Advertisement

صبح الأعشى في صناعة الإنشاء 010

[الجزء العاشر]
[تتمة الباب الثالث]
[تتمة النوع الثاني]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمّد وآله وصحبه
الوجه الخامس (فيما يكتب في ألقاب الملوك عن الخلفاء، وهو نمطان)
النمط الأوّل (ما كان يكتب في قديم الزمن)
وهو أن يقتصر على ما يلقّب به الملك أو يكنّى به من ديوان الخلافة، ثم يقال: «مولى أمير المؤمنين» ولا يزاد على ذلك.
كما كتب أبو إسحاق الصابي «1» في عهد فخر الدولة بن بويه «2» عن الطائع لله «3» :
«هذا ما عهد عبد الله عبد الكريم الطائع لله أمير المؤمنين، إلى فخر الدّولة أبي عليّ مولى أمير المؤمنين» .
وإلى هذا أشار في «التعريف» «4» بقوله: على أنّ لهذا ضابطا كان في قديم
(10/3)

الزمان وهو أنه لا يكتب للرجل «1» إلّا ما كان يلقّب به من ديوان الخلافة [بالنصّ] «2» من غير زيادة ولا نقص.
النمط الثاني (ما يكتب به لملوك الزمان)
وقد حكى في «التعريف» في ذلك مذهبين:
الأوّل- أن يكتب فيها: السّلطان، السيّد، الأجلّ، الملك الفلانيّ، مع بقيّة ما يناسب من الألقاب المفردة والمركّبة: كما كتب القاضي الفاضل «3» في عهد أسد الدّين شيركوه «4» الآتي ذكره عن العاضد الفاطميّ «5» :
«من عبد الله ووليّه أبي محمد الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين إلى السيّد، الأجلّ، الملك، المنصور؛ سلطان الجيوش، وليّ الأمّة، فخر الدولة، أسد الدّين، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، أبي الحرث شير كوه العاضديّ» .
وعلى هذه الطريقة بزيادة ألقاب كتب ابن القيسرانيّ «6» في العهد للملك الناصر محمد بن قلاوون «7» : قدّس الله روحه ونحو ذلك. قال في «التعريف» :
(10/4)

وأنا إلى ذلك أجنح، وعليه أعمل.
الثاني- أن يكتب: المقام الشريف، أو الكريم، أو العالي مجرّدا عنهما.
ويقتصر على المفردة [دون المركبة] «1» .
كما كتب به الصاحب فخر الدّين بن لقمان «2» ، في عهد الظاهر بيبرس «3» بعد ذكر أوصافه ومناقبه: ولما كانت هذه المناقب الشريفة مختصّة بالمقام «4» العالي المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الظاهريّ، الرّكنيّ، شرّفه الله تعالى وأعلاه.
قلت: وربّما أبدل المتقدّمون «المقام» في هذه الحالة ب «المقرّ» «5» وأتى بالألقاب من نحو ما تقدّم.
وكما كتب به القاضي محيي الدّين بن عبد الظاهر «6» في عهد المنصور قلاوون بعد استيفاء مناقبه وأوصافه، وذكر إعمال الفكر والرّويّة في اختياره:
«وخرج أمر مولانا أمير المؤمنين شرّفه الله أن يكون للمقرّ العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، المنصوريّ، أجلّه الله ونصره، وأظفره وأقدره، وأيّده وأبّده؛
(10/5)

كلّ ما فوّضه الله لمولانا أمير المؤمنين» ونحو ذلك «1» .
وبقي مذهب ثالث- وهو أن يأتي بنظير ألقاب المذهب الأوّل، مقتصرا على الألقاب المفردة دون المركّبة. وعلى ذلك جرى الوزير ضياء الدّين بن الأثير «2» في العهد الذي كتب به معارضة لعهد السلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب «3» الآتي ذكره- فقال بعد ذكر مناقبه: «وتلك مناقبك أيّها الملك، الناصر، الأجلّ، السيد، الكبير، العالم، العادل، صلاح الدين أبو المظفّر يوسف بن أيوب» . ولم يتعرّض لحكايته في «التعريف» . على أنّ ابن الأثير إمام هذا الفنّ، وحائز قصب السّبق فيه، ومقالته مما يحتجّ بها ويعوّل عليها.
فإن قيل: لعله في «التعريف» أراد مذاهب كتّاب زمانه، فالجواب أنّ حكاية المذهب الثاني عن المتأخّرين يؤذن بأنّ المراد متقدّمو الكتاب ومتأخّروهم.
الوجه السادس (فيما يكتب في متن العهود، وفيه ثلاثة مذاهب) «4»
المذهب الأوّل (وعليه عامّة الكتّاب من المتقدّمين وأكثر المتأخّرين)
أن يفتتح العهد بلفظ «هذا» مثل: «هذا ما عهد به فلان لفلان» أو «هذا ما أمر به فلان فلانا» أو «هذا عهد من فلان لفلان» أو «هذا كتاب اكتتبه فلان لفلان» وما أشبه ذلك.
(10/6)

وللكتّاب فيه طريقتان:
الطريقة الأولى (طريقة المتقدّمين)
وهي أن لا يأتي بتحميد في أثناء العهد في خطبة ولا غيرها، ولا يتعرّض إلى ذكر أوصاف المعهود إليه والثناء عليه أصلا، أو يتعرّض إلى ذلك باختصار ثم يقول: «فقلّده كذا وكذا» ويذكر ما فوّض إليه، ثم يقول: «وأمره بكذا» حتّى يأتي على آخر الوصايا، ثم يقول في آخره: «هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحّجته لك وعليك» ويأتي بما يناسب ذلك، ويختمه بقوله: «والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» أو «والسلام عليك» أو بغير ذلك من الألفاظ المناسبة على اختلاف طرقهم في ذلك، وتباين مقاصدهم. وعلى هذا النّهج وما قاربه كانت عهود السلف فمن بعدهم، تأسّيا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم فيما كتب به لعمرو بن حزم «1» حين وجّهه إلى اليمن «2» ، كما تقدّمت الأشارة إليه في الاستشهاد لأصل عهود الملوك عن الخلفاء.
وهذه نسخته بعد البسملة فيما ذكره ابن هشام وغيره:
هذا بيان من الله ورسوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
«3» عهد «4» من [محمد] «5» النبيّ رسول الله لعمرو بن حزم [حين بعثه إلى اليمن] «6» أمره بتقوى الله في أمره كلّه، فإنّ الله مع الّذين اتّقوا والّذين هم محسنون. وأمره أن يأخذ بالحقّ كما أمره «7» الله، وأن يبشّر الناس بالخير ويأمرهم
(10/7)

به، ويعلّم النّاس القرءان ويفقّههم فيه «1» ، وينهى النّاس فلا يمسّ القرءان «2» إنسان إلّا وهو طاهر، ويخبر الناس بالّذي لهم والّذي عليهم، ويلين للنّاس في الحقّ ويشتدّ عليهم في الظّلم، فإنّ الله كره الظّلم ونهى عنه فقال: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
«3» ويبشّر الناس بالجنّة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها «4» ، ويستألف «5» الناس حتّى يفقهوا «6» في الدّين، ويعلّم الناس معالم الحجّ وسنّته وفريضته وما أمر الله به، والحجّ الأكبر الحجّ الأكبر، والحجّ الأصغر هو العمرة «7» ؛ وينهى الناس أن يصلّي أحد في ثوب واحد صغير إلا أن يكون ثوبا «8» يثني طرفيه على عاتقيه، وينهى [الناس] «9» ان يحتبى أحد في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السّماء، وينهى أن لا يعقص أحد شعر رأسه في قفاه، «10» وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدّعاء إلى القبائل والعشائر، وليكن دعواهم إلى الله [عز وجلّ] «11» وحده لا شريك له [فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطعوا بالسيف حتّى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له] «12» ويأمر الناس بإسباغ الوضوء: وجوههم، وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برؤوسهم «13» كما أمرهم الله، وأمر «14» بالصلاة لوقتها، وإتمام الرّكوع
(10/8)

[والسّجود] «1» والخشوع؛ ويغلّس بالصّبح «2» ، ويهجّر بالظّهر «3» حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشّمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخّر حتّى تبدو النّجوم في السماء، والعشاء أوّل اللّيل. وأمر «4» بالسّعي إلى الجمعة إذا نودي لها، والغسل عند الرّواح إليها. وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين في الصّدقة من العقار «5» عشر ما سقت العين وسقت السّماء، وعلى ما سقى الغرب «6» نصف العشر. وفي كلّ عشر من الإبل شاتان، وفي كلّ عشرين أربع شياه. وفي كلّ أربعين من البقر بقرة، وفي كلّ ثلاثين من البقر تبيع جذع «7» أو جذعة، وفي كلّ أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة؛ فإنّها فريضة الله تعالى التي افترض على المؤمنين في الصّدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له. وأنّه من أسلم من يهوديّ أو نصرانيّ إسلاما خالصا من نفسه ودان بدين الإسلام، فإنّه من المؤمنين: له مثل مالهم وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيّته أو يهوديّته، فإنّه لا يردّ «8» عنها وعلى كلّ حالم: ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد دينار واف، أو عوضه ثيابا؛ فمن أدّى ذلك فإنّ له ذمّة الله وذمّة رسوله، ومن منع ذلك فإنّه عدوّ لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا.
صلوات الله على محمّد والسّلام عليه ورحمة الله وبركاته.
وعلى نحو ذلك كتب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه عهد
(10/9)

مالك بن الأشتر النخعيّ «1» حين ولّاه مصر، وهو من العهود البليغة جمع فيه بين معالم التّقوى وسياسة الملك.
وهذه نسخته فيما ذكره ابن حمدون «2» في تذكرته:
هذا «3» ما أمر [به عبد الله] «4» عليّ أمير المؤمنين مالك بن الحرث الأشتر؛ في عهده إليه، حين ولّاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوّها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها. أمره بتقوى الله وإيثار طاعته، واتّباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه «5» التي لا يسعد أحد إلا باتّباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها؛ وأن ينصر الله تعالى بيده وقلبه ولسانه، فإنّه جلّ اسمه قد تكفّل بنصر من نصره، وإعزاز من أعزّه. وأمره أن يكسر من نفسه عند الشّهوات، ويزعها عند الجمحات؛ فإنّ النفس لأمّارة بالسّوء إلّا ما رحم الله.
ثم اعلم يا مالك أنّي قد وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك: من عدل وجور، وأنّ الناس ينظرون «6» من أمورك [في مثل] «7» ما كنت تنظر فيه من أمر الولاة قبلك، ويقولون فيك كما كنت تقول فيهم. وإنما يستدلّ على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده، فليكن أحبّ الذّخائر إليك ذخيرة العمل الصالح. فاملك هواك، وشحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك؛ فإنّ الشّحّ بالنفس الانتصاف منها فيما أحبّت وكرهت. وأشعر قلبك بالرحمة للرّعيّة، والمحبّة لهم،
(10/10)

واللّطف بهم؛ ولا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا، تغتنم أكلهم؛ فإنهم صنفان: إمّا أخ لك في الدّين، وإمّا نظير لك في الخلق: يفرط منهم الزّلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطإ: فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ أن يعطيك الله من عفوه وصفحه: فإنّك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك؛ والله فوق من ولّاك. وقد استكفاك أمرهم، وابتلاك بهم؛ ولا تنصبنّ نفسك لحرب الله، فإنه لا يدي «1» لك بنقمته؛ ولا غنى بك عن عفوه ورحمته؛ ولا تندمنّ على عفو، ولا تبجّحن بعقوبة، ولا تسرعنّ إلى بادرة «2» وجدت عنها مندوحة؛ ولا تقولنّ إنيّ امرؤ «3» آمر فأطاع: فإن ذلك إدغال في القلب، ومهلكة في الدّين، وتقرّب من الغير «4» . وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيلة، فانظر إلى عظم ملك الله تعالى فوقك، وقدرته منك على مالا تقدر عليه من نفسك؛ فإنّ ذلك يطامن إليك من طماحك ويكفّ عنك من غربك «5» ، ويفيء إليك بما عزب عنك من عقلك. وإيّاك ومساماة الله تعالى في عظمته، والتشبّه به في جبروته، فإن الله يذلّ كلّ جبّار، ويهين كلّ مختال.
أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصّة أهلك وممّن لك فيه هوى من رعيّتك: فإنّك إلّا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله، أدحض حجّته وكان لله حربا حتّى ينزع ويتوب. وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم [فإنّ الله سميع يسمع دعوة المظلومين وهو للظالمين بالمرصاد] «6» .
(10/11)

وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحقّ، وأعمّها «1» في العدل، وأجمعها لرضا الرّعيّة؛ فإنّ سخط العامّة يجحف برضا الخاصّة، وإنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضا العامّة؛ وليس أحد من الرعيّة أثقل على الوالي مؤونة في الرّخاء، وأقلّ معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف «2» ، وأسأل بالإلحاف، وأقلّ شكرا عند الإعطاء، وأبطأ عذرا عند المنع، وأضعف صبرا عند ملمّات الدّهر، من أهل الخاصّة؛ وإنما عمود الدّين، وجماع المسلمين، والعدّة للأعداء العامّة من الأمّة. فليكن صغوك لهم، وميلك معهم؛ وليكن أبعد رعيّتك منك، وأشنؤهم عندك، أطلبهم لمعايب الناس: فإنّ في الناس عيوبا الوالي أحقّ بسترها؛ فلا تكشفنّ عمّا غاب عنك منها، فإنّما عليك تطهير ما ظهر [لك] «3» والله يحكم على ما غاب عنك منها «4» . فاستر العورة ما استطعت يستر الله ما تحبّ ستره من عيبك «5» .
أطلق عن الناس عقدة كلّ حقد، واقطع عنهم سبب كلّ وتر، وتغاب عن كلّ ما لا يضح لك؛ ولا تعجلنّ إلى تصديق ساع: فإنّ الساعي غاشّ وإن تشبّه بالناصحين؛ ولا تدخلنّ في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الأمور، ولا حريصا يزيّن لك الشّره بالجور: فإنّ البخل والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظنّ بالله.
إنّ شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ومن شاركهم في الآثام، فلا يكوننّ لك بطانة، فإنهم أعوان الأثمة، وإخوان الظّلمة؛ وأنت واجد منهم خير الخلف ممّن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل اصارهم وأوزارهم «6» : ممّن لم يعاون ظالما على ظلمه، ولا آثما على إثمه؛ أولئك أخفّ عليك مؤونة، وأحسن
(10/12)

لك معونة؛ وأحنى عليك عطفا، وأقلّ لغيرك إلفا، فاتّخذ أولئك خاصّة لخلواتك [وحفلاتك] «1» ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم [لك] «2» بمرّ الحقّ، وأقلّهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه، واقعا ذلك من هواك حيث وقع. والصق بأهل الورع والصّدق، ثم رضهم على أن لا يطروك «3» ولا يبجّحوك بباطل لم تفعله:
فإنّ كثرة الإطراء «4» تحدث الزّهوّ وتدني من الغرّة. ولا يكوننّ المحسن والمسيء عندك بمنزلة واحدة، فإنّ في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان [في الإحسان] «5» وتدريبا لأهل الإساءة [على الإساءة] «6» :
وإنّك لا تدري إذا جاء سائل ... أأنت بما تعطيه أم هو أسعد!
عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلا أن يكون له غد!
وفي كثرة الأيدي عن الجهل زاجر، ... وللحلم أبقى للرّجال وأعود!
وعلى ذلك كتب أبو إسحاق الصابي عن «7» الخليفة «الطائع لله» إلى فخر الدولة بن ركن الدولة بن بويه، في جمادى الأولى سنة ستّ وستين وثلاثمائة.
وهذه نسخته:
هذا ما عهد عبد الله عبد الكريم [الإمام] «8» الطائع لله أمير المؤمنين [إلى فخر الدّولة أبي الحسن بن ركن الدّولة أبي عليّ مولى أمير المؤمنين] «9» حين عرف غناءه وبلاءه، واستصح دينه ويقينه، ورعى قديمه وحديثه، واستنجب عوده ونجاره. وأثنى عزّ الدولة أبو منصور بن معزّ الدولة أبي الحسين مولى أمير المؤمنين
(10/13)

[أيده الله] «1» عليه، وأشار بالمزيد في الصّنيعة إليه؛ وأعلم أمير المؤمنين اقتداءه به في كلّ مذهب ذهب فيه من الخدمة، وغرض رمى إليه من النّصيحة؛ دخولا في زمرة الأولياء [المنصورة، وخروجا عن جماعة الأعداء المدحورة] «2» وتصرّفا على موجبات البيعة التي هي بعزّ الدولة أبي منصور منوطة، وعلى سائر من يتلوه ويتبعه مأخوذة «3» مشروطة؛ فقلّده الصلاة وأعمال الحرب، والمعاون «4» ، والأحداث، والخراج، الأعشار، والضيّاع، والجهبذة «5» ، والصّدقات، والجوالي «6» ، وسائر وجوه الجبايات [والعرض] «7» والعطاء، والنّفقة في الأولياء [والمظالم وأسواق الرقيق] «8» والعيار في دور الضرب والطّرز «9» والحسبة بكور همذان، وأستراباذ، والدّينور، وقرميسين، والإيغارين، و [أعمال] «10» أذربيجان، وأرّان، والسّحانين، وموقان. واثقا منه باستبقاء النعمة واستدامتها، والاستزادة بالشّكر منها، والتجنّب لغمطها وجحودها، والتنكّب لإيحاشها وتنفيرها، والتعمّد لما مكّن له الحظوة والزّلفى، وحرس عليه الأثرة والقربى؛ بما يظهره ويضمره من الوفاء الصحيح، والولاء الصّريح، والغيب الأمين، والصّدر السليم، والمقاطعة لكل من قاطع العصبة، وفارق الجملة، والمواصلة لكلّ من حمى البيضة وأخلص النّيّة- والكون تحت ظلّ أمير المؤمنين وذمّته، ومع عزّ الدولة «11» أبي منصور وفي حوزته، والله جلّ اسمه يعرّف أمير المؤمنين حسن العقبى فيما أبرم ونقض، وسداد الرأي فيما
(10/14)

رفع وخفض؛ ويجعل عزائمه مقرونة بالسلامة، محجوبة عن موارد النّدامة؛ وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل.
أمره بتقوى الله التي هي العصمة المتينة، والجنّة الحصينة، والطّود الأرفع، والمعاذ الأمنع، والجانب الأعزّ، والملجأ الأحرز؛ وأن يستشعرها سرّا وجهرا، ويستعملها قولا وفعلا، ويتخذها ردءا دافعا «1» لنوائب القدر، وكهفا حاميا من حوادث الغير؛ فإنها أوجب الوسائل، وأقرب الذّرائع، وأعودها على العبد بمصالحه، وأدعاها إلى سبل «2» مناجحه، وأولاها بالاستمرار على هدايته، والنّجاة من غوايته؛ والسلامة في دنياه حين توبق موبقاتها، وتردي مردياتها؛ وفي آخرته حين تروّع رائعاتها وتخيف مخيفاتها. وأن يتأدّب بآداب الله في التواضع والإخبات «3» ، والسّكينة والوقار، وصدق اللهجة إذا نطق، وغضّ الطّرف إذا رمق؛ وكظم الغيظ إذا أحفظ «4» وضبط اللسان إذا أغضب «5» ؛ وكفّ اليد عن المآثم، وصون النفس عن المحارم. وأن يذكر الموت الذي هو نازل به، والموقف الذي هو صائر إليه، ويعلم أنه مسؤول عمّا اكتسب، مجزيّ بما ترّمك «6» واحتقب؛ ويتزوّد من هذا الممرّ، لذاك المقرّ، ويستكثر من أعمال الخير لتنفعه، ومن مساعي البرّ لتنقذه؛ ويأتمر بالصالحات قبل أن يأمر بها، ويزدجر عن السيّئات قبل أن يزجر عنها؛ ويبتديء بإصلاح نفسه قبل إصلاح رعيّته: فلا يبعثهم على ما يأتي ضدّه؛ ولا ينهاهم عمّا يقترف مثله، ويجعل ربّه رقيبا عليه في خلواته، ومروءته مانعة له من شهواته؛ فإنّ أحقّ من غلب سلطان الشّهوة، وأولى من صرع أعداء «7»
(10/15)

الحميّة؛ من ملك أزمّة الأمور، واقتدر على سياسة الجمهور؛ وكان مطاعا فيما يرى، متّبعا فيما يشاء، يلي على الناس ولا يلون عليه، ويقتصّ منهم ولا يقتصّون منه؛ فإذا اطّلع الله منه على نقاء جيبه، وطهارة ذيله، وصحّة سريرته، واستقامة سيرته، أعانه على حفظ ما استحفظه، وأنهضه بثقل ما حمّله؛ وجعل له مخلصا من الشّبهة ومخرجا من الحيرة، فقد قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
«1» . وقال عز من قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
«2» . وقال: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
«3» إلى آي كثيرة حضّنا بها على أكرم الخلق، وأسلم الطّرق، فالسعيد من نصبها إزاء ناظره، والشقيّ من نبذها وراء ظهره؛ وأشقى منه من بعث عليها وهو صادف عنها، وأهاب إليها وهو بعيد منها، وله ولأمثاله يقول الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ
«4» .
وأمره أن يتخذ كتاب الله إماما متّبعا، وطريقا موقّعا «5» ؛ ويكثر من تلاوته إذا خلا بفكره، ويملأ بتأمّله أرجاء صدره؛ فيذهب معه فيما أباح وحظر، ويقتدي به إذا نهى وأمر، ويستبين ببيانه إذا استغلقت دونه المعضلات، ويستضيء بمصابيحه إذا غمّ عليه في المشكلات؛ فإنه عروة الإسلام الوثقى، ومحجّته الوسطى، ودليله المقنع، وبرهانه المرشد «6» ، والكاشف لظلم الخطوب، والشافي من مرض القلوب، والهادي لمن ضلّ، والمتلافي لمن زلّ؛ فمن لهج «7» به فقد فاز وسلم، ومن لهي عنه فقد خاب وندم، قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ
(10/16)

مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
«1» .
وأمره أن يحافظ على الصلوات، ويدخل فيها في حقائق الأوقات؛ قائما على حدودها، متّبعا لرسومها؛ جامعا فيما بين نيّته ولفظه، متوقّيا لمطامح سهوه ولحظه؛ منقطعها إليها عن كلّ قاطع لها، مشغولا بها عن كلّ شاغل عنها؛ متثّبتا في ركوعها وسجودها؛ مستوفيا عدد مفروضها ومسنونها؛ موفّرا عليها ذهنه، صارفا إليها همّه؛ عالما بأنه واقف بين يدي خالقه ورازقه، ومحييه ومميته، ومثيبه ومعاقبه؛ لا تستتر «2» دونه خائنة الأعين وما تخفي الصّدور «3» . فإذا قضاها على هذه السبيل منذ تكبيرة الإحرام إلى خاتمة التسليم، أتبعها بدعاء يرتفع بارتفاعها، [ويستمع باستماعها] «4» ، ولا يتعدّى فيه مسائل الأبرار، ورغائب الأخيار: من استصفاح واستغفار، واستقالة واسترحام، واستدعاء لمصالح «5» الدّين والدنيا، وعوائد الآخرة والأولى؛ فقد قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً
«6» ، وقال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
«7» .
وأمره بالسّعي في أيّام الجمع إلى المساجد الجامعة، وفي الأعياد إلى المصلّيات الضّاحية، بعد التقدّم في فرشها وكسوتها؛ وجمع القوّام والمؤذّنين والمكبّرين فيها، واستسعاء الناس إليها، وحضّهم عليها؛ آخذين الأهبة،
(10/17)

متنظّفين في البزّة؛ مؤدّين لفرائض الطّهارة، بالغين في ذلك أقصى الاستطاعة «1» ؛ معتقدين خشية الله وخيفته، مدّرعين تقواه ومراقبته؛ مكثرين من دعائه- عز وجلّ- وسؤاله، مصلّين على محمد رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله؛ بقلوب على اليقين موقوفة، وهمم إلى الدّين مصروفة، وألسن بالتسبيح والتقديس فصيحة، وآمال في المغفرة والرحمة فسيحة، فإنّ هذه المصلّيات والمتعبّدات بيوت الله التي فضّلها، ومناسكه التي شرّفها؛ وفيها يتلى القرآن [ومنها ترتفع الأعمال؛ وبها يلوذ اللائذون] «2» ويعوذ العائذون؛ ويتعبّد المتعبّدون، ويتهجّد المتهجّدون، وحقيق على المسلمين أجمعين: من وال ومولّى عليه أن يصونوها ويعمروها، ويواصلوها ولا يهجروها. وأن يقيم الدعوة على منابرها لأمير المؤمنين ثم لنفسه على الرّسم الجاري فيها، قال الله تعالى في هذه الصلاة:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ
«3» . وقال في عمارة المساجد: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
«4» .
وأمره بأن يراعي «5» أحوال من يليه، من طبقات جند أمير المؤمنين ومواليه؛ ويطلق لهم الأرزاق، في وقت الوجوب والاستحقاق؛ وأن يحسن في معاملتهم؛ ويجمل في استخدامهم، ويتصرّف في سياستهم: بين رفق من غير ضعف، وخشونة من غير عنف؛ مثيبا لمحسنهم ما زاد بالإبانة في حسن الأثر، وسلم معها من دواعي الأشر؛ ومتغمّدا «6» لمسيئهم ما كان التغمّد له نافعا، وفيه ناجعا، فإن
(10/18)

تكررت زلّاته، وتتابعت عثراته؛ تناوله من عقوبته بما يكون له مصلحا، ولغيره واعظا. وأن يختص أكابرهم وأماثلهم وأهل الرأي والخطر منهم بالمشاورة في الملمّ «1» ، والإطلاع على بعض المهمّ؛ مستخلصا نخائل «2» قلوبهم بالبسط والإدناء، ومستشحذا بصائرهم بالإكرام والأحتفاء: فإنّ في مشاورة هذه الطبقة استدلالا على مواقع الصواب، وتحرّزا من غلط الاستبداد، وأخذا بمجامع الحزامة، وأمنا من مفارقة الاستقامة؛ وقد حضّ الله تعالى على الشّورى حيث قال لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
«3» .
وأمره بأن يعمد «4» لما يتصل بنواحيه من ثغور المسلمين، ورباطات المرابطين، ويقسم لها قسما وافرا من عنايته، ويصرف إليها طرفا بل شطرا من رعايته؛ ويختار لها أهل الجلد والشّدّة، وذوي البأس والنّجدة: ممن عجمته الخطوب، وعركته الحروب؛ واكتسب دربة بخدع المتناوبين «5» ، وتجربة بمكايد المتقارعين؛ وأن يستظهر بتكثيف عددهم، واختيار عددهم؛ وانتخاب خيلهم، وإستجادة أسلحتهم؛ غير مجمّر «6» بعثا إذا بعثه، ولا مستكرهه إذا وجّهه؛ بل يناوب بين رجاله مناوبة تريحهم ولا تملّهم؛ وترفّههم ولا تؤودهم: فإنّ في ذلك من فائدة الإجمام؛ والعدل في الاستخدام؛ وتنافس رجال النّوب فيما عاد عليهم بعز الظّفر والنّصر، وبعد الصيّت والذّكر، وإحراز النفع والأجر؛ ما يحقّ على الولاة أن يكونوا به عاملين «7» ، وللناس عليه حاملين. وأن يكرّر على أسماعهم، ويثبّت
(10/19)

في قلوبهم؛ مواعيد الله لمن صابر ورابط، وسمح بالنفس وجاهد، من حيث لا يقدمون على تورّط غرّة، ولا يحجمون عن انتهاز فرصة؛ ولا ينكصون عن تورّد معركة، ولا يلقون بأيديهم إلى التّهلكة؛ فقد أخذ الله تعالى ذلك على خلقه، والمرامين عن دينه، وأن يزيح العلّة فيما يحتاج إليه من راتب نفقات هذه الثّغور وحادثها، وبناء حصونها ومعاقلها؛ واستطراق طرقها ومسالكها، وإفاضة الأقوات والعلوفات للمترتّبين فيها والمتردّدين إليها والحامين لها. وأن يبذل أمانه لمن طلبه، ويعرضه على من لم يطلبه. ويفي بالعهد إذا عاهد، وبالعقد إذا عاقد، غير مخفر ذمّة، ولا جارح أمانة، فقد أمر الله تعالى بالوفاء فقال جلّ من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
«1» ونهى عن النّكث فقال عزّ من قائل: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
«2» .
وأمره أن يعرض من في حبوس عمله على جرائرهم «3» [وإنعام النظر في جناياتهم وجرائمهم] «4» فمن كان إقراره واجبا أقرّه ومن كان إطلاقه سائغا أطلقه.
وأن ينظر في الشّرطة والأحداث نظر عدل وإنصاف؛ ويختار [لها من الولاة] «5» من يخاف الله تعالى ويتّقيه، ولا يحابي ولا يراقب «6» فيه، ويتقدّم إليهم بقمع الجهّال، وردع الضّلّال؛ وتتبّع الأشرار، وطلب الدّعّار؛ مستدلّين على أماكنهم؛ متوغّلين إلى مكامنهم؛ متولّجين عليهم في مظانّهم؛ متوثّقين ممن يجدونه منهم، منفذين أحكام الله تعالى فيهم بحسب الذي يتبيّن من أمرهم، ويتّضح من فعلهم؛ في كبيرة ارتكبوها، وعظيمة احتقبوها؛ ومهجة أفاظوها «7» واستهلكوها، وحرمة أباحوها وانتهكوها: فمن استحقّ حدّا من حدود الله المعلومة أقاموه عليه غير مخفّفين منه،
(10/20)

وأحلّوه به غير مقصّرين عنه، بعد أن لا يكون عليهم في الذي يأتون به حجّة، ولا يعترضهم في وجوبه شبهة: فإنّ الواجب «1» في الحدود أن تقام بالبيّنات، وأن تدرأ بالشّبهات؛ فأولى ما توخّاه رعاة الرّعايا فيها أن لا يقدموا عليها مع نقصان، ولا يتوقّفوا عنها مع قيام دليل وبرهان. ومن وجب عليه القتل احتاط عليه بما يحتاط به على مثله: من الحبس الحصين، والتوثّق الشديد؛ وكتب إلى أمير المؤمنين بخبره، وشرح جنايته، وثبوتها بإقرار يكون منه، أو بشهادة تقع عليه، ولينتظر من جوابه ما يكون عمله بحسبه، فإنّ أمير المؤمنين لا يطلق سفك دم مسلم أو معاهد إلا ما أحاط به علما، وأتقنه فهما، وكان ما يمضيه فيه عن بصيرة لا يخالطها شكّ، ولا يشوبها ريب. ومن ألمّ بصغيرة من الصغائر، ويسيرة من الجرائر، من حيث لم يعرف له مثلها، ولم تتقدّم منه أختها، وعظه وزجره، ونهاه وحذّره؛ واستتابه وأقاله، ما لم يكن عليه خصم في ذلك يطالب بقصاص منه، وجزاء له؛ فإن عاد تناوله [من] التقويم والتهذيب، والتّعزير «2» والتأديب؛ بما يرى أن قد كفى فيما اجترم، ووفى بما قدّم؛ فقد قال تعالى: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
«3» وأمره أن يعطّل ما في أعماله من الحانات والمواخير، ويطهّرها من القبائح والمناكير؛ ويمنع من تجمّع أهل الخنا فيها وتألّف شملهم بها: فإنه شمل يصلحه التّشتيت، وجمع يحفظه التفريق؛ وما زالت هذه المواطن الذّميمة والمطارح الدّنيئة، داعية لمن يأوي إليها، ويعكف عليها؛ إلى ترك الصلوات؛ [وإهمال المفترضات] «4» وركوب المنكرات، واقتراف المحظورات؛ وهي بيوت الشيطان التي في عمارتها لله تعالى مغضبة، وفي إخرابها للخير مجلبة؛ والله تعالى يقول لنا
(10/21)

معشر المؤمنين: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
«1» ويقول عزّ من قائل لغيرنا من المذمومين: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
«2» .
وأمره أن يولّي الحماية في هذه الأعمال، أهل الكفاية والغناء من الرجال؛ وأن يضمّ إليهم كلّ من خفّ ركابه، وأسرع عند الصّريخ جوابه، مرتّبا لهم في المسالح «3» ، وسادّا بهم ثغر المسالك؛ وأن يوصيهم بالتيقّظ؛ ويأخذهم بالتحفّظ، ويزيح عللهم في علوفة خيلهم؛ والمقرّر من أزوادهم وميرهم؛ حتى لا تثقل لهم على البلاد وطأة، ولا تدعوهم إلى تحيّفهم وثلمهم حاجة؛ وأن يحوطوا السابلة بادئة وعائدة، ويتداركوا «4» القوافل صادرة وواردة؛ ويحرسوا الطّرق ليلا ونهارا، وينفضوها «5» رواحا وإبكارا؛ وينصبوا لأهل العيث الأرصاد، ويتكمّنوا لهم بكلّ واد؛ ويتفرّقوا عليهم حيث يكون التفرّق مضيّقا لفضائهم؛ ومؤدّيا إلى انفضاضهم؛ ويجتمعوا حيث يكون الاجتماع مطفئا لجمرتهم، وصادعا لمروتهم؛ وأن لا يخلوا هذه السّبل من حماة لها وسيّارة فيها: يتردّدون في جواديها «6» ، ويتعسّفون في عواديها «7» ، حتى تكون الدماء محقونة، والأموال مصونة، والفتن محسومة والغارات مأمونة؛ ومن حصل في أيديهم من لصّ خاتل، وصعلوك خارب؛ ومخيف لسبيل، ومنتهك لحريم؛ امتثل فيه أمر أمير المؤمنين الموافق لقول الله عزّ وجل: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي
(10/22)

الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
«1» .
وأمره بوضع الرّصد على ما يجتاز في أعماله من أبّاق العبيد، والاحتياط عليهم وعلى ما «2» يكون معهم، والبحث عن الأماكن التي فارقوها، والطّرق التي استطرقوها؛ ومواليهم الذين أبقوا منهم، ونشزوا عنهم؛ وأن يردّوهم عليهم قهرا، ويعيدوهم إليهم صغرا؛ وأن ينشدوا الضالّة بما أمكن أن تنشد، ويحفظوها على ربّها بما جاز أن تحفظ، ويتجنّبوا الامتطاء لظهورها والانتفاع بأوبارها وألبانها مما يجزّ ويحلب؛ وأن يعرّفوا اللّقطة ويتّبعوا أثرها، ويشيعوا خبرها. فإذا حضر صاحبها وعلم أنه مستوجبها سلّمت إليه، ولم يعترض فيها عليه؛ فإنّ الله عزّ وجل يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
«3» . ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ضالّة المؤمن حرق النّار» .
وأمره أن يوصي عمّاله بالشدّ على أيدي الحكّام، وتنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام؛ وأن يحضروا مجالسهم حضور الموقّرين لها، الذابّين عنها، المقيمين لرسوم الهيبة وحدود الطاعة فيها؛ ومن خرج عن ذلك من ذي عقل سخيف، وحلم ضعيف، نالوه بما يردعه، وأحلّوا به ما يزعه؛ ومتى تقاعس متقاعس عن حضور مع خصم يستدعيه، وأمر يوجّه الحاكم إليه فيه؛ أو التوى ملتو بحقّ يحصل عليه، ودين يستقرّ في ذمّته، قادوه إلى ذلك بأزمّة الصّغار، وخزائم الاضطرار؛ وأن يحبسوا ويطلقوا بأقوالهم، ويثبتوا الأيدي في الأملاك والفروج وينزعوها بقضاياهم؛ فإنّهم أمناء الله في فصل ما يفصلون وبتّ ما يبتّون، وعن كتابه وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم يوردون [ويصدرون] «4» وقد قال تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي
(10/23)

الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
«1» . وأن يتوخّى بمثل هذه المعاملة «2» عمّال الخراج في استيفاء حقوق ما استعملوا عليه، واستنطاف «3» بقاياهم «4» فيه، والرّياضة لمن تسوء طاعته من معامليهم، وإحضارهم طائعين أو كارهين بين أيديهم؛ فمن آداب الله تعالى للعبد التي يحقّ عليه أن يتخذها [أدبا] «5» ويجعلها إلى الرضا عنه سببا، قوله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
«6» .
وأمره أن يجلس للرعيّة جلوسا عامّا، وينظر في مطالبها «7» نظرا تامّا؛ ويساوي في الحق بين خاصّها وعامّها، ويوازي في المجالس بين عزيزها وذليلها؛ وينصف المظلوم من ظالمه، والمغصوب من غاصبه، بعد الفحص والتأمّل والبحث والتّبين، حتّى لا يحكم إلّا بعدل، ولا ينطق إلّا بفصل؛ ولا يثبّت يدا إلّا فيما وجب [تثبيتها فيه، ولا يقبضها إلا عمّا وجب] «8» قبضها عنه؛ وأن يسهّل الإذن لجماعتهم، ويرفع الحجاب بينه وبينهم؛ ويوليهم من حصانة الكنف، ولين المنعطف، والاشتمال والعناية، والصّون والرّعاية، ما تتعادل فيه أقسامهم، وتتوازن «9» منه أقساطهم؛ ولا يصل المكين «10» منهم إلى استضامة من تأخّر عنه، ولا ذو السلطان إلى هضيمة من حلّ دونه. وأن يدعوهم إلى أحسن العادات [والخلائق] «11» ويحضّهم على أجمل «12» المذاهب والطرائق؛ ويحمل عنهم
(10/24)

كلّه، ويمدّ عليهم ظلّه؛ ولا يسومهم خسفا «1» ، ولا يلحق بهم حيفا؛ ولا يكلّفهم شططا، ولا يجشّمهم مضلعا؛ ولا يثلم لهم معيشة، ولا يداخلهم في جريمة «2» ؛ ولا يأخذ بريئا منهم بسقيم، ولا حاضرا بعديم؛ فإنّ الله جل وعز نهى أن تزر وازرة وزر أخرى، وجعل كلّ نفس رهينة بمكسبها بريئة من مكاسب غيرها. ويرفع عن هذه الرعيّة ما عسى أن يكون سنّ عليها من سنّة ظالمة، وسلك بها من محجّة جائرة، ويستقري آثار الولاة قبله عليها، فيما ازجوه من خير أو شرّ إليها: فيقرّ من ذلك ما طاب وحسن، ويزيل ما خبث وقبح: فإنّ من يغرس الخير يحظى بمعسول ثمره، ومن يزرع الشّرّ يصلى بممرور ريعه؛ والله تعالى يقول: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
«3» .
وأمره أن يصون أموال الخراج وأثمان الغلّات، ووجوه الجبايات، موفّرا ويزيد ذلك مثمّرا، بما يستعمله من الإنصاف لأهلها، وإجرائهم على صحيح الرّسوم فيها: فإنه مال الله الذي به قوّة عباده، وحماية بلاده، ودرور حلبه، واتصال مدده؛ وبه يحاط الحريم، ويدفع العظيم؛ ويحمى الذّمار، وتذاد الأشرار. وأن يجعل افتتاحه إيّاه بحسب [إدراك] «4» أصنافه، وعند حضور مواقيته وأحيانه؛ غير مستسلف شيئا قبلها، ولا مؤخّر لها عنها؛ وأن يخصّ أهل الطاعة والسلامة بالتّرفيه لهم، وأهل الاستصعاب والامتناع بالتشدّد «5» عليهم: لئلا يقع إرهاق لمذعن، أو إهمال لطامع. وعلى المتولّي لذلك أن يضع كلّا من الأمرين موضعه، ويوقعه موقعه؛ متجنّبا إحلال الغلظة بمن لا يستحقّها، وإعطاء الفسحة لمن ليس من
(10/25)

أهلها؛ والله تعالى يقول: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
«1» .
وأمره بأن يتخيّر عمّاله على الأعشار، والخراج، والضيّاع، والجهبذة، والصّدقات، والجوالي، من أهل الظّلف «2» والنّزاهة، والضّبط والصيّانة، والجزالة والشّهامة؛ وأن يستظهر مع ذلك عليهم بوصيّة يوعيها أسماعهم «3» ، وعهود يقلّدها أعناقهم «4» ؛ بأن لا يضيّعوا «5» حقّا، ولا يأكلوا «6» سحتا؛ ولا يستعملوا «7» ظلما، ولا يقارفوا غشما. وأن يقيموا العمارات، ويحتاطوا [على الغلّات] «8» ويتحرّزوا من ترك حقّ لازم أو تعطيل رسم عادل؛ مؤدّين في جميع ذلك الأمانة، مجتنبين للخيانة. وأن يأخذوا جهابذتهم باستيفاء وزن المال على تمامه، واستجادة نقده على عياره؛ واستعمال الصّحّة في قبض ما يقبضون، وإطلاق ما يطلقون. وأن يوعزوا إلى سعاة الصّدقات بأخذ الفرائض من سائمة مواشي المسلمين دون عاملتها، وكذلك الواجب فيها؛ وأن لا يجمعوا فيها متفرّقا ولا يفرّقوا مجتمعا، ولا يدخلوا فيها خارجا عنها، ولا يضيفوا إليها ما ليس منها: من فحل إبل أو أكولة «9» راع، أو عقيلة مال؛ فإذا اجتبوها على حقّها، واستوفوها على رسمها، أخرجوها في سبيلها، وقسّموها على أهلها الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه، إلّا المؤلّفة قلوبهم الذين «10» سقط سهمهم، فإنّ الله تعالى يقول: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ
(10/26)

اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
«1» . وإلى جباة [جماجم] «2» أهل الذّمّة أن يأخذوا منهم الجزية في المحرّم من كل سنة [بحسب] «3» منازلهم في الأحوال، وذات أيديهم في الأموال؛ وعلى الطّبقات المطبقة فيها والحدود [المحدودة] «4» المعهودة لها؛ وأن لا يأخذوها من النساء، ولا ممن لم يبلغ الحلم من الرجال؛ ولا من ذي سنّ عالية، ولا ذي علّة بادية؛ ولا فقير معدم، ولا مترهّب متبتّل؛ وأن يراعي جماعة هؤلاء العمّال مراعاة يسرّها ويظهرها، ويلاحظهم ملاحظة يخفيها ويبديها: لئلّا يزولوا عن الحقّ الواجب، أو يعدلوا عن السّنن اللّاحب «5» ؛ فقد قال تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
«6» .
وأمره أن يندب لعرض الرجال وإعطائهم، وحفظ جراياتهم وأوقات إطعامهم، من يعرفه بالثّقة في متصرّفه، والأمانة فيما يجري على يده، والبعد عن الإسفاف إلى الدّنيّة، والاتّباع للدناءة؛ وأن يبعثه على ضبط [حلى] «7» الرجال وشيات الخيل، وتجديد العرض بعد الاستحقاق، وإيقاع الاحتياط في الإنفاق؛ فمن صحّ عرضه ولم يبق في نفسه شيء منه: من شكّ يعرض له، أو ريبة يتوهّمها، أطلق أموالهم موفورة، وجعلها في أيديهم غير مثلومة؛ وأن يردّ على بيت المال أرزاق من سقط بالوفاة والإخلال، ناسبا ذلك إلى جهته، وموردا له على حقيقته. وأن يطالب الرجال بإحضار الخيل المختارة، والآلات «8» المستكملة المستعملة على ما توجبه مبالغ أرزاقهم «9» ، وحسب منازلهم ومراتبهم؛ فإن أخّر «10» أحدهم شيئا من ذلك قاصّه به من رزقه، وأغرمه مثل قيمته، فإنّ المقصّر فيه خائن
(10/27)

لأمير المؤمنين، ومخالف لرب العالمين؛ إذ يقول الله سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
«1» .
وأمره أن يعتمد في أسواق الرقيق ودور الضرّب والحسبة والطّرز، على من تجتمع فيه آلات هذه الولايات: من ثقة ودراية «2» ، وعلم وكفاية، ومعرفة ودراية؛ وتجربة وحنكة، وحصافة ومسكة؛ فإنها أحوال تضارع الحكم وتناسبه، وتدانيه وتقاربه. وأن يتقدّم إلى ولاة أسواق الرقيق بالتحفّظ فيمن يطلقون بيعه، ويمضون أمره؛ والتحرّز من وقوع تجوّز «3» فيه، وإهمال له؛ إذ كان ذلك عائدا بتحصين الفروج، وتطهير الأنساب. وأن يبعدوا «4» عنه أهل الرّيبة، ويقرّبوا «5» أهل العفّة؛ ولا يمضوا بيعا على شبهة، ولا عقدا على تهمة. وإلى ولاة العيار، بتخليص عين الدّرهم والدينار: ليكونا مضروبين على البراءة من الغشّ، والنّزاهة من المشّ «6» ؛ وبحسب الإمام «7» ، المقرّر بمدينة السّلام؛ وحراسة السّكك من أن تتداولها الأيدي المدغلة، وتتناقلها الجهات الظّنينة «8» ؛ وإثبات اسم أمير المؤمنين على ما يضرب منها ذهبا وفضّة، وإجراء ذلك على الرّسم والسنّة. وإلى ولاة الطّرز بأن يجروا الاستعمال في جميع المناسج على أتم النّيقة «9» ، وأسلم الطّريقة؛ وأحكم الصّنعة، وأفضل الصّحّة؛ وأن يثبتوا اسم أمير المؤمنين على طرز الكسا، والفرش والأعلام والبنود. وإلى ولاة الحسبة بتصفّح أحوال العوامّ في حرفهم ومتاجرهم،
(10/28)

ومجتمع أسواقهم ومعاملاتهم؛ وأن يعايروا الموازين والمكاييل، ويفرزوها على التعديل والتكميل؛ ومن اطّلعوا منه على حيلة أو تلبيس، أو غيلة أو تدليس؛ أو بخس فيما يوفيه، أو استفضال فيما يستوفيه، نالوه بغليظ العقوبة وعظيمها، وخصّوه بوجيعها وأليمها؛ واقفين به في ذلك عند الحدّ الذي يرونه لذنبه مجازيا، وفي تأديبه كافيا فقد قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
«1» .
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته عليك؛ وقد وقفك به على سواء السبيل، وأرشدك فيه إلى واضح الدّليل؛ وأوسعك تعليما وتحكيما، وأقنعك تعريفا [وتفهيما] «2» ولم يألك جهدا فيما عصمك وعصم على يدك، ولم يدّخرك ممكنا فيما أصلح بك وأصلحك؛ ولا ترك لك عذرا في غلط تغلطه، ولا طريقا إلى متورّط تتورّطه؛ بالغا بك في الأوامر والزّواجر إلى حيث يلزم الأئمة أن يندبوا الناس إليه، ويحثّوهم عليه؛ مقيما لك على منجيات المسالك، صارفا بك عن مرديات المهالك؛ مريدا فيك ما يسلّمك في دينك ودنياك، ويعود بالحظّ عليك في آخرتك وأولاك؛ فإن اعتدلت وعدلت فقد فزت وغنمت، وإن تجانفت واعوججت فقد خسرت وندمت؛ والأولى بك عند أمير المؤمنين مع مغرسك الزّاكي، ومنبتك النامي، وعودك الأنجب، وعنصرك الأطيب، أن تكون لظنّه بك «3» محقّقا، ولمخيلته فيك مصدّقا؛ وأن تستزيد بالأثر الجميل قربا [من رب العالمين] «4» وثوابا يوم الدين؛ وزلفى عند أمير المؤمنين، وثناء حسنا من المسلمين؛ فخذ ما نبذ إليك أمير المؤمنين من معاذيره، وأمسك بيدك على ما أعطى من مواثيقه؛ واجعل عهده [هذا] «5» مثالا تحتذيه، وإماما تقتفيه؛ واستعن بالله يعنك،
(10/29)

واستهده يهدك، وأخلص إليه في طاعته، يخلص لك الحظّ من معونته؛ ومهما أشكل عليك من خطب، أو أعضل عليك من صعب؛ أو بهرك من باهر، أو بهظك من باهظ، فاكتب إلى أمير المؤمنين به منهيا، وكن إلى ما يرد [من جوابه] «1» عليك منتهيا؛ إن شاء الله تعالى. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
[وكتب نصير الدولة الناصح أبو طاهر يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وستين وثلاثمائة] «2» .
وعلى هذا الأسلوب كتب أمين الدين أبو سعيد، العلاء بن وهب بن موصلايا «3» عن القائم بأمر الله «4» عهد أمير المسلمين يوسف بن تاشفين «5» ، بسلطنة الأندلس وبلاد المغرب، بعد العشرين والأربعمائة، فيما رأيته في ترسّل ابن موصلايا المذكور.
وهذه نسخته بعد البسملة الشريفة:
هذا ما عهد عبد الله ووليّه، عبد الله القائم بأمر الله أمير المؤمنين، إلى فلان حين انتهى إليه ما هو عليه من ادّراع جلابيب الرّشاد، في الإصدار والإيراد؛ واتّباع سنن من أبدى وأعاد، فيما يجمع خير العاجلة والمعاد؛ والتخصيص من حميد الأنحاء والمذاهب، بما يستمدّ منه أصناف الآلاء والمواهب؛ والتحلّي من
(10/30)

السّداد الكامل، بما فاز فيه بامتطاء الغارب «1» من الجمال والكاهل «2» ؛ واتّضح ما هو متشبّث به من صحّة الدّين واليقين، والمواظبة من اكتساب رضا الله تعالى على ما هو أقوى الظّهير والمعين؛ في ضمن ما طوى عليه ضلوعه، وأدام لهجه به وولوعه: من موالاة لأمير المؤمنين يدين الله تعالى بها، ويرجو النجاة من كل مخوف باستحكام سعيها؛ ومشايعة لدولته ساوى فيها بين ما أظهر وأسرّ، وأمّل في اجتناء ثمرها كلّ ما أبهج وسرّ؛ فولّاه الصّلاة بأعمال المغرب، والمعاون، والأحداث»
، والخراج، والضيّاع، والأعشار، والجهبذة، والصّدقات، والجوالي، وسائر وجوه الجبايات، والعرض، والعطاء، والنّفقة في الأولياء، والمظالم، وأسواق الرقيق، والعيار في دور الضّرب، والطّرز، والحسبة، ببلاد كذا وكذا: سكونا إلى استقلاله بأعباء ما استكفاه إيّاه، واستقباله النعمة عليه في ذلك بكلّ ما ينشر ذكره ويطيب ريّاه؛ وثقة بكونه للصّنيعة أهلا، وبأفياء الطاعة الإماميّة مستظلّا؛ وتوفرة على ما يزيده بحضرة أمير المؤمنين حظوة تردّ باع الخطوب عنه قصيرا، وتمدّ مقاصده من التوفيق بما يضحى له في كلّ حالة نصيرا؛ وعلما بما في اصطناعه من مصلحة تستنير أهلّتها، وتستثير من شبه الغيّ شواهدها وأدلّتها؛ والله تعالى يصل مرامي أمير المؤمنين بالإصابة، ويعينه على ما يقرّ كلّ أمريء في حقّه ويحلّه نصابه؛ ويحسن له الخطرة في كلّ ما يغدو له ممضيا، ولمطايا الاجتهاد في فعله منضيا؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله، عليه يتوكل وإليه ينيب.
وأمره باعتماد تقوى الله تعالى في الإعلان والإسرار، واعتقاد الواجب من الإذعان بفضلها والإقرار؛ وأن يأوي منها إلى أمنع المعاقل وأحصنها، ويلوي عنان
(10/31)

الهدى فيها إلى أجمل المقاصد وأحسنها؛ ويجعلها عمدته يوم تعدم الأنصار، وتشخص الأبصار: ليجتني من ثمرها ما يقيه مصارع الخجل، ويجتلي من مطالعها ما يؤمّنه من طوارق الوجل؛ ويرد بها من رضا الله تعالى أصفى المشارب، ويجد فيها من ضوالّ المنى أنفس المواهب: فإنها أبقى الزّاد، وأدعى في كلّ أمر إلى وري الزّناد؛ وقد خصّ الله بها المؤمنين من عباده، وحضّ منها على ما هو أفضل عدّة المرء وعتاده؛ فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
«1» .
وأمره أن يأتمّ بكتاب الله تعالى مستضيئا بمصباحه، مستضيما لسلطان الغيّ بالوقوف عند محظوره ومباحه؛ ويقصد الاستبصار بمواعظه وحكمه، والاستدرار لصوب التوفيق في الرّجوع إلى متقنه ومحكمه؛ ويجعله أميرا على هواه مطاعا، وسميرا لا يرى أن يكشف عنه قناعا؛ ودليلا إلى النّجاة من كلّ ما يخاف أثامه، وسبيلا إلى الفوز في اليوم الذي يسفر عن فصل الحساب لثامه؛ ويتحقّق موقع الحظّ في إدامة درسه، وصلة يومه في التأمّل بأمسه؛ فإنه يبدي طريق الرّشد لكل مبدي في العمل به معيد: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
«2» .
وأمره أن يحافظ على الصّلوات قائما بشروطها وحدودها، وشائما «3» بروق التوفيق في أداء فروضها وحقوقها؛ ومسارعا إليها في أوقاتها بنيّة عائفة مناهل الكدر والرّنق «4» ، عارفة بما في إخلاصها من نصرة الهدى وطاعة الحقّ؛ وموفّرا عليها من ذهنه، ما الحظّ كامن في طيّه وضمنه؛ وموفّيا لها من الرّكوع والسّجود، ما الرّشاد فيه صادق الدلائل والشّهود؛ متجنّبا أن يلهيه عنها من هواجس الأفكار،
(10/32)

ووساوس القلب العون منها والأبكار؛ ما يقف فيه موقف المقصّر الغالط، وينزل فيه منزلة الجاحد للنّعم الغامط؛ وقد أمر الله تعالى بها وفرضها على المؤمنين وأوجبها وحثّ من إقامتها، على ما يفضي إلى صلاح المقاصد واستقامتها؛ فقال عزّ من قائل: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً
«1» .
وأمره بالسّعي في أيام الجمع إلى المساجد الجامعة، وفي الأعياد إلى المصلّيات الضاحية؛ بعد أن يتقدّم في عمارتها، وإعداد الكسوة لها؛ بما يؤدّي إلى كمال حلاها، ويحظي من حسن الذكر بأعذب الموارد وأحلاها؛ ويوعز بالاستكثار من المكبّرين فيها والقوّام، وترتيب المصابيح العائدة على شمل جمالها بالاتّساق والانتظام: فإنها بيوت الله تعالى التي تتلى بها آياته، وتعلى فيها أعلام الشّرع وراياته. وأن يقيم الدعوة على منابرها لأمير المؤمنين، ولوليّ عهده العدّة للدّين؛ أبي القاسم عبد الله بن محمد ابن أمير المؤمنين «2» ، أدام الله تعالى به الإمتاع، وأحسن عن ساحته الدّفاع؛ ثم لنفسه جاريا في ذلك على ما ألف من مثله، وسالكا منه أقوم مسالك الاهتداء وسبله؛ وقد بيّن الله تعالى ما في عمارتها من دلائل الإيمان، والفوز بما يعطي من سخط الله تعالى أوثق الأمان، في قوله سبحانه: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
«3» . وقال في الحثّ على السعي إلى الجوامع التي يذكر فيها اسمه، ويظهر عليها منار الإسلام ورسمه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
«4» .
(10/33)

وأمره أن يعتمد في إخراج الزكاة ما أمر الله تعالى به، وهدى منه إلى أرشد فعل وأصوبه؛ ويقوم بذلك القيام الذي يحظيه بجميل الذّكر، وجزيل الأجر، ويشهد له بزكاء المغرس وطيب النّجر «1» ؛ ويقصد في أداء الواجب منه ما يصل أمسه في التوفيق بيومه، ويطلق الألسنة بحمده ويكفّها عن لومه، متجنّبا من إخلال بما نصّ عليه في هذا الباب، أو إهمال فيه لما يليق بذوي الدّيانة وأولي الألباب؛ ومتوخّيا في المسارعة إليه ما يتطهّر به من الأدناس، ويتوفّر به حسن الأحدوثة عنه بين الناس؛ فقد جعل الله تعالى الزكاة من الفروض التي لا سبيل إلى المحيد عنها، ولا دليل في الفوز أوفى منها؛ وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأخذها من أمّته، وأبان عن كونها مما يجتنى كلّ مرغوب فيه من ثمرته؛ ووصل الأمر له في ذلك بما يوجب فضل المسابقة إلى قبوله: لما فيه من الحظّ الكامل في استنارة غرره وحجوله، في قوله سبحانه: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
«2» .
وأمره أن يهذّب من الدّنس خلاله، ويصل بأقواله في الخير أفعاله؛ ويمتنع من تلبية داعي الهوى المضلّ، ويتّبع سنن المتفيّء بالهدى المستظلّ؛ ويقبض يده عن كل محرّم توثق أشراكه وتوبق غوائله، وتؤذن بسوء المنقلب شواهده ودلائله، ويجعل له من نهاره رقيبا على نفسه يصونها عن مراتع الغيّ ومطارحه، وأمينا يصدّ عن مسارب الإثم ومسارحه؛ فإنّها لا تزال أمّارة بالسّوء إن لم تقد إلى جدد الرّشد، وتقم لها سوق من الوعظ يبلغ فيها أقصى الغاية والأمد؛ فالسعيد من أضحى لها عند سورة الغضب وازعا، وأنحى عليها بلوم يغدو معه عن كلّ ما يسخط الله تعالى نازعا، وأن يتنزّه عن النّهي عمّا هو له مرتكب، والأمر بما هو له مجتنب: إذ كان ذلك بالهجنة حاليا، وبين المرء وبين مقاصد هديه حائلا، قال الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ
(10/34)

النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ
«1» .
وأمره أن يضفي على من قبله من أولياء أمير المؤمنين وجنوده، أصناف جلابيب الإحسان، وبروده؛ ويخصّهم من جزيل حبائه بما يصلون منه إلى أبعد المدى، ويملكون به نواصي الآمال ويدركون قواصي المنى؛ ويميّز من أدّى واجبه في الطاعة وفرضه وأبدى صفحته في الغناء بين يديه بمزيد من الاشتمال يرهف بصيرة كلّ منهم في التوفّر على ما وافقه، ووصل بأنفه في التقرّب إليه سابقه، ويدعو المقصّر إلى الاستبصار في اعتماد ما يلحق فيه رتبة من فازت في الحظوة قداحه، وفاتت الوصف غرره في الزّلفة وأوضاحه: ليمرح به في الاغتذاء بلبان النّعمة، كما انتهج جدده في إحسان الخدمة، وأن يرجع إلى آراء ذوي الحنكة منهم مستضيئا بها مسترشدا، وطالبا ضوالّ الرأي الثاقب ومنشدا؛ وقد بيّن الله فضل المشورة التي جعلها للألباب لقاحا، وفي حنادس «2» الشّكوك مصباحا؛ حيث أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بها، وبعثه منها على أسدّ الأفعال وأصوبها؛ فقال تعالى:
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
«3» .
وأمره أن يعدل في الرّعايا قبله، ويحلّهم من الأمن هضابه وقلله، ويمنحهم من الاشتمال، ما يحمي به أمورهم من الاختلال، ويحوي به من طيب الذّكر بحسب ما اكتسب من رضيّ الأنحاء والخلال؛ ويضفي على المسلم منهم والمعاهد من ظلّ رعايته ما يساوي فيه بين القويّ والضّعيف، ويلحق التليد منهم بالطّريف: ليكون الكلّ وادعين في كنف الصّون، راجعين إلى الله تعالى في إمدادهم بالتوفيق وحسن الطاعة والعون. وأن ينظر في مظالمهم نظرا ينصر الحقّ فيه، وينشر علم العدل في مطاويه، وينصف معه بعضهم من بعض، وينصب «4» به
(10/35)

لهم من اهتمامه أسنى قسم وحظّ؛ ملينا لهم في ذلك جانبه، ومبينا ما يظلّ به كاسب الأجر وجالبه؛ ويزيل عنهم ما شرعه ظلمة الغلمان بتلك الأعمال، ويديل من تلك الحال باستئناف ما يوطؤهم كواهل الآمال؛ جامعا لهم بين العدل والإحسان، وجاعلا أمر الله تعالى في ذلك متلقّى بالطاعة الواضحة الدليل والبرهان؛ قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
«1» .
وأمره بأن يكون بالمعروف آمرا، وعن المنكر زاجرا، ولله تعالى في إحياء الحقّ وإماتة الباطل متاجرا، وأن يشدّ من الساعين في ذلك والدّاعين إليه، ويعدّ القيام بهذه الحال من أفضل ما يتقرّب به إلى الله تعالى يوم العرض عليه. ويتقدّم بتعطيل ما في أعماله من المواخير ودحضها، وإزالة آثارها ومحوها، فإنها مواطن بالمخازي آهلة، ومن مشارب المعاصي ناهلة؛ قد أسّست على غير التّقوى مبانيها، وأخليت من كل ما يرضي الله تعالى مغانيها؛ وقد أبان الله تعالى عن فضل الطائفة التي ظلّت بالمعروف آمرة وعن المنكر ناهية، وضنّت بما ترى فيه عن مقاصد الخير ذاهلة لاهية، فقال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
«2» .
وأمره أن يرتّب لحماية الطّرقات من يجمع إلى الصّرامة والشّهامة، سلوك محاجّ الرّشاد والاستقامة، ويجعل التعفّف عن ذميم المراتع شاهدا بتوفيق الله إيّاه، وعائدا عليه بما تحمد مغبّته وعقباه، ويأمر بحفظ السابلة، واختصاصهم بالحراسة السابغة الشاملة، وحماية القوافل واردة وصادرة، واعتمادها بما تغدو به إلى السلامة مفضية صائرة: لتحرس الدماء مما يبيحها ويريقها، والأموال مما يقصد فيه سبيل الإضاعة وطريقها؛ وأن يخوّفهم نتائج التقصير، ويعرّفهم مناهج التّبصير؛ وأنّ عليهم رقباء يلاحظون أمورهم ويوضّحونها، ليكون ذلك داعيا إلى
(10/36)

التحوّط والتحرّز، واعتماد الميل إلى جانب الصّحّة والتحيّز؛ ويوجب لهم من بعد ما يكفي أمثالهم مثله، ويكفّ أيديهم عن الامتداد إلى ما تذمّ سبله؛ فإن أخلّ أحدهم بما حدّ له، أو مزج بالسّوء عمله، جزاه بحسب ذلك وموجبه، قال الله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
«1» .
وأمره أن يتقدّم إلى نوّابه في الأعمال بوضع الرّصد على من يجتاز بها من العبيد الأبّاق، والاستظهار عليهم بحسب العدل والاستحقاق؛ واستعلام أماكنهم التي فصلوا عنها، ومواطنهم التي بعدوا منها؛ فإذا وضحت أحوالهم وبانت، وانحسمت الشّكوك في بابهم وزالت، أعادوهم إلى مواليهم أبوا أم شاءوا، وأصفوا نيّاتهم في الرجوع إليهم أم شابوا. وأن يقصدوا إنشاد الضّوالّ، ويجتهدوا من إظهار أمرها بما يغدو جمال الذّكر به في الظّلال، ويتجنّبوا أن يمتطوا ظهورها بحال، أو يمدّوا أيديهم إلى منافعها في إسرار وإعلان؛ حتّى إذا حضر أربابها سلّمت إليهم بالنّعوت والأوصاف، وأجري الأمر في ذلك على ما يضحى به علم العدل عالي المنار حالي الأعطاف؛ فقد أمر الله تعالى بأداء الأمانات إلى أهلها، وهدى من ذلك إلى أوضح محاجّ الصّحّة وسبلها، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
«2» .
وأمره أن يختار للنظر في المعاون والأجلاب من يرجع إلى دين يحميه من مهاوي الزّلل وصلف «3» عن مدّ اليد إلى أسباب المطامع، وكلف بما يعود على ما كلّف إيّاه بصلاح مشرق المطالع، ومعرفة بما وكل إليه كافية وافية، ولما يوجب الاستزادة «4» له ماحية نافية، ويوعز إليهم بالتشمير في طلب الدّعّار، من جميع الأماكن والأقطار، وحسم موادّ العار في بابهم والمضار. وأن يمضوا فيهم حكم
(10/37)

الله بحسب مقاصدهم في الضّلال، وتجرى أمورهم على قانون الشرع المنير في حنادس الظلام، ممتنعين أن يراقبوا من لم يراقب الله تعالى في فعله، ويجانبوا الصواب بقبول الشّفاعة فيمن شهدت آثاره بذميم سبله، وإذا وقع الظّفر بجان قد كشف في الغيّ قناعه، وأظهرت مساعيه إباه من إجابة داعي الرّشد وامتناعه؛ أقيم حدّ الله تعالى فيه من غير تعدّ للواجب، ولا تعرّ من ملابس السالكين للجدد اللّاحب، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
«1» .
وأمره أن يوعز إلى أصحاب المعاون، بأن يشدّوا من القضاة والحكّام، ويجدّوا في إجراء أمورهم على أوفى شروط الضبّط والإقدام، ويأمرهم بحضور مجالسهم لتنفيذ أحكامهم وإمضائها، والمسارعة إلى حثّ مطايا التشمير في ذلك وإنضائها، والتصرّف على أمثلتهم في إحضار الخصوم إذا ما امتنعوا، وسوقهم إلى الواجب إذا زاغوا عنه وانحرفوا، وأن يتقدّم بإمداد عمّال الخراج بما يؤدّي إلى قوّة أيديهم في استيفاء مال الفيء واجتبائه، واعتماد ما ينصر الحقوق في مطاويه وأثنائه، إذ كان في ذلك من الصّلاح الجامع، وكفّ المضارّ وحسم المطامع، ما المعونة عليه واجبة، وللتوفيق مقارنة مصاحبة، قال الله تعالى:
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
«2» .
وأمره بعرض من تضمّه الحبوس من أهل الجرائم والجرائر، وتأمّل أحوالهم في الموارد والمصادر؛ والرّجوع إلى متولّي الشّرطة في ذكر صورة كلّ منهم والسبب في حبسه، والتعيين من ذلك على ما يعرف به صحّة الأمر من لبسه؛ فمن ألفي منهم للذّنوب آلفا، وعن سنن الصّواب منحرفا، ترك بحاله، وكفّ بإطالة اعتقاله عن مجاله في ميادين ضلاله؛ وإن وجد منهم من وجب عليه الحدّ، أقيم فيه بحسب ما يقتضيه الحقّ، ومن اعترضت في بابه شبهة تجوّز إسقاط الحدّ عنه
(10/38)

ودرأه، اعتمد إلحاقه في ذلك بمن اتّصل إليه صوب الإحسان ودرّه، ومن لم يكن له جرم وتظهر صحّة شاهده ودليله، قدّم الأمر في إطلاقه وتخلية سبيله، وإن غدا لأحدهم سعي في الفساد واضح وبان، وغوى به في محاربة الحقّ وخان، قوبل بما أمر الله تعالى به في كتابه حيث يقول: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
«1» . وأمره باختيار المرتّب للعرض والعطاء، والنّفقة في الأولياء؛ من ذوي المعرفة والبصيرة، والمشهورين في العفّة بتساوي العلانية والسّريرة؛ وممن تحلّى بالأمانة جيده، واعتضد بطرفيه في الرّشاد تليده؛ وكان بما يسند إليه قيّما، وفي مقرّ الكفاية ثاويا مخيّما. وأن يتقدّم إليه بضبط حلى الرّجال وشيات الخيول، وأن يقصد في كل وقت من تجديد العرض ما يشهد بالاحتياط السابغ الأهداب والذّيول، فإذا وضح وجه الإطلاق، وسلم مال الاستحقاق؛ كانت التفرقة على قدر المنازل في التقديم والتأخير وبحسب الجرائد «2» التي تدلّ على الصغير من ذلك والكبير، ومتى طرق أحدهم ما هو محتوم على خلقه، أعاد على بيت المال من رزقه بقدر قسطه وحقّه. وأن يلزمهم إحضار جياد الخيول وخيار الشّكك «3» ، ويأخذهم من ذلك بأوضح ما نهج المرء الطريق فيه وسلك؛ فإن أخلّ أحدهم بما يلزمه البروز فيه يوم العرض، أو قصّر في القيام بالواجب عليه الفرض، حاسبه بذلك من الثابت باسمه والمطلق برسمه؛ تنبيها له على تلافي الفارط، وتبصيرا لغيره في البعد، عن مقام المخطيء الغالط؛ إذ كان في قوّتهم وكمال عدّتهم إرهاب للأعداء والأضداد، وإرهاف للبصائر فيما يؤدّي إلى المصالح الوافية
(10/39)

الأعداد والأمداد، قال الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
«1» .
وأمره باختيار عمّال الخراج، والضيّاع، والأعشار، والجهبذة، والصّدقات، والجوالي، وأن يكونوا محتضنين من الأمانة والكفاية بما يقع الاشتراك في علمه، ومتقمّصين من ملابس العفّة والدّراية ما تحمد العواقب في ضمنه، ومتميّزين بما يغنيهم عن الأفكار بنتائج الاتّعاظ والاعتبار ويغريهم بالاستمرار على السّنن المنجي لهم من مواقف التنصّل والاعتذار، وأن يأمر عمّال الخراج بجباية الأموال، على أجمل الوجوه والأحوال؛ سالكين في ذلك جددا وسطا، يحمي من مقام من ضعف في الاستخراج أوسطا. و [أن يتقدّم] إلى الناظرين في الضّياع بتوفية العمارة حقّها والزراعة حدّها، والتوفير من حفظ الغلّات الحاصلة على ما يقتفى فيه أرشد المذاهب وأسدّها، متحرّزين من أمر ينسبون فيه إلى العجز والخيانة، فكلّ من الحالين مجز في وضوح أدلّة الفساد ومخز. وإلى الجهابذة بقصد الصحّة في القبض والتقبيض، وحفظ النّقد من التدليس والتلبيس؛ أداء للأمانة في ذلك، واهتداء فيه إلى أقوم المسالك. وإلى سعاة الصدقات بأخذ الفرائض من مواشي المسلمين السائمة دون العاملة، والجري في ذلك على السّنّة الكاسبة للمحمدة الوافية الكاملة؛ متجنّبين من أخذ فحل الإبل وأكولة الراعي، وعقائل الأموال المحظورة على سائر الأسباب والدّواعي؛ فإذا استوفيت على المحدود من حقّها، أخرجت في المنصوص عليه من وجوهها وسبلها. وإلى جباة جماجم أهل الذّمّة بأخذ الجزية منهم في كلّ سنة، على قدر ذات أيديهم في الضّيق والسّعة، وبحسب العادة المألوفة المتّبعة، ممتنعين من مطالبة النّسوان، ومن لم يبلغ الحلم من الرجال ومن علت سنّه عن الاكتساب وتبتّل من الرّهبان ومن غدا فقره واضح الدليل والبرهان، وفاء بالعهد المسؤول، وتلقّيا لأمر الله تعالى بالقبول حيث
(10/40)

يقول: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
«1» .
وأمره أن يردّ أمر المظالم وأسواق الرقيق ودور الضّرب والطّرز والحسبة إلى من عضّد بالظّلف «2» الورع، وانتظم له شمل الهدى واجتمع، فكان ذا معرفة بما يحرم ويحلّ، وبصيرة يتفيّأ «3» بها من عوارض الشّبه ويستظلّ؛ وأن يكون النظر في ذلك مضاهيا للحكم ملائما، ولن يقوم به إلّا من لا يرى عاذلا له في فعله لائما، وأن يتقدّم إلى من يلي المظالم بتسهيل الإذن للخصوم في الدّخول عليه، وتمكين كلّ منهم من استيفاء الحجّة بين يديه، والتوصّل إلى فصل ما بينهم بحسب ما يقود الحقّ إليه، وأن يقصد فيما وقع الخلف معهم فيه، الكشف الذي يقوم به ويستوفيه؛ فإن وضح له الحقّ أنفذه وقطع به، وإلا ردّهم إلى مجالس القضاء لإمضاء ذلك على مقتضى الشّرع وموجبه، وإلى المرتّبين في أسواق الرقيق بالتحفّظ فيما يبتاع ويباع، وأن يستعمل في ذلك الاقتفاء للسّنن الجميل والاتّباع:
ليؤمن اختلاط الحرّ بالعبد، وتحرس الأنساب من القدح والفروج من الغصب؛ في ضمن حفظ الأموال، والمنع من مزج الحرام بالحلال. وإلى ولاة العيار بتصفية عين الدّرهم والدّينار من الغشّ والإدغال «4» ؛ وصون السّكك من تداول الأيدي الغربية لها بحال من الأحوال، متحذّرين من الاغترار بما ربّما وضح الفساد فيه عند الاعتبار، ومانعين التّجّار المخصوصين بالإيراد، من كل قول مخالف للإيثار في الصحّة والمراد، ومعتمدين إجراء الأمر فيما يطبع على القانون بمدينة السلام، من غير خلاف لمستقرّ القاعدة في ذلك ومتّسق النظام؛ وأن يثبت ذكر أمير المؤمنين، ووليّ عهده في المسلمين؛ على ما يضرب من الصّنفين «5» معا، والمسارعة في ذلك إلى أفضل ما بادر إليه المرء وسعى. وإلى المستخدمين في الطّرز بملاحظة
(10/41)

أحوال المناسج والإشراف عليها، وأخذ الصّنّاع بالتجويد على العادة التي يجب الانتهاء إليها؛ وإثبات اسم أمير المؤمنين على ما ينسج من الكسا والفروش والأعلام والبنود، جريا في ذلك على السّنن المرضيّ والمنهاج المحمود. وإلى من يراعي الحسبة الشريفة بالكشف عن أحوال العوامّ في الأسواق، والانتهاء في ذلك إلى ما ينتهي به شمل الصّلاح إلى الانتظام والاتّساق، وأن يتقدّم [إليهم] بما يجب من تعبير ما يختصّ بهم من المكاييل والموازين، وحملها على قانون الصّحّة الواضحة الدلائل والبراهين؛ وأن يقصد تبصيرهم مواضع الحظّ في الاستقامة، ويحذّرهم مواقع الانتقام الذي لا تفيد فيه أسباب الاستفصاح والاستقالة، فإن عرف من أحد منهم إقداما على إدغال فيما يزن أو يكيل، قوبل من التأديب بما هو الطريق إلى ارتداعه والسّبيل قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
» .
وأمره أن يعرف قدر النعمة التي ضفت «2» عليه برودها، وحلّت جيده عقودها، وزفّت منه إلى أوفى أكفائها، وحفّت بجزيل القسم من جميع أكنافها وأرجائها؛ وأن يقابلها بإخلاص في الطاعة يساوي فيه بين ما يبدي ويسرّ وسعي في الخدمة يوفي على كل مجاز ومبرّ، ويبدأ أمام ما يتوخّاه بأخذ البيعة لأمير المؤمنين ووليّ عهده على نفسه وولده، وكافّة الاجناد والرّعايا في بلده، عن نيّة صفت من الكدر والقذى، ووفت للتوفيق بما ضمنت من خذلان البغي ونصرة الهدى، ويتبع ذلك بالحقوق في كل خدمة ترضي، والوقوف عند الأوامر الإماميّة في كلّ ما يؤدّي إلى الوفاق ويفضي؛ وأن يحمل إلى حضرة أمير المؤمنين من الفيء والغنائم ما أوجبه الله تعالى وفرضه، من غير تأخير لما يجب تقديمه من ذلك ولا تقصير منه فيما يقتضي التّلافي والاستدراك ليأمر أمير المؤمنين بصرفه في سبيله المشار إليها، ووجوهه المنصوص عليها، قال الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ
(10/42)

خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
«1» .
ثم إنّ أمير المؤمنين آثر أن يضاعف له من الإحسان، ما يقتضيه مقامه لديه من وجيه الرتبة والمكان، وشرّفه بما يرفل من حلاه في حلل الجمال، وتكفّل له علاه ببلوغ منتهى الآمال؛ وبوّأه بما أولاه محلّا تقصر عن الوصول إليه الأقدام، وتعجز عن حلّ عراه الأيّام، ولقّبه بكذا، وأذن له في تكنيته عن حضرته، وتأهيله من ذلك لما يتجاوز قدر أمنيّته إنافة به على من هو في مساجلته من الأقران طالع، وإضافة للنّعمة في ذاك إلى ما اقترن بها فيما هو لشمل الفخر عنده جامع، وأنفذ لواء يلوي به إلى الطاعة أبيّ الأعناق، ويحوي به من العزّ ما أنواره وافية الإشراق.
فتلقّ يا فلان هذه الصّنيعة الغرّاء، والمنحة التي أكسبت زنادك الإيراء «2» ؛ بالاستبشار التّام، والاعتراف فيها بسابغ الطّول والإنعام؛ وأشع ذكر ذلك عند كلّ أحد، وانته في الإبانة عنه إلى أبعد أمد؛ واعتمد مكاتبة حضرة أمير المؤمنين متسمّيا، ومن عداه متلقّبا متكنّيا وتوفّر على شكر تستدرّ به صوب المزيد، وتستحقّ به إلحاق الطّريف من الإحسان بالتّليد، والله تعالى يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
«3» .
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، والحّجة لك وعليك؛ قد أوضح لك [فيه] الصّواب، وأذلّ به الجوامح الصّعاب؛ وحباك منه بموهبة كفيلة بخيري البدء والمعاد، وفيّة فيها المنى بسابق الضّمان والميعاد؛ وضمّنه من مواعظه ما هدى به إلى كلّ ما الجنيّ ثمره، وغدا محظيّا بما تروق أوضاحه في المجد وغرره؛ ولم يألك فيه تجمّلا يكسبك الفخر النامي، ويجعل ذكرك زينة المحفل والنادي؛ وتقديما ينبيء عمّا خصصت به
(10/43)

من المنح المشرقة الّلآلي، وإكراما يبقى صيته على تقضّي الأيّام والليالي؛ وتبصيرا يقي من فلتات القول والعمل، ويرتقي المستضيء بأنواره إلى ذرى الأمن من دواعي العثار والزّلل؛ فأصغ إلى ما حواه، إصغاء الفائز بأوفى الحظ، وتدبّر فحواه، الناطق بفضل الحثّ على الهدى والحضّ؛ وكن لأوامر أمير المؤمنين فيه محتذيا، ومن تجاوز محدوده في مطاويه محتميا؛ وبمواعظه الصادقة معتبرا، وفي العمل بما قارن الحق مستبصرا، تفز بالغنم الأكبر، وبالسلامة في المورد والمصدر؛ وإيّاك واعتماد ما تذمّ فيه مكاسبك، فإنّ لك بين يدي الله تعالى موقفا يناقشك فيه ويحاسبك. واعلم أنّ أمير المؤمنين قد قلّدك جسيما، وخوّلك جزيلا عظيما؛ فلا تنس نصيبك من الله تعالى غدا، ولا تجعل لسلطان الهوى المضلّ عليك يدا؛ وإن خفي عليك الصواب في بعض ما أنت بصدده، أو اعتراض فيه من الشّبه ما يحول بينك وبين طريق الرشاد وجدده «1» ؛ فطالع حضرة أمير المؤمنين به، واستنجد الله في ذلك بأسدّ رأي وأصوبه؛ يبدّلك من الشكّ يقينا، ويبدلك ما يغدو لكلّ خير ضمينا؛ إن شاء الله تعالى.
الطريقة الثانية (طريقة محقّقي المتأخّرين ممّن جرى على هذا المذهب: كالشيخ شهاب الدين محمود الحلبي «2» ، والمقرّ الشهابيّ بن فضل الله «3» ، ومن والاهم)
وهي أن يأتي في أثناء العهد بخطبة أو تحميد على عادة المكاتبات، وأن يذكر بعد صدر العهد حميد أوصاف المعهود إليه، ويطنب فيها ويثني عليه بما يليق بمقامه. قال في «التعريف» : على نحو ما تقدّم في عهود الخلفاء عن الخلفاء.
(10/44)

قال في «التثقيف» «1» : وصورته أن يكتب:
«هذا ما عهد به عبد الله ووليّه أمير المؤمنين المتوكل على الله (مثلا) أبو فلان فلان بن فلان، إلى السيّد الأجلّ الملك العالم العادل المؤيّد المظفّر المنصور المجاهد» ويذكر اللّقب هنا، مثل الناصر أو الكامل أو غيره «فلان الدنيا والدين، فلان، ابن السلطان السعيد الشهيد الملك الفلاني خلّد الله تعالى ملكه.
أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويصلّي على ابن عمّه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم» ويكمل الخطبة بما أمكنه. ثم يقال: «عهد إليه وقلّده جميع ما هو مقلّده من مصالح الأمّة وصلاح الخلق، بعد أن استخار الله تعالى في ذلك، ومكث مدّة يتدبّر هذا الأمر ويروّي فكره فيه وخاطره، ويستشير أهل الرأي والنظر، فلم ير أوفق منه لأمور الأمّة ومصالح الدنيا والدّين» . ومن هذا وشبهه. ثم يقال: «وإن المعهود له قبل ذلك منه» ويأتي فيه بما يليق من محاسن العبارة وأجناس الكلام.
قلت: وقد يؤتى بعد «أما بعد» بخطبة، مثل أن يقال: «أما بعد فالحمد لله» ونحو ذلك، ويكمّل الخطبة بما يليق بالمقام. ثم قد يقتصر على تحميدة واحدة، وقد يكرره إلى ثلاث، وإن شاء بلغ به سبعا. فقد قال في «التعريف» في الكلام على عهود الملوك للملوك: إنه كلّما كثر التحميد، كان أدلّ على عظم النعمة. وقد يقال في آخره: «والاعتماد على الخطّ الفلاني (بلقب الخلافة) أعلاه حجّة بمقتضاه أو «والخطّ الفلاني أعلاه حجّة فيه» ونحو ذلك.
وعلى هذه الطريقة كتب الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ عهد الملك
(10/45)

العادل «كتبغا» «1» عن الخليفة الإمام الحاكم بأمر الله أبي العبّاس أحمد «2» ، ابن الإمام الذي استحضره الملك الظاهر بيبرس من بغداد وبايعه، وهذه نسخته «3» :
هذا عهد شريف في كتاب مرقوم يشهده المقرّبون، ويفوّضه آل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأئمة الأقربون. من عبد الله ووليّه الإمام الحاكم بأمر الله أبي العبّاس أحمد أمير المؤمنين، وسليل الخلفاء الراشدين والأئمة المهديّين، رضوان الله عليهم أجمعين، إلى السلطان الملك العادل زين الدنيا والدين «كتبغا المنصوريّ» أعزّ الله سلطانه.
أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي جعل له منك سلطانا نصيرا، وأقام له بملكك على ما ولّاه من أمور خلقه عضدا وظهيرا؛ وآتاك بما نهضت به من طاعته نعما «4» وملكا كبيرا، وخوّلك بإقامة ما وراء سريره من مصالح الإسلام بكلّ أرض منبرا وسريرا، وجاء بك لإعانته على ما استخلفه الله فيه من أمور عباده على قدر وكان ربّك قديرا؛ وجمع بك الأمة بعد أن كاد يزيغ قلوب فريق منهم، وعضّدك لإقامة إمامته بأولياء دولتك الذين رضي الله عنهم؛ وخصّك بأنصار دينه الذين نهضوا بما أمروا به من طاعتك وهم نازهون «5» وأظهرك على الذين ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ
(10/46)

كارِهُونَ
«1» واصطفاك لإقامة الدّين وقد اختلفت الأهواء في تلك المدّة، ولمّ بك شعث الأمّة بعد الاضطراب فكان موقفك ثمّ موقف الصّدّيق يوم الرّدّة.
ويشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة حاكم بأمره، مستنزل لك بالإخلاص ملائكة تأييده وأعوان نصره؛ مسترهف بها سيف عزمك على من جاهر «2» بشركه وحاربه بكفره، معتصم بتوفيقه في تفويضه إليك أمر سرّه الذي استودعه في الأمّة وجهره؛ ويصلّي على سيدنا محمد رسول الله الذي استخرجه الله من عنصره وذويه، وشرّف به قدر جدّه بقوله فيه: «عمّ الرّجل صنو أبيه» وأسرّ إليه بأنّ هذا الأمر فتح به ويختم ببنيه؛ وعلى آله وصحبه والخلفاء الراشدين من بعده، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وجاهدوا أئمة الكفر الذين لا أيمان لهم والذين هم بربّهم يعدلون؛ وسلّم تسليما كثيرا.
وإنّ أمير المؤمنين لما آتاه الله من سرّ النبوة، واستودعه من أحكام الإمامة الموروثة عن شرف الأبوّة؛ واختصّه من الطاعة المفروضة على الأمم، وفرض عليه من النظر في الأخصّ من مصالح المسلمين والأعمّ؛ وعصم آراءه ببركة آبائه من الخلل، وجعل سهم اجتهاده هو المصيب أبدا في القول والعمل؛ وكان السلطان فلان هو الذي جمع الله به كلمة الإسلام وقد كادت، وثبت به الأرض وقد اضطربت بالأهواء ومادت؛ ورفع به منار الدين بعد أن شمخ الكفر بأنفه، وألّف به شمل المسلمين وقد طمح العدوّ إلى افتراقه وطمع في خلفه، وحفظ به في الجهاد حكم الكتاب الّذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
«3» ؛ وحمى به الممالك الإسلاميّة فما شام الكفر منها برق ثغر إلّا رمي من وباله بوابل، ولا أطلق عنان طرفه إلى الأطراف إلا وقع من سطوات جنوده في كفّة حابل؛ ولا اطمأنّوا في بلادهم إلا أتتهم سراياه من حيث لم يرتقبوا، ولا ظنّوا أنهم ما نعتهم حصونهم من
(10/47)

الله إلا وأتاهم بجنوده «1» من حيث لم يحتسبوا؛ وألّف جيوش الإسلام فأصبحت على الأعداء بيمنه يدا واحدة، وقام بأمور الأمّة فأمست عيون الرّعايا باستيقاظ سيوفه في مهاد الأمن راقدة؛ وأقام منار الشريعة المطهّرة فهي حاكمة له وعليه، نافذ أمرها على أمره فيما وضع الله مقاليده في يديه؛ ونصره الله في مواطن كثيرة، وأعانه على من أضمر له الشّقاق والصّلاة وإنّها لكبيرة «2» ؛ وأظهره «3» بمن بغى عليه في يومه بعد حلمه عنه في أمسه، وأيّده على الذين خانوا عهده ويَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
«4» ؛ وتعيّن لملك الاسلام فلم يك يصلح إلّا له، واختاره الله لذلك فبلغ به الدّين آماله؛ وضعضع بملكه عمود الشّرك وأماله، وأعاد بسلطانه على الممالك بهجتها وعلى الملك رونقه وجلاله؛ وأخدمه النّصر فما أضمر له أحد سوءا إلا وزلزل أقدامه وعجّل وباله، وردّه إليه وقد جعل من الرّعب قيوده ومن الذّعر أغلاله، وأوطأ جواده هام أعدائه وإن أنف أن تكون نعاله.
عهد إليه حينئذ مولانا الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين في كلّ ما وراء خلافته المقدّسة، وجميع ما اقتضته أحكام إمامته التي هي على التّقوى مؤسّسة:
من إقامة شعار الملك الذي جمع الله الاسلام عليه، وظهور «5» أبّهة السلطنة التي ألقى الله وأمير المؤمنين مقاليدها إليه؛ ومن الحكم الخاصّ والعامّ، في سائر ممالك الإسلام، وفي كل ما تقتضيه أحكام شريعة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام؛ وفي خزائن الأموال وإنفاقها، وملك الرّقاب وإعتاقها، واعتقال الجناة وإطلاقها؛ وفي كل ما هو في يد الملّة الاسلامية التي سيرجعها الله بجهاده إليها؛ وفي
(10/48)

تقليد الملوك والوزراء، وتقدمة الجيوش وتأمير الأمراء؛ وفي الأمصار يقرّ بها من شاء من الجنود، ويبعث إليها ومنها ما شاء من البعوث والحشود؛ ويحكم في أمرها بما أمر «1» الله من الذّبّ عن حريمها، ويتحكّم بالعدل الذي رسم «2» الله به لظاعنها ومقيمها؛ وفي تقديم حديثها واستحداث قديمها، وتشييد ثغورها، وإمضاء ما عرّفه الله به وجهله سواه من أمورها؛ وإقرار من شاء من حكّامها، وإمضاء ما شاء من إتقان القواعد بالعدل وإحكامها؛ وفي إقطاع خواصّها، واقتلاع ما اقتضته المصلحة من عمائرها وعمارة ما شاء من قلاعها؛ وفي إقامة الجهاد بنفسه الشريفة وكتائبه، ولقاء الأعداء كيف شاء من [تسيير] سراياه وبعث مواكبه؛ وفي مضايقة «3» العدوّ وحصاره، ومصابرته وإنظاره «4» ، وغزوه كيف أراه الله في أطراف بلاده وفي عقر داره؛ وفي المنّ والفداء والإرقاق، وضرب الهدن التي تسألها العدا وهي خاضعة الأعناق؛ وأخذ مجاوري العدوّ المخذول بما أراه الله من النّكاية إذا أمكن من نواصيهم، وحكم عفوه في طائعهم وبأسه في عاصيهم، وإنزال الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ
«5» . وفي الجيوش التي ألف الأعداء فتكات ألوفها، وعرفوا أنّ أرواحهم ودائع سيوفها؛ وصبّحتهم سرايا رعبها المبثوثة إليهم، وتركهم خوفها كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ
«6» وهم الذين ضاقت بمواكبهم إلى العدا سعة الفجاج، وقاسمت رماحهم الأعداء شرّ قسمة ففي أيديهم كعوبها وفي صدور أولئك الزّجاج «7» ، وأذهبت عن الثّغور الإسلامية رجس الكفر وطهّرت من ذلك ما جاور العذب الفرات والملح الأجاج؛
(10/49)

وعرفوا في الحروب بتسرّع الإقدام، وثبات الأقدام، وأدّخر الله لأيّامه الشريفة أن تردّنها بهم «1» دار السلام إلى ملك الإسلام: فيدرّ عليهم ما شاء من إنعامه الذي يؤكّد طاعتهم، ويجدّد استطاعتهم؛ ويضاعف أعدادهم، ويجعل بصفاء النيّات ملائكة الله أمدادهم؛ ويحملهم على الثّبات إذا لقوا الذين كفروا زحفا، ويجعلهم في التعاضد على اللّقاء كالبنيان المرصوص فإنّ الله يحبّ الّذين يقاتلون في سبيله صفّا. وفي أمر الشرع وتولية قضاته وحكّامه، وإمضاء ما فرض الله عليه وعلى الأمة من الوقوف عند حدوده وا «2» مع أحكامه؛ فإنّه لواء الله الممدود في أرضه، وحبله المتين الذي لا نقض لإبرامه ولا إبرام لنقضه، وسنن نبيّه الذي لا حظّ عند الله في الإسلام لغير متمسّك بسنّته وفرضه؛ وهو- أعزّ الله سلطانه- سيف الله المشهور على الذين غدوا وهم من أحكام الله مارقون، ويده المبسوطة في إمضاء الحكم بما أنزل الله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
«3» .
وفي مصالح الحرمين الشريفين وثالثهما الذي تشدّ أيضا إليه الرّحال. وإقامة سبيل الحجيج الذين يفدون على الله بما منحهم «4» من برّه وعنايته في الإقامة والارتحال.
وفي عمارة البيوت التي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ
«5» وفي إقامة الخطب على المنابر، واقتران اسمه الشريف مع اسمه بين كلّ باد وحاضر، والاقتصار على هذه التثنية في أقطار الأرض فإنّ القائل بالتثليث كافر؛ وفي سائر ما تشمله الممالك الإسلامية ومن تشتمل عليه شرقا وغربا، وبعدا وقربا؛ وبرّا وبحرا، وشاما ومصرا؛ وحجازا ويمنا، ومن يستقرّ بذلك إقامة وظعنا. وفوّض إليه ذلك جميعه وكلّ ما هو من لوازم خلافته لله في أرضه، ما ذكر وما لم يذكر تفويضا لازما، وإمضاء جازما، وعهدا محكما، وعقدا
(10/50)

في مصالح ملك الاسلام محكّما؛ وتقليدا مؤبّدا، وتقريرا على كرّ الجديدين مجدّدا؛ وأثبت ذلك وهو الحاكم حقيقة بما علمه من استحقاقه والحاكم بعلمه، وأشهد الله وملائكته على نفوذ حكمه بذلك: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ
«1» .
وذلك لما صحّ عنده من نهوض ملكه بأعباء ما حمّله الله من الخلافة، وأدائه الأمانة عنه فيما كتب الله عليه من الرحمة اللّازمة والرافة؛ واستقلاله بأمور الجهاد الذي أقام الله به الدين، واختصاصه وجنوده بعموم ما أمر الله به الأمة في قوله تعالى:
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
«2» . وأنّه في الجهاد سهمه المصيب وله به أجر الرامي المسدّد، وسيفه الذي جرّده على أعداء الدين وله من فتكاته حظّ المرهف المجرّد؛ وظلّ الله في الأرض الذي مدّه بيمن يمينه، وآية نصره الذي اختاره الله لمصالح دنياه وصلاح دينه؛ الناهض بفرض الجهاد وهو في مستقرّ خلافته وادع، والراكض عنه بخيله وخياله إلى العدوّ الذي ليس لفتكات سيوفه رادع «3» ؛ والمؤدّي عنه فرض النّفير في سبيل الله كلّما تعيّن، والمنتقم له من أهل الشّقاق الذين يجادلون في الحقّ بعد ما تبيّن، والقائم بأمر الفتوح التي تردّ بيع الكفر مساجد يذكر فيها اسم الله واسمه، ويرفع على منابرها شعاره الشريف ورسمه؛ وتمثّل له بإقامة دعوته صورة الفتح كأنه ينظر إليها؛ والناظر عنه في عموم مصالح الإسلام وخصوصها تعظيما لقدره، وترفيها لسرّه؛ وتفخيما لشرفه، وتكريما لجلالة بيته النبويّ وسلفه؛ وقياما له بما عهد إليه، ووفاء من أمور الدّين والدنيا بما وضع مقاليده في يديه.
وليدلّ على عظم سيرته بكرم سيره، وينبّه على كمال سعادته إذ قد كفي به في أمور خلق الله تعالى والسعيد من كفي بغيره، لم يجعل أمير المؤمنين على يده يدا في ذلك، ولا فسّح لأحد غيره في أقطار الأرض أن يدعى بملك ولا مالك، بل بسط
(10/51)

حكمه وتحكمه في شرق الأرض «1» وغربها وما بين ذلك؛ وقد فرض طاعته على سائر الأمم، وحكم بوجوبها على الخاصّ والعامّ ومن ينقض حكم الحاكم إذا حكم؛ وهو يعلم أنّ الله تعالى قد أودع مولانا السلطان سرّا يستضاء بأنواره، ويهتدى في مصالح الملك والممالك بمناره، فجعل له أن يفعل في ذلك كلّ ما هدى الله قلبه إليه، وبعثه بالتأييد الإلهيّ عليه؛ واكتفى عن الوصايا بأنّ الله تعالى تكفّل له بالتأييد، وخصّه من كلّ خير بالمزيد؛ وجعل خلقه التقوى وكلّ خير فرع عليها، ونوّر بصيرته بالهدى فما يدلّ على حسنة من أمور الدنيا والآخرة إلّا وهو السابق إليها؛ والله تعالى يجعل أيّامه مؤرّخة بالفتوح، ويؤيّده بالملائكة والرّوح، على من يدّعي الأب والابن والرّوح؛ ويجعل أسباب النصر معقودة بسببه، والملك كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ
«2» .
ويشهد بهذا العهد الشريف مع من شهده من الملائكة المقرّبين «3» ، كلّ من حضر تلاوته من سائر الناس أجمعين: لتكون حجّة الله على خلقه أسبق، وعهد أمير المؤمنين بثبوته أوثق؛ وطاعة سلطان الأرض قد زادها الله على خلقه بذلك توكيدا، وشهد [الله] وملائكته على الخلق بذلك وكفى بالله شهيدا. والاعتماد على الخط الحاكميّ أعلاه حجّة به، إن شاء الله تعالى.
وعلى نحو ذلك كتب الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ عهد الملك المنصور «حسام الدّين لاچين» «4» عن الخليفة الحاكم بأمر الله بن أبي الربيع
(10/52)

سليمان المتقدّم ذكره «1» . وهذه نسخته «2» :
هذا عهد شريف تشهد به الأملاك لأشرف الملوك، وتسلك فيه من قواعد العهود المقدّسة أحسن السّلوك؛ من عبد الله ووليّه الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، للسلطان الملك المنصور حسام الدنيا والدين؛ أبي الفتح لاچين المنصوريّ، أعزّ الله سلطانه.
أما بعد، فالحمد لله مؤتي الملك من يشاء من عباده، ومعطي النصر من يجاهد فيه حقّ جهاده؛ ومرهف حسام انتقامه على من جاهر بعناده، ومفوّض أمر هذا الخلق إلى من أودعه سرّ رأفته في محبّته ومراد نقمته في مراده؛ وجامع كلمة الإيمان بمن اجتباه لإقامة دينه وارتضاه لرفع «3» عماده، ومقرّ الحق في يد من منع سيفه المجرّد في سبيل الله أن يقرّ في أغماده، وناصر من لم تزل كلمة الفتوح مستكنّة في صدور سيوفه جارية على ألسنة صعاده، وجاعل ملك الإسلام من حقوق من إذا عدّ أهل الأرض على اجتماعهم كان هو المتعيّن على انفراده، الذي شرّف أسرّة ملك الإسلام باستيلاء حسام دينه عليها، وزلزل ممالك أعدائه بما بعث من سرايا رعبه إليها؛ وثبّت به أركان الأرض التي ستحتوي ملكه في طرفيها، وضعضع بسلطانه قواعد ملوك الكفر فودّعت ما كان مودعا لأيّامه من ممالك الإسلام في يديها؛ وأقامه وليّه بأمره فلم يختلف عليه اثنان من خلقه، وقلّده أمر بريّته لما أقدره عليه من النّهوض بحقّهم وحقّه؛ وأظهره على من نصب له الغوائل وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ
«4» ونصره في مواطن كثيرة لما قدّره في القدم من رفعة
(10/53)

شأنه واعتلاء قدره؛ وجعل عدوّه وإن أعرض عن طلبه بجيوش الرّعب محصورا، وكفاه بنصره على الأعداء التوغّل في سفك الدّماء فلم يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً «1»
؛ ونقل إليه الملك بسيفه والدّماء مصونة، وحكّمه فيما كان بيد غيره من الأرض والبلاد آمنة والفتن مأمونة؛ فكان أمر من ذهب سحابة صيف، أو جلسة ضيف «2» ؛ لم تحلّ له روعة في القلوب، ولم يذعرها- وقد ألبسه الله ما نزع عن سواه- سالب ولا مسلوب، إجراء لهذه الأمة على عوائد فضله العميم، واختصاصا بما آتاه من ملكه وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ «3» .
يحمده أمير المؤمنين على ما منح في أيّامه الدّين من اعتضاده بحسامه، والاعتماد في ملك المسلمين على من يجعل جباه ملوك الشّرك تحت أقدامه، والاعتداد بمساعي من حصونه في الجهاد ظهور جياده وقصوره أطراف حسامه.
ويشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة حاكم بما أراه، حامد له في ملك الإسلام على تيسّر ما وطّده ورفع ما عراه «4» ، معتصم به في كلّ ما أثبته بالحق من قواعد الدّين «5» في جهاد أعداء الدّين عن سيره في ذلك وسراه؛ وأن محمدا عبده ورسوله الذي جعله «6» من عصبته الشريفة وعصبته، وشرّفه بوراثة خلافته في أمّته [ورفع] قدر رتبته، وقصره على إقامة من يرهب العدا بنشر دعوته في الآفاق مع مواقع رغبته؛ ويسأله أن يصلّي عليه صلاة تفتح له في الدنيا إلى العصمة طريقا، وتجعله في الأخرى معه ومع الّذين أنعم الله عليهم من آبائه الشّهداء
(10/54)

والصالحين وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً
«1» ؛ وسلّم تسليما كثيرا.
وإنّ أمير المؤمنين لما اختصّه الله به من البرّ «2» المودع في قلبه، والنّور الذي أصبح فيه على بيّنة من ربّه؛ والتأييد المنتقل إليه عمّن شرف بقربه، والنصّ الذي أسرّه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جدّه العبّاس من بقاء هذا الأمر في ورثته دون أقاربه وصحبه؛ لم يزل يرغب إلى الله سبحانه «3» ويستخيره في إقامة من ينهض في ملك الإسلام حقّ النّهوض، ويفوّض إليه الأمانة إلى من يرى «4» أداء الأمانة فيهم من آكد الفروض؛ ومن إذا قال النفير يا خيل الله اركبي سابقت خيله خياله، وجازت عزائمه نصاله؛ وأخذ عدوّ الدّين من مأمنه، وغالب سيفه «5» الأجل على انتزاع روحه من بدنه؛ وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وجاهد لإقامة منار الإسلام لا للتعرّض إلى عرض الدنيا؛ وقدّمت له ملوك الدنيا حصونها، وبذلت له مع الطاعة مصونها؛ وأقيم له بكلّ قطر منبر وسرير، وجمع ملوك العدا في رقّ طاعته وهو «6» على جمعهم إذا يشاء قدير؛ ومن يقيم العدل على ما شرع، والشرع على ما أخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع؛ ويميت البدع بإحياء السّنن، ويعلم أنّ الله جعل لخلقه على لسان نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم سننا ولا يعدل بهم عن ذلك السّنن.
ولما كان السّلطان الملك المنصور حسام الدنيا والدّين أبو الفتح «لاچين المنصوري» - خلّد الله سلطانه- هو الذي جعل [الله] صلاح الأمة على يديه، واختاره لإقامة دينه فساق ملك الإسلام عنوة إليه؛ وأنهضه بذلك وقد أمدّه بجنود نصره، وأنزل سكينته عليه وجمع قلوب أهل الإسلام على حبّه؛ وفرّق أعداء الدّين
(10/55)

خوف حربه، وجعل النصر حيث توجه من أشياخه «1» وحزبه؛ وعضّده لنصرة الإسلام بملائكة سمائه، وأقام به عمود الدين الذي بالسّيف قام ولا غرو فإن الحسام من أسمائه؛ وأقبلت إليه طوائف جيوش الإسلام مذعنين، وأدّى في كرامتهم حقوق طاعة الله الذي أيده بنصره وبالمؤمنين، وتلقّاهم بشير كرامته ونعمه وقال:
ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين؛ فطارت مخلّقات البشائر بملكه في الآفاق، وأغصّ العدا سلطانه «2» فما توهّموا في أمر الإسلام الاختلاف حتّى تحقّقوا بحمد الله ويمن أيّامه الوفاق؛ واختالت المنابر الإسلاميّة بذكر أمير المؤمنين وذكره، وأعلنت الأمة المحمديّة بحمد الله الذي أقرّبه الحقّ في مركزه وردّ به شارد الملك إلى وكره؛ وتحقّق أمير المؤمنين أنه المكنون في طويّته والمستكنّ في صدره «3» ؛ والقائم في عمارة بيته النبويّ وسلامته مقام سلمانه وعمّاره «4» ، فعهد إليه حينئذ في كلّ ما تقتضيه أحكام إمامته في أمّة نبيّه، وجعله في التصرّف المطلق عنه قائما مقام وصيّه في الملّة ووليّه؛ وقلّده أمر ملك الإسلام تقليدا عامّا، وفوّض إليه حكم السلطنة الشريفة تفويضا تامّا؛ وألبسه من ذلك ما خلعه عن سواه، ونشر عليه لواء الملك الذي زوى ظلّه عن غيره وطواه؛ وحكّمه في كل ما تقتضيه خلافته المقدّسة، وتمضيه إمامته التي هي على التقوى مؤسّسة: من إقامة منار الإسلام، والحكم العام في أمّة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام؛ وفي تقليد الملوك والوزراء، وتقدمة الجيوش وتأمير الأمراء؛ وفي تجهيز العساكر والسّرايا، وإرسال الطّلائع والرءايا «5» ، وتجريد الجنود الذين ما ندبهم إلى الأعداء «6» إلا آبوا»
بالنّهاب وبالسّبايا؛ وفي غزو العدوّ كيف أراه الله إن بنفسه أو جنده، وفي
(10/56)

استرسال «1» النصر بالثبات والصبر فإنّ الله يجزي الصابرين وما النّصر إلا من عنده؛ وفي محاصرة العدوّ ومصابرته، وإنظاره ومناظرته، وإنزالهم على ما شرع الله فيهم من الأحكام، والتوخّي في ذلك ما حكم به سعد بن معاذ «2» في زمن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام؛ وفي ضرب الهدن وإمضائها، والوفاء بالعقود المشروعة إلى انتهاء مددها وانقضائها، وفي إرضاء السيوف ممن نكث ولم يتمّ عهده إلى مدّته فإنّ إسخاط الكفر في إرضائها؛ وفي الأمصار يقرّ بها من شاء من الجنود، ويبعث إليها من شاء من البعوث والحشود؛ وفي سداد الثغور بالرجال الذين تفترّ بهم عن شنب النصر، وتأمن بهم أعدادها من غوائل الحصر، وتوفير سهامها من سهام القوّة التي ترمي «3» بشرر كالقصر؛ وإمداد بحرها بالشّواني «4» المجرّبة المجدّدة «5» ، والسّفن التي كأنها القصور الممهّدة على الصّروح الممرّدة؛ فلا تزال تدبّ إليهم من ذوات الأرجل عقاربها، وتخطف غربانهم الطائرة بأجنحة القلوع مخالبها؛ وفي تقدمة «6» وتنفيذ السّرايا التي لا تزال أسنّتها إلى نحور الأعداء مقوّمة، وإنفاق ما يراه في مصالح الإسلام من القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوّمة؛ وفي إعلاء منار الشرع الشريف والانقياد إليه، والمسارعة إلى نفوذ حكمه فيما له وعليه، وتقوية يد حكّامه على كلّ أمير ومأمور أقرّ الشرع في يده شيئا أو انتزعه من يديه، وتفويض الحكم إلى كلّ من يتعيّن لذلك من أئمة الأمّة، وإقامة الشرع الشريف على قواعده الأربعة «7» فإن اتفاق
(10/57)

العلماء حجّة واختلافهم رحمة؛ وفي مصالح الحرمين الشريفين وثالثهما الذي تشدّ الرحال أيضا إليه، وفي إقامة سبل الحجيج الذين «1» دعاهم الله فلبّوه واستدعاهم فقدموا عليه؛ وفوّض إليه كلّ ما هو من لوازم خلافته لله في أرضه: ما ذكر وما لم يذكر، تفويضا لازما، وتقليدا جازما، وعقدا محكما، وعهدا في مصالح الإسلام والمسلمين محكّما، واكتفى عن الوصايا بما جبل عليه خلقه الشريف من التقوى، وهدى نفسه النفيسة إليه من التمسك بالسند «2» الأقوم والسبب الأقوى؛ فما ينبّه على حسنة إلّا وهو أسبق إليها، ولا يدلّ على خلّة «3» إلا وفكره الشريف أسرع من فكر الدالّ عليها؛ وقد وثق ببراءة الذّمّة من حقّ قوم أضحوا لفضل مثله راجين، وتحقّق حلول النعمة على أمّة أمسوا إلى «لاچين» لاجين «4» ؛ وقد استخار أمير المؤمنين الله في ذلك كثيرا، ولجأ إلى الله في توفيقه وتوقيفه على الصواب مما يجده في الحكم بذلك هاديا ونصيرا؛ وسارع إلى التسليم بأمر الله تعالى فيما فوّض إليه من أمور عباده إنّه كان بعباده خبيرا بصيرا.
وأشهد الله وملائكته ومن حضره من المؤمنين على نفسه بما تضمّنه هذا العهد الكريم، وحكم على الأمّة بمقتضاه فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
«5» . والخطّ الشريف الإماميّ الحاكميّ أعلاه، حجة بمقتضاه؛ إن شاء الله تعالى.
وعلى قريب منه كتب القاضي شمس الدين إبراهيم بن القيسرانيّ عهد
(10/58)

الملك الناصر «محمد بن قلاوون» عن الحاكم بأمر الله أحمد بن أبي الربيع سليمان «1» .
وهذه نسخته «2» :
هذا عهد يعمر بك للإسلام المعاهد، وينصر منك الاعتزام فتغنى عن الموالي والمعاضد «3» ؛ ويلقي إليك مقاليد الأمور: لتجتهد في مراضي الله وتجاهد، ويبعثك على العمل بالكتاب والسنّة: ليكونا شاهدين لك عند الله في أعظم المشاهد؛ فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوّة تبرّكا بأخذ يحيى عليه السلام للكتاب، وحاسب نفسك محاسبة تجد نفعها يوم يقوم الحساب، واعمل صالحا فالّذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب.
من عبد الله ووليّه الإمام الحاكم بأمر الله أبي العبّاس أحمد أمير المؤمنين:
إلى السلطان الأجلّ، العالم، العادل، المجاهد، المرابط، المظفّر، الملك، الناصر؛ ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، سيّد الملوك والسلاطين؛ فاتح الأمصار، مبيد الأرمن والفرنج والتّتار؛ وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك؛ خادم الحرمين، صاحب القبلتين؛ أبي الفتح محمد قسيم أمير المؤمنين أعز الله سلطانه، ولد السلطان الشهيد الملك المنصور سيف الدين قلاوون، قدّس الله روحه.
أما بعد، فالحمد لله الذي أقام ناصر الإسلام وأهله بخير ناصر، وأحلّ في السلطنة المعظّمة من استحقّها بذاته الشريفة وشرف العناصر؛ ووضع الإصر «4»
(10/59)

بمن كثرت منه ومن سلفه الكريم على الرّعايا الأواصر «1» ، وعقد لواء الملك لمن هو واحد في الجود ألف في الوغى ففي حاليه تعقد عليه الخناصر؛ وجمع كلمة الأمّة بمتفرّد في المعالي متوحّد في المفاخر، متّصف بمناقب أربى بها على أربابها من الملوك الأوائل والأواخر؛ وأقرّ النواظر والخواطر بمن أشرق عليهما نوره الباهر، وظهرت آثار وجوده وجوده على البواطن والظّواهر؛ وأعاد شبيبة الأيّام في اقتبال سرّ السرائر، وسارت بشائر مقدمه في الآفاق سير المثل وما ظنّك بالمثل السائر؛ وفعلت مهابته في التمهيد والتشييد فعل القنا المتشاجر، وشفت الصّدور بوجود الاتّفاق وعدم الشقاق بعد أن بلغت القلوب الحناجر؛ وأورث البلاد والعباد صفوة ذرّية ورثوا السيادة كابرا عن كابر، وسرى سرّه إذا ولد المولود منهم تهلّلت له الأرض واهتزّت إليه المنابر.
والحمد لله الذي اجتبى سيدنا محمدا صلّى الله عليه وسلم من أشرف بيت وقبيلة، ومنح الأمّة برسالته من خيري الدنيا والآخرة الوسيلة، وأوجب الشفاعة لمن سأل الله له أعلى درجة لا ينالها إلا رجل واحد وهي الوسيلة؛ وجعل شملهم بمبايعته ومتابعته في الهداية نظيما، وحضّ على ذلك بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
«2» . وبلّغهم به من السعادة غاية مطلوبهم، وأيده بنصره وبالمؤمنين وألّف بين قلوبهم؛ وزان شريعته المطهّرة بمحاسن أبهى منظرا ومخبرا من العقود، وفرض على المؤمنين أن يوفوا بالعهود وبالعقود؛ وأقدرهم على حمل الأمانة التي أشفقت السموات والأرض والجبال من حملها، وأنزل في كتابه العزيز: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
«3» .
(10/60)

والحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين من سلالة عمّ نبيّه العباس، واصطفى بيته المبارك من خير أمّة أخرجت للناس؛ وقوّى به جأش المسلمين وجيوش الموحّدين على الملحدين، وآتاه بسيادة جدّه وسعادة جدّه ما لم يؤت أحدا من العالمين؛ وحفظ به للمؤمنين ذماما، وجعله للمتّقين إماما؛ وخصّه بمزيد الشرفين: نسبه ومنصبه، وجعل مزيّة الرتبتين كلمة باقية في عقبه، وصان به حوزة الدّين صيانة العرين بالأسود، وصيّر الأيدي البيض مشكورة لحاملي راياته السّود.
يحمده أمير المؤمنين حمد من اختاره من السّماء فاستخلفه في الأرض، وجعل إمرته على المؤمنين فرضا لتقام به السّنّة والفرض؛ ويشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى «1»
«2» ؛ ويشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي كشف بمبعثه عن القلوب حجب الغيّ، وأشرقت أنوار نبوّته فأضاء لها يوم دخوله المدينة كلّ شيّ؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من أقامه في الإمامة مقامه وأشار إلى الاقتداء به من بعده، ومنهم من أعزّ الله به الإسلام في كلّ قطر مع قربه وبعده؛ ومنهم من كانت اليد الشريفة النبويّة في بيعة الرّضوان خيرا له من يده، ومنهم من أمر الله تعالى بالمباهلة «3» بالأبناء والنّفوس فباهل «4» خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم به وبزوجه وولده؛ وعلى بقيّة العشرة، الذين غدت بهم دعوة الحقّ مشتهرة منتشرة؛ وعلى عمّيه «5» أسد الله وأسد رسوله عليه السلام، وجدّ الأئمة المهديّين أمراء المؤمنين وخلفاء الإسلام، وسلم تسليما كثيرا.
وإنّ الله تعالى جعل سجيّة الأيّام الشريفة الإماميّة الحاكميّة أدام الله إشراقها، وقسم بها بين الأولياء والأعداء آجالها وأرزاقها؛ ردّ الحقوق إلى نصابها، وإعادتها
(10/61)

إلى مستحقّيها ولو تمادت الأيّام على اغتصابها، وإقرارها عند من هو دون الورى أولى بها: ليحقّق أنّ نسبه الشريف أظهر على أوامره دلائل الإعجاز، وحلّى كلماتها بالإيجاز وهباتها بالإنجاز؛ وإنّ الله جعل الاسم الشريف الحاكميّ في الحكم بأمره على خير مسمّى، وقوّى منه في تأييد كلمة الحقّ جنانا وعزما، ولم يخرج من أحكامه عن اتّباع أمر الله قضيّة ولا حكما؛ وكنت أيّها السيد، العالم العادل، السلطان، الملك، الناصر؛ ناصر الدنيا والدين، أبو الفتح محمد ابن السلطان الشهيد الملك المنصور، سيف الدين قلاوون- قدّس الله روحه- أولى الأولياء بالملك الشريف: لما لسلفك من الحقوق، وما أسلفوه من فضل لا يحسن له التناسي ولا العقوق؛ ولما أوجب لك على العساكر الإسلامية سابق الأيمان، وصادق الإيمان: ولأنك جمعت في المجد بين طارف وتالد، وفقت بزكيّ نفس وأخ ووالد؛ وجلالة، ما ورثتها عن كلالة؛ وخلال، مالها بالسّيادة إخلال؛ ومفاخر، تكاثر البحر الزاخر؛ ومآثر، أعجز وصفها الناظم والناثر؛ وكان ركابك العالي قد سار إلى الكرك المحروس، وقعدت عنك الأجسام وسافرت معك النّفوس؛ ووثقت الخواطر بأنّك إلى السلطنة تعود؛ وأنّ الله تعالى يجدّد لك صعودا إلى مراتب السّعود؛ وأقمت بها وذكرك في الآفاق سائر، والآمال مبشّرة بأنك إلى كرسيّ مملكتك صائر. فلمّا احتاج الملك الشريف في هذه المدّة إلى ملك يسرّ سريره، وسلطان تغدو باستقراره عيون الأنام والأيّام قريرة: لما للمسلمين في ذلك من تيسير أوطار وتعمير أوطان، ولأنهم لا ينفذون في المصالح الإسلاميّة إلا بسلطان؛ لم يدر في الأذهان، ولا خطر لقاص ولا دان؛ إلّا أنك أحقّ الناس بالسلطنة الشريفة، وأولاهم برتبتها المنيفة، ولا ذكر أحد إلّا حقوق بيتك وفضلها، ولا قال عنكم إلّا بقول الله: وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها
«1» : لأنّ البلاد فتوحات سيوفكم، ورعاياها فيما هم فيه من الأمن والخير بمنزلة ضيوفكم؛ ولأنّ العساكر الإسلاميّة استرقّهم ولاؤك، ووالوك لأنهم أرقّاؤك؛ فلم يقل أحد:
أنّى له الملك علينا؟ بل أقرّ كلّ منهم لك باليد وقرّ بولايتك عينا؛ وأخلصوا في
(10/62)

موالاتك العقائد، واستبشروا منك بمبارك الوجه ماجد جائد؛ ولم يغب غائب خليفته جيش أبيه وجدّه الصاعد؛ ورفعت الممالك يد الضّراعة سائلة وراغبة، وخطبتك لعقائلها ومعاقلها والخطباء على المنابر لك خاطبة وبدعائك مخاطبة؛ وقصدت لذلك أبوابك التي لا تزال تقصد، ودعيت للعود المبارك وعود محمّد للأمّة المحمديّة أحمد؛ وفعلت الجيوش المنصورة من طاعتك كلّ ما سرّ، وأربت في صدق النيّات وبرّها على كل من برّ:
ولو انّ مشتاقا تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر!
فما ضرّ بحمد الله بعد الدار والآمال بساكنها مطيفة، بل كان لك الذّكر «1» في قلب الخليفة نعم الخليفة؛ وكنت لديه- وإن غبت- حاضرا بجميل الذّكر، ونأيت دارا فقرّ بك إليه حسن التصوير في الفكر. وكان أمير المؤمنين قد شاهدك يافعا، وشهد خاطره أن ستصير للمسلمين نافعا؛ وتأمّل منك أمائر أضحى لها لترقّيك آملا، وهلالا دلّته كرامته- ولا تنكر الكرامة- على أن سيكون بدرا كاملا؛ وبلغه عنك من العدل والإحسان، ما أعجز وصفه بلاغتي القلم واللّسان؛ فناداك نداءه «2» على بعد المزار، ولم يجد لك نظير أفأطال وأطاب لمقدمك السعيد الانتظار؛ إلى أن أقدمت إقدام اللّيث، وقدمت إلى البلاد المتعطّشة إلى نظرك الشريف قدوم الغيث؛ فلاح بك على الوجود دليل الفلاح، وحمد الرعايا سراك عند الصبّاح والاستصباح وشاهدوا منك أسدا فاق بوثباته وثباته الأول، وشخصا لا يصلح إلّا لإدالة دول ولا تصلح إلا لمثله الدّول؛ وقامت باختبارك على اختيارك الدّلائل، وعرفك سرير الملك وعرف فيك من أبيك شمائل؛ ورأى أمير المؤمنين من نجابتك فوق ما أخبرت به مساءلة الرّكبان، ومن مهابتك ما دلّ على خفض الشانيء ورفع الشان؛ ومن محامدك كلّ ما صغّر الخبر عنها الخبر، وأعلنت ألسنة الأقدار
(10/63)

بأنه لم يبق عن تقليدك الممالك الإسلاميّة بحمد الله تعالى عذر؛ فاختارك على علم العالمين، واجتباك للذّبّ عن الإسلام والمسلمين؛ واستخار الله تعالى في ذلك فخار؛ وأفاض عليك من بيعته المباركة مع فخرك المشتهر حلل الفخار؛ وعهد إليك في كلّ ما اشتملت عليه دعوة إمامته المعظّمة، وأحكام خلافته التي لم تزل بها عقود الممالك في الطاعة منظّمة؛ وفوّض إليك سلطنة الممالك الإسلاميّة برّا وبحرا، شاما ومصرا؛ قربا وبعدا، غورا ونجدا؛ وما سيفتحه الله عليك من البلاد، وتستنقذه من أيدي ذوي الإلحاد؛ وتقليد الملوك والوزراء، وقضاة الحكم العزيز وتأمير الأمراء؛ وتجهيز العساكر والبعوث للجهاد في سبيل الله ومحاربة من ترى محاربته من الأعداء، ومهادنة من ترى مهادنته منهم؛ وجعل إليك في ذلك كله العقد والحلّ، والإبرام والنقض والولاية والعزل؛ وقلّدك ذلك كلّه تقليدا يقوم في تسليم الممالك إليك مقام الإقليد «1» ، ويقضي لقريبها وبعيدها بمشيئة الله تعالى بمزيد التمهيد والتّشييد: لتعلم أنّ الله قد جعل الأيام الشريفة الحاكمية- أدامها الله تعالى- فلكا أبدى سالفا من البيت الشريف المنصوري أقمارا، وأطلع منهم آنفا بدرا ملأ الخافقين أنوارا؛ فكلّما ظهرت لسلفه مآثر بدت مآثر خلفه أظهر، ومن شاهدهم وشاهد شمس سعادته المنزّهة عن الأفول قال هذا أكبر؛ وكلّما ذكر لأحدهم فضل علم أنه في أيامه متزيّد، وأنه إن مضى منهم سيّد في سبيله، فقد قام بأطراف الأسنّة منهم سيّد؛ وصيّر الدولة الشريفة الخليفيّة غابا إن غاب منهم أسود، خلفهم شبل بشّرت مخايله أنّه عليها يسود.
فليتقلّد السلطان الملك الناصر ما قلّده أمير المؤمنين، وليكن لدعوته الهادية من الملبّين وعليها من المؤمّنين؛ وليترقّ إلى هذه الرّتبة التي استحقّها بحسبه، واسترقّها بنسبه؛ وليباشرها مستبشرا، ويظهر من شكر الله تعالى عليها ما يغدو به مستظهرا؛ فقد أراد أمير المؤمنين القيام في نصرة الدين الحنيف فأقامك
(10/64)

أنت مقامه، وصرّف بك بين أهل الطاعة والعصيان إكرامه وانتقامه؛ رعيا لعهد سلفك الكريم، ولما استوجبته نفسك النفيسة من وفور التعظيم والتكريم؛ وعناية بالعساكر المؤيّدة الذين وجّهوا وجوه آمالهم إليك، وأبت كلمتهم التي صانها الله عن التفرّق أن تجتمع في الطاعة والخدمة إلّا عليك ولديك؛ ومنّة عليهم بسلطان ما برحوا من الله تعالى يطلبونه، وملك نشأوا بأبوابه العالية فلهذا يحبّهم ويحبّونه.
فاحمد الله تعالى الذي جعل لك في إعادة الملك أسوة بسليمان عليه السلام، وردّه إليك ردّا لا انفصال لعروته ولا انفصام؛ فأضحيت لأمور عباده سدادا، ولثغور بلاده سدادا، وللخليفة عضدا في الخليقة، وفي الدهر سامي الحقيقة حامي الحقيقة، وللملك وارثا، ورقّاك رقيّا أصبحت به في السلطنة واحدا وللخلافة المعظمة ثانيا وللقمرين ثالثا.
وبشراك! أنّ الله أبرم سبب تأييدك إبراما لا تصل الأيدي إلى نقضه، وأنك سئلت عن أمر طالما أتعب غيرك سؤاله في بعضه؛ وأن الله يحسن لك العون وبك الصّون، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الرّحمن بن سمرة! «1» لا تسأل الإمارة فإنّك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها» .
وبشراك! أن أمير المؤمنين خصّك بمزيد الاعتناء، وأقامك مقامه في حسن الغناء، وحقّق أنّ السعادة في أيامه موصولة منكم بالآباء والأبناء؛ وبلّغك بهذا التقليد الشريف الأماني، وتوّجه بيمين قريبة عهد باستلام الرّكن اليماني؛ واصطفاك بقلب أظهر له الكشوف إشراق تلك السّتور، وغدا مغمورا بالهداية ببركة البيت المعمور، ونظر زادته مشاهدة الحرم الشريف النبويّ نورا على نور؛ فقابل «2» ذلك بالقيام في مهمات الإسلام، وتدقيق النظر في مصالح الخاصّ والعام؛
(10/65)

واجتهد في صيانة الممالك اجتهادا يحرس منها الأوساط والأطراف، وتنتظم به أحوالها أجلّ انتظام وتأتلف أجمل ائتلاف.
والوصايا كثيرة وأولاها تقوى الله: فليجعلها حلية لأوقاته، ويحافظ عليها محافظة من يتّقيه حقّ تقاته؛ ويتّخذها نجيّ فكره وأنيس قلبه، ويعظّم حرمات الله:
وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ
«1» .
والشرع الشريف فهو لعقد الإسلام نظام، وللدّين القيّم قوام؛ فتجتهد في اقتفاء سننه، والعمل بمفروضه»
وسننه؛ وتكريم أهله وقضاته، والتوسل بذلك إلى الله في ابتغاء مرضاته.
وأمراء دولتك فهم أنصار سلفك الصالح، وذو والنصائح فيما آثروه من المصالح؛ وخلصاء طاعتهم في السّرّ والنّجوى، وأعوانهم على البرّ والتقوى؛ وهم الذين أحلّهم والدك من العناية المحلّ الأسنى، والذين سبقت لهم بحسن الطاعة من الله الحسنى؛ ولو لم يكن لهم إلّا حسن الوفاء، لكفاهم عندك في مزيد الاعتماد والاستكفاء؛ فإنهم جادلوا في إقامة دولتك وجالدوا، وأوفوا بالعهد فهم الموفون بعهدهم إذا عاهدوا؛ وهم للوصايا بخدمتك واعون، وفيما ائتمنتهم عليه لأماناتهم وعهدهم راعون؛ قد أصفوا لك النّيّات بظهر الغيب، وأخلصوا الطويّات إخلاصا لا شكّ معه ولا ريب؛ ونابوا عنك أحسن مناب، وكفّوا كفّ العدوّ فما طال له لا فتراس ولا اختلاس ظفر ولا ناب؛ واتخذوا لهم بذلك عند الله وعندك يدا، وأثّلوا لهم به مجدا يبقى حديثه الحسن الصحيح عنهم مسندا.
فاستوص بهم وبسائر عساكرك المنصورة خيرا، وأجمل لهم سريرة وفيهم سيرا؛ وأحمدهم عقبى هذه الخدمة، وأوردهم منهل إحسان يضاعف لهم النّعمة
(10/66)

والنّعمة: لتؤكّد طاعتك على كل إنسان، ويثقوا بحسن المكافأة: وهَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
«1» . ولتزداد أوامرك ونواهيك امتثالا، ولا يجدوا عن محبّة أيّامك الشريفة انتقالا، وليقال في حسن خدمهم وإحسانك: هكذا هكذا وإلّا فلا لا.
وأما الغزو والجهاد في سبيل الله تعالى، وما أوجبه فيهما قوله: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا
«2» ، فأقلّ ما يجزيء فرض الكفاية منه مرّة في كل عام، وأما فرض العين فوجوبه على ذوي الاستطاعة من المسلمين عامّ؛ وقد عرفت سنن السلطانين الشهيدين: والدك وأخيك «3» - قدّس الله روحهما «4» - في الاعتناء بجهاد الكفار، وغزوهم في عقر الدار؛ وموقف أحدهما في موطن زلّت فيه الأقدام عن الإقدام، واجتمع فيه الكفر على الإسلام؛ وشاب من هوله الوليد، ومصابرته تجاه سيف من سيوف الله تعالى الإمام خالد بن الوليد؛ واستنقاذا لآخر البلاد الساحليّة التي أنقذها الله من أيدي المشركين على يد الصّلاحين «5» ، وفتح لهما أبواب الجنة ببركة الافتتاحين؛ وأنّ والدك وأخاك سدّا على المشركين الفجاج، وطهّرا من أرجاسهم العذب الفرات والملح الأجاج؛ فالكتائب المنصوريّة «6» ، أبادت «7» التّتار بالسّيوف المشرفيّة؛ والممالك الإسلامية، زهت نظاما بالفتوحات الأشرفيّة «8» ؛ فاجتهد في إعلاء كلمة الدين أتمّ اجتهاد، وعزّزهما بثالث في الغزو والجهاد.
(10/67)

وأما الرّعايا «1» بعيدهم وقريبهم، ومستوطنهم وغريبهم، فيوفّيهم من الرّعاية حظّهم، ويجزل صيانتهم وحفظهم؛ وكما يرى الحقّ له فلير الحقّ عليه، ويحسن إلى رعاياه كما أحسن الله إليه.
وأما العدل فإنّه للبلاد عمارة، وللسّعادة أمارة، وللآخرة منجاة من النّفس الأمّارة؛ فليكن له شعارا ودثارا «2» ، وليؤكّد مراسمه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة من ذلك على ما يذكر به عند الله ويشكر.
والحدود الشرعيّة فليحلّ بإقامتها لسانه وطرسه، ولا يتعدّها بنقص ولا زيادة وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
«3» . والله يخلّد له رتبة الملك التي أعلى بها مقامه، ويديمه ناصرا للدين الحنيف فأنصاره لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة؛ ويجعل سبب هذا العهد الشريف مدى الأيّام متينا، ويجدّد له في كلّ وقت نصرا قريبا وفتحا مبينا. والخطّ «4» الحاكميّ أعلاه، حجة بمقتضاه؛ إن شاء الله تعالى.
الحمد لله وحده؛ وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلامه، حسبنا الله ونعم الوكيل.
وعلى نحو من ذلك كتب القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر «5» عن المستكفي بالله، أبي الرّبيع سليمان «6» ، عهد الملك المظفّر ركن الدين «بيبرس
(10/68)

المنصوري» الجاشنكير «1» . وهذه نسخته:
هذا عهد شريف انتظمت به عقود مصالح الملك والممالك، وابتسمت ثغور الثّغور ببيعته التي شهدت بصحّتها الكرام الملائك؛ وتمسّكت النّفوس بمحكم عقده النّضيد ومبرم عقده النّظيم، ووثقت بميثاقه فتركت الألسن مستفتحة بقول الله الكريم: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
«2» .
الحمد لله الذي جعل الملّة الإسلامية تأوي من سلطانها إلى ركن شديد، وتحوي من متابعة مظفّرها كلّ ما كانت ترومه من تأبيد التأييد، وتروي أحاديث النصر عن ملك لا يملّ من نصرة الدّين الحنيفّي وإن ملّ الحديد من الحديد؛ مؤتي ملكه من يشاء من عباده، وملقي مقاليده للوليّ المليّ بقمع أهل عناده؛ ومانحه من لم يزل بعزائمه ومكارمه مرهوبا مرغوبا، وموليه ومولّيه من غدا محبوّا من الأنام بواجب الطاعة محبوبا، ومفوّض أمره ونهيه إلى من طالما صرف خطّيّه عن حمى الدين أخطارا وخطوبا.
والحمد لله مجري الأقدار، ومظهر سرّ الملك فيمن أضحى عند الإمامة العباسيّة بحسن الاختبار من المصطفين الأخيار؛ جامع أشتات الفخار، ورافع لواء الاستظهار؛ ودافع لأواء «3» الأضرار، بجميل الالتجاء إلى ركن أمسى بقوّة الله تعالى عالي المنار، وافي المبارّ، بادي الآثار الجميلة والإيثار.
والحمد لله على أن قلّد أمور السلطنة الشريفة لكافلها وكافيها، وأسند عقدها وحلّها لمن يدرك بكريم فطنته وسليم فطرته عواقب الأمور من مباديها، وأيّد
(10/69)

الكتائب الإيمانيّة بمن لم تزل عواليه تبلّغها من ذرى الأمانيّ معاليها.
يحمده أمير المؤمنين على إعلاء كلمة الإيمان بأعيان أعوانها، وإعزاز نصرها بأركان تشييدها وتشييد أركانها؛ ويشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا تبرح الألسنة ترويها والقلوب تنويها، والمواهب تجزل لقائلها تنويلا وتنويها؛ ويشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أكمل نبيّ وأفضل مبعوث، وأشرف مورّث لأجلّ موروث؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تنمي بركاتها وتنمّ «1» ، وتخصّ حسناتها وتعمّ؛ ورضي الله عن عمّه العباس جدّ أمير المؤمنين، وعن آبائه الأئمة المهديّين؛ الذين ورثوا الخلافة كابرا عن كابر، وسمت ووسمت بأسمائهم ونعوتهم ذرى المنابر.
أما بعد، فإن الله عزّ وجلّ لما عدق «2» بمولانا أمير المؤمنين مصالح الجمهور، وعقد له البيعة في أعناق أهل الإيمان فزادهم نورا على نور، وأورثه عن أسلافه الطاهرين إمامة خير أمّة، وكشف بمصابرته من بأس العدا ظلام كلّ غمّة؛ وأنزل عليه السكينة في مواطن النصر والفتح المبين، وثبّته عند تزلزل الأقدام وثبّت به قلوب المؤمنين؛ وأفاض عليه من مهابة الخلافة ومواهبها ما هو من أهله، وأتمّ نعمته عليه كما أتمها على أبويه من قبله- بايع الله تعالى على أن يختار للتّمليك على البرايا، والتحكيم في الممالك والرّعايا؛ من أسّس بنيانه على التقوى، وتمسّك من خشية الله تعالى بالسبب الأقوى؛ ووقف عند أوامر الشرع الشريف في قضائه وحكمه، ونهض لأداء فرض الجهاد بمعالي عزمه وحزمه؛ وكان المقام الأشرف العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، المظفّريّ، الرّكنيّ، سلطان الإسلام والمسلمين، سيد الملوك والسلاطين؛ ناصر الملّة المحمدية، محيي
(10/70)

الدولة العبّاسية؛ أبو الفتح «بيبرس» قسيم أمير المؤمنين: أعزّ الله تعالى ببقائه حمى الخلافة وقد فعل، وبلّغ في بقاء دولته الأمل- هو الملك الذي انعقد الإجماع على تفضيله، وشهدت مناقبه الطاهرة باستحقاقه لتحويل الملك إليه وتخويله؛ وحكم التوفيق والاتّفاق بترقّيه إلى كرسيّ السلطنة وصعوده، وقضت الأقدار بأن يلقي إليه أمير المؤمنين أزمّة عهوده، والذي كم خفقت قلوب الأعادي عند رؤية آيات نصره، ونطقت ألسنة الأقدار بأن سيكون مليك عصره وعزيز مصره، واهتزّت أعطاف المنابر شوقا للافتخار باسمه، واعتزّت الممالك بمن زاده الله بسطة في علمه وجسمه؛ وهو الذي ما برح مذ نشأ يجاهد في الله حقّ جهاده، ويساعد في كل معركة بمرهفات سيوفه ومتلفات صعاده؛ ويبدي في الهيجاء صفحته للصّفاح فيقيه الله ويبقيه: ليجعله ظلّه على عباده وبلاده، فيردي الأعداء في مواقف تأييده فكم عفّر من خدّ لملوك الكفر تحت سنابك جياده؛ ويشفي بصدور سيوفه صدور قوم مؤمنين، ويسقي ظماء أسنّته فيرويها من مورد وريد المشركين؛ ويطلع في سماء الملك من غرر آرائه نيّرات لا تأفل ولا تغور، ويظهر من مواهبه ومهابته ما تحسّن به الممالك وتحصّن الثّغور؛ فما من حصن استغلقه الكفر إلا وسيفه مفتاحه، ولا ليل خطب دجا إلا وغرّته الميمونة صباحه؛ ولا عزّ أمل لأهل الإسلام إلا وكان في رأيه المسدّد نجاحه، ولا حصل خلل في طرف من الممالك إلّا وكان بمشيئة الله تعالى وبسداد تدبيره صلاحه؛ ولا اتّفق مشهد عدوّ إلا والملائكة الكرام بمظافرته فيه أعدل شهوده، ولا تجدّد فتوح للإسلام إلا جاد فيه بنفسه وأجاد؛ (والجود بالنّفس أقصى غاية الجود) .
كم أسلف في غزو أعداء الدّين من يوم أغرّ محجّل، وأنفق ما له ابتغاء مرضاة الله سبحانه فحاز الفخر المعجّل والأجر المؤجّل؛ وأحيا من معالم العلوم ودوارس المدارس كلّ داثر، وحثّه إيمانه على عمارة بيوت الله تعالى الجامعة لكلّ تال وذاكر: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
«1» . وهو الذي ما
(10/71)

زالت الأولياء تتخيّل مخايل السّلطنة في أعطافه معنى وصورة، والأعداء يرومون إطفاء ما أفاضه الله عليه من أشعّة أنواره: وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
«1» . طالما تطاولت إليه أعناق الممالك فأعرض عنها جانبا، وتطفّلت على قربه فكان لها- رعاية لذمّة الوفاء- مجانبا؛ حتّى أذن الله سبحانه لكلمة سلطانه أن ترفع، وحكم له بالصّعود في درج الملك إلى المحلّ الأعلى والمكان الأرفع، وأدّى له من المواهب ما هو على اسمه في ذخائر الغيوب مستودع.
فعند ذلك استخار الله تعالى سيدنا ومولانا الإمام المستكفي بالله أمير المؤمنين أبو الربيع سليمان، ابن الإمام الحاكم (وذكر نسبه على العادة) جعل الله الخلافة كلمة باقية في عقبه، وأمتع الإسلام والمسلمين بشرفي حسبه ونسبه؛ وعهد إلى المقام العالي السلطانيّ بكلّ ماوراء سرير خلافته، وقلّده جميع ما هو مقلّده من أحكام إمامته؛ وبسط يده في السلطنة المعظّمة، وجعل أوامره هي النافذة وأحكامه هي المحكّمة، وذلك بالديار المصرية، والممالك الشاميّة، والفراتيّة، والجبليّة، والساحليّة، والقلاع والثّغور المحروسة، والبلاد الحجازيّة، واليمانية، وكلّ ما هو إلى خلافة أمير المؤمنين منسوب، وفي أقطار إمامته محسوب، وألقى إلى أوامره أزمّة البسط والقبض، والإبرام والنّقض، والرّفع والخفض؛ وما جعله الله في يده من حكم الأرض، ومن إقامة سنّة وفرض؛ وفي كلّ هبة وتمليك، وتصرّف في ولاية أمور الإسلام من غير شريك؛ وفي تولية القضاة والحكّام، وفصل القضايا والأحكام؛ وفي سائر التحكّم في الوجود، وعقد الألوية والبنود، وتجنيد الكتائب والجنود، وتجهيز الجيوش الإسلامية من التأييد «2» إلى كلّ مقام محمود؛ وفي قهر الأعداء الذين نرجو بقوّة الله تعالى أن يمكّنه من نواصيهم، ويحكّم قواضبه «3» في استنزالهم من صياصيهم «4» ، واستئصال شأفة عاصيهم؛ حتّى يمحو
(10/72)

إن شاء الله تعالى بمصابيح سيوفه سواد خطوب الشّرك المدلهمّة، وتغدو سراياه في اقتلاع قلاع الكفر مستهمة؛ وترهبهم خيل بعوثه وخيالها في اليقظة والمنام، ويدخل في أيامه أهل الإسلام «مدينة السلام» بسلام- تفويضا تامّا عامّا، منضّدا منظّما محكّما محكما؛ أقامه مولانا أمير المؤمنين في ذلك مقام نفسه الشريفة، واستشهد الكرام الكاتبين في ثبوت هذه البيعة المنيفة.
فليتقلّد المقام الشريف العالي السلطاني- أعز الله نصره- عقد هذا العهد الذي لا تطمح لمثله الآمال، وليستمسك منه بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ولا انفصال؛ فقد عوّل أمير المؤمنين على يمن آرائك التي ما برحت الأمّة بها في المعضلات تستشفي، واستكفى بكفايتك وكفالتك في حياطة الملك فأضحى وهو بذلك المستكفي؛ وهو يقصّ عليك من أنباء الوصايا أحسن القصص، وينصّ لديك ما أنت آخذ منه بالعزائم إذا أخذ غيرك فيه بالرّخص؛ فإن نبّهت على التقوى فطالما تمسّكت منها بأوثق عروة؛ وإن هديت إلى سبيل الرشاد فما زلت ترقى منه أشرف ذروة؛ وإن استرهفنا عزمك الماضي الغرار، واستدعينا حزمك الذي أضاء به دهرك واستنار، في إقامة منار الشرع الشريف، والوقوف عند نهيه وأمره في كل حكم وتصريف، فما زلت- خلّد الله سلطانك- قائما بسنّته وفرضه، دائبا في رضا الله تعالى بإصلاح عقائد عباده في أرضه؛ وما برح سيفك المظفّر للأحكام الشرعيّة خادما، ولموادّ الباطل حاسما، ولأنوف ذوي البدع راغما؛ فكلّ ما نوصيك به من خير قد جبلت عليه طباعك، ولم يزل مشتدّا فيه ساعدك ممتدّا إليه باعك؛ غير أنّا نورد لمعة اقتضاها أمر الله تعالى في الاقتداء بالتّذكرة في كتابه المبين، وأوجبها نصّ قوله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
«1» . ويندرج تحت أصولها فروع يستغني بدقيق ذهنه الشريف عن نصّها، وبفكره الثاقب عن قصّها؛ فأعظمها للملّة نفعا، وأكثرها للباطل دفعا، الشرع الشريف: فليكن- أعز الله نصره- عاملا على تشييد قواعد إحكامه، وتنفيذ أوامر أحكامه؛ فالسعيد من قرن أمره بأمره،
(10/73)

ورضي فيه بحلو الحق ومرّه. والعدل فلينشر لواءه حتّى يأوي إليه الخائف، وينكفّ بردعه حيف كلّ حائف، ويتساوى في ظلّه الغنيّ والفقير، والمأمور والأمير؛ ويمسي الظّلم في أيّامك وقد خمدت ناره، وعفت آثاره.
وأهمّ ما احتفلت به العزائم، واشتملت عليه همم الملوك العظائم، وأشرعت له الأسنّة وأرهفت من أجله الصوارم؛ أمر الجهاد الذي جعله الله تعالى حصنا للإسلام وجنّة، واشترى فيه أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة؛ فجنّد له الجنود واجمع له الكتائب، واقض في مواقفه على الأعداء من بأسك بالقواضي «1» القواضب؛ واغزهم في عقر الدار، وأرهف سيفك البتّار: لتأخذ منهم للمسلمين بالثّار. والثّغور والحصون، فهي سرّ الملك المصون، وهي معاقل النفوس إذا دارت رحى الحرب الزّبون «2» ؛ فليقلّد أمرها لكفاتها، ويخصّ حمايتها بحماتها، ويضاعف لمن بها أسباب قوّتها ومادّة أقواتها. وأمراء الإسلام وجنود الإيمان فهم أولياء نصرك، وحفظة شامك ومصرك؛ وحزبك الغالب، وفريقك الذين تفرق منهم قلوب العدا في المشارق والمغارب؛ فليكن المقام العالي السلطانيّ- أعزه الله تعالى- لأحوالهم متفقّدا، وببسط وجهه لهم متودّدا، حتّى تتأكد لمقامه العالي طاعتهم، وتتجدّد لسلطانه العزيز ضراعتهم. وأما غير ذلك من المصالح، فما برح تدبيره الجميل لها ينفّذ ورأيه الأصيل بها يشير، فلا يحتاج مع علمه بغوامضها إلى إيضاحها وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
«3» . والله تعالى يخصّ دولته من العدل والإحسان بأوفر نصيب، ويمنح سلطانه ما يرجوه من النصر المعجّل والفتح القريب؛ إن شاء الله تعالى.
(10/74)

المذهب الثاني (أن يفتتح العهد بلفظ «من فلان» باسم الخليفة وكنيته ولقب الخلافة،
«إلى فلان» باسم السلطان وكنيته ولقب السلطنة كما في المكاتبات، ثم يأتي بعد ذلك بلفظ «أما بعد» ) ثم تارة يأتي بعد البعدية بتحميد، مثل أن يقول: «أما بعد فالحمد لله» ويتخلص إلى ذكر أمر الولاية وما ينخرط في سلكها، وتارة يأتي بعد البعدية بخطاب المولى والدعاء له، ويتخلّص إلى مقاصد العهد: من الوصايا وغيرها، على اختلاف مقاصد الكتّاب، وعلى ذلك كانت العهود في دولة الفاطميين بمصر.
قلت: وقد يستحسن هذا المذهب فيما إذا كان المعهود إليه غائبا عن حضرة الخليفة: لأن العهد يصير حينئذ كالرسالة الصريحة إليه، بخلاف ما إذا كان بحضرته فإنه لا يكون في معنى الرسالة الصريحة.
وعلى هذا المذهب كتب أبو إسحاق الصابي عن الطائع لله عهد شرف الدولة شيرزيك «1» بن عضد الدولة بن بويه، وهذه نسخته «2» :
من عبد الله «عبد الكريم الإمام الطائع لله» أمير المؤمنين، إلى شيرزيك «3» بن عضد الدولة وتاج الملة أبي شجاع مولى أمير المؤمنين:
سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
أما بعد- أطال الله بقاءك، وأدام عزّك وتأييدك وسعادتك ونعمتك وأمتع أمير المؤمنين بك وبالموهبة فيك وعندك- فإنّ أمير المؤمنين يرى أن يحفظ على كل
(10/75)

وليّ أحمد مذاهبه، وأرضى ضرائبه، وانصرف عن الدنيا متمسّكا بطاعته، متديّنا بمشايعته، حقوقه المتوحّدة، وحرماته المتمهّدة، فيمن يخلفه بعده من ولد أمّل أن يرث عنه محلّه، ويقوم فيه مقامه؛ وفاء لأهل الولاية، وتصرّفا على أحكام الرّعاية، وسياقة للصنيعة من سالف إلى خالف، وإمضائها من تالد إلى طارف. هذا على الأمر الجامع، والعموم الشامل؛ فإذا اتّفق أن منتهى «1» وارثة القرب إليه، والمنازل لديه، إلى النّجباء الأفاضل، والحصفاء الأماثل، الذين يستحبّون استئناف الاصطناع لهم، واستقبال التفويض إليهم بالمناقب الموجودة فيهم؛ لو انفردت عما حازوه عن آبائهم وأوليائهم، أجرى أمير المؤمنين ما يفضيه عليهم من الأيادي، ويرقّيهم إليه من هضاب «2» المعالي، مجرى الأمر الواجب الذي كثرت الدّواعي إليه، واتّفق الرأي والهوى «3» عليه؛ وتطابق الإيثار والاختبار فيه، واقترن الصواب والسّداد به؛ واشترك المسلمون في استثمار فائدته وعائدته، والانتفاع بتأديته وعاقبته؛ والله يخير لأمير المؤمنين فيما يمضيه من العزائم، ويبنيه من الدّعائم؛ ويعتمده من المصالح، ويتوخّاه من المناجح، إنه على ذلك قدير، وبه جدير، وهو حسب أمير المؤمنين ونعم الوكيل.
وقد علمت- أدام الله عزّك وأمتع أمير المؤمنين بك- أنّ شجرة بيتك [هي] «4» التي تمكّنت في الخدمة أصولها والفضيلة منوطة بها، وأسباب التّمام والدوام مجتمعة فيها، فلذلك سبغت النعمة عليكم، وامتدّ ظلّها إليكم؛ ونقّلت
(10/76)

فيها أقداحكم «1» ، وتوفّرت منها حظوظكم، فتداولتموها بينكم كابرا عن كابر بمساعيكم الصالحة، ومناهجكم الواضحة؛ وتعاضدكم على ما لمّ تشعّث «2» الدولة الجامعة، وطرف عنها الأعين الحاسدة، وكان شيخك عضد الدولة، وتاج الملة؛ أبو شجاع رضوان الله عليه، صاحب الرتبة الزّعمى «3» عند أمير المؤمنين وهمامها، والممتطي غاربها وسنامها؛ فعاش ما عاش مشكورا محمودا، ثم انقلب إلى لقاء ربه سعيدا رشيدا، وأوجب أمير المؤمنين لك وله منك الحلول بمكانه، وحيازة خطره وشانه، إذ كنت أظفر ولده، وأوّل المستحقّين لوراثته، وكانت فيك مع ذلك الأدوات المقتضيات لأن يفوّض الأمور إليك، ويعتمد فيها عليك: من كفاية وغناء، واستقلال ووفاء، وسياسة وتدبير، وشهامة وتشمير، وتصرّف على طاعة أمير المؤمنين، وإشبال «4» على إخوتك أجمعين؛ وحسن أثر فيما أنفذ أمرك فيه، وإفاضة أمن فيمن أمضيت «5» ولايتك عليه؛ وإحاطة بدلائل الحوالة «6» ومخايل الأصالة، بمثلها تنال الغايات الأقاصي، وتفترع الذوائب والنّواصي؛ فنوّلك أمير المؤمنين تلك المأثرة «7» ، وخوّلك تلك المفخرة «8» وجعل أخاك صمصام الدولة، وشمس الملة، أبا كاليجار- أمتع الله [بكما] أمير المؤمنين- بك تأييده «9» والمتقدّم بعدك على ولد أبيك، وأجراكما في التطبيق بينكما والتقرير لمنازلكما على مثل ما جرى الأمر عليه بين ركن الدولة أبي عليّ ومعزّ الدولة أبي
(10/77)

الحسين سالفا، ثم بين عضد الدولة وتاج الملة أبي شجاع ومؤيّد الدولة أبي منصور آنفا؛ تولّاهم الله بالرحمة؛ ونفعهم بما قبضهم عليه من وثائق العصمة؛ وخصّك أمير المؤمنين بعد ذلك بما يخصّ به ذو القدر الشامخ «1» والقدم السابقة، والمحلّة السامية، فذكرك بالتكنية، ورفعك عن التسمية، ولقّبك لقبين: أحدهما «شرف الدولة» لتشريفه بك أولياءه الذين أوطأهم عقبك، وأعلقهم حبلك «2» ، والآخر «زين الملة» لزينة أيّامه بمعاليك، وتضاعف جمالها بمساعيك، وعقد لك بيده لواءين يلويان إليك الأعناق بالطوع ممن سرّاه وأبهجاه، والكره ممن راعاه وأزعجاه؛ وأمر بأن تقام لك الدعوة على منابر مدينة السلام وما يجري معها من الأعمال بين الدّعوة لأمير المؤمنين وبين الدّعوة لصمصام الدولة وشمس الملّة، أمتع الله أمير المؤمنين بكما، وأحسن الدّفاع له عنكما: إلحاقا لك وله بعدك بأبيكما فيما كان شرّف به من هذه الحال التي لم يبلغها «3» غيره ولا أهّل لها أحد قبله، وأن يثبت ذكرك باللقب والكنية فيما ينقش من سكك العين والورق في دور الضرب باديا وذكر صمصام الدولة- كلأكما الله- تاليا، وحباك أمير المؤمنين مع ذلك بخلع تامّة تفاض عليك، وفرسين من جياد خيله يقادان إليك؛ بمركبي ذهب من خاصّ مراكبه، وسيف ماض من خيار أسيافه، يعزّ الله منكبيك بنجاديه، ويذلّ مناكب أعدائك بغراريه، وطوق وسوارين. وأن تجرى في المكاتبة عنه إلى الغاية التي أجري أبوك رحمه الله إليها، وهذا الكتاب ناطق بها ودالّ عليها. وندب لإيصال الجميع إليك عليّ بن الحسين الهاشميّ الزّينيّ «4» ، وأحمد بن نصر العباسيّ حاجبه ووحى «5» خادمه، فتلقّ شرف الدّولة وزين الملة وأبا الفوارس [ذلك]- أدام الله عزك- بما يحقّ عليك من تقوى الله في سرّك وجهرك، ومراقبته
(10/78)

في قولك وعملك، وابتغاء رضاه في مختلج خطراتك وفكرك، واتباع طاعته في مخارج أمرك ونهيك، وقابل ما أنعم به عليك، وأحسن فيه إليك، بالشكر الذي موقعه من النعمة موقع القرى من الضيف، فإن وجده لم يذم، وإن فقده لم يقم، وامدد على من ولّيت عليه من الخاصّة والعامّة ظلّك، ووطّيء لهم كنفك واغمرهم بطولك؛ وسسهم سياسة يكون بها صلاحهم مضمونا، وحريمهم مصونا، وبلادهم معمورة، ومنافعهم موفورة، وحلبهم دارّا، وعيشهم رغدا، وثغورهم مسدودة، وأعاديهم مذودة، ومسالكهم محميّة، ومساكنهم مرعيّة، ومرهم بالمعروف، وانههم عن المنكر، وابعثهم على الحسنات، واكففهم عن السّيئات؛ وساو في الحق بين شريفهم ومشروفهم، وقويّهم وضعيفهم، وقريبهم وغريبهم؛ وملّيّهم وذمّيّهم وقوّم سفهاءهم وجهّالهم، وانف دعّارهم وخرّابهم، وأكرم صلحاءهم وعلماءهم، وشاور فضلاءهم وعقلاءهم؛ وجالس أدنياءهم وأعلياءهم، وأنلهم «1» مراتبهم، ونزّلهم منازلهم؛ وأرهم تمسّكك بالدين ليقتدوا بك فيه، ورغبتك في الخير ليتقرّبوا إليك به، وخذ الحقّ وأعطه؛ وابسط العدل وقل به، وادرإ الحدود بالشّبهات، وأقمها «2» وأمضها بالبيّنات: لتكون الرغبة إليك في رغب، والرّهبة منك في رهب «3» ؛ وبالجملة فاحمل الناس على كتاب الله- جلّ وعز- وآدابه، وسنة الرسول وما جاآ به «4» .
واعلم أنّ أمير المؤمنين قد جعل كتابه هذا عهدا إليك، وحجة لك وعليك؛ وأنّ الأوامر والنواهي في العهود تكون كثيرة: وإنما قصّر فيه عن استيفائها،
(10/79)

لارتفاع طبقتك عن الحاجة إلى استقصائها، وللخروج إلى الله من الحق في تضمينه هذه الجمل منها؛ فإذا وصل ذلك إليك مع كرامات أمير المؤمنين المقدّم ذكرها لك، فالبس خلعه، وتقلّد سيفه؛ وتحلّ بحلاه، وابرز لمن يليك على حملانه «1» ، وأظهر لهم ضروب إحسانه وامتنانه، وانصب أمامك اللّواءين، وتكنّ وتلقّب باللقبين؛ وكاتب من تكاتب من طبقات الناس متلقّبا بهما متكنّيا، إلا أمير المؤمنين فإنّ الأدب أن لا تكاتبه متلقّبا بل متسمّيا؛ وليس ذلك ناقصا لك فيما أعطيته، ولا مرتجعا شيئا مما حبيته، ولكنّه الأمر بالمعروف، والرسم المألوف، وصل ما بينك وبين أخيك صمصام الدولة وشمس الملة- أدام الله الإمتاع بكما- بالمودّة، كما وصله الله بالأخوّة؛ واتّفقا على مسالمة المسالمين، وتعاضدا في محاربة المحاربين؛ فإنّ ذلك أرأب للصّدع، وأحتم للبشر «2» ، وانظم للشّمل، وأليق بالأهل. وأقم الدعوة لنفسك على منابر الممالك بعد إقامتها لأمير المؤمنين؛ وكاتب أمير المؤمنين بأخبارك، وطالعه بآثارك، واستدع أمره فيما استعجم من التدبير عليك، ورأيه فيما استبهم من الأمور دونك؛ واسترشده إلى الحظّ يرشدك، واستهده في الخطوب يهدك، واستمدّه من المعونة يمددك، واشكر آلاءه يزدك، إن شاء الله تعالى.
أطال الله بقاءك وأدام عزّك وتأييدك، وسعادتك ونعمتك؛ وأمتع أمير المؤمنين بك وبالرّغبة «3» فيك وعندك؛ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وعلى هذا النمط كتب القاضي الفاضل عهد أسد الدين شير كوه بالوزارة عن
(10/80)

العاضد الفاطميّ، والوزارة يومئذ قائمة مقام السلطنة على ما تقدّم ذكره، وهذه نسخته:
من عبد الله ووليّه، عبد الله أبي محمد الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين، إلى السيد، الأجلّ الملك، المنصور، سلطان الجيوش، وليّ الأمة، فخر الدولة، أسد الدين، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، أبي الحارث شيركوه العاضديّ، عضّد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته.
سلام عليك: فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على سيدنا محمد خاتم النبيين، وسيد المرسلين؛ صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين، الأئمة المهديين، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فالحمد لله القاهر فوق عباده، الظاهر على من جاهر بعناده، القادر الذي يعجز الخلق عن دفع ما أودع ضمائر الغيوب من مراده، القويّ على تقريب ما عزبت «1» الهمم باستبعاده؛ المليّ بحسن الجزاء لمن جاهد في الله حقّ جهاده، مؤتي الملك من يشاء بما أسلفه من ذخائر رشاده، ونازعه ممّن يشاء بما اقترفه من كبائر فساده، منجد أمير المؤمنين بمن أمضى في نصرته العزائم، واستقبله الأعداء بوجوه النّدم وظهور الهزائم، وفعلت له المهابة ما لا تصنع الهمم، وخلعت آثاره على الدّنيا ما تخلعه الأنوار على الظّلم، وعدمت نظراؤه بما وجد من محاسنه التي فاق بها ملوك العرب والعجم، وانتقم الله به ممّن ظلم نفسه وإن ظنّ الناس أنه ظلم، وذاد عن موارد أمير المؤمنين من هو [منه] «2» أولى بها ويأبى الله سبحانه إلا إمضاء ما حتم، ورام إخفاء فضائله وهل يشتهر طيب المسك إلا إذا اكتتم؟ مؤيّد
(10/81)

أمير المؤمنين بإمام أقرّ الله به عينهم، وقضى على يده من نصرة الدين دينهم:
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
«1» .
والحمد لله الذي خصّ جدّنا محمدا بشرف الاصطفاء والاجتباء، وأنهضه من الرسالة بأثقل الأعباء وذخر له من شرف المقام المحمود أشرف الأنصباء، وأقام به القسطاس، وطهّر به من الأدناس، وأيّده بالصابرين في البأساء والضّرّاء وحين الباس «2» ، وألبس شريعته من مكارم الأفعال والأقوال أحسن لباس، وجعل النّور ساريا منه في عقبه لا ينقصه كثرة الاقتباس: ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ
«3» .
والحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لأن يقوم في أمّته مقامه، وهدى بمراشد نوره إلى طرق دار المقامة، وأوضح به منار الحقّ وأعلامه، وجعله شهيد عصره، وحجّة أمره، وباب رزقه، وسبيل حقّه، وشفيع أوليائه، والمستجار من الخطوب بلوائه، والمضمونة لذويه العقبى، والمسؤول له الأجر في القربى، والمفترض الطاعة على كل مكلّف، والغاية التي لا يقصّر عنها بولائه إلا من تأخّر في مضمار النّجاة وتخلّف، والمشفوع الذكر بالصلاة والتسليم، والهادي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم؛ لا يقبل عمل إلا بخفارة «4» ولائه، ولا يضلّ من استضاء بأنجم هدايته اللّامعة، ولا دين إلّا به ولا دنيا إلّا معه: ليتّضح النهج القاصد»
، ولتقوم الحجة على الجاحد، وليكون لشيعته إلى الجنة نعم الشافع والرائد، وليأتي الله به بنيان الأعداء من القواعد، وليبيّن لهم الذي اختلفوا فيه
(10/82)

وليعلموا أنّما هو إله واحد.
يحمده أمير المؤمنين على ما حباه من التأييد الذي ظهر فبهر، وانتشر فعمّ نفعه البشر، والإظهار الذي اشترك فيه جنود السماء والأرض، والإظفار الذي عقد الله منه عقدا لا تدخل عليه أحكام النّقض، والانتصار الذي أبان الله به معنى قوله:
وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ*
«1» .
ويسأله أن يصلّي على سيدنا محمد الأمين، المبعوث رسولا في الأمّيين، الهادي إلى دار الخلود، المستقلّ «2» بيانه استقلال عواثر الجدود، والمعدود أفضل نعمة على أهل الوجود، والصافية بشريعته مشارع النعمة، والواضحة به الحنيفيّة البيضاء لئلّا يكون أمر الخلق عليهم غمّة؛ وعلى أبينا أخيه وابن عمّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ناصر شريعته وقسيمه في النّسب والسّبب، ويد الحقّ التي حكم لها في كلّ طلب بالغلب، وعلى الأئمة من ذرّيتهما وسائط الحكم، ومصابيح الظّلم ومفاتيح النّعم، والمخفقين «3» دعوى من باهاهم وفاخر، والباذلين جهدهم في جهاد من اتّخذ مع الله إلها آخر؛ وسلّم وردّد، ووالى وجدّد.
وإن أمير المؤمنين لما فوّضه الله تعالى إليه من إيالة «4» الخليقة، ومنحه من كرم السّجية وكرم الخليقة «5» وبسطه من يده على أهل الخلاف، وأنجزه من موعوده الذي ليس له إخلال ولا إخلاف، وأوضحه من براهين إمامته للبصائر، وحفظ به على الإسلام من طليعة المباديء وساقة المصاير، وأورثه من المقام الذي
(10/83)

لا ينبغي إلّا له في عصره، واستخدم فيه السّيوف والصّروف من تأدية فرائض نصره، وأظهر له من المعجزات، التي لا يخلو منها زمن، وظاهر له من الكرامات، التي زادت على أمنيّة كل متمنّ، وأتمنه عليه من أسرار النّبوّة التي رآه الله تعالى لها أشرف مودع وعليها أكرم مؤتمن؛ وأجرى عليه دولته من تذليل الصّعاب وتسهيل الطّلاب، وتفليل أحزاب الشّرك إذا اجتمعوا كما اجتمع على جدّه صلى الله عليه وسلم أهل الأحزاب- يواصل شكر هذه النّعم التّوامّ، ويعرف بعوارفها الفرادى والتّؤام؛ ويقدّم بين يدي كلّ عمل رغبة إليه في إيضاح المراشد، ونية لا تضلّ منها الهداية ولا سيّما وهو الناشد؛ ويستخيره عالما أنه يقدّم إليه أسباب الخير، ويناجيه فيطلعه الإلهام على ما يحلّي السّير ويجلّي الغير، ويأخذ بيد الله حقّه إذا اغتصبت حقوقه، ويستنجد بالله إذا استبيح خلافه واستجيز عقوقه، ويفزع إلى الله تعالى إذا قرع الضائر، ويثق بوعد الله تعالى إذا استهلكت الشّبه البصائر، فما اعترض ليل كربة إلا انصدع له عن فجر وضّاح، ولا انتقض عقد غادر إلا عاجله الله سبحانه بأمر فضّاح؛ ولا انقطعت سبل نصرة إلا وصلها الله تعالى بمن يرسله، ولا انصدعت عصا ألفة إلا تدارك الله تعالى بمن يجرّده تجريد الصّفاح؛ وإذا عدّد أمير المؤمنين هذه النّعم الجسيمة، والمنح الكريمة، واللطائف العظيمة، والعوارف العميمة؛ والآيات المعلومة، والكفايات المحتومة والعادات المنظومة، كنت أيّها السيد الأجلّ- أدام الله قدرتك، وأعلى كلمتك- أعظم نعم الله تعالى أثرا، وأعلاها خطرا وأقضاها للأمّة وطرا، وأحقّها بأن تسمى نعمة، وأجدرها بأن تعدّ رحمة، وأسماها أن تكشف غمّة، وأنضاها في سبيل الله سبحانه عزمة، وأمضاها على الأعداء حدّا، وأبداها في الجهاد جدّا، وأعداها على الأعداء يدا، وأحسنها فعلا لليوم وأرجاها غدا، وأفرجها للأزمة وقد كادت الأمة تصير سدى، وأحقّ الأولياء بأن يدعى للأولياء سيّدا، وأبقاهم فعلة لا ينصرم فعلها الذي بدا أبدا.
فليهنك «1» أنّك حزب الله الغالب، وشهاب الدين الثاقب، وسيف الله
(10/84)

القاضب، وظلّ أمير المؤمنين الممدود، ومورد نعمته المورود، والمقدّم في نفسه وما نؤخّره إلّا لأجل معدود؛ نصرته حين تناصر أهل الضّلال، وهاجرت إليه هاجرا برد الزّلال وبرد الظّلال، وخضت بحار الأهوال، وفي يدك أمواج النّصال؛ وها في جيدك اليوم عقد جواهر منّه ونظم لآل، بل قد بلغت السماء وزيّنت منك بنجوم نهار لا نجوم ليال، وكشفت الغمّاء وهي مطبقة، ورفعت نواظر أهل الإيمان وهي مطرقة، وعقصت أعنّة الطّغيان وهي مطلقة، وأعدت بحنكتك على الدولة العلويّة بهجة شبابها المونقة، وأنقذت الإسلام وهو على شفى جرف هار «1» ، ونفذت حين لا تنفذ السّهام عن الأوتار، وسمعت دعوته على بعد الدار، وأبصرت حقّ الله ببصيرتك وكم من أناس لا يرونه بأبصار، وأجليت طاغية الكفر وسواك اجتذبه «2» ، وصدقت الله سبحانه حين داهنه من لا بصيرة له وكذبه، وأقدمت على الصّليب وجمراته متوقّدة، وقاتلت أولياء الشيطان وغمراته متمرّدة؛ وما يومك في نصرة الدولة بواحد، ولا أمسك مجحود وإن رغم أنف الجاحد؛ بل أوجبت الحقّ بهجرة بعد هجرة، وأجبت دعوة الدين قائما بها في غمرة بعد غمرة، وافترعت صهوة هذا المحلّ الذي رقّاك إليه أمير المؤمنين باستحقاقك، وأمات الله العاجزين بما في صدورهم من حسرات لحاقك؛ وكنت البعيد القريب نصحه، المحجوب النافذ بحجّته المذعورة أعداء أمير المؤمنين [به] «3» إن فوّق سهمه أو أشرع رمحه؛ وما ضرّك أن سخطك أعداء أمير المؤمنين وأمير المؤمنين قد ارتضاك، ولا أن منعك
(10/85)

المعاند حقّك وقد قضى لك واقتضاك؛ وما كان في محاجزتك عن حظّك من خدمة أمير المؤمنين الذي أنت به منه أولى، ومدافعتك عن حقّك في قرب مقامه الذي لا يستطيع طولا، إلّا مغالبة الله فيك والله غالب على أمره، ومباعدتك وقد قرّبك الله من سرّ أمير المؤمنين وإن بعدت من جهره، استشرفتك الصّدور، وتطلّعت إليك عيون الجمهور، واستوجبت عقيلة النّعم بما قدّمت من المهور «1» ، ونصرت الإيمان بأهله، وأظهرت الدّين بمظاهرتك على الدّين كلّه، وناهضت الكفرة بالباع الأشدّ والرأي الأسدّ، ونادتهم سيوفك: «ولا قرار على زأر من الأسد «2» - وأدال الله بك ممن قدم على ما قدّم، وندم فما أغنى عنه النّدم، حين لجّ في جهالته، وتمادى في ضلالته، واستمرّ على استطالته، وتوالت منه عثرات ما أتبعها باستقالته، فكم اجتاح للدّولة رجالا، وضيّق من أرزاقهم مجالا، وسلب من خزائنها ذخائر وأسلحة وأموالا، ونقلها من أيدي أوليائها إلى أعداء الله تبارك وتعالى، واتّسعت هفواته «3» عن التعديد، وما العهد منها ببعيد؛ وقد نسخ الله تعالى بك حوادثها فوجب أن تنسخ «4» أحاديثها، وأتى الأئمّة منك بمن هو وليّها والأمّة بمن هو مغيثها، ودعاك إمام عصرك بقلبه ولسانه وخطّه على بعد الدار، وتحقّق أنك تتصرف معه حيث تصرّف وتدور معه حيث دار، واختارك على ثقة من أنّ الله تعالى يحمده فيك عواقب الاختيار، ورأى لك إقدامك ورقاب الشرك صاغرة، وقدومك وأفواه المخاوف فاغرة، وكرّتك في طاعته وأبى الله تعالى أن تكون خاسرة، وسطا بك
(10/86)

حين تمالى بك المشركون، وتمثّل لرسلهم بقوله سبحانه: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
«1» وأنفت عزّته هجنة «2» الهدنة. وقال لأوليائه: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ*
«3» وازدرى بخنازيرهم انتظارا لوصولك بأسود الإسلام، وصبر على أنّك تلبّي نداءه بألسنة الأعلام قبل ألسنة الأقلام؛ فكنت حيث رجا وأفضل، ووجدت بحيث رعى وأعجل، وقدمت فكتب الله لك العلوّ، وكبت بك العدوّ، وجمع على التوفيق لك طرفي الرّواح والغدّو، ولم يلبس الكافر بسهامك جنّة «4» إلا الفرار، وكان كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ
«5» فلله درّك حين قاتلت بخبرك، قبل عسكرك، ونصرت بأثيرك، قبل عشيرك؛ وأكرم بك من قادم خطواته مبرورة، وسطواته للأعداء مبيرة «6» ، وكلّ يوم من أيامه يعدّ سيرة؛ وإنك لمبعوث إلى بلاد أمير المؤمنين بعث السّحاب المسخّر، ومقدّم في النّية وإن كنت في الزمان المؤخّر، وطالع بفئة الإسلام غير بعيد أن يفيء الله عليها بلاد الكفّار، ورجال جهاد عددناهم عندنا من المصطفين الأخيار، وأبناء جلاد يشترون الجنة بعزائم كالنار، وغرر نصر سكون العدّو بعدها غرور ونومه غرار «7» .
ولما جرى من جرى ذكره على عادته في إيحاشك والإيحاش منك بكواذب الظّنون، ورام رجعتك عن الحضرة وقد قرّت بك الدار وقرّت بك العيون؛ وكان كما قال الله تعالى في كتابه المكنون: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ
«8» هنالك غضبت «9» نفوس الإسلام
(10/87)

ففتكت به أيديها، وكشفت له عن غطاء العواقب التي كانت منه مباديها، وأخذه من أخذه أليم شديد، وعدل فيه من قال وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
«1» : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
«2» .
ولما نشرت لواء الإسلام وطواه، وعضّدت الحقّ وأضعف قواه، وجنيت عقبى ما نويت وجنى عقبى ما نواه، وأبيت إلا إمضاء العزم في الشّرك وما أمضاه، أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ
«3» ودفعت الخطب الأشقّ، وطلعت أنوار النصر مشرقة بك وهل تطلع الأنوار إلّا من الشّرق «4» ، وقال لسان الحق:
فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُ
«5» ، قضى الله تعالى إلى أمير المؤمنين عدّة قدّمها ثم قضاها، وولّاه كما ولّى جدّه صلى الله عليه وسلم قبلة يرضاها وانتصر له بك انتصاره لأهل البيت بسلمانه وعمّاره «6» ، وأنطق أمير المؤمنين باصطفائك اليوم وبالأمس كنت عقد إضماره؛ وقلّدك أمير المؤمنين أمر وزارته، وتدبير مملكته وحياطة ماوراء سرير خلافته، وصيانة ما اشتملت عليه دعوة إمامته، وكفالة «7» قضاة المسلمين، وهداية دعاة المؤمنين، وتدبير ما
(10/88)

عدقه «1» الله بأمير المؤمنين من أمور أوليائه أجمعين، وجنوده وعساكره المؤيّدين، المقيمين منهم والقادمين، وكافّة رعايا الحضرة بعيدها ودانيها، وسائر أعمال الدول باديها وخافيها؛ وما يفتحه الله تعالى على يديك من البلاد، وما تستعيده من حقوقه التي اغتصبها الأضداد، وألقى إليك المقاليد بهذا التقليد، وقرّب عليك كلّ غرض بعيد، وناط بك العقد والحلّ، والولاية والعزل، والمنع والبذل؛ والرّفع والخفض، والبسط والقبض، والإبرام والنّقض، والتّنبيه والغضّ، والإنعام والانتقام، وما توجب السياسة إمضاءه من الأحكام، تقليدا لا يزال به عقد فخرك نظيما، وفضل الله عليك وفيك عظيما ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً
«2» .
فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين من هذه الرّتبة التي تتأخّر دونها الأقدام، والغاية التي لا غاية بعدها إلّا ما يملّيك الله به من الدّوام؛ فلقد تناولتها بيد في الطاعة غير قصيرة، ومساع في خدمة أمير المؤمنين أيّامها على الكافرين غير يسيرة، وبذلت لها ما مهّد سبلها، ووصلتها بما وصل بك حبلها، وجمعت من أدواتها ما جمع لك شملها، وقال لك لسان الحق وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها
«3» .
وتقوى الله سبحانه: فهي وإن كانت لك عادة، وسبيل لاحب «4» إلى السعادة، فإنها أولى الوصايا بأن تتيمّن باستفتاحها، وأحقّ القضايا بأن تبتديء الأمور بصلاحها؛ فاجعل تقوى الله أمامك، وعامل بها ربّك وإمامك، واستنجح بها عواقبك ومباديك، وقاتل بها أضدادك وأعاديك، قال الله سبحانه في كتابه المكنون: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ
(10/89)

إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
«1» .
والعساكر المنصورة فهم الذين غذوا بولاء أمير المؤمنين ونعمه، وربوا في حجور فضله وكرمه؛ واجتاحهم من لم يحسن لهم النّظر، واستباحهم بأيدي من أضرّ لما أصرّ؛ وطالما شهدوا المواقف ففرّجوها، واصطلوا المخاوف وتولّجوها، وقارعوا الكفّار مسارعين للأعنّة، مقدمين مع الأسنّة، مجرين إلى غايتين: إما إلى النّصر وإمّا إلى الجنّة؛ ودبّروا الولايات فسّدّدوا وتقلّدوا الأعمال فيما تقلّدوا؛ واعتمد أحمرهم وأسودهم، وأقربهم وأبعدهم؛ وفارسهم وراجلهم، ورامحهم ونابلهم، بتوفير الإقطاع وإدرار النفقات، وتصفية موارد العيش المونقات؛ وأحسن لهم السياسة التي تجعل أيديهم على الطاعة متّفقة، وعزائمهم في مناضلة أعداء الدّين مستبقة، وأجرهم على العادات في تقليد الولايات، واستكفهم لما هم أهله من مهمّات التصرّفات؛ وميّز أكابرهم تمييز الناظر بالحقائق، واستنهضهم في الجهاد فهذا المضمار وأنت السابق، وقم في الله تعالى أنت ومن معك فقد رفعت الموانع والعوائق: ليقذف الله بالحق الذي نصرته على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق «2» .
والشرع الشريف فأنت كافل قضاته، وهادي دعاته؛ وهو منار الله تعالى الأرفع، ويده التي تمنع الظّلم وتدفع، فقم في حفظ نظامه، وتنفيذ أحكامه «3» ؛
(10/90)

وإقامة حدوده، وإمضاء عقوده؛ وتشييد أساس الدعوة وبنائها، وتمييز آخذي عهودها وأنبائها، قيام من يعوّل في الأمانة على أهل الدّيانة، ويستمسك بحقوق الله تعالى الحقيقة بالرعاية والصّيانة.
والأموال فهي سلاح العظائم، ومواد العزائم، وعتاد المكارم، وعماد المحارب والمسالم؛ وأمير المؤمنين يؤمّل أن تعود بنظرك عهود النّضارة وأن يكون عدلك في البلاد وكيل العمارة.
والرّعايا فقد علمت ما نالهم من إجحاف الجبايات وإسراف الجنايات، وتوالى عليهم من ضروب النّكايات، فاعمر أوطانهم التي أخربها الجور والأذى، وانف عن مواردهم الكدر والقذى، وأحسن حفظ وديعة الله تعالى منهم، وخفّف الوطأة ما استطعت عنهم؛ وبدّلهم من بعد خوفهم أمنا، وكفّ من يعترضهم في عرض هذا الأدنى.
والجهاد فهو سلطان الله تعالى على أهل العناد، وسطوة الله تعالى التي يمضيها في شرّ العباد على يد خير العباد؛ ولك من الغناء فيه مصرا وشاما، وثبات الجأش كرّا وإقداما، والمصافّ التي ضربت فكنت ضارب كماتها، والمواقف التي اشتدّت فكنت فارج هبواتها «1» ؛ والتّدريب الذي أطلق جدّك، والتجريب الذي أورى زندك، [ما] «2» يغني عن تجديد الوصايا البسيطة، وتأكيد القضايا المحيطة؛ وما زلت تأخذ من الكفّار باليمين، وتعظم فتوحك في بلاد الشّمال فكيف تكون في بلاد اليمين، فاطلب أعداء الله برّا وبحرا، وأجلب عليهم سهلا ووعرا، وقسّم بينهم الفتكات قتلا وأسرا، وغارة وحصرا، قال الله تعالى في كتابه المكنون: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً
(10/91)

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
«1» .
وتوفيق الله تعالى يفتح لك أبواب التدبير، وخبرتك تدلّك على مراشد الأمر: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
«2» فأنت تبتدع من المحاسن ما لا تحيط به الوصايا، وتخترع من الميامن ما يتعرّف بركاته الأولياء والرّعايا؛ والله سبحانه وتعالى يحقّق لأمير المؤمنين فيك أفضل المخايل، ويفتح على يديك مستغلق البلاد والمعاقل؛ ويصيب بسهامك من الأعداء النّحور والمقاتل؛ ويأخذ للإسلام بك ماله عند الشرك من الثارات والطّوائل «3» ؛ ولا يضيع لك عملك في خدمة أمير المؤمنين إنه لا يضيع عمل عامل، ويجري الأرزاق والآجال بين سيبك «4» الفاضل وحكمك الفاصل؛ فاعلم هذا من أمر أمير المؤمنين ورسمه، واعمل بموجبه وحكمه؛ إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وعلى نحو منه كتب القاضي الفاضل أيضا عهد الملك الناصر، صلاح الدين يوسف بن أيّوب بالوزارة عن العاضد أيضا، وهذه نسخته:
من عبد الله ووليّه عبد الله أبي محمد الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين إلى السيّد الأجلّ (على نحو ما تقدّم «5» في تقليد عمّه أسد الدّين شيركوه) .
أما بعد، فالحمد لله مصرّف الأقدار ومشرّف الأقدار، ومحصي الأعمال والأعمار، ومبتلي الأخيار والأبرار، وعالم سرّ الليل وجهر النهار، وجاعل دولة أمير المؤمنين فلكا تتعاقب فيه أحوال الأقمار: بين انقضاء سرار «6» واستقبال
(10/92)

إبدار، وروضا إذا هوت فيه الدّوحات أينعت الفروع سابقة النّوّار باسقة الثّمار؛ ومنجد دعوته بالفروع الشاهدة بفضل أصولها، والجواهر المستخرجة من أمضى نصولها، والقائم بنصرة دولته فلا تزال حتّى يرث الله الأرض ومن عليها قائمة على أصولها.
والحمد لله الذي اختار لأمير المؤمنين ودلّه على مكان الاختيار، وأغناه باقتضاب الإلهام عن رويّة الاختبار، وعضّد به الدين الذي ارتضاه وعضّده بمن ارتضاه، وأنجز له من وعد السّعد ما قضاه قبل أن اقتضاه، ورفع محلّه عن الخلق فكلّهم من مضاف إليه غير مضاه؛ وجعل مملكته عرينا لاعتزازها بالأسد وشبله، ونعمته ميراثا أولى بها ذوي الأرحام من بني الولاء وأهله، وأظهر في هذه القضيّة ما أظهره في كلّ القضايا من فضل أمير المؤمنين وعدله؛ فأولياؤه كالآيات التي تتّسق دراريّ أفقها المنير، وتنتسق درر عقدها النظيم النّضير: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
«1» .
والحمد لله الذي أتمّ بأمير المؤمنين نعمة الإرشاد، وجعله أولى من للخلق ساد وللحقّ شاد، وآثره بالمقام الذي لا ينبغي إلّا له في عصره، وأظهر له من معجزات نصره ما لا يستقلّ العدد بحصره، وجمع لمن والاه بين رفع قدره ووضع إصره «2» ، وجعل الإمامة محفوظة في عقبه والمعقّبات تحفظه بأمره، وأودعه الحكم التي رآه لها أحوط من أودعه، وأطلع من أنوار وجهه الفجر الذي جهل من ظنّ
(10/93)

غير نوره مطلعه، وآتاه ما لم يؤت أحدا، وأمات به غيّا وأحيا رشدا، وأقامه للدّين عاضدا فأصبح به معتضدا، وحفظ به مقام جدّه وإن رغم المستكبرون، وأنعم به على أمّته أمانا لولاه ما كانوا ينظرون ولا يبصرون، وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
«1» .
يحمده أمير المؤمنين على ما آتاه من توفيق يذلّل له الصّعب الجامح، ويدني منه البعيد النّازح، ويخلف على الدّين من صلاحه الخلف الصالح، ويلزم آراءه جدد السّعود الواضح، ويريه آيات الإرشاد فإنّه نازح «2» قدح القادح، ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد الذي أنجى أهل الإيمان ببعثه، وطهّر بهديه من رجس الكفر وخبثه، وأجار باتّباعه من عنت الشيطان وعبثه، وأوضح جادّة التوحيد لكلّ مشرك الاعتقاد مثلّثه، وعلى أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الذي جادلت يده بلسان ذي الفقار، وقسّم ولاؤه وعداوته بين الأتقياء والأشقياء الجنّة والنار؛ وعلى الأئمة من ذرّيتهما الذي أذلّ الله بعزّتهم أهل الإلحاد، وأصفى بما سفكوه من دمائهم موارد الرشاد، وجرت أيديهم وألسنتهم بأقوات القلوب وأرزاق العباد، وسلّم ومجّد، ووالى وجدّد.
وإن الله سبحانه ما أخلى قطّ دولة أمير المؤمنين التي هي مهبط الهدى ومحطّ النّدى، ومورد الحياة للولّي والرّدى للعدا، من لطف يتلافى الحادثة ويشعبها ويرأبها، ونعمة تبلغ بها النفوس أربها؛ وموهبة تشدّ موضع الكلم، وتسدّ موضع الثّلم، وتجلّي غمائم الغمم، وتحلّي مغانم النّعم، وتستوفي شرائط المناجح، وتستدني فوارط المصالح؛ ولم يكن ينسى الحادثة في السيد الأجلّ الملك المنصور «3» رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلّبه ومثواه، التي كادت لها
(10/94)

أواخي «1» الملك تتزعزع، ومباني التدبير تتضعضع؛ إلّا ما نظر فيه أمير المؤمنين بنور الله من اصطفائك أيّها السيد الأجل الملك الناصر:- أدام الله قدرتك- لأن تقوم بخدمته بعده، وتسدّ في تقدمة جيوشه مسدّه، وتقفو في ولائه أثره، ولا تفقد منه إلا أثره؛ فوازت الفادحة فيه النعمة فيك، حتّى تستوفي حظّه من أمير المؤمنين بأجر لا يضيع الله فيه عمله، فاستوجب مقعد صدق بما اعتقده من تأدية الأمانة له وحمله، واستحقّ أن ينضرّ الله وجهه بما أخلقه الله من جسمه في مواقف الجهاد وبدّله؛ ومضى في ذمام رضا أمير المؤمنين: وهو الذّمام الذي لا يقطع الله منه ما أمره أن يصله، وأتبع من دعائه بتحف أوّل ما تلقاه بالرّوح «2» والرّيحان، وذخرت له من شفاعته ما عليه معوّل أهل الإيمان في الأمان؛ فرعى الله له قطعه البيداء إلى أمير المؤمنين وتجشّمه الأسفار، ووطأه المواطيء التي تغيظ الكفّار، وطلوعه على أبواب أمير المؤمنين طلوع أنوار النهار، وهجرته التي جمعت له أجرين: أجر المهاجرين وأجر الأنصار، وشكر له ذلك المسعى الذي بلغ من الشّرك الثار، وبلّغ الإسلام الإيثار. وما لقي ربّه حتّى تعرّض للشّهادة بين مختلف الصّفاح، ومشتجر الرّماح، ومفترق الأجسام من الأرواح؛ وكانت مشاهدته لأمير المؤمنين أجرا فوق الشّهادة، ومنّة لله تعالى عليه له بها ما للّذين أحسنوا الحسنى وزيادة؛ وحتى رآك أيّها السيد الأجلّ الملك الناصر- أدام الله قدرتك- قد أقررت ناظره، وأرغمت مناظره، وشددت سلطانه، وسددت مكانه؛ ورمى بك فأصاب، وسقى بك فصاب «3» ، وجمعت ما فيه من أبّهة المشيب إلى ما فيك من مضاء الشّباب، ولقنت ما أفادته التّجارب جملة، وأعانتك المحاسن التي هي فيك جلّة، وقلّب عليك إسناد الفتكات فتقلّبت، وأوضح لك منهاج البركات فتقبّلت، وسدّدك سهما، وجرّدك شهما، وانتضاك فارتضاك غربا «4» ، وآثرك على آثر ولده إمامة في
(10/95)

التدبير وحربا؛ وكنت في السلم لسانه الآخذ بمجامع القلوب، وفي الحرب سنانه النافذ في مضايق الخطوب، وساقته إذا طلب، وطليعته إذا طلب، وقلب جيشه إذا ثبت وجناحه إذا وثب؛ ولا عذر لشبل نشأ في حجر أسد، ولا لهلال استملى النّور من شمس واستمدّ.
هذا ولو لم يكن لك هذا الإسناد في هذا الحديث، وهذا المسند الجامع من قديم الفخر وحديث، لأغنتك غريزة عزيزة وسجيّة سجيّة وشيمة وسيمة، وخلائق، فيها ما تحبّ الخلائق، ونحائز «1» ، مثلها حائز، ومحاسن، ماؤها غير آسن، ومآثر، جدّ غير عاثر، ومفاخر، غفل عنها الأوّل، ليستأثر بها الآخر، وبراعة لسان، ينسجم قطارها، وشجاعة جنان، تضطرم نارها، وخلال جلال عليك شواهد أنوارها تتوضّح، ومساعي مساعد لديك كمائم نورها تتفتّح؛ فكيف وقد جمعت لك في المجد بين نفس وأب وعمّ، ووجب أن سألك من اصطفاء أمير المؤمنين ماذا حصل ثم على الخلق عمّ؛ فيومك واسطة في المجد بين غدك وأمسك، وكلّ ناد من أندية الفخار لك أن تقول فيه وعلى غيرك أن يمسك؛ فبشراك أنّ أنعم أمير المؤمنين موصولة منكم بوالد وولد، وأن شمس ملكه بكم كالشمس أقوى ما كانت في بيت الأسد.
ولما رأى الله تقلّب وجه أمير المؤمنين في سمائه ولّاه من اختيارك قبلة، وقامت حجّته عند الله باستكفائك وزيرا له ووزرا للملّة؛ فناجته مراشد الإلهام، وأضاءت له مقاصد لا تعقلها كلّ الأفهام؛ وعزم له على أن قلّدك تدبير مملكته الذي أعرقت في إرثه وأغرقت في كسبه، ومهّد لك أبعد غاية في الفخر بما يسّر لك من قربه؛ ولقد سبق أمير المؤمنين إلى اختيارك قبل قول لسانه بضمير قلبه، وذكر فيك قول ربه: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ
«2» . وقلّدك لأنك سيف من
(10/96)

سيوف الله تعالى يحقّ به التقلّد وله التّقليد، واصطفاك على علم بأنك واحد منتظم في معنى العديد؛ وأحيا في سلطان جيوشه سنّة جدّه الإمام المستنصر بالله «1» في أمير جيوشه الأوّل «2» ، وأقامك بعده كما أقام بعده ولده وإنه ليرجو أن تكون أفضل من الأفضل «3» ؛ وخرج أمره إليك بأن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السّجلّ لك بتقليدك وزارته التي أحلّك ربوتها، وأحلّ لك صهوتها؛ وحلّاك نعمتها، و «4» لك نغمتها؛ فتقلّد وزارة أمير المؤمنين من رتبتها التي تناهت في الإنافة، إلى أن لا رتبة فوقها إلّا ما جعله الله تعالى للخلافة، وتبوّأ منها صدرا لا تتطلّع إليه عيون الصّدور، واعتقل منها في درجة على مثلها تدور البدور:
وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
«5» : وقل الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
«6» . وباشر مستبشرا، واستوطن متديّرا «7» ؛ وابسط يدك فقد فوّض إليك أمير المؤمنين بسطا وقبضا، وارفع ناظرك فقد أباح لك رفعا وخفضا؛ وأثبت على درجات السعادة فقد جعل لحكمك تثبيتا ودحضا، واعقد حبى العزمات للمصالح فقد أطلق بأمرك عقدا ونقضا؛ وانفذ فيما أهّلك له فقد أدّى بك نافلة من السّياسة وفرضا؛ وصرّف أمور المملكة فإليك الصّرف والتصريف، وثقّف أود الأيام فعليك أمانة التهذيب والتثقيف، واسحب ذيول الفخار حيث لا تصل التّيجان، واملأ لحظا من نور الله تعالى حيث تتّقي
(10/97)

الأبصار لجين الأجفان؛ إنّ هذا لهو الفضل المبين فارتبطه بالتقوى التي هي عروة النّجاة وذخيرة الحياة والممات، وصفوة ما تلقّى آدم من ربّه من الكلمات؛ وخير ما قدّمته النفوس لغدها في أمسها، وجادلت [به] «1» يوم تجادل كلّ نفس عن نفسها؛ قال الله سبحانه ومن أصدق من الله قيلا: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
«2» . واستتمّ بالعدل نعم الله تعالى عليك، وأحسن كما أحسن الله إليك، وأمر بالمعروف فإنّك من أهله، وانه عن المنكر كما كنت تنزّهت عن فعله. وأولياء أمير المؤمنين، وأنصاره الميامين، ومن يحفّ بمقام ملكه من الأمراء المطوّقين «3» ، والأعيان المعصّبين، والأماثل والأجناد أجمعين؛ فهم أولياؤه حقّا، ومماليكه رقّا، والذين تبوّءوا الدار والإيمان سبقا، وأنصاره غربا كما أنّ عسكرك أنصاره شرقا؛ فهم وهم يد في الطاعة على من ناواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم؛ وتحكّم فيهم وأنت عند أمير المؤمنين أعلاهم.
هذا وقد كان السيد الأجلّ الملك المنصور- رضي الله عنه- استمطر لهم [من] «4» إنعام أمير المؤمنين المسامحة بعلقهم، وواسى «5» في هذه المنقبة التي استحقّ بها حسن الذكر بين طوائفهم وفرقهم، فصنهم من جائحات «6» الاعتراض، وابذل لهم صالحات الأغراض؛ وارفع دونهم الحجاب، ويسّر لهم الأسباب، واستوف منهم عند الحضور إليك غايات الخطاب؛ وصرّفهم في بلاد أمير المؤمنين ولاة وحماة، كما تصرّفهم في أوقات الحرب لماة «7» وكماة؛ وعرّفهم بركة
(10/98)

سلطانك، واقتد قلوبهم بزمام إحسانك.
وأما القضاة والدّعاة فهم بين كفالتك وهديك، والتصريف على أمرك ونهيك؛ فاستعمل منهم من أحسن عملا، فأمّا بالعنايات فلا.
والجهاد فأنت راضع درّه، وناشئة حجره؛ وظهور الخيل مواطنك، وظلال الجبل مساكنك؛ وفي ظلمات مشاكله، تجلى محاسنك، وفي أعقاب نوازله، تتلى ميامنك؛ فشمّر له عن ساق من القنا، وخض فيه بحرا من الظّبا «1» ؛ واحلل فيه عقدة كلمات الله سبحانه وثيقات الحبى «2» ؛ وأسل الوهاد بدماء العدا وارفع برؤوسهم الرّبا؛ حتّى يأتي الله بالفتح الذي يرجو أمير المؤمنين أن يكون مذخورا لأيّامك، ومشهودا به يوم مقامك بين يديه من لسان إمامك.
والأموال فهي زبدة حلب اللّطف لا العنف، وجمّة يمتريها «3» الرّفق لا العسف، وما برحت أجدّ ذخائر الدّول للصّفوف، وأحدّ أسلحتها التي تمضي وقد تنبو السّيوف؛ فقدّم للبلاد الاستعمار «4» ، تقدّم لك الاستثمار، وقطرة من عدل تزخر بها من مال بحار.
والرّعايا فهم ودائع الله لأمير المؤمنين وودائعه لديك، فاقبض عنهم الأيدي وابسط بالعدل فيهم يديك، وكن بهم رؤوفا، وعليهم عطوفا، واجعل الضعيف
(10/99)

منهم في الحقّ قويّا والقويّ في الباطل ضعيفا، ووكّل برعايتهم ناظر اجتهادك، واجعل ألسنتهم بالدّعاء من سلاحك وقلوبهم بالمحبّة من أجنادك؛ ولو جاز أن يستغني عن الوصيّة قائم بأمر، أو جالس في صدر، لا ستغنيت عنها بفطنتك الزّكيّة، وفطرتك الذّكيّة؛ ولكنّها من أمير المؤمنين ذكرى لك وأنت من المؤمنين، وعرابة بركة فتلقّ رايتها باليمين؛ والله تعالى يؤيّدك أيّها السيد الأجل- أدام الله قدرتك- بالنصر العزيز، ويقضي لدولة أمير المؤمنين على يديك بالفتح الوجيز، ولأهلها في نظرك بالأمر الحريز، ويمتّع دست الملك بحلى مجدك الإبريز، ويقرّ عيون الأعيان بما يظهر لك في ميدان السعادة من السّبق والتّبريز، ويملّيك من نحلة أنعم أمير المؤمنين بما ملّكك إيّاه ملك التحويز؛ ويلحق بك في المجد أوّلك، ويحمد فيك العواقب ولك؛ فاعلم ذلك من أمر أمير المؤمنين ورسمه، واعمل بموجبه وحكمه، إن شاء الله تعالى.
المذهب الثالث «1» (أن يفتتح العهد بخطبة)
وهو ما حكاه في «التعريف» عن الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان «2» فيما كتب به للظاهر بيبرس، وذكر أن ابن لقمان ليس بحجّة. ثم قال:
على أن الفاضل «3» محيي الدين بن عبد الظاهر «4» قد تبعه فيما كتب به للمنصور قلاوون.
(10/100)

قلت: ليس ابن لقمان هو المبتكر لهذا المذهب، بل كان موجودا معمولا به. استعمله كتّاب الإنشاء بديوان الخلافة ببغداد قبل ذلك بزمن طويل، وهو منبع الكتابة الذي عنه يصدر الترتيب، وقاعدتها التي يبنى عليها المصطلح. وعليه كتب عهد العادل «1» أبي بكر بن أيّوب أخي السلطان صلاح الدين يوسف «من بغداد» . وإليه مال ابن الأثير في «المثل السائر» «2» . وذكر أن الافتتاح ب «هذا ما عهد» قد ابتذل بكثرة الاستعمال، وابن لقمان تابع لا متبوع. على أن إنشاءه يدلّ على تقدّمه في الكتابة، وهو وإن كان ليس بحجة فابن الأثير حجة في هذا الشأن، يرجع إليه ويعمل بقوله، ويؤيّده حديث: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» ولذلك مال أهل العصر إلى اختياره والعمل عليه؛ إلا أنّ فيه مخالفة لما وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وغيره من عهود الصحابة على ما تقدّم ذكره.
وبكلّ حال فأهل هذا المذهب لا يخرجون فيه عن ضربين: ضرب يعبّرون عن الأوامر الواردة في العهد عن الخليفة بقوله: «أمره بكذا وأمره بكذا» وهي طريقة المتقدّمين منهم، وعليها كتب عهد العادل أبي بكر «3» المشار إليه. وضرب يعبّرون بقولهم «أن يفعل كذا وكذا» وما يجري هذا المجرى، وهي طريقة أهل زماننا.
وهذه نسخة العهد المكتوب به من ديوان الخلافة ببغداد على هذه الطريقة،
(10/101)

للعادل أبي بكر بن أيّوب أخي «1» السلطان صلاح الدين «يوسف بن أيوب» «2» وهي:
الحمد لله الذي اطمأنّت القلوب بذكره، ووجب على الخلائق جزيل حمده وشكره، ووسعت كلّ شيء رحمته، وظهرت في كل أمر حكمته، ودلّ على وحدانيّته بعجائب ما أحكمه صنعا وتدبيرا، وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا، ممدّ الشاكرين بنعمه «3» التي لا تحصى عددا، وعالم الغيب الذي لا يظهر على غيبه أحدا، لا معقّب لحكمه في الإبرام والنّقض، ولا يؤوده حفظ السموات والأرض، تعالى أن يحيط بحكمه الضمير «4» ، وجلّ أن يبلغ وصفه البيان والتفسير: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
«5» .
والحمد لله الذي أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم بالحقّ بشيرا ونذيرا، وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً
«6» . وابتعثه هاديا للخلق، وأوضح به مناهج الرّشد وسبل الحق، واصطفاه من أشرف الأنساب وأعزّ القبائل، واجتباه لإيضاح البراهين والدّلائل، وجعله لديه أعظم الشّفعاء وأقرب الوسائل، فقذف صلى الله عليه وسلم بالحقّ على الباطل؛ وحمل الناس بشريعته الهادية على المحجّة البيضاء والسّنن العادل، حتّى استقام اعوجاج كلّ زائغ ورجع إلى الحقّ كلّ حائد «7» عنه ومائل، وسجد لله كلّ
(10/102)

شيء تتفيّا ظلاله عن اليمين والشّمائل، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام الأفاضل، صلاة مستمرّة بالغدوات والأصائل، خصوصا على عمّه وصنو أبيه العبّاس بن عبد المطلب الذي اشتهرت مناقبه في المجامع والمحافل، ودرّت ببركة الاستسقاء به أخلاف السّحب الهواطل، وفاز من تنصيص الرسول على عقبه في الخلافة بما لم يفز به أحد من الأوائل.
والحمد لله الذي حاز مواريث النبوّة والإمامة، ووفّر جزيل الأقسام من الفضل والكرامة، لعبده وخليفته، ووارث نبيّه ومحيي شريعته، الذي أحلّه الله عزّ وجلّ من معارج الشرف والجلال في أرفع ذروة، وأعلقه من حسن التوفيق الإلهيّ بأمتن عصمة وأوثق عروة؛ واستخرجه من أشرف نجار «1» وعنصر، واختصّه بأزكى منحة وأعظم مفخر، ونصبه للمؤمنين علما، واختاره للمسلمين إماما وحكما، وناط به أمر دينه الحنيف، وجعله قائما بالعدل والإنصاف بين القويّ والضّعيف، إمام المسلمين، وخليفة ربّ العالمين؛ أبي جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين؛ ابن الإمام السعيد التقيّ، أبي نصر محمد الظاهر بأمر الله، ابن الإمام السعيد الوفيّ «2» ، أبي العبّاس أحمد الناصر لدين الله، ابن الإمام السعيد «3» أبي محمد «4» المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، صلوات الله «5» عليهم أجمعين، وعلى آبائه الطاهرين، الأئمة المهديين، الذين قضوا بالحقّ وبه كانوا يعدلون، ولقوا الله تعالى وهو عنهم راض وهم عنه راضون.
وبعد، فبحسب ما أفاضه الله على أمير المؤمنين- صلوات الله «6» عليه وسلامه- من خلافته في الأرض، وفوّضه إلى نظره المقدّس في الأمور من
(10/103)

الإبرام والنّقض، وما استخلصه له من حياطة بلاده وعباده، ووكله إلى شريف نظره ومقدّس اجتهاده، لا يزال- صلوات الله عليه- يكلأ العباد بعين الرّعاية، ويسلك بهم في المصالح العامّة والخاصّة مذاهب الرّشد وسبل الهداية، وينشر عليهم جناحي عدله وإحسانه، وينعم لهم النظر في ارتياد «1» الأمناء والصّلحاء من خلصاء أكفائه وأعوانه، متخيّرا للاسترعاء من استحمد إليه بمشكور المساعي، وتعرّف إليه في سياسة الرّعايا بجميل الأسباب والدّواعي، وسلك في مفترض «2» الطاعة الواجبة على الخلائق قصد السبيل، وعلم منه حسن الاضطلاع في مصالح المسلمين بالعبء الثّقيل؛ والله عز وجلّ يؤيّد آراء أمير المؤمنين- صلوات الله عليه- بالتأييد والتّسديد، ويمدّه أبدا من أقسام التوفيق الإلهيّ بالموفور والمزيد، ويقرن عزائمه الشريفة باليمن والنّجاح، ويسنّي له فيما يأتي ويذر أسباب الخير والصّلاح؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله، عليه يتوكّل وإليه ينيب.
ولما وفّق الله تعالى نصير «3» الدين محمد بن سيف الدّين أبي بكر بن أيوب من الطاعة المشهورة، والخدم المشكورة، والحظوة في جهاد أعداء الدين بالمساعي الصالحة، والفوز من المراضي الشريفة الإماميّة- أجلها الله تعالى- بالمغانم الجزيلة والصّفقة الرابحة، لما وصل فيه سالف شريف الاختصاص بآنفه، وشفع تالده في تحصيل مأثور الاستخلاص بطارفه، واستوجب بسلوكه في الطاعة المفروضة مزيد الإكرام والتفضيل، وضرع في الإنعام عليه بمنشور شريف إماميّ يسلك في اتّباعه هداه والعمل بمراشده سواء الصّراط وقصد السبيل- اقتضت الآراء الشريفة المقدّسة- زادها الله تعالى جلالا متألّق الأنوار، وقدسا يتساوى في تعظيمه من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار- الإيعاز بإجابته إلى ما
(10/104)

وجّه أمله إلى الإنافة فيه به إليه، والجذب بضبعيه «1» إلى ذروة الاجتباء الذي تظهر أشعّة أنواره الباهرة عليه؛ فقلّده- على خيرة الله تعالى- الزّعامة والغلّات «2» ، وأعمال الحرب والمعاون والأحداث والخراج والضّياع والصّدقات، والجوالي وسائر وجوه الجبايات، والعرض والعطاء، والنّفقة في الأولياء، والمظالم والحسبة في بلاده، وما يفتتحه ويستولي عليه من بلاد الفرنج الملاحين «3» ، وبلاد من تبرز إليه الأوامر الشريفة بقصده من الشاذّين «4» عن الإجماع المنعقد من المسلمين؛ و [من] «5» يتعدّى حدود الله تعالى بمخالفة من يصل «6» من الأعمال الصالحات بولائه المفروض على الخلائق مقبولة، وطاعته ضاعف الله جلاله بطاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم موصولة؛ حيث قال عز من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
«7» . واعتمد- صلوات الله عليه وسلامه- في ذلك على حسن نظره ومدد رعايته، وألقى مقاليد التفويض إلى وفور اجتهاده وكمال سياسته، وخصّه من هذا الإنعام الجزيل بما يبقى له على تعاقب الدهر واستمراره، ويخلّد له على ممرّ الزمان حسن ذكره وجزيل فخاره؛ وحباه بتقليد يوطّد له قواعد الممالك، ويفتح بإقليده «8» رتاج الأبواب والمسالك، ويفيد قاعدته في بلاده زيادة تقرير وتمهيد، ويطير به صيته في كلّ قريب وبعيد، ووسمه بالملك الأجلّ، السيد، الكامل، المجاهد، المرابط، نصير الدين، ركن الإسلام، أثير الأنام، تاج الملوك والسلاطين، قامع الكفرة والمشركين، قاهر
(10/105)

الخوارج والمتمرّدين «1» غازي بك محمد، بن أبي بكر، بن أيوب، معين أمير المؤمنين، رعاية لسوابق خدمه وخدم أسلافه وآبائه، عن وفور اجتبائه، وكمال ازدلافه، وإنافة من ذروة القرب إلى محلّ كريم، واختصاصا له بالإحسان الذي لا يلقّاه إلّا من هو كما قال تعالى: لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ*
«2» ، وثوقا بصحّة ديانته التي يسلك فيها سواء سبيله، واستنامة إلى أمانته في الخدمة التي ينصح فيها لله تعالى ولرسوله، وركونا إلى [كون] «3» الإنعام عليه موضوعا بحمد الله تعالى في أحسن موضع، واقعا به لديه في خير مستقرّ ومستودع.
وأمير المؤمنين- صلوات الله عليه (لا زالت الخيرة موصولة بآرائه، والتأييد الإلهيّ مقرونا بإنفاذه وإمضائه) يستمدّ من الله عز وجلّ حسن الإعانة في اصطفائه الذي اقتضاه نظره الشريف واعتماده، وأدّى إليه ارتياده المقدّس الإماميّ واجتهاده، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل.
أمره بتقوى الله تعالى التي هي الجنّة الواقية، والنّعمة الباقية، والملجأ المنيع، والعماد الرفيع؛ والذخيرة النافعة في السّرّ والنّجوى، والجذوة المقتبسة من قوله سبحانه: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
«4» وأن يدّرع بشعارها، في جميع الأقوال والأفعال، ويهتدي بأنوارها، في مشكلات الأمور والأحوال، وأن يعمل بها سرّا وجهرا، ويشرح للقيام بحدودها الواجبة صدرا؛ قال الله تعالى:
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً
«5» .
وأمره بتلاوة كتاب الله متدبّرا غوامض عجائبه، سالكا سبيل «6» الرّشاد
(10/106)

والهداية في العمل به؛ وأن يجعله مثالا يتّبعه ويقتفيه، ودليلا يهتدي بمراشده الواضحة في أوامره ونواهيه؛ فإنّه الثّقل «1» الأعظم، وسبب الله المحكم، والنور «2» الذي يهدي به إلى التي هي أقوم؛ ضرب الله تعالى فيه لعباده جوامع الأمثال، وبيّن لهم بهداه الرّشد والضّلال، وفرّق بدلائله الواضحة بين الحرام والحلال؛ فقال عز من قائل: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
«3» . وقال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
«4» .
وأمره بالمحافظة على مفروض الصلوات، والدّخول فيها على أكمل هيئة من قوانين الخشوع والإخبات «5» ؛ وأن يكون نظره في موضع سجوده «6» من الأرض، وأن يمثّل لنفسه في ذلك موقفه بين يدي الله تعالى يوم العرض؛ قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
«7» ، وقال تعالى:
إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً
«8» . وأن لا يشتغل بشاغل عن أداء فروضها الواجبة، ولا يلهو بسبب عن إقامة سننها الراتبة، فإنها عماد الدين الذي نمت أعاليه، ومهاد الشرع الذي تمّت «9» قواعده ومبانيه؛ قال الله تعالى:
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
«10» ، وقال سبحانه: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
«11»
(10/107)

وأمره أن يسعى إلى صلوات الجمع والأعياد، ويقوم في ذلك بما فرضه الله تعالى عليه وعلى العباد، وأن يتوجّه إلى الجوامع والمساجد متواضعا، ويبرز إلى المصلّيات الضاحية في الأعياد خاشعا، وأن يحافظ في تشييد قواعد الإسلام على الواجب والمندوب، ويعظّم باعتماد ذلك شعائر الله التي هي من تقوى القلوب، وأن يشمل بوافر اهتمامه واعتنائه، وكمال نظره وإرعائه، بيوت الله التي هي محالّ البركات، ومواطن العبادات؛ والمساجد التي تأكّد في تعظيمها وإجلالها حكمه، والبيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وأن يرتّب لها من الخدم من يتبتّل لإزالة أدناسها، ويتصدّى لإذكاء مصابيحها في الظّلام وإيناسها، ويقوم لها بما تحتاج إليه من أساب الصّلاح والعمارات، ويحضر إليها ما يليق من الفرش والكسوات.
وأمره باتّباع سنة النبيّ صلى الله عليه وسلم التي أوضح جددها، وثقّف- عليه السلام- أودها «1» ، وأن يعتمد فيها على الأسانيد التي نقلها الثّقات، والأحاديث التي صحّت بالطرق السليمة والرّوايات، وأن يقتدي بما جاءت به من مكارم الأخلاق التي ندب صلى الله عليه وسلم إلى التمسك بسببها، ورغّب أمته في الأخذ بها والعمل بأدبها، قال الله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
«2» . وقال سبحانه وتعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
«3» .
وأمره بمجالسة أهل العلم والدّين، وأولي الإخلاص في طاعة الله تعالى واليقين «4» ؛ واستشارتهم «5» في عوارض الشّكّ والالتباس، والعمل بآرائهم في التمثيل والقياس، فإن الاستشارة لهم عين الهداية، وأمن من الضّلالة «6» والغواية،
(10/108)

وبها تلقح عقم الأفهام والألباب، ويقتدح زناد الرّشد والصواب؛ قال الله تعالى في الإرشاد إلى فضلها، والأمر في التمسك بحبلها: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
«1» .
وأمره بمراعاة أحوال الجند والعسكر في ثغوره، وأن يشملهم بحسن نظره وجميل تدبيره، مستصلحا نيّاتهم بإدامة التلطّف والتعهّد، مستوضحا أحوالهم بمواصلة التفحّص والتفقّد، وأن يسوسهم سياسة تبعثهم على سلوك المنهج السليم، ويهديهم في انتظامها واتّساقها إلى الصّراط المستقيم، ويحملهم على القيام بشرائط الخدم، والتمسّك منها «2» بأقوى الأسباب وأمتن العصم، ويدعوهم إلى مصلحة التواصل والائتلاف، ويصدّهم عن موجبات التخاذل والاختلاف، وأن يعتمد فيهم شرائط الحزم في الإعطاء والمنع، وما تقتضيه مصلحة أحوالهم من أساب الخفض والرّفع، وأن يثيب المحسن على إحسانه، ويسبل على المسيء ما وسعه العفو واحتمله الأمر ذيل صفحه وامتنانه، وأن يأخذ برأي ذوي التّجارب منهم والحنكة «3» ، ويجتني بمشاورتهم في الأمر ثمر الشّركة، إذ في ذلك أمن من خطإ الانفراد، وتزحزح عن مقام الزّيغ والاستبداد.
وأمره بالتبتّل لما يليه من البلاد، ويتّصل بنواحيه من ثغور أولي الشّرك والعناد، وأن يصرف مجامع الالتفات «4» إليها، ويخصّها بوفور الاهتمام بها والتطلّع عليها، وأن يشمل ما ببلاده من الحصون والمعاقل بالإحكام والإتقان، وينتهي في أسباب مصالحها إلى غاية الوسع ونهاية الإمكان، وأن يشحنها بالميرة الكثيرة والذّخائر، ويمدّها من الأسلحة والآلات بالعدد المستصلح الوافر، وأن يتخيّر لحراستها [من يختاره] «5» من الأمناء التّقاة، ولسدّها من «6»
(10/109)

ينتخبه من الشّجعان الكماة؛ وأن يؤكّد عليهم في استعمال أسباب الحفظة والاستظهار «1» ، ويوقظهم للاحتراس من غوائل الغفلة والاغترار، وأن يكون المشار إليهم ممن ربوا في ممارسة الحروب على مكافحة الشدائد، وتدرّبوا «2» في نصب الحبائل للمشركين والأخذ عليهم بالمراصد، وأن يعتمد هذا القبيل بمواصلة المدد، وكثرة العدد؛ والتّوسعة في النفقة والعطاء، والعمل معهم بما يقتضيه حالهم وتفاوتهم في التقصير والغناء، إذ في ذلك حسم لمادّة الأطماع في بلاد الإسلام، وردّ لكيد المعاندين من عبدة الأصنام؛ فمعلوم أنّ هذا الغرض أولى ما وجّهت إليه العنايات وصرفت، وأحقّ ما قصرت عليه الهمم ووقفت؛ فإن الله تعالى جعله من أهمّ الفروض التي كرّم فيها القيام بحقه، وأكبر الواجبات التي كتب العمل بها على خلقه، فقال سبحانه وتعالى هاديا في ذلك إلى سبيل الرشاد، ومحرّضا لعباده على قيامهم بفروض الجهاد: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
«3» . وقال تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ*
«4» . وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من نزل منزلا يخيف فيه المشركين ويخيفونه، كان له كأجر ساجد لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة، وأجر قائم لا يقعد إلى يوم القيامة، وأجر صائم لا يفطر» . وقال عليه السلام: «غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس» . هذا قوله صلى الله عليه وسلم في حقّ من سمع هذه المقالة فوقف لديها، فكيف بمن كان كما قال عليه السلام: «ألا أخبركم بخير الناس: ممسك بعنان فرسه كلّما
(10/110)

سمع هيعة «1» طار إليها» .
وأمره باقتفاء أوامر الله تعالى في رعاياه، والاهتداء إلى رعاية العدل والإنصاف والإحسان بمراشده الواضحة ووصاياه؛ وأن يسلك في السياسة سبل الصّلاح، ويشملهم بلين الكنف وخفض الجناح، ويمدّ ظلّ رعايته على مسلمهم ومعاهدهم، ويزحزح الأقذاء والشّوائب عن مناهلهم في العدل ومواردهم، وينظر في مصالحهم نظرا يساوي فيه بين الضعيف والقويّ، ويقوم بأودهم قياما يهتدي به ويهديهم فيه إلى الصّراط السّويّ؛ قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
«2» .
وأمره باعتبار أسباب الاستظهار والأمنة، واستقصاء الطاعة المستطاعة والقدرة الممكنة، في المساعدة على قضاء تفث «3» حجّاج بيت الله الحرام، وزوّار نبيّه عليه أفضل الصلاة والسلام، وأن يمدّهم بالإعانة في ذلك على تحقيق الرجاء وبلوغ المرام، ويحرسهم من التخطّف والأذى في حالتي الظعن والمقام؛ فإنّ الحجّ أحد أركان الدين المشيّدة، وفروضه الواجبة المؤكّدة؛ قال الله تعالى:
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
«4» .
وأمره بتقوية أيدي العاملين بحكم الشرع في الرّعايا، وتنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام والقضايا، والعمل بأقوالهم فيما يثبت لذوي الاستحقاق، والشدّ على أيديهم فيما يرونه من المنع والإطلاق، وأنه متى تأخّر أحد الخصمين عن إجابة داعي الحكم، أو تقاعس في ذلك لما يلزم من الأداء والعدم، جذبه بعنان القسر
(10/111)

إلى مجلس الشّرع، واضطرّه بقوّة الإنصاف إلى الأداء بعد المنع، وأن يتوخّى عمّال الوقوف التي تقرّب المتقرّبون بها، واستمسكوا في ثواب الله بمتين حبلها، وأن يمدّهم بجميل المعاونة والمساعدة، وحسن الموازرة والمعاضدة، في الأسباب التي تؤذن بالعمارة والاستنماء، وتعود عليها بالمصلحة والاستخلاص والاستيفاء؛ قال الله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
«1» .
وأمره أن يتخيّر من أولي الكفاءة «2» والنّزاهة من يستخلصه للخدم والأعمال، والقيام بالواجب: من أداء الأمانة والحراسة والتمييز لبيت المال، وأن يكونوا من ذوي الاضطلاع بشرائط الخدم المعيّنة وأمورها، والمهتدين إلى مسالك صلاحها وتدبيرها، وأن يتقدّم إليهم بأخذ الحقوق من وجوهها المتيقّنة، وجبايتها في أوقاتها المعيّنة، إذ ذاك من لوازم مصالح الجند ووفور الاستظهار، وموجبات قوّة الشوكة «3» بكثير الأعوان والأنصار، وأسباب الحفظة «4» التي تحمى بها البلاد والأمصار، ويأمرهم بالجري في الطّسوق «5» والشّروط على النمط المعتاد، والقيام في مصالح الأعمال على أقدام الجدّ والاجتهاد، وإلى العاملين على الصّدقات بأخذ الزكوات على مشروع السّنن المهيع «6» ، وقصد الصراط المتّبع، من غير عدول من ذلك عن المنهاج الشرعيّ، أو تساهل في تبديل حكمها المفروض وقانونها المرعيّ؛ فإذا أخذت من أربابها، الذين يطهّرون ويزكّون بها، كان العمل في صرفها إلى مستحقها بحكم الشريعة النبوية وموجبها، وإلى جباة الجزية من
(10/112)

أهل الذّمّة بالمطالبة بأدائها في أوّل السنة، واستيفائها منهم على حسب أحوالهم بحكم العادة في الثّروة والمسكنة، إجراء في ذلك على حكم الاستمرار والانتظام، ومحافظة على عظيم شعائر الإسلام.
وأمره أن يتطلع على أحوال كلّ من يستعمله في أمر من الأمور، ويصرّفه في مصلحة من مصالح الجمهور، تطلّعا يقتضي الوقوف على حقائق أماناتهم، وموجب «1» تهذيبهم من حركاتهم وسكناتهم، ذهابا مع النّصح لله تعالى في بريّته، وعملا فيه بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته» .
وأمره أن يستصلح من ذوي الاضطلاع والغناء، من يرتّب العرض والعطاء، والنفقة في الأولياء، وأن يكونوا من المشهورين بالحزم والبصيرة، والموسومين في المناصحة بإخلاص الطويّة وإصفاء السريرة، حالين من الأمانة والصّون بما يزين، ناكبين عن مظانّ الشّبه والطمع الذي يصم ويشين، وأن يأمرهم باتّباع عادات أمثالهم في ضبط أسماء الرجال، وتحلية الأشخاص والأشكال، واعتبار شيات الخيول وإثبات أعدادها، وتحريض الجند على تخيّرها واقتناء جيادها، وبذل الجهد في قيامهم من الكراع «2» واليزك «3» والسّلاح بما يلزمهم، والعمل بقوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ
«4» . فإذا نطقت جرائد
(10/113)

الجند المذكورين بما أثبت لديهم، وحقّق الاعتبار والعيان قيامهم بما وجب «1» عليهم، أطلقت لهم المعايش والأرزاق بحسب إقراراتهم، وأوصلت إليهم بمقتضى واجباتهم واستحقاقاتهم: فإن هذا الحال أصل حراسة البلاد والعباد، وقيام الأمر بما «2» أوجبه الله تعالى من الاستعداد بفرض الجهاد؛ قال الله تعالى:
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
«3» .
وأمره بتفويض أمر الحسبة إلى من يكون بأمرها مضطلعا، وللسّنّة النبويّة في إقامة حدودها متّبعا، فيعتمد في الكشف عن أحوال العامّة في تصرّفاتها الواجب، ويسلك في التطلع إلى معاملاتهم السبيل الواضح والسّنن الّلاحب،.... «4» .... في الأسواق لاعتبار «5» المكاييل والموازين، ويقيمه في مؤاخذة المطفّفين «6» وتأديبهم بما تقتضيه شريعة الدين، ويحذّرهم في تعدّي حدود الإنصاف شدّة نكاله، ويقابل المستحقّ المؤاخذة بما يرتدع به الجمع الكثير من أمثاله؛ قال الله تعالى: أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
«7» . وقال سبحانه: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
«8» .
فليتولّ الملك السيد الكامل، المجاهد، المرابط، نصير الدين، ركن
(10/114)

الإسلام أثير الأنام «1» ، جلال الدولة، فخر الملّة، عزّ الأمة، سند الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، قامع الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج والمتمرّدين، أمير المجاهدين، غازي بك معين أمير المؤمنين- ما قلّده عبد الله وخليفته في أرضه، القائم له بحقّه الواجب وفرضه، أبو جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين، تقليد مطمئنّ بالإيمان، وينصح لله ولرسوله وخليفته- صلوات الله عليه- في السّرّ والإعلان، وليشرح بما فوّض إليه من هذه الأمور صدرا، وليقم بالواجب عليه من شكر هذا الإنعام الجزيل سرّا وجهرا، وليعمل بهذه الوصايا الشريفة الإماميّة، وليقف آثار مراشدها المقدّسة النبويّة، وليظهر من أثر الجدّ في هذا الأمر والاجتهاد، وتحقيق النظر الجميل لله والإرشاد، ما يكون دليلا على تأييد الرأي الأشرف المقدّس- أجله الله تعالى- في اصطناعه واستكفائه، وإصابة مواقع النّجح والرّشد في التفويض إلى حسن قيامه وكمال اعتنائه، فليقدر النعمة في هذه الحال حقّ قدرها، وليمتر «2» بأداء الواجب بما غلب عليه من جزيل الشكر غزير درّها «3» ، وليطالع مع الأوقات بما يشكل عليه من الأمور الغوامض؛ ولينه إلى العلوم الشريفة المقدّسة- أجلها الله تعالى- ما يلتبس عليه من الشكوك والغوامض «4» ؛ ليرد عليه من الأمثلة ما يوضّح له وجه الصواب في الأمور، ويستمدّ من المراشد الشريفة التي هي شفاء لما في الصدور بما يكون وروده عليه وتتابعه إليه نورا على نور؛ إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة العهد الذي كتب به الصاحب فخر الدين: إبراهيم بن لقمان، للظاهر بيبرس «5» ، التي أنكر عليه القاضي شهاب الدين بن فضل الله في
(10/115)

«التعريف» ابتداءها بخطبة، وهي: الحمد لله الذي أضفى [على الإسلام] «1» ملابس الشّرف، وأظهر درره وكانت خافية بما استحكم عليها من الصّدف، وشيّد ما وهى من علائه حتى أنسى ذكر ما سلف، وقيّض لنصره ملوكا اتفق على طاعتهم من اختلف.
أحمده على نعمه التي رتعت الأعين منها في الرّوض الأنف «2» ، وألطافه التي وقفت الشكر عليها فليس له عنها منصرف؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة توجب من المخاوف أمنا، وتسهّل من الأمور ما كان حزنا، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي جبر من الدّين وهنا؛ وصفيّه الذي أظهر من المكارم فنونا لا فنّا، صلّى الله عليه وعلى آله الذين أضحت مناقبهم باقية لا تفنى، وأصحابه الذين أحسنوا في الدّين فاستحقّوا الزيادة من الحسنى.
وبعد، فإن أولى الأولياء بتقديم ذكره، وأحقّهم أن يصبح القلم ساجدا وراكعا في تسطير مناقبه وبرّه، من سعى فأضحى بسعيه الجميل متقدّما، ودعا إلى طاعته فأجاب من كان منجدا ومتهما، وما بدت يد من المكرمات إلّا كان لها زندا ومعصما، ولا استباح بسيفه حمى وغى إلا أضرمه نارا وأجراه دما.
ولما كانت هذه المناقب الشريفة مختصة بالمقام العالي، المولوي، السلطاني، الملكيّ، الظاهريّ، الركنيّ، شرفه الله تعالى وأعلاه، ذكره الديوان العزيز، النبويّ، الإماميّ، المستنصريّ- أعز الله تعالى سلطانه- تنويها بشريف قدره، واعترافا بصنعه الذي تنفد العبارة المسهبة ولا تقوم بشكره؛ وكيف لا؟ وقد أقام الدولة العبّاسية بعد أن أقعدتها زمانة «3» الزّمان، وأذهبت ما كان لها من محاسن
(10/116)

وإحسان، واستعتب «1» دهرها المسيء فأعتب، وأرضى عنها زمانها وقد كان صال عليها صولة مغضب، فأعاده لها سلما بعد أن كان عليها حربا، وصرف اهتمامه فرجع كلّ متضايق من أمورها واسعا رحبا، ومنح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوّا وعطفا، وأظهر له من الولاء رغبة في ثواب الله ما لا يخفى، وأبدى من الاهتمام بالبيعة أمرا لو رامه غيره لا متنع عليه، ولو تمسّك بحبله متمسّك لا نقطع به قبل الوصول إليه، لكن الله ادّخر هذه الحسنة ليثقّل بها في الميزان ثوابه، ويخفّف بها يوم القيامة حسابه، والسعيد من خفّف حسابه؛ فهذه منقبة أبى الله إلا أن يخلّدها في صحيفة صنعه، وتكرمة قضت لهذا البيت الشريف بجمعه بعد أن حصل الإياس من جمعه؛ وأمير المؤمنين يشكر لك هذه الصّنائع، ويعرف أنه لولا اهتمامك لا تّسع الخرق على الراقع، وقد قلّدك الديار المصريّة والبلاد الشامية، والديار البكريّة والحجازية واليمنيّة والفراتيّة؛ وما يتجدّد من الفتوحات غورا ونجدا، وفوّض أمر جندها ورعاياها إليك حين أصبحت في المكارم فردا؛ ولم يجعل «2» منها بلدا من البلاد ولا حصنا من الحصون مستثنى، ولا جهة من الجهات تعدّ في الأعلى ولا الأدنى.
فلاحظ أمور الأمة فقد أصبحت لها حاملا، وخلّص نفسك من التّبعات اليوم ففي غد تكون مسؤولا لا سائلا، ودع الاغترار بالدنيا فما نال أحد منها طائلا، وما رآها أحد بعين الحقّ إلا رآها خيالا زائلا؛ فالسعيد من قطع آماله الموصولة، وقدّم لنفسه زاد التقوى فتقدمة غير التقوى مردودة لا مقبولة؛ وابسط يدك بالإحسان والعدل فقد أمر الله بالعدل والإحسان في مواضع من القرآن، وكفّر به عن المرء ذنوبا وآثاما، وجعل يوما واحدا فيه كعبادة العابد ستّين عاما؛ وما سلك أحد سبيل العدل والإحسان، إلا واجتنيت ثماره من أفنان، وتراجع الأمر فيه بعد تداعي
(10/117)

أركانه «1» وهو مشيّد الأركان، وتحصّن به من حوادث الزمان «2» ، وكانت أيّامه في الأيّام أبهى من الأعياد، وأحسن في العيون من الغرر في أوجه الجياد، وأحلى من العقود إذا حلّي بها عطل «3» الأجياد.
وهذه الأقاليم المنوطة بك تحتاج إلى نوّاب وحكّام، وأصحاب رأي من أصحاب السيوف والأقلام، فإذا استعنت بأحد منهم في أمورك فنقّب عليه تنقيبا، واجعل عليه في تصرّفاته رقيبا، وسل عن أحواله ففي القيامة تكون عنه مسؤولا وبما أجرم مطلوبا، ولا تولّ منهم إلّا من تكون مساعيه حسنات لك لا ذنوبا، وأمرهم بالأناة في الأمور والرّفق، ومخالفة الهوى إذا ظهرت أدلّة الحقّ، وأن يقابلوا الضعفاء في حوائجهم بالثّغر الباسم والوجه الطّلق، وأن لا يعاملوا أحدا على الإحسان والإساءة إلّا بما يستحقّ، وأن يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعية إخوانا، وأن يوسعوهم برّا وإحسانا، وأن لا يستحلّوا حرماتهم إذا استحلّ الزمان لهم حرمانا، فالمسلم أخو المسلم ولو كان عليه أميرا وسلطانا، والسعيد من نسج ولايته «4» في الخير على منواله، واستسنّ بسنّته في تصرّفاته وأحواله، وتحمّل عنه ما تعجز قدرته عن حمل أثقاله.
ومما يؤمرون به أن يمحى ما أحدث من سيّء السّنن، وجدّد من المظالم التي هي من أعظم المحن، وأن يشترى بإبطالها المحامد رخيصة بأغلى ثمن؛ ومهما جبي «5» منها من الأموال فإنما هي باقية في الذّمم «6» حاصلة، وأجياد الخزائن إن
(10/118)

أضحت بها حالية فإنما هي على الحقيقة منها عاطلة؛ وهل أشقى ممن احتقب «1» إثما، واكتسب بالمساعي الذميمة ذمّا، وجعل السّواد الأعظم [له] «2» يوم القيامة خصما، وتحمّل ظلم الناس فيما صدر عنه من أعماله وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً
«3» .
وحقيق بالمقام الشريف المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الظاهريّ، الرّكنيّ أن تكون ظلامات الأنام مردودة بعدله، وطاعته تخفّف ثقلا لا طاقة لهم بحمله، فقد أضحى على الإحسان قادرا، وصنعت له الأيام ما لم تصنعه لمن تقدّم من الملوك وإن جاء آخرا؛ فاحمد الله على أن وصل إلى جنابك إمام هدى يوجب لك مزيّة التقديم، وينبّه الخلائق على ما خصّك الله به من الفضل العظيم؛ وهذه أمور يجب أن تلاحظ وترعى، ويوالى عليها حمد الله فإن الحمد يجب عليها عقلا وشرعا، وقد تبين لك أنّك صرت في الأمور أصلا وصار غيرك فرعا.
ومما يجب أيضا تقديم ذكره أمر الجهاد الذي أضحى على الأمّة فرضا، وهو العمل الذي يرجع به مسودّ الصحائف مبيضّا؛ وقد وعد الله المجاهدين بالأجر العظيم، وأعدّلهم عنده المقام الكريم، وخصّهم بالجنة التي لا لغو فيها ولا تأثيم؛ وقد تقدّمت لك في الجهاد يد بيضاء أسرعت في سواد الحسّاد، وعرفت منك عزمة وهي أمضى مما تجنّه ضمائر الأغماد، واشتهرت لك مواقف في القتال وهي أشهر وأشهى إلى القلوب من الأعياد، وبك صان الله حمى الاسلام أن يبتذل، وبعزمك حفظ على المسلمين نظام هذه الدّول، وسيفك أثّر في قلوب الكافرين قروحا لا تندمل، وبك يرجى أن يرجع مقرّ الخلافة إلى ما كان عليه في الأيّام الأول؛ فأيقظ لنصرة الإسلام جفنا ما كان غافيا ولا هاجعا، وكن في مجاهدة أعداء الله إماما متبوعا لا تابعا، وأيّد كلمة التوحيد فما تجد في تأييدها إلا مطيعا سامعا، ولا تخل
(10/119)

الثّغور من اهتمام بأمرها تبسم له الثّغور، واحتفال يبدّل ما دجا من ظلماتها بالنّور «1» ، فهذه حصون بها يحصل الانتفاع، وعلى العدوّ داعية افتراق لا اجتماع، وأولاها بالاهتمام ما كان البحر له مجاورا، والعدوّ إليه ملتفتا ناظرا، لا سيّما ثغور الديار المصرية فإنّ العدوّ وصل إليها رابحا وراح خاسرا، واستأصلهم الله فيها حتى ما أقال منهم عاثرا، وكذلك الأسطول الذي ترى خيله كالأهلّة، وركائبه سابقة بغير سائق مستقلّة، وهو أخو الجيش السّليماني، فإنّ ذاك غدت الريح له حاملة، وهذا تكفّلت بحمله الرّياح السابلة، وإذا لحظها الطّرف جارية في البحر كانت كالأعلام، وإذا شبّهها قال: هذه ليال تقلع بالأيام؛ وقد سنّى الله لك من السعادة كلّ مطلب، وآتاك من أصالة الرأي الذي يريك المغيّب، وبسط بعد القبض منك الأمل، ونشط بالسعادة ما كان من كسل، وهداك إلى مناهج الحقّ وما زلت مهتديا إليها، وألزمك المراشد فلا تحتاج إلى تنبيه عليها؛ والله تعالى يمدّك بأسباب نصره، ويوزعك شكر نعمه فإنّ النعمة تستتمّ بشكره؛ إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة عهد كتب بها القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، للسلطان الملك المنصور قلاوون، عن الخليفة الإمام أبي العبّاس أحمد الحاكم بأمر الله «2» المتقدّم ذكره على هذه الطريقة، وهي:
الحمد لله الذي جعل آية السيف ناسخة لكثير من الآيات، وفاسخة لعقود أولي الشّكّ والشّبهات، الذي رفع بعض الخلق على بعض درجات، وأهّل لأمور البلاد والعباد من جاءت خوارق تملّكه بالذي إن لم يكن من المعجزات فمن الكرامات «3»
(10/120)

ثم الحمد لله الذي جعل الخلافة العبّاسية بعد القطوب حسنة الأبتسام، وبعد الشّحوب جميلة الاتّسام، وبعد التشريد كلّ دار إسلام لها أعظم من دار السّلام.
والحمد لله على أن أشهدها مصارع أعدائها، وأحمد لها عواقب إعادة نصرها وإبدائها، وردّ تشتيتها بعد أن ظنّ كلّ أحد أنّ شعارها الأسود ما بقي منه إلا ما صانته العيون في جفونها والقلوب في سويدائها، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يتلذّذ بذكرها اللّسان، وتتعطّر بنفحاتها الأفواه والأردان، وتتلقّاها ملائكة القبول فترفعها إلى أعلى مكان، ونصلّي على سيدنا محمد الذي أكرمنا الله به وشرّف لنا الأنساب، وأعزّنا به حتّى نزل فينا محكم الكتاب؛ صلّى الله عليه وعلى آله الذين انجاب الدّين منهم عن أنجاب، ورضي الله عن صحابته الذين هم خير صحاب، صلاة ورضوانا يوفّى قائلها أجره يوم الحساب من الكثرة بغير حساب يوم الحساب.
وبعد حمد الله على أن أحمد عواقب الأمور، وأظهر للإسلام سلطانا اشتدّت به للأمة الظّهور وشفيت الصّدور، وأقام الخلافة العباسية في هذا الزمن بالمنصور كما أقامها فيما مضى بالمنصور، واختار لإعلان دعوتها من يحيي معالمها بعد العفاء ورسومها بعد الدّثور، وجمع لها الآن ما كان جمح «1» عليها فيما قبل من خلاف كلّ ناجم، ومنحها ما كانت تبشرها به [صحف] «2» الملاحم، وأنفذ كلمتها في ممالك الدّولة العلوية بخير سيف مشحوذ ماضي العزائم، ومازج بين طاعتها في القلوب وذكرها في الألسنة وكيف لا والمنصور هو الحاكم؟ وأخرج لحياطة الأمّة المحمّديّة ملكا تقسّم البركات عن يمينه، وتقسّم السعادة بنور جبينه، وتقهر الأعداء بفتكاته، وتمهر عقائل المعاقل بأصغر راياته، ذو السعد الذي ما زال نوره يشفّ
(10/121)

حتّى ظهر، ومعجزه يرفّ إلى أن بهر، وجوهره ينتقل من جيّد إلى جيّد حتّى علا الجبين، وسرّه يكمن في قلب بعد قلب حتّى علم- والحمد لله- نبأ تمكينه في الأرض بعد حين، فاختاره الله على علم، واصطفاه من بين عباده بما جبله الله عليه من كرم وشجاعة وحلم، وأتى به الأمة المحمديّة في وقت الاحتياج عونا وفي إبّان الاستمطار غيثا، وفي حين عيث الأشبال في غير الافتراس ليثا، فوجب على من له في أعناق الأمّة المحمديّة مبايعة رضوان، وعند أيمانهم مصافحة أيمان، ومن وجبت له البيعة باستحقاقه لميراث منصب النبوة، ومن تصحّ به كلّ ولاية شرعيّة يؤخذ كتابها منه بقوة، ومن هو خليفة الزمان والعصر، ومن بدعواته تنزل بالنصر عليكم معاشر الإسلام ملائكة النصر «1» ، ومن نسبه بنسب نبيكم صلى الله عليه وسلم متّشج «2» ، وحسبه بحسبه ممتزج، أن يفوّض ما فوّضه الله إليه من أمر الخلق، إلى من يقوم عنه بفرض الجهاد والعمل بالحقّ، وأن يولّيه ولاية شرعية تصحّ بها الأحكام وتنضبط أمور الإسلام، وتأتي هذه العصبة الإسلاميّة يوم تأتي كلّ أمة بإمامهم من طاعة خليفتهم هذا بخير إمام؛ وخرج أمر مولانا أمير المؤمنين- شرفه الله- أن يكون للمقرّ العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، المنصوريّ، أجلّه الله ونصره، وأظفره وأقدره، وأبّده وأيّده، كلّ ما فوّضه الله لمولانا أمير المؤمنين من حكم في الوجود، وفي التّهائم والنّجود «3» ، وفي المدائن والخزائن، وفي الظّواهر والبواطن، وفيما فتحه الله وفيما سيفتحه، وفيما كان فسد بالكفر والرجاء من الله أنه سيصلحه، وفي كل جود ومنّ، وفي كلّ عطاء ومنّ «4» ، وفي كل هبة وتمليك، وفي كل تفرّد بالنّظر في أمور المسلمين بغير شريك «5» ، وفي كلّ تعاهد ونبذ، وفي كلّ
(10/122)

عطاء وأخذ، وفي كل عزل وتولية، وفي كل تسليم وتخلية، وفي كل إرفاق وإنفاق، وفي كل إنعام وإطلاق، [وفي كل استرقاق وإعتاق، وفي كل تكثير وتقليل، وفي كل اتّساع وتقتير] «1» وفي كلّ تجديد وتعويض، وفي كل حمد وتقريض، ولاية عامة تامّة محكمة محكّمة، منضدة منظّمة، لا يتعقّبها نسخ من خلفها ولا من بين يديها، ولا يعتريها فسخ يطرأ عليها، يزيدها مرّ الأيام جدّة يعاقبها حسن شباب، ولا ينتهي على الأعوام والأحقاب، نعم ينتهي إلى ما نصبه الله للإرشاد من سنّة وكتاب، وذلك من شرع لله أقامه للهداية علما، وجعله إلى احتياز الثواب سلّما، فالواجب أن يعمل بجزئيّات أمره وكلّيّاته. وأن لا يخرج أحد عن مقدّماته. والعدل، فهو الغرس المثمر، والسّحاب الممطر، والروض المزهر، وبه تتنزّل البركات، وتخلف الهبات، وتربي الصّدقات، وبه عمارة الأرض، وبه تؤدّى السنّة والفرض؛ فمن زرع العدل اجتنى الخير، ومن أحسن كفي الضّرر والضّير؛ والظّلم، فعاقبته وخيمة، وما يطول عمر الملك إلا بالمعدلة الرحيمة، والرعية، فهم الوديعة عند أولي الأمر، فلا يخصّص بحسن النظر منهم زيد ولا عمرو؛ والأموال، فهي ذخائر العاقبة والمآل، والواجب أن تؤخذ بحقّها، وتنفق في مستحقّها؛ والجهاد برّا وبحرا فمن كنانة الله تفوّق سهامه، وتؤرّخ أيامه، وينتضى حسامه، وتجري منشآته «2» في البحر كالأعلام وتنشر أعلامه، وفي عقر دار الحرب يحطّ ركابه، ويخطّ كتابه، وترسل أرسانه، وتجوس خلالها فرسانه، فليلزم منه ديدنا، ويستصحب «3» منه فعلا حسنا؛ وجيوش الإسلام وكماته، وأمراؤه وحماته، فهم من قد علمت قدم هجره «4» ، وعظم نصره، وشدّة باس، وقوّة مراس، وما منهم إلا من شهد الفتوحات والحروب، وأحسن في المحاماة عن الدّين الدّؤوب، وهم
(10/123)

بقايا الدّول. وتحايا «1» الملوك الأول، لا سيّما أولو السّعي الناجح، ومن لهم نسبة صالحيّة إذا فخروا بها قيل لهم: نعم السلف الصالح، فأوسعهم برّا، وكن بهم برّا، وهم بما يجب من خدمتك أعلم وأنت بما يجب من حرمتهم أدرى؛ والثغور والحصون، فهم «2» ذخائر الشّدة، وخزائن العديد والعدّة، ومقاعد للقتال، وكنائن الرّجاء والرّجال «3» ، فأحسن لها التحصين، وفوّض أمرها إلى كلّ قويّ أمين، وإلى كلّ [ذي] «4» دين متين، وعقل رصين، ونوّاب الممالك ونوّاب الأمصار، فأحسن لهم الاختيار، وأجمل لهم الاختبار، وتفقّد لهم الأخبار.
وأمّا ما سوى ذلك فهو داخل في حدود هذه الوصايا النافعة، ولولا أنّ الله أمرنا بالتذكير، لكانت سجايا المقرّ الأشرف السلطانيّ، الملكيّ، المنصوريّ، مكتفية بأنوار ألمعيّته الساطعة، وزمام كلّ صلاح يجب أن يشغل به جميع أوقاته، هو تقوى الله، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
«5» .
فليكن ذلك نصب العين، وشغل القلب والشّفتين، وأعداء الدين من أرمن وفرنج وتتار، فأذقهم وبال أمرهم في كل إيراد للغزو وإصدار؛ وثر لأن تأخذ للخلفاء العباسيّين ولجميع المسلمين منهم الثّار، واعلم أنّ الله نصيرك على ظلمهم وما للظّالمين من أنصار.
وأما غيرهم من مجاوريهم من المسلمين فأحسن باستنقاذك منهم العلاج، وطبّهم باستصلاحك فبالطّبّ الملكيّ والمنصوريّ ينصلح المزاج «6» ؛ والله الموفّق بمنّه وكرمه.
(10/124)

وعلى هذه الطريقة مشى المقرّ الأشرف الناصريّ محمد بن البارزيّ «1» الحمويّ صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالديار المصرية وسائر الممالك الإسلامية: جمّل الله تعالى الوجود بوجوده، وأناف بقدره على كيوان «2» في ارتقائه وصعوده، وجعله لسلطانه المؤيّد ردءا ما بدا سعد الملك صاعدا إلا كان له سعد سعوده.
فكتب على ذلك عهد «3» السلطان الملك المؤيّد أبي النصر «شيخ» «4» خلّد الله سلطانه، عن الإمام المستعين بالله أبي الفضل العباس أمير المؤمنين خليفة العصر- أيّد الله تعالى به الدّين- في شعبان المكرّم سنة خمس عشرة وثمانمائة، بعد خلع «5» الناصر فرج، فأتى فيه بما أخجل الرّوض المنمنم والنجم الزاهر، وأوجب على العارف بنقد الأمرين أن يقول: كم ترك الأوّل للآخر، عدّد فيه وقائعه
(10/125)

المشهورة، وذكر مناقبه التي صارت على صفحات الأيام مرقومة وعلى مرّ الليالي مذكورة، وفي بطون التواريخ على توالي الجديدين «1» وتعاقب الدّهور مسطورة؛ (فكتب على ذلك عهد السلطان الملك المؤيّد أبي النصر شيخ خلد الله سلطانه) «2» ، ونصّه:
الحمد لله الذي جعل الدّين بنصره مؤيّدا، وانتضاه لمصالح الملك والدّين فأصبح ومن مرهفات عزمه بادية بائدة العدا، وفتح على فقر الزمان بشيخ ملك زويت «3» له عوارف العدل ومعارف الفضل فاستغنى- ولله الحمد- بسعيد السّعدا، وأصلح فساد الأحوال بأحكام رأيه وإحكام حكمه فأصبحت مأمونة الرّداء آمنة من الرّدى، وامتنّ على أولياء الدولة الشريفة بمن لم يزل سهم تدبيره الشريف فيهم مسدّدا، ومياه الظفر جارية من قناة غوره الذي بذلك تعوّدا، وبحر إحسانه الكامل وإن قدم العهد المديد مجدّدا.
والحمد لله الذي جعل وجوه هذه الأيام بالأمن مسفرة، وليالي جودها بالعدل مقمرة، وعذبات أوليائها بالأفراح مزهرة، وحدائق أخصّائها بالنجاح مثمرة، ومنازل أعدائها مقفرة موحشة، ونوازلهم مذعرة مدهشة، وأجسادهم بأمراض قلوبهم مشوّشة، وأكبادهم بلواعج زفراتهم معطّشة.
والحمد لله الذي جعل هذه الأيام الفاضلة الجلال جليلة الفضل، شاملة النّظام ناظمة الشّمل، هامية بالمكرمات هائمة بالعدل، دانية القطوف، معروفة بالمعروف، مغيثة الملهوف، مرهبة للألوف، متصرّفة في الآفاق صارفة الصّروف، حمدا يبهج النّفوس، ويزيل البوس، ويديم السّرور، ويذهب
(10/126)

المحذور، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
«1» .
نحمده على هذه النّعم التي تفيّأت الأمم بظلالها، وبلغت بها النفوس غاية آمالها، ورويت بعد ظمإ الخوف من حياض أمن زلالها، واستسرّت بعد الحزن بأفراح قبولها وإقبالها، وارتفعت بعد انخفاضها رؤوس أبطالها وأقيالها.
ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تديم النّعماء، وتجزل العطاء، وتكشف الغمّاء، وتقهر الأعداء، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي قرن طاعة أولي الأمر بطاعته، وأيّد من اهتدى منهم بهدايته، وأعانه لمّا استعان بعنايته، وأظلّه تحت ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلا ظلّه في دار كرامته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين انحازوا إلى حوزته واحتموا بحمايته، وأثمر لهم غرس دينه فرعوه حقّ رعايته، وشرّف وكرم.
وبعد، فلمّا كانت رحمة الله تعالى لغضبه سابقة، ورأفته بعباده متلاحقة، وكانت الممالك الشريفة قد اختلّت أمورها، وصار إلى الدّثور معمورها، وأشرف على البوار أميرها ومأمورها، فالشرائع متغيّرة شرائعها، والعوائد مفقودة مآثرها، والمظالم قويّ سلطانها، كثير أعوانها، ضعيف مضاددها، قليل معاندها، فلا نائب سياسة إلا مشغول بالنّوائب، ولا حاكم شرع إلا وقد سدّت عليه المذاهب، ولا تاجر إلا وقد خسرت تجارته فما ربحت، ولا ذو قراض إلا ورؤوس أمواله قد انقرضت، ولا صاحب تراث إلا وقد محيت آية ميراثه ونسخت، ولا ركن مملكة إلّا وقد انهدم أساسه، ولا عضد دولة إلا وقد بطل إحساسه، أقام سبحانه وتعالى لإزالة هذه النّوازل الفادحة، وإخماد نار هذه القبائح القادحة، من توفّرت الدّواعي على استحقاقه السلطنة الشريفة، وأجمعت الأمّة على انحصار ذلك في أوصافه المنيفة، ودلّت أمائر السّعود على محلّه الجليل، وجنابه الذي إذا لاذ به من خاف الدّهر رجع وطرف الدّهر عنه كليل؛ طالما أصفى موارد العدل، وأضفى أذيال
(10/127)

الفضل، وأمّن الخائف، وروّع الحائف «1» وأمضى في الجهاد عزمه، وأنفذ في السّرايا إليه حكمه، وسدّد إلى معاونه في غرض الكفّار سهمه، وفتح الطريق إلى بيت الله الحرام بعد الانسداد، وأنعم على القانع والمعترّ «2» بالراحلة والزّاد، وعمر المساجد، وجعلها آهلة بالراكع والساجد، وجلا عروس الأمويّ في حلل التهليل والتكبير، وأعاد عود منبره الذابل وهو نضير، هذا مع شجاعة شاهدها وشهد بها أبطال الإسلام، وسطوة تخشاها الأسود في الآجام، ووقار يخضع بالهيبة رؤوس الأعلام، وبشر يطلع فجره من طالع جبهته، ونور ساطع من جهة جبهته، وحياء متطلّع من طلعته، وحباء متدفّق من أنملته، وكنت أيّها الملك الجليل المؤيّد- لا زال شمل الدين بك مجموعا، وعلم الإسلام مرفوعا، وقلب أهل الشّرك والنّفاق مروعا- أنت المتّصف بهذه الصّفات الحميدة، والكاشف لتلك الشدائد الشّديدة؛ فلم يرعك خطر الخطّارة، ولا انحلال أهل صرخد «3» حيث اشتهرت عزائم صوارمك البتّارة، ولا خطرتك من القيساريّة «4» إلى الرّيدانيّة «5» في أسرع من غفوة، والشّيخ لا تنكر له الخطوة، ولا مشاهدة الحمام في الحمّام، ولا زاغ بصرك باللّجّون «6» حين أظلم القتام، حتّى زال المانع، وهجع الهاجع، وأمنت الخطوب، وفرّجت الكروب، وخلا دست السلطنة ممن نكث الأيمان، وأصرّ على
(10/128)

الإثم والعدوان، وأقررت اسم الخلافة على الانفراد، ليستخير الله في الأصلح للعباد والبلاد.
هذا ورأي أهل الحلّ والعقد من ملوك الإسلام وأمرائه، وقضاته وعلمائه، ومشايخه وصلحائه، وخاصّته وعامّته، ورأي مولانا أمير المؤمنين، أعزّ الله تعالى به الدّين، وجمع بيمن بركته شمل الإسلام والمسلمين، مجمع على تفويض أمر المسلمين وولاية عهدهم وكفالة السلطنة الشريفة والإمامة العظمى إليك- خلّد الله سلطانك، وجعل الدهر خديمك والملائكة أعوانك، فقدّم أمير المؤمنين من الاستخارة أمام هذا التقليد ما يعتبر في السّنّة الشريفة ويقدّم، وعلم أنّ المصلحة فيما خاره الله له وللأمّة من ولايتك أيّها الملك المبجّل والسلطان الأعظم، وأنك أبرأ للذّمّة، وأبرّ بالأمّة، وشاهد بإجماع الأمّة على سلطنتك من التآلف والاتّفاق، ما نفى الخلاف والشّقاق، وما سرّ الجمهور الطائعين من غير دفاع، والجمّ الغفير لبديع آرائك ورفيع راياتك مذعنين لحسن الاتّباع، وأهل الحلّ والعقد لأمرك ونهيك قد خضعت منهم الرّقاب، وسارعوا إلى إجابة دعوتك حين اتضحت لهم أدلّة الصواب، والزمان بإفضاء الأمر إليك قد طاب واعتدل، والأرض في مشارقها ومغاربها بمهابتك قد أمنت من الوجل، والنفوس الأبيّة قد أذعنت لمبايعتك من غير مهل، والفتنة وقد ردّ الله بالغيظ مثيرها، والألفة وقد برقت من سرائر أهل التوحيد أساريرها، والعساكر المنصورة قد أحاطت به كما أحاطت بالبدور الهالة، وقد أنزل الله عليك ناموس المهابة والجلالة، وفوّض إليك ما ولّاه الله من أمور الإسلام والمسلمين، وأسند إليك ما في يده من مصالح عباده المؤمنين: لتقيم على أساس أحكامك دعائم الدّين القويم، وتسيّر الخلائق على منهاج طريقك المستقيم، وتحسن- إن شاء الله- برعايتك عاقبة الرعيّة كما أصبحت قلوبهم بك راضية مرضيّة.
وعهد إليك أمير المؤمنين في كلّ ما وراء سرير خلافته، وفي كلّ ما يرتبط بأحكام إمامته، وقلّدك ذلك شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وبرّا وبحرا، وسهلا
(10/129)

ووعرا، وفي كلّ ماله من الملك والممالك، وما يفتحه [الله] «1» على يدك بعد ذلك، تفويضا شاملا، وتقليدا كاملا، وعهدا تامّا، وإسنادا عامّا، ولاية مكمّلة البنيان، مؤسّسة على تقوى من الله ورضوان، وسلطنة آخذة بالذّمم، مشتملة على جميع الأمم، يدخل في هذا العهد العامّ والتفويض التامّ، والرأي الذي شهد له إجماع الأمّة بالإحكام، [يدخل في ذلك] «2» مفضول الناس وفاضلهم، وعالمهم وجاهلهم، وخاصّهم وعامّهم، وناقصهم وتامّهم، وشريفهم ومشروفهم، وقويّهم وضعيفهم، وآمرهم ومأمورهم، وقاهرهم ومقهورهم، والجمع والجماعات، وبيوت العبادة والطاعات، والقضاة وأحكامها، والخطباء ومنابرها وأعلامها، والجيوش والعساكر والكتائب، وربّ سيف وكاتب إنشاء وقلم حاسب، وطوائف الرّعايا على اختلاف أطوارهم، وتفاوت أرزاقهم وأقدارهم، والعربان والعشائر، وبيوت الأموال والذّخائر، وداني الأمم وقاصيها، وطائعها وعاصيها، والخراج وجباياته والمصروف وجهاته، والصدقات ومستحقّوها، والرّزق ومرتزقوها، والإقطاعات والأجناد، وما يستعدّ [به] «3» لمواطن الجهاد، والمنع والعطاء والقبض والإمضاء، والخمس والزّكوات، والهدن والمعاهدات، والبيع والقمامات «4» ، وما يظهر من أمور الملك وما يخفى، وما تستدعيه براعتك في السرّ والخفا، وشعار السلطنة وأهبتها، ونواميس الملك وحرمتها.
فأجبت- رعاك الله- دعوة أمير المؤمنين ودعوتهم لقبول ذلك مسؤولا، معتمدا على أن الله سينزل إليك من يسدّدك من الملائك فعلا وقولا؛ فاجلس- أيّدك الله- على تخت ملك قد هيّأه الله لمواقفك المطهّرة، وسرير سلطنة علّقت
(10/130)

سرير سعدك الامجد فتقاعست الهمم عنه مقصّرة.
فالحمد لله ثم الحمد لله عن الدّهر وأبنائه، ولا مثل هذه النعمة بهذا الخبر وأنبائه، ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ
«1» وهذا ما كان من قضيّة الدين على رغم الوسواس الخنّاس «2» ، وهذا ما كانت الآمال تنتظر وروده، وجواري القدم ترتقب سعوده:
والله ما زادوك ملكا إنّما ... زادوا أكفّ الطالبين نوالا!
وأمّا الوصايا، فأنت بحمد الله طالما ملأت بها الأسماع، وكشفت عاطفتك لمن أردت ترتيبه عنها القناع؛ ولكن عهد من تعبّداتك السماع لشدوها، والطّرب لحدوها، فعليك بتقوى الله، فيها تورق أغصان الأرب الذّوابل، ويغرّد طائر عزّك الميمون بالأسحار والأصائل؛ فاجعلها ربيع صدرك، وأينع بها حدائق فكرك، وروّح «3» بعرفها الأريج أرجاء ملكك، وأجر الشرع الشريف على ما عوّدته من نصرك، والعلماء على ما ألفوه من برّك وخيرك، فهم ورثة الأنبياء عليهم السلام، والدالّون على الشريعة بأسنّة أقلامهم ما يكلّ عنه حدّ الحسام، وطهّر منصب الشرع الشريف من الرّذائل، وصن أيّام ملكك الشريف عن الجهّال، والآكلين أموال الناس بالباطل؛ والعدل- ونستغفر الله- فإنك مثمّر لغراسه، رافع ما انهدم من أساسه؛ قد جعلته مجلس محاكماتك، وأنيس خلواتك؛ والفضل- وبرّك أخجل الأقلام- فلو مرّ بك راجيك على الصّفا لا رتاح للمعروف، أو شاهد هباتك حاتم لرجع طرفه عنها وهو مطروف؛ ولا سرف في الخير، ولا ضرر ولا ضير؛ وأمر بالمعروف وانه عن المنكر فأنت المسؤول بين يدي الله عن ذلك، وانه
(10/131)

نفسك عن الهوى بحيث لا يراك الله هنالك؛ وحدود الله فلا تتعدّاها، والرعايا فحطها بعين رعايتك وارعاها، وجنّد الجنود برّا وبحرا، وأنل أعداءك قهرا وقسرا، وراجع النظر في أمر نوّاب السلطنة الشريفة مراجعة الناقد البصير، وتيقّظ لصيانة قلاع الممالك ومعاقلها وحصونها، وتخيّر لها من ليس بمشكوك المناصحة ولا مظنونها، وحطها مع عمارتها بالعدّة والعدد، والأقوات لكي تطمئنّ النفوس بمددها منها إذا طالت المدد، وتفقّد أحوال من فيها من المستخدمة، وارع حقوق من له بها خدمة متقدّمة، واجعل الثّغور باسمة بحفظتها ولا حظ الأمور بحسن تدبيرك المألوف في سياستها، واستوص خيرا بأمرائك الخالصين من الشّكوك، السالكين في طاعتك أحسن السّلوك، وضاعف لهم الحرمة، وارع لهم الذّمّة، لا سيّما أولي الفكر الثاقب، والرأي الصائب؛ فشاورهم في مهمّات الأمور، واشرح بإحسانك منهم الصّدور، وارع حقوق المهاجرين والأنصار، الذين سلكت معك مطاياهم البطاح والقفار، وهجروا محبوبهم من الوطن والدار، وجالدوا وجادلوا، وآووا في سبيلك وقاتلوا، وأنل كلّا منهم ما يرجوه، واشرح صدورهم بإدراك ما أمّلوه؛ وجيوش الإسلام فاغرس محبتك في قلوبهم بإحسانك، وكما سبقتهم بإحسانك فتحبّب إليهم بجزيل امتنانك؛ وجيوش البحر فكن لها محيطا، وبجليّات مشيها محيطا «1» ؛ فإنها توجّه للأصقاع، سليمانيّة الإسراع، تقذف بالرّعب في قلوب أعداء الدين، وتقلع بقلوعها آثار الملحدين، فواصل تجهيز السّرايا لركوب ثبجه «2» ، والغوص إلى أعداء الله في عميق لججه، وأجمل النظر في بيت الله الحرام، وحرم رسوله، عليه أفضل الصلاة والسلام: لتسلك عين الأمن الأباطح، وتقرّ عيون حمره بالمائح والماتح «3» ، وتتعرّف بعرفانك عرفات، وترمى مخاوف
(10/132)

الخيف من أيدي مهابتك بالجمرات، وصل جيرانهما بصلاتك: لتسهر أعينهم بالدعاء لك وأنت في غفواتك. والقدس الشريف الذي هو أحد المساجد التي تشدّ إليها الرحال فزد تقديسه، واجعل ربوع عباداته بالصّلوات مأنوسة. وإقامة موسم الحج كلّ سنة فأنت بعد حركة تيمور فاتح سبيله، وكاسي محمله حلل توقيره وتبجيله.
هذه الوصايا تذكرة للخاطر الشريف وحاشاك من النّسيان، وهذا عهد أمير المؤمنين ومبايعة أولي الحلّ والعقد قد تقاضيا إلى حقّك على الزمان، وعندك كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما ضلّ من تمسّك بهما ولا مان «1» ؛ فاتّبع أحكام الله يوسّع الله لك في ملكك، واجعل هديك بهما إمام نهيك وأمرك، وأدّ ما قلّدك الله من حقوق الإمامة والأمانة إلى خلقه أداء موفورا: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً
«2» .
قلت: ولما كان هذا العهد قد ادّرع جلباب العجائب فأعجب، وارتدى برداء الغرائب فأغرب، وسقي غرسه ماء البلاغة فأنجب، وشنّف الأسماع إذ أسمع فأرقص على السماع وأطرب، وامتطى صهوة جياد البيان فتنقّل فيها من كميت إلى أشقر ومن أحوى إلى أشهب- أحببت أن آتي له بطرّة «3» هي له في الحقيقة ذيل، ونغبة «4» من بحر وقطرة من سيل، لا جرم جعلتها في الوضع في الكتاب له لا حقة، وإن جرت العادة أن تكون الطّرّة للعهد سابقة، وهو:
هذا عهد شريف ترقمه أقلام أشعّة الشمس بذهب الأصيل على صفحات الأيام، وتعجمه كفّ الثريّا بنقط النجوم الزواهر وإن كان لا عهد للعهود بالإعجام،
(10/133)

وتعترف ملوك الأرض أنّ صاحبه شيخ الملوك والسلاطين فتقدّمه في الرأي وتجلّه في الرتبة وتعامله بالإجلال والإعظام، من عبد الله ووليّه، وخليفته في أرضه وصفيّه، وسليل خلفائه الراشدين وابن عم نبيّه، الإمام الفلاني (إلى السلطان الأعظم الملك الفلاني إلى آخر الألقاب) .
وهذه نسخة عهد على هذا المذهب، كتب به عن أمير المؤمنين المستعين بالله أبي الفضل العباس خليفة العصر، للملك العادل شمس الدنيا والدين «مظفّر شاه» «1» بالسلطنة بالمملكة الهنديّة، في شوّال سنة ثلاث عشرة وثمانمائة بدمشق المحروسة، من إنشاء الشيخ الإمام علّامة العصر، جامع أشتات الأدب ومالك زمامه، تقيّ الدّين محمد بن حجّة «2» ، الشاعر الحمويّ، ومفتي دار العدل
(10/134)

بحماة المحروسة، مما كتب بخطّ المولى تاج الدين عبد الرحمن بن التاج، أحد كتّاب الإنشاء الشريف بالأبواب الشريفة، في قطع البغداديّ الكامل بخفيف الطّومار، وكانت الطرّة المكتتبة في الوصل الأوّل خمسة أسطر بالقلم المذكور، وسطرين بخفيف المحقّق، والطرّة البيضاء خمسة أوصال، والبياض بين كلّ سطرين ثلث ذراع، وبيت العلامة الشريفة ضعف ذلك، والهامش ربع الورق على العادة. وصورة الطرّة:
عهد شريف عهد به عبد الله ووليّه، سيّدنا ومولانا الإمام الأعظم العبّاس أبو الفضل المستعين بالله أمير المؤمنين، وابن عمّ سيد المرسلين، أعزّ الله به الدين، وأمتع ببقائه الإسلام والمسلمين، إلى المقام الأشرف، العالي، السلطانيّ، العادليّ، الشمسيّ، أبي المجاهد «مظفّر شاه» أعزّ الله تعالى أنصاره. وقلّده السلطنة المعظّمة بحضرة «دهلى» «1» وأعمالها ومضافاتها على عادة من تقدّمه في ذلك، ولاية عامّة شاملة كاملة جامعة، وازعة قاطعة ساطعة، شريفة منيفة: في سائر الممالك الهندية وأقاليمها، وثغورها، وبلادها، وعساكرها وأكابرها وأصاغرها، ورعاياها ورعاتها وحكّامها، وقضاتها، وما احتوت عليه شرقا وغربا، بعدا وقربا؛ على ما شرح فيه.
الصدر بعد البسملة الشريفة:
الحمد لله الذي وثّق عهد النّجاح للمستعين به وثبّت أوتاده: ليفوز من تمسّك من غير فاصلة بسببه، وزيّن السماء الدنيا بمصابيح وحفظا، وأفرغ على أعطاف الأرض حلل الخلافة الشريفة، وعلم أنّ خلفها الشريف زهرة الحياة الدنيا فقال عز من قائل: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
«2» . واختارها من بيت براعة استهلاله في أوّل بيت وضع للناس، وسبقت إرادته- وله الحمد- أن تكون
(10/135)

هذه النّهلة من سقاية العبّاس.
فالحمد لله على أن جعل هذه السّقاية عينا يشرب بها المقرّبون، ومن علم شرفها تميّز وتمسّك بقوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
«1» .
والحمد لله الذي استخلف آله في الأرض وفضّلهم، فإن تحدّث أحد في شرف بيت فالله سبحانه قد جعل البيت والحديث لهم؛ فأكرم به بيتا من أقرّ بعبوديّته كان له بحمد الله من النار عتقا، وتمتّع بنعيم بركته التي لا يتجنّبها إلا الأشقى؛ وهو البيت الذي بعث الله منه شاهدا ومبشّرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وصفّى أهله من الأدناس وأنزل في حقّهم: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
«2» ، وصيّر علمهم الخليفتيّ «3» على وجنة الدّهر شامة، وخصّهم بالتقديم فالحمد لله والله أكبر لهذه الإمامة؛ وإذا كان النسيب مقدّما في المدح وهو في النظم واسطة العقود، فهذا هو النّسب الذي كأنّ عليه من شمس الضّحى نورا ومن فلق الصباح عمود، وهذا هو الركن الذي من استلمه واستند إليه قيل له: فزت بعلوّ سندك، فقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمّه العباس: «يا عمّ ألا أبشّرك؟ قال: بلى يا رسول الله- قال: إنّ الله فتح الأمر بي ويختمه بولدك» . وهذا الحديث يرشد إلى التمسّك بطيب العهود العباسيّة لتفيض على المتمسك بها نيل الوفاء، وتعين من استعان بالمستعين وعلم أنّ النبيّ عليه السلام قال لجدّه: «أنت أبو الخلفاء» . وناهيك أنّه صلى الله عليه وسلم قال لأمّ فضل وهي شاكّة في الحمل: «اذهبي بأبي الخلفاء» فكان عبد الله المنتظم به هذا الشّمل فاحبب بها شجرة زكا غرسها ونما، وتسامت بها الأرض وكيف لا؟ وأصلها ثابت وفرعها في السّما؛ فسلام على هذا الخلف الذي منه المستعين بالله والمتوكل عليه
(10/136)

والواثق به والمعتصم والرشيد، ورحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنّه حميد مجيد.
نحمده حمد من علم أنّ آل هذا البيت الشريف كسفينة نوح وتعلّق بهم فنجا، ونشكره شكر من مال إلى الدّخول تحت العلم العبّاسيّ وتنصلّ من الخوارج فوجد له من كلّ ضيق مخرجا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو أن تكون مقبولة عند الحاكم وقت الأدا، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي حرّضنا على التمسك بالعهود وأرشدنا إلى طريق الهدى؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين وفّوا بالعهود، وكانوا في نظام هذا الدّين وجمعه فرائد العقود، صلاة يسقي عهاد الرحمة- إن شاء الله- عهدها، وينتظم في سلك القبول عقدها، وسلّم تسليما.
أما بعد حمد الله الذي ألهمنا الرّشد وجعل منّا الخلفاء الراشدين، وهدانا بنبيّه صلى الله عليه وسلم وخصّنا من بيته الشريف بالأئمة المهديّين، واصطفى من هذا الخلف خلائف الأرض، وسنّ مواضي العقول التي قطعت أنّ طاعتنا فرض؛ فإنّ لعهدنا العبّاسي شرفا لا يرفل في حلله إلّا من اتّخذ مع الله عهدا وأتاه بقلب سليم، فقد قال الله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
«1» . لا يتمسّك بهذا العهد إلّا من صحا إلى القيام بواجب الطاعة وترك أهل الجهل في سكرتهم يعمهون، وانتظم في سلك من أنزل الله في حقّهم: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
«2» ؛ فمن نهض إلى المشي في منهاجه مشى بعين البصيرة في الطّريق القويم، وتلا له لسان الحال: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ
(10/137)

مُسْتَقِيمٍ
«1» ؛ وهو قبضة من آثار البيعة النبويّة، وشعار يتشرّف به من مشى تحت ألويته العباسيّة، وما أرسل هذا العهد النبويّ إلى أحد من ملوك الأرض إلا عمّه الشرف من جميع جهاته، واللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
«2» وشدت أعواد منبره طربا، وأزهرت رونقا وأثمرت أدبا، واستطالت بيد الخلافة لإقامة الحدّ، وكيف لا ويد الخلافة لا تطاولها يد؛ وكان المقام الأشرف (إلى آخر الألقاب المذكورة في التعريف واسمه المكتتب في الطرّة) «3» هو الذي رغب في التمسّك بهذا العهد الشريف ليزيل عن ملكه الالتباس، واستند إليه ليروي بسنده العالي عن ابن عبّاس؛ فإنه الملك الذي ظفّره الله بأعداء هذا الدّين وسمّاه مظفّرا ولقّبه بالشمسيّ واختار له أن يقارن من الطّلعة المستعينيّة قمرا؛ أينع زهر العدل من حضرة «دهلى» فعطّر الآفاق، وضاع نشره بالهند فعاد الشّمّ إلى المزكوم بالعراق، وصارت دمن «سمنات» «4» عامرة بقيام الدّين، وأيّده الله فيها بعد القتال بالفتح المبين، ولم يترك للعدوّ في بيت بيت ليلة، وأبطل ما دهّره أهل دهلى بحسن اليقظة وقوّة الصّولة، وأباد الكفرة من أهل ديو ولم يقبل لهم دية، وفاءوا إلى غير أمر الله فأبادهم بسيفه الهنديّ فلم تقم لهم فية «5» ، وفطّر أكباد من ناوأه بها فلازموا عن رؤيتها الصّوم، ونادى منادي عدله بالبلاد الهندية: لا ظلم اليوم، ودانت له تلك الممالك برّا وبحرا، وسهلا ووعرا، ما نظم الأعداء على البحر المديد بيتا إلا أبان زحافه وأدار عليه دوائره، فكم نظم شمل الرعايا بالعدل ونثر رؤوس الطّغاة بالسيف فلا عدم الإسلام ناظمه وناثره؛ سئلت الرّكبان في البرّ عن مناقبه الجميلة وعمّ
(10/138)

يتساءلون وقد صار لها عظيم النبا، وصرّح راكب البحر بعد التسمية باسمه وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً
«1» فظلّه في البرّ ظليل، وعدله في البحر بسيط وطويل.
هذا ولم يبق في تلك الممالك الهنديّة بقعة إلا ولم «2» يصغر الله بسنابك الخيل فيها ممشاه، ولا نفس خارجة عن الطاعة إلا وماتت في رقعة الأرض بمظفّر شاه؛ فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي، المولويّ، السيّديّ، الإماميّ، الأعظميّ، النبويّ، المستعينيّ، سيدنا ومولانا أمير المؤمنين المستعين بالله أبي الفضل العبّاس (ونسبه إلى الحاكم بأمر الله، والدعاء) «3» بعد أن استخار الله تعالى سيدنا ومولانا أمير المؤمنين كثيرا، واتخذه هاديا ونصيرا، وصلّى على ابن عمه سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- أن يفوّض إلى المقام الأشرف المشار إليه ولاية العهد وكفالة السلطنة المعظّمة، بحضرة دهلى وأعمالها كما في الطرّة كما هو المعهود:
ليهطل جود الرحمة على تلك البقاع المباركة إن شاء الله ويجود: لما رآه من صلاح الأمّة ومصالح الخلق، استخلافا تتحلّى بذكره الأفواه، وتستند إليه الرّواة، وتترنّم به الحداة، وتستبشر به كافّة الأمم، ويقطع به ويحفظه ربّ كل سيف وقلم، ويعتمد عليه كلّ ذي علم وعلم؛ فلا زعيم جيش بها إلّا وهذا التفويض يسعه ويشمله، ولا إقليم من أقاليمها إلا ومن به يقبّله، ويقبله، ويتمثّل به ويمتثله، ولا منبر بجوامعها إلا وخطيبه يتلو برهان هذا التفويض ويرتّله.
وأما الوصايا فعنده- إن شاء الله- تهبّ نسمات قبولها، وتعرب عن نصب مفعولها؛ وهو بحمد الله تعالى لوصايا هذا العهد المبارك نعم القابل، ففي الصحيحين عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه منهم الإمام العادل» والوصيّة بالرّعايا واجبة والعدل فيهم قد حرّض النبيّ صلى الله عليه وسلم عليه، وقال: «يوم من
(10/139)

إمام عادل أفضل من مطر أربعين صباحا أحوج ما تكون الأرض إليه» . وقال ابن عمّنا عليّ رضي الله عنه «الملك والدّين أخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر، ونشرهما في الرعيّة ضائع «1» ، فالدّين أسّ والملك حارس، فما لم يكن له أسّ فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع» فليأمر بالمعروف وينه عن المنكر عالما أنه ليس يسأل غدا بين يدي الله عز وجل عن ذلك سوانا وسواه، وينه نفسه عن الهوى فلا يحسن لعود قدّه أن يميل مع هواه- وليترك الثّغور بعدله باسمة، وقواعد الملك بفضله قائمة- وليجاهد في الله حقّ جهاده، ويلطف بالرعايا ويعلم أن الله لطيف بعباده- وليشرح لهم بالإحسان صدرا، ويجرهم إذا وقف على أحوالهم أحسن مجرى؛ وهو بحمد الله غير محتاج إلى التأكيد: لأنه لم يخل له من القيام في مصالح المسلمين فكر، ولكنه تجديد ذكر على ذكر، والله تعالى يمتّع بطول بقائه البلاد والعباد، ولا برحت سيوفه الهندية تكلّم أعداء هذا الدين بألسنة حداد، وثبّت ملكه بالعدل وشيّد أقواله وأفعاله، وختم بالصالحات أعماله، والاعتماد على الخط الإماميّ المستعينيّ أعلاه، إن شاء الله تعالى.
قلت: ولم يعهد أنه كتب عن الخلفاء العباسيين القائمين بالديار المصرية عهد لملك من غير ملوك الديار المصرية سوى هذا العهد.
المذهب الرابع
( [أن يفتتح العهد بقوله أما بعد] «2» «فالحمد لله» أو «أما بعد فإنّ أمير المؤمنين» أو «أما بعد فإن كذا» ونحو ذلك) ويأتي بما يناسب من براعة الاستهلال وحال المتولّي والمولّي وما يجري مجرى ذلك مما يسنح للكاتب ذكره مما يناسب الحال، ويأتي من الوصايا بما يناسب المقام: إما بلفظ الغيبة أو بلفظ الخطاب كما في غيره من المذاهب
(10/140)

السابقة، وهي طريقة اقترحها الوزير ضياء الدين بن الأثير في «المثل السائر» أنشأ عليها عهدا في معارضة «1» المكتوب للسّلطان صلاح الدين «يوسف بن أيوب» من ديوان الخلافة ببغداد الاتي ذكره في المذهب الخامس، وهذه نسخته:
أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين يبدأ بحمد الله الذي يكون لكلّ خطبة قيادا، ولكلّ أمر مهادا، ويستزيده من نعمه التي جعلت التّقوى له زادا، وحمّلته عبء الخلافة فلم يضعف عنه طوقا ولم يأل فيه اجتهادا، وصغّرت لديه أمر الدنيا فما تسوّرت له محرابا ولا عرضت عليه جيادا، وحقّقت فيه قوله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
«2» ؛ ثم يصلّي على من أنزلت الملائكة لنصره إمدادا، وأسري به إلى السماء حتّى ارتقى سبعا شدادا، وتجلّى له ربّه فلم يزغ منه بصرا ولا أكذب فؤادا؛ ثم من بعده على أسرته الطاهرة التي زكت أوراقا وأعوادا، وورثت النّور المبين تلادا، ووصفت بأنّها أحد الثّقلين هداية وإرشادا، وخصوصا عمّه العباس المدعوّ له بأن يحفظ نفسا وأولادا، وأن تبقى كلمة الخلافة فيهم خالدة لا تخاف دركا ولا تخشى نفادا.
وإذ استوفى القلم مداده من هذه الحمدلة، وأسند القول فيها عن فصاحته المرسلة، فإنه يأخذ في إنشاء هذا التقليد الذي جعله حليفا لقرطاسه، واستدام سجوده على صفحته حتّى لم يكد يرفع من راسه، وليس ذلك إلا لإفاضته في وصف المناقب التي كثرت فحسن لها مقام الإكثار، واشتبه التطويل فيها بالاختصار؛ وهي التي لا يفتقر واصفها إلى القول المعاد، ولا يستوعر سلوك أطوادها ومن العجب وجود السّهل في سلوك الأطواد؛ وتلك مناقبك أيّها الملك الناصر الأجلّ، السيد، الكبير، العالم، العادل، المجاهد، المرابط، صلاح الدين، أبو المظفّر، يوسف بن أيوب، والديوان العزيز يتلوها عليك تحدّثا
(10/141)

بشكرك، ويباهي بك أولياءه تنويها بذكرك، ويقول: أنت الذي تستكفى فتكون للدولة سهمها الصائب، وشهابها الثاقب، وكنزها الذي تذهب الكنوز وليس بذاهب، وما ضرّها وقد حضرت في نصرتها إذا كان غيرك هو الغائب، فاشكر إذا مساعيك التي أهّلتك لما أهّلتك، وفضّلتك على الأولياء بما فضّلتك، ولئن شوركت في الولاء بعقيدة الإضمار، فلم تشارك في عزمك الذي انتصر للدولة فكان له بسطة الانتصار، وفرق بين من أمدّ بقلبه ومن أمدّ بيده في درحات الإمداد، وما جعل الله القاعدين كالذين قالوا «لو أمرتنا لضربنا أكبادها إلى برك «1» الغماد» .
وقد كفاك من المساعي أنك كفيت الخلافة أمر منازعيها، فطمست على الدّعوة الكاذبة التي كانت تدّعيها «2» ؛ ولقد مضى عليها زمن ومحراب حقّها محفوف من الباطل بمحرابين، ورأت ما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم من السّوارين اللّذين أوّلهما كذّابين فبمصر منهما واحد تاه بمجرى أنهارها من تحته، ودعا الناس إلى عبادة طاغوته وجبته «3» ، ولعب بالدين حتّى لم يدر يوم جمعته من [يوم أحده ولا] «4» يوم سبته، وأعانه على ذلك قوم رمى الله بصائرهم بالعمى والصّمم، واتخذوه صنما [بينهم] «5» ولم تكن الضلالة هناك إلا بعجل أو صنم؛ فقمت أنت في وجه باطله حتّى قعد، وجعلت في جيده حبلا من مسد، وقلت ليده: تبّت فأصبح [وهو] «6» لا يسعى [بقدم] «7» ولا يبطش بيد، وكذلك فعلت بالآخر الذي نجمت باليمن ناجمته، وسامت فيه سائمته، فوضع بيته موضع الكعبة اليمانية، وقال: هذا ذو الخلصة «8» الثانية؛ فأيّ مقاميك يعترف الإسلام بسبقه، أم أيّهما يقوم بأداء حقّه، وهاهنا فليصبح القلم للسيف من الحسّاد، ولتقصر مكانته عن مكانته وقد كان له
(10/142)

من الأنداد، ولم يحظ بهذه المزيّة إلا أنّه أصبح لك صاحبا، وفخر بك حتّى طال فخرا كما عزّ جانبا، وقضى بولايتك فكان بها قاضيا لمّا كان حدّه قاضبا.
وقد قلّدك أمير المؤمنين البلاد المصريّة واليمنيّة غورا ونجدا، وما اشتملت عليه رعيّة وجندا، وما انتهت إليه أطرافها برّا وبحرا، وما يستنقذ من مجاوريها مسالمة وقهرا؛ وأضاف إليها بلاد الشام وما تحتوي عليه من المدن الممدّنة، والمراكز المحصّنة؛ مستثنيا منها ما [هو] «1» بيد نور الدّين إسماعيل بن نور الدين محمود رحمه الله: وهو حلب وأعمالها، فقد مضى أبوه على آثار في الإسلام ترفع ذكره في الذاكرين، وتخلفه في عقبه في الغابرين، وولده هذا قد هذّبته الفطرة في القول والعمل، وليست هذه الرّبوة إلا من ذلك الجبل، فليكن له منك جار يدنو منه ودادا كما دنا أرضا ويصبح وهو [له] «2» كالبنيان يشدّ بعضه بعضا؛ والذي قدّمناه من الثناء عليك ربّما تجاوز بك درجة الاقتصاد، وألفتك عن فضيلة الازدياد، فإياك أن تنظر إلى سعيك نظر الإعجاب، وتقول: هذه بلاد افتتحتها بعد أن أضرب عنها كثير من الأضراب، ولكن اعلم أنّ الأرض لله ولرسوله ثم لخليفته من بعده ولا منّة للعبد بإسلامه بل المنّة لله بهداية عبده؛ وكم سلف قبلك ممّن لو رام مارمته لدنا شاسعه، وأجاب مانعه؛ لكن ذخره الله لك لتحظى في الآخرة بمفازه، وفي الدنيا برقم طرازه؛ فألق بيدك عند هذا القول إلقاء التسليم، وقل: لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
«3» .
وقد قرن تقليدك هذا بخلعة تكون لك في الاسم شعارا، وفي الرّسم فخارا، وتناسب محلّ قلبك وبصرك وخير ملابس الأولياء ما ناسب قلوبا وأبصارا؛ ومن جملتها طوق يوضع في عنقك موضع العهد والميثاق، ويشير إليك بأنّ الإنعام قد أطاف بك إطافة الأطواق بالأعناق؛ ثم إنك خوطبت بالملك وذلك خطاب
(10/143)

يقضي لصدرك بالانشراح، ولأملك بالانفساح، وتؤمر معه بمدّ يدك إلى العلياء، لا بضمّها إلى الجناح؛ وهذه الثلاثة المشار إليها هي التي تكمل بها أقسام السّيادة، وهي التي لا مزيد عليها في الإحسان فيقال: إنّها الحسنى وزيادة، فإذا صارت إليك فانصب لها يوما يكون في الأيّام كريم الأنساب؛ واجعله لها عيدا وقل: هذا عيد التقليد والخلعة والخطاب، هذا ولك عند أمير المؤمنين مكانة تجعلك لديه حاضرا وأنت ناء عن الحضور، وتضنّ أن تكون مشتركة بينك وبين غيرك والضنّة من شيم الغيور؛ وهذه المكانة قد عرّفتك نفسها وما كنت تعرفها، وما نقول إلا أنّها لك صاحبة وأنت يوسفها؛ فاحرسها عليك حراسة تقضي بتقديمها، واعمل لها فإنّ الأعمال بخواتيمها، واعلم أنك قد تقلّدت أمرا يفتن به تقيّ الحلوم، ولا ينفكّ صاحبة عن عهدة الملوم، وكثيرا ما ترى حسناته يوم القيامة وهي مقتسمة بأيدي الخصوم؛ ولا ينجو من ذلك إلا من أخذ أهبة الحذار، وأشفق من شهادة الأسماع والأبصار، وعلم أنّ الولاية ميزان إحدى كفّتيه في الجنة والأخرى في النار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذرّ إنّي أحبّ لك ما أحبّ لنفسي لا تأمّرنّ على اثنين ولا تولّينّ مال يتيم» . فانظر إلى هذا القول النبويّ نظر من لم يخدع بحديث الحرص والآمال، ومثّل الدنيا وقد سيقت [إليك] «1» بحذافيرها أليس مصيرها إلى زوال؟. والسعيد من إذا جاءته قضى بها أرب الأرواح لا أرب الجسوم، واتّخذ منها وهي السّمّ دواء وقد تتّخذ الأدوية من السّموم؛ وما الاغتباط بما يختلف على تلاشيه المساء والصّباح؟ وهو كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ
«2» والله تعالى يعصم أمير المؤمنين وولاة أمره من تبعاتها التي لا بستهم ولا بسوها، وأحصاها الله عليهم ونسوها؛ ولك أنت من هذا الدعاء حظّ على قدر محلّك من العناية التي جذبت بضبعك [ومخلّك من الولاية التي بسطت من درعك] «3» . فخذ هذا الأمر الذي تقلّدته أخذ من لم يتعقّبه بالنسيان؛ وكن في رعايته ممن إذا نامت عيناه كان قلبه يقظان.
(10/144)

وملاك ذلك كلّه في إسباغ العدل الذي جعله الله ثالث الحديث والكتاب، وأغنى بثوابه وحده عن أعمال الثواب، وقدّر يوما منه بعبادة ستّين عاما في الحساب، ولم يأمر به آمر إلا زيد قوّة في أمره وتحصّن به من عدوّه ومن دهره؛ ثم يجاء به يوم القيامة وفي يديه كتابا أمان، ويجلس على منبر من نور عن يمين الرحمن؛ ومع هذا فإن مركبه صعب لا يستوي على ظهره إلا من أمسك عنان نفسه قبل إمساك عنانه، وغلبت لمّة «1» ملكه على لمّة شيطانه، ومن أوكد فروضه أن يمحي السّنن السيئة التي طالت مدد أيّامها، ويئس الرّعايا من رفع ظلاماتها فلم يجعلوا أمدا لانحسار ظلامها؛ وتلك هي المكوس التي أنشأتها الهمم الحقيرة، ولا غنى للأيدي الغنيّة إذا كانت ذا [ت] «2» نفوس فقيرة؛ وكلّما زيدت الأموال الحاصلة منها قدرا زادها الله محقا وقد استمرّت عليها العوائد حتّى ألحقها الظالمون بالحقوق الواجبة فسمّوها حقّا؛ ولولا أنّ صاحبها أعظم الناس جرما لما أغلظ في عقابه، ومثّلت توبة المرأة الغامديّة بمتابه؛ وهل أشقى ممن يكون السواد الأعظم له خصما، ويصبح وهو مطالب منهم بما يعلم وبما لم يحط به علما. وأنت مأمور بأن تأتي هذه الظّلمات فتنحي على إبطالها، وتلحق أسماءها في المحو بأفعالها، حتّى لا يبقى لها في العيان صور منظورة، ولا في الألسنة أحاديث مذكورة؛ فإذا فعلت ذلك كنت قد أزلت عن الماضي سنّة سوء سنّتها يداه، وعن الآتي متابعة ظلم وجده طريقا مسلوكا فجرى على مداه؛ فبادر إلى ما أمرت به مبادرة من لم يضق به ذراعا، ونظر إلى الحياة الدّنيا بعينه فرآها في الآخرة متاعا، واحمد الله على أن قيّض لك إمام هدى يقف بك على هداك، ويأخذ بحجزتك عن خطوات الشيطان الذي هو أعدى عداك؛ وهذه البلاد المنوطة بنظرك تشتمل على أطراف متباعدة، وتفتقر في سياستها إلى أيد مساعدة، وبهذا تكثر فيها قضاة الأحكام، وأولوا تدبيرات السّيوف والأقلام؛ وكلّ من هؤلاء ينبغي أن يفتن على نار الاختبار، ويسلّط عليه شاهدا عدل من أمانة الدّرهم
(10/145)

والدّينار، فما أضلّ الناس شيء كحبّ المال الذي فورقت من أجله الأديان، وهجرت بسببه الأولاد والإخوان، وكثيرا ما يرى الرجل الصائم القائم وهو عابد له عبادة الأوثان؛ فإذا استعنت بأحد منهم على شيء من أمرك فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدإ حاله فإنّ الأحوال تتنقّل تنقّل الأجساد، وإيّاك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه بالرّبيع ابن زياد «1» ؛ وكذلك فأمر هؤلاء على اختلاف طبقاتهم أن يأمروا بالمعروف مواظبين، وينهوا عن المنكر محاسبين، ويعلموا أنّ ذلك من دأب حزب الله الذين جعلهم الغالبين، وليبدأوا أوّلا بأنفسهم فيعدلوا بها عن هواها، ويأمروها بما يأمرون به من سواها، ولا يكونوا ممن هدى إلى طريق البرّ وهو عنه حائد، وانتصب لطبّ المرضى وهو محتاج إلى طبيب وعائد، فما تنزل بركات السماء إلّا على من خاف مقام ربّه، وألزم التقوى أعمال يده ولسانه وقلبه؛ فإذا صلحت الولاة صلحت الرعية بصلاحهم، وهم لهم بمنزلة المصابيح ولا يستضيء كلّ قوم إلا بمصباحهم.
ومما يؤمرون به أن يكونوا لمن تحت أيديهم إخوانا في الاصطحاب، وأعوانا في توزّع الحمل الذي يثقل على الرّقاب؛ فالمسلم أخو المسلم وإن كان عليه أميرا، وأولى الناس باستعمال الرّفق من كان فضل الله عليه كبيرا، وليست الولاية لمن يستجدّ بها كثرة اللفيف، ويتولّاها بالوطء العنيف، ولكنّها لمن يمال على جوانبه، ويؤكل من أطابيه، ولمن إذا غضب لم ير للغضب عنده أثر، وإذا ألحف في سؤاله لم يلحق الإلحاف بخلق الضّجر، وإذا حضر الخصوم بين يديه عدل بينهم في قسمة القول والنظر؛ فذلك الذي يكون لصاحبه في أصحاب اليمين، والذي يدعى بالحفيظ العليم وبالقويّ الأمين؛ ومن سعادة المرء أن يكون
(10/146)

ولاته متأدّبين بآدابه، وجارين على نهج صوابه، وإذا تطايرت الكتب يوم القيامة كانت حسناته مثبتة في كتابه.
وبعد هذه الوصية فإنّ هاهنا حسنة هي للحسنات كالأمّ الولود، ولطالما أغنت عن صاحبها إغناء الجنود، وتيقّظت لنصره والعيون رقود، وهي التي تسبغ لها الآلاء، ولا يتخطّاها البلاء، ولأمير المؤمنين بها عناية تبعثها الرحمة الموضوعة في قلبه، والرغبة في المغفرة لما تقدّم وتأخّر من ذنبه، وتلك هي الصدقة التي فضّل الله بعض عباده بمزيّة إفضالها، وجعلها سببا إلى التعويض عنها بعشر أمثالها.
وهو يأمرك أن تتفقّد أحوال الفقراء الذين قدرت عليهم مادّة الأرزاق، وألبسهم التعفّف ثوب الغنى وهم في ضيق من الإملاق، فأولئك أولياء الله الذين مسّتهم الضرّاء فصبروا، وكثرت الدنيا في يد غيرهم فما نظروا إليها إذ نظروا، وينبغي أن يهيّىء لهم من أمرهم مرفقا، ويضرب بينهم وبين الفقر موبقا.
وما أطلنا لك القول في هذه الوصية إلا إعلاما بأنها من المهمّ الذي يستقبل ولا يستدبر، ويستكثر منه ولا يستكثر، وهذا يعدّ من جهاد النفس في بذل المال، ويتلوه جهاد العدوّ الكافر في مواقف القتال؛ وأمير المؤمنين يعرّفك من ثوابه ما تجعل السيف في ملازمته أخا، وتسخو له بنفسك إن كان أحد بنفسه سخا؛ ومن صفاته أنه العمل المحبوّ بفضل الكرامة، الذي ينمي أجره بعد صاحبه إلى يوم القيامة، وبه تمتحن طاعة الخالق على المخلوق، وكلّ الأعمال عاطلة لا خلوق لها وهو مختصّ دونها بزينة الخلوق «1» ، ولولا فضله لما كان محسوبا بشطر الإيمان، ولما جعل الله الجنة له ثمنا وليست لغيره من الأثمان؛ وقد علمت أن العدوّ هو جارك الأدنى، والذي يبلغك وتبلغه عينا وأذنا، ولا يكون للإسلام نعم الجار حتّى تكون له بئس الجار، ولا عذر لك في ترك جهاده بنفسك ومالك إذا قامت لغيرك الأعذار؛ وأمير المؤمنين لا يرضى منك بأن تلقاه مكافحا، أو تطرق
(10/147)

أرضه مماسيا أو مصابحا، بل يريد أن تقصد البلاد التي في يده قصد المستنقذ لا قصد المغير، وأن تحكم فيها بحكم الله الذي قضاه على لسان سعد «1» في بني قريظة والنّضير؛ وعلى الخصوص البيت المقدّس فإنه تلاد الإسلام القديم، وأخو البيت الحرام في شرف التعظيم، والذي توجّهت إليه الوجوه من قبل بالسّجود والتسليم؛ وقد أصبح وهو يشكو طول المدّة في أسر رقبته، وأصبحت كلمة التوحيد وهي تشكو طول الوحشة في غربتها عنه وغربته؛ فانهض إليه نهضة توغل في قرحه، وتبدّل صعب قياده بسمحه، وإن كان له عام حديبية فأتبعه بعام فتحه؛ وهذه الاستزادة إنما تكون بعد سداد ما في اليد من ثغر كان مهملا فحميت موارده، أو مستهدما فرفعت قواعده؛ ومن أهمّها ما كان حاضر البحر فإنه عورة مكشوفة، وخطّة مخوفة؛ والعدوّ قريب منه على بعده، وكثيرا ما يأتيه فجأة حتّى يسبق برقه برعده؛ فينبغي أن ترتّب بهذه الثغور رابطة تكثر شجعانها، وتقلّ أقرانها، ويكون قتالها لأن تكون كلمة الله هي العليا لا لأن يرى مكانها؛ وحينئذ يصبح كلّ منها وله من الرجال أسوار، ويعلم أهله أن بناء السيف أمنع من بناء الأحجار، ومع هذا لا بدّ من أصطول يكثر عدده، ويقوى مدده، فإنه العدّة التي تستعين بها في كشف الغمّاء، والاستكثار من سبايا العبيد والإماء، وجيشه أخو الجيش السّليمانيّ: فذاك يسير على متن الريح وهذا على متن الماء، ومن صفات خيله أنها جمعت بين العوم والمطار، وتساوت أقدار خلقها على اختلاف مدّة الأعمار؛ وإذا أشرعت قيل جبال متلفّعة بقطع من الغيوم، وإذا نظر إلى أشكالها قيل: إنها أهلّة غير أنها تهتدي في مسيرها بالنّجوم؛ ومثل هذه الخيل ينبغي أن يغالى في جيادها، ويستكثر من قيادها، وليؤمّر عليها أمير يلقى البحر بمثله من سعة صدره، ويسلك طرقه سلوك من لم تقتله بجهلها ولكن قتلها بخبره؛ وكذلك فليكن ممن أفنت الأيام تجاربه،
(10/148)

وزحمتها مناكبه، وممّن يذلّ الصّعب إذا هو ساسه وإن سيس لان جانبه؛ وهذا الرجل الذي يرأس على القوم فلا يجد هزّة بالرياسة، وإن كان في الساقة «1» ففي السّاقة أو في الحراسة ففي الحراسة، ولقد أفلحت عصابة اعتصبت من ورائه، [وأيقنت بالنصر من رايته كما أيقنت بالنصر من رائه] «2» .
واعلم أنه قد أخلّ من الجهاد بركن يقدح في عمله، وهو تمامه الذي يأتي في آخره كما أنّ صدق النيّة يأتى في أوّله؛ وذلك هو قسم الغنائم فإنّ الأيدي قد تداولته بالإجحاف، وخلطت جهادها فيه بغلولها فلم ترجع بالكفاف؛ والله قد جعل الظّلم في تعدّي حدوده المحدودة، وجعل الاستئثار بالمغنم من أشراط الساعة الموعودة، [ونحن نعوذ به] «3» أن يكون زماننا هذا شرّ زمان وناسه شرّ ناس، ولم يستخلفنا على حفظ أركان دينه ثم نهمله إهمال مضيّع ولا [إهمال] «4» ناس؛ والذي نأمرك به أن تجري [هذا] «5» الأمر على المنصوص من حكمه، وتبرّيء ذمّتك مما يكون غيرك الفائز بفوائده وأنت المطالب بإثمه، وفي أرزاق المجاهدين بالديار المصرية والشاميّة ما يغنيهم عن هذه الأكلة التي تكون غدا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصّة وعذابا أليما؛ فتصفّح ما سطّرناه لك في هذه الأساطير التي هي عزائم مبرمات، بل آيات محكمات، وتحبّب إلى الله وإلى أمير المؤمنين باقتفاء كتابها، وابن لك منها مجدا يبقى في عقبك إذا أصيبت البيوت في أعقابها؛ وهذا التقليد ينطق عليك بأنه لم يأل في الوصايا التي أوصاها، وأنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؛ ثم إنه قد ختم بدعوات دعا بها أمير المؤمنين عند ختامه، وسأل فيها خيرة الله التي تتنزّل من كلّ أمير بمنزلة نظامه، ثم قال:
اللهمّ إني أشهدك على من قلّدته شهادة تكون عليه رقيبه، وله حسيبه؛ فإنّي لم آمره إلا بأوامر الحقّ التي فيها موعظة وذكرى، وهي لمن اتّبعها هدى ورحمة وبشرى؛
(10/149)

فإذا أخذ بها فلج «1» بحجّته يوم يسأل عن الحجج؛ ولم يختلج دون رسول الله عن الحوض في جملة من يختلج، وقيل له: لا حرج عليك ولا إثم إذ نجوت من ورطات الإثم والحرج، والسلام.
المذهب الخامس (أن يفتتح العهد ب «إنّ أولى ما كان كذا» ونحوه)
وهي طريقة غريبة «2» ، كتب عليها عهد السلطان صلاح الدين «يوسف بن أيوب» بالديار المصرية من ديوان الإنشاء ببغداد. وهو الذي عارضه الوزير ضياء الدين بن الأثير في العهد المتقدّم ذكره في المذهب [الرابع] «3» . وهذه نسخته.
إنّ أولى من جادت رباعه سحب الاصطناع، وخصّ من الاصطفاء والاجتباء بالصّفايا والمرباع «4» ، من ترسّم انتهاج «5» الجدد القويم، والطريق الواضح المستقيم، واعتلق من الولاء بأوثق عصمه وحباله، والفناء الذي يهتدي بأنواره في متصرّفاته وأعماله، والتحلّي بجميل الذكر في سيرته، وخلوص الاعتناء بأمور رعيّته «6» ؛ وكان راغبا في اقتناء حميد الخلال، مجتهدا في طاعة الله بما يرضيه «7»
(10/150)

من العدل الممتدّ الظّلال، عاملا فيما يناط به بما يتضوّع نشر خبره «1» ، ويجتنى بحسن صنعه يانع ثمره، باذلا وسعه في الصلاح، مؤذنة مساعيه بفوز القداح.
ولمّا كان الملك الأجلّ، السيد، صلاح الدين، ناصر الإسلام، عماد الدولة، جمال الملك «2» فخر الملة، صفيّ الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، قامع الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج والمتمرّدين، عزّ المجاهدين؛ ألب غازي بك ابن «3» يوسف بن أيّوب- أدام الله علوّه- على هذه السّجايا مقبلا، وبصفاتها الكاملة مشتملا، مؤثرا تضاعف المأثرات، مثابرا على ما تزكو به الأعمال الصالحات، متحلّيا بالمحامد الرائقة، مستبدّا بالمناقب التي هي لجميل أفعاله موافقة مطابقة، محصّلا من رضا الله تعالى ما يؤثره ويرومه من طاعة الدّار العزيزة- لا زالت مشيّدة البناء، سابغة النّعماء، دائمة الاستبشار، عزيزة الأنصار- من استمرار الظّفر ما يستديمه، اقتضت الآراء الشريفة- لا زال التوفيق قرينها، والتأييد مظافرها ومعينها- إمضاء تصرّفه وإنفاذ حكمه في بلاد مصر وأعمالها، والصعيد الأعلى، والإسكندرية، وما يفتحه من بلاد الغرب والساحل، وبلاد اليمن وما افتتحه منها ويستخلصه «4» بعد من ولايتها، والتعويل في هذه الولايات عليه، واستنقاذ «5» ما استولى عليه الكفّار من البلاد، وإعزاز كلّ من أذلّوه واضطهدوه من العباد: لتعود الثّغور بيمن نقيبته ضاحكة المباسم، وبإصابة رأيه قائمة المواسم.
أمره بادئا بتقوى الله التي هي الجنّة الواقية، والذّخيرة الباقية، والعصمة الكافية، والزاد إذا أنفض وفد الآخرة وأرملوا «6» ، والعتاد النافع إذا وجدوا شاهدا
(10/151)

لهم وعليهم ما عملوا: فإنّها العلم المنصوب للرّشد، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ
«1» .
(وأمره أن يتّخذ كتاب الله سبحانه العلم الذي به يقتدي، وبأنواره إلى حدود الصواب يهتدي، ويستمع لزواجره ومواعظه، ويعتبر بتخويفه وملاحظه، ويصغي إليه بسمعه وقلبه، وجوارحه ولبّه) «2» ، ويعمل بأوامره المحكمة، ويقف عند نواهيه المبرمة، ويتدبّر ما حوته آياته من الوعد والوعيد، والزّجر والتّهديد؛ قال الله عزّ وجل: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
«3» .
وأمره أن يكون على صلاته محافظا ولنفسه عن الإخلال والتقصير في أداء فرضها واعظا، فيغتنم الاستعداد أمام أوقاتها للأداء، ويحترز من فواتها والحاجة إلى القضاء، موفّيا حقّها من الرّكوع والسّجود، على الوصف الواجب المحدود، مخلصا سرّه عند الدّخول فيها، وناهيا نفسه عمّا يصدّها بالأفكار ويلهيها، مجتهدا في نفي الفكر والوسواس عن قلبه، منتصبا في إخلاص العبادة لربّه: ليغدو بوصف الأبرار منعوتا، قال الله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً
«4» .
وأمره بقصد المساجد الجامعة في أيّام الجمع، امتثالا لأمر الله المتّبع، بعزيمة في الخير صادقة، ونيّة للعبادة موافقة، وفي الأعياد إلى المصلّيات المصحرة المجمّلة بالمنابر الحالية، التي هي عن الأدناس مطهّرة نائية «5» ، فإنّها من
(10/152)

مواضع العبادة ومواطنها، ومظانّ تلاوة القرآن المأمور بحفظ آدابها وسننها؛ فقد وصف الله تعالى من وفّقه [لتجميل بيوته بالعمارة] «1» ، بما أوضح فيه الإشارة، وشرّفه بوضع سمة الإيمان عليه بالإكرام الفاخر، فقال: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
«2» : فيقيم الدعوة الهاديّة على المنابر على عادة من تقدّمه، ومنتهيا فيها إلى أحسن ما عهده وعلمه.
وأمره بلزوم نزاهة الحرمات، واجتناب المحرّمات، والتحلّي من العفاف والورع بأجمل القلائد الرائقة، والتقمّص بملابس التقوى التي هي بأمثاله لائقة، وسلوك مناهج الصّلاح الذي يجمل به فعله، ويصفو له علّه ونهله، وأن يمنع نفسه من الغضب، ويردّها عمّا تأمر به من سوء المكتسب، ويأخذها بآداب الله سبحانه في نهيها عن الهوى، وحملها على التّقوى، وردعها عن التورّط في المهاوي والشّبه، وكلّ أمر يلتبس فيه الحقّ ويشتبه، ويلزمها الأخذ بالعفو والصّفح، والتأمّل لمكان الأعمال فيه واللّمح؛ قال الله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
«3» .
وأمره بإحسان السّيرة في الرعايا بتلك البلاد، واختصاصهم بالصّون الرائح الغاد، ونشر جناح الرّعاية على البعيد منهم والقريب، وإحلال كلّ منهم محلّه على القاعدة والترتيب، وإشاعة المعدلة فيهم، وإسهام دانيهم من وافر ملاحظته وقاصيهم، وأن يحمي سرحهم من كلّ داعر، ويذود عنهم كلّ موارب بالفساد ومظاهر، حتّى تصفولهم من الأمن الشّرائع، وتصفو عليهم من بركة ولايته المدارع، وتستنير بضوء العدل منهم المطالع، ويحترم أكابرهم، ويحنو على أصاغرهم، ويشملهم بكنفه ودرعه، وينتهي في مصالحهم إلى غاية وسعه، ولا يألوهم في النّصح جهدا، ولا يخلف لهم في الخير وعدا، ويشاورهم في أمره فإنّ
(10/153)

المشورة داعية إلى الفلاح، ومفتاح باب الصّلاح؛ قال الله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
«1» .
وأمره بإظهار العدل في الرعيّة التي تضمّها جميع الأكناف والأطراف، والتحلّي من النّصفة بأكمل الأوصاف، وحمل كافّتهم على أقوم جدد، وعصيان الهوى في تقويم كلّ أود، والمساواة بين الفاضل والمفضول في الحقّ إذا ظهر صدق دليله، والاشتمال عليهم بالأمن الذي يعذب لهم برد مقيله، وكشف ظلامة من انبسطت إلى تحيّفه الأيدي والأطماع، وأعجزته النّصرة لنفسه والدّفاع، وتصفّح أحوالهم بعين لا ترنو إلى هوى يميل بها عن الواجب، وسمع لا يصغى إلى مقالة مائن «2» ولا كاذب، ولا يغفل عن مصلحة تعود إليهم، ويرجع نفعها عليهم، ولا عن كشف ظلامات بعضهم من بعض، وردّهم إلى الحقّ في كلّ رفع من أحوالهم وخفض؛ فلا يرى إلّا بالحق عاملا، وللأمور على سنن الشريعة حاملا، مجتنبا إغفال مصالحهم وإهمالها، وحارسا نظامها على تتابع الأيّام واتّصالها: ليكون ذلك إلى وفور الأجر داعيا، وبحسن الأحدوثة قاضيا، مقتديا بما نطق به القرآن: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
«3» .
وأمره أن يأمر بالمعروف ويقيم مناره، وينهى عن المنكر ويمحو آثاره؛ فلا يترك ممكنا من إظهار الحقّ وإعلانه، وقمع الباطل وإخماد نيرانه، ويعتمد مساعدة كل مرشد إلى الطريق الأقصد، وناه عن التظاهر بالمحظور في كل مشهد؛ فإنه «4» تضحي معونته مشاركة في إحراز المثوبة ومساهمة، ومساومة في
(10/154)

اقتناء الأجر ومقاسمة، وأن يوعز بإزالة مظانّ الرّيب والفساد في الدّاني من الأعمال والقاصي، فإنّها مواطن الشيطان وأماكن المعاصي، وأن يشدّ على أيدي الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ويعينهم على ذلك بما يطيب ذكره في كل مشهد ومحضر، ويجتهد في إزالة كلّ محظور ومنكر، مقدّم في الباطل ومؤخّر؛ قال الله تعالى: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ
«1» .
وأمره أن يقدّم الاحتياط في حفظ الثّغور ومجاوريها من الكفّار، ويستعمل غاية التيقّظ في ذلك والاستظهار: ليأمن عليها غوائل المكايد، ويفوز من التوفيق لذلك بأنواع المحامد، ويتجرّد لجهاد أعداء الدين، والانتقام من الكفرة المارقين، أخذا بقول رب العالمين: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
«2» . وأن يعمل فيما يحصل من الغنائم عند فلّ جموعهم، وافتتاح بلادهم وربوعهم، بقول الله وما أمر به في قسمتها، وإيفاء كلّ صاحب حصة حصته منها، سالكا سبل من غدا لآثار الصلاح مقتفيا، وللفرض في ذلك مؤدّيا، وبهدى ذوي الرشد مهتديا. قال الله تعالى في محكم التنزيل: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
«3» .
وأمره أن يجيب إلى الأمان من طلبه منه «4» ، ويكون وفاؤه مقترنا بما تضمّنه، غير مضمر خلاف ما يعطي به صفقة أمانه [ولا مخالف باطنه ما أظهره من مقاربته إلى عقد الهدن وإتيانه] «5» ويجتنب الغدر وما فيه من العار، وإسخاط الملك الجبّار؛ قال الله عز وجل: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ
(10/155)

تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ
«1» .
وأمره بأن يأمر أصحاب المعاون بمساعدة القضاة والحكّام، ومعونتهم بما يقضي [بلمّ] «2» شمل الصلاح في تنفيذ القضايا والانتظام، وأخذ الخصوم بإجابة الداعي إذا استحضر [وا] «3» إلى أبوابهم للإنصاف، والمسارعة إلى الحقّ الواجب عليهم من غير خلاف؛ قال الله تعالى: وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
«4» .
وأمره بالتعويل في المظالم وأسواق الرقيق ودور الضّرب والحسبة على من يأوي إلى عفاف ودين، وعلم بأحكام الشريعة وصحّة يقين، لا يخفى عليه ما حرّمه الله تعالى وأحلّه، ولا يلتبس على علمه ما أوضح إلى الحقّ الواضح سبله، وإلى من يتولّى المظالم بإيصال الخصوم إليه، وإنصافهم كما أوجبه الله تعالى عليه، واستماع ظلاماتهم، وإحسان النظر في مشاجراتهم؛ فإن أسفر للحق ضياء تبعه، أو اشتبه الأمر ردّه إلى الحكّام ورفعه. و [إلى] «5» الناظر في أسواق الرقيق بالاحتراز والاستظهار، وتعرية الأحوال من الشّبه في امتزاج العبيد بالأحرار: لتضحى الأنساب مصونة مرعيّة، والأموال عن الثّلم محروسة محميّة. وإلى من ينظر في الحسبة بتصفّح أحوال العامّة في متاجرهم وأموالهم، وتتبّع آثار صحّتهم في المعاملة واعتلالهم؛ واعتبار الموازين والمكاييل، وإلزام أربابها الصّحّة والتعديل؛ قال الله سبحانه وتعالى: وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ*
«6» .
وأن يعمل الجفن في تطهير البلاد، من كلّ مدخول الاعتقاد، معروف بالشّبه في دينه والإلحاد، ومن يسعى منهم في الفساد، ويأمر المرتّبين في المراكز والأطراف باقتناصهم، وكفّ فسادهم وإجلائهم عن عراصهم، وأن يجري عليهم في السّياسة ما يجب على أمثالهم من الزّنادقة والذين توبتهم لا تقبل، وأمرهم على
(10/156)

حكم المخاطبين لا يحمل. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
«1» .
وأمره أن يتلقّى النعمة التي أفرغت عليه، وانساقت إليه، بشكر ينطق به لسانه، ويترجم عنه بيانه: ليستديم بذلك الإكرام، ويقترن الإحسان عنده بالالتئام، وأن يوفّيها حقّها من دوام الحمد، والقصد إلى شكرها والعمد؛ قال الله تعالى: وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ
«2» .
وليعلم أن أمير المؤمنين «3» قد بيّن له من الصلاح ما اتّضحت أعلامه، وأثبتت في المرامي سهامه، وأرشد إلى ما أودع هذا المنشور من جدد الفوز بمرضاة الله تعالى وشكر عباده، عاملا في ذلك بمقتضى جدّه واجتهاده: ليحرز السّبق في دنياه وعقباه، ويتوفّر عنده ما منح به مما أرهف عزمه وحباه، وغدا بمكانه رافلا في ملابس الفخر والبهاء، نائلا مني «4» ما طال به مناكب القرناء، واختصّ بما أعلى درجته فتقاعست عنه آمال حاسديه، وتفرّد بالمكانة عن مقام من يباريه ويناويه، وأولي من الإنعام ما أمّن به سرب النعمة عنده، وأصفى من مناهل الإحسان ورده، وأهدى إليه من المواعظ ما يجب أن يودعه واعية الأسماع، ويأخذ بالعمل به كلّ راع، فينهج- أدام الله علوّه- محاجّ الولاء الذي عهده من أمثاله من الأولياء، متنزّها عن تقصير منه في عامّة الأوقات، ومراعيا أفعاله في جميع التصرّفات، ويعلم أنّه مسؤول عن كل ما تلفظ «5» به لسانه ناطقا، ونظر طرفه إليه رامقا، قبل أن يجانب هواه، ويبقى رهينا بما اكتسبت يداه، ولا يغترّ من الدنيا وزخرفها بغرّار ليس الوفاء من طباعه، ومعير ما أقصر مدّة ارتجاعه!؛ وسبيل كافّة القضاة والأعيان
(10/157)

ومقدّمي العساكر والأجناد، ورؤساء البلاد، متابعته وموافقته، وطلب مصالحهم من جنابه «1» والتصرف على استصوابه؛ وقد أكّدت وصاته في الرفق بهم والاشتمال عليهم، والإحسان إليهم، وإجمال السّيرة فيهم؛ وكلّما أشكل عليه أمر من المتجدّدات يطالع به الديوان العزيز- مجده الله تعالى- لينهج له السبيل إلى فتح رتاجه، وسلوك منهاجه؛ والله وليّ التوفيق والهداية، وجمع الكلمة في كلّ إعادة وبداية، والمعونة على العصمة من الزّلل، والتأييد في القول والعمل؛ إن شاء الله تعالى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الوجه السابع (فيما يكتب في مستند عهد السلطان عن الخليفة، وما يكتبه الخليفة في بيت العلامة، وما يكتب في نسخة العهد من الشّهادة أو ما يقوم مقامها)
أما ما يكتب في المستند، فقد جرت العادة أن يكتب فيه نحو ما تقدّم في البيعات وعهود ولاة العهد بالخلافة: وهو: «بالإذن العالي، المولويّ، الإماميّ، النّبويّ، الفلانيّ (بلقب الخلافة) أعلاه الله تعالى» .
وأما ما يكتبه الخليفة في بيت العلامة، فإنه يكتب علامته وتحتها: «فوّضت إليه ذلك، وكتب فلان بن فلان» . ورأيت في بعض الدساتير نقلا عن الحاكم بأمر الله أبي العباس [ابن الخليفة] «2» المستكفي بالله أبي الربيع سليمان [أنه] «3» كان يكتب: «وكتب أحمد ابن عمّ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم» .
وأما ما يكتب في نسخة العهد من الشّهادة، فقد جرت العادة أن يكتب قاضيان فأكثر من قضاة القضاة الأربعة في حاشية العهد أو في ذيله ما صورته:
«أشهدني مولانا أمير المؤمنين العاهد المشار إليه فيه- أدام الله تعالى أيامه- بما نسب إليه فيه من العهد إلى فلان بن فلان» أو ما في معنى ذلك.
(10/158)

قلت: والواجب أن يضمّوا في رسم شهادته الشهادة على السلطان بقبول العهد، بأن يقال قبل على ما نصّ وشرح فيه: «وعلى مولانا السلطان المشار إليه فيه بقبول ما فوّض إليه فيه» أو نحو ذلك: لأنه كما يعتبر العهد من العاهد يعتبر القبول من المعهود إليه كما تقدّم في موضعه.
الوجه الثامن (في قطع الورق الذي تكتب فيه عهود الملوك عن الخلفاء، والقلم الذي يكتب به، وكيفيّة كتابتها، وصورة وضعها في الورق)
أما قطع الورق فلا نزاع في أنه يكتب في قطع البغداديّ الكامل، على ما هو مستقرّ العادة إلى الآن. وقد تقدّم في الكلام على مقادير قطع الورق في المقالة الأولى «1» من الكتاب أنّ عرضه ثلاثة أشبار وخمسة أصابع، وطول الوصل كذلك.
وأما القلم الذي يكتب به، فمختصر قلم الطّومار لمناسبته له على ما تقدّم فيما يناسب كل قطع من الورق من الأقلام.
وأما كيفيّة كتابة العهد وصورة وضعه في الورق، فعلى ما تقدم في البيعات وعهود أولياء العهد بالخلافة: وهو أن يبدأ بكتابة الطّرّة في أعلى الدرج من أوّل عرض الورق إلى آخره سطورا متلاصقة من غيرهامش، وفي أعلاه قدر إصبع بياضا، ثم يترك ستة أوصال بياضا من غير كتابة غير الوصل الذي فيه الطّرّة؛ ثم تكتب البسملة في أوّل الوصل الثامن بحيث تكون أعالي ألفاتها تكاد تلحق بالوصل الذي فوقه، بهامش عن يمين الدّرج قدر أربعة أصابع مطبوقة أو خمسة؛ ثم يكتب سطرا من أوّل العهد تحت البسملة ملاصقا لها بحيث تكاد أعالي ألفاته تلحق بالبسملة، ثم يخلّي بيت العلامة قدر شبر، ثم يكتب السطر الثاني من العهد على سمت السطر الذي تحت البسملة، ويسترسل في كتابة بقية العهد.
(10/159)

ثم الذي رأيته في دستور معتمد ينسب للمقرّ العلائيّ بن فضل الله أنه يكون بين كلّ سطرين قدر ربع ذراع. وأخبرني بعض فضلاء الكتّاب أنه رأى في بعض الدساتير أنّ سطوره تكون مزدوجة على نظير البسملة والسطر الأول، وبين كل سطرين بعد بيت العلامة تقدير خمسة أصابع مطبوقة.
قلت: ولعل ذلك تفنّن من الكاتب وتطريز للكتابة، لا على سبيل اللّزوم.
فإن قيل: لم كان مقدار البياض بين سطور العهد مع كبر قطع الورق دون بياض ما بين سطور التقاليد ونحوها مما يكتب عن السلطان على ما سيأتي ذكره؟
فالجواب أن العهد كالمكاتبة من العاهد للمعهود إليه، كما أنّ التقليد كالمكاتبة من المقلّد للمقلّد، والأعلى في حقّ المكتوب إليه أن تكون السطور متضايقة على ما تقدّم في الكلام على المكاتبات؛ فناسب أن تكون سطور العهد أكثر تقاربا من سطور التقليد وما في معناه، تعظيما لشأن السلطان في الحالتين.
فإن قيل: ينقض ذلك بعظم قلم العهد، ضرورة أنه كلّما غلظ القلم كان أنزل في رتبة المكتوب إليه على ما تقدّم أيضا، فالجواب: أن غلظ القلم في العهد تابع للورق في كبر قطعه، وقاعدة ديوان الإنشاء أنه كلّما كبر قطع الورق في المكاتبات، كان تعظيما للمكتوب إليه، بدليل أنّ كلّ من عظم مقداره من الملوك كان قطع الورق في مكاتبته أكبر، ولو كتب العهد بقلم دقيق مع ضيق السّطور وسعة الورق لجاء في غاية القصر. ثم قد جرت العادة أن تكون كتابة العهد من أوّله إلى آخره من غير نقط ولا شكل، وعليه عمل الكتّاب إلى آخر وقت.
قلت: هذا بناء على المذهب الراجح في أن المكاتبة إلى الرئيس تكون من غير إعجام ولا ضبط: لما في الإعجام والضّبط من استجهال المكتوب إليه ونسبته للغباوة وقلّة الفهم، بخلاف من ذهب إلى أن الكتابة إلى الرئيس تقيّد بالإعجام والضبط كي لا يعترضه الشكّ، ولا يكلّف إعمال الفكر، على ما تقدّم ذكره في أوائل المكاتبات، فإنه يرى نقط العهد وشكله.
وإذا انتهى إلى آخر العهد كتب المشيئة، ثم التاريخ، ثم المستند، ثم
(10/160)

الحمدلة والصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم الحسبلة، على ما تقدّم في الكلام على الفواتح والخواتم في أوائل المقالة الأولى من الكتاب.
وهذه صورة وضعه في الورق، ممثّلا له بالطرّة التي أنشأها القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر، والعهد الذي أنشأه القاضي شمس الدين إبراهيم بن القيسراني «1» للملك الناصر «محمد بن قلاوون» وهو العهد الأخير من المذهب الأوّل.
الطرّة هذا عهد شريف تجدّدت مسرّات الإسلام بتجديده، وتأكّدت أسباب الإيمان بتأكيده، ووجد النصر العزيز والفتح المبين بوجوده، ووفد اليمن والإقبال على الخليفة بوفوده، وورد الأنام مورد الأمان بوروده. من عبد الله ووليّه الإمام المستكفي بالله أبي الربيع سليمان أمير المؤمنين، ابن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد، عهد به إلى السلطان الملك الناصر أبي الفتح محمد خلّد الله سلطانه، ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي قدّس الله روحه على ما شرح فيه.
بسم الله الرحمن الرحيم الهامش هذا عهد شريف يعمر بك للإسلام المعاهد، وينصر منك الاعتزام بيت العلامة فتغنى عن الموالي والمعاضد، ويلقي إليك مقاليد الأمور لتحمي في مرضاة
(10/161)

تقدير ربع ذراع الهامش الله وتجاهد، ويبعثك على العمل بالكتاب والسّنّة: ليكونا شاهدين لك تقدير ربع ذراع عند الله في أعظم المشاهد- إلى أن يأتي إلى قوله في آخره: والله تعالى يخلّد له رتبة الملك التي أعلى بها مقامه، ويديمه ناصرا للدين الحنيف فأنصاره لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة، ويجعل سبب هذا العهد مدى الأيام متينا، ويجدّد له في كل وقت نصرا قريبا وفتحا مبينا؛ والخطّ الحاكميّ أعلاه، حجة بمقتضاه إن شاء الله تعالى كتب في من شهر كذا سنة كذا بالإذن العالي المولويّ الإماميّ النّبويّ الحاكميّ أعلاه الله تعالى الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه حسبنا الله ونعم الوكيل
النوع الثالث (من العهود عهود الملوك لولاة العهد بالملك)
وهو أن يعهد الملك بالملك بعده لمن يختاره من أولاده أو إخوته أو غيرهم من الأقارب أو الأجانب.
ويتعلق النظر به من سبعة أوجه:
(10/162)

الوجه الأوّل (في بيان صحّة ذلك)
لمّا صحّت إمارة الاستيلاء إخمادا للفتن، وتنفيذا للأحكام الشرعيّة على ما تقدّم من كلام الماورديّ في النوع الثاني من العهود، اقتضت المصلحة تصحيح العهد بالملك لما فيه من المعنى المتقدّم. وقد جرت عهود من الملوك لأبنائهم بالديار المصرية وغيرها بحضرة الجمّ الغفير من العلماء وأهل الحلّ والعقد فأمضوا حكم ذلك ولم ينكروه، وذلك منهم دليل الجواز.
فإن قيل: قد تقدّم في النوع الثاني من العهود من كلام الماورديّ أن وزير التفويض لا يجوز له أن يعهد بالوزارة لغيره، ووزارة التفويض في معنى السلطنة الآن أو قريبة منها على ما تقدّم هناك، فالجواب: أنه قد تقدّم أن السلطنة الآن مركّبة من وزارة التفويض وإمارة الاستيلاء، بل السلطان الآن كالمستبدّ بالأمر، والشوكة مصحّحة لأصل الولاية فلأن تكون مصحّحة لفرعها أولى.
الوجه الثاني (فيما يكتب في الطرّة)
ينبغي أن يكون ما يكتب فيها على نحو ما يكتب في طرر عهود الملوك عن الخلفاء، إلا أنه يزاد فيها: «عهد إليه بالملك بعده» كما يقال في عهود الخلفاء عن الخلفاء: «عهد إليه بالأمر بعده» .
وهذه نسخة طرّة:
«هذا عهد شريف جليل قدره، رفيع ذكره، عليّ فخره، متبلّج صبحه ضوّيّ فجره. من السلطان الأعظم الملك الفلانيّ فلان الدنيا والدين فلان، خلّد الله تعالى سلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه- بالسلطنة الشريفة لولده المقام العالي السلطانيّ الملكيّ الفلانيّ، بلّغه الله تعالى فيه غاية الآمال، وحقّق فيه للرعية ما يرجونه من مزيد الإفضال، على ما شرح فيه» .
(10/163)

الوجه الثالث (في الألقاب التي تكتب في أثناء العهد)
وقد ذكر في «التعريف» أنه يكتب له: المقام الشريف أو الكريم، أو العالي مجرّدا عن الشريف والكريم، ويقتصر فيها على الألقاب المفردة دون المركّبة.
قلت: وعلى هذه الطريقة كتب القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر ألقاب الملك الصالح عليّ بن المنصور قلاوون في عهده بالسلطنة عن والده المذكور، فقال: «ولمّا كان المقام العالي الولديّ السلطانيّ الملكيّ الصالحيّ العماديّ» .
وعلى نحو من ذلك كتب المشار إليه ألقاب الملك السعيد بركة «1» بن الظاهر بيبرس في عهده بالسلطنة عن والده المذكور، فقال: «وخرج أمرنا بأن يكتب هذا التقليد لولدنا الملك السعيد ناصر الدين بركة خاقان محمد» إلا أنه قد خالف ذلك فيما كتب به في ألقاب الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون في عهده بالسلطنة عن والده فجمع بين الألقاب المفردة والمركّبة، فقال: «هذا عهدنا للسيّد الأجل الملك الأشرف صلاح الدّنيا والدين، فخر الملوك والسلاطين، خليل أمير المؤمنين» ولم يتعرّض في «التعريف» لحكاية هذا المذهب مع كون كلام ابن عبد الظاهر حجة يرجع إليه في هذا الفن.
الوجه الرابع (ما يكتب في المستند)
ويتعين أن يكتب فيه «حسب المرسوم الشريف» لصدوره عن السلطان كما يكتب في التقاليد.
(10/164)

الوجه الخامس (ما يكتب في متن العهد)
وللكتّاب فيه طريقتان:
الطريقة الأولى
- أن يفتتح العهد بعد البسملة بلفظ «هذا» ونحوه على ما تقدّم في عهود الملوك عن الخلفاء.
وعلى هذه الطريقة كتب أبو بكر بن القصيرة المغربيّ الكاتب عن أمير المسلمين «يوسف بن تاشفين» «1» سلطان المغرب بولاية عهده لابنه أبي الحسن على ما بيده من الغرب والأندلس في ذي الحجة سنة ستّ وتسعين وأربعمائة، وهو:
كتاب تولية عظيم جسيم، وتوصية حميم كريم، مهّدت على الرضا قواعده، وأكّدت بيد التقوى معاقده، وأبعدت عن الغواية والهوى مصادره وموارده، أنفذه أمير المسلمين وناصر الدّين، أبو يعقوب يوسف بن تاشفين، أدام الله أمره، وأعزّ نصره، وأطال فيما يرضيه ويرضى به عنه عمره، غير محاب، ولا تارك في النصيحة لله عز وجلّ ولرسوله موضع ارتياب لمرتاب، للأمير الأجلّ أبي الحسن عليّ ابنه المتقبل شيمه وهممه، المتأثّل حلمه وتحلّمه، الناشيء في حجر تقويمه وتأديبه، المتصرّف بين يدي متحديه «2» وتهذيبه، أدام الله عزّه وتوفيقه وأنهج إلى كل صالح من الأعمال طريقه، وقد تهمّم بمن تحت عصاه من المسلمين، وهذا فيمن يخلفه فيهم هدّى للمتقين، ولم ير أن يتركهم سدّى غير مدينين، فاعتام «3» في النّصاب
(10/165)

الرفيع واختار، واستنصح أولي الرأي منهم ومن غيرهم واستشار، واستضاء بشهاب استخارة الله عزّ وجلّ واستنار؛ فلم يوقع الله بعد طول تأمّل، وتراخي مدّة وتمهّل، اختياره ولا اختيار من فاوضه في ذلك من أولي التقوى والحكمة والتجربة واستشاره إلّا عليه، ولا صار به وبهم الاجتهاد إلّا إليه، ولا التقى ورّاد التّرائي والتشاور إلا بين يديه، فولّاه على استحكام بصيرة وبعد طول مشورة عهده، وأفضى إليه بالأمر والنهي والبسط والقبض بعده، وجعله خليفته في رعايا مسنده وأوطأ عقبه جماهير الرجال، وناطه بمهمّات الأموال والأحوال، وعهد إليه أن يتّقي الله ما استطاع، ولا يعدل عن سمت العدل وحكم الكتاب والسنّة في أحد عصى أو أطاع، ولا ينام به عن حماية من أسهره الحيف والخوف والاضطجاع، ولا يتلهّى دون معلن شكوى، ولا يتصمّم عن مستصرخ لدفاع بلوى، وأن ينتظم أقصى بلاده وأدناها في سلك تدبيره ولا يكون بين القريب والبعيد من رعيّته بون في إحصائه وتقديره؛ ثم دعا- أدام الله تأييده- لمبايعته من دنا ونأى من المسلمين، فلبّوا مسرعين وأتوا مهطعين «1» ، وأعطوا صفقة أيمانهم متبرّعين متطوّعين، وبايعوه على السّمع والطاعة، والتزام سنن الجماعة، وبذل النصيحة، وإصفاء النّيّات الصحيحة، وموادّة من صاحبه، ومحاربة من حاربه، ومكايدة من كايده، ومعاندة من عانده، لا يدّخرون في ذلك على حال المكره والمنشط مقدرة، ولا يحتجّون في وقتي السّخط والرضا بمعذرة، ثم أمر بمخاطبة أهل البلاد لتبايعه كلّ طائفة في بلدها، وتعطيه كما أعطاه من حضر صفقة يدها، حتّى يستوي في التزام بيعته القريب والبعيد، ويجتمع على الاعتصام بحبل دعوته الغائب والشهيد، وتطمئنّ من أعلام الناس وخيرهم قلوب كانت من تراخي ما انتجز قلقة، ولم تزل ببقية التأخّر أرقة، ويشمل الناس السرور والاستبشار، وتتمكّن لهم الدّعة ويتمهّد القرار، وتنشأ في الصّلاح لهم آمال، ويستقبلهم جدّ صاعد وإقبال، والله يبارك
(10/166)

لهم فيها بيعة رضوان، وصفقة رجحان، ودعوة إيمان، إنه على ما يشاء قدير، لا إله إلا هو نعم المولى ونعم النصير.
شهد على أمير المسلمين «1» ناصر الدين، أبي يعقوب يوسف بن تاشفين- أدام الله أمره، وأعزّ نصره- بكلّ ما ذكر عنه من التزام البيعة المنصوصة فوق هذا، وأعطى صفقة يمينه متبرّعا بها، وبالله التوفيق؛ وذلك بحضرة قرطبة حماها الله تعالى.
الطريقة الثانية
- أن يفتتح العهد بعد البسملة بخطبة مفتتحة بالحمد لله، وهي طريقة المصريين، وعليها اقتصر المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله في «التعريف» وعلى هذه الطريقة كتب القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر عن الظاهر بيبرس عهد ولده الملك السعيد بركة، وهذه نسخته:
الحمد لله منمّي الغروس، ومبهج النّفوس، ومزيّن سماء المملكة بأحسن الأهلّة وأضوإ البدور وأشرق الشّموس، الذي شدّ أزر الإسلام، بملوك يتعاقبون مصالح الأنام، ويتناوبون تدبيرهم كتناوب العينين واليدين في مهمّات الأجساد وملمّات الأجسام.
نحمده على نعمه التي أيقظت جفن الشّكر المتغافي، وأوردت نهل الفضل الصافي، وخوّلت الآلاء حتّى تمسّكت الآمال منها بالوعد الوفيّ وأخذت بالوزن الوافي، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبد كثّر الله عدده وعدده، وأحمد أمسه ويومه ويحمد- إن شاء الله تعالى- غده، ونصلّي على سيدنا محمد الذي أطلع الله به نجم الهدى، وألبس المشركين به أردية الرّدى، وأوضح به مناهج الدين وكانت طرائق قددا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة دائمة لا تنقضي أبدا.
(10/167)

وبعد، فإنا ألهمنا الله من مصالح الأمم، وخوّلنا من الحرص على مهمّات العباد الذي قطع به شأفة الكفر وختم، وأتى به والشرك قد علم كلّ أحد اشتعال ناره فكان علما بنار مضرمة لا نارا على علم، وقدّره من رفع الكفر من جميع الجوانب، وقفوهم من كل جهة حتّى رماهم بالحتف الواصل والعذاب الواصب «1» ، فأصبح الشّرك من الإبادة في شرك، والإسلام لا يخشى من قتل ولا يخاف من درك، وثغور الإسلام عالية المبتنى، جانية ثمار الادّخار من هنا ومن هنا، تزاحم بروجها في السماء البروج، وتشاهد الأعداء منها سماء قد بنيت وزيّنت وما لها من فروج، وعساكر الملّة المحمديّة في كلّ طرف من أطراف الممالك تجول، وفي كلّ واد تهيم حتّى تشعر بالنصر ولكنّها تفعل ما تقول: قد دوّخت البلاد فقتلت الأعداء تارة بالإلمام وتارة بالإدهام «2» ، وسلّت سيوفها فراعتهم يقظة بالقراع ونوما بالأحلام، ترى أنا قد لذّ لنا هذا الأمر التذاذ المستطيب، وحسن لدينا موقعه فعكفنا عليه عكوف المستجيد ولبّيناه تلبية المستجيب، وجعلنا فيه جميع الآلات والحواس، وتقسّمت مباشرته ومؤامرته سائر الزمن حتّى غدا أكثر تردّدا إلى النّفس من الأنفاس، واستنفدنا الساعات في امتطاء المضمّر الشّموس، وادّراع محكم الدّلاص «3» التي كأنها وميض برق أو شعاع شموس، وتجريد المرهفات التي جفت لحاظها الأجفان، وجرت فكالمياه وأضرمت فكالنّيران، وتفويق السهام التي غدت قسيّها مرابعا نبالها بان «4» ، واعتقال السّمهريّة التي تقرع الأعداء سنّها ندما كلّما قرعت هي السّنان، إلى غير ذلك، من كلّ غارة شعواء تسيء للكفّار الصّباح، وتصدم كالجبال وتسير كالرّياح، ومنازلات كم استلبت من موجود، وكم استنجزت من نصر موعود، وكم مدينة أضحت لها مدينة ولكن أخّرها الله إلى أجل معدود.
(10/168)

وكانت شجرتنا المباركة قد امتدّ منها فرع تفرّسنا فيه الزيادة والنموّ، وتوسّمنا منه حسن الجنى المرجوّ، ورأينا أنّه الهلال الذي قد أخذ في ترقّي منازل السّعود إلى الإبدار، وأنه سرّنا الذي صادف مكان الاختبار له مكان الاختيار، فأردنا أن ننصبه في منصب أحلّنا الله فسيح غرفه، ونشرّفه بما خوّلنا الله من شرفه، وأن تكون يدنا ويده تلتقطان من ثمره، وجيدنا وجيده يتحلّيان بجوهره، وأنّا نكون للسلطنة الشريفة السمع والبصر، وللملكة المعظّمة في التناوب بالإضاءة الشمس والقمر، وأن تصول الأمّة منّا ومنه بحدّين، ويبطشوا من أمرنا وأمره بيدين، وأن نرتّبه على حسن سياسة تحمد الأمّة- إن شاء الله تعالى- عاقبتها عند الكبر، وتكون الأخلاق الملوكية منتشئة منه ومنتشئة به من الصّغر، ونجعل سعي الأمّة حميدا، ونهب لهم منه سلطانا نصيرا وملكا سعيدا، ونقوّي به عضد الدين ونريش جناح المملكة، وننجح مطلب الأمة بإيالته وكيف لا ينجح مطلب فيه بركة؟.
وخرج أمرنا، لا برح مسعدا ومسعفا، ولا عدمت الأمة منه خلفا منبلا «1» ونوءا محلفا، بأن يكتب هذا التقليد لولدنا السعيد ناصر الدين «بركة خاقان محمد» جعل الله مطلع سعده بالإشراق محفوفا، وأرى الأمّة من ميامنه ما يدفع للدّهر صرفا ويحسن بالتدبير تصريفا- بولاية العهد الشريف على قرب البلاد وبعدها، وغورها ونجدها، وقلاعها وثغورها، وبرورها وبحورها، وولاياتها وأقطارها، ومدنها وأمصارها، وسهلها وجبلها، ومعطّلها ومغتلّها، وما تحوي أقطاره الأحلام، وما ينسب للدولة القاهرة من يمن وحجاز ومصر وغرب وسواحل وشام بعد شام، وما يتداخل ذلك من قفار ومن بيد في سائر هذه الجهات، وما يتخلّلها من نيل وملح وعذب فرات «2» ، ومن يسكنها من حقير وجليل، ومن يحلّها من صاحب رغاء وثغاء «3» وصليل وصهيل، وجعلنا يده في ذلك كلّه المبسوطة،
(10/169)

وطاعته المشروطة ونواميسه المضبوطة، ولا تدبير ملك كلّيّ إلا بنا أو بولدنا يعمل، ولا سيف ولا رزق إلا بأمرنا هذا يسلّ وهذا يسأل، ولا دست سلطنة إلا بأحدنا يتوضّح منه الإشراق، ولا غصن قلم في روض أمر ونهي إلّا ولدينا ولديه تمتدّ له الأوراق، ولا منبر خطيب إلا باسمنا يميس، ولا وجه درهم ولا دينار إلا بنا يشرق ويكاد تبرّجا لا بهرجا يتطلّع من خلال الكيس.
فليتقلّد الولد ما قلّدناه من أمور العباد، وليشركنا فيما نباشره من مصالح الثّغور والقلاع والبلاد، وسنتعاهد هذا الولد من الوصايا بما سينشأ معه توءما، ويمتزج بلحمه ودمه حتّى يكاد يكون ذلك إلهاما لا تعلّما، وفي الولد بحمد الله من نفاذ الذّهن وصحّة التصوّر ما تتشكّل فيه الوصايا أحسن التشكيل، وتظهر صورة الإبانة في صفائه الصّقيل، فلذلك استغنينا عن شرحها هاهنا مسرودة، وفيه- بحمد الله- من حسن الخليقة ما يحقّق أنها بشرف الإلهام موجودة، والله لا يعدمنا منه إشفاقا وبرّا، ويجعله أبدا للأمة سندا وذخرا، إن شاء الله تعالى.
وعلى ذلك كتب القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر أيضا عن المنصور «قلاوون» عهد ولده الملك الأشرف صلاح الدين «خليل» «1» وهذه نسخته:
الحمد لله الذي لم يزل له السّمع والطاعة فيما أمر، والرضا والشّكر فيما هدم من الأعمار وما عمر، والتفويض في التعويض إن غابت الشمس بقي القمر.
نحمده على أن جعل سلطاننا ثابت الأركان، كلّ روضة من رياضه ذات أفنان، لا تزعزعه ريح عقيم، ولا يخرجه رزء عظيم عن الرّضا والتسليم، ولا يعتبط من حملته كريم إلا ويغتبط من أسرته بكريم، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تزيد قائلها تفويضا وتجزل له تعويضا، وتحسن له على الصبر
(10/170)

الجميل في كلّ خطب جليل تحريضا، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أنزل عليه في التسليم: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
«1» . والنبيّ الذي أوضح به المناهج وبيّن به السّبل، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما تجاوبت المحابر والمنابر في البكر والأصل، وما نثرت عقود ونظمت، ونسخت آيات وأحكمت، ونقضت أمور وأبرمت، وما عزمت آراء فتوكّلت وتوكّلت فعزمت، ورضي الله عن أصحابه الذين منهم من كان للخليقة نعم الخليفة، ومنهم من لم يدرك أحد في تسويد النفس الحصيفة ولا في تبييض الصّحيفة مدّه ولا نصيفه، ومنهم من يسّره الله لتجهيز جيش العسرة فعرف الله ورسوله معروفه، ومنهم من عمل صالحا أرضى ربّه وأصلح في ذرّيته الشريفة.
وبعد، فإن من ألطاف الله تعالى بعباده، واكتناف عواطفه ببلاده، أن جعلنا كلّما وهى للملك ركن شديد شيّدنا ركنا عوضه، وكلما اعترضت للمقادير جملة بدّلنا آية مكان آية وتناسينا- تجلّدا- تلك الجملة المعترضة، فلم يحوج اليوم لأمسه، وإن كان حميدا، ولا الغارس لغرسه، وإن كان ثمره يانعا وظلّه مديدا، فأطلعنا في أفق السلطنة كوكبا سعيدا كان لحسن الاستخلاف معدّا، ومن لقبيل المسلمين خير ثوابا وخير مردّا، ومن يبشّر الله به من الأولياء المتّقين وينذر من الأعداء قوما لدّا، ولم يبق [إلا] «2» به أنسنا بعد ذهاب الذين تحسبهم (كالسيف فردا) «3» والذي ما أمضى حدّه ضريبة إلا (قدّ البيض والأبدان قدّا) «4» ، ولا جهّز راية كتيبة إلا أغنى غناء الذاهبين وعدّ الأعداء عدّا، ولا بعثه جزع فقال: (كم من أخ لي صالح) «5» إلّا لقيه ورع فقال: (وخلقت يوم خلقت جلدا) «6» ، وهو الذي
(10/171)

بقواعد السلطنة أدرى وبقوانينها الأعرف، وعلى الرّعايا الأعطف وبالرّعايا الأرأف، وهو الذي ما قيل لبناء ملك هذا عليه قد وهى إلّا وقيل هذا بناء مثله منه أسمى ملك أشرف، والذي ما برح النصر يتنسّم من مهابّ تأميله الفلاح، ويتبسّم ثغره فتتوسّم الثغور من مبسمه النّجاح، ويقسم نوره على البسيطة فلا مصر من الأمصار إلّا وهو يشرئبّ إلى ملاحظة جبين عهده الوضّاح، ويتفتّق اشتقاق النّعوت فيقول التسلّي للتملّي: سواء الصالح والصّلاح، والذي ما برح لشعار السلطنة إلى توقّله وتنقّله أتمّ حنين، وكأنما كوشفت الإمامة العبّاسيّة بشرف مسمّاه فيما تقدّم من زمن سلف ومن حين، فسمّت ووسمت باسمه أكابر الملوك وأخاير السلاطين، فخوطب كلّ منهم مجازا لا كهذه الحقيقة «بخليل» أمير المؤمنين؛ والذي [كم] «1» جلا ببهيّ جبينه من بهيم، وكم غدا الملك بحسن روائه ويمن آرائه يهيم، وكم أبرأ مورده العذب هيم عطاش ولا ينكر الخليل إذا قيل عنه إبراهيم، ومن تشخص الأبصار لكماله يوم ركوبه حسيرة، وتلقي البنان سلاحها ذهلا وهي لا تدري لكثرة الإيماء إلى جلاله إذا يبدو مسيره، والذي ألهم الله الأمة لجوده ووجوده صبرا جميلا، وآتاهم من نفاسة كرمه وحراسة سيفه وقلمه تأمينا وتأميلا، وعظم في القلوب والعيون بما من برّه سيكون فسمّته الأبوّة الشريفة ولدا وسمّاه الله «خليلا» .
ولمّا تحتّم من تفويض أمر الملك إليه ما كان لوقته المعلوم قد تأخّر، وتحيّن حينه فكمل زيادة كزيادة الهلال حتّى بادر تمامه فأبدر، اقتضى حسن المناسبة لنصائح الجمهور، والمراقبة لمصالح الأمور، والمصاقبة لمناجح البلاد والثّغور، والمقاربة من فواتح كلّ أمر ميسور، أن نفوّض إليه ولاية العهد الشريف بالسلطنة الشريفة المعظّمة، المكرّمة المفخّمة المنظّمة، وأن يبسط يده المنيفة لمصافحتها بالعهود، وتحكّمها في العساكر والجنود، وفي البحور والثّغور وفي التّهائم
(10/172)

والنّجود، وأن يعدق «1» ببسطها وقلمها كلّ قطع ووصل، وكلّ فرع وأصل، وكلّ نصر ونصل، وكلّ ما يحمي سرحا، ويهمي منحا، وفي المثيرات في الإعداء على الأعداء نقعا وفي المغيرات صبحا، وفي المنع والإطلاق، وفي الإرفاد والإرفاق، وفي الخميس «2» إذا ساق، وفي السيوف إذا بلغت التراقي وقيل من راق، وفي الرّماح إذا التفّت الساق بالسّاق، وفي المعاهدات والهدن، وفي الفداء بما عرض من عرض وبالبدن «3» بالبدن، وفيما ظهر من أمور الملك وما بطن، وفي جميع ما تستدعيه بواعثه، في السرّ والعلن، وتسترعيه نوافثه، من كبت وكتب متفرّقين أو في قرن، عهدا مباركا عوذه وتمائمه، وفواتحه وخواتمه، ومناسمه ومياسمه، وشروطه ولوازمه، وعلى عاتق الملك الأعزّ نجاده وفي يد جبّار السموات قائمه، لا رادّ لحكمه ولا ناقض لبرمه، ولا داحض لما أثبتته الأقلام من مكنون علمه.
[و] «4» يزيده مرّ اللّيالي جدّة ... وتقادم الأيام حسن شباب
وتلزم السّنون والأحقاب استيداعه للذراريّ والأعقاب؛ فلا سلطان ذو قدر وقدرة، ولا ذو أمر وإمرة، ولا نائب في مملكة قربت أو بعدت، ولا مقدّم جيوش أتهمت أو أنجدت؛ ولا راع ولا رعيّة، ولا ذو حكم في الأمور الشرعيّة؛ ولا قلم إنشاء ولا قلم حساب ولا ذو وأنساب ولا ذو وأسباب، إلا وكلّ داخل في قبول هذا العقد الميمون، ومتمسّك بحكم كتابه المكنون، والتسليم لنصّه الذي شهد به من الملائكة الكرام الكاتبون، وأمست بيعته بالرّضوان محفوفة، والأعداء يدعونها تضرّعا وخيفة، وليشكروا الصنيع الذي بعد أن كانت الخلفاء تسلطن الملوك قد
(10/173)

صار سلطانهم يقيم من ولاة العهد خليفة بعد خليفة.
وأمّا الوصايا فأنت يا ولدنا الملك الأشرف- أعزّك الله- بها الدّرب، ولسماع شدوها وحدوها الطّرب، الذي للّغو لا يضطرب، فعليك بتقوى الله عز وجلّ فإنها ملاك سدادك، وهلاك أضدادك، وبها يراش جناح نجاحك، ويحسن اقتداء اقتداحك؛ فاجعلها دفين جوانح تأميلك ووعيك، ونصب عيني أمرك ونهيك؛ والشرع الشريف فهو قانون الحق المتّبع، ومأمون الأمر المستمع، وعليه مدار إيعاء كلّ إيعاز، وبه يتمسّك من أشار وامتاز، وهو جنّة والباطل نار: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
«1» ؛ فلا تخرج في كلّ حال عن لوازمه وشروطه، ولا تنكب عن معلّقه ومنوطه. والعدل فهو مثمّر غروس الأموال، ومعمّر بيوت الرّجاء والرّجال، وبه تزكو الأعمار والأعمال؛ فاجعله جامع أطراف مراسمك؛ وأفضل أيّام مواسمك؛ وسم به فعلك، وسمّ به فرضك ونفلك، ولا تفرد به فلانا دون فلان، ولا مكانا دون مكان، واقرنه بالفضل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
«2» . وأحسن التخويل، وأجمل التّنويل، وكثّر لمن حولك التموين والتّمويل، وضاعف الخير في كلّ مضاف لمقامك، ومستضيف بإنعامك، حتى لا تعدم في كلّ مكان وكلّ زمان ضيافة الخليل؛ والثّغور فهي للممالك مباسمها، وللمسالك مناسمها؛ فاجعل نواجذها تفترّ عن حسن ثنايا الصّون، ومراشفها شنبة «3» الشّفاه بحسن العون؛ ومنها، بما يحمي السّرح منها، وأعنها، بما يدفع المكاره عنها، فإنها للنصر مقاعد، وبها حفظ البلاد من كلّ مارّ من الأعداء مارد؛ وأمراء الجيوش فهم السّور الواقي بين يدي كلّ سور، وما منهم إلا كلّ بطل بالنصر مشهور، كما سيفه مشهور، وهم ذخائر الملوك، وجواهر السّلوك، وأخاير الأكابر الذين خلصوا من الشكوك؛ وما منهم إلا من له خدمات سلفت، وحقوق عرفت،
(10/174)

ومواتّ «1» على استلزام الرّعاية للعهود وقفت؛ فكن لجنودهم متحبّبا، ولمرابعهم مخصبا، ولمصالحهم مرتّبا، ولآرائهم مستصوبا، ولاعتضادهم مستصحبا، وفي حمدهم مطنبا، وفي شكرهم مسهبا، والأولياء المنصوريّون الذين هم كالأولاد، ولهم سوابق أمتّ «2» من سوابق الإيجاد؛ وهم من علمت استكانة من قربنا، ومكانة من قلبنا، وهم المساهمون فيما ناب، وما برحوا للدولة الظّفر والناب، فأسهم لكلّ منهم من احترامك نصيبا، وأدم لهم ارتياحك، وألن جماحك؛ وقوّهم بسلاحك، تجد منهم ضروبا، وترى كلّا منهم في أعدائك ضروبا.
وكما أنا نوصيك بجيوش الإسلام، كذا نوصيك بالجيش الذي له الجوار المنشآت في البحر كالأعلام؛ فهو جيش الأمواه والأمواج المضاف إلى الأفواج من جيش الفجاج؛ وهو الجيش السّليمانيّ في إسراع السير، وما سمّيت شوانيه «3» غربانا إلا ليجتمع بها لنا ما اجتمع لسليمان صلى الله عليه وسلم من تسخير الريح والطّير؛ وهي من الديار المصرية على ثبج «4» البحر الأسوار، فإن قذفت قذفت الرعب في قلوب الأعداء وإن أقلعت قلعت منهم الآثار، فلا تخله من تجهيز جيشه، وسكّن طيش البحر بطيشه، فيصبح لك جيشان كلّ منهما ذو كرّ وفرّ، هذا في برّ بحر وهذا ببحر برّ؛ وبيوت العبادات فهي التي إلى مصلّى سميّك «خليل» الله تنتهي محاريبها، وبها لنا ولك وللمسلمين سرى الدّعوات وتأويبها؛ فوفّها نصيبها المفروض غير منقوص، ومر برفعها وذكر اسم الله تعالى [فيها] «5» للأمر المنصوص؛ وأخواتها من بيوت الأموال الواجدات «6» الواجبات، من حيث إنها كلّها بيوت الله عز وجل: هذه
(10/175)

للصّلاة وهذه للصّلات، وهذه كهذه في رفع المنار وجمع المبار؛ وإذا كانت تلك مما أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه فهذه ترفع ويذكر فيها اسمه حتى على الدّرهم والدّينار؛ فاصرف إليها اجتهادك فيما يعود بالتثمير، كما يعود على تلك بالتّنوير، وعلى هذه بإشحانها «1» بأنواع الصّروف، كإشحان «2» تلك باستواء الصّفوف، فإنها إذا أصبحت مصونة، أجملت بحمد الله المعونة، وكفلت بالمؤونة وبالزيادة على المؤونة، فتكمّل هذه لكل ولي دنياه كما كمّلت تلك [لكلّ] وليّ دينه؛ وحدود الله فلا يتعدّاها أحد، ولا يرأف فيها ولد بوالد ولا والد بولد؛ فأقمها وقم في أمرها حتى تنضبط أتمّ الضبط، ولا تجعل يد الفتك مغلولة إلى عنقها ولا تبسطها كلّ البسط؛ فلكلّ من الجنايات والقصاص شرط شرطه الله وحدّ حدّه فلا يتجاوز أحد ذلك الحدّ ولا يخرج عن ذلك الشرط، والجهاد فهو الدّيدن المألوف من حيث نشأ نشأ ونشأتك ... «3» وفي ظهور الخيل، فمل على الأعداء كلّ الميل، وصبّحهم من فتكاتك بالويل بعد الويل، وارمهم بكلّ شمّريّ «4» قد شمّر من يده عن الساعد ومن رمحه عن الساق ومن جواده الذّيل، واذهب لهم من كلّ ذلك مذهب، وأنر بنجوم الخرصان «5» كلّ غيّ وغيهب، وتكثّر في غزوهم من الليل بكلّ أدهم، ومن الشّفق، بكلّ أحمر وأشقر، ومن الأصيل بكلّ أصفر، ومن الصبح بكلّ أشهب، واستنهب أعمارهم واجعلها آخر ما يسلب وأوّل ما ينهب؛ ونرجو أن يكون الله قد خبأ لك من الفتوحات ما يستنجزها لك صادق وعده، وأن ينصر بك جيوش الإسلام، في كلّ إنجاد وإتهام، وما النّصر إلّا من عنده؛ وبيت الله المحجوج من كلّ فجّ، المقصود من كلّ نهج، فسيّر سبيله، ووسّع [له] «6» الخير وأحسن تسبيله، وأوصل من برّك
(10/176)

لكلّ من الحرمين ما هو له، لتصبح ربوعه بذلك مأهولة، واحمه ممّن يريد فيه بإلحاد بظلم، وطهّره من مكس وغرم: ليعود نفعك على البادي والعاكف، ويصبح واديه وناديه مستغنيين بذلك عن السّحاب الواكف «1» ؛ والرعايا فهم للعدل زروع، وللاستثمار فروع، ولا ستلزام العمارة شروع؛ فمتى جادهم غيث أعجب الزّرّاع نباتهم، ونمت بالصّلاح أقواتهم، وصلحت بالنّماء أوقاتهم، وكثرت للجنود مستغلّاتهم، وتوفّرت زكواتهم وتنوّرت مشكاتهم، والله يضاعف لمن يشاء.
هذا عهدنا للسيد الأجلّ، الملك، الأشرف، صلاح الدنيا والدين، فخر الملوك والسلاطين، خليل أمير المؤمنين، أعزّ الله تعالى ببقائه الدّين؛ فليكن بعروته متمسّكا، وبنفحته متمسّكا، وليتقلّد سيف هذا التقليد، ويفتح مغلق كلّ فتح منه بخير إقليد؛ وها نحن قد كثّرنا لديه جواهره فدونه ما يشاء تحليته من تتويج مفرق وتختيم أنامل وتسوير زند وتطويق جيد، ففي كلّ ذلك تبجيل وتمجيد؛ والله تعالى يجعل استخلافه هذا للمتقين إماما، وللدّين قواما، وللمجاهدين اعتصاما، وللمعتدين انفصاما، ويطفيء بمياه سيوفه نار كلّ خطب حتى يصبح كما أصبحت نار سميّه صلى الله عليه وسلم بردا وسلاما؛ إن شاء الله تعالى.
وعلى ذلك كتب القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، عن المنصور «قلاوون» المتقدّم ذكره، عهد ولده الملك الصالح «علاء الدين علي» وهذه نسخته «2» :
الحمد لله الذي شرّف سرير الملك منه بعليّه، وحاطه منه بوصيّه؛ وعضّد منصوره بولاية عهد صالحه، وأسمى حاتم جوده بمكارم حازها بسبق عديّه، وأبهج
(10/177)

خير الآباء من خير الابناء بمن سموّ أبيه منه بشريف الخلق وأبيّه، وغذّى روضه بمتابعة وسميّه «1» وبمسارعة وليّه.
نحمده على نعمه التي جمعت إلى الزّهر الثّمر، وداركت بالبحر وباركت في النّهر، وأجملت المبتدأ وأحسنت الخبر، وجمعت في لذاذة الأوقات وطيبها بين رونق الآصال ورقّة البكر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نلبس الألسنة منها في كلّ ساعة [ثوبا] «2» جديدا، ونتفيّأ منها ظلّا مديدا، ونستقرب من الآمال ما يراه سوانا بعيدا؛ ونصلّي على سيدنا محمد الذي طهّر الله به هذه الأمّة من الأدناس، وجعلها بهدايته زاكية الغراس؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من فهم حسن استخلافه بالأمر له بالصّلاة بالناس «3» ، ومنهم من بنى الله به قواعد الدّين وجعلها موطّدة الإساس «4» ومنهم من جهّز جيش العسرة «5» وواسى بماله حين الضرّاء والباس، ومنهم من قال عنه صلى الله عليه وسلم: «لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله» «6» فحسن الالتماس بذلك والاقتباس، وزاد في شرفه بأن طهّر أهل بيته وأذهب عنهم الأرجاس، صلاة لا تزال تتردّد تردّد الأنفاس، ولا تبرح في الآناء حسنة الإيناس.
وبعد، فإنّ خير من شرّفت مراتب السلطنة بحلوله، وفوّفت ملابس التحكيم بقبوله، ومن تزهى مطالع الملك بإشراقه، وتتبادر الممالك مذعنة لاستحقاقه، ومن يزدهي ملك منصوره- نصره الله بولده ووليّ عهده مكنة- بانيه، ومن يتشرّف إيوان عظمته: إن غاب والده في مصلحة الإسلام فهو صدره وإن حضر فهو ثانيه، ومن يتجمّل غاب الإيالة منه بخير شبل كفل ليثا، ويتكفّل غوث الأمّة بخير وابل
(10/178)

خلف غيثا؛ ومن ألهم الأخلاق الملوكيّة وأوتي حكمها صبيّا، ومن خصّصته الأدعية الشريفة بصالحها ولم يكن بدعائها شقيّا، ومن رفعت به هضبة الملك حتى أمسى مكانها عليّا؛ ومن هو أحقّ بأن ينجب الأمل وينجح، وأولى بأن يتلى له:
اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ
«1» ، ومن هو بكلّ خير ملي، ومن إذا فوّضت إليه أمور المسلمين كان أشرف من لأمورهم يلي، ومن يتحقّق من والده الماضي الغرار، ومن اسمه العالي المنار، أن لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي.
ولما كان المقام العالي، الولديّ، السلطانيّ، الملكيّ، الصالحيّ، العلائيّ- عضّد الله به الدّين، وجمع إذعان كلّ مؤمن على إيجاب طاعته لمباشرة أمور المسلمين، حتى يصبح وهو صالح المؤمنين- هو المرجوّ لتدبير هذه الأمور، والمأمول لصلاح البلاد والثّغور «2» والمدّخر في النصر لشفاء ما في الصّدور، والذي تشهد الفراسة لأبيه وله بالتحكم: أو ليس الحاكم أبو عليّ هو المنصور؟؛ فلذلك اقتضت الرحمة والشفقة على الأمّة أن ينصب لهم وليّ عهد يتمسّكون من الفضل بعروة كرمه، ويسعون بعد الطواف بكعبة أبيه لحرمه، ويقتطفون أزاهر العدل وثمار الجود من كلمه وقلمه، وتستسعد الأمة منه بالملك الصالح الذي تقسم الأنوار لجبينه وتقسّم المبارّ من كراماته وكرمه.
فلذلك خرج الأمر العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، المنصوريّ، السيفيّ- أخدمه الله القدر، ولا زالت الممالك تتباهى منه ومن وليّ عهده بالشمس والقمر- أن يفوّض إليه ولاية العهد وكفالة السلطنة المعظّمة، ولاية تامّة عامّة شاملة كاملة، شريفة منيفة، عطوفة رؤوفة، في سائر أقاليم الممالك «3»
(10/179)

وعساكرها وجندها، وعربها وتركمانها وأكرادها ونوّابها وولاتها، وأكابرها وأصاغرها ورعاياها ورعاتها وحكّامها وقضاتها، وسارحها وسانحها، بالديار المصرية ثغورها وأقاليمها وبلادها، وما احتوت عليه، والمملكة الحجازيّة، وما احتوت عليه، ومملكة النّوبة، وما احتوت عليه، والفتوحات الصفدية والفتوحات الإسلاميّة الساحلية وما احتوت عليه، والممالك الشاميّة وحصونها، وقلاعها ومدنها، وأقاليمها وبلادها، والمملكة الحمصيّة، والمملكة الحصنية الأكراديّة والجبلية وفتوحاتها، والمملكة الحلبية وثغورها وبلادها، وما احتوت عليه، والمملكة الفراتيّة، وما احتوت عليه، وسائر القلاع الإسلامية برّا وبحرا، وسهلا ووعرا، شاما ومصرا، يمنا وحجازا، شرقا وغربا، بعدا وقربا، وأن تلقى إليه مقاليد الأمور في هذه الممالك الشريفة، وأن تستخلفه سلطنة والده- خلد الله دولته- لتشاهد الأمة منه في وقت واحد سلطانا وخليفة، ولاية واستخلافا تسندهما الرّواة، وتترنّم بهما الحداة، وتعيهما الأسماع وتنطق بهما الأفواه، تفويضا يعلن لكافةّ الأمم، ولكلّ ربّ سيف وقلم، ولكل ذي علم وعلم، بما قاله صلى الله عليه وسلم لسميّه رضي الله عنه حين أولاه من الفخار ما أولاه: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» «1» فلا ملك إقليم إلّا وهذا الخطاب يصله ويوصّله، ولا زعيم جيش إلا وهذا التفويض يسعه ويشمله، ولا إقليم إلّا وكلّ من به يقبّله ويقبله، ويتمثّل بين يديه ويمتثله، ولا منبر إلّا وخطيبه يتلو فرقان هذا التقديم ويرتّله.
وأمّا الوصايا فقد لقّنّا ولدنا ووليّ عهدنا ما انطبع في صفاء ذهنه، وسرت تغذيته في نماء غصنه؛ ولابدّ من لوامع للتبرّك بها في هذا التقليد الشريف تنير، وجوامع تعتزّ لخير بها «2» حيث يصير، وودائع ينبّئك عنها ولدنا- أعزنا الله ببقائه- ولا ينبّئك مثل خبير: فاتّق الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، وانصر
(10/180)

الشرع فإنّك إذا نصرته ينصرك الله على أعداء الدّين وعداك، واقض بالعدل مخاطبا ومكاتبا حتى يستبق إلى الإيعاز به لسانك ويمناك، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر عالما أنه ليس يخاطب غدا بين يدي الله عن ذلك سوانا وسواك، وانه نفسك عن الهوى حتى لا يراك الله حيث نهاك، وحط الرعيّة، ومر النّوّاب بحملهم على القضايا الشرعية، وأقم الحدود، وجنّد الجنود، وابعثها برّا وبحرا من الغزو إلى كلّ مقام محمود، واحفظ الثّغور، ولا حظ الأمور، وازدد بالاسترشاد بآرائنا نورا على نور؛ وأمراء الإسلام الأكابر وزعماؤه، فهم بالجهاد والذّبّ عن العباد أصفياء الله وأحبّاؤه؛ فضاعف لهم الحرمة والإحسان، واعلم أنّ الله اصطفانا على العالمين وإلّا فالقوم إخوان، لا سيّما أولو السعي الناجح، والرأي الراجح، ومن إذا فخروا بنسبة صالحية قيل لهم: نعم السّلف الصالح، فشاورهم في الأمر، وحاورهم في مهمّات الأمور في كلّ سرّ وجهر، وكذلك غيرهم من أكابر الأمراء الذين هم من تحايا الدّول، وذخائر الملوك الأول؛ أجرهم في هذا المجرى، واشرح لهم بالإحسان صدرا؛ وجيوش الإسلام هم البنان والبنيان، فوال إليهم الامتنان، واجعل محبّتك في قلوبهم بإحسانك إليهم حسنة المربى، وطاعتك في عقائدهم قد شغفها حبّا: ليصبحوا بحسن نظرك إليهم طوعا، وليحصّل كلّ جيش منهم من التقرّب إليك بالمناصحة نوعا، والبلاد وأهلها فهم عندك الوديعة فاجعل أوامرك [لهم] «1» بصيرة وسميعة.
وأما غير ذلك من الوصايا، فسنخوّلك منها بما ينشأ معك توءما، ونلقّنك من آياتها محكما فمحكما، والله تعالى ينمّي هلالك حتى يوصّله إلى درجة الإبدار، ويغذّي غصنك حتّى نراه قد أينع بأحسن الأزهار وأينع الثّمار، ويرزقك سعادة سلطاننا الذي نعتّ بنعته تبرّكا، ويلهمك الاعتضاد بشيعته، والاستنان بسنّته، حتى تصبح كتمسّكنا بذلك متمسّكا، ويجعل الرعية بك في أمن وأمان حتى لا تخشى سوءا ولا تخاف دركا، والاعتماد على الخط الشريف- أعلاه الله تعالى- أعلاه إن شاء الله تعالى.
(10/181)

الوجه السادس
(فيما يكتب في مستند عهد وليّ العهد بالسلطنة، وما يكتبه السلطان في بيت العلامة، وما يكتب في ذيل العهد) أما ما يكتب في مستند العهد وما يكتبه السلطان في بيت العلامة، فكغيره من سائر الولايات من التقاليد وغيرها: وهو أنه يكتب في المستند «حسب المرسوم الشريف» كما يكتب في المكاتبات التي هي بتلقّي كاتب السر على ما تقدّم ذكره في بابه، ويكتب السلطان في بيت العلامة اسمه واسم أبيه.
وأما ما يكتب في ذيل العهد وشهادة الشهود على السلطان بالعهد، فمثل أن يكتب: «شهدت على مولانا السلطان الملك الفلانيّ العاهد المشار إليه فيه خلّد الله ملكه، أو خلّد الله سلطانه» وما أشبه ذلك من الدعاء «بما نسب إليه فيه من العهد بالسلطنة الشريفة، إلى ولده المقام الشريف العالي السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ، وعلى المعهود إليه- أعزّ الله أنصاره- بقبول العهد المذكور، وكتب فلان بن فلان» .
الوجه السابع
(في قطع ورق هذا العهد وقلمه الذي يكتب به، وكيفيّة كتابته، وصورة وضعه في الورق) أما قطع ورقه فمقتضى إطلاق المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» أن للعهود قطع البغدادي الكامل أنه يكتب في البغدادي أيضا.
قلت: وهو المناسب لعظمة السلطنة، وشماخة «1» قدرها، إذ الملك إلى وليّ العهد آئل، وللدّخول تحت أمره صائر، خصوصا إذا كان المعهود اليه ولدا أو أخا، وحينئذ فيكتب بمختصر قلم الطّومار لمناسبته له، على ما تقدّم في غير موضع.
وأما كيفية كتابته وصورة وضعها في الورق، فهو أن يخلّي من أعلى الدّرج
(10/182)

قدر إصبع بياضا، ثم يكتب في وسطه بقلم دقيق ما صورته «الاسم الشريف» كما يكتب في التقاليد وغيرها على ما سيأتي، ثم يبتديء بكتابة الطّرّة بالقلم الذي يكتب به العهد من أوّل عرض الورق من غيرهامش سطورا متلاصقة إلى آخر الطّرّة، ثم يترك ستة أوصال بياضا من غير كتابة غير الوصل الذي فيه الطرة، ثم يكتب البسملة في أوّل الوصل الثامن بحيث تلحق أعالي ألفاته بالوصل الذي فوقه، بهامش عن يمين الورق قدر أربعة أصابع أو خمسة مطبوقة، ثم يكتب تحت البسملة سطرا من أوّل العهد ملاصقا لها، ثم يخلّي بيت العلامة قدر شبر كما في عهود الملوك عن الخلفاء، ثم يكتب السطر الثاني تحت بيت العلامة على سمت السطر الذي تحت البسملة، ويسترسل في كتابة بقيّة العهد إلى آخره، ويجعل بين كلّ سطرين قدر ربع ذراع بذراع القماش؛ فإذا انتهى إلى آخر العهد كتب «إن شاء الله تعالى» ثم المستند، ثم الحمدلة والصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم والحسبلة، على ما تقدّم في الفواتح والخواتم؛ ثم يكتب شهود العهد بعد ذلك.
وهذه صورة وضعه في الورق، ممثّلا له بالطرّة التي أنشأتها لذلك، وبالعهد الذي أنشأه القاضي محيي الدّين بن عبد الظاهر عن المنصور «قلاوون» بالعهد بالسلطنة لولده الملك الصالح «علاء الدّين عليّ» وهي:
هذا عهد شريف جليل قدره، رفيع ذكره، عليّ فخره، متبلّج صبحه، ضوّيّ فجره، من السلطان الأعظم الملك الظاهر، ركن الدنيا والدّين «بيبرس» خلّد الله تعالى سلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه، با لسلطنة الشريفة لولده المقام العالي السلطانيّ، الملكيّ، السعيديّ، بلّغه الله تعالى فيه غاية الآمال، وحقّق فيه للرعية ما يرجونه من مزيد الإفضال. على ما شرح فيه بسم الله الرحمن الرحيم هامش الحمد لله الذي شرّف سرير الملك منه بعليّه، وحاطه منه بوصيّة، وعضّد منصورة بولاية عهد صالحه، وأسمى حاتم جوده. بمكارم حازها بسبق عديّه، وأبهج خير الآباء من خير الأبناء بمن سموّ أبيه منه بشريف الخلق وأبيّه،
(10/183)

هامش وغذّى روضه بمتابعة وسميّه، وبمسارعة وليّه. نحمده على نعمه التي جمعت إلى الزّهر الثمر إلى أن يأتي إلى قوله: ولا يخاف دركا ولاعتماد على الخطّ الشريف- أعلاه الله تعالى- أعلاه.
إن شاء الله تعالى كتب في سنة حسب المرسوم الشريف الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه حسبنا الله ونعم الوكيل
النوع الرابع
(من العهود عهود الملوك بالسّلطنة للملوك المنفردين بصغار البلدان) ويتعلّق النظر به من أربعة أوجه:
الوجه الأوّل
(في بيان أصل ذلك وأوّل حدوثه في هذه المملكة إلى حين زواله عنها) قد تقدّم في المكاتبات، في الكلام على مكاتبة صاحب حماة أنّ ذلك مما كان في الدولة الأيّوبية، ثم في الدولة التّركيّة في الأيام المنصوريّة «قلاوون» والأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» ثم بطل ذلك؛ وذلك أنّ السلطان صلاح الدين «يوسف بن أيوب» حين استولى على البلاد الشاميّة مع الديار المصريّة بعد موت السلطان نور الدين «محمود بن زنكي» صاحب الشام، فرّق أقاربه في ولاية الممالك الشامية: كدمشق وحلب وحمص وغيرها واستمرّت.
وكان السلطان صلاح الدين قد ولّى حماة لابن أخيه تقيّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيّوب، فبقيت بيده حتّى توفّي سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فوليها بعده ابنه المنصور ناصر الدين محمد وبقي بها حتّى توفّي سنة سبع عشرة
(10/184)

وستّمائة، فوليها ابنه الناصر قليج أرسلان فبقي بها إلى أن انتزعها منه أخوه المظفّر «1» في سنة ستّ «2» وعشرين وستمائة، وأقام بها إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين وستّمائة. فوليها ابنه المنصور محمد، فبقي بها إلى أن غلب هولاكو ملك التتار على الشام وقتل من به من بقايا الملوك الأيّوبية، فهرب المنصور إلى مصر وأقام بها إلى أن سار المظفّر قطز «3» صاحب مصر إلى الشام، وانتزعه من يد التتار، وصار الشام مضافا إلى مملكة الديار المصريّة، فردّ المنصور إلى حماة، فبقي بها حتى توفّي سنة ثلاث وثمانين وستّمائة، فولّى المنصور قلاوون ابنه المظفّر شادي مكانه، وكتب له بها عهدا عنه، فبقي بها حتى توفّي سنة ثمان وتسعين وستمائة، في الأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» في سلطنته الثانية «4» بعد «لا جين» «5» ، فولّى الملك الناصر قرا سنقر «6» أحد أمرائه نائبا؛ فلما استولى غازان «7» ملك التتار على الشام، كان العادل كتبغا بعد خلعه من سلطنة الديار المصرية نائبا بصرخد، فأظهر في قتال التتار قوّة وجلادة «8» فولّاه الملك الناصر حماة، وحضر هزيمة التتار مع الملك الناصر سنة اثنتين وسبعمائة ورجع إلى حماة فمات بها، فولّى الملك
(10/185)

الناصر مكانه سيف الدين قبجق «1» نائبا، ثم نقله إلى حلب، وولّى أسندمر كرجي نيابة حماة مكانه. ولما رجع السلطان الملك الناصر من الكرك نقل أسندمر كرجي «2» من حماة إلى حلب، وولّى المؤيّد عماد الدّين إسماعيل بن الأفضل عليّ ابن المظفّر عمر مكانه بحماة سنة ستّ عشرة وسبعمائة على عادة من تقدّمه من الملوك الأيّوبية، فبقي بها إلى أن توفّي سنة ثنتين وثلاثين وسبعمائة، فولّى الملك الناصر ابنه الأفضل محمدا مكانه، فبقي بها حتى مات الملك الناصر في ذي الحجّة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، واستقرّ في السلطنة بعده ابنه المنصور أبو بكر، وقام بتدبير دولته الأمير قوصون. فكان أوّل ما أحدث عزل الأفضل بن المؤيّد عن حماة، وولّى مكانه بها الأمير قطز نائبا. وسار الأفضل إلى دمشق فأقام بها حتى توفّي بها سنة ثنتين وأربعين وسبعمائة، وهو آخر من وليها من بني أيّوب.
وقد ذكر المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله في «مسالك الأبصار» أنّ سلطانها كان يستقلّ بإعطاء الإمرة والإقطاعات، وتولية القضاة والوزراء وكتّاب السرّ وكلّ الوظائف؛ وتكتب المناشير والتواقيع من جهته. ولكنه لا يمضي أمرا كبيرا في مثل إعطاء إمرة أو إعطاء وظيفة كبيرة حتّى يشاور صاحب مصر، وهو لا يجيبه إلا أنّ الرأي ما يراه. ومن هذا ومثله. قال: وإن كان سلطانا حاكما وملكا متصرّفا فصاحب مصر هو المتصرّف في تولية وعزل، من أراد ولّاه ومن أراد عزله.
قلت: وكان للمملكة بذلك زيادة أبّهة وجمال: لكون صاحبها تحت يده من هو متّصف باسم السلطنة، يتصرّف فيه بالولاية والعزل. على أنّ هذا القسم لم يتعرّض له المقرّ التّقوىّ بن ناظر الجيش «3» في «التثقيف» لخلوّ المملكة الآن عن
(10/186)

مثله؛ وإنما أشار إليه المقرّ الشهابيّ بن فضل الله رحمه الله في «التعريف» حيث قال: وأما ما يكتب للملوك عن الملوك، مثل ولاة العهود والمنفردين بصغار البلدان فإنه لا تستفتح عهودهم إلا بالخطب. وذلك أنّ حماة كانت في زمنه بأيدي بني أيّوب على ما تقدّم ذكره، ولذلك قال في «مسالك الأبصار» : ومما في حدود هذه المملكة ممن له اسم سلطان حاكم وملك متصرّف صاحب حماة.
الوجه الثاني
(في بيان ما يكتب في العهد؛ وهو على ضربين)
الضرب الأوّل
(ما يكتب في الطرّة، وهو تلخيص ما يشتمل عليه العهد) وهذه نسخة عهد كتب بها المقرّ الشهابيّ بن فضل الله عن الملك الناصر «محمد بن قلاوون» للملك الأفضل «محمد ابن المؤيّد عماد الدين إسماعيل» بسلطنة حماة أيضا، في رابع صفر سنة اثنتين «1» وثلاثين وسبعمائة. وهو آخر من ملكها من بني أيّوب، وهي:
الحمد لله الذي أقرّبنا الملك في أهلّة أهله، وتدارك مصاب ملك لولا ولده الأفضل لم يكن له شبيه في فضله، ووهب بنا بيت السلطنة من أبقى البقايا ما يلحق به كلّ فرع بأصله، ويظهر به رونق السيف في نصله.
نحمده على ما أفاض بمواهبنا من النّعم الغزار، وأدخل في طاعتنا الشريفة من ملوك الأقطار، وزاد عطايانا فأضحت وهي ممالك وأقاليم وأمصار، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة أفلح من مات من ملوك الإسلام عليها،
(10/187)

وحرّض بها في الجهاد على الشّهادة حتى وصل إليها، ومدّ يده لمبايعتنا على إعلائها فسابقت الثّريّا ببسط يديها، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي شرّف من تسمّى باسمه أو متّ بالقربى إلى نسبه، وصرّف في الأرض من تمسّك من رعاية الأمّة بسببه، وأكرم به كريم كلّ قوم وجعل كلمة الفخار كلمة باقية في عقبه، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما ناح الحمام لحزنه ثم غنّى من طربه، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فإنّنا- ولله الحمد- ممّن نحفظ بإحساننا كلّ وديعة، ونتقبّل لمن أقبل من الملوك على سؤال صدقاتنا الشريفة كلّ ذريعة، ونتكفّل لمن مات على ولائنا بما لو رآه في ولده لسرّه ما جرى، وعلم أنّ هذا الذي كان يتمنّى أن يعيش حتى يبصر هذا اليوم ويرى؛ وكان السلطان الملك المؤيّد عماد الدين- قدّس الله روحه- هو بقيّة بيته الشريف، وآخر من حلّ من ملوكهم في ذروة عزّه المنيف ولم يزل في طاعتنا الشريفة على ما كان من الحسنى عليه، ومن المحاسن التي لقي الله بها ونور إيمانه يسعى بين يديه؛ فوهبنا له من المملكة الحمويّة المحروسة ما كان قد طال عليه سالف الأمد، ورسمنا له بها عطيّة باقية للوالد والولد، فلمّا قارب انقضاء أجله، وأشرف على ما قدّمه إلى الله وإلينا من صالح عمله، لم يشغله ما به عن مطالعة أبوابنا الشريفة والتّذكار بولده، وتقاضي صدقاتنا العميمة بما كان ينتظره قمره المنير لفرقده، وورد من جهة ولده المقام الشريف، العالي، الولديّ، السلطانيّ، الملكيّ، الأفضليّ، الناصريّ،- أعزّ الله أنصاره- ما أزعج القلوب بمصابه في أبيه، وأجرى العيون على من لا نقع له على شبيه، فوجدنا من الحزن عليه ما أبكى كلّ سيف دما، وأنّ كل رمح يقرع سنّه ندما، وتأسّفنا على ملك كاد يكون من الملائك، وأخ كريم أو أعزّ من ذلك، وسلطان عظيم طالما ظهر شنب «1» بوارقه في ثغور الممالك، وقمنا من الحزن في مشاركة أهله بالمندوب، ثم قلنا: لكم في ولده العوض ولا ينكر لكم الصّبر يا آل أيّوب.
(10/188)

فاقتضت مراسمنا المطاعة أن نرقّيه إلى مقامنا العالي، ونعقد له من ألوية الملك ما تهتزّ به أطراف العوالي، ونركبه من شعار السلطنة بما تتجمّل به مواكبه، وتمتدّ به عصائبه، وتميس من العجب وتمتدّ رقابها بالرّقبة السلطانية جنائبه، تنزيها لخواطركم الكريمة علينا عن قول ليت، وتنويها بقدر بيتكم الذي رفع لكم إسماعيل به قواعد البيت: لما نعلمه من المقام العالي الملكيّ الأفضليّ الناصريّ- أمتع الله ببقائه- من المناقب التي استحقّ بها أن يكون له عليكم الملك، والعزائم التي قلّد بها من الممالك ما تجول به الجياد وتجري به الفلك، مع ماله من الكرم الذي هو أوفى من العهاد بعهده، والفضل الذي اتّصل به ميراث الأفضليّة عن جدّه، والجود الذي جرى البحر معه فاحمرّت من الخجل صفحة خدّه، والوصف الذي لم يرض بالجوزاء واسطة لعقده، والعدل الذي أشبه فيه أباه فما ظلم، والعلم الذي ما خلا به بابه من طلب: إمّا لهدى وإمّا لكرم، ولم يخرج من كفالة والده إلّا إلى كفالتنا التي أظلّته بسحبها، وحلّت سماء مملكته بشهبها، وخاطبناه كما كنّا نخاطب والده- رحمه الله- بالمقام الشريف، وأجريناه في ألقابه مجرى الولد زيادة له في التشريف، وصرّفنا أمره في كل ما كان لملوك أهله فيه تصريف، وسنرشده إلى أوضح طريقة، ويقوم مقام أبيه أو ليس «الناصر» هو أبو الأفضل حقيقة، ورسمنا بطلبه إلى [ما] «1» بين أيدينا الشريفة لنجدّد له في نظرنا الشريف ما يتضاعف به سعوده، ويزداد صعوده، ويتماثل في هذا البيت الشاهنشاهيّ أبناؤه وآباؤه وجدوده: لتعمل معه صدقاتنا الشريفة ما هو به جدير، وترفعه إلى أعزّ مكان من صهوة المنبر والسّرير، وتكاثر به كلّ سلطان وما هو إلّا جحفل يسير، لتشيّد به أركان هذا البيت الكريم، وتحيا عظامه وهي في اللّحود عظم رميم، وتعرف الناس أن عنايتنا الشريفة بهم تزيد على ما عهدوه لجدّهم القديم من سميّنا الملك الناصر القديم، فخرجت المراسيم الشريفة، العالية، المولويّة، السلطانية، الملكية، الناصريّة: لا زالت الملوك تتقلّد مننها في أعناقها، ولا
(10/189)

برحت الممالك من بعض مواهبها وإطلاقها، أن يقلّد هذا السلطان الملك الأفضل- أدام الله نصره- من المملكة الحموية وبلادها، وأمرائها وأجنادها، وعربها وتركمانها وأكرادها، وقضاياها وقضاتها، ورعاياها ورعاتها، وأهل حواضرها وبواديها، وعمرانها وبراريها، جميع ما كان والده- رحمه الله- يتقلّده، وبسيفه وقلمه يجريه ويجرّده: من كلّ قليل وكثير، وجليل وحقير، وفي كل مأمور به وأمير، يتصرّف في ذلك جميعه، ويقطع إقطاعاتها بمناشيره ويولّي وظائفها بتواقيعه، وينظر فيها وفي أهلها بما يعلم أنّ له ولهم فيه صلاحا، ويقيم من هيبة سلطانه ما يغنيه أن يعمل أسنّة ويجرّد صفاحا.
وليحكم فيها وفيمن هو فيها بعدله، ويجمع قلوب أهلها على ولائه كما كانوا عليه لأبيه من قبله، وليكن هو وجنوده وعساكره أقرب في النّهوض إلى مصالح الإسلام من رجع نفسه، وأمضى في العزائم مما يشتبه بها «1» من سيفه وقبسه.
وأما بقيّة ما يملى من الوصايا، أو يدلّ عليه من كرم السّجايا، فهو- بحمد الله تعالى- غريزة في طباعه، ممتزج به من زمان رضاعه؛ وإنما نذكّره ببعض ما به يتبرك، ونحضّه على اتّباع أبيه فإنها الغاية التي لا تدرك؛ والشرع الشريف أهمّ ما يشغل به جميع أوقاته، وتقوى الله فما ينتصر الملك إلا بتقاته، والفكرة في مصالح البلاد والرعايا فإنها مادّة نفقاته، واستكثار الجنود فإنهم حصنه المنيع في ملاقاته، ومبادرة كلّ مهم في أوّل ميقاته، وولايات الأعمال لا يعتمد فيها إلّا على ثقاته، وإقامة الحدود حتّى لا ينصت في تركها إلى رقي رقاته، ورعاية من له على سلفه خدمة سابقة، واستجلاب الأدعية الصالحة لنا وله فإنها للسهام مسابقة؛ وليمض في الأمور عزمه فإنه مذرّب «2» ، ويبسط العدل والإحسان فإنه بهما إلينا يتقرّب، وليأخذ بقلوب الرعايا فإنها تتقلّب، وليكرم وفادة الوفود ليقف بهم- لنجاح
(10/190)

مقاصدهم- على باب صحيح مجرّب، وليجتهد في الجهاد، ويتيقّظ والسّيف مكتحل الجفن بالرّقاد، ويهتمّ فإنّ الهمم العالية تقوّم بها عوالي الصّعاد، ويقوّم البريد فإنّ في تقويمه بقاء الملك وعمارة البلاد، وليقف عند مراسمنا الشريفة لتهديه إلى سبيل الرّشاد، ويحسن سلوكه ليطرب بذكره كلّ أحد ويترنّم كلّ حاد؛ وغير هذا من كلّ ما عهدنا والده- سقى الله عهده- له سالكا، ولأزمّة أموره الجميلة مالكا، مما لا يحتاج- مما نعرفه من سيرته المثلى- إلى شرحه، ولا يدلّ نهاره الساطع على صباحة صبحه، وليبشر بما جعل له من فضلنا العميم، ويتمسّك بوعدنا الشريف أن هذه المملكة له ولأبنائه وأبناء أبنائه ما وجد كفء من نسبهم الصميم؛ والله تعالى يمدّك- أيها الملك الأفضل- بأفضل مزيده، ويحفظ بك ما أبقاه لك أبوك «المؤيّد» من تأييده؛ والاعتماد على الخط الشريف أعلاه، إن شاء الله تعالى «1» .
الوجه الثالث
(فيما يكتب في المستند عن السلطان في هذا العهد، وما يكتبه السلطان في بيت العلامة) والحكم في ذلك على ما مرّ في عهود أولياء العهد بالسلطنة: وهو أن يكتب في مستند العهد «حسب المرسوم الشريف» كما في غيره من الولايات، ويكتب السلطان في بيت العلامة اسمه من غير زيادة.
قلت: ولا يكتب فيه شهادة على السلطان كما يكتب في عهود أولياء العهد بالسلطنة: لأن العهد بالسلطنة العظمى شبيه بالبيعة، والشهادة فيها مطلوبة للخروج من الخلاف، على ما تقدّم في موضعه، والعهد بولاية سلطنة بعض الأقاليم شبيه بالتقليد، والشهادة في التقاليد غير مطلوبة، وذلك أن السلطنة لا تنتهي إلى وليّ العهد إلا بعد موت العاهد، وربّما جحد بعض الناس العهد إليه؛ وولاية بعض البلدان إنما تكون والسلطان المولّي منتصب فلا يؤثّر الجحود فيها.
(10/191)

الوجه الرابع
(في قطع ورق هذا العهد وقلمه الذي يكتب به، وكيفيّة الكتابة، وصورة وضعها في الورق) أما قطع الورق فمقتضى عموم قول المقرّ الشهابي بن فضل الله في «التعريف» إن للعهود قطع البغداديّ الكامل أنه يكتب في قطع البغداديّ أيضا.
قلت: والذي يقتضيه القياس أن تكون كتابته في الورق البغداديّ لمعنى السلطنة، ولكن في قطع دون القطع الكامل: لنقصان رتبة هذه السلطنة عن السلطنة العظمى؛ ألا ترى مكاتبة صاحب مملكة إيران كانت في زمن القان «أبي سعيد» تكتب في قطع البغداديّ الكامل كما ذكره في «التعريف» وغيره، ومكاتبة صاحب مملكة بيت بركة المعروفة بمملكة أزبك من مملكة توران تكتب له في قطع البغداديّ بنقص أربعة أصابع مطبوقة كما ذكره في «التثقيف» لا نحطاط رتبته عن رتبة القان أبي سعيد، على ما تقدّم ذكره في المكاتبات.
وأما قلمه الذي يكتب به، فينبغي إن كتب في قطع البغداديّ الكامل أن يكون بمختصر قلم الطّومار كما في غيره من العهود التي تكتب في القطع الكامل.
وإن كتب في دون الكامل، فينبغي أن يكون القلم دون ذلك بقليل.
وأما صورة وضعه في الورق، فعلى ما مرّ في عهود أولياء العهد بالسلطنة من غير فرق: وهو أن يكتب في رأس الدرج بقلم دقيق الاسم الشريف، ثم يبتديء بكتابة الطرّة في عرض الورق من غيرهامش سطورا متلاصقة إلى آخر الطرّة، ثم يخلّي ستّة أوصال بياضا، ثم يكتب البسملة في أوّل الوصل الثامن بهامش قدر أربعة أصابع أو خمسة مطبوقة، ثم يكتب سطرا من أوّل العهد ملاصقا للبسملة، ثم يخلّي بيت العلامة قدر شبر على ما تقدّم، ويكتب السطر الثاني على سمت السطر الذي تحت البسملة، ثم يسترسل في كتابة بقية العهد إلى آخره، ويكون بين كلّ سطرين قدر ربع ذراع على قاعدة العهود. فإذا انتهى إلى آخر العهد كتب «إن شاء الله تعالى» ثم التاريخ، ثم المستند، ثم الحمد لله والصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم
(10/192)

الحسبلة. وتكون كتابته من غير نقط ولا شكل كسائر العهود.
قلت: ولو وسّع ما بين سطوره ونقطت حروفه وشكلت: لما فيه من معنى التقاليد، لكان به أليق.
وهذه صورة وضعه في الورق، ممثّلا لها بالطرّة التي أنشأتها في معنى ذلك، والعهد الذي أنشأه المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله للملك الأفضل «محمد» بن الملك المؤيد «عماد الدين إسماعيل» آخر ملوك بني أيّوب بها «1» ، وهي:
هذا عهد شريف عذبت موارده، وحسنت بحسن النيّة فيه مقاصده، وعاد على البريّة باليمن عائده. من السلطان الأعظم ناصر الدنيا والدين الملك الناصر أبي الفتح محمد ابن السلطان الشهيد «قلاوون» - خلّد الله تعالى ملكه، وجعل الأرض بأسرها ملكه- للمقام الشريف العالي السلطانيّ، الملكيّ، الأفضليّ، محمد ابن المقام العالي المؤيّديّ إسماعيل أعزّ الله تعالى أنصاره، وأحمد آثاره، بالسلطنة الشريفة بحماة المحروسة وأعمالها، على أكمل العوائد وأتمّها، وأجمل القواعد وأعمّها، على ما شرح فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم هامش الحمد لله الذي أقرّبنا الملك في أهلّة أهله، وتدارك مصاب ملك لولا ولده الأفضل لم يكن لهم شبيه في فضله، ووهب بنا بيت السلطنة من أبقى البقايا من يلحق به كلّ فرع بأصله، ويظهر به رونق السيف في نصله. إلى أن يأتي إلى قوله في آخره: والله تعالى يمدّك أيها الملك الأفضل بأفضل مزيده، ويحفظ بك ما أبقاه لك أبوك المؤيّد من تأييده؛ والاعتماد على الخط الشريف- أعلاه الله تعالى- أعلاه.
(10/193)

إن شاء الله تعالى هامش كتب في سنة حسب المرسوم الشريف الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه حسبنا الله ونعم الوكيل
(10/194)

الباب الرابع من المقالة الخامسة
(في الولايات الصادرة عن الخلفاء لأرباب المناصب من أصحاب السّيوف والأقلام، وفيه [ثلاثة «1» ] فصول)
الفصل الأوّل (فيما كان يكتب من ذلك عن الخلفاء، وفيه خمسة أطراف)
الطرف الأوّل (فيما كان يكتب عن الخلفاء الراشدين من الصحابة رضوان الله عليهم)
وكان الرسم في ذلك أن يفتتح العهد بلفظ: «هذا ما عهد» أو «هذا عهد من فلان لفلان» ويؤتى على المقصد إلى آخره. ويقال فيه: «أمره بكذا وأمره بكذا» .
والأصل في ذلك ما كتب به أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، لأمرائه الذين وجّههم لقتال أهل الرّدّة «2» ، وعليه بنى من بعده. وهذه نسخته:
هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لفلان حين بعثه [فيمن بعثه] «3» لقتال من رجع عن الإسلام. عهد إليه أن يتّقي الله ما استطاع في أمره كلّه، سرّه وجهره. وأمره بالجدّ في أمر الله [تعالى] ، ومجاهدة من تولّى عنه ورجع عن الإسلام إلى أمانيّ الشيطان، بعد أن يعذر إليهم: فيدعوهم بدعاية الإسلام: فإن أجابوه أمسك عنهم، وإن لم يجيبوه شنّ غارته عليهم حتّى يقرّوا له؛ ثم ينبّئهم
(10/195)

بالذي عليهم والذي لهم، فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذي لهم، لا ينظرهم ولا يردّ المسلمين عن قتال عدوّهم، فمن أجاب إلى أمر الله عزّ وجلّ وأقرّ له، قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف، وإنما يقاتل من كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله:
فإذا أجاب الدّعوة لم يكن له عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فيما استسرّ به. ومن لم يجب إلى داعية الله قتل وقوتل حيث كان وحيث بلغ مراغمه «1» ، لا يقبل من أحد شيئا أعطاه إلّا الإسلام، فمن أجابه وأقرّ به قبل منه وعلّمه؛ ومن أبى قاتله: فإن أظهره الله عز وجلّ عليه، قتل فيهم كلّ قتلة بالسّلاح والنّيران، ثم قسم ما أفاء الله عليه إلّا الخمس فإنه مبلّغناه، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وأن لا يدخل فيهم حشوا حتّى يعرفهم ويعلم ما هم: لئلّا يكونوا عيونا، ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم؛ وأن يقصد بالمسلمين ويرفق بهم في السّير والمنزل، ويتفقّدهم ولا يعجل بعضهم عن بعض، ويستوصي بالمسلمين في حسن الصّحبة ولين القول.
وهذه نسخة عهد كتب به أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، لأبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه، حين ولّاه القضاء:
«2» أمّا بعد، فإنّ القضاء فريضة محكمة، وسنّة متّبعة؛ فافهم إذا أدلي إليك «3» ، وانفذ إذا تبيّن لك: فإنه لا ينفع تكلّم بحقّ لا نفاذ له، آس «4»
بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك «5»
حتّى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عونك «6»
. والبيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر، والصّلح جائز
(10/196)

بين المسلمين إلّا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا. لا يمنعنّك قضاء قضيته بالأمس «1»
فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحقّ «2»
: فإن الحقّ قديم «3»
، ومراجعة الحق خير من التّمادي في الباطل.
الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنّة «4»
؛ ثم اعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك بنظائرها، واعمد إلى أقربها إلى الله «5»
وأشبهها بالحقّ، واجعل لمن ادّعى حقّا غائبا أو بيّنة [أمدا] «6»
ينتهي إليه:
فإن أحضر بينة، أخذت له بحقّه وإلا استحللت القضيّة عليه «7»
؛ فإنّه أنفى للشّكّ، وأجلى للعمى «8»
. والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حدّ، أو مجرّبا عليه شهادة زور، أو ظنينا»
في ولاء أو نسب؛ فإن الله تولّى منكم السّرائر ودرأ بالبيّنات والأيمان. وإيّاك والقلق «10»
والضّجر؛ والتّأذّي بالخصوم، والتنكّر عند الخصومات: فإنّ الحقّ في مواطن الحقّ يعظّم الله به الأجر، ويحسن عليه «11»
الذّخر والجزاء؛ فمن صحّت نيّته «12»
وأقبل على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلّق للناس «13»
بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله؛ فما
(10/197)

ظنّك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام «1» .
قلت: هذا ما ذكره ابن عبد ربّه في «العقد» . ويقع في بعض المصنّفات ابتداؤه: من عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن قيس- سلام عليك أما بعد.
ووقع في مسند البزّار «2»
أن أوّله: اعلم أنّ القضاء فريضة محكمة، مع تغيير بعض الألفاظ وتقديم بعض وتأخير بعض.
الطرف الثاني (فيما كان يكتب عن خلفاء بني أميّة)
كتب عبد الحميد بن يحيى الكاتب، عن مروان بن محمد لبعض من ولّاه «3» .
أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين- عند ما اعتزم عليه من توجيهك إلى عدوّ الله الجلف الجافي الأعرابيّ، المتسكّع في حيرة الجهالة، وظلم الفتنة، ومهاوي الهلكة، ورعاعة الذين عاثوا في أرض الله فسادا، وانتهكوا حرمة الإسلام استخفافا، وبدّلوا نعمة الله كفرا، واستحلّوا [دماء أهل] «4»
سلمه جهلا- أحبّ أن يعهد إليك في لطائف أمورك، وعوامّ شؤونك، ودخائل أحوالك، ومصطرف «5»
(10/198)

تنقّلك عهدا يحمّلك فيه أدبه، ويشرع لك به عظته، وإن كنت بحمد الله من دين الله وخلافته بحيث اصطنعك الله لولاية العهد مختصّا لك بذلك دون لحمتك وبني أبيك. ولولا ما أمر الله تعالى به، دالّا عليه، وتقدّمت فيه الحكماء آمرين به: من تقديم العظة، والتّذكير لأهل المعرفة وإن كانوا أولي سابقة في الفضل وخصيّصاء «1»
في العلم، لا عتمد أمير المؤمنين على اصطناع الله إيّاك، وتفضيله لك بما رآك أهله في محلّك من أمير المؤمنين، وسبقك إلى رغائب أخلاقه، وانتزاعك محمود شيمه، واستيلائك على مشابه تدبيره. ولو كان المؤدّبون أخذوا العلم من عند أنفسهم، أو لقّنوه إلهاما من تلقائهم ولم نصبهم تعلّموا «2»
شيئا من غيرهم، لنحلناهم «3»
علم الغيب، ووضعناهم بمنزلة قصّر بها عنهم خالقهم «4»
المستأثر بعلم الغيب عنهم بوحدانيّته في فردانيّته وسابق لا هوتيّته، احتجابا منه لتعقّب في حكمه، وتثبّت في سلطانه وتنفيذ إرادته، على سابق مشيئته، ولكنّ العالم الموفّق للخير، المخصوص بالفضل، المحبوّ بمزيّة العلم وصفوته، أدركه معانا عليه بلطف بحثه، وإذلال كنفه، وصحّة فهمه، وهجر سآمته.
وقد تقدّم أمير المؤمنين إليك، آخذا بالحجّة عليك، مؤدّيا حقّ الله الواجب عليه في إرشادك وقضاء حقّك، وما ينظر به الوالد المعنيّ الشّفيق لولده. وأمير المؤمنين يرجو أن ينزّهك الله عن كل قبيح يهشّ له طمع، وأن يعصمك من كلّ مكروه حاق بأحد، وأن يحصّنك من كلّ آفة استولت على امريء في دين أو خلق، وأن يبلّغه فيك أحسن ما لم يزل يعوّده ويريه من آثار نعمة الله عليك، سامية بك
(10/199)

إلى ذروة الشرف، متبحبحة بك بسطة الكرم «1»
، لائحة بك في أزهر معالي الأدب، مورثة لك أنفس ذخائر العز؛ والله يستخلف عليك أمير المؤمنين ويسأل حياطتك، وأن يعصمك من زيغ الهوى، ويحضرك داعي التوفيق، معانا على الإرشاد فيه، فإنه لا يعين على الخير ولا يوفّق له إلّا هو.
اعلم أنّ للحكمة مسالك تفضي مضايق أوائلها بمن أمّها سالكا، وركب أخطارها «2»
قاصدا، إلى سعة عاقبتها، وأمن سرحها «3»
، وشرف عزّها، وأنها لا تعار بسخف الخفّة، ولا تنشأ بتفريط الغفلة «4»
، ولا يتعدّى فيها بامريء حدّه؛ وربما أظهرت بسطة الغيّ مستور العيب. وقد تلقّتك أخلاق الحكمة من كلّ جهة بفضلها، من غير تعب البحث في طلبها، ولا متطاول لمناولة ذروتها «5»
؛ بل تأثّلت «6»
منها أكرم نبعاتها، واستخلصت [منها] «7»
أعتق «8» جواهرها؛ ثم سموت إلى لباب مصاصها «9» ، وأحرزت منفس ذخائرها، فاقتعد «10» ما أحرزت، ونافس فيما أصبت.
واعلم أنّ احتواءك على ذلك وسبقك إليه بإخلاص تقوى الله في جميع
(10/200)

أمورك مؤثرا لها، وإضمار «1» طاعته منطويا عليها، وإعظام ما أنعم الله به عليك شاكرا له، مرتبطا فيه للمزيد بحسن الحياطة له والذّبّ عنه من أن تدخلك منه سآمة ملال، أو غفلة ضياع، أو سنة تهاون، أو جهالة معرفة: فإنّ ذلك أحقّ ما بديء به ونظر فيه، معتمدا عليه بالقوّة والآلة والعدّة والانفراد به من الأصحاب والحامّة «2» ، فتمسّك به لا جئا إليه، واعتمد عليه مؤثرا له، والتجيء إلى كنفه متحيّزا إليه «3» :
فإنه أبلغ ما طلب به رضا الله، وأنجحه مسألة، وأجزله ثوابا، وأعوده نفعا، وأعمّه صلاحا؛ أرشدك الله لحظّك، وفهّمك سداده، وأخذ بقلبك إلى محموده.
ثم اجعل لله، في كل صباح ينعم عليك ببلوغه، ويظهر منك السلامة في إشراقه، [من نفسك] «4» ، نصيبا تجعله له شكرا على إبلاغه إيّاك يومك ذلك بصحّة جوارح وعافية بدن، وسبوغ «5» نعم، وظهور كرامة. وأن تقرأ فيه من كتاب الله- تبارك وتعالى- جزءا تردّد رأيك في آيه «6» ، وترتّل «7» لفظك بقراءته، وتحضره عقلك ناظرا في محكمه، وتتفهّمه مفكّرا في متشابهه: فإنّ في القرآن شفاء الصّدور من أمراضها، وجلاء وساوس الشيطان وصعاصعه «8» ، وضياء معالم النّور، تبيانا لكل شيء وهدّى ورحمة لقوم يؤمنون. ثم تعهّد نفسك بمجاهدة هواك: فإنّه مغلاق الحسنات، ومفتاح السّيّئات، وخصم العقل.
واعلم أنّ كلّ أهوائك لك عدوّ يحاول هلكتك، ويعترض غفلتك: لأنّها
(10/201)

خدع إبليس، وخواتل «1» مكره، ومصايد مكيدته، فاحذرها مجانبا لها، وتوقّها محترسا منها، واستعذ بالله عزّ وجلّ من شرّها، وجاهدها إذا تناصرت عليك بعزم صادق لاونية «2» فيه، وحزم نافذ لا مثنويّة «3» لرأيك بعد إصداره، وصدق غالب لا مطمع في تكذيبه، ومضاءة صارمة لا أناة «4» معها، ونيّة صحيحة لا خلجة شكّ فيها: فإنّ ذلك ظهريّ «5» صدق لك على ردعها عنك، وقمعها دون ما تتطلّع إليه منك، فهي واقية لك سخطة ربك، داعية إليك رضا العامّة عنك، ساترة عليك عيب من دونك، فازدن بها متحلّيا، وأصب بأخلاقك مواضعها الحميدة منها، وتوقّ عليها الآفة التي تقتطعك عن بلوغها، وتقصّر بك دون شأوها: فإنّ المؤونة إنما اشتدّت مستصعبة، وفدحت باهظة أهل الطّلب لأخلاق أهل الكرم المنتحلين سموّ القدر، بجهالة مواضع ذميم الأخلاق ومحمودها، حتّى فرّط أهل التقصير في بعض أمورهم فدخلت عليهم الآفات من جهات أمنوها، فنسبوا إلى التفريط، ورضوا بذلّ المنزل، فأقاموا به جاهلين بموضع الفضل، عمهين «6» عن درج الشّرف، ساقطين دون منزلة أهل الحجا، فحاول بلوغ غاياتها محرزا لها بسبق الطلب إلى إصابة الموضع، محصّنا أعمالك من العجب: فإنه رأس الهوى، وأوّل الغواية، ومقاد الهلكة؛ حارسا أخلاقك من الآفات المتّصلة بمساوي الألقاب وذميم تنابزها «7» ، من حيث أتت الغفلة، وانتشر الضّياع، ودخل الوهن. فتوقّ
(10/202)

غلوب «1» الآفات على عقلك، فإنّ شواهد الحق ستظهر بأماراتها تصديق آرائك عند ذوي الحجا، وحال الرأي وفحص النظر، فاجتلب لنفسك محمود الذّكر وباقي لسان الصّدق بالحذر لما تقدّم إليك فيه أمير المؤمنين، متحرّزا من دخول الآفات عليك من حيث أمنك وقلّة ثقتك بمحكمها: من ذلك أن تملك أمورك بالقصد، وتداري جندك بالإحسان، وتصون سرّك بالكتمان، وتداوي حقدك بالإنصاف، وتذلّل نفسك بالعدل، وتحصّن عيوبك بتقويم أودك «2» ، وتمنع عقلك من دخول الآفات عليه بالعجب المردي. وأناتك فوقّها الملال وفوت العمل، ومضاءتك فدرّعها رويّة النظر واكنفها بأناة الحلم، وخلوتك فاحرسها من الغفلة واعتماد الراحة، وصمتك فانف عنه عيّ اللّفظ، وخف سوء القالة «3» ؛ واستماعك فأرعه حسن التفهّم، وقوّه بإشهاد الفكر، وعطاءك فامهد «4» له بيوتات الشّرف وذوي الحسب، وتحرّز فيه من السّرف واستطالة البذخ وامتنان الصّنيعة، وحياءك فامنعه من الخجل، وبلادة الحصر «5» ، وحلمك فزعه «6» عن التّهاون وأحضره قوّة الشّكيمة، وعقوبتك فقصّر بها عن الإفراط، وتعمّد بها أهل الاستحقاق، وعفوك فلا تدخله تعطيل الحقوق، وخذ به واجب المفترض، وأقم به أود الدّين، واستئناسك فامنع منه البذاء وسوء المناقثة «7» ، وتعهّدك أمورك فحدّه أوقاتا، وقدّره ساعات، لا تستفرغ قوّتك، ولا تستدعي سآمتك، وعزماتك فانف عنها عجلة الرأي، ولجاجة الإقدام؛ وفرحاتك فاشكمها «8» عن البطر،
(10/203)

وقيّدها عن الزّهوّ، وروعاتك فحطها من دهش الرأي، واستسلام الخضوع، وحذراتك فامنعها من الجبن، واعمد بها الحزم، ورجاءك فقيّده بخوف الفائت، وامنعه من أمن الطّلب.
هذه جوامع خلال، دخّال النقص منها واصل إلى العقل بلطائف أبنه وتصاريف حويله «1» ، فأحكمها عارفا بها، وتقدّم في الحفظ لها، معتزما على الأخذ بمراشدها والانتهاء منها إلى حيث بلغت بك عظة أمير المؤمنين وأدبه إن شاء الله.
ثم لتكن بطانتك وجلساؤك في خلواتك، ودخلاؤك في سرّك، أهل الفقه والورع من خاصّة أهل بيتك، وعامّة قوّادك ممن قد حنّكته السّنّ بتصاريف الأمور، وخبطته فصالها بين فراسن «2» البزّل منها، وقلّبته الأمور في فنونها؛ وركب أطوارها: عارفا بمحاسن الأمور ومواضع الرّأي وعين المشورة؛ مأمون النصيحة، منطوي «3» الضمير على الطاعة. ثم أحضرهم من نفسك وقارا يستدعي لك منهم الهيبة، واستئناسا يعطف إليك منهم المودّة، وإنصاتا «4» يفلّ إفاضتهم له عندك بما تكره أن ينشر عنك من سخافة الرأي وضياع الحزم، ولا يغلبنّ عليك هواك فيصرفك عن الرأي، ويقتطعك دون الفكر. وتعلّم أنك- وإن خلوت بسرّ فالقيت دونه ستورك، وأغلقت عليه أبوابك- فذلك لا محالة مكشوف للعامّة، ظاهر عنك وإن استتر [ت] «5» بربّما ولعلّ وما أرى إذاعة ذلك وأعلم «6» ، بما يرون
(10/204)

من حالات من ينقطع به في تلك المواطن. فتقدّم في إحكام ذلك من نفسك، واسدد خلله عنك: فإنه ليس أحد أسرع إليه سوء القالة ولغط العامّة بخير أو شرّ ممن كان في مثل حالك ومكانك الذي أصبحت به من دين الله والأمل المرجوّ المنتظر فيك. وإيّاك أن يغمز «1» فيك أحد من حامّتك «2» وبطانة خدمتك بضعفة يجد بها مساغا إلى النّطق عندك بما لا يعتزلك عيبه، ولا تخلو من لائمته، ولا تأمن سوء الأحدوثة فيه، ولا يرخص سوء القالة به إن نجم ظاهرا أو علن «3» باديا، ولن يجترئوا على تلك عندك إلّا أن يروا منك إصغاء إليها، وقبولا لها، وترخيصا لهم في الإفاضة بها. ثمّ إيّاك وأن يفاض عندك بشيء من الفكاهات والحكايات والمزاح والمضاحك التي يستخفّ بها أهل البطالة، ويتسرع نحوها ذو والجهالة، ويجد فيها أهل الحسد مقالا لعيب يذيعونه «4» وطعنا في حقّ يجحدونه؛ مع ما في ذلك من نقص الرأي، ودرن العرض، وهدم الشرف، وتأثيل «5» الغفلة، وقوّة طباع السّوء الكامنة في بني آدم ككمون النار في الحجر الصّلد، فإذا قدح لاح شرره، وتلهّب وميضه، ووقد تضرّمه؛ وليست في أحد أقوى سطوة، وأظهر توقّدا، وأعلى كمونا، وأسرع إليه بالعيب وتطرّق الشّين منها لمن كان في مثل سنّك: من أغفال «6» الرجال وذوي العنفوان في الحداثة، الذين لم تقع عليهم سمات الأمور، ناطقا عليهم لائحها، ظاهرا فيهم وسمها، ولم تمحضهم «7» شهامتها، مظهرة للعامّة فضلهم، مذيعة حسن الذكر عنهم، ولم يبلغ بهم الصّيت في الحنكة مستمعا يدفعون به عن أنفسهم نواطق السن أهل البغي، وموادّ أبصار أهل الحسد.
(10/205)

ثم تعهّد من نفسك لطيف عيب لازم لكثير من أهل السلطان والقدرة: من أبطال الذرع «1» ونخوة الشّرف والتّيه وعيب الصّلف، فإنها تسرع بهم إلى فساد وتهجين «2» عقولهم في مواطن جمّة، وأنحاء مصطرفة، منها قلّة اقتدارهم على ضبط أنفسهم في مواكبهم ومسايرتهم العامّة: فمن مقلقل شخصه بكثرة الالتفات عن يمينه وشماله، تزدهيه الخفّة، ويبطره إجلاب «3» الرجال حوله، ومن مقبل في موكبه على مداعبة مسايره بالمفاكهة له والتّضاحك إليه، والإيجاف «4» في السّير مرحا، وتحريك الجوارح متسرّعا، يخال أنّ ذلك أسرع له وأحثّ لمطيّته، فلتحسّن في ذلك هيأتك، ولتجمّل فيه دعتك؛ وليقلّ على مسايرك إقبالك إلا وأنت مطرق النظر، غير ملتفت إلى محدّث، ولا مقبل عليه بوجهك في موكبك لمحادثته، ولا موجف في السير مقلقل لجوارحك بالتحريك والاستنهاض؛ فإنّ حسن مسايرة الوالي واتّداعه «5» في تلك الحالة دليل على كثير من عيوب أمره ومستتر أحواله.
واعلم أنّ أقواما يتسرّعون «6» إليك بالسّعاية، ويأتونك على وجه النّصيحة «7» . ويستميلونك بإظهار الشّفقة، ويستدعونك بالإغراء والشّبهة، ويوطئونك عشوة «8» الحيرة: ليجعلوك لهم ذريعة إلى استئكال «9» العامّة بموضعهم
(10/206)

منك في القبول [منهم «1» ] والتصديق لهم على من قرفوه بتهمة، أو أسرعوا بك في أمره إلى الظّنّة، فلا يصلنّ إلى مشافهتك ساع بشبهة، ولا معروف بتهمة، ولا منسوب إلى بدعة [فيعرّضك «2» ] لإيتاغ «3» دينك، ويحملك على رعيّتك بما لا حقيقة له عندك، ويلحمك أعراض قوم لا علم لك بدخلهم «4» ، إلا بما أقدم [به] «5» عليهم ساعيا وأظهر لك منهم منتصحا. وليكن صاحب شرطتك المتولّي لإنهاء ذلك هو «6» المنصوب لأولئك، والمستمع لأقاويلهم، والفاحص عن نصائحهم؛ ثمّ لينه ذلك إليك على ما يرفع إليه منه لتأمره بأمرك فيه، وتقفه على رأيك من غير أن يظهر ذلك للعامّة: فإن كان صوابا نالتك خيرته «7» ، وإن كان خطأ أقدم به عليك جاهل أو فرطة سعى بها كاذب فنالت الساعي «8» منهما أو المظلوم عقوبة، أو بدر من واليك إليه عقوبة «9» ونكال، لم يعصب ذلك الخطأ بك ولم تنسب إلى تفريط، وخلوت من موضع الذّمّ فيه «10» : محضرا إليه ذهنك وصواب رأيك، وتقدّم إلى من تولّي ذلك الأمر وتعتمد عليه فيه أن لا يقدم على شيء ناظرا فيه، ولا يحاول أخذ أحد طارقا له، ولا يعاقب أحدا منكّلا به، ولا يخلّي سبيل أحد صافحا عنه: لإصحار «11» براءته، وصحّة طريقته، حتّى يرفع إليك أمره، وينهي إليك قضيّته على جهة الصّدق، ومنحى الحق، ويقين الخبر، فإن رأيت
(10/207)

عليه سبيلا لمحبس أو مجازا لعقوبة، أمرته بتولّي ذلك من غير أدخاله عليك، ولا مشافهة لك منه، فكان المتولّي لذلك ولم يجر على يديك مكروه رأي ولا غلظة عقوبة، وإن وجدت إلى العفو [عنه] «1» سبيلا، أو كان مما قرف به خليّا كنت أنت المتولّي للإنعام عليه بتخلية سبيله، والصفح عنه بإطلاق أسره، فتولّيت أجر ذلك واستحققت ذخره، وأنطقت لسانه بشكرك، وطوّقت قومه حمدك، وأوجبت عليهم حقّك، فقرنت بين خصلتين، وأحرزت حظوتين: ثواب الله في الآخرة، ومحمود الذّكر في الدّنيا «2» .
ثم وإيّاك «3» أن يصل إليك أحد من جندك وجلسائك وخاصّتك وبطانتك بمسألة يكشفها لك، أو حاجة يبدهك بطلبها، حتّى يرفعها قبل ذلك إلى كاتبك الذي أهدفته «4» لذلك ونصبته له، فيعرضها عليك منهيا لها على جهة الصّدق عنها، وتكون على معرفة من قدرها: فإن أردت إسعافه بها ونجاح ما سأل منها، أذنت له في طلبها، باسطا له كنفك، مقبلا عليه بوجهك، مع ظهور سرورك بما سألك، وفسحة رأي وبسطة ذرع، وطيب نفس، وإن كرهت قضاء حاجته، وأحببت ردّه عن طلبته، وثقل عليك إجابته إليها، وإسعافه بها، أمرت كاتبك فصفحه «5» عنها، ومنعه من مواجهتك بها، فخفّت عليك في ذلك المؤونة، وحسن لك الذّكر، ولم ينشر عنك تجهّم الردّ «6» ، وينلك سوء القالة في المنع، وحمل على كاتبك في ذلك لائمة أنت منها بريء الساحة.
وكذلك فليكن رأيك وأمرك فيمن طرأ عليك من الوفود وأتاك من الرّسل، فلا يصلنّ إليك أحد منهم إلّا بعد وصول علمه إليك، وعلم ما قدم له عليك، وجهة
(10/208)

ما هو مكلّمك به، وقدر ما هو سائلك إيّاه إذا هو وصل إليك، فأصدرت رأيك في حوائجه «1» ، وأجلت فكرك في أمره، واخترت معتزما على إرادتك في جوابه «2» ، وأنفذت مصدور رويّتك في مرجوع مسألته قبل دخوله عليك، وعلمه بوصول حاله إليك، فرفعت عنك مؤونة البديهة، وأرخيت عن نفسك خناق الرّويّة، وأقدمت على ردّ جوابه بعد النّظر وإجالة الفكر فيه؛ فإن دخل إليك أحد منهم فكلمك بخلاف ما أنهى إلى كاتبك وطوى عنه حاجته قبلك، دفعته عنك دفعا جميلا، ومنعته جوابك منعا وديعا «3» ، ثم أمرت حاجبك بإظهار الجفوة له، والغلظة عليه، ومنعه من الوصول إليك، فإنّ ضبطك لذلك مما يحكم لك تلك الأسباب، صارفا عنك مؤونتها، ومسهلا عليك مستصعبها «4» .
احذر تضييع رأيك وإهمالك أدبك في مسالك الرضا والغضب واعتوارهما «5» إيّاك، فلا يزدهينّك إفراط عجب تستخفّك روائعه، ويستهويك منظره، ولا يبدرنّ منك ذلك خطأ ونزق خفّة لمكروه إن حلّ بك، أو حادث إن طرأ عليك، وليكن لك من نفسك ظهريّ ملجأ تتحرّز به من آفات الرّدى، وتستعضده «6» في موهم النازل، وتتعقّب به أمورك في التدبير، فإن احتجت إلى مادّة من عقلك، ورويّة من فكرك، أو انبساط من منطقك، كان انحيازك إلى ظهريّك مزدادا مما أحببت الامتياح منه والامتيار «7» ؛ وإن استدبرت «8» من أمورك بوادر جهل أو مضى زلل أو معاندة حقّ أو خطل تدبير، كان ما احتجنت «9» إليه من
(10/209)

رأيك عذرا لك عند نفسك، وظهريّا قويّا على ردّ ما كرهت، وتخفيفا لمؤونة الباغين عليك في القالة وانتشار الذكر، وحصنا من غلوب الآفات عليك، واستعلائها على أخلاقك.
وامنع أهل بطانتك وخاصّة خدمك «1» من استلحام أعراض الناس عندك بالغيبة، والتقرّب إليك بالسّعاية، والإغراء من بعض ببعض، أو النّميمة إليك بشيء من أحوالهم المستترة عنك، أو التحميل لك على أحد منهم بوجه النّصيحة ومذهب الشّفقة: فإنّ ذلك أبلغ بك سموّا إلى منالة الشرف، وأعون لك على محمود الذكر، وأطلق لعنان الفضل في جزالة الرأي وشرف الهمّة وقوّة التدبير.
واملك نفسك عن الانبساط في الضحك والانفهاق «2» ، وعن القطوب بإظهار الغضب وتنحّله: فإنّ ذلك ضعف عن ملك سورة الجهل «3» ، وخروج من انتحال اسم الفضل، وليكن ضحكك تبسّما أو كشرا في أحايين ذلك وأوقاته، وعند كلّ رائع مستخفّ مطرب، وقطوبك إطراقا في مواضع ذلك وأحواله، بلا عجلة إلى السّطوة، ولا إسراع إلى الطّيرة، دون أن يكنفها رويّة الحلم، وتملك عليها بادرة الجهل.
إذا كنت في مجلس ملئك، وحيث حضور العامّة مجلسك، فإيّاك والرمي بنظرك إلى خاصّ من قوّادك، أو ذي أثرة عندك من حشمك، وليكن نظرك مقسوما في الجميع، وإراعتك «4» سمعك ذا الحديث بدعة هادئة، ووقار حسن، وحضور فهم مجتمع، وقلّة تضجّر بالمحدّث، ثم لا يبرح وجهك إلى بعض حرسك وقوّادك متوجّها بنظر ركين، وتفقّد محض، فإن وجّه إليك أحد منهم نظره محدّقا، أو رماك ببصره ملحّا، فاخفض عنه إطراقا جميلا باتّداع وسكون،
(10/210)

وإيّاك والتسّرع في الإطراق، والخفّة في تصريف النظر، والإلحاح على من قصد إليك في مخاطبته إيّاك رامقا بنظره.
واعلم أنّ تصفّحك وجوه جلسائك وتفقّدك مجالس قوّادك، من قوّة التدبير، وشهامة القلب، وذكاء الفطنة، وانتباه السّنة، فتفقّد ذلك عارفا بمن حضرك وغاب عنك، عالما بمواضعهم من مجلسك، ثم اعدبهم عن ذلك سائلا لهم عن أشغالهم التي منعتهم من حضور مجلسك، وعاقتهم بالتخلّف عنك «1» .
إن كان أحد من حشمك وأعوانك تثق منه بغيب ضمير، وتعرف منه لين طاعة، وتشرف منه على صحة رأي، وتأمنه على مشورتك، فإيّاك والإقبال عليه في كلّ حادث يرد عليك، والتوجّه نحوه بنظرك عند طوارق ذلك، وأن تريه أو أحدا من أهل مجلسك أنّ بك حاجة إليه موحشة، أو أن ليس بك عنه غنّى في التدبير، أو أنّك لا تقضي دونه رأيا، إشراكا منك له في رويّتك، وإدخالا منك له في مشورتك، واضطرارا منك إلى رأيه في الأمر يعروك: فإنّ ذلك من دخائل العيوب التي ينتشر بها سوء القالة عن نظرائك فانفها عن نفسك خائفا لاعتلاقها ذكرك، واحجبها عن رويّتك قاطعا لأطماع أوليائك عن مثلها عندك، أو غلوبهم عليها منك.
واعلم أنّ للمشورة موضع الخلوة وانفراد النظر، ولكلّ «2» أمر غاية تحيط بحدوده، وتجمع معالمه، فابغها محرزا لها، ورمها طالبا لنيلها، وإيّاك والقصور عن غايتها أو العجز عن دركها، أو التفريط في طلبها. إن شاء الله تعالى.
إيّاك والإغرام عن حديث ما أعجبك، أو أمر ما ازدهاك بكثرة السؤال، أو
(10/211)

القطع لحديث من أرادك بحديثه حتّى تنقضه عليه بالخوض في غيره أو المسألة عمّا ليس منه: فإن ذلك عند العامّة منسوب إلى سوء الفهم وقصر الأدب عن تناول محاسن الأمور والمعرفة بمساويها، ولكن أنصت لمحدّثك وأرعه سمعك حتّى يعلم أن قد فهمت حديثه، وأحطت معرفة بقوله: فإن أردت إجابته فعن معرفة بحاجته وبعد علم بطلبته، وإلا كنت عند انقضاء كلامه كالمتعجّب «1» من حديثه بالتبسّم والإغضاء، فأجزى عنك الجواب، وقطع عنك ألسن العتب.
إيّاك وأن يظهر منك تبرّم بطول مجلسك، أو تضجّر ممن حضرك؛ وعليك بالتثبّت عند سورة الغضب، وحميّة الأنف، وملال الصبر في الأمر تستعجل به والعمل تأمر بإنفاذه، فإنّ ذلك سخف شائن، وخفّة مردية، وجهالة بادية؛ وعليك بثبوت المنطق، ووقار المجلس، وسكون الريح، والرّفض لحشو الكلام، والتّرك لفضوله، والإغرام «2» بالزّيادات في منطقك والترديد للفظك: من نحو اسمع، وافهم عنّي، ويا هناه «3» ، وأ لا ترى، أو ما يلهج به من هذه الفضول المقصّرة بأهل العقل، الشائنة لذوي الحجا في المنطق «4» ، المنسوبة إليهم بالعيّ، المردية لهم بالذّكر. وخصال من معايب الملوك والسّوقة عنها غبيّة النظر إلا من عرفها من أهل الأدب، وقلّما حامل لها، مضطلع بها، صابر على ثقلها، آخذ لنفسه بجوامعها، فانفها عن نفسك بالتحفّظ منها، واملك عليها اعتيادك إيّاها معتنيا بها: منها كثرة
(10/212)

التنخّم «1» ، والتبصّق، والتنخّع، والثّؤباء، والتمطّي، والجشاء، وتحريك القدم، وتنقيض «2» الأصابع، والعبث بالوجه واللّحية أو الشارب أو المخصرة «3» أو ذؤابة السيف، أو الإيماض بالنظر، أو الإشارة بالطّرف إلى بعض خدمك بأمر إن أردته، أو السّرار في مجلسك، أو الاستعجال في طعمك أو شربك، وليكن طعمك متّدعا، وشربك أنفاسا، وجرعك مصّا، وإيّاك والتسرّع إلى الأيمان فيما صغر أو كبر من الأمور، والشّتيمة بقول يا ابن الهناة «4» ؛ أو الغميزة «5» لأحد من خاصّتك بتسويغهم مقارفة الفسوق بحيث محضرك أو دارك وفناؤك: فإنّ ذلك كلّه مما يقبح ذكره، ويسوء موقع القول فيه، وتحمل عليك معايبه، وينالك شينه، وينتشر عليك سوء النبإ به «6» فاعرف ذلك متوقّيا له، واحذره مجانبا لسوء عاقبته.
استكثر من فوائد الخير: فإنها تنشر المحمدة، وتقيل العثرة، واصبر «7» على كظم الغيظ: فإنه يورث الراحة «8» ، ويؤمّن الساحة، وتعهّد العامّة بمعرفة دخلهم، وتبطّن «9» أحوالهم، واستثارة دفائنهم، حتّى تكون منها على رأي عين، ويقين خبرة، فتنعش عديمهم، وتجبر كسيرهم، وتقيم أودهم، وتعلّم جاهلهم، وتستصلح فاسدهم: فإنّ ذلك من فعلك بهم يورثك العزّة، ويقدّمك في الفضل، ويبقي لك لسان الصّدق في العاقبة «10» ، ويحرز لك ثواب الآخرة، ويردّ عليك
(10/213)

عواطفهم المستنفرة منك، وقلوبهم المتنحّية عنك «1» .
قس بين منازل أهل الفضل في الدّين والحجا والرأي، والعقل والتدبير، والصّيت في العامّة، وبين منازل أهل النّقص في طبقات الفضل وأحواله، والخمول عند مباهاة النّسب «2» ؛ وانظر بصحبة أيّهم تنال من مودته الجميل، وتستجمع لك أقاويل العامة على التفضيل، وتبلغ درجة الشرف في أحوالك المتصرّفة بك، فاعتمد عليهم مدخلا لهم في أمرك، وآثرهم بمجالستك لهم مستمعا منهم، وإيّاك وتضييعهم مفرّطا، وإهمالهم مضيّعا.
هذه جوامع خصال قد لخّصها لك أمير المؤمنين مفسّرا، وجمع لك شواذّها «3» مؤلّفا، وأهداها إليك مرشدا، فقف عند أوامرها، وتناه عن زواجرها، وتثّبت في مجامعها، وخذ بوثائق عراها تسلم من معاطب الرّدى، وتنل أنفس الحظوظ ورغيب الشّرف، وأعلى درج الذّكر، وتأثل سطر العز «4» والله يسأل لك أمير المؤمنين حسن الإرشاد، وتتابع المزيد وبلوغ الأمل، وأن يجعل عاقبة ذلك بك إلى غبطة يسوّغك إيّاها، وعافية يحلّك أكنافها، ونعمة يلهمك شكرها: فإنه الموفّق للخير، والمعين على الإرشاد؛ منه تمام الصالحات، وهو مؤتي الحسنات، عنده مفاتيح الخير، وبيده الملك وهو على كلّ شيء قدير.
فإذا أفضيت نحو عدوّك، واعتزمت على لقائهم، وأخذت أهبة قتالهم، فاجعل دعامتك التي تلجأ إليها، وثقتك التي تأمل النجاة بها، وركنك الذي ترتجي منالة الظّفر به، وتكتهف به لمعالق الحذر تقوى الله مستشعرا لها بمراقبته،
(10/214)

والاعتصام بطاعته متبعا لأمره، مجتنبا لسخطه، محتذيا سنّته، والتوقّي لمعاصيه في تعطيل حدوده، أو تعدّي شرائعه، متوكّلا عليه فيما صمدت «1» له، واثقا بنصره فيما توجّهت نحوه، متبرّئا من الحول والقوّة فيما نالك من ظفر، وتلقّاك من عزّ، راغبا فيما أهاب «2» بك أمير المؤمنين إليه من فضل الجهاد ورمى بك إليه، محمود الصبر فيه عند الله من قتال عدو «3» المسلمين، أكلبهم عليه وأظهره عداوة لهم، وأفدحه ثقلا لعامّتهم، وآخذه بربقهم «4» ، وأعلاه عليهم بغيا، وأظهره عليهم فسقا وفجورا «5» ، وأشدّه على فيئهم الذي أصاره الله لهم «6» وفتحه عليهم مؤونة وكلّا «7» والله المستعان عليهم، والمستنصر على جماعتهم، عليه يتوكّل أمير المؤمنين، وإيّاه يستصرخ عليهم، وإليه يفوّض أمره وكفى بالله وليّا وناصرا ومعينا، وهو القويّ العزيز.
ثم خذ من معك من تبّاعك وجندك بكفّ معرّتهم، وردّ مشتعل جهلهم «8» ، وإحكام ضياع عملهم «9» ، وضمّ منتشر قواصيهم، ولمّ شعث أطرافهم، وتقييدهم عمّن «10» مرّوا به من أهل ذمّتك وملتك بحسن السيرة، وعفاف الطّعمة، ودعة الوقار، وهدي الدّعة، وجمام المستجم «11» ، محكما ذلك منهم، متفقّدا لهم تفقّدك إيّاه من نفسك. ثم اصمد لعدوّك المتسمّي بالإسلام، الخارج من جماعة أهله،
(10/215)

المنتحل ولاية الدّين مستحلّا لدماء أوليائه، طاعنا عليهم، راغبا عن سنّتهم، مفارقا لشرائعهم، يبغيهم الغوائل، وينصب لهم المكايد، أضرم حقدا عليهم، وأرصد عداوة لهم، وأطلب لغرّات فرصهم من التّرك «1» ، وأمم الشرك، وطواغي الملل، يدعو إلى المعصية والفرقة، والمروق من دين الله إلى الفتنة، مخترعا بهواه للأديان المنتحلة والبدع المتفرّقة خسارا وتخسيرا، وضلالا وتضليلا، بغير هدى من الله ولا بيان، ساء ما كسبت له يداه [وما الله بظلّام للعبيد] «2» وساء ما سوّلت له نفسه الأمّارة بالسّوء، والله من ورائه بالمرصاد: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«3» .
حصّن «4» جندك، واشكم نفسك بطاعة الله في مجاهدة أعدائه، وارج نصره، وتنجّز موعوده، متقدّما في طلب ثوابه على جهادهم، معتزما في ابتغاء الوسيلة إليه على لقائهم: فإنّ طاعتك إيّاه فيهم، ومراقبتك له ورجاءك نصره مسهّل لك وعوره، وعاصمك من كل سبّة، ومنجيك من كلّ هوّة، وناعشك «5» من كلّ صرعة، ومقيلك من كل كبوة، وداريء عنك كلّ شبهة، ومذهب عنك لطخة كلّ شك، ومقوّيك بكلّ أيد «6» ومكيدة، ومعزّك في كل معترك «7» قتال، ومؤيّدك في كلّ مجمع لقاء، وكالئك عند كل فتنة مغشية «8» وحائطك «9» من كل شبهة مردية؛ والله وليّك ووليّ أمير المؤمنين فيك، والمستخلف على جندك ومن معك «10» .
(10/216)

اعلم أنّ الظفر ظفران: أحدهما وهو أعمّ منفعة، وأبلغ في حسن الذكر قالة، وأحوطه سلامة، وأتمّه عافية [وأعوده عاقبة] «1» وأحسنه في الأمور [موردا] «2» وأعلاه في الفضل شرفا، وأصحّه في الرويّة حزما، وأسلمه عند العامّة مصدرا- ما نيل بسلامة الجنود، وحسن الحيلة، ولطف المكيدة [ويمن النّقيبة] «3» واستنزال طاعة ذوي الصّدوف بغير إخطار «4» الجيوش في وقدة جمرة الحرب، ومبارزة «5» الفرسان في معترك الموت؛ وإن ساعدتك «6» طلوق الظّفر، ونالك مزيد السعادة في الشرف؛ ففي مخاطرة التّلف مكروه المصائب، وعضاض السيوف وألم الجراح، وقصاص الحروب وسجالها بمغاورة أبطالها. على أنك لا تدري لأيّ يكون الظفر في البديهة، ومن المغلوب بالدولة «7» ، ولعلك أن تكون المطلوب بالتمحيص، فحاول إصابة أبلغهما في سلامة جندك ورعيّتك، وأشهرهما صيتا في بدوّ تدبيرك ورأيك، وأجمعهما لألفة وليّك وعدوّك، وأعونهما على صلاح رعيّتك وأهل ملّتك، وأقواهما شكيمة في حزمك، وأبعدهما من وصم عزمك، وأعلقهما بزمام النجاة في آخرتك «8» ، وأجزلهما ثوابا عند ربّك.
وابدأ بالإعذار إلى عدوّك، والدّعاء لهم إلى مراجعة الطاعة، وأمر الجماعة، وعزّ «9» الألفة، آخذا بالحجّة عليهم، متقدّما بالإنذار لهم، باسطا أمانك لمن لجأ إليك منهم، داعيا [لهم إليه] «10» بألين لفظك وألطف حيلك، متعطّفا برأفتك عليهم، مترفّقا بهم في دعائك، مشفقا عليهم من غلبة الغواية لهم،
(10/217)

وإحاطة الهلكة بهم، منفذا رسلك إليهم بعد الإنذار، تعدهم إعطاء كلّ رغبة يهشّ ليها طمعهم في موافقة الحق، وبسط كل أمان سألوه لأنفسهم ومن معهم ومن تبعهم، موطّنا نفسك فيما تبسط لهم من ذلك على الوفاء بعهدك، والصبر على ما أعطيتهم من وثائق عقدك، قابلا توبة نازعهم «1» عن الضّلالة، ومراجعة مسيئهم إلى الطاعة، مرصدا للمنحاز إلى فئة المسلمين وجماعتهم إجابة إلى ما دعوته إليه وبصّرته إيّاه من حقّك وطاعتك، بفضل المنزلة، وإكرام المثوى، وتشريف الجاه، وليظهر من أثرك عليه، وإحسانك [إليه] «2» ما يرغب في مثله الصادف عنك، المصرّ على خلافك ومعصيتك، ويدعو إلى اعتلاق حبل النجاة وما هو أملك به في الاعتصام عاجلا، وأنجى له من العقاب آجلا، وأحوطه على دينه ومهجته بدءا وعاقبة، فإنّ ذلك مما يستدعي به من الله نصره عليهم، ويعتضد به في تقديمه الحجّة إليهم، معذرا أو منذرا، إن شاء الله.
ثم أذك عيونك «3» على عدوّك متطلّعا لعلم أحوالهم التي يتقلّبون فيها، ومنازلهم التي هم بها، ومطامعهم التي قدمدّوا أعناقهم نحوها، وأيّ الأمور أدعى لهم إلى الصّلح، وأقودها لرضاهم إلى العافية، وأسهلها لاستنزال طاعتهم، ومن أيّ الوجوه مأتاهم: أمن قبل الشّدة والمنافرة والمكيدة والمباعدة والإرهاب والإيعاد، أو التّرغيب والإطماع، متثبّتا في أمرك، متخيّرا في رويّتك، مستمكنا من رأيك، مستشيرا لذوي النصيحة الذين قد حنّكتهم السّنّ، وخبطتهم «4» التّجربة، ونجّذتهم «5» الحروب، متشزّنا «6» في حربك، آخذا بالحزم في سوء الظن، معدّا
(10/218)

للحذر، محترسا من الغرّة، كأنّك في مسيرك كلّه ونزولك أجمع مواقف لعدوّك رأي عين تنتظر حملاتهم، وتتخوّف كرّاتهم، معدّا أقوى مكايدك، وأرهب عتادك، وأنكأ جدّك «1» ، وأجدّ تشميرك «2» ، معظّما أمر عدوّك لأعظم مما بلغك، حذرا يكاد يفرط: لتعدّ له من الاحتراس عظيما، ومن المكيدة قويّا، من غير أن يفثأك «3» ذلك عن إحكام أمورك، وتدبير رأيك، وإصدار رويّتك، والتأهّب لما يحزبك «4» ، مصغّرا له بعد استشعار الحذر، واضطمار الحزم، وإعمال الرّويّة، وإعداد الأهبة: فإن ألفيت عدوّك كليل الحدّ، وقم الحزم «5» ، نضيض «6» الوفر، لم يضرّك ما اعتددت له من قوّة، وأخذت له من حزم، ولم يزدك ذلك إلا جرأة عليه، وتسرّعا إلى لقائه. وإن ألفيته متوقّد الحرب «7» ، مستكثف الجمع، قويّ التّبع، مستعلي سورة الجهل، معه من أعوان الفتنة وتبع إبليس من يوقد لهب الفتنة مسعّرا، ويتقدّم إلى لقاء أبطالها متسرّعا، كنت لأخذك بالحزم، واستعدادك بالقوّة، غير مهين الجند، ولا مفرّط في الرأي، ولا متلهّف على إضاعة تدبير، ولا محتاج إلى الإعداد وعجلة التأهّب مبادرة تدهشك، وخوفا يقلقك. ومتى تغترّ بترقيق المرقّقين، وتأخذ بالهوينى في أمر عدوّك لتصغير المصغّرين، ينتشر عليك رأيك، ويكون فيه انتقاض أمرك ووهن تدبيرك، وإهمال للحزم في جندك، وتضييع له وهو ممكن الإصحار، رحب المطلب، قويّ العصمة، فسيح المضطرب، مع ما يدخل رعيّتك من الاغترار والغفلة عن إحكام أحراسهم «8» ، وضبط مراكزهم، لما
(10/219)

يرون فيه من استنامتك إلى الغرّة، وركونك إلى الأمن، وتهاونك بالتدبير، فيعود ذلك عليك في انتشار الأطراف، وضياع الأحكام، ودخول الوهن بما لا يستقال محذوره، ولا يدفع مخوفه.
احفظ من عيونك وجواسيسك ما يأتونك به من أخبار عدوّك، وإيّاك ومعاقبة أحد منهم على خبر إن أتاك به اتّهمته فيه أو سؤت به ظنّا وأتاك غيره بخلافه، أو أن تكذّبه فيه فتردّه عليه ولعله أن يكون قد محضك النصيحة وصدقك الخبر، وكذبك الأوّل، أو خرج جاسوسك الأوّل متقدما قبل وصول هذا من عند عدوّك، وقد أبرموا لك أمرا، وحاولوا لك مكيدة، وأرادوا منك غرّة، فازدلفوا «1» إليك في الأهبة ثم انتقض بهم رأيهم، واختلف عنه جماعتهم، فأرادوا «2» رأيا، وأحدثوا مكيدة، وأظهروا قوّة، وضربوا موعدا، وأمّوا مسلكا لمدد «3» أتاهم، أو قوّة حدثت لهم، أو بصيرة في ضلالة شغلتهم؛ فالأحوال بهم متنقّلة في الساعات، وطوارق الحادثات. ولكن البسهم «4» جميعا على الانتصاح، وارضخ «5» لهم بالمطامع، فإنّك لن تستعبدهم بمثلها، وعدهم جزالة المثاوب «6» ، في غير ما استنامة منك إلى ترقيقهم أمر عدوّك، والاغترار إلى ما يأتونك به دون أن تعمل رويّتك في الأخذ بالحزم، والإستكثار من العدّة، واجعلهم أوثق من تقدر عليه، وآمن من تسكن إلى ناحيته: ليكون ما يبرم عدوّك في كل يوم وليلة عندك إن استطعت ذلك، فتنقض عليهم برأيك وتدبيرك ما أبرموا، وتأتيهم من حيث أمنوا، وتأخذ لهم أهبة ما عليه أقدموا «7» ، وتستعدّ لهم بمثل ما حذروا.
(10/220)

واعلم أنّ جواسيسك وعيونك ربّما صدقوك، وربّما غشّوك، وربّما كانوا لك وعليك فنصحوا لك وغشّوا عدوّك وغشّوك ونصحوا عدوّك، وكثيرا ما يصدقونك ويصدقونه، فلا تبدرنّ منك فرطة عقوبة إلى أحد منهم، ولا تعجل بسوء الظن إلى من اتّهمته على ذلك، واستنزل نصائحهم بالمياحة والمنالة، وابسط من آمالهم فيك من غير أن يرى أحد منهم أنك أخذت من قوله أخذ العامل به والمتّبع له، أو عملت على رأيه عمل الصادر عنه، أو رددته عليه ردّ المكذّب به، المتهم له، المستخفّ بما أتاك منه، فتفسد بذلك نصيحته، وتستدعي غشّه، وتحترّ عداوته. واحذر أن يعرفوا في عسكرك أو يشار إليهم بالأصابع، وليكن منزلهم على كاتب رسائلك وأمين سرّك، ويكون هو الموجّه لهم، والمدخل عليك من أردت مشافهته منهم.
واعلم أن لعدوّك في عسكرك عيونا راصدة، وجواسيس متجسّسة «1» ، وأنه لن يقع رأيه عن مكيدتك بمثل ما تكايده به «2» ، وسيحتال لك كاحتيالك له، ويعدّ لك كإعدادك فيما تزاوله منه، ويحاولك كمحاولتك إيّاه فيما تقارعه عنه، فاحذر أن يشهر رجل من جواسيسك في عسكرك فيبلغ ذلك عدوّك ويعرف موضعه، فيعدّ له المراصد، ويحتال له بالمكايد. فإن ظفر به فأظهر عقوبته، كسر ذلك ثقات عيونك، وخذلهم عن تطلّب الأخبار من معادنها، واستقصائها من عيونها، واستعذاب اجتنائها من ينابيعها، حتّى يصيروا إلى أخذها مما عرض من غير الثّقة ولا المعاينة، لقطا لها بالأخبار الكاذبة، والأحاديث المرجفة. واحذر أن يعرف بعض عيونك بعضا: فإنّك لا تأمن تواطؤهم عليك، وممالأتهم عدوّك، واجتماعهم على غشّك، وتطابقهم على كذبك، وإصفاقهم «3» على خيانتك، وأن
(10/221)

يورّط بعضهم بعضا عند عدوّك؛ فأحكم أمرهم فإنّهم رأس مكيدتك، وقوام تدبيرك، وعليهم مدار حربك، وهو أوّل ظفرك، فاعمل على حسب ذلك وحيث رجاؤك به، تنل أملك من عدوّك وقوّتك على قتاله، واحتيالك لإصابة غرّاته وانتهاز فرصه، إن شاء الله.
فإذا أحكمت ذلك وتقدّمت في إتقانه، واستظهرت بالله وعونه، فولّ شرطتك وأمر عسكرك أوثق قوّادك عندك، وأظهرهم نصيحة لك، وأنفذهم بصيرة في طاعتك، وأقواهم شكيمة في أمرك، وأمضاهم صريمة «1» ، وأصدقهم عفافا، وأجزأهم غناء «2» ، وأكفاهم أمانة، وأصحّهم ضميرا، وأرضاهم في العامّة دينا، وأحمدهم عند الجماعة خلقا، وأعطفهم على كافّتهم رأفة، وأحسنهم لهم نظرا، وأشدّهم في دين الله وحقّه صلابة؛ ثم فوّض إليه مقوّيا له، وابسط من أمله مظهرا عنه الرضا، حامدا منه الابتلاء، وليكن عالما بمراكز الجنود، بصيرا بتقدّم المنازل، مجرّبا، ذا رأي وتجربة وحزم في المكيدة، له نباهة في الذّكر، وصيت في الولاية، معروف البيت، مشهور الحسب، وتقدّم إليه في ضبط معسكره، وإذكاء أحراسه في آناء ليله ونهاره؛ ثم حذّره أن يكون منه إذن لجنوده في الانتشار والاضطراب، والتقدّم لطلائعك، فتصاب لهم غرّة يجتريء بها عدوّك عليك، ويسرع إقداما إليك، ويكسر من إياد «3» جندك ويوهن من قوتهم: فإنّ الصوت في إصابة عدوّك الرجل «4» الواحد من جندك أو عبيدهم مطمع لهم فيك، مقوّ لهم على شحذ أتباعهم عليك وتصغيرهم أمرك، وتوهينهم تدبيرك، فحذّره ذلك وتقدّم إليه فيه، ولا يكوننّ منه إفراط في التضييق عليهم، والحصر لهم، فيعمّهم أزله «5» ،
(10/222)

ويشملهم ضنكه، وتسوء عليهم حاله «1» وتشتدّ به المؤونة عليهم، وتخبث له ظنونهم؛ وليكن موضع إنزاله إيّاهم ضامّا لجماعتهم، مستديرا بهم جامعا لهم، ولا يكون منبسطا منتشرا متبدّدا، فيشقّ ذلك على أصحاب الأحراس، وتكون فيه النّهزة «2» للعدوّ، والبعد من المادة إن طرق طارق في فجآت الليل وبغتاته. وأو عز إليه في أحراسه، وتقدّم إليه فيهم كأشدّ التقدّم وأبلغ الإيعاز، ومره فليولّ عليهم رجلا ركينا مجرّبا جريء الإقدام، ذاكي الصّرامة، جلد الجوارح، بصيرا بمواضع أحراسه، غير مصانع ولا مشفّع للناس في التنحّي إلى الرّفاهية والسّعة، وتقدّم العسكر والتأخّر عنه، فإن ذلك مما يضعف الوالي ويوهنه لاستنامته إلى من ولّاه ذلك وأمنه به على جيشه.
واعلم أنّ مواضع الأحراس من معسكرك، ومكانها من جندك، بحيث الغناء عنهم والرّدّ عليهم، والحفظ لهم، والكلاءة لمن بغتهم طارقا، أو أرادهم خاتلا، ومراصدها المنسلّ منها والآبق «3» من أرقائهم وأعبدهم؛ وحفظها من العيون والجواسيس من عدوّهم. واحذر أن تضرب على يديه أو تشكمه عن الصّرامة بمؤامرتك «4» في كلّ أمر حادث وطاريء إلا في المهمّ النازل والحدث العام: فإنك إذا فعلت ذلك به، دعوته إلى نصحك، واستوليت على محصول ضميره «5» في طاعتك، وأجهد نفسه في ترتيبك «6» ، وأعمل رأيه في بلوغ موافقتك وإعانتك، وكان ثقتك وردأك «7» وقوّتك ودعامتك، وتفرّغت أنت لمكايدة عدوّك، مريحا
(10/223)

لنفسك من همّ ذلك والعناية به، ملقيا عنك مؤونة باهظة وكلفة فادحة، [إن شاء الله] «1» .
واعلم أنّ القضاء من الله بمكان ليس به شيء من الأحكام، ولا بمثل محلّه أحد من الولاة: لما يجري على يديه من مغاليظ الأحكام ومجاري الحدود، فليكن من تولّيه القضاء في عسكرك [من ذوي] «2» الخير في القناعة والعفاف والنّزاهة والفهم والوقار والعصمة والورع، والبصر بوجوه القضايا ومواقعها، قد حنّكته السّنّ وأيّدته التجربة وأحكمته الأمور، ممن لا يتصنّع للولاية ويستعدّ للنّهزة، ويجتريء على المحاباة في الحكم، والمداهنة في القضاء، عدل الأمانة، عفيف الطّعمة، حسن الإنصاف «3» ، فهم القلب، ورع الضمير، متخشّع السّمت «4» ، بادي الوقار، محتسبا للخير. ثم أجر عليه ما يكفيه ويسعه ويصلحه، وفرّغه لما حمّلته، وأعنه على ما ولّيته: فإنك قد عرّضته لهلكة الدنيا وبوار الآخرة، أو شرف الدنيا وحظوة الآجلة، إن حسنت نيّته، وصدقت رويّته، وصحّت سريرته وسلّط حكم الله على رعيّته، مطلقا عنانه، منفّذا قضاء الله في خلقه، عاملا بسنّته في شرائعه، آخذا بحدوده وفرائضه.
واعلم أنه من جندك بحيث ولايتك، الجارية أحكامه عليهم «5» ، النافذة أقضيته فيهم، فاعرف من تولّيه ذلك وتسنده إليه. ثم تقدّم في طلائعك فإنها أوّل مكيدتك، ورأس حربك، ودعامة أمرك، فانتخب لها من كلّ قادة وصحابة رجالا ذوي نجدة وبأس، وصرامة وخبرة، حماة كفاة، قد صلوا «6» بالحرب وذاقوا
(10/224)

سجالها، وشربوا مرار كؤوسها، وتجرّعوا غصص درّتها، وزبنتهم «1» بتكرار عواطفها، وحملتهم على أصعب مراكبها، وذلّلتهم بثقاف أودها. ثم انتقهم على عينك، واعرض كراعهم «2» بنفسك، وتوخّ في انتقائك ظهور الجلد، وشهامة الخلق، وكمال الآلة. وإيّاك أن تقبل من دوابّهم إلا الإناث من الخيل المهلوبة «3» ، فإنّهنّ أسرع طلبا، وأنجى مهربا، وألين معطفا، وأبعد في اللّحوق غاية، وأصبر في معترك الأبطال إقداما؛ وخذهم من السّلاح بأبدان «4» الدّروع، ماذيّة «5» الحديد، شاكّة «6» النّسج، متقاربة الحلق، متلاحمة المسامير وأسوق الحديد، مموّهة الركب، محكمة الطّبع، خفيفة الصّوغ، وسواعد طبعها هنديّ، وصوغها فارسيّ، رقاق المعاطف، بأكفّ واقية «7» وعمل محكم. ويلمق «8» البيض مذهبة ومجرّدة، فارسيّة الصّوغ، خالصة الجوهر، سابغة الملبس، واقية الجنن، مستديرة الطّبع، مبهمة السّرد «9» ، وافية الوزن كتريك «10» النّعام في الصّنعة واستدارة التّقبيب، واستواء الصّوع معلمة بأصناف الحرير وألوان الصّبغ، فإنّها أهيب لعدوّهم، وأفتّ لأعضاد من لقيهم، والمعلم «11» مخشيّ محذور، له بديهة رادعة، وهيبة هائلة، معهم السّيوف الهندية، وذكور البيض اليمانية، رقاق الشّفرات، مسنونة الشّحذ «12» ، مشطّبة الضرائب «13» ، معتدلة الجواهر، صافية
(10/225)

الصّفائح، لم يدخلها وهن الطبع، ولا عابها أمت «13» الصّوغ، ولا شانها خفّة الوزن، ولا فدح حاملها بهور «1» الثّقل، قد أشرعوا لدن القنا، طوال الهوادي «2» ، مقوّمات الأود، زرق الأسنّة، مستوية الثّعالب «3» ؛ وميضها متوقّد، وسنخها «4» متلهّب، معاقص «5» عقدها منحوتة، ووصوم «6» أودها مقوّمة، وأجناسها مختلفة، وكعوبها جعدة «7» ، وعقدها حبكة، شطبة «8» الأسنان، مموّهة الأطراف، مستحدّة الجنبات، دقاق الأطراف، ليس فيها التواء أود، ولا أمت وصم، ولا بها مسقط عيب، ولا عنها وقوع أمنية، مستحقبي كنائن النّبل وقسيّ الشّوحط والنّبع «9» ؛ أعرابيّة التعقيب «10» ، وروميّة النّصول، مسمومة الصّوغ، ولتكن سهامها على خمس
(10/226)

قبضات سوى النّصول، فإنها أبلغ في الغاية، وأنفذ في الدّروع، وأشكّ في الحديد، سامطين حقائبهم على متون خيولهم، مستخفّين من الآلة والأمتعة والزاد [إلا ما لا غناء بهم عنه] «1» .
واحذر أن تكل مباشرة عرضهم وانتخابهم إلى أحد من أعوانك وكتّابك، فإنّك إن وكلته إليهم أضعت مواضع الحزم، وفرّطت حيث الرأي، ووقفت دون عزم الرّويّة، ودخل عملك ضياع الوهن، وخلص إليك عيب المحاباة، وناله فساد المداهنة، وغلب عليه من لا يصلح أن يكون طليعة للمسلمين ولا عدّة ولا حصنا يدّرئون به، ويكتهفون بموضعه. والطلائع حصون المسلمين وعيونهم، وهم أوّل مكيدتك، وعروة أمرك، فليكن اعتناؤك بهم، وانتقاؤك إيّاهم بحيث هم من مهمّ عملك، ومكيدة حربك، ثم انتخب للولاية عليهم رجلا بعيد الصوت «2» ، مشهور الاسم، ظاهر الفضل، نبيه الذّكر، له في العدوّ وقعات معروفات، وأيام طوال وصولات متقدّمات، قد عرفت نكايته، وحذرت شوكته، وهيب صوته، وتنكّب لقاؤه، أمين السّريرة، ناصح الجيب «3» ؛ قد بلوت منه ما يسكّنك إلى ناحيته: من لين الطاعة، وخالص المودّة، وركانة «4» الصّرامة، وغلوب الشّهامة، واستجماع القوّة، وحصافة التدبير، ثم تقدّم إليه في حسن سياستهم، واستنزال طاعتهم، واجتلاب مودّاتهم واستعذاب ضمائرهم، وأجر عليهم وعليه أرزاقا تسعهم، وتمدّ من أطماعهم، سوى أرزاقهم في العامّة، فإنّ ذلك من القوّة لك عليهم، والاستنامة إلى ما قبلهم.
واعلم أنهم في أهمّ الأماكن لك، وأعظمها غناء عنك وعمّن معك؛ وأقمعها كبتا لمحادّك وأشجاها غيظا لعدوّك؛ ومن يكن في الثّقة، والجلد، والبأس،
(10/227)

والطاعة، والقوّة، والنصيحة والعدّة، والنّجدة حيث وصف لك أمير المؤمنين وأمرك به، يضع عنك مؤونة الهم، ويرخ من خناقك روع الخوف، وتلتجيء إلى أمر منيع، وظهر قويّ، ورأي حازم، تأمن به فجآت عدوّك، وغرّات بغتاتهم، وطوارق أحداثهم، ويصير إليك علم أحوالهم، ومتقدّمات خيولهم، فانتخبهم رأي عين، وقوّهم بما يصلحهم من المنالات والأطماع والأرزاق، واجعلهم منك بالمنزل الذي هم به من محارز علاقتك، وحصانة كهوفتك، وقوّة سيّارة عسكرك. وإيّاك أن تدخل فيهم أحدا بشفاعة، أو تحتمله على هوادة، أو تقدّمه لأثرة، أو أن يكون مع أحد منهم بغل نفل «1» ، أو فضل من الظّهر، أو ثقل «2» فادح، فتشتدّ عليهم مؤونة أنفسهم، ويدخلهم كلال السآمة فيما يعالجون من أثقالهم، ويشتغلون به عن عدوّهم إن دهمهم منه رائع، أو فجأهم منه طليعة، فتفقّد ذلك محكما له، وتقدّم فيه آخذا بالحزم في إمضائه، أرشدك الله لإصابة الحظّ، ووفّقك ليمن التدبير، وقصد بك لأسهل الرأي وأعوده نفعا في العاجل والآجل، وأكبته لعدوّك وأشجاه لهم، وأردعه لعاديتهم.
ولّ درّاجة عسكرك وإخراج أهله إلى مصافّهم ومراكزهم رجلا من أهل بيوتات الشّرف، محمود الخبرة، معروفا بالنّجدة، ذا سنّ وتجربة، ليّن الطاعة، قديم النّصيحة، مأمون السّريرة، له بصيرة بالحق نافذة تقدّمه، ونيّة صادقة عن الإدهان «3» تحجزه، واضمم إليه عدّة نفر من ثقات جندك وذوي أسنانهم يكونون شرطة معه؛ ثم تقدّم إليه في إخراج المصافّ، وإقامة الأحراس، وإذكاء العيون، وحفظ الأطراف، وشدّة الحذر، ومره فليضع القوّاد بأنفسهم مع أصحابهم في مصافّهم، كلّ قائد بإزاء مكانه، وحيث منزله، قد سدّ ما بينه وبين صاحبه بالرّماح
(10/228)

شارعة، والتّرسة موضونة»
، والرجال راصدة، ذاكية الأحراس، وجلة الرّوع، خائفة طوارق العدوّ وبياته، ثم مره فليخرج كلّ ليلة قائدا في أصحابه أو عدّة منهم إن كانوا كثيرا، على غلوة «2» أو اثنتين من عسكرك، منتبذا عنك محيطا بمنزلك، ذاكية أحراسه، قلقة التردّد، مفرطة الحذر، معدّة للرّوع، متأهّبة للقتال، آخذة على أطراف المعسكر ونواحيه، متفرّقين في اختلافهم كردوسا كردوسا «3» ؛ يستقبل بعضهم بعضا [في الاختلاف] «4» ويكسع «5» تال متقدّما في التردّد، واجعل ذلك بين قوّادك وأهل عسكرك نوبا معروفة، وحصصا مفروضة، لا تعر «6» منها مزدلفا منك بمودّة، ولا تتحامل فيه على أحد بموجدة، إن شاء الله تعالى.
فوّض إلى أمراء أجنادك وقوّاد خيلك أمور أصحابهم، والأخذ على قافية أيديهم، رياضة منك لهم على السّمع والطاعة لأمرائهم، والاتّباع لأمرهم، والوقوف عند نهيهم، وتقدّم إلى أمراء الأجناد في النوائب التي ألزمتهم إيّاها، والأعمال التي استنجدتهم لها، والأسلحة والكراع التي كتبتها عليهم، واحذر اعتلال أحد من قوّادك عليك بما يحول بينك وبين تأديب جندك، وتقويمهم لطاعتك، وقمعهم عن الإخلال بمراكزهم لشيء مما وكلوا به من أعمالهم؛ فإنّ ذلك مفسدة للجند، مفثأة «7» للقوّاد عن الجدّ والإيثار للمناصحة، والتقدّم في الاحكام.
واعلم أنّ في استخفافهم بقوّادهم وتضييعهم أمر رؤسائهم دخولا للضياع
(10/229)

على أعمالك، واستخفافا بأمرك الذي يأتمرون به ورأيك الذي ترتئي؛ وأوعز إلى القوّاد أن لا يقدم أحد منهم على عقوبة أحد من أصحابه، إلا عقوبة تأديب في تقويم ميل، وتثقيف أود؛ فأما عقوبة تبلغ تلف المهجة وإقامة حدّ في قطع، أو إفراط في ضرب أو أخذ مال، أو عقوبة في شعر «1» فلا يلينّ ذلك من جندك أحد غيرك، أو صاحب شرطتك بأمرك وعن رأيك وإذنك، ومتى لم تذلّل الجند لقوّادهم، وتضرعهم لأمرائهم، توجب لهم عليك الحجة بتضييع- إن كان منهم- لأمرك، أو خلل- إن تهاونوا به- من عملك، أو عجز- إن فرط منهم- في شيء مما وكّلتهم به أو أسندته إليهم، ولا تجد إلى الإقدام عليهم باللّوم وعضّ العقوبة عليهم مجازا تصل به إلى تعنيفهم، بتفريطك في تذليل أصحابهم لهم، وإفسادك إيّاهم عليك وعليهم؛ فانظر في ذلك نظرا محكما، وتقدّم فيه برفقك تقدّما بليغا؛ وإيّاك أن يدخل حزمك وهن، أو يشوب عزمك إيثار، أو يخلط رأيك ضياع، والله يستودع أمير المؤمنين نفسك ودينك.
إذا كنت من عدوّك على مسافة دانية وسنن لقاء مختصر، وكان من عسكرك مقتربا قد شامت «2» طلائعك مقدّمات ضلالته، وحماة فتنته، فتأهّب أهبة المناجز، وخذ اعتداد الحذر «3» ، وكتّب خيولك، وعبّ جندك، وإيّاك والمسير إلا في مقدّمة وميمنة وميسرة وساقة، قد شهروا الأسلحة، ونشروا البنود والأعلام؛ وعرّف جندك مراكزهم سائرين تحت ألويتهم، قد أخذوا أهبة القتال، واستعدّوا للّقاء، ملتجئين إلى مواقفهم، عارفين بمواضعهم في مسيرهم ومعسكرهم، وليكن ترحّلهم وتنزّلهم على راياتهم وأعلامهم وفي مراكزهم، قد عرّف كلّ قائد منهم أصحابه مواقفهم: من الميمنة والميسرة والقلب والساقة والطّليعة، لا زمين لها، غير مخلّين بما استنجدوا له، ولا متهاونين بما أهيب بهم إليه؛ حتّى تكون عساكرك في منهل
(10/230)

تصل إليه ومسافة تختارها «1» كأنها عسكر واحد في اجتماعها على العدوّ، وأخذها بالحزم، ومسيرها على راياتها، ونزولها في مراكزها، ومعرفتها بمواضعها، إن ضلّت دابة من موضعها، عرف أهل العسكر من أيّ المراكز هي، ومن صاحبها، وفي أيّ المحلّ حلوله منها فردّت إليه، هداية معروفة بسمت صاحب قيادتها، فإنّ تقدّمك في ذلك وإحكامك له طارح عن جندك مؤونة الطّلب، وعناية المعرفة، وابتغاء الضّالّة.
ثم اجعل على ساقتك أوثق أهل عسكرك في نفسك صرامة ونفاذا ورضا في العامّة، وإنصافا من نفسه للرعيّة وأخذا بالحق في المعدلة، مستشعرا تقوى الله وطاعته، آخذا بهديك وأدبك واقفا عند أمرك ونهيك معتزما على مناصحتك وتزيينك نظيرا لك في الحال، وشبيها بك في الشّرف، وعديلا في الموضع، ومقاربا في النسب «2» ؛ ثم أكثف معه الجمع، وأيّده بالقوّة، وقوّه بالظّهر، وأعنه بالأموال، واعمده «3» بالسلاح، ومره بالتعطّف على ذوي الضّعف من جندك ومن أزحفت «4» به دابّته وأصابته نكبة: من مرض أو رجلة «5» أو آفة، من غير أن يأذن لأحد منهم في التنحّي عن عسكره، أو التخلّف بعد ترحّله، إلا لمجهود سقما، أو لمطروق بآفة جائحة. ثم تقدّم إليه محذّرا، ومره زاجرا، وانهه مغلظا في الشدّة على من مرّ به منصرفا عن معسكرك من جندك بغير جوازك، شادّا لهم أسرا، وموقرهم «6» حديدا، ومعاقبهم موجعا، وموجّههم إليك فتنهكهم عقوبة، وتجعلهم لغيرهم من جندك عظة.
(10/231)

واعلم أنه إن لم يكن بذلك الموضع من تسكن إليه واثقا بنصيحته قد بلوت منه أمانة تسكّنك إليه، وصرامة تؤمّنك مهانته، ونفاذا في أمرك يرخي عنك خناق الخوف في إضاعته، لم يأمن أمير المؤمنين تسلّل الجند عنك لواذا «1» ، ورفضهم مراكزهم، وإخلالهم بمواضعهم وتخلّفهم عن أعمالهم، آمنين تغيير ذلك عليهم، والشدّة على من اجترمه منهم، فأوشك ذلك في وهنك، وخذل من قوّتك، وقلّل من كثرتك.
اجعل خلف ساقتك رجلا من وجوه قوّادك، جليدا ماضيا، عفيفا، صارما، شهم الرأي، شديد الحذر، شكيم القوّة، غير مداهن في عقوبة، ولا مهين في قوّة، في خمسين فارسا يحشر إليك جندك، ويلحق بك من تخلّف عنك بعد الإبلاغ في عقوبتهم والنّهك لهم والتنكيل بهم. وليكن بعقوتك «2» في المنزل الذي ترحل عنه، والمنهل الذي تتقوّض منه، مفرطا في النفض له، والتتبّع لمن تخلّف عنك به، مشتدّا في أهل المنزل وساكنه بالتقدّم، موعزا إليهم في إزعاج الجند عن منازلهم، وإخراجهم عن مكامنهم، وإيعاد العقوبة الموجعة والنّكال المبسل «3» في الأشعار والأبشار، واستصفاء الأموال وهدم العقار لمن آوى منهم أحدا أو ستر موضعه، أو أخفى محلّه، وحذّره عقوبتك إيّاه في الترخيص لأحد، والمحاباة لذي قرابة، والاختصاص بذلك لذي أثرة وهوادة، ولتكن فرسانه منتخبين في القوّة، معروفين بالنّجدة، عليهم سوابغ الدّروع دونها شعار الحشو وجبب الاستجنان، متقلدين سيوفهم، سامطين كنائنهم، مستعدّين لهيج إن بدههم [أو كمين إن يظهر لهم] «4» ؛ وإيّاك أن تقبل منهم في دوابّهم إلا فرسا قويّا أو برذونا وثيجا «5» : فإن ذلك
(10/232)

من أقوى القوّة لهم، وأعون الظّهريّ «1» على عدوّهم، إن شاء الله.
ليكن رحيلك إبّانا واحدا «2» ، ووقتا معلوما: لتخفّ المؤونة بذلك على جندك، ويعلموا أوان رحيلهم، فيقدّموا فيما يريدون من معالجة أطعمتهم، وأعلاف دوابّهم، وتسكن قلوبهم إلى الوقت الذي وقفوا عليه، ويطمئنّ ذو والرأي إلى إبّان الرحيل، ومتى يكن رحيلك مختلفا، تعظم المؤونة عليك وعلى جندك [ويخلّوا بمراكزهم] «3» ولا يزال ذو والسّفه [والنّزق] «4» يترحّلون بالإرجاف «5» وينزلون بالتوهّم، حتى لا ينتفع ذو رأي بنوم ولا طمأنينة.
إيّاك أن تظهر استقلالا، أو تنادي برحيل من منزل تكون فيه، حتّى تأمر صاحب تعبئتك بالوقوف بأصحابه على معسكرك، آخذا بجنبتي فوهته «6» ، بأسلحتهم عدّة لأمر إن حضر، أو مفاجأة من طليعة للعدوّ إن رأت منكم نهزة، أو لمحت عندكم غرّة، ثم مر الناس بالرّحيل وخيلك واقفة، وأهبتك معدّة، وجنّتك واقية، حتّى إذا استقللتم «7» من معسكركم، وتوجّهتم من منزلكم، سرتم على تعبئتكم بسكون ريح، وهدوّ حملة، وحسن دعة. فإذا انتهيت إلى منهل أردت نزوله أو هممت بالمعسكر به، فإيّاك ونزوله إلا بعد العلم بأهله، والمعرفة بمرافقه؛ ومر صاحب طليعتك أن يعرف لك أحواله، ويستثير لك علم دفينه، ويستبطن علم أموره ثم ينهيها إليك على ما صارت إليه: لتعلم كيف احتماله لعسكرك، وكيف ماؤه وأعلافه وموضع معسكرك منه، وهل لك- إن أردت مقاما به، أو مطاولة عدوّك أو مكايدته فيه- قوّة تحملك ومدد يأتيه: فإنّك إن لم تفعل ذلك، لم تأمن أن تهجم على منزل يعجزك ويزعجك عنه ضيق مكانه، وقلّة
(10/233)


مياهه، وانقطاع موادّه، إن أردت بعدوّك مكيدة، أو احتجت من أمورهم إلى مطاولة، فإن ارتحلت منه كنت غرضا لعدوّك، ولم تجد إلى المحاربة والاخطار سبيلا، وإن أقمت به أقمت على مشقّة وحصر وفي أزل وضيق، فاعرف ذلك وتقدّم فيه. فإن أردت نزولا أمرت صاحب الخيل التي وكّلت بالناس فوقفت خيله متنحّية من معسكرك، عدّة لأمر إن غالك، ومفزعا لبديهة إن راعتك، فقد أمنت بحمد الله وقوّته فجأة عدوّك، وعرفت موقعها من حرزك «1» ، حتّى يأخذ الناس منازلهم، وتوضع الأثقال مواضعها، ويأتيك خبر طلائعك، وتخرج دبّابتك «2» من معسكرك درّاجة ودبّابا محيطين بعسكرك، وعدّة إن احتجت إليها. ولتكن دبّابات جندك أهل جلد وقوّة، قائدا أو اثنين أو ثلاثة بأصحابهم، في كلّ ليلة ويوم نوبا بينهم، فإذا غربت الشمس ووجب «3» نورها، أخرج إليهم صاحب تعبئتك أبدالهم، عسسا بالليل في أقرب من مواضع دبّابي النهار، يتعاور ذلك قوّادك جميعا بلا محاباة لأحد فيه ولا إدهان [إن شاء الله] «4» .
إيّاك وأن يكون منزلك إلا في خندق وحصن تأمن به بيات عدوّك وتستنيم فيه إلى الحزم من مكيدتك إذا وضعت الأثقال وحطّت أبنية أهل العسكر، لم يمدد طنب «5» ، ولم يرفع خباء، ولم ينصب بناء حتى تقطع لكلّ قائد ذرعا معلوما من الأرض بقدر أصحابه، فيحفروه عليهم خندقا يطيفونه بعد ذلك بخنادق الحسك «6» ، طارحين لها دون اشتجار الرّماح، ونصب التّرسة، لها بابان قد وكّلت
(10/234)

بحفظ كل باب منهما رجلا من قوّادك، في مائة رجل من أصحابه، فإذا فرغ من الخندق كان ذانك الرجلان القائدان بمن معهما من أصحابهما أهل ذلك المركز، وموضع تلك الخيل، وكانوا البوّابين والأحراس لذينك الموضعين، قد كفوهما وضبطوهما وأعفوا من أعمال العسكر ومكروهه غيرهما.
واعلم أنك إذا كنت في خندق، أمنت بإذن الله وقوّته طوارق عدوّك وبغتاتهم، فإن راموا تلك منك، كنت قد أحكمت ذلك وأخذت بالحزم فيه، وتقدّمت في الإعداد له، ورتقت مخوف الفتق منه؛ وإن تكن العافية استحقّيت حمد الله عليها، وارتبطت شكره بها، ولم يضررك أخذك بالحزم: لأن كل كلفة ونصب ومؤونة إنفاق ومشقّة عمل مع السلامة غنم وغير خطر بالعاقبة، إن شاء الله. فإن ابتليت ببيات عدوّك أو طرقك رائعا في ليلك، فليلفك حذرا مشمّرا عن ساقك، حاسرا عن ذراعك، متشزّنا لحربك، قد تقدّمت درّاجتك إلى مواضعها على ما وصفه لك أمير المؤمنين، ودبّابتك في أوقاتها التي قدّر لك، وطلائعك حيث أمرك، وجندك على ما عبّأ لك قد خطرت عليهم بنفسك، وتقدّمت إلى جندك إن طرقهم طارق، أو فاجأهم عدوّ، أن لا يتكلّم منهم أحد رافعا صوته بالتكبير مغرقا في الإجلاب، معلنا بالإرهاب لأهل الناحية التي يقع بها العدوّ طارقا، وليشرعوا رماحهم ناشبين بها «1» في وجوههم، ويرشقونهم بالنبل مكتنّين «2» بأترستهم، لازمين لمراكزهم، غير مزيلي قدم عن موضعها، ولا متجاوزين إلى غير مركزهم؛ وليكبّروا ثلاث تكبيرات متواليات وسائر الجند هادون، لتعرف موضع عدوّك من معسكرك، فتمدّ أهل تلك الناحية بالرجال من أعوانك وشرطتك ومن انتخبت قبل ذلك عدّة للشدائد بحضرتك وتدسّ إليهم النّشّاب والرّماح.
(10/235)

وإيّاك وأن يشهروا سيفا يتجالدون به. وتقدّم إليهم أن لا يكون قتالهم في تلك المواضع لمن طرقهم إلا بالرّماح مسندين لها إلى صدورهم، والنّشّاب راشقين به وجوههم، قد ألبدوا «1» بالأترسة، واستجنّوا بالبيض، وألقوا عليهم سوابغ الدّروع وجباب الحشو، فإن صدّ العدوّ عنهم حاملين على جهة [أخرى، كبّر] «2» أهل تلك الناحية التي يقع فيها كفعل الناحية الأولى، وبقيّة العسكر سكوت والناحية التي صدّ عنها العدوّ لازمة مراكزهم منتطقة الهدوّ ساكنة الرّيح، ثم عملت في تقويتهم وإمدادهم بمثل صنيعك بإخوانهم.
وإياك أن تخمد نار رواقك [وإذا وقع العدوّ في معسكرك فأجّجها ساعرا لها وأوقدها حطبا جزلا يعرف به أهل العسكر مكانك وموضع رواقك] «3» فيسكن نافر قلوبهم، ويقوى واهي قوّتهم، ويشتدّ منخذل ظهورهم، ولا يرجمون بك الظّنون، ويجعلون لك آراء السّوء، ويرجفون بك آناء الخوف، وذلك من فعلك رادّ عدوّك بغيظه لم يستفلل منك ظفرا، ولم يبلغ من نكايتك سرورا. وإن انصرف عنك عدوّك ونكل عن الإصابة من جندك وكانت بخيلك قوّة على طلبه أو كانت لك من فرسانك خيل معدّة وكتيبة منتخبة، [و] «4» قدرت على أن تركب بهم أكساءهم «5» ، وتحملهم على سننهم، فأتبعهم جريدة «6» خيل عليها الثّقات من فرسانك، وأولو النّجدة من حماتك، فإنك ترهق عدوّك وقد أمن من بياتك، وشغل بكلاله عن التحرّز منك والأخذ بأبواب معسكره، والضّبط لمحارسه عليك، موهنة حماتهم لغبة «7» أبطالهم: لما ألفوكم عليه من التشمير والجدّ، قد عقر الله فيهم «8» ، وأصاب منهم، وجرح من مقاتلتهم، وكسر من أمانيّ ضلّالهم، وردّ من
(10/236)

مستعلي جماحهم.
وتقدّم إلى من توجّهه في طلبهم، وتتبعه أكساءهم، في سكون الرّيح، وقلّة الرّفث «1» ، وكثرة التسبيح والتهليل، واستنصار الله عزّ وجل بألسنتهم وقلوبهم سرّا وجهرا، بلا لجب ضجّة، ولا ارتفاع ضوضاء، دون أن يردوا على مطلبهم، وينتهزوا فرصتهم، ثم ليشهروا السّلاح، وينتضوا السّيوف، فإنّ لها هيبة رائعة، وبديهة مخوفة، لا يقوم لها في بهمة الليل وحندسه «2» إلا البطل المحارب، وذو البصيرة المحامي، والمستميت المقاتل، وقليل ما هم عند تلك الحميّة وفي ذلك الموضع.
ليكن أوّل ما تتقدّم به في التهيّؤ لعدوّك، والاستعداد للقائه، انتخابك من فرسان عسكرك وحماة جندك ذوي البأس والحنكة والجلد والصّرامة، ممّن قد اعتاد طراد الكماة، وكشّر عن ناجذه في الحرب، وقام على ساق في منازلة الأقران، ثقف الفروسية، مجتمع القوّة، مستحصد المريرة «3» ، صبورا على هول الليل، عارفا بمناهزة الفرص، لم تمهنه «4» الحنكة ضعفا، ولا بلغت به السّنّ كلالا، ولا أسكرته غرّة الحداثة جهلا، ولا أبطرته نجدة الأغمار «5» صلفا، جريئا على مخاطرة التلف، مقدما على ادّراع الموت، مكابرا لمهيب «6» الهول، متقحّما مخشيّ الحتوف، خائضا غمرات المهالك، برأي يؤيّده الحزم، ونيّة لا يخالجها الشّكّ، وأهواء مجتمعة، وقلوب مؤتلفة، عارفين بفضل الطاعة وعزّها وشرفها، وحيث محلّ أهلها من التأييد والظّفر والتمكين، ثم اعرضهم رأي عين على كراعهم وأسلحتهم، ولتكن دوابّهم إناث عتاق الخيل، وأسلحتهم سوابغ الدّروع
(10/237)

وكمال آلة المحارب، متقلّدين سيوفهم، المستخلصة من جيّد الجوهر وصافي الحديد، المتخيرة من معادن الأجناس، هنديّة الحديد [أو تبّتيّة] «1» يمانية الطّبع، رقاق المضارب، مسمومة الشّحذ، مشطّبة الضّربية، ملبدين بالتّرسة الفارسيّة، صينيّة التعقيب، معلمة المقابض بحلق الحديد، أنحاؤها مربّعة، ومخارزها بالتجليد مضاعفة، محملها مستخف، وكنائن النّبل وجعاب القسيّ قد استحقبوها، وقسيّ الشّريان «2» والنّبع أعرابيّة الصّنعة، مختلفة الأجناس، محكمة العمل، مقوّمة التثقيف، ونصول النّبل مسمومة، وعملها مصيّصيّ «3» ، وتركيبها عراقيّ، وترييشها بدويّ، مختلفة الصّوغ في الطّبع، شتّى الأعمال في التشطيب والتجنيح والاستدارة، ولتكن الفارسية مقلوبة المقابض منبسطة السّية «4» ، سهلة الانعطاف، مقرّبة الانحناء، ممكنة المرمى، واسعة الأسهم، فرضها سهلة الورود، ومعاطفها غير مقتربة المواتاة، ثم ولّ على كلّ مائة رجل منهم رجلا من أهل خاصتك وثقاتك ونصحائك، له صيت في الرّياسة، وقدم في السابقة، وأوّليّة في المشايعة، وتقدّم إليه في ضبطهم، وكفّ معرّتهم، واستنزال نصائحهم، واستعداد طاعتهم، واستخلاص ضمائرهم، وتعاهد كراعهم وأسلحتهم: معفيا لهم من النوائب التي تلزم أهل عسكرك وعامّة جندك، واجعلهم عدّة لأمر إن حزبك أو طارق إن أتاك؛ ومرهم أن يكونوا على أهبة معدّة، وحذر ناف لسنة الغفلة عنهم، فإنك لا تدري أيّ الساعات من ليلك ونهارك تكون إليهم حاجتك، فليكونوا كرجل واحد في التشمير والتّرادف وسرعة الإجابة، فإنّك عسيت أن لا تجد عند جماعة جندك في مثل تلك الرّوعة والمباغتة- إن احتجت إلى ذلك منهم- معونة كافية، ولا أهبة معدّة، بل ذلك كذلك. فليكن هؤلاء القوم الذين تنتخب عدّتك وقوّتك بعوثا قد وظّفتها على القوّاد الذين ولّيتهم أمورهم، فسمّيت أوّلا
(10/238)

وثانيا وثالثا ورابعا وخامسا وسادسا؛ فإن اكتفيت فيما يطرقك ويبدهك ببعث واحد، كان معدّا لم تحتج إلى انتخابهم في ساعتك تلك فقطّع البعث عليهم عند ما يرهقك. وإن احتجت إلى اثنين أو ثلاثة وجّهت منهم إرادتك أو ما ترى قوّتك، إن شاء الله.
وكّل بخزائنك ودواوينك رجلا ناصحا أمينا، ذا ورع حاجز، ودين فاضل، وطاعة خالصة، وأمانة صادقة، واجعل معه خيلا يكون مسيرها ومنزلها ومرحلها «1» مع خزانتك وحولها، وتقدّم إليه في حفظها، والتوقّي عليها، واتّهام كلّ من تسند إليه شيئا منها على إضاعته والتهاون به، والشّدّة على من دنا منها في مسير، أو ضامّها في منزل، أو خالطها في منهل. وليكن عامّة الجند والجيش- إلا من استخلصت للمسير معها- متنحّين عنها، مجانبين لها في المسير والمنزل، فإنه ربّما كانت الجولة وحدثت الفزعة، فإن لم يكن للخزائن ممن يوكّل بها أهل حفظ لها وذبّ عنها، وحياطة دونها، وقوّة على من أراد انتهابها، أسرع الجند إليها وتداعوا نحوها حتّى يكاد يترامى ذلك بهم إلى انتهاب العسكر، واضطراب الفتنة، فإنّ أهل الفتن وسوء السّيرة كثير، وإنما همّتهم الشّر، فإيّاك أن يكون لأحد في خزائنك ودواوينك [وبيوت أموالك] «2» مطمع أو يجد سبيلا إلى اغتيالها ومرزأتها [إن شاء الله] «3» .
اعلم أنّ أحسن مكيدتك أثرا في العامّة، وأبعدها صيتا في حسن القالة، ما نلت الظّفر فيه بحزم الرّويّة، وحسن السّيرة، ولطف الحيلة، فلتكن رويّتك في ذلك وحرصك على إصابته بالحيل، لا بالقتال وأخطار التّلف، وادسس إلى عدوّك، وكاتب رؤساءهم وقادتهم وعدهم المنالات، ومنّهم الولايات، وسوّغهم التّراث، وضع عنهم الإحن «4» ، واقطع أعناقهم بالمطامع، واستدعهم بالمثاوب،
(10/239)

واملأ قلوبهم بالترهيب إن أمكنتك منهم الدّوائر، وأصارتهم إليك الرّواجع، وادعهم إلى الوثوب بصاحبهم أو اعتزاله إن لم يكن لهم بالوثوب عليه طاقة، ولا عليك «1» أن تطرح إلى بعضهم كتبا كأنّها جواب «2» كتب لهم إليك، وتكتب على ألسنتهم كتبا إليك تدفعها إليهم، وتحمل بها صاحبهم عليهم وتنزلهم عنده بمنزلة التّهمة ومحلّ الظّنّة، فلعلّ مكيدتك في ذلك أن يكون فيها افتراق كلمتهم، وتشتيت جماعتهم، وإحن قلوبهم، وسوء الظنّ من واليهم بهم، فيوحشهم منه خوفهم إيّاه على أنفسهم إذا أيقنوا باتّهامه إيّاهم، فإن بسط يده فقتلهم، وأولغ سيفه في دمائهم، وأسرع الوثوب بهم، أشعرهم جميعا الخوف، وشملهم الرّعب، ودعاهم إليك الهرب فتهافتوا نحوك بالنصيحة وأمّوك بالطّلب، وإن كان متأنّيا محتملا رجوت أن تستميل إليك بعضهم، ويستدعي الطمع ذوي الشّره منهم، وتنال بذلك ما تحب من أخبارهم، إن شاء الله.
إذا تدانى الصّفّان، وتواقف الجمعان، واحتضرت الحرب، وعبّأت أصحابك لقتال عدوّهم، فأكثر من قول: لا حول ولا قوّة إلا بالله، والتوكّل على الله عزّ وجلّ والتفويض إليه، ومسألته توفيقك وإرشادك، وأن يعزم لك على الرّشد المنجي، والعصمة الكالئة، والحياطة الشاملة. ومر جندك بالصّمت وقلّة التلفّت عند المصاولة، وكثرة التكبير في أنفسهم «3» ، والتسبيح بضمائرهم، ولا يظهروا تكبيرا إلا في الكرّات والحملات، وعند كل زلفة يزدلفونها، فأما وهم وقوف فإنّ ذلك من الفشل والجبن، وليذكروا الله في أنفسهم ويسألوه نصرهم وإعزازهم، وليكثروا من قول: لا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهمّ انصرنا على عدوّك وعدوّنا الباغي، واكفنا شوكته المستحدّة وأيّدنا بملائكتك الغالبين، واعصمنا بعونك من الفشل والعجز إنك أرحم الراحمين.
(10/240)

وليكن في معسكرك المكبّرون في الليل والنهار قبل المواقعة «1» ، وقوم موقوفون يخصّونهم على القتال ويحرّضونهم على عدوّهم، ويصفون لهم منازل الشّهداء وثوابهم، ويذكّرونهم الجنة ودرجاتها ونعيم أهلها وسكّانها، ويقولون:
اذكروا الله يذكركم، واستنصروه ينصركم، والتجئوا إليه يمنعكم، وإن استطعت أن تكون أنت المباشر لتعبئة جندك ووضعهم مواضعهم من رأيك «2» ، ومعك رجال من ثقات فرسانك ذو وسنّ وتجربة ونجدة على التعبئة التي أمير المؤمنين واصفها لك في آخر كتابك «3» ، فافعل إن شاء الله تعالى.
أيّدك الله بالنصر، وغلب لك على القوّة، وأعانك على الرّشد، وعصمك من الزّيغ، وأوجب لمن استشهد معك ثواب الشّهداء ومنازل الأصفياء، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب سنة تسع وعشرين ومائة «4» .
الطرف الثالث
(فيما كان يكتب عن خلفاء بني العباس ببغداد إلى حين انقراض الخلافة العبّاسية من بغداد) وهو على أربعة أنواع:
النوع الأوّل
(ما كان يكتب لوزراء الخلافة) وكان رسمهم فيه أن يفتتح بلفظ «أما بعد فالحمد لله» ويؤتى فيه بثلاث تحميدات، ورما اقتصر على تحميدة واحدة. وعلى ذلك كانت تقاليد وزرائهم من
(10/241)

أرباب السّيوف والأقلام.
وهذه نسخة تقليد من ذلك كتب بها العلاء بن موصلايا «1» ، عن القائم بأمر الله «2» ، للوزير فخر الدولة بن جهير «3» ، في شهور سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، وهو:
أما بعد، فالحمد لله ذي الآلاء الصافية الموارد، والنّعماء الصادقة الشّواهد، والطّول الجامع شمل أسباب المنح الشّوارد، ذي القدرة المصرّفة على حكمها مجاري القدر، والمشيئة الحالية بالنّفاذ في حالتي الورد والصّدر، المذلّ بجميل صنعه أعناق المصاعب، المديم «4» بكريم لطفه من امتداد ذوائب النّوائب، الذي جلّ عن إدراك صفاته بعدّ أو حدّ، ودلّ بباهر آياته على كونه الفرد الوليّ بكل شكر وحمد؛ سبحانه وتعالى عما يصفون.
والحمد لله الذي اختصّ محمدا صلى الله عليه وسلم بالرّسالة واجتباه، وحباه الكرامة بما أشرق له مطلع الجلال، واختاره وبعثه لإظهار كلمة الحقّ بعد أن مدّ الضّلال رواقه، فلم يزل بإعزاز الشّرع قائما، ولساعات زمانه في طلب رضا الله قاسما، لا ينحرف عن مقاصد الصواب ولا يميل، ولا يخلي مطايا جدّه في تقوية الدّين مما يتابع فيه الرّسيم والذّميل «5» ، إلى أن أزال عن القلوب صدأ الشّكوك وجلا، وأجلى مسعاه عن كلّ ما أودع نفوس أحلاف الباطل وجلا «6» ، ومضى وقد أضاء للإيمان
(10/242)

هلال أمن سراره، وانتضى لإبادة الشّرك حساما لا ينبو قطّ غراره، فصلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وأصحابه المنتخبين، صلاة يتّصل الأصيل فيها بالغدوّ وترى قيمتها في الأجر وافية العلوّ والغلوّ.
والحمد لله الذي أصار إلى أمير المؤمنين من إرث النبوّة ما هو أحقّ به وأولى وأنار له من مطالع العزّ ما أسدى به كلّ نعمة وأولى، وأحلّه من شرف الإمامة بحيث عنت لطاعته أعناق الرّقاب الصّعاب، وأذعنت له القلوب بالانطواء على الولاء الفسيح الرحاب والشّعاب، وجعل أيّامه بالنّضارة آهلة المغاني، متقابلة أسماؤها في الحسن بالمعاني، فما يجري فيها إلا ما الصواب في فعله كامن، والحظّ بابتهاج سبله كائن، إبانة عن اقتران الرّشد بعزائمه في حالتي العقد والحلّ، واقتراب مرام كلّ ما يحلّ من الصّلاح في الدهر أفضل المحلّ.
ثم إنه يرى من إقرار الحقوق في نصابها، وإمرار حبال التوفيق في جانبها «1» من الأطماع الممتدّة إلى اغتصابها، ما يعرب عن الاهتداء إلى طرق الرّشد، والاقتداء بمن وجد ضالّة المراد حين نشد، ويقصد من تجديد العوارف، عند كلّ عالم بقدرها في الزمان عارف، ما يحلو جنى ثمره في كل أوان، ويحدو «2» انتشار خبره على إعانة كل فكر في وصفه عنوان، فيتناقل الرّواة ذكر ذلك غورا ونجدا، وتلقى الهمم العليّة ادّخار الجمال به أنفع من كلّ قنية وأجدى، استمرارا على شاكلة تحلّت بالكرم وحلّت من الجلال في القلل والقمم، وحلت آثارها في إيلاء نفيس المنح وجزيل القسم.
ولما غدا منصب الوزارة موقوفا على الّذين طالما جزّوا بهممهم نواصي الخطوب، وحازوا بذممهم المنال في مقاصد استشهدوا بها على إحراز كلّ فضيلة واستدلّوا، وكفّوا بكفايتهم أكفّ الفساد وردّوا، وحازوا الفعال في كلّ ما سعوا له
(10/243)

وجدّوا، وخلا الزمان ممّن ينهض بعبء هذا الأمر الجسيم، وتصبح أنباؤه فيه ذكيّة الأرج والنسيم- لم يبق غيرك ممن يستحقّ التخييم في عراصه، والتحكيم في اجتناء الفخر منه واستخلاصه، وكان القدر سبق بانفصالك عن الخدمة لا لضعف سريرة، ولا لقوّة جريرة، ولا لكدر سيرة؛ وكيف وأنت المتفرّد بالكمال، والمتجرّد في كل مقام سلم حدّ تقرّبك فيه من حادث الكلال، ولك في الدولة الحقوق التي أعتدت لك من وقع الاستزادة مجنّا، والمواقف التي اغتذت من درّة الإحماد بما أيّن «1» الظّئر لها وأنّا، والمقاصد التي أعدمت منك البدل، ولا انحرف لك منها مسعى عن مناهج الإصابة ولا عدل، وتمكّنت فيها من عنان التوفيق بما لا يجارى سيفك فيه قط، ولا يحسن له حال المسرى إليه المحطّ؛ والآثار التي أثارت من كوامن الرضا أفضل ما يذخر ويقتنى، وأنارت من دلائل الزّلفى ما ينتجز به وعد المنى ويقتضى؛ لكن كان ذلك مسطورا في الكتاب، وليتبيّن أنّه لا عوض عنك في الاستحقاق للأمر والاستيجاب، لم يوجد لهذه الرّتبة كفؤا سواك، ولا ينزّهها عن العطل غير رائق حلاك، فرأى أمير المؤمنين تسليم مقاليدها إليك إذ كنت أحقّ بها وأهلها، وممّن يجمع بعد الشّتات شملها، فطوّقك من قلائدها ما هو بأعطافك ألصق، وبتمام أوصافك أليق: لتدّرع من عزّ الوزارة جلبابا لا تخلق الأيام له جدّة، ولا تزال السّعود بما يؤول إلى دوام مدّته ممتدّة، وترتضع من لبان خلالها «2» ما يقضي لك بأن تقف نفسها عليك، وتقف آمال الأمثال دون ما انتهت الغاية فيه إليك، وتعتمد فيما عدقه «3» بك منها وناطه، ووفّاك فيه حقوق النظر واشتراطه، بحكم توحّدت في إحراز أدواتها التي لا يبلغ أحد لك منها مدى، ولم يمدّ طامع إلى مساجلتك فيها يدا- ما يرضي الله تعالى ويرضيه، ويخصّ ذكرك بالطيب
(10/244)

ويحيطه فتفوز فوزا كبيرا، وتعيد الساعي في إدراك شأوك ظالعا «1» حسيرا.
ثم إنه شفع هذه المنحة التي قمّصك مجاسد فخرها بالوجوب، وعوّضك فيها الدهر بحادث البشر عن سابق القطوب- بإيصالك إلى حضرته، وإدنائك من سدّته، ومناجاتك بما يتيح لك امتطاء غارب المجد وصهوته، والاحتواء على خالص السعد وصفوته، وحبائك من صنوف التشريفات التي تروق حلى خلالها، وتتوق الآمال إلى إدراكها ومنالها؛ وصفت الكرامات التي وفت المنى بها بعد مطالها، ونفت القذى عن مقل مغضوضة بسوء فعال الأيّام ومقالها، بما يوطيء عقبك الرجال، ويضيّق على من يحاول مجاراتك المسرح والمجال؛ ولم يقتنع بذلك في حقّ النّعمى التي أعداك فيها على الغير، وأغداك منها في ظلّ من الأمن البادي الأوضاح والغرر، حتّى ألحق بسماتك «تاج الوزراء» تنويها بذكرك في الزّمان، وتنبيها على اختصاصك لديه بوجاهة الرّتبة والمكان، فصار مكروه الأمور في محبوبها سببا، وخبت نار كلّ من سعى في تضليل النظام وجيفا وخببا «2» ، حتّى الآملون أن يجعلوا تخت الخلافة «3» زمنا «4» ، وتصبح رباعه بعد النّضارة دمنا، ليعقبهم ذاك نيل ما وصلت إليه الإمضاء لهذا العزم. وبالجملة فالسّآمة واقعة من تتابع هذه الشّكاوى، وقد كان الأحبّ أن لا يضمّن الكتب النافذة سوى تعهّد الأنباء، لا زال عرفها أرجا من سائر الأرجاء والنّواحي. لكن تأتي مجاري الأقدار، ودواعي الاضطرار، إلى «5» ما يرنّق ماء الإرادة والإيثار، والآن فقد بلغ الماء، وجلب من عدم الصّبر الحنّاء، ولم يبق غير هزّة دينيّة منك تكشف بها هذه المعرّة، وتتحف منها أمير المؤمنين بما يتمّ لديه أكمل المسرّة؛ فقم في ذلك مقام مثلك-
(10/245)

وإن كان لا نظير لك يوجد- تحظ بما يمضي لك فيه استحقاق كلّ الحمد ويوجب؛ إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة تقليد من ذلك، كتب بها عن المسترشد «1» - فيما أظن- لبعض وزرائه، وهي:
أما بعد، فالحمد لله المنفرد بكبريائه، المتفضّل على أوليائه، مجزل النّعماء، وكاشف الغمّاء، ومسبغ العطاء، ومسبل الغطاء، ومسني الحباء، ومسدي الآلاء، الذي لا تؤوده الأعباء، ولا تكيده الأعداء، ولا تبلغه الأوهام، ولا تحيط به الأفهام، ولا تدركه الأبصار، ولا تتخيّله الأفكار، ولا تهرمه الأعوام بتواليها، ولا تعجزه الخطوب إذا ادلهمّت لياليها، عالم هواجس الفكر، وخالق كل شيء بقدر، مصرّف الأقدار على مشيئته ومجريها، ومانح مواهبه من أضحى بيد الشّكر يمتريها، حمدا يصوب حياه «2» ، ويعذب جناه، وتتهلّل أسرّة الإخلاص من مطاويه، ويستدعي المزيد من آلائه ويقتضيه.
والحمد لله الذي استخلص محمدا صلى الله عليه وسلم من زكيّ الأصلاب، وانتخبه من أشرف الأنساب، وبعثه إلى الخليقة رسولا، وجعله إلى منهج النجاة دليلا، [وقد بوّأ الشرك بوار الذّلّ وقضاه] «3» وشهر عضب «4» العزّ وانتضاه؛ والأمم عن طاعة الرحمن عازفة، وعلى عبادة الأوثان عاكفة، فلم يزل بأمر ربّه صادعا، وعن التمسّك بعرا الضّلال الواهية وازعا، وإلى ركوب محجّة الهدى داعيا، وعلى قدم
(10/246)

الاجتهاد في إبادة الغواية ساعيا، حتّى أصبح وجه «1» الحق منيرا مشرقا، وعوده بعد الذّبول أخضر مورقا، ومضى الباطل مولّيا أدباره، ومستصحبا تتبيره وبواره، وقضى صلى الله عليه وسلم بعد أن مهّد من الإيمان قواعده، وأحكم آساسه ووطائده، وأوضح سبل الفوز لمن اقتفاها، ولحب طريقها بعد ما دثرت صواها «2» ، فصلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وصحبه الأكرمين، صلاة متّصلا سحّ غمامها، مسفرا صبح دوامها.
والحمد لله على أن حاز لأمير المؤمنين من إرث النّبوّة «3» ما هو أجدر بحيازة مجده «4» ، وأولى بفيض عدّه «5» ، ووطّأ له من الخلافة المعظّمة مهادا أحفزته نحوه حوافز ارتياحه، وجذبته إليه أزمّة راعه والتياحه «6» ، إلى أن أدرك من ذلك مناه، وألقى الاستقرار الذي لا يريم عصاه، وعضّد دولته بالتأييد من سائر أنحائه ومراميه، وأعراضه ومغازيه، حتّى فاقت الدّول المتقادمة إشراقا، وأعطتها الحوادث من التغيّر عهدا وفيّا وميثاقا، وأضحت أيامه- أدامها الله- حالية بالعدل أجيادها، جالية «7» في ميادين النّضارة جيادها، وراح الظّلم دارسة أطلاله، مقلّصا سرباله، قد أنجم سحابه، وزمّت للرّحلة ركابه، فما يستمرّ منها أمر إلا كان صنع الله سبحانه مؤيّده، والتوفيق مصاحبه أنّى يمّم ومسدّده، وهو يستوزعه- جلّت عظمته- شكر هذه النّعمة، ويستزيده بالتحدّث بها من آلائه الجمّة، ويستمدّ منه المعونة في كلّ أرب قصده وأمّه، وشحذ لانتحائه عزمه، وما توفيقه إلّا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
(10/247)

ولمّا كانت الوزارة قطب الأمور الذي عليه مدارها، وإليه إيرادها وعنه إصدارها، وخلا منصبها من كاف «1» يكون له أهلا، وينظم من شماله «2» شملا، أجال أمير المؤمنين فيمن يختار [لذ] «3» لك فكره، وأنعم لأهل الاصطفاء لهذه المنزلة [نظره] «4» حتّى صرّح محض رأيه عن زبدة اختيارك، وهداه صائب تدبيره إلى اقتراحك وإيثارك، وألقى إليك بالمقاليد، وعوّل في دولته القاهرة على تدبيرك السّديد، وناط بك من أمر الوزارة ما لم يلف له سواك مستحقّا، ولا لنسيم استيجابه مسترقّا «5» ، علما بما تبديه كفايتك المشهورة، وإيالتك المخبورة، من تقويم ما أعجز مياده، وإصلاح ما استشرى فساده، واستقامة كلّ حال وهي عمادها، وأصلت «6» على كثرة الافتداح زنادها، وتثبّتا لما تبسم عنه الأيام من آثار نظرك المعربة عن احتوائك على دلائل الجزالة، واستيلائك على مخايل الأصالة، اللذين تنال بهما غايات المعالي، وتفرع الذّرى والأعالي.
ثم إنّ أمير المؤمنين بمقتضى هذه الدّعاوى اللازمة، وحرمات جدّك وأبيك السالفة المتقادمة التي استحصدت في الدار العزيزة قوى أمراسها، وأدنت منك الآن ثمرة غراسها، رأى أن يشيّد هذه العارفة التي تأرّج لديك نسيمها، وبدت على أعناق فخرك رسومها، وجادت رباعك شآبيبها، وضفت عليك جلابيبها، بما يزيد أزرك اشتدادا، وباع أملك طولا وامتدادا، فأدناك من شريف حضرته مناجيا، ومنحك من مزايا الأيّام ما يكسبك ذكرا في الأعقاب ساريا، وعلى الأحقاب باقيا، وأفاض عليك من الملابس الفاخرة ما حزت به أوصاف الجمال، وجمع لك أباديد
(10/248)

الآمال، [وقلّدك من الفخر ما يدوم على مرّ الزمان ويبقى] «1» وأمطاك صهوة سابح يساوي «2» الرّياح سبقا، ووسمك بكذا وكذا في ضمن التأهيل للتكنية، إبانة عن جميل معتقده فيك، ورعاية لوسائلك المحكمة المرائر وأواخيك.
وأمرك بتقوى الله التي هي أحصن المعاقل، وأعذب المناهل، وأنفع الذّخائر، يوم تبلى السّرائر؛ وأن تستشعرها فيما تبديه وتخفيه، وتذره وتأتيه: فإنها أفضل الأعمال وأوجبها، وأوضح المسالك إلى الفوز برضا الله وألحبها، وأجلب الأشياء للسعادة الباقية، وأجناها لقطوف الجنان «3» الدانية؛ عالما بما في ذلك من نفع تتكامل أقسامه، وتتفتّح عن نور الصّلاح الجامع أكمامه، قال الله جلّت آلاؤه، وتقدّست أسماؤه: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
«4» وقال تعالى حاضّا على تقواه، ومخبرا عما خصّ به متّقيه وحباه، وكفى بذلك داعيا إليها، وباعثا عليها: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ*
«5» .
وأمرك أن تتوخّى المقاصد السليمة وتأتيها، وتتوخّم «6» الموارد الوخيمة وتجتويها، وأن تتبع «7» بالحزم أفعالك، وتجعل كتاب الله تعالى إمامك الذي تهتدي به ومثالك، وأن تكفّ من نفسك عند جماحها وإبائها، وتصدّها عن متابعة أهوائها، وتثني عند احتدام سورة الغضب عنانها، وتشعرها من حميد الخلائق ما يوافق إسرارها فيه إعلانها: فإنها لم تزل إلى منزلة السّوء المردية داعية، وعن سلوك مناهج الخير المنجية ناهية، قال الله تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما
(10/249)

رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
«1» .
وأمرك أن تتخيّر «2» للخدمة بين يديك من بلوت أخباره، واستشففت أسراره، فعلمته جامعا أدوات الكفاية، موسوما بالأمانة والدّراية، قد عركته رحا التّجارب عرك الثّفال «3» وحلب الدّهر أشطره على تصاريف الأحوال: ليكون أمر ما يولّاه «4» على منهج الاستقامة جاريا، وعن ملابس الخلل والارتياب عاريا، فلا يضع في مزلقة قدما، ولا يأتي ما يقرع سنّه لأجله ندما، وأن تمنح رعايا أمير المؤمنين من بشرك ما يعقل شوارد الأهواء، ويلوي إليك بأعناق نوافرها اللائي اعتصمن بالجماح والإباء؛ مازجا ذلك بشدّة تستولي حميّا رهبتها على القلوب، وتفلّ مرهفات بأسها صرف الخطوب، من غير إفراط في استدامة ذلك يضيق نظامها به «5» ، ويغريها اتّصاله باستشعار وعر الخطأ واستيطاء مركبه.
وأمرك أن تعذب مورد الإحسان لمن أحمدت بلاءه، وتحقّقت غناءه، واستحسنت أثره، وارتضيت عيانه وخبره، وتسدل أسمال الهوان على من بلوت فعله ذميما، وألفيته بعراص الإساءة مقيما، وإلى رباعها الموحشة مستأنسا مستديما، كيلا لكلّ امريء بصاعه، واتّباعا لما أمر الله باتّباعه، وتجنّبا للإهمال الجاعل المحسن والمسيء سواء، والمعيدهما في موقف الجزاء أكفاء، فإنّ في ذلك تزهيدا لذوي الحسنى في الإحسان، وتتابعا لأهل الإساءة في العدوان، ولولا ما فرضه الله على أمير المؤمنين من إيجاب الحجّة، والفكاك من ربقة الاجتهاد ببلاغ المعذرة، لثنى عنان الإطالة مقتصرا، واكتفى ببعض القول مختصرا، ثقة
(10/250)

بامتناع سدادك ونهاك، أن يراك صواب الفعل حيث نهاك، واستنامة إلى ما خوّلك الله من الرأي الثاقب، المطّلع من خصائص البديهة على محتجب العواقب.
فارتبط يا فلان هذه النّعمى التي جادت ديمها مغانيك، وحقّقت الأيّام بمكانتها أمانيك، بشكر ينطق به لسان الاعتراف، فيؤمّن وحشيّ النّعم من النّفار والانحراف، واسلك في جمال السّيرة، والاقتداء بهذه الأوامر المبيّنة «1» المذكورة، جددا يغري بحمدك الألسنة، ويعرب عن كونك من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، والله يصدّق مخيلة أمير المؤمنين فيك، ويوزعك شكر ما أولاك ويوليك، ويجعل الصّواب غرضا لنبال عزائمه، ويذود عن دولته القاهرة كتائب الخطوب بصوارم السّعد ولهاذمه «2» ؛ ويصل أيامه الزاهرة بالخلود، ويبسط على أقاصي الأرض ظلّه الممدود، ما استهلّ جفن الغيث المدرار، وابتسمت ثغور النّوّار، إن شاء الله تعالى.
النوع الثاني
(مما كان يكتب لأرباب الوظائف من ديوان الخلافة ببغداد ما كان يكتب لأرباب الوظائف من أصحاب السّيوف، وهو على ضربين)
الضرب الأوّل
(العهود، وهي أعلاها رتبة) وطريقتهم فيها أن تفتتح بلفظ: «هذا ما عهد عبد الله ووليّه فلان أبو فلان الإمام الفلانيّ إلى فلان الفلانيّ حين عرف منه» ويذكر بعض مناقبه، وربّما تعرّض لثناء سلطان دولته عليه. ثم يقال: «فقلّده كذا وكذا» ثم يقال: «وأمره بكذا» ويأتي بما يناسب من الوصايا، ثم يقال: «فتقلّد كذا وكذا» ثم يقال:
«هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته عليك» أو نحو ذلك؛ ولا يؤتى فيه بتحميد
(10/251)

في أوّل العهد ولا في أثنائه كما تقدّم في عهود الخلفاء للملوك.
عهود أرباب السيوف (وهي عدّة ولايات) منها- النظر في المظالم.
وهذه نسخة عهد كتب به أبو إسحاق الصابي، عن المطيع لله، إلى الحسين ابن موسى العلويّ «1» بتقليد المظالم بمدينة السلام، وهي:
هذا ما عهد عبد الله الفضل الإمام المطيع لله أمير المؤمنين، إلى الحسين بن موسى العلويّ، حين اجتمع فيه شرف الأعراق، والأخلاق، وتكامل فيه يمن النقائب، والضّرائب، وعرف أمير المؤمنين فيه فضل الكفاية والغناء، ورشاد المقاصد والأنحاء، في سالف ما ولّاه إيّاه من أعماله الثقيلة التي لم يزل فيها محمود المقام، مستمرّا على النّظام، مصيب النّقض والإبرام، سديد الإسداء والإلحام، زائدا على المزايدين «2» ، راجحا على الموازين، فائتا للمحاذين، مبرّا «3» على المبارين، فقلّده النظر في المظالم بمدينة السلام وسوادها وأعمالها، وما يجري معها، ثقة بعلمه ودينه، واعتمادا على بصيرته ويقينه، وسكونا إلى أنّ الأيام قد زادته تحليما وتهذيبا، والسّنّ قد تناهت به تحنيكا وتجريبا، وأن صنيعة أمير المؤمنين مستقرّة منه عند أكرم أكفائها، وأشرف أوليائها، برحمه المتّاء «4» الدانية، وحرمته الشامخة العالية «5» ، ومعرفته الثاقبة الدّاعية إلى التفويض إليه، الباعثة على التعويل عليه؛ وأمير المؤمنين يستمدّ الله في ذلك أحسن ما عوّده من
(10/252)

هداية وتسديد، ومعونة وتأييد، وما توفيقه إلّا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
أمره بتقوى الله التي هي الجنّة الحصينة، والعصمة المتينة، والسبب المتّصل يوم انقطاع الأسباب، والزاد المبلّغ إلى دار الثّواب، وأن يستشعرها فيما يسرّ ويعلن، ويعتمدها فيما يظهر ويبطن، ويجعلها إمامه الذي ينحوه، ورائده الذي يقفوه، إذ هي شيمة الأبرار والأخيار، وكان أولى من تعلّق بعلائقها، وتمسّك بوثائقها «1» ، لمفخره الكريم، ومنصبه الصّميم، واستظلاله مع أمير المؤمنين بدوحة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله- التي يكتنّان في فنائها، ويأويان إلى أفيائها، وحقيق على من كان منزعه، وإليها مرجعه، أن يكون طيّبا زكيّا طاهرا نقيّا، عفيفا في قوله وفعله. نظيفا في سرّه وجهره، قال الله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
«2» .
وأمره بتلاوة القرآن، وتأمّل ما فيه من البرهان، وأن يجعله نصبا لناظره، ومألفا لخاطره، فيأخذ به ويعطي، ويأتمر له «3» وينتهي، فإنه الحجة الواضحة، والمحجّة اللائحة، والمعجزة الباهرة، والبيّنة العادلة، والدليل الذي من اتّبعه سلم ونجا، ومن صدف عنه هلك وهوى؛ قال الله عز من قائل: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
«4» .
وأمره أن يجلس للخصوم جلوسا عامّا، ويقبل عليهم إقبالا تامّا، ويتصفّح ما يرفع إليه من ظلاماتهم، وينعم النظر في أسباب محادثاتهم، فما كان طريقه طريق المنازعة المتعلّقة بنظر القضاة وشهادات العدول ردّه إلى المتولّي للحكم، وما كان طريقه الغصوب «5» المحتاج فيها إلى الكشف والفحص، والاستشفاف
(10/253)

والبحث، نظر فيه نظر صاحب المظالم، وانتزع الحقّ ممن غصب عليه، واستخلصه ممن امتدّت له يد التعدّي والتغرر إليه، وأعاده إلى مستحقّه، وأقرّه عند مستوجبه، غير مراقب كبيرا لكبره، ولا خاصّا لخصوصه ولا شريفا لشرفه، ولا متسلطنا لسلطانه، بل يقدّم أمر الله جلّ ذكره في كل ما يأتي ويذر، ويتوخّى رضاه فيما يورد ويصدر، ويكون على الضعيف المحق حدبا رؤوفا حتّى ينتصر «1» وينتصف، وعلى القويّ المبطل شديدا غليظا حتّى ينقاد ويذعن، قال الله جل وعز:
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
«2» .
وأمره أن يفتح بابه، ويسهّل حجابه، ويبسط وجهه، ويلين كنفه، ويصبر على الخصوم الناقصين في بيانهم حتّى تظهر حجّتهم، وينعم النظر في أقوال أهل اللّسن والبيان منهم حتّى يعلم مصيبهم «3» فربّما استظهر العرّيض «4» المبطل بفضل بيانه، على العاجز المحقّ لعيّ لسانه؛ وهنالك يجب أن يقع التصفّح على القولين، والاستظهار «5» للأمرين: ليؤمن أن يزول الحقّ عن سننه ويزورّ الحكم عن طريقه؛ قال الله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
«6» .
وأمره بأن لا يردّ للقضاة حكما يمضونه، ولا سجلّا ينفّذونه، ولا يعقّب ذلك بفسخ، ولا يطرّق عليه النقض «7» ، بل يكون لهم موافقا مؤازرا، ولأحكامهم
(10/254)

عاضدا ناصرا، إذ كان الحقّ واحدا وإن اختلفت المذاهب إليه، فإذا وجد القصّة «1» قد سيقت، والحكومة قد وقعت، فليس هناك شكّ يوقف عنده، ولا ريب يحتاج إلى الكشف عنه؛ وإذا وجد الأمر مشتبها، والحقّ ملتبسا، والتغرّر مستعملا، والتغلّب مستجازا، نظر فيه نظر الناصر لحقّ المحقين، الداحض لباطل المبطلين، المقوّي لأيدي المستضعفين، الآخذ على أيدي المعتدين، قال الله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
«2» .
وأمره أن يستظهر على معرفته بمشاورة القضاة والفقهاء، ومباحثة الرّبّانيّين والعلماء؛ فإن اشتبه عليه أمر استرشدهم، وإن عزب عنه صواب استدلّ عليه بهم، فإنهم أزمّة الأحكام، وإليهم مرجع الحكّام، وإذا اقتدى بهم في المشكلات، وعمل بأقوالهم في المعضلات، أمن من زلّة العاثر، وغلطة المستاثر؛ وكان خليقا بالأصالة في رأيه، والإصابة في أبحاثه، وقد أمر الله- تقدّست أسماؤه- بالمشاورة فعرّف الناس فضلها، وأسلكهم سبلها بقوله لرسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
«3» .
وأمره أن يكتب لمن توجّب له حقّ من الحقوق إلى صاحب الكوفة بالشّدّ على يده والتمكّن له منه، وقبض الأيدي عن منازعته، وحسم الأطماع في معارضته، إذ هو مندوب لتنفيذ أحكامه، ومأمور بإمضاء قضاياه، ومتى أخذ أحد من الخصوم إلى مكاذبة «4» في حقّ قد حكم عليه به، أخذ على يده وكفّه عن
(10/255)

عدوانه، وردّه إلى حكم الله الذي لا يعدل عنه؛ قال الله عز وجل: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
«1» .
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته عليك؛ قد أرشدك وذكّرك.
وهداك وبصّرك؛ فكن إليه منتهيا، وبه مقتديا، واستعن بالله يعنك، واستكفه يكفك.
وكتب الناصح أبو الطاهر في تاريخ كذا.
ومنها- نقابة الطالبيّين: وهي المعبّر عنها الآن بنقابة الأشراف «2» .
وهذه نسخة عهد بنقابة الطالبيّين كتب به أبو إسحاق الصابي، عن الطائع لله إلى الشريف أبي الحسن محمّد بن الحسين العلويّ الموسويّ، مضافا إليها النظر في المساجد وعمارتها، واستخلافه لوالده الشريف أبي أحمد الحسين بن موسى على النظر في المظالم والحجّ بالناس، في سنة ثمانين وثلاثمائة، وهي:
هذا ما عهد عبد الله عبد الكريم، الإمام الطائع لله أمير المؤمنين، إلى محمّد بن الحسين بن موسى العلويّ، حين وصلته به الأنساب، وقرنت «3» لديه الأسباب، وظهرت دلائل عقله ولبابته «4» ، ووضحت مخايل فضله ونجابته، ومهّد له بهاء الدولة وضياء الملة أبو نصر بن عضد الدولة ما مهّد عند أمير المؤمنين من
(10/256)

المحلّ المكين، ووصفه به من الحلم الرّزين، وأشار به من رفع المنزلة، وتقديم الرّتبة، والتأهيل لولاية الأعمال، وتحمّل الأعباء والأثقال، وحيث رغّبه فيه، سابقة الحسين أبيه، في الخدمة والنصيحة، والمشايعة الصّحيحة، والمواقف المحمودة، والمقامات المشهودة، التي طابت بها أخباره، وحسنت فيها آثاره، وكان محمد متخلّقا بخلائقه، وذاهبا على طرائقه: علما وديانة، وورعا وصيانة، وعفّة وأمانة، وشهامة وصرامة، وتفرّدا بالحظ الجزيل: من الفضل الجميل والأدب الجزل «1» ، والتوجّه في الأهل، والإيفاء في المناقب على لداته وأترابه، والإبرار على قرنائه وأضرابه- فقلّده ما كان داخلا في أعمال أبيه من نقابة نقباء الطالبيّين بمدينة السلام وسائر الأعمال والأمصار، وشرقا وغربا، وبعدا وقربا، واختصّه بذلك جذبا بضبعه، وإنافة بقدره، وقضاء لحقّ رحمه، وترفيها لأبيه، وإسعافا له بإيثاره فيه، إلى ما أمر أمير المؤمنين باستخلافه عليه من النّظر في المظالم، وتسيير الحجيج في أوان المواسم؛ والله يعرّف أمير المؤمنين الخيرة فيما أمر ودبّر، وحسن العاقبة فيما قضى وأمضى، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
أمره بتقوى الله التي هي شعار المؤمنين، وسيما الصالحين، وعصمة عباد الله أجمعين؛ وأن يعتقدها سرّا وجهرا، ويعتمدها قولا وفعلا، فيأخذ بها ويعطي، ويريش ويبري «2» ، ويأتي ويذر، ويورد ويصدر؛ فإنها السبب المتين، والمعقل الحصين، والزاد النافع يوم الحساب، والمسلك المفضي إلى دار الثّواب، وقد حضّ الله أولياءه عليها، وهداهم في محكم كتابه إليها؛ فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
«3» . وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
«4» .
(10/257)

وأمره بتلاوة كتاب الله سبحانه مواظبا، وتصفّحه مداوما ملازما، والرّجوع إلى أحكامه فيما أحلّ وحرّم، ونقض وأبرم، وأثاب وعاقب [وباعد وقارب] «1» ؛ فقد صحّح الله برهانه [وحجّته] «2» ، وأوضح منهاجه ومحجّته، وجعله فجرا في الظّلمات طالعا، ونورا في المشكلات ساطعا، فمن أخذ به نجا وسلم، ومن عدل عنه هلك وهوى [وندم] «3» . قال الله عز وجل: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
«4» .
وأمره بتنزيه نفسه عما تدعو إليه الشّهوات، وتتطلّع إليه النّزوات، وأن يضبطها ضبط الحكيم، ويكفّها كفّ الحليم، ويجعل عقله سلطانا عليها، وتمييزه آمرا ناهيا لها؛ فلا يجعل لها عذرا إلى صبوة ولا هفوة، ولا يطلق منها عنانا عند ثورة ولا فورة، فإنّها أمّارة بالسّوء، منصبّة إلى الغيّ؛ فالحازم يتّهمها عند تحرّك وطره وأربه، واهتياج غيظه وغضبه، ولا يدع أن يغضّها بالشكيم «5» ، ويعركها عرك الأديم، ويقودها إلى مصالحها بالخزائم «6» ، ويعتقلها عن مقارفة المحارم والمآثم، كيما يعزّ بتذليلها وتأديبها، ويجلّ برياضتها وتقويمها، والمفرّط في أمره تطمح به إذا طمحت، ويجمح معها أنّى جمحت، ولا يلبث أن تورده حيث لا صدر، وتلجئه إلى أن يعتذر، وتقيمه مقام النادم الواجم، وتتنكّب به سبيل الراشد السالم؛ وأحقّ من تحلّى بالمحاسن، وتصدّى لاكتساب المحامد، من ضرب بمثل سهمه في نسب أمير المؤمنين الشريف، ومنصبه المنيف، واجتمع معه في ذؤابة العترة الطاهرة، واستظلّ بأوراق الدّوحة الفاخرة، فذاك الذي تتضاعف له المآثر إن آثرها، والمثالب إن أسفّ إليها، ولا سيّما من كان مندوبا لسياسة غيره،
(10/258)

ومرشّحا للتقليد على أهله، إذ ليس يفي بإصلاح من ولّي عليه، من لا يفي بإصلاح ما بين جنبيه، وكان من أعظم الهجنة أن يأمر ولا يأتمر، ويزجر ولا يزدجر، قال الله عزّ وجلّ: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ
«1» .
وأمره بتصفّح أحوال من ولّي عليهم واستقراء مذاهبهم، والبحث عن بواطنهم «2» ودخائلهم، وأن يعرف لمن تقدّمت قدمه منهم وتظاهر فضله فيهم منزلته، ويوفّيه حقّه ورتبته، وينتهي في إكرام جماعتهم إلى الحدود التي توجبها أنسابهم «3» وأقدارهم، وتقتضيها مواقفهم وأخطارهم: فإنّ ذلك يلزمه لشيئين «4» :
أحدهما يخصّه وهو النّسب الذي بينه وبينهم، والآخر يعمّه والمسلمين جميعا، وهو قول الله جلّ ثناؤه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
«5» فالمودّة لهم والإعظام لأكابرهم، والإشبال «6» على أصاغرهم؛ [واجب] «7» متضاعف الوجوب عليه، ومتأكّد اللزوم له؛ ومن كان منهم في دون تلك الطّبقة من أحداث لم يحتنكوا، أو جذعان «8» لم يقرحوا، مجرين إلى ما يزري بأنسابهم ويغضّ من أحسابهم، عذلهم ونبّههم، ونهاهم ووعظهم؛ فإن نزعوا وأقلعوا فذاك المراد بهم، والمقصود إليه فيهم، وإن أصرّوا وتتابعوا، أنالهم من العقوبة بقدر ما يكفّ ويردع؛ فإن نفع وإلا تجاوزه إلى ما يوجع ويلذع، من غير تطرّق لأعراضهم، ولا انتهاك لأحسابهم، فإنّ الغرض منه الصّيانة، لا الإهانة،
(10/259)

والإدالة، لا الإذالة، وإذا وجبت عليهم الحقوق، أو تعلّقت بهم دواعي الخصوم، قادهم إلى الإغفاء بما يصح منها ويجب، والخروج إلى سنن الحق فيما يشتبه ويلتبس؛ ومتى لزمتهم الحدود أقامها عليهم بحسب ما أمر الله به فيها، بعد أن تثبت الجرائم وتصح، وتبين وتتّضح، وتتجرّد عن الشكّ والشّبهة، وتتجلّى من الظنّ والتّهمة، فإن الذي يستحبّ في حدود الله أن تدرأ عن عباده مع نقصان اليقين والصّحّة، وأن تمضى عليهم مع قيام الدليل والبيّنة. قال الله عزّ وجل: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
«1» .
وأمره بحياطة هذا النّسب الأطهر، والشّرف الأفخر، عن أن يدّعيه «2» الأدعياء، أو يدخل فيه الدّخلاء؛ ومن انتمى إليه كاذبا، وانتحله باطلا، ولم يوجد له بيت في الشّجرة «3» ، ولا مصداق عند النّسّابين المهرة، أوقع به من العقوبة ما يستحقّه، ووسمه بما يعلم به كذبه وفسقه، وشهره شهرة ينكشف بها غشّه ولبسه، وينزع بها غيره ممن تسوّل له مثل ذلك نفسه؛ وأن يحصن الفروج عن مناكحة من ليس لها كفؤا، ولا مشاركها في شرفها وفخرها، حتّى لا يطمع في المرأة الحسيبة النّسيبة إلا من كان مثلا لها مساويا، ونظيرا موازيا، فقد قال الله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
«4» .
وأمره بمراعاة متبتّلي أهله ومتهجّديهم، وصلحائهم ومجاوريهم، وأراملهم وأصاغرهم، حتّى يسدّ الخلّة من أحوالهم، ويدرّ الموادّ عليهم، وتتعادل أقساطهم فيما يصل إليه من وجوه أموالهم، وأن يزوّج الأيامى ويربّي اليتامى، ويلزمهم المكاتب «5» ليتلقّنوا القرآن، ويعرفوا فرائض الإسلام والإيمان، ويتأدّبوا بالآداب،
(10/260)

اللائقة بذوي الأحساب: فإنّ شرف الأعراق، محتاج إلى شرف الأخلاق؛ ولا حمد لمن شرف نسبه، وسخف أدبه، إذ كان لم يكسب الفخر الحاصل له بفضل سعي ولا طلب، ولا اجتهاد ولا دأب، بل بصنع من الله عز وجلّ له، ومزيد في المنّة عليه، وبحسب ذلك لزوم ما يلزمه من شكره سبحانه على هذه العطيّة، والاعتداد بما فيها من المزيّة، وإعمال النّفس في حيازة الفضائل والمناقب، والترفّع عن الرّذائل والمثالب.
وأمره بإجمال النّيابة عن شيخه الحسين بن موسى فيما أمره أمير المؤمنين باستخلافه عليه من النظر في المظالم، والأخذ للمظلوم من الظالم، وأن يجلس للمترافعين إليه جلوسا عامّا، ويتأمّل ظلاماتهم تأمّلا تامّا؛ فما كان منها متعلّقا بالحاكم ردّه إليه، ليحمل الخصوم عليه، وما كان طريقه طريق الغشم والظّلم، والتغلّب والغصب، قبض عنه اليد المبطلة، وثبّت فيه اليد المستحقّة، وتحرّى في قضاياه أن تكون موافقة للعدل، ومجانبة للخذل، فإنّ غايتي الحاكم وصاحب المظالم واحدة: وهي إقامة الحق ونصرته، وإبانته وإنارته، وإنما يختلف سبيلاهما في النظر: إذ الحاكم يعمل على ما ثبت وظهر، وصاحب المظالم يفحص عمّا غمض واستتر، وليس له مع ذلك أن يردّ لحاكم حكومة، ولا يعلّ له قضيّة، ولا يتعقّب ما ينفذه ويمضيه، ولا يتتّبع ما يحكم به ويقضيه، والله يهديه ويسدّده، ويوفّقه ويرشده.
وأمره أن يسيّر حجيج بيت الله إلى مقصدهم، ويحميهم في بدأتهم وعودتهم، ويرتّبهم في مسيرهم ومسلكهم، ويرعاهم في ليلهم ونهارهم، حتّى لا تنالهم شدّة، ولا تصل إليهم مضرّة، وأن يريحهم في المنازل «1» ، ويوردهم المناهل، ويناوب بينهم في النّهل والعلل، ويمكّنهم من الارتواء والاكتفاء، مجتهدا في الصّيانة لهم، ومعذرا في الذّبّ عنهم، ومتلوّما على متأخّرهم
(10/261)

ومتخلّفهم، ومنهضا لضعيفهم ومهيضهم، فإنهم حجّاج بيت الله الحرام، وزوّار قبر الرسول عليه السلام، قد هجروا الأوطان، وفارقوا الأهل والإخوان، وتجشّموا المغارم الثّقال، وتعسّفوا السّهول والجبال، يلبّون دعاء الله عز اسمه، ويطيعون أمره ويؤدّون فرضه ويرجون ثوابه، وحقيق على المسلم المؤمن أن يحرسهم متبرّعا، ويحوطهم متطوّعا؛ فكيف من تولّى ذلك وضمنه، وتقلّده واعتنقه، قال الله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
«1» .
وأمره أن يراعي أمور المساجد بمدينة السلام وأطرافها، وأقطارها وأكنافها، وأن يجبي أموال وقوفها، ويستقصي جميع حقوقها، وأن يلمّ شعثها، ويسدّ خللها، بما يتحصّل من هذه الوجوه قبله، حتى لا يتعطّل رسم جرى فيها، ولا تنقض عادة كانت لها، وأن يثبت اسم أمير المؤمنين على ما يعمره منها، ويذكر اسمه بعده بأنّ عمرانها جرى على يديه، وصلاحها أدّاه قول أمير المؤمنين إلى فعله، فقد فسّح له أمير المؤمنين بذلك تنويها باسمه، وإشادة بذكره؛ وأن يولّي ذلك من قبله من حسنت أمانته، وظهرت عفّته وصيانته، فقد قال الله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
«2» .
وأمره أن يستخلف على ما يرى الاستخلاف عليه من هذه الأعمال: في الأمصار الدانية، والبلاد القريبة والبعيدة، من يثق به من صلحاء الرجال، وذوي الوفاء والاستقلال، وأن يعهد اليهم مثل الذي عهد إليه، ويعتمد عليهم في مثل ما اعتمد عليه، ويستقري مع ذلك آثارهم، ويتعرّف أخبارهم، فمن وجده محمودا أقرّه ولم يزله، ومن وجده مذموما صرفه ولم يمهله، واعتاض منه من ترجى «3» الأمانة عنده، وتكون الثّقة معهودة منه؛ وأن يختار لكتابته وحجبته والتصرّف فيما قرب منه وبعد
(10/262)

عنه، من يزينه ولا يشينه، وينصح له ولا يغشّه، ويجمّله ولا يهجّنه، من الطبقة المعروفة بالظّلف «1» ، المتصوّنة عن النّطف «2» ؛ ويجعل لهم من الأرزاق الكافية، والأجرة الوافية، ما يصدّهم عن المكاسب الذميمة، والمآكل الوخيمة، فليس تجب عليهم الحجّة إلا مع إعطاء الحاجة، قال الله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
«3» .
وأمره بأن يكتب لمن يقوم ببيّنته عنده وتنكشف حجته له، إلى أصحاب المعاون «4» بالشّدّ على يديه، وإيصال حقّه إليه، وحسم الطمع الكاذب فيه، وقبض اليد الظالمة عنه، إذ هم مندوبون للتصرّف بين أمره ونهيه، والوقوف عند رسمه وحدّه.
«5» وهذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته لك وعليك، وقد أنار فيه سبيلك وأوضح دليلك، وهداك وأرشدك وجعلك على بيّنة من أمرك، فاعمل به ولا تخالفه، وانته إليه ولا تتجاوزه، وإن عرض لك أمر يعجزك الوفاء به، ويشتبه عليك وجه الخروج منه، أنهيته إلى أمير المؤمنين مبادرا، وكنت إلى ما يأمرك «6» به صائرا، إن شاء الله تعالى. وكتب في مستهلّ شعبان «7» سنة ثمانين وثلاثمائة.
ومنها- ولاية الصلاة.
(10/263)

وهذه نسخة عهد كتب بها أبو إسحاق الصابي عن الطائع لله، لأبي الحارث محمد بن موسى العلويّ الموسوي، بتقليده الصلاة في جميع النواحي والأمصار والأطراف، وتوقّف عن إظهاره لرأي رآه في ذلك، وهي:
هذا ما عهد عبد الله إلى محمد بن موسى العلويّ، لمّا استكفاه النظر في نقابة الطالبيين فكفاه، وتحمّل ذلك العبء فأغناه، وفات النظراء في الاستقلال والوفاء، وبذّ الأمثال في الاضطلاع والغناء، جامعا إلى شرف الأحساب والأعراق، شرف الآداب والأخلاق، وإلى كرائم المفاخر والمناقب، مكارم الطّباع والضّرائب «1» ، على الحداثة من سنّه، والغضاضة من عوده، مستوليا من البراعة والنّجابة، والفراهة واللّبابة، على التي لا يبلغها الشّيب المفارق، فضلا عن البالغ المراهق، وغايات تنقطع دونها أنفاس المنافسين، وتتضرّم عليها أحشاء الحاسدين؛ لا سيّما وقد أطّت «2» بأمير المؤمنين إليه شواجن الأرحام، وعطفته على اصطناعه عواطف الآباء والأعمام، واقتضت آثاره المحمودة، وطرائقه الرّشيدة، أن يناوبه على رتبة لم يبلغها أحد من ولد أبيه، ولم يفترع ذوائبها رجل دونه، فقلّده الصلاة بمدينة السلام في خمسة جوامعها: فأوّلها الجامع الداخل في حريم أمير المؤمنين، وجامع الرّصافة، وجامع المنصور، وجامع براثى، وجامع الكفّ الذى تولّى أبوه إشادته وعمارته، وحسنت آثاره في إنشائه وإعلائه؛ وحيث سمت همته إليه، وبذل المجهود في إنفاق الأموال الدّثرة «3» عليه؛ واستنزل بذلك من الله أجزل إثابة المثابين، وأوفر أجر المأجورين، وجميع المنابر في شرق الأرض وغربها، وبعيد الأقطار وقريبها؛ وأمير المؤمنين يسأل الله حسن التسديد في ذلك وسائر مراميه، وجميع مطالبه ومغازيه، وجواري هممه التي يمضيها، وسرايا عزماته التي
(10/264)

ينويها، وأن يجعل النجاح قائدها وسائقها، والصلاح أوّلها وآخرها؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
أمره بتقوى الله التي هي أحرز المعاقل، وأحصن الجنن عند النّوازل، وأعظم ملجإ يلجأ إليه، وآمن موئل يعوّل عليه، وأن يعتقدها في خلوته وحفلته، ويعتمدها في سرّه وعلانيته، ويجعلها سببا يتّبعه، ولباسا يدّرعه، فينازع بها من نازعه، ويوادع بها من وادعه: فإنها أوكد الأسباب، وأوصل القرب والأنساب، وأولى الناس بالتمسّك بحبلها، والاشتمال بظلّها، من كان بأجلّ المناسب تعلّقه، وبأشرف الخلائق تخلّقه؛ قال الله سبحانه: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
«1» .
وأمره بتلاوة القرآن، والمواظبة عليه والإدمان، والائتمار بما فيه من الأوامر، والازدجار عما تضمّن من الزّواجر، وأن يجعله الإمام المتّبع فيقفوه، والطريق المهيع «2» فيقصده وينحوه: فإنه العلم المنجي من الغواية، والدليل القائد إلى الهداية، والنور الساطع للظلام إذا أشكل مشكل، والحاكم القاضي بالحقّ إذا أعضل معضل، قال الله: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
«3» .
وأمره بتهذيب لبّه، من جوامح الوساوس، وتطهير قلبه، من مطامح الهواجس، وأن يتوقّى اللحظة العارمة «4» ، ويتجنّب اللفظة المؤلمة، عاصيا جواذب الخلاعة، ومطيعا أوامر النّزاهة، حتّى يستوي خافيه وعالنه، ويتّفق ظاهره وباطنه، فعال من جعله إمام المسلمين إماما، وقدّمته الرعية أماما، وكان إلى الله داعيا، وله عن عباده مناجيا، وبينهم وبين خالقهم وسيطا، وعلى ما قلّده من الصلاة بهم أمينا: لتصحّ شروط صلاته، ويقبل مرفوع دعواته؛ قال الله عز وجل:
(10/265)

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
«1» .
وأمره بالمحافظة على الصلوات، وانتهاز فرصها من الأوقات، والدخول فيها بالرّقّة والخشوع، والتوفّر بالإخبات «2» والخضوع؛ وحقيق على كل مستشعر شعار الإسلام، ومتجلبب جلباب الإيمان، أن يفعل ذلك مستوفيا شروطه ومستقصيا حدوده ورسومه، فكيف بمن أقامه أمير المؤمنين [مقامه] «3» في امتطاء غوارب «4» المنابر وذراها، ونصبه منصبه في أمّ الرعيّة أدناها وأقصاها. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً
«5» . وقال: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
«6» .
وأمره بالسّعي في الجمع إلى المساجد الجامعة، وفي الأعياد إلى المصلّيات الضاحية، وأن يخصّ أحدها بصلاته فيه وقصده له، ويأمر خلفاءه على الصلاة بالافتراق في سائر الجوامع وباقي المنابر، بعد الأمر بجمع المؤذّنين والمكبّرين، وإحضار القوّام والمرتّبين، في أتمّ أهبة وأجمل هيئة، بقلوب مستشعرة للخشوع، متصدّية للدّموع، وألسن بالتسبيح والتقديس منطلقة، وآمال في حسن الجزاء وجزيل الثّواب منفسحة، حتّى تعبّر ألسنتهم إذا افترعوا الخطب وافتتحوا الكلم عن مكنون ضمائرهم، ومضمون سرائرهم، فتجيء المواعظ بالغة، والزواجر ناجعة؛ قال الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ
«7» .
وأمره بمراعاة المساجد، وتعهّد الجوامع؛ وسدّ خللها، ولمّ شعثها، فإنها
(10/266)

مقاوم «1» عزّه وفخره، ومحاضر صيته وذكره، ومراكز أعلام الدّين الخافقة، ومطالع شموس الإسلام الشارقة، ومواقف الحق المشهودة، وقواعد الإيمان الموطودة، مما لا يتضعضع أحدها إلا تضعضع من أركان الإسلام له ركن، ولا التات «2» بعضها إلا التات من أعضاء الدّين عضو؛ قال الله عز وجل: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
«3» .
وأمره في خطبته بكثرة التحفّظ، وعند افتتاحه واختتامه بطول التيقّظ، فإن العيون به منوطة، والأعناق إليه ممدودة، والمسامع فاغرة تتلقّف ما يقوله، والقلوب فارغة لحفظ ما يبديء وما يعيد؛ فقليل الزّلل، في ذلك الموقف كثير، وصغير الخطل، في ذلك المقام كبير؛ والله تعالى يسدّده إلى المحجّة «4» الوسطى، ويقف به على الطريقة المثلى، بمنّه.
وأمره بالسّكينة في انتصابه للصّلاة الجامعة، وتقدّمه لقضاء الفروض اللازمة، وأن يسكن [في كلّ] «5» حدّ من حدودها في الرّكوع والسّجود، والقيام والقعود، فإنه عليها محاسب، وبما يلحق من يأتمّ به في جميعها مطالب، وأن يفرّع قلبه لما يتلوه من البيان، ويرفع صوته بما يمرّ به من قوارع القرآن، مرتّلا لقراءته، ومسترسلا في تلاوته: ليشترك في سماعها الأقرب والأقصى، وينتفع بمواعظها الأبعد والأدنى، بعد إخلاص سرّه وانتزاعه، وتسويته في الطهور بين باديه وخافيه، وغائبه وحاضره، فليس بالطاهر عند الله تعالى من يصيب بالماء أطرافه، وأدرن بالخبائث شغافه؛ قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ
«6» . وقال:
(10/267)

إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً
«1» .
وأمره أن يقيم الدّعوة على منابر أعماله القاصية والدانية والغائبة والحاضرة لأمير المؤمنين، ثم للناهض عنه بالأعباء، والقائم دونه في البأساء والضّرّاء، الذي غذّي بلبان الطاعة، وانقاد بزمام المتابعة: بهاء الدولة، ولولاة الأعمال من بعده الذين يدعى لهم على المنابر، ما يكون منها على العادة الجارية فيها، فإنها دعوة تلزم إقامتها، وكلمة تجب إشادتها، إذ كانت متعلّقة بطاعة الله عزّ وجلّ، وقد أوجبها الله تبارك وتعالى على كافّة المسلمين وجميع المعاهدين، إذ يقول [وهو] أصدق القائلين: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
«2» ؛ وعائدتها تعمّهم، وفائدتها تشملهم، إذ كان صلاح الرعيّة مقرونا بصلاح راعيها، وفساد الأمّة منوطا بفساد واليها.
وأمره باستخلاف من يرى استخلافه على الصّلاة في الأقطار والأطراف والنواحي والبلدان، وأن يختار من الرجال كلّ حسن البيان، مصقع «3» اللسان؛ بليل الرّيق إذا خطب، بليغ القول إذا وعظ.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته لك وعليك؛ قد أعذر فيه وأنذر، وهدى من الضّلالة وبصّر، وأعلقك زمام رشدك وغيّك، وقلّدك عنان هلكك وفوزك، وخيّرك في كلا الأمرين، ووقفك إزاء الطريقين؛ فإن سلكت أهدا هما لم تلبث أن تعود غانما، وإن ولجت أضلّهما فغير بعيد أن تؤوب نادما؛ واستعن بالله يعنك، واستزده من الكفاية يزدك، واستلبسه الهداية يلبسك، واستدلله على نجاح المطالب يدللك، إن شاء الله، والحمد لله وحده.
ومنها- نظر الأوقاف.
(10/268)

وهذه نسخة عهد من ذلك، كتب بها أبو إسحاق الصابي عن الطائع لله- للحسين بن موسى العلوي، وهي:
هذا ما عهد عبد الله عبد الكريم الإمام الطائع لله أمير المؤمنين، إلى الحسين بن موسى العلويّ، حين طابت منه العناصر، ووصلته بأمير المؤمنين الأواصر؛ جمع إلى شرف الأعراق الذي ورثه، شرف الخلق الذي اكتسبه؛ ووضحت آثار دينه وأمانته، وبانت أدلّة فضله وكفايته، في جميع ما أسنده أمير المؤمنين إليه من الأعمال، وحمّله إيّاه من الأثقال، فأضاف إلى ما كان ولّاه من [ذلك] «1» النّظر في الوقوف التي كانت يد فلان فيها بالحضرة وسوادها، ثقة بسداده، وسكونا إلى رشاده، وعلما بأنه يعرف حقّ الصّنيعة، ويرعى ما يستحفظه من الوديعة، ويجري في المنهل الذي أحمده أمير المؤمنين منه ووكل إليه. والله يمدّ أمير المؤمنين بصواب الرأي فيما نحاه وتوخّاه، ويؤمّنه في عاقبته النّدم فيما قضاه وأمضاه؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
أمره بتقوى الله التي هي عماد الدين، وشعار المؤمنين، وأن يعتقدها في سرّه ونجواه، ويجعلها الذخيرة لأولاه وأخراه، ويتجنّب الموانع المونية «2» ، ويتوقّى الموارد المردية، ويغضّ طرفه عن المطامع «3» المغوية، ويذهب بنفسه عن المطارح المخزية؛ فإنه أحق من فعل ذاك وآثره، وأولى من اعتمده واستشعره، بنسبه الشريف، ومفخره المنيف، وعادته المشهورة، وشاكلته المأثورة، وتلاوة كتاب الله الذي هو وعترة رسول الله الثّقلان المخلّفان في الأمّة،
(10/269)

وقد جمعته، وآخرهما الأنساب وجمعته والثاني عصمة أولى الألباب «1» ، وتوجّهت حجّة الله [عليه] «2» بما يرجع من هذه الفضائل إليه، وأنّه غصن من دوحة أمير المؤمنين، التي تحدّاها الله بالإنذار قبل الخلائق أجمعين، إذ يقول لرسوله محمد صلّى الله عليه وعلى آله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
«3» . وقد حضّ تبارك وتعالى على التّقوى، ووعد عباده عليها الزّلفى، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
«4» .
وأمره بالاشتمال على ما أسنده إليه أمير المؤمنين من هذه الوقوف مستنفدا طوقه في عمارتها، مستفرغا وسعه في مصلحتها، دائبا في استغلالها وتثميرها، مجتهدا في تدبيرها وتوفيرها، وأن يصرف فاضل كلّ وقف منها بعد الذي يخرج منه للنّفقة على حفظ أصله، واستدرار حلبه، والمؤونة الراتبة للقوّام عليه، والحفظة له، إلى أربابه الذي يعود ذلك عليهم في وجوهها التي سبّل لها، ووقف عليها، واضعا جميع ذلك مواضعه، موقعا له مواقعه، خارجا إلى الله من الحقّ فيه، مؤدّيا الأمانة إليه، وأن يشهد على القابضين بما يقبضونه من وقوفهم، ويكتب البراآت عليهم بما يستوفونه من أموالهم، ويستظهر لنفسه بإعداد الشّواهد والأدلّة على ما ينفقه من أموال هذه الوقوف على مصالحه، ويصرفه منها إلى أهلها، ويخرجه منها في حقوقها وأبواب برّها، وسائر سبلها ووجوهها، سالكا في ذلك مذهبه المعروف في أداء الأمانة، واستعمال الظّلف والنّزاهة، معقّبا على من كان ناظرا فيها من الخونة الذين لم يرعوا عهدا، ولم يتصوّنوا عن سحت «5» المطاعم، وظلم المآثم.
وأمره باستكتاب كاتب معروف بالسّداد، مشهور بالرّشاد، معلوم منه
(10/270)

نصيحة الأصحاب، والضّبط للحساب، وتفويض ديوان الوقوف وتدبيره إليه، وتوصيته بصيانة ما يشتمل عليه من أصول الأعمال وفروعها، وقليل الحجج وكثيرها، وأن يحتاط لأربابها في حفظ رسومها ومعاملاتها، وحراسة طسوقها «1» ومقاسماتها، حتّى لا يستمرّ عليها حيف يبقى أثره، ولا يتغيّر فيها رسم يخاف ضرره، وأن ينصف الأكرة «2» فيها والمزارعين، وسائر المخالطين والمعاملين، ولا يجشّمهم حيفا، ولا يسومهم خسفا، ولا يغضي لهم عن حق، ولا يسمح لهم بواجب، خلا ما عادت السّماحة به بزيادة عماراتهم، وتأليف نيّاتهم، واجتلاب الفائدة منهم والعائدة بهم؛ فإنه مؤتمن في ذلك كلّه أمانة، وعليه أن يؤدّيها ويخرج عن الحقّ فيها.
وأمره باختيار خازن حصيف، قؤوم أمين، يخزن حجج هذه الوقوف وسجلّاتها، وسائر دفاترها وحسباناتها؛ فإنّها ودائع أربابها عنده، وواجب أن يحتاط عليها جهده؛ فمتى شكّ في شرط من الشّروط، أو حدّ من الحدود، أو عارض معارض، أو شاغب مشاغب، في أيّام نظره وأيّام من عسى أن تنقل ولاية هذه الوقوف إليه، ويناط تدبيرها به، دفع ما يحدث من ذلك بهذه الحجج التي هي معارف «3» البرهان، وقواعد البنيان، وإليها المرجع في كلّ بينة تنصر «4» وتقام؛ وشبهة تدحض وتضام.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، ووثيقته الحاصلة في يديك؛ فاتّبع آثار أوامره، وازدجر عن نواهيه وزواجره، واستمسك به تنج وتسلم، واعمل عليه تفز
(10/271)

وتغنم، واسترشد الله يرشدك، واستهده يهدك، واستعن به ينصرك، وفوّض إليه يعصمك؛ إن شاء الله تعالى.
الضرب الثاني
(مما يكتب من ديوان الخلافة لأرباب السّيوف التقاليد. وهي لمن دون أرباب العهود في الرّتبة، وليس لافتتاحها عندهم ضابط) وهذه نسخة تقليد بحماية الكوفة، لأبي طريف بن عليان العقيلي، من إنشاء أبي إسحاق الصابي، وهي:
قد رأينا تقليدك- أطال الله بقاءك- الحماية بالكوفة وأعمالها وما يجري معها ثقة بشهامتك وغنائك، وسكونا إلى استقلالك ووفائك، واعتقادا لاصطناعك واصطفائك، وحسن ظنّ بك في شكر ما يسدى إليك، ومقابلته بما يحقّ عليك، من الأثر الجميل فيما تولّاه، والمقام الحميد فيما تستكفاه؛ فتولّ- أيدك الله- ذلك مقدّما تقوى الله ومراقبته، ومستمدّا توفيقه ومعونته، واحرس الرعيّة في مساكنها، والسّابلة في مسالكها، وادفع عن عملك ونواحيه أهل العيث جميعا، واطلبهم طلبا شديدا، واطرقهم في مكامنهم، وتولّج عليهم في مظانّهم، ونكّل بمن تظفر به منهم نكالا تقيم به حكم الله عليهم، وحدوده في أمثالهم، وبالغ في ذلك مبالغة تخيف الظّنين وتوجسه، وتؤمّن السّليم وتؤنسه، وراع الأكرة والمزارعين حتّى ينبسطوا في معايشهم، ويتصرّفوا في مصالحهم، وتتيسّر عواملهم في عماراتها، ومواشيهم في مسارحها؛ ومتى طردت لأحد منهم طريدة أو امتدّت إليهم يد عاتية، ارتجعت ما أخذ له، ورددته بعينه أو قيمة مثله، وخفّف عمن ولّيت عليه الوطأة، وارفع عنهم المؤونة والكلفة، وخذهم بالتناصف، واقبضهم عن التظالم، وامنع قويّهم من تحيّف المضعوف، وشريفهم من استضامة المشروف، وأولهم من عدلك وحسن سيرتك، واستقامة طريقتك، ما يتّصل عليه شكرك، ويطيب به ذكرك، ويقتضي لك دوام الولاية، وتضاعف العناية.
واعلم بأنك فيما ولّيته من هذا الأمر متضمّن للمال والدّم، ومأخوذ بكل ما
(10/272)

يهمّك من ذمة ومحرم؛ فليكن اجتهادك في الضّبط والحماية، واحتراسك من الإهمال والإضاعة، بحسب ذلك، واكتب بأخبارك على سياقتها، وآثارك لأوقاتها: ليتّصل لك الإحماد «1» عليها، والمجازاة عنها، إن شاء الله تعالى.
النوع الثالث (مما كان يكتب لأرباب الوظائف من ديوان الخلافة ببغداد ما كان يكتب لأرباب الوظائف ببغداد من أصحاب الأقلام)
وهي على ضربين:
الضرب الأوّل (العهود)
ورسمها على نحو ما تقدّم في عهود أرباب السّيوف، تفتتح ب «هذا ما عهد» إلى آخر الترتيب المتقدّم ذكره.
وهذه نسخة عهد بولاية قضاء حاضرة بغداد وسائر الأعمال؛ كتب به المسترشد بالله لقاضي القضاة أبي القاسم عليّ بن الحسين الزينبي «2» ، وهي:
هذا ما عهد عبد الله أبو منصور الفضل، الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين، إلى قاضي القضاة عليّ بن الحسين الزينبي: لمّا تأمّل طريقته، وشحذ عقيدته، وأحمد مذاهبه، وارتضى ضرائبه، وتكاثرت دواعيه، وحسنت مساعيه، ووجده عند الاختبار، وفي مضمار الاعتبار، راجعا إلى عقل رصين، ودين متين، وأمانة مشكورة، ونزاهة مخبورة، وورع ثمر المشرع، عار من دنس المطمع، وعلم توفّر منه قسمه، وأصاب فيه سهمه، وحين راعى فيه موروث شرف
(10/273)

النّسب، إلى شرف العلم المكتسب، مع ما سلف لبيته من الحرمات المرعية المتأكّدة، والقربات المرضيّة المتمهّدة، والسوابق المحكمة المرائر «1» ، الحميدة المباديء والمصاير، فقلّده قضاء القضاة بمدينة السلام وسائر الأمصار، في الآفاق والأقطار، شرقا وغربا، وبعدا وقربا، إنافة به إلى ما أصبح له مستحقّا، واستمرّ استيجابه مسترقّا، وجذبا بضبعه إلى ما يتحقّق نهوضه بأعبائه، وحسن استقلاله به وغنائه، واقتفاء لآثار الأئمة الراشدين في إيداع الودائع عند مستحقّها، وتفويض الأمور إلى أكفائها وأهلها، لا سيّما أولياء دولتهم، وأغذياء نعمتهم، الذين كشفت عن سجف خبرتهم التّجارب، ووردوا من الخلال الرشيدة أعذب المشارب، وانتهجوا الجدد الواضح، وتقبّلوا الخلق الصالح؛ والله سبحانه يقرن عزائم أمير المؤمنين بالخيرة في كلّ رأي يرتئيه، وأمر يؤمّه وينتحيه، ويصدّق مخيلته في كلّ حال يأتيها، ويمضي عزمه فيها؛ وما توفيقه إلا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
أمره بتقوى الله التي لا يسعد أحد إلا بالتمسّك بسببها، ولا يشقى إلا مع إضاعتها؛ فإنّها الجناب المريع، والمعقل المنيع، والنّجاة يوم الفزع الأكبر، والعدّة النافعة في المعاد والمحشر، والعصمة الحامية من نزعات الشيطان ومخايله، المنقذة من أشراكه وحبائله؛ وبها تمحّص الأوزار، وتنال الأوطار، وتدرك المآرب، وتنجح المطالب؛ قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
«2» .
وأمره باستشعار خشية الله سبحانه في قوله وفعله؛ واختلاف أطواره وأحواله، وتذكّر ما هو قادم عليه، ووافد إليه: يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً
«3» ، فلا يقوده الهوى إلى اتّباع شهوة، أو إجابة
(10/274)

داعي هفوة أو صبوة، إلا كان الخوف قادعه «1» ، والحذار مانعه، وأن يجعل التواضع والوقار شيمته، والحلم دأبه وخليقته، فيكظم غيظه عند احتدام أواره، واضطرام ناره، مجتنبا عزّة الغضب الصائرة إلى ذلّة الاعتذار، ومتوخّيا في كل حال للمقاصد السليمة الإيراد والإصدار، وأن يتأمل أحوال غيره تأمّل من جعلها لنفسه مثالا، واتّخذها لنسجه منوالا؛ فما استحسنه منها فيأتيه، وما كرهه فيجتويه «2» ، غير ناه عمّا هو من أهله، ولا آمر بما هو مجانب لفعله؛ قال الله جلّت عظمته:
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ
«3» .
وأمره بتلاوة كتاب الله مواظبا، والإكثار من قراءته دائبا، وأن يجعله إماما يقتفيه، ودليلا يتّبعه فيهديه، ونورا يستضيء به في الظّلمات، وهاديا يسترشده عند اعتراض الشّبهات، وموئلا يستند إليه في سائر أحكامه، وحصنا يلجأ به في نقضه وإبرامه، عاملا بأوامره، ومزدجرا بزواجره، ومنعما نظره في محكم آياته، وصادع بيّناته، ومعملا فكره في خوض غماره، واستخراج غوامض أسراره؛ فإنّه الحقّ الذي لا يجور متّبعه، والمتجر الذي لا يبور مبتضعه، والمنار الذي به يقتدى، والمنهج الذي بأعلامه يهتدى، والمصدر الذي تغرى به الأمور في ملبس الإشكال، وتشرع معه الأحوال المستبهمة في ورود الوضوح السّلسال، وينبوع الحكمة الذي ضرب الله فيه الأمثال، وفرق فيه بين الحرام والحلال، والهداية والضّلال؛ قال الله سبحانه: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
«4» .
وأمره بدراسة السّنن النّبويّة صلوات الله على صاحبها، والاقتداء بما جاءت به من مكارم الأخلاق التي ندب إليها، وحضّ عليها، وتتبّع ما يتداخلها من
(10/275)

الأخبار الجريحة «1» ، والرّوايات غير الصّحيحة، والفحص عن طرقها وإسنادها، وتمييز قويمها وميّادها، والبحث عن رواتها، منحوزها «2» وثقاتها؛ فما ألفاه بريئا من الطعن، آمنا من القدح والوهن، عاريا من ملابس الشّكّ والارتياب، عاطلا عن حلى الشّبهة والاعتياب، اتّبعه واقتفاه، وتمثّله واحتذاه، وكان به حاكما، ولأدواء الباطل باتّباعه حاسما، وما كان مترجّحا «3» بين كفّتي الشكّ واليقين، ولم تبد فيه مخايل الحق المبين، جعل الوقف حكمه، وردع عن العمل به عزمه، إلى أن يضح الحقّ فيه، فيعتمد ما يوجبه ويقتضيه: فإنه عليه السلام الداعي إلى الهدى، والرحمة التي عصم الله بها من عوادي الرّدى، والهادي الذي لم يفصل بين العمل بفرائض كتابه وسننه في قوله تقدّست أسماؤه، وجلّت آلاؤه: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
«4» .
وأمره بإقامة الصّلوات الخمس المفروضة في أوقاتها، والمبادرة إليها قبل فواتها، والإتيان بشرائطها المحدودة وأركانها.
وأمره بمجالسة العلماء، ومباحثة الفقهاء، ومناقشة ذوي البصيرة والفهم، والفطنة والحزم، ومشاورتهم في عوارض الأمور المشكلة، وسوانح الأحكام المستبهمة المعضلة، حتى يصرّح محض رأيه وآرائهم عن زبدة الصّواب، وتنتج أفكارهم باستجمامها نظرا شافيا بالجواب، رافعا عنه منسدل الحجاب؛ وإنّ في ذلك ثلجا للصّدور، واستظهارا في الأمور، واحترازا من دواعي الزّلل، واستمرار الخلل، وامنا من غوائل الانفراد، وحطّا للتعويل على الاستبداد؛ فلربّ ثقة أدّت إلى خجل، وأمن أفضى إلى وجل؛ وما زالت الشّورى مقرونة بالإصابة، محكمة عرى الحق وأسبابه، حارسة من عواقب النّدم، داعية إلى السلامة من زلّة القدم؛
(10/276)

وقد أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم، وأزلف محلّه لديه، بالاستظهار بالمشاورة مع عظم خطره، وشرف قدره؛ فقال: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
«1» .
وأمره أن يختار للحكم الأماكن الفسيحة الأرجاء، الواسعة الفضاء، وينظر في أمور المسلمين نظرا تفترّ ثغور العدل فيه، وتلوح خشية الله من مطاويه، فيوصّل إليه كافّة الخصوم، ويبرز لهم على العموم، غير مشدّد حجابه، ولا مرتج «2» دون المترافعين إليه بابه، وأن يولي كلّا من الإقبال عليه، وحسن الإصغاء إليه، ما يكون بينهم فيه مساويا، ولهم في مجمع الموازاة حاويا، ولا يعطي من التفاته [إلى] «3» الشريف لشرفه، وذي الشارة الحسنة من أجل ثوبه ومطرفه، ما يمنعه من تقحمه العيون، وتترجّم في خموله الظّنون: فإنّ ذلك مطمع لذي الرّواء في دفع الحقّ إذا وجب عليه، والتماس الباطل وإن ضعفت الدّواعي إليه؛ مؤيس لذي الخمول من الانتصار لحقّه، وإن أسفر صبح يقينه ونطقت ألسنة أدلته؛ فالناس وإن تباينوا في الأقدار والقيمة، وتفاوتوا في الأرزاق المقسومة، فالإسلام لهم مجتمع، والحقّ أحقّ أن يتّبع، وهم عند خالقهم سواء إلا من ميّزته التقوى، وتمسّك بسببها الأقوى؛ قال الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
«4» . وقال تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
» .
وأمره أن يتأمّل أحوال المترافعين إليه، والخصوم لديه، ويتطلّب ما وقع نزاعهم لأجله في نصّ الكتاب، ويعدل إلى السّنّة عند عدمه من هذا الباب؛ فإن
(10/277)

فقد من هذين الوجهين، فليرجع إلى ما اختاره السّلف المهتدون، وأجمع عليه الفقهاء المجتهدون؛ فإن لم يلف فيه قولا ولا إجماعا، ولا وجد إليه طريقا مستطاعا، أعمل رأيه واجتهاده، وامتطى ركاب وسعه وجياده، مستظهرا بمشورة الفقهاء في هذه الحال، ومستخلصا من آرائهم ما يقع عليه الاتّفاق الآمن الاعتلال: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«1» .
وأمره باستعمال الأناة عند الحكومات، واستماع الدّعاوى والبيّنات، من غير سرعة تحدث خطلا، ولا إفراط في التأنّي يورث مللا، فإنّ الحقّ بين ذينك على شفا خطر، وظهر غرر «2» ، ولا سيّما إذا كان أحد الخصمين منطيقا، ينمّق كلامه تنميقا، فإنه يخلب ببلاغة نطقه مستمعه، ويغطّي وجه الباطل بألفاظه الموشّعة «3» ، فإذا اتّفق لديه ما هذا سبيله، شحذ له غرب فطنته، وأرهف غرار فكره وبصيرته، ومنح كلّا من الإنصات ما يجتلي وجه النّصف منيرا، ويغدو لأشياع الجور مبيرا. وإن ذو اللّسن روّعه، وأو همه أنّ الحقّ معه، بما يلفّقه من كلام يقصر خصمه عن جوابه، ويحصر «4» عن جداله واستيفاء خطابه، مع عدم البينة المشهودة، وتعذّر الحجة الموجودة، استعاد كلامه واستنطقه، واستوضح مغزاه وتحقّقه، من غير إظهار إعجاب بما يذكره، ولا اغترار بما يطويه وينشره، ولا إصغاء يبدو أثر الرّغائب من فحواه، ولا اختصاص له بما يمنع صاحبه شرواه «5» :
لئلا يولّد ذلك له اشتطاطا، ويحدث له انطلاقا في الخصومة وانبساطا؛ حتّى إذا ابتسم الحقّ، وانتصر الصّدق، وفلج أحدهما بحجّته، ولحن ببيّنته، أقرّ الواجب في نصابه، وأداله من جنود الظّلم وأحزابه، وأمضى الحكم فيه باعتزام صادق، ورأي محصد الوثائق، غير ملتفت إلى مراجعة الخصوم وتشاجرهم، وشكواهم
(10/278)

وتنافرهم، اعتمادا للواجب، وانتهاجا لجدد العدل اللاحب «1» . قال الله تعالى:
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
«2» .
وأمره إذا انتدب للقضاء أن يفرّغ باله، ويقضي أمامه أو طاره وأشغاله، ويخلّي من أحوال الدنيا سرّه، ويشرح لما هو بصدده صدره؛ فلا تنزع نفسه إلى تحصيل مأرب، ولا تتطلّع إلى درك مطلب؛ فإن القلب إذا اكتنفته شجونه، وأحاطت به شؤونه، كان عرضة لتشعّب أفكاره، وحمله على مركب اضطراره الجاري بضدّ إيثاره واختياره، حريّا بالتقصير عن الفهم والإفهام، والضّجر عند مشتجر الخصام.
وأمره بالتثبّت في الحدود، والاستظهار عند إقامتها بمن يسكن إلى قوله من الشّهود، والاحتياط من عجل يحيل الحكم عن بيانه، أو ريث يرجيه عند وضوحه وتبيانه، وأن يتجافى عمّا لم يصرّح له بذكره وشرحه، ولا يسرع إلى تصديق ساع وإن تشبّه بالناصحين في نصحه، حتّى يستبين له الحقّ فيمضيه، عاملا بما يوجبه حكم الله فيه، وأن يدرأ من الحدود ما اعترضت الشّبهة دليله «3» ، وكانت شواهده مدخولة، ويقيم منها ما قامت شهوده، ولم يمكن إنكاره وجحوده؛ قال الله تعالى مكبرا لتجافيها، ومعظّما للتجوّز فيها: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
«4» .
وأمره بتصفّح أحوال الشّهود المعدّلين، المسموعة أقوالهم في أمور المسلمين وأحوال الدّين، ومواصلة البحث عن طرائقهم، واستشفاف خلائقهم،
(10/279)

مستخدما في ذلك سرّه وجهره، وواصلا بعوان دأبه فيه بكره؛ فمن علمه سليما في فعله، غير ظنين في أصله، متحرّيا في كسبه، مرضيّا في مذهبه، حافظا لكتاب الله سبحانه، متمسّكا من علم الشريعة بما يلوي عن مهاوي الخطإ عنانه، حاليا بالدّيانة المنيرة المطالع، حاميا نفسه عن الإسفاف إلى دنايا المطامع، حاويا من الظّلف والأمانة، والقدر والصيانة، والاحتراس والتحفّظ، والتحرّز والتيقّظ، ما تميّز به على أشكاله وأترابه، وطال مناكب أمثاله وأضرابه، فقد كملت صفاته، واقتضت تقديمه أدواته، ووجب أن يمضي كونه عدلا، ويجعله لقبول الشهادة أهلا؛ ومن رآه عن هذه الخلال مقصّرا، وببعضها مستظهرا، وكان موسوما بديانة مشكورة، ونزاهة مأثورة، رضي بذلك منه قانعا، وحكم بقوله سامعا. ومن كان عن هذين الفريقين نائيا، ولأحوالهم المبيّن ذكرها نافيا، ألغى قوله مطّرحا، وردّ شهادته مصرّحا؛ فإنّ هؤلاء الشهود أعوان الحق على انتصاره، وحرب الباطل على تتبيره وبواره، ومحجّة الحاكم إلى قضائه، ووزره «1» الذي يستند إليه في سائر أنحائه؛ فإذا أعذر في ارتيادهم، واستفرغ وسعه في انتقادهم، فقد خرج من عهدة الاجتهاد، واستحقّ من الله جزاء المجتهد يوم التّناد، ومتى غرّر في ذلك توجّهت اللائمة عليه، وكان قمنا «2» بنسبة التقصير في الاحتياط إليه؛ والله يتولّى السرائر، ويبلو خفيّات الضمائر، قال سبحانه: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ
«3» . وقال اجل ذكره: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ
«4» .
وأمره أن يكل أمور اليتامى في أملاكهم وأموالهم، ومراعاة شؤونهم وأحوالهم، إلى الثّقات الأعفّاء، والكفاة الأتقياء، الذين لا تستهويهم دواعي
(10/280)

الطّمع، ولا يوردهم الإسفاف موارد الطّبع «1» ، وأن يتتبّع أمورهم ويتصفّحها، ويشارفها بنفسه ويستوضحها، عالما أنه عمّا في أيديهم مسؤول، فإنّ عذره في إهمال يتخلّله غير مقبول؛ وهو سبحانه يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
«2» .
وأن يوعز إليهم بالإنفاق على أربابها بالمعروف: لينتهجوا فيها جدد القصد المألوف؛ حتّى إذا بلغوا الحلم، وأونس منهم الرّشد وعلم، وساغ لهم التصرّف في نفوسهم، ووثق منهم باستدرار معايشهم، دفع إليهم أموالهم محروسة، ووفّاهم إيّاها كاملة غير منقوصة، مستظهرا بالشّهادة عليهم، والبراءة منها بتسليمها إليهم، اتّباعا لقوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً
«3» .
وأمره بتزويج الأيامى اللّواتي فقدن الأولياء، واعتدى عليهنّ صرف الدّهر وأساء، وأضرّ بهنّ طول الإرمال، وبدت عليهنّ آثار الخلّة «4» في الحال، فينكحهنّ أكفاءهنّ من الرجال، ويتمّ عقد نكاحهنّ على مهور الأمثال.
وأمره بتفويض أمر الوقوف الجارية في نظره إلى من يأمنه ويختاره، وتقرن بإعلانه في ارتضائه أسراره: من أهل التّجربة والحياء، ذوي الاضطلاع والغناء؛ فإنهم أقلّ إلى المطامع تشوّفا، وأبعد في عواقب الأمور نظرا وتلطّفا؛ وأن يوسّع عليهم في الأرزاق، فيوصّلها إليهم مهنّأة عند الوجوب والاستحقاق، فبذلك يملك المرء نفسه ويستصلحها، ويتجنّب مواقف التّهم ويطرحها، وتجب عليه الحجّة إن
(10/281)

ثلم أمانة، أو قارف خيانة، مستظهرا بترتيب المشرفين الذين خبر أحوالهم، وسبر أفعالهم.
وأن يتقدّم إلى المستنابين قبله بالإنفاق عليها حسب الحاجة من محصولها، حافظا بما تعمّده من ذلك لأصولها، وجباية ارتفاعها من مظانّها، والتماس حقوقها في أوانها، وصرفها في وجوهها التي شرطها واقفوها، وعيّن عليها أربابها وأهلوها، غير مخلّ مع ذلك بالإشراف والتطلّع، ولا مهمل للفحص والتبلّغ؛ فمن ألفاه حميد الأثر، ورضيّ العيان والخبر، عوّل عليه، وفوّض مستنيما إليه، ومن وجده قد مدّ إلى خيانة يده استبدل به وعزله، جزاء بما فعله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً
«1» .
وأمره أن يستخلف على مانأى عنه من البلاد من جمع [إلى الوقار] «2» الحلم، وإلى الدّراية الفهم، وإلى التيقّظ الاستبصار، وإلى الورع الاستظهار:
ممن لا يضيق بالأمور ذرعا، ولا تحدث له مراجعة الخصوم ضجرا ولا تبرّما، ولا يتمادى في أسباب الزّلّة، ولا يقصّر عن الرجوع إلى الحقّ إذا اتّضح له، ولا يكتفي بأدنى معدلة عن بلوغ أقصاها، ولا تتهافت نفسه على طاعة هواها، ولا يرجيء الأخذ بالحجة عند انكشافها، ولا يعجّل بحكم مع اعتراض الشّبهة واكتنافها، ولا يستميله إغراء، ولا يزدهيه مدح وإطراء، وأن يعهد بمثل ما عهد أمير المؤمنين إليه، ويعذر في الإجهاد بإيجاب الحجة عليه: ليبرأ من تبعة بادرة عساه يأتيها، أو مزلقة تناديه فيهبّ ملبّيا لداعيها؛ قال الله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
«3» .
وأمره أن يمضي ما أمضاه الحكّام قبله ولا يتعقّب أحكامهم بتأويل، مجتنبا
(10/282)

تتبّع عثراتهم، والبحث عن هفواتهم؛ ومهما رفع إليه من ذلك مما الإجماع عليه موافق، ولسان الكتاب والسّنّة به ناطق، أمضاه وحكم به، وإن كان مباينا لمذهبه:
فإنّ الحكومات كلّها ماضية على اختلاف جهاتها، مستمرّة على تنافي صفاتها، محميّة عن التأويل والتعليل، محروسة من التغيير والتبديل، ما كان لها مخرج في بعض الأقوال، أو وجد لها عند الفقهاء احتمال، إلّا أن يكون الإجماع منعقدا على ضدّها، آخذا بإلغائها وردّها، فيستفرغ في إيضاحها جهده، وينفق في تلافيها من الاستطاعة وجده «1» ، حتّى يعيدها إلى مقرّها من الواجب، ويمضيها على الحقّ اللّازب «2» ، قال الله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
«3» .
وأمره أن يتّخذ كاتبا بالظّلف موسوما، وبأدقّ ما يناط به قؤوما، خبيرا بما يسطره، عالما بما يذكره، عارفا بالشّروط والسّجلّات، وما يتوجّه نحوها من التأويلات، ويتداخلها من الشّبه والتلبيسات، مطّلعا على أسرارها وعللها، وتصاريف حيلها، متحرّزا في كل حال، متنزّها عن مذموم الفعال، متّخذا خشية الله شعارا، مسبلا دون عصيانه من التّقى أستارا: فإنها نظاماته التي يرجع إليها، ويده التي يبطش بها ويعوّل عليها؛ ومتى لم يكن له من نفسه وازع، ولا من عقله ودينه رادع، لم يؤمن أن تدبّ عقاربه ليلا، ويسحب على الغوائل والموبقات ذيلا، فيعمّ الضرر بمكانه، ويشرع أذاه إلى المسلمين حدّ سنانه. وأن يتخيّر حاجبا طاويا كشحه دون الأشرار، جامعا لأدب الأخيار، مدّرعا جلباب الحياء، طلق الوجه عند اللّقاء، سهل الجانب ليّنه، مستشعر الخير متيقّنه، غير متجهّم للناس، ولا معاملهم بغير البشاشة والإيناس، فإنه الباب إليه، والمعتمد في لقائه عليه؛ فلينتخبه انتخاب من علم أنّ حسن الثناء خير زاد، وأنفس ذخر وعتاد، ورأى طيّب
(10/283)

المحمدة أجمل كسب مراد، وحظّ مجسّد مستفاد. ومتى كان عن هذه الخلال متخلّيا، وبخلافها متحلّيا، اعتاض عنه بمن هو أسلم غيبا، وآمن ريبا، وأنقى جيبا، وأقلّ عيبا، قال الله سبحانه: وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
«1» .
وأمره أن يتسلّم ديوان القضاء وما فيه من الحجج والسّجلّات، والوثائق والكفالات، والمحاضر والوكالات، بمحضر من العدول ليكونوا له مشاهدين، وعليه شاهدين، وأن يجعل خزّانها من يرتضيه، باجتماع أدوات الخير فيه، عاملا في حفظها بما تقتضيه الأمانة التي أشفقت السموات والأرض والجبال منها، وأقررن بالعجز عنها، متحرّيا من أمر يبوء معه بالأثام، في دار المقام؛ قال الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
«2» .
وأمره بمراعاة أمر الحسبة «3» فإنها أكبر المصالح وأهمّها، وأجمعها لنفع الناس وأعمّها، وأدعاها إلى تحصين أموالهم، وانتظام أحوالهم؛ وحسم موادّ الفساد، وكفّ يده عن الامتداد، وأن يتقدّم إلى المستناب فيها بمداومة الاطّلاع على كمّيّة الأسعار، والفحص عن مادّة المخلوقات في الانقطاع والاستمرار، ومواصلة الجلوس في أماكن الأقوات ومظانّها: ليكون تسعيرها بمقتضى زيادتها ونقصانها، غير خارج في ذلك عن حدّ الاعتدال، ولا مائل إلى ما يجحف بالفريقين من إكثار وإقلال، وأن يراعي عيار المكاييل والموازين، ليميّز ذوي الصّحّة من المطفّفين، فيقول لمن حسن اعتباره [مر] «4» حى ويقابل من ساء اختباره بما يجعله لأمثاله رادعا، حتّى يزنوا بالقسطاس المستقيم، ويتجنّبوا التطفيف بقلب من إضمار
(10/284)

المعاودة سليم؛ قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
«1» .
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته عند الله تعالى عليك؛ وقفك [فيه] «2» على منهج الصّلاح، وأعلقك منه إن اتّبعته بأسباب النّجاح، وأدرّ به عليك خلف السّعادة إن أمريته «3» بيد القبول، وجمع لك مع احتذائه «4» بدائد المأمول، وعطف لديك متى تمثّلته شوارد السّول، وأو جدك ضالّة متاعك إن أصغيت إليه سامعا مطيعا، وأعاد إن ائتمرت بأوامره شمل أقوالك جميعا، وأرادك مرعى النجاة إن نهضت بأعبائه مريعا، لم يدّخرك فيه شفيفا، ولا حقرك إرشادا وتعريفا، خلع به ربقة الأمانة عن عنق اجتهاده، وأوضح لك ما يسأل غدا عن فعله واعتماده.
فبادر إلى العمل به مسرعا، وقم بالمحدود فيه مضطلعا، واعلم أنّ لكل عالم هفوة، ولكلّ جواد كبوة؛ فاغضض عن مطامح الهوى طرفك، واثن عن أضاليل الدّنيا الغرّارة عطفك، واخش موقفا تشخص فيه الأبصار، وتعدم الأعوان والأنصار، يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه، وتنقطع الوسائل إلا ممّن أطاع الله واتّقاه، ينعم عوفك»
، ويأمن يوم القيامة خوفك؛ ومهما عرض لك من شبهة لم تلف مخرجا منها، ولا صدرا عنها، ولا وجدت لسقبها هناء، ولدائها شفاء، فطالع حضرة أمير المؤمنين بحالها مستعلما، وأنهها إليه مستفتحا باستدعاء الجواب عما أصبح لديك مستغلقا مبهما، يمددك منه بما يريك صبح الحق منبلجا، وضيق الشّكّ منفرجا، عن علم عنده البحر كالقياس، إلى أوشال «6» الناس؛ والله تعالى
(10/285)

يعضّد آراء أمير المؤمنين بالصواب، ويمدّه بالتوفيق في سائر الآراب، ويقود لمراده أزمّة جوامحها الصّعاب، ما أنجم سحاب، وأثجم رباب «1» ، بمنّه وسعة فضله.
وهذه نسخة عهد بولاية القضاء بسرّ من رأى «2» ، كتب بها أبو إسحاق الصابي، عن الطائع لله، للقاضي أبي الحسين محمد ابن قاضي القضاة أبي محمد عبيد الله، بن أحمد بن معروف، حين ولّاه القضاء بسرّ من رأى وغيرها، وما أضيف إلى ذلك من أعمال الجزيرة، وهي:
هذا ما عهد عبد الله عبد الكريم، الإمام الطائع لله أمير المؤمنين، إلى محمد ابن قاضي القضاة عبيد الله بن أحمد، حين عرفت الفضيلة فيه، وتقيّل «3» مذاهب أبيه، ونشأ من حصنه في المنشإ الأمين، وتبوّأ من سببه ونسبه المتبوّأ المصون، ووجده أمير المؤمنين مستحقّا لأن يوسم بالصّنيعة، والمنزلة الرّفيعة، على الحداثة من سنّه، والغضاضة من عوده، ساميا به في ذلك إلى مراتب أعيان الرّجال، التي لا تدرك إلّا مع الكمال والاكتهال: لما آنس من رشده ونجابته، واستوضح من عقله ولبابته، واسترجح من وقاره وحلمه، واستغزر من درايته وعلمه، وللّذي عليه شيخه قاضي القضاة عبيد الله بن أحمد من حصافة الدّين، وخلوص اليقين، والتقدّم على المتحلّين بحليته، والمنتحلين لصناعته، والاستبداد عليهم بالعلم الجمّ، والمعنى الفخم، والافتنان في المساعي الصالحة التي يسود أحدهم بأحدها، ويستحقّ التّجاوز لهم من استوعبها بأسرها، وبالثّقة والأمانة، والعفّة والنّزاهة، التي صار بها علما فردا، وواحدا فذّا، حتّى تكلّفها من
(10/286)

أجله من ليست من طبعه ولا سنخه، فهو المحمود بأفعاله التي اختص بها وبأفعال غيره ممن حذاه فيها، وبما نفق من بضائع الخير بعد كسادها، وبالسابقة التي له في خدمة المطيع لله أوّلا ثم خدمة أمير المؤمنين ثانيا، فإنّها [سابقة] «1» شائع خبرها، وجميل أثرها، قويّة دواعيها، متمكّنة أواخيها، وللمكانة التي خصّ بها من أمير المؤمنين [ومن عزّ الدولة أبي منصور مولى أمير المؤمنين أيده الله] «2» ومن نصير الدولة الناصح أبي طاهر رعاه الله، ومن عظماء أهل حوزتهم، وأفاريق «3» عوامّهم ورعيّتهم؛ فلما صدق محمد فراسة أمير المؤمنين ومخايله، واحتذى سجايا أبيه وشمائله، وحصل له ما حصل من الحرمات المتأثّلة، والمواتّ المتأصّلة، أحرز من الأثرة على قرب المدى، ما لا يحرزه غيره على بعد المرمى، واستغنى أمير المؤمنين فيه عن طول التّجربة والاختبار، وتكرّر الامتحان والاعتبار، فقلّده الحكم بين أهل سرّ من رأى، وتكريت، والطبرهان «4» ، والسّنّ، والبوازيج، ودقوقا «5» ، وخانيجار، والبندنيجين، وبوحسابور، والرّاذانين «6» ، [ومسكن] «7» وقطربّل، ونهر بوق، والدبين، وجميع الأعمال المضافة إلى ذلك والمنسوبة إليه، وشرّفه بالخلع والحملان، وضروب الإنعام والإحسان، وكان فيما أعطاه من هذا الصّيت والمجد، ونحله إيّاه من المفخر العدّ، مبتغيا ما كسبه من الله الرّضا والزّلفى، والسلامة في الفاتحة والعقبى، وراعيا لما يوجبه لقاضي قضاته عبيد الله بن أحمد من الحقوق التي أخفى منها أكثر مما أبدى، وأمسك عن أضعاف ما أحصى، وذاهبا على آثار الأئمة المهديّين، والولاة المجتهدين، في إقرار ودائعهم عند المرشّحين لحفظها، المضطلعين بحملها، من أولاد أوليائهم، وذريّة نصحائهم: إذ كان لا بدّ للأسلاف أن تمضي، وللأخلاف أن تنمي،
(10/287)

كالشجر الذي يغرس لدنا فيصير عظيما، والنبات الذي ينجم رطبا فيصير هشيما؛ فالمصيب من تخيّر الغرس من حيث استنجب الشجر، واستحلى الثّمر، وتعمّد بالعرف من طاب منه الخبر، وحسن منه الأثر؛ وأمير المؤمنين يسأل الله تعالى تسديدا تحمد عائدته، وتدرّ عليه مادّته، ويتولّاه في العزائم التي يعزمها، والأمور التي يبرمها، والعقود التي يعقدها، والأغراض التي يعتمدها؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
أمره باعتماد التّقوى، فإنّها شعار أهل الهدى، وأن يراقب الله مراقبة المتحرّز من وعيده، والمتنجّز لمواعيده، ويطهّر قلبه من موبقات الوساوس، ويهذّبه من مرديات الهواجس، ويأخذ نفسه بمآخذ أهل الدّين، ويكلّفها كلف الأبرار المؤمنين، ويمنعها من أباطيل الهوى، وأضاليل المنى؛ فإنها أمّارة بالسّوء، صبّة «1» إلى الغيّ، صادّة عن الخير، صادفة عن الرّشد، لا ترجع عن مضارّها إلّا بالشّكائم، ولا تنقاد إلى منافعها إلا بالخزائم؛ فمن كبحها وثناها نجّاها، ومن أطلقها وأمرجها «2» أرداها. وأولى من جعل تقوى الله دأبه وديدنه، والخيفة منه منهاجه وسننه، من ارتدى رداء الحكّام، وأمر ونهى في الأحكام، وتصدّى لكفّ الظالم، وردّ المظالم، وإيجاب الحدود ودرئها، وتحليل الفروج وحظرها، وأخذ الحقوق وإعطائها، وتنفيذ القضايا وإمضائها: إذ ليس له أن يأمر ولا يأتمر، ويزجر ولا يزدجر، ويأتي مثل ما ينهى عنه، وينهى عمّا يأتي مثله، بل هو محقوق بأن يصلح ما بين جنبيه، قبل أن يصلح ما ردّ أمره إليه، وأن يهذّب من نيّته، ما يحاول أن يهذّب من رعيّته، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
«3» : فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ
(10/288)

وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
«1» .
وأمره بالإكثار من تلاوة القرآن الواضح سبيله، الراشد دليله، الذي من استضاء بمصابيحه أبصر ونجا، ومن أعرض عنها زلّ وغوى، وأن يتخذه إماما يهتدي بآياته، ويقتدي ببيّناته، ومثالا يحذو عليه، ويردّ الأصول والفروع إليه؛ فقد جعله الله حجّته الثابتة الواجبة، ومحجّته المستبينة اللّاحبة، ونوره الغالب الساطع، وبرهانه الباهر الناصع؛ وإذا ورد عليه معضل، أو غمّ عليه مشكل، اعتصم به عائذا، وعطف عليه لائذا؛ فبه يكشف الخطب، ويذلّل الصّعب، وينال الأرب، ويدرك المطلب، وهو أحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم فينا، ونصبهما معلما بعده لنا، قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً
«2» . وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
«3» .
وأمره بالمحافظة على الصّلوات، وإقامتها في حقائق الأوقات، وأن يدخل فيها أوان حلولها بإخلاص من قلبه، وحضور من لبّه، وجمع بين لفظه ونيّته، ومطابقة بين قوله وعمله، مرتّلا للقراءة فيها، مفصحا بالإبانة لها، متثبّتا في ركوعها وسجودها، مستوفيا لحدودها وشروطها، متجنّبا فيها جرائر الخطإ والسّهو، وعوارض الخطل واللّغو: فإنه واقف بين يدي جبّار السماء والأرض، ومالك البسط والقبض، والمطّلع على خائنة كلّ عين وخافية كلّ صدر، الذي لا تحتجب دونه طويّة، ولا تستعجم عليه خبيّة، ولا يضيع أجر محسن، ولا يصلح عمل مفسد؛ وهو القائل عز وجل: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
«4» .
(10/289)

وأمره بالجلوس للخصوم، وفتح بابه لهم على العموم، وأن يوازي بين الفريقين إذا تقدّما إليه، ويحاذي بينهما في الجلوس بين يديه، ويقسم لهما أقساما متماثلة من نظره، وأقساطا متعادلة من كلمه: فإنه مقام توازن الأقدام، وتكافؤ الخواصّ والعوامّ، لا يقبل على ذي هيئة لهيئته، ولا يعرض عن دميم لدمامته، ولا يزيد شريفا على مشروف، ولا قويّا على مضعوف، ولا قريبا على أجنبيّ، ولا مسلما على ذمّي، ما جمعهما التخاصم، وضمّهما التحاكم. ومن أحسّ منه بنقصان بيان، أو عجز عن برهان، أو قصور في علم، أو تأخّر في فهم، صبر عليه حتّى يستنبط ما عنده، ويستشقّ ضميره، وينقع بالإقناع غلّته، ويزيح بالإيضاح علّته.
ومن أحسّ منه بلسن وعبارة وفضل من بلاغة، أعمل فيما يسمعه منه فكره، وأحضره ذهنه، وقابله بسدّ خلّة خصمه، والإبانة لكل منهما عن صاحبه، ثم سلّط على أقوالهما ودعاويهما تأمّله، وأوقع على بيّناتهما وحججهما تدبّره، وأنفذ حينئذ الحكومة إنفاذا يعلمان به أنّ الحقّ مستقرّ مقرّه، وأن الحكم موضوع موضعه؛ فلا يبقى للمحكوم عليه استرابة ولا للمحكوم له استزادة، وأن يأخذ نفسه مع ذلك بأطهر الخلائق وأحمدها، وأهدى السّجايا وأرشدها، وأن يقصد في مشيه، ويغضّ من صوته، ويحذف الفضول من [لفظه و] «1» لحظه، ويخفّف من حركاته ولفتاته، ويتوقّر من سائر جنباته [وجهاته] «2» ، ويتجنّب الخرق والحدّة، ويتوقّى الفظاظة والشّدّة، ويلين كنفه من غير مهانة، ويربّ هيببته في غير غلظة، ويتوخّى في ذلك وقوفا بين غايتيه، وتوسّطا بين طرفيه، فإنه يخاطب أخلاطا من الناس مختلفين، وضروبا غير متّفقين، ولا يخلو فيهم من الجاهل الأهوج، والمظلوم المحرج، والشيخ الهمّ «3» ، والناشيء الغرّ، والمرأة الرّكيكة، والرجل الضعيف النّحيزة؛ وواجب عليه أن يغمرهم بعقله، ويشملهم بعدله، ويقيمهم على الاستقامة بسياسته، ويعطف عليهم بحلمه ورياسته، وأن يجلس وقد نال من
(10/290)

المطعم والمشرب طرفا يقف به عند أوّل الكفاية، ولا يبلغ منه إلى آخر النهاية، وأن يعرض نفسه على أسباب الحاجة كلّها، وعوارض البشريّة بأسرها: لئلا يلمّ به من ذلك ملمّ أو يطيف به طائف فيحيلانه عن جلده، ويحولان بينه وبين سدده، وليكن همّه إلى ما يقول ويقال له مصروفا، وخاطره على ما يرد عليه ويصدر عنه موقوفا؛ قال الله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
«1» .
وأمره إذا ثبت عنده حقّ من الحقوق لأحد من الخصوم، أن يكتب له متى التمس ذلك صاحب المعونة في عمله بأن يمكّنه منه، ويحسم المعارضات فيه عنه، ويقبض كلّ يد تمتدّ إلى منازعته، أو تتعدّى إلى مجاذبته؛ فقد ندب الله الناس إلى معاونة المحق على المبطل، والمظلوم على الظالم؛ إذ يقول عزّ وجلّ: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
«2» .
وأمره أن يستصحب كاتبا دربا بالمحاضر والسّجلّات، ماهرا في القضايا والحكومات، عالما بالشّروط والحدود، عارفا بما يجوز وما لا يجوز، غير مقصّر عن القضاة المستورين، والشّهود المقبولين، في طهارة ذيله، ونقاء جيبه، وتصوّنه عن خبث المآكل والمطاعم، ومقارفة الرّيب والتّهم؛ فإن الكاتب زمام الحاكم الذي إليه مرجعه، وعليه معوّله، وبه يحترس من دواهي الحيل، وكوامن الغيل، وحاجبا سديدا رشيدا، أديبا لبيبا، لا يسفّ إلى دنيّة ولا يلم بمنكرة، ولا يقبل رشوة، ولا يلتمس جعالة «3» ، ولا يحجب عنه أحدا يحاول لقاءه في وقته،
(10/291)

والوصول إليه في حينه، وخلفاء يردّ إليهم ما بعد من العمل عن مقرّه، وأعجزه أن يتولّى النظر فيه بنفسه، ينتخبهم من الأماثل، ويتخيّرهم من الأفاضل، ويعهد إليهم في كلّ ما عهد فيه إليه، ويأخذهم بمثل ما أخذ به، ويجعل لكلّ من هذه الطوائف رزقا يكفّه ويكفيه، وقوتا يحجزه ويغنيه؛ فليس تلزمهم الحجّة إلا مع إعطائهم الحاجة، ولا تؤخذ عليهم الوثيقة إلا مع إزاحة العلّة؛ فقد قال الله تعالى:
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
«1» .
وأمره بإقرار الشهود الموسومين بالعدالة على تعديلهم، وإمضاء القضاء بأقوالهم، وحملهم على ظاهر السّلامة، وشعار الاستقامة، وأن يعتمد مع هذا البحث عن أديانهم، والفحص عن أماناتهم، والإصغاء إلى الأحاديث عنهم: من ثناء يتكرر، أو قدح يتردّد؛ فإذا تواتر عنده أحد الأمرين، ركن إلى المزكيّ الأمين، ونبا عن المتّهم الظّنين: فإنه إذا فعل ذلك اغتبط أهل الأمانة بأماناتهم، ونزع أهل الخيانة عن خياناتهم، وتقرّبوا إليه بما تنفق سوقه، ويستحقّ به التوجّه عنده، واستمرّ شهوده وأمناؤه، وأتباعه وخلفاؤه، على المنهج الأوضح، والمسلك الأنجح، وتحصّنت الأموال والحقوق، وصينت الحرمات والفروج؛ ومتى وقف لأحد منهم على هفوة لا تغفر، وعثرة لا تقال، أسقطه من عددهم، وأخرجه عن جملتهم، واعتاض منه من يحمد دينه، ويرتضي أمانته؛ قال الله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ
«2» . وقال في الشهادة: وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ
«3» .
وأمره بالضّبط لما يجري في عمله من الوقوف الثابتة في ديوان حكمه،
(10/292)

والتعويل فيها على الأمناء الثّقات، والحصفاء الكفاة، المعروفين بالظّلف والورع، المتنزّهين عن النّطف والجشع، والتقدّم إليهم في حفظ أصولها، وتوفير فروعها، وتثمير غلالها وارتفاعها، وصرفها إلى أهلها ومستحقّها وفي وجوهها وسبلها، ومطالبتهم بحساب ما يجري على أيديهم، والاستقراء لآثارهم فيه وأفعالهم، وأن يحمد منهم من كفى وكفّ، ويذم من أضاع وأسفّ، وينزل كلّا منهم منزلته التي استحقّها بعمله، واستوجبها بأثره، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً
«1» .
وأمره بالاحتياط على أموال الأيتام، وإسنادها إلى أعفّ وأوثق القوّام، والتقدّم إلى كل طائفة بأن يجريهم مجرى ولده، ويقيمهم مقام سلالته، في الشفقة عليهم، والإصلاح لشؤونهم، والإشراف على تأديبهم، وتلقينهم ما لا يسع المسلم جهله من الفرائض المفترضة، والسّنن المؤكّدة، وتخريجهم في أبواب معايشهم، وأسباب مصالحهم، والإنفاق عليهم من عرض أموالهم بالمعروف الذي لا شطط فيه ولا تبذير، ولا تضييق ولا تقتير؛ فإذا بلغوا مبالغ كمالهم، وأونس منهم الرّشد في متصرّفاتهم، أطلق لهم أموالهم، وأشهد بذلك عليهم؛ فقد جعله الله بما تقلّده من الحكم، خلفا من الآباء لذوي اليتم، وصار بهذه الولاية عليهم مسؤولا عنهم، ومجزيّا عما سار به فيهم، وأوصله من خير أو شرّ إليهم؛ قال الله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
«2» .
وأمره بحفظ ما في ديوانه من الوثائق والسّجلّات، والحجج والبيّنات،
(10/293)

والوصايا والإقرارات: فإنها ودائع الرعيّة عنده، وواجب أن يحرسها جهده، وأن يكلها إلى الخزّان المأمونين، والحفظة المتيقّظين، ويوعز إليهم بأن لا يخرجوا شيئا منها عن موضعه ولا يضيفوا إليها ما لم يكن بعلمه، وأن يتّخذ لها بيتا يحصرها به، ويجعله بحيث يأمن عليه: ليرجع متى احتاج الرجوع إليه؛ فقد قال الله تعالى:
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ*
«1» .
وأمره إن ورد عليه أمر يعييه فصله، ويشتبه عليه وجه الحكم فيه، أن يردّه إلى كتاب الله، ويطلب به سبيل المخلص منه، فإن وجده وإلا ففي الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أدركه وإلا استفتى فيه من يليه من ذوي الفقه والفهم، والهداية والعلم؛ فما زالت الأئمة والحكّام من السّلف الصالح، وطرّاق السّنن الواضح، يستفتي واحد منهم واحدا، ويسترشد بعض بعضا، لزوما للاجتهاد، وطلبا للصواب، وتحرّزا من الغلط، وتوقّيا من العثار؛ قال الله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
«2» .
وأمره أن لا ينقض حكما حكم به من كان قبله ولا يفسخه، وأن يعمل عليه ولا يعدل عنه، ما كان داخلا في إجماع المسلمين، وسائغا في أوضاع الدّين؛ فإن خرج عن الإجماع، أوضح الحال فيه لمن بحضرته من الفقهاء والعلماء حتّى يصيروا مثله في إنكاره، ويجتمعوا معه على إيجاب ردّه، ثم ينقضه حينئذ نقضا يشيع ويذيع، ويعود به الأمر إلى واجبه، ويستقرّ معه الحقّ في نصابه؛ قال الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
» .
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته عليك؛ قد شرح به صدرك، وأوضح به سبلك وأقام أعلام الهداية لك، ولم يألك تبصيرا وتذكيرا، ولم يدّخرك تعريفا
(10/294)

وتوقيفا، ولم يجعلك في شيء من أمرك على شبهة تعترضك، ولا حيرة تعتاقك؛ والله شاهد له بخروجه من الحق فيما وصّى وعهد، وعليك بقبولك ما قبلت مما ولّى وقلّد؛ فإن عدلت واعتدلت- وذلك خليق بك- فقد فاز وفزت معه، وإن تجانفت «1» وزللت- وذلك بعيد منك- فقد ربح وخسرت دونه؛ فلتكن التقوى زادك، والاحتراس شعارك، واستعن بالله يعنك، واستهده يهدك، واعتضد به يعضّدك، واستمدّ من توفيقه يمددك؛ إن شاء الله تعالى.
[وكتب نصير الدولة الناصح أبو طاهر يوم كذا من رجب سنة ست وستين وثلاثمائة] «2» .
وهذه نسخة عهد بقضاء القضاة [بحاضرة بغداد وسائر الأعمال] «3» شرقا وغربا كتب به عن الإمام الناصر لدين الله أحمد «4» ، للقاضي محيي الدين أبي عبد الله محمد بن فضلان، من إنشاء أستاد الدار عضد الدين بن الضحّاك، وهي:
هذا ما عهد عبد الله وخليفته في العالمين، المفترض الطاعة على الخلق أجمعين، أبو العبّاس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين، إلى محمد بن يحيى ابن فضلان: حين سبر خلاله واستقراها، واعتبر طرائقه واستبراها، فألفاه رشيدا في مذاهبه، سديدا في أفعاله وضرائبه، موسوما بالرّصانة، حاليا بالورع والدّيانة، مبرّزا من العلوم في فنونها، عالما بمفروض الشريعة المطهّرة ومسنونها، مدّرعا ملابس العفاف، قد أناف على أمثاله في بوارع الأوصاف، فقلّده قضاء القضاة في مدينة السلام وجميع البلاد والأعمال، والنواحي والأمصار: شرقا وغربا، وبعدا
(10/295)

وقربا، سكونا إلى ما علم من حاله، واضطلاعه بالنهضة المنوطة به واستقلاله، وركونا إلى قيامه بالواجب فيما أسند إليه، ونهوضه بعبء ما يعوّل في حفظ قوانينه عليه، واستنامة إلى حلول الاصطناع عنده، ومصادفته منه مكانا تبوّاه بالاستحقاق وحده؛ والله تعالى يعضّد آراء أمير المؤمنين بمزيد التوفيق في جميع الأمور، ويحسن له الخيرة فيما يؤمّه من مناظم الدّين وصلاح الجمهور؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
أمره بتقوى الله تعالى في إعلانه وإسراره، وتقمّص شعارها في إظهار أمره وإضماره؛ فإنها العروة الوثقى، والذّخر الأبقى، والسعادة التي ما دونها فوز ولا فوقها مرقى، وهي حلية الأبرار، وسيما الأخيار، والمنهج الواضح، والمتجر الرابح، والسبيل المؤدّي إلى النجاة والخلاص، يوم لا وزر ولات حين مناص، وأنفع العدد والذّخائر، وخير العتاد يوم تنشر الصّحف وتبلى السّرائر، يوم تشخص الأبصار، وتعدم الأنصار: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ
«1» ، ولا ينجو من عذاب الله يومئذ إلا من كان زاده التقوى، وتمسّك منها بالسبب الأقوى؛ قال الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
«2» .
وأمره أن يجعل كتاب الله إماما يهتدي بمناره، ويستصبح ببواهر أنواره، ويستضيء في ظلم المشكلات بمنير مصباحه، ويقف عند حدود محظوره ومباحه، ويتّخذه مثالا يحتذيه، ودليلا يتّبع أثره فيهديه، ويعمل به في قضاياه وأحكامه، ويقتدي بأوامره في نقضه وإبرامه: فإنه دليل الهدى ورائده، وسائق النّجح وقائده، ومعدن العلم ومنبعه، ومنجم الرّشاد ومطلعه، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما «3» رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمّة، والذّكر الذي جعله الله تعالى تبيانا لكل شيء
(10/296)

وهدى ورحمة، فقال عزّ من قائل: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
«1» .
وأمره بانتزاع «2» الآثار النبوية صلوات الله على صاحبها وسلامه، والاهتداء بشموسها التي تنجلي بها دجنّة كلّ مشكل وظلامه، والاقتداء بسنّة الشريعة المتبوعة، وتصفّح الأخبار المسموعة؛ والعمل منها بما قامت أدلّة صحّته من جميع جهاته، واستحكمت الثّقة بنقلته عنه عليه السلام ورواته؛ وسلمت أسانيده من قدح، ورجاله من ظنّة وجرح، فإنّها التالية للقرآن المجيد في وجوب العمل بأوامره، والانتهاء بروادعه وزواجره؛ وهو عليه الصلاة والسلام الصادق الأمين الذي ما ضلّ وما غوى، وما ينطق عن الهوى؛ وقد قرن الله سبحانه طاعته بطاعته، والعمل بكتابه والأخذ بسنّته؛ فقال عز من قائل: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
«3» .
وأمره بمجالسة العلماء، ومباحثة الفقهاء، ومشاركتهم في الأمور المشكلة، وعوارض الحكومات المعضلة: لتستبين سبيل الصواب، ويعرى الحكم من ملابس الشّبه والارتياب، ويخلص من خطأ الانفراد، وغوائل الاستبداد، فالمشورة باليمن مقرونة، والسلامة في مطاويها مضمونة؛ وقد أمر الله تعالى بها نبيّه صلى الله عليه وسلم مع شرف منزلته وكمال عصمته، وتأييده بوحيه «4» وملائكته فقال سبحانه:
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
«5» .
وأمره بفتح بابه، ورفع حجابه، وأن يجلس للخصوم جلوسا عامّا، وينظر في
(10/297)

أمورهم نظرا حسنا تامّا، مساويا بينهم في نظره ولحظه، وإصغائه ولفظه، محترزا من ذي اللّسن وجرأة جنانه، متأنّيا بذي الحصر عند إقامة برهانه، فربّما كان أحد الخصمين ألحن بحجّته، والآخر ضعيفا عن مقاومته، هذا مقام الفحص والاستفهام، والتثبّت «1» وإمضاء الأحكام: ليسلم من خديعة محتال، وكيد مغتال، مائلا في جميع ذلك مع الواجب، سالكا طريق العدل اللّاحب، غير فارق في إمضاء الحكم بين القويّ والضعيف، والمشروف والشريف، والمالك والمملوك، والغنيّ والصّعلوك، قال الله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا
«2» . وقال سبحانه وتعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
«3» .
وأمره أن يتصفّح أحوال الشهود، المسموعة أقوالهم في الحقوق والحدود، المرجوع إلى أمانتهم، المعمول بشهادتهم، الذين بهم تقام الحجج وتدحض، وتبرم الأحكام وتنقض، وتثبت الدّعاوى وتبطل، وتمضى القضايا وتسجّل، مجتهدا في البحث عن طرائقهم وأحوالهم، وانتقاد تصاريفهم وأفعالهم، واستشفاف سجاياهم، وعرفان مزاياهم، مخصّصا بالتمييز من كان حميد الخلال، مرضيّ الفعال، راجعا إلى ورع ودين، متمسّكا من الأمانة والنّزاهة بالسبب المتين؛ قال الله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
«4» .
وأمره بالنظر في أمور اليتامى وأموالهم، ومراعاة شؤونهم وأحوالهم، وأن يرتّب بسبب اتّساق مصالحهم الثّقات الأعفّاء، والأمناء الأتقياء، ممن ظهرت ديانته، وحسنت سريرته، واشتهر بالظّلف والعفاف، والتنزّه عن الطمع والإسفاف، ويأمرهم بحفظها من خلل يتخلّلها، ويد خائنة تدخلها؛ وليكن عليهم
(10/298)

حدبا، وفي فرط الحنوّ أبا؛ وخلفا من آبائهم في الإشفاق عليهم، وحسن الالتفات إليهم: فإنّه عنهم مسؤول، والعذر عند الله تعالى في إهمالهم غير مقبول، وأن يأذن لهم في الإنفاق عليهم بالمعروف من غير إسراف ولا تقتير، ولا تضييق ولا تبذير؛ فإذا بلغ أحدهم النّكاح، وآنس منه أمارات الرّشد والصّلاح، دفع ماله إليه، وأشهد بقبضه عليه، على الوجه المنصوص، غير منقوص ولا منغوص، ممتثلا أمر الله تعالى في قوله سبحانه: فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً
«1» .
وأمره بتزويج الأيامى اللّواتي لا أولياء لهنّ من أكفائهنّ، بمهور أمثالهنّ، وأن يشمل ذوات الغنى والفقر منهنّ بعدله، ويتحرّى لهنّ المصلحة في عقده وحلّه.
وأمره أن يستنيب فيما بعد عنه من البلاد ودنا، وقرب منه ونأى، كلّ ذي علم واستبصار، وتيقّظ في الحكم واستظهار، ونزاهة شائعة، وأوصاف لأدوات الاستحقاق جامعة، ممن يتحقّق نهوضه بذلك واضطلاعه، ويأمن استزلاله «2» وانخداعه، وأن يعهد إليهم في ذلك بمثل ما عهد إليه ولا يألوهم تنبيها وتذكيرا، وإرشادا وتبصيرا؛ قال الله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
«3» .
وأمره بإمضاء ما أمضاه قبله الحكّام، من القضايا والأحكام، غير متعقّب أحكامهم بنقض ولا تبديل، ولا تغيير ولا تأويل، إذا كانت جائزة في بعض الأقوال، ممضاة على وجه من وجوه الاحتمال، غير خارقة للإجماع، عارية من ملابس الابتداع، وإن كان ذلك منافيا لمذهبه، فقد سبق حكم الحاكم به «4» ؛ قال
(10/299)

الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
«1» .
وأمره أن يتخذ كاتبا قيّما بشروط القضايا والسّجلّات، عارفا بما يتطرّق نحوها من الشّبه والتأويلات، ويتداخلها من النّقص والتلبيسات، متحرّزا في كلّ حال، متنزّها عن ذميم الأفعال، وأن يتخيّر حاجبا نقيّ الجيب، مأمون المشهد والغيب، مستشعرا للتقوى، في السّر والنجوى، سالكا للطريقة المثلى، غير متجهّم للناس، ولا معتمد ما ينافي بسط الوجه لهم والإيناس: فإنه وصلتهم إليه، ووجهه المشهود قبل الدخول عليه؛ فلينتخبه من بين أصحابه، وممن يرتضيه من أمثاله وأضرابه.
وأمره بتسلّم ديوان القضاء والحكم، والاستظهار على ما في خزائنه بالإثبات والختم، والاحتياط على ما به من المال والسّجلّات، والحجج والمحاضر والوكالات «2» ، والقبوض والوثائق والأثبات والكفالات، بمحضر من العدول الأمناء الثّقات، وأن يرتّب لذلك خازنا يؤدّي الأمانة فيه، ويتوخّى ما توجبه الديانة وتقتضيه.
وأمره بمراعاة أمر الحسبة: فإنها من أكبر المصالح وأهمّها، وأجمعها لمنافع الخلق وأعمّها، وأدعاها إلى تحصين أموالهم، وانتظام أحوالهم، وأن يأمر المستناب فيها باعتبار سائر المبيعات فيها: من الأقوات «3» وغيرها في عامّة الأوقات، وتحقيق أسباب الزيادة والنّقصان في الأسعار، والتصدّي لذلك على الدّوام والاستمرار، وأن يجري الأمر فيها بحسب ما تقتضيه الحال الحاضرة، والموجبات الشائعة الظاهرة، واعتبار الموازين والمكاييل، وإعادة الزائد والناقص منها إلى التّسوية والتعديل؛ فإن اطّلع لأحد من المتعاملين على خيانة في
(10/300)

ذلك وفعل ذميم، أو تطفيف عدل فيه عن الوزن بالقسطاس المستقيم، أناله من التأديب، وأسباب التّهذيب، ما يكون له رادعا، ولغيره زاجرا وازعا؛ قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
«1» .
وهذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته عند الله تعالى عليك؛ قد أولاك من صنوف النّعم والآلاء، وجزيل الكرم والحباء، ما يوجب عليك الاعتراف بقدره، واستيزاع شكره، ووقف بك على محجّة الرّشاد، وهداك إلى منهج الحقّ وسنن السّداد، ولم يألك تثقيفا وتبصيرا، وتنبيها وتذكيرا، فتأمّل ذلك متدبّرا، وقف عند حدود أوامره ونواهيه مستبصرا، واعمل به في كلّ ما تأتيه وتذره، وتورده وتصدره، وكن للمخيلة في ارتيادك محقّقا، وللمعتقد فيك مصدّقا، تفز من خير الدارين بمعلّى القداح «2» ، وإحماد السّرى عند الصّباح؛ وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل [إن شاء الله تعالى] «3» .
الضرب الثاني
(مما كان يكتب بديوان الخلافة ببغداد لأرباب الوظائف من أصحاب الأقلام التواقيع) وطريقتهم فيها أن يفتتح التوقيع بلفظ «أحقّ» أو «أولى» أو «أقمن من أفيضت عليه النّعم» أو «من فوّض إليه كذا» أو «من نوّه بذكره» ونحو ذلك «من كان بصفة كذا وكذا» ثم يقال: «ولما كان فلان بصفة كذا وكذا، فوّض إليه كذا وكذا» أو «أسند إليه كذا وكذا» ونحو ذلك.
(10/301)

وهذه نسخة توقيع بتدريس، كتب به عن الإمام الناصر لدين الله، للقاضي محيي الدين «محمد بن فضلان» بتدريس المدرسة النّظاميّة ببغداد، في سنة أربع عشرة وستّمائة، وهي:
أحقّ من أفيضت عليه مجاسد «1» النّعم، وجذب بضبعه إلى مقام التنويه وتقدّم القدم، من أسفر في أفضية «2» الفضائل صباحه، وانتشر في العالم علمه وأزهر مصباحه.
ولمّا كان الأجلّ الأوحد، العالم، محيي الدين، حجّة الإسلام، رئيس الأصحاب، مفتي الفريقين، مفيد العلوم، أبو عبد الله «محمد بن يحيى بن فضلان» ، أدام الله رفعته، ممن نظم فرائد المحامد عقده النّضيد، وأوى من العلم والعمل إلى ركن شديد، وثبتت قدمه من الديانة على مستثبت راسخ وقرار مهيد- رؤي التعويل في تفويض التدريس بالمدرسة النّظاميّة «3» إليه: ثقة باضطلاعه واستقلاله، وتبريزه في حلبات الاستباق على نظرائه وأمثاله، وتراجع المساجلين له عن فوت غايته وبعد مناله «4» ، وأسند إليه- أدام الله رفعته- النظر في أوقاف المدرسة المذكورة بأجمعها، واعتماد ما شرطه الواقف في مصارفها وسبلها، سكونا إلى كفايته، وركونا إلى سداده وأمانته.
ورسم له تقديم تقوى الله تعالى التي ما زال منتهجا لطرائقها، متمسّكا بعصمها ووثائقها، وأن يشرح صدره للمتعلمين، ولا تأخذه ضجرة «5» من المستفيدين، ولا تعدو عيناه عن جهلاء الطالبين «6» ، ولا يتبرّم بالمبالغة في تفهيم
(10/302)

المبتدي، ولا يغفل عن تذكير المنتهى: فإنه إذا احتمل هذه المشقّة، وأعطى كلّ تلميذ حقّه، كان الله تعالى كفيلا بمعونته، بحسب ما يعلم من حرصه عليهم وإخلاص نيّته. وليكن بسائر المتفقّهة معتنيا رفيقا، وعليهم حدبا شفيقا، يفرّع لهم من الفقه ما وضح وتسهّل، ويبيّن لهم ما التبس من غوامضه وأشكل، حتّى تستنير قلوبهم بأضواء علوم الدين، وتنطق «1» ألسنتهم فيها باللفظ الفصيح المبين، وتظهر آثار بركاته في مراشده وتبين؛ ولتتوفّر همّته في عمارة الوقوف واستنمائها، والتوفّر على كلّ ما عاد بتزايدها وزكائها، بحيث يتّضح مكان نظره فيها، ويبلغ الغاية الموفية على من تقدّمه ويوفيها، ولا يستعين إلّا بمن يؤدّي الأمانة ويوفّيها، ويقوم بشرائط الاستحفاظ ويكفيها؛ وهو- أدام الله رفعته- يجري من عوائد المدرّسين والمتولّين قبله على أوفى معهود، ويسامي به «2» إلى أبعد مرتقى ومقام محمود، وأذن له في تناول إيجاب التدريس ونظر الوقوف المذكورة؛ أسوة من تقدّمه في التدريس والنظر في الوقوف «3» ، على ما شرط الواقف في كل ورد وصدر، واعتماد كل ما حدّه في ذلك ومثّله من غير تجاوز.
النوع الرابع
(مما كان يكتب من ديوان الخلافة ببغداد ما كان يكتب لزعماء أهل الذّمّة) وطريقهم فيه أن يفتتح بلفظ: «هذا كتاب أمر بكتبه فلان أبو فلان الإمام الفلانيّ أمير المؤمنين لفلان» ثم يقال: «أما بعد فالحمد لله» ويؤتى فيه بتحميدة أو ثلاث تحميدات إن قصد المبالغة في قهر أهل الذمّة بدخولهم تحت ذمة الإسلام وانقيادهم إليه، ثم يذكر نظر الخليفة في صالح الرعيّة حتّى أهل الذمة، وأنه أنهي إليه حال فلان وسئل في توليته على طائفته فوّلاه عليهم للميزة على غيره من أبناء طائفته ونحو ذلك؛ ثم يوصيه بما يناسبه من الوصايا.
(10/303)

وهذه نسخة من ذلك، كتب بها عن القائم بأمر الله، لعبد يشوع «1» الجاثليق، من إنشاء العلاء بن موصلايا، وهي:
هذا كتاب أمر بكتبه عبد الله أبو جعفر عبد الله الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين، لعبد يشوع الجاثليق الفطرك «2» .
أما بعد، فالحمد لله الواحد بغير ثان، القديم لا عن وجود زمان، الذي قصرت صنيعة الأوهام، عن إدراكه وحارت، وضلّت صنيعة الأفهام، عن بلوغ مدى صفاته وحالت، المتنزّه عن الولد والصاحبة، العاجزة عن إحاطة العلم به دلائل العقول الضافية الصائبة، ذي المشيئة الحالية بالمضاء، والقدرة الجارية عليها تصاريف القدر والقضاء، والعظمة الغنيّة عن العون والظّهير، المتعالي بها عن الكفء والنظير، والعزّة المكتفية عن العضد والنصير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
«3» .
والحمد لله الذي اختار الإسلام دينا وارتضاه، وشام «4» به عضب الحقّ على الباطل وانتضاه، وأرسل محمدا صلى الله عليه وسلم منقذا من أشراك الضّلّة، وكاشفا عن الإيمان ما غمره من الإشراك وأظلّه، وبعثه ماحيا أثر الكفر من القلوب والأسماع، وناحيا في اتّباع أوامره «5» ماجدّ في البدار إليه والإسراع، [وأدّى ما حمّله أحسن الأداء] «6» ، وداوى بمعجز النبوّة من النفوس معضل الداء، ولم يزل لأعلام الهدى
(10/304)

مبينا، ولحبائل الغيّ حاسما مبينا، إلى أن خلص الحقّ وصفا، وغدا الدّين من أضداده منتصفا، واتّضح للحائر سنن الرّشد، وانقاد الأبيّ بالّليّن والأشدّ، فصلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وأصحابه المنتخبين، وخلفائه الأئمة الراشدين؛ وسلّم تسليما.
والحمد لله الذي استخلص أمير المؤمنين من أزكى الدّوحة والأرومة، وأحلّه من عزّ الإمامة ذروة للمجد غير مرومة، وأصار إليه من تراث النبوّة ما حواه بالاستحقاق والوجوب، وأصاب به من مرامي الصّلاح ما حميت شموسه من الأفول والوجوب «1» ، وأولاه من شرف الخلافة ما استقدم به الفخر فلبّى، واستخدم معه الدّهر فما تأبّى، ومنح أيّامه من ظهور العدل فيها وانتشاره، ولقاح حوامل «2» الإنصاف فيها ووضع عشاره «3» ، ما فضل به العصور الخالية، وظلّت السير متضمّنة من ذكرها ما كانت من مثله عارية خالية، وهو يستديمه- سبحانه- المعونة على ما يقرّب لديه ويزلف عنده، ويستمدّ التوفيق الذي يغدو لعزائمه الميمونة أوفى العضد والعدّة؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
وأمير المؤمنين مع ما أوجب الله تعالى عليه من اختصاص رعاياه [بأكنافه] «4» التي يمدّ عليهم رواقها، ويردّ بها إلى أغصان صلاحهم أوراقها، ويلقي على أجيادهم عقودها، ويقي رياح ائتلافهم ركودها، يرى أن يولي أولي الاستقامة من أهل ذمّته ضروب الرأفة وصنوفها، وأقسام العاطفة الدافعة عنهم حوادث الغير
(10/305)

وصروفها، بمقتضى عهودهم القويّة القوى، وأذمّتهم «1» التي يلزم أن يحافظ عليها أهل العدل والتقوى، ويغتمدهم من الضّرر «2» الغامر، والإجمام المضاهي الآنف منه الغابر؛ بما يقبض «3» يد الضيّم وكفّه [ويفيض عليهم من الملاحظة كل ما حسم الضير دونهم وكفّه] «4» وأن يحبوهم «5» من الحياطة بما يحرس رسومهم المستمرّة من أسباب الاختلال، ويجريهم فيها على ما سنّه السلف معهم من مألوف السّجايا والخلال.
ولما أنهي إلى حضرة أمير المؤمنين تمييزك عن نظرائك، وتحلّيك من السّداد بما يستوجب معه أمثالك المبالغة في وصفك وإطرائك، وتخصّصك بالأنحاء التي فتّ فيها شأو أقرانك، وأفدت بها ما قصّر معه مساجلك من أبناء جنسك أن يعدلك في ميزانك، وما عليه أهل نحلتك من حاجتهم إلى جاثليق «6» كافل بأمورهم، كاف في سياسة جمهورهم، مستقلّ بما يلزمه القيام به، غير مقلّ بما يتعيّن مثله في أدوات منصبه، وأنّ كلّا ممن يرجع إليه منهم لمّا تصفّح أحوال متقدّمي دينهم واستشفّ، وأعمل الفكر في اختيار الأرجح منهم والأشفّ، واتفقوا من بعد على إجالة الرأي الذي أفاضوا بينهم قداحه، وراضوا به زند الاجتهاد إلى أن أورى حين راموا اقتداحه، فلم يصادفوا من هو بالرياسة عليهم أحقّ وأحرى، وللشّروط الموجبة التقديم فيهم أجمع وأحوى، وعن أموال وقوفهم أعفّ وأورع، ومن نفسه لداعي التحرّي فيها أطوع وأتبع، منك؛ اختاروك لهم راعيا، ولما شدّ نظامهم ملاحظا مراعيا، وسألوا إمضاء نصّهم عليك والإذن فيه،
(10/306)

وإجراء الأمر فيما يخصّك أسدّ مجاريه، وترتيبك فيما أهّلت له وحمّلت ثقله، واختصاصك على من تقدّمك من الأضراب، بمزيد من الإرعاء والإيجاب، وحملك وأهل نحلتك على الشّروط المعتادة، والرسوم التي 7 مضاء الشريعة لها أوفى الشّهادة، رأى أمير المؤمنين الإجابة إلى ما وجّهت إليه فيه الرّغبه، واستخارة الله تعالى في كل عزم يطلق شباه ويمضي غربه، مقتديا فيما أسداه إليك، وأسناه من أنعمه «1» لديك، بأفعال الأئمة الماضين، والخلفاء الراشدين، صلوات الله عليهم أجمعين، مع أمثالك من الجثالقة الذين سبقوا، وفي مقامك اتّسقوا، وأوعز بترتيبك جاثليقا لنسطور النّصارى بمدينة السلام وسائر البلاد والأصقاع، وزعيما لهم وللرّوم واليعاقبة طرّا، ولكلّ من تحويه ديار الإسلام من هاتين الطائفتين ممّن بها يستقرّ وإليها يطرا، وجعل أمرك فيهم ممتثلا، وموضعك من الرّياسة عليهم متأثّلا، وأن تنفرد بالتقدّم على هذه الطوائف أجمع: ليكون قولك فيما يجيزه الشرع «2» فيهم يقبل وإليك في أحوالهم يرجع، وأن تتميز بأهبة الزّعامة، في مجامع النصارى ومصلّياتهم عامّة، من غير أن يشركك فيها أو يشاكلك في النّسبة الدالة عليها مطران أو أسقفّ للروم أو اليعاقبة: لتغدو شواهد ولايتك بالأوامر الإمامية بادية للسامع والناظر، وآثار قصورهم عن هذه الرّتبة التي لم يبلغوها كافّة للمجادل منهم والمناظر، ومنعوا بأسرهم عن مساواتك في كلّ أمر هو من شروط الزّعامة ورسومها، والتزيّي بما هو من علاماتها ووسومها؛ إذ لا سبيل لأحدهم أن يمدّ في مباراتك باعه، ولا أن يخرج عن الموجب عليه من الطاعة لك والتّباعة، وحملك في ذاك على ما يدلّ عليه المنشور المنشأ لمن تقدّمك، الممضى لك ولكلّ من يأتي بعدك، المجدّد بما حواه ذكر ما نطقت به المناشير المقرّرة في أيام الخلفاء الراشدين، صلوات الله عليهم أجمعين، لمن تقدّمك في مقامك، وأحرز سبق مغزاك ومرامك: من كون المنصوب في الجثلقة إليه الزّعامة على ما تضمّه
(10/307)

ديار الإسلام من هذه الفرق جمعا، والمنصوص عليه في التقدّم الذي ليس لغيره من رياضه مرعى؛ وتقدّم أمير المؤمنين بحياطتك وأهل نحلتك في نفوسكم وأموالكم وبيعكم «1» ، ودياركم ومقارّ صلواتكم وحراسة أموالكم «2» ، واعتمادكم بأقسام الكلاءة على أجمل الرّسم معكم، وأن تحموا من نقض سنّة رضيّة قرّرت لكم، ودحض وتيرة حميدة استعملت في فرضكم، وأن تقبض الجزية من رجالكم ذوي القدرة على أدائها بحسب ما جرت به عاداتكم دون النساء ومن لم يبلغ الحلم دفعة واحدة في السنة، وتجروا في ذلك على السجيّة التي تناقلها الرّواة وتداولتها الألسنة، من غير تثنية ولا تكرير، ولا ترنيق لمنهل المعدلة عندكم ولا تكدير، وأن تحبى بالشّدّ دائما وتقوية يدك على من نصبته في أمورهم ناظرا ولشملهم ناظما؛ ويفسح لك في فصل ما يشجر بينهم على سبيل الوساطة: لتقصد في ذاك ما يحسم دواعي الخلف ويطوي بساطه، وأن تمضي تثقيفك لهم وأمرك فيهم، أسوة ما جرى عليه الأمر مع من كان قبلك يليهم، لتحسن معه السيرة العادلة «3» عليهم بحفظ السّوام، المطابقة للشروط السائغة في دين الإسلام.
وأمر بإنشاء هذا الكتاب مشتملا على ما خصّك به، وأمضى أن تعامل بموجبه، فقابل نعمة أمير المؤمنين عندك بما تستوجبه من شكر تبلغ فيه المدى الأقصى، وبشر لا يوجد التصفّح له عندك قصورا ولا نقصا، وواظب على الاعتراف بما أوليته من كلّ ما جمّلك، وصدّق ظنّك وأملك، واستزد الإنعام بطاعة تطوي عليها الجوانح، وأدعية لأيامه تتبع الغادي منها بالرائح، وتجنّب التقصير فيما بك عدق «4» ، وإليك وكل وعليك علّق؛ واحتفظ بهذا الكتاب جنّة تمنع عنك
(10/308)

ريب الدّهر وغيره، وحجّة تحمل فيها على ما يحمي ما منحته من كل [ما شعّثه وغبّره] «1» ؛ وليعمل بهذا المثال كافّة المطارنة والأساقفة والقسيّسين، والنصارى أجمعين، وليعتمدوا من التّباعة لك ما يستحقّه تقديمك على الجماعة، وليثقوا بما يغمرهم من العاطفة «2» الحامية سربهم من التفريق والإضاعة؛ إن شاء الله تعالى.
وكتب في شهر ربيع الأوّل سنة سبع وستين وأربعمائة.
الطرف الرابع
(فيما كان يكتب عن مدّعي «3» الخلافة ببلاد المغرب والأندلس) وكانوا يعبّرون عمّا يكتب من ذلك بالظّهائر والصّكوك: فالظهائر جمع ظهير، وهو المعين، سمّي مرسوم الخليفة أو السلطان ظهيرا لما يقع به من المعاونة لمن كتب له. والصّكوك جمع صكّ وهو الكتاب، قال الجوهري: وهو فارسيّ معرّب والجمع أصكّ وصكاك وصكوك؛ ثم تحامى المتأخّرون منهم لفظ الصّكّ، لما جرى به عرف العامّة من غلبة استعماله في أحد معنيي الاشتراك فيه وهو الصّفع، واقتصروا على استعمال لفظ الظّهير.
ولذلك حالتان:
الحالة الأولى «4» (ما كان الأمر عليه في الزمن القديم)
واعلم أنه لم يكن لهم مصطلح يقفون عند حدّه في الابتداءات، بل بحسب ما تقتضيه قريحة الكتّاب؛ فتارة يبتدأ بلفظ: «من فلان إلى فلان» أو «من
(10/309)

فلان إلى أهل فلانة» أو «إلى الأشياخ بفلانة» أو «يصلكم فلان بهذا الكتاب» . وتارة يبتدأ ب «أما بعد حمد الله» . وتارة يبتدأ بلفظ «تقدم فلان بكذا» . وتارة يبتدأ بلفظ «مكتوبنا هذا» وغير ذلك مما لا ينحصر.
فمن الظّهائر المكتتبة لأرباب السّيوف عندهم، ما كتب به بولاية ناحية، وهي:
من فلان إلى أهل فلانة أدام الله لهم من الكرامة أتمّها ومن الرّعاية أوفاها، وأسبغ عليهم برود نعمه الجزيلة وأصفاها.
أما بعد حمد الله ميسّر أسباب النّجاح، ومسنّي مرام الرّشاد والصّلاح، والصلاة على سيدنا محمد رسوله نبيّ الرحمة والرّفق والإسجاح «1» ، وعلى آله وصحبه المتّصفين بالقوّة في ذات الله تارة وتارة بخفض الجناح، والرّضا عن الخليفة أمير المؤمنين ذي الشّرف الذي لم يزل بالهدى النبويّ متوقّد المصباح، والدعاء للمقام الإماريّ بالنصر الذي يؤتي مقاليد الافتتاح، والتأييد الماضي حدّ رعبه حيث لا يمضي غرار المهنّد وشبا الرّماح، فإنّا كتبناه إليكم- كتب الله لكم سكون الأرجاء وهدوّها، وأجرى لكم بالصّلاح رواح الأيّام وغدوّها- «من فلانة» وللدّولة العليّة بركات تكاثر السّحب في انسكابها وانسجامها، وتقود الخيرات والمسرّات في كل أوب بزمامها، والحمد لله حمدا يقضي بوفور جزيلات النّعم وجسامها.
وإن الاهتمام بكم لمستبق على كل غرض جميل، ومقدّم فيما يحظيكم بكلّ بغية وتأميل؛ وبحسب هذا لا يزال يختار لكم من الولاة كلّ مختار منتخب، ولا يقدّم عليكم إلّا من ينتهي إلى أثيل حسب وكريم منتسب، ولا يزال يداول موضعكم بين كل طريقة تتّصل من حسن السّير وسداد النظر بأمتن سبب؛ وعلى هذا الأصل استخرنا الله وهو المستخار، والذي يقضي ما يشاء ويختار، في أن
(10/310)

قدّمنا عليكم، وولّينا للنظر فيما لديكم، من له التقدّم في الإقدام، والاضطلاع الثابت الأقدام؛ وذلك فلان؛ وآثرناكم به اعتناء بجانبكم واهتبالا «1» ، وخصصناكم منه بمن يفسح في كل أثر حميد مجالا، والمعتقد فيه أن يعمل على شاكلته بنباهة مكانه، وأن يبذل في الانتهاض والاكتفاء غاية وسعه وإمكانه؛ وعليه أن يلازم تقوى الله العظيم في سرّه وعلنه، ويجري على سبيل العدل وسننه، ويشمّر عن ساعده في الدّفاع عن أحوازكم كلّ التشمير، ويأخذ على أيدي أهل التعدّي أخذا يقضي على الفساد وأهله بالتّتبير، ويقصد بكم سديد السّعي ورشيد الرأي في الدقيق والجليل والصغير والكبير، ويسوّي في الحق بين الحافل والتافه والغنيّ والفقير، وعليكم أن تسمعوا وتطيعوا، ولا تهملوا حقّ الامتثال والائتمار ولا تضيعوا، وأن تكونوا يده التي تبطش، وأعوانه فيما يحاول من مستوفي المساعي المرضيّة ومستوعبها، وأن تتعاونوا على التقوى والبرّ، وتقفوا له عند النهي والأمر، وتجتهدوا معه في مصالحكم كلّ الاجتهاد، وتعتمدوا على ما رسمناه لكم أتمّ الاعتماد، وستجدون من مواليكم- إن شاء الله- ما يوافق الظّنّ به، ويلائم العمل بحسب حسبه؛ إن شاء الله تعالى والسلام.
ومنها ما كتب به في ولاية ناحية أيضا، وهي:
من فلان إلى أهل فلانة أدام الله تعالى كرامتهم بتقواه، وعرّفهم أحقّ النظر بمصالحهم وأحراه.
وبعد، فإنّا كتبناه لكم- كتب الله لكم أحوالا متّصلة الصّلاح، حميدة الاختتام والافتتاح- من فلانة، ونعم الله سبحانه موفورة الأقسام، صيّبة الغمام؛ وقد اقتضى
(10/311)

ما نتوخّاه من الاحتياط على جوانبكم، ونعتمده من الإيثار لكم والاعتناء بكم، أن نتخيّر للتقديم عليكم من نعلم منه الأحوال المرضيّة حقيقة، ونحمد سيره فيما يحاوله وطريقه.
ولمّا كان فلان ممن حمدت مقاصده، وشكرت في المحاولات الاجتهاديّة عوائده، وحسنت فيما نصرّفه فيه مصادره وموارده، رأينا- والله القاضي فيما نذره ونأتيه، بالتوفيق الذي يكون به انقياد النّجح وتأتّيه- أن نقدّمه لحفظ جهاتكم، وتأمين أرجائكم وجنباتكم، ووصّيناه أن يجتهد فيما قلّدناه من ذلك كلّ الاجتهاد، وينتهض في إذهاب الشّرّ وإرهاب أهل الفساد، وبأن يسلك فيما يتولّاه من الأحكام سنن الحق، ويجري على سبيل العدل والرّفق، ويدفع أسباب المظالم، وينصف المظلوم من الظالم؛ فإذا وافاكم فتلقّوه بنفوس منبسطة، وعقائد على العمل الصالح مرتبطة، وكونوا معه على تمشية الحق يدا واحدة، وفئة في ذات الله متعاونة متعاضدة، بحول الله سبحانه.
ومنها ما كتب به بإعادة وال إلى ناحية، وهي:
وإنا كتبناه إليكم- كتبكم الله من المتعاونين على البر والتقوى، وأعلقكم من طاعته بالحبل الأمتن الأقوى- من فلانة: والذي نوصيكم به تقوى الله تعالى والعمل بطاعته، والاستعانة به والتوكّل عليه؛ وقد صرفنا إليكم فلانا بعد أن أقام هنا شاهدا مشاهد للتعلم نافعة، مباشرا من المذاكرة في الكتاب والسّنّة مجالس ضامنة لخير الدنيا والآخرة جامعة، مطالعا لأحوال الموحّدين أعزّهم الله في مآخذهم الدينيّة، ومقاصدهم المحيية لما درس من الملّة الحنيفيّة، فنال بذلك كلّه خيرا كثيرا، وأحرز به حظّا من السعادة كبيرا، وظفر منه بما يكون له في كل ما ينظر فيه سراجا منيرا، وقد أعدناه إلى الشّغل الذي كان يتولّاه لجهتكم حرسها الله، ووصيّناه بتقوى الله تعالى الذي لا يطّلع على السّرائر سواه، وأن يكون بما شاهده مما تقدّم ذكره مقتديا، وبأنواره الساطعة التي لا يضلّ من اهتدى بها مهتديا، ولا
(10/312)

يستند في شيء من أحكامه إلى من لا يقوم على عصمته دليل، ولا جعل إليه تحريم ولا تحليل؛ فأعينوه- وفقكم الله- على تمشية هذه المقاصد الكريمة أكرم إعانة، واسلكوا من مظاهرته على الحق وموازرته على المسالك التي تستبين هنالكم أتمّ استبانة، إن شاء الله تعالى.
ومن الظهائر المكتتبة بالوظائف الدينّية ما كتب به في ولاية قاض، وهو:
أما بعد حمد الله رافع علم الحقّ لمن اهتدى، وواضع ميزان القسط بالشريعة المحمديّة الآخذة بالحجز عن مهاوي الرّدى، ومؤيّد الدّين الحنيفيّ بمن ارتضى لتحديد حدوده وتجديد عهوده وهدى، والصلاة على سيدنا محمد نبيّه الكريم الذي أرسله إلى الناس كافّة غير مستثن عليه من الخلق أحدا، وعلى آله وصحبه الذين سلكوا في نصره وإظهار أمره جددا، والرضا عن الخليفة أمير المؤمنين العبّاسيّ الأطيب عنصرا ومحتدا، فإنا كتبناه إليكم- كتبكم الله ممن اعتزّ بطاعته وتقواه، واعتصم من حبله المتين بأوثقه وأقواه- من فلانة، وفضل الله سبحانه مديد الظّلال، وتوكّلنا عليه- عز وجهه- ظهيرنا المعتمد به في كلّ حال، وعمادنا الذي نقدّمه فيما ندبّره من الأعمال؛ وإنّكم من عنايتنا، وموصول رعايتنا، لبالمحلّ الأدنى، ومن خاصّ نظرنا واهتمامنا لمن نكلف بشأنه كلّه ونعنى، ونعتمد من ذلك بالأحسن فالأحسن فجزاء الذين أحسنوا الحسنى.
وقد علمتم- وصل الله كرامتكم- أنّ الأحكام الشرعيّة هي ملاك الأمور ونظامها، وعليها مدار الأعمال الدينية وبها تمامها، وأنه لا يصلح لها إلا من تجرّد عن هواه، وآثر الحقّ على ما سواه، واتّبع حكم نبيّه- عليه السلام- في كلّ ما عمله ونواه، وتجمّل بالدّراية وحمل الرّواية فكانتا أظهر حلاه، واتّسم بالعدل والاعتدال فيما وليه من ذلك أو تولّاه، وكان ممن أطلق الحقّ لسانه وقيّد الورع يمناه؛ وقد أمعنّا النظر فيمن له من هذه الأوصاف أوفى نصيب، ومن إن رمى عن قوس نظره الموفّق كان سهمه المسدّد مصيب: لنخصّكم به قاضيا في هذه الأحكام، ونقدّمه
(10/313)

للفصل بينكم في القضايا الشرعية حكما من صالحي الحكّام، فرأينا أهلا لذلكم ومحلّا من اختبرت على [النّهج] «1» القويم أحواله، وارتضيت فيما نيط به من ذلك أعماله وأقواله، وشهد له الاختبار بالانكفاف عن كل سابق وغائب «2» ، وعن ارتكاب الثّنيّات إلى السّنن اللاحب، وذلكم «فلان» أدام الله كرامته وتوفيقه، ويسّر إلى مسالك النّجاة مسلكه وطريقه، فأنفذناه إليكم حكما مرضيّ السّير، وافر الحظّ من المعارف المصوّرة للحقّ في أجمل الصّور، مكتفيا لما لديه من استقامة الأحوال عن الوصايا ما خلا التذكير والتنبيه، والوصية بتقوى الله فهي التي تعصم العامل بها وتنجيه، فقد وصّى بها الله من اختاره من خلقه لإقامة حقّه وارتضاه، فقال تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ
«3» .
فتلقّوه- أدام الله كرامتكم- بنفوس منبسطة، وقلوب مبتهجة مغتبطة، وأهواء على التظافر والتناصر في الحق مجتمعة مرتبطة؛ وتعاونوا في ذات الله على الطاعة، وكونوا في سبيل الله يدا واحدة فيد الله مع الجماعة، واستعينوه سبحانه على الخير يعنكم، واشكروا الله يؤتكم خيرا مما أخذ منكم، وهو سبحانه يتولّاكم بالحفظ الشامل، ويستعملكم من طاعته وسلوك سبيل مرضاته بأنجى ما استعمل به عامل؛ والسلام.
ومنها ما كتب به أبو الحسن الرّعيني في ولاية قاض، وهي:
من فلان إلى الأشياخ بفلانة أدام الله كرامتهم بتقواه، واستعملهم فيما يحبّه ويرضاه.
أما بعد، فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم حسناه، وأوزعكم شكر ما خوّلكم
(10/314)

من نعماه ورحماه؛ ومن مقاصد هذا الأمر العزيز- أدامه الله- ما يعلي يد الحقّ ويسميها ويسدّد سهام العدل إلى أغراضها ومراميها، ويتكفّل بالجزاء لمن لاذ بأكناف الطاعة ونواحيها، والحمد لله على نعمه التي لا نحصرها ولا نحصيها.
وإلى ذلكم فإنّ فلانا لمّا تمكنت الثّقة بجميل صفته، واستنامت البصيرة إلى استحكام سنّه ومعرفته، وقد كان تقدّم له من خدمة الأمر وأوليائه ما نجّده «1» مع الأيّام وخرّجه، وخصّصه من كريم الاستعمال بما استدناه إلى مراقي الذّكاء واستدرجه، رأينا- والله المستعان- أن نقدّمه للنظر في قضاياكم الدّينيّة، وأحكامكم الشرعيّة، بعد أن وصّيناه بتقوى الله فقدّمها، وعرضنا عليه ما يعلمه ويلزمه من شروط الحكومة فالتزمها؛ فلينهض إلى ما قدّمناه على بركة الله تعالى مشمّرا عن ساعد الحزم، آخذا في كافّة أموره بما يأخذه أولو العزم، جاريا على السّنن الواضح المعروف، مسوّيا في الحق بين النّبيه والخامل والشريف والمشروف، محتسبا على إقامة فروض الدّين أكرم احتساب، مكتسبا من الأجر في ردع الظّلم والباطل أفضل اكتساب، راجيا في تمشية العدل على رغم من أباه ما يرجو المؤمن المحقّق من زلفى وحسن مآب، ولدينا من عقده على ذلك ما يحسّن مقصده، ويمكّن في بسطة الحقّ مقعده؛ فإذا وافاكم فاستبشروا بموافاته، وقفوا عند ما يمضيه من لوازم الشّرع وموجباته، وتعاونوا على الخير تعاونا يجزل حظّكم من فضل الله وبركاته؛ فهو المؤمّل في ذلك لا ربّ سواه.
ومن الظهائر المكتتبة بالوظائف الدّيوانية ما كتب به أبو المطرّف بن عميرة بولاية وزارة وهو:
مكتوبنا هذا بيد فلان أدام الله علاءه، وحفظ عنايته وغناءه، يجد به مكان
(10/315)

العزّة مكينا، ومورد الكرامة عذبا معينا، وسبيل الحرمة المتأكدة واضحا مستبينا، ويتقلد وزارتنا تقلّد تفويض وإطلاق، ويلبس ما خلع عليه منها لبسة تمكّن واستحقاق، وينزل من رتبتها العليا منزلة شرفها ثابت وحماها باق، ويسوّغ الدار المخزنية التي يسكنها بفلانة تسويغا يملّكه إيّاها أصحّ تمليك، ويفرد فيها من غير تشريك، إن شاء الله تعالى والسلام.
ومنها ما كتب به أبو عبد الله بن الأبّار «1» في مشارفة ناحية، وهو:
عن إذن فلان، يتقدّم فلان للنّظر في الأشغال المخزنية بفلانة، موفّيا ما يجب عليه من الاجتهاد والتّشمير، والجدّ الذي ارتسم في الإنماء والتّثمير، مصدّقا ما قدّر فيه من الانتهاض والاستقلال، وقرّر عنه من الأمانة التي رشّحته وأهّلته لأنبه الأعمال، جاريا في ضبط الأمور المخزنية والرّفق بجانب الرعية على المقاصد الجليلة والمذاهب المرضيّة في عامّة الشّؤون والأحوال، عاملا بما تقدّمت به الوصيّة إليه، وتأكّدت الإشارة [به] «2» عليه، من تقوى الله في السّر والعلن، علما أنّ المرء بما قدّمته يداه مرتهن.
ومنها ما كتب به المذكور بإعادة مشارف إلى ناحية، وهو:
يعاد بهذا المكتوب فلان إلى خطّة الإشراف بفلانة: رافلا من ملابس التّكرمة والحظوة في شفوفها، مخلّى بينه وبين النظر في ضروب الأشغال المخزنية وصنوفها، فهو المعروف بالكفاية والاجتهاد، الموصوف بحسن الإصدار
(10/316)

والإيراد؛ وأولى الناس بالتزام النّصيحة، والازدياد من بضائع الأعمال الرّبيحة، من كثرت النّعم السلطانيّة لديه، ودفع إلى الخطط ودفعت إليه، فليتقلّد هذه الخطّة بحقّها من الانتهاض والتشمير، وتأدية الأمانة بالإنماء والتّثمير، وليتزوّد تقوى الله تعالى ليوم يسأل عن النّقير والقطمير «1» ، جاريا في أموره كلّها على الطريقة السّويّة، جامعا بين الاحتياط للمخزن والرّفق بالرعيّة، غير عادل في حال من الأحوال وفنّ من فنون الأعمال عن مقتضى هذه الوصيّه، إن شاء الله تعالى.
الطرف الخامس
(فيما كان عليه الأمر في الدولة الفاطمية بالديار المصريّة) وقد تقدّم في الكلام على ترتيب المملكة أنه كان بها من وظائف أرباب السّيوف الوزارة إذا كان الوزير صاحب سيف، والنظر في المظالم، وزمّ «2» الأقارب، ونقابة العلويّين، وزمّ الرجال والطوائف «3» : كالأموية، والحافظيّة، والأفضلية، وغيرهم ممّن تقدّم ذكره في ترتيب دولتهم، وولاية الشّرطة، وولاية المعاون والأحداث «4» ، وولاية الحماية «5» ، وولاية حفظ الثّغور، والإمارة على الحجّ، والإمارة على الجهاد، وولاية الأعمال، وغير ذلك. ومن الوظائف «6» قضاء
(10/317)

القضاة، والدعوة إلى مذهبهم: والنظر في الأوقاف والأحباس، والنظر في المساجد وأمر الصلاة، وغير ذلك.
وكانت كتابة ما يكتب لديهم لأرباب الولايات على نوعين:
النوع الأوّل
(ما كان يكتب به عن الخليفة نفسه) وكان من شأنهم أنهم يتعرّضون في أثناء الولاية لإشارة الوزير بتولية المولّى وثنائه عليه، وربّما أهملوا ذلك، وكانوا يسمّون جميع ما يكتب من ديوان الإنشاء سجلّات، وربّما سمّوه عهودا؛ وعليه يدلّ ما كتبه العاضد آخر خلفائهم في طرّة سجلّ السلطان صلاح الدّين بالوزارة: «هذا عهد لا عهد لوزير بمثله» على ما تقدّم ذكره في الكلام على عهود الملوك.
ولهم فيها أربعة مذاهب:
المذهب الأوّل (أن يفتتح ما يكتب في الولاية بالتّصدير)
وهو «من عبد الله ووليّه فلان أبي فلان الإمام الفلانيّ أمير المؤمنين، إلى فلان بن فلان» بالألقاب المنعوت بها من ديوان الخلافة، ويدعى له بدعوتين أو ثلاث، ثم يقال: «سلام عليك فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أخيه وابن عمّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب» ويؤتى من وصف الخليفة ومدحه بما يناسب المقام.
ثم هو بعد ذلك على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى (أن يقال بعد التصدير المقدّم «أما بعد فالحمد لله» )
ويؤتى من التحميد بما يناسب تلك الولاية، ثم يؤتى بتحميدة ثانية وثالثة،
(10/318)

وتكون الثالثة متعلّقة بالنّعم الشاملة لأمير المؤمنين، ثم يقال: «وإنّ أمير المؤمنين لما اختصّه الله به من كذا وكذا» ويذكر ما سنح من أوصاف الخليفة، ويذكر أنه تصفّح الناس وسبرهم فلم يجد من يصلح لتلك الولاية إلّا هو، ويذكر من صفته ما اتّفق ذكره، ثم يذكر تفويض الولاية إليه، ويوصيه بما يناسب، ويختم بالدعاء ثم بالسلام مع التفنّن في العبارة، واختلاف المعاني والألفاظ، والتقديم والتأخير بحسب ما تقتضيه حال المنشيء، وتؤدّي إليه قريحته.
وهي على ضربين:
الضرب الأوّل (سجلّات أرباب السيوف «1» )
وعلى ذلك كتب سجلّات وزرائهم أصحاب السيوف القائمين مقام السلاطين الآن، من لدن وزارة أمير الجيوش بدر الجماليّ وزير المستنصر:
خامس خلفائهم وإلى انقراض دولتهم. وقد تقدّم منها ذكر عهدي المنصور: أسد الدين شير كوه بن شادي، ثم ابن أخيه الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب بالوزارة عن العاضد في جملة عهود الخلفاء والملوك، حيث أشار في «التعريف» إلى عدّهما من جملة عهود الملوك.
ومن أحسنها وصفا، وأبهجها لفظا، وأدقّها معنى، ما كتب به الموفّق بن الخلّال «2» صاحب ديوان الإنشاء عن العاضد المتقدّم ذكره، بالوزارة لشاور السّعديّ «3» ، بعد أن غلبه ضرغام «4» عليها ثم كانت له الكرّة عليه. وهذه نسخته:
(10/319)

من عبد الله ووليّه عبد الله أبي محمد العاضد لدين الله أمير المؤمنين، إلى السيّد الأجلّ، سلطان الجيوش، ناصر الإسلام، سيف الإمام، شرف الأنام، عمدة الدّين؛ أبي فلان فلان.
سلام عليك: فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد خاتم النّبيين، وإمام المرسلين، صلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين الأئمة المهديّين؛ وسلّم تسليما.
أما بعد، فالحمد لله مانح الرغائب، ومنيلها، وكاشف المصاعب، ومزيلها، ومذلّ كل عصبة كلفت بالغدر والشّقاق ومذيلها، ناصر من بغي عليه، وعاكس كيد الكائد إذا فوّق سهمه إليه، ورادّ الحقوق إلى أربابها، ومرتجع المراتب إلى من هو أجدر برقيّها وأولى بها، ومسنّي الخير بتيسير أسبابه، ومسهّل الرّتب «1» بتمهيد طرقه وفتح أبوابه، ومدني نائي الحظّ بعد نفوره واغترابه، ومطلع الشمس بعد المغيب، ومتدارك الخطب إذا أعضل بالفرج القريب، مبدع ما كان ويكون، ومسبّب الحركة والسّكون؛ محسن التدبير، ومسهّل التعسير: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
«2» .
والحمد لله الذي اختصّ أولياء أمير المؤمنين الأبرار بالاستعلاء والظّهور، وذلّل لهم جوامح الخطوب ومصاعب الأمور، وآتاهم من التأييد كلّ بديع
(10/320)

مستغرب، وأنالهم من كل غريب إذا أورد قصصه أطرب، ومكّنهم من نواصي الأعداء، وشملهم بعناياته في الإعادة والإبداء، وضمن لهم أحمد العواقب، وأرشدهم إلى الأفعال التي ثبّتت لهم في صحائف الأيّام أفضل المناقب، وهداهم بأمير المؤمنين إلى ما راق زلاله، وتمّ غاية التّمام كما أنه كان لرضا الله سبحانه وحسن ثوابه مآله، ويمدّهم «1» في المجاهدة عن دولته بالتأييد والتمكين، ويحظيهم من أنوار اليقين، بما يجلو عن أفئدتهم دجى الشّكّ البهيم، ويظهر لأفهامهم خصائص الإمامة في حلل التفخيم والتعظيم، ويريهم أنّ خلوص الطاعة منجاة في المعاد بتقدير العزيز العليم.
والحمد لله الذي استثمر من دوخة النبوّة الأئمة الهادين، وأقامهم أعلاما مرعدة في محجّة الدين، وبيّن بتبصيرهم الحقائق وورّث أمير المؤمنين شرف مقاماتهم، وجعله محرز غاياتهم، وجامع معجزاتهم وآياتهم، وقضى لمن التحف بظلّ فنائه، واشتمل بسابغ نعمه وآلائه، وتمسّك بطاعته واعتصم بولائه، بالخلود في النعيم المقيم، والحلول في مقام رضوان كريم: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ*
«2» .
يحمده أمير المؤمنين على نعمه التي جعلته للبشر إماما، وأمضت له في المشارق والمغارب أوامر وأحكاما، وجرّد من عزمه في حياطة دين الله عضبا مرهفا حساما، واستخلص لإنجاد دولته من أوليائها أكملهم شجاعة وإقداما، وأحسنهم في تدبير أمورها قانونا ونظاما، وأتمّهم لمصالح أجنادها ورعاياها تفقّدا واهتماما، وأولاهم بأن لا يوجّه عليه أحد في حقّ من حقوق الله ملاما، وأجدرهم بأن يحلّ من جميل رأي أمير المؤمنين دار سلام يلقى فيها تحيّة وسلاما؛ ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد خاتم النبيين الذي أعلن بالتوحيد وجهر، وغلب بالتأييد وقهر، وأظهر
(10/321)

المعجز البديع واستطال إعجازه وبهر، وأطلع نور الإسلام واشتهر في المشارق والمغارب إشراقه وظهر، وعلى أخيه وأبن عمّه أبينا عليّ بن أبي طالب سيف الله الذي شهره على الكفر وسلّه، وكفّله إعزاز الدّين فأعظمه بجهاده وأجلّه، وقرع بعزه صفاة «1» الإلحاد [فأزاله] «2» بعزه وأذلّه، وقصّد «3» الأصنام وأرغم من استغواه الشيطان باتّباعها وأضلّه، وعلى الأئمة من ذرّيتهما أعلام الدّين، وهداة المتقين، وموضّحي سبيل الحقّ لأهل اليقين، وموصّلي الأنوار الدينية إلى بصائر المؤمنين، صلاة تتكرّر وتتردّد، وتدوم مدى الأيام وتتجدّد.
وإن أمير المؤمنين- لما اختصّه الله به من المنصب الشريف، وسما به إليه من المحلّ الشامخ المنيف، وفوّضه إليه من تدبير خلقه، وأفرده به من اتّباع أمره والقيام بحقّه، وناطه به من المحاماة عن الملّة الحنيفيّة، والاجتهاد في أن يشمل أهلها بالحالة السنيّة والعيشة الهنيّة، وإعانته في إظهار شعارها، وتأييده في إظهار علوّها على الملك واقتدارها- يبذل جهده في الاستعانة بمن تقوم به حجّته عند الله بالاعتماد عليه، ويتوثّق لنفسه في اختيار من يقوم برضا الله في إسناد الأمور إليه، ويحرص على التفويض لمن يكفي في التدبير، وتحيط غاية نظره بالصغير من رجال الدولة والكبير، تقرّبا إلى الله بالعمل فيما ولّاه بما يرضيه، وازدلافا باتّباع أمره في كل ما ينفذه ويمضيه. وقد كان أمير المؤمنين تصفّح أولياء دولته، وعظماء مملكته وأكابر شيعته وأنصار دعوته، فوجدك أيّها السيد الأجلّ أكملهم فضلا، وأقلّهم مثلا، وأتمّهم في التدبير والسياسة إنصافا وعدلا، وأحقّهم بأن تكون لكلّ رياسة وسيادة أهلا، ففوّض إليك في أمور وزارته، وعوّل عليك في تدبير مملكته وجمع لك النظر فيما وراء سرير خلافته، فجرت الأمور بمقاصدك السعيدة على إيثار أمير
(10/322)

المؤمنين وإرادته، واستمرّ أمر المملكة بمباشرتك على أحسن قانونه وعادته، وشملت الميامن والسّعود أتمّ اشتمال على تفصيله وجملته، وانحسمت الأدواء، وذلّت بسطوتك الأعداء، وزالت في أيّامك المظالم والاعتداء، وحسنت بأفعالك الأمور، وظهر بك الصّلاح وكان قبل وزارتك قليل الظّهور، فانبسطت الآمال، واتّسقت الأعمال، وأقمع الضّلال، وأمنت الأهوال، وخلصت من الرأي السّقيم، وحظيت بالملك العقيم، وغدا جندها ورعاياها ببركة رأيك في النّعيم المقيم.
فلمّا رمقتك عين الكمال، وألهب قلوب حسدتك ما أوتيته من تمام الخلال، تكاثر من يحوك المكايد، وتظافر عليك المنافس والمعاند، ورنت إليك إساءة من عاملته بالإحسان، وعدت عليك خيانة من ائتمنته أتمّ ائتمان، وتمّ له «1» المراد بوفائك وغدره، وسلامة صدرك ومكره، واتّفاق ظاهرك وباطنك ومباينة سرّه لجهره؛ فكان ماهوّنه في نفسه سلامة النّفس وأكبر الولد، ومنح في إسداده نعما لا تنحصر بعدد؛ وأفظع ما كان فيه ما أصيب به ولدك الأكبر رضي الله عنه الذي أصيب وهو مظلوم، ولو لم يصب لم يمتنع من الأجل المحتوم؛ فربحت بما نالك ثوابا، واستفتح لك الحظّ من النصر على الباغي بابا، واغتصب الغادر ما لا يستحقّ، ورآه أمير المؤمنين بصورة المبطل ورآك بصورة المحقّ، وهدتك السعادة إلى العمل بسيرة الأنبياء، في الانحياز عن الأعداء، والتباعد عن أهل الغيّ والاعتداء، فانسللت من الغواة انسلال الصارم من غمده، وتواريت من العتاة تواري النار في زنده، وقطعت المفاوز مصاحبا للعفر والعين، حتّى حللت بربوة ذات قرار ومعين؛ وإنّ أمير المؤمنين يمدّك في ذلك بدعائه، ويعدّك لتدبير دولته
(10/323)

وقمع أعدائه، ورآك وإن أبعدتك الضّرورات عن بابه، وأناتك الحادثات عن جنابه، أنّك وزيره المكين، وخالصته القويّ الأمين، الذي لا ينزع عنه شمس وزارته، ولا يؤثر له غير سلطانه ومملكته.
ولما وجّهت إلى أعمال أمير المؤمنين بمن استصحبته راجيا من عدوّك الانتصار، قاصدا إدراك الثار، وحللت بعقوته «1» ، وخيّمت في جهته، فاتّصلت بينكم الحروب، وعزّ على كلّ منكما نيل المطلوب- أنجدك أمير المؤمنين عند علمه ببلوغ الكتاب أجله، واستيفاء الوقت المحدود مهله، بإظهار ميله إليك وميله عن ضدّك، وأنّ قصده مباين لقصد المذكور موافق لقصدك، فسبّب ذا نصرك وخذلانه، وتقويتك وإيهانه؛ ولأمير المؤمنين في حاله عناية تسعدك، ورعاية تؤيّدك.
فحين عدت إلى بابه عود الشّموس إلى مشارقها قبلك أحسن قبول، وتلقّاك بتبليغ السّول، وكشف الغطاء عمّا كان يسرّه إليك ويضمره، ويريده بك ويؤثره، وجدّد لك ما كنت تنظر فيه من الوزارة، ومباشرة ما كان مردودا إليك من السّفارة والظّهارة: لأنّك أوحد ملوك العصر كمالا، وأوسعهم في حسن التدبير مجالا، وأشرفهم شيما بديعة وخلالا، وأصلحهم آثارا وأعمالا، وأتمّهم سعادة وإقبالا، وأكثرهم تقيّة لله تعالى؛ وما زلت للمفاخر جامعا، ولراية المجد رافعا، ولذرى العلاء والسّناء فارعا، تزدان العصور بعصرك، وتتجمّل الدنيا ببقاء نهيك وأمرك، وتتعجّب الأفلاك العليّة من سعة صدرك، وتتضاءل الأقدار السامية لعظيم قدرك؛ وكم لك من منقبة تجلّ أن يكيّفها بديع الأقوال، وتعظم أن يتمنّاها بديع الأقوال «2» ؛ فالدولة العلويّة بتدبيرك مختالة زاهية، وأركان أعدائها وأضدادها بحزمك وعزمك واهية، وسعادات من تضمّه وتشتمل عليه متضاعفة غير منقطعة
(10/324)

ولا متناهية، ولم تزل للإسلام سيفا قاطعا ماضيا، وعلى الإلحاد سيفا مرهفا قاضيا، تذود الشرك عن التوحيد، وتصدّ الكفر عن الإيمان فيحيد مرغما ويبيد؛ وكم لك في خدمة أئمة الهدى من مأثرة تؤثر فتبهج ويورد ذكرها فيغري بالثناء عليك ويلهج، وتبذل في طاعتهم النفس والولد، وتنتهي في مناصحتهم إلى الأمد الذي ليس بعده أمد؛ فلذلك فزت بدعواتهم التي أعقبتك حسن العواقب، وأحلّتك المحلّ الذي لا تسموا إلى رقيّه النجوم الثّواقب؛ فإذا رفعك أمير المؤمنين إلى منزلة سامية، وجد محلّك لديه عنها يجلّ ويسمو، وإذا خصّك بفضيلة ما، صادف استحقاقك عنها يرتفع ويعلو، وإذا استشفّ خصائصك، وجدها بديعة الكمال، يمتنع أن يدرك مثلها بحرص ساع أو ينال؛ وقد توافقت الخواطر على أنك أوحد وزراء الدولة العلويّة ظفرا ونظرا، وأحسنهم في طاعتها ومخالصتها أثرا، وأفضلهم خبرا وأطيبهم خبرا؛ وقد جدّد لك أمير المؤمنين اصطفاءك لوزارته، واجتباءك لتدبير مملكته، وجعلك الفرد المشار لك في دولته.
فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين من هذه المهمّات الجسام، وتسنّم ما وطّده لك من هذه الرّتب العظام، وتلقّ آلاءه بما يثبتك في جرائد الأبرار، ويمنحك مصاحبة التوفيق في الإيراد والإصدار، وباشر ما ناط إليك من كبير الأمور وصغيرها، وجليل الأحوال وحقيرها، وابسط يدك في تدبير دولته، وأنفذ أوامرك في أرجاء مملكته، واعن بما جعله لك من تدبير جيوشه الميامين وأوليائه المتّقين، وكفالة قضاة المسلمين وهداية دعاة المؤمنين، وربّ أحوال جنوده ورعاياه أجمعين، واعمل في ذلك بتقوى الله الذي ما برحت لك دأبا وطريقة، وشيمة وخليقة، وبها النجاة من النار، والسّلامة في دار القرار، والفوز بمعنى الخلاص، في يوم المناقشة والقصاص؛ فالعارف من مهّد بها مقامه في الآخرة تمهيدا، وأحرز بها من الثواب في الآخرة مزيدا، بقول الله في الكتاب الذي جعله في الإعجاز فريدا:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً
«1» .
(10/325)

وراقب الله فيما ألقاه إليك فقد فوّض إليك مقاليد البسط والقبض، والرفع والخفض، والولاية والعزل، والقطع والوصل، والتولية والتصريف والصّرف، والإمضاء والوقف، والغضّ والتّنبيه، والإخمال والتّنويه، والإعزاز والإذلال، والإساءة والإجمال، والإبداء والإعادة، والنقص والزّيادة، والإنعام والإرغام، وكل ما تحدثه تصاريف الأيام، وتقتضيه مطالب الأنام؛ فهو إليك مردود، وفيما عدق بنظرك معدود.
وأمّا العدل ومدّ رواقه، وإقامة مواسمه وأسواقه، والإنصاف واتباع محجّته، والاعتماد على أحكامه وأقضيته، وكفّ عوادي الجور والمظالم، وحمل الأمر على قصد التصاحب والتّسالم، وإظهار شعار الدّين، في إنصاف المتداعين إلى الشرع المتحاكمين، والدعوة الهادية «1» وفتح أبوابها للمستجيبين، وإعزاز من يتمسّك بها من كافّة المؤمنين، والأموال والنظر فيها، والأعمال أقاصيها وأدانيها، فكلّ ذلك محرّر في تقليد وزارتك الأوّل، وأنت أولى من حافظ على العمل به وأكمل.
وأمّا أمراء الدولة الأكابر، وصدورها الأماثل، وأمراؤها الأعيان، وأولياؤها الذين بسيوفهم تقام دعائم الإيمان، فأنت شفيعهم في كلّ مكان، ومعينهم الذي يبذل جهده بغاية الإمكان، والجاهد لهم في النّفع والصّلاح، والحريص على دفع ما يلمّ بكلّ منهم من الضّرر والاجتياح؛ وما زلت لهم في الأغراض بحضرة أمير المؤمنين مساعدا، وعلى ما يبلّغهم الآراب حريصا جاهدا، وتخصّهم دائما بعنايتك، وتمدّهم برعايتك، وتعمل لهم في الحاجات صائب رأيك؛ فأجرهم على ما ألفوه من الاعتناء والإجمال، وبلّغهم من محافظتك نهايات الآمال، فهم أبناء الملاحم، ومصطلو لهب الجمر الجاحم «2» ؛ ومصافحو الصّفاح، المرهفة
(10/326)

الضّروب، وملاعبوا الرّماح، العاسلة «1» ذات الكعوب، ومعملو العتاق الأعوجيّة «2» ، ومرسلو السّهام المريشة المبريّة.
وأمير المؤمنين يعلم أنك بفضل فطرتك، وثاقب فطنتك، وما ميّزك الله به من قديم حنكتك وتجربتك، تغنى عن الوصايا، وتنزّه عن توسيع الشّرح في القضايا؛ وإنما أورد لك هذا النّزر منها على جهة التيمّن بأوامر الأئمة، والتبرّك بمراسيم هداة الأمة؛ والله يحقّق لأمير المؤمنين فيك الأمل، ويوفّقك في خدمته للقول والعمل، ويعينك على إصلاح دولته، واغتنام فرص طاعته، وبذل الجهد والطاقة في مناصحته، والاجتهاد في رفع منار دعوته، ويؤيّدك على أعداء مملكته، ويرشدك إلى العمل بما يسبغ عليك لباس نعمته؛ فاعلم هذا من أمير المؤمنين ورسمه، وانته إلى موجبه وحكمه، إن شاء الله تعالى. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، والتحميد.
وعلى ذلك كتب الموفّق بن الخلّال أيضا عن العاضد بولاية ابن شاور السّعديّ نيابة الوزارة عن أبيه، وتفويض الأمور إليه، وهذه نسخته:
من عبد الله ووليه (بألقاب الخلافة) إلى فلان (بالنّعوت اللائقة به) .
سلام عليك (إلى آخر الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم على نحو ما تقدّم في سجلّ الوزارة لأبيه) .
أما بعد، فالحمد لله مؤيّد الحقائق بأفضل الأنصار، ومعزّ الممالك بأكمل ذوي النّفاذ والاستبصار، وجاعل الولد البارّ لوالده ركنا وسندا، والنّجل المختار لناجله نجدة ومددا، مرتّب الممالك على أفضل نظامها، ومرقّي الدّول إلى المؤثر من إجلالها وإعظامها: ليتّضح للمتأملين فضل تأكد الأواصر، ويستبين للناظرين
(10/327)

فصل تباين العناصر، إبراما منه- جل وعزّ- لأسباب الحكمة، وتوسيعا لسبيل الحنان والرحمة، وشمولا لما يتتابع به إحسانه من المنّ الجسيم فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
» .
والحمد لله معلي الدّرجات ورافعها، ومفيد الأمم ونافعها، ومزيل البأساء ودافعها، ومجيب الدّعوات وسامعها، ومضاعف المصالح وجامعها، الذي وقف على الدولة العلويّة أحسن السّير، وخصّها فيمن تؤثر اصطفاءه بمساعدة القدر، ويسّر لها رائق التدبير بعد ملابسة الرّنق والكدر، وادّخر لها من الأصفياء من تشرق الدنيا بأنواره، وتزيّن الدّهور بمحاسن آثاره، وتسمو المفاخر بمفاخره، ويتوالى الثناء على ما ابتكره من المكارم في أوّل نشئه وآخره، ويتتابع الإحماد لمن يختاره ويجتبيه، وتتضاءل أقدار الملوك إذا ذكر فضله وفضل أبيه، وتسكن النفوس إلى تمام ورعه ودينه، وينطق لسان الإجماع بصحّة معتقده ويقينه.
والحمد لله الذي شمل البرايا فضله، وعمّ الخلائق عدله، وأقرّت العقول بأنّ إليه يرجع الأمر كلّه.
يحمده أمير المؤمنين على نعمه الظاهرة التي أحظت دولته الظاهرة، بمؤازرة البيت الجليل الشّاوريّ، وأيدت مملكته القاهرة، بمحاماته عن حوزتها بالعضب المرهف والسّمهريّ، ويشكره على مننه التي استخلصت له منه أنصارا يرهفون في طاعته العزائم، ويحقّرون في إرادته العظائم، فيذبّون عن حوزته ولا يخافون في ذات الله لومة لائم، ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد الداعي إلى الهدى، والمبعوث إلى الخلائق وهم إذ ذاك سدى، والمناضل في نصرة الإسلام بالأسرة والآل، والمطّرح عاجل الدنيا الفانية لآجل المآل، وعلى أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الذي أقام من دين الله منكر الأود، وقام لنبيّ الله مقام النّجل المرتضى والولد، وقطّ من طواغيت الكفر شامخ الهام، وأوضح غامض
(10/328)

التنزيل بما أفرده الله به من مزايا الإلهام، وعلى الأئمّة من ذرّيتهما أبناء الرّسالة والإمامة، والمختصّين بإرث بيته المحبوّ بتظليل الغمامة، والقائمين بنصرة الدّين، والمتفرّدين بإمرة المؤمنين.
وإنّ أمير المؤمنين لما أقامه الله له من تمكين قواعد الدّين، واختاره لإيضاحه من إرشاد فرق المسلمين، وأفضى به إليه من سرّ الإمامة المكنون، وألقاه إليه من خفايا الإلهام الذي تستنبط من أنوارها علّة ما كان ويكون، وأمدّه من التأييد الذي يستأصل طواغيت النّفاق بقوارع المهالك، ويسلك بمردة أهل العناد أوعر السّبل والمسالك، وأنجده في كلّ الحالات بالألطاف الخفيّة التي تتكفّل بإعلاء كلمته، وتتضمّن نصر أعلامه ونشر دعوته، وآتاه جوامع المعارف والحكم، وفرض طاعته على من دان بالتوحيد من جميع الأمم، وألزم مقاصده وأنحاءه التوفيق، وأوجب لها السعادة في كلّ جليل ودقيق، يفوّض أمره إلى الخالق، ويفيض جوده وبرّه في الخلائق؛ فلا يزال لأحوال دولته مراقبا، ولا ينفكّ يفيد كلّ ما يتعلّق بها نظرا ثاقبا؛ فإذا لاحت له لائحة صلاح، أو بدت لنظره مخيلة نجاح، اجتهد في توسيع مجالها، وحرّض على حثّها وقصد إعجالها، والتمس للدّولة اجتلابها، وفتح إلى استدعاء النّفع بابها: لينمى الخير العميم، في دولته، ويتضاعف النفع الجسيم، لرعيّته، وتكون كافّة الخلق فيها بالأمنة والسّكون مغمورين، وبحسن صنيع الله بهم فرحين مسرورين.
ولمّا تصفّح أمير المؤمنين أحوال دولته، وتأمّلها تأمّل من يؤثر أن يفقه الفحص في كل مهم على حقيقته، رأى أن الله جل وعلا قد منح أمير المؤمنين من خالصته وصفيّه، ووزيره وكافيه وولّيه، السيد الأجلّ (بالنعوت والدعاء) الذي قام بنصرته، وكفل أهوال الحروب بنفسه وأولاده وأسرته، وحالف التغرّب والأسفار، واستبدل من لين العيش بملاقاة السّهام واللهاذم والشّفار، واتخذ ظهور الجياد عوضا من الحشايا، ومنازلة الأبطال دأبا في الحنادس والبكر والعشايا، وآثر
(10/329)

على لبس الغضّ المونق الجديد، لباس اليلب «1» ولأمات الحديد، ولازم في ذات الله قرع أبواب الحتوف، والتهجّم على كل مخشيّ مخوف، حتّى ذلّل الأعداء، وقمع الاعتداء، وحسم الأدواء، وألزم الدّهر بعد خطئه الاستهواء، وأفاد دولة أمير المؤمنين باجتهاده عزّا، وادّخر لها عند الله من الأجر والمثوبة كنزا، وسيّر عنها في الآفاق أحسن الأحاديث، وبيّن فضلها على غيرها في القديم من الدّهر والحديث، وأخلص لأمير المؤمنين في الطاعة حتّى استخدم الموالي الموافق، والمباين المنافق، وكمّل فضائله التي لا تحدّ، ومحاسنه التي لا تنحصر ولا تعدّ، بفضيلة تفوت الفضائل، ومنقبة تفوق بفخرها المناقب الجلائل: وهي ما وجهه الله [له] «2» من بنوّة الأجلّ فلان الذي لم يزل للدولة عزّا حاضرا، ووليّا ناصرا، وعونا قاهرا، ومجدا ظاهرا، وجمالا باهرا. وما برح الله- جلّ وعلا- مراقبا، ولرضاه وغفرانه طالبا، قد جمع إلى كمال الدّين وصحّة اليقين، المخالصة في طاعة أمير المؤمنين، لا يفتر منذ مدّة الطّفوليّة [عن] «3» درس القرآن، ولا يباري بغير الأمور الدينية نجباء الأقران؛ إن تصفّحت محاسنه الدنيويّة عدّ ملكا مهذّبا، وإن تأمّلت مناقبه الدينيّة حسب ملكا مقرّبا؛ وكم له من منقبة تستنقص الغيوث، وشجاعة تستجبن اللّيوث، ومهابة تردّ أحاديثها الجيوش على الأعقاب، وتغريها بموالاة الحذر والارتقاب؛ إذا أسهبت الخطوب أوجز تدبيره، وإذا استطالت الحوادث قصّر طولها فأعجب تقريره؛ فالدولة العلويّة من ذبّه في الحرم الآمن، والخلافة العاضديّة من ملاحظاته في تدبير يجمع أشتات الميامن؛ فاجتماع المآثر قد وحّده، بشهادة الإجماع، وتوالي المحامد قد أفرده، بما شاع منه في الممالك وذاع؛ تتحاسد عليه غرّ الأخلاق، وتتنافس فيه المكارم منافسة ذوات الإشراق، فلا توجد خلّة فضل بارع إلا وقد جمّعها، ولا مكنة جبر «4» قارع إلا وهو الذي مهّد
(10/330)

محجّتها ووسّعها؛ ومقاماته في الجهاد والجلاد مقامات أوضحت الحقائق للأفهام، وثبّتت الدقائق تثبيتا يبقى على غابر الأيّام، وأعزّت دعوة الدولة العلوية وأيّدتها، ونصرت أعلامها ونشرتها، وأكتنفت بالتفضيل والإحسان رجالها، وأزالت بالجدّ والتشمير أوجالها، ومحت آثار عداتها بالسّيوف، وألفتهم «1» عن النّكايات المجحفة بوزع المنايا والحتوف.
والحروب فمرباه في مهودها، ومنشاه بين أسودها، ورعاتها وقف على إضرامها وإخماد وقودها؛ فإذا تورّدها تورّدها باسما متهلّلا، وإذا اقتحم مضايقها تصرّف فيها متوقّفا متمهّلا، لا يحفل بأهوالها، ولا يرى لقارعة من عظائم قوارعها وآلها؛ وحسبك فتكاته في طغاة الكفّار، وقصد أولياء الدولة بالإظهار: فإنّ الكفّار حين نهدوا للنّفاق، واجتلبوا أشباههم من بعيد الآفاق، وتهجّموا على الأعمال فجأهم بعزمة من عزماته أقامت راية الدين، وجعلتهم حصيدا خامدين، وأفنت منهم الصّناديد، واصطلمتهم «2» ببلايا تزيد على التعديد، واجتحفتهم بالقتل والأسر والتفريق، ورمتهم بدواه لا يقدر بشريّ على دفاعها ولا يطيق؛ ولمّا التجأ طاغية الكفر إلى الحيرة وركد، ورام الاعتصام بعروتها واجتهد، واغترّ بما معه من الجمع وكثرة العدد، نهد إليه في الأبطال الأنجاد، ونهض نحوه ثابتا للقراع والجلاد، فأزاله عن مجثمه، وذعره ذعرا شرّده عن معلمه، ورماه بالحراك بعد السّكون، والتّعب الذي قدّر باغتراره أنّ مثله لا يكون؛ وكم له فتكة في أهل العمود «3» ذلّلت جماحهم، واستلبت أرواحهم، وأعادت ليلا بالنّقع صباحهم.
وعند تمادي عتاة الكفّار في الإصرار، وجوسهم خلال الدّيار، ونفثهم في وجوه الأذى والإضرار، وطمعهم في اجتياح أهل الأعمال والأقطار، عوّل أمير المؤمنين في استئصالهم على عزمه، واعتضد بذبّه وحسمه، وجعل إليه التدبير
(10/331)

بالقاهرة المحروسة التي هي عمدة الإيمان والإسلام، ودار هجرة الإمام، ومعقل الخلافة منذ غابر الأيّام، وأطلق يده في ربّ جميع الأعمال، وتأمينها من بوائق الأوجال، فبثّ بالحضرة وبالأعمال من مهابته ما شرّد الأوغار «1» ، وسهّل الأمصار، ومحق الضّلّال، وأذاقهم النّكال، فعمّ السّكون والأمنة، واستولت على الأعمال السياسة المستحسنة، فحادت بنضرة الأيام وصلاح الوجود، واغتبطوا من تدبيره بصعود الجدود، ورتعوا من عنايته في عيش يضاهي عيش جنان الخلود؛ فالبلاغات بأسرها لا تقوم بمدح ما أوتي من الفضائل، ولا يوازي مجموعها منقبة من مناقبه التي أربى بها على الملوك الأواخر والأوائل، والخصائص الملوكية بجملتها فيه جبلّة وفطرة، وإذا قيست نادرة من نوادر فضله بما تفرّق في جميع الملوك كانت فضائله بمنزلة البحر ومجموع فضائل الملوك بمنزلة القطرة؛ وقد طرّز فضائله البديعة، وخلاله السامية الرّفيعة، من موالاة أمير المؤمنين ومناصحة دولته بما تكفّل بسعادة الدنيا والآخرة، ونهايات مغانم الثواب الشريفة الفاخرة؛ فليله ونهاره مصروفان إلى المجاهدة عن دولة أمير المؤمنين التي هي دولة التّوحيد، والمخلص فيها معرّض لكلّ مقام سعيد؛ فمحاسنه ترتفع عن قدر التقريظ والمديح، ولا تقابل إلا بموالاة التسبيح.
ولما أحمد أمير المؤمنين أثرهما في خدمته، وشكر قصدهما في دولته، وكان السيد الأجلّ قد بلغ إربه في الخلال، وحلّ المحلّ الذي لا تتعاطاه جوامح الآمال؛ وقدره يشرف عن كلّ تكريم،، وموضعه يتميّز عن كلّ منّ جسيم، ومنزلته تسمو عن كلّ تعظيم- فأوصى أمير المؤمنين السيد الأجل أن يقرّر له جميع خدمه، ويسبغ عليه في المستأنف أضفى نعمه: فإن محلّه يرتفع عن محلّ الخدم الجليلة، ويسمو عن كل تصرّف يسمه في الدولة بسمة جميلة؛ ورأى أمير المؤمنين والسيد الأجل أن يعلن بإسناد النيابة عن والده في أمور المملكة إليه، ويشهر أنّ ذلك معوّل فيه عليه: ليخفّف عن السيد الأجلّ أمير الجيوش أمر أثقالها،
(10/332)

ويتحمّل عنه تكليفه بعض أحوالها، ترفيها للسيد الأجل عن التّعب، وتخفيفا من كثرة النّصب؛ على أنّ علوّ قدره الأجل لم يخله في وقت من الأوقات من مشاركة في التدبير، ولا صدّه عن ممازجة في مهمّ كبير، بل ما برحت يده في جميع أحوال الدولة جائلة، وجلالة منصبه تقضي بأن تكون تصريفاته لجميع الأمور شاملة، وتوقيعاته ماضية في الأموال والرجال، والجهات والأعمال؛ وأمير المؤمنين والسيد الأجل يستسعدان بأداته، ويتتبّعان في كل السياسات ما هو موافق لإراداته: لما خصّه الله [به] «1» من المرامي الصائبة، والمقاصد التي السعادة على ما يرد منها مواظبة، وجبله عليه من المحافظة على حسن المرجع وحميد العاقبة- خرج أمر أمير المؤمنين إلى السيد الأجل بالإيعاز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السّجلّ لك:
فتقلّد ما قلّدته من النيابة عن والدك فيما إليه من أمور مملكته، وأحوال دولته، معتمدا على تقوى الله التي بها نجاة أهل اليقين، وفوز سعداء المتّقين، لقول الله عز من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
«2» . واحمل عن السيد الأجل والدك ما يؤثر أن تحمله عنه من الأثقال، وتكفّل ما يكلّفك إيّاه من الأشغال، ونفّذ ما يختار أن تنفّذه، وأنجز ما يؤثر أن تنجزه، وأمض ما يشير إليك «3» بإمضائه من أساليب التوقيعات، وفنون المهمّات، وقم في كل من أمور نيابتك المقام الذي يرضيه، ويوجبه برّك ويقتضيه؛ وقد جعلك الله ميمون النّقيبة «4» ، مسعود الضريبة، مكمّل الأدوات، مؤهّلا لترقّي الغايات، لا تكبر عن مباشرتك كبيرة، ولا تشفّ «5» عن رتبتك رتبة خطيرة؛ واجر على عادة والدك في حسن السياسة والتدبير، والإجمال للأولياء لكما في كل صغير من الأمور وكبير.
والوصايا متّسعة الفنون، كثيرة الشّجون؛ ولك من مزيّة الكمال، وفضيلة
(10/333)

الجلال، ومساعدة الإقبال، والخبرة بالجهات والأعمال، وطوائف الأولياء والرجال، ما يعينك على استنباط دقائقها، والعمل بحقائقها، وسلوك أحسن طرائقها.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته عليك؛ فاعمل بأحكامه، وأجر أمورك على نظامه، وبالغ أيها السيد الأجل أمير الجيوش في شكر نعمة الله التي ألهمت الملوك إشاعة فضلك، ورتّبت السّعود على اكتناف عقدك وحلّك، ومنحتك آية كليم الله فجعلت لك وزيرا من أهلك «1» ؛ فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وعلى ذلك كتب بعض كتّابهم عن العاضد، لرزّيك «2» بن الصالح طلائع بن رزّيك، بولاية المظالم وتقدمة العسكر في وزارة أبيه، وهذه نسخته:
من عبد الله ووليّه فلان أبي فلان الإمام الفلاني (بلقب الخلافة) أمير المؤمنين، إلى فلان (بلقبه وكنيته) .
سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وسيد المرسلين، صلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين، الأئمة المهديّين، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فالحمد لله الغامر بالطّول والفضل، الآمر بالإحسان والعدل، موسّع سبل الصّلاح لبريّته، ومسبّب أسباب النّجاح لدينه الحنيف وملّته، وجاعل أبرار أوليائه ذخائر معدّة لنفع الخلق، ومصطفي سعداء أحبّائه لإعلاء منار الشرع وإقامة قسطاس الحق، وميسّرهم للنّهوض بالأعباء التي تتكفّل بعضد الدولة
(10/334)

العلوية وتقوم، ومجتبيهم للفضل بمرضاته فيما يقضي بإغاثة الملهوف وإنصاف المظلوم، الذي تنقاد بمشيئته الأمور، وتتصرف بإرادته الدّهور، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، ويغدو فضله على عباده جسيما، ولا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً
«1» .
والحمد لله الذي أوضح بأنبيائه سبل الهدى للأنام، وأنقذ بإرشادهم من عبادة الأوثان والأصنام، وأقام باجتهادهم أحكام ما شرعه من الملل والأديان، وأذهب بأنوارهم ما غمر الأمم من غياهب الظّلم والعدوان، وقفّى على آثارهم بمن لا نبوّة بعد نبوّته، ولا حجّة أقطع من حجّته، ولا وصلة أفضل من وصلة ذخرها لأمّته، ولا ذرّيّة أقوم بحقّ الله في حفظ نظام الإيمان من عترته وذرّيّته.
يحمده أمير المؤمنين على أن مكّن له في الأرض، وذخر شفاعته لذوي الولاء في يوم النّشور والعرض، وأورثه خصائص من مضى من أئمة الهدى آبائه، وأفرده بمعجز التأييد الذي أضاءت الآفاق بمشرق أنبائه، ويشكره على أن أنجد دولته بكفيل جدّد جلبابها، وظهير أحكم أسبابها، ونصير بلّغ بها في الوليّ والعدوّ مطالبها وآرابها، واستنجب له من نجله خليلا يتلوه في الفضائل البارعة، وناصرا يحاول في الذّبّ عن حوزته عزما أمضى من السّيوف القاطعة، وعضدا يقوم له بإرضاء الخالق والمخلوق، ومسعدا لا يألو جهدا في إيصال المستحقّين إلى ما جعله الله لهم من الحقوق. ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد سيد من بلّغ عن الله رسالة وأمرا، وأفضل من دعا إلى توحيد بارئه سرّا وجهرا، وأكمل من جاهد عن دينه حتّى ظهرت بعد الدّروس جدّته، وقهرت إثر الخضوع عزّته، وانتشرت في المشارق والمغارب كلمته ودعوته، صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمّه أبينا عليّ بن أبي طالب، قسيمه في الشّرف والأبوّة، وصدّيقه الأكبر فيما جاء به من النبوّة، والمكمّل بالنّصّ على إمامته الدّين، وخامس الخمسة «2» الذين سادسهم الرّوح
(10/335)

الأمين، وأبي الأئمة الأبرار، والهازم بمفرده كلّ جيش جرّار، وعلى الأئمة من ذرّيتهما أعلام محجّة الهدى، وأنوار سبل الإيمان التي بأنوارها يستبصر ويقتدى، وأدلّة منهاج النجاة، وكاشفي غمم الشّكّ إذا الظّلم دجاه، وسلّم ومجّد، وتابع وردّد.
وإنّ أمير المؤمنين لما اصطفاه الله له من إرث سرّ الإمامة المصون المكنون، وحقّ بيانه العظيم الذي بالخشوع لجلاله أفلح المؤمنون، واختاره [له] «1» من نشر لواء الحقّ ونصره، وتأكيد أحكام الإنصاف ليحظى بعائدتها كافّة أهل زمنه وعصره، وألبسه إيّاه من تاج خلافته الذي أشرق لبصائر العارفين نوره الساطع، وتجلّى لأفهام الموقنين برهانه الصادع ودليله القاطع، وأودعه من خفايا الحكم التي عذب سلسبيلها، وبلغ إلى النعيم الخالد دليلها وسبيلها، وكمّله لأيّامه من الإقبال الذي جعلها مواسم زاهية بهجة النصر المبين، وأعياد ظفر تروق بتوالي إبادة العادلين عن الطاعة النّاكبين، وأوقاتا سعيدة تفيد الدين وأولياءه عزّا واعتلاء، وتوجب للإيمان وأنصاره اقتدارا واستيلاء، وتسبغ عليهم كيفما تصرّفت بهم الأحوال مننا ضافية وآلاء، ويسّره لعلمه من الإحاطة بكل مغيّب مستور، وأوجبه لأغراضه في كل ما يرومه من مظاهرة المقدور، ومهّده لحلوله من أشمخ منازل التطهير والتقديس، وشرّف به شيمه من كل خلق نبويّ بارع نفيس، وفضّله به من الكرم الذي لا تزال سحبه تجود الأمم سرفا، ولا تنفكّ غيوثه تجدّ لمن مطر به علاء وشرفا، ولا برح وابله يعمّ بالنّعم الغرّ الجسام، ولا تكفّ سيوبه عن إفاضة المنن التي علت وغلت فلا تسامى ولا تسام، وخصّ به إحسانه من المثابرة على إعظام المنائح للمستوجبين، والمحافظة على إجزال المواهب للمزدلفين إليه بالأعمال الصالحة المتقرّبين، يجهد آراءه في ارتياد من تتضاعف للبريّة بالاستعانة بكماله أسباب المصالح، وتتأكّد للأمّة بالتعويل على بارع فضله أحكام النّجح
(10/336)

والمناجح، وتقوم الحجة عند الله بالاعتضاد به فيما يقضي بنفع [العباد] «1» ، ويسهل الاعتماد على ديانته بالنّصح لله في الحاضر من بريّته والباد، وينطق شرف خلائقه بتوفّره على إحراز مغانم البرّ والتقوى، وتعرب طرائقه عن السّعي الذي لا يقف في مرضاة ربّه دون بلوغ الغاية القصوى، وتدلّ أحواله على رعاية حقوق الله سبحانه في كلّ ما يفعل ويقول، وتوضّح أخباره حسن تأتّيه في مصالح الأمم لما يعجز عن استنباطه رواجح العقول، ويقتدح نظره أنوارا يستضاء بها في طرق السّياسات الفاضلة، ويفتتح فكره أبوابا تضحى بها الخليقة إلى الخيرات الكاملة واصلة، ويبعثه حسن جبلّته على أن يحتقر في إعانة البرايا، عظائم المشاقّ، ويدعوه كرم سجيّته إلى أن يحنو على الرعايا، حنوّ من يتوخّاهم بالرحمة والإشفاق، ويقوى بإعانته المستضعف قوّة تحصّنه من عدوى الاهتضام،، ويعزّ بملاحظته المستذلّ عزّة تخرجه عن صورة المقهور المستضام، ويقتفي الآثار الصالحيّة «2» في عدل الطّباع وحسن الشّيم، ويتّبع السّنن الغياثيّة «3» في الإحسان إلى جميع الأمم، ويقصد في اللّطف بالصغير والكبير قصدها، وينتحي نواجم الباطل فيعتمد اجتثاثها وحصدها؛ ويكون تفويض أمير المؤمنين إليه توثّقا عند خالقه وباريه، واحتياطا لنفسه في استناد المهمّات منه إلى من لا يدانيه مدان ولا يباريه، وتتيمّن الدولة العلويّة بمباشرته للأحوال تيمّنا يؤذن لها بإدراك كلّ مطلب بعيد، وتستسعد بحسن سيرته استسعادا يقضي للمناجح بتمكين تبدي فيه وتعيد، وتختال الأيّام بما اجتلته من جواهر مفاخره، وتزدان الأزمان بما توشّحته من مناقبه التي حقّرت الملوك في أوّل الدّهر وآخره.
وقد اكتنفتك أيّها الأجلّ عنايات الله سبحانه واشتملت عليك، وتتابعت موادّ
(10/337)

اصطفائه واجتبائه إليك، وأنالتك من كلّ فضل بارع، غايته، وأظهرت فيك لكلّ كمال رائع، آيته، وجمعت لك من معجزات المحاسن ما لولا مشاهدتك لوجب استحالة جمعه، ولأنكر كلّ متدبّر صدر حديثه عن صدر صدره أو ورود سمعه؛ ويسّر لك تمام السّعد والإقبال، الترقّي إلى ذروة العلى التي يهاب النجم أن تمرّ ملاحظتها منه ببال، وتأنّقت الحظوظ في إعظام ما خوّلتك من الفضائل الباهرة فبالغت وتناهت، وأغرقت فيما أتحفتك به من المحاسن النادرة فشرفت بك وتباهت، حتّى غدا جسيم ما قدّم شرحه من الثناء وذكره، وعظيم ما وجب منه نشره فتضوّع أرجه ونشره، نغبة من بحارها الزاخرة، وشذرة من عقودها الفاخرة، وقليلا من كثيرها الجسيم، وضئيلا من جزيلها الذي استكمل خصائص التعظيم.
واستثمر فأنت الجامع لمفترق الفضائل الملكية، والفارع ذرى الجلال الذي أفردتك به المواهب الملوكيّة، والممنوح أعلى رتب السيادة السارية إليك من أكرم الأصول، والملموح بارتقاء هضاب المجد التي عجز ملوك الآفاق عن [الانتهاء] «1» إليها والوصول، والأوحد الذي بذّ العظماء فعظم خطرا وقدرا، والأروع الذي انقادت له الصّعاب فرحب باعا وصدرا، والعالم بالأمور الذي أصبح أعلم ملوك الأرض بأحسن التّدبير وأدرى، والمذكي بأنوار ذكائه في عاتم النّوب سراجا وهّاجا، والمشمّر في ذات الله فلا يوجد له على غير ما أرضاه معاجا «2» ، والمبتكر من غرائب السّياسات، ما لا تزال محاسنه على مفرق الزمن تاجا، والممجّد اللهج بتمجيده كلّ مقول ولسان، والمعجز كلّ متعاط وإن كان بليغا بديع الإحسان، والممنوح المعرق في السيادة والمملكة، والمبتدع المكارم أبكارا تجلّ عن أن يشابهه أحد فيها أو يشركه؛ فآيات مجدك ظاهرة باهرة، وغرّ خلائقك في اختراع المآثر وافتراعها ماهرة، وإليك إيماء السعادة وإشاراتها، والدّسوت باعتلائك مناكبها تسامي السماء أرجاؤها، ويتحقّق في البحر الأعظم
(10/338)

بتصدّرك فيها رجاؤها، فلا كمال إلّا ما أصبح إليك ينسب، ولا جلال إلا ما يعدّ من خصائصك ويحسب؛ ولم تزل لربّك خاضعا، ولشرفك متواضعا؛ وأنوار الألمعيّة توضّح لك من طرق الأمانة ما يعجز عن إدراكه قويّ التجريب، وتحكم لك من أحكام السياسة ما تقصر عن أقلّه فطن الحكماء الشّيب، وتبدي لك أسرار الأزمنة المتطاولة في إقبال سنّك، وتلين بتلطفات صلابة الخطوب مع نضارة غصنك، وما برح ذكر أخبار صولتك، وحديث ما أعظمه الله من فروسيّتك وشجاعتك، يوفّر حلوم الأبطال في الملاحم إذا أطارها الذّعر فطاشت، ويسكّن نفوس الأنجاد في الملاحم إذا أطارها الذّعر فجاشت، ويحدث للجبناء جرأة وإقداما، ويجعل الكهام «1» في الحروب مذلّقا حساما؛ فخيلاء الأعوجيّة «2» زهو مما ترقبه من شرف امتطائك، وصليل المشرفيّة «3» ترنّم بمطرب قصصك وأنبائك، واهتزاز السّمهريّة «4» جذل بما كفّلتها من إشادة علائك، وضمّنتها من إبادة أعدائك، وليس بغريب أن تفضل الأملاك، وتطأ أخامص السّماك، وتختال في وشي الوصف البديع، وتشرق أسرّة محاسنك فتخجل ضوء الصّبح الصّديع «5» ؛ وقد أكرمك الله مع فضل الخليقة والفطرة، وكمال الخصائص التي غدا كلّ منها في بديع المعجزات ندرة، ببنوّة مغيث الأنام ومصلح الأيّام؛ وكفيل أمير المؤمنين وكافيه، ومبريء ملكه من أسقام الحوادث وشافيه، السيد الأجلّ الملك (وتتمة النعوت والدعاء) الذي انتضاه الله لكشف الغمم، وارتضاه لتدبير الأمم، وفضّله على ملوك العرب
(10/339)

والعجم، وشمخ علاؤه فتطامن «1» له كلّ عليّ ودان، وسمت مواطيء أقدامه فتمنّت منالها مواطيء التّيجان، وحاز بالمساعي الفضل الباهر أجمع، واستولى على بواهر الحكم بالنظر الثاقب والقلب الأصمع «2» ، وأفرد بكمال عزّ أن تدركه الآمال، أو يكون لا شتطاطها فيه مطمع أو مجال؛ وغدا النصر المبين تابعا لعذب ألويته، وحسن إقباله في كلّ موطن كفيل بإدبار العدوّ وتوليته، وأجاب داعي الله إذ استنصر لآل بيت النبوّة واستصرخ، ولبّى دعاءه تلبية تسطّر أخبارها على ممرّ الزمان وتؤرّخ، وأجلى شياطين الضّلال وقد تبعت في زعيمها الجاحد وثنا، وصدّها بالعزم المرهف عما أصرّت عليه من منكر الإلحاد وثنى؛ وبدّلت سطاه جبابرة الطّغاة من الأوطان بعدا وسحقا، وأمتعتهم فتكاته من الأعداء الوافرة إفناء وسحقا، وأذاقتهم حملات جيوشه وبال أمر من عاضد باطلا وعاند حقّا، وجعلتهم شفار سيوفه الباترة في التّنائف «3» حصيدا، ورمت بالإرغام والإضراع معاطسهم وخدودهم بعد أن عمروا شمّا وصيدا، وقصّد بمواضيها أشلاءهم ودماءهم فألجم غروبها وسقى، وكشف بلوامعها عن الدولة الفاطمية من معرّتهم جنحا عاتما وغسقا، وكفل أمورهم فأحسن الإيالة والكفالة، وأعادها إلى أفضل ما تقدّم لها من القوّة والفخامة والجلالة، ونظر أحوالها فقوّم كلّ معوجّ وعدّل كلّ مائل، وحباها ملبس جمال تقبح عند بهجته ملابس الخمائل.
ولمّا أباد عصب العناد، عطف على الاجتهاد في الجهاد، فجابت جحافله متقاذف الأقطار، ونالت من الفتك بالكفرة في أقصى بلادها نهاية الأوطار، وانتزعت منهم الحصون، واستباحت الممنّع المصون، حتّى أصارت جلدهم المشهور فشلا، وفيض إقدامهم المذكور وشلا «4» ، وشمل الأمة بسيرة عرفت
(10/340)

بالعدل والإحسان، وأحظت الخلائق بالأمن المديد الظلال، وأرضتهم بالعيش الرائق الزّلال، وأنالتهم من المطالب ما اتّسعت لإدراكه خطا الآمال، وجاد ففضح الغمائم، ومنّ على ذوي الذّنوب حتّى كاد يتقرّب إليه بالجرائم، وأقال عثرات كبرت فلولا كرم سجيّته لم يرم الإقالة من خطرها رائم؛ وأمدّه الله من معجزات البلاغة والبيان، وغرائب الحكم البديعة الافتنان، ما يستخفّ الأحلام بفرط الطّرب والإفتان؛ ولم يزل منذ كان يحمي سرح الدين، ويضممّ نشر المؤمنين، ويبذل نفسه الشريفة في نصرة الدولة العلويّة بذل أكمل ناصر وأفضل معين؛ وتكبر عظائم الخطوب فيكون عزمه أعظم وأكبر، وتزهى الأيام بغرّ محاسنه وهو لا يزهى ولا يتكبّر، فقد عزّ جانب كماله، عن أن يناهضه جهد المديح، وارتفع محلّ جلاله، فلا ينال تكييفه بإشارة ولا تصريح، وعظم قدر مفاخره فلم يقابل إلا بموالاة التمجيد لخالقه والتسبيح، ووجب على متصفّح خصائصه الموالاة في التعظيم، ولزوم منهج استيداع لا يبرح عنه ولا يريم، ومبالغة قوله تعالى: ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
«1» .
فبلّغ الله أمير المؤمنين في إطالة مدّته الآمال، وأبقى لمدّته باستمرار نظره الحظّ والجمال، وفتح له المشارق والمغارب بهممه العالية وعزائمه، وجعل نواجم الإلحاد حصائد شفار صوارمه، فافخر أيّها الرجل بأصلك وفرعك كيف شيت، وابجح بما منحت منه وأوتيت، ووال شكر خالقك على ما خوّلت وأوليت؛ فما فخر بمثل فخرك ملك سميدع «2» ، ولا تباهى الدّهر لأحد بمثل ما تباهى في حقّك ولا أبدع.
ولما تكامل لك أيّها الأجل بلوغ هذا الفضل الجسيم، وتمّ ما منحته من المجد الحادث والقديم، جدّد أمير المؤمنين لك شعار التعظيم، وكمّل لديك المفاخر تكميل العقد النظيم، وجعل الخير في إمرته لك عيانا، وأقامك للدولة
(10/341)

الفائزيّة والمملكة الصالحيّة برهانا، وجعلك لكافّة المسلمين في أقطار الأرض سلطانا، وطابق بين ما خصّك به من السّمات السنيّة، وبين ما مكّنه لك من المراتب العلية، فاتّخذك لدولته ناصرا وعضدا، وانتخبك للإسلام مجدا وسندا، وأحيا بمرافدتك أنصار الدين، وشفى بنظرك صدور المؤمنين، واستخلصك لنفسه النفيسة حميما وخليلا، وبلغ بك إلى الغاية القصوى إعلاء وتبجيلا، وشرّفك بخلع بديعة من أخصّ ملابس الخلافة تروق محاسنها كلّ النواظر، وتفوق بدائعها ما دبّجه زهر الروض الناضر، وقلّدك سيفا يؤذن بالتقليد، ويبشّر بالنصر الدائم المزيد، تتنافس في متنه وفرنده «1» الجواهر، ويستولي ناصعها على الباطن منه والظاهر، وعزّزها بالتشريفات التي اكتنفتها البهجة والبهاء، وبلّغتها في العلى إلى الغاية التي ليس بعدها انتهاء، وآثر أن تبسط يدك في التدبير، ويعدق بك ما هو عنده بالمحلّ الكبير، ويجمع لك من أشتات دولته ما لم يعرف لجمع مثله في سالف الزّمن نظير، ويسند إلى كمالك ما يعود النفع بصلاحه على المأمور من الأنام والأمير.
ففاوض أيّها السيد الأجلّ الملك الصالح والدك أدام الله قدرته، وأعلى كلمته، في ذلك مفاوضة أفضت إلى وقوع الإجماع على أنك أكمل ملوك دهرك دينا، وأصحّهم يقينا، وأشرفهم نفسا وأخلاقا، وأكرمهم أصولا وأعراقا، وأمثلهم طريقة وأحسنهم سيرة، وأنقاهم صدرا وأطهرهم سريرة، وأشفّهم جوهرا وأزكاهم ضريبة وأتقاهم لله سرّا وعلنا، وأولاهم بأن لا يصدر عنه من الأفعال إلّا جميلا حسنا؛ وأنك أفضل من عدق أمير المؤمنين بنظره أمر الدنيا والدين، وأسند إلى ملاحظته أحوال أمراء الدولة ورجالها أجمعين، وفوّض مصالح المسلمين منه إلى التّقيّ الأمين؛ وأنّ السيد الأجلّ الملك الصالح أدام الله قدرته لمّا أخلص محلّه عند أمير المؤمنين بتتابع الإشادة، وتفرّد باستمرار المضاعفة بإذن الله تعالى والزّيادة، واستولى على الأمد الأقصى في السموّ لديه والتعالي، وانخفضت عن
(10/342)

ثراه ذرى أشمخ المعالي، كان عند أمير المؤمنين الأوّل في الجلال وأنت ثانيه، والسابق في الفخار وأنت تاليه، ودلّ بفضلك على فضله دلالة الصبح على النهار، والنّماء على الإبدار، والثّمر الطيب على فضيلة الأصل والنّجار، فتبارك مولي المنن لأوليائه وحزبه القائل في محكم كتابه: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ
«1» .
وقرّر لك أمير المؤمنين استشفاف أمور المظالم، وإنصاف المظلوم من الظالم، والنظر في اسفهسلارية «2» العساكر المؤيّدة المنصورة إيثارا من أمير المؤمنين لأن يجعل لك خير الدنيا والآخرة ميسّرا، ويثبت لك في كلّ من أمور العاجلة والآجلة حديثا حسنا وأثرا، ورتّب ذلك لك ترتيبا يصحبه التوفيق ويلزمه.
ويكمّله السعد ويتمّمه، ويحيط به اليمن والنّجاح، ويشتمل عليه الحظّ والفلاح.
فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين شاكرا لأنعمه متمسّكا بأسباب ولائه وعصمه، جاريا على أحسن عاداتك في مراقبة الله وخيفته، مستمرّا على أفضل حالاتك في خشيته، متّبعا أوامره في العمل بتقواه، وزاجرا للنفس عما تؤثره وتهواه؛ يقول الله في كتابه المبين: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
«3» .
واعلم أن المظالم «4» كنز من كنوز الرحمة، وباب يتوصّل منه إلى مصلحة الأمّة، ووسيلة يتوسّل بها السّعداء إلى خالقهم في استبقاء ما أسبغ عليهم من النّعمة؛ فاجلس لها جلوسا عامّا ترفع فيه الحجاب، وتيسّر للوصول إليك عنده الأسباب، وتأمر بتقريب المتظلّمين وتوعز بإدنائهم لتسمع كلام الشاكين، وتوفّر على الأخذ بيد المستضعف القريع «5» ، والحرمة التي لا تجد سبيلا للإنصاف ولا تستطيع، وتتقدّم بأن تحضر بين يديك النائب في الحكم العزيز الذي على فتياه
(10/343)

مدار أحكام الدين، ومن تحتاجه من الموقّعين والدّواوين، وتأمر بإحضار القصص وعرضها، وتتأمّل دعاوي المتظلّمين في إبرامها ونقضها، وتوقع على كلّ منها بما يقتضيه الشرع وأحكامه، ويوجبه العدل ونظامه.
وانظر في مشكل القصص نظرا يزيل إشكالها، ويجعل إلى لوازم الشرع والحقّ مآلها، وراع أمر المنازعات حتّى تنتهي إلى الأواخر، ولا يبقى فيها تأمّل لمتأمّل ولا نظر لناظر؛ وتخرج أوامرك بإيصال كلّ ذي حقّ إلى حقّه، وكفّ كلّ متعدّ عن سلوك سبيل العدوان وطرقه، وليكن الضعيف أقوى الأقوياء عندك إلى أن يصل إلى حقّه موفّرا، والقويّ أضعف الضّعفاء حتى يخرج مما عليه طائعا أو مجبرا؛ والشرع والعدل فهما قسطاسا الله في أرضه، ومعينا [ن على] «1» الحق من أراد العمل بواجب الحقّ وفرضه، فخذ بهما وأعط بين العباد، وأثبت أحكامهما فيما قرب وبعد من البلاد، وساو بهما في الحقوق بين الأنام، وصرّف النصفة بحكمهما بين الخواصّ والعوام، حتّى ينتصف المشروف من الشريف، والضعيف من ذي القوّة العنيف، والمغمور من الشهير، والمأمور من الأمير، والصغير من الكبير؛ واستكثر بإغاثة عباد الله ذخائر الرّضوان، واستفتح بقيامك بحقوق الله فيهم أبواب الجنان، واعمم بسعيد نظرك وتامّ تفقّدك وملاحظاتك جميع صدور أولياء الدولة وكبرائها، ومقدّميها المطوّقين «2» وأمرائها، وميّز بها الأعيان، ورجالها الظاهرة نجدتهم للعيان، وتوخّ الوجوه منهم بالإجلال والإكبار، وتبليغ الأغراض والأوطار، والتمييز الذي يحفظ نظام رتبهم، وينيلهم من حراسة المنازل غاية أربهم، والقهم مستبشرا كعادتك الحسنى، واجر معهم في كرم الأخلاق على مذهبك الأسنى، وعرّفهم بإقبالك على مصالح أمورهم، واتّجاهك لصالح شؤونهم، بركة اشتمالهم بفضلك، والتحافهم بظلّك، واقصد من يليهم بما يبسط
(10/344)

آمالهم، ويوسع في التكرمة مجالهم، ويكسبهم عزّة الإدناء والتقريب، ويخصّهم من إحفائك بأوفر سهم ونصيب؛ وكافّة الرجال فاحفظ نظامهم بحسن التدبير، وأثّر فيهم بجميل النظر أحسن التأثير، وتوخّهم بما يشدّ باهتمامك أزرهم، ويصلح بتفقّدك أمرهم، ويقف على الطاعة سرّهم وجهرهم، وييسّر لهم أسباب المصالح ويسهّلها، ويتمّم لمطالبهم أحكام الميامن ويكمّلها؛ وأصف لجميع «1» ذكرهم من سابق في التّقدمة وتال، ومخلص في المشايعة وموال، مناهل إحسان أمير المؤمنين الطامية الحمام «2» ، المتعرّضة مواردها العذبة لأدواء كافّة الأنام، فهم أنصار الدولة وأعوانها، وأبناء الدعوة وخلصاؤها وشجعان المملكة وفرسانها، ونجدة خلاصها «3» عند اعتراض الكروب، وسيوفها المذرّبة القاطعة الغروب، وأسنّتها المتوغّلة من الأعداء في سويداء القلوب، وحزبها الذي أذن الله بأنه الغالب غير المغلوب؛ ولكلّ منهم منزله من التقديم، وموضعه من الاشتمال بظلّ الطّول العميم، ومحلّه من الغناء ومكانه من الكفاية الذي بلغ إليه فسدّه. فرتّب كلّا من المقدّمين في الموضع الجدير به اللائق، وأوضح للموفّقين أنوار مراشدك ليلحق بتهذيبك السّكيت «4» منهم بالسابق.
والوصايا متسعة النّطاق، متشعّبة الاشتقاق؛ ولم يستوعب لك أمير المؤمنين أقسامها، ولا حاول إتمامها: للاستغناء بما لك من المعرفة التي غدت في استنباط حكم السياسات أكبر معين، والفطرة النفيسة التي تمدّك من كل فضيلة بأغزر معين؛ ولا يزال يضيء لبصيرتك من أنوار السيد الأجلّ الملك الصالح- أدام الله قدرته- التي لا تبرح للبصائر لامعة، ولمحاسن الأفعال وغررها جامعة، ما تستعين «5» بأضوائها على الغرض المطلوب من الإصابة وأكثر.
(10/345)

هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وإنعامه عليك؛ فتلقّه من الشّكر بما يكون للمزيد سببا مؤكّدا، ويغدو الإحسان معه مردّدا مجدّدا، وابذل جهدك فيما أرضى الله وأرضى إمام العصر، وثابر على الأعمال التي تناسب فضائلك المتجاوزة حدّ الحصر؛ والله يعضّدك بالتوفيق، ويمهّد لك إلى السعادة أسهل طريق، ويرهف في الحرب عزائمك، ويمضي في الأعداء صوارمك، ويضاعف لك موادّ النصر والتأييد، ويخصّ بناء مجدك بالإعلاء والتشييد؛ إن شاء الله. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
قلت: والذي يظهر أن مما كان يكتب في دولتهم على هذه الطريق سجلّات كبار نياباتهم، حال استفحال الدولة في مباديء أمرها، قبل خروج البلاد الشاسعة عنها واستقلاعها من أيديهم: كدمشق ومضافاتها من البلاد الشامية قبل خروجها عنهم لبني أرتق في زمن المستنصر أحد خلفائهم، وكأفريقية وما معها من بلاد الغرب قبل تغلّب المعزّ بن باديس نائب المستنصر المتقدّم ذكره بها وقطع الخطبة له، وكجزيرة صقلّيّة من جزائر البحر الرّوميّ قبل تغلّب رجّار أحد ملوك الفرنج عليها وانتزاعها من أيديهم في زمن المستنصر المذكور أيضا؛ فإنّ دمشق وأفريقية وصقلّيّة كانت من أعظم نياباتهم، وأجلّ ولاياتهم، فلا يبعد أن تكون في كتابة السّجلّات عندهم من هذه الطبقة.
المرتبة الثانية
(من المذهب الأوّل من سجلّات ولايات الفاطميين أن يفتتح السّجلّ بالتصدير، فيقال: «من عبد الله ووليّه» إلى آخر التصلية، ثم يؤتى بالتحميد مرة واحدة ويؤتى في الباقي بنسبة ما تقدّم، إلا أنه يكون أخصر مما يؤتى به مع التحميدات الثلاث) ثم هي إما لأرباب السّيوف أو لأرباب الأقلام من أرباب الوظائف الدّينية والوظائف الدّيوانية.
فأما السّجلّات المكتتبة لأرباب السّيوف، فمن ذلك نسخة سجلّ بولاية
(10/346)

القاهرة من هذه الرتبة: لرفعة قدر متولّيها حينئذ، وهي:
من عبد الله ووليّه (إلى آخره) .
أما بعد، فالحمد لله رافع الدّرجات ومعليها، ومولي الآلاء ومواليها، ومحسن الجزاء لمن أحسن عملا، ومضاعف الحباء للذين لا يبغون عن طاعته حولا، ومنيل أفضل المواهب ومخوّلها، ومتمّم النعمة على القائم بشكرها ومكمّلها، متبع المنن السالفة بنظائرها وأشكالها، والمجازي على الحسنة بعشر أمثالها، وصلّى الله على جدّنا محمد رسوله الذي أقام عماد الدين الحنيف ورفعه، وخفض بجهاده منار الإلحاد ووضعه، وأرغم عبدة الصّليب والأوثان، ونشر في أقطار المملكة كلمة الإسلام والإيمان، وكشف غياهب الضّلال بأنوار الهدى اللامعة، وهتك حجاب الكفر ببراهين التوحيد الصادعة وسيوف النصر القاطعة، صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمّه أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، سيف الحقّ الماضي المضارب، وبحر العلم الطامي اللّجج والعوارب «1» ، ومعين الحكمة العذب المشارع، والمخصوص بكلّ شرف باسق وفضل بارع، وعلى آلهما سادة الأنام، وحماة سرح الإسلام، وموضّحي حقائق الدّين، وقاهري أحزاب الملحدين، وسلّم ومجّد، وضاعف وجدّد.
وإنّ أمير المؤمنين لما آتاه الله من شرف المحتد والنّجار، وتوّجه به من تيجان الإمامة المشرقة الأنوار، وألقاه إليه من مقاليد الإبرام والنّقض، وأناله إيّاه من الخلافة في الأرض، والشّفاعة في يوم العرض، وعدقه به من إيضاح سبل الهدى اللامعة، وهتك حجاب الكفر ببراهين التوحيد الصادعة وسيوف النصر القاطعة، إلى الأنام «2» ، وأطلعه عليه من أسرار الحكمة بمناجاة الإلهام، وأقامه له من إعلاء منار الملّة وتقويم عماد الحق، وأمدّ به آراءه من العنايات الرّبانيّة فيما جلّ ودقّ،
(10/347)

وأمضاه له في الأقطار من الأوامر والنّواهي، وأفرده به من الخصائص الشريفة التي يقصر عن تعديدها إسهاب الواصف المتناهي، ويسّره لإرادته من اقتياد كلّ أبيّ جامح، وحبّبه إليه من استعمال السّيرة المستدنية من المصالح كلّ بعيد نازح- يضاعف بهاء أيّامه باصطفاء ذوي الصّفاء، ويزيد في بهجة زمانه باستكفاء أولي الوفاء، ورفع منازل المعرقين في الولاء إلى غايات السّناء، وينيل المخلصين من الحباء، ما يدل على مواضعهم الخطيرة من الاجتباء، ويسند معالي الأمور، إلى الأعيان الصّدور، ويعدق الولايات الخطيرة، بمن حسنت منه الآثار والسّيرة، وأظهر تغاير الأمور ما هو عليه من خلوص النّية ونقاء السّريرة، واستولى على جوامع الفضل وغاياته، وقصرت همم الأكفاء عن مماثلته في الغناء ومساواته، وألقت إليه المناقب قياد المستسلم المسلّم، وأعجز تعديد محاسنه البارعة كلّ ناطق ومتكلّم، وسمت همّته إلى اكتساب الفخار، واستكمل فنون المحامد فحصلت لديه حصول الاقتناء الادّخار، وفاز من كلّ مأثرة بالنصيب الوافر المعلّى، وتشوّفت إليه الرّتب السنية تشوّف [من] «1» رأته لها دون الأكفاء أهلا، وكفى المهمّات بجنان ثابت وصدر واسع، وقرّبت عليه أفعاله المرضيّة من الميامن كلّ بعيد شاسع، ووسم جلائل التصرّفات بما خلّفه بها من مستحسن الآثار، وخلصت مشايعته من الأكدار فحلّ في أميز محلّ من الإيثار، وجارى المبرّزين من أرباب الرّياسات فسبق وأبرّ، وأحرز جميل رأي وليّ نعمته فيما ساء وسرّ.
ولمّا كنت أيها الأمير المعنيّ بهذا الوصف الرفيع، المخصوص من مفاخره بكلّ رائع بديع، الحالّ من الاصطفاء في أقرب محلّ وأدناه، المرتقي من الرياسة أشمخ مكان وأسناه، الأوحد في كل فضيلة ومنقبة، الكامل الذي أوجب له الكمال صعود الجدّ وسموّ المرتبة، المصلح ما يردّ إلى نظره بالتدبير الفائق، الشامل ما يعدق به بحزمه الذي لا تخشى معه البوائق «2» ، المجمع على شكر خصائصه
(10/348)

وخلاله، الفائت جهد الأعيان الأفاضل بعفو استقلاله، المعتصم من المشايعة بالسبب المتين، المتميّز على الأكفاء بمآثره المأثورة وفضله المبين؛ وما زالت مساعيك في طاعة أمير المؤمنين توجب لك منه المزيد، تستدعي لمنزلتك من جميل رأيه مضاعفة التشييد، وتخصّك من الاجتباء بالنصيب، الوافر الجزيل، وتبلّغك من تتابع النّعم ما يوفي على الرجاء والتأميل.
وقد باشرت جلائل الولايات، وعدق بك أفخم المهمّات، فاستعملت السّيرة العادلة، وسست السياسة الفاضلة، وجمعت على محبّتك القلوب، وبلّغت الرعية من إفاضة الإنصاف كلّ مؤثر ومطلوب؛ وإذا برقت بارقة نفاق، ونجم ناجم من مردة المرّاق، كنت الوليّ الوفيّ، والمخلص الصّفيّ، والمدافع عن الحوزة بجهاده، والمحامي عنها بماضي عزمه وصادق جلاده، والباذل مهجته دون وليّ نعمته، والجاهد فيما يحظيه بنائل مواتّه وتأكّد أذمّته «1» ؛ ومجلي ظلام الخطب الدامس بحسامه، ومزيل الخطب الكارث برأيه واعتزامه؛ ومواقفك في الحروب، تكشف الكروب، وتروي من دماء الأبطال ظامئات الغروب «2» ، وتورد سنان اللّدن العاسل «3» ، وريد الكميّ الباسل، وتحكّم ظبا المناصل، في الهامات والمفاصل، وتستبيح من مهج الأقران كلّ مصون، وترميهم من قوارع الدّمار بضروب متّسعة الفنون؛ فآثارك في كل الحالات محمودة، وشرائط الاصطفاء فيك فاضلة موجودة. وحضر بحضرة أمير المؤمنين فتاه ووزيره، وكافل ملكه وظهيره، السيد الأجل الملك الذي «4» فأثنى عليك ثناء وسّع فيه المجال، وخصّك من شكره وإحماده بما أفاض عليك حلل الفخر والجمال، وقرر لك
(10/349)

الخدمة في ولاية القاهرة المحروسة، فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين من ذلك: عاملا بتقوى الله الذي تصير إليه الأمور، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور؛ قال الله في كتابه المبين: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
«1» .
واعلم أنّ هذه المدينة هي التي أسّس على التقوى بنيانها، ولها الفضيلة التي ظهر دليلها ووضح برهانها: لأنها خصّت بفخر لا يدرك شأوه ولا تدرك آماده، وذلك أنّ منابرها لم يذكر عليها إلا أئمة الهدى آباء أمير المؤمنين وأجداده، ثم إنها الحرم الذي أضحى تقديسه أمرا حتما، وظلّ ساكنه لا يخاف ظلما ولا هضما، وغدت النعمة به متمّمة مكمّلة، والأدعية في بيوت العبادات به مرفوعة متقبّلة:
للقرب من أمير المؤمنين باب الرحمة ومعدن الجلالة، وثمرة النبوّة وسلالة الرسالة؛ فاشمل كافّة الرعايا بها بالصّيانة والعناية، وعمهم بتامّ الحفظ والرّعاية، وابسط عليهم ظلّ العدل والأمنة، وسرفيهم بالسّيرة العادلة الحسنة، وساو في الحقّ بين الضعيف والقويّ، والرّشيد والغويّ، والملّيّ والذّميّ، والفقير والغنيّ، واعتمد من فيها من الأمراء والمميّزين، والأعيان المقدّمين والشّهود المعدّلين، والأماثل من الأجناد، وأرباب الخدم من القوّاد، بالإعزاز والإكرام، وبلّغهم نهاية المراد والمرام، وأقم حدود الله على من وجبت بمقتضى الكتاب الكريم، وسنّة محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، وتفقّد أمور المتعيّشين، وامنع من البخس في المكاييل والموازين، وحذّر من فساد مدخل على المطاعم والمشارب، وانتهج في ذلك سبيل الحق وطريق الواجب، واحظر أن يخلو رجل بامرأة ليست له بمحرم، وافعل في تنظيف الجوامع والمساجد وتنزيهها عن الابتذال بما تعزّ به وتكرم، واشدد من أعوان الحكم في قود أباة الخصوم، واعتمد من نصرة الحق ما تبقى به النعمة عليك وتدوم، وأوعز إلى المستخدمين بحفظ الشارع والحارات، وحراستها في جميع الأزمنة والأوقات، وواصل التّطواف في كل ليلة بنفسك في أوفى عدّة، وأظهر عدّة، وانته في ذلك وفيما يجاريه إلى ما يشهد باجتهادك، ويزيد في شكرك
(10/350)

وإحمادك؛ والله تعالى يوفّقك ويرشدك، ويسدّدك في خدمة أمير المؤمنين ويسعدك؛ فاعلم ذلك وأعمل به، وطالع مجلس النظر الأجليّ الملكيّ بما تحتاج إلى علمه، إن شاء الله تعالى.
قلت: وعلى هذا النّمط كان يكتب سجلّ ولاية الشرقية من أعمال الديار المصرية دون غيرها من سائر الولايات، إذ كانت هي خاصّ الخليفة كالجيزيّة والمنفلوطيّة «1» الآن، وكان واليها هو أكبر الولاة عند هم لذلك.
وأما الوظائف الدينية.
فمنها- ما كتب به القاضي الفاضل عن العاضد بولاية قاض:
من عبد الله ووليّه عبد الله أبي محمد الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين، إلى القاضي المؤتمن الأمين، علم الدين، خالصة أمير المؤمنين، وفّقه الله لما يرضيه، وسدّده فيما يذره ويأتيه، وأعانه على ما عدق به ووليّه.
سلام عليك فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، ويسأله أن يصلّي على جدّه سيّد ولد آدم، وعالم كل عالم، ومبقي كلمة المتقين على اليقين، ومعلي منار الموحّدين على الملحدين، صلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وعلى أمراء المؤمنين، صلاة تتصل في كلّ بكرة وأصيل، ويعدّها أهل الفضل وأهل التحصيل، ووالى وجدّد، وعظّم ومجّد، وكرّر وردّد.
وإن أمير المؤمنين لما آتاه الله إيّاه من نفاذ حكمه ومضاء حكمته، وفوّضه إليه من إمامة أمّته، وأفاضه عليه من أنوار كشفت غمامة كلّ غمّة، وشرّدت بعدله من بسطة ظلم وسطوة ظلمة، وأظهره له من حقّ نصب للنصر علمه وللهداية علمه، وأيّده به من كلّ عزمة فتكت بكل أزمة، ووكّل به هممه من إتمام نعمة وابتداء نعمة، وأطلق به يده من معروف روّض الآمال صوب «2» مدراره، وبدت
(10/351)

على الأحوال آثار إيثاره، وأخذ به الخصب من المحل ثاره واستقال به الرخاء من وهدات عثاره، وعضّد به أفعاله من أمور التوفيق اتّباعا واقتضابا، وألهمه من موالاة الآلاء التي لا تذهب عهود عهادها انقضاء ولا انتضابا، ويسّر له عزيمة من الآراء التي لا تكسب إلا حمدا أو ثوابا؛ يختصّ بإحسانه من ينصّ الاختبار على أنه أهل للاختيار، وتفيض الأحوال من حوالي أوصافه ما يديم المطار في الأوطار، وينعم على النعمة بإهدائها إلى ذوي الاستيجاب، ويصطنع الصّنيعة بإقرارها في مغارس الاستطابة والاستنجاب، ويرشّح لخدمه من عرف ذكره بأنه فائح، وعرف عرفه ناصع ناصح، ويبوّيء جنان إنعامه من أحسن عملا، واستحقّت منزلته من الكفاية أن تكون له بدلا، ولم تبغ تصرّفاته في كل الأحوال عنها حولا، ودرّجته خصائصه العلية فاقتعد صهوات الدّرجات العلى، واستحقّ بفضل تفضيله أن يولى الجميل جملا، وعرضت خلاله على تعيين الانتقاد فاقتضاها ولا يتضاهى، وزويت مسالك الغناء بصدره فضاهى فضاها.
ولما كنت أيّها القاضي المشتمل على هذه الخلال اشتمال الرّوض على الأزاهر، والأفق على النّجوم الزّواهر، والعقود على فاخر الجواهر، والخواطر على خطراتها الخواطر، والنّواظر على ما تصافح من الأنوار وتباشر، المثري من كل وصف حسن، المتبوع الأثر بما فرض من المحاسن وسنّ، الكاليء ما تستحفظ بعين كفاية لا يصافح أجفانها وسن، الأمين الذي تريه أمانته متاع الدنيا قليلا، وتصحبه ناظرا عن نضارتها كليلا، والمؤثر دينه على دنياه، المطيع الذي لا يسلو العصبة عن هواه، المخلص النية في الولاء و «لكلّ امريء ما نواه» الناصح الذي ينزّه ما يلابسه عن لباس الرّيب، البعيد عن مظانّ الظّنون فلا تتطلّع الأوهام منه على عيب غيب، النقيّ الساحة أن يغرس بها وصمة، التقيّ الذي لا تخدع يده عن التمسّك ما استطاع بحبل عصمة، المحتوم الحقوق بأن يستودع دهر الوفاء، المتوسّل بمواتّ توجب له الإيفاء على الأكفاء، المستقيم على مثل الظّهيرة كهلا ويافعا، الشافع بنفسه لنفسه وكفى بالاستحقاق شافعا؛ وحسبك أنك حملت الأمانة وهي حفظ الكتاب، وأطلق الله به لسانك فشفيت القلوب من
(10/352)

الأوصاب، ووصل به سببك إلى رحمته يوم تنقطع الأسباب، وأصبح محلّك في الدارين آهلا أثيرا، وكنت ممن قال الله فيه: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
«1» .
وقد خالطت في مواكب أمير المؤمنين المعقّبات التي من بين يديه ومن خلفه، وقربت من مجالسه المشتملة منه على عنوان عناية الله بالبريّة ولطفه، ونوره الذي كلّت العيون عن كشفه والحيل عن كسفه، وتقدّمت بخدمة الخلفاء الراشدين، أمراء المؤمنين، إلى سوابق سبقت بها في كل مضمار، وجمعت في المخالصة فيها بين الإعلان والإضمار، وسبر التجريب حالتيك بصحائف خبرة، واستمرّت بك الحال في القرب منهم وفي تقلّب الأحوال عبرة، وتدرّجت في حجب القصور، وبدت لك الغايات فما كنت عنها ذا قصور؛ فكانت التّقدمة لك مظنونة وبك مضمونة، وسريرتك على الأسرار المصونة مأمونة، وما اعوجّت معالم إلا وكان تقويمها بتقويمك، ولا استيقظت حيلة فخاف الحقّ سبيل غيّها بتهويمك «2» ؛ وإنّ كل قائل لا يملك من إصغاء أمير المؤمنين ما تملك بتلاوة الذّكر الحكيم، ولا يسلك من قلبه ما تسلك بمعجز جدّه العظيم؛ فأنت تخدم أمير المؤمنين بقلبك مواليا، وبلسانك تاليا، وبنظرك مؤتمنا، وبيدك مختزنا، لا جرم أنك حصدت ما زرعت طيّبا، وسقاك ما استمطرت صيّبا، وزفّت لك الأيادي بكرا وثيّبا، وحللت يفاع المنازل مستأنسا إذا حلّ غيرك وهداتها متهيبا.
فأمّا حرمتك التي بوّأتك من الاختصاص حرما، وجعلتك بين الخواصّ علما، وتوالي يدك بلمس ما حظي من الملابس بصحبة جسده الطاهر، واشتمل على زهر النّضار وزهر الجواهر، فذلك جار مجرى السّكة والدّعوة في أنهما أمانة تعم العباد والبلاد، وهذه أمانة تخصّ النّفوس والأجساد، ولك مما في خزانته وكالة
(10/353)

التخيير والتعيير، وعن أغراضه الشريفة سفارة الإفراج والتغيير، وهذه مواتّ تجعل سماء السّماح لك دائمة الدّيم، وتسكن آمالك في حرم الكرم، وتعقد بينك وبين السعادة أوكد الذّمم، وتتقاضى لك جدود الجدّ بقدم الخدم.
وحضر بحضرة أمير المؤمنين فتاه، الذي زهي الزمان به فتاه، ووزيره، الذي عزّ به منبره وسريره، السيد الأجلّ أفضل الملوك قدرا، وأكثرهم قدرة، وأعظمهم صبرا، وأدربهم نصرة وأفيضهم جودا غمرا، وأكشفهم لغمرة، وأمضاهم على الهول صدرا، وأردّهم لكرّة، وأثبتهم جأشا وصليل السيوف يخطب والمقاتل تسمع، وأوضحهم في استحقاق المجد حجّة شرعتها الرّماح الشّرّع، وأركبهم في طاعة أمير المؤمنين لمشقه، وأشدّهم وطأة على من جحد نوره وعقّ حقّه، فالدنيا مبتسمة به عن ثغور السّرور، والملك بكفالته بين وليّ منصور وعدوّ محصور، فأسفرت سفارته عن أنك من أمثل ودائع الصّنائع وأكفاء الاستكفاء، وأعيان من يحقّق اختيارهم وفضلهم العيان، وأفاضل من هو أهل لإسداء الفواضل؛ وأن الصنيعة ثوب عرك «1» داره، وجار قد عقد بين شكرك وبينه جواره، وقرّر لك تقدمة في الحضرة لأنك فارسهم اسما وفعلا، وأوّلهم حين تتلو وحين تتلى، والنظر على المؤذّنين بالقصور الزاهرة، والمساجد الجامعة، وبالمشاهد الشريفة: لأن الأذان مقدّمة بين يدي القرآن، وأمارة على معالم الإيمان، والنظر في تقويم ما يرد إلى الخزانة العالية الخاصّة والعامّة من الملابس على اختلاف أصنافها، والأمتعة على ائتلاف أوصافها، ومشارفة خزانة الفروش ليكمل لك النظر في الكسوات التي تصان للملبوس، والكسوات التي تبتذل للجلوس، وخزن بيت المال الخاص ليكمل لك النظر في الذهب مصوغا ومرقوما، وخزنا وتقويما؛ واستصوب أمير المؤمنين ما رآه، وأمضى ما أمضاه، وخرج أمره إلى ديوان الإنشاء أن يكتب هذا السجلّ لك بذلك.
(10/354)

فاعرف قدر ما عدق بك من أمور دين ودنيا، وخدم لا تقوى عليها إلا بلباس التقوى، وأنك قد أصبحت لجنّات أنعم أمير المؤمنين رضوانا، ويدك للفظ إحسانه لسانا، وباشر ذلك مستشعرا خشية الله في سرّك وجهرك، متحقّقا أنه غالب على أمرك، مدّخرا من الأعمال الصالحة ما يبقى عند فناء ذخرك، مستديما للنعمة بما يقيّدها من شكرك، وما يصونها أن تبتذل من بشرك، عالما أن التّقيّة حلية الإيمان، وضمان الأمان، وزاد أهل الجنان إلى الجنان، بقول الله سبحانه في كتابه العزيز: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
«1» .
وأخلص نيّتك في خدمة أمير المؤمنين فمع الإخلاص الخلاص، وأدّ له الأمانة فإنّ أداءها أطيب القصص يوم القصاص، وقم في خدمته المقام المحمود، واستدم بها صعود ركاب السّعود، فقد عرفك الله بركة النصيحة وعوائدها، وأنجزت لك الآمال المنبسطة مواعدها، واستشرف أحوال القرّاء فهم أحقّ قوم بالتهذيب، ولزوم أساليب التأديب، فمن كان للآيات مرتّلا وللدّراسة متبتّلا، وبأثواب الصلاح متقمّصا، وبخصائص الدّين متخصّصا، ولما في صدره بقلبه لا بلسانه حافظا، وعلى آداب ما حفظ محافظا، فذلك الذي تشافه تلاوته القلوب، وتروض بأنواء المدامع جدوب الذّنوب، ومن كان دائم الإطالة في سفر البطالة، ساترا لأنوار المعرفة بظلم الجهالة، فحقّ عليك أن تصرفه وتبعده، وتجعل التوبة للعود موعده؛ وكذلك المؤذّنون فهم أمناء الأوقات، ومتقاضون ديون الصلوات، ولا يصلح للتأذين إلا من كملت أوصاف عدالته، وأمنت أوصام جهالته.
وأما الأمانة في الأموال التي وكلت إلى خزنك وختمك، والأمتعة التي وكلت إلى تقويمك وحكمك، فأن تؤدّى بسلوك أخلاقك وهي الأمانة، واتّباع طباعك وهي الإباء للخيانة، وأن تستمرّ على وتيرتك، ومشكور سيرتك، ومشهور سريرتك، ومنير بصيرتك، وأن لا تؤتى من هوى تتّبعه، ولا حيف تبتدعه، ولا قويّ تنخدع له، ولا ضعيف تخدعه، ولا من محاباة وأن أحببت، ولا من مداجاة كيفما تقلّبت،
(10/355)

واذكر ما يتلى من آيات الله في مثلها: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
«1» والله يتولّى توفيقك وتوقيفك، ويديم [على] «2» ما يحبّ تصريفك؛ إن شاء الله تعالى.
ومنها- ما كتب به القاضي الفاضل أيضا، وهي:
من عبد الله ووليّه (إلى آخره) .
أما بعد، فإنّ رتب الولايات متفاوتة الأقدار، متباينة الأخطار، وكلّ شيء منها عند أمير المؤمنين بمقدار، ولها رجال مشرّفو الأقدار، ومحالّها بحضرته مقدّرة تقدير منازل الأقمار، ومحالّ الأولياء بمقامه محالّ الأهلّة تتنقّل بين أوّل النّماء إلى انتهاء الإبدار «3» ؛ ومن أميزها قدرا، وأحقّها بأن يكون صدرا، وأن يشرح لمن حلّه صدرا، وأن يسوق إليه الخاطب من استحقاقه مهرا، ولاية مدينة مصر: لأنها المجاورة لمحلّ الخلافة، وكلّ مصر بالنّسبة إليها معها بالإضافة، وهي خطّة النّيل، وفرضة المنيل «4» وبها إذا هجمت الخطوب المنيل، ومنها من عثرات الأيام المقيل، ومنها تؤنس أنوار الإمامة على أنها تتوضّح بغير التأميل وبدء التأميل، ولا يؤهّل لولايتها إلا كل حامل لعبئها الثقيل، ولا تسند الخدمة فيها إلا لكل مثر من ذخائر السياسة غير فقير ولا مقلّ، ولا يتوقّل «5» رتبتها إلا من تكون به الرتب منيرة ومحاسنه لا تملّ مما يملّ، ولا يمتطي صهوتها إلا من لا يطأطيء للأطماع عزّة نزاهته ولا يذلّ، ولا يرتقي درجتها إلا من يهتدي بأعلام الديانة التي لا تضلّ، ولا يقرأ سجلّها إلا لمن يطوي مظالم الرعية طيّ الكتاب للسّجلّ.
ولما كنت أيها الأمير ممن توقّدت هذه الأوصاف فيه توقّد النار في ذرى
(10/356)

علمها، وأوجد معاني معاليها وأنقذها من إسار عدمها، وارتقى إلى هضبات الرياسة المنيعة بما جعل خلاله المسلّم فضلها مثل سلمها، وناولته الدّراية عناني سيفها وقلمها، وشهدت الأيام بتقدّم قدمه في مراتبها وقدمها، وأمنت الصواب أن يتبع أفعاله إذا أمضاها بعيب «1» بذمّها، وكتبت أقلام رماحه سطور الطعن في صدور العدا مستمدّة من دمّها، وتجشّم مشقّات المعالي فآثرته تعفي راحة بجسمها، واجتمعت فيه صفات المحاسن المتفرّقة فقضى عليها بتجسيمها، وتصدّر الدرجات المحصنة من مطالع الحاضر لحظّه من رقتها ونسيمها، وتعرّضت ذخائر المحامد لما في طبعه من اقتناصها ونعيمها، وقرّت عين المنازل فما زوت وجه إقبالها ولا بسطت راحة تظلّمها، وانثنت إليه عقائلها المصونة فما ثنت دون ديانته عنان تلوّمها، وأثرك في كل ولاية مشكور، وسعيك في كل غاية غير مقصور، وغناؤك في المهمّات معدّ مذخور، ومساجلك عن أيسر ما وصلت إليه مدفوع مدحور، وليل شبابك بالكوكب الدّريّ من صولتك منحور، وأفعالك أفعال من لا يجوز غير محرز كسب الأجور، وخلالك خلال من انتظم في سلك الذين يرجون تجارة لن تبور.
وقد سلفت لك خدم تصرّفت فيها وتدرّجت، وعرّفت «2» بطهر الذكر من رعيّتها وتأرّجت، وتحوّبت «3» من الأوزار على ما يوقع ذنبك وتحرّجت، وجريت على أجمل عادة، واقتضيت عند انقضاء شأو الإبداء استئناف شأو الإعادة. ومثل بحضرة أمير المؤمنين لسان أمره، وسيف زجره، السيد الأجلّ الذي قام بما استكفاه فأحسن وحسّن، وصان حمى الملك فأحصن وحصّن، وجاد بنفسه في
(10/357)

سبيل الله فما ضنّ، وكان مكان ما أمّل عند اصطفائه وفوق ما ظنّ، وسدّد قصوده، فمرقت سهامها وما مرقت عن طاعته، وأطلع سعوده، وفأنارت نجوما لأوليائه ورجوما لأهل خلاف خلافته، وأطلقت أحكام عدل الله في خلق الله أحكام مراماته وسيف إخافته؛ فالدنيا بيمن إيالته عن مآخذ السراء، وطلقاء الجود بما عملته يده من قيود الإحسان في عداد الأسراء، ورضا أمير المؤمنين عنه كافل له بأن يرضي الله في الأعداء، وملوك الأرض إن فدت السماء «1» طيّبة أنفسها له بالفداء، والدنيا متأرّجة بطيب خبره، والعلياء متبرّجة بحسن نظره، وبحار التدبير لا تفارق زبد أمواجها إلا بفاخر جوهره، وقوانين السّياسة لا توجد مسندة إلا عن اتّباع أثره، ولا حظّ لمحاربه إلا سلمه بعثاره وتثلّمه بعثيره «2» ، فأثنى عليك بحضرته واصفا، وثنى إليك عنان عنايته عاطفا، ورأى تقليدك ولايتها معربا باستحقاقك عارفا- خرج أمير المؤمنين إليه بأن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجلّ لك بتقليدك ولاية المعونة والحسبة بمدينة مصر والجيزة والقرافة «3» ، إنافة بك عن النّظراء، وإبانة عمّا لك من جميل الآراء، وتطرية لحظك بما حصل به من الإطراء، ورعاية لما لك من الانتهاء إلى أقصى غايات الإحسان والإجراء، وإيجابا لما تتوسل به من العناء، وذخائر الغناء والإثراء، وإشادة لقدرك الذي أشاده ما أنت عليه من الإيواء إلى ظلّ النزاهة والاستيناء «4» .
فتقلّد ما قلّدته من هذه الخدمة، وارفل بما ضفا عليك من ملابس هذه النعمة
(10/358)

وبما صفا لديك من موارد هذه الجمّة «1» ، وقدّم تقوى الله أمامك، واتّبع وصيّتها التي استعمل الله بها إمامك؛ فبها النجاة مضمونة، والرحمة متيقّنة لا مظنونة، قال الله سبحانه في كتابه المكنون: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
«2» .
واعتمد المساواة بين الناس فيما هو حكم، والنظر بالعدل في كلّ ما هو ظلم، ولا تجعل بين الغنيّ والفقير في الحق فرقا، واسلك فيهم طريقا واحدا فقد ضلّ من سلك فيهم طرقا، واشمل أهل المدينة بطمأنينة تنيم الأخيار وتوقظ الأشرار، وأمنة تساوي فيها بين ظلام الليل ونور النهار: لتكون ولايتك لهم موسما، وموردها لثغور الأمر مبسما، وأنصف المظلوم واقمع الظالم، وكن لنفسك زعيما بنجاتها فالزعيم لها غارم، وانه عما نهى الله عنه من الفحشاء والمنكر، وأمر بالمعروف وحسبك أن تعرف به وتذكر، وخذ في الحدود بالاعتراف أو الشّهادة، ولا تتعدّ حدّها بنقص ولا زيادة؛ وكما تقيمها بالبينات، فكذلك تدرؤها بالشّبهات، وفي هذه المدينة من أعيان الدولة ووجوهها، وكلّ سامي الأقدار نبيهها، وأرباب السيوف والأقلام، والمعدودين في العلماء والأعلام، والمعدّلين الذين هم مقاطع الأحكام، والتجار الذين هم عين الحلال والحرام، والرعية الذين بهم قوام العيش في الأيام، من يلزمك أن تكون لهم مكرما، ولإيالتهم محكما، ومن ظلمهم متحرّجا متأثّما، ولسانهم في الشكر عن لسانك متكلّما، وإلى قلوبهم بجميل السّيرة متحبّبا، ولمساخطهم- ما لم تسخط الله- متجنّبا.
واشدد من المستخدمين بباب الحكم في إشخاص من يتقاعد عن الحضور مع خصمه، ويتّبع حكم جهله فيخرج عن قضيّة الشرع وحكمه، وأوعز إلى أصحاب الأرباع «3» بإطلاعك على الخفايا، وإبانة كل مستور من القضايا، وأن يتيقّظوا
(10/359)

لسكنات الليل وغفلات النهار، وخذهم في الليل بما التزموه من الحرس من مكايد اللّصوص والدّوّار، وأيقظهم لأن يتيقّظوا فربّما اجتنى ثمر الأمن من غرس الحذار، وإذا ظفرت بجان قد أوبقه عمله، وطمح إلى الفساد أمله، فاجمع له بين التنكيل والتوكيل، أو ذي ريبة إن زاد ريبة بالحبس الطويل، وإلا فطالع بأمره إن كان من غير هذا القبيل، وواصل التّطواف في العدد الوافر، والسّلاح الظاهر، في أرجاء المدينة وأطرافها، وعمّر بسرّك سائر أرجائها وأكنافها، وانظر في الحسبة نظر من يحتسب ما عند الله خير وأبقى ومن يرغب في الأجر ويعرض عن شعار لباس التمويه والّلبس، وامنع أن يخلو رجل بامرأة ليست بذات محرم: لتكون قد سلّمت وسلمت من شبهتي المطمع والمطعم، واستوضح آلات المعاملات وغيرها، فبها تخفّ الموازين أو ترجح يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ
«1» ، واعتمد في تهذيبها وتصويبها ما تحسن فيه للمسيء والمحسن، لأنك تكفّ أحدهما عن عمل المتهافت وعن المهوب الممعن.
وتقدّم بنفض الأذى عن جادّة الطريق، وانه أن تحمّل دابّة أكثر مما تطيق، وتفقّد الجوامع والمساجد بالتنظيف إبانة لجمالها، وصيانة من ابتذالها، ولا تمكّن أحدا أن يحضرها إلا مؤدّيا للفرض أو منتظرا أو متطوّعا، أو عالما أو متعلما أو مستمعا، فإنها أسواق الآخرة، ومنازل التّقوى العامرة؛ وأجر الأمور على عاداتها، واسترشد في طارئاتها ومشكلاتها؛ فاعلم هذا واعمل به. إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة سجلّ بولاية قاض بثغر الإسكندرية، من إنشاء القاضي الفاضل، من هذه الرتبة، وهي:
(10/360)

من عبد الله ووليّه (إلى آخره) .
أما بعد، فالحمد لله الذي نشر راية التوحيد وأعزّ ملّة الإسلام، وهدى بكرمه من اتّبع رضوانه سبل السّلام، رافع منار الشرع وحافظ نظامه، ومجزل الثواب لمن عمل بأمره في تحليل حلاله وتحريم حرامه؛ وسع كلّ شيء رحمة وعلما، وساوى بين الخليقة فيما كان حكما، وقال جلّ من قائل في كتابه العزيز: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً
«1» . سبحانه من خالق لم يزل رؤوفا ببريّته، عادلا في أقضيته، مضاعفا أجر من خشيه وعمل بخيفته، موفّرا ذلك له يوم يودّ المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته «2» .
يحمده أمير المؤمنين أن أفاض عليه أنوارا إلهيّة، وتعبّد البريّة بأن جعلها بطاعته مأمورة وعن مخالفته منهيّة، واستخلف منه على الخليقة القويّ الأمين، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، ويسأله أن يصلّي على جدّه الذي عمّ إرساله بالرحمة، وكشف بمبعثه كلّ غمّة، وجعل شرعه خير شرع وأمّته خير أمّة، فأحيا من الإيمان ما كان رميما، وهدى بالإسلام صراطا مستقيما، وخاطبه الله فيما أنزل عليه بقوله: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً
«3» وعلى أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الذي وفّر الله نصيبه من العلم والحكمة، وجعل خلافته في أرضه لا تخرج عن ذرّيته الهداة الائمّة، وعلى آلهما الأطهار، وعترتهما السادة [سلاما] «4» باقيا إلى يوم الدين.
وإن أمير المؤمنين لما أفرده الله به من المآثر، وتوحّده به من المناقب
(10/361)

والمفاخر، وخصّه بشرفه من الإحسان إلى أوليائه بالإنعام إليهم في الدنيا والشفاعة لهم في اليوم الآخر، يرتاد لجلائل الخدم من يشار إليه ويومى، ويختار لتولّيها من يكون بأثقالها ناهضا وبأعبائها قؤوما، ويسند أمرها إلى من لا يتمارى في سؤدده ولا يختلف في فضله، ويعدق شؤونها بمن عدقت الرياسة به وبأسلافه من قبله، فيكون إذا شرّف بها عرف منزلتها ومحلّها، ووقع الاتفاق على التمثل بقوله:
وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها
«1» .
ولما كنت أيّها القاضي المكين من البيت الذي اشتهر قدره، وارتفع ذكره، وحلت رتبته، بأوصاف كلّ من أهله في قوله وفعله، وتردّدت رياسته، في عدد كثير لا عهد للرياسة بالتردّد في مثله، وكانت لك ولمن مضى من أسلافك آثار في الخدم خلّدت لكم مجدا يبقى، وأقرّت من الحديث به ما لا يسمو إليه النّسيان ولا يرقى؛ فكل ما تتولّونه متجمّل بكم ولا يريد معكم زيادة، وكلّ ما يعتمد فيه عليكم قد نال مطلوبه وبلغ البغية والإرادة، والذي يخرج عن نظركم يتلهّف عليكم حنينا إليكم واشتياقا، وإن ردّ إليكم لم يأل تشبّثا بكم وتمسّكا واعتلاقا؛ هذا إلى ما لكم من الحرمات المرعية، والمواتّ التي ليست بمنسية، والسيد الأجلّ الأفضل الذي حسبه من المفاخر قيامه بحق الله لمّا غفل الملوك عنه وقعدوا، واستيقاظه بمفرده حين ناموا دون استخلاصه مما عراه ورقدوا؛ وإن انتصابه آية أظهرها الله للملّة، وحسم بها في رفع منار الدّين كلّ علّة، فإذا أنفقت الأعمار في [بيان] «2» أوصافه كانت جديرة بذلك حريّة، وإذا ذكرت آثاره في الإسلام كان العلم بكرمها لاحقا بالعلوم الضّرورية، فما ينسب المتوسّع في التقريظ له إلى تغال «3» ، ولا تضييع وقت يقضى في اهتمام بالثناء على مناقبه واشتغال، يواصل «4» الثناء عليك والشكر
(10/362)

لك، ويتابع من ذلك ما إذا ذكر اليسير منه شرّفك وجمّلك، ويصف ما كان لأخيك القاضي المكين- رحمه الله- من الاجتهاد في المناصحات، ومن الأفعال الحسنة والأعمال الصالحات، ومن الوجاهة التي أحلّته مكانا متجاوزا غاية الآمال الطامحات، ما رفعه عن طبقات كثير من سادات الناس، وجعل حاسديه في راحة لما شملهم من دعة الياس. وإنك أيّها القاضي المكين، الأشرف الأمين، قد بلغت مداه في الجلالة، وورثت مجده لا عن كلالة، وحويت فضله وفخره، وقفوت أثره وأحييت ذكره، وحزت خلاله الجميلة وأفعاله الرضيّة، وحصّلت الفضيلتين الذاتيّة والعرضيّة، ولذلك تقرّرت نعوتك «القاضي المكين» لاستيجابك فيما تقضي به جزيل الثواب، ولتمكّن أفعالك في محل الصّواب، و «الأشرف الأمين» لشرف نفسك، وكون أمانتك في حاضر يومك على ما كانت في ماضي أمسك، و «تاج الأحكام» لأن ما يصدر منها سامي المنهاج، وقد ارتفع محلّه كما ارتفع محلّ التاج، و «جمال الحكّام» لأنك لما وليت ما ولّوا جمّلتهم إذ فعلت من الواجب فوق ما فعلوا، و «عمدة الدين» لأنّ من كان مثلك ركن إليه الدين واستند، وتوكّأ على جانبه واعتمد، و «عمدة أمير المؤمنين» لأنك ذخيرة لدولته، ونعم البقية الصالحة لمملكته.
ومعلوم أن ثغر الإسكندرية- حماه الله تعالى- الثغر الرفيع المقدار، الذي هو قرّة العين للإسلام وقذى في عيون الكفّار، ومحلّه مما تتطامن له معاقل التوحيد وحصونه، وهو مشتمل من الفقهاء والصلحاء والمرابطين وأهل الدّين على من لم يزل يحفظه ويصونه، وإليه تتناثل «1» السّفّار، وتتردّد التّجّار، وهو المقصود من الأقطار القصيّة النائية، ومن البلاد القريبة الدانية؛ وما زالت أحواله جارية بنظرك على أحسن الأوضاع وأفضلها، وأوفى القضايا وأكملها؛ وما كان استخدام غيرك فيه إلا ليظهر إشراق شمسك، وليزول الشكّ في تبريزك على جنسك، وليتبيّن
(10/363)

فضل مباشرتك وتولّيك على أن ذلك لم يكن مكتتما، وليتحقّق أنّ عقد صلاحه لا يكون بتولّي غيرك متّسقا ولا منتظما.
وقد رأى أمير المؤمنين إمضاء ما رآه السيد الأجلّ الأفضل من إقرارك على الحكم والقضاء: لاطّلاعك من ذلك على سرّه، ونفاذك في جميع أمره، ولخبرتك به ودربتك، ولاستقلالك ومضائك ومعرفتك؛ وإنك إذا استمررت على عادتك، غنيت عن تجديد وصيّتك؛ فتماد على سنّتك، ولا تخرج عن سبيلك ومحجّتك؛ وأنت تعلم أنّ الشّهود بهم يعطي الحكّام ويمنعون، وبأقوالهم يفصلون ويقطعون، وبشهاداتهم تثبت الظّلامات وتبطل، وعليها يعتمد في انتزاع الحقوق ممن يدافع ويمطل؛ فواجب أن يكونوا من أتقياء الورى، وممن لا يتّبع الهوى؛ فاستشفّ أحوالهم، واستوضح أمورهم وأفعالهم؛ فمن كان بهذه الصفة فأجره على عادته في استماع مقالته، ومن كان بخلافه فقف الأمر على عدالته، واحسم مادّة الضرر في قبول شهادته؛ وقد جعل لك ذلك من غير استئذان عليه، ولا اعتراض لك فيه؛ ولا تقرّب أحدا من رتبة العدالة، وارفعها بإزالة الأطماع فيها عن الإهانة والإذالة، واغضض من أبصار المتطلّعين إليها، والمتوثّبين عليها، بالتطارح على الجهات، والتماسها بالعنايات التي هي من أقوى الشّبهات؛ وإن ورد إليك توقيع وتزكية من الباب فأصدره [في] «1» مطالعتك ليحيط العلم به، ويخرج إليك من الأمر ما تفعل على حسبه؛ وافعل في دار الضّرب وأحوال المستخدمين والمتصرّفين على ما أنت به العالم البصير، والعارف الخبير.
وقد جعل لك إضافة إلى ذلك النظر في أمر جميع هذا الثّغر المحروس وأسند إليك ووكل إلى صائب تدبيرك، وإلى حسن تهذيبك، وإلى بركة سياستك، وإلى عملك فيه بمقتضى ديانتك؛ وصار جميع المستخدمين به من قبلك متصرّفين، ولأوامرك متوكّفين «2» ، وعند ما تحدّه واقفين، ولمراسمك متابعين
(10/364)

غير مخالفين؛ فمن أحمدته منهم وعلمت نهضته فأجره على عادته ورسمه، ومن كان بخلاف ذلك فاستبدل به وامح من الخدمة ذكر اسمه؛ فلا يد مع يدك، ولا عدول عن مقصدك؛ والاستخدام في هذا الامر قد أسند إليك وردّ، وكونه من جهة غيرك أغلق بابه وسدّ؛ فلا تصّرف فيه إلا لمن صرّفته، ولا خدمة إلا لمن استخدمته.
وتأكيد القول عليك لا يزيدك حرصا، والمعرفة بهمّتك وخبرتك تغنيك عن أن توصى؛ والذي تقدّم ذكره في هذا السجلّ إرهاف لحدّك، وإعلاء لجدّك، وإطلاع لكوكب سعدك؛ والله يتولّى تأييدك وتوفيقك، ويوضح إلى الخير سبيلك وطريقك؛ فاعلم هذا واعمل به، وطالع مجلس النظر بأمور خدمتك، وما تحتاج إلى عمله في جهتك. إن شاء الله عز وجل.
وأما السّجلّات المكتتبة بالوظائف الدّيوانية، فكما كتب به بعض كتّابهم بولاية ديوان المرتجع «1» :
لسنيّ الدولة وجلالها، ذي الرياستين، أبي المنجّى سليمان بن سهل بن عمران.
أما بعد، فإنّه من حسنت آثاره في مناصحات الأئمة الخلفاء، وارتفع محلّه في طاعتهم عن الأنظار «2» والأمثال والأكفاء، وظهرت بركات أفعاله فيما يتولّاه ظهور الشمس ليس بها من خفاء، وباهى بتدبيره كلّ ما يباشره من أمر خطير قدره،
(10/365)

واستدعت من الثناء والإطراء ما يتأرّج نشره ويتضوّع ذكره، وتساوى عنده القول والعمل ونافس فيه الخبر الخبر، ورتّبه مرتّبه مقدّما على من مضى من طبقته وغبر، ووسم الأعمال بسمات في العمائر تضاف إليه وتنسب، وغدت الخدم تزهى به وتعجب، وهو لا يزهى ولا ينظر ولا يعجب. كان ردّ المهمّات إليه حسن نظر لها وإذا حظرت جلالة تولّيها على غيره أضحى نفاذه منتهجا له محلّها، وكان التنويه به حقّا من حقوقه وواجبا من واجباته، والمبالغة في تكريمه وتفخيمه مما يتعيّن الانتهاء فيه إلى أقصى آماده وأبعد غاياته.
ولمّا كنت في متولّي الدواوين، مشهور الشأن والقدر، وحالّا من مراتب الكفاة المقدّمين، في حقيقة الصّدر، إن انتظموا عقدا كنت فيه الواسطة، وإن قسط غيرك على معامل لم تكن أفعالك قاسطة؛ ولك السياسة التي ظلّت ساحاتها رحابا، والرياسة التي من وصفك بها فما تملّق ولا داجى ولا حاجى، والصّناعة البارعة التي تشهد بها الطّروس واليراع، والأمانة الوافية التي ارتفع فيها الخلاف ووقع عليها الإجماع، والتصرّف في أنواع الكتابة على تباين ضروبها، والاستيلاء على ظاهرها ومستورها وواضحها ومكتومها، والأخذ لها عن أهل بيتك الذين لم يزالوا فيها عريقين، ولم ينفكّوا في مداها سابقين غير ملحوقين؛ وقد زدت عليهم بما حزته بهمّتك، ونلته بقريحتك، حتّى بلغت منها ذروة شامخة عليّة، وحصّلت فضيلتين فضيلة ذاتيّة وفضيلة عرضيّة، وأمنت من يباريك ويساجلك، وكفيت من يناوئك ويطاولك؛ وكان الديوان المرتجع عن بهرام وغيره من أجلّ الدواوين وأوفاها، وأحقّها بالتقديم وأولاها: لأنه يشتمل على نواح مختارة، ويحتوى على ضياع مكنوفة بالعمارة؛ وقد زاده ميزة على غيره كونك ناظرا فيه، وأنك مدبّر أمره ومستوفيه.
وحضر بحضرة أمير المؤمنين فتاه ووزيره السيد الأجلّ الأفضل الذي عزّ بحسن سيرته الملك وتضاعف بهاؤه، وضمنت مصالح الأمور تدبيراته وآراؤه، وظلّت شؤون الدولة بما يقرّره منتظمة مستقيمة، وغدت الميامن والسّعود مخيّمة في داره مقيمة، واتّفقت على الثناء عليه مختلفات الأقوال، وقضت مهابته بحماية
(10/366)

النّفوس وصيانة الأموال، وفاوضه في أمر هذا الدّيوان فأفاض في وصفك وشكرك، وأطنب في تقريظك وإجمال ذكرك، ونبّه على الحظ في تولّيك إيّاه، وواصل من مدحك بما يتضوّع عرفه ويطيب ريّاه، وقرّر لك من تولّيه ما يصل سبب الخيرات بسببه، وميّزك بما لم يطمع أحد من كافّة متولي الدّواوين به، فلم يجعل فيه يدا مع يدك، ولا نظرا إلا لك بمفردك؛ فلا يرفع [أحد] «1» شيئا إلى غير ديوانك من حساب ما يجري في أعماله، ولا معاملة لبيت المال إلّا معك فيما يحلّ من أمواله، فأمضى أمير المؤمنين ذلك وأمر به، وخرج أمره إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجلّ بتقليدك الدّيوان المرتجع المذكور: ثقة بأنك تأتي فيه على الإرادة، وتتأتّى لبلوغ الغرض وزيادة؛ فاستخر الله تعالى وباشر أموره بجدّك المعهود، وشمّر عن ساق عزمك المشهود وسعيك المحمود، واجر على رسمك في العمل بما يحفظ أوضاعه، ويزجي ارتفاعه، ويزيح علّته، ويغزر مادّته، فاعتقد مواصلة الليل والنهار في مصالحه فرضا إذا اعتقدها غيرك نفلا «2» ، واجعل اجتهادك لاستخراج أمواله وكن عليها إلى أن يصل إلى بيت المال قفلا، واستنظف ما فيه من تقاو «3» وباق، وافعل في تدبيره ما يجري أموره على الوفاق، واستخدم من الكتّاب من تحمده وترتضيه، ونصّهم إلى الأفعال التي تستدعي شكرك لهم وتقتضيه، ولا تسوّغ لضامن ولا عامل أن يقصّر في العمارة، واعتمد من ذلك ما يكون على كفايتك أوضح دلالة وأصحّ أمارة.
وقد أمر أمير المؤمنين أن تجري الحال على ما كانت عليه من دخول ذلك وبيعه بغير مكس في جميع الأعمال، وأزاح مع ذلك علّتك ببسط يدك وإنفاذ أمرك وإمضاء قولك، وإفرادك بالنظر من غير أن يكون لأحد من متولّي الدواوين على اختلافهم نظر معك، فتماد في حسن تدبيره على سنّتك، ولا تخرج عن مذهبك
(10/367)

وطريقتك؛ والله يوفّقك ويسعدك، ويعينك ويعضّدك؛ فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله عز وجل.
المرتبة الثالثة (من المذهب الأول من سجلات ولايات الفاطميين أن تفتتح بالتّصدير أيضا
، وهو «من عبد الله ووليه» إلى آخر التصلية على النبي صلّى الله عليه وسلّم وأمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه؛ ثم يؤتى بالبعدية، لكن من غير تحميد، بل يقال: «أما بعد فإنّ أولى» أو «إنّ أحق» ونحو ذلك؛ ويذكر مناقب المولّى ثم يأتي بالوصايا) واعلم أنّ هذه المرتبة من السّجلّات يشترك فيها أرباب السيوف وأرباب الأقلام من أصحاب الوظائف الدينيّة والوظائف الدّيوانية.
فأما سجلّات أرباب السّيوف فكأصحاب زموم «1» طوائف الرّجال، يعني التّقدمة عليهم والولايات ونحو ذلك، على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخ ولايات لأرباب السيوف بالحضرة من هذه المرتبة.
نسخة سجلّ بزمّ طائفة، من إنشاء القاضي الفاضل، وهي:
من عبد الله ووليّه (إلى آخره) .
أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين يصطنع من يرتضيه لتأليف عبيده وضمّهم، ويستوقفه للنظر في تقديم رجال مملكته وزمّهم، ويختار من يجتبيه لإحراز مدحهم بالبعد من موجبات ذمّهم، ولا يؤهّل لذلك إلا من توسّل بالغناء وتقرّب، واستقلّ بالأعباء وتدرّب، وأطلق حدّه التوفيق فمضى وتذرّب «2» ، وأودع الإحسان فما زايل محلّه ولا تغرّب، ولا بس الأمور ملابسة من فطن وجرّب؛ وقد أيّد الله دولته بفتاه
(10/368)

وأمينه، وعقده وثمينه، السيد الأجلّ الذي غدت آراؤه للمصالح كوافل، وأذكى للتدبير عيون حزم غير ملتفتات عنه ولا غوافل، وأطلع من السّعد نجوما غير غوارب ولا أوافل، وقام بفرائض النّصائح قيام من لم يجوّز فيها رخص النّوافل، وتحدّثت بأفعاله رماحه في المحافل فما راعت الجحافل.
ولمّا مثل بحضرة أمير المؤمنين أجمل ذكرك وأطابه، وقصد بك غرض الاصطناع فأصابه، واستمطر لك الإنعام الغدق السّحاب فأجابه، ووصف ما أنت عليه من شهامة شهدت وشهرت، وصرامة تظاهرت وظهرت، وكفاية برعت وفرعت، ونزاهة استودعت الأمانة فرعت، ومناصحة انفردت بوصفها، وتحلّت واسطة عقد صفّها، وجهاد لم يزل به القرآن مغريا، والصّعب المقاد مذعنا والخطب عابيا «1» في قيادها مدعيا، وقرّر لك الاستخدام في زمّ الطائفة فأمضى تقريره، واستصاب تدبيره، وخرج أمره إليه بأن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السّجلّ وإيداعه ما تهتدي به، وتعمل بتأديبه؛ فتقلّد ما قلّدته من ذلك عاملا بالتّقيّة فإنها الحجة والمحجّة، والجنّة، والمدد السليم، والمربح القويم، والنعمة والنّعيم، يقول الله سبحانه في كتابه الحكيم: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
«2» ؛ فانهض بشروط هذا الزّم نهوضا يؤدّي عنك من النّصح مفروضا، ويجعل لك كلّ يوم كتاب شكر مفضوضا، وسس هذه الطائفة بما يوليها دواعي الوفاق، ويحميها من عوادي الافتراق، واجهد في منافعها مجتلبا، ولأخلاف درّها محتلبا، وانتصب لاستشفاف أحوالهم وتعهّدها وملاحظة أفعالهم وتفقّدها؛ فمن ألفيته إلى فرائض الخدمة مسرعا، وبنوافلها متطوّعا، وبكرمه عمّا يشينه مترفّعا، شحذت بصيرته بالتّكرمة، ورشّحت همّته للتّقدمة، ومن وجدته لتلك الصفات الزائنة مخالفا وللصفات الشائنة مؤالفا، ولنفسه عمّا يرفعها صارفا،
(10/369)

قوّمت أوده وثقّفته، وأشرفت به على منهج الصّراط ووقّفته؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة سجلّ بولاية الفسطاط المعبّر عنها بمصر على نحو ما تقدّم في ولاية القاهرة، وهي:
أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين لما خصّ الله به آراءه من التأييد الذي يسدّد سهامها، ويجزل من التوفيق سهامها «1» ، وأطلق به يده من أياد تسبق آماد الآمال وتكاثر أوهامها، وألبس الدّين ببقائه من مهابة تصيّر قلوب أعدائه مهامها «2» ، وميّز به عصره من خصائص نصر لا تطيل الأيام استفهامها ولا تخشى استبهامها، ويسّره من نبإدعوته التي طبّقت أنجاد الأرض وتهامها، ورقّاه من محلّ أمانة الإمامة التي لا يظهر أرباب الألباب على أسرار الله ولا اتهامها، وناطه بتدبيره من إيالة البريّة والاعتناء بمصالحها، وأصابه من مراشد اليقين التي تستضيء العقول بمصابحها «3» ، وأتى به الأنفس الصالحة من تقواها، وصرف بما صرّفه على لسانه من الحكم عنها مضارّ الشّبه وطواها، وألبسه من هدي النبوّة التي قرّب الله إسناد من رآها وفضل من رواها، يستغزر موادّ التوفيق من خالقه بنصحه في الخلائق، ويقدّم الاستخارة بين يدي أفعاله فهي به أملك الخلال وأخصّ الخلائق، ويعتام «4» للقيام بتكاليف الاستنهاض، ويختار لتقويم الميّاد من اشتهر بالتدبير وجبر المنهاض، ويقدّم لكبار الولايات وعواليها، وخصائص الرّتب وغواليها، من تكافأت في استيعاب المحاسن خلاله، وخطب الخدم المتكثّرة لأولي الحظوظ استقلاله، وعلم استبداده بطيب الذكر وأمن انفصاله، وأوى إلى جنّة مريعة وجنّة منيعة من
(10/370)

الولاء وألحفته ظلاله، واستقام على محجّة واضحة من المخالصة ولم يخف زيغه ولا ضلاله، ومضت ضرائبه في المهمّات مضاء الحسام الذي لا ينبو حدّه ولا يثبت انفلاله، وصحّ بصيرة في المناصحة فما سرّ الأعداء شكّه ولا اعتلاله، وأعطى الخدم حقوقها من إقامة القوانين، ونهض بأعبائها المثقّلة نهضة المشمّرين غير الوانين، واشتدّت وطأة تبادره على المفسدين والجانين، وتظاهرت شواهد ميزته بما يكثّر له الحسّاد ويرغم الشانين «1» ، واقتنى من نفائس المحامد ما يعدّه أهل النظر قنية القانين، واستبقى من جميل الأحدوثة ما يبقى ذكره بعد فناء الفانين، ووفّقت في الخدمة مصادره وموارده، وانتظمت درر الذكر بحسن ذكره فأتلفت فوارده، ونشدت ضوالّ الغناء فالتقت عنده غرائبه وشوارده، واختصّت مساعيه بالإبرار على الأنظار، وصحّت خلاله على عيب النقد كما صحّح النار نور الأبصار، ونظر لمن أسند إليه أمره نظرا يعفيه من تطرّق الأكدار والمضارّ، ورعى له ما هو متوسّل به من آثار حقيقة بالإيثار، وكفاية تأخذ للخدم من الفخر بالثار.
ولمّا كنت أيها الأمير المراد بهذا الإيراد، المطّرد إليه هذا الاستطراد، المعدود في أمراء الدولة العلويّة من الأعيان الأفراد، المخلّي سيفه بين المساعي الجميلة ينتقي منها ما اختار ويصطفي ما أراد، المهادى الصّفات الحسنة فلا جاحد من عداته ولا رادّ، المضطلع بما يعيي حمله الحازم المطيق، المستنفد في أفعاله المشكورة أقوال الواصف المنطيق، الواصل بمحمود مساعيه إلى غايات السابقين في مهل، الجامع في تدبير المهمّات بين رأي احتنك وحزم اكتهل المنظور بعين الحزم بآيات دواعيه، المترقّي إلى أمانيّه في درج مساعيه، المجيب دعوة العزم إذا قام فلم يسمع المقصّرون داعيه، المجتهد في تشييد أركان التدبير إذا ارتقب اضطرابه وخيف تداعيه، الممتثل وصايا الأدب الصالح فهو بقلبه راعيه وبسمعه واعيه، الشّهم الذي ينفذ في الأمور نفاذ السّهم، الألمعيّ الذي علا أن يماثل بما أوتي من بسطة الفهم، المتبوّيء من النعمة منزلة شكر لا يروم ضيفها
(10/371)

أن يريمه، ومربع حمد لا يسوم نازلها غير أن يسيمه، المباشر من مأثور السياسة ما استفاض ذكره فلم تتطرّق عليه أسباب الجحد، البالغ بسموّ المساعي ما قصّر الأكفاء عنه ولم يقصّروا عن الجهد، الحالّ من التقدمة في هضابها إذا نزل الأكفاء منها في الوهد، الحامل من أعباء المشايعة ما غدا به من الموفين على الأنظار الموفّين بالعهد، المحقوق من الوسائل بأن يجودها النجاح بأغزر ديمة وأسقى عهد، المؤدّي فيما يسند إليه فروض التفويض، المليّ بأن لا تنوب فرصة حزم إلا كان مليّا باللّحاق والتعويض، المكتفي من وصايا الحزم بما يقوم له مقام التصريح من التعريض، المستوجب أن تجدى إلى استحقاقه وتهدى سحائب الطّول الطويل العريض، المستوعب شرائط الرياسة بالاستيلاء على أدواتها، المتتبّع مظانّ الخطوب بمفاجأة الغرض في مداواتها، المبرّز على القرناء بخلال لا تطمع الهمم في مساماتها ولا مساواتها، الآخذ من كل شيء بأحسنه فأيّ حسنة لم يؤتها ولم ياتها، النافذ الآراء إذا المشكلات لم يتّضح لأرباب الألباب مصمت بيانها، المصيب شواكل الضّرائب فسهام آرائه مدلولة على شواتها «1» ، المتبرّج المقاصد لعيان الحمد إذا تحفّزت الأفعال ووارت سوآتها، المعروف بثبوت الجنان، حين يلتبس الشّجاع بالجبان، المشكور في مواقف الحرب بأفواه الجراح ولسان السّنان، المقدّم حيث الأعضاء تتزيّل والأقدام تتزلزل، المقتحم غمرات الهيجاء والأرواح عن ولايات الأجسام تعزل. وقد ولّيت الولايات فاستقللت بها أحسن استقلال، ورفع لك منار العدل فاستدللت منه بأوضح استدلال، وجعلتها على من تؤويه حرما، وعلى من يطرقها حمى، وكنت لجمهور زمانك في المصالح والنّصائح مقسّما، ولحكم التقوى ولو ضفت مشقّاتها دون حكم الهوى محكّما.
وحضر بحضرة أمير المؤمنين فتاه ووزيره السيد الأجلّ الذي حلّ المشكلات من رأيه وراياته بالشمس وضحاها، وتعرّضت له آية الليل من العدا
(10/372)

فجلّاها بسيوفه ومحاها، وثبّت نصاب الملك الفاطميّ حين أدارت الحرب على فتكاته رحاها، واقتاد الأعداء إلى مصارعها بخزائم «1» من العزائم وأعجلها وأوحاها، وقام بنصر أئمة الهدى حين قعد الناس، ورعى الله عزيمته الصابرة في البأساء والضّرّاء وحين الباس، وخاطر في حفظ الدّين بنفس تجري محبتها مع الأنفاس، وحلّ من ملوك الأرض محلّ العين من الراس بل الراس من الحواسّ، وأتعبت الأجسام هممه الجسام، وأعدى الزّمان فتبسّم جذلا بعدله البسّام، وقسّمت المطامع أمواله فحمى المجد الموفّر عليه من الانقسام. فطالع «2» أمير المؤمنين بأخبارك بعد اختبارك، وتوسّلك إلى التقدمة بمرضيّ آثارك، وما أظهره الامتحان من نقاء سريرتك وأسرارك، واستقامتك على مثلى الطريقة واستبصارك، وأن ولاية مصر من أنفس الولايات محلّا، وأثبتها على غيرها فضلا، بمجاورتها للمقام الكريم، وحصولها من استقلال الرّكاب الشريف إليها على الشّرف العظيم، واختصاصها من مجال الخلافة بما جمع لها بين الفخرين الحادث والقديم، وأوجب لها على غيرها من البلاد مزيّة ظاهرة التكريم والتقديم، وما يمتّ به أهلها من شرف الجوار الذي لآمالهم به التخيير في الإحسان والتحكيم، وما رأى من إسناد ولايتها إليك علما أنّك ممن تزكو لديه الصّنيعة، وتروق في جيد كفايته فرائد المنن البضيعة، وتتطامن لاستحقاقه ذروة كلّ مرتبة رفيعة، خرج أمر أمير المؤمنين إليه، بأن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجلّ لك بالولاية المذكورة؛ فتقلّد ما قلّدك منها مقدّما تقوى الله على كل فعل وقول، متبرئا إليه من طول الحول، معدّا ذخيرتها النافعة ليوم الهول؛ قال الله في محكم الكتاب:
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
«3» .
وانظر في هذه الولاية حاكما بالقسطاس، وساو في الحق بين طبقات
(10/373)

الناس، ولا تميّز فيه رفيعا على حقير، ولا غنيّا على فقير، وأقم الحدود على من وجبت عليه إقامة يرتدع بها المغرور، وتستقيم بها الشّؤون وتنتظم الأمور، وراع من بهذه المدينة المحروسة من شهودها، ومتميّزي أهلها، ففيها الفقهاء والأتقياء، والقرّاء والعلماء، والمتميّزون الأعيان الوجوه، وأهل السلامة الذين يستوجب كلّ منهم نيل ما يأمله وبلوغ ما يرجوه، فاعتمد إعزازهم، وتوخّ تكرمتهم، ووفّهم ما يجب لهم من الحق، والقهم بالوجه المسفر الطّلق، وأمر بالمعروف ونصّ إليه، وانه عن المنكر وعاقب عليه، وتفقّد أحوال المطاعم والمشارب، وحافظ على إجرائها على أحكام الصواب وقضايا الواجب، واحظر في المكاييل والموازين البخس والتّطفيف، وقدّم الإنذار في ذلك والتحذير والتّخويف، وأوعز بتنظيف المسالك والساحات، وامنع من توعير «1» السّبل والطّرقات، واعتمد كلّ ليلة مواصلة التّطواف على أرجاء هذه المدينة وأكنافها، ومتابعة الإطلال على نواحيها وأطرافها، واعمل فيمن تظفر به من عابث وعاد، ومنتهج طريق الفساد، ما يرتدع به سواه، ويجعله موعظة لمن يعدل عن الصّواب ويتّبع هواه، واشدد من المتصرّفين على باب الحكم العزيز في قود أباة الخصوم، لينظر بينهم فيما ينتصف به المظلوم من الظّلوم، وتقدّم بتوقير الجوامع وصيانتها، وحافظ على ما عاد ببهجتها ونظافتها، وخذ المستخدمين من الأرباع بأن يتيقّظ كلّ منهم لما يجري في عمله، وأن يكون كلّ ما يحدث وينهى إليك من قبله، وانظر في الصّناعة المحروسة، وفي عمائر «2» الأساطيل المظفّرة المنصورة، وتوفّر على تدبير أمورها والاهتمام بشؤونها، وحفظ ما فيها من الأخشاب، والحديد والعدد والآلات والأسباب، وابعث المستخدمين على المناصحة فيها، وبذل الجهد في قصد مصالحها وتوخّيها، وأجر أمر هذه الولاية على ما يشهد بحسن أثرك، وجميل ذكرك وطيّب خبرك؛ فاعلم هذا واعمل به، وطالع مجلس النظر السيديّ الأجلّيّ بأمور خدمتك، وما يحتاج إليه من
(10/374)

جهتك؛ إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة سجلّ بولاية الأعمال القوصيّة «1» ، وهي بعد التصدير:
أما بعد فإنّ أمير المؤمنين- لموضعه من خلافة الله التي أعمره إياها، وأنار بنظره محيّاها، والإمامة التي أفرعه ذراها، وناط به عراها، وما وكله إليه من القيام، بحفظ الإسلام، الذي رضيه دينا، وألبسه بعدله تحسينا وبذبّه عنه تحصينا، وما استودعه إياه من جوامع الحكم، وعدقه بكفالته من رعاية الأمم، وعضّد به آراءه من التأييد والتوفيق، وأوجبه من فرض طاعته على كلّ مطيق- يصطفي لمعونته على النّهوض بما حمّله الله من أعباء الأمانة، والشّكر على ما اختصّه به من الوجاهة عنده والمكانة، ويستكفي فيما أمر به من إحسان الإيالة في بريّته، وينتخب لتفويض أمورهم والسّلوك بهم مسالك رأفته في سيرته، من يكون اصطفاؤه لرضا الله عنه مطابقا، واجتباؤه لشرائط المراد والاقتراح موافقا، وانتصابه للمهمّات أفضل ما بديء به وقدّم اعتماده، وإسناد الأمر الجسيم إليه أوفى ما عظم بتدبّره شأنه ورفع بنظره عماده، وإن ولّي ولاية، جعلها بمهابته حرما آمنا على أهلها من المخاوف، وغدا حسن سيرته برهانا على فضله يضطّر إلى التصديق به المؤالف والمخالف، وأعاد حميد أثره محلها ربيعا ممرعا، وقرّب حسن ثنائه من المطالب ما كان بعيدا ممتنعا، وإن ندب للجلّى، عاد مظفّر المقاصد، محفوفا بالميامن والمساعد، ساحبا ذيل الفخر، حائزا لكنوز الأجر، مستعينا بتوحيده على العدد الجمّ، والعسكر الدّهم «2» .
وإنّ هذه الأوصاف قد أصبحت لك أيّها الأمير أسامي لم تزدك معرفة،
(10/375)

وخواصّ لمهمّات إلى ملابستك إيّاها متطلّعة متشوّفة، وأفعالك الحميدة قد بنت لك بكلّ ريع «1» منارا، وجعلت لك في كل مكرمة سمات وآثارا، وجميل رأى أمير المؤمنين فيك؛ قد زاد توفيق مساعيك، وضاعف ارتقاء معاليك، وجعل الخيرة مقترنة بمقاصدك ومراميك، وسما بك إلى رتبة من الوجاهة تتذبذب دونها مطارح الهمم، وأحلّك من الثّقة بك منزلة لا تفضي إليها خواطر الظّنن والتّهم، وتحقّق من يقينك ومضاء عزيمتك، وعدل سيرتك وصفاء سريرتك، ما جعل حظّك عنده زائد النّماء، وذكرك بحضرته مكنوفا بالشكر والثّناء، ووسائلك إليه متقبّلة؛ وقد أدركت في ريّق الشباب حزامة الكهول، واستنجحت في مقاصدك بضمير من الولاء مأهول؛ ولك البيت الذي كثر فيه الأمجاد والأفاضل، وأحلّك في دعة الناس من يخافهم المباري والمناضل، وتساوت في اعتقاد تفضيلهم حالتا السّرّ والجهر، وأصلح بعزائمهم ما ظهر من الفساد في البرّ والبحر، وفتّ المطامع بفضيلة هذا النّسب وفضيلة النفس، ودلت مآثرك على ما ظهر من خصائصك دلالة الفجر على الشّمس.
ولما رآك أمير المؤمنين أهلا للعون على استيجابه لطفا لله عنده، والتماس عوائد صنعه الجميل فيمن فارق سعيه ونبذ عهده، انتضى منك حساما حاسما للأدواء، معينا في اللأواء «2» ، طبّا بتأليف الأهواء، لا ينبو غراره «3» ، ولا يخشى اغتراره، ولا يفلّ حدّه، ولا يؤويه غمده، فانحقنت الدّماء، وسكنت الدّهماء، وعمّ الأمن، وعظم من الله تعالى الطّول والمنّ، وأصبح مكان القول فيك ذا سعة فسيحا، ولسان الإحماد لأفعالك منطلقا فصيحا، وحصلت من الوجاهة عند أمير المؤمنين بحيث قدرك «4» رتبة خطيرة، ولا تنأى عنك بجانبها [منزلة] «5» رفيعة
(10/376)

أثيرة، بل غدت خواصّها فيك لاستجزال حظّها من الجمال بك راغبة، وممتنعاتها لاستكرام الأكفاء طالبة للإفضال بل خاطبة، إذا كان ما يعدم التّتمّة بك لا يعدم شعثا واختلالا، وما حظي منها بمقاربتك يتيه زهوّا بك واختيالا، فإذا أراد أمير المؤمنين أن ينظر إلى عمل من أعمال مملكته ويرفع من محلّه، ويفيض عليه من سحائب رأفته ما يكون ماحيا لآثار جدبه ومحله، ويعمّ بالبركات أقطاره، ويبلّغ كلّا من أهله مآربه من العدل وأوطاره، استند منك إلى القويّ الأمين، والكامل الذي لا يخدع الظنّ فيه ولا يمين «1» ، إذا استكفي أمرا حمى حماه بالماضيين: حسامه واعتزامه، وتمسّك في حفظ نظامه بالحسنيين: طاعة الله وطاعة إمامه.
ولما كانت مدينة قوص وأعمالها أمدى أعمال المملكة مسافة، وأبعدها من دار الخلافة، وتشتمل على كثير من أجناس الناس، وأخلاط يحتاج فيهم إلى إحسان السّياسة والإيناس، وعليه معاج المسافرين من كلّ فجّ عميق، وإليه يقصد الحجّاج إلى بيت الله العتيق، رأى أمير المؤمنين وبالله توفيقه أن يردّ ولاية الحرب بها إليك، ويعوّل في تقويم مائدها وضمّ نشرها عليك، وأن يحسم بك داءها ويحسّن بنظرك رواءها، ويعمّ أهلها بك رأفة ومنّا، فخرج أمره إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجلّ بالولاية المذكورة، فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين واعتمد على تقوى الله التي جعلها شرطا في الإيمان، وأمر باعتمادها في السّرّ والإعلان، فقال في كتابه المبين: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
«2» .
وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وابسط عدل أمير المؤمنين على البادين والحضّر، وأقم الحدود على من وجبت عليه بمقتضى الكتاب والسّنّة، وقم بما أمر الله به من ذلك بأنفذ عزم وأقوى منّة، وساو في الحقّ بين الضعيف والقويّ، وآس بين العدوّ والوليّ [والذميّ] «3» والملّيّ، واجعل من تضمّه هذه الولاية ساكنين في كنف الوقاية، مشمولين بالصّون والحماية، وليكن أربهم في الصلاح في أربك،
(10/377)

فكلّ منهم شاكر لله على النعمة بك، وبثّ في أقطارها ما يحجز النفوس العادية عن التظالم، ويعيد شيمتهم بعد العدوان مخلدة إلى التوادع والتّسالم؛ ومن أقدم على كبائر الإجرام، ولم يتحرّج عن الدّم الحرام؛ فامتثل فيه ما أمر الله به في قوله:
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
«1» .
واعتمد المستخدم في الحكم العزيز والدّعوة الهاديّة- ثبتهما الله- بما يقوّي عزمه، وينفّذ حكمه، وأجزل حظّه من إعزاز الجانب، وتيسير المطالب، وأحسن إليه العون على صون المؤمنين، واجتلاب المستخبثين، والمستخدمون في الأموال من مشارف «2» وعامل وغيرهما فاندبهم في عمارة الأعمال، وبلّغهم في المرافدة كنه الآمال، واشدد منهم في صون الارتفاع، وحفظه من الإفراط والضّياع، وضافرهم على استخراج الخراج، وخذهم بحمل المعاملين على أعدل منهاج. والرجال العسكرية المركزية المستخدمون معك فاستخدمهم في الخدم السانحة، وصرّفهم في المهمّات القريبة والنازحة؛ فمن استقام على طريق الصواب، أجريت أموره على الانتظام والاستتباب، ومن كان للإخلال آلفا، وللواجب مخالفا، قوّمت بالتأديب أوده، وحلّأته «3» عن مورد الفساد الذي تورّده.
هذه درر من الوصايا فابعث «4» على إحضاره الثقة بهدايتك إلى كلّ صواب، واعتلاقك من الديانة والأمانة بأوثق الأسباب، وإحاطة علم أمير المؤمنين باستغنائك بذاتك، وكمال أدواتك، عن الإيقاظ والتنبيه، والإرشاد فيما تنظر فيه؛
(10/378)

والله يوفّقك إلى ما يرضيه، ويجعل الخيرة مكتنفة لما ترويه وتمضيه، فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة سجلّ بولاية الأعمال الغربيّة «1» ، وهي:
أما بعد، فإن أمير المؤمنين- لما فضّله الله به من إمامة البشر وشرّفه، وأناله إيّاه من الخلافة التي نظم بها عقد الدين الحنيف وألّفه، وأمضاه الله له في أقطار البسيطة من الأوامر، ونقله إليه من الخصائص النبويّة التي تجمّلت بذكرها فروق المنابر، ومكّنه له من السلطان الذي تخضع له الجبابرة وتدين، وعضّده به من التأييد الذي أرغم المشركين وخفض منار الملحدين، وآثره به من مزايا التقديس والتمجيد، وألهمه إيّاه من استكمال السّيرة التي أصبح الزمن بجمالها حالي الجيد، وأنجد به ملكه من موالاة النصر ومتابعة الإظفار، وحازه له من مواريث النبوّة المنتقلة إليه عن آبائه الأطهار، واصطفاه له من إيضاح سبل الهدى المعتاد، وألهمه إيّاه من إسباغ ملابس الرحمة على الحاضر من الأمم والباد، ووفّر عليه اجتهاده من استدناء المصالح واجتلابها، وصرف إليه هممه من تمهيد مسالك الأمنة وفتح أبوابها- يتصفّح أمور دولته تصفّح العاني بتهذيب أحوالها، ويتفقّد أعمال مملكته تفقّدا يزيل شعثها ويؤمّن من اختلالها، ويعدق المهمّات الخطيرة بالصدور الأفاضل من أصفيائه، ويزيد في رفع منازل أوليائه إلى الغاية التي تشهد بجلالة مواضعهم من جميل آرائه، ويفيض عليهم من أنوار سعادته ما يظهر سناه للأبصار، ويمنحهم من اصطفائه ما لا يزال دائم الثّبات والاستقرار، ويعوّل في صيانة الرعايا من المضارّ، وحراسة الأعمال المتميّزة من عبث المفسدين والدّعّار، على من تروع مهابته ضواري الآساد، وتكفل عزائمه
(10/379)

بقطع دابر الفساد، ويبدع في السياسة الفاضلة ويغرب، وتعجب أنباؤه في حسن التدبير وتطرب، ويعمّ الرعايا بضروب الدّعة والسّكون، ويشملهم من الأمنة والطّمأنينة بأنواع وفنون، وتقوم كفايته بسدّ الخلل وتقويم الأود، ويبلغ في تيمّنه في اكتساب المحامد إلى أقصى غاية وأبعد أمد، ويعنى بحفظ النّواميس وإقامة القوانين، ويدأب في استعمال السيرة الشاهدة له باستكمال الفضل المبين، ولا يألو جهدا في تقريب الصّلاح واستدنائه، ويقصد من الأفعال الجميلة ما تلهج به الألسن بإطابة ثنائه.
ولمّا كنت أيّها الأمير نجما من نجوم الدين المضيئة المشرقة، وثمرة من ثمرات دوحة العلاء الزّكيّة المورقة، وفذّا في الفضائل البديعة، وفردا في المحاسن التي لم تفز بنظير ذكرها أذن سميعة، وسيفا يحسم داء الفساد حدّاه، وكافيا لا يتجاوزه الاقتراح ولا يتعدّاه، وماجدا حاز المفاخر عن أهل بيته كابرا عن كابر، وعلما في المآثر يهتدي به الأعيان الأكابر، وهماما تملأ مهابته القلوب، وماضيا تلوذ بمضائه الأعمال الخطيرة وتؤوب، وصدرا تقرّ له الرؤساء بارتفاع المنزلة، ومهذّبا أغرته شيمه الرضيّة ببثّ الإنصاف وبسط المعدلة، وحازما لا يخشى اختداعه واغتراره، وعازما لا يكهم «1» عزمه ولا يكلّ غراره. وقد ألقت إليك المناقب قيادها مطيعة، وأحلّتك الرياسة في أشمخ ذروة رفيعة، وتألّفت عندك الفضائل تألّف الجواهر في العقود، وتكفّلت لك مساعيك المحمودة بتضاعف الميامن وترادف السّعود، وتكاملت فيك الخلال المطابقة لكرم أعراقك، واستعملت الأفعال الشاهدة بمبالغتك في ولاء أئمتك وإغراقك، وحصل لك من الانتماء إلى البيت الصالحي الكريم ما كسبك فخرا لا يبرح ولا يريم، وخصّك في كلّ زمن بمضاعفة التفخيم والتقديم، وأنالك من الإقبال غاية الرّجاء، وجعل وجاهتك فسيحة الفناء، وسيعة الأرجاء. ولك المهابة التي تغني غناء الجيوش المتكاثرة العدد، والشجاعة التي تسلّط قوارع الدّمار على من كفر وعند، والعزم
(10/380)

الذي استمدّت السيوف الباترة من مضائه، وعزّ جانب التوحيد بانتضائه لجهاد أعداء الله وارتضائه، والإقدام الذي تلوذ منه أسود الوقائع بالفرار، والبأس الذي لا يعصم منه الهرب ولا ينجّي من بوادره الحذار.
وحضر بحضرة أمير المؤمنين فتاه ووزيره، وصائن ملكه وظهيره، السيد الأجلّ الذي «1» فأثنى عليك ثناء طال وطاب، وحرّر في ذكر مناقبك ومحاسنك القول والخطاب، وذكر مالك [من الأعمال] «2» في الأعمال الغربية، التي أعادت الأمنة على الرعية، وما استعملت فيهم من السّيرة العادلة، والسياسات الفاضلة، وقرّر لك الخدمة في ولاية أعمال الغربيّة؛ فخرج أمر أمير المؤمنين إليه بأن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجلّ لك بالولاية المذكورة؛ فتقلّد ما قلّدته عاملا بتقوى الله سبحانه الذي إليه تصير الأمور، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور؛ وقال الله جلّ من قائل في كتابه المكنون: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
«3» فاعمم بالعدل من تشتمل عليه هذه الولاية، وانته في حياطتهم وكلاءتهم إلى الغاية، وصنهم من كلّ أذى يلمّ بساحتهم، وتوفّر على ما عاد باستتباب مصلحتهم، واخصص أهل الستر والسلامة بما يصلح أحوالهم، ويشرح صدورهم ويبسط آمالهم، وقابل الأشرار منهم بما يدوّخ شرّتهم «4» ، ويكفّ عن ذوي الخير مضرّتهم، واشدد وطأتك على الدّعّار وأهل العناد، وتطلّبهم حيث كانوا من البلاد، واقصد حماية السّبل والطّرقات، وصنها من غوائل المفسدين على ممرّ الأوقات؛ ومن ظفرت به من المجرمين فاجعله مزدجرا لأمثاله، وموعظة لمن يسلك مسلك ضلاله؛ والمقدمون على سفك الدّم الحرام، والمرتكبون لكبائر الذّنوب والإجرام، فامتثل فيهم ما أمر الله تعالى به في كتابه الكريم، إذ يقول: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ
(10/381)

فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
«1» .
وأجزل حظّ النّواب في الحكم العزيز من عنايتك، واجعل لهم نصيبا وافرا من اهتمامك ورعايتك، وعاضدهم على إقامة منار الشرع، وأجر أحوالهم على أجمل قضيّة وأحسن وضع. والمستخدمون في الأموال، تشّد منهم شدّا يبلّغهم الآمال، ويقضي بتزجية الارتفاع وتثمير الاستغلال، وعاضدهم على عمارة البلاد، ووازرهم على ما تكون به أحوالها جارية على الاطّراد. والرجال المركزيّة والمجرّدون فاستنهضهم في المهمّات القريبة والبعيدة، وخذهم بلزوم المناهج المستقيمة السّديدة، وقابل الناهض منهم بما يستوجبه لنهضته، وقوّم المقصّر بما يوزع من يسلك مسلكه ويقتفي طريقته، فاعلم هذا واعمل به وطالع، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة سجلّ بولاية ثغر الإسكندرية، كتب به لابن مصّال «2» ، من إنشاء القاضي الفاضل، وهي:
أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين- لما أكرمه الله به من شرف المنصب والنّصاب، وأجار العباد بآبائه الطاهرين من عبادة الأوثان والأنصاب، وأوردهم من موارد حكمه التي كلّ صادر عن ريّ قلبه منها صاد، وسخّره بأمره من رياح الصواب التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، وأصمى بسهام عزائمه، من مقاتل الباطل، وحلّى بأنوار مكارمه، من أجياد الأمانيّ العواطل، وأنجزه على يد أياديه من وعود سعود تظلّ السّحب المواطر بمثلها هواطل، وتوحّده به من الإمامة التي أعزّ بها أحزاب
(10/382)

التوحيد، وأجراه من بركاته التي لا تقول الآمال لها هل من مزيد، وأوراه من فتكاته التي لا تقول لها الآجال هل من محيد، وأجدّ به من إرادته لأزمة الأيام فهي بين إنعامه وإسقامه تفيد وتبيد، وأحدثه له من معجزات التأييد التي تملك أحاديثها رقّ التأبيد، وشرّف به قدره في ملكوت السموات والأرض والملائكة له أنصار والملوك له عبيد، وألهمه من إيداع جليّ صنائعه حيث لا ينكر المقلّد ولا يستغرب التقليد، وأنطق به لسان كرمه من بدائع إحسان تروق بين التّرديد والتوليد- ينظر بنور الله فيمن ينظر به للجمهور، ويجلو عقائل المكارم على من هو ماهر في تقدمة المهور، ويربح الذين يرجون بولائه تجارة لن تبور، ويقتدح الأنوار المودعة في سواد الشّباب كما يودع في سواد العين بياض النّور، ويرفع رتب الأعيان حتّى إذا تعاطاها سواهم ضرب بينه وبينها بسور، وتعود أياديه إلى بيوت النّعم فكلّ بيت تولّاه كالبيت المعمور، وتهدي السرور بهم إلى صدور الثّغور، والابتسام إلى ثغور الصّدور، ويرى أنهم يستوجبون فواضله ميراثا، وإذا سلّمت إليهم أعنّة الولايات كانت لهم تراثا، وإذا تبوّءوا الرّتب العلية كانت الرياسة لهم دارا والسّياسة أثاثا، لا سيّما الصدر الذي عرفته السعادة لدولة أمير المؤمنين واحدا يجمع فضل سلفه، وندبا ما عرضت عليه جواهر الدّنيا فضلا عن أعراضها إلّا ولّاها عطف نزاهته وظلفه، وألمعيّا تتناثر معاني المعالي من شمائله كما تنتثر من غصن القلم ثمار أحرفه، وكفؤا للصّدور من أنهضه بها بنصّ تكلّفه أنهضه بها فضل كلفه، وقوّاما بالأمور يمضي عليها مضاء النّجم في بحر حندسه لا السّهم في نحر هدفه، وملّاكا للثّغور إذا حلّ منها في إسكندريتها فهو على الحقيقة نجم حلّ برج شرفه، وطودا للوقار يعتزي الحلم منه إلى أقومه لا إلى أحنفه، وشرطا للاختيار، يكتفي مصطفيه منّة معرّفه ومؤونة معنّفه، ومعنى للفخار، لم ينتصف فيه من لسان واصفه مسمع مستوصفه، وعلما للأنظار، يبدو لهم منار إشراقه ويخفى عليهم منال شرفه.
ولمّا كنت أيّها الأمير واسطة عقد هذه الأوصاف الحسنى، ومنجد ألفاظها من الحقيقة بالمعنى الأسنى، المتوحّد من الرياسة باسم لا يجمع بعده ولا يثنّى،
(10/383)

الجاري إلى غاية من المجد لا يردّ عنها عنانه ولا يثنى، الجدير إذا ولّي أن يسكن الرعيّة اليوم عدلا لا تسكنه في غد عدنا، وينجز فيهم وعد الله الصادق في قوله:
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
«1» ، المستبدّ بالحمد حتىّ استقرّ فيما يفعل واستقرى فيما يكنى، الثّبت الذي لا تقرع الأهوال صفاته، الندب الذي لا تبلغ الأقوال صفاته، الوليّ الذي لا تكدّر الأحوال مصافاته، الجامع بين فضل السوابق وفضل اللواحق، المتجلّي في سماء الرّياسة نيّرا لا تهتضمه صروف الليالي المواحق، المشكور الفعال لا بألسنة الحقائب بل بألسنة الحقائق، المستبدّ بالهمم الجلائل المدلولة على المحاسن الدقائق، المستمدّ صوب الصواب من خاطر غير خاطل، المستجدّ ثوب الثواب بسعي ينصر الحقّ على الباطل، المستعدّ لعقب الأيام بأقران من الحزم تثنيها على الأعقاب، المستردّ بمساعيه فوارط محاسن كانت مطويّة في ضمائر الأحقاب، السامي بهمّته، إلى حيث تتقاصر النواظر السّوامي، المقرطس «2» بعزيمته، حيث لا تبلغ الأيدي الرّوامي، المستقلّ بقطّ نواجم الخطوب وحسمها، المستقرّ في النفوس أنه يقوم في ظلمها مقام نجمها، المطلق وجها فلا غرو أن تجلى به الجلّى، المطلق وصفا حسنا فلا يعرض له لولا ولا إلّا، المؤيّد العزمات، في صون ما يفوّض إليه ويليه، المتّقى الوثبات، ممن يجاوره من الأعداء ويليه، المحيي بمسعاه ما شاده أوّلوه، والمتوضّحة فيه نصوص المجد الذي كانوا تأوّلوه، والآوي إلى بيت تناسقت في عقوده الرؤساء الجلّة، والطالع منه في سماء إذا غربت منها البدور أشرقت فيها الأهلّة.
ولقد زدت عليهم وما قصّروا زيادة أبيض الفجر على أزرقه، وكنت شاهد من يروي مناقبهم البديعة، ودليل من ادّعى أن المكارم لكم ملكة وعند سواكم وديعة، وقبلت وصاياهم في المعالي فكأنما كانت لديكم شريعة، ونصرتم الدولة العلويّة فكنتم لها أمثل أولياء وأخصّ شيعة، وتجمّلت أنسابكم باصطناعها وكفاكم
(10/384)

إن عددتم لصنائع الله صنيعة، وأباحتكم من اصطفائها كلّ درجة على تعاطي الأطماع عليّة منيعة، وقدّمتكم جيش برّها وبحرها، وكان منكم سيف جهادها ونجم ليلها وفارس كرّها، وصالت بكم على أعدائها كلّ مصال، وأغربت من يليها إلا إذا استقرّت في داركم إلى مصّال؛ وحين خرجت منها خائفا تترقّب، وأبقيت فيها حائفا يتعقّب، كنت الذهب المشهور، الذي ما بهرجه الرّغام «1» ، والحرف المجهور، الذي ما أدرجه الإدغام، وكنت وإن كنت بين الكفّار، عنهم شديد النّفار، وحللت فيهم محلّ مؤمن آل فرعون يدعوهم إلى النجاة وإن دعوه إلى النار، وعدت إلى باب أمير المؤمنين عود الغائب إلى رحله، والآئب إلى أهله، واستقررت به استقرار الجوهر في فصله، والفرع في أصله، وأبان الاستشفاف عن جوهرك الشّفّاف، وخرجت من تلك الهفوات خروج الرياح لا خروج الكفاف، وأعربت السعادة إذ حيّتك بمشيب أسود، وتبع الأماجد غبارك الذي يرفع من طريق السّودد، واعتلقت بعروة الجدّ، فلست من دد ولا منك دد «2» ، وضبّرت «3» قلب العيش الأصفى بعد العيش الأنكد؛ لا جرم أن أمير المؤمنين أنساك سيئة أمسك بحسنة يومك، وسما بك إلى أعلى رتب الأولياء وأغناك عن تعرّض سومك، وأنعم بك على قوم ما عرفوا إلا رياسة قومك.
وحضر بحضرة أمير المؤمنين أمين مملكته، ويمين فتكته- السيد الأجل الذي أتى الله به سهما إلى مصر وهي كنانته؛ وأفرده بمزيّة السبق فلا حظّ لمساجله إلا أن تدمى بنانته، ورعى الرعيّة منه ناظر لا تلمّ بناظره مراود الهجود، وقام بالملك منه قائم لا يزال يورده موارد الجود، وأغنته يد الغلاب عن لسان الجلاب، ونال نادرة الأمل في نادرة الطّلاب، وجمّت فتكاته من الهرمين إلى الحرمين، وصرّف الرّمح تصريف القلم وكأنه يصول ويصلّ بقلمين، وردّ الله به العدوّ منخذلا، وطالما لقيه فأقام منجدلا، وأضحى به ذيل النعمة منسحبا وستر الأمنة منسدلا، ودبّر الأمور
(10/385)

فأمسكها حازما وعقلها متوكّلا- فأنهى ما لسلفك عند الأئمة الخلفاء من مزيّة الاصطفاء، وما لك في نفسك من الحسنات التي ما برحت بارحة الخفاء، وما اطّلع عليه من خلالك التي ما أخلّت بمنقبة، وأفعالك التي ما تغايرت في يوم ذي نعمة ولا يوم ذي مسغبة، وما لك من وثائق العقود، وما فيك من الأوصاف المؤكّدة لعلائق السّعود، وقرّر لك الخدمة في كذا وكذا- خرج أمر أمير المؤمنين إليه بأن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجلّ لك بالخدم المذكورة وهي التي فرّقت لسلفك وجمعت لديك، كما أن محاسنهم المفرّقة منتظمة العقود عليك:
ليكمّل لك ولايتي الثغر والسيادة في حال، وليسدّ بك ثغر الجهاد وثغر الإمحال، ولتقوم [في هذا] «1» مقام الجحفل الجرّار وفي ذلك مقام الحيا «2» الهطّال، ولتكون فرائد الإنعام عندك تؤاما «3» ، وليجعل ابتداء تصرّفك لغيرك تماما، وليختصر لك طريق الكمال، وليجري بك في ميدان الشكر طليق الآمال، فتقلّد ما قلّدته منهما عاملا بتقوى الله التي هي مصالح الأعمال، وميدان الإتحاف والإجمال، وسبب النجاة في الابتداء وعند المآل؛ قال الله سبحانه في كتابه الذي لم يجعل له عوجا:
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً
«4» .
وابسط العدل على من يحويه هذا الثغر الذي هو ثغر الثّغور الباسم، وأولاها بأن تكون أيامه بأوامر الله وأمر أمير المؤمنين مواسم؛ ففيه من صدور المحافل، وقلوب الجحافل، وعيون المدارس، وأعيان الفوارس، وتجّار الدنيا والآخرة، وأخبار الأمة المقيمة والمسافرة، ووفور مكارم عدل أمير المؤمنين التي هي بالرّجاء واردة وبالرضا صادرة، من يؤثر أن يكون فضل السّكون لهم شاملا، ورداء الأمن عليهم سابلا، وسحاب الإنعام عليهم هاطلا، وحالهم في الاتّساق لا متغيّرا ولا
(10/386)

حائلا «1» ، وساو في الحق بين أبعدهم وأقربهم، ومقيمهم ومتغرّبهم، واعتمد منهم من تقدّم ذكره بما يرهف في الطاعة خاطره ويشحذه، ويصونه من تحيّف الأيدي الجائرة وينقذه، واخصص العلماء بكرامة تعينهم على التعليم، والأعيان بمزيّة توضّح لهم ما لهم من مزيّة التقديم، واكفف عوادي أهل الشّره والشّر، واقمع غلواء «2» من اعتّز بغير الله واغترّ، وتوخّهم بإقامة المهابة وبسطها، وكفّ الشوكة وقطّها، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وأقم الحدود إقامة من يثاب عليها ويؤجر، وتفقّدها على حدّها غير داخل في الأقلّ ولا خارج إلى الأكثر، وأذك العيون على من يلمّ بسواحل الثغر من أسطول العدو اللعين ومراكبه، واحجز باليقظة بينه وبين تلصيص مطالبه، وأمر أهله باتخاذ الأسلحة التي يعزّ الله بها جانبه، ويذلّ مجانبه، وتبلغ العدو اللعين من ذكرها ما يعملها وهي في أيديهم موفرّة، ويبذلها في مقاتلهم وبيوتهم بها معمّرة؛ قال الله سبحانه في آياته المتلوّة:
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
«3» .
واعتمد للأعمال البحريّة مثل ما تقدّم شرحه من تأمين الأخيار وترويع الأشرار، وتتبّع كل مريب مستخف بالليل وسارب بالنّهار؛ ومن ظفرت به قد حارب الله في أرضه، وصار قتله من فرضه، فنفّذ حكم الله فيه في آية السيف وأمضه، وادع إلى عمارة بلادها وتخفّرها، وتفقّد المصالح بها وتكثّرها، وإطابة أنفس المزارعين بما تخفّفه عنهم من وطأة كانت ثقيلة، وتقلّله عنهم من مغارم لم تكن قليلة؛ فما عمرت البلاد بمثل النزاهة التي هي شيمتك المعتادة، والمعدلة التي هي من خلالك مستفادة، واعتمد كلّا من النائب في الحكم العزيز والناظر في الدعوة الهاديّة والمشارف بالثغر والعمّال برعاية تحفظ مراتبهم، وتلحظ مطالبهم، وتنفّذ الأحكام، وتبلغ بما ينظرون فيه من المصالح غايات التّمام، وتعزّ طائفة
(10/387)

الإيمان، وتظهر عليهم أثر الإحسان، وتستدرّ حلب الأموال، وتستديم عمارة الأعمال، وتقضي بمواصلة الحمول وتحصيل الغلال، وتعود بها عليك عوائد الأجر والجمال؛ ومثلك اشتهارا أيّها الأمير من ولّي فلم تطل له الوصايا التي يحتاج إلى إطالتها سواه، ويوثق بما يذكيه من عيون حزم غير غوافل ولا سواه، ويحقّق أن تقواه رقيب سرّه ونجواه، وأن أمير ورعه يحكم على أسير هواه؛ والله سبحانه يجعل نعمة أمير المؤمنين لديك مأمولة الدّوام موصولة الحبل، ويتمّها عليك كما أتمّها على أبويك من قبل؛ إن شاء الله تعالى.
قلت: وعلى هذا النمط كانت سجلّات سائر ولايات أعمال الديار المصرية، فكانت تكتب على نظير ذلك في الوجه القبليّ ولاية الجيزيّة، وولاية الإطفيحيّة، وولاية البهنساويّة، وولاية البوصيريّة، وولاية الأشمونين والطّحاويّة، وولاية السّيوطية، وولاية الإخميميّة، وولاية الفيّوم، وولاية واح البهنسا، وولاية الواح الداخلة، وولاية الواح الخارجة «1» . ومن الوجه البحري ولاية القليوبية، وولاية منية تردي وهي منية غمر، وولاية المرتاحية، وولاية الدّقهلية، وولاية مدينة تنّيس- وبها كانت دار الطّراز- وولاية المنوفيّة، وولاية جزيرة بني نصر وربما أضيفت إلى المنوفية وعبّر عنهما بالمنوفيّتين، وولاية جزيرة قوسينيّا «2» ، وولاية البحيرة، وولاية ثغر رشيد المحروس، وولاية ثغر نستراوه «3» ، وولاية ثغر دمياط، وولاية الفرما، بساحل الشامي فيما دون العريش.
وأما البلاد الشاميّة فقد تقدّم أنها كانت خرجت عنهم وتملّكت الفرنج غالب
(10/388)

سواحل الشام، ولم يبق معهم إلا ساحل عسقلان وما قاربه وكان مقرّ الولاية بها في عسقلان «1» .
وهذه نسخة سجل بولايتها، وهي:
أما بعد، فإنّ أولى ما وفّر أمير المؤمنين حظّه من العناية والاشتمال، واعتقد العكوف على مصالحه من أشرف القربات وأفضل الأعمال، وأسند أمره إلى من يستظهر على الأسباب المعيية بحسن صبره، وعدق النظر فيه بمن لا يشكل عليه أمر لمضائه ونفاذه ومعرفته وخبره، ما كان حرزا للمرابطين ومعقلا، وملتحدا للمجاهدين وموئلا، وموجبا لكلّ مجتهد أن يكون لدرجات الثواب مرتقيا متوقّلا، عملا بالحوطة للإسلام الذي جعله الله في كفالته وضمانه، وتماديا على سياسته التي أقرّ بفضلها إقرار الضرورة كافّة ملوك زمانه، وحرصا على الأفعال التي لم يزل مقصودا فيها بألطاف الله تعالى وتوفيقه، وتبتّلا للأمور التي أرشده الله سبحانه في تدبيرها إلى منهج الصواب وطريقه، ومضاعفة من الحسنات عند أوليائه أهل الحق وحزبه وفريقه.
ولما كانت مدينة عسقلان- حماها الله تعالى- غرّة في بهيم الضّلال والكفر، وحرما يمتاز عن البلاد التي كلّمها الشّرك بالناب والظّفر، وهو من أشرف الثّغور والحصون، وأهله أنصار الدّين القيّم المحفوظ المصون، وكنت أيّها الأمير من أعيان أمراء الدولة وكبرائهم، ووجوه أفاضلهم ورؤسائهم، ولك في الطاعة استرسال الأمن في مواطن المخاوف، وفي الذّبّ عنها وحمايتها مواقف كريمة لا توازى بالمواقف؛ وقد وصلت في ولائها القديم بالحديث والتالد بالطريف؛ وحين ولّيت مهمّات استنجد فيها بعزمك، واستعين عليها بحزمك، تهيّب الأعداء فيها ذكر اسمك، وكان من آثارك فيها ما شهر غفلها «2» بوسمك، فلا يباريك مبار إلا
(10/389)

أربيت عليه وزدت، ولا يناويك مناو إلا أنسيت ذكره أو كدت؛ فكم لك من مقام محمود يسير ثناؤه ووصفه، وكم لك من ذكر جميل يفوح أرجه ويتضوّع عرفه، وكم لك من مجال في المشايعة لا يقصر أمده ولا يكبو طرفه؛ والسيد الأجلّ الأفضل الذي عظّم الله قدره ورفع مجده، وجعله في الغضب لتوحيده دون جميع البريّة أمّة وحده، وألهمه التجرّد لنصرة الإيمان فقام بحقّ الله لمّا غفل الملوك وقعدوا، وأمدّه بموادّ السعد فاستيقظ بمفرده حين ناموا عن استخلاصه مما عراه ورقدوا، وأضحى انتصابه آية أظهرها الله للملّة، وغدا انتصاره معجزة حسم بها في رفع منار الدّين كلّ علة، فهمّته مصروفة على ما يعزّ الشريعة الحنيفية، وعزمته موقوفة على الدّفع عنها بأطراف الذّوابل وحدّ المشرفية، فبلّغه الله في كلّ ما يحاوله ما يضاعف فخره، وأعانه على ما يقدّمه لمعاده ويجعله في الآخرة ذخره، بحوله ومنّه، وطوله وفضله.
فلا يزال هذا السيد الأجلّ يثني عليك ثناء يخلّد لك ولعقبك مجدا باقيا، ويحبوك من الوصف والإطراء بما يجعلك في مراتب الوجاهة والنّباهة ساميا راقيا، ويرشّحك من الخدم لأجلّها قدرا، ويطلع منك في آفاق سمائها بدرا، ويجعل لك بما يؤهّلك له صيتا ويسيّر لك ذكرا؛ وحين جدّد شكرك، وأوصل على عادته ما يشيّد أمرك، قرّر لك ولاية «ثغر عسقلان» - حماه الله تعالى- الذي هو ثغر الدّين، وكنانة الموحّدين، ووزر الأتقياء المجاهدين، وشجى في صدور الكفرة المعاندين؛ فأمضى أمير المؤمنين ما رآه من هذا التقرير، وعلم أن البركة مضمونة فيما يتكلّفه من التدبير، وخرج أمره إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجل بتقليدك ولاية هذا الثغر المحروس وعمله، وما هو منتظم معه من سهله وجبله، فاعرف قدر هذه النعمة التي رفعتك على جميع الأمراء، وأغناك فيها حسن رأي أمير المؤمنين ووزيره السيد الأجلّ الأفضل عن الوسائط والسّفراء، وأحلّتك أعلى مراتب الرّفعة والسّموّ، وأحظتك مع بعد الدّار بمزيّة القرب من قلبيهما والدّنوّ؛ فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين من هذه الولاية الشامخة المحلّ، التي غدا محظورها على غيرك من المباح لك المحلّ، وتلقّها من الشكر بما يجعلها إليك آوية، ولديك مقيمة ثاوية،
(10/390)

واعمل فيها بتقوى الله التي إذا أظلمت الخطوب طلعت في ليلها فجرا، قال الله عز من قائل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً
«1» .
واشمل أهل هذه الولاية بالمماثلة بينهم فيما كان حقّا، ولا تجعل بين الشريف والمشروف في الواجب فرقا وأمر بالمعروف وابعث عليه، وانه عن المنكر وامنع من الإجراء إليه؛ وأقم الحدود مستمرّا في إقامتها على العادة، ومتوقّيا من نقص ما يؤمر به منها أو زيادة، واصرف النصيب الأجزل، والأوفر الأكمل، إلى الاستيقاظ للعدوّ المخذول المجاور لك والبحث عن أخباره وعمل المكايد له، ومواصلته بما يديم مخافته ووجله، واغزه في عقر داره، واقصده بما يقضي بخفض مناره، ولا تهمل تسيير السّرايا إليه، وإطلاع الطلائع بالمكاره عليه، واعتمده بما يشرّد عنه لذيذ منامه، وازرع في قلبه خوفا يهابك به في يقظته وفي أحلامه، وافعل في أمر من يجرّد إليك من عسكر البدل المنصور في تقرير نوب المناسر «2» ، ولتتخيّر لها كلّ متوثّب على الإقدام متجاسر، ما تقتضيه الحال مما أنت أقوم لمعرفته، وأهدى الناس في سبيله ومحجّته، ووفّر حظّ القاضي المكين متولّي الحكم والمشارفة من إعزازك وإكرامك، واشتمالك واهتمامك، ورعايتك ومعاضدتك، والعمل في ذلك بما هو معروف من سياستك، ومشهور من رياستك، وكذلك المستخدم في الدّعوة الهاديّة ثبتها الله تعالى، فاعتمده بما يعزّ أمره، ويبسط أمله ويشرح صدره، وضافر على أمر المال، ووفور الاستغلال، والعمل في ذلك بما فيه أكبر حظّ للديوان، واجر على ما هو مشهور عنك في ولايتك من حسن السياسة، والعمل بقضايا المصلحة، والتبتّل لما تستقيم به أمور الخدمة، وحفظ أهل السلامة وأرباب الدين، وإعمال السيف في مستوجبيه من المفسدين والمتمرّدين، مما أنت أنفذ الولاة فيه، وأعلمهم بما
(10/391)

يوجبه الصواب ويقتضيه؛ فاعلم هذا واعمل به، وطالع مجلس النظر بما تجب المطالعة بمثله؛ إن شاء الله تعالى «1» .
المذهب «2» الثاني
(أن يفتتح ما يكتب في الولاية بلفظ «هذا ما عهد عبد الله ووليّه فلان أبو فلان، الإمام الفلانيّ أمير المؤمنين، لفلان الفلانيّ حين ولّاه كيت وكيت» من غير تعرّض لتحميد في أوّل ما يكتب ولا في أثنائه؛ ثم يقال: «أمره بكذا وأمره بكذا» على قاعدة ما كان يكتب في العهود بديوان الخلافة ببغداد، وهو قليل الاستعمال عندهم للغاية القصوى، ولم أظفر منه بغير هذا العهد) وهذه نسخة عهد على هذه الطريقة، كتب به عن الحاكم بأمر الله الفاطميّ، للحسين بن عليّ بن النّعمان «3» ، بقضاء الديار المصرية وأجناد الشام وبلاد المغرب، مضافا إلى ذلك النظر في دور الضرب والعيار وأمر الجوامع والمساجد، وهو:
هذا ما عهد عبد الله ووليّه المنصور أبو عليّ الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، للقاضي حسين بن عليّ بن النّعمان حين ولّاه الحكم بالمعزّيّة القاهرة ومصر، والإسكندرية وأعمالها، والحرمين حرسهما الله تعالى، وأجناد الشام، وأعمال المغرب، وإعلاء المنابر، وأئمّة المساجد الجامعة، والقومة عليها والمؤذّنين بها، وسائر المتصرّفين فيها وفي غيرها من المساجد، والنظر في مصالحها جميعا،
(10/392)

ومشارفة دار الضّرب «1» وعيار الذهب والفضّة «2» ، مع ما اعتمده أمير المؤمنين وانتحاه، وقصده وتوخّاه: من اقتفائه لآثاره، وانتهائه إلى إيثاره، في كلّ عليّة للدولة ينشرها ويحييها، ودنيّة من أهل القبلة يدثرها ويعفّيها؛ وما التوفيق إلّا بالله وليّ أمير المؤمنين عليه توكّله في الخيرة له ولسائر المسلمين فيما قلّده إيّاه، من أمورهم وولّاه.
أمره أن يتّقي الله عز وجلّ حقّ التقوى، في السّر والجهر والنّجوى، ويعتصم بالثّبات واليقين والنّهى، وينفصم من الشّبهات والشكوك والهوى: فإنّ تقوى الله تبارك وتعالى موئل لمن وأل إليها حصين، ومعقل لمن اقتفاها أمين، ومعوّل لمن عوّل عليها مكين، ووصيّة الله التي أشاد بفضلها، وزاد في سناها بما عهد أنه من أهلها، فقال تبارك وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
«3» .
وأمره أن لا ينزل ما ولّاه أمير المؤمنين [إيّاه] «4» من الأحكام في الدّماء والأشعار والأبشار، والفروج والأموال، [عن] »
منزلته العظمى من حقوق الله المحرّمة، وحرماته المعظّمة، وبيّناته المبيّنة في آياته المحكمة، وأن يجعل كتاب الله عز وجلّ وسنّة جدّنا محمد خاتم الأنبياء، والمأثور عن أبينا عليّ سيد الأوصياء، وآبائنا الأئمة النّجباء- صلّى الله على رسوله وعليهم- قبلة لوجهه إليها يتوجّه، وعليها يكون «6» المتّجه، فيحكم بالحق ويقضي بالقسط، ولا يحكّم
(10/393)

الهوى على العقل، ولا القسط على العدل، إيثارا لأمر الله عز وجلّ حيث يقول:
فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
«1» : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
«2» .
وأمره أن يقابل ما رسمه أمير المؤمنين وحدّه لفتاه برجوان «3» ، من إعزازه والشّدّ على يده، وتنفيذ أحكامه وأقضيته؛ والقصر من عنان كلّ متطاول على الحكم، والقبض من شكائمه، بالحق المفترض لله جل وعز ولأمير المؤمنين عليه: من ترك المجاملة فيه، والمحاباة لذي رحم وقربى، ووليّ للدولة أو مولى؛ فالحكم لله ولخليفته في أرضه، والمستكين له لحكم الله وحكم وليّه يستكين، والمتطاول عليه، والمباين للإجابة إليه، حقيق بالإذالة والنّهوض «4» ؛ فليتق الله أن يستحيي من أحد في حق له: وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ
«5» .
وأمره أن يجعل جلوسه للحكم في المواضع الضاحية للمتحاكمين ويرفع عنهم حجابه، ويفتح لهم أبوابه، ويحسن لهم انتصابه، ويقسم بينهم لحظه ولفظه قسمة لا يحابي فيها قويّا لقوّته، ولا يردي فيها ضعيفا لضعفه، بل يميل مع الحقّ ويجنح إلى جهته، ولا يكون إلا مع الحقّ وفي كفّته، ويذكر بموقف الخصوم ومحاباتهم بين يديه موقفه ومحاباته بين يدي الحكم العدل الدّيان:
(10/394)

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
«1» .
وأمره أن ينعم النظر في الشّهود الذين إليهم يرجع وبهم يقطع في منافذ القضايا ومقاطع الأحكام، ويستشفّ أحوالهم استشفافا شافيا، ويتعرّف دخائلهم تعرّفا كافيا، ويسأل عن مذاهبهم وتقلّبهم في سرهم وجهرهم، والجليّ والخفيّ من أمورهم؛ فمن وجده منهم في العدالة والأمانة، والنّزاهة والصّيانة، وتحرّي الصّدق، والشهادة بالحق، على الشّيمة الحسنى، والطريقة المثلى، [أبقاه] «2» وإلا كان بالإسقاط للشهادة أولى، وأن يطالع حضرة أمير المؤمنين بما يبدوله فيمن يعدّله أو يردّ شهادته ولا يقبله: ليكون في الأمرين على ما يحدّ له ويمثّله، ويأمن فيما هذه سبيله كلّ خلل يدخله؛ إذ كانت الشهادة أسّ الأحكام، وإليها يرجع الحكّام، والنظر فيمن يؤهّل لها أحقّ شيء بالإحكام؛ قال الله تقدّست أسماؤه:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
«3» . وقال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
«4» .
وأمره أن يعمل بأمثلة أمير المؤمنين له فيمن يلي أموال الأيتام والوصايا وأولي الخلل في عقولهم، والعجز عن القيام بأموالهم، حتى يجوز أمرها على ما يرضى الله ووليّه: من حياطتها وصيانتها من الأمناء عليهم، وحفظهم لها، ولفظهم لما يحرم ولا يحلّ أكله منها، فيتبوّأ عند الله بعدا ومقتا، آكل الحرام والموكل له سحتا «5» ؛ قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي
(10/395)

بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
«1» .
وأمره أن يشارف أئمة المساجد والقومة عليها، والخطباء بها والمؤذّنين فيها، وسائر المتصرّفين في مصالحها، مشارفة لا يدخل معها خلل في شيء يلزم مثله: من تطهير ساحتها وأفنيتها، والاستبدال بما تبذّل من حصرها في أحيانها، وعمارتها «2» بالمصابيح في أوقاتها، والإنذار بالصّلوات في ساعاتها، وإقامتها لأوقاتها، وتوفيتها حقّ ركوعها وسجودها، مع المحافظة على رسومها وحدودها، من غير اختراع ولا اختلاع لشيء منها: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً
«3» .
وأمره أن يرعى دار الضّرب وعيار الذهب والفضّة بثقات يحتاطون عليهما من كل لبس، ولا يمكّنون المتصرّفين فيهما من سبب يدخل على المعاملين بهما شيئا من الوكس «4» ؛ إذ كان بالعين والورق تتناول الرّباع «5» ، والضّياع والمتاع، ويبتاع الرقيق، وتنعقد المناكح وتتقاضى الحقوق؛ فدخول الغش والدّخل فيما هذه سبيله جرحة للدّين، وضرر على المسلمين، يتبرّأ إلى الله منهما أمير المؤمنين.
وأمره أن يستعين على أعمال الأمصار التي لا يمكنه أن يشاهدها بأفضل وأعلم وأرشد وأعمد من تمكنه الاستعانة به على ما طوّقه أمير المؤمنين في استعماله. قال الله عزّ وجل: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
«6» .
(10/396)

هذا ما عهد أمير المؤمنين فأوف بعهده، تهتد بهديه، وترشد برشده؛ وهذا أوّل إمرة أمّرها لك فاعمل بها، وحاسب نفسك قبل حسابها، ولا تدع من عاجل النظر لها أن تنظر لمآبها: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
«1» .
وكتب في يوم الأحد لسبع ليال بقين من صفر «2» سنة 389.
المذهب الثالث من مذاهب كتّاب الدولة الفاطميّة
(أن يفتتح ما يكتب في الولايات بخطبة مبتدأة بالحمد لله «3» كما يكتب في أعلى الولايات في زماننا، ويقال: «يحمده أمير المؤمنين على كذا وكذا، ويسأله أن يصلّي على محمد وآله، وعلى جدّه عليّ بن أبي طالب» ثم يقال: «وإنّ أمير المؤمنين لم يزل ينظر فيمن يصلح لهذه الولاية، وإنه لم يجد من هو كفؤ لها غير المولّى، وإنه ولّاه تلك الوظيفة» ثم يوصّى بما يليق به من الوصية، ثم يقال: «هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته عليك، فاعمل به» أو نحو ذلك مما يعطي هذا المعنى) وقد أورد عليّ بن خلف من إنشائه في كتابه «موادّ البيان» «4» المؤلّف في ترتيب الكتابة للدولة الفاطمية عدّة تقاليد لأرباب السّيوف.
منها- تقليد في رسم ما يكتب للوزير، [وهو] «5» :
الحمد لله المنفرد بالملكوت والسلطان، المستغني عن الوزراء والأعوان،
(10/397)

خالق الخلق بلا ظهير، ومصوّرهم في أحسن تصوير، الذي دبّر فأتقن التدبير، وعلا عن المكلّف والمشير، المانّ على عباده بأن جعلهم بالتوازر إخوانا، وبالتظافر أعوانا، وأفقر بعضهم إلى بعض في انتظام أمورهم، وصلاح جمهورهم.
يحمده أمير المؤمنين أن استخلفه في الأرض، وناط به أسباب البرم والنقض، واسترعاه على بريّته، واستخلصه لخلافته، وقيّضه لإعزاز الإسلام، وحياطة الأنام، وإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام، ويسأله الصلاة على سيدنا محمد خاتم الأنبياء، وخيرة الأصفياء، المؤيّد فأفضل الظّهراء، وأكمل الوزراء:
عليّ بن أبي طالب المتكفّل في حياته، بنصره وإظهار شريعته، والقائم بعد وفاته، مقامه في أمّته، صلّى الله عليهما،، وعلى الأئمة من ذرّيتهما، مفاتيح الحقائق، ومصابيح الخلائق، وسلّم، وشرّف وكرّم.
وإنّ الله تعالى نظر لخلقه بعين رحمته، وخصّ كلّا منهم بضرب من ضروب نعمته، وأقدرهم بالتعاضد، على انتظام أمورهم الوجودية، وأوجدهم السّبل بالترافد، إلى استقامة شؤونهم الدّنيويه: لتنبجس عيون المعاون بتوازرهم، وتدرّ أخلاف المرافق بتظافرهم.
وأولى الناس باتّخاذ الوزراء، واستخلاص الظّهراء، من جعله الله تعالى إلى حقّه داعيا، ولخلقه راعيا، ولدار الإسلام حاميا، وعن حماه مراميا، واستخلفه على الدّنيا وكلّفه سياسة المسلمين والمعاهدين، ولذلك سأل موسى عليه السلام وهو القويّ الأمين، في استخلاص أخيه هارون لوزارته، وشدّ أزره بموازرته، فقال: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي
«1» ، واستوزر محمد صلى الله عليه وسلم وهو المؤيّد المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ابن عمه عليّا سيد الأوصياء، بدليل قوله له: «أنت منّي كهارون من موسى
(10/398)

إلا أنّه لا نبيّ بعدي» لأن الإمام لو تولّى كلّ ما قرب وبعد بنفسه، وعوّل في حيطته على حواسّه، لنصّ ذلك بتطرّق الخلل، ودخول الوهن والشّلل؛ وإنما تستعين الأئمة على ما كفّلها الله بكفاة الأعوان، وأهل النّصرة في الأديان، وذوي الاستقلال والتشمير، والمعرفة بوجوه السياسة والتدبير، والخبرة بمجاري الأعمال، وأبواب الأموال، ومصالح الرجال.
وإنّ أمير المؤمنين لم يزل يرتاد لوزارته حقيقا بها مستحقّا نعتها، جامعا بين الكفاية والغناء، والمناصحة والولاء، والأبوّة والاختصاص، والطاعة والإخلاص، والنّصرة والعزم، وأصالة الرأي والحزم، ونفاسة السياسة والتدبير، والنّظر بالمصلحة في الصغير والكبير، والاحتيال والتأديب، وملابسة الأيّام والتجريب، والانتماء إلى كريم المناجب، بضمير المناصب، ويكّرر في الاختيار تقليده «1» ، ويجيل في الانتقاء تأمّله وتدبّره. وكلّما عرضت له مخيلة قمن «2» توافق إيثاره، أخلف نوءها، وكلما لا حت له بارقة تطابق اختياره، خبا ضوءها، حتى انتهت رويّته إليك، وأوقفه ارتياده عليك، فرآك لها من بينهم أهلا، وبتقمّص سربالها أولى، وبالاستبداد بإمرتها أحقّ وأحرى: لاشتمالك على أعيان الخصائص التي كان زياد [لها] «3» جامعا، وحلولك في أعيان المناقب التي لم تزل ترومها متحلّيا بفرائدها، وما شهرت به من إفاضة العدل والإقساط، وإغاضة الجور والإشطاط، وإنالة الحقّ والإنصاف، وإزالة الظّلم والإجحاف، ومراعاة النّصح بإنسانك شاهدا، ومناجاته بحذارك جاهدا، ولنهوضك بالخطب إذا ألمّ وأشكل، والحادث إذا أهمّ وأعضل، وتفرّدك بالمساعي الصالحة، والآثار الواضحة، والطرائق الحميدة، والمذاهب السّديدة، والتحلّي بالنّزاهة والظّلف، والعطل من
(10/399)

الطّبع والنّطف «1» ، وفضل السّيرة، وصدق السّريرة، ومحبة الخاصّة والعامّة، والمعرفة بقدر الأمانة، والاضطلاع بالصّنيعة، والحفظ للوديعة.
فرأى أمير المؤمنين برأيه فيما يريه، ويقضي له بالصلاح فيما يعزم عليه ويمضيه، ويسدّد مراميه ومساعيه، ويتعهّده في جميع مقاصده بلطف تحلو ثماره، وتحسن عليه وعلى الكافّة آثاره، أن قد ولّاك النظر في مملكته، وأعمال دولته:
برّها وبحرها، وسهلها ووعرها، وبدوها وحضرها، وردّ إليك سياسة رجالها وأجنادها، وكتّابها وعرفائها «2» ، ورعيّتها ودواوينها، وارتفاعها ووجوه جباياتها وأموالها، وعدق بك البسط والقبض، والبرم والنّقض، والحطّ والرّفع، والعطاء والمنع، والإنعام والودع، والتصريف والصّرف، ثقة بأن الصواب منوط بما تسدي وتلحم، وتفيض وتنظم، وتنقض وتبرم، وتصدر وتورد، وتقرّر وتأتي وتذر، فلتهنأ هذه النعمة متملّيا بملبسها، ساريا في قبسها، وتلقّها من الشكر بما يسترهنها ويخلّدها، ويقرّها عليك ويؤبّدها، واعرف ما أهّلك له أمير المؤمنين من هذا المقام الأثير، والمحلّ الخطير؛ فإنّما ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وأنت وإن كنت مكتفيا- بفضل حصافتك، وثقابة فطنتك، وحسن ديانتك، ووثاقة تجربتك- عن التبصير، مستغنيا عن التنبيه والتذكير، فإن أمير المؤمنين لا يمتنع أن يزيدك من مراشده، ما يقفك على سنن الصواب ومقاصده؛ وهو يأمرك بتقوى الله تعالى في سرّك وجهرك، واستشعار خشيته ومراقبته؛ والله قد جعل لمن اتّقاه مخرجا من ضيق أمره وحرجه، ونصب له أعلاما على مناهج فرجه. وأن
(10/400)

تستعمل الإنصاف والعدل، وتسبغ الإحسان والفضل، وتلين كنفك، وتظهر لطفك، وتحسن سيرك، وتفيض برّك، وتصفح وتحلم، وتعفو وتكرم، وتبصّر من ترجو صلاحه وتفهّمه، وتنصف من أفرط جماحه وتقوّمه، وتأخذ بوثائق الحزم، وجوامع العزم، والغلظة والشدّة على من طغى ولجّ في غيّه وعتا، وبارز الله وأمير المؤمنين بالخلاف والشّقاق، والانحراف والنّفاق، مستعملا فاضل التدبير عند الموادعة، وفاصل المكافحة عند المقارعة، مصلحا للفاسد، مشتّتا للشارد، مكثّرا لأولياء الدولة وخلصائها، وحاصدا لبغاتها وأعدائها، واعظا مذكّر للغافل، مؤمّنا للمظلوم الخائف، مخيفا للظالم الحائف، مستصلحا للمسيئين، مذكّرا بإحسان المحسنين، متنجّزا لهم الجزاء على بلائهم في الطاعة وآثارهم في الخدمة. وأن تنظر في رجال الدولة على اختلافهم نظرا يسلك بهم سبيل السّداد، ويجري أمورهم على أفضل العرف المعتاد؛ فأما الأماثل والأمراء، والأعيان والرؤساء، فتحفظ على من أحمدت طريقته، وعرف إخلاصه وطاعته، شعار رياسته، وتزيد في تكرمته، وتنتهي به إلى ما تتراءى إليه مواضي همّته؛ وأمّا طوائف الأجناد فتقرّهم على مراتبهم في ديوان الجيش المنصور، وتخصّهم من عنايتك بالنصيب الموفور، وتستخدمهم في سدّ الثّغور وتسديد الأمور، وتراعي وصول أطماعهم إليهم، أوقات الاستحقاق إليهم، وانفاقهم نصاب «1» الوجوب منهم؛ وأما الكتّاب المستخدمون منهم في استخراج الأموال، وعمارة الأعمال، فتخصّ كفاتهم بما تقتضيه كفايتهم، وأمناءهم بما توجبه أماناتهم، وتستبدل بالعاجز الخبيث الطّعمة، والطّبع المستشعر شعار المذمّة: ليتحفظ النّزه المأمون بنزاهته وأمانته، ويقلع الدّنس الخؤون عن دنسه وخيانته، وتأمر من تختاره لخدمة أمير المؤمنين منهم أن يسيروا بالسّير الفاضلة، ويعملوا على الرّسوم العادلة، فلا يضيّعوا حقّا لبيت مال المسلمين، ولا يخيفوا أحدا من المعاملين. وأما الرعيّة، فيأمرك أن تحكم بينها بالسّوية، وتعتمدها بعدل القضية، وترفع عنها نير الجور، وتحميها من ولاة
(10/401)

الظلم، وتسوسها بالفضل والرأفة متى استقامت على الطاعة، وتأدّبت في التّباعة، وتقوّمها متى أجرت إلى المنازح والافتتان، وأصرّت على مغضبة السلطان. وأما الأموال وهي العدّة التي ترهف عزائم الأولياء، وتغض من نواظر الأعداء، فتستخرجها من محقّها، وتضعها في مستحقّها، وتجتهد في وفورها، وتتوفّر على ما عاد بدرورها، وأن تطالع أمير المؤمنين بذرّة وجلّه، وعقد أمرك وحلّه، وتنهي إليه كل ما تعزم على إنهائه، وترجع فيه إلى آرائه: ليكرمك من موادّ تبصيره وتعريفه، ويزيدك من هدايته وتوقيفه، بما يفضي بك إلى جادّة الخير وسبيله، ويوضّح لك علم النّجاح ودليله.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك: وقد أودعه من تلويح الإشارة، ما يكتفى به عن تصريح العبارة، ثقة بأنك الأريب الألمعيّ، والفطن اللّوذعيّ، الذي تنتهي به متون التذكير إلى أطرافه وحواشيه، وتفضي به هوادي القول إلى أعجازه وتواليه.
فتقلّد ما قلدك أمير المؤمنين، وكن عند حسن ظنّه في فضلك، وصدّق مخيلته في كمالك، والله تعالى يعرّف أمير المؤمنين وجه الخيرة في تصيير أمره إليك، وتعويله في مهماته عليك، ويوفقك لشكر الموهبة في استخلاصك، والمنحة في اجتبائك، وينهضك بما حمّلك من أعباء مظاهرته، وجشّمك من أثقال دولته، ويسدّدك إلى ما يدرّ عليك أخلاف [نعمته] «1» ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
ومنها- ما أورده في رسم تقليد زمّ الأقارب: وهو التقدمة على أقارب الخليفة، وهذه نسخته:
الحمد لله الذي ابتدأ بنعمته ابتداء واقتضابا، وأعادها جزاء وثوابا، وميّز من
(10/402)

اختصّه بهداية خلقه، واستخلصه لإظهار حقّه، بأضفاها عطافا، وأصفاها نطافا «1» ، وأحسنها شعارا، وأجملها آثارا، واستخرجهم من أطيب البريّة أعراقا، وأطهرها شيما وأخلاقا، وأقدمها سؤددا ومجدا، وأكرمها أبا وجدّا، وتوحّد بأفضل ذلك وأعلاه، وأكمله وأسناه، محمدا صفوته من خلصائه، وخيرته من أنبيائه، فأظهره من المنجب الكريم، والمنجم الصّميم، والدّوحة الطاهر عنصرها، الشريف جوهرها، الحلو ثمرها، ورشّح من اختاره من عترته لسياسة بريّته، والدعاء إلى توحيده وطاعته.
يحمده أمير المؤمنين أن شرّفه بميراث النبوّة، وفضّلة بأكرم الولادة والأبوّة، وأحلّه في الذّروة العالية من الخلافة، وناط به أمور الكافة، ويسأله الصّلاة على جدّه محمد وعليّ أبيه، صلّى الله عليهما.
وإن أمير المؤمنين يرى أنّ من أشرف نعم الله عليه موقعا، وألطف مواهبه لديه موضعا، توفيقه للمحافظة على من يواشجه في كريم نسبه، ويمازجه في صميم حسبه، ويدانيه في طاهر مولده، ويقاربه في طيب محتده، وتنزيل كلّ ذي تميّز منهم في دين وعلم، ودراية وفهم، وإحلاله بالمنزلة التي يستوجبها بفاضل نسبه، وفضل مكتسبه، ويبعث أنظاره على التحلّي بخصاله، والتزيّن بخلاله:
ليحصل لهم من فضل الخلائق والآداب، ما يضاهي الحاصل لهم من عراقة المناجب والأنساب؛ ولذلك لا يزال ينوط أمورهم، ويكل تدبيرهم، إلى أعيان دولته، وأماثل خاصّته، الذين يعتادون حضرته ويراوحونها، ويطالعونه بحقائق أحوالهم وينهونها، ويستخرجون أمره في مصالحهم بما يذلّل لهم قطوف إحسانه وطوله، ويعذب لهم مشارع برّه وفضله؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
فإن كان العهد إلى خادم، قال:
(10/403)

ولما كنت بحضرة أمير المؤمنين معدودا في أولي النّباهة، المترشّحين للاستقلال بأعباء دولته وذوي الوجاهة، المستخلصين لاستكفاء جلائل مملكته:
لما اجتمع فيك من إباء النفس وعزّتها، ووثاقة الدّيانة وحصافتها، وسداد السّيرة واستقامتها، ونقاء السريرة وطهارتها، وتقيّلك منهج أمير المؤمنين ومذهبه، وتمثّلك بهديه وأدبه، ونشئك في قصور خلافته، وارتضاعك درّ طاعته- رأى- والله تعالى يعزم له على الخير في آرائه، ويوفّقه لصالح القول والعمل في انحائه- أن قلّدك زمّ بني عمّه الأشارف الإسماعيليين ثقة بسياستك وحميد طريقتك، وإنافة لمنزلتك وإعرابا عن أثير مكانتك.
وإن كان العهد إلى شريف قيل بدلا من هذا الفصل:
ولمّا كنت بحضرة أمير المؤمنين ممن زيّن شريف محتده، بمنيف سؤدده، وطاهر مولده، بظاهر محتده؛ وكريم تالده بنفيس طارفه، وجليل سالفه، بنبيل آنفه، مقتفيا سنن أوّليّتك، مفرّعا على أصول دوحتك، ضاربا بالسّهم المعلّى في الدين والعلم، حائزا خصل «1» السّبق في الرّجاحة والفهم، رأى أمير المؤمنين أن قلّدك نقابة بني عمّه الأشراف الفلانيين: ثقة بأنك تعرف ما يجمعهم وإيّاك من الأرحام الواشجة، والأواصر المتمازجة، وتحسن السّيرة بهم، والتعهّد لهم والتوفّر عليهم.
ثم يوصل الكلام بأيّ الخطابين قدّم فيقال:
فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين مستشعرا تقوى الله وطاعته، معتقدا خيفته ومراقبته، سائرا فيمن ولّاك أمير المؤمنين بسيرته، مستنّا بسنّته، متأدّبا بآدابه، مقتفيا مناهج صوابه، وإكرام هذه الأسرة [التي] «2» خصّها الله تعالى بكرامته، وفرض مودّتها على أهل طاعته، ونزّهها عن الأدناس، وطهّرها من الأرجاس، فقال
(10/404)

جل قائلا: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
«1» .
واعرف لهم حقّ مراتبهم الدانية من أمير المؤمنين، ونزّلهم بحيث نزّلهم الله من الدّنيا والدّين، واعتمد تعظيم مشايخهم وتوقيرهم، وسياسة شبّانهم وتدبيرهم، وتقويم أخلاقهم وتثقيفهم، وخذهم بلزوم الطرائق الحميدة، والمذاهب السّديدة، التي تليق بأصولهم الطاهرة، وفروعهم المثمرة، ومناحتهم الصّميمة، ومناجبهم الكريمة، وتفقّد منشاهم ومرباهم، وخلطاهم وقرباهم؛ فمن تناكرت أعراقه، وأخلاقه، وأنسابه، وآدابه، بالغت في تنبيهه وتعريفه، فإن نجع ذلك فيه وإلا بسطت يدك إلى تهذيبه، وإصلاحه وتأديبه: ليستيقظ من منامة غرّته، ويرجع إلى اللائق بشرف ولادته؛ وانظر فيما أوقف عليهم من الأملاك والمستغلّات، والضيّاع والإقطاعات، والرّسوم والصّلات، واندب لتولّي ذلك من تسكن إلى ثقته وأمانته من الكتّاب، وراع سيرته في عمارته، وطريقته في تثمير ماله وزيادته؛ فإن ألفيته كافيا أمينا أقررته، وإن وجدته عاجزا خؤونا صرفته، واستبدلت به من يحسن خبرك، ويطيب أثرك، وأجر الأمر في قسمته بين ذكورهم وإناثهم على الرسوم التي يشهد بها ديوانهم، واكتب الرّقاع عنهم إلى الحضرة في اقتضاء رسومهم، وما يعرض من مهمّات أمورهم، وتتنجّز كلّ ما يتعلق بهم وتنوب عنهم فيه: لتستقيم شؤونهم بسياستك، وتنتظم أحوالهم بحسن سيرتك.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك فاعمل به وانته إلى متضمّنه، إن شاء الله تعالى.
ومنها- ما أورده في رسم تقليد بنقابة العلويّين، وهو:
الحمد لله الذي انتجب من أسرار عباده قادة جعلهم لمصالحهم نظاما،
(10/405)

وانتخب من أخيار خليقته سادة صيّرهم لأمورهم قواما، وعدق بهم هداية من ضلّ، وتقويم من دلّ «1» ، وتعليم من جهل، وتذكير من غفل، ونصبهم أعلاما على طرق الرّشاد، وأدلّة على سبل السّداد.
يحمده أمير المؤمنين أن اختصّه بأثرة الخلافة والإمامة، وميّزه بمزيّة الولاية على الأمّة والزّعامة، وانهضه بما كلّفه من سياسة بريّته وتنزيلهم منازلهم من اختصاصه وإيثاره، وإحلالهم في محالّهم من استخلاصه واختياره، ويسأله الصلاة على أشرف الأمم نجارا وأطيبهم عنصرا، وأعظمهم مفخرا، سيدنا محمد صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمّه، وباب حكمته وعلمه، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الراسخ في نسبه، المداني [له] «2» في حسبه، سيفه الباتر، ومعجزه الباهر، ومكاتفه المظاهر، وعلى الأئمة من ذرّيتهما المهديّين، وسلم تسليما.
وإنّ أمير المؤمنين- بما خصّه الله تعالى من شرف المنجم والمولد، وكرم المحتد، وخوّله من مناصب الخلفاء والأئمّة، وناط به من إمامة الأمّة- يرى أنّ من نعم الله التي يجب التحدّث بشكرها، وتحقّ الإفاضة في نشرها، وتوفيقه للنظر في أحوال ذوي لحمته، وأولي مناسبته، المواشجين له في أرومته، المعتزين إلى كرم ولادته، وتوخّيهم بما يرفلهم في ملابس الجمال، ويوقّلهم في هضبات الجلال، ويرتّبهم في الرّتب التي يستوجبونها [ويراها] «3» أولى بمغارسهم وأنسابهم، وماسّا بأنفسهم وآدابهم؛ ولذلك يصرف اهتمامه إلى ما يجمع لهم بين شرف الأعراق، وكرم الأخلاق، وطهارة العناصر والأواصر، وحيازة المناقب والمآثر.
ولما كنت بحضرة أمير المؤمنين من جلّتهم العلماء، وطهرتهم الأزكياء، وأبرارهم الصّلحاء، وخيارهم الفضلاء، الذين تضارعت أخلاقهم وأعراقهم،
(10/406)

وتقارعت أنسابهم وآدابهم، وتشاكهت «1» مواردهم ومصادرهم، وتشابهت أوائلهم وأواخرهم، واتفقت جيوبهم ودخائلهم، وتوضّحت عن الدين والخير مخايلهم؛ هذا مع ما يرعاه أمير المؤمنين من كريم مساعيك في خدمته، وإصابة مراميك في طاعته، واعتصامك بحبل متابعته، ونهوضك بحقوق ما أسبغه عليك من نعمته، رأى أمير المؤمنين- والله تعالى يقضي له في آرائه بحسن الاختيار، ويمدّه بالعون والتأييد في مجاري الأقدار- أن قلّدك النّقابة على الأشراف الطالبيّين أجمعين، المقيمين بالحضرة وسائر أعمال المملكة شرقا وغربا، وبعدا وقربا، ثقة بأنّك تصدّق مخيلته فيك واعتقاده، وتستدعي بكفاية ما استكفاك شكره وإحماده، وتستدرّ بالاستقلال والغناء أخلاف إحسانه وفضله، وتمتري بالاضطلاع بمضلع الأثقال فائض امتنانه وطوله؛ فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين عاملا بتقوى الله وطاعته، مستشعرا لخيفته ومراقبته، وأحسن رعاية من عدق بك رعايته، وسياسة من وكل إليك سياسته، واعلم أنّ أمير المؤمنين قد ميّزك على كافّة أهل نسبك، وجميع من يواشجك في حسبك، وجعلك عليهم رئيسا ولهم سائسا، فاعرف لهم حقّ القرابة والمشابكة، وتشاجر الأنساب والمشاركة؛ فإن الله تعالى يقول: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
«2» ، وعمّهم جميعا بالتوقير والإكرام، والتفقّد والاهتمام، واتّخذ شيخهم أبا، وكهلهم أخا، وطفلهم ولدا، وافرض لهم من الحنان، والإشفاق والفضل والإحسان، ما تقتضيه الرّحم الدانية، والأواصر المتقاربة، وكن مع ذلك متفقّدا لأحوالهم، مطالعا لسيرهم وأفعالهم؛ فمن ألفيته سالكا لأقصد الطرائق، متخلّقا بأجمل الخلائق، حارسا لشرفه، متشبّها بسلفه، فزده في الأثرة زيادة ترغّب أمثاله في اقتفاء مذهبه، وتبعثه على التأدّب بأدبه، ومن وجدته مستحسنا ما لا يليق بصريح عرقه، راكبا ما ليس من طرقه، فأيقظه بنافع الوعظ، وذكّره بناجع اللّفظ؛ فإن استقام على الطريقة المثلى، ورجع
(10/407)

إلى الأجدر والأولى، عرفت ذلك من فعله، وفرضت له ما تفرضه لصلحاء أهله:
فإن الله تعالى قد فتح باب التوبة، ووعد بإقالة أهل الإنابة؛ ومن انحرف عن التذكير، وانصرف عن التبصير، وأصرّ وتمادى، وارتكب ما يوجب حدّا، امتثلت أمر الله تعالى فيه، وأقمت الحدّ عليه، غير مصغ إلى شفاعة، ولا موجب لحّق ذريعة: فإن أمير المؤمنين يصل من ذوي أنسابه، من وكّدها بأسبابه، ويقطع من أوجب الحقّ قطيعته، ولا يراعي رحمه وقرابته. ووكلّ بهم من يروي إليك أخبارهم، ويكشف لك آثارهم: ليعلموا أنهم ببال من مطالعتك، وبعين من اهتمامك ومشارفتك، فيكبح ذلك جامحهم عن العثار والسّقط، ويمنع طامحهم من الزّلل والغلط، وتوخّهم في خطابك بالإكرام، وميّزهم عن محاورة العوام، ولا تقابل أحدا منهم ببذاء ولا سبّ، ولا قدح في أمّ ولا أب، فإنهم فروع دوحة أمير المؤمنين وعترته الذين طهّرهم الله من الأرجاس، وفرض قراهم على الناس، ووفّر اهتمامك على صيانة النّسب من الوكس، وحياطته من اللّبس، فإنه نسب الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يتصل يوم انقطاع الأنساب، وسببه الذي يتّشج يوم انفراط الأسباب، وأثبت أسماء كافّة من يعتزي إلى هذا البيت منسوبة إلى أصولها: لتأمن من دخيل ملصق يتزوّر عليها، ومختلق ملحق ينضم إليها؛ وإن عرف مدّع نسبا لا حجة له فيه، ولا بينة عنده عليه، فغلّظ له العقاب، واشهره شهرة تحجزه عن معاودة الكذاب، واحتط في أمر المناكح وصنها عن العوامّ، ووقّر كرائم أهل البيت عن ملابسة اللّئام؛ وإن ادّعى أحد من الرعيّة حقّا على شريف فاحملها على السويّة وعده بإنصاف خصمه، وامنعه من ظلمه، وإن ثبت أيضا في مجلس الحكم حقّ على أحد من الأشراف فانزعه منه [وولّ] «1» على من في البلاد، أهل السّداد منهم والرّشاد، ومرهم بتقيّل مذهبك، ونقل أدبك، واصرف اهتمامك إلى حفظ أوقافهم وأملاكهم ومستغلّاتهم في سائر الأعمال، وحطها من العفاء والاضمحلال، وتوفّر على تثمير ارتفاعها، وتزجية «2» مالها، واستخدم لضبط
(10/408)

حاصلها، وجهات منفقها، من تسكن إلى ثقته، وتثق بنهضته، ووزّع ما يرتفع من استغلالها بينهم على رتبهم التي يشهد بها ديوانهم.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك فآنته إليه منتهجا لتمثيله، معتمدا بدليله، وطالع أمير المؤمنين بما التبس عليك وأبهم، وأشكل واستعجم: ليقفك على واضح السّنن، ويرشدك إلى أحسن السّنن، واستعن بالله يهدك لمعونته، واستهده يؤيّدك بهدايته، إن شاء الله تعالى.
ومنها- ما أورده في رسم تقليد بزمّ طوائف الرجال.
الحمد لله البديع تقديره، الحكيم تدبيره، الذي أتقن ما صنع وأحكمه، وكمّل ما أبدع وتمّمه، وأعطى كلّ مصلحة من مصالح عباده نظاما، وكلّ مرفق من مرافق خلقه قواما، فلا يقارب فيما خلق وصوّر، ولا يشاكل فيما قدّر ودبّر، ورأب ثلم بريّته بمن استخلصه من خاصّتها، لسياسة عامّتها، وانتخبه من أشرافها، لتسديد أطرافها، وإقامة من سادها لإصلاح فاسدها وتقويم مائدها، وتوقيفها على سنن الصواب، وتعريفها بمحاسن الآداب.
يحمده أمير المؤمنين أن أحلّه في المنزلة العليّة: من اصطفائه واستخلاصه، والذّروة السنيّة: من اجتبائه واختصاصه، وفوّض إليه تنزيل الرتب وتخويلها، وإقرار المنازل وتحويلها، وناط به البرم والنقض، والرّفع والخفض، والرّيش والحصّ «1» ، والزيادة والنّقص، وسوّغه الشّكر على مواهبه السابغ عطافها، والفسيحة أكنافها، البعيدة أطرافها، و [يسأله] «2» أن يصلي على نبيّ الرحمة، ومفيد الحكمة، سيدنا محمد خاتم الرّسل، وموضّح السّبل، صلى الله عليه وعلى أخيه وابن عمّه، وخليفته على أمّته وقومه: عليّ بن أبي طالب أمير
(10/409)

المؤمنين، ومولى المسلمين، وعلى الأئمة من ذرّيتهما الطاهرين.
وإنّ أمير المؤمنين بما فوّضه الله تعالى إليه من حماية الأنام، والمراماة عن دار الإسلام، وكفّله من غضّ نواظر أهل العناد، وتنكيس رؤوس رؤساء الإلحاد، لا يزال ينظر في مصالح عبيده، وتوفّر سياسة رجال دولته وجنوده، الذين هم حزب الله الغالبون، وجنده المنصورون، ويردّ النظر في أمورهم، والتقدّم عليهم، وزمّ طوائفهم، إلى خواصّ دولته، وأعيان مملكته، الذين بلا طرائقهم وحمد خلائقهم: من الغناء والكفاية، والسّداد وحسن السياسة، ونقّلهم في الخدم فاستقلّوا بأعبائها وأثقالها، ونهضوا بناهض أعمالها، ومضت عزائمهم في حياطة البيضة، واشتدّت صرائمهم في تحصين الحوزة، وصدقت نيّاتهم في المراماة عن الملّة، والمحاماة عن الدعوة والدّولة.
ولمّا كنت بحضرة أمير المؤمنين معدّا لمهمّاته، معدودا في أماثل كفاته، مشهورا بحسن السياسة لما تورده وتصدره، معروفا بفضل السّيرة فيما تأتيه وتذره، رأى أمير المؤمنين- والله يرشده لأعود الآراء بالصلاح والإصلاح، وأدناها من الخير والنجاح- أن قلّدك زمام طائفة الرجال الفلانيين (ويوصفون بما تقتضيه مكانتهم من الدولة وحسن سيرهم في الخدمة) إنافة بقدرك، وإبانة عن خطرك، وتنويها بذكرك، وتفخيما لأمرك.
وهو يأمرك بتقوى الله تعالى وطاعته، واستشعار مراقبته، ورياضة خلائقك على محبّة العدل، وإيثار الفضل، واتّباع اللّطف، واجتناب العسف، وتوخّي الإنصاف، وبسط الهيبة من غير إجحاف، وأن تخصّ هذه الطائفة من النظر في أمورها، وتعهّد صغيرها وكبيرها، بما يسدّد أحوالها، ويحقّق آمالها، وتأخذها بأحسن الآداب اللائقة بأمثالها، وسلوك الطريقة المعهودة من أعيانها وأماثلها، وتشعرها من أمير المؤمنين بما يشرح صدرها في خدمته، ويقرّ عينها في طاعته، والمسارعة إلى مكافحة أعدائه، والتميّز في نصرة أوليائه، وتطالع بحال من يستحقّ الاحترام، ويستوجب إفاضة الإنعام، وتكتب الرّقاع عنها (مستدعيا للرّباطات في الأطماع والعاجزين شاملا في التعويد والتأمير والتلقيب والولايات قاصدا في ذلك
(10/410)

ما يفسّح آمالها في الآجال، ويوثّقها بدرور الأمثال) «1» ، فإنهم أمراء الحروب، وكفاة الخطوب، الذين يجاهدون عن الحوزة، ويرامون عن الدولة، وافرض لهم من الإكرام، وتامّ الاهتمام، ما تقتضيه مكانتهم في الدولة، وموضعهم من الخدمة، وتكفّل أوساطهم بالرّعاية، واصرف إليهم شطرا موفورا من العناية، وألحق من برّز منهم وتقدّم، ونهض وخدم، بنظرائه وأمثاله، وساو بينه وبين أشكاله، وتعهّد أطرافهم بملاحظتك، وتفقّدهم بسياستك؛ وخذهم بلزوم السّير الحميدة، والمذاهب السّديدة، والتوفّر على ما يرهف عزائمهم، ويؤيّد أيديهم، ولا تفسّح لأحد من هذه المذاهب في مخالطة العوام ولا مشاركة التّجّار والاحتراف، ووكّل بهم من النّقباء من يبتلي سيرهم، وينهي إليك أخبارهم: فمن علمته قد اجترأ إلى نسخ المذهب، فتناوله بأليم الأدب، واحضضهم على الإدمان في نقل السلاح، والضّرب بالسيف، والمطاعنة بالرمح، والإرماء عن القوس، وميّز من مهر واستقلّ، وقصّر بمن ضجّع وأخلّ، فهم كالجوارح التي ينفعها التعليم والإجراء، ويضرّها الإهمال والإبقاء؛ وفي صرفك الاهتمام إليهم ما يزيد في رغبة ذي الهمّة العليّة، ويبعث المعروف في النفس الدّنيّة، وأن تطالبهم بالاستعداد، وارتباط الخيول الجياد، والاستكثار من السّلاح الشاك والجنن، وليكن ما تطالبهم بإعداده من هذه الأصناف على حسب الفروض من العطاء، ولا ترخّص لأحد في الاقتناع بما لا يليق بمنزلته، والرضا بما يقع دون ما يعتدّه أماثل طبقته. ومن مات من هذه الطائفة وخلّف ولدا يتيما فضمّه إلى أمثاله، وانظر في حاله، ووكّل به من يفقّهه في دينه، ويعلّمه ما لا غنى به عن تعليمه من كتاب الله وسنّته، ومن يهذبه في الخدمة ويعلّمه العمل بآلاتها، والتنقّل في حالاتها، ويطلق له من إنعام أمير المؤمنين ما يقوم بكلفتها ولوازمها، وخذ كلّ من تقدّمهم بخدمها والجري على عادتها في النّهوض بما يستنهض به، ولا يفسّح لها في التّثاقل عنه، وسوّ بينهم في الاستخدام، ولا تخصّ قوما دون قوم بالترفيه والإجمام؛ فإنّ في ذلك إرهافا لعزائمهم، وتقوية
(10/411)

لمننهم، وإفاضة العدل عليهم.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، قد وكّد به الحجة عليك؛ فتأمّله ناظرا، وراجعه متدبّرا، وانته إلى مصايره ومراشده، واعمل على رسومه وحدوده، يوفّق الله مقاصدك، ويسعد مصالحك ويتولّاك، إن شاء الله تعالى.
ورسوم هذه العهود يتفاضل الخطاب فيها بحسب تفاضل الطوائف ومن يولّى عليها. وهذا الأنموذج متوسّط تمكن الزيادة عليه والنقص منه.
ومنها- ما أورده في رسم تقليد بإمارة الحج، وهذه نسخته:
الحمد لله الذي طهّر بيته من الأرجاس، وجعله مثابة «1» للناس، وآمن من حلّه ونزله، وأوجب أجر من هاجر إليه ووصله.
يحمده أمير المؤمنين أن خصّه بحيازة البيت الأعظم، والحجر المكرّم، والحطيم «2» وزمزم؛ وأفضى إليه ميراث النبوّة والإمامة، وتراث الخلافة والزّعامة، وجعله لفرضه موفّيا، ولحقوقه مؤدّيا، ولحدوده حافظا، ولشرائعه ملاحظا، ويسأله أن يصلّي على من أمره بالتأذين في الناس بالحجّ إلى بيته الحرام لشهادة منافعهم، وتأدية مناسكهم، وقضاء تفثهم «3» ، ووفاء نذرهم، وذكر خالقهم، والطواف بحرمه، والشكر على نعمه: سيدنا محمد رسوله صلّى الله عليه وعلى وصيّه وخليفته، وباب مدينة علمه وحكمته: عليّ بن أبي طالب سيد الوصيّين، وعلى الأئمة من ذرّيتهما الطاهرين.
(10/412)

وإنّ أولى ما صرف أمير المؤمنين إليه همّته، ووفّر عليه رعايته، مثابرا عليه، وناهضا لحق الله تعالى فيه، النظر في أمر رفق الحجيج الشاخصة إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، وردّه إلى من حلّ محلّك من الدين، وتميّز بما تميّز به صلحاء المسلمين: من العلم، ورجاحة الحلم، ونفاذ البصيرة، وحسن السريرة، وعدل السّيرة؛ ولذلك رأى أمير المؤمنين أن قلّدك أمر رفق الحجيج المتوجّهة من موضع كذا إلى الحرمين المحروسين، وولّاك الحرب والأحداث «1»
بها: واثقا باستقلالك وغنائك، وسدادك وإصابة ارائك؛ فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين بعزم ثاقب، ورأى صائب، وهمّة ماضية، ونفس سامية، وشمّر فيه تشميرا يعرب عن محلّك من الاضطلاع، ويدلّ على استقلالك بحقّ الاصطناع، وخصّ الحجّاج بأتمّ الأحظّ «2» ، وكن من أمرهم على تيقّظ، واعتمد ترقّبهم في المسير، وسوّ في رعايتهم بين الصغير والكبير، فإنهم جميعا إلى الله متوجّهون، وإلى بيته الحرام قاصدون، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وافدون، قد استقربوا بعيد الشّقّة، واستدمثوا خشن المشقّة، رغبة في ثواب الله وعفوه، والنجاة من عقابه وسطوه، وتقرّبا إليه بارتسام أمره وطاعته، وإيجابا للحرمة بالحلول في عراص بيته وأفنيته؛ فمرافدتهم «3» واجبة، ومساعدتهم لازبة «4» ، حتّى يصلوا إلى بغيتهم وقد شملتهم السلامة في الأنفس والأموال، والأمنة في الخيل والرجال: متوجّهين وقارّين وقافلين، بعد أن يشهدوا منافعهم، ويؤدّوا مناسكهم، ويعملوا بما حدّ لهم.
وردّهم في سيرهم عن الازدحام، ورتّبهم على الانتظام، وراعهم في ورود المناهل، وامنعهم عن التحادث عليها والتكاثر فيها، حتّى لا ينفصلوا منها إلّا بعد
(10/413)

الارتواء، ووقوع التّساوي والاكتفاء، وقدّم أمامهم من يمنعهم من التسرّع، وأخّر وراءهم من يحفظهم من التقطّع، ورتّب ساقتهم، ولا تخلّ بحفظهم من جميع جهاتهم، وطالع أمير المؤمنين في كل منزل تنزله ومحلّ تحلّه بحقيقة أمرك ليقف عليها، ويمدّك بما ينهضك فيها.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك فتدبّره عاملا عليه، متبصّرا بما فيه، عاملا بما يحسن موقعه لك؛ ويزيدك من رضا الله وثوابه، إن شاء الله تعالى.
ومنها- ما أورده في رسم تقليد الإمارة على الجهاد، وهذه نسخته.
الحمد لله الصادق وعده، الغالب جنده، ناصر الحق ومديله، وخاذل الباطل ومذيله، محلّ النّكب بمن انصرف عن سبيله، ومنزل العقاب بمن تحرّف عن دليله، الذي اختار دين الإسلام فأعلى مناره، ووضّح أنواره، واستخلص له من أوليائه أعضادا لا تأخذهم في الحق لومة لائم، ولا يغمضون عن المكافحة دونه جفن حالم، وجزاهم على سعيهم في نصرته جزاء فيه يتنافس المتنافسون، وإلى غاياته يرتمي بالهمم المجدّون، قصدا من الله تعالى في إعزاز دينه، وإنجاز ما وعد به خلفاءه من إظهاره وتمكينه، وقطّا لشوكة أهل العناد، وتعفية لآثار ذوي الفساد، وتوفيرا لأحاظي من بذل الاجتهاد، من سعداء عباده في الجهاد.
يحمده أمير المؤمنين أن اختصّه بلطيف الصّنع فيما استرعاه، ووفّقه للعمل بما يرضيه فيما ولّاه، وأعانه على المراماة عن دار المسلمين، والمحاماة عن ذمار الدّين، ومجاهدة [من] «1» ندّعنهما صادفا، ونكب عن سبيلهما منصرفا، وإبادة من عند عن طاعته واتّخذ معه إلها آخر لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يقول المشركون علوا كبيرا؛ واستنزالهم من صياصيهم قهرا واقتسارا، وإخراجهم عن بيوتهم عزّا واقتدارا، وإذاقتهم وبال أمرهم [و] «2» عاقبة كفرهم، اتّباعا لقول الله
(10/414)

تعالى إذ يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
«1» .
ويسأله أن يصلّي على أشهر الخلق نورا وفضلا، وأطهر البريّة فرعا وأصلا، وأرشد الأنبياء دليلا، وأقصد الرّسل سبيلا: محمد رسوله الذي ابتعثه وقد توعّر طريق الحق عافيا، وتغوّر نور الهدى خافيا؛ والناس يتسكّعون في حنادس الغمرات، ويتورّطون في مهاوي الهلكات، لا يعرفون أنهم ضلّال فيستهدون، ولا عمي فيستبصرون، فأيّده وعضّده، ووفّقه وسدّده، ونصره وأظهره، وأعانه وآزره، وانتخب له من صفوة خلقه، أولياء كاتفوه على ظهور حقّه، سمحوا بالأنفس العزيزة، والأموال الحريزة، وجاهدوا معه بأيد باسطة ماضية، وعزائم متكافية متوافية، وقلوب على الكفار قاسية، وعلى المؤمنين رؤوفة حانية؛ فلمّا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وارتسموا أمره وانتهوا إليه، شركهم معه في الوصف والثناء، وأضافهم إليه في المدح والإطراء، فقال جل قائلا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
«2» ، صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سيف الله الفاصل، وسنانه العامل، ومعجز رسوله الباهر، ووزيره المظاهر، مبيد الشّجعان، ومبير الأقران، ومقطّر الفرسان، ومكسّر الصلبان، ومنكّس الأوثان، ومعزّ الإيمان، الذي سبق الناس إلى الإسلام، وتقدّمهم في الصّلاة والصّيام، وعلى الأئمة من ذرّيتهما الميامين، البررة الطاهرين، وسلّم تسليما.
وإنّ أمير المؤمنين بما كلّفه الله تعالى من [أمر] «3» دينه ووعده من إظهاره وتمكينه؛ يرى أنّ أفضل ما رنا إليه ببصر بصيرته، ورمى نحوه بطامح همّته، ما شملت الدين والدنيا بركته، وعمّت الإسلام والمسلمين عائدته، وحلّ محلّ الغيث
(10/415)

إذا تدفّق وهمع «1» ، والنهار إذا تألّق ولمع. ولا شيء أعود على الأمة، وأدعى إلى سبوغ النّعمة من علو كلمتهم، وارتفاع رايتهم، وتحصين حوزتهم، وإيمان منصّتهم، وتأدية الفريضة في مجاهدة أعدائهم، وصرفهم عن غلوائهم، واقتيادهم بالإذلال والصّغار، وكبحهم بشكائم الإهوان والاقتسار، ومواصلتهم بغزو الديار، وتعفية الآثار، وإيداع الرّعب في صدورهم، وتكذيب أمانيّ غرورهم، ووعظهم بألسنة القواضب، ومكاتبتهم على أيدي الكتائب: لما في ذلك من ذلّ الشّرك وثبوره، وعزّ التوحيد وظهوره، ووضوح حجّة أولياء الله تعالى على أعدائه بما ينزله عليهم من نصره ومعونته، ويؤيّدهم به من تأييده وعنايته؛ لا جرم أن أمير المؤمنين مصروف العزمة، موقوف الهمّة، على تنفيذ البعوث والسّرايا، والمواصلة بالجيوش والعرايا «2» ، وتجهيز المرتزقة من أولياء الدولة، وحضّ المطّوعة من أهل الملّة، على ما أمر الله تعالى به من غزو المشركين، وجهاد الملحدين، نافذا في ذلك بنفسه، وباذلا فيه عزيز مهجته، عند تسهّل السبل إلى البعثة، ووجود الفسحة، ومعوّلا فيه عند التعذّر على أهل الشّجاعة والرّجاحة من أعيان أهل الإسلام الذين أيقنت ضمائرهم، وخلصت بصائرهم، ورغبوا في عاجل الذكر الجميل وآجل الأجر الجزيل، وأمير المؤمنين يسأل الله تعالى أن يجريه فيما يصدر ويورد، على أفضل ما لم يزل يولى ويعوّد: من التوفيق في رأيه وعزمه، والتسديد في تدبيره وحزمه، ويؤتيه من ذلك أفضل ما آتاه وليّا استخلفه، وأمينا كفّله عباده وكلّفه؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
ولمّا كنت بحضرة أمير المؤمنين ممن يعدّه لجلائل مهمّاته، ويعدّه من أعيان كفاته، ورآه سدادا للخلل، وعمادا في الحادث الجلل، وسهما في كنانته صائبا وشهابا في سماء دولته ثاقبا، وسيفا بيد الدين قاطعا، ومجنّا عن الحوزة دافعا،
(10/416)

رأى- وبالله التوفيق- أن يقدّمك على جيوش المسلمين، وبعوثهم الشاخصة إلى جهاد المشركين؛ فقلّدك الحرب والأحداث بها، وعقد لك لواء بيده يلوي إليك الأعناق، وينكّس لك رؤوس أهل الشّقاق، وشرّفك بفاخر ملابسه وحملانه، وضاعف لديك موادّ إحسانه، وحباك بطوق من التّبر، مرصّع بفاخر الدّرّ، عادقا هذه الخدمة منك بالنّصيح المأمون، والنّجيح الميمون، الذي تتوضّح فيه أنوار اللّبابة، وتلوح عليه آثار النّجابة، واثقا بما تنطوي عليه من الإخلاص والولاية، وتتحلّى به من الغناء والكفاية، ويفترضه من الاستمرار على سنن الطاعة، والاستقامة على سمت الانقياد والتّباعة، وتوجبه من مناصحة المسلمين، والتشمير في نصرة الدين.
فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين مستشعرا تقوى الله وطاعته في الإسرار والإعلان، معتقدا خيفته ومراقبته في الإظهار والإبطان، مخلص القلب، رابط اللّبّ، واثقا بنصر الله الذي يسبغه على خلصائه، ويفرغه على أوليائه، وآخذا بوثائق الحزم، متمسّكا بعلائق العزم، ناظرا من وراء العواقب، متفرّسا في وجوه التجارب، مقلّصا سجوف الآراء بإضفاء غيار التدبير، ممرّا مرائر التقرير، موغلا في المخاتل والمكايد، حارسا للمطالع والمراصد، يقظان النفس والناظر، متحرّزا في موقف الواني والمخاطر، وأن تتوجه على بركة الله وعونه وحسن توفيقه، ويمن تأييده، بعد أن تتسلّم من الجيوش المنصورة جرائد «1» بعدّة رجال أمير المؤمنين السائرين تحت رايتك، المنوطين بسياستك، وتعرضهم عليها، فتتخيّر من شهرت بسالته وكفاحه، وعتق «2» جواده وكمل سلاحه، وعرف بصدق العزيمة في مقارعة الأعداء، وحسن الطويّة في الإخلاص والولاء، وتستبدل بالورع «3» الجبان، والرّعديد
(10/417)

الضعيف الجنان، الناقص العدّة، المقصّر النّجدة، المدخول النّيّة، النّغل «1» الطّويّة، فإذا كملت العدّة من أهل الجلد والشّهامة، وأولي الحماسة والصّرامة، استدعيت من بيت المال ما ينفق فيهم من مستحق أطماعهم، ومعونة طريقهم، وأجريت النفقة فيهم على أيدي عارضيهم وكتّابهم، فإذا أزحت عللهم فاستصحب من العدد والسّلاح والخيم والأزواد والأموال ما يرهب الأعداء، وينهض الأولياء، وأذّن في مطّوّعة «2» المسلمين، بجهاد المشركين؛ في [كل] «3» بلدة تنزلها، ومحلّة تحلّها، وابذل لهم الظّهر والميرة والمعونة بالسلاح وما يستدعونه، وأرهف عزائمهم في غزو الكفّار، وإجلائهم عن الأوطان والدّيار، واسلك الطريق القاصد، ولا تفارق أهل المناهل والموارد، ولا تغذّ «4» السير إغذاذا تنقطع له الرجال وتتأخّر به الأزواد، ولا تتلوّم «5» في المنازل تلوّما تتصرّم فيه الآماد، ويوجد المشركين مهلة للاحتيال والاستعداد، وراع جيشك عند الحلّ والتّرحال، ولا تباعد بين مضاربهم إذا نزلوا، ولا تمكّنهم من التفرّد إذا ارتحلوا، وخذهم بالاجتماع والالتئام، والتآلف والانتظام، ولا سيّما إذا حصلوا في أرض العدوّ فإنّهم ربّما اهتبلوا «6» الفرصة في المسير المتسرّع، والمبيت المتفرّد، ونالوا منه ما تتوسّم به الهضيمة «7» على أهل الإسلام؛ والعياذ بالله. وإذا دانيت القوم فأعط الحزامة حقّها، مستعملا تارة للدّهاء والخداع، وأخرى للّقاء والقراع؛ فربما أغنت المساترة عن المكاشرة، ونابت مخايل التّلطّف عن مداخل التعسّف، وكفت
(10/418)

غوائل المخادعة، عن مواقف المماصعة «1» ؛ وقد قال إمام الحرب، وزعيم الطّعن والضّرب: «الحرب خدعة» «2» . وإذا عزمت على المصاع والمنافحة، والإيقاع والمكافحة، فبثّ من سرعان الفرسان الذين لا تشكّ في محض نصحهم، ولا ترتاب بصدق نيّاتهم، طلائع تطلعك على الأخبار، وعيونا تكشف لك حقائق الآثار، وتغضّ الطّرف عن مجاوري الديار، ومر من تقدّمه عليهم بأن لا يقتحم خطرا، ولا يركب غررا، وليكن من تنفذه في ذلك [من] «3» أهل الخبرة بالطّرق والساحات، والدخلات والأودية والفجوات، حتى لا يتمّ للعدوّ فيهم حيلة، ولا ينالهم منه غيلة؛ فإذا أتوك بالخبر اليقين، وأقبسوك قبس النّور المبين، بدأت الحرب مستخيرا لله تعالى، مقدّما أمامك الاستنجاح به، واستنزال النصر من عنده، مرتّبا للكتائب، معبيا للصّفوف والمقانب «4» ، زاحفا بالراجل محصّنا بالفارس والرامي مجتنّا بالتارس، واشحن القلب والجناحين بالشّجعان المستبقين، والأبطال الحلاسين «5» ، وأنزل إلى رحى الحرب من خفّ ركابه من الأنجاد الراغبين في علوّ الصّيت والذكر، الطالبين الفوز بالثواب والأجر، واجعل وراءهم ردءا، وأعدّلهم مددا يوازرونهم إن يجئهم ما لا يطيقونه ويحين «6» ، ويطايرونهم على ما خلص إليهم وادعين، وقف من التأخير والإقدام، والنّفود والإحجام، موقفا تعطي الحزامة فيه حظّها، والرويّة قسطها، مصمّما ما كان «7» التصميم أدنى لانتهاز الفرصة، واهتبال الغرّة، متلوّما ما كان «8» التلوم أحمد للعاقبة، وأسلم للمغبّة.
(10/419)

واعلم أنّ ريح النصر قد تهبّ للكافرين على المسلمين؛ فلا يكن ذلك قادحا منك في الدّين، فإن الله تعالى يستدرج بسنّة الباطل لا بسنّة الإظفار، ويريهم الإقدار في مخايل الأقدار، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أوردتهم كواذب أمانيّهم موارد الهلكة، وأخذوا بغتة، ودالت دولة الحق لأوليائها مرفوعة الأعلام، آخذة بنواصي العداة والأقدام؛ وتحقّق أنّ الأمور بخواتيمها، والأعمال بتمامها؛ وأنه وليّ [المؤمنين] «1» . ما جمع موقف فئتي شكّ ويقين، وكفر ودين، إلّا كان الفلج والنصر لأهل التّقى والدّين، والخسارة والبوار على الشاكّين الكافرين، تصديقا لوعده تعالى إذ يقول: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
«2» وتحفظ بنفسك ولا تلقها في المهالك متهوّرا، ولا ترم بها في المتالف مخاطرا، ولا تساعدها على مطاوعة الحميّة والنّخوة، وتحرّز قبل السّقطة والهفوة، فإنك- وإن كنت واحدا من الجيش- أوحدهم الذين يتبادرون إليه، ويعتمدون في السياسة عليه؛ وما دمت محفوظا ملحوظا فالهيبة عالية، والعين سامية؛ وإن ألمّ بك- والله يعصمك- خطب، أو نالك- والله يكفيك- ريب، توجّه الخلل، وأرهف حدّ الوهن والشّلل. وإن دعتك نفسك إلى الجهاد، وحملك تصرّفك على الكفاح والجلاد، فليكن ذلك عند الإحجام، وتزلزل الأقدام: فإنّ ذلك يشحذ عزائم المسلمين، ويقوّي شكائم المتأخّرين، غير مضيّع للحذر، في الورد والصّدر؛ وكذلك فاحرس أماثل القوّاد، ووجوه الأجناد، الذين تشفى صد