقها، وتزلق السّهام الراشقة صلابة طرقها؛ وترفعها الأبطال على الرؤوس فلا ترى أنها قامت ببعض حقّها. وتقلّد سيفا يمضي على الرقاب نافذ حكمه، ويقضي بانقضاء الأجل انقضاض نجمه، لا ينبو عن ضريبة فيردّ، ولا يقف حدّه في القطع عند حدّ. واعتقل رمحا يجري الدماء سنانه بأنابيبه، ويمدّ إلى الفارس باعه الطويل فيأخذ بتلابيبه، وتتمسّك المنايا بأسبابه فتتعلّق منه بالأذيال، وتضرّس الحرب بزرق أنيابه كأنها أنياب أغوال. وتنكّب قوسا موعز الآجال هلال هلالها، ومورد المنون إرسال نبالها؛ ومدرك الثار رنّة وترها، وموقد نار الحرب قدح شررها، قد اقترن بها سهام تسابق الريح في سرعتها، وتعاجل الموت بصرعتها، وتختطف العيون في ممرّها، وتختلس النفوس من مقرّها؛ تدخل هجما كلّ محتجب، وتأتي الحذر من حيث لا يحتسب. وتناول عمودا يهجم على الأضالع بأضلاعه فيفدغها، ويصافح الرّؤوس بكفّه الملتحمة الأصابع فيدمغها؛ يقرّب من الأجل كلّ بعيد، ويخلق من العمر كلّ جديد، ولا يقاومه في الدّفاع بيضة وأنّى تقاوم البيضة زبرة «3» من حديد.
وتحرّكنا من الديار المصرية في جيوش لا يأخذها حصر، ولا يلحقها هصر، ولا يظنّ بها على كثرة الأعداد كسر؛ ولم نزل نحثّ السير، ونسرع الحركة للقاء العدوّ إسراع الطير، حتّى وافينا دمشق المحروسة فنزلنا بظاهرها، مستمطرين النصر في أوائل حركتنا وأواخرها؛ وانضمّ إلينا من عساكر الشام وعربانها، وتركمانها الزائدة على العدّ وعشرانها، مالا ينقطع له مدد، ولا يدخل تحت حصر
(7/438)

ولا عدد. وأقبل القوم في لفيف كالجراد المنتشر، وأمواج البحر التي لا تنحصر:
من أجناس مختلفة، وجموع على تباين الأنواع مؤتلفة، وتراءى الجمعان في أفسح مكان، ورأى كلّ قبيل الآخر رأى العين وليس الخبر كالعيان، واعتدّ الفريقان للنّزال، واحتفروا خنادق للاحتراس وتبوّأنا مقاعد للقتال، ولم يبق إلا المبارزة، والتقاء الصّفوف والمناجزة، إذ ورد وارد من جهتهم بطلب الصّلح والموادعة، والجنوح إلى السّلم وقطع المنازعة؛ فأجبناهم بالإجابة، ورأينا أنّ حقن الدماء من الجانبين من أتمّ مواقع الرأي إصابة؛ وكتبنا إليهم في ضمن الجواب:
لمّا أتانا منكم قاصد ... يسأل في الصّلح وكفّ القتال
قلنا له نعم الّذي قلته ... والصّلح خير وأجبنا السّؤال
فبينا نحن على ذلك، واقفون من المواعدة على الموادعة على ما هنالك، إذ بلغنا أن طائفة من الخونة الذين ضلّ سعيهم، وعاد عليهم بالوبال ولله الحمد بغيهم، توجّهوا إلى الديار المصرية للاستيلاء على تخت ملكنا الشريف في الغيبة، آملين ما لم يحصلوا منه إلا على الخيبة؛ فلم يسع إلا الإسراع في طلبهم، للقبض عليهم وإيقاع النّكال بهم، وجازيناهم بما يجازي به الملوك من رام مرامهم، وظنّ العدوّ أن قصدنا الديار المصرية إنما كان لخوف أو فشل، فأخذ في خداع أهل البلد حتّى سلّموه إليه وفعل فعلته التي فعل، ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
ثم لم نزل ندأب في تحصين البلاد وترويج أعمالها، وترتيب أمورها وتعديل أحوالها، حائطين أقطارها المتسعة بجيوش لا يكلّ حدّها، ولا يعقب بالجزر مدّها، ليكونوا للبلاد أسوارا، وللدولة القاهرة إن شاء الله تعالى أعوانا وأنصارا؛ وأعاد الله تعالى المملكة إلى حالها المعروف، وترتيبها المألوف، فاستقرّت بعد الاضطراب، وتوطّنت بعد الاغتراب.
وفي خلال ذلك تردّدت الرسل إلينا في عقد الصلح وإمضائه، ودفن ما كان
(7/439)

بين الفريقين من المباينة وإخفائه؛ فلم يسعنا التلكّؤ عن المصالحة [بل سعينا] سعيها؛ والله تعالى يقول: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
«1» فعقدنا لهم عقد الصّلح وأمضيناه؛ وأحكمنا قواعده توكّلا على الله تعالى وأبرمناه، وجهّزنا إليهم نسخة منه طمغت بطمغة قانهم عليها، وأعيدت إلينا بعد ذلك ليكون المرجع عند الاختلاف والعياذ بالله تعالى إليها: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
«2» .
والله تعالى يجنّب إخاءكم الكريم مواقع الغير، ويقرن مودّته الصادقة بصفاء لا يشوبه على ممرّ الزمان كدر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجملة الرابعة (في مكاتبة ملك المسلمين بالأندلس)
وهو صاحب غرناطة، وقلعتها تسمى حمراء غرناطة. وقد تقدّم في المقالة الثانية في المسالك والممالك ذكر هذه المملكة وأحوالها، ومن ملكها جاهليّة وإسلاما، وأنها الآن بيد بني الأحمر. وقد ذكر في «التعريف» أنهم من ولد قيس ابن سعد بن عبادة سيد الخزرج الأنصاريّ: صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وهي منهم الآن بيد السلطان محمد بن يوسف بن محمد المخلوع ابن يوسف بن إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر؛ وقد أذلّ الله من يجاوره من نصارى الفرنج بسيفه، وامتنع في أيامه ما كان يؤدّيه من قبله من أواخر ملوك الأندلس إلى ملك الفرنج من الإتاوة في كل سنة، لاستقبال سنة ثنتين وسبعين وسبعمائة وإلى آخر وقت.
وقد ذكر في «التعريف» أنّ سلطانها كان في زمانه في الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون» أبا الفضل يوسف؛ ولعله يوسف بن إسماعيل المقدّم
(7/440)

ذكره. قال: وهو شابّ فاضل له يد في الموشّحات. ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التعريف» بعد البسملة «أما بعد» بخطبة مختصرة، «فهذه المفاوضة إلى الحضرة العلية، السنيّة، السريّة، العالميّة، العادليّة، المجاهدية، المؤيّديّة، المرابطيّة، المثاغرية، المظفّرية، المنصوريّة، بقيّة شجرة الفخار، وخالصة سلف الأنصار، المجاهد عن الدين، والذابّ عن حوزة المسلمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، زعيم الجيوش، خلاصة الخلافة المعظمة، أثير الإمامة المكرّمة، ظهير أمير المؤمنين، أبي فلان فلان» .
وهذا صدر لهذه المكاتبة ذكره في «التعريف» وهو.
صدرت هذه المكاتبة إليه متكفّلة بالنصر على بعد الدار، مجرّدة النصل إلا أنه الذي لا يؤخّره البدار؛ مسعدة بالهمم ولولا الاشتغال بجهاد أعداء الله فيمن قرب لما تقدّمت سرعان الخيل، ولا أقبلت إلّا وفي [أوائل] «1» طلائعها للأعداء الويل؛ ولا كتبت إلا والعجاج يترّب السّطور، والفجاج تقذف ما فيها على ظهور الصّواهل إلى بطون البحور. مبدية ذكر ما عندنا بسببها لمجاورة الكفّار، ومحاورة السيوف التي لا تملّ من النفار؛ مع العلم بما لها في ذلك من فضيلة الجهاد، ومزيّة الجلد على طول الجلاد، ومصابرة السهر لأوقات منيمه، ومكاثرة هذا العدوّ بالصبر ليكون لها غنيمة، ونحن على إمدادها- أيدها الله- بالنصر وبالدعاء الذي هو أخفّ إليها من العساكر، وأخفى مسيرا إذا قدّر حقّه الشاكر؛ ثقة بأن الله سينصر حزبه الغالب، ويكفّ عدوّه المغالب، ويصل بإمداد الملائكة لجنده، ويأتي بالفتح أو بأمر من عنده، لتجري ألطافه على ما عوّدت، ويؤخذ الأعداء بالجريرة، ولينصرنّ الله من ينصره وينظر إلى أهل هذه الجزيرة.
والذي ذكره في «التثقيف» أن رسم المكاتبة إليه مثل صاحب تونس في القطع والخطابة، والاختتام، والعلامة، والتعريف «صاحب حمراء غرناطة» .
(7/441)

وهذه نسخة جواب إلى صاحب حمراء غرناطة. وقد ورد كتابه في ورق أحمر يتضمّن قيامه بأمر الجهاد في الكفّار، وما حصل من استيلاء بعض أقاربه على ملكه ونزعه منه، وأنه استظهر بعد ذلك على المذكور وقتله، وعاد إلى ملكه على عادته. في جمادى الأولى سنة خمس وستين وسبعمائة، وهي:
نخصّ الحضرة العلية، حضرة الأمير فلان، وألقابه، جعل الله له النصر أين سار قرينا، والظّفر والاستظهار مصاحبا وخدينا، وزاد في محلّه الأسنى تمكينا وتأمينا، ومنح أفقه الغربيّ من أسرّة وجهه المتلأليء الإشراق، ومهابة بطشه الذي يورد العدا موارد الرّدى بالاتّفاق، تحسينا وتحصينا- بإهداء السلام الذي يتأرّج عرفا، ويتبلّج وصفا، ويكاد يمازح النّسيم لطفا- وإبداء الشّكر الذي جلّله ملابس الإكرام وأضفى، وأجمل منه نفائس عقد المودّة التي أظهرها فلم تكن تخفى.
ثم بعد حمد الله مؤكّد أسباب علاه، ومؤيّد موجبات نصره وما النصر إلا من عند الله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله الذي أمدّه بملائكته المقرّبين، ونصره بالرّعب مسيرة شهر كما ورد بالنصّ والتعيين، ورفع باسمه ألوية المؤمنين الموحّدين، وقمع ببأسه ثائرة البغاة والمتمرّدين، وعلى آله وصحبه الذين لازموا التمسك بأسباب الدين، وجاهدوا في إقامة منار الإسلام لما علموا مقدار أجرهم علم اليقين، صلاة متوالية متواترة على ممرّ الأحقاب والسّنين؛ فإنا نوضّح لعلمه الكريم أنّ كتابه ورد علينا مشتملا على المحاسن الغرّاء، مغربا بل معربا لنا بحمرة لونه أن نسبته إلى الحمراء، مشبها ورد الخدود والنّقس فيه كالخال، أو شقائق النّعمان كما بدا روضه غبّ السحاب المتوال. فوقفنا على مضمونه جميعه، وتلمّحنا بديع معانيه من جميل توشيعه وترصيعه، وعلمنا ما شرحه فيه: من استمراره على عادة سلفه في القيام بأمر الجهاد، وقطع دابر الكفرة ذوي الشّقاق والعناد، وتوطيد ما لديه من تلك البلاد، وتطمين ما بها من العباد، وما اتفق من قريبه في الصورة لا في المعنى، وكيف أساء إليه فعلا وقد أحسن به ظنّا، وأنه رصد الغفلة من جنابه، وأقدم على ما أقدم عليه من اقتراف البغي والتمسّك بأسبابه، ولم يزل يراعي غيبة الرّقيب وهجوع السامر، إلى أن تمكّن من الاستيلاء على ذلك
(7/442)

الملك الذي ظنّ أنّ أمره إليه صائر؛ لكنه مع كونه قد اقتحم في فعلته هذه الأهوال، وتوهّم أنه قد حصل بمكره على بلوغ بعض الآمال، فإنه ما سلّم ولله الحمد والمنّة حتّى ودّع، ولا أقبل سحاب استيلائه حتّى أقشع، بما قدّره الله تعالى لحضرة الأمير من نصرته، وعوده إلى محلّ أمره وإمرته. وأنه آثر اطّلاع علومنا الشريفة على هذه الواقعة، لما يعلم من تأكيد المودة التي غدت حمائهما على أفنان المحبّة ساجعة؛ وقد علمنا هذا الأمر، وشكرنا جميل محبّته التي لم ينسج على منوالها زيد ولا عمرو، وابتهجنا بما يسّره الله تعالى له من ذلك، وانتهزنا فرص السّرور بما منحه الله من ظفره المتقارب المتدارك، وحمدنا الله تعالى على تأييد هذه العصابة الإسلاميّة، وما منّ به من عود شمس هذا الأفق الغربيّ إلى مطالعها السنيّة؛ ولا جرم أن كانت له النّصرة، والاستيلاء والقدرة: لأن الله تعالى قد تكفّل سبحانه لأوليائه بمزيد التكريم والتعزيز، إذ قال عز وجل: ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
«1» إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ*.
وأما غير ذلك، فقد وصل رسول الحضرة العلية إلينا وتمثل بمواقفنا المعظّمة، ومحالّ مملكتنا المكرّمة؛ وأقبلنا عليه، وضاعفنا الإحسان إليه، وأدّى إلينا ما تحمّله من المشافهة الكريمة، ورسائل المحبّة والمودّة القديمة؛ فرسمنا باجابة قصده، وتوفير برّه ورفده، وقضاء شغله الذي حضر فيه، وتسهيل مآربه بمزيد التنويل والتنويه، ومسامحة الحضرة العلية بما يتعيّن على ما قيمته ألفا دينار مصرية حسب ما عيّنه رسوله المذكور، ولو كان سألنا أضعاف ذلك لأجبنا سؤاله من غير تروّ ولا فتور. وقد جهّزنا إليه صحبته ما أنعمت به صدقاتنا الشريفة عليه من الدّرياق ودهن البلسان «2» ، فليتحقّق ماله عندنا من المكانة والمحلّ الرفيع الشان؛ وقد أعدنا رسوله المذكور إلى جهته الكريمة بهذا الجواب الشريف،
(7/443)

محترما مكرّما مشمولا من إحساننا بالتّليد والطّريف؛ فيحيط علما بذلك والله تعالى يمدّه بمزيد التأييد، ويمنحه من جميل الإقبال، وجزيل النّوال، ما يربي على الأمل ويزيد!
تم الجزء السابع. يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثامن المقصد الثالث (في المكاتبة إلى أهل الجانب الجنوبي ممن جرت العادة بالمكاتبة إليه من العرب والسّودان، وفيه ثلاث جمل) والحمد لله رب العالمين. وصلاته على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه والتابعين وسلامه وحسبنا الله ونعم الوكيل
(7/444)

مراجع تحقيق الجزء السابع من صبح الأعشى
1 1- أبو العباس القلقشندي وكتابه صبح الأعشى:
مجموعة دراسات- الجمعية المصرية العامة للدراسات التاريخية.
منشورات الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1973 2- مقدمة لدراسة التاريخ الإسلامي:
تأليف: د. عبد المنعم ماجد الطبعة الثالثة- مكتبة الانجلو المصرية- 1971.
3- الفهرست ابن النديم.
دار المعرفة- بيروت- 4- الأعلام: خير الدين الزركلي.
دار العلم للملايين- بيروت 1980 الطبعة الخامسة.
5- تاريخ الإسلام:
حسن إبراهيم حسن مكتبة النهضة المصرية.
الطبعة السابعة- 1964.
6- معجم البلدان: 2 ياقوت الحموي.
دار الكتاب العربي- بيروت.
7- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون:
حاجي خليفة.
دار الفكر 1982.
8- فوات الوفيات:
محمد شاكر الكتبي.
تحقيق احسان عباس دار صادر- بيروت 9- صبح الأعشى في صناعة الانشا:
القلقشندي- الطبعة الأميرية- القاهرة.
10- الحلة السيراء:
ابن الأبّار.
تحقيق حسين مؤنس.
الشركة العربية للطباعة والنشر الطبعة الاولى- 1963.
11- دائرة المعارف الإسلامية:
مجموعة من المستشرقين النسخة العربية- منشورات كتاب الشعب القاهرة.
12- تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور
(7/445)

1 محي الدين بن عبد الظاهر.
تحقيق: مراد كامل ومحمد علي النجار.
منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي بالجمهورية العربية المتحدة- الطبعة الاولى 1961.
13- منطلق تاريخ لبنان:
كمال سليمان الصليبي منشورات كارافان- نيويورك 1979.
14- الروض المعطار في خبر الأقطار:
محمد بن عبد المنعم الحميري.
تحقيق: إحسان عباس.
مكتبة لبنان 1984.
15- تاريخ اسبانيا الإسلامية (أو كتاب أعمال الأعلام في من بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام) تأليف: ا. ليفي بروفنسال.
دار المكشوف 1957.
16- صفة جزيرة الأندلس. (منتخبة من كتاب الروض المعطار) .
نشر وتصحيح وتعليق: إ. ليفي بروفنسال. القاهرة 1937.
17- التعريف بمصطلحات صبح الاعشى:
محمد قنديل البقلي.
الهيئة المصرية للكتاب. 1983.
18- نزهة النفوس والأبدان في تواريخ الزمان:
الخطيب الجوهري، علي بن داوود الصيرفي.
مطبعة دار الكتب- 1973.
19- وفيات الأعيان-:
ابن خلكان.
تحقيق احسان عباس دار الثقافة، بيروت 2 20- معجم ما استعجم:
عبد الله بن عبد العزيز البكري.
تحقيق مصطفى السقا- عالم الكتب- بيروت.
21- بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب:
محمود شكري الآلوسي.
تحقيق محمد بهجة الاثري.
دار الكتب العلمية- بيروت.
22- التعريفات:
الجرجاني.
دار الكتب العلمية- بيروت.
23- الكليات (معجم في المصطلحات والفروق اللغوية:
أيوب بن موسى الحسيني الكندي.
تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري.
وزارة الثقافة- دمشق.
24- معجم المؤلفين:
عمر رضا كحالة.
مكتبة المثنى ودار احياء التراث- بيروت.
25- سفرنامة (رحلة ناصر خسرو إلى لبنان وفلسطين ومصر والجزيرة في القرن الخامس الهجري) .
نقله إلى العربية: يحيى الخشاب دار الكتاب الجديد.
26- تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) :
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري.
تحقيق: محمود محمد شاكر وأحمد محمد شاكر.
دار المعارف- مصر.
27- الميزان في تفسير القرآن:
محمد حسين الطباطبائي.
(7/446)

1 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات- بيروت.
28- تأصيل ما ورد في تاريخ الجبرتي من الدخيل:
أحمد السعيد سليمان.
دار المعارف- مصر.
29- الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة:
علي باشا مبارك.
الهيئة المصرية للكتاب- 1980.
30- الانتصار لواسطة عقد الامصار:
ابن دقماق.
دار الآفاق الجديدة- بيروت.
31- ولاة مصر:
محمد يوسف الكندي.
دار صادر- بيروت.
تحقيق: حسين نصار.
32- الخطط المقريزية (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) .
دار صادر- بيروت.
33- مسالك الأبصار في ممالك الامصار (قبائل العرب في القرنين السابع والثامن الهجريين) .
لابن فضل الله العمري.
دراسة وتحقيق: دوروتيا كرافولسكي.
المركز الإسلامي للبحوث- بيروت.
34- نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب:
القلقشندي.
دار الكتب العلمية- بيروت 1984.
35- معجم قبائل العرب القديمة والحديثة:
عمر رضا كحالة.
مكتبة المثنى ودار احياء التراث- بيروت.
36- الموسوعة العربية الميسرة:
إشراف محمد شفيق غربال. 2 دار الشعب ومؤسسة فرنكلين 1965.
37- مقدمة ابن خلدون:
مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني 1979.
38- في التراث العربي:
مصطفى جواد.
منشورات وزارة الإعلام- العراق 1975.
39- الدولة المملوكية:
انطوان خليل ضومط.
دار الحداثة- بيروت 1980.
40- تاريخ الإسلام في الهند:
عبد المنعم النمر.
دار العهد الجديد- 1959.
41- فتوح البلدان:
البلاذري.
تحقيق عبد الله الطباع. وعمر الطباع.
دار النشر للجامعيين 1957.
42- جمهرة الأمثال:
أبو هلال العسكري.
تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش.
المؤسسة العربية الحديثة 1964.
43- مجمع الأمثال:
الميداني تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.
مطبعة السنة المحمدية- 1955.
44- المستقصى في أمثال العرب:
الزمخشري.
دار الكتب العلمية- بيروت 1977.
45- امثال العرب:
المفضل بن محمد الضبّي
(7/447)

1 قدم له وعلق عليه: إحسان عباس.
دار الرائد العربي. بيروت.
46- دراسات في فقه اللغة:
الشيخ صبحي الصالح.
دار العلم للملايين- 1960.
47- فقه اللغة:
علي عبد الواحد وافي.
دار نهضة مصر- الطبعة السابعة.
48- علوم الحديث ومصطلحه:
الشيخ صبحي الصالح.
دار العلم للملايين 1977.
49- معجم الألفاظ والأعلام القرآنية:
محمد إسماعيل إبراهيم.
دار الفكر العربي.
50- الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار:
د. حسن الباشا.
القاهرة 1957.
51- ضوء الصبح: 2 القلقشندي.
القاهرة 1324 هـ.
52- لسان العرب:
ابن منظور.
دار صادر- بيروت.
53- القاموس المحيط:
الفيروزآبادي.
المؤسسة العربية للطباعة والنشر- بيروت.
54- المعجم الوسيط:
مجمع اللغة العربية- القاهرة.
55- مقاييس اللغة:
أحمد بن فارس.
تحقيق عبد السلام هارون. دار الفكر.
56- معجم عبد النور المفصل:
جبور عبد النور.
دار العلم للملايين- بيروت.
57- معجم.Petitlarousse 0891 Librairie larousse
(7/448)

فهرس موضوعات الجزء السابع
الوضوع الصفحة الطرف العاشر- في المكاتبات الصادرة عن ملوك الديار المصرية، ولها حالتان 3 الحالة الأولى- ما كان الأمر عليه قبل دولة الخلفاء الفاطميين 3 الحالة الثانية- من حالات المكاتبات الصادرة عن ملوك الديار المصرية، ومكاتباتهم على أربعة أساليب 18 الأسلوب الأول- أن تفتتح المكاتبة بالدعاء للمجلس أو الجناب 20 الأسلوب الثاني- أن تفتتح المكاتبة بلفظ الإصدار 22 الأسلوب الثالث- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «هذه المكاتبة إلى المجلس» 27 الأسلوب الرابع- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «كتابنا» وباقي الأمر على نحو ما تقدّم 29 الطرف الحادي عشر- في المكاتبات الصادرة عن ملوك أهل الغرب، ولها حالتان 30 الحالة الأولى- ما كان الأمر عليه في الزمن المتقدّم، وهو على أربعة أساليب 31 الأسلوب الأول- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «من فلان إلى فلان» ويدعى للمكتوب إليه 31 الأسلوب الثاني- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «أما بعد» وهو على ضربين 34 الضرب الأول- أن تعقّب البعدية بالحمد لله، ويؤتى على الخطبة إلى آخرها 34 الضرب الثاني- أن تعقّب البعدية بذكر المقصود من غير خطبة 37 الأسلوب الثالث- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «كتابنا إليكم من موضع كذا والأمر على كذا وكذا» 38 الحالة الثانية- ما الأمر مستقرّ عليه الآن مماكان عليه وزير ابن الأحمر، والمكابتة فيه على ثلاثة أساليب 40 الأسلوب الأول- أن تفتتح المكاتبة باللقب اللائق بالمكتوب إليه، وهو على أضرب 41 الضرب الأول- أن يبتدأ بلفظ «المقام» وهو مخصّص بالكتابة إلى الملوك 41
(7/449)

الموضوع الصفحة الضرب الثاني- أن يقع الابتداء بالمقرّ 50 الضرب الثالث- أن تفتتح المكاتبة بلفظ الإمارة 61 الأسلوب الثاني- أن تفتتح المكاتبة باسم المكتوب إليه أو المكتوب عنه، وهو على ضربين 64 الضرب الأول- أن تفتتح المكاتبة باسم المكتوب إليه تعظيما له 64 الضرب الثاني- أن تفتتح المكاتبة باسم المكتوب عنه، وهو على صنفين 67 الصنف الأول- ما يكتب به إلى بعض الملوك 67 الصنف الثاني- ما يكتب به إلى الرعايا 70 الأسلوب الثالث- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «أما بعد» 74 الطرف الثاني عشر- في الكتب الصادرة عن وزراء الخلفاء، وفيه جملتان 6 الجملة الأولى- في الكتب الصادرة عن وزراء خلفاء بني العباس ببغداد، وهي على أسلوبين 76 الأسلوب الأول- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «كتابي» 78 الأسلوب الثاني- أن تفتتح المكاتبة بلفظ الإصدار 81 الجملة الثانية- في الكتب الصادرة عن وزرا خلفاء الفاطميين بالديار المصرية 83 الطرف الثالث عشر- في المكاتبات الصادرة عن الاتباع، إلى الملوك ومن في معناهم، وفيه ثلاث جمل 86 الجملة الأولى- في المكاتبات الصادرة عن الاتباع ملوك الشرق إليهم في الزمن المتقدم، وهي على أسلوبين 86 الأسلوب الأول- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «كتابي» 86 الأسلوب الثاني- أن تفتتح المكاتبة بالإصدار 89 الجملة الثانية- في المكاتبات الصادرة عن الاتباع ملوك المغرب إليهم والمختار منه أربعة أساليب 95 الأسلوب الأول- أن تفتتح المكاتبة بالحضرة 99
(7/450)

الموضوع الصفحة الأسلوب الثالث- أن تفتتح المكاتبة بأمّا بعد، ويتخلص إلى المقصد ويختم بما يناسب المقام 103 الأسلوب الرابع- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «سيدي» أو «مولاي» مع حرف النداء أو دونه 104 الطرف الرابع عشر- فيما يختص بالأجوبة الصادرة عن الملوك وإليهم، وهي على ضربين 109 الضرب الأول- الأجوبة الصادرة عن الملوك إلى غيرهم، وفيه ثلاث جمل 109 الجملة الأولى- في الأجوبة الصادرة عن ملوك الشرق، وفيه أسلوبان 109 الأسلوب الأول- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «كتابنا» و «وصل كتابك» 109 الأسلوب الثاني- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «وصل كتابك» 112 الجملة الثانية- في الأجوبة الصادرة عن ملوك الديار المصرية من وزراء الخلفاء الفاطميين القائمين مقام الملوك الآن فمن بعدهم، وفيه أسلوب واحد، وهو الافتتاح بلفظ «وصل» 113 الجملة الثالثة- في الأجوبة الصادرة عن ملوك الغرب 116 الضرب الثاني- الأجوبة الواردة على الملوك 117 القسم الثاني- المكاتبات الصادرة عنهم إلى ملوك الكفر، وفيه طرفان 118 الجملة الأولى- في المكاتبات الصادرة إليهم عن ملوك بلاد الشرق ممن بني بويه فمن بعدهم 118 الجملة الثانية- في المكاتبات الصادرة عن ملوك الديار المصرية إليهم 121 الجلمة الثالثة- في الأجوبة الصادرة إليهم عن ملوك الغرب 123 الطرف الخامس عشر- المكاتبات الصادرة إلى ملوك الكفر في الأجوبة 124 الفصل الرابع- من الباب الثاني، من المقالة الرابعة- في المكاتبات الصادرة عن ملوك الديار المصرية إلى ولاة العهد بالخلافة 127 الطرف الأول- في المكاتبات الصادرة عنهم إلى الخلفاء من بني العباس 127 الطرف الثاني- في المكاتبة إلى ولاة العهد بالخلافة 144 الطرف الثالث- من المصطلح المستقرّ عليه الحال في المكاتبات الصادرة عن ملوك الديار المصرية إلى أهل المملكة: من مصر والشام والحجاز، وفيه ثلاثة مقاصد 148 المقصد الأول- في المكاتبات المفردة وفيه مسلكان 148
(7/451)

الموضوع الصفحة المسلك الأول- في بيان رتب المكاتبات ورتب أهلها، وهي على ضربين 148 الضرب الأول- المكاتبات إلى الملوك على ما كان عليه الحال في الزمن المتقدم 148 الضرب الثاني- المكاتبات إلى من عدا الملوك من أرباب السيوف والأقلام وغيرهم، وفيه مهيعان 150 المهيع الأول- في رتب المكاتبات، وهي على عشر درجات 150 الدرجة الأولى- الدعاء للمقرّ 150 الدرجة الثانية- الدعاء للجناب الكريم 153 الدرجة الثالثة- الدعاء للجناب العالي بمضاعفة النعمة 154 الدرجة الرابعة- الدعاء للجناب العالي بدوام النعمة 155 الدرجة الخامسة- الدعاء للمجلس بدوام النعمة 155 الدرجة السادسة- صدرت والعالي، ويعبّر عنها بالساميّ أيضا 156 الدرجة السابعة- صدرت والسامي، ويعبر عنها بالسامي بغير ياء 157 الدرجة الثامنة- يعلم مجلس الأمير 157 المهيع الثاني- في بيان مراتب المكتوب إليهم من أهل المملكة، وهم ثلاثة أنواع 166 النوع الأول- أرباب السيوف، وهم على ثلاثة أقسام 166 القسم الأول- من هو منهم بالديار المصرية، وهم ستة أصناف 166 الصنف الأول- نوّاب السلطنة الشريفة، وهم أربعة نواب 166 الصنف الثاني- الكشّاف 170 الصنف الثالث- الولاة بالوجهين القبليّ والبحريّ 171 الصنف الرابع- من يتوجه من الأبواب السلطانية من الأمراء لبعض الأعمال المتقدّمة الذكر 172 الصنف الخامس- باقي الأمراء بالديار المصرية 172 الصنف السادس- العربان بالديار المصرية وبرقة 175 النوع الثاني- ممن يكاتب عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية أرباب الأقلام، وهم على ضربين 179 الضرب الأول- أرباب الدواوين من الوزراء ومن في معناهم 179 الضرب الثاني- أرباب الوظائف الدينية والعلماء 180 النوع الثالث- ممن يكاتب عن الأبواب السلطانية ممن بالديار المصرية الخوندات السلطانية 182
(7/452)

الموضوع الصفحة القسم الثاني- من يكاتب بالممالك الشامية، وهم أربعة أنواع 184 النوع الأول- أرباب السيوف من النواب الكفّال وأتباعهم، وهي ثمان نيابات 184 النيابة الأولى- نيابة دمشق، المعبّر عنها في عرف الزمان بالمملكة الشامية، والمكاتبون بها ضربان 184 الضرب الأول- من بمدينة دمشق 184 الضرب الثاني- من بأعمال دمشق من نوّاب المدن والقلاع 185 النيابة الثانية- نيابة حلب، والمكاتبون بها على ضربين 194 الضرب الأول- من بمدينة طرابلس 194 الضرب الثاني- من بأعمال طرابلس من النوّاب، وهم صنفان 195 الصنف الأول- نوّاب قلاع نفس طرابلس 195 الصنف الثاني- نوّاب قلاع الدعوة المضافة إلى طرابلس 196 النيابة الرابعة- نيابة حماة، والمكاتبون بها ضرب واحد بمدينة صفد خاصة 197 النيابة الخامسة- نيابة صفد، والمكاتبون بها ضرب احد بمدينة غزّة خاصة 197 النيابة السادسة- نيابة غزّة، والمكاتبون بها ضرب احد بمدينة غزّة خاصة 197 النيابة السابعة- نيابة الكرك، والمكاتبون بها ضرب واحد بمدينة الكرك خاصة 198 النيابة الثامنة- نيابة سيس 199 النوع الثاني- ممن يكاتب بالمماليك الشامية أرباب الأقلام، وهم صنفان 201 الصنف الأول- أرباب الوظائف الديوانية 201 الصنف الثاني- القضاة والعلماء 202 النوع الثالث- ممن يكاتب بالبلاد الشامية العربان 203 النوع الثالث- ممن يكاتب بالبلاد الشمية التركمان 209 النوع الرابع- ممن يكاتب بالبلاد الشامية الأكراد 209 القسم الثالث- من يكاتب بالبلاد الحجازية 210 المسلك الثاني- في معرفة ترتيب المكاتبات المقدّمة الذكر وكيفية أوضاعها، وفيه مأخذان 214
(7/453)

الموضوع الصفحة المأخذ الأول- في ترتيب متون المكاتبات ولا يكون إلا ابتداء، وهي على ضربين 214 الضرب الأول- ما يكتب في خلاص الحقوق 214 الضرب الثاني- ما يكتب من متعلقات البريد في الأمور السلطانية وهي صنفان 217 الصنف الأول- ما يكتب به ابتداء 217 الصنف الثاني- ما يكتب في الجواب عمّا يرد من النواب وغيرهم 226 المأخذ الثاني- في معرفة أوضاع هذه المكاتبات 235 المقصد الثاني- في المكاتبات العامة إلى أهل هذه المملكة، وهي المطلقات، وحاصل مرجوعها إلى ثلاثة أضرب 238 الضرب الأول- المطلقات المكبّره 239 الضرب الثاني- من المطلقات المصغّره 243 الضرب الثالث- من المطلقات البرالغ 248 المقصد الثالث- من المكاتبات في أوراق الجواز وبطائق الحمام، وفيه جملتان 251 الجملة الأولى- في أوراق الجواز 251 الجملة الثانية- في نسخ البطائق، وهي على ضربين 254 الضرب الأول- أن تكون البطاقة بعلامة شريفة 254 الضرب الثاني- أن تكون بغير علامة 254 الطرف الثالث- في المكاتبات إلى عظماء ملوك الإسلام، وفيه أربعة مقاصد 255 المقصد الأول- في المكاتبات إلى عظماء ملولك الشرق، وفيه أربعة مهايع 256 المهيع الأول- في المكاتبة إلى الملوك والحكّام ومن جرى مجراهم بمملكة إيران، ويشتمل المقصود منها على ثلاث جمل 256 الجملة الأولى- في رسم المكاتبة إلى قانها الأعظم الجامع لحدودها، وله حالتان 256 الحالة الأولى- ما كان الأمر عليه في رسم المكاتبة في أوائل الدولة التركية، وفيه أسلوبان 256 الأسلوب الأول- أن يكتب تحت البسملة من الجانب الأيمن «بقوّة الله تعالى» 256 الأسلوب الثاني- أن يكتب تحت البسملة على حيال وسطا «بقوة الله تعالى وميامين الملة المحمدية» 264 الحالة الثانية- ما كان عليه رسم المكاتبة في الدولة الناصرية «محمد بن
(7/454)

الموضوع الصفحة قلاوون» إلى أبي سعيد 272 الجملة الثانية- في المكاتبات إلى من ملك توزير وبغداد بعد موت أبي سعيد 279 الجملة الثالثة- في رسم المكاتبة الى من انطوت عليه مملكة ايران، في أيام أبي سعيد فمن بعده، وهم ثمانية أصناف 285 النصف الأول- كفّال المملكة بحضرة القان، وهم على ضربين 285 الصنف الأول- كفّال المملكة بالحضرة في زمن القانات العظام كأبي سعيد ومن قبله من ملوكهم حين كانت المملكة على أتم الأبّهة وأعلى الترتيب 285 الضرب الثاني- كفّال المملكة بالحضرة بعد موت أبي سعيد 287 الصنف الثاني- ممن جرت العادة بمكاتبة مملكة ايران عن الأبواب السلطانية، صغار الملوك المنفردين ببعض البلدان 288 الصنف الثالث- ممن يكاتب هذه المملكة العربان، وهم: عبادة وخفاجة 304 الصنف الرابع- ممن يكاتب هذه المملكة التركمان 304 الصنف الخامس- ممن يكاتب بهذه المملكة الأكراد، وهم على ضربين 306 الضرب الأول- المنسوب منهم إلى بلاد ومقّرات معروفة 306 الضرب الثاني- من لم يصرّح له بمكان 311 الصنف السادس- ممن يكاتب بهذه المملكة إيران أرباب الأقلام 311 الصنف السابع- ممن يكاتب بمملكة إيران أكابر المشايخ والصلحاء 313 الصنف الثامن- ممن يكاتب بمملكة إيران النساء 314 المهيع الثاني- من المكاتبة إلى الملوك مملكة توران، وهي مملكة الخاقانية وفيها جملتان 315 الجملة الأولى- في رسم المكاتبة إلى قانها القائم بها 316 الجملة الثانية- في رسم المكاتبة إلى من انطوت عليه هذه المملكة من الاتباع والحكّام وهم على اصناف 325 الصنف الأول- كفّال المملكة 325 الصنف الثاني- الحكّام بالبلاد بهذه المملكة 327 المهيع الثالث- في المكاتبات إلى من بجزيرة العرب مما هو خارج عن مضافات الديار المصرية، وفيه جملتان 357 الجملة الأولى- في المكاتبات إلى ملوك اليمن، هم فرقتان 357 الفرقة الأولى- أئمة الزيدية 357 الفرقة الثانية- أولاد رسول 364
(7/455)

الموضوع الصفحة المكاتبات بين صاحب مصر وصاحب اليمن، وهي على ضربين 365 الضرب الأول- ماكان الأمر عليه في الدولة الأيوبية، وهو أن تفتتح المكاتبة بلفظ «أصدرناها» 365 الضرب الثاني- ما الأمر عليه من ابتداء الدولة التركية وهلّم جرّا إلى زماننا، وهو على ثلاثة أساليب 369 الأسلوب الأول- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «أدام الله تعالى نعمة أيام المقام العالي» 369 الأسلوب الثاني- وهو المذكور في «التعريف» 377 الأسلوب الثالث- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «أعزّ الله» تعالى نصرة المقام العالي» 379 الأسلوب الرابع- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «أعزّ الله تعالى نصرة المقام الشريف العالي» 385 الأسلوب الخامس- وهو ما جرى عليه في «التثقيف» أن أن تفتتح المكاتبة بلفظ «أعزّ الله تعالى أنصار المقام العالي» 389 الجملة الثانية- في المكاتبات إلى عرب البحرين ومن انصاف إليهم 396 المهيع الرابع- في المكاتبة إلى صاحب الهند والسند 398 المقصد الثاني- من المصطلح المستقرّ عليه الحال من المكتابتات الصادرة عن ملوك الديار المصرية في المكاتبات إلى ملوك الغرب، وفيه أربع جمل 403 الجملة الثانية- في المكاتبات إلى صاحب أفريقية، وهو صاحب تونس 403 الجملة الثالثة- في المكاتبة إلى صاحب الغرب الأقصى 413 الجملة الرابعة- في المكاتبة ملك المسلمين بالأندلس 440 تمّ بإذن الله فهرس موضوعات الجزء السابع من صبح الأعشى
(7/456)