Advertisement

صبح الأعشى في صناعة الإنشاء 009

[الجزء التاسع]
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
[تتمة المقالة الرابعة]
[تتمة الفصل السابع]
وصلّى الله وسلّم على سيدنا محمد وآله وصحبه
القسم الثاني من مقاصد المكاتبات، الإخوانيّات (مما يكتب به الرئيس إلى المرؤوس والمرؤوس إلى الرئيس والنظير إلى النظير)
قال في «موادّ البيان «1» » : ولها موقع خطير من حيث تشترك الكافّة في الحاجة إليها. قال: والكاتب «2» إذا كان ماهرا، أغرب معانيها، ولطّف مبانيها، وتسهّل له فيها ما لا يكاد أن يتسّهل في الكتب الّتي لها أمثلة ورسوم لا تتغيّر ولا تتجاوز، وهي على سبعة عشر نوعا:
(9/3)

النوع الأوّل (التّهاني)
قال في «مواد البيان» : كتب التّهاني من الكتب الّتي تظهر فيها مقادير أفهام الكتّاب، ومنازلهم من الصّناعة، ومواقعهم من البلاغة. وهي من ضروب الكتابة الجليلة النفيسة، لما في التهنئة البليغة من الإفصاح بقدر النعمة، والإبانة عن موقع الموهبة، وتضاعف السّرور بالعطيّة. وأغراضها ومعانيها متشعّبة لا تقف عند حدّ، وإنما نذكر منها الأصول الّتي تفرّعت منها فروع رجعت إليها، وحملت عليها.
قال: ويجب على الكاتب أن يراعي فيها مرتبة المكتوب إليه والمكتوب عنه في الرسالة اللائقة بهما مما لا يتسامح بمثله.
ثم التهاني على أحد عشر ضربا:
الضرب الأوّل (التهنئة بالولايات، وهي على تسعة أصناف)
الصنف الأوّل- التهنئة بولاية الوزارة
«1» : قد تقدّم في المقالة الثانية في الكلام على ترتيب المملكة أنّ الوزارة كانت في الزمن المتقدّم هي أرفع وظائف المملكة وأعلاها رتبة، وأنّها الرتبة الثانية بعد الخلافة. وكانت في زمن الخلفاء تكاد أن تكون كالسلطنة الآن، فهي «2» من
(9/4)

الأتباع ومن في معناهم على نحو ما كانت في الزّمن المتقدّم بين الرّؤساء والأكابر، ومن الرؤساء والأكابر بحسب ما تقتضيه رتبة المهنّإ.
وهذه نسخ تهان من ذلك على ما كان عليه الحال في الزّمن القديم.
تهنئة بوزارة: من إنشاء أبي «1» الحسين بن سعد، كتب بها إلى الوزير محمد «2» بن القاسم بن عبيد رحمه الله، وهي:
من كانت النعمة- أيد الله الوزير- نافرة عنه وبفنائه غريبة، فهي تأوي من الوزير إلى مثوى معهود، وكنف محمود، وتجاور منه من يوفّيها حقّها، ويقابلها بحسن الصّحبة لها، ويجري في الشكر لما يولّاه، والرّعاية لما يسترعاه، على شاكلة مضى عليها السّلف من أهله، ونشأ في مثلها الخلف، مقتديا بالأوّل الآخر، وبالماضي الغابر، تشابها في كرم الأفعال، ورعاية لحقوق الآمال، واعتمادا للرأفة والرّحمة، وعموما بالإنصاف والمعدلة، إلى ما خصّ الله به أهل البيت رضي الله عن الماضين منهم وأقام عزّ الباقين وحراستهم: من العلم بالسياسة والدّرابة «3» بتدبير المملكة ورعاية الأمّة، والهداية فيهم لطرق الحيطة ونهج المصلحة.
والحمد لله على ما خصّ به الوزير من فضله الذي رفع قدره فيه عن
(9/5)

مساماة ومشاكلة المقادر «1» والشّبيه، وجعله فيما حباه به نسيج وحده، وقريع دهره، وجمع له من مواهب الخير، وخصائص الفضل ما أبان به موقعه في الدّين، وأعطاه معه الولاية من جميع المسلمين.
والحمد لله حمدا مجدّدا على ما جدّده له من رأي أمير المؤمنين واجتبائه، ومحلّه من اختياره واصطفائه.
والحمد لله على ما منحه من كرامته، وجدّد له من نعمته، فيما أعاد إلى تدبيره من وزارته، وأشركه فيه من أمانته، احتياطا منه للمملكة، ونظرا للخاصّة والعامّة، فإنّ عائدة رأيه سوّت بين الضّعيف والقويّ، ووصلت إلى الدّاني والقضيّ؛ وأعادت إلى الملك بهاءه، وإلى الإسلام نوره وضياءه، فاكتست الدنيا من الجدّة بعد الإخلاق «2» ، والنّضارة بعد الإنهاج «3» ، ما لم يكن يوجد مثله إلّا بالوزير في شرف منصبه، وكرم مركّبه، فهنّأ الله الوزير ما آتاه وتابع له قسمه، ووصل له ما جدّد له بالسّعادة، وأمدّه فيه بالزّيادة؛ وأعطاه من كلّ مأمول أعظم حظّ وأوفر نصيب وقسم، تراخيا في مدّة العمر، وتناهيا في درجة العزّ، وأحتياطا بالموهبة في العاجلة، وفوزا بالكرامة في الآجلة، إنه فعّال لما يشاء.
تهنئة أخرى في مثل ذلك: أوردها في ترسّله، وهي:
التهنئة بالوزير للزّمان وأهله بما جمّلهم به، وجدّد لهم من ميسم العزّ، وسربلهم إياه من حلّة الأمن بولايته، والنعمة على أوليائه ورعاياه على حسب مواقعهم من مشاركته وحظوظهم من معدلته ظاهرة، ولله على ذلك الحمد الفاضل، والشكر الكامل. وللوزير من هذه النعمة الجليلة، والدولة السعيدة، أهناها موقعا، وأسراها ملبسا، وأدومها مدّة، وأجملها نغية، وأثراها مبوّءا، وأسلمها
(9/6)

عقبى، فتولّاه الله بالمعونة والحراسة، وأيّده الله بالنصر والكفاية، وأنهضه بما قلّده واسترعاه، وبلّغه محابّه ومناه، وأرجو أن يكون موقعي من ثقة الوزير يلحقني عنده بمن مكّنته الأيام من قضاء الحقّ في التلقّي والإبعاد، ويعوّضني بتفضيله مما حرمته منها محلّ ذوي الإخلاص والاعتداد.
تهنئة أخرى في مثل ذلك: أوردها في ترسّله أيضا، وهي:
وهذا أوّل يتلوه ما بعده بلا تناه ولا نقص بإذن الله ومشيئته، بل يكون موصولا لا تبلغ منه غاية إلّا شفعتها درجة ترقى، تكنف ذلك كفاية من الله شاملة كاملة، وغبطة في البدء والعاقبة بلا انقطاع ولا ارتجاع، حتّى يكون المنقلب منه بعد بلوغ العمر منتهاه، إلى فوز برحمة الله ورضاه. فهنيئا للوزير بما لا يقدر أحد أن يدّعي فيه مساعفة المقدار، ولا يناله بغير استحقاق، إذ لا مثل ولا نظير للوزير: فضلا ظاهرا، وعلما على العلوم موفيا، وسابقة في تقليب الخلافة ظهرا لبطن، وحلب الدّهر شطرا بعد شطر، وجمعا من مال السلطان «1» لما كان متفرّقا، وحفظا لما كان ضائعا، وحماية لبيضة «2» الملك، وضبطا للثّغور، وتلقّيا للخطوب بما يفلّ حدّها، ويطفيء نارها ولهبها ويقيم أودها «3» ، وما وهب الله في رأيه من فتح البلاد المرتجة، وقمع الأعداء المتغلّبة، وسكون الدّهماء، وشمول الأمن، وعموم العدل، والله يصل ذلك بأحسنه.
(9/7)

تهنئة أخرى في مثل ذلك: من إنشاء عليّ «1» بن خلف في «مواد البيان» وهي:
أطال الله بقاء حضرة الوزارة السامية، فارعة من المعالي أسمقها نجودا، كارعة من المنن أعذبها ورودا، ساحبة من الميامن أرقّها برودا، ممتّعة بالنّعم الّتي يرامي الشّكر عن حوزتها، ويحامي البشر عن حومتها، مبلّغة في أوليائها وأعدائها، قاضية ما ترتمي إليه رحابها، فلا ترى لها وليّا إلّا لا حب المذهب، ثاقب الكوكب، سامي الطّرف، حامي الأنف، ولا عدوّا إلّا ضيّق المطرح، وعر المسرح، صالد الزّند، مفلّل الحدّ، راغم العرنين، متلولا للجبين. ولا زالت أزمّة الدنيا بيدها حتّى تبلغ بآمالها منتهاها، وتجري بأيّامها إلى أقصى مداها، [فهي] من أعظم النّعم خطرا، وأحسنها على الكافّة أثرا، وأولاها بأن يفاض في شكرها، وتتعطّر الآفاق بذكرها. ولسيدنا الوزير الأجلّ يراع يستيقظ في صلاحهم وهم هاجعون، وينصب في الذّبّ عنهم وهم وادعون، وكل تدبيرهم فيه، إلى مدبّر يخاف الله ويتّقيه، ويعمل فيمن استرعاه بما يرتضيه، ولا يمدّ يد الاقتدار عليهم متسلّطا، ولا يتّبع دواعي الهوى فيهم متسقّطا، واضعا الأشياء في حقائقها، سالكا بها أمثل طرائقها، ملاينا من غير ضعف، مخاشنا من غير عنف، قريبا من غير صغر، بعيدا من غير كبر، مرغّبا بلا إسراف، مرهبا بإنصاف، ناظرا إلى محقّرات الأمور وأطرافها، كما ينظر في معاظمها وأشرافها، آخذا بوثائق الحزم، متمسّكا بعلائق العزم، راميا بفكرته من وراء العواقب، خاطما بآرائه أنوف المصاعب، ناظما بإيالته عقود المصالح، موطّئا برياضته ظهور الجوامح، إن ثقّف ذا النّبوة الفريدة، والهفوة الوحيدة، اقتصر على ما يوافقه الوالد الحدب، من مقوّم الأدب [وإن قبض] «2» على المرتكس في غوايته، المفلس في عنايته، ضيّق عليه مجال العفو، وأحاق به أليم العذاب والسّطو،
(9/8)

فقد سكنت الرعيّة في عدله، وأوت حرما منيعا من ظلّه، ووثقت أنّ الحق بنظره شامخ شاهق، والباطل سائخ زاهق، والإنصاف مبسوط منشور، والإجحاف محطوط مبتور، والشّمل منظوم، والشّرّ مضموم. فنطقت ألسنتها بإحماده، واشتملت أفئدتها على وداده، واتفقت أهواؤها على رياسته، وتطابقت آراؤها المسابقة على دوام سيادته، وعرف أمير المؤمنين عدق النظر في دولته، وسلّم أمور مملكته إلى النّصيح المأمون، والنّجيح الميمون، الذي وفّقه الله تعالى لاختياره، ويسّره لاصطفائه وإيثاره، وأنّه قد ناط أموره بمن لم يستخفّ ثقيل حملها، وينوء بباهظ ثقلها، فتمتّع بلذيذ الكرى، وتودّع بعد السّير والسّرى، وألم من إلمام ملمّ معضل، وحدوث حدث مشكل. وهذه نعمة تعمّ الخاصّة والعامّة عموم الغيث إذا همع «1» وتدفّق، وتشملهم شمول النهار إذا لمع وتألّق، وهم أولى بالتهنئة فيها وشكر الله تعالى عليها.
وسيدنا الوزير حقيق بأن يهدى إليه الدعاء المرفوع، والتضرّع المسموع، بأن ينهضه الله تعالى بما حمّله، ويعينه على ما كفّله، ويتولّاه بتوفيق يثقب أنواره، وتأييد يطبّق غراره، وتسديد يحسّن آثاره، وإجراء ما يتولّاه على أوضح سبيل وأقصده، وأرجح دليل وأرشده، إذ لا يجوز أن يهنّأ بما له عياؤه وكلّه، ولمذعنيه صلاحه كلّه. والعبد يسأل الله ضارعا لديه، باسطا يده إليه، في أن يقبل صالح أدعيته لحضرة الوزارة السامية، وأن يجعل ما أحلّه في محلّه من رياستها، وأوقعه في موقعه من سياستها، دائبا لا ينتزع، وخالدا لا يرتجع، وأن يؤيّدها فيه بما يقضي له بالإحراز والتّخويل، ويحميه من الابتزاز والتحويل، إنّه سميع الدعاء، فعّال لما يشاء، إن شاء الله تعالى.
الصنف الثاني- التهنة بكفالة السلطنة
:
(9/9)

وهذه نسخة من ذلك، كتب بها عن نائب «1» الشام، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة «2» ، وهي بعد الألقاب:
لا زال دائرا بهنائه الفلك، منيرا بضياء عدله وبشره الحلك، قريرا بحسن كفالته الملك، شاهدا بفضل أسمائه وسماته الملك، مقسوما بأمر الله نداه وبأسه ليحيا من حيّ ويهلك من هلك، تقبيلا يشافه به التّراب، ويشاهد شرف مطلعه على السّحاب. وينهي قيامه على قدم ولاء ودعاء: هذا ينزل القلب وهذا يصعد إلى الأفق، ومقامه على بشرى وحمد منهما الأمن يحلّى بوصفه النّطق كما تحلّى الأعطاف «3» بالنّطق، وأنه ورد مثال شريف على يد فلان يتضمّن البشارة العامّة، والمسرّة التامّة، والنعمة الّتي يعوّذ سنا جبينها من كل عين لامّة، وخبر الخير الذي حيّت أزهاره المتضوّعة ندّ مصر فأوّل ما بلّغه منافس الشام شامّة، بأنّ المواقف الشريفة- أعزّ الله تعالى سلطانها- قد فوضت إلى مولانا كفالة الإسلام وبنيه، وكفاية الملك بصالح مؤمنيه، ونيابة «4» السلطنة الشريفة وما نسقت، وتدبير الممالك وما وسقت، فيالها بشرى ابتسمت لها ثغور البشر، ومسرّة
(9/10)

استجلى سناها من آمن وبهت الذي كفر، وخبرا تلقّت الأسماع بريده منشدة:
قل وأعد بأطيب الخبر، هنالك أخذ المملوك حظّه من خير بشرى، ونصيبه من مسرّة حمد بصباح طرسها المسرى؛ وحمد الله تعالى على أن أقام لسلطان البسيطة من يبسط العدل والإحسان لمنابه، ويقلّد رعيّته عقود النّعم إذا تقلّد ما وراء سريره وبابه، ومن إذا كفل سيفه ممالك الإسلام وثقت بالمغنم والسّلامة، وإذا كتب قلمه قالت، ولا سيّما أخبار جند المسلمين: هكذا تكون العلامة، وجهّز المملوك هذه الخدمة نائبة عنه في تقبيل الأرض، وعرض الهناء بين يدي من يسرّ المملوك بولائه إليوم ويرجو أن يسرّ به يوم العرض، ولو وصف المملوك ما عنده من السّرور والشّوق لضاق الورق عن تسطير الواجب منه وضاق الوقت عن أداء الفرض. والله تعالى يجدّد لمولانا ثمرات الفضل الواضح، والرأي الرابح، والقدر الذي هو على ميزان الكواكب راجح، ويمتّعنا كافّة المماليك «1» بدولة سلطانه الذي علم البيت الشريف أنّه على الحقيقة الخلف الصّالح.
وهذه نسخة تهنئة لأمير «2» جاندار بولاية إمرة «3» جاندار، من إنشاء الشيخ
(9/11)

جمال الدين بن نباتة، وهي بعد الألقاب:
أعلى الله منارها ومنالها، وخلّد قبولها وإقبالها، وأجزل من الغضّ الذي تناولته ثمرها وأسبغ به ظلالها، ولا زال في سيفها وعصاها مآرب للملك، وفي بأسها ونداها مواقع للنّجاة والهلك، ولا برحت القضب من سيوف وغصون:
هذه حاكمة بسعدها حكم الملك، وهذه مسخّرة في تجريدها تسخير الفلك، تقبيل مخلص في ولائه ودعائه، مهنّا القلب مسرور بما يتجدّد من مسرّات مولانا وهنائه، وينهي أنه بلغه ما أفاضته الصدقات الشريفة على مولانا من المبرّات، وما جدّدت له من المسرّات، وأنها ضاعفت مزيد الإحسان إليه، ودعته أمير جاندار ودّت العصيّ النّجوميّة لو قدّمت نفسها بين يديه، وأنّ المواقف الشريفة قرّت به عينا وأقرّت، وأنّ الدولة القاهرة ألقت عصاها إليه واستقرّت؛ وكما سلّمت إليه العصا في السّلم سلّمت إليه السيف في الحرب، وكما قرّبته في مواقف العدل والإحسان قرّبته في مواقف الطّعن والضّرب، فأخذ المملوك حظّه من البشرى، وأوجب على نفسه الفرح وسجد لله شكرا، وودّ لو حضر يشاقه بهذا الهناء الشامل، ومثل قائما لديه بحقّ التهنئة القيام الحقيقيّ الكامل. وحيث بعدت داره، ونأت عن العيان أخباره، فقد علم الله تعالى مواصلته بالأدعية الصالحة ليلا ونهارا، والموالاة والمحبّة الّتي يشهد بها الخاطر الكريم سرّا وجهارا. والله تعالى المسؤول أن يزيد مولانا من فضله، ويسرّه بمتجدّدات الخير الذي هو من أهله، ويمتّعنا كافّة المماليك بدوام سلطان هذه الدولة الذي شمل بظله، وغني بنصره عن نصله، إن شاء الله تعالى.
الصنف الثالث- التهنئة بالإمارة
«1» .
(9/12)

من كلام الأقدمين:
تهنئة من ذلك، أوردها أبو الحسين بن «1» سعد في ترسّله، وهي:
وهنأ الله الأمير مواهبه الهنيّة، وعطاياه السّويّة، وأدام تمكينه وقدرته، وثبّت وطأته، وحرس ما خوّله، وجعل ما هيّأ له من مؤتنف الكرامة أيمن الأمور فاتحة وأسعدها عاقبة، ووصل أيّامه بأجمل الولاية، وأجلّ الكفاية، حتّى ينتهي [من] استيفاء سعادات الحظوظ وحوز القسم والآمال، [إلى] الدرجة الّتي تليق بما أفرده الله به من الكمال، وخصّه به من الفضل في جميع الخصال. ومن أفضل ما أعتدّ به من نعم الله عليّ بالأمير وبجميل رأيه، ومحلّي من طاعته وخدمته، أنّي لا أخلو في كل وقت وحال من بهجة تتجدّد لي، ومسرّة تصل إليّ، وتتوفّر عليّ، بما يسهّله الأمير على يده من مستصعب الأمور، ومستغلق الخطوب، الّتي تبعد عمّن يزاولها، ويجعل الله بطوله وحوله للأمير القدرة عليها، ويتوحّد بالكفاية فيها، فينمو بجميل تدبيره ولطيف نظره، ويطّرد بصاعد نجمه ويمن نقيبته وعزّ دولته، وذلك من فضل الله ونعمته، يؤتي فضله من يشاء وهو ذو الفضل العظيم.
الصنف الرابع- التهنئة بولاية الحجابة.
وقد كان لها في الزّمن القديم المحلّ الوافر في الدولة وعلوّ الرتبة فيها.
من كلام الأقدمين:
تهنئة من إنشاء أبي الحسين بن سعد، كتب بها إلى أبي بكر «2» بن ياقوت
(9/13)

حين ولي الحجابة بعد نكبة أصابته، وهي بعد الصدر:
وقد كانت أنفسنا معشر عبيد سيدنا وحملة إنعامه، ومؤمّلي أيامه، في هذه الأحوال الّتي نفد سيدنا منها فيما ابتلاه صبره، وأبان فيه قدره، وزاد العارف بفضله نفوذا في البصيرة، وأعاد ذوي الارتياب فيه إلى الثّقة، فاستوى المنازع والمسلّم، واستوى العالم والمعاند- نعمة منه تعالى ذكره خصّه بها وصانه عن مشاكلة النظير، ومزاحمة الأكفاء- على سبيل من القلق والارتماض «1» ، والسّقوط والانخفاض، جزعا من تلك الحال الغليظة، وإشفاقا على تلك النّفس النّفيسة، وخوفا على معالم البرّ والتّقى، وبقيّة العلم والحجا، وتاريخ الكرم والنّدى، أن يدرس منارها، وتطمس آثارها، ولولا ما منّ الله به من الخلاص منها وما منح بكرمه في عاقبتها، لأوشكت أن تأتي عليها وتعجلها عن مواقيت آجالها، لكنه عظمت آلاؤه، وتقدّست أسماؤه، أتى بالأمن والفرج، بعد استيلاء الكرب والوجل، وانبتات أسباب الرّجاء والأمل، فعرف سيدنا موقع الخيرة فيما قضاه، وميّز له الخبيث من الطيّب ممّن عاداه وتولّاه، وجعل النعمة الّتي جدّدها له فيما ردّه أمير المؤمنين إلى تدبيره من أمر داره ومملكته، وحراسة بيضة رعيّته، مشتركة النّفع والفائدة، مقسومة الخير والعائدة، بين كافّة الأمّة فيما عمّ من المعدلة، وشمل من المصلحة، ولاح من تباشير الخير، وأمارات البركة، في استقامة أمور البلاد وصلاح أحوال العباد، وأفرد الله سيدنا بحظّ من الموهبة وفّاني فيه على حظوظ الأولياء، وزادني على سهام الشّركاء. وأنا أرغب إلى الله في إسعاد سيدنا بما جدّده له، وتعريفه بركة مفتتحه ويمن خاتمته.
والحمد لله في مبتداه، والسلامة في عقباه، وتبليغه من حظّ مأمول، وخير
(9/14)

مطلوب، وحال عليّة، ورتبة سنيّة، أفضل ما بلّغ أحدا اختصّه بفضله، واصطفاه من خلقه، إنه جواد ماجد. فإن رأى سيدنا أن يتطوّل بإجراء عبده على كريم عادته في تشريفه بمكاتبته، وتصريفه في أمره ونهيه، محقّقا بذلك أمله، وزائدا في نعمه عنده، فعل إن شاء الله تعالى.
تهنئة أخرى من ذلك، من إنشاء عليّ»
بن خلف أوردها في «موادّ البيان» وهي:
إنما يهنّأ بالولاية- أطال الله بقاء الحاجب «2» الجليل سيّدي ومولاي- من انبسطت إليها يده بعد انقباض، وارتفع لها قدره من انخفاض، وأوجدته الطريق إلى إحراز جزيل الأجر والجزاء، واكتناز جميل البركة والثّناء، وأفضت به إلى اتّساع السّلطان، وانتفاع الأعوان، فأمّا من جعل الله يده الطّولى، وقدره الأعلى، ورياسته حاصلة في نفسه وجوهره، وسيادته مجتناة من سنخه «3» وعنصره، فالأولى- إذا استكفي رغبة في إنصافه وعدله، وحاجة إلى سداده وفضله، وافتقارا إلى فضل سيرته، واضطرارا إلى فاضل سياسته- أن تهنّأ الرعيّة بولايته، وتسرّ الخاصّة والعامّة بما عدق من أمورها بكفايته؛ وغير بدع ربط «4» أمير المؤمنين بالحاجب الجليل أمر حجابته، ونصبه الزّحمة «5» عن حضرته، وجعله الوسيط والسفير بينه وبين خواصّ دولته، وقد وثق بيمن نقيبته، واطّلع
(9/15)

على خلوص نيّته، وسكن إلى صدق طاعته، وعرف طهارة جيبه، وسلامة غيبه، وصدق لهجته، وحصافة أمانته، واعتماده للحقّ فيما يورد ويصدر، وينهي ويجيب، وابتلاه فعرف طيب طعمته، وخفّة وطأته، ورأفته بالضّعيف المهضوم، وغلظته على العسوف الظّلوم، [فرأى] أن يحلّه محلّ من لا يغيب عمّا شهده، ولا يرتاب بما سمعه، على أنّني المهنّأ بكل نعمة يجدّدها الله لديه، وسعادة يسبغها عليه. [ولو أنصفت] لسلكت من الصّواب سننا، واعتقدت جميلا حسنا؛ لاستشعاري بالأنفس من لبوس سيادته، وتحلّيّ بالأنصع من عقود رياسته، وإذا كانت رعيّته أجدر أن تهنّأ بولايته، وتعرف قدر ما لها من الحظّ في نظره، فأنا أعدل من هنائه إلى الدّعاء له بأن يبارك الله تعالى له فيما قلّده، ويوفّقه فيما ولّاه ويسدّده، ويلهمه ادّخار الثواب والأجر، واكتناز الحمد والشكر، والهداية إلى سنن الاستقامة، وما عاد بمحبّة الخاصّة والعامّة، وإنهاضه في خدمة أمير المؤمنين، والعمل من طاعته بما يزلف في الدنيا والدين. والله يستجيب في الحاجب الجليل هذا الدعاء ويسمعه، ويتقبّله ويرفعه، إن شاء الله تعالى.
الصنف الخامس- التهنئة بولاية القضاء.
التهنئة بذلك من كلام الأقدمين:
تهنئة من ذلك: من إنشاء عليّ بن خلف، أوردها في «موادّ البيان» وهي:
أولى المنح أن يتفاوض شكرها والتحدّث بها، ويتقارض حمدها والقيام بواجبها، نعمة شمل عطافها، وعمّت ألطافها، واشترك الناس فيها اشتراك العموم وحلّت منهم في النفع محلّ الغيث السّجوم «1» . وهذه صورة النعمة في
(9/16)

ولاية قاضي «1» القضاة- أطال الله بقاءه- لما تتضمّنه من إثبات العدل والإنصاف، وانحسار الجور والإجحاف، واعتلاء الحقّ وظهوره، واختلاء الباطل وثبوره، وعزّ المظلوم وإدالته، وذلّ الظّلوم وإذالته، وتمكين المضعوف واقتداره، وانخزال العسوف واقتساره. وإن هنّأته حرس الله علاه بموهبة أتى بارقها بجميل الثّناء، وجزيل الجزاء، قد ناء من تحمّلها بباهظ الشيء ومتعبه، وقام من سئلها بكل الأدب ومنصبه، عدلت عن الأمثل وضللت عن الطريقة المثلى، لكنّي أهنّئه خصوصا بالمواهب المختصّة به اختصاص أطواق الحمائم بأعناقها- والمناقب المطيفة به إطافة كواكب السّماء بنطاقها، في أن ألّف الله القلوب المتباينة على الإقرار بفضله، وجمع الأفئدة المتنافية على الاعتراف بقصور كلّ محلّ عن محلّه، وجعل كلّ نعمة تسبغ عليه، ومنّة تسدى إليه، موافقة الآمال والأماني، مفضية للبشائر والتّهاني؛ لأنّ من أحبّ الحقّ وآثره، ولبس الصّدق واستشعره، ينطق بلسان الإرادة والاختيار، ومن تركهما وقلاهما، وخلعهما وألقاهما، ينطق بلسان الافتقار والاضطرار- والخصائص الّتي هو فيها نسيج وحده، وعطر يومه وغده- والمحاسن الّتي هي أناسيّ عيون الزّمان، ومصابيح أعيان الحسن والإحسان. ثم أعود فأهنّئه عموما بالنّعم المشتركة الشّمول، الفضفاضة الذّيول، الّتي أقرّت القضاء في نصابه، وأعادت الحكم إلى وطنه بعد نجعته واغترابه، وأعلتهما في الرّتبة الفاضلة، وقدعت «2» بهما
(9/17)

أنف الذّروة العالية. وأرفع يدي إلى الله تعالى داعيا في إمداد قاضي القضاة بتوفيق يسدّد مراميه، ويرشد مساعيه، ويهذّب آراءه ويصحّحها «1» ، ويبلج أحكامه ويوضّحها، ويخلّد عليه النعمة خلودها على الشاكرين، ويبصّره بحسن العقبى في الدنيا والدّين، وهو سبحانه يتقبّل ذلك ويرفعه، إن شاء الله تعالى.
التهنئة بذلك، من كلام أهل العصر:
تهنئة من ذلك: أوردها الشيخ شهاب «2» الدين محمود الحلبيّ في كتابه «زهر الربيع في الترسّل البديع» وهي:
أنفذ الله تعالى أحكامه، وشكر إحسانه وإنعامه، وخلّده ناصرا للشريعة المطهّرة وأدامه، وجدّد سعده وأسعد أيّامه، وجعله المسترشد والمقتفي بأمر الله والرّاشد والمستنجد والمستنصر والناصر والعاضد، والحاكم القائم بأمر الله ... «3» ... من القضاة الثلاثة الواحد.
المملوك يقبّل اليد العالية تبرّكا بتقبيلها، وأداء لواجب تعظيمها وتبجيلها، ويهنّيء المولى بما خصّه الله تعالى من مضاعفة نفاذ كلمته ورفع منزلته، وإمضاء أحكامه الشريفة وأقضيته، وتقليده أمور الإسلام، وتنفيذ أوامره في الخاصّ والعام، ويهنّيء بالمولى من ردّت أموره إليه، وعوّل في ملاحظة مصالحه عليه،
(9/18)

فإنّ مولانا ما زال بالعلم والعمل مشهورا، وسعيه في الدنيا والآخرة سعيا مشكورا، ويقظة مولانا جديرة بزيادة الاهتمام، والاحتياط التامّ، بملاحظة طلبة العلم والمشتغلين، والفقهاء والمدرّسين، وسبر أحوال النّوّاب «1» ، وأن لا يكفيه الاعتماد على حسن البزّة وطهارة الأثواب، بل يمعن في الاطّلاع على ما يعتمدونه النّظر، ويلاحظ كلّا منهم إن غاب عن مجلسه أو حضر، فمن رآه يهدي إلى الحقّ وإلى الطريق المستقيم، ولا يقرب إلّا بالتي هي أحسن مال اليتيم، فيحقّق له من العناية أملا، ولا يضيع أجر من أحسن عملا، حرس الله المولى ومتّع بحياته، وأعاد على الكافّة بركة صيامه المقبول وصلاته، ونفع الإسلام بمستجاب دعواته، إن شاء الله تعالى.
الصنف السادس- التهنئة بولاية الدعوة على مذهب الشّيعة.
وقد تقدّم في الكلام على ترتيب المملكة في الدّولة الفاطميّة، بالديار المصرية، ذكر موضوعها وعلوّ رتبتها عندهم، وإنما ذكرناها حفظا للأصل ولاحتمال وقوعها.
تهنئة من ذلك: من إنشاء عليّ بن خلف، أوردها في «موادّ البيان» وهي:
أطال الله بقاء داعي «2» الدّعاة لصباح من الرحمة يبلجه، وطريق من
(9/19)

الحكمة يظهر بيانه، وليل من السّنّة ينزع طيلسانه، وحرسه على الإيمان يجدّد ما أخلق من بروده، وينظّم ما وهي من عقوده، وعلى المؤمنين يفتح لهم أبواب الرّشاد، ويهمي إليهم سماء الإفادة والإمداد، ولا زالت الحقائق مقصودة منه بالميزة الّتي رشّحته لحفظ مبانيها، وأهّلته للعبارة عن معانيها، حتّى يرقمها في الأخلاد، ويمحو بها رسوم العناد، وينشر بشرها في الآفاق والبلاد. أنا أعدل عن هناء داعي الدّعاة- أطال الله بقاءه- بما عدق به من أمر الدّعوة الهاديّة العلويّة، ونصب له من فرّ مضاحك المشكلات عن أسرار الحقائق الإلهيّة، والترجمة عن غوامض الحكم الشّرعيّة، والتوقيف على موارد الهدى ومشارعه، والإرشاد إلى مشارق الحق ومطالعه، إلى هناء الدّعوة وأهلها بما قيّضه الله تعالى لهم من محلّه الرفيع الذي ألحقه العقل نحو هذا الكمال، ووطّأ له مدارج الترقّي والاتّصال، فشفّت نفسه وشرفت، وتطلّعت على عالم الملكوت وأشرفت، وجنى بيد التّبصرة ثمار الحكمة، واستنزل بمنزل الموادّ غيوث النّعمة، وجرّد الضّياء من الظلام، تجريد الأرواح من الأجسام إلى دار السّلام، واستمدّ بلطيفته موائد علوم عالم اللّطافة، وأمدّ بمركّب ألفاظها تحاكم الكافة، وحلّ في الغبراء محلّ الغرّاء في الخضراء، إن أوضحت سبيل سائر بجنب طريق جائر توصّل بنزوعها غاشية إظلام، حسر عن الحق قناع إبهام، أو فعلت «1» في الجواهر زيادة وثمرة (؟) أخذت تعاديا (؟) فأدلته للهمم العاملة شرفا وسموّا؛ لما أعلى بذلك من قدرها وقدرهم، وطيّب من ذكرها وذكرهم، وأعطف إلى الدعاء لداعي الدّعاة بأن يجعل الله تعالى ما خوّله من هذه الرّياسة راهنا لا يرتجع، وما نوّله من هذه السيادة مستقرّا لا ينتزع، وأن يؤيّده بالتوفيق، ويعبّد له مناهج التحقيق، ويطلق لسانه بالبيان، ويمدّه بروح منه في نصرة الإيمان، وقد حتم الله
(9/20)

تعالى بإجابة داعيه، ولا سيما داعي الدّعاة [فإنه] جدير بأن يجاب الدعاء فيه، إن شاء الله تعالى.
قال في «موادّ البيان» : وإنما أوردت هذا المثال بهذه الألفاظ؛ لأن ألفاظ هذا الدّاعي يجب أن تكون مشتقّة من ألفاظ الدعوة، مناسبة لمذهبها، ولولا ذلك لأغنى عنه مثال تهنئة قاضي القضاة، ومن تأملهما عرف ما بينهما من الفرقان.
الصنف السابع- التهنئة بالتقدمة على الرجال.
رقعة من ذلك:
[من حلّ] محلّ سيدي- أطال الله بقاءه- من السّؤدد الناطق الشّواهد، المنتظم المعاقد، المتضارع الطارف والتالد، المنتقل في الولد عن الوالد- والمجد الذي قصر عن مطاولته الطّراز الأوّل، وتطأطأ له الإنعام المخوّل، وحاز ما حازه من شرف الرّياسة، وفضل السّياسة، والاستقلال بحقوق ما تولّاه، وتسديد ما نوّله واستكفاه، فتشوّقت إليه أعالي الرّتب وتشوّقت إليه المنازل السنيّة من كثب- خطبته العلا سائقة عنه مهرها، وتطامنت له موطّئة ظهرها، فلم يكثر له أن يتقدّم على [أهل] عصره فضلا عن قبيلته، ويتأمّر على جميع نوعه فضلا عن طائفته، لأنه المقدّم عليهم بالرّتبة والطّبع، لا بالاصطلاح والوضع، فشكر المملوك الله تعالى على بزوغ هلاله وإبراقه، وطلوعه لميقات العز وتنفاقه، وسأله أن يجعل ما أقرّ العيون من سيادته، وحقّق الظنون في سعادته، خالدا راهنا، ومقيما قاطنا، وأن يزيده من السعادة، ويرقّيه كلّ يوم في درج السيادة، لتكون هذه الرتبة على امتناع مرقبها، وارتفاع مركبها، أوّل درجة تخطّاها، ومنزلة فرعها وعلاها، ثم لا يزال راقيا فيما يتلوها حتّى يحتذي بكواكب الجوزاء، ويطحو دارة على الحلفاء، مهنّأ غير منغّص، ومزيّدا غير منقّص، والله تعالى يجيب هذه الأدعية الواقعة مواقعها، والمستحقّات الموضوعة مواضعها.
(9/21)

الصنف الثامن- التهنئة بولاية الديوان «1»
. رقعة من ذلك:
وينهي أنّ من حلّ محلّ مولانا- أطال الله بقاءه رافلا في لبوس السّعادة، متحفّلا بسلوس السّيادة، متنقّلا في رتب المجد، متوقّلا إلى غدن «2» الجدّ، مستوليا على شعاب العلا، متمكّنا من رقاب الأعداء- في الاستقلال والاضطلاع، والمعرفة بحقوق الاصطفاء والاصطناع، ورفعة مذهبه على الكفاية والغناء، والنهوض بثقيل الأعباء، خطبته التصرّفات حاملة عنه صداقها، وتشوّفته الولايات مادّة إليه أعناقها، وقد اتصل بالمملوك ما جدّده الله تعالى من سعادته، وأنجزه من مواعيد سيادته، الّتي كانت واضحة في مخايل فضله، لائحة في دلائل نبله، مكتوبة في صفحات الأقدار، مرقومة بسواد اللّيل على بياض النهار، فجذل المملوك بذلك، جذل الحميم المشارك، وسرّبه سرور الخليط المشابك، وليس ذلك لأنّ الذي تولّاه مولانا وجد [فيه] خللا فرقعه، وخمولا فرفعه؛ بل لأنّ الحقّ غالب الحظّ فغلبه، والواجب سالب الممكن
(9/22)

فسلبه، وأناخ ركاب الرّياسة في المحلّ الخصب الذي يحمده ويرتضيه، والله تعالى يتفضّل على رعيّته، المتوطّنين بفاضل سياسته، من حبائه ولطفه، ورأفته وعطفه، بما يسبغ عليهم ظلال العدل، ويقلّص عنهم سدول الجور والحيف، إن شاء الله تعالى.
قلت: وكتبت للمقرّ البدريّ محمود «1» الكلستاني الشهير بالسّراي مهنّئا له باستقراره في كتابة السّرّ الشريف بالديار المصرية في الدولة الظاهرية «برقوق» «2» في سلطنته الأولى (بسيط) .
رفعت للمجد مذ ولّيت بنيانا ... وشدت للفضل بعد الوهن أركانا
وأصبح الملك في زهو، ومالكه ... يميس عجبا، وهنّا التّخت «3» إيوانا
قدمت مصرا فأمست منك في فره «4» ... تهزّ بالبشر من لقياك أردانا
وغودر النّيل مذ وافيت مبتهجا ... وقد رمى الصّدّ والإبعاد جيحانا
(9/23)

ألفاظك الغرّ صارت للورى مثلا ... وكتبك الزّهر بعد اللّثم تيجانا
تفوق قسّا إذا تبدو فصاحتها ... وتفضح المصقع الملّاق سحبانا
قد أفحمت في مجازات بلاغتها ... تركا وروما وبعد الفرس عربانا
كلّ الموالي إذا ولّوا فلا أسف ... إذ أنت باق، ويبقي الله مولانا
مولّى به قد تشرّفنا وجمّلنا ... بوجهه، ولذكر القوم أنسانا
الصنف التاسع- التهنئة بولاية عمل.
أبو الفرج «1» الببّغاء:
عرّف الله سيدي بركة هذا العمل الجليل، بنبيل نظره الجميل، وحميد أثره المحروس، وتناصر سياسته الشريفة بسمة رياسته، ووفّق رعيّته لشكر ما وليها من فائض عدله ومحمود فعله، فالأعمال منه- أيده الله تعالى- بالتهنئة أولى، وبالتّطاول بما شملها من بركات تدبيره أحرى، والله بكرمه يسمع فيه صالح الدعاء، ويبلّغه أبلغ مدد البقاء، في أسبغ نعمة، وأرفع منزلة، وأصدق أمنيّة، وأنجح طلبة، بمنّه.
وله في مثله:
لولا ما يشرك التّهاني من بركات الدّعاء الذي أرجو أن يسمع الله فيك صالحه، ويجيب أحسنه، لأجللناك عن التّهنئة بمستجدّ الأعمال، ومستحدث الولايات، لقصورها عن استحقاقك، وانحطاطها وإن جلّت عن أيسر واجباتك، وتعجّلها بمأثور كفايتك، وبركات نظرك، ومواقع إنصافك. فهنأك الله نعمة
(9/24)

الفضل الّتي الولاية أصغر آلاتها، والرّياسة بعض صفاتها، ولا أخلاك من موهبة مجدّدة، ومنحة مؤبّدة.
وله في مثله:
سيدي- أيده الله- أرفع قدرا، وأنبه ذكرا، وأعظم نبلا، وأشهر فضلا، من أن نهنّئه بولاية وإنّ جلّ خطرها، وعظم قدرها؛ لأنّ الواجب تهنئة الأعمال بفائض عدله، والرّعيّة بمحمود فعله، والأقاليم بآثار رياسته، والولايات بسمات سياسته، فعرّفه الله يمن ما تولّاه، ورعاه في سائر ما استرعاه، ولا أخلاه من التوفيق فيما يعانيه، والتسديد فيما يبرمه ويمضيه.
الأجوبة عن التّهاني بالولايات قال في «موادّ البيان» : هذه الكتب إذا وردت، وجب على المجيب أن يستنبط من كل كتاب منها المعنى الذي يجيب به. قال: والطريقة المستعملة فيها أنّ كتاب المجيب يجب أن يبنى على أن المهنّيء قسيم في النّعمة المتجدّدة، وشريك في المنزلة المستحدثة، وأن الحظّ الأوفر فيما ناله المهنّى للمهنّي وببركة دعائه، وتوقعه لما يرد من حاجاته وتبعاته لينفّذها، نازلا على أخلص مخالصته، وعاملا بشروط مودّته، ونحو هذا مما يضارعه. فإن كان المجيب رئيسا أو مرؤوسا، وجب أن يرتّب الخطاب على ما تقتضيه رتبة كلّ واحد منهما.
وهذا مثال من ذلك:
زهر الربيع:
وردت المشرّفة الكريمة، أتمّ الله على مرسلها نعمته، وأعلى قدره ومنزلته، وجعل جناح العدا مخفوضا، وعيشه في دعة وخفض، وقدره للتمييز مرفوعا، وعدوّه للتقصير في انحطاط وخفض، فتلقّاها باليمين، وظنّها الريح الجنوب لما تحمّلته من رقّة الحنين، وعلم ما أبداه فيها من تفضّلاته، واعترف بالتقصير عن مجاراته ومجازاته، فشنّف سمعه بألفاظ كأنّهنّ اللّؤلؤ والمرجان،
(9/25)

وبيّنت البون الذي بينه وبين غيره تلك الفصاحة والبيان، وقابل أياديه بشكر لسانه، وجازاه بحسن الدّعاء عن إحسانه، ولا يقوم بشكر فضله اللسان ولا الجثمان، وهل جزاء الإحسان إلّا الإحسان؟
فأمّا ما أشار إليه من الهناء بالمكان الذي تولّاه، وأبداه من المحبّة الّتي أوجبت عليه أن يتوالاه، فالله تعالى يعينه على ما هو بصدده، ويجعل الحقّ والخير جاريين على لسانه ويده، ويرزقه اتباع محكم كتابه وسنّة رسوله، ويحصّل له من الرّشد غاية سوله ومأموله، فإن هذه الولاية صعبة المراس، وجوادها كثير الشّماس، لكن ببركات المولى يحصل من الله الأرب، ويسهل لأوليائه القصد والإسعاد والطّلب، أدام الله ظلّ المولى وأسعده، وأوضح لديه طريق السعادة ومهّده، ومنحه من الألطاف الخفيّة أفضل ما عوّده، بمنّه وكرمه.
الضرب الثاني (التهنئة بكرامة السلطان وأجوبتها)
وفيه ثلاثة أصناف:
الصنف الأوّل- التهنئة بالإنعام والمزيد ولبس الخلع «1» وغير ذلك.
من كلام الأقدمين:
وينهي أنه اتّصل بالمملوك ما أهّل مولانا السلطان مولانا له: من المحلّ السّنيّ،
(9/26)

والمكان العليّ، الذي لم يزل موقوفا عليه، متشوّفا إليه، نافرا عن كلّ خاطب سواه، جامحا على كلّ راكب إلّا إيّاه، فأقرّ الله عين المملوك بذلك لصدق ظنه، وعلم أنّ ما أصاره الله تعالى إليه من هذه المنزلة المنيفة، والرّتبة الشريفة، مدرجة تفضي إلى مدارج، ومعرجة تنتهي إلى معارج، والله تعالى يزيد معاليه علوّا، ويضاعف محلّه سموّا، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
ومنه- وينهي أنه اتّصل بالمملوك نبأ الموهبة المتجدّدة لديه، والنعمة المسبغة عليه، وما اختصّه به مولانا السلطان من الاصطفاء والإيثار، والاجتباء والاختيار، وتقديمه للرّتبة الأثيرة، والإنافة إلى المنزلة الخطيرة، فسرّ المملوك للرّياسة إذ أحلّها الله تعالى في محلّها، وأنزلها على أهلها، ووصلها بكفئها وكافيها، وسلّم قوسها إلى راميها، والله تعالى يجعل هذه الرتبة أوّل مرقاة من مراقي الآمال، ومكين الرّتب الّتي يفرعها من رتب الجلال، إن شاء الله تعالى.
من كلام المتأخرين:
الشيخ شهاب الدين محمود «1» الحلبي:
أدام الله أنصاره، وجعل التّقوى شعاره، وألبسه من المحامد أكرم حلّة، ونوّله من المكارم أحمد خلّة، ولا زالت الخلع تتشرّف إذا أفيضت عليه، والمدائح تستطاب بذكره لا سيّما إذا أنشدت بين يديه.
الخادم ينهي إلى علم المولى أنه اتّصل به خبر أهدى إليه سرورا، ومنحه بهجة وحبورا، وهو ما أنعم به المولى السلطان خلّد الله سلطانه، وضاعف إحسانه، من تشريفه بخلعته، وما أسبغه عليه من وارف ظلّه ووافر نعمته، وأبداه من عنايته بالمولى ومحبّته، وقد حصل له من المسرّة ما أجذله، وبسط في مضاعفة سعد المولى أمله، فإنه بلغه أنّ هذه الخلعة كالرّياض في نضارتها، وحسن بهجتها، وأنها كلّما برقت برق لها البصر، وظنّها لحسنها حديقة وقد
(9/27)

حدّق إليها النظر، وقد جمعت ألوان الأزهار، وأربى ناسجها في اللّطف على نسمة الأسحار، وأسكنت حبّها حبّات القلوب الّتي في الصّدور، وسمت عن المدح برائق المنظوم وفائق المنثور، وأن ابن سليمان «1» لو رآها، لاعترف بأنّ في لبسها لكلّ فتى شرفا لا ريب فيه، ونسب البيت المنسوب إليه إلى أعاديه، وأنّه لو نظر نضرة نضارها لما جعل لها في الحسن نظيرا، ولو ألقاها على وجهه لارتدّ لوقته بصيرا؛ فلذلك أصدر هذه الخدمة مهنية، ومعربة عما حصل له من الفرح ومنبّية، ولجيد مدحه العاطل من مثل هذه الألفاظ محلّية، نوّله الله في كلّ يوم مسرّة وبشرى، وأجرى له على الأسن حمدا وشكرا، وجعله لكلّ خير أهلا، وشكر له تفضّلا شاملا وفضلا، ومتّعه من العافية بلباس لا يبلى، إن شاء الله تعالى.
الصنف الثاني- التهنئة برضى السلطان بعد غضبه.
فمن ذلك:
وتنهي أنه اتصل بي ما جدّده الله تعالى لمولاي- أطال الله بقاءه- من حسن عاطفة مولانا أمير المؤمنين- خلّد الله ملكه- وانعطافه عليه بعد انصرافه، وإعادته إلى رتبته الّتي نشزت عنه دلالا لا ملالا، وهجرته هجر المستصلح المستعتب، لا هجر القالي المتجنّب، وكيف تقلاه، وهي لا تجد لها كفؤا سواه، ولتوقّع المملوك بما وقع من هذه الحال، وعلمه أنّ عودها إليه كعودة المودع [إلى مودعه،] لا عودة المنتجع إلى مربعه، وأنّ الذي وقع من
(9/28)

الانحراف إصلاح باديه تهذيب وتقويم، وخافيه توقير وتعظيم، لما في عتاب أمير المؤمنين من شرف الرّتبة، والدّلالة على استقرار الأثرة والقربة، وحلوله محلّ الصّقال، من أبيض النّصال، والثّقاف من العسّال، ولا سيّما ورياسته محفوظة، وسيادته ملحوظة، وهيبته في النّفوس مائلة، وجلالته في القلوب حاصلة، ولم «1» ير المملوك أجلّ موهبة من الله سبحانه من شكر يسترهن هذه النعمة ويخلّدها، وحمد يرتبطها ويقيّدها، ورغبت إلى الله سبحانه أن يجعل هذا العزّ الحادث لابثا لا يتحوّل، والسعد الطارف ماكثا لا يتنقّل، إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك:
وينهي أنّ من عادة الزمان أن يكف سحابه ثم يكفّ، ويرفّ نباته ثم يجفّ، ويدرّ حلبه ثم ينقطع، ويقبل خيره ثم يرتجع، إلّا أنّه إذا سلب النعمة ممن يستوجب إمرارها عليه، وانتزع الموهبة ممن يستحقّ استمرارها لديه، كان كالغالط الذي يراجع نفسه فيندم على ما فرط، ولا يلبث أن يستدرك الغلط، معقبا نبوته بإنابته، متعقّبا هفوته باستقالته، ماحيا إساءته برأب ما ثلم، وأسو ما كلم، وإصلاح ما أفسد، وتأليف ما شرّد. فلا جرم «2» أنّ النفوس بإقباله على من هذه صفته واثقة، والآمال لانصرافه إلى من هذه صورته متحقّقة، وإذا سلبها هرول في إيداعها لديه، وأخذ [في] إفاضتها عليه. وما زال المملوك- مذ عامل الزمان مولانا بسوء أدبه، ونأى عنه بجانبه، وقبض بنانه، وغيّر عليه سلطانه- عارفا أنّ هذه الفعلة فلتة من فلتاته الّتي يتوقّى شرّها، ولا يرجع إلى مثلها، وأنّ الاستبصار، يقوده إلى الاعتذار، والاضطرار، يحدوه على ردّ ما انتزعه بالإجبار؛ لأنه لا يجد من يحلّ محلّ مولانا في ارتباطه بإيناسه، وتعهّده بسقي أغراسه، وقيامه بشكره، وتزكيته ببرّه- متوقّعا لأن تتيقّظ عينه، وينكشف رينه «3» ،
(9/29)

فيرى ما صنعت يداه، ويبادر لاستقالة ما جناه، حتّى طرق البشير بما سهّله الله تعالى من انحسار الكربة، وعود مولانا إلى شرف الرّتبة، وصلاح ما فسد، وعود السلطان أعزّ الله نصره إلى ما عهد، وركوبه إلى حضرته، وانقلابه عنه رافلا في تشريفه ومكرمته، فكان معتقد المملوك فيه هلالا في السّرار فأهلّ، وجنينا في الحشا فاستهلّ، فاستولى على المملوك من السّرور ما عمّ جوارحه، وعمر جوانحه، وأطار بجناح المرح، وألبس حلّة الفرح، إذ ما جدّده الله تعالى له من السعادة يحلّ به في العموم، محلّ الغيث السّجوم «1» ؛ لأنّه حرس الله عزّه لا يستأثر بعوارف الله عنده، ولا يكزّ على عطاياه يده، بل يمنح مما منح، ويولي مما تولّى، ولا يضنّ بمال ولا جاه، ولا يقعد عمن أمّله ورجاه، والله تعالى يجعل ذلك مما أقرّبه العيون، وصدّق فيه الظّنون، لا تخلقه الأيام ولا تبليه، ولا تزويه الحوادث ولا تؤثّر فيه، إن شاء الله تعالى.
الصنف الثالث- التهنئة بالخلاص من الاعتقال.
الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي:
جدّد الله سعده، وضاعف جدّه، وأنجح قصده، وأعذب منهله وورده، ولا انفكّت الأيّام زاهية ببقائه، والأنفس مسرورة بارتقائه إلى رتب عليائه.
أصدرها تفصح عن شوق يعجز عن سوقه الجنان، ويقصر عن طوله اللّسان، وسرور تزايد حتّى أبكاه، ولا عج بمشاهدة طلعته السعيدة أغراه، وتهنّيه بما جدّد الله له بعد الاعتقال من الفرج والفرح، ومنّ به بعد ضيق الخواطر من الابتهاج والمرح، فهذه المسرّة ماء زلال برد بها الأوام، وإنعام عامّ، حمد الله عليها الخاصّ والعامّ، فالحمد لله الذي عوّضه عن مأتم الحزن بما تمّ من السرور، و [عن] الهمّ المانع عن الورود والصّدور بانشراح الصّدور، فإنّ القلوب شعفها حبّه وشغفها، وضاعف لتعويقه أساها وأسفها، بحيث اعترى المناطق قلق
(9/30)

وعلاها اصفرار، وعطّلت يد كل غانية من الحليّ فما ضمّها قلب «1» ولا سوار، ولبس الخطباء حزنا وألبسته المحابر، وكادت لغيبته وفقد اسمه تندبه الجوامع وتبكيه المنابر، خلّد الله سعادته، وسهّل له من خيري الدنيا والآخرة قصده وإرادته، بمنّه وكرمه.
الأجوبة عن التهنئة بكرامة السلطان ورضاه بعد غضبه قال في «موادّ البيان» «2» : يجب أن تكون أجوبة هذه الرّقاع مودعة من الثناء على المهنّي- لمحافظته على رسوم المودّة وقيامه بشروط الخلّة- ما تقتضيه رتبته ورتبة المجيب، وأنّه مشارك له في متجدّد النعمة، مفاوض في حديث المسرّة، والتيمّن بالدعاء، ونحو هذا مما يحسن موقعه عند المبتديء بالهناء، ويضعه بحيث وضع نفسه من الاختصاص بمن كاتبه.
وهذا مثال من ذلك:
زهر الربيع: [جواب] هناء بخلعة:
أدام الله علاءه، وشكر آلاءه، وضاعف سناءه، وحمد مننه الّتي أثقلت لكلّ معتف ظهرا وخفّفت همّا، وأنالت لكلّ وليّ نصيبا من عوارفها وقسما.
المملوك ينهي إلى العلم الكريم ورود المكاتبة الّتي كستها يده حلّة جمال، وألبستها ثوب إفضال، وأعدّتها بكرمها، وحسّنت وجهها بلسان قلمها، فأمطرته سحاب جود أربى على السّحاب الهتون «3» ، وأوقفته منها على ألفاظ كأمثال اللّؤلؤ المكنون، فاجتنى ثمار الفضائل من أغصانها، واجتلى عروس محاسنها وإحسانها، وفهم ما أشار إليه من التهنئة بالخلعة الّتي أنعم المولى «4» بها على
(9/31)

خادمه وتصدّق، وحقّق الأمل في مكارمه وصدّق، وإنعامه خلّد الله دولته، وأعزّ نصرته، قد كثر حتّى أخجله، وميّزه على كثير من مماليك بيته العالي وفضّله، وأناله من المنزلة ما سما بها على أمثاله، ورقي بها بعد رقّة حاله، فالله يخلّد سلطانه، ويثبّت بالسعادة أركانه، وهذا بسعادة مولانا ومساعدته، ومعاونته ومعاضدته، فإنه كان السبب في الاتّصال ببابه أوّلا وآخرا، وممّن أغاثه بذلك وأعانه عليه باطنا وظاهرا. (بسيط) .
وكلّ خير توخّاني الزّمان به ... فأنت باعثه لي أو مسبّبه
الضرب الثالث (من التهاني التهنئة بالعود من الحجّ)
وهذه نسخ من ذلك ينسج على منوالها.
فمن ذلك:
وينهي أنه طرق المملوك البشير بعود مولانا- أطال الله بقاءه- من مقام الطائفين، إلى مقام المعتفين، وأوبته من كعبة الإحرام، إلى كعبة الإكرام، وتنقّله من موقف الحجّاج، إلى موقف المحتاج، وحلوله بمنزله الذي هو قبلة ذوي الآمال، ومحطّ الرّحال، بالسّعي المشكور، والحجّ المبرور، والنّسك المقبول، والأجر المكتوب، فحمدت الله تعالى على موهبته، وسألته زيادته من مكرمته، واستنجحت هذه المكاتبة أمام ما أرومه من مشاهدته، وأرجوه من الاستسعاد بملاحظته، وبرد أوار الشوق بمحاضرته، ومجدّدا عهود التيمّن بمباسمته، فإن اقتضى رأيه العالي أن يعرّف المملوك جملة من خبره في بدئه وعوده، ومنقلبه ومتوجّهه، وما تفضّل الله تعالى به من أمان سبيله، وهداية دليله، وتخفيف وعثاء سفره، وتسهيل وطره، لأسكن إلى ذلك إلى حين التمثّل بنظره، فله الفضل في ذلك، والله تعالى يبلّغه سوله، ويوصّله مراده ومأموله، بمنّه وكرمه.
ومن ذلك:
(9/32)

وينهي أنّ مولانا لا يزال حاجّا إلى كعبة الحرم، أو كعبة الكرم، وطائفا بشعائر الوفود، أو بشعائر الجود، وواقفا بموقف الاستفتاح، أو موقف السّماح، وناحر البدن «1» بمنى «2» ، أو ناثر البدر للمنى، فلا يرتفع في حال من الأحوال برّه، ولا ينقطع عن الله تعالى ذكره، ومن كان بهذه المثابة، في إحراز الأجر والإنابة، فهو حقيق أن تعمر بالتهنئة أوقاته وأزمانه، كما عمرها سعيه وإحسانه، وقد عرف المملوك انكفاءه- أدام الله علوّه- عن مقام الطائفين والعاكفين، إلى مقام القاصدين والمعتفين، وعوده إلى منزله المعمور، بعد قضائه فريضة السّعي المشكور، فعدلت في مخاطبته عن الهناء إلى الدعاء بأن يتقبّل الله تعالى نسكه ويثقّل ميزانه، ويطلق في حلبة الخيرات عنانه، ويحييه لأجر يحرزه، وثواب يكنزه، والله تعالى يجيب ذلك فيه، ويريه في نفسه وأحبّته ما يرتضيه.
ومن ذلك:
وتنهي أنّه قد طرقني البشير بانكفاء مولانا إلى مقرّ علائه، وانفصاله عن ملاذ النّسّاك والعبّاد، إلى معاذ الزّوّار والقصّاد، فعرفت أنّ ذلك النسيم العليل من تلقائه، وذلك النّور الصادع من آلائه، وذلك الافترار من أسرّته ومخايله، وتلك العذوبة من شيمه وشمائله، فكاد المملوك يطير- لو طار قبلي غير ذي مطار- فرحا، وأخرق الأرض وأبلغ الجبال لو أمكن ذلك مرحا، وانفتح قلبي حتّى كادت مهجته تفيض سرورا، وطاش حلمي حتّى تفرّق مجموعه بهجة وحبورا، والله تعالى يجعل نعمه موصولة الحبل، مجموعة الشّمل، بمنّه وكرمه.
(9/33)

أبو الفرج «1» الببّغاء:
جعل الله سعيك مشكورا، وحجّك مبرورا، ونسكك مقبولا، وأجرك مكتوبا، وأجزل من المثوبة جزاءك، ومن عاجل الأجر وآجله عطاءك، وقرن بالطاعات عزماتك، وبالسّعي إلى الخير نهضاتك، ووفّقك من صالح الأعمال، وزكيّ الأفعال، لما يجمع كلّ خير الدارين. ولمّا طرقتني البشارة بقدومك، بدأت بإهداء الدعاء، وتجديد الشكر لله تعالى والثّناء، واستنبت في ذلك المكاتبة، أمام ما أنا [عازم] عليه، من المشافهة والمخاطبة. ولن أتأخّر عن حظّي من المسير إليك للتيمّن بالنظر إلى غرّتك، ومداواة ما عانيته من ألم الشوق بمشاهدتك.
الضرب الرابع (من التهاني، التهنئة بالقدوم من السّفر)
من كلام المتقدمين:
عليّ «2» بن خلف:
وينهي أنّه اتّصل بالمملوك خبر توجّهه «3» إلى الناحية الفلانية، فعرف المملوك أنه قصدها ليخصّ قاطنيها، بنصيب من مواهبه، ويفيض على ساكنيها، سجالا من رغائبه، ويسوّي بينهم وبين من راشه بحبائه، وجبره بنوافله وآلائه، فسألت الله تعالى أن يطيل عمر المكارم بإطالة بقائه، ويجمع شمل السّؤدد بدوام علائه، ثم اتّصل بي عوده إلى مقرّه، خفيف الحقائب من وفره، ثقيلها من ثنائه وشكره، فحمد المملوك الله تعالى على إسفار سفره عن بلوغ الأوطار، وانحسار أمنيّته عن أذيال المسارّ، وما خصّه به من السّير الشّحيح، والسّعي
(9/34)

النّجيح، والسّلامة المفرّقة على الوجهة والمنقلب، والمفتتح والمعتقب، ولمّا عرض للمملوك ما قطعه عن مشافهته بالدعاء، رفع يده إلى الله تعالى ضارعا لديه في أن يتولّاه في هذا المقدم الميمون، بالسعد المضمون، وإنالة الأمانيّ المقرّة للعيون، وأن يمنحه في الحلّ والتّرحال، والقطن «1» والانتقال، توفيقا يقارن ويصاحب، ويساير ويواكب، وأن يجعل ما خوّله من نعمه راهنا خالدا، وما أولاه من مواهبه بادئا عائدا، إن شاء الله تعالى.
وله أيضا:
وينهي أنه طلع عليه البشير، طلوع القمر المنير، مؤذنا بمقدم حضرته، ومعلما بظهور طلعته، وحلوله في معانه «2» الذي هو معان الإقبال، وعون الرجال، وقرارة الأقيال، ومحطّ الرّحال، وقبلة الجود، ومعرّس الوفود، فسألت الله تعالى أن يبقيه جمالا للأيّام، وثمالا «3» للأنام، وعمادا للقصّاد، ومرادا للرّوّاد، والله تعالى لا يخليه في تصرّفاته، وجميع حركاته وسكناته، من سعي سعيد، وعيش رغيد، بمنّه وكرمه.
أبو الفرج الببّغاء:
من كانت غيبة المكارم مقرونة بغيبته، وأوبة النّعم موصولة بأوبته، سافرت الأنفس حيث كان إليه، وقدمت الآمال عند قدومه عليه، وما زالت الأنفس إلى الأمنيّة بقربه متطلّعة، ولورود السّرور بوروده متوقّعة، إلى أن أنست
(9/35)

بعد الوحشة بلقائه، وتنسّمت أرج منّه ونعمائه، فوصل الله قدومه من الكرامة، بأضعاف ما قرن به مسيره من السّلامة، محروسا من طوارق الغير، مبلّغا أبعد العمر.
وله في مثله:
من كانت مادّة سروره، بمغيبه وحضوره، لم يجد مع بعدك مؤنسا يسكن إليه، ولا عوضا يعوّل في السّلوة عليه، وما زلت أيام غيبتك- لا أوحش الله منك- بالوحدة مستأنسا، وبالشّوق إليك مجالسا، ألاقيك بالفكر، وأشاهدك باتّصال الذّكر، إلى أن منّ الله من أوبتك بما عظمت به النعمة، وجلّت لديّ معه الموهبة، فوصل الله بالسلامة نهضاتك، وبالسعادة حركاتك، وبالتوفيق آراءك وعزماتك، وحرسني ببقائك وبقاء النعمة عندك، وهنأني النعمة الجليلة بقربك.
وله في مثله:
من كنت نهاية أمنيّته، وقطب مسرّته، كان من نفسه مستوحشا مع بعدك، وبدهره مستأنسا مع قربك، وما زلت معك بالنّيّة مسافرا، وبالشّوق سائرا، وبالفكر ملاقيا، وبالأمانيّ مناجيا، إلى أن جمع الله شمل سروري بأوبتك، وسكّن نافر قلقي بعودتك، على الحال السارّة من كمال السّلامة، ووفور الكلفة، فأسعدك الله بمقدمك سعادة تكون بها من الزمان محروسا، وللإقبال مقابلا، وبالأمانيّ ظافرا، ولا أوحش الله منك أوطان الفضل، وعضّد إخوانك ببقائك وبقاء النعمة عندك.
وله في مثله:
لو كان القلب يجد عنك منصرفا، أو يرى منك في اكتساب المسرّة خلفا، لاستراح إليه من ألم بعدك، واستنجده على مرارة فراقك، لكنّك- أيّدك الله- جملة مسرّته، ونهاية أمنيّته، فليس تتوجّه أمانيّه إلّا إليك، ولا تقف آماله إلّا عليك، فالحمد لله الذي أقرّ بفيئتك أعين إخوانك وأودّائك، وافاك الله من السّعادة في أوبتك أضعاف ما اكتنفك من الكفاية في ظعنك.
(9/36)

ابن أبي «1» الخصال:
سرّ الله مولاي ورئيسي، وربّ تشريفي وأنيسي، بلقاء الأحباب، واتّصال الأسباب، وأوبة الغيّاب، ولا زالت الأيام تتصنّع لإقباله، وتقبّله أوجه العزّ في اقتباله، وتوفيه على رغم الحاسد حقّ جلاله.
البشرى- أدام الله اعتزازه- بمقدم الوزير فلان قد أوضعت ركابها، واتّصل بالنفوس أعلاقها وأسبابها، فهنيئا معشر الأولياء بسبوغ هذه النعمة الجليلة، والمنحة الجزيلة، ولا أستوفي شكر ما به أتى معظّم قدره، وملتزم برّه، من ثناء كعرف الطيب يهدى، ومذهب في الإنهاض لا يقضى واجبه ولا يؤدّى، ولا زالت حياة مولاي تفدّى، وأفعال برّه تتعدّى، وقد لثمت مواقع أنامله ودّا، ووردت من محاسن بيانه منهلا عذبا [ووردا] فأمتعني الله بحياته العزيزة الأيّام، الطيّبة الإلمام، الموصولة العهد والذّمام، وأقرأ على سيدي من سلامي ما يلثم يده، ويقضي حقّ اليراع [الذي] أنشأ به البر وولّده، والسّلام المعاد عليه وعلى جملته ورحمة الله وبركاته.
الشيخ جمال الدين بن نباتة «2» عن نائب الشام إلى القاضي علاء الدين بن فضل الله «3» كاتب «4» السرّ الشريف، بالأبواب الشريفة بالديار
(9/37)

المصرية، عند عوده من الكرك «1» إلى الديار المصرية، في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، مهنّئا له بعوده إلى منزله بالديار المصرية، واستقراره وعوده إلى كتابة السرّ الشريف بالأبواب الشريفة السلطانية، وهي:
تقبّل الباسطة الشريفة- إلى آخر الألقاب- لا زالت خناصر الحمد على فضل بنانها معقودة، ومآثر البأس والكرم لها ومنها شاهدة ومشهودة، وبواتر السّيوف مسيّرة القصد إلى مناظرة أقلامها المقصودة، تقبيلا يودّ لو شافه بشفاهه مورد الجود من الأنامل، وكاثر بثغره عند المثول للتقبيل ثغور الأماثل، فكان يشافه بشوقه موردا كثير الزّحام، وكان يكاثر بعقد قبله على يد الفضل عقودا جزيلة الانتظام، وكان يحاكم جور الضّيم إلى من أبى الله لجار مشاهدته أن يضام، وينهي ما وصل إليه وإلى الأولياء من السّرور، وما رفع بينهم وبين الابتهاج من الشّرور، وما طولع في أخبار المسرّة من السّطور، بوصول مولانا ومن معه إلى مساكن العزّ ساكنين، ودخولهم كدخول يوسف عليه السّلام ومن معه إلى مصر آمنين، واستقراره في أشرف مكان ومكانة، واستنصار مصر بأقلامه على العادة، فإنّ هذه سهام وهذه كنانة، وإسفار غمام السّفرة عن كوكب علا طالما حرس بيمينه أفق الملك وهداه وزانه، وما كانت إلّا غيبة أحمد الله عقباها، وغيابة بعد منّ الله عزّ وجلّ وجلاها، وفترة ثنى فترتها فتنفّس خناق المنصب المشتاق لوجهه الكريم، وهجرة صرف الله هجيرها فسقى طرس الإنشاء الذي ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم؛ وما محاسن مولانا إلّا زينة من زين الدنيا فعليها يتشاكس المتشاكسون، وما مزاج كلماته إلّا من تسنيم وَفِي
(9/38)

ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ
«1» .
فالحمد لله على أن أقرّ العيون بمعاودة ظلّه الوريف، وعلى أن شفى الصّدور بقربه وأوّلها وأولاها صدر السرّ الشريف، وعلى أن أجزل الهناء وقد شمل ظلّه، وقد كمل بابن الفضل فضله، وقد بهر سناؤه وسناه، وقد تسعّب «2» القريب والبعيد فإن أجدى على مصر مورده فقد جادت على الشام سماه، وقد أخذ المملوك حظّه من هذه البشرى، ووالى السّجود لله شكرا، وجهّز خدمته هذه نائبة عنه في تقبيل بنان إن سمّاه مولى الكرم بحرا، فقد سمّاه مربّي الملك برّا، لا زالت الممالك متحفة بيمن مولانا ظاعنا ومقيما، متّصفة بحمده وحمد سلفه الكريم حديثا وقديما، تالية على مهمّات الملك بصحبة بيته الشريف وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
«3» .
الشيخ شهاب الدين محمود «4» الحلبي في تهنئة بقدوم من سفر:
أدام الله ظلّه، ورفع محلّه، وشكر إنعامه وفضله، وأعزّ أنصاره، وضاعف اقتداره، ولا زال مؤيّدا في حركاته، مسدّدا في سائر فعلاته، مصحوبا بالسلامة في المهامه والقفار، مخصوصا من الله تعالى بالأعوان والأنصار.
المملوك ينهي بعد تقبيل الأرض، والقيام بما يجب من سننه والفرض، علمه بحلول ركابه العالي بمغناه، واستقرار خاطره الشريف في محلّه ومثواه، وجمع الشّمل بالأهل بعد طول الغيبة، وبعد القفول والأوبة، فتضاعف لذلك فرحه وسروره، وزال عن قلبه قليل الهمّ وكثيره، فالله يمنح المولى أطيب المنازل، وأسرّ الرّواحل، ويجعل تجارة مجده رابحة، وأوامر دوام عزّه لائحة،
(9/39)

حتّى تنشد نفسه الكريمة قول أبي الطيّب «1» (كامل) .
أنا من جميع النّاس أطيب منزلا ... وأسرّ راحلة وأربح متجرا «2»
لا زالت الأعين قريرة برؤيته، وقلوب الإخوان قارّة بمشاهدته، والأوجه وسيمة، والنّعم الظاعنة مقيمة، إن شاء الله تعالى.
أجوبة التهنئة بالقدوم من السفر قال في «موادّ «3» البيان» : أجوبة هذه الرّقاع ينبغي أن تبنى على الاعتراف للمهنّيء بحقّ تعهّده، وكرم تفقّده، وإطلاعه على الحال في السّفر، وما أفضت إليه من السلامة، والتأسّف على ما تقضّى من الأيّام في مباعدته، والتخلّف عن مباسمته، وأنه لم يزل يدرّع الإدلاج، ويقطع الفجاج، رغبة في القدوم إليه، والوفادة عليه، وبلّ الغلّة برؤيته، وترويح النفس بمحاضرته، وما يليق بهذا النّمط من الكلام.
الضرب الخامس (من التهانيء التهنئة بالشهور والمواسم والأعياد)
وهي على ثمانية أصناف:
(9/40)

الصنف الأوّل- التهنئة بأوّل العام وغرّة السّنة.
من كلام المتقدّمين:
تهنئة من ذلك: من إنشاء أبي مسلم محمد «1» بن بحر:
أسعد الله سيّدي بعامه، والفضل منه وما حوى من الأعياد والأيّام الخطيرة وسائر شهوره وأيّامه، ومتصرّف أحواله، وبما يأتي ويكرّ عليه من زمانه، سعادة تسوق إليه حظوظ الدّين والدنيا كاملة، وتجمع له فوائد الأمدين تامّة وافية، وترتهن إليه النّعم فلا تزال لديه زائدة نامية، وبلّغه بها الأمل، ومدّ له في البقاء إلى أنفس المهل.
ولأبي «2» الحسين بن سعد:
عظّم الله على مولاي بركة الشهر والسنة المتجدّدين، ووهب له فيهما وفيما يتلوهما من أيام عمره، وأزمان دهره، سعادة تجمع له أشتات الحظوظ، وتصل لديه موادّ المزيد، وتيسّر له بلوغ الأمل في كلّ ما يطالع وينازع، والأمن من كلّ ما يراقب ويحاذر.
وله في مثله:
عظّم الله على سيّدي بركة الشهر والسنة، وأعاشه لأمثالهما مدّة اختلاف الجديدين، وتجاور الفرقدين، ممتّعا بالنّعم السابغة، والمواهب المترادفة، والسّعادة والغبطة، والعزّ والمسرّة.
وله في معناه:
(9/41)

جدّد الله لسيّدي في الأيّام الحاضرة «1» والمستقبلة، والأحوال الراهنة والمتنقّلة، حظوظا من السّعادات، وأقساما من الخيرات، لا يحصى عددها، ولا ينقضي مددها.
وله في مثله:
عظّم الله [على مولاي] بركة الشهر والسنة المتجدّدين عليه، وعرّفه فيهما وفي الأيّام بعدهما من حادث صنعه، ولطيف كفايته، ما تدوم فيه السعادة، وتعظم به المنّة، وتحسن فيه العاقبة.
وله في مثله:
عظّم الله على مولاي بركة هذا الشهر، الماضي [من] أيّامه وباقيها، وهذه السنة، وجعلها أيمن سنة حالت عليه وأسعدها.
ومنه: وينهي أنّ المملوك يهنّيء غرّة الأيّام، بغرّة الأنام، وصدر العام، بصدر الكرام، بل يهنّيء الزمن كلّه نعم وأهله بالحضرة الّتي واست المعالي.
الصنف الثاني- التهنئة بشهر رمضان.
من كلام المتقدّمين:
لأبي الحسين بن سعد:
جمع الله لمولاي في هذا الشهر الشريف شروط آماله وأحكام أماليه، في حاضر أمره وعاقبته، وعاجل دنياه وآخرته، وأبقاه لأمثاله بقاء لا يتناهى أمده، في ظلّ عيش يرضاه ويحمده.
وله في مثله:
عرّف الله سيدي بركة هذا الشهر الشريف وأعاشه لأمثاله، ما كرّ الجديدان «2» ، واختلف العصران، ممتّعا بسوابغ النّعم، محروسا من حوادث
(9/42)

الغير، وموفّقا في شهره، وأزمان دهره، لأزكى الأعمال، وأرضى الأحوال، ومقبولا منه ما يؤدّيه من فرضه، ويتنفّل به قربة إلى ربّه.
وله في مثله:
عرّفه الله بركة إهلاله، وأبقاه طويلا لأمثاله، موفّقا فيه من عمل الخير، ومراعاة الحقّ، وتأدية الفرض، والتنفّل بالبرّ، لما يرضيه، ويستحقّ جزيل المثوبة عليه، ممتّعا بعده بسنّي المواهب، وجسيم الفوائد، مع اتصال مدّة العمر، واجتماع أمنيّات الأمل.
وله في مثله:
عرّف الله مولانا بركة هذا الشهر الشريف وأيّامه، وأعانك على صيامه وقيامه، ووصل لك ما يزيد من فضله وإنعامه، وتابع لك المزيد من منائحه وأنعامه، وختم لك بالسعادة العظمى بعد الانتقال [في الجاه والرياسة إلى] أبعد المدى، وفي العزّ والثّروة إلى أقصى المنى.
أبو الفرج «1» الببغاء:
جعل الله ما أظلّه من هذا الصيام مقرونا بأفضل قبول، مؤذنا بإدراك البغية ونجح المأمول، ووفّقه فيه وفي سائر أيّامه، ومستأنف شهوره وأعوامه، لأشرف الأعمال وأفضلها، وأزكى الأفعال وأكملها، ولا أخلاه من برّ مرفوع، ودعاء مسموع، وسعي مشكور، وأمر مبرور، إلى أن يقطع في أجمل غبطة وأتمّ مسرّة أمثاله.
وله في مثله:
عرّفك الله بركة هذا الشهر المعظّم قدره، المشرّف ذكره، ووفّقك فيه لصالح الأعمال، وزكّي الأفعال، وقابل بالقبول صيامك، وبتعظيم المثوبة تهجّدك وقيامك، ولا أخلاك في سائر ما يتبعه من الشّهور، ويليه من الأزمنة
(9/43)

والدّهور، من أجر تذخره، وأثر تشكره.
قلت: ومما كتبت به تهنئة بالصوم للمقرّ الأشرف الناصريّ محمد بن «1» البارزيّ كاتب السرّ الشريف المؤيّديّ بالممالك الإسلامية، في سنة ستّ عشرة وثمانمائة نظما (طويل) .
أيا كاتب السّرّ الشّريف ومن به ... تميس نواحي مصر تيها مع الشّام
ومن جلت الجلّى كتائب كتبه، ... ومن ناب عن وقع السّيوف بأقلام
تهنّ بهذا الصّوم والعيد بعده، ... ومن بعده بالعيد والعام فالعام
وترقى رقيّ الشّمس في أوج سعدها ... وتبقى بقاء الدّهر في فيض إنعام
الصنف الثالث- ما يصلح تهنئة لكلّ شهر من سائر الشّهور.
لأبي الحسين بن سعد:
عظّم الله بركة إهلاله، وأعاشه لأمثاله، أطول المدّة، ممتّعا بأدوم النّعمة، ومشفّعا (؟) بأفضل الأمل والأمنيّة.
وله: أسعد الله سيّدي بانصرامه وإهلال ما بعده، وأبقاه ما بقي الزمان ممتّعا بالعزّ والنّعمة، محروسا من الآفات المخوفة، والحوادث المحذورة.
وله: عظّم الله على سيدي بركة الماضي والمستقبل من الأيام والشّهور [والأعوام] والدّهور، ووصل لي السعادة باتّصالها، وجدّد له النّعمة بتجدّدها.
وله: عظّم الله بركة انسلاخه، وإهلال ما يتلوه، مجدّدا لك بتجدّده فوائد الخيرات، وأقسام البركات، تدوم فيها المدّة، وتطول بها النّعمة.
(9/44)

وله: أسعدك الله بإهلاله، وأعاشك أبدا لأمثاله، ممتّعا بدوام العزّ والنعمة، واجتماع أسباب الرّخاء وشروط المحبة، إنّه جواد كريم.
[وله: عظّم الله على مولاي بركات هذا الشّهر وما يتلوه، وبلّغه ما يحاوله وينحوه، في مستأنف الشّهور، ومؤئنف الدّهور، مضاعفا له العزّ والتأييد، وموصولا له أصل النعمة بحسن المزيد] «1» .
وله: عظّم الله على مولاي بركة الشّهر، وأدام له سلامة الدّهر، موفورا من العزّ والسلطان، غير مذعور بنوائب الزّمان.
وله: عظّم الله على سيدي بركة الأيّام والشّهور، والسّنين والأحقاب، وجمع له المواهب كاملة، والفوائد فاضلة، دينا ودنيا، وحاضرة وعقبى.
وله: عظّم الله عليك بركته، وعرّفك يمنه وسعادته، وجدّد لك الخيرات، تجديد الأوقات والسّاعات، حتّى تحوز منها أسنى الحظوظ وتبلغ مما تتمنّاه أقصى الغايات.
الصنف الرابع- التهنئة بعيد الفطر.
من كلام المتقدّمين:
لأبي الحسين بن سعد:
عظّم الله على سيّدي بركة هذا العيد، وأعاشه لأمثاله، من الأعياد المشهودة، والأيّام الجديدة [في] أهنإ عيش وأرغده، وأطول مدّى وأبعده.
أبو الفرج الببغاء «2» :
أسعدك الله بهذا الفطر الجديد، والعيد السّعيد، ووصل أيّامك بعده بأكمل السّعادات، وأجمل البركات، وجعل ما أسلفته من الدّعاء مقبولا
(9/45)

مسموعا، ومن التهجّد زاكيا مرفوعا، ولا أخلاك من نعمة يحرس الشكر مدّتها، ولا يخلق الدّهر جدّتها.
من كلام المتأخرين:
الشيخ شهاب الدين محمود «1» الحلبي:
المولى أدام الله نعمه، وحرس شيمه، هو سيّد الأفاضل، ورئيس الأماثل وحسنة الزّمان، وليث الأقران، وهو في الأنام «2» ، كالأعياد في الأيّام، فإنّ الأنام ليل والمولى المصباح بل الصّباح، وسائر الأيّام أجساد وسائر الأعياد هي الأرواح، فإذا كان المولى قد زهي على أبناء جنسه، ويوم العيد على غده وأمسه، فقد صار كلّ منكما إلى صاحبه يتقرّب، ويلزم ويلزب، وهو أحقّ الناس بأن يبهجه مقدمه، وأن يهنّى بيومه الذي هو مجمع السّرور وموسمه.
والخادم يهنّيء المولى بهذا العيد، واليوم السّعيد، فإنه وافى في أوان الرّبيع وزمانه، ليباهي بغصن قدّه أغصان بانه «3» ، ويستنشق في صدره وورده، رائحة ريحانه وورده، ويختال في رياضه وحدائقه، ويلاحظ بهجة أزهاره وشقائقه، والعيد والرّبيع ضيفان ومكارم المولى جديرة بإكرام الضيف، والتمتّع بالملاذّ فيهما قبل رحيلهما وقدوم حرّ الصّيف، وأن يحسّن وجه عيده، بحلوله في مغناه ووجوده، بما يوليه لعفاته من إنعامه وجوده، لا زالت الأعياد تهنّى ببقائه، وألسنة الأيام تشكر سوابغ نعمائه، وتحمد جزيل عطائه، وتنطق بولائه وثنائه، أبدا، إن شاء الله تعالى.
قلت: ومما كتبت به مهنّئا للمقرّ الأشرف الناصريّ محمد بن البارزي
(9/46)

صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية في الدولة المؤيّديّة «شيخ» «1» بعيد الفطر نظما، بعد أن سألته حاجة فقضاها، وأسنى لي الجائزة على نثر كتبته له (طويل) .
سألت نظام الملك كاتب سرّه ... إزالة ضنك «2» أرهف الدّهر حدّه
فمنّ بجاه زعزع الأرض وقعه، ... وجاد بمال لا يرى الفقر بعده
وبالبارزيّ ازدان وصف مكارم ... فأشبه في فضل أباه وجدّه
فيهناه صوم ثمّ عيد مسرّة ... وطالع إقبال يقارن سعده
ورفع دعاء لا يغبّ تتابعا، ... وطيب ثناء خامر المسك ندّه
الصنف الخامس- التهنئة بعيد الأضحى.
من كلام المتقدمين:
أبو الحسين بن سعد:
كتابي والنحر- نحر الله أعداء مولاي وحسّاد نعمته، وأمتعه بمواهبه عنده، وبارك له في أعياده ومتجدّد أيّامه، بركة تنتظم السّعادات، وتتضمّن الخيرات، متصلة غير منقطعة، وراهنة غير فانية.
من كلام المتأخرين:
الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي (طويل) .
تهنّ فأيّام السّرور أواهل ... وكلّ مخوف عن جنابك راحل
ونجمك من فوق الكواكب طالع، ... ونجم امريء يشنا سموّك آفل
ألا أيّها المولى الذي عمّ جوده ... فدتك العوالي والجياد الصّواهل
تمتّع بعيد النّحر، وافاك خاضعا ... يحقّق من دنياك ما أنت آمل
(9/47)

ودم كابت الأعداء وابق مخلّدا ... على المال عال، بالرعيّة عادل
لقد راق مدحي في معاليك مثل ما ... صفت منك أوصاف ورقّت شمائل
جعله الله أبرك الأعياد وأسعدها، وأيمن الأيّام وأمجدها، وأجمل الأوقات وألذّها وأرغدها، ولا برح مسرورا مستبشرا، منصورا على الأعداء مقتدرا، مسعودا محمودا، معانا بملائكة السماء معضودا، مهنّأ بالسّعود الجديدة، والجدود السّعيدة، والقوّة والناصر، والعمر الطويل الوافر (طويل) .
ولا زالت الأعياد لبسك بعده ... [فتخلع] «1» مخروقا وتعطى مجدّدا
فذا اليوم في الأيّام مثلك في الورى ... كما كنت فيهم أوحدا كان أوحدا
وأعاده على المولى في صحّة دائمة، وسلامة ملازمة، وأصار عيده مطيعا لأوامره كسائر العبيد، وعبيده في كلّ يوم من المسرّة ببقائه لها كالعيد، والأيّام به ضاحكة المباسم، والأعوام جميلة المواسم، ومتّعنا بدوام حياته، واستجلاء جميل صفاته، واستحلاء مدائحه بإنشاد عفاته، وأراه نحر أعاديه، بين يديه كأضاحيه، وأصار الحجّ إلى بابه غافرا سيّئات الإفلاس والإعدام، ومبيحا لبس المخيط من إنعام العامّ، ألبسه الله من السعادة أجمل حلّة، ومنحه من المكارم أحسن خلّة.
الصنف السادس- التهنئة بعيد الغدير من أعياد الشّيعة:
وكان لهم به اهتمام في الدولة الفاطمية بالديار المصرية، والطريق في التهنئة به على نحو غيره من الأعياد.
ما يصلح تهنئة لكلّ عيد.
أبو الفرج الببغاء:
لولا العادة المشهورة، والسّنّة المأثورة، بالإضافة في الدّعاء، والمشافهة بالتهنئة والثناء، في مثل هذا اليوم الشريف قدره، الرفيع ذكره، لكان أيّده الله
(9/48)

دون رؤساء الدّهر، وملوك العصر يجلّ عن التهنئة؛ إذ كانت سائر أيّامه بما يودعها من أفعال الخير معظّمة، وبما يبثّها من المحاسن مكرّمة، فبلّغه الله أمثاله محروسا في نفسه ونعمته، محفوظا في سلطانه ودولته، موفيا على أبعد أمانيه، مدركا غايتها فيما يؤمّله ويرتجيه.
وله في مثله:
عرّفك الله يمن هذا العيد وبركته، وضاعف لك إقباله وسعادته، وأحياك لأمثاله في أسبغ النّعم وأكملها، وأفسح المدد وأطولها، وأشرف الرّتب وأرفعها، وأعزّ المنازل وأيفعها، وحرس منحتك من المحذور، ووقى نعمتك من عثرات الدّهور.
الصنف السابع- التهنئة بالنّيروز.
وهو من أجلّ أعياد الفرس، على ما تقدّم ذكره في الكلام على أعياد الأمم، في المقالة الأولى. وكان للكتّاب به اهتمام في أوائل الدّولة العبّاسية بالعراق، جريا على ما كان عليه الفرس من قديم الزمان.
وفيه «1» لأبي الحسين بن «2» سعد:
هذا يوم شرّفته العجم، ورعى ذمامه الكرم، وهو من أسلاف سيّدي ذوي النباهة، وأخلافه ذوي الطّهارة، بين منشيء رسمه، ومؤدّي حقّه، وكاس له بقبول انتسابه إليه جمالا يبقى على الأيام، وحالا ينفق بها لدى الأنام، فليس أحد أحق بالتهنئة [به] ممن سنّه آباؤه، وشيّدته آلاؤه، فصارت إلى أوّليّته نسبته، وبكرم سجيّته عصمته.
وفيه له: هذا- أيد الله سيّدي- يوم عظّمه السّلف من العجم، وسيّدي وارث سنّة الكرم، وللسادة على العبيد في هذا اليوم رسم في الإلطاف،
(9/49)

وعليها لهم حقّ في القبول والإسعاف، وقد بعثت بما حضر جاريا على سنّة الخدمة، وعادلا عن طريق الحشمة، ومقتصرا على ما اتّسعت له الحال، وما يوجبه قدر سيّدي من المبالغة في الاحتفال، فإن رأى أن يشرّف عبده بالاحتمال إليه، وإجرائه مجرى الأنس عنده، فعل، إن شاء الله تعالى.
وفيه للكرجيّ «1» :
هذا يوم تسموله العجم، ويستعجم «2» في العرب، تشريفا له واعترافا بفضله، واقتداء بأهله، وأخذا بسنّتهم فيه، فليهن «3» لإحراز الدولة في العزّ [منزلا] بحيث لا يرام، ولا يضام، ولا ترقى إليه الأماني، ولا يطمع في مساواته المساوي، وإنّهم بعد تصرّم الدولة على حميد آثارها، وجميل الذّكر فيها، أعلام تضرب بهم الأمثال، وتزهو بأيّامهم الأيّام، وآثارهم تقتفى، وأعيادهم تنتظر، يتأهّب لها قبل الأوان، ويعرف فيها أثر الزمان، وإنك منهم في الذّروة السامية، والرّتبة العالية، وبمحلّ لا عار معه على حرّة في الخشوع لك، والتعلّق بحبلك. وقد وجدت الأتباع عند ساداتها في مثل هذا اليوم على عادة في الإلطاف جسّمتها، وسيّرت بها على أقوام منحتهم ظهور الدّعوى فيها، فأقبل قائلهم يقول: «لو كان باب الإهداء مفتوحا غير مسدود، ومباحا غير ممنوع، لأتحفت بالغراب الأعصم، والكبريت الأحمر، والأبلق العقوق، وبيض الأنوق» . وقد بعثت بهديّة لا تردّ (يعني الدعاء) .
وفيه: من كان محلّك من العزّ، ونباهة الذّكر، وارتفاع الدّرجة، وعلوّ
(9/50)

المنزلة، وسعة البلد، وبعد الأمد، لم يتقرّب متحلّ بالعلم والأدب إليه في يوم جديد إلّا بصالح الدّعاء، وحسن الثناء.
وفيه: لو أخّرنا هذا انتظارا لوجود ما تستحقّه، لانقضت أيّامنا، بل أعمارنا، قبل أن نقضي حقّا، أو نؤدّي عن أنفسنا فرضا؛ لارتفاع قدرك عمّا تحويه أيدينا، وعلوّ حالك عما تبلغه آمالنا، وقد اقتديت بسنّة الخدم والأولياء في الأعياد، وأوضحت العذر في ترك الاجتهاد، وبعثت في هذا اليوم، الذي أسأل الله أن يعيده عليك ألف عام، في نماء من العز، وعلوّ من القدر، وتمام من السّرور، ومزيد من النّعمة........
الصنف الثامن- التهنئة بالمهرجان.
وهو أحد أعياد الفرس، على ما تقدّم ذكره في المقالة الأولى، في الكلام على أعياد الأمم. وكان للكتّاب من الاحتفال بالتهنئة به في أوائل الدولة العبّاسيّة مالهم بالنّيروز.
فيه «1» - لأبي الحسين بن سعد:
لسيّدي عليّ في الأعياد المشهورة، والأيّام الجديدة، عادة اختزلني عن بعضها في هذا الفصل، كلال الطّبع عن البعض، ووقوع الخطر (؟) بعرضه من الثناء نظما ونثرا، ومن الإهداء عرضا وبرّا، دعاء تزيد قيمته على الأعلاق الثّمينة، وموقعه على الذخائر النّفيسة، ولطفه على التّحف البديعة، فأسعد الله سيدي بهذا اليوم سعادة تقيم، ولا تريم، وتزيد، ولا تبيد، وتتوطّن، ولا تظعن، وتجمع حظوظا من الخيرات، وفوائد من البركات، يتّصل سندها، ولا ينتهي أمدها، وأبقاه في أسبغ عزّ وأرفع رتبة وأرغد عيشة، مكنوفا بحراسة تقيه [وآله] عوادي الزمان، وتصرف عنهما طوارق الحدثان، ما طرد الليل النّهار، وطلع نجم وغار، وعلى ذلك- أيد الله سيدي- فإنّ الحرص على إقامة الرّسم والتطيّر
(9/51)

من إضاعة الحقّ بعثاني على مراجعة القريحة، واستكداد الرّويّة، فأسعفا بما قبلته الضرورة، ولم أطع في إهدائه سلطان الحشمة، وفضل سيدي يتّسع لقبول الميسور، وتحسين القبيح، والله المعين على تأدية حقّه، والقيام بواجب فرضه.
وله فيه أيضا، إلى من منع أن تهدى إليه فيه هدية.
لو كنت فتحت باب الإلطاف، ونهجت إليه سبيلا، لتنازع أولياؤك قصب السّبق وتنافسوا في السّرف، فبان للمجتهد فضله، والتمس العذر في التقصير ملتمسه، وعمّت المنحة كافّتهم بما يظهر من مواقعهم، وينكشف من أحوالهم، لكنّك حظرت ذلك حظرا استوى فيه الفريقان في الحكم، وامتدّ فيه على ذوي الخلل السّتر، ولم تحظر الدّعاء، إذ حظرت الإهداء، فأنا أهديه ضرورة واختيارا، وإعلانا وإسرارا، فأسعدك الله بهذا العيد الجديد، الذي زاد بك في قدره، وشرّفه بأن جعلك من أربابه وولاة أمره.
أبو الفرج «1» البّبغاء:
هذا اليوم من غرر الدّهور المشهورة، وفضائل الأزمنة المذكورة، معظّم في العهد الكسرويّ، مستظرف في العصر العربيّ، باعث على عمارة المودّات، مخصوص بالانبساط في الملاطفات، ولست استزيده- أيّده الله- من برّ يوليه، ولا تطوّل إليّ يسديه؛ غير إدخالي في جملة من بسطته الأنسة، وثقّفته المحبّة، وتقرّبت منه بوكيد الخدمة، في قبول ما إن شرّف بقبوله، كان كثيرا مع قلّته، جليلا مع نزارته، فإن رأى أن يقوّي منه ثقتي، ويقابل بقبول ما أنفذته رغبتي، فعل، إن شاء الله تعالى.
وله في مثله:
قد أطعت في الانبساط إليك دواعي الثّقة، وسلكت في التحرّم بك سبل
(9/52)

الأنسة، وتوصّلت بملاطفتك إلى حسم موادّ الحشمة، فاستشهدت على ثقتي بك فيما أنفذته بمفارقة الحفلة «1» ، وكلف المكاثرة، فإن رأيت أن تكلني في تقبّله إلى سعة أخلاقك، وتسلك في ذلك أخصر طريق إلى ما أخطبه من مودّتك، وأزاحم عليه في إخائك، فعلت، إن شاء الله تعالى.
وله في مثله:
هذا اليوم- أيد الله سيدي- من أعياد المروّة، ومواسم الفتوّة، وأوطان السرور، ومحاسن الأزمنة والدّهور، بلّغه [الله] أمثاله في أنضر عيش وأسبغ سلامة، وأبسط قدرة، وأكمل مسرّة، وقد توثّبت إلى الاقتداء فيه بأدبه، والأخذ بمعرفة فروضه بمذهبه، وأطعت في الانبساط إليه دواعي الثّقة، وأنفذت ما اعتمدت في قبوله على مكاني منه، عائذا بالتقليل من كلف المكاثرة، ومستثقل الكلفة، فإن رأى أن يأتي فيما التمسته ما يناسب شرف طبعه، وسعة أخلاقه، فعل، إن شاء الله تعالى.
وله في مثله:
لو كانت الملاطفات بحسب الرّتب وقدر المنازل، لما انبسطت قدرة ولا اتسع مكان لما يستحقّه نبل محلّه، وواجبات رياسته، ولكنت من بين خدمه ضعيف المنّة عن خدمته في هذا اليوم السعيد، بلّغه الله أمثاله في أفسح أجل، وأنجح أمل، بما يخدمه به ذوو الخدمات الوكيدة عنده، المكينة لديه، غير أنّي أثق منه- أيده الله- بحمل قليلي على علمه بإخلاصي في ولائه، وانتسابي إلى جملته، واختلاطي بأنسابه، فإن رأى أن يجريني في قبول ذلك على سنّة أمثاله من ذوي الجلالة، عند أمثالي من الأولياء والحاشية، فعل.
وله في مثله:
لو كانت الهدايا لا تتقبّل ما لم تناسب في نفاسة القدر، وجلالة الذكر،
(9/53)

محلّ من يتقرّب بها إليه، ومنزلة من أهداها إليه عليه، لما سمت همّة، ولا اتّسعت قدرة، لما يستحقّه- أيده الله- بأيسر واجباته، وأصغر مفترضاته، غير أنّ الأنسة بتفضّله، والاعتداد بسالف تطوّله، والتحقّق بخدمته، والانتساب إلى جملته، بسطني إلى إنفاذ ما إن شرّفني بقبوله كان مع قلّته كثيرا، ومع نزارته جليلا، فإن رأى أن يقوّي بذلك منه ثقتي، ويحسم مادّة احتشامي، فعل.
أجوبة التهنئة بالمواسم والأعياد قال في «موادّ البيان» «1» : هذه الكتب والرّقاع مضمونها الهناء بالموسم الجديد، والدعاء للمهنإ فيه بتملّيه. قال: وهذا المعنى مفاوض بين المهنّي والمهنّى، وينبغي أن تكون أجوبتها مشتقّة منها. ثم قال: وقد يتصرّف الكتّاب فيها إذا كاتبوا الرّؤساء تصرّفا يخرج عن هذا الحكم.
وهذه أمثلة من ذلك:
أبو الفرج الببغاء:
سمع الله دعاءك، وبدأ في تقبّل المسألة بك، وأجزل من أقسامه حظّك، وبلّغك أمثاله في أفسح مدد البقاء، وزاد فيما خوّلك من المواهب والنّعماء، ولا أخلاني من برّك، وأنهضني بواجباتك.
وله في مثله:
كلّ يوم أسعد فيه بمشاهدتك، وأقطعه في ظلّ مودّتك، حقيق بالإحماد، موف على محاسن الأعياد، فسمع الله دعاءك، وأطال ما شئت البقا بقاءك، وجعل سائر أيّامك مقرونة بالسّعادات، موصولة بتناصر البركات.
من زهر الربيع:
يخدم المجلس العالي جعل الله قدره على الأقدار ساميا، وجزيل نواله
(9/54)

على من هام به من العفاة هاميا، ونصره نصرا عزيزا، وأسكنه من حراسته حصنا حصينا وحرزا حريزا، ولا زالت الأيّام حالية الجيد بوجوده والأيدي تهشّ إلى تناول أياديه وجوده، وأخبار المكارم عنه مرويّة وإليه معزوّة، وآيات فضله وفضائله بكلّ لسان متلوّة.
وينهي إلى علمه ورود مشرّفته الّتي حلّت الأسماع عندما حلّت، وسمت عن الرّياض لمّا جلّيت عروس فضلها وجلّت، وزهت على زهورها، برقم سطورها، وطيب عرفها ونشرها، بما فاح من طيّها عند نشرها، وفائق حسنها وبهجتها، برائق براعة عبارتها، ومعاملتها بما يجب من فروض إكرامها والسّنن، والمشي في تبجيلها على الطريق المألوف من موالاته والسّنن، وعلمه بما أشار إليه من الهناء بالعيد، واليوم السعيد، وقد تحقّق بذلك إحسانه الذي ما برح متحقّقا بجميله وجزيله، وشاكرا لكثيره وقليله، وحصلت له البشرى، والمسرّة الكبرى، ليس للعيد بمفرده، ولا لهذا الهناء بمجرّده، بل لبقاء المولى ودوام سعادته، وتخليد سيادته، فإنّه لكلّ إنسان عين ولكلّ عين إنسان، وهو روح والأيّام والأنام جثمان، فالمملوك ببقائه كلّ يوم يتجدّد له عيد جديد، ويتضاعف له جدّ سعيد، حرس الله شرفه الرفيع من الأذى، وأراه في عين أعاديه جذعا ناتئا وسلّم لحظه المحروس من القذى، وأصار أيّامه كلّها أيام هناء، وبداية سعادته بغير حدّ وانتهاء.
الضرب السادس (التهنئة بالزواج والتسرّي) «1»
من كلام المتقدّمين:
أبو الفرج الببغاء:
(9/55)

وصل الله هذا الاتّصال السعيد، والعقد الحميد، بأحمد العواقب، وأجمل المنح والمواهب، وجعل شمل مسرّتك به ملتئما، وسبب أنسك بإقباله منتظما، وعرّفك به تعجّل البركات، وتناصر الخيرات، ولا أخلاك فيه من التّهاني بنجباء الأولاد، وكبت بكثرة عددك سائر الحسّاد، وهنأني النعمة الجليلة بإخائك، وعضّدني وسائر إخوانك ببقائك.
وله في مثله:
قرن الله بالخيرة ما عقدت وبالسعادة ما جدّدت، وبجميل العاقبة ما أفدت، وعرّفك بركات هذا الاتّصال، ولا أخلاك فيه من موادّ السعادة والإقبال، وعضّدك بالبررة من عقبك، والسادة من ذرّيّتك.
وله في مثله:
إنّي وإن كنت ملتحفا بلحف مودّتك، ومتمسّكا بعصم أخوّتك، أولى بالتهنئة بما يحدث لك من ورود نعمة، واتّصال موهبة، فإنّي ما أجد فرض الدعاء لك ساقطا، ولا واجب الشكر لله تعالى على ما أولاني فيك زائلا، فعرّفك الله بركة هذا الاتصال الحميد، والاقتران السّعيد، وجعله للسّرور مكثّرا، وباليمن مبشّرا، وأحياك للتهاني بمثله في السادة من ولدك، والنّجباء من ذرّيّتك.
وله في مثله:
وصل الله هذا الاتصال الميمون بأرجح البركات وأفضلها، وأنجح الطّلبات وأكملها، وأحمد بدأه وعقباه، وبلّغك الآمال في سائر ما تهواه، وأحياك للتّهاني بأمثاله في البررة من ولدك، والنّجباء من عقبك.
من كلام المتأخرين:
للشيخ شهاب الدين محمود «1» الحلبي:
جعل الله الخيرة له فيما يذره ويأتيه، والنجاح مقرونا بما يعيده من الأوامر
(9/56)

ويبديه، والألسنة شاكرة بما يوليه من الإنعام ويسديه. صدرت هذه الخدمة معربة عن ثناء تأرّج عرفه، وولاء أعجز الألسنة شرحه ووصفه، وتهنئة بهذه الوصلة المباركة جعلها الله للاتصال بالسعادة سببا، ومحصّلة من الخيرات مراما وافرا وأربا، وعرّفه بركة هذا العرس الذي أصبح الخير بفنائه معرّسا، ونور الشمس من ضياء بهجته مقتبسا، فنحمد الله على هذه الوصلة سرّا وجهرا، ونشكره أن جعل بينه وبين السّعد نسبا وصهرا، منح الله المولى الرّفاء والبنين، والعمر الذي يفني الأيام والسّنين، ورزقه إسعافا دائما وإسعادا، وأراه أولاد ألاده آباء بل أجدادا، إن شاء الله تعالى.
أجوبة التهنئة بالزّواج والتّسرّي قال في «موادّ البيان» : أجوبة هذه الرّقاع يجب أن تكون شكرا للمهنّي على العناية والاهتمام، و [مشتملة على] الإبانة عن موقع دعائه من التبرّك والتيمّن به، إلّا أن تكون البداية بمعنى يخرج عما هذا جوابه، فينبغي أن يجاب عنه بما يقتضي الإجابة عن ذلك.
الضرب السابع (من التّهاني التهنئة بالأولاد، وهو على ثلاثة أصناف)
الصنف الأوّل- التهنئة بالبنين.
مما أورده أبو الحسين بن سعد في ترسّله:
إنّه ليس من نعم الله وفرائد قسمه وإن حسن موقعها، ولطف محلّها، نعمة تعدل النعمة في الولد، لنمائها في العدد، وزيادتها في قوّة العضد، وما يتعجّل من عظيم بهجتها، ويرجى من باقي ذكرها في الخلوف والأعقاب، ولا حق بركتها في الدعاء والاستغفار.
ومنه: إنّه ليس من النّعم نعمة تشبه النعمة في الولد، لزيادتها في قوّة العضد، وحسن موقعها في الخلف والعقب، واتصل بي خبر مولود فسرّني ما
(9/57)

وصل الله به من العارفة إليك، وشركتك في جميل الموهبة فيه شركة من له مالك وعليه ما عليك، وسألت الله أن يوزعك شكر النّعمة ويؤنس بهذا المولود ربعك، ويكثّر به عددك، ويعظّم بركته ويمن طائره عليك، ويزيد به في النعمة كذلك، ويفعل الله ذلك، بمنّه وطوله.
وفيه لأبي الحسين بن سعد «1» إلى أبي مسلم «2» بن بحر يهنّئه بابن حدث له:
فأمّا ما جدّد الله من النعمة في القادم والموهوب لك ولدا وأنسا، ولنا سندا وذخرا، فقد جلّ قدر هذه الموهبة عن أن يحاط لها بوصف، أو يوفى لها بشكر.
وفيه لعلي بن خلف «3» :
وينهي أنه اتّصل بالمملوك بزوغ نجم سعد في مشارق إقباله، مؤذن باتّساق سموّه وجلاله، فأحدث من الحلال والاستبشار بمقدمه، والتبرّك والتيمّن بقدمه، ما تلألأت على المملوك أنواره، وحسنت عنده آثاره، وسألت الله تعالى راغبا إليه في أن يعرّفه سعادة مولده، ويمن موفده، ويجعله شادّا لعضده، وموريا لزنده، ويشفعه والسادة السابقين، بنجباء متلاحقين، يتبلّجون في نطاق سعادته، ويتوسّمون في آفاق سيادته، ويصون سلكهم من الانفصام، وشملهم من الانهدام، ويبقيهم غررا في وجوه الأيّام، وأقمارا في صفحات الظّلام، بمنّه وفضله، إن شاء الله تعالى.
وفيه له: وينهي أنّ المملوك يشكر الله تعالى على ما أنزله عند مولانا من عوارفه، واختصّه به من لطائفه، شكر من شاركه في النعمة المسبغة عليه، وانتهى إليّ خبر السّند المتجدّد لمولانا، فطار المملوك بخوافي السّرور
(9/58)

ومقادمه، وأخذ من الابتهاج بأوفى قسمه، وسأل الله تعالى أن يبارك له في عطيّته، ويردفه بزيادته، ويوفّر عدده، ويشدّ بصالح الولد عضده، ويجنيه من هذا القادم ثمار المسرّة، ويري عينه منه أقرّ قرّة، ويشفع المنحة في موهبته بإطالة مدّته.
وفيه: وينهي أنّ أفضل النّعم موقعا، وأشرفها خطرا وموضعا، نعمة الله تعالى في الولد؛ لزيادتها في العدد وقوّة العضد، وما يتعجّل من عظم جمالها وزينتها، ويرجى من حسن مآلها وعاقبتها، في حفظ النّسب والأصل، وحسن الخلافة على الأهل؛ وجميل الذّكر والثّناء، ومتقبّل الاستغفار والدّعاء، وقد اتصل بالمملوك بزوغ هلال سماء المجد، ومتعلّق الإقبال والسّعد، فأشرقت الأيام بإشراقه، ووثقت الآمال باجتلائه واتّساقه، فقام المملوك عن مولانا بشكر هذه النعمة المتجدّدة، والموهبة الراهنة الخالدة، وهنّأت نفسي بها، وأخذت بحظّي منها، والله تعالى يعرّفه يمن المولود من أطهر والدة وأطيب والد، ويعمّر به منزله، ويؤنس ببقائه رحله، ويبلّغ محبّيه، من الآمال فيه، ما بلّغهم في الماجد أبيه، إن شاء الله تعالى.
وفيه: وينهي أنّ نعم الله تعالى وإن كانت على مولانا متظاهرة، ولديه متناصرة، فقد كان المملوك يرغب إلى الله تعالى في أن يجمّل الأيام من نسله، بمن يحفظ عليها شرف أصله، ويخلفه بعد العمر الطويل في نبله وكرم فعله، ولمّا اتّصل بالمملوك نبأ هذا الهلال البازغ في سمائه، المقرّ لعيون أوليائه، المخيّب لظنون أعدائه، حمدت الله تعالى على موهبته، وسألته إقرار نعمته، وأن يعرّف مولانا بركة قدمه، ويمن مقدمه، ويوفّر حظّه من زيادته، وسعادة وفادته، وأن يجعله برّا تقيّا، مباركا رضيّا، ويفسّح في أجله، ويبلّغه فيه أمله، إن شاء الله تعالى.
من كلام المتأخرين:
الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي (كامل)
(9/59)

هنّئت بالإسعاف والإسعاد ... ونفاذ أمر في العدا بنفاد
وبقيت ما بقي الزمان مهنّأ ... ووقيت شرّ شماتة الحسّاد
يا مالك الرّق الّذي أضحى لنا ... من جوده الأطواق في الأجياد
خلّدت في عيش هنيّ أخضر ... يسطو ببيض ظبا وسمر صعاد
حتّى يخاطبك الزمان مبشّرا: ... متعت بالإخوان والأولاد
جدّد الله في كلّ يوم له مسرّة وبشرى، وأطاب لعرفه عرفا ونشرا، وشدّ له بولده السعيد الطلعة أزرا وأسرا، وسرّى به الهموم عن القلوب وأصارها لديه أسرى، ورفع درجته إلى سماء المعالي ليقال: سبحان الذي بعبده أسرى.
المملوك يخدم المولى ويهنّيه ويشكره ويطلعه على ما حصل له من الابتهاج للسبب الذي ينهيه ويذكره، وهو أنه اتّصل به قدوم المسافر بل إسفار البدر، وظهور ميمون الغرّة الذي جاء لأهله بأمان من صروف الدّهر، وهو الولد العزيز الموفّق النّجيب، فلان، أبقاه الله تعالى ليحيا مشكورا محمودا، وأدام عزّه وعلاه، وأعلى نجمه وخلّد شرفه وبهاه، وضاعف سناءه وسناه، وأرانا منه ما أرانا من السعادة في أبيه، فسرّ وابتهج بهذه النعمة غاية السّرور والابتهاج، واتّضح له في شكر إحسان المولى وحسن ولده كلّ طريق ومنهاج، وسأل الله تعالى أن يطوّل له عمرا، ويجعله لإسعاد والده وإسعافه ذخرا، ليرتعا في رياض الدّعة في صحّة وسلامة، ويجعلا في فناء العلا لهما دار إقامة، ويبلغا من السعادة درجة لا تريم عالية ولا ترام، وتخضع لهما اللّيالي والأيّام، ويرشقاهما بسهام الصّروف ويطعناهما بأسنّتها، ويفهما دعاء الأيّام لهما من صدورها ويسمعاه من ألسنتها، مخاطبة لأبيه، ومنشدة لسائر أهله ومحبّيه (رجز)
مدّ لك الله الحياة مدّا ... حتّى ترى نجلك هذا جدّا
الصنف الثاني- التهنئة بالبنات.
من كلام المتقدّمين:
أبو الحسين بن سعد:
(9/60)

النّعمة نعمتان، إحداهما تعجّل الأنس، والأخرى تدّخر الأجر، وعلى حسب ما تتلقّى به من الشّكر على ظاهر المحبوب، والتّسليم فيما يجري مجرى بعض المكروه، يكون المتاع عاجلا، والثواب آجلا، وما قدّمت القول [إلّا] لما ظننته يعرض لك من الوجوم في هذه الموهبة، في المولودة الّتي أرجو أن يعظّم الله بركتها، ويجعلها أيمن مولود في عصرها، ودالّة على سعادة أبيها وجّدها، و [لئن] كان في الطبع حبّ الذّكور والشّعف بالبنين، فإنّ البنين من البنات، وهنّ باليمن معروفات، وبالبركات موصوفات، وبالذّكور في أثرهنّ مبشّرات، فهنأك الله النّعمة فيها تهنئة لا تنقضي سعادتها، ولا يعترض النقص والتقدير «1» شيئا منها، وأبقى هذه الصبيّة ممتّعا أبوها بها، ومنشأ له الحظّ من حداثتها، وبلّغها أفضل مبالغ الصالحات القانتات من أمّهاتها، وجعل في مولدها أصدق دليل على طول عمر أبيها وسعادة جدّة، وتضاعف نعم الله عنده، إنه لطيف جواد.
أبو مسلم «2» محمد بن بحر:
مرحبا ببكر النّساء، وبكر الأولاد، وعقيلة الخباء، والمأمولة للبركة، والمشهورة باليمن، وقد جرّبناه فوجدناه معهودا مسعودا، والله يعرّفك أضعاف ما عرّف من قبلك، ويبارك لك فيما رزقك، ويثنّي لك بأخ للمولودة ويجعله رديفها، وفي الخير قرينها وشريكها.
عليّ «3» بن خلف.
وينهي أنّ المملوك اتّصل به ارتماض «4» مولانا بمقدم الكريمة الوافدة،
(9/61)

بطالع السّعادة المتجدّدة، فعجب المملوك من وقوع ذلك من مثل مولانا مع كمال نبله، وشرف عقله وعلمه، فإنّ الله تعالى جلّ اسمه يقول: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
«1» وإنّ ما جدّده الله تعالى من مواهبه جدير أن يتلقّى بالسّرور والفرح، لا بالاستياء والتّرح، لا سيّما والذّكر إنما يتفصل على الأنثى بنجابته، لا بحليته وصورته، وقد يقع في الإناث من هو أشرف من الذكور طبعا، وأجزل عائدة ونفعا، وقد روي أنّ رسول الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: «إذا رزق العبد الأنثى نادى مناد من السماء: يا أهل الدار، أبشروا بالرّزق، وإذا رزق ذكرا نادى مناد من السماء: يا أهل الدار، أبشروا بالعزّ» فليستقبل مولانا الرّزق بالشّكر فإنّ العزّ يتبعه، ولا يعارض الله تعالى في إرادته، ولا يستقلّ شيئا من هبته، والله تعالى يعرّفه يمن عهودها، وسعادة قدومها، وأن يسرّه بعدها بإخوة متتابعين متلاحقين، يؤيّدون أمره، ويحيون بعد العمر الأطول ذكره.
أبو الفرج الببغاء:
لو كان الإنسان متصرّفا في أمره بإرادته، قادرا على إدراك مشيئته، لبطلت دلائل القدرة، واستحالت حقائق الصّنعة، ودرست معالم الآمال، وتساوى الناس ببلوغ الأحوال، غير أنّ الأمر لمّا كان بغير مشيئته مصنوعا، وعلى ما عنه ظهر في الابتداء مطبوعا، كان المخرج له إلى الوجود من العدم، فيما ارتضاه له غير متّهم، ومولانا- أيده الله- مع كمال فضله، وتناهي عقله، وحدّة فطنته، وثاقب معرفته، أجلّ من أن يجهل مواقع النّعم الواردة من الله تعالى عليه، أو يتسخّط مواهبه الصادرة إليه، فيرمقها بنواظر الكفر، ويسلك بها غير مذاهب الشكر.
وقد اتّصل بالمملوك خبر المولودة كرّم الله غرّتها، وأطال مدّتها، وعرّف مولانا البركة بها، وبلّغه أمله فيها، وما كان من تغيّره عند اتّضاح الخبر، وإنكار
(9/62)

ما أختاره له سابق القدر، فعجب المملوك من ذلك واستنكره، من مولانا وأنكره، لضيق العذر في مثله عليه. وقد علم مولانا أنّهن أقرب إلى القلوب، وأنّ الله تعالى بدأ بهنّ في الترتيب فقال جلّ من قائل: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
«1» وما سمّاه الله هبة فهو بالشّكر أولى، وبحسن التقبّل أحرى، ولكم نسب أفدن، وشرف استحدثن، من طرق الأصهار، والاتّصال بالأخيار، والملتمس من الذّكر نجابته، لا صورته وولادته، ولكم ذكر الأنثى أكرم منه طبعا، وأظهر منه نفعا، فمولانا يصوّر الحال بصورتها، ويجدّد الشّكر على ما وهب منها، ويستأنف الاعتراف له تعالى بما هو الأشبه ببصيرته، والأولى بمثله، إن شاء الله تعالى.
الصنف الثالث- التهنئة بالتّوءم.
أحسن ما رأيت من ذلك قول بعض الشّعراء مما كتب به إلى بعض أصحابه، وقد ولد له ذكر وأنثى من جارية سوداء، وهو قوله (طويل)
وخصّك ربّ العرش منها بتوءم ... ومن ظلمات البحر تستخرج الدّرر
وابرك أضحى وارثا علم جابر «2» ... فأعطاك من ألقابه الشّمس والقمر
الأجوبة عن التهنئة بالأولاد قال في «موادّ البيان» : أجوبة هذه الرّقاع يجب أن تبنى على شكر اهتمام المهنّيء ورعايته، والاعتداد بعنايته، وأنّ الزيادة في تجدّد المهنّى [به]
(9/63)

زيادة في عدده، وأن نصيبه من تحرّك السرور فيما يخلص إليه من المواهب كنصيبه؛ لتناسبهما في الإخاء، وتوافيهما في الصّفاء، وأن تراعى مع ذلك مرتبة المهنّي والمهنّى، ويبنى الخطاب على ما يقتضيه كلّ منهما.
وهذا مثال من ذلك:
زهر الربيع:
وينهي ورود الكتاب الذي تشرّف المملوك بوروده، وأشرقت الأيّام بكمال سعوده، وأرغم ببلاغته معطس مناويه وحسوده، فشكر أيادي من أنعم بإرساله، واكتسى بالوقوف عليه حلّة من حلل فخره وجماله، وبالغ في إكماله، حتّى وقف إجلالا له بين يديه، ثم تلا آيات حسنه على أذنيه، فوجده مشتملا على إحسان لم يسبقه إلى مثله أحد، ومنن أودعها فيه فلا يحصيها حصر ولا عدد، فهيّج بوروده رسيس الأشواق، وتقلّد بإنعام مرسله كما قلّدت الحمائم بالأطواق، ووجد لوعة لا يحسن وصفها لسان اليراع في الأوراق، وعلم ما أشار إليه المولى من التهنئة بالولد الجديد، بل بأصغر الخدم والعبيد، وما أبداه من الابتهاج لميلاده وأظهره من التفضّل المعروف من آبائه الكرام وأجداده، ولم لا يكون الأمر كذلك والوالد مملوكه؟ وهو مملوك السادة الأجلّاء أولاده، حرس الله مجده ومتّعه بثوب مكارمه، وخفض قدر محاربه ورفع كلمة مسالمه، ولا زال مماليكه تتزيد تزيّد الأيّام وسعادته باقية بقاء الأعوام، وعين العناية تحرسه في حالتي السفر والمقام، إن شاء الله تعالى.
الضرب الثامن (من التهاني التهنئة بالإبلال من المرض والعافية من السّقم)
فمن ذلك:
وينهي أنه ما زالت أجسام أهل التّصافي، تشترك في الأسقام والعوافي، كما تشترك أنفسهم في التخلّص والتّوافي، ولمّا ألم بمولانا هذا الألم الذي تفضّل الله تعالى بإماطته، ومنّ فيه على السّؤدد بحراسة مولانا وحياطته، فرأيته
(9/64)

حالّا في جوارحي، محرقا لجوانحي، ممازجا لأعضائي، متملّكا لأنوائي «1» .
ولئن كنت قد تحمّلت من ذلك عبّا، وارتقيت من تحمّله مرتقى صعبا، فلقد فخرت بمماسّته، وأحمدت طبعي على مشاكلته، وشكرت الله تعالى إذ جعلني شعبة من سرحته، وجبلّة من طينته، وعلى ما سرّ به من إقالته وإنعاشه، ومصافاته وإبشاشه، وسألت الله تعالى أن يبقيه نورا يوضّح مغرب الدّهر ومشرقه، ودرّا يرصّع فود المجد ومفرقه، ويحسن الدّفاع عن حوبائه «2» وهو سبحانه يجيب ذلك ويتقبّله، ويرفعه ويسمعه، إن شاء الله تعالى.
وله في مثله:
المملوك يهنّيء مولاه خاصّة إذ جعله الله تعالى من صفوة أوليائه، وخالصة أحبّائه، الذين يبتليهم اختبارا، وينتابهم اختيارا؛ ليجمع لهم بين تمحيص وزرهم، ومضاعفة أجرهم، والحضّ على طاعته، والانصراف عن معصيته، ويهنّيء الكافّة عامّة بالموهبة في نوره المطلعة لأمل الإقبال، المروية لماحل الآمال، ثم أعطف على حمد الله على ما منّ به من إبلاله، ويسّره من استقلاله، والرّغبة إليه في أن يمنحه صحة تخلّد وتقيم، وعافية ترهن ولا تريم، وأن يحميه من عوارض الأسقام، ويصونه من حوادث الأيّام، بفضله وجوده، إن شاء الله تعالى.
أبو الفرج الببغاء:
أفضل ما يفزع إليه العبد المخلص، والمولى المتخصّص، فيما ينوب سيّده ويهمّ وليّ نعمته، الدعاء المقترن بصدق النية، وصفاء الطويّة [فالحمد لله الذي منّ بالصحّة وتصدّق بالإقالة، وتدارك بجميل المدافعة، وعمّ سائر خدمه أيّده الله بالنّعمة، وأعاده إلى أجمل عاداته من السلامة والصّحّة، فائزا بمدّخر
(9/65)

الأجر، متعبّدا بمستأنف الشّكر، فلا أخلاه الله من زيادة فيما يوليه، ولا قصدنا بسماع سوء فيه، وحرس من الغير مهجته، ومن المحذور نعمته.
وله في مثله:
ما كنت أعلم أنّ عافيتي مقرونة بعافيتك ولا سلامتي مضافة لسلامتك، إلى أن تحقّقت ذلك من مشاركتي إيّاك في حالتي الألم والصّحّة، والمرض والمحنة، فالحمد لله الذي شرّف طبعي بمناسبتك وجمّل خلقي بملاءمتك، فيما ساء وسرّ، وإيّاه تعالى أشكر على ما خصّني به من كمال غافيتك، وسبوغ سلامتك وسرعة إقالتك، وبه- جلّ اسمه- أثق في مزيدك من تظاهر النّعم، وتوفّر القسم.
وله في مثله:
ولولا أنّ متضمّن كتابك قرن ذكر المرض الهاجم عليك، بذكر ما وهبه الله لك من عود السلامة إليك، لما اقتصر بي القلق على [ما] دون المسير نحوك، والمبادرة لمشاهدتك، غير أنّ السّكون إلى ما أدّاه كتابك سابق الجزع، والطّمأنينة إلى ما وهبه الله من كفايتك حالت دون الهلع، فالحمد لله الذي منّ بالإقالة، وتصدّق بالسّلامة وعمّ بالكفاية، وهو وليّ حراستك وحراستي فيك.
وله في مثله:
سيّدنا في سائر ما يذكّره الله من هجوم ألم مؤذن بصحّة، واعتراض محنة مؤدّية إلى منحة، مرموق بالعافية، محروس من الله جلّ اسمه بالحفظ والكلاءة، فهو مع العلة فائز بذخائر الأجر، ومع العافية موفّق لاستزادة الشّكر، فالحمد لله الذي عقد الكرم ببقائه، وشفى مرض الآمال بشفائه، وكفاه اعتراض المخوف، وعوارض الصّروف.
وله في مثله:
ما انفرد جسمك بالعلّة دون قلبي، ولا اختصّت نفسك- حرسها الله تعالى- بمعاناة المرض دون نفسي، ولم أزل بالقلب تاليا، وفي سائر ما شكوته
(9/66)

بالنّيّة مساويا، إلى أن كشف الله الغمّة، وأقال العثرة، ونفّس الكربة، ومنّ بالسلامة، وتصدّق بالكفاية، وأوجب بالعافية علينا جميعا فروض الشكر، بعد ما ادّخره لك بالألم من كثرة الأجر، فالحمد لله على ذلك حمدا يؤدّي إلى حراسة ما خوّلك، ويؤذن بالمزيد فيما منحك.
ومن كلام المتأخرين:
أعلى الله قدر الجناب الفلاني، ولا زالت شموس أيامه لا تخاف كسوفا ولا أفولا، وأقمار لياليه تغرس في قلوب أوليائه ومحبّيه فروعا وأصولا.
المملوك يخدم خدمة من تحمّل جميلا، ونال من تفضّل الجناب «1» الكريم جزيلا.
وينهي ما حصل له من السّرور بعافية مولانا، فالشكر لله على ما جدّد من النّعمة التامّة، وسمح به من الكرامة العامّة، حين أعاد البدر إلى كماله، والسّرور إلى أتمّ أحواله، وما كانت إلّا غلطة من الدّهر فاستدركها، وصفقة خارجة عن يده فملّكها، فقرّت بذلك العيون، وتحقّقت في بلوغ الأمل الظّنون؛ وانجبر قلبه بعد ما وهن، وعاد جفنه بعد الأرق إلى الوسن؛ وقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
«2» ولقد كان يتمنّى المملوك لو فاز من الرّؤية الشريفة بحظّ السمع والبصر، وتملّى بمشاهدة وجهه الكريم فإنّ فيه البغية والوطر «3» .
والمملوك فما يعدّ نفسه إلّا من المحبين الذين بذلوا نفوسهم لمحبته وأعدّوها، والله تعالى يسرّ الأولياء بتضاعف سعوده، ويديم بهجة الأيّام بميمون وجوده، ويطيل في مدّته ويحرسها من الغير، ويحرس أحوال مزاجه الكريم على
(9/67)

القانون المعتبر، ويكفي أولياءه ومحبّيه فيه كلّ مكروه وحذر، إن شاء الله تعالى.
من زهر الربيع (متقارب) :
ولمّا شكوت اشتكى كلّ ما ... على الأرض واهتزّ شرق وغرب
لأنّك قلب لجسم الزّمان ... وما صحّ جسم إذا اعتلّ قلب
حرس الله جنابه، وأسبل عليه رداء السعد وأثوابه، ومتّعه ببرود العافية وجلبابها، وفتح له إلى نيل السعادة سائر أبوابها، ومنحه الكفاية والأمن في سربه، والعافية في جسمه من قلق كلّ مرض وكربه، وجمع له بين الثّواب والأجر وجازاه بجزيل الغفران عن جميل الصّبر.
المملوك يبشّر نفسه ومولاه بما منّ الله به من صحّة مزاجه الكريم، والإبلال من مرض كاد يدير كؤوس الحمام «1» على كلّ صديق حميم، ويحمد الله على عافيته حمدا جزيلا، ويشكره عليها بكرة وأصيلا، فإنّه قد عوفي لعافيته المجد والكرم، وزال عنه إلى أعدائه الألم، فالمولى حفظ «2» الله صحّته من السّقم، وحماه من ألم ألمّ، وجعل سعادته تتزايد على ممرّ الأنفاس، وجسده سالما من الأذى كسلامة عرضه من الأدناس، إن شاء الله تعالى.
الشيخ جمال الدين «3» بن نباتة:
وقى الله من الأسواء شخصه الكريم، وشمله النّظيم، وقلب محبّه الذي هو في كلّ واد من أودية الإشفاق يهيم.
(9/68)

ولا زالت الصحة قرينه حتّى لا يعتلّ في منازله غير مرور النّسيم، ويصف شوقا يزيد بالأنفاس وقدا، ويجدّد للأحشاء وجدا، ويباشر القلب المغرم فيمدّ له من عذاب الانتظار مدّا.
وينهي أنه جهّز هذه الخدمة نائبة عنه في استجلاء وجه أكرم الأحبّة، وتصافح اليد الّتي أقلام كتبها في شكوى البعاد أطبّة، مبدية إلى العلم الكريم أنّه مع ما كان يكابده من الأشواق، ويعالجه من خواطر الإشفاق، بلغه ضعف الجسد الموقّى، وعارض الألم الذي استطار من جوانح المحبّين برقا، فلا يسأل الجناب الكريم عن قلب تألّم، وصدر صامت بالهموم ولكنّه بجراح الأشجان تكلّم، ولسان أنشد (طويل) :
ألا ليتني حمّلت ما بك من ضنى ... على أنّ لي منه الأذى ولك الأجر
ثم لطف الله تعالى وعجّل خبر العافية المأمولة، والصحة المقبلة عقيب الدّعوات المقبولة، فيا لها مسرّة شملت، ومبرّة كملت، وتهنئة جمعت قلوب الأودّاء وجملت، وأعضاء فدتها «1» عيون المها فنقلت عنها صفات السّقام وحملت، وعافية حوّلت إلى قلوب الأعداء المرض، وجوهر جسد طاهر زال [عنه] بأس العرض، فهنيئا له بهذه الصحة المتوافرة الوافية، والحمد لله ثم الحمد لله على أن جمع بين حصول الأجر ووصول العافية، وعلى أن حفظ ذاته الكريمة وحفظها هو المقدّمة الكافية الشافية (كامل)
وتقاسم النّاس المسرّة بينهم ... قسما فكان أجلّهم قسما أنا
والله تعالى يسبغ عليه ظلال نعمه ويحفظه حيث كان في نفسه وأهله وخدمه، وكما سرّ الأحباب بخبر عافيته كذلك يسرّهم بعيان مقدمه.
(9/69)

أجوبة التهنئة بالإبلال من المرض والعافية قال في «موادّ البيان» «1» : أجوبة هذه الرّقاع يجب أن تكون مبنيّة على وصف الألم وصورته وما تفضّل الله تعالى به من إماطته، وشكر المهنّي باهتمامه وعنايته.
وهذه أمثلة من ذلك:
من زهر الربيع:
أدام الله نعمته، وشكر منّته، وأدال دولته، وأعلى قدره وكلمته، وحتّم على الألسنة شكره والقلوب محبّته، ولا زالت التهاني من جهته وافدة، والبشائر واردة.
وينهي ورود الكتاب الذي أعدّته يد المعالي فعاد كريما، وشاهد حسن منظره فصار وجهه وسيما، وأنه وقف عليه، وأحاط علما بكلّ ما أشار المولى إليه، فذكّره أنسا كان بخدمته لم ينسه، وجدّد له وجدا ما زال يجد في قلبه ونفسه عينه ونفسه، ونشر من مآثره المأثورة، وفضائله المرقومة في صفائح الصّحائف المسطورة، ما شنّف به وشرّف، وشوّق إلى لقائه وشوّف، وأقام البرهان على ذكيّ فطنته، وزكيّ فطرته، وعلم ما أنعم به وتفضّل، وأحسن وتطوّل، من تهنئة المملوك بالإبلال من مرضه، والبرء من سقمه، والتخلّص من يدي وجعه وألمه، وسرّ بورود كريم مشرّفته، أعظم من سروره بلباس ثوب عافيته، وبدوام مجده وسعادته، أكثر من صحّة مزاجه واستقامته، فإنّ مكارم المولى كالحدائق النّاضرة، ومنزلته أعز في القلوب من الأحداق الناظرة.
فالحمد لله الذي منّ بالعافية من ذلك المرض، والداء الذي ألمّ بعرضيه فاحتوى منهما على الجوهر والعرض، وطال حتّى أسأمه من نفسه وعوّاده، وآيسه من
(9/70)

الحياة لولا لطف الله والله لطيف بعباده، وهذا ببركة المولى ودعائه الذي كان يرفعه والخواطر والأسماع مع بعد الشّقّة تشهد به وتسمعه، جعل الله التهاني مع الأبد واردة منه وإليه، وشكر إنعامه وأتمّ نعمته عليه، إن شاء الله تعالى.
قلت: وكتبت للمقرّ العلائيّ علاء الدين الكركيّ «1» وهو يومئذ كاتب «2» السّرّ الشريف في الدولة الظاهرية «برقوق» «3» في سلطنته الثانية، وقد برأ من مرض نظما (بسيط) .
أفديه من جسد قد صحّ من سقم ... فبات جوهره خال «4» من العرض
فاستبشرت بعليّ القوم شيعته ... ومات حاسده بالسّقم والمرض
الضرب التاسع (التهنئة بقرب المزار)
الشيخ شهاب الدين محمود «5» الحلبي:
قرّب الله مزاره، وأدنى جواره، وأعان أعوانه ونصر أنصاره، ولا زالت الأنفس لقربه مسرورة، ورايات مجده في الملإ الأعلى وأحزاب الإسلام بهيبته على أعداء الدّين منصوره.
المملوك يقبّل الباسطة العالية بسط الله ظلّها، وشكر على الأولياء فضلها، وينهي أنه اتّصل به طيّب أخباره، وقرب مزاره، فتضاعف شوقه، وتزايد توقه، وهيّجت صبابته لا عجه، وسهّلت إلى نيل المسرّة طرقه ومناهجه (وافر) .
(9/71)

وأبرح ما يكون الشّوق يوما ... إذا دنت الدّيار من الدّيار
فالله يقرّب من أمد التّلاقي بعيدا، ويجعل رداء الاجتماع بخدمته قشيبا جديدا.
الضرب العاشر (التهنئة بنزول المنازل المستجدة)
فمن ذلك [من إنشاء] عليّ بن «1» خلف:
أشرف المنازل رقعة، وأترفها بقعة، وأرفعها رفعة، ما اتّخذه مولانا لنفسه موطنا، وجعله بنزوله فيه حرما آمنا، وصيّره بمخصب مكارمه للعفاة مرادا ومقصدا، وبمعذب نوافله للظّماة مشرعا وموردا، وللسّؤدد بمجده معقلا، وللرّياسة بشرفه منزلا، والله تعالى يجعل هذه الدار الّتي تديّرها وحلّها، وحطّ بها رحله ونزلها، مأهولة ببقائه، آنسة بسبوغ نعمائه، عامرة بسعادته، مشيدة بتناصر عزّه وزيادته، لا تخطئها حوائم الآمال، ولا تتخطّاها ديم الإقبال، ويعرّفه من بركتها، ويمن عتبتها، ما يقضي بامتداد الأجل، وانفساح الأمل، وبلوغ الأماني، واتّصال التّهاني، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك:
وينهي أنه قد اتّصل بالمملوك تحوّل مولانا إلى المنزل المنشإ الجديد، ذي الطالع السعيد، والطائر الحميد، فسألت الله تعالى أن يبوّئه منه المبوّأ الكريم، ويمتّعه فيه بالدّعة والنّعيم، والنّماء والمزيد، والعيش الرّغيد، ويجعله واصلا لحبله، مأهولا بأهله، ويعرّفه بركة عتبته، ويملّيه ببهائه ونضارته، وحصل للمملوك السّرور بأن بلّغه الله الوطر، في سكنى ما عمر، وأناله الأمل والالتذاذ بخدمته، والسّرور بافتضاض عذرته، إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك:
(9/72)

مولانا- أمتع الله بوجوده- غنيّ عن الهناء بمنزل ينزله ومحلّ يحلّه، إذ الله سبحانه وتعالى قد كثّر أوطانه وآدره «1» ، وبلّغه في تمام عمارتها وانفساحها وطره، وخصّه بأفضلها معانا، وأشرفها مكانا، والمستوجب في الحقيقة للهناء هو الموضع الذي اختاره دارا، وارتضاه مستقرّا، وعرف المملوك انتقاله- لا زال يتنقّل في بروج السّعد، ويأوي إلى ظلّ ظليل من المجد- إلى الدار الفلانية لا زالت جامعة لشمله، مأنوسة بأهله، فعدل عن خدمته بالهناء، إلى إخلاص الدّعاء، بأن يعرّفه الله تعالى يمنها وبركتها، ويريه إقبالها وسعادتها، ويقرن تحوّله إليها بأيمن طائر، وأبرك طالع، فإنّ للحركات أوقاتا محمودة ومذمومة؛ فإذا اعتنى الله تعالى بعبد من عبيده، وفرض له نصيبا من تأييده، وفّقه للحركة في الزّمن السعيد، والوقت الحميد، لتكون مصايره مشاكلة لمباديه، وأعجازه مشابهة لهواديه، والله تعالى يجعل بابها محطّا للقصّاد، ومناخا للوفّاد، ومزارا للعفاة، وملاذا [للعناة] «2» ويصل بها حبله، وينشي بها طفله، ويضاعف باستيطانها أنسه، ويسر بتبوّئها نفسه، إن شاء الله تعالى.
أبو الفرج «3» الببغاء:
أسعد المنازل وأشرف المواطن ما استوطنه أيّده الله وتبوّاه، وتخيّره لنفسه وارتضاه، فغدا بشخصه وطن الإقبال، وبفائض كرمه حرم الآمال، وبشرفه للسّؤدد معقلا، وبنبله للرّياسة منزلا، فعرّفه الله يمن هذه الدار المعمورة بحلول البركات، المحفوفة بتناصر السّعادات، وجعلها وكلّ ربع يقطنه، ومحلّ يسكنه، مبشّرا بامتداد بقائه، وآهلا بالزّيادة في نعمائه.
وله في مثله:
(9/73)

كلّ وطن يحلّه- أيده الله- ويقطنه، ومحلّ يتخيّره ويسكنه، مقصود بالشّكر والثناء، آهل بالحمد والدّعاء، لا يتخطاه متوارد الآمال، ولا تنقطع عنه موادّ الإقبال، ولذلك صار هذا المنزل السعيد من فضائل الأرض ومحاسنها، ونجع الآمال ومعادنها، فعرّفه الله يمنه وبركته، وإقباله وسعادته، وقرن انتقاله إليه بأسبغ نعمة، وأكمل سلامة وأبسط قدرة وأعلى رتبة.
وله في مثله:
عرّفه الله [من] بركة هذا المنزل المورود، والفناء المقصود، ما يوفي على سالف ما أولاه من تكامل البركات، وتناصر السّعادات، وجعل مستقرّه فيه مقرونا بنموّ الحال، وتتابع الإقبال، في أفسح المدد وأطولها، وأنجح المطالب وأفضلها، وعمر أوطان المكارم بإقباله «1» ، وعضّد الأمانيّ باتّساع نعمائه.
أجوبة التهنئة بقرب المزار، ونزول المنازل المستجدّة قال في «موادّ البيان» : أجوبة هذه الرّقاع يجب أن تبنى على الاعتداد للمهنّي بتعهّده، والشكر له على تودّده، والابتهاج بهنائه، والتبرّك بدعائه، وأن المستجدّ غير مباين لمنزله، ولا خارج عن أحكام محله، وأنّ تمام بركته، أن يؤنس فيه بزيارته، وما يشابه هذا.
الضرب الحادي عشر (نوادر التهاني، وهي خمسة أصناف)
الصنف الأوّل- تهنئة الذّميّ بإسلامه.
فمن ذلك ما أورده أبو الحسين «2» بن سعد في ترسّله، وهو:
وما زالت حالك ممثّلة لنا جميل ما وهب الله فيك حتّى كأنّك لم تزل
(9/74)

بالإسلام موسوما، وإن كنت على غيره مقيما، وقد كنّا مؤمّلين لما صرت إليه، ومشفقين لك مما كنت عليه، حتّى إذا كاد إشفاقنا يستعلي على رجائنا، أتت السعادة فيك بما لم تزل الأنفس تعد منك، ونسأل الله الذي نوّر لك في رأيك، وأضاء لك سبيل رشدك، أن يؤهّلك لصالح الأعمال، وأن يؤتيك في الدنيا حسنة ويقيك عذاب النار.
ومن ذلك، من كلام أبي «1» العيناء:
ولتهنئك نعمة الله عليك في أخوّة المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، والحمد لله الذي فوّز قدحك [وأ] على كعبك، وأنقذ من النار شلوك «2» ، وخلّصك من لبس الشّك، وحيرة الشّرك، فأصبحت قد استبدلت بالأديار المساجد، وبالآحاد الجمع، وبقبلة الشام، البيت الحرام، وبتحريف الإنجيل، صحّة التنزيل، وبأوثان المشركين، قبلة الموحّدين، وبحكم الأسقفّ رأس الملحدين [حكم] أمير المؤمنين وسيّد المرسلين، فهنأك الله ما أنعم به عليك، وأحسن فيه إليك، وذكّرك شكره، وزادك بالشّكر من فضله.
أجوبة التهنئة بإسلام ذميّ قال في «موادّ البيان» : أجوبة هذه الرّقاع ينبغي أن تكون مبنيّة على شكر المهنّإ للمهنّيء؛ واعترافه بنعمة الله تعالى عنده، وابتهاجه بممازجته في الدّين، الذي جعل الله أهله إخوانا متصافين، وخلّانا متوافين، ومنّ عليهم به، وبإماطة
(9/75)

الحسائف «1» من قلوبهم، ونحو هذا.
الصنف الثاني- التهنئة بالختان وخروج اللّحية.
فمن ذلك تهنئة لأمير بختان ولدين له:
فمن خصائص ما حباه الله بعد الذي قدّم له في نفسه- نفّس الله مدّتها، ووسّع له مهلتها، وأفنى الأعداد دون فنائها، والأعمار دون تصرّمها وانتهائها، [من] الفضائل المشهورة، والمحاسن المذكورة، والمناقب المأثورة، وأقسام الفضل الذي ينقضي دون تصرّم (؟) منازله وصف الواصف إذا أفرط، وينتهي دون أيسرها أمل الآمل إذا اشتطّ- ما وهب الله له من أولاد سادة فضّلهم في الأخلاق والصّور، وأكملهم في الأجسام والمرر، وقدّمهم في العقول والأفهام، والقرائح والألباب، ولم يجعل للمعيب فيهم سيمة، ولا للإناث بينهم شركة، حتّى يكون مسلّما لهم قصب العلا والمفاخر، وصدور الأسرّة والمنابر، من غير منازع، ولا مقارع، ولا مساهم، ولا مقاسم، وزادهم من النّماء في النّشء والبركة واليمن بما يؤذن الحاضر منه بالغابر، ويدلّ البادي على الآخر، وعدا من الله تعالى ذكره لهم بأوفى السعادات، وأكمل الخيرات وأعلى الدرجات، أرجو أن يجعل الله النّجح قرينه، والنجاة ذريعته، وما أولاه فيهم في هذه الحال الحادثة الّتي يعدق الله بها أداء الفريضة، وكمال الشريعة، ويقع التطيّر بالختان، الذي جعله الله من شروط الإيمان، وفرضه على جميع الأديان، من السّلامة على عظم الخطر، وشدّة الغرر، في إمضاء الحديد على أعضاء ناعمة، وإيصال الألم إلى قلوب وادعة، لم تقارع نصبا «2» ، ولم تعان وصبا «3» ،
(9/76)

واجتمع فيه إلى رقّة الصّبا، وضعف الأسر والقوى، اعتياد الرحمة، ومخالفة الترفّه والتنقّل بين الشهوات، على أن كلّ واحد من الأميرين شهد المعركة أعزل حاسرا، وباشر الحرب مغرّرا مخاطرا، فثبت لوقع السّلاح، وصبر على ألم الجراح، وأبلى بلاء الفارس المدجّج، والكميّ «1» المقنّع، ثم خرج خروج شبل الليث، وفرخ العقاب، كالقدح المعلّى والشّهاب الساطع، والنّجم الثاقب، وكان فلان أكثرهما تغيّرا في وجه قرنه، وسطوة على منازله، وكلّ قد حصّل فوق الخصل، وحوى فضيلة السّبق، واستحقّ اسم البأس والشّدّة، وحلية البسالة والنّجدة.
ومن ذلك ما أورده أبو الحسين بن سعد في كتابه:
الحمد لله الذي كساك باللّحية حلّة الوقار، وردّاك رداء ذي السّمت من الأبرار والأخيار، وصانك عن ميسم الصّبا، ومطامع أهل الهوى، بما جلّلك من اللحية البهيّة، وألبسك من لباس ذوي اللّبّ والرّويّة، وألحقك في متصرّفاته بمن يستقلّ بنفسه ساعيا، ويستغني عمّن صحبه حافظا، وجعل ما جمّل من صورتك، وكمّل من أداتك وآلتك، قرنا لمن جاذبك، وخصما لمن نازعك، ونفى عنك ذلّة الاحتقار، من أهل المراتب والأخطار، تستوي [بهم] في المجالس الحافلة، وتجري مجراهم في المشاهد الجامعة، مسموعا قولك إذا قلت، ومصغى إليك إذا نطقت، آمنا من انصراف الأبصار عنك لقرب ولادك، ومن [عدم] الاستماع لحديثك لقلّة الثّقة بسدادك، وجاريا مجرى كملة الرجال على الجملة، إلى أن يكشف الله مخابرك بالمحنة، وتعطى المهابة من الدّاعر العادي، ومن السّبع الضاري، ولو كان عاريا من هذه الكسوة الشريفة، والحلية الملحوظة، لسيقت إلى الازدراء بالأعين، والاستصغار بالقلوب والألسن، أصناف الحيوان، من البهيمة والإنسان، ثم لا يحسّ من نفسه قوّة على الدّفع عنها، ولا من صرعته ثباتا (؟) على يدها فيه. وتلك نعمة من الله جل وعزّ حباك
(9/77)

بمرتبتها في جمال غشاك «1» ، وكمال أتاك، فليصدّق بها اعترافك وشكرك، وليحسن ثناؤك ونشرك، قضاء لحق الله عليك، واستدرارا في المزيد من إحسانه إليك.
الصنف الثالث- التهنئة بالمرض.
أبو الفرج الببغاء:
في ذكر الله سيدي بهذا العارض- أماطه «2» الله وصرفه، وجعل صحة الأبد خلفه- ما دلّ على ملاحظته إيّاه بالعناية، إيقاظا له من سنة الغفلة، إذ كان تعالى لا يذكّر بطروق الآلام، وتنبيه العظات، غير الصّفوة من عباده، الخيرة من أوليائه، فهنأه الله الفوز بأجر ما يعانيه، وحمل عنه بألطافه ثقل ما هو فيه، وأعقب ما اختصّه من ذخائر المثوبة والأجر بعافية تقتضيه، ولا سلب الدنيا جمال بقائه، ولا نقل ظلّه عن كافّة خدمه وأوليائه.
الصنف الرابع- التهنئة بالصّرف عن الولاية.
أبو الفرج الببغاء:
من حلّ محلّه- أيده الله تعالى- من رتب الرّياسة والنّبل، كان معظّما في حالتي الولاية والعزل، لا يقدح في قدره تغيّر الأحوال، ولا ينقله عن موضعه من الفضل تنقّل الأعمال، إذ كان استيحاشها للفائت من بركات نظره، بحسب أنسها كان بما أفادته من محمود أثره، فهنأه الله نعمة الكفاية، وأوزعه شكر ما احتازه من النزاهة والصّيانة، ولا أخلاه من التوفيق في سائر متصرّفاته، والخيرة الضامنة لعواقب إراداته.
وله في مثله:
لو كان لمستحدث الأعمال ومستجدّ الولايات زيادة على ما اختصّك به
(9/78)

من كمال الفضل، ومأثور النّبل، لحاذرنا انتقال ذلك بانتقال ما كنت تتولّاه بمحمود كفايتك، وتحوطه بنواظر نزاهتك وصيانتك، غير أنّ الله تعالى جعلك بالفضل متقمّصا، وبالمحامد متخصّصا، فالأسف فيما تنظر فيه عليك لا منك، والفائدة فيما تتقلّده بك لا لك، ولذلك كنت بالصّرف مهنّأ مسرورا، كما كنت في الولاية محمودا مشكورا، فلا أخلاك الله من تواصل آلائه، وتظاهر نعمائه، في سائر ما تبرمه وتمضيه، وتعتمده وترتئيه.
أبو الحسين بن سعد- عمّن تولّى عملا إلى من صرف عنه:
قد قلّدت العمل بناحيتك، فهنأك الله تجديد ولايتك، وأنفذت خليفتي لخلافتك، فلا تخله من تبصيرك وهدايتك، إلى أن يمنّ الله بزيارتك.
تهنئة بصرف عن ولاية:
لو كانت رياسة سيّدي مجنيّة من عروش الولايات، وسيادته خارجة عن سانح التصرّفات، لأشفق أولياؤه من زوالهما بمزايلتهما، وحذروا من انتقالهما بنقلهما، لكن ما وسم به من الكمال، وعلا به من رتب الجلال، موجود في غريزته وجود الفرند «1» في السيف المأثور، واللألاء في النور، وإذا تصرّف، أورد الله الرعيّة من مشارعها نطافا، وأسبغ عليهم من ظلّها عطافا، وإذا انصرف فخير مسبل تقلّص، وعيش رائع تنغّص، والأسف على العمل السّليب من حلل سياسته الفاضلة، العاطل من حلى سيرته العادلة، ولهذا أصبح- أيده الله- بالعزل مبتهجا مسرورا، كما كان في الولاية محمودا مشكورا، وانطلقت ألسنة أوليائه، في هنائه، بما وهبه الله من الرّفاهية والدّعة، وحطّه عنه من الأثقال المقلقة، ولا سيّما وقد علم الخاصّ والعامّ أنّ الأعمال إذا ردّت إليه، وعوّل فيها عليه، تسلّم المودع وديعته، والناشد ضالّته، وإذا عدل فيها إلى غيره تناولها
(9/79)

تناول الغاصب، واستولى عليها استيلاء السّالب، فلا تزال نازعة إلى ربّها، متطلّعة إلى خطبها، حتّى تعود إلى محلّها، وترجع إلى نصلها، والله تعالى أسأل أن يقضي لمولانا ببلوغ الأوطار، إن شاء الله تعالى.
أجوبة التهنئة بالصرف عن الولاية والخدمة قال في «مواد البيان» : يجب أن تكون أجوبتها مبنيّة على شكر الاهتمام والاعتداد بالمشاركة في الأحوال، مع وقوع ما ورد من الخطاب الموقع للطيف، وما ينتظم في هذا السلك.
جواب من ورد عليه كتاب من ولي مكانه في معنى ذلك.
فمن ذلك:
ما انصرفت عنّي نعمة أعديت إليك، ولا خلوت من كرامة اشتملت عليك، وإنّي لأجد صرفي بك ولاية ثانية، وحلّة من الوزر واقية، لما آمله بمكانك من حميد العاقبة وحسن الخاتمة.
الصنف الخامس- تهنئة «1» من تزوجت أمّه بزواجها.
قد تقدّم في أوّل المقالة الأولى في حكاية حائك الكلام مع عمرو «2» بن مسعدة وزير المأمون «3» ، أنه قال: يكتب إليه:
(9/80)

أما بعد، فإنّ الأمور تجري على خلاف «1» محابّ المخلوقين [والله يختار لعباده] «2» ، فخار الله لك في قبضها [إليه، فإن القبور أكرم الأكفاء] «3» والسّلام.
أبو الفرج الببغاء: وقد أمره سيف الدولة «4» بن حمدان بالكتابة في معنى ذلك امتحانا له:
من سلك إليك- أعزّك الله- سبيل الانبساط، لم يستوعر مسلكا من المخاطبة فيما يحسن الانقباض عن ذكر مثله. واتّصل بي ما كان من خبر الواجبة الحقّ عليك، المنسوبة بعد نسبتك إليها إليك- وفّر الله صيانتها- في اختيارها ما لولا أنّ الأنفس تتناكره، وشرع المروءة يحظره، لكنت في مثله بالرضا أولى، وبالاعتداد بما جدّده الله في صيانتها أحرى، فلا يسخطنّك من ذلك ما رضيه وجوب الشّرع، وحسّنه أدب الدّيانة، ومباح الله أحقّ أن يتّبع، وإيّاك أن تكون ممن لمّا عدم اختياره تسخّط اختيار القدر له، والسّلام.
(9/81)

النوع الثاني (من مقاصد المكاتبات: التّعازي)
قال في «مواد البيان» : المكاتبة في التعزية بالأحداث العارضة في هذه الدنيا واسعة المجال؛ لما تتضمّنه من الإرشاد إلى الصّبر، والتسليم إلى الله جلّت قدرته، وتسلية المعزّى عما يسلبه بمشاركة السابقين فيه، ووعده بحسن العوض في الجزاء عنه، إلى غير ذلك مما ينتظم في هذا المعنى. قال:
والكاتب إذا كان جيّد الغريزة حسن التأتّي فيها، بلغ المراد. ثم قال: وحكمها حكم التّهاني من الرئيس إلى المرؤوس، ومن المرؤوس إلى الرئيس، ومن النظير إلى النظير.
ثم التعزية على أضرب:
الضرب الأوّل (التعزية بالابن)
أبلغ ما كتب به في ذلك ما كتب به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، إلى معاذ بن «1» جبل، معزّيا له بابن له مات، فيما ذكره أبو الحسين بن سعد في ترسّله، وأبو جعفر النحّاس»
في صناعة الكتّاب، وهو:
(9/82)

«من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل:
«سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا اله إلّا هو.
أما بعد، فعظّم الله لك الأجر، وألهمك الصّبر، ورزقنا وإيّاك الشّكر، ثم إنّ أنفسنا وأهلينا وموالينا «1» من مواهب الله السنيّة، وعوارفه «2» المستودعة، تمتّع «3» بها إلى أجل معدود، وتقبض لوقت معلوم، ثم افترض علينا الشّكر إذا أعطى، والصبر إذا ابتلى، وكان ابنك من مواهب الله الهنيّة، وعوارفه المستودعة، متّعك به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كثير: الصلاة «4» والرحمة والهدى إن صبرت واحتسبت «5» ، فلا تجمعنّ عليك يا معاذ خصلتين «6» : أن يحبط «7» جزعك صبرك فتندم على ما فاتك، فلو قدمت على ثواب مصيبتك قد أطعت ربّك وتنجّزت موعوده، عرفت أنّ المصيبة قد قصرت عنه. واعلم أنّ الجزع لا يردّ ميّتا، ولا يدفع حزنا، فأحسن الجزاء وتنجّز الموعود، وليذهب أسفك ما هو نازل بك فكأن قد «8» » .
من كلام المتأخرين:
تعزية بولد، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة «9» ، وهي بعد الألقاب.
وأحسن عزاءه بأعزّ فقيد، وأحبّ حبيب ووليد، وعوّض بجميل الصبر جوانحه الّتي سئلت عن الأسى فقالت: ثابت ويزيد. صدرت هذه المفاوضة
(9/83)

تهدي إليه سلاما يعزّ عليه أن يتبع بالتعزية، وثناء يشقّ عليه أن يطارح حمائم سجعه المطربة بحمائم الشّجو المبكية المنكية، وتوضّح لعلمه ورود مكاتبته المؤلمة، فوقفنا عليها إلّا أنّ الدّمعة ما وقفت، وخواطر الإشفاق عليه وعلى من عنده طفت حرقها وما انطفت، وعلمنا ما شرحه ولم يشرح الصّدر على العادة- من وفاة الولد فلان، سقى الله عهده ولحده، ونضّر وجهه وتغمّد بالرّضوان خاله «1» وخدّه، وما بقي إلّا التمسّك بأسباب الصبر، والتفويض إلى من له الأمر، والدّنيا طريق والآخرة دار ودهليزها القبر، وللمرء من تثبّته وازع، والاجتماع بالأحبّة الراحلين واقع، إن لم يصيروا إلينا صرنا إليهم، وإن لم يقدموا في الدار الفانية علينا قدمنا في الدار الباقية عليهم، نسأل الله تعالى أن يجمعنا في مستقرّ رحمته، ويحضرنا مع الأطفال أو مع المتطفّلين ولائم جنّته، والله تعالى يدارك بالصبر الجميل قلبه، ولا يجمع عليه فقد الثواب وفقد الأحبّة.
الشيخ شهاب الدين محمود «2» الحلبي:
رزقه الله تعالى ثباتا على رزيّته «3» وصبرا، وجعل له مع كلّ عسر يسرا، وأبقاه مفدّى بالأنفس والنّفائس، وكان له أعظم حافظ من نوب الدهر وأجلّ حارس.
المملوك ينهي علمه بهذه النازلة الّتي فتّتت القلوب والأكباد، وكادت أن تفرّق بين الأرواح والأجساد، وأذالت ذخائر العيون، وابتذلت من المدامع كلّ مصون، وأذابت المهج تحرّقا وتلهّبا، وجعلت كلّ قلب في ناري الأسى والأسف متقلّبا، وهي وفاة ولده الذي صغر سنّه، وتزايد لفقده همّ المملوك وحزنه (طويل) .
ونجلك لا يبكى على قدر سنّه ... ولكن على قدر المخيلة والأصل
(9/84)

وكان الأمل يحدّث بأنه يشدّ للمولى أزره، ويشرح ببرّه صدره، ويؤثّل مجده، ويبقي الذكر الجميل بعده، ففقد من بين أترابه، وذوى عندما أينع غصن شبابه، وغيّب منظره الوسيم في لحده وترابه، وسيّدنا يعلم أنّ الموت منهل لا بدّ من ورده «1» ، وابن آدم زرع لا بدّ من حصده، وأنّ المنية تشمل الصغير والكبير، والجليل والحقير، والغنيّ والفقير، فينبغي له استعمال صبره، والاستبشار بمضاعفة أجره، والله يمتّعه بأهله وطول عمره.
وله «2» (كامل)
لهفي وما لهفي عليك بنافع! ... كلّا ولا وجدي ولا حرقاتي
يا من قضى فقضى سروري بعده ... وتحدّرت أسفا له عبراتي
عقد التجلّد حلّها فرط الأسى ... والقلب موقوف على الحسرات
لو كنت ممّن يشترى أو يفتدى ... لفديت بالأرواح والمهجات
كنت المعدّ لنصرتي في شدّتي ... فقضى الحمام «3» بفرقة وشتات
والله لا أنسيت ندبك والبكا «4» ... أبدا مدى الأنفاس واللّحظات
ويسوءني أن عشت بعدك ساعة ... أسفا لفقدك ميّتا وحياتي
أعظم الله أجر مولانا ومنحه صبرا جميلا، وأجرا جزيلا، وثناء عريض الشّقّة لثباته على هذه الفادحة طويلا، وجعل هذه الرزيّة خاتمة الرّزايا، وممحّصة جميع الذنوب والخطايا، ولا فجعه بعدها في قرّة عين، ولا أورد محبوبا شغف به قلبه الكريم منهل الحمام ولا سقاه كأس الحين «5» .
(9/85)

المملوك يقبّل البساط الذي ما فتيء لنشر المعدلة مبسوطا، وكلّ أمل ببرّه منوطا.
وينهي إلى العلم الشريف علمه بهذه المصيبة الّتي أصابت فؤاد كلّ محبّ فأصمته، وطرقت سمع كلّ وليّ فأصمّته، وولجت كلّ قلب فأحرقته صبابة وحزنا، ومرّت على الصّلد فصدّعته ولو كان حزنا، وهي وفاة فلان سقى الله عهده، وأسكن الرحمة ثراه ولحده، فشقّ أسفا على المفقود جيب كلّ جنان وطوى الأكباد على جراحها، وحسّر الأجساد على أرواحها (طويل) .
وما هي إلّا نكبة، أيّ نكبة ... أهاجت سعيرا في الحشا يتلهّب!
فلا جسم إلّا بالتحرّق ذائب ... ولا قلب إلّا في الأسى يتقلّب
بكى كلّ جفن مصرع السيف فاغتدت ... عيون عليه في الأباطح تسكب
لقد هال عذّالي بكائي تعجّبا ... وإنّ بكائي بعد فقده أعجب
فلو رام قسّ وصف حزني ولوعتي ... لقصّر في أوصافه حين يسهب
فو الله لا جفّت جفوني من البكا ... وإن زاد عذّالي العتاب وأطنبوا
ولهذا أصدر المملوك هذه المطالعة يدعو لمولانا فيها ويعزّيه، ويندب فقيده بألسنة الأقلام ويبكيه، ويبشّره بما وعد الله الصابرين على مثل هذه الرزيّة ويسلّيه، فيا لها نازلة فجعت بغصن رطيب، وقمر يرفل من الشّبيبة في ثوب قشيب، وصدعت القلوب بفقد حبيب وأيّ حبيب (سريع) .
والموت نقّاد على كفّه ... جواهر يختار منها الجياد
وبعد، فللمملوك في هذه الرزيّة مشاركة كادت تباين بين روحه والجسد، وهو المصيب لهذه المصيبة ما تجده الوالهة على فقد الولد، لا يستقرّ به قرار، ولا ينجيه من يد الحزن فرار، دأبه البكاء والعويل، وحزنه العريض الطّويل، فواضعفاه عن حمل هذا المصاب، وواأسفا على مسافر لا ينتظر له قدوم ولا إياب، وواعجباه لضدّين اجتمعا لوالده الكريم الجناب (طويل) .
تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرّجل
(9/86)

وعلى كلّ حال فهو أجدر من استعان على هذه الحادثة بصبره، وشرح لما قد قدّر فسيح صدره، وشكر الله على حلو القضاء ومرّه، فما كان إلّا أحد العمرين فقد فخلفه عمر، وثاني القمرين أفل فقام مقامه هلال قدم من سفر، وفي بقاء المولى ما يوجب التسليم للقدر والقضاء، والشكر لله تعالى في حالتي الشّدّة والرّخاء، جعله الله في حرز لا يزال حريزا مكينا، وحصن على ممرّ الأيام حصينا.
وله: أعظم الله أجره، وأطال عمره، وشرح صدره، وأجزل صبره، وسخّر له دهره.
المملوك ينهي أنه اتّصل به خبر صدع قلبه، وسرق رقاده ولبّه، وضاعف أسفه وكربه، وهو [موت] فلان تغمّده الله برحمته، وأهمى عليه سحائب مغفرته، وعامله بلطفه، وجعل الخيرة له في حتفه، فشقّ ذلك قلبه وعظم عليه، وقارب لشديد حزنه أن يصل إلى ما وصل المرحوم إليه، لكنّه ثبّت نفسه وثبّطها، ورفع يده بالدعاء للمولى وبسطها، وسأل الله أن يطيل بقاءه، ويحسن عزاءه، ويحرسه من أزمات الزمان، فإنه إذا سلّم كان الناس في السّلامة والأمان، ويجعله عن كل فائت عوضا، كما أصاره جوهرا وجعل غيره من الأنام عرضا، ولقد جلّت هذه الرزيّة على كلّ جناب، ودخل حزنها إلى كلّ قلب من كلّ باب، جعل الله أجره للمولى من أعظم الذّخائر، ومنحه الحياة الأبديّة الّتي لا تنتهي إلى أمد ولا آخر، إن شاء الله تعالى.
الضرب الثاني (التعزية بالبنت)
من كلام المتقدّمين:
ابن أبي «1» الخصال المغربي:
(9/87)

الشيخ فلان عزّاه الله على احتسابه، وجعل الثواب المرتقب أفضل اقتنائه واكتسابه. معزّيه عن فلذة كبده، ومساهمه في أرقه وسهده، والفاتّ في عضد صبره الجميل وجلده، فلان: فإنّي كتبته- كتب الله لكم خيرا يذهب جزعكم، وحسّن منجاكم بالتفدّي الجميل ومنزعكم- عندما وصلني وفاة ابنتكم المرحومة نفعها الله بإيمانها، وتلقّاها بروح الجنّة وريحانها، وهي- أعزّك الله- وإن آلمك فقدها، وأوجعك أن استأثر بها لحدها، فليعزّك عنها مصابنا بنبينا عليه السّلام، وعلمك بأنّا جميعا بمدرجة الحمام، أفتجد على الأرض خالدا، وقديما ثكلنا وليدا نجيبا ووالدا، فمن خلق للفناء، واختلس بمرّ الساعات والآناء، جدير أن يتّعظ بنفسه، ولا يحزن لذهاب من ذهب من ذوي أنسه، فاحمد الله عزّ وجلّ إذ رجّحت ميزانك، وضمنت لك يوم المعاد جنانك، والله عز وجل يرزقنا احتسابا جميلا وصبرا، ويؤنسك وقد اختار لك الصّهر قبرا، ويعظّم لك ثوابا جزيلا على مصابك وأجرا، ويعمّ فقيدتك بالرّحمى، ويسكب على جدثها مزنها الأوكف الأهمى، ويؤويك إلى كنفه الأعظم الأحمى، بمنّه ورحمته، لا ربّ غيره، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته.
الضرب الثالث (التعزية بالأب)
من كلام المتقدمين:
ابن أبي الخصال معزّيا بوزير:
يا سيّدي وواحدي، ومحلّ الابن المبرور، والأخ المشكور، عندي، أعزّك الله بالتقوى، ورضّاك بما قضى، وأمدّك بالنّعمى، وشملك بالحسنى.
كتبته- أعزك الله- وقد وصل كتابك الكريم بما نفذ به القدر الذي هو في العباد حتم، وله في كلّ عنق ختم، في الوزير الفقيه الشهيد أبيك كان، رحمه الله وأكرم مثواه، وجعل الحسنى الّتي أعدها لأوليائه مقرّه ومأواه، فأسفت كلّ الأسف لفقدانه، وقد كان عين زمانه، وعمدة إخوانه، تغمّده الله بغفرانه، ونقله
(9/88)

إلى رضوانه، وتلك- أعزك الله- غاية الأحياء، وسبيل الأعداء والأحبّاء، كان على ربّنا- جلّ وعلا- حتما مقضيّا، ووعدا مأتيّا، والأسوة- أعزّك الله- في غمره الفضفاض، وبرّه الفيّاض، وأنه ختم له بالخير والانقباض، وكان آخر ذلك [الحسب] القديم، والجيل الكريم، وقد أمرك الخير فافعل ما أمرت به وكن كما ظنّك وقدّرك وتركك، وإنك بفضل الله تسدّ مسدّه، وتبلغ في كل فضيلة حضره السابق وشدّه، وتعدّ للأيام في الجدّ والاعتزام ما أعدّه، وإخوتك- أعزك الله- لك أظهار وأعضاد، وفيهم غزو مضادّ، فاشتمل عليهم، وارفق بهم؛ فإنهم ينزلونك منزلة أبيهم، وتجد أخلاقه وعونه فيهم. وأما ما أعتقده من تكريمك، وأراه من تفضيلك وتقديمك، فشيء تشهد به نفسك، ويدركه يقينك وحدسك، أشدّ به اعتناء، وأجمل له استواء، وأوفى عنك ردءا وغناء، جعلنا الله من المتحابّين في خلاله، والمتقلّبين في ظلاله، وأمّننا من الزمان واختلاف أحواله، بمنّه والسّلام.
الضرب الرابع (التعزية بالأم)
أبو محمد بن «1» عبد البر المغربي (منسرح) .
ما مات من أنت بعده خلف ... والكلّ في البعض غير ممتنع
كتب عبده القنّ، من الأسى لأجله بعض ما يجنّ، المنطوي على قلب تطمئن القلوب سلوّا ولا يطمئن، فلان: بعد وصول كتابه الكريم بصدع يصمي القلوب، ويقدّ أقوياء الجيوب، ويترك الأحباب مصرّعين على الجنوب، فوقف العبد عليه مترقرق المدامع، منحرق الأضالع، رائيا سامعا سجا الأبصار وأسى
(9/89)

المسامع، فيا أسفي لخطب ضعضع ركن الجدّ وكان وثيقا، وصوّح «1» روض الفضل وكان وريقا، ونغّص حسن الصبر ولم يزل صديقا، وترك العبد خليقا بهذا القول ومثله معه حقيقا، فآه لدين ومروءة فقدا في قرن، وعلى صون وعفاف أدرجا في كفن، وحصان رزان لا تعرف بوصمة ولا تزنّ؛ لقد أصمّ بها الناعي وإن كان أسمع، وأرّق ما شاء الفؤاد وأراق المدمع، ولم يبق قلبا للصبر إلّا صدعه، ولا أنفا للسّلوّ إلّا جدعه، ولا بابا للتعزّي إلّا أرتجه، ولا عقيما للتأسّف إلا أنتجه، ولو قبل في الموت فدا وصحّ أن يؤخذ فيه فداء لما خلص إليكم ولا ألمّ، ولا عداكم في صروف المنايا المخيفة سلّم، لكن أبى الله إلّا أن تعمّ الحرقة، وتستولي على الوقت الفرقة.
الضرب الخامس (التعزية بالأخ)
أبو محمد بن عبد البر:
وكتبت والأنفس مرتمضة، والعين غير مغتمضة، والأنفاس تتصعّد، والأحزان تتأكّد، أسفا للمصاب الذي عمّ وغمّ، وأسمع نعيه فأصمّ، وقال للفرح: كفّ من عنانك، وللتّرح انتظر لأوانك، بوفاة [الفرد] الذي في رأسه نور، وسداد الآراء المختلفة وسداد الثّغور، والفذّ الذي شهد الرجال بفضله، وعقم النساء فما تجيء بمثله، أبي فلان صنوكم، السابق الذي لا يجارى، والشارق الذي لا يسارى، والغيث الذي عمّ المنيل والمستنيل، والليث الذي ورد الفرات زئيره والنّيل، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون! تسليما للقدر وإن ساء، وشمل المرؤوسين والرّؤساء، فياله مصابا ترك كلّ رأس أميما، وأودع صميم كلّ فؤاد ثكلا صميما، لقد أنصل السّمر اللهاذم، وأغمد البيض الصّوارم، وعطّل الكتائب والمقانب، وأوحش المفاوز والسّباسب، ولم يبق مشيد علا إلا
(9/90)

هدّه، ولا مديد ثناء إلّا صدّه. ولم لا وهو الشخص يموت بموته بشر كثير، ويبكيه قلم وحسام ومنبر وسرير؟ وعند الله نحتسبه جميعا، ونوسعه بمحض الصّفاء وصفو الثناء توديعا وتشييعا، ونفارقه فراق الصّدر خلده، والمصاب جلده، فوا أسفي لرزئه ما أفظعه موقعا! وواحربا ليومه ما أظلمه مطلعا! وواحزنا لنعيه ما أشنعه مرأى ومسمعا!!! فلئن جرت الدموع له دما، وأضمرت الضلوع به مضطرما، لما أدّت حقّه ولا كربت، ولا دانت بعض الواجب فيه ولا اقتربت، ولولا أنّ المنيّة منهل لا يحلّأ وارده، ومعلم يهدى إليه على أهدى سمت مباعده، لم يبق في أنس مطمع، ولا لحزن مستدفع، ولكان الثاكل غير ما ترى وتسمع، وما أنتم أيّها الشيخ المكرّم ممن ينبّه على ذخر من العمل الصالح، يكتسبه، وصبر في الرّزء الفادح، يحتسبه، فصبرا فالمنون غاية الممسين والمصبحين، والنبأ الذي يعلم ذوقا ولو بعد حين؛ وهو تعالى المسؤول أن يرقع بمكانكم هذا الخرق المتّسع، ويصل بجنابكم ذلك الشّمل المنصدع.
ابن أبي «1» الخصال:
الشيخ فلان أبقاه الله يتلقّى الأرزاء بحسن الصبر، وجميل الاحتساب، ويتقاضى بالتعزي مرتقب الأجر، ومنتظر الثّواب، معزّيه في أخيه الكريم علينا، العظيم مصابه الفادح لدينا، فلان: فإني كتبته- كتب الله لكم صبرا تجدون ذخره، وأوجب لكم عزاء تحمدون يوم القيامة شأنه وأمره- عندما وصل من وفاة الشيخ أبي فلان أخيكم رحمه الله تعالى ما كدّر العيش ونغّصه، وجشّم جرع الحمام المقطوعة وغصصه، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون!! استسلاما لقدره وقضائه، وأخذا فيما يدني ويقرّب من إرضائه، وما نحن إلّا بنو الأموات الذين درجوا، وسنخرج من الدّنيا كما قبلنا خرجوا، جعلنا الله جميعا ممن ينظر لمعاده، ويجعل التقوى خير ما أوعاه بجداده، وسلك بنا نهج هدايته وطريق رشاده. وهو جلّ وعلا يجزل لكم على مصابكم ثوابا عميما موفورا، ويجعل فقيدكم بين
(9/91)

أيديكم في يوم القيامة نورا، ويلقّيه في دار الفردوس ملكا كبيرا وحبورا، ولولا كذا لسرت إليكم لأعزّيكم شفاها، وأحدّثكم عن ضلوع أحرق هذا المصاب حشاها، لكن امتثال أمره المطاع، حمل على البدار إلى ما أمر به والإسراع، والله عزّ وجلّ يديم لنا بكم الإمتاع، بمنّه وكرمه، والسّلام.
الضرب السادس (التعزية بالزوجة)
من كلام المتقدّمين:
أبو محمد بن عبد البر:
وقد تقرّر عند ذوي الألباب، وثبت ثبوتا لا يعلّل بالارتياب، أنّ الدنيا قنطرة دائرة، ومعبرة إلى الآخرة، وأنّ ساكنها وإن طال عمره، وطار في الخافقين أمره، لديغ سمّها، وصريع سهمها، فما تضحك إلّا لتبكي، ولا تؤنس إلا لتنكي، وقد نفذ القدر الذي ماله ردّ، ولا منه بدّ، بوفاة فلانة ألحقها الله رضوانه، وأسكنها بفضله المرجوّ جنانه، فإنّا لله وإنا إليه راجعون!! تأسّيا بالسّلف الصالح، وتسلّيا عن ماء الدّمع السّافح، وزند القلب القادح. وعند الله نحتسبها عقيلة معدومة المثيل، مفقودة الدّين والعفّة في هذا الجيل، متحلّية من دعاء الفقراء، وثناء الصّلحاء، بالغرّة الشادخة والتحجيل، لقد ذهب لذهابها الرّفق والحنان، وعدم لعدمها الشّيم البرّة والأخلاق الحسان، وإنّ فقدها لخرق لا يرقع، وغلّة لا تنقع، وخطب لا يزال الدهر يتذكّر فيصدع، ولولا العلم بأن اللّحاق بها أمر كائن، وأن المخلّف في الدّنيا لا محالة عنها بائن، وأن التنقّل للآخرة ما لا ننفكّ نسمعه ونعاين، لما بقيت صبابة دمع إلّا ارفضّت، ولا دعامة صبر إلّا انقضّت، ولكان الحزن غير ما تسمع وترى، والوجد فوق ما يجري وجرى، لكن لا معنى لحزن لما يقع فيه الاشتراك، ولا وجه لأسف على ما لا يصحّ فيه الاستدراك. وما أنتم بحمد الله ممن يذكّر بما هو فيه أذكر، ولا ممن ينبّه على ما هو بالتنبيه عليه أخلق وأجدر، ولولا أنّ التّعازي مما اطّرد به العمل،
(9/92)

وسنّه الصالحون الأول، لما سلك سبيله معكم وأنتم ممن قدر الأمور قدرها، وعلم أنّ الحياة ولو طالت فالموت أثرها، وإذا لم يكن من الموت بدّ، ولم يمنع منه صدّ ولا سدّ، فالصبر خير من الجزع، وأدلّ على كرم المنحى والمنزع، وأحرى أن يكون الثواب جزيلا، والجزاء حسنا جميلا، والله يبقيكم أتمّ البقاء، ويرقّيكم أتم الارتقاء.
ابن أبي الخصال:
الشيخ الأجلّ فلان آنس الله وحشته، وجدّد على فقيدته رحمته. معزّيه عن أهله الهالكة وسكنه، ومساهمه بأوجب حزن في القلوب وأسكنه. فلان:
فإنا كتبناه عن دموع تصوب وتنسرب، وضلوع تخفق من وجيبها وتضطرب، وأنس يشرد منا ويحتجب، بموت فلانة رحمها الله الّتي أودعت في جوانحنا من الثّكل ما أودعت، ورضّت أكبادنا بمصابها وصدعت، عزّانا الله جميعا فيها، وأولاها نعيما في الفردوس الأعلى وترفيها، وأعقبنا من الوحشة أنسا، وعمر بالرّحمى جدثا مباركا ورمسا، وجعلنا كلّا ممن يردع عن الانحطاط إلى الدنيا نفسا، بمنّه وكرمه.
من كلام المتأخرين:
الشيخ شهاب الدين محمود «1» الحلبي:
لمّا علم مملوك المجلس «2» السامي أطال الله بقاءه، وأعظم أجره وأحسن عزاءه، وفاة السيدة المرحومة سقى الله عهدها عهدا يبلّ الثّرى، وجعل الرحمة لمن نزلت به لها القرى، تألّم لفقدها غاية الألم، ووجد حرقة كسته ثوبي ضنّى وسقم، وحزنا لا يعبّر عنه بعبارة بيانه، ولا يستوعب وصفه بلسان قلمه وبنانه (وافر) .
(9/93)

ولو كان النّساء كمن فقدنا ... لفضّلت النّساء على الرّجال
والمولى أولى من عزّى نفسه، واستحسن رداء الصبر ولبسه، وعلم أنّ الموت غريم لا ينجي منه كثرة المطال، ولا يدافع بالأطلاب والأبطال، وأنه إذا طالب بذمّة كان ألدّ الخصام، وإذا حارب فعل بيده ما لا تفعله الكماة بحدّ الحسام.
الضرب السابع (التعازي المطلقة مما يصلح إيراده في كلّ صنف)
من ذلك، من ترسّل أبي الحسين «1» بن سعد:
من صحب الأيام وتقلّب في آنائها، اعتورته أحداثها، واختلفت عليه احكامها، بين مسرّة ومساءة يعتقبان، وفرحة وترحة يتناوبان، [وكان] فيما تأتيه من محبوبها على غير ثقة من دوامه واتّصاله، ولا أمن من تغيره وانتقاله، حتّى تعقب السلامة حسرة، وتستحيل النعمة محنة، والسعيد من وفّق في كلّ حال لحظّه، وأعين على ما فيه سلامة دينه، من الشّكر على الموهبة، والصبر على النازلة، وتقديم حقّ الله تعالى في حال الغبطة والرّزيّة. ولم تكن بالفجيعة به مفردا عنّي وإن كان النّسب يقرّبه منك، والرّحم تصله بك؛ لما كنت أوجبه من حقّه، وأرعاه من مودّته، وأختصّه بالاعتداد فيه دون أداني أهلي والثّقة من إخواني، فمضى رحمه الله أقوى ما كان الأمل فيه، وأكمل ما كان عليه في لبّه وأدبه، واجتماع فهمه وكمال هديه، وانتظام أسباب الخير وأدوات الفضل فيه.
ومنه: لا ينكر للعبد أن يتناول مولاه عند وقوع المحنة في أهل خاصّته، وتخوّن ريب المنون من حاشيته، بالتعزية عن مصيبته، والإخبار عما يخصّه من ألم فجيعته وعظم رزيّته، لا سيّما إذا كان بحيث لا يرى شخصه في الباكين، ولا تسمع صرخته بين المتفجّعين، ولو سعيت على حدقتي.
ومن ذلك:
(9/94)

إنّ الله تعالى أمر أهل طاعته، بتنزيل هذه الدنيا بمنزلتها من إهانته، وسوّى بين البرّ والفاجر في رغائبها ومصائبها، ولم يجعل العطيّة دليلا على رضاه، ولا الرزيّة دليلا على سخطه، ولكنّه ألزم كلّ واحد من أهل الرّضا والسّخط من نعمها بنصيب، وسقاهم من حوادثها بذنوب؛ ليبتلي أهل رضاه في أهون الدارين عليه، ويحسن لهم الجزاء في أكرمهما لديه، ولذلك حبّب إليهم الزّهادة في زهيد فائدتها، وممنوح زهرتها، وسمّاها لعبا ولهوا؛ لئلّا يعلقوا بحطامها، وينغمسوا في آثامها، وختمها بالموت الذي كتبه على خليقته، وسوّى بينهم في سكرته: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى «1»
، ويقرّبهم بدار يفنى الموت ويبقون فيها بعده، كما فنوا في هذه الدار وبقي الموت بعدهم، فإن تأخّر الأجل فإلى غاية، وإن تطاول الأمد فإلى نهاية. ولا بدّ أن يلحق التالي الماضي، والآنف بالسالف، وهذه حال نصب الأفكار، وتلقاء الأبصار، لا تحتاج أن يرتاض الصبر على آلامها، والتحمل لمعضلات سهامها، والجزع عند وقوعها قادح في البصائر والأفهام، دالّ على الجهل بالليالي والأيام، وقد طرق المملوك ناعي فلان فهدّ جلدي، وفتّت كبدي، لا ارتياعا للحادثة؛ لأنّها لو لم تكن فيه لكانت في المملوك، ولو لم تتطرّق إليه لتطرّقت إلى المدرك (؟) ولكن الأسف على عطل الزمان من حلية فضله، وتعرّيه من حلّة نبله، وخلوّ عراصه من الأنس بمثله، وما نال سيّدي لفقده، وتحمّله من بعده، وإلى الله تعالى يرغب المملوك أن يربط على قلبه بالصبر، ويوفّقه لتنجّز ما وعد به الصابرين من الأجر، إن شاء الله تعالى.
عليّ بن خلف:
رقعة: ليس عند المصيبة- أطال الله بقاء سيدي- خير من التسليم إلى الله والرّضا بقضائه، والصبر على بلائه، فإنه تعالى مدح الصابرين في كتابه، ووعدهم بصلواته، فقال جلّ قائلا: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا
(9/95)

إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ «1»
. وقال جلّ قائلا: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ
«2» . ولم تزل الأولياء من القدماء يحضّون على الصبر وهم لا يرجون عليه ثوابا، وينهون عن الجزع ولا يخافون عليه عقابا. ومن عرف الأيّام وتداولها، والأحوال وتحوّلها، وسّع صدره للنوائب، وصبر على تجرّع المصائب، ومن «3» اغترّ بطول السّلامة، وطمع في الاستمرار والإقامة.
رقعة: وقد اتصل بالمملوك خبر الفجيعة بفلان، فأفيضت المدامع، وتضعضعت الأضالع، وزفرت الأنفاس، وهمدت الحواسّ، وأذاب الطرف سواده على الوجنات بدلا من الأنقاس، وخلعت القلوب سويداءها على الأجساد، عوضا عن جلابيب الحداد، وعضّت الأنامل جزعا، ومزّقت الثياب تفجّعا وتوجّعا، وكل هذا وإنّ فارق حميد التّماسك، ووافق ذميم التّهالك، غير موف بحقّ ذلك الدارج الذي بلغ المعالي وهو في مهده، وشدّ دعائم الفضل ولم يبلغ أوان رشده، وعلم سيدي أنّ غاية الجازع وإن صدعت المصيبة قلبه، وأطاشت الفجيعة لبّه، الصبر والسّلو، وأنّ نهاية القلق وإن هجمت عليه الحرقة بما لا تتوفّر عليه الأضالع، ولا تتماسك معه المدامع، القرار والهدوّ، والله تعالى لا يريه بعد هذا الرّزء رزءا بفنائه، وينقل ذلك عنه إلى حاسديه وأعدائه.
رقعة: من علم أنّ الأقضية لا تخطيء سهامها، والأقدار لا تردّ أحكامها، سلّم الأمر في السّرّاء والضّرّاء، ورضي بما مناه في البلاء والابتلاء، ولا سيّما
(9/96)

في مصيبة الموت الّتي سوّى بين الخليقة في تجريع صابها، واقتحام عقابها، وقد اتّصل بالمملوك خبر الحادث الفاصم لعرى الجلد، البارح «1» في الجلد، فاستحالت في عين المملوك الأحوال، ومالت عنه الآمال، ورأى السماء وقد تكدّر جوّها، والشمس وقد تعكّر ضوّها، والسّحائب وقد أخلف نوّها، والنّهار وقد اظلم، والليل وقد ادلهم، والنسيم وقد ركد، والمعين وقد جمد، والزمان وقد سهمت وجنته، وسلبت حليته، وأفرجت قبضته عن التماسك، وقبضت على التهالك، وعدلت عن التجلّد، إلى التبلّد، ثم أفاق من غمرة فجيعته، وهبيب سنة رويّته، فسلّم لله راضيا بأقضيته، راغبا في مثوبته.
أبو الفرج «2» الببغاء:
إذا كان أيّده الله أهدى في النّعم إلى سبل الشكر، وأعرف في المحن بطرق الصبر، فكيف نحاذر عليه من المصائب، ونذكّره التسليم لمحتوم النّوائب، والمصيبة بفلان أعظم من أن نهتدي فيها إلى سلوة غير مستفادة منه، أو نقتدي في العزاء بغير ما نأخذه عنه، إذ كانت قلوبنا تبع قلبه- سرّه الله- في طروق السّراء والضّرّاء، وحالتي الشّدّة والرّخاء. وأحسن [الله] عن الفجيعة عزاءه، وأجزل من المثوبة عطاءه، ولا شغله عن حلاوة شكر النّعم بمرارة الصبر على ورود المحن، وجعل ما نقل الماضي إليه، أنفع له ولسيّدي من الجزع عليه.
وله في مثله:
اتصل بي خبر المصيبة فجدّد الحسرة، وسكب العبرة «3» ، وأضرم الحرقة، وضاعف اللّوعة، وكان الأسف عليه، بقدر تشوّف الآمال كانت إليه، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون!! أخذا بأمره، وتسليما لحكمه، ورضا بمواقع أقضيته،
(9/97)

وأحسن الله في العزاء هدايته، وحرس من فتن المصائب بصيرته، وحمل عن قلبه ما أظلّه من ثقل المصيبة وعظم الرزيّة.
ولا أزال على جملة من القلق إلى أن يرد عليّ كتابه- أيده الله- بما أكون فيه بأدبه مقتديا، وبهدايته إلى سبيل العزاء والصبر مهتديا، فإن رأى إجرائي من تشريفه بذلك على مشكور العادة، فعل، إن شاء الله تعالى.
وله في مثله:
اشتراك القلوب فيما ألمّ بقلب سيّدي بحسب تساويها في المسرّة بما سرّه، إذ كان لا يختصّ دون أوليائه بنعمة، ولا ينفرد دون مؤمّليه بحلول موهبة، والمصيبة بفلان وإن جلّ موقعها وعظمت الفجيعة [بها]- جلل»
مع سقوط الأقدار دونه، وتجاوزها عنه، ومسامحتها به، فلا شغل الله قلبه بعدها بمرارة الصبر عمّا توجبه النّعم من حلاوة الشّكر، ولا جاوره برزيّة في حميم ولا نعمة.
وله في مثله:
بصيرتك إلى العزاء تهديك، واغتباطك بثواب الله يسلّيك، وعلمك بقلّة الغناء عن الجزع يثنيك، وجمعنا بك في الصبر مقتدون، ولرأيك في الرّضا بما اختاره الله تعالى متّبعون، فحمل الله عن قلبك ثقل المصيبة، وحرس يقينك من اعتراض الشبهة، وأحسن إلى جميل الصبر هدايتك، وتولّى من فتن المحن رعايتك، وجعل ما نقل الماضي إليه، أنفع لك وله من الأسف عليه.
وله في مثله:
اتصل بي خبر المصيبة فأضرم الحسرة، وسكب العبرة، وقدح اللّوعة، وامترى «2» الدّمعة، وكانت مشاركتي إيّاك في المصيبة به، والفجيعة لفقده، بحسب اختصاصي بمواهب الله عندك، واغتباطي بمنحه لديك، فإنّا لله وإنّا إليه
(9/98)

راجعون!! تسليما لأمره، وانقيادا لحكمه، ورضا بمواقع أقداره، وأحسن الله على العزاء توفيقك، وإلى السّلوة إرشادك، ولا أخلاك فيما تطرقك به مصيبة من مصاحبة الصبر، وفيما تفد به عليك نعمة من الاستزادة بالشكر، وحرسك في نفسك وأحبّتك، وذوي عنايتك ونعمتك.
وله في مثله:
قدرك أكبر، وبصيرتك أنور، وثقتك بالله تعالى أعظم من اعتراض الشّكوك عليك فيما يطرقك من عظاته بالحوادث وإن عظمت، والمحن وإن جلّت، اختبارا بالمصائب لصبرك، وبما يظاهره عليك من النّعم لشكرك، ومثلك، أيدّك الله، من قابل الفجيعة بفلان- إذ كانت من الواجب المحتوم- بأحسن عزاء وأفضل تسليم، غير مرتاب بما اختاره الله له ولك فيه، فعظّم الله به أجرك وحرسك وحرس فيك.
الأجوبة عن التّعازي قال في «موادّ البيان «1» » : أجوبة التّعازي يجب أن تبنى على وقوف المعزّى على كتاب المعزّي، وأنّ إرشاده نقع غلّته، ووعظه نفع علّته، وتبصيره سكّن أواره، وتذكيره أخمد ناره، وتنبيهه أيقظ منه بحسن العزاء غافلا، وهدى إلى الصبر ذاهلا، وحسّن عنده الرزيّة بعد جهامتها، ودمّث نفسه للمصيبة بعد فدامتها، فسلّم لله تعالى متأدّبا بأدبه، وعمل بالحكم مقتديا بمذهبه، وغالب الرّزء بالعزم، وأخذ فيه بالحزم، وسأل الله تعالى أن يحسن له العوض في ردّه، ويجعله له خلفا ممن أصيب بفقده، ونحو هذا مما ينخرط في سلكه.
جواب عن تعزية: من زهر الربيع:
أعزّ الله سيدنا وأسعده، وسهّل له طريق المسرّة ومهّده، وصان عن حوادث الأيّام حجابه، وعن طوارق الحدثان جنابه، وجعله في حمى عن
(9/99)

عوارض الغير والغرر، وأصار أيّامه محسّنة لوجوه الأيّام كالغرر.
ورد الكتاب الذي أنعم بإرساله، بل المشرّف الذي كسته اليد العالية حلّة من حلل جماله، فوقف عليه وفهمه وتذكّر به إحسانه الذي لا ينساه، وتفضّله الذي لا يعرف سواه، فأما التعزية بفلان، فإنه ردّ بعذب لفظها قوّته، وبلّ بماء حسنها غلّته، وصبّره على حادثته بفلان بعد أن عزّ عليه العزاء وأعوزه، وطلب وعده من صبره فما أنجزه، لأنه كان وجد لموت المذكور حزنا ما استطاع له تركا، وفقد لموته خلّا مثله يناح عليه ويبكى، وفي بقاء مولانا مسرّة تطرد كلّ حزن، وفي بهاء طلعته عوض عن كل منظر حسن، جعله الله ساميا على أترابه، مقدّما على أضرابه، ما سمت الأسماء على الأفعال، وتقدّم الحال على الاستقبال.
آخر: ضاعف الله بقاءه وأطال عمره، وشرح لإسداء المكارم صدره، وأنفذ نهيه وأمره، ولا زال إلى أوليائه محسنا، وفضله يحصّل لمحبّيه غاية السّول والمنى، ورد مشرّفه المعزّي بوفاة فلان سقى الله عهده عهاد رضوانه، وأسكنه في غرف غفرانه، فجبر مصابا، وفتح إلى الصّبر أبوابا، وهدى إلى طريق الخير وقال صوابا، وسكّن نفسه، وذكّره إحسانه الذي لم ينسه، وأزال الوحشة وزاد أنسه، بعد أن كان فقد المذكور قد هدّ ركنه وفتّ عضده، وأوصله إلى أمد الحزن وضاعف على الأيام أمده، وألبسه رداء الاكتئاب، على تربه الذي أصبح تحت التّراب، وصديقه الموصوف بالصدق، الذي فاق سناه ذلك الأفق، جعله الله أصلا في تحصيل المسرّة إذا ذوت الفروع، وسيفا يقهر به وليّه الحوادث الّتي تروع، إن شاء الله تعالى.
آخر: جعل الله أجره عظيما كقدره، والقلوب مجمعة على حبّه كإجماع الألسنة على شكره.
المملوك يعلمه بورود كتابه الكريم المعزّي بفلان- قدّس الله روحه، وأمطر سحائب الرحمة ضريحه- عليه، وعنده من شديد الحزن، ما أعدمه لذيذ
(9/100)

الوسن، ومن زائد الاكتئاب، ما كاد يحرمه التقمّص بثوب الثّواب، بحيث إنّه عوّض بالزّمن الأسود عن العيش الأخضر، وذاق من موجب لبس الأبيض طعم الموت الأحمر، وأنه ضمه إليه ضمّ المحبوب، وابتهج به ابتهاج من ظفر بغاية السّول والمطلوب، فأغمدت الكآبة خوفا من قلمه سيفها، وأزالت الدنيا الدنيّة عنه حيفها، وعزّى نفسه وسلّاها، وشغله إحسانه عن محاسن محا الموت سناها، فرفض من توجّعه ما فرضته حادثته، وسلك منهجا غير المنهج الذي فتّتت فيه حشاه ومهجته، فالله تعالى يكفينا ما نحاذره في المجلس ويحرس سناه، ويديم سعده وعلاه.
النوع الثالث (من مقاصد المكاتبات التّهادي والملاطفة)
قال في «موادّ البيان» : رقاع التّهادي يجب أن تودع من الألفاظ المستحسنة ما يمهّد لقبول الملاطفة والمبرّة الّتي تتميز في المودّة. قال: وينبغي أن يطرف الكاتب إذا كان مهديا أو مستهديا، وقد جرت العادة أن تودع هذه الرقاع من أوصاف الشيء المهدى ما يحسّنه في نفس المهدى إليه. قال:
وينبغي لمن ذهب هذا المذهب أن لا يعتمد تفخيم هديّته، ولا الإشارة إلى جلالة خطرها، فإنّ ذلك يخلّ بشروط المروءة ويتحاماه الكرماء.
ثم هي على ثلاثة أضرب:
الضرب الأوّل (ما يكتب مع التّقادم إلى الملوك من أهل مملكتهم إلى القائمين بإيصال التّقدمة إلى الملك وكاتب السّرّ ونحوهما)
الشيخ جمال الدين بن «1» نباته: إلى كاتب «2» السرّ بالأبواب السلطانية
(9/101)

صحبة تقدمة من نائب الشام إلى السلطان «1» :
لا زالت أقلامها لنتائج الفضل مقدّمة، ولمراكض الكرم والبأس جيادا مسوّمة «2» ولكتائب الملك من كتبه أعلاما بشعارها العبّاسيّ معلمة، وفي يد صاحبها من أصحاب الميمنة، والذين كفروا بآيات الله ونعمها من أصحاب المشأمة، تقبيل محبّ لا تفسخ عقود ولائه المحكمة، ولا تنسخ إلّا في الكتب عقود ثنائه المنظّمة، ولا تطوف الأشواق ببيت قلبه إلّا وهي من ملابس السّلوان المحرّم محرمة.
وينهي أنه قد اختار من عناية مولانا بمقاصده أحسن الخير، وبورك له في قصدها (ومن بورك له في شيء فليلزمه) كما جاء الخبر، وقد جهّر فلانا إلى الأبواب الشريفة خلّد الله سلطانها بتقدمته على العادة في كلّ سنة، واتّبع سفارة مولانا بين يدي المواقف الشريفة فاتّبع من القول أحسنه، وسأل حسن نظر مولانا الذي إذا لا حظ قصدا أعلنه وسعدا عيّنه، وقد جهّز المملوك برسم مولانا ما هو بمقتضى الورقة المجهّزة عطفها، المؤمّلة وإن كانت ورقة قطفها، وسأل مقابلتها بالجبر الذي يحسب الأمل حسابه، ويستفتح ببنان القلم بابه، والإصغاء لما يملى من رسائل الشّوق فإنّها من رسائل إخوان الصّفا المستطابة، لا برح القاصدون مرحين بأيّام مولانا وحقّ لهم أن يمرحوا، تالين نسبة بيته ورحمى الله على يده: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
«3» .
وله إليه أيضا مع الجهاز الشريف السلطاني:
أمتعها الله من خيري الدنيا والآخرة بكرم الأمرين، وبشرف الذّكرين، وسرّها بما يجهّز في الثّناء والثّواب من الوفرين، وأعلى منارها المحلّق إلى السماء على وكر النّسرين. ولا زالت الآمال لا تبرح حتّى تبلغ من تلك اليدين
(9/102)

مجمع البحرين، تقبيل مخلص في الولاء والدّعاء، مستشهد بالخواطر الكريمة على ثبوت الادّعاء، وارد لموارد النّعم قبل صدور بل قبل ورود الرّعاء.
وينهي أنه ليس للمملوك فيما يؤمّله ويتأمّله، ويفصّله من عقود المطالب ويجمله، غير إحسان مولانا الذي لا يملّ على طول الإيناس والإلباس، وعوارف بيته المستجدة تالية: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ*
«1» . وقد جهّز المملوك الولد فلانا بالجهاز المبارك إلى الأبواب الشريفة خلّد الله سلطانها، وملأ به جواهر حبّات القلوب وريحانها، وهو على قدر المملوك ومقداره، لا على قدر مراده واختياره، ولو أن المراد مما يحمله العبد إلى سيّده، ويقدّمه من سبد الحال ولبده، على قدر المحمول إليه، والمقدّم بين يديه، لضعفت قوى أكثر العبيد عن ذلك، ويئس من الرّضوان جهدهم المالك، وإنما على العبيد أن تنصب على قدرتها الحال، وعلى السادات أن تصرّف بعوامل الخبر مستقبل الأفعال.
وعلم مولانا الكريم محيط بتنقّل المملوك في هذه السّنين من بلد إلى بلد، ومن أمد كلّفه إلى أمد، وبما حصل في ذلك من التمحّق في إقطاعات كاد أن يخني عليها الّذي أخنى على لبد. وكان المملوك يودّ لو كان هذا المحمول من الجهاز من جواهر النّجوم المنثورة، وأخبية السّعود المأثورة، وجميع ما زيّن للناس من الشّهوات المذكورة، أضعاف أضعافه الآن، بل أضعاف أضعاف ما حمل الأوّلون من فلان وفلان، كالحسن «2» بن سهل مع الجهة المأمونيّة الّتي حلا ذكرها، وابن طولون «3» مع المعتضديّة الّتي كاثر هذا الغيث قطرها،
(9/103)

والسّامانيّ وما أدراك، والسّلجوقيّ وما أسراك، وجميع ما تضمّنته التواريخ الّتي لو عاينت تاريخ هذه الدولة الشريفة عنت في الحال لمجده، وكان كلّ مجلّد منها يموت للهيبة في جلده؛ لما خلّدته أيامها الشريفة من أخبار حكمها وخيرها، وكرمها وبرّها، وعطفها على مماليك بيتها الشريف، تتقبّل ميسورهم، وتكمّل سرورهم، ويملأ بجيوش الانشراح صدورهم، وتبلّغهم من همم مطلوبهم، وتقبل على زاهرات نجاياهم ورياحين قلوبهم (متقارب) .
ولو لم تطعه نيات القلوب ... لما قبل الله أعمالها
والمملوك يسأل من إحسان مولانا الذي ألفه، ومعروفه الذي عرفه، ملاحظة الولد فلان بين يدي المواقف الشريفة خلّد الله سلطانها، وإقامة عذر المملوك بعبارته الّتي أحلّ الله سحرها وبيانها. فما للمملوك في مقاصده مثل مودّة مولانا الوافية المتوافيه، ومقدّمة عبارته الكافية الشافية، والله تعالى يعين على شكر مننه، والقيام بفرائض حمده وسننه، والنهوض بأوصاف أياديه الّتي يغرّد بها قلم الكتّاب كما يغرّد القمريّ «1» على فننه.
(9/104)

الضرب الثاني (ما يكتب مع الهديّة عند بعثها)
وهو على عشرة أصناف:
الصنف الأوّل- ما يكتب مع إهداء الخيل.
علي بن «1» خلف: في إهداء جواد أدهم أغرّ محجّل.
وقد خدم المملوك ركابه الأكرم، بجواد أدهم «2» مطهّم، قد سلب الليل غياهبه وكواكبه، فاشتمل بأديمه، وتحلّى بنجومه، وأطلع من غرّته السّاذجة قمرا متّصلا بالمجرّة، وتحلّى من رثمته «3» بالثّريّا أو النّثرة، صافي القميص، ممحوض الفصوص، حديد الناظر، صليب الحافر، وثيق القصب، نقيّ العصب، قصير المطا، جعد النّسا، كأنما انتعلت بالرّياح الأربع أربعه، وأصغى لاستراق السّمع مسمعه، إن ترك سار، وإن غمز طار، وإن ثني انحرف، وإن استوقف وقف، أديب نجيب، متين صليب، صبور شكور، والله تعالى يجعل السعادة مطلع غرّته، والإقبال معقد ناصيته.
من كلام المتأخرين:
كتاب عن نائب الشام إلى الملك الصالح: شمس الدين صاحب «4»
(9/105)

ماردين قرين خيل منعم بها إليه، عن السلطان الملك الصالح، عماد الدين إسماعيل «1» بن الناصر محمد بن قلاوون- من إنشاء الشيخ جمال الدين «2» ابن نباتة، وهو بعد الألقاب:
وأجرى بالنّصر جياده، وبالظّفر مراده، وعلى عوائد السّعد مطالع شمسه الّتي يسمّيها عرف المملكة بلاده، ولا زالت منيرة بسعادة شمسه الأحلاك، نظيمة بدرّ محامده الأسلاك، ماثلة خيول سعده حتّى حمر السّوابق من البروق والشّهب السّوانح في الأفلاك.
المملوك يقبّل اليد الّتي إذا بسطت فلأن تجود وتستلم، وإذا قبضت فعلى سيف أو قلم.
وينهي بعد ولاء وثناء للإخلاص شارحين، وفي الضمائر والآفاق سانحين، واشتياق وعهد كانا أحقّ بالانتماء لاسمه ونعته وكان أبواهما صالحين، أنّ المرسوم «3» الشريف زاده الله تعالى شرفا، ورد يتضمّن تشريف مولانا على العادة وإعظامه، واستقرار مكانته من الخواطر الشريفة في دار مقامه، واستمرار
(9/106)

كرامته من الآراء المعظّمة ولا ينكر بين الصالح والصّالح استمرار الكرامة، وأنّ الصّدقات الشريفة أنعمت على مولانا بثلاثة أرؤس من الخيل كثلاثة الراح، إلّا أنّ حبابها عرق سبقها، وثلاثة الشجر (؟) كما قال الطائي: تساوي شرف ثمرها وزهرها وعرفها، ما منها إلا من «1» تقصر الرّياح أن تسلك فجّه، والبروق أن تتبع نهجه. ومن تودّ الثّريّا أن تكون لجامه والهلال أن يكون سرجه. ومن يتمطّر «2» كالغمام ويركض كالسّيل. ومن كملت حلاه ولبس حلّه الفخار فمشى على الحالتين في الحلّتين مسبل الذّيل. ومن عقد بناصيته كلّ الخير وعقد له لواء الفخار على كلّ الخيل، من كلّ خضراء معجبة فهي على المجاز حديقة، وكل أحمر سابق فهو البرقيّ على الحقيقة، وكلّ أصفر شفقيّ إلّا أنّ الرياح من مجاراته على نفسها شفيقة.
وكيف لا يشبّه بالشّفق وهو من الأصائل؟ وكيف لا يفتخر العسكريّ بهذه الخيل وخناصر عددها فى الحسن أوائل؟ قد صرفت وجوهها المقبّلة، لباب مولانا أحسن المصارف، وكتبت عوارف الفضل في معارفه المسبلة، فناهيك منها بكتاب عوارف المعارف، ووصل لمولانا بذلك مثال «3» شريف، ورسم للمملوك بتجهيزها مع من يراه، وقد جهّز المملوك لخدمة مولانا الخيل المذكورة مع المثال الشريف صحبة فلان، ومولانا أدرى بنفحات رياض الحمد بهذه الدّيم المطلّة، وبالتقبيل في الأرض الّتي هي سماء حوافر هذه الخيل الّتي هي أهلّة، وأولى أن يشرّف المملوك بمهمّاته، ويؤنس لحظه بطيف اليقظة من مشرّفاته،
(9/107)

والله تعالى يجدّد لمعاليه في كل قصد نجحا، ويعلي لمجده «1» في كل حال قدحا، ويروّع الأعداء من خطوات خيله في بلادهم بالمغيرات صبحا، ومن خطرات ذكره في قلوبهم بالموريات قدحا.
وفي معناه:
يقبّل الباسطة الشريفة أعلى الله شانها، وجمّل ببقائها زمانها، وضاعف على الأولياء برّها وإحسانها.
وينهي: أنه ابتاع جوادا أعجبه، وطرفا انتخبه، وقد قدّمه لوليّ نعمته، ومالك عهدته؛ لأنّ الكرام لا تكون إلّا عند سيّد الكرام، والذي يصلح للمولى على العبد حرام، فالله تعالى يجعل التوفيق ضياء غرّته، واليمن معقد ناصيته، والإقبال تحجيل أوظفته، والسعادة موضع الجلوس من صهوته، والمملوك يسأل الإنعام بقبوله، و [أن] يبلّغه من ذلك [غاية] مأموله، مضافا إلى ما سبق به سابق إحسانه العميم، وفضله الجسيم، والله تعالى يحرسه بعينه الّتي لا تنام، آمين.
الأجوبة بوصول الخيل جواب عن نائب الشام إلى أمير آخور «2» بالأبواب الشريفة، عن وصول خيل إليه من الإنعام الشريف- من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، وهو بعد الألقاب:
لا زالت مبشّرة بأعظم الخير وكرام الخيل، ميسّرة النعماء «3» بسوابق السّير
(9/108)

كدوافق السيل، مسفرة عن إيجاد سوابح إلّا أنها في الفخار والشّية ضافية الذّيل، سفيرة في الجوادّ بكلّ جواد تبتسم غرّته ابتسام النهار ويدرك طلبه إدراك الليل، تقبيلا يستبق استباق الجياد، ويتّسق على الدّرج اتّساق العقود على الأجياد.
وينهي بعد ثناء وولاء: هذا يهيم في كل واد، وهذا يهيم بمثله كلّ وادّ، ورود مشرّفة مولانا الكريمة بما ملأ القلب مسرّة، والعين قرّة، ودرج عام «1» الفيل من نجب الخيل السيارة مستهلّ وغرّة، فقابلها المملوك بتقبيله، وقام لها على قدم تبجيله، ثم قام إلى الخيل الشريفة المنعم بها عليه فقبّل من حوافرها أهلّة ثم من غررها نجوما، وتأمّل شياتها البرقيّة واستمطر من السّعود غيوما، فأذنت له من الإقبال أمد قاصيها، وظلّ بمنزله الخير المعقود بنواصيها، وتضاعفت أدعيته الصالحة لهذه الدولة القاهرة الصالحيّة زادها الله من فضله، والوقت الذي ملأ الدنيا بسحاب جوده ورياح جياده ورياض عدله، والملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، ولولا شهود العهد الشهيديّ لقال: ولا لأحد من قبله، وأعدّ المملوك هذه الثلاثة من الخيل ليفني عليها بالقتال أهل التعطيل والتّثليث، ويستخفّ بها آجال الأعداء بين يدي مالكه، فإنها من ذوات العزّ والعزم الحثيث، وما هي إلّا كواكب سعد تمددها أسنّتها الوقّادة، وزهرات حسن حيّت بها على البعد سفارته المعتادة؛ لا برح مولانا يقلّد بعنايته وإعانته المنن الجسام، وينصر بعزائمه القاطعة، وكيف لا ينصر ويقطع وهو الحسام؟
وله في جواب وصول أكديش «2» وباز «3» [وكوهيّة] «4» :
(9/109)

لا زال جزيلا سماحه، جميلا من الحمد رباحه، جليلا برّه الذي يشهد به طائر الخير ويمنه وطائل الخيل ونجاحه. هذه المفاوضة تهدي إليه سلاما يخفق جناحه، وثناء تشرق غرره وأوضاحه، وتوضّح لعلمه الكريم ورود مكاتبته سريعة الاحتثاث، طائرة بيمن طرسها وهديّتها بأجنحة مثنى وثلاث، فحصل الوقوف عليها، وتجدّد عهد الارتياح لديها، وفهمنا ما لم نزل نفهمه من ودّ الجناب العالي، وبرّه المتعالي، ووفاء عهده الذي تتلقّاه المحامد بأمالي المحبّ لا بأمالي القالي «1» ، ووصل الأكديش الايكر ظاهرا حسنه، وسافرا عن وفق المراد يمنه، تتجمّل به المواكب، وتماشيه الرّياح وبعضها من خلفه جنائب، وكذلك وصل البازي والكوهيّة، وكلاهما بديع الأوصاف، سريع الاقتطاف لأزاهر الطير
(9/110)

والاختطاف، يسبق الطّرف بجناحه اللّموح، ويستعجل من الأفق وارد الرّزق الممنوح، ويواصل الخير والمير إلى المطبخ، فكأنّ حوائج كاش تغدو إليه وتروح، لا برح إحسان الجناب «1» العالي واصلا، وذكره في ضمير الاعتداد حاصلا، وحكم سماحته وشجاعته باستحقاق الثناء فاصلا.
جواب بوصول جوارح:
كتب به عن نائب الشام، جوابا لمطالعة وردت على نائب الشام من الصالح صاحب ماردين «2» من بقايا بني أرتق، صحبة سناقر «3» ، هديّة للصالح «4» إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون، صاحب الديار المصرية. من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة:
وأيّد هممه السّوابح، ونعمه السوافح، وشيمه الّتي تنتظم منها عليه درر المحامد والمادح، وشكر هداياه الّتي منها جوارح طير تخفق لفرط استحسانها الجوارح، ولا زال من أجنحة نصره حتّى السّماك الرامح، ومن جنود سعده للأولياء سعد السّعود، وفي الأعداء سعد الذابح، ومن جياد ركابه الشّهب إلا أنها شهب الأفلاك السّوابح، ولا برح سلطان البسيطة مكافئا عمل قلبه الوفيّ، ولا ينكر العمل بالقلوب بين الصالح والصّالح.
المملوك يقبّل الأرض الّتي تستمدّ السّحب من سمائها، وتستعدّ منازل
(9/111)

الأنجم للتعلّم من أنوائها، تقبيلا يودع ورق الرسائل أزاهره، ويطلع في ليالي السّطور زواهره، ويدّخر في أيدي الحروف إلى أن تصل إلى أجياد المنابر جواهره.
وينهي- بعد دعاء صالح، إذ جدّد تجدّد، وولاء ناجح، إذا انعطف تأكّد، وثناء سانح، إذا سرى لا يتوقّف إلّا أنّ نسيمه في الآفاق يتردّد، وارتياح لما يرد من أخبار دياره السارّة إذا شافه سروره سمع الوليّ شهد وسمع الحاسد تشهّد، حيث يتلقّى ببلاده النّجح والمقاصد، وصلات البرّ والعوائد، ووفود الآمال من كل أوب، فديار بكر ديار زيد وعمرو وخالد- ورود المشرّف الكريم، بل الغيث السائر بخصب المقيم، على يد فلان ونعم اليد العائلة لأيادي البرّ العميم، ونعم المشرّف الوارد عن مقرّ، هذا للأمل كهف وهذا للتأميل رقيم، ففضّه المملوك عن علامة اسم لحسنها رسوم، ولها رسوم، واستجلى مواقع تلك الأنامل المضيّة وأقسم على فضلها بمواقع النّجوم، وانتهى إلى الإشارات العالية، وعلم ما كان القلب يعلمه من ضمائر الودّ الحاليّة لا الخالية، وقابل كلّ أمر حسن بما يجب من مذاهب الودّ المتواليه، ووصلت السّناقر المنير سنا فضلها، المبير في معارك الصيد شبا نصلها، القائمة في كواسر الطير مقام الملوك الأكاسرة «1» إلّا في حكمها وعدلها، لا جرم «2» أنها إذا دخلت آفاق طير أفسدتها وجعلت أعزّة أهلها أذلّة، وإذا انقضّت على سرب وحش جذبتها من دم الأوردة بأرسان حيث كستها من قوادم الأجنحة أجلّة، لا يسأل كاسرها في الطّيور بأيّ ذنب قتلت، ولا يحملها جانب الطير والوحش إذا عاندته، فيا عجبا لها
(9/112)

على أيدي البشر كيف حملت، تظلّ الصيد فلا عجب أن يفزع بها من ظلّه، وتكتب علائم اليمن والظّفر بما في لونها من شبه الخطّ وشكله، نعم الجالبة للخير والمير، والسائرة بما يخيف المتصيّدات وكيف لا؟ وعلى رؤوسها الطير، أزاهر حسن لا بدع أن يكون لها كمائم، وبوارق العزم لا جرم أنّ أجنحتها عمائم، ونواقل البأس والكرم عن مرسلها فمهما جمعته الشّجاعة فرّقته المكارم. استجلاها المملوك بعد ألفاظ المشرّف الكريم فقال: (تلك الرياض وهذه السّحب، وتلك الأنوار الهادية وهذه في أفق مطارها الشّهب) ؛ وجهّز المملوك المطالعة المحضر للأبواب الشريفة أعلاها الله وشرّفها على يد فلان المذكور فقوبل بالإكرام والكرم، ومثل بالمواقف الشريفة مثولا رقى بهمّته إلى الكواكب لا جرم، وذكّر بصالح بيت الارتقاء صالح بيت أرتق حتّى أنشد (بسيط) .
فهل درى البيت أنّي بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلّا إلى حرم
وقد عاد معلما من البشر بما يراه مولانا عليه، معلما بما تقدّم من نجوى الإنعام بين يديه، حاملا من كرم وجاه يعدّان للأولياء في يوم نزل وللأعداء في يوم نزال، قائلا برجاء سعيه المؤمن: (يا صالح قد كنت فينا مرجوّا قبل هذا) ولن تزال، والله تعالى يجري كرم مولانا على عوائد إسعاده، ويحرس بعينه وملائكته نفاسه نفسه وبلاده، ويدخله باسمه ومسمّاه لدى الدّنيا والآخرة في الصّالحين من عباده.
وله جواب بوصول بازيين:
ولا زالت بزاة كرمه على الحمد مطلّة، وسحائبه مستهلّة، وهممه مستقلّة بأعباء المكارم وإن كانت لكثير ما يهديه مستقلّة. هذه المفاوضة تهدي إليه من السّلام أجلّه، وتوضّح لعلمه الكريم وصول مكاتبته العالية فوقفنا عليها، وعوّذناها بكلمات الثناء التامّة من خلفها ومن بين يديها، وعلمنا ما لم نزل نعلمه من موالاته وآلائه المسند في الشكر عنها والمستند في الولاء إليها، ووصل كلا
(9/113)

البازيين الحسنين المحسنين كأنّهما فرقدا سماء قد اجتمعا، وقمرا حسن طلعا، وعلى محاسن الصيد اطّلعا، يسرّان القلوب والأبصار، ويحمل كلّ منهما على اليمين فيحصل به اليسار، وما هما بأول إحسانه الأسنى، وبرّه الأهنى، وأياديه الّتي أبى الكرم إلّا أن ترد مثنى مثنى، وعلم اعتذاره عن الكوهيّة الّتي كان ادّخرها فنفقت، ولو أقيمت بها أسواق الصيد نفقت، وأرسل بروايتها تحقيقا لدعوى المكارم الّتي من زمان تحقّقت، والله تعالى يشكر برّه، ويملأ بذكره بحر الثناء وبرّه.
وله جواب بوصول كوهيّتين على يد شخص اسمه باشق.
لا زالت المحامد من مصايد إنعامه، وفوائد أيّامه، وثمرات البأس والكرم من قضب سيوفه وأقلامه، تقبيل معترف بإحسانها، مغترف من موارد امتنانها، متحف منها بعالي تحف تدلّ على مكانها في الفضل وإمكانها.
وينهي ورود مشرّف مولانا الكريم على يد الولد «باشق» فيا له باشق جاء بكوهيّتين جميلتين، وطار للسّرعة وهو حامل منّتين جليلتين، وقد وصلتا و [كلتا] هما حسنة الخبر والخبر، حميدة الورد والصّدر، يحسن مسرى كلّ منهما وسيره، ويتجمّل بهما باب الشّكر خاناه وصدرها ويكثر خير المطبخ وميره، فمدّ المملوك إليهما اليد المتحمّلة الحاملة، وإلى المشرّف الكريم اليد المتولّية المتناولة، وعلم ما تضمنه من الحسن والإحسان، وذكر الموالاة الّتي يحكم بها القلب العالم قبل شهادة اللّسان، واعتذار مولانا عن تعذّر وجود الشاهين، وكلّ إحسان مولانا شهيّ كافي، وكلّ موارد نعمه هنيّ صافي، وما فات مقصد وإنعام مولانا وراء طلبه وإن طال الأمد، ولا فرّ مطلوب حتّى يأتي به سعد مولانا مقرونا في صفد، والله تعالى يشكر عوائد فضله، ولا يضحي «1» الآمال الملتجئة [إليه] من ظلّه.
جواب بوصول طيور، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن «2» نباتة:
(9/114)

وشكر هداياه المتقبّلة، وسجاياه الّتي هي بأفواه المحامد مقبّلة، ولا زال بدر سعادته المأمولة وطائر هديّته المتأمّلة.
صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه من السّلام أتمّه، ومن الثناء أنمّه، وتوضّح لعلمه الكريم ورود مكاتبته الكريمة، ومكارمه العميمة، وطيور هديّته الّتي كلّ منها في الحسن بدرتمّ، وظهرت ظهور البدر لتمامه فأبت محاسنها أن تنكتم، فحسن ورودها، ورعي بفضل التلطّف والتودّد مقصودها، وأقبلت تلك الطيور التّمّيّة تامّة الإنعام، دالّة بيمن طائرها على بركة عامّة وكيف لا؟ وقد جاءت بيضاء عدد شهور العام، والله تعالى يزيده من فضله، ويجري الأقدار بالسّعود الشاملة لجمعه الجامعة لشمله، إن شاء الله تعالى.
جواب في المعنى، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة أيضا:
لا زالت الجوارح شاهدة ببرّه، والجوانح حائمة الجناح على شريف ذكره، والمحامد من مصايد أقلامه ورماحه في السلم والحرب؛ فإمّا بقوادم سمره، وإما بمناسر حمره، تقبيلا يبعثه على أجنحة أوراق الرّسائل، ويتصيّد به على البعد مشافهة تلك الأنامل الجلائل.
وينهي بعد دعاء، تحلّق إلى السماء كلماته الحسنة، وولاء وثناء: هذا تخفق بتشوّقه أجنحة القلوب، وهذا تخفق بذكره أجنحة الألسنة- أنّ كتاب مولانا ورد على المملوك فأورد عليه المسارّ، و [ملأ] يده بالمبارّ، ومصايده بالمير، ومنازله بالخير، وآماله بأمالي الكرم لذي السرحات المنشرح بآية عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ
«1» فقابله المملوك بتقبيله، وواصل فضل الاعتداد بتفضيله، وحصل من هداياها وهداها على جملة الإحسان وتفصيله، وانتهى إلى الإشارات العالية الّتي زكت على العيان وتأمّله وأربت على الجنان وتأميله.
فأمّا الإنعام بالكوهيّتين اللتين ما قذف البحر إلى الساحل أبهى من
(9/115)

دررهما المكنونة، وأزهر من وجوههما المباركة الميمونة، فقد وصل كلا الطائرين بيمنه، والسابقين بمنّه، والغائبين في جوّ السماء الآتيين من الصّيود بأوفى من قطرات مونه، واستقبل المملوك منهما وجوه المسارّ، وحملت يمينه الثّروة وحملت على اليسار، وتناولت يده يدي إحسان يسرّ الناظرين والسامعين، واستخدما للشّكر خاناه ولحفظ مطبخ يملأ عيون المشبعين والجائعين، وقال صنع الله لصناعتهما: ائتيا بصيود السّماء طوعا أو كرها قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
«1» .
قد كتبت باليمن في مطاوي ريشها أشباه الحروف، وقضى الجود لتلك الأحرف أن تقري ما تقتري عواصي الطير له بطاقة تقيّد السابح في طلقه «2» ، ويعود مطلقها وقد ألزم نجاح الطير طائره في عنقه، فشكر الله إحسان مولانا الذي ألحف الأمل جناحه، والقصد نجاحه؛ وبرّه الذي أحمد في سوانح الطير وبوارحه مساءه وصباحه، وعلم ما أشار مولانا إليه في أمر فلان وأمره علم الله تعالى في الخاطر حاضر، وما يؤخّر شغله عن إهمال وعائب الإمهال غادر، وما أشار إليه في أمر فلان أمير شكاره وأمير شكر المملوك، وتقدّم بخلاص حقّه، واستنزل بهديّته قضاء الشّغل من أفقه، لا برح مولانا ممتثل الأوامر، هامي سحب البرّ الهوامر، مجدّدا في كل وقت نعمى، مالئا بهداياه قلوب «3» محبّيه وبيوتهم شحما ولحما، إن شاء الله تعالى.
وله جواب في وصول طيور العقعق «4» :
(9/116)

لا زالت متّصلة منن إرفادها وإرفاقها، نازلة على حكمها [الأشياء] حتّى الطّير العاقّة من آفاقها، خافقة أعلام نصرها بالأجنحة مؤمّنة لظنون القاصدين من إخفاقها، تقبيل مطلق لسان الحمد على عوائد إطلاقها، مجتن لثمرات الإحسان من غصون أقلامها وغصون أوراقها.
وينهي ورود مشرّف مولانا العالي على يد الولد فلان فوقف المملوك عليه، وعلم من جميل الاحتفال ما أشار إليه، وأنه موقّع على المقصود من طيور العقعق فأوقعها من مطارها، واستنزلها من أوكار أفقها وأفق أوكارها، وأرسلها قرين مشرّفه الكريم، وقلد عنق الأمل بعقدها النّظيم، ووصلت سبعة كعدد أيام الجمعة الكاملة، والكواكب الماثلة، والسّموات لا جرم أن سحب يمنها هاملة، حسنة الشّكل الموصوف والوصف وإن كان مع عقوقه المألوف، طائعة لأوامر توقيعه فما عقّ منها شيء غير تضعّف اسمها المعروف، لا برح إحسان مولانا متنوّعا، وبرّه الجزيل متبرّعا، وغصن قلمه بأنواع المكارم متفرّعا.
وله جواب بوصول تمّات «1» ، وإوزّ صينيّ، وطلب إمرة عشرة:
حمى الله تلك النّعمة من الغير، وأطلعها عليه بأيمن الغرر، ولا برح طائر منّه كوصفه أبيض الخبر والخبر. هذه المفاوضة إلى الجناب الكريم تهدي إليه سلاما يشوق الصّباح، وثناء خفّاق الجناح، وتوضّح لعلمه الكريم ورود مكاتبته الكريمة جميلة الفوائد، جليلة المصايد، تمّيّة البدور المتناولة من منال الفراقد، فوقفنا بالأشواق عليها، وعطفنا على العادة بتأكيد الولاء إليها، ووصلت تلك التّمّات واضحة الأنوار، لائحة كبياض النّوّار، تامّة تمام ميقات موسى عليه
(9/117)

السّلام، إلّا أنّها لبياضها كأربعين نهار، وكذلك البطّ الصّينيّ كأيّام الحجّ عشرة كاملة، مفترضا على عشرتها ولاء القلوب المتأمّلة الآملة، صينيّة مملوءة بمحاسن الألوان الّتي هي بغير مثل ماثلة، وحصل الاعتداد ببرّه، والازدياد لحمده وشكره، وفهمنا ما ذكره من إمرة العشرة الّتي انحلّت عن فلان، وقد طالعنا بأمرها، وعجّلنا بذكرها، ونرجو أن يعجّل بأمانيّها المنتظرة، وأن يقابل بخوافق أعلامها خوافق بطّه فتقابل عشرة بعشرة، والله تعالى يعجّل لمعاليه الصّعود، ويؤكّد لمساعيه السّعود، إن شاء الله تعالى.
الأجوبة عن وصول الصّيود ولحومها جواب عن نائب الشام إلى نائب حلب بوصول [لحم] طير صيد قديد وصحبته بطّيخ أخضر، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة. وهو بعد الألقاب:
لا زالت تقتنص المحامد بعاطاياه المكرّرة، وأوابد الصيّد برماياه المقرّرة، ورقاب الإنس والوحش، إمّا بسهام نعمه المتواترة، وإمّا بسهام قسيّه الموتّرة، ولا برحت نفحات مكارمه، تشهد أنّ المسك بعض دم الغزال «1» ، وسرحات عزائمه، تمتدّ في صيد الوحش لقرى نزيل أو في صيد الأعداء لتقرير نزال، تقبيلا تتعطف أجياد الظّباء لمحاولة عقوده، وتزدحم أفواه الأولياء على مشافهة وروده.
وينهي بعد ولاء تقوم الخواطر الكريمة في دعواه مقام شهوده، وشوق لا تزال النّسمات الشّماليّة قاضية باستمرار وفوده- أنّ مشرّف مولانا الكريم ورد
(9/118)

على المملوك على يد فلان وصحبته الإنعام المتجدّد، وإن كان قديما في المعنى، واللحم القديد، وإن كان أطرى من الروض النّضير حسنا، والسّمين المحبوب وإن كان كحال عداه الذين تقدّد جسومهم في الحياة قبل الممات حزنا، فقابل المملوك المشرّف الكريم، بتقبيل أحرفه، والإنعام العميم، بقبول مسعده ومسعفه، وعانقهما بجوانح آماله، وأخذ الكتاب والبرّ كما يقال بيمينه وشماله، فيا لها من ظباء تعشق وإن بليت محاسنها، وغزلان تغازل وإن بادت عيونها إلّا أنه ما باد حبّ من يعاينها، وصيود توصف وإن قصدتها قصد السّهام بطعن، ويتّقى بقرونها القتال والقسيّ تالية: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ*
«1» . سلكت خيول مولانا لقنصها المصاعب واتّخذها الآكلون سهلا، وتصيّدها من الفلاة واصطادها القاعدون من المقلى، ووصل معه البطّيخ الأخضر فشبهه بثمار الجنة المشبّهون، وقيل: هكذا ترتيب مآكل الجنة لهم فيها فاكهة ولحم طير مما يشتهون، لا زالت منن مولانا مشروحة مشروعة، وثمرات نعمه من الدنيا كثمرات أهل الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة، بمنّه وكرمه.
أجوبة هدايا الفواكه وما في معناها الشيخ جمال الدين بن نباتة:
جواب وصول مشمش لؤلؤيّ ودغميشيّ من حماة.
بسط الله ظلّها ونداها، وأطلع باليمن نجوم هديّتها وهداها، ولا زالت مواهب بحرها لؤلؤيّة، وشواهد يمنها كوكبيّة، وثمرات جودها فضّية الأعيان ذهبيّة، تقبيلا حلت مواقعه، وجلّت مطالعه.
وينهي بعد ولاء وحمد: هذا قد ثبتت في القلب شريعته وهذا قد عذبت في السمع مشارعه، أنّ مشرّفة مولانا الكريمة وردت على المملوك تتضمّن الحسن والإحسان ويمين البرّ الشامل لكلّ إنسان، وعهد المحبّة الّتي حكمت
(9/119)

فيه بعلمها القلوب فما تحتاج إلى بيّنة لسان، فقابلها المملوك مقبّلا، واستجلى وجه الودّ والإحسان مقبلا، ووصل المشمش الذي شفى لؤلؤيّه نظر الناظرين، ونوعه الآخر الدغميشي الذي هو الشهد بحسنه ولا يدغمش باسمه على الحاضرين، فتناول المملوك عوارف برّه المعروف والمبتكر، واستضاء نجومه المتردّدة منشدا قول المعرّي: (كم درن، وكم يدرن هذه الأكر) ، وقال: شكر الله هذه المنن الحلوة الثمرات، المتّصلة الخطرات، وهذه المجاني الّتي طابت أصولها وفروعها فلا أبعدهنّ الله من شجرات، وحيّا حماة وما جلبت، وجنبات ذلك الوادي وما أنجبت، وحدائق ذلك العاصي الذي أطاع ببركة مولانا فأنبت أحلى وأحلّ ما نبت، وقد جهّز المملوك هذه الخدمة منطوية على وظائف الحمد المستجادة، ولطائف الحبّ المستفادة، وحمد المنن الّتي لا تزال من مولانا عادة ومن المحبّين شهادة، لا برحت يد مولانا الكريمة إن بسطت فبعوائد إنعامها، وإن قبضت فعلى سيوفها لمصالح الدّول وأقلامها، وإن زهت «1» فروع المكارم، تساقطت ثمرات برّها من زهرات أكمامها.
جواب بوصول مشمش وبطّيخ حلبيّ، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة.
وينهي بعد ولاء وثناء: لهذا في الأسماع أزهى وأزهر ثمرة، ولهذا في القلوب أرسى وأرسخ شجرة- ورود المشرّف الكريم على يد فلان بما ملأ السّمع من أخبار مولانا المرتقبة سرورا، والعين من آثار يده الكريمة نورا، والفم من هدايا المشمش الحمويّ كؤوس لذّة كان مزاجها كافورا، فقبّل المملوك أسطره مستحليا مواقع رشفاته، وقابله بعوائد المحامد مستجليا عوائد افتقاداته وصلاته، ومدّ يده وفكره فالتقط النّجوم المشرقة من هداياه وكلماته، وتقلّد جواهر المبرّات الحسنة المحسّنة، والثمرات الّتي، جاءت بدريّة القدوم وإن كانت نجوميّة الهيئات المكوّنة، واستصوب نتائج الغيث فقال: لعلّ هذه بنادق
(9/120)

قوس السماء الملوّنة، وصفا وطاب ظاهرها وقلبها وكذا تكون صفات ذوي القلوب المؤمنة، والمؤمن حلويّ لا جرم، والحمويّ على عجمه الخراسانيّ أولى بفصاحة الفخار والكرم، لا زالت فعلات منن مولانا مستجادة ونعمه لا سيّما المشمشيّة مستزادة، وافتقاداته المشهورة لدى مماليكه ومحبّيه منه عادة ومنهم شهادة، وجاءت فاكهة البطّيخ الحلبيّ وقد رضع حلب الغمام فأنجب، واستوى باطنه وظاهره في الحسن فأعجب من حين أعشب، واستطاب الذوق والشمّ مطعمه وأنفاسه، ووصف بالرّؤوس فضمّه كلّ متلقّ وقبّل راسه، وقال:
نعم الهديّة السريّة، والفاكهة الّتي طلعت حزز [ها] هلاليّة وثمرتها بدرية.
جواب عن وصول بطّيخ حلبيّ، من إنشائه أيضا، [وهو] بعد الألقاب:
وشكر سجاياه الّتي علت، وهداياه الّتي تكرّرت فحلت، وافتقاداته الّتي طاب ظاهرها وباطنها فكأنها من أخلاقه الجميلة نقلت، أصدرناها تهدي إليه سلاما يتقدّم كهديته نسيمه العاطر، وثناء ينتج أطايب الثّمر مقدّمات غيثه الماطر، وتوضّح لعلمه الكريم أنّ مكاتبته الكريمة وردت فحسّنت بالودّ مشافهتها، وأقرّت في الأسماع فاكهتها ومفاكهتها، ووصل البطّيخ فلله درّ حلبه ودرّ جلبه، لقد حسنت في ملاذّ المطاعم طريقته المرضيّة، ولقد أشبه القناديل بتكوينه وفتيلة عرقه فلا جرم أنّ قناديله عند الشّكر مضيّة، ولقد ملأ خبره وخبره عين البصر وأذن المصيخ، ولقد خلق دواء للأجسام حتّى صحّ قول الحلبيين للأرمد: دواؤك البطّيخ، فشكر الله إحسان الجناب العالي، وبرّه المتوالي، وعلى الوالد والولد ومن عندهما سلام المحبّ المتغالي، والله تعالى يحفظ عليهم من الفضل ما وهب، ويرزقهم بغير حساب ويرزق الظنّ فيهم ما حسب إن شاء الله تعالى.
وله أيضا جواب بوصول بطّيخ حلبيّ، وهو بعد الألقاب:
وشكر إحسانه الذي حلا مذاقه، وزكت أعراقه، وحيّا على البعد تحيّة طيّبة نفحت بها أزهار الكتاب وأثمرت أوراقه، هذه المفاوضة تهدي إليه سلاما طيّبا كهديّته، وثناء زاكيا كطويّته، وتوضّح لعلمه الكريم ورود مكاتبته الجامعة
(9/121)

حسن الأقوال والأفعال، المطلعة بوارد غمامها أطيب الثمر في الحال، فأحيت ولاء حاشى لوجوده من العدم، وجدّدت عهد البشر- وما بالعهد من قدم- ووصل البطّيخ الحلبيّ أصله، الحمويّ فصله، الدّمشقيّ ضمّه وشمّه وأكله، الفلكيّ ولا سيّما من الأهلّة المجتمعة شكله، فكرم مطلعا، وحسن من الأفواه موقعا، وعمّ الحاضرين نوالا، واشتملهم بعطف الإحسان اشتمالا، وأخذ الغلام السّكّين: (متقارب) .
فقطّع بالبرق شمس الضّحى ... وناول كلّ هلال هلالا
لا بل أهلّة كثّر تعدادها، وكرّر تردادها، ورصد قربها، ولا نقول كما يقول أصحاب الهيئة أبعادها، فشكر الله إحسان الجناب العالي حاضرا وغائبا، وبرّه الذي يطلع كلّ وقت من هداياه وكتبه أهلّة وكواكبا، ومرباه الذي نقل عن ملوك كانت منازلهم للمحامد روضا وكانت أيديهم للكرم سحائبا، إن شاء الله تعالى.
وله جواب بوصول قصب سكّر وأترجّ «1» وقلقاس:
لا زالت أوصاف شيمها، تطرب كما يطرب القصب، وألطاف كرمها، مما يغذّي الحسد وينعش الرّوح ويشفي الوصب «2» ، وأصناف نعمها من الحلو إلى الحامض مما يعدي الأيدي المتناولة فهي على الأعداء تنتصب، تقبيل محبّ حلت له المنن فتناولها، ومواقع اللّثم فعاج إليها وعاجلها.
وينهي ورود مشرّف مولانا الكريم، على يد فلان يتضمّن الحسن والإحسان، والبرّ المأثور بكلّ فم، المشكور بكلّ لسان، فقابله المملوك بما يجب من الخدمة لمثله، ولاقاه بعوائد تحمد عوائد فضله، ووصل قرينه الإنعام
(9/122)

الذي تنوّع فنونا وأفنانا، وملأ فم الشراب خاناه سكّرا ويد المطبخ إحسانا، وذكّر نباته الطرابلسيّ عهود الديار المصرية، وأوقات الأنس بخدمة مولانا السنيّة، سقيا لها من أوقات وعهود، وشكرا لجود مولانا الذي هو في كلّ واد موجود، ولتدبيره الشمسيّ الذي أحيا الله به على عباده عناصر هذا الوجود، ولا برحت مكارمه متنوّعة، ونعم أياديه متفرّعة، فمنها ما حلا فرعه فأصبح لكلّ حلو أصلا، ومنها ما طاب ريحه وطعمه فكان للمؤمن مثلا، ومنها ما لذّ طعامه الشهيّ فما هو مما يهجر وإن كان مما يقلى.
وله جواب بوصول باكورة خيار وملوخيّة:
لا زالت تشرح بمكارمها الصّدور، وتفتح بركات الأعوام والشّهور، وتمنح من لطائف مننها كلّ جماعة السّرور، وتلمح في هداياها المستبقة إلى الأولياء خيار الأمور، تقبيل محبّ لا تغيّر ولاءه الدّهور، ماش من طريق المصافاة والموافاة في نور على نور.
وينهي ورود مشرّفة مولانا على يد فلان تتضمّن المعهود من ولائه وآلائه والمشهود المشهور من إحسان نداه قبل ندائه، فقابلها المملوك مقابلة الشّيّق إلى قرب الديار، الممضي في المحبّة قلبه لمولاه قبل شرط الخيار، ووصلت لطائف هديّته الخضرة النّضرة، وطرائف الفضل الباكرة كمعاني اللفظ المبتكرة، فتنجّز المملوك الفاكهة قبل أوانها البديع، ورصد من أفلاك العلب في ذي الحجّة غرّة ربيع، وتفاءل بالهديّة المجمّعة الأحباب في أن يعود الشّمل وهو جميع، وقد عاد فلان حاملا من رسائل الشوق والشّكر ما يؤدّيه بين أيدي مولانا الكريمة، ويجدّد بذكراه عهود الأنس القديمة، لا برح مولانا سابق الكرم، مخضرّ المرابع ببيض النّعم.
قلت: وكتبت جوابا لبعض الأصحاب وقد أهدى لي سمكا (بسيط) :
أهدى لنا سمكا قد طاب مطعمه ... أكرم به سمكا لم يسكن البركا!
لا شكّ أنّ له بالبحر شاكلة ... والبحر عادته أن يهدي السّمكا
(9/123)

الضرب الثاني (من كتب التهادي الاستهداء)
واعلم أنّ كل ما يكتب مع إهدائه قد يكتب مع استهدائه، إلّا أنّ الغالب مما جرت به عادة الكتّاب في الاستهداء طلب الأشياء المستظرفة الخفيفة المنّة دون ما يعظم خطره، اللهم إلّا أن يكون الاستهداء من الملوك ونحوهم فيطلب فيه ما جلّ وعظم.
والذي جرت عادة الكتّاب بالكتابة في استهدائه على أصناف:
الصنف الأوّل- آلات الكتابة: من الأدوية «1» والمداد والأقلام
: مما تقدّم ذكره في الإهداء.
أبو الفرج «2» الببغاء في استهداء دواة:
أنفس الذّخائر وأشرف الآمال ما كان للفضل نسبا، وللصّناعة والحظوة سببا، وبالدّويّ تجتنى ثمرة الصّناعة، ويحتلب درّ الكتابة، وقد أوحش المملوك الدّهر مما كنت أقتنيه من نفائسها، وضايقه في وجود الرّضيّ على الحقيقة منها، فإن رأى مولانا أن يميط ببعض ما يستخدمه من حاليها أو عاطلها سمة عطلة المملوك، ويسمح بإهدائها إلى أهل تصريفه ويقابل بالنّجح والتقبّل رغبته، فعل، إن شاء الله تعالى.
وله في استهداء مداد:
التّنافس- أيدك الله- في أدوات الكتابة وآلات الصّناعة بحسب التّفاخر في ظهور النعمة، والتخيّر لبيان الإمكان والقدرة، وإلّا فسائر الدّويّ سواء فيما تصدره الأقلام عنها، وتستمدّه بطون الكتب منها؛ وأولى آلاتها بأن تتوفّر العناية
(9/124)

عليه، وينصرف التّخيّر بالضّرورة إليه، المداد الذي هو ينبوع الآداب، وعتاد الكتّاب، ومادّة الأفهام، وشرب الأقلام، فجعلها الله بواجب القضيّة والحكم، في حيّز وصفه من الحمد والذّم، وما زلت لنفائس الأخلاق موطنا، ولنجع الإخوان في المحل معدنا، ولا معدل بي عن استماحة خزائنك عمرها الله الممكن من جيّده، فإن رأيت أن تستنقذ دواتي من خمول العطلة، وتنزّه قلمي عن ظمأ الغلّة، وتكشف عنها سمة النّقصان والخلّة، فعلت، إن شاء الله تعالى.
عليّ بن خلف «1» ، في مثله:
أولى ما أنبسط في استهدائه، وتسمح [نفسي] في استماحته واستجدائه، ما كان ناقعا لغلّة الأقلام، مقيّدا لشوارد الأفهام، محبّرا لبرود البيان، حاليا في معارض الحسن والإحسان، وكتبت هذه الشّكوى أطال الله بقاء سيدي.
الصنف الثاني- الشّراب.
في استهداء مشروب.
أبو الفرج الببغاء:
أنا- أيّد الله سيّدي- ومن سامحني الدّهر بزيارته من إخواني وأوليائه، عضّد الله جمعنا ببقائه، وقوف بحيث يقف بنا اختياره، من القبول والانبساط، ويرتضيه لنا إيثاره من الهمّ والسّرور، لأنّ الأمر في ذلك مما يوليناه من المساعدة بالممكن من المشروب إليه، والاعتماد دون كلّ أحد في اجتماع شمل المسرّة لنا به عليه، فإن رأى أن يكلني إلى أولى الظّنين به وأحقّهما بمأثور فتوّته، فعل.
وله في مثله:
ألطف المنن موضعا، وأجلّها من الأنفس موقعا، ما عمر أوطان المسرّة، وطرد عوارض الهمّ والفكرة، وجمع شمل المودّة والألفة، وأدّى إلى اجتناء ثمرة
(9/125)

اللّذّة، وبذخائرك من المشروب مع هذه الأوصاف [ما] يسترقّ حرّ الشكر، ويحرز قصب السّبق إلى الثناء وجميل الذّكر، فإن رأيت أن تنجد بالممكن منه مروّتي، على قضاء حقّ من أوجب المنّة عليّ بزيارتي، فعلت.
وله في مثله:
من كان للفضل نسبا، ولفلك الفتوّة قطبا، لم تفزع القلوب من الهمّ إلّا إليه، ولم تعوّل الأنفس في استماحة المسارّ إلّا عليه، وقد طرقني من إخواني من كان الدّهر يماطلني بزيارته، وينفس «1» عليّ بقربه ومشاهدته، فصادفني من المشروب معسرا، ووجدت الانبساط في التماسه من غيرك عليّ متعذّرا، وإلى تفضّلك تفزع مروءتي في الإسعاف منه بما يلمّ شعث الألفة، ويجمع شمل المسرّة، ويجعلنا لك في رقّ الاعتداد بالمنّة، ويقضي عني بتفضّلك حقوق المودّة.
عليّ بن خلف:
قد انتظم لنا- أطال الله بقاء سيدي- مجلس واقف بين النّشاط والفتور، والكآبة والسّرور، لغروب نجوم الخمر عن سمائه، وعطله من حليّ نوره ولألائه، وقد عوّلنا في إطلاقه إلى إحدى الجهتين عليه، وجعلنا زمامه بيديه، فإن رأى أن يروّح أفكارنا بشيء من راحه المشابهة عبقا وعتقا لأخلاقه وأعراقه، فعل، إن شاء الله تعالى.
وله في مثله:
أفضل ما أهدى سيدي ما أهدى السرور إلى أحبّته، ونظم شمل المتحقّقين بخدمته، وحسم عنهم هواجس الفكر، وأعداهم على الدّهر، وقد جمعنا مجلس وهبناه للثناء عليه، وزفّت عرائس الخمر إليه، فإن رأى إيثارنا بما
(9/126)

يكمّل نشاطنا، ويتمّم انبساطنا، فليعقر همومنا بشيء من عقاره، وينظم [جمعنا] في سلك أياديه ومبارّه، إن شاء الله تعالى.
النوع الرابع (الشّفاعات والعنايات)
قال في «موادّ «1» البيان» : وهذه الكتب إنما تصدر عن ذوي الرّتب والأخطار، والمنازل والأقدار، الذين يتوسّل بجاههم إلى نيل المطلوب ودرك الرغائب.
قال: والملتمس فيها ممن تنفّذ إليه أحد ثلاثة أنواع؛ إمّا بذل ماله ولا يبذل ماله إلّا ذو مروءة يفرض على نفسه حقّا فيه لقاصديه، وإما بذل جاهه وفي بذل الجاه إراقة ماء الوجه والتعرّض لموقف الرّدّ، وإمّا الاستنزال عن سخيمة وموجدة في النزول عنهما كفّ حدّ الغضب وغضّ طرف الحنق، وهما صعبان إلّا على من فضل حلمه، ولطف فهمه.
ثم قال: والكاتب يحتاج إلى التلطّف فيهما وإيداعهما من الخطاب ما يخرج به الشافع عن صورة المثقّل على المشفوع إليه بما كلّفه إيّاه، ويؤدّي إلى بلوغ غرض المشفوع له ونجاح مطلبه، ثم أتبع ذلك أن قال: وسبيل ما كان في استماحة المال، أن يبنى على الإبانة عن موقع الإفضال، وفضيلة النّوال، واغتنام فرص الاقتدار، في معونة الأحرار، وما جارى هذا- وسبيل ما كان منهما في طلب الانتفاع بالجاه أن يبنى على هزّ الأريحيّة لاصطناع الصّنائع، وتحمّل المشاقّ في تقليد المنن، وادّخار الفعل الحسن، واغتنام الأجر والشّكر- وسبيل ما كان منهما في الاستنزال عن السخائم أن يبنى على الملاطفة، والإشارة إلى فضيلة الحلم والصّفح عن الخاطيء، وما في ذلك من حسن السّمعة في العاجلة، ومتوفّر المثوبة في الآجلة، ونحو ذلك.
(9/127)

وذكر أنّ أحسن ما قصد في هذا الفنّ مسلك الإيجاز والاختصار، وأن يسلك به مسلك الرّقاع القصار المجملة، لا الكتب الطّوال المفصّلة، وأن يرجع فيما يودعه إلى قدر الشافع والمشفوع فيه، والكاتب إذا كان مرتاضا ماهرا لم يضلّ عن تنزيل كلّ شيء [في] منزلته، وترتيبه في مرتبته.
قلت: ومن أحسن ما يطابق هذا النوع ما رأيته في بعض المصنّفات، أنّ عمرو بن مسعدة وزير المأمون كتب إلى المأمون في رقعة:
أما بعد، فإنّ فلانا سألني أن أشفع له إلى أمير المؤمنين، فأخبرته أنّي لم أبلغ عند أمير المؤمنين مبلغ الشّفاعة- فلمّا وصلت الرّقعة إلى المأمون وقّع عليها بخطّه: قد فهمنا تصريحك به وتعريضك بنفسك، واجبناك إليهما وأتحفناك بهما.
من كلام المتقدّمين:
الحسن «1» بن سهل:
كتابي إليك كتاب معتن بمن كتب له واثق بمن كتب إليه، ولن يضيع حامله بين عناية وثقة، والسّلام.
أبو الحسين «2» بن سعد:
وقد توجّه إليك فلان بقصد فيه مستجمع، وأمل فيما قبلك منبسط، وليس بعد إصابتك عنده موضعا وعندنا متجمّلا لليد الحسنة إلّا افتراض ذلك منه ومنّا في أمره على يسر في حاجته، وتخفيف من مؤونته، فإن رأيت أن تأتي في ذلك بما يشبه أمله وظنّه، وتوجب عليه الحقّ به، ونشكر لك منه ما يبقى عندنا، بأنك بحيث تأتي الفضل وتتوخّى الصّلة، [فعلت] إن شاء الله تعالى.
آخر: معرفتي بأنك لا تتجاوز في العقوبة سبيلها من مواقع الأدب،
(9/128)

تحملني على مساءلتك ما أنت موجب له والذّكرى تنفع المؤمنين، ولولا ذلك لا ستغنى صاحب كتابي عنه، فإن كان ذنبه صغيرا فالصغير يخرجه من حبسه، وإن كان كبيرا فالعفو يسعه. وكتابي متقاض لك تقديم العفو على العقوبة، والحسنة على السيّئة، والاستصلاح على القوّة في التأديب.
طفال بن شبّة:
وأحقّ من يعطف على أهل البيوتات، ويجود لهم بما يبقى ذكره، ويحسن به ذخره، مثلك، وقد وجّهت إليك فلانا، وهو من ذوي قراباتي، وذوي الهيئة من أسرتي، وعرّضته لمعروفك، وأحببت أن تلبسه نعمتك وتصرفه إليّ وقد أودعتني وإيّاه ما تجده باقيا على البشر «1» الجميل في الغيب والحضر.
ولغيره:
وقد جعلك الله غياثا، وجعل عندك لمؤمّليك وراجي رفدك، أبلغ ذريعة من كرمك وفضلك، وقد أصبحت مفزع كلّ ذي همّ، وملجأ كلّ ذي أرب، وموضع كلّ أمل، وأصبحت ملتقى السّبل، ومجمع الأصناف المختلفة، والطوائف المتصرّفة.
أبو مسلم «2» محمد بن بحر:
قد شهّرتني باصطناعك [حتّى] تكافأ في معرفة خبرها أهل بلدان المشرق والمغرب، والذين عرفوني فصديقي منهم مغتبط بذلك لي، وشريك في النعمة به عليّ، وقويّ الظهر بما منحنيه الله من رأيك، وإذا نابت بعضهم نائبة يرجوك لكشفها ولم يكن له إليك طريق يدنيه ولا حرمة تقربه وتعطفك عليه، سألني الشفاعة له إليك، ففعلت ذلك مدلّا بما أعتقده من الشّكر على نعمتك عندي، والإخلاص في طاعتك المفروضة عليّ، واثقا بتسويغك إيايّ ما
(9/129)

رقّيت إليه من درجة الشافع لغيره، والسائل (؟) في طريقه وذوي الحقّ عليه، لتكون قد أكملت عليّ النّعمة، ووكّدت لديّ العارفة، واستتممت عندي الصّنيعة.
أبو الخطّاب بن الصابي:
أبسط الشفاعة وجها، وأقربها نجحا، وأوقعها في القلوب، وأسرعها إلى القبول، ما وقع من أقسام ثلاثة؛ من إدلال السائل بحسن الظنّ، وارتياح المسؤول إلى فعل الخير، واستحقاق المسؤول فيه لقضاء الحقّ، فإذا اجتمع لها ذلك كانت الثّقة بها زائدة، والفتوّة لها رائدة، والفضل عليها قائما، والنّجح بها قادما، وكان الشّكر من أقلّ موجوداتها، والمنّة من أجلّ مذخوراتها.
وله: إن دلّ المملوك فبصدق المودّة، أو عوّل فعلى حسن النيّة، أو استظهر فبقديم الحرمة، أو استنصر فبكريم الرّعاية، ووراء ذلك همّة من مولانا بعيدة المرامي، طويلة المساعي، شامخة الأنف، سابقة الطّرف، توجد الآمال سراحا، وتوسعها نجاحا، وتأخذها خماصا، وتردّها بطانا، وتوردها هزالا «1» وتصدرها سمانا «2» ، وثقة منّي قد أحكم عقدها الزّمان، وأوثق شدّها الامتحان، فصارت لأعراض المملوك رائدة، وفي قوّة نفسه زائدة، فالمملوك من اجتماع هذه الأقسام، ووجوب ما تقتضيه من الأحكام، بين ظنّ جميل لا مجال للشكّ عليه، ويقين صحيح لا وصول للارتياب إليه.
آخر: ولئن كان المملوك أسرف في مجاري التثقيل على مولانا، فإنّ المملوك لم يردّ بعضا من دواعي الأمل فيه، فإنّ المظنون من فتوّة مولانا رائد الثّقة بجميل نيّته، ولن يعدم النجاح من اعتمد على الفتوّة والثّقة.
آخر: وينهي أنّ المملوك إن أدلّ، فبحقّ لدى مولانا أكّده، أو استرسل،
(9/130)

فبفضل منه عوّده، وبين الدّالّة من المملوك والعادة من مولانا موضع لنجاح الحاجة، وبلوغ الإفادة، وقد فعل المملوك ما تعلّق به واثقا بالكرم من مولانا، فليفعل مولانا ما يتعلّق به محقّقا للأمل فيه.
آخر: وينهي أنّ المملوك إن انبسط، فمدلّ بالحرمة الوكيدة، ومعوّل على النية الكريمة، أو انقبض، فلهيبة الإقدام على مولانا ومراعاة التخفيف عنه، ولفضله فيما بين ذلك مسلك وغلبة تسلّط يدعوان إلى حسن الظن بمولانا، ويوثّقان من وجود النجاح لديه.
آخر: بذل الجاه في إعانة الضعيف، وإغاثة الملهوف، والترويح عن المضغوط، والتفريج عن المكروب المكدود، كبذل المال في إسعاف المعسر، وإسعاد المقتر، ومواساة المحروم، والتعطّف على المزحوم، وما في الحالتين إلّا ما الدّيانة له ضامنة، والمروءة له قائمة، والحقّ به مستوجب، والأجر به مكتسب، والصنيعة به معتقدة، والمثوبة به مدّخرة.
آخر: وينهي أنّ حرمة الجوار من أوجب الحرمات حقّا، وأحكمها عقدا، وأخصّها بالعناية، وأحقّها بالرّعاية، وما رعاها إلّا ذو قدر عظيم، وخلق كريم، وأصل عريق، وعهد وثيق. وفلان ممن يضرب بدالّتها، ويمتّ بوسيلتها، ويتخفّر بذمّتها، ويتعلّق بعصمتها، ويعتدّها وزرا مانعا، وذخرا نافعا، وعدّة موجودة عند الحاجة، وله أمر يذكره مشافهة، فإن رأى مولانا أن يحقّق من ظنّه ما كان جميلا، ويصدّق من أمله ما كان فضل مولانا إليه سبيلا، فهو المعهود من إحسانه، والمؤمّل من فضله.
آخر: من سافر إلى سيّدي بأمله ورغبته، ومتّ إلى حضرته بوفادته وهجرته، فقد استغنى عن الشافع، وكفي أمر الوسائل والذّرائع، وحامل كتابي هذا قد تجشّم القدوم إليه، وتمسّك بذمام «1» الوفادة عليه، مع ما يتحقّق به من
(9/131)

حقّ المشاركة في الصّناعة، ويستوجبه بفضيلة الكفاية والأمانة، وإنّما أصدر المملوك هذه الخدمة عن يده ممهّدة لأنسه، ومقوّية لنفسه، وإذا مثل بحضرته، ونظره بعين نباهته، فقد غني عن الشفاعة وبلغ الإرادة.
آخر: وينهي أنّ ما يفرضه مولانا لمن أمّه بالرجاء، ومتّ له بإخلاص الحمد والثناء، من إدرار أخلاف الإفضال، وتحقيق الرّغبات والآمال، يغني قاصديه عن الشّفاعات والوسائل، ويكفي آمليه تحمّل الذّرائع والمسائل، والواصل إليه بهذه الرقعة فلان، ومولانا يعرف حقّه على المملوك وماله من المواتّ لديه، وقد توجّه إلى حضرته، راجيا أن يلحفه من ظلّ سعادته ما يتكفّل بمصلحته، ويقضي على الزمن بإعدائه ومعونته، ومولانا أحقّ من تولّاه بحسن خلافته فيه، والتفضّل على المملوك بتحقيق ما يرجّيه.
آخر في معتقل: علم المملوك بأنّ مولانا لا يتعدّى في العقاب موضع الإصلاح والتأديب، ولا يتجاوز في الغضب موقع التقويم والتهذيب، عملا بالعدل، وتمسّكا بالفضل، يبعثه على تنبيهه لما أغفله، وانقياده لما أصّله، وفلان قد تطاول اعتقاله، فإن كان جرمه صغيرا فقد ظلم في القصاص، وإن كان كبيرا فقد استحقّ الخلاص، والمسؤول من إحسانه أن يعاود جميل عادته، ويراجع كريم شيمته، فيعمل في أمره بالعدل، إذا لم يره أهلا للفضل، وإن كانت حقوقه متأكّدة، وحرمته مؤكدة، فلا يحسن أن يضاع ويخفر، ولا ينبغي أن يجحد وينكر، وهو حريّ أن يحقّق الظنّ فيه، ويقابل هذا السّؤال بما يقتضيه.
آخر: على حسب أخطار الودائع يكون الإشفاق عليها، والشكر ممن صرف رعايته إليها، وقد كان المملوك أودع كنف مروءته، وفناء همّته، فلان، وهو درّة المحاسن الفريدة، ونادرة الدّهر الشريدة، والجامع لأسباب المحامد بفضائله ومناقبه، والناظم لنثار المآثر بخلقه وأدبه، مع ما خصّ به من المعرفة بقدر الصنيعة، والتعويض بالشّكر عن قليل العارفة، والمملوك يرجو أن يكون مولانا قد أحسن خلافته فيه، ونزّله من حياطته وتولّيه، بما يوجبه مكانه من
(9/132)

المملوك ويقتضيه، متعوّضا من شكر المملوك وشكره بما هو خليق أن يطوّق أجياد معاليه، وينتظم في سلك مساعيه.
رقعة- وينهي أن الأيّام، إذا قعدت بالكرام، فأنزلتهم بعد السّعة ضيقا، أوجدتهم إلى التثقيل على من يمتّون إليه بسالف الخدمة طريقا، وممن تحدّاه الزمن بنكده، وعوّضه ببؤسه من رغده، فلان، وكان قد فزع إلى جماعة من الخلّان، واثقا منهم بالامتنان والإحسان، فألفى وعدا جميلا، ومطلا طويلا، فعدل عنهم إلى سيدي وعزل عنهم إليه، وتوجه إليه معتمدا بعد الله في مقصده عليه، ثقة بفضل غيره «1» ، وحسن أثره، وتحمّل عبوديّة المملوك هذه ذريعة تبسط له من مولانا محيّاه، وتوصّله إلى ما يرجوه من معروفه ونداه. وما أولى مولانا بأن يحقّق ظنّ المملوك وظنّه، ويجوز شكره وشكره، إن شاء الله تعالى.
رقعة- وينهي أنّ رغبة سيدي في إسداء المعروف، وغوث الملهوف، تبعث على السّفر إليه، والتقدّم بالرّغبات عليه، والله تعالى يواصل المنح لديه، كما وصلها من يديه، وقد سبقت له عوارف لا ينساها المملوك، ولا يؤمّل جزاءها إلّا بمرفوع الدعاء، وكريم الثّناء، حتّى تقتضي ضرائرها، وتستدعي نظائرها، وحامل عبوديّتي هذه، فلان، والمملوك يرضى لمولانا لسان شكره، كما يرضاه لتحمّل برّه، وقد ركض ظهر الأمل إلى حضرته، ووثق ببلوغ الوطر «2» من جهته، وأن ينظم في سلك من أسبغت عليه عوارفه، وعمّته لطائفه، وعزّز ذلك باستصحاب كتاب المملوك إلى بابه، وتقديمه ذريعة في التزام حقّه وإيجابه.
رقعة- من كان سيدي شافعه انبسط في المنى، ولم يرض بغير العلا،
(9/133)

وقد علم مولانا أنّ للشّفاعة أحوالا ثلاثا؛ حالا تخصّ الشافع، وحالا تخصّ المستشفع، وحالا تخص [المشفوع «1» إليه] ولكلّ حدّ يجب الانتهاء إليه، ولا يجوز التقصير فيه، فعلى المستشفع ارتياد أخصب جناب، وأسكب سحاب، وقصد الجهة الّتي لا تصدّ عن البغية سائلا، ولا تردّ عن الأمل آملا، وأن ينهض بالشّكر على العارفة، ويحدّث بالنّعم عنه في الأحوال الطارفة، وعلى الشافع أن يهريق «2» ماء وجهه في السّؤال، ويجرّد رغبته في تسهيل المنال، ويعتقد أنّ ذلك من الدّين المقترض، والدّين المفترض، ويتكفّل بالقيام بما يستدعي منه من المكافاة، ويلتمس من العوض والمجازاة. وعلى المشفوع إليه أن يعلم أنّ الشافع والمستشفع ما قصداه إلّا بعد الثّقة بأحديّته، ولا اعتمداه إلّا بعد السّكون إلى أريحيّته، وأنه لا ينبغي أن يخسر متجرهما، ولا يضيع سفرهما، وقد اجتمعت هذه الأحوال الثلاث للرئيس المشفوع إليه، ولسيّدي الشافع، ولخادمه المستشفع به، ولم يبق إلّا عزمة منه تهزّ أفنان الإقبال فتسّاقط أثمارها، وتنشيء عوارض الآمال فيتهافت قطارها.
أبو الفرج «3» الببغاء:
وموصّل كتابي هذا غنيّ عن شفاعتي له بما يمتّ من حرمات الرّغبة إليك، والوقوف دون كلّ مقصد عليك، وبما يشفع ذلك من التقدّم في الصّناعة، والتوصّل بوجيه الكفاية، وإنما زوّدته هذه الأحرف لأفتح له باب الأنسة، وأسهّل السّبل إلى التّعلّق بالخلّة، وأدلّ بها على ما تكشف منه المطاولة والخيرة، وأنت أيّدك الله وليّ التطوّل بالتقدّم في إيناسه وبسطه في الخدمة بما يستزيد له محمود الأثر فيها من حسن النظر وجميل الرأي.
(9/134)

وله في مثله:
وموصّل كتابي فيما يؤمّله منك ويبلغه بك متمسّك من رجائك بأوكد ذمّة، ومن شفاعتي بأوجب حرمة، ومهما متّ به بعد ذلك من ظهور كفاية أو تقدّم في صناعة كان غير ضائع عند رعايتك، ولا مجهول مع تيقّظ عنايتك، وأرجو أن يحلّ من تقبّلك، بحيث أحلّه حسن النظر بتطوّلك.
وله في مثله:
وفي علمك ما آخذ به نفسي، وأروض به أخلاقي، من الانقباض عن التّسرّع إلى مسألة، والاحتشام من الانبساط في حاجة، ما دلّك على موضع فلان ومكانه من إيثاري بواجبات حقوقه، وسالف مواتّه، ولذلك سمحت بالكتاب له إليك، وفارقت رسمي بالتثقيل في قضاء حقّه عليك، وقد قصد نحوك بأمله، واختارك لرجائه، وقدّر بك بلوغ البغية، واختصر بشفاعتي إلى تفضّلك السبيل إلى إدراك المحبّة «1» ، فإن رأيت أن تأتي في بابه ما يشبه فضلك، ويناسب وكيد ثقته بك، وأني أشركه في الشكر وأساهمه في الاعتداد، فعلت.
آخر (متقارب) :
رأيت المساكين قد أجمعوا ... على أنّك الوزر المعتمد
فأنت لطفلهم والد ... وأنت لشيخهم كالولد
السّلام العميم ورحمة الله وبركاته على من جعله الله للمساكين ظلّا يقيهم، وطلّا يسقيهم، ونعمة تعمّهم، ورحمة تضمّهم، أبو فلان، أبقاه الله في عزّة تالدة طارفة، وسعادة لا تزال طارقة بكلّ عارفة.
من أقامه الله مقامك أيّها الشيخ المبرور بالترفّق بالفقراء، والإحسان إلى
(9/135)

الضّعفاء، لم يعدم مريضا يقصده في الشّفاء، ولا يعدم فيضا يعتمده للاكتفاء، لا سيّما إذا توسّل وحده، وتشفّع بمن لا يضيع عمل عامل عنده، ومتحمّلها فلان قصّ الفقر جناحه، وأخنى عليه الدّهر واجتاحه، ولما رأى الفقراء ببرّكم مرتفقين، وعلى شكركم متّفقين، أمّكم حسن الظنّ بالمنّ، ولم يقدّم شفيعا دنيويّا، ولا طريقا واضحا سويّا، وأنتم أيّها الشيخ الموقّر تنزلونه منزلة سواه، ممّن ثوى مثواه، ونوى فيكم من الأجر والشّكر ما نواه، إن شاء الله تعالى، والسّلام الكريم العميم، يخصّ جنابكم ورحمة الله وبركاته (بسيط) :
فالله سبحانه يبقيك في دعة ... وحسن حال وتيسير وإقبال
مقدّم المجد في عزّ وفي كرم ... مؤمّل النّفع من جاه ومن مال
الشفاعات من كلام المتأخّرين:
الشيخ شهاب الدين محمود «1» الحلبي:
شفاعة في استخدام كاتب «2» درج:
جعل الله تعالى دوره رحبة العراص «3» ، وسعادته في الازدياد وأعاديه في الانتقاص، والدعاء لإحسانه مقرونا بصدق النيّة والإخلاص (طويل) :
(9/136)

وهذا دعاء لو سكتّ كفيته ... فإنّي سألت الله فيك وقد فعل
صدرت هذه الخدمة تستمطر سحاب كرمه، وهامي ديمه، وتسأل جميل شيمه، في معنى مملوك المولى وداعيه، والشاكر لأياديه، والملازم على رواية أخبار فضائله وبثّها، ونشر تفضّلاته ونثّها، فإنّه من بيت كريم النّجار، زائد الفخار، وله على مولانا حقّ خدمة، وهو يمتّ بسالف معرفة، ومحبّة المملوك له شديدة، والصّحبة بينهما قديمة وشقّة المودّة جديدة، ولولا ذلك ما ثقّل على خدمته، وتهجّم على المولى بمكاتبته، وقد توجّه إلى بابه العالي مهاجرا، وناداه لسان جوده فلبّاه وأجابه مبادرا، وغرضه أن يكون كاتبا بين يديه، ومملوكا تقع عين العناية عليه، وهو من الكرام الكاتبين، والراغبين في الانتظام في سلك خدمه والمؤثرين، وصفاته بالجميل موصوفة، وفصاحته معروفة، وقلمه الذي يقلم ظفر المهمّات ويكفّ كفّ الحدثان، ولسانه الذي يغني بشباته عن حدّ السّنان، ورأيه المقدّم في الهيجاء على شجاعة الشّجعان، فإذا أنعم المولى باستخدامه، وتحقيق مرامه، كان قد وضع الشيء في محلّه، وصنع المعروف مع أهله، وبيّض وجه المملوك وشفاعته، وصدّق الأمل في إحسانه ومروءته، ورأيه العالي، إن شاء الله تعالى.
وله شفاعة في استخدام جنديّ:
لا زال برّه مطلوبا، وجوده مخطوبا، وذكر إحسانه في الملإ الأعلى مكتوبا، ولا برحت رياض جوده أزهر وأنضر من روض الرّبا، ويده البيضاء ترقم له في سواد القلوب سطور حمد أحسن من نور تفتّحه الصّبا. هذه الخدمة صدرت على يد فلان تهدي إلى المولى سلام المملوك وتحيّته، ودعاءه الصالح الذي أخلص فيه نيّته، وتشفع إليه في تنزيله في الحلقة المنصورة واستخدامه، وترتيبه في سلك جيشه المؤيّد وانتظامه، فإنه من الأجناد الجياد، وذوي الجلد على الجلاد، وهو الغشمشم «1» الذي لا يردّ، والشّهم الذي لا يصدّ، والباسل
(9/137)

الذي لا تحصر بسالته بوصف ولا تحدّ، والنقيب الميمون الغرّة والنّقيبة، الموصوف في الهيجاء بحزم الكهول وجهل ذوي الشّبيبة، والمولى وإن كان بحمد الله غير محتاج إلى مساعد، ولا مفتقر إلى معاضد، فإنّ أسنّته لا تحتجب عن روج محتجب ونفسه الشريفة تقوم وحدها يوم الكفاح مقام عسكر لجب، وقلبه يغنيه عن الأطلاب والأبطال، وجيوش سطوته لا تكلّفه المقام في منازل النّزال، فإنّ المملوك يعلم أنّ نفسه الشريفة تهوى تزيّد عسكره وجنده، وترعى حرمة قاصده وقصده، فلهذا توسّل بشفع وتر الشّافعة، وتوصّل إلى إزالة ضرع حاله بكثرة الضّراعة، فإذا أنعم بقبول شفاعة المملوك فيه، وحقّق له من العناية ما يؤمّله ويرتجيه، كان قد شدّ للمشار إليه، ما أضعفته العطلة من منّته، وقلّد المملوك جميل منّته.
شفاعة في ردّ معزول إلى ولايته:
يقبّل اليد العالية لا زالت مقبّلة، ولإسداء الخير إلى أهله مؤهّلة، وبأياديها على الكافّة متفضّلة.
وينهي ملازمته على شكر مواهبه، ونشر فضائله الجسيمة ومناقبه، وحمده كريم شيمه، والاعتذار من تثقيله على خدمة المولى بخدمه وسؤال إنعامه بوجوه مكاتبته ولسان قلمه، وما ذاك إلّا لما يتحقّقه من كريم نجاره، وشدّة تطلّبه لإسداء العوارف وإيثاره، والموجب لهذه الوسيلة وسؤال مكارمه، واستمطار سحائب مراحمه، ما بلغه من عزل مملوك المولى وعبده، وواصف جميل أوصافه بلسان شكره وحمده فلان، أفاض الله عليه إحسان المولى وإنعامه، وخلّد لنا وله دولته وأيّامه، فإنه صاحب المملوك وصديقه، وشريكه في الدّعاء لمولانا ورفيقه، وهو من العدول الأمناء، والثّقات الاتقياء، وهو قليل الجدة كثير العيال، لا يجد حيلة إذا بطل بخلاف ما يحكى عن البطّال، وقد تشفّع بالمملوك ومكاتبته في ملاحظة المولى له بعين عنايته، والتقدّم بردّه إلى جهة ولايته، فلهذا كتب إليه وأكّد في معناه السّؤال وعلّق بتحصيل أمله الآمال، يعلم ذلك موفّقا.
(9/138)

شفاعة في خلاص مسجون:
فسّح الله في مدّته، وسهّل أداء ما يجب من شكر نعمته، وألزم الألسنة بحمده والقلوب بمحبّته، وجعله مفرّجا كلّ كرب، ومسهّلا من المقاصد كلّ صعب.
وبعد، فإنّ كافّة الأمّة قد تحقّقت رحمة قلب المولى ورأفته، وتيقّنت إحسانه ومروءته، وأنه يؤثر إعانة كلّ عان وإغاثة كلّ ملهوف، وأنه لا يمسك إلّا بالإحسان ولا يسرّح إلّا بالمعروف، بحيث سارت بحسن سيرته الرّكاب عوضا عن الرّكبان، ودرأت مكارمه «1» عن الأولياء نوب الزّمان، وعلا على حاتم فلو تشبّه بكرمه لقلنا له: (مرعى ولا كالسّعدان) «2» . وللمملوك من إحسانه أوفر نصيب، وهو يرفل من جوده في ثوب قشيب، وقد اشتهر ما يعامل به من الإكرام، وأنّ قسمه من العناية أوفر الأقسام، وكان يعدّ من جملة العبيد فأصبح مضافا إلى الألزام «3» ، وهذا مما يوجب على المملوك أن يبتهل إلى الله في تخليد دولته ويتضرّع، وعلى حلم مولانا إنه إذا شفع إليه في مذنب أن يشفّع، وهو يشفع إليه في مملوكه وعبده، والملازم على رفع رايات مجده وتلاوة آيات حمده، فلان، رزقه الله رضا الخواطر الشريفة، وأسبل عليه حلّة عفوه المنيفة على الحلل بظلالها الكثيفة، فإنه قد طالت مدّة حبسه، واعترف بأنه الجاني على نفسه، والمعترف بذنبه كمن لا أذنب، والمغترف من بحر جوده يروى دون أن يشرب،
(9/139)

والطالب لبرّه ينال سؤله والمطلب، فإن حسن في رأيه العالي زاده الله علاء وضاعف له سناء، المشي على منار جوده ومنهاجه، وبروز أمره المطاع بإطلاقه وإخراجه، اغتنم أجره، وجبر كسره، وربح في هذا الشهر المبارك دعاءه الصالح وشكره، وكان قد أنعم على المملوك بقبول شفاعته إليه، وفعل ما يوجب على كلّ مسلم الثناء عليه، والله الموفّق.
شفاعة بسبب خلاص حق:
يخدم المجلس «1» السامي لا فتيء بالتحيات مخدوما، وحبل سعده مبروما، ودرّ المدائح لجيد جوده منظوما، وعدله بين الأخصام قاضيا فما يترك ظالما ولا مظلوما. ولا زالت الآمال متعلّقه بهمّته، منوطة بسعيد عزمته، راجية خلاص كلّ حقّ ممن هو في جهته، وتوضّح لعلمه أنّ فلانا أدام الله سعادته، وخلّد سيادته، ذكر أنّ له دينا، في جهة غريم مماطل مدافع، وخصم ممانع، وقد جعل هذه الخدمة ذريعة إلى خلاص حقّه، وخالها إلى الوصول إلى عناية المولى أقرب طرقه، وهو جدير بالتقدّم بإحضار غريمه ومحاققته، وأخذ ما للمملوك في ذمّته، وأن لا يفسح له في تأخيره، ولا يسمح بقليل الصبر ولا كثيره، فإنه يعلم أنّ المولى المشار إليه واجب الخدمة، وافر الحرمة، وقد تعلّق أمله في خلاص حقّه بالمولى، ولا يجاوب عن هذه الخدمة بلو ولولا، بل يبذل جهده، ويطلق في تحصيل الغرض لسان الاجتهاد ويده، ويعتمد من الاهتمام ما يليق بأمثاله، ويبيّض وجه الشافع وسؤاله، موفّقا. شعر (طويل) :
ولو كان [لي] في حاجتي ألف شافع ... لما كان فيهم مثل جودك شافع
شفاعة فيمن اسمه سراج الدّين إلى من اسمه جمال الدين:
الشيخ جمال الدين «2» بن نباتة:
(9/140)

وينهي بعد؟؟؟ ولا ويحكم على القلوب شافع جماله، وثناء يجرّ على أكمام الزّهر فضل أذياله، أنّ العلوم الكريمة محيطة بإيجاب حق من هاجر إلى بابها، وشكا غلّة الفاقة إلى منهل منهلّ سحابها، وأنّ الماثل بهذه الخدمة، فلان، ذكر احتياجه إلى عاطفة من عواطف مولانا الّتي شملت، وعارفة من عوارفة الّتي لو استمدّت من غررها الليالي لما أظلمت ولا ظلمت، وأنّ بيده وظيفة شهادة بيت لحم بتواقيع شريفة نظرت في حاله، ونشرت حال عياله وأطفاله، وأنّ ثمّ من ينازعه في جهته المعتادة، ويقصد نزعه والنّزع عن «1» تلك الشهادة المسطّرة أخفّ من نزع الشّهادة، ومولانا أولى من رحم منه ضعفا، واشتمل عليه عطفا، ودارك بكرمه هذا السّراج قبل أن يطفى، ورعى سيرة مباشرته الحسنة الآثار، واغتنم أدعيته وأدعيته أولاده الذين هم كقطع الشّطرنج صغار وكبار، وكفّ يد التعرّض إليه في أيام عدله فإنها أيام لا ضرر فيها ولا ضرار، وعلى الجملة فقد تركته الأيّام قطعة لحم، فمباشرة بيت لحم أولى به، ورجاله فرجانية وأخواتها أحقّ أن يتعلّق سببها بأسبابه، والله تعالى ينير بمنن مولانا أحوال المضرورين فإنّها ظلام، وينصرهم على حرب الأيّام بسيوفه الّتي هي أقلام، ويمتّع بأيّام عدله وإحسانه الّتي تتنافس فيها أعمار الرعايا فإنهم يتبعون أيّاما بأعوام.
وله إلى شخص اسمه شمس الدين:
وينهي بعد قيام بوظائف ثناء يتمسّك بنفحاته [المتوالية] ، وولاء يتمسّك بحباله المتينة وما كلّ شمس حبالها واهية، أنه يرتاد الأوقات لخطاب مولانا بالأقلام، حيث حبس البعد خطاب الكلام، ويتخيّر حملة رسائل الشّوق، وإن أضعف عطف النّسيم رسائل السّلام، ولما حضر من مكان كذا، عارض هذه الخدمة فلان، وذكر توجّهه إلى حمى حماة المحروسة، وقصد كتابا يكون في وحشة الاغتراب أنيسه، فوافق ذلك غرض المملوك، وسلك طريق مراده ولا
(9/141)

ينكر من جهة هذا الرجل الصالح السّلوك، فأعلمته أنّ المكارم الحمادية لا تحتاج غير الحمد والأجر شافعا إليها، والمنازل الشمسيّة لا تفتقر إلى دليل ينبّه عليها، وطالما جمعت لقاصدها الفعل والقول السخي، وطالما قال يوسف رحمه الله، أخو مولانا أبقاه الله للقاصد: أنا يوسف وهذا أخي، ولكن المملوك يذكّر الخاطر الكريم بهذا القادم فإنه من أهله، ويلقاه قبل ذلك بالبشر المنشد (طويل) :
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله
فإنّه من أصحاب وليّ لله طالما فاض وليّ معروفه، واستفاضت نسبته المرشديّة فكان وليّا مرشدا قامت صفته مقام موصوفه، وإنّ آثار هذه البركات على هذا القادم لائحة، وإن على يده تجارة ذكر وأجر وهي في سوق همم مولانا تجارة رابحة، والله تعالى يجعل له في كلّ ثناء وثواب نصيبا ويديم قلمه الكريم مقصد رفد وجاه (فطورا رشاء وطورا قليبا) .
وله: عن نائب الشام إلى نائب حماة شفاعة في شخص اسمه شهاب الدين، وهو بعد الألقاب:
لا زالت الأقدار تسعده، والملائكة تنجده، ومواطن النصر تجرّد حدّ بأسه ومواطن الحلم تغمده، والجناة تلوذ بظلّه، فأيّ جاني ذنب ما يعفو عنه، وأيّ جاني برّ ما يرقّ عليه ويرفده، تقبيلا يترادف مدده، ولا تنتهي في القرب والبعد مدده.
وينهي بعد ولاء وثناء: هذا لا يبلى جديده وهذا لا تخفى جدده، وشوق وارتياح كلاهما يروى عن ابن شهاب توقّده، ويحمل على يد شهاب سنده، أنّ العلوم الكريمة محيطة بمقدار الحلم وفضله، والعفو ومحلّه، والتجاوز عن هفوات المخطئين من القوم، وطلب العفو من الله غدا بالعفو عن عباده اليوم،
(9/142)

قال الله تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
«1» . ولمّا سمع الصدّيق رضي الله عنه هذه الآية، قال: (بلى والله إنّي لأحبّ أن يغفر الله لي) ثم عفا عمن نزلت بسببه، ومملوك مولانا أعزّ الله أنصاره فلان، قد اعترف بهفوة بدت منه، وزلّة نقلت عنه، ما يسعها إلّا عفو مولانا ومراحمه، وقدم على المملوك فكأنّه ما خرج عن ظلّ مولانا ولا فارقته معالمه، وسأل سؤال مولانا أن يشمله بالعفو، ويتجاوز له عن السّهو، ويرحم كبر سنّه وكبيرة جهله، ويرعى قدم هجرته لخدمة هذا الباب الذي نشأ عمرا طويلا في ظلّه، أهلا لأن تشمله عواطف أهله، وهو- كما عرف المملوك واطّلع عليه حيث كان في نيابة حماة- مشكور السّيرة بالاعتبار، ناهض الخدمة بالاختبار، ملازم لثرى الباب بعزم ما عليه غبار، وله على المملوك بالأمس حقّ خدمة وباليوم حقّ سؤال يشفع بهما في القلوب وهي كبار، والمسؤول من صدقات مولانا تجاوزه عن هفوته، وردّه إلى أمنه ووظيفته، وإجراؤه على عادة إقطاعه، وحاشاه في أيّام مولانا أن يقطع، بل حاشى المذكور أن لا يستخبر وأن لا يقطع، واستقراره في مكان خدمته، وإجابة سؤال المملوك في كل ما يتعلق بنجاح هجرته وعزمته، لا برح مولانا مأمول المنن الغائبة والحاضرة، والمقيمة والسائرة، مأهول الخواطر برفع ذكره وقدره في الدنيا والآخرة.
الشيخ جمال الدين بن نباتة:
لا زالت المحامد بذكرها متوّجة، ومقدّمات الفضل والفضائل من تلقاء شيمها منتجة، ومطالع الكرم والإكرام هادية إلى حرمها من اتّجه، تقبيل مواظب على الدعاء يرفعه، والولاء يجمعه، والثناء يقول بضّاع أرجه لا مما نضيّعه بل مما نضوّعه، [وينهي] أن عارض هذه الخدمة على عارض كرم مولانا الممطر، وبابه الذي هو لكبد الحاسد وفم الوارد مفطّر، فلان، لقضاء تعلّقات
(9/143)

له أوّلها التعلّق بحبل رجائه المحصد، وانتمائه المرصد، والتجمّل بقصد باب مولانا الذي هو المهمّ المقدّم على كل مقصد، وهو من الفضلاء الذين يعرفهم انتقاد مولانا معرفة الخبير، وله اتصال بالأكابر الذين سلّم منهم زمام المفاخر كلّ كبير، وقصد من المملوك هذه الخدمة لمولانا تؤنس اغترابه، وتنشد المقرّ الذي ما قرع سنّ الندامة من قرع بابه (خفيف) :
يا غريب الصّفات، حقّ لمن كان ... غريبا أن يرحم الغرباء
والمملوك يسأل من إحسان مولانا ملاحظة المذكور بعين عنايته الّتي ما أغفت عن القاصدين ولا غفلت، وعواطفه الّتي طالما فتحت أبوابها فأثنت عليها الركائب الّتي قفلت؛ والله تعالى يديم تقليد الأعناق بكلمه وبرّه، ويمتّع الممالك الساحليّة بما قذف لها من درر بحره.
النوع الخامس (التشوّق)
قال في «موادّ «1» البيان» : وينبغي للكاتب أن يجمع لها فكره، ويظهر فيها صناعته، ويأخذ في نظمها مأخذا من اللّطافة والرّقّة يدلّ على تمازج الأرواح، وأتلاف القلوب، وما يجري هذا المجرى، وأن يستخدم لها أعذب لفظ وألطف معنى، ويذهب فيها مذهب الإيجاز والاختصار، ويعدل عن سبل الإطناب والإكثار، لئلا يستغرق جزءا كبيرا من الكتاب فيملّ ويضجر، وينتظم في سلك الملق والتكلّف اللذين لا يعتادهما المتصافون من الأصدقاء.
وهذه نسخ من ذلك:
أبو الفرج «2» الببغاء:
(9/144)

شوق المملوك إلى مولانا بحسب مكانه من تفضّله، وحظّه من جميل نظره، واختصاصه بإنعامه، واغتباطه بشرف خدمته، ومكانه من إيثاره، والله يجمع للمملوك شمل السعادة بمشاهدة حضرته، و؟؟؟ «1» من الدّهر بالنظر إلى غرّته، على الحال السارّة فيه وبه.
وله: شوق المملوك إليه شوق الظّمآن إلى القطر، والسّاري إلى غرّة الفجر.
وله: شوقي إليه شوق من لم يجد مع بعده عوضا عنه، فتقوده الزيادة إلى الانصراف بالرّغبة عنه.
وله: شوقي إليه شوق من فقد بالكره سكنه، وفارق بالضّرورة وطنه.
وله: لو كان ما يصدره من خطاب، ويناجيه به من متضمّن كتاب، بقدر ما أعانيه من ألم الشوق إلى غرّته، ومضض الفائت من مشاهدته، لما أحاطت بذكره بسطة لسان، ولا ناب في إثباته استخدام بنان.
وله: أمّا الدهر فما يستحقّ من إبعاد المملوك عنه عتبا، ولا يعدّ ما جناه من ذلك ذنبا، إذ كان إنما نقل من حشمة المخاطبه، إلى انبساط المكاتبة.
وله: وقدره- أبقاه الله تعالى- يرتفع عن ذكر الشّوق إليه، فالمملوك يعبّر عنه بذكر الشوق إلى ما فارقه من تفضّله، وبعد عنه من أوطان تطوّله.
وله: ولولا أنّ المملوك يخمد نار الاشتياق، ويبرّد أوار الفراق، بالتخيّل الممثّل لمن نأت محلّته، والتفكّر المصوّر لمن بعدت شقّته، لألهبت أنفاسه، وأسعرت حواسّه، وهمت دموعه، وأنقضت ضلوعه، والله المحمود على ما وفّق له من تمازج الأرواح، عند تباين الأشباح.
وله: ولا بدّ أن يكفّ بالمكاتبات، من غرب الاشتياق، ويستعين بأنس
(9/145)

المراسلات، على وحشة الفراق، فإنها ألسن ناطقة، وعيون على البعد رامقة.
وله: عند المملوك لمولانا خيال مقيم، لا يبرح ولا يريم، يجلو عليه صورته، ويطلع على عين فكرته طلعته، إن سهر المملوك سامر معينا على السّهاد، أو رقد تصوّر معذبا طعم الرّقاد، لا يمطله بزيارته، ولا يوحشه بغيبته، كأنما تصوّر بصورته في الوفاء، وتخلّق بخلقه في المحافظة على الإخاء.
وله: إن تزايلت الأشباح، فقد تواصلت الأرواح، وإن نزحت الأشخاص وبعدت، فقد دنت الأنفس وتقاربت، فلا تمضّ الفرقة وتؤلم، وتنغّص النّوى وتكلم، وقد ينال بتناجي الضّمائر، وتحاور السّرائر، ما لا تصل إليه الإشارة، ولا تدلّ عليه العبارة، إذ الأنفس البسيطة أرقّ مسرى، وأبعد من الألسنة مرمى.
التشوّق من كلام المتأخرين:
نسخة كتاب من ذلك، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، وهو بعد الصدر:
لا زال الدّهر يقضي خدمه، ويمضي رأيه وسيفه وقلمه، ويرضي الدّول الشاكرة تقديمه فيها وقدمه، ولا برحت الأقدار المعربة تجزم أمره وتكسر ضدّه وترفع علمه، تقبيلا إذا لثم التّرب التثمه، وإذا أودع القلب في ذلك التّرب ختمه.
وينهي مواظبته على ولاء لا ينسخ البعد محكمه، ودعاء يقابل النّجوم ولا تنقطع من القبول إدراراته المنجّمة.
وينهي أنه سطّرها عن شوق يعزّ عليه أن ينوب فيه سعي القلم، عن سعي القدم، وارتياح إلى القرب الذي بأنسه يؤنسه أنوارا على أعلى علم، وتطلّع لمعاودة الأخبار أوفى من تطلّع العامريّ إلى معاودة أيّام ذي سلّم، وتعلّل بقول القائل (وافر) .
بعثت لكم سوادا في بياض ... لأنظركم بشيء مثل عيني
وهيهات! أين نظرات الحروف المرقومة من نظرات العيون الرامقة، وأين
(9/146)

منال السّلوّ من شجو يقول (بسيط) :
أعيذها نظرات منك صادقة.
ما يحسب المملوك من النظر إلّا ما يملأ العين من ذلك الوجه الكريم، ولا يلبس من خلع الأيّام إلّا ما تخيط الأهداب على شبا ذلك القرب الرّقيم، وعلى ذلك فقد جهّزها المملوك على يد فلان، وحمّله من رسائل الشّوق ما يرجو أن ينهض فيه بأعباء الرّساله، ويسأل الإصغاء والملاحظة فيما توجّه فيه وإن أدّت الأمالي إلى الملالة، والله تعالى المسؤول أن يبلّغ في امتدادها مولانا الأمنيّة، ويمتّع الدّول منه بهذه البقيّة النقيّة، إن شاء الله تعالى.
نسخة كتاب في المعنى عن نائب الشام، إلى القاضي «1» علاء الدين بن فضل الله، كاتب «2» السّرّ بالأبواب السلطانية، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة أيضا، وهو بعد الألقاب:
لا زال قلمها مفتاح الرّزق لطالبه، والجاه لكاسبه، والظّفر لمستنيب كتبها عن كتائبه، والنّجح لرائد مطالبة الدّهر بعد المطال به، ولا برح البأس والكرم يتحدّثان عن بحرها ولا حرج عن عجائبه، تقبيلا تغبطه في مرابعها، ثغور الأزاهر، لا بل تحسده في مطالعها، ثغور الزّواهر.
وينهي بعد دعاء أحسنت فيه الألسنة وأخلصت الضّمائر، وولاء وثناء لهما مصاعد النّجمين إلّا أنّ هذا في القلوب واقع وهذا في الآفاق طائر- أنه جهّز هذه الخدمة معربة عن شوق يتجدّد، وارتياح لا يتعدّى ولا يتعدّد، ساعية عنه بخطوات الأقلام، أن منع الوقت خطوات الأقدام، نائبة في تقبيل الأنامل الّتي تستسقى ديمها على القرب والبعد ولا كيد ولا كرامة للغمام، وجهّزها على يد فلان بعد أن حمّله من رسائل الشوق ما إنّ حملنا من إحسانه لينضي عقود الأنجم لو تعدّدت، ومفاتيح أبوابه لتنوء بالعصبة أولي القوّة لو تجسّدت، وهو بين
(9/147)

يديه يقدّم نجواها، ويستشهد بالخاطر الكريم قبل حضور دعواها، والمسؤول إصغاء السّمع الكريم إليه، والملاحظة فيما توجّه فيه متّكلا على الله وعليه، وإذا عاد مشمولا بعناية مولانا المعهودة، مكفولا برعايته المقصورة على نجح الآمال الممدودة، فلينعم على المملوك من المشرّفات الكريمة بما يسكّن على جور البعد خواطره الدّهشة، ويعينه على الوحشة الّتي حرّكها نحوه البعاد فهي الوحشة، والله تعالى يشكر همم مولانا غائبا وحاضرا، وشافعا لرسائل خدمه وناظرا، ويخصّ بابه العلويّ بسلام كسلام سقيط الطّل عن ورق الغصن ناضرا.
آخر من كلامه: كتب به إلى بعض رؤساء مصر.
وينهي أنه سطّرها معربة عن شوق مقيم، وعهد لا يبرح على صراطه المستقيم، وآرتياح لجنابه، أو لكتابه، ليتلو لإنصات شجوه: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ
«1» ، متطلّعا لما يرد من أخبار مولانا السارّة البارّة، مرتقبا لأنبائه ارتقاب الزّهيرة الفاغرة إلى ضرع الغمام الدّارّة، ولو أنّ كلّ ما يتمنى المرء يدركه، وكلّ ما يقترح على الدّهر يملكه، لغني بقرب المخاطبة، عن بعد المكاتبة، واستجلى كوكب الجمال المشرق وأقصر في ليالي الانتظار عن المراقبة. وقد جهّزها على يد فلان، وحمّله من رسائل الشوق أوفى وأوفر من رسائل الصّفا، وسأل الإصغاء والملاحظة من مولى كجاره النيل معروف المنافع والوفا، ولآمال المملوك بمشرّفاته وأوامره جمال حين يريح وحين يسرح، وحين يقتصر على مقترحات الأيام حين يشرح، فينعم مولانا بمواصلتها على هذه المقدّمة، ويجعل ذلك من إدرارات صلاته المنجّمة، والله تعالى لا يعدم المملوك في حال كرمه، إما أن يفيض في القرب بحره وإما أن يبعث على البعد ديمه.
وله إلى كاتب السر:
(9/148)

أعلى الله أمر قلمها على الأقلام، وأدام بفيض أنامله عليه بسط كلمة الإسلام، وراع بكتائب كتبه العدا إذا انتبهوا، فإذا أغفوا «سلّت عليهم سيوفها الأحلام» .
ولا زالت تلك الأقلام العالية في تلك اليد الكريمة إن لم تكن من المنشئات، فإنها من المنشآت في البحر كالأعلام، تقبيل مواظب على دعاء يطلع طلوع طرّة الصبح تحت ذلك الظلام، وولاء إذا اعتبر الخاطر مسعاه وخدمته، قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ
«1» .
وينهي أنه جهّز هذه الخدمة مقصورة على وصف الأشواق الممدودة، وجوانح الشّجو المعهودة، وأنفاس التذكّر الّتي لولا شرف مذكورها لم تكن عنده من الأنفاس المعدودة، فيالها مقصورة على شوق ما فيها غير طيور الجوانح خفّاقة الجناح، سبّاقة الارتياح، ويا لها أنفاس ذكر أغنت منادمتها عن كيس كأس واقتراح وقت راح، ويا لها ورقة فازت بمشافهة لثم اليد الشريفة فكرمت وصفا، ونأت عن فخار الروض عطفا، واستطابت بشفاه السّطور على تلك البنان رشفا (طويل) .
وسطّرتها والجسم أنحل ما يرى ... فيا ليتني أصبحت في طيّها حرفا
واصلة إلى الباب الكريم بسلام وصل عبقه قبل ما وصلت، واردة على يد فلان وقد حمل من رسائل الصّفاء والودّ مثل ما حملت، وحصلت على القرب، ويا أسفى على ما حصل وحصلت. والمملوك يسأل الإصغاء إليها وإليه بفضل النظر والسّمع، والإنعام على المحبّ المفارق بمشرّفات تجلو عليه أيام جمع، وتعينه على أوقات وحشة إذا وصفها المشتاقون وأقلامهم ولّوا وأعينهم تفيض من الدّمع، لا برح ذكر مولانا عليّا، وبرّه بملء الآمال مليّا، ووصفه بالتّقى وسحاب الجود على الحالين وليّا (سريع) .
(9/149)

يا منية النّفس ويا مالكي ... مذغبت عنّي لم تنم مقلتي.
إن بنت عن عيني برغمي فقد ... سكنت في قلبي وفي مهجتي
لا أوحش الله من طلعته، ولا أخلى من كريم مساعدته، وجمع شمل الأنس بخدمته.
المملوك يشكو من المولى فراقا أوجب له على نفسه فرقا «1» وجيش صدود منحه من العزائم طوائف وفرقا، وداء صبابة كلّما ترجّى الإفراق «2» منه ازداد تلهّبا وحرقا، ووجوب قلب تحتّم لغيبته ووجب، ودمع عين يمحو مهما عبّر عنه لسان قلمه أو كتب، وقد أطال الهجر تألّمه وعتبه، وأطار سنته ولبّه، مذ وصل المولى غيره وقطع عنه كتبه، والمولى يعلم أنّ المملوك لفظ والمولى معناه، وسعده شخص وأنت وجهه الميمون ويمناه، فيواتر إرسال مكاتباته، ويتحف بمأثوره ولباناته، ويعطّر بذكره الجميل الأماكن ويشنّف المسامع، كما شرّف بحلوله فيها الأضالع، والله يديمه ويمدّه بالإسعاف والإسعاد، وينصره على الأضداد والحسّاد (وافر) .
أقاسي من بعادك ما أقاسي ... وقلبك راحم وعليّ قاسي
وأحمل من نواك بضعف نفس ... عناء يعجز الشّمّ الرّواسي
وتبعدني وأمرك إن أتاني ... جعلت محلّه عيني وراسي
قرّب الله أوبته، وعجّل رؤيته، وحرس نفسه من الغير والحادثات، وصان حجابه المنيع عن الملمّات المؤلمات، وجمّل الأيام بوجوده، والأنام بجوده، ولا زالت الدنيا به مجمّلة، وأعناق أبنائها لمننه متحمّلة.
(9/150)

صدرت هذه الخدمة إلى خدمته متضمّنة إهداء سلامه، وشاكية لغيبته جور أيّامه، ومنهية شدّة أشواقه الّتي أفنت بالصّبابة قلبه، وأذهبت حشاشته ولبّه، وهي في ذلك نائبة مناب سائر الخدم، ومعبّرة عن ألسنة الأقاليم بلسان القلم، فإنّ الأعين متطلّعة إلى رؤيته، والقلوب متعطّشة إلى قفوله ورجعته، كما تتطلّع إلى السماء عيون النّرجس، وتتعطّش الرّياض إلى الوابل الغدق بعد اليوم المحرّ المشمس، فالمولى يجعل مواصلته بأخباره فرضا لازما، ويمتنع من إغفاله كما يمتنع من لذّة الطعام إذا كان صائما، فإنّ المولى هو صورة الجود ومعناه، وبيته الكريم فناء الخير ومغناه، والناس ما لم يروك أشباه؛ حرسه الله وتولّاه، وضاعف علاه، والسّلام. (رجز) .
يا أجمل الناس سناء وسنا ... جفت جفوني لجفاك الوسنا
ثمار آلام، إلام أجتني؟ ... يا ليتني أعلم حظّي ما جنا
وأنتم يا أهل بان لعلع ... مذ بنتم لم أر شيئا حسنا
أقمتم بمنحنى أضالعي ... وسرتم يا أهل وادي المنحنا
في بعدكم منيّتي لا تبعدوا ... وقربكم غاية سؤلي والمنا
خلّد الله سعادته، وبلّغه من العلياء إرادته، وأثّل مجده، وأدام سعده، وأعذب منهله وورده.
المملوك يتشوّق إلى لقائه، ويتشوّف إلى أنبائه، ويصف شديد أشواقه وصبابته، وحنينه إلى مشاهدة المولى ومشافهته، وما يجده لذلك من ألم في جوارحه الجريحة، وسقم في جوانحه الصحيحة، ويلتمس مواصلته بكتبه آناء الليل وأطراف النهار، وأخباره السارّة ليتضاعف له مزيد الاستبشار، فإنّ القلب بنار الصّبابة قد وقد، وأما صبره على [بعده] فقد فقد، ومتى ورد كتاب المولى شفي الغليل، وأبلّ «1» العليل، ونجع طعم الحياة ونجح التأميل، فليصيّر وتر
(9/151)

مكاتباته شفعا، ولا يجعل لوصلهنّ قطعا، والله يمنح عيشه خفضا ومكانه رفعا، والسّلام.
شعر في معنى التشوّق (بسيط)
قد كان لي شرف يصفو برؤيتكم ... فكدّرته يد الأيّام حين صفا
غيره (طويل) .
كتبت «1» للكتاب مجلّد ... على أنّه قبلي بلقياك يسعد
النوع السادس (في الاستزارة)
قال في «موادّ «2» البيان» : رقاع الاستزارة إنما تشتمل على وصف حالات «3» الأنس ومجالس اللّذّات، ومشاهد المسرّات. قال: ويجب على الكاتب أن يودعها حلو الألفاظ، ومؤنق المعاني وبارع التشبيهات، ويبالغ في تشويق المستزار إلى الحضور، ويتلطّف فيه أحسن تلطّف.
وهذه نسخ من ذلك:
علي بن خلف:
رقعتي- أطال الله بقاء سيدي- ومجلسي بمن حلّه من خدمه، ونزله من صنائع كرمه، فلك مزيّن بأنجمه، فإن رأى أن يطلع فيه بدرا بطلوعه وينقل قدمه إليهم، ويكمّل نقصهم بتمامه، ويضيف ذلك إلى تليد إنعامه، فعل، إن شاء الله تعالى.
(9/152)

وله في مثله:
قد انتظم لنا- أطال الله بقاء سيدي- مجلس رقّت حواشيه، وتبسّمت راحه عن حبب، كلأليء على ذهب، وقامت فيه سوق السّرور، لا يكسدها إلا تخلّفه عن الحضور، فإن رأى أن يكمّل جذلنا بإطلاع طلعته علينا، ويصدّق ظنّنا بنقل قدمه إلينا، سرّ وأبهج، وتمّم من الإحسان ما أخدج، إن شاء الله تعالى.
وله: هذا- أطال الله بقاء مولانا- يوم صفيق الظّلّ، رقيق غلالة الطّلّ، قد ترفّعت شمسه ببرج أنسه «1» ، وافترّ جذلا عن مضاحك برقه، وترنّم طربا بزمجرة رعده، ووشت مدارج نسيمه، بأرج شميمه، وقام على منابر السّرور يخطب ابنة الكرم لابناء الكرام، وينادي بأعلى صوته: حيّ على المدام، فقد وجب على كلّ موفّق لاجتناء ثمار السّرور، والتحاف عطاف الحبور، أن يلبّي دعوته، وينتهز فرصته، ويعوّضه من شمسه الآفلة، براح لإظهار ما اختفى من شعاعها كافلة، ويقفه على التّملّي بالكاس والنّدمان، ويجعله سلكا ينتظم فيه الإخوان. ورقعتي هذه صادرة إلى مولاي وقد تهيّأ لنا مجلس من مجالس الأنس، يبسط تجعّد النفس، فيه بغم «2» ونغم، ومزهر وزهر، وخلّان قد تراضعوا لبان العقار، وتساهموا نقل «3» الوقار، وشجعوا في معارك الخمّار، وأدمنوا على المماساة والابتكار، إلّا أنّ هذا المجلس مع تمامه مخدج، وعلى كماله مختلج، لبعد مولاي الحالّ منه محلّ الواسطة من النّظام، والأرواح من الأجسام، فإن رأى أن يكمّل منه ما نقص، ويميط عنه [ما نغّص] فليجمّلنا بالمصير إلينا، والطّلوع
(9/153)

علينا، وإعفائنا من إضجار الانتظار، معتدّا بذلك في كريم الأيادي والمبارّ، إن شاء الله تعالى.
وله في مثله:
هذا اليوم- أطال الله سيدي- يوم أعرس فيه الجوّ بالجارية البيضاء فخدّرها، وحجبها بسجف «1» الغمام وستّرها، واختال اختيال المعرّس في معرّسه، بمصندله وممسّكه ومورّسه، واتّخذ من ذهب البوارق نثارا، واستنطق من زنّار الرّواعد أوتارا، ودعا إلى حضور وليمته، والسّرور بمسرّته، فإن رأى أن يلبّي طلب «2» هذا اليوم الصّفيق، ويتمتّع بعيشه الرافغ «3» الرّفيق، فليطلع علينا طلعته الّتي تبهر القمر المزهر، وتصدع الليل المعتكر، لينهض غرّة الإصباح، بغرّة الراح، ويقطف ثمار الأنس والمحاضرة، ويتملّى بالسّماع والمذاكرة، ويأخذ بحظّ من لذاذة الفيخة الشبيهة بشمائله، ويعدّ ذلك من مبارّه وفواضله، [فعل] إن شاء الله تعالى.
وله في الاستزارة في بستان:
كتبت- أطال الله بقاء سيّدي- وقد غدوت في هذا اليوم [إلى] بستاني والطّير في الأوكار، والأنداء «4» تهبط كالتّيّار، والليل مشتمل على الصّباح اشتمال الأدهم على الأوضاح، عازما على مشارفته ومشارفة ما استمددت من عمارته، لا للخلوة فيه بمعاطاة المدام، ومؤانسة النّدام، فحين سرّحت الطّرف في ميادينه وجداوله، وأقبلت على تصفّح حلاه وحلله، رأيت مناظره تعتلق القلوب اعتلاق الأشراك؛ وتعتاق المستوفز عن الحراك، وتقيم قاعد المزاج والنّشاط، وتوقظ هاجد الفرح والانبساط؛ فمن أشجار كالأوانس، في ريحانيّ الملابس، حالية من موشّع الزهر والثمر، بأنصع من الياقوت والجوهر، كأنما تحفّلت لاجتلاء
(9/154)

عروس، أو معاطاة كؤوس، ما بين نخيل قد نشرت عذب السّندس على ذراها، وأطلعت طلعا كالخناجر غشيها صداها، ونارنج يحمل أكبر العقيان، أو وجنات القيان، وأترجّ «1» قد استعار ثمرة أشواق العشّاق، إذا صالت عليهم يد الفراق. ومن ريضان «2» زاهية بنشرها، وقضبها مختالة في ملابس زهرها، ونرجسها كعين محبّ حدّق إلى الحبيب، وثنى جيده خوف الرّقيب، إذا عبث به النّسيم جمع بين كلّ قضيب وإلفه، وسعى بالاعتناق من شوقه وكلفه، ووردها كمداهن ياقوت فيها نضار، وشقيقها كمدامات عقيق فيها صوار «3» ، وبنفسجها فخذ تمضي فيه من القرص آثار، أو جام لجين عليه من النّدى نثار. ومن أنهار قدّت حافاتها قدّ الأديم، وحدّت على صراط مستقيم، بجرة مسجورة، كالسّيوف المشهورة أو المهارق المنشورة، إذا خمشها الهوى خلع عليها متون المبارد، أو سلوخ الأساود، يتخرّق ذلك كلّه نسيم رقيق الغلائل، حلو الشمائل، يسعى بالنّميم، في المعاطس والشّميم، انصبّت إلى مجلس فسيح البناء، ضيّق الأقناء، موشّى الجدران والسّماء، في صدره شاذروان «4» يرمي بكسر البلّور، وفي وسطه نهر ينساب ماؤه انسياب الشّجاع المذعور، وتتوسّطه بركة منمنمة ينصبّ الماء إليها بالدّوالي إلى أربع شاذروانات، ويخرج عنها من أربع فطيمات، يحتفّها كلّ شجر مثمر، وروض مزهر، فقلت: هذا المراد الذي
(9/155)

يحطّ به الرائد رحله، ويوفد إليه أهله، ويدعو إلى اختيار من يهبّ إلى السّرور، ويساعد على الحضور، للمشاركة في التملّي ببهجته، والتمتّع بنضرته، فكان مولاي أوّل من جرى إليه ذكري، ووقع عليه طرف فكري؛ لأنه الساكن في فؤادي، الحالّ في محلّ رقادي، فإن رأى أراه الله ما يقرّ العين أن يكمّل مسرّتي بنقل قدمه إليّ، وإطلاع سعد طلعته عليّ، ليتمّم محاسن ما وصفته، ويكمل الالتذاذ بما شرحته، فعل، إن شاء الله تعالى.
أجوبة رقاع الاستزارة قال في «موادّ البيان» : لا يخلو المستزار من الإجابة إلى الحضور أو التثاقل عنه فإن حضر على الفور، فلا جواب لما نفذ إليه، وإن وعد الحضور وتلوّم ليقضي شغلا ويحضر، فينبغي أن يبني الجواب على سروره بما دعي إليه، وحسن موقعه منه، وأنّ تلوّمه للعائق الذي قطعه عن أن يكون جوابا عما ورد عليه، وأن حضوره يشفع رقعته. وإن أيس من الحضور، وجب أن يبنى الجواب على ما يمهّد عذره، ويقرّر في نفس مستزيره أنه لم يتأخّر عن المساعدة على الأنس إلّا لقواطع صدّت عنه، يعلم المعتذر إليه صحّتها لينحرس ما بينهما من المودّة، فإنّ كثيرا ما تتفاسد الخلّان من مثل هذه الأحوال.
النوع السابع (في اختطاب المودّة وافتتاح المكاتبة)
قال في «موادّ البيان» : الرّقاع الدائرة بين الإخوان في اختطاب المعاشرة، وانتماء المكاثرة، وطلب الخلطة والمؤانسة، يجب أن يقدّر الخطاب فيها على أن يصل المرغوب في عشرته إلى الانخراط في سلك أحبّائه، والانحياز إلى أهل ولائه، ويبعث على قصده، في الالتحاق بودّه، ويدلّ على المماحصة، والصّفاء والمخالصة، وما جرى هذا المجرى مما يتعامل به أخلّاء الصّدق، ويجعلونه مهرا لما يلتمسونه من الممازجة، ويرومونه من الاختلاط والمواشجة.
قال: وينبغي أن يذهب الكاتب في هذه الرّقاع مذهبا لطيفا، ويحسن
(9/156)

التوصّل إلى الإفصاح عن أغراضها، ليأخذ بمجامع القلوب، ويعين على نيل المطلوب.
وهذه نسخ من ذلك:
رقعة: وينهي أنّ المملوك لم يزل مذ وقع طرفه على صورته، وولج سمعه بعد شيمته، يناجي نفسه بافتتاح مكاتبته ومراسلته، واختطاب ممازجته ومواصلته، رغبة في الاعتقاد بإخائه، والارتشاف من مشارع صفائه، والمقادير تطوي الطّويّة على ما فيها، والعوائق تمطل النيّة بنجاز ما تنويه وتلويها، إلى أن أذن الله تعالى بإعراض الأعراض، وانقباض أسباب الانقباض، فأظهر المملوك ما في القوّة، واثقا من مولانا بحسن المروّة، وأنه يوجب القبول بإجابته، ويجيب إلى مساعدته، ويرضى المملوك أهلا لاصطفائه، ومحلّا لإخائه، عالما بإيجابه للحقّ، والمعرفة بالسّبق، وأن تلقى هذه الرغبة بالقبول، ويسلّم إليها مفتاح المأمول.
رقعة: لو كانت المودّة لا تحصل إلّا عن ألفة تالدة، ومواصلة سالفة، لم يستطرف المرء صفيّا، ولم يستحدث وليّا. وما زال البعداء يتقاربون، والمتناكرون يتعارفون. ولمّا نمي إلى المملوك من أنباء مولانا ما تضوّع عطره، وطاب نشره، سافر بالأمل إليه، وقدم بالرّغبة عليه، طالبا الانخراط في سلك أوليائه، والاختلاط بخاصّته وخلصائه، ومثل مولانا من أجاب السّول، وصدّق المأمول، والمملوك يرجو أن تكشف الأيام لمولانا منه عن خلّة صادقة، ومودّة صحيحة، لا تضيع معها إجابته، ولا تخسر صفقته.
رقعة: وينهي أنّ المملوك ما زال مذ وقع طرفه على صورته البدريّة، وأحاط علما بخلائقه المرضيّة، راغبا في مواشجته، باعثا نفسه على اختطاب مودّته، وإكباره يقعده، وإعظامه يبعده، فلما تطاول يراع همّته، شجعت على إنفاذ عزمته، فقدّم مكاتبته أمام مشافهته، فإن حظي بالإجابة وتنويل الطّلبة، فقد فاز قدحه، وتبلّج صبحه، ونال مناه، وبلغ رضاه، وصادف هناه، وديدا موثوقا
(9/157)

بودّه، مسكونا إلى عقده وعهده، يحمده عند الاختبار، ويعرف به صحّة رأيه عند الاختيار، والمملوك يرجو أن يصحّ ما سأله وكفله، إن شاء الله تعالى.
رقعة: وينهي أنّ من عمر الله تعالى بثنائه المحافل، وعطّر بأنبائه الفضائل، وأقام من مساعيه الكرام خطيبا يخطب بسودده وفضله، ويعرب عن شرف محتده «1» وأصله، تطلّعت الآمال للانتظام في سلك أحبّائه، وتشوّفت الهمم إلى الامتزاج بخلصائه وأوليائه، لما يضفو على المعتصم بعرى مصافاته من لباس جماله، ويحلّي المعتزي إلى ولائه من خلى جلاله، وأحقّ من أسعفه مولانا بالمودّة إذا خطبها، وأجابه إلى المصافاة إذا طلبها، من بدأه بالرّغبة، ومتّ إليه بالمحبّة، لا لمرغب ولا مرهب، واختاره لنفسه على علم بكماله، ومعرفة بشرف خلاله.
وما زال المملوك مذ أطلعه الله على ما خصّ به مولانا من المحاسن المتعذّرة إلّا لديه والفصائل الممتنعة إلّا عليه، يحوم على مسارع ممازجته ولا يردها، ويروم مواقع مواشجته ولا يعتمدها، إكبارا لقدره، وإعظاما لخطره، وخوفا من تصفّحه ونقده، وإبقاء على ماء وجهه من ردّه. والمملوك وإن كان عالما بأنّ كرم مولانا يرقع الخلل، وفضله يصدّق الأمل، فإنه لا يعدم مذ رغب في قرب مولانا ما لعلّه يجده فيه، مما يخالف مذهبه وينافيه، إذ كان لا يبلغ تضاهيه في التّمام وتوافيه، إلى أن أذن الله تعالى بأن أبلغ نفسه الأمنيّة، وأظهر ما طويت عليه الطّويّة، فكتب هذه الرّقعة وجعلها فيما رامه من الاعتلاق بحبل مودّته سفيرا، وعلى ما التمسه من الانضمام إلى جملته ظهيرا، وقدم بها عليه وظنّه يترجّح عن الإعراض إلى القبول، ثقة بقرب نيل المأمول، فإن رأى أن يجيبه إلى ما سأله، ويسرّه بتنويل ما اقترحه، فعل، إن شاء الله تعالى.
(9/158)

اختطاب المودّة ومفاتحة المكاتبة من كلام المتأخرين:
الشيخ جمال الدين بن نباتة:
وضاعف للممالك ببقائه الانتفاع، وبارتقائه الارتفاع، وسرّ بمحاسن نظره وخبره العيان والسّماع.
ولا زال للمحبّين من ودّه عطف المتلطّف وللأعداء من بأسه خطف الشّجاع، أصدرها المملوك منطوية على ما عهد من صدق المحبّة، ووفاء العهود المستتبّة، ودرر المحامد الّتي لا تسوى «1» لديها درر العقود حبّة، مبدية لعلمه الكريم أنّ المودّات إذا صفت، والقلوب إذا تجنّدت وتعارفت، حثّت المحبّين في البعاد على المفاتحة بكتبهم ورسائلهم، والمخاطبة في ظلال الأوراق بألسنة أقلامهم من لهوات أناملهم، إيثارا لتجديد الأنس وإن صحّ الميثاق، وتذكارا لخواطر الودّ، وإن رسخت منه الأصول ونمت الأعراق، ولذلك فاتح بها مخاطبا، وارتقب لمناديها بالأخبار السارّة مجاوبا، نائبة عنه في مشاهدة الوجه الكريم، ومصافحة اليد في حديث برّها القديم، تستطلع أخباره، وتستعرض أوطاره، وتحيّي بالسلام وجهه وعهده ودياره، على يد فلان، وقد حمل من المودّات والمشافهات ما يعيده على السّمع الكريم المنعم بإصغائه، المصغي بنعمائه، المتحف بالمهمّات الّتي يحصل فوز القيام بها، والمشرّفات الّتي كلّ أسباب السّرور متصل بسببها، والله تعالى يبهج من تلقائه سمعا ونظرا، ويبقي عيش حاسده هشيما وعيش محبّيه نضرا، ويديم رياض ذكره تالية على المسامع: فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً
«2» .
أجوبة اختطاب المودّة قال في «موادّ الليان» : لا يخلو من يرام ذلك منه من أن يجيب أو يعتلّ،
(9/159)

فإن أجاب بنى الجواب على وقوع رغبة المختطب أحسن مواقعها، وابتهاج المختطب بها، ومعرفته بقدر ما رآه أهلا له ومسارعته إليه، وإن اعتلّ بنى الجواب على أنه قد عرض له ما يقصر عنه، ولا ترضى نفسه به، وأنّ العذر [ليس] بعادة له في المزايلة، وطريقة في الانفراد والمجانبة.
النوع الثامن (في خطبة النّساء)
قال في «موادّ البيان» : الرّقاع في التماس الصّهر والمواصلة يجب أن تكون مبنيّة على وصف المخطوب إليه بما يقتضي الرّغبة، ويدل الخاطب عن نفسه بما يؤدّي إلى الكفاية والإسعاف بالطّلبة.
قال: وينبغي للكاتب أن يودعها من ألفاظ المعاني المنتظمة في هذا الباب أوقعها في النّفوس، وأعودها بتقريب المرام، وأدلّها على صدق القول فيما تكفّله من حسن معاشرة، ولين معاملة، وأن يذهب بها إلى الاختصار والإيجاز.
وهذه نسخ من ذلك:
مما أورده أبو الحسين بن «1» سعد في ترسّله:
وأفضل تلك المواهب موقعا وألطفها وأحمدها عاقبة، وأرهنها يدا، ما يؤلّف الله به القربات، ويؤكّد به الحرمات، ويوجب به الصّلات، ويجدّد به المكرمات، ويحدث به الأنساب، ويقوّي به الأسباب، ويكثّر به من القلّة، ويجمع به من الفرقة، ويؤنس به من الوحشة، ويزداد به في الحقوق وجوبا، وفي المودّات ثبوتا، ثم لا مثل لما كان لله طاعة ورضاء، وبأمره أخذا واقتداء،
(9/160)

وبكتابه قدوة واحتذاء، فالله نسأل الخيرة في قضائه، والبركة فيما يقوم «1» بناؤك عليه.
ومنه: تصل رحما، وتعقد سببا، وتحدث نسبا، وتجدّد وصلة، وتؤكّد ألفة.
رقعة: من خصّه الله تعالى بما خصّ به سيّدي، من طهارة الأعراق والأنساب، وشرف الأخلاق والآداب، وأفرده باجتماع خلال الخير المتفرّقة في الأنام، وعطّر بثنائه ملابس الأيّام، رغب الأحرار في مواصلته، وهان عليهم بذل الوجه في اختطاب ممازجته، والتماس مواشجته ومناسبته، وجدير من رغب إليه، وطلب ما لديه، واختير للمشابكة في الولد واللّحمه، والمشاركة في المال والنّعمة- أن يجيب ولا يمنع، ويصل ولا يقطع، مصدّقا لأمل من أفرده بارتياده، وتوحّده باعتماده، عارفا حقّ ابتدائه بالثّقة الّتي لا يجوز ردّ من اعتقدها، ولا صدّ من حسّن ظنّها، وقد علم الله تعالى أن [مضى] للمملوك مدّة طويلة [وهو يبحث] متطلّبا مربعا للتأهّل، مؤثرا لعمارة المنزل، راغبا في سكن تطمئنّ النفس إليه، وتعتمد في الفواتح والمصاير عليه، وكلّما عرض للمملوك بيت أباه، أو ذكر له جناب قطع عنه رجاه، لعدم بعض الشروط الّتي يريدها فيه، وتعذّرها عليه، فلما قرع سمعه ذكر سيدي علم أنّه الغاية الّتي لا مرقى بعدها، والنهاية الّتي لا مطمح وراءها، وأنه قد ظفر بالثّقة، ووصل إلى الأمنيّة، ووجد من يجمع الخلال المرضيّة ويزيد، ويحوز من الفضل الشأو البعيد، وكتب المملوك هذه الرقعة خاطبا كريمته فلانة [ليكون لها] كالغمد الضامن للمهنّد، والجلد الحافظ للمجلّد، ويكون لمولانا كالولد البرّ بأبيه، ولأخيها كالصّنو الشفيق على أخيه، فإن رأى سيدي أن يتدبّر ما كتبه المملوك ويتسمّع من توكيد رقعته، ويجيبه إلى ما سأله فله علوّ الرأي في ذلك إن شاء الله تعالى.
(9/161)

رقعة: وينهي أنّ مولانا بما تمّم الله من محاسنه ومناقبه، جدير أن يلقى من خطب الاعتصام بعرى ممازجته، وسعى في نيل علقه من مواشجته، بالقبول، القاضي بنيل المأمول، ودرك الرّغب والسّول، ولا سيّما إذا كان عارفا من سموّ خطره، واعتلاء قدره، ما يقضي عليه بخفض الجناح في معاشرته، وغضّ الطّرف في معاملته، والوقوف دون درجة المساواة والمماثلة، والتزحزح عن رتبة المباراة والمطاولة، والانتظام في سلك الأتباع والحاشية، والخدّام والغاشية، وكثيرا ما وجد المملوك البركة في مشاركة من هذه صفته أوفر منها في مشاركة النّظراء، وكانت العاقبة في مشابكة من هذه حاله أجمل منها في مشابكة الأكفاء، الذين يصادفون في الحقوق شططا، ولا يغضّون عن يسير الواجبات تبسّطا؛ لأنهم يرون أنّ الوصلة ممّن داناهم في الرّتبة والمنزلة ليست عائدة عليهم بشرف، ولا مظهرة لهم من خمول؛ ولأن يستخلص مثل سيّدي من الرّؤساء، مثل المملوك من الأولياء، ويختصّه بأثرة الاجتباء والاصطفاء، فيكون مفخره إليه منسوبا، وما يرقّيه الله تعالى إليه ببركته من درج الفضل في نفسه محسوبا، أولى من طلب مماثل يناويء بقدره ويطاول. على أنه لو طلب ذلك لطلب معوزا، ورام معجزا؛ لما أفرده الله تعالى به من السّيادة الّتي لا يترامى إلى منزلتها، ولا يتسامى إلى مطاولتها، وإذا كان النظير معدوما، والكفؤ مفقودا، ولو وجد لمال متسلّطا، ووقع سومه «1» منبسطا، ومولانا يطلب إليه ولا يطلب، ويرغب فيما عنده ولا يرغب، فقد سهلت السبيل إلى ما يرومه المملوك من جهته، ويؤثره من مواصلته، واتّسع المجال فيما يقدم عليه من الرّغبة في تقليده شرف مصاهرته، وإضافته بذلك إلى بطانته وأهل خاصّته، ويخرجه على ما يخرج عليه الوالد ولده، والسيّد عبده، وقد حمّل المملوك موصّل مطالعته هذه ما لم تسع إيداعه
(9/162)

المكاتبة، فإن رأى مولانا أن يصغي إليه ويجيب عبده بما يعتمده المملوك في ذلك فله الفضل، إن شاء الله تعالى.
رقعة: وينهي أن لذوي المناجب الطيّبة الأنساب، والمناحت الزّكية الأحساب، والأخلاق الكريمة والآداب، بين الأنام لسان صدق يخطب لهم بالمحاسن والمحامد، ويعطّر بثنائهم الصادر والوارد، ويدعو القلوب إلى نيل علقه من ممازجتهم، والتمسّك بطرف من مواصلتهم، وقد جمع الله لمولانا من كريم المتلد «1» والمطرف، وقديم وحديث الفضل والشّرف، ما تفرّق في السّيادات، وتوزّع على أهل الرياسات، وجعله في طهارة المولد، وطيبة المحتد «2» ، واستكمال المآثر، واستتمام المفاخر، علما ظاهرا، ونجما زاهرا، فما من رئيس سوى مولانا تعجزه خلّة من خلال الرياسة إلّا وجدها لديه، ولا نفيس تعوزه خصلة من خصال النّفاسة إلّا استماحها من يديه، ولذلك امتدّت الأعناق إلى التمسّك بحبله، وتطلّعت الهمم إلى مواشجته في كريم أصله، وصار مرغوبا إليه لا راغبا، ومطلوبا لديه لا طالبا، وهو جدير بما وهبه الله من هذا الفضل الذّائع، والنّبل الشائع، أن يجيب سائله، ويصدّق آمله، ولا يتجهّم في وجه قاصده، ولا يردّه عن مقصده، ولا سيّما إذا كان قد أسلفه الظنّ الجميل، وبدأه بالثّقة والتأميل، وتعذّر عليه قدر العارف بقدره، العالم بخطره، المرتضي بشرائطه، النازل على حكمه، المتدبّر برأيه، وقد علم الله تعالى أنّ المملوك مذ نشأ وصلح للتأهّل مرغوب فيه، مخطوب إليه، من عدّة جهات جليلة، وجنبات رئيسة، والمملوك صادّ عن الإجابة، صارف عن المطاوعة؛ لشذوذ بعض الشّروط الّتي يروم أن تكون مجتمعة في النّسب، الذي أعدّه شريكا في الولد والنّشب «3» ، ومفاوضا في الحال والسّبب، مرتاد من يقنع
(9/163)

بالموافقة، ويرتضي بالعشرة والمرافقة، حتّى أفضى في الانتقاد إلى مولانا فوجد المراد على اشتراط، وألفى المقصود على اشتطاط، فدعاه ذلك إلى التهجّم بعد الإحجام، وحمله على التجاسر والإقدام، والتوسّل إلى مولانا بما يتوسّل به الأحرار، إلى الأخيار، وأمّه بصادق الرغبة وصميم المحبة والانبساط، في خطبة كريمته فلانة، على أن يعاشرها بغاية الأنس، ويصحبها صحبة الجسد للنّفس، ويعرف لها من قدر أبوّتها وأمومتها ما تستحقّ برياستها، وقد أصدر هذه الرقعة نائبة عنه في ذلك، فإن رأى مولانا أن يتحفه بالقبول، ويجعله أهلا لإجابة السّول، فله الفضل في ذلك، إن شاء الله تعالى.
ومن النادر الغريب ما ذكره الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي في «حسن التوسّل» في الكتابة إلى شخص في تزويج أمه، وهو:
هذه المكاتبة إلى فلان- جعله الله ممن يؤثر دينه على الهوى، وينوي بأفعاله الوقوف مع أحكام الله تعالى فإنما لكلّ امريء ما نوى، ويعلم أنّ الخير والخيرة فيما يسّره الله من سنّة نبيه صلّى الله عليه وسلّم، وأنّ الشّرّ والمكروه فيما طوى، نعرّض له بأمر لا حرج عليه في الإجابة إليه، ولا خلل يلحقه به في المروءة وهل أخلّ بالمروءة من فعل ما حضّ الشرع المطهّر عليه؟ وأظهر الناس مروءة من أبلغ النفس في مصالح حرمه عذرها، ووفّى من حقوق أخصّهنّ ببرّه كلّ ما علم أنّ فيه برّها، وإذا كانت المرأة عورة، فإنّ كمال صونها فيما جعل الله فيه سترها، وصلاح حالها فيما أصلح الله به في الحياة أمرها، وإذا كانت النساء شقائق الرجال في باطن أمر البشريّة وظاهره، وكان الأولى تعجيل أسباب العصمة فلا فرق بين أوّل [وقت] «1» الاحتياج [إلى ذلك] «2» وآخره، وما جدع الحلال أنف الغيرة إلّا ليزول شمم الحميّة، وتنزل على حكم الله فيما شرع لعباده النّفوس الأبيّة، ويعلم أنّ الفضل في الانقياد لأمر الله لا في اتّباع الهوى بعضل الوليّة، وإذا كان برّ الوالدة أتمّ، وحقّها أعمّ، والنظر في صلاح حالها أهمّ،
(9/164)

تعيّنت الإجابة إلى ما يصلح به حالها، ويسكن إليه بالها، ويتوفّر به مالها، ويعمر به فناؤها، ويحصل به عن تقلّد المنن استغناؤها، وتحمل به كلفة خدمها عنها، وتدفع به ضرورات لا بدّ لذوات الحجاب والحجال منها، ويصفو به ستر الإحصان والحصانة عليها، ويظهر به سرّ ما أوجبه الله لها من تتبّع مواقع الإحسان إليها.
وقد تقدّم من سادات السّلف من تولّى ذلك لوالدته بنفسه، واعتدّه من أسباب برّ يومه الذي قابل به ما أسلفته إليه في أمسه، علما منهم أنّ استكمال البرّ مما يعلي قدر المرء ويغلي، وقد أجاب زيد «1» بن زيد العابدين هشاما لمّا سأله: لم زوّجت أمّك بعد أبيك؟ فقال: لتبشّر بآخر مثلي، لا سيّما والراغب [إلى المولى] «2» في ذلك ممن يرغب في قربه، ويغبط على ما لديه من نعم ربّه، ويعظّم لاجتماع دنياه ودينه، ويكرم ليمن نقيبته وجود يمينه، ويعلم أنّ العقيلة تحلّ منه في أمنع حرم، وتستظلّ من ذراه بأضفى ستور الكرم، مع ارتفاع حسبه، واشتهار نسبه، وعلوّ قدره في منصبه وحاله وسببه، وأنه ممن يحسن أن يحلّ من المولى محلّ والده، وأن يتجمّل من ذرّيته بمن يكون في الملمّات بنانا ليده وعضدا لساعده، فإنّ المرء كثير بأخيه، وإذا أطلق عليه بحكم المجاز لفظ العمومة، فإن عمّ الرجل صنو أبيه، وأنا أتوقّع من المولى الجواب بما يجمع شمل التّقى، ويعلم به أنه تخيّر من البرّ أفضل ما ينتقى، ويتحقّق بفعله
(9/165)

أنّ مثله لا يهمل واجبا، ولأمر ما قال الأحنف «1» وقد وصف بالأناة: لكنّي أتعجّل أن لا أردّ كفؤا خاطبا.
النوع التاسع (في الاسترضاء والاستعطاف والاعتذار)
قال في «موادّ البيان» : المكاتبة في استعطاف الرّؤساء، وملاطفة الكبراء، تحتاج إلى حسن تأتّ؛ لما تشتمل عليه من إيجاب حقوق الخدمة، وما أسلفوه من مرعيّ الخدم، وما يتبع هذا من التنصّل والاعتذار الذي يسلّ السخائم من القلوب، ويستنزل الأوغار من الصّدور، ويطلع الأنس وقد غرب، ولها موقع في تأليف الكلام.
قال: وينبغي للكاتب أن يستعمل فيها فكره، ويوفّيها حقّها من جودة الترتيب، واستيفاء المعاني، وأن يذهب إلى استعمال الألفاظ الجامعة لمعاني العذر، الملوّحة بالبراءة مما قرف «2» به، ولا يخرج لفظه مخرج من يقيم الحجة على براءة الساحة مما رمي به، فإنّ ذلك مما يكرهه الرؤساء؛ لأنّ عادتهم جارية بإيثار اعتراف الخدّام لهم بالتقصير والتفريط والإخلال بالفروض، ليكون لهم في العفو عند الإقرار عارفة توجب شكرا مستأنفا، فأما إذا أقام التابع الحجة على براءته وسلامته مما رفع عنه، فلا يوضع الإحسان إلا «3» إليه في إقراره على منزلته، والرّضا عنه والاستعطاف، بل ذلك واجب له، في منعه منه ظلم.
(9/166)

وهذه نسخ من ذلك:
لابي الحسين بن سعد:
فإن رأيت أن تنظر في أمري نظرا يشبه أخلاقك المرضيّة ويكون لحسن ظنّي بك مصدّقا، ولعظيم أملي [فيك] محقّقا، ولما لم تزل تعدنيه منجزا، ولحقّ حرمتي بك وقديم اتّصالي بأسبابك قاضيا، فعلت، إن شاء الله تعالى.
ومنه: لسليمان «1» بن وهب:
من انصرف في الاحتجاج إلى الإقرار بما يلزمه وإن لم يكن لازما، فقد لطّف الاستعطاف، واستوجب المسامحة والإنصاف.
ومنه: وقد نالني من جفوة الأمير بعد الذي كنت أتعرّف من برّه وألطافه أمر أحلّني محلّ المذنب في نفسي مع البراءة من الذّنب، وألزمني الإساءة مع الخروج من التقصير، وزاده عندي عظما وشدّة أنّي حاولت الخروج منه بالاعتذار، فلم أجد لي إلى الأمير ذنبا أعتذر منه، ولا عليّ فيما ألزمني من معتبته حجة أحاول دفعها والتخلّص منها، فأصبحت أعالج من ذلك داء قد خفي دواؤه، وأحاول صلاح أمر لم أجن فساده، فإن رأيت أن تفعل كذا وكذا فتصل قديم ما أصبح عندي من معروفك بحديثه، فليس عندي في مطالبة حجّة أنجح من التوجّه إلى الأمير بنفسه، والثقة عنده بفضله، فإن كنت مذنبا عفا، وإن كنت بريئا راجع.
ومنه: لأبي «2» عليّ البصير:
(9/167)

وأنا أحد من أسكنته ظلّك، وأعلقته حبلك، وحبوته بلطيف برّك، وخاصّ عنايتك، وانتصف بك من الزّمان، واستغنى بإخائك عن الإخوان، فهو لا يرغب إلّا إليك، ولا يعتمد إلّا عليك، ولا يستنجح طلبه إلّا بك، وقد كان فرط منّي قول: إن تأوّلته لي، أراك أوجه عذري، وقام عندك بحجّتي، فأغناني عن توكيد الأيمان على حسن نيّتي، وإن تأوّلته عليّ، أحاق «1» بي لائمتك وحبسني على [أسوإ] حال عندك، وقد أتيتك معترفا بالزّلة، مستكينا للموجدة، عائذا بالصّفح والإقالة، فإن رأيت أن تقرّ عينا قرّت بنعمتك عندي، ولا تسلبني منها ما ألبستني، وأن تقتصر من عقوبتي على المكروه الذي نالني بسبب عتبك عليّ، وتأمر بتعريفي رأيك بما يطأمن هلعي، وتسكن إليه نفسي، ويأمن به روعي، فعلت، إن شاء الله تعالى.
ومنه: لأبي الحسين بن أبي «2» البغل:
نبوّ الطّرف من الوزير دليل على تغيّر الحال عنده، والجفاء ممن عوّد الله البرّ منه شديد، وقد استدللت بإزالة الوزير إيّاي النّحل الذي كان نحلنيه بتطوّله، على ما سؤت له ظنّا بنفسي، وما أخاف عتبا؛ لأني لم أجن ذنبا، فإن رأى الوزير أن يقوّمني لنفسي، ويدلّني على ما يريده منّي، فعل، إن شاء الله تعالى.
ومنه: لأبي «3» الرّبيع:
(9/168)

أصدق المقال، ما حقّقه الفعال، وأفضل الخبر، ما صدّقه الأثر.
ومنه: لمولانا سيرة في الفضل والإحسان ما أمّلها آمل إلّا جادت وسخت ومنحت، وعوائد في العفو ما رجاها راج إلّا صفحت وسمحت، وأحقّ من تلقّاه عند العثار، بالإقالة والاغتفار، ووقف به عند حدّ التقويم والإصلاح، ولم يعرّضه لنقيصة الإقصاء والاطّراح، من شفع الهفوة بالاعتذار، وخطب التغمّد بلسان الإقرار، ودلّت التجارب منه على حسم الأضرار، وكان له من سالف الخدم وسائل وذرائع، ومن صحيح الإخلاص ممهّد وشافع، فلا عجب أنّ المملوك يهفو فيعفو، ويظلم فيكظم، ويجهل فيحلم، ويخطيء فيصيب، ويدعو متنصّلا فيجيب، وقد جعل الله سهمه المعلّى، ويده الطّولى، وألهمه التفضّل بالإنعام، والتغميض عن زلّات الكرام، وقد حصل للمملوك في هذه النّبوة من إزرائه على عقله، وتقبيحه لفعله، أعظم تجربة، وأكبر مأدبة، والمملوك يسأل إحسان سيّدي أن يعيده إلى رضاه ولطفه، ويؤنس منه مستوحش إقباله وعطفه، ويصدّق رجاءه فيه، ويجزل ثواب وفادته عليه، إن شاء الله تعالى.
رقعة: المملوك يخطب صفح سيّده وإقالته بلسان الاغتفار، ويستعيد ما عرف من رضاه وعاطفته بوسائل الاعتذار، ليكون المتفضّل في كلّ الحالات، والمنعم من كلّ الجهات، وقد عرف السّهو والنّسيان، المعترضين للإنسان، وأنّهما يحولان بينه وبين قلبه، ويزوّران عليه خطأه في صورة صوابه، فيتورّط في السّقط غير عامد، ويتهوّر في الغلط غير قاصد، وقد قال الله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ «1»
. وما أولى مولانا بأن يحفظ على المملوك جميل آرائه، ولا يسلبه ما شمله من ظلّ آلائه، ولا يسمه بميسم العقوق فإنه يجد نفسه بخلاف ذلك في طاعته، ومرتبتها بغير هذه الرتبة في خدمته.
فصل: وقد آوى سيدي المملوك من ظله، وأعلقه من حبله، وأسبغ عليه
(9/169)

من فضله، ما أنصفه به من الزّمان، وأغناه عن الإخوان، ووقف رغباته عليه، وصرف آماله إليه، ونزّله منزلة من لا يشكّ في اعتقاده، ولا يستريب بوداده، وكان المملوك أرسل لفظا على سبيل الإشفاق ذهب به الحاسد إلى غير معناه، وخالف في تفسيره حقيقة مغزاه، وأحاله عن بنيته، وعرضه عليه على غير صورته، ليوحش محلّ المملوك المأنوس من رعايته، وينفّر سربه المطمئنّ بملاحظته وعنايته، وقد أرسل المملوك هذه العبوديّة سائلا في محو إظلام موجدته، وأن يعيد المملوك إلى مكانه من حضرته، إن شاء الله تعالى.
لا أتوسّل إليك إلّا بك، ولا آتيك إلّا من بابك، ولا أستشفع إليك بسواك، ولا أكل رجعة هواك إلّا إلى هواك، ولا أنتظر إلّا عطفتك الّتي لا تقودها زخارف الأموال، ولا تعيدها شفاعات الرجال (طويل) .
إذا أنت لم تعطفك إلّا شفاعة ... فلا خير في ودّ يكون بشافع
شعر في معنى ذلك (سريع) .
هبني تخطّيت إلى زلّة ... ولم أكن أذنبت فيما مضى
أليس لي من قبلها خدمة ... توجب لي منك سبيل الرّضى
غيره (وافر)
وحقّك ما هجرتك من ملال ... ولا أعرضت إلّا خوف مقت
لأنّ طبائع الإنسان ليست ... على وفق الإرادة كلّ وقت
اعتذار عن التأخر، من ترسل أبي الحسين بن سعد:
إن لم يكن في تأخّري عنك عذر تقبله، فاجعله ذنبا تغفره.
علي بن خلف:
الأعذار- أطال الله بقاء سيّدي- تنأى على الامتناع، وتضيق على الاتّساع، وذلك بحسب ما تصادفه من قبول وردّ، ومسامحة ونقد، وأنا أحمد الله
(9/170)

على أن جعل عذري إلى من يتمحّل العذر للمعتذر، ويصفح صفح المالك المقتدر، كأنّما ائتمّ بقول الشاعر (طويل) :
إذا ما أتت من صاحب لك زلّة ... فكن أنت محتالا لزلّته عذرا
ولم يجعله إلى من يغلّب هاجس الظّنون، على واضح الحجّة، ومعتلّ الشكّ على صحيح اليقين. ونمي إليّ أنّ غابطا «1» لمكاني من حضرته، حسدني على محلّي من مودّته، وزوّر ما ينكشف عن الإفك والبهتان، ودلّس الكذب في صورة البرهان، فلما جلّاه في معارض زخارفه أظهر لسيدي عواره»
، وأبدى لطرفه شواره «3» ، فشلّ «4» سمعه عن وعيه، وطرف طرفه عن رعيه، واستنمّ علائم شيمته، في حسن الضّنّ بأحبّته، فقدّمت من الاعتذار ما يقدّمه المذنب نزولا على طاعته، وتأدّبا في خدمته، وشفعته من الشّكر بما يقتضيه إحسانه ويوجبه.
أبو الفرج «5» الببغاء:
أحقّ المعاذير بالتقبّل وأولاها بسعة القلوب ما صدر عن استكانة الأقدار، ودلّ على حسم موادّ الأضرار، وصفا من كدر الاحتجاجات، وتنزّه عن تمحّل الشّبهات، ليخلص به ملك العفو، وتتكامل نعمة التّجاوز. ولست أكره شرف تأديبه، ونبل تثقيفه وتهذيبه، ما لم يتجاوز في العقوبة والتقويم إلى مؤلم الإعراض، ومضيض التنكّر والانقباض، ولا أخطب الإقالة من تفضّله إلّا بلسان الثّقة وشافع الخدمة، هاربا إلى سعة كرمه مما دفعتني المحبّة إليه، وأشفى بي عدم التوفيق عليه، فإن رأى أن يكون عند أحسن ظنّي به في الصّفح، كما هو عند أصدق أملي فيه بالإنعام، فعل.
(9/171)

وله في مثله:
ليس يخلو الإغراق في التنصّل والمبالغة في الاعتذار من إقامة لحجّة، أو تمسّك باعتراض شبهة، وأنا أجلّ ما أخطبه من عظيم عفوه، وأكبر ما أحاوله من نعمة تجاوزه، عن المقابلة بعين الاعتراف بالزّلل وبعد الاستحقاق من الصّفح، ما لم يوجب لي بسعة تأوّله، ويعد عليّ فيه بعادات تفضّله، لتصفو منه الأعضاء، وتلزمني واجبات الشكر والثّناء، غير ممتنع مع ذلك من التبرّي إليه مما أنكره من تجاوز السّهو إلى العمل، والتوجّه إلى ما فرط بالاختيار والقصد اللذين يغفر بتجنّبهما مذموم الأفعال، ويتغمّد سيّيء الأعمال، فإن رأى أن يحمل أمري فيما قصدتني الأيام بتوجّه الظّنون فيه على غير النيّة لا ظاهر الفعل، إذ كانت صفات الإنسان بالأشهر من أخلاقه والأكثر من أفعاله، ولا صفة لي أعرف بها وأنسب إليها غير الاعتراف بإنعامه، والتّطاول من اصطناعه، آخذا من كلّ حال بالفضل، ومشفّعا بسطة الرياسة والنّبل.
وله في مثله:
لست أخلو في المدّة الّتي تجاوز الدهر لي عنها في خدمته من توصّل بفرط الاجتهاد، إلى ما وصل من رأيه إلى رتبة التقبّل والإحماد، وليس يحبط ما أتيته من مرضيّ الخدمة بالنيّة والعمد بما لعلّه فرط من غير مراد، إذ كان- أيده الله بفائض طوله، ومأثور فضله- آخذا من آداب الله بما أحاكمه منه «1» : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
«2» . و [لو] لا إيثاري «3» مفترض الطاعة واستكانة الاعتداد، وأن لا أخطب رضاه بلسان الاحتجاج، ولا ألتمس عفوه بوجوب الاستحقاق، لتسلم له صفات التفضّل، ولي مواتّ الاعتراف بسالف التطوّل، لبرهنت على سلامتي مما قصر عليّ بتوجّه الظّنون واعتراض الأوهام، ولا أقول
(9/172)

بشعث النيّة وفساد الرأي، فإن رأى أن يحفظ ما ابتدأه مختارا من اصطناعي بما يصونه عن التنكّر، ويصون عادتي في شكر ذلك والاعتداد به عن الفتور والتغيّر، فعل.
أجوبة الاسترضاء والاستعطاف قال في «موادّ البيان» : لا يخلو المعتذر إليه من أمرين؛ أحدهما أن يقبل العذر، والآخر أن يستمرّ على الموجدة ويرفض ما يأتي به من حجّة، فإن كان قد قبل العذر، وجب أن يبنى الجواب على وصول الكتاب، والوقوف عليه، والتقبّل لما تضمّنه، وتبرئة المعتذر عن الحاجة إلى الاعتذار، والانقياد إلى الاعتراف بالجرم والإقرار، إكراما لخلّته عن التّهمة، وللمودّة عن الظّنّة، فإن الأمر الذي أوجب العذر لو صدر منه، لا قتضى وداده التأوّل له بأنّه ما صدر إلا عن باطن سليم ومصلحة أوجبته. قال: وليس هذا المعنى هو الذي يجاب به من قبل عذره فقط؛ لأنه يجوز أن يجيب بأنه قد قبل العذر، وصفح عن الجرم، على أن لا يعود إلى مثله. وإن استمرّ على القصد «1» ، بني الجواب على إبطال العذر ومعارضته بما يقتضيه، والدلالة على خطإ المعتذر، وأنه مما لا يسوغ الصفح عنه، ولا يليق بالحزم إقالته.
قال: وهذان معنيان يحملان من العبارة ما لا يكاد ينحصر في قول مشروح مبسوط، فضلا عن قول مجمل موجز، إلّا أن المتدرّب بالصناعة إذا مرّت به هذه الأصول أمكنه التفريع عليها.
النوع العاشر (في الشكوى- أعاذنا الله تعالى منها)
قال في «موادّ البيان» : رقاع الشّكوى- عصمنا الله من موجباتها- يجب
(9/173)

أن تكون مبنيّة من صفة الحال المشكية، على ما يوجب المشاركة فيها ويقضي بالمساعدة إن استدعيت عليها، من غير إغراق يفضي إلى تظليم الأقدار وإحباط الأجر، وشكوى المبتلي بالخير والشرّ سبحانه وتعالى، ويدلّ على التهالك بالجزع، وضعف التماسك وقوّة الهلع، باستيلاء القنوط والإياس، وأن يشفع الشكوى بذكر الثقة بالله سبحانه، والتسليم إليه، والرّضا بأحكامه، وتوقّع الفرج من عنده، وتلقّي اختباره بالصبر، كما تتلقّى نعمه بالشكر، ونحو هذا مما يليق به ويجري مجراه. قال: وقد يكتب الأتباع للرؤساء رقاعا بشكاية الأحوال ومساءلة النظر، ثم ذكر أنّ سبيل هذه الرّقاع أن يعدل بها عن التصريح بالشّكوى إلى لفظ الشّكر ومعناه، وطلب الزيادة والإلحاق بالنّظراء في الإحسان، لما في إطلاق الشكاية، والتصريح بها من التعريض بإخلال الرئيس بما يلزمه النظر فيه من أحوال خاصّتهم وتعهّد مرافقهم من الكفاية.
وهذه نسخ من ذلك:
رقعة شكوى هموم:
كتب المملوك هذا الكتاب وهو رهين فكر وغمّ، وقلق وهمّ، وحليف جوّى قد سكن القلب، وخوف قد أطار اللّبّ، وبالله العياذ، وهو الملاذ، وبيده تحلّ العقدة، وبأمره تزول الشّدّة، وقد ألهم الله سبحانه المملوك صبرا يسّر أمره، وأملا في الفرج خفّف ضرّه، وليس بآئس من عطفته، ولا قانط من نعمته.
رقعة في معنى ذلك:
كتب المملوك وهو شاك لتجاهل الأيام، وقيذ «1» من مواقع سهامها الرّغيبة الكلام، منهوم بهموم تضعف الجليد، وتسوء الوديد، وتسرّ الحسود، لاق من قسوة الدهر وفظاظته، ونبوة العيش ونفرته، ما يردّ الجفون عن
(9/174)

الهجوع، ويغرق العيون بالدّموع، ولله تعالى في عباده أقضية يقضيها، وأقدار يمضيها، والله أسأل حسن العاقبة والختام، وتمحيص الأوزار والآثام.
رقعة: كتب المملوك وجسمه صحيح، وقلبه قريح، وجنانه سليم، وجنابه سقيم، لما يتبادر إليه من نكايات تقدح وتقرح، وحادثات تكلم وتجرح، ونوب تهضّ، وتهدم وترضّ، وخطوب تخاطب شفاها، وتوصّل من اليد إلى اليد أذاها، إلّا أنّ الله يهبّ ريح المنح، وقد تداكت المحن فينشفها، ويشقّ عمود الفرح، وقد ادلهمّت فيكشفها، وظنّ المملوك بالله تعالى جميل، وله في صنعه ولطفه تأميل.
رقعة: وينهي أنه قد كتب هذه العبوديّة بيد قد أرعشتها الآلام، يملي عليها قلب قد قلبته الأسقام، فجسمه ناحل، وجسده بعد النّضرة قاحل، وقواه قد وهنت، وجلادته قد وهت، وصبره قد تخلّى واضطرب، وتحمّله قد نأى واقترب، وعاد شبحا من الأشباح، وهباء تذروه الرّياح، فلو اعتلق بشعرة لم تنصرم، أو ولج خرت «1» إبرة خيّاط لم تنفصم، ولولا الثّقة بالله وأنه يتبع السّقم بالصّحّة، ويشفع المحنة بالمنحة، لذهب ما بقي من ذمائه «2» ، وأطلّ على شفا شقائه، والمملوك يستشرف منه تعالى لطفا يعيد الكليل حديدا، والمخلق جديدا.
رقعة: وينهي أنه قد كتب هذه الرّقعة، وقد ساء أثر الأيّام عليه، وقبح صنعها لديه، وابتلته بمؤلم البلوى، وأنطقته بلسان الشّكوى، فهو محترق بنار الغيظ، يدعو على نفسه بالفيظ، إن لم يكن فرج يفرّج بين الأضداد، ولطف يريح من هذا الجهاد، وكلّما طلب المزايلة عوّق، أو طلب الفكاك اعتلق، فهو قاطن في صورة الظّاعن، وحالّ في حال الرّاحل، والله يمنّ بالمخرج، ويأتي بالفرج.
(9/175)

رقعة: وقد سطّر المملوك هذه العبوديّة، وقد انجلت هذه النّبوة، عن البلاء والشّقوة، ونفاد المال، واستحالة الحال، واستيلاء العدوّ، واستعلاء السّو، وكذا الدهر خدوع غرور، خؤون غدور، إن وهب ارتجع، وإن ألبس انتزع، وإن أعطى أعطى قليلا وقلع، وإن أحلى أمرّ، وإن نفع ضرّ، وإن أبرم نقض، وإن رفع خفض، وإن أقبل أعرض، وإن وعد أمرض، فنعمه مقرونة بالزّوال، ومنحه معرّضة للانتقال، وصفوه مشوب بالكدر، وعيشه ممزوج بالغير، ما أجنّ إلّا أوجد خللا، ولا أمّن إلّا أتبع الأمن جللا، والمملوك يحمد الله تعالى على أن أوسعه في حال البلاء شكرا، وفي حال الابتلاء صبرا.
أجوبة رقاع الشكوى قال في «موادّ البيان» : يجب أن تبنى أجوبة هذه الرّقاع على الارتماض في الحال المشكية، والتوجّع منها، وبذل الوسع في المعونة عليها، والمشاركة فيها، وما يجري هذا المجرى مما يليق به.
النوع الحادي عشر (في استماحة الحوائج)
قال في «موادّ البيان» : ورقاع الاستماحة يختار أن تكون مودعة من الألفاظ ما يحرّك قوى السّماح، ويبعث دواعي الارتياح، ويوجب حرمة الفضل المسهّلة بذل المال الصّعب بذله، إلّا على من وفّر الله مروءته، وأرخص عليه أثمان المحامد وإن غلت.
قال: وينبغي للكاتب أن يتلطّف فيها التلطّف الذي يعود بنجاح المرام، ويؤمّن من الحصول على إراقة [ماء] الوجه، والخيبة بالردّ عن البغية، ويعدل عن التثقيل والإلحاف المضجرين ولا يضيّق العذر على السّماح إلّا أن يتمكّن للثقة به، ويعلم المشاركة في الحال.
وهذه نسخ من ذلك:
(9/176)

من كتاب [أبي] الحسين بن سعد.
أفضل القول أصدقه، وأهنى المعروف أعجله، وأبلغ الشّكر أظهره.
ومنه: إن حضرتك نيّة في قضاء حاجة فعجّلها، فإنّ أهنى المعروف ما عجّل، وأنكده ما تنازعته العلل، واعترضته كثرة الاقتضاء.
ومنه: أنت، أعزّك الله، واجد السبيل إلى اصطناع المعروف واكتساب الثّواب، وأنت أعرف بما في استنقاذ أسير من أسرى المسلمين، من وارد الأسر، وعرصة الكفر، وانتياشه من الذّلّة والفاقة، والبلاء والمشقّة، من جزيل ثواب الله وكريم جزائه [وأجلّ] من أن تخاطب في ذلك مخاطبة من يحتاج إلى زيادة في بصيرته، وتقوية لنيّته، وبالله توفيقك وعونك.
عليّ بن خلف:
قد تمسّك أملي بضمانك، وتطلّع رجائي إلى إحسانك، وكفل لي النجاح مشهور كرمك، ورغبتك في ربّ نعمك، ولي من فضلك نسيب أعتزي إليه، ومن شكري شفيع أعتمد عليه.
وله: المواعيد- أطال الله بقاء مولاي- غروس، حلو ثمرها الإنجاز والتعجيل، ومرّه المطل والتطويل، وقد شام أملي من سحائب فضله، حقيقا بأن ينهمر ويهمي، وارتاد من روض نبله، جديرا بأن يزيد وينمي، فإن كانت هذه المخيلة صادقة، فلتكن منه همّة للرجاء محقّقة، إن شاء الله تعالى.
وله: هممت أن أستصحب إلى مولاي ذريعة تحجب مطلي، وتكون حجابا على وجهي في المطالعة بأربي، فلاح لي من أساريره برق أوضح مقصدي، ومن أخلاقه انبساط أمال تجعّدي، ولست مع معرفته بحقّ نعمة الله تعالى وحقّ مؤمّله، محتاجا عنده إلى ذريعة ولا مفتقرا إلى وسيلة.
وله: ولا يحملني مولاي على ظاهر تجمّلي، وجميل توكّلي، على «1»
(9/177)

حال قد أحالتها العطلة، وتخلّلتها الخلّة، وإنما أبقي بالتجمّل على ديباجة همّتي، وأصون بالتخفيف عن الصديق مروّتي، ولولا أنّ الشكوى تخفّف متحمّل البلوى، لأضربت عن مساءلته، وأمسكت عن تذكيره، ولكن لا بدّ للوصيب «1» الشاكي، من ذكر حاله للطبيب الشافي، وقد كان برق لي من سحاب وعده ما هو جدير بالانهمار، وأورق من نمائه، ما هو حقيق بالإثمار، فإن رأى أن يسم وجه التأميل، بعد الإنجاز والتعجيل، فعل.
وله: ما حامت آمالي- أطال الله بقاءه- إلّا وقعت بحضرته، ولا صعبت عليّ جوانب الرّجاء إلّا سهلت من جهته، ولا كذبتني الظّنون إلّا صدقها بعلوّ همّته، فلذلك أعتلق في المهمّ بحبله، وأعتصم في الملمّ بظلّه، وقد عرض لي كذا وعليه فيه المعوّل، وهو المرجوّ والمؤمّل، وما أولاه بالجري على عادته في ريش جناحي، والمعونة على صلاحي.
في طلب كسوة، من كلام المتأخرين: (طويل) .
ألا أيّها المولى الّذي نهر جوده ... يزيد وعاصي أمره الدّهر ينقص
إليك اشتكائي من دمشق وبردها ... وما أنا فيه من أمور تنغّص
وإنّي في عرس من البرد دائم ... تصفّق أسناني وقلبي يرقص
المملوك ينهي بعد الابتهال إلى الله تعالى في إدامة نعمته، وإدالة دولته، أنّه ما ألف من إحسانه إلّا أنّه يضاعف رسم الإنعام، ويواتر إرساله على ممرّ الأيّام والأعوام، وللمملوك في خزانته الشريفة في كلّ عام تشريف يفيضه على جسده، ويسرّ به قلوب أوليائه ويفتّ أكباد حسّده، ويتّقي به سورة الشتاء وقرّه، ويجعله قرّة ويحمل به من الدّعة وقره، وقد درس رسمه، وفقد من الدّيوان المعمور اسمه، وهو يسأل بروز الأمر العالي بإجرائه على عادته المستمرّة،
(9/178)

وقاعدته السالفة المستقرّة، بتشريفه بأخذ التشريف ولبسه، ليدفع بذلك شدّة البرد وأليم مسّه، ويتذكّر بها في يومه ما يوجب حمد المولى وذمّ أمسه، ورأيه العالي.
وله في طلب ورق (سريع) .
يا أسمح الناس ويا من غدا ... جبينه يخجل ضوء الشّفق
جودك بالورق «1» عميم [فلم] ... أخّرت يا مولاي بعث الورق؟
وله في طلب رسم (مجزوء الرجز)
رسمي «2» مولاي غدا ... مؤخّرا ولو حضر
ولو أراد سيّدي ... إحضاره، كان أمر
فقد مضى محرّم ... وراحتي منه صفر
وكتب كاتب إلى مخدومه، وقد تأخّر صرف معلومه (متقارب)
وتعلم أنّي كثير العيال ... قليل الجراية والواجب
فلست على ظمإ قانعا ... بورد من الوشل «3» الناضب
ولا شكّ في أنّني هارب ... [ف] قدّر لنفسك في كاتب
قلت: وكتبت نظما لأمير المؤمنين المستعين «4» بالله أبي الفضل العبّاس،
(9/179)

خليفة العصر، أستميحه حاجة في مجلس كان فيه هو وولده يحيى وأخواه داود ويعقوب ما صورته (طويل) .
إذا رمت أن تحظى بنيل مآرب ... فبادر إلى العبّاس من آل عبّاس
إمام به ثغر الخلافة باسم ... وعرنينها يسمو على قمّة الراس
أبى الفضل إلّا أن يكون لأهله ... [دواما] وأن يدعى أبا الفضل في الناس
فللمستعين اقصد تجد خير منجد ... حريص على المعروف برّا بإيناس
فيحيا له يحيى وداود صنوه ... ويعقوب أعضادا وحصنا من الباس
وكتبت لقاضي القضاة شيخ الإسلام جلال الدّين «1» عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام عمر البلقينيّ أستميحه حاجة أيضا (طويل) .
أيا شيخ إسلام وقاضي قضاته ... ومن قد سما في الناس علما ومنصبا
لقد عمّ نوء منك كلّ مؤمّل ... وحاشى لبرق شمت يظهر خلّبا
أأحرم معروفا له كنت أرتجي ... ويحجب ذو بعد من القوم أقربا
وما زلت أرجو في زمانك رفعة ... ولكن جواد الحظّ بالبعد قد كبا
ولن يستعيض الخفض بالرّفع ماجد ... خصوصا ومن أخّرت ما نال مطلبا
ولست ترى منّي إليك وسيلة ... سواك وحسبي باعتلاك تقرّبا
(9/180)

وكتبت لقاضي القضاة جمال الدين محمود «1» القيسراني، وهو يومئذ قاضي قضاة الحنفية وناظر «2» الجيوش المنصورة، أذكر بطالة عرضت لي من وظيفة مباشرة كانت بيدي (طويل) .
إلى الله أشكو من زماني بواره ... فأمسيت في الحرمان بي يضرب المثل
تماديت بطّالا وأعوزت حيلة ... ولم يبرح البطّال تعرف له الحيل
فلا ملتجى جاه ولا عزّ صاحب ... ولا مالك يحنو فيا قوم ما العمل؟
ولكنّ (محمود) العواقب أرتجي ... ومن يحمد العقبى على القصد قد حصل
وكتبت للقاضي شمس الدين العمريّ كاتب «3» الدّست الشريف في حاجة نجّرها (بسيط) :
(9/181)

إن لا أرى عمرا حتّى ألمّ به ... ألفيت من نسله من كان لي عمرا
لم يغف عن حاجتي حتّى أنبّهه ... وكيف يغفو وفي المعروف كم سهرا؟
جعلته مبتدا في رفعه خبري ... وعادة المبتدا أن يرفع الخبرا
أجوبة استماحة الحوائج قال في «موادّ البيان» : لا يخلو المستماح والمكلّف حاجة من أن يسعف أو يمنع، فإن أسعف فقد غني عن الجواب، وربما أجاب المسعف بجواب مبنيّ على حسن موقع انبساط المستميح، والاعتذار عن التقصير في حقّه وإن كان قد بلغ به فوق ما يجب له- تكرّما وتفضّلا، وإن منع فربّما أجاب بعذر في الوقت الحاضر أو عذر في المستأنف، وربما أخلّ بالجواب تغافلا.
وهذه نسخة جواب بالإسعاف بالمقصود، كتب بها في جواب لكاتب «1» السرّ عن نائب الشام، في طلب إقطاع «2» ، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن «3» نباتة إجابة للمطلوب، وهي:
لا زال قلمها يمدّ على الإسلام ظلّا ظليلا، ويستجدّ صنعا جميلا، ويأخذ بأمر الله أعداء دينه أخذا وبيلا، ويقوم باجتهاده في مصالح الملك النّهار كلّه والليل إلّا قليلا، تقبيل مواظب على ولاء لا يجد له تبديلا، وثناء لو سمعه المحبّ فشافه الأحباب إذا لاتّخذوه خليلا.
(9/182)

وينهي ورود مشرّفة مولانا القديم فضلها، الكريم وصلها وأصلها، فوقف المملوك عليها، وأصغى بجملته إليها، وعلم ما رسم به مولانا، وأشار إليه تبيانا، وكذلك بلّغه مملوكه الولد فلان المشافهة الكريمة فحبّذا من صاحب السّرّ إسرارا وإعلانا، وشكر لهما مشرّفة ومشافهة أوردا الإحسان مثنى مثنى، وسرّا سمعه المملوك لفظا واستهداه معنى، فما مننهما في الإحسان إلّا زائدة، ولا في الصّلات إلّا عائدة، لا جرم «1» أنّ المملوك أقبل على قبيلهما بسمعه وناظره، وقلبه وخاطره، وجملته وسائره، وامتثل الإشارة العالية الّتي من حقّها أن تقدّم على كلّ مهمّ يرد عليه، وأمر يتوجّه إليه، ويد الزمان مشكورة يأخذها منه بكلتا يديه، وعيّن المملوك لوقته الإقطاع المطلوب، وتقدّم بكتابة مربّعته حسب ما رسم من تجري السعادة من سطره تحت مكتوب، وجهّزها قرين هذه الخدمة ومن ذا يقارن سبق ذلك البرّ المديد، وكيف توازي المربّعة كتابا هو بالإحسان للعنق تقليد؟ لا برحت مراسم مولانا معدودة من رسوم نعمه، ومشرّفاته محسوبة من تشريفاته الّتي يخلعها على أبناء محبّيه وخدمه.
النوع الثاني عشر (في الشكر)
قال في «موادّ البيان» : رقاع الشكر يجب أن تكون مودعة من الاعتراف بأقدار المواهب، وكفاية الاستقلال بحقوق النعم، والاضطلاع بحمل الأيادي، والنّهوض بأعباء الصنائع، ما يشحذ الهمم في الزيادة منها، ويوثّق المصطنع بإفاضة الصّنع، ويعرب عن كريم سجيّة المحسن إليه.
قال: وينبغي للكاتب أن يفتنّ فيها، ويقرّب معانيها، وينتحل لها من ألفاظ الشكر أنوطها بالقلوب، لتستيقن نفس المتفضّل أنه قد اجتنى ثمرة تفضّله، وحصل من الشكر على أضعاف ما بذله من ماله أو جاهه، إلّا أنه ينبغي
(9/183)

أنها إذا كانت صادرة من الأتباع إلى رؤسائهم، ومن يرجع إلى اختصاص وأثرة، أن لا تبنى على الإغراق في الشكر؛ لأن الإغراق في الشكر يحمل هذه الطبقة على التملّق الذي لا يليق إلّا بالأباعد الذين يقصدون الدّلالة على استقلالهم بحقوق ما أسدي إليهم، فأما من ضفا عليه من النعم ما يدفع الشكّ في اعترافه بالذّلّ لديه، فإنه يغنى عن المبالغة في الشكر والاعتداد. ثم قال:
وإنما يجب أن يذهب فيما يكتب عن هؤلاء من هذا الفنّ مذهب الاختصار، والإتيان بالألفاظ الوجيزة الجامعة لمعاني الشكر، دون مذهب الغلوّ والإفراط، وذو الطبع السليم، والفكر المستقيم، يكتفي بيسير التمثيل.
وهذه نسخ من ذلك:
أبو الفرج «1» الببغاء، في شكر تابع لمتبوع:
أنا في شكره- أيده الله- مبرهن عن مواقع إحسانه إليّ، وتظاهر إنعامه عليّ، لا مقدّر أنّي مع المبالغة والإسهاب، والإطالة والإطناب، أجازي عفو تفضّله، ولا أجامل أيسر تطوّله، وقد وسمني أيده الله من شرف اصطناعه، بما بوّأني به أرفع منازل خدمه وأتباعه، وإلى الله أرغب في توفيقي من مقابلة ذلك بالاجتهاد في خدمته، والمبالغة في طاعته- لما أكون به للمزيد مستوجبا، وللحظوة مستحقّا.
وله في شكر قريب:
فرّض الشكر- أعزّك الله- لا يسقط بقرب الأنساب، ولذلك لا أستجيز إغفال الواجب عليّ منه، ولا أجد عدولا في التسامح فيه والإضراب عنه، وإن كنت غنيّا عن الإفاضة فيما أعتقده من ذلك وأضمره، وأبديه وأظهره، بالمتعالم من خلوص النية وصحة الاعتقاد، فلا أخلاك [الله] من جميل تسديه، وتفضّل توليه، يمتري لك المزيد من سوابغ النّعم وفوائد الشكر.
(9/184)

وله: قد استنفد مادّة شكري، ووسع اعتدادي ونشري، تتابع تفضّلك، وتوالي تطوّلك، ولست أقدر على النّهوض بشكر منّة حتّى تطرقني منك منّة، ولا أحاول مجازاة نعمة حتّى تفد عليّ منك نعمة، فبأيّ عوارفك أعترف؟ أم بأيّ أياديك بالثّناء أنتصف؟ فقد فزعت إلى الإقرار بالعجز عمّا يلزم من فروضك، وواجبات حقوقك، وانصرفت إلى سؤال الله جلّ اسمه بإيزاعي شكر ما وهب منك، والتّجاوز للمكارم والفضل عنك.
وله: وقد شكرت برّك الجليل موقعه، اللطيف موضعه، الخفيف محمله، العذب منهله، وشافهتك من ذلك بما اتّسعت له القدرة لا ما تقتضيه حقوق المنّة.
وله: أنا في الشكر بين نعمة تنطقني، وعجز عما يجب لك يخرسني، ولست أفزع إلى غير تجاوزك، ولا أعتمد على غير مسامحتك، ولا أتطاول إلا بمكاني منك، ولا أفاخر إلّا بموقعي من إيثارك، فالحمد لله الذي جعلني بولائك مشهورا، وفي شكرك مقصورا.
علي «1» بن خلف:
رقعة: وينهي أنّ الله تعالى لمّا ألهم مولانا البرّ، ألهم المملوك الشّكر، فهو لا يزال يوسع في البرّ ويزيد، والمملوك لا يزال يبدي في الشكر ويعيد، ولكن شتّان بين فاعل وقائل، ومعط وقابل، وواهب وسائل، ورافد وحامد، وشاكر وشاكد «2» ، والمملوك يحمد الله تعالى إذ جعل يده الطّولى، وحظّه الأعلى.
رقعة: وصل برّ مولانا وقد أحالت الخلّة من المملوك حاله، وأمالت آماله،
(9/185)

فلأمت ما صدعه الدهر من مروته، وجدّدت ما أخلقه من فروته، فكفّ المملوك يديه [عن] امتحان الخلّان، وقبض لسانه عن شكاية الزّمان، وأقرّ ماء وجهه في قرارته، وحفظ على جاهه لباس وجاهته، فيا له من برّ وقع من الفقر، موقع القطر من القفر، ولم يتقدّمه من قدامة الوعد، ما يتقدّم القطر من جهامة الرّعد، وكلّ معروف وإن فاضت ينابيعه، وطالت فروعه، قاصر عن الأمل في كرمه، واقع دون غايات هممه، كما أنّ الشكر ولو واكب النّجم، وساكب السّجم «1» ، قاصر عن مكافاة تفضّله، ومجازاة تطوّله، والمملوك يسأل الله تعالى الذي جعله قدوة الكرام، وحسنة الأيّام، وربّ الإنعام، وواحد الأنام، أن يلهم المملوك من حمده، بقدر ما أسبغه عليه من رفده.
رقعة شكر: عند المملوك لسيّدي أياد وصلت سابقة هواديها، وظلّت لا حقة تواليها، فصارت صدورها نسبا أعتزي إليه، وأعجازها [سببا أعوّل في الملمّات عليه] .
رقعة: لولا أنّ الله تعالى جعل الشّكر ثمرة البرّ، والحمد جزاء الرّفد، وأراد إقرارهما على أهلهما من الغابرين، وأن يجعل لهم منّا لسان صدق في الآخرين، لكان الذي غمر به مولانا من الإنعام، يتحدّث عنه تحدّث الرّياح بآثار الغمام، ويكفى المملوك بالإشارة، مؤونة العبارة، والمملوك وإن رام تأدية ما يلزمه من شكره، قاصر عن غاية برّه، ولو استخدم ألسنة الأقلام، واستغرق أمدي النّثار والنّظام، ومولانا جدير بقبول اليسير، الذي لا تمكن الزّيادة عليه، والصّفح عن التقصير، الذي تقود الضرورة إليه، إن شاء الله تعالى.
رقعة: لو أنّ هذه العارفة بكر عوارفه، وباكورة لطائفه، لعجزت عن شكرها، وقصّرت عن نشرها، فكيف وقد سبقها قرائن ونظائر، وتقدّمها أتراب وضرائر [مما] أثقل من المملوك كاهله، وبسط به يدي أمله؟ فما يعدم شيئا
(9/186)

فيرجّيه، ولا يفقده فيرغب فيه، والذي تربّه من المملوك جوارحه، وتحويه جوانحه، علمه بأنه لا يجاري أياديه، ولا يجازي مساعيه، والله تعالى يخصّه من الفضائل، بمثل ما تبرّع به من الفواضل.
رقعة: ومثل مولانا من [ذوي الشّرف «1» ] والسّودد من حسن محضره، وطاب محبره، وكرم غيبه ومشهده، وصحّ على تغاير الأحوال عقده وودّه، وقد اتّصل بالمملوك ما أعاره له مولانا من أوصافه، وجرى فيه على عادة فضله وإنصافه، فطفق لفضله شاكرا، ولطوله ناشرا، وأضاف ذلك إلى توالد إحسانه، ونظمه في عقد امتنانه.
رقعة: قد طوّق مولانا [مملوكه] من فضله طوقا كأطواق الحمائم لا ينزع، وألبسه بردا من برّه لا يخلع، وأولاه من مزيده ما قصّرت الهمّة عن تمنّيه، ولم تهتد القريحة إليه فتستدعيه، ولو وجد المملوك جزاء على عارفته، وكفاء لمثوبته، غير الموالاة الصّريحة، وعقد الضمائر على المودّة الصحيحة، واللهج بالشّكر، في السّر والجهر، لرمى من وراء عنايته، ولا استبعد طول شقّته، ولكن المملوك عادم لما يقابل به يده الغرّاء، عاجز عمّا يقضي به حقّ موهبته الزّهراء، ما لم يحسن كرمه أمره، ويقبل منه على التقصير شكره، ويضف ذلك إلى لطائفه، وينظمه في سلك عوارفه، إن شاء الله تعالى.
رقعة: واجتهاد المملوك في نشر أياديه وشكرها، كاجتهاد مولانا في كتمانها وسترها، فكلّما أبديتها بالثّناء أخفاها، أو نشرتها بالإشادة طواها، وهيهات أن يخفى عرف كعرف المسك نشرا، ومنّ كالروضة نورا والغزالة نورا، ولو كان المملوك والعياذ بالله ستر هذا العرف بكفر، واغتمصه مانعا لشكر، لنمّ عليه حسنه نموم الصّباح، وتوقّد توقّد المصباح، فكيف وللمملوك مقول لا يسامى [يعجم سواد] «2» الليالي بالإحماد، ويرقم صفحات النهار بالاعتداد؟
(9/187)

الأجوبة عن رقاع الشكر قال في «موادّ البيان» : [إن كانت] هذه الرّقاع من المرؤوسين إلى الرّؤساء فلا جواب لها، وإن كانت من النّظير فالواجب أن يستعمل في أجوبتها مندوب التناصف والتفاوض.
جواب عن فعل المعروف والشكر عليه من كلام المتأخرين من ذلك، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، وهو بعد الصدر:
خلّد الله على الممالك نعمه، وعلى المماليك ديمه، وحرّم ببقائه ذمّ الزمان وأوجب ذممه، ولا برح نحو المحامد ينادي يوم الكرم مفرده ويوم الهياج علمه، تقبيلا يسحب في الفخار بروده المعلمة، ويتذكّر بالقرب فلا يزال الشوق ينتجه حيث كلا التّذكار والعهد مقدّمه.
وينهي ورود المثال العالي بما ملأ القلب خيرا واليد برّا، والسمع بشارة والوجه بشرا، حتّى تنافست الأعضاء على تقبيله، والجوارح على تأميله، فاليد تسابق إلى مننه بالامتداد، والقلب يسابق إلى كرم عهده بالاعتداد، والوجه يقلّب ناظره في سماء مواقع القلم، والسمع ينعم بما تقصّ عليه المسارّ من أخبار جيرة العلم، حتّى كاد المملوك يمحو بالتقبيل أسطره، ويشتغل بذلك عن استجلاء ما ذكره المنعم لا عدم المملوك في مصر والشام تكرّره، وفهم ما أشار مولانا إليه من الفضل الذي مولانا أهله، وكرم العهد الذي لا ينكر من مثله وأين مثله؟
وقابل المملوك جميع ذلك بجهده من الأدعية الصالحة، وبسماحة الحمد المتفاوحة، والاعتداد بنعمة مولانا الّتي لولا [موالاتها «1» ] كلّ وقت لقيل فيها «ما أشبه الليلة بالبارحة» وتضاعف نهوض المملوك على قدم الموالاة الّتي [يستشهد] في دعواها بشهادة الخاطر الشريف، ويتقدّم بها تقدّما تحت لواء
(9/188)

الولاء وتأتي بقيّة الأولياء في اللّفيف، والله تعالى يوزع المملوك شكر هذه النّعم المتصل مددها، والمنن الّتي لا يعدمها ولا يعدّها، ويطيل بقاء مولانا لحمد يجتليه ويجتنيه، وشرف دنيا وأخرى يهدم وفره وعمره ويبتنيه.
النوع الثالث عشر (العتاب)
قال في «موادّ البيان» : المكاتبة بالمعاتبة على التحوّل عن المودّة والاستخفاف بحقوق الخلّة من المكاتبات الّتي يجب أن تستوفى شروطها، وتكمّل أقسامها؛ لأن ترخيص الصّديق لصديقه في المقاطعة والمصارمة دالّ على ضعف الاعتقاد، واستحالة الوداد.
من كلام المتقدّمين.
إنّني ما أحدثت نبوة، إلّا بعد أن أحدثت جفوة، ولا أبديت هجرا، إلّا بعد أن أبديت غدرا، ولا لويت وجها عن الصّلة، إلّا بعد أن ثنيت عطفا إلى القطيعة، والأوّل منّا جان، والثاني حان؛ والمتقدّم مؤثر، والمتأخّر مضطّرّ، وكم بين فعل المختار والمكره، والمبتدع والمتّبع؟
آخر: إن أمسكت يا سيدي عن عتابك، مرخيا من عنانك، كنت بين قطع لحبلك، ورضا بفعلك، أو اقتصرت فيه على التّلويح به لم يغن ذاك مع كثرة جموحك، وشدّة جنوحك، وما ارتكبته من رائك، واستخرجته من جفائك.
رقعة عتاب: لمولانا لدى المملوك عوارف لا يهتدي إلى معرفتها فيوفّيها كنه المراد، وأياد لا يبلغ ما تستحقّه من الإحماد، ولو عضّدته خطباء إياد، أجلّها في نفسه خطرا، وأحسنها عليه أثرا، ما يفرضه له من برّه وإكرامه، وتعهّده واهتمامه، وقد غيّر مولانا عادته، ونقض شيمته، وبدّل المملوك من الانعطاف بالإعراض، ومن الانبساط بالانقباض، وحمّله من ذلك ما أوهى قوى صبره، وأظلم بصائر فكره، فإن يكن ذلك لخطإ واقعه المملوك ساهيا، وجرم اجترمه لاهيا، فمثل مولانا لا يطالب إلّا بالقصد، ولا يعاقب إلّا على العمد، إذ كان
(9/189)

المملوك لا يعصم من زلل، ولا يسلم من خلل، اللهمّ إلّا أن يكون مولانا أراد من المملوك تقويمه وتأديبه، وإصلاحه وتهذيبه، ليحسن أثره في خدمته، ويسلك السبيل الواضح في تباعته، فلا أعدم الله المملوك تثقيفه، ولا سلبه تبصيره وتعريفه، وإن كان ذلك لشكّ عرض من المملوك «1» في وداده، وارتياب خامر في حسن اعتقاده، فأعيذه بالله من القطع بالشّبهات، والعمل بمنغل «2» السّعايات، ومولانا خليق بأن يطلع من أنس المملوك ما غرب، وينبط من سروره ما نضب، ويعيده لرضاه، ويجريه على ما أحمده منه وأرضاه.
رقعة: ليس المملوك يرفع مولانا في إعراضه، إلّا إلى فضله، ولا يحاكمه على انقباضه، إلّا إلى عدله، ولا يستعين عليه إلّا بما يستمليه من آدابه، ولا يناظره إلّا بما أخذه عنه من محافظته وإيجابه، إذ كان المملوك مذ وصلته السعادة بحباله، ناسجا على منواله، متقبّلا شرائف خلاله. وما عهدته عمر الله معاهده، وكبت حاسده، يغضب تقليدا قبل الاختبار، ويحوج البريء إلى موقف الاعتذار، ولا سيّما إذا كان المظنون به عالما بشروط الكرم؛ عارفا بمواقع النّعم، لا ينسخ الشكر بالكفر، ولا يتعوّض عن الحمد بالجحد، وقد عرف مولانا ثناء المملوك على تفضاله، ووقف على بلائه لأعماله، وهو وفيّ بربّ عوارفه وصنائعه، وتثمير ما رهن لديه من ودائعه، وتنزيه سمعه عن الإصغاء إلى ما يختلقه حاسد، ويصوغه كائد، وقد حكّم المملوك على نفسه نقده الذي لا يبهرج عليه ولا يدلّس، وكشفه الذي لا يغطّى عليه ولا يلبّس، فليحكّ أفعال المملوك على محكّ بصيرته، وليجل في تأمّل مقاصده طرف فكرته، فإنه ممن لا تحيله الأحوال ولا تحوّله، ولا تغيّره الغير ولا تبدّله، إن شاء الله تعالى.
(9/190)

رقعة: أفعال شكر «1» المملوك في الحلم والغضب، والرّضا والسّخط، إذا لم يقتض الحزم إيقاعها موقع الفضل، واقعة موقع الإنصاف والعدل، ولا يغلّب هواه على رأيه، ولا بادرته على أناته، وقد جانب مع المملوك عادته، وباين فيه شيمته، وناله من إعراضه، وجفائه وانقباضه، وتغيّر رأيه، ما وسم المملوك فيه بالذّنب ولم يذنبه، وحمله على الجرم ولم يحتقبه، وأوقفه لديه موقف الاعتذار، وأحوجه إلى الاستقالة والاستغفار، وليس المملوك يحاكمه إلّا إليه، ولا يعوّل في الانتصاف إلّا عليه، وما أولاه بأن يعيد المملوك إلى محلّه من رضاه، فإنه لم يواقع في خدمته إلّا ما يرضاه، وحسبه شاهدا بذلك ما يعلم من المملوك من سلامة غيبه، وطهارة جيبه، وفضل ودّه، وصحّة معتقده، إن شاء الله تعالى.
رقعة بمعاتبة على «2» .
كلّ مانع ما لديه من رغبه، دافع عمّا عنده من طلبه، فمستغنى عنه إلّا الله تعالى المبتديء بالنّعم، العوّاد بالكرم، ولو عرف مولانا بطعم شجرة «3» المعروف، لأسرع إلى احتذائها، ولو علم ما لله تعالى عليه من الحقوق في ماله وجاهه، لم يقصّر عن أدائها، غير أنه ظنّ أنّ الفوز بالوجد «4» ، غاية المجد، وأنه إذا أحمد النّسب غنيّ عن الحمد، وأنّ النعمة ترتبط بالرّبط عليها، وتنصرف بالتّصرّف فيها، وما ساء المملوك أن تنزّه عن تقلّد منّة لئيم، وحرم محمدة من كريم، وهذا الحرمان أحسن والله في عين المملوك من النّوال، وهذا الإكداء أبرّ لديه من بلوغ الآمال، وسينشر المملوك مذهبه في كلّ ناد، ويكفّ عنه أمانيّ القصّاد، ويكفيه مؤونة الاعتذار، ويصونه عن أن تبذل إليه وجوه الأحرار، ليعلم
(9/191)

أنّ المملوك على منعه لم يقصّر في بلوغ أوطاره، والسّعي في إيثاره، إن شاء الله تعالى.
رقعة في المعنى: ما ردّ المملوك برّ مولانا مستنزرا لقليله، ولا لائما لنفسه على تأميله، لكنّه انتجعه انتجاع من ظنّه عارفا بقدره، راغبا في شكره، فلو أغضى المملوك منه على الاطّراح لأمره، لاستدلّ منه على قصر الهمّة، وظنّ أنه قوّمه بدون القيمة، ولا سيّما وهو يفرض لمن لا يجاري المملوك في مضمار، ولا يساويه في مقدار، من غير قصد بتأميل ورجاء، وتقديم ذريعة من تقريظ وثناء، ما تضيق عنه الهمم الفساح، ولا يصل إليه الاقتراح.
رقعة عتاب، على تقصير في خطاب:
حوشي مولاي أن يجرّ الذّيل على آثار فضله، ويميت من غروس إحسانه ما هو جدير أن يتعهّده بوبله، ويعفّي منّي رسوم كرمه، ويصدع بمجانبة الإنصاف صفاة صفاته وصفائه، وينطق الألسن بعتابه، ويصلت سيف التأنيب من قرابه، بما استحسنه من مستقبح المصارمة في المخاطبة، واستوطاه من جامح التّرييث في المكاتبه، ولا سيّما وهو يعلم أنّ موقع الإكرام من الكرام، ألطف من موقع الإنعام، وأن محلّ القال، أفضل من محلّ النّوال، وأنّ تغيّر العادة في البرّ، مقوّض لمعاهد الشّكر، ونسيح (؟) السنة في الإنصاف، قاض بالانصراف بعد الانعطاف، وقد كان المملوك أزمع أن يتحمّل تقصيره به، وأن يفلّ من غربه، غير مطاوع للحميّة، ولا منقاد لنفس العصبية، ولا يقرع سمعه بعتاب، ولا يورد عليه ممضّ خطاب. ثم رأى المملوك أن يرشده إلى الأزين، ويبعثه على اعتماد الأحسن، ويحضّه على مراجعة الأفضل، ومعاودة الأجمل، ليتحفّظ مع سواه، ولا يجري مجراه، فليس كلّ أحد يتحمّله، ويرضى رضى المملوك بما يفعله، فمولانا حبّب الله إليه الرّشد «1» ، ووفّقه إلى المنهج الأسد،
(9/192)

هل هو من شيء سوى بشر؟ فما هذا التّيه والبطر؟ ولم هذا الأزل «1» والأشر؟ وما فعل الرئيس إلى ما يصغر عنه قدر، ولا ييأس من نيله عمر، ولا مضت أقلامك في الأقاليم، ولا أشير إليك ببنان التعظيم، ولا فوّضت إليك الوزارة والرّدافة، ولا تأمّرت على الكافة، ولا طاولت الأكفاء فطلت، ولا ناضلت القرناء فنضلت، وإنما سرق إليك الحظّ من ثماده «2» وشلا «3» مصرّدا، وأدرّ لك الدّهر من أخلافه مجدّدا، فافتتحت المعاملة بظلم الإخوان، ونسخ شرائع الإحسان، كذبتك نفسك، وغرّك حدسك، كيف بك غدا إذا استردّ الزمن ما خوّلك، واسترجع ما نوّلك؟ وصحوت بالعزل من سكرة الولاية، وتقرقرت «4» بعد طلب الغاية؟
وعدت إلى إخوانك فوجدت أوطان أنفسهم بك نابية، ونفوسهم للإقبال عليك آبية؟ ولو كان الزمن أمكنك من رقبتي، وطرّق لك الطريق إلى إيداع عرفك في جهتي، لقبح بك أن تطول بطولك، وتّدعي الفضل بفضلك، ولم يحسن أن تبدّل الإنعام، وتضنّ بالالتزام، فإن كنت تفخر بسلفك وأبوّتك، وتطاول بأوّليّتك وأسرتك، فلو كان أبوك كسرى «5» ، لما جبر منك كسرا، ولو كان جدّك بخت نصّر «6»
(9/193)

لما انتفعت به في مظاهرة ولا نصّر، فدع أكثر ما فات، ولا تعوّل على العظام الرّفات، فما استند إليها إلّا عار من الفضل عاطل من الحلى. على أنّك لو فاخرتنا بها لفخرناك، وتقدّمنا وأخّرناك، وإن كنت تستند إلى ديانتك، وتعتمد على نسكك وأمانتك، فهذه خالص حال لا تخلص مرتبتها ولا تتمّ فضيلتها إلا باستشعار التّواضع، والأخذ بمكارم الأخلاق لدى التنازع، فارجع هديتك «1» إلى الأجلّ، واعمل بالأفضل، وقف بحيث رتبتك، ولا تتشوّف إلى غير درجتك، وإن أبيت ذاك فاقطع المراسلة، وأعفها من المواصلة، والسّلام.
رقعة عتاب على تأخر المكاتبة:
من حكم الوداد- أطال الله بقاء سيدي- الزيارة عند المقاربة، والمكاتبة عند المباعدة، وإن كانت المودّة الصريحة لا يغيّرها اجتناب، إلّا أنّ الكتب ألسن البعاد، والأعين الّتي تنظر حقائق الوداد، ولها في القلوب تأثير، وموقعها فيها أثير، وحوشي مولانا أن أهزّ أريحيتّه لما يؤكّد الثقة بإخائه، ويشهد ب بوفائه، ولا سيّما وهو يفرض ذلك لأحبّته، وقوله واجب في شرع مودّته.
رقعة في معناه:
إن ابتدأ المملوك مولانا لم يجب، وإن سأله الابتداء لم يوجب، فلا حقّ لإجابة تؤدّيه، ولا ناجز المسألة تقضيه، فإن كان إذا شخص غابت عن فكره أشخاص أحبّته، وإذا بعد عاملهم بتجافيه وجفوته، فقد كان ينبغي أن يتكلّف ويتجمّل، ويتصنّع ويتعمّل، فإنه لو علّل مشوبا بالانتظار، أو اعتذر ممرّضا بالاعتذار، لأقمت ذلك مقام المكاتبة، وصنته عن محض المعاتبة، لكنّه مال مع الملال، ورضي الاطّراح والإهمال، ودلّ على أنه مستقلّ بالإخوان، متنقّل مع الزمان، وأرجو أن تصدق المخيلة، ويرجع إلى العادة الجميلة.
رقعة معاتبة رجل كريم الأصل لئيم الفعل:
(9/194)

قد عرف مولانا وفّقه الله ووقفه على منهج الرّشاد، أنّ جناية الغضب الذّميم، تقدح في كرم الجنث «1» الكريم، وأنّ قبيح الصّلف، ينسخ تليد الشّرف، وخبيث الذّرّية، يعفّي على طيب المناحت الزّكيّة، وأنه ليس لمن تحلّى بالظّلم والجور، وتلبّس بالنّكث والغدر، وسامح نفسه باطّراح الحقوق، واستيطاء العقوق، إلّا إضاعة الحرم، وإخفار الذّمم.
المعاتبة من كلام المتأخرين:
الشيخ شهاب الدين محمود «2» الحلبي:
يقبّل الأرض وينهي أنه قد صار يرى قربه أزورارا، وطويل سلامه اختصارا، ويغالط في ذلك حتّى شاهده عيانا مرارا، هذا وبكر الولاء، صقيلة الجلباب، وعروس الثناء، جميلة البزّة حسنة الشّباب، وهو لا يفتأ من الموالاة في صعد وقدره في صبب، فكلّما مكّن وتد الاستعطاف يرجو عدم تخلخله فصل بأيسر سبب، بحيث أطفأ الإهمال نار المساعفة والمساعدة، وانتقل توهّم عدم العناية إلى تيقّن وجوده بالمشاهدة، وقد كان يرفع قدره فخفض، وعوّض في الحال عن الرّفع بالابتداء، أنه مفرد وينصب كالنكرة في النّداء، وأهمل حتّى صار كالحروف لا تسند ولا يسند إليها، وألغي حتّى شابه ظننت إذا وقعت متأخّرة عن مفعوليها، ومتى يقلق لأمر، أنشد نفسه (كامل) :
ما في وقوفك ساعة من باس
«3» .
وكان يغشى مجلسه الكريم خدمة وأداء للواجب، وطلبا لعادة أكّدها
(9/195)

إحسانه حتّى صارت ضربة لازب، فلا يخلو مجلس من إظهار تغيّر عادة وطّد الجود أساسها، وانتقاض قاعدة أبرم الكرم أمراسها، فينقطع سلوكا للأدب وتخفيفا عن الخواطر، ويتلقّى ما يصدر بقلب شاك ولسان شاكر، فإن كان قد عزم مولاه على طرده، وعوّضه عن منحة القرب المحنة ببعده، فإنه يأبى ذلك جوده ولطفه، ومعرفة يشكر ويزيد، لا يمكن صرفه، ولو جاز الصّرف لمجرّد «1» بالعبودية لمنعه العدل من سيّده، والحلم الذي عرف من كريم محتده «2» ، فكان المملوك يستحسن في حبره وسبره، ويعوّض عن مقابلته بجبره، فقد صار سمينه غثّا وشحمه ورما، وحديثه رثّا وسهله علما (طويل) .
وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة ... كما أنّ عين السّخط تبدي المساويا
وما ثمّ بحمد الله ما يوجب ذلك ولا بعضه، ولا يحدث ذمّ المملوك وبغضه، ولو بدا منه زلل، أو لمح منه خطل، فمكارم مولانا أوسع من إبقاء ذلك في صدور الصّدور، و [أحرى ب]- محو آيات السيّئات فإنه لمن عزم الأمور.
وله: يخدم بدعائه، وصادق ولائه، وينهي أنه انكسر خاطره، وأرق جفنه وناظره، وتضاعف بلباله، وتزايدت في النّقص أحواله، مذ تأخّرت الأمثلة الكرام وانقطعت عنه بانقطاعها المنن الجسام، وهو يسأل العفو عن ذنب وقع، وتشريفه بمثال يرفع من قدره ما وضع، واستعمال الصّفح عنه كسائر عاداته، وإجراءه على اللّطف الذي ألفه من تفضّلاته، فقد ضعف صبر المملوك وجنانه، وتفرّق للفراق جفنه وإنسانه، وصغر قدره، وأهمل جانبه وممّن أمر بإهانته فخره، ولهذا ضاقت عليه المسالك، وكان لسان حاله [ينشد] في ذلك (كامل) .
وأهنتني فأهنت نفسي عامدا ... ما من يهون عليك ممّن يكرم
(9/196)

والمملوك معترف بأنه ما زال يجهل ما يجب عليه من الخدم، ومقرّ بتقصيره عن القيام بحمل ما يواصل به من النّعم، لكنّه ألف من مولانا أن يقابل إساءته بالإحسان، وجهله بصفح لا يقوم بشكره اللّسان، بل جميع الجثمان، فإن كان ذنب من المملوك هو الذي أوجب اطّراحه، وأوجد أسفه وأذهب أفراحه، وكان أيسر مما تقدّمه من جهله وإساءته، فحلمك جدير أن يلحقه بإخوته، وإن كان قد تزايد مقداره، فالمولى قد تضاعف على العفو اقتداره، وإذا كبرت الخطيئة كثر أجر غفرانها، وعلت المجاوزة عنها على أقرانها، وعلى كلا الأمرين فقد استحقّ المملوك المغفرة بكلّ طريق، وأن يقابل رجاؤه بالتحقيق، وأمله بالتصديق.
وله: وينهي أنه ما زال يتلو آيات محاسنه وحمده، ويرفع رايات إحسانه ومجده، ويتولّاه ولا يتولّى عن محبّته، ويكثر الثناء على ألمعيّ فطنته وجزيل مروءته، وقد صار يشاهد من المولى ملالا وصدودا، وإعراضا يغيظ به صديقا ويسرّ به حسودا، واطّراحا أوهمه أنه ألف وصل درجت، أو لفظة هجر لفظت، ولا يعرف له ذنبا يوجب إبعاده، ولا جرما يستوجب به أن ينقض حبل وصله ويرفض وداده، ولا يعلم سببا يوجب سبّه، ولا شيئا يحدث عتبه، مع أنّ المملوك أحقّ أن يبدأ بالإعراض، ويرفل من إغفال مودّته في الثّوب الفضفاض، فإنّ المولى آلمه بالقول مرارا، وجعل سحابة حيفه تهمي عليه مدرارا، وهو يحتمل الأذى ويغضي على القذى، ولا يظهر إلّا محبّة، ولا يبطن له إلّا مودّة، فإن شاهد المولى بعد إعراضه إعراضا فليلم نفسه، أو أحرقه لهب نار الجفاء فلا يشكو مسّه، يحيط بذلك علما، ورأيه العالي.
شعر في العتاب (كامل) .
مولاي قد طال التّباعد بيننا ... أو ما سئمت قطيعتي وملالي؟
إن لم ترقّ لحالتي يا هاجري ... مولاي قل لي من يرقّ لحالي
(9/197)

غيره (طويل) .
يباعدني عن قربه ولقائه ... فلمّا أذاب الجسم منّي تعطّفا
غيره (منسرح) .
إن كان هجراننا يطيب لكم ... فليس للوصل عندنا ثمن
غيره (كامل) .
شمّتّ بي الأعداء حين هجرتني ... والموت دون شماتة الأعداء
غيره (سريع) .
تنام عيناك وتشكو الهوى ... لو كنت صبّا لم تكن نائما
ولبعضهم: سيدي بادأني بلطف من غير خبرة، وأعقبني جفاء من غير ذنب، فأطمعني أوّله في إخائه، وآيسني آخره من وفائه، فسبحان من لو شاء لكشف بإيضاح المبهم عن عزيمة الرأي فيه، والمملوك يقول: (متقارب)
عجبت لقلبك كيف انقلب ... وصفو ودادك أنّى ذهب
وأعجب من ذا وذا أنّني ... أراك بعين الرّضا في الغضب
أجوبة رقاع العتاب قال في «موادّ البيان» : حكم أجوبة هذه الرّقاع حكم رقاع أجوبة الاعتذار، إلّا أنها لا تخلو من الإجابة بالإعتاب أو الإصرار على العتاب. قال:
ويجب أن يسلك فيها المجيب مذهب المجيب عن رقاع الاعتذار.
زهر الآداب:
في جواب العتب على تأخّر مكاتبة:
وعلم المملوك ما أشار به من العتب بسبب تأخّر خدمه عن جنابه، وما توهّمه من اشتغال المملوك بأهله وأصحابه، وحاشاه أن يتوهّم في المملوك غير الولاء، والملازمة على الحمد والثّناء، فهو لا يعتمد ذلك إلّا تخفيفا عن خاطره،
(9/198)

ووثوقا بما يتحقّقه المولى من خالص مودّته في باطنه وظاهره، حرسه الله ووفّقه، وفتح له باب السعادة ولا أغلقه، بمنّه وكرمه.
زهر الربيع:
جواب عتاب:
زاد الله جنابه حنانا، وأسبغ عليه إنعاما وإحسانا، وخلّد له على كلّ عدوّ سلطانا.
ولا زالت همّته سماء لمناكب الكواكب، وأياديه تفيض على الأولياء غرائب الرّغائب، ولا برحت سحائب إنعامه هامية، وقطوف إحسانه دائمة دانية، وشرائع مياه جوده تجفّف جفونا من الفاقة دامية.
المملوك يجدّد خدمته، ويواتر للمولى أدعيته، ويعترف بمننه الّتي أقرّت بها ألسنة جوارحه فلا يستطيع أن ينكرها، ويغترف بيد تضرّعه من بحار جوده الّتي تثعب الوليّ من سحابها إلى كل وليّ وتقذف له جواهرها.
وينهي ورود المكاتبة والعلم بمضمونها، والاحتواء على سائر معاني فنونها، وما أشار إليه من العتب الذي يرجو به بقاء الوداد، واستصحاب حال التّواصل من غير نفاد، والمملوك فلا ينكر ذنبه، ولا يتنصّل ولا يتوصّل بل يعترف بجرمه وقلّة خدمه، ويستمسك بالعروة الوثقى من إحسانه وحلمه، ويسأل مكارمه إجراءه على عادته بالصّفح عنه ورسمه، وهو يرجو أنّ أمّ هذه الهفوة لا تلد لها أختا، وأنه لا يعتمد إلّا ما يزيده إلى المولى مقة ويزيل مقتا، فإنّ معاتبة مولانا قد وعتها أذن واعية، ومراضيه لا تخفى على المملوك بعد ذلك منها خافية، إن شاء الله تعالى.
آخر: أسعد الله المجلس وعطف للأولياء قلبه، ونصر كتائبه وأنفذ كتبه، وأرهف في نصرة الإسلام سنانه وعضبه، وألهم حبّة قلب الزمان حبّه، وأقدره على الحلم الزائد حتّى يغفر به لكلّ مذنب ذنبه.
[وينهي] ورود الكتاب الذي أعدّته يد مولانا فصار كريما، وكسته عبارته
(9/199)

ثوب براعته فأصبح منظره وسيما، واستنشق عرف نسيمه المبارك فطاب شميما، وعلم المملوك منه شدّة عتبه، ومرّ التجنّي الذي ظهر من حلو لفظه وعذبه، ولم يعرف لعتبه موجبا، ولا لتغيّر مودّته سببا، فإنه ما حاد عن طريق ولائه ولا حال، ولا زلّت قدمه عنه ولا زال، ولا ماد عن منهج المودّة ولا مال، وما فتيء لمحاسنه ناشرا، ولإحسانه شاكرا، فإن كان قد نقل عنه إلى مولانا شيء أزعجه، وأخرجه عن عادة حلمه وأحرجه، فإن الوشاة قد اختلقوا قولهم ونقلهم، وقصدوا تشتيت المصاحبة شتّت الله شملهم (طويل) .
وقد نقلوا عنّي الّذي لم أفه به ... وما آفة الأخبار إلّا رواتها
آخر: وردت المشرّفة العالية أعلى الله نجم مرسلها، وأسبغ أياديه وشكر جسيم تفضّلها، فابتهجت الأنفس بحلولها وحلل جمالها، وعوملت بما يجب من إكرامها وإجلالها، وفضّ ختامها ففاح منها أرج العبير والعنبر، وتليت ألفاظها الّتي هي أبهى من الرّياض وأحلى من السّكّر، فأغنت كؤوس فصاحتها عن المدام، وأزال ماؤها الزّلال البارد حرّ الأوام «1» ، وأعرب منشيها عمّا في ضميره من العتب، والضيق الذي حصل في ذلك الصّدر الرّحب، وهو يقسم بنعمته، وبصادق محبّته، أنه لم يبد منه ما يوجب عليه عتبا، ولا انثنى عن الثّناء على [محاسنه «2» ] الّتي شغفته حبّا، فإن كان المولى قد توهّم شيئا أحرجه وأقلقه، وإلى أليم العتب شوّقه، فليزل ذلك الوهم من خاطره، وليثق بما تحقّق من موالاته في باطنه وظاهره، ورأيه العالي.
آخر: أعزّ الله عزماته، وشكر جسيم تفضّلاته.
ولا زالت نعمته باقية، وقدمه إلى درج المعالي راقية، وهمّته إلى السّموّ على الكواكب سامية، وسماء جوده على العفاة هامية، وعزمته لثغور الإسلام حامية،
(9/200)

عبد نعمه، وغرس كرمه، يعلمه بصدق ودّه، والمداومة على شكره وحمده، وأنه وقف على مشرّفه وفهمه، وشاهد منه عتبه وعلمه، وهو لا يشكو من المولى جفاء ولا يعيب، و [عن] طريق المصافاة والمخالصة فلا يغيب، بل يقول (كامل)
أنت البريء من الإساءة كلّها ... ولك الرّضا وأنا المسيء المذنب
والمرجوّ من لطافة أخلاقه، وطهارة أعراقه، أن يصفح عن زلّته، ويعفو عن ذنبه وإساءته (طويل)
فأنت الّذي ترجى لتخفيف زلّتي ... وتحقيق آمالي ونيل مآربي
وقربك مقصودي وبابك كعبتي ... ورؤياك يا سؤلي أعزّ مطالبي
قلت: وكتبت إلى المولى شهاب الدين «1» الدّنيسريّ، وقد بلغني عنه مساعدة بعض الجهّال عليّ في بعض الأمور (طويل) .
عهدت شهاب الفضل يرمي بسهمه ... شياطين جهل أن تداني جنابه
فما بال مولانا على فرط فضله ... يعرّف شيطان الجهالة بابه؟
النوع الرابع عشر (العيادة والسّؤال عن حال المريض)
رقعة عيادة:
وينهي أنه اتّصل بالمملوك من ألم مولانا- أطال الله بقاءه- وحرس حوباءه «2» - ما أهمى مدامعه، وأحمى أضالعه، ومزّق جلده، وحرّق خلده «3» ،
(9/201)

وأطار الوسن «1» عن عينه، ونفّر الهدوء عن مضجعه، حتّى تدارك الله تعالى بكتابه الناطق بإقلاع الملمّ، المعرب عن دفاع المهمّ، فرقأ «2» من دموعي ما ارفضّ، وجبر من ضلوع المملوك ما ارتضّ، والتأم من جلده ما تفطّر، وبرد من خلده ما توقّد «3» ، وجثم ما طار من وسنه وآنس من الهدوء ما نفر عنه، والتأمت الآمال بعد انثلامها، وبرزت ثمار الأمانيّ من أكمامها، وطلع من الرجاء آفله، وروي من السّرور ماحله، وتجدّد من السّؤدد طامسه، وضحك من الزمان عابسه، والله تعالى يغضّ طرف الحدثان، عن مهجته، ويصرف صروف الزمان، عن ساحته، ويهنّيه بما أعاده إليه من الإبلال، ويملّيه بما أفاضه عليه من الاستقلال، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
رقعة: وينهي أن ما خامره من قلق وجزع، وفرق وهلع، بسبب ما بلغه من شكوى مولانا لا تحصره الأوهام، ولا تسطّره الأقلام، ولولا ثقة المملوك بالله تعالى لوهت عقد صبره، ولا نخلع فؤاده من صدره، وقد علم الله تعالى أنّ هذا الألم لو نقل إلى المملوك لما ثقل عليه، وكيف يستثقل ما يخفّف عن مولانا وصبه «4» ويحسمه، ويعكّف له سلك الشّفاء وينظمه، والله تعالى يجعله في أمان من كفايته، وضمان من حياطته، إن شاء الله تعالى.
أجوبة كتب الشفاعات «5» والعنايات قال في «موادّ البيان» : هذه الكتب إذا أجيب الملتمس إلى حاجته فينبغي
(9/202)

أن تبنى أجوبتها على شكر مقصد الشافع، والإدلال والاسترسال وإنالة المشفوع له وطره إيجابا لحقّ الشافع، وإن وقع الامتناع والتوقّف عن الإجابة إلى الملتمس، فالواجب أن تبنى على إقامة العذر لا غير.
زهر الربيع:
جواب شفاعة في حقّ كاتب:
جدّد الله [له] السعادة وخلّدها، وأصارها له شعارا وأبّدها، ووطّد به الممالك ومهّدها، وعضد به طائفة الإسلام وأيّدها، وشكر له صنائع يعدّ منها وليّ ولا كلّ يستطيع أن يعدّدها.
المملوك يقبّل اليد الشريفة أداء للفرض اللازم، وشكرا لما أولته من الأيادي والمكارم، وحمدا لألطافه الّتي أطمعته بالتمييز فأصبح برفع قدره كالجازم.
وينهي ورود المشرّف الذي نزّه ناظره، وجبر قلبه بحسن ألفاظه وخاطره، والعلم بما أمر به، وشفع إلى المملوك بسببه، وهو الكاتب الذي أشار إليه، وقد ركن إلى ما شكره به المولى وأثنى به عليه، واعتقد يمن إغارة «1» الشافع فعقد على المشفوع فيه خنصره، وتقدّم بترتيبه في ديوان إنشائه، وجعله من جملة خواصّه وخلصائه، وفعل ذلك كلّه اتّباعا لإشارته، وقبولا لشفاعته، فالمولى يواصل بمراسمه وأمثلته، فإنّها ترد على مرتسم ممتثل.
ومنه: جواب شفاعة في استخدام جنديّ:
ضاعف الله تعالى نعمه، وأرهف في نصرة الإسلام سيفه وقلمه، ولا برحت ألسنة الأنام ناطقة بولائه، وأيدي ذوي الرجاء مملوءة من فواضل نعمائه.
المملوك يواصل بأدعيته الصالحة، ويستنشق روحانيّ ريحكم فيسكن منه
(9/203)

بلذيذ تلك الرائحة، ويشكر له ما منحه من المكارم، ويباهي بعزماته اللّيوث الضّراغم، فلا يجد مضاهيا لتلك العزائم.
وينهي ورود المثال «1» الذي أشرقت الوجوه بنوره، وابتهجت الأنفس ببلاغة منشيه ووشي سطوره، وعلم إشارة المولى في معنى فلان، أدام الله سعده، وأعذب منهله وورده، والتوصية بأمره، وما أبداه من حمده وشكره، وأن يقطع إقطاعا يليق بأمثاله، ويتفيّأ من خراجها ضافي ظلاله، وعند مثول مثاله العالي امتثل والتثم، واستخدم المشار إليه لإشارته وخدم، وهذا بعض ما يجب من قبول أمره، وتعظيم كتابه وتبجيل قدره، فيواصل بمراسمه فإنها تقابل بالارتسام، ومشرّفاته فإنها تعامل بوافر الإكرام.
جواب شفاعة في الجملة (كامل) .
قل ما تشاء فإنني لك طائع ... ما أنت عندي شافع بل آمر
جعله الله لكلّ خير سببا، وحقّق به لأوليائه ظنونا وحصّل أربا، ووفّر له من أجر شفاعته الحسنة نصيبا، وأدامه عن كلّ شرّ بعيدا وإلى كلّ خير قريبا.
المملوك ينهي تألّمه لفراقه، وما يجده من صبابته وشدّة أشواقه، ويعانيه من حنينه وأتواقه، وأنه ورد عليه كتابه فاستلمه ولثمه، وبجّله وعظّمه، وعلم ما أشار إليه، وأخذ أمر المشفوع فيه بكلتا يديه، وجعل قضاء أربه أمرا لازما، وما فتيء على ساق الاجتهاد قائما، إلى أن حصّل غرضه، وأدّى من حسن القيام بأمره ما أوجبه مشرّفه العالي وافترضه، والمولى آمر غير شفيع، ومهما ورد من جهته على المملوك فوارد على سميع مطيع، فيواصل من مراسمه بما سنح، ومن أخباره بما تأرّج طيب عرفه ونفح، ورأيه في ذلك العالي.
آخر: شكر الله عوارفها، وتالد جودها وطارفها، ووافر
(9/204)

ظلالها ووارفها، وينهي ثناءه على معاليه، وملازمته ومداومته على بثّ محاسنه ونثّ أياديه، وحمد عواقب إحسانه ومباديه، وشدّة أشواقه إلى جنابه، ولذيذ مشاهدته وخطابه، وما يعانيه من غرام لازمه ملازمة الغريم، وداء صبابة يضاعف شوقه إلى رؤية وجهه الوسيم، ومداومته على التعوّض بشكر محاسنه عن المدامة والنّديم، ونظم جواهر مدحه لجيد جوده، وحمد المولى على ذلك التنظيم، وأنه ورد عليه مشرّفه العالي فقبّله، ودعا لمرسله دعاء يرجو من الله تعالى أن يستجيبه ويتقبّله، وحصل له بوصوله ابتهاج عظيم، وقال لمن حضر وروده يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ «1»
وفهم مضمونه وفحواه، وعلم معناه وما أظهره فيه وأبداه، من الوصيّة بفلان وما يؤثره من تسهيل مطالبه، وتيسير مآربه، ووصل المشار إليه وحصل الأنس برؤيته، وتمتّعت النّواظر والمسامع بمشاهدته ومشافهته، وقام المملوك في أمره قياما تامّا، وجعل عين اجتهاده في مصلحته متيقّظة لا تعرف مناما، وشمّر عن ساق الاجتهاد، في تحصيل المرام والمراد، إلى أن حصل له الفوز بنيل أمله، وعاد راتعا من العيش في أخضره وأخضله، رافلا من السّرور في أبهى حلله، فيحيط علمه بذلك، والله تعالى يعضّد به الدّول والممالك، إن شاء الله تعالى.
آخر: جعله الله مفتاحا لكلّ باب مرتج، وصدّق به [أمل] كلّ آمل وحقّق رجاء كلّ مرتج، ولا زالت سحائب جوده هامية بالوسميّ «2» والوليّ «3» ، ماطرة بوبلها وطلّها على الوليّ.
(9/205)

المملوك يخدم بتحيّة أرقّ من النّسيم، وسلام أطيب عرفا من بان النّقا «1» إذا تحمّلت عرفه ريح الصّريم «2» .
وينهي إلى علمه الكريم ورود مشرّفته وأنه أحاط بمضمونها علما، وشاهد منها في حال طيّها مكارم أصارت تفضيله على حاتم الطائيّ حتما، ووقف منها على درّ لفظ قذفه بحر خاطره نثرا ونظما، وبراعة عبارة زادت قلب مواليه غراما وأنف مناويه رغما، وفصاحة عرّفته قوله صلّى الله عليه وسلّم «إنّ من البيان لسحرا وإنّ من الشّعر لحكما «3» » وفهم عنايته بفلان نفع الله بعلمه وعمله، وقرّب له من الخير ما لا يطمعه به بعيد أمله، وإشارته بسبب التنبيه والإرشاد على جمل فضائله، ومفصّل مناقبه المشهورة في البلاد، وإيضاح كفايته في وجيز تلك الفصول الصّحاح الإسناد، فحال قدوم المذكور وحلوله، وورود مشرّفه ووصوله، أنهى المملوك أمره إلى مخدومه، وطالع به شريف علومه، ولا زال يحسن سعيه، ويعتمد على مشيئة الله ولا يترك حرصه ومشيه، إلى أن حقّق قصده بقضاء شغله، وقرّب له أمد أمله، وكتب توقيعه ولم يرد الله تعويقه، ونجع طعم قصده وأنجح الله طريقه، وقد عاد مصحوبا بالسّلامة، معروفا بتحصيل هذا القصد بأنه (طلّاع الثّنايا) من غير وضع العمامة، حسب إشارة المولى وأمره، والله تعالى يمدّه بصونه ونصره.
آخر: في استخلاص حقّ.
شكر الله إحسانه وإنعامه، وحصّل به لكل وليّ مرامه، وحمد تطوّله وتفضّله، وأنال به لكلّ آمل أمله، وخلّد دولته، وأدام نعمته، وأنفذ كلمته، ولا
(9/206)

زال فضله كاملا، وإحسانه إلى الأولياء واصلا، ونواله لبني الآمال شاملا.
المملوك يخدم أحسن من نور الرّبا، وثناء ألطف من ريح الصّبا، وسلام أطيب بمروره من تذكّر أيّام الصّبا.
وينهي ورود الكتاب الذي طاب بالمولى محتده «1» ونجاره، وزاد على كتائب الكتب فخاره، وأنه وقف عليه وقوف مشتاق إلى مرسله، شاكر أنعم فضله وجسيم تفضّله، فأسكرته تلك الفصاحة بشذاها الأرج، ونزّهت لحظه في درّ لفظها البهج، فظنّها لمّا استنشق رائحتها راحا قرقفا «2» ، ولمّا أبهجه لفظها بألفاظ تزهي على الرّياض روضة أنفا «3» ، وعلم الإشارة الكريمة في معنى فلان والوصيّة بخدمته، وما أمر به من مساعدته ومساعفته، وعند وصول مشرّف المولى وقبل وضعه من يده، نوى المملوك مساعدة المذكور على مقصده، فتقدّم بإحضار غريمه فوجده عن البلد غائبا، فانتظره إلى أن عاد آئبا، فعند وصوله طلبه وأحضره، وسأله عمّا يدّعيه عليه خصمه فأنكره، وطلب الحضور إلى القاضي «4» ، وحثّ على ذلك حتّى أوهم أنه المتقاضي، فلمّا رأى المملوك أن حجّة المشفوع فيه لا تقوم بصدق دعواه وحجج، ولا يظهر بها على غريمه إلا من طريق حرج، بذل في مصالحتهما جهد الاجتهاد، وما زال يرشدهما إلى طريق الرّشاد، ويدلّهما على سبيل السّداد، ويعرّفهما أن التضارر ضير، وأنّ الصّلح خير، فكل منهما يهيم في واد، ويسلق خصمه بألسنة حداد، إلى أن تراضيا
(9/207)

وتوافقا، وسلكا طريق الرّفق وترافقا، وصدّق الخصم خصمه فتصادقا، وانفصلا وكلّ منهما قد أرضى خدنه «1» ، وعن المحاكمة والمحاققة أغضى جفنه.
آخر: أيّد الله سعد المولى وأبّده، وأثّل مجده ومجّده، وأعانه على إسداء العوارف «2» وعضّده، وأمدّه من المسرّات بما يزيل عن الأيّام أبده «3» ، وأناله سعدا لا تبلغ الأنام أمده، ولا زال برد جدّه من السعادة جديدا، ونجم عدوّه آفلا ونجمه سعيدا.
الذي نحيط به علمه الكريم أنّ كتابه ورد فسرّى همّ الأنفس وسرّها، وضاعف بما ضاع من نشره بشرها، وفاح منه شذا عند إقباله، فقيل: قد هبّت القبول، ورنّح الأولياء، فقيل: قد هبّت ريح الشّمال وأديرت الرّاح الشّمول «4» وأنّ المملوك وقف منه على ألفاظ سقته كؤوس سرور لا كؤوس مدام، وروت له أخبار حلم لو أسندت إلى سواه لتوهّمت أضغاث أحلام، وروّت أكبادا أضرّ بها لغيبته حرّ ظمإ وأوام «5» ، وبيّنت سحر البيان، وأعربت بلسان حسنها عمّا لمنشيها بل موشّيها من الإحسان، وأغربت في الفصاحة فخلنا كلّ كلمة تنطق عن سحبان بلسان، وزهت بيانع ثمار فضلها فنزّهت كلّ عين في بستان، وعلم إشارة المولى في معنى فلان، وما أبداه من العناية في حقّه، والإيثار لصلة رزقه، وأنه من الألزام «6» ، والذين تجب معاملتهم بالإكرام والاحترام التام، وعند ما شاهد
(9/208)

المملوك كتاب من شرّفه، وسمع ألفاظه الّتي بلطفها أتحفه، بل بردائها على البرد ألحفه، تقدّم بإجابة سؤاله، وترتيبه في جهة تليق بأمثاله، وقمّصه من العناية قميصا لا يبلى، وجمع لخاطره والدّعة شملا، وهذا حسب إشارة المولى الّتي لا تخالف، وأمره الذي يقف كلّ أحد عنده ولا يستوقف ولا يواقف «1» .
كتاب إلى مريض بالسؤال عنه من كلام المتأخرين (مجزوء الكامل) .
حاشى مزاجك من أذى ... وكريم جسمك من وصب «2»
يا غاية المأمول و ... المرجوّ، يا كلّ الطّلب
مذ غبت عنّي لم أزل ... من بعد بعدك في نصب «3»
جفني غريق بالدّموع ... وماء صبري قد نضب
والله ما لي في البقاء ... وأنت ناء من أرب
فترى «4» أبشّر سيّدي ... أنّ اللّقاء قد اقترب؟
حرس الله مزاج المولى! وأصار العافية له شعارا، والصّحّة له دثارا، ولا زالت ساكنة في جوانحه، مقيمة حشو أعضائه المباركة وجوارحه.
أصدرها المملوك تعرب عن شوق يكلّ عن وصفه اللّسان، وتوق لا يحسن وصفه البنان، ولا عج يعجز عن حمل بعضه الجنان، ملتمسا المواصلة بأخباره، وواصفا ما يجده القلب من ألم الشوق وناره، وشاكيا من جور أيّام الفراق، وراجيا أن يبشّر بالإبلال من مرضه والإفراق، وداعيا إلى الله بتعجيل أيّام التّلاق. ومع ذلك فلو رمت أن أشرح كلّ ما أجده من الصّبابة لأسأمت
(9/209)

وأسهبت، بل لو ذكرت ما أعانيه لألمه لثقّلت على خاطره وشوّشت «1» ، لكن خاطر المولى شاهد بوجدي، وعارف بما تحمّلته من الكآبة الّتي لم يحملها أحد قبلي ولا تحمل بعدي، فيواصل بأخباره، والله يحرسه آناء ليله وأطراف نهاره، إن شاء الله تعالى.
في معناه (كامل) .
يا من شكا فشكا فؤادي حرقة ... لا تنطفي وصبابة لا تبرح
وغدا سقيم الجسم يوما واحدا ... فنزحت دمعا للمدامع يجرح
وازداد شوقي نحو طلعته الّتي ... أبدا بيمن بهائها أستنجح
لا زلت في عزّ وسعد دائم ... أيّامنا ببقائه تتبجّج
وبقيت ما بقي الزّمان مؤيّدا ... تمسي قرير العين فيه وتصبح
كمّل الله عافية المولى وحرسه، ولا سلبه ثوب الصّحّة بل قمّصه إيّاه وألبسه، وأخدمه الأيّام فلا تستطيع مخالفة أمره ولا الخروج عن حكمه، ورزقه أن يملك الدّنيا بحذافيرها وهذا يحصل بعافية جسمه.
المملوك ينهي أنه اتّصل به تألّمه فشقّ ذلك عليه، ووصل من القلق إلى حدّ لم يصل المولى والحمد لله إليه، وابتهل إلى الله في معافاة جسده، وأن يعضّده ببقاء والده وولده، ويضاعف تسهيل مآربه ومقاصده، ويرفع كلمته وقدره على رغم معطس شانيه الأبتر وحاسده، إن شاء الله تعالى.
جواب إلى من قنطره «2» فرسه:
(9/210)

ثبّت الله قواعد مجده، وبلّغه سعدا لا تبلغه الآمال لبعده، وأهمى على محبّيه سحائب جوده ورفده.
المملوك يخدم بتحيّة أرقّ من النّسيم، ويشكر مواهبه الّتي ما زالت تحنو عليه حنوّ المرضعات على الفطيم.
وينهي ورود الخبر بأنه كبا به جواده عندما زلّت قوائمه، وأثقلته فضائل المولى ومكارمه، فانزعج لذلك وتألّم، وكاد قلبه لولا المبشّر بسلامته أن يتكلّم، وجواد المولى لا سبيل إلى ذمّه، فإنه أسمح جواد، ولا اتّهامه بالعجز، فإنّه عرف بإتهام وإنجاد (بسيط) .
لكنّه نظر الأفلاك ساجدة ... إلى علاك فلم تثبت قوائمه
والمولى أولى من قابل عذر طرفه بطرف القبول، واعتمد عليه دون سائر الخيول، فإنّ المولى ولله الحمد في صحة دائمة، وسلامة ملازمة، وهذا هو القصد والمراد، والاستبشار الذي تفترّ له ثغور الثّغور وتعمر به البلاد، جعله الله في سعد ما له فراغ ولا نفاد، ورزقه ما دعا به العماد الفاضل والفاضل العماد، إن شاء الله تعالى.
أجوبة كتب العيادة قال في «موادّ البيان» : يجب أن تبنى هذه الأجوبة على وصول الرّقعة، وما صادفت المريض عليه من المرض، وأنها أهدت روح الهدوء، وأركدت رياح السّوء، وأقبلت بنسيم الإبلال، وتضوّعت بأرج الاستقلال، وبشّرت بالعافية والسّلامة، وآذنت بالصّلاح والاستقامة، وأشباه هذا.
(9/211)

ابن نباتة «1» المصري:
شكر الله افتقادها وأنسها، وقلمها وطرسها، وحمى من عارض الخطب لا من عارض الخصب شمسها، ولا أعدم الأولياء قصدها الجميل، وودّها الجليل، وإحسان رسائلها الّتي كرمت فما صوب الغمام لها رسيل، وأمتع الممالك بيمنها الّتي صحّت بتدبيره فليس غير النّسيم عليل.
وينهي ورود المشرّف الكريم فتلقّاه المملوك حبيبا واردا، وطبيبا بإحسانه وللجسد عائدا، وفهم المملوك ما انطوى عليه من الصّدقات الّتي ما زالت في فهمه، والمحبة الصادقة الّتي ما عزبت عن علمه، وما تضمّن من فصول كانت أنفع من فصول أبقراط «2» لمعالجة جسمه، وأين أبقراط من بركات كتاب مولانا الذي طالع منه كتاب الشّفاء على الحقيقة، والنّجاة من عروة البأس الوثيقة؟
وأدنى ورقته الحمراء لرأسه تبرّكا وإكراما وقال: نعم الجلّنارة المعوّذة من الشّقيقة، واستطبّ حروفها فإنها عن أيدي الكريم والكرامات، ولثم العلامة وتمسّك بالسّطور فإنها من أسباب الصّحّة والعلامات؟ ووافقت عيادة مولانا مبادي العافية وآذنت بالزّيادة، وصلح خطّه الكريم عائدا وما كلّ خطّ يصلح للعيادة، وما تلك الجارحة المتألّمة إلّا يد أثقلتها منن مولانا فأعيت وتألّمت، ثم أعانتها بركته هي والقدم بالحمل العظيم وتقدّمت، وما بقيّة الجوارح إلّا عيون كانت تنتظر لطف الله تعالى وبركته وقد قدمت، فشكرا لها من بركات تنعم بها قبل الجسوم أرواحها، وأدوية قلبيّة تعالج بها ذوات النّفوس فكيف أشباحها، لا برح جوهر كلمات مولانا يؤذن بالشّفاء من العرض، وسهام أقلامه إذا كتبت عائدة أو جائدة أصابت الغرض وفوق الغرض.
(9/212)

وله: تقبّل الله منه وفيه صالح الأدعية، وملأ بمحاسن ذكره وبرّه الآفاق والأندية، وشكر هباته وبركاته الّتي تنزل بعارض الغيث قبل الاستمطار وترفع عارض الألم قبل الأدوية، تقبيل معترف بسابق النّعم، مقيم على صحّة العبودية والولاء في حالتي الصّحّة والسّقم.
وينهي ورود مشرّف مولانا الكريم على يد فلان عائدا من جهة العيادة، وعائدا من جهة الصّلات المعتادة، ومفتقدا لا عدم الأولياء في الشّدّة والرّخاء افتقاده، ما كان إلّا ريثما نشق العليل نسماته الصحيحة، وتناول كأس ألفاظه الصّريحة، وإذا بقانون المزاج قد همّ باعتداله، وكتاب الشفاء والنجاة قد تسنّت فوائد إقباله، فتميّز حال الصحّة من المرض، واستعمل جوهر الألفاظ فعزم على زواله العرض، وبلّغ الولد فلان المشافهة وكلّ مقاصد مولانا مبتدأة مبتدعة، والمملوك «1» جوابها وكلّ أجوبته منوّلة منوّعة، شكر الله عوارف مولانا المتّصلة، ورسل افتقاده الّتي منها العائد ومنها الصّلة.
وله في جواب كتاب عيادة وارد في يوم عيد على يد من اسمه جمال الدين محمود:
شكر الله مننها الّتي إذا أبدت أعادت، وإذا جادت أجادت، وإذا كرّرت الافتقاد حلا، وإذا تصدّت لمودّات القلوب صادت، تقبيل مخلص في ولائه وابتهاله، مقيم على صحة العهد والحمد في صحّته واعتلاله.
وينهي ورود مشرّفة مولانا الكريمة على يد الولد جمال الدين محمود متفقّدا على العادة، مكرّرا لعيادة الإحسان وإحسان العيادة، فقابل المملوك بالحمد واردها، وبعوائد الاعتداد عائدها، وفهم ما تضمّنته من تألّم قلب المالك على ضعف المملوك وقلق خاطره على بدن كبيت «2» العروض منهوك، وأنه كان
(9/213)

ابتدأ ضعف المملوك فتألّم، ثم تلا خبر الصحة فتلا، ولكنّ الله سلّم، ثم بلغه أنّ آلاما تراجعت، وموادّ واصلت بعد ما قاطعت، فحملته خواطر الإشفاق عليّ على تكرير العيادة، وارتقاب فعلات الشفاء المستجاده، جاريا من إحسانه وافتقاده على أجمل معهود، باعثا مشرّفته وحاملها وكلاهما حسن الحال محمود، فعندما وصلا أوصلا كمال العافية، وحقّقت أخيلة البرء الشافية، وما كان المشكوّ إلّا مادّة يسيرة وزالت، وبقيّة ضعف تولّت بحمد الله وبركة مولانا وما توالت، وما عيّد المملوك إلّا وشفاء الجسد في ازدياد، والنفس بالوقت وبالمشرّفة في عيدين قائمين بأعياد، لا زالت منن مولانا إزاء اللّحظ حيث دار، وودّه وحماه جامعين فضل الجار والدّار.
زهر الربيع:
لا زال محروس الشّيم، هاطلة سحائبه بالدّيم، مشكورا بلساني الإنسان والقلم.
المملوك يقبّل يده الشريفة مؤدّيا للواجب، ويواصل بدعاء صالح أصاره إنعامه ضربة لازب.
وينهي إلى كريم علمه ورود مشرّفه الذين أبهج الأنفس وضاعف الصّبابة، وأفنى الصبر عن محيّاه وإن كان ما أفناه أيسر صبابة، وأنّه علم منه إنعامه وتشوّفه إلى المملوك وإلى سماع أخباره، وما أبداه من شفقة ألفت من إحسانه وعرفت من كريم نجاره، وتحقّقت من شيمه على من ينأى عن بابه العالي وداره، فالله يحرس هذه الأخلاق الّتي هي أرقّ من الماء الزّلال، والشمائل الّتي تفعل بلطفها فعل الجريال «1» ، والمملوك فو الله لا يحصي شوقه إلى الخدمة العالية ولا يحصره، ولا يقدر على وصف ما يسرّه من الأتواق ويظهره، إنما الاعتماد في ذلك على شاهدي عدل من خاطره وقلبه، وهما يغنيان المملوك عن شرح ولائه بألسنة أقلامه ووجوه كتبه، وأما السؤال عن أخبار مزاج المملوك فإنه كان في ألم دائم، وسقم ملازم؛ لشدّة المرض، الذي كان يحتوي على جوهر جسمه
(9/214)

والعرض، فمذ ورد كتاب المولى انتعشت قوّته، واشتدّت منّته، وصدقت في طلب تناول الغذاء شهوته، وترجّى الشفاء بعد أن كان على شفا التّلف، وكان له كالطبيب الآسي في إزالة مرض الأسا والأسف. وقد حصلت للمملوك مسرّتان بكتاب المولى وعافيته، وفرحتان بما أهداه إليه من عفو إنعامه ومحو أثر الألم وتعفيته، وكلّ ذلك بسعادته.
ومنه: ورد المشرّف العالي لا زال قدر مرسله شريفا، وشرفه الباذخ يجعل كلّ شريف مشروفا، وسحائب جوده تهدي إلى الأولياء من مكارمه تليدا وطريفا، وقواضبه تردّ [طرف] حوادث الأيّام عنه مطروفا، وأياديه تبعث لمحبيه تحفا، وهيبته تهدي إلى الأعداء خوفا، والدهر بخدمة جنابه العالي مشغوفا، فوقف عليه وقوف مشتاق إلى مسطّره، متنزّه في ربيع ألفاظه وحسن أسطره، وعرف منه إحسانا ما فتيء يعرفه، وتفضّلا ما زال المولى بمثله يتحفه، وما أشار إليه من شدّة إيثاره، لرؤية المملوك وسماع أخباره، والذي ينهيه أنّ جسده كان قد تضاعف ضعفه، حتّى أتعب الألسنة وصفه، فلما وقف من مشرّف المولى على خطّ هو الوشي المنمنم، وألفاظ هي الرّحيق المختّم بل الدّرّ المنظّم، وسحر هو محلّل وكلّ سحر محرّم، أبلّ المملوك وبردت غلّته، وبرأت علّته، وكان كمن استوفى نصيبه من النّصب، وأخذ قسمه من السّقم والوصب «1» ، فسقاه مشرّفه الصحة في كاس، وأفاض عليه من العافية أفخر لباس.
آخر (كامل) .
ورد الكتاب فعمّت الأفراح ... وأضاء في ليل الأسا الإصباح
وافترّ ثغر للزّمان بفرحة ... وللفظه طربت ربّى وبطاح
وتضوّعت أرواح طيب عرفها ... تحيا به الأجسام والأرواح
وسقى سلاف فصاحة وبلاغة ... ما المسك عند شميمها ما الرّاح
شكر الله مننه، وأخدمه زمنه، ومنحه من العيش أغضّه وأحسنه، وشرّف
(9/215)

ببقائه الدهر وشنّف بمدحه أذنه.
المملوك ينهي إلى علمه وصول مشرّفه الذي تنزهّت الأعين في حسن منظره، ويانع ثمار لفظه البديع ووشي أسطره، وأنه استنشق من ريحه أطيب نفحة، وتقمّص منه ثوبي دعة وصحّة، فشفى داء شفّ منه جسمه، وزاد لوروده سروره وزال همّه، وعلم إنعام المولى الذي لا يشكّ فيه، وإحسانه الذي لا يحصره لسان مادح ولا يحصيه، وما ذكره من الألم الملمّ به واشتغال خاطره الكريم لما ألمّ بجسمه، والمرض بسعادة المولى قد بقي منه قلّه، وتقلّص بعدما امتدّ ظلّه، والعافية تتكمّل إن شاء الله تعالى برؤية محيّاه الكريم ومشاهدته، والمثول بين يديه العاليتين في خدمته.
النوع الخامس عشر (في الذّمّ)
ذمّ بخيل لأحمد «1» بن يوسف:
كأنّ البخل والشّؤم صارا معا في سهمه، وكانا قبل ذلك في قسمه، فحازهما بالوراثة، واستحقّ ما استملك منهما بالشّفعة، وأشهد على حيازتهما أهل الدّين والأمانة، حتّى خلصا له من كلّ مانع، وسلما له من تبعة كلّ منازع، فهو لا يصيب إلّا مخطيا، ولا يحسن إلّا ناسيا، ولا ينفق إلّا كارها، ولا ينصف إلّا صاغرا.
وفي مثله: وصل كتابك فرأيناك قد حلّيته بزخارف أوصافك، وأخليته من حقائق إنصافك، وأكثرت فيه الدّعاوى على خصمك، من غير برهان أتيت به على دعواك وزعمك.
(9/216)

ومنه: ولو أراد غير ذلك من الأخلاق السّنيّة، الشريفة الهنيّة، لاستوحش في سبلها، ووقع في مضّة منها، ولن يجد من سلفه ولا نفسه دليلا عليها، ولا هاديا إليها.
ومنه: لأبي العيناء «1» :
أما بعد، فلا أعلم للمعروف طريقا أحذر ولا أوعر من طريقه إليك، ولا مستودعا أقلّ زكاء ولا أبعد ثمرة خير من مكانه عندك، لأنه يحصل منك في حسب دنيّ، ولسان بذيّ، ونسب قصيّ، وجهل قد ملك طباعك، فالمعروف لديك ضائع، والشّكر عندك مهجور، وإنما غايتك في المعروف [أن] تحرزه، وفي وليّه أن تكفر به.
ومنه: لمحمد»
بن الليث:
بكم علن الظّلم، وظهرت البدع، واندفن الحقّ، وعزّ الفاجر، وظهر الكافر، وفشت الآثام، ونقضت الأحكام، واتّخذ عباد الله خولا، وأمواله دولا، ودينه دخلا.
ومنه: لأبي عليّ «3» البصير:
عدوّك منعزل عنك، وصديقك على وجل منك، إن شاهدته عاقّك، وإن غبت عنه حاقّك، تسأله فوق الطاقة، وترهقه عند الفاقة، وإن اعتذر إليك لم تعذره، وإن استنصرك لم تنصره، وإن أنعم عليك لم تشكره، ولا يزيدك السّنّ إلّا نقصا، ولا يفيدك الغنى إلّا حرصا، تسمو إلى الكبير، بقدر الصغير، وتشفّ للتّطفيف لا للتخفيف، تعترض الناس بالسّؤال، غير محتشم من الإملال، ولا
(9/217)

كاره لأن ينظر إليك بعين الاستقلال، حتّى لقد أخرجت الأضغان، وقبّحت الإحسان، وزهّدت في اصطناع المعروف، وإغاثة الملهوف، والناس منك بين أسرار تفشى، وبوائق تخشى، وشناعات واردة، ونوادر باردة. ودّك تخلّق، وشكرك تملّق.
ومنه: لسعيد «1» بن حميد:
رجل يعنف بالنّعم عنف من قد ساءته بمجاورتها، ويستخفّ بحقّها استخفاف من لا يخفّ عليه محملها، ويقصّر في شكرها تقصير من لا يعلم أنّ الشكر يرتبطها، ومن كانت هذه حاله في اختياره لنفسه، فكيف أرجو حسن اختياره لي؟ ومن كان في مدّة من ابتلاء الله بعيدة ما بين الطّرفين لا أدري أينفذ بي الأجل إلى أقصاها؟ أم يقصّر بي في أدناها؟ فكيف يتّسع الصدر للصبر عليه؟ إنّ الله لا يخاف الفوت فهو يمهله، وإنه إن مات لم يخرج من سلطان الله جلّ وعزّ إلى سلطان غيره فيعاجله، وأنا على خوف من إعجال المدى عن بلوغ [مناي فأذهب] «2» حرجا صدري، وعلى ثقة من الشّغل في الآخرة بنفسي عن التّشفّي من أهل عدواتي وترتي «3» ، وأحمد الله على المحنة، وأسأله تعجيل روح النّعمة، وفسحة العافية.
النوع السادس عشر (في الأخبار)
قال في «موادّ البيان» : كتب الأخبار وإن كانت من الكتب الكثيرة الدّوران في الاستعمال فليست مما يمكن تمثيله، ولا حصر المعاني الوامقة «4»
(9/218)

فيه برسوم تشتمل عليها، نعم ولا أن نقدّم له مقدّمة تكون توطئة لما بعدها، كما يجري الأمر في سائر فنون المكاتبات الأخر الّتي لا تخلو من مقدّمات تحلّ منها محلّ الأساس من البنيان، والرأس من الجثمان، لكن المقدّمات الّتي توضع في الكتب من شرطها أن تكون مشتقّة من نفس معنى الكتاب، ومنهي الخبر لا يمكنه أن يستنبط من كل خبر ينهيه مقدّمة تكون باسطا له، وإنما يقول: كتبت من موضع كذا يوم كذا، والذي أنهيه كذا، بل الذي يلزمه أن يتحدّاه بطاقته، ويتحرّاه بجهده، أن يبيّن ما يطالع به من الأخبار، ويكشفه ويوضّحه ويفصح عنه، ولا يقف منه إلّا عند الشفاء والإقناع لتتقرّر صورته في نفس من ينهيه إليه، اللهم إلّا أن يكون الخبر مما يوجب الأدب العدول عن لفظه الخاصّ به، والإخبار عنه بألفاظ تؤدّي معناه، ولا يهجم على المخبر بما يسوء سماعه، كأن يكون خبرا يرفعه إلى سلطان «1» عن عبد له قد أطلق فيه ما يضع منه ويسقط مهابته، أو نحو من ذلك مما يثقل على السلطان المنغص منه، فإنه ينبغي أن يعدل في هذا وأمثاله عن التصريح إلى التعريض، ومن التصحيح إلى التّمريض، وعن المكاشفة إلى التّورية، وأن يأتي بألفاظ تدلّ على معاني ما يروم إبداءه، ويحرص [على] صورة منزلة السلطان وتوقيره عن قرع سمعه بما يكرهه ولا تجوز مقابلته به، وأن يقصد إلى استعمال الإيجاز والإطناب في المواضع الّتي تحتمل كلّا منهما، فهذا ما يمكن أن يتعرّف من رسوم هذا الباب.
قال: ومن نفذ فهمه وخاطره في الصناعة وتدرّب فيها، يكتفي بهذه اللّمعة.
ولا يحتاج إلى زيادة عليها.
في الإخبار بوقوع مطر وسيل من ترسّل أبي الحسين «2» بن سعد:
(9/219)

فالماء منه يفيض على العمران، بعد أن ضاقت به المغايص والغدران، فأتى على كثير من التّلال والرّوابي، فضلا عن الرّساتيق «1» والقرى، وصار الوادي على اتّساع عرضه، وامتداد طوله، وسعة مصبّه، وفسحة مغيضه، لا يفي بهضمه، ولا يقوم بحمله، ففاض منه ما عطّل العمران ونسق الدّور ومحق الزّروع، فعظم به البلاء، وكثر له الجلاء، وشمل الفساد، وعظم الخراب.
صدر كتاب بإخبار عن الخليفة:
كتبت، ومولانا أمير المؤمنين في توطّد من خلافته، وتمهّد من دولته، وعلوّ من رأيه، ونفاذ من كلمته، وعزّ من سلطانه، وارتفاع من شانه، ونعم سابغة عليه وعلى أهل طاعته، قالصة عن أعدائه وأهل مخالفته، واستقامة من أطرافه وثغوره، واستتباب من أحواله وأموره، الحمد لله على إحسانه حمدا لا يقف دون رضاه، ولا يحيط بمقداره سواه.
صدر بإخبار عن الوزير:
كتبت، وحضرة الوزارة السامية في نعم مخصبة الأكناف، بعيدة الأطراف، سادرة الويل، ساحبة الذّيل، وما أنظر فيه من أمر دولته منتظم، وأراعيه من أحوال رعيّته ملتئم، وقد وطّأ الله له أوعار السّياسة والتّدبير، ووقفه على جوادّ المصلحة في التقديم والتأخير، والحمد لله حمدا يستقلّ بحقّه فيقضيه، وبواجبه فيؤدّيه، وينتهي إليه عزّ سلطانه فيرضيه.
صدر بإخبار عن أمير:
كتبت، والأمير في علوّ من سلطانه، وارتفاع من شانه، وظفر يواكب ألويته، ونصر يصاحب دولته، ووافى عليّ من ظلّه، وشملني من فضله، ما سبغ لباسه، وطابت أغراسه، والحمد لله اعترافا بنعمته، حمدا يوجب شمول منّته،
(9/220)

ويستدعي الشكر عليها، ويقضي بمزيد منها.
صدر بأخبار عن عافية المكتوب عنه:
كتبت، وأنا صالح الحال، وقد منّ الله تعالى بالعافية والإنعاش، والإقالة والا «1» اش، وأعاد إليّ الصحة بعد نبوها وذهابها، والسلامة بعد نجعها وإغرابها، وأسبل النّعمة بعد الإنذار، والتحذير من الاغترار، ممحّصّا بما ألمّ من الآلام عصب الأيّام، والحمد لله أولى ما تليت به النّعم، وطرّز به المفتتح والمختتم، حمدا يؤمّن من التغيير والتبديل، ويعيذ من الانتقال والتّحويل.
أبن أبي «2» الخصال، في الإخبار عن زلزلة عظيمة وقعت بمدينة قرطبة «3» من الأندلس.
الشيخ الأجلّ، الوليّ الأكرم الأفضل، أبو فلان، الذي أطرفه الله تعالى بعجائب الأخبار، وأذهب به في مسلك الاتّعاظ ومنهج الادّكار، أبقاه الله آخذا في سنن الانزعاج ونهج الازدجار. المخلص له المحض الناصع من الولاء، ومعرفة غريب الآثار وعجيب الأنباء، فلان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمّا بعد حمد الله الذي جعل عبره أنواعا متلوّنة وصنوفا، وأرسل الآيات وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
«4» . والصلاة على سيدنا محمد المصطفى
(9/221)

صلاة طيّبة تعبق تأريجا وتضوع تعريفا، وعلى آله وأصحابه الطاهرين الذين حضروا حروبا وشهدوا زحوفا، والدعاء لسيدنا الإمام أمير المؤمنين في نصر عزيز يؤنّس مذعورا ويؤمّن مخوفا، فإني كتبته- كتب الله لكم دعة حافظة وأمانا، وتصديقا بآيات الله البيّنة وبرهانا- من موضع كذا، عند ما طرأ علينا ما كحل العيون بقذاها، ومنعها لذيذ كراها، وأخفق الضّلوع الحانية وأقلق مصارين حشاها، وهو أنّ الله، عزّ وجلّ، ذكّر عباده إن نفعت الذّكرى، ونبّههم إن تنبّهوا ولم يأمنوا منه كيدا مبيرا ولا مكرا، وذلك بزلزال قضى به على قرطبة وبعض أعمالها، وملأ نفوس ساكنيها من روعاتها وأوجالها، وحالت لذلك في الخوف «1» والارتفاع أقبح حالها، حتّى نحوا إلى الاستكانة والضّراعة، وأطاع الله من لم يكن له قبل ذلك طاعة، وخشوا بل كانوا يوقنون أنّها زلزلة الساعة. وكان من عظيم آثارها، وكريه إيرادها وإصدارها انهدام القبّة العظمى في المسجد الجامع صانه الله، وكانت قبّة أسّس على التّقوى بناؤها، وذهب في المشارق والمغارب ذكرها العاطر وثناؤها، وتهدّمت بسبب ذلك الهدم ديار كثيرة، وحدث به حوادث مبيرة. وأما تلوكة من أعمالها، وكان فيها مبنى من مباني الرّوم، فإنه غادرها قاعا صفصفا، وقرا نفنفا، واضطرّ ذلك الخطب الفادح، والرّيح القادح، إلى أن خرج السيّد أبو إسحاق وكافّة أهل قرطبة من ديارهم، وفرّوا من الموت بأقواتهم وأصحابهم، ثم إنّ الله عزّ وجلّ تدارك بالرّحمى، وكشف تلك الغمّى، جعل الله ذلك صقلا لقلوبنا، وتوبة عما سبق من ذنوبنا، وعصمنا من جرمنا الموبق وحوبنا «2» وأولانا وإيّاكم أمنا من الغير، وازدجارا بما ظهر من العبر، وجعل كلانا «3» جميل الحوادث طيّب الخبر، بمنّه، والسّلام الطيب المبارك ورحمة الله وبركاته.
(9/222)

من كلام المتأخرين في الإخبار بقدوم نائب إلى نيابة.
من ذلك نسخة كتاب عن نائب الشام إلى كافل الممالك الإسلامية مخبرا له بوصوله إلى دمشق، من إنشاء الشيخ جمال الدين «1» بن نباتة، وهو بعد الألقاب:
لا زالت آفاق الممالك مضيّة بأنوار شمسه، هنيّة بأنس سعادته وسعادة أنسه، سنيّة المقاصد الّتي قام في كفالتها بنفاسة نفسه، ولا برح يستثمر من خير الدّنيا والآخرة ما قدّم صنعه الجميل من غرسه، تقبيلا يشافه به القلم القرطاس، ويودّ المملوك لو شافه به الخدم ساعيا سعي القلم على الرّاس. وينهي قيامه بوظائف دعاء ينير الحلك، وولاء يدور بكواكب الإخلاص إدارة الفلك، وحمد تذهب به صفحات الصّحف حيث ذهب وتسلك عقود الأفلاك حيث سلك، وأنّه خدم بهذه العبوديّة عند وروده إلى دمشق المحروسة لنيابة كانت عناية مولانا سفيرة أمرها، ومميّزة برّها، يوم كذا، وسعادة مولانا السلطان- خلّد الله ملكه- تعلّمه وتعلمه، والغيث ببركات الدولة القاهرة يسايره ويقدمه، وثغر المطر يسابق ثغر المملوك إلى مشافهة الثّرى ويلثمه، والرعيّة منه آمنة في سربها، وادعة بظلال الأبواب الشريفة مع بعدها دعة الصّوارم في قربها، وباكر المملوك يوم الاثنين الذي بورك فيه، في الخميسين من يوم وجيش، وانتصب لمهمّات على مثلها في الخدمة يطيب أن يرفغ لين العيش، مجتهدا فيما هو بصدده، مستمدّا من ربّه، عزّ وجلّ، وسعادة سلطانه برشده، معتدّا نعم مولانا فيما يأتي [في] ذلك من أوفى وأوفر عدده ومدده، والله تعالى يعين المملوك على شكر منن مولانا الباطنة والظاهرة، والغائبة والحاضرة، والمقيمة والمسافرة، ويصل نفع المملوك بولائه في الدنيا والآخرة، ويقيم الرّعايا بالأمن من كفالته الّتي ما
(9/223)

برحت بعيون الأعداء فإذا هم بالسّاهرة.
الأجوبة عن كتب الأخبار قال في «موادّ «1» البيان» : الأخبار على أكثر الأحوال لا أجوبة لها، وإنما هي مطالعات بأمور ينهيها الخدّام، وأصحاب البرد إلى السلاطين، مما تخرج أوامرهم إلى الولاة «2» بما تضمّنته، مما يقتضيه كلّ خبر ينهى من سياسة عامّة، أو مصلحة تامّة، قال: فأما ما يستعمله الإخوان في المكاتبة بالأخبار الّتي يكل بعضهم إلى بعض الإخبار بها، فمنها ما يقتضي الجواب، ومنها ما لا يقتضيه.
قال: وأجوبة ما يقتضي الجواب منها تفتنّ بحسب افتنان الأخبار والأغراض الّتي يجيب المجيب بها، وهو أيضا مما لا يعبّر عنه بقول جامع ولا برسم رسم كلّيّ، وإنما يرجع فيه إلى الأمور الّتي يبتدأ بها ويجاب عنها.
النوع السابع عشر (المداعبة)
قال في «موادّ البيان» : ومعاني المداعبات الّتي يستعملها الإخوان غير متناهية، والأغراض الّتي ينتظمها المزاح وتعدّ من طلاقة النفس لا تقف عند قاصية؛ لأنها مستملاة من أحوال متباينة، ومأخوذة من أمور غير معينة، وحصرها في رسوم جامعة يستحيل، وتمثيلها غير مفيد؛ لأنه لا تعلّق لبعضها ببعض، ولا نسبة بين الواحد والآخر، ثم قال: والأحسن بأهل الوداد والصّفاء، والأليق بذوي المخالصة والوفاء، أن يتنزّهوا في المداعبة الدائرة بينهم عن بذيء اللفظ ومفحشه، ومؤلم الخطاب ومقذعه، ويكفّوا اللسان واليد عن الانطلاق بما يدل
(9/224)

على خفّة الأحلام، والرّضا بالرّذل من الكلام اللائق بسفهاء العوامّ، ويتحرّجوا من إرسال قول يبقى وصمة على [مدى الأيّام] إذ لا فرق بين جرح اللّسان وجرح اليد، وقد نطق بها المثل؛ لما في ذلك من الترفّع عن دنايا الأمور الّتي لا يتنازل إليها الكرماء، والتنزّه عن المساقط الّتي لا يستعملها الأدباء، وصيانة المروءة عما يشينها ويخدشها، وتوقيرها عما ينقصها، والأمن من الجواب الذي ربّما قدح في النفس وأثّر، وأحمى الصدر وأوغر، ونقل عن التّوادد إلى التّضادد، وعن التّداني إلى التّباعد، وقد أشار إلى ذلك أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه بقوله من أبياته المنسوبة إليه (متقارب) .
فربّ كلام يمضّ الحشا ... وفيه من الضّحك ما يستطاب
مع مراعاة السلامة من المداخلة المنطوية على الغلّ، والمراآة المبنيّة على المكر، إذا لم يكن للمقابلة على الابتداء الممضّ بالجواب المريض، وغير ذلك مما لا تؤمن عاقبته، ولا تحسن عائدته. قال: ويكون المستعمل في هذا الفنّ ما خفّ موقعه، ولطف موضعه، وهشّ له سامعه، وتلقّاه الوارد عليه مستحليا لثماره، مستدعيا لأنظاره، ولا يعدل به عن سمت الصّدق، وطريق الحقّ، ومذهب التحرّز من المذق «1» ، ويقتصر فيه على النادرة المستطرفة، والنّكتة المستظرفة، واللّمعة المستحسنة، والفقرة المستغربة، دون الإطالة المملّة، ولا يجعل المزح غالبا على الكلام، مداخلا لجميع الأقسام، فإنّ ذلك يفسد معاني المكاتبة، ويحيل نظام المخاطبة، ويضع من معناها وإن كان شريفا، ويوخم لفظها وإن كان لطيفا، ويذهب بجدّها في مذهب الهزل ويميله عن القصد؛ وإلى ذلك يشير بعضهم بقوله (طويل) .
أفد طبعك المكدود بالجدّ راحة ... بلهو وعلّله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما يعطى الطّعام من الملح
(9/225)

وأن يقتصد مع ذلك. ثم قال: وينبغي أن يقصد إلى استعمال الدّعابة في المواضع اللائقة بها، والأحوال المشابهة لها، ولا يودع بابا من الأبواب ما لا يحتمله من الخطاب، فإنّ القصد في هذا النّوع من المكاتبات إنما هو الإعراب عن الظّرف والبراعة، والإبانة عن طلاقة النّفس، والانسلاخ من تعبيس الفدامة «1» والجهامة، ثم عقّب ذلك بأن قال: ومن وقف من ذلك عند الحدّ الكافي، ولزم فيه الأدب اللائق بأهل التّصافي، دلّ على ما ذكرناه، وشهد لمستعمله بإحراز ما وصفناه، ومن تعدّى ذلك عدّ من المجون والملاعبة، وحسب من رذالة الطبع ونذالة الخيم وسفه اللسان، وغير ذلك من الأمور الّتي لا تليق بالكاتبين الكرام، الذين هم خيار الأنام، وولاة النقض والإبرام. وختم ذلك بأن قال: والكاتب إذا كان مهيّأ الطبع للانطباع برسوم الصّناعة ومناسبة أوضاعها، أغناه الوقوف على هذا القول المجمل في استعمال ما يقع في هذا الباب عن تمثيل مفصّل، ولم يذكر له مثالا.
ابن أبي الخصال:
سيّدي وواحدي الذي اجمّل ذكره، وأوالي شكره، لا زال مغناك رحيبا، وزمانك خصيبا، ولا زلت تأخذ لأخراك نصيبا، عبدك فلان مؤدّيها ينتجع الكرام، ويباري في جريها الأيّام، فتارة يجمع، وأخرى يفرّق، وطورا يغرّب، وطورا يشرّق، وأمّ الحضرة- وصل الله حراستها وأدام بهجتها ونفاستها- والملك بها غضّ الشّباب، وأخضر الجلباب، وإحسانك إحسانك، ومكانك من المروءة مكانك، فأوسعه قرى، واملأ عينيه على الشّبع كرى، أستغفر الله، بل أمجده تبنا وعلفا، وأركبه حزنا «2» من الأرض ظلفا «3» ، ودونكه لم يقلّب أرضه بيطار، ولا لجناية به جبّار، وجرحه جبار، وعنده كما علمت دعاء مباح، وثناء في الشكر
(9/226)

مساء وصباح، والسلام.
من كلام المتأخرين:
كتب بعضهم إلى كمال الدّين بن الأثير، وقد جاء إليه في بستانه فلم يجده ولا وجد من أنصفه:
حضر المملوك البستان، مستدنيا قطوف الإنعام والإحسان، واستمطر سحائب فضله، وهزّ إليه بجذع نخله، فلم تتساقط عليه رطبا جنيّا، فعلم أنه قد جاء شيئا فريّا، فثّبت نفسه مع تصاعد الأنفاس، والطمع ينشده (كامل) .
ما في وقوفك ساعة من باس
«1» فانطلق حتّى أتى القرية مستطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوه، مستعطفا حاشيته الرقيقة فأبوا «2» حاشيته أن يستعطفوه، وقال كلّ منهم: تطالب بالقرى كما تطالب بدينك، ارجع حيث شئت هذا فراق بيني وبينك. وعلم أنه لو أقام بها جدارا لما أعطي عليه أجرا، ولو حاول قرى لسمع من التوبيخ ما لم يستطع عليه صبرا، فرجع بخفّي حنين، بعد مشاقّ جرّعت كاسات الحين، فأين هذه المعاملة مما نشيعه عنه من كريم الخلال؟ وكيف نشكو نقص حظّ وله كمال الإحسان وإحسان الكمال؟
الأجوبة عن رقاع المداعبة قال في «موادّ البيان» : ينبغي للمجيب عن المداعبة أن يشتقّ من نفس الابتداء جوابا مناسبا لها، وأن يبنيه متى أحبّ الأخذ بالفضل على المسامحة، واطّراح المناقشة، والإغضاء عمّا يمضّ إبقاء على المودّة، وتحسينا لقبح الصّديق، وتعوّدا لعادة الحلم والاحتمال، وأن يذهب في الجواب مذهب الاختصار، وإيراد النّكت الرائعة كما في الابتداء، على ما تقدّم.
(9/227)

الفصل الثامن «1» (في إخفاء ما في الكتب من السّرّ)
وهو مما تمسّ الحاجة إليه عند اعتراض معترض من عدوّ ونحوه يحول بين المكتوب عنه والمكتوب إليه، من ملكين أو غيرهما حيث لم تفد الملطّفات «2» لضرر الرّصد وزيادة الفحص عن الكتب الواردة من الجانبين، وهو على نوعين.
النوع الأوّل (ما يتعلّق بالكتابة، وهو على ضربين)
الضرب الأوّل (ما يتعلّق بالمكتوب به)
وذلك بأن يكتب بشيء لا يظهر في الحال، فإذا وصل إلى المكتوب إليه فعل فيه فعلا مقرّرا بين المتكاتبين من إلقاء شيء على الكتابة، أو مسحه بشيء، أو عرضه على النار ونحو ذلك.
وقد ذكروا لذلك طرقا:
(9/228)

منها- أن يكتب في الورق بلبن حليب قد خلط به نوشادر فإنه لا ترى فيه صورة الكتابة، فإذا قرّب من النار ظهرت الكتابة.
ومنها- أن يكتب في الورق أيضا بماء البصل المعتصر منه فلا ترى الكتابة، فإذا قرّب من النار أيضا ظهرت الكتابة.
ومنها- أنه يكتب فيما أراد من ورق أو غيره بماء قد خلط فيه زاج «1» ، فلا تظهر الكتابة، فإذا مسح بماء قد خلط فيه العفص «2» المدقوق، ظهرت الكتابة.
ومنها- أن يكتب في الورق غير المنشّى بالشّبّ «3» المحلول بماء المطر، ثم يلقيه في الماء أو يمسحه به، فإنه إذا جفّ ظهرت فيه الكتابة.
ومنها- أن يكتب بمرارة السّلحفاة فإنّ الكتابة بها ترى في الليل ولا ترى في النهار.
ومنها- أن تأخذ الليمون الأسود وعروق الحنظل المقلوّة بزيت الزيتون جزءين متساويين وتسحقهما ناعما، ثم تضيف إليهما دهن صفار البيض وتكتب به على جسد من شئت، فإنه ينبت الشّعر مكان الكتابة، وهو من الأسرار العجيبة، فإذا أريد إرسال شخص بكتاب إلى مكان بعيد، فعل به ذلك، فإنه إذا نبت الشّعر قرئت الكتابة.
الضرب الثاني (ما يتعلق بالخطّ المكتوب)
بأن تكون الكتابة بقلم اصطلح عليه المرسل والمرسل إليه لا يعرفه
(9/229)

غيرهما ممن لعلّه يقف عليه، ويسمّى التعمية، وأهل زماننا يعبّرون عنه بحلّ المترجم، وفيه نظر؛ فإنّ الترجمة عبارة عن كشف المعمّى، ومنه سمّي المعبّر لغيره عن لغة لا يعرفها بلغة يعرفها بالتّرجمان، وإليه ينحلّ لفظ الحلّ أيضا، إذ المراد من الحلّ إزالة العقد فيصير المراد بحلّ المترجم ترجمة المترجم أو حلّ الحل، ولو عبّر عنه بكشف المعمّى لكان أوفق للغرض المطلوب.
ثم مبنى ذلك على قاعدتين:
القاعدة الأولى- كيفية التعمية.
اعلم أنّ التعمية بالنّسبة إلى كلّ واحد من الناس باعتبار ما يجهله من الخطوط، فيعمّى على العربيّ في اللغة العربيّة بالخطوط غير العربيّة، كالرّوميّة والعبرانيّة ونحوهما، إذا كانت حروف تلك اللغة توافق لغة العرب، أو بقلم مصطلح عليه على وفق حروف العربية، وكذلك يعمّى على غير العربيّ من الرّومي ونحوه ممن يجهل الخطّ العربيّ بالقلم العربيّ، وعلى ذلك.
ثم للناس في التعمية مذهبان:
المذهب الأوّل- أن يكتب بالأقلام القديمة
الّتي ليست بمتداولة بين الناس مما لا يعرفه إلّا الآحاد، إذا وافق ذلك القلم اللغة الّتي تريد الكتابة [بها] .
وقد ذكر ابن الدّريهم «1» أنّ أقلّ اللّغات المغل «2» وهو سبعة عشر حرفا،
(9/230)

وأطولها الأرمنيّ، وهو ستة وثلاثون «1» حرفا. ثم قال: والتركيّ عشرون «2» حرفا، وكذلك الفارسيّ إلّا أنّ في الفارسيّ ثلاثة أحرف ليست في التّركيّ، وهي الهاء والفاء والدال. وفي التركيّ ثلاثة ليست في الفارسي، وهي الصاد والطاء المهملتان والقاف، والعبرانيّ والسّريانيّ اثنان وعشرون حرفا [من أوّل أبجد إلى آخر قرشت. واليونانيّ والروميّ القديم أربعة وعشرون حرفا] «3» ولهم قلم آخر ثلاثون حرفا، والقبطيّ اثنان وثلاثون حرفا، وذكر أنّ جميع الأقلام مقطّعة الحروف على اصطلاح أبجد، خلا العربيّ والمغليّ والسّريانيّ فإنّ حروفها توصل وتقطع، وقطع السرياني كالعربي، وأقلام المتقدّمين المقرّرة، كالرّوميّ والفرنجيّ وغيرهما معلومة لا حاجة إلى التمثيل بشيء منها.
المذهب الثاني- أن يصطلح الإنسان مع نفسه على قلم يبتكره وحروف يصوّرها
، وقد ذكر ابن الدّريهم أنّ الناس اختلفت مقاصدهم في ذلك؛ فمنهم من يصطلح على إبدال حرف معيّن بحرف آخر معيّن حيث وقع في القلم المعروف بالقمّي، وهو أنهم جعلوا مكان كلّ حرف من حروف العربية حرفا آخر من حروفها، فجعلوا الكاف ميما وبالعكس، والألف واوا وبالعكس، والدّال المهملة راء مهملة وبالعكس، والسين المهملة عينا مهملة وبالعكس، والفاء ياء مثناة تحتية وبالعكس، فيكتب محمد «كطكر» وعلي «سهف» ومسعود «كعسار» وعلى ذلك، وقد نظم بعضهم ذلك في بيت واحد ذكر فيه كلّ حرف تلو ما يبدل به، وهو (سريع) .
كم أو حط صلا له در سع ... في بز خش غضّ ثج تدفق
(9/231)

قال: ومنهم- من يعكس حروف الكلمة فيكتب محمد «دمحم» وعلي «يلع» .
ومنهم- من يبدل الحرف الأوّل من الكلمة بثانيه مطلقا في سائر الكلام فيكتب محمد أخو علي «حمدم خا عويل» إلى غير ذلك من التمييزات.
ومنهم- من يبدل الحروف بأعدادها في الجمّل، فيكتب محمد أربعون، وثمانية، وأربعون، وأربعة، وتعمل التعمية صفة محاسبة.
ومنهم- من يكتب عوض عدد الحرف حروفا وهو أبلغ في التعمية، فيكتب محمد «لي بو لي أج» لأنّ اللام والياء بأربعين وهي عدد ما للميم الأولى، والباء والواو بثمانية وهي عدد ما للحاء، واللام والياء أيضا بأربعين وهي عدد ما للميم الثانية، والألف والجيم بأربعة وهي عدد ما للدال، فكأنه قال:
م ح م د. وإن شاء أتى بغير هذه الحروف مما يتضمن هذه الأعداد.
ومنهم- من يجعل لكلّ حرف اسم رجل أو غيره.
ومنهم- من يضع الحروف على منازل القمر الثمانية والعشرين على ترتيبها على حروف أبجد، فيجعل الألف للشّرطين، والباء للبطين، والجيم للثّريّا، وهكذا إلى آخرها، فيكون بطن الحوت للغين من ضظغ. وربما اصطلح على الترتيب على أسماء البلدان أو الفواكه أو الأشجار أو غير ذلك، أو صور الطير وغيره من الحيوانات، إلى غير ذلك من ضروب التّعامي الّتي لا يأخذها حصر. وأكثر أهل هذا الفنّ على أن يرسم الحروف أشكالا يخترعها قلما له مقطّعة على ترتيب حروف المعجم. والطريق في ذلك أن يثبت حروف المعجم ثم يرتّب تحت كل واحد شكلا لا يماثل الآخر، فكلما جاءه في اللفظ ذلك الحرف كتبه بحيث لا يقع عليه غلط، ثم يفصل بين كلّ كلمتين، إما بخط أو بنقط أو ببياض أو دائرة أو غير ذلك، وأكثر المتقدّمين يجعلون الحرف المشدّد بحرفين، والمتأخرون يجعلونه حرفا واحدا، وهذه صور حروف مترجم كان قد وصل إلى الأبواب السلطانية من مناصحين في بغداد يقاس عليه.
(9/232)

؟؟؟؟ القاعدة الثانية- حلّ المعمّى، وهو مقصود الباب ونتيجته
. ويحتاج المتصدّي لذلك مع جودة الحدس وذكاء الفطرة أن يعرف اللغة الّتي يروم حلّ مترجمها مما وقع به التعمية فيها، ومقدار عدد حروفها، ولا خفاء في أن حروف العربية ثمانية وعشرون حرفا، ويجب أن يعرف الحروف الّتي تدخل كلّ لغة والحروف الممتنعة الوقوع فيها كما تقدّم.
ثم المعوّل عليه، والمنصبّ القول إليه، فيما هو متعارف في هذه المملكة لغة العرب الّتي [هي] أشرف اللغات وأبذخها.
والناظر في حلّ مترجمها يحتاج إلى أصلين:
الأصل الأوّل- معرفة الأسّ الذي يترتّب عليه الحلّ
، والذي تمسّ إليه الحاجة من ذلك سبعة أمور:
أحدها- أن يعرف مقادير الحروف الّتي تتركّب منها الكلمة.
واعلم أنّ كلام العرب منه ما يبنى على حرف واحد مثل «ق» من الأمر بالوقاية، و «ع» من الأمر بالوعي، ومنه ما يبنى على حرفين من الأفعال مثل «قم» في الأمر بالقيام، و «كل» في الأمر بالأكل، ومن الحروف نحو: من في ربّ هل بل وما أشبه ذلك. ومن الأسماء المبنيّة نحو: ذي، ذا، من، كم، ومن الضمير مع حروف الجرّ نحو: بك، له. ومنه ما يبنى على ثلاثة أحرف وأربعة وخمسة في الحروف والأفعال والأسماء، ثم تدخل فيه أحرف الزيادة العشرة، وهي «هويت السّمان» وثلاثة أحرف أخر، وهي الفاء وباء الجرّ وكاف التشبيه وكاف الخطاب إلى أن تبلغ الكلمة على اصطلاح الكتّاب [أربعة] عشر حرفا، كقولك مخاطبا لرجلين [أنشآ] جنينة: أفلمستنزهاتكما أعددتماها.
(9/233)

قال ابن الدّريهم: وليس في كلام العرب كلمة رباعيّة الأصل أو خماسيّة الأصل ليس فيها حرف من الحروف الذّلقيّة «1» كاللام والنون والواو، والشّفوية كالفاء والميم والباء إلّا ما شذّ مثل «عسجد» من أسماء الذّهب.
قال: ونهاية الأسماء العربيّة قبل الزّيادة خمسة، وشذّ (؟) مثل عندليب، والأفعال قبل الزيادة أربعة، وليس في القرآن كلمة خماسيّة الأصل سوى الأسماء الأعجميّة مثل إبراهيم، ولا يمكن أن يتكرر حرف [في] كلمة واحدة أكثر من خمسة كقول القائل ما رأينا [كككا كككككم «2» ] جمع ككّة وهو المركب الكبير مثل عكّة وعكك، وأربع كافات في قولك «3» وككعكك.
الثاني- أن يعرف الحروف الّتي لا يقارب بعضها بعضا بمعنى أنها لا تجتمع في كلمة واحدة.
واعلم أنّ في الأحرف ما لا يقارب بعضه بعضا مطلقا بتقديم ولا تأخير كالثاء المثلّثة، فإنها لا تقارب الذال المعجمة والزاي المعجمة والسين والصاد المهملتين والضاد المعجمة، وكذلك الجيم لا تقارب الطاء المهملة ولا الظاء المعجمة ولا الغين المعجمة ولا القاف ولا الكاف، وما وقع من ذلك في الكلام نحو: نغجة وبرجق وجرموق وجولق وجلاهق ومنجنيق وجوقة وجوسق وضنجق
(9/234)

وسنجق «1» وجردق ونحو ذلك فليست عربية؛ لأنه لا يجتمع في كلام العرب جيم وقاف في كلمة واحدة، وكذلك الدال المهملة لا تقارن الظاء المعجمة والذال المعجمة لا تقارن الزاي المعجمة والصاد والضاد والطاء والظاء، وما وقع في الكلام من ذلك فليس بعربيّ، مثل طبرزد فارسيّ والزّطّ نبطيّ، ولا تقارن السين المهملة الصاد المهملة والضاد المعجمة والظاء المعجمة، ولا تقارن الصاد المهملة الضاد المعجمة ولا الظاء المعجمة، ولا تقارن الضاد المعجمة الشين والظاء المعجمتين، ولا تقارن الطاء المهملة الظاء المعجمة، ولا تقارن القاف الغين «2» المعجمة ولا الكاف في كلمة أصلية، وشدّ نغق الغراب وناقة نغيق، ولا تقارن الكاف الخاء المعجمة في كلمة أصلية، ولا تقارن الميم الباء الموحّدة والفاء في كلمة أصليّة إلّا في فم وأصله فوه، وأما بمّ لأحد أوتار العود فليس بعربيّ، والحروف الحلقيّة لا يقارن بعضها بعضا خلا الهاء فإنها تعقبها زائدة، كهاء الضمير وهاء التأنيث، وتعقب العين أصلية كالعهد والعهر وعهر، وليس في كلمة أصلية حرفان حلقيّان سوى ما تقدّم من الهاء، وقد تعقب بواسطة كغيهب وعبهر، أما حيهل فمركّبة، ولا يجتمع حرفان من هذه الخمسة؛ وهي الهاء والطاء المهملة (؟) والعين والغين والخاء المعجمة في أوّل كلمة سوى ما ذكر، ولا في أثناء الكلمة إلّا الهاء مع العين كهلع والهاء مع الغين كأهيغ، والخاء مع الغين كأخيغ «3» ، والهاء مع الخاء المعجمة في كلمة واحدة وهي هبيّخة، ولا تجتمع الهاء الأصلية مع الخاء المعجمة، ولا الحاء المهملة
(9/235)

والعين المهملة إلّا أن تكون مركّبة، مثل: هرقصع (؟) والحيعلة.
الثالث- أن يعرف الحروف الّتي لا تقارن بعض الحروف في الكلمات إلّا قليلا
، كمقارنة السّين المهملة للشّين المعجمة في شسع والشين مع الزاي كشزر والراء مع اللام كورل.
[وأعلم] أنّ الحرف الواحد يتكرر في الكلمة الواحدة كثيرا مثل دهده وتهته ونهنه وحصحص وحبحب وحمحم وجلجل وخلخال وشعشعة وزعزع ودغدغ وبغبغ ونعنع وعسعس وزعازع وغوغاء وضحضاح وخوخ وما أشبه ذلك.
الرابع- أن يعرف ما يجوز تقديمه على غيره من الحروف وما يمتنع،
فالثاء لا تتقدّم الشّين المعجمة، والدال المهملة لا تتقدّم على زاي «1» ولا صاد مهملة ولا طاء مهملة بدليل أنهم لما عرّبوا مهندر، أبدلوا الزاي سينا فقالوا مهندس وهندسة، والذال المعجمة لا تتقدّم الجيم ولا السّين المهملة ولا الشين المعجمة والا العين المهملة، ومن هنا لمّا عرّبوا الفالوذج من الفارسيّ قالوا فالوذق، والشين المعجمة لا تتقدّمها الزاي المعجمة ولا السين المهملة ولا الصاد المهملة، والطاء المهملة لا تتقدّم الكاف في كلمة أصلية، والسين المهملة لا تتقدّم على الدال المهملة إلّا قليلا كسداب «2» ، والذال المعجمة لا تتقدّم على الدال المهملة إلّا قليلا كقولك في الأمر ذد الغنم.
الخامس- أن يعرف ما لا يقع في أوّل الكلمات من الحروف
كالجيم لا تقع بعدها التاء المثناة فوق ولا الصاد المهملة ولا الضاد المعجمة ولا الغين
(9/236)

المعجمة، أما الجصّ فمعرّب.
السادس- أن يعرف أنه لا يتكرّر حرف في أوّل كلمة إلّا من هذه العشرة الأحرف
وهي: الكاف واللام والميم والنون والتاء المثناة فوق والألف والباء الموحّدة والواو والقاف والياء المثناة تحت ويجمعها قولك «كلّ من تاب وقي» وأقلّها وقوعا كذلك الياء.
السابع- أن يعرف أكثر الحروف دورانا في اللّغة
، ثم الذي يليه من الحروف في الكثرة إلى أقلّها دورانا.
واعلم أنّ كلام العرب أكثر ما يقع فيه على ما دلّ عليه استقراء القرآن الكريم الألف ثم اللام ثم الميم ثم الياء المثناة تحت ثم الواو ثم النّون ثم الهاء ثم الراء المهملة ثم الفاء ثم القاف ثم الدال المهملة ثم الذال المعجمة ثم اللام ألف ثم الحاء المهملة ثم الجيم ثم الصاد المهملة ثم الخاء المعجمة ثم الشين المعجمة ثم الضاد المعجمة ثم الزاي المعجمة ثم الثاء المثلّثة ثم الطاء المهملة ثم الغين المعجمة ثم الظاء المعجمة، وقد جمع بعضهم أحرف الكثرة في قوله (اليمونة) وبعضهم يجمعها في قوله (اليوم هن) وجمع الحروف المتوسطة في قوله (رعفت بكدس «1» فخج) وجمع أحرف القلّة في قوله (طظغ صخدز قش) .
قال ابن الدّريهم: وقد يقع في لفظ غير القرآن على خلاف ذلك كما يتعمّدون الظم والنثر بغير ألف أو بغير نقط أو بغير عاطل الحروف أو ألفاظ قليلة، وقد يكون الكلام ألفاظا قلائل لا تستوعب الحروف.
الأصل الثاني- كيفية التوصّل بالحدس إلى حلّ المترجم.
قال ابن الدّريهم: إذا أردت حلّ ما ترجم لك، فابدأ أوّلا بعدد الحروف،
(9/237)

وكم تكرّر كلّ شكل منها مرة فأثبته أوّلا فأوّلا. قال: وأوّل ما تستخرج الفاصلة إن كان الذي عمّى قد بالغ في التعمية، يعني بإخفاء الفاصلة في ضمن الحروف، وذلك أنك تأخذ حرفا فتظنّ أنّ الفاصلة تكون الثاني فتجريه على ما تقرّر من الكلمات من المقادير على ما تقدّم، فإن وافق وإلّا أخذت الثالث، فإن وافق وإلّا الرابع وهكذا حتّى يصحّ لك انفصال الكلمات، ثم تنظر أكثر الحروف دورانا في الكلام فتقاربه من الترتيب المتقدّم في أكثر الحروف دورانا على ما تقدّم، فإذا رأيت حرفا قد وقع في الكلام أكثر من سائر الحروف فتظنّ أنه الألف، ثم الأكثر وقوعا بعده فتظنّ أنه اللام، ويؤيد صحة ظنك أن اللام يدار في أكثر استعمالاته تابعا للألف، ثم تنظر إن كان في الكلام حرف مفرد فتظن أنه اللام ألف، ثم أوّل ما تلفّق من الكلام الثنائية بتقريب حروفها حتّى يصحّ معك شيء منها فتنظر أشكالها وترقم عليها، وتجري الكلام في الثّلاثيّات حتّى يصحّ معك شيء منها فترقم نظائره، ثم تجري الكلام في الرّباعيّات والخماسيّات على الوزن المتقدّم، وكلّ ما اشتبه فاحتمل احتمالين أو ثلاثة أو أكثر تثبته إلى حين يتعيّن من كلمة أخرى، فما انتظم لك من ذلك فتثبت الباقي عليه، وإذا رأيت حرفا قد تقدّم الألف واللام في أوّل الكلمة فتظن أنه إما باء واحدة وإما فاء وإما كاف غالبا.
قال: وينبغي أن يكتب للمبتديء أوّلا كلّ كلمة على حدتها منفصلة، وأن يكتب له الشّعر دون النثر، فإنّ الوزن يساعده على ظهور بعض الحروف، كهاء التأنيث وتاء التأنيث الساكنة وتاء المتكلّم والساكن الذي لا يمكن أن يكون إلا أحد حروف العلة الدائرة في الكلام وأمثال ذلك، ثم ضرب لذلك مثلا بأنك إذا رأيت هذه الأسطر مكتوبة بهذا القلم.
؟؟؟
(9/238)

؟؟؟ قال: فينبغي قبل كلّ شيء أن يبدأ فيرقم تحت كلّ شكل من هذه الأشكال كم تكرر مرّة أوّلا فأوّلا على هذا المثال:
؟؟؟ فيجد قد تكرّر معه هذا الشكل 5 أكثر من كلّ الأشكال بكثير، فيعلم أنّه الألف فيرقم عليه في مواضعه، ثم المكرّر بعده أكثر من باقي الأشكال هذا الشكل فيظنّ أنه اللام ويحقّق ظنّه كونه تابعا للألف في سبعة مواضع من الكلام، ثم ينظر فيجد فيه حرفا واحدا كلمة فيظنّ أنها اللام ألف، ثم يجد الكلمة الثالثة ثنائيّة ثانيها اللام ألف فيمكن أن تكون إحدى هذه: بلا تلا جلا حلا خلا سلا علا غلا فلا كلا هلا ولا، ثم يجد هذا الشكل الذي مع اللام ألف قد ورد مكررا في أوّل كلمة امتنع أن يكون جيما أو حاء أو خاء أو سينا أو عينا أو غينا أو هاء فلم يبق معنا سوى بلا تلا فلا كلا ولا، ثم يجد الكلمة الخامسة ثنائيّة ثانيها ألف فيمكن أن تكون إحدى هذه با جا دا ذا سا شا ضا فا ما نا يا، ثم يترجّح أنها ما أو يا لأن هذا الشكل قد تكرر أكثر من باقي الحروف فيكون إمّا الميم أو الياء وإن قاربهما النون لكن ما ويا أكثر وقعا في الكلام من نا فإنها غريبة الوقوع، ثم رأينا هذا الشكل المتقدّم قد تلا الشكل الذي مع اللام ألف الذي ظننّا أنه أحد هذه هـ ب ت ف ك وفي الكلمة الثلاثية
(9/239)

المكرر أوّلها فجرّبنا الحروف مع الميم فظهر منها لفظة «ففي» لا غير ثم نظرنا هذا الحرف فوجدناه وقع في أربعة مواضع في الكلام لا غير، فقلنا إنه الفاء؛ لأن الياء بنسبة هذا الكلام تقع أكثر من ذلك غالبا، فصحّ معنا أنّ الكلمة الثالثة «فلا» والكلمة الخامسة «يا» والحرف المفرد «لا» والكلمة الخامسة منه هي رايد ذلك أننا وجدنا الكلمة الحادية عشرة قد تكرر [فيها] بعد الألف واللام حرفان تلاهما ألف بعده حرف آخر، ولا يمكن أن يتكرّر حرف في مثل هذا المكان سوى الميم إذا جرّبته على جميع الحروف، فقلنا: الممات المماح الممار المماس المماع، ورأينا هذا الشكل الذي هو آخر الكلمة قد تكرر أكثر من باقي الحروف بعد الألف واللام والباء، فبقي أن تكون هذه ر س ت ع لأن الميم قد صح معنا ولم يكن النون فعلّمنا على الميم في مواضعه، ونظرنا فرأينا هذا الشكل أوّل الكلمة الرابعة الثّلاثيّة وقد صح ثانيها اللام وثالثها الميم فجرّبناها على هذه الحروف فسقطت الراء وبقي أحد هذه: سلم تلم علم، ثم نظرنا الكلمة المجارية للممات المماع المماس، فرأينا قبل الألف واللام حرفا يكون أحد هذه ب ل و؛ لأن الفاء علّمناها، ونظرنا هذا الحرف قد تبع الألف واللام قبل الياء، ووجدناه بين البين في كلمة ثلاثية تكون إحدى هذه أبا أذا أسا أنا، فجرّبنا الكلمة على الباء والدال والسين والنون على أن يكون الحرف الآخر السين فلم يتفق منه لفظ فسقط «سلم» ثم جرّبناها على أن تكون العين فحصل منه بعد الحرف الأوّل البياع، ثم على أن تكون تاء فحصل منه الثبات السيات فسقط وبقي أبا أسا أنا ثم نظرنا الكلمة السابعة وهي ثلاثية أوّلها اللام وثانيها هذا الحرف الذي قبل الياء وثالثها هذا الدائر بين العين والتاء قلنا يقوم منها «لست» وسقط الباء والنون، وإنما لم يقم منه «كسع» لأنه لما سقطت الباء سقطت العين من البياع، فصح أن تلك «السيئات» ونظيرها «الممات» والثلاثية «تلم» وسقط علم، فرقمنا على التاء في مواضعها وعلى السين في مواضعها، فصارت الثلاثية «أسا» فقد صح معناه من الكلمات: «فلا تلم يا لست الممات لا أسا ففي»
(9/240)

وبقي الحرف الذي قبل السيئات ثم نظرنا الكلمة العاشرة الثّلاثية فيها ت ي فجرّبناها على الحروف فظهر منها «حتّى» لا يشاركها شيء فعلّمنا على الحاء في مواضعها، ثم نظرنا كلمة خماسية قد بقي منها الحرف الوسط، فجربناها على الحروف فقام من ذلك: «حسرات حسكات حسنات» فعلمنا أنه حسنات؛ لأن هذا الشكل؟؟؟ تكرر أكثر من باقي الحروف بعد الألف واللام والياء والتاء، وقد صحّ الميم فأثبتنا النّون في موضعها. ثم نظرنا هذا الشكل؟؟؟ في أوّل كلمتين ثلاثيّتين وقد صح من إحداهما ن ي ومن الأخرى ل ي، فجرّبنا الحرف فوجدناه إمّا عينا أو واوا، فيقوم منهما عني علي وبي ولي فتعين أن يكون عينا لقلة الحرف عن مرتبة الواو. ثم نظرنا كلمة سباعيّة قد بقي منها حرف مجهول، جرّبناها على الحروف فصحت «البيان» لا يشاركها لفظة أخرى، وللحرف هذا الشكل الذي قبل السّيئات فتعيّنت الباء في مواضعها. ثم نظرنا كلمة سداسيّة ثالثها حرف مجهول، فجرّبناها فظهر منها «الكتاب» ثم نظرنا كلمة خماسيّة قبل الّتي قبل «هذه» قد بقي حرف الوسط [منها] مجهولا، فجرّبناها على الحروف فقام لمحيف لمدنف لمصنف فتعينت «لمصنف» بسبب سياق الكلام بلفظ «الكتاب» ورقمنا على الصاد. ثم نظرنا الكلمة الأخيرة قد بقي منها رابعها مجهولا، فجرّبناها على الحروف فصحّت «الموصل» وصحّت الكلمة الّتي بعد لست أنها «أسلو» فرقمنا على الواو. ثم نظرنا الكلمة الأولى وهي ثنائية أوّلها ص فجرّبناها فصحت صدّ، وإنما كنا أخّرناها لقلّة وقع حروفها، ثم علّمنا على الدال فوجدنا كلمة ثنائية آخرها «د» فجرّبناها على باقي الحروف الّتي لم تظهر، فقام منها جد حد قد هد. ثم نظرنا كلمة ثلاثية فصح أوّلها ت وآخرها ل وسطها هذا الحرف الذي قبل الدال في الثّنائية، فجرّبناها على الجيم والخاء والقاف والهاء، فسقطت الهاء وبقي تجل تقل تخل. ونظرنا فرأينا سياق الكلام يدل على أن الكلمة قبل أسا «قد» والثلاثية «تقل» فانتظم الكلام «لا تقل قد أسا» . ثم نظرنا الكلمة السادسة قد بقي منها ثانيها مجهولا، فجرّبناها على باقي الحروف فصحت «عذولي» ،
(9/241)

فرقمنا على الذال في مواضعه، ثم نظرنا الكلمة الثلاثية الّتي بين «لمصنف» وبين «الكتاب» أوّلها هذا الشكل قد صح منها «ذا» فعلمنا أنّها «هذا» ورقمنا على الهاء، ثم نظرنا الكلمة الخماسيّة الّتي بين «ففي» وبين «منه» قد بقي رابعها، فجرّبناها على باقي الحروف فصحت «الوجه» . ثم نظرنا الكلمة السباعية الّتي قبل الأخيرة وقد بقي منها رابعها مجهولا، فجرّبناها فظهر منها الدّريهم، فتكمل الحلّ وظهر الكلام (خفيف) .
صدّ عنّي فلا تلم يا عذولي ... لست أسلو هواه حتّى الممات
لا تقل قد أسا ففي الوجه منه ... حسنات يذهبن بالسّيّئات
هذا البيان لمصنّف هذا الكتاب، عليّ «1» بن الدّريهم الموصليّ.
وعلى مثل هذا المنوال يجري الحلّ، ثم انظر إلى حروف هذا الكلام كيف جاءت أحدا وعشرين حرفا، ونقص منه ثمانية لم توجد فيه، فإذا نظرت إلى ما قرّرت لك من ترتيب وقع الحروف كما جاءت في الكتاب العزيز، رأيت الثمانية الناقصة هي آخر الترتيب سواء لم يختلط منها شيء بتقديم أو تأخير، وهذا اتفاق؛ لأنه قد يقع الحرف قريبا من رتبته كما تقدّم وكما تقدّمت الياء على الميم في هذا الكلام، والفاء على الميم والنّون، وتقدّمت الهاء على الميم أيضا، لكن الأصل معرفة وقع الحروف بالتقريب وتجربة الكلمات، ومقاربة ما دلّ عليه سياق الكلام.
ولنضرب مثالا آخر: لتتضح أنواع الحلّ.
وهذا مثال آخر أورده ابن الدّريهم، وهو:؟؟؟
(9/242)

؟؟؟ فتعدّد المكررات من الأشكال كما مرّ وترقمها على هذه الصفة.
؟؟؟ فتنظر فإذا أكثرها وقعا؟؟؟ ثم؟؟؟ ثم؟؟؟ ثم هذين؟؟؟ ثم هذين ثم هذا ثم هذه فتظن أن هذا الشكل الألف، وهذا اللام؛ لكونهما أكثر وقعا من الجميع فلم يوافق؛ لأنه قد تقرّر أن اللام تكون تابعة للألف في أكثر المواضع ولم نجده تبعه البتة، بل وجدنا العكس فعلمنا أن هذا هو الألف وهذا هو اللام، ورقمنا عليهما في مواضعهما فإذا الكلمة الثانية الثّلاثية فيها لامان، بقي حرف آخرها مجهول، فجرّبناها على الحروف فظهرت الهاء لا يمكن غيرها، فعلمنا أنها «لله» ورقمنا على الهاء في مواضعها، ثم وجدنا الكلمة الخماسيّة قد بقي رابعها مجهولا، فجرّبناها فظهر الهما ألهجا ألهما الهنا، ووجدنا الحرف قد تكرر أكثر من كلّ الحروف بعد الألف واللام، فظننا أنه الميم، لكنه يحتمل أن يكون النون، وسقط الباء والجيم فوجدناه في الثنائيات في كلمتين قبل الألف،
(9/243)

فعلمنا أنها «ما» فرقمنا على الميم في مواضعها، ثم رأينا الميم قد تبعه في الثّنائيّات حرف يحتمل أن يكون مد مر مس مص مط مع من، ورأينا الحرف كثير الوقوع، وقد تكررت ثلاث لفظات، فعلمنا أنها «من» ورقمنا على النون في مواضعه، ثم رأينا هذا الشكل؟؟؟ أكثر من غيره وهو قبل الألف واللام وفي أوائل الكلمات فقلنا إنه الواو، ثم رأينا آخر كلمة قد بقي منها رابعها مجهولا، فجرّبناها فظهر والبهم والتهم والجهم والدهم والسهم والشهم والفهم واليهم، ثم وجدنا هذا الحرف الذي فيها قد جاء قبل حرف في الثّنائيّات وذلك أكثر ما وقع بعد الألف واللام والميم، فيحتمل أن يكون الياء، ووجدنا قد بقي من كلمة هذا الحرف فصحّ أن يكون النّهي وأخرى أولي، فعلمنا أنها الياء، فجربنا الحرف معها، فظهر بي ني، ووجدنا كلمة خماسيّة هذا الحرف رابعها وبعد حرف آخر، جربناها على الياء والفاء فظهر اللبث اللبد اللبس اللبط اللبك اللفت اللفج اللفح اللفظ اللفق. ثم وجدنا هذا الحرف الآخر أوّل كلمة بعده لامان وهاء، فجرّبناها فظهر منها الحرف الثالث مجهولا، جرّبناها ظهر التّمام الحمام الذّمام الشمام الغمام الكمام، فرأينا سياق الكلام يدلّ على أنه «ظلّل الغمام» وتعينت تلك اللفظة والأخرى الفهم والثنائية، فرقمنا على الفاء، ثم رأينا الكلمة الثالثة الثّلاثيّة ثانيها لام وآخرها ياء وبعدها «ما ألهما» فدل سياق الكلام على أنها «على» فرقمنا على العين، فرأينا الرّباعيّة الّتي بعد «وآله» قد بقي ثالثها مجهولا، فجرّبناها فظهرت معجن معدن فتعين معدن والثنائية الّتي بعدها، وقيل «علم كل» فرقمنا على الدال في مواضعه ورأينا الكلمة الأولى قد بقي وسطها مجهولا، فجرّبناها وظهرت الثمد الحمد الصمد، فدلّ سياق الكلام أنها الحمد؛ لأن بعدها «لله على ما ألهما» فرقمنا على الحاء في مواضعها، ورأينا الثالث من الرّباعيّة الّتي بين على وظلّله، فجرّبناها فظهرت «الذي» ورأينا الكلمة الخماسيّة الّتي بعد «محمّد» قد بقي رابعها [مجهولا] ، فجرّبناها فظهرت «النبي» فرقمنا على الياء في مواضعها ورأينا قد بقي ثالث السّداسيّة الّتي بعد «من» هذا الشكل وهو ثالث رباعيّة أوّلها الألف وثانيها
(9/244)

فاء وآخرها حاء، وثاني خماسيّة أوّلها واو وثالثها حاء ورابعها باء وخامسها هاء، فتعينت الصاد، فالأولى «الصّواب» والأخرى «أفصح» والأخرى «وصحبه» وتعينت الثنائية الّتي هي أوّل البيت الثاني بعد السطر الأوّل «ثم» والّتي تليها «صلاة» وتعين السين في السّلام، فصار، «ثمّ صلاة الله والسّلام» وكلما تمرّن الإنسان في ذلك ظهر له أسرع بكثرة المباشرة، ثم تعين رابع السّداسيّة الّتي بعد أفصح من أنه الضاد، وتعين بسياق الكلام أن بعد بالضاد «في اللّفظ نطق» فرقمنا على القاف فرأينا مجاريها الثلاثية من رأس المصراع «خلق» فرقمنا على الخاء، وتعيّنت الكلمة الّتي قبل «من خلق» أنها «خير» فتكلمت الأبيات وظهر أنها (رجز) .
الحمد لله على ما ألهما ... من الصّواب وعلى ما علّما
ثمّ صلاة الله والسّلام ... على الّذي ظلله الغمام
محمد النبيّ خير من خلق ... أفصح من بالضادفي اللّفظ نطق
وآله معدن كلّ علم ... وصحبه أولي النّهى والفهم
قلت: ومما يلتحق بتعمية الخطّ المتقدّمة الذّكر ما حكاه ابن «1» شيث في معالم الكتابة، أنّ بعض الملوك أمر كاتبه أن يكتب عنه كتابا إلى بعض أتباعه يطمّنه فيه ليقبض عليه عند انتهاز فرصة له في ذلك، وكان بين الكاتب والمكتوب إليه صداقة فكتب الكتاب على ما أمر به من غير خروج عن شيء من رسمه، إلّا أنه حين كتب في آخره «إن شاء الله تعالى» جعل على النّون صورة شدّة، فلما قرأه المكتوب إليه، عرف أنّ ذلك لم يكن سدى من الكاتب فأخذ
(9/245)

في التأويل والحدس فوقع في ذهنه أنه يشير بذلك إلى قوله تعالى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ
«1» . فأخذ حذره، واحترز على نفسه، وبلغ الملك احترازه على نفسه فاتّهم الكاتب في أنه ألحق في الكتاب شيئا نبّهه به على قصد الملك، فأحضره وسأله عن ذلك، وأمره بأن يكتب الكتاب على صورة ما كتب به من غير خروج عن شيء منه، فكتبه ولم يغيّر شيئا من رسمه حتّى إنه أثبت صورة الشدّة على النّون، فلما قرأه الملك ونظر إلى صورة الشدّة أنكرها عليه، وقال: ما الّذي أردت بذلك؟ قال: أردت قوله تعالى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ
. فأعجب بذلك وعفا عنه لصدقه إيّاه.
النوع الثاني (الرّموز والإشارات الّتي لا تعلّق لها بالخطّ والكتابة)
وهي الّتي يعبّر عنها أهل المعاني والبيان بالاستعارة بالكناية «بالنون بعد الكاف» وقد يعبّر عنها بالوحي والإشارة.
ومن غريب ما وقع في ذلك ما حكاه العسكريّ «2» في «الصناعتين» : أنّ رجلا من بني العنبر أسر في بني «3» حنظلة، وفهم عنهم أنهم يقصدون الغارة على قومه بني العنبر، فقال لبني حنظلة: إنّ لي حاجة عند أهلي وأريد رسولا من قومكم أرسله فيها، فأجابوه إلى ذلك بشرط أن يخاطبه في حاجته بحضورهم، فأحضروا له رجلا في الليل وقد أوقدت العرب نيرانها، فأقبل على
(9/246)

الذي أتوه به وقال له: أتعقل؟ قال: إنّي لعاقل. فقال: انظر إلى السماء ونجومها، فنظر، ثم قال: انظر إلى نيران العرب، فنظر، فقال له: ما أكثر؟
نجوم السماء أو نيران العرب؟ فقال: إنّ كلّا منها لكثير، قال: إنك إذا لعاقل، ثم دفع إليه حنظلة وصرّة فيها رمل وصرّة فيها شوك، وقال: اذهب إلى قومي فادفع إليهم هذه الحنظلة وهاتين الصّرّتين، وقل لهم يعروا ناقتي الحمراء، ويرحلوا جملي الأورق، وسلوا أخي الأعور يخبركم الخبر. فقال الحاضرون:
ليس في هذا ما ينكر، اذهب في حاجته، فذهب إلى بني العنبر ودفع إليهم ذلك وقصّ عليهم القصّة ورجع، فبعث القوم إلى أخيه الأعور فحضر، فأخبروه الخبر. فقال: إنه يقول: أتاكم بنو حنظلة في عدّ الشّوك والرّمل، وإنّ نيران العرب تعادّ نجوم السماء، ويأمركم أن ترحلوا عن الدّهناء وانزلوا مكان كذا، ففعلوا ورحلوا لوقتهم فصبّحهم بنو حنظلة فلم يدركوا منهم أحدا.
وفي معنى ذلك ما حكاه المقرّ الشّهابيّ «1» بن فضل الله في كتابه «التعريف» ، فى الكلام على المكاتبة إلى الأذفونش «2» ملك الفرنج بطليطلة من بلاد الأندلس، كان خبيث النية، سيّيء المقاصد لأهل الإسلام، وأنه «3» أرسل مرّة إلى الملك الناصر محمد «4» بن قلاوون، صاحب الديار المصرية
(9/247)

هدية فيها سيف وثوب بندقيّ وطارقة مستطيلة تشبه النّعش كأنه يقول: أقتلك بهذا السّيف، وأكفّنك في هذا الثوب، وأحملك على هذا النّعش. قال:
وكان «1» الجواب أن أرسل إليه حبلا أسود وحجرا، أي إنه كلب يرمى بهذا الحجر أو يربط في هذا الحبل.
قلت: ومما وقع من ذلك في زماننا أنه في الدولة الظاهريّة «برقوق» «2» وتمرلنك يومئذ ببلاد العراق يغاور الممالك الشامية لقصد الاستيلاء عليها ورد عليه كتاب من المملكة الحلبية فيه: أنه وقع بتلك البلاد سيل عظيم ساق جملة من الأسد والنّمورة والحيّات، وأنه دفع حيّة عظيمة سعة رأسها بقدر قوس، وقريء الكتاب بحضرة السلطان، وحملوا ذلك على ظاهره، من أنّ المراد حقيقة السيل، وأنه لقوّته ساق تلك الحيّة والسّباع وغيرها، وشاع ذلك بين الكافّة من الأمراء «3» وأهل الدولة وسائر الرعيّة، ومضى الأمر على ذلك، ثم ظهر أنّ
(9/248)

المقصود بذلك السيل وما فيه هو تمرلنك وعساكره، وأنه كني بالحية العظيمة عن «1» نفسه، وبالسّباع والحيّات عن عساكره.
ومن لطيف ما وقع في ذلك أنه ورد على السلطان الملك الناصر «فرج «2» بن برقوق» في أواخر دولته كتاب عن صاحب «3» تونس من بلاد المغرب في آخره خطابا للسلطان (وعلى إحسانكم المعوّل، وبيت الطّغرائيّ في لاميّة العجم لا يتأوّل) فسألني بعض أعيان ديوان «4» الإنشاء عن المراد من ذلك ولم يكن الكتاب متضمّنا لغير الوصية على حجّاج المغاربة، وكان ركب المغاربة قبل تلك الحجّة قد عرض لهم عارض من عرب درب الحجاز اجتاحوهم فيه، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ونهبوا منهم أموالا جمّة، فعرضت ذلك على أبيات اللامية، فلاح لي أنه يشير إلى قوله فيها (بسيط) .
فقلت أرجوك للجلّى لتنصرني ... وأنت تخذلني في الحادث الجلل «5»
والجلّى بضم الجيم هي الأمر الجليل العظيم، والجلل بفتح الجيم في
(9/249)

اللّغة من أسماء الأضداد، يقع على الشيء الجليل وعلى الشيء الحقير، كأنه يقول: أنا كنت أرجوك للأمور العظام لتنصرني فيها فخذلتني في هذا الأمر الخسيس، وهو الأخذ بثأر حجّاج بلادي ممن اعتدى عليهم من عرب بلادك، فخاب ظنّي فيما كنت أرجوه فيك، وأؤمّله منك، وأشار بقوله لا يتأوّل إلى أنه لا يحمل الجلل في قول الطّغرائيّ «1» على الشيء الجليل كما قال الصّلاح «2» الصفديّ في شرح اللامية، بل على الأمر الخسيس؛ لأنه هو اللائق بالمقام.
وأعلم أنّ مثل هذه الأمور تحتاج إلى قوّة ذكاء واحتدام قريحة من الذي يقع منه الرمز، وإلى قوّة حدس من الذي يحاول إدراك المقصد من تلك [المعامي] كما يقع في الألغاز والأحاجيّ للملغز، والمتصدّي لحلّ ألغازه والجواب عنه، والله تعالى هو الهادي إلى سبيل الصّواب.
(9/250)

المقالة الخامسة في الولايات، وفيها [أربعة] «1» أبواب
الباب الأوّل في بيان طبقاتها وما يقع به التفاوت، وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأوّل في بيان طبقات الولايات، وهي على ثلاث طبقات
الطبقة الأولى- الخلافة
؛ ولما يكتب في ولايتها طريقان: إمّا عهد من الخليفة الأوّل، وإما بيعة من أهل الحلّ والعقد إن لم يوجد عهد من الخليفة قبله على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الطبقة الثانية- السّلطنة
؛ ولما يكتب في ولايتها طريقان: أحدهما العهد من الخليفة، والثاني العهد من السلطان قبله. قال في «التعريف» : أمّا من قام من الملوك بغير عهد، فلم تجر العادة أن تكتب له مبايعة.
الطبقة الثالثة- الولايات عن الخلفاء والملوك
وما يكتب عن السلطان بالديار المصريّة في أقطار المملكة بمصر والشام والحجاز، مما يكتب من ديوان
(9/251)

الإنشاء التشريف بالأبواب السلطانية.
وهي على خمسة أنواع:
النوع الأوّل (ولايات أرباب «1» السّيوف، وهم على ثلاثة أصناف)
الصّنف الأوّل- النوّاب من الأمراء وغيرهم من أرباب «2» الوظائف،
وغالب من يكتب له منهم بالبلاد الشامية ومضافاتها، كنوّاب «3» السلطنة بدمشق وحلب وطرابلس وحماة وصفد والكرك، ومقدّمي «4» العسكر بغزّة وسيس «5» ،
(9/252)

ونوّاب القلاع «1» بالمدن العظام ذوات القلاع الرفيعة القدر، كالنائب بقلعة دمشق، والنائب بقلعة حلب، والنائب بقلعة صفد. أمّا طرابلس وحماة، فليس بهما قلعة، وكذلك النّيابات الصّغار المضافة إلى القواعد الكبار، كالقدس الشريف وحمص ومصياف «2» من مضافات دمشق، وقلعة المسلمين والرّحبة والبيرة «3» والرّها «4» وشيزر «5» وعين تاب «6» وبهسنا «7» وملطية «8» وآياس «9»
(9/253)

والأبلستين «1» وأذنة وطرسوس من مضافات حلب، واللّاذقيّة وحصن عكّار من مضافات طرابلس وما يجري مجرى ذلك، على ما سيأتي بيانه مفصلا في مواضعه، إن شاء الله تعالى.
أمّا ما دونها من النّيابات فإنّ نوّاب السلطنة بالمملكة يستقلّون بالتولية فيها.
قلت: والضابط في ذلك أنّ كلّ نيابة كان نائبها تقدمة ألف، فولايتها عن السلطان بمرسوم «2» شريف من ديوان الإنشاء بالأبواب السلطانية، وكلّ ولاية كان نائبها جنديّا أو مقدّم حلقة فولايتها عن نائب السلطنة بالمملكة الّتي هي مضافة إليها بتوقيع كريم من ديوان الإنشاء بها، وكلّ نيابة كان نائبها أمير طبلخاناه «3» أو عشرة «4» ربّما ولّى فيها السلطان وربما ولّى فيها نائب السلطنة،
(9/254)

إلا أنّ تولية السلطان لنوّاب الطبلخاناه أغلب، وتولية نوّاب السلطنة لنوّاب العشرة أغلب.
أمّا الديار المصرية فإنه كان يكتب فيها أوّلا لولاة «1» الوجهين: القبليّ والبحريّ جريا على ما كان الأمر عليه في زمن الخلفاء الفاطميين، وكذلك والي الإسكندريّة قبل أن تستقرّ نيابة «2» ، وواليا الولاة بالوجهين قبل أن يستقرّا نيابتين، في جماعة أخرى من أرباب الوظائف، كالنائب «3» الكافل وأتابك «4» الجيوش كإستادار «5» وأميراخور «6» ومقدّم المماليك وواليي مصر والقاهرة. ثم صارت الكتابة لذوي الوظائف من أرباب السّيوف قاصرة على النائب الكافل إذا كان موجودا والنّوّاب المستجدّين بالإسكندرية والوجهين: القبليّ والبحريّ، وبطل ما عدا ذلك مما كان يكتب، وكأنّ المعنى فيه القرب من مقرّة السلطان. والكتابة
(9/255)

إنما تقع في الغالب مع البعد؛ لتكون حجة للمتولّي على بعد المدى، ولا ينتقض ذلك بما يكتب للخلفاء والملوك في الحضرة، فإنّ ذلك من الأمور العامّة الّتي يخاف انتقاضها أو جحودها، إذ مثل ذلك لا يجوز في الولايات عن السلطان؛ لأنه متى شاء عزل من ولّاه.
الصّنف الثاني- ولاية أمراء العربان
، وهؤلاء لا حظّ لهم في الكتابة بالولاية بالديار المصريّة الآن، وربّما يكتب لأمرائهم بالمملكة الشاميّة، كأمير آل «1» فضل، وأمير آل مرا، وأمير آل عليّ، ومقدّم جرم، وكذلك أمير مكة المشرّفة، وأمير المدينة النبويّة على ساكنها أفضل الصلاة والسّلام، والتحية والإكرام، والنائب بالينبع من البلاد الحجازيّة. والمعنى في اختصاص من بعد منهم ما تقدّم في الكلام على أرباب السّيوف مع ضعف شأن عرب الديار المصريّة وعدم الاهتمام بأمرهم.
الصنف الثالث- ولاية المقدّمين على الطّوائف
كمقدّمي التّركمان «2» ، والأكراد «3» ، والجبليّة بالبلاد الشامية، وأتابك «4» طائفة الإسماعيلية بقلاع
(9/256)

الدّعوة، وحاكم البندق ونحوهم، وهذه الطوائف ممّن يكتب له إلى الآن، أما حاكم البندق، فإنه لم يعهد له كتابة من ديوان الإنشاء بمصر والشام. على أنّ المقرّ الشهابيّ «1» بن فضل الله قد ذكر وصيّته في «التعريف» ولعلّه ممن كان يكتب [له] في زمانه أو قبله ثم ترك، وإنما يكون ذلك يحسب اعتناء السلطان بشأن البندق وعدمه كما في لباس الفتوّة، وأنه ربّما اعتنى به بعض الملوك فكتب له ثم ترك.
النوع الثاني (ولاية أرباب الأقلام، وهم صنفان)
الصّنف الأوّل (أرباب الوظائف الدينيّة، وهم على ثمانية أضرب)
الضرب الأوّل- أكابر القضاة بأقطار المملكة
، كقضاة «2» القضاة بالحضرة السلطانية بالدّيار المصرية وثغر الإسكندرية، وكذلك قضاة القضاة بدمشق
(9/257)

وحلب وطرابلس وحماة وصفد والكرك، وقضاة «1» العسكر بالديار المصرية، أما القضاة بالنّيابات «2» الصّغار المضافات إلى دمشق وحلب ونحوهما فولايتهم إلى قضاة القضاة بها، وقضاة العسكر بدمشق وحلب وما في معناهما إلى النّوّاب بتلك الممالك.
الضرب الثاني- المفتون بدار «3» العدل بالديار المصرية
، أما المفتون بدار العدل بالممالك الشاميّة فولايتهم إلى نائبها.
الضرب الثالث- أكابر المحتسبين
، كمحتسبي «4» مصر والقاهرة، أما الممالك الشاميّة فلا يولّي فيها إلّا نوّابها.
الضرب الرابع- أكابر المدرّسين في عامّة العلوم بأماكن مخصوصة،
كالزّواية الخشّابيّة «5» بالجامع «6» العتيق بمصر، والمدرسة الصّلاحية «7» بتربة
(9/258)

الإمام الشافعيّ بالقرافة «1» ، ونحو ذلك بأقطار المملكة من مدرّسي الفقه والحديث والتفسير وغير ذلك من العلوم الدّينيّة.
الضرب الخامس- أكابر الخطباء بجوامع مخصوصة بأقطار المملكة،
كجامع الناصريّ بقلعة الجبل، والجامع «2» الأمويّ بالشام ونحوهما.
الضرب السادس- وكلاء بيت المال بالدّيار المصرية
وغيرها.
الضرب السابع- المتحدّثون على الوظائف المعتبرة
، كنقابة «3» الأشراف، ومشيخة «4» الشّيوخ، فما كان بالدّيار المصرية فولايته من السلطان، وتوقيعه من
(9/259)

ديوان الإنشاء، وما كان منها بالممالك الشاميّة فولايتها إلى نوّاب السّلطنة بها.
الضرب الثامن- المتحدّثون على جهات البرّ العامّة المصلحة
، كنظر «1» الأحباس وأنظار البيمارستانات «2» ونحوها، فما كان منها بالدّيار المصريّة، كنظر الأحباس والبيمارستان «3» المنصوريّ وما أشبه ذلك فتوليته «4»
إلى نوّابها، ما لم يكن لها ناظر خاصّ فيكون ذلك مختصّا به.
الصنف الثاني (أرباب الوظائف «5» الدّيوانية)
ودواوينها على ثلاثة أضرب:
الضرب الأوّل- دواوين المال
؛ وأرباب الخدم بها ممن تكتب ولاياتهم
(9/260)

من ديوان الإنشاء إمّا ناظر «1» ، أو وزير، أو صاحب ديوان، أو شهادة، أو استيفاء. فأمّا الوزارة فلا يصرّح بها إلّا للوزير بالأبواب السّلطانية، وربما صرّح بها لوزير دمشق إذا وليها من ارتفعت مرتبته، وإلّا عبّر عنه بناظر المملكة.
وأما النّظر، فكنظر الدّواوين المعبّر عنه بنظر الدّولة، ونظر «2» الخاصّ، ونظر الخزانة «3» الكبرى، ونظر البيوت «4» والحاشية، ونظر بيت «5» المال، ونظر الإصطبلات «6» السلطانية، ونظر دار الضّيافة «7» والأسواق، ونظر خزائن «8»
(9/261)

السّلاح، ونظر البهار «1» والكارميّ، ونظر الأهراء «2» ، ونظر المواريث «3» الحشريّة، ونظر ثغر الإسكندريّة المحروس، وغير ذلك من وظائف الأنظار بالديار المصرية. وكذلك نظر «4» المملكة بدمشق إذا لم يصرّح لمتولّيه بالوزارة، ونظر المملكة بحلب، ونظر المملكة بطرابلس، ونظر المملكة بحماة، ونظر المملكة بصفد، ونظر المملكة بسيس، ونظر المملكة بغزّة، ونظر المملكة بالكرك.
وأمّا صحابة الدّيوان، فكصحابة «5» ديوان الجيش وصحابة ديوان الخاصّ، ونحو ذلك.
(9/262)

وأمّا الشّهادة فكشهادة الخزانة الكبرى، وشهادة خزانة الخاصّ ونحوهما.
وأمّا الاستيفاء، فكاستيفاء «1» الصّحبة، واستيفاء «2» الدّولة، واستيفاء «3» الخاصّ، ونحو ذلك. ولا حظّ لغير النّظّار من دواوين الأموال بالممالك الشاميّة، من صاحب «4» ديوان ولا شاهد «5» ولا مستوف «6» ، في الكتابة بالولاية من ديوان الإنشاء بالأبواب السلطانية، بل ولايتها من نوّاب الممالك الشاميّة بتواقيع من دواوين الإنشاء بها.
الضرب الثاني- دواوين الجيوش بالديار المصرية
وغيرها من الممالك الشاميّة. وأرباب «7» الخدم بها لا يخرجون عن ناظر، وصاحب ديوان، وشاهد، ومستوف.
(9/263)

والذين يولّون عن السلطان منهم [و] تكتب تواقيعهم من ديوان الإنشاء الشريف ناظر «1» الجيش بالأبواب السلطانية، وناظر الجيش بدمشق، وناظر الجيش بحلب، وناظر الجيش بطرابلس، وناظر الجيش بحماة، وناظر الجيش بصفد، وناظر الجيش بغزّة، وناظر الجيش بسيس، وناظر الجيش بالكرك، وصاحب ديوان «2» الجيش بالأبواب السلطانية، والشّهود والمستوفون بها، أمّا من عدا هؤلاء، من نظّار الجيش وأصحاب الدواوين والشّهود بالممالك الشامية، فولايتهم إلى نوّاب السلطنة بها.
الضرب الثالث- دواوين الإنشاء
؛ وأرباب الخدم بها لا يخرجون عن كاتب سرّ «3» ، وكاتب دست «4» ، وكاتب «5» درج.
والذين يولّون عن السلطان من كتّاب هذه الدّواوين وتكتب تواقيعهم من ديوان الإنشاء السلطانيّ صاحب ديوان الإنشاء بالأبواب السلطانية، وصاحب ديوان الإنشاء بدمشق، وصاحب ديوان المكاتبات بحلب، وصاحب ديوان المكاتبات بطرابلس، وصاحب ديوان المكاتبات بحماة، وصاحب ديوان المكاتبات بصفد، وكاتب الدّرج بسيس، وكاتب الدّرج بغزّة، وكاتب الدّرج بالكرك، وكاتب الدّرج بالإسكندريّة، وكتّاب الدّست وكتّاب الدرج بالأبواب السلطانية؛ أما كتّاب الدّست وكتّاب الدّرج بالممالك الشامية فإلى نوّابها بتواقيع من دواوين الإنشاء بها.
(9/264)

النوع الثالث (ولايات أرباب الوظائف الصّناعيّة)
كالأطبّاء، والكحّالين «1» ، والجرائحيّة، ومن جرى مجراهم من سائر أرباب الوظائف الّتي هي من تتمّة نظام الملك، فما كان منها بالأبواب السلطانية فولايته عن السلطان بتوقيع من ديوان الإنشاء السلطاني، وما كان منها بالممالك الشامية فولايته إلى نوّاب السلطنة بها.
النوع الرابع (ولايات زعماء أهل «2» الذّمّة، وهي ضربان)
الضرب الأوّل- ولاية بطاركة «3» النّصارى
من اليعاقبة والملكانيّة «4» .
الضرب الثاني- ولاية رئيس اليهود
الحاكم على طوائفهم.
النوع الخامس (ما لا يختصّ بطائفة ولا يندرج تحت نوع)
كصغار الأمور الّتي يكتب فيها لكلّ فرد فرد، إما ابتداء، وإما بالحمل على ما بيده من ولاية سابقة، من نائب أو قاض أو ناظر «5» وقف أو غير ذلك، مما لا ينحصر كثرة.
(9/265)

قلت: وربّما ولّى السلطان في بعض الوظائف بالممالك الشاميّة مما تختصّ توليته بنوّاب السلطنة إذا كانت الوظيفة وضيعة المنزلة وأدركت المولّى عنايته، وربّما ولّى بعض نوّاب السلطنة ما تختصّ توليته بالسلطان إذا عظمت رتبة النائب وارتفعت منزلته، خصوصا إذا كان نظام المملكة محلولا وأمرها مضطربا.
(9/266)

الفصل الثاني من الباب الأوّل من المقالة الخامسة (في بيان ما تجب على الكاتب مراعاته في كتابة الولايات على سبيل الإجمال)
قال الشيخ شهاب الدين محمود «1» الحلبيّ رحمه الله في «حسن التوسل» : يجب على الكاتب أن يراعي في ذلك أمورا.
منها- براعة الاستهلال بذكر الرّتبة، أو الحال، أو قدر النّعمة، أو لقب صاحب الولاية، أو اسمه، بحيث لا يكون المطّلع أجنبيّا من هذه الأحوال، ولا بعيدا منها، ولا مباينا لها، ثم يستصحب ما يناسب الغرض ويوافق القصد من أوّل الخطبة إلى آخرها.
ومنها- أن يراعي المناسبة وما تقتضيه الحال، فلا يعطي أحدا فوق حقّه، ولا يصفه بأكثر مما يراد من مثله، ويراعي أيضا مقدار النعمة والرّتبة فيكون وصف المنّة بها على مقدار ذلك.
ومنها- أن لا يصف المتولّي بما [يكون «2» ] فيه تعريض بذمّ المعزول [وتنقيص له «3» ] ، فإنّ ذلك مما يوعز الصّدور، ويورث الضّغائن في القلوب، ويدلّ على ضعف الآراء في اختيار الأوّل، مع إمكان وصف الثاني بما يحصل به
(9/267)

المقصود من غير تعريض بالأوّل.
ومنها- أن يتخيّر الكلام والمعانيّ فإنه مما يشيع ويذيع، ولا يعذر المقصّر في ذلك بعجلة ولا ضيق وقت، فإنّ مجال الكلام متّسع، والبلاغة تظهر في القليل والكثير.
قلت: ومنها أن يحرص الكاتب على أن تكون نهاية السجعة الأولى في السّطر الأوّل أو الثاني ولا يؤخّرها عن ذلك. ومما كان يراعى في ذلك أن تكون الخطبة من أوّلها إلى آخرها على رويّ واحد في السّجع، وكذلك الدعاء في أوّل صغار التواقيع والمراسيم المبتدأة بلفظ «رسم» بخلاف ما بعد ذلك إلى آخر ما يكتب، فإنه يتّفق فيه رويّ السجعتين والثّلاث فما حولها، ثم يخالف رويّها إلى غيره، ولا يكلّف الكاتب الإتيان بجميعها على رويّ واحد، وعلى ذلك كانت طريقة فحول الكتّاب بالدولة التركية، كالقاضي محيى الدّين «1» بن عبد الظاهر، والشيخ شهاب الدين محمود الحلبي، والمقرّ الشهابيّ بن «2» فضل الله، ومن عاصرهم إلّا في القليل النادر، فإنه ربّما وقع لبعضهم مخالفة رويّ الخطبة، وإلى هذا قد جنح غالب كتّاب ديوان الإنشاء في زماننا ومالوا إليه؛ لما في التزام الرّويّ الواحد في جميع الخطبة من التكلّف وعسر التلفيق على من يتعاناه.
ثمّ الكلام فيما يكتب في الولاية قد يكون جميعه بلفظ الغيبة، مثل أن يقال: عهد إليه بكذا، أو قلّده كذا، أو فوّض إليه كذا، أو أن يستقرّ في كذا، ونحو ذلك، ثم يقال: وأمره بكذا، أو ونحن نوصيه بكذا، أو فعليه بكذا، وما
(9/268)

أشبه ذلك، وقد يكون جميعه بلفظ الخطاب، مثل أن يقال: وقد عهد إليك بكذا، أو قلّدك كذا، أو فوّض إليك كذا ثم يقال: ونحن نوصيك بكذا، أو فعليك بكذا، ونحوه، وقد يصدّر بلفظ الغيبة ثم يلتفت منها إلى الخطاب، وقد يصدّر بلفظ الخطاب ثم يلتفت منه إلى الغيبة بحسب ما يؤثره الكاتب وتؤدّي إليه بلاغته مما ستقف على تنويعه في خلال كلامهم في أصناف الولايات الآتية في هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
(9/269)

الفصل الثالث من الباب الأوّل من المقالة الخامسة (في بيان ما يقع به التفاوت في رتب الولايات، وذلك من سبعة أوجه)
الوجه الأوّل (الألقاب، وهي على ثلاثة أنواع)
النوع الأوّل (ألقاب الخلفاء)
وسبيلها الاختصار دون البسط، اكتفاء بما هو ظاهر من أبّهة الخلافة، وعلوّ مقام الإمامة، إذ هي الزّعامة العظمى، والرتبة الّتي هي أعلى الرّتب وأسمى.
وهي صنفان:
الصنف الأوّل- ألقاب الخلفاء أنفسهم
، وغاية ما ينعت به الإمام وأمير المؤمنين.
الصنف الثاني- ألقاب أولياء العهد بالخلافة
، وألقابهم نحو السيّد الجليل وذخيرة الدّين، ونحو ذلك على ما سيأتي بيانه في عهود الخلفاء عن الخلفاء.
النوع الثاني (ألقاب الملوك، وهي صنفان أيضا)
الصنف الأوّل- ألقاب السلطان نفسه
، والكتّاب تارة يبتدئونها بالسلطان،
(9/270)

وتارة يبتدئونها بالمقام، ولكلّ منهما نعوت تخصّه، وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى في الكلام على عهود الملوك عن الخلفاء، إن شاء الله تعالى.
الصنف الثاني- ألقاب أولياء العهد بالملك
، والملوك المنفردين بولاية صغار البلدان عن السلطان الأعظم، وهي لا تفتتح إلّا بالمقام ليس إلّا، ولها نعوت تخصّها، يأتي الكلام عليها في الكلام على عهودهم أيضا.
النوع الثالث (ألقاب ذوي الولايات الصادرات عن السلطان من أرباب الوظائف الواقعة في هذه المملكة)
وقد تقدّم في الكلام على الألقاب في مقدمة الكتاب أنّ أصول الألقاب المستعملة في ذلك خمسة ألقاب على الترتيب، وهي المقرّ «1» ، ثم الجناب «2» ، ثم المجلس «3» ، ثم مجلس مضافا كمجلس «4» الأمير، ومجلس «5» القاضي،
(9/271)

ومجلس «1» الشيخ، ومجلس الصّدر «2» ، ثم الاقتصار على المضاف إليه وحذف المضاف، كالامير والقاضي والشيخ «3» والصّدر، ويلتحق بذلك لأهل الذّمة الحضرة، وحضرة الشيخ، والشيخ مجرّدا عن حضرة، وتقدّم في الفصل الأوّل من هذا الباب أنّ أرباب الولايات خمسة أنواع: أرباب «4» السّيوف، وأرباب»
الأقلام، وأرباب الوظائف الصّناعية، وزعماء أهل الذمّة، ومن لا يختص بطائفة لصغرهم. وجميع هذه الأنواع على اختلاف أصنافهم لا يخرجون عن الألقاب المتقدّمة، وقد تقدّم الكلام على هذه الألقاب ونعوتها لمن يكاتب عن الأبواب الشريفة السلطانية من أرباب الوظائف مستوفى في المكاتبات، إلّا أنه قد يولّى عن السلطان من لم يؤهّل للمكاتبة عنه، كأكثر أرباب الوظائف من حملة الأقلام وغيرهم، فاحتيج إلى تعريف مراتب الألقاب لكلّ نوع من أرباب الولايات.
فأما أرباب السّيوف، فأعلى ألقابهم المقرّ، وأدناها مجلس الأمير، ثم الأمير مجرّدا عن مجلس.
وأما أرباب الوظائف الصّناعيّة، فأعلى ألقابهم المجلس وأدناها مجلس
(9/272)

الصّدر، ثم الصّدر مجرّدا عن مجلس.
وأما من لا يختص بطائفة لصغره، فيقتصر فيه على لقب التعريف وهو فلان الدّين إن عظّم وإلّا اقتصر على اسمه خاصّة.
وأما زعماء أهل الذّمة، فأعلى ألقابهم الحضرة، ثم حضرة الشيخ، ثم الشيخ مجرّدا عن حضرة.
واعلم أنّ كلّ من كانت له مكاتبة عن الأبواب السلطانية من أرباب السّيوف والأقلام وغيرهم، فلقب ولايته ونعوته كما في مكاتبته، غير أنه يزاد في آخر النّعوت المركّبة ذكر اسمه العلم، ونسبته إلى السلطان، كالناصريّ، والظاهريّ، ونحوهما إن كان ممن ينتسب إليه بنيابة ونحوها، ثم إن كانت مكاتبته تفتتح بالدعاء نقل ذلك الدعاء من أوّل المكاتبته إلى ما بعد اسمه والنسبة إلى السلطان في الولاية، كما إذا كانت مكاتبته، أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ «1» الكريم، فإنه يدعى له عقيب اسمه والنسبة إلى السلطان- إن كانت- بأعزّ الله تعالى أنصاره، وكذلك في البواقي.
وإن كانت مكاتبته تفتتح بغير الدعاء، كصدرت هذه المكاتبة ونحو ذلك، فإنه يدعى له في الولاية عقب الاسم والنسبة إلى السلطان- إن كانت- بما يدعى له في مكاتبته في آخر الألقاب، كما إذا كان من أرباب السّيوف ومكاتبته صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس «2» العالي أو المجلس «3» الساميّ بالياء فإنه يدعى له بمثل: أدام الله سعادته، وأدام الله رفعته، ونحو ذلك، وإن لم تكن له مكاتبة عن الأبواب السّلطانية كتب له في الولاية ما يناسبه من اللّقب
(9/273)

والنّعوت، ثم يذكر اسمه والدعاء له إن كان مستحقّا للدعاء، وسيأتي لقب كلّ ذي ولاية من الأنواع الخمسة المتقدّمة الذّكر ونعوته عند ذكر ولايته فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
ثم للألقاب في الولايات محلّان:
أحدهما- الطّرّة. ويقتصر فيها على اللّقب، من المقرّ أو الجناب أو المجلس أو مجلس مضافا وما بعده من النعوت إلى اللّقب المميّز للوظيفة كالأميريّ والقضائيّ ونحوهما، ثم يذكر لقبه الخاصّ به وهو الفلانيّ أو فلان الدين، ثم يذكر اسمه وانتسابه إلى السلطان إن كان، على ما سيأتي بيانه مفصّلا، إن شاء الله تعالى.
الثاني- في أثناء الولاية. وهناك تستوفى النّعوت ويؤتى بما في الطّرّة في ضمنه إلّا أنه يجعل لقب التعريف- وهو الفلانيّ أو فلان الدّين- بين النعوت المفردة والمركّبة فاصلا بينهما.
الوجه الثاني (ألفاظ إسناد الولاية إلى صاحب الوظيفة، ولها ستّ مراتب)
الأولى- لفظ العهد
، مثل أن يقال: أن يعهد إليه، وهي خاصّة بالخلفاء والملوك.
الثانية- لفظ التّقليد
، مثل أن يقال: أن يقلّد كذا، ويكون مع المقرّ الكريم والجناب الكريم.
الثالثة- لفظ التّفويض
، مثل أن يقال: أن يفوّض إليه كذا، ويختصّ بالجناب لأرباب السيوف، وكذلك الجناب والمجلس العالي لأرباب الأقلام.
قلت: وكتّاب زماننا يستعملونها «1» مع المقرّ أيضا، ولا يستعملون لفظ
(9/274)

«يقلّد» في التقاليد لتوهّمهم الاكتفاء بلفظ تقليد عنها، ولم يعلموا أنّ يقلّد فوق يفوّض كما تقدّم. على أنّ المقرّ الشهابيّ بن فضل الله قد صرّح بذلك في «التعريف» كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
الرابعة- لفظ الاستقرار والاستمرار
، مثل أن يقال: أن يستقرّ في كذا، أو يستمرّ في كذا. ولفظ يستقرّ مختصّ بالمستجدّ، ولفظ يستمرّ مختصّ بالمستقرّ، ويكونان مع المجلس الساميّ بالياء، والمجلس السامي بغير ياء لأرباب السيوف والأقلام وغيرهم، أما المجلس العالي فإن كانت مكاتبته تفتتح بالدعاء، مثل: أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي كنائب «1» السلطنة بالكرك، فإنه يقال فيه أن يفوّض إليه، وإن كانت مكاتبته تفتتح بصدرت هذه المكاتبة كنائب القدس ونحوه، فإنه يقال فيه: أن يستقرّ.
الخامسة- لفظ الترتيب
، مثل أن يقال: أن يرتّب في كذا، ويكون مع مجلس مضافا، مثل مجلس الأمير ومجلس القاضي ونحوهما، وربّما استعملت مع السامي بغير ياء.
السادسة- لفظ التقدّم
، مثل أن يقال: أن يقدّم فلان على الطائفة الفلانيّة ونحو ذلك.
قلت: وهاتان المرتبتان أعني السادسة والخامسة قد ذكرهما المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» فقال: وقد يقال أن يرتّب وأن يقدّم. وهما موجودان في كتابة معاصريه بمصر والشام. أما كتّاب زماننا فقد رفضوهما جملة وأضربوا عن استعمالهما بكلّ حال، واكتفوا عنهما بالمرتبة الرابعة وهي لفظ الاستقرار، والواجب إثباتهما لتفاوت ما بين المراتب. على أنّ استعمال لفظ يرتّب موجود في كلامهم بكثرة، ولفظ يقدّم لم يستعملوه إلّا في النّزر اليسير، والله أعلم. وهذه الألفاظ تقع في الطّرّة وفي أثناء الكلام على حدّ واحد.
(9/275)

الوجه الثالث (الافتتاحات، وهي راجعة إلى أربع مراتب)
المرتبة الأولى- الافتتاح بلفظ: هذه بيعة
، أو هذا ما عهد، ونحو ذلك في البيعات والعهود على المذهب القديم، أو بالحمد لله. ويقع الابتداء به في العهود والبيعات إذا ابتديء العهد أو البيعة بخطبة على ما عليه استعمال أهل زماننا. وكذلك في التقاليد لأرباب السيوف والأقلام، والمراسيم المكبّرة لأرباب السيوف، والتواقيع الكبار لأرباب الأقلام.
المرتبة الثانية- الافتتاح بأمّا بعد حمد الله
. ويقع الابتداء به في المرتبة الثانية من أرباب المراسيم المكبّرة من أصحاب السّيوف، والمرتبة الثانية من أرباب التّواقيع من أصحاب الأقلام.
المرتبة الثالثة- الافتتاح برسم بالأمر الشريف
، ويقع الافتتاح به في المرتبة الثالثة لأرباب التّواقيع والمراسيم من سائر أرباب الولايات.
المرتبة الرابعة- ما كان يستعمل من الافتتاح «بأما بعد فإنّ كذا «1» » .
أو «من حسنت طرائقه، وحمدت خلائقه، فإنه أحقّ» ، وما أشبه ذلك، كما أشار إليه في «التعريف» إذ كان الان قد رفض وترك على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى، وقد كان ذلك يستعمل فيما تقدّم لأرباب السّيوف والأقلام جميعا.
الوجه الرابع (تعدّد التحميد في الخطبة أو في أثناء الكلام واتحاده)
فقد قال في «التعريف» في الكلام على عهود الملوك للملوك: «وكلّما كثرت التحميدات في الخطب، كان أكبر؛ لأنها تدلّ على عظم قدر النّعمة» «2»
(9/276)

وذكر في الكلام على عهود الخلفاء عن الخلفاء أنه ينتهى في التحميد إلى سبعة «1» .
الوجه الخامس (الدعاء، وله ثلاثة مواضع)
الموضع الأوّل- في طرّة الولاية
بعد ذكر ما يكتب في الطّرّة «2» من ألقابه، ولا يزاد فيه على دعوة واحدة تناسبه.
الموضع الثاني- في أثناء الولاية
بعد استيفاء الألقاب وذكر الاسم، وهو ما في الطّرّة من الدعوة المناسبة له بغير زائد على ذلك.
الموضع الثالث-[في] آخر الولاية بالإعانة ونحوها
. قال في «التثقيف» «3» : وأقلّها دعوتان، وأكثرها أربع. قال في «التعريف» : ومن استصغر من المولّين لا يدعى له في آخر ولايته.
ثم قد تقدّم في المكاتبات أنّ الدعاء مع تنزيه الله تعالى، كأعزّ الله تعالى أنصار المقرّ، وضاعف الله [تعالى] نعمة الجناب ونحو ذلك أعلى من حذفه «4» ، كأدام الله سعده، وأعزّه الله ونحو ذلك، ولا شكّ أنه في الولايات كذلك.
(9/277)

الوجه السادس (طول الكلام وقصره، فكلّما عظمت الوظيفة وارتفع قدر صاحبها كان الكلام فيها أبسط)
قال في «حسن التوسل» : ويحسن أن يكون الكلام في التقاليد منقسما أربعة أقسام متقاربة المقادير؛ فالرّبع الأوّل في الخطبة، والرّبع الثاني في ذكر موقع الإنعام في حق المقلّد، وذكر الرتبة وتفخيم أمرها، والربع الثالث في أوصاف المولّى «1» ، وذكر ما يناسب تلك الرتبة ويناسب حاله من عدل وسياسة ومهابة وبعد صيت وسمعة وشجاعة إن كان نائبا، ووصف الرأي والعدل وحسن التدبير والمعرفة بوجوه الأموال وعمارة البلاد، وصلاح الأحوال، وما يناسب ذلك إن كان وزيرا، وكذلك في كلّ رتبة بحسبها، والربع الرابع في الوصايا.
قال في «التعريف» : والذي أختاره «2» اختصار مقدار التحميدة [الّتي] «3» في الخطبة والخطب مطلقا وإطالة ما بعد ذلك، والإطناب في الوصايا [اللهم] «4» إلّا لمن جلّ قدره [وعظم أمره] «5» فإن الأولى الاقتصار في الوصايا على أهمّ الجمليّات، ويعتذر في الاقتصار «6» بما يعرف من فضله، ويعلم «7» من علمه، ويوثق به من تجربته ومن هذا ومثله. قال: والكاتب في هذا [كلّه] «8» بحسب ما يراه، ولكلّ واقعة مقال يليق بها، ولملبس كلّ رجل قدر معروف لا يليق به غيره، وفي هذا غنى لمن عرف، وكفاية لمن علم، على أن المقرّ الشهابي تابع في ذلك القاضي «محيى الدين بن عبد الظاهر «9» » رحمه الله، فإنك إذا تأملت تقاليده وتواقيعه، وجدتها كلّها كذلك، ولكلّ وجه ظاهر، فإنّ المطوّل للخطبة لا
(9/278)

يخليها من براعة الاستهلال، المناسبة للحال، والمقصّر لها مراع لزيادة الإطناب في الوصف.
قلت: ولا يخفى أن ما ذكراه في التقاليد يجيء مثله في العهود لجريها على موجبها من مولّ ومولّى.
أما إذا كانت الولاية بيعة فإنه يجعل موضع الوصايا ذكر التزام الخليفة البرّ والإحسان للخلق، ووعد النظر في أمور الرعيّة، وصلاح أحوالهم، وذكر التحليف للخليفة، أو له وللسلطان إن كان معه سلطان قام بعقد البيعة له على الوفاء بالعهد والدّخول تحت الطاعة. قال في «حسن التوسل» : والأمر الجاري في ذلك على العادة معروف لكنه قد تقع أشياء خارجة عن العادة فيحتاج الكاتب فيها إلى حسن التصرّف على ما يقتضيه الحال، وذكر من ذلك تقليدا أنشأه لمتملّك سيس «1» ، وتقليدا كتبه بالفتوّة، وسيأتي ذكر ذلك مع ما شاكله في مواضعه إن شاء الله تعالى.
الوجه السابع (قطع الورق)
واعلم أنّ الولايات من ديوان الإنشاء بالأبواب السلطانية بجملتها ينحصر قطع الورق فيها في خمسة مقادير لا يتعدّاها:
أحدها- قطع البغداديّ الكامل
؛ وهو مختصّ بالبيعات والعهود مطلقا على أيّ الافتتاحات كان.
الثاني- قطع الثلثين من المنصوريّ
؛ وهو لأجل الولايات السّلطانيات لأرباب السّيوف وبعض أرباب الأقلام، ولا يفتتح فيها إلّا بالحمد.
الثالث- قطع النّصف منه
؛ وهو لما دون ذلك، ولا يفتتح فيه إلّا بالحمد أيضا.
(9/279)

الرابع- قطع الثّلث منه
؛ وهو لما دون ذلك.
واعلم أنه إذا ولّي صاحب وظيفة تستحقّ قطع النصف وظيفة أخرى تستحق قطع العادة، فإنه يراعى مقدار صاحبها ويزاد على مقدار العادة، إلّا أنه لا يبلغ مبلغ رتبة وظيفته العليا، بل ينبغي أن يتوسّط بينهما، فيكتب له في قطع الثلث لتكون رتبة بين رتبتين فتحصل مراعاة تعظيمه من حيث الزيادة على قطع العادة، ومراعاة قدر الوظيفة من حيث إنها لم تبلغ شأو وظيفته العليا، أما إذا ولّي منحطّ القدر وظيفة تستحق القطع الكبير، فإنه يكتب له فيه، وتكون توليته لها رفعا إلى درجتها.
الخامس- قطع العادة؛ وهو أصغرها
. والأصل أن يفتتح فيه بلفظ «رسم بالأمر الشريف» وربما علت رتبة صاحب الولاية ولم يؤهّل للكتابة في قطع الثلث فيكتب له فيه: أما بعد حمد الله، وهو قليل الاستعمال، فإن استعمل أما بعد فإن كذا، أو إنّ أولى، أو إن أحقّ ونحو ذلك كتب في قطع العادة أيضا.
(9/280)

الباب الثاني من المقالة الخامسة في البيعات، وفيه فصلان
الفصل الأوّل (في معناها)
البيعات جمع بيعة، وهي مصدر «1» بايع فلان الخليفة يبايعه مبايعة، ومعناها المعاقدة والمعاهدة، وهي مشبّهة بالبيع الحقيقيّ. قال أبو السّعادات ابن الأثير «2» في نهايته في غريب الحديث: كأنّ كلّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره. ويقال: بايعه، وأعطاه صفقة
(9/281)

يده، والأصل في ذلك أنه كان من عادة العرب أنه إذا تبايع اثنان صفق أحدهما بيده على يد صاحبه.
وقد عظّم الله تعالى شأن البيعة وحذّر من نكثها بقوله خطابا للنبي صلّى الله عليه وسلّم إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
«1» . وأمر بمبايعة المؤمنات في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
«2» . وبايع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، الصحابة رضوان الله عليهم بيعتين.
(9/282)

الفصل الثاني (في ذكر تنويع البيعات، وهي نوعان)
النوع الأوّل (بيعات الخلفاء، وفيها سبعة مقاصد)
المقصد الأوّل (في أصل مشروعيتها)
فالأصل في ذلك بعد الإجماع ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها «أنّه لمّا توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، اجتمعت «1» الأنصار «2» إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منّا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح، فذهب عمر يتكلّم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول:
ما أردت بذلك إلّا أنّي قد هيّأت كلاما أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر؛ ثم تكلّم أبو بكر فتكلّم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء «3» . فقال الحباب بن المنذر: لا والله لا نفعل! منّا أمير ومنكم أمير.
(9/283)

فقال أبو بكر: لا ولكنّا الأمراء وأنتم الوزراء. فبايعوا عمر أو أبا عبيدة. فقال عمر: بل نبايعك فأنت سيّدنا وخيرنا وأحبّنا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايع الناس» .
وهذه أوّل بيعة بالخلافة كانت في الإسلام، ولكن لم ينقل أنه رضي الله عنه كتب له مبايعة بذلك، ولعلّ ذلك لأنّ الصحابة رضوان الله عليهم كانوا إذا بايعوا لا يجحدون البيعة بعد صدورها، بخلاف ما بعد ذلك.
المقصد الثاني (في بيان أسباب البيعة الموجبة لأخذها على الرّعيّة
وهي خمسة أسباب:
السبب الأوّل- موت الخليفة المنتصب من غير عهد بالخلافة لأحد بعده،
كما في قصّة الصّدّيق المتقدّمة بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم، أو بتركها شورى في جماعة معيّنة، كما فعل عمر، رضي الله عنه، عند وفاته حيث تركها شورى في ستة:
عليّ بن أبي طالب، والزّبير بن العوّام، وعثمان بن عفّان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، وسعد بن أبي وقّاص، رضي الله عنهم.
السبب الثاني- خلع الخليفة المنتصب لموجب يقتضي الخلع
، فتحتاج الأمة [إلى] مبايعة إمام يقوم بأمورها، ويتحمّل بأعبائها.
السبب الثالث- أن يتوهّم الخليفة خروج ناحية من النّواحي عن الطاعة
فيوجّه إليهم من يأخذ البيعة له عليهم، لينقادوا لأمره، ويدخلوا تحت طاعته.
السبب الرابع- أن تؤخذ البيعة للخليفة المعهود إليه بعد وفاة العاهد
، كما كانت الخلفاء الفاطميّون تفعل في خلافتهم بمصر، وكانوا يسمّون البيعة سجلّا
(9/284)

كما كانوا يسمّون غيرها بذلك.
السبب الخامس- أن يأخذ الخليفة المنتصب البيعة على الناس لوليّ عهده بالخلافة
بأن يكون خليفة بعده إمضاء لعهده، كما فعل معاوية رضي الله عنه في أخذه البيعة لولده يزيد.
المقصد الثالث (في بيان ما يجب على الكاتب مراعاته في كتابة البيعة)
واعلم أنه يجب على الكاتب أن يراعي في كتابة البيعة أمورا:
منها- أن يأتي في براعة الاستهلال بما يتهيّأ له من اسم الخليفة أو لقبه كفلان الدّين، أو لقب الخلافة، كالمتوكّل أو المستكفي، أو مقتضى الحال الموجب للبيعة من موت أو خلع ونحوهما، أو غير ذلك مما يجري هذا المجرى.
ومنها- أن ينبّه على شرف رتبة الخلافة وعلوّ قدرها ورفعة شأنها، وأنها الغاية الّتي لا فوقها، والدرجة الّتي لا بعدها، وأن كلّ رتبة دون رتبتها، وكلّ منصب فرع عن منصبها.
ومنها- أن ينبّه على مسيس الحاجة إلى الإمام «1» ، ودعاية الضّرورة إليه، وأنه لا يستقيم أمر الوجود وحال الرعيّة إلّا به، ضرورة وجوب نصب الإمام بالإجماع، وإن شذّ عنه الأصمّ فخالف ذلك.
ومنها- أن يشير إلى أنّ صاحب البيعة استوعب شروط «2» الإمامة واجتمعت فيه، ويصفه منها بما يعزّ وجوده، ويتمدّح بحصوله، كالعلم
(9/285)

والشّجاعة والرأي والكفاية، بخلاف ما لا يعزّ وجوده ولا يتمدّح به وإن كان من الشروط، كالحرّية والذّكورة والسمع والبصر ونحو ذلك، فإنّ الوصف بذلك لا وجه له.
ومنها- أن ينبّه على أفضلية صاحب البيعة وتقدّمه في الفضل واستيفاء الشّروط على غيره، ليخرج من الخلاف في جواز تولية المفضول مع وجود الفاضل.
ومنها- أن ينبّه على أنّ المختارين لصاحب البيعة ممن يعتبر اختياره من أهل الحلّ والعقد، من العلماء والرّؤساء ووجوه الناس الذين يتيسّر حضورهم على الوجه المعتبر.
ومنها- أن ينبّه على تعيين المختارين للبيعة، إن كان الإمام الأوّل نصّ عليهم، إذ لا يصحّ الاختيار [من] غير من نصّ عليه، كما لا يصحّ إلّا تقليد من عهد إليه.
ومنها- أن ينبّه على جريان عقد البيعة من المختارين، ضرورة أنه إن انفرد شخص بشروط الإمامة في وقته لم يصر إماما بمجرّد ذلك.
ومنها- أن ينبّه على سبب خلع الخليفة الأوّل إن كانت البيعة مترتّبة على خلع، إذ لا يصح خلع الإمام القائم بلا سبب.
ومنها- أن ينبّه على قبول صاحب البيعة العقد وإجابته إليه إذ لا بدّ من قبوله.
ومنها- أن ينبّه على أنّ القبول وقع منه بالاختيار؛ لأنه لا يصحّ الإجبار على قبولها، اللهم إلّا إن كان بحيث لا يصلح للإمامة غيره فإنه يجبر عليها بلا خلاف.
ومنها- أن ينبّه على وقوع الشهادة على البيعة، خروجا من الخلاف في أنه هل يشترط الإشهاد على البيعة أم لا؟
(9/286)

ومنها- أن ينبّه على أنها لم تقترن ببيعة في الحال ولا مسبوقة بأخرى، إذ لا يجوز نصب إمامين في وقت واحد وإن تباعد إقليماهما، خلافا للأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني «1» حيث جوّز نصب إمامين في إقليمين.
ومنها- أن ينبّه على أنه بمجرّد البيعة تجب الطاعة والانقياد إليه، ويجب على كافّة الأمة تفويض الأمور العامّة إليه، وطاعته فيما وافق حكم الشرع وإن كان جائرا.
ومنها- أن يعزّي في الخليفة الميت ويهنيّء بالمستقرّ إن كانت البيعة مبنيّة على موت خليفة، وأن يبيّن «2» سبب خلع الخليفة الأوّل إن كانت مرتّبة على خلع.
أما التعزية والتهنئة بموت الأوّل، فعليه جرى عامّة الكتّاب، إلّا أنه يختصّ في عرفهم بما إذا كان الخليفة الأوّل شديد القرب من الثاني، كأبيه وأخيه وابن عمّه.
وكان الأوّلون يتعانون ذلك في خطاب الخلفاء بالتهنئة بالخلافة بعد أقاربهم، وقد روي أنّ عطاء «3» بن أبي صيفيّ دخل على يزيد بن معاوية فهنّأه بالخلافة وعزّاه في أبيه فقال:
رزئت «4» بأمير المؤمنين خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، قضى معاوية
(9/287)

نحبه، فغفر الله ذنبه، وولّيت الرّياسة، وكنت أحقّ بالسّياسة، فاحتسب عند الله جليل الرّزيّة، واشكره على جزيل العطيّة، وعظّم الله في معاوية أجرك، وأحسن على الخلافة عونك.
وتعرّضت أعرابيّة للمنصور في طريق مكّة بعد وفاة أبي العبّاس السّفّاح، فقالت:
يا أمير المؤمنين، احتسب الصّبر، وقدّم الشّكر، فقد أجزل الله لك الثّواب في الحالين، وأعظم عليك المنّة في الحادثين، سلبك خليفة الله، وأفادك خلافة الله، فسلّم فيما سلبك، واشكر فيما منحك، وتجاوز الله عن أمير المؤمنين، وخار لك فيما ملّكك من أمر الدّنيا والدّين.
وأما التعريف بسبب «1» الخلع، فلأنه لا يصحّ خلع الإمام بغير موجب للخلع.
ومنها- أن يشير إلى ذكر السلطان القائم بالبيعة إن كان القائم بها سلطانا على ما استقرّت عليه قاعدة الكتّاب في ذلك.
ومنها- أن ينبّه على أنّ من استحلف في البيعة من وجوه الدولة وأعيان المملكة إن جرى حلف، ويذكر صفة حلفهم وما التزموه من الأيمان المؤكّدة، والمواثيق المغلّظة.
المقصد الرابع (في بيان مواضع الخلافة الّتي يستدعي الحال كتابة المبايعات فيها)
وهي أربعة أمور:
أحدها- موت الخليفة المتقدّم عن غير عهد لخليفة بعده
، وهو موضوعها
(9/288)

الأصليّ الذي عليه بنيت.
الثاني- أن يعهد الخليفة إلى خليفة بعده
، ثم يموت العاهد ويستقرّ المعهود إليه بالخلافة بالعهد بعده، فتؤخذ له البيعة العامّة على الرّعية، إظهارا لوقوع الإجماع على خلافته، والاتّفاق على إمامته.
الثالث- أن تؤخذ البيعة للخليفة بحضرة ولايته
، ثم تنفّذ الكتب إلى الأعمال لأخذ البيعة على أهلها، فيأخذ كلّ صاحب عمل له البيعة على أهل عمله.
الرابع- أن يعرض للخليفة خلل في حال خلافته
، من ظهور مخالف أو خروج خارجيّ، فيحتاج إلى تجديد البيعة له حيث وقع الخلاف.
ولكلّ من هذه الأحوال ضرب من الكتابة يحتاج فيه إلى بيان السبب الموجب لأخذ تلك البيعة.
المقصد الخامس (في بيان صورة ما يكتب في بيعات الخلفاء، وفيها أربعة مذاهب)
المذهب الأوّل (أن تفتتح المبايعة بلفظ «تبايع فلانا أمير المؤمنين» خطابا لمن تؤخذ عليه البيعة)
ويذكر ما يقع عليه عقد المبايعة، ويأتي بما سنح من أمر البيعة، ثم يذكر الحلف عليها، وعلى ذلك جرى مصطلح كتّاب خلفاء بني أميّة، ثم خلفاء بني العبّاس بعدهم ببغداد.
واعلم أنه قد تقدّم في المقصد الأوّل من هذا الفصل أنه لم ينقل أنه كتب للصدّيق رضي الله عنه ولا لمن ولي الخلافة بعده من الصّحابة من غير عهد بيعة. ولما كانت خلافة بني أميّة، وآل الأمر إلى عبد الملك بن مروان، وأقام الحجّاج ابن يوسف على إمارة العراق، وأخذ في أخذ البيعة لعبد الملك بالعراق، رتّب أيمانا
(9/289)


مغلّظة تشتمل على الحلف بالله تعالى والطّلاق والعناق والأيمان المحرجات يحلف بها على البيعة، واشتهرت بين الفقهاء بأيمان البيعة، واطّرد أمرها في الدولة العبّاسية بعد ذلك، وجرى مصطلحهم في ذلك على هذا الأسلوب.
وهذه نسخة مبايعة، ذكرها أبو الحسين «1» بن إسحاق الصابي في كتابه «غرر البلاغة» وهي:
تبايع عبد الله أمير المؤمنين فلانا بيعة طوع واختيار، وتبرّع وإيثار، وإعلان وإسرار، وإظهار وإضمار، وصحّة من نغل، وسلامة من غير دغل «2» ، وثبات من غير تبديل، ووقار من غير تأويل، واعتراف بما فيها من اجتماع الشّمل، واتّصال الحبل، وانتظام الأمور، وصلاح الجمهور، وحقن الدّماء، وسكون الدّهماء، وسعادة الخاصّة والعامّة، وحسن العائدة على أهل الملّة والذّمّة- على أنّ عبد الله فلانا أمير المؤمنين عبد الله، الذي اصطفاه، وخليفته الذي جعل طاعته جارية بالحق، وموجبة على الخلق، وموردة لهم موارد الأمن، وعاقدة لهم معاقد اليمن، وولايته مؤذنة لهم بجميل الصّنع، ومؤدّية بهم إلى جزيل النّفع، وإمامته الإمامة الّتي اقترن بها الخير والبركة، والمصلحة العامّة المشتركة، وأمّل فيها قمع الملحد الجاحد، وردّ الجائر الحائد، ووقم العاصي الخالع، وعطف الغازي المنازع- وعلى أنّك وليّ أوليائه، وعدوّ أعدائه، من كلّ داخل في الجملة، وخارج عن الملّة، وحائد عن الدّعوة. ومتمسّك بما يدليه، عن إخلاص من رأيك، وحقيقة من وفائك، لا تنقض ولا تنكث ولا تخلف ولا تواري ولا تخادع، ولا تداجي ولا تخاتل، علانيتك مثل نيّتك،
(9/290)

وقولك مثل طويّتك- وعلى أن لا ترجع عن شيء من حقوق هذه البيعة وشرائطها على مرّ الأيام وتطاولها، وتغيّر الأحوال وتنقّلها، واختلاف الأزمان وتقلّبها- على أنّك في كلّ ذلك من أهل الملّة الإسلامية ودعاتها، وأعوان الدولة العبّاسيّة ورعاتها؛ لا يداخل قولك مواربة ولا مداهنة، ولا تعترضه مغالطة ولا تتعقّبه مخالفة، ولا تخيس به أمانة، ولا تغلّه خيانة، حتّى تلقى الله تعالى مقيما على أمرك، وفيّا بعهدك، إذ كان مبايعو ولاة الأمور وخلفاء الله تعالى في الأرض إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
«1» .
عليك بهذه البيعة- الّتي أعطيت بها صفقة يدك، وأصفيت فيها سريرة قلبك، والتزمت القيام بها ما طال عمرك، وامتدّ أجلك- عهد الله إنّ عهد الله كان مسؤولا، وما أخذه على أنبيائه ورسله وملائكته وحملة عرشه من أيمان مغلّظة وعهود مؤكّدة، ومواثيق مشدّدة، على أنك تسمع وتصغي، وتطيع ولا تعصي، وتعتدل ولا تميل، وتستقيم ولا تحيد، وتفي ولا تغدر، وتثبت ولا تتغيّر، فمتى زلت عن هذه المحجّة حاقرا لأمانتك، ورافعا لديانتك، فجحدت الله تعالى ربوبيّته، وأنكرته وحدانيّته، وقطعت عصمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وجذذتها، ورميت طاعته وراء ظهرك ونبذتها، ولقيت الله يوم الحشر إليه، والعرض عليه، مخالفا لأمره، وخائنا لعهده، ومقيما على الإنكار له، ومصرّا على الإشراك به، وكلّ ما حلّله الله لك محرّم عليك، وكلّ ما تملكه يوم رجوعك عن بذلك، وارتجاعك ما أعطيته في قولك، من مال موجود ومذخور، ومصوغ ومضروب، وسارح ومربوط، وسائم ومعقول، وأرض وضيعة، وعقار وعقده، ومملوك وأمة، صدقة على المساكين، محرّمة على مرّ السّنين، وكلّ امرأة لك تملك شعرها وبشرها، وأخرى تتزّوجها بعدها، طالق ثلاثا بتاتا، طلاق الحرج والسّنّة لا رجعة فيه ولا مثنويّة، وعليك الحجّ إلى بيت الله الحرام الذي بمكّة ثلاثين دفعة
(9/291)

حاسرا حافيا، راجلا ماشيا، نذرا لازما، ووعدا صادقا، لا يبرّئك منها إلّا القضاء لها، والوفاء بها، ولا قبل الله منك توبة ولا رجعة، وخذلك يوم الاستنصار بحوله، وأسلمك عند الاعتصام بحبله، وهذه اليمين قولك قلتها قولا فصيحا، وسردتها سردا صحيحا، وأخلصت فيها سرّك إخلاصا مبينا، وصدقت فيها عزمك صدقا يقينا، والنية فيها نية فلان أمير المؤمنين دون نيّتك، والطّويّة [فيها طويّته] دون طويّتك، وأشهدت الله على نفسك بذلك وكفى بالله شهيدا، يوم تجد كلّ نفس عليها حافظا ورقيبا.
وهذه نسخة بيعة أخرى من هذا الأسلوب، أوردها ابن «1» حمدون في تذكرته، وربّما وافق فيها بعض ألفاظ البيعة السابقة، وهي:
تبايع الإمام أمير المؤمنين فلانا بيعة طوع وإيثار، واعتقاد وإضمار، وإعلان وإسرار، وإخلاص من طويّتك، وصدق من نيّتك، وانشراح صدرك وصحّة عزيمتك، طائعا غير مكره، ومنقادا غير مجبر، مقرّا بفضلها، مذعنا بحقّها، معترفا ببركتها، ومعتدّا بحسن عائدتها، وعالما بما فيها وفي توكيدها من صلاح الكافّة، واجتماع الكلمة [من] الخاصّة والعامّة، ولمّ الشّعث، وأمن العواقب، وسكون الدّهماء، وعزّ الأولياء، وقمع الأعداء- على أنّ فلانا عبد الله وخليفته، المفترض طاعته، والواجب على الأمة إقامته وولايته، اللازم لهم
(9/292)

القيام بحقّه، والوفاء بعهده، لا تشكّ فيه، ولا ترتاب به، ولا تداهن في أمره ولا تميل. وأنك وليّ وليّه، وعدوّ عدوّه، من خاصّ وعامّ، وقريب وبعيد، وحاضر وغائب، متمسّك في بيعته بوفاء العهد، وذمّة العقد، سريرتك مثل علانيتك، وظاهرك فيه وفق باطنك- على أن أعطيت الله هذه البيعة من نفسك، وتوكيدك إيّاها في عنقك، لفلان أمير المؤمنين عن سلامة من قلبك، واستقامة من عزمك، واستمرار من هواك ورأيك- على أن لا تتأوّل عليه فيها، ولا تسعى في نقض شيء منها، ولا تقعد عن نصره في الرّخاء والشّدّة، ولا تدع النصر له في كلّ حال راهنة وحادثة، حتّى تلقى الله مؤذنا بها، مؤدّيا للأمانة فيها، إذ كان الذين يبايعون ولاة الأمر، وخلفاء الله في الأرض إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ «1» .
عليك بهذه البيعة- الّتي طوّقتها عنقك، وبسطت لها يدك، وأعطيت فيها صفقتك، وما شرط عليك فيها، من وفاء وموالاة، ونصح ومشايعة، وطاعة وموافقة واجتهاد ومتابعة- عهد الله إنّ عهد الله كان مسؤولا. وما أخذ الله تعالى على أنبيائه ورسله عليهم السّلام، وعلى من أخذ من عباده، وكيدات مواثيقه ومحكمات عهوده، وعلى أن تتمسّك بها ولا تبدّل، وتستقيم ولا تميل، وإن نكثت هذه البيعة أو بدّلت شرطا من شروطها، أو عفّيت رسما من رسومها، أو غيّرت حكما من أحكامها، معلنا أو مسرّا أو محتالا أو متأوّلا، أو زغت عن السبيل الّتي يسلكها من لا يحقّر الأمانة، ولا يستحلّ الغدر والخيانة، ولا يستجيز حلّ العقود، فكلّ ما تملكه من عين أو ورق أو آنية، أو عقار أو سائمة «2» ، أو زرع، أو صرع «3» ، أو غير ذلك من صنوف الأملاك المعتدّة، والأموال المدّخرة،
(9/293)

صدقة على المساكين، محرّم عليك أن ترجع من ذلك إلى شيء من مالك بحيلة من الحيل، على وجه من الوجوه، وسبب من الأسباب، أو مخرج من مخارج الأيمان، وكلّ ما تعتدّه في بقيّة عمرك من مال يقلّ خطره أو يجلّ فتلك سبيله إلى أن تتوفّاك منيّتك أو يأتيك أجلك، وكلّ امرأة لك «1» اليوم، وأخرى تتزوجها بعدها مدّة بقائك طالق ثلاثا بتاتا، طلاق الحرج والسّنّة لا مثنويّة فيه ولا رجعة، وعليك المشي إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجّة حافيا، حاسرا راجلا، لا يرضى الله منك إلّا بالوفاء بها، ولا يقبل الله منك صرفا ولا عدلا، وخذلك يوم تحتاج إليه، وبرّأك من حوله وقوّته، وألجأك إلى حولك وقوّتك، والله عزّ وجلّ بذلك شهيد، وكفى به شهيدا.
وهذه نسخة أخرى من هذا الأسلوب، أوردها أبو الحسين الصابي في «غرر البلاغة» وهي:
تبايع أمير المؤمنين بقوّة من بصيرتك، وصحّة من سريرتك، وصفاء من عقيدتك وصدق من عزيمتك، على الرّضا [به] والوفاء له، والإخلاص في طاعته، والاجتهاد في مناصحته، وعقد النيّة على موالاته، وبذل القدرة في ممالاته، وأن تكون لأنصاره عونا، ولأوليائه حزبا، ولأعدائه حربا، عارفين بما في ذلك من الحظّ، ومعترفين بما يلزم فيه من الحقّ، ومحافظين على ما حرس الملّة الإسلاميّة، والدولة العبّاسية، ثبّت الله قواعدها، وأحكم معاقدها، وزادها استمرارا على مرّ الدّهور، واستقرارا على كرّ العصور، وعزّا على تنقّل الأمور، واشتدادا على تغلّب المقدور، فإن خالفت ذلك مسرّا أو معلنا، وحلت عنه مظهرا أو مبطنا، وحللت عقوده ناكثا أو ناقضا، وتأوّلت فيه محاولا للخروج منه،
(9/294)

واستثنيت عليه طالبا للرّجوع عنه، فبرّأني الله من حوله وقوّته، وسلبني ما وهب من فضله ونعمته، ومنعني ما وعد من رأفته ورحمته، وخلّاني من يديه، يوم الفزع الأكبر لديه، وحنث كلّ يمين حلفها المسلمون على قديم الأيّام وحديثها، والتّناهي في تأكيدها وتشديدها، وأعروها من لباس الشّبهة، وأخلوها من دواعي المخاتلة، وهذه اليمين يميني، أوردتها على صدق من نيّتي، وصحّة من عزيمتي، واتّفاق من سرّي وعلانيتي، وسردتها سردا متتابعا من غير فصل، وتلفظت بها تلفّظا من غير قطع، والنية فيها نية فلان، على حضور منه وغيب، وبعد وقرب، وأشهد الله تعالى بما عقدته على نفسي منها، وكفى بالله شهيدا على من أشهده، وحسيبا على من اجترأ على إخفار عهده، ونقض عقده.
قلت: فإن كان من تؤخذ عليه المبايعة اثنين، أتي في المبايعة بصيغة التثنية، أو ثلاثة فأكثر، أتي بصيغة الجمع. ولم أقف على كيفية وضعهم لذلك في الكتابة، والذي يظهر أن المبايعة كانت تكتب على الصورة المتقدّمة، ثم يكتب المبايعون خطوطهم بصدورها عنهم، كما يفعل الآن في تحليف من يحلّف من الأمراء وغيرهم من أرباب الوظائف بالمملكة المصرية والممالك الشامية، أو يشهد عليهم في آخر البيعة بمعاقدتهم عليها ورضاهم بها ونحو ذلك.
المذهب الثاني (مما يكتب في بيعات الخلفاء)
أن تفتتح المبايعة بلفظ «من عبد الله ووليّه فلان أبي فلان الإمام الفلاني» إلى أهل دولته، ونحو «1» ذلك بالسّلام عليهم، ويؤتى بما سنح من الكلام، ثم يقال: أمّا بعد، فالحمد لله، ويؤتى على وصفه بشريف المناقب، واستحقاقه للخلافة، واستجماعه لشروطها، وما يجري هذا المجرى، ثم
(9/295)

ينخرط في سلك البيعة، ويذكر القائم بأخذها على الناس من سلطان أو وزير عظيم أو نحو ذلك، ويذكر من أمر ولاية الخليفة ما فيه استجلاب قلوب الرعية والأخذ بخواطرهم وما ينخرط في هذا السّلك.
وهذه نسخة بيعة من هذا الأسلوب، لوليّ عهد بعد موت العاهد، كتب بها لبعض خلفاء الفاطميين، ليس فيها تعرّض لذكر الوزير القائم بها، وهي:
من عبد الله ووليّه «أبي فلان فلان بن فلان» الإمام الفلانيّ، بأمر الله تعالى أمير المؤمنين، إلى من يضمّه نطاق الدولة العلوية، من أمرائها وأعيانها، وكبرائها وأوليائها، على اتّساع شعوبهم، وعساكرها على اختلاف ضروبهم، وقبائل عربها القيسيّة واليمنيّة، وكافّة من تشمله أقطارها من أجناس الرعيّة، الأمير منهم والمأمور، والمشهور منهم والمغمور، والأسود والأحمر، والأصغر والأكبر، وفّقهم الله وبارك فيهم.
سلام عليكم، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليكم الله الذي لا إله إلّا هو، ويسأله أن يصلّي على محمد خاتم النبيّين، وسيّد المرسلين، صلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين، الأئمة المهديّين، وسلّم تسليما.
أما بعد، فالحمد لله مولي المنّ الجسيم، ومبدي الطّول العميم، ومانح جزيل الأجر بالصّبر العظيم، مفيد النعم المتشعبة الفنون، ومدني المهج المتعالية لتناول المنون، ومبيد الأعمار ومفنيها، وناشر الأموات ومحييها، والفاتح إذا استغلقت الأبواب، والقائل: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ
«1» الذي لا يغيّر ملكه مرور الغير، ولا يصرف سلطانه تصرّف القدر، ولا يدرك قدمه وأزليّته، ولا ينفد بقاؤه وسرمديّته، مسلم الأنام «2» للحمام، ومصمي الأنفس بسهام
(9/296)

الاخترام، ومورد البشر من المنيّة منهلا ما برحوا في رنقه «1» يكرعون، ولمرّه المشرق يتجرّعون، ومعزز ذلك بقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
«2» .
والحمد لله الذي نصب الأنبياء لمراشده أعلاما، وحفظ ببعثهم من الحقّ والهدى نظاما، وجعل نبوّة جدّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، لنبوّاتهم ختاما، وعضّد بوصيّه أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كمالا للدّين وإتماما، واستخلص من ذرّيتهما أئمة هادين إتقانا لصنعته وإحكاما، وأقام الحجّة على الأمم بأن أقام لكلّ زمان منهم إماما، وعاقب بين أنوار الإمامة فإذا انقبض نور انبسط نور، وتابع ظهور بدوره ليشرق طالع إثر غارب يغور، رحمة شاملة للعالمين، وحكمة تامّة حتّى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، ولم يخل نبيّا مع ما شرّفه [به] من تناول وحيه وتلقّيه، ولا عصم إماما مع اختصاصه بفروع منصب الإمامة وترقّيه، من لقاء المنيّة، ووداع الأمنيّة، بل أجّل لكلّ منهم أجلا مكتوبا، وفسّح له أمدا محصورا محسوبا، لا يصرفه عن وصوله فضيلة، ولا يصل إلى تجاوزه بقوّة ولا حيلة، قدرة محكمة الأسباب، وعبرة واضحة لأولي الألباب، وقضيّة أوضحها فرقانه الذي أقرّ بإعجازه الجاحدون، إذ يقول مخاطبا لنبيه: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ
«3» .
والحمد لله الذي منح أمير المؤمنين من خصائص الإمامة وأنوارها، وحاز له من ذخائرها وأودعه من أسرارها، ما خوّله فاخر تراثها، وأصار له شرف ميراثها، وجعله القائم بحقّه، والمرشد لخلقه، والماحي بهداه ليلا من الضّلال بهيما، والحاوي بخلافته مجدا لا يزال ثناؤه عظيما: ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ
(9/297)

وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً
«1» .
يحمده أمير المؤمنين على أن أوضح بآبائه الأئمة سبل الحقائق، فأصبحوا خلفاء الخالق وأئمّة الخلائق، وخوّله ما اختصّهم به من الإمامة، ورفعه بها إلى أشمخ منازل العلا وأرفع مواطن الكرامة، ويستمدّه شكرا يوازي النّعم الّتي أثبتت [له] على سرير الخلافة وسرّها قدما، وصبرا يوازن الفجيعة الّتي قلّ لها فيض المدامع دما.
ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد الذي فضّ بجهاده جموع الإلحاد، وحصد باجتهاده من مال عن الهدى وحاد، وصدع بما أمر به حتّى عمّ التوحيد، ودانت لمعجزاته الأمم وقد دعاها وهو المفرد الوحيد، ولم يزل مبالغا في مرضاة ربّه، حريصا على إظهار دينه بيده ولسانه وقلبه، حتّى استأثر به وقبضه، وبدّله من الدنيا شرف جواره وعوّضه، وأصاره إليه أفضل نبيّ بصّر وبشّر، وأحيا دين الله وأنشر، وعلى أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إمام الأمّة، وأبي الأئمّة، وقدوة السعداء، وسيّد الشّهداء، وعاضد الدّين بذي الفقار، ومن لم يزل الحقّ إلى ذبّه شديد الافتقار، صلّى الله عليه وعلى آبائه والأئمة من ذرّيّتهما الذين أيقظوا العقول بإرشادهم من السّنة، وأفاضوا من العدل والإحسان ما ألهج بتمجيدهم الألسنة.
وإنّ الإمام الفلانيّ لدين الله أمير المؤمنين كان وليّا لله شرّفه الله واستخلصه، وأفرده بإمامة عصره وخصّصه، وفوّض إليه أمر خلافته، وأحلّه محلّا تقع مطارح الهمم دون علوّه وإنافته، فقام بحقّ الله ونهض، وعمل بأمره فيما سنّ وفرض، وقهر الأعداء بسطواته وعزائمه، وصرّف الأمور بأزمّة التدبير وخزائمه، وبالغ في الذّبّ عن أشياع الملّة، واجتهد في جهاد أعداء القبلة، ووقف على مصلحة العباد والبلاد أمله، ووفّر على ما يحظي عند الله قوله
(9/298)

وعمله، ولم يترك في مرضاة خالقه مشقّة إلّا احتملها، ولا رويّة إلّا صرّفها في إرشاد خلقه وأعملها، حتّى بلغ الغاية المحدودة، واستكمل الأنفاس المعدودة، وأحسن الله له الاختيار، واثر له النّقلة من هذه الدار والزّلفى «1» بسكنى دار القرار، والفوز بمصاحبة الأنبياء الأبرار، والحلول في حظائر قدسه مع آبائه الأئمّة الأطهار، فسار إليه طاهر السّريرة، جميل المذهب والصّورة، مستوجبا بسعيه أفضل رضوانه، ممهّدا بالتقوى لتدبيره أكناف جنانه.
وأمير المؤمنين [يحتسب] عند الله هذه الرّزيّة الّتي عظم بها المصاب، وعظم عند تجرّعها الصّاب، وأضرمت القلوب نارا، وأجرت الآماق دما ممارا «2» ، وأطاشت بهولها الأكباد بالحرق، وكحلت الأجفان بالأرق، وكادت لهجومها الصدور تقذف أفئدتها، والدنيا تنزع نضرتها وبهجتها، وقواعد الملّة تضعف وتهي، والخطوب الكارثة تصرّ «3» ولا تنتهي، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون!! تسليما لأمره الذي لا يدفع، وإذعانا لقضائه الذي لا يصدّ ولا يمنع.
وكان الإمام الفلانيّ لدين الله أمير المؤمنين عند نقلته جعل لي عقد الخلافة، ونصّ عليّ بارتقاء منصبها المخصوص بالإنافة، وأفضى إليّ بسرّها المكنون، وأودعني غامض علمها المصون، وعهد إليّ أن أشملكم بالعدل والإحسان، والعطف والحنان، والرحمة والغفران، والمنّ الرائق الذي لا يكدّره امتنان، وأن أكون لأعلام الهدى ناشرا، وبما أرضى الله مجاهرا، ولأحزاب القبلة مظافرا مظاهرا، ولأعداء الملة مرغما قاهرا، ولمنار التوحيد رافعا، وعن حوزة الإسلام بغاية الإمكان دافعا، مع علمه بما خصصت به من كرم الشّيم،
(9/299)

وفطرت عليه من الخلال «1» القاضية مصالح الأمم، وأوتيته من استحقاق الإمامة واستيجابها، ومنحته من الخصائص المبرمة لأسبابها.
فتعزّوا جميع الأولياء، وكافّة الأمراء «2» ، وجميع الأجناد، والحاضر من الرّعايا والباد، عن إمامكم المنقول إلى دار الكرامة، بإمامكم الحاضر الموجود الذي أورثه الله مقامه، وادخلوا في بيعته بصدور مشروحة نقيّة، وقلوب على محض الطاعة مطويّة، ونيّات في الولاء والمشايعة مرضيّة، وبصائر لا تزال بنور الهدى والاستبصار مضيّة، وأمير المؤمنين يسأل الله أن يجعل إمامته محظوظة بالإقبال، دائمة الكمال، صافية من الأكدار، معضودة بمواتاة الأقدار، ويوالي حمده على ما منحه من الاصطفاء الذي جعله لأمور الدّين والدنيا قواما، وأقامه للبريّة سيّدا وإماما، فاعلموا هذا واعملوا به، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكتب في يوم كذا من شهر كذا سنة كذا.
وهذه نسخة بيعة، كتب بها عن الحافظ «3» لدين الله الفاطميّ بعد وفاة ابن عمه الآمر «4» بأحكام الله، قام بعقدها الوزير أبو الفتح يانس الحافظي، اقتصر
(9/300)

فيها على تحميدة واحدة، وعزّى بالخليفة الميّت، ثم انتقل إلى مقصود البيعة، وهي:
من عبد الله ووليّه عبد المجيد أبي الميمون، الحافظ لدين الله أمير المؤمنين، إلى كافّة أهل الدولة شريفهم ومشروفهم، وأميرهم ومأمورهم، وكبيرهم وصغيرهم، وأحمرهم وأسودهم، وفّقهم الله وبارك فيهم.
سلام عليكم، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليكم الله الذي لا إله إلّا هو، ويسأله أن يصلي على جدّه محمد خاتم النبيين وسيّد المرسلين، صلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين، الأئمة المهديّين، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فالحمد لله اللطيف بعباده وبريّته، الرؤوف في أقداره وأقضيته، المهيمن فلا يخرج شيء من إرادته ومشيئته، ذي النّعم الفائضة الغامرة، والمنن المتتابعة المتظاهرة، والآلاء المتوالية المتناصرة، القائل في محكم كتابه:
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
«1» مدبّر أرضه بخلفائه، الذين هم زينة للدنيا وبهجة، وهادي خلقه بأوليائه، لئلا يكون للنّاس على الله حجّة، فسبحان الذي هو للنعم مسبغ وبالكرم جدير، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
«2» .
يحمده أمير المؤمنين أن جعله خليفة دون أهل زمانه، وأوجب ثواب
(9/301)

المستجيبين له بكفالته وضمانه، وجعلهم يوم الفزع الأكبر مكنوفين بحفظه مشمولين بأمانه، وأوزعه الشّكر على ما استرعاه إيّاه من أمر هذه الأمّة، ونقله إليه من تراث آبائه الهداة الأئمّة، وكشفه بإمامته من أفجع نائبة وأفظع ملمّة.
وصلّى الله على جدّنا محمد رسوله الذي أخبر الأنبياء المرسلون بصفته ونعته، وتداولوا البشرى بما يستقبل من زمانه وبعثه، وذكروه فيما أتوا به من كلّ كتاب أوحاه الله وأنزله، واعترفوا بأنه أفضل من كلّ من نبّأه الله وأرسله، فيسّر الله سبحانه ما كان مرتقبا من ظهوره، وأذن في إشراق الأرض بما انتشر في آفاقها من نوره، وبعثه- جلّت قدرته- إلى الأمّة بأسرها قاطبة، وجعل ألسنة الأغماد مجادلة لمن خالف شرعه مخاطبة، فكان لآية الكفر ماحيا، وفي مصالح البريّة ساعيا، وإلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة داعيا، إلى أن لمعت آيات الحقّ وسطعت، وانحسمت مادّة الباطل وانقطعت، وظهر من آياته ما كبّر له المخبتون، واشتهر من معجزاته ما خصم به المتعنّتون، وخاطبه الله فيما أنزل عليه بقوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
«1» . فحينئذ نقله الله إلى ما أعدّ له من جنّاته، وخصّه بشرف الشّفاعة في يوم مجازاته، وصدقه وعده فيما بوّأه من النعيم المقيم: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ*
«2» .
وعلى أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أولى الناس بالنّبيّ، وأوّل من اتّبعه من ذوي قرابة وأجنبيّ، وابن عمّه الذي اختصّه بمؤاخاته، وجعله خليفة على كافة الناس بعد وفاته، وتحمّل بأمر الله، فيما ولّاه وأولاه، وخطب الناس في حجّة الوداع فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» ، وعلى آلهما الكرام الأبرار، وعترتهما المصطفين الأخيار، وهداة المسلمين وقدوتهم، وأمراء المؤمنين وأئمّتهم، الذين حكموا فأقسطوا وما قسطوا، وسلك الحاضرون منهم
(9/302)

سنن أسلافهم الذين فرطوا، واقتفوا آثارهم في السّياسة فما قصّروا ولا فرّطوا، ولم يزل كلّ منهم عاملا من ذلك بما حسّن أيامه، فاعلا في أمر الدّين ما رفع مناره ونشر أعلامه، حتّى اختار الله له ما عنده فنصّ على من أقامه الاستحقاق مقامه، وسلّم عليهم أجمعين سلاما لا انقضاء لأمده، ولا انقطاع لمدده، فنيل المطالب بكرمه وملكوت كل شيء بيده.
وإنّ الحقّ إن خفي حينا فلا بدّ لهلاله من الإبدار وانبساط النّور، وإن الشمس إن تورات بالحجاب فما أوشك عودتها إلى البزوغ والظّهور، وأنّ حسن الصبر إلى يبلغ الكتاب أجله يؤمن من تدلية الشيطان بالغرور، قال الله عزّ وجلّ في كتابه الذي هدانا به: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ «1» .
وإنّ الله تعالى لرأفته بمن أبدعه من خلقه وأنشاه، ولسابق علمه في عمارة هذه الدار على ما أراده عزّ وجلّ وشاه، لا يخلي الأرض من نور يستضيء به الساري في الليل البهيم، ولا يدع الأمّة بلا إمام يهدي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم، فهو جلّ وعلا أعدل من أن يجعل جيد الإيمان من حلى الإمامة عاطلا، أو يترك الخلق هملا وقد قال: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا «2»
بل يقطع أعذار العباد فيما خلقهم له ووقفهم، ويهديهم بالأئمة إلى التوفّر على عمل ما ألزمهم وكلّفهم، فالأمور محروسة الترتيب محفوظة النّظام، والأرض إذا أظلمت لفقد إمام، أضاءت وأشرقت لقيام إمام. وقد علم الكافّة أنّ حجة الله في أرضه، والمجتنب من الأعمال ما لم يرضه، والمحسن إلى البريّة ببعثه على المصالح وحضّه، الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين الذي آتاه الله الحكم صبيّا، ورفعه من إرث النبوّة مكانا عليّا، واستخلفه على خلقه فكان
(9/303)

للفضل باسطا ولراية العدل ناشرا، وجعله لشمل المحاسن جامعا ولأئمة الخلفاء الراشدين عاشرا، لم يزل ناظرا في البعيد والقريب، عاملا في سياسة الأمّة عمل المجتهد المصيب، مستقصيا حرصه في المحافظة على إعزاز الملّة، مستنفدا جهده في الجهاد فيمن خالف أهل القبلة، باذلا من جزيل العطاء وكثيره ما لا يعرف معه أحد من خاصّته بالفقر ولا ينسب معه إلى القلّة، حتّى استوفى مدّته الموهوبة، واستوعب غايته المكتوبة، وناله من القضاء ما أخرجه من الدّنيا سعيدا، وأقدمه على الله شهيدا، وأصاره إلى ما أعدّ له من نعيم لا يريد به بديلا ولا يطلب عليه مزيدا، وكان انتقاله إلى جوار ربّه تبارك وتعالى، كانتقال أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بغيا من الكافرين واغتيالا. وقد كان يذكر ما يعلمه من حقّ أمير المؤمنين «1» تارة مجاهرا وتارة مخافتا، إلى أن صار على بسط القول في ذلك وتبيينه مثابرا متهافتا، وأفصح بما كان مستبهما مستعجما، وصرّح بما لم يزل في كشفه ممرّضا وعن إفصاحه محجما، وذلك لمّا ألفاه أشرف فرع من سنخ «2» النبوّة، ورآه أكرم في فخارة الأبوّة، وعلمه أبيه «3» الأمير أبي «4» القاسم عمّه سلام الله عليه الذي هو سليل الإمامة القليل المثل، ونجل الخلافة المخصوص من الفخر بأجزل حظّ وأوفر كفل، كان المستنصر بالله أمير المؤمنين سمّاه وليّ عهد المسلمين، وتضمّن ذلك ما خرجت به توقيعاته وتسويغاته إلى الدواوين، وثبّت في طرز الأبنية، وكتب الاتبياعات والأشرية، وعلمته الكافّة علما يقينا ظلّت فيه غير مرتابة ولا ممترية، وفي ضمن ذلك باطن لا يعقله إلا العالمون، ولا ينكره إلّا من قال فيهم: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ «5» .
وذلك أنّ أمير المؤمنين الغرض والمقصد، والبغية والمطلب، وله عهد بالتلويح
(9/304)

والإشارة، وإليه أوحى بالنّصّ وإن لم يفصح فيه بالعبارة، وكان والده الأمير أبو القاسم- قدّس الله روحه- بمنزلة الأشجار الّتي يتأنّى بها إلى أن يظهر زهرها، والأكمام الّتي ينتظر بها إلى أن يخرج ثمرها، والزّرجونة الّتي نقلت الماء إلى العنقود، والسّحابة الّتي حملت الغيث فعمّ نفعه أهل السّهول والنّجود، ومما يبيّن ذلك ويوضّحه، ويحقّقه ويصحّحه، وتثلج به للمؤمنين صدور وتقوى أفئدة، وتشهد البصائر أنّ النعمة به على الإسلام متتابعة متجدّدة، أنّ الأمرين إذا تشابها من كلّ الجهات، وكانت بينهما مدد متطاولات متباعدات، فالسابق منهما يمهّد للتالي، والأوّل أبدا رمز على الثاني، ولا خلاف بين كافّة المسلمين في أنّ الله تعالى أمر جدّنا محمدا صلّى الله عليه وسلّم بعقد ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلّى الله عليه فعقدها له يوم غدير خم، وأمير المؤمنين عليّ ابن عمّه وكان له حينئذ عمّ حاضر، وأمضى ما أمر به والإسلام يومئذ غضّ وعوده ناضر، وكذلك أنّ أمير المؤمنين، هو ابن عم الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين، وقد نصّ مع حضور عمومته عليه، وفعل ما فعل ندّه رسول الله اقتداء به وانتهاء إليه، وكان أبو عليّ «1» المنصور الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين صلوات الله عليه، جعل ابنه عبد الرّحيم إلياس وليّ عهد المسلمين، وميّزه بذلك على كافّة الناس أجمعين، ونقش اسمه في السّكّة، وأمر بالدعاء له على المنابر وبمكّة، وألبسه شدّة الوقار المرصّعة بالجوهر، واستنابه عنه إمام الأعياد في الصلاة وفي رقيّ المنبر، وأقامه مقام نفسه في الاستغفار لمن يتوفّى من خواصّ أوليائه، وفي الشّفاعة لهم بمتقبّل مناجاته ومسموع دعائه، مع علمه أنه لا ينال رتبة الخلافة، ولا يبلغ درجة الإمامة، وأن الإمام الظاهر لإعزاز دين الله- صلّى الله عليه- هو الذي خلق لها، وحين حمّل أعباءها أقلّها وما استثقلها، وإنما تحت ذلك معنى لطيف غامض، وسرّ عن جمهور الناس مستتر وبرقه لأولي البصائر وامض، وهو أنّ مكنون الحكمة، ومكتوم علم الأمة، يدلّان على أنّ الإمام المنصور أبا عليّ، سيفعل فيمن
(9/305)

يستخلفه بعده مثل فعل النبيّ، وقد علم الإمام الحاكم- عليه السّلام- أنّ المراد بذلك من يأتي بعده ممن أولده أو أنسله، لأنّ ولده حاضر والمقصود من لا ولد له، فجعل ولاية عبد الرحيم العهد تأسيسا لما سيكون، ونقلا للنّفوس من الانزعاج إلى أن تشملها الطّمأنينة والسّكون. فلمّا أفضى الله إلى الإمام المنصور أبي عليّ الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين بالخلافة الّتي جعلها واجبا له حقّا، ووافق جدّه- عليه السّلام- وكان لقبه من لقبه مشتقّا، ظهر المنكتم، ووضح المستتر، وعاد التعريض تصريحا، والتمريض تصحيحا، والرّمز إبانة، والنصّ على أمير المؤمنين أمانة، فاقتدى بجدّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في استخلاف أمير المؤمنين مع حضور عمومته، وفعل في ذلك فعلته وجرى على قضيّته، وكشف عمّا أبهمه الإمام الحاكم بأمر الله قدّس الله لطيفته فتساوى الخاصّ والعامّ في معرفته، ثم حلّه أمير المؤمنين محلّ نفسه في الجلوس على الأسمطة «1» ، وعمل لأوليائه ورعيّته في ذلك بالقضايا المحيطة، ونصبه منصبه في الصلاة على من جرت عادته بالصلاة على مثله، وجمع في اعتماد ذلك بين إحسانه وفضله وبين امتنانه وعدله، وإذ قد تبيّن هذا الأمر الواضح الجليّ، وتساوى في علمه الشانيء والوليّ، وعلم هو ما خصّ الله به أمير المؤمنين من الإمامة، وأزاله عن العقول من ضباب متكاثف وغمامة، وشمله به من فضله ورافته، ونصبه فيه من منصب خلافته الّتي أيّدها بوليّه ووزيره، وعضّدها بصفيّه وظهيره، السيد الأجل أبي الفتح يانس الحافظيّ الذي جعله الله على اعتنائه بدولة أمير المؤمنين من أوضح الشواهد والدلائل، وصرف به عن مملكته محذور الصّروف والغوائل، وأقام منه لمناصحة الخلافة مخلصا جمع فيه أسباب
(9/306)

المناقب والفضائل، وأيده بالتوفيق في قوله وفعله فأربى على الأواخر والأوائل، ودلّت سيرته الفاضلة على أنه قد عمر ما بين الله وبينه، وحكمت سنّته العادلة أن كلّ مدح لا يبلغ ثناءه وكلّ وصف لا يقع إلّا دونه، والله يضاعف نعمه عنده ولديه، ويفتح لأمير المؤمنين مشارق الأرض ومغاربها على يديه، وهذا يحقّق أنّ الإسلام قد أحدث له قوّة وتمكينا، وأن ذوي الإيمان قد ازدادوا إيمانا واستبصارا ويقينا، فيجب عليكم لأمير المؤمنين أن تدخلوا في بيعته منشرحة صدوركم، طيّبة نفوسكم، مجتهدين له في خدمة تقابلون بها إحسانه، متقرّبين إليه بمناصحة تحظيكم عند الله سبحانه، عاملين بشرائط البيعة المأخوذة على أمثالكم الذين يتّبعون في فعلهم، ويقع الإجماع بمثلهم، ولكم على أمير المؤمنين أن يكون بكم رحيما، وعن الصغائر متجاوزا كريما، وبالكافّة رؤوفا رفيقا، وعلى الرّعايا عطوفا شفيقا، وأن يصفح عن المسيء ما لم يأت كبيرة، ويبالغ في الإحسان إلى من أحسن السّيرة، ويولي من الإفضال ما يستخلص الضمائر، ويسبغ من الإنعام ما يقتضي نقاء السرائر، وأمير المؤمنين يسأل الله أن يعرّفكم بركة إمامته، ويمن خلافته، وأن يجعلها ضامنة بلوغ المطالب، كافلة لكافّتكم بسعادة المباديء والعواقب، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المذهب الثالث (أن تفتتح البيعة بعد البسملة بخطبة مفتتحة بالحمد لله،
ثم يؤتى بالبعديّة ويتخلّص إلى المقصود، وقد يذكر السلطان القائم بها وقد لا يذكر، وعلى ذلك كانت تكتب بيعات خلفاء بني أميّة بالأندلس، ومن ادّعى الخلافة ببلاد المغرب) وهذه نسخة بيعة كتب بها طاهر «1» الأندلسيّ، في أخذ البيعة على أهل
(9/307)

دانية «1» من الأندلس، للرشيد بن المأمون الأمويّ، وهو منتصب في الخلافة؛ لخلف توهّمه من الرعية، اقتصر فيها على تحميدة واحدة، وليس فيها تعرّض لسلطان قائم بعقدها، وهي:
الحمد لله الذي أسبغ إنعامه باطنا وظاهرا، وسوّغ إفضاله هاملا وهامرا، وأعجز عن وصف إحسانه ناظما وناثرا، وقهر الخلق ناهيا وآمرا، وتعالى جدّه فلا ترى له مضاهيا ولا مظاهرا، ولا موازيا ولا موازرا، ونصر الحقّ وكفى به وليّا وكفى به ناصرا، وجعل جدّ المطيع صاعدا وجدّ العصيّ عاثرا، وحذّر من الخلاف باديا وحاضرا، وماضيا وغابرا.
نحمده سبحانه على نعمه حمد من أصبح لعلق الحمد ذاخرا، ونشكره على مننه ولن يعدم المزيد منه شاكرا، ونضرع إليه أن يجعل حظّنا من بركة الاعتصام وافرا، ووجه نيّتنا في الانتظام سافرا، وأن يمنح أولياءه النصر ظاهرا والفتح باهرا، وأعداءه الرّعب شاجيا والرّمح شاجرا، ونشهد أن لا إله إلّا الله شهادة من أقرّ له بالوحدانيّة صاغرا، وأضحى لأوامره ممتثلا ولنواهيه محاذرا، ونسأله أن يجعل حزب الإيمان ظافرا، ويمدّه بنصره طالبا للثار ثائرا، وصلّى الله على سيدنا محمد رسوله الذي انتخبه من صفوة الصّفوة كابرا فكابرا، وجعله بالفضيلة أوّلا وبالرّسالة آخرا، فأيقظ بالدّعاية ساهيا وناسيا وسكّن بعد الإبانة منافيا ومنافرا، وأذهب بنوره ليلا من الجهالة ساترا، وقام بجهاد الكفرة ليثا خادرا «2» ، وباشر بنفسه المكاره دارعا وحاسرا، وشهد بدرا مبادرا، وحنينا منذرا بالخبر نادرا، وظهر عليهم في كلّ المشاهد غالبا وما ظهروا نادرا، وعلى آله وأصحابه الذين منهم صاحبه وخليفته، المعلومة رأفته، أبو بكر الذي اقتحم لهول الرّدّة مصابرا، وسلّ في قتال الرّوم أهل الجلد والشّدّة سيفا باترا، ومنهم
(9/308)

القويّ في ذات الله عمر الذي أصبح به ربع الإسلام عامرا، ولم يخش في الله عاذلا ولم يرج غادرا «1» ، ومنهم الأصدق حياء عثمان ملاقي البلوى صابرا، والخفر الذي لم ير للأذمّة خافرا، ومنهم أقضاهم عليّ الذي قاتل باغيا وكافرا، وبات لخوف الله ساهرا، ورضي الله عن الإمام المهديّ الذي أطلعه نورا باهرا، وبحرا للعلم زاخرا، وأتى به والضّلال يجرّ رسه سادرا، والباطل يثبت وينفي واردا وصادرا، فجدّد رسم الحقّ وكان داثرا، وقام بآرائه علما هاديا وقرما «2» هادرا، وعن الخلفاء الراشدين المرشدين من أصبح حائدا عن الحقّ جائرا، المجاهدين خاتلا بالعهد خاترا.
أما بعد، فإنّ الله سبحانه جعل الإمامة للناس عصمة، ومنجاة من ريب الالتباس ونعمة، بها تتمهّد عمارة الأرض، ويتجدّد صلاح الكلّ والبعض، ولولاها ظهر الخلل، واختلط المرعيّ والهمل، وارتكبت المآثم، واستبيحت المحارم، واستحلّت المظالم، وانتقم من المظلوم الظالم، وفسد الائتلاف وافترق النّظام، وتساوى الحلال والحرام، فاختار لأمرهم رعاة أمرهم بالعدل فعدلوا، وبالتواصل في ذات الله والتّقاطع فقطعوا في ذات الله ووصلوا، وعدلوا بين أهليهم وأقربيهم فيما ولّوا، ونهضوا بأعباء الكفاية والحماية واستقلّوا، وألزمهم الاتّفاق والانقياد، وحظر عليهم الانشقاق والعناد، فملكوا بأزمّة العقل قياد الأمور، وأشرقت بسيرتهم المباركة أقاضي المعمور، وشاهد الناس فواضل إمامهم، وتبينوا من سيرتهم العادلة علوّ محلّهم في الخلائف ومقامهم، ولم يطرق في مدّتهم للإسلام جناب، ولا اقتحم له باب، وأنّى وسيوفهم تقطر من دماء الأعداء، وبلادهم ساكنة الدّهماء، والكفرة بالرّعب المخامر والداء العياء،
(9/309)

وأهل الإيمان، يجرّون ذيول العزائم، وعبدة الصّلبان، يعثرون في ذيل الهوان الدائم، إلى أن عدمت الأرض منهم بحارها الزّواخر، وأنوارها البواهر، ورأت بعدهم العيون الفواقيء والمتون الفواقر، واكفهرّ وجه اللأواء «1» ، وتفرّقت الفرق بحسب الأهواء، وسفكت الدّماء وركبت المضلّة العمياء، واحتقبت الجوائر، وأهمل الشرع والشّعائر، ثم إن الله تعالى أذن في كشف الكرب، وأطلع بالغرب نورا ملأ الدّلو إلى عقد الكرب، وهو النّور الذي أضاء للبصائر والأبصار، وطلع على الآفاق طلوع النّهار، وذخرت أيّامه السعيدة لدرك الثار، وكلفت به الخلافة وطال بها كلفه، وقام بالإمامة مثل ما قام بها الخلفاء الراشدون سلفه، وذلك هو الخليفة الإمام أمير المؤمنين الرشيد بالله ابن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين، وخلّد في عقبهم الإمامة إلى يوم الدّين، وهو الأسد الهصور «2» ، ومن أبوه المأمون وجده المنصور، العريق في الخلافة، والحقيق بالإمامة والإنافة، فجمع ما افترق، ونظّم الأمور ونسّق، ومنع الحوزة أن تطرق والملّة أن تفترق أو تفرّق.
وهذه نسخة بيعة كتب بها أبو المطرّف بن عميرة الأندلسيّ «3» بأخذ البيعة على أهل شاطبة من الأندلس لأبي جعفر المستنصر «4» بالله العبّاسيّ، قام
(9/310)

بعقدها أبو عبد الله محمد «1» بن يوسف بن هود صاحب الأندلس، ثم أخذ البيعة بعد ذلك عليهم لنفسه، وأن يكون ابنه وليّ عهده بعده، وهي:
الحمد لله الذي جعل الأرض قرارا، وأرسل السّماء مدرارا، وسخّر ليلا ونهارا، وقدّر آجالا وأعمارا، وخلق الخلق أطوارا، وجعل لهم إرادة واختيارا، وأوجد لهم تفكّرا واعتبارا، وتعاهدهم برحمته صغارا وكبارا.
نحمده حمد من يرجو له وقارا، ونبرأ ممن عانده استكبارا وألحد في آياته سفاهة واغترارا، وصلّى الله على سيدنا محمد الشريف نجارا، السامي فخارا، فرفع «2» الله من شريعته للأمّة منارا، وأطفأ برسالته للشّرك نارا، حتّى علا الإسلام مقدارا، وعزّ جارا ودارا، وأذعن الكفر اضطرارا، واستسلم ذلّة وصغارا، فمضى وقد ملأ البسيطة أنوارا، وعمّها بدعوته أنجادا وأغوارا، وأوجب لولاة العهد بعده طاعة وأتمارا، فجزاه الله أفضل ما جزى نبيّا مختارا، ورسولا اجتباه اختصاصا وإيثارا، صلّى الله عليه وعلى آله الطيبين آثارا واختبارا، وعلى أصحابه الكرام مهاجرين وأنصارا، صلاة نواليها إعلانا وإسرارا، ونرجو بها مغفرة ربّنا إنّه كان غفّارا.
(9/311)

أما بعد، فإنّ المستأثر بالدّوام، اللّطيف بالأنام، أنشأهم على التغاير والتباين، واضطرهم إلى التّجاور والتعاون، وجعل لهم مصلحة الاشتراك، ومنفعة الالتحام والاشتباك، طريقا إلى الأفضل في حياتهم، والأسعد لغاياتهم، وبعث النبيين مرغّبين ومحذّرين، ومبشّرين ومنذرين، فأدّوا عنه ما حمّل، وبيّنوا ما حرّم وحلّل، وكان أعمّهم دعوة، وأوثقهم عروة، وأعلاهم في المنزلة عنده ذروة، وأعطفهم للقلوب وهي كالحجارة أو أشدّ قسوة، المخصوص بالمقام المحمود، والحوض المورود، وشفاعة اليوم المشهود، ولواء الحمد المعقود، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم أفضل صلاة تفضي إلى الظلّ الممدود، وتبلغنا من شفاعته أفضل موعود، بعثه الله للأحمر والأسود، والأدنى والأبعد، فصدع بأمره وظلام الليل غير منجاب، والدّاعي إلى الله غير مجاب، وأهل الجاهلية كثير عددهم، شديد جلدهم، بعيد في الضّلالة والغواية أمدهم، فسلك من هدايتهم سبيلا، وصبر لهم صبرا جميلا، يحبّ صلاحهم وهم العدوّ، ويلين لهم إذا جدّ بهم العتوّ، ويجهد في أظهار دينه ولدين الله الظهور والعلوّ، حتّى انقادوا بين سابق سبقت له السّعادة، ولا حق تداركته المشيئة والإرادة، ولما رفعت راية الإسلام، وشفعت حجّة الكتاب حجّة الإسلام «1» ، ودعي الناس إلى التزام الأحكام، ونهوا عن الاستقسام بالأزلام «2» ، أخبتوا إلى الربّ المعبود، وأشفقوا من تعدّي الحدود، ووعظوا في الأيمان والعهود، فأتمروا للشرع حين أمر، وخافوا وخامة من إذا عاهد غدر، فكان الرجل يدع الخوض فيما لا يعلمه، ويترك حقّه لأجل يمين تلزمه، وشرعت الأيمان في كلّ فنّ بحسب المحلوف عليه، وعلى قدر الحاجة إليه، فواحدة في المال لحقّ الأداء، وأربع مخمّسة عند ملاعنة النّساء، وخمسون انتهي إليها في أحكام الدّماء، فتوثّق للحدود على مقاديرها، وجرت أمور
(9/312)

العبادات والمعاملات على أفضل تقديرها، وقبض رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والعدل قائم، والشرع على القوي والضعيف حاكم، والربّ جلّ جلاله بما تخفي الصدور عالم، وقام بعده الخلفاء الأربعة أركان الدّين، وأعضاد الحقّ المبين، يحملون الناس على سننه الواضح، وينفّذون أمور المصالح، ويتفقّهون في الأحكام وقوفا مع الظاهر وترجيحا للراجح، وكانوا يتوقّفون في بعض الأحيان، ويطلبون للشّبه وجه البيان، ويستظهرون على تحقيق كثير من الوقائع بالأيمان، حتّى كان عليّ كرم الله وجهه يستثبت في الدّراية، ويستحلف الراوي على الرّواية، وما أنكر ذلك أحد، ولا أعوزه من الشرع مستند، رضي الله عنهم أئمة بالعدل قضوا، وعلى سبيله مضوا، والسّيرة الجليلة تخيّروا وارتضوا، وعن سيد الأنام، ومستنزل درّ الغمام، عمّ نبيّنا عليه أفضل الصلاة والسّلام، الحامي الحدب، والمعقل الأشب «1» ، والغيث الهامل المنكسب، أبي الفضل العبّاس بن عبد المطّلب، وعن الفائزين بالرّتبة الكريمة، والصّحبة القديمة، والمناقب العظيمة، بدور الظّلام وبحور الحكم، وصدور أندية الفضل والكرم، وسائر صحابه عليهم السّلام الذين أسلموا على عمره «2» ، وأسلفوا جدّا في نصره، وأدركوا من بركة عيانه وزمانه ما لا مدرك لحصره، كرّم الله مآبهم، وأجزل ثوابهم، وشكر لهم صبرهم واحتسابهم، فلقد عقدوا نيّة الصّدق عند قيامهم لأداء فريضة الإطاقة، واستباحوا صلاة الشكر حين رفعوا حدث الرّدّة وأراقوا سؤر «3» الشّرك وقد استحقّ بنجاسته الإراقة، وابتزّوا كسرى زينته فأبرزوها على سراقة، فرأوا عيانا ما أخبر به سيد المرسلين، وملكوا ما زوي له منها فاطّلع عليه بحقّه المبين، وذهبوا فأظلمت الأرض من بعدهم، وتنكّرت المعارف لفقدهم، واختلط الهمل والمرعيّ، وتشابه الصّريح والدّعيّ، وثارت الفتن من كل
(9/313)

جانب، وصارت الحقوق نهبة [كل] ناهب، ولمّا برحت «1» العهود، وتعدّيت الحدود، بلغ الوقت المحدود، وطلعت ببياض العدل الرايات السّود، تحتها سادات الناس، وذادة موقف الباس، وشهب اليوم العماس «2» ، ونجب البيت الكريم من بني العبّاس، فأعادوا إلى الأمر رونقه، ونفوا عن الصّفو رنقه، وحموا حرم المسلمين، وأحيوا سنّة ابن عمّهم سيّد المرسلين، فأصبحت الأمور مضبوطة، والثّغور محوطة، والسّبل آمنة، والرعيّة في ظلّ العدل والأمن ساكنة، وكان الناس قبلهم قد ركبوا الصّعب والذّلول، وامتطوا الحزن والسّهول، فوثقوا منهم بطاعتهم، واستحلفوهم على بيعاتهم، ذلك بأنهم ألزموهم منها واجبا على القطع، لازما بإلزام الشّرع، ووجدوا لمصلحة الارتباط بالأيمان شواهد من الآثار المنقولة، والأصول المقبولة، ومن أعطى من نفسه كلّ ما عليها، وراعى جملة المصالح وكلّ ما تطرّق إليها، فكيف لا يكون في سعة من هذا التكليف المستند إلى الآثار الشرعية، الداخل في أقسام المصالح المرعيّة؟ كما سلف من الأئمة المهتدين، آباء أمير المؤمنين وخليفة ربّ العالمين، ابن عمّ سيّدنا وسيّد المرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين.
لمّا دعا الناس بالمملكة الفلانيّة حماها الله إلى حجّتهم القويّة، وإمرتهم الهاشميّة، مجاهد الدين، بسيف أمير المؤمنين، جمال الإسلام، مجد الأنام، تاج خواصّ الإمام، فخر ملوكه، شرف أمرائه، المتوكّل على الله تعالى أمير المسلمين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود، أسعد الله أيامه، ونصر أعلامه، وقام لذلك متوحّدا المقام الكريم، مشمّرا عن ساعد التّصميم،
(9/314)

ماضيا على الهول مضاء الحسام القاضب، غاضبا لأمر الله ورضاه على غاية هذا الغاضب، مالت إليه الأجياد، وانثالت عليه البلاد، فانتظمها مدينة مدينة، وجعل التوكّل على الله سبحانه شريعة منيعة وذريعة معينة، وتقدّم- أيده الله- بأخذ البيعة على نفسه وعلى أهل الملّة قاطبة للقائم بأمر الله سيّدنا ومولانا الخليفة الإمام المستنصر بالله أبي جعفر أمير المؤمنين، صلوات الله عليه وعلى آله الخلفاء الراشدين، وكان له في ذلك المرام السّعيد، والمقام الحميد، والقدم «1» الذي رضي إبداءه وإعادته المبديء المعيد، وخاطب الدّيوان العزيز النبويّ- خلّد الله شرفه- متضرّعا لوسائل خدمته، متعرّضا لعواطف رحمته، وبعث رسوله على أصدق رجاء في القبول، وأثبت أمل في الإسعاف بالمأمول، وأثناء هذه الإرادة القويمة، والسّعادة الكريمة، تفاوض أهل البلاد في توثيق عقدهم للسلطان فلان المشار إليه الذي هو حكم من أحكام الإجماع المنعقد، وأصل أفضى إليه نظر الناظر واجتهاد المجتهد، إذ أجالوا الأمر فيما يزيده وثاقة، ويكسو وجهه على الأيّام بشرا وطلاقة، ويجعل القلوب مطمئنّة برسوخه في الأعقاب، وثبوته على الأحقاب، فلم يروا رأيا أسدّ، ولا عملا أحصف وأشدّ، من أن يطلبوه بعقد البيعة لابنه الواثق بالله المعتصم به أبي بكر محمد بن مجاهد الدين، سيف أمير المؤمنين، على أن يكون وليّ عهدهم مدّة والده مدّ الله في حياته، وأميرهم عند الأجل الذي لا بدّ من موافاته، فأمضى لهم ذلك من اتّفاقهم، وأثبتوا على ما شرطته بيعته في أعناقهم. وبعد ذلك أتى صولة الإسلام، وصلة دار السّلام، وورد رسول مثابة الجلالة، ونيابة الرّسالة، وملتزم الملائك، ومعتصم الممالك، ومعه الكتاب الذي هو نص أغنى عن القياس، بل هو نور يمشي به في الناس، وأدّى إلى السلطان فلان المشار إليه من تشريف الدّيوان العزيز النبويّ ما وسمه من الفخار بأجلّ وسمه، وقلّده السيف الصارم وسمّاه باسمه، فتلاقى السيفان المضروب والضارب، واشتبه الوصفان الماضي
(9/315)

والقاضب، وبرزت تلك الخلع «1» فابيضّ وجه الإسلام من سوادها، ووضع الكتاب فكادت المنابر تسعى إليه شوقا من أعوادها، وقرئت وصايا الإمام، على الأنام، فعلموا أنها من تراث الرّسالة، وقالوا: كافل الإسلام جدّد له بهذا الصّقع الغربيّ حكم الكفالة، وسمعوا من التقدّم بإنصافهم، والتهمّم بمواسطهم وأطرافهم، جملا عفّروا لها الجباه جودا بالجهد، وسجدوا للشّكر والحمد، فأدركوا من بركة المشاهد أثبت شرف وأبقاه، ورأوا حقيقة ما كادت الأوهام تزول عن مرقاه، وازدادوا يقينا بفضل ما صاروا إليه، ورأوا عيانا يمن ما بايعوا عليه، فتوافت طوائفهم المتبوعة، وجماهيرهم المجموعة، بدارا إلى المراضي الشّريفة، وبناء على وصايا عهد الخليفة، أن يجدّدوا البيعة لمجاهد الدّين، سيف أمير المؤمنين، تولّى الله عضده، ولابنه الواثق بالله المعتصم به أنهضه الله بإمرته بعده، ولم تعد أن تكون الزّيادة الطارئة شرطا في تقرير الإمرة «2» المؤدّاة وإثباتها، أو جارية مجرى السّنن الّتي يؤمر المصلّي بالإعادة عند فواتها، فأعادوا بيعته أداء للفريضة ورجاء للفضيلة، واستندوا إلى الإشارات الجليلة، بعد الاستخارات الطويلة، ورأوا أن يأخذوا بها عادة البيعات العبّاسية، واتّخاذ حكم الأصل طريق الإلحاقات القياسيّة، فبايعوا على تذكّر بيعة أكّدوها بالعهود المستحفظة، ووثّقوها بالأيمان المغلّظة، وبادروا بها نداء مناديهم، وأعطوا على الإصفاق بها صفقة أيديهم.
ولمّا انتهى ذلك إلى الملإ من أهل فلانة وجهاتها، رأوا أن يحلف من سبق، ويصدقوا النّيّة مع من صدق، ويعقدوا ما عقدوا على ما صرّح به العهد الشريف ونطق، فحضر منهم العلماء والصّلحاء، والأجناد والوزراء والفقهاء، والكافّة على تباينهم في المراتب، وتفاوتهم في المناصب، واختلافهم في المواطن والمكاسب، فأمضوها بيعة كريمة المقاصد، سليمة المعاقد، عهدها محكم،
(9/316)

وعقدها مبرم، وموجبها طاعة وسمع، والتقيّد بها سنّة وشرع، ويعمرون بها أسرارهم، ويفنون عليها أعمارهم، ويدينون بها في عسر ويسر، وربح وخسر، وضيق ورفاهية، ومحبّة وكراهية، تبرعوا بذلك كلّه طوعا، واستوفوه فصلا فصلا ونوعا نوعا، وعاهدوا عليها الذي يعلم السّرّ وأخفى، وأضمروا منها على ما أبرّ على الظاهر وأوفى، وتقبّلوا من الوفاء به ما وصف الله به خليله إذ قال:
وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
«1» ، وأقسموا بالله الذي لا إله إلّا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم، وبما أخذه على أنبيائه الكرام من العهود المؤكّدة، والمواثيق المشدّدة، على أنهم إن حادوا عن هذه السبيل، وانقادوا لداعي التحريف والتّبديل، فهم برآء من حول الله وقوته إلى حولهم وقوّتهم، تاركون ذمّته الوافية لذمّتهم، والأيمان كلها لازمة لهم على مذهب إمام دار الهجرة، وطلاق كل امرأة في ملك كل واحد منهم لازم لهم ثلاثا، وأيّما امرأة تزوّجها في البلاد الفلانية فطلاقها لازم له، كلّما تزوّج واحد منهن واحدة خرجت طالقا ثلاثا، وعلى كلّ واحد منهم المشي إلى بيت الله الحرام على قدميه، محرما من منزله بحجّة كفّارة لا تجزيء عن حجّة الإسلام، وعبيدهم وأرقّاؤهم عتقاء لاحقون بأحرار المسلمين، وجميع أموالهم عينا وعرضا، حيوانا وأرضا، وسائر ما يحويه المتملّك كلّا وبعضا، صدقة لبيت مال المسلمين، حاشى عشرة دنانير. كلّ ذلك على أشدّ مذاهب الفتوى، وألزمها لكلمة التّقوى، وأبعدها من مخالفة الهوى والظاهر والفحوى، أرادوا بذلك رضا الخلافة الفلانية والفلانية (بلقبي السلطنة) للسلطان وولده المأخوذ لهما البيعة بعد بيعته، وأشهدوا الله على أنفسهم، وكفى بذلك اعتزاما والتزاما، وشدّا لما أمر به وإحكاما:
وفَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
«2» وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً
«3» .
وهم يرفعون دعاءهم إلى الله تضرّعا واستسلاما، ويسألونه عصمة وكفاية افتتاحا
(9/317)

واختتاما، اللهم إنّا قد أنفذنا هذا العقد اقتداء واهتماما، وقضينا حقّه إكمالا وإتماما، وأسلمنا وجهنا إليك إسلاما، فعرّفنا من خيره وبركته نماء ودواما، واكلأنا بعينك حركة وسكونا ويقظة ومناما، وهَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً «1»
إنك أنت الله منتهى الرّغبات، ومجيب الدّعوات، وإله الأرض والسّموات.
وهذه نسخة بيعة مرتبة على موت خليفة، أنشأتها على هذه الطريقة لموافقتها رأي كتّاب الزمان في افتتاح عهود الملوك عن الخلفاء «بالحمد لله» كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى، وتعرّضت فيها إلى قيام سلطان بعقدها؛ لمطابقة ذلك لحال الزّمان وهي:
الحمد لله الذي جعل الأمّة المحمدية أبذخ الأمم شرفا، وأكرمها نجارا وأفضلها سلفا، وجعل رتبة الخلافة أعلى الرّتب رتبة وأعزّها كنفا، وخصّ الشجرة الطيبة من قريش بأن جعل منهم الأئمة الخلفا، وآثر الأسرة العبّاسيّة منها بذلك، دعوة سبقت من ابن عمّهم المصطفى، وحفظ بهم نظامها على الدّوام فجعل ممن سلف منهم خلفا.
نحمده على أن هيّأ من مقدّمات الرّشد ما طاب الزّمان به وصفا، وجدّد من رسوم الإمامة بخير إمام ما درس منها وعفا، وأقام للمسلمين إماما تأرّج الجوّ بنشره فأصبح الوجود بعرفه معترفا.
ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص تمسّك بعهدها فوفى، وأعطاها صفقة يده للمبايعة فلا يبغي عنها مصرفا، وأنّ محمدا عبده ورسوله الذي تدارك الله به العالم بعد أن أشفى فشفى، ونسخت آية دينه
(9/318)

الأديان، وجلا «1» بشرعته المنيرة من ظلمة الجهل سدفا «2» ، وجعل مبايعه مبايعا لله يأخذه بالنّكث ويوفّيه أجره على الوفا، صلّى الله عليه وعلى آله الأطهار وعترته الشّرفا، ورضي الله عن أصحابه الذين ليس منهم من عاهد الله فغدر ولا وادّ في الله فجفا، خصوصا من جاء بالصّدق وصدّق به فكان له قرابة وصفوة الصّفا، والمرجوع إليه في البيعة يوم السّقيفة «3» بعد ما اشرأبّت نحوها نفوس كادت تذوب عليها أسفا، والقائم في قتال أهل الرّدّة من بني «4» حنيفة حتّى استقاموا على الحنيفيّة حنفا، ومن استحال دلو الخلافة في يده غربا فكان أفيد عبقريّ قام بأمرها فكفى، وعمّت فتوحه الأمصار وحملت إليه أموالها فلم يمسكها إقتارا ولم يبذّر فيها سرفا. ومن كان فضله لسهم الاختيار من بين أصحاب الشّورى هدفا، وجمع الناس في القرآن على صحيفة واحدة وكانت قبل ذلك صحفا، ومن سرى إليه سرّ: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى» فغدا يجرّ من ذيل الفخار سجفا، واستولى على المكارم من كلّ جانب فحاز أطرافها طرفا طرفا، وعلى سائر الخلفاء الراشدين بعدهم ممّن سلك سبيل الحق ولطريق الهدى اقتفى، صلاة ورضوانا يذهبان الداء العضال من وخامة الغدر ويجلبان الشّفا، ويرفعان قدر صاحبهما في الدنيا ويبوّئان منتحلهما من جنّات النعيم غرفا.
أما بعد، فإنّ عقد الإمامة لمن يقوم بأمر الأمّة واجب بالإجماع، مستند
(9/319)

لأقوى دليل تنقطع دون نقضه الأطماع، وتنبو عن سماع ما يخالفه الأسماع، إذ العباد مجبولون على التباين والتغاير، مطبوعون على التحالف والتناصر، [مضطّرّون إلى التّعاون والتّجاور، مفتقرون إلى التعاضد والتّوازر «1» ] ، فلا بدّ من زعيم يمنعهم من التظالم، ويحملهم على التناصف في التداعي والتحاكم، ويقيم الحدود فتصان المحارم عن الانتهاك، وتحفظ الأنساب عن الاختلاط والاشتراك، ويحمي بيضة الإسلام فيمنع أن تطرق، ويصون الثّغور أن يتوصّل إليها أو يتطرّق، ليعزّ الإسلام دارا، ويطمئنّ المستخفي ليلا ويأمن السارب نهارا، ويذبّ عن الحرم فتحترم، ويذود عن المنكرات فلا تغشى بل تصطلم، ويجهّز الجيوش فتنكأ العدوّ، وتغير على بلاد الكفر فتمنعهم القرار والهدوّ، ويرغم أنف الفئة الباغية ويقمعها، ويدغم الطائفة المبتدعة ويردعها، ويأخذ أموال بيت المال بحقّها فيطاوع، ويصرفها إلى مستحقّها فلا ينازع، لا جرم اعتبر للقيام بها أكمل الشّروط وأتمّ الصّفات، وأكرم الشّيم وأحسن السّمات.
وكان السيد الأعظم الإمام النبويّ، سليل الخلافة، ووليّ الإمامة، أبو فلان فلان العبّاسيّ المتوكّل على الله «مثلا» أمير المؤمنين، سلك الله تعالى به جدد آبائه الراشدين، هو الذي جمع شروطها فوفّاها، وأحاط منها بصفات الكمال واستوفاها، ورامت به أدنى مراتبها فبلغت إلى أغياها، وتسوّر معاليها فرقي إلى أعلاها، واتّحد بها فكان صورتها ومعناها- وكانت الإمامة قد تأيّمت ممن يقوم بأعبائها، وعزّت خطّابها لقلّة أكفائها، فلم تلف لها بعلا يكون لها قرينا، ولا كفئا تخطبه يكون لديها مكينا، إلّا الإمام الفلانيّ المشار إليه، فدعته لخطبتها، وهي بيت عرسه، وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ
«2» فأجاب خطبتها، ولبّى دعوتها؛ لتحقّقه رغبتها إليه وعلمه بوجوب إجابتها عليه، إذ هو شبلها الناشيء بغابها، وغيثها المستمطر من سحابها، بل هو أسدها الهصور، وقطب فلكها الذي عليه تدور، ومعقلها الأمنع الحصين، وعقدها الأنفس
(9/320)

الثّمين، وفارسها الأروع وليثها الشّهير، وابن بجدتها الساقطة منه على الخبير، وتلادها العليم بأحوالها، والجدير بمعرفة أقوالها وأفعالها، وترجمانها المتكلّم بلسانها، وعالمها المتفنّن في أفنانها، وطبيبها العارف بطبّها، ومنجدها الكاشف لكربها.
وحين بلغت من القصد سولها «1» ، ونالت بالإجابة منه مأمولها، وحرم على غيره أن يسومها لذلك تلويحا، أو يعرّج على خطبتها تعريضا وتصريحا، احتاجت إلى وليّ يوجب عقدها، وشهود تحفظ عهدها، فعندها قام السلطان الأعظم الملك الفلانيّ (بالألقاب السلطانية إلى آخرها) خلّد الله سلطانه، ونصر جنوده وجيوشه وأعوانه، فانتصب لها وليّا، وأقام يفكّر في أمرها مليّا، فلم يجد أحقّ بها منه فتجنّب عضلها، فلم تكن تصلح إلّا له ولم يكن يصلح إلّا لها، فجمع أهل الحلّ والعقد، المعتزين للاعتبار والعارفين بالنّقد، من القضاة والعلماء، وأهل الخير والصّلحاء، وأرباب الرأي والنّصحاء، فاستشارهم في ذلك فصوّبوه، ولم يروا العدول عنه إلى غيره بوجه من الوجوه، فاستخار الله تعالى وبايعه، فتبعه أهل الاختيار فبايعوا، وانقادوا لحكمه وطاوعوا، فقابل عقدها بالقبول بمحضر من القضاة والشّهود فلزمت، ومضى حكمها على الصحة وانبرمت. ولمّا تمّ عقدها، وطلع بصبح اليمن سعدها، التمس المقام الشريف السلطانيّ الملكيّ الفلانيّ المشار إليه أعلى الله شرف سلطانه ورفع محلّه، وقرن بالتوفيق في كلّ أمر عقده وحلّه، أن يناله عهدها الوفيّ، ويرد منها موردها الصّفيّ، ليرفع بذلك عن أهل الدّين حجبا، ويزداد من البيت النبويّ قربا، فتعرّض لنفحاتها من مقرّراتها، وتطلّب بركاتها من مظنّاتها، ورغب إلى أمير المؤمنين، وابن عم سيد المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، أن يجدّد له بعهد السلطنة الشريفة
(9/321)

عقدا، ويأخذ له على أهل البيعة بذلك عهدا، ويستحلفهم على الوفاء لهما بما عاهدوا، والوقوف عند ما بايعوا عليه وعاقدوا، ليقترن السّعدان فيعمّ نوءهما، ويجتمع النّيّران فيبهر ضوءهما، فلبّاه تلبية راغب، وأجابه إجابة مطلوب وإن كان هو الطالب، وعهد إليه في كلّ ما تقتضيه أحكام إمامته في الأمة عموما وشيوعا، وفوّض له حكم الممالك الإسلاميّة جميعا، وجعل إليه أمر السلطنة المعظّمة بكلّ نطاق، وألقى إليه مقاليدها وصرّفه فيها على الإطلاق، وأقامه في الأمة لعهد الخلافة وصيّا، وجعله للإمامة بتفويض الأمر إليه وليّا، ونشر عليه لواء الملك وقلّده سيفه العضب، وألبسه الخلعة السّوداء فابيضّ من سوادها وجه الشرق والغرب، وكتب له بذلك عهدا كبت عدوّه، وزاد شرفه وضاعف سموّه، وطولب أهل البيعة بالتّوثيق على البيعتين بالأيمان فأذعنوا، واستحلفوا على الوفاء فبالغوا في الأيمان وأمعنوا، وأقسموا بالله جهد أيمانهم، بعد أن أشهدوا الله عليهم في إسرارهم وإعلانهم، وأعطوا المواثيق المغلّظة المشدّدة، وحلفوا بالأيمان المؤكّدة المعقّدة، على أنهم إن أعرضوا عن ذلك أو أدبروا، وبدّلوا فيه أو غيّروا، أو عرّجوا عن سبيله أو حادوا، أو نقصوا منه أو زادوا، فكلّ منهم بريء من حول الله وقوّته إلى حول نفسه وقوّته، وخارج من ذمّته الحصينة إلى ذمّته، وكلّ امرأة في نكاحه أو يتزوّجها في المستقبل فهي طالق ثلاثا بتاتا، وكلّما راجعها فهي طالق طلاقا لا يقتضي إقامة ولا ثباتا، وكلّ مملوك في ملكه أو يملكه في المستقبل حرّ لا حق بأحرار المسلمين، وكلّ ما ملكه أو يملكه من جماد وحيوان صدقة عليه للفقراء والمساكين، وعليه الحجّ إلى بيت الله الحرام، والوقوف بعرفة وسائر المشاعر العظام، محرما من دويرة أهله ماشيا، حاسرا عن رأسه وإن كان به أذى حافيا، يأتي بذلك في ثلاثين حجّة متتابعة على التمام، لا تجزئه واحدة منها عن حجّة الإسلام، وإهداء مائة بدنة «1» للبيت العتيق كلّ سنة
(9/322)

على الدّوام، وعليه صوم جميع الدّهر إلّا المنهيّ عنه من الأيّام، وأن يفكّ ألف رقبة مؤمنة من أسر الكفر في كلّ عام، يمين كلّ منهم في ذلك على نيّة أمير المؤمنين، وسلطان المسلمين، في سرّه وجهره وأوّله وآخره، لا نيّة للحالف في ذلك في باطن الأمر ولا في ظاهره، لا يورّي في ذلك ولا يستثني، ولا يتأوّل ولا يستفتي، ولا يسعى في نقضها، ولا يخالف فيها ولا في بعضها، متى جنح إلى شيء من ذلك كان آثما، وما تقدّم من تعقيد الأيمان له لازما، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، ولا يجزئه عن ذلك كفّارة أصلا، كلّ ذلك على أشدّ المذاهب بالتخصيص، وأبعدها عن التساهل والتّرخيص. وأمضوها بيعة ميمونة، باليمن مبتدأة بالنّجح مقرونة، وأشهدوا عليهم بذلك من حضر مجلس العقد من الأئمة الأعلام، والشّهود والحكّام، وجعلوا الله تعالى على ما يقولون وكيلا، فاستحقّ عليهم الوفاء بقوله عزّت قدرته: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا «1»
. وهم يرغبون إلى الله تعالى أن يضاعف لهم بحسن نيّتهم الأجور، ويلجأون إليه أن يجعل أئمتهم ممّن أشار تعالى إليه بقوله: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ «2»
. إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة بيعة مرتّبة على خلع خليفة، أنشأتها على هذه الطريقة أيضا، وتعرّضت فيها لذكر السلطان القائم بها، على ما تقدّم في البيعة المرتّبة على موت خليفة، وهي:
(9/323)

الحمد لله الذي جعل بيت الخلافة مثابة للناس وأمنا، وأقام سور الإمامة وقاية للأنام وحصنا، وشدّ لها بالعصابة القرشيّة أزرا وشاد منها بالعصبة العبّاسيّة ركنا، وأغاث الخلق بإمام هدى حسن سيرة وصفا سريرة فراق صورة ورق معنى، وجمع قلوبهم عليه فلم يستنكف عن الانقياد إليه أعلى ولا أدنى، ونزع جلبابها عمّن شغل بغيرها فلم يعرها نظرا ولم يصغ لها أذنا، وصرف وجهها عمّن أساء فيها تصرّفا فلم يرفع بها رأسا ولم يعمر لها مغنى.
نحمده على نعم حلت للنفوس حين حلّت، ومنن جلت الخطوب حين جلّت، ومسارّ سرت إلى القلوب فسرّت، ومبارّ أقرّت العيون فقرّت، وعوارف أمّت الخليقة فتوالت وما ولّت، وقدم صدق ثبتت إن شاء الله في الخلافة فما تزلزلت ولا زلّت.
ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تكون لنا من درك الشّكوك كالئة، ولمهاوي الشّبه دارئة، وللمقاصد الجميلة حاوية، ولشقّة الزّيغ والارتياب طاوية، وأنّ محمدا عبده ورسوله الذي نصح الأمّة إذ بلّغ فشفى عليلها، وأوردها من مناهل الرّشد ما أطفأ وهجها وبرّد غليلها، وأوضح لهم مناهج الحقّ ودعاهم إليها، وأبان لهم سبل الهداية: فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها «1»
صلّى الله عليه وعلى آله أئمة الخير وخير الأئمّة، ورضي عن أصحابه أولياء العدل وعدول الأمّة، صلاة ورضوانا يعمّان سائرهم، ويشملان أوّلهم وآخرهم، سيّما الصديق الفائز بأعلى الرّتبتين صدقا وتصديقا، والحائز قصب السبق في الفضيلتين علما وتحقيقا، ومن عدل الأنصار إليه عن سعد بن عبادة بعد ما أجمعوا على تقديمه، وبادر المهاجرون إلى بيعته اعترافا بتفضيله وتكريمه، والفاروق الشديد في الله بأسا واللّيّن في الله جانبا، والموفي للخلافة حقّا والمؤدّي للإمامة واجبا، والقائم في نصرة الدّين حقّ القيام حتّى عمّت فتوحه الأمصار مشارق ومغاربا، وأطاعته العناصر الأربعة؛ إذ
(9/324)

كان لله طائعا ومن الله خائفا وإلى الله راغبا، وذي النّورين المعوّل عليه من بين سائر أصحاب الشّورى تنويها بقدره، والمخصوص بالاختيار تفخيما لأمره، من حصر في بيته فلم يمنعه ذلك عن تلاوة كتاب الله وذكره، وشاهد سيوف قاتليه عيانا فقابل فتكاتها بجميل صبره، وأبي الحسن الذي أعرض عن الخلافة حين سئلها، واستعفى منها بعد ما اضطّرّ إليها وقبلها، وكشف له عن حقيقة الدنيا فما أمّ قبلتها بقلبه ولا ولّى وجهه قبلها، وصرّح بمقاطعتها بقوله: «يا صفراء غرّي غيري، يا بيضاء غرّي غيري» لمّا وصلها من وصلها، وسائر الخلفاء الراشدين بعدهم، الناهجين نهجهم والواردين وردهم.
أما بعد، فإنّ للإمامة شروطا يجب اعتبارها في الإمام، ولوازم لا يغتفر فواتها في الابتداء ولا في الدّوام، وأوصافا يتعيّن إعمالها، وآدابا لا يسع إهمالها، من أهمّها العدالة الّتي ملاكها التّقوى، وأساسها مراقبة الله تعالى في السّرّ والنّجوى، وبها تقع الهيبة لصاحبها فيجلّ، وتميل النّفوس إليها فلا تمل، فهي الملكة الداعية إلى ترك الكبائر واجتنابها، والزاجرة عن الإصرار على الصّغائر وارتكابها، والباعثة على مخالفة النفس ونهيها عن الشّهوات، والصارفة عن انتهاك حرمات الله الّتي هي أعظم الحرمات، والموجبة للتعفّف عن المحارم، والحاملة على تجنّب الظّلامات وردّ المظالم، والشّجاعة الّتي بها حماية البيضة والذّب عنها، والاستظهار بالغزو على نكاية الطائفة الكافرة والغضّ منها، والقوّة بالشوكة على تنفيذ الأوامر وإمضائها، وإقامة الحدود واستيفائها، ونشر كلمة الحق وإعلائها، ودحض كلمة الباطل وإخفائها، وقطع مادّة الفساد وحسم أدوائها، والرأي المؤدّي إلى السياسة وحسن التدبير، والمغني في كثير من الأماكن عن مزيد الجدّ والتشمير، والمعين في خدّع الحرب ومكايده، والمسعف في مصادر كلّ أمر وموارده.
هذا وقد جعلنا الله أمّة وسطا، ووعظنا بمن سلف من الأمم ممن تمرّد وعتا أو تجبّر وسطا، وعصم أمّتنا أن تجتمع على الضّلال، وصان جمعنا عن الخطل في الفعال والمقال، وندبنا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسوّغ
(9/325)

لأئمّتنا الاجتهاد في النّوازل والأحكام فاجتهادهم لا ينكر، خصوصا في شأن الإمامة الّتي هي آكد أسباب المعالم الدينيّة وأقواها، وأرفع المناصب الدّنيويّة وأعلاها، وأعزّ الرّتب رتبة وأغلاها، وأحقّها بالنظر في أمرها وأولاها. وكان القائم بأمر المسلمين الآن فلان بن فلان الفلانيّ ممّن حاد عن الصّراط المستقيم، وسلك غير النّهج القويم، ومال عن سنن الخلفاء الراشدين فأدركه الزّلل، وقارف المآثم فعاد بالخلل، فعاث في الأرض فسادا، وخالف الرّشد عنادا، ومال إلى الغيّ اعتمادا، وأسلم إلى الهوى قيادا، قد انتقل عن طور الخلافة، وعزيز الإنافة، إلى طور العامّة فاتّصف بصفاتهم، واتّسم بسماتهم، فمنكر يجب عليه إنكاره قد باشره، وصديق سوء يتعيّن عليه إبعاده قد وازره وظاهره، إن سلك فسبيل التّهمة والارتياب، أو قصد أمرا نحا فيه غير الصّواب، منهمك على شهواته، منعكف على لذّاته، متشاغل عن أمر الأمّة بأمر بنيه وبناته، الجبن رأس ماله، وعدم الرأي قرينه في أفعاله وأقواله، قد قنع من الخلافة باسمها، ورضي من الإمامة بوسمها، وظنّ أنّ السّودد في لبس السّواد فمال إلى الحيف، وتوهّم أنّ القاطع الغمد فقطع النظر عن السّيف.
ولمّا اطّلع الناس منه على هذه المنكرات، وعرفوه بهذه السّمات، وتحقّقوا فيه هذه الوصمات، رغبوا في استبداله، وأجمعوا على خلعه وزواله، فلجأوا إلى السلطان الأعظم الملك الفلاني (بالألقاب السلطانية إلى آخرها) نصر الله جنوده، وأسمى جدوده، وأرهف على عداة الله حدوده، ففوّضوا أمرهم في ذلك إليه، وألقوا كلّهم عليه، فجمع أهل الحلّ والعقد منهم، ومن تصدر إليهم الأمور وترد عنهم، فاستخاروا الله تعالى وخلعوه من ولايته، وخرجوا عن بيعته، وانسلخوا عن طاعته، وجرّدوه من خلافته، تجريد السّيف من القراب، وطووا حكم إمامته، كطيّ السّجلّ للكتاب. وعندما تمّ هذا الخلع، وانطوى حكمه على البتّ والقطع، التمس الناس إماما يقوم بأمور الإمامة فيوفيها، ويجمع شروطها ويستوفيها، فلم يجدوا لها أهلا، ولا بها أحقّ وأولى، وأوفى بها وأملى، من السيّد الأعظم الإمام النبوي سليل الخلافة، ووليّ الإمامة أبي
(9/326)

فلان فلان العباسيّ الطائع لله «مثلا» أمير المؤمنين، لا زال شرفه باذخا، وعرنينه الشريف شامخا، وعهد ولايته لعهد كلّ ولاية ناسخا، فساموه بيعتها فلبّى، وشاموا برقه لولايتها فأجاب وما تأبّى، علما منه بأنها تعينّت عليه، وانحصرت فيه فلم تجد أعلى منه فتعدل إليه، إذ هو ابن بجدتها «1» ، وفارس نجدتها، ومزيل غمّتها، وكاشف كربتها، ومجلي غياهبها، ومحمد عواقبها، وموضّح مذاهبها، وحاكمها المكين، بل رشيدها الأمين، فنهض المقام «2» الشريف السلطانيّ الملكيّ الفلانيّ المشار إليه، قرن الله مقاصده الشريفة بالنّجاح، وأعماله الصالحة بالفلاح، وبدر إلى بيعته فبايع، وأتمّ به من حضر من أهل الحلّ والعقد فتابع، وقابل عقدها بالقبول فمضى، ولزم حكمها وانقضى، واتّصل ذلك بسائر الرعيّة فانقادوا، وعلموا صوابه فمشوا على سننه وما حادوا، وشاع خبر ذلك في الأمصار وطارت به مخلّقات البشائر إلى سائر الأقطار، فتعرّفوا منه اليمن فسارعوا إلى امتثاله، وتحقّقوا صحّته وثباته بعد اضطرابه واعتلاله، واستعاذوا من نقص يصيبه بعد تمامه لهذا الخليفة وكماله، فعندها أبانت الخلافة العبّاسية عن طيب عنصرها، وجميل وفائها وكريم مظهرها، وجادت بجزيل الامتنان، وتلا لسان كرمها الوفيّ على وليّها الصادق: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
«3» فجدّد له بالسّلطنة الشريفة عهدا، وطوّق جيده بتفويضها إليه عقدا، وجعله وصيّه في الدّين، ووليّه في أمر المسلمين، وقلّده أمر الممالك الإسلامية وألقى إليه مقاليدها، وملّكه أزمّتها وحقّق له مواعيدها، وعقد له لواءها ونشر عليه أعلامها، وصرّفه فيها على الإطلاق وفوّض إليه أحكامها، وألبسه الخلعة السّوداء فكانت لسؤدده شعارا، وأسبغ عليه رداءها
(9/327)

فكان له دثارا، وكتب له العهد فسقى المعاهد صوب العهاد، ولهج الأنام بذكره فاطمأنّت العباد والبلاد، وعندما تمّ هذا الفصل، وتقرّر هذا الأصل، وأمست الرّعايا بما آتاهم الله من فضله فرحين، وبنعمته مستبشرين، طولب أهل البيعة بما يحملهم على الوفاء، ويمنع بيعتهم من التكدّر بعد الصّفاء، من توثيق عقدها بمؤكّد أيمانها، والإقامة على الطاعة لخليفتها وسلطانها، فبادروا إلى ذلك مسرعين، وإلى داعيه مهطعين، وبالغوا في المواثيق وأكّدوها، وشدّدوا في الأيمان وعقّدوها، وأقسموا بالله الذي لا إله إلّا هو عالم الغيب والشّهادة، عالم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور في البدء والإعادة، على الوفاء لهما والموالاة، والنّصح والمصافاة، والموافقة والمشايعة، والطاعة والمتابعة، يوالون من والاهما، ويعادون من عاداهما، لا يقعدون عن مناصرتهما عند إلمام ملمّة، ولا يرقبون في عدوّهما إلّا ولا ذمّة، جارين في ذلك على سنن الدّوام والاستمرار، والثّبوت واللّزوم والاستقرار، على أنّ من بدّل منهم من ذلك شرطا أو عفّى له رسما، أو حاد عن طريقه أو غيّر له حكما، أو سلك في ذلك غير سبيل الأمانة، أو استحلّ الغدر وأظهر الخيانة، معلنا أو مسرّا في كلّه أو بعضه، متأوّلا أو محتالا لإبطاله أو نقضه، فقد بريء من حول الله المتين وقوّته الواقية، وركنه الشديد وذمّته الوافية، إلى حول نفسه وقوّته، وركنه وذمّته. وكلّ امرأة في عصمته الآن أو يتزوّجها مدّة حياته طالق ثلاثا بصريح لفظ لا يتوقّف على نيّة، ولا يفرق فيه بين سنّة ولا بدعة ولا رجعة فيه ولا مثنويّة، وكلّ مملوك في ملكه أو يملكه في بقيّة عمره من ذكر أو أنثى حرّ من أحرار المسلمين، وكلّ ما هو على ملكه أو يملكه في بقيّة عمره إلى آخر أيّامه من عين أو عرض صدقة للفقراء والمساكين، وعليه الحجّ إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجّة بثلاثين عمرة راجلا حافيا حاسرا، لا يقبل الله منه غير الوفاء بها باطنا ولا ظاهرا، وإهداء مائة بدنة «1» في كل حجّة
(9/328)

منها في عسرته ويسرته، لا تجزئه واحدة منها عن حجّة الإسلام وعمرته، وصوم الدهر خلا المنهيّ عنه من أيّام السّنة، وصلاة ألف ركعة في كل ليلة لا يباح له دون أدائها غمض ولا سنة، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، ولا يؤجر على شيء من ذلك قولا ولا فعلا، متى ورّى في ذلك أو استثنى، أو تأوّل أو استفتى، كان الحنث عليه عائدا، وله إلى دار البوار قائدا، معتمدا في ذلك أشدّ المذاهب في سرّه وعلانيته، على نيّة المستحلف له دون نيّته، وأمضوها بيعة محكمة المباني ثابتة القواعد، كريمة المساعي جميلة المقاصد، طيّبة الجنى جليلة العوائد، قاطعة البراهين ظاهرة الشّواهد، وأشهدوا على أنفسهم بذلك من حضر مجلس هذا العقد من قضاة الإسلام وعلمائه، وأئمة الدّين وفقهائه، بعد أن أشهدوا الله عليهم وكفى بالله شهيدا، وكفى به للخائنين خصيما: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
«1» . والله تعالى يجعل انتقالهم من أدنى إلى أعلى، ومن يسرى إلى يمنى، ويحقّق لهم بمن استخلفه عليهم وعده الصادق بقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
«2» . إن شاء الله تعالى.
المذهب الرابع (مما يكتب في بيعات الخلفاء أن يفتتح البيعة بلفظ: هذه بيعة،
ويصفها ويذكر ما يناسب، ثم يعزّي بالخليفة الميّت، ويهنّيء بالخليفة المستقرّ، ويذكر في حقّ كلّ منهما ما يليق به من الوصف على نحو مما تقدّم) وهذه نسخة بيعة أنشأها المقرّ الشّهابيّ «3» بن فضل الله، على ما رأيته في «الجواهر الملتقطة» المجموعة من كلامه، للإمام الحاكم «4» بأمر الله «أبي
(9/329)

القاسم» «1» «أحمد بن أبي الرّبيع سليمان المستكفي «2» بالله ابن الإمام الحاكم «3» بأمر الله، بعد موت أبيه.
وذكر القاضي تقيّ الدين «4» بن ناظر الجيش في «دستوره» أنه إنما عملها
(9/330)

تجربة «1» لخاطره، وهي مرتّبة على موت خليفة.
ونصها بعد البسملة الشريفة:
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
«2» .
هذه بيعة رضوان وبيعة إحسان، وبيعة رضا تشهدها الجماعة ويشهد عليها الرحمن، بيعة يلزم طائرها العنق، وتحوم بشائرها على الأفق، وتحمل أنباءها البراريّ والبحار مشحونة الطّرق، بيعة تصلح لنسبها الأمّة، وتمنح بسببها النّعمة، وتؤلّف بها الأسباب وتجعل بينهم مودّة ورحمة، بيعة تجري بها الرّفاق، وتتزاحم زمر الكواكب على حوض المجرّة للوفاق، بيعة سعيدة ميمونة، بيعة شريفة بها السلامة في الدّين والدنيا مضمونة، بيعة صحيحة شرعيّة، بيعة ملحوظة مرعيّة، بيعة تسابق إليها كلّ نيّة وتطاوع كلّ طويّة، وتجمع عليها أشتات البريّة، بيعة يستهلّ بها الغمام، ويتهلّل البدر التّمام، بيعة متّفق على الإجماع عليها، والاجتماع لبسط الأيدي إليها، انعقد عليها الإجماع، وانعقدت صحّتها بمن سمع لله وأطاع، وبذل في تمامها كلّ امريء ما استطاع، وحصل عليها اتّفاق الأبصار والأسماع، ووصل بها الحقّ إلى مستحقّه وأقرّ الخصم وانقطع النّزاع، وتضمّنها كتاب كريم يشهده المقرّبون، ويتلقّاه الأئمة الأقربون.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ
«3» :
ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ
«4» . وإلينا ولله الحمد وإلى بني
(9/331)

العبّاس. أجمع على هذه البيعة أرباب العقد والحلّ، وأصحاب الكلام فيما قلّ وجلّ، وولاة الأمور والأحكام، وأرباب المناصب والحكّام، وحملة العلم والأعلام، وحماة السّيوف والأقلام، وأكابر بني عبد مناف، ومن انخفض قدره وأناف، وسراوات قريش ووجوه بني «1» هاشم والبقيّة الطاهرة من بني العباس، وخاصّة الأئمة وعامّة الناس، بيعة ترسى «2» بالحرمين خيامها، وتخفق على المأزمين أعلامها، وتتعرّف عرفات ببركاتها وتعرف بمنى أيّامها، ويؤمّن عليها يوم الحجّ الأكبر، وتؤمّ ما بين الرّكن والمقام والمنبر، ولا يبتغى بها إلّا وجه الله الكريم، وفضله العميم، لم يبق صاحب سنجق»
ولا علم، ولا ضارب بسيف ولا كاتب بقلم، ولا ربّ حكم ولا قضاء، ولا من يرجع إليه في اتفاق ولا إمضاء، ولا إمام مسجد ولا خطيب، ولا ذو فتيا يسأل فيجيب، ولا من بين جنبتي المساجد ولا من تضمّهم أجنحة المحاريب، ولا من يجتهد في رأي فيخطيء أو يصيب، ولا متحدّث بحديث، ولا متكلّم بقديم وحديث، ولا معروف بدين وصلاح، ولا فرسان حرب وكفاح، ولا راشق بسهام ولا طاعن برماح، ولا ضارب بصفاح، ولا ساع على قدم ولا طائر بغير جناح، ولا مخالط للناس ولا قاعد في عزلة، ولا جمع كثرة ولا قلّة، ولا من يستقلّ بالحوزاء لواؤه، ولا يقلّ فوق الفرقد ثواؤه، ولا باد ولا حاضر، ولا مقيم ولا سائر، ولا أوّل ولا آخر، ولا مسرّ في باطن ولا معلن في ظاهر، ولا عرب ولا عجم، ولا راعي إبل ولا غنم، ولا صاحب أناة ولا إبدار، ولا ساكن في حضر وبادية بدار، ولا صاحب عمد ولا جدار، ولا ملجّج في البحار الزاخرة والبراريّ القفار، ولا من يتوقّل صهوات الخيل، ولا من يسبل على العجاجة الذيل، ولا من تطلع عليه شمس النهار ونجوم الليل، ولا من تظلّه السماء وتقلّه الأرض، ولا من تدلّ عليه
(9/332)

الأسماء على اختلافها وترتفع درجات بعضهم على بعض، حتّى آمن بهذه البيعة وأمّن عليها، ومنّ الله عليه وهداه إليها، وأقرّ بها وصدّق، وغضّ لها بصره خاشعا وأطرق، ومدّ إليها يده بالمبايعة، ومعتقده بالمتابعة، رضي بها وارتضاها، وأجاز حكمها على نفسه وأمضاها، ودخل تحت طاعتها وعمل بمقتضاها: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
«1» .
والحمد لله الذي نصب الحاكم ليحكم بين عباده وهو أحكم الحاكمين، والحمد لله الذي أخذ حقّ آل بيت نبيّه من أيدي الظالمين، والحمد لله ربّ العالمين، ثم الحمد لله ربّ العالمين، ثم الحمد لله ربّ العالمين، والحمد لله رب العالمين.
وإنه لمّا استأثر الله بعبده سليمان أبي الرّبيع الإمام المستكفي بالله أمير المؤمنين- كرّم الله مثواه- وعوّضه عن دار السّلام بدار السّلام، ونقله فزكّى بدنه عن شهادة السّلام بشهادة الإسلام، حيث آثره ربّه بقربه، ومهّد لجنبه وأقدمه على ما أقدمه من يرجوه لعمله وكسبه، وخار له في جواره رقيقا، وجعل له على صالح سلفه طريقا، وأنزله مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً
«2» . الله أكبر ليومه لولا مخلّفه كادت تضيق الأرض بما رحبت، وتجزى كلّ نفس بما كسبت، وتنبيء كلّ سريرة بما أدّخرت وما خبّت، لقد اضطرم سعير، إلّا أنّه في الجوانح، لقد اضطرب منبر وسرير، لولا خلفه الصالح، لقد اضطرب مأمور وأمير، لولا الفكر بعده في عاقبة المصالح، لقد غاضت البحار، لقد غابت الأنوار، لقد غالب البدور ما يلحق الأهلّة من المحاق ويدرك البدر من السّرار، نسفت الجبال نسفا، وخبت مصابيح النّجوم وكادت تطفى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا
(9/333)

صَفًّا
«1» لقد جمعت الدنيا أطرافها وأزمعت على المسير، وجمعت الأمّة لهول المصير، وزاغت يوم موته الأبصار: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ
«2» .
وبقيت الألباب حيارى، ووقفت تارة تصدّق وتارة تتمارى، لا تعرف قرارا، ولا على الأرض استقرارا: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
«3» .
ولم يكن في النّسب العباسيّ ولا في جميع من في الوجود، لا في البيت المسترشديّ ولا في غيره من بيوت الخلفاء من بقايا آباء لهم وجدود، ولا من تلده أخرى الليالي وهي عاقر غير ولود، من تسلّم إليه أمّة محمد صلّى الله عليه وسلّم عقد نيّاتها، وسرّ طويّاتها، إلّا واحد وأين ذلك الواحد؟ هو والله من انحصر فيه استحقاق ميراث آبائه الأطهار، وتراث أجداده ولا شيء هو إلّا ما اشتمل عليه رداء الليل والنّهار، وهو ابن المنتقل إلى ربّه، وولد الإمام الذاهب لصلبه، المجمع على أنه في الأنام، فرد الأيّام، وواحد وهكذا في الوجود الإمام، وأنه الحائز لما زرّرت عليه جيوب المشارق والمغارب، والفائز بملك ما بين الشارق والغارب، الراقي في صفيح السماء هذه الذّروة المنيفة، الباقي بعد الأئمة الماضين رضي الله عنهم ونعم الخليفة، المجتمع فيه شروط الإمامة، المتّضع لله وهو من بيت لا يزال الملك فيهم إلى يوم القيامة، الذي تصفّح السّحاب نائله، والذي لا يغرّه عاذره ولا يغيّره عاذله، والذي (طويل) .
تعوّد بسط الكفّ حتّى لو انّه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله
والذي (طويل) .
لا هو في الدّنيا مضيع نصيبه ... ولا ورق الدّنيا عن الدّين شاغله
(9/334)

والذي ما ارتقى صهوة المنبر بحضرة سلطان زمانه إلّا قال ناصره وقام قائمه، ولا قعد على سرير الخلافة إلّا وعرف بأنّه ما خاب مستكفيه ولا غاب حاكمه، نائب الله في أرضه، والقائم بمقام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وخليفته وابن عمّه، وتابع عمله الصالح ووارث علمه، سيدنا ومولانا عبد الله ووليّه «أحمد أبو العبّاس» الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، أيّد الله تعالى ببقائه الدّين، وطوّق بسيفه [رقاب] الملحدين، وكبت تحت لوائه المعتدين، وكتب له النصر إلى يوم الدين، وكفّ بجهاده طوائف المفسدين، وأعاذ به الأرض ممّن لا يدين بدين، وأعاد بعدله أيام آبائه الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وعليه كانوا يعملون، ونصر أنصاره، وقدّر اقتداره، وأسكن في قلوب الرعيّة سكينته ووقاره، ومكّن له في الوجود وجمع له أقطاره.
ولمّا انتقل إلى الله ذلك السيد ولحق بدار الحقّ أسلافه، ونقل إلى سرير الجنة عن سرير الخلافة، وخلا العصر من إمام يمسك ما بقي من نهاره، وخليفة يغالب مربدّ الليل بأنواره، ووارث بني بمثله ومثل أبيه استغنى الوجود بعد ابن عمه خاتم الأنبياء صلّى الله عليه وآله وسلّم عن نبيّ مقتف على آثاره، ونسي ولم يعهد فلم يبق إذ لم يوجد النصّ إلّا الإجماع، وعليه كانت الخلافة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بلا نزاع، اقتضت المصلحة الجامعة عقد مجلس كلّ طرف به معقود، وعقد بيعة عليها الله والملائكة شهود، وجمع الناس له ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
«1» . فحضر من لم يعبأ بعده بمن تخلّف، ولم يربأ «2» معه وقد مدّ يده طائعا بمن مدّها وقد تكلّف، واجتمعوا على رأي واحد واستخاروا الله تعالى فيه فخار، وناهيك بذلك من مختار، وأخذت يمين تمدّ إليها الأيمان، ويشدّ بها الإيمان، وتعطى عليها المواثيق، وتعرض أمانتها على كلّ فريق، حتّى تقلّد كلّ
(9/335)

من حضر في عنقه هذه الأمانة، وحطّ يده على المصحف الكريم وحلف بالله العظيم وأتمّ أيمانه، ولم يقطع ولم يستثن ولم يتردّد، ومن قطع من غير قصد أعاد وجدّد، وقد نوى كلّ من حلف أنّ النية في يمينه نيّة من عقدت هذه البيعة له ونية من حلف له، وتذمّم بالوفاء في ذمّته وتكفّله، على عادة أيمان البيعة بشروطها وأحكامها المردّدة، وأقسامها المؤكّدة، بأن يبذل لهذا الإمام المفترضة طاعته الطاعة، ولا يفارق الجمهور ولا يظهر عن الجماعة انجماعه، وغير ذلك مما تضمّنته نسخ الأيمان المكتتب فيها أسماء من حلف عليها مما هو مكتوب بخطوط من يكتب منهم، وخطوط العدول الثّقات عمّن لم يكتب وأذنوا لمن يكتب عنهم، حسب ما يشهد به بعضهم على بعض، ويتصادق عليه أهل السماء والأرض، بيعة تمّ بمشيئة الله تمامها، وعمّ بالصّوب الغدق غمامها، وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
«1» . ووهب لنا الحسن، ثم الحمد لله الكافي عبده، الوافي وعده، المّوافي لمن يضاعف على كل موهبة حمده، ثم الحمد لله على نعم يرغب أمير المؤمنين في ازديادها، ويرهب إلّا أن يقاتل أعداء الله بأمدادها، ويرأب بها ما آثر فيما أثر مماليكه (؟) ما بان من مباينة أضدادها.
نحمده والحمد لله، ثم الحمد لله كلمة لا نمل من تردادها، ولا نبخل بما يفوّق السّهام من سدادها، ولا نظلّ إلّا على ما يوجب كثرة أعدادها، وتيسير إقرار على أورادها، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة يتقايس دم الشهداء ومدّ مدادها، وتتنافس طرر الشّباب وغرر السّحاب على استمدادها، وتتجانس رقومها المدبّجة وما تلبسه الدولة العباسيّة من شعارها، والليالي من دثارها، والأعداء من حدادها، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله صلّى الله عليه وسلّم وعلى جماعة آله من سفل من أبنائها ومن سلف من أجدادها، ورضي الله عن الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
(9/336)

وبعد، فإنّ أمير المؤمنين لما أكسبه الله تعالى من ميراث النّبوّة ما كان لجدّه، ووهبه من الملك السليمانيّ عن أبيه ما لا ينبغي لأحد من بعده، وعلّمه منطق الطير بما تتحمّله حمائم البطائق من بدائع البيان، وسخّر له من البريد على متون الخيل ما سخّر من الرّيح لسليمان، وآتاه من خاتم الأنبياء ما أمدّه به أبوه سليمان وتصرّف، وأعطاه من الفخار ما أطاعه به كلّ مخلوق ولم يتخلّف، وجعل له من لباس بني العبّاس ما يقضي له سواده بسؤدد الأجداد، وينفض على كحل الهدب ما فضل عن سويداء القلب وسواد البصر من السّواد، ويمدّ ظلّه على الأرض فكلّ مكان حلّه دار ملك وكلّ مدينة بغداد، وهو في ليله السّجّاد، وفي نهاره العسكريّ وفي كرمه جعفر الجواد- يديم الابتهال إلى الله تعالى في توفيقه، والابتهاج بما يغصّ كلّ عدوّ بريقه، ويبدأ يوم هذه المبايعة بما هو الأهمّ من مصالح الإسلام، وصالح الأعمال مما يتحلّى به الإمام، ويقدّم التقوى أمامه، ويقرن عليها أحكامه، ويتّبع الشرع الشريف ويقف عنده ويوقف الناس، ومن لا يحمل أمره طائعا على العين حمله بالسّيف غصبا على الرّاس، ويعجّل أمير المؤمنين بما يشفي به النّفوس، ويزيل به كيد الشيطان إنه يؤوس، ويأخذ بقلوب الرّعايا وهو غنيّ عن هذا ولكن يسوس، وأمير المؤمنين يشهد الله وخليفته عليه أنه أقرّ كلّ امريء من ولاة الأمور الإسلاميّة على حاله، واستمرّ به في مقيله تحت كنف ظلاله، على اختلاف طبقات ولاة الأمور، وتفرّقهم في الممالك والثّغور، برّا وبحرا، سهلا ووعرا، وشرقا وغربا، وبعدا وقربا، وكلّ جليل وحقير، وقليل وكثير، وصغير وكبير، وملك ومملوك وأمير، وجنديّ يبرق له سيف شهير، ورمح طرير «1» ، ومن مع هؤلاء من وزراء وقضاة وكتّاب، ومن له يد تبقى في إنشاء وتحقيق حساب، ومن يتحدث في بريد وخراج، ومن يحتاج إليه ومن لا يحتاج، ومن في الدّورس والمدارس والرّبط والزّوايا والخوانق، ومن له أعظم التعلّقات وأدنى العلائق، وسائر أرباب المراتب،
(9/337)

وأصحاب الرّواتب، ومن له في مال الله رزق مقسوم، وحقّ مجهول أو معلوم، واستمرار كلّ أمر على ما هو عليه، حتّى يستخير الله ويتبيّن له ما بين يديه، فما زاد تأهيله، زاد تفضيله، وإلّا فأمير المؤمنين لا يريد سوى وجه الله، ولا يحابي أحدا في دين، ولا يحامي [عن] أحد في حقّ، فإن المحاماة في الحقّ مداجاة على المسلمين، وكلّ ما هو مستمرّ إلى الآن، مستقرّ على حكم الله مما فهّمه الله له وفهّمه سليمان، لا يغير أمير المؤمنين في ذلك ولا في بعضه، معتبر مستمرّ بما شكر الله على نعمه وهكذا يجازى من شكر، ولا يكدّر على أحد موردا نزّه الله به نعمه الصافية عن الكدر، ولا يتأوّل في ذلك متأوّل ولا من فجر النعمة أو كفر، ولا يتعلّل متعلّل فإنّ أمير المؤمنين يعوذ بالله ويعيذ أيّامه من الغير، وأمر أمير المؤمنين- أعلى الله أمره- أن يعلن الخطباء بذكره وذكر سلطان زمانه على المنابر في الآفاق، وأن تضرب باسمهما النّقود المتعامل بها على الإطلاق، ويبتهج بالدعاء لهما عطف الليل والنهار، ويصرّح منه بما يشرق به وجه الدّرهم والدّينار، وتباهي به المنابر ودور الضرب، هاتيك ترفع اسمهما على أسرّة مهودها، وهذه على أسارير نقودها، وهذه تقام بسببها الصّلاة، وتلك تدام بها الصّلات، وكلاهما تستمال به القلوب، ولا يلام على ما تعيه الآذان وتوعيه الجيوب، وما منهما إلّا من تحدّق بجواره الأحداق، وتميل إليه الأعناق، وتبلغ به المقاصد، ويقوى بهما المعاضد، وكلاهما أمره مطاع، من غير نزاع، وإذا لمعت أزمّة الخطب طار للذّهب شعاع، ولولاهما ما اجتمع جمع ولا انضمّ، ولا عرف الأنام بمن تأتمّ، فالخطب والذهب معناهما واحد، وبهما يذكر الله قيماء «1» المساجد، ولولا الأعمال، ما بذلت الأموال، ولولا الأموال، ما ولّيت الأعمال، ولأجل ما بينهما من هذه النّسبة، قيل إنّ الملك له السّكّة والخطبة، وقد أسمع أمير المؤمنين في هذا الجمع المشهود ما يتناقله كلّ خطيب، ويتداوله
(9/338)

كلّ بعيد وقريب، وإنّ الله أمر بأوامر ونهى عن نواه وهو رقيب، وتستفزع الأولياء لها السّجايا، وتتضرّع الخطباء فيها بنعوت الوصايا، وتكمّل بها المزايا، ويتكلّم بها الواعظ ويخرج من المشايخ الخبايا من الزّوايا، وتسمر بها السّمّار ويترنّم الحادي والملّاح، ويروق شجوها في الليل المقمر ويرقم على جنب الصّباح، وتعطّر بها مكة بطحاءها وتحيا بحديثها قباه، ويلقّنها كلّ أب فهم ابنه ويسأل كلّ ابن أن يجيب أباه، وهو لكم أيّها الناس من أمير المؤمنين رشد وعليكم بيّنة، وإليكم ما دعاكم به إلى سبيل ربّه من الحكمة والموعظة الحسنة، ولأمير المؤمنين عليكم الطاعة ولولا قيام الرّعايا بها ما قبل الله أعمالها، ولا أمسك بها البحر ودحا الأرض وأرسى جبالها، ولا اتفقت الآراء على من يستحقّ وجاءت إليه الخلافة تجرّ أذيالها، وأخذها دون بني أبيه ولم تكن تصلح إلّا له ولم يكن يصلح إلّا لها، وقد كفاكم أمير المؤمنين السّؤال بما فتح لكم من أبواب الأرزاق، وأسباب الارتفاق، وأحسن لكم على وفاقكم وعلّمكم مكارم الأخلاق، وأجراكم على عوائدكم ولم يمسك خشية الإملاق، ولم يبق على أمير المؤمنين إلّا أن يسير فيكم بكتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ويعمل بما ينتفع به من يجيء- أطال الله بقاء أمير المؤمنين- من بعده، ويزيد على كل من تقدّم، ويقيم فروض الحج والجهاد، وينيم الرعايا بعدله الشامل في مهاد، وأمير المؤمنين يقيم على عباده موسم الحجّ في كل عام، ويشمل سكّان الحرمين الشريفين وسدنة «1» بيت الله الحرام، ويجهّز السبيل على عادته ويرجو أن يعود إلى حاله الأوّل في سالف الأيّام، ويتدفّق في هذين المسجدين بحره الزاخر ويرسل إلى ثالثهما البيت المقدّس ساكب الغمام، ويقوم بقومة قبور الأنبياء- صلوات الله عليهم- أين كانوا وأكثرهم في الشام، والجمع والجماعات هي فيكم على قديم سننها، وقويم سننها، وستزيد في أيّام أمير المؤمنين بمن انضمّ إليه، وبما يتسلّمه من بلاد الكفّار ويسلم على يديه.
(9/339)

وأمّا الجهاد، فيكتفي باجتهاد القائم عن أمير المؤمنين بأموره، المقلّد عنه جميع ما وراء سريره، وأمير المؤمنين قد وكل إليه- خلّد الله سلطانه- عناء الأيّام، وقلّده سيفه الراعب بوارقه ليسلّه واجده على الأعداء [وإلّا] سلّ خباله عليهم في الأحلام، ويؤكّد أمير المؤمنين في ارتجاع ما غلب عليه العدا، وانتزاع [ما بأ] يديهم من بلاد الإسلام فإنّه حقّه وإن طال عليه المدى، وقد قدّم الوصية بأن يوالي غزو العدوّ المخذول برّا وبحرا، ولا يكفّ عمّن يظفر به منهم قتلا وأسرا، ولا يفكّ أغلالا ولا إصرا «1» ، ولا ينفكّ يرسل عليهم في البحر غربانا، وفي البرّ من الخيل عقبانا، يحمل فيهما كلّ فارس صقرا، ويحمي الممالك ممن يحوز أطرافها بإقدام، ويتخوّل أكنافها الأقدام، وينظر في مصالح القلاع والحصون والثّغور، وما يحتاج إليه من آلات القتال، وما تجتاح به الأعداء ويعجز عنه المحتال، وأمّهات الممالك الّتي هي مرابط البنود «2» ، ومرابض الأسود، والجناح الممدود، ويتفقّد أحوالهم بالعرض، بما لهم من خيل تعقد [بالعجاج] «3» ما بين السماء والأرض، وما لهم من زرد مصون، وبيض مسّها ذائب ذهب فكانت كأنّها بيض مكنون، وسيوف قواضب، ورماح لكثرة طعنها من الدّماء خواضب، وسهام تواصل القسيّ «4» وتفارقها فتحنّ حنين مفارق وتزمجر القوس زمجرة مغاضب.
وهذه جملة أراد أمير المؤمنين بها تطييب قلوبكم، وإطالة ذيل التطويل على مطلوبكم، وماؤكم وأموالكم وأعراضكم في حماية إلّا ما أباح الشرع
(9/340)

المطهّر، ومزيد الإحسان إليكم على مقدار ما يخفى منكم ويظهر.
وأما جزئيّات الأمور، فقد علمتم بأنّ فيمن تقلّد عن أمير المؤمنين غنى عن مثل هذه الذّكرى، وفتى حقّ لا يشغل بطلب شيء فكرا، وفي ولاة الأمور، ورعاة الجمهور، ومن هو سداد عمله، ومداد أمله، ومراد من هو منكم معشر الرعايا من قبله، وأنتم على تفاوت مقاديركم وديعة أمير المؤمنين ومن خوّلكم وأنتم وهم فيما منكم إلّا من استعرف أمير المؤمنين وتمشى في مراضي الله على خلقه، وينظر ما هو عليه ويسير بسيرته المثلى في طاعة الله في خلقه، وكلّكم سواء في الحق عند أمير المؤمنين وله عليكم أداء النّصحية، وإبداء الطاعة بسريرة صحيحة، وقد دخل كلّ منكم في كنف أمير المؤمنين وتحت رأفته، ولزم حكم بيعته، وألزم طائرة في عنقه، ويستعمل كلّ منكم في الوفاء ما أصبح به عليما: وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
«1» .
هذا قول أمير المؤمنين، وعلى هذا عهد إليه وبه يعهد، وما سوى هذا فهو فجور لا يشهد به عليه ولا يشهد، وهو يعمل في ذلك كلّه ما تحمد عاقبته من الأعمال، ويحمل منه ما يصلح به الحال والمآل، وأمير المؤمنين يستغفر الله على كل حال، ويستعيذ بالله من الإهمال، ويختم أمير المؤمنين قوله بما أمر الله به من العدل والإحسان، ويحمد الله وهو من الخلق «أحمد» وقد آتاه الله ملك سليمان، والله تعالى يمتّع أمير المؤمنين بما وهبه، ويملّكه أقطار الأرض ويورثه بعد العمر الطويل عقبه، ولا يزال على أسرّة العلياء قعوده، ولباس الخلافة به أبّهة الجلالة كأنّه ما مات منصوره ولا ردى مهديّه ولا ذهب رشيده.
المقصد السادس (فيما يكتب في آخر البيعة)
إذا انتهى إلى آخر البيعة، شرع في كتابة الخواتم على ما تقدّم، فيكتب:
(9/341)

«إن شاء الله تعالى» ثم يكتب التاريخ. ثم الذي يقتضيه قياس العهود أنه يكتب المستند عن الخليفة فيكتب «بالإذن العالي المولويّ الإماميّ النبويّ المتوكّليّ- مثلا- أعلاه الله تعالى» وكأنّ الخليفة الذي عقدت له البيعة هو الذي أذن في كتابتها.
قلت: ولو أسقط المستند في البيعات فلا حرج بخلاف العهود؛ لأنها صادرة عن مولّ وهو العاهد، فحسن إضافة المستند إليه، بخلاف البيعة فإنها إنما تصدر عن أهل الحلّ والعقد كما تقدّم. ويكتفى في المستند عنهم بكتابة خطوطهم في آخر البيعة كما سيأتي، ثم بعد كتابة المستند- إن كتب- تكتب الحمدلة والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والحسبلة، على ما تقدّم في الكلام على الفواتح والخواتم في مقدّمة الكتاب.
ثم يكتب من بايع من أهل الحلّ والعقد والشهود على البيعة.
فأما من تولّى عقد البيعة من أهل الحلّ والعقد فيكتب: «بايعته على ذلك، وكتب فلان بن فلان» ويدعو في خلال ذلك قبل اسمه بما يناسب، مثل أن يقال «بايعته على ذلك قدّس الله خلافته» أو «زاد الله في شرفه» أو «زاد الله في اعتلائه» وما أشبه ذلك.
وأما الشهود على البيعة فالواجب أن يكتب كلّ منهم: «حضرت جريان عقد البيعة المذكورة، وكتب فلان بن فلان» كما يكتب الشاهد بجريان عقد النكاح ونحوه، ولا بأس أن يدعو في رسم شهادته قبل كتابة اسمه بما يناسب، مثل «قرنها الله تعالى باليمن أو بالسداد» أو «عرّف الله المسلمين بركتها» وما أشبه ذلك.
المقصد السابع (في قطع الورق الذي تكتب فيه البيعة، والقلم الذي تكتب به، وكيفيّة كتابتها، وصورة وضعها)
واعلم أنّ البيعات لم تكن متداولة الاستعمال لقلّة وقوعها، فلم يكن لها
(9/342)

قطع ورق، ولا تصوير متعارف فيتبع، ولكنه يؤخذ فيها بالقياس وعموم الألفاظ.
فأمّا قطع ورقها، فقد تقدّم في الكلام على مقادير قطع الورق نقلا عن محمد بن عمر المدائنيّ «1» في كتاب «القلم والدّواة» أنّ قطع البغداديّ الكامل للخلفاء والملوك، ومقتضى ذلك أنّ البيعات تكتب فيه، وهو قياس ما ذكره المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله في «التعريف» من أنّ للعهود قطع البغداديّ الكامل على ما سيأتي ذكره.
قلت: لكن سيأتي في الكلام على عهود الخلفاء أنها الآن قد صارت تكتب في قطع الشامي الكامل، وبينهما في العرض والطّول بون كبير على ما تقدّم بيانه في الكلام على قطع الورق، وحينئذ فينبغي أن تكون كتابة البيعات في قطع الشاميّ مناسبة لما تكتب فيه عهود الخلفاء الآن.
وأمّا القلم الذي يكتب به فبحسب الورق الذي يكتب فيه؛ فإن كتبت البيعة في قطع البغداديّ، كانت الكتابة بقلم مختصر الطّومار «2» إذ هو المناسب له، وإن كتبت في قطع الشاميّ، كانت الكتابة بقلم الثلث الثقيل إذ هو المناسب له.
وأما كيفيّة الكتابة وصورة وضعها، فقياس ما هو متداول في كتابة العهود وغيرها، أنه يبتدأ بكتابة الطّرّة في أوّل الدّرج بالقلم الذي تكتب به البيعة سطورا متلاصقة لا خلوّ بينها، ممتدة في عرض الدّرج من أوّله إلى آخره من غير
(9/343)

هامش. ثم إن كانت الكتابة في قطع البغداديّ الكامل، جرى فيه على القاعدة المتداولة في عهود الملوك عن الخلفاء على ما سيأتي ذكره، ويترك بعد الوصل الذي فيه الطّرّة ستة أوصال بياضا من غير كتابة، لتصير بوصل الطرّة سبعة أوصال، ثم يكتب البسملة في أوّل الوصل الثامن بحيث تكون أعالي ألفاته تكاد تلحق الوصل الذي فوقه بهامش عريض عن يمينه قدر أربعة أصابع أو خمسة مطبوقة، ثم يكتب تحت البسملة سطرا من أوّل البيعة ملاصقا لها، ثم يخلّي مكان بيت العلامة قدر شبر جريا على قاعدة العهود وإن لم تكن علامة تكتب، كما يخلّى بيت العلامة في بعض المكاتبات ولا يكتب فيه شيء، ثم يكتب السطر الثاني تحت بيت العلامة على سمت السطر الذي تحت البسملة في بقيّة الوصل الذي فيه البسملة، ويحرص أن تكون نهاية السجعة الأولى في أثناء السطر الأوّل أو الثاني، ثم يسترسل في كتابة بقيّة البيعة ويجعل بين كل سطرين قدر ربع ذراع القماش كما سيأتي في العهود، ويستصحب ذلك إلى آخر البيعة، فإذا انتهى إلى آخرها كتب «إن شاء الله تعالى» ثم التاريخ، ثم المستند، ثم الحمدلة والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ والحسبلة، على ما تقدّم بيانه في الفواتح والخواتم في مقدّمة الكتاب، ثم يكتب من بايع من أهل الحلّ والعقد خطوطهم، ثم الشهود على البيعة بعدهم.
وإن كانت الكتابة في القطع الشاميّ، فينبغي أن ينقص عدد أوصال البياض الذي بين الطرة والبسملة وصلين فتكون خمسة، وينقص الهامش فيكون قدر ثلاثة أصابع على ما يقتضيه قانون الكتابة.
وهذه صورة وضعه في الورق ممثّلا لها بالطّرّة الّتي أنشأتها لذلك، والبيعة الثانية من البيعتين اللتين أنشأتهما.
بياض بأعلى الدرج بقدر إصبع هذه بيعة ميمونة، باليمن مبتدأة بالسعد مقرونة، لمولانا السيد الجليل الإمام
(9/344)

النبويّ المتوكل «1» على الله أبي عبد الله محمد أمير المؤمنين، ابن الإمام المعتضد «2» بالله أبي الفتح أبي بكر العبّاسي، زاد الله تعالى شرفه علوّا، وفخاره سموّا. قام بعقدها السلطان السيد الأعظم، والشاهنشاه «3» المعظّم، الملك الظاهر أبو سعيد «4» برقوق، خلّد الله تعالى سلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه، بمجمع من أهل الحلّ والعقد، والاعتبار والنقد، من القضاة والعلماء والأمراء، ووجوه الناس والوزراء والصّلحاء والنّصحاء، وإمضائها على السّداد، والنّجح والرشاد. على ما شرح فيه.
بياض ستة أوصال بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل بيت الخلافة مثابة وأمنا؟؟؟ وأقام
(9/345)

بيت العلامة تقدير شبر هامش سور الإمامة وقاية للأنام وحصنا، وشدّ منها بالعصابة تقدير ربع ذراع القرشيّة أزرا وشاد منها بالعصبة العبّاسيّة ركنا، وأغاث تقدير ربع ذراع الخلق بإمام هدى حسن سيرة وصفا سريرة فراق صورة ورق معنى.
ثم يأتي على الكلام إلى آخر البيعة على هذا النّمط إلى أن ينتهي إلى قوله: والله تعالى يجعل انتقالهم من أدنى إلى أعلى ومن يسرى إلى يمنى، ويحقّق لهم بمن استخلفه عليهم وعده الصادق بقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
«1» .
إن شاء الله تعالى كتب في الثاني من جمادى الأولى مثلا سنة إحدى وتسعين وسبعمائة بالإذن العالي المولويّ الإماميّ النبويّ المتوكليّ مثلا أعلاه الله تعالى الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه حسبنا الله ونعم الوكيل
(9/346)

بايعته على ذلك/ بايعته على ذلك/ بايعته على ذلك قدّس الله تعالى خلافته/ زاد الله تعالى في شرفه/ زاد الله تعالى في اعتلائه وكتب/ وكتب/ وكتب فلان بن فلان/ فلان بن فلان/ فلان بن فلان حضرت/ حضرت/ حضرت جريان عقد/ جريان عقد/ جريان عقد البيعة المذكورة/ البيعة المذكورة/ البيعة المذكورة قرنها الله تعالى/ قرنها الله تعالى/ عرّف الله المسلمين باليمن والبركة/ بالسّداد/ بركتها وكتب/ وكتب/ وكتب فلان بن فلان/ فلان بن فلان/ فلان بن فلان
النوع الثاني (من البيعات، بيعات الملوك)
واعلم أنّ المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله قد ذكر في «التعريف» «1» أنّ من قام من الملوك بغير عهد ممن قبله لم تجر العادة بأن تكتب لهم مبايعة، وكأنّه يريد اصطلاح بلاد المشرق والديار المصرية، أما بلاد المغرب فقد جرت عادة مصطلحهم بكتابة البيعات لملوكهم، وذلك أنه ليس عندهم خليفة يدينون له، يتقلّدون الملك بالعهد منه، بل جلّهم أو كلّهم يدّعي الخلافة فهم يكتبون البيعات لهذا المعنى.
(9/347)

وهذه نسخة بيعة من هذا النوع، كتب بها للسلطان أبي «1» عبد الله محمد ابن السلطان أبي الحجّاج بن نصر بن الأحمر الأنصاريّ، صاحب حمراء غرناطة من الأندلس، مفتتحة بخطبة على قاعدتهم في بيعات الخلفاء على ما تقدّم ذكره، وربما تكرّر الحمد فيها دلالة على عظم النعمة، من إنشاء الوزير أبي عبد الله محمد بن الخطيب «2» صاحب ديوان إنشائه، على ما رأيته في ديوان ترسّله، وهي «3» :
الحمد لله الذي جلّ شانا، وعزّ سلطانا، وأقام على ربوبيّته الواجبة في كلّ شيء خلقه برهانا، الواجب الوجود ضرورة إذ كان وجود ما سواه إمكانا، الحيّ القيّوم حياة أبديّة سرمديّة منزّهة عن الابتداء والانتهاء [فلا تعرف وقتا ولا
(9/348)

تستدعي زمانا، العليم الذي يعلم السّرّ وأخفى «1» ] فلا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء إلّا أحاط بها علما وأدركها عيانا، القدير الذي ألقت الموجودات كلّها إلى عظمته يد الخضوع استسلاما «2» له وإذعانا، المريد الذي بمشيئته «3» تصريف الأقدار، واختلاف الليل والنّهار، فإن منع منع عدلا وإن منح منح إحسانا، شهد تداول الملوك»
بدوام ملكه، ودلّ حدوث ما سواه على قدمه، وأثنت ألسنة الحيّ والجماد على مواهبه وقسمه، وفاض على عوالم السماء والأرض بحر جوده العميم النّوال من قبل السؤال «5» وكرمه، وإن «6» من شيء إلّا يسبّح بحمده ويثني على نعمه سرّا وإعلانا «7» ، فهو الله الذي لا إله إلّا هو، ليس في الوجود إلّا فعله، ألا له الخلق والأمر وإليه يرجع الأمر كلّه، وسع الأكوان على تباينها فضله، وقدّر المواهب والمقاسم عدله، منعا ومنحا وزيادة ونقصانا.
والحمد لله الذي بيده الاختراع والإنشاء، مالك الملك «8» يؤتي الملك من يشاء وينزع «9» الملك ممّن يشاء، سبق في مكنون غيبه القضاء، وخفيت عن خلقه الأسباب وعميت عليهم الأنباء، وعجزت عقولهم أن تدرك «10» منها كنها أو تكشف منها بيانا.
والحمد لله الذي رفع قبّة السماء ما اتّخذ لها عمادا، وجعل الأرض فراشا
(9/349)

ومهادا، وخلق الجبال الراسية أوتادا، ورتّب أوضاعها أجناسا متفاضلة، وأنواعا متباينة متقابلة، فحيوانا ونباتا وجمادا، وأقام «1» فيها على حكمة الإبداع دلائل باهرة الشّعاع وأشهادا، وجعل الليل والنهار خلفة «2» والشمس والقمر حسبانا، وقدّر السياسة سياجا لعالم الإنسان يضمّ منه ما انتشر «3» ، ويطوي من تعدّيه ما نشر، ويحمله «4» على الآداب الّتي ترشده إذا ضلّ وتقيمه إذا عثر، وتجبره على أن يلتزم السّنن ويتّبع الأثر، لطفا منه شمل البشر وحنانا.
ولما عمر الأرض بهذا الجنس الذي فضّله وشرّفه، ووهب له العقل الذي تفكّر «5» به في حكمته حتّى عرفه، وبما يجب لربوبيّته الواجبة وصفه، جعلهم درجات بعضها فوق بعض فقرا وغنى وطاعة وعصيانا، واختار منهم سفرة الوحي وحملة الآيات، وأرسل فيهم الرّسل بالمعجزات «6» ، وعرّفهم بما كلّفهم من الأعمال المفترضات: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
«7» . يوم اعتبار «8» الأعمال واعتبار الحسنات، ونصب العدل والمجازاة في يوم العرض عليه قسطاسا وميزانا.
نحمده وله الحمد في الأولى والآخرة، ونثني على مواهبه الجمّة وآلائه الوافرة، ونمدّ يد الضّراعة، في موقف الرّجاء والطّماعة «9» ، إلى المزيد من مننه
(9/350)

الهامية الهامرة، ونسأله دوام ألطافه الخافية وعصمه «1» الظاهرة، واتّصال نعمه الّتي لا نزال «2» نتعرّفها مثنى ووحدانا، ونشهد أنّه الله الذي لا إله إلّا هو وحده لا شريك له. [شهادة نجدها في المعاد عدّة واقية، ووسيلة للأعمال الصالحة إليه راقية، وذخيرة صالحة باقية، ونورا يسعى بين أيدينا ويكون على الرضا والقبول فينا عنوانا] «3» . ونشهد أنّ سيدنا ومولانا محمدا النبيّ العربيّ القرشيّ الهاشميّ عبده ورسوله الذي اصطفاه واختاره، ورفع بين النبيين والمرسلين مقداره، وطهّر قلبه وقدّس أسراره، وبلّغه من رضاه اختياره، وأعطاه لواء الشفاعة يقفو آدم ومن بعده من الأنبياء الكرام آثاره، وجعله أقرب الرّسل مكانة وأرفعهم مكانا. رسول الرحمة، ونور الظّلمة، وإمام الرسل الأئمّة، الذي جمع له بين مزيّة السّبق ومزية التّتمّة، وجعل طاعته من العذاب المقيم أمانا، صاحب الشّفاعة الّتي تؤمّل، والوسيلة الّتي إلى الله بها يتوسّل، والدرجة الّتي لم يؤتها الملك المقرّب ولا النبيّ المرسل، والرتبة الّتي لم يعطها الله سواه إنسانا. انتخبه من أشرف العرب أمّا وأبا، وأزكى البريّة طينة وأرفعها نسبا، وابتعثه إلى كافّة الخلق عجما وعربا، وملأ بنور دعوته البسيطة جنوبا وشمالا ومشرقا ومغربا، وأنزل عليه كتابه الذي آمنت به الجنّ لمّا سمعته، وقالوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً «4»
، تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكلّ شيء وتبيانا، فصدع صلّى الله عليه وسلّم بأمر من اختار ذاته الطاهرة واصطفاها، وأدّى أمانة الله ووفّاها، ورأى الخلائق على شفى المتالف فتلافاها، وتتبّع أدواء الضّلال فشفاها، ومحا معالم الجهل وعفّاها، وشاد للخلق «5» في الحقّ بنيانا، مؤيّدا بالمعجزات الّتي حجحها تقبل وتسلّم،
(9/351)

فمن جذع لفراقه يتألّم، وجماد بصدق «1» نبوّته يتكلّم، وجيش شكا الظّمأ «2» ففجّر لديه المعين منه بنانا. وأيّ معجزة ككتاب الله الذي لا تنقضي عجائبه، فهو اليمّ والعلوم النافعة كلّها مذانبه، وأفق الحق الذي تهدي في ظلمات البرّ والبحر كواكبه، والحجّة البالغة الّتي أصبحت بين الحق والباطل فرقانا، فأشرقت الأرض بنور ربّها وآياته، وتمّت كلمة الله صدقا وعدلا، لا مبدّل لكلماته، وبلغ ملك أمّته ما زوي له من أقطار المعمور وجهاته، حتّى عمر من أكناف البسيطة، وأرياف البحار المحيطة، وهادا وكثبانا، ونقلت كنوز كسرى بعزّ دعوته الغالبة، وظفرت بفلج «3» الخصام أيدي عزائمها المطالبة، وأصبح إيوان فارس مجرّ رماح العرب العاربة، وقذفت قيصر من ذوابلها «4» بالشّهب الثاقبة، حتّى فرّ عن مدرته الطيبة آئبا بالصّفقة الخائبة، وخلصت إلى فسطاط مصر بكتائبها المتعاقبة، فلا تسمع الآذان في إقامتهم «5» إلّا إقامة وأذانا. ولا دليل أظهر من هذا القطر الأندلسيّ الغريب الذي خلّصت «6» إليه سيوفها أثباج البحار، على بعد المراحل ونزوح الدّيار، وتكاثف العمالات واختلاف الأمصار، ومنقطع العمارة بأقصى الشّمال ومحطّ السّفّار، طلعت عليه كلمة الله طلوع النهار، واستوطنته قبائل العرب الأحرار، وأرغمت فيه «7» أنوف الكفّار، ضرابا في سبيل الله وطعانا.
ولمّا استقام الدّين، وتمّم معالم الإيمان الرسول الأمين، وظهر الحقّ المبين، وراق من وجه الملّة الحنيفيّة السّمحة الجبين، وأخذ المسالك والمآخذ
(9/352)

الإفصاح والتبيين، وتقرّرت المستندات المعتمدات سنّة وقرآنا، أشعره «1» الوحي بالرحلة عن هذه الدار، والانتقال إلى محلّ الكرامة ودار القرار، وخيّره «2» الملك فاختار الرّفيق الأعلى موفّقا إلى كرم «3» الاختيار، [و] وجد صحبه رضي الله عنهم، في الاستخلاف بعده والإيثار، حججا مشرقة الأنوار، أطلقت بالحقّ يدا وأنطقت بالصّدق لسانا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحابته، وأسرته الطاهرة وعصابته، وأنصاره «4» وأصهاره وقرابته، الذين»
كانوا في معاضدته إخوانا، وعلى إعلاء إمرة الحقّ أعوانا، نجوم الملّة وأقمارها، وغيوثها الهامية وبحارها، وسيوف الله الّتي لا تنبو شفارها، وأعلام الهدى الّتي لا تبلي آثارها، ودعائم الدّين الّتي رفعت «6» منه على البرّ والتقوى أركانا.
وحيّا الله وجوه حيّ الأنصار بالنعيم «7» والنّضرة، أولي البأس عند الحفيظة والعفو عند القدرة، والراضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير ويذهبوا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنعمت المنقبة والأثرة، الحائزون ببيعة الرّضوان فضلا من الله ورضوانا. ووزراؤه وظهراؤه في كل أمر، وخالصته «8» يوم أحد وبدر، لم يزالوا صدرا في كلّ قلب وقلبا في كلّ صدر «9» يصلون دونه كلّ جمر، ويفدونه بنفوسهم في كلّ سرّ وجهر، ويعملون في إعلاء دينه بيضا عضابا وسمرا لدانا، صلاة لا تزال سحائبها ثرّة، وتحية دائمة مستمرّة، ما لهجت الألسن بثنائهم،
(9/353)

ووقفت المفاخر على عليائهم، وتعلّمت المواهب من آلائهم، وقصرت المحامد على مسمّياتهم وأسمائهم، وكان حبّهم «1» على الفوز بالجنة ضمانا.
ونسألك اللهم لهذا الأمر النّصريّ «2» الذي سببه بسببهم موصول، وهم لفروعه السامية أصول، فيالها من نصول خلّفتها نصول، أنجزت وعد النصر وهو ممطول، وأحيت ربوع الإيمان وهي طلول، نصرا عزيزا وفتحا مبينا، وتأييدا على أعدائك وتمكينا، وملكا يبقى في الأعقاب وأعقاب الأعقاب وسلطانا.
وأعنّا اللهمّ على ما أوجبت «3» له من مفروض الطاعة، وتأدية الحقّ بجهد الاستطاعة، واعصمنا بإيالته العادلة من الإضاعة، واحملنا من مرضاته على سنن السّنّة والجماعة، واجعلها كلمة باقية [في عقبة «4» ] إلى قيام الساعة وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا «5» .
أما بعدما افتتح به من تحميد الله وتمجيده، والثناء الذي تتعطّر الأندية بترديده، فإنّ من المشهور الذي يعضّده الوجود ويؤيّده، والمعلوم الذي هو كالشمس ضلّ من ينكره أو يجحده، والذائع بكلّ قطر ترويه رواة الأنباء وتسنده، ما عليه هذا الملك النّصريّ الحمى، الأنصاريّ المنتمى، الذي يصيب شاكلة الحقّ إذا رمى، ويعمّ العباد والبلاد غيثه مهما همى، من أصالة الأعراق، وكرم الأخلاق، والفضل الباهر الإشراق، والجهاد الذي هو سمر الرّكب «6» وحديث الرّفاق، وإنّ قومه الملوك الكرام إن فوخروا بنسب ذكروا سعد بن عبادة ومجده، أو كوثروا «7» بعدد غلبوا بالله وحده، أو استنصروا فرّجوا كلّ شدّة، واستظهروا
(9/354)

من [عزّهم] «1» الموهوب، وصبرهم على الخطوب، بكلّ عدد وعدّة، دارهم الثغر الأقصى ونعمت الدّار! وشعارهم «لا غالب إلّا الله ونعم الشعار! زهّاد إذا ذكر الدّين، أسود إذا حميت الميادين، جبال إذا زحفت الصّفوف، بدور إذا أظلمت الزّحوف، غيوث إذا منع المعروف، أفراد إذا ذكرت الألوف، إن بويعوا فالملائكة وفود [وحملة العلم] «2» وحملة السّلاح شهود، وإن ولدوا فالسّيوف تمائم والسّروج مهود، وإن أصحروا للعدوّ فالظّلال بنود، وجنود السبع الطّباق «3» جنود، وإن أظلم الليل أسهروا جفونهم في حياطة المسلمين والجفون رقود.
وإنّ هذا القطر الذي انتهى سيل «4» الفتح الأوّل إلى ناحيته «5» ، وأحيلت قداح الفوز بالدّعوة الحنيفيّة على الأقطار «6» فأخذ الإسلام بناصيته، كان من فتحه الأوّل ما قد علم، حسب ما سطّر ورسم، وإنّ موسى بن نصير وفتاه، حلّ من فرضة مجازه محلّ موسى وفتاه، وحلّ الإسلام منه دار قرار، وخطّة خليقة «7» بارتياد واختيار، وبلدا «8» لا يحصى خيره، ولا يفضله بشيء من المزيّة ما عدا الحرمين غيره، وامتدّت الأيّام حتّى تأنّس العدوّ لروعته، وخفّ عليه ما كان من صرعته، وقدح فأورى، وأعضل داؤه واستشرى «9» ، وصارت الصّغرى الّتي كانت الكبرى، فلولا أنّ الله عمد «10» الدّين منهم بالعمدة الوثيقة، حماة الحقيقة،
(9/355)

وأئمة الخليقة، وسلالة مفتتحي اليمامة ومفتتحي «1» الحديقة، لأجهز النصل، واجثثّ من الدّين الفرع «2» والأصل، لكنّهم انتدبوا إلى إمساك الدّين بها انتدابا، ووصلوا للإسلام أسبابا، وتناولها منهم صقر قبيل الخزرج، ذو الحسام المضرّج، والثناء المؤرّج، أبو عبد الله الغالب «3» بالله محمد بن يوسف بن نصر، أمير المسلمين، المنتدب لإقامة سنّة سيد المرسلين، قدوة الملوك المجاهدين، نضّر الله وجهه وتقبّل جهاده، وشكر دفاعه عن حوزة الإسلام [وجلاده فأقشعت الظّلمة، وتماسكت الأمّة، وكفّ العدوّ وأقصر، ورأى الإسلام بمن استنصر، واستبصر في الطاعة «4» ] من استبصر، وهبّت «5» بنصر الله العزائم، وكثرت على العدوّ الهزائم، وتوارثوا ملكها ولدا عن أب، مستندين إلى عدل وبذل وبسالة وجلالة وحسب، تتّضح في أفق الجلال نجوم سيرهم هادية للسائرين، وتفرق من سطواتهم في الله أسود «6» العرين، إلى أن قام بالأمر وسطى سلكهم، وبركة ملكهم، الخليفة «7» الواجب الطاعة بالحق على الخلق، الشهير الجلالة والبسالة في الغرب والشّرق، أمير المسلمين بواجب الحق، ساحب «8» أذيال العفاف والطّهارة، السعيد الإيالة والإمارة، البعيد الغارة، من ذعر العدوّ لبأس «9» حسامه، وذخر الفتح الهنيّ «10» لأيّامه، صدر الملوك
(9/356)

المجاهدين، وكبير الخلفاء العادلين، البعيد المدى في حماية الدّين، السعيد الشهيد، أبو الوليد، ابن المولى الهمام الأوحد، الرفيع الممجّد، الطاهر الظاهر الأعلى، الرئيس الكبير الجليل المقدّس الأرضى، «أبي سعيد» بن أبي»
الوليد، بن نصر، فأحيا رحمه الله معالم الكتاب والسنّة، وجلّى بنور «2» عدله غياهب الدّجنّة، وأعزّ الإسلام وحماه، ورمى ثغرة الكفر فأصماه، قدّس الله روحه الطيّب، وسقى لحده من الرحمة الغمام الصيّب، وأورث الملك الجهاديّ من ولده خير ملك قبّلت منه كفّ، واستدار به موكب للجهاد ملتفّ، وشمخ بخدمته أنف، وسما إلى مشاهدته طرف، وتأرّج من ذكره عرف، وجرى «3» إلى بابه حرف، مولانا «4» الملك الهمام، الخليفة الإمام، من أشرق بنور إيالته الإسلام، وتشرّفت بوجوده الليالي والأيّام، بدر الملك وشمسه، وسرّ الزمان الذي قصر عن يومه أمسه، الذي اشتهر عدله، وبهر فضله، وظهرت عليه عناية ربّه، وكان الخضوع «5» له في سلمه وحربه، مولانا أمير المسلمين، وقدوة الملوك المجاهدين والأئمّة العارفين «6» ، السعيد، الشهيد، الطاهر، الظاهر، الأوحد الهمام، الخليفة الإمام، (أبو الحجّاج) رفع الله درجته في أوليائه، وحشره مع الذين أنعم [الله] «7» عليهم من أنبيائه وشهدائه، فوضحت المسالك وبانت، وأشرقت المعاهد وازدانت، وشمل الصّنع الإلهيّ، واللّطف الخفيّ، أقطار هذه الأمة حيث كانت. ولما اختار الله له ما عنده، وبلغ الأمد «8» الذي
(9/357)

قدّره سبحانه لحياته وحدّه، وقبضه «1» إليه مستغفرا لذنبه، مطمئنا في الحالة الّتي أقرب ما يكون العبد فيها من ربّه، كأنما تأهّب للشهادة [فاختار] مكانها «2» وزمانها، وطهّر بالصوم نفسه الّتي كرّم الله شانها، وطيّب روحها «3» وريحانها، فوقعت «4» آراء أرباب الشّورى الّتي تصحّ الإمامة باتّفاقها، وتنعقد بعقد ميثاقها، من أعلام العلم بقاعدة [ملكه] غرناطة حرسها الله تعالى الّتي غيرها لها تبع، وحماة الإسلام الذين في آرائهم للدين والدنيا منتفع، وخلصان «5» الثّقات، ووجوه الطّبقات، على مبايعة وارث ملكه بحقّه، الحائز في ميدان الكمال وإحراز ما للإمامة من الشروط والخلال خصل سبقه، كبير ولده، وسابق أمده، ووارث ملكه، ووسطى سلكه، وعماد فسطاطه، وبدر الهالة من بساطه، مولانا قمر العلياء، ودرّة الخلفاء، وفرع الشجرة [الشّمّاء] الّتي أصلها ثابت وفرعها في السماء، الذي ظهرت عليه مخايل الملك ناشئا ووليدا، واستشعرت الأقطار به وهو في المهد أمانا وتمهيدا، واستشرف «6» الدّين الحنيف فأتلع جيدا، واستأنف شبابا جديدا، ناصر الحقّ، وغياث الخلق، الذي تميّز بالسكينة والوقار، والحياء المنسدل الأستار، والبسالة المرهوبة الشّفار، والجود المنسكب الأمطار، والعدل المشرق الأنوار، وجمع الله فيه شروط الملك والاختيار «7» ، مولانا، وعمدة ديننا ودنيانا، السلطان الفاضل، والإمام العادل، والهمام الباسل، الكريم الشمائل، شمس الملك وبدره، وعين الزمان وصدره، أمير المسلمين، وقرّة أعين «8» المؤمنين، أبو عبد الله، وصل الله
(9/358)

أسباب سعده، كما حلّى أجياد المنابر بالدّعاء لمجده، وجعل جنود السماء من جنده، ونصره بنصره العزيز فما النّصر إلّا من عنده، ورأوا أن قد ظفرت بالعروة «1» الوثقى أيديهم، وأمن في ظلّ الله رائحهم وغاديهم، ودلّت على حسن الخواتم مباديهم، فتبادروا وانثالوا، وتبختروا في ملابس الأمن واختالوا، وهبّوا إلى بيعته تطير «2» بهم أجنحة السّرور، ويعلن انطلاق وجوههم بانشراح الصّدور، واجتمع منهم طوائف الخاصّة والجمهور، ما بين الشريف والمشروف، والرّؤساء أولي المنصب المعروف، وحملة العلم وحملة السّيوف، والأمناء ومن لديهم من الألوف، وسائر الكافّة أولي البدار لمثلها والخفوف.
فعقدوا له البيعة الوثيقة الأساس، السعيدة بفضل الله على الناس، البريء عهدها «3» من الارتياب والالتباس، الحائزة شروط الكمال، الماحية بنور البيان ظلم الإشكال، الضّمينة حسن العقبى ونجح المآل، على ما بويع عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن له من الصّحابة والآل، وعلى السّمع والطاعة، وملازمة السنّة والجماعة، فأيديهم في السّلم «4» والحرب ردء ليده، وطاعتهم إليه خالصة في يومه وغده، وأهواؤهم متّفقة في «5» حالي الشّدّة والرّخاء، وعقودهم «6» محفوظة على تداول السّرّاء والضّرّاء. أشهدوا عليها الله وكفى بالله شهيدا، وأعطوا صفقات أيمانهم تثبيتا للوفاء بها وتأكيدا، وجعلوا منها في أعناقهم ميثاقا وثيقا وعهدا شديدا. والله عزّ وجلّ يقول: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
«7» . ومن أصدق من الله وعدا أو
(9/359)

وعيدا؟ وهم قد بسطوا أيديهم يستنزلون رحمة الله بالإخلاص والإنابة، وصرفوا وجوههم إلى من أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة، يسألونه «1» خير ما يقضيه، والسير على ما يرضيه.
اللهمّ بابك عند تقلّب الأحوال عرفنا، ومن بحر نعمك العميمة «2» اغترفنا، وعفوك ستر من عيوبنا «3» كلّ ما اجترحنا [السيئات «4» ] واقترفنا، ومن فضلك أغنيتنا، وبعينك الّتي لا تنام حرستنا وحميتنا [فانصر حيّنا وارحم ميّتنا «5» ] وأوزعنا شكر ما أوليتنا، واجعل لنا الخير والخيرة فيما إليه هديتنا.
اللهمّ إنّ قطرنا من مادّة الإسلام بعيد، وقد أحدق بنا بحر زاخر وعدوّ شديد، وفينا أيّم وضعيف وهرم ووليد [وأنت مولانا ونحن عبيد. اللهمّ من بايعناه في هذا العقد «6» ] فأسعدنا بمبايعته وطاعته، وكن له حيث لا يكون لنفسه بعد استنفاد جهده في التحفّظ واستطاعته، وكفّ عنه كفّ عدوّك وعدوّه، كلّما هبّت به رياح طماعته، يا من يفرده العبد بضراعته، ويعوذ بحفظه من إضاعته.
اللهمّ، أدّ عنّا حقّه، فإنا لا نقوى على أدائه، وتولّ عنّا شكر ما حمدناه «7» من سيرته وسيرة آبائه، واحمله من توفيقك على سوائه.
اللهمّ إنّا إليه ناظرون، وعن أمره صادرون، ولإنجاز وعدك في نصر من ينصرك منتظرون، فأعنه على ما قلّدته، وأنجز لديننا على يديه ما وعدته، فما فقد شيئا من وجدك، ولا خاب من قصدك، ولا ضلّ من اعتمدك، آمين آمين يا ربّ العالمين.
(9/360)

وكتب الملأ المذكورون أسماءهم بخطوط أيديهم في هذا الكتاب، شاهدة عليهم بما التزموه دنيا «1» ودينا، وسلكوا [منه] سبيلا مبينا. وذلك في الثاني والعشرين لشوّال من عام خمسة «2» وخمسين وسبعمائة.
قلت: وقد أخبر آخر هذه البيعة بأن المبايعين للسلطان تؤخذ خطوط أيديهم في كتاب البيعة شاهدة عليهم بما بايعوا عليه. والظاهر أن كتابة البيعة عندهم كما في مكاتباتهم في طومار»
واحد كبير متضايق السّطور، وأنه ليس له طرّة بأعلاه كما في كتابة المصريين.
(9/361)

الباب الثالث من المقالة الخامسة في العهود، وفيه فصلان
الفصل الأوّل (في معنى العهد)
العهد لفظ مشترك يقع في اللغة على ستة معان:
أحدها- الأمان. ومنه قوله تعالى: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ
«1» .
الثاني- اليمين. ومنه قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ
«2» .
الثالث- الحفاظ. ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «حسن العهد من الإيمان» .
الرابع- الذّمّة. ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم «لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده» .
الخامس- الزّمان. ومنه قولهم: «كان ذلك على عهد فلان» .
(9/362)

السادس- الوصيّة. ومنه قوله تعالى وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ
«1» وهو المراد هنا.
قال الجوهريّ: ومنه اشتقّ العهد الذي يكتب للولاة «2» .
(9/363)

الفصل الثاني (في بيان أنواع العهود، وهي ثلاثة أنواع)
النوع الأوّل (عهود الخلفاء عن الخلفاء، ويتعلّق النظر به من ثمانية أوجه)
الوجه الأوّل (في أصل مشروعيّتها)
والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قيل لعمر عند موته: «ألا تعهد؟ فقال: أأتحمل أمركم حيّا وميّتا؟ إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منّي، [يعني أبا بكر «1» ] : وإن أترك فقد ترك من هو خير منّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» . فأثبت استخلاف أبي بكر رضي الله عنه بذلك، مشيرا إلى ما روي: «أنّه لما اشتدّ بأبي بكر الصدّيق رضي الله عنه الوجع، أرسل إلى عليّ وعثمان ورجال من المهاجرين والأنصار، فقال: قد حضر ما ترون، ولا بدّ من قائم بأمركم، فإن شئتم استخرتم لأنفسكم، وإن شئتم استخرت لكم. قالوا: بل اختر لنا، فأمر عثمان فكتب عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه (على ما سيأتي ذكره) - فقال عمر: لا أطيق القيام بأمور
(9/364)

الناس- فقال أبو بكر هاتوا سيفي. وتهدّده فانقاد عمر، ثم دخل عليه طلحة فعاتبه على استخلاف عمر. فقال: إنّ عمر والله خير لكم وأنتم شرّ له، والله لو ولّيتك لجعلت أنفك في قفاك، ولرفعت نفسك فوق قدرها حتّى يكون الله هو الذي يضعها. أتيتني وقد وكفت عينك، تريد أن تفتنني عن ديني وتردّني عن رأيي، قم لا أقام الله رجلك، والله لئن بلغني أنك غمصته وذكرته بسوء لألحقنّك بحمضات قنّة حيث كنتم تسقون ولا تروون، وترعون ولا تشبعون، وأنتم بذلك بجحون راضون، فقام طلحة فخرج» .
قال العسكريّ: الحمضات جمع حمضة ضرب من النّبت، والقنّة أعلى الجبل.
قال الماورديّ «1» : وكان استخلاف أبي بكر رضي الله عنه عمر باتّفاق من الصحابة من غير نكير فكان إجماعا.
وقد عهد عمر رضي الله عنه إلى ستة، وهم عثمان، وعليّ، وطلحة، والزّبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، وتركها شورى بينهم، فدخلوا فيها وهم أعيان العصر وأشراف الصّحابة رضوان الله عليهم.
الوجه الثاني (في معنى الاستخلاف)
قال البغويّ «2» رحمه الله في كتابه «التهذيب» في الفقه: الاستخلاف أن
(9/365)

يجعله خليفة في حياته ثم يخلفه بعده. قال: ولو أوصى بالإمامة فوجهان «1» ؛ لأنه يخرج بالموت عن الولاية فلا يصحّ منه تولية الغير. واستشكل الرافعيّ رحمه الله هذا التوجيه بكلّ وصية، وبأنّ ما ذكره من جعله خليفة بعده، إن أريد به استنابته فلا يكون ذلك عهدا إليه بالإمامة. وإن أريد جعله إماما في الحال، فهو: إمّا خلع نفس العاهد، وإمّا اجتماع إمامين في وقت واحد. وإن أريد جعله خليفة أو إماما بعد موته فهو الوصية من غير فرق.
قلت: وهذا جنوح من الرافعيّ رحمه الله إلى صحّة الخلافة بالوصيّة أيضا، كما تصحّ «2» بالاستخلاف.
الوجه الثالث (فيما يجب على الكاتب مراعاته)
واعلم أنه يجب على الكاتب أن يراعي في كتابة العهد بالخلافة أمورا:
منها: براعة الاستهلال بذكر ما يتّفق له، من معنى الخلافة والإمامة واشتقاقهما، وحال الولاية، ولقب العاهد والمعهود إليه، ولقب الخلافة، إلى غير ذلك مما سبق بيانه في الكلام على البيعات.
ومنها: أن ينبّه على شرف رتبة الخلافة، وعلوّ قدرها، ورفعة شأنها، ومسيس الحاجة إلى الإمام، ودعاية الضرورة إليه، ونحو ذلك مما سبق في البيعات أيضا.
ومنها: أن ينبّه على اجتماع شروط الإمامة في المعهود إليه من حين
(9/366)

صدور العهد بها من العاهد، فقد قال الماورديّ «1» : إنه تعتبر شروط الإمامة في المعهود إليه من وقت العهد، حتّى لو كان المعهود إليه صغيرا أو فاسقا وقت العهد وبالغا [عدلا] عند الموت، لم تصحّ خلافته حتّى يستأنف أهل الاختيار بيعته. قال الرافعيّ «2» رحمه الله: وقد يتوقّف في هذا. قال النوويّ «3» رحمه الله في «الروضة» : لا توقّف، والصواب ما قاله الماورديّ.
ومنها: أن ينبّه على اجتهاد العاهد وتروّي نظره في حقّيّة المعهود إليه؛ فقد قال الماورديّ: وإذا أراد الإمام أن يعهد بالإمامة، فعليه أن يجهد رأيه في الأحقّ بها، والأقوم بشروطها، فإذا تعيّن له الاجتهاد في أحد، عهد إليه.
ومنها: أن يشير إلى تقدّم الاستخارة على العهد، وأنّ استخارته أدّته إلى المعهود إليه؛ فإنّ الاستخارة أمر مطلوب في كل أمر، خصوصا أمر المسلمين وعموم الولاية عليهم، فإنّ اختيار الله للخلق خير من اختيارهم لأنفسهم، والله يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل.
ومنها: أن ينبّه على أنّ عهده إليه بعد مشورة أهل الاختيار ومراجعتهم في
(9/367)

ذلك، وتصويبهم له، خروجا من الخلاف. فقد حكى الرافعيّ رحمه الله، وجهين فيما إذا كان المعهود إليه أجنبيّا من العاهد ليس بولد ولا والد، هل يجوز أن ينفرد بعقد البيعة له وتفويض العهد إليه ولا يستشير فيه أحدا؟ أصحّهما الجواز؛ لأنّ العهد إلى عمر، رضي الله عنه، لم يوقف على رضا الصحابة رضوان الله عليهم، ولأنّ الإمام أحقّ بها، فكان اختياره فيها أمضى، وقوله فيها أنفذ.
وحكى الماورديّ في جواز انفراد العاهد بالبيعة فيما إذا كان المعهود إليه والد أو ولدا ثلاثة مذاهب:
أحدها- ما اقتصر الرافعيّ، رحمه الله، على نسبته إلى الماورديّ، ومقتضى كلامه ترجيحه: أنه يجوز الانفراد بعقدها للولد والوالد جميعا؛ لأنه أمير للأمة نافذ الأمر لهم وعليهم، فغلّب حكم المنصب على حكم النسب، ولم يجعل للتّهمة طريقا على أمانته، ولا سبيلا إلى معارضته.
والثاني- أنه لا يجوز انفراده بها لولد ولا والد حتّى يشاور فيه أهل الاختيار فيرونه أهلا لها، فيصحّ منه حينئذ عقد البيعة، لأن ذلك [منه] تزكية [له] تجري مجرى الشهادة، وتقليده على الأمة يجري مجرى الحكم، والشهادة والحكم ممتنعان من الولد والوالد للتّهمة، لما جبل عليه من الميل إليهما.
والثالث- أنه يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لوالده دون ولده؛ لأنّ الطبع إلى الولد أميل، فأما عقدها لأخيه وغيره من الأقارب والمناسبين فكعقدها للأجانب في جواز الانفراد بها.
ومنها: أن ينبّه على العلم بحياة المعهود إليه ووجوده إن كان غائبا، فقد قال الماورديّ: إنه لو عهد إلى غائب مجهول الحياة لم يصحّ عهده، وإن كان معلوم الحياة صح، ويكون موقوفا على قدومه.
ومنها: أن ينبّه على أن المعهود إليه منصوص عليه بمفرده، أو وقع العهد شورى في جماعة وأفضت الخلافة إلى واحد منهم بإخراج الباقين أنفسهم منها،
(9/368)

أو اختيار أهل الحلّ والعقد أحدهم، إذ يجوز للخليفة أن يعهد إلى اثنين فأكثر من غير تقديم البعض على البعض، ويختار أهل الاختيار بعد موته واحدا ممن عهد إليه، فإنّ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، جعلها شورى في ستة، فقال: الأمر إلى عليّ وبإزائه الزّبير بن العوّام، وإلى عثمان وبإزائه عبد الرحمن بن عوف، وإلى طلحة وبإزائه سعد بن أبي وقّاص. فلما توفّي عمر، رضي الله عنه، جعل الزبير أمره إلى عليّ، وجعل طلحة أمره إلى عثمان، وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن بن عوف، فخرج منها ثلاثة، وبقيت شورى «1» في عثمان وعليّ، ثم بايع عليّ عثمان. والمعنى في الشّورى أنه لا يجوز أن تجعل الإمامة بعد العاهد في غير المعهود إليهم.
ومنها: أن ينبّه على عدد المعهود إليهم وترتيبهم إن كان قد رتّب الخلافة في أكثر من واحد، إذ يجوز أن يعهد إلى اثنين فأكثر على الترتيب. فلو رتّب الخلافة في ثلاثة مثلا- فقال: الخليفة بعدي فلان، فإذا «2» مات، فالخليفة بعده فلان، [فإن مات فالخليفة بعد فلان جاز] «3» وكانت «4» الخلافة منتقلة إليهم على ما رتّبها. ففي صحيح البخاريّ من رواية ابن عمر رضي الله عنهما «أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استخلف على جيش مؤتة زيد بن حارثة- وقال: إن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا، فتقدم زيد فقتل، فأخذ الراية جعفر وتقدّم فقتل، فأخذ الراية
(9/369)

عبد الله بن رواحة وتقدّم «1» فقتل، فاختار المسلمون بعده خالد بن الوليد» . قال الماورديّ: وإذا «2» جاز ذلك في الإمارة جاز مثله في الخلافة. قال: وقد «3» عمل بذلك في الدولتين من لم ينكر عليه أحد من علماء العصر.
فعهد سليمان بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز، ثم بعده إلى يزيد بن عبد الملك، وأقرّه عليه من عاصره من الناس، ومن لا تأخذه في الله لومة لائم.
ورتّبها الرشيد في ثلاثة من بنيه: الأمين، ثم المأمون، ثم المؤتمن، من غير «4» مشورة من عاصره من فضلاء العلماء.
ولو قال العاهد: عهدت إلى فلان، فإن مات فلان بعد إفضاء الخلافة إليه، فالخليفة بعده فلان، لم تصحّ خلافة الثاني، ولم ينعقد عهده بها؛ لأنه لم يعهد إليه في الحال، وإنما جعله وليّ عهده بعد إفضاء الخلافة إلى الأوّل، وقد يموت قبل إفضائها إليه فلا يكون عهد الثاني بها منبرما.
ومنها: أن ينبّه على أنّ صدور العهد في حال نفوذ أمر العاهد وجواز تصرّفه، فإنه لو أراد وليّ العهد قبل موت العاهد أن يردّ ما إليه من ولاية العهد إلى غيره لم يجز؛ لأنّ الخلافة لا تستقرّ إلّا بعد موت المستخلف. وكذا لو قال:
جعلته وليّ عهد إذا أفضت الخلافة إليّ لم يجز؛ لأنه ليس في الحال بخليفة، فلم يصحّ عهده بالخلافة.
ومنها: أن ينبّه على قبول المعهود إليه العهد، فإنه إذا عهد الإمام بالخلافة إلى من يصحّ العهد إليه على الشّروط المعتبرة فيه، كان العهد موقوفا على قبول
(9/370)

المعهود إليه؛ فإن قبل صحّ العهد وإلّا فلا، حتّى لو امتنع من القبول بويع غيره. والعبرة في زمن القبول بما بين عهد العاهد وموته على الأصح، لتنتقل عنه الإمامة إلى المعهود إليه مستقرّة بالقبول المتقدّم. وقيل: إنما يكون القبول بعد موت العاهد؛ لأنه الوقت الذي يصحّ فيه نظر المعهود إليه.
ومنها: أن يورد من وصايا العاهد للمعهود إليه ما يليق به. وقد ذكر الماورديّ أنّ الذي يلزمه من أمور الأمّة عشرة أشياء:
أحدها- حفظ الدّين على أصوله المستقرّة، وما أجمع عليه سلف الأمّة، وأنه إن «1» نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه، أوضح له الحجّة، وبيّن له الصّواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ليكون الدّين محروسا من الخلل، والأمّة ممنوعة من الزّلل.
الثاني- تنفيذ الأحكام، بين المتشاجرين، وقطع الخصام، بين المتنازعين، حتّى تعمّ النّصفة فلا يتعدّى ظالم ولا يضعف مظلوم.
الثالث- حماية البيضة، والذّبّ عن الحرم «2» ليتصرّف الناس في المعايش، وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال.
الرابع- إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من الإتلاف «3» والاستهلاك.
الخامس- تحصين الثّغور بالعدّة المانعة، والقوّة الدافعة، حتّى لا يظفر «4» الأعداء بغرّة ينتهكون بها محرما، أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دما.
السادس- جهاد من عاند الإسلام بعد الدّعوة حتّى يسلم أو يدخل في
(9/371)

الذّمّة ليقام بحقّ الله تعالى في إظهاره على الدّين كلّه.
السابع- جباية الفيء «1» والصّدقات على ما أوجبه الشرع نصّا واجتهادا من غير حيف «2» ولا عسف.
الثامن- تقدير العطاء وما يستحقّ في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير.
التاسع- استكفاء الأمناء، وتقليد النّصحاء، فيما يفوّضه [إليهم من الأعمال] «3» ويكله إليهم من الأحوال لتكون الأعمال بالكفاة «4» مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة.
العاشر- أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفّح الأحوال لينهض بسياسة الأمّة، وحراسة الملّة، ولا يعوّل على التفويض تشاغلا بلذّة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغشّ الناصح. وقد قال تعالى: يا داوُدُ، إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
«5» . فلم يقتصر الله تعالى «6» على التفويض دون المباشرة، بل «7» أمره بمباشرة الحكم بين الخلق بنفسه. وقد قال «8» صلّى الله عليه وسلّم: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته» ولله درّ محمد «9» بن يزداد وزير المأمون «10» ، حيث قال مخاطبا له (بسيط) .
(9/372)

من كان حارس دنيا إنّه قمن ... أن لا ينام وكلّ الناس نوّام
وكيف ترقد «1» عينا من تضيّفه ... همّان من أمره: حلّ وإبرام؟
وحينئذ فيجب على الكاتب أن يضمّن هذه الأمور العشرة في وصايا المعهود إليه. وقد ذكر المقرّ الشّهابيّ بن فضل «2» الله في «التعريف» في وصيّة وليّ العهد بالخلافة ومن في معناه من الملوك وولاة عهدهم هذه الأمور ممتزجة بأمور أخرى من مهمّات الملك وحسن تدبيره وسياسته.
قلت: إنما يحسن إيراد هذا كلّه في وصايا ولاة العهد إذا كان الأمر على ما كانت الخلافة عليه أوّلا من عموم التصرّف، أما الآن فالواجب أن يقتصر في وصاياهم على حسن التأنّي في العهد بالسلطنة لمن يقوم بأعبائها، وأن يكون ما تقدّم مختصّا وصايا الملوك في العهود عن الخلفاء.
الوجه الرابع (فيما يكتب في الطّرّة، وهو تلخيص ما يتضمّنه العهد)
وهذه نسخة طرّة أنشأتها لينسج على منوالها، وهي:
هذا عهد إماميّ قد علت جدوده، وزاد في الارتقاء في العلياء صعوده، وفصّلت الجواهر قلائده ونظّمت بنفيس الدّرّ عقوده. من عبد الله ووليّه الإمام المتوكّل على الله أبي عبد الله محمد بن الإمام المعتضد بالله أبي الفتح أبي بكر، بالخلافة المقدّسة، لولده السيّد الجليل ذخيرة الدّين، ووليّ عهد المسلمين،
(9/373)

أبي الفضل العباس، بلّغه الله فيه غاية الأمل، وأقرّ به عين الأمة كما أقرّ به عين أمير المؤمنين وقد فعل. على ما شرح فيه.
الوجه الخامس (فيما يكتب لأولياء العهد من الألقاب)
[وهو] كما سيأتي في الطريقة الثانية من المذهب الأوّل مما يكتب في متن العهد من كلام المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» أنه يقال فيه:
الأمير السّيّد الجليل، ذخيرة الدّين، ووليّ عهد المسلمين، أبي فلان فلان.
وفي المذهب الثالث فيما كتب به للمستوثق بن المستكفي ما يوافقه، وقد تقدّم أنه لا يقع في ألقابهم إطناب، ولا تعدّد ألقاب، فليقتصر على ذلك أو ما يشابهه.
الوجه السادس (فيما يكتب في متن العهد، وفيه ثلاثة مذاهب)
المذهب الأوّل (أن يفتتح العهد بعد البسملة بلفظ «هذا» )
مثل: «هذا ما عهد به فلان لفلان» أو «هذا عهد من فلان لفلان» أو «هذا كتاب اكتتبه فلان لفلان» ونحو ذلك.
وللكتّاب فيه طريقتان:
الطريقة الأولى (طريقة المتقدّمين)
وهي أن لا يأتي بخطبة في أثناء العهد، ولا يتعرّض إلى ذكر أوصاف المعهود إليه والثناء عليه، أو يتعرّض لذلك باختصار، ثم يأتي بالوصايا، ثم يختمه بالسلام أو بالدعاء أو بغير ذلك مما يناسب. وعلى ذلك كانت عهود السّلف من الصّحابة والتابعين فمن بعدهم، اتّباعا للصّدّيق رضي الله عنه فيما كتب به لعمر بن الخطّاب، كما تقدّمت الإشارة إليه في الاستشهاد.
(9/374)

ونسخته فيما رواه البيهقيّ «1» في «السّنن» واقتصر عليه الشيخ شهاب الدّين محمود الحلبيّ في «حسن التوسّل» .
«هذا ما «2» عهد أبو بكر خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، آخر عهده بالدنيا وأوّل عهده بالآخرة، إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن برّ وعدل فذلك ظنّي به، وإن بدّل أو غير فلا علم لي بالغيب، والخير أردت بكم، ولكلّ امريء ما اكتسب من الإثم، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«3» » .
وذكر أبو هلال العسكريّ «4» في كتابه «الأوائل» عن المدائنيّ «5» أنه حين دعا عثمان بن عفّان، رضي الله عنه، لكتابة العهد بالخلافة بعده قال: اكتب «هذا ما عهد [به] «6» أبو بكر بن أبي قحافة «7» في آخر عهده بالدنيا [نازحا
(9/375)

عنها] «1» وأوّل عهده بالآخرة داخلا فيها حيث يتوب الفاجر، ويؤمن الكافر، ويصدق الكاذب، وهو يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا عبده ورسوله، وقد استخلف» - ثم دهمته غشية فكتب عثمان: «عمر بن الخطّاب» . فلما أفاق، قال: أكتبت شيئا؟ قال نعم عمر بن الخطاب. قال: «رحمك الله، أما إنّك لو كتبت نفسك لكنت أهلا لها، اكتب قد استخلف عمر بن الخطاب ورضيه لكم، فإن عدل فذلك ظنّي به ورأيي فيه، وإن بدّل فلكلّ نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت، والخير أردت، ولا أعلم الغيب: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«2» » .
وعلى هذه الطريقة كتب عهد عمر بن عبد العزيز بالخلافة عن سليمان بن عبد الملك، ثم من بعده إلى أخيه يزيد بن عبد الملك.
وهذه نسخته فيما ذكره ابن قتيبة «3» في تاريخ الخلفاء:
هذا ما عهد به عبد الله سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، عهد أنه يشهد لله عزّ وجلّ بالرّبوبيّة والوحدانيّة، وأن محمدا عبده ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، بعثه إلى محسني عباده بشيرا، وإلى مذنبيهم نذيرا، وأنّ الجنة «4» والنار مخلوقتان حقّا، خلق الجنة رحمة وجزاء «5» لمن أطاعه، والنار «6» نقمة وجزاء لمن عصاه، وأوجب العفو [جودا وكرما] «7» لمن عفا عنه، [وأن إبليس
(9/376)

في النار] «1» ، وأنّ سليمان مقرّ على نفسه بما يعلم الله من ذنوبه، وبما «2» تعلمه نفسه من معصية ربّه، موجبا على نفسه استحقاق ما خلق من النّقمة، راجيا لنفسه ما خلق من الرحمة ووعد من العفو والمغفرة، وأن المقادير كلّها خيرها وشرّها مقدورة بإرادته، مكوّنة بتكوينه، وأنه الهادي فلا مغوي ولا مضلّ لمن هداه وخلقه لرحمته، وأنه يفتن الميت في قبره بالسؤال عن دينه ونبيّه الذي أرسل إلى أمّته، لا منجى لمن خرج من الدنيا إلى الآخرة من هذه المسألة [إلا لمن استثناه عزّ وجلّ في علمه] «3» . وسليمان يسأل الله الكريم بواسع فضله، وعظيم منّه، الثبات «4» على ما أسرّ وأعلن من معرفة حقّه وحقّ نبيه عند مسألة رسله، والنّجاة من هول فتنة فتّانيه. ويشهد أنّ الميزان يوم القيامة حقّ يقين، يزن سيئات المسيئين، وحسنات المحسنين، ليري عباده من عظيم قدرته، ما أراده من [الخير] لعباده بما لم يكونوا يحتسبون، وأنّ من ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفّت موازينه يومئذ «5» فأولئك هم الخاسرون. وأنّ حوض محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم المحشر والموقف للعرض «6» حقّ، وأنّ عدد آنيته كنجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ أبدا. وسليمان يسأل الله بواسع رحمته أن لا يردّه «7» عن حوض نبيّه عطشان. وأنّ أبا بكر وعمر خير هذه الأمة، بعد نبينا، والله يعلم بعدهما حيث الخير، وفيمن الخير من هذه الأمة، وأنّ هذه الشهادة «8» كلّها المذكورة في عهده هذا يعلمها الله من سرّه وإعلانه وعقد ضميره، وأنه بها عبد ربه في سالف أيّامه وماضي عمره، وعليها أتاه يقين ربه، وتوفّاه أجله،
(9/377)

وعليها يبعث بعد موته «1» إن شاء الله، وأن سليمان كانت له بين هذه الشهادة بلايا وسيّئات لم يكن له عنها محيد «2» ولا بدّ، جرى بها المقدور من الرّبّ النافذ إلى إتمام ما حدّ، فإن يعف ويصفح فذاك ما عرف منه قديما ونسب إليه حديثا، وتلك صفته «3» الّتي وصف بها نفسه في كتابه الصادق، وكلامه الناطق، وإن يعاقب وينتقم فبما قدّمت يداه، وما الله بظلّام للعبيد. وأن «4» سليمان يحرّج على من قرأ عهده هذا وسمع ما فيه من حكمة أن ينتهي إليه في أمره ونهيه، بالله العظيم، ومحمد «5» رسوله الكريم، وأن يدع الإحن المضغنة «6» ، ويأخذ بالمكارم المدجنة «7» ، ويرفع يديه «8» إلى الله بالضمير النّضوح والدّعاء الصحيح، والصّفح الصّريح، يسأله العفو عنّي، والمغفرة لي، والنجاة من فزعي، والمسألة في قبري، لعلّ الودود، أن يجعل منكم مجاب الدعوة بما «9» من الله عليّ من صفحه يعود، إن شاء الله، وأنّ «10» وليّ عهد سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين، وصاحب أمره بعد موته، في جنده ورعيّته وخاصّته وعامته، وكلّ من استخلفني الله عليه، واسترعاني النظر فيه، الرجل الصالح «عمر بن عبد العزيز» بن مروان ابن عمّي، لما بلوت من باطن أمره وظاهره،
(9/378)

ورجوت الله بذلك [وأردت] رضاه ورحمته إن شاء الله. ثم «1» من بعده تسلّم إلى يزيد بن عبد الملك بن مروان إن بقي بعده، فإنّي ما رأيت منه إلّا خيرا ولا اطّلعت له على مكروه. وصغار ولدي وكبارهم إلى عمر، إذ رجوت أن لا يألوهم رشدا وصلاحا، والله خليفتي عليهم [وعلى جماعة المؤمنين والمسلمين] «2» وهو أرحم الراحمين، واقرأوا «3» عهدي عليكم السّلام ورحمة الله. ومن أبى أمري هذا أو خالف عهدي هذا- وأرجو أن لا يخالفه أحد من أمة محمد- فهو ضالّ مضلّ يستعتب، فإن أعتب وإلّا فإني لمن صاحب (؟) عهدي فيهم بالسيف السيف والقتل القتل، فإنهم مستوجبون لهم، وهم لهيبته ملقحون، والله المستعان، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله القديم الإحسان.
[تم ذلك والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله] «4» .
وعلى نحو من ذلك كتب المأمون «5» العباسيّ عهد عليّ «6» بن موسى العلويّ (المعروف بالرّضيّ) بالخلافة بعده.
(9/379)

وهذه نسخته فيما ذكر صاحب «1» العقد:
هذا كتاب كتبه عبد الله «2» بن هارون الرشيد، أمير المؤمنين، بيده، لعليّ بن موسى بن جعفر وليّ عهده:
أما بعد، فإنّ الله عزّ وجلّ اصطفى الإسلام دينا، واصطفى له من عباده رسلا داليّن عليه، وهادين إليه، يبشّر أوّلهم بآخرهم، ويصدّق تاليهم ماضيهم، حتّى انتهت نبوّة الله إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم على فترة من الرّسل، ودروس من العلم، وانقطاع من الوحي، واقتراب من الساعة، فختم الله به النبيين وجعله شاهدا لهم، ومهيمنا عليهم، وأنزل عليه كتابه العزيز الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ «3»
. فأحلّ وحرّم، ووعد وأوعد، وحذّر وأنذر، وأمر به «4» ونهى عنه «5» ، لتكون له الحجة البالغة على خلقه، ولِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ
«6» . فبلّغ عن الله رسالته، ودعا إلى سبيله بما أمره به من الحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ثم بالجهاد والغلظة حتّى قبضه
(9/380)

الله إليه، واختار له ما عنده صلّى الله عليه. فلمّا انقضت النبوّة وختم الله بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، الوحي والرسالة، جعل قوام الدين، ونظام أمر المسلمين، بالخلافة وإتمامها وعزّها، والقيام بحق الله فيها بالطاعة الّتي تقام بها فرائض الله وحدوده، وشرائع الإسلام وسننه، ويجاهد بها عدوّه. فعلى خلفاء الله طاعته فيما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم ومعاونتهم على إقامة حقّ الله وعدله، وأمن السّبل وحقن الدّماء، وصلاح ذات البين، وجمع الألفة، وفي إخلال ذلك اضطراب حبل المسلمين واختلالهم، واختلاف ملّتهم، وقهر دينهم، واستعلاء عدوّهم، وتفرّق الكلمة، وخسران الدنيا والآخرة. فحقّ على من استخلفه الله في أرضه، وأتمنه على خلقه [أن] يؤثر ما فيه رضا الله وطاعته ويعد [ل] فيما الله واقفه عليه وسائله عنه، ويحكم بالحق ويعمل بالعدل فيما حمّله الله وقلّده، فإن الله عزّ وجلّ يقول لنبيه داود عليه السّلام: يا داوُدُ، إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
«1» . وقال عزّ وجلّ: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
«2» . وبلغنا أنّ عمر بن الخطّاب قال: «لو ضاعت سخلة «3» بجانب الفرات لتخوّفت أن يسألني الله عنها» . وايم الله إنّ المسؤول عن خاصّة نفسه، الموقوف على عمله، فيما بين الله وبينه، لمتعرّض لأمر كبير، وعلى خطر عظيم، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمّة، وبالله الثّقة، وإليه المفزع والرّغبة في التوفيق مع العصمة، والتّسديد والهداية إلى ما فيه ثبوت الحجّة، والفوز من الله بالرّضوان والرحمة. وأنظر الأئمة لنفسه، وأنصحهم في دينه وعباده وخلافته في أرضه، من عمل بطاعة الله وكتابه وسنّة نبيه عليه السّلام في
(9/381)

مدّة أيّامه، واجتهد وأجهد رأيه ونظره فيمن يولّيه عهده، ويختاره لإمامة المسلمين ورعايتهم بعده، وينصبه علما لهم، ومفزعا في جمع ألفتهم، ولمّ شعثهم، وحقن دمائهم، والأمن بإذن الله من فرقتهم، وفساد ذات بينهم واختلافهم، ورفع نزغ الشيطان وكيده عنهم، فإن الله عزّ وجلّ جعل العهد بالخلافة من تمام أمر الإسلام وكماله وعزّه وصلاح أهله؛ وألهم خلفاءه من توسيده لمن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النّعمة، وشملت منه العافية، ونقض الله بذلك مرّ «1» أهل الشّقاق والعداوة والسعي في الفرقة والرّفض «2» للفتنة، ولم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة فاختبر بشاعة مذاقتها، وثقل محملها وشدّة مؤونتها، وما يجب «3» على من تقلّدها من ارتباط طاعة الله ومراقبته فيما حمّله منها، فأنصب بدنه، وأسهر عينه، وأطال فكره فيما فيه عزّ الدين، وقمع المشركين، وصلاح الأمّة، ونشر العدل، وإقامة الكتاب والسّنّة، ومنعه ذلك من الخفض والدّعة بهنيّ العيش، علما بما الله سائله عنه، ومحبّة أن يلقى الله مناصحه في دينه وعباده، ومختارا لولاية عهده، ورعاية الأمّة من بعده، أفضل من يقدر عليه في دينه وورعه وعلمه، وأرجاهم للقيام بأمر الله وحقّه، مناجيا لله بالاستخارة في ذلك، ويسأله إلهامه ما فيه رضاه وطاعته في ليله ونهاره، ومعملا في طلبه والتماسه من أهل بيته من ولد عبد الله بن العباس وعليّ بن أبي طالب فكره ونظره، ومقتصرا فيمن علم حاله ومذهبه منهم على علمه، وبالغا في المسألة عمّن خفي عليه أمره جهده وطاقته، حتّى استقصى أمورهم بمعرفته، وابتلى أخبارهم مشاهدة، وكشف ما عندهم مساءلة، فكانت خيرته بعد استخارته لله وإجهاده نفسه في قضاء حقّه وبلاده، من البيتين جميعا
(9/382)

«عليّ بن موسى بن جعفر» بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، لما رأى [من] فضله البارع، وعلمه الناصع، وورعه الظاهر، وزهده الخالص، وتخلّيه من الدنيا، وتسلّمه من الناس، وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطئة، والألسن عليه متفقة والكلمة فيه جامعة. ولما لم يزل يعرفه به من الفضل يافعا وناشئا، وحدثا ومكتهلا، فعقد له بالعقد والخلافة إيثارا لله والدّين، ونظرا للمسلمين، وطلبا للسلامة وثبات الحجّة والنجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لربّ العالمين.
ودعا أمير المؤمنين ولده، وأهل بيته، وخاصّته، وقوّاده، وخدمه، فبايعوه مسرعين مسرورين، عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة الله على الهوى في ولده وغيرهم ممن هو أشبك به رحما وأقرب قرابة، وسمّاه «الرّضيّ» إذ كان رضيّا عند أمير المؤمنين.
فبايعوا معشر بيت أمير المؤمنين ومن بالمدينة المحروسة من قوّاده وجنده، وعامة المسلمين «الرّضيّ» من بعده، على اسم الله وبركته وحسن قضائه لدينه وعباده، بيعة مبسوطة إليها أيديكم، منشرحة لها صدوركم، عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها، وآثر طاعة الله والنظر لنفسه ولكم فيها، شاكرين لله على ما ألهم أمير المؤمنين من نصاحته في رعايتكم، وحرصه على رشدكم وصلاحكم، راجين عائده في ذلك في جمع ألفتكم، وحقن دمائكم، ولمّ شعثكم، وسدّ ثغوركم، وقوّة دينكم، ورغم عدوّكم، واستقامة أموركم. وسارعوا إلى طاعة الله وطاعة أمير المؤمنين، فإنّه الأمر إن سارعتم إليه، وحمدتم الله عليه، عرفتم الحظّ فيه، إن شاء الله تعالى.
وعلى هذه الطريقة كتب الوزير أبو حفص بن «1» برد عهد «2» الناصر لدين
(9/383)

الله عبد الرحمن «1» بن المنصور بن أبي عامر العامريّ، عن المؤيّد بالله هشام «2» بن الحكم الأمويّ، الخليفة بالأندلس. وهذه نسخته:
هذا ما عهد «3» هشام المؤيّد بالله أمير المؤمنين إلى الناس عامّة، وعاهد الله عليه من نفسه خاصّة، وأعطى به صفقة يمينه، بيعة تامة، بعد أن أنعم «4»
(9/384)

النظر وأطال الاستخارة وأهمّه ما جعل الله «1» إليه من الإمامة، وعصب به من أمر المؤمنين، واتّقى حلول القدر بما لا يؤمن، وخاف نزول القضاء بما لا يصرف، وخشي إن هجم محتوم ذلك عليه، ونزل مقدوره به، ولم يرفع لهذه الأمّة علما تأوي إليه، وملجأ «2» تنعطف عليه- أن يكون يلقى «3» ربّه تبارك وتعالى مفرّطا ساهيا عن أداء الحق إليها. ويغمص «4» عند ذلك من أحياء قريش وغيرها، من يستحقّ أن يسند هذا الأمر إليه، ويعوّل في القيام به عليه، ويستوجبه «5» بدينه وأمانته، وهديه وصيانته «6» ، بعد «7» اطّراح الهوى والتحرّي للحق، والتزلّف إلى الله جلّ جلاله بما يرضيه. وبعد «8» أن قطع الأواصر، وأسخط الأقارب [عالما أن لا شفاعة عنده أعلى من العمل الصالح، وموقنا أن لا وسيلة إليه أزكى من الدين الخالص «9» ] ، فلم يجد أحدا أجدر أن يولّيه «10» عهده، ويفوّض «11» إليه الخلافة بعده، لفضل نفسه، وكرم خيمه، وشرف مرتبته، وعلوّ منصبه، مع تقاه «12» وعفافه، ومعرفته وحزمه ونقاوته، من المأمون الغيب، الناصح الجيب [النازح على كل عيب، ناصر الدولة «13» ] أبي المطرّف عبد
(9/385)

الرحمن بن المنصور بن أبي عامر [محمد بن أبي عامر «1» ] وفّقه الله إذ «2» كان أمير المؤمنين- أيده الله- ابتلاه «3» واختبره، ونظر في شأنه واعتبره، فرآه مسارعا في «4» الخيرات، سابقا في الحلبات، مستوليا على الغايات، جامعا للمأثرات، [يجذب بضبعه إلى أرفع منازل الطاعة ويسمو بعينيه إلى أعلى درج النصيحة] «5» ومن كان المنصور أباه، والمظفّر أخاه، فلا غرو أن يبلغ من سبيل «6» البرّ مداه، ويحوي من خلال الخير ما حواه، مع أنّ أمير المؤمنين- أيده الله «7» - بما طالعه من مكنون العلم، ووعاه من مخزون الأثر، يرى «8» أن يكون وليّ عهده القحطانيّ الذي حدّث عنه عبد الله بن عمرو بن العاص [بتحقيق ما أسنده «9» ] أبو هريرة «10» أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تقوم الساعة حتّى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه» . فلما استوى «11» له الاختيار، وتقابلت عنده فيه الآثار، ولم يجد عنه مذهبا، ولا إلى غيره معدلا، صرّح «12» إليه في تدبير الأمور في حياته، وفوّض «13» إليه الخلافة بعد وفاته «14» ، طائعا
(9/386)

راضيا مجتهدا [متخيرا غير محاب له ولا مائل بهوادة إليه ولا شرك نصح الإسلام وأهله فيه وجعل إليه الاختيار لهذه الأمة بولاية عهده فيها أن رأى ذلك في بقاء أمير المؤمنين أعزّه الله بعده] «1» وأمضى أمير المؤمنين هذا وأجازه «2» وأنفذه، ولم يشترط فيه مثنويّة ولا خيارا، وأعطى على الوفاء به «3» به في سرّه وجهره، وقوله وفعله، عهد الله وميثاقه، وذمة نبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم، وذمم الخلفاء الراشدين من آبائه «4» ، وذمّة نفسه، أن لا يبدّل، ولا يغيّر، ولا يحوّل، ولا يزول «5» ، أشهد الله على ذلك والملائكة وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً «6» *
. وأشهد من أوقع اسمه في هذا «7» ، وهو جائز الأمر، ماضي القول والفعل، بمحضر من وليّ عهده المأمون [ناصر الدولة «8» ] أبي المطرّف عبد الرحمن بن المنصور وفّقه الله، وقبوله «9» ما قلّده، وإلزامه نفسه ما ألزمه، وذلك في شهر ربيع الأول سنة تسع «10» وتسعين وثلاثمائة. وكتب الوزراء والقضاة وسائر الناس شهاداتهم بخطوط أيديهم بذلك.
الطريقة الثانية (طريقة المتأخّرين من الكتّاب)
أن يأتي بالتحميد في أثناء العهد، ويأتي من ألقاب وليّ العهد بما يناسب
(9/387)

على الاختصار، وعليها اقتصر المقرّ الشّهابي بن فضل الله في «التعريف» فقال «1» : واعلم أنّ عهود الخلفاء عن الخلفاء لم تجر عادة من سلف من الكتّاب أن يستفتحها إلّا بما يذكر، وهو:
«هذا ما عهد [به] عبد الله ووليّه فلان أبو فلان الإمام الفلانيّ أمير المؤمنين، عهد إلى ولده، أو [إلى] أخيه الأمير السيد الجليل، ذخيرة الدّين، ووليّ عهد المسلمين أبي فلان فلان، أيده الله بالتمكين، وأمدّه بالنصر المبين، وأقرّ به عين أمير المؤمنين» . ثم ينفق كلّ كاتب بعد هذا على قدر سعته، ثم يقول:
«أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، ويصلّي على نبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم» ويخطب في ذلك خطبة يكثر فيها التحميد وينتهي فيه إلى سبعة «2» ، ثم يأتي بعد ذلك بما يناسب من القول، يصف «3» فكر الذي يعهد فيمن بعده، ويصف المعهود إليه بما يليق من الصّفات الجليلة. ثم يقول:
«عهد إليه وقلّده بعده جميع ما هو مقلّده، لما رآه من صلاح الأمة، أو «4» صلاح الخلق، بعد أن استخار الله تعالى في ذلك، ومكث مدّة يتدبّر ذلك ويروّي فيه فكره وخاطره، ويستشير أهل الرأي والنظر، فلم ير أقوم منه بأمور الأمة ومصالح الدنيا والدّين، ومن هذا ومثله. ثم يقال: إنّ المعهود إليه قبل «5» ذلك منه، ويأتي في ذلك بما يليق من محاسن العبارة وأحاسن الكلام.
قلت: ولم أظفر بنسخة عهد على هذا الأسلوب الذي ذكره المقرّ
(9/388)

الشهابيّ، وقد أنشأت عهدا على الطريقة الّتي أشار إليها امتحانا للخاطر لأن يكون عن الإمام المتوكّل على الله أبي عبد الله محمد بن المعتضد أبي الفتح أبي بكر، خليفة العصر، لولده العباس، ليكون أنموذجا ينسج على منواله.
ومن غريب الاتفاق أنّي أنشأته في شهور سنة إحدى وثمانمائة امتحانا للخاطر كما تقدّم، وضمّنته هذا الكتاب وتمادى الحال على ذلك إلى أن قبض الله تعالى الإمام المتوكّل- قدس الله تعالى روحه- في سنة ثمان وثمانمائة، فأجمع أهل الحلّ والعقد على مبايعته بالخلافة، فبايعوه وحقّق الله تعالى ما أجراه على اللّسان من إنشاء العهد باسمه في الزّمن السابق، ثم دعتني داعية إلى التمثّل بين يديه الشريفتين في مستهلّ شهر ذي القعدة الحرام سنة تسع وثمانمائة، فقرأته عليه من أوّله إلى آخره، وهو مصغ له مظهر الابتهاج به، وأجاز عليه الجائزة السنية. ثم أنشأت له رسالة وضمنته إيّاها وأودعت بخزانته العالية عمرها الله بطول بقائه.
وهذه نسخته:
هذا عهد سعيد الطالع ميمون الطائر، مبارك الأوّل جميل الأوسط حميد الآخر، تشهد به حضرات الأملاك، وترقمه كفّ الثّريّا بأقلام القبول في صحائف الأفلاك، وتباهي به ملوك الأرض ملائكة السماء، وتسري بنشره القبول إلى الأقطار فتنشر له بكلّ ناحية علما، وتطلع به سعادة الجدّ من ملوك العدل في كلّ أفق نجما، وترقص من فرحها الأنهار فتنقّطها شمس النّهار بذهب الأصيل على صفحات الماء، عهد به عبد الله ووليّه أبو عبد الله محمد المتوكل على الله أمير المؤمنين إلى ولده السيد الجليل عدّة الدّين وذخيرته، وصفيّ أمير المؤمنين من ولده وخيرته، المستعين بالله أبي الفضل العبّاس بلّغ الله فيه أمير المؤمنين غاية الأمل، وأقرّ به عين الخلافة العبّاسيّة كما أقرّ به عين أبيه وقد فعل.
أما بعد، فالحمد لله حافظ نظام الإسلام وواصل سببه، ورافع بيت الخلافة ومادّ طنبه، وناظم عقد الإمامة المعظّمة في سلك بني العباس وجاعلها
(9/389)

كلمة باقية في عقبه.
والحمد لله الذي عدق أمر الأمة منهم بأعظمهم خطرا، وأرفعهم قدرا، وأرجحهم عقلا وأوسعهم صدرا، وأجزلهم رأيا وأسلمهم فكرا.
والحمد لله الذي أقرّ عين أمير المؤمنين بخير وليّ وأفضل ولد، وشدّ أزره بأكرم سيد وأعزّ سند، وصرف اختياره إلى من إذا قام بالأمر بعده قيل هذا الشّبل من ذاك الأسد.
والحمد لله الذي جمع الآراء على اختيار العاهد فما قلوه «1» ولا رفضوه، وجبل القلوب على حبّ المعهود إليه فلم يروا العدول عنه إلى غيره بوجه من الوجوه.
والحمد لله الذي جدّد للرعيّة نعمة مع بقاء النّعمة الأولى، وأقام لأمر الأمّة من بني عمّ نبيّه المصطفى الأولى بذلك فالأولى، واختار لعهد المسلمين من سبقت إليه في الأزل إرادته فأصبح في النّفوس معظّما وفي القلوب مقبولا.
والحمد لله الذي أضحك الخلافة العبّاسية بوجود عبّاسها، وأطاب بذكره ريّاها فتعطّر الوجود بطيب أنفاسها، ورفع قدره بالعهد إليه إلى أعلى رتبة منيفة، وخصّه بمشاركة جدّه العبّاس في الاسم والكنية ففاز بما لم يفز به قبله منهم ستة «2» وأربعون خليفة.
والحمد لله الذي أوجب على الكافّة طاعة أولي الأمر من الأئمّة، وألزمهم الدّخول في بيعة الإمام والانقياد إليه ولو كان عبدا أسود فكيف بمن أجمع على سؤدده الأمّة، وأوضح السبيل في التعريف بمقام الآل والعترة النبويّة؟ ثُمَّ «3» لا
(9/390)

يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً
«1» .
يحمده أمير المؤمنين على ما منحه من طيب أرومة «2» سمت أصلا وزكت فرعا، وحباه من شرف محتد «3» راق نظرا وشاق سمعا، ووصله به من نعم آثرت نفّاعا وأثّرت نفعا، ويشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة يتوارثونها كالخلافة كابرا عن كابر، ويوصّي بها أبدا الأوّل منهم الآخر، ويؤذن قيامهم بنصرتها أنّهم معدن جوهرها النّفيس ونظام عقدها الفاخر، ويشهد أنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله، الذي خصّ عمّه العباس بكريم الحباء وشريف الإنافة، ونبّه على بقاء الأمر في بنيه بقول ضلّ من أظهر عناده أو أضمر خلافه، حيث أسرّ إليه: «ألا أبشّرك يا عمّ بي ختمت النبوّة وبولدك تختم الخلافة» صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تعمّ بركتها الولد والوالد، ويشمل معروفها المعهود إليه ويعرف شرفها العاهد، ويعترف بفضلها المقرّ ولا يسع إنكارها الجاحد، ما نوّه بذكر الخلافة العباسيّة على أعواد المنابر، وخفقت الرايات السّود على عساكر المواكب ومواكب العساكر، وسلّم تسليما كثيرا.
هذا وكلّ راع مسؤول عن رعيّته، وكلّ امريء محمول على نيّته، مخبر بظاهره عن جميل ما أكنّه في صدره وما أسرّه في طويّته، والإمام منصوب للقيام بأمر الله تعالى في عباده، مأمور بالنصيحة لهم جهد طاقته وطاقة اجتهاده، مطلوب بالنظر في مصالحهم في حاضر وقتهم ومستقبله وبدء أمرهم ومعاده، ومن ثمّ اختلفت آراء الخلفاء الراشدين في العهد بالخلافة وتباينت مقاصدهم، وتنوّعت اختياراتهم بحسب الاجتهاد واختلفت مواردهم، فعهد الصّديق إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه متثبّتا، وتركها عمر شورى في ستّة وقال:
«أتحمّل أمركم حيّا وميّتا!» وأتى رضي الله عنه لكلّ من المذهبين بما أذعن له
(9/391)

الخصم وسلّم، فقال: «إن أعهد فقد عهد من هو خير منّي، أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير منّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» فأخذ الخلفاء في ذلك بسنّتهما، ومشوا فيه على طريقتهما، فمن راغب عن العهد وراغب فيه، وعاهد إلى بعيد وآخر إلى ابنه أو أخيه، كلّ منهم بحسب ما يؤدّي إليه اجتهاده، وتقوى عليه عزيمته ويترجّح لديه اعتماده.
ولمّا كان أمير المؤمنين- أحسن الله مأبه- قد نوّر الله عين بصيرته، وخصّه بطهارة سرّه وصفاء سريرته، وآتاه الله الملك والحكمة، وأقامه لمصالح الرعيّة وصلاح أمر الأمّة، وعلّمه ممّا يشاء فكان له من علم الفراسة أوفر قسم، واصطفاه على أهل عصره وزاده بسطة في العلم والجسم، فلا يعزم أمرا إلّا كان رشادا، ولا يعتمد فعلا إلّا ظهر سدادا، ولا يرتئي رأيا إلّا ألفي صوابا، ولا يشير بشيء إلّا حمدت آثاره بداية ونهاية واستصحابا، ومع ذلك فقد بلا الناس وخبرهم، وعلم بالتجربة حالهم وخبرهم، واطّلع بحسن النظر على خفايا أمورهم، وما به مصلحة خاصّتهم وجمهورهم، وترجّح عنده جانب العهد على جانب الإهمال، ورأى المبادرة إليه أولى من الإمهال، ولم يزل يروّي فكرته، ويعمل رويّته، فيمن يصلح لهذا الأمر بعده، وينهض بأعبائه الثقيلة وحده، ويتّبع فيه سبله ويسلك طرائقه، ويقتفي في السّيرة الحسنة أثره ويشيم في العدل بوارقه، ويقبل على الأمر بكلّيّته ويقطع النظر عمّا سواه، ويتفرّغ له من كلّ شاغل فلا يخلطه بما عداه.
وقد علم أنّ الأحقّ بأن يكون لها حليفا من كان بها خليقا، والأولى بأن يكون لها قرينا من كان بوصلها حقيقا، والأجدر أن يكون لديها مكينا من اتخذ معها يدا وإلى مرضاتها طريقا، والأليق بمنصبها الشريف من كان بمطلوبها مليّا، والأحرى بمكانها الرفيع من كان بمقصودها وفيّا، والأوفق لمقامها العالي من كان خيرا مقاما وأحسن نديّا، وكان ولده السيد الأجلّ أبو الفضل المشار إليه هو الذي وجّهت الخلافة وجهها إلى قبلته، وبالغت في طلبه وألحّت في خطبته،
(9/392)

على أنه قد أرضع بلبانها وربّي في حجرها، وانتسب إليها بالبنوّة فضمّته إلى صدرها، وكيف لا تتشبّث بحباله، وتتعلّق بأذياله، وتطمع في قربه، وتتغالى في حبّه، وتميل إلى أنسه، وتراوده عن نفسه، وهو كفؤها المستجمع لشرائطها المتّصف بصفاتها، ونسيبها السامي إلى أعاليها الراقي على شرفاتها، إذ هو شبلها الناشيء في آجامها، بل أسدها الحامي لحماها ومجيرها الوافي بذمامها، وفارسها المقدّم في حلبة سباقها ووارثها الحائز لجميع سهامها، وحاكمها الطائع لأمرها، ورشيدها المأمون على سرّها، وناصرها القائم بواجبها، ومهديّها الهادي إلى أفضل مذاهبها؟ قد التحف من الخلافة بردائها، وسكن من القلوب في سويدائها، وتوسّمت الآفاق تفويض الأمر إليه بعد أبيه فظهر الخلوق في أرجائها، واتّبع سيرة أبيه في المعروف واقتفى أثره في الكرم، وتشبّه به في المفاخر (ومن يشابه أبه فما ظلم) وتقبّل الله دعاء أبيه فوهب له من لدنه وليّا، وأجاب نداءه فيه فمكّن له في الأرض وآتاه الحكم صبيّا، فاستوجب أن يكون حينئذ للمسلمين وليّ عهدهم، واليا على أمورهم في حلّهم وعقدهم، متكفّلا بالأمر في قربه وبعده، معينا لأبيه في حياته خليفة له من بعده، وأن يصرّح له بالاستخلاف ويوضّح، ويتلو عليه بلسان التفويض اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ
«1» .
واقتضت شفقة أمير المؤمنين ورأفته، ورفقه بالأمة ورحمته، أن ينصب لهم وليّ عهد يكون بهذه الصّفات متّصفا، ومن بحره الكريم مغترفا، ومن ثمار معروفه المعروف مقتطفا، ولمنهله العذب واردا، وعلى بيته الشريف وسائر الأمّة بالخير عائدا، فلم يجد من هو مستكمل لجميعها، مستوعب لأصولها وفروعها، وهو بمطلوبها أملى، وعلى قلوب الرعيّة أحلى، وللغليل أشفى، وبالعهد الجميل أوفى، من ولده المشار إليه. فاستشار في ذلك أهل الحلّ والعقد من قضاته وعلمائه، وأمرائه ووزرائه، وخاصّته وذويه، وأقاربه وبنيه،
(9/393)

وأعيان أهل العصر وعامّته، وجمهوره وكافّته، فرأوه صوابا، ولم يعرهم فيه ظنّة ولا مسترابا «1» ، ولا وجد أحد منهم إلى باب غيره طريقا ولا إلى طريق غيره بابا، فاستخار الله تعالى فيه فأقبل خاطره الشريف عليه، وكرّر الاستخارة فلم يجد عنه مجيدا إلّا إليه.
فلمّا رأى أنّ ذلك أمر قد انعقد عليه الإجماع قولا وفعلا، وعدم فيه المحالف بل لم يكن أصلا، حمد الله تعالى وأثنى عليه، وسأله التوفيق ورغب إليه، وجدّد الاستخارة وعهد إليه بأمر الأمّة، وقلّده ما هو متقلّده من الخلافة المقدّسة بعده على عادة من تقدّمه من الخلفاء الماضين، وقاعدة من سلف من الأئمة المهديّين، وفوّض إليه ما هو من أحكامها ولوازمها، وأصولها ومعالهما، من عهد ووصاية، وعزل وولاية، وتفويض وتقليد، وانتزاع وتخليد، وتفريق وجمع، وإعطاء ومنع، ووصل وقطع، وصلة وإدرار، وتقليل وإكثار، جزئيّها وكلّيّها، وخفيّها وجليّها، ودانيها وقاصيها، وطائعها وعاصيها، تفويضا شرعيّا، تامّا مرضيّا، جامعا لأحكام الولاية جمعا يعمّ كلّ نطاق، ويسري حكمه في جميع الآفاق، ويدخل تحته سائر الأقاليم والأمصار على الإطلاق، لا يغيّر حكمه، ولا يمحى رسمه، ولا يطيش سهمه، ولا يأفل نجمه.
قبل المعهود إليه- أعلى الله مقامه- ذلك بمحضر من القضاة والحكّام، والعلماء الأعلام، ولزم حكمه وانبرم، وكتب في سجلّات الأفلاك وارتسم، وحملت رسائله مع برد السّحاب فطافت به على سائر الأمم، وهو- أبقاه الله- مع ما طبعت عليه طباعه السليمة، وجبلت عليه سجاياه الشريفة وأخلاقه الكريمة، قد تلقّى عن أمير المؤمنين من شريف الآداب ما غذّي به في مهده، وتلقّف منه من حسن الأدوات ما يرويه بالسّند عن أبيه وجدّه، مما انطبع في صفاء ذهنه الصّقيل وانتقش في فهمه، واختلط من حال طفوليّته بذمه ولحمه
(9/394)

وعظمه، حتّى صار طبعا ثانيا، وخلقا على ممرّ الزمان باقيا، واجتمع لديه الغريزيّ فكان أصلا ثابتا، وفرعا على ذلك الأصل القويّ نابتا، لكن أمير المؤمنين يوصيه تبرّكا، ويشرح له ما يكون به- إن شاء الله- متمسّكا، والمرء إلى الأمر بالخير مندوب، ووصيّة الرجل لبنيه مطلوبة فقد قال تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ
«1» .
فعليك بمراقبة الله تعالى فمن راقب الله نجا، و [اجعل] التّقوى رأس مالك، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً
«2» والجأ إلى الحق فقد فاز من إلى الحق لجا، وكتاب الله هو الحبل المتين، والكتاب المبين، والمنهج القويم، والسبيل الواضح والصّراط المستقيم، فتمسّك منه بالعروة الوثقى، واسلك طريقته المثلى واهتد بهديه فلا تضلّ ولا تشقى، وسنّة نبيّه محمد صلّى الله عليه وسلّم عليك بالاقتداء بأفعالها الواضحة، والإصغاء لآثار أقوالها الشارحة، عالما بأنّ الكتاب والسنة أخوان لا يفترقان، ومتلازمان بحبل التباين لا يعتلقان، والبلاد والرّعايا فحطهما بنظرك ما استطعت، وتثبّت في كل قطع ووصل فأنت مسؤول عن كل ما وصلت وقطعت، والآل والعترة النبويّة ففهما «3» حقّ القرابة منك ومن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي أشرقت به، واعلم أنك إذا أكرمت أحدا منهم فإنما أكرمته بسببه، واتّبع في السّيرة سيرة آبائك الخلفاء الراشدين لا تزغ عنها، ولا تعمل إلّا بها وبما هو- إن استطعت- خير منها، واقف في المعروف آثارهم المقدّسة لتحوي من المآثر ما حووا، واحذ حذوهم في طريقهم المباركة وابن المجد كما بنوا، وأحي من العمل سنّة سلفك المصطفين الأخيار، واحرص أن تكون من الأئمة الذين يظلّهم الله تحت عرشه، يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
«4» . وأسلف خيرا تذكر به على ممرّ
(9/395)

اللّيالي، وينتظم ذكره في عقود الأيّام كما تنتظم في السّلك اللّالي، وليكن قصدك وجه الله ليكون في نصرتك فإنّ من كان الله تعالى في نصرته لا يبالي، ولتعلم حقّ اليقين أنّ حسنة الإمام تضاعف بحسب ما يترتّب عليها من المصالح أو يتجدّد بسببها، وسيّئته كذلك فمن سنّ سيئة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها، ودر مع الحقّ كيف دار ومل معه حيث مال، واعلم بأنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال، ولا تخطر ببالك أنّ هذا الأمر انتهى إليك بقوّة، أو يغرّك ما قدّمناه من الثناء عليكم فالتأثّر بالمدح يخلّ بالمروّة، ولا تتّكل على نسبك فمن أطاع الله أدخله الجنة ولو كان عبدا حبشيّا، ومن عصاه أدخله النار ولو كان هاشميّا قرشيّا، واستنصر الله ينصرك واستعن به يكن لك عونا وظهيرا، واستهده يهدك وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً
«1» وكن [من] الله خائفا ومن مكره من المشفقين، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، ووصيّته تملى عليك، وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
«2» والله تعالى يبلّغه منك أملا، ويحقّق فيك علما ويزكّي بك عملا، والاعتماد على الخطّ المقدّس الإماميّ المتوكليّ- أعلاه الله تعالى- أعلاه، حجة فيه إن شاء الله تعالى.
المذهب الثاني (أن يفتتح العهد بعد البسملة بلفظ «من فلان إلى فلان» كما يكتب في المكاتبات ثم يأتي بالبعدية
ويأتي بما يناسبه مما يقتضيه الحال من ذكر الولاية، ووصف المتولّي، واختيار المولّي له ونحو ذلك) ثم قاعدة كتّابهم أنهم يأتون بعد ذلك بالتحميد في أثناء العهد.
(9/396)

وهذه نسخة عهد من ذلك، كتب بها عن الحافظ «1» لدين الله الفاطميّ، لولده حيدرة «2» بأن يكون وليّ عهد الخلافة بعده، وليس فيها تعرّض لتحميد أصلا، وهو:
من عبد الله ووليّه عبد المجيد أبي الميمون الحافظ لدين الله أمير المؤمنين، إلى ولده ونجله، وسلالته الطاهرة ونسله، والمجمع على شرفه والعامل بمرضاة الله في قوله وفعله، وعقده وحلّه، الأمين أبي تراب حيدرة وليّ عهد أمير المؤمنين، عليه السّلام.
سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، ويسأله أن يصلّى على جدّه محمد خاتم النبيين، وسيّد المرسلين، صلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين، الأئمة المهديّين، وسلّم تسليما.
أما بعد، فإنّ الله تعالى لبديع حكمته، ووسيع رحمته، استودع خلفاءه من خلقه وبرأه، واستكفى أمناءه من صوّره وذرأه، ورتّبهم مرتبة النفوس من الأجساد، ونزّلهم بمنزلة الضّياء من الأزناد، وجعلهم مستخدمين لأفكارهم في مصالح البريّة الّتي غدت في أمانهم، وحصلت في ضمانهم، فظلّت في ذمامهم، وسعدت في عزّ مقامهم وظلّ أيّامهم؛ لأنّهم نصبوا للنظر فيما جلّ
(9/397)

ودقّ، وتعبوا لراحة الكافّة تعبا صعب وعظم وشقّ، وكان ذلك سرّا من أسرار الحكمة، وضربا من أفضل تدبير الأمّة، إذ لو ساوى بين الرئيس والمرؤوس، والسائس والمسوس. لا ختلط الخصوص بالعموم، ولم يبق فرق بين الإمام والمأموم.
وقد استخلص الله أمير المؤمنين من أشرف أسرة وأكرم عصابة، وأيّده في جميع آرائه بالحزامة والجزالة والأصالة والإصابة، وقضى لأغراضه أن يكون السعد لها خادما، وحتم لمقاصده أن يصاحبها التوفيق ولا ينفكّ لها ملازما، وجمع له ما تفرّق في الخليقة من المفاخر والمناقب، وألهمه النظر في حسن الخواتم وحميد العواقب.
ولما كان وليّ عهد أمير المؤمنين أكبر أبناء أمير المؤمنين، والمنتهي لأشرف المراتب من تقادم السّنين، وقد استولى على الفخر باكتسابه وانتسابه، وتصدّت له مخطوبات الرّتب ليحوزها باستحقاقه واستيجابه، وله من فضيلة ذاته ما يدلّ على النبإ العظيم، وعليه من أنوار النبوّة ما يهتدي به الساري في الليل البهيم، وحين حوى تالد الفخر وطارفه ولم يستغن بالقديم عن الحديث ولا بالحديث عن القديم، والصّفات إذا اختلفت أربابها لا تقع إلا دونه، والثواب الجزيل مما أعدّه الله للذين يخلصون فيه ويتولّونه، وليفخر بأن خصّ من العناية الملكوتيّة بالحظّ الأجزل، وليتسمّح على البرايا ليكون ممدوحا بالكتاب المنزّل، وليبذخ فإنّ وصفه لا تبلغ غايته وإن استخدمت فيه الفكر، وليبجح فإن فضله لا يدرك حقيقة إلّا إذا تليت السّور، فأمتعه الله بمواهبه لديه وأمتع أمير المؤمنين به، وأجرى أموره عاجلا وآجلا بسببه.
رأى أمير «1» المؤمنين أن يختصه بولاية عهد أمير المؤمنين تمييزا له بهذا
(9/398)

النعت الشريف، وسمّوا به إلى ما يجب لمجده الشامخ ومحلّه المنيف، واقتداء بأسلافه الأئمة الأطهار فيما يشرّفون به أبناءهم الأكرمين، وتخصيصا له بما يبقى فخره على متجدّد الأزمان ومتطاول السّنين. وأمر أمير المؤمنين أن يتخيّر من رجال دولته، ووجوه أجناده وشيعته، طائفة يكون إليه انتماؤها، وإلى شرف هذا النعت انتسابها واعتزاؤها، فتوسم بالطائفة العهديّة، وتحظى إذا أخلصت في الولاية بالسّعادة الدائمة الأبديّة، وتظلّ موقوفة على خدمته، متصرّفة على أوامره وأمثلته، منتهية في طاعته إلى أغراضه ومآربه، وملازمة للّازم المتعيّن من ملازمة الخدمة في مواكبه، والله تعالى يجعل ما رآه أمير المؤمنين من ذلك كافلا بالخيرات، ضامنا لشمول المنافع وعموم البركات، إن شاء الله تعالى. والسّلام على وليّ عهد أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
وهذه نسخة بولاية العهد من خليفة لولده بالخلافة على هذه الطريقة، من إنشاء القاضي «1» الفاضل، أتى فيها بالتحميد بعد التصدير ثلاث مرّات، وهي:
من عبد الله ووليّه فلان أبي فلان الإمام الفلانيّ إلى فلان الفلاني، والصلاة والسّلام على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على نحو ما تقدّم في العهد قبله:
أما بعد، فالحمد لله الذي استحقّ الحمد بفضله، وأجرى القضاء [على ما أراده] «2» ووسع الجرائم بعفوه وعدله، وصرّف المراحم بين قوله وفعله، وأعلى منار الحق وأرشد إلى أهله، واختار الإسلام دينا وعصم المعتلقين بحبله، وأوضح سبل النّجاة بما أوضح لسالكيه من سبله، وتعالى علاه إلى
(9/399)

الصّفات، فلم يوصف بمثل قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ
«1» وتنزّه عن اشتراك التشبيهات، في كلّ جليل الوصف مستقلّه وغير مستقلّه، علم ما اشتملت عليه خطرات الأسرار، وأشارت إليه نظرات الأبصار، وانفرجت عنه غمرات الأخطار، وأخفته سترات الظلماء وباحت به جهرات الأنوار: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ
«2» .
والحمد لله الذي جعل الدّين عنده الإسلام، فمن ابتغى غيره ضلّ المنهج، وأبعد المعرج، واستلقح المخدج، وغلط المخرج، وفارق النّور الأبلج، وركب الطريق الأعوج، وأتى يوم القيامة باللّسان الملجلج، ومن أسلم وجهه إليه فاز بالسّعي النّجيح، وحاز المتجر الرّبيح، وورد المورد الأحمد، ويمّم القصد الأقصد، ووجد الجدّ الأسعد، وسلك المنهج الأرشد، فهو العروة الوثقى، والطريقة المثلى، والدرجة العليا، وأمر به خير المرسلين، المنعوت في سير الأوّلين، المبعوث بالحق المبين، والقائم رسولا في الأمّيين، والهادي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم، والداعي الذي من أجابه وآمن به غفر له ما تقدّم من ذنبه وأجير من عذاب أليم، والمستقلّ [بالعبء] «3» العظيم، بفضل ما منح من الخلق العظيم، والممدوح بقوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
«4» والحمد لله الذي وصل النبوّة بالإمامة، وجعلها كلمة باقية في عقبه إلى يوم القيامة، وخصّها بالخصائص الّتي لا تنبغي إلّا لتامّ الكرامة، وأجار بها خلقه من متالف الطامّة وبوادي النّدامة، وهدى بشرف مقامه إلى دار المقامة، واستردّ بأنوار تدبيره من ظلام الباطل الطّلامة، وأحسن بما أجراه من نظره النظر
(9/400)

للخاصّة والعامّة، إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
«1» .
يحمده أمير المؤمنين أن رفعه إلى ذلك المحلّ المنيف، واستعمر به المقام الشريف، وأظهر كلمة الدّين الحنيف، ونفى عنه تغالي التعمّق وتجديف التحريف، وبيّن بموافقة توفيق هديه طريق التكليف، وأمدّه بموادّ إلهيّة تشتهر فتستغني عن التعريف، وتتّصل فتقطع موادّ التكييف.
ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد الذي نسخ بشريعته الشرائع، وهذّب بهدايته المشارع، وأيّده بالحجج القواطع، والأنوار السّواطع، وجعل من ذرّيّته جبال الله القوارع، ومن مشكاته نجوم الهدى الطّوالع، وعدقت صنائعه بالله إذا افتخرت المنعمون بالصّنائع، وعلى أخيه وأبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب المخصوص بأخوّته، وأبي الثقلين من عترته، والسابق إلى الإسلام فهو بعده أبو عذرته، وإلى تفريج الكرب عن وجهه في الحرب فهو ابن بجدته. وعلى الأئمة من ذرّيتهما مصابيح الظّلمات، ومفاتيح الشّكوك المبهمات، والممنوحين من شرف السّمات، ما جلّ عن المسامات، والممدوحين بفضل الجاه في الأرضين والسّموات.
وإن الله بحكمته البديعة، ورحمته الوسيعة، أقام الخلفاء لخلقه قواما وبحقّه قوّاما، وجعل نار الحوادث بنورهم بردا وسلاما، وجعل لهم الهداية بأمره لزاما، واستصرف بهم عن الخلق عذاب جهنّم إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً «2»
، فهم أرواح والخلائق أجسام، وصباح والمسالك أظلام، وثمرات والوجود أكمام، وحكّام والحقائق أحكام، يسهرون في منافع الأنام وهم نيام، وينفردون بوصب النّصب ويفردونهم بلذّات الجام، ويهتدون بهداياتهم إلى ما تدقّ عنه
(9/401)

حوائط الأفهام، ولا يدرك إلّا بوسائط إلهام. وقد اصطفى الله الأمير من تلك الأسرة، ورقّاه شرف تلك المنابر وملك تلك الأسرّة، وأنار بمقامه نجوم السعادة المستسرّة، واستخدم العالم لأغراضه، وسدّد كلّ سهم في رميه إلى أغراضه، وأقرض الله قرضا حسنا فهو واثق بحسن عواقب إقراضه، وافترض طاعته في خلقه فالسعيد من تلقّى طاعة أمير المؤمنين بافتراضه، وأمضى أوامره على الأيّام فما يقابلها صرف من صروفها باعتراضه، وأدار الحقّ معه حيث دار، وكشف له ما استجنّ تحت أستار الأقدار، ووقف الخيرة والنّصرة على آرائه وراياته فهو المستشار والمستخار، وألهمه أن يحفظ للأمة غدها كما حفظ لها يومها، وأن يجري لها موارد توفيق الارتياد ولا يطيل حومها، وأن يجعل المؤمن على ثلج من الصّدور، وفلج من الظّهور، ويودع عندها برد اليقين بالإشارة إلى مستودع النّور، ويجعلها على شريعة من الأمر فتتّبعها، ويحلّها بمنزلة الخصب فترتبعها، ويعلم نديّ خيره ليكون غايتها ومفزعها، ويعرّفها من تنتظره فتتّخذه مآلها ومرجعها، ويقتدي في ذلك بسيد المرسلين في يوم الغدير ويشير إلى من يقوم به المشير مقام البشير.
ولمّا كنت حافظ عهد أمير المؤمنين والسيّد الذي لا بدّ أن يتوّج به السّرير، والنّجم الذي لا بدّ أن نستطيل إلى أنواره ونستطير، والذّخيرة الّتي ادّخرها الله لنيل كل خطر ودفع كلّ خطير، والسّحاب الذي فيه الثّجّ المطير، والنّجم المنير، والرّجم المبير، وقد تجلّت لك أوجه الكرامات وتبدّت، وتبّرجت لك مخطوبات المقامات وتصدّت، وطلبتك كفؤا لنيل عقيلتها وسكنى معقلها فما تعدّت، وأدّت إليك لطائف فهمك من أسرار الحقائق ما أدّت، وعرفت من سيماك هدي النبوّة، واجتمع لك مزيّة الشرفين من الطّرفين الأبوّة والبنوّة، وأخذت كتاب الحكمة ومصون العصمة بقوّة، وأجرت القلوب الّتي بعوارض الشّكّ ممنوّة، وآثرت العقائد الّتي بنواقض العقد مملوّة، وغدت وجوه الأنام بأيّامك مجلوّة، وتوافقت الألسن على مدحك ولا مثل ما مدحت من الآيات المتلوّة، وكنت بحيث تذهب بالأهوال المسلوّة، وتقبل بالآمال المرجوّة، ولو أنّ ركبا
(9/402)

ضلّ لهداه نورك في الليل البهيم، ولو أنّ ذكرك شذّ لتبدّى في الآيات والذّكر الحكيم، ولو أنّك طلعت على الأولين لما تساءلوا ولا اختلفوا في النّبإ العظيم، ولو أنّ قديما علا فوق كلّ حديث لقام لك الحديث مقام القديم، ولو أنّ جميع الأنام في صعيد واحد لصعدت دونهم المقام الكريم، ولو أنّ يدك البيضاء تجسّمت للناظرين لأعدت آية موسى الكليم، ولو أنّ هدايتك الغرّاء تنسّمت للذاكرين لأحييت بها العظام وهي رميم، ولو أنّ علومك انتشرت بين العلماء لتلوا: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
«1» ولو أنّ ليلة ولادتك رصدتها البصائر، رأت كيف يفرق فيها كلّ أمر حكيم، والصّفات إذا احتفل أربابها وقفت لك عبيدا، والأيام إذا كانت ظروفا لفضائلك كان كلّ يوم منها للعبيد عيدا، والأنساب إذا عددتها كان الجدّ سعيدا، فلتفخر قبل السير بأن أمليت عليها السّور، وأبشر بأن المنتظر من فضل الله لك فوق ما تعجّله النظر، واشمخ بأنّ سادة القبائل مضر وأنك بعد أمير المؤمنين سيّد مضر، وابذخ بأنك عوض من كلّ من غاب وما عنك عوض في كل من حضر، وابجح بأنك قد أهّلت لأمر أبى الله له إلّا أولي العزم والخطر، واشكر الله على نعمة خلقك لها بقدر، ومزيّة لا يوفّي حقّها من أضمر فأغرق أو نطق فشكر، وقل الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ
«2» ، وقل «3» رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ*
«4» .
فإليك هذا الأمر يصير، وأنت له والله لك نعم المولى ونعم النّصير، وتأهّب له في درجته الّتي لا ينالها باع قصير، ولا يمتطيها إلّا من اختاره الله على علم من أهل الثقلين ولو أنّ بعضهم لبعض ظهير، ولا ترى لها أهلا إلّا من أراه الله من
(9/403)

آياته أنه هو السّميع البصير، وفاوض أمير المؤمنين في مشكلات الأمر ولا ينبّئك مثل خبير، واقتد منه بمن هو [في] أهل دهره وصيّ الوصيّ ونظير النّذير، واهتد بنوره الذي هو بالنّور البائن دون الخلق بشير، وسر إذا استعملك الله فيهم بما رأيت أمير المؤمنين به فيهم يسير، وادع الله بأن ييسّر على يدك مناجحهم إنّ ذلك على الله يسير، واعرف ما آثرك الله به من أنه لم يجعل ليدك كفؤا إلّا ذا الفقار ولا لقدمك كفؤا إلّا المنبر والسرير، وتحدّث بنعمة الله وإجرائها فأمير المؤمنين اليوم عليك أمير وأنت غدا على المؤمنين أمير: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ
«1» .
وأما العدل وإفاضته، والجور وإغاضته، والصّعب ورياضته، والجدب وترويضه، والخطب وتفويضه، والجهاد ورفع علمه، والذبّ عن دين الله وحفظ حرمه، والأمر بالمعروف ونشر ردائه، والنهي عن المنكر وطيّ اعتدائه، وإقامة الحدّ بالصّفح والحدّ، والمساواة في الحقّ بين المولى والعبد، وبثّ دعوة الله في كل غور من البلاد ونجد، وأمر عباد الله إن عباد الله في زمنك الرغد، فذلك عهد الأئمة الراشدين، وهو إليك من أمير المؤمنين، عهد مؤكّد العقد، وهو سنّة فضل الخلفاء الّتي لا تجد لها تحويلا، ومعنى العهد الذي أمر الله بالوفاء به فقال: إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
«2» .
وهل يوصى البحر بتلاطم أمواجه وتدافع أفواجه وبتزاخر عجاجه؟ وهل يحضّ البدر المنير على أن ينير سراجه، ويطلع ليتّضح للسالك منهاجه أو ينبّه على هدايته إذا تهادته أبراجه؟ وعليك من سرائر أنوار الله ما يغنيك أن توصى، ولديك من ظواهر لطائف الله ما تميّز به عن الخلق إذ أضحيت به مخصوصا، ومن شواهد اختيار الله ما تظاهرت عليك آياته نصوصا، فبسلام الله يحيّيك المؤمنون، وبالاعتلاق بعصمة ولائك في يوم الفزع الأكبر يأمنون، والله منجز
(9/404)

لك وعده كما أنجزه لمن جعلهم أئمة لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون، والله سبحانه يهدي إليك تحية من عنده مباركة طيّبة، ويسدي إلى مقام شرفك سحابة رحمة غدقة صيّبة، ويجعل ما رآه أمير المؤمنين من ولايتك عهده، وكفالتك للأمّة بعده، للمسرّات ناظما، وللمساءات حاسما، وللبركات جامعا، وللباطل خافضا وللحق رافعا. وأمر أمير المؤمنين أن يعيّن على رجال من أولياء دولته، ووجوه شيعته، وأنصار سريّته، عدّة يكون إليك اعتزاؤها وبك اعتزازها، وببابك العالي إقامتها وإلى جنابك انحيازها، فتكون موسومة بالعبوديّة، ومتعرّضة بالولاء للسعادة الأبديّة، فتمتثل «1» على ما تمثّله من المراسم، وتتصرّف على ما تصرّفها عليه من العزائم، وتكون أبدا لما ينفذ عنك من أحكام الهبات والمكارم، وتقوم من ملازمة الخدمة في مواكبك بما هو لكل خادم فرض لازم، وتسارع في مطالبك إلى ما يسارع إليه الحازم، وتجود يا سماء الإنعام بالغدق الساجم.
وتقدّر لها من الواجبات والزّيادات ما تقتضيه همم المكارم، تبذل في الخدمة الاجتهاد، وتنافس فيما تستمدّ [به] الحظوة بحضرته والإحماد، وعرّضها من الإحسان الجمّ للازدياد، وبلّغها المراد بما تبلغ بها من المراد، لتتشرّف بأن تكون تحت ركابه العالي متصرّفة، وتفتخر بأن تكون أنسابها باسمه العالي متشرّفة، إن شاء الله تعالى.
المذهب الثالث (أن يفتتح العهد بعد البسملة بخطبة مفتتحة ب «الحمد لله» ثم يأتي بالبعديّة
ويأتي بما يناسب الحال على نحو ما تقدّم، وعليه عمل أهل زماننا مع الاقتصار على تحميدة واحدة، والاختصار في القول) وهذه نسخة أوردها عليّ «2» بن خلف من إنشائه في كتابه «موادّ البيان» لترتيب الكتابة في زمن الفاطميين، وهي:
(9/405)

الحمد لله معزّ دينه بخلفائه الراشدين، ومرتّب حقّه بأوليائه الهادين، الذي اختار دين الإسلام لصفوته من بريّته، وخصّ به من استخلصه من أهل طاعته، وجعله حبله المتين، ودينه الذي أظهره على كلّ دين، وسبيله الأفسح، وطريقه الأوضح، وابتعث به نبيّه محمدا صلّى الله عليه فصدع بأمره، وأعلن بذكره، والناس في فترة الضّلالة، وغمرة الجهالة، فلما أنجز في نصرة حقّه، وتأييده لسعداء خلقه [قبضه] «1» إليه محمود الأثر، طيّب الخبر [وقام] «2» بخلافته، من انتخبه من طهره عترته، وأودعهم حكمته، وكفّلهم شريعته، فاقتفوا سبيله، واتبعوا دليله، كلّما قبض منهم سلفا إلى مقرّ مجده، اصطفى خلفا للإمامة من بعده.
يحمده أمير المؤمنين أن أفضى إليه بتراث الإمامة والرّسالة، وهدى به كما هدى بجدّه من الزّيغ والضّلالة، واختصّه بميراث النّبوّة والخلافة، ونصبه رحمة للكافة، وأتمّ نعمته [عليه] كما أتمّها على آبائه، وأجزل حظّه من حسن بلائه، وأعانه على ما استرعاه، ووفّقه فيما ولّاه، وأنهضه بإعزاز الملّة، وإكرام الأمّة، وإماتة البدع، وإبطال المذهب المخترع، وإحياء السّنن، والاستقامة على لاحب السّنن، ووهبه من بنيه وذريّته مؤازرين على ما حمّله من أعباء خلافته، ومظاهرين على ما كلّفه من إمعان النظر في بريّته.
ويسأله الصلاة على محمد خاتم أنبيائه، والخيرة من خلصائه، الذي شرّفه بختام رسله، وإقرار نيابته في أهله، صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمّه وباب حكمته، عليّ بن أبي طالب وصيّه في أمّته، وعلى الأئمة الطّهرة من ذرّيّته، مناهج رحمته، وسرج هدايته، وسلّم تسليما.
وإنّ الله تعالى جعل الخلافة للكافّة عصمة، ولأهل الإيمان رحمة، تجمع كلمتهم، وتحفظ ألفتهم، وتصلح عامّتهم، وتقيم فرائضه وسننه فيهم،
(9/406)

وتمدّ رواق العدل والأمنة عليهم، وتحسم أسباب الكفر والنّفاق، وتقمع أهل العناد والشّقاق، ولذلك وصل الله حبل الإمامة، وجعلها كلمة باقية في عقب أوليائه إلى يوم القيامة.
ولما نظر أمير المؤمنين بعين اليقين، واقتبس من الحقيقة قبس [الحق] المبين، عرف ما بنيت عليه الدنيا من سرعة الزّوال، ووشك التحوّل والانتقال، وأنّ ما فوّض الله إليه من خلافته لا بدّ أن ينتقل عنه إلى أبنائه الميامين، كما انتقل إليه عن آبائه الراشدين، فلم يغترّ بمواعيدها المحال، وأضرب عمّا تخدع به من الأمانيّ والآمال، وأشفق على من كفّله الله بسياسته، وحمّله رعايته من أهل الإسلام المعتصمين بحبل دعوته، المشتملين بظلّ بيعته، عند تقضّي مدّته ونزوعه إلى آخرته، في الوقت المعلوم، بالأجل المحتوم، من انتشار الكلمة، وانبتات العصمة، وانشقاق العصا، وإراقة الدّما، واستيلاء الفتن، وتعطيل الفروض والسّنن، فنظر لهم بما ينظم شملهم، ويصل حبلهم، ويزجر ظلمتهم، ويجمع كلمتهم، ويؤلّف أفئدتهم، ورأى أن يعهد إلى فلان ولده؛ لأنه قريعه في علمه وفضله، وعقيبه في إنصافه وعدله، والملموح من بعده، والمرجوّ ليومه وغده، ولما جمع الله له من شروط الإمامة، وكمّله له من أدوات الخلافة، وجبله عليه من الرّحمة والرّافة، وخصّه به من الرّصانة والرّجاحة، والشّجاعة والسّماحة، وآتاه من فصل الخطاب، وجوامع الصّواب ومحاسن الآداب، ووقاية الدّين، والغلظة على الظالمين، واللّطف بالمؤمنين، بعد أن قدّم استخارة الله تعالى فيه، وسأله توفيقه لما يرضيه، ووقف فكره على اختياره، ولم يكن باختياره مع إيثاره، ويلوح في شمائله، ويستوضح في مخايله، أنّه الوليّ المجتبى، والخليفة المصطفى، الذي يحمي الله به ذمار الحقّ، ويعلي بسلطانه شعار الصّدق، وأنه- سبحانه- قد أفضى إليه بما أفضى به إلى الخلفاء من قبله، وأفاض عليه من الكامنات ما أفاضه على أهله، وبعد أن عاقده وعاهده على مثل ما عاهده عليه آباؤه، من تقوى الله تعالى وطاعته، واستشعار خيفته ومراقبته والعمل بكتابه وسنّته، وإقامة
(9/407)

حدود الله الّتي حدّها، بفروضه الّتي وكّدها والاقتداء بسلفه الراشدين، في المكافحه عن الدّين، والمسامحة عن أوزار المسلمين، وبسط العدل على الرعيّة، والحكم بينهم بالسّويّة، وإنصاف المظلوم من الظّلوم، وكفّ يد المغتصب الغشوم، وصرف ولاة الجور عن أهل الإسلام، وتخيّر من ينظر بينهم في المظالم والأحكام، وأن لا يولّي عليهم إلّا من يثق بعدالته، ويسكن إلى دينه وأمانته، ولا يفسح لشريف في التعدّي على مشروف، ولا يقوى في التسلّط على مضعوف، وأن يحمل الناس في الحقوق على التّساوي، ويجريهم في دولته على التناصف والتّكافي، ويأمر حجّابه ونوّابه بإيصال الخاصّة والعامّة إليه، وتمكينهم من عرض حوائجهم ومظالمهم عليه ليعلموا: الولاة والعمّال، أنّ رعيته على ذكر منه وبال، فيتحاموا التثقيل عليهم والإضرار بهم. وأشهد عليه بكلّ ما شرطه وحدّده، والعمل بما يحمد إليه فيما تقلّده. على أنه غنيّ عن وصيّة وتبصير، وتنبيه وتذكير، إلّا أنّ محمدا سيد المرسلين يقول لعليّ صلّى الله عليهما «أرسل عاقلا إلّا فأوصه» «1» .
فبايعوا على بركة الله تعالى طائعين غير مكرهين، برغبة لا برهبة، وبإخلاص لا بمداهنة، بيعة رضا واختيار، وانقياد وإيثار، بصحّة من نيّاتكم، وسلامة من صدوركم، وصفاء من عقائدكم، ووفاء واستقامة فيما تضعون عليه أيمانكم، ليعرّفكم الله [من] سبوغ النّعمة، وشمول الحبرة، وحسن العاقبة، واتفاق الكلمة، ما يقرّ نواظركم، ويبرّد ضمائركم، ويذهب غلّ صدوركم ويعزّ جانبكم، ويذلّ مجانبكم، فاعلموا هذا واعملوا به إن شاء الله.
وقد يغني هذا الكتاب الذي ذكرناه مغنى العهد، فلا يحتاج إلى عهد.
وعلى ذلك كتب عن الإمام المستكفي «2» بالله أبي الربيع سليمان بن
(9/408)

الحاكم «1» بأمر الله أحمد، عهد ولده المستوثق «2» بالله «بركة» بالخلافة بعده.
وهذه نسخته:
الحمد لله الذي أيّد الخلافة العبّاسيّة بأجلّ والد وأبرّ ولد، وجعلها كلمة باقية في عقبه والسّند كالسّند، وآواهم من أمرهم إلى الكهف فالكهف وإن تناهى العدد، وزان عطفها بسؤدد سواد شعارهم المسجّلة أنوارهم ولا شكّ أن النّور في السّواد، وعدق «3» بصولتهم النبويّ معجزها كلّ منادّ.
نحمده على ما منّ به من تمام النّعمة فيهم، ونزول الرحمة بتوافيهم، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة محضة الإخلاص، كافلا محضها بالفكاك من أسر الشّرك والخلاص، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المبعوث بما أوضح سبل الرّشاد، وقمع أهل العناد، والشفيع المشفّع يوم التّناد، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا انقضاء لها ولا نفاد، وسلّم تسليما كثيرا.
(9/409)

وبعد فإن أمير المؤمنين (ويذكر اسمه) يعتصم بالله في كلّ ما يأتي ويذر مما جعل الله [له] من التفويض، ويشير إلى الصّواب في كل تصريح منه وتعريض، وإنه شدّ الله أزره، وعظّم قدره، استخار الله سبحانه وتعالى في الوصيّة بما جعله الله له من الخلافة المعظّمة المفخّمة الموروثة عن الآباء والجدود، الملقاة إليه مقاليدها كما نصّ عليه ابن عمّه صلّى الله عليه وسلّم في الوالد من قريش والمولود، لولده السيّد، الأجلّ المعظّم المكرّم، فلان، سليل الخلافة وشبل غابها، ونخبة أحسابها وأنسابها، أجلّه الله وشرّفه، وجمّل به عطف الأمانة وفوّفه، لما تلمّحه فيه من النّجابة اللائحة على شمائله، وظهر من مستوثق إبداء سرّه فيه بدلائل برهانه وبرهان دلائله؛ وأشهد على نفسه الكريمة- صانها الله تعالى- مولانا أو سيدنا أمير المؤمنين، من حضر من حكّام المسلمين: قضاة قضاتهم، وعلمائهم، وعدولهم، بمجلسه الشريف، أنه رضي أن يكون الأمر في الخلافة المعظّمة، الذي جعله الله له الآن لولده السيّد الأجلّ فلان بعد وفاته، فسّح الله في أجله، وعهد بذلك إليه، وعوّل في أمر الخلافة عليه، وألقى إليه مقاليدها، وجعل بيده زمام مبدئها ومعيدها، وصّى له بذلك جزئيّه وكلّيّه، وغامضه وجليّه، وصيّة شرعية بشروطها اللازمة المعتبرة، وقواعدها المحررة، أشهد عليه بذلك في تاريخ كذا.
الوجه السابع (فيما يكتب في مستند عهد وليّ الخلافة عن الخليفة
، وما يكتبه الخليفة في بيت العلامة، وما يكتب في ذيل العهد بعد إتمام نسخته من قبول المعهود إليه، وشهادة الشّهود على العهد) أما ما يكتب في المستند، فينبغي أن يكون كما يكتب في عهود الملوك عن الخلفاء، على نحو ما تقدّم في البيعات، وهو أن يكتب: «بالإذن العالي، المولويّ، الإماميّ، النبويّ، الفلانيّ (بلقب الخلافة) أعلاه الله تعالى» أو نحو ذلك من الدعاء.
(9/410)

وأما ما يكتبه الخليفة في بيت العلامة، فينبغي أن يكتب: «عهدت إليه بذلك» ؛ لأنه اللفظ الذي ينعقد به العهد. ولو كتب: «فوّضت إليه ذلك» كما يكتب الخليفة في عهد السلطان الآن على ما سيأتي، كفى ذلك. والأليق بالمقام الأوّل.
وأما ما يكتب في ذيل العهد بعد تمام نسخته، فالمنقول فيه عن المتقدّمين ما كتب به «عليّ الرّضيّ «1» » تحت عهد المأمون «2» إليه بالخلافة، وهو:
الحمد لله الفعّال لما يشاء، لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، وصلواته على نبيّه محمد خاتم النبيين، وآله الطيبين الطاهرين. أقول وأنا عليّ بن موسى بن جعفر: إنّ أمير المؤمنين عضّده الله بالسّداد، ووفّقه للرشاد، عرف من حقّنا ما جهله غيره، فوصل أرحاما قطعت، وأمّن أنفسا فزعت، بل أحياها وقد تلفت، وأغناها إذ افتقرت، متّبعا رضا ربّ العالمين، لا يريد جزاء من غيره وسيجزي الله الشاكرين، ولا يضيع أجر المحسنين، وإنه جعل إليّ عهده، والإمرة الكبرى إن بقيت بعده، فمن حلّ عقدة أمر الله بشدّها، أو فصم عروة أحبّ الله إيثاقها، فقد أباح حريمه وأحلّ محرّمه، إذ كان بذلك زاريا على الإمام، منتهكا حرمة الإسلام، بذلك جرى السالف فصبر منهم على الفلتات، ولم يعترض بعدها على العزمات، خوفا على شتات الدّين، واضطراب حبل المسلمين، ولقرب أمر الجاهلية ورصد فرصة تنتهز، وباقية تبتدر. وقد جعلت لله تعالى على نفسي إن استرعاني على المسلمين، وقلّدني خلافته، العمل فيهم عامّة وفي بني العبّاس بن عبد المطّلب خاصّة بطاعته وبسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأن لا أسفك دما حراما، ولا أبيح فرجا ولا مالا، إلّا ما سفكته حدوده، وأباحته فرائضه، وأن أتخيّر الكفاة جهدي
(9/411)

وطاقتي. جعلت بذلك على نفسي عهدا مؤكّدا يسألني [الله] عنه، فإنه عزّ وجلّ يقول: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
«1» . فإن أحدثت أو غيّرت أو بدّلت، كنت للغير مستحقّا، وللنّكال متعرّضا، وأعوذ بالله من سخطه، وإليه أرغب في التوفيق لطاعته، والحول بيني وبين معصيته، (في عامّة المسلمين، والخاصّة والحضر يدلان على ضدّ ذلك) «2» : وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
«3» : إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ
«4» . لكنّني امتثلت رضاه، والله يعصمني وإيّاه، وأشهدت الله على نفسي بذلك وكفى بالله شهيدا. وكتبت بخطّي بحضرة أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- والفضل بن سهل، وسهل بن الفضل، ويحيى بن أكثم، وبشر بن المعتمر، وحمّاد بن النّعمان، في شهر رمضان سنة إحدى ومائتين.
ثم كتب فيه من حضر من هولاء وهذه صورة كتابتهم.
فكتب الفضل «5» بن سهل وزير المأمون ما صورته:
«رسم أمير المؤمنين أطال الله بقاءه قراءة مضمون هذا المكتوب، ظهره وبطنه، بحرم سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بين الروضة والمنبر على رؤوس الأشهاد،
(9/412)

ومرأى ومسمع من وجوه بني هاشم وسائر الأولياء والأجناد، وهو يسأل الله أن يعرّف أمير المؤمنين وكافّة المسلمين بركة هذا العهد والميثاق، بما أوجب أمير المؤمنين الحجة به على جميع المسلمين، وأبطل الشّبهة الّتي كانت اعترضت آراء الجاهلين: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ
«1» . وكتب «الفضل بن سهل» في التاريخ المعيّن فيه» .
وكتب عبد الله «2» بن طاهر ما صورته «أثبت شهادته فيه بتاريخه عبد الله بن طاهر بن الحسين» .
وكتب يحيى بن «3» أكثم القاضي ما صورته: «شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذه الصحيفة ظهرها وبطنها، وكتب بخطه بالتاريخ» .
وكتب حمّاد «4» بن النّعمان ما صورته: «شهد حمّاد بن النعمان بمضمون ظهره وبطنه، وكتب بيده بتاريخه» .
وكتب بشر بن «5» المعتمر ما صورته: «شهد بمثل ذلك بشر بن المعتمر، وكتب بخطه بالتاريخ» .
(9/413)

قلت: وعلى نحو ما تقدّم من كتابة المعهود إليه بالقبول وشهادة الشّهود على العهد ينبغي أن يكون العمل أيضا في زماننا، ليجتمع خطّ العاهد بالتفويض على ما تقدّم، وشهادة الشهود. ولو اقتصر المعهود إليه في الكتابة على قوله: «قبلت ذلك» كان كافيا، وإن كان أمّيّا اكتفي بشهادة الشهود.
الوجه الثامن (في قطع الورق الذي تكتب فيه عهود الخلفاء، والقلم الذي يكتب به، وكيفيّة كتابتها وصورة وضعها)
أما قطع الورق فمقتضى قول المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله في «التعريف» أنّ للعهود قطع البغداديّ الكامل، وأن عهود الخلفاء تكتب في البغداديّ كما هو مستعمل في عهود الملوك عن الخلفاء، على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وهو مقتضى ما تقدّم «1» في الكلام على قطع الورق في مقدّمة الكتاب نقلا عن محمد بن عمر «2» المدائني في كتاب «القلم والدواة» أنّ القطع الكامل للخلفاء.
قلت: وقد أخبرني من يوثق به أنه وقف على عهد المعتضد «3» بالله أبي الفتح أبي بكر، والد المتوكل «4» على الله، أبي عبد الله محمد خليفة العصر، وهو مكتوب في قطع الشاميّ الكامل، وأنه كتب عهد المتوكلّ على ظهره بخط الشهود دون كاتب «5» إنشاء. وكأنهم لما تقهقرت الخلافة وضعف شأنها، وصار
(9/414)

الأمر إلى الملوك المتغلّبين على الخلفاء، تنازلوا في كتابة عهودهم من قطع كامل البغدادي إلى قطع الشاميّ. وهذا هو المناسب للحال في زماننا.
وأما القلم الذي يكتب به، فالحكم فيه ما تقدّم في البيعات، وهو إن كتب العهد في قطع البغداديّ، كتب بقلم مختصر الطّومار «1» . وإن كتب في قطع الشاميّ، كتب بقلم الثلثين الثّقيل.
وأما كيفيّة الكتابة وصورة وضعها، فعلى ما تقدّم في كتابة البيعات، وهو أن يبتدأ بكتابة الطّرّة في أوّل الدّرج بالقلم الذي يكتب به العهد سطورا متلاصقة ممتدة في عرض الدّرج من أوّله إلى آخره من غيرهامش. ثم إن كانت الكتابة في قطع البغداديّ الكامل، جرى فيه على القاعدة المتداولة في عهود الملوك عن الخلفاء، فيترك بعد الوصل الذي فيه الطرّة ستّة أوصال بياضا من غير كتابة، ثم يكتب البسملة في أوّل الوصل الثامن بحيث يلحق أعالي ألفاته بالوصل الذي فوقه، بهامش قدر أربعة أصابع أو خمسة، ثم يكتب تحت البسملة سطرا من أوّل العهد ملاصقا لها، ثم يخلّي مكان بيت العلامة قدر شبر كما في عهود الملوك، ثم يكتب السطر الثاني تحت بيت العلامة على سمت السطر الذي تحت البسملة. ويحرص أن تكون نهاية السجعة الأولى في السطر الأوّل أو الثاني، ثم يسترسل في كتابة بقيّة العهد إلى آخره، ويجعل بين كلّ سطرين قدر ربع ذراع بذراع القماش. فإذا انتهى إلى آخر العهد، كتب «إن شاء الله تعالى» ثم المستند، ثم الحمدلة، والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والحسبلة، على ما تقدّم في الفواتح والخواتم. ثم يكتب المعهود إليه والشهود بعد ذلك. وإن كتب في قطع
(9/415)

الشاميّ، فعلى ما تقدّم في البيعات، من أنه ينبغي أن يقتصر في أوصال البياض على خمسة أوصال، ويكون الهامش قدر ثلاثة أصابع.
وهذه صورة وضعه في الورق، ممثّلا فيها بالطرّة الّتي أنشأتها، على ما تقدّم ذكره في العهد الذي أنشأته على لسان الإمام المتوكل على الله خليفة العصر لولده العبّاس. وهو العهد الأخير من المذهب الأوّل من عهود الخلفاء عن الخلفاء.
بياض بأعلى الدرج تقدير إصبع هذا عهد إماميّ قد علت جدوده، وزاد في الارتقاء في العلياء صعوده، وفصّلت بالجواهر قلائده ونظّمت بنفيس الدّرّ عقوده، من عبد الله ووليّه الإمام المتوكّل على الله أبي عبد الله محمد ابن الإمام المعتضد بالله أبي الفتح أبي بكر، بالخلافة المقدّسة لولده السيد الجليل، ذخيرة الدّين، ووليّ عهد المسلمين، أبي الفضل العبّاس، بلّغه الله تعالى فيه غاية الأمل، وأقرّ به عين الأمّة كما أقرّ به عين أبيه وقد فعل على ما شرح فيه.
بياض ستة أوصال بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد سعيد الطالع ميمون الطائر مبارك الأوّل عهدت إليه بذلك وكتب فلان بن فلان
جميل الأوسط حميد الآخر ... تشهد به حضرات الأملاك
وترقمه كفّ الثّريّا بأقلام القبول في صحائف الأفلاك وتباهي به ملائكة الأرض ملائكة السما، وتسري بنشره القبول إلى الأقطار
(9/416)

هامش: فتنشر له بكل ناحية علما، وتطلع به سعادة الجدّ من ملوك العدل في كلّ أفق نجما.
ثم يأتي على الكلام إلى آخر العهد على هذا النّمط إلى أن ينتهي إلى قوله فيه «والله تعالى يبلّغه منك أملا، ويحقق فيك علما ويزكّي بك عملا» .
إن شاء الله تعالى كتب في اليوم الأوّل من المحرّم سنة إحدى وثمانمائة بالإذن العالي، المولويّ، الإماميّ، النبويّ، المتوكّليّ، أعلاه الله تعالى الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه حسبنا الله ونعم الوكيل قبلت ذلك شهد على العاهد والمعهود إليه وكتب فلان وليّ فيه زادهما الله شرفا عهد أمير المؤمنين وكتب فلان بن فلان وكذا بقية الشهود
النوع الثاني (عهود الخلفاء للملوك، ويتعلّق النظر به من سبعة أوجه)
الوجه الأوّل (في أصل مشروعيّتها)
والأصل فيها ما رواه ابن إسحاق وغيره، أنه لما رجع وفد بني الحرث بن كعب إلى قومهم باليمن بعد وفود [هم] على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل وفاته بأربعة أشهر، بعث إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد أن ولّى وفدهم عمرو بن حزم، يفقّههم في الدّين، ويعلّمهم السنّة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم. وكتب له كتابا
(9/417)

عهد فيه عهده، وأمره فيه أمره، على ما سيأتي ذكره في أوّل نسخ العهود الواردة في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. فقد فوّض النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمر اليمن في حياته إلى عمرو بن حزم رضي الله عنه. وذلك أصرح دليل وأقوم شاهد لما نحن فيه.
الوجه الثاني (في بيان [معنى] الملك والسّلطنة اللتين يقع العهد بهما)
قد تقدّم في الكلام على الألقاب نقلا عن «الفروق» في اللغة للعسكريّ أن الملك أخصّ من السّلطنة، لأن الملك لا يطلق إلّا على الولاية العامّة، والسّلطنة تطلق على أنواع الولايات، حتّى أنّ الفقهاء يعبّرون عن القاضي ووالي البلد في أبواب الفقه بالسّلطان «1» .
ثم تفويض الخليفة الأمور في البلاد والأقاليم إلى من يدبّرها ويقوم بأعبائها على ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل- وهو أعلاها وزارة التفويض
، وهو أن يستوزر الخليفة «2» من يفوّض إليه تدبير الأمور برأيه وإمضاءها «3» على اجتهاده، وينظر فيها على العموم. وعلى ذلك كانت السلطنة في زمن الخلفاء الفاطميين بمصر على ما سيأتي ذكره. قال الماورديّ في «الأحكام السلطانية» : ولا «4» يمتنع جواز مثل ذلك؛ لأنّ كلّ ما وكل إلى الإمام من تدبير [الأمة] «5» لا يقدر على مباشرة
(9/418)

جميعه إلّا بالاستنابة «1» ، ونيابة الوزير المشارك له في التدبير أصحّ في تنفيذ الأمور، [من تفرّده بها] «2» ليستظهر به على نفسه ولنفسه «3» ، فيكون «4» أبعد من الزّلل، وأمنع من الخلل. قال: وتعتبر «5» في [تقليد] «6» هذه الوزارة شروط الإمامة إلّا النسب وحده. وقد تقدّم بيان شروط الإمامة في الكلام على البيعات.
ثم قال: وكلّ ما صحّ من الإمام صحّ من «7» وزير التفويض إلّا في ثلاثة أشياء:
أحدها- ولاية العهد. فإنّ للإمام أن يعهد إلى من يرى وليس ذلك للوزير.
الثاني- أنّ للإمام أن يستعفي الأمّة من الإمامة وليس ذلك للوزير.
الثالث- أنّ للإمام أن يعزل من قلّده الوزير وليس للوزير أن يعزل من قلّده الإمام.
وتفارق هذه الوزارة الخلافة في عموم النظر فيما عدا ذلك من وجهين:
أحدهما- مختصّ بالإمام وهو أن يتصفّح أفعال الوزير وتدبير الأمور ليقرّ منها ما وافق الصّواب، ويستدرك ما خالفه؛ لأنّ تدبير الأمة إليه موكول، وعلى اجتهاده محمول.
والثاني- مختصّ بالوزير، وهو مطالعة الإمام بما أمضاه من تدبير، وأنفذه من ولاية وتقليد، لئلا يصير بالاستبداد كالإمام.
أما وزارة التنفيذ فسيأتي الكلام عليها في تقليد الوزارة إن شاء الله تعالى.
(9/419)

القسم الثاني- إمارة الاستكفاء.
وهي الّتي تنعقد عن اختيار من الخليفة، وتشتمل على عمل محدود ونظر معهود، بأن يفوّض الخليفة إليه إمارة بلد أو إقليم ولاية على جميع أهله، ونظرا في المعهود من سائر أعماله، فيصير عامّ النظر فيما كان محدودا من عمل، ومعهودا من نظر. قال الماورديّ: فينظر فيما إليه في تدبير الجيش، وترتيبه في النّواحي، وتقدير أرزاقهم إن لم يكن الإمام قد قدّرها، وإدرارها عليهم إن كان الإمام قدّرها، وكذلك [النظر في] الأحكام، وتقليد القضاة والحكّام، وجباية الخراج، وقبض الصّدقات والعمل فيهما، وتفريق ما يستحق منهما، وحماية الحريم، والذّبّ عن البيضة، ومراعاة الدّين من تغيير أو تبديل، وإقامة الحدود في حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، والإمامة في الجمع والجماعات بالقيام بها، والاستخلاف عليها، وتسيير الحجيج من عمله ومن يمرّ عليه من غير عمله، وجهاد من يليه من العدوّ، وقسم الغنائم في المقاتلة، وأخذ خمسها لأهل الخمس. وله أن يتّخذ وزير تنفيذ لا وزير تفويض.
وعلى هذا كانت الأمراء والعمّال في الأقاليم والأمصار من ابتداء الإسلام إلى أن تغلّب المتغلّبون على الأمر واستضعف جانب الخلفاء.
قال الماورديّ: ويعتبر في هذه الإمارة ما يعتبر في وزارة التفويض من الشروط، إذ ليس بين عموم الولاية وخصوصها فرق في الشروط المعتبرة فيها.
القسم الثالث- إمارة الاستيلاء.
وهي أن يقلّده الخليفة «1» الإمارة على بلاد ويفوّض إليه تدبيرها، فيستولي عليها بالقوّة، فيكون [الأمير] باستيلائه مستبدّا بالسياسة والتدبير، والخليفة
(9/420)

بإذنه ينفّذ «1» أحكام الدين لتخرج عن الفساد إلى الصّحّة، ومن الحظر إلى الإباحة، نافذ التصرّف في حقوق الملة وأحكام الأمّة. وهذا ما صار إليه الأمر بعد التغلّب على الخلفاء، والاستبداد بالأمر بالغلبة والقوّة.
قال الماورديّ: وهذا وإن خرج عن عرف التقليد المطلق في شروطه وأحكامه، ففيه [من] حفظ قوانين «2» الشرع وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يترك مختلّا مدخولا، ولا فاسدا معلولا، فجاز فيه مع الاستيلاء والاضطرار، ما امتنع في تقليد الاستكفاء والاختيار؛ لوقوع الفرق بين شروط المكنة «3» والعجز: قال: والذي يتحفّظ بتقليد المستولي من قوانين الشريعة «4» سبعة أشياء، يشترك في التزامها الخليفة المولّي والأمير المستولي، ووجوبها في جهة المستولي أغلظ.
أحدها- حفظ منصب الإمامة في خلافة النبوّة، وتدبير أمور الأمة «5» ليكون ما أوجبه الشرع من إقامتها محفوظا، وما تفرّع عنها من الحقوق محروسا.
والثاني- ظهور الطاعة الدّينية الّتي يزول معها حكم العناد في «6» الدين، وينتفي بها مأثم المباينة له.
والثالث- اجتماع الكلمة على الألفة والتناصر ليكون المسلمون «7» يدا على من سواهم.
والرابع- أن تكون عقود الولايات الدينيّة جائزة، والأحكام والأقضية
(9/421)

[فيها] نافذة، لا تبطل بفساد عقودها، ولا تسقط بخلل عهودها.
الخامس- أن يكون استيفاء الأموال الشرعيّة بحقّ تبرأ به ذمّة مؤدّيها، ويستبيحه آخذها ومعطيها «1» .
السادس- أن تكون الحدود مستوفاة بحقّ، وقائمة على مستحقّ، فإنّ جنب المؤمن حمى إلّا من حقوق الله تعالى وحدوده.
السابع- أن يكون للأمّة «2» في حفظ الدين وازع عن محارم الله تعالى، يأمر بحقّه إن أطيع، ويدعو إلى طاعته إن عصي. ثم قال: فإن كملت فيه شروط الاختيار المتقدّمة «3» ، كان تقليده حتما استدعاء لطاعته، ودفعا لمشاقّته ومخالفته، [وصار بالإذن له نافذا لتصرّف في حقوق الملة وأحكام الأمة] «4» ، وجرى على من استوزره أو استنابه أحكام من استوزره الخليفة أو استنابه. وإن لم تكمل «5» [فيه] شروط الاختيار، جاز له «6» إظهار تقليده استدعاء لطاعته وحسما لمخالفته ومعاندته، وكان نفوذ تصرّفاته «7» في الحقوق والأحكام موقوفا على أن يستنيب الخليفة له «8» من تكاملت فيه الشّروط. قال: وجاز مثل هذا وإن شذّ عن الأصول «9» ؛ لأنّ الضرورة تسقط ما أعوز من شروط المكنة.
(9/422)

قلت: ومملكة الديار المصرية من حين الفتح الإسلاميّ وهلمّ جرّا إلى زماننا دائرة بين هذه الأقسام الثلاثة، لا تكاد تخرج عنها؛ فكانت في بداية الأمر «إمارة استكفاء» يولّي عليها الخليفة في كلّ زمن من يقوم بأعبائها، ويتصرّف في أمورها، قاصر الولاية عليها، واقف عند حدّ ما يرد عليه من الخليفة من الأوامر والنّواهي، إلّا ما كان في أيام بني طولون من الخروج عن طاعة الخلفاء في بعض الأحيان. فلمّا استولى عليها الفاطميّون واستوزروا أرباب»
السّيوف في أواخر دولتهم، وعظمت كلمتهم عندهم، صارت سلطنتها «وزارة تفويض» . وكان الخليفة يحتجب والوزير هو المتصرّف في المملكة كالملوك الآن أو قريب منهم. وكانوا يلقّبون بألقاب الملوك الآن، كالملك الأفضل رضوان وزير الحافظ، وهو أوّل من لقّب بالملك منهم فيما ذكره المؤيّد صاحب حماة في تاريخه. والملك الصالح طلائع بن رزّيك وزير الفائز ثم العاضد.
والملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادي وزير العاضد، وابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيّوب وزير العاضد أيضا، قبل أن يستقلّ بالملك ويخطب بالديار المصرية لبني العبّاس ببغداد. ولا نكر في تسمية الوزير ملكا، فقد قيل في قوله تعالى في قصّة يوسف عليه السّلام: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
«2» إنّ المراد بالملك الوزير لا الملك نفسه. ولما انتزعت من الفاطميين وصارت إلى بني أيّوب «3» ، وكانوا يلونها عن خلفاء بني العبّاس، صارت «إمارة استيلاء» لاستيلائهم عليها بالقوّة، واستبدادهم بالأمر والتدبير مع أصل إذن الخليفة وتقليده. وكان الرشيد قد لقّب «جعفر بن يحيى البرمكيّ» في زمن وزارته له بالسلطان، ولم يأخذ الناس في التلقيب به. فلمّا تغلّب الملوك بالشّرق على الخلفاء واستبدّوا عليهم، صار لقب السلطان سمة لهم،
(9/423)

مع ما يختصّهم به الخليفة من ألقاب التشريف، كشرف الدّولة، وعضد الدولة، وركن الدولة، ومعزّ الدولة، وعزّ الدولة، ونحو ذلك. وشاركهم في لقب السلطنة غيرهم من ملوك النواحي، فتلقب بذلك صلاح الدين يوسف بن أيّوب، وتلقّب بالملك الناصر عند استبداده بالملك على العاضد الفاطميّ بعد وزارته له، ونقل ما كان من وزارة التفويض والعهد بها إلى السلطنة، وصارت الوزارة عن السلطان معدوقة بقدر مخصوص من التصرّف. وبقي الأمر على ما هو عليه من الاستيلاء والاستبداد بالملك، مع أصل إذن الخليفة وكتابة العهد بالملك، وهي على ذلك إلى زماننا، إلّا ما كان في زمن تعطيل جيد الخلافة من الخلفاء، من حين قتل التتار «1» «المستعصم» «2» آخر خلفاء بني العباس ببغداد إلى حين إقامة الخليفة بمصر في الدولة الظاهريّة بيبرس «3» . على أنّ في السلطنة الآن شبها من وزارة التفويض، فإن الخليفة يفوّض إليه في تقليده تدبير جميع الممالك الإسلامية بالتفويض العامّ لا يستثني منها شيئا. وغير هذه
(9/424)

المملكة وإن كان خارجا عن يده فهو داخل في عموم ولايته، حتّى لو غلب على شيء منها أو فتحه لم يحتج فيه إلى تولية جديدة من الخليفة. ولا مانع لذلك، فسيأتي في الكلام على المناشير أنه يجوز للإمام أن يقطع أرض الكفر قبل أن تفتح، وإذا جاز ذلك في الإقطاع «1» ففي هذا أولى. وحينئذ فتكون سلطنة الديار المصريّة الآن مركّبة من وزارة التفويض وإمارة الاستيلاء.
الوجه الثالث (فيما يجب على الكاتب مراعاته فيه)
واعلم أنه يجب على الكاتب مراعاة أمور:
منها: براعة الاستهلال بما يتهيّأ له من اسم السلطان أو لقبه الخاصّ، مثل فلان الدين، أو لقبه بالسلطنة، مثل الناصر، والظاهر، ونحوهما، أو غير ذلك مما يدلّ على ما بعده قبل الإتيان به كما تقدّم في البيعات وعهود الخلفاء.
ومنها: التنبيه على شرف السّلطنة وعلوّ رتبتها، ووجوب القيام بأمر الرعيّة، وتحمّل ذلك عن الخليفة.
ومنها: الإشارة إلى اجتهاد الخليفة وإعمال فكره فيمن يقوم بأمر الأمّة، وأنه لم يجد بذلك أحقّ من المعهود إليه ولا أولى به منه، فيصفه بالصّفات الجميلة، ويثني عليه بما يليق بمقام الملك.
ومنها: الإشارة إلى جريان لفظ تنعقد به الولاية من عهد أو تقليد أو تفويض، وقبول ذلك، ووقوع الإشهاد على الخليفة بالعهد.
ومنها: إيراد ما يليق بالمقام من الوصيّة، بحسب ما يقتضيه الحال، من علوّ رتبة الخلافة وانخفاضها، مبيّنا لما يلزمه القيام به، من حفظ الدّين على أصوله المستقرّة، وما أجمع عليه سلف الأمّة، وتنفيذ الأحكام، وإنصاف المظلوم من الظالم، وحماية البيضة، والذّبّ عن الحرم، وإقامة الحدود،
(9/425)

وتحصين الثّغور، وجهاد أعداء الله وغزوهم، وجباية الفيء «1» والصّدقات على ما أوجبه الشرع من غير حيف ولا عسف، وتقدير العطاء، وصرف ما يستحقّ في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، في وقت الحاجة إليه، واستكفاء الأمناء، وتقليد النّصحاء للأعمال والأموال، ومباشرة الأمور بنفسه وتصفّح الأحوال، إلى غير ذلك من الأمور المتعلّقة بالإمامة، من إقامة موسم الحجّ، وتأمين الحرم الشريف وإكرام ضرائح الأنبياء وبيت المقدس، وتحرير مقادير المعاملات، وغير ذلك مما يقتضيه أمر المملكة.
الوجه الرابع (فيما يكتب في الطّرة، وهو نمطان)
النّمط الأوّل- ما كان يكتب في وزارة التفويض في دولة الفاطميين.
وكان الخليفة هو الذي يكتب بيده. وهذا أمر وإن كان قد ترك فالمعرفة به خير من الجهل، خصوصا وقد أثبت المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله عهدي أسد الدين شيركوه «2» وابن أخيه السلطان صلاح الدّين «3» يوسف بن أيوب بالوزارة
(9/426)

عن العاضد «1» ، في جملة عهود الملوك على ما سيأتي ذكره. وسنوردهما في جملة عهود الملوك عن الخلفاء فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فمن ذلك ما كتب به العاضد في طرّة عهد أسد الدّين شيركوه المتقدّم ذكره، وهو:
«هذا عهد لا عهد لوزير بمثله، وتقليد أمانة رآك الله تعالى وأمير المؤمنين أهلا لحمله، والحجة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله، فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوّة، واسحب ذيل الفخار بأن اعتزت خدمتك إلى بنوّة النبوّة، واتّخذ أمير المؤمنين للفوز سبيلا وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا
«2» » .
ومن ذلك ما كتب به العاضد أيضا في طرّة العهد المكتتب عنه بالوزارة للسلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب قبل استقلاله بالسلطنة، وهو:
«هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته عند الله تعالى عليك، فأوف بعهدك ويمينك، وخذ كتاب أمير المؤمنين بيمينك، ولمن مضى بجدّنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحسن أسوة، ولمن بقي بقربنا أعظم سلوة تِلْكَ الدَّارُ
(9/427)

الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
» «1» .
النمط الثاني- ما يكتب في طرّة عهود الملوك الآن.
وهو قريب مما كان يكتب أوّلا مما تقدّم ذكره، إلّا أنه يبدّل فيه لفظ الوزارة بالملك والسّلطنة، ويكون الذي يكتبه هو الذي يكتب العهد دون الخليفة. ثم هو بحسب ما يؤثره الكاتب مما يدلّ على صدر العهد على ما يقتضيه الحال.
وهذه نسخة طرّة عهد، كتب بها القاضي محيي «2» الدين بن عبد الظاهر، في نسخة عهد أنشأه للسلطان الملك الناصر «3» محمد بن قلاوون، في سنة سبع عشرة وسبعمائة، وهو:
«هذا عهد شريف تجدّدت مسرّات الإسلام بتجديده، وتأكدت أسباب الإيمان بتأكيده، ووجد النصر العزيز والفتح المبين بوجوده، ووفد اليمن والإقبال على الخليقة بوفوده، وورد الأنام مورد الأمان بوروده، من عبد الله ووليّه الإمام المستكفي «4» بالله أبي الرّبيع سليمان أمير المؤمنين، ابن الحاكم «5» بأمر الله أبي العباس أحمد، عهد به إلى السلطان الملك الناصر أبي الفتح «6» محمّد، خلّد الله سلطانه، ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون «7» الصالحيّ قدّس الله روحه» .
(9/428)

تم الجزء التاسع. يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء العاشر وأوّله
الوجه الخامس (فيما يكتب في ألقاب الملوك عن الخلفاء، وهو نمطان)
والحمد لله رب العالمين. وصلاته على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه والتابعين وسلامه وحسبنا الله ونعم الوكيل
(9/429)

ثبت بأسماء المصادر والمراجع (الجزء التاسع)
1- الإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب (1- 4) .
تحقيق محمد عبد الله عنان.
مكتبة الخانجي بالقاهرة، 1319 هـ.
2- الأحكام السلطانية للماورديّ.
مطبعة الوطن، القاهرة، 1298 هـ.
3- أزهار الرياض في أخبار عياض للمقّري التلمساني (1- 3) .
تحقيق الأساتذة السقا والأبياري وشلبي، القاهرة، 1939- 1942.
4- أساس البلاغة للزمخشري.
تحقيق عبد الرحيم محمود.
دار المعرفة، بيروت، 1979.
5- الأعلام للزركلي (1- 8) .
دار العلم للملايين، بيروت، 1980.
6- البداية والنهاية في التاريخ لابن كثير (1- 14) ، مصر، 1351- 1358 هـ.
7- بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس للضبيّ.
دار الكاتب العربي، 1967.
8- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي.
دار المعرفة، بيروت.
9- البيان المغرب لابن عذاري المراكشي (1- 4) .
تحقيق ج. س. كولان وإ. ليفي بروفنسال والدكتور إحسان عباس.
دار الثقافة، بيروت.
10- البيان والتبيين للجاحظ، أربعة أجزاء في مجلدين.
تحقيق وشرح عبد السّلام محمد هارون، الطبعة الرابعة، بيروت.
11- تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي (1- 10) .
الطبعة الأولى، مصر، 1306 هـ.
12- تاريخ ابن خلدون (1- 14) .
دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1981.
13- تاريخ إسبانيا الإسلامية أو كتاب أعمال الأعلام في من بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام للسان الدين ابن الخطيب،.
تحقيق إ. ليفي بروفنسال.
دار المكشوف، بيروت، 1956.
14- تاريخ بغداد للخطيب البغدادي
(9/431)

(1- 14) .
دار الكتاب العربي، بيروت.
15- تاريخ الخلفاء أو الإمامة والسياسة لابن قتيبة، جزءان في مجلد، مؤسسة الوفاء، بيروت، 1981.
16- تاريخ العلوم عند العرب، تأليف الدكتور أسعد السكّاف والأستاذ محمود مطرجي.
دار مارون عبود، بيروت، 1982.
17- ترتيب القاموس المحيط للأستاذ طاهر أحمد الزاوي (1- 4) .
مطبعة الاستقامة بالقاهرة، 1959.
18- تعريف القدماء بأبي العلاء بإشراف الدكتور طه حسين.
دار الكتب، القاهرة 1944.
19- التعريف بالمصطلح الشريف لابن فضل الله العمري.
مطبعة العاصمة بمصر، 1312 هـ.
20- تفسير الجلالين.
دار الفكر، بيروت.
21- التكلمة لكتاب الصلة لابن الأبار (1- 2) .
طبعة مصر، 1955.
22- تهذيب الأسماء واللغات لابن شرف النووي، الجزء الأول من القسم الثاني.
دار الكتب العلمية، بيروت.
23- جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس للحميدي.
الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966.
24- جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة لأحمد زكي صفوت (1- 4) .
المكتبة العلمية، بيروت.
25- حسن التوسّل إلى صناعة الترسّل لشهاب الدين الحلبي.
مطبعة أمين هندية بمصر، 1315 هـ.
26- حياة محمد لمحمد حسين هيكل.
مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1968.
27- خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب لعبد القادر بن عمر البغدادي (1- 4) ، مصر، 1299 هـ.
28- دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية في أصول الدين في علم الكلام للدكتور أحمد محمود صبحي، مؤسّسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، 1978.
29- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني (1- 4) ، حيدرآباد الدكن، 1945- 1950.
30- ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي.
تحقيق محمد عبده عزام.
دار المعارف بمصر، 1951.
31- ديوان أبي الطيّب المتنبي بشرح أبي البقاء العكبري المسمّى بالتبيان في شرح الديوان (1- 4) ، ضبطه وصحّحه مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي.
دار المعرفة، بيروت.
32- ديوان امريء القيس.
تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
دار المعارف بمصر، 1969.
33- الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام الشنتريني، أربعة أقسام في ثمانية مجلدات.
تحقيق الدكتور إحسان عباس،
(9/432)

دار الثقافة، بيروت، 1978- 1979.
34- الرد الوافر لابن ناصر الدين.
تحقيق زهير الشاويش، بيروت، 1393 هـ.
35- الروض المعطار في خبر الأقطار لمحمد ابن عبد المنعم الحميري.
تحقيق الدكتور إحسان عباس.
مؤسسة ناصر للثقافة، بيروت، 1980.
36- ريحانة الكتّاب ونجعة المنتاب لابن الخطيب، المجلد الأول.
تحقيق محمد عبد الله عنان.
مكتبة الخانجي.
المطبعة العربية الحديثة، القاهرة، 1980.
37- السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (1- 2) .
تحقيق محمد مصطفى زيادة، القاهرة، 1934- 1942؛ (3- 4) تحقيق سعيد عبد الفتاح عاشور، 1970- 1972.
38- شذرات الذهب في أخبار من ذهب للعماد الحنبلي (1- 8) ، القاهرة، 1350- 1351 هـ.
39- الصحاح في اللغة والعلوم للجوهري (1- 2) .
دار الحضارة العربية، بيروت، 1974.
40- صحيح مسلم (1- 2) ، القاهرة، 1290 هـ.
41- صورة الأرض لابن حوقل النصيبي.
دار مكتبة الحياة، بيروت، 1979.
42- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (1- 12) .
مكتبة القدسي، القاهرة، 1353- 1355 هـ.
43- الطالع السعيد لكمال الدين أبي الفضل الأدفوي.
تحقيق سعد محمد حسن، القاهرة، 1966.
44- طبقات الشافعية لجمال الدين عبد الرحيم الأسنوي (1- 2) .
تحقيق عبد الله الجبوري، بغداد، 1390- 1391 هـ.
45- العقد الفريد لابن عبد ربّه (1- 7) ، شرح أحمد أمين وأحمد الزين وإبراهيم الأبياري.
دار الكتاب العربي، بيروت.
46- عيون الأخبار لابن قتيبة (1- 2) شرح وضبط الدكور يوسف طويل؛ (3- 4) شرح وضبط الدكتور مفيد قميحة.
دار الكتب العلمية، بيروت، 1986.
47- عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، شرح وتحقيق الدكتور نزار رضا.
دار مكتبة الحياة، بيروت، 1965.
48- الفهرست للنديم.
تحقيق رضا تجدد، طهران، 1971.
49- فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي (1- 5) .
تحقيق الدكتور إحسان عباس.
دار الثقافة، بيروت، 1973- 1974.
50- القاموس المحيط للفيروز آبادي.
مؤسسة الرسالة، بيروت، 1986.
51- قرآن كريم.
دار الفكر، بيروت، 1403 هـ.
(9/433)

52- قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان للقلقشندي.
تحقيق إبراهيم الأبياري.
دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982.
53- قلائد العقيان لابن خاقان، طبعة بولاق، 1283 هـ.
54- الكامل في التاريخ لابن الأثير (1- 13) .
دار صادر، بيروت، 1982.
55- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة (1- 2) ، إستانبول، 1941- 1943.
56- لسان العرب لابن منظور (1- 15) .
دار صادر، بيروت.
57- اللمحة البدرية في الدولة النصرية لابن الخطيب، المطبعة السلفية بمصر، 1347 هـ.
58- مجمع الأمثال للميداني (1- 2) .
تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
مطبعة السنة المحمدية، 1955.
59- محيط المحيط لبطرس البستاني.
مكتبة لبنان، بيروت، 1977.
60- مختار الصحاح للرازي.
مؤسسة الرسالة.
دار البصائر، بيروت، 1985.
61- المرجع لعبد الله العلايلي.
دار المعجم العربي، بيروت، 1963.
62- مروج الذهب للمسعودي (1- 4) ، الطبعة الرابعة.
دار الأندلس، بيروت، 1981.
63- المطرب من أشعار أهل المغرب لابن دحية.
تحقيق الاساتذة إبراهيم الأبياري وحامد عبد المجيد واحمد أحمد بدوي.
دار العلم للجميع، بيروت، 1955.
64- معجم الأدباء لياقوت الحموي (1- 7) .
طبعة مرجليوت، مصر، 1907- 1925.
65- معجم البلدان لياقوت الحموي (1- 5) .
دار صادر، دار بيروت، 1984.
66- معجم الشعراء للمرزباني، ومعه المؤتلف والمختلف للآمدي، تصحيح الدكتور ف. كرنكو.
دار الكتب العلمية، بيروت، 1982.
67- معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة (1- 5) ، مطبعة الترقي، دمشق، 1959.
68- معجم متن اللغة للشيخ أحمد رضا (1- 5) .
دار مكتبة الحياة، بيروت، 1958- 1960.
69- مفتاح الأفكار في النثر المختار للشيخ أحمد مفتاح، مصر، 1314 هـ.
70- المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (5- 10) ، حيدرآباد الدكن، 1357 هـ.
71- المنجد في اللغة والأعلام.
دار المشرق، بيروت، 1978.
72- نثير فرائد الجمان في نظم فحول الزمان لابن الأحمر، دراسة وتحقيق محمد رضوان الداية.
دار الثقافة، بيروت، 1967.
73- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي.
(9/434)

دار الكتب المصرية، 1348- 1375 هـ.
74- نفاضة الجراب في علالة الاغتراب لابن الخطيب.
تحقيق الدكتور أحمد مختار العبادي.
دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة.
75- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقّري (1- 8) .
تحقيق الدكتور إحسان عباس.
دار صادر، بيروت، 1968.
76- الوافي بالوفيات للصلاح الصفدي (1- 22) ، إستانبول وفيسبادن، 1931- 1983.
77- الوزراء والكتّاب لأبي عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري.
الطبعة الأولى، مطبعة عبد الحميد أحمد حنفي بمصر، 1938.
78- وفيات الأعيان لابن خلّكان (1- 8) .
تحقيق الدكتور إحسان عباس.
دار صادر، بيروت، 1977- 1978.
79- الولاة والقضاة لمحمد بن يوسف الكندي، بيروت، 1908.
80- يتيمة الدهر للثعالبي (1- 4) .
دار الكتب العلمية، بيروت، 1979.
81- هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين لإسماعيل باشا البغدادي (1- 2) ، إستانبول، 1951- 1955.
(9/435)

فهرس الجزء التاسع من كتاب صبح الأعشى للقلقشندي
القسم الثاني- من مقاصد المكاتبات الإخوانيات. وهي على سبعة عشر نوعا 3 النوع الأوّل- التهاني، وهي على أحد عشر ضربا 4 الضرب الأوّل- التهنئة بالولايات 4 الضرب الثاني- التهنئة بكرامة السلطان، وأجوبته 26 الضرب الثالث- التهنئة بالعود من الحج 32 الضرب الرابع- التهنئة بالقدوم من السفر 34 الضرب الخامس- التهنئة بالشهور والمواسم والأعياد 40 الضرب السادس- التهنئة بالزواج والتسري 55 الضرب السابع- التهنئة بالأولاد 57 الضرب الثامن- التهنئة بالإبلال من المرض والعافية من القسم 64 الضرب التاسع- التهنئة بقرب المزار 71 الضرب العاشر- التهنئة بنزول المنازل المستجدّة 72 الضرب الحادي عشر- نوادر التهاني 74 النوع الثاني- من مقاصد المكاتبات: التعازي، وهي على أضرب 82 الضرب الأوّل- التعزية بالابن 82 الضرب الثاني- التعزية بالبنت 87 الضرب الثالث- التعزية بالاب 88
(9/436)

الضرب الرابع- التعزية بالأمّ 89 الضرب الخامس- التعزية بالأخ 90 الضرب السادس- التعزية بالزوجة 92 الضرب السابع- التعازي المطلقة 94 النوع الثالث- من مقاصد المكاتبات: التهادي والملاطفة 101 النوع الرابع- الشفاعات والعنايات 127 النوع الخامس- التشوّق 144 النوع السادس- في الاستزارة 152 النوع السابع- في اختطاب المودّة وافتتاح المكاتبة 156 النوع الثامن- في خطبة النساء 160 النوع التاسع- في الاسترضاء والاستعطاف والاعتذار 166 النوع العاشر- في الشكوى 173 النوع الحادي عشر- في استماحة الحوائج 176 النوع الثاني عشر- في الشكر 183 النوع الثالث عشر- في العتاب 189 النوع الرابع عشر- في العيادة والسؤال عن حال المريض 201 النوع الخامس عشر- في الذم 216 النوع السادس عشر- في الأخبار 218 النوع السابع عشر- في المداعبة 224 الفصل الثامن- في إخفاء ما في الكتب من السر، وهو على نوعين 228 النوع الأوّل- ما يتعلق بالكتابة، وهو على ضربين 228 الضرب الأوّل- ما يتعلق بالمكتوب به 228 الضرب الثاني- ما يتعلق بالخط المكتوب 229 النوع الثاني- الرموز والإشارات الّتي لا تعلق لها بالخط والكتابة 246 المقالة الخامسة- في الولايات، وفيها أربعة أبواب 251 الباب الأوّل- في بيان طبقاتها وما يقع به التفاوت، وفيه ثلاثة فصول 251 الفصل الأوّل- في بيان طبقات الولايات 251
(9/437)

الطبقة الأولى- الخلافة 251 الطبقة الثانية- السلطنة 251 الطبقة الثالثة- الولايات عن الخلفاء والملوك وما يكتب عن السلطان بالديار المصرية في أقطار المملكة بمصر والشام والحجاز، وهي على خمسة أنواع 251 النوع الأوّل- ولايات أرباب السيوف 252 النوع الثاني- ولاية أرباب الأقلام 257 النوع الثالث- ولاية أرباب الوظائف الصناعية 265 النوع الرابع- ولايات زعماء أهل الذمة 265 النوع الخامس- ما لا يختص بطائفة ولا يندرج تحت نوع 265 الفصل الثاني- من الباب الأوّل من المقالة الخامسة في بيان ما تجب على الكاتب مراعاته في كتابة الولايات على سبيل الإجمال 267 الفصل الثالث- من الباب الأوّل من المقالة الخامسة في بيان ما يقع به التفاوت في رتب الولايات. وذلك من سبعة أوجه 270 الوجه الأوّل- الألقاب، وهي على ثلاثة أنواع 270 النوع الأوّل- ألقاب الخلفاء 270 النوع الثاني- ألقاب الملوك 270 النوع الثالث- ألقاب ذوي الولايات الصادرات عن السلطان 271 الوجه الثاني- ألفاظ إسناد الولايات إلى صاحب الوظيفة 274 الوجه الثالث- الافتتاحات 276 الوجه الرابع- تعدّد التحميد في الخطبة أو في أثناء الكلام واتحاده 276 الوجه الخامس- الدعاء 277 الوجه السادس- طول الكلام وقصره 278 الوجه السابع- قطع الورق 279 الباب الثاني- من المقالة الخامسة في البيعات، وفيه فصلان 281 الفصل الأوّل- في معناها 281 الفصل الثاني- في ذكر تنويع البيعات، وهي نوعان 283 النوع الأوّل- بيعات الخلفاء، وفيها سبعة مقاصد 283
(9/438)

المقصد الأوّل- في أصل مشروعيتها 283 المقصد الثاني- في بيان أسباب البيعة الموجبة لأخذها على الرعية 284 المقصد الثالث- في بيان ما يجب على الكاتب مراعاته في كتابة البيعة 285 المقصد الرابع- في بيان مواضع الخلافة الّتي تستدعي الحال كتابة المبايعات فيها 288 المقصد الخامس- في بيان صورة ما يكتب في بيعات الخلفاء، وفيه أربعة مذاهب 289 المذهب الأوّل- أن تفتتح المبايعة بلفظ «تبايع فلانا أمير المؤمنين» خطابا لمن تؤخذ عليه البيعة 289 المذهب الثاني- مما يكتب في بيعات الخلفاء أن تفتتح المبايعة بلفظ «من عبد الله ووليه فلان أبي فلان الإمام الفلاني» إلى أهل دولته 295 المذهب الثالث- أن تفتتح البيعة بعد البسملة بخطبة مفتتحة بالحمد لله الخ 307 المذهب الرابع- مما يكتب في بيعات الخلفاء أن تفتتح البيعة بلفظ «هذه بيعة الخ 329 المقصد السادس- فيما يكتب في آخر البيعة 341 المقصد السابع- في قطع الورق الذي تكتب فيه البيعة، والقلم الذي تكتب به، وكيفية كتابتها وصورة وضعها 342 النوع الثاني- من البيعات بيعات الملوك 347 الباب الثالث- من المقالة الخامسة في العهود، وفيه فصلان 362 الفصل الأوّل- في معنى العهد 362 الفصل الثاني- في بيان أنواع العهود، وهي ثلاثة أنواع 364 النوع الأوّل- عهود الخلفاء عن الخلفاء، ويتعلق النظر به من ثمانية أوجه 364 الوجه الأوّل- في أصل مشروعيتها 364 الوجه الثاني- في معنى الاستخلاف 365 الوجه الثالث- فيما يجب على الكاتب مراعاته 366 الوجه الرابع- فيما يكتب في الطرّة وهو تلخيص ما يتضمنه العهد 373
(9/439)

الوجه الخامس- فيما يكتب لأولياء العهد من الألقاب 374 الوجه السادس- فيما يكتب في متن العهد، وفيه ثلاثة مذاهب 374 المذهب الأوّل- أن يفتتح العهد بعد البسملة بلفظ «هذا» مثل هذا ما عهد به فلان لفلان، وللكتاب فيه طريقتان 374 الطريقة الأولى- طريقة المتقدّمين 374 الطريقة الثانية- طريقة المتأخرين 387 المذهب الثاني- أن يفتتح العهد بعد البسملة بلفظ «من فلان إلى فلان» 396 المذهب الثالث- أن يفتتح العهد بعد البسملة بخطبة مفتتحة بالحمد لله 405 الوجه السابع- فيما يكتب في مستند عهد وليّ الخلافة عن الخليفة الخ 410 الوجه الثامن- في قطع الورق الذي تكتب فيه عهود الخلفاء والقلم الذي يكتب به، وكيفية كتابتها وصورة وضعها 414 النوع الثاني- عهود الخلفاء للملوك، ويتعلق النظر به من سبعة أوجه 417 الوجه الأوّل- في أصل مشروعيتها 417 الوجه الثاني- في بيان معنى الملك والسلطنة اللتين يقع العهد بهما 418 الوجه الثالث- فيما يجب على الكاتب مراعاته فيه 425 الوجه الرابع- فيما يكتب في الطرّة؛ وهو نمطان 426 النمط الأوّل- ما كان يكتب في وزارة التفويض في دولة الفاطميين 426 النمط الثاني- ما يكتب في طرّة عهود الملوك الآن 428 (تم فهرس الجزء التاسع من كتاب صبح الأعشى)
(9/440)