Advertisement

صبح الأعشى في صناعة الإنشاء 011

[الجزء الحاديعشر]
[تتمة الباب الرابع من المقالة الخامسة]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه
الفصل الثاني من الباب الرابع من المقالة الخامسة (فيما يكتب من الولايات عن الملوك، وفيه [ثلاثة] «1» أطراف)
الطّرف الأوّل (في مصطلح كتّاب الشرق)
قد تقدّم في الكلام على ما كان يكتب عن الخلفاء أنّ الولايات في الخلافة العبّاسيّة ببغداد كانت تصدر عن الخلفاء دون الملوك المساهمين لهم في الأمر، لا يشاركونهم في شيء من الولايات أصلا. وقد تقدّم ذكر ما كان يكتب عن خلفائهم من الولايات هناك.
والمقصود هنا ما كان يكتب عن ملوك بني جنكزخان من البيت الهولاكوهي فمن بعدهم. ولم أقف على شيء من مصطلحهم في ذلك فأورده هنا.
الطّرف الثاني (في مصطلح كتّاب الغرب والأندلس فيما يكتب من الولايات عن الملوك)
واعلم أنهم يعبّرون عما يكتب في جميع ولاياتهم بالظّهائر: جمع
(11/3)

ظهير «1» ، يفتتحونه بلفظ «هذا ظهير» كما تقدّم بيانه في الكلام على ما كان يكتب عن خلفاء المغرب.
ثم هي على ثلاثة أضرب:
الضرب الأوّل (ما يكتب لأرباب الوظائف من أصحاب السّيوف)
وهذه نسخة ظهير بنيابة السلطنة بالحضرة من إنشاء أبي عبد الله بن الخطيب «2» ، وهي:
هذا ظهير كريم، منزلته في الظهائر منزلة المعتمد به من الظّهراء، ومحلّه من الصّكوك، الصادرة عن أعاظم الملوك، محلّ أولي الرايات، الخافقة العذبات، والآراء، فتح على الإسلام، من بعد الإبهام، أبواب السّرّاء، وراق طرازا مذهبا على عاتق الدّولة الغرّاء، وأعمل عوامل الجهاد في طاعة ربّ العباد، شارعة لأهل الكفر والعناد، من باب الإعمال والإغراء- أمر به فلان لصدر صدور أودّائه «3» ، وحسامه المشهور على أعدائه، ووليّه الذي خبر صدق وفائه، وجلّى في مضمار الخلوص له مغبّرا في وجوه أكفائه، شيخ شيوخ المجاهدين، وقائد كتائبه المنصورة لغزو الكافرين والمعتدين، وعدّته التي يدافع بها عن الدّين، وسائق ورده المبرّز في الميادين، الشيخ الأجلّ الأعزّ الأسنى، الأمجد، الأسعد، الأصعد، الأعنى، الأحمى، الأحبّ، الأوصل،
(11/4)

الأفضل، المجاهد، الأقضى، الأرضى، الأمضى، الشهيد المقدّس، المرحوم أبي عبد الله بدر الدين ابن شيخ الشّيوخ وعلم الأعلام، المدافع عن حوزة الإسلام، البعيد الغارة في تخوم عبدة الأصنام، الشيخ الكبير، الجليل الخطير، الرفيع، الصّدر، المعظّم، الموقّر، صاحب الجهاد الأرضى، والعزم الأمضى، المقدّس، المرحوم أبي عمران (موسى) بن أبي زيد رحوبن محيو بن عبد الحق بن محيو، وصل الله سعده، وحرس مجده، وبلّغه من مظاهرة دولته وموازرة خلافته قصده. رفع قبّة العناية والاختيار على عماد، وأشاد بدعوة التعظيم [مسمعا] «1» كلّ حيّ وجماد، وقابل السعي الكريم بإحماد، وأورد من البرّ غير ثماد «2» ، واستظهر بالوفاء الذي لم تستتر ناره برماد، ولا قصّرت جياده عن بلوغ آماد، وقلّد سيف الجهاد عاتق الحسب اللّباب «3» ، وأعلق يدي الاستظهار بأوثق الأسباب، واستغلظ على الأعداء بأحبّ الأحباب. لمّا قامت له البراهين الصادقة على كرم شيمه، ورسوخ قدمه، وجنى منه عند الشّدّة والتمحيص ثمرة ما أولاه من نعمه، قابل بالرّعي كرائم ذممه، وعظائم خدمه، وشدّ اليد على عهده الذي عرفه حين انتكثت العقد وأخلق المعتقد، واستأسد النّقد «4» ، وتنكّر الصديق، وفرق الفريق، وسدّت على النّظرة الطّريق، وتميز المغرق والغريق، فأثقل له ميزان المكافات، وسجّل له رسم المصافات، وجعله يمين الملك الذي به يناضل، ويقاطع ويواصل، وسيف الجهاد، الذي يحمي بمضائه حوزة البلاد، ومرآة النّصح التي تتجلّى بها وجوه الرّشاد، فقدّمه- أعلى الله قدمه، وشكر نعمه، وأسعده فيما يمّمه، ونشر بالنصر علمه- شيخ الغزاة بحضرته العليّة، وسائر بلاده النصرية: ترجع القبائل والأشياخ إلى نظره
(11/5)

في السّكنات، وتستدرّ على يده من مقامه الكريم غيوم البركات، وتقرّر وسائلها بوساطة حظوته، وتقصّر خطاها اعترافا بحقّه الواجب عن خطوته؛ فعليه تدور أفلاك جماعاتهم كلّما اجتمعوا وأتلفوا، وبحجة فضله يزول إشكالهم مهما اختلفوا، وبلسانه المبين يقرّر لهم ما أسلفوا، وفي كنف رعيه ينشأ من أعقبوا من النّشأة وخلّفوا، وبإقدامه تنهض أقدامهم مهما توقّفوا، فهو يعسوب «1» كتائبهم الملتفّة، وفرزان «2» قطعهم المصطفّة، وشهم «3» جوارحهم الفارهة، وعين عيونهم النّابهة، وتأويل أمورهم المتشابهة، عن نظره يردون ويصدرون، وبإشارته يريشون «4» ويبرون وآثاره يقتفون، وبتلعة «5» دوّاره المرينيّ «6» في خدمة مقامه النصريّ يقفون، فهو الذي لا تأنف أشراف القبائل من اقتفاء آثاره، ولا تجهل رفعة مقداره، فلبيته المزيّة بالحق، المستوجبة للفخر بسابقة السعادة لعبد الحقّ «7» ، ولذاته قصب السبق، ولوفائه الشّهرة في الغرب والشّرق. فليتولّ ذلك- تولّاه الله- منشرحا بالعز صدره، مستمدّا «8» من شمس سعادته بدره، معروفا حقّه معظّما قدره؛ فهي خطّة قومه، وفريسة حومه، وطيّة أمسه ويومه، وكفء خطبته، ومرمى رتبته، وحلي جيده، ومظهر توفيقه وتسديده- مطلقا من عنان الثناء، على أهل الغناء، معاملا بصادق الإطراء، لذوي الآراء، متغمّدا بالإغضاء، هفوات أهل المضاء، معرّفا بالقبائل، والعشائر والفصائل، كلّما
(11/6)

وفدوا من الآفاق للاستلحاق، منبّها على مظانّ الاستحقاق، مطبّقا للطباق، مميّزا لجيادها يوم السّباق، حريصا على إنماء الأعداد، مطبّقا مفاصل الشّراد، محتاطا على الأموال التي تمتري «1» بها أكفّ الجباية ضروع العباد، واضعا مال الله حيث وضعه الحق من الورع والاستداد، [لا] «2» سيّما في هذه البلاد، حتّى تعظم المزايا والمزاين، وتتوفّر الكتائب والخزائن، ويبتهج السامع ويسرّ المعاين، ويظهر الفضل على من تقدّم، وأنّ الظّهراءكم غادرت من متردّم «3» ، ويتحسّر من قصّر ويتندم، وعند الله يجد كلّ ما قدّم. فهي قلادة الله التي يضيع من أضاعها «4» ، ويرضى عمن أعمل فيها أوامره وأطاعها. وهو- وصل الله سعادته! وحرس مجادته «5» - أولى من لاحظ ضرائرها، واستطلع من ثنايا التوكل على الله بشائرها: نسبا وحسبا، وجدّا وأبا؛ وحدّا وشبا، ونجدة وضحت مذهبا.
وعلى الغزاة «6» - وفّر الله جموعهم! وأنجد تابعهم ومتبوعهم! - أن يعرفوا قدر هذا التعظيم الذي خفقت أعلامه، ووضحت أحكامه، والاختصاص الذي لطف محلّه، والاعتناء الكريم الذي ضفا ظلّه، فيكونوا من إيجاب حقّه حيث حدّ ورسم، وميّز ووسم؛ لا يتخلّف أحد منهم [في خدمته] «7» أيده الله عن إشارته الموفّقة، ولا يشذّ عن رياسته المطلقة، بحول الله تعالى وقوّته.
وهذا نسخة ظهير بنيابة السلطنة ببعض الأعمال، وهي:
هذا ظهير كريم، مضمّنه استجلاء لأمور الرّعايا واستطلاع ورعاية كرمت
(11/7)

منها أجناس وأنواع، وعدل بهر منه شعاع، ووصايا يجب لها إهطاع «1» ، أصدرناه للفقيه أبي فلان، لمّا تقرّر لدينا دينه وعدله وفضله رأينا أنّه أحقّ من نقلّده المهمّ الأكيد، ونرمي [به] من أغراض البرّ الغرض البعيد، ونستكشف به أحوال الرّعايا حتّى لا يغيب عنا شيء من أحوالها، ولا يتطرّق إليها طارق من إهمالها، وينهي إلينا الحوادث التي تنشأ فيها إنهاء يتكفل بحياطة أبشارها وأموالها. وأمرناه أن يتوجه إلى جهة كذا- حاطها الله- فيجمع الناس في مساجدهم، ويندبهم من مشاهدهم، ويبدأ بتقرير غرضنا في صلاح أحوالهم، وإحساب «2» آمالهم، ومكابدتنا المشقّة في مداراة عدوّهم الذي يعلم من أحوالهم ما غاب عنهم- دفعه الله بقدرته، ووقى نفوسهم وحريمهم من معرّته- وبما رأينا من انبتات الأسباب التي فيك تؤمّل، وعجز الحيل التي كانت تعمل، ويستدعي إنجادهم بالدعاء، وإخلاصهم فيه إلى ربّ السماء، ويسأل عن سيرة القوّاد، وولاة الأحكام بالبلاد: فمن نالته مظلمة فليرفعها إليه، ويقصّها عليه:
ليبلّغها إلينا، ويوفدها مقرّرة الموجبات علينا، ويختبر ما افترض صدقة للجبل، وما فضل عن كريم ذلك العمل: ليعيّن لبناء الحصن بجبل قارة «3» يسّر الله لهم في إتمامه، وجعل صدقتهم تلك مسك ختامه، وغيره مما افترض إعانة للمسافرين، وإنجادا لجهاد الكافرين، فيعلم مقداره، ويتولّى اختباره، حتّى لا يجعل منه شيء على ضعيف، ولا يعدل به لمشروف عن شريف، ولا تقع فيه مضايقة ذي الجاه، ولا مخادعة غير المراقب لله. ومتى تحقّق أن غنيّا قصّر به فيه
(11/8)

عن حقه، أو ضعيفا كلّف منه فوق طوقه، فيجير الفقير من الغنيّ، ويجري من العدل على السّنن السويّ، ويعلم الناس أن هذه المعونة وإن كانت بالنسبة إلى محلّ ضرورتها يسيرة، وأن الله يضاعفها لهم أضعافا كثيرة، ليست مما يلزم، ولا من المعاون التي بتكريرها يجزم، وينظر في عهود المتوفين فيصرفها في مصارفها المتعيّنة، وطرقها الواضحة البيّنة، ويتفقّد المساجد تفقّدا يكسو عاريها، ويتمّم منها المآرب [تتميما] «1» يرضي باريها، ويندب الناس إلى تعليم القرآن لصبيانهم، فذلك أصل أديانهم، ويحذّرهم المغيب عن كلّ شيء من أعشارهم فالزكاة أخت الصلاة وهما من قواعد الإسلام، وقد اخترنا لهم بأقصى الجدّ والاعتزام، ورفعنا عنهم رسم التعريف نظرا إليهم بعين الاهتمام، وقدّمنا الثّقات لهذه الأحكام، وجعلنا الخرص «2» شرعيّا في هذا العام، وفيما بعده إن شاء الله من الأعوام.
ومن أهمّ ما أسندناه إليه، وعوّلنا فيه عليه، البحث بتلك الأحواز عن أهل البدع والأهواء، والسائرين من السبيل على غير السّواء، ومن ينبز «3» بفساد العقد، وتحريف القصد، والتلبّس بالصوفيّة وهو في الباطن من أهل الفساد، والذاهبين إلى الإباحة وتأويل المعاد، والمؤلّفين بين النساء والرجال، والمتتبّعين لمذاهب الضّلال؛ فمهما عثر على مطوّق بالتهمة، منبّز بشيء من ذلك من هذه الأمّة، فليشدّ وثاقه شدّا، وليسدّ عليه سبيل الخلاص سدّا، ويسترع في شأنه الموجبات، ويستوعب الشهادات، حتّى ننظر في حسم دائه، ونعالج المرض بدوائه؛ فليتولّ ما ذكرنا نائبا بأحسن المناب، ويقصد وجه الله راجيا منه جزيل الثواب، ويعمل عمل من لا يخاف في الله لومة لائم ليجد ذلك
(11/9)

في مواقف الحساب.
وعلى من يقف عليه من القوّاد والأشياخ والحكّام أن يكونوا معه يدا واحدة على ما قرّرناه في هذه الفصول: من العمل المقبول والعدل المبذول؛ ومن قصّر عن غاية من غاياته، أو خالف مقتضى من مقتضياته، فعقابه عقاب من عصى أمر الله وأمرنا فلا يلومنّ إلا نفسه التي غرّته وإلى مصرع النكير جرّته، والله المستعان.
وهذه نسخة ظهير بالإمرة على الجهاد، وهي:
هذا ظهير كريم بلغ فيه الاختيار، الذي عضّده الاختبار «1» ، الى أقصى الغاية، وجمع له الوفاق، الذي خدمه البخت والاتفاق، والأهليّة التي شهدت بها الآفاق، بين نجح الرأي ونصر الراية، وأنتجت به مقدّمات الولاء نتيجة هذه الرتبة السامية العلاء والولاية، واستظهر من المعتمد به، على قصده الكريم في سبيل الله ومذهبه، بليث من ليوث أوليائه، شديد الوطأة على أعدائه والنّكاية، وفرع من فروع الملك الأصيل معروف الأبوّة والإباية، لتتضح حجة النصر العزيز والفتح المبين ذي القوّة المتين محكمة الآية، وتدل بداية هذه الدولة الرافعة لمعالم الدين، المؤيّدة في الأقوال والأفعال بمدد الرّوح الأمين، على شرف النّهاية.
أصدر حكمته وأبرز حكمه، وقرّر حدّه الماضي ورسمه، عبد الله، الغنيّ بالله [محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر] «2» - عضّد الله كتائبه وشدّ عضده، ويسّر في الظهور على أعداء الله قصده- لوليّه المستولي على
(11/10)

ميادين حظوته وإيثاره، الفائز بالقدح المعلّى «1» من إجلاله وإكباره، ظهير استنصاره، وسيف جهاده المعدّ لصدق ضريبته ويوم افتخاره، ويعسوب قبائل الغزاة بأصقاعه الجهاديّة وأقطاره، الأمير أبي عبد الرحمن، ابن الأمير أبي عليّ، ابن السلطان أمير المسلمين أبي سعيد، ابن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق- وصل الله له أسباب سعده، وأنجز للمسلمين بمظاهرته إيّاه على الكافرين سابق وعده، لمّا وفد على بابه الكريم مؤثرا على ما كان بسبيله عن جواره «2» ، ملقيا بمحلّة الجهاد عصا تسياره، مفضّلا ما عند الله على رحب أوطانه وأقطاره، شيمة من أسرع إلى خير الآخرة ببداره، قبل اكتمال هلاله وإبداره، وعلى انبعاث أمله وترامي هممه واستقامة مداره- قابل، أيده الله، وفادته بالقبول الممدوح، والصّدر المشروح، والعناية العالية المظاهر والصّروح، وجعل له الشّرب المهنّى في مناهل الصنائع التي صنع الله لملكه والفتوح، ولم يدّخر عنه تقريبا يقف الأولياء دون مداه، وترفيعا تشهد به محافل الملك ومنتداه، إلى أن ظفرت بحقيقة الموالاة الكريمة يداه، ثم استظهر به على أعداء الله وعداه، فوفّى النّصح لله وأدّاه، وأضمره وأبداه، وتحلّى بالبسالة والجلالة والطّهارة، اللائقة بمنصب الإمارة في رواحه ومغداه، حتّى اتفقت الأهواء على فضله وعفافه، وكمال أوصافه وظهرت عليه مخايل أسلافه. ثم رأى الآن- سدّد الله رأيه، وشكر عن الإسلام والمسلمين سعيه- أن يوفد ركائب الاعتقاد الجميل على جنابه، ويفسّح ميدان الاستظهار بحسن منابه، ويصل أسبابه بأسبابه، ويضاعف بولائه الصادق اهتمامه، ويقيمه في قود عساكره لجهاد البرّ مقامه، فأضفى ملابس ودّه عليه وجعله فاتح أبواب الجنة بفضل الله بين يديه، وأجراه مجرى عضده الذي تصدق عنه الضريبة في المجال، وسيفه الذي يفرّج به مضايق الأهوال، ونصبه للقبائل الجهادية قبلة في مناصحة الله ومناصحة
(11/11)

مشروعه، وراية سعيدة في مظاهرة متبوعه، وعقد له الولاية الجهاديّة التي لا تعدل بولاية، ولا توازن عناية المعتمد بها بعناية، يشهد بصراحة نسبها الدين، وتتحلّى بحلى غرّتها الميادين. فالجهاد في سبيل الله نحلة نبي الأمّة، ومن بعده من الأيمّة، لا سيّما في هذا القطر المتأكّد فيه ذلك لأولي الدّين والهمّة.
فليتولّ ذلك تولّي مثله وإن قلّ وجود مثله، جاريا على سنن مجده وفضله، سائرا من رضا الله على أوضح سبله، معتمدا عليه في الأمر كلّه.
وليعلم أن الذي يخلق ما يشاء ويختار قد هيّأ له من أمره رشدا، وسلك به طريقا سددا «1» ، واستعمله اليوم فيما يحظيه غدا، وجعل حظّه الذي عوّضه نورا وهدى، وأبعد له في الصالحات مدى- ولينظر فيما لديه من القبائل الموفورة، والجموع المؤيّدة المنصورة، نظرا يزيح العلل، ويبلّغ الأمل، ويرعى الهمل «2» ، ويحسن القول وينجح العمل، منبّها على أهل الغناء والاستحقاق، مستدرّا للعوائد والأرزاق، معرّفا بالغرباء الواردين من الآفاق، مطبقا منهم للطباق، متغمّدا للهفوات بحسن الأخلاق، مستجيدا للأسلحة والكراع «3» ، مبادرا هيعات «4» الصّريخ بالإسراع، مسترعيا للمشورة التي يقع الحكم فيها عن حصول الإجماع، رفيقا بمن ضعف عن طول الباع، محتاطا على الإسلام في مواقف الدّفاع، مقدما عند اتّجاه الأطماع، صابرا في المضايق على القراع، متقدّما للأبطال بالاصطناع، مقابلا نصائح أولي الخبرة بحسن الاستماع، مستعملا في الحروب ما أجازه الشرع من وجوه الخداع حتّى يكون عمله وفق شهرته البعيدة المطار، وسيرته فيما أسند إليه مثلا في الأقطار، واستقامة التدبير على يديه ذريعة إلى إرغام أنوف الكفّار، بقوّة الله وحوله وعزّته وطوله.
(11/12)

وعلى الغزاة بالحضرة العليّة، وسائر البلاد النّصرية، ومن بني مرين وسائر القبائل المجاهدين، أن يعرفوا قدره، ويمتثلوا في مرضاتنا أمره، ويكونوا معه روحا ويدا وجسدا، وساعدا وعضدا؛ فبذلك يشمله من الله ومن مقامنا الرضا والقبول، والعزّ الموصول، ويمضي في عدوّ الله النّصول، ويتأتّى على خير الدنيا والآخرة الحصول، إن شاء الله. ومن وقف عليه، فليعرف ما لديه، بحول الله تعالى.
وهذه نسخة ظهير بالتّقدمة على الطبقة الأولى من المجاهدين، لولد السلطان، وهي:
هذا ظهير كريم، فاتح بنشر الألوية والبنود، وقود العساكر والجنود، وأجال في ميدان الوجود، جياد البأس والجود، وأضفى ستر الحماية والوقاية بالتّهائم والنّجود «1» ، على الطائفين والعاكفين والرّكّع السّجود- عقد للمعتمد به عقد التشريف والقدر المنيف زاكي الشّهود، وأوجب المنافسة بين مجالس السّروج ومضاجع المهود، وبشّر السيوف في الغمود، وأنشأ ريح النصر آمنة من الخمود، أمضى أحكامه، وأنهد العزّ أمامه، وفتّح عن زهر السّرور والحبور أكمامه، أمير المسلمين عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج يوسف ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد فرج بن نصر- أيد الله أمره، وخلّد ذكره- لكبير ولده، وسابق أمده، وريحانة خلده، وياقوتة الملك على يده، الأمير الكبير، الطاهر الظاهر، الأعلى، واسطة السلك، وهلال سماء الملك، ومصباح الظّلم الحلك، ومظنّة العناية الإلهيّة من مدبّر الفلك ومجرى الفلك، عنوان سعده، وحسام نصره وعضده، وسميّ جدّه، وسلالة فضله ومجده، السعيد المظفّر، الهمام، الأعلى، الأمضى، العالم، العادل، العامل، الأرضى المجاهد، المؤمّل، المعظم، أبي الحجاج يوسف- ألبسه الله من رضاه عنه
(11/13)

حللا لا تخلق جدّتها الأيام، ولا تبلغ كنهها الأفهام؛ وبلغه في خدمه المبالغ التي يسرّ بها الإسلام، وتسبح في البحار صنائعها الأقلام، وحرس معاليه الباهرة بعينه التي لا تنام، وكنفه بركنه الذي لا يضام- فهو الفرع الذي جرى بخصله على أصله، وارتسم نصره في نصله، واشتمل جدّه على فضله، وشهدت ألسن خلاله، برفعة جلاله، وظهرت دلائل سعادته، في بدء كل أمر وإعادته.
ولمّا صرف وجهه إلى ترشيحه لافتراع هضاب المجد البعيد المدى، وتوشيحه بالصّبر والحلم والبأس والنّدى، وأرهف منه سيفا من سيوف الله لضرب هام العدا، وأطلعه في سماء الملك بدر هدى، لمن راح وغدا، وأخذه بالآداب التي تقيم من النفوس أودا، وتبذر في اليوم فتجنى غدا، ورقّاه في رتب المعالي طورا فطورا، ترقّي النبات ورقا ونورا؛ ليجده بحول الله يدا باطشة على أعدائه، ولسانه مجيبا عند ندائه، وطرازا على حلّة عليائه، وغماما من غمائم آلائه، وكوكبا وهّاجا بسمائه، وعقد له لواء الجهاد على الكتيبة الأندلسية من جنده، قبل أن ينتقل من مهده، وظلّله بجناح رايته، وهو على كتد «1» دايته، واستركب جيش الإسلام ترحيبا بوفادته، وتنويها بمجادته، وأثبت في غرض الإمارة النصرية سهم سعادته- رأى أن يزيده من عنايته ضروبا وأجناسها، ويتبع أثره ناسا فناسا، قد اختلفوا لسانا ولباسا، واتفقوا ابتغاء لمرضاة الله والتماسا، ممّن كرم انتماؤه، وازّينت بالحسب الغر «2» سماؤه، وعرف غناؤه، وتأسّس على المجادة بناؤه، حتّى لا يدع من العناية فنّا إلا جلبه إليه، ولا مقادة فخر إلا جعلها في يديه، ولا حلّة عز إلا أضفى ملابسها عليه.
وكان جيش الإسلام في هذه البلاد الأندليسة- أمّن الله خلالها، وسكّن زلزالها، وصدّق في رحمة الله التي وسعت كل شيء آمالها- كلف همّته، ومرعى
(11/14)

أذمّته، وميدان جياده، ومتعلّق أمد جهاده، ومعراج إرادته، إلى تحصيل سعادته، وسبيل خلاله، إلى بلوغ كماله؛ فلم يدع له علّة إلا أزاحها، ولا طلبة إلا أجال قداحها، ولا عزيمة إلا أورى اقتداحها، ولا رغبة إلا فسّح ساحها، آخذا مروءته بالتهذيب، ومصافّة بالترتيب، وآماله بالتقريب، وتأنيس المريب، مستنجزا له وبه وعد النصر العزيز والفتح القريب، ورفع عنه لهذا العهد نظر من حكم الأغراض في حماته، واستشعر عروق الحسائف «1» لشريف كماته، واشتغل عن حسن الوساطة لهم بمصلحة ذاته، وجلب جباته، وتثمير ماله وتوفير أقواته، ذاهبا أقصى مذاهب التعمير بأمد حياته؛ فانفرج الضّيق، وخلص إلى حسن نظره الطريق، وساغ الرّيق، ورضي الفريق.
رأى- والله الكفيل بنجح رأيه، وشكر سعيه، وصلة حفظه ورعيه- أن يحمد لهم اختياره، ويحسن لديهم آثاره، ويستنيب فيما بينه وبين سيوف جهاده، وأبطال جلاده، وحماة أحوازه، وآلات اعتزازه، من يجري مجرى نفسه النفيسة في كل معنى، ومن يكون له لفظ الولاية وله- أيده الله- المعنى، فقدّمة على الجماعة الأولى كبرى الكتائب، ومقاد الجنائب «2» ، وأجمة الأبطال، ومزنة الودق «3» الهطّال، المشتملة من الغزاة على مشيخة آل يعقوب نسباء الملوك الكرام، وأعلام الإسلام، وسائر قبائل بني مرين، ليوث العرين، وغيرهم من أصناف القبائل، وأولي الوسائل، ليحوط جماعتهم، ويرفع بتفقّده إضاعتهم، ويستخلص لله ولأبيه- أيده الله- طاعتهم، ويشرّف بإمارته مواكبهم، ويزيّن بهلاله الناهض إلى الإبرار، على فلك سعادة الأقدار، كواكبهم، تقديما أشرق له وجه الدّين الحنيف وتهلّل، وأحسّ باقتراب ما أمّل؛ فللخيل اختيال ومراح،
(11/15)

وللأسل «1» السّمر اهتزاز وارتياح، وللصّدور انشراح، وللأمل مغدى في فضل الله ومراح.
فليتولّ ذلك- أسعده الله- تولّي مثله ممن أسرّة الملك أسرّته، وأسرة النبي صلّى الله عليه وسلّم أسرته، والملك الكريم أصل لفرعه، والنسب العربيّ مفخر «2» لطيب طبعه، آخذا أشرافهم بترفيع المجالس بنسبة أقدارهم، مقرّبا حسن اللقاء بإيثارهم، شاكرا غناءهم، مستديما ثناءهم، مستدرا لأرزاقهم، موجبا للمزيّة بحسب استحقاقهم، شافعا لديه في رغباتهم المؤمّلة، ووسائلهم المتحمّلة، مسهلا الإذن لوفودهم المتلاحقة، منفّقا لبضائعهم النافقة، مؤنسا لغربائهم، مستجليا أحوال أهليهم وآبائهم، مميزا بين أغفالهم ونبهائهم.
وعلى جماعتهم- رعى الله جهادهم، ووفّر أعدادهم- أن يطيعوه في طاعة الله وطاعة أبيه، ويكونوا يدا واحدة على دفاع أعادي الله وأعاديه، ويشدّوا في المواقف الكريهة أزره، ويمتثلوا نهيه وأمره، حتّى يعظم الانتفاع، ويثمر الدّفاع، ويخلص القصد لله والمطاع؛ فلو وجد- أيده الله- غاية في تشريفهم لبلّغها، أو موهبة لسوّغها؛ لكن ما بعد ولده العزيز عليه مذهب، ولا وراء مباشرتهم بنفسه مرغب؛ والله منجح الأعمال، ومبلّغ الآمال، والكفيل بسعادة المال.
فمن وقف على هذا الظّهير الكريم فليعلم مقدار ما تضمّنه من أمر مطاع، وفخر مستند إلى إجماع، ووجوب اتّباع، وليكن خير مرعيّ لخير راع، بحول الله.
وأقطعه- أيده الله- ليكون بعض المدد لأزواد سفره، وسماط قفره، في جملة ما أولاه من نعمه، وسوّغه من موادّ كرمه- جميع القرية المنسوبة إلى عرب
(11/16)

غسّان: وهي المحلة الأثيرة، والمنزلة الشهيرة، تنطلق عليها أيدي خدّامه ورجاله، جارية مجرى صالح ماله، محرّرة من كل وظيف لاستغلاله، إن شاء الله فهو المستعان سبحانه، وكتب في كذا.
وهذه نسخة ظهير لمشيخة الغزاة بمدينة مالقة «1» ، وهو:
هذا ظهير كريم أطلع الرّضا والقبول صباحا، وأنشأ للعناية في جوّ الوجود، من بعد الرّكود، رياحا، وأوسع العيون قرّة [وإبصارا] «2» والصّدور انشراحا، وهيّأ للمعتمد به مغدى في السعادة ومراحا، وهزّ منه سيفا عتيقا يفوق اختيارا ويروق التماحا، وولّاه رياسة الجهاد في القطر الذي تقدّمت الولاية فيه لسلفه فنال عزّا شهيرا وازداد فخرا صراحا، وكان [له] «3» ذلك إلى أبواب السعادة مفتاحا.
أمر به وأمضاه، وأوجب العمل بحسبه ومقتضاه، الأمير عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين، والمجاهد في سبيل رب العالمين، أبي الحجّاج [يوسف] «4» ابن مولانا أمير المسلمين، أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر- أيد الله أمره وأعز نصره، وأسعد زمانه وعصره- لوليه في الله الذي كساه مولاه من جميل اعتقاده حللا، وأورده من عذب رضاه منهلا، وعرّفه عوارف قبوله مفصّلا خطابها ومجملا، الشيخ أبي العلا، إدريس، ابن الشيخ أبي سعيد عثمان، بن أبى العلا، وصل الله أسباب سعادته، وحرس عليّ «5» مجادته، وأجراه من ترفيع المكانة لديه على [أحمد عادة سلفه] «6» وعادته.
ولمّا كان له القدر الجليل، والمجد الأثيل، والذكر الجميل، والفضائل
(11/17)

التي كرم منها الإجمال والتفصيل، وأحرز قصب السّبق بذاته وسلفه إذا ذكر المجد العريض الطويل، وكان قد أعمل الرّحلة إليه يحدوه إلى خدمته التأميل، ويهوي به الحبّ الذي وضح منه السبيل، وعاق عنه الواقع الذي تبيّن فيه عذره الجميل، ثم خلّصه الله من ملكة الكفر الخلاص الذي قام به على عنايته الدليل- قابله بالقبول والإقبال، وفسّح له ميدان الرضا رحب المجال، وصرف إليه وجه الاعتداد بمضائه رائق الجمال، سافرا عن بلوغ الآمال، وآواه من خدمته إلى ربوة متّسعة الأرجاء وارفة الظّلال، وقطع عنه الأطماع بمقتضى همته البعيدة المنال؛ ثم رأى- والله ينجح رأيه، ويشكر في سبيل الله عن الجهاد سعيه- أن يستظهر بمضائه، ويرسل عليه عوارف آلائه، ويعمر به رتب آبائه، فقدّمه- أعلى الله قدمه، وشكر [آلاءه] «1» ونعمه- شيخ الغزاة والمجاهدين، وكبير أولي الدّفاع عن الدين؛ بمدينة (مالقة) حرسها الله أخت حضرة [دار] «2» ملكه، وثانية الدّرّة الثمينة من سلكه، ودار سلفه وقرارة مجده، والأفق الذي تألّق منه نور سعده، راجعا إليه نظر القواعد الغربية رندة وركوان «3» وما إليه رجوع الاستغلال والاستيراد، والعزّ الفسيح المجال البعيد الآماد، يقود جميعها إلى الجهاد، عاملا على شاكلة مجده في الإصدار والإيراد، حتّى يظهر على تلك الجهات المباركة آثار الحماية والبسالة، ويعود لها عهد المجادة والجلالة، وتتزيّن ملابس الإيالة. وهو يعمل في ذلك الأعمال التي تليق بالمجد الكريم، والحسب الصميم، حتّى ينمو عدد الحماة، ويكفّ البأس أكفّ الغزاة ويعظم أثر الأبطال الكماة؛ وتظهر ثمرة الاختيار، ويشمل الأمن جميع الأقطار، وتنحسم عنه أطماع الكفّار؛ وعلى من يقف عليه من الفرسان- وفّر الله أعدادهم، وأعزّ
(11/18)

جهادهم- أن يكونوا ممتثلين في الجهاد لأمره، عارفين بقدره، ممضين فيما ذكر لحكمه، واقفين عند حدّه ورسمه؛ وعلى من سواهم من الرعايا والخدّام، والولاة والحكّام، أن يعرفوا قدر هذا الاعتناء الواضح الأحكام، والبرّ المشرق القسام، فيعاملوه بمقتضى الإجلال والإكرام، والترفيع والإعظام. على هذا يعتمد، وبحسبه يعمل، بحول الله وقوّته.
الضرب الثاني (من ظهائر بلاد المغرب ما يكتب لأرباب الوظائف الدينية من أصحاب الأقلام)
وهذه نسخة ظهير بقضاء الجماعة «1» بالحضرة، وهو:
هذا ظهير كريم أنتج مطلوب الاختيار قياسه، ودلّ على ما يرضي الله عز وجل التماسه، وأطلع نور العناية يجلو الظلام نبراسه، واعتمد بمثابة العدل من عرف بافتراع هضبتها باسه، وألقى بيد المعتمد به زمام الاعتقاد الجميل تروق أنواعه وأجناسه، وشيّد مبنى العز الرفيع في قنّة الحسب المنيع، وكيف لا والله بانيه والمجد أساسه.
أمر به، وأمضى العمل بمقتضاه وحسبه، أمير المسلمين أبو الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر- أيد الله أمره، وخلد فخره- لقاضي
(11/19)

حضرته العلية، وخطيب حمرائه «1» السنيّة، المخصوص لديه بترفيع المزيّة، المصروف إليه خطاب القضاة بإيالته النّصريّة، قاضي الجماعة، ومصرّف الأحكام الشرعية المطاعة، الشيخ أبي الحسن ابن الشيخ أبي محمد بن الحسن وصل الله سعادته، وحرس مجادته، وسنّى من فضله إرادته، عصّب منه جبين المجد بتاج الولاية، وأجال قداح الاختيار حتّى بلغ الغاية وتجاوز النهاية، فألقى منه بيمين عرابة «2» الراية، وأحلّه منه محلّ اللفظ من المعنى والإعجاز من الآية، وحشر إلى مراعاة ترفيعه وجوه البرّ وأعيان العناية، وأنطق بتبجيله، ألسن أهل جيله، بين الإفصاح والكنايه.
ولما كان له الحسب الذي شهدت به ورقات الدّواوين، والأصالة التي قامت عليها صحاح البراهين، والآباء الذين اعتزّ بمضاء قضاتهم الدّين، وطبّق «3» مفاصل الحكم بسيوفهم الحقّ المبين، وازدان بمجالسة وزرائهم السلاطين: فمن فارس حكم أو حكيم تدبير، أو قاض في الأمور الشرعية ووزير، أو جامع بينهما جمع سلامة لا جمع تكسير؛ تعدّد ذلك واطّرد، ووجد مشرع المجد عذبا فورد، وقصّرت النظراء عن مداه فانفرد، وفرى الفرى في يد الشّرع فأشبه السيف الفرند «4» ، وجاء في أعقابهم محييا لما درس، بما حقّق
(11/20)

ودرس؛ جانيا لما بذر السلف المبارك واغترس، طاهر النّشأة وقورها، محمود السّجيّة مشكورها، متحلّيا بالسّكينة، حالّا من النّزاهة بالمكانة المكينة، ساحبا أذيال الصّون، بعيدا عن الاتصاف بالفساد من لدن الكون، فخطبته الخطط العليّة، واغتبطت به المجادة الأوّليّة، واستعملته دولته التي ترتاد أهل الفضائل للرّتب، وتستظهر على المناصب بأبناء التّقى والحسب، والفضل والمجد والأدب، ممن يجمع بين الطارف والتالد والإرث والمكتسب؛ فكان معدودا من عدول قضاتها وصدور نبهائها، وأعيان وزرائها، وأولي آرائها.
فلمّا زان الله خلافته بالتمحيص، المتجلّي عن التخصيص، وخلص ملكه الأصيل كالذهب الإبريز من بعد التخليص، كان ممن صحب ركابه الطالب للحق بسيف الحق، وسلك في مظاهرته أوضح الطّرق، وجادل من حادّه بأمضى من الحداد الذّلق، واشتهر خبر وفائه بالغرب والشّرق، وصلّى به صلاة السفر والحضر، والأمن والحذر، وخطب به في الأماكن التي بعد بذكر الله عهدها، وخاطب عنه- أيده الله- المخاطبات التي حمد قصدها، حتّى استقلّ ملكه فوق سريره، وابتهج منه الإسلام بأميره وابن أميره، ونزل السّتر على العباد والبلاد ببركة إيالته ويمن تدبيره، وكان الجليس المقرّب المحلّ، والحظيّ المشاور في العقد والحلّ، والرسول المؤتمن على الأسرار، والأمين على الوظائف الكبار، مزيّن المجلس السلطانيّ بالوقار، ومتحف الملك بغريب الأخبار، وخطيب منبره العالي في الجمعات، وقاريء الحديث لديه في المجتمعات.
ثم رأى- أيده الله- أن يشرك رعيته في نفعه، ويصرف عوامل الحظوة إلى مزيد رفعه، ويجلسه مجلس الشارع صلوات الله وسلامه عليه لإيضاح شرعه، وأصله الوثيق وفرعه؛ وقدّمه- أعلى الله قدمه، وشكر آلاءه ونعمه- قاضيا في الأمور الشرعية، وفاصلا في القضايا الدينية، بحضرة غرناطة [العلية] «1» حرسها
(11/21)

الله تقديم الاختيار والانتقاء، وأبقى له فخر السّلف على الخلف والله يمتّعه بطول البقاء.
فليتولّ ذلك عادلا في الحكم، مهتديا بنور العلم، مسوّيا بين الخصوم حتّى في لحظه والتفاته، متصفا من الحلم بأفضل صفاته، مهيبا بالدّين، رؤوفا بالمؤمنين، مسجّلا للحقوق، غير مبال في رضا الخالق بسخط المخلوق، جزلا في الأحكام، مجتهدا في الفصل بأمضى حسام، مراقبا لله عزّ وجلّ في النّقض والإبرام، بارّا بمشيخة أهل التوثيق، عادلا إلى سعة الأقوال عند المضيق، سائرا من مشهور المذهب «1» على أهدى طريق. وأوصاه بالمشورة التي تقدح زناد التوفيق، والتثبت حتّى ينبلج قياس التحقيق، وصيّة أصدرها له مصدر الذّكرى التي تنفع، ويعلي الله بها الدرجات ويرفع، وإلا فهو عن الوصاة غنيّ، وقصده قصد سنيّ، والله عز وجل وليّ إعانته، والكفيل بحفظه من الشّبهات وصيانته.
[وأمره- أيده الله- أن ينظر في الأحباس «2» على اختلافها، والأوقاف على شتّى أصنافها] «3» واليتامى التي انسدلت كفالة القضاة على ضعافها؛ فيذود عنها طوارق الخلل، ويجري أمورها بما يتكفّل لها بالأمل.
وليعلم أن الله عز وجل يراه، وأن فلتات الحكم تعاوده المراجعة في أخراه، فيدّرع جنّة تقواه، فسبحان من يقول: إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ
«4»
(11/22)

فعلى من يقف عليه أن يعرف حقّ هذا الإجلال، صائنا منصبه عن الإخلال، مبادرا أمره الواجب بالامتثال، بحول الله.
وكتب في الثالث من شهر الله المحرّم فاتح عام أربعة وستّين وسبعمائة؛ عرّف الله فيه هذا المقام العليّ عوارف النصر المبين والفتح القريب، بمنّه وكرمه، فهو المستعان لا رب غيره.
وهذه نسخة ظهير بقضاء الجماعة بالحضرة أيضا، وهو:
هذا ظهير كريم أعلى رتبة الاحتفاء [والاحتفال] اختيارا واختبارا، وأظهر معاني الكرامة والتخصيص انتقاء واصطفاء وإيثارا، ورفع لواء الجلالة على من اشتمل عليها حقيقة واعتبارا، ورقّى في درجات العز من طاولها علاء بهر أنوارا، ودينا كرم في الصالحات آثارا، وزكا في الأصالة نجارا، وخلوصا إلى هذا المقام العليّ السعيد راق إظهارا وإضمارا، أمر به وأمضاه، وأنفذ العمل بحكمه ومقتضاه، فلان للشيخ القاضي، العدل، الأرضى، قاضي الجماعة وخطيب الحضرة العلية، المخصوص لدى المقام العليّ بالحظوة السنيّة والمكانة الحفيّه، الفاضل، الحافل، الكامل، الموقّر، المبرور أبي الحسن ابن الشيخ الفقيه، الوزير، الأجل، الأعزّ، الماجد، الأسنى، المرفّع، الأحفل، الأصلح، المبارك، الأكمل، الموقّر، المبرور، المرحوم أبي محمد بن الحسن- وصل الله عزّته، ووالى رفعته ومبرّته، ووهب له من صلة العناية الربّانية أمله وبغيته- لمّا أصبح في صدور القضاة العلماء مشارا إلى جلاله، مستندا إلى معارفه المخصوصة بكماله، مطرّزا على الإفادة العلمية والأدبيّة بمحاسنه البديعة وخصاله، محفوفا مقعد الحكم النبويّ ببركة عدالته وفضل جلاله، وحلّ في هذه الحضرة العلية المحلّ الذي لا يرقاه إلّا عين الأعيان، ولا يتبوّء مهاده إلا مثله من أبناء المجد الثابت الأركان، وموالي العلم الواضح البرهان، والمبرّزين بالمآثر العليّة في الحسن والإحسان، وتصدّر لقضاء الجماعة فصدرت عنه
(11/23)

الأحكام الراجحة الميزان، والأنظار الحسنة الأثر والعيان، والمقاصد التي وفت بالغاية التي لا تستطاع في هذا الميدان؛ فكم من قضيّة جلا بمعارفه مشكلها، ونازلة مبهمة فتح بإدراكه مقفلها، ومسألة مهملة عرّف نكرتها وقرّر مهملها، حتّى قرّت بعدالته وجزالته العيون، وصدقت فيه الآمال الناجحة والظّنون، وكان في تصديره لهذه الولاية العظمى من الخير والخيرة ما عسى أن يكون- كان أحقّ بالتشفيع لولاياته وأولى، وأجدر بمضاعفة النّعم التي لا تزال تترادف على قدره الأعلى.
فلذلك أصدر له- أيده الله- هذا الظهير الكريم مشيرا بالترفيع والتنويه، ومؤكّدا للاحتفاء الوجيه، وقدّمه- أعلى الله قدمه، وشكر نعمه- خطيبا بالجامع الأعظم [من حضرته] «1» - عمره الله بذكره- من علية الخطباء، وكبار العلماء، وخيار الفقهاء الصّلحاء؛ فليتولّ ذلك في جمعاته، مظهرا في الخطبة أثر بركته وحسناته، عاملا على ما يقرّبه عند الله من مرضاته، ويظفره بجزيل مثوباته، بحول الله وقوّته.
الضرب الثالث (ما يكتب لأرباب الوظائف الديوانية)
وهذه نسخة ظهير بالقلم الأعلى المعبّر عنه في بلادنا بكتابه السر؛ وهي:
هذا ظهير كريم نصب للمعتمد به الإنافة «2» الكبرى ببابه فرفعه، وأفرد له متلوّ العز جمعه ووتره وشفعه، وقرّبه في بساط الملك تقريبا [أرغم به أنف عداه ووضعه] «3» ، وفتح له باب السعادة وشرعه، وأعطاه لواء القلم الأعلى فوجب على من دون رتبته، من أولي صنعته، أن يتّبعه، ورعى له وسيلته السابقة عند
(11/24)

استخلاص الملك لمّا ابتزّه الله من يد الغاصب وانتزعه؛ وحسبك من ذمام لا يحتاج إلى شيء معه.
أمر به الأمير فلان لفلان- وصل الله سعادته، وحرس مجادته- أطلع له وجه العناية أبهى من الصبح الوسيم، وأقطعه جناب الإنعام الجميم، وأنشقه أرج الحظوة عاطر النسيم، ونقله من كرسيّ التدريس والتعليم، إلى مرقى التّنويه والتكريم، والرتبة الّتي لا يلقّاها إلا ذو حظّ عظيم، وجعل أقلامه جيادا لإجالة أمره العليّ وخطابه السنيّ، في ميادين الأقاليم، ووضع في يده أمانة القلم الأعلى، جاريا من الطريقة المثلى على النّهج القويم، واختصه بمزيّة الشّفوف على كتّاب بابه الكريم. لمّا كان ناهض الوكر في طلبة حضرته من البداية، ولم يزل تظهر عليه لأولي التمييز مخايل هذه العناية: فإن حضر حلق العلم جلّى في حلبة الحفّاظ إلى الغاية، وإن نظم أو نثر أتى بالقصائد المصقولة، والمخاطبات المنقولة، فاشتهر في بلده وغير بلده، وصارت أزمّة العناية طوع يده، بما أوجب له المزيّة في يومه وغده.
وحين ردّ الله عليه ملكه الذي جبر به جناح الإسلام، وزيّن وجوه الليالي والأيّام، وأدال الضّياء من الظلام، وكان ممّن وسمه الوفاء وشهره، وعجم الملك عود خلوصه وخبره، فحمد أثره، وشكر ظاهره ومضمره، واستصحب عليّ ركابه الذي صحب اليمن سفره، وأخلصت الحقيقة نفره، وكفل الله ورده وصدره، ميمون النّقيبة، حسن الضّريبة، خالصا في الأحوال المريبة، ناطقا عن مقامه بالمخاطبات العجيبة، واصلا إلى المعاني البعيدة بالعبارات القريبة، مبرّزا بالخدم الغريبة، حتّى استقام العماد، ونطق بصدق الطاعة الحيّ والجماد، ودخلت في دين الله أفواجا العباد والبلاد، لله الحمد على نعمه الثّرّة العهاد، وآلائه المتوالية التّرداد، رعى له- أيّده الله- هذه الوسائل وهو أحقّ من يرعاها، وشكر له الخدم المشكور مسعاها، فقصر عليه الرّتبة الشّمّاء التي خطبها بوفائه، وألبسه أثواب اعتنائه، وفسّح له مجال آلائه، وقدّمه- أعلى الله قدمه، وشكر نعمه- كاتب السّرّ، وأمير النهي والأمر، تقديم الاختبار، والاغتباط بخدمته
(11/25)

الحسنة الآثار، والتيمّن باستخدامه قبل الحلول بدار الملك والاستقرار، وغير ذلك من موجبات الإيثار.
فليتولّ ذلك عارفا بمقداره، مقتفيا لآثاره، مستعينا بالكتم لأسراره، والاضطلاع بعظام أموره وكباره، متّصفا بما يجمل من أمانته وعفافه ووقاره، معطيا هذا الرسم حقّه من الرّياسة، عارفا بأنه أكبر أركان السّياسة، حتّى يتأكّد الاغتباط بتقريبه وإدنائه،، وتتوفّر أسباب الزّيادة في إعلائه؛ وهو- إن شاء الله- غنيّ عن الوصاة فهما ثاقبا، وأدبا لعيون الكمال مراقبا، فهو يعمل في ذلك أقصى العمل، المتكفّل ببلوغ الأمل.
وعلى من يقف عليه: من حملة الأقلام، والكتّاب الأعلام، وغيرهم من الكافّة والخدّام، أن يعرفوا قدر هذه العناية الواضحة الأحكام، والتقديم الراسخ الأقدام؛ ويوجبوا ما أوجب من البرّ والإكرام، والإجلال والإعظام، بحول الله وقوّته؛ وكتب في كذا.
الطرف الثالث (في مصطلح كتّاب الديار المصرية فيما قبل الخلفاء الفاطميين وفيما بعدهم إلى زماننا)
وفيه أربع حالات:
الحالة الأولى- ما كان عليه أمر نوّاب الخلفاء بهذه المملكة إلى ابتداء الدولة الطّولونيّة «1»
ولم يكن لديوان الإنشاء بالديار المصرية في هذه المدّة صرف عناية، تقاصرا عن التشبّه بديوان الخلافة، إذ كانت الخلافة يومئذ في غاية العزّ ورفعة السلطان، ونيابة مصر بل سائر النيابات مضمحلّة في جانبها، والولايات الصادرة
(11/26)

عن النوّاب في نياباتهم متصاغرة متضائلة بالنسبة إلى ما يصدر من أبواب الخلافة من الولايات، فلذلك لم يقع مما كتب منها ما تتوفّر الدواعي على نقله ولا تنصرف الهمم لتدوينه مع تطاول الأيام وتوالي اللّيالي.
الحالة الثانية- ما كان عليه أمر الدولة الطّولونيّة من حين قيام دولتهم إلى انقراض الدولة الأخشيديّة «1»
وقد تقدّم أن أحمد بن طولون أوّل من أخذ في ترتيب الملك وإقامة شعار السلطنة بالديار المصرية. ولما شمخ سلطانه، وارتفع بها شانه أخذ في ترتيب ديوان الإنشاء لما يحتاج إليه في المكاتبات والولايات، فاستكتب ابن عبد كان «2» ، فأقام منار ديوان الإنشاء ورفع مقداره؛ وكان يفتتح ما يكتبه عنه في الولايات بلفظ «إنّ أولى كذا» أو «إن أحقّ كذا» وما أشبه ذلك.
وهذه نسخة عهد كتب به ابن عبد كان عن أحمد بن طولون بقضاء برقة «3» ترشد إلى ما عداها من ذلك وهي:
إنّ أحقّ من آثر الحقّ وعمل به، وراقب الله في سرّ أمره وجهره، واحترس من الزّيغ والزّلل في قوله وفعله، وعمل لمعاده ورجعته، إلى دار فاقته وفقره ومسكنته، من جعل بين المسلمين حاكما، وفي أمورهم ناظرا: [فأراق] «4» الدماء وحقنها، وأحلّ الفروج وحرّمها، وأعطى الحقوق وأخذها، ومن علم أنّ الله تبارك وتعالى سائله عن مثقال الذّرّة من عمله، وأنه إنما يتقلّب في قبضته، أيام
(11/27)

مدّته، ثم يخرج من دنياه كخروجه من بطن أمّه، إما سعيدا بعمله وإما شقيّا بسعيه.
وإنّا- لما وقفنا عليه من سديد مذهبك وقويم طريقتك، وجميل هديك وحسن سيرتك، ورجوناه فيك، وقرّرناه عندك: من سلوك الطريقة المثلى، واقتفاء آثار أئمة الهدى، والعمل بالحق لا بالهوى- رأينا تقليدك القضاء بين أهل ثغر برقة، وأمرناك بتقوى الله الذي لا يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب، وبطاعته التي من آثرها سعد، ومن عمل بها حمد، ومن لزمها نجا، ومن فارقها هوى- وأن تواصل الجلوس لمن بحضرتك من الخصوم: صابرا بنفسك على تنازعهم في الحقوق، وتدافعهم في الأمور، غير برم بالمراجعات، ولا ضجر بالمحاكمات: فإنّ من حاول إصابة فصل القضاء، وموافقة حقيقة الحكم بغير مادّة من حلم، ولا معونة من صبر، ولا سهمة من كظم، لم يكن خليقا بالظّفر بهما، ولا حقيقا بالدّرك لهما- وأن تقسم بين الخصمين إذا تقدّما إليك، وجلسا بين يديك، في لحظك ولفظك، وتوفّي كلّ واحد منهما قسمه من إنصافك وعدلك، حتّى ييأس القويّ من ميلك، ويأمن الضعيف من حيفك: فإنّ في إقبالك بنظرك وإصغائك بسمعك إلى أحد الخصمين دون صاحبه ما أضلّ الآخر عن حجّته، وأدخل الحيرة على فكره ورويّته- وأن تحضر مجلس قضائك من يستظهر برأيه، ومن يرجع إلى دين وحجا وتقى: فإن أصبت أيّدك، وإن نسيت ذكّرك- وأن تقتدي في كلّ ما تعمل فيه رويّتك، وتمضي عليه حكمك وقضيّتك، بكتاب الله الذي جعله صراطا مستقيما، ونورا مستبينا، فشرع فيه أحكامه، وبيّن حلاله وحرامه، وأوضح به مشكلات الأمور، فهو شفاء لما في الصّدور.
وما لم يكن في كتاب الله- جل وعز- نصّه فإنّ فيما يؤثر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حكمه؛ وما لم يكن في حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اقتفيت فيه سبيل السّلف الصالح من أئمة الهدى رضي الله عنهم الذين لم يألوا الناس اختبارا، ولا ادّخروهم نصيحة واجتهادا، عالما أنك أسعد بالعدل ممن تعدل عليه، وأحظى بإصابة الحق ممن تصيبه فيه: لما تتعجّله من جميل أحدوثته وذكره، ويذخر لك من عظيم ثوابه
(11/28)

وأجره، ويصرف عنك من حوب «1» ما تتقلّده ووزره- وأن يكون الذين تحكم بشهادتهم [من] «2» أهل الثّقة في أديانهم، والمعروفين بالأمانة في معاملاتهم، والموسومين بالصدق في مقالاتهم، والمشهورين بالتقدّم في عدالاتهم: فإنك جاعلهم بين الله وبينك في [كل] «3» كلام تصدره، وحكم تبرمه؛ وحقيق بأن لا ترضى لنفسك منهم إلا بما يرضى منك؛ وتعلم أن ذلك هو الصدق، وأنك قد أبليت عذرك في تخيّرهم، فإنه يعلم أن ذلك هو الصّدق من نيّتك، والصّحة من يقينك، تحسن عليه معونتك، ويحضرك التوفيق في جميع أقضيتك- وأن يكون من تستعين به على المسألة عن أحوال هؤلاء الشهود ومذاهبهم، وما يعرفون به وينسبون إليه في رحالهم ومساكنهم، أهل الورع والأمانة، والصّدق والصيانة- وأن تجدّد المسألة عنهم في كل مرّة، وتفحص عن خبرهم في كل قضية؛ ثم لا يمنعك وقوفك على سقوط عدالة من تقدّمت بتعديله من استقبال الواجب في مثله، واستعمال الحقّ في أمره- وأن تشرف على أعوانك وأصحابك، ومن تجري أمورك على يديه من خلفائك وأسبابك، إشرافا يمنعهم من الظلم للرعيّة، ويقبض أيديهم عن المآكل الرّديّة، ويدعوهم إلى تقويم أودهم، وإصلاح فاسدهم، ويزيد في بصيرة ذوي الثّقة والأمانة منهم؛ فمن وقفت منه على امتثال لمذهبك، وقبول لأدبك، واقتصار فيما يتقلّده لك، أقررته وأحسنت مكافأته ومثوبته، ومن شممت منه حيفا في حكمه، وتعدّيا في سيرته، وبسطا ليده إلى ما لا يجب له، تقدّمت في صرفه، وألزمته في ذلك ما يلزمه- وأن تختار لكتابتك من تعرف سداد مذهبه، واستقلاله بما يتقلّده، [وإيثاره للتأكد] «4» من صحته، ومن تقدّر عنده تقديما في نصيحتك فيما يجري على يديه، وتوخّيا لصدقك فيما يحضره وتغيب عن مشاهدته؛ فإنك تأمنه من أمر حكمك على ما لا
(11/29)

يؤتمن على مثله إلا الأمين، وتفوّض إليه من حجج الخصوم المرفوعين إليك ما لا يفوّض إلا لذي العفاف والدّين- وأن تتفقد مع ذلك أمره، وتتصفّح عمله، وتشرف على ما تحت يديه بما يؤدّيك إلى إحكامه وضبطه، ويؤمّنك من وقوع خلل فيه- وأن تختار لحجابتك من لا يتجهّم الخصوم، ولا يختصّ بعضها دون بعض بالوصول، وتوعز إليه في بسط الوجه؛ ولين الكنف، وحسن اللفظ، ورفع المؤونة، وكفّ الأذى.
فتقلّد ما قلّدناك من ذلك عاملا بما يحقّ عليك لله جلّ وعزّ ذكره، ومستعينا به في أمرك كلّه: فإنّا قلّدناك جسيما، وحمّلناك عظيما، وتبرّأنا إليك من وزره وإصره، واعتمدنا عليك في توخّي الحقّ وإصابته، وبسط العدل وإفاضته، واقبض لأرزاقك وأرزاق كتّابك وأعوانك ومن يحجبك ولثمن قراطيسك وسائر مؤنك في كل شهر أربعين دينارا، فقد كتبنا إلى عامل الخراج بازاحة ذلك، أوقات استحقاقك إيّاه ووجوبه لك، وإلى عامل المدينة بالشّدّ على يدك، والتقوية لأمرك، وضمّ العدّة التي كانت تضم إلى القضاة من الأولياء إليك، وهما فاعلان ذلك إن شاء الله تعالى.
الحالة الثالثة- ما كان عليه الأمر في زمن بني أيّوب.
وكانوا يسمّون ما يكتب عن ملوكهم من الولايات لأرباب السيوف والأقلام «تقاليد» و «تواقيع» و «مراسيم» وربّما عبّروا عن بعضها ب «المناشير» وهي في الافتتاحات على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى
- أن تفتتح الولاية بخطبة مبتدأة بالحمد لله تعالى ثم يؤتى بالبعديّة، ويذكر ما سنح من حال الولاية والمولّى، ويوصّى المولّى بما يليق بولايته؛ ثم يقال: «وسبيل كلّ واقف عليه من النّواب العمل به» أو نحو ذلك.
وهي على ثلاثة أصناف:
الصنف الأوّل- أرباب السيوف من هذه المرتبة
.
(11/30)

وهذه نسخة توقيع بولاية ناحية وإقطاع بلادها لمتولّيها، وهي:
الحمد لله على عوائده الجميلة وعواطفه، وفوائده الجزيلة وعوارفه، ناصب الحقّ وناصره، وقاصم الباطل وقاصره، ومنير الدين ومديله، ومبير الكفر ومذيله، وشادّ أزر أوليائه وسادّ ثغرهم، وناصر معزّهم ومعزّ نصرهم، الذي أضفى علينا مدارع نعمه، وأصفى لدينا مشارع كرمه، وأعلق أيدينا من العدل بأوكد الأسباب والأمراس، وصرف بنا صرف العسف وكفّ بكفايتنا كفّ البؤس عن الرعيّة والباس، وجلب إلى استجلاب الشكر من الناس همّتنا، وطوى على حبّ البرّ وإبرار المحب طويّتنا، وحسم بما أولاناه من أيد «1» مادّة كلّ يد تمتدّ إلى محظور، ويسّرنا ببساط العدل المطويّ لما طوى بعدلنا بساط الظّلم المنشور، وأبى لنا أن نكفر نعمة أو نهبها لكافر، أو ندع شكر منّة أو نودعها عند غير شاكر.
ولمّا كان الأمير فلان ممن سبقت لجدّه ولأبيه- تعاهد الله بالعهاد مثواهما، وخص بثرّار الرحمة ثراهما- الحرم الأكيدة، والخدم الطريفة والتّليدة، ولم يزالا مجتهدين في تعمير هذا البيت وتشييد أسّه، ملازمي الإدآب «2» في إنمائه وتشديد غرسه، مفضيين بالموالاة إلى مواليه، مفصحين بالمعاداة لمعاديه، رأينا- لا زال الإقبال لارائنا مقابلا ومرافقا، والسعد مساعدا والتوفيق موافقا- أن نلحقه بدرجة أوّليه، ونورده من كرمنا مورد جدّه وأبيه، ونثني إليه عنان عنايتنا، ونرعاه بعين رعايتنا، ونلحفه جناح لطفنا، ونبوّئه مقعد شرف تحت ظلّنا، ونحرس حدّه من الفلول، وجدّه من الخمول، وعوده من الخور، وورده من الكدر، وأن نقرّره على ما بوّأنا فيه والده من الهبات والإنعام، والإفضال والإحسان، وجميع ما دخل تحت اسمه من المعاقل والبلدان، وسيوضّح ذلك بقلم الدّيوان.
(11/31)

فليقابل هذا الإنعام من الشكر بمثله، ويواز هذا الإفضال من حسن القبول بعدله، وليرتبط نعم الله عنده بالشّكر الوافي الوافر، فالسعيد من اطّرح خلّة الشاكي وادّرع حلّة الشاكر؛ وليدمن التحدّث بها، فالتحدّث بالنّعم من الشكر، ويستجذب موادّها بإيضاح سبل البر، ويجعل التقوى شعاره ودثاره، ويخلص الطاعة لله إيراده وإصداره؛ وليكن العدل ربيئته «1» ورائده، والأمر بالمعروف دليله وقائده، وليقم فيما نيط به حقّ القيام، ويشمّر في حفظ ما استرعيناه عن ساق الاهتمام، ويعلم أن منزلته عندنا أسنى المنازل وأعلاها، ومرتبته لدينا أبهج المراتب وأبهاها، ومحلّه عندنا السامي الذي لا يضاهيه سامي، ومكانه المكان الذي ليس له في الممكن أن يفترع علمه سامي؛ فسبيله علم ذلك وتحقيقه، وتيقّنه وتصديقه، وسبيل كلّ واقف على هذا المثال، [أن] «2» يقابله بالامتثال، من سائر العمّال، وأرباب الولايات والأعمال. والاعتماد على العلامة الشريفة في أعلاه، إن شاء الله تعالى.
الصنف الثاني- أرباب الوظائف الدينية.
وهذه نسخة توقيع بتدريس مدرسة والنظر عليها، والتحدّث على أوقافها وسائر تعلّقاتها، وهي:
الحمد لله الظاهر إحسانه، الباهر برهانه، القاهر سلطانه، المتظاهر امتنانه، نحمده على إنعامه حمدا يدوم به من حلب غزارته وحلي نضارته ازدياده وازديانه، ونسأله أن يصلّي على سيدنا محمد نبيّه الشارع الشارح بيانه، وعلى آله وصحبه الذين هم أعضاد شرعه وأركانه.
أما بعد، فإنّا لما نراه من تشييد بيوت ذوي البيوتات، وإمضاء حكم المروءة في أهل المروءات، وإرعاء مواتّ «3» ذوي الحقوق الحقيقة بالمراعاة وإحياء
(11/32)

الموات، وموالاة النّعم الشامل عمومها لأولي الخصوص والخلوص في الموالات، ما نزال نلحق درجات الأخلاف منهم في الاختصاص بالاستخلاص بالأسلاف، فنوردهم من مشارع دولتنا ومشارب نعمتنا في الاصطفاء والاصطناع أعذب النّطاف «1» ، ونجنيهم من مغارس الرجاء، ومجاري النّماء، في الإدناء والاجتباء، ثمرات النّعم الدانية القطاف، ونفيض عليهم من مدارع البهجة والبهاء، وحلل الثّناء والسّناء، في الاكرام، بالاحترام، ما يضفو على الأعطاف.
ولما كان الشيخ فلان متوحّدا بالنسب الأثير الأثيل، والحسب الجليّ الجليل، والمحتد الأكيد الأصيل، والفضل الموروث والمكتسب، والزّكاء في المنتمى والمنتسب، والذّكاء الذي أنارت في أفق التوفيق ذكاؤه «2» ، والولاء الذي بان في شرعة الإخلاص صفاؤه، والدّين الذي علا سنا سنّته، في منار التحميد، والخلوص الذي حلا جنى جنّته، في مذاق التوحيد، والرّياسة التي تضوّع ريّا رياضها المونقة، والسماحة التي تنوّح حيا حياضها المغدقة، والأمانة التي نهضت بها فضائله، والموالاة التي نجحت بها عندنا وسائله- رأينا إجراءه على عادة والده في تولّي المدرسة المعمورة التي أنشأها جدّه للشافعية بحلب، وأوقافها، وأسبابها، وتدريسها، وإعادتها، واستنابة من يراه ويختاره في ذلك كله، والنظر في جميع ما يتعلّق بها كثره وقلّه، وترتيب الفقهاء فيها، وتقرير مشاهراتهم «3» على ما يراه من تفضيل وتقديم، وتفصيل وتقسيم، وتخصيص وتعميم، ونقص وتكميل وتتميم، وحفظ الوقوف بالاحتياط في مصارفها، والعمل فيها، بشروط محبّسيها، وإطلاقها بقيود واقفيها، بالابتداء بالعمارات، التي تؤذن بتوفير الارتفاعات، وتكثير المغلّات، وتنمية الثمرات، مستشعرا تقوى الله التي هي حلية الأعمال الصالحات، والعصمة الباقية والجنّة الواقية عند
(11/33)

النائبات. وفوّضنا ذلك إلى أمانته، وبعده إلى من يقوم مقامه من إخوته، تشييدا لبيتهم الكريم، وتجديدا لمجدهم القديم، ورفعا لمكانتهم المكينة، وحفظا لمرتبتهم المصونة، وأمرنا بإعفاء جميع أوقاف المدرسة وسائر أوقافهم، وأملاكه وأملاك إخوته وحمايتهم من جميع المظالم والمطالب، والنّوائب والشّوائب، والعوارض والعراض واللّوازم والكلف، والمؤن والسّخر، والتّبن والحطب، والأطباق والأنزال، وسائر التوزيعات والتقسيطات والأنفال، وإعفاء فلّاحيها ومزارعيها من جميع ذلك، وإطلاق كلّ ما يصل من مغلّات الأوقاف والأملاك المذكورة إلى مدينة حلب من جميع المؤن على الإطلاق، وكذلك جميع ما لهم من البضاعات والبياعات والتّجارات معفاة مطلقة لا اعتراض عليها لأحد، ولا تمدّ إلى شيء منها يد ذي يد، وليتولّ ذلك على عادته المشكورة، وأمانته المشهورة، بنظر كاف شاف، وكرم وافر واف، وورع من الشوائب صاف، وعزوف عن الدّنيّات بالدّينيّات متجاف، وسداد لركن المصالح شائد، وتذكر لترقي موادّ المناجح رائد، ورأي في ذمّة الصواب راجح، وسعي برتبة الرّشاد ناجح، وهمّة عالية في نشر العلم بالمدرسة وإعلاء مناره، وإلزام الفقهاء والطلبة بتدريسه وإعادته وحفظه وتكراره، ومروءة تامة في الاشتمال على إخوته ومخلّفي أبيه بما يصل به الرّحم، ويظهر به الكرم، ويحيي من مفاخر آبائه الرّمم، ويقوّي لهم من معاقد مكارمه العصم. وسبيل الولاة والنوّاب وكل واقف على هذا المثال إمضاء ذلك كلّه على سبيل الاستمرار، وتصرّم الأعمار، وتصرّف الأعصار، وتقلّب الأحوال والأدوار، وحفظه فيهم وفي أعقابهم على العصور والأحقاب، ووصل أسبابه عند انقطاع الأسباب، من فسخ ينقض مبرم معاقده، أو نسخ يقوّض محكم مقاعده، أو تبديل يكدّر صافي موارده ومشارعه، أو تحويل يقلّص ضافي ملابسه ومدارعه، وليبذل لهم المساعدة في كلّ ما يعود له ولجماعته بصلاح الحال، وفراغ البال ونجاح الآمال، وإقامة الجاه في جميع الأحوال. والعمل بالأمر العالي وبمقتضاه والاعتماد على التوقيع الأشرف به إن شاء الله تعالى.
(11/34)

الصنف الثالث- أرباب الوظائف الديوانية
وهذه نسخة توقيع بوزارة، من إنشاء بعض بني الأثير «1» ، وهي:
الحمد لله الذي فضّلنا على كثير من عباده، وأغنانا بمزيد عطائه عن ازدياده، وجعلنا ممن استخلفه في الأرض فشكر عواقب إصداره ومباديء إيراده.
نحمده- ولسان أنعمه أفصح مقالا وأفسح مجالا، وإذا اختلفت خواطر الحامدين رويّة كاثرها ارتجالا- ونسأله أن يوفّقنا لتلقّي أوامره ونواهيه بالاتباع، وأن يصغي بقلوبنا إلى إجابة داعي العدل الذي هو خير داع، وينقذنا من تبعات ما استرعاناه يوم يسأل عن رعيّته كلّ راع.
أما بعد، فإن الله قرن استخارته برشده، وجعلها نورا يهتدى به في سلوك جدده «2» ، ويستمدّ من يمن صوابه ما يغني عن الرأي ومدده، ومن شأننا أن نتأدّب بآداب الله في جليل الأمر ودقيقه، وإذا دلّ التوفيق امرءا على عمله دلّ عملنا على توفيقه، فمن عنوان ذلك أنّا اصطفينا لوزارتنا من تحمدنا الأيام من أجله، وتحسدنا الملوك على مثله، ويعلم من أتى في عصره أنه فات السابقين من قبله، وهو الوزير الأجل السيد الصدر الكبير، جلال الدين، شرف الإسلام،
(11/35)

مجتبى الإمام فخر الأنام؛ وليست هذه النعوت مما تزيد مكانه عرفا، ولا تستوفي من أوصافه وصفا، وإن عدّها قوم جلّ ما يدّخرونه من الأحساب، ومعظم ما يخلّفونه من التّراث للأعقاب، ولا يفخر بذلك إلا من أعدم من ثروة شرفه، ورضي من الجوهر بصدفه؛ وأنت فغير فاخر به ولا بما ورثته من مجد أبيك الذي أضحت الأيّام به شهودا، والجدود له جدودا، وغدا وكأنّ عليه من شمس الضّحى نورا ومن الصّباح عمودا، وقد علمت أنه كان إليه نسب المكارم وسيمها، وكان ما بلغه منها أعظم ما بلغه من دنياه على عظمها، لكنّك خلّفت لنفسك مجدا منك ميلاده، وعنك إيجاده، وإذا اقترن سعي الفتى بسعي أبيه فذلك هو الحسب الذي تقابل شرفاه، وتلاقى طرفاه، وغضّ الزمان عنه طرفه كما فتح بمدحه فاه؛ وإذا استطرفت سادة قوم بنيت بالسّؤدد الطريف التّليد، ولقد صدّق الله لهجة المثني عليك إذ يقول: إنّك الرجل الذي تضرب به الأمثال، والمهذّب الذي لا يقال معه: أيّ الرجال «1» ؛ وإذا وازرت مملكة فقد حظيت منك بشدّ أزرها، وسدّ ثغرها، وأصبحت وأنت صدر لقلبها وقلب لصدرها؛ فهي مزدانة منك بالفضل المبين، معانة بالقويّ الأمين، فلا تبيت إلا مستخدما ضميرك في ولائها، ولا تغدو إلا مستجديا كفايتك في تمهيدها وإعلائها.
ومن صفاتك أنك الواحد في عدم النظير، والمعدود بألف في صواب التدبير، والمؤازر عند ذكر الخير على الإعانة وعند نسيانه على التذكير؛ ولم ترق إلى هذه الدرجة حتّى نكحت عقبات المعالي فقضيت أجلها، وآنست من طور السعادة نارا فهديت لها؛ ولم تبلغ من العمر أشدّه، ولا نزع عنك الشباب برده؛ بل أنت في ريعان عمرك المتجمل بريعان سؤدده، المتقمّص من سيما
(11/36)

الخلال ما أبرز وقار المشيب في أسوده. وهذا المنصب الذي أهّلت له، وإن كان ثاني الملك محلّا، وتلوه عقدا وحلّا، فقد علا بك قدره، وتأبّل «1» بك أمره، وأصبح وشخصك في أرجائه منار، ورأيك وفضلك من حوله سور وسوار، وله من قلمك خطيب يجادل عن أحساب الدولة فينفحها فخرا، وسيف يجالد عن حوزتها فيمنحها نصرا، ولقد كان من قبلك وقبل أبيك مكرها على إجابة خاطبه، والنّزول إليه عن مراتبه، فلمّا جئتماه استقرّ في مكانه، ورضي بعلوّ شأنكما لعلوّ شانه؛ وقد علم الآن بأنك نزلته نزول الليث في أجمه، واستقللت به استقلال الرّمح باحدمه «2» ، وما زالت المعالي تسفر بينك وبينه وأنت مشتغل بالسعي للسيادة وآدابها، عن السعي للسّعادة وطلابها، فخذ ما وصلت إليه باستحقاق فضلك ومناقبه، لا باتفاق طالعك وكواكبه.
واعلم أنّ هذه النعمة وإن جاءتك في حفلها، وأناخت بك بصاحبها وأهلها؛ فلا يؤنسها بك إلا الشكر الذي يجعل دارها لك دارا، وودّها مستملكا لك لا معارا، وقد قيل: إنّ الشكر والنعمة توءمان، وإنه لا يتم إلا باجتماع سرّ القلب وحديث اللسان؛ فاجعله معروفها الذي تمسكها بإحسانه، وتقيّدها بأشطانه «3» وقد أفردنا لك من بيت المال ما تستعين به على فرائض خدمك «4» ونوافله، وتردّ فضله على ابتناء مجدك وفضائله، وذلك شيء عائد على الدولة طيب سمعته؛ فلها محمود ذكره ومنك موارد شرعته، وإذا حمدت مناهل الغدر كان الفضل للسحاب الذي أغدرها. والمفرد باسمك من بيت المال كذا وكذا.
(11/37)

وكلّ ما تضمّنه تقليد غيرك من الوصايا التي قرعت له عصاها، ونبذت له حصاها «1» ، فأنت مستغن عن استماعها، مكتف باطّلاع فكرك عن اطّلاعها؛ غير أنّا نسألك كما سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معاذا «2» ، ونسأل الله أن يجعل لك من أمرك يسرا ومن عزمك نفاذا، وقد أجابنا لسان حالك بأنك تأخذ بتقوى الله التي ضمن لها العاقبة، وجعل شيعتها الغالبة، وأنك تجعلها بينك وبينه سببا ممدودا، وبينك وبين الناس خلقا معهودا، حتّى تصبح وقد أمنت من دهرك عثارا، ومن أبنائه أسماعا وأبصارا- ومن شرائطها أن يكون الرجل المسلم الذي سلم الناس من يده ولسانه، وفي هذين كفاية عن غيرهما من الشّيم، التي تحفظ بها سياسات الأمم: فإنّ العدل هو الميزان الذي جعله الله ثاني الكتاب، والإحسان الذي هو الطينة التي شاركتها القلوب في جبلّتها مشاركة الأحباب.
وأمّا ما سوى ذلك من سياسة الملك في تقرير أصوله، وتدبير محصوله:
كالبلاد واستعمارها، والأموال واستثمارها، وولاة الأعمال واختبارها، وتجنيد الجنود واختيارها، فكلّ ذلك لا يصدر تدبيره إلا عن نظرك، ولا يمشى فيه إلا على أثرك؛ وأنت فيه الفقيه ابن الفقيه الذي سرى إليك علمه نفسا ودرسا، وثمرة وغرسا؛ فهذا كتاب عهدنا إليك: فخذه بقوّة الأمانة التي أبت السموات والأرض حملها، وما أطاقت ثقلها، والله يسلك بك سددا، ويتحرّى بك رشدا، ويلزمك التوفيق قلبا ولسانا ويدا، إن شاء الله تعالى.
(11/38)

ومن ذلك نسخة توقيع بإعادة النظر بثغر الإسكندرية لابن بصّاصة «1» في شهور سنة ثمان وسبعين وستمائة، وهي:
الحمد لله الذي أضحك الثّغور بعد عبوسها، وردّ لها جمالها وأنار أفقها بطلوع شموسها، وأحيا معالم الخير فيها وقد كادت أن تشرف على دروسها، وأقام لمصالح الأمة من يشرق وجه الحق ببياض آرائه، وتلتذّ الاسماع بتلاوة أوصافه الجميلة وأنبائه، حمد من أسبغت عليه النّعماء، وتهادت إليه الآلاء، وخطبته لنفسها العلياء.
وبعد، فأحقّ من [أماس] في أندية الرّياسة عطفا، واستجلى وجوه السعادة من حجب عزّها فأبدت له جمالا ولطفا. واصطفته الدولة القاهرة لمهمّاتها لمّا رأته خير كافل، وتنقّل في مراتبها السنية تنقّل النّيّرات في المنازل «2» ولما كان المجلس السامي، القاضي، الأجلّ، الصدر، الكبير، الرئيس، الأوحد، الكامل، المجتبى، المرتضى، الفاضل، الرشيد، جمال الدين، فخر الأنام، شرف الأكابر، جمال الصّدور، قدوة الأمناء، ذخر الدولة، رضيّ الملوك والسلاطين، الحسين ابن القاضي زكيّ الدين أبي القاسم- أدام الله رفعته- ممن أشارت إليه المناقب الجليلة، وصارت له إلى كل سؤل نعم الوسيلة- رسم بالأمر العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، العادليّ، البدريّ- ضاعف الله علاءه ونفاذه- أن يفوّض إليه نظر ثغر الإسكندريّة المحروس ونظر متاجره، ونظر زكواته ونظر صادره، ونظر فوّة «3» والمزاحمتين، فيقدّم خيرة الله تعالى
(11/39)

ويباشر هذا المنصب المبارك، بعزماته الماضية، وهممه العالية، برأي لا يساهم فيه ولا يشارك، ليصبح هذا الثغر بمباشرته باسما حاليا، وتعود بهجته له بجميل نظره ثانيا، وينتصب لتدبير أحواله على عادته، ويقرّر قواعده بعالي همّته، ويجتهد في تحصيل أمواله وتحصين ذخائره، واستخراج زكاته وتنمية متاجره، ومعاملة التّجار الواردين إليه بالعدل، الذي كانوا ألفوه منه، والرّفق الذي نقلوا أخباره السارّة عنه؛ فإنهم هدايا البحور، ودوالبة الثّغور، ومن ألسنتهم يطّلع على ما تجنّه الصّدور، وإذا بذر لهم حبّ الإحسان نشروا له أجنحة مراكبهم وحاموا عليه كالطّيور، وليعتمد معهم ما تضمّنته المراسيم الكريمة المستقرّة الحكم إلى آخر وقت، ولا يسلك بهم حالة توجب لهم القلق والتظلّم والمقت، وليواصل بالحمول إلى بيت المال المعمور، وليملأ الخزائن السلطانيّة من مستعملات الثغر وأمتعته وأصنافه بكل ما يستغنى به عن الواصل في البرور والبحور، وليصرف همّته العالية إلى تدبير أحوال المتاجر بهذا الثغر بحيث ترتفع رؤوس أموالها وتنمي، وتجود سحائب فوائدها وتهمي، وليراع أحوال المستخدمين في مباشراتهم، ويكشف عن باطن سيرهم في جهاتهم، ليتحقّقوا أنّه مهيمن عليهم، وناظر بعين الرأفة إليهم، فتنكفّ يد الخائن منهم عن الخيانة، وتتحلّى أنامل الأمين بمحاسن الصّيانة؛ وليتفق فيما يأتيه ويذره، ويقدّمه من المهمّات ويؤخّره، مع المجلس السامي، الأمير، الأجلّ، الكبير، المجاهد، المقدّم، الأوحد، النصير شمس الدين، متولّي الثغر المحروس- أدام الله نعمته- فإنه نعم المعين على تدبير المهمّات، ونعمت الشمس المشرقة في ظلم المشكلات. وليطالع بالمتجدّدات في الثغر المحروس، ليرد الجواب عليه عنها بما يشرح الصدور ويطيّب النفوس، وليتناول من الجامكية «1»
(11/40)

والجراية عن ذلك في غرّة كلّ شهر من استقبال مباشرته ما يشهد به الديوان المعمور لمن تقدّمه من النّظّار بهذه الجهات، وهي نظر الثغر وما أضيف إليه على ما شرح أعلاه.
المرتبة الثانية (أن تفتتح الولاية بلفظ «أما بعد حمد الله» أو «أما بعد فإن كذا» ويؤتى بما يناسب من ذكر الولاية والمولّى، ثم يذكر ما سنح من الوصايا ثم يقال «وسبيل كل واقف عليه» )
فمن المكتتب لأرباب السّيوف من هذه المرتبة ما كان يكتب لبعض الولاة.
وهذه نسخة بولاية الشرقية «1» ، وهي:
أما بعد، فإنّا لما منحنا الله إيّاه من معجزات النصر المستنطق الألسنة بالتسبيح، وآتاناه من نظر حمى ناضر عيش الأمّة من التّصويح «2» ، وألبسناه من ثياب العظمة المخصوصة بأحسن التوشيع والتوشيح، ووفّقنا له من اصطفاء من نقبل عليه بوجه التأهيل للمهمّات والتشريح، وقوّاه من عزائمنا التي ترجّ بها أرض الكفر وتدوّخ، ووسّعه لنا من الفتوح التي أنباؤها خير ما تصدّر به السّير وتؤرّخ- لا نزال نبالغ فيما صان الحوزة وحاطها، ومدّ رواق الأمنة ومهّد بساطها، وقرّب نوازح المصالح وجمع أشتاتها، وأوجب انصرام حبال اختلال الأمور واقتضى انبتاتها.
ولما كانت الأعمال الشرقية جديرة بمتابعة الاعتناء وموالاته، وإعراق كرم التعهّد فيما يحفظ نظامها بمغالاته، وأحقّها بأن تصرف إلى صونها وجوه الهمم الطّوامح، ويوقف عليها حسن الاحتفال الجامع دواعي تذليل الجامح، إذ كانت
(11/41)

أجدر الأعمال بكلاءة الفروع من أوضاعها والأصول، والباب الذي لا يجب أن يدخله إلّا من أذن له في القدوم إليها والوصول، ويتعيّن التحرّز على الطّرقات التي منها إليها الإفضاء، ويوكّل بما دونها من المياه عيون حفظة لا يلزمها النوم والإغضاء،- وكنت أيّها الأمير أشدّ الأمراء باسا، وأوفاهم لحسن الذكر الجميل لباسا، وأكثرهم لمهج الأعداء اختلاسا، وأجمعهم للمحاسن المختلفة ضروبا وأجناسا، وقد تناصرت على قصودك الحسنة واضحات الدلائل، وتحلّت أجياد خلالك من جواهر المفاخر بقلائد غير قلائل، واستطار لك أجمل سمعة، وفطمت سيوفك أبناء الكفر عن ارتضاعها من الملّة الإسلامية ثدي طمعة، ولا استبهمت طرق السياسة إلا هديت إلى مجاهلها، ولا حلّأ «1» التقصير سواك عن شرائع النّعم إلا غدوت بكفايتك وارد مناهلها، وكم شهدت مقام جلاد، وموقف جهاد، فمزّقت ثوب ما رقّقه نسجا، وأدلت في ليل قسطله عوادي صوارمك شرجا، وقمت فيما وكل إليك من أمور الفاقوسيّة وقلعتي صدر وأيلة «2» حرسهما الله تعالى قياما أحظاك بالثناء والصواب، واستنبت في كلّ منها من أجرى أمورها على الصواب- خرج أمر الملك الناصر بكتب هذا السجلّ بتقليدك ولاية الأعمال الشرقية المقدّم ذكرها؛ فاعتمد مباشرتها عاملا بتقوى الله التي مغنمها خير ما اقتاده مستشعروها لأنفسهم واستاقوه. قال الله تعالى: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ
«3» ، وأبسط العدل على أهل هذه الولاية، واخصص أهل السّلامة بما يسبل عليهم ستر الحياطة والحماية، وتطلّب المفسدين أتمّ تطلّب، واحظر عليهم التّنقّل، في هذه البلاد والتقلّب؛ ومن
(11/42)

ظفرت به منهم فقابله بما يوجبه حكم جريرته، ويقتضيه موقع جريمته، ويجعله مزدجرا لسالكي طريقته، وشدّ من المستخلف على الحكم العزيز شدّا ينصر جانب الشرع ويعزّه، ويكرّ به على الباطل ترويع الحق وأزّه «1» ، وأعن المستخدمين في المال على استيفائه من وجوهه عند وجوبه، وبلّغ كلّا منهم من الإعانة على تحصيله أقصى مطلوبه، وقوّ أيديهم في تخضير البلاد وتعميرها؛ وابعث المزارعين على مباشرة أحوال الزّراعة وتقرير أمورها، وفيما يسترعونه من مصالح الأعمال، ويعود عليهم في موجبات الرجاء بمناحج الآمال، وراع أمر السّبل والطّرقات، واجعل احتراسك عليها الآن موفيا على المتقدم من سالف الأوقات، ولا تن في إنفاذ المتخبّرين «2» إلى بلاد العدوّ، وتحدّيهم في الرّواح والغدوّ، بما يمنعهم من الهدوّ، وكشف أخبارهم، وتتّبع آثارهم، وتسيير الجواسيس إلى ديارهم، حتّى لا تخفى عنك من شؤونهم خافية، ولا يجدوا سبيل غرّة «3» يهتبلونها- والعياذ بالله- بالجملة الكافية، وطالع بما يتجدّد لك وما يرد من الأنباء عليك، وغير ذلك مما يحتاج إلى علمه من جهتك، وما تجري عليه أحكام خدمتك؛ فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة بولاية الغربية من هذه المرتبة، وهي:
أما بعد، فإنّا- لما آتانا الله من سعادة لطرق الإرادات فيها تعبيد، وأسبغه بنا من نعم لا يعدّها التحديد، ولا يحدّها التعديد، وأنهجنا به من اكتناف المطالب بنجاح لا يعقّبه تعسير ولا يعسّره تعقيد، وأمضاه من عزائمنا التي ما فتكت قطّ بالأعداء فقيد منهم فقيد، ولقّاه الأمنة بنظرنا من نضرة عيش جانب الجفاف دوحه المخضلّ، وأهداه بتبصيرنا من أنوار الهدى المتقدّمة كلّ ذي جهل ظلّ ممن ضلّ- لا نزال نستوضح أمور أمراء دولتنا متصفّحين، ونبلو أخبار
(11/43)

المؤهّلين منهم لسياسة الرعيّة المرشّحين، ونكشف شؤونهم غير متجوّرين ولا متسمّحين، ونظهر في أحوالهم آثار الإيثار لرفع درجاتهم، وأمارات الرفع منهم مقابلة على حياطة أموال من نكون عليه وصون منجاتهم، ونبوّئهم مبوّأ صدق من تصديق آمالهم وتحقيقها، ونزفّ إليهم عقائل المنح المانع شكرهم من تسيّب سيبها وتطرّق تطليقها، ونحمل لكلّ منهم ما يؤمّله من اجتهاده ويؤثره، ولا نلغي الاهتمام بما يوطّيء لهم مهاد الطّول الجزيل ويؤثّره، عملا بآداب الله سبحانه في إجزال حظوظ المحسنين من إحسان المجازاة، وإيلائهم المزيد الحاكم بنقص اعتدادهم عن الموازنة له والموازاة، كما قال سبحانه، وقوله هدى ونور وشفاء لما في الصدور: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ
«1» ولما كان الأمير (والنعوت والدعاء) من أنجحهم فالا، وأرجحهم مقالا، وأصلحهم أعمالا، وأوضحهم كمالا؛ وما زالت أغصان نهاه متتابعة في بسوقها، وضرائبه نافقة أعلاق المحامد بسوقها، وعزائمه في إذلال الفرق المبالغة في فسوقها، مشمّرة عن سوقها، وما برح في شوط الفخر راكضا، ولعقود مكروه الأمور التي تزيغ الأمانة رافضا، وبأعباء القيام بفرائض الآلاء ناهضا، وما انفكّت مناقبه تعيي بيان الواصف وبنان العادّ، ومساعيه مدركة وهي وادعة ما يعجز عن أقلّه جدّ الجادّ، ورأيه [يرتق] «2» كلّ متفتّق ومنبثق من الأمور المهمّة بسداد الراتق السادّ، وجميل ذكره يفوح بما يفوق المسك فيثوب إليه من الثّواب بالنائي النادّ «3» ؛ وما فتيء دأب شيمته الإعراض، عن الموبق من الأعراض، واختيار الرّفق، والإغراق فيما يديمه إلى فكّ أعناق أسرى المسلمين من سرى العتق- خرج أمر الملك الناصر بكتب هذا السجلّ له بتقليده ولاية
(11/44)

الأعمال الغربية.
فليتقلّد ما قلّده معتمدا على تقوى الله التي صرف عن معتمدها شرب التكدير، ومنحه من المكارم عنده ما يوفي على التقدير، وليجر على عادته في بسط ظل المعدلة ومدّ رواقها، وصون مساحي «1» الرّعايا عن إملاقها منها وإخفاقها، والمساواة بها بين الأقوى والأضعف، والأدنى والأشرف، والبادي والحضّار، والمناوئين والأنصار، والخاصّ والعام، والأجنبيّ وربّ الحرمة والذّمام: لينام المستورون على مهاد الأمن، ويسلم جانب سلامة أموالهم وأرواحهم من الوهن، وليعامل المستخلف على الحكم العزيز بما يستوجبه مثله من نصرة الأحكام، ووكل إليه «2» أمر الأمراء لمن آثرها والإحكام، والإكرام الشامل لقدره، والاهتمام الشارح لصدره، وليتوخّ المستخدمين في الأموال بما يكون لعللهم مريحا، ليصل إليهم ما يرومونه نجيحا، ويلزم من جرت عادته بلزوم الحدود واجتناب تعدّيها، والتوفّر على حفظ مسالكها والمتردّدين فيها، وليطالع بما يتجدد قبله من الأحوال الطارية، وما لم تزل الرّسوم بإنهاء مثلها جارية، إن شاء الله تعالى.
المرتبة الثالثة (أن تفتتح الولاية بلفظ «رسم» ثم يذكر أمر الولاية والمولّى ويوضح، ثم يقال «وسبيل كلّ واقف عليه» )
فمن المكتتب لأرباب السيوف من هذه المرتبة نسخة مرسوم بشدّ «3»
(11/45)

ناحية، وهي:
رسم- أعلى الله المراسيم وأدام نفاذها- بالإنعام على الأمير فلان بما يفيض عليه ملابس الاصطفاء ويضفيها، ويسمي لقدمه في الثبات مدارج الارتقاء ويسنيها، ويعرب عن اختصاصه بالمنزلة التي يفضل بها على مباريه، واستخلاصه للمرتبة التي يفوت بها شأو مجاريه، ويؤهّله لثغر حارم «1» المحروس وشدّه وتولّيه أموره بكفايته ونهضته وحزامته وجدّه، وقد أمرنا بتسليم قلعة حارم وأعمالها، وسائر ما يختص بها ويضاف إليها من ضياعها ومواضعها إليه، والتعويل في ولايتها وتعميرها وتثميرها عليه، بموجب ما يفصّل من الديوان على ما كان جاريا في الإقطاع المحروس للحال، وسبيل أهل الديوان- أيدهم الله- العمل بالأمر العالي وبمقتضاه، والاعتماد على التوقيع الأشرف به، إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك نسخة مرسوم بشدّ وقف، وهي:
رسم- أعلى الله المراسيم وأدام نفاذها- بالتعويل على الأمير فلان في تولية الوقوف بالجامع المعمور بحلب المحروسة، والبيمارستان، والمساجد، والمشاهد بالأماكن والمواضع، وظاهرها وباطنها وأعمالها، وتفويضها إليه، والاعتماد في جميعها عليه، سكونا إلى نهضته وكفايته، ووثوقا بخبرته ومعرفته وعلما بنزاهته، وسداده وأمانته، وذلك لاستقبال سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
فليتولّ ذلك بكفاية كافية، ونهضة وافية، وهمّة لأدواء الأحوال شافية، ونظر تامّ، لشمل المصالح ضامّ، وتدبير جميل في كل خاصّ من أسباب عمله وعامّ، وتقوى لله عزّ وجل تقوى بها يده، ويضح بالاستقامة على سننها جدده،
(11/46)

ناظرا في الوقوف ومصارفها، وتتّبع شروط واقفها، بكل ما يعود بتعمير أعمالها، وتثمير أموالها، وتدبير أحوالها، مطالبا بحساب من تقدّمه وتحقيق مبالغه تكميلا وإضافة، واحتسابا وسيافة، وليطلب شواهده، وليبن على الصحة قواعده وليلتمس ما يصح من بواقيه من جهاتها، وليكشف بما يوضّحه من سبل الأمانة وجوه شبهاتها، وقد أذن له في استخدام من يراه من النوّاب والمتصرفين والمشارفين «1» ، والوكلاء والمستخدمين، على ما جرت به العادة، من غير زيادة. وسبيل النواب- أيدهم الله- العمل بالأمر العالي وبمقتضاه، والاعتماد على العلامة الشريفة، إن شاء الله تعالى.
المرتبة الرابعة (أن يفتتح بلفظ: «إن أحق» أو «إن أولى» أو «من كانت صفته كذا» وما أشبه ذلك)
فمن ذلك نسخة منشور بنقابة الأشراف «2» ، وهي:
من كانت أوصافه شائعة بين الأنام، وصنوف فضائله منشورة لدى الخاصّ والعام، مع شرف نسب شامخ الأعلام، وتقى فخر به على الأنام، وعلم يجلى به صدأ الأفهام، وعفّة مرائرها محكمة الإبرام- كان جديرا بإفاضة سجال النّعم عليه، وقمينا بإرسال سيل المواهب إليه.
ولما كان الشيخ فلان متصفا بهذه الصفات الجميلة، ومتخصّصا بمزاياها الجليلة، وضاربا فيها بالسّهم المعلّى، ونازلا منها في الشّرف الأعلى، ومتقمّصا
(11/47)

ثوب الإخلاص والصّفاء، ومتّشحا بوشاح العفّة والولاء- اختصصناه بزيادة التقديم والاجتباء، وحبوناه بوفور الكرامة والاصطفاء، وأجريناه على مستمرّ رسمه بالرّعاية على ذرّيّة أهل العباء «1» ، حسب عادته المستقرّة إلى آخر عهد من كانت الإيالة إليه وإلى رحمة الله مضى: ليسير فيهم بكتاب الله العظيم وسنّة رسوله، ويسلك جدد الحق الذي يوصّله من الزّلفى إلى أقصى مناه وسوله، ويحضّهم على تلاوة القرآن، ومعرفة ما يصلح للأديان. وليسوّ في الحكم بين الضعيف فيهم والقويّ، ويعمّ بالإنصاف الفقير والغنيّ، وليحسن إلى محسنهم، وليجر على فضله لمسيئهم، بعد أن يقدّم إليه زجرا ووعيدا، ويوسعه إنذارا وتهديدا، فإن وعى وارعوى وإلا سلّط عليه أسباب الأذى، وتولّاه بما يستحقّه من الجزا، ويعيده إلى حالة الاستقامة والاستواء، ويكفّه عن دواعي الهوى.
ومن وجب عليه حدّ أقامه فيه، وبادر إلى اعتماده وتوخّيه، حسب ما يوجبه حكم الشرع ويقتضيه.
وليكن رؤوفا بهم ما استقاموا، ومنتقما منهم ما اعوجّوا ومالوا؛ وإن وجب على أحدهم حقّ لمليّ أو دنيّ، استخلصه منه ولم يمنعه تعلّقه بنسب شريف عليّ، وإن افترى منهم مفتر على أحد من الملل، قابله عليه بما يزجره عن قبيح العمل: فإنّ الناس في دار الإسلام ومن هو تحت الذّمام سواسية، وأقربهم إلى الله تعالى من كانت سيرته في الإسلام رضيّة، وطويّته في الإيمان خالصة نقيّة، ومن حكم عليه حاكم من الحكّام، بحقّ ثبت عنده بالبيّنة العادلة أو الإعلام، انتزعه منه أو سجنه عليه، إلى أن يرضي خصمه أو يردّ أمره إلى الحاكم ويفوّضه إليه.
وليحرس أنسابهم بإثبات أصولها، وتحقيق فروعها، ومن رام دخولا فيه بدعوى يبطل فيها نقّب عن كشف حاله، وإظهار محاله، وجازاه بما يستحقّه أمثاله، ويرتدع فيما بعد مثاله: ليخلص هذا النسب الكريم، من دعوى
(11/48)

المجهول، واندماجه في أسرة الرسول، عليه أفضل الصلاة والتسليم، ويمنع من اتصال أيّم من الأسرة إلى عامّيّ، ولا يفسّح أن يعقد عليها عقد إلا لكفء مليّ: ليبرأ هذا المجد الشريف من التكدير، ولا تزيّفه شوائب التغيير.
ولينظر في الوقوف على المشاهد والذّرّيّة، نظرا يحمده عليه من يعلمه من البريّة، ويحظيه بالصواب عند مالك المشيّة، ويبتديء بعمارة أصولها واستكمال فروعها، وقسمة مغلّها على ما تضمنه شرط الواقفين لها، وليحتط على النّذور، وينفقها على عادتها في المصالح والجمهور، عالما أنّ الله تعالى سائله عمّا توخّاه في جميع الأمور، وأنه لا يخفى عليه كلّ خفيّ مستور. قال الله سبحانه:
يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
«1» وأذنّا له أن يستنيب عنه في حال حياته، وبعد وفاته- فسّح الله له في المهل، وخوّله صالح العمل- الأرشد من بنيه، ومن يختاره لهذا الأمر وله يرتضيه. وقد أنعمنا عليه بإجراء ما كان باسمه مستمرّا إلى الآن، وأضفنا إليه ما يعينه على النظر في مصالح الأسرة أدام الله له علوّ الشان، من تمليك وإدرار وتيسير، وجعلناه له مستمرّا، وعليه مستقرّا، ولمن بعده من نسله والأعقاب، على توالي الأزمان والأحقاب، وحظرنا تغييره وفسخه، وتبديله ونسخه: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
«2» وهو معيّن من ديوان الاستيفاء «3» المعمور، بهذا المنشور المسطور، بالأمر العالي أعلاه الله وأمضاه، عمّا كان قديما، وما أنعم عليه به آخرا، وهو القديم الذي كان له وشهد به الديوان المعمور، وهو الإقطاع من ناحية كذا، ويجرى على عادته في إطلاق ما قرّر له من ناحية كذا بشهادة الديوان الفلاني، والمحدّد الذي
(11/49)

أنعم به عليه لاستقبال سنة سبع وسبعين وما بعدها. وسبيل كافّة الأسرة الطالبيّين بمدينة كذا الانقياد إلى تباعته، والامتثال لاشارته، والتوفّر على إجلاله وكرامته، فإنه زعيمهم، ومقدّمهم ورئيسهم، ومن خالفه منهم قابلناه، وبأليم العقاب جازيناه، والاعتماد في ذلك أجمع على التوقيع الأشرف العالي أعلاه الله، والعلائم الديوانيّة فيه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة بولاية الشرقية، وهي:
لمّا كانت الأعمال الشرقيّة أجدر البلاد بأكيد الاهتمام وأخلق، وأولاها بإضفاء سربال الاهتبال الذي لا يخلق إذا رثّ سواه وأخلق، وأقمنها بحسن نظر يرسل لرسول عليّ الرسم الأعنّة في إدامة نضرة العمارة عليها ويطلق، وأحقّها بأن يبرم لها سبب تفقّد لا يلتصق به رهن ولا يغلق، وأجراها باعتناء يقضي لأمرها بالاطّراد، وأولاها بتعهّد يجعل مصالح الشؤون آلفة للثّواء بها والمقام عائفة للنشوز عنها والشّراد، لأنها باب الشام، وإليها ترد القوافل المتردّدة منه على مرّ الأيّام، ومنها يستكشف الأخبار ويستنهض الطوالع والمتخبّرين، وبمواصلة التفقّد تعلم الأحوال الطارئة في كل وقت وحين، فتجب المبالغة في حفظ طرقاتها ومياهها، وأن تصرف الهمم إلى ضبط أحوالها، وعامة أنقابها واتّجاهها، ويوضع بناء الحزم في صون أطرافها على أثبت قاعدة ويؤسّس، ويبالغ في إذكاء العيون على كل طارق يتخبّر للعدوّ الملعون ويتجسّس؛ وكنت أيّها الأمير من المشهورين بالشجاعة والإقدام، وذوي الكفاية الموفي ثراؤهم أيّها الأمير من المشهورين بالشجاعة والإقدام، وذوي الكفاية الموفي ثراؤهم فيها [على] «1» عارض الإعدام، وما زلت معدودا من خاص الأتراك الأعيان (بسهم) «2» ، المقصّر مجاروهم إلى غاية البسالة عن اللّحاق بهم والإدراك؛ وقد
(11/50)

تقدّمت ولايتك هذه الأعمال فقصدت منها قصدا سديدا، وألحفت الرعايا ظلّا من الأمنة مديدا- خرج الأمر بإيداع هذا المنشور ما أنعم به عليك من إعادتك إلى ولايتها، فبالغ في استيضاح الأنباء وكشفها، ورفع الونية في ذلك وصرفها، ووكّل به عزمة لا تلمّ سنة بطرفها، وانته فيه إلى غاية تضيق سعة القول بوصفها، وتابع في تسيير الطلائع وندبها، وعوّل من كلّ قبيلة من العربان المستنهضين على شهمها وندبها، واجتهد في حفظ الطّرقات والمناهل، واستنهض للتحرّز عليها من هو عالم بها غير جاهل، وتحفّظ من جلل يتطرّق- والعياذ بالله- على البلاد وخلل يتخلّلها، وانتض لهذه المهمات بصارم حدّ تسلم مضاربه من عجز يفلّلها، ولا تبق ممكنا في إنفاذ المتخبّرين، وإرسال من يغير على بلاد العدوّ من الخبيرين، بما [أنّ] «1» هذه سبيل المتدرّبين، وألزم أرباب الحدود من جميع الأقطار حراسة حدودهم، وخذهم باستنفاد وسعهم في الاحتياط واستفراغ مجهودهم، وطالع بما يورد قبلك؛ وأنه ما يزيح بسرعة إجابتك عنه في الخدمة عللك؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة بولاية المرتاحية «2» ، وهي:
خرج الأمر بكتب هذا المنشور وتضمينه: إنّ من أظهر خلاصة جوهره السّبك، وارتفع في إشكائه بالإنصاف عن كل شاك الشّكّ، وحصل عنده [من] «3» الخلال الزكيّة نظم لا ينحلّ وعقد لا ينفكّ وأوفى على التقدير والظنّ في التدبير المفرّج به عن الرعيّة الضّنك- استوجب أن تسند إليه حمايتهم، وتجعل إليه كلاءتهم.
ولمّا كنت أيها الأمير ممن أحمد عند بحر عزمه، وتجريب نصل حزمه، واعتبار فصل مقالته، واختبار أصل أصالته، وشكر استمراره على الاتّصاف بمحض الولاء، واستدراره أخلاف غرر الآلاء، واستثماره أصناف جنى الثّناء.
(11/51)

واستقراره أكناف وهبيّ الاعتناء، ولم تزل في رفعتك وجيها، وما برح جميل الرأي يديم بعثا لتحف الإحسان نحوك وتوجيها، وما انفكّت مجاهدتك مجاهدة في مهامّ إقدام تنويها، وشجاعتك ملقية على الكفّار كلّ كفاح يلقون منه كلّا ثقيلا ويوما كريها. أودع هذا المنشور ما رسم من استخدامك في ولاية الأعمال المرتاحيّة.
فباشرها معتمدا عى تقوى الله سبحانه التي تقوى بها أسباب توفيقك وتناله، وتسلم أمور مباشرتك من خلل يكدّر استبشارك وينكّد، واعتمد العدل على من تشتمل عليه هذه الولاية وتحويه، وبالغ فيما يزيل عنهم الحيف ويزويه، واقصد ما يقضي لسربهم بالتأمين، ويبلّغهم من تحصين أوطانهم غاية التأميل، واجعل أيدي المفسدين مكفوفة عن كافّتهم، ووجوه المعتدين مصروفة عن إخافتهم، وتطلّب الأشرار، وتتبّع الدّعّار؛ ومن ظفرت به منهم فلا تكن عن التنكيل به ناكلا، ولا تقصّر في الحوطة عليه والمطالعة به عاجلا، وعامل النائب في الحكم العزيز بإنهاضه، وصون مديد باعه في تنفيذ الأحكام عن انقباضه، واعضده في إنفاذ قضاياه، واختصاصه بإكرام يقبل عليه مطلق محيّاه، وشدّ من الضامن في استيداء حقوق الديوان واستنطافها على أحسن حال من غير خروج عن الضرائب المستقرّة، وعوائد العدل المستمرّة، وتحرّز أن يكون لمناهضة العدوّ طروق إلى ناحيتك أو انتياب، وشمّر للتحفّظ من مكايدهم تشميرا يزول عن حقيقته عارض الارتياب، ولا تبق شيئا يمكّن لأهل ولايتك قواعد الأمنة منهم، وتبتّل لوقايتهم أذاهم تبتّل من لا ينام عنهم، وطالع بما يحتاج إلى علمه من جهتك إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة بولاية السّمنّوديّة «1» ، وهي:
(11/52)

إنّ أولى من ولي الأعمال، وتعلّقت بكفايته الآمال، وعدقت «1» به المهمّات، وأسندت إليه الولايات، من نطقت بمعدلته الألسنة، وانتفت عن عين خبرته السّنة، وكان حسن السياسة لرعيّته، كثير العمارة مدّة توليته، شهما في استخراج الحقوق من جهاتها، صارما في ردع المجرمين عن زلّات النفس وهفواتها، حسنة سيرته، خالصة مناصحته وسريرته.
ولمّا كنت أيها الأمير فلان- أدام الله تأييدك وتسديدك، وحراستك وتمهيدك- أنت المتوشّح بهذه الصّفات الحسان، المتّصف بما تقدّم من الشّرح والبيان، الذي نطقت شمائلك بشهامتك، وشهدت مخايلك بنباهتك- خرج الأمر الفلاني بأن تتولى مدينة سمنّود وضواحيها، وما هو معروف بها ومنسوب إليها، بشرط بسط العدل ونشره، وإعباق عرف «2» الحق ونشره، وأن تخفّف الوطأة عنهم وتفعل ما هو أولى، وتعلم أنك تسأل من الله تعالى في الأخرى ومنّا في الأولى، وأن تصون الرعايا وتجتلب لنا أدعيتهم، وتعاملهم بما يطيّب نفوسهم ويبلّغهم بغيتهم؛ حتّى يتساوى في الحق ضعيفهم وقويّهم، ورشيدهم وغويّهم، ومليّهم ودنيّهم، وأن لا تقيم الحدود على من وجبت عليه إلا بمقتضى الشرع الشريف، والعدل المنيف، وأن تشدّ من نوّاب الحكم العزيز، وتفعل في ذلك فعل المهذّب ذي التمييز، وأن تحسر عن ساعد الاجتهاد في الجمع بين استخراج جميع الحقوق الديوانية والعمارة، وتجعل تقوى الله هي البطانة لك والظّهاره، وأن تبذل النهضة في استخراج الأموال، وتحصيل الغلال على التّمام والكمال، بحيث لا يتأخّر منها الدّرهم الفرد ولا القدح الواحد، وتفعل في ذلك فعل المشفق المشمّر الجاهد، وأن تديم مباشرتك للأقصاب في حال برشها وزراعتها وتربيتها وحملها، واعتصارها وطبخها، وتزكية أثمارها، بحيث
(11/53)

لا تكل الأمر في شيء من ذلك إلى غير ذي ذمّة بمفرده، ولا إلى من ليس بذي خبرة لا يعلم مشقي التصرّف من مسعده. وقد جعلنا لك النظر على جميع النّواحي الجارية في ديواننا بالوجه البحريّ خاصة لتنظر في أمرها، وتزجر أهل الجنايات بها، وتفعل فيها كلّ ما يحمد به الأثر، ويطيب بسماعه الخبر.
فتقلّد ما قلّدت، وقم حقّ القيام بما إليه ندبت، واعمل فيه بتقوى الله في سرّك وجهرك، وقدّم الخوف من الله على جميع ما تأتيه أو تذره من أمرك، وتسلّمه شاكرا لما أسديناه إليك، متمسّكا بما أوجبناه عليك؛ فإنّ الشكر يوجب مزيدك، ويكثّر عديدك.
وهذه نسخة بولاية النّستراويّة «1» ، وهي:
من عادتنا في التدبير وشيمتنا، وسنّتنا في السياسة وسيرتنا، إسباغ المواهب والنّعم، وتنقيل عبيدنا في مراتب الخدم، استرشادا بأسلافنا الملوك واقتداء، واستضاءة بأنوارهم المشرقة واهتداء.
ولمّا كنت أيّها الأمير ممن عرفت بسالته، واشتهرت شجاعته وصرامته، واستحقّ أن يلحظ بعين الرّعاية، وأن يشرّف بالارتضاء للتعويل عليه في ولاية، رأينا- وبالله توفيقنا- استخدامك في ولاية الأعمال النسّتراويّة، وخرج أمرنا إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السّجلّ بتقليدك ذلك، وتضمينه ما تعتمد عليه، وتنتهي إلى الممثّل لك فيه.
فتقلّد ما قلّدته عاملا بتقوى الله فيما تسرّه وتعلنه، معتمدا فيها غاية ما يستطيعه المكلّف ونهاية ما يمكنه؛ فالله تعالى يقول إرشادا للمؤمنين وتفهيما:
(11/54)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً
«1» ، وساو بين القويّ من هذه الولاية والضعيف، ولا تجعل في الحقّ فرقا بين المشروف والشريف، وامدد على كافّتهم رواق السّكون والأمنة، وأجرهم في المعدلة على العادة الجميلة الحسنة، وافعل في إقامة الحدود على من تجب عليه ما يوجبه كتاب الله الكريم، وتقضي به سنّة نبيه محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، وادأب في حفظ السّبل والمسالك، واجتهد في ذلك الاجتهاد الذي يجب على أنظارك وأمثالك؛ ومتى ظفرت بمن يؤذي مسافرا، أو يخيف واردا أو صادرا، فطالع بحاله ليمثّل لك في التمثيل بما تعتمده، وتؤمر في شأنه بما تنتهي إليه وتقصده، وراع المستخدمين على الحكم والدعوة فهما يتولّيان ما بإعزازه يقوم منار الإسلام، وتجري أمور الشريعة على أجمل وضع وأحسن نظام، وخذ المستخدمين في الأموال الدّيوانية بالاجتهاد في العمارة، وحمل المعاملين على ما توجبه المعدلة والحرص على ما وفّر الارتفاع، وحماه من أسباب التفريط والضّياع، واستنهض الرجال المستخدمين معك فيما ترى ندبهم إليه، واستنهاضهم فيه؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة بولاية الإسكندرية، وهي:
اهتمامنا بما حاط ثغر الإسكندرية- حماه الله تعالى وحصّنه، ومنحه أتم حظ التفقّد وأكمله، وأجمل وضع التعهّد وأحسنه، وقوّى سبب استقامة شؤونه واتّساق أموره ومكّنه، ومدّ ظلّ الدّعة والسكون على كافّة من تديّره «2» وسكنه، وحفظ عليه نظام النّضارة، وأماط عنه مكروه الأحوال الضارّة، وأنام أهله على
(11/55)

مضجع الأمن ومهاده، وحكم بإحلالهم نجود الاتحاد على المصالح وإجلالهم عن وهاده، وحمى سوام أموالهم من مشروب ورد أجاج ومرعى نبت وخيم، وجباهم من رسوم الإحسان وعوائده ما لا ينطق لسان على زوائده بترخيم، وملا آمال الأعداء عن التطرّق إليه إخفاقا، وردّ نصول سهام مكايدهم عنه على ما عهد من فضل الله سبحانه أفواقا- إذ كان من أجلّ الثغور الإسلامية أوزارا، وأسبقها إلى غاية التفضيل ابتدارا، وأكثرها بمن حواه من صدور الدّين وأئمة المسلمين افتخارا، وأفضلها محلّا ولم يزل مفزع السّفّار من كل جهة رسلا وتجارا- أوجب أن نسند ولايته، ونردّ كلاءته، إلى من يجري في التدبير على حكم سياسته المعلوم، الحسنيّ الآخذ بيد المظلوم، ويقوم بحسن التفويض والائتمان، ويعطي بدل السّلامة من حقوق انتقامه عهدة الأمان، ويسلك فيما يعدق به طريق السّداد ويلزم نهجه، ولا يمكن أن يكون له على غير الصواب معاج ولا عرجة؛ ويأخذ في كل أحواله بوثائق الحزم، وتحلّ له أعماله الصالحة من مثوى المنازل الرفيعة ما هو على غيره من الحرام الجزم.
ولما كان الأمير المعنيّ بهذا الوصف الواضح البيان، المتكافئة في ذكر مناقبه شهادة السّماع والعيان، الكاليء ما يناط به بقلب ألمعيّ وطرف يقظان، الحالّ من الورع في أسمى مكان وأعلى مظان، الجامع في إقامة شرع الإخلاص بين الفرائض والسّنن، الموفية عزائمه على مضارب المهنّدة التي لا تقي منها مانعات الجنن، الفائح من نبئه ما تؤثر صحاح الأنباء عن عليل نسيمه، الجدير بما يزفّ إليه من عقائل جزيل الإنعام وجسيمه؛ وقد أبان في ولايته بمطابقته بين شدّته ولينه، وإقامة منار الإنصاف المعرب عن امتداد باعه في الحرب وانقباض يمينه، وإروائه كافّة أهلها من نمير العون على استتباب الأمور ومعينه- خرج أمر الملك العادل بتقليده ولاية ثغر الإسكندرية حماه الله تعالى والبحيرة «1»
(11/56)

فليتقلّد ما قلّده إيّاه، ويباشره منشرحا صدره متهلّلا محيّاه، وليعتمد على تقوى الله التي هي خير عتاد، وأفضل ما اعتمد عليه في الحياة الدّنيا ويوم يقوم الأشهاد؛ وهي نجاة أهل اليقين، وفوز المتقين، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
«1» وليبالغ في نشر راية العدل ومدّ جناحه، وتعفية أذى الجور واجتياحه، وليشمل الصغير والكبير من أهل هذه الولاية برداء النّصفة، ويعاملهم بالجميل الموفي على الصّفة، ويقم الحدود على مستوجبيها، وينته إلى الغاية في تجنّب إضاعتها وتوقّيها، وليدلّ على المفسدين عين من يتتّبع وقوعهم في قبضته ويتطلّب، ويقابل كلّا منهم بما يرى متعقّبا بإيماض برق المعاقبة غير خلّب «2» ، ولا يبق ممكنا في التنقيب على مرتكبي الآثام، والمرتكنين على سفك الدم الحرام؛ ومن ظفر به منهم فليحكّم فيه شبا «3» ظفر الانتقام ونابه، وليجر على عادته فيما يسيّر عنه أحسن السّمعة، ويشهد له بالتنزّه عن خبيث الطّعمة وقبيح الطّمعة، ويشدّ من القاضي متولّي الحكم فيما يصدره ويورده، ويحلّه ويعقده، ويمضيه من الأحكام الشرعية، ويعتمده في القضايا بما لديه من الألمعيّة، ويعاضد المستخدمين في الأموال معاضدة تثمّره، وتنمّي الارتفاع وتوفّره، وتعود على الديوان بالحظّ الوافي، وتعرب عن كونه بمثل هذه الولاية نعم الكفء الكافي، ويعامل التّجار على تباين بلدانهم، واختلاف ألسنتهم وألوانهم، معاملة يجمل أثرها ويحسن، ويتلقّهم ببشر وطلاقة تنطق بشكر استبشارهم بها الألسن،
(11/57)

ويحفظهم في أنفسهم وبضائعهم، ويستنفد الوسع في دفع مضارّهم وروائعهم، وبعتمد بعث رجاله على الاستعداد للجهاد، والتأهب لقراع الأضداد، وينته إلى الغاية فيما يزيل منهم اعتذارا ويزيح اعتلالا، ويوجب لهم الاقتدار على مكافحة عدوّ إن طرق الثّغر والعياذ بالله تعالى.
وهذه نسخة بولاية برقة، وهي:
من حقّ الأطراف المتناهية في بعد أقطارها، والبلاد الشاسعة عن ثواء المملكة ومحلّ استقرارها، التي انتظمت في سلك أعمال المملكة الناصريّة وانخرطت، واستدركت معدّاتها لمن حوته فوائت الفوائد التي سلفت وفرطت- أن يديم أكيد الاهتمام لها التحصين والتحسين، ولا يغبّ أهلها ما يغشاهم من الملاحظات مصبحين وممسين، وتزجي لها سحائب كرم التعهّد عهاده غدقا، ويعمل الأولياء في حياطتها من الغمود ألسنة ويذكون دونها من القنا حدقا، ويفوّض أمورهم إلى من تخفّ على يده كلفتهم، وتجتمع بحسن سيرته ألفتهم، ويشتمل من عنايته عليهم اشتمال الصدفة على القلوب، وتنيلهم مهابته من كفّ عدوى العدا كلّ مؤثر مطلوب.
ولما كنت أيّها الأمير من أميز سالكي هذه الطرائق، وأمثل فرسان الحروب وحماة الحقائق، واشجع المجاهدين في الله حقّ جهاده، وأجسرهم على إصلاء الشّرك ضرام فتك لا يخشى إصلاد «1» زناده، ولك السياسة التي ترتّب بين الأسود والظّباء اصطحابا، والمخالصة التي لا تناجى إذا وصفت بالتغالي فيها ولا تحابى- خرج أمر الملك العادل بكتب هذا المنشور لك بما أنعم عليك بولايته وإقطاعه: وهو برقة بجميع أعمالها وحقوقها: من العقبة الصّغرى وإلى
(11/58)

آخر حدودها، وبما أمر به كافّة العربان المقيمين بهذه البلاد، وجميع أهلها من حاضر وباد: من الإعلان لك بشعار الطاعة، وصون ما يلزمهم أداؤه إليك من فروض النّصح عن الإضاعة، وأن يبذلوا في موافقتك غاية الاجتهاد، ويعتمدوا من امتثال مراسمك أحسن اعتماد، ويحذروا من العدول عن أمرك، ويجتنبوا مخالفة نهيك وزجرك؛ فاستمسك بحبل التقوى الفائز من يعتصم به ويتعلّق، واستشعر من خيفة الله ما يشرق لأجله عليك نور الرّضوان ويتألّق. قال الله تعالى في كتابه المكنون: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
«1» وعامل أهل هذه الولاية بالإنصاف، وإيّاك ومكروه العدول عن محجّة العدل والانحراف، وتوقّ العسف بهم والحيف عليهم، واجتنب الترخيص لأصحابك في مدّ يد أحد منهم بعدوان إليهم، وسر فيهم سيرة ترؤف بهم وترفق، وجانب سبيل من تقوم عنده أسواق اختلاق المتخرّصين وتنفق، ولا تخرج في تدبير الأمور عن قانون الشّريعة، ولا تجعل لك إلى فوز الآخرة عن تقديم العمل الصالح من ذريعة، وغلّ عنهم أيدي حاضري المفسدين وأياديهم، وأبنهم بالمهابة عن إصرارهم على المنكرات وتماديهم، وكل بهم عزما رادعا لهم وازعا، ونكّل بمن ظفرت به منهم تنكيلا يزجر من يظلّ بحر الضّلال نازعا، وشدّ من خلفاء الحكم العزيز في تنفيذ قضاياه، وخصّهم من الكرامة بما تقتضيه إقامة مناره وإنارة مزاياه، واعتمد ما يعيد الحقائق بوجوه ناضرة، ويرّد الأباطيل بصفقة خاسرة، وراع أمور التّجّار والحجّاج مراعاة تشملهم في السفر والإقامة، وتحميهم من تطرّق استهانة إلى أحد منهم واستضامة، وطالع بما يتجدّد من أحوال خدمتك، وما يحتاج إلى علمه من جهتك، إن شاء الله عز وجلّ.
وهذه نسخة بولاية الفرما «2» ، وهي:
(11/59)

نحن- لما ضاعفه الله لدينا من إحسانه وأجزله، وعدقه «1» بنا من تدبير أمور الخلق وأسنده إلينا ووكله- نعتمد عبيدنا بتوفير الرّعاية لهم والإكرام، ونحافظ على ما يغمرهم من شامل الإفضال وسابغ الإنعام، فنقدّم للخدم من خطبها بخلوص طاعته، ونؤهّل للرّتب من أبانت شيمه عن خبرته ومناصحته.
ولمّا كنت أيّها الأمير ممن ظهرت مشايعته وموالاته، وحسنت في مكافحة الأعداء مشاهده ومقاماته، ووضحت في أفعاله دلائل النّصح وبانت عليه سماته، ولك مساع مشكورة، ومواقف مشهورة، ومقاصد هي من مآثرك معدودة وفي فضائلك مذكورة، رأينا- وبالله توفيقنا- استخدامك في ولاية الفرما والجفار «2» : سكونا إلى رضا مذهبك، وثقة بانتظام الحال فيما يردّ إليك ويناط بك؛ وخرج أمرنا إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجلّ بتقليدك الولاية المذكورة وتضمينه ما نأمر به ونرسمه، مما يهديك إلى الصواب فتتمسّك به وتعكف عليه وتلزمه.
فتقلّد ما قلّدته شاكرا على هذه النّعمى، عاملا بطاعة الله تعالى ومراقبته في السر والنجوى، واعتدّها زادا إلى الآخرة تطمئن به القلوب وتقوى؛ قال الله عز من قائل في كتابه: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
«3» واعتمد في أهل هذه الولاية نصفة تعمّهم ومعدلة، وسسهم سياسة تكون لسنّة الخير مؤكّدة ولسنّة الجور مبدّلة، وماثل في الحق بين قويّهم وضعيفهم، ولا تجعل مزيّة في الواجب لشريفهم على مشروفهم، وانتصف للمظلوم من المتعدّي الظالم،
(11/60)

واعمل بالكتاب والسنّة في الحدود التي تقيمها على ذوي الجرائر والجرائم، وانتصب لحفظ الطّرقات، وصون الصادرين والواردين في جميع الأوقات، ونكّل بمن تظفر به من المفسدين، واجعله عظة لأمثاله من الظالمين والمعتدين، وعاضد النائب في الحكم العزيز معاضدة تقضي بإعزاز الجانب، وساعده مساعدة تنفذ بها أحكامه على قضيّة الواجب، وكذلك متولّي الدّعوة الهاديّة «1» فهي مصباح الزمان، وبإشادة ذكره تقوى دعائم الإيمان؛ فاجتهد في تمييز متولّيها وإكرامه، وبلّغه في ذلك غاية مطلوبه ومرامه، وتوفّر على الشدّ من المستخدمين في الأموال، وراع [ما يحسن] «2» لدينا فيما تنظر فيه من الأعمال، واحرص على ما عاد بوفور ارتفاعها، وأجر أحوالها على أفضل رسومها وأوضاعها، بحيث يكون العدل منبسطا منبثّا، والحيف منحسما مستأصلا مجتثّا، وأجمل صحبة الرجال المستخدمين معك، وأحسن معاشرتهم مع مطالبتهم بملازمة الخدمة، واستنهاضهم في الأمور الشاقّة المهمّة، فاعلم هذا واعمل به، وطالع بما تحتاج إلى المطالعة به، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة بولاية عسقلان «3» ، وهي:
من شيمنا التي غدت للمصالح ضوامن، وعلت فكلّ متطاول عندها متطامن «4» ، وهممنا الكافلة [للرعيّة] «5» بما يقرّ عيونها، والقاضية للخاصّة والعامّة بما يوجب طمأنينتها وسكونها- أنعمنا النظر فيما نرعاها به ونسوسها،
(11/61)

وأعملنا الفكر فيما يستقيم به أمرها ويزول معه بوسها، فيقف [بنا] الاجتهاد في ذلك على محجّة الصواب التي لا ضلال في سلوكها، ويفضي منا الحرص إلى غاية لم يبلغها أحد من مدبّري الدول وملوكها، فننتخب لخطير الخدم من كان قؤوما بها مستقلّا بآصارها، وننتجب لجليل الرّتب الأعيان من أمراء دولتنا وأنصارها، حفظا لما استحفظناه من أمور العباد والبلاد، ورفعا لعماد الصّلاح وحسما لموادّ الفساد.
ولمّا كنت أيها الأمير من الأولياء الذين صفت في المخالصة ضمائرهم، وحسنت في الطاعة عقائدهم وسرائرهم، ونالوا من نبيه الحظّ ما أطنب الواصف فيما يذكره منه ويرويه، وأحمدوا المناصحة فيما رقوا فيه من درج التنويه، وقد استكفيت مهمّات من الخدم فكفيت همّها وخفّفت ثقلها، وأهّلت لولايات سنيّة فحملت كلّها، وكنت مستحقّا لها وأهلها؛ فلك مواتّ حميدة من حسن المقاصد ومشكور المساعي، وحرمات أكيدة ظلّت على اصطفائك من أوفى البواعث وأقوى الدّواعي؛ وكانت مدينة عسقلان- حماها الله تعالى- ثغر الإسلام الذي لا ثغر له في الشام سواه، والرّباط الذي من كان به فقد نال الثواب الجزيل وأحرزه وحواه، وهو في عيون الكفار- خذلهم الله- نكتة «1» وأسباب طمعهم فيه منقطعة بمحاماته منبتّة؛ ونحن نوفّر اهتمامنا عليه رعاية لمكانه المكين، وننتصي «2» الكفاة لتولّيه توصّلا إلى النّكاية في المشركين؛ وهو معقل للمسلمين المجاهدين وردّ «3» ، ومجاوروه قوم لدّ، وأمرهم أمر إدّ «4» ؛ فيجب أن يرتاد لضبطه النّدب «5» الذي لا تهتبل غرّته، ويسام لحفظه العضب «6» الذي لا
(11/62)

تتّقى ضربته، ويختار لصونه الشهم الذي تقف على المصالح همّته، وتنفذ فيها عزمته.
وحين كانت هذه الصفات فيك موجودة، وظلّت محسوبة من خلالك معدودة، رأينا- وبالله توفيقنا- ما خرج به أمرنا إلى ديوان الإنشاء من كتب هذا السجلّ بتقليدك ولاية هذا الثغر وضواحيه، وعمله ونواحيه، ثقة بمشهور مضائك، وعلما بإبرارك على نظرائك.
فتقلّد هذه الخدمة عارفا قدر ما خوّلت منها، وعاملا بتقوى الله وخيفته في جميع ما تأمر به وتنهى؛ فإن تقواه الجنّة الواقية، وإن خيفته الذّخيرة الباقية؛ وقد وعد الله المتقين بتيسير الأمور، وتكفير السّيئات وإعظام الأجور؛ قال الله عزّ من قائل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً
«1» ثم قال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً
«2» واستعمل العدل في جميع من يشتمل عليه عملك، ويجري عليه تولّيك ونظرك، وساو في الحق بين الضعيف والقويّ، وماثل في الحكم بين القريب والقصيّ؛ وإذا ثبت على شريف حقّ فلا تحابه لرتبته، وإذا ثبت لوضيع فخذه ممّن لزمه واستقرّ في جهته.
واعتمد من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ما يستنطق بالثناء عليك ألسنة المادحين وينظمك فيمن عناهم الله تعالى بقوله: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ
«3» وأقم الحدود على من لزمته بما أمر الله به إقامة [تجري بها] «4» مجراها،
(11/63)

وتوقّ الزيادة فيها والنقص توقّي من يتمثّل المجازاة كأنه يراها. وهذا الثغر لمحلّه وسموّ مقداره، وقرب العدوّ منه ودنوّ داره، لا يقنع له بمركزيّته، ولا يكتفى في حقّه بمرابطيّته وقراريّته؛ فنحن نسيّر إليه العساكر المظفّرة دفعتين في كل سنة على حكم البدل: فيرده عسكر جديد مزاح العلة، كثيف العدّة، وافر العدّة، يؤثر أن يظهر أثره، ويحافظ على ما يطيب به ذكره وخبره؛ فبثّ السرايا وشنّ الغارات، وضيّق على العدوّ فسيح النّواحي والجهات، وجهّز إليه من يخيفه في مآمنه، وابعث عليه من يطرقه في أحرز أماكنه، واندب من يطالعك بخفيّ أخباره، ويظهر لك باطن أموره ومستور أسراره: لتنتهز فيه الفرصة إذا لاحت مخايلها، وتبادر الغفلة منه إذا ظهرت دلائلها، واجعل للمتطوعين من الكنانيّين نصيبا من ثواب الجهاد، واحملهم على استفراغ الوسع بغاية الحرص والاجتهاد، وافعل في هذا الباب ما تتضاعف به موادّ الأجر، وتنتسخ به الأوزار كما ينتسخ الظلام بضياء الفجر، واعضد متولّي الحكم العزيز عضدا يعلي أمره ويشدّ أزره، ويحرس نظامه، وينفّذ قضاياه وأحكامه، وكذلك متولّي الدعوة الهادية- ثبتها الله تعالى- فاعتمده بما يشرح صدره فيما يوضّحه للمؤمنين، ويهدي به المستجيبين والمتديّنين، ووفّر موفّر اهتمامك على مرافدة من يتولّى أمر المال وما يجري في الخاصّ لتدرّ أخلافه «1» ، ويزكو ارتفاعه، وتغزر مادّته، ويتوفّر مستخرجه، ويحتمي من خيانة وتحيّف، ويسلم استيداؤه من تريّث وتوقّف، واستنهض الرجال المستخدمين في الأمور السّوانح، وصرّفهم فيما ترى تصريفهم عليه من أسباب المنافع والمصالح، واستمطر الإحسان لمن أحمدت طريقته، وقوّم بالتأديب من ذممت فعله وكرهت سيرته، فاعلم هذا واعمل به، وطالع بما يحتاج إلى المطالعة بمثله، إن شاء الله عز وجل.
ومن المكتتب بالوظائف الديوانية من هذه المرتبة نسخة توقيع بنظر
(11/64)

الدّواوين «1» ، وهي:
أحقّ الأعمال بأن ينعم فيها النظر الشافي، ويندب لحمل عبئها الأمين الكافي، ويحال النظر في تقليدها للقيّم بأمرها، ويعمل الرأي لارتياد القويّ على ضبطها وحصرها، ما كان منها جامعا لمصالح الدولة، حائزا لمهامّ المملكة: وهي أعمال الدّيوان، والنظر في حفظ وجوه الأموال وما يعين على استنمائها، ويعود بالزيادة في أصول أبوابها؛ إذ كان ذلك ملاك الأمور، وزمام التدبير في حفظ الجمهور، والمعونة العظمى على الاستكثار من الرجال الذين بهم يتمّ حفظ البلاد وحماية الثّغور.
ولمّا سلّطنا البحث على استصلاح من نؤهّله لهذه المنزلة، واستخلاص من نحلّه بهذه المرتبة، أدّانا الاختبار والانتقاد، وانتهى بنا الاعتيام والارتياد، إلى اختيار الشيخ فلان: حين سفرت له النّباهة في الكفاية، والوجاهة في الخبرة والدّراية، وجب.... «2» على اختصاصه بالفضل الذي تحلّى بأدبه، والعفاف الذي اشتهر من مذهبه، من الخصال الحميدة، والخلال الرّشيدة، والفضائل الموروثة والمكتسبة، والخلائق المنتقاة المهذّبة، ورأيناه أهلا لإحلال هذه المكانة، وعدلا قيّما باحتمال هذه الأمانة، وعلمنا أن الصنيعة عنده زاكية المغارس، والنعمة المفاضة عليه ضافية الملابس؛ فقلّدناه أمر الديوان بحلب وما معها من البلاد المضافة إليها والداخلة في حكمها: قاصي ذلك ودانيه، وأواسطه وحواشيه، مقدّمين الاستخارة فيما نبديه من قول، ونعزم عليه من فعل.
وأمرناه أن يستشعر تقوى الله سبحانه فإنّها الجنّة الواقية، والذخيرة النافعة الباقية، ويعتلق أسبابها فإنها المنجّية من المهالك، الهادية إلى السّبل الواضحة
(11/65)

إذا اشتبهت المسالك، محقّقا ما توسّمناه فيه من مخايل الأصالة، ودلائل الجزالة، مصدّقا ما استلمحناه من كفايته وغنائه، واستوضحناه من استقلاله واستقصائه، وأن يبدأ فيرتّب في كل معاملة أمينا من الثّقات الكفاة، مشهودا له بالنّهضة والأمانة المستوفاة، وأن يزمّ «1» الأعمال القاصية والدانية، والبلاد القريبة والنائية، بالضبط المستقصي، والحفظ المستوفي، وبمن يرتّبه عليها من الكتّاب الأمناء، ويستصلحه لها من الحفظة النّصحاء، ويتتبّع حال من بها من النّوّاب:
فمن شهدت له التجربة بالكفاية، ودلّ الاختبار منه على العفّة والأمانة، استدامه في خدمه المنوطة به، وطالع من حاله بما يقضي له حسن النظر بحسبه، ومن ألفاه متنكّبا سبيل الأمانة، مقارفا طريق العجز والخيانة، بادر إلى الاستبدال به، وعجّل قطع ما بينه من الخدمة وبين سببه، وأن يسترفع البواقي من الأموال، في سائر الجهات والأعمال، إلى آخر التاريخ الذي تليه مباشرته، ويتصل بآخره مبدأ نظره وفاتحته، موشّحة أوراق ذلك بخطوط الأمناء، مفصلة جهاته بأسماء المعاملين والضّمناء، حتّى إذا حملت إليه، وصارت حجّة على رافعها في يديه، طالبه بمواقفة من هو في ذمّته، وتقدّم بعد تصديقه على ذلك بمضايقته بعد المطالعة بجليّ الحال وحقيقته. ثم يسترفع من مستوفي الديوان وعمّاله شروط الضّمّان ورسومهم، وقواعدهم في الضمان وعوائدهم: ليكون علم ذلك عنده مبيّنا، ووقت مساس «2» الحاجة إليه حاضرا، ويطالب بجرائد «3» الضّياع خاصّها ومقطعها المشتملة على ذكر رسومها وحقوقها، وعدد فدنها ومقاسها، وجرائد الخراج اللازم لأرباب الأملاك على أملاكهم، وتحقيق المصفوح عنه والمسامح به والباقي على الأداء في جهته، وجرائد الجزية مفصّلة في نواحيها، وأسماء أربابها إلى حين رفعها- وأن يطالب نوّاب الجزية في كل شهر بختمة
(11/66)

تتضمّن ذكر مصارف ما يحوّل إليهم، وإقامة وجوه المال الذي جمع عليهم، مفصّلة مميّزة الابتياعات عن الإطلاقات «1» ، والضّيافات عن السّفرات والإصطبلات، وكذلك نوّاب الأهراء يسترفع منهم ما يدلّ على مثل ذلك، وسائر المتولين في سائر الخدم يطالبهم بهذه المطالبة، ويضيّق عليهم في مثل ذلك سبيل المغالطة والمواربة، ويجعل مؤاخذتهم بذلك من الأمور الراتبة، والوظائف اللازمة الواجبة، حتى يتبيّن له الكافي من العاجز، والأمين من الخائن.
وليتأمّل وجوه الإخراجات، ومبلغ الإطلاقات والإدرارات، ويسترفعه من مظانّه مفصّلا بجهاته، منسوبا إلى أربابه، ويتقدّم بكتب مؤامرة جامعة لذلك التفصيل، دالة على المقدار المطلق في كل سنة محكّم النظر الدقيق دون الجليل، وليعتمد في إطلاق ما يطلق منها على سبيل ما يوقع به عند ذلك، وليكن هذا من الأمور الجارية على العادة والرسم، ويلزمه كلّ من نوّاب الديوان.
ومن المكتتب منها بالوظائف الدينية نسخة تقليد بولاية الحسبة «2» ، من إنشاء الوزير ضياء الدين بن الأثير، وهي:
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
«3» هذا أمر يشتمل على معنى الخصوص دون العموم، ولا يختصّ به إلا ذوو
(11/67)

الأوامر المطاعة أو ذوو العلوم؛ وقد منحنا الله هذين الوصفين كليهما، وجعلنا من المسخلفين عليهما.
فلنبدأ أوّلا بحمده الذي هو سبب للمزيد، ثم لنأخذ في القيام بأمره الذي هو على كلّ نفس منه رقيب عتيد؛ ولا ريب أن إصلاح العباد يسري إلى الأرض حتّى تزكو بطونها، وتنمو عيونها، ويشترك في بركات السماء ساكنها ومسكونها؛ والأمر بذلك حمل إن لم تتوزّعه الأكفّ ثقل على الرقاب، وإذا انتشرت أطراف البلاد فإنها تفتقر إلى مساعدة من مستنيب ومستناب؛ وقد اخترنا لمدينة كذا رجلا لم نأل في اختياره جهدا، وقدّمنا فيه خيرة الله التي إذا صدقت نيّتها صادفت رشدا، وهو أنت أيها الشيخ فلان.
فابسط يدك [بقوّة] «1» إلى أخذ هذا الكتاب، وكن حسنة من حسناتنا التي ثمّ يرجح بها ميزان الثواب، وحقّق نظرنا فيك فإنه من نور الله الذي ليس دونه من حجاب.
واعلم أنّ أمر الشريعة مبنيّ على التيسير لا على التعسير، ولا يضع اللسان موضع السوط إلا من أوتي زيادة في التفسير؛ وفي سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مندوحة لمن لزمها، وهي هدى لمن عمل بها ونور لمن علمها؛ ويكفي من ذلك قصة الأعرابي الذي أتى حاجته في المسجد فسارع الناس إليه، فنهاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «إنّما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين، ثم دعا بذنوب «2» من ماء فصبّه عليه وقال: يا أخا العرب إنّ المساجد لم توضع لشيء من هذا وإنما وضعت للصّلاة وقراءة القرآن» .
فانظر إلى هذا الرّفق النبويّ الذي شفى وكفى، وعفّى على أثر المعصية لمّا عفا؛ ولو دعا ذلك الأعرابيّ لمثلها لنقل عن لين التهذيب، إلى
(11/68)

شدّة التأديب؛ وكذلك فكن أنت في الرفق الذي حدّثت عنه، ومن عاد فينتقم الله منه.
ونحن نأمرك أن تحتسب أوّلا بلين القول لا بالأنف والنكير، وأن تترفّق في الموعظة التي هي طريق إلى الخشية والتذكير، وأن لا تكون باحتسابك مدلّا بأنّك على الصراط المستقيم، وأن الناس بين يديك على سنن التثقيف والتقويم؛ فإن من أكبر الذنوب ذنب الإعجاب، والأولى لك حينئذ أن تعود على نفسك بالاحتساب «1» ؛ ومن أدبك وأدب أمثالك أن يقف في أمره بالمعروف مع التقوى لا مع هواه، وأن لا يفرّق في إزالة المعصية أن تكون بيده أو بيد أحد سواه؛ وإذا كنت كذلك قرنك الله بمن أنزل السكينة على لسانه ويده، وقوّم له أود الناس لتقويم أوده، والله ينظر إلى قلب ابن آدم لا إلى عمله ولا إلى جسده.
وعليك بالمجاهدين الذين سلب عنهم ثوب العافية، ومن اختفى منك بالاستتار فلا تكشف عن حاله الخافية؛ وأما ذوو الهيئات فإنّ عثراتهم تقال، وأعراضهم لا تذال، ولربّما كان التجاوز عنهم داعيا إلى الانتقال؛ وفي قصة أبي محجن وسعد «2» ما ينبّئك أنّ الحياة أغنى في الازدجار، وفي الناس أذناب لا قدر لها تذبّ عنه ورؤوس تذبّ عمّا لها من الأقدار. وهاهنا من ضروريّات الوصايا ما يؤتى في مثله بتوكيد الأقوال، وأكثر ذلك يدور في المعاملات التي ألفها قوم دون قوم، واستمروا عليها يوما دون يوم؛ وقد أتى منها ما اتّفق على العمل به
(11/69)

كلّ فريق، وأيسر ذلك إزالة النّخامة «1» من المسجد وإماطة الأذى عن الطريق.
وهذه الوصايا كلّها لا تفتقر فيها إلى التوقيف، وأنت عالم بوضع كلمها في مواضعه وغيرك الذي يتعدّى إلى التحريف؛ فامض على السّنن، وأت بالحسن، وسوّ بين حالتيك في السّرّ والعلن، وكن من خوف الله ورجائه بين رحلة سفر وقرارة وطن. وهذا عهدنا إليك تتقمّص اليوم منه رداء جميلا، وستحمل غدا منه عبئا ثقيلا، وقد فرضنا لك عن حقّ سعيك فريضة تجد بها كفافا، وتمنعك أن تمدّ عينيك إلى غيرها استشرافا؛ فإنّ العمل الذي تولّيته يستغرق أوقاتك أن تكون للدنيا كاسبة، وتشغل نفسك بالعمل والنّصب لا أن تكون عاملة ناصبة.
وإذا نظرت إلى ما نيط بك وجدته قد استحصى الزّمن أو كاد، وأنت فيه بمنزلة الباني وقواعده: «وكلّ بناء على قدر بانيه وما شاد» -. ونحن نأمر ولاتنا على اختلاف مراتبهم أن يرفعوا من قدرك، ويسدّدوا من أمرك، وإذا استوعر عليك أمر من الجوانب سهّلوا من وعرك؛ والله أمر أهل طاعته بأن يكون بعضهم لبعض من الأعوان، فقال جل وتعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
«2»
(11/70)

الحالة الرابعة (مما يكتب عن ملوك الديار المصرية من الولايات
ما عليه مصطلح كتّاب الزمان بديوان الإنشاء بالديار المصرية مما يكتب عن السلطان لأرباب السيوف والأقلام وغيرهم من التقاليد والمراسيم والتّفاويض والتواقيع، على ما سيأتي بيانه، وفيه [ثلاثة] «1» مقاصد)
المقصد الأوّل (في مقدّمات هذه الولايات، وفيه مهيعان)
المهيع الأوّل (في بيان رجوع هذه الولايات إلى الطريق الشرعيّ)
قد تقدّم في أوّل الكلام على العهود أنّ السلطنة في زماننا دائرة بين إمارة الاستيلاء: وهي أن يقلّده الخليفة الإمارة على بلاد ويفوّض إليه تدبيرها فيستولي عليها بالقوّة، وبين وزارة التفويض: وهي أن يستوزر الخليفة من يفوّض إليه تدبير الأمور برأيه وفصلها على اجتهاده، وأنها بإمارة الاستيلاء أشبه، على ما تقدّم بيانه هناك. وقد صرح الماورديّ في «الأحكام السلطانية» «2» أنه إذا كمل في المستولي على الأمر بالقوّة بعد تولية الخليفة له مع اشتماله على الصفات المعتبرة في المولّى في الولاية الصادرة عن اختيار الخليفة الإسلام، والحرّيّة، والأمانة، وصدق اللهجة، وقلّة الطمع، والسلامة من الميل مع الهوى، والبراءة من الشّحناء، والذّكاء، والفطنة- جاز له ما يجوز للخليفة من تولية وزارة التفويض وغيرها من سائر النّيابات، وجرى على من استوزره أو استنابه
(11/71)

أحكام من استوزره الخليفة أو استنابه؛ وان لم يستكمل الصّفات المعتبرة في الولاية الصادرة عن اختيار الخليفة، استناب له الخليفة لكل ولاية من تتكامل فيه شروطها.
قلت: وقد كانت ملوك بني بويه وبني سلجوق مع غلبتهم على أمر الخلفاء ببغداد واستيلائهم يقتصرون في تصرّفهم على متعلّقات الملك في الجهاد والتصرّف في الأموال، ويكلون أمر الولايات إلى الخليفة يباشرها بنفسه، وتكتب عنه العهود والتقاليد على ما تشهد به نسخها الموجودة من إنشاء الصابي «1» وغيره- وكذلك الخلفاء الفاطميّون بمصر عند غلبة وزرائهم على الأمر من لدن خلافة المستنصر وإلى انقراض خلافتهم من الديار المصرية، كالصالح طلائع بن رزّيك «2» في وزارته للفائز والعاضد، ونحو ذلك: فإنّ الخليفة هو الذي كانت الولايات تصدر عنه تارة بإشارة الوزير، وتارة بغير إشارته، على ما تشهد به نسخ السّجلّات المكتتبة في دولتهم، على ما تقدّم بيانه في الفصل الأوّل من هذا الباب. على أنّ أصحابنا الشافعية وغيرهم من أئمة الفقهاء- رحمهم الله- قد صحّحوا الإمامة بغلبة الشوكة والاستيلاء على الأمر بالقهر دون استكمال شروط الإمامة، تصحيحا للأحكام الشرعية الصادرة عن المستولي بالشوكة: من العقود والفسوخ وإقامة الحدود وغيرها، على ما هو مذكور في باب الإمامة، وحينئذ فتكون جميع الولايات الصادرة عن السلطان صحيحة شرعا وإن لم يستنبه عنه الخليفة؛ وكذلك ما يترتب عليها، على ما الأمر جار عليه الآن.
(11/72)

المهيع الثاني (فيما يجب على الكاتب مراعاته في كتابة هذه الولايات)
واعلم أنه يجب على الكاتب في ذلك مراعاة أمور.
الأمر الأوّل- براعة الاستهلال بذكر اسم المولّى أو نعته أو لقبه أو الوظيفة
، أو حال الولاية، مع استصحاب براعة الاستهلال إلى آخر الخطبة ونحوها من الافتتاحات، كما أشار إليه الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ رحمه الله في كتابه «حسن التوسل» «1» كما تقدّم ذكره في الكلام على البيعات والعهود.
الأمر الثاني- مراعاة قطع الورق
«2» في الجملة لكلّ ما يكتب من ديوان الإنشاء من المكاتبات والولايات وغيرها. والذي يختص بهذا المكان ذكر مقادير قطع الورق فيما يتعلّق بهذه الولايات خاصّة، وهي خمسة مقادير:- أحدها قطع الثلثين، ويختصّ في الولايات بكبار التقاليد دون غيرها- وثانيها قطع النّصف، وفيه تكتب صغار التقاليد، والمراسيم المكبّرة، والتفاويض، وكبار التواقيع- وثالثها قطع الثلث، وفيه تكتب صغار المراسيم المكبّرة، والتواقيع المتوسطة- ورابعها قطع العادة المنصوري، وفيه تكتب صغار التواقيع والمراسيم التي لأصحابها بعض ميزة لا تنتهي بهم إلى رتبة قطع الثّلث- وخامسها قطع العادة الصغير، وفيه تكتب صغار التواقيع والمراسيم التي هي في الرتبة الأخيرة.
الأمر الثالث- معرفة ما يناسب كلّ قطع من هذه المقادير من الأقلام
. وقد تقدّم في المقالة الثالثة نقلا عن «التعريف» «3» ما لكلّ مقدار من الأقلام.
(11/73)

والمتعلّق بهذا الموضع من ذلك أنّ لقطع الثلثين قلم الثلث الثقيل، ولقطع النصف قلم الثلث الخفيف، ولقطع الثلث قلم التوقيعات، ولقطع العادة مطلقا قلم الرّقاع.
الأمر الرابع- معرفة اللّقب المطابق لرتبة كلّ ولاية وصاحبها
من الألقاب الأصول المتقدّم ذكرها في الكلام على الألقاب من المقالة الثالثة، وهي المقرّ، والجناب، والمجلس، ومجلس كذا على الإضافة، وما يناسب كلّ لقب من هذه الألقاب من الفروع المرتّبة عليها، كوصف المقرّ بالكريم العالي، ووصف الجناب تارة بالكريم العالي، وتارة بالعالي مجرّدا عن الكريم، ووصف المجلس تارة بالعالي، وتارة بالسامي، وإضافة مجلس في حق أرباب السيوف إلى الأمير فيقال: مجلس الأمير، وفي حقّ أرباب الأقلام من العلماء وأصحاب الدواوين إلى القاضي فيقال: مجلس القاضي، وفي حقّ الصّلحاء إلى الشيخ فيقال مجلس الشيخ، وأنّ لمن دون هؤلاء الصّدر، ويوصف بالأجلّ فيقال:
الصّدر الأجلّ، وأن لكل أصل من هذه الأصول فروعا شتّى تترتّب عليه. وتقدّم أيضا في المقالة الرابعة في الكلام على المكاتبات الصادرة عن الأبواب السلطانية بالدّيار المصرية في زماننا إلى أهل المملكة مكاتبة كل واحد ممّن جرت العادة بالمكاتبة إليه، وما يختصّ به من الألقاب الأصول والفروع.
واعلم أنّ الولايات أعمّ من المكاتبات: فقد يكون للشخص ولاية من الأبواب السلطانية وليس له مكاتبة، إذ المكاتبات إنما تكون لقوم مخصوصين من أرباب الولايات. إذا علم ذلك فكلّ من له مكاتبة عن الأبواب السلطانية من أرباب السّيوف والأقلام ممن تقدّم ذكره في الكلام على المكاتبات إذا كتبت له ولاية نعت بألقابه ونعوته التي بها يكاتب عن الأبواب السلطانية؛ إلا أنّ الدعاء المصدّر به المكاتبة يجعل في الآخر دون الأوّل: فإذا كانت المكاتبة إلى أحد «أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم» قيل في ألقابه في الولاية «المقرّ الكريم» إلى آخر ما يقتضيه الحال، ثم يقال: فلان أعز الله تعالى أنصاره؛ وكذلك في
(11/74)

البواقي. أمّا من لم تجر العادة بمكاتبة إليه عن الأبواب السلطانية ممن يولّى عنها فإن لكل طبقة ألقابا تخصهم. ونحن نذكر الألقاب الأصول وما يتفرّع عليها لكلّ طبقة من كل طائفة على الوضع الذي تقتضيه الولايات دون المكاتبات، ليجرى كلّ من أرباب الولايات على ما يناسبه من الألقاب.
وقد علمت فيما تقدّم في الكلام على الألقاب في المقالة الثالثة أن الألقاب على خمسة «1» أنواع:
النوع الأوّل (ألقاب أرباب السيوف)
والمستعمل منها بديوان الإنشاء تسع مراتب:
المرتبة الأولى- المقرّ الكريم مع الدعاء بعزّ الأنصار
، وهي: المقرّ الكريم، العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الزعيميّ، العونيّ، الغياثيّ، المثاغريّ، المرابطيّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظّهيريّ، العابديّ، الناسكيّ الأتابكيّ، الكفيليّ، معزّ الإسلام والمسلمين، سيّد أمراء العالمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، ممهّد الدّول، مشيّد الممالك، عماد الملّة، عون الأمة، ظهير الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين، فلان (باسمه) الفلاني (بلقب الإضافة إلى لقب السلطان) أعزّ الله تعالى أنصاره.
المرتبة الثانية- الجناب الكريم مع الدعاء بعزّ النّصرة
، وهي: الجناب الكريم، العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الزعيميّ، العونيّ، الغياثيّ، المثاغريّ، المرابطيّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظّهيريّ، الكافليّ، الفلانيّ، عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، مقدّم العساكر، ممهّد الدّول، مشيّد
(11/75)

الممالك، عماد الملّة، عون الأمّة، ظهير الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين، فلان (باسمه) الفلاني (بلقب الإضافة إلى لقب السلطان) أعزّ الله تعالى نصرته.
المرتبة الثالثة- الجناب العالي مع الدعاء بمضاعفة النّعمة
، وهي:
الجناب العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، العونيّ، الزعيميّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الظّهيريّ، الكافليّ، الفلانيّ، عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، ممهّد الدّول، مشيّد الممالك، عماد الملّة، عون الأمّة، ظهير الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين، فلان (باسمه) الفلاني (بلقب الإضافة إلى السلطان) ضاعف الله تعالى نعمته.
المرتبة الرابعة- الجناب العالي مع الدعاء بدوام النعمة
، وهي: الجناب العالي الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، المؤيّديّ، الأوحديّ، النّصيريّ، العونيّ، الهماميّ، المقدّميّ، الظّهيريّ، الفلانيّ، عزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، مقدّم العساكر، كهف الملّة، ذخر الدّولة، عماد المملكة، ظهير الملوك والسلاطين، حسام أمير المؤمنين، فلان الفلاني، أدام الله تعالى نعمته.
المرتبة الخامسة- المجلس العالي والدعاء بدوام النعمة
، وهي:
المجلس العالي الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، العونيّ، الأوحديّ، النّصيريّ، الهماميّ، المقدّميّ، الظهيريّ، الفلانيّ، عزّ الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، مقدّم العساكر، كهف الملّة، ذخر الدولة، ظهير الملوك والسلاطين، حسام أمير المؤمنين، فلان الفلاني، أدام الله تعالى نعمته.
المرتبة السادسة- المجلس الساميّ بالياء، والدعاء بدوام التأييد ونحوه
، وهي: المجلس الساميّ، الأميريّ، الكبيريّ، الذّخريّ، النّصيريّ، الأوحديّ، المؤيّديّ، الفلانيّ، مجد الإسلام، بهاء الأنام، شرف الأمراء، ذخر
(11/76)

المجاهدين، عضد الملوك والسلاطين، فلان الفلانيّ، أدام الله تأييده.
المرتبة السابعة- السامي بغير ياء «1» ، والدعاء أدام الله رفعته ونحو ذلك،
وهي: المجلس السامي، الأمير، الأجلّ، الكبير، الغازي، المجاهد، المؤيّد، الأوحد، المرتضى، فلان الدين، مجد الإسلام، بهاء الأنام، فخر الأمراء، زين المجاهدين، عمدة الملوك والسلاطين، أدام الله رفعته.
المرتبة الثامنة- مجلس الأمير، والدعاء أدام الله سعده ونحوه
، وهي:
مجلس الأمير، الأجلّ، الكبير، الغازي، المجاهد، المؤيّد، الأوحد، المرتضى، فلان الدين، مجد الأمراء، زين المجاهدين، عدّة الملوك والسلاطين، فلان الفلاني، أدام الله سعده.
المرتبة التاسعة- الأمير مجرّدا عن المضاف إليه
، وهي: الأمير، الأجلّ، وربّما زيد فيه فقيل الكبير، المحترم، ونحو ذلك.
النوع الثاني (ألقاب أرباب الوظائف الديوانية، وهي على ستّ مراتب)
المرتبة الأولى- الجناب العالي مع الدعاء بمضاعفة النّعمة؛ وفيها أسلوبان:
الأسلوب الأوّل- ألقاب الوزير
وهي: الجناب العالي، الصاحبيّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، الأوحديّ، الأكمليّ، القواميّ، النّظاميّ، الأثيريّ، البليغيّ، المنفّذيّ، المسدّديّ، المتصرّفيّ، الممهّديّ، العونيّ، المدبّريّ، المشيريّ، الوزيريّ، الفلانيّ، صلاح الإسلام والمسلمين، سيّد الوزراء في العالمين، رئيس الكبراء، كبير الرؤساء، أوحد الأصحاب، ملاذ الكتّاب، قوام الدّول، نظام الملك، مفيد المناجح، معتمد المصالح، مرتّب
(11/77)

الجيوش، عماد الملّة، عون الأمة، مشير الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين، فلان الفلاني، ضاعف الله تعالى نعمته.
الأسلوب الثاني- ألقاب كاتب السرّ
، عند ما استقرّ ما يكتب له تقليدا في قطع الثلثين، وهي: الجناب العالي، القاضويّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، العلّاميّ، الأفضليّ، الأكمليّ، البلبغيّ، المسدّديّ، المنفّذيّ، المشيّديّ، العونيّ، المشيريّ، اليمينيّ، السّفيريّ، الأصيليّ، العريقيّ، الفلانيّ، صلاح الإسلام والمسلمين، سيد الرؤساء في العالمين، قدوة العلماء العاملين، جمال البلغاء، أوحد الفضلاء، جلال الأصحاب، كهف الكتّاب، يمين المملكة، لسان السّلطنة، سفير الأمّة، سليل الأكابر، مشير الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين، فلان الفلاني، ضاعف الله تعالى نعمته.
قلت: وقد كان رتبته: المجلس العالي عند ما كان يكتب له توقيع في قطع النّصف.
المرتبة الثانية- المجلس العالي مع الدّعاء بدوام النعمة
؛ وفيها أربعة أساليب:
الأسلوب الأوّل- ألقاب كاتب السرّ
«1» على ما كان الأمر عليه في كتابة توقيع في قطع النصف، ويدعى له: أدام الله نعمته، وهي: المجلس، العالي، بالألقاب المتقدّمة له مع الجناب العالي، على ما استقرّ عليه الحال.
الأسلوب الثاني- ألقاب ناظر الخاص
«2» ، وهي: المجلس العالي القاضويّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الأوحديّ، الأكمليّ، الرّئيسيّ، البليغيّ،
(11/78)

البارعيّ، القواميّ، النّظاميّ، الماجديّ، الأثيريّ، المنفّذيّ، المسدّديّ، المتصرّفيّ، الفلانيّ، جمال الإسلام والمسلمين، سيد الرؤساء في العالمين، قوام المصالح، نظام المناجح، جلال الأكابر، قدوة الكتّاب، رئيس الأصحاب، عماد الملّة، صفوة الدولة، خالصة الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين، فلان الفلانيّ، أدام الله تعالى نعمته.
الأسلوب الثالث- ألقاب وزير دمشق إذا صرّح له بالوزارة
، وهي:
المجلس العالي، الصاحبيّ، الوزيريّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الأوحديّ، القواميّ، النّظاميّ، الماجديّ، الأثيريّ، المشيريّ، الفلانيّ، صلاح الإسلام والمسلمين، سيد الوزراء في العالمين، رئيس الكبراء، كبير الرؤساء، بقية الأصحاب، ملاذ الكتّاب، عماد الملة، خالصة الدولة، مشير الملوك والسلاطين، خالصة أمير المؤمنين، فلان الفلاني، أدام الله تعالى نعمته.
الأسلوب الرابع- ألقاب ناظر النّظّار بالشام
«1» ، إذا لم يكن وزيرا، وهي:
المجلس العالي، القضائيّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الأوحديّ، الرّئيسيّ، الأثيريّ، القواميّ، النّظاميّ، المنفّذيّ، المتصرّفيّ، الفلانيّ، مجد الإسلام والمسلمين، شرف الرؤساء في العالمين، أوحد الفضلاء، جلال الكبراء، حجّة الكتّاب، صفوة الملوك والسلاطين، خالصة أمير المؤمنين، فلان الفلاني، أدام الله تعالى نعمته.
المرتبة الثالثة- المجلس الساميّ بالياء مع الدعاء بدوام الرفعة
وما في معناها، وهي: المجلس الساميّ، القضائيّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، العالميّ،
(11/79)

الفاضليّ، الكامليّ، الرئيسيّ، الأوحديّ، الأصيليّ، الأثيريّ، البليغيّ، الفلانيّ، مجد الإسلام، شرف الرؤساء في الأنام، زين البلغاء، جمال الفضلاء، أوحد الكتّاب، فخر الحسّاب، صفوة الملوك والسلاطين، أدام الله تعالى رفعته.
فإن كان من كتاب الإنشاء، أسقط منه «فخر الحسّاب» .
المرتبة الرابعة- السامي بغير ياء، مع الدعاء بدوام الرّفعة
ونحوه أيضا، وهي: المجلس السامي، القاضي، الأجلّ، الكبير، الصّدر، الرئيس، الأوحد، البارع، الكامل، الأصيل، الفاضل، فلان الدين، جمال الإسلام، بهاء الأنام، شرف الأكابر، زين الرؤساء، أوحد الفضلاء، زين الكتّاب، صفوة الملوك والسلاطين، أدام الله تعالى رفعته.
المرتبة الخامسة- مجلس القاضي
، وهي: مجلس القاضي، الأجلّ، الكبير، الفاضل، الأوحد، الأثير، الرّئيس، البليغ، العريق، الأصيل، فلان الدين، مجد الإسلام، بهاء الأنام، شرف الرؤساء، زين الكتاب، مرتضى الملوك والسلاطين، أدام الله رفعته.
المرتبة السادسة- القاضي
، وهي: القاضي الأجلّ. وربّما زيد في التعظيم الصّدر، الرئيس، الكبير، ونحو ذلك.
النوع الثالث (ألقاب أرباب الوظائف الدّينية- وهي أيضا على ستّ مراتب)
المرتبة الأولى- الجناب العالي
- وهي لمن استقرّ له كتابه تقليد في قطع الثلثين من قضاة القضاة بالدّيار المصرية وهو الشافعيّ؛ وهي: الجناب العالي، القاضويّ، الشّيخيّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الأفضليّ، الأكمليّ، الأوحديّ، البليغيّ، الفريديّ، المفيديّ، النّجيديّ، القدويّ، الحجّيّ، المحقّقيّ، الورعيّ، الخاشعيّ، الناسكيّ، الإماميّ، العلّاميّ، الأصيليّ،
(11/80)

العريقيّ، الحاكميّ، الفلانيّ، جمال الإسلام والمسلمين، شرف العلماء العاملين، أوحد الفضلاء المفيدين، قدوة البلغاء، حجّة الأمّة، عمدة المحقّقين، فخر المدرّسين، مفتي المسلمين، جلال الحكّام، بركة الدولة، صدر مصر والشام، معزّ السنّة، مؤيّد الملة، شمس الشريعة، رئيس الأصحاب، لسان المتكلمين، حكم الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين، فلان (بنسبه) أعز الله تعالى أحكامه.
وكذلك قاضي القضاة الحنفيّ بالديار المصرية عند ما استقرّ المكتوب له تقليدا.
المرتبة الثانية- المجلس العالي
؛ وبها كان يكتب لقاضي القضاة الشافعيّ قبل أن يستقرّ ما يكتب له تقليدا، بالألقاب والنّعوت السابقة له مع الجناب؛ وكذلك الثلاثة الباقون باختصار في الألقاب والنّعوت؛ وهي:
المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الأفضليّ، الأكمليّ، الأوحديّ، البليغيّ، الفريديّ، المفيديّ، النّجيديّ، القدويّ، الحجّيّ، المحقّقيّ، الإماميّ، الأصيليّ، العريقيّ، الحاكميّ، الفلانيّ، جمال الإسلام والمسلمين، سيّد العلماء العاملين، أوحد الفضلاء المفيدين، قدوة البلغاء، حجة الأمّة، عمدة المحدّثين، فخر المدرّسين، مفتي المسلمين، جلال الحكّام، حكم الملوك والسلاطين، فلان الفلاني (بنسبه) أعزّ الله تعالى أحكامه.
المرتبة الثالثة- المجلس الساميّ
بالياء، وهي: المجلس الساميّ، القضائيّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الأوحديّ، الرئيسيّ، المفيديّ، البليغيّ، القدويّ، الأثيريّ، مجد الإسلام والمسلمين، جمال العلماء العاملين، أوحد الفضلاء، صدر المدرّسين، عمدة المفتين، خالصة الملوك والسلاطين، فلان الفلانيّ، أدام الله تعالى تأييده.
المرتبة الرابعة- السامي
بغير ياء، وهي: المجلس السامي، القاضي،
(11/81)

الأجلّ، الكبير، الصّدر، الرئيس، العالم، الفاضل، الكامل، فلان الدين، مجد الصّدور، زين الأعيان، مرتضى الملوك والسلاطين، فلان، أدام الله تعالى رفعته.
المرتبة الخامسة- مرتبة مجلس القاضي
؛ وهي: مجلس القاضي، الأجلّ، الكبير، العالم، الفاضل، الأوحد، الصدر، الرئيس، مجد الإسلام، بهاء الأنام، زين الأعيان، فخر الصّدور، مرتضى الملوك والسلاطين، فلان، أعزّه الله تعالى.
المرتبة السادسة- مرتبة القاضي
؛ وهي: القاضي، الأجلّ. وربما زيد في التعظيم نحو الكبير، الصدر، الرئيس، ونحو ذلك.
النوع الرابع (ألقاب مشايخ الصّوفية- وهي على خمس مراتب)
المرتبة الأولى- المجلس العالي
؛ وبها يكتب لشيخ الشّيوخ «1» بالديار المصرية، وهي: المجلس العالي، الشيخيّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، السالكيّ «2» ، الأوحديّ، الزاهديّ، العابديّ، الخاشعيّ، الناسكيّ، المفيديّ، القدويّ، الإماميّ، النّظاميّ، الملاذيّ، جلال الإسلام والمسلمين، شرف الصّلحاء في العالمين، شيخ شيوخ الإسلام، أوحد العلماء في الأنام، قدوة السالكين، بركة الملوك والسلاطين، فلان، أعاد الله تعالى من بركاته.
المرتبة الثانية- المجلس الساميّ
بالياء، وهي: المجلس الساميّ، الشيخيّ، الكبيريّ، الأوحديّ، الأكمليّ، العابديّ، الخاشعيّ، الناسكيّ،
(11/82)

جمال الإسلام، زين الأنام، صفوة الصّلحاء، فخر العبّاد، بركة الملوك والسلاطين، أعاد الله تعالى من بركته.
المرتبة الثالثة- المجلس السامي بغير ياء
، وهي: المجلس السامي، الشيخ، الصالح، الزاهد، العابد، الورع، الخاشع، الناسك، السالك، فلان الدّين، مجد الصلحاء، زين المشايخ، قدوة السالكين، بركة الملوك والسلاطين، نفع الله تعالى ببركته.
المرتبة الرابعة- مجلس الشّيخ
، وهي: مجلس الشيخ، الصالح، الزاهد، العابد، الناسك، السالك، فلان الدين، مجد الصّلحاء، زين المشايخ، بركة الملوك والسلاطين، أدام الله تعالى بركته.
المرتبة الخامسة- مرتبة الشيخ
، وهي: الشيخ، الصالح، الورع، الزاهد؛ ونحو ذلك، نفع الله تعالى به.
النوع الخامس (ألقاب من قد يكتب له بولاية من رؤساء العامّة من التّجّار وغيرهم)
وفيها أربع مراتب:
المرتبة الأولى- المجلس الساميّ بالياء
، وهي: المجلس الساميّ، الصدريّ، الأجلّ، الكبيريّ، الرئيسيّ، الفلانيّ.
المرتبة الثانية- الملجس السامي بغير ياء
، وهي: المجلس السامي، الصدر، الأجلّ، الكبير، الرئيس، المحترم.
المرتبة الثالثة- مجلس الصّدر
، وهي: مجلس الصدر، الأجلّ، الكبير، المحترم، المؤتمن، فلان الدين. ويقال في ألقاب المهتاريّة «1» ونحوهم:
الحاجّ فلان.
(11/83)

المرتبة الرابعة- مرتبة الصّدر
، وهي: الصّدر، الأجلّ. فإن زيد في تكريمه قبل بعد ذلك: الكبير، المحترم.
النوع السادس (ألقاب زعماء أهل الذّمّة، وهم ثلاثة)
الأوّل- بطرك النصارى اليعاقبة
، وهي: الحضرة السامية، الشيخ، الرئيس، المبجّل، المكرّم، الكافي، المعزّز، المفخّر، القدّيس، شمس الرياسة، عماد بني المعمودية «1» ، كنز الطائفة الصليبيّة.
الثاني- بطرك الملكانيّة
«2» ، وتختصر ألقابه عمّا يكتب به لبطرك اليعاقبة بعض الاختصار.
الثالث- رئيس اليهود
، وهي: الرئيس الأوحد، الأجلّ، الأعزّ، الأخصّ، الكبير، شرف الداووديين، فلان أبو فلان: سدّده الله في أقواله، وثبّته في أفعاله.
قلت: ومما يجب التنبّه له أن ما تقدّم من الألقاب والنّعوت المفرّعة على الألقاب الأصول ليست مما يوقف عند حدّ، بل محتملة للزيادة والنقص بحسب
(11/84)

ما تقتضيه الحال، ويحتمله المقال، بل ربّما ولّي بعض المناصب من فيه صفات تستحق ألقابا ونعوتا خاصّة، فيكتب له بذلك مراعاة لما يقتضيه حاله، ويستوجبه مقامه، ثم يلي ذلك المنصب بعده من لا يستحق الوصف بالألقاب والنّعوت التي تخصّ المتقدّم، فيؤتى بها للثاني: كما اتّفق فيما كتب به في نيابة الشام حين وليها الأمير بيدمر الخوارزميّ «1» رحمه الله، وكان من الدّيانة على ما لا يوجد في غيره؛ فكتب في ألقابه حينئذ: العابديّ، الناسكيّ، الخاشعيّ، فلزمت فيمن بعده وصارت مما يكتب به إلى الآن، سواء اتصف نائبها بدين أم لا- وكما اتفق في الصاحب علم الدّين بن زنبور حين اجتمع له الوزارة ونظر الخاصّ والجيش، فكتب له بألقاب ونعوت جامعة لألقاب تلك الوظائف ونعوتها، فاستمرّ ذلك فيما يكتب به لكلّ من ولي الوزارة بعده إلى الآن؛ حتّى إنه يكتب في ألقاب الوزير الآن «مرتّب الجيوش» وهو الألقاب الخاصّة بناظر الجيش استطرادا لما كتب به لابن زنبور: لانضمام نظر الجيش إليه على ما تقدّم- وكما اتّفق فيما كتب به للشيخ تقيّ الدين السّبكي «2» من الألقاب الجليلة المقدار، الرفيعة المكانة، في قضاء الشام لرفعة مقامه، واتّساع باعه في العلم، وعلوّ مكانته في الخاصّة والعامّة فلزم كتابة ذلك لقاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية، من حيث إنه لا يليق بالحال أن يكون قاضي الشام أعلى رتبة من قاضي الدّيار المصرية. ثم سرى ذلك في كل من ولي المنصب بعد ذلك، وهلمّ جرّا إلى زماننا.
ومما يلتحق بذلك أنه قد جرت العادة في الزمن المتقدّم وهلمّ جرّا إلى
(11/85)

زماننا أنه كان يكتب في الطرّة «1» لأرباب السيوف بعد الأميريّ «الكبيريّ الفلانيّ» بلقب الإضافة إلى لقب السلطان كالناصريّ ونحوه، بخلاف أرباب الأقلام فإنه لم تجر العادة بأن يكتب لهم ذلك في شيء من طرّة تقاليدهم ولا تواقيعهم، إلى أن لبس القاضي سعد الدين بن غراب الكلّوتة «2» ، واستقر إستادارا «3» في الدولة الناصرية فرج بن برقوق، ثم استقرّ مشيرا وكتب له تقليد بالإشارة كتب له في طرّة تقليده بعد الكبيريّ «الناصريّ» لجمعه بين السيف والقلم. ثم جرى بعض الكتّاب على مثل ذلك في غيره من أرباب الأقلام الأكابر: كالوزير، وكاتب السر، وناظر الخاصّ، وناظر الجيش، ومن في معناهم من أرباب الوظائف الديوانية. والحجة فيه ظاهرة من حيث إن كلّا من المذكورين إذا كتب عنه كتاب، كتب في أعلاه تحت البسملة «الملكيّ الناصريّ» وإذا كتب عنه قصّة، كتب فيها تحت البسملة «الملكيّ الفلانيّ» .
ومقتضى ذلك أن يكتب لقب الإضافة إلى لقب السلطنة في تقليده أو توقيعه على ما تقدّمت الإشارة إليه من فعل بعض الكتّاب.
الأمر الخامس- مما يجب على الكاتب مراعاته معرفة الوصف اللائق بصاحب الوظيفة.
فيجب عليه مراعاة ما يناسبه من الأوصاف التي يقع بها تقريظه ومدحه:
فإن كان نائب سلطنة وصفه بالشجاعة، والنّجدة، وقوّة العزم، والشّهامة، وشدّة الشّكيمة، ونصرة الدّين، وكفّ [الأيدي] «4» العادية، وإرهاب العدوّ،
(11/86)

وقمع المفسدين، وإرغام أهل العدوان، وحماية الثّغور- إن كان في ثغر- ووفور الهيبة، وبعد الصّيت، وطيران السّمعة، مع بسط المعدلة والرّفق بالرعيّة، والرأفة بخلق الله تعالى، والشّفقة عليهم، والإحسان إلى الكافّة، والأخذ بقلوبهم، والوقوف مع أحكام الشريعة، وبذل الطاعة، والمناصحة، والمخالصة، وقدم هجرته في الدولة- إن كان قديم هجرة- ومرور الدّول عليه- إن كان قد مرّت عليه دول-، وأنه نشء الدولة- إن كان ابتداء أمره فيها-، ونحو ذلك.
وإن كان نائب قلعة وصفه بالحذق، واليقظة، وقوّة الحزم، وشدّة التحرّز، والمعرفة بأحوال الحصار وضروب القتال وطرق التحصين والمدافعة، ونحو ذلك.
وإن كان وزيرا وصفه بحسن التدبير، وجزالة الرأي، والاحتياط في الأمور، والقيام بمصالح الإسلام، وعمارة البلاد، والنّهوض في المهمّات، وكفّ الأيدي العادية، والأخذ على يد المتعدّي، وتنمية الأموال وتثميرها، وتسهيل ما يجري من الأرزاق على يده، وبذل المجهود في معاضدة الشريعة، وشبه ذلك مما يجري هذا المجرى.
وإن كان كاتب سرّ وصفه بالفصاحة والبلاغة، وقيام أقلامه في التأثير في العدوّ مقام السّيوف والرّماح، وكتبه في تفريق الكتائب مقام الجيوش والعساكر، وسداد الرأي، وكتم الأسرار، وحماية الممالك بنتائج أفكاره، وما شاكل ذلك.
وإن كان ناظر جيش وصفه بالمعرفة بأمور الجيوش وترتيبها، وأصناف الأمراء، والجند، والمستخدمين، وترتيب مقاماتهم، وما ينخرط في هذا السّلك.
وإن كان ناظر الخاص وصفه بالمعرفة بأمور الحساب، والنهضة في المهمّات، والمعرفة بأحوال ديوان الخاصّ وجهاته، والقدرة على تحصيل
(11/87)

الأموال وزيادتها، ومعرفة ما يحتاج إليه من أصناف الأقمشة والطّرز وغيرها، مع الأمانة والعفّة، وما يجري مجرى ذلك.
وإن كان مستوفي الصّحبة «1» وصفه بالمعرفة بفنون الكتابة، ونظم الحسبانات، والاحتياط في استرفاعها، مع الضبط والاحتراز والأمانة والعفّة وما هو من هذا القبيل.
وإن كان ناظر خزانة الخاصّ «2» وصفه بالأمانة، والعفّة، والمعرفة بأصناف الخزانة: من الأقمشة والتّشاريف، والطّرز، ومعرفة مراتب أربابها، وما يناسب كلّ واحد منهم من أنواع التشاريف من عاليها وهابطها، وما يطابق ذلك.
وإن كان قاضيا وصفه بغزارة العلم، وسعة الفضل، ونصرة السّنّة، وقمع البدعة، والعدل في الأحكام، وإنصاف المظلوم من الظالم، والأخذ للضعيف من القويّ، والنزاهة عن المطاعم الوخيمة، والمطامع الرديّة، والبعد عن الأهواء في الحكم، وما ينخرط في هذا السّلك.
وإن كان محتسبا «3» وصفه بعد وصفه بالفضل بالعفّة، والأمانة، وعلوّ الهمّة، وقوّة العزم، والصّرامة، ووفور الهيبة، والنّهوض بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنظر في مصالح المسلمين، وعدم محاباة أهل الدّنيا وأرباب الجاه، وأنه لا يفرّق في الحق بين الجليل والحقير، وما في معنى ذلك.
وإن كان وكيل بيت المال وصفه بعد العلم والديانة بالوقوف مع الحق، والتثبّت فيه، ومراعاته المصلحة العامّة في كل ما يتعلّق به، والمعرفة بشروط
(11/88)

الاعذار ومواقع إبداء الدافع ونفيه، وأنه يقدّم مصالح المسلمين على مصالح نفسه، وما يقارب ذلك.
وإن كان مدرّسا وصفه بسعة العلم، والتضلّع بالفنون، والأخذ من كلّ منها بحظّ وافر، وطول الباع في البحث والمناظرة، والوقوف مع الحقّ فيها، وعدم الجدال في الباطل، وتربية الطلبة، وتأديبهم، والتقريب على من عسر على فهمه شيء من المسائل، وعدم الترفّع عليهم، وتنزيلهم منازلهم في الفضل، وتقديم من برع منهم.
وإن كان خطيبا وصفه بالفصاحة، والبلاغة، وقوّة اللّسن، وشدّة الشّكيمة في الكلام، وتأثير وعظه في القلوب، وانسكاب الدموع من وقع عظاته، وما أشبه ذلك.
وإن كان شيخ خانقاه «1» وصفه بالورع، والزّهد، والنّسك، وقطع العلائق من الدنيا، وتربية المريدين وتسليكهم، والوقوف مع طريق السّلف الصالح.
وإن كان رئيس الأطبّاء وصفه بالحذق في الطّبّ، والمهارة فيه، وتقدّمه على غيره في الفنّ، والمعرفة بالعقاقير وما فيها من نفع وضرّ والمعرفة بالأمراض والعلل وطرق العلاج، وما يجري مجرى ذلك.
وإن كان رئيس الكحّالين «2» وصفه بالمعرفة في صنعة الكحل، والتقدّم على أبناء صنعته فيه، والمعرفة بحال العين وأمراضها، وأصناف الأكحال، وما يوافق كلّ علّة من ذلك، وما ينخرط في هذا السّلك.
وإن كان رئيس اليهود أو بطركا من بطاركة النصارى، وصفه بالمعرفة بأمور
(11/89)

ملّته، والوقوف مع قوانين شرعته ومعاطاة العدل في جماعته، والتزام شروط الذمة، والوقوف عند حدّها، والدخول تحت الطاعة، والوقوف عند ما حدّ له، ونحو ذلك.
الأمر السادس- مما يجب على الكاتب مراعاته وصية ربّ كل ولاية من الولايات المعتبرة بما يناسبها.
واعلم أن كل ما حسن وصية المولّى به، حسن وصفه به. والوصايا مختلفة باختلاف موضوعاتها، إلا أنّ الجميع يشترك في الوصيّة بتقوى الله، فهي الأسّ الذي يبنى عليه، والركن الذي يستند إليه. وهذا الباب هو الذي يطول فيه سبح الكاتب، ويحتاج فيه إلى سعة الباع؛ فإنه ما لم يكن الكاتب حاذقا بما يلزم ربّ كل ولاية ليوفّيها في الوصية حقّها، وإلا ضلّ عن الطريق، وحاد عن جادّة الصّنعة، ولذلك يقال للكاتب: «القلم الأكبر» : لأنه بصدد أن يعلّم كلّ واحد من أرباب الولايات ما يلزمه في ولايته.
وحينئذ فإن كان المتولّي «نائب سلطنة» وصّي بتفقّد العساكر، وعرض الجيوش، وإنهاضها للخدمة [وانتقائه] «1» للوظائف من يليق بها، وتنفيذ الأحكام الشرعيّة، ومعاضدة حكّام الشرع الشريف، وإجراء الأوقاف على شروط واقفيها، وملاحظة البلاد وعمارتها، وإطابة قلوب أهلها، والشّدّ من مباشري الأموال، وتقوية أيديهم، وملازمة العدل، وعدم الانفكاك عنه، وتحصين ما لديه من القلاع، واستطلاع الأخبار والمطالعة بها، والعمل بما يرد عليه من المراسيم السلطانية، وأنّ ما أشكل عليه يستضيء فيه بالآراء الشريفة، والإحسان إلى الجند، وتعيين إقطاع من مات منهم لولده إن كان صالحا، ونحو ذلك.
وإن كان «نائب قلعة» وصّي بحفظ تلك القلعة، وعمارة ما دعت الحاجة إلى عمارته منها، والأخذ بقلوب من فيها، وجمعهم على الطاعة، وأخذ قلوبهم
(11/90)

بالإحسان إليهم، وتحصينها بآلات الحصار، وادّخار آلات الحرب، من المجانيق والقسيّ وسائر الآلات: من السّهام، واللّبوس «1» ، والسّتائر «2» ، وغير ذلك. وكذلك آلات أرباب الصنائع، كآلات الحدّادين، وصنّاع القسيّ ومن في معناهم مما يحتاج إلى عمله في آلات القلعة، والاعتناء بغلق أبواب القلعة وفتحها، وتفقّد متجدّدات أحوالها في كل مساء وصباح، وإقامة الحرس، وإدامة العسس، وتعرّف أخبار المجاورين لها من الأعداء، وإقامة نوب الحمام بها، والمطالعة بكل ما يتجدّد لديه من الأخبار.
وإن كان «وزيرا» وصّي بالعدل وزيادة الأموال وتثميرها، والإقبال على تحصيلها من جهات الحلّ، واختيار الكفاة الأمناء، وتجنّب الخونة، وتطهير بابه، وتسهيل حجابه، والنظر في المصالح، وأنه لا يستبدل إلا بمن ظهر لديه عجزه أو خيانته، والنظر في أمر الرواتب وإجرائها على أربابها.
وإن كان «كاتب سرّ» وصّي بالاهتمام بتلقّي أخبار الممالك وعرضها على المواقف الشريفة «3» ، والاجابة عنها بما تبرز به المراسيم الشريفة، وتعريف النوّاب في الوصايا التي تكتب في تقاليدهم عن المواقف الشريفة ما أبهم عليهم، ويبيّن لهم ما يقفون عند حدّه، والنظر في تجهيز البريد والنّجّابة «4» ، وما
(11/91)

يبعث فيه من المصالح وينفّذ فيه من المهمّات والقصّاد، ومعرفة حقوق ذوي الخدمة والنّصيحة، وإجرائهم في رسوم الرواتب وعوائد البر والإحسان على أتمّ العوائد، وتأليف قلوبهم، والأخذ بخواطرهم، والنظر في أمر الكشّافة والدّيادب والنظّارة والمناور والمحرقات «1» وأبراج الحمام، وصرف نظره إلى رسل الملوك الواردة، ومعاملتهم بالإكرام، والأخذ في صون سرّ الملك وكتمانه حتّى عن نفسه، وضبط ألواح البريد، والاحتراز فيما تؤخذ عليه العلامة الشريفة، ومراعاة كتّاب ديوان الإنشاء، والإحسان إليهم، وأن لا يستكتب في ديوانه إلا من علم صلاحه لذلك وكفايته، ووثق منه بكتمان السرّ كما يثق به من نفسه.
وان كان «ناظر جيش» «2» وصّي بالاحتياط في أمر ديوانه، والوقوف على معالم هذه المباشرة، وجرائد الجند، والإقطاعات، وتحرير الكشوف والمحاسبات، واستيضاح أمر من يموت من أرباب الإقطاعات من ديوان المواريث أو من المقدّمين والنّقباء، والاحتراز في أمر المربّعات «3» وجهات
(11/92)

الإقطاعات وما يترتّب عليها من المناشير، والنظر في أمر المقطعين، من الجند، والعرب، والتّركمان، والأكراد، ومن عليه تقدمة أو درك بلاد أو غير ذلك.
وإن كان «ناظر خاص» وصّي بالاحتياط لديوانه، والأخذ في تحصيل أموال جهاته وتنميتها وتثميرها، وزيادتها وتوفيرها، والتحرّز فيما يرفع من حسباناتها، والاهتمام بأمر التّشاريف «1» والخلع، وما يختصّ بكل ولاية وغيرها من التّشاريف، وما جرت به العادة من الهدايا المحضّرة إلى ملوك الأقطار، والأخذ في ذلك كلّه بالحظّ الأوفى للديوان السلطانيّ، وما يجري مجرى ذلك.
وإن كان «مستوفي صحبة» «2» وصّي بإلزام الكتّاب بما يلزمهم من الأعمال وتحريرها، وعمل المكلّفات وتقدير المساحات، وتمييز ما بين تسجيل الفدن في كل بلد بحسب ما يصلح لها من الزّراعة، وتمييز قيم بعضها على بعض، ومستجدّ الجرائد، وما يقابل عليه من ديوان الإقطاعات والأحباس وغير ذلك.
وإن كان «ناظرا لخزانة الخاص» وصّي بتحصيل ما يحتاج إليه لتفصيل الخاصّ وتشاريف أرباب السيوف والأقلام: العرب، والتّركمان، والأكراد، وغيرهم، وهدايا الملوك وما يجري مجرى ذلك: من العتّابيّ «3» والأطلس، والمشربش، والمقندس «4» والمتمّر، والطّرازات على اختلافها: من الزّركش «5» ، والباهي، وأنواع المستعملات، وما يحمل من دار الطّراز، وما
(11/93)

يبتاع للخزانة العالية «1» ، وما هو مرصد لها من الجهات التي يحمل إليها متحصّلها: لينفق في أثمان المبيعات ومصروف المستعملات، والاحتراز فيما ينفق من الأثمان وقيمة المبتاع، وشهادات الرسائل المكتتبة إليه بالحمول وما يكتب بها من الرّجعات، وأن يحصّل كلّ شيء هو بصدد الحاجة إليه قبل الاحتياج.
وإن كان «قاضيا» وصّي بالتروّي في أحكامه قبل إمضائها، وأن يراجع الأمر مرّة بعد أخرى، واستشارة أهل العلم، والرّجوع إليهم فيما أشكل عليه، واستخارة الله تعالى قبل الإقدام على الحكم، والقضاء بحقّ الخصم بعد وضوحه، والتسجيل له به، والإشهاد على نفسه بذلك، والتسوية بين الخصوم حتّى في تقسيم النظر إلى الخصمين، والتحرّي في استيداء الشهادات، وأن لا يقبل من الشهود إلا من عرف بالعدالة: من ربّ قلم أو سيف، والتنقيب عما يصدر من العقود، ولا يعوّل من شهود القيمة «2» إلا على كل عارف بالقيم خبير بها، والنظر في أمر الرّسل والوكلاء، والنظر في أمور أهل مذهبه، والاعتناء بشأنهم.
ويزاد «الشافعيّ» التوصية بالنظر في دعاوى بيت المال ومحاكماته، والاحتراز في قضاياها ولا يقبل فيها بيّنة لوكيل بيت المال فيها مدفع، ولا يعمل فيها بمسألة ضعيفة، والنظر في أمر أموال الأيتام وأمر المتحدّثين فيها بالإحسان إليهم، وكذلك أموال الصدقات الجارية تحت نظره، والتيقّظ لإجرائها على السّداد في صرفها في وجوه استحقاقها، وأن لا يعمل في مسألة تفرّد بها مذهبه
(11/94)

إلا بما نصّ عليه إمامه أو كان عليه أكثر أصحابه، ولا يعتمد في ذلك مرجوحا ولا ما تفرّد به قائله، وأن لا يولي في البرّ نائبا إلا من عرف استحقاقه وأهليته لما يتولّاه.
ويزاد «الحنفيّ» الوصية بالعمل بما اقتضاه مذهبه من الأمور التي فيها صلاح لكثير من الناس: كتزويج المعصرات «1» ، وشفعة الجوار «2» ، ونفقة المعتدّة البائن، وعدم سماع بيّنة الإعسار إلّا بعد مضيّ المدة المعتبرة في مذهبه والإحسان إلى من ضمّه نطاق ولايته ممن نزح إليه من أهل الشّرق وأقاصي الشّمال.
ويزاد «المالكيّ» الوصية بالتحرّي في بيّنات الدّماء، والإعذار إلى الخصم ليبدي ما لديه من دافع، والعمل بما تفرّد به مذهبه مما فيه فسحة للناس: كالثّبوت بالشهادة على الخط، وولاية الأوصياء، وإسقاط الرّيع، والوقف المستردّ بعد البيع، والإحسان إلى من لديه من غرباء أهل مذهبه، لا سيّما من أتاه من بلاد المغرب.
ويزاد «الحنبليّ» الوصية بالاحتياط في بيع ما دثر من الأوقاف والاستبدال بها، ورعاية المصلحة في ذلك لأهل الوقف بما أمكن، والفسخ على من غاب عن زوجته الغيبة المستوجبة للفسخ عندهم، ووقف الإنسان على نفسه، وأمر الجوائح التي يحصل بها التخفيف عن ضعفاء الناس، والمعامل على الزرع بالحرث ونحوه، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، والوصية بأهل مذهبه الذين هم أقلّ المذاهب عدّة وأنزرهم وظائف وأوقافا، ومعاملتهم بالإحسان.
(11/95)

وإن كان «قاضي عسكر» «1» وصّي بنحو ما يوصّى به [القاضي] «2» وأن يتخذ معه كاتبا يكتب للناس، وأن يقبل من الجند من كان ظاهره العدالة، فإنّ الشّهود المعدّين لتحمّل الشهادة يعزّ وجودهم في العسكر، وأن يكون له منزل معروف يقصد فيه إذا نصبت الخيام، وأحسن ما يكون ذلك عن يمين الأعلام السلطانية، وأن يكون مستعدّا للأحكام التي يكثر فصلها في العسكر: كالغنائم، والشّركة، والقسمة، والمبيعات، والردّ بالعيب، وأن يسرع في فصل القضاء بين الخصوم: لئلا يكون في ذلك تشاغل عن مواقع الحرب ومقدّماته، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى.
وإن كان «محتسبا» وصّي بالنظر في أمر المكاييل والموازين وسائر المقادير، والتحذير من الغش في الطعام والشّراب، وأن يتعرّف الأسعار، ويستعلم الأخبار في كل سوق من غير علم أهله، وأن يقيم على الأسواق وأرباب المعايش من ينوب عنه في النظر في أمورهم من الأمناء المأمونين، وأن لا يمكّن أحدا من العطّارين من بيع غرائب العقاقير إلا ممّن لا يستراب به بخط متطبب لمريض، وأن يمنع المتحيلين على أكل أموال الناس بالباطل: من الطّرقيّة وأهل النّجامة «3» ، وسائر الطوائف المنسوبة إلى بني ساسان من تعاطي ما يتعاطونه من ذلك، ويقمعهم ويحسم مادّتهم، والتصدّي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنع من الغش وإخبار المشتري بأزيد مما اشترى به، والنظر في أمر فقهاء المكاتب «4» والعالمات «5» من النساء، ولا يمكن منهم أحدا أن يتعاطى
(11/96)

ذلك إلا من عرفت أمانته، وأثرت صيانته، وأن لا يستنيب إلا أهل العفّة والأمانة والنّزاهة ممن بعد عن الطمع، ونأى عن مطاعم السّوء.
وإن كان «وكيل بيت المال» «1» وصّي بالعمل بالشرع الشريف في جميع أحكامه، وأنّ من مات وله ورثة تستوعب ميراثه لا يكلّفهم ثبوتا فيه تعنّت ومدافعة عن حقهم، والتّشديد في أمر من كانت قصّته منكرة، والتحرّز من شهود الزّور في مثل ذلك، وأن يرجع في كل ما يباع ويؤجّر إلى العوائد، وأن يتحرّز في شهادة شهود القيمة، ولا يرجع فيها إلا لمن يوثق به ممن يكون عنده معرفة بقيم الأشياء، وينبّه على أنّ له أن يدّعي بحق المسلمين حيث شاء عند من يشاء من أصحاب المذاهب، وأنّ الدعوى عليه لا تكون إلا في مجلس الحكم العزيز الشافعيّ، على ما جرت به العادة القديمة، والاحتياط في حقّ بيت المال، وليختر للاستنابة في الأعمال من يصلح لذلك.
وإن كان «مدرّسا» وصّي بأن يقبل على جماعة درسه بطلاقة وجه، وأن يستميلهم إليه جهد استطاعته، ويربّيهم كما يربّي الولد ولده، ويستحسن نتائج أفكارهم التي يأتون بها في درسه، ويقدّم منهم من يجب تقديمه، وينزل كلّ واحد منهم منزلته، ليهزّهم ذلك إلى الإكباب على الاشتغال والازدياد في التحصيل، ثم يأتي في كل مدرّس بما يناسبه من أمور العلم الذي يدرّس فيه إن كان يدرّس في علم خاصّ.
وإن كان «خطيبا» وصّي برعاية حقّ رتبة الخطابة والقيام بحق ازدواجها، وأن يأتي من المواعظ بما يقرع الأسماع بالوعد والوعيد، ويلين القلوب القاسية، وأن يعدّ لكل مقام مقالا يقوله، وأن يخفّف الخطبة، ويأتي بها بليغة مفهومة، إلى غير ذلك من متعلّقات الخطابة.
(11/97)

وإن كان «شيخ خانقاه» وصّي بالاجتهاد في العبادة، والمشي على طريق السّلف؛ من الزّهد والورع، والعفاف، وأن يأخذ جماعته بمآخذه في الأمور، وأن يعرف لجماعة مكانه حقوقهم الواجبة لهم وينزلهم منازلهم خصوصا أولي السابقة منهم، ويأخذ في الرفق بهم ومداراتهم، مع ترتيب من استجدّ منهم، وإجرائهم على طرائق الصّوفيّة، وتعريفهم الطريق إلى الله تعالى، وتدريج المريدين على قدر ما تحتمله أفهامهم، دون أن يهجم عليهم من أحوال الطريق بما لا تحتمله عقولهم، و [اتّباع] «1» سبيل الكتاب والسّنّة اللّذين من حاد عنهما ضلّ، ومن خرج عن جادّتهما زلّ، وكفّهم عن ارتكاب البدع والجري على منهاجها، ومن أتى ذنبا فخذه بالتوبة والاستغفار، والإنكار على من أخذ في الشّطحات، والخروج عن قانون ظاهر الشريعة، ومنع من نحا هذا النحو أو جرى على هذه الجادّة، والإحسان إلى من يقدم عليه من الآفاق، وحسن التلقّي له، وإكرام نزله بعد أن يعجّل له بالإذن، والأمر بأخذ عكّازة، وفرش سجّادة، وما ينخرط في سلك ذلك.
وإن كان «رئيس الأطباء» وصّي بالنظر في أمر طائفته، ومعرفة أحوالهم، ويأمر المعالج أن يعرف أوّلا حقيقة المرض وأسبابه وعلاماته، ثم ينظر إلى السّن والفصل والبلد، وحينئذ يشرع في تخفيف الحاصل، وقطع الواصل، مع حفظ القوّة، وأن لا يهاجم الداء، ولا يستغرب الدواء، ولا يقدم على الأبدان إلا ما يلائمها، ولا يخرج عن عادة الأطباء ولو غلب على ظنّه الإصابة حتّى يتبصّر فيه برأي أمثاله، ويتجنب الدّواء، ما أمكنته المعالجة بالغذاء، والمركّب ما أمكنته المعالجة بالمفرد، ويتجنب القياس إلا ما صحّ بتجريب غيره في مثل من أخذ في علاجه، وما عرض له، وسنّه، وفصله، وبلده، ودرجة الدواء، وأن يحذر التجربة فإنها خطر، مع الاحتراز في المقادير والكيفيات، وفي الاستعمال والأوقات، وما يتقدّم ذلك الدواء أو يتأخّر عنه، ولا يأمر باستعمال دواء ولا ما
(11/98)

يستغرب من غذاء حتّى يحقّق حقيقته، ويعرف جديده من عتيقه، ليعرف مقدار قوّته في الفعل.
وإن كان «رئيس الكحّالين» وصّي بالنظر في حال جماعته أيضا، ومعرفة أحوالهم، وأن لا يصرّف منهم إلا من عرف بحسن المداراة والملازمة في العلاج، ويأمر كلّا منهم أن لا يقدم على مداواة عين حتّى يعرف حقيقة المرض، وأن يلاطفها بما يناسبها من الغذاء، وأن يتخيّر من الكحل ما فيه شفاء العين وجلاء البصر، وأن يستشير الأطباء الطبائعيّة «1» فيما أهمّ، مما لا يستغنى عن رأي مثلهم فيه، من تخفيف المادّة بالاستفراغ أو نقص دم أو غير ذلك.
وإن كان «رئيس اليهود» وصّي بضمّ جماعته، ولمّ شملهم، والحكم فيهم بقواعد ملّته، والنظر في أمور الأنكحة عندهم، وما يعتبر عندهم فيها على الإطلاق، وما يفتقر إلى الرضا من الجانبين في العقد والطّلاق، والنظر فيمن أوجب حكم دينه عليه التحريم، والتوجّه في صلاتهم تلقاء بيت المقدس إلى جهة قبلتهم، وإقامة حدود التوراة على ما أنزل الله تعالى من غير تحريف ولا تبديل للكلمة بتأويل ولا غيره، واتباع ما أعطوا عليه العهد مع إلزامه لهم [ما التزموه] «2» من حكم أمثالهم من أهل الذمة الذين أقرّوا في دار الإسلام على الصّغار والإذعان لأهل الإسلام، وعدم مضايقتهم للمسلمين في الطّرق، وتميزهم بشعارهم في الحمّام، كي لا يحصل اللّبس بالمسلمين، وحمل شعار الذمة على رؤوسهم: وهي العمائم الصّفر، ويأخذهم بتجديد صبغه في كل حين، وعدم التظاهر بما يقتضي المناقضة: من ذكر الله تعالى أو رسوله صلّى الله عليه وسلّم بسوء، أو إظهار الخمر أو معتقدهم في العزير عليه السّلام. وله أن يرتّب طبقاتهم على ما تقتضيه مراتبهم عنده، وكذلك له التحدّث في كنائس
(11/99)

اليهود المستمرّة إلى الآن بأيديهم، من حين عقد الذمّة، من غير تجديد متخرّب، ولا فعل ما لم تعقد عليه الذمّة ويقرّهم عليه السلف الأوّل.
وإن كان «بطرك النصارى الملكانيّة» وصّي بما عليه بناء شرعته من المسامحة والاحتمال والصّبر على الأذى، وعدم الاكتراث به، وأخذ نفسه بهذه الآداب، وأنه يقدّم المصالحة بين المتحاكمين إليه قبل فصلها على البتّ فإنه قاعدة دينه المسيحيّ، ولم تخالف فيه الملة الإسلاميّة، وأنه ينقّي صدور إخوانه من الغلّ، ويتخلّق بكل خلق جميل، ولا يستكثر من الدنيا، ويتنزّه عن أموال جماعته والتوسّل إلى أخذها، وأنّ إليه أمر الكنائس والبيع، وعليه أن يتفقّدها في كلّ وقت، ويرفع ما فيها من الشّبهات، ويحذّر رهبان الدّيارات من جعلها مصيدة للمال، وأن يتجنّبوا فيها الخلوة بالنساء، ولا يؤوي إليه أحدا من الغرباء القادمين عليه يكون فيه ريبة، ولا يكتم ما اطلع عليه من ذلك عن المسامع الشريفة السلطانية، ولا يخفي كتابا يرد عليه من أحد من الملوك، أو يكتب له جوابا، ويتجنّب البحر وما يرد منه من مظانّ الرّيب.
وإن كان «بطرك اليعاقبة» قيل في وصيته نحو ما تقدّم في وصيّة بطرك الملكانيّين، إلا أنه لا يقال: واعلم أنّك في المدخل إلى شريعتك طريق الباب، بل يقال: واعلم أنك في المدخل إلى شريعتك قسيم الباب، ومساو له في الأمر والنهي والتحليل والتحريم. ويقال بدل قوله «وليتجنّب البحر» :
«وليتوقّ ما يأتيه سرّا من تلقاء الحبشة» .
قلت: وهذه الوصايا مدخل إلى ما يرضى به أصحاب الولايات ممّن تقدّم ذكره والأمر في الزيادة والنقص في ذلك بحسب المناسبة راجع إلى نظر الكاتب. على أن المقرّ الشهابيّ ابن فضل الله رحمه الله قد ذكر في «التعريف» عدّة وصايا ليست مما يكتب الآن، فأضربنا عن ذكر مقاصدها هنا: لتورد برمّتها في الكلام على ما يكتب في متن التقاليد والتواقيع ونحوها، مع النسخ التي تورد هناك على صورة ما أوردها، لينسج على منوالها إن أمر بكتابة شيء منها.
(11/100)

المقصد الثاني (في بيان مقاصد ما يكتب في الولايات، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في بيان الرّسوم في ذلك، ومقادير قطع الورق لكلّ صنف منها على سبيل الإجمال)
وهي على أربعة أنواع:
النوع الأوّل (التّقاليد)
جمع تقليد. يقال: قلّدته أمر كذا إذا ولّيته إيّاه. قال الجوهري: وهو مأخوذ من القلادة في العنق، يقال قلّدت المرأة فتقلدت، قال: ومنه التقليد في الدّين أيضا.
ثم التقاليد تشتمل على طرّة ومتن، فأما الطرّة فقد أشار إليها في «التعريف» بقوله: وعنوانها «تقليد شريف لفلان بكذا» . وأوضح ذلك في «التثقيف» «1» فقال: وصورته: أن يكتب: تقليد شريف بأن يفوّض إلى المقرّ الكريم، أو إلى الجناب الكريم، أو إلى الجناب العالي الأميريّ الكبيريّ، الكافليّ، الفلانيّ، أعزّ الله تعالى أنصاره، أو نصرته، أو ضاعف الله تعالى نعمته، نيابة السلطنة الشريفة بالشام المحروس، أو بحلب المحروسة، أو بطرابلس المحروسة، أو نحوها، على أجمل العوائد في ذلك وأكمل القواعد على ما شرح فيه.
قلت: وتفصيل هذا الإجمال: إن كان المكتوب له التقليد هو النائب الكافل «2» ، كتب في طرّة تقليده: تقليد شريف بأن يفوّض إلى المقرّ
(11/101)

الكريم، العالي، الأميريّ، الكبيريّ، الكفيليّ، الفلانيّ، فلان الفلانيّ، بلقب الإضافة إلى لقب السلطان، كالناصريّ مثلا، كفالة السلطنة الشريفة بالممالك الإسلاميّة، أعلاها الله تعالى على أجمل العوائد في ذلك وأكمل القواعد، على ما شرح فيه.
وإن كان التقليد بكفالة السّلطنة بالشام، كتب: تقليد شريف بأن يفوّض إلى المقرّ الكريم العالي، الأميريّ، الكبيريّ، الكفيليّ، فلان الناصريّ، مثلا كفالة السلطنة بالشام المحروس على أتمّ العوائد في ذلك وأجمل القواعد، على ما شرح فيه.
وإن كان التقليد بنيابة السلطنة بحلب، كتب: تقليد شريف بأن يفوّض إلى الجناب الكريم العالي، الأميريّ، الكبيريّ، الكافليّ، الفلانيّ، فلان الناصريّ، أعز الله تعالى نصرته، نيابة السلطنة الشريفة بحلب المحروسة، على أجمل العوائد في ذلك وأكمل القواعد، على ما شرح فيه.
وإن كان التقليد بنيابة طرابلس، كتب: تقليد شريف بأن يفوّض إلى الجناب العالي، الأميريّ، الكبيريّ، الكافليّ، الفلانيّ، فلان الناصريّ:
ضاعف الله تعالى نعمته، نيابة السلطنة الشريفة بطرابلس المحروسة، على أجمل العوائد في ذلك وأكمل القواعد، على ما شرح فيه.
وإن كان التقليد بنيابة السلطنة بحماة، أبدل لفظ طرابلس بحماة.
وإن كان بنيابة السلطنة بصفد، أبدل لفظ طرابلس وحماة بصفد، والباقي على ما ذكر في طرابلس.
وإن كان التقليد بنيابة السلطنة بغزّة- حيث جعلت نيابة- كتب: تقليد شريف بأن يفوّض إلى الجناب العالي، الأميريّ، الكبيريّ، الكافليّ، الفلانيّ،
(11/102)

فلان الناصريّ: أدام الله تعالى نعمته، نيابة السلطنة الشريفة بغزّة المحروسة، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، على ما شرح فيه.
فإن كان مقدّم العسكر كما هو الآن، أبدل لفظ نيابة السلطنة الشريفة بلفظ «تقدمة العسكر المنصور» والباقي على ما ذكر.
وإن كان التقليد بنيابة السلطنة بالكرك، كتب: تقليد شريف بأن يفوّض إلى المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، الفلانيّ، فلان الناصريّ: أدام الله تعالى نعمته، نيابة السلطنة الشريفة بالكرك المحروس، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، على ما شرح فيه.
وإن كان التقليد بالوزارة، كتب: تقليد شريف بأن يفوّض إلى الجناب العالي الصاحبيّ، الفلانيّ، فلان الناصريّ: ضاعف الله تعالى نعمته، الوزارة الشريفة بالممالك الإسلامية أعلاها الله تعالى، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، بالمعلوم الشاهد به الديوان المعمور، على ما شرح فيه.
وإن كان التقليد بكتابة السرّ، كتب: تقليد شريف بأن يفوّض إلى الجناب العالي، القاضويّ، الكبيريّ، اليمينيّ، الفلانيّ، فلان الناصريّ: ضاعف الله تعالى نعمته، صحابة دواوين الإنشاء الشريفة بالممالك الإسلامية، أعلاها الله تعالى، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، بالمعلوم الشاهد به الدّيوان المعمور، على ما شرح فيه.
وإن كان التقليد بقضاء قضاة الشافعيّة بالديار المصريّة، كتب: تقليد شريف بأن يفوّض إلى الجناب العالي، القاضويّ، الكبيريّ، الفلانيّ، فلان:
أعزّ الله تعالى أحكامه، قضاء قضاة الشافعية بالديار المصرية، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، بالمعلوم الشاهد به الديوان المعمور، على ما شرح فيه.
وإن كان التقليد بقضاء قضاة الحنفيّة، كتب كذلك، إلا أنه يبدل لفظ الشافعية بلفظ الحنفيّة.
(11/103)

وإن كان التقليد لأمير مكّة، كتب: تقليد شريف بأن يفوّض إلى المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، الشريفيّ، فلان الفلانيّ: أدام الله تعالى نعمته إمرة مكة المشرّفة، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، على ما شرح فيه.
وإن كان بإمرة المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، والتحية والإكرام، كتب كذلك إلا أنه يبدل لفظ مكّة المشرّفة بلفظ المدينة الشّريفة.
وإن كان بإمرة آل فضل «1» ، كتب: تقليد شريف بأن يفوّض إلى المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، الفلانيّ: أدام الله تعالى نعمته إمرة آل فضل، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، على ما شرح فيه.
هذه جملة ما عهدت كتابته من التقاليد المكتتبة من ديوان الإنشاء بالأبواب الشريفة، فإن حدث كتابة ما يستحقّ أن يكتب له تقليد، كالأتابكيّة «2» ونحوها، كتب بالألقاب اللائقة بصاحبه.
ثم وراء ذلك أمران: أحدهما- أنه قد تقدّم نقلا عن «التعريف» أنه يكتب في العنوان الذي هو الطرّة: «تقليد شريف لفلان بكذا» فإن كتب تقليد بكفالة السلطنة مثلا، كتب: «تقليد شريف للمقرّ الكريم، العالي، الأميريّ،
(11/104)

الكبيريّ، الفلانيّ، بكفالة السلطنة الشريفة بالممالك الإسلامية، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، على ما شرح فيه» .
الثاني- أنه اقتصر في «التثقيف» على قوله في آخر الطرّة، على أجمل العوائد في ذلك وأكمل القواعد، وليس الأمر منحصرا في ذلك، بل لو عكس بأن قيل: تقليد شريف بأن يفوّض إلى فلان كذا، أو تقليد شريف لفلان بكذا على أكمل القواعد وأجمل العوائد على ما شرح فيه، لكان سائغا.
فإن كان صاحب التقليد عليّ الرتبة: كالنائب الكافل، ونائب الشام، ونائب حلب، والوزير، وكاتب السرّ، ونحوهم، كتب على أجمل العوائد وأتمّها، وأكمل القواعد وأعمّها، أو بالعكس: بأن يكتب على أجمل العوائد وأعمّها، وأكمل القواعد وأتمّها، على ما شرح فيه.
وأما متن التقليد، فقد قال في «التعريف» إن التقاليد كلّها لا تفتتح إلا بالحمد لله وليس إلا، ثم يقال بعدها: أما بعد، ثم يذكر ما سنح من حال الولاية وحال المولّى، وحسن الفكر فيمن يصلح، وأنه لم ير أحقّ من ذلك المولّى ويسمّى، ثم يقال ما يفهم أنه هو المقدّم الوصف أو المتقدّم إليه بالإشارة؛ ثم يقال: رسم بالأمر الشريف العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ (ويدعى له) أن يقلّد كذا، أو أن يفوّض إليه كذا، والأوّل أجلّ؛ ثم يوصى بما يناسب تلك الولاية مما لا بدّ منه تارة جمليّا وتارة تفصيليّا، وينبّه فيه على تقوى الله تعالى؛ ثم يختم بالدعاء للمولّى، ثم يقال: وسبيل كل واقف عليه العمل به بعد الخطّ الشريف أعلاه.
قال: ولفضلاء الكتّاب في هذا أساليب، وتفنّن كثير الأعاجيب، وكلّ مألوف غريب، ومن طالع كلامهم في هذا وجد ما قلناه، وتجلّى له ما أبهمناه.
وذكره في «التثقيف» بأوضح معنى وأبين، فقال: ويكتب بعد الصّدر بخطبة مناسبة أوّلها الحمد لله إلى آخرها، ثم أما بعد، ويذكر ما يرى ذكره من حال الولاية والمولّى، ويذكر اسمه، وهو أن يقال: ولما كان المقرّ، أو الجناب،
(11/105)

وألقابه ونعوته إلى آخرها، ويدعى له: أعزّ الله أنصاره أو نصرته، أو نحوه، على ما جرت به عادته، ولا يزاد على دعوة واحدة؛ ثم يقال ما يفهم أنه المراد بهذه الأوصاف، أو المعنيّ بهذه الإشارة أو نحو ذلك؛ ثم يقال: اقتضى حسن رأينا الشريف، ويذكر ما يقتضي تكريمه وتعظيمه؛ ثم يقال: فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ، الفلاني (ويدعى له بما يناسب الحال ثلاث دعوات أو أربعا) أن يفوّض إلى المشار إليه كذا؛ ثم يقال:
فليتقلّد ذلك، أو فليتلقّ هذا التفويض، أو نحو هذا؛ ثم يوصّى بما يناسب تلك الولاية مما لا بدّ منه، ويحرص أن ينبّه فيه على العمل بالتقوى؛ ثم يختم بالدعاء للمولّى بالإعانة والتأييد ونحو ذلك ثلاث دعوات، وأكثرها أربع، وأقلّها اثنتان؛ ثم يقال: بعد الخط الشريف شرّفه الله تعالى وأعلاه أعلاه إن شاء الله تعالى؛ ثم التاريخ والمستند، والحمدلة، والحسبلة على العادة. ولم يقل فيه:
وسبيل كل واقف عليه، كما قال في «التعريف» .
واعلم أنّ التقاليد على اختلافها لا تخرج في مقادير قطع الورق عن مقدارين:
الأوّل- قطع الثلثين بقلم الثّلث الثقيل. وفيه يكتب لنوّاب السلطنة بمصر والشام مطلقا، وكذلك الوزير والمشير «1» ، وكاتب السر، وقاضي قضاة الشافعية والحنفيّة بالديار المصرية.
الثاني- قطع النصف بقلم الثّلث الخفيف. وفيه يكتب لذوي التقاليد من أمراء العرب: وهم أمير مكة المشرّفة، وأمير المدينة الشريفة، وأمير آل فضل من عرب الشام على ما تقدّم ذكره. ولا يكتب من التقاليد شيء فيما دون هذا المقدار من قطع الورق بحال. وسيأتي الكلام على نسخ التقاليد فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
(11/106)

النوع الثاني (مما يكتب في الولايات السلطانية: المراسيم)
جمع مرسوم، أخذا من قولهم: رسمت له كذا فارتسمه إذا امتثله، أو من قولهم: رسم عليّ كذا إذا كتب، ويحتمل أن يكون منهما جميعا.
وهي على ضربين:
الضرب الأوّل (المراسيم المكبّرة)
لم يتعرّض لها المقرّ الشّهابيّ ابن فضل الله في «التعريف» لأنها لم تكن مستعملة في زمنه وإنما حدثت بعده.
قال في «التثقيف» : وهي على نمط التقاليد ليس بينهما اختلاف إلا في أمرين: أحدهما- أنه لا يكتب شيء من المراسيم في قطع الثلثين بل في قطع النصف أو الثلث. الثاني- أنه لا يقال فيها «تقليد شريف» بل «مرسوم شريف» .
قلت: ويفترقان من أربعة وجوه. أحدها- أنه يقتصر في طرّة المرسوم على «الأميريّ» دون «الكبيريّ» بخلاف التقاليد فإنه يقال فيها «الأميريّ الكبيريّ» . الثاني- أنه يقال في المرسوم: «أن يستقرّ» ولا يقال: «أن يفوّض» ولا: «أن يقلّد» . الثالث- أنه لا يقال: «على أجمل العوائد وأتمّ القواعد» بل يقال: «على عادة من تقدّمه وقاعدته» . الرابع- أنه لا يقال في الصّدر: «أما بعد» بل «وبعد» .
قال: وهي تختص بنوّاب القلاع المنصورة بالممالك الإسلامية، وأمراء العربان [ممّن] «1» بالشام وحلب، وشادّي «2» مراكز البريد وغيرهم.
(11/107)

ثم هي على طبقتين:
الطبقة الأولى- ما يكتب في قطع النصف بقلم خفيف الثلث، وذلك للنوّاب بالقلاع: من مقدّمي الألوف والطّبلخانات «1» : كنائب حمص، والرّحبة، والبيرة، وقلعة المسلمين، وملطية، وطرسوس، وأذنة، وبهسنى، والفتوحات الجاهانيّة وغيرها ممن يكتب له المجلس العالي والساميّ بالياء أو بغير ياء على ما تقدّم بيانه في المكاتبات إليهم. وكذلك بعض أمراء العربان وهم أمير آل عليّ، وأمير آل مرا، وأمير بني عقبة «2» قال في «التثقيف» : وصورة ما يكتب في الطرّة أن يكتب: «مرسوم شريف بأن يستقرّ المجلس العالي أو الساميّ الأميريّ، الفلانيّ، فلان (ويدعى له بما يناسبه) في النيابة في الجهة الفلانية على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته على ما شرح فيه» .
فإن كانت النيابة تقدمة ألف: كنيابة الرّحبة ونحوها، كتب في طرّة مرسوم نائبها: «مرسوم شريف بأن يستقرّ المجلس العالي الأميريّ الفلانيّ فلان، أدام الله تعالى نعمته، في المكان الفلانيّ على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كانت النيابة طبلخاناه كتب: «مرسوم شريف بأن يستقرّ المجلس السامي الأمير فلان، أدام الله تعالى تأييده في النيابة بمكان كذا، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» ، أو كتب: «مرسوم شريف أن يستقرّ المجلس السامي الأمير فلان الدين فلان، أدام الله تعالى تأييده في النيابة بمكان كذا، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
(11/108)

وإن كانت نيابة قلعة دمشق، كتب: «مرسوم شريف بأن يستقرّ المجلس العالي، الأميريّ، فلان، أدام الله تعالى نعمته في النيابة بالقلعة المنصورة بدمشق المحروسة، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته، على ما شرح فيه» .
وكذلك كلّ قلعة بحسب ألقاب نائبها التي يكاتب بها.
ثم يكتب في الصّدر بعد البسملة خطبة مفتتحة بالحمد لله، ثم يقول:
وبعد، ويأتي بنحو ما تقدّم ذكره في التقاليد، ثم يقال: ولما كان المجلس العالي أو الساميّ إلى آخر ألقابه، ثم يقال: فلان، ويدعى له بما جرت به عادته، ويقال ما يفهم منه أنه المقصود بما تقدّم ذكره من المدح والأوصاف السابقة؛ ثم يقال: فلذلك رسم بالأمر الشريف إلى آخره أن يستقرّ المشار إليه في كذا على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته، فليتلقّ ذلك ونحوه. ثم يوصى بما يناسب وظيفته التي تولّاها، ويختم بنظير ما تقدّم ذكره في ختم التقاليد.
الطبقة الثانية- من المراسيم المكبّرة ما يكتب في قطع الثلث بقلم التوقيعات «1» قال في «التثقيف» : وصورته في الطرّة والصدر على ما تقدّم في الطبقة الأولى، إلا أن خطبته تفتتح بأمّا بعد حمد الله، وتختتم بما تقدّم ذكره.
قال: وقد تكتب لنواب القلاع من أمراء العشرات: مثل نائب بغراس، ونائب الدّربساك، ونائب كركر، ونائب الكختا، ونحوها. قال: وكذلك أرباب الوظائف غير النّيابات، مثل شادّ الدّواوين بالشام وحلب، وشادّ مراكز البريد بهما، ونحو ذلك؛ وبعض أمراء العرب: كأمير بني مهديّ، ومقدّم عرب جرم، ومقدّم عرب زبيد «2»
على ندرة فيه. فإن كان المرسوم بنيابة من النيابات
(11/109)

المذكورة وغيرها، كتب: «مرسوم كريم بأن يستقرّ المجلس السامي، الأمير فلان الدين أعزه الله تعالى، في النيابة ببغراس، أو بالدّربساك، أو بكركر «1» ، وما أشبه ذلك على عادة من تقدّمه وقاعدته» . وإن كان بشدّ بالشام أو بحلب، كتب: «مرسوم كريم أن يستقرّ المجلس السامي، الأمير، فلان الدين: أعزه الله تعالى في شدّ الدواوين بالمكان الفلانيّ، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته على ما شرح فيه» . وإن كان بشدّ مراكز البريد، أبدل لفظ «شدّ الدواوين» بلفظ «شدّ مراكز البريد بالمكان الفلانيّ» . وإن كان بإمرة بني مهديّ، كتب:
«في إمرة بني مهديّ، على عادة من تقدّمه وقاعدته» . وإن كان بتقدمة عرب جرم، كتب: «في تقدمة عرب جرم، على عادة من تقدّمه وقاعدته» . وإن كان بتقدمة عرب زبيد، أبدل لفظ جرم بزبيد، وعلى ذلك.
الضرب الثاني (من المراسيم التي تكتب بالولايات المراسيم المصغّرة)
وهي ما يكتب في قطع العادة، وبها يكتب لأرباب السيوف بالولايات الصغيرة مثل نظر الأوقاف ونحوه. وهي صنفان:
الصنف الأوّل- ما يترك فيه أوصال بياض بين الطّرّة والبسملة
، وهي أعلاها، ويكتب بالسامي بغير ياء أو مجلس الأمير:
وصورتها أن يكتب في الطرّة: «مرسوم شريف أن يستقرّ المجلس السامي الأمير فلان الدين، أو مجلس الأمير فلان في كذا وكذا بما لذلك من المعلوم
(11/110)

الشاهد به ديوان الوقف، أو نحو ذلك، على ما شرح فيه» ثم يكتب في الصّدر بعد البسملة ما صورته: «رسم بالأمر الشريف العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ» (باللقب الخاصّ ولقب السلطنة) ويدعى له بما فيه براعة الاستهلال بذكر الوظيفة أو اسم صاحبها أو لقبه ونحو ذلك، وأقلّها ثلاث فقرات فما زاد «أن يستقرّ المجلس السامي، الأمير، الأجل» (إلى آخر ألقابه) ، أو أن يستقرّ مجلس الأمير، الأجلّ (إلى آخر الألقاب) لما له من كذا وكذا (ويأتي من صفات المدح بما يناسب المقام) ثم يقال: فليباشر ذلك، أو فليتلقّ ذلك، أو فليقابل صدقاتنا الشريفة بكذا ونحو ذلك؛ ثم يوصّى بما يليق به، ويدعى له بدعوتين فقط؛ ثم يقال: بعد الخط الشريف العالي أعلاه الله تعالى» .
قلت: وهذا الصّنف إن روعي صاحبه، كتب في قطع العادة المنصوريّ، وإلا ففي قطع العادة الصغير. قال في «التثقيف» : ومما ينبّه عليه أنه لا يكتب مرسوم شريف في قطع العادة إلا بمثل نيابة الشّقيف بصفد «1» وصرخد وعجلون والصّبيبة، فإنه لا يولّى فيها إلا مقدّم حلقة «2» أو جنديّ، ومثل هذا لا يكتب عن
(11/111)

المواقف الشريفة إلا نادرا، فإنّ كفّال الممالك يستبدّون بالتولية في ذلك.
الصنف الثاني- ما يكتب في هيئة ورقة الطريق، ويكون في ثلاثة أوصال
؛ وصورته أن يكتب في الطرّة ما صورته: «مرسوم شريف أن يستقرّ فلان، أو أن يرتّب فلان في كذا وكذا، على ما شرح فيه» ويكون ذلك في سطرين، ولا يكتب في أعلاه الاسم الشريف كما يكتب في غيره: لأن من المعلوم أنه لا يكتب في هذا إلا الاسم الشريف فيستغنى عن ذكره؛ ثم يكتب في آخر ذلك الوصل: «رسم بالأمر الشريف» على نحو ما تقدّم، إلا أنه لا يحتاج في الدعاء إلى ما يكون فيه براعة استهلال، بل يكفي «أعلاه الله وشرّفه، وأنفذه في الآفاق وصرّفه» ونحو ذلك «أن يستقرّ فلان في كذا أو يرتّب في كذا، فليعتمد ذلك ويعمل بحسبه ومقتضاه، بعد الخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه، إن شاء الله تعالى» .
النوع الثالث (مما يكتب في الولايات السلطانية التفاويض)
جمع تفويض؛ وهو مصدر فوّض الأمر إلى زيد إذا ردّه إليه، ومنه قوله تعالى:
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ
«1» أي أردّه إليه. قال في «التعريف» : وبه يكتب لعامّة القضاة، يعني ممن دون أرباب التقاليد، وهي من نمط التقاليد، غير أنها يقال في تعريفها «تفويض شريف لفلان بكذا» . ومقتضى ما ذكره أنه إذا كتب «تفويض شريف بقضاء قضاة الديار المصرية مثلا» يكتب في الطّرّة: «تفويض شريف للمجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، بقضاء قضاة المالكيّة بالديار المصرية، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، بالمعلوم الشاهد به الديوان
(11/112)

المعمور على ما شرح فيه» ثم يأتي بنحو ما تقدّم ترتيبه في التقاليد، إلا أنه يكون أخصر.
قلت: ولم أقف على نسخة تفويض غير نسخة واحدة من إنشاء المقرّ الشهابيّ ابن فضل الله لبعض قضاة دمشق. وقد أنشأت أنا تفويضا بقضاء قضاة المالكية بالديار المصرية لقاضي القضاة جمال الدين يوسف البساطيّ، حين ولّي على أثر ولاية قاضي القضاة جلال الدين البلقينيّ «1» قضاء قضاة الشافعيّة، افتتحته بلفظ: «الحمد لله الذي شفع جلال الإسلام بجماله» وكتبت له به، وكتبت في طرّته: «تفويض شريف للمجلس العالي، القاضويّ، الجماليّ، يوسف البساطيّ المالكيّ، أعز الله تعالى أحكامه بقضاء قضاة المالكية بالديار المصرية، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، على ما شرح فيه» . وقرأته بالمجلس العامّ بالمدرسة المنصورية «2» وسيأتي ذكر نسخته في الكلام على النّسخ في المقصد الثاني من هذا الطّرف، إن شاء الله تعالى.
النوع الرابع (التواقيع، جمع توقيع)
قد تقدّم في مقدّمة الكتاب عن ابن حاجب النّعمان في «ذخيرة
(11/113)


الكتّاب» «1» : أنّ التوقيع معناه في اللغة التأثير الخفيف، ومنه قولهم: ناقة موقّعة الجنبة «2» إذا أثّر فيها الرّحل تأثيرا خفيفا، وأنه يحتمل غير ذلك. وفي اصطلاح الأقدمين من الكتّاب أنه اسم لما يكتب في حواشي القصص كخطّ الخليفة أو الوزير في الزمن المتقدّم، وخط كاتب السّرّ الآن؛ ثم غلب حتّى صار علما على نوع خاصّ مما يكتب في الولايات وغيرها. قال في «التعريف» : وهي على أنموذج التفاويض. قال: وقد يقال: أن يرتّب، وأن يقدّم، ثم قال: وعنوانها «توقيع شريف لفلان بكذا» ولا يقال فيها على اختلافها: «وسبيل كلّ واقف عليه» كما في التقاليد، بل يقال: «فليعتمد ما رسم به فيه بعد الخطّ الشريف أعلاه» . وقد ذكر في «التعريف» أنها تكون لعامّة أرباب الوظائف جليلها وحقيرها، وكبيرها وصغيرها، حتّى الطبلخانات اللاحقين بشأو الكبار فمن دونهم. وقال في «التثقيف» : إنها مختصّة بالمتعمّمين من أرباب الوظائف الدينيّة والدّيوانية، ولا يكتب لأرباب السيوف منها إلا القليل: مثل نظر البيمارستان «3» ، ونظر الجامع الجديد «4» ، ونظر الحرمين الشريفين، يعني حرم القدس وحرم الخليل عليه السّلام.
قلت: والجامع بين كلاميهما أنه في زمن صاحب «التعريف» كانت
(11/114)

التواقيع تكتب بالوظائف لأرباب السّيوف من النّيابات وغيرها قبل أن تحدث المراسيم المكبّرة المقدّمة الذكر؛ ثم خصّت التواقيع بعد ذلك بالمتعمّمين دون أرباب السيوف. ومضى الأمر على ذلك في زمن صاحب «التثقيف» فجرى على حكمه ولم يبق ممن يكتب له توقيع من أرباب السيوف سوى نظّار الجهات الثلاث المتقدّمة الذّكر: من البيمارستان المنصوري، والجامع الجديد الناصريّ بمصر، ونظر الحرمين: حرم القدس الشريف، وحرم الخليل عليه السّلام.
والحكم باق على ذلك إلى الآن.
ثم التواقيع على اختلافها لا تخرج عن أربع طبقات:
الطبقة الأولى (ما يفتتح بخطبة مفتتحة بالحمد لله، وفيها مرتبتان)
المرتبة الأولى- ما يكتب في قطع النصف بقلم خفيف الثّلث
. قال في «التثقيف» : وصورته يعني ما يكتب به لأرباب الأقلام أن يكتب في الطرّة:
«توقيع شريف بأن يفوّض إلى المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، الفلانيّ (ويدعى له دعوة واحدة) [نظر الجامع الجديد الناصريّ] «1» بما جرت به عادته، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، بالمعلوم الشاهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت على ما شرح فيه» .
قال: فإن كان حاكما، كتب له بعد الكبيريّ، الحاكميّ. وإن كان كاتب السرّ، كتب له بعد الكبيريّ، اليمينيّ، لا غير. ثم يكتب في الصدر خطبة مفتتحة بالحمد لله ثم يقال: أما بعد، والتّتمة على نظير ما ذكر في التقاليد إلا فيما يليق بالوظيفة والمتولّي لها مما يناسب الحال. وقد ذكر في «التثقيف» أنه كان يكتب بذلك للقضاة الأربعة بالديار المصرية، والقضاة الأربعة بالشام،
(11/115)

وكاتب السرّ بمصر والشام، وناظر الجيش بهما، وناظر الدواوين المعمورة والصّحبة الشريفة، وهو ناظر الدولة.
وحينئذ فإن كتب بذلك لقاضي القضاة الشافعيّة بالديار المصرية على ما كان الأمر عليه أوّلا، كتب في الطرّة «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، الفلانيّ، فلان: أعزّ الله تعالى أحكامه، في قضاء قضاة الشافعيّة بالديار المصرية، على أجمل العوائد وأتمّها، وأكمل القواعد وأعمّها، بما لذلك من المعلوم الشاهد به الديوان المعمور، على ما شرح فيه» .
وإن كتب به لقاضي القضاة الحنفيّة، على ما كان الأمر عليه أوّلا أيضا، كتب له نظير قاضي القضاة الشافعية إلا أنه يبدل لفظ الشافعية ب «الحنفيّة» .
وإن كتب لقاضي القضاة المالكية، على ما الأمر مستقرّ عليه الآن، كتب له كذلك، وأبدل لفظ الشافعية والحنيفة ب «المالكيّة» .
وإن كتب لقاضي القضاة الحنابلة فكذلك، ويقال فيه «الحنابلة» .
وإن كتب به لأحد من القضاة الأربعة بالشام، فكذلك، إلا أنه يقال قضاء قضاة الشافعيّة أو الحنفية أو المالكية أو الحنابلة بالشّام المحروس.
وإن كتب به لكاتب السرّ على ما كان الأمر عليه أوّلا، كتب: «توقيع شريف بأن يفوّض إلى المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، اليمينيّ «1» فلان، ضاعف الله تعالى نعمته، صحابة دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية أعلاها الله تعالى، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، بالمعلوم الشاهد به الديوان المعمور، على ما شرح فيه» .
وإن كتب به لكاتب السرّ بالشام، أبدل لفظ الممالك الإسلامية ب «الشأم المحروس» .
(11/116)

وإن كتب به لناظر الجيش بالديار المصريّة، كتب: «توقيع شريف بأن يفوّض إلى المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، الفلانيّ: ضاعف الله تعالى نعمته، نظر الجيوش المنصورة بالممالك الإسلامية، أعلاها الله تعالى على ما شرح فيه» .
وإن كتب به لناظر الجيش بالشام، أبدل لفظ الممالك الإسلامية ب «الشام المحروس» .
وإن كتب به لناظر الدولة «1» ، كتب: «توقيع شريف بأن يفوّض إلى المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، الفلانيّ، فلان، ضاعف الله تعالى نعمته، نظر الدواوين المعمورة والصّحبة الشريفة «2» ، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، بالمعلوم الشاهد به الديوان المعمور على ما شرح فيه» .
وإن كتب به لناظر البيمارستان [وكان صاحب] «3» سيف، كتب: «توقيع شريف أن يفوّض إلى المقرّ الكريم، أو الجناب الكريم، أو العالي (على قدر رتبته) الأميريّ، الكبيريّ، الفلانيّ، فلان الناصريّ مثلا: أعزّ الله أنصاره، أو نصرته، أو ضاعف الله تعالى نعمته (بحسب ما يليق به) نظر البيمارستان المعمور المنصوريّ، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، بما لذلك من المعلوم الشاهد به الديوان المعمور على ما شرح فيه» . وكذلك نظر الجامع الجديد ونظر الحرمين الشريفين كلّ بما يناسب الألقاب. وعلى ذلك.
المرتبة الثانية من التواقيع- ما يكتب في قطع الثلث بقلم التوقيعات
، وهو لمن مرتبته الساميّ بالياء. قال في «التثقيف» : وصورته في الطّرّة والصدر على ما تقدّم شرحه لكن بأخصر مما تقدّم. قال: وبذلك يكتب لنقيب الأشراف
(11/117)

ولقضاة القضاة بحلب وطرابلس وحماة وصفد والكرك، وكذلك لقضاة العسكر بالممالك المذكورة والمفتين بدار العدل بها، ووكلاء بيت المال بها، والمحتسبين، ونظّار الجيش بها، وكتّاب الدّست «1» بمصر والشام، وناظر البيوت «2» بالديار المصرية. وكذلك ناظر خزائن السّلاح، ومستوفي الصّحبة، وناظر بيت المال، وناظر الخزانة الكبرى «3» وخزانة الخاصّ، وناظر الأحباس «4» ، ومشايخ الخوانق الكبار: كسعيد السعداء «5» ، وبيبرس بالقاهرة «6» ، والشّميصاتيّة «7» بدمشق، وكذلك تقدمة التّركمان بالشام، وتقدمة الأكراد به، ومشيخة العائد.
فإن كتب بذلك لنقيب الأشراف، كتب «توقيع شريف أن يستقرّ المجلس الساميّ، الأميريّ، الفلانيّ، فلان: أدام الله تعالى علوّه، في نقابة الأشراف بالديار المصرية، على عادة من تقدمه وقاعدته، على ما شرح فيه» .
وإن كتب لقاضي قضاة الشافعية بحلب، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ، فلان: أيّد الله تعالى أحكامه، في قضاء
(11/118)

قضاة الشافعية بحلب المحروسة، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته على ما شرح فيه.
وإن كتب للحنفيّ بها كتب كذلك، وأبدل لفظ الشافعية ب «الحنفيّة» وكذا في المالكية والحنابلة.
وإن كتب لأحد قضاة القضاة بغيرها: كطرابلس، وحماة، وصفد، والكرك، أبدل لفظ حلب بلفظ تلك المدينة، والباقي على حكمه.
وإن كتب لأحد من قضاة العسكر بالممالك المذكورة، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، فلان الشافعيّ، مثلا أو نحو ذلك: أيّد الله تعالى أحكامه، في قضاء العسكر المنصور بالمكان الفلانيّ، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب بإفتاء دار العدل بشيء من هذه الممالك، أبدل لفظ «قضاء العسكر» بلفظ «إفتاء دار العدل» والباقي على حكمه.
وإن كتب لأحد من وكلاء بيت المال بها، كتب: «توقيع شريف أن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ، فلان: أدام الله تعالى رفعته، في وكالة بيت المال المعمور بالمكان الفلانيّ، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب لأحد من المحتسبين بهذه الممالك، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ، فلان: أدام الله تعالى رفعته، في نظر الحسبة الشريفة بالمكان الفلانيّ على عادة من تقدّمه وقاعدته» .
وإن كتب لأحد من نظّار الجيش بها، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ، فلان: أدام الله تعالى رفعته، في نظر الجيوش المنصورة بالمملكة الفلانية، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب لأحد من كتّاب الدّست بالديار المصرية، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ، فلان: أدام الله تعالى رفعته،
(11/119)

في كتابة الدّست الشريف بالأبواب الشريفة» . ثم إن كان عن وفاة عيّنه أو بنزول عيّنه.
وإن كان بالشام، أبدل لفظ «بالأبواب الشريفة» بلفظ «بالشام المحروس» .
وإن كتب بذلك في نظر البيوت بالديار المصرية، كتب «توقيع شريف أن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ: أدام الله رفعته، في نظر البيوت المعمورة» .
وإن كتب لأحد بنظر خزائن السّلاح بالديار المصرية، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ: أدام الله رفعته، في خزائن السّلاح المنصورة، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب باستيفاء الصّحبة «1» ، كتب «توقيع شريف أن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ: أدام الله رفعته، في استيفاء الصّحبة الشريفة، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب بنظر بيت المال، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ: أدام الله رفعته، في نظر بيت المال المعمور، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب بنظر الخزانة الكبرى، كتب «توقيع شريف أن يستقرّ الملجس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ: أدام الله رفعته، في نظر الخزانة العالية الكبرى، على عادة من تقدّمه وقاعدته» .
وإن كتب بنظر خزانة الخاصّ، أبدل لفظ الخزانة العالية الكبرى بلفظ
(11/120)

خزانة الخاصّ الشريف، والباقي على ما تقدّم.
وإن كتب بنظر الأحباس، كتب «توقيع شريف أن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ، فلان: أدام الله تعالى رفعته، في نظر الأحباس المبرورة، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب بمشيخة الخانقاه الصّلاحية (سعيد السعداء) كتب «توقيع شريف أن يستقرّ المجلس الساميّ، الشّيخيّ، الفلانيّ: أعاد الله تعالى من بركاته، في مشيخة الخانقاه الصّلاحيّة، على عادة من تقدّمه وقاعدته» .
وإن كتب بمشيخة خانقاه بيبرس، أبدل لفظ «الخانقاه الصّلاحيّة» بلفظ «الخانقاه الرّكنيّة بيبرس» والباقي على ما تقدّم.
وإن كتب بمشيخة الشّميصاتية بدمشق، أبدل ذلك بلفظ «الخانقاه الشّميصاتيّة بالشام المحروس» .
وإن كتب بتقدمة التّركمان بالشام، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، الفلانيّ: أعزّه الله تعالى، في تقدمة التّركمان بالشام المحروس، على عادة من تقدّمه وقاعدته» .
وإن كتب بتقدمة الأكراد، أبدل لفظ «التّركمان» بلفظ «الأكراد» .
وإن كتب بمشيخة العائد، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ الفلانيّ: أعزّه الله تعالى، في مشيخة العائد، على عادة من تقدّمه وقاعدته» . وعلى ذلك.
الطبقة الثانية (من التواقيع ما يفتتح بلفظ «أما بعد حمد الله» وهو لمن رتبته السامي بغير ياء، وهي على مرتبتين)
المرتبة الأولى- ما يكتب في قطع الثلث
، وهو الأصل فيما يكتب في الثلث ثم ترقّي عنه إلى رتبة الافتتاح بالحمد. ألا ترى أن المناشير التي تكتب
(11/121)

في قطع الثّلث بقلم التوقيعات تفتتح كلّها بلفظ «أما بعد» على ما سيأتي بيانه في المقالة السادسة، في الكلام على المناشير، إن شاء الله تعالى.
وصورته أن يكتب في الطرّة «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، فلان الدين أو الشيخ فلان الدين في كذا، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته، على ما شرح فيه» ثم يكتب في الصدر «أما بعد حمد الله» ويصلّي على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ ثم يقول: «فإنّ أولى الأمور بكذا من هو بصفة كذا» أو «إنّ أولى الناس بالتقديم من هو متّصف بكذا» ونحو ذلك؛ ثم يقال: «ولمّا كان المجلس» ويؤتى بنحو ما تقدّم من المفتتح بالحمد لله.
قلت: وقد قلّ استعمال هذا الضّرب بديوان الإنشاء الشريف وإن كان هو الأصل فيما يكتب في هذا القطع، حتّى لا يكاد يكتب به إلا في النادر، تغاليا في رفعة المكتوب لهم، مع المسامحة لهم في مثل ذلك.
المرتبة الثانية- ما يكتب من هذه الطبقة في قطع الثلث
. قال في «التثقيف» : وهو قليل جدّا لا يكون إلا في تدريس كبير، أو نظر وقف كبير، أو مشيخة الحرم الشريف بالقدس الشريف، إن لم يكن في قطع الثلث، أو لرجل كبير قديم الهجرة في الخدمة الشريفة، إلا أنّ الوظيفة صغيرة لا تقتضي أن تكون في قطع الثلث.
الطبقة الثالثة (من التواقيع ما يفتتح بلفظ «رسم بالأمر الشريف» وهي على مرتبتين)
المرتبة الأولى- ما يكتب في قطع العادة المنصوريّ بقلم الرّقاع
«1» ، وهو لمن رتبته السامي بغير ياء ممن لم تبلغ رتبته قطع الثلث. قال في «التثقيف» :
وصورته أن يكتب في الطرّة «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس السامي القاضي
(11/122)

فلان الدين: أعزه الله تعالى في كذا، أو أن يرتّب، أو أن يقدّم» ويذكر ما تضمّنه الشاهد من قصة أو قائمة من ديوان الوزارة أو الخاصّ أو غير ذلك «على ما شرح فيه» . قال: ثم يكتب في الصدر بعد البسملة «رسم بالأمر الشريف العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ، الفلاني، باللقب الخاص، ولقب السلطنة» : مثل الناصريّ، الزّينيّ، ونحو ذلك (ويدعى للسلطان بأدعية تناسب الوظيفة والمتولّي لها، وأقلّها ثلاث فقرات فما زاد) «أن يستقرّ المجلس السامي، القاضي، فلان الدين فلان، أو مجلس القاضي فلان الدين فلان:
أعزّه الله تعالى في كذا، لما له من صفات هي كذا وكذا (ويأتي من صفات المدح بما يناسب المقام) ثم يقال: فليباشر ذلك، أو فليتلقّ هذا الإحسان، أو فليقابل صدقاتنا الشريفة» ونحو ذلك؛ ثم يوصى بما يليق بتلك الرتبة، ويدعى له بسجعتين فقط. ثم يقال: «بعد الخطّ الشريف أعلاه» . ثم قال: وبذلك يكتب لكتّاب الدّرج «1» ، ومستوفي الدولة «2» ، وناظر الأهراء «3» وناظر المطابخ، ومشايخ الخوانق الصّغار، والتّداريس «4» الصّغار، وأنظار الأوقاف الصّغار، ونحو ذلك مما لا يأخذه حصر.
وحينئذ فإن كتب بذلك لكاتب درج، كتب في الطرّة «توقيع شريف أن
(11/123)

يستقرّ مجلس القاضي فلان الدين فلان: أعزّه الله تعالى في كتابة الدّرج الشريف» .
وإن كتب به لمستوف من مستوفي الدولة، كتب «أن يستقرّ المجلس السامي، القاضي، فلان الدين فلان: أدام الله نعمته، في استيفاء الدولة الشريفة على عادة من تقدّمه» .
وإن كتب لناظر الأهراء، كتب «أن يستقر المجلس السامي، القاضي، فلان الدين فلان: أدام الله رفعته، في نظر الأهراء السعيدة» .
وإن كتب بنظر مطابخ السّكّر، كتب «أن يستقرّ المجلس السامي، القاضي، فلان الدين فلان: أدام الله تعالى رفعته، في نظر المطابخ السعيدة» .
وإن كتب بمشيخة خانقاه صغيرة، كتب «أن يستقر المجلس السامي، الشّيخيّ، فلان الدين فلان، أو مجلس الشيخ فلان الدين فلان: نفع الله تعالى ببركته، في مشيخة الخانقاه الفلانية، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب بتدريس صغير، كتب «أن يستقرّ في تدريس المدرسة الفلانية، على عادة من تقدّمه وقاعدته» .
وإن كتب بنظر وقف، كتب «أن يستقرّ في نظر الوقف الفلانيّ» ونحو ذلك.
ثم إن كان لشيء من ذلك معلوم يشهد به الديوان السلطانيّ ككتابة الدّرج واستيفاء الدولة، كتب بعد قوله وقاعدته: «بما لذلك من المعلوم الشاهد به الديوان المعمور» .
وإن كان الشاهد بالمعلوم كتاب وقف، كتب «بما لذلك من المعلوم الشاهد به كتاب الوقف المبرور» . ويقول في آخر طرّة كل ولاية من التقاليد، والتفاويض، والمراسيم، والتواقيع على اختلافها: «على ما شرح فيه» .
(11/124)

الطبقة الرابعة (التواقيع الصّغار؛ وهي لأصغر ما يكون من الولايات: من نظر وقف صغير ونحو ذلك، وتكون في ثلاثة أوصال ونحوها)
وهي على ضربين:
الضرب الأوّل- ما يكتب على مثال أوراق الطّريق.
وصورتها أن يكتب في أعلى الدّرج: «توقيع شريف بأن يستقرّ فلان في كذا، على ما شرح فيه» . ويكون ذلك في سطرين؛ ثم يكتب في آخر ذلك الوصل: «رسم بالأمر الشريف العاليّ المولويّ السلطانيّ» إلى آخر ما تقدّم في الطبقة الثالثة، ويقال في الدعاء: «أعلاه الله وشرّفه، وأنفذه وصرّفه» ونحو ذلك، ثم يقال: «أن يستقر فلان في كذا» ويشرح ما تضمّنه الجواب في هامش القصّة، ثم يقال: «فليعتمد هذا المرسوم الشريف كلّ واقف عليه، ويعمل بحسبه ومقتضاه، من غير عدول عنه ولا خروج عن معناه، بعد الخط الشريف أعلاه» .
الضرب الثاني- ما يكتب على ظهور القصص.
وكيفيّته أن تلصق القصّة التي شملها جواب كاتب السرّ أو غيره على وصلين من ورق العادة الصغير. قال في «التثقيف» : وصورتها أن يكتب في ظاهر القصّة بغير بسملة قبل الوصل الذي وصله بنحو أربعة أصابع ما صورته:
«رسم بالأمر الشريف العاليّ المولويّ السلطانيّ» على نحو ما تقدّم. ويدعى له: «أعلاه الله وشرّفه، وأنفذه وصرّفه» على ما تقدّم في الضرب الأوّل، ثم يقال: «أن يتأمّل ما أنهاه رافعها باطنا، وليتقدّم بكذا وكذا» ويشرح ما تضمّنه الجواب في هامش القصّة، ثم يقال: «فليعتمد هذا المرسوم الشريف كلّ واقف عليه، ويعمل بحسبه ومقتضاه، بعد الخطّ الشريف أعلاه» . قال: وإن كان رافع القصّة ممن هو متميّز بعض التميّز قيل: «مترجمها» بدل «رافعها» ؛ فإن زيد في قدره، قيل: «ما ذكره مجلس القاضي أو المجلس السامي القاضي» إن كان
(11/125)

من هذه الرتبة، وتذكر بعض ألقابه، ثم يقال: «أدام الله علوّه» أو «أعزه الله، فليتقدّم» ويكمل إلى آخره.
واعلم أنّ المقرّ الشّهابيّ ابن فضل الله رحمه الله قد ذكر في «التعريف» افتتاحات أخرى للتواقيع بين رتبة «أما بعد حمد الله» ورتبة «رسم بالأمر الشريف» فقال: بعد الافتتاح بأما بعد حمد الله: وقد تستفتح بقول: «أما بعد فإنّ أولى ما كان كذا» أو ما هذا معناه، وقد تستفتح بقول: «من حسنت طرائقه، وحمدت خلائقه» أو ما هذا معناه، وجعلها رتبة بعد رتبة.
قلت: وهذه الافتتاحات كانت مستعملة في الدولة العباسية ببغداد، وفي الدولة الفاطميّة بالديار المصريّة والبلاد الشاميّة، ثم في الدولة التّركيّة إلى زمن المقرّ الشّهابيّ المشار إليه في الدولة الناصريّة محمد بن قلاوون؛ ثم رفضت بعد ذلك، وترك استعمالها بالديار المصرية البتّة، فلم يكن أحد من كتّاب ديوان الإنشاء يستعمل شيئا منها.
المقصد الثالث (في بيان كيفيّة وضع ما يكتب في هذه الولايات في الورق، ويتعلّق به عشرة أمور)
الأمر الأوّل- الطّرة
، وهي في اصطلاحهم عبارة عن طرف الدّرج من أعلاه، ثم أطلقوه على ما يكتب في رأس الدّرج مجازا، تسمية للشيء باسم محلّه.
قلت: وليس صحيحا من حيث اللغة، فإنّه في الأصل مأخوذ من طرّة الثوب. وقد ذكر الجوهريّ وغيره أن طرّة الثوب هي طرفه الذي لا هدب فيه، والذي لا هدب فيه من الثوب هو حاشيتاه، بخلاف أعلاه وأسفله. نعم يجوز أن تكون مأخوذة من الطّرّ بمعنى القطع، لأن الطّرّة مقتطعة عن كتابة المتن، يفصل بينهما بياض، ومنه سمّي الشّعر المرسل على الصّدغ طرّة. وقد جرت العادة في كل ما يكتب له طرّة أن يكتب في أعلى الدّرج في الوسط بقلم الرّقاع بكل حال
(11/126)

ما صورته «الاسم الشريف» ثم تكتب الطرّة تلو ذلك من أوّل عرض الدّرج إلى آخره، دون هامش عن يمين ولا شمال: بحيث تكون أطراف المنتصبات من أوّل السطر الأوّل ملاصقة لأسفل ما كتب في أعلى الدّرج مما تقدّم ذكره. ويأتي بالطرّة المناسبة: من تقليد، أو مرسوم، أو تفويض، أو توقيع، بالقلم المناسب لمقدار قطع ذلك الورق على ما تقدّم بيانه، ويأتي على ما يكتب في الطرّة على ما تقتضيه الحال، على ما سبق ذكره إلى أن ينتهي إلى آخره؛ فإن انتهى في أثناء سطر، ترك باقيه بياضا، وكتب في آخره «على ما شرح فيه» بحيث يوافي آخر ذلك آخر السطر، وإن انتهى ما يكتب في الطرّة في آخر السطر، كتب تحت ذلك السطر على حيال آخره «على ما شرح فيه» كما تقدّم، لا يختلف الحال في ذلك في مكتوب ولاية، إلا فيما يكتب على ظهور القصص، فإنّ العادة جرت فيه أن لا يكون له طرّة، ولا يكتب في أعلاه الاسم الشريف: لأنه قد علم أنه لا يكتب فيه إلا الاسم الشريف، فلم يحتج إلى تنبيه على ذلك.
الأمر الثاني- البسملة الشريفة
. ومن شأنها أن تكتب في أوّل كلّ ولاية لها شأن، عملا بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم» يعني ناقص البركة، ومحلّها من كتب الولايات في أوّل الوصل الرابع بعد أوصال البياض. أما ما لا بال له من كتب الولايات: كالتواقيع التي على ظهور القصص وما هو منها على صورة أوراق الطريق، فقد جرى الاصطلاح على أنه لا يكتب في أوّلها بسملة أصلا، بل تفتتح ب «رسم بالأمر الشريف» .
قلت: وقد كان القاضي علاء الدين عليّ الكركيّ حين ولّي كتابة السرّ الشريف بالديار المصرية في أوّل سلطنة الظاهر برقوق الثانية أمر أن تكتب في أوّل هذه التواقيع بسملة لطيفة المقدار، طلبا للتبرك؛ ثم ترك ذلك بعد موته وانتقال الوظيفة إلى غيره. ولا يخفى أنّ ما عليه الاصطلاح هو الوجه: فإنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد قيّد ما يبدأ بالبسملة بما يكون له بال من الأمور، ومقتضاه أنّ ما لا بال له لا يبدأ فيه ببسملة. على أنه قد كان أمر أن تجعل البسملة قبل قوله «رسم بالأمر الشريف» ومقتضى ذلك أن تقع العلامة فوق البسملة، وفيه ما لا
(11/127)

يخفى، بخلاف غيره من الولايات الكبار فإنّ العلامة تكون فيها تحت السطر الثاني من البسملة، على ما سيأتي بيانه.
الأمر الثالث- الافتتاح الذي يلي البسملة
. وقد علمت مما تقدّم أنّ الذي استقرّ عليه افتتاح كتب الولايات على اختلافها من أعلى وأدنى لا يخرج عن ثلاثة أصناف:
أحدها- الافتتاح بالحمد لله، وهو أعلاها. ثم تختلف رتبته بعد ذلك باختلاف ما يكتب فيه من مقادير قطع الورق: إذ هو تارة تفتتح به التقاليد، وتارة تفتتح به المراسيم المكبّرة، وتارة تفتتح به التفاويض، وتارة تفتتح به كبار التواقيع.
الثاني- الافتتاح بأما بعد حمد الله؛ وهو المرتبة الثانية من المراسيم المكبّرة، والتواقيع الكبار؛ وتكون في قطع الثلث تارة، وفي قطع العادة المنصوريّ أخرى.
الثالث- الافتتاح برسم بالأمر الشريف؛ وهو المرتبة الثالثة من المراسيم والتواقيع، وهي أدنى رتبها. وتكون في قطع العادة الصغير، وربما كتب بها في قطع العادة المنصوريّ.
الأمر الرابع- البعدية فيما يفتتح فيه بالحمد لله
، وهو على ضربين:
الأوّل
- أن يقال بعد التحميد والتشهّد والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أما بعد، وهو الأعلى. وتكون في التقاليد خاصّة.
الثاني
- وبعد، وهي دون أما بعد. وتكون في التفاويض وكبار المراسيم والتواقيع. وقد مرّ القول على ذلك مستوفى في الكلام على الفواتح في المقالة الثالثة.
الأمر الخامس- وصف المتولّي بما يناسب مقامه ومقام الولاية من المدح والتفريظ
. وقد مرّ القول على ذلك في المقصد الأوّل من هذا الطّرف، في
(11/128)

الكلام على مقدّمات الولايات.
الأمر السادس- الألقاب المختصّة بصاحب الولاية
. قد تقدّم أنه يذكر في الطّرّة بعض الألقاب التابعة للّقب الأصليّ: من المقرّ والجناب وغيرهما، مع التصريح باسم المولّى والدعاء له بما يناسبه، على ما تقدّم بيانه هناك. أما في أثناء الولاية، فإنه يستوعب جميع ألقابه ويعاد ذكر الاسم والدعاء المذكور في الطّرّة. وقد تقدّم ذكر الألقاب مستوفى في المقصد الأوّل من هذا الفصل في الكلام على مقدّمات الولايات.
الأمر السابع- وصيّة صاحب الولاية بما يناسب ولايته
. وقد تقدّم التنبيه على ذلك في الكلام على مقدّمات الولايات أيضا.
الأمر الثامن- الدعاء لصاحب الولاية بما يناسبه إذا كان مستحقّا لذلك.
وقد ذكر في «التعريف» أن من استصغر من المولّين لا يدعى له في أوّل ولاية ولا آخرها، وربما قيل بدل الدعاء أو بعده: «والخير يكون» .
الأمر التاسع- الخواتم
: من كتابة «إن شاء الله تعالى» والتاريخ، والمستند، والحمدلة، والتصلية، على نحو ما تقدّم في المكاتبات.
فأما المشيئة، فإنه يكتب في آخر مكتوب كلّ ولاية: «إن شاء الله تعالى» في سطر منفرد.
وأما التاريخ، فإنه يكتب في سطرين كما تقدّم في المكاتبات، فيكتب «كتب في يوم كذا من شهر كذا» في سطر، ويكتب «سنة كذا وكذا» في سطر تحته.
وأما المستند، فإنّه يكتب تحت التاريخ، كما تقدّم في المكاتبات، فإن كان بتلقّي كاتب السرّ، كتب في سطر واحد «حسب المرسوم الشريف» ، وإن كان برسالة الدّوادار، كتب «حسب المرسوم الشريف» في سطر، ثم كتب في سطر تحته «برسالة الجناب العاليّ الأميريّ، الكبيريّ، الفلانيّ الدّوادار،
(11/129)

الناصريّ» مثلا؛ وإن كان بخط السلطان، كتب «حسب الخطّ الشريف» ؛ وإن كان بإشارة النائب الكافل، كتب «بالإشارة العالية الأميريّة الكبيريّة الفلانية» في سطر، وكتب «كافل الممالك الشريفة الإسلاميّة أعلاها الله تعالى» في سطر تحته؛ وإن كان بإشارة الوزير، كتب «بالإشارة العالية الصاحبيّة الوزيريّة الفلانية» في سطر، ثم كتب في السطر الثاني «مدبّر الممالك الشريفة الإسلامية أعلاها الله تعالى» ؛ وإن كان الوزير صاحب سيف، أسقط منها «الصاحبيّة» . أللهم إلا أن يكون مرسوما صغيرا أو توقيعا صغيرا مما كتب في هيئة ورقة الطريق أو على ظهر القصّة، فإنه إن كان بتلقّي كاتب السرّ، كتب المستند على حاشية التوقيع على سمت ما بين السطر الأوّل والثاني؛ وإن كان بإشارة النائب الكافل كتب هناك «بالإشارة العالية» سطرين، على نحو ما تقدّم فيما يكتب تحت التاريخ؛ وإن كان بإشارة الوزير، فالأمر كذلك؛ وإن كان برسالة الدّوادار، كتب على الحاشية هناك «حسب المرسوم الشريف» ، ثم كتب تحت التاريخ «برسالة الجناب العالي» إلى آخر المستند.
وأما الحمدلة والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ففي سطر تحت المستند، كما في المكاتبات، يكتب فيها «الحمد لله وحده» ثم يخلّي بياضا، ثم يكتب «وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه» .
وأما الحسبلة، ففي سطر تحت ذلك يكتب فيه «حسبنا الله ونعم الوكيل» على ما تقدّم في المكاتبات.
الأمر العاشر- البياض الواقع في كتب الولايات
، وله ستّة مواضع:
الأوّل- فيما بين الطّرّة والبسملة
، وهي ثلاثة أوصال بالوصل الذي فيه الطرّة، لا يتجاوز ذلك في مقدار قطع كبير ولا صغير. إلا أنه ربما اقتصر على وصلين فيما استصغر شأنه من الرتبة الثالثة من التواقيع.
الثاني- الحاشية فيما على يمين البسملة وما بعدها
. وأهل زماننا يعبّرون عن ذلك بالهامش، ولم أجد له أصلا في اللغة. وقد تقدّم القول عليها في
(11/130)

المقالة الثالثة، في الكلام على متعلّقات قطع الورق وما ينخرط في سلكه. أما آخر الأسطر فإنه لا بياض فيه؛ على أنّ ملوك الروم يجعلون لكتبهم حاشية من أوّل الأسطر وحاشية من آخرها، على ما تقدّم القول عليها في الكتب الواردة عن صاحب القسطنطينيّة.
الثالث- بيت العلامة
؛ وهو فيما بين السطر الأوّل: وهو الذي يلي البسملة، وبين السطر الثاني: وهو الذي يكون في آخر وصل البسملة. وقد تقدّم في الكلام على مقادير الورق في المقالة الثالثة أن مقداره في الزمن القديم كان قدر شبر، وقد شاهدناه دون ذلك بقليل فيما كتب به في الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون» على ما يشهد به الموجود من تواقيعهم، ثم تناقص قليلا؛ فلمّا غلا الورق وقصّرت الأوصال نقص مقداره حتّى صار [نحو نصف شبر] «1» ، وهو على ذلك إلى الآن. ويزيد ذلك وينقص باعتبار قطع الورق فإنه في القطع الكبير يكون الوصل أطول منه في القطع الصغير.
الرابع- ما بين الأسطر في متن الولاية
؛ وهو على مقدار النّصف من بيت العلامة في القطع الكبير والقطع الصغير، لا يكاد ذلك يختلف إلا في التّواقيع والمراسيم التي هي على هيئة أوراق الطريق، والتي على ظهور القصص، فإنّ ما بين السطرين منها يكون متضايقا حتّى يكون بقدر ثلاثة أصابع مطبوقة.
الخامس- ما بين أسطر اللّواحق
فيما بعد «إن شاء الله تعالى» فإنه يكون ما بين كلّ سطرين من ذلك قدر نصف ما بين السطرين في متن الولاية، إلا في المستند إذا كان سطرين، مثل أن يكون برسالة الدّوادار ونحوها، فإنّ السطرين يكونان متلاصقين.
السادس- ما بعد اللّواحق في آخر الكتاب
، وهو قدر يسير يكون قدر إصبعين مطبوقين أو ثلاثة أصابع مطبوقات وما قارب ذلك.
(11/131)

المهيع الثاني (في ذكر نسخ مما يكتب في متن الولايات من التقاليد والمراسيم المكبّرة والتفاويض والتّواقيع)
قلت: وقد كنت هممت أن أجعل ابتداآت التقاليد، والتفاويض، والمراسيم، والتواقيع: من الافتتاح ب «الحمد لله» أو ب «رسم بالأمر الشريف» في فصل مستقلّ، ومقاصدها المتعلقة بالوظيفة [في فصل على حدة ليختار] «1» الكاتب الذي لا يحسن الإنشاء ما أحب من الابتداآت المناسبة للاسم أو اللّقب ونحوهما ثم يبيّن القصد المتعلق بالوصف.
ثم أضربت عن ذلك وأتيت بالنسخ على صورتها لأمور: منها- أن في تضييع النسخة إفسادا لصورتها وضياع فضيلة المنشئين وإشاعة ذكرهم. ومنها- أن يعرف أنّ الصورة التي تورد مما كتب به في الزمن السابق، وأنها مصطلح قد اصطلح عليه أهل ذلك الزمان. ومنها- أن يعرف المنشيء ترتيب من تقدّم لينسج على منواله. وإذا أراد من لا دربة له بالإنشاء أخذ تحميدة من تقليد أو توقيع وغيرهما ونقلها إلى مقصد من مقاصد الولاية لم يعجزه ذلك.
ثم قسمته على ثلاثة أقسام:
(11/132)

القسم الأوّل (ولايات وظائف الديار المصرية؛ وهي على نوعين)
النوع الأوّل (الولايات بالحضرة؛ وهي على ستة أضرب)
الضرب الأوّل (ولايات أرباب السيوف؛ وهي على طبقتين)
الطبقة الأولى (ذوات التقاليد؛ وهي ثلاث وظائف)
الوظيفة الأولى (الكفالة، وهي نيابة السلطنة بالحضرة)
وقد تقدّم في الكلام على ترتيب وظائف المملكة في المقالة الثانية أن الكفالة هي أعلى رتب نيابة السلطنة، وأنّ النائب الكافل يحكم في كل ما يحكم فيه السلطان، ويعلّم في التقاليد والتواقيع والمناشير وغير ذلك، بخلاف غيره من النوّاب، فإنّ كل نائب لا يعلّم إلا على ما يختصّ بخاصّة نيابته. وقد تقدّم في مقدّمة الولايات أنّ لقبه «المقرّ الكريم» على ما استقرّ عليه الحال.
وهذه نسخة تقليد بكفالة السلطنة، كتب بها من إنشاء الشّهاب محمود الحلبيّ «1» رحمه الله، وهي:
الحمد لله الذي جعل ركن الدولة في دولتنا القاهرة ثابت القواعد، على فرقد الفراقد، راقيا في رتب العلوّ الآخذة من أفق التأييد بالمطالع ومن نطق العزّ بالمعاقد، حاليا بعقود المهابة التي لا تزال لرعبها على الأعداء طلائع خيل في
(11/133)

المراقب وروائع «1» خيال في المراقد، حاويا من أنواع المفاخر ما لو كاثرته الدّراريّ غدت وهي لمجموعه فراقد، أو فاخرته الدّرر ثقّبتها الأفكار النواقد، مقلّدا من سيوف الظّفر ما لا تنبو في نصرة الإسلام مضاربه؛ وكيف تنبو وأوامرنا لعقود حمائلها على عواتق مجده عواقد.
نحمده على نعمه التي عدقت أمور دولتنا بمن يرفع بأسه منارها، وعقدت قواعد مملكتنا بمن يوالي فضله أنوارها، وعضدت همم أوليائنا بمن إذا تخيّلت أعداء الدين مواقع صوارمه كان أمنع صونها إسارها وأنفع سلاحها فرارها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تشرق الهمم بلوامعها، وتشرف الكلم بجوامعها، وتزكو الأمم بما تنقل الألسنة منها عن القلوب إلى مسامعها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أقامنا الله لنصر دينه، وألهمنا تفويض مصالح أمته إلى كلّ وليّ ما رفعت راية نصر إلا تلقّاها عرابة «2» مجده بيمينه، وعضّدنا في جهاد أعدائه بأعزّ صفيّ ينوب بأسه للجيش عن طليعته ويقوم رأيه في الحرب مقام كمينه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين اختارهم لصحبته وارتضاهم، وأرهفهم لإقامة ملّته وانتضاهم، فمنهم من فاز بمزيّتي سبقه وتصديقه، ومنهم من كان الشيطان ينكّب عن طريقه، ومنهم من اختار الشهادة على الانتصار بفريقه ورفيقه، ومنهم من أقامه بشرف الأخوّة معه مقام شقيقه، صلاة يبلغه إخلاص مقيمها، ويعرض عليه إيمان مديمها، وسلم.
أما بعد، فإنا- من حين أورثنا الله ملك الإسلام لا عن كلالة، وألبسنا في مواقف الذّبّ عن دينه حلل العزّ المعلمة بالجلالة، ومكّن لنا في أرضه، وأنهضنا بمسنون الجهاد وفرضه، ونشر دعوة ملكنا في طول الوجود وعرضه- لم نزل نرتاد لكفالة الممالك الإسلاميّة من تأوي
(11/134)

منه إلى ركن شديد، ورأي سديد؛ وحزم يقرّب من مواهب النصر كلّ بعيد، وعزم إذا أرهف صوارمه من أدنى الصعيد، وجف لهول مواقعها باب الحديد «1» ؛ فهو المطويّ في أثناء ضمائرنا وإن تقلّدنا قبله سواه، والمنويّ في أحناء سرائرنا وإنّما لا مريء ما نواه؛ قد حلب قدم هجرته الدّهر أشطره، وكتب حسن خبرته من عنوان السّير أسطره، وتمثّلت مرآة الزمان لفكره فاجتلى صور الوقائع في صفائها، وترددت تجارب الأمم على سمعه فعلم ما يأتي وما يذر في تركها واقتفائها، واستقبل دولة أسلافنا الشريفة من فواتحها، فكان لسان محاسنها، وبنان ميامنها، وخزانة سرّها، وكنانة نهيها وأمرها، وطليعة تأييدها، وذريعة أوليائها إلى عوارفها وجودها، وعنوان أخبارها، وعنان سوابقها التي لا تدرك مآثر من سلف شقّ غبارها، ويمين قبضتها المصرّفة بين البأس والنّدى، وأمين آرائها المؤيّدة بالتوفيق اللّدنيّ على العدا، وركنها المشيّد بالأسل وهو ما تبنى عليه الممالك، وحصنها المصفّح بالصّفاح فلا تستطيع الأهواء أن تتوقّل «2» إليه تلك المسالك، وزعيم جيوشها التي اجتنت من قصب قواضبه ثمر النّصر غير مرّة، ومتقدّم عساكرها التي اجتلت به وجوه الظّفر الحلوة في أيّام الكريهة المرّة.
ولما كان المقرّ الكريم (الفلانيّ) هو معنى هذه الصفات المبهمة، ومبنى هذه القواعد المحكمة، وطراز حلل هذه الأحوال المعلمة، وسرّ المقاصد
(11/135)

الظاهرة، وسلك هذه [النجوم] «1» الزاهية بل فلك هذه الدّراريّ الزاهرة: تحلّق صوادح البراعة، فتقع دون أوصافه بمراحل، وتغوص سوابح اليراعة، فيلقيها العجز عن استخراج درر نعوته بالسّواحل؛ فأوصافه تذكر على وجه الإجمال لضيق نطاق الفصاحة عن تفصيلها، ومناقبه تشكر بلسان الإجماع لعجز ألسنة الأقلام عن بلوغها إلى غايتها ووصولها؛ فلذلك اقتضت آراؤنا الشريفة أن نفسح مجال الهدى، بتفويض إيالة الممالك إليه، وأن نقطع آمال العدا، بالاعتماد في زعامة الجيوش الإسلاميّة عليه، وأن نقرّ عيون الرّعايا بإلقاء مقاليد العدل والإحسان إلى يديه، وأن نصون عقائل الممالك من مهابته بما يغدو سورا لعواصمها، وسوارا لمعاصمها، وشنبا «2» تفترّ ثغورها عن بروقه، أو لهبا «3» يقطع طريق أمل العدا عن تخيّل خيالها في طروقه،: ليعتضد الدّين منه بركنه، ويتغلّب [على] «4» الشّرك في حالتي حربه ووهنه، ويتقلّب كلّ من رعايانا بين وهاد يمنه ومهاد أمنه- رسم بالأمر الشريف- لا زال ملكه عليّ الأركان، راقيا من أفق النصر إلى أعلى مكانة وأرفع مكان- أن تفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالديار المصرية، والممالك الإسلامية، على أكمل العوائد، وأجمل القواعد، تفويضا تمضي أحكامه في الممالك الإسلامية شرقا وغربا، وبعدا وقربا؛ فلا يخرج منها شيء عن أوامره وأحكامه، ولا يعدل في سلمها وحربها عن حكمي سيوفه وأقلامه.
فليستقرّ في هذه الرّتبة العالية استقرار الأركان المواكث، والأطواد اللّوابث، والأصول النّوابت، والنجوم الثوابت، مؤثّلا قواعدها برأيه السديد ورايته، معوّذا كمالها بسيف النصر وآيته، مبتدئا في إعلاء منارها من العدل بأقصاه ومن الإحسان بغايته، مكثّرا أعداد الجيوش الإسلامية برأيه السعيد، مقرّبا
(11/136)

من مطامح النّصر النائية كلّ بعيد، موكّلا بحركات العدوّ وسكناته جفنا لا يألف الغرار «1» ، وسيفا لا يعرف القرار، وعزما لا يرضى من عدوّه دون اصطلامه «2» الفرار؛ فلا تزال جيوش الإسلام بجميل تعاهده مزاحة العوائق، مزالة العلائق، لا مانع لها عن الركوب، ولا قاطع عن الوثوب، قد أعدّتها عزائمه، فكلّ زمانها بالتأهّب للّقاء وقت إمكانه، وأمدّت بأسها صوارمه، فهي لا تسأل عن عدد عدوّها بل عن مكانه، مقيما منار العدل الذي هو أساس الملك ودعامته، ورأس الحكم بأمر الله في خلقه وهامته، ونور الخصب الكافل بمصالح العباد والبلاد وعامته «3» ، ناشرا له في أقطار الممالك، ماحيا بنور إقامته آية ليل الظّلم الحالك، معاضدا أحكام الشريعة المطهّرة بالانقياد إليها، والاعتماد في الحلّ والعقد عليها، والاحتفال برفع منارها: فإنّ ذلك من أفضل ما قدّمته الدول الصالحة بين يديها، مقدّما عمارة البلاد على كلّ مهمّ: فإنها الأصل الذي تتفرّع عنه المصالح على افتراقها، والمادّة التي تستطيل الجيوش الإسلاميّة على العدا بتوسعها في إنقادها وإنفاقها، والأسباب التي تعين الغيوث على نماء ما بسط الله لعباده من أرزاقها؛ وآكد مصالحها الرّفق الذي ما كان في شيء إلا زانه، والعدل الذي ما اتّصف به ملك إلا حفظه وصانه؛ فقد جعلنا أمره في ذلك جميعه من أمرنا المطاع، واقتصرنا عن ذكر الوصايا بما في خصائصه الكريمة من حسن الاضطلاع وجميل الاطّلاع، واكتفينا بما في خلائقه الجميلة من محاسن لو تخيّر نفسه لم يزدها على ما فيه من كرم الطّباع؛ والله تعالى يؤيّده وقد فعل، ويجعل ركنه من أثبت قواعد الدّين وقد جعل، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة تقليد بكفالة السلطنة أيضا، وهي:
(11/137)

الحمد لله الذي زان دولتنا القاهرة من حسامها بتقليده، وصان حمى ممالكنا الشريفة من أوليائنا بمن تغدو مواقع سيوفه من كل عدوّ قلائد جيده، وزاد جلالة الملك بمن إذا ركب في مواكب نيابته أورد جياد رعبه من كل متوّج من ملوك العدا مناهل وريده، وفوّض تقدمة جيوشنا المنصورة إلى من تضاعف مهابته في عيون العدا عدد جنوده، وتغزوه سرايا خيله في يقظته وتطلع عليه طلائع خياله في هجوده، وإذا صلّت سيوفه في موقف وغى أغرت رأس كلّ مستكبر لم يعرف الله قبل ركوعه بسجوده، مشرّف أقدار أوليائنا من المراتب بما تشرف به أقدار المراتب في نفسها، ومفضّل أيام دولتنا على الدّول بما ألفته من جلالة ملكنا في أمسها، ومجمّل سير أصفيائنا من المعدلة بما إذا غرسته في قلوب الرعايا كان الدعاء الصالح ثمرة غرسها، ومقلّد خواصّنا من إيالة الملك ما إذا خطبت به الأقلام على منابر الأنامل نقلت البلاغة في تلك الأوصاف عن قسّها «1» ، ومفيض حلل الأنباء المرقومة بأسنى الرّتب على من إذا زانت حبرها «2» اللابس زانها بلبسها، وإذا أشرقت به هالة المواكب لوغى سقطت فوارس ملوك العدا عن مراكبها واضطربت الأسرّة بملوك فرسها، وإذا كتمته الأعداء أنباءها نطقت ألسنة رياحه بأسرار أهل الشرك ولا يرى أسمع من صمّها ولا أفصح من خرسها، وإذا تطاولت أبطال الوقائع للقائه افترّت ثغور سيوفه عن شنب النصر لإلفها بمعانقة الأعناق وأنسها.
نحمده على نعمه التي جادت شرف أسمائنا إلى أسماع المنابر، وأنطقت بمضاعفة الأنباء لأوليائنا ألسنة الأقلام في أفواه المحابر، وأعادت بسيف النصر حقوق ملكنا الذي تلقّيناه مع الأوّلية والأولوية من أسلافنا الكرام كابرا عن كابر.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا تزال سيوفنا بإعلاء منارها
(11/138)

ناهضة، وجياد جهادنا لنشر دعوتها في الآفاق راكضة، وموادّ نعمنا ونقمنا لآمال حامليها باسطة ولأرواح جاحديها قابضة، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أيّده الله تعالى بنصره، وآتاه من معجزاته ما يحول البصر دون حصره، وجعله أمام الأنبياء وإمامهم مع تأخّر عصره، ونصره بالرّعب الذي زحزج كلّ ملك عن سريره وأنزل كلّ متوّج من قصره، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هجروا في نصرته مألوف الأوطان والأوطار، وركبوا في إقامة ملّته مخوف الأهوال والأخطار، وفتحوا بيمن دعوته ما اشتملت عليه المشارق والمغارب من الأرجاء الممتدّة والاقطار، صلاة لا يزال سيف جهادنا لدوامها مقيما، وحكم جلادنا لإقامتها مديما، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من سمت التقاليد بأوصافه، وصرّفت أمور الممالك بين بأسه وإنصافه، وحلّيت مواقف الخدمة الشريفة من جواهر مهابته بما هو جدير بحلى السيف، وزيّنت مجالس العدل من إيالته بما هو مبرّأ من الميل والهوى منزّه عن الظلم والحيف، وملئت القلوب من مخافته بما يمنع ذا القوّة في الباطل من توهّم البطش وذا الصّبوة في الهوى من استزاره «1» ويحسّن لها الفرار، ويهوّن عليها في جنب ما تتوقّعه من مواقع سيوفه السّبي والإسار، وعدق به من مصالح الأقاليم ما يصرّفه بيمين دأبها اليمن ويسار شأنها اليسار، وفوّضت زعامة الجيوش منه إلى همام يقوم بأمرها على ما يجب، وليث لو لم ينهض بألوفها المؤلّفة في الوقائع لكان من نفسه وحدها في جحفل لجب، ومقدام آلاف العدا في شجاعته آحاد، وضرغام قسور «2» أهل الكفر بين يدي وثباته وثباته وأسودهم تقاد؛ من لم نزل نعدّه في
(11/139)

أركان البيت الشريف المنصوريّ بالخناصر، ونعدّه للمواقف التي ليس للدين فيها غير تأييد الله وحدّ السيف ناصر، وندّخره من معادن أوليائنا الذين تمسّكوا من الانتماء إلينا بأمكن الأسباب وأقوى الأواصر، ونقلّد أعطاف الأواصر منه سيفا يرمى منه بيت العدا ومعاقلهم بأفتك حاصد وأفلل حاصر؛ فكم من مواقف شفع فيها الشجاعة بالخضوع لربّه، ومواطن لبس فيها قلبه على الدّرع إذا لبس غيره الدّرع على قلبه، ومسالك سلكها في طاعة الله وطاعتنا والسيوف تنفر من قربها، ومشاهد شهدها في طاعة الله وطاعتنا والقلوب تفرّ من حجبها، وليال قطعها في خدمتنا لم يصحب غير ألسنة أسنّته وأعين شهبها، ومقاصد للدّين بلغها والسّهام لا تحملها من الفرق قوادم النّسور، وسرايا وقف بينها وبين العدا فضرب بينهم من شجاعته بسور، وبحار حرب لم تتجاسر السوابح على قطعها حتّى مدّ عليها من معوجّات سيوفه قناطر ومن مقوّمات ذوابله جسور، وكم أنام الرعايا في مهاد عدله فلم يطرقهم طيف ظالم في الكرا، ولا روّع سربهم خيال مغير أوهمهم السّرى، بل كانوا محفوظين بمهابته محفوفين بمواهبه وادعين في ظلّه الذي ما دجا عليهم ليل خطب إلا أطلع لهم بدور الأمن في غياهبه.
ولما كان (فلان) هو الذي سار بذكر مهابته المثل، وصار له في قلوب الأعداء من الرّعب ما تشابه فيه القاتلان الوجل والخجل، وجمع محاسن الصفات فما أخذ عنه أو نطق به أو نظر إليه إلا وجد ملء المسامع والأفواه والمقل، ولا جرّد على العدا سيفا إلا وودّعت أرواحهم الأجساد، ولا أرهف في مجالس العدل والإحسان قلما إلّا وضمنت له الآجام التي نشأ بها كرم السّيول وسطوة الآساد، ولا طلع في أفق مواكب إلا وهالت العدا هالة بدره، ودلّت على عظم سلطاننا رفعة قدره، وشهدت له بحسن طاعتنا طاعة أمرائنا لأمره، وأسلف من خدمة والدنا السلطان الشهيد ما لم تزل له به عندنا حقوق مرعيّة، وسوابق مرضيّة، ورتبة تقديم سنيّة، ومزية تقريب جعلته مشاهدا بالعيان مقدّما في النيّة- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نروّع العدا بسيفه، ونريهم من تقدمته على الجيوش
(11/140)

يقظة ما كانوا يرونه حلما من طيفه، وليعلم الأعداء معاجلة أخذهم بالعنف والحيف، وأننا لا تأخذنا في الله لومة لائم فليس بيننا وبين أعداء الله ورسوله (صلّى الله عليه وسلّم) إلا السّيف.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت ممالك الإسلام به مفترّة المباسم، عالية مدى المهابة إذا طرقتها عواصف رياح العدا وقفت دون بلوغها دامية المناسم- أن تفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالممالك الإسلامية على العادة في ذلك والقاعدة تفويضا يفيض على الممالك حلل المهابة، ويسلب أعداء الدين رداء الأمن فلا ينفعهم الخضوع ولا الإنابة، ويضاعف لنا أدعية الرعايا الصالحة بإجرائهم على ما ألفوه من العدل والإحسان فمنهم الدعاء الصالح ومن كرم الله الإجابة.
فليتقلّد هذه الرّتبة الدّالة على ارتفاع قدره لدينا، الشاهدة له باحتفالنا بما أوجبه إخلاصه من حقوق الطاعة والولاء علينا، المنبّهة على أنه سيفنا الذي نصون الممالك بحدّه، ونصول على العدا بمضائه الذي تهلّل وجوه النصر كلّما أسفر من غمده، وليستقرّ في ذلك نافذا في المصالح الإسلامية أمره، مغيرا على جيوش الأعداء ذكره، معملة في حماية الدّين بيضه المرهفة وسمره، مجمّلة بإشراق طلعته مطالع المواكب، مسيّرة نجوم أسنّته إلى قلوب أعداء الدّين مسير الكواكب، مخفقة بخفوق رايته مساعي الكفر الصادرة عن آمالهم الكواذب، ليعلم عدوّ الله أنه أشدّ طلبا له من أجله، وألزم لعنقه من عمله، وأسبق إليه من رجع صوته، وأنزل عليه من مفاجأة موته، وليجمل النظر في مصالح الجيوش الإسلامية بما يضاعف عدّتها، ويبقي على توالي الأحقاب حدّتها وجدّتها، ويأخذهم بإدامة التمرّن في الحروب، وإطالة عنان التأهّب للرّكوب، ويعين كلّا منهم بملاحظة حاله على استدامة قوّته وإمكانه، ويجعلهم بالاقتباس من شجاعته من القوم الذين لا يسألون عن عدد عدوّهم بل عن مكانه، وليكن لكلمة الشريعة الشريفة رافعا، ولشبه من يمتنع عن الانقياد إلى الأحكام دافعا، وعلى يد من يتطرّق إلى الخروج عن أحكامه آخذا، ولمن لم يسلك
(11/141)

الأدب بين يدي حكّامه بما يقتضيه تعظيم الحكم العزيز مؤاخذا، وليأمر النوّاب بإقامة منار العدل الذي يوم منه خير للأرض من أن تمطر أربعين يوما، ويصرف إلى مصالح الثّغور الإسلامية وحمايتها فكرا لم يختر دعة، ونظرا يأنف أن يألف نوما، وملاك الوصايا تقوى الله وهي من خصائص نفسه الكريمة، وراحة روحه التي هي للفكر في مصالح الإسلام مديمة؛ فليجتهد في المحافظة عليها ما استطاع، ويمض بها في مصالح الإسلام أمره الذي جعلناه من أمرنا مطاع.
وهذه نسخة تقليد بكفالة السلطنة أيضا، كتب به عن السلطان الملك أبي بكر ابن الناصر محمد بن قلاوون للأمير طقزدمر أمير مجلس «1» ، في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، بعد أن بطلت النيابة في دولة أبيه الملك الناصر عدّة سنين وهي:
الحمد لله الذي اصطفى لسلطاننا المنصور من ينوب عنّا في رعاية الجمهور أحسن مناب، وأضفى على ملكنا المعمور من رياسته أسرّ سربال ومن حراسته أجلّ جلباب «2» ، وكفى دولتنا الشريفة بسياسته مهمّات الأمور: فلتأييدها بقيامه دوام ولتشييدها باهتمامه استصحاب، وشفى الصّدور بصدور إشارته المباركة التي لها بأوامرنا العالية اقتران ومن ضمائرنا الصافية اقتراب، وأوفى له من برّنا العميم بحقه الذي [له] «3» بعهده استحقاق للتقديم وإيجاب، وسبقه القديم الذي له من سعيد المصاهرة أكرم اتّشاج ومن حميد المظاهرة ألزم انتساب.
(11/142)

نحمده على أن بصّر آراءنا بطرق الوفاق وسبل الصواب، ونشكره على أن نضّر راياتنا في الآفاق: فلقلوب العدا من خوفها إرهاق وإرهاب.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة منزّهة عن الشّكّ والارتياب، موجّهة إلى قبلتها التي ترضاها الألباب، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أظفر عزمه بالثّبات وقهر خصمه بالتّباب «1» ، ووفّر قسمه من الإنجاد ويسّر حزبه للإنجاب، وأظهر اسمه بعد اسمه فحلا في الأفواه ذكره وطاب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين سلكوا من بعده في رعاية عهده أحسن الآداب، صلاة متصلة الأسباب، موصّلة إلى خير مال متكفّلة بنعم باب «2» لا يزال لسحب جودها في الوجود انصباب، ولمقترب وفودها ورود إلى مظانّ الرّضوان من غير إغباب «3» ، ما جرّد انتقامنا على الأعداء سيف سطا يقدّ الرّقاب، وأورد إنعامنا الأولياء بحر ندى زاخر العباب، وجدّد قيامنا بعلم هدى مرّت عليه الأعوام وما لمح له أثر ولا فتح له باب، واعتمد مقامنا الشريف، في الجمع للقلوب والتأليف، على أعلى وليّ وأعلى جناب، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فإنّ أولى من اعتمدنا في الإنجاب والإنجاح على ديانته، وانتجدنا فيما أردنا من الاستصحاب للصّلاح بإعانته، واعتضدنا في تقطين الممالك وتأمين المسالك بصيالته وصيانته، ورعينا عند والدنا الشهيد- سقى الله عهده صوب «4» الرّضوان- على علوّ مكانه ودنوّ مكانته، فاكتفينا في كفالة الأمّة وإيالة النّعمة بخشيته من ربّه واستكانته- من حمدت سجاياه، وتعدّدت مزاياه واستندت إلى ما أمر الله تعالى به من العدل والإحسان في الأحكام قضاياه، ووجدت منه الزّهد والرّفق رعاة الإسلام ورعاياه، فهو الممدوح فعله، من جميع
(11/143)

الألسنة، الممنوح فضله، في سائر الأزمنة، الملموح عليه آثار القبول الظاهر من عناية الله لما نواه من الخير لخلق الله وأبطنه، فهو عاضد السلطنة الذي حلّ من العلياء موطنه، وكافل المملكة الذي سبق إلى كلّ مجد فأدركه، وسيف الدولة الحامي الحوزة البادي الصّولة، ومن له اشتمال على العليا، ومن يقارن التحقيق له رأيا، ولا يباين التوفيق له سعيا، ويعاون الهدى والنهى على طول المدى له أمرا ونهيا، ويعاين الورى لسلطاننا المنصور منه مهديّا يجمل لدولتنا حفظا ويحسن لملكنا رعيا.
وكان فلان هو الذي لم يزل متعيّن المحاسن، متبيّن الميامن، متمكّن الرّياسة في كل الأماكن؛ فحلمه إذا اضطربت الجبال الرّواسي ثابت ساكن، وعلمه الزائد بأوضاع السّياسة وأنواع النّفاسة للوجود من بهجته زائن، ورأيه الصائب للبلاد والعباد صائن، ورعيه للخلق بالحق: القويّ منه خائف والضعيف إليه راكن، وبشره هاد للرائي وباد للمعاين، وذكره الجميل سائر في الآفاق والأقطار والمدائن، حتّى أظهر الله تعالى بإمداد نيّرنا الأعظم من إشراق بدره الكامل ما هو في سرّ الغيب كامن، وشهر سيفه الذي يغدو الإيمان من مهابته في كنف منيع وحرم آمن.
ولما مضت على منصب النيابة الشريفة في أيّام والدنا الشهيد بضع سنين، وانقضت الأيام والليالي والدهر بموهبتها ضنين، ولا وطيت لها ربوة، ولا امتطيت لها صهوة، وكانت في سلك ملكه مندرجة، وبصفو سلطنته ممتزجة، إلى أن قضى عليه الرّضوان النّحب، وأفضى من الجنان إلى المحلّ الرّحب، رأينا بعده بمن كان يتحقّق ودّه أن نستأنس، وأمضينا وصيّته المباركة في اختيار ثمرة الإخلاص بمن كان له الاختصاص يغرس، وأفضينا إليه بالمناب عنّا لما كان من أنوار والدنا الشهيد في كل تسديد يقتبس، ومن الاستئثار بمجالسته يفوز فيحوز حكم الحكم لأنه كان أمير ذلك الملجس، وقضينا باعتماد أمره الكريم بعد أمرنا الشريف: لأنه الخبير الذي لا ينبهم عليه شيء من خفايا القضايا ولا يلتبس- اقتضى حسن الرأي الشريف إلقاء ما في أيدينا من مقاليد الممالك إلى
(11/144)

يده، وإبقاء وديعة هذا الأمر العظيم إلى صونه وعونه وتشدّده، وإيفاء جنابه إلى حميد هذه الغاية التي هي للمناسبة مناسبة لسؤدده.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يجمع شمل الإسلام بتعيّنه وتفرّده، ويرجع أمر الأنام منه إلى مأمون الرأي رشيده سفّاح السّيف مهنّده، منصور العزم مؤيّده، ويوسع الخليفة إذا وليهم بالرأفة والرحمة ومن أولى من أبي بكر بأن يخصّ أصحاب محمد عند الخلافة بإعذاب منهل الجود ومورده- أن تفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالممالك الإسلامية- أعلاها الله تعالى- نيابة شاملة محيطة، كاملة بسيطة، تعني كلّ أمير ومأمور، وتدني أمرها الذي يعامل بالإجلال ويقابل بالسّرور، برّا وبحرا، وسهلا ووعرا، غورا ونجدا، بعدا وقربا، شرقا وغربا، وما منحه الله تعالى لوالدنا الناصر من الممالك ويدّخر لسلطاننا المنصور ويخبى: تستوعب أمر ما نأى من هذه الأقاليم ودنا، وتجب طاعته فيها على كلّ من كان مؤمنا، ويمتثل في ذلك كلّه أمره، وتعمل فيه الرويّة فيجمل فكره، ويؤمّل فيه فتحه ونصره، وينقل به مدحه وشكره، ولا ينفصل منحه وبرّه ناظرا في هذه النيابة الشريفة بفكره التامّ، سائرا فيها السير الجميل من الدّربة والإلهام، ناشرا ظلال المعدلة على من سار أو أقام، مظاهرا بجنابه منّا أجلّ مقام. ونحن وإن كنا نتحقّق من خلاله الحسنى كلّ وصف يسنى، ونثق منه بذي الصدر السليم الذي هو على المقاصد يعان وبالمحامد يعنى، فلسنا نخلّ بالوصية التي نعلم أنّ له عنها استغنا، ولكننا لا نترك بها التبرّك ولا ندع ما سنّ الله تعالى منها وشرع، ولا نغفل ما يجب به أن يحتفل؛ فقد وصّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه، وأمضى أمره المسموع كلّ ذي رجوع إلى الله تعالى منهم وإنابة، فقد أولاه الله تعالى كلّ جميل قبل أن ولّاه، وحلّاه بالسّمات والمكرمات قبل أن رفع علاه، وأعطاه ما أرهب العدا من سطاه، وهداه إلى كلّ رشد تأتمّ به الهداة.
فأهمّ ذلك تقوى الله تعالى وهو عليها مجبول، وأمرها عنده متلقّى بالقبول، والعدل فهو منه مأمول، والاتّصاف بالإنصاف فهو دأبه فيما يفعل
(11/145)

ويقول، والجهاد: فعزائمه في ميدانه تجول، وصوارمه بها من قراع فرسانه فلول، والزّعماء والأكابر: فلهم من محافظته اعتناء وبملاحظته شمول، والعساكر الإسلاميّة: فبتأييده تبطش أيديهم بالعدا وتصول، وزعماء البلاد فلهم إلى ظلّ رحمته إيواء وبكنف نعمته ظلول، وممالك الإسلام فما منها إلا معمور بما أوته كفالته مأهول، وثغوره فكلّها بسّام بفتكاته التي ألقى رعبها في البحر فهو بين كلّ فاجر وبين البحر يحول، وما هو بذلك من حميد المسالك موصول، ومحلّه المقدّم لأنه أهمّ الأصول: من إكرام الحكّام، وإبرام الأحكام، واستيفاء الحدود، واقتفاء السّنن المعهود: من إنجاز الوعود، وإحراز السّعود، والإجهاز على كلّ كفور وجحود، والاحتراز من فظاظة الناس بإفاضة الجود؛ فكلّ ذلك على خاطره مسرود، ولما آثره مورود، وفي ذخائره موجود، ومن خبرته معلوم معهود، وعن فكرته مشهور، ومن فطرته مشهود؛ فليسع أمرنا هذا جميع الأمراء والجنود، وليرجع إليه كلّ من هو من جملة الملّة معدود، وليقابل مرسومنا بالسمع والطاعة، أهل السنة والجماعة، ساعة الوقوف عليه وحالة الورود، والله تعالى يصلح ببقائه الوجود، ويمنح باهتمامه المقصود، ويفتح المعاقل باعتزامه الذي ليس بمردود عن مراده ولا مصدود، بل يصبح الكفر من خوفه محصورا ويمسي وهو بسيفه محصود؛ والعلامة الشريفة أعلاه، حجة بمقتضاه؛ إن شاء الله تعالى.
وهذه وصيّة لنائب سلطنة، أوردها في «التعريف» قال:
يوصى بتقوى الله تعالى وتنفيذ الأحكام الشرعيّة، ومعاضدة حكّامها، واستخدام السّيوف لمساعدة أقلامها، وتفقّد العساكر المنصورة وعرضها، وإنهاضهم لنوافل الخدمة وفرضها، والتخيّر للوظائف، وإجراء الأوقاف على شرط كلّ واقف، والملاحظة الحسنى للبلاد وعمارة أوطانها، وإطابة قلوب سكّانها، ومعاضدة مباشري الأموال مع عدم الخروج عما ألف من عدل هذه الأيام الشريفة وإحسانها، وتحصين ما لديه، وتحسين كلّ ما أمره إليه،
(11/146)

واستطلاع الأخبار والمطالعة بها، والعمل بما يرد عليه من المراسيم المطاعة والتمسك بسببها؛ وأنه مهما أشكل عليه يستضيء فيه بنور آرائنا العالية فهو يكفيه، ومن قتل من الجند أو مات وخلّف ولدا يصلح لإقطاعه يعيّن له ليقوم بمخلّفيه، ويقال من هذا ما يقوم بتمام الغرض ويوفّيه.
الوظيفة الثانية (الوزارة لصاحب سيف)
واعلم أنّ أوّل من أطلق عليه لقب الوزارة في الإسلام «أبو حفص الخلّال» وزير أبي العبّاس السّفّاح أوّل خلفائهم «1» كما ذكره القضاعيّ في «عيون المعارف «2» في أخبار الخلائف» ثم صارت الوزارة بعد ذلك للخلفاء والملوك دائرة بين أرباب السّيوف والأقلام، تارة يليها صاحب سيف وتارة يليها صاحب قلم؛ إلا أنها في أرباب الأقلام أكثر،، وعلى ذلك جرى عرف الديار المصرية من ابتداء الأمر وإلى الآن.
ومما ينبّه عليه أنّ الوزير إذا كان صاحب سيف، كان في مجلس السلطان قائما في جملة الأمراء القائمين، وإذا كان صاحب قلم، كان جالسا كما يجلس أرباب الأقلام: من كاتب السرّ وغيره.
وهذه نسخة تقليد بالوزارة، كتب به للأمير سيف الدين بكتمر «3» وهي:
الحمد لله الذي شدّ أزر دولتنا القاهرة، من أوليائنا بأمضى سيف، وعضّد أيامنا الزاهرة، من أصفيائنا بأعدل وليّ لا يوجد في حكمه حيف، وعدق تدبير
(11/147)

أمور ممالكنا الشريفة بمن تحجب مهابته ذوي الأطماع الطامحة عمّا لا يحب، فلا يلم بهم فيها خاطر [ولا] «1» يطرقهم بها طيف، جاعل التأييد لآرائنا مصاحبا، والتوفيق موافقا لأوامرنا التي لا تهمل من مصالح الإسلام مندوبا ولا تدع من مهمّات الملك واجبا، والإقبال تاليا لمراسيمنا في ارتياد من يغدو قلب المحقّ من حيفه ساكنا وقلب المبطل من خوفه واجبا، واليمن تابعا لاستخارتنا في انتخاب من لم يزل في خدمتنا الشريفة للأدعية الصالحة جالبا، ولمنافع الإسلام والملك طالبا، ولمضارّهما حاجبا.
نحمده على نعمه التي عضّدت أيامنا بمن جمعت أدواته، رتبتي السيف والقلم، وعدقت تدبير ممالكنا بمن أحرزت [صفاته] «2» ، مزيّتي العلم والعلم، وشدّ أزر دولتنا بمن يبيّض بمعدلته من صحائف أيّامنا ما هو أحبّ إليها من حمر النّعم.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نعدّها للقائه، ونتيمّن بها في افتقاد من نعتضد به في مصالح أهلها وانتقائه، ونقدّمها أمام كل أمر ندّخره لاعتلاء وليّنا بالتقى وارتقائه، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أرسله إلى الأمم طرّا، وخصّه بالأمّة التي جعل أمارة سبقها إلى الخيرات أن غدت محجّلة غرّا، وأيّده بنصره وبالمؤمنين الذين ما منهم إلا من أعرض عن زخرف الدنيا وإن كان حلوا وقال الحقّ وإن كان مرّا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ولوا أمته فعدلوا، والذين تمسّكوا بسنن سنّته فما حادوا عنها ولا عدلوا، صلاة لا تزال الألسن لإقامتها مديمة، والقلوب لإدامتها مقيمة، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى من أبرزت الضمائر، في الاعتضاد به مكنون طويّتها، واعتمدت الخواطر، في تصريح علانيتها بأولويّته لمصالح الإسلام على نيّتها، وتشوّفت البلاغة لرقم مفاخره، وتنافست المعاني في تخليد مآثره، وهنّأت
(11/148)

المعدلة نفسها، برافع لوائها، وأبّدت الدولة أنسها، بناشر برّها في الأقطار وآلائها، وافترّت ثغور الاقاليم المحروسة بمن تلهج بمصالحها ألسنة أقلامه، واخضرّت ربى آمال الأولياء بما يسفر عنه من تهلّل بهاء غرر أيامه، من هززنا منه لمصالح الإسلام سيفا يصل ما أمر الله به أن يوصل، ويفصل من مهمّات الممالك ما يقتضي الحقّ أن يفصل، ويبرز من معادن العدل والإحسان ما هو في سرّ خلائقه كامن، وينزل من استقامت سيرته في الحمى المخصب والحرم الآمن، ويصون الأموال بمهابته فلا تمتدّ إليها هواجس الأطماع، ولا تتجاسر أبصار غير الأمناء أن تقصّ نبأ رؤيتها على الأسماع، ويضاعفها بخبرته التي تهديها الأمانة إلى معادنها، وتدلّها النزاهة على مواطنها، وتبدي لها ظواهر الأعمال أسرار بواطنها، ويعمّر بيوت الأموال بعمارة البلاد، ويثمّر فروع الطّوارف من مصالحها بحفظ أصول التّلاد «1» ، ويكفّ أكفّ الظلم عن الرعايا فلا يخشى محقّ على حقه، ولا يخاف مستقيم على ما قسم له من رزقه، ولا يطمح قويّ إلى من يستضعف جانبه، ولا يطمع باغ في الحيف على أحد مخالطه في نشب «2» كان أو مجانبه.
ولما كان الجناب العالي (الفلانيّ) هو الذي أشير إلى مناقبه، واعتضد منه بمطيع لله في السرّ والعلن ومراقبه، وفوّض تدبير الممالك منه إلى من لا تأخذه في الحق لومة لائم، واعتمدت أيامنا الزاهرة منه على من طالما سرى في مصالحها على جياد العزائم، وشدّ أزر الملك من موازرته بمن يكسو دست الوزارة أبّهة وجلالا، ويلبس منصبها سنا لو ملكته الشمس مارامت عن بروج شرفها انتقالا، ويمدّ على الرعايا لواء عدل لا يقلّص له هجير الظلم كما تتقلّص الظلال ظلالا، وتطلع به شموس الأرزاق على أولياء دولتنا لكن لا ترهب
(11/149)

كالشّموس غروبا ولا زوالا، مع مهابة تخيف الأسد في أجماتها، ومعدلة تعين الغيوث على رفع محول البلاد ودفع أزماتها، وديانة زانها التّقى، وخبرة صانها الورع وهما أفضل ما به يرتقى.
وكانت الوزارة الشريفة نظام المملكة وقوامها، وذروة الدولة وسنامها، وتاج المراتب وإكليلها، وعتاد الخزائن الجامع دقيق المصالح الإسلامية وجليلها- اقتضت آراؤنا الشريفة أن تزيّن هذه الرتبة بجوهر فرنده، وأن يصدر منصبها عن مناقب لا تصدر إلا عن جهته ومفاخر لا ترد إلا من عنده، وأن يطلق في مصالحها قلمه، ويمضي في قواعدها إشاراته وكلمه، ويطلع في أفقها شمس تدبيره، ويعدق به ما يراه في أمورها من صغير الأمر وكبيره، وأن نجعل مسامع الأقاليم على سعتها إلى أوامره ونواهيه مصغية، وأن نصدّ بسمعته عمن بعد عوارض الإمهال الملهية ومواقع الإهمال المطغية.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت سحائب برّه مستهلّة، وركائب المحامد إلى حرم نعمه مهلّة- أن تفوّض إليه الوزارة الشريفة بالممالك الإسلامية على أكمل القواعد، وأجمل العوائد، تفويضا يعلي مرامه، ويمضي مضاء ألسنة الأسنة أقلامه، ويبسط في مصالح الأقاليم المحروسة يده ولسانه، ويلقي إليه من مهمّات كلّ قطر أزمّته ليصرّف على ما يراه من المصالح عنانه.
فليستقرّ في هذه الرّتبة السنية استقرار الدّرر في أسلاكها، والدّراريّ في أفلاكها، نافذ الأمر في مصالح شرقها وغربها، مطاع القول في بعد أماكنها منه وقربها، ناشرا كلمة العدل في أرجائها، محققا بالإحسان آمال أمم قصرت على كرمنا ممدود رجائها، معليا منار الشرع الشريف بمعاضدة حكّامه، والوقوف عند أوامره المطاعة وأحكامه، حافظا أقدار الرّتب بأكفائها، معتمدا على ذوي البيوت المحافظين على اتّباع سير أسلافهم واقتفائها، معوّلا على ذوي الخبرة التامة مع الدّيانة، مراعيا مع ظهور المعرفة جانب العفّة والنّزاهة والصّيانة، موكّلا بمصالح بيوت الأموال والخزائن المعمورة موادّ الأموال ومعينها، صارفا إلى عمارة البلاد
(11/150)

جميل تدبير تعتضد البحار والسّحب منه بمساعدها على ريّ الأرض ومعينها، ميسّرا موادّ أرزاق خدم دولتنا القاهرة وأوليائها بجميل بشره وحسن روائه، مسهّلا مطالب أرباب الرواتب والصّدقات بطلاقة وجه لو تأمله امرؤ صادي الجوانح لارتوى من مائه،: ليتوفّر أهل الوظائف على خدمهم بقلوب منبسطة الآمال، ويناضل عنها الفقراء بسهام «1» الليل التي لا تطيش إذا طاشت النّبال؛ فقد جعلنا أمره في ذلك جميعه من أمرنا فليكتب يمتثل، وليقل في مصالحنا بما يراه يسر كلامه سريّ الرياح ويسر قوله سير المثل، ولا يمض عقد ولا حلّ، ولا ولاية ولا عزل، ولا رفع ولا خفض، ولا إبرام ولا نقض، إلا عن رأيه وإشارته، وبنصّ خطّه وعبارته.
وفي سيرته السّريّة، وديانته التي هي من أسباب الهوى عريّة، ما يغني عن وصايا تملى على فكره، وقواعد تجلى على ذكره؛ وملاكها تقوى الله: وهي من أخصّ أوصافه، ونشر العدل والإحسان وهما من نتائج إنصاته لأمور الرعايا وإنصافه؛ لكن على سبيل الذّكرى التي تنفع المؤمنين، وترفع درجات المتقين؛ فليجعلها نجيّ خاطره، وقبلة ناظره؛ والله تعالى يعلي قدره وقد فعل، ويجعله من عباده المتقين وقد جعل؛ بمنّه وكرمه. والاعتماد [على الخط الشريف أعلاه] «2» إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الثالثة (الإشارة، وهي وظيفة قد حدثت كتابتها ولم يعهد بها كتابة في الزمن القديم)
وهذه نسخة تقليد أنشأته بالإشارة للأمير جمال الدين يوسف البشاسي «3»
(11/151)

إستادار في الدولة الناصرية فرج، حين فوّضت إليه الإشارة مضافة إلى الإستداريّة، وكتب له به المقرّ الشمسيّ العمريّ كاتب الدّست الشريف، في شعبان سنة تسع وثمانمائة، وهي:
الحمد لله الذي جدّد للديار المصريّة بالمحاسن اليوسفيّة رونق جمالها، وأعزّ جانبها بأجلّ عزيز ملأت هيبته الوافرة فسيح مجالها، وأسعد جدّها بأسعد مشير أدارت آراؤه الصائبة متقاعس الأمور ما بين يمينها وشمالها، وأكرم مآبها بأمثل كاف عاد حسن تدبيره بضروب من المصالح أنام الخلق في ظلالها، وأجاب سؤلها بأكمل لم تعدل عن خطبتها له وإن أطال في مطالها.
نحمده على أن أغاث الدولة القاهرة بمن أخصب به بعد الإمحال ربعها، وطال بطوله بعد القصور فرعها، وحسن في المناظر بحسن تأتّيه لذي التأمّل ينعها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي شرع المشورة وحثّ عليها، وعدق أمور السيف والقلم بها فردّهما عند اختلاف الرأي إليها، شهادة ترفع قائلها إلى أسنى المراتب وتعليه، وتقرّب المخلص في انتحالها من مقام الاستخلاص وتدنيه، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي ورد وارد الأمة من منهل شرعته المطهّرة ما عذب مشرعه وردا وصدرا، والتقطت السّيّارة أحاديث فضله فصيّرتها للرّفاق سمرا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين تقيّلوا مساحب أذياله في العدل فعدلوا، ولزموا منهج سننه الواضح فما حادوا عن سواء السبيل ولا عدلوا، صلاة تفوق العدّ حصرا، وترفع بركاتها عن الأمة حصرا وتبدّل العسر يسرا، فتعيد عجاف الزمان سمانا وسنبلات الوقت بعد اليبس خضرا، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فإنّ للمملكة قواعد تبنى عليها، وأركانا تستند إليها، ودعائم يشدّ بالاعتضاد بها بنيانها، وعمدا يعتمد عليها في المهمّات سلطانها؛ وهذه المباني وإن اتّسع نطاقها، وامتدّ بامتداد المملكة رواقها، فإنّ بالسيف والقلم قوامها،
(11/152)

وبالتعلّق بحبالها بقاءها ودوامها؛ إذ كانا قطبين عليهما مدار فلكها، ونقطتين عنهما ينشأ الخطّ المستقيم في تدبير ملكها، وزعيمين يترافع إليهما عند التخاصم، وحكمين يرجع إلى حكمهما عند التّحاكم؛ إلا أنهما لا يستقلّان عند التحالف، ولا يقوم أحدهما برأسه لدى التّخالف؛ بل لهما إمام يرجعان إليه، ويعوّلان عند اضطراب الأمور عليه، وهو الرأي الذي لا يقطع أمر دون حكمه، ولا يهتدي سار في مهامه المهمّات إلا بنجمه؛ إذ كان على الشجاعة مقدّما، ودليله من المعقول والمنقول مسلّما، والمتّسم به لا يزال عند الملوك مبجّلا معظّما، لا يقدّمون عليه ولدا ولا والدا، ولا يؤثرون على معاضدته عضدا ولا ساعدا، إن أشار برأي تمسك الملك منه بالحبل المتين، أو محضه كلام نصح قال: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
«1» ولما كان الجناب العاليّ، الأميريّ، الكبيريّ (إلى آخر ألقابه) يوسف الناصري: ضاعف الله تعالى نعمته، هو الذي حنّكته التّجارب و «حلب الدّهر أشطره» وعرف بتقليب الأمور على ممرّ الزمان مخبره، مع ما اشتمل عليه من الرأي الصائب، والفكر الذي إذا أبدت قريحته في الارتياء عجبا أتت فطرته السليمة بالعجائب.
هذا وقد علا في الدولة القاهرة مقامه، ورشقت أغراض مقاصدها بانقضاء الآجال في الوقائع سهامه، وساس العساكر فأحسن في سياستها التدبير، وبذل في نفقاتها الأموال فمال فيها إلى الإسراف دون التقتير، واستجلب الخواطر فأخذ منها بمجامع القلوب، واقتاد النفوس الأبيّة قهرا فأطاعه من بين الشّمال والجنوب، وقام من المهمّات الشريفة بما لم يسبقه إليه سابق، وأتى من خوارق العادات في التنفيذ بما لم يلحقه فيه لاحق، وبادر إلى ترتيب المصالح فرتّبها ولم يعقه في انتهاز الفرصة عن دفع المفاسد عائق، وأخذ في حطّ الأسعار فورد منهلا من المعروف صافيا، وأمر بإبطال المعاملين فكان له عملا على توالي
(11/153)

الأزمان باقيا، ولازم بعد رضا الله تعالى رضا ملكه ففاز بأشرف المآثر في الحديث والقديم، وتأسّى في تعريفه بنفسه بيوسف عليه السّلام فقال:
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
«1» - اقتضى حسن الرأي الشريف تنويهنا بذكره، وتقديمه على غيره ممن رام هذه الرتبة فحجب دونها وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ
«2» فلذلك رسم بالأمر الشريف العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الناصريّ، الزينيّ- لا زال يجمع لأوليائه شمل المعالي، ويرقّي أصفياءه في درجات العزّ على ممرّ الأيّام والليالي- أن تفوّض إلى المشار إليه الإشارة الشريفة التي هي أسنى المقامات وأعلاها، وأقصى المرامات لدينا وأغياها، مع ما انضمّ إلى ذلك من النظر في الوزارة الشريفة التي جلّ قدرها، وعلا في المناصب ذكرها، والخاصّ الذي اختص بمهمّاتنا الشريفة، والديوان المفرد «3» الذي غمر من ممالكنا السعيدة ذا الوظيفة وغير ذي الوظيفة، وتعلقات المملكة شرقا وغربا، ولوازمها المفترقة بعدا وقربا.
فليتلقّ ما فوّض إليه بيمينه التي طالما ربحت في الطاعة صفقتها، ويقابله بالقبول الذي محلّه من القلوب مهجتها، مقدّما تقوى الله تعالى فيما خفي من مقاصده وظهر، مؤثرا رضاه في كل ما يأتي ويذر، معتمدا في المصالح اعتماد ذي اليقظة الساهر، آتيا من غرائب الرّغائب بما يحقّق قول القائل: «كم ترك الأوّل للآخر» .
والوصايا كثيرة ومن بحره تستخرج دررها، ومن سوابق آرائه تستوضح
(11/154)

أوضاحها وغررها، والله تعالى يديم عليه نعم إقبالنا الباطنة والظاهرة، ويتولّاه من العناية بما يحقّق له دائم قوله: أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
«1» .
والاعتماد على الخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه، إن شاء الله تعالى.
الطبقة الثانية (ممن يكتب له من أرباب السيوف ذوات التواقيع، وفيها وظائف)
الوظيفة الأولى (نظر البيمارستان لصاحب سيف)
الحمد لله رافع قدر من كان في «2» خدمتنا الشريفة كريم الخلال، ومعلي درجة من أضفى عليه الإخلاص في طاعتنا العلية مديد الظّلال، ومجدّد نعم من لم يخصّه اعتناؤنا بغاية إلا رقّته هممه فيها إلى أسنى رتب الكمال، ومفوّض النظر في قرب الملوك السالفة إلى من لم يلاحظ من خواصّنا أمرا إلا سرّنا ما نشاهد فيه من الأحوال الحوال «3» .
نحمده على نعمه التي لا تزال تسري إلى الأولياء عوارفها، ومناهله التي لا تبرح تشتمل على الأصفياء عواطفها، وآلائه التي تسدّد آراءنا في تفويض القرب إلى من إذا باشرها سرّ بسيرته السريّة مستحقّها وواقفها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة رفع الإخلاص لواءها، وأفاض الإيمان على وجوه حملتها إشراقها وضياءها، ووالى الايقان إعادة أدائها بمواقف الحق وإبداءها.
ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المخصوص بعموم الشفاعة العظمى،
(11/155)

المقصوص في السّنّة ذكر حوضه الذي من شرب منه شربه فإنّه بعدها لا يظما، المنصوص على نبوّته في الصّحف المنزّلة وبشّرت به الهواتف نثرا ونظما، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين فازوا من طاعته، بالرّتب الفاخرة، وحازوا بالإخلاص في محبته، سعادة الدنيا والآخرة، وأقبلوا على حظوظهم من رضا الله ورضاه فلم يلووا على خدع الدنيا الساحرة، صلاة دائمة الاتّصال آمنة شمس دولتها من الغروب والزّوال، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى الأمور بالنظر في مصالحها، وأحقّها بتوفير الفكر على اعتباد مناهجها واعتماد مناجحها، أمر جهات البرّ التي تقرّب بها السلطان الشهيد الملك المنصور (قدّس الله روحه) إلى من أفاض نعمه عليه، وتنوّع في إنشائها فأحسن فيها كما أحسن الله إليه، ورغب بها فيما عند الله: لعلمه أنّ ذلك من أنفس الذخائر التي أعدّها بين يديه، وحلّ منها في أكرم بقعة نقله الله بها عن سريره إلى مقعد صدق عند ربّه، وعمر بها مواطن العبادة في يوم سلمه بعد أن عفّى بها معاقل الكفر في يوم حربه، وأقام بها منار العلوم فعلا منالها، وأعدّ للضّعفاء بها من موادّ البرّ والإلطاف ما لو تعاطته الأغنياء قصرت عن التطاول إليه أموالها؛ وأن نرتاد لها من إذا فوّضنا إليه أمرا تحقّقنا صلاحه، وتيقّنّا نجاحه، واعتقدنا تنمية أمواله، واعتمدنا في مضاعفة ارتفاعه وانتفاعه على أقواله وأفعاله، وعلمنا من ذلك ما لا نحتاج فيه إلى اختبار ولا اعتبار، ولا يحتاج في بيان الخيرة فيه إلى دليل إلا إذا احتاج إليه النّهار، لنكون في ذلك بمثابة من ضاعف لهذه القرب أسباب ثوابها، أو جدّد لها وقفا: لكونه أتى بيوت الإحسان في ارتياد أكفاء النّظر لها من أبوابها.
ولما كان فلان هو الذي نبّهت أوصافه على أنه ما ولي أمرا إلا وكان فوق ذلك قدرا، ولا اعتمد عليه فيما تضيق عنه همم الأولياء إلا رحب به صدرا، ولا طلع في أفق رتبة هلالا إلا وتأمّلته العيون لأجلّ رتب الكمال بدرا، يدرك ما نأى من مصالح ما يليه بأدنى نظر، ويسبق في سداد ما يباشره على ما يجب سداد الآراء ومواقع الفكر. ونحن نزداد غبطة بتدبيره، ونتحقّق أنّ كل ما عدقنا به إليه
(11/156)

من أمر جليل فقد أسندناه إلى عارفه وفوّضناه إلى خبيره- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نعدق بجميل نظره هذا المهمّ المقدّم لدينا، وأن نفوّض إليه نظر هذه الأوقاف التي النظر في مصالحها من آكد الأمور المتعيّنة علينا.
فرسم بالأمر الشريف- لا زال فضله عميما، وبرّه يقدّم في الرّتب من كان من خواصّ الأولياء كريما- أن يفوّض إليه كيت وكيت.
فليل هذه الرتبة التي أريد بها وجه الله وما كان لله فهو أهمّ، وقصد بها النفع المتعدّي إلى العلماء والفقراء والضّعفاء ومراعاة ذلك من أخصّ المصالح وأعمّ، ولينظر في عموم مصالحها وخصوصها نظرا يسدّ خللها، ويزيح عللها، ويعمّر أصولها، ويثمّر محصولها، ويحفظ في أماكنها أموالها، ويقيم بها معالم العلوم في أرجائها، ويستنزل بها موادّ الرحمة لساكنها بألسنة قرّائها، ويستعيد صحّة من بها من الضعفاء بإعداد الذّخائر لملاطفة أسقامها ومعالجة أدوائها، ويحافظ على شروط الواقف في إقامة وظائفها، واعتبار مصارفها، وتقديم ما قدّمه مع ملاءة تدبيره باستكمال ذلك على أكمل ما يجب، وتمييز حواصلها بما يستدعي إليها من الأصناف التي يعزّ وجودها ويجتلب، وضبط تلك الحواصل التي لا خزائن لها أوثق من أيدي أمنائه وثقاته، ولا مودع لها أوفق من أمانة من يتّقي الله حقّ تقاته؛ فلذلك وكلناه في الوصايا إلى حسن معرفته واطّلاعه، ويمن نهوضه بمصالحنا واضطلاعه، إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الثانية
(نظر الجامع الطولوني) «1» من إنشاء المقرّ البدريّ «2» ابن المقرّ العلائيّ بن فضل الله صاحب ديوان
(11/157)

الإنشاء الشريف، في الدولة الظاهرية برقوق، كتب به المقرّ الشمسيّ العمريّ كاتب الدّست الشريف لأبي يزيد الدّوادار، وهي:
الحمد لله الذي أقام من أوليائنا خير ناظر، يقرّ به كل ناظر، وأدام بنا بناء المعروف الزاهر وحسنه الباهر، وأنام الأنام في مهاد الأمن بانتقاء وليّ لسان الكون حامد له ومادح وشاكر، وفتح أبواب السعادة باصطفاء صفيّ طاب بسفارته كلّ خاطر من مقيم وخاطر، ومنح أسباب السيادة بأوفى وفيّ عمر بوجوده الوجود وغمر بجوده كلّ باد وحاضر، وأبصر بالدين المتين والفضل المبين فأقمناه للنظر على بيوت الله تعالى لأولويّته بذلك: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
«1» .
نحمده على نعمه التي ظهرت «2» بالمزيد فسرّت السرائر، وظهرت بنور الرّشد المديد فأشرق بها الباطن والظاهر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز القادر، شهادة صدقت في الإخلاص بها الألسنة والضمائر، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله معدن الأسرار، وبحر الجود الزاخر، ومنبع الأنوار، صاحب الآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة والمفاخر، الذي يبعثه الله مقاما محمودا يحمده الأوائل والأواخر، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه النّجوم الزّواهر، الذين جاهدوا في الله حقّ جهاده فكان كلّ منهم للدّين الحنيف أعظم مجتهد ومؤيّد وناصر، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى من ألقيت إليه مقاليد الأمور، وصرّفناه في جميع مصالح
(11/158)

الجمهور، وفوّضنا إليه النظر في بيوت الله تعالى ليعمرها بنظره السعيد وتضاعف له الأجور، ومكّنّا له في دولتنا الشريفة حتّى صار قطب فلكها عليه تدور، وبسطنا يده ولسانه فهو ينطق عنّا ويأمر بالقضاء والقدر في الورود والصّدور، وقيّدنا الأرزاق بقلمه، والمهمّات بكلمه، فلا فضل إلا من فيضه المنشور- من امتاز على غيره بفضيلتي السّيف والقلم، وتقدّم في الطاعة الشريفة بأثبت قدم، كان بها من السابقين الأوّلين من القدم، واتّصف بالشّجاعة والشّهامة والمعرفة التامّة والحلم والعدل والحكم؛ فهو التّرجمان عنّا الناطق بفصل الخطاب في السّرّ للتّرك والعرب والعجم، وعرف بالرأي السديد، والنظر السعيد، والتدبير الحميد، والقول المفيد، والجود والكرم؛ وطبع على الخير الجزيل، والدّين الجميل، عمره في الحقّ قائم، لا تأخذه في الحقّ لومة لائم، طالما أحيا بحسن السّفارة من العدم.
هو واحد في الفضل والنظر السعيد لأبي سعيد.
فمن الذي يحكيه في الشّرف العتيد ... بطل الوغى أبو يزيد
قد تفرّد في العفّة والدّيانه، والثّقة والأمانة، والتحف بالصّفا، وتردّى بالوفا، وشفى بالخير والجبر من كان بالفقر على شفا فحصل له الشّفا، ووفى بالعهود والمواثيق وذلك أمر ما خفى «1» ، ولحق في الجود والدّين بسميّه أبي يزيد البسطاميّ «2» الوليّ:
قالوا:
الوليّ أبو يزيد قد مضى ... وهو الفريد بفضله والصادق!
(11/159)

قلت:
الأمير أبو يزيد مثله ... هذاك سابقه وهذا اللاحق!
ولما كان فلان هو المشار إليه بهذه الصّفات الحسنة، والمناقب التي تنوّعت في مدائحها الألسنة، وعرف بالجود فملك حبّه الأفئدة فارتفعت الأصوات بالدعاء له معلنة، طالما أنال النّعم، وأزال النّقم، وجبر القلوب وكشف الكروب، وجلا ظلام الخطوب، ونشر المعروف، وأغاث الملهوف، وأنقذ من المهالك، وعمر بتدبيره الممالك، ووصل الأرزاق، وأجرى الأطلاق على الإطلاق- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نعتمد في جميع الأشياء عليه، ونلقي مقاليد الأمور إليه، وننوط به المهمّات وغيرها: ليكون العلم بالكلّيات والجزئيّات لديه.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يتحف بالمزيد من كرمه، ويسبغ جلابيب نعمه، ويجري بحر فضله الواسع، ويعمّ بنظره المقرّبين من أوليائه كلّ جامع للخير جامع، أن يستقرّ...... «1» ...
فليتلقّ هذا التفويض الجليل بقبوله، ويبلّغ الجامع المذكور ما يرتقبه من عمارته التي هي غاية مأموله. ومنه تؤخذ الوصايا لأنه لساننا الناطق، وسفير مملكتنا العالم بالحقائق والدّقائق، فلا يحتاج أن يوصى ولا أن نفتح معه في الوصية بابا، وما يصلح أن يقال لغيره لا يجوز أن يكون له خطابا:
ومثلك لا يدلّ على صواب ... وأنت تعلّم الناس الصّوابا!
والله تعالى يؤيده في القول والعمل، ويعمّ بوجوده وجوده الوجود وقد فعل، ويبقيه مدى الدهر، ويستخدم لسعوده الساعة واليوم والجمعة والشّهر، ويجعل بابه الطاهر مفتوحا للقاصدين على الدّوام، ويقيمه واسطة عقد الملك
(11/160)

فإنه مبارك أينما كان ورحمة للأنام؛ والاعتماد على الخطّ الشريف أعلاه حجة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الثالثة (نقابة الأشراف)
وقد تقدّم في الكلام على ترتيب وظائف الدّيار المصرية في المقالة الثانية أنّ موضوعها التحدّث على الأشراف، وهم أولاد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، من فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قلت: وقد جرت العادة أنّ الذي يتولّى هذه الوظيفة يكون من رؤوس الأشراف، وأن يكون من أرباب الأقلام، وإنما أوردته مع أرباب السّيوف لأن المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله قد ذكر في بعض دساتيره الشاميّة أنه يكتب لنقيب الأشراف «الأميريّ» ولا يكتب له «القضائيّ» ولو كان صاحب قلم. وقد رأيت له عدّة تواقيع على ذلك مكتتبة من الأبواب السلطانية وعن نائبي الشام وحلب وغيرهما، معبّرا عنه فيها ب «الأميريّ» وتوقيعه في قطع الثّلث مفتتح بخطبة مفتتحة ب «الحمد لله» .
وهذه نسخة [توقيع] «1» بنقابة الأشراف، وهي:
الحمد لله مشرّف الأنساب، وموفي الأحساب، حقوق ملاحظتهم بغير حساب، وجاعل أيّامنا الشريفة تحمد الاكتساب.
نحمده بمحامد حسنة الإيجاد والإيجاب، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا شكّ في مقالها ولا ارتياب، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ونبيّه الذي أنزل عليه الكتاب، وشرّف به الذّراريّ من شجرته المباركة الأعقاب، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا تتوارى شمسها بحجاب.
وبعد، فإنّ خير ما صرفت الهمم إلى تشييد مبانيه، وتقييد مهمل رواعيه
(11/161)

وملاحظة قاصيه ودانيه، المحافظة على كلّ ما يرفع قدر الآل ويعليه، ويردّ إليهم عنان الاعتناء ويثنيه.
ولمّا كانت العترة الطاهرة النبوية ورّاث الوحي الذين آل إليهم ميزاته، وأهل البيت الذين حصل لهم من السّؤدد آياته؛ وقد سأل الله وهو المسؤول لهم القربى، وخصّهم بمزايا حقيق بمثل متصرّفهم أنه بها يحبى وأنها لهم تجبى:
لما في ذلك من بركات ترضي سيّد المرسلين وتعجبه، ويسطّر الله [الأجر] «1» لفاعله ويكتبه، وكان لا بدّ لهم من رئيس ينضّد سلكهم وينظّمه، ويعظّم فخرهم ويفخّمه، ويحفظ أنسابهم، ويصقل بمكارمه أحسابهم، وينمّي بتدبيره ريعهم، ويتابع تحت ظلّ هذه الشجرة الزكيّة ما زكّى ينعهم، ويحفظهم في ودائع النّسل، ويصدّ عن شرف أرومتهم من الأدعياء المدّعين بكل بسل «2» ، ويحرس نظامهم، ويوالي إكرامهم، ويأخذهم بمكارم الأخلاق، ويمدّهم بأنواع الإرفاد والإرفاق، ويتولّى ردع جانيهم إذا لم يسمع، ويتدبّر فيه قوله: «أنفك منك وإن كان أجدع» » .
ولمّا كان فلان هو المشار إليه من بني هذه السّلالة، وله من بينهم ميزة باطنة وظاهرة وإن كانوا كلّهم شيئا واحدا في الإجلال والإعظام، فقد تميزّت من بين الأنامل السّبّابة على الخنصر والبنصر والوسطى والإبهام، وكم ثمر جنيّ فضّل بعضه على بعض في الأكل وهو يسقى بماء واحد، وقد امتاز على بني هاشم سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام- اقتضى حسن الرأي المنيف، أن رسم بالأمر الشريف- لا برح يختار وينتقي، ويجتبي من يخشى
(11/162)

الله ويتّقي- أن تفوّض إليه نقابة الأشراف الطالبيّين على عادة من تقدّمه من النّقباء السادة.
فليجمع لهم من الخير ما يبهج الزهراء البتول فعله، ويفعل مع أهله وقرابته منهم ما هو أهله، وليحفظ مواليدهم، ويحرّز أسانيدهم «1» ، ويضبط أوقافهم، ويعتمد إنصافهم، ويثمّر متحصّلاتهم، ويكثّر بالتدبير غلّاتهم، ويأخذ نفسه بمساواتهم، في جميع حالاتهم، وليأخذهم بالتجمّع عن كل ما يشين، والعمل بما يزين، حتّى يضيفوا إلى السّؤدد حسن الشّيم، وإلى المفاخر فاخر القيم، وكلّ ما يفعله معهم من خير أو غيره هو له وعليه، ومنه وإليه، والله يحفظه من خلفه ومن بين يديه، بمنّه وكرمه!.
وهذه نسخة وصية لنقيب الأشراف أوردها في «التعريف» فقال:
ونحن نجلّك عن الوصايا إلا ما نتبرّك بذكره، ويسرّك إذا اشتملت على سرّه؛ فأهلك [أهلك؛ راقب] «2» الله ورسوله جدّك صلّى الله عليه وسلّم فيما أنت عنه من أمورهم مسؤول، وارفق بهم فهم أولاد أمّك وأبيك حيدرة والبتول، وكفّ يد من علمت أنه [قد] «3» استطال بشرفه فمدّ إلى العناد يدا، واعلم أنّ الشريف والمشروف سواء في الإسلام إلا من اعتدى، وأنّ الأعمال محفوظة ثم معروضة بين يدي الله فقدّم في اليوم ما تفرح به غدا، وأزل البدع التي ينسب إليها أهل الغلوّ في ولائهم، والعلوّ فيما يوجب الطعن على آبائهم: لأنّه يعلم أنّ السلف الصالح رضي الله عنهم كانوا منزّهين عما يدّعيه خلف السّوء من افتراق ذات بينهم، ويتعرّض منهم أقوام إلى ما يجرّهم إلى مصارع حينهم «4» ، فللشّيعة
(11/163)

عثرات لا تقال، من أقوال ثقال، فسدّ هذا الباب سدّ لبيب، واعمل في حسم موادّهم عمل أريب، وقم في نهيهم والسيف في يدك قيام خطيب، وخوّفهم من قوارعك [مواقع] «1» كلّ سهم مصيب؛ فما دعي «بحيّ على خير العمل» إلى خير من الكتاب والسنة والإجماع [فانظم في نادي قومك عليها عقود الاجتماع] «2» . ومن اعتزى إلى اعتزال، أو مال إلى الزّيديّة في زيادة مقال، أو ادّعى في الأئمة الماضين ما لم يدّعوه، أو اقتفى في طرق الإماميّة بعض ما ابتدعوه، أو كذب في قول على صادقهم، أو تكلّم بما أراد على لسان ناطقهم؛ أو قال: إنه تلقّى عنهم سرّا ضنّوا على الأمّة ببلاغه، وذادوهم عن لذّة [مساغه] «3» ، أو روى عن يوم السّقيفة والجمل غير ما ورد أخبارا [أو تمثّل بقول من يقول: عبد شمس قد أوقدت لبني هاشم نارا] «4» أو تمسّك من عقائد الباطن بظاهر، أو قال إنّ الذات القائمة بالمعنى تختلف في مظاهر، أو تعلّق له بأئمة السّتر «5» رجاء، أو انتظر مقيما برضوى «6» عنده عسل وماء، أو ربط على السّرداب فرسه لمن يقود الخيل يقدمها اللّواء؛ أو تلفّت بوجهه يظنّ عليّا كرّم الله وجهه في الغمام، أو تفلّت من عقال العقل في اشتراط العصمة في الإمام.
فعرّفهم أجمعين أنّ هذا من فساد أذهانهم، وسوء عقائد أديانهم؛ فإنّهم عدلوا في التقرّب بأهل هذا البيت الشريف عن مطلوبهم، وإن قال قائل إنهم طلبوا فقل له: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ
«7» .
(11/164)

وانظر في أمور أنسابهم نظرا لا يدع مجالا للرّيب، ولا يستطيع معه أحد أن يدخل فيهم بغير نسب، ولا يخرج منهم بغير سبب، وساوق المتصرّفين في أموالهم في كلّ حساب واحفظ لهم كلّ حسب. وأنت أولى من أحسن لمن طعن في أسانيد هذا الحديث الشريف أو تأوّل فيه على غير مراد قائله صلّى الله عليه وسلّم تأديبا، وأراهم مما يوصّلهم إلى الله تعالى وإلى رسوله طريقا قريبا، ونكّل بمن علمت أنه قد مالأ على الحق أو مال إلى فريق الباطل فرقا، وطوى صدره على الغلّ وغلب من أجله على ما سبق في علم الله تعالى من تقديم من تقدّم حنقا، [وجار وقد] «1» أوضحت لهم الطريقة المثلى طرقا، واردعهم إن تعرّضوا في القدح إلى نضال نصال، وامنعهم فإن فرقهم كلّها وإن كثرت خابطة في ظلام ضلال، وقدّم تقوى الله في كل عقد وحلّ، واعمل بالشريعة الشريفة فإنها النّسب الموصول الحبل.
واعلم أنّ المقرّ الشهابيّ بن فضل الله قد ذكر في «التعريف» عدّة وصايا لجماعة من أرباب السّيوف، لم يكتب لأحد منهم في زماننا، بل رفض استعمالها وأهمل. ونحن نذكرها، حفظا لذكرها، واحتياطا أن يقتضي الحال في زمن كتابة شيء منها.
إحداها- وصية أتابك المجاهدين.
وقد تقدّم في الكلام على ترتيب وظائف الدّيار المصرية أنّ أصله أطابك «2» بالطاء المهملة ومعناه الأب الأمير، وأنّ أوّل من لقّب بذلك زنكي أطابك صاحب الموصل، ثم غلبت فيه التاء المثناة بدل الطاء، وهي:
وأنت ابن ذلك الأب حقيقة، وولد ذلك الوالد الذي لم تعمل له إلا من
(11/165)

دماء الأعداء عقيقة؛ وقد عرفت مثله بثبات الجنان، وصلت بيدك ووصلت إلى ما لم يصل إليه رمح ولا قدر عليه سنان، ولم يزاحمك عدوّ إلا قال له: أيّها البادي المقاتل كيف تزاحم الحديد، ولا سمّي اسمك لجبّار إلا قال له:
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
«1» وأنت أولى من قام بهذه الوظيفة، وألّف قلوب هذه الطائفة التي ما حلم بها حالم إلا وبات يرعد خيفة؛ فليأخذ هذا الأمر بزمامه، وليعمل لله ولإمامه، وليرم في حبّ البقاء الدائم بنفسه على المنيّة، ولينادم على معاقرة الدّماء زهور سكاكينه الحنيّة، واطبع منهم زبرا «2» تطاول السيوف بسكاكينها، وتأخذ بها الأسود في عرينها، وتمتدّ كأنّها آمال، لما تريد، وترسل كأنّها آجال، ولهذا هي إلى كلّ عدوّ أقرب من حبل الوريد، وأذك منهم شعلا إذا دعيت بأحسابها لا تجد إلّا متحاميا، وارم منهم سهاما إذا دعيت بأنسابها الإسماعيلية فقد جاء أن إسماعيل كان راميا، وفرّج بهم عن الإسلام كلّ مضيق، واقلع عن المسلمين من العوانية كلّ حجر في الطريق، وصرّف رجالك الميامين، وتصيّد بهم فإنّهم صقور ومناسرهم السّكاكين، واخطف بهم الأبصار فبأيمانهم كلّ سكّينة كأنّها البرق الخاطف، واقطف الرؤوس فإنها ثمرات أينعت لقاطف، واعرف لهم حقّهم وضاعف لهم تكريما، وأدم لهم بنا برّا عميما، وقدّم أهل النفع منهم فقد قدّمهم الله وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً
«3» واعلم أنهم مثل الوحوش فزد في تأنيسهم، واشكر إقدامهم فطالما اقتحموا على الملوك وما هابوا يقظة حرسهم، وارفع بعضهم على بعض درجات في نفقات تسافيرهم وقعود مجلسهم، ولا تسوّ بينهم فما هم سواء لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
(11/166)

بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
«1» وأصل هذه الدعوة ما زالت تنتقل بالمواريث حتّى انتهت إلينا حقوقها، وأومضت بنا حيث خلعت هياكلها بجرعاء «2» الحمى بروقها؛ والله تعالى يوفّقه ويرشده، ويطوّل باعه لما قصرت عنه سواعد الرّماح ووصلت إليه يده.
الثانية- وصيّة أستاذ الدار «3» وليتفقّد أحوال الحاشية على اختلاف طوائفها، وأنواع وظائفها، وليرتّبها في الخدمة على ما يجب، وينظر في أمورهم نظرا لا يخفى معه شيء مما هم عليه ولا يحتجب، وليبدأ بمهمّ السّماط المقدّم الذي يقدّم، وما يتنوّع فيه من كل مطعم، وما يمدّ منه في كل يوم بكرة والعصر، وما يستدعى معه من الطّواريء التي لا يحدّها الحدّ ولا يحصرها الحصر، وأحوال المطبخ الكريم الذي منه ظهور تلك المخافي، ووفاء ذلك الكرم الوافي، والتقدّم إلى الأمناء والمشرفين فيه بأمانة الإنفاق، وصيانة المآكل مما يعاب على الإطلاق. ثم أمر المشروب وما تغلق عليه أبواب الشراب خاناه السعيدة من لطائف مأكول ومشروب، وشيء عزيز لا يجود إلا فيها إذا عزّ المطلوب، ومراجعة الأطباء فيما تجري عليه قوانينها، وتشبّ لطبخه من حمر اليواقيت كوانينها، وإفراز ما هو للخاص الشريف منها وما هو للتفرقة، وما لا يصرف إلا بخط الطبيب ولا يسلّم إلا إلى ثقة. ثم «الطشت خاناه» «4» السعيدة التي هي خزانة اللّباس، وموضع
(11/167)

ما نبرز به من الزّينة للناس، وما يحتاج إليه من آلات التطبيب، وما يعيّن لها من الصابون وماء الورد والطّيب، وغير ذلك من بقيّة ما هي مستقرّه، ويؤخذ منها مستدرّه، ومن يستخدم بها ممن برأ من الرّيب، وعرف بالعفاف والأدب، وعلم أنه من أهل الصّيانة، وعلى ما سلّم إليه ومن خالطه الأمانة. ثم «الفراش خاناه» وما ينصب فيها من الخيام، وما يكون فيها من فرش سفر ومقام، وشمع يفضّض كافور كافوريّته آبنوس الظّلام. ثم غلمان الإصطبل السعيد والنّجّابة «1» وإن كان إلى سواه استخدامهم، ولدي غيره مستقرّهم ومقامهم، لكنّهم ما خرجوا من عديده، ولا يروقهم ويروعهم إلا حسن وعده وخشن وعيده. ثم المناخات السّلطانية وما بها من جمال، وما يسرح فيها من مال وجمال، ومن يستخدم فيها من سيروان ومهمرد «2» ، وما فيها من قطار مزدوج وفرد؛ فيوفّر لهذه الجهة نصيبا من النظر يشاهد أمورها وقد غابت في الأقطار، وتفرّقت كالسّحب يلزمها القطار القطّار؛ وليكونوا على باله فإنهم يسرقون الذّرّة «3» من العين ومعهم الذّهب العين محمّلا بالقنطار؛ فليحسن منهم الارتياد، وليتخيّر أرقّهم أفئدة فإنّهم بكثرة ملازمتهم للإبل مثلها حتّى في غلظ الأكباد. وطوائف المعاملين، والأبقار ومن عليها من العاملين، وزرائب الغنم وخولها «4» ورعائها، وأصناف البيوت الكريمة. وما تطلبه في استدعائها، ونفقات
(11/168)

الأمراء المماليك السلطانيّة في إهلال كلّ هلال، وما يصرف في كساهم على جاري عادتهم أو إذا دعت إليه ضرورة الحال، وما يؤخذ عليه خطّه من وصولات تكتب، واستدعاآت تحسب من لوازمه وهي للكثرة لا تحسب؛ فليكن لهذا كلّه مراعيا، ولأموره واعيا، ولما يجب فيه دون ما لا يجب مستدعيا وإليه داعيا؛ وهو كبير البيت وإليه يرجع أمر كلّ مملوك ومستخدم، وبأمره يؤخّر من يؤخّر ويقدّم من يقدّم، ومثله يتعلّم منه ولا يعلّم، وعصاه على الكلّ محمولة على الرّقاب، مبسوطة في العفو والعقاب، ومكانه بين يدينا حيث نراه ويرانا ولدينا قاب قوسين أو أدنى من قاب «1» وعليه بتقوى الله فبها تمام الوصايا وكمال الشروط، والأمر بها فعصاه محكمة وأمره مبسوط، وكلّ ما يناط بنا: من خاصّة أمورنا في بيتنا- عمره الله ببقائنا وزاد تعميره- بتدبيره منوط.
الثالثة- وصيّة أمير آخور.
وقد تقدّم في الكلام على الألقاب في المقالة الثالثة أنّه مركّب من لفظين:
عربيّ وهو أمير ومعناه معروف، وأخور فارسيّ ومعناه العلف، والمعنى أمير العلف. وكأنه في الأصل كان هو المتولّي لعلوفة الخيل، ثم ارتفعت وظيفته حتّى صار صاحبها من أكبار الأمراء المقدّمين؛ وهو يتحدّث في الإصطبلات السلطانيّة وما حوته من خيل وبغال ودوابّ وجمال وأثاث، وغير ذلك.
وهذه نسخة وصيته:
وليكن على أكمل ما يكون من إزاحة الأعذار، والتأهّب لحركاتنا الشريفة في ليل كان أو نهار، مقدّما الأهمّ فالأهمّ من الأمور، والأبدأ فالأبدأ من [تقديم] «2» مراكبنا السعيدة وتهيئة موكبنا المنصور، وترتيب ذلك كلّه على ما
(11/169)

جرت به العوائد، وتحصيل ما تدعو الحاجة إليه على قدر الكفاية والزّوائد، والنّظر في جميع إصطبلاتنا الشريفة، والجشارات «1» السعيدة، وخيل البريد، والرّكائب المعدّة لقطع كلّ مدى بعيد، وما يجتمع في ذلك وينقسم، وما يركب منها ويجنب مما يسم الأرض بالبدور والأهلّة من كلّ حافر ومنسم، وما هو برسم الإطلاق، وما يعدّ لمماليك الطّباق «2» ، وخيل التّلاد «3» ، وما يجلب من قود «4» كلّ قبيلة من القبائل ويجيء من كلّ بلد من البلاد، والمشترى مما يباع من المواريث ويستعرض من الأسواق، وما يعدّ للمواكب وللسّباق؛ وليجل رأيه في ترتيب ذلك كلّه في مراتبه على ما تقتضيه المهمّات، والاحتراز في التّلاد مما لعلّه يبدّل ويقال هو هذا أو يؤخذ بحجة أنه مات؛ وليجتهد في تحقيق ما نفق، [وليحرّره على حكم ما يتحقّق عنده لا على ما اتّفق] »
، وكذلك فليكن فحصه عمّن يستخدم عنده من الغلمان، ولا يهمل أمورهم مع معاملتهم بالإحسان، ولا يستخدم إلا من تشكر سيرته في أحواله، وتعرف خبرته فيما يراد من أمثاله؛ وكذلك الرّكّابة الذين تملك أيديهم أعنّة هذه الكرائم، والتحرّز في أمرهم ممن لعلّه يأوي إليهم من أرباب الجرائم، والأوشاقيّة «6» الذين هم مثل مماليكه وهم في الحقيقة إخوانه، وجماعة المباشرين الذين هم في مباشرة الإصطبلات السعيدة ديوانه؛ وكلّ هؤلاء يلزمهم بما يلزم أمثالهم من السّلوك، ويعلمهم بما
(11/170)

يجب عليهم أن يتعلّموه من خدمة الملوك، ولا يسمح لأحد منهم في أمر يفضي إلى إخلال، ولا يقتضي فرط إدلال، وليقم أودهم بالأدب فإن الأدب ما فيه إذلال؛ وكلّ هؤلاء الطوائف ممن يتجنّب العامة مخالطتهم لما طار في أيّام من تقدّم عن أمثالهم من سوء السّمعة، ويتخوّف منهم السّرعة؛ فليكن لهم منك أعظم زاجر، ومن شكي إليك منهم فسارع إلى التنكيل به وبادر، واشهر من فعلك بهم ما يوجب منهم الطّمأنينة، ولا يعود أحد بعده يكذّب يقينه؛ وأمراء أخورية الذين هم أتباعك، وبهم يمتدّ باعك، هم بحسب ما تجعلهم بصدده، وما منهم إلا من يقدر أن يتعدّى حدّه في مقام قدمه وبسط يده؛ فاجعل لكلّ منهم مقاما معلوما، وشيئا تجعل له فيه تحكيما. وتثمين الخيول المشتراة والتّقادم قوّمها بأهل الخبرة تقويم عدل، وقل الحقّ ولا يأخذك فيه لوم ولا عذل؛ وما يصرف من العليق برسم الخيول السلطانية ومن له من صدقاتنا الشريفة عليق، مر بصرفه عند الاستحقاق واضبطه بالتعليق، وتصرّف في ذلك كلّه ولا تتصرّف إلا تصرّف شفيق، وصنه بأقلام جماعة الدّيوان ولا تقنع في غير أوقات الضرورة برفيق عن رفيق؛ وكذلك البراسيم السلطانية أصلا وزيادة، ولا تصرف إلا ما نأمر به وإلا فلا تخرج فيه عن العادة؛ ونزلاؤك من أمراء العربان عاملهم بالجميل، وزد في أخذ خواطرهم ولو ببسط بساط الأنس لهم فما هو قليل، لتتضاعف رغبتهم في كلّ عام، وليستدلّوا ببشاشة وجهك لهم على ما بعده من الإنعام؛ وبغال الكؤوسات «1» السعيدة والأعلام المنصورة، وأثقال الخزانة العالية المعمورة، اجعلها من المهمّات المقدّمة، والمقدّمات لنتائج أيام النصر المعلمة، ورتّبها في مواقفها، وأتمّها أتمّ ما يكون من وظائفها؛ فبها تثبت مواقف العسكر المنصور، وإليها يأوي كلّ مستظلّ ورحى الحرب تدور، وغير ذلك من قماش الإصطبلات السعيدة من الذّهب والفضّة والحرير، وكلّ قليل
(11/171)

وكثير، باشره مباشرة من لا يتخلّى، وأحصه خرجا ودخلا؛ وإيّاك والأخذ بالرّخص، أو إهمال الفرص، أو طلب فائت جرم أهملته حتّى نكص.
الرابعة- وصية مقدّم المماليك.
وقد تقدّم في الكلام على أرباب الوظائف أنه يتحدّث في أمر المماليك السّلطانية والحكم بينهم، ويركب خلفهم إذا ركب السلطان كأنّه يحفظهم.
والوصية هي:
وليحسن إليهم، وليعلم أنّه واحد منهم ولكنه مقدّم عليهم، وليأخذ بقلوبهم مع إقامة المهابة التي يخيّل إليهم بها أنه معهم وخلفهم وبين يديهم، وليلزم مقدّم كلّ طبقة بما يلزمه عند تقسيم صدقاتنا الجارية عليهم: من ترتيب الطّباق، وإجراء ساقية جارية من إحساننا إليهم ولا ينس السّوّاق؛ وليكن لأحوالهم متعهّدا، ولأمورهم متفقّدا، وليستعلم أخبارهم حتّى لا يزال منها على بصيرة، وليعرف ما هم عليه مما لا يخفى عليه فإنهم وإن لم يكونوا له أهلا فإنهم جيرة، وليأمر كلّا منهم ومن مقدّميهم والسّوّاقين لهم بما يلزمهم من الخدمة، وليرتّبهم على حكم مكانتهم منّا فإن تساووا فليقدّم من له قدمة، وليعدل في كل تفرقة، وليحسن في كل عرض ونفقة، وليفرّق فيهم ما لهم من الكساوى «1» ويسبل عليهم رداء الشّفقة، وليعدّ منهم لغابنا المحميّ سباعا تفترس العادية، وليجمل النظر في أمر الصّغار منهم والكبار أصحاب الطّبقات العالية، وليأخذهم بالرّكوب في الأيّام المعتادة، والدّخول إلى مكان الخدمة الشريفة والخروج على العادة، وليدرهم في أوقات البياكير «2» والأسفار نطاقا دائر الدّهليز «3» المنصور،
(11/172)

وليأمرهم أمرا عامّا بأن لا يركب أحد منهم إلا بدستور ولا ينزل إلا بدستور، وليحترز عليهم من طوائف الغلمان «1» ، ولا يستخدم منهم إلا معروفا بالخير ويقيم عليهم الضّمّان، وليحرّر على من دخل عليهم وخرج، ولا يفتح لأحد منهم إلا من علم أنه ليس في مثله حرج، ولا يدع للرّيبة بينهم مجالا للاضطراب، وليوص مقدّميهم بتفقّد ما يدخل إليهم فإن الغشّ أكثره من الطّعام والشّراب، وليدم مراجعتنا في أمرهم فإن بها يعرف الصواب، وليعمل بما نأمره به ولا يجد جوى في جواب.
الضرب الثاني (ممّن يكتب له بالولايات بالديار المصرية أرباب الوظائف الدينية، وهو على طبقتين)
الطبقة الأولى (أصحاب التقاليد ممّن يكتب له بالجناب العالي)
وتشتمل على عدّة وظائف:
الوظيفة الأولى (القضاء)
قد تقدّم في المقالة الثانية في الكلام على ترتيب الوظائف أنّ الديار المصرية كان يليها قاض واحد، إلى أن كانت الدولة الظاهرية «بيبرس» في أوائل الدّولة التّركية، وقاضي القضاة يومئذ القاضي تاج الدين عبد الوهاب ابن
(11/173)

بنت الأعزّ الشافعيّ، فاضطرب الأمر لاختلاف المذاهب، فاقتضى رأي السلطان تقرير أربعة قضاة من كل مذهب قاض، وقرّر القاضي تاج الدين ابن بنت الأعزّ في قضاء قضاة الشافعية على حاله، وكتب لكلّ منهم تقليد بذلك؛ ثم خصّ قاضي القضاة الشافعية بالتولية في بلاد الريف دون غيره من القضاة الثلاثة، واستمرّ الأمر على ذلك إلى الآن. إلا أنه لما حدث بديوان الإنشاء تنويع ما يكتب لأرباب الأقلام إلى تقاليد، في قطع الثلثين، وتفاويض، وتواقيع، في قطع النصف، تقرّر الحال على أن يكتب للقضاة الأربعة تواقيع في قطع النصف ب «المجلس العالي» ، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن ولي القاضي عماد الدين أحمد الكركيّ الأزرقيّ قضاء قضاة الشافعية «1» في أوّل سلطنة الظاهر «برقوق» الثانية، وأخوه القاضي علاء الدين عليّ كاتب السرّ، فعني بأخيه عماد الدين المذكور، فكتب له تقليدا في قطع الثلثين ب «الجناب العالي» . وبقي الثلاثة على ما كانوا عليه من كتابة التواقيع إلى أن ولي القاضي جمال الدّين محمود الحلبيّ القيسريّ المعروف بالعجميّ «2» رحمه الله قضاء قضاة الحنفيّة في الدولة الظاهريّة أيضا، مضافا إلى نظر الجيش، فكتب له تقليد في قطع الثلثين بالجناب العالي أيضا؛ وبقي المالكيّ والحنبليّ على ما كانا عليه من كتابة التواقيع في قطع النّصف. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن ولي قاضي القضاة جمال الدين يوسف البساطيّ قضاء قضاة المالكية في الدولة الناصرية «فرج بن الظاهر برقوق» فأنشأت له تفويضا وكتبت له به، ولم يكن أحد ممن
(11/174)

عاصرناه كتب له تفويض غيره. ثم لما ولي الشيخ جمال الدين عبد الله الأقفهسيّ «1» قضاء المالكية، كتب له توقيع في قطع النصف، إلا أنه كتب له ب «الجناب العالي» كما يكتب لأصحاب التقاليد، وجرى الأمر فيمن بعده على ذلك. ولم يبق من هو على النّمط الأوّل سوى قاضي القضاة الحنابلة، ويوشك أن يكتب لكلّ من المالكيّ والحنبليّ أيضا تقليد: لمساواتهم بغيرهم من الأربعة.
وقد ذكرت ما يكتب لهم من تقاليد وتواقيع هنا جمعا للمفترق وتقريبا للمأخذ.
وهأنا أذكر ما يكتب للأربعة على الترتيب.
الأوّل: (قضاء القضاة الشافعية) .
وهذه نسخة تقليد بقضاء القضاة الشافعية، كتب به لقاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعزّ «2» رحمه الله، حين استقرّ أحد القضاة الأربعة بعد انفراده بالوظيفة على ما تقدّم، وهي من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر «3» رحمه الله تعالى، وهي:
الحمد لله مجرّد سيف الحقّ على من اعتدى، وموسّع مجاله لمن راح إليه
(11/175)

واغتدى، وموضّح طريقه لمن اقتاد واقتدى، ومزيّن سمائه بنجوم تستمدّ الأنوار من شمس الهدى، الذي أعذب لشرعة الشريعة المحمّدية ينبوعا، وأقامها أصلا مدّ بثمار الرّشد فروعا.
نحمده على نعمه التي ألزمتنا لتشييد مبانيها شروعا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نعمر بها من القلوب والأفواه ربوعا، ونصلّي على سيدنا محمد الذي أرسله الله إلى الخلائق جميعا، وقام بعبء الأمر يصنع حسنا ويحسن صنيعا، صلى الله عليه وعلى آله صلاة لا يبرح برقها ملموعا، ولا ينفكّ وترها «1» بالتسليم مشفوعا.
وبعد، فإنّ أحقّ من جدّد له شرف التقريض، وخلّد له إرضاء الأحكام وإمضاء التفويض، وريش جناحه وإن لم يكن المهيض، وفسّح مجاله وإن كان الطويل العريض، ورفع قدره على الأقدار، وتقسّمت من سحائبه الأنواء ومن أشعّته الأنوار، من غزر مدّه فجرت منه في رياض الحقّ الأنهار، وغدا تخشع لتقواه القلوب وتنصت لقوله الأسماع وترنو لمحيّاه الأبصار، قد أوفد من إرشاده للأمة لطفا فلطفا، وأوقد من علمه جذوة لا تخبو وقبسا بالهوى لا يطفى، وفات النّظراء والنّظّار فلا يرسل أحد معه طرفا ولا يمدّ إليه من حيائه طرفا، واحتوى من علوم الشريعة على ما تفرّق في غيره، وغدا خير دليل إلى الحقّ فلا يقتدى في المشكلات إلا برأي اجتهاده ولا يهتدى في المذاهب إلا بسيره، وكان لفلك الشريعة المحمّدية قطبا، ولجثمانها قلبا ولسوارها قلبا «2» ؛ ولدليلها برهانا، ولإنسانها عينا ولعينها إنسانا؛ فكم أرضى بني الأنام عن الأيام، وكم أغضى حياء مع قدرته على الانتقام، وكم أمضى لله حكما لا انفصال لعروته ولا انفصام، وكم قضى بالجور في ماله وبالعدل في الأيتام؛ فلو استعداه الليل على النهار لأنصفه من تعدّيه، ولم يداجه لما ستره عليه من تعدّيه في دياجيه؛ فهو
(11/176)

الصادع بما أمر الله به ولو على نفسه، والمستردّ الحقوق الذاهبة من غير محاباة حتّى لغده من يومه وليومه من أمسه.
ولما كان قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهّاب ممن هو في أحسن هذه السّمات قد تصوّر، وكادت نجوم السماء بأنواره تتكثّر، وتجوهر بالعلوم فأصبح حقيقة هو التاج المجوهر، وله مزايا السّؤدد التي لا يشك فيها ولا يرتاب، وسجايا الفضل التي إذا دخل إليه غيره من باب واحد دخل هو إليه من عدّة أبواب؛ وهو شجرة الأحكام، ومصعد كلم الحكّام، ومطلع أنجم شرائع الإسلام، ومهبط وحي المقدّمات والارتسام، ومجتمع رفاق القضايا في الحلال والحرام- خرج الأمر الشريف بتجديد هذا التقليد الشريف له بقضاء القضاة بالديار المصرية: فليستصحب من الحق ما هو مليّ باستصحابه، وليستمرّ على إقامة منار الحق الذي هو موثّق عراه ومؤكّد أسبابه، وليحتلب من أخلاف الإنصاف ما حفّله اجتهاده ليد احتلابه، عالما بأنّ كل إضاءة إنارتها من قبسه، وإن استضاء بها في دياجي المنى، وكلّ ثمرة من مغترسه، وإن مدّ إليها يد الاجتنا، وكلّ جدول هو من بحره وإن بسط إليه راحة الاغتراف، وكلّ منهج هو من جادّته وإن ثنى إلى سلوكه عنان الانصراف لا الانحراف؛ وهو بحمد الله المجتهد المصيب، والمادّة للعناصر وإن كان نصيبه منها أوفر نصيب، وسجاياه يتعلّم منها، كيف يوصّى ويعلّم، ومزاياه تقوّم الأود، كيف يقوّم، والله الموفّق بمنّه وكرمه! الثاني- قاضي القضاة الحنفيّة على ما استقرّ عليه الحال من لدن القاضي جمال الدين محمود القيسريّ وإلى آخر وقت. وموضوعها النظر في الأحكام الشرعيّة على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، ويختصّ نظره بمصر والقاهرة خاصّة.
وهذه نسخة تقليد بقضاء قضاة الحنفيّة كتب به لمن لقبه شمس الدين، وهي:
(11/177)

الحمد لله الذي أطلع في أفق الدّين الحنيف شمسا منيرة، ورفع درجة من جعله من العلم على شريعة ومن الحكم على بصيرة، وقلّد أمور الأمة لمن يعلم أنّ بين يديه كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، ووفّق لفصل القضاء من مشى على قدم أقدم الأئمة فسار في مذهبه المذهب أحسن سيرة، الذي أدّخر للحكم في أيّامنا الشريفة من نفائس العلماء أفضل ذخيرة، وقضى بإرجاء أمره لنختار له من تحلّى به بعد العطل «1» وكلّ قضاء خيرة، وأيقظ عنايتنا لمن رقد الدهر عن فضله فباتت عين الاستحقاق باستقرار رتبته قريرة.
نحمده حمد من توافت إليه النّعم الغزيرة، وتوالت عليه المنن الكثيرة في المدد اليسيرة، وأخصبت في أيامه رياض الفضائل فهي بكلّ عالم عدم النظير نضيرة، وافتتح دولته برفع منار العدل فآمال أهل الظلم عن تعاطيه قاصرة وأيدي أهل الباطل عن الامتداد إليه قصيرة، وخصّ المناصب في ممالكه بالأكفاء فإذا تلبّست بها همم غيرهم عادت خاسئة أو امتدت إليها أبصار من دونهم رجعت حسيرة.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تصلح العلن والسريرة، وتصبح بها القلوب موقنة والألسن ناطقة والأصابع مشيرة، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بعث الله به الرسل مخبرة وأنزل الكتب بمبعثه بشيرة، واجتباه من خير أمّة من أكرم أرومة وأشرف عشيرة، وأظهر أنوار ملّته إلا لمن أعمى الغيّ بصيرته وهل ينفع العمي شمس الظّهيرة، وخصّه بالأئمة الذين وفقهم للاستعانة بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة، وجعل علماءهم ورثة الأنبياء فلو ادّعيت لأحكامهم العصمة لكانت بذلك جديرة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة نتقرّب بدوامها إلى الله فيضاعفها لنا أضعافا كثيرة، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى الأمور بأن تشاد قواعده، وتتعهّد معاهده، ويعلى مناره،
(11/178)

وتفاض بطلوع شمسه أنواره، ويحلّى به بعد العطل جيده، وينظم في سلك عقود الأمة فريده، وتكمّل به قوى الدين تكملة الاجساد بقوى الطبائع الأربع، وتعمّر به ربوع الملة التي ليس بعدها من مصيف لملّة ولا مربع، وتثبّت به قوائم الشرع التي ما للباطل في إمالة بعضها من مطمع، وتجلى به عمّن ضاق عليه المجال في بعض المذاهب الغمّة، ويستقرّ به عدد الحكّام على عدد الأئمة المستقرّ على عدد الخلفاء الراشدين من خلفاء الأمّة، ويمدّ به على الخلق جناح الرحمة وافر القوادم وارف الظّلال، ويجمع به عليهم ما جمع الله في أقوال أئمتهم من الحق وماذا بعد الحقّ إلّا الضّلال،- أمر القضاء على مذهب الإمام أبي حنيفة النّعمان بن ثابت رضي الله عنه الذي اشتقّ الله له من الملّة الحنيفيّة نسبة سرت في الآفاق، وأفاض عليه من موادّ القياس الجليّ كنوزا نمت على الإنفاق، وعضّد أيّامه بوليّي عهد قولهما حجة فيما تفرّدا به من الخلاف أو اجتمعا عليه من الوفاق؛ وعدّ من التابعين لقدم عهده، وسمّي «سراج الأمة» لإضاءة نوره بهما من بعده.
ولما خلا بانتقال مباشره إلى الله تعالى، توقّف مدّة على ارتياد الأكفاء، وارتياء من هو أهل الاصطفاء، واختيار من تكمل به رفعة قدره، ويعيد لدسته بتصدّره على بساط سليمانه بهجة صدره، ويغدو لسرّ إمامه بعد إماتة هذه الفترة باعثا، ويصبح وإن كان واحد عصره لأبي يوسف ثانيا ولمحمد بن الحسن ثالثا؛ ويشبّه به البلخيّ «1» زهدا وعلما، والطّحاويّ «2» تمسّكا بالسّنّة وفهما، ويغترف القدوريّ «3» من بحره، ويعترف الحصريّ «4» بالحصر عن إحصاء فضله وحصره،
(11/179)

ويقف من مذهب ابن ثابت «1» ، على أثبت قدم وينتمي من فقه النّعمان إلى فرع زاك وأصل ثابت، وينشر من أحكامه ما إن وافق الأئمة فهو حجّة قاطعة ومحجّة ساطعة، أو خالفهم بمذهبه فهو رحمة واسعة، ونعمة وإن كانت بين الطّرق فارقة فإنها على الحق جامعة.
ولما كان فلان هو المنتظر لهذه الرتبة انتظار الشمس بعد الغسق، والمرتقب لبلوغ هذه المنزلة التي تقدّمت إليها بوادر استحقاقه في السّبق، والمعطوف على من وصف من الأئمة وإن تأخّر عن زمانه عطف النّسق؛ وهو الذي ما دام يعدل دم الشهداء مداد أقلامه، وتضع الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع من نقل خطواته في طلب العلم وسعي أقدامه، ودخل من خشية الله تعالى في زمرة من حصر بإنّما «2» ، وهجر المضاجع في طاعة الله لتحصيل العلم فلو عدّت هجعاته لقلّما، وهجّر في إحراز الفضائل فقيّد أوابدها، وأحرز شواردها، ولجّج في بحار المعاني فغاص على جواهرها، ونظر نظرة في نجوم العلوم فاحتوى على زهرها وراد خمائل الفضائل فاستولى على أزاهرها، وانتهى إليه علم مذهبه فبرّز على من سلف، وجارى علماء عصره فوقفت أبصارهم عن رؤية غباره وما وقف، ونحا نحو إمامه فلو قابله يعقوب مع معرفته في بحث لانصرف، وتعيّن عليه القضاء وإن كان فرض كفاية لا فرض عين، وقدّمه الترجيح الذي جعل رتبته همزة استفهام ورتبة غيره بين بين- اقتضى رأينا الشريف اختصاصه بهذا التمييز، والتنبيه على فضله البسيط بهذا اللفظ الوجيز.
فلذلك رسم أن يفوّض إليه كيت وكيت. فليتولّ هذه الرتبة التي أصبح فيها عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نائبا وبشرعه قائما، ويتقلّدها تقلّد من يعلم أنه قد أصبح على حكم الله مقدّما وعلى الله قادما، ويتثبّت تثبّت من يعتصم بالله في حكمه فإنّ أحد الخصمين قد يكون ألحن بحجّته وإن كان ظالما، ويلبس لهذا
(11/180)

المنصب حلّة تمنع المبطل من الإقدام عليه، وتدفع الظالم عن التطاول إلى أمر نزعه الشرع من يديه، وتؤمّن الحقّ من امتداد يدي الجور والحيف إليه، وليسوّ بين الخصمين في مجلسه ولحظه، ويعدل بينهما في إنصاته ولفظه،: ليعلم ذو الجاه أنه مساو في الحق لخصمه، مكفوف باستماع حجّته عن الطمع في ظلمه، ولا ينقض حكما لم يخالف نصّا ولا سنّة ولا إجماعا، وليشارك فيما لا يجهله من القضايا غيره من العلماء ليتزيّد بذلك مع اطّلاعه اطلاعا، وليغتنم في ذلك الاستعانة بآرائهم فإنّ الله تعالى لا ينتزع هذا العلم انتزاعا، وليسدّ مسالك الهوى عن فكره، ويصرف دواعي الغضب لغير الله عن المرور بذكره «1» ؛ وليجعل العمل لوجه الله نتيجة علمه، وليحكم بما أراه الله وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ
«2» إن شاء الله تعالى.
الثالث- قاضي القضاة المالكية:
وهذه نسخة تقليد بقضاء قضاة المالكية، لقاضي القضاة جمال الدين يوسف البساطيّ المقدّم ذكره، في العشر الأخير من رجب الفرد سنة أربع «3» وثمانمائة، وهو:
الحمد لله الذي شفع جلال الإسلام بجماله، وناط أحكامه الشرعيّة بمن اقترن بحميد مقاله جميل فعاله، وخصّ مذهب عالم المدينة بخير حاكم ما جرى حديثه الحسن يوما إلا وكان معدودا من رجاله، وعدق النظر في أحكامه بأجلّ عالم لو طلب له في الفضل مثل لعجز الزمان أن يأتي بمثاله.
نحمده على أن أخلف من النّبعة الزكيّة صنوا زاكيا، وأدال من الأخ
(11/181)

الصالح أخا للعلوم شافيا، ولمنصبه العليّ ولله الحمد وافيا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مجرّد سيف الحق على كلّ مبطل معاند، ومرهف حدّه القاضب لكل ملحد عن سواء السبيل حائد، وأنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ فاق الأنام بفضله وعمّ البريّة بعدله، وسدّ باب التوبة على متنقّصه فلم تكن لتقبل توبة مثله، وكان إلى مالك مصيره فلا جرم قضى بإهدار دمه وتحتّم قتله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ذبّوا عن حمى الدين وذادوا، وسلكوا سبيل المعدلة إذ حكموا فما ضلّوا عن سنن الطريق ولا حادوا، صلاة تبقى ببقاء الدّهور، ولا تزول بهجة جمالها بتوالي الأعوام والشّهور، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فإنّ أولى ما قصر عليه النظر، واستغرقت فيه الفكر وعرا العيون فيه السهر، وصرفت إليه الهمم، ورغبت في البراءة من تخلّفه الذّمم- النظر في أمر منصب الشرع الشريف الذي يأوي الملهوف إلى ظلّه، ويلجأ المستجير إلى عدله، ويتعلّق العفاة بوثيق عروته ومتين حبله، وبرهبته يكفّ الظالم عن ظلمه، وينتصف الخصم من خصمه، ويذعن العاصي إلى طاعته وينقاد الأبيّ إلى حكمه، ويأتمّ به الحائر في دجى الجهل فيستضيء بنوره ويهتدي بنجمه؛ لا سيما مذهب مالك الذي لم يزل للدّين من أهل الإلحاد مثّئرا، وللقصاص من أهل العناد مبتدرا، وبسلّ سيف الحقّ على الطّغاة المتمرّدين مشتهرا؛ ففاز من سطوات الإرهاب بأرفع المراتب، وعلا رقاب الملحدين بأرهف القواضب، وخصّ من سفك دماء المبطلين على البتّ بما لم يشاركه فيه غيره من المذاهب؛ فوجب أن يختار له من ينصّ الاختبار على أنه أهل للاختيار، ويقطع المنافس أنه الراجح وزنا عند الاعتبار، وتأخذ مناقبه البسيطة في البسط فلا تنفد إذا نفدت مناقب غيره المركّبة عند الاختصار، ويشهد له ضدّه بالتقدّم في الفضل وإن لم تتقدّم منه دعوى، ويعترف له بالاستحقاق خصمه فيتمسّك من عدم الدافع فيه بالسّبب الأقوى، ويحكم له بعلوّ الرّتبة مناوئه فيرتفع الخلاف وتنقطع النّجوى، ويسجّل له حاسده بثبوت المفاخر المحكوم بصحّتها فلا ينقضها حاكم وإن بلغ
(11/182)

من تدقيق النظر الغاية القصوى، وتنفذ أحكامه في البريّة فلا يوجد لها مخالف، وتحذر شيعة الباطل سطوته فلا يرى لباطل محالف، ويشتهر عنه من نصرة الحق ما يأمن معه المستضعف الخائف، ويتحقّق فيه من قيام العدل ما يرتدع به الظالم الحائف، ويستوي عنده في لزوم الحق القويّ والضعيف، ولا يفرّق في لازمه بين المشروف والشريف، ولا يميّز في حمل الأعباء الشرعيّة بين الشّاق وغيره ولا بين الثقيل والخفيف، ولا يحابي قريبا لقرابته، ولا جليلا لجلالته، ولا ظالما خوف ظلمه ولا ذا استطالة لاستطالته، ولا يستزلّه ذو لسن للسنه ولا بليغ لبلاغته، ولا يخالف بين الصديق الملاطف وغيره إلا في منع قبول شهادته.
ولما كان المجلس العاليّ القاضويّ، الكبيريّ، الإماميّ، العالميّ، الصّدريّ، الرئيسيّ، الأوحديّ، العلّاميّ، الكامليّ، الفاضليّ، المفيديّ، الفريديّ، الحجّيّ، القدويّ، الخاشعيّ، الناسكيّ، الحاكميّ، الجماليّ، جمال الإسلام، شرف الأنام، حاكم الحكّام، أوحد الأئمة، مفيد الأمّة، مؤيّد الملّة، معزّ السنّة، شمس الشريعة، سيف المناظرين، لسان المتكلمين، حكم الملوك والسلاطين، خالصة أمير المؤمنين؛ أبو المحاسن «يوسف البساطيّ» المالكيّ- أدام الله تعالى نعمته- هو المراد من هذه الصّفات، التي وقعت من محلّه الكريم موقعها، والمقصود من هذه السّمات، التي ألفت من سيرته الفاضلة موضعها، وقارع صفاة هذه الذّروة التي ما كان ينبغي لغيره أن يقرعها، وشمس الفضل الحقيق بمثلها أن لا يتوارى جمالها بحجاب الغروب، وفاصل مشكلات القضايا إذا اشتد إشكالها وعظمت في فصلها الخطوب، ومتعيّن الولاية التي إذا كانت في حقّ غيره على الإباحة كانت في حقّه على الوجوب؛ وقد درّب الأحكام وخبرها، وعرف على التحقيق حالها وخبرها، وورد من مشاربها الرائقة أصفى المناهل فأحسن وردها وصدرها، ونفست جواهر فوائده ففاقت جواهر المعادن، وغطّت محاسن فضله فضائل غيره ولا تنكر المحاسن ل «يوسف» وهو «أبو المحاسن» ؛ فعلومه المدوّنة بالبيان والتحصيل كافلة، ومقدّمات تنبيهاته بنتائج النّوادر الحسنة متواصلة، وتهذيب ألفاظه المنقّحة تؤذن
(11/183)

بالتحرير، وعيون مسائله المتواردة لا تدخل تحت حصر ولا تقدير؛ فلو رآه «مالك» لقال: ما أعظم هذه الهمّة، أو أدركه «ابن القاسم» لوفّر من الثناء عليه قسمة، أو عاصره «ابن عبد الحكم» لحكم له بأنّ سهمه قد أصاب الغرض وغيره أطاش الريح سهمه، أو عاينه «أشهب» لقال قد ركب هذا الشّهباء أنّى يلحق، أو سمع «ابن وهب» كلامه لقطع بأنه هبة ربّانيّة وبمثله لم يسبق، أو بلغ «ابن حبيب» خبره لأحبّ لقاءه. أو بصر به «سحنون» لتحقّق أنه عالم المذهب ما وراءه، أو استشعر بقدومه «ابن سيرين» لبشّر به، أو جاوره «ابن عوف» لعاف مجاورة غيره أو مجاوزة طنبه، أو جالسه «ابن يونس» لتأنّس بمجالسته، أو حاضره «أبو الحسن بن القصّار» لأشجى قلبه بحسن محاضرته، أو جاراه «القاضي عبد الوهّاب» لقضى بعلوّ مكانته، أو اتّصل ذكره «بالمازريّ» لزرى على «مازر» لبعدها عن دار إقامته، أو اطّلع «القاضي عياض» على تحقيقاته لاستحسن تلك المدارك، أو ناظره «ابن عبد السلام» لسلّم أنه ليس له في المناظرة نظير ولا في تدقيق البحث مشارك، أو مرّ به «ابن الجلّاب» لجلب فوائده إلى بلاده، أو حضره «ابن الحاجب» لتحقّق أنه جامع الأمّهات على انفراده.
هذا وقد حفّ بجلال لا عهد لأحد مثله، ولا طاقة لفاضل بمقاومة فضله، ولا يسمح الزمان بنظيره من بعده كما لم يسمح به من قبله؛ فاجتمع من جمال الجلال، وجلال الجمال، ما لم يكن ليدخل تحت الإمكان، وعزّز عددهما من أعلام الأئمة بثالث ورابع فقام بناء الدّين من المذاهب الأربعة على أربعة أركان؛ ولا عبرة بما يذهب إليه الذاهبون من كراهة التربيع تبعا للمنجّمين في اعتقادهم الفاسد، فقد ورد أنّ زوايا الحوض على التربيع وذلك فيه أعظم دليل وأقوم شاهد.
وكان مذهب مالك رحمه الله هو المراد من هذه الولاية بالتخصيص، والمجلس الجماليّ المشار إليه هو المقصود بهذا التفويض بالتنصيص- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نوفّي مرتبته السنيّة حقّها، ونبوّيء النّعم مستحقّها، ونملّك
(11/184)

رقاب المعالي مسترقّها، ونقدّم على طائفة المالكية من أضحى لهم جمالا، ونتحفهم بمن أمسى لعزّهم كمالا، ونفوّض قضاء مذهبهم إلى من إذا جرى في ميدان حكمه قالت محاسن قضاياه: (هكذا هكذا وإلا فلا لا) ، ونسند الأحكام الشرعية إلى من هو بها أعرف، ونقفها على من عرف أنه على الحقائق ماض وعند السّنّة يتوقّف، ونعدق أمرها بمن ألف النزاهة فنكرة المطامع عنده لا تتعرّف، ونكل النظر فيها إلى من أمسى لشروط الاستيجاب جامعا، ونقدّم في ولاية هذا المنصب من شفع له استحقاقه وكفى بالاستحقاق شافعا.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يبسط لأوليائه من بساط الأنس ما كان مطويّا، وينيلهم من رغائب الآمال ما كان عنهم من سالف الأزمان مزويّا- أن يفوّض إليه قضاء قضاة مذهب عالم المدينة، وإمام دار الهجرة، مالك بن أنس الأصبحيّ: قدّس الله تعالى روحه. فليتلقّ ما فوّض إليه بأفضل تلقّ يليق بمثله، ويتقبّله تقبّلا يناسب رفعة محلّه، ويبتهج بأجلّ تفويض لم يسمح بتمنّيه لآخر من قبله.
ومن أهمّ ما نوصيه به، ونوجّه القول إليه بسببه، تقوى الله تعالى التي هي ملاك الأمر كلّه، وقوام الدين من أصله، والاشتمال عليها في سرّه وجهره والعمل بها في قوله وفعله، ثم برّ الخلق والإحسان إليهم، والتجاوز عنهم إلا فيما أوجبه الشرع من الحقوق عليهم؛ ففي التقوى رضا الله وفي البرّ رضا الخلق وناهيك بجمعهما من رتبة فاخرة، إذ لا شكّ أنّ من حصّل رضا الله ورضا الخلق فقد حصل على خير الدنيا والآخرة؛ ووراء ذلك قاعدة في الوصايا جامعة، وتذكرة لذوي الذّكرى نافعة، وهي أن يتأمّل أحوال غيره تأمّل من جعلها لنفسه مثالا، ولنسجه منوالا؛ فما استحسنه منها أتى مثله، وما استقبحه تجنّب فعله؛ واقفا في ذلك عند ما وردت به الشريعة المطهرّة بنص صريح أو تأويل صحيح، معرضا عن العقليّات المحضة فلا مجال للعقل في تحسين ولا تقبيح.
وأما أدب القضاء الجاري ذكر مثله في العهود، والنظر في أمر النّواب
(11/185)

وكتّاب الحكم والشّهود، فهو به أدرب وأدرى، وبمعرفة ذلك لهم وعليهم أحقّ وأحرى؛ غير أنّا نوصيه بالتثبت في أمر الدّماء وعلاقتها، وتحقّق حكمها قبل الحكم بإراقتها؛ فإن ذلك لمادّة القلق فيها أحسم، ومن تبعاتها في الدارين أسلم؛ والوصايا كثيرة ولكنّها منه تستفاد، وعنه تؤخذ وإليه تعاد؛ والله تعالى يتولّاه، ويحوطه فيما ولّاه، ويديم عليه هذه النعمة فما فوق منصبه منصب يتمنّاه؛ والاعتماد...... «1» ... إن شاء الله تعالى.
وكتب لستّ إن بقين من شهر رجب الفرد عام أربع وثمانمائة، حسب المرسوم الشريف، بمقتضى الخط الشريف.
وهذه نسخة توقيع بقضاء القضاة الحنفيّة بدمشق، من إنشاء القاضي ناصر الدين ابن النّشائيّ، وهي:
الحمد لله الذي جعل منار الشّرع الشريف مستمرّا على الدّوام، وشمل منصب الحكم العزيز للعالم بعد العالم على ممرّ الأيام، وأجمل انتخاب من يقوم بأعباء القضايا، ومن تدوم به مزايا السّجايا، فيتخيّر لذلك الإمام بعد الإمام، وأقبل بوجه اجتبائه على وليّ نتأكّد بإنصاته وإنصافه إحكام الأحكام، وعدل باعتنائه إلى تعيين من ترتفع به في العلوم أعلام الإعلام، ومن يتأيّد به الحقّ في كل نقض وإبرام.
نحمده على نعمه الوافرة الأقسام، السافرة [اللثام] «2» عن وجوه الزيادة الوسام، ونشكره على مننه الجسام، ومواهبه التي لا تبرح ثغور إحسانها لذوي الاستحقاق واضحة الابتسام.
(11/186)

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة كفيلة بالمرام، منيلة للإكرام، جميلة التلفّظ والالتئام، جزيلة الكنف والاعتصام، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أقام الله به شعائر الإسلام، وأظهر شرائع الدين الحنيف بحسام نصره الحسّام، وأورث من أهّله من أمّته كنوز العلوم التي لا تنفد فوائدها مع كثرة الإنفاق مدى السنين والأعوام، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هدوا المؤمنين بإلهام الكلام، وعدوا على المشركين بسهام الكلام، وأبدوا من إرشادهم إلى خفايا القضايا ما يظهر بتهذيبهم ظهور بدر التّمام، صلاة دائمة باقية تجزل لقائلها الأجر التامّ، وترسل إليه سحائب المواهب هاطلة الغمام، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من تذهّب به مذهبه، وتحلّى به محلّ الشرع الشريف ومنصبه، وأنار بنور إرشاده ليل الشك وغيهبه، وسهل بتقريبه على فهم الطالب مطلبه، وهمى به وابل العلم وصيّبه «1» وأتيح به للمستفيد كنز الفوائد التي يدنو بها أربه، وشيم من برق شيمه بالشام ما وجد في الجود صادقه وفقد خلّبه- من علا في العلوم نسبه، وتأكّد في الدين سببه، وشيّد مبنيّ المعالي معربه، وصقل مرايا الأفهام مهذّبه، وزاحم منكب الجوزاء في ارتفاع القدر منكبه، وجمّل مواكب المباحث في الأصول والفروع موكبه، وسحّت بدقائق الحقائق سحبه، واشتاق إلى قربه موطن الحكم العزيز فما زال يرتقبه، وارتاح الزمان إلى عفافه وإنصافه فأرشد حيث نختاره لذلك وننتخبه.
ولما كان المجلس العالي...... «2» ...... أيّد الله أحكامه هو الذي أرشد الطالبين في البداية «3» ، وأفاد المنتهين درجات النّهاية، وأفهم
(11/187)

المستفيدين صواب الهداية، وغدا سابقا في حلبة العلماء إلى أقصى غاية. كم قرّب إلى الأذهان غامض المشكل وأوضح مفهومه، وكم أشاع فرائد فوائده التي طبّق الأرض بها علومه، وكم أباح لقط ألفاظه المشحونة بالحكم فتحلّى الناس بدررها المنثورة والمنظومة، مع ما له من دين متين، واستحقاق للتقدّم مبين، وصلاح بلغ به درجات المتّقين المرتقين، واتباع لسنن الحق في الحكم بين الخلق عن يقين- اقتضى حسن الرأي الشريف أن يقرن منصب القضاء بجماله، وأن يعوّض عن إمامه المفقود بإمامه الموجود ليستمرّ الأمر على حاله.
فلذلك رسم......- لا زالت أئمة العلم الشريف في أيامه يخلف بعضهم بعضا، وأقدارهم تدوم رفعتها مدى المدد فلا تجد نقصا ولا نقضا- أن يفوّض...... «1» ......
فليباشر ذلك بعلمه المأثور، وحكمه المشهور، وإنصافه الذي يعدل فيه، واتصافه بالحق الذي ما برح يوفيه، قاضيا بين الخصوم بما أمر الله عز وجل، مراقبا لخشية الله على عادته، مذيعا للملّة الحنيفيّة أنواع إفادته، قاطعا بنصل نصّه مشكل الإلباس، جامعا في أحكامه المسدّدة بمقتضى مذهبه بين الكتاب والسّنّة والقياس. والوصايا كثيرة وملاكها التقوى وهي مادّته، وطريقه المستقيم وجادّته، وما زالت عمدته التي يعتمد عليها، وعدّته التي يستند في إسناد أمره إليها؛ والله تعالى يجمّل الأيام بأحكامه، ويبلّغه من خير الدنيا والآخرة غاية مراده ومرامه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة توقيع بقضاء قضاة المالكيّة أيضا، أنشأته لقاضي القضاة جمال الدين البساطيّ المذكور عند عوده إلى الوظيفة، لأربع بقين من ذي القعدة سنة سبع وثمانمائة. وقد وافق عوده عود شيخ الإسلام جلال الدين عبد
(11/188)

الرحمن البلقينيّ إلى قضاء قضاة الشافعيّة أيضا، وهي:
الحمد لله الذي أعاد لرتبة القضاء رونق «جمالها» وأسعد جدّها بأسعد قران ظهرت آثار يمنه بما آثرته من ظهور «جلالها» ، وأجاب سؤلها بأجلّ حاكم لم تعدل عنه يوما في سؤالها، وأسعد طلبتها بأكمل كفء لم تنفكّ عن خطبته وإن أطال في مطالها، وأكرم مآبها بأكرم كاف ما فاتها منال ماض إلا أدركته به في مالها.
نحمده على أن أعطيت القوس باريها، وأعيدت مياه الاستحقاق إلى مجاريها، وردّت الشاردة إلى مالك ألفت منه بالآخرة ما ألفت من خيره في مباديها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يخفق بالإخلاص مناطها، ويزداد مع طول الأمد نشاطها، ولا ينطوي على ممرّ الأيام- إن شاء الله تعالى- بساطها، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ رفع قواعد الدين وشاد، وقام في الله حقّ القيام فحسم بسيف الشرع مادّة الفساد، وأحكم بسدّ الذّرائع سداد الأمور فجرت أحكام شريعته المطهّرة على السّداد، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين استنشق من معدلتهم أطيب عرف، وخصّوا من صفات الكمال بأحسن حلية وأكمل وصف، صلاة توهي عرا الإلحاد، وتفصمها، وتبكّ أعناق أهل العناد، وتقصمها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فلا خفاء في أنّ الأبصار تتشوّف لرؤية الهلال مع قرب الغيبة للأخذ منه بنصيبها، والشمس يترقّب طلوعها في كلّ يوم وإن قرب زمان مغيبها، والمسافر يسرّ بإيابه وإن تكرر قدومه من بعيد المسافة وقريبها، والسّهران يتطلّع من ليلته الطويلة إلى طلوع فجرها، والمناصب السنيّة تأرز «1» إلى
(11/189)

مستحقّها كما تأرز الحيّة إلى جحرها.
ولما كان المجلس العاليّ، القاضويّ، (إلى آخر ألقابه) أعزّ الله تعالى أحكامه هو الذي حمدت في القضاء آثاره، وسارت بحسن السّيرة في الآفاق أخباره، وحسن بحسن تأتّيه في الورد والصّدر إيراده وإصداره، وتنافس في جميل وصفه الطّرس والقلم، وظهرت فضائله (ظهور نار القرى ليلا على علم) ، ونشرت الأيّام من علومه ما تطوى إليه المراحل، وجادت مواطر فكره بما يخصب به جناب المربع الماحل، وعمرت من منصب القضاء بولايته معاهده، وجرت بقضايا الخير في البدء والعود عوائده، ونفذت بنفاذ أوامره في الوجود أحكامه، ورقم في صحائف الأيّام على توالي الدّهور نقضه وإبرامه، وسجّل بثبوت أحقّيّته فانقطعت دون بلوغ شأوه الأطماع، وحكم بموجب فضله فانعقد على صحّة تقدّمه الإجماع؛ ففرائد فوائده المدوّنة تؤذن بالبيان والتحصيل، ومقدّمات تنبيهاته المحقّقة، تكفي نتائج إفضالها عن الإجمال والتفصيل، وجواهر ألفاظه الرائقة، نعم الذخيرة التي تقتنى، ومدارك معانيه الفائقة، حسبك من ثمرة فكر تجتنى، وتهذيب إيراداته الواضحة تغني في إدراكها عن الوسائل، وتحقيق مسائله الدقيقة تحقّق فيها أنها عيون المسائل- وكانت وظيفة قضاء قضاة المالكية بالديار المصرية في رفيع رتبتها، ووافر حرمتها، قد ألقت إليه مقاليدها، ورفعت بالانتماء إلى مجلسه العالي أسانيدها، وعرفت محلّه الرفيع فتعلّقت منه بأعزّ منال، وحظيت بجماله اليوسفيّ المرّة بعد الأخرى فقالت: لا براح لي عن هذا الجمال، وعجمت بتكرّر العود عوده فأعرضت عن السّوى، وقرّت بالإياب إليه عينا «فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى» - اقتضى حسن الرأي الشريف أن نعيد الوظيفة المذكورة إليه، ونعوّل في استكشاف مشكلات الأحكام على ما لديه، إقرارا للأمر في نصابه، وردّا له بعد الشّراد إلى مثابه، وإسعافا للمنصب بطلبته وإن أتعب غيره نفسه في طلابه.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يبديء المعروف ويعيده، ويوفّر نصيب الأولياء ويزيده- أن يفوّض إلى المجلس العالي المشار إليه قضاء القضاة
(11/190)

بمذهب عالم المدينة وإمام دار الهجرة «مالك بن أنس الأصبحيّ» رضي الله عنه، على جاري عادته المتقدّمة في ذلك، وأن يضاف إليه تدريس قبّة الصالح والأنظار الشاهد بها توقيعه الشريف، وأن لا يقرّر أحد في دروس المالكية من مدرّس ومعيد «1» إلا بتعيينه، على أتم العوائد وأجملها، وأعمّ القواعد وأكملها.
فليعد إلى رتبته السنية برفيع قدره وعليّ همّته، ويقابل إحساننا بالشكر نتحفه بمزيد الإقبال إذ لا زيادة في العلوّ على رتبته. ثم أوّل ما نوصيه به، ونؤكّد القول عليه بسببه، تقوى الله التي هي ملاك الأمور كلّها، وأولى المفترضات في عقد الأمور وحلّها؛ فهي العصمة التي من لجأ إليها نجا، والوقاية التي ليس لمن حاد عنها من لحاق قوارع الله ملتجا. ونتبع ذلك بالتلويح إلى الاحتياط في المسائل التي تفرّد بها مذهبه الشريف ضيقا وسعة، واختصّ بها إمامه الأصبحيّ دون غيره من الأئمة الأربعة؛ وهي مسائل قليلة، آثارها في الورى كثيرة جليلة؛ منها سفك دم المنتقص والسابّ، وتحتّم قتله على البتّ وإن تاب؛ فعليه أن يأخذ في ذلك بالاهتمام، ولا يعطي رخصة في حقّ أحد من الأنبياء والملائكة عليهم السّلام، ليكون ذلك وسيلة إلى الخلوص عن القذى، وذريعة إلى سلامة الشّرف الرفيع من الأذى؛ إلا أنّا نوصيه بالتثبّت في الثّبوت، وأن لا يعجل بالحكم بإراقة الدم فإنه لا يمكن تداركه بعد أن يفوت. ومنها: الشهادة على الخط وإحياء ما مات من كتب الأوقاف والأملاك، وتقريب ما شطّ فلا يقبل فيه إلا اليقظ الواقف مع تحقّقه دون حدسه، ولا يطلق عنان الشّهود فإنّ الكاتب ربما اشتبه عليه خطّ نفسه- ومنها: ثبوت الولاية للأوصياء، فيجريها على اعتقاده، ولكن إذا ظهرت المصلحة في ذلك على وفق مراده- ومنها: إسقاط غلّة الوقف إذا استردّ بعد بيعه مدّة بقائه في يد المشتري، تحذيرا من الإقدام
(11/191)

على بيع الوقف وعقوبة رادعة لبائعه المجتري، إلى غير ذلك من مسائل الانفراد، وما شاركه فيه غيره من المذاهب لموافقة الاعتقاد، فيمضي الحكم فيه بأقوى العزائم، ويلزم فيها بما استبان له من الحقّ ولا تأخذه في الله لومة لائم.
وأما غير ذلك من الوصايا الراجعة إلى أدب القضاء فلديه منها الخبر والخبر، ومنه تستملى فوصيّته بها كنقل التّمر إلى هجر «1» ؛ والله تعالى يعامله بلطفه الجميل، ويحفّه بالعناية الشاملة في المقام والرّحيل، إن شاء الله تعالى؛ والاعتماد............
وهذه نسخة توقيع بقضاء قضاة الحنابلة، وهي:
الحمد لله الذي أطلع في أفق الدّين «2» القيّم شمسا منيرة، ورفع درجة من جعله من العلم على شريعة ومن الحكم على بصيرة، وقلّد أمور الأمّة بمن يعلم أنّ بين يديه كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، ووفّق لفصل القضاء من مشى على قدم إمامه الذي ادّخر منه للحكم في أيّامنا الشريفة من نفائس العلماء أفضل ذخيرة؛ وقضى بإرجاء أمره لنختار له من تحلّى به بعد العطل وكلّ قضاء خيرة، وأيقظ عنايتنا لمن رقد الدهر عن فضله فباتت عين الاستحقاق باستقرار رتبته قريرة.
نحمده حمد من توافت إليه النّعم الغزيرة، وتوالت عليه المنن الكثيرة في المدد اليسيرة، وأخصبت في أيّامه رياض الفضائل فهي بكلّ عالم عدم النظير نضيرة، وافتتح دولته برفع منار العدل فآمال أهل الظلم عن تعاطيه قاصرة وأيدي أهل الباطل عن الامتداد إليه قصيرة، وخصّ المناصب في ممالكه بالأكفاء فإذا
(11/192)

تلبّست بها همم غيرهم عادت خاسئة أو امتدّت إليها أبصار من دونهم رجعت حسيرة.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تصلح العلن والسّريرة، وتصبح بها القلوب موقنة والألسن ناطقة والأصابع مشيرة، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي بعث الله به الرسل مخبرة وأنزل الكتب بمبعثه بشيرة، واجتباه في خير أمّة من أكرم أرومة وأشرف عشيرة، وأظهر أنوار ملّته إلا لمن أعمى الغيّ بصيرته وهل تنفع العمي شمس الظّهيرة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة نتقرّب بدوامها إلى الله فيضاعفها لنا أضعافا كثيرة، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى الأمور بأن تشاد قواعده، وتتعهّد معاهده، ويعلى مناره، وتفاض بطلوع شمسه أنواره، وتكمّل به قوى الدين تكملة الأجساد بقوى الطبائع الأربع، وتعمّر به ربوع الملة التي ليس بعدها من مصيف لملّة ولا مربع، وتثبّت به قوائم الشرع التي ما للباطل في إمالة بعضها من مطمع، أمر القضاء على مذهب الإمام الرّبّانيّ «أحمد بن حنبل» رضي الله عنه، وكان قد خلا بانتقال مباشره إلى الله تعالى، وتوقّف مدّة على ارتياد الأكفاء، والإرشاد إلى من هو أهل الاصطفاء، واختيار من تكمل به رفعة قدره، ويعيد لدسته على بساط سليمانه بهجة صدره.
ولما كان فلان هو المنتظر لهذه الرّتبة انتظار الشمس بعد الغسق، والمرتقب لبلوغ هذه المنزلة التي تقدّمت إليها بوادر استحقاقه في السّبق، والمعطوف على الأئمة من أصحاب إمامه- وأن تأخر زمانه- عطف النّسق، وهو الذي ما زال يعدل دم الشهداء مداد أقلامه، وتضع الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع من نقل خطواته في طلب العلم وسعي أقدامه، ودخل من خشية الله تعالى في زمرة من حصر بإنّما، وهجر المضاجع في طاعة الله لتحصيل العلم فلو عدّت هجعاته لقلّما، وهجّر في إحراز الفضائل فقيّد أوابدها، وأحرز شواردها، ولجّج في بحار المعاني فغاص على جواهرها، ونظر نظرة في نجوم العلوم
(11/193)

فاحتوى على زهرها وزار خمائل الفضائل فاستوى على أزاهرها، وانتهى إليه علم مذهبه فبرّز على من سلف، وجارى علماء عصره فوقفت أبصارهم عن رؤية غباره وما وقف، وتعيّن عليه القضاء وإن كان فرض كفاية لا فرض عين، وقدّمه الترجيح الذي جعل رتبته همزة استفهام ورتبة غيره بين بين- اقتضى رأينا الشريف اختصاصه بهذا التمييز، والتنبيه على فضله البسيط بهذا اللفظ الوجيز.
فلذلك رسم أن يفوّض إليه كيت وكيت. فليتولّ هذه الرتبة التي أصبح فيها عن رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- نائبا وبشرعه قائما، ويتقلّدها تقلّد من يعلم أنه قد أصبح على حكم الله تعالى مقدّما وعلى الله قادما، ويثبّت تثبّت من يعتصم بحبل الله في حكمه فإنّ أحد الخصمين قد يكون ألحن بحجّته وإن كان ظالما، ويلبس لهذا المنصب حلّة تمنع المبطل من الإقدام عليه، وتدفع الظالم عن التطاول إلى أمر نزعه الشرع الشريف من يديه، ويؤمّن الحقّ من امتداد يد الجور والحيف إليه، وليسوّ بين الخصمين في مجلسه ولحظه، ويعدل بينهما في إنصاته ولفظه: ليعلم ذو الجاه أنّه مساو في الحقّ لخصمه، مكفوف باستماع حجّته عن الطمع في ظلمه، ولا ينقض حكما لم يخالف نصّا ولا سنّة ولا إجماعا، وليشارك فيما لا يجهله من القضايا غيره من العلماء ليتزيّد بذلك مع اطلاعه اطّلاعا، وليغتنم في ذلك الاستعانة بآرائهم: فإنّ الله تعالى لا ينتزع هذا العلم انتزاعا، وليسدّ مسالك الهوى عن فكره، ويصرف دواعي الغضب لغير الله عن المرور بذكره، وليجعل العمل لوجه الله نتيجة علمه، وليحكم بما أراه الله وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.
وهذه نسخة وصية أوردها في «التعريف» تشمل القضاة الأربعة، قال:
وصية جامعة [لقاض] «1» من أيّ مذهب كان، وهي:
(11/194)

وهذه الرّتبة التي جعل الله إليها منتهى القضايا، وإنهاء الشّكايا، ولا يكون صاحبها إلا من العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، ومتولّي الأحكام الشرعيّة بها كما ورث عن نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم علمه، كذلك ورث حكمه؛ وقد أصبح بيده زمام الأحكام، وفصل القضاء الذي يعرض [بعضه] «1» بعده على غيره من الحكّام؛ وما منهم إلا من ينقد نقد الصيرفيّ، وينفذ حكمه نفاذ المشرفيّ؛ فليتروّ في أحكامه [قبل إمضائها، وفي المحاكمات إليه] «2» قبل فصل قضائها، وليراجع الأمر مرّة بعد مرّة حتى يزول عنه الالتباس، ويعاود فيه بعد التأمّل كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم والإجماع والقياس؛ وما أشكل عليه بعد ذلك فليجلّ ظلمه بالاستخارة، وليحلّ مشكله بالاستشارة، ولا ير نقصا عليه إذا استشار فقد أمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم بالشّورى، ومرّ من أوّل السّلف من جعلها بينه وبين خطإ الاجتهاد سورا؛ فقد يسنح للمرء ما أعيا غيره وقد أكثر فيه الدّأب، ويتفطّن الصغير لما لم يفطن إليه الكبير كما فطن ابن عمر رضي الله عنهما للنخلة [و] «3» ما منعه أن يتكلّم إلا صغر سنّه ولزوما مع من هو أكبر منه للأدب؛ ثم إذا وضح له الحقّ قضى به لمستحقّه، وسجّل له به وأشهد على نفسه بثبوت حقّه، وحكم له به حكما يسرّه يوم القيامة أن يراه، وإذا كتب له به، ذكر بخير إذا بلي وبقّى الدهر ما كتبت يداه. وليسوّ بين الخصوم حتّى في تقسيم النظر، وليجعل كلّ عمله على الحقّ فيما أباح وما حظر، وليجد النظر في أمر الشهود حتّى لا يدخل عليه زيف، وليتحرّ في استيداء الشهادات فربّ قاض ذبح بغير سكّين وشاهد قتل بغير سيف؛ ولا يقبل منهم إلا من عرف بالعدالة، وألف منه أن يرى أوامر النفس أشدّ العداله- وغير هؤلاء ممن لم تجر له بالشهادة عادة، ولا تصدّى للارتزاق بسحتها «4» ومات وهو حيّ على الشّهادة، فليقبل منهم من لا يكون في قبول مثله ملامة، فربّ عدل بين منطقة وسيف وفاسق في فرجيّة «5» وعمامة- ولينقّب على
(11/195)

ما يصدر من العقود التي يؤسّس أكثرها على شفا جرف هار «1» ، ويوقع في مثل السّفاح إلا أنّ الحدود تدرأ بالشّبهات ويبقى العار- وشهود القيمة الذين يقطع بقولهم في حقّ كلّ مستحقّ ومال كلّ يتيم، ويقلّد شهاداتهم على كل أمر عظيم؛ فلا يعوّل منهم إلا على كلّ ربّ مال عارف لا تخفى عليه القيم، ولا يخاف معه خطأ الحدس وقد صقل التجريب مرآة فهمه على طول القدم. وليتأنّ في ذلك كلّه أناة لا تقضي بإضاعة الحقّ، ولا إلى المطاولة التي تفضي إلى ملل من استحقّ، وليمهّد لرمسه، ولا يتعلّل بأن القاضي أسير الشهود وهو كذلك وإنما يسعى لخلاص نفسه- والوكلاء هم البلاء المبرم، والشياطين المسوّلون لمن توكّلوا له الباطل ليقضى لهم به وإنما تقطع لهم قطعة من جهنّم، فليكفّ بمهابته وساوس أفكارهم، ومساوي فجّارهم، ولا يدع لمجنى أحد منهم ثمرة إلا ممنوعة، ولا يد اعتداء تمتدّ إلا مغلولة إلى عنقه أو مقطوعة، وليطهّر بابه من دنس الرسل الذين يمشون على غير الطريق، وإذا رأى واحد منهم درهما ودّ لو حصل في يده ووقع في نار الحريق؛ وغير هذا مما لا يحتاج به مثله أن يوصى، ولا أن يحصى عليه منه أفراد عمله وهو لا يحصى، ومنها النظر في أمور أوقاف أهل مذهبه نظر العموم، فليعمرها بجميل نظره فربّ نظرة أنفع من؟؟؟
الغيوم، وليأخذ بقلوب طائفته الذين خصّ من بينهم بالتقديم، وتفاوت بعد ما بينه وبينهم حتّى صار يزيل عارض الرجل منهم النظرة منه ويأسو جراحه منه التكليم. وهذه الوصايا إنما ذكرت على سبيل الذّكرى، وفيه- بحمد الله- أضعافها ولهذا ولّيناه والحمد لله شكرا؛ وقد جعلنا له أن يستنيب من يكون بمثل أوصافه أو قريبا من هذه المثابة، ومن يرضى له أن يحمل عنه الكلّ ويقاسمه ثوابه؛ وتقوى الله تعالى هي جماع الخير ولا سيّما لصاحب هذه الوظيفة، ولمن وليها أصلا وفرعا لا يستغني عنها ربّ حكم مطلق التصرّف ولا خليفة.
(11/196)

ويزاد الشافعيّ:
وليعلم أنه صدر المجلس، وأنه أدنى القوم وإن كانوا أشباهه منا حيث نجلس، وأنه ذو الطّيلسان «1» الذي يخضع له ربّ كلّ سيف ويبلس «2» ؛ وليتحقّق أنه إنما رفعه علمه وتقاه، وأنّ سبب دينه لا دنياه هو الذي رقّاه؛ فليقدر حقّ هذه النّعم، وليقف عند حدّ منصبه الذي يودّ لو اشترى سواد مداده بحمر النّعم.
ويقال في وصيته: وأمر دعاوى بيت المال المعمور، ومحاكماته التي فيها حقّ كل فرد فرد من الجمهور؛ فليحترز في قضاياها غاية الاحتراز، وليعمل بما يقتضيه لها الحقّ من الصّيانة والإحراز، ولا يقبل فيها كلّ بينة للوكيل عن المسلمين فيها مدفع، ولا يعمل فيها بمسألة ضعيفة يظن أنها ما تضرّ عند الله فإنها ما تنفع؛ وله حقوق فلا يجد من يسعى في تملّك شيء منها بالباطل منه إلا الياس، ولا يلتفت إلى من رخّص لنفسه وقال: هو مال السلطان فإنّه مالنا فيه إلا ما لواحد من الناس. وأموال الأيتام الذين حذّر الله من أكل مالهم إلا بالمعروف لا بالشّبهات، وقد مات آباؤهم ومنهم صغار لا يهتدون إلى غير الثدي للرّضاع ومنهم حمل في بطون الأمّهات؛ فليأمر المتحدّثين لهم بالإحسان إليهم، وليعرّفهم بأنهم سيجزون في بنيهم بمثل ما يعملون معهم إذا ماتوا وتركوا ما في يديهم، وليحذّر منهم من لا ولد له: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ
«3» . وليقصّ عليهم في مثل ذلك أنباء من سلف تذكيرا، وليتل عليهم القرآن ويذكّرهم بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ
(11/197)

الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
«1» والصدقات الموكولة إلى تصريف قلمه، المأكولة بعدم أمانة المباشرين وهي في ذممه، يتيقّظ لإجرائها على السّداد في صرفها في وجوه استحقاقها، والعمل بما لا يجب سواه في أخذها وإنفاقها، والمسائل التي تفرّد بها مذهبه وترجّح عنده بها العمل، وأعدّ عنها الجواب لله إذا سأل، لا يعمل فيها بمرجوح إلا إذا كان نصّ مذهب إمامه أو عليه أكثر الأصحاب، ورآه قد حكم به أهل العلم ممن تقدّمه لرجحانه عنده وللاستصحاب. ونوّاب البرّ لا يقلّد منهم إلا من تحقّق استحقاقه، فإنه إنما يولّيه على مسلمين لا علم لأكثرهم فهم إلى ذي العلم أشدّ فاقة؛ هذا إلى ما يتعرّف من ديانتهم ومن عفافهم الذي يتجرّع المرء منهم به مرارة الصبر من الفاقة وهو به يتحلّى، ثم لا يزال له عين عليهم فإنّ الرجال كالصناديق المقفلة لا يعرف الرجل ما هو حتّى يتولّى.
ويزاد الحنفيّ:
وليعلم أن إمامه أوّل من دوّن الفقه وجمعه، وتقدّم وأسبق العلماء من تبعه؛ وفي مذهبه ومذاهب أصحابه أقوال في المذهب، ومسائل ما لحقه فيها مالك وهو أوّل من جاء بعده وممّن يعدّ من سوابقه أشهب؛ ومن أهمها تزويج الصّغائر، وتحصينهنّ بالأكفاء من الأزواج خوفا عليهن من الكبائر، وشفعة الجوار التي لو لم تكن من رأيهم لما أمن جار السّوء على رغم الأنوف، ولأقام الرجل الدّهر ساكنا في داره بين أهله وهو يتوقّع المخوف، وكذلك نفقة المعتدّة التي هي في أسر من طلّقها وإن بتّت من حباله، وبقيت لا هو بالذي ينفق عليها ولا هي بالتي تستطيع أن تتزوّج من رجل ينفق عليها من ماله، ومن استدان مالا فأكله وادّعى الإعسار، ولفّق له بينة أراد أن تسمع له ولم يدخل الحبس ولا أرهق من أمره الأعسار، وأهل مذهبه على أنه يسجن ويمكث مدّة، ثم إذا ادّعى أنّ له بينة أحضرت ثم هل تقبل أو لا. فهذا وأمثاله مما فيه عموم صلاح، وعظيم
(11/198)

نفع ما فيه جناح؛ فليقض في هذا كلّه إذا رآه بمقتضى مذهبه، وليهتد في هذه الآراء وسواها بقمر إمامه الطالع أبي حنيفة وشبهه، وليحسن إلى فقهاء أهل مذهبه الذين أدنى إليه أكثرهم الاغتراب، وحلّق بهم إليه طائر النهار حيث لا يحلّق البازيّ وجناح الليل حيث لا يطير الغراب؛ وقد تركوا وراءهم من البلاد الشاسعة، والأمداد الواسعة، ما يراعى لهم حقّه إذا عدّت الحقوق، ويجمعه وإيّاهم به أبوه أبو حنيفة وما مثله من ينسب إلى العقوق.
ويزاد المالكيّ:
ومذهبه له السيف المصلت على من كفر، والمذهب بدم من طلّ دمه وحصل به الظّفر؛ ومن عدا قدره الوضيع، وتعرّض إلى أنبياء الله صلوات الله عليهم بالقول الشّنيع، فإنه إنما يقتل بسيفه المجرّد، ويراق دمه تعزيرا بقوله الذي به تفرّد؛ ولم يزل سيف مذهبه لهم بارز الصّفحة، مسلّما لهم إلى مالك خازن النار من مذهب مالك الذي ما فيه فسحة؛ وفي هذا ما يصرح غدر الدّين من القذى، وما لم تطلّ دماء هؤلاء (لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى) ؛ وإنما نوصيه بالتحرّي في الثّبوت، [والبينة التي لا يستدرك بها ما يفوت،] «1» وإنما هو رجل يحيا أو يموت، فليتمهّل قبل بتّ القضاء، وليعذر إليهم لاحتمال ثبوت تفسيق الشهود أو بغضاء، حتّى لا يعجّل تلافا، ولا يعجل بما لا يتلافى؛ فكما أننا نوصيه أن لا ينقض في شدّ الوثاق عليهم إبراما، فهكذا نوصيه أن لا يصيب بغير حقّه دما حراما؛ وكذلك قبول الشهادة على الخطّ، وإحياء ما مات من الكتب وإدناء ما شطّ، فهذا مما فيه فسحة للناس، وراحة ما فيها باس؛ إلا أنه يكون الثبوت بهذه البيّنة للاتصال، لا لنزع يد ولا إلزام بمجرّدها بمال؛ وهكذا ما يراه من ولاية الأوصياء وهو مما تفرّد به هو دون البقية، وفيه مصلحة وإلا فما معنى الوصيّة؛ وهو زيادة احتراز ما تضرّ مراعاة مثلها في الأمور الشرعيّة، وسوى هذا مثل إسقاط الرّيع في وقف استردّ وقد بيع، وعطل المشتري من التكسّب
(11/199)

بذلك المال مدة لا يشتري ولا يبيع؛ وهذا مما يبتّ قضاءه في مثله، ويجعل عقاب من أقدم على بيع الوقف إحرامه مدّة البيع من مغلّه، وسوى ذلك مما عليه العمل، ومما إذا قال فيه قال بحقّ وإذا حكم عدل. وفقهاء مذهبه في هذه البلاد قليل ما هم، وهم غرباء فليحسن مأواهم، وليكرم بكرمه مثواهم، وليستقرّ بهم النّوى في كنفه فقد ملّوا طول الدّرب، ومعاناة السفر الذي هو أشدّ الحرب، ولينسهم أوطانهم ببرّه ولا يدع في مآقيهم دمعا يفيض على الغرب.
ويزاد الحنبليّ:
والمهمّ المقدّم- وهو يعلم ما حدث على أهل مذهبه من الشّناعة، وما رموا به من الأقوال التي نتركها لما فيها من البشاعة، ونكتفي به في تعفية آثارها، وإماطة أذاها عن طريق مذهبه لتأمن السالكة عليه من عثارها؛ فتعالى الله أن يعرف بكيف، أو يجاوب السائل عنه بهذا إلا بالسيف؛ والانضمام إلى الجماعة والحذر من الانفراد، وإقرار آيات الصّفات على ما جاءت عليه من الاعتقاد، وأنّ الظاهر غير المراد، والخروج بهم إلى النّور من الظّلماء، وتأويل ما لا بدّ من تأويله مثل حديث الأمة التي سئلت عن ربّها: أين هو فقالت في السماء؛ وإلا ففي البليّة بإثبات الجهة ما فيها من الكوارث، ويلزم منها الحدوث والله سبحانه وتعالى قديم ليس بحادث ولا محلّا للحوادث؛ وكذلك القول في القرآن ونحن نحذّر من تكلّم فيه بصوت أو حرف، فما جزاء من قال بالصوت إلا سوط وبالحرف إلا حتف؛ ثم بعد هذا الذي يزع به الجهّال، ويردّ دون غايته الفكر الجوّال، ينظر في أمور مذهبه ويعمل بكل ما صحّ نقله عن إمامه وأصحابه: من كان منهم في زمانه ومن تخلف عن أيامه؛ فقد كان رحمه الله إمام حقّ نهض وقد قعد الناس تلك المدّة، وقام نوبة المحنة مقام سيد تيم «1» - رضي الله عنه- نوبة الرّدّة، ولم تهبّ به زعازع المريسيّ «2» وقد هبّت مريسا «3» ، ولا
(11/200)

ابن أبي دواد «1» وقد جمع له كلّ ذود وساق إليه من كلّ قطر عيسا، ولا نكث عهدة ما قدّم له المأمون في وصيّة أخيه من المواثق. [ولا روّعه سوط المعتصم وقد صبّ عليه عذابه ولا سيف الواثق] «2» فليقفّ على أثره، وليقف بمسنده [على مذهبه] «3» كلّه أو أكثره، وليقض بمفرداته وما اختاره أصحابه الأخيار، وليقلّدهم إذا لم تختلف عليه الأخبار، وليحترز لدينه في بيع ما دثر من الأوقاف وصرف ثمنه في مثله، والاستبدال بما فيه المصلحة لأهله، والفسخ على من غاب مدّة يسوغ في مثلها الفسخ، وترك زوجة لم يترك لها نفقة وخلّاها وهي مع بقائها في زوجيّته كالمعلّقة، وإطلاق سراحها لتتزوّج بعد ثبوت الفسخ بشروطه التي يبقى حكمها به حكم المطلّقة، وفيما يمنع مضارّة الجار، وما يتفرّع على قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» ، وأمر وقف الإنسان على نفسه وإن رآه سوى أهل مذهبه، وطلعت به أهلّة علماء لولا هم لما جلا الزمان جنح غيهبه؛ وكذلك الجوائح التي يخفّف بها عن الضّعفاء وإن كان لا يرى بها الإلزام، ولا تجري لديه إلا مجرى المصالحة بدليل الالتزام؛ وكذل المعاملة التي لولا الرّخصة عندهم فيها لما أكل أكثر الناس إلا الحرام المحض، ولا أخذ قسم الغلال والمعامل هو الذي يزرع البذور ويحرث الأرض، وغير ذلك مما هو من مفرداته التي هي للرّفق جامعة،
(11/201)

وللرّعايا في أكثر معايشهم وأسبابهم نافعة؛ فإذا استقرّت الفروع «1» كانت الأصول لها جامعة. وفقهاء مذهبه هم الفقراء لقلّة المحصول وضعف الأوقاف، وهم على الرّقّة كالرّماح المعدّة للثّقاف؛ فخذ بخواطرهم، ومدّ آمالهم في غائب وقتهم وحاضرهم، واشملهم بالإحسان الذي يرغّبهم، ويقل به طلبهم لوجوه الغنى ويكثر طلّبهم.
الطبقة الثانية (من أرباب الوظائف الدّينية أصحاب التواقيع، وتشتمل على مراتب)
المرتبة الأولى
(ما كان يكتب في النصف ب «المجلس العالي» كما كان يكتب للقضاة الأربعة أوّلا، وقد تقدّم)
المرتبة الثانية (ما يكتب في قطع الثلث ب «الساميّ» بالياء)
واعلم أنّ الأصل فيما يكتب من التواقيع أن يفتتح ب «أما بعد» إلا أن الكتّاب تسامحوا فيه فافتتحوا لمن علت رتبته حيث اقتضى الحال الكتابة له في الثلث ب «الحمد لله» ، وأبقوا من انحطّت رتبته عن ذلك على ما كان عليه من الافتتاح ب «أما بعد» وها أنا أورد ما سنح من ذلك مما أنشأه الكتّاب في ذلك من الافتتاحين جميعا. ويشتمل على وظائف.
الوظيفة الأولى (قضاء العسكر)
وقد تقدّم في المقالة الثانية أنّ موضوعها التحدّث في الأحكام في الأسفار السلطانيّة وأنّ له مجلسا يحضره بدار العدل في الحضر. وقد جرت العادة أن
(11/202)

يكون قضاة العسكر أربعة: من كلّ مذهب قاض.
وهذه نسخة توقيع شريف بقضاء العسكر المنصور بالحضرة السلطانية، وهي:
الحمد لله الذي رفع للعلم الشريف في أيّامنا الزاهرة منارا، وزاد بإعلاء رتب أهله دولتنا القاهرة رفعة وفخارا، وزان أحكامه الشريفة بحكّامه الذين طلعوا في غياهب مشكلاته بدورا وتدفّقوا في إفاضته في الأحكام الشرعيّة بحارا.
نحمده على نعمه التي حلّت فحلّت، ومننه التي أهلّت الجود فاستهلّت.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تكون لقائلها ذخرا، وتعلي للمتمسّك بها في الملإ الأعلى ذكرا، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي هو أسبق الأنبياء رتبة وإن كان آخرهم عصرا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين أضحوا للمقتدين بهم شموسا منيرة وللمهتدين بعلومهم نجوما زهرا، صلاة لا تزال الألسن تقيمها، والأسماع تستديمها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من نوّهنا بذكره، ونبّهنا على رفعة قدره، وأطلقنا ألسنة الأقلام في وصف مفاخره وشكره، وأثّلنا قواعد مجده التي لو رام بنان البيان استقصاءها حال الحصر دون حصره، ونفّذنا كلم حكمه ورفعنا في أندية الفضائل ألوية فنونه وأعلام نصره، من لم يزل دم الشهداء يعدل مداد أقلامه، وتقيم منار الهدى أدلة فضائله وشواهد أحكامه، وتوضّح الحقّ حتى يكاد المتأمّل يلحظ الحكم لوضوحه ويبصره، وينصر الشرع بأمداد علمه ولينصرنّ الله من ينصره، وشيّد مذهب إمامه الإمام الفلانيّ فأصبح فسيح الأرجاء وإن لم يكن فيه فسحة، وجدّد قواعد العدل في قضايا عساكرنا المنصورة فهو مشاهد من كلمه ومن نظره في لمحه ملحة.
ولما كان فلان هو الذي نعتنا بما تقدّم من الخطاب خلائقه الحسنى، وأثنينا على ما هو عليه من الإقبال على جوهر العلم دون التعرّض إلى العرض الأدنى؛ مع ما حواه من موادّ فضائل تزكو على كثرة الإنفاق، وفرائد فوائد تجلب
(11/203)

على أيدي الطّلبة إلى الآفاق، وقوّة في الحق، الذي لا تأخذه فيه لومة لائم، وعدل أحكام في الخلق، ألذّ من سنة الكرى في جفن نائم- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نوطّد في عساكرنا المنصورة قواعد أحكامه، ونوطّن كلّا منهم على أنه تحت ما يمضيه في أقضيته النافذة من نقضه وإبرامه.
فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يفوّض إليه قضاء العساكر المنصورة الشريفة: على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، وأن تبسط كلمته في كلّ ما يتعلق بذلك من أحكام الشرع الشريف؛ فليحكم في ذلك كلّه بما أراه الله من علمه، وآتاه من حكمه وحكمه، وبيّن له من سبل الهدى، وعيّنه لبصيرته من سنن نبيه صلّى الله عليه وسلم التي من حاد عنها فقد جار واعتدى، وليقف من الأحكام عند ما قرّرته الشريعة المطهرّة من أحكام الله التي لا يعقلها إلا العالمون، ويأمر كلّا من المتقاضين بالوقوف عند ما حدّ له: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
«1» والوصايا وإن كثرت فمن مثله تفاد، وإن جلّت فسمعه في غنى عما يبدأ له منها ويعاد؛ وملاكها تقوى الله تعالى التي هي شعار أنسه، وحلية يومه وأمسه؛ والله تعالى يسدّده في القول والعمل، ويوفّقه لما يرضاه ويصونه من الخطإ والخطل.
وهذه وصية لقاضي العسكر، أوردها في «التعريف» وهي أن يقال:
وهو الحاكم حيث لا تنفذ إلا أقضية السيوف، ولا تزدحم الغرماء إلا في مواقف الصّفوف، والماضي قلمه وكلّ خطّيّ يمدّ بالدّماء، والممضى سجلّه وقد طوى العجاج كالكتاب سجلّ السماء؛ وأكثر ما يتحاكم إليه في الغنائم التي لم تحلّ لأحد قبل هذه الأمّة، وفي الشّركة وما تطلب فيه القسمة، وفي المبيعات وما يردّ منها بعيب، وفي الديون المؤجلة وما يحكم فيها بغيب؛ وكلّ هذا مما لا يحتمل طول الأناة في القضاء، واشتغال الجند المنصور عن مواقف الجهاد
(11/204)

بالتردّد إليه بالإمضاء؛ فليكن مستحضرا لهذه المسائل ليبتّ الحكم في وقته، ويسارع السيف المصلت في ذلك الموقف ببتّه، وليعلم أن العسكر المنصور هم في ذلك الموطن أهل الشهادة، وفيهم من يكون جرحه تعديلا له وزيادة؛ فليقبل منهم من لا تخفى عليه سيما القبول، ولا يردّ منهم من لا يضرّه أن يردّه هو وهو عند الله مقبول، وليجعل له مستقرّا معروفا في المعسكر يقصد فيه إذا نصبت الخيام، وموضعا يمشي فيه ليقضي فيه وهو سائر وأشهر ما كان على يمين الأعلام؛ وليلزم ذلك طول سفره وفي مدد المقام، ولا يخالفه ليبهم على ذوي الحوائج فما هو بالصالحيّة «1» بمصر ولا بالعادليّة الشام، وليتّخذ معه كتّابا تكتب للناس وإلا فمن أين يوجد مركز الشهود، وليسجّل لذي الحق بحقه وإلا فما انسدّ باب الجحود؛ وتقوى الله هي التي بها تنصر الجنود، وما لم تكن أعلى ما يكون على أعلام الحرب وإلا فما الحاجة إلى نشر البنود.
الوظيفة الثانية (إفتاء دار العدل)
وموضوعها الجلوس بدار العدل حيث يجلس السلطان لفصل الحكومات، والإفتاء فيما لعلّه يطرأ من الأحكام بدار العدل. وهي وظيفة جليلة، لصاحبها مجلس بدار العدل يجلسه مع القضاة الأربعة ومن في معناهم.
وهذه نسخة توقيع لمن لقبه «جمال الدين» ينسج على منوالها، وهي:
الحمد لله جاعل العلم للدّين جمالا، وللدنيا عصمة وثمالا «2» ، ولأسباب
(11/205)

النّجاة والنّجاح شارة إذا تحلّى بها ذو التمييز كان أحسن ذوي المراتب حالا، وأجلّهم في الدارين مبدأ ومالا، وأحقّهم برتبة التفضيل التي ضربت لها السنّة المطهّرة فضل البدر على الكواكب مثالا.
نحمده على نعمه التي خصّت دار عدلنا الشريف من العلماء بأكفائها، واصطفت لما قرب من مجلسنا المعظّم من دلّ على أن التأييد قرين اصطفائها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يفترّ عن شنب الصواب، ثغرها، ويتفتّح عن فصل الخطاب، زهرها؛ ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله المخصوص بمحكم التنزيل، المنصوص في الصّحف المنزّلة على ذكر أمّته الذين علماؤهم كأنبياء بني إسرائيل، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هم كالنّجوم المشرقة، من اقتدى بهم أهتدى، وكالرّجوم المحرقة، من اعتدى وجد منها شهابا رصدا؛ وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى ما ارتدنا له من رياض العلم من سما فيه فرعه، ورحب بتلقّي أنواع العلوم ذرعه، وبسقت في فنون الفضائل أفنانه، ونسقت فرائد الفوائد في سلك الطّروس بنانه- فتيا دار عدلنا الشريف التي أحكامنا لها تابعة، وأغصان العدل بثمار فتاويها مورقة يانعة، وأعيننا إلى أفواه مفتيها رامقة وآذاننا لمقالاتهم سامعة.
ولما كان فلان هو ثمرة هذا الارتياد، ونخبة هذا الانتقاد، المعقود عليه في اختيار العلماء بالخناصر، والعريق في أصالة العلوم بأصالة ثابتة الأواصر، والذي إذا أجاب تدفّقت أنواء الفوائد، وتألّقت أضواء الفرائد، واتّخذت مسائل فقهه قواعد تترتّب الأحكام الشرعية عليها ومصادر وحيه موارد- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نزيّن بهجة هذه الوظيفة بجماله، وننزّه إشراقها بنور فضائله التي لو قابلها بدر الأفق نازعته حلّة كماله.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت أحكامه مع أوامر الشرع الشريف واقفة، ومعدلته الشريفة باقتفاء آثار الحق لمشتكيات الظّلم كاشفة- أن يفوّض إليه
(11/206)

كذا: فليباشر هذه الوظيفة السنيّة مفجّرا ينابيع العلوم في أرجائها، محقّقا للفتاوى بتسهيل مواردها وتقريب أوجائها «1» ، موضّحا طرقها بإقامة براهينه وأدلّته، مبديا دقائقها التي يشرق بها أفق الفكر إشراق السماء بنجومها والأفق بأهلّته، مظهرا من غوامضها ما يقرّب على الأفهام مناله، ويفسّح لجياد القرائح مجاله، وينقّح لكل ذي تروّ رويّته ولكل مرتجل بديهته وارتجاله؛ فإنه الكامل الذي قطع إلى بلوغ الغاية مسالك اللّيالي، والإمام الذي غاص فكره من كل بحر لجج المعاني فاستخرج منها مكنون اللّالي؛ مع أن علمه المهذّب غنيّ عن تنبيه الوصايا، مليّ بما يلزم هذه الوظيفة من الخصائص والمزايا؛ فإنّ البحر يأبى إلّا تدفّقا، والبدر إلا تألّقا؛ والله تعالى يزيده من فضله، ويزيّن به أفق العلم ويزيد منّا دنوّا قرب محلّه.
الوظيفة الثالثة (الحسبة)
وقد تقدّم أنّ موضوعها التحدّث على أرباب المعايش والصّنائع، والأخذ على يد الخارج عن طريق الصّلاح في معيشته وصناعته. وحاضرة الديار المصريّة تشتمل على حسبتين:
الأولى- حسبة «2» القاهرة: وهي أعلاهما قدرا، وأفخمهما رتبة، ولصاحبها مجلس بدار العدل مع القضاة الأربعة وقضاة العسكر ومفتي دار العدل وغيرهم؛ وهو يتحدّث في الوجه البحريّ من الديار المصرية في ولاية النّوّاب وعزلهم.
قلت: ولم تزل الحسبة تولّى للمتعمّمين وأرباب الأقلام إلى الدولة المؤيدية شيخ، فولّاها للأمير سيف الدّين منكلي بغا الفقيه أمير حاجب مضافة
(11/207)

إلى الحجوبيّة «1» على أنّ في سجلّات الفاطميّين ما يشهد لها في الزمن المتقدّم. وربما أسندت حسبة القاهرة إلى والي القاهرة، وحسبة مصر إلى والي مصر.
وهذه نسخة توقيع من ذلك، وهي:
الحمد لله مجدّد عوائد الإحسان، ومجري أولياء دولتنا القاهرة، في أيّامنا الزاهرة، على ما ألفوه من الرّتب الحسان، ومضاعف نعمنا على من اجتنى لنا بحسن سيرته الدعاء الصالح من كل لسان.
نحمده على نعمه التي لا تحصى بعدّها، ولا تحصر بحدّها، ولا تستزاد بغير شكر آلاء المنعم وحمدها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نقيمها في كلّ حكم، وتحاول سيوفنا جاحديها فتنهض فتنطق بالحجة عليهم وهم بكم، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف من ائتمر بالعدل والإحسان، وأعدل آمر أمّته بالوزن بالقسط وأن لا يخسروا الميزان، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين احتسبوا في سبيل الله جلّ عتادهم، واحتبسوا أنفسهم في مقاطعة أهل الكفر وجهادهم؛ فلا تنتهب جنائبها في الوجود، وتسري نجائبها في التّهائم والنّجود، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من دعاه إحساننا لرفع قدره، وإنارة بدره، وإعلاء رتبته، وإدناء منزلته، وإعلام مخلص الأولياء بمضاعفة الإحسان إليه أنّ الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأنّ كرمنا لا يخيّب لمن أسلف سوابق طاعته في أيّامنا الشريفة أملا، من لم تزل خدمه السابقة إلى الله مقرّبة، وعن طرق الهوى منكّبة،
(11/208)

وبالله مذكّرة، وعلى الباقيات الصالحات من الأعمال موفّرة، مع ما أضافه إلى ذلك من أمر بمعروف، وإغاثة ملهوف، ونهي عن منكر، واحتساب في الحق أتى فيه بكلّ ما تحمد خلائقه وتشكر، واجتناب لأعراض الدنيا الدّنيّة، واجتهاد لما يرضي الله ويرضينا من اتّباع سيرتنا السّريّة، وشدّة في الحق حتّى يقال به ويقام، ورفق بالخلق إلا في بدع تنتهك بها حرمة الإسلام، أو غشّ إن لم يخصّ ضرره الخاصّ فإنّ ذلك يعمّ العام.
ولمّا كان فلان هو الذي اختصّ من خدمتنا، بما رفعه لدينا، وأسلف من طاعتنا، ما اقتضى تقريبه منّا واستدعاءه إلينا، ونهض فيما عدقناه به من مصالح الرعايا وكان مشكور المساعي في كل ما عرض من أعماله في ذلك علينا- اقتضى رأينا الشريف أن يفوّض إليه كذا، فليستقرّ في ذلك مجتهدا في كلّ ما يعمّ البرايا نفعه، ويجمل لديهم وقعه، ويمنع من يتعرّض باليسار، إلى ما لهم بغير حقّ، أو يضيّق بالاحتكار، على ضعفائهم ما بسط الله لهم من رزق، ويذبّ عنهم بإقامة الحدود شبه تعطيلها، ويعرّفهم بالمحافظة على الحق في المعاملات قواعد تحريمها وتحليلها، ويريهم بالإنصاف نار القسطاس المستقيم لعلهم يبصرون، ويؤدّب من يجد فيهم من المطفّفين: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
«1» ويأمر أهل الأسواق بإقامة الجماعات والجمع، ويقابل من تخلّف عن ذلك بالتأديب الذي يردع من أصرّ فيه على المخالفة ويزع، ويلزم ذوي الهيئات بالصّيانة التي تناسب مناصبهم، وتوافق مراتبهم، وتنزّه عن الأدناس مكاسبهم، وتصون عن الشوائب شاهدهم وغائبهم، ولا يمكّن ذوي البيوع أن يغبنوا ضعفاء الرعايا وأغبياءهم، ولا يفسّح لهم أن يرفعوا على الحق أسعارهم ويبخسوا الناس أشياءهم.
وليحمل كلّا منهم على المعاملات الصحيحة، والعقود التي غدت لها الشريعة الشريفة مبيحة، ويجنّبهم العقود الفاسدة، والحيل التي تغرّ بتدليس
(11/209)

السّلع الكاسدة، وهو أخبر بالبيوع المنصوص على فسادها في الشرع الشريف، وأدرى بما في عدم تحريرهم المكاييل والموازين من الإخسار والتطفيف؛ فليفعل ذلك في كل ما يجب، ويحتسب فيه ما يدّخره عند الله ويحتسب؛ ولتكن كلمته في ذلك مبسوطة، ويد تصرّفه في جميع ذلك محيطة وبما يستند إليه من أوامره محوطة، وليوص نوّابه بمثل ذلك، ويوضّح لهم بإنارة طريقته كلّ حال حالك، ويقدّم تقوى الله على كلّ أمر، ويتّبع فيه رضا الله تعالى لا رضا زيد وعمرو؛ والخطّ الشريف أعلاه.
وهذه نسخة توقيع من ذلك بحسبة الفسطاط المعبّر عنه الآن بمصر عودا إليها، وهي:
الحمد لله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، الشاهد بالعدل الذي تقوى به كلمة الإيمان وتنصر، والغامر بالجود الذي لا يحصى والفضل الذي لا يحصر، العامر ربوع ذوي البيوت بتقديم من انعقدت الخناصر على فضله الذي لا يجحد ولا ينكر.
نحمده على نعمه التي لا تزال ألسنة الأقلام ترقم لها في صحف الإنعام ذكرا، وتجدّد لها بإصابة مواقع الإحسان العامّ شكرا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تصدع بنورها ليل الشرك فيؤول فجرا، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي قمع الله به من اغترّ بالمعاصي وغرّر، وأقام بشريعته لواء الحق الأطهر ومنار العدل الأظهر، وعلى آله وصحبه الذين سلكوا من الهداية بإرشاده منهج الحق الأنور، واحتسبوا نفوسهم في نصرته ففازوا من رضاه بالحظ الأوفى والنصيب الأوفر.
وبعد، فإن الله تعالى لما جعل كلمتنا المبسوطة على العدل والإحسان مقصورة، وأوامرنا الشريفة بإقامة منار المعروف مؤيّدة منصورة، وأحكامنا المشهورة بالإنصاف في صحائف الدّهر بالمحاسن مسطورة، وألهمنا من اتّباع
(11/210)

الشرع الشريف ما غدت به قلوب الرعايا آمنة مسرورة- قصدنا أن نختار لمراتب الدّيانة والعفاف من لم يزل بيته بالصّدارة عليّا، ووصفه بأنواع المحامد والممادح مليّا.
ولما كان فلان هو الذي ورث السّيادة، عن سلف طاهر، وتلقّى السعادة، عن بيت فروعه التقوى فأزرت بالروض الزّاهي الزّاهر، وسرت سرائره بحسن سيرته وسيره، وأبطن من الدّيانة ما أظهرته أدلّة خيره، وتنقّل في المراتب الدّينيّة فأربى في حسن السلوك على غيره، وسلك من الأمانة الطريق المثلى، واعتمد ما عدم به مضاهيا ومثلا، وجنى ما نطق بإنصافه فضل الكيل والميزان، ورجاه من أهل الخير كلّ ذي إحسان وخشيه أهل الزّيغ والبهتان؛ وكانت الحسبة المباركة بمصر المحروسة قد ألفت قضاياه وأحكامه، وعرفت بالخبر معروفه وشكرت نقضه وإبرامه، وفارقها على رغمها منه اختيارا، وعادت له خاطبة عقيلة نزاهته التي لا تجارى.
فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي أن يفوّض إليه كذا. فليقدّم خيرة الله في مباشرة هذه الوظيفة، وليقم منارها بإقامة حدودها الشريفة، ولينظر في الكيل والميزان اللّذين هما لسان الحق الناطق، ولينشر لواء العدل الذي طالما خفقت بنوده في أيامنا حتّى غدا قلب المجرم وهو خافق، وليحسن النظر في المطاعم والمشارب، وليردع أهل البدع ممن هو مستخف باللّيل وسارب؛ وفيه- بمحمد الله تعالى- من حسن الألمعيّة ما يغني عن الإسهاب في الوصايا، ويعين على السّداد في نفاذ الأحكام وفصل القضايا؛ وكيف لا وهو الخبير بما يأتي ويذر، والصّدر الذي لا يعدو الصّواب إن ورد أو صدر؛ والله تعالى يعمر به للعدل معلما، ويكسوه بالإقبال في أيامنا الشريفة ثوبا بالثّواب معلما؛ والخطّ الشريف أعلاه، حجة بمقتضاه.
وهذه وصية محتسب أوردها في «التعريف» وهي:
(11/211)

وقد ولي أمر هذه الرّتبة، ووكل بعينه النظر في مصالح المسلمين لله حسبة؛ فلينظر في الدّقيق والجليل، والكثير والقليل، وما يحصر بالمقادير وما لا يحصر، وما يؤمر فيه بمعروف أو ينهى عن منكر، وما يشترى ويباع، وما يقرّب بتحريره إلى الجنّة ويبعد من النار ولو لم يكن قد بقي بينه وبينها إلا قدر باع أو ذراع؛ وكل ما يعمل من المعايش في نهار أو ليل، وما لا يعرف قدره إلا إذا نطق لسان الميزان أو تكلّم فم الكيل. وليعمل لديه معدّلا لكلّ عمل، وعيارا إذا عرضت عليه المعايير يعرف من جار ومن عدل، وليتفقّد أكثر هذه الأسباب، ويحذّر من الغشّ فإنّ الداء أكثره من الطّعام أو الشّراب، وليتعرّف الأسعار ويستعلم الأخبار، في كل سوق من غير إعلام لأهله ولا إشعار، وليقم عليهم من الأمناء من ينوب عنه في النّظر، ويطمئنّ به وإن غاب إذا حضر، ويأمره بإعلامه بما أعضل، ومراجعته مهما أمكن فإنّ رأي مثله أفضل. ودار الضّرب والنّقود التي منها تنبثّ، وقد يكون فيها من الزّيف ما لا يظهر إلا بعد طول اللّبث؛ فليتصدّ لمهمّاتها بصدره الذي لا يحرج، وليعرض منها على المحكّ من رأيه ما لا يجوز عليه بهرج، وما يعلّق من الذهب المكسور ويروبص «1» من الفضّة ويخرج، وما أكلت النار كلّ لحامه أو بعضه فليقم عليه من جهته الرقباء، وليقم على شمس ذهبه من يرقب منه ما ترقب من الشمس الحرباء، وليقم الضّمّان على العطّارين والطّرقيّة «2» من بيع غرائب العقاقير إلا ممّن لا يستراب فيه وهو معروف، وبخطّ متطبّب ماهر لمريض معيّن في دواء موصوف. والطّرقيّة وأهل النّجامة وسائر الطوائف المنسوبة إلى ساسان، ومن يأخذ أموال الرجال بالحيلة ويأكلهم باللسان، وكل إنسان سوء من هذا القبيل هو في الحقيقة شيطان لا إنسان؛ امنعهم كلّ المنع، واصدعهم مثل الزّجاج حتّى لا ينجبر لهم صدع، وصبّ عليهم النّكال وإلا فما يجدي في تأديبهم ذات التأديب والصّفع، واحسم
(11/212)

كلّ هذه الموادّ الخبيثة، واقطع ما يجدّد ضعفاء الناس من هذه الأسباب الرّثيثة؛ ومن وجدته قد غشّ مسلما، أو أكل بباطل درهما، أو أخبر مشتريا بزائد، أو خرج عن معهود العوائد، أشهره في البلد، وأركب تلك الآلة قفاه حتّى يضعف منه الجلد؛ وغير هؤلاء من فقهاء المكاتب وعالمات النّساء وغيرهما من الأنواع ممن يخاف من ذئبه العائث في سرب الظّباء والجاذر، ومن يقدم على ذلك ومثله وما يحاذر، ارشقهم بسهامك، وزلزل أقدامهم بإقدامك، ولا تدع منهم إلا من اختبرت أمانته، واخترت صيانته. والنّوّاب لا ترض منهم إلا من يحسن نفاذا، ويحسب لك أجر استنابته إذا قيل لك من استنبت فقلت هذا؛ وتقوى الله هي نعم المسالك، وما لك في كلّ ما ذكرناه بل أكثره إلا إذا عملت فيه بمذهب مالك.
الوظيفة الرابعة (وكالة بيت المال)
وهي وظيفة عظيمة الشان رفيعة المقدار، وقد تقدّم أن موضوعها التحدّث فيما يتعلّق بمبيعات بيت المال ومشترواته «1» : من أرض وآدرّ وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، وأنّ متولّيها لا يكون إلا من أهل العلم والدّيانة، وأنّ له مجلسا بدار العدل: تارة يكون دون مجلس المحتسب، وتارة فوق مجلسه، بحسب رفعة قدر كل منهما في نفسه. وقد أضيف إليها في المباشرة نظر كسوة الكعبة الشريفة وصارا كالوظيفة الواحدة.
وهذه نسخة توقيع بوكالة بيت المال:
الحمد لله جامع المناصب الدينيّة، لمن خطبته لها رتبتان: العلم والعمل، ومكمّل الرّتب السّنيّة، لمن وجدت فيه أهبتان: الورع والتّقى، وعدمت منه خلّتان: الحرص والأمل، جاعل اختصاص الرّتب بأكفائها حلية الدّول،
(11/213)

والنظر في مصالحها الخاصّة والعامّة زينة أيامنا التي تتلفّت إلى محاسنها أجياد الأيّام الأول.
نحمده على نعمه التي عصمت آراءنا من اعتراض الخلل، وأمضت أوامرنا من مصالح الأمة بما تسري به المحامد سريّ النجوم ويسير به الشّكر سير المثل.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لم نزل نستنطق بها في الجهاد، ألسنة الأسل، ونوقظ لإقامتها عيون جلاد، لها الغمود جفون والسهام أهداب والسّيوف مقل، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أظهر الله دينه على الأديان وشرّف ملّته على الملل، وأسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى وعاد ولم يكمل الليل بين السّير والقفل، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هجروا في المهاجر إليه الأحياء والحلل، وشفوا بأسنّة سنّته العلل والغلل، وتفرّدوا بكمال المفاخر فإذا خلعت الأقلام على أوصافهم حللا غدت منها في أبهى من الحلل، صلاة تتوالى بالعشيّ والإبكار وتتواتر في الإشراق والطّفل «1» ، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى الرّتب بإنعام النظر في ارتياد أكفائها، وانتقاد فرائد الأعيان لها وانتقائها، واستخارة الله تعالى في اختيار من يكون أمر دينه هو المهمّ المقدّم لديه، واستنارة التوفيق في اصطفاء من يكون مهمّ آخرته هو المرثيّ المصوّر بين عينيه، مع ما اتصف به من محاسن سجايا جبلت عليها طباعه، وخصّ به من سوابق مزايا رحب بها في تلقّي المصالح الدينيّة صدره وباعه، رتبتان يعمّ نفعهما ويخصّ، ويحسن وقعهما بما يبديه من أوصافه ويقصّ، ويتعلّق كلّ منهما بجماعة الأمّة فردا فردا، ويشتملان على منافعهم على
(11/214)

اختلافها بدأ وإعادة وعكسا وطردا، ويكون المتصدّي لهما مناقشا على حقوقهم وهم ساهون، ومفتّشا عن مصالحهم وهم عنها لاهون، ومناضلا عنهم وهم غافلون، ومشمّرا للسعي في مصالحهم وهم في حبر الدّعة رافلون، ومتكلّفا لاستماع الدّعوى عنهم جوب فلوات الجواب، ومتكفّلا بالتحرّي في المحاورة عنهم وإصابة شاكلة الصّواب، ومؤدّيا في نصحهم جهده تقرّبا إلى مراضينا وله عندنا الرّضا وابتغاء ثواب الله: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ
«1» وهما وكالة بيت المال المعمور والحسبة الشريفة بالقاهرة المحروسة: فإنّ منافع وكالة بيت مال المسلمين عائدة عليهم، آئلة بأحكام الشريعة المطهّرة إليهم، راجعة إلى ما يعمّهم مسارّه، معدّة لما تدفع به عنهم من حيث لا يشعرون مضارّه، صائنة حقوقهم من تعدّي الأيدي الغاصبة، حافظة بيوت أموالهم من اعتراض الآمال العاملة الناصبة: وكذلك نظر الحسبة: فإنه من أخصّ مصالح الخلق وأعمّها، وآكد الوظائف العامّة وأكملها استقصائيّة للمصالح الدينيّة والدّنيويّة وأتمّها، يحفظ على ذوي الهيئات أقدارهم، ويبيّن بتجنّب الهنات في الصّدر مقدارهم، ويصون بتوقّي الشّبهات إيرادهم وإصدارهم، وينزّه معاملاتهم عن فساد يعارضها أو شبه تنافي كمال الصحة وتناقضها، ويحفظ أقواتهم من غشّ متلف، أو غلوّ مجحف، إلى غير ذلك من أدوية لا بدّ من الوقوف على صحة ترتيبها وتركيبها، وتتبّع الأقوال التي تجري بها الثّقة إلى غاية تجريبها؛ ولذلك لا تجمعان إلا لمن أوقفه علمه على جادّة العمل، واقتصر به ورعه على مادّة الحق فليس له في التعرض إلى غيره أمل، وسمت به أوصافه إلى معالم الأمور فوجد التّقى أفضل ما يرتقى، وعرضت عليه أدواته جوهر الذخائر فوجد العمل الصالح أكمل ما ينتقد منها وما ينتقى، وتحلّى بالأمانة، فصارت له خلقا وسجيّة، وأنس بالنّزاهة، فكانت له في سائر الأحوال للنّجاة نجيّة، وأرته فضائله الحقّ حيث هو فتمسّك بأسبابه وتشبّث بأهدابه، واتّصف به في سائر أحواله؛ فإن أخذ أخذ بحكمه وإن
(11/215)

أعطى أعطى به، واحترز لدينه فهو به ضنين، واستوثق لأمانته وإن لم يكن فيها بحمد الله متّهما ولا عليها بظنين، واجتنى ثمار المحامد الحلوة من كمام الأمانة المرّة، وعلم أنّ رضا الله تعالى في الوقوف مع الحقّ فوقف معه في كلّ ما ساءه للخلق وسرّه.
ولمّا كان فلان هو الذي أمسكت الفضائل بما كمّلها من آداب نفسه ونفاسة آدابه، وتجاذبته الرّتب للتحلّي بمكانته فلم تكن هذه الرتبة بأحقّ به من مجالس العلم ولا أولى به، وشهدت له فضائله معنى بما شهدت له به الأئمة الأعلام لفظا، ونوّهت بذكره العلوم الدينيّة التي أتقنها بحثا وأكملها دراية وأثبتها حفظا؛ فأوصافه كالأعلام المشتقّة من طباعه، والدالّة بدوامها على انحصار سبب الاستحقاق فيه واجتماعه؛ المنبّهة على أنه هو المقصود بهذه الإشارات التي وراءها كلّ ما يحمد من اضطلاعه بقواعد هذه الرّتب واطّلاعه؛ فهو سرّ ما ذكر من نعوت وأوصاف، ومعنى ما شهر من معدلة وإنصاف، ورقوم ما حبّر من حلل أفيضت منه على أجمل أعطاف- رسم.... «1» أن يفوّض.... «2» . تفويضا يقع به الأمر في أحسن مواقعه، ونضع به الحكم في أحمد مواضعه، ويحلّ من أجياد هذه المناصب محلّ الفرائد من القلائد، ويقع من رياض هذه المراتب وقوع الحيا الذي سعد به رأي الرائد.
فليباشر هاتين الوظيفتين مرهفا في مصالحهما همّة غير همّة «3» ، مجتهدا من قواعدهما فيما تبرأ به عند الله منّا ومنه الذّمّة، محاققا على حقوق بيت المال حيث كانت محاققة من يعلم أنه مطلوب بذلك من جميع الأمّة، متحرّيا للحق فلا يغدو لما يجب له مهملا، ولا لما يجب عليه مماطلا، واقفا مع حكم الله تعالى الجليّ في الأخذ والعطاء فإنّه سيّان من ترك حقّا أو أخذ باطلا، مجريا عوائد الحسبة على ما ألف من تدبيره، وعرف من إتقانه وتحريره، وشهر من
(11/216)

اعتماده للواجب في سائر أموره، مكتفيا بما اطّلع عليه قديما من مصالحها، منتهيا إلى ما سبقت معرفته به من أسبابها ومناجحها، والله تعالى يوفّقه في اجتهاده، ويعينه على ما يدّخره لمعاده، إن شاء الله تعالى.
وهذه وصية وكيل بيت المال أوردها في «التعريف» .
وهو الوكيل في جميع حقوق المسلمين وماله معهم إلا حقّ رجل واحد، والمكلّف بالمخاصمة عنهم حتّى يقرّ الجاحد، وهو القائم للدّعوى لهم وعليهم، والمطلوب من الله ومنّا بما يؤخذ لهم أو يؤخذ من يديهم، والمعدّ لتصحيح العقود، وترجيح جهة بيت المال في العقار المبيع والثمن المنقود، والمتكلّم بكتاب الوكالة الشرعية الثابتة، والثابت القدم والأقدام غير ثابتة، والمفسوح المجال في مجالس الحكّام، والمجادل بلسان الحقّ في الأحكام، والموقوفة كلّ دعوى لم تسمع في وجهه أو في وجه من أذن له في سماعها، والمرجوع إليه في إماتة كلّ مخاصمة حصل الضجر من طول نزاعها، وإبداء الدّوافع، ما لم يجد بدّا من الإشهاد عليه بعدم الدافع، والانتهاء إلى الحق كان له أو عليه ولا يقف عند تثقيل مثقّل ولا شفاعة شافع، وبوقوفه تحدّد الحدود [وتمتحن الشهود] «1» ويمشى على الطّرق المستقيمة، وتحفظ لأصحابها الحقوق القديمة، وبه يتم عقد كل بيع وإيجار إذا كانت المصلحة فيها لعامّة المسلمين ظاهرة، ولهم فيما يوكّل عنهم فيه الحظّ والغبطة بحسب الأوقات الحاضرة.
ونحن نوصيه في ذلك كلّه بالعمل بما علم، والانتهاء في مقتضى قولنا إلى ما فهم، وتقديم تقوى الله فإنه متى قدّمها بين يديه سلم، والوقوف مع رضا الله تعالى فإنه متى وقف معه غنم، والعمل بالشرع الشريف كيفما توجّهت به
(11/217)

أحكامه، والحذر من الوقوف في طريقه إذا نفذت سهامه؛ ومن مات له ورثة معروفة تستكمل بحقّها ميراثه، وتحوز بحظّها تراثه؛ لا يكلفهم ثبوتا يكون من باب العنت، والمدافعة بحقّ لا يحتاج [مستحقّه] «1» إلى زيادة ثبت؛ وإنما أنت ومن كانت قضيّته منكرة، والمعروف من مستحقّي ميراثه نكرة، فأولئك شدّد في أمرهم، وأوط شهداءهم في الاستفسار منهم على جمرهم؛ وتتّبع باطن الحال لعله عنك لا يتستّر، ولا يمشي عليك فيه الباطل ويمشي شاهد الزّور بكميّه ويتبختر؛ فإن تحقّقت صحة شهاداتهم وإلا فأشهرهم في الدنيا ودعهم في الآخرة لا يخفّف عنهم العذاب ولا يفتّر، وكلّ ما يباع أو يؤجّر ارجع فيه إلى العوائد، وتقلّد أمر الصغير، وجدّد لك أمرا منّا في الكبير، وذلك بعد مراعاة ما تجب مراعاته، والتأنّي كلّ التأنّي حتّى يثبت ما ينبغي إثباته؛ وشهود القيمة عليهم المدار، وبشهادتهم يقدّر المقدار؛ وما لم يكونوا من ذوي الأقدار، ومن أهل الخبرة بالبزّ والجدار، وممن اشترى العقار واستغلّه وبنى الدار؛ وإلا «2» فاعلم أنّ مثله لا يرجع إليه، ولا يعوّل ولا سيّما في حقّ بيت المال عليه، فاتّفق مع ولاة الأمور من أهل الأحكام، على تعيين من تعيّن لتقليد مثل هذه الشهادة، وتعرّف منهم من له كلّ الخبرة حتّى تعرف أنه من أهل الزّهادة، ولك أن تدّعي بحق المسلمين حيث شئت ممن ترى أن حقّه عنده يترجّح، وأن بيّنتهم تكون عنده أوضح، فأمّا الدّعوى عليك فمن عادتها أن لا تسمع إلا في مجلس الحكم العزيز الشافعيّ- أجلّه الله تعالى- ونحن لا نغيّر العوائد، ولا ننقض ما بنت الدول السالفة عليه القواعد؛ فليكن في ذلك المجلس سماعها إذا تعيّنت، وإقامة البينات عليها إذا تبيّنت، والله الله في حقّ بيت المال، ثم الله الله في الوقت الحاضر والمآل، ومن تستنيبهم عنك بالأعمال لا تقرّ منهم إلا من تقرّ به عينك، ويوفّى به عند الله لا بما تحصّله من الدنيا دينك؛ ومن كان لعمله
(11/218)

مصلحا، ولأمله منجحا، لا تغيّر عليه فيما هو فيه، ودعه حتّى يتبين لك خافيه؛ ولتستقص في كلّ وقت عنهم الأخبار، ولتستعلم حقائق ما هم عليه بمن تستصحبه من الأخيار، ولا تزال منهم على يقين، وعمل بما فيه خلاص دنيا ودين.
الوظيفة الخامسة (الخطابة)
وهي من أجلّ الوظائف وأعلاها رتبة في نفس الأمر. وموضوعها معروف وتختصّ هذه الطبقة من التواقيع بخطابة الجوامع.
وهذه نسخة توقيع بخطابة الجامع «1» بقلعة الجبل المحروسة، حيث مصلّى السلطان، من إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ:
الحمد لله الذي أنار بالذّكر قلوب أوليائه، وكشف بالذّكرى بصائر أصفيائه، وأنال أهل العلم بالإبلاغ عنه إلى خلقه وراثة أنبيائه، واختار لإذكارنا بآلاء الله من فرسان المنابر من يجاهد الأعداء بدعائه، ويجاهر الأودّاء من مواعظه بما يعلم كلّ منهم أنّ في مؤلم صوادعه دواء دائه؛ فإذا افتتح بحمد الله أثنى عليه بموادّ علمه حقّ ثنائه، ونزّهه بما ينبغي لسبحات وجهه وجلال قدسه وتقدّس أسمائه، وأثنى كما يجب على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم الذي آدم ومن بعده من الرّسل تحت لوائه، وإذا تليت على خيل الله خطبته تشوّقت بلقاء أعداء الله إلى لقائه، وخطبت الجنان من بذل نفوسها ونفائسها بما أقنته في سبيل الله لاتّقائه.
نحمده على أن جعلنا لذكره مستمعين، ولأمره ونهيه متّبعين، وعلى حمده في كل ملأ من الأولياء مجتمعين.
(11/219)

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا تزال تختال بذكرها أعطاف المنابر، وتتعطّر ألسنة الأقلام بما تنقله منها عن أفواه المحابر، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي هدى الله من تقدّم من الأمة بخبره ومن تأخّر بخبره، وجعل روضة من رياض الجنة بين قبره ومنبره، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هم أوّل من عقدت بهم من الجمع صلواتها، وأكرم من زهيت به من الجهاد والمنابر صهواتها، صلاة لا نزال نقيمها عند كلّ مسجد، ونديمها في كلّ متهم في الآفاق ومنجد، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى المنابر أن يرتاد له من أئمة العلماء علّامة عصره، ورحلة «1» مصره، وإمام وقته الذي يصدع بالحق وإن صدع، وعالم زمانه الذي يقوم في كل مقام بما يناسبه مما يأخذ في الموعظة الحسنة وما يدع، منبر نذكّر بآلاء الله على أعواده وإن لم نزل لها من الذّاكرين، وننبّه فيه على شكر الله بالرأفة على خلقه وإن لم نبرح لها بذلك وغيره من الشاكرين، ونشوّق عليه إلى الجهاد في سبيل الله بما أعدّ الله لنا على ذلك من النصر والأجر وإن كنّا على الأبد إليه مبادرين، وإلى إقامة دعوة الحق به مباكرين.
ولما كان فلان هو الذي تعيّن لرقيّ هذه الرتبة فخطب لخطابتها، وتبيّن أنه كفؤها الذي تتشوق النّفوس إلى مواعظه فترغب في إطالتها لإطابتها- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نحلّي بفضائله أعطاف هذا المنبر الكريم، وأن نختصّ نحن وأولياؤنا بسماع مواعظه التي ترغّب فيما عند الله بجهاد أعداء الله، والله عنده أجر عظيم.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يطلع في أفق المنابر من الأولياء شمسا منيرة، ويقيم شعائر الدين من الأئمة الأعلام بكلّ مشرق العلانية طاهر السّريرة- أن يفوّض إليه كذا: فليحلّ هذه الرتبة التي لم تقرّب لغيره جيادها،
(11/220)

ويحلّ هذه العقيلة التي لا تزان بسوى العلم والعمل أجيادها، ويرق هذه الهضبة التي يطول إلّا على مثله صعودها، ويلق تلك العصبة التي تجتمع للأولياء به حشودها. وهو يعلم أنّه في موقف الإبلاغ عن الله لعباده، والإعلام بما أعدّ الله في دار كرامته لمن جاهد في الله حقّ جهاده، والإنذار لمن قصّر في إعداد الأهبة ليوم معاده؛ وهو بمحضر من حماة الإسلام، ومشهد ممن قلّدناه أمر أمّة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فليقصر خطبه على طاعة لله يحضّ عليها، وعزمة في سبيل الله يشوّق إليها، ومعدلة يصف ما أعدّ الله لولاة أمر قدّمتها بين يديها، وتوبة يبعث الهمم، على تعجيلها، وأوقات مكرمة ينبّه الأمم، على احترامها بتقوى الله وتبجيلها، ودنيا ينذر من خداعها، ويبيّن للمغترّ بها ما عرف من خلائقها المذمومة وألف من طباعها، وأخرى يوضّح للمعرض عنها وشك قدومها، ويحذّر المقصّر في طلابها من عذابها ويبشّر المشمّر لها بنعيمها. وليعلم أنّ الموعظة إذا خرجت من الألسنة لم تعد الأسماع، ولم يحصل منها على غير تعقّل القرائن والأسجاع؛ وإذا خرجت من القلوب وقعت في مثلها، وأثمرت في الحال بالمحافظة على فرض الطاعة ونفلها، وسكّنت في السرائر طباع طاعة تأبى على محاول نقلها، وقدحت في البصائر من أنواع المعرفة ما لم يعهد من قبلها. وليجعل خطبه في كل وقت مناسبة لأحوال مستمعيها، متناسبة في وضوح المقاصد بين إدراك من يعي غوامض الكلام ومن لا يعيها؛ فخير الكلام ما قلّ ودلّ؛ وإذا كان قصر خطبة الرجل وطول صلاته منبئين عن فقهه فما قصّر من حافظ على ذلك ولا أخلّ؛ وليوشّح خطبه من الدعاء لنا وللمسلمين بما يرجى أن يوافق ساعة الإجابة، وإذا توخّى الغرض بدعائه لعموم الأمة فقد تعيّنت- إن شاء الله- الإصابة؛ وهذه الوصايا على سبيل الذّكرى التي تنفع المؤمنين وترفع المحسنين، والله تعالى يجعله- وقد فعل- من أوليائه المتقين، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وهذه وصية خطيب أوردها في «التعريف» :
(11/221)

وليرق هذه الرّتبة التي رفعت له ذرا أعوادها، وقدّمت له من المنابر مقرّبات جيادها، وليصعد منها على أعلى درجة؛ وليسعد منها بصهوة كأنما كانت له من بكرة يومه المشرق مسرجة، وليرع حقّ هذه الرتبة الشريفة، والذّروة التي ما أعدّت إلّا لإمام فرد مثله أو خليفة، وليقف حيث تخفق على رأسه الأعلام، ويتكلّم فتخرس الألسنة وتجفّ في فم الذّرا الأقلام، وليقرع المسامع بالوعد والوعيد، ويذكّر بأيام الله من كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
«1» ، ويليّن القلوب القاسية وإن كان منها ما هو أشدّ قسوة من الحجارة والحديد، وليكن قد قدّم لنفسه قبل أن يتقدّم، وليسبل عليه درع التوبة قبل أن يتكلّم، وليجعل لكل مقام مقالا يقوم به على رؤوس الأشهاد، ويفوّق منه سهما لا يخطيء موقعه كلّ فؤاد، وليقم في المحراب مقام من يخشى ربّه، ويخاف أن يخطف الوجل قلبه، وليعلم أنّ صدفة ذلك المحراب ما انفلقت عن مثل درّته المكنونة، وصناديق الصّدور ما أطبقت على مثل جوهرته المخزونة، وليؤمّ بذلك الجمّ الغفير، وليتقدّم بين أيديهم فإنّه السّفير، وليؤدّ هذه الفريضة التي هي من أعظم الأركان، وأوّل الأعمال التي توضع في الميزان، وأقرب القرب التي يجمع إليها داعي كلّ أذان، وليقم بالصلاة في أوقاتها، وليرح بها الناس في أوّل ميقاتها، وليخفّف مع الإتمام، وليتحمّل عمّن وراءه فإنه هو الإمام، وعليه بالتقوى في عقد كل نيّة، وأمام كلّ قضيّة؛ والله تعالى يجعله ممن ينقلب إلى أهله وهو مسرور، وينصب له مع الأئمة المقسطين يوم القيامة عن يمين الرحمن منابر من نور؛ بمنّه وكرمه.
الوظيفة السادسة (الإمامة بالجوامع، والمساجد، والمدارس الكبار التي تصدر التولية عن السلطان في مثلها)
وهذه نسخة توقيع بالإمامة:
(11/222)

أما بعد حمد الله على نعمه التي جعلت أيّامنا الشريفة تزيد أهل الفضائل إكراما، وتخص بالسيادة والتقديم من أنشأه الله تعالى قرّة أعين وجعله للمتّقين إماما، وقدّمه على أهل الطاعة الذين يبيتون لربّهم سجّدا وقياما، والشّهادة له بالوحدانيّة التي تكسو مخلصها جلالا وسّاما، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أمّ الناس وعلّمهم الصلاة وأظهر في إقامة الدّين مقالا محمودا ومقاما، وعلى آله وصحبه الذين تمسّكوا بسنّته توثّقا واعتصاما- فإن خير الرتب في هذا العصر وفيما تقدّم رتبة الإمامة حيث تقدّم سيد البشر في محرابها على الأمة وأمّ، فاختارها من اتّبع الطريق المحمديّة وشرعها، وعلم سناءها ورفعها، فزاد بذلك سموّا إلى سموّه، وحصل على تضاعف الأجر ونموّه؛ وهو فلان.
رسم- لا زالت أيامه الشريفة تشمل ذوي الأصالة والصّدارة بجزيل فضلها، وعوائد إنعامه تجري بإتمام المعروف فتبقي الرتب الدينيّة بيد مستحقّها وتسارع إلى تخليد النعم عند أهلها- أن يستمرّ فلان في كذا جاريا فيه على أجمل العادات؛ إعانة له على اكتساب الأجور بما يعتمده من تأهيل معهد العبادات، ورعاية لتكثير المبارّ، وترجيحا لما اشتمل عليه من حسن النظر في كل إيراد وإصدار، وتوفيرا للمناجح التي عرفت من بيته الذي كم ألف منه فعل جميل وعمل بارّ، ووثوقا بأنه يعتمد في عمارة مساجد الله سبحانه وتعالى أنه تشهد به الملائكة المتعاقبون بالليل والنهار، والله تعالى يجعل النّعم عنده مؤبّدة الاستقرار؛ إن شاء الله تعالى.
الوظيفة السابعة (التدريس، وموضوعه إلقاء المسائل العلمية للطّلبة)
وهذه نسخة توقيع بتدريس كتب به للقاضي عزّ الدين «1» ابن قاضي
(11/223)

القضاة بدر الدّين بن جماعة، عوضا عن والده، في جمادى الآخرة سنة ثلاثين وسبعمائة؛ وهي:
الحمد لله متمّ فضله على كلّ أحد، ومقرّ النّعمة على كلّ والد وولد، الذي خصّ أولياءنا ببلوغ الغايات في أقرب المدد، واستصحاب المعروف فما ينزع منهم خاتم من يد إلّا ليد.
نحمده بأفضل ما يحمده به من حمد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة باقية على الأبد، ونصلي على سيدنا محمد نبيّه الذي جعل شريعته واضحة الجدد، قائمة بأعلام العلماء قيام الأمد، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين شبّههم في الهدى بالنّجوم وهم مثلها في كثرة العدد، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ نعمنا الشريفة لا تتحوّل، ومواهبنا الجزيلة [لا تزال لأوليائنا] «1» تتخوّل، وكرمنا يمهّد منازل السّعود لكل بدر يتنقّل، وشيمنا الشريفة ترعى الذّمم لكلّ من أنفق عمره في ولائها، وتحفظ ما لها من المآثر القديمة بإبقائها في نجباء أبنائها؛ مع ما نلاحظه في استحقاق التقديم، وانتخاب من ترقّى منهم بين العلم والتعليم، وحصّل في الزمن القليل العلم الكثير، واستمدّ من نور والده وهو البدر المنير، وعلم بأنّه في الفضائل سرّ أبيه الذي شاع، وخليفته الذي لو لم ينصّ عليه لما انعقد [إلا] «2» عليه الإجماع، والواحد الذي ساد في رتبة أبيه وما خلت من مثله- لا أخلى الله منه البقاع!.
وكان المجلس الساميّ القضائيّ، الفلانيّ، هو المراد بما قدّمنا من صفاته الجميلة، وتوسّمنا أنه لمعة البدر وهي لا تخفى لأنها لا تردّ العيون كليلة؛ ورأى والده المشار إليه من استحقاقه ما اقتضى أن ينوّه بذكره، وينبّه على المعرفة
(11/224)

بحقّ قدره، فآثر النّزول له عمّا باسمه من تدريس الزاوية بجامع مصر المحروسة ليقوم مقامه، ويقرّر فوائده وينشر أعلامه، ويعلم أنه قد حلّق في العلياء حتّى لحق البدر وبلغ تمامه؛ فعلمنا أنّ البركة فيما أشار، وأنّ اليمن بحمد الله فيما رجّحه من الاختيار.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- زاد الله في شرفه، وجعل أقطار الأرض في تصرّفه- أن يرتّب في هذا التدريس عوضا عن والده، أطال الله بقاءه على عادته وقاعدته إلى آخر وقت لأنه أحقّ من استحق قدره الرفيع التمييز، وأولى بمصر ممن سواه لما عرفت به مصر من العزيز ثم من عبد العزيز.
ونحن نوصيك أيّها العالم- وفّقك الله- بالمداومة على ما أنت بصدده، والمذاكرة للعلم فإنّك لا تكاثر العلماء إلا بمدده، والعمل بتقوى الله تعالى في كل قصد وتصدير، وتقريب وتقرير، وتأثيل وتأثير، وتقليل وتكثير، ونصّ وتأويل، وترتيب وترتيل، وفي كل ما تزداد به رفعتك، وتطير به سمعتك، ويحسن به الثناء على دينك المتين، ويقوم به الدليل على ما وضح من فضلك المبين.
واعلم بأنك قد أدركت بحمد الله تعالى وبكرمنا وبأبيك وباستحقاقك ما ارتدّ به كثير عن مقامك، ووصلت في البداية إلى المشيخة في زاوية إمامك؛ فاعمل في إفادة الطّلبة بما يرفع الرافعيّ لك به الراية، ويأتمّ بك إمام الحرمين في النّهاية؛ فقد أمسيت جار البحر فاستخرج جمانه، واجتهد لتصيب في فتاويك فإنّ أوّليك سهام رميها من كنانة؛ وسبيل كل واقف عليه العمل بمقتضاه والاعتماد «1» .
وهذه نسخة توقيع بتدريس زاوية الشافعيّ بالجامع العتيق أيضا، من إنشاء
(11/225)

المولى زين الدين بن الخضر موقّع الدّست، كتب به لتاج الدين محمد الإخنائي شاهد خزانة الخاص، بالنّيابة عن عمّه قاضي القضاة تقيّ الدين «1» المالكيّ في أيام حياته، مستقلّا بعد وفاته، وهي:
أما بعد حمد الله على أن زان مجالس المدارس في أيامنا الشريفة بتاجها، وأقرّ بها من ذوي الإنابة من يستحقّ النيابة عن تقيّ قوّى الأحكام بإحكامها وإنتاجها، ورفع قدر بيت مبارك طالما اشتهر علم علمه وصدر عن صدره فكان مادّة مسرّة النفس وابتهاجها، وجعل عوارفنا ترعى الذّرّيّة الصالحة في عقبها وتولّي كلّ رتبة من أضحى لأهلها بوجاهته مواجها، والشهادة له بالوحدانيّة التي تنفي شرك الطائفة الكافرة ومعلول احتجاجها، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي استقامت به أمور هذه الأمة بعد اعوجاجها، وتشرّفت به علماؤها حتّى صارت كأنبياء بني إسرائيل بحسن استنباطها للجمل وجميل استخراجها، وعلى آله وصحبه الذين علموا وعملوا وأوضحوا لهذه الملّة قويم منهاجها- فإنّ أولى الأولياء ببلوغ الأمل، وتعاهد مدارس العلم بصالح العمل؛ وإظهار سرّ الفوائد للطالبين، وحلّ عقود مشكلها بجميل الاطّلاع وحسن اليقين، من حوى معرفة الفروع والأصول، وحاز من مذهبه المذهب خير محصول، ونشأ في حجر الفضائل، واقتدى بحكّام بيته الذين لهم في العلوم بمصر والشام أوضح البراهين وأقوى الدّلائل، وله في الآباء والأبوّة، الديانة التي بلغ بها من الإقبال مرجوّه؛ طالما سارت أحكام عمّه- أجله الله- في الأقطار، وحكم فأبدى الحكم بين أيدينا أو في الأمصار، وله العفاف والتّقى والمآثر الجميلة وجميل الآثار، والفتاوى التي أوضح بها مشكلا، وفتح مقفلا، والفصل بين الخصوم بالحقّ المجتلى، والبركة التي لدولتنا الشريفة منها نصيب وافر، والتصميم الذي اقترن بغزارة العلم والوقار الظاهر؛ فهو- أعز الله أحكامه- من العلماء العاملين، وله
(11/226)

البشرى بما قاله أصدق القائلين، في النبإ الذي تتمّ به الزيادة والنماء: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
«1» ولما كان المجلس السامي هو الذي استوجب التصدير لإلقاء الدروس، وأضحى مالكيّا مالكا أزمّة الفضائل حائزا من أثوابها أفخر ملبوس، وله بخزانة خاصّنا الشريف وإصطبلاته السعيدة الشهادة البيّنة، والكتابة التي هي العزّ الحاضر فلا يحتاج معها إلى إقامة بيّنة، والكفالة التي نطقت بها الأفواه مسرّة ومعلنة، والأمانة التي حذا فيها حذو أبيه واتّبع سننه.
فلذلك رسم- لا زال يديم النّعم لأهلها، ويبقي المراتب الدينيّة لمن أضحى محلّه مناسبا لمحلّها، أن يستقر [في تدريس زاوية الشافعي] «2» فلينب عن عمّه في هذا التدريس، وليقف ما يسرّ النفوس من أثره النفيس، وليفد الطلبة على عادته، وليبد لهم من النّقول ما يظهر غزير مادّته، وليستنبط المسائل، وليجب بالأدلّة المسائل، وليرجّح المباحث، وليكن لوالده- رحمه الله- أحقّ وارث، وليستقلّ بهذه الوظيفة المباركة بعد وفاة عمه أبقاه الله تعالى، وليتزيّد من العلوم ليبلغ من صدقاتنا الشريفة آمالا، والله تعالى يسدّد له بالتقوى أقوالا وأفعالا، بمنّه وكرمه.
وهذه نسخة توقيع بتدريس المدرسة الصّلاحيّة «3» المجاورة لتربة الإمام الشافعيّ رضي الله عنه، كتب به لقاضي القضاة تقيّ الدين، ابن قاضي القضاة تاج الدّين ابن بنت الأعزّ. من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، وهي:
(11/227)

الحمد لله شافي عيّ البحث بخير إمام شافعيّ، والآتي منه في الزّمن الأخير بمن لو كان في الصّدر الأوّل لأثنى على ورعه ودينه كلّ صحابيّ وتابعيّ، ومفيد الأسماع من وجيز قوله المحرّر ما لولا السبق لما عدل إلى شرح وجيز سواه الرافعيّ.
نحمده على نعم ألهمت وضع الأشياء في محلّها، واستيداعها عند أهلها، وتأتّيها بما يزيل الإشكال بانجذاب من شكله مناسب لشكلها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يتزيّن بها المقال، ويتبيّن بها الحقّ من الضّلال، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ونبيّه موضّح الطّرق إلى الحق المبين، وناهجها إلى حيث مجتمع الهدى ومرتبع الدّين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تهدي إلى صراط الّذين، ورضي الله عن أصحابه، الذين منهم من جاء بالصّدق وصدّق به فقوي سبب الدين المتين، ومنهم من فرق «1» بين الحق والباطل وكان إمام المتقين وسمّيّ أمير المؤمنين، ومنهم من جهّز جيش العسرة فثبّت جأش المسلمين، ومنهم من أعطاه صلّى الله عليه وسلّم الراية فأخذها منه باليمين، ورضي الله عن بقيّة الصحابة أجمعين.
وبعد، فلما كان مذهب الإمام الشافعي «محمد بن إدريس» رضي الله عنه هو شهدة المتلفّظ، وكفاية المتحفّظ، وبهجة المتلحّظ وطراز ملبس الهدى، وميدان الاجتهاد الذي لا تقف أعنّة جياده عن إدراك المدى؛ وقد تجملت ديار مصر من بركة صاحبه بمن تشدّ إليه الرّحال، وتفخر جبّانة هو فيها حالّ، وجيد هو بجواهر علومه حال، ومن يحسن إلى ضريحه المنيف الاستناد، وإذا قرئت كتبه لديه قيل ما أبعد هذا المرمى الأسنى! وما أقرب هذا الإسناد!، وما أسعد حلقة تجمع بين يدي جدثه يتصدّر فيها أجلّ حبر، ويتصدّى لنشر العلوم
(11/228)

بها من عرف بحسن السّيرة عند السّبر، ومن لولا خرق العوائد لأجاب بالشّكر والثناء عليه صاحب ذلك القبر كلما قال: «قال صاحب هذا القبر» - حسن بهذه المناسبة أن لا ينتصب في هذا المنصب إلا من يحمد هذا السيد الإمام جواره، ومن يرضيه منه- رضي الله عنه- حسن العبارة، ومن يستحقّ أن يتصدّر بين نجوم العلماء بدارة تلك الخطّة فيقال قد جمّل الله به دارة هذا البدر وعمّر به من هذا المدرّس داره، الذي يفتقر إلى تنويل نعمه، وتنويه قلمه، من الأئمة كلّ غني، ويعجب ببلاغة خطبه، وصياغة كتبه، من يجتلي ومن يجتني، ومن يهنا المستفيدون من عذوبة ألفاظه وصفاء معانيه بالمورد الهني، ومن إذا سحّ سحابه الهطّال اعترف له بالهموّ والهمول المزني، والذي لسعد جدّه من أبيه ليث أكرم به من ليث وأكرم ببنيه من أشبال!، وأعزز به من فاتح أبواب إشكالات عجز عن فتحا القفّال!، ومن إذا قال سكت الناس، ومن إذا قام قعد كلّ ذي شماس، وإذا أخذ بالنصّ ذهب الاقتياس، وإذا قاس قيل هذا بحر المذهب المشار إليه بالأصابع في مصره جلالة ولا ينكر لبحر المصر الإشارة بالأصابع ولا القياس، ومن يزهو بتقى قلبه ورقى جوابه لسان التعويل ولسان التعويذ، كما يميس بإحاطته وحياطته قلم الفتوى وقلم التنفيذ، ومن يفخر به كلّ عالم مفيد إذا قال: أنا بين يديه طالب وأنا له تلميذ، ومن حيثما التفتّ وجدت له سؤددا جما، وكيفما نظرت رأيت له من هنا وزارة، ومن هنا خطابة، ومن هنا مشيخة، ومن هنا تدريسا ومن هنا حكما!!!؛ فهو الأصل ومن سواه فروع، وهم الأثماد وهو الينبوع، وهو مجموع السيادة، المختار منه الإفادة، فما أحسنه من اختيار وما أتمّه من مجموع. وكان قاضي القضاة، سيّد العلماء، رئيس الأصحاب، مقتدى الفرق، قدوة الطوائف، الصاحب تقيّ الدين «عبد الرحمن» ولد الصاحب قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز أدام الله شرفه، ورحم سلفه، وهو منتهى رغبة الراغب، ومشتهى منية الطالب، ومن إذا أضاءت ليالي النّفوس بأقمار فتاويه قيل (بياض العطايا في سواد المطالب) ، ومن تتّفق الآراء على أنه لسنّ الكهولة شيخ المذاهب، ومن عليه يحسن الاتفاق، وبه يجمل
(11/229)

الوفاق، وإذا ولي هذا المنصب ابتهج بولايته إيّاه مالك في المدينة وأبو حنيفة وأحمد رضي الله عنهم في العراق، واهتزّت به وبمجاورة فوائده من ضريح إمامه جانب ذلك القبر طربا، وقالت «الأمّ» لقد أبهجت- رحم الله سلفك- بجدّك وإبائك جدّا وأبا، ولقد استحقّيت أن يقول لك منصب سلفك رضي الله عنهم: أهلا وسهلا ومرحبا، وهذه نسمات صبا، كانت الإفادة هنالك تعرفها منك من الصّبا.
فالحمد لله على أن أعطى قوس ذلك المحراب باريها، وخصّ بشقّ سهامها من لا يزال سعده مباريها، وجمّل مطلع تلك السماء ببدر كم باتت عليه الدّرر تحسد دراريها، وألهم حسن الاختيار أن يجري القلم بما يحسن بالتوقيع الشريف موقعه، ويجمل في أثناء الطروس وضعه وموضعه.
فرسم بالأمر الشريف العاليّ المولويّ، السلطانيّ:- أجراه الله بالصواب وكشف بارتيائه كلّ ارتياب، ولا زال يختار وينتقي للمناصب الدّينيّة كلّ عالم بأحكام السنّة والكتاب- أن يفوّض إليه تدريس المدرسة الصلاحيّة الناصريّة المجاورة لضريح الإمام الشافعيّ بالقرافة رضي الله عنه. فليخوّل ولينوّل كلّ ذي استفادة، وليجمّل منه بذلك العقد الثمين من علماء الدّين بأفخم واسطة تفخر بها تلك القلادة، وليذكر من الدروس ما يبهج الأسماع، ويرضي الانتجاع، ويجاد به الانتفاع، ويحتلبه من أخلاف الفوائد ارتضاء الارتضاع، ويتناقل الرّواة فوائده إلى علماء كل أفق من البقاع، وليقل فإنّ الأسماع لفوائده منصتة، والأصوات لمباحثه خاشعة والقلوب لمهابته مخبتة «1» ، ولينهض قويّ المسائل بما يحصّل لها أعظم انتعاش، وليمت ما أماته إمامه من البدع فيقال به له: هذا محمد بن إدريس مذ قمت أنت عاش، وليسمع بعلومه من به من الجهل صمم، وليستنطق من به من الفهاهة «2» بكم، وليحقّق عند الناس
(11/230)

بتعصّبه لهذا الإمام أنه قد قام بالتنويه به الآن الحاكم ابن الحاكم أخو الحاكم كما قام به فيما سلف بنو عبد الحكم.
وأما غير ذلك من الوصايا فهو بحمد الله صاحب إلهامها، وجالب أقسامها، وجهينة «1» أخبارها، ومطلع أنوارها، فلا يعاد عليه ما منه يستفاد، ولا ينثر عليه درّ هو منظّمه في الأجياد، والله تعالى يعمّر بسيادته معالم الدين وأكنافه، ويزيّن بفضله المتين أوساط كلّ مصر وأطرافه، ويضيف إليه من المستفيدين من بإرفاقه وإشفاقه يكون عيشه خفضا بتلك الإضافة، ويجعله لا يخصّص حنوّه بمعهد دون معهد ولا بمسافة دون مسافة، ويبقيه ومنفعته إلى سارية سارية الإطافة واللّطافة، وألطافه بهذه الولاية تقول لكلّ طالب في القرافة «2» الق رافه.
قلت: ولما توفّي قاضي القضاة بدر الدين بن أبي البقاء- تغمده الله تعالى برحمته- وكان من جملة وظائفه تدريس هذه المدرسة، كان السلطان قد سافر إلى الشام في بعض الحركات، فسافر ابنه أقضى القضاة جلال الدين حتّى أدرك السلطان بالطريق، على القرب من غزّة، فولّاه الوظيفة المذكورة مكان أبيه، وكان القاضي نور الدين بن هلال الدولة الدّمشقيّ حاضرا هناك، فأشار إليه القاضي فتح الدين فتح الله كاتب السر الشريف- عامله الله بلطفه الخفيّ- بإنشاء صدر لتوقيعه، يسطر به للعلامة الشريفة السلطانية، فأنشأ له سجعتين، هما:
الحمد لله الذي أظهر جلال العلماء الشافعية بحضرة إمامهم، وأقام سادات الأبناء مقام آبائهم في بثّ علومهم وصلاتهم وصيامهم. ولم يجاوز ذلك إلى
(11/231)

غيره، فسطّر التوقيع بهاتين السجعتين، وعلّم عليه العلامة السلطانية.
وكان من قول نور الدين بن هلال الدولة للقاضي جلال الدّين المذكور:
إنّ هذا التوقيع يبقى أبيض: فإنه ليس بالديار المصرية من ينهض بتكملته على هذا الأسلوب. فسمع القاضي كاتب السرّ كلامه، فكتب لي بتكملته على ظهره، وعاد به القاضي جلال الدين فأعطانيه، وأخبرني بكلام ابن هلال الدولة وما كان من قوله، فتلكّأت عن ذلك، ثم لم أجد بدّا من إكماله وإن لم أكن من فرسان هذا الميدان، فأنشأت له على تينك السجعتين ما أكملته به، فجاء منه تلو السجعتين السابقتين اللتين أنشأهما ابن هلال الدولة:
وخصّ برياسة العلم أهل بيت رأت كهولهم في اليقظة ما يتمنّى شيوخ العلماء أن لو رأوه في منامهم.
وجاء من وسطه:
اقتضى حسن الرأي الشريف أن ننوّه بذكره، ونقدّمه على غيره ممّن رام هذا المقام فحجب دونه وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ
«1» وجاء في آخره:
والله تعالى يرقّيه إلى أرفع الذّرا؛ وهذه الرتبة وإن كانت بدايته فهي نهاية غيره (وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا) .
وقد أعوزني وجدان النسخة عند إرادة إثباتها في هذا التأليف لضياع مسودّتها ولم يحضرني منها غير ما ذكرته. وفيما تقدّم من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر من توقيع القاضي تقيّ الدين ابن بنت الأعز ما لا ينظر مع وجوده إلى غيره.
(11/232)

وهذه نسخة توقيع بتدريس المدرسة الصلاحية بمصر، المختصّة بالمالكية، المعروفة بالقمحية، بمصر المحروسة، أنشأته لقاضي القضاة جمال الدين الأقفهسيّ «1» ، وهي:
الحمد لله الذي زيّن معالم المدارس من أعلام العلماء بجمالها، وميّز مراتب الكملة بإجراء سوابق الأفكار في ميادين الدّروس وفسيح مجالها، وعمّر معاهد العلم بأجلّ عالم إذا ذكرت وقائع المناظرة كان رأس فرسانها وريّس رجالها، وناط مقاصد صلاح الدين بأكمل حبر إذا أوردت مناقبه المأثورة تمسّك أهل الدّيانة منها بوثيق حبالها.
نحمده على اختيار الجواهر والإعراض عن العرض، والتوفيق لإدراك المرامي وإصابة الغرض.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي خصّ أهل العلم بكريم حبائه، وشرّف مقامهم في الخليقة فجعلهم في حمل الشريعة ورثة أنبيائه، شهادة تعذب لقائلها بحسن الإيراد وردا، وتجدّد لمنتحلها بمواطن الذّكر عهدا فيتّخذ بها عند الرحمن عهدا، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ علم وعلّم، وأكرم رسول فصّل الأحكام إذ شرع وندب وأوجب وحلّل وحرّم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين عنوا بتفسير كتاب الله تعالى فأدركوا دقيق معانيه، واهتمّوا بالحديث رواية ودراية ففازوا بتأسيس فقه الدّين وإقامة مبانيه، صلاة تحيط من بحار العلم بزاخرها، وتأخذ من الدّروس بطرفيها فتقارن الحمد في أوّلها وتصحب الدعاء في آخرها، ما تتبّع بالمنقول مواقع الأثر، وعوّل في المعقول على إجالة الفكر وإجادة النّظر، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى ما صرفت النفوس إليه هممها، وأخلصت فيه نيّتها
(11/233)

وخلّصت من تبعاته ذممها، وتبعت فيه آثار من سلف من الملوك الكرام، وأعارته كلّيّ نظرها وقامت بواجبه حقّ القيام- أمر المدارس التي هي مسقط حجر الاشتغال بالعلم ومستقرّ قاعدته، وقطب فلك تطلابه ومحيط دائرته، وميدان فرسان المشايخ ومدار رجالها، ومورد ظماء الطّلبة ومحطّ رحالها؛ لا سيّما المدارس الأيّوبية التي أسّس على الخير بناؤها، وكان عن صلاح الدين منشؤها فتألّق برقها واستطار ضياؤها.
ومن أثبتها وثيقة، وأمثلها في الترتيب طريقة، المدرسة القمحية بالفسطاط الآخذة من وجوه الخير بنطاقها، والمخصوص بالسادة المالكيّة امتداد رواقها؛ إن اعتبرت رعاية المذاهب قالت: مالك وما مالك، وإن عملت حسبة المدارس في البرّ، كانت لها فذالك؛ قد رتّب بها أربعة دروس فكانت لها كالأركان الأربعة، وجعلت صدقتها الجارية برّا فكانت أعظم برّا وأعمّ منفعة.
ولما كان المجلس العاليّ، القاضويّ، الشيخيّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الأفضليّ، الأكمليّ، الأوحديّ، البليغيّ، الفريديّ، المفيديّ، النّجيديّ، القدويّ، الحجّيّ، المحقّقّ، الإماميّ، الجماليّ: جمال الإسلام والمسلمين، شرف العلماء العاملين، أوحد الفضلاء المفيدين، قدوة البلغاء زين الأمة، أوحد الأئمّة، رحلة الطالبين، فخر المدرّسين، مفتي الفرق لسان المتكلمين، حجّة المناظرين، خالصة الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين، أبو محمد «عبد الله الأقفهسيّ» المالكيّ- ضاعف الله تعالى نعمته- هو عين أعيان الزمان، والمحدّث بفضله في الآفاق وليس الخبر كالعيان؛ ما ولي منصبا من المناصب إلا كان له أهلا، ولا أراد الانصراف من مجلس علم إلا قال له مهلا، ولا رمى إلى غاية إلا أدركها، ولا أحاط به منطقة طلبة إلا هزّها بدقيق نظره للبحث وحرّكها، إن أطال في مجلسه أطاب، وإن أوجز قصّر محاوره عن الإطالة وأناب، وإن أورد سؤالا عجز مناوئه عن جوابه، أو فتح بابا في المناظرة أحجم مناظره عن سدّ بابه، وإن ألمّ ببحث أربى فيه وأناف، وإن أفتى بحكم اندفع عنه المعارض وارتفع فيه الخلاف؛ فنوادره المدوّنة فيها البيان والتحصيل،
(11/234)

ومقدّماته المبسوطة إجمالها يغني عن التفصيل، ومشارقه النيّرة لا يأفل طالعها، ومداركه الحسنة لا يسأم سامعها، وتهذيبه المهذّب جامع الأمّهات، وجواهره الثمينة لا تقاوم في القيمة ولا تضاهى في الصّفات- اقتضى حسن الرأي الشريف أن ننوّه بذكره، ونقدّمه على غيره، ممن حاول ذلك فامتنع عليه وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ
«1» فلذلك رسم بالأمر الشريف العاليّ، المولويّ، السّلطانيّ، الملكيّ، الناصريّ، الزينيّ- لا زالت مقاصده الشريفة في مذاهب السّداد ذاهبة، ولأغراض الحقّ والاستحقاق صائبة- أن يستقرّ المجلس العاليّ المشار إليه في تدريس المدرسة الصّلاحية بمصر المحروسة المعروفة بالقمحية عوضا عن فلان الفلانيّ، على عادة من تقدّمه.
فليتلقّ ذلك بالقبول، ويبسط في مجالس العلم لسانه فمن كان بمثابته في الفضل حقّ له أن يقول ويطول؛ وملاك الأمر تقوى الله تعالى فهي خير زاد، والوصايا كثيرة وعنه تؤخذ ومنه تستفاد؛ والله تعالى يبلّغه من مقاصده الجميلة غاية الأمل، ويرقّيه من هضاب المعالي إلى أعلى مراتب الكمال وقد فعل؛ والاعتماد على الخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه، حجة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة توقيع أيضا بتدريس المدرسة الصلاحيّة المذكورة، أنشأته للقاضي شمس الدين محمد ابن المرحوم شهاب الدين أحمد الدّفريّ المالكيّ، في شعبان سنة خمس وثمانمائة، وهو:
الحمد لله مطلع شمس الفضائل في سماء معاليها، ومبلّغ دراريّ الذّراريّ النبيهة الذّكر بسعادة الجدّ غاية غيرها في مباديها، وجاعل صلاح الدّين أفضل
(11/235)

قصد فوّقت العناية سهامها بأصابة غرضه في مراميها، ومجدّد معالم المدارس الدارسة بخير نظر يقضي بتشييد قواعدها وإحكام مبانيها.
نحمده على أن صرف إلى القيام بنشر العلم الشريف اهتمامنا، وجعل بخيرته العائدة إلى التوفيق في حسن الاختيار اعتصامنا.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مفيض نتائج الأفكار من وافر إمداده، ومخصّص أهل التحقيق بدقيق النّظر تخصيص العامّ بقصره على بعض أفراده، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أوفر البرية في الفضل سهما، والقائل تنويها بفضيلة العلم: «لا بورك لي في صبيحة يوم لا أزداد فيه علما» صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حلّوا من الفضل جواهره الثمينة، والتابعين وتابعي التابعين الذين ضربت آباط الإبل منهم إلى عالم المدينة «1» وبعد، فإنّ أولى ما صرفت إليه الهمم، وبرئت بتأدية حقّه الذّمم، وغدت النفوس بالنظر في مصالحه مشتغلة، والفكر لشرف محلّه منه إلى غيره منتقلة، النظر في أمر المدارس التي جعلت للاشتغال بالعلم سببا موصولا، ولطلبته ربعا لا يزال بمجالس الذكر مأهولا؛ لا سيّما المدارس التي قدم في الإسلام عهدها، وعذب باستمرار المعروف على توالي الأيّام وردها.
ولما كانت المدرسة الصّلاحية بفسطاط مصر المحروسة قد أسّس على التقوى بنيانها، ومهّدت على الخير قواعدها وأركانها، واختصّت طائفة المالكية منها بالخصّيصة التي أغنى عن باطن الأمر عنوانها، وكان المجلس الساميّ هو الذي خطبته الرّتب الجليلة لنفسها، وعيّنته لهذه الوظيفة فضائله التي قد آن ولله الحمد بزوغ شمسها، وعهدت منه المعاهد الجليلة حسن النظر فتاقت في يومها إلى ما ألفت منه في أمسها- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نفرده بهذه الوظيفة التي يقوم إفراده فيها مقام الجمع، ونجمع له من طرفيها ما يتّفق على حسنه
(11/236)

البصر ويقضي بطيب خبره السّمع.
فلذلك رسم بالأمر الشريف، العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الناصريّ، الزّينيّ:- لا زال يقيم للدّين شعارا، ويرفع لأهل العلم الشريف مقدارا- أن يستقرّ في الوظيفة المذكورة لما اشتهر من علمه وديانته، وبان من عفّته المشهورة ونزاهته، واتّصف به من الإفادة، وعرف عنه من نشر العلوم في الإبداء والإعادة، وشاع من طريقته المعروفة في إيضاحه وبيانه، وذاع من فوائده التي قدّمته على أبناء زمانه، ورفعته إلى هذه المرتبة باستحقاقه على أقرانه.
فليباشر تدريسها مظهرا من فوائده الجليلة ما هو في طيّ ضميره، مضمرا من حسن بيانه ما يستغنى بقليله عن كثيره، مقرّبا إلى أذهان الطلبة بتهذيب ألفاظه الرائقة ما يفيد، موردا من علومه المدوّنة ما يجمع له بين نوادر المقدّمات ومدارك التمهيد، موفّيا نظرها بحسن التدبير حقّ النظر، موفّرا رزقها بما يصدّق الخبر فيه الخبر، قاصدا بذلك وجه الله الذي لا يخيّب لراج أملا، معاملا فيه الله معاملة من يعلم أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا. وملاك الوصايا تقوى الله تعالى فليجعلها إمامه، ويتخيّلها في كل الأحوال أمامه؛ والله تعالى يسدّده في قوله وعمله، ويبلّغه من رضاه نهاية سؤله وغاية أمله، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة توقيع بالتدريس بقبّة الصالح «1» ، أنشأته لقاضي القضاة جمال الدين «يوسف البساطيّ» بعد أن كتب له بها مع قضاء القضاة المالكية، في العشر الأخير من شعبان سنة أربع وثمانمائة، وهي:
الحمد لله الذي جعل للعلم جمالا تتهافت على دركه محاسن الفضائل،
(11/237)

وتتوارد على ثبوت محامده المتواردة قواطع الدلائل، وتحقّق شواهد الحال من فضله ما يتلمّح فيه من لوائح المخايل.
نحمده على نعمه التي ما استهلّت على وليّ فأقلع عنه غمامها، ولا استقرّت بيد صفيّ فانتزعت من يده حيث تصرّف زمامها، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تزهر بمعالم الدّين غروسها، وتينع بثمار الفوائد المتتابعة دروسها، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله أشرف الأنبياء قدرا، وأوّلهم في علوّ المرتبة مكانا وإن كان آخرهم في الوجود عصرا؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الحائزين بقربه أفخر المناقب، والفائزين من درجة الفضل بأرفع المراتب، صلاة تكون لحلق الذّكر نظاما، ولأوّلها افتتاحا ولآخرها ختاما، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ من شيمنا الشريفة، وسجايانا الزاكية المنيفة، أنّا إذا منحنا منحا لا نستعيده، وإذا أعطينا عطاء لا ننقصه بل نزيده، وإذا قرّبنا وليّا لا نقصيه، وإذا أنعمنا على صفيّ إنعاما لا نعدّه عليه ولا نحصيه.
ولمّا كان تدريس المدرسة المالكية بقبّة الصالح من أعلى دروسهم قدرا، وأرفعها لدى التحقيق ذكرا، وأعظمها إذا ذكرت الدروس فخرا؛ إذ بمجال جداله تنفطر المرائر، وبميدان مباحثه تشتهر البلق من مضمرات الضمائر، وبسوق مناظرته يتميز النّضار عن الشّبه، وبمحكّ مطارحته تتبيّن الحقائق من الشّبه، وبمظانّ مجلسه يعرف العالي والسافل، وبمعركة فرسانه يعرف من المفضول والفاضل؛ ومن ثمّ لا يليه من علمائهم إلا الفحول، ولا يتصدّى لتدريسه إلا من أمسى بحسام لسانه على الأقران يصول؛ ولم يزل في جملة الوظائف المضافة لقضاء القضاة في الأوّل والآخر، تابعا لمنصب الحكم في الولاية كلّ زمن إلا في القليل النادر؛ وكان المجلس العاليّ، القاضويّ، الكبيريّ (إلى آخر ألقابه) أدام الله تعالى نعمته قد اشتملت ولايته عليه لابتداء الأمر استحقاقا، وحفظه كرمنا عليه فلم يجد الغير إليه استطراقا- اقتضى حسن الرأي
(11/238)

الشريف أن نتبع ذلك بولاية ثانية تؤكّد حكم الولاية الأولى، ونردفه بتوقيع يجمع له شرف القدمة والجمع ولو بوجه أولى.
فلذلك رسم بالأمر الشريف العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الناصريّ، الزّينيّ- لا زال يعتمد في مشاهد الملوك أتمّ المصالح، ويخصّ الصالح منهم بمزيد النّظر حتّى يقال ما أحسن نظر الناصر في مصالح الصّالح! - أن يستمرّ المجلس العالي المشار إليه على ما بيده من الولاية الشريفة بالتدريس بقبّة الصالح المذكورة، ومنع المعارض وإبطال ما كتب به وما سيكتب ما دام ذلك في يده، على أتمّ العوائد وأكملها، وأحسن القواعد وأجملها.
فليتلقّ ما فوّض إليه بكلتا يديه، ويشكر إحساننا الشريف على هذه المنحة فإنّها نعمة جديدة توجب مزيد الشكر عليه، وليتصدّر بهذا الدرس الذي لم تزل القلوب تتقطّع على إدراكه حسرات، ويتصدّ لإلقاء فوائده التي إذا سمعها السامع قال: هنا تسكب العبرات، ويبرز لفرسان الطّلبة من ... «1» . صدره من كمينه، ويفض على جداولهم الجافّة ماسحّ به فكره من ينابيع معينه، مستخرجا لهم من قاموس قريحته درر ذلك البحر الزاخر، مظهرا من مكنون علمه ما لا يعلم لمدّه أوّل ولا يدرك لمداه آخر، وينفق من ذخائر فضله ما هو بإنفاقه مليّ، متفقّدا بفضل غنائه من هو عن فرائده المربحة غير غنيّ، مقرّرا للبحث تقريرا يزول معه الالتباس، مسندا فروعه النامية إلى أثبت الأصول من الكتاب والسنّة والإجماع والقياس، معتمدا لما عليه جادّة مذهبه في الترجيح، جاريا على ما ذهب إليه جهابذة محقّقيه من التصحيح، مقبلا بطلاقة وجهه في درسه على جماعته، باذلا في استمالتهم طاقة جهده محسنا إليهم جهد طاقته، مربّيا لهم كما يربّي الوالد الولد، موفّيا من حقوقهم في التعليم ما يبقى له ذكره على الأبد، منمّيا ناشئتهم بالتدريب الحسن تنمية الغروس، جاهدا في ترقّيهم بالتدريج حتّى يؤهّل من لم يكن تظنّ فيه أهلية الطلب لأن يتصدّى للفتاوى وإلقاء الدّروس؛
(11/239)

سالكا من مناهج التقوى أحسن المسالك، موردا من تحقيقات مذهبه ما إذا لمحه اللّامح لم يشكّ أنه لزمام المذهب مالك؛ والله تعالى يجريه على ما ألفه من موارد إنعامه، ويمتّع [هذه الرتبة] «1» السنيّة: تارة بمجالس دروسه وتارة بمجالس أحكامه؛ والاعتماد................
وهذه نسخة توقيع بتدريس الحديث بالجامع الحاكميّ «2» ، من إنشاء الشّهاب «محمود الحلبيّ» للشيخ قطب الدين «عبد الكريم» »
وهي:
الحمد لله الذي أطلع في أفق السنّة الشريفة من أعلام علمائها قطبا، وأظهر في مطالعها من أعيان أئمّتها نجوما أضاء بهم الوجود شرقا وغربا، وأقام لحفظها من أئمة أعلامها أعلاما أحسنوا عن سندها دفاعا وأجملوا عن متونها ذبّا، وشرّف بها أهلها فكلّما بعدت راحلتهم في طلبها ازدادوا من الله قربا، واختار لحملها أمناء شغفت محاسنهم قلوب أهل الفرق على اختلافها حبّا، وسلكوا باتباعها سنن السّنن فأمنوا أن تروّع لهم الشّبه سربا، وألهمنا من تعظيم هذه الطائفة ما مهّد لهم في ظل تقرّبنا إليه مقاما كريما ومنزلا رحبا، وعصم آراءنا في الارتياد له من الخلل فلا نختار له إلا من تسرّ باختياره طلبة وتغبط بتعيينه أئمة ونرضي بارتياده ربّا.
(11/240)

نحمده على نعمه التي صانت هذه الرتبة السنيّة بأكفائها، وزانت هذه المرتبة الشريفة بمن لم تمل عينه في تأثيل قواعدها إلى إغفائها، وجعلت هذه الدرجة العليّة فلكا تشرق فيه لأئمّة الحديث أنوار علوم تفنى الدّهور دون إطفائها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مجادل عن سنّته الشريفة بألسنة أسنّته، مجالد عن كلمتها العالية بقبض معاقد سيوفه وإطلاق أعنّته، باعث بالجهاد دعوتها إلى كلّ قلب كان عن قبولها في حجب أكنّته، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أوتي جوامع الكلم، ولوامع السّنّة التي من اعتصم بها عصم ومن سلّم بها سلم؛ فهي مع كتاب الله أصل شرعه القويم، وحبل حكمه الذي لا تتمكّن يد الباطل من حلّ عقده النظيم، وكنوز دينه التي لا يلقّاها إلا ذو حظّ عظيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين عضّوا على سنّته بالنّواجذ، وذبّوا عن شريعته بسيوف الجلاد القواطع وسهام الجدال النوافذ، صلاة لا يزال يقام فرضها، ويملأ بها طول البسيطة وعرضها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى ما توجّهت الهمم إلى ارتياد أئمّته، وتوفّرت الدّواعي على التقرّب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بتفويض مناصبه إلى البررة الكرام من أمّته- علم الحديث النبويّ صلوات الله وسلامه على قائله، وحفظه بدروسه التي جعلت أواخر زمنه في صحّة نقله ومعرفة أسراره كأوائله؛ وأن «1» نختار لذلك من نشأ في طلبه حتّى اكتهل، وسرى في تحصيله سرى الأهلّة حتّى اكتمل، وغذّي بلبان التبحّر فيه حتى امتزج بأديمه، وجدّ في تحصيله واجتهد حتّى ساوى في الطلب بين حديث عمره وقديمه، وحفظ من متونه، ما بمثله يستحقّ أن يدعى حافظا، وغلب على فنونه، حتّى قلّ أن يرى بغير علومه والنظر في أحكامه لافظا؛ فإنّه بعد كتاب الله العزيز مادّة هذا الدّين الذي يحكم بنصوصه، وتتفاوت
(11/241)

رتب العلماء في حسن العمل بمطلقه ومقيّده وعمومه وخصوصه، وعنهما تفرّعت أحكام الملّة فملأت علومها جميع الآفاق، وزكت أحكامها الشرعية على كثرة الإنفاق، وسرى الناس منها على المحجّة التي استوى في الإشراق ليلها ونهارها، وعلا على الملل بالبراهين القاطعة نورها ومنارها؛ وكفى أهلها شرفا أنهم يذبّون عن سنّة نبيهم ذبّ اللّيوث، ويجودون على الأسماع بما ينفع الناس في أمر دينهم ودنياهم منها جود الغيوث، ويحافظون على ألفاظها محافظة من سمعها منه صلّى الله عليه وسلّم، ويعظّمون مجالس إيرادها ونقلها حتّى كأنهم لحسن الأدب جلوس بين يديه، ويغالون في العلوّ طلبا للقرب منه وذلك من أسنى المطالب، ويرحلون لضمّ شوارده من الآفاق فياقرب المشارق عندهم من المغارب! ولما كان المجلس الساميّ الفلانيّ: هو الذي عني بكلّ ما ذكر من وصف كريم، وحديث ورع قديم، وقدم هجرة في علم الحديث اقتضت له حسن أولويّة ووجوب تقديم، وتلقّى هذا العلم كما وصف عن أئمّته حتّى صار من أعيانهم، ولقي منهم علماء أضحى باقتفائهم كما كانوا رحلة زمانهم، ونظر في علومه فأتقنها فكأنه ينطق فيها بلسان ابن الصّلاح «1» ، وأحرز غايات الكمال، في أسماء الرّجال، فإلى اطّلاعه يرجع في تجريح المجرّح وتعديل الصّحاح؛ وكان منصب تدريس الحديث الشريف النبويّ الذي أنشأناه بالجامع الحاكميّ تكثيرا لنشر أحاديث من لا ينطق عن الهوى، ونويناه لارتواء الرّواة من بحر هذا العلم الشريف بالإعانة على ذلك وإنّما لكلّ امريء ما نوى، قد استغرقت أوقات مباشره بتفويضنا الحكم العزيز على مذهبه إليه، وتوفير زمانه على...... «2»
قلت: وتختلف أحوال التواقيع التي تكتب بالتداريس باختلاف
(11/242)

موضوعاتها: من تدريس التفسير، والحديث، والفقه، واللّغة، والنحو، وغير ذلك، في براعة الاستهلال والوصايا، وهو في الوصايا آكد.
وهذه نسخ وصايا أوردها في التعريف:
وصية مدرّس- وليطلع في محرابه كالبدر وحوله هالة تلك الحلقة «1» ، وقد وقت أهداب ذلك السواد منه أعظم اسودادا من الحدقة، وليرق سجّادته التي هي لبدة جواده إذا استنّ الجدال في المضمار، وليخف [أضواء] «2» أولئك العلماء الذين هم كالنّجوم كما تتضاءل الكواكب في مطالع الأقمار، وليبرز لهم من وراء المحراب كمينه، وليفض على جداولهم الجافّة معينه، وليقذف لهم من جنبات ما بين جنبيه درر ذلك البحر العجّاج، وليرهم من غرر جياده ما يعلم به أنّ سوابقه لا يهولها قطع الفجاج، وليظهر لهم من مكنون علمه ما كان يخفيه الوقار، وليهب من ممنون فضله ما يهب منه عن ظهر غنى أهل الافتقار، وليقرّر تلك البحوث ويبيّن ما يرد عليها، وما يردّ به من منعها وتطرّق بالنقض إليها، حتّى لا تنفصل الجماعة إلا بعد ظهور الترجيح، والإجماع على كلمة واحدة على الصحيح، وليقبل في الدروس طلق الوجه على جماعته، وليستملهم إليه بجهد استطاعته، وليربّهم كما يربّي الوالد الولد، وليستحسن ما تجيء به أفكارهم وإلا فكم رجل بالجبه لبنت فكر وأد؛ هذا إلى أخذهم بالاشتغال، وقدح أذهانهم للاشتغال؛ ولينشّيء الطلبة حتّى ينمّي منهم الغروس، ويؤهّل منهم من كان لا يظنّ منه أنه يتعلّم لأن يعلّم ويلقي الدّروس.
وصية مقريء:
وليدم على ما هو عليه من تلاوة القرآن فإنه مصباح قلبه، وصلاح قربه،
(11/243)

وصباح القبول المؤذن له برضا ربه، وليجعل سوره له أسوارا، وآياته تظهر بين عينيه أنوارا، وليتل القرآن بحروفه وإذا قرأ استعاذ، وليجمع طرقه وهي التي عليها الجمهور ويترك الشّواذّ، ولا يرتدّ دون غاية لإقصار، ولا يقف فبعد أن أتمّ لم يبق بحمد الله إحصار، وليتوسّع في مذاهبه ولا يخرج عن قراءة القرّاء السبعة «1» أئمة الأمصار، وليبذل للطّلبة الرّغاب، وليشبع فإنّ ذوي النّهمة سغاب، ولير الناس ما وهبه الله من الاقتدار فإنه احتضن السّبع «2» ودخل الغاب؛ وليتمّ مباني ما أتم «ابن عامر» و «أبو عمرو» له التعمير، ولفّه «الكسائيّ» في كسائه ولم يقل جدّي «ابن كثير» ؛ وحمّ به «لحمزة» أن يعود ذاهب الزمان، وعلم أنه لا «عاصم» من أمر الله يلجأ معه إليه وهو الطّوفان، وطفق يتفجّر علما وقد وقفت السّيول الدّوافع، وضر أكثر قرّاء الزمان لعدم تفهيمهم وهو «نافع» ؛ وليقبل على ذوي الإقبال على الطّلب، وليأخذهم بالتربية فما منهم إلا من هو إليه قد انتسب؛ وهو يعلم ما منّ الله عليه بحفظ كتابه العزيز من النّعماء، ووصل سببه منه بحبل الله الممتدّ من الأرض إلى السماء؛ فليقدر حقّ هذه النعمة بحسن إقباله على التعليم، والإنصاف إذا سئل فعلم الله ما يتناهى وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
«3»
(11/244)

وصية محدّث:
وقد أصبح بالسنّة النبويّة مضطلعا، وعلى ما جمعته طرق أهل الحديث مطّلعا؛ وصحّ في الصحيح أنّ حديثه الحسن، وأنّ المرسل منه في الطلب مقطوع عنه كلّ ذي لسن، وأنّ سنده هو المأخوذ عن العوالي، وسماعه هو المرقّص منه طول الليالي، وأنّ مثله لا يوجد في نسبه المعرق، ولا يعرف مثله للحافظين «ابن عبد البرّ» بالمغرب و «خطيب بغداد» بالمشرق؛ وهو يعلم مقدار طلب الطالب فإنه طالما شدّ له النّطاق، وسعى له سعيه وتجشّم المشاقّ، وارتحل له يشتدّ به حرصه والمطايا مرزمة «1» ، وينبّهه له طلبه والجفون مقفلة والعيون مهوّمة، ووقف على الأبواب لا يضجره طول الوقوف حتى يؤذن له في ولوجها، وقعد القرفصاء في المجالس لا تضيق به على قصر فروجها.
فليعامل الطلبة إذا أتوه للفائدة معاملة من جرّب، ولينشّط الأقرباء منهم ويؤنس الغرباء فما هو إلا ممن طلب آونة من قريب وآونة تغرّب، وليسفر لهم صباح قصده عن النّجاح، ولينتق لهم من عقوده الصّحاح، وليوضّح لهم الحديث، وليرح خواطرهم بتقريبه ما كان يسار إليه السّير الحثيث، وليؤتهم مما وسّع الله عليه فيه المجال، ويعلّمهم ما يجب تعليمه من المتون والرجال، ويبصّرهم بمواقع الجرح والتعديل، والتوجيه والتعليل، والصحيح والمعتلّ الذي تتناثر أعضاؤه سقما كالعليل، وغير ذلك مما لرجال هذا الشان به عناية، وما ينقّب فيه عن دراية أو يقنع فيه بمجرّد رواية، ومثله ما يزاد حلما، ولا يعرف بمن رخّص في حديث موضوع أو كتم علما.
وصية نحويّ:
وهو زيد الزّمان، الذي يضرب به المثل، وعمرو الأوان «2» ، وقد كثر من
(11/245)

سيبويه الملل، ومازنيّ الوقت ولكنه الذي لم تستبح منه الإبل، وكسائيّ الدّهر الذي لو تقدّم لما اختار غيره الرشيد للمأمون، وذو السؤدد، لا أبو الأسود، مع أنه ذو السابقة والأجر الممنون؛ وهو ذو البرّ المأثور، والقدر المرفوع ولواؤه المنصوب وذيل فخاره المجرور، والمعروف بما لا ينكر لمثله من الحزم، والذاهب عمله الصالح بكل العوامل التي لم يبق منها لحسوده إلا الجزم؛ وهو ذو الأبنية التي لا يفصح عن مثلها الإعراب، ولا يعرف أفصح منها فيما أخذ عن الأعراب، والذي أصبحت أهدابه فوق عمائم الغمائم تلاث «1» ، ولم يزل طول الدهر يشكر منه أمسه ويومه وغده وإنما الكلمات ثلاث. فليتصدّ للإفادة، وليعلّمهم مثل ما ذكر فيه من علم النحو نحو هذا وزيادة، وليكن للطلبة نجما به يهتدى، وليرفع بتعليمه قدر كل خبر يكون خبرا له وهو المبتدا، وليقدّم منهم كلّ من صلح للتبريز، واستحقّ أن ينصب إماما بالتمييز، وليورد من موارده أعذب النّطاف «2» ، وليجرّ إليه كلّ مضاف إليه ومضاف، وليوقفهم على حقائق الأسماء، ويعرّفهم دقائق البحوث حتّى اشتقاق الاسم هل هو من السّموّ أو من السيماء، وليبيّن لهم الأسماء الأعجميّة المنقولة والعربية الخالصة، وليدلّهم على أحسن الأفعال لا ما يشتبه فيه بصفات كان وأخواتها من الأفعال الناقصة، وليحفّظهم المثل وكلمات الشّعراء، ولينصب نفسه لحدّ أذهان بعضهم ببعض نصب الإغراء، وليعامل جماعة المستفيدين منه بالعطف، ومع هذا كلّه فليرفق بهم فما بلغ أحد علما بقوّة ولا غاية بعسف.
وهذه وصية لغويّ أوردها في التعريف «3»
(11/246)

الوظيفة الثامنة (التصدير)
وموضوعه الجلوس بصدر المجلس بجامع أو نحوه. ويجلس متكلّم أمامه على كرسيّ كأنه يقرأ عليه، يفتتح بالتفسير ثم بالرّقائق والوعظيّات، فإذا انتهى كلامه وسكت، أخذ المتصدّر في الكلام على ما هو في معنى تفسير الآية التي يقع الكلام عليها، ويستدرج من ذلك إلى ما سنح له من الكلام. وربما أفرد التصدير عن المتكلم على الكرسيّ.
وهذه نسخة توقيع بتصدير أنشأته للشيخ شهاب الدين «أحمد الأنصاريّ» الشهير ب «الشابّ التائب» بالجامع الأزهر، وهي:
رسم ... «1» . لا زالت صدقاته الشريفة تخصّ المجالس بمن إذا جلس صدر مجلس كان لرتبته أجمل صدر يجتبى من علماء التفسير، ومن إذا دقّق لم يفهم [شرحه إلا] «2» عنه، وإذا سلك سبيل الإيضاح كان كلامه في الحقيقة تفسير تفسير، وتصطفي من سراة الأماثل من دار نعته بين «الشابّ التائب» و «الشيخ الصالح» فكان له أكرم نعت على كلّ تقدير- أن يستمرّ المجلس الساميّ أدام الله تعالى رفعته- في كذا وكذا، لأنّه الإمام الذي لا تسامى علومه ولا تسام، والعلّامة الذي لا تدرك مداركه ولا ترام، والحبر الذي تنعقد على فضله الخناصر، وفارس الحلبة الذي يعترف بالقصور عن مجاراة جياده المناظر، وآية التفسير التي لا تنسخ، وعقد حقيقته الذي لا يفسخ، والماهر الذي استحقّ بمهارته التصدير، والجامع لفنونه المتنوعة جمع سلامة لا جمع تكسير، وترجمان معانيه الآتي من غرائب تأويله بالعجب العجاب، والعارف بهدي طريقه الذي إذا قال قال الذي عنده علم من الكتاب، وزاهد
(11/247)

الوقت الذي زيّن بالعلم العمل، وناسك الدهر الذي قصّر عن مبلغ مداه الأمل.
فليتلقّ ما ألقي إليه بالقبول، وليستند إلى صدر مجلس يقول فيه ويطول، وليبيّن من معاني كتاب الله ما أجمل، ويوضّح من خفيّ مقاصده ما أشكل، وليسلك في تفسيره أقوم سنن، ويعلن بأسراره الخفيّة فسرّ كتاب الله أجدر أن يكون عن علن، وليجر فيه على ما ألف من تحقيقاته فإنه إذا لم يحقّق المناظرة فمن؟، وليأخذ مشايخ أهل مجلسه بالإحسان، كما أحسن الله إليه فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، ويحضّ شبابهم على التوبة ليحبّهم الله فيتّصل في المحبة سندهم فإن «الشابّ التائب» حبيب الرحمن؛ والله تعالى يرقّيه إلى أرفع الذّرا، ويرفع مجلسه السامي على محل الثّريّا (وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا) ، إن شاء الله تعالى.
الوظيفة التاسعة (النظر)
وموضوعه التحدّث في أمور خاصّة بإباحة ضروراتها، وعمل مصالحها، واستخراج متحصّل جهاتها، وصرفه على الوجه المعتبر، وما يجري مجرى ذلك.
وتشتمل على عدّة أنظار:
منها: نظر الأحباس: جمع حبس «1» وهو الوقف: فقد تقدّم في المقالة الثانية أنه كان أصل وضعه أراضي اشتراها (الإمام الليث بن سعد رضي الله عنه) ووقفها على جهات برّ، ثم تبعه الناس في إضافة الأوقاف إلى ذلك، إلى أن كانت وزارة الصاحب بهاء الدين ابن حنّا في سلطنة الظاهر بيبرس
(11/248)

البندقداري، فأفرد للجوامع والمساجد والرّبط والزّوايا ونحو ذلك رزقا، وقصر تحدّث ناظر الأحباس ومباشريه عليها، وأفردت الأوقاف بناظر ومباشرين كما سيأتي:
وهذه نسخة توقيع بتدريس «1» الطب بالبيمارستان المنصوريّ، كتب بها «لمهذّب الدين» «2» وهي:
الحمد لله الذي دبّر بحكمته الوجود، وعمّ برحمته كلّ موجود، وحال بنفع الدواء بين ضرّ الداء كما حالت عطاياه دون الوعود؛ نحمده ونشكره وهو المشكور المحمود، ونثني عليه خير الثناء قياما وقعودا وعلى الجنوب وفي السجود، ونستزيده من فضله فإنه أهل الفضل والجود.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة الله بها والملائكة وأولو العلم شهود؛ ونشهد أن محمدا عبده ورسوله المبشّر لأمته بالجنّات والخلود؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة دائمة إلى يوم الوعود «3» وبعد، فإنّا لما أقام الله بنا شعائر الإيمان، وأصبح دينه بحمد الله منصورا بنا على سائر الأديان، وجاهدنا في الله حقّ الجهاد باليد والقلب واللّسان، وشيّدنا لعلومه وشرائعه كلّ بديع الإتقان، ورتّبنا فيه من العلماء الأعيان كلّ رفيع الشان، واخترنا له الأخيار من أهل العلم بالطّب والفقه والحديث والقرآن؛ ورأينا كل من تقدّمنا من الملوك، وإن سلك في سياسة الرعية أحسن سلوك، قد اهتمّ بعلم الأديان وأهمل علم الأبدان، وأنشأ كلّ منهم مدرسة ولم يحفل ببيمارستان، وغفل عن قوله صلّى الله عليه وسلم: «العلم علمان» ، ولم يأخذ أحدا من رعيته بالاشتغال بعلم الطّب المضطّرّ إليه، ولا وقف وقفا على طلبة هذا العلم
(11/249)

المنصوص عليه، ولا أعدّ له مكانا يحضر من يشتغل بهذا الفن فيه، ولا نصب له شخصا يتمثّل هذا المشتغل لديه- علمنا نحن بحمد الله تعالى من ذلك ما جهلوه، وذكرنا من هذه القربة ما أهملوه، ووصلنا من هذه الأسباب الدّينية والدّنيوية ما فصلوه، وأنشأنا بيمارستانا يبهر العيون بهجة، ويفوق الأبنية بالدليل والحجّة، ويحفظ الصحة والعافية على كل مهجة؛ لو حلّه من أشفى لعوجل بالشّفا، أو جاءه من أكمده السّقم لاشتفى، أو أشرف عليه العمر بلا شفاء لعاد عنه بشفا؛ ووقفنا عليه من الأوقاف المبرورة ما يملأ العينين، ويطرف سماع جملته الأذنين، ويعيد عنه من أمّه مملوء اليدين، وأبحنا التّداوي فيه لكل شريف ومشروف ومأمور وأمير، وساوينا في الانتفاع به بين كل صغير وكبير، وعلمنا أن لا نظير لنا في ملكنا ولا نظير له في إبقائه فلم نجعل لوقفه وشرطه من نظير، وجعلنا فيه مكانا للاشتغال بعلم الطب الذي كاد أن يجهل، وشرعنا للناس إلى ورد بحره أعذب منهل، وسهّلنا عليهم من أمره ما كان الحلم به من اليقظة أسهل، وارتدنا له من علماء الطّب من يصلح لإلقاء الدروس، وينتفع به الرئيس من أهل الصّناعة والمرؤوس، ويؤتمن على صحة الأبدان وحفظ النفوس؛ فلم نجد غير رئيس هذه الطائفة أهلا لهذه المرتبة، ولم نرض لها من لم تكن له هذه المنقبة، وعلمنا أنه متى وليها أمسى بها معجبا وأضحت به معجبة.
ولما كان المجلس السامي «مهذّب الدين» هو الرئيس المشار إليه، والوحيد الذي تعقد الخناصر عليه، وكان هو الحكيم «بقراط» ، بل الجليل «سقراط» ، بل الفاضل «جالينوس» ، بل الأفضل «ديسقوريدوس» - اقتضت الآراء الشريفة أن تزاد جلالته بتولية هذا المنصب الجليل جلالة، وأن تزفّ إليه تجرّ [أذيالها، ويزفّ إليها يجرّر] «1» أذياله، وأن يقال: (لم يك يصلح إلا لها ولم
(11/250)

تك تصلح إلّا له) .
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال للدّين ناصرا، ولأعلام العلوم ناشرا- أن يفوّض إليه تدريس الطب بالبيمارستان المبارك المنصوريّ، المستجدّ الإنشاء بالقاهرة المحروسة، علما بأنه المتمهّر في هذا الفنّ، وأنه عند الفراسة فيه والظّنّ، وأنه سقراط الإقليم إذا كان غيره سقراط الدّنّ، وثقة بأنا للجوهر قد التقطنا، وبالخير قد اغتبطنا، وعلى الخبير قد سقطنا.
فليتلقّ هذه النعمة بالشكر الجليل، والحمد الجزيل، والثناء الذي هو بالنّماء والزيادة كفيل، ولينتصب لهذا العلم المبارك انتصاب من يقوم بالفرض منه والسّنّة، ويعرف له فيه الفضل ويتقلّد له فيه المنّة، ويثنى على آثاره الجميلة فيه وتثنى إليه الأعنّة، وليبطل بتقويمه الصحّة ما ألّفه ابن «بطلان» «1» ، وليرنا بتدبيره جبلّة البرّ فإنه «جالينوس» الزمان، وليبذل النّجاة من الأمراض والشفاء من الأسقام فإنه «ابن سينا» الأوان، وليجمع عنده شمل الطلبة، وليعط كلّ طالب منهم ما طلبه، وليبلّغ كلّ متمنّ من الاشتغال أربه، وليشرح لهم صدره، وليبذل لهم من عمره شطره، وليكشف لهم من هذا العلم المكنون سرّه، وليرهم ما خفي عنهم منه جهره، وليجعل منهم جماعة طبائعية «2» ، وطائفة كحّالين وجرائحيه، وقوما مجبّرين، وبالحديد عاملين، وأخرى بأسماء الحشائش وقوى الأدوية وأوصافها عالمين، وليأمر كلّا منهم بحفظ ما يجب حفظه، ومعرفة ما يزيد به حظه، وليأخذه بما يصلح به لسانه ولفظه، ولا يفتر عنهم في الاشتغال لحظة، وليفرد لكل علم من العلوم طائفة، ولكل فن من فنونه جماعة بمحاسنه
(11/251)

عارفة؛ وليصرف إليهم من وجوه فضائله كلّ عارفة، وليكشف لهم ما أشكل عليهم من غوامضه فليس لها من دون إيضاحه كاشفة، لينشر في هذا المكان المبارك من أرباب هذه العلوم قوم بعد قوم، ويظهر منهم في الغد- إن شاء الله- أضعاف ما هو ظاهر منهم اليوم؛ وليقال لكلّ من طلبته إذا شرع في إجازته وتزكيته: لقد أحسن شيخه الذي عليه تأدّب، وإنّ من خرّج هذا «المهذّب» ، عاملا في ذلك بشروط الواقف أعزّ الله نصره، واقفا عند أمره أمضى الله أمره؛ والخير يكون، إن شاء الله تعالى «1» وهذه نسخة توقيع بنظر الأحباس مفتتحة ب «أما بعد» وهي:
أما بعد حمد الله الذي أذن أن ترفع بيوته ويذكر فيها اسمه، ويكثّر فيها قسم ثوابه ويجزل قسمه، والصلاة على سيدنا محمد الذي عظم به قطع دابر الكفر وكثر حسمه- فإنّ خير من عوّل عليه في تأسيس بيوت الله وعمارة ربوعها، ولمّ شعثها وشعب صدوعها، والقيام بوظائفها، وتسهيل لطائفها، وتأهيل نواحيها، لهبوط الملائكة لتلقّي المصلّين فيها، من كان ذا عزم لا تأخذه في الله لومة لائم، وحزم لا يلمّ بأفعاله لمم المآثم، ونظر ثاقب، ورغبة في اختيار جميل المآثر والمناقب، ومباشرة ترعى قوانين الأمور وتكتنفها اكتناف مراقب.
ولما كان فلان ممّن هذه الأوصاف شعاره، وإلى هذه الأمور بداره، وكم كتب الله به للدّولة أجر راكع وساجد، وكم شكرته وذكرته ألسنة أعلام الجوامع وأفواه محاريب المساجد- اقتضى منيف الملاحظة والمحافظة على كل قريب من بيوت الله وشاهد، أن خرج الأمر الشريف- لا برح يكشف الأوجال، ويدعو له في الغدوّ والآصال رجال- أن يفوّض لفلان نظر ديوان الأحباس والجوامع
(11/252)

والمساجد المعمورة بذكر الله تعالى.
فليباشرها مباشرة من يراقب الله إن وقّع أو توقّع، وإن أطاع أو تطوّع، وإن عزل أو ولّى، وإن أدّب من نهى عبدا إذا صلّى، وليجتهد كلّ الاجتهاد في [صرف] «1» ريع المساجد والجوامع في مصارفها الشرعيّة، وجهاتها المرعيّة، وليأخذ أهلها بالملازمة في أحيانها وأوقاتها، وعمارتها بمصابيحها وآلاتها، وحفظ ما يحفظون به لأجلها، ومعاملتهم بالكرامة التي ينبغي أن يعامل مثلهم بمثلها، وليحرّر في إخراج الحالات إذا خرّجت وأخرجت، وفي مستحقّات الأجائر إذا استحقّت وإذا عجّلت، وفي التواقيع إذا أنزلت وإذا نزّلت، وفي الاستئمارات التي أهملت وكان ينبغي لو أهّلت؛ وإذا باشر [و] «2» ظهر له بالمباشرة خفايا هذا الدّيوان، وفهم ما تحتويه جرائد الإحسان، فليكن إلى مصالحه أوّل مبادر، ويكفيه تدبر قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
«3» قلت: وقد كنت أنشأت توقيعا بنظر الأحباس، للقاضي «بدر الدين حسن» الشهير بابن الدّاية «4» ، مفتتحا بالحمد لله، جاء فردا في بابه، إلا أن مسودّته غيّبت عنّي، فلم أجدها لأثبتها هاهنا كما أثبتّ غيرها مما أنشأته: من البيعات والعهود والتواقيع والرسائل وغير ذلك.
ومنها- نظر الأوقاف بمصر والقاهرة المحروستين، ويدخل فيه أوقاف الحرمين وغيرهما.
وهذه نسخة توقيع بنظرها، وهي:
الحمد لله الذي حفظ معالم البرّ من الدّثور، وأحيا آثار المعروف
(11/253)

والأجور، وصان الأوقاف المحبّسة من تبديل الشروط على توالي الأيّام والشهور.
نحمده على فضله الموفور، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لها في القلوب نور على نور، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المؤيّد المنصور، الطالع البدور، المبعوث بالفرقان والنّور، والمنعوت في التوراة والإنجيل والزّبور، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما كرّت الدّهور، وطلعت كواكب ثم تغور.
وبعد، فإنّ أهل الخير من المؤمنين تقرّبوا إلى الله سبحانه وتعالى من طيّبات أموالهم بأوقاف وقفوها على وجوه البرّ وعرّفوها، وجعلوا لها شروطا ووصفوها؛ فتقبّل الله لهم ذلك، ثم ماتوا فما انقطع عملهم بها وهم في برزخ المهالك؛ ووليها بعدهم الأمناء من النّظّار، فقاموا بحقوقها وحفظ الآثار، وأجروا برّها الدارّ في كلّ دار، وصانوا معالمها من الأغيار، وشاركوا واقفيها في الصدقة لأنهم خزّان أمناء أخيار.
ولما كان فلان هو الذي لا يتدنّس عرضه بشائبة، ولا تمسي المصالح وهي عن فكره غائبة، ولا تبرح نجوم السّعود طالعة عليه غير غائبة، وهو أهل أن يناط به التحدّث في جهات البرّ الموقوفة، وأموال الخير المصروفة، لأنه نزّه نفسه عما ليس له فلو كانت أموال غيره غنما ما اختصّ منها بصوفة؛ فلذلك رسم...... «1» ......
فليباشر هذه الوظيفة مباشرة حسنة التأثير، جميلة التّثمير، مأمونة التغيير، مخصوصة بالتعبير، ولينظر في هذه الأوقاف على اختلافها من ربوع ومباني، ومساكن ومغاني، وخانات مسبّلة، وحوانيت مكمّلة، ومسقّفات معمورة، وساحات مأجورة غير مهجورة، وليبدأ بالعمارة فإنّها تحفظ العين وتكفي البناء
(11/254)

دثوره، وليتّبع شروط الواقفين ولا يعدل عنها فإنّ في ذلك سروره؛ ويندرج في هذه الأوقاف ما هو على المساجد ومواطن الذّكر: فليقم شعارها، وليحفظ آثارها، وليرفع منارها؛ والوصايا كثيرة والتقوى ظلّها المخطوب، ومراقبة الله أصلها المطلوب ووصلها المحبوب، والله تعالى يجمع على محبته القلوب، بمنّه وكرمه!.
ومنها- نظر البيمارستان المنصوريّ بين القصرين لأرباب الأقلام، وهو من أجلّ الأنظار وأرفعها قدرا، ما زال يتولّاه الوزراء وكتّاب السرّ ومن في معناهم. [وهذه نسخة توقيع] «1» من إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ، وهي: «2» الحمد لله رافع قدر من كان في خدمتنا الشريفة كريم الخلال، ومعلي درجة من أضفى عليه الإخلاص في طاعتنا العليّة مديد الظّلال، ومجدّد نعم من لم يخصّه اعتناؤنا بغاية إلا ورقّته همّته فيها إلى أسنى رتب الكمال، ومفوّض النظر في قرب سلفنا الطاهر إلى من لم يلاحظ من خواصّنا أمرا إلا سرّنا ما نشاهد فيه من الأحوال الحوال.
نحمده على نعمه التي لا تزال تسرى إلى الأولياء عوارفها، ومننه التي لا تبرح تشمل الأصفياء عواطفها، وآلائه التي تسدّد آراءنا في تفويض قربنا إلى من إذا باشرها [سرّ] «3» بسيرته السّريّة مستحقّها وواقفها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة رفع الإخلاص لواءها، وأفاض الإيمان على وجوه حملتها إشراقها وضياءها، ووالى الإيقان إعادة أدائها بمواقف الحقّ وإبداءها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المخصوص بعموم
(11/255)

الشفاعة العظمى، المقصوص في السنة ذكر حوضه الذي من شرب منه شربة فإنه بعدها لا يظما، المنصوص على نبوّته في الصّحف المنزّلة وبشّرت به الهواتف نثرا ونظما، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين فازوا من طاعته، بالرّتب الفاخرة، وحازوا بالإخلاص في محبّته، سعادة الدنيا والآخرة، وأقبلوا على حظهم من رضا الله ورضاه فلم يلوا على خدع الدنيا الساحرة، صلاة دائمة الاتصال، آمنة شمس دولتها من الغروب والزّوال، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى الأمور بإنعام النظر في مصالحها، وأحقّها بتوفير الفكر على اعتبار مناهجها واعتماد مناجحها- أمر جهات البر التي تقرّب والدنا السلطان الشهيد- قدّس الله روحه- بها إلى من أفاض نعمه عليه، وتنوّع في إنشائها فأحسن فيها كما أحسن الله إليه، ورغب بها فيما عند الله لعلمه أنّ ذلك من أنفس الذخائر التي أعدّها بين يديه، وحلّ منها في أكرم بقعة نقله الله بها عن سريره إلى مقعد صدق عند ربّه، وعمر بها مواطن العبادة في يوم سلمه بعد أن عفّى على معاقل الكفر في يوم حربه، وأقام بها منار العلوم فعلا منالها، وأعدّ للضّعفاء بها من موادّ البرّ والإلطاف ما لو تعاطته الأغنياء قصرت عن التطاول إليه أموالها؛ وأن نرتاد لها من إذا فوّضنا إليه أمرا تحقّقنا صلاحه، وتيقّنّا نجاحه، واعتقدنا تنمية أمواله، واعتمدنا في مضاعفة ارتفاعه وانتفاعه على أقواله وأفعاله، وعلمنا من ذلك ما لا نحتاج فيه إلى إخبار ولا اختبار، ولا يحتاج في بيان الخيرة فيه إلى دليل إلّا إذا احتاج إليه النّهار، لنكون في هذا بمثابة من ضاعف لهذه القرب أسباب ثوابها؛ أو جدّد لها وقفا لكونه أتى بيوت الإحسان في ارتياد الأكفاء لها من أبوابها.
ولذلك لما كان فلان هو الذي صان أموال خواصّنا، وأبان عن يمن الآراء في استئثارنا به لمصالحنا الخاصّة واختصاصنا، واعتددنا بجميل نظره في أسباب التدبير التي تملأ الخزائن، وتدلّ على أنّ من الأولياء من هو أوقع على المقاصد من سهام الكنائن، وتحقّق أنه كما في العناصر الأربعة معادن فكذلك في الرجال معادن، ونبّهت أوصافه على أنه ما ولي أمرا إلا وكان فوق ذلك قدرا،
(11/256)

ولا اعتمد عليه فيما تضيق عنه همم الأولياء إلا رحب به صدرا، ولا طلع في أفق رتبة هلالا إلا وتأمّلته العيون في أجلّ درج الكمال بدرا؛ يدرك ما نأى من مصالح ما يليه بأدنى نظر، ويسبق في سداد ما يباشره على ما يجب سداد الآراء ومواقع الفكر؛ فنحن نزداد كل يوم غبطة بتدبيره، ونتحقّق أن كل ما عدقنا به إليه من أمر جليل فقد أسندناه إلى عارفه وفوّضناه إلى خبيره- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نعدق بجميل نظره أمر هذا المهمّ المقدّم لدينا، وأن نفوّض إليه نظر هذه الأوقاف التي النظر في مصالحها من آكد الأمور المتعيّنة علينا.
فرسم بالأمر الشريف- لا زال فضله عميما، وبرّه يقدّم في الرتب من كان من الأولياء كريما- أن يفوّض إليه كيت وكيت.
فليل هذه الرتبة التي أريد بها وجه الله وما كان لله فهو أهمّ، وقصد بها النفع المتعدّي إلى العلماء والفقراء والضّعفاء، ومراعاة ذلك من أخصّ المصالح وأعمّ، ولينظر في عموم مصالحها وخصوصها نظرا يسدّ خللها، ويزيح عللها، ويعمّر أصولها، ويثمّر محصولها، ويحفظ في أماكنها أموالها، ويقيم معالم العلوم في أرجائها، ويستنزل بها موادّ الرحمة لساكنها بألسنة قرّائها، ويستعيد صحّة من بها من الضعفاء بإعداد الذّخائر لملاطفة أسقامها ومعالجة أدوائها، ويحافظ على شروط الواقف- قدّس الله روحه- في إقامة وظائفها، واعتبار مصارفها، وتقديم ما قدّمه مع ملاءة تدبيره باستكمال ذلك على أكمل ما يجب، وتمييز حواصلها لما يستدعي إليها من الأصناف التي يعزّ وجودها ويجتلب، وضبط تلك الحواصل التي لا خزائن لها أوثق من أيدي أمنائه وثقاته، ولا مودع لها أوفق من أمانة من يتّقي الله حقّ تقاته؛ وليفعل في ذلك جميعه ما عرفناه من تدبيره الجميل خبرا وخبرا، وحمدناه في كل ما يليه وردا في المصالح وصدرا؛ فإنه- بحمد الله- الميمون نظرا وتصرّفا، المأمون نزاهة وتعفّفا، الكريم سجيّة وطباعا، الرحيب في تلقّي المهمات الجليلة صدرا وباعا؛ فلذلك وكلناه في الوصايا إلى حسن معرفته واطّلاعه، ويمن نهوضه بمصالحنا واضطلاعه؛ والله تعالى يسدّده في قوله وعمله، ويحقّق بالوقوف مع مراضي
(11/257)

الله تعالى ومراضينا غاية أمله، إن شاء الله تعالى.
ومنها- نظر الجامع الناصريّ بقلعة الجبل.
وهذه نسخة توقيع بنظره، كتب به للقاضي جلال الدين القزوينيّ «1» وهو يومئذ قاضي قضاة الشافعيّة بالديار المصريّة، وهي:
الحمد لله الذي زاد بنا الدين رفعة وجلالا، وجعل لنا على منار الإسلام إقبالا، وأحسن لنظرنا الشريف في كلّ اختيار مالا، ووفّق مرامي مرامنا لمن أخلصنا عليه اتّكالا.
نحمده حمدا يتواتر ويتوالى، ويقرّب من المنى منالا، وتنير به معاهد نعمه عندنا وتتلالا، ونديمه إدامة لا نبغي عنها حولا ولا انتقالا.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نصدّقها نيّة ومقالا، ونرجو بالتّغالي فيها القبول منه تعالى، ويتراسل عليها القلب واللسان فلا يعتري ذاك سهو ولا يخاف هذا كلالا، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي كرم صحابة وآلا، ودلّهم على الرّشد فورّثوه علماء الأمّة رجالا، صلى الله عليه وعليهم صلاة نسترعي عليها من الحفظة أكفاء أكفالا، ونستمد لرقمها المذهبات بكرا وآصالا، وتسمو إليه الأنفاس سموّ حباب الماء حالا فحالا، ما مدّت الليالي على أيّامها ظلالا، وما بلغ سواد شبابها من بياض صبح اكتهالا، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ من بنى حقّ عليه أن يشيد، ومن أراد [أن] «2» سنّته الحسنى تبقى فليتخذ معينا على ما يريد، ومن أنشأ برّا فلا بدّ من مباشر عنه يضمن له
(11/258)

التجديد، ويظنّ به مع تأثيره التّخليد، ومن تاجر لله بمعروف فما يسخو بالمشاركة فيه لمن يقوم مقام نفسه أو يزيد، ومن بدأ جميلا فشرط صلاحه أن يسنده إلى من له بالمراقبة تقييد، فيما يبديء ويعيد، وأيّ إشادة أقوى، من التأسيس على التقوى، أو معين أجلّ من حاكم استخلصناه لنا ولإخواننا المسلمين، أو مباشر أنفع، من سيد ارتدى بالمجد وتلفّع، وتروّى بالعلوم وتضلّع، أو مشارك في الخير أولى من وليّ قلّدناه ديننا قبل الدّنيا، وأعليناه بالمنصبين: الحكم والخطابة فتصرّف منهما بين الكلمة العالية والدّرجة العليا، أو أحسن مراقبة من حبر يعبد الله كأنّه يراه، وإمام يدعو إليه دعاء أوّاب أوّاه، قد انفرد بمجموع المحاسن يقينا، وأصبح قدره الجليّ الجليل يعنينا وعن المدائح يغنينا؛ فحسبنا الوصف إيضاحا وتبيينا، ولكن نصرّح باسمه تنويها وتعيينا، وتحسينا لسيرة أيّامنا الشريفة بعالم زمانها وتزيينا؛ لا عذر لفكر لم ينضّد مناقبه وقد تمثلت معاليه جواهر، وقلم لم يوشّ الطّروس بمعانيه بعد ما زان من فنونها أنواع الأزاهر، وهو المجلس العاليّ القضائيّ، الإماميّ، العالميّ، العامليّ، العلّاميّ، الكامليّ، الفاضليّ، القدويّ، المفيديّ، الخاشعيّ، الناسكيّ الورعيّ، الحاكميّ، الجلاليّ، حجة الإسلام والمسلمين، قدوة العلماء العاملين في العالمين، بركة الأمة، علّامة الأئمة عزّ السنّة، مؤيّد الدّولة، سيف الشريعة، شمس النظر، مفتي الغرر، خطيب الخطباء، إمام البلغاء، لسان المتكلّمين، حكم الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين، أبو المعالي محمد ابن قاضي القضاة سعد الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن عمر بن أحمد القزوينيّ قاضي القضاة الشافعية: أدام الله عزّة الشرع الشريف بأحكامه، وترفيه سيوف الجلاد وأسله بلسان جداله وأقلامه؛ قاض يفرّق بين المهترجين «1» برأي لا يطيش حلمه ولا يزلّ حكمه، ويتّقي الشّبهات بورع يتبعه عمله ويهديه علمه؛ ما لحظ جهة إلا حظيت ببركة دارّة مزنها، سارية مناجحها سارّ يمنها، ولا
(11/259)

أقبل على بيت من بيوت الله إلا حنّ منه إلى سبحات الجلال، ولا تكلّم في وقف إلا أجراه في صالح الأعمال على أقوم مثال؛ ونحن لهذه المزايا نردّ إلى نظره الكريم ما أهمّنا من عمارة مسجد وجامع، ونقلّده من أوقافنا ما يخلفنا فيه خيرا فإنّ الأوقاف ودائع.
فلذلك رسم بالأمر الشريف العاليّ المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الناصريّ- لا زال يصيب الصّواب، ولا يعدو أولي الألباب- أن يفوّض إليه نظر الجامع الناصريّ المعمور بذكر الله تعالى، بقلعة الجبل المحروسة، وأوقافه، والنظر على التربة والمدرسة الأشرفيّين وأوقافهما.
ومنها- نظر مشهد الإمام الحسين رضي الله عنه بالقاهرة المحروسة.
وقد تقدّم في الكلام على خطط القاهرة في المقالة الثانية أنّ الصالح طلائع بن رزّيك حين قصد نقل رأس الإمام الحسين إلى القاهرة، بنى لذلك جامعه خارج بابي زويلة «1» ، فبلغ ذلك الخليفة فأفرد لها هذه القاعة من قاعات القصر وأمر بنقلها إليها.
وهذه نسخة توقيع بنظره، من إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ، وهي: الحمد لله الذي جعل مواطن الشّرف في أيّامنا الزاهرة، محصورة في أكفائها، ومشاهد السيادة في دولتنا القاهرة، مقصورة على من حبته أوامرنا باعتنائها، وخصّته آلاؤنا باصطفائها، الذي أجرى حسن النظر في مظانّ الآباء الطاهرة على يد من طلع في أفق العلياء من أبنائها، وعمر معاهد القربات بتدبير من بدأ بقواعد دينه وأجاد إحكام تشييدها وإتقان بنائها.
(11/260)

نحمده على ما خصّت به أيامنا من رفع أقدار ذوي السّيادة والشّرف، واتّصف به إنعامنا من مزيد برّ علم بحسن ظهوره على الأولياء أنّ الخير في السّرف.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يعرّف بها من اعترف، ويشرّف قدر من له بالمحافظة عليها شغف، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي طهّر الله بضعته الزاهرء وبنيها، وخصّهم بمزيّة القربى التي نزّهه أن يسأل على الهداية أجرا إلا المودّة فيها، صلى الله عليه وعلى آله الذين هم أجدر بالكرم، وأحقّ بمحاسن الشّيم، وما منهم إلا من (
تعرف البطحاء وطاته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم
) «1» ، وعلى آله وأصحابه الذين أنعم الله به عليهم، واتّبعوه في ساعة العسرة فمنهم الذين أخرجوا من ديارهم والذين يحبّون من هاجر إليهم، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من زيّنت به مواطن الشّرف، وعدقت به العناية بخدمة من درج من بيت النبوّة وسلف، وعمرت به مشاهد آثارهم التي هي في الحقيقة لهم غرف، [ونالت الدولة] «2» من تدبيره الجميل بعض حظّها، وخصّت بقعته المباركة من نظره بما ينوب في خدمة محلّه الشريف عن مواقع لحظها، وجعلت به لابن رسول الله من خدمة أبيه معها نصيبا، وفعلت ذلك إذ خبرت خدمته أجنبيّا علما أنها تتضاعف له إذا كان نسيبا، وحكمت بما قام عندها مقام الثّبوت، وأمرته أن يبدأ بخدمة أهل البيت [فإن] «3» لازمها لديها مقدّم على البيوت- من طلع شهاب فضله من الشّرف السّنيّ في أكرم أفق، وأحاطت به أسباب السّؤدد من سائر الوجوه إحاطة الطّوق بالعنق، وزان الشّرف بالسّؤدد والعلم بالعمل، والرياسة باللطف فاختارته المناصب واختالت به الدّول، وتقدّم بنفسه ونفاسة أصله فكان شوط من تقدّمه وراء خطوه وهو يمشي على مهل، واصطفته الدولة
(11/261)

القاهرة لنفسها فتمسّك من الموالاة بأوثق أسبابها، واعتمدت عليه في بثّ نعمها، وبعث كرمها، فعرّف في ذلك الأمور من وجهها وأتى البيوت من أبوابها، وحمدت وفود أبوابنا العالية لحسن سيرته في إكرامهم السّرى، واكتفت [حتى] «1» مع ترك الكرامة إليهم ببشاشة وجهه التي هي خير من القرى، وصان البيوت عن الإقواء بتدبيره الذي هو من موادّ الأرزاق، وزاد الحواصل بتثميره مع كثرة الكلف التي لو حاكتها الغمائم لأمسكت خشية الإنفاق.
ولما كان فلان هو الذي تليت مناقب بيته الطاهر، وجليت مفاخر أصله الزاهر، وتجملت بشرف خلاله خلال الشّرف التي تركها الأوّل للآخر، وكان مشهد الإمام السيد الحسين ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهما السلام بالقاهرة المحروسة بقعة هي منتجع الرحمة، ومظنّة إجابة الأمّة، وروضة من شرّفت بانتقاله إليها، وتربة شهيد الزهراء صلوات الله على أبيها وعليها، وبه الآن [من] «2» رواتب القربات ووظائف العلوم وجهات الخير ما يحتاج إلى اختيار من يجمل النظر فيه، ويسلك نهج سلفه في الإعراض عن عرض الدنيا ويقتفيه- رأينا أن نختار لذلك من اخترناه لأنفسنا فكان الكفء الكريم، واختبرناه لمصالحنا فخبرنا منه الحفيظ العليم، وأن نقدّم مهمّ ذلك البيت على مهمّ بيوتنا فإنّ حقوق آل بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحقّ بالتعظيم.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت مكارمه بتقريب ذوي القربى جديرة، ومراسيمه على إقدار ذوي الرّتب على ما يجب قديرة،- أن يفوّض إليه النظر على مشهد الإمام الحسين ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهما السلام بالقاهرة المحروسة، على قاعدة من تقدّمه في ذلك، بالمعلوم الشاهد به ديوان الوقف: لما قدّمناه من أسباب رجّحته لذلك، وبيّناه من أمور أوضحت في اختيارنا له المسالك؛ ومن أولى منه بهذه الرتبة التي شهدت له باستحقاقها مناصبه ومناسبه، أو أقدر منه على أمثال هذه الوظيفة وقد أقرّت بكماله وكرم خلاله مراتب الباب الشريف ورواتبه.
(11/262)

فليمعن النظر في مباشرة أوقاف هذه البقعة المباركة مظهرا ثمرة تفويضها إليه، مبيّنا نتيجة تعرّضها له وعرضها عليه، منّبها على سرّ التوفيق فيما وضع أمرنا من مقاليد أمرها في يديه، مجتهدا في تمييز أموال الوقف من كل كاتب [حديث] «1» ، موضّحا من شفقة الولد [على] «2» ما نسب إلى الوالد ما شهدت به في حقّها الأحاديث، سالكا من خدمة ذلك المشهد ما يشهد له به غدا عند جدّه، ناشرا من [عنايته به] «3» لواء فضل رفعه في الحقيقة رفع لمجده؛ وليلحظ تلك المصالح بنظره الذي يزيد أموالها تثميرا، ورباعها تعميرا، وحواصلها تمييزا وتوفيرا، وارج أيّها السيد الشريف عند الله تعالى بذلك عن كل حسنة عشرا إن ذلك كان على الله يسيرا، وصن ما بيدك عن شوائب الأدناس: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
«4» وقد خبرنا من سيرتك وسريرتك ما لا نحتاج أن نزداد به خبرا، ولا أن نبلوه بعد ما سلف مرّة أخرى؛ ولكن نذكّرك بتقوى الله التي أنت بها متّصف، وبوجودها فيك معروف وبوجوبها عليك تعترف؛ فقدّمها بين يديك؛ واجعلها العمدة فيما اعتمدنا فيه عليك، إن شاء الله تعالى.
المرتبة الثالثة
(من الوظائف الدينية ما يكتب في قطع العادة الصغير، مفتتحا ب «رسم بالأمر الشريف» ) وهو لمن كانت رتبته مجلس القاضي، وربّما كتب فيه بالسامي بغير ياء لمن قصد تعظيمه وهو قليل، وبه يكتب لأرباب الوظائف الصّغار من الخطباء، والمدرّسين، ونظّار الأوقاف، وغيرهم ممن لا ينحصر كثرة.
وهذه نسخة توقيع بنظر البيمارستان «5» العتيق الذي رتّبه السلطان صلاح
(11/263)

الدين «يوسف بن أيّوب» في بعض قاعات قصر الفاطميّين، وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زالت أيّامه تفيد علاء، وتستخدم أكفاء، وتضفي ملابس النّعماء على كلّ عليّ فتكسوه بهجة وبهاء- أن يستقرّ فلان في نظر البيمارستان الصّلاحيّ بالقاهرة المحروسة، بالمعلوم الشاهد به الدّيوان المعمور إلى آخر وقت، لكفاءته التي اشتهر ذكرها، وأمانته التي صدّق خبرها خبرها، ونزاهته التي أضحى بها عليّ النفس فغدا بكل ثناء مليّا، ورياسته التي أحلّت قدره أسمى رتبة فلا غرو أن يكون «عليّا» .
فليباشر نظر البيمارستان المذكور مباشرة يظهر بها انتفاعه، وتتميّز بها أوضاعه، ويضحى عامر الأرجاء والنّواحي، ويقول لسان حاله عند حسن نظره وجميل تصرّفه: الآن كما بدا صلاحي، وليجعل همّته مصروفة إلى ضبط مقبوضه ومصروفه، ويظهر نهضته المعروفة بتثمير ريعه حتى تتضاعف موادّ معروفه، ويلاحظ أحوال من فيه ملاحظة تذهب عنهم الباس، ويراع مصالح حاله في تنميته وتزكيته حتّى لا يزال منه شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، وليتناول المعلوم الشاهد به الدّيوان المعمور من استقبال تاريخه بعد الخط الشريف أعلاه.
واعلم أنّ من تواقيع أرباب الوظائف الدينية ما يكتب في هيئة أوراق الطريق، أو على ظهور القصص، وقد تقدّم.
وهذه نسخة توقيع بالتحدّث في وقف:
رسم بالأمر الشريف العاليّ المولويّ السلطانيّ الملكيّ الفلانيّ- أعلاه الله تعالى وشرّفه، وأنفذه وصرّفه- أن يستقرّ القاضي فلان الدين فلان في التحدث في الوقف الفلانيّ، بما لذلك من المعلوم الشاهد به كتاب الوقف.
(11/264)

فليعتمد هذا المرسوم الشريف كلّ واقف عليه، ويعمل بحسبه وبمقتضاه، بعد الخط الشريف، إن شاء الله تعالى.
الضرب الثالث (من الولايات بالحضرة السلطانية بالديار المصرية- الوظائف الديوانية)
وهي على طبقتين:
الطبقة الأولى (أرباب التقاليد، في قطع الثلثين ممن يكتب له «الجناب العالي» وفيها وظيفتان)
الوظيفة الأولى (الوزارة، إذا كان متولّيها من أرباب الأقلام، كما هو الغالب)
وقد تقدّم في الكلام على ترتيب وظائف الديار المصرية نقلا عن «مسالك الأبصار» أن ربّها ثاني السلطان لو أنصف وعرف حقّه؛ إلا أنها لما حدثت عليها النيابة، تأخّرت وقعد بها مكانها حتّى صار المتحدّث فيها كناظر المال، لا يتعدّى الحديث فيه ولا يتّسع له في التصرّف مجال، ولا تمتد يده في الولاية والعزل لتطلّع السلطان إلى الإحاطة بجريان الأحوال في الولاية والعزل. وقد تقدّم ذكر ألقابه مستوفاة في الكلام على مقدّمة الولايات في الطّرف الأوّل من هذا الفصل والكلام على طرّة تقليده في الكلام على التقاليد.
وهذه نسخة تقليد بالوزارة، كتب بها للصاحب «بهاء الدين بن حنّا» «1» ، من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، وهي:
الحمد لله الذي وهب لهذه الدولة القاهرة من لدنه وليّا، وجعل مكان
(11/265)

سرّها وشدّ أزرها عليّا، ورضي لها من لم يزل عند ربّه مرضيّا.
نحمده على لطفه الذي أمسى بنا حفيّا، ونشكره على أن جعل دولتنا جنّة أورث تدبيرها من عباده من كان تقيّا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نسبّح بها بكرة وعشيّا، ونصلّي على سيدنا محمد الذي آتاه الله الكتاب وجعله نبيّا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة نتّبع بها صراطا سويّا.
وبعد، فإنّ أولى ما تنغّمت ألسنة الأقلام بتلاوة سوره، وتنعّمت أفواه المحابر بالاستمداد لتسطير سيره، وتناجت الكرام الكاتبون بشكر مجمله ومفصّله، وتناشدت الرّواة بحسن لسنه وترنّمت الحداة بطيب غزله، وتهادت الأقاليم تحف معجّله ومؤجّله، وعنت وجوه المهارق «1» لصعود كلمه الطيّب ورفع صالح عمله- ما كان فيه شكر لنعمة تمنّها على الدولة سعادة جدودها وحظوظها، وإفادة مصونها ومحفوظها، وإرادة مرموقها بحسن الاستيداع وملحوظها، وحمد لمنحة أفاءتها بركات أحسنت للمملكة الشريفة مآلا، وقرّبت لها منالا، وأصلحت لها أحوالا، وكاثرت مدد البحر فكلّما أجرى ذاك ماء أجرت هي مالا؛ وإن ضنّت السّحب أنشأت هي سحبا، وإن قيل- بشحّ سيحنا «2» -:
رونق الأرض ذهب، عوّضت عنه ذهبا؛ كم لها في الوجود من كرم وكرامة، وفي الوجوه من وسوم ووسامة، كم أحيت مهجا، وكم جعلت للدولة من أمرها مخرجا، وكم وسّعت أملا، وكم تركت صدر الحزن سهلا، وكم تركت صدر الخزائن ضيّقا حرجا، كم استخدمت جيش تهجّد في بطن الليل، وجيش جهاد على ظهور الخيل، وكم أنفقت في واقف في قلب بين صفوف الحروب، وفي واقف في صفوف المساجد من أصحاب القلوب؛ كم سبيل يسّرت، وسعود كثّرت، وكم مخاوف أدبرت حين درّت، وكم آثار في البلاد والعباد آثرت وأثرّت، وكم وافت ووفّت، وكم كفت وكفّت، وكم أعفت وعفت وعفّت، وكم
(11/266)

بها موازين للأولياء ثقلت وموازين للأعداء خفّت، كم أجرت من وقوف، وكم عرفت بمعروف؛ كم بيوت عبادة صاحب هذه البركات هو محرابها، وسماء جود هو سحابها ومدينة علم هو بابها؛ تثني الليالي على تغليسه إلى المساجد في الحنادس «1» ، والأيام على تهجيره لعيادة الفقراء وحضور الجنائز وزيارة القبور الدّوارس؛ يكتنّ تحت جناح عدله الظاعن والمقيم، وتشكر مبارّه يثرب وزمزم ومكّة والحطيم؛ كم عمّت سنن تفقّداته ونوافله، وكم مرّت صدقاته بالوادي- فسّح الله في مدّته- فأثنت عليه رماله، وبالنادي فأثنت عليه أرامله؛ ما زار الشام إلا أغناه عن منّة المطر، ولا صحب سلطانه في سفر إلا قال: نعم الصاحب في السّفر والحضر.
ولما كان المنفرد بهذه البركات هو واحد الوجود، ومن لا يشاركه في المزايا شريك وإنّ الليالي بإيجاد مثله غير ولود، وهو الذي لو لم نسمّه قال سامع هذه المناقب: هذا الموصوف، عند الله وعند خلقه معروف، وهذا الممدوح، بأكثر من هذه الممادح والمحامد من ربه ممدوح وممنوح، وهذا المنعوت بذلك، قد نعتته بأكثر من هذه النّعوت الملائك؛ وإنما نذكر نعوته التذاذا، فلا يعتقد خاطب ولا كاتب أنه وفّى جلالته بعض حقّها فإنه أشرف من هذا؛ وإذا كان لا بدّ للممادح أن تجول، وللقلم أن يقول، فتلك بركات المجلس العاليّ، الصاحبيّ، السيّديّ، الورعيّ، الزاهديّ، العابديّ، الوالديّ، الذّخريّ، الكفيليّ، الممهّدي، المشيّديّ، العونيّ، القواميّ، النّظاميّ، الأفضليّ، الأشرفيّ، العالميّ، العادليّ، البهائيّ، سيد الوزراء في العالمين، كهف العابدين، ملجأ الصالحين، شرف الأولياء المتّقين، مدبّر الدول، سداد الثّغور، صلاح الممالك، قدوة الملوك والسلاطين، يمين أمير المؤمنين، عليّ بن
(11/267)

محمد: أدام الله جلاله. من تشرف الأقاليم بحياطة قلمه المبارك، والتقاليد بتجديد تنفيذه الذي لا يساهم فيه ولا يشارك؛ فما جدّد منها إنما هو بمثابة آيات فتردّد، أو بمنزلة سجلات في كل حين بها يحكم وفيها يشهد؛ حتى تتناقل ثبوته الأيام والليالي، ولا يخلو جيد دولة من أنه يكون الحالي بما له من فاخر اللآلي.
فلذلك خرج الأمر العالي- لا برح يكسب بهاء الدين المحمديّ أتمّ الأنوار، ولا برحت مراسمه تزهو من قلم منفّذه بذي الفقر وذي الفقار- أن يضمّن هذا التقليد الشريف بالوزارة التامة، العامّة، الشاملة، الكاملة: من المآثر الشريفة الصاحبية، البهائية، أحسن التضمين، وأن ينشر منها ما يتلقّى رايته كلّ ربّ سيف وقلم باليمين، وأن يعلم كافّة الناس ومن تضمّه طاعة هذه الدولة وملكها وسلكها من ملك وأمير، وكلّ مدينة ذات منبر وسرير، وكلّ من جمعته الأقاليم من نوّاب سلطنة، وذي طاعة مذعنة، وأصحاب عقد وحلّ، وظعن وحلّ، وذي جنود وحشود، ورافعي أعلام وبنود، وكلّ راع ورعية، وكل من ينظر في الأمور الشرعية، وكلّ صاحب علم وتدريس، وتهليل وتقديس، وكلّ من يدخل في حكم هذه الدولة الغالبة من شموسها المضيئة، وبدورها المنيرة وشهبها الثاقبة، في الممالك المصريّة، والنّوبيّة، والساحليّة، والكركيّة، والشّوبكيّة، والشاميّة، والحلبية، وما يتداخل بين ذلك، من ثغور وحصون وممالك- أنّ القلم المبارك الصاحبيّ البهائيّ في جميع هذه الممالك مبسوط، وأمر تدبيرها به منوط، ورعاية شفقته لها تحوط؛ وله النظر في أحوالها، وأموالها، وإليه أمر قوانينها، ودواوينها، وكتّابها، وحسّابها، ومراتبها، ورواتبها، وتصريفها، ومصروفها، وإليه التولية والصّرف، وإلى تقدّمه البدل والنعت والتوكيد والعطف؛ فهو صاحب الرّتبة التي لا يحلّها سواه وسوى من هو مرتضيه، من السادة الوزراء بنيه، وما سمّينا غيره وغيرهم بالصّحوبية «1» فليحذر
(11/268)

من يخاطب غيره وغيرهم بها أو يسمّيه؛ فكما كان والدنا الشهيد رحمه الله يخاطبه بالوالد قد خاطبناه بذلك وخطبناه، وما عدلنا عن ذلك بل عدلنا لأنه ما ظلم من أشبه أباه؛ فمنزلته لا تسامى ولا تسام، ومكانته لا ترامى ولا ترام؛ فمن قدح في سيادته من حسّاده زناد قدح أحرق بشرر شرّه، ومن ركب إلى جلالته، ثبج سوء أغرق في بحره، ومن فتل لسعادته، حبل كيد فإنما فتله مبرمه لنحره؛ فلتلزم الألسنة والأقلام والأقدام في خدمته أحسن الآداب، وليقل المتردّدون:
حطّة «1» إذا دخلوا الباب؛ ولا يغرّنهم فرط تواضعه لدينه وتقواه، فمن تأدّب معه تأدّب معنا ومن تأدّب معنا تأدّب مع الله. وليتل هذا التقليد على رؤوس الأشهاد، وتنسخ نسخته حتّى تتناقلها الأمصار والبلاد؛ فهو حجّتنا على من سمّيناه خصوصا ومن يدخل في ذلك بطريق العموم، فليعملوا فيه بالنص والقياس والاستنباط والمفهوم؛ والله يزيد المجلس الصاحبيّ الوزيريّ البهائيّ سيد الوزراء من فضله، ويبقيه لغاب هذه الدولة يصونه لشبله كما صانه لأسده من قبله، ويمتّع بنيته الصالحة التي يحسن بها- إن شاء الله- نماء الفرع كما حسن نماء أصله، بمنّه وكرمه! وهذه نسخة تقليد بالوزارة، كتب به للصاحب تاج الدين «2» محمد بن فخر الدين ابن الصاحب بهاء الدين علي بن حنّا، في ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وستّمائة، من إنشاء المولى شهاب الدين محمود الحلبيّ، تغمده الله برحمته، وهي:
الحمد لله مكمّل شرف الوزارة بطلعة تاجها، ومشرّف قدرها بمن تشرق عليها أشعّة سعده إشراق الكواكب على أبراجها، ورافع لواء مجدها بمن تلقّته
(11/269)

بعد الجفاء في حلل سرورها وحليّ ابتهاجها، وتحلّت بعد العطل من جواهر مفاخره بما تتزيّن عقود السّعود بازدواجها، وترفل من انتسابها إلى أبّهة بهائه بما يودّ ذهب الأصيل لو امتزج بسلوك انتساجها، الذي شيّد قواعد هذه المرتبة السنيّة في أيّامنا وجدّدها، وبعث لها على فترة من الأكفاء من حسم الأدواء فكان مسيحها وشرع المعدلة فكان محمّدها، وردّها بحكم الاستحقاق إلى من لا يختلف في أنه صاحبها، ورجعها إلى من خطبته لنفسها بعد أن أحجم لشرف قدرها خاطبها.
نحمده على أن شدّ أزر ملكنا بأكرم وزير، وأيمن مشير، وأجلّ من ينتهي إلى بيت كريم، وحسب صميم، ومن إذا قال لسان ملكنا: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
«1» قالت كفايته: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
«2» ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نقرّ بها سرّا وعلنا، ونقرّ بها هذه العقيلة الجليلة عند من يكسوها مجده رفعة وسنا، ويلبس جفن الدّهر عنها وسنا، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله المخصوص بكل صاحب شهد الكتاب والسّنّة بفضله، وقام بعضهم بحسن مؤازرته مقام من شدّ الله به عضد من سأله وزيرا من أهله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا تغرب شمسها، ولا يعزب أنسها، ولا يتفاوت في المحافظة عليها غدها وأمسها، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فإنّ أولى من خطبت بحمده الأقلام، وافتتحت به الدولة التي ابتسمت بنسيمها ثغور الأيام، وودّت مسكة الليل لو مازجت أنفاسه، وأمّل بياض النهار لو أخذ من غير سمة عوض ورق الورق قرطاسه، وتحاشدت النجوم
(11/270)

لتنتسق في سلك معانيه وطارت بذكره في الآفاق أنباء السّعود، وحكمت الجدود بأنه في اقتبال إقباله نهاية الآباء وغاية الجدود، وافترّت به ثغور الممالك عن أحسن الدّرّ النّضيد، وسرت بذكره رفاق الآفاق ففي كلّ ناد مناد وفي كلّ برّ بريد، واختالت به أعطاف الدولة القاهرة فأوت من الرأي السّديد إلى كلّ ركن شديد، ونطق به العدل والحقّ فخرس الظّلم وما يبديء الباطل وما يعيد، وجرت به أقدار ذوي الرّتب على أجمل مناهجها فأمّا أهل العدل فيقرّبون نجيّا وأما أهل الظّلم فاولئك ينادون من مكان بعيد، وبدت به وجوه المصالح سافرة بعد الحجاب، بارزة بعد طول الانتقال إلى الانتقاب، داخلة بوفود المحامد من كلّ باب، إلا الظّلم فإنه بحمد الله قد سدّ ذلك الباب. وأقرّ منصب الوزارة الشريفة أنّا أعدنا به الحقّ إلى نصابه، ورددناه إلى من هو أولى به بعد اغتصابه، وألبسناه من بهجة أيّامنا تاجا ردّ عليه عزّا لا تطمع يد الذّهب في انتزاعه عنه ولا استلابه، وتقليده لمن يودّ الفرقد لو عقد به إكليله؛ ويتمّنى الطّرف لو أدرك غاية مجده وإن رجع وهو حسير البصر كليله، وتفويض ذلك إلى من كان له وهو في يد غيره، ومن به وببيته تمهّدت قواعده فما كان فيه من خير فهو من سيرتهم وما كان من شرّ فمن قبل المقصّر من عثارهم في سيره؛ وما أحدث فيه من ظلم فهو منه براء إذ إثم ذلك على من اجترأ عليه، وما أجري به من معروف فإلى طريقهم منسوب وإن تلبّس منه بما لم يعط من نسب إليه؛ وما خلا منهم هذا الدّست الكريم إلا وهم بالأولويّة في صدره الجلوس، ولا تصدّى غيرهم لتعاطيه إلا وأقبلت عليه في أيّامه الجسوم وعلية النّفوس.
ولذلك لمّا كانت هذه الدولة القاهرة مفتتحة بالبركات أيّامها، ماضية بكفّ الظلم ونشر العدل سيوفها وأقلامها، مستهلّة بالأرزاق سحب فضلها التي لا يقلع غمامها- اقتضت الآراء الشريفة اختيار خير صاحب يعين على الحق بآرائه، ويجمّل الدّست ببهجته وروائه، ويجري الأرزاق بوجه لو تأمّله امرؤ ظاميء الجوانح لارتوى من مائه؛ وكان المجلس العاليّ، الصاحبيّ، الوزيريّ، التاجيّ: أدام الله تعالى نعمته، ورحم سلفه، هو المخطوب لفضله،
(11/271)

والمطلوب لهذا الدّست الذي تعين له دون الأكفاء وإن لم يكن غير أهله من أهله، وما زال يتشوّف إليه تشوّف البروج إلى نجوم السّعود، ويتطلّع إلى محيّاه الذي هو كنور الشمس في الدّنوّ وكمحلّها في الصّعود، وما زالت الأدعية الصالحة ترتفع في أيامه لمالك عصره، والآراء تقام منها جنود لتأييده وحشود لنصره، والأموال تحمل منها إلى خزائنه بأشبه بموج البحر في الحضر دون حصره.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- ضاعف الله مواهبه العميمة، وكمّل جلال دولته بتفويض أمورها إلى ذوي الأصول العريقة والبيوت القديمة- أن تحلّى منه هذه الرتبة العلية بما حلّى به الدّين، وتعقد له راية فضلها المتين، ليتلقّاها شرقا وغربا، وبعدا وقربا؛ وبرّا وبحرا، وشاما ومصرا، ويحلّى حلاه علم وعلم، وسيف وقلم، ومنبر وسرير، ومأمور وأمير.
فليتلقّ أمره بالطاعة كلّ مؤتمر بأمرنا الشريف، جار في طاعتنا المفروضة بين بيان التقليد وعنان التصريف، وليبادر إلى تدبير أمور الأقاليم بأقلامه المباركة، ويمض القواعد على ما تراه آراؤه المنزّهة عن المنازعة في الأمر والمشاركة، ولينشر كلمة العدل التي أمر الله بإضافة الإحسان إليها، ويمت بدع الظلم فإنّ الله يشكره على تلك الإماتة ويحمده عليها، ويسهّل رزق الصدقات، ووظائف القربات، فإن ذلك من أجلّ ما قدّمته [الطائفة] «1» الصالحة بين يديها، وليكثر بذلك جنود الليل فإنها لا تطيش سهامها، ويتوقّ من محاربتها بظلم فإنّه لا يداوى بالرّقى سمامها، وليعوّذ بتمائم التيسير مواهبنا فإنّ تمام النعمة تمائمها، وليطلق قلمه في البسط والقبض وليعد بتدبيره على هذا المنصب الشريف بهجته، ويتدارك بآرائه ذماءه وبدوائه مهجته، ويصن عن شوائب الظّلم حرمته، ويخلّص ذمّتنا من المآثم وذمّته، وليعلم أنّ أمور المملكة الشريفة منوطة بآرائه
(11/272)

وأحكامه، مضبوطة بأقواله وأقلامه؛ فليجعل فكره مرآة تجلو عليه صورها، ويقم آراءه صحفا تتلو لديه سورها، ويأمر النوّاب بما يراه من مصالحنا ليلبّوه سامعين، ويسهر جفنه في مصالح البلاد والعباد لترقد الرّعايا في مهاد الأمن وادعين؛ ويعضّد الشريعة المطهّرة بتنفيذ أحكامها، وإعلاء أعلامها، وإظهار أنوارها، وإقامة ما رفعه الله من منارها؛ ولا يعدل في أمور مباشرتها بالممالك الشريفة عن آرائه، ولا يمضي فيها عزلا ولا ولاية إلا بعد تتبّعه الواجب في ذلك واستقرائه، وهو أعلم بما يجب لهذه الرّتبة من قواعد إليه يرجع في أوضاعها، وعليه يعوّل في اصطلاحها لانفرادها فيه واجتماعها؛ فليفعل في ذلك ما هو عليه بحسن الثناء جدير، وليعتصم بالله في أموره فإنّه نعم المولى ونعم النصير، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة تقليد بالوزارة، كتب به للصاحب ضياء الدين بالاستمرار على الوزارة، من إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ:
الحمد لله الذي شدّ أزر ملكنا الشريف، بمن أضاء في أفق الدّين علمه، وشيّد قواعد عدلنا المنيف، بمن أعلت منار الحق آياته في أحكام الممالك وحلمه، ووطّد أركان دولتنا القاهرة بمن يفعل في نكاية أعداء الله فعل الحرب العوان سلمه، وأجرى الأرزاق في أيّامنا الزاهرة على يد من كفّت أقلامه كفّ الحوادث فلا عدوان تغشى ظلمه ولا عاد يخشى ظلمه، وصان ممالكنا المحروسة بآراء من إن صرف إلى نكاية أعداء الله حدّ يراعه لم ينب موقعه ولم يعف كلمه، وإن صرفه في حماية ثغر لم يشم «1» برقه ولم يدق بالوهم ظلمه، وإن حمى جانب إقليم عزّ على الأيام ثلّ عروش ما حماه وشمه، وإن أرهفه لذبّ
(11/273)

عن دين الله راعت عدوّ الدين منه يقظته وسلّه عليه حلمه.
نحمده على نعمه التي زانت أسنى مناصب الدنيا في أيّامنا الزاهرة بضياء الدّين، وأعلت أقدار الرّتب العليا بتصرّفها بآراء من أصبح علمه علما للمتقين وعمله سننا للمقتدين، وفجّرت ينابيع الأرزاق في دولتنا القاهرة بيد من أغنى بيدنا المعتفين وقمع بمهابتنا المعتدين.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أعاد يمنها على سمع المنابر من نعوتنا ما فقد، وأطفأ إعلانها عن حملتها لهب العناد وقد وقد «1» ، وفوّض اعتناؤنا بمصالح أهلها أمورهم إلى أكمل من انتقى لنا التأييد من ذخائر العلماء وأفضل من انتقد، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أقامنا الله للذّبّ عن أمّته، وجلا بنور جهادنا لأعدائه عن قلب كل مؤمن ما أظلّه من غمّه وران عليه من غمّته، وعضّدنا من أئمة ملّته بمن أردنا مصالح العباد والبلاد في إلقاء كلّ أمر إليه بأزمّته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من فاز بسبقه، وحاز بتصديقه قدم صدقه، واختصّه الله بمؤازرة نبيّه دون من اجتباه من خلقه؛ ومنهم من كان الشيطان ينكّب عن طرقه، ونطق من الصواب بما نزل الذّكر الحكيم على وفقه، وسمّي الفاروق لتمييزه بين الحقّ والباطل وفرقه، ومنهم من قابل المعتدين برفقه وقتل شهيدا على حقّه، وكانت ملائكة الرحمن تستحيي من خلقه الكريم وكرم خلقه، ومنهم من طلع لامع نور الإيمان من أفقه، وكان سيفه من كل ملحد في دين الله بمثابة قلادة عنقه، وطلّق الدنيا تورّعا عنها وبيده مفاتيح ما بسط الله للّامّة من رزقه، صلاة يقيم الإيمان، فرضها، ويملأ بها الإيقان، طول البسيطة وعرضها، وتزيّن كواكب ذكرها ومواكب نصرها سماء الدنيا وأرضها، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فإنّ أولى من رقمت لأعطاف فضله حلل الكلام، ونظمت لأجياد
(11/274)

ذكره فرائد المعاني المستخرجة من بحار الفكر على ألسنة الأقلام، ووشّحت التقاليد من مناقبه بما هو أحسن من اتّساق الدّراريّ على هالات البدور، وجلّي على المسامع مفاخره بما هو أبهى من النّور في العيون، وأحلى من الأمن في القلوب، وأوقع من الشّفاء في الصّدور، وأطلع في أفق الطروس من أوصافه شمس أسفر بأنواع العلوم ضياؤها، وأنشئت في أثناء السطور من نعت مآثره سحب إذا قابلتها وجوه الحيا سترها بحمرة البرق حياؤها، وأودعت المهارق من ذكر خلاله لطفا يودّ ذهب الأصيل لو ناب عن أنفسها، ومنحت صدور المعاني من معاليه طرفا تتمنّى الرياض العواطر لو تلقّت عن أنفاسها- من سمت الوزارة باستقرارها منه في معدن الفضائل، واتّسمت منه بالصاحب الذي أعادت أيّامه ما فقد من محاسن السّير الأوائل، وابتسمت من علومه بالعلّامة الذي تتفرّع من أحكامه أحكام الفروع وتتفجّر من تواقيعه عيون المسائل، واتّصفت من معدلته بالمنصف الذي هجر في أيّامه هجير الحيف والظّلم فالأوقات في أيامه المباركة كلّها أسحار وأصائل، وابتهجت من إنصافه بالعادل الذي سهّل على ذوي المطالب حجاب بابه فلا يحتاج أن يطرق بالشّفاعات ولا أن يستفتح بالوسائل، وأشرقت من مفاخره بالكامل الذي حسنت به حلل الثناء فكأنها ابتسام ثغور النّور في أثناء الخمائل؛ فالعدل في أيّامه كالإحسان شامل، والمعروف بأقلامه كالسّحب المتكفّلة بريّ الأرض الهامل، والظلم والإنصاف مفترقان منه بين العدم والوجود فلا يرى بهذا آمرا ولا يردّ عن هذا آمل؛ قد أعطى دست الوزارة الشريفة حقّه: فالأقدار بآياته مرفوعة، والمضارّ بمعدلته مدفوعة، وكلمة المظلوم بإنصاف إنصاته مسموعة، وأسباب الخيرات بحسن نيّته لنيّته الحسنة مجموعة، والأقاليم بكلاءة أقلامه محوطة، وأحوال المملكة بآرائه المشتملة على مصالحها منوطة، والثّغور بحسن تفقّده مفترّة المباسم، مصونة بإزاحة الأعذار عن مرّ الرّياح النّواسم، آهلة النّواحي بموالاة الحمول التي لا تزال عيسها بإدامة السّرى دامية المناسم، والبلاد بما نشرت أقلامه من العدل معمورة، والرّعايا بما بسطت يد إحسانه من الإحسان مغمورة، وأرباب التصرّف بما تقتضيه أقلامه عن الحيف
(11/275)

منهيّة وبالرّفق مأمورة، والأيدي بالأدعية الصالحة لأيّامنا الزاهرة مرتفعة، والرعيّة لتقلّبها في مهاد الأمن والدّعة بالعيش منتفعة، وبيوت الأموال آهلة، على كثرة الإنفاق، والغلال متواصلة، مع التوفّر على عمارة البلاد، والحمول متوالية مع أمن من صدرت عنهم على ما في أيديهم من الطّوارف والتّلاد، والأمور بالتيقّظ لها على سعة الممالك مضبوطة، والنّفوس بالأمن على ما هي عليه من التملّي بالنّعم مغبوطة، والمناصب مصونة بأكفائها، والمراتب آهلة بالأعيان الذين تنبّهت لهم في أيّامه عيون الحظّ بعد إغفائها، ومجالس المعدلة حالية، بأحكام سيرته المنصفة، ومواطن العلم عالية، بما يملى فيها من فوائده التي أتعب ألسنة الأقلام ما فيها من صفة.
ولما كان الجناب العاليّ، الصاحبيّ، الوزيريّ، الضّيائيّ، وزير الممالك الشريفة، هو الذي كرمت به مناسبها، وعظمت بالانتماء إليه مناصبها، وتحلّت بعلمه معاطفها، ونزلت على حكم حلمه عوارف برّها العميمة وعواطفها، وزهت بجواهر فضائله أجيادها، واستوت في ملابس حلل المسرّة أيامّها الزاهية وأعيادها، وأنارت بمعدلته لياليها، وأشرقت بالانتظام في سخاب «1» إيالته لآليها؛ فكم من أقاليم صان قلمه أموالها، وممالك حلّى عدله أحوالها، وبلاد أعان تدبيره السّحب على ريّها، وأعمال أبان عن استغنائها بتأثيره عن منّة الحيا حسن مسموعها ومرئيّها، وأرزاق أدرّها، ورزق أجراها على قواعد الإحسان وأقرّها، وجهات برّ أعان واقفيها عليها، وأسباب خير جعل أيّامنا بإدامة فتحها السابقة إليها، وقدم سعاية أزالها وأزلّها، وكلمة حادثة أذالها وأذلّها، ووجوه مضرّة ردّها بيد المعدلة وصدّها، وأبواب ظلم لا طاقة للرعيّة بسلوكها أغلقها بيمنى يمنه وسدّها؛ فدأبه أن يسدّد إلى مقاتل العدا باتخاذ اليد عند الفقراء سهام
(11/276)

الليل «1» التي لا تصدّها الدّروع، وأن يجدّد لأوليائنا من عوارف آلائنا أخلاف برّ تروي الآمال وهي حافلة الضروع- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نزيّن بمجده غرر التقاليد، ونجدّد إليه في أمور وزارتنا الشريفة إلقاء المقاليد، وأن نوشّي الطروس من أوصافه بما يجدّد على أعطافها الحبر، ونردّد على ألسنة الأقاليم من نعوته ما لا تملّ المسامع إيراد الخبر منه بعد الخبر.
فلذلك رسم بالأمر الشريف العاليّ، المولويّ، السّلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ- لا زال الدّين في أيامه الشريفة مشرقا ضياؤه، آهلة باعتلائه مرابع الوجود وأحياؤه، ممدودة على الأمة ظلاله الوارفة وأفياؤه- أن يجدّد هذا التقليد باستقراره تجديدا لا يبلي الدهر حلله، ولا تقوّض الأيام حلله «2» ، بل يشرق في أفق الممالك إشراق النجوم الثّوابت، ويتفرّع في مصالح الملك تفرّع الأفنان الناشئة في الأصول النّوابت، وتختال به مناصب الدولة القاهرة في أسنى ملابسها، وتضيء به مواطن العلوم إضاءة صباحة المصباح في يد قابسها، وتسترفع لنا به الأدعية الصالحة من كلّ لسان، وتجتلى به لأيامنا الزاهرة من كل أفق وجوه الشّكر الحسان.
فلتجر أقلامه في مصالح دولتنا الشريفة على أفضل عادتها، ويرسلها في نشر العدل على سجيّتها وفي إجراء الجود على جادّتها، ويكفّ بها أكفّ الحوادث فإنما تزال أسباب الظلم بحسم مادّتها، ولينطقها في مصالح الأموال بما تظلّ له مسامع الحمول مصغية، ويطلقها في عمارة البلاد بما تغدو له ألسنة الخصب حافظة ولما عداه ملغية؛ وكذلك الخزائن التي هي معاقل الإسلام وحصونه، وحماه الذي لا يبتذل بغير أمرنا الشريف في مصالح الملك والملّة مصونه؛ فليجعلها بتدبيره كالبحار التي لا تنقص بكثرة الورّاد جمامها، ولا تنزحها السّحب لكثرة ما تحمل إلى الآفاق غمامها، ولتكن كلمة العدل من أهمّ
(11/277)

ما تفتتح به مجالسه، وآكد ما يؤمر به محاضره من الأولياء ومجالسه، وأزكى ما يستجيد به لاستمثار الدعاء الصالح مغارسه، وأوثق ما يحوط به حمى الملك الذي إذا غفا جفن عينه كان حارسه، وأوّل ما ينبغي أن ينافس عليه حاضر دسته وغائبه، وأولى ما يعدّ على إهماله نكاله ويعدّ على إقامته رغائبه.
وليلاحظ من مصالح كلّ إقليم ما كأنّه ينظر إليه بعين قلبه، ويمثّل صورته في مرآة لبّه، فيقرّ كلّ أمر على ما يراه من سداده، ويقرّر حال كلّ ثغر على ما يحصل به المراد في سداده، فيغدو لأعذاره بموالاة الحمول إليه مزيحا، ويمسي بسدّ خلله لخواطر أهل الكفر متعبا ولخواطرنا الشريفة مريحا، وينظر في أحوال من به من الجند والرجال بما يؤكّد الطاعة عليهم، ويجدّد الاستطاعة لديهم، ويزيل أعذارهم واعتذارهم [بوصول حقوقهم إليهم، ويوفّرهم على إعداد الأهبة للأعداء] «1» إذا أتوهم من فورهم، ويكفّهم بإدار الأرزاق عليهم عن اعتدائهم على الرعايا وجورهم، ويتفقّد من أحوال مباشريها وولاة الحكم والتحكّم فيها ما يعلمون به أنه مناقشهم على الأمور اليسيرة، والهفوات التي يرونها قليلة وهي بالنسبة إلى كثرة الرّعايا كثيرة، ويتعاهد أمور الرتب الدينيّة فلا تؤخذ مناصبها بالمناسب، ولا تغدو أوقافها المعدّة لاكتساب العلوم في المكاسب، بل يتعين أن يرتاد لها العلماء الأعيان حيث حلّوا، ويقرّر في رتبها الأئمّة الأكفاء وإلا اتخذ الناس رؤوسا جهّالا فضلّوا وأضلّوا. ولتكن أقلامه على كلّ ما جرت به العوائد في ذلك محتوية، وأيامه على أكمل القواعد في ذلك وغيره منطوية، فما ثمّ شيء من قواعد الوزارة الشريفة خارج عن حكمه فليكتب يمتثل، وليقل في مصالح دولتنا القاهرة يكن قوله أمضى من الظّبا وأسرى من الصّبا وأسير من المثل؛ فلا تمضى في ذلك ولاية ولا عزل، ولا منع ولا بذل، ولا عقد ولا حلّ، إلا وهو معدوق بآرائه، متوقّف على تنفيذه وإمضائه، متلقّى
(11/278)

ما يقرّر فيه من تلقائه، وفي الاكتفاء بسيرته ما يغني عن إطرائه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة تقليد بالوزارة:
الحمد لله الذي شدّ لدولتنا القاهرة باصطفاء أشرف الوزراء أزرا، وخصّ أيّامنا الزاهرة باجتباء من حماها عدله أن تضع أو تحمل وزرا، وأفاض إنعامنا على من طلع في أفق خدمتنا هلالا واستقلّ بحسن السّير والسّيرة بدرا، وضاعف إحساننا لمن لا نرفعه إلى رتبة شرف إلا وكان أجلّ الأكفاء على ذلك قدرة وقدرا، وجمّل ملكنا بمن إذا افتخرت الدّول ببعض مناقبه كفاها ذلك جلالا وفخرا، وإذا ادّخرت تدبيره وبذلت ما عداه فحسبها ما أبقته وقاية للملك وذخرا، وبسط عدلنا في الأقاليم بيد من حين أمرنا القلم بتقليده ذلك سجد في الطّرس شكرا؛ وافتتح بحمد الله يذكّر النعمة به على آلائه إنّ في ذلك لذكرى، وأخذ في وصف درر مفاخره التي تمثّلت له فنضّدها دون أن يستدعي رويّة أو يعمل فكرا.
نحمده حمد من والى إلى أوليائه، موادّ النّعم، وأضفى على أصفيائه، ملابس الكرم، وحفظ لمن أخلص في طاعته معارف معروفه التي هي في أهل النّهى ذمم، ونبّه لمصالح رعاياه من عمّ عدله وإن لم يغف عن ملاحظة أمورهم ولم ينم.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نعلنها ونعليها، ونرخص أرواح جاحديها ونغليها، ونوالي النّعم على المتمسّك بها ونوليها، ونقرّب بيمنها رتب الأولياء من إحساننا وندنيها، ونجدّد لهم بتأييدها ملابس المنن نظهر عليهم آثار النّعم السنية فيها، ونرفعهم بحسن عنايتنا إلى أشرف غاية كانوا يسرّون أهليّتهم لها والله يبديها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أقامنا لنصر دينه فقمنا به كما أمر، وأبقى على أيّامنا حكم أيّامه فاستمرّ الحال على ما
(11/279)

سبقت به دعوته من تأييد الدين بعمر، وخصّنا ممن ينتمي إلى أصحابه بأجلّ صاحب ينوب عن شمس عدلنا في محو ظلمة الظّلم مناب القمر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الزّهر الغرر، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من اختيرت جواهر الكلام لرصف مفاخره، وانتخبت غرر المعاني لوصف آثاره في مصالح الإسلام ومآثره، وقامت خطباء الأقلام على منابر الأنامل بشيرة بيمن أيّامه، وتطلّعت مقل الكواكب مشيرة إلى ما أقبل على الأقاليم من إقباله وسحّت سحب أقلامه، وتبرّجت زهر النجوم لينتظم في عقود مناقبه سعودها، وتأرّجت أرجاء المهارق إذ تبلّج من ليل عن فجر عمودها، وسارت به أنباء السّعود والقلم الناطق بذكره وهو المحلّق الميمون طائره، والطّرس الموشّع بشكره وهو المخلق الذي تملأ الدنيا بشائره- من استخلصته الدولة القاهرة لنفسها فتملّاها عينا وسرّ بها قلبا، واختصّته بخواصها الشريفة فرحب بها صدرا ولبّاها لبّا، وكلف بمؤازرتها بذاتها حتّى قيل: هذه تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا
»
وأحلّته من وزارتها الشريفة بالمكان الأسنى والحرم الحريز، وأثنت على فضله الأسمى بلسان الكرم البسيط الوجيز، واعتمدت في أمور رعاياها على ما فيه من عدل وورع لا ينكر وجودهما من مثله وهو في الحقيقة عمر بن عبد العزيز، وأدنته عنايتنا منّا لما فيه من فضل عميم، وحسب صميم، ونسب حديث مجده قديم، وأصالة إذا افتخرت يوما تميم بقومها قالت أين تميمك من جدّه صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تميم، وغرسته لنفسها وطال ذلك الغرس وطاب الثّمر، واعتضدت بتدبيره فكان له عند أطراف العوالي في مكانه الأعزّ أظرف سمر، ووثقت بما فيه من عدل ومعرفة لا ينكر من نحا الصواب اجتماعهما في عمر، واشتقّت له بإحساننا من نسبته وصفا جميلا ونعتا جليلا، وخصّته لمزيّة ذلك الاشتقاق بمزيد قربنا فأمسى في خدمتنا جليلا وأصبح خليلا، ورعت له ما قد تمّ من تدبير أتى عليه بنفسه، وسداد ظهرت مزيّة
(11/280)

كل يوم منه على أمسه، وسعي جميل ما برح في مصالح الإسلام رائحا وغاديا، واجتهاد في أمور أهل الجهاد ما برح يداب فيه علما بما أعدّ الله لمن جهّز غازيا، ودان له من حسن ملاحظته الأمور ما ليس للوصف به من قبل، وتأملت ما يكشف له على البعد من المصالح التي يأمر بالصواب فيها وكيف لا وعمر الذي شاهد السّريّة على البعد من سارية الجبل، وأيقنت ببسط العدل في الرّعايا إذ هو مؤتمر والعادل آمر، وتحقّقت عمارة البلاد على يديه لأنّ عمر بحكم العدل عند الحقيقة عامر.
ولذلك لما كان المجلس العاليّ الفخريّ- ضاعف الله نعمته- هو الذي قرّبته طاعتنا نجيّا، ورفعته ولايتنا مكانا عليّا، وحقّق له اجتهاده في مصالح الإسلام الأمل من رضانا وكان عند ربّه مرضيّا، وأخلص في خدمة دولتنا الشريفة فاتّخذته لخاصّ الأمور وعامّتها صفيّا، وأظهر ما بطن من جميل اجتهاده فجعلته لمصالح الملك وزيرا وصاحبا ووليّا، وأنجزت منه لتدبير أمور الممالك ما كان الزّمن به ماطلا، وأجرت على يده التي هي مليّة بتصريف الأرزاق ما لا يبرح غمامه هاطلا، وقلّدته رعاية الأمور وأمور الرّعايا علما أنه لا يترك لله حقّا ولا يأخذ باطلا، وقلّدت جيده بأسنى حلى هذه الرتبة الجليلة، وإن لم يكن منها بحكم قربه منّا عاطلا، ورفعت له لواء عدل ما زال له بالمنى في أيّامنا الشريفة حاملا، وكمّلت له ببلوغ الغاية من أفق العلوّ رفعة قدره وما زال المؤهّل للكمال باعتبار ما يؤول إليه كاملا، ونوّهت بذكره وما كان لظهور مخايل هذا المنصب الجليل عليه في وقت خاملا، ونظرت الرعايا فما عدلت بهم عن برّ رفيق، وصاحب شفيق، ووزير عمريّ السيرة ما سلك طريقا إلا وعدل شيطان الظلم عن ذلك الطريق؛ وكان هذا المنصب الجليل غاية مدار الممالك عليها، وقبلة توجّه وجوه أهل الطاعة فيما يفاض عليهم من نعمنا إليها؛ وهو الذي يتدرّع صاحبه من أنواع الطاعات لبوسا، ويعالج من أدواء المهامّ ما بغير عزائمه لا يوسى، ويتردّد في المخالصة والمناصحة من مالك أمره بمنزلة هارون من موسى- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نفوّض ذلك إلى من نهض في طاعتنا الشريفة
(11/281)

بما يجب، وعلمنا تحرّزه لدينه ولنا فيما يأتي ويجتنب، ومن تزاد به مع فخره أيّامنا الشريفة فخرا، ويصبح له مع ماله من الجلالة في نفسه رتب جلالة أخرى.
ولهذا رسم بالأمر الشريف العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ:- لا زال يصرّف الأقدار بيمين أيّامه، ويشرّف الأقدار ببرّه وإنعامه، ويدرّ على الأولياء وابل جوده الذي تخجل الدّيم من دوامه- أن تفوّض إليه الوزارة الشريفة الكاملة على جميع الممالك الإسلامية: شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وبرّا وبحرا، وشاما ومصرا، على أجمل القواعد في ذلك وأكملها، وأسنى الفوائد وأفضلها، وأتمّ الأحوال التي يستغنى بمجملها عن مفصّلها.
فليعط هذه الرتبة من جلالته حظّا كانت من إبطائه على وجل، ويجار الغمائم بوابل إنعامنا الذي يعلم به أن حمرة البرق في أثنائه خجل، ويطلق قلمه في مصالح الدولة القاهرة بسطا وقبضا، وإبراما ونقضا، وتدبيرا يعين النّيل والغمام على تتبّع المحل ما وجد كلّ منهما أرضا، ويعمل آراءه المباركة تدبيرا للمناجح وتدريبا، وتقريرا للقواعد وتقريبا، ونظرا يجعل لكلّ عمل من ملاحظته نصيبا، وفكرا يحاسب به على حقوق الله وحقوق خلقه فإنّ الله هو المناقش على ذلك وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً*
«1» ويبدأ بالعدل الذي رسم الله به وبالإحسان في ملكنا الشريف، ويخفّف- مع الجمع بين المصالح- عن خلق الله الوطأة فإنّ الإنسان ضعيف، وينجز لأولياء دولتنا موادّ الأرزاق فإنّ سيف المنع الذي نحاشي أيّامنا عن تجريده أقلّ نكاية من التسويف، ويمنع الولاة من ظلم الرعايا باعتبار أحوالهم دون أقوالهم فإنّ منهم من يدّعي العدل ويجور ويظهر الرّفق ويحيف؛ وليتتبّع أدواء المحل تتبّع طبيب خبير، ويصرّف الأمور بجميل تدبيره فإنّ البركة معدوقة بحسن
(11/282)

التدبير، ويستقبل ريّ البلاد- إن شاء الله تعالى- بسداد حزم يغتفر به هذا القليل لذلك الكثير، ويستخلف بالرّفق والعدل أضعاف ما فات في أمسه فإنّ ذلك على الله يسير، وليهتمّ ببيوت الأموال فيوالي إتيان الحمول إليها من أبوابها، ويضاعف بها الحواصل التي لا يطّلع بغير حسن التدبير على أسبابها؛ فإنّها معادن الذخائر وموارد الرجال، وإذا أعدّ منها جبالا شوامخ تلا إنفاقنا في سبيل الله:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ
«1» وكذلك الخزائن التي هي معاقل الإسلام وحصونه، وحماه الذي لا يبتذل بغير أمرنا الشريف في مصالح الملك والملة مصونه، فيجعلها بتدبيره الجميل كالبحار التي لا تنقص بكثرة الورّاد جمامها، ولا تنزحها السّحب على كثرة ما تحمل إلى الآفاق غمامها، وليلاحظ من مصالح كلّ إقليم بما تمثّله له على البعد أفكاره، ويأمر في أحوال من به من الجند بما يؤكّد الطاعة عليهم، ويجدّد الاستطاعة لديهم، ويزيح أعذارهم واعتذارهم بوصول حقوقهم إليهم، ويوفّرهم على إعداد الأهبة للأعداء إذا أتوهم من فورهم، ويكفّهم بإدرار الأرزاق عليهم عن اعتدائهم على الرعايا وجورهم، ويجعل ثغور كل جانب- بتيسير محصولها، وتثمير ذخائرها التي هي من موارد رجالها- مصفّحة بالصّفاح، مشرقة بأسنّة الرّماح، مسدودة من جهة العدوّ عنها مسالك الرياح، ويتفقّد من أحوال مباشريه، وولاة الحكم والتحكّم فيه، ما يعلمون به أنه مناقشهم على الأمور اليسيرة، والهفوات التي يرونها قليلة وهي بالنسبة إلى كثرة الرعايا كثيرة، والأحوال التي إذا عدّدها الكتاب عليهم قالوا: يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً
«2» ، ويتعاهد أمور الرّتب الدينية فلا تؤخذ مناصبها بالمناسب، ولا تعدّ رزقها المعدّة لاكتساب العلم في المكاسب، بل يتعيّن أن يرتاد لذلك العلماء الأعلام حيث حلّوا، ويقرّر في مراتبها الأكفاء وإلا اتخذ
(11/283)

الناس رؤوسا جهّالا فضلّوا وأضلّوا؛ وقد جعلنا أمره في ذلك جميعه من أمرنا، فليقل يمتثل، وينشر كلمة عدلنا التي يسير بطريقتها المثلى المثل؛ ولا تمضى ولاية ولا عزل، ولا منع ولا بذل، ولا عقد ولا حلّ، إلا وهو معدوق بآرائه، متلقّى من تلقائه، متوقّف على تنفيذه وإمضائه؛ وقد اختصرنا الوصايا، اكتفاء بما فيه من حسن الشّيم، واقتصرنا على ذكر بعض المزايا، إذ مثله لا يدلّ على صواب ولا يزاد ما فيه من كرم؛ لكنّ تقوى الله أولى ما ذكّر به من لم يزل لربّه ذاكرا، وأحقّ ما شكر على التوفيق من لم يبرح له به شاكرا؛ والله يزيد قدره اعتلاء، ويضاعف للدولة الشريفة احتفالا بشكره واعتناء.
وهذه نسخة تقليد بالوزارة:
الحمد لله الذي شدّ أزر الملك من الوزراء بالمكين الأمين، وأشرك في أمر ملكه من هو على صلاح الجمهور خير معين، وألقى مقاليد حسن تدبيره لمن دلّت عليه بركة الاستخارة، وصوّب أمر دقيقه وجليله لمن هو لجميل الثناء المعنى وإليه ببنان الاجتباء الإشارة، وناول كتابها لمن هو أحقّ بتحمل أعبائه، ورقّى منصبها لمن لا شبهة بأنه الحقيق باستعلائه، وناول قلم إعطائها ومنعها لواضع الإشارة في محلّها، وعدق تثمير أموالها بمن لا يأخذها بمقتضى يبديه إلا من حلّها.
نحمده على حسن إلهامه، وشريف إفهامه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبد مخلص في أدائها، محقّ في إعادتها وإبدائها، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله خير من هو بالحق مبعوث وبالصدق منعوت، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا تزال مستمرّة في كل وقت موقوت، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ يد الوزارة هي اليد الباسطة فيما قلّ وجلّ، والمتحكّمة فيما عدق بالملك من كلّ عقد وحلّ، والموقوف عند إشارة بنانها وإليها التحكّم في
(11/284)

كل إعطاء ومنع، وتفريق وجمع، وعزل وولاية، ونهاية كل نهي وأمر وما لها من غاية، وربّها من الملك كالرّوح الباصرة من العين، واللسان المعبّر عن كلّ زين وشين؛ وحسبه أنه في المحلّ من ذات اليمين، ومن مكانة التمكّن في الحرز الحصين؛ ولهذا لا يؤهّل لها إلا من انعقد على سؤدده الإجماع، وانقطعت دون لحاق شرفه الأطماع، وتأصّل في فخارها وتفرّع، وقام بفروض كفاية كفالتها وتطوّع، وسار حديث مناقبه في الآفاق، وجاء بالاختيار والاختبار بالوفاق، وحسن صورة ومعنى، وتعدّدت مناقبه فدلّت على أنه الفرد إذا اتّسقت عقوده مثنى مثنى. وكان المجلس العاليّ الفلانيّ ربّ حوزتها وسريرها، وروح بصر مرتمق هذه المحامد وإليه أمر مصيرها، والذي حكمت له السيادة بمنالها وحكّمته، وأوضحت بأصالتها وجه الصواب في اختياره لها وأحكمته، وقد حاز من متفرّق لوازمها ما تفرّق فيمن سواه، وحوى من أدواتها ما دلّ على أنّ الله خلقه فسوّاه؛ إن قال فالصواب موكّل بمنطقه، أو صمت فعظم مهابته قائم مقامه بجميل الخلق لا تخلّقه؛ قد جمع إلى التواضع فرط المهابة، وإلى الابتداء بالمعروف حسن الإجابة؛ إن ذكرت الصّدارة فهو مالك زمامها، أو الرّياسة فهو غرّة لثامها، أو الكفالة فهو مصرّف عنانها، أو الوزارة فهو عين أعيانها؛ لم تزل رتبتها متشوّقة لحلوله، ممهّدة لشريف تأهيله.
ولما تحلّى منها بهذه الحلى، وسار حديث ملاءته بتخويلها في الملا، وتلا لسان القلم سور هذه المحاسن وتلا الثاني بالأوّل منها إذا تلا، رسم بالأمر العاليّ- أمتعه الله بما وهبه من حسن مؤازرته، وشدّ عضد مملكته بالإمتاع بربح حسن معاملته لله وله ولمتاجرته- أن تفوّض الوزارة المفخّمة، المكرّمة المبجّلة المعظّمة، للمشار إليه: تفويضا عامّا للقريب من مصالحها والبعيد، والطارف والتليد، والمقيم والنازح، والغادي والرائح، والسانح والبارح، والباغم والصادح «1»
(11/285)

فليباشر ما فوّض إليه منها مباشرة مثله لمثلها، وليعطها من نيله مناسب نيلها، وليأخذ أمرها بكلتا يديه، وليعرها جانبا من احتفاله ليظهر عليها آثار سؤدده كما ظهر شريف تخويلها عليه، وليطلق فيها لسان نهيه وأمره، وليعمل في مصالحها صالح فكره؛ فقد عدقت به مهامّها: جليلها وحقيرها، وقليلها وكثيرها، وأميرها ومأمورها، وخليلها وضريرها، وناعقها وناعبها، وكاسيها وكاسبها، ودانيها وقاصيها، وطائعها وعاصيها، ومستقبلها وحالها وماضيها، وواليها وقاضيها، ثقة بتمام تدبيره، وحميد تأثيره، وأنّه إن حكم فصل، وإن قطع أو وصل كان الحزم فيما قطع ووصل؛ إذ هو الوزير الذي قد صرف عن عمل الأوزار وسار، إلا أنه في كل منهج سار، تقطر السيادة من معاطفه، وتجني ثمر المنى من أغصان قلمه يد قاطفه؛ لا شيء يخرج عن حكمه، ولا مصلحة تعزب عن علمه؛ فولاية الحكّام معدوقة بإشارته، موقوفة على ما يثبته ببليغ عبارته. ومع جلالة قدره لا يحتاج إلى التأكيد في الأموال واستدرار أخلافها، والرّعايا والاستدامة بالإحسان ودّ أحلافها، وبيوت الأموال واستيداء حقوقها، ومراعاة جانبها إذ هي الأمّ الحنونة بتجنّب عقوقها، والخزائن فهو أدرى بما يجب من تضييق صدرها بالمناقيص عن الانشراح، والاهتمام بحواصل تشريفها المستجلبة إفاضة ملابسها قلب من غدا وراح؛ وثمّ دقائق، هو أدرى بمالها من طرائق، وحقائق، هو أعرف إذ كان فيها الفاتق الراتق؛ فهو- أجلّه الله- غنيّ عن تفصيلها، وذهنه أشرف عن الوصايا المندوبة لتوصيلها؛ والله تعالى يقدّر له وبه الخير، ويمتّع بحسن تدبيره المقرون بجميل السريرة والسّير؛ والخطّ الشريف أعلاه، حجّة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
وهذه وصية وزير أوردها في «التعريف» وهي:
يوصى بتقوى الله فإنه عليه رقيب، وإليه أقرب من كلّ قريب؛ فليجعله أمامه، وليطلب منه لكل ما شرع فيه تمامه، وليجل رأيه في كلّ ما تشدّ به الدولة أزرها،
(11/286)

وتسند إليه ظهرها، وليجعل العدل أصلا يبني على أسّه، والعمل في أموره كلّها لسلطانه لا لنفسه، وليدع منه الغرض جانبا، وحظّ النفس الذي لا يبدو إلا من العدوّ ليصدق من دعاه صاحبا، وليبصر كيف يثمّر الأموال من جهاتها، وكيف يخلّص بيوت الأموال بالاقتصار على الدّراهم الحلال من شبهاتها، ولينزّه مطاعم العساكر المنصورة عن أكل الحرام فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يرى به من العين إلا ما يحرّم الهجوع، وليحذر من هذا فإن المفاجيء به كالمخاتل، وليتجنّب إطعام الجند منه فإن [آكل] «1» الدراهم الحرام ما يقاتل، وليحسن كيف يولّي ويعزل، ويسمّن ويهزل؛ وعليه بالكفاة الأمناء، وتجنّب الخونة وإن كانوا ذوي غناء؛ وإيّاه والعاجز، ومن لو رأى المصلحة بين عينيه ألفى بينه وبينها ألف حاجز؛ وليطهّر بابه، ويسهّل حجابه، ويفكّر فيما بعد أكثر مما قرب: مقدّما للأهمّ فالأهمّ من المصالح، وينظر إلى ما غاب عنه وحضر نظر المماسي والمصابح، ولا يستبدل إلا بمن ظهر لديه عجزه أو ثبتت عنده خيانته، ولا يدع من جميل نظره من صحّت لديه كفايته، أو تحقّقت عنده أمانته، وليسلك أقصد الطّرق في أمر الرواتب التي هي من صدقاتنا الشريفة وصدقات من تقدّم من الملوك، وهي إمّا لمن وجب له حقّ وإن كان غنيّا أو عرف صلاحه وهو صعلوك؛ وكذلك ما هو لأيتام الجند الذين ماتوا على الطاعة، وأمثالهم ممن خدم دولتنا القاهرة بما استطاعه؛ فإن غالب من مات منهم لم يخلّف لهم إلا ما نسمح لهم به من معروف، ونجريه لهم من جار هو أنفع من كثير مما يخلّفه الآباء للأبناء من المال المتملّك والوقف الموقوف؛ وليصرف اهتمامه إلى استخلاص مال الله الذي نحن أمناؤه، وبه يشغل أوقاته وتمتليء كالإناء آناؤه؛ فلا يدع شيئا يجب لبيت المال المعمور من مستحقه، ولا يتسمّح في تخلية شيء منه كما أننا نوصيه أنه لا يأخذ شيئا إلا بحقّه؛ وليبق لأيّامنا الزاهرة بتواقيعه ذكرا لا يفنى، وبرّا لا
(11/287)

يزال ثمره الطيّب من قلمه يجنى، ليكون من رياح دولتنا التي تغتنم ما يثيره من سحابها المطير، وحسنات أيّامنا التي ما ذكرنا وذكر معنا إلا وقيل: نعم الملك ونعم الوزير.
الوظيفة الثانية (كتابة السّرّ، ويقال لصاحبها «صاحب دواوين الإنشاء» )
وقد تقدّم في الكلام على ترتيب الوظائف أنّ موضوعها قراءة الكتب الواردة على السلطان، وكتابة أجوبتها، وأخذ خطّ السلطان عليها وتسفيرها، وتصريف المراسيم ورودا وصدورا، والجلوس لقراءة القصص بدار العدل، وأنّه صار يوقّع فيما كان يوقّع فيه بقلم الوزارة.
قلت: وقد كان فيما تقدّم يكتب له توقيع في قطع النصف بلقب «المجلس العالي» ثم استقرّ أن يكتب له تقليد في قطع الثلثين بلقب «الجناب العالي» . وقد تقدّم الكلام على تقليده في الكلام على التقاليد.
وهذه نسخة تقليد بكتابة السر، كتب بها للمقر المحيويّ «محيي الدين «1» بن فضل الله» عند عوده إلى كتابة السّر بالديار المصرية، في جمادى الأولى سنة ثلاث ... «2» . من إنشاء الشريف شهاب الدين، أحد كتّاب الدّرج الشريف، وهي:
(11/288)

الحمد لله المانّ بفضله، المستعان به في الأمر كلّه، الذي رفع أوّل الأولياء من العلياء إلى محلّه، ووضع النّعم عند من ينصّ الاستحقاق على تقديمه بمنصبه ويجلّ ما فوّض إليه من أجله، وأبدع نظام السّؤدد بأجمل حال ما دام يحيى جامع شمله، وأودع سرّ ملكنا الشريف عند الحفيظين منه ومن نجله، وأرجع الرياسة إلى من سما ثباتا، ونما نباتا، وعلا عزما، ووفى حزما؛ فبيمن آثاره تضرب الأمثال ولا تجد في يمن سجاياه كمثله.
نحمده على أن أعاد بنا الحقّ إلى أهله، ونشكره على أن جاد روض الامال بواكف سحاب كرمنا ووبله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من وفّق للصواب في قوله وفعله، وتحقّق منه جميل الإخلاص في جميع مذاهبه وسبله، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المؤوي يوم الجزاء إلى سابغ ظلّه، والمروي يوم العطش الأكبر بسائغ نهله، والنبيّ الذي بعثه خاتم رسله، وآتاه من الكرامة ما لم يؤت أحدا من الأنبياء من قبله، والمجتبي من علماء صحابته من أهّله لإيداع سرّه وصونه وإبلاغ أمره وحمله، صلى الله عليه وعلى آله الذين سبقوا إلى غايات الفخار وخصّوا بخصله، ورضي الله عن أصحابه المجاهدين في حبّه المعتصمين بحبله، خصوصا الصدّيق الذي أحسن الخلافة من بعده وقاتل من ارتدّ بقتله، ومن فرق بين الحق والباطل بحسن سيرته ومحض عدله؛ ومن تلقّى عنه آيات الكتاب فأ [حسن] «1» في ترتيبه وجمعه وأدائه ونقله، ومن كان فارس حربه، وحارس سربه، وكاتب وحيه وخاطب كفله، وعن بقية المهاجرين والأنصار الذين انفردوا بأكمل الفضل وأجلّه، صلاة ورضوانا وضح بهما نور الهدى لمستدلّه، ما شفى كرمنا الصّدور بصدور إقباله إلى من قام بفرض ولائه ونفله، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فنعمنا لا تزال للعهود حافظة، وبالجود متحفة وبالسّعود
(11/289)

ملاحظة، وعلى المعهود من كرم شيمها محافظة، وللخدم مكافية، وللقسم موفية وبالنّعم موافية، وبمألوف الكرم ملافية، اتّباعا لسبيل الصّواب، وإيداعا للمنحة عند من لحقّه في استحقاقها إيجاب، فلمحلّه اقتران بالاقتراب، ولفعله إنجاز لوعود الصّعود وإنجاب، ولفيض الله تعالى عليه من القبول أبهى جلباب، وله سبق ولاء لملكنا بعد جفاء فيه السنين والأحقاب، وصدق ودّ ما ضاع لدينا ولا خاب، وقدم هجرة كم لها في تأييد الدّين انتصار وانتصاب، وتعدّد مناقب هي في الإشراق والرّفعة كالنّجوم وفي الكثرة عدد الرمل والحصى والتّراب؛ فما دعاه سلطاننا إلا استجاب، ولا استوعاه سرّه إلا غدا به يصان ولا يصاب، ولا استنطقنا قلمه إلا كفى الخطب بأملح خطاب، ولا استثرنا رأيه إلا حضر الرّشد وما غاب؛ فكم فرّق للأعداء من كتيبة بكتاب، وقرّب من ظفر والسيف في القراب؛ فبدعواته يستنزل من النّعماء أهمر سحاب، وببركاته جاء نصر الله والفتح وكان كيد الكافرين في تباب، وبأقلامه إنعامنا يهب وانتقامنا يهاب؛ فهي على الممالك أمنع سياج، ولها في مسالك الخير أبدع منهاج، وللدولة به وبولده استغناء وإليهما احتياج، فكم ضمّنا درر كلامهما الأدراج، وأطلعا زهر أقلامهما من المهارق في أبراج، وكم واصلت في ليل النّقس «1» السّرى والإدلاج، حتى أبدت صباح النجاح ذا ابتلاج، فلا عجب أن كان للنّعم إليهما معاد ومعاج، ولضيق الخطب عند باعهما الرّحب فسحة وانفراج.
ولما كان المجلس العاليّ المحيويّ هو أسرى من تلقى إليه الأسرار، وتبقى منه عند أحرى الأحرار، فكم لها صان أين صار، وكم لخواطرنا الشريفة من أفعاله سارّ حيث سار، وكم له من كرمنا دارّ في كل دار، فمنّا لقربه إيثار، ولأثنيتنا «2» عليه إكبار، ولنا بفضائله إقرار، يوجب للنّعم عنده الإقرار- اقتضى
(11/290)

حسن الرأي الشريف أن نعيد إليه منصبه، ونزيد لديه الموهبة، ونجعل وجود تفضيله لدولتنا أعظم مزيّة ومنقبة، ونراه أجلّ كفء لاستجلاء عقائل الأسرار المحجّبة، وإن كان لنزاهته لا يخطبها فهي لوجاهته ترغب أن تخطبه.
فلذلك رسم بالأمر الشريف العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ- لا برح بفضل الله يحيي الدّين، وبتأييده يبين أنّه الحقّ المبين، وبتسديده يصيب عين الصواب في التعيين- أن نفوّض للمشار إليه صحابة ديوان الإنشاء الشريف بالأبواب الشريفة شرّفها الله وعظّمها: على أجمل عوائده، وأكمل قواعده، وأحسن حالاته في حسن مقاصده، ونفوذ ما يبلّغه من رسائل عدلنا في مصادر كل أمر وموارده؛ وليستقرّ باسمه من المعلوم كذا وكذا.
فليتلقّ منصبه المبارك بأمل في كرمنا مبسوط، ورتبته التي يحمي حماها ويحوط، ممضيا للمهمّات والمراسم، مبقيا من يمن آثاره ما تضحى به ثغور الثّغور بواسم، معيدا لمن عنده من كتّابنا أوقات الأنس فأيّامهم به كلّها مواسم، وبها لهم من الخيرات أجزل المقاسم؛ وقد وفّروا دواعيهم إلى الخدمة إذ وفّر على نفقتهم دواعيه، وهو لسان الدولة وهم أذن صون لما يلقيه إليهم واعية، فحقّ لهم إلى وداده أن يجنحوا، وبإسعاده أن ينجحوا، وعن ولائه لن يبرحوا:
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
«1» ، فلسرير الملك به سرور، وللدولة من أشعّة إنابه وطلعة شهابه نور على نور، وبهما عماد الشرف الأعلى مرفوع وبيت الفضل الاوفى معمور، وهو وبل هذا الغيث الغمر وشبل هذا الليث الهصور؛ طالما هزم الصّفوف من كتبنا بالسّطور، وجهّز بردا سرّها بالصون مكتوم وعلمها بالنصر منشور، وهو كنز الفضائل وكتابه الذّهب شذور، ومن هذه الأسرة العمرية بأفق العلياء نجوم وأهلّة وبدور، وللنّيّر الأكبر إشراق وأتلاق وسفور، وغيره بالوصايا المأمور، وسواه نبيّن له قصد السبيل حتّى لا يضلّ ولا يجور، ولا
(11/291)

نحتاج أن نذكّره بما هو من علمه مذكور، وفي صحائفه مسطور، ولا نعلّمه سدادا إذ هو عليه مجبول ومفطور، بل الهدى منه ملتمس ومقتفى ومقتبس، ومأثور؛ وبحمد الله ما في حزمه قصور، ولا في عزمه فتور، وهو بحر العلم المحيط وثبير «1» الحلم الموفور، وليس التقديم له بمستغرب بل فضله المعروف المشهور؛ والله تعالى يرعى له في خدمتنا عهدا قديما، ويبقيه للدعاء مواصلا ومديما، ويوزعه شكر فضل الله على ذلك وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
«2» إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة تقليد بكتابة السّر، كتب بها للقاضي شهاب الدّين بن فضل الله «3» ؛ وهي:
الحمد لله على عناية حفظت ملكنا الشريف بمعقّباتها، وصانته بصاحب تصريف تقوم كتبه وآراؤه مقام الكتائب وراياتها، وسنّت لنا الخيرة لمن نجتني بقلمه النصر من ثمراتها، وبينت الحسنى في طريقته المثلى حتّى انقسم الصّبح من قسماتها، واقتسم النّجح من عاداتها، واتّسم فكره بالنّصح وقد ضلّت الأفكار عن إصاباتها فظلّت في غفلاتها.
نحمده حمدا يهبّ مع الأنفاس في هبّاتها، ويهب من اللطائف الحسان أفضل هباتها، وينبّه القلوب لتقييد شوارد النّعم بصدق نيّاتها، وينافس الكرام الكاتبين على نفائس الثّناء في تسبيح لغاتها بصفيح سماواتها، ونشهد أن لا إله
(11/292)

إلا الله وحده لا شريك له شهادة تملأ الصّحف بحسناتها، وتملّي الوجوه بالأنوار في توجّهاتها، وتلوح من سماتها سيمياء «1» لا تشقّ على الأبصار في توسّماتها، وتفخر برقمها الأقلام بأنه لا طعن في اعتدال حركاتها، على الرّماح في اعتدال قاماتها، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أدّى الرسالة بما تحمّله من أماناتها، ورعى العهود لمن أخلص في مراعاتها، ودعا الأمّة بإذن الله إلى سبيل نجاتها، واستأمن على الوحي كتّابا سبقوا في السّعادة إلى غاياتها، وبلّغوا عنه السّنّة بإباناتها والسّور وآياتها، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه فرسان البلاغة ورواتها، وحفظة الأسرار وثقاتها، وصاغة المعاني في الألفاظ الغرّ بنفثاتها، وأولي الأحلام التي لا تطيشها وقائع الدهر بروعاتها، ولا تذهلها عن الأوراد في أوقاتها، وتلقّي الوفود بأقواتها، والأخلاق التي اتّسع نطاقها في تصرّفاتها، وامتنع حجابها أن تتخطّاه الخدع بهفواتها، صلاة تزيد الأعمار بزكاتها، وتزيّن الأعمال ببركاتها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ الملك عمود بناؤه بسرّه وارتفاعه بالتأسيس لمستقرّه، وامتناعه بعد العساكر المنصورة بكاتب يخاتل العدوّ في مكره قبل مكرّه، ويقاتل في الحرب والسّلم بنفّاذ رأيه ونفّاث سحره، ويقابل كلّ حال بما يحسن موقعه من صدمه بصدره أو صدّه بصبره، وينظر في العواقب نظر البصير بأمره، الواعي لاحتيال عذره قبل اختيال الباغي في غدره؛ إذا جادل فبالحجّة البالغة، وإذا جاوب أبطل الأهوال الزّائغة، وإذا أمرنا بالعدل والإحسان سيّرهما عنّا كالشمس البازغة، وملأ بهما حبّا لنا القلوب الفارغة؛ وقد جرّبنا على طول المدى كتّابا، وانتخبنا منهم كثيرا ارتضيناهم أصحابا، ومارسنا جماعة ازددنا بهم إعجابا، ورأينا طوائف فيهم من إن أجاد اجتناء لزهرات القول حاد عن الجادّة اجتنابا، وإن كلّف نفسه مذاهب الكتّاب أخلّ بمقاصد الملوك إن كتب عنهم كتابا.
ولم نظفر بمن تمّت فيه الشروط المشروطة، ومتّ بالدائرة المحيطة إلى
(11/293)

الفضائل المبسوطة، وامتاز بفهم لا يقبل على الفساد ولا يقبل الأغلوطة؛ إن أمليناه إملاء ذكره، وإن حمنا حول معنى لا تؤدّي إليه العبارة فسره «1» ، وإن سردنا عليه فصلا مطوّلا خبره، وربما رأى المصلحة في اختصاره فاختصره، وإن أودعناه سرّا ستره، وصانه بمحو غيّب أثره، وكتمه إمّا بخطّه عن قلبه فلم يدركه أو بقلبه عن لحظه فلم يره، وإن خلّينا بينه وبين غرض من أغراضنا الشريفة استخرجه كما في خواطرنا وأظهره- كالمجلس العاليّ، القضائيّ، الأجليّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، العونيّ، العلّاميّ، القواميّ، النّظاميّ، المدبّريّ، المشيريّ، الفاضليّ، الكامليّ، الأوحديّ، المفوّهيّ، الخاشعيّ، السفيريّ، الشّهابي، صلاح الإسلام والمسلمين، سيّد الرؤساء في العالمين، قدوة العلماء العاملين، إمام الفضلاء والمتكلّمين، رئيس الأصحاب، ملاذ الكتّاب، سفير الأمة، عماد الملّة، لسان السلطنة، مدبّر الدّول، مشيّد الممالك، مشير الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين «أحمد بن فضل الله» ضاعف الله نعمته؛ فإنّا خطبناه لهذه الوظيفة، واستخلصناه على كثرة المتعيّنين لأنفسنا الشريفة، وامتحنّاه في الأمور الجليلة واللطيفة، وحمّلناه الأعباء الثقيلة والخفيفة، وأوقفناه مرّة وأخرى أطلقنا تصريفه، وأنعمنا النظر في حاله حتى تحقّقنا تثقيفه، وكتب واستكتب عنا سرّا وجهرا فملأ قلبا وسمعا، وباشر مراسمنا العالية مصرا وشاما وصلا وقطعا فعزّ رفعة وعمّ نفعا، وأنشأ التقاليد وقلّدها، ونفّذ المهمات وسدّدها، ووقّع التواقيع وأطلق بها وقد قيّدها، ومشّى المصالح باحتراز ما بدّدها واحتراس ما عقّدها، وجهّز البرد بهمّة ما قيّدها طلب الراحة ولا أقعدها. وهو كاتب ملوك، وصانع سلوك، وشارع سلوك «2» ، وصائغ ذهب مسبوك، وناسج وشي محوك، وجامع صفات ما سواها هو المتروك؛ لا يعدو
(11/294)

بالكلمة محلّها، ولا يؤاخي بالقرينة إلا شكلها، ولا يسمح بمخاطبة إلا لمن تعيّن لها، ولا يعامل بالغلظة إلا من استوجبها ولا يخصّ بالحسنى إلا أهلها؛ نأمره بالتّهويل فيزلزل قواعد العدوّ، ونشير إليه بالتهوين فيفيد مع بقاء المهابة الهدوّ؛ وقد رضيناه حقّ الرضا، وأضربنا به عمّن بقي من أكابر الكتّاب ونسينا من مضى، وتعيّن علينا أن نحكم له بهذا الاعتبار ونحمله على هذا المقتضى، وأن نطلعه في سماء دستنا الشريف شهابا أضا، وأن نقلّده مهمّا ما زال هو القائم بتنفيذ أشغاله، والساعي بين أيدينا الشريفة في تدبير مقاصده وجملة أحواله، إلى ما له من بيت «1» أثّلوا مجده، وأثّروا سعده، وأرّثوا عندنا ودّه، وبنى كما بنوا، واجتنى من السّؤدد ما اجتنوا، ورمى في خدمة الدّول إلى ما رموا؛ إلا أنّ مذهبه في البيان أحلى، وأسلوبه أجلى، وقيمة كلامه أغلى، وقدحه في الكمال هو المعلّى، وأدبه بحمد الله قد لحظته سعادة أيّامنا الزاهرة فما فيه لوّ «2» ولا لولا؛ سوى أنه اتّفق معارض «3» اعترض بين السّهم والهدف، وسفه نفسه فوقف في مواقف التّلف، ودقّ عنه شأن كاتب السر فسقط من حيث طمع في السّقوط وما عرف، ورام الدّخول بين
(11/295)

الملك وبين يده، وبين اللّسان وما يحدّثه به الضمير من حقيقة معتقده، والاطلاع على ما لو لم يكن للإنسان لما أداره في خلده؛ والتعدّي بما ليس له من لفظه متوقع، وسرى في مسرى لو طمح إليه طرف السّها لتقطّع؛ وما علم أنّ كاتب السر هو مستودع الخبايا، ومستطلع الخفايا، وقلمه (ابن جلا وطلّاع الثّنايا) ، وفي استمداده يعرف بالمنى ويرعف بالمنايا، وله الكتابة والتوقيع، والتصرّف فيما للتنفيذ من التحسين والتّنويع، وغير ذلك من التفريق والتجميع، والتأصيل والتفريع، والترغيب والترهيب والتأمين والتّرويع.
ولما دلّ ذلك المعترض بإكباره، وأطال المطار في غير مطاره، وقال الناس إنّ أبوابنا العالية جنّة حفّت من سوء أخلاقه بالمكاره، رمينا به من شاهق، وأبعدناه لآخرته أزهد ما هدر من تلك الشقاشق «1» ؛ وتقدّمنا بإنشاء هذا التوقيع الشريف تقوية لكاتب سرّنا الشريف في تصريفه، وبيّنّا أنه لا يقاس به أحد فإنّه لسان السلطان ويده وكفى بذلك دلالة على تشريفه.
فرسم بالأمر الشريف العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الناصريّ- لا زال إذا عزم صمّم، وإذا بدأ المعروف تمّم، وإذا استخار الله في شيء رضي بخيرته وسلّم- أن يستقلّ المجلس العاليّ، القضائي، الشّهابيّ «أحمد بن فضل الله» المشار إليه بصحابة دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة: رفيقا لأبيه المجلس العاليّ، القضائيّ، المحيويّ:
ضاعف الله تعالى نعمته وبركته في المباشرة، وشريكا بل منفردا ليقوم معه ودونه بما قام به من كتابة باطنة وظاهرة، استقلّ كلّ منهما بها فيما بعد وقرب مما يضمّه نطاق الدولة القاهرة مع ما هو مستقرّ فيه من كتابة السر الشريف،
(11/296)

والتصرّف في المهمّات الشريفة والتصريف؛ وهو المنفرد بتقديم البريد وعرضه، ومباشرة ختمه وفضّه، وقراءته بين أيدينا، واستخراج مراسمنا الشريفة في كل مناب، ومشافهة وخطاب، وابتداء وجواب، وملطّف ومكبّر «1» ، ومقدّم ومؤخّر، ومكمّل ومشطّر، وإليه أمر البريد والقصّاد والنّجّابة «2» ، ومن اشتمل من الدّجى جلبابه، أو ألقته إلى ملاءة الصّباح المنشورة يد ليلة منجابة، وتعيين من يرى تعيينه منهم في المهمّات الشريفة السلطانيّة، والمصالح المقدّسة الإسلاميّة، وإليه الحمام الرسائليّ وتزجيته، وزجالته ومدرجته «3» ، ومن يصل من رسل الملوك إلى أبوابنا العالية، وجميع من يكاتب الدولة الشريفة من كل منتسب وغريب، وبعيد وقريب، وقراءة القصص لدينا، والكتابة على ما يسوغ كتابة مثله، وأخذ العلامة الشريفة من يده.
وأما من نستكتبهم عنّا في ممالكنا الشريفة فهو المقلّد لأعبائهم، والمخلّى بينه وبين ما يراه في اجتبائهم، يستكتب كلّ أحد فيما يراه، ويرفع بعضهم فوق بعض درجات منهم مستيقظ ومنهم نائم في غمرات كراه؛ كلّ هذا من غير معارضة له فيه، ولا اعتراض عليه في شيء منه، يبلّغنا مهمّاتنا الشريفة ويتلقّى عنا، ومنه إلينا وإليه منّا.
وأما ما يرد عليه من الرسائل عنّا بما يكتب به فيمشّي ما لا يمكن وقوفه، ويراجعنا فيما لا يكون إلا بعد مراجعتنا تصريفه؛ فليمش على هذه القاعدة، وليستقلّ بهذه الوظيفة استقلالا هو كالخبر محلّ الفائدة، ولينشر من إقبالنا الشريف عليه
(11/297)

بالصّلات العائدة؛ ونحن نختصر له الوصايا لأنّه الذي يمليها، ونقتصر منها على التقوى فإنها الذخيرة النافعة لمن يعانيها، والباقية الصالحة خير لمن يقتفيها، والله تعالى يقوّي أسبابه، وينير شهابه، ويزيد من المعالي اكتسابه، ويغنينا بقلمه عن سنان يتقدّم عامله، وبلسانه عن سيف يفارق قرابه، والاعتماد على الخط الشريف أعلاه.
وهذه نسخة تقليد بعود القاضي شهاب الدّين بن فضل الله إلى كتابة السر. من إنشاء الشريف شهاب الدين كاتب الإنشاء الشريف، وهي:
الحمد لله الذي أحمد العقبى بفضله، وأكّد النّعمى بوصله، وأودع سرّ ملكنا الشريف عند أهله، وأطلع شهاب الدين من أفق العلياء في محلّ شرفه وشرف محلّه، ورفع قدره في سيره إلى بروج السّعود وحلوله بدرجات الصّعود ونقله، وأرجع الموهبة منه إلى من يشكرها بقوله وفعله، وأينع الفرع الزاكي الذي يحيا أصله بواكف سحاب كرمنا ووبله، وأتمّ النّعمة عليه كما أتمّها على أبويه من قبله، وضمّ له أطراف الرياسة وجمع شملها بشمله، وعمّ بفضله وفضلنا أهل هذا البيت الذين فطروا على السّؤدد وبصروا من رضانا باتّباع سبله.
نحمده على إضفاء ظلّه، ونشكره على إصفاء نهله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أشرق نور هداها، بمستدلّه، وأغدق نوء نداها، بمستهلّه، ونشهد أنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله أرسله خاتم رسله، وجعل له الفضل على الخلق كلّه، وألهم به سبل هديه وسنن عدله، وأرشده إلى فرض دينه ونفله، وأودعه السّرّ الذي لم يودعه سواه وحمّله من أعباء الرّسالة ما لم ينهض غيره بحمله، صلى الله عليه وعلى آله أغصان الشجرة الزهراء التي هي بضعة منه ونبعة من أصله، ورضي الله عن أصحابه الذين أجلّهم من أجله،
(11/298)

خصوصا من بادر إلى الإيمان فخصّ من السّبق بخصله «1» ، ومن أيّد به الدين وفرّ الشيطان من ظلّه، ومن جهّز جيش العسرة حتّى غزا العدا بخيله ورجله، ومن كان باب مدينة العلم ومانح جزله وفاتح قفله، وعن بقيّة المهاجرين والأنصار الذي ما منهم إلا من جاهد حتّى قام الدين بنصره ونصله، صلاة دائمة يجعلها اللسان أهمّ شغله، ويتلقّى قادمها من مواطن القبول بأكرم نزله، ما رمى قوس العزم بصائب نبله، وحمى حمى الملك بليثه وشبله، وفوّض أجلّ المناصب إلى فاضل العصر وأجلّه.
أما بعد، فإنّ آراءنا لا تزال للمصالح مراعية، ولا تبرح بالإسعاد إلى الأولياء ساعية، فتدعو إلى مقامها من وفّر على الإخلاص دواعيه، وتدني من ملكها من له بالخفايا أعظم بصيرة وفي جميل القضايا أجمل طواعية، وتلقي أسرارها إلى من له لسان حقّ ناطق وأذن خير واعية، وتقدّم من له قدم صدق ثابتة ويد بيضاء طولى في المهمّات عالية، لتغدو سهام أقلامه إلى الأغراض رامية، وصوائب أفكاره عن حمى الملك محامية، وتكون عبارته للمقاصد موفية وإشارته لموعد اليمن موافية، وتضحي ديم نعمنا الواكفة لسوابق خدمه مكافية، لما يتّصل بذلك من المصالح، وتناجي خواطرنا الشريفة به المناجح، ويقبل عليه وجه الإقبال، في كل حال، ويغدو إليه طرف الإجلال، وهو طامح، فنجمّل به ممالكنا مصرا وشاما، ونسدّد به مرمى ونصيب مراما، ونحفظ له ولأبيه في خدمتنا حقّا وذماما، ونكون له في الحالتين برّا وإكراما، ونعلي محلّه إعلانا بعلوّ مكانه وإعلاما، فيؤلّف للرياسة نظاما، ويضاعف للرّتبة إعظاما، ويعمل يراعا بل حساما، ويجلو وجه المنى طلقا ويبدو بعد البشر بسّاما، ويحسن بأعباء المهمّات قياما؛ وحيث نقلته أوطانه هضاب المجد وقّلته، وأين وجّهته أعلت قدره ونوّهته، وكلما أوفدته أفاضت عليه ملبس العزّ وجدّدته، واختصّته بالتصرف وأفردته،
(11/299)

وانتضت ماضي اجتهاده وجرّدته، وأجرته من إجراء فضلها على ما عوّدته، واستقلّت له منائحها من كثير المواهب ما خوّلته، ومن كبير المناصب ما قلّدته.
ولما كان فلان هو الذي أودع الأسرار فحفظها، واطّلع على الدقائق فرعاها ببصيرته ولحظها، وباشر مهمّاتنا فأمضاها، وسرّ خواطرنا وأرضاها، وظهرت منه بين أيدينا كفاية لا تضاهى، وقلّد أجياد أوليائنا من تقاليده عقودا، وأدنى من المقاصد بلطف عبارته بعيدا، وأغنى الدولة أن تجهّز جيشا وجهّز بريدا، وأبان بمقاله عمّا في أنفسنا فلم يبق مزيدا، وصان الأسرار فجعل لها في خلده خلودا، وجمع أشتات المحاسن فأضحى فريدا؛ كم لعمّه «1» في خدمتنا من هجرة قديمة، ولأبيه من موالاة هي للمخالصة مواصلة ومديمة، وكم لهما أسباب في الرياسة قويّة وطرائق في الهداية قويمة، وكم كاتب يسّر الله بهداهما تعليمه وتفهيمه، وقدّر على يديهما وصوله إلى رتب العلياء وتقديمه، فمنفعتهما عميمة، ونبعتهما صميمة، ولهما في الشام ومصر أجمل شيمة، وكم له هو أيضا من تقدّمات اقتضت تكريمه، وكفاية عند علومنا الشريفة معلومة، وكتابة حلل المهارق بوشيها مرقومة؛ فلو قابله الفاضل «عبد الرحيم» لبادر إلى فضله إقراره وتسليمه، أو «عبد الحميد» لكانت مناهجه الحميدة بالنسبة إلى مذاهبه ذميمة، أو سمع «عبد الرحمن» مقاله لضمّن ألفاظه معانيه العقيمة، أو أدركه «قدامة» لعرف تقديمه، واقتدى بسبله المستقيمة، أو حوى «الجوهريّ» فرائد ألفاظه لعرف أنّ صحاحه إذا قرنت بها سقيمة، أو رأى «ابن العديم» خطّه لاستغنت منه بسلاسل الذّهب نفسه العديمة، أو «الوليّ» لاستجدى من صوب إجادته أغزر ديمة، أو نظره «ابن مقلة» لوجدت مقلته نضرة خطّه ونعيمه، أو «ابن البوّاب» لكان خدين بابه وخديمه؛ فهم «2» صدور صدورهم سليمة، وأماثل
(11/300)

معدودة وأمثالهم معدومة.
اقتضى حسن رأينا الشريف أن نلقي إليه منصبا هو أولى به، ونقرّ عينه بدنوّه منّا واقترابه، ونمتّع البصر والسمع بخطّه وخطابه.
فلذلك رسم بالأمر الشريف، العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ- لا برح يعيد نعمه كما بدأها أوّل مرّة، ويسرّ القلوب بكاف أودعه سرّه، ويحمد لأحمد الأولياء عوده ومستقرّه «1» -.
فليتلقّ هذه النّعمة بشكرها وليترقّ منصبا رفيعا يناسب رفعة قدره، وليبسط قلمه في تنفيذ مهمّ الممالك من نهيه وأمره، وليحفظ ما أودعه من خفيّ سرّه، وليلاحظ المهمّات بفكره، وليحافظ على ما يعرفه من رضانا طول دهره؛ ونحن نعلم من صواب أفعاله وتسديدها، ما لا نحتاج معه إلى تكثير الوصايا وتعديدها، ولا إلى تكريرها وترديدها؛ لا سيّما وقد سلفت له بها خبرة لا نفتقر إلى استيعاب ذكراها ولا إلى تجديدها، وتقدّمت له مباشرة استبشرنا بميمونها وأثنينا على حميدها، واستدنينا سناها واستغنينا عن سواها بوجودها؛ وله بحمد الله توفّر التوفيق، وهو الحقيق بما فوّضنا إليه على التحقيق، وفضله من الشوائن عريّ وفي المجانبين عريق، وقدره بتجديد النّعم جدير وبخلال الكرم خليق، والله
(11/301)

تعالى يوضّح به من الخير أبين طريق، ويسرّ بمقدمه الوليّ والصديق، ويفرق به بين الحقّ والباطل فجدّه «1» الفاروق وهو من أكرم فريق، بمحمد وآله! وهذه نسخة تقليد بكتابة السرّ:
الحمد لله الذي أظهر لتدبير دولتنا شهابا يعلو على فرقد الفراقد، وكمّل به عقود الممالك فسمت جواهر فرائدها على الدّراريّ إذ كان واسطة تلك الفرائد، ومعيد إحساننا إلى خير وليّ أغنى تدبيره عمّن سواه فكان بالألف ذلك الواحد، ومخوّل موادّ كرمنا لمن هو صدر أسرارنا ويمين مملكتنا في كلّ صادر عنها ووارد، ومنقّل الأكفاء إلى مراتب سعودهم فتصبح ألوية محامدهم في معاقل العزّ أفخر معاقد، ومحلّي ملكنا الشريف بأكمل كاف ما أمّ مصرا إلا تلقّته بالهناء ولا فارق شاما إلا أسفت عليه تلك الربوع والمعاهد.
نحمده على نعم أقرّت عيون الأولياء لمّا أقرّتهم من موادّ جودنا على أكمل القواعد، ونشكره على ما بلّغنا من جميل المآرب وبلوغ المقاصد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنجّي قائلها من جميع الشدائد، ونشهد أنّ سيد [نا محمدا سيد] «2» البشر عبده ورسوله الذي جاد بهدايته فكان أكرم جائد، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته خصوصا على أوّل الخلفاء أبي بكر الصديق الذي لا فخر كفخاره، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب حامل أسراره وفاتح أمصاره، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفّان مبدّل عسره بيساره، وعلى ابن عمّه عليّ بن أبي طالب أعزّ نسبائه وأخصّ أصهاره، وعلى بقية مهاجريه وأنصاره، صلاة سهلة المشارع عذبة الموارد.
وبعد فإنّ من سجيّتنا إذا تيمّنّا بوليّ لا نزال نلحظه، ونرعى حقوق خدمه
(11/302)

في القرب والبعد ونحفظه، ونقابل ما أسلفه لدينا بنفائس النّعم، ونفيض عليه ملابس الجود والكرم، لا سيّما من لم يزل يظهر لنا كل يوم تعبّدا جديدا، ومن أصبح في الفصاحة والبلاغة وحيدا، ومن جمع أطراف السؤدد والرياسة فلم يبرح بهما فريدا، ومن تحسن النعم بإفاضتها عليه، وتكمل المنن بإضافة محاسنها إليه، وتزهو فرائد البلاغة بانتظامها في سلك مجده، وتشرق كواكب اليراعة في اتّساقها في فلك سعده؛ وكان للبابته في الاختصاص بنا اليد الطّولى، وتلا عليه لسان اعتنائنا في الحالين: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى
»
ولمّا كنت أيّها الصدر «شهاب الدين» أحقّ الناس بهذا المنصب لما لوالدك- أبقاه الله تعالى- ولعمّك- رحمة الله تعالى- من الحقوق، ولما أسلفاه من الخدم التي لا يحسن التناسي لها ولا العقوق، ولأنك جمعت في المجد بين طارف وتالد، وفقت بأزكى نفر وعمّ وإخوة ووالد، وجلالة، ما ورثتها عن كلالة، وخلال، ما لها في السّيادة من إخلال، ومفاخر، تكاثر البحر الزّاخر، ومآثر، يعجز عن وصفها الناظم والناثر، ولما نعلمه من فضائلك التي لا تجحد، رعيناك في عودك لوظيفتك وعود «أحمد» أحمد.
ولما كان فلان «2» هو الذي تقطر الفصاحة من أعطاف قلمه، وتخطر البلاغة في أثواب حكمه، وتنزل المعاني الممتنعة من معاقل القرائح على حكمه، وتقف جياد البداهة المتسرّعة حيرى قبل التوسّط في علمه؛ إن وشّى الطّرس فرياض، أو أجرى النّقس فحياض، أو نظم فقلائد، أو نثر ففرائد. لا يتجاسر المعنى المطروق أن يلمّ بفكره، ولا يقدم المعنى المتخيّل المسبوق للمرور بذكره، ولا يجوز زيف الكلام على ذهنه المتّقد، ولا يثبت غثاء الكلام لدى
(11/303)

خاطره المنتقد، ف «عبد الحميد» ك «عبد الرحيم» في العجز عن لحاق علومه التي يجد «الراغب» «1» على نورها هدى، والأصمعيّ لو أدركه لتلا عليه: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً
«2» «والطّغرائيّ» «3» لو عاصره لزاد نظمه وازداد على نوره هدى، و «الحريريّ» لو رافقه لأمن في «مقاماته» من التجريح والرّدى؛ قد قصّرت عن غاية كماله جياد القرائح، وعجزت عن وصف صفاته جميع المدائح، وشرف منصبه بانتسابه إليه، ورفع قدره بمثوله لديه؛ مع ما تميّز به من نزاهة صرف بها عن الدنيا طرفه، وزهادة زانت بالسّعد صدره وملاءة ملأت بالعفّة كفّه؛ فهو واحد زمانه، وأوحد أوانه، والبحر الذي يحدّث عن فضله ولا حرج، والروض الذي ينقل عن فضله إلى الأسماع أطيب الأرج؛ وكان قد مال عن منصبه وهو يذكره، وفارقه وهو يشكره، ونادى غيره وبقوله يلبّي، وشغل بغيره وهو يقول حسبي «شهاب الدين» حسبي: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي
«4» فلما حصل له الاستئناس، وزال عنه القلق والالتباس، قال: ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ
«5» - اقتضى حسن الرأي الشريف أن نخصّه باستقرار رتبته لديه، وأن نستمرّ به على وظيفته السنية استمرار السّعود المقبل عليه.
فرسم بالأمر الشريف- لا زال شهاب سعده لامعا، وسحاب كرمه هامعا، ومطاع أمره لمصالح الدّين والدنيا جامعا،- لمناقبه «6» التي وفرت ميامنها،
(11/304)

وأسفرت بوصف آثاره الحسنة كوامنها، وأن يعاد إليها كما يعاد السّوار إلى الزّند، أو كما يعود نسيم الصّبا إلى الرّند، فليؤنس منصبا كان إليه مشتاقا، ومجلسا كان منتظرا أن يزرّ من ملابس جلاله على عنقه أطواقا، وليجمّل هالة كانت متشوّقة إلى عقود درره. فاحمد الله على ما خصصناك به من مزيد الاعتناء، وأن السعادة في أيّامنا الشريفة متصلة فتشمل الآباء والأبناء؛ ويكفيك بهذا التوقيع الشريف إذ بلغت به جميع الأماني، وتوّجناه بيميننا الشريفة لقرب عهدها بمصافحة الرّكن اليماني، واصطفيناك بقلم عظم شأنا بتلك السّتور، وغدا معمورا بالهداية ببركة البيت المعمور، وازداد بمشافهة الحرم الشريف نورا على نور. فليحسن نظره المبارك في ذلك كلّه، وليبد ما يحسن في هذه الوظيفة من مثله؛ وفي تقدّم مباشرته في هذه الوظيفة وعلمه ما يغني عن كثرة الوصايا، وملاكها تقوى الله تعالى وهي أكمل المزايا؛ وليحمد أفعاله ويصل أسباب اعتماده بسببها؛ والله تعالى يجمّل له مواهب تخويله، ويجعل له الخير في تنقّله وتحويله؛ والخطّ الشريف أعلاه، حجّة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة تقليد بكتابة السرّ:
الحمد لله الذي جعل خواطر أوليائنا بإقرار نعمنا مستقرّة، ومواطر آلائنا على ذوي الإخلاص في ولائنا دائمة الدّيم مستمرّة، وبشائر رضانا تجدّد لكلّ من ذوي الاختصاص ابتهاجه وبشره، وسوافر أوجه إقبالنا لأولي الاصطفاء والوفاء مشرقة الأوضاح متهلّلة الأسرّة، مودع أسرار ملكنا الشريف من آل «فضل الله» عند أكرم أسرة، وممتّع دولتنا بخير كاف دقّق في مصالحنا فكره، وأنفق في مناجحنا عمره، ومجمع آرائنا على أعلى عليّ حلّ من بهر بيته بمعرّفه وبهر خيره، ومطلع أنجمهم بأفق تقريبنا مرّة بعد مرّة، فنحيي نيّرهم الأكبر وقد شيّدنا بارتقائهم بيته وشددنا بعلائهم أزره.
نحمده على أن جبل سجايانا، على الإحسان والمبرّة، ونشكره على أن
(11/305)

أجزل عطايانا، لمن لم يزل يعرف حقّه ويألف خيره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تشرح لمؤمنها صدره، وتصلح لموقنها أمره، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أسمى على الخلائق قدره، وتولّى في المضايق نصره، وأعلى في المشارق والمغارب ذكره، صلى الله عليه وعلى آله أعزّ عترة، ورضي الله عن أصحابه الذين أسدوا المنّة وسدّوا الثّغرة، صلاة ورضوانا متواصلين في كلّ أصيل ومكرّرين في كلّ بكرة، ما وهب فضل الله مستحقّا فسرّ بالعواطف والعوارف سرّه، وعقّب في سماء الإسعاد كوكب كوكبا فحلّ محلّه وقرّ مقرّه، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد فشيمنا ترعى لأوليائها حقوقا، ونعمنا الغامرة تسني صدقاتها لمن لم يزل في ولائها صدوقا، وتزيد هباتها توفيرا لمن عهدت منه لمراضيها توفيقا، وتجدّد بتعاهدها معهد الفضل فلا يمسي خليّا بل يضحي بإكرامها خليقا، وتشيّد بإحسانها بيتا أسّس على تقوى الله وطاعة سلطانها فغدا بالحفظ حقيقا، وتحمي باعتنائها جوانبه من الغير فلا يرهب حماه لها طروقا، ولا تجد بفضل الله لها عليه طريقا، وتطلع في بروج سعودها زهرا تروق شروقا، وتجمع على مهمّاتها من عظموا فضلا وكرموا فريقا، وتودع أسرارها عند سراتهم ركونا إليهم وسكونا ورضا بهم ووثوقا، وتشفع منائحها بمنائح تزيد آمالهم نجاحا وتفيد أمانيّهم تحقيقا، وترفع مكانا عليّا إلى حيث اتّسع السّرار من ملكها من كان بالميامن مليّا وفي المحاسن عريقا، ويخلف في خدمها شقيق منهم شقيقا، ويصرّف أوامرها ونواهيها من أعيانهم من تأمن المصالح مع اجتهاده تفويتا وتخاف الأعداء لسداده تعويقا، طالما ائتمنّاهم على إيداع أسرارنا فحلّت من سرائرهم مستودعا وثيقا، وعيّنوا للمعالي فصادفت طويّتنا من يقظتهم ونهضتهم تصديقا؛ فهم أولى أن نجعل لأجيادهم بعقود جودنا تطويقا، وأحقّ أن نرفع بنعمنا محلّهم، ونجمع في خدمتنا شملهم، فلا يخشون نقضا ولا تفريقا.
ولما كان المجلس العاليّ الفلانيّ هو الذي لحظته عنايتنا، فعلا فعلا،
(11/306)

وأيقظته إشارتنا، فغدا في الحكم كهلا، وحفظته رعايتنا، فعمرت بيته العمريّ الذي ما زال بالعوارف ملموحا وللقبول أهلا، وأحظته سعادتنا، في إقامته مقام أبيه في حفظ أسرارنا التي هو أحقّ بإيداعها وأولى- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نجري بمراسمنا أقلامه، ونوفّر من إنعامنا أقسامه.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا برحت سحائبه عامّة، ومواهبه لها مزيد وإدامة، ورعايته إذا ابتدأت فضلا رأت إتمامه، وكواكبه تسير في منازل عزّها ولنيّرها الأكبر الإرشاد والإمامة- أن يفوّض إليه كذا وكذا، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، نظير ما كان مستقرّا لأخيه.
فليباشر هذه الوظيفة التي لها به وبأهله أعظم فخار، وليحلّ هذه الرتبة التي ما منهم إلا من يجتبى ويستخار، وليجمّل هذا المنصب الذي إليهم مصيره في جميع الأمصار، وليحلّ المهارق بإنشاءاته التي شان مطاولها عن شأوها الإقصار، وليتوقّل هذه الهضبة التي لها على عليائهم اقتصار، وفي آبائهم وأبنائهم لها تعيين وانحصار، وليدبّج الطّروس من خطّه بالوشي الرقيم، وليبهج النفوس من خطابه بالدّرّ النظيم، وليسرج الشّموس من أوضاع كتابته التي تبرز من إبريز كنوزها «ابن العديم» ، وليجهزّ البرد التي تقدمها مهابتنا فلم يكتبها من كتائب الأعداء هزيم، وليزيّن مقاصدها التي قرن بها الفتح القريب والنصر العزيز والفضل العظيم؛ وهو بحمد الله غنيّ عن الإرشاد بالوصايا والتفهيم، عليّ القدر لا يحتاج مع ألمعيّته إلى تنبيه ولا إلى تعليم، وهم أئمة هذه الصناعة ولهم الفضل القديم، وسبيلهم السّويّ وصراطهم القويم؛ والله تعالى يوفّر لهم فضلنا العميم، ويظفر أقدارهم من لدنّا بتكرير التكريم، ويسني أمرهم في آفاق العلياء يسعد ويقعد ويقيم، ويديم لكلّ منهم في ظلّ نعمنا المزيد والتأكيد والتقديم؛ والعلامة الشريفة أعلاه، حجة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
وهذه وصية لكاتب السرّ، أوردها في «التعريف» وهي:
(11/307)

وليأمر عنّا بما يقابل بالامتثال، ويقال به: السيوف لأقلامه مثال، ويبلغ [من] «1» ملوك العدا ما لا تبلغه الأسنّة، ولا تصل إليه المراكب المشرعة القلوع والخيول المطلقة الأعنّة، وليوقّع عنّا بما تذهب الأيام ويبقى، ويخلّد من الحسنات ما يلفى آخرة ويلقى، وليمل من لدنه من غرر الإنشاء ما يطرّز كلّ تقليد، وتلقى إليه المقاليد، ولينفّذ من المهمّات ما تحجب دونه الرّماح، وتحجم عن مجاراة خيل البريد به الرّياح، وليتلقّ ما يرد إلينا من أخبار الممالك على اتّساع أطرافها، وما تضمّه ملاءة النّهار ملء أطرافها، وليحسن لدينا عرضها، وليؤدّ بأدائها واجب الخدمة وليتمّ فرضها، وليجب عنّا بما استخرج فيه مراسمنا المطاعة، وبما وكل إلى رأيه فسمع له الصواب وأطاعه، وليمض ما يصدر عنّا مما يجوب الآفاق، ويزكو على الإنفاق، ويجول ما بين مصر والعراق، ويطير به الحمام الرسائليّ وتجري الخيل العتاق، ولير النوّاب ما أبهم عليهم بما يريهم من ضوء آرائنا، وليؤكّد عندهم أسباب الولاء بما يوالي إليهم من عميم آلائنا، وليأمر الولاة بما يقف به كلّ منهم عند حدّه ولا يتجاوزه في عمله، ولا يقف بعده على سواه بأمله، وليتولّ تجهيز البريد، واستطلاع كلّ خبر قريب وبعيد، والنّجّابة وما تسير فيه من المصالح، وتأخذ منه بأطراف الأحاديث إذا سالت منه بأعناق المطيّ الأباطح، وأمور النّصحاء والقصّاد، ومن يظلّ سرّهم عنده إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها وهم شتّى في البلاد، وليعرف حقوق ذوي الخدمة منهم، وأهل النصيحة الذين رضي الله عنهم، ولا ينس عوائدهم من رسوم إحساننا الموظّف، وكرمنا الذي يستميل به القلوب ويتألّف، وليصن السرّ بجهده وهيهات أن يختفي، وليحجبه حتّى عن مسمعيه فسرّ الثلاثة غير الخفي، والكشّافة الذين هم ربيئة «2» النظر، وجلّابة كل خبر، ومن هم أسرع طروقا من الطيف، وأدخل في نحور الأعداء من ذباب السّيف، وهم أهل الرّباط
(11/308)

للخيل، وما منهم إلا من هو مقبل ومدرك كاللّيل؛ والدّيادب والنّظّارة «1» ، ومن يعلم به العلم اليقين إذا رفع دخانه أو ناره؛ وهم في جنبات حيث لا يخفى لأحد منهم منار، ولا يزال كلّ نبإ بتنويرهم كأنه جبل في رأسه نار؛ والحمام الرسائليّ وما يحمل من بطائق، ويتحمّل من الأنباء ما ليس سواه له بطائق، ويخوض من قطع الأنهار، ويقطع إلينا ما بعد مسافة شهر وأكثر منه في ساعة من نهار، ويعزم السّرى لا يلوي على الرّباع، ويعلم أنها من ملائكة النصر لأنها رسل ولها أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وغير هذا مما هو به معدوق، وإليه تحدى به النّوق، من رسل الملوك الواردة، وطوائف المستأمنين الوافدة؛ وكلّ هؤلاء [هولآ] «2» مالهم المترجم، والمصرّح عن حالهم المحمحم؛ فليعاملهم بالكرامة، وليوسع لهم من راتب المضيّف ما يحبّب إليهم في أبوابنا العالية الإقامة، وليعلم أنه هو لدينا المستشار المؤتمن، والسفير الذي كلّ أحد بسفارته مرتهن، وهو إذا كتب بناننا، وإذا نطق لساننا، وإذا خاطب ملكا بعيد المدى عنواننا، وإذا سدّد رأيه في نحور الأعداء سهمنا المرسل وسناننا؛ فلينزل نفسه مكانها، ولينظر لدينا رتبته العليّة إذا رأى مثل النجوم عيانها.
فليراقب الله في هذه الرتبة، وليتوقّ لدينه فإنّ الله لا يضيع عنده مثقال حبّة، وليخف سوء الحساب وليتّق الله ربّه؛ وجماعة الكتّاب بديوان الإنشاء بالممالك الإسلامية هم على الحقيقة رعيّته، وهداهم بما تمدّهم به من الآلاء ألمعيته؛ فلا تستكتب إلا من لا تجد عليه عاتبا، ولا يجد إلا إذا قعد بين يديه كاتبا، والوصايا منه تستملى.
(11/309)

الطبقة الثانية (من أرباب الوظائف الديوانية بالحضرة السلطانية أصحاب التواقيع، وهم على ثلاث درجات)
الدرجة الأولى (ما يكتب في قطع النصف ب «المجلس العالي» وكلّها مفتتحة ب «الحمد لله» )
وتشتمل على ثلاث وظائف سوى ما تقدّم أنه نقل إلى رتبة التقاليد، وهو كتابة السرّ.
الوظيفة الأولى (نظر الخاصّ)
وقد تقدّم في الكلام على ترتيب وظائف الديار المصرية أنّها وظيفة محدثة، أحدثها السلطان الملك الناصر «محمد بن قلاوون» حين أبطل الوزارة، وأنّ أصل موضوعها التحدّث فيما هو خاصّ بمال السلطان، وأنّ صاحبها صار كالوزير لقربه من السلطان وتصرّفه في تدبير جملة الأمور، وتعيين المباشرين، إلا أنّه لا يقدر على الاستقلال بأمر، بلا لا بدّ له من مراجعة السلطان. وقد تقدّم ذكر ألقابه في الكلام على مقدّمة الولايات من هذا الفصل، وعلى طرّة توقيعه في الكلام على التواقيع.
وهذه نسخة توقيع بنظر الخاصّ، كتب به للقاضي شمس الدين موسى بن عبد الوهّاب في الأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» وهي:
الحمد لله الذي جعل كلّ جرح بنا يوسى، وعجّل كلّ نعمة تبدّل بوسا، وتغيّر بالسّرور من المساءة لبوسا.
نحمده حمدا يشرح صدورا ويسرّ نفوسا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترفع لقائلها رؤوسا، وتطلع في آفاق ممالكنا الشريفة شموسا، وتنشيء في أيّامنا الزاهرة غروسا، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشّر به
(11/310)

موسى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة تملأ طروسا، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن العمل بالسنّة أولى ما يتمسك به المتمسّك، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم:
«ابدأ بنفسك» ؛ وكانت الخواصّ الشريفة هي المصلحة الخاصّة بنا، المتعلّقة دون كل شيء بأنفسنا، لأن من خزائنها العالية تتفرّق مواهبنا الشريفة في الوجود، وتتحلّى معاطف الأمراء والجنود، وكان فيها من لم يزل هو وبنوه قائمين بها أحسن قيام، وفيها من ممالكنا الشريفة ما يضاهي بمدده الغمام، من حضر منهم لا يتفقّد معه من غاب، ومن كتب منهم في شيء من مصالحها قال الذي عنده علم من الكتاب؛ كم أجرت صدقاتنا الشريفة بأقلامهم من إنعام، وتقسّموا في مصالحنا الشريفة هذا في الخاص وهذا في العامّ؛ طالما انقطع والدهم رحمه الله تعالى بعذر فمشّوا الأمور على أكمل سداد، وأجمل اعتماد، وأتمّ مالو حضر أبوهم وكان هو المتولّي لما زاد؛ فما خلت في وقت منه، أو من أحد منهم لمّا غاب من بقي يسدّ عنه؛ فلم يزل منهم ربعها مأنوسا، ولا سئل فيها عن قصّة إلا وأنبأت بها صحف إبراهيم وموسى.
وكان المجلس العالي فلان هو الذي تفرّد آخرا بهذه الوظيفة، واستقلّ فيها بين أيدينا الشريفة، وسافر فيها إلى ثغر الإسكندرية- حرسها الله تعالى- فافترّ بيمن تصرّفه، وحسن تعفّفه، وعدم فيها المضاهي لأنه لا شيء يضاهى الشمس إذا حلّ سرّها في منازل شرفه؛ كم كفت له كفاية، وبدت بداية، وكم بلغ من غاية، كم له من همم، وكم تقدّمت له قدم، وكم اعترف السيف ببزّ القلم؛ كم له في خدمة المقامات العالية أولادنا أثر جميل، وفعل جليّ جليل، وسلوك فلا يحتاج في الشمس إلى دليل؛ كم أحسن في مرّة، كم رددناه إلى الكرك كرّة؛ كم غلب على السحاب فرقى إليها، وبلغ النّجوم وله قدوم عليها؛ فلما انتقل والده القاضي تاج الدين عبد الوهاب إلى رحمة الله تعالى، احتاج إلى توقيع شريف بالاستقلال في وظيفة نظر الخاصّ الشريف التي خلت عن أبيه، ليعلم كلّ متطاول إليها أنه لا يصل إليها مع وجود بنيه؛ فما عاد إلا وعاد
(11/311)

بعين العناية محروسا، ولا أقبل على كرمنا إلا قال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى
«1» فلذلك رسم بالأمر الشريف- زاد الله شرفه، ومكّن في الأرض تصرّفه- أن يفوّض إليه نظر الخاصّ الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة، على عادة والده رحمه الله في هذه الوظيفة، وقاعدته في رتبتها المنيفة، ليقضي ما كان في خاطر أبيه من الوطر، ولأنه في أمثاله عين الأعيان والعين أولى بالنظر.
فليباشر ما أنعمت به صدقاتنا العميمة عليه على ما عهد منه بالأمس، وعرف به من حسن السلوك كمن يمشي في ضوء الشمس، وليقدّم تقوى الله والأمانة فهما أفضل ما يقدّم، وأجمل ما يعمل به من تقدّم، والنهضة فإنها هي التي تقوم بها المصالح، والتصدّي لما هو بصدده فإن به يتمّ كلّ عمل صالح، وليحتفظ على الخزائن العالية، وليكن فيها كواحد من رفقته عملا بالعادة [فيها] «2» ، وإلا فنحن نعلم من كفايته [أنه] «3» يكفيها، وليثمّر الجهات التي إليه مرجعها، والأموال التي يدوم إليه من العين تطلّعها، وليستجلب خواطر التّجّار بإيصال حقوقهم إليهم، والقائمين في خدمة أبوابنا الشريفة بتعجيل ما تنعم به صدقاتنا الشريفة عليهم، وليكن إلى ما تبرز به مراسمنا الشريفة مسارعا، ولها في كلّ ما أشكل عليه من الأمور مراجعا؛ وبقيّة هذا من كلّ ما يحتاج أن نوصيه بتعلّمه فقد علم مما جرت به عادتنا الشريفة بأن نقوله في مثله، ولهذا نختصر في الوصايا التي تشرح اكتفاء بما آتاه الله بنا من فضله؛ والله تعالى يأخذ به إلى النّجاح، ويفتتح له بنا أحسن الافتتاح؛ والاعتماد على الخطّ الشريف أعلاه، إن شاء تعالى.
(11/312)

وهذه نسخة توقيع بنظر الخاص:
الحمد لله الذي جعل خواصّ النّعم لملكنا الشريف لأجلّها، ونفائس الذخائر من دولتنا القاهرة بمحلّها، وأخاير المفاخر مبسوطا في أيّامنا ظلّها.
نحمده بمحامده التي لا نملّها، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أشرق مستهلّها، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي ختمت به أنبياؤها ورسلها، وبعثه الله للأرحام يبلّها، وللأولياء يجلّها، وللأعداء يذلّها، ولسيوف النصر من الغمود يسلّها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما شدّ على مطيّة رحلها، وولي المراتب أهلها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ خزائن ملكنا الشريف مستودع كلّ ثمين، وممالكنا المعظّمة لا تعدق إلّا بالثّقة الأمين، ومتاجر خواصّنا الشريفة لا يثمّرها إلا من رأيه يعضّد قلمه في اليمين، والمتجر المحروس لا يقوم بنماء محصوله إلا من له حزم سديد وعزم متين، ونظر الخواصّ هو الذّروة العالية فمرتقيها على كل ما يعترضه معين.
ولما كان فلان هو المختار على يقين، والمخطوب لهذا المنصب ليزيده في التحسين والتّحصين، والذي إن نظر في القليل عاد كثيرا بالألوف والمئين؛ فإن دبّر تدبيرا حفظ وحرس وصين، وضبط في حسن الاعتماد بلغ إلى الصّين، وإن توجّه إلى الثغر المحروس تفجّر له عن أمواله الجمّة، وأخرج له من فاخر الحلل ما حسّن راقمه رقمه، وصدر عنه إلى أبوابنا الشريفة بالتّحف المثمنة، والحمول التي أوقرت «1» السّفن في النّيل، والإبل في السبيل، فأزال الغمّة، وأنار الأمور المدلهمّة، ونشر ما طواه لدينا فشكرنا له ما تقدّم به مما أتمّه.
فلذلك رسم بالأمر الشريف...... فليباشر هذا المنصب الكريم بتدبير يصلح الفاسد، وينفّق الكاسد، ويكبت الحاسد، ويكثّر الأموال، ويسعد
(11/313)

الأحوال، ويثمّر الذّخائر، ويسرّ السّرائر، ويوفّر حاصل الجواهر، ويكثّر التّحف من كل صنف فاخر، ويوفي المهمّات الشريفة حقّها في الأوّل والآخر، وينشر التشاريف كالأزاهر. وليختر الأمناء الثّقات، وليحرّر كلّ منهم الميقات، وليبع لخاصّنا الشريف ويشتر بالأرباح في سائر الأوقات، وليتلقّ تجار الكارم «1» الواردين من عدن، باستجلاب الخواطر وبسط المنن، ونشر المعدلة عليهم ليجدوا من اليمن ما لم يجدوه في اليمن؛ وكذلك تجار الجهة الغربيّة الواردين إلى الثغر المحروس من أصناف المسلمين والفرنج: فليحسن لهم الوفادة، وليعاملهم بالمعدلة المستفادة، فإنّ مكاسب الثغر منهم ومن الله الحسنى وزيادة. والوصايا كثيرة وهو غنيّ عن الإعادة، و [ملاكها] «2» تقوى الله فليقتف رشاده، وليصلح مآبه ومعاده، ولا يتدنّس بأقذار هذه الدنيا فإنها جمرة وقّادة؛ والله تعالى يحرس إرفاقه وإرفاده، بمنّه وكرمه!: بعد الخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه، إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الثانية (نظر الجيش)
وقد تقدّم في الكلام على ترتيب وظائف الديار المصرية أنّ موضوعها التحدّث في الإقطاعات بمصر والشام، والكتابة بالكشف عنها، ومشاورة السلطان عليها، وأخذ خطّه، وقد تقدّم ذكر ألقابه في جملة الألقاب في الكلام على مقدّمات الولايات من هذا الفصل، وتقدّم ذكر ما يكتب في طرّة تقليده في الكلام على التواقيع.
(11/314)

وهذه نسخة توقيع بنظر الجيش:
الحمد لله الذي عدق «1» بالأكفاء مصالح الجنود، وصرّف أقلامهم فيما نقطعه من الجود، واجتبى لمراتب السيادة من تحمده الأقلام في العطايا البيض والسّيوف في الخطوب السّود.
نحمده وهو المحمود، ونشكره شكرا مشرق الميامن والسّعود، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة عذبة الورود، يجد المخلص بركتها يوم العرض ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
«2» ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أضحت به جيوش الإسلام منشورة الألوية والبنود، منصورة السّرايا في التّهائم والنّجود، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما أورق عود، وأولج نهار السيوف في ليل الغمود، وسلّم تسليما.
وبعد، فإن أجلّ رتب هذه الدولة الشريفة مرتقى، وأجملها منتقى، وأكرمها هاديا حلّى بعقد السّيادة مفرقا، رتبة حكّمنا مرتقيها في أرزاق الجيوش الذين هم حماة الدين وأنصاره، ولهم رواح الظّفر وابتكاره؛ ولهذا لا يحظى بتسنّمها إلا من علا مقدارا، وشكرت الدولة الشريفة له آثارا، وجيّبت «3» عليه السعادة أثوابها، وأوكفت عليه سحابها، وأنزلته ساحاتها ورحابها، وغدت لأحاديث عليائه تروي، وحمده الميسور والمنشور والمطوي.
ولما كان فلان هو الذي نمت مآثره، وكرمت مفاخره، واستوت على العلياء مظاهره، وشكر استبصاره وحياطته، وكمل سلوكه منهج الفخار وجادّته، وأحصى الجنود عددا، وإن كاثروا النجوم مددا، وأحاط بالأرض المقطعة، فلم تكن نواحيها عنه ممتنعة، ولم يغادر منها شيئا إلّا أحصاه، واتّبع سبب مراضينا
(11/315)

حتّى بلغ أقصاه؛ فالعلم يثني عليه والعلم، والحرب والسّلم يشكرانه لمناسبة نظره القرطاس والقلم- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نرقّيه هضبة سامية العلى، فاخرة الحلى، ومنبع أرزاق أئمة الفضل وأبطالها، ورتبة شهد منالها بعدم مثالها.
فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يفوّض إليه [نظر الجيش ... الخ] .
فليباشر هذه الوظيفة المباركة، وليحلّ ذراها الأسمى، وليجمل اطّلاعه على الجيوش المنصورة حتّى لا يغادر منها اسما «1» ، لتغدو مصالحها وريقة الغراس باسقة، وعقودها نفيسة الفرائد متناسقة، وليجر نظره المبارك فيما صرّفناه فيه، آخذا بيمن السّداد من فعله وحسن التنفيذ من فيه، ملزما من تحت نظره بإتقان ما هم بصدده من العروض والأمثلة، حتّى تغدو لديه ممثّلة، محرّرا للإقطاعات وعلم خفاياها فيما نهبه ونقطعه، ونصله ونقطعه، والمقايضات وإن اختلفت، والإفراجات وإن اكتنفت، والمغلّات الآتية والأخرى التي سلفت، وما يخصّ المتّصل، من فعل المنفصل، والمتحصل والعبرة «2» ، والخاص والعدّة لذوي الإمرة؛ ومنها مصريّ لا غنى عن تحريره، وشاميّ يفتقر إلى الإتقان في قليله وكثيره؛ ولينظر فيمن له جامكيّة «3» أو إقطاع مجزل، وكلاهما في دولتنا سماك «4» : هذا رامح وهذا أعزل.
هذه وصايا جمّه، وأنت غنيّ عن أن يستقصي القلم ذكرها أو يتمّه؛ والله
(11/316)

تعالى يجمّل به رتبه، ويبلّغه أربه، ويرفع عليه لواء المجد وعذبه «1» ؛ بعد العلامة الشريفة أعلاها الله تعالى أعلاه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة توقيع بنظر الجيش:
الحمد لله الذي أعزّ الجيوش المنصورة، وجزّ أعناق العدا بالسّيوف المشهورة، وهزّ ألوية التأييد المنشورة، وجعل الجحافل مشرفة وأجنحتها خافقة وساقتها محدقة وقلوبها مسرورة.
نحمده بمحامده المذكورة، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مأثورة، موصولة غير مهجورة، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أبطل من الشيطان غروره، وصان للإسلام حوزته وثغوره، وسنّ لأمّته الاستخارة والمشورة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة نوّرت من الليل ديجوره، وكثّرت لقائلها أجوره، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أحوال جيوشنا يتعيّن حسن النظر في أمرها، والقيام بموادّ نصرها، وإسعافها بناظر يحرّر جهات أرزاقها، ويضبطها مخافة افتراقها، ويأمر بنظم جرائد أسمائهم واتفاقها، ويتقن الحلى، ويبيّن يوم العرض محلّه في ارتقاء العلى، ويصون المحاسبات لكل منفصل ومتّصل من الحلل، ويسرع في الدخول والخروج ما يصل به لكلّ حقّه عند استحقاق الأجل.
ولما كان فلان هو الممدوح بألسنة الأقلام، والرئيس بين الأنام، والمشكور بين أرباب السّيوف وذوي الأقلام، والمأمون فيما يعدق به من مهامّ، والعزيز المثال، والسائر بمجده الأمثال، والمنشور فضله في كل منشور، والظاهر أثره [وتحريره] «2» في الديوان المعمور، والذي شكرته المملكة الشريفة
(11/317)

فهو من صدورها في الصّدور.
فلذلك رسم [بالأمر الشريف ... الخ] «1» فليباشر نظر هذا المنصب السعيد بأمانة تحفظ أرزاق العساكر، وتجلو الظّلام العاكر، وليحرّر جرائد التجريد، وليصن العدّة الكاملة من التّبديد، ولتكن أوراق البياكر «2» نصب عينيه حتّى إذا طلبت منه أحضرها محرّرة، وإذا وقع فيهم حركة كانت أقلامه غير مقصّرة، وليرغّب في اقتناء الثناء حتّى يصبح عنده منه جملة من الألوف، وليكن للأمانة والنّصح نعم الألوف، وليتّق الله مع أصحاب السّيوف، وليستجلب خواطر أرباب الصّفوف، وليجعل له برّا في كل أرض يطوف، وتقوى الله فهي السبيل المعروف، فلينعم بجنّتها الدانية القطوف، وليلبس بردتها الضافية السّجوف «3» ، والله تعالى ينجّيه من المخوف، بمنّه وكرمه!.
وهذه وصية ناظر جيش أوردها في «التعريف» قال:
وليأخذ أمر هذا الديوان بكلّيته، ويستحضر كلّ مسمّى فيه إذا دعي باسمه وقوبل عليه بحليته؛ وليقم فيه قياما بغيره لم يرض، وليقدّم من يجب تقديمه في العرض، وليقف على معالم هذه المباشرة، وجرائد جنودنا وما تضحي له من الأعلام ناشرة، وليقتصد في كل محاسبة، ويحرّرها على ما يجب أو ما قاربه وناسبه، وليستصحّ أمر كلّ ميت تأتي إليه من ديوان المواريث الحشريّة «4» ورقة وفاته، أو يخبره به مقدّمه أو نقيبه إذا مات معه في البيكار «5» عند موافاته، وليحرّر
(11/318)

ما تضمّنته الكشوف، ويحقّق ما يقابل به من إخراج كلّ حال على ما هو معروف، حتى إذا سئل عن أمر كان عنه لم يخف، وإذا كشف على كشف أظهر ما هو عليه ولا ينكر هذا لأهل الكشف، وليحتوز في أمر كلّ مربعة، وما فيها من الجهات المقطعة، وكلّ منشور يكتب، ومثال عليه جميع الأمر يترتّب، وما يثبت عنده وينزل في تعليقه، ويرجع فيه إلى تحقيقه؛ وليعلم أنّ وراءه من ديوان الاستيفاء من يساوقه في تحرير كل إقطاع، وفي كل زيادة وأقطاع، وفي كل ما ينسب إليه وإن كان إنما فعله بأمرنا المطاع، فليتبصّر بمن وراءه، وليتوقّ اختلاق كلّ مبطل وافتراءه، وليتحقّق أنه هو المشار إليه دون رفقته والموكل به النظر، والمحقّق به جملة جندنا المنصور من البدو والحضر. وإليه مدارج الأمراء فيما تنزل، وأمر كلّ جنديّ له ممّن فارق أو نزّل؛ وكذلك مساوقات الحساب ومن يأخذ بتاريخ المنشور أو على السّياقة، ومن هو في العساكر المنصورة في الطّليعة أو في السّاقة. وطوائف العرب والتّركمان والأكراد، ومن عليهم تقدمة أو يلزمهم روك «1» بلاد، أو غير ذلك مما لا يفوت إحصاؤه القلم، وأقصاه أو أدناه تحت كل لواء ينشر أو علم؛ فلا يزال لهذا كله مستحضرا، وعلى خاطره محضرا، لتكون لفتات نظرنا إليه دون رفقته في السؤال راجعة، وحافظته الحاضرة غنيّة عن التّذكار والمراجعة.
(11/319)

الوظيفة الثالثة (نظر الدواوين المعبّر عنها بنظر الدّولة)
وقد تقدّم في الكلام على ترتيب وظائف الديار المصرية أنّ موضوعها التحدّث في كل ما يتحدّث فيه الوزير، وأن كلّ ما كتب فيه الوزير «يكشف» مثلا، كتب فيه «يكشف عمّا رسم به» ونحو ذلك. وتقدّم ذكر ألقابه في الكلام على مقدّمات الولايات من هذا الفصل، وتقدّم ذكر ما يكتب في طرّة توقيعه في الكلام على التواقيع.
وهذه نسخة توقيع بنظر الدواوين، كتب به لتاج الدّين بن سعيد الدولة، وهي:
الحمد لله الذي خصّ من أخلص في الطاعة من آلائنا بحسن النظر، وأجنى من غرس في قلبه أصل الإيمان من عوارف أيّامنا الزاهرة يانع الثمر، ورفع من استضاء في دولتنا القاهرة بأنوار الهدى من حجول «1» الرّتب إلى مكان الغرر، وأظهر لوامع السعادة من نعمنا على من أضاء له الرّشد فرآه بعين البصيرة قبل البصر.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة هي أرفع ما يقتنى وأنفع ما يدّخر، وأفضل ما نجت به الفرقة الموحّدة وهلكت به الفرق الأخر، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أشرف البشر، وأرأف البدو والحضر، والمبعوث إلى الأمم كافّة لما قضاه الله تعالى من سعادة من آمن وشقاوة من كفر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الميامين الغرر، صلاة دائمة الورد والصّدر، باقية العين والأثر، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من خصّه برّنا بالنظر الحسن، وشمله كرمنا من الرّتب بما يهجر في بلوغ مثله الوسن، واشتمل عليه معروفنا بما يجعل يراعه في
(11/320)

مصالح الدولة القاهرة جميل العبارة حسن اللّسن، من سمت به نفسه إلى سعادة الآخرة فأتته سعادة الدنيا تابعة، وسلك في مراضي الدولة القاهرة طريق الإخلاص فغدت لكلّ خير حاوية ولكلّ يمن جامعة؛ مع كفاءة جاءت المناصب على قدر، ومعرفة ما لحظت المصالح بأقرب نظر، إلا نمّت الأموال وبدرت البدر، وخبرة ما اعتبرت فيها محاسن سيرته في كل ما يباشره إلا صغّر خبرها الخبر، ونزاهة سلكت به في كل ما يليه أحسن المسالك، وعفّة رفعته من الرتب الديوانيّة إلى مفارقها ولا رتبة للتّاج إلا ذلك.
ولمّا كان فلان هو الذي اجتنى من إحسان الدولة القاهرة بالطاعة أفضل الجنى، وفاز من عوارفها العميمة بجميل المخالصة ما زاد على المنى، وانتمى من أدوات نفسه إلى كمال المعرفة والعفّة وهما أفخر ما يدّخر للرّتب الجليلة وأنفس ما يقتنى، وعني من أسباب استحقاقه المناصب بما اقتضى إحسان الدولة القاهرة أن يحتفل بتقديمه وأن يعتنى.
فلذلك رسم أن يفوّض إليه نظر الدواوين المعمورة: فليباشر ذلك محلّيا هذه الرتبة بعقود تصرّفه الجميل، ومجلّيا في هذه الحلبة بسبق معرفته الذي لا يحتاج إلى دليل، ومبيّنا من نتائج قلمه ما يبرهن على أنه موضع الاختيار، ومن كوامن اطّلاعه ما لا يحتاج إلى برهان إلا إذا احتاج إليه النّهار، فلا يزال فرع يراعه في روض المصالح مثمرا، وليل نقسه في ليل الأعمال مقمرا، وحسن نظره إلى ما قرب ونأى من المصالح محدقا، ولسان قلمه لما دقّ من أمور الأقاليم محقّقا، ورسم خطّه لما يستقرّ في الدواوين المعمورة مثبتا، ووسم تحريره لما يجتنى من غروس المصالح منبتا، ولدرّ أخلاف الأعمال، بحسن الاطّلاع محتلبا، ولوجوه الأموال، بإنفاق التوجه إلى تثميرها إن أقبلت مجتليا وإن أعرضت مختلبا؛ فإنّ الأمور معادن يستثيرها التصرف الجميل، ومنابت ينمّيها النظر الجليّ والإتقان الجليل. وملاك كلّ أمر تقوى الله تعالى فليجعلها إمامه، ويتخيّلها في كلّ حال أمامه؛ والله تعالى يوفّقه بمنه وكرمه!.
(11/321)

قلت: وربّما أضيف إلى نظر الدواوين المعمورة نظر الصّحبة الشريفة الآتي ذكرها، وكتب بهما جميعا لشخص واحد.
وهذه نسخة توقيع «1» بهما جميعا، كتب بها لتاج الدّين بن سعيد الدولة على أثر إسلامه، من إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي، وهي:
الحمد لله الذي خصّ من أخلص في الطاعة من آلائنا بحسن النظر، وأجنى من غرس في قلبه أصل الإيمان من عوارف أيّامنا الزاهرة يانع الثمر، ورفع من استضاء في دولتنا القاهرة بأنوار الهدى من حجول الرّتب إلى مكان الغرر، وأظهر لوامع السعادة من نعمنا على من أضاء له الرّشد فرآه بعين البصيرة قبل البصر.
نحمده على إحسانه الذي عمر، وامتنانه الذي بهر، وفضله الذي عمّ كلّ من ظهر له الهدى فلم يعارض الحقّ إذا ظهر.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة هي أرفع ما يقتنى وأنفع ما يدّخر، وأوضح ما نجت به الفرقة الموحّدة وهلكت به الفرق الأخر، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أشرف البشر، وأرأف البدو والحضر، والمبعوث إلى الأمم كافّة لما قضاه الله من سعادة من آمن وشقاوة من كفر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الميامين الغرر، صلاة دائمة الورد والصدر، باقية العين والأثر، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من خصّه برّنا بالنظر الحسن، وشمله كرمنا من الرّتب بما يهجر في بلوغ مثله الوسن، واشتمل عليه معروفنا بما يجعل يراعه في مصالح الدولة القاهرة جميل العبارة حسن اللّسن، من سمت به نفسه إلى سعادة الآخرة فأتته [سعادة] «2» الدنيا تابعة، وسلك في مراضي الدولة القاهرة طريق
(11/322)

الإخلاص فغدت لكل خير حاوية ولكل يمن جامعة؛ مع كفاءة جاءت المناصب على قدر، ومعرفة ما لحظت المصالح بأقرب نظر إلا نمّت الأموال وبدرت البدر، وخبرة ما اعتبرت فيها محاسن سيرته في مباشرة إلا صغّر خبرها الخبر، ونزاهة سلكت به في كل ما يليه أحسن المسالك، وعفّة رفعته من الرتب الديوانية إلى غررها ولا رتبة للتّاج إلا ذلك.
ولما كان فلان هو الذي اجتنى من إحسان الدولة القاهرة بالطاعة أفضل الجنى، وفاز من عوارفها العميمة بجميل المخالصة ما زاد على المنى، وانتمى من أدوات نفسه إلى كمال المعرفة والعفّة وهما أفخر ما يدّخر للرتب الجليلة وأنفس ما يقتنى، وعني من أسباب استحقاقه المناصب والرتب بما اقتضى إحسان الدولة القاهرة أن يحتفل بتقديمه وأن يعتنى- فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يفوّض إليه نظر الدواوين المعمورة ونظر الصّحبة الشريفة.
فليباشر ذلك محلّيا هذه الرتبة بعقود تصرّفه الجميل، ومجلّيا في هذه الحلبة بسبق معرفته التي لا تحتاج إلى دليل، ومبيّنا من نتائج قلمه ما يبرهن على أنه موضع الاختيار، ومن كوامن اطّلاعه ما لا يحتاج إلى برهان إلا إذا احتاج إليه النّهار؛ فلا يزال فرع يراعه في روض المصالح مثمرا، وليل نقسه في ليل الأعمال مقمرا، وحسن نظره إلى ما قرب ونأى من المصالح محدقا، ولسان قلمه لما دقّ وجلّ من أمور الأقاليم محقّقا، ورسم خطّه يستقرّ في الدواوين المعمورة مثبتا، ووسم تحريره لما يجتنى من غروس المصالح منبتا، ولدرّ أخلاف الأعمال بحسن الاطّلاع محتلبا، ولوجوه الأموال، بإنفاق التوجّه إلى تثميرها إن أقبلت مجتليا وإن أعرضت مختلبا، فإن الأمور معادن يستثيرها التصرف الجميل، ومنابت ينمّيها النظر الجليّ والإتقان الجليل؛ وملاك كلّ أمر تقوى الله تعالى فليجعلها إمامه، ويتخيّلها في كل وقت أمامه، والله تعالى يوفّقه بمنّه وكرمه، والخطّ الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه.
(11/323)

الوظيفة الرابعة (نظر الصّحبة)
[وموضوعها أن صاحبها يتحدث مع الوزير في كل ما يتحدّث ويشاركه في الكتابة في كل ما يكتب فيه ويوقع في كل ما يكتب فيه الوزير.] «1» .
[وهذه نسخة توقيع بنظر الصحبة] «2» كتب به للشريف شهاب الدين ناظر الصّحبة، من إنشاء الشهاب محمود الحلبيّ، وهو:
الحمد لله الذي جعل الشرف حيث حلّ ركابنا مصاحبا، وأطلع للفضل في أفق خدمتنا من أولياء دولتنا شهابا ثاقبا، وعدق النظر في صحبتنا بمن لم يزل لمصالحنا ملاحظا ولأوامرنا مراقبا، وفوّض أمور مباشرة حال من اجتهد أو قصّر في خدمتنا إلى من لم يزل بنفسه في واجب الطاعة منافسا وعلى فرض الموالاة محاسبا.
نحمده حمد من أجمل في أوليائنا نظرا، وخصّ بالنظر في صحبتنا من اختبرت خدمته فتساوت في الطاعة والمناصحة سفرا وحضرا، واعتمد في ملاحظة مباشري ما يمرّ عليه من ممالكه على من لا يهمل له حقّا ولا يحدث له ضررا.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا تزال جيوشنا لإعلاء منارها مجهّزة، وسرايانا إلى مقاتل جاحديها البارزة مبرّزة، ووعود النصر على من ألحد فيها لنا معجّلة وعلى أيدينا منجّزة، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أنهضنا الله من جهاد أعداء دينه بما فرض، وأيقظنا لرفع أقدار أهل بيته فلم يقصّر بأحد منهم في أيّامنا أمل ولا بعد عليه غرض، وخصّنا منهم بمن تسمّك بجوهره الأعلى فلم يتعرّض من هذا الأدنى إلى عرض، صلّى الله عليه وعلى آله
(11/324)

وصحبه الذين ما منهم إلا من (يكاد يمسكه عرفان راحته) ، وإلّا المؤثر طاعة الله ورسوله وأولي الأمر على راحته، صلاة دائمة الاتّصال، آمنة شمس خلودها من الغروب والزّوال، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من اخترناه لصحبتنا الشريفة على علم، وأعددناه لمهمّاتنا الكريمة لما فيه من تسرّع إدراك وتثبّت في حكم، وبسطنا له فيما عدقناه به من ذلك لسانا ويدا، وحفظنا به الأحوال من [وصول] «1» مسترق السّمع إليها فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً
«2» وادّخرنا أقلامه لمصالح كلّ إقليم يمر ركابنا الشريف عليه، وفوّضنا مناقشة مباشريه على ما أهملوه من حقوق الله تعالى وحقوق الرّعايا إليه، وأقمناه لتصفّح ذلك بنفسه، وتلمّح زيادة كلّ يوم على أمسه، وانتزاع الحقّ ممن مدّ يده إلى ظلم بكفّ كفّه عنه ورفع يده، وارتجاع الواجب ممّن أقدم عليه بالباطل في يومه واطّرح المؤاخذة به في غده، وغير ذلك مما أحصاه الله ونسوه، واعتمدوا فيه على المصلحة فاجتنوا ثمرة ما غرسوه- من كان له في المناصحة قدم صدق عند ربّه، وفي خدمة الدولة القاهرة قدم هجرة تقتضي مزيد قربه؛ فكان أبدا بمرأى من عنايتنا ومسمع، ومن إحساننا بالمكان الذي ليس لأحد من الأكفاء في بلوغ غايته أمل ولا مطمع، وتفرّد باجتماع الدّين والمنصب والأصالة والعلم والكرم وهذه خلال الشرف أجمع.
ولمّا كان فلان هو الذي اجتنى من إحسان الدولة القاهرة بالطاعة أفضل الجنى، وفاز من عوارفها العميمة بجميل المخالصة ما زاد على المنى، وانتمى من أدوات نفسه ونسبه إلى كمال المعرفة والعفّة وهما أفخر ما يدّخر للرّتب الجليلة وأنفس ما يقتنى، وعني من أسباب استحقاقه المناصب والرتب بما
(11/325)

اقتضى إحسان الدولة القاهرة أن يحتفل بتقديمه وأن يعتنى. فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يفوّض إليه نظر [الصحبة الشريفة] «1» .
فليباشر ذلك محلّيا هذه الرتبة بعقود تصرّفه الجميل، ومجلّيا في هذه الحلبة بسبق معرفته التي لا تحتاج إلى دليل، ومبيّنا من نتائج قلمه ما يبرهن على أنه موضع الاختيار، ومن كوامن اطّلاعه ما لا يحتاج إلى برهان إلا إذا احتاج إليه النّهار؛ فلا يزال فرع يراعه في روض المصالح مثمرا، وليل نقسه في ليل الأعمال مقمرا، وحسن نظره إلى ما قرب ونأى من المصالح محدقا، ولسان قلمه لما دقّ وجلّ من أمور الأقاليم محقّقا، ورسم خطّه لما يستقرّ في الدواوين المعمورة مثبتا، ووسم تحريره لما يجتنى من غروس المصالح منبتا، ولدرّ أخلاف الأعمال بحسن الاطلاع محتلبا، ولوجوه الأموال بإنفاق التوجّه إلى تثميرها إن أقبلت مجتليا وإن أعرضت مختلبا، فإنّ الأمور معادن يستثيرها التصرّف الجميل، ومنابت ينمّيها النظر الجليّ والاتقان الجليل؛ وملاك كل أمر تقوى الله تعالى فليجعلها إمامه، ويتخّيلها في كل حال أمامه؛ والله تعالى يسدّده ويوفّقه بمنّه وكرمه!؛ إن شاء الله تعالى.
قلت: وربّما أضيف إلى نظر الصّحبة نظر الدواوين الشريفة، وحينئذ فيحتاج الكاتب أن يأتي في براعة الاستهلال بما يقتضي الجمع بينهما، ويورد من الوصايا ما يختصّ بكل منهما. والكاتب البليغ يتصرّف في ذلك على وفق ما يحدث له من المعاني ويسنح له من الألفاظ.
(11/326)

الدرجة الثانية (من تواقيع أرباب الوظائف الدّيوانية بالحضرة بالديار المصرية
ما يكتب في قطع الثلث: ب «المجلس الساميّ» بالياء، مفتتحا ب «الحمد لله» إن قصد تعظيم المكتوب له على ما هو الأكثر، أو ب «أمّا بعد حمد لله» جريا على الأصل لما يكتب في قطع الثلث، على ما تقف عليه في النّسخ) وتشتمل على وظائف:
الوظيفة الأولى (كتابة الدّست)
والمراد دست السلطنة. وقد تقدّم الكلام عليها في مقدّمة الكتاب في الكلام على ديوان الإنشاء، وتقدّم في الكلام على ترتيب وظائف الديار المصرية أنّ موضوعها أن يجلس أصحابها بدار العدل أيّام المواكب خلف كاتب السرّ، ويقرأون القصص على السلطان بعد قراءة كاتب السرّ، ويكتبون عليها بما تقتضيه الحال، بعد إشارة السلطان بالكتابة؛ ثم يحمل ما يكتبون عليه من القصص إلى كاتب السرّ فيعيّنها. وأنّ هذه الوظيفة كانت من أجلّ الوظائف وأرفعها قدرا، منحصرة في عدد قليل نحو الثلاثة «1» فما حولها، ثم وقع التساهل في أمرنا، ودخل فيها العدد الكثير حتّى جاوز عددهم العشرين، وبقيت الرياسة فيهم لعدد مخصوص منهم، وقنع الباقون بالاسم. وقد تقدّم ذكر طرّة توقيعه في الكلام على التواقيع.
وهذه نسخة توقيع بكتابة الدّست، وهي:
الحمد لله الذي فضّل الكرام الكاتبين، وأحيا بفضائل الآخرين الأوّلين
(11/327)

الذاهبين، وأنزل في القصص لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
«1» نحمده وهو المحمود المعين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة قوم مخلصين، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين، ورسول ربّ العالمين، والشافع في المذنبين من المؤمنين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة باقية إلى يوم الدّين، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ العدل الشريف دار جدرانها الأمر المطاع، وأبوابها الخير الذي لا يضاع، وسقفها الرحمة والاتّضاع، وصدرها الإحسان المديد الباع، وصحنها الأمن والسّرور فلا يخاف أحد فيه ولا يراع، وجلساؤها الكاتبون عارضو الرّقاع؛ وهم معدن الصّدارة، وموطن الكتابة والكناية والإشارة، وأقلامهم تأتي بحسن التشبيه والاستعارة، وتطرّز حواشي الرّقاع بوشي بادي الإنارة؛ ما اختير أحدهم للجلوس في دسته إلا وقد أرضى من اختاره، وتميّز بحسن السّمت والوفاء والوقار والشّارة.
ولما كان فلان هو الذي له في السّؤدد أصل عريق، وفي الفضائل له قلم مطيق، وفي البلاغة له لسان منطيق، وإذا دبّج قرطاسه فهو للروض شقيق، ونباته الجوهر لا الآس والشّقيق، وأصبح للجلوس في الدّست الشريف أهلا على التحقيق.
فلذلك رسم أن يستقر [في كتابة الدست ... الخ] «2» فليحلّ هذا الدّست الشريف مبهجا ببيانه، مثلجا للصّدور بعرفانه، متبلّجا بنور يده ولسانه، قارئا من قصص الناس وظلاماتهم في إيوانه كلّ شيء في أوانه، لا يكتم ظلامة مكتوبة في رقعة، بل يعرّف ملكه بها ويبلّغها سمعه، فإنه في هذا المحلّ أمين والأمين محلّ النّصح والخير والرّفعة؛ وإذا وقّع فهو مأمور، فليأت بما يبهج الصّدور،
(11/328)

ويشفي غليل الشاكي، بلفظه الزاكي، والوصايا كثيرة لكن [سنلمّ ببعضها الحاكي وهو تقوى] «1» الله فهي تاجها المجوهر، وبدرها المنوّر، وكوكبها الأزهر، والله تعالى يمتّعه بالفضل الذي لا يحوّل ولا يتغيّر؛ بمنّه وكرمه! إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة توقيع من ذلك أيضا، وهي:
الحمد لله الذي أفاض على الأولياء من فضله، وأهمى عليهم من مواهبه ما يقصر عنه الغمام في وبله وطلّه، ومنح دست الملك الشريف من الألفاظ المجيدة، والفضائل المفيدة.
نحمده على نعمه التي أجزلت إحسانها، وأجملت امتنانها، وبزغت مزهرة فقدّمت من الدولة أعيانها، ونشكره على عوارفه التي ألقي لأهل الثناء عنانها، ورحب لذوي البيوت صدرها وفضّ عنوانها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تشهد القلوب إيمانها ويدّخر القائل لها ليوم المخاف أمانها، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أظهر الله به الشريعة المطهّرة وأبانها، وشرّف به هذه الأمّة ورفع على جميع الأمم شانها، وبعثه رحمة إلى كافة الخلق فأقام بمعجزاته دليل الهداية وبرهانها، وأطفأ بنور إرشاده شرر الضّلالة ونيرانها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ما منهم إلا من نزّه نفسه النفيسة وصانها، وسلك في خدمته وصحبته الطريقة المثلى فأحسن إسرار أموره وإعلانها، صلاة دائمة باقية تجمّل بالأجور اقترانها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنه لمّا كانت وظيفة توقيع الدّست الشريف من أجلّ الوظائف وأسناها، وأنفسها وأعلاها، وأجملها وأبهاها؛ القائم بها سفير الرعيّة إلى الملك
(11/329)

في حاجتهم، وترجمان معرب عن شكايتهم، وكاشف أحسن ناشر عن ظلامتهم، جالس على بساط الأنس بقرب الحضرة، منفّذ نهي مليكه وأمره، مبلّغ ذا الحاجة من إنعامه جوده وبرّه- تعين أن يندب رئيس وابن رئيس، وجوهر بحر نفيس، ذو أصل في السّؤدد عريق، ولسان في الفضائل طليق، وقلم حلّى الطّروس بما يفوق زهر الرياض وهو لها شقيق، وفاضل لا يقاس بغيره لأنه الفاضل على التحقيق؛ وكان المقرّ العالي الفلانيّ هو المشار إليه بهذه الأولويّه، والمراد من سطور هذه المحامد اللّؤلؤيّة؛ فلذلك رسم بالأمر العالي أن يستقرّ المشار إليه في وظيفة توقيع الدّست الشريف عوضا عن فلان بحكم وفاته.
فليباشر ذلك مباشرة تشكر مدى الزمان، وتحمد في كلّ وقت وأوان، وليدبّج المهارق بوشي يفوق قلائد العقيان «1» ، وليملأ بالأجور لنا صحفا بما يوحيه عنا من خيرات حسان، ونحن فلا نطيل له الوصايا، ولا نحلّيه بها فهي له سجايا؛ مع ما أدّبه به علمه الجمّ، وعمله الذي ما انصرف إلى شيء إلا تمّ، ويجمعها تقوى الله تعالى وهي عقد ضميره، وملاك أموره؛ وما برح هو وبيته الكريم مصابيح أفقها ومفاتيح مغلقها، ولهم جدد ملابسها وللناس فواضل مخلقها؛ والله تعالى يزيده من إحسانه الجزيل، ونعمه التي يرتدي منها كلّ رداء جميل، ويمتّعه بإمارته التي ما شكر بها إلا قال أدبا: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ والاعتماد في مسعاه، على الخط الكريم أعلاه.
الوظيفة الثانية (نظر الخزانة الكبرى)
وقد تقدّم في الكلام على ترتيب وظائف الديار المصريّة أنّ هذه الوظيفة كانت كبيرة الموضع من حيث إنها مستودع أموال المملكة، إلى أن حدثت عليها خزانة الخاصّ فانحطّت رتبتها حينئذ، وسمّيت الخزانة الكبرى باسم هو أعلى
(11/330)

منها، وأنه لم يبق فيها سوى خلع تخلع وتصرف أوّلا فأوّلا. وقد تقدّم ما يكتب في طرة توقيع ناظرها.
وهذه نسخة توقيع بنظر الخزانة:
الحمد لله الذي جعل الخزائن لذخائرنا كهوفا، وملابس إقبالنا شنوفا «1» ومواهبنا تجزل عطاء ومعروفا، وإقبالنا على محسن التدبير ومجمل التأثير عطوفا، وأيادينا في إسكان جنّتها قطوفا.
نحمده حمدا مألوفا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أوضحت معروفا، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أزال مخوفا، وأقام الصلاة والجهاد صفوفا، وشهر على العدا عند تأييد الهدى سيوفا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ما سدل الليل سجوفا، وسلّم تسليما.
وبعد، فإن الملك الشريف له تحف مصونة، وذخائر مكنونة، وأصناف حسان في خزائننا مخزونة، وجواهر عالية القيمة ثمينة [لا يقوم عليها إلا من] «2» لا يمدّ عين عفافه إلى المال وإن كثرت آلافه، وولج لجّة هذه الذخائر ولم تلمّ بالبلل أطرافه؛ وهو فلان: العريق في انتسابه، الوثيق انتماؤه إلى فضل الله وجنابه؛ النقيّ ثوب عرضه، التّقيّ بتمسّكه بسنّته وفرضه، الوفيّ نظره بغضّه، المستمسك بجميع الخير دون بعضه، من بيت السيادة ومن هو من بيت السّيادة فالسّؤدد نجم سمائه وطود أرضه. فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يستقرّ.....
فليباشر هذه الوظيفة بعمل ونيّة، متسلّما ذخائر هذا الخزانة العليّة، وأمورها وأحوالها، وتفصيلها وإجمالها، وحمولها وأحمالها وحللها المرقومة، وذخائرها المعلومة، وجواهرها المنظومة، وأكياسها المختومة،
(11/331)

وصناديقها المركومة، ما عن علمه فيها شيء خاف، وصونه لها كاف، وأمر الله بين النّون والكاف «1» .
وليعلم أن خزائننا تصبّ فيها سحائب التّحف والأموال والأصناف، من سائر الممالك والمدن والثّغور والأطراف، ومنها يخرج بجهاز مواهبنا وإنعامنا للأولياء الأشراف، وإنما هي لمصالح المسلمين في الجمع والائتلاف، وتقوية أهل الطاعة على أهل الاختلاف؛ فليضبط ما تطلقه وإن كانت الأقلام لا تستطيع ذلك لكثرة الإسعاف، ولتكن التشاريف «2» المثمنة الكاملة، حاصلة بمناطقها «3» المجوهرة الهائلة، وطرزها الطائلة، وتعابيها الفاضلة، حتّى إذا أنعمنا منها على أحد بشيء يأتي بحموله وقد حمد فاعله. والوصايا كثيرة وتقوى الله نظام عقدها، وغمام رفدها، وزمام مجدها، وتمام سعدها؛ فليكن متلفّعا ببردها، متضوّعا بندّها «4» ، وهو غنيّ عن الوصايا ومدّها، والله تعالى يؤيّد حركاته في قصدها؛ والخطّ الشريف أعلاه، حجة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
وهذه وصية لناظر الخزانة، أوردها في «التعريف» .
وليملأ بنظره صدور الخزائن، وليجمع فيها أشتات المحاسن، وليعدّ فيها كلّ ما يدّخر للإنفاق، ويحتفظ به للإطلاق، ويحصّل ما يضاهي البحر بالتفريع والتأصيل، والجمل والتّفاصيل، وما لا يوزن إلا بالقناطير، ولا يحصي منّه ملء
(11/332)

الأساطير، وما يهيّأ من التشاريف الشريفة التي تباهي أشعّة الشّموس بلمعها، وتحاسن وشائع «1» الروض بخلعها، وما فيها من مخلّقات ألوان لا تماثل بتصوير، ولا يظنّها الأولياء إلا الجنة ولباسهم فيها حرير، وما تحتوي عليه من عتّابيّ وأطلس، ومشربش ومقندس «2» ؛ وكلّ طراز مذهب وباهي، وما هو من ذهب أو له يضاهي، وكلّ ما يتشرّف به صاحب سيف وقلم، ويعطى إنعاما أو عند أوّل استخدام في خدم، وما هو مع هذا من أنواع المستعملات، والنواقص والمكمّلات، وما يحمل من دار الطّراز «3» ، ويحمد مما يأتي من المبتاع من بزّ وبزاز، وما هو مرصد للخزانة العالية من الجهات، التي يحمل إليها متحصّلها لينفق في أثمان المبيعات، وما يستعمل، وما يعلّم منه بالطّرز ويعمل، وبقية ما يدّخر في حواصلها من مال بيت المال الذي يحمل؛ وذلك كلّه فهو الناظر عليه، والمناظر عنه مما خرج من عنده ووصل إليه، والمحاجج عنه بالمراسيم التي تشك للحفظ وتنزل لديه؛ فليراع ذلك جميعه حقّ المراعاة، وليحرّر قدر ما ينفق من الأثمان وقيمة المبيعات، وليحترز فيما يزكّي بعضه بعضا من شهادة الرسائل المكتتبة إليه بالحمول وما يكتب بها من الرّجعات، وليعر المعاملين من نظره ما لا يجدون معه سبيلا، ولا يقدرون معه على أن يأخذوا فوق قدر استحقاقهم كثيرا ولا قليلا، وليقدّم تحصيل كل شيء قبل الاحتياج إليه ويدعه لوقته، ولا يمثل لديه إلا سرعة الطلب الذي متى تأخرّ أخّر لوقته؛ والأمانة الأمانة والعفاف العفاف فما كان منهما واحد رداء امريء إلّا زانه، ولولا هما لما قال
(11/333)

له الملك إنّك اليوم لدينا مكين أمين وسلّم إليه الخزانة.
الوظيفة الثالثة (نظر خزانة الخاصّ)
وهي الخزانة التي استحدثت في الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون» عند استحداث وظيفة «نظر الخاصّ» وقد انتقل ما كان يحمل إلى الخزانة الكبرى ويصرف منها إلى هذه الخزانة، سوى الخلع، كما تقدّمت الإشارة إليه في الكلام على توقيع ناظر الخزانة الكبرى.
وهذه نسخة توقيع بنظر خزانة الخاص، كتب به للقاضي شرف الدين محمد بن علاء الدين الجوجريّ «1» ، في مستهلّ شهر رجب الفرد، سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وهي:
الحمد لله الذي زاد بنظرنا الشريف شرف من لمحه من أوليائنا ولحظه، وأفاد المستأنف من برّنا من عهدنا له الفطرة السليمة وتيقّنّا منه الفكرة واليقظة، وأعاد للخلف الكريم، من المشايخ ما كان للسّلف القديم الصالح من التقديم، الذي شملهم بالتكريم، وجعلهم على خزائن جودنا العميم: لأنهم العلماء الحفظة، وجاد بالطّرف من خاصّ إنعامنا العامّ لمن لقلمه عند الإدناء من سرير الملك إنجاز عدة وللسانه عند ارتقاء منبر النّسك إبراز عظة.
نحمده على أن أجزل لمن عوّل على شامل كرمنا جزاءه وعوضه، ونشكره على أن تطوّل بنوافل نعمنا لمن قام بعد أبيه بلوازم خدمتنا المفترضة، وعكف أعمالنا على بيت مبارك ما منهم إلا من شمل من إحساننا بالمنح لما بذل لسلطاننا من النّصح ومحضه.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يودع مصونها في الأرائك
(11/334)

المتعلّية ويقطع يقينها الشكوك المعترضة، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي عظمت عطايا بذله، فالبحار المرتفعة عنها منخفضة، وكرمت سجايا فضله، فليست بمنتقلة وأبرمت قضايا عدله، فليست بمنتقضة، وعمّت البرايا يده البيضاء التي هي بالأرزاق في الآفاق منبسطة وليست عن الإنفاق خشية الإملاق منقبضة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ما منهم إلا من أقرض الله قرضا حسنا فضاعف له ما أقرضه، صلاة تدني لقائلها في الأولى من النّعمة والأمان أمله وتؤتيه في الأخرى من الرحمة والرضوان غرضه، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى من رفع بإكرامنا إلى رتبة علائه، وانتفع من مقامنا الشريف باختصاص خدمته وإخلاص ولائه- من شفع مزاياه بجمع أشتات العلوم في أبكاره وآنائه، واستودع ذخائر ملكنا المصونة فكان حفيظا عليما عند اقترابه منّا وإدنائه، وصدع القلوب بإيداع وعظه وإبدائه، واتّبع سبيل والده القويم، في الشّدّة في الحق والتّصميم، وسلك طريقته التي هداه الله إليها بتوفيقه فأدرك غايته في ابتدائه، وقنع بما آتاه الله تعالى فآثرت مكارمنا رفعة محلّه وتوسعة حبائه، وبرع في إتقان الفضائل التي آذنت بإصطفائه واجتبائه، ووقع عليه اختيارنا الذي نستخير الله تعالى له في إبرام كلّ أمر وإمضائه، وأجمع عليه رأينا الذي كم أصاب الصواب في تعيين العلماء الأنجاب فنصّ عليه الاستحقاق بإيجاب الترجيح واقتضائه.
وكان المجلس السامي الشّرفيّ هو الذي قدّمناه بعد أبيه لشهادة خزائننا الشريفة فشاهدنا من حسن سيره ما أبهج، ونظمناه في سلك أولياء الملك فسلك من الخير أقوم منهج، ثم أردنا الآن أنّ هلاله ينتقل إلى رتبة الكمال لمّا تدرّب وتدرّج، وأعدنا له تامّ الإقبال حيث شرف دولتنا الأعلى- زاد الله تعالى تأييده- بذكره لدينا وبشكره عندنا يلهج- فاقتضى حسن الرأي الشريف أنّ هذا النظر
(11/335)

الجميل عنه لا يخرج، وهذا الوقر «1» الجليل لا يعدل به عن فرع منجب لأصل طيّب أثمر الولاء والدّعاء لأيّامنا الشريفة وأنتج.
فلذلك رسم [بالأمر الشريف.. الخ] «2» لا زالت الصدور بصدور أحكامه تثلج، والأمور بمرور إنعامه تفضل على الحقّ الأبلج- أن يستقرّ [في نظر خزانة خاصّنا.. الخ] «3» فلينطق لسان كلمه بالإخلاص في حمد الخاصّ والعامّ من هذا الإكرام الذي بمطارفه تسربل وبعوارفه تتوّج، وليطلق سنان قلمه في تبييض المصاحف بذكر إنعام المقام الذي هو كالبحر ويفصح عن حمده فهو بحمد الله لا يتلجلج، وليحقّق ببيان حكمه ضبط الأصل والخصم والواصل والحاصل والمحضر والمخرج، ولينفق في أوليائنا من عوائد صلات نعمائنا التي تقبضها أيدي ملوك المدائن ببسط ومن بعضها صدور الخزائن تحرج، وليسلك سنن أبيه التي بها يستظهر ويفتخر ويستدلّ ويحتجّ، ويستمسك بسببه الأقوى من الدّيانة التي بابها من النجاة في الدارين غير مرتج؛ ونترك له تفصيل الوصايا لأنه قرين كفيل ملكنا القويّ الأمين ذي الإرشاد والسّداد فمع مرافقته في الإصدار والإيراد والتّكرار والتّعداد لم يحتج، والله تعالى يجعل الطّروس بذكر تقديمه تحبّر وتدبّج، والدروس تنشر وعلومه تعطّر وتتأرّج، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الرابعة (نظر البيوت «4» والحاشية)
وقد تقدّم أنّ موضوعها التحدّث في كل ما يتحدّث فيه أستاد الدار «5» ، وتقدّم الكلام على ما يكتب في طرّة تقليد ناظرها.
(11/336)

وهذه نسخة توقيع بنظر البيوت والحاشية:
الحمد لله الذي عمّر البيوت بنواله، وكثّر فيها أصناف النّعم بإفضاله، وجعل فيها الخير يتضاعف مع كلّ يوم بتجدّده ومع كلّ شهر بإقباله.
نحمده على مديد ظلاله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبد صادق في مقاله، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي رحم الله العالمين بإرساله، وسقى الجيش من كفّه بنبع زلاله، وأوى إلى المدينة دار هجرته وانتقاله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الناصرين لهذا الدين في كل حاله، وسلّم تسليما.
وبعد، فإنّ طراز الملك الشريف البيوت الكريمة: فمنها يتفجّر ينبوع الرّزق الجاري، ومنها يضيء سقط الزّند «1» الواري؛ ومنها تبسط الخوانات «2» ، وتمدّ الأسمطة في المهمّات؛ ومنها يقوم للسعد نصبات «3» وأيّ نصبات، ومنها تقسّم ألوان الطيّبات على مقترح الشهوات، وعماد أمرها على ناظر يقوم بتأصيلها وتفريعها، وتجنسيها وتنويعها، وتكثير حاصلها، واستدعاء واصلها، وجمع كلّ ما فيه مرغوب، وادّخار كلّ ما هو محبوب، وتأليف القلوب على شكره وجلّ ما فيها عمل القلوب.
ولمّا كان فلان هو الرشيد في فعله، المأمون في فضله، الأمين في عقده وحلّه، المسدّد في الحال كلّه، المعطي المباشرة حقّها على ما ينبغي في الشهر من مستهلّه، فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يستقرّ [في نظر البيوت.. الخ] .
فليباشر هذه الوظيفة الكريمة مستجلبا المنافع، مشنّفا بحسن سيرته المسامع، طالعا من العفاف في أبهى المطالع، مستدعيا ما جرت العادة باستدعائه من
(11/337)

أصناف «1» المتجر السعيد من أصناف متعدّدة، وأنواع منضّدة، وليزح أعذار المصالح السعيدة من كلّ صنف على حدة، وليستجلب خواطر المعاملين بوفائهم وإنجازهم كلّ عدة؛ والرواتب اليوميّة ليصرفها لمستحقّها، والبيوتات فليسدّ خللها حتّى لا يظهر نقص فيها، ومرتّبات الآدر «2» الشريفة فلتكن نصب عينيه على ما يرضيها؛ وما اخترناه لهذه الوظيفة إلا لأنّه أنسب من يليها.
والوصايا كثيرة وتقوى الله فلتكن أطيب ثمرات يجتنيها، وأحسن منحات يجتليها، وأزين زينة يحتليها، وهو غنيّ عما تشافهه به الأقلام من فيها؛ والله تعالى يصون هممه ويعليها، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة توقيع بنظر البيوت:
الحمد لله الذي جدّد لأوليائنا ملابس السّعود، وشيّد لهم مباني العزّ وضاعف لقدرهم الترقّي والصّعود، ووالى [إليهم] «3» سحائب الفضل المستهلّة بالكرم والجود.
نحمده على نعمه الضافية البرود، ومننه الصافية الورود، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرغم بها أنف الجحود، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله صاحب الحوض المورود واللّواء المعقود، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين جاد كلّ منهم بماله ونفسه في رضاه والجود بالنّفيسين أقصى غاية الجود، صلاة دائمة الإقامة في التهائم والنّجود، مستمرّة الإدامة ما تعاقب السّحاب روضا بجود، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى من غدت البيوت آهلة بوفود نظره، عامرة بسداده وجميل
(11/338)

فكره، مشيّدة بما يبديه من أوضاح التقرير وغرره- من سما همّة وحسن سمتا، وسلك في الأمانة طريقا لا عوج فيها ولا أمتا «1» ، وحلّ في الرّتب فحلّاها، وتنقّل فيها فما قالت له إيه إلا وقال الذي فارقها آها؛ وكان فلان هو الذي استحقّ بكفايته حسن التنقّل، واستوجب الصّلة والعائد لما فيه من جميل التأتّي والتوصّل- اقتضى حسن الرأي الشريف أن ننقله إلى رتب السعادة، وأن نخصّه كلّ حين من نعمنا بالحسنى وزيادة، فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يستقرّ ...
فليضبط أصولها وفروعها، ومفردها ومجموعها، وليؤنس بحياطة اجتهاده ربوعها، وليكفلها بأمانة تضمّ أطرافها، ونزاهة تحلّي أعطافها، وكتابة تحصر جليلها ودقيقها، ونباهة توفّي شروطها وحقوقها، وليحرّر واردها ومصروفها، ليغدو مشكور الهمم موصوفها، وليلاحظ جرائد حسابها، ويحفظ من الزيغ قلم كتّابها، حتّى ينمي تصرّفه فيها على الأوائل، ويشكر تعرّفه وتعطّفه على كل عامل ومعامل؛ والله تعالى يبلّغه من الخير ما هو آمل، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الخامسة (نظر خزائن السّلاح)
وقد تقدّم أنّ موضوعها التحدّث فيما يستعمل ويبتاع من أنواع السّلاح الذي يحمل للزّردخاناه «2» السلطانية. وقد جرت العادة أن يحمل ما يتحصّل من
(11/339)

ذلك في كل سنة إلى الزّردخاناه مرّة واحدة. وقد تقدّم ما يكتب في طرة توقيع ناظرها.
وهذه نسخة توقيع بنظر خزائن السلاح من إنشاء المولى «شمس الدين بن القيسرانيّ» «1» كتب به «لفخر الدين» أخي جمال الدين ناظر الخاصّ، وهي:
أما بعد حمد الله تعالى الذي ضاعف فخر المناصب، بمتولّيها، ورفع قدر المراتب، بمن يكبّرها بقدره العليّ ويعليها، وأمدّ المقانب «2» ، بنظر ذي المناقب الذي يزيّن بمرهف حزمه أسلحتهم ويحلّيها، ويمضي بماضي عزمه كلّ فرند فريد ليسعّر نار صليله بنظره السعيد ويجلّيها، جاعل أيّامنا الشريفة تقدّم لخدمها كلّ سريّ تسري به هممه إلى العلياء، وتنتخب لحسن نظرها من يعلو بكرم الذات وجمال الإخاء، وتولّي من الأولياء من يعدّ للأعداء خزائن سلاح تبيدهم بها جيوشنا المؤيّدة في فيافي البيداء، إذا دارت رحى الحرب الزّبون وثارت وغى الغارة الشّعواء، والشهادة له بالوحدانيّة التي اتّسق بدرها، في سماء الإخلاص، وأشرق فجرها، بضياء القرب والاختصاص، وسما فخرها، بجلال الجمال فأصبح بحمد الله آخذا في المزيد آمنا من الانتقاص، وعلا ذكرها، بما درّعنا به من دروع التوحيد وأسبغ علينا منه كلّ سابغة دلاص «3» ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي خصّه الله بالتكريم والتعظيم، وختم به الرسل الكرام بما منحه من الاصطفاء والتقديم، وأوحى إليه في الكتاب الحكيم: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
«4» وعلى آله وصحبه الذين هم أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
«5» ، وقرّب قربهم لديه صلّى الله عليه وأذهب بينهم- فإنّ من شيم أيّامنا
(11/340)

الشريفة أن تبلّغ أولياءها مراما، وترعى لأصفيائها ذماما، وتصطفي لولاية الرّتب من أضحى ثغر ولائه بسّاما، وتجرّد لحسن النظر من يجرّد بهممه حساما حسّاما، لا سيّما من اقتفى سنن أخيه- أجلّه الله- فيما يأتي ويذر، واهتدى بهديه في كلّ ورد وصدر، وحذا حذوه السديد الأثر، السعيد النظر، واتّبع رشده الساطع البلج اللامع الغرر، وسار سيره الذي تتأرّج به أرجاء الممالك فحيث سار سرّ؛ إذ هو جمال الجود، جلال الوجود، مقيل عثار الملهوف والمجهود، موئل التّهائم والنّجود، مستجلب الدعاء لنا من الطائفين والعاكفين والرّكّع السّجود، ذو المآثر التي ذكرها أعطر من الروض المجود الموجود، والمناقب التي يساوي فيها الكواكب ويسامتها في السّعود والصّعود.
ولما كان المجلس العاليّ الفخريّ قد أصبح فخره بأخوّته ناميا، وقدره بأبوّته ساميا، وأصبحت مفاخره به خالدة، وجمع مزايا وسجايا جمعت له طارف السّعد وتالده- اقتضى رأينا الشريف أن [أن نشدّد به] «1» أزرا، ونجدّد له في إصلاح السلاح نظرا، ليكون لأخيه- أعزه الله تعالى- النظر على الخاصّ والعام، وبيده مقاليد خزانتنا التي يشمل منها البرايا بصنوف الإنعام، وتدبير خواصّنا الشريفة وجيوشنا المؤيّدة، وله النظر على أعمال لبوس، تقي من الجيوش البوس:
البيض [ذات] القوانس «2» ، واليلب «3» المدار والسّمر المداعس «4» ، والبيض المهنّدة «5» فلذلك رسم...... لا زال يجمع لأوليائه على آلائه شملا، ويرفع أقدار أهل الكرم باستقرار النّعم إذ كانوا لها أهلا وبها أولى- أن يستقرّ فلان في
(11/341)

نظر خزائن السّلاح المنصورة على عادة من تقدّمه وقاعدته، وبمعلومه الشاهد به الدّيوان المعمور لهذه المآثر التي بثّها القلم، والمفاخر التي اشتهرت كالنار على العلم؛ فليكشف ما بهذه الخزائن من عدّة الحرب، والآلات المعدّة في الهيجاء للطّعن والضّرب، ويشمّر في تكثيرها عن ساعد اجتهاده، ويعزّز موادّ الإمداد بها بحسن نظره ويمن اعتماده، ويستعمل برسم جهاد الأعداء كلّ نصل صقيل، وصمصام له في الهام صليل، وصفيحة بيضاء تبيضّ بها بين أيدينا الصّحيفة، ولبوس ترهب عدوّ الله وتضاعف تخويفه، وزاعبيّ «1» يرعب، وسمهريّ «2» يزهق بلسان سنانه النّفوس ويذهب؛ وخرصان «3» تكلّم الأبطال بأسل ألسنتها في الحروب، وقواصل «4» لها في سماء العجاج شروق وفي تحليء «5» الكفّار غروب، وبدن «6» يقدّ الأبدان، ولأمة «7» لم تبار في تحصينها وتخييرها ولم تدان، وفضفاضة على جنود الإسلام تفاض، وسابغة تسبغ على كل راجل من أهل الإيمان ليقضي من أهل الشرك ما هو قاض.
وليحفظ ما ينفق على هذا العدد من الضّياع، ويأت بما تأتي به الضّياع على أحسن الوجوه وأجمل الأوضاع، وليضبط ما يصرف عليها من الأموال، ويعتمد في نظرها ما تحمد عاقبة أمره في سائر الأحوال، ويتيمّن في سائر أفعاله
(11/342)

بميامن كماله، ويسترشد بمراشده في أموره باليمن والرشد من خلال جماله، ويسلك بحسن نظره لهذه الخزائن ما ينتظر به أن يفوق أنظار الأنظار ويرتقب، ويعلم أنّ هذا أوّل إقبالنا عليه (وأوّل الغيث قطر ثم ينسكب) ؛ والله تعالى يجعل خزائن الإسلام بجمال فخره آهلة، ويوردها موارد العزّ الدائم ويصفّي من أكدار الأقذار لها مناهله؛ والعلامة الشريفة أعلاه، حجة بمقتضاه.
الوظيفة السادسة (استيفاء الصّحبة)
وصاحبها يتحدّث في كل ما يتحدّث فيه ناظر الصّحبة المقدّم ذكره «1» وهذه نسخة توقيع من ذلك، من إنشاء القاضي «ناصر الدّين بن النّشائي» وهي:
الحمد لله الذي زاد فخار أوليائنا رفعة المقدار، وأفاد الصّحبة الشريفة خير كاف استوجب منّا بجميل خدمته جزيل الإيثار، وجاد بالجود وابتدأ السعود لمن حسن فيه الاختيار وحمد الاختبار، وارتاد للمناصب العليّة كلّ «مستوف» للمحاسن له حقوق وفاء لا تضاع وقدم ولاء أجمل فيه الإيراد والإصدار.
نحمده على نعم أجزلت الآثار، ونشكره على منن أجملت المسارّ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص يترشّف ساحّ «2» ثوابها الدارّ في تلك الدار، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أيّد الله المؤمنين وأخمد نار الكفّار، وبعثه رحمة للعالمين فأقام بناء الإسلام بعد ما كاد ينهار «3» ، وأسرى به إلى السّبع الطّباق فطبّق نبأ معجزاته الأرض وملأ الأقطار،
(11/343)

صلاة باقية لا تزال أغصان أجورها دانية القطوف زاكية الثّمار، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أجلّ النّعم ما علت ملابسها، وأجمل المنن ما غلت نفائسها، وأكمل المنح ما زكت في رياض الإقبال غرائسها، وأجزل العطايا ما جلّيت في حلل الفخار عرائسها، وأولى الأولياء بتحويل ذلك لديه، وتخويل هذه المواهب إليه، وإسباغ أثواب الامتنان عليه، واجتبائه لرتب علت محلّا، واختياره لمنصب يصبح به جيده من عقود العناية محلّى- من شكرت أوصافه، واشتهر عفافه، وحسن منّا إسعاده وإسعافه، وحمدت خلاله ومآثره، وجاز فخر نعته وفخر ذاته فلا غرو أن تعدّدت مفاخره، وأسلفنا من خدمته ما استوجب أن يجني به ثمار الإحسان، وقدّم بين أيدينا الشريفة من يمن تصرّفه ما أنتج له مضاعفة الآلاء الحسان.
ولما كان فلان هو الذي تحلّى من هذه الأوصاف بعقودها، وتجلّى في مطارف برودها، وأثنت على خصاله ألسنة الأقلام، وأثبتت جميل خلاله في صحف أوراقها وصحائف الأيّام، وحاز من الأمانة والنّزاهة كلّ ما يشكر به على الدّوام، وامتاز بحسن الكتابة التي تقرّ النواظر وتسرّ الخواطر وتزري بالروض البسّام، ما باشر رتبة إلا وفى بها، وحفظ أموالها وغلالها وضبط أمورها وكفى بها- اقتضى رأينا الشريف أن ننقله إلى درجات السعادة، ونمنحه من إقبالنا الشريف زيادة الحسنى وحسن الزّيادة، ونخصّه بوظيفة تدنيه منّا قربا لنكون قد أجملنا له الابتداء والإعادة.
ولذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال فخر أوليائه بمزيد آلائه ساميا، وقدر أصفيائه بمديد عطائه ناميا- أن يستقرّ في كذا.
فليتلقّ هذا الإحسان، بيد الاستحقاق، وليتقلّد عقود الامتنان، الذي طالما قلّد جوده الأعناق، وليباشر ذلك مباشرة يسرّ خبرها، ويسير خبرها، ويشنّف الأسماع تأثيرها وأثرها، وليسلك فيها من السّداد، ما يؤكّد حمده، ومن
(11/344)

حسن الاعتماد، ما يؤيّد سعده، وليعتمد فيها من الأمانة ما هو المشهور من اعتماده، ومن العفاف ما صحّ عنه نقل إسناده، وليدبّج المراسيم الشريفة بقلمه السعيد، وليوشّها بكتابته التي بها الحسن مبديء ومعيد، وليضبط جميع أموال الديوان المعمور وغلاله، وسائر أموره وأحواله، وليستوف بقلمه على مباشريه وعمّاله، وليحط علما بخراج بلاده وأعماله، وليسترفع الحساب شاما ومصرا، وليتصفّح الرّقاع بالممالك الشريفة المحروسة ليحوي بجميعها خبرا، وليتعيّن جملها وتفصيلها ليكون بمخرجها أدرب وبمردودها أدرى، وليحصر متحصّلها ومصروفها، ومعجّلها وموقوفها، حتّى لا يخرج شيء عن علمه، ولتكن جملة هذا الأمر محرّرة في ذهنه ليجيب عنها عند السؤال بتحقّق فهمه؛ والوصايا كثيرة وهو بها خبير عليم، حائز منها أوفى وأوفر تقسيم، وملاكها تقوى الله تعالى فليجعلها عمدته، وليتّخذها في كل الأمور ذخيرته؛ والله تعالى يضاعف له من لدنّا إحسانا، ويرفع له قدرا وشانا؛ والاعتماد على الخطّ أعلاه.
وهذه وصية لمستوفي الصحبة أوردها في «التعريف» وهي:
فهو المهيمن على الأقلام، والمؤمّن على مصر والشام، والمؤمّل لما يكتب بخطّه من كل ترتيب وإنعام، والملازم لصحبة سلطانه في كل سفر ومقام؛ وهو مستوفي الصّحبة، والمستولي بالهمم على كل رتبة، والمعوّل على تحريره، والمعمول بتقريره، والمرجوع في كل الأمور إلى تقديره؛ به يتحرّر كلّ كشف، ويكفّ كلّ كفّ، وبتنزيله وإلّا ما يكمل استخدام ولا صرف؛ وهو المتصفّح عنّا لكلّ حساب، والمتطلّع لكلّ ما حضر وغاب، والمناقش لأقلام الكتّاب، والمحقّق الذي إذا قال قال الّذي عنده علم من الكتاب، والمظهر للخبايا، والمطلع للخفايا، والمتّفق على صحّة ما عنده إذا حصل الخلاف، ووصل الأمر فيه إلى التّلاف؛ وليلزم الكتّاب بما يلزمهم من الأعمال، ويحررها
(11/345)

بمستقرّ إطلاقه وضرائب رؤوس المال، وعمل المكلفات «1» وأن يكلّفوا عملها، وتقدير المساحات وليتتبّع خللها؛ وليلزمهم بتمييز قيمها بعض عن بعض، وتفاوت ما بين [تسجيل] «2» الفدن في كل بلد بحسب ما تصلح له زراعة كلّ أرض، وبمستجدّ الجرائد وما يقابل عليه ديوان الإقطاع والأحباس، وغير ذلك مما لا يحصل فيه التباس.
ومثلك لا يزوّد بالتعليم، ولا ينازع فكلّ شيء يؤخذ منه بالتسليم؛ وما ثمّ ما يوصى به ربّ وظيفة إلا وعنده ينزّل علمه، وفيه ينزّه فهمه؛ وملاك الكل تقوى الله والأمانة فهما الجنّتان الواقيتان، والجنّتان الباقيتان؛ وقد عرف منهما بما يفاض منه عليه أسبغ جلباب، وأسبل ستر يصان به هو ومن يتخذهم من معينين ونوّاب؛ والله تعالى يبلّغه من الرتب أقصاها، ويجري قلمه الذي لا يدع في مال ممالكنا الشريفة صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
الدرجة الثالثة (من تواقيع أرباب الوظائف الديوانية بالديار المصرية
ما يكتب في قطع العادة: إما في المنصوريّ، مفتتحا ب «أما بعد حمد الله» أو على قدر المكتوب له في القطع الصغير، مفتتحا ب «رسم بالأمر الشريف» إن انحط قدره عن ذلك) وفيها وظائف:
منها: كتابة الدّرج بديوان الإنشاء بالأبواب الشريفة.
وهذه نسخة توقيع بكتابة الدّرج الشريف، كتب به للقاضي تاج الدين،
(11/346)

عبد الرحيم بن الصاحب فخر الدين بن أبي شاكر «1» ، وهي:
رسم [بالأمر الشريف]- لا زالت صدقاته الشريفة تشمل نجباء الأبنا، ومبرّاته الجسيمة تجزل للولد البارّ حسن الزيادة وزيادة الحسنى، وهباته الكريمة تقبل بوجه الإحسان على فرع الأصل الأسمى وترصّع تاجه بجوهر فخره الأسنى، وسماته الوسيمة تجمّل شدّ أزر الوزارة الفخيمة بأكفإ نجل ثنى الزمان عنان الرياسة إليه وعليه أثنى- أن يستقرّ فلان في كذا وكذا: لأنه ربّي في حجر الرياسة، واجتنى من الروض المجد الذي أعلى السعد غراسه، ونشأ من محلّ السّؤدد والفخار، وبزغ من بيت حقّت له رفعة الأقدار، وبسق غصن فرعه من أصل ثابت، وسما بدوح عزّ في مواطن المعالي نابت، وهمى ندى قلمه بانتسابه إلى سراة الكتّاب فناهيك من كاتب لأبي الخلل كابت؛ تعترف الدولة لسلفه بسالف العهود، وتغترف من منهل تدبيرهم المورود، وتتحلّى من تاجهم بأسنى العقود، وتسمو من فخر وزارتهم ووزارة فخرهم بما يملأ الوجود بالجود، وتختال من تصريف أقلامهم وأقلام تصريفهم في روض التنفيذ المجود فإن ذكرت مآثر جدّه قصّرت عن إدراكها الجدود، وإن شكرت مناقب والده- أجله الله- ففجرها الباذخ مشهود؛ وهو بلسان العامّ والخاصّ ممدوح محمود، وإلى معاني خطّه تنتهي درجات الصّعود والسّعود؛ فلا غرو لهذا الفرع الناجب أن يتبع أصله، وأن يسلك فضائله وفضله، وأن يقفو منهجه، ويحذو في الكتابة طريقته المبهجة، ويأتي من البراعة بسننها القويم، ويبرز من اليراعة وشي خطّه الرقيم، وأن يحلّي أجياد المهارق بجوهر تاجه النّضيد النّظيم، وأن تحلو ألفاظه في الإنشاء حين تمرّ على الأسماع مرور النسيم؛ سيّما وقد ظهرت عليه من مخايل الرئاسة دلائل، وشرعت له مناهل الأدب والفضائل، وحاز من حسن النشأة ما سار بشكره المثل، وحصل من الاشتغال على كنز المعرفة واشتمل، وغدا جديرا
(11/347)

بكل مرتبة سنيّة، وكل رفعة هي بأعدائها مبنيّة.
فليباشر ذلك مباشرة يجعلها لباب المعالي مفتتحا، وللزيادة من كلّ خير سببا كلّما أبدى الدهر مساء وضحى، ولينقل في اتباع مهيع «1» المجد عن والده وجدّه أبقاهما الله تعالى، وليدأب للتحلّي بأخلاقهما الحسنة أقوالا وأفعالا، وليبهج الطّروس بوشي قلمه، ولينمّق المكاتبات ببلاغة كلمه، وليتخذ الصّون شعاره، والعفاف دثاره، والأمانة معتمده، والنزاهة مستنده، وضبط القول مادّته، وحفظ اليد واللسان جادّته؛ والوصايا كثيرة وملاكها التقوى وهي حليته الحقيقيّة وعقيدته العقليّة والمنطقيّة فليجعلها دأبه، وليرض في إعلانه لها ربّه؛ والله تعالى يعلي قدره وجدّه ويحفظه وأباه وجدّه.
وهذه نسخة توقيع شريف بكتابة درج تجديدا، وهي:
رسم......- لا زال يمنح الأولياء، بتجديد النّعم إحسانا، ويولي البلغاء، فضلا يعلي لهم رتبة وشانا، ويبدي لهم في ديوان إنشائه الشريف فضائل جمّة وبيانا- أن يجدّد هذا التوقيع الشريف باسم فلان تجديدا لأنوار الإحسان إليه، وتأكيدا لمزايا الامتنان لديه، وتسديدا لمستنده الذي ألقاه وجه الإقبال إليه، لما حازه من فضيلة تامّة، وبلاغة ملأت ببديع المعاني ومعاني البديع ألفاظه وكلامه، وكتابة أجرت في حواشي الطروس بمحقّق التوقيعات أقلامه، وأمانة بنت على الصّدق والعفاف أقسامه، ورياسة تأثّل مجدها، فبلغ مرامه، واتّصل سعدها، فلا يخشى انفصامه، وبعد شأوها فهي السامية إلى رفع المنازل من غير سآمة. قد اتّصف من البراعة بجميل الأوصاف وظهر استحقاقه فهو باد غير خاف، وتروّى من بحر البلاغة حيث ورد منهلها الصّاف، وسلك طرق الخير فتضاعف له الإسعاد والإسعاف، وامتاز بمزايا التجمّل في أموره
(11/348)

والعفاف، واستحقّ بذلك أن نجدّد له فضل الألفة، ونؤكّد له بكرمنا نيلا اعتاده وعرفه.
فليستمرّ في ذلك استمرارا به أسباب الخير مؤتلفة، ووجوه الفضائل عن صنوف الكتابة غير منصرفة، وليبد من البلاغة بيانها البديع، ويجمّل منزل العلياء الرفيع، ويسلك مسلكه في الأمانة، ويتّق الله تعالى بملازمة المراقبة والدّيانة، والله تعالى يعلي مكانه، ويزيد في اقتناء الفضائل إمكانه، والاعتماد على العلامة الشريفة أعلاه، إن شاء الله تعالى.
قلت وربّما كتب التوقيع لكاتب الدّرج بزيادة معلوم، فيحتاج الكاتب إلى أن يأتي بعبارة تجمع إلى ما تقدّم من براعة الاستهلال ما يليها من موجب الاستحقاق، وسبب الزيادة وترادف الإحسان.
وهذه نسخة توقيع بشهادة «1» الخزانة، كتب به لابن عبادة، وهي:
أما بعد حمد الله الذي أفاض على الأولياء من خزائن فضله، وأفاء لهم أوفر نصيب من إحسانه المشكور فيه عدل قسمه وقسم عدله، وأهمى عليهم من سحب مواهبه ما يقصر عنه الغمام في وبله وطلّه، وأسبغ عليهم من جوده العميم ما يصفو لديهم المرح في وارف ظلّه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبيه ورسوله أشرف رسله، وخاتم من جاء من الأنبياء من قبله، والهادي ببعثته الشريفة إلى طرق الحق وسبله، وعلى آله وصحبه الذين تابعوه في قوله وفعله، وبايعوه على المظاهرة في نصرة الدين الحنيف وأهله، وجمعوا هممهم على التئام كلمة الإيمان وجمع شمله، وأرهف كلّ منهم في نصره ماضي عزمه ونصله- فإنّ أولى من رعيت له حقوق ذمامه، ومنح أجزل العطاء الذي تقضي الأقدار
(11/349)

بدوامه، ولوحظ بعين الإقبال ما أسلفه من حسن الطاعة لله ولرسوله ولإمامه- من جدّ في الخدمة فأضحى الجدّ له خادما، وداوم على المناصحة فغدا سعده دائما، وأخذ من كلّ فضل بزمامه، ومتّ بما له على الدولة الشريفة من حرمته وذمامه، وسلك في أداء الأمانة السّنن القويم، وجعل على خزائن الأرض بما تلا لسان فضله: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
»
وتمسّك من الإخلاص بأقوى الأسباب، وجعلت له التقوى محلّا يدخل عليه ملائكة القبول من كلّ باب، وزيّن سماء المعالي بكواكب مجده فما تشوّف إليها طرف متطاول إلا وأتبعه شهاب «2» ولما كان فلان هو الذي غدا حسن مناقبه إلى شكره مرشدا، وإلى ذكره بالجميل مسعدا، وألهج لسان القلم في وصفه منشدا، واختصّ من هذه المحامد بأوفرها قسما، وطلع في أفق هذا الثناء الجميل نجما، فلذلك رسم............... ....
ومنها- استيفاء الدولة.
وموضوعها التحدّث في كل ما يتحدّث الوزير وناظر الدولة، وضبط الأموال الديوانية، وكتابة الحسبانات، وكلّ ما يجري مجرى ذلك. وقد جرت العادة أن يكون فيها مستوفيان «3» .
وهذه نسخة توقيع باستيفاء الدولة:
أما بعد حمد الله الذي صان الأموال بالأقلام المحرّرة، والدفاتر المسطّرة، والحسبانات المصدّرة، والجوامع المسيّرة، والتيقّظ الذي استخرج
(11/350)

البواقي المنكسرة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أزال ظلام الظّلم ونوّره. ومحا الجور وغيّره، وأيّد الحق وأظهره، وعلى آله البررة، وصحبه خصوصا العشرة المبشّرة «1» فإنّ للدولة الشريفة من الأقلام ضابطا، ولها من الحساب نظاما أصبح عليها سياجا وحائطا، يصون الأموال أن تكون بأيدي الخائنين نهبى، ويحرز المطلقات بعدا وقربا، وقلم الاستيفاء هو الذي إذا طاشت أقلام الكتّاب كان في رأسها لجاما، وإذا خصم المباشرون بالمصروف قبل السائغ الصحيح وردّ ما كان سقيما وخرّج ما لم يكن تماما.
ولما كان فلان هو الذي في الرئاسة كبير معروف، وفي السعادة حميد موصوف، وفي قلمه تصحيح كلّ مصروف، وله في الدولة آثار مرضيّة تشكرها الأقلام والسّيوف، ما نظر في حساب، إلا أزال عنه ما به يعاب، ولا رأى فلذالك «2» ، إلا وأوضح فيها المسالك، ولا عرض باقي، إلا استخرج ما يتعيّن استخراجه بقلمه الراقي، وفهمه الواقي؛ فلذلك رسم أن يستقر.........
فليباشر هذه الوظيفة بتحريره وتحبيره، وتمييزه وتثميره، وتوفيره وتكثيره، وإيراده وتصديره، وتسهيله وتيسيره، وإزالة تعسيره؛ وإذا أمسك دفاتره، أظهر مآثره، وإذا نسيت الجمل أبدى تذاكره، والعمدة على شطبه في الحسبانات الحاضرة، فلا يخرج من عنده شيء بغير ثبوت فإنّ التواقيع الشريفة والمراسيم الشريفة هي كالأمثال سائرة، ولا يتّخذ المعين، إلّا الأمين، ولا يستعين، إلا بمن هو مأمون اليمين، والوصايا كثيرة وهو غنيّ عن التبيين، فليتّق الله ربّ العالمين، وليستجلب لنا الأدعية من الفقراء الصالحين؛ فإنّ صدقاتنا الشريفة تنعم عليهم بمرتّبات وأرزاق، ونعم وأطلاق، فليسهّل عليهم الصّعب في كلّ
(11/351)

باب وإطلاق، والله تعالى يمدّه بالإرفاق، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
قلت: وقد يكتب لوظيفة استيفاء الدولة مفتتحا ب «رسم» .
وهذه نسخة توقيع من ذلك باستيفاء الدولة، كتب به لعلم الدين بن ريشة «1» ، وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا برحت أيّامه الشريفة ترفع لذوي الكفاءة من إحسانها علما، وترجع مصالح الدولة إلى من أحسن فيها خطابا وأعمل في مهمّاتها قلما، وتختار من دأب في تكميل أدواته حتّى صار على أنظاره متقدّما- أن يرتّب فلان علما بكفايته التي وضحت، ودرايته التي فاقت مناظرها ورجحت، وأمانته التي حصّلت النماء وأربحت، وهمّته التي ميّزت الأموال بإحرازها فعلى السّداد ختمت وبالتحرّي افتتحت.
فليباشر هذه الوظيفة التي تحتاج إليه باحتراز مثله، والرّتبة التي يتعيّن على مباشرها إيصال كلّ حقّ إلى أهله؛ فقد أرجعنا ضبطها وتحريرها إليه، واعتمدنا في تيسير أموالها وسدّ أحوالها عليه؛ فهو جدير ببلوغ القصد فيما قرّرناه لديه وحرّرناه بقلمه ويديه.
فليبسط في مصالح الدّيوان المعمور وأمواله قلمه، وليعمل بما هو عالم من تبيين حقائق أحوال وظيفته ويخلص فيه قوله وكلمه، وليصن الأموال، ويتفقّد ما يلزم العمّال، ويحثّ على حمول بيت المال، وليسترفع الحسبانات من جهاتها على العادة، وليستودع دفاترها وجرائدها من يتحقّق تحرّزه وسداده، وليتخذ معينيه من أرباب الحذق والدّراية والاطّلاع على كل نقص وزيادة، وإبداء وإعادة، وله من نفسه ما لا يحتاج معه إلى زيادة الوصايا وتكثيرها، ومن ألمعيّته ما يدرك به الفصل في جليل الأمور وحقيرها؛ فإنّه قد تخلّق بأخلاق أهل
(11/352)

الأدب، وشارك في جليل الخطب وسدّ ما إليه عزمه انتدب؛ والله تعالى يبلّغه من الجود غاية الأرب، ويعينه على صالح العمل وانتهاز القرب؛ والاعتماد ...
... الخ.
ومنها- استيفاء الخاصّ. وصاحبها في الخاصّ كمستوفي الدولة في ديوان الوزارة.
وهذه نسخة توقيع باستيفاء الخاصّ لمن لقبه «أمين الدين» وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زالت أيامه الشريفة تقدم بمهمّاتها أمينا، وتقدّم في خدمتها من أضحى معلّى شمالا ويمينا، وتولّي الرتب السنيّة من جعل التحرّز لقلمه مصاحبا ولكلمه معينا- أن يستقرّ فلان في كذا: لما عرف من رئاسته التي ميّزته، وأمانته التي جمعت الرّفع فأحرزته، وضبطه الذي ترقّى به في المراتب وتنقّل، وإدراكه الذي يصون به غوامض المصالح ويعقل، ولما سلف له من خدمة ملك فيها السّداد، ومباشرة علم بها ما هو متّصف به من حسن الاعتماد.
فليباشر هذه الوظيفة التي ولّيها، وليشهر من همّته فيها ما يرفع مكانته ويعليها، وليدم المراقبة لمصالح ديوان الخاصّ «1» الشريف في كلّ قول وعمل، وليسارع إلى ما يفيد المناجح ويبلغ من الضبط والتحرّز غاية الأمل، وليصن الأموال من ضياعها، ويحافظ على سلوك طرائق الحقّ واتّباعها، وليسترفع الحسبانات من أربابها، ويتفقّد محرّراتها التي هو أعلم وأدرى بها، ويتّخذ من معينيه من أضحت معرفته للدقائق جامعة، ويحتفل بمتحصّلات أموال الخاصّ بعزمته التي أضحت لمكانته رافعة، لا سيّما ثغر الإسكندرية «2» التي قد أصبحت جهاتها لطلب أقلامه متابعة طائعة، وليلزم كلّ عامل بتحرير ما يجب عليه وما
(11/353)

تنبغي فيه المراجعة، فإنا قد أقمناه لذلك مستوفيا، وليتصفّح أموره الجليلة والحقيرة مستوضحا مستقصيا، وليتّق الله الذي يبلّغه من زيادة منحنا الأمل، ويعينه على صالح العمل، والله تعالى يمنحه من الخير ما ينجح مسعاه وينزّهه عن الزّيغ والزّلل، والاعتماد......... الخ.
وهذه نسخة توقيع في المعنى لمن لقبه «بدر الدين» وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زال يطلع لذوي الكفاية من إحسانه في سماء الإقبال بدرا، ويرفع لمن أمّ الأبواب [من أوليائه] «1» ذوي الرئاسة قدرا، ويشفع لمن شكرت معرفته بنجح القصد فانشرح له بالمنن الجمّة صدرا- أن يستقرّ فلان في كذا: لكفايته التي خطب بسببها إلى مقرّه، ودرايته التي استوجب بها أن نطق لسان القلم بذكره، ونزاهته التي أجمعت بها أمثاله على شكره، وأمانته التي تستدعي الحقّ في حلو الأمر ومرّه، وديانته التي هي أصل في كل أمره وصيانته التي يعتمدها في سرّه وجهره، ومشارفته المصالح بعين يقظته التي يلوح لها وجه الصواب فيقف عند حدّه وقدره.
فليباشر هذه الوظيفة التي أسلفها حسن الاعتماد، وليوفّها من معهود يقظته يمن الاجتهاد، وليحقّق حسن ظنّ المباشرين [ورغبتهم فيه من الإنصاف] «2» في الإرفاق والإرفاد، وليعمّر جهات الأموال بجميل الاقتصاد، وينجز الأحوال على سبيل السّداد، وليتّبع منهاج الخير في كل ما يأتيه من إصدار وإيراد، فقد رجع ضبط هذه الجهة إليه، واعتمد في تحريرها عليه؛ فليصن الأموال، ويتفقّد ما تحسن به العقبى والمآل، وليتحرّ في جميع ما هو لازم له أن يكون على الحق الواضح، والسّنن القويم فإنه المتجر الرابح والمآب الناجح، وتقوى الله تعالى
(11/354)

فهي عمدة كل عبد صالح، والوصايا كثيرة مبيّنة تغني عن إفصاح الشارح؛ والله تعالى يلهمه الطريق السديدة ويرشده، ويعينه بالتوفيق وينجده، إن شاء الله تعالى.
ومنها- استيفاء البيوت والحاشية.
وهذه نسخة توقيع بذلك، كتب بها لعلم الدين «شاكر» عوضا عن تاج الدين بن الغزولي في الأيام الأشرفية «شعبان بن حسين» «1» وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زالت صدقاته الشريفة تمنح الأكفاء من إحسانها نعما، وتضاعف لهم من عطائها كرما، وأيّامه الشريفة تعمّ البيوت الكريمة بكاف قد نشرت له الأمانة في دولته الأشرفيّة علما، ومواهبه تقدّم للوظائف من أضحى شاكرا لله تعالى وتبسط له في دواوين أعزّ الأنصار قلما- أن يستقرّ المجلس السامي القاضي، فلان الدين في كذا وكذا: لأمانته الموفورة، ومعرفته المشهورة، ومحاسنه المذكورة، وسيرته المشكورة، وكتابته التي أضحت في صفحات الحسبانات مسطورة، وديانته التي جدّدت بهجته وسروره، وخبرته بمنازل البيوت المعمورة، وقدم هجرته في الوظائف التي أوجبت نقلته إلى أجلّها، وصدارته التي رفعته إلى أرفع محلّها، كم له في دواوين أعزّ الأنصار من أقلام منفّذة، وآراء مسدّدة، ونظر أصلح به كلّ فاسد، وكبت به كلّ حاسد، وضبط لأصول الأموال، وتتبّع للمصالح في البكر والآصال.
فليباشر هذه الوظيفة المباركة التي هو أخبر بمباشرتها، وأعلم بأحوال البيوت الكريمة وعمارتها، وليظهر في الحاشية السعيدة مآثره الحسنة، ونزاهته التي نطقت بشكرها الألسنة، وليبد في مباشرته من كل شيء أحسنه، وليسلك طرائق الأمانة، وليقف آثار ذوي العفاف والصّيانة، وليلازم مباشرة أعزّ وليّ في
(11/355)

المساء والصّباح، ولا يشغله شاغل عن مصالح ممهّد الدول من هو لسلطاننا الأشرف أمير سلاح؛ والله تعالى يفتح له من الخير أبواب النّجاح. والاعتماد على الخط الشريف أعلاه، إن شاء الله تعالى.
قلت: وممّا ينخرط في سلك تواقيع أرباب الوظائف السلطانية وظائف دواوين الأمراء الخاصكيّة «1» ، فإنه ربما كتب عن السلطان التوقيع لبعض أرباب وظائف دواوينهم كما يكتب في الوظائف السلطانية.
وهذه نسخة توقيع كريم بنظر دواوين بعض الأمراء، وهي:
أمّا بعد حمد الله الذي هدى إلى الملّة المحمّدية من أسرّ الإيمان في قلبه ونواه، وضمّ إلى الأمّة [الإسلامية] «2» من أضمر الإخلاص فأظهره الله في متقلّبه ومثواه، وجمع لوليّ الدولة ومخلصها الفرج والفرح لأنه من توكّل عليه كفاه، والشهادة بالوحدانية التي تبلّغ قائلها من رضاه مناه، وتجعل جنّاته لمن أسرّها جنانه مستقرّه ومأواه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي قصم عداه، وفصم عرا من عاداه من أهل الشرك وعداه، وعلى آله وصحبه الذين اهتدوا بهداه، واستجدوا جداه «3» ، ولبّوا نداه، وأمّوا نداه، صلاة تجزل لمصلّيها ثوابه، وتجمل مآبه، وتحمد عقباه- فإنّ أولى من رفع له الكرم محلّا، وقلّدته النّعم عقدا محلّى، وأعيد إلى رتبة الاصطفاء، وفوّض إليه ديوان أعزّ الأخصّاء، وصرّف قلمه في مهامّه، وحصلت هممه على جميع أقسامه، وعدقت مصالحه بتدبيره، ومناجحه بتأثيله وتأثيره، ومتحصّلاته بتمييزه وتثميره،
(11/356)

وأحواله وأمواله: هذه بحسن تصرّفه وهذه بيمن تقريره- من دخل في دين الله القويم، واجتباه وهداه إلى الصّراط المستقيم، وكساه الإسلام حلّة شرفه، وبوّأه الإيمان مباني غرفه، ونوى الاستقامة في إقامته ومنصرفه، والتحف بجلباب الإسلام وارتدى، وتلبّس بالإيمان فصدّ عنه الأذى وردّ الرّدى، وغدا من أصحاب الصّراط السّويّ ومن اهتدى، مع كفاية أوجبت له التقريب والتقديم، وجدّدت له ملابس التكبير والتكريم، وكتابة فاق بها أمثاله، وعلا مثاله، وبلّغته من العلياء مرامه ومناله، ومعرفة بفنون الحساب، وخبرة اعترف بها الكتّاب والحسّاب، وأوجبت له من الإقبال ما لم يكن في حساب.
ولما كان مجلس القاضي فلان: هو الذي أخذ القلم في مدحه والكرم في منحه، اقتضى رأينا الشريف أن نقبل على إقباله على الدين بوجه الإقبال، وأن نبلّغه في أيّامنا الشريفة ما كان يرجوه من الآمال، فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يرفع من كان للدولة وليّا، ويضع الشيء محلّه بتقديم من أضحى عرفانه جليّا «1» فليباشر ذلك مباشرة تبلّغه أملا من الاعتلاء، وتنوّله مراما من الاعتناء، وتؤمّنه من طوارق الزّمن وحوادث الاعتداء، عالما بأنّ دولتنا الفلانية المنصورة تجازي عن الحسنة بأمثالها، وأنّ أيّامنا الفلانية المشهورة المشكورة تبلّغ أولياءها غاية آمالها، وأنّنا أجزلنا برّه، وأجملنا ذكره، وأجرينا على لسان القلم حمده وشكره، فليعتمد في مباشرته الأمانة المبرّة والنزاهة التي رفعت ما ساءه ووضعت ما سرّه، وليشمّر في مصالح هذا الديوان السعيد عن ساعد اجتهاده، ويعتمد في أموره ما ألف من سداده، ويتحرّ من السعادة ما كان قبل القول من سعاده، وليتّق الله حقّ تقاته، ويجعل التقوى حلية لأوقاته، وحلّة على سائر تصرّفاته، ويسر
(11/357)

بتقواه سيرا خبرا «1» وخبرا، ويذر جورا وجبرا، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً
«2» قلت: وغالب ما يعتنى به في تواقيع أرباب الأقلام المفتتحة ب «رسم» الدعاء المصدّر به التواقيع واشتماله على براعة الاستهلال.
وهذه جملة أدعية «3» من ذلك ينسج على منوالها:
أثير الدّين- لا زال فلك فضله أثيرا، وطالع سعده منيرا، وهبوب ريح مبرّاته للخيرات مثيرا.
أمين الدّين- لا زال ينبغي للخدم الشريفة خير أمين، ويصطفي للقيام بالمصالح أنهض معين، ويجتبي لأهمّ المهمّات من هو غير متّهم في المناصحة وغير ظنين.
بدر الدين- لا زال يولّي المناصب الدّينيّة من سلك في النزاهة مسلكا جميلا، ويولي الفضل الجزيل من أضحى إشراق بدره على آثار حظّه دليلا.
برهان الدين- لا زالت أوامره الشريفة ترفع للعلماء شانا، وتقيم على استحقاقهم دليلا واضحا وبرهانا.
تاج الدين- لا زالت صدقاته الشريفة ترفع تاج الفضائل على الرؤوس وبرّه الشامل يذكّي النفوس ويزكّي الغروس، وتوارد إفضاله يوشّي المهارق
(11/358)

ويدبّج الطّروس.
تقيّ الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تقدّم كلّ تقيّ، وترجّح ميزان من هو بالفضائل أملى مليّ، وترفع قدر من إذا سئل عن محلّه في الرياسة قيل عليّ.
جمال الدين- لا زال جمال جميله للنّفوس رائقا، وإفضاله المتوافر لكل إفضال سابقا.
جلال الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تزيد جلال ذوي الفضل جلالا، وإحسانه المتواتر يوسّع في البرّ لأولي الاستحقاق مجالا، وبرّه المتتابع تقصر عنه خطا كلّ برّ فينادى: هكذا هكذا وإلا فلا لا.
رضيّ الدين- لا زال رضيّ السّجايا، ظاهر المزايا، مسترسل ديم العطايا.
زين الدين- لا زال نواله الشريف زينا لنائله، وسؤاله المحقّق إجابته شرفا لسائله، وقاصد بابه الشريف يؤمّ بالخير في عاجل الأمر وآجله.
سراج الدين- لا زالت عنايته الشريفة تخصّ أولياءها بجزيل المواهب، وتبلّغهم من صدقاتها العامّة غاية الآمال وأقصى المطالب، وتوقد لهم من أنوار سعادتها سراجا يغلب على نور الكواكب.
سريّ الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تصطفي من أرباب الكتابة من يجيد المعاني فلا يضع لفظا إلا جعل تحته معنى سريّا، وترتضي من فرسان البراعة في ميدان اليراعة من يرتقي ببلاغته مكانا عليّا، وتجتبي من أهل الإجادة من تميّز بالإفادة فلا يزال كلامه لأجياد الطّروس حليّا.
شرف الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تضع الشيء في محلّه، وترجع الفضل إلى مستحقّه وأهله، وتختار للمناصب من ظهر شرفه بين قوله وفعله.
شمس الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تطلع في سماء المعالي من ذوي الرياسة شمسا، ونعمه الجسيمة تنبت في روض الإحسان غرسا، ومراسمه
(11/359)

العالية تنقل إلى رتب الرياسة من شدّت كفّه على عدد الأمانيّ خمسا.
شهاب الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تطلع في أفقها شهابا، وتهمل من جزيل المواهب للأمانيّ سحابا، وتضع الشيء في محله وتزيد الأمور انتظاما والدعاء استجلابا.
صدر الدين- لا زالت آراؤه الشريفة تستجيد من ذوي الفضائل من جاوز الجوزاء نظما وفاق النّثرة «1» نثرا، [وتستعيد للمناصب] «2» من الأماثل من تقصر عن مجده الكواكب رفعة وقدرا، وتستزيد [في] «3» المراتب من فاق سحبان وائل «4» وساد الأوائل فأضحى في مجالس العلياء صدرا.
صلاح الدين- لا زال أمره الشريف يقدّم من يفيد ويجيد، فيكون لكلّ أمر صلاحا، وكرمه الطويل المديد، يشمل من ذوي الفضائل من فاق «سحبان» وائل فصاحة وفاق «حاتم» الأوائل سماحا، ورأيه الرشيد السديد، يختار من إذا انتضى اليراعة غلب رأيه سيوفا وطال قلمه رماحا.
ضياء الدين- لا زالت آراؤه الجميلة، تختار من ذوي الفضائل الجليلة من تزداد به المناصب ضياء، ونعمه الجزيلة، تعمّ كلّ بارع إذا ادلهمّت الخطوب كان فوه لها جلاء، وعوارفه المستطيلة، تشمل كلّ فاضل بذل في الخدمة جهده وتكسوه هيبة وبهاء.
علم الدين- لا زال جزيل إحسانه، أوضح من نار على علم، ومزيد
(11/360)

امتنانه، يشمل أرباب السيف والقلم، وسحب بنانه تسحّ فلا تشحّ بجزيل الكرم.
علاء الدين- لا زال علاء دولته يصطفي ذوي الفضائل، ويختار من الفصحاء من يفوت الأواخر كما أضحى يفوت الأوائل، ويقدّم من هو في تدبير اليراعة كعلّي بن هلال «1» وفي حسن البراعة كسحبان وائل.
عزّ الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تزيد ذوي الأقلام، من جزيل الإنعام، فتنيلهم عزّا، وتستجيد من كتّابها الأعلام، من خصّ بجواهر الكلام، فكلّ حسن إلى كلامه يعزى، وتستفيد من نجباء الأيّام، كلّ بارع كأنّ كلامه زهر الكمام، فلو خاطب سحبان لأورثه قصورا وعجزا.
عماد الدين- لا زالت آراؤه الشريفة تتّخذ من نجباء الكتّاب عمادا، وتختار من ذوي الفضائل في الخطاب، من تجد لكلامه حسنا وسدادا، وتقدّم من أهل الفضل في السؤال والجواب، من لا تعدم في كلّ مقاصده رشادا.
عضد الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تجعل من إنعامها، لخدّامها، عضدا، وتلحظ بعين إكرامها، وحسن احترامها، من طال في الفضل مدى، وتزيّن مطالع أيامها، بشموس أعلامها، فلا ترى مثلهم أحدا.
غرس الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تنبت في روض الإحسان، من أرباب البيان، غرسا، وتجتني من كمام اللّسان، أزاهر النّكت «2» الحسان، وتزيّن بها طرسا، وتفيض من مواهب البنان، ما يشهد لها بجزيل الامتنان، فيطيب كلّ آمل نفسا.
غياث الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تبدي لكلّ آمل غياثها، وتضفي
(11/361)

ظلّها على من استجار بها واستغاثها، وتنطق ألسن أقلامها، بمواهب إنعامها، فتبذل طريفها وتراثها.
فتح الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تتخيّر من ذوي الأقلام، من يفتح أبواب الكلام، فتحا، وتهب جزيل الإنعام، لمن يستحقه من الكتّاب الأعلام، فينال بذلك ثناء وربحا، وتقرّب بيد العناية والإكرام، من ذوي الرياسة والاحترام، من هزّ على البلغاء قدحا.
فخر الدين- لا زالت آراؤه الشريفة تنصّب من المناصب، من يزيد بحسن مباشرته فخرها، وتمطي ظهور المراتب، من إذا أظلمت الأيام لعدم فاضل ظهر بفضيلته فجرها.
قطب الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تدير على قطب البلاغة من أرباب اليراعة نجوما، وتشير بعنايتها إلى من حاز من الفضل فنونا وأحيا من الآداب رسوما، وتنير بدور سعدها لمن لم يزل قلمه لأسرار الملك كتوما.
كريم الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تشمل من ذوي الفضائل من عدّ في فصله وأصله كريما، فتقدّم من لا له في البلاغة مماثل فلا يزال بكل فنّ عليما، وتنصّب في المناصب من فات قيس «1» الأوائل رأيا وفاق قسّا «2» بحديث بلاغته قديما.
كمال الدين- لا زالت سعادته الباهرة، تطلع في سماء العلياء من فاق البدور كمالا، وأوامره القاهرة، تقدّم أسنى البلغاء جلالا، وأسمى صدقاته الوافية، تعمّ من ذوي الفضائل من زاد المناصب بحسن مباشرته مهابة وجمالا.
مجد الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تملّك أعنّة الأقلام، من تراه لها
(11/362)

مجدا، وتودع بجيد الأيّام، من جواهر الفضلاء عقدا، وتشمل بأياديها الكرام، من إذا جمع البلغاء كان بينهم فردا.
محيي الدين- لا زالت أوامره الشريفة تشمل من البلغاء من شهر بفصل الخطاب، وإذا ماتت الفضائل يحييها، وغيث جوده [الهامي] «1» يفيض فيض السّحاب، فيبادر العفاة ويحيّيها، وعنايته تعم ذوي الألباب، فتمهّد رتب العزّ وتهيّيها.
موفّق الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تطلع كلّ هلال من اهتدى به كان موفّقا، وتملّك من يزري بابن هلال أنّى كتب: رقاعا ومحقّقا، وتفيض لراجيها أفضل نوال من شبّهه بالغيث كان محقّقا.
ناصر الدين- لا زال يقرّب من أضحى لأهل الكلام، بمرهفات الأقلام، ناصرا، ويهب طويل الإنعام، لمن باعه مديد في النّثر والنّظام، فما برح فضله وافرا، وينتخب من غدا شريعا لعادات الكرام، مضارعا لصفات الكتّاب الأعلام، وأصبح في البيان نادرا.
نجم الدين- لا زالت أوامره الشريفة تطلع في أفق السعادة، من ذوي السيادة، نجما، وتعمّ بجزيل الإفادة، من عرف بالفضل وبالإجادة، وفاق أقرانه نثرا ونظما، وتسمح من عنايتها بالإرادة، لمن هو أهل الحسنى وزيادة، فتجزل له من كرمها قسما.
نور الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تعمّ بالنّوال، من هو في البراعة متّسع المجال، فيزيد الكلام نورا، وحسناته تشمل ذوي الآمال، بما يحمد في البدء والمآل، فتملأ القلوب سرورا، ومبرّاته تصل أولي الكمال، وتنتخب أخيار العمّال، فلا برح أنفذ الملوك أمورا.
(11/363)

نظام الدين- لا زال يتخيّر من كان في الناس مجيدا، وفي البيان مجيدا، فحسن لفظه نظاما، ويهب من برّه مزيدا، لمن كان في الخدمة مريدا، فلا ينقض للنصيحة ذماما، ويبذل كرما مفيدا، لمن يراه في الفضل مبدئا ومعيدا، فحاز فخارا وطاب كلاما.
همام الدين- لا زال يرتضي من هو في فرسان اليراعة أنهض همام، ويقتضي وعد كرمه لمن نهض في الرياسة نهوض اهتمام، وينتضي عضد «1» ذهنه فيصيب مفصل كلّ كلام.
وليّ الدين- لا زال يحلّي أجياد المناصب من ذوي البلاغة، بمن يحسن في الكلام الصّياغة، فينظمه حليّا، ويجلّي كرب المراتب من فرسان اليراعة، بمن راح فضله ولفظه جليّا، ويولّي المناصب من غدا في البيان وافر البضاعة، فاتخذته الأقلام وليّا.
الضرب الرابع (من الوظائف التي يكتب فيها بالديار المصرية مشيخة الخوانق «2» ، وكلّها يكتب بها تواقيع)
وهي على طبقات:
الطبقة الأولى (ما يكتب في قطع النصف ب «المجلس العالي» مفتتحا ب «الحمد لله» وهو مشيخة الشيوخ «3» خاصّة)
واعلم أنّ مشيخة الشّيوخ كانت فيما تقدّم تطلق على مشيخة الخانقاه
(11/364)

الصّلاحيّة، «سعيد السعداء» «1» فيكتب فيها بذلك. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن بنى السلطان الملك الناصر «محمد بن قلاوون» الخانقاه الناصريّة بسرياقوس «2» ، استقرّت مشيخة الشيوخ على من يكون شيخا بها، والأمر على ذلك إلى الآن.
وهذه نسخة توقيع بمشيخة الشّيوخ بالخانقاه الصّلاحية «سعيد السّعداء» بالقاهرة المحروسة باسم الشيخ شمس الدين بن النّخجوانيّ «3» ، من إنشاء المقرّ الشهابيّ بن فضل الله العمريّ، وهي:
الحمد لله مرقّي أوليائه، وموقّي أصفيائه، وملقّي كلمة الإخلاص لمن تلقّى سرّها المصون عن أنبيائه.
نحمده على مصافاة أهل صفائه، وموافاة نعمنا لمن تمسّك بعهود وفائه، وتسلّك فأصبحت رجال كالجواهر لا تنتظم في سلكه ولا تعدّ من أكفائه، وطالع للدّين شمسا يباهي الشمس بضيائه، ويباهل البدر التّمام فيتغيّر تارة من خجله وتارة من حيائه.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نعدّها ذخرا للقائه، وفخرا باقيا ببقائه، راقيا في الدرجات العلى بارتقائه.
ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله مبلّغ أنبائه، ومسوّغ الزّلفى لأحبّائه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان من أهل ولائه،
(11/365)

ومن عرف به الله لمّا تفكّر في آلائه، صلاة يؤمّل دوامها من نعمائه، ويؤمّن عليها سكّان أرضه وسمائه، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى ما استقام به [الشخص على] «1» الطريقة «2» ، واستدام به الرجوع إلى الحقيقة، واستام به يطمئن إلى خالقه لا إلى الخليقة، وحفظ أفقه بنيّر تستضيء به النيّرات، ونوء تتقسّم به الغمائم الممطرات- طائفة أهل الصّلاح، ومن معهم من إخوان أهل الصفاء الصّوفيّة داعي الفلاح، ومن تضمّهم من الواردين إليهم إلى جناح، والصادرين عنهم بنجاح، ومن تفتح له فيهم أبواب السماء، وتمنح بنفسهم عامة الخلق ملابس النعماء، ومن يكشف بتهجّدهم جنح كلّ ظلام، ويكسف بتوجّههم عارضة كلّ بدر تمام، ويستشفى ببركاتهم من داء كل سقام، ويستسقى بدعائهم إذا قصّر النّيل وقصّ جناحه الغمام. وهم أولياء الله وأحبّاؤه، وبهم يتعلّل كل لبيب هم سقامه وهم أطبّاؤه؛ أنحلهم الحبّ حتّى عادوا كالأرواح، وأشغلهم الحبّ «3» بصوت كلّ حمام شجاهم لمّا غنّى وبرّح بهم لمّا ناح، وأطربهم كلّ سمع فوجدوا بكل شيء شجنا، وعذّبهم الهوى فاستعذبوا أن لا يلائموا وسنا، ومثّل فرط الكلف لهم الأحباب «4» فما رأوا لهم حالا إلا حسنا، وأثقل تكرار الذّكرى قلوبهم فما عدّوا غربة غربة ولا وطنا وطنا؛ قرّبت المحبة «5» لهم في ذات الله كلّ متباعد، وألّفت أشتاتهم فاختلفت الأسماء والمعنى واحد.
والخانقاه الصلاحيّة بالقاهرة المحروسة المعروفة ب «سعيد السعداء» -
(11/366)

قدّس الله روح واقفها- هي قطب نجومهم السائرة، ومراكز أفلاكهم الدّائرة، وإليها تنحطّ رحّال سفّارهم، وعليها تحطّ رحال أسفارهم؛ تضطرب فرقهم في البلاد وإليها مرجعهم، وعليها مجتمعهم، وفيها مواضع خلواتهم، ومطالع جلواتهم «1» ، ومكان صلاتهم، وإمكان صلاتهم، ومشرق شموسهم، ومؤنق غروسهم، ومنهاج طريقتهم، ومعراج حقيقتهم «2» ، مأوى هذه الطائفة الطائفة في شرق البلاد وغربها، وبعدها وقربها، وعجمها وعربها، ومن رفع سجوفها أو هو محجوب بحجبها، والمؤهّلة والعراب، وأهل الاغتراب؛ هي فسيحهم الرّحيب، وصفيحهم القريب، ومثالهم إذا اجتمعوا في الملإ الأعلى زمرا، واخترقوا المهامه وما جازوا بيداء ولا جابوا مقفرا، وبلغوا الغاية وما أزعج ركابهم حاد في ليل سرى، ووصلوا وما فارقوا فرشهم الممهّدة إلى ما وراء الورى؛ شرط كلّ خانقاه أن لا تغلق في وجه من ينزل فيها بابا، ولا تطيل جهاتها الممنّعة له حجابا، ولا تعجل مقاماتها المرفعة له قبل...... «3» ......
وهذه نسخة توقيع بمشيخة الشيوخ، وهي مشيخة الخانقاه الناصريّة بسرياقوس، مما كتب بذلك للشيخ نظام الدين الأصفهاني، من إنشاء السيد الشريف شمس الدين:
الطرّة توقيع شريف بأن يفوّض إلى المجلس العاليّ، الشيخيّ، النّظاميّ،
(11/367)

إسحق ابن الشيخ المرحوم جلال الدين عاصم، ابن الشيخ المرحوم سعد الدين محمد الأصفهانيّ القرشيّ الشافعيّ- أدام الله النفع ببركته- مشيخة الخانقاه السعيدة الناصريّة بسرياقوس- قدّس الله روح واقفها- ومشيخة الشيوخ بالديار المصرية والبلاد الشاميّة والحلبيّة، والفتوحات الساحلية، وسائر الممالك الإسلاميّة المحروسة، على عادته في ذلك وقاعدته ومعلومه، وأن يكون ما يخصّ بيت المال من ميراث كلّ من يتوفّى من الصوفيّة بالخانقاه بسرياقوس للشيخ نظام الدين المشار إليه، بحيث لا يكون لأمين الحكم ولا لديوان المواريث معه في ذلك حديث، وتكون أمور الخانقاه المذكورة فيما يتعلّق بالمشيخة وأحوال الصوفيّة راجعة للشيخ نظام الدين المشار إليه، ولا يكون لأحد من الحكّام ولا من جهة الحسبة ولا القضاة في ذلك حديث معه، ولا يشهد أحد من الصوفية ولا ينتسب إلا بإذنه، على جاري عادته في ذلك على ما شرح فيه، وأوّله:
الحمد لله على نعمه التي ألّفت للصالحين من عباده نظاما، واستأنفت للصّائحين إلى مراده إحراما، وصرّفت أوامرنا بالعدل والإحسان لمن فوّض أموره إلى ربّه فأنجح له من مزيد التأييد مرادا ومراما، وعطفت بأوجه إقبالها الحسان على من هو متنزّه عن دنياه، متوجّه إلى أخراه، يمضي نهاره صياما وليله قياما.
نحمده على أن جعلنا نرعى للأولياء ذماما، ونسعى بالنّعماء إليهم ابتداء وإتماما، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترفع للمخلصين في علّيّين مقاما، وتدفع بأعمال الصّدق عن المتوكّلين عليه بأسا وأسقاما، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي جعله للمتّقين إماما، وفضّله على النبيّين إجلالا وإعظاما، وكمله بالسّمات المكرّمات، والصّفات المشرّفات، مما لا يضاهى ولا يسامى، صلى الله عليه وعلى آله الذين شرفوا إضافة إلى نسبه الشريف وانضماما، ورضي الله عن أصحابه الذين عرفوا الحقّ فبذلوا في إقامته اجتهادا واهتماما، صلاة تجمّل افتتاحا واختتاما، وتجزل إرباحا وإنعاما، وسلّم تسليما كثيرا.
(11/368)

وبعد، فشيمنا العدل والإنصاف، لمن له بيمن الأعراق اتصال وبحسن الأخلاق اتّصاف، ومن كرمنا الفضل والإسعاف، لمن لا خفاء في تعيّنه لتصدير التقديم وتكرير التكريم ولا خلاف، ومن سجايانا الجميلة أن لا تضاع حقوق من هو في الزّهادة والعبوديّة إمام، لألسنة الأيّام، بحلاه الحسنة إقرار واعتراف، ولمزايانا جميل المحافظة، وجليل الملاحظة، لمن توكّل على الله حقّ التوكّل فله انتصار بالله تعالى وانتصاف: لأنه العريق الأسلاف، الرّفيق بالضّعاف، الحقيق بتوفير التوفيق الذي له بحركاته المباركة اكتناف، المطيق النّهوض بأعباء الرّياسة: لأنّ للقلوب على محبّته ائتلاف، السّبوق إلى غايات الغلوات الذي تحفّ به في بلوغ آماد الإسعاد من الله تعالى ألطاف، والصّدوق النيّة مع الله تعالى فكم والى لنعمائه الزيادة والاستئناف.
وكان المجلس العاليّ الشيخيّ، الإماميّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الأوحديّ، القدويّ، الورعيّ، الزاهديّ، الناسكيّ، الخاشعيّ، السالكيّ، الأصيليّ، العريقيّ، القواميّ، العلّاميّ، النّظاميّ: جمال الإسلام والمسلمين، شرف العلماء في العالمين، أوحد الفضلاء، قدوة المشايخ، مربّي السالكين، كنز الطالبين، موضّح الطريقة، مبيّن الحقيقة، شيخ شيوخ العارفين، بركة الملوك والسّلاطين، وليّ أمير المؤمنين، إسحق ابن الشيخ المرحوم فلان- أدام الله النفع ببركاته- هو المفوّض أموره إلى ربّه، المعرض عن الدنيا بباطنه وقلبه، المتعوّض بما عند الله من فضله فما زال الإيثار من شأنه ودأبه، إلى إخوانه وصحبه، فهو من الذين يطعمون الطعام على حبّه، ويلهمون من العمل المبرور إلى أقربه من الله وأحبّه، ويقومون الظّلام مع أولياء الله المخلصين وحزبه، ويستديمون الإنعام من الله تعالى بالإحسان إلى عباده ففرعهم لأصلهم في صنعهم مشبه، ويستسلمون لأحكام الله تعالى وكلّهم شاكر لربّه، على حلو القضاء ومرّه صابر على سهل الأمر وصعبه، سائر بالصّدق في شرق الوجود وغربه، مثابر على الحق في عجم الخلق وعربه.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يوصّل الحقوق إلى مستحقّيها،
(11/369)

ويجمل الوثوق بمن تتجمّل المراتب الدينية منه بترقّيها- أن يفوّض إلى المشار إليه مشيخة الخانقاه السعيدة الناصرية بسرياقوس- قدّس الله روح واقفها- ومشيخة الشيوخ بالديار المصرية، والبلاد الشاميّة والحلبية، والفتوحات الساحليّة، وسائر الممالك الإسلاميّة المحروسة، على عادته في ذلك وقاعدته ومعلومه، وأن يكون ما يخصّ بيت المال المعمور من ميراث كلّ من يتوفّى من الصّوفية بالخانقاه المذكورة للمشار إليه، بحيث لا يكون لأمين الحكم ولا لديوان المواريث معه في ذلك حديث، وتكون أمور الخانقاه المذكورة فيما يتعلّق بالمشيخة وأحوال الصوفيّة راجعة إليه، ولا يكون لأحد من الحكّام ولا من جهة الحسبة ولا القضاة في ذلك حديث معه، ولا يشهد أحد من الصّوفية ولا ينتسب إلا بإذنه على العادة في ذلك، ويكون ذلك معدوقا بنظره.
فليعد إليها عودا حميدا، وليفد من الإصلاح ما لم يزل مفيدا، وليعتصم بالله تعالى مولاه فيما تولّاه وقد آتاه الله تثبيتا وتسديدا، وليشهد بها من القوم المباركين من كان عوده قبل الصوم عيدا؛ وهو أعزّه الله تعالى المسعود المباشرة، المحمود المعاشرة، المشهود منه اعتماد الاجتهاد في الدنيا والآخرة، المعهود منه النّفع التامّ، في فقراء مصر والشام، فكم أثّر الخير وآثره، وكثّر البرّ وواتره، ويسّر السير الحسن الذي لم يبرح لسان الإجماع شاكره.
ونحن نوصيه عملا بما أمر الله تعالى به رسوله صلّى الله عليه وسلّم في كتابه المبين، بقوله وهو أصدق القائلين: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
«1» وإن كنا نتحقّق ما هو عليه من العلم والدّين، والحكم الرّصين، والزّهد والورع اللذين نحن منهما على بيّنة ويقين، باتّباع شروط الواقفين، والإمتاع بالعوارف أولياء الله العارفين:
فإنّه ما زال حيث حلّ في جميع الآفاق، واصلا للأرزاق، مواصلا بالأشواق، شاملا بالإرفاق، عاملا بالحقّ في إيصال الحقوق لذوي الاستحقاق. ونأمرهم
(11/370)

أن يكون لهم على تكريمه اتّفاق، وفي متابعته اجتماع واتّساق؛ فإنّه شيخ الطّوائف، وإمام تقتبس منه اللّطائف، وتلتمس منه الهداية في المواطن والمواقف؛ والله تعالى يمتّع ببركاته الأمّة، ويسمع منه في الخلوات لنا الدّعوات التي تكون لأوراده المقبولة مفتتحة ومتمّة، ويصله بعنايته التي تقيّد الهمّ وتؤيّد الهمّة، ويجعله حيث كان للفقراء نعمة وبين الناس رحمة؛ والعلامة الشريفة أعلاه، حجة بمقتضاه.
الضرب الخامس (من أرباب الوظائف بالدّيار المصريّة بالحضرة- أرباب الوظائف العاديّة، وكلّها تواقيع)
وهي على طبقات:
الطبقة الأولى (من يكتب له في قطع النصف بالمجلس العالي، وهو رئيس الأطبّاء المتحدّث عليهم في الإذن في التطّبب والعلاج والمنع من ذلك وما يجري هذا المجرى)
وهذه نسخة توقيع برياسة الطّبّ، وهي:
الحمد لله مؤتي الحكمة من يشاء من عباده، ومعطي أمانة الأرواح من ترقّى في حفظها إلى رتبة اجتهاده، وجاعل علم الأبدان أحد قسمي العلم المطلق في حالي اجتماعه وانفراده، وموفّق من جعل نصح خلق الله فيه سببا لسعادة دنياه وذخيرة صالحة ليوم معاده، [ومبلّغ من كان دائبا في إعانة البريّة على طاعة ربّها بدوام] «1» الصّحّة غاية مرامه وأقصى مراده، ورافع رتبة من دلّ
(11/371)

اختياره واختباره على وفور علمه ونجح علاجه وإصابة رأيه وسداده.
نحمده على نعمه التي خصّت بنعمنا من كمل في نوعه وفصله وحسن في علمه وعمله قوله وفعله، وجمع من أمانة وظيفته ومعرفتها ما إذا جلس في أسنى مناصبها قيل: هذا أهله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تشرق البصائر، بأضوائها وتفرق «1» الضمائر، باخلاصها من أدوائها، وتغدق بيمنها أنواء التوفيق فتتأرّج رياض الإيمان بين روائها وإروائها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أنارت ملّته، فلم تخف على ذي نظر، وعلت أدلّته، فلم ينلها من في باع رويّته قصر، وبهرت معجزاته فلو حاولت الأنفاس حصرها أفناها العيّ والحصر، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا لأدواء القلوب علاجا، ولسلسبيل الإيمان مزاجا، وللبصائر السائرة في دجى الشّبهات سراجا، صلاة دائمة الإقامة، متصلة الدّوام إلى يوم القيامة، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد: فإنّ صناعة الطّبّ علم موضوعها حفظ الأبدان النّفيسة، ومقصودها إعانة الطبيعة على حماية الأعضاء الرّئيسة، ومدارها الأعمّ، على معرفة العوارض وأسبابها، ومدركها الأتمّ، الوقوع على الصواب في معرفة الجسوم وأوصابها؛ وحينئذ تتفاوت رتب أهلها عند تشعّب مداركها، واختلاف مسالكها، وتشابه عللها، والتباس صوابها بخللها؛ إذ لا يميّز ذلك حقّ تمييزه إلا من طال في العلم تبحّره، وحسن في رتب هذا الفن تصدّره، وطابق بين نقله وعلاجه، وعرف حقيقة كل مركّب من الأدوية ومفرد بعينه واسمه وصفته ومزاجه، وتكرّرت عليه الوقائع فعرفها دربة وأحكمها نقلا، ولقّب بشرعة التقوى إذ كان الإقدام على النفوس قبل تحقّق الداء والدّواء مذموما شرعا وعقلا؛ ولذلك تحتاج إلى رئيس ينعم في مصالحها نظره، ويجمل في منافعها ورده وصدره، ويعتبر أحوال أهلها بمعيار فضله، ويلزم الداخل فيها ببلوغ الحدّ الذي لا بدّ منه
(11/372)

بين أرباب هذا الشأن وأهله، ويعرف لأكابر هذا الفنّ قدر ما منحهم الله من علم وعمل، ويبسط رجاء المبتديء إذا كمّل نفسه حتّى لا يكون له فيها بغير كمال الاستحقاق طمع ولا أمل.
ولما كان المجلس السامي، القاضي، الأجلّ، الحكيم، فلان الدين: هو الذي بلغ من العلم غاية مراده، واحتوى من هذا الشان على ما جمع به رتب الفاضلين فيه على انفراده؛ فلو عاصره «الرئيس» «1» لاعتمد عليه في كلّيّات قانونه، أو «الرازيّ» «2» لعلم أن. «حاويه» من بعض فنونه، قد حلب هذا العلم أشطره، وأكمل قراءة هذا الفنّ رموزه وأسطره، وحلّ أسراره الغامضة، وارتوى من سحب رموزه بأنواء لم يشم غير فكره بروقها الوامضة، وأسلف من خدمة أبوابنا العالية سفرا وحضرا ما اقتضى له مزيّة شكره، وتقاضى له مزيد التنبيه على قدره والتنويه بذكره، وحمد فيه الفريدان: صحة نقله وإصابة فكره، وعلم أنه جامع علوم هذه الصّناعة فلا يشذّ منها شيء عن خاطره ولا يغيب منها نقل عن ذكره.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال شهاب فضله لامعا، وسحاب برّه هامعا- أن يكون فلان متولّي رياسة الأطباء بالديار المصرية على عادة من تقدّمه.
فليباشر هذه الرياسة ناظرا في مصالحها، مطلعا من شهاب فضله ما يزين أفقها زينة السماء بمصابيحها، متفقّدا أحوال مباشريها، متلمّحا أحوال المستقلّ بأعبائها والداخل فيها، سالكا في ذلك سبيل من تقدّمه من رؤسائها، حاكما في أمورها بما جرت به العادة المستقرّة بين أكابرها وعلمائها، مطارحا من قدمت هجرته فيها بما يقتضي له مراجعة أصوله، ملزما من ظهر قصوره فيها بالتدرّب
(11/373)

إلى حدّ لا يقنع منه بدون حصوله، مجيبا في الإذن لمن أظهر الاستحقاق صدق ما ادّعاه، قابلا في الثّبوت من مشايخ هذه الصّناعة من لا يشهد إلا بما علمه ولا يخبر من التدرّب إلا بما رآه ووعاه، متحرّيا في الثّبوت لدينه، آذنا بعد ذلك في التصرّف إن ترقّى علمه باستحقاقه إلى رتبة تعيينه؛ وليعط هذه الوظيفة حقّها من تقديم المبرّزين في علمها، وتكريم من منحه الله درجتي نقلها وفهمها، وتعليم من ليس عليه من أدواتها المعتبرة غير وسمها واسمها، ومنع من يتطرّق من الطّرقية «1» إلى معالجة وهو عار من ردائها، وكفّ يد من يتهجّم على النفوس فيما غمض من أدوائها قبل تحقّق دوائها، واعتبار التقوى فيمن يتصدّى لهذه الوظيفة فإنّها أحد أركانها، واختيار الأمانة فيمن يصلح للاطلاع على الأعضاء التي لولا الضرورة المبيحة حرم الوقوف على مكانها؛ وليكن في ذلك جميعه مجانبا للهوى، ناويا نفع الناس فإنما لامريء ما نوى؛ والله تعالى يحقّق له الأمل، ويسدّده في القول والعمل، بمنّه وكرمه.
قلت: وربّما افتتح توقيعها ب «أما بعد حمد الله» .
وهذه نسخة توقيع برياسة الطّب، من إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ، كتب بها ل «شهاب الدين الحكيم» في المحرّم سنة تسع وسبعمائة، وهي:
أمّا بعد حمد الله حاسم أدواء القلوب بلطائف حكمته، وقاسم أنواع العلوم بين من كمل استعدادهم لقبول ما اقتضته حكمة قسمته، وجاعل لباس العافية من نعمه التي هي بعد الإيمان أفضل ما أفاض على العبد من برّه وأسبغ عليه من نعمته، والمنزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته، ومقرّب ما نأى من الفضائل على من أسرى إليها على مطايا عزمه وسرى لتحصيلها على جياد همّته، وملهم آرائنا بتفويض أمانة الأرواح إلى من
(11/374)

أنفق في خدمة الطبيعة أيّام عمره فكان بلوغ الغاية في علمها نتيجة خدمته، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي شرح الله بالهدى صدور أمّته، وخصّه منهم بأعلام كلّ علم وأئمته، وجلا بيقين ملّته عن كلّ قلب ما ران عليه من الشّك وغمّته، وعلى آله وصحبه الذين حماهم من الزّيغ والزّلل ما فجّر الهدى لهم من جوامع الكلم وأفاض التّقى عليهم من أنوار عصمته- فإنّ أولى الأمور أن يعتمد فيها على طبيبها الخبير، ويصان جوهرها عن عرض العرض على غير ناقدها البصير، وتحمى مواردها عمن لم يعرف كيف يجتنب مواقع التكدير، وترفع كواكبها عمّن لم تدرك أفكاره دقائق الحوادث وحقائق التأثير- أمر صناعة الطّب التي موضوعها الأبدان القائمة بالعبادة، والأجسام القائمة بما يتعاقب عليها من الحوادث والزّيادة، والنّفوس التي ما عنها إن حصل فيها التفريط بدل ولا عوض، والأرواح التي إن عرض الفناء لجوهرها فلا بقاء بعده للعرض، والطبيعة التي إن خدمت على ما يحبّ نهضت على ما يجب بالصّحّة حقّ النّهوض، والأمزجة التي إن نفرت لعدم التأتّي في سياستها أعجزت من يروض.
ولذلك تفتقر على كثرة أربابها، وتحتاج مع غزارة المتمسّكين بأسبابها، وتضطرّ وإن اندفعت الضرورات بكثرة متقنيها، وتتشوّف وإن وجد الجمّ الغفير من المتلبّسين بأدواتها والمتبحّرين فيها- إلى رئيس ينعم في اعتبار أكفائها النّظر، ويدفع عن رتبتها بتطرّق غير أهلها الغير، ويعرف من أحوال مباشريها ما لا يكفي في خبرها الخبر؛ فلا يقبل إلا من علم مقدار علمه، ووثق مع الحفظ بصحّة فهمه، ورضي عن خبره في الطّبّ واجتهاده، واعتبر منه كل نوع تحت أجناسه المتعدّدة على حدته وانفراده، وجاراه في كلّيّات الفنّ فرآه في كلّ حلبة راكضا، وطارحه في فصول العلم فوجده بحمل أعباء ما تفرّع منها ناهضا، واختبر دربته فوجدها موافقة لتحصيله، مطابقة لما حواه من إجمال كلّ فنّ وتفصيله، وتتبّع مواقع دينه فوجدها متينة، ومواضع أمانته فألفاها مكينة، وأسباب شفقته ونصحه فعرف أنها على ما جمع من الأدوات الكاملة معينة؛ ويتعيّن أن يكون هذا «الرئيس» في أوانه، و «الرازيّ» في زمانه، و «الفارابيّ» في كونه
(11/375)

أصلا تتفرّع فنون الحكم من أفنانه؛ علاجه شفاء حاضر، [وكلاءته] «1» نجاة من كل خطر مخامر، وتدبيره للصحّة تقويم، وتصفّحه تثقيف لعلماء الصّناعة وتسليم، ودروسه ذخائر ينفق من جواهر حكمها كلّ حكيم.
ولما كان المجلس العاليّ الصّدريّ، الشّهابيّ، هو المراد بالتعيّن لهذه الوظيفة، والمقصود بما أشير إليه في استحقاق هذه الرتبة من عبارة صريحة أو كناية لطيفة، وأنّه جمع من أدوات هذا الفن ما افترق، واحتوى على أصوله وفروعه فاجتمعت على أولويّته الطوائف واتّفقت على تفضيله الفرق؛ فلو عاصره «أبقراط» لقضى له في شرح فصوله بالتّقدمة، ولو أدرك «جالينوس» لاقتدى في العلاج بما علّمه؛ مع مباشرة ألّفت بين الصحّة والنّفوس، وملاطفة أشرقت مواقع البرء بها في الأجساد إشراق الشّموس، واطّلاع يعرف به مبلغ ما عند كلّ متصدّ لهذه الصناعة من العلم، وتبحّر في الفنون لا يسلّم به لأحد دعوى الأهلية إلا بعد حرب جدال هو في الحقيقة عين السّلم- فرسم بالأمر العاليّ أن يستقرّ فلان في رياسة الأطبّاء الطبائعيّة بالديار المصرية والشام المحروس، على عادته وعادة من تقدّمه في ذلك، ويكون مستقلّا فيها بمفرده.
فلينظر في أمر هذه الطائفة نظرا تبرأ به الذّمّة، ويحصل به على رضا الله تعالى ورضا رسوله صلّى الله عليه وسلّم في الشّفقة على الأمّة، ويعطي به الصناعة حقّها، ويطلق من يد من تطاول إليها بغير أهليّة رقّها، ويصون النفوس من إقدام من تقدّم بغير خبرة كاملة عليها، ويذبّ عن الأرواح تطرّق من يتطرّق بغير معرفة وافرة إليها، فإنّ فارط التفريط في النفوس قلّ أن يستدرك، ومن لم تجتمع فيه أدوات المعرفة التامة والدّين فما ينبغي له أن يدخل في المعالجة قبل الكمال وإن دخل فلا يترك؛ فإنّ من لازم صلاح الأرواح صلاح الأجساد، وإنّ الداء الذي لا دواء له أن تكون العلّة في واد والمعالجة في واد، فلا يقبل في التزكية إلا من يثق بدينه كوثوقه بعلمه، ولا يصرّف أحدا في هذه الصناعة إلا الذين زكت أعمالهم قبل
(11/376)

التزكية؛ وليشفعها بالامتحانات التي [تسفر عن وجوه الوثوق بالأهلية لثام] «1» دقائقها المنكية، فإنّ العيان شاهد لنفسه، ومن لم تنفعه شهادة فعله في يومه لم ينفعه غيره في أمسه، ولا يمض فيها حكما قبل استكمال نصاب الشّهادة، وقبل التثبّت بعد كمالها: فإنّ المعالجة محاربة للدعاء والموت بجهالة المحارب له شهادة، وليأمر من ألجيء إلى معالجة مرض لا يعرفه بمتابعة من هو أوفق منه بالتقديم، ومراجعة من هو أعلم منه به: فإنّ الحوادث قد تختلف وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
«2» وملاك الأمور تقوى الله فليجعلها حجّته فيما بين الله وبينه، والافتقار إلى توفيقه فليصرف إلى ذلك قلبه وعينه؛ والخير يكون إن شاء الله تعالى.
وهذه وصية متطبّب طبائعيّ، أوردها في «التعريف» قال:
وليتعرّف أوّلا حقيقة المرض بأسبابه وعلاماته، ويستقص أعراض المريض قبل مداواته، ثم ينظر إلى السّنّ والفصل والبلد؛ ثم إذا عرف حقيقة المرض، وقدر ما يحتمله المزاج من الدواء لما عرض، يشرع في تخفيف الحاصل، وقطع الواصل، مع حفظ القوى. ولا يهاجم الداء، ولا يستغرب الدّواء، ولا يقدم على الأبدان إلا بما يلائمها، ولا يبعد الشبه، ولا يخرج عن جادّة الأطبّاء ولو ظنّ الإصابة حتّى يقوى لديه الظنّ ويتبصّر فيه برأي أمثاله، وليتجنّب الدّواء، ما أمكنه المعالجة بالغذاء، والمركّب، ما أمكنه المعالجة بالمفرد؛ وإيّاه والقياس إلّا ما صحّ بتجريب غيره في مثل مزاج من أخذ في علاجه، وما عرض له، وسنّه، وفصله، وبلده، ودرجة الدّواء. وليحذر من التجربة، فقد قال أبقراط وهو رأس القوم: إنها خطر. ثم إذا اضطرّ إلى وصف دواء صالح للعلّة نظر إلى ما فيه من المنافاة وإن قلّت، وتحيّل لإصلاحه بوصف
(11/377)

يصلح معه، مع الاحتراز في وصف المقادير والكمّيات والكيفيّات، في الاستعمال والأوقات، وما يتقدّم ذلك الدواء أو يتأخّر عنه. ولا يأمر باستعمال دواء، ولا ما يستغرب من غذاء، حتّى يحقّق حقيقته، ويعرف جديده من عتيقه: ليعرف مقدار قوّته في الفعل. وليعلم أنّ الإنسان هو بنية الله وملعون من هدمها، وأن الطبيعة مكافية وبؤسى لمن ظلمها، وقد سلّم الأرواح وهي وديعة الله في هذه الأجسام، [فليحفظها وليتق الله ففي ذلك جميع الأقسام] «1» وإيّاه ثم إيّاه أن يصف دواء ثم [يكون هو الذي] «2» يأتي به، أو يكون هو الذي يدلّ عليه، أو المتولّي لمناولته للمريض ليستعمله بين يديه، وفي هذا كلّه لله المنّة ولنا إذ هديناه له وأرشدناه إليه.
وهذه نسخة توقيع برياسة الكحّالين...... «3» ....
الضرب السادس (من أرباب الوظائف بالديار المصرية) زعماء أهل الذمة
ويكتب لجميعهم تواقيع في قطع الثلث بألقابهم السابقة مفتتحة ب «أما بعد حمد الله» .
ويشتمل هذا الضرب على ثلاث وظائف:
الوظيفة الأولى (رآسة اليهود)
وموضوعها التحدّث على جماعة اليهود والحكم عليهم، والقضاء بينهم
(11/378)

على مقتضى دينهم وغير ذلك.
وقد تقدّم في الكلام على النّحل والملل أنّ الموجودين من اليهود ثلاث طوائف: وهم الرّبّانيّون، والقرّاؤون، والسامرة «1» وقد جرت العادة أن يكون الرئيس من طائفة الرّبّانيّين دون غيرهم، وهو يحكم على الطوائف الثلاث.
وهذه نسخة توقيع «2» برآسة اليهود، من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، وهي:
أما بعد حمد الله الذي جعل ألطاف هذه الدولة القاهرة تصطفي لذمّتها من اليهود رئيسا فرئيسا، وتختار لقومها كما اختار من قومه موسى، وتبهج لهم نفوسا كلّما قدّمت عليهم نفيسا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبيّ الأميّ، والرسول الذي أجمل الوصيّة بالملّيّ والذّمّيّ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما هطل وبليّ «3» ، وما نزل وسميّ «4» - فإنّ معدلة هذه الدولة تكتنف «5» الملل والنّحل بالاحتياط، وتعمّهم من إنصافها وإسعافها بأوفر الأنصباء وأوفى الأقساط، وتلمّهم من حادث الزمن إذا اشتطّ ومن صرفه إذا شاط، وتضمّهم كما
(11/379)

ضمّت البنوّة إلى جناح النّبوّة الأسباط، لا تزال ترقب الإلّ «1» والذّمة، في المسلمين وأهل الذّمّة، وتقضي لهم بحسن الخيرة ورعاية الحرمة، وتبيحهم من أمر دينهم ما عليه عوهدوا، وتمنحهم من ذلك ما عليه عوقدوا، وتحفظ نواميسهم بأحبار تحمد موادّهم إذا شوفهوا وتحسن مرآهم إذا شوهدوا: من كل إسرائيليّ أجمل للتوراة الدّراسة، وأحسن لأسفار أنبيائه اقتباسه وأجمل التماسه، ومن نبّهته نباهته للتقدمة فما طعم اجتهاده يوما حتّى صار وجه الوجاهة في قومه ورأس الرّأسة، فأصبح [فيهم] معدوم النظير، معدودا منهم بكثير، وموصوفا بأنه في شرح أسفار عبرانية «2» حسن التفسير، واستحقّ من بين شيعته أن يكون رأس الكهنة، وأن تصبح القلوب في مجامعهم بحسن منطقه مرتهنة، وبأن للجهالة بتثقيفه لشيعته تحجّب «3» عقائدهم عن أن تغدو ممتهنة.
ولما كان فلان «4» هو لمحاسن هذا التقريظ بهجة، ولجسد هذا التفويض مهجة، ولممادح هذا الثناء العريض لهجة، ولعين هذا التعيين غمضها، وليد هذه الأيادي بسطها وقبضها، ولأبكار أفكار هذه الأوصاف متقاضيها ومقتضّها، ومن أدنيت قطاف النعماء ليد تقدمته «على غيظ من غصّ منها» واجتنى غضّها- اقتضى حسن الرأي الشريف أن يميّز على أبناء جنسه حقّ التمييز، وأن يجاز له من التنويه والتنويل أجلّ ما جيز.
ورسم بالأمر الشريف- لا زال يختار فيجمل الاختيار، ويغدو كالغيث الذي يعمّ بنفعه الرّبا والوهاد والأثمار والأشجار- أن تفوّض إليه رآسة اليهود على اختلافهم: من الرّبّانيين، والقرّائين، والسامرة بالديار المصريّة حماها الله
(11/380)

وكلأها. فليجعل أسبابهم بالتّقوى تقوى، وغروسهم بالتدبير لا تذوى، ومقاصدهم لا يمازجها شكّ ولا شكوى، ولينزل عليهم منّا منّا يسليهم صنعا حتّى لا يفارقوا المنّ والسّلوى؛ وليتق الله فيما يذره ويأتيه، ويحسن في اجتلاب القلوب واختلابها تأتّيه؛ وإيّاه والتّيه حتّى لا يقال: كأنّه بعد لم يخرج من التّيه»
وجماعة الرّبانيّين فهم الشّعب الأكبر، والحزب الأكثر؛ فعاملهم بالرّفق الأجدى والسّرّ الأجدر، ولكونك منهم لا تمل معهم على غيرهم فيما به من النفس الأمّارة تؤمر.
وجماعة القرّائين فهم المعروفون في هذه الملّة، بملازمة الأدلّة، والاحتراز في أمر الأهلّة «2» ، فانصب لأمرهم من لم يتولّه حين يتولّه؛ ومن كان منهم له معتقد فلا يخرج عن ذلك ولا يحرج، ولا يلجم منهم بلجام من نار إنكار من في ليلة سبته [بيته] «3» عليه لا يسرج.
والسامرة فهم الشّعب الذين آذن التنظيف أهله بحروبه، ولم يك أحدهم لمطعم لكم ولا مشرب بأكوله ولا شروبه؛ فمن قدرت على ردّه بدليل من مذهبك في شروق كل بحث وغروبه، فاردده من منهج تحيّده عن ذلك وهروبه، وإلا فقل له: يا سامريّ بصرت بما لم تبصروا به. [وليكن حكمك فيهم بالبتّ] «4» ، وارفق بهم فإن «المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» «5» فإيّاك أن
(11/381)

تكون ذلك المنبتّ، ومرهم بملازمة قوانينهم كيلا يعدو أحد منهم في السّبت، واجعل أمور عقودهم مستتبّة، وأحسن التحرّي والتحرير لهم في إتقان كل كتبة؛ ولا تختر إلا الأعيان، من كل خزّان وديّان؛ ومن كان له من داود عليه السّلام لحمة نسب، وله به حرمة نسب، فارع له حقّه، وأصحبه من الرّفق أكرم رفقة.
والجزية فهي لدمائكم وأولادكم عصمة، وعلى دفاعها لا دافعها وصمة، ولأجلها ورد: «من آذى ذمّيّا كنت خصمه» ، وهي ألمّ من السيف إجارة، وهي أجرة سكنى دار الإسلام كما هي لاستحقاق المنفعة بها إجارة؛ فأدّوها، وبها نفوسكم فادوها، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
«1» ، فعدّوا ألطاف الله بها ولا تعدوها؛ وداوم على مه «2» ، زجرا لتارك علامة «3» ؛ ومن قصد منها خلاصه، فقل له في الملإ: ماذا خلا؟ صه؛ ومن ركن في أمرها إلى الإخلاد والإخلال، وسكن إلى الإهمال، ولم يرض بأنّ راية الذّلّة الصفراء على رأسه تشال، فأوسعه إنكارا، وألزمه منها شعارا؛ وإن قام بنصره منهم معشر خشن فأرهم بعد العلامة خشكارا «4» ؛ وخذهم بتجنّب الغشّ الذي هو للعهد مغيّر ومغيّب، واكفف من هو بما ينافيه معيّر ومعيّب؛ وأما من هو مجيب لذلك فهو لقصده محبّب، وانقل
(11/382)

طباعهم عن ذلك وإن أبت عن التناقل [فانتقامنا يتلو] «1» : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ
«2» وقد علم أن الذي تتعاطونه من نفخ في البوق إنما هو كما قلتم للتّذكار، فاجتهدوا أن لا يكون لتذكار العجل الحنيذ «3» الذي له خوار؛ هذه وصايانا لك ولهم فقل لهم: هذه موهبة الدولة وإحسانها إليكم، ولطفها بكم وعاطفتها عليكم، وبصّرهم بذلك كلّما تلا إحساننا إليهم: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ*
«4» وهذه نسخة توقيع برآسة اليهود أيضا:
أمّا بعد حمد الله على أن جعل ملاحظة هذه الدولة القاهرة لجميع الملل ناظرة، وإحسانها لا يغفل مصلحة لأولي الأديان غائبة ولا حاضرة، والصلاة على سيدنا محمد الذي جعل ذمّته وعهده وفيّين لكل نسمة مؤمنة وكافرة- فإنّ الله تعالى لما مدّ رواق عدل هذه الأيام الشريفة على كل معاهد: من متقرّب ومتباعد، وساوى بينهم في النظر الذي صدق الرأي وصدّق الرائد- اقتضى جميلها أن يسهم لكلّ من أهل الذمة أوفر نصيب، وأن لا يقال لأحد منهم من الإجحاف ما يريب، وأن لا تكون أمورهم مضاعة، ولا تعبّداتهم مراعة، ولا شرائعهم غير مصونة، ولا أحكامهم عارية [عن] «5» حسن معونة؛ وكانت جماعة اليهود وإن كانوا أولي غيّ، وصدق النصارى فيهم وصدقوا في النصارى من أنّهم ليسوا على شيّ، لا بدّ لهم من مباشر يأخذهم بالأمر الأحوط، والناموس
(11/383)

الأضبط، والمراسيم التي عليهم تشرط؛ وكان الذي يختار لذلك ينبغي أن لا يكون إلا من أكبر الكهنة وأعلم الأحبار، وممن عرف من دينهم ما لأجله يصطفى ولمثله يختار، وممّن فيه سياسة تحجزه عن المضارّ، وتحجبه عن الاستنفار، وكان فلان الرئيس هو المتميّز بهذه الأوصاف على أبناء جنسه، وله وازع من نفسه، ورادع من حسن حدسه، وخدمة في مهمّات الدولة يستحقّ بها الزيادة في أنسه، وهو من بين جماعته مشهور بالوجاهة، موصوف بالنّباهة، ذو عبرانيّة حسنة التعبير، ودراسة لكتب أهل ملّته على ما فيها من التغيير- اقتضى جميل الاختصاص المنيف، أن يرسم بالأمر الشريف- لا برح يرقب الإلّ والذّمّة، ويرعى للمعاهدين الحرمة- أن تفوّض إليه رآسة اليهود الرّبّانيين والقرّائين والسامرة، على عادة من تقدّمه.
فليباشر ذلك مستوعبا أمورهم كلّها، مستودعا دقّها وجلّها، مباشرا من أحوالهم ما جرت عادة مثله من الرّؤساء أن يباشر مثلها، غير مفرّط في ضبط ناموس من نواميس المملكة، ولا مغفل الإنكار على من «1» يتجاوز ذلك إلى موارد الهلكة؛ ومن فعل ما يقضي بنقض عهده، فعليه وعلى مستحسنه له من المقاتلة ما يتّعظ به كلّ من يفعل ذلك من بعده؛ بحيث لا يخرج أحد منهم في كنيسته ولا في يهوديّته ولا في منع جزيته عن واجب معهود، ومن خالف فوراء ذلك من الأدب ما تقشعرّ منه الجلود؛ وما جعلهم الله ذمّة للمسلمين إلا حقنا لدمائهم، فلا يبحها أحد منهم فتجتمع له شماته أهل الأديان من أعدائهم بأعدائهم- والوصايا كثيرة وإنما هذه نخبتها الملخّصة، وفيها من حساب الإحسان إليهم ما تغدو به أيّام الإمهال لهم ممحّصة، والله يوفّقه في كل تصرّف مرغوب، وتأفف من مثله مطلوب، بمنه وكرمه!.
(11/384)

وهذه وصية لرئيس اليهود أوردها في «التعريف» وهي:
وعليه بضمّ جماعته، ولمّ شملهم باستطاعته، والحكم فيهم على قواعد ملّته، وعوائد أئمته، في الحكم إذا وضح له بأدلّته، وعقود الأنكحة وخواصّ ما يعتبر عندهم فيها على الإطلاق، وما يفتقر فيها إلى الرضا من الجانبين في العقد والطّلاق، وفيمن أوجب عنده حكم دينه عليه التّحريم، وأوجب عليه الانقياد إلى التحكيم، وما أدّعوا فيه التواتر من الأخبار، والتظافر على العمل به مما لم يوجد فيه نصّ وأجمعت عليه الأحبار، والتوجّه تلقاء بيت المقدس إلى جهة قبلتهم، ومكان تعبّد أهل ملّتهم، والعمل في هذا جميعه [بما شرعه موسى الكليم، والوقوف معه] «1» إذا ثبت أنه فعل ذلك النبيّ الكريم، وإقامة حدود التّوراة على ما أنزل الله من غير تحريف؛ ولا تبديل كلمة بتأويل ولا تصريف، واتباع ما أعطوا عليه العهد، وشدّوا عليه العقد، وأبقوا فيه ذماءهم «2» ، ووقوا به دماءهم؛ وما كانت تحكم به الأنبياء والربّانيّون، ويسلّم إليه الإسلاميّون منهم ويعبّر عنه العبرانيّون؛ كلّ هذا مع إلزامه لهم بما يلزمهم من حكم أمثالهم أهل الذمّة الذين أقرّوا في هذه الدّيار، ووقاية أنفسهم بالخضوع والصّغار، ومدّ رؤوسهم بالإذعان لأهل ملّة الإسلام، وعدم مضايقتهم في الطّرق وحيث يحصل الالتباس بهم في الحمّام، وحمل شعار الذمّة الذي جعل لهم حلية العمائم، وعقد على رؤوسهم لحفظهم عقد التّمائم؛ وليعلم أنّ شعارهم الأصفر، موجب لئلا يراق دمهم الأحمر، وأنّهم تحت علم علامته آمنون، وفي دعة أصائله ساكنون؛ وليأخذهم بتجديد صبغه في كلّ حين؛ وليأمرهم بملازمته ملازمة لا تزال علائمها على رؤوسهم تبين، وعدم التظاهر لما يقتضي المناقضة، أو يفهم منه المعارضة، أو يدع فيه غير السّيف وهو إذا كلّم شديد العارضة؛ وله ترتيب طبقات أهل ملّته من الأحبار فمن دونهم على قدر استحقاقهم، وعلى ما لا
(11/385)

تخرج عنه كلمة اتّفاقهم؛ وكذلك له الحديث في جميع كنائس اليهود المستمرّة إلى الآن، المستقرّة بأيديهم من حين عقد عهد الذمة ثم ما تأكّد بعده لطول الزمان، من غير تجديد متجدّد، ولا إحداث قدر متزيّد؛ ولا فعل شيء مما لم تعقد عليه الذّمّة، ويقرّ عليهم سلفهم الأوّل سلف هذه الأمّة، وفي هذا كفاية وتقوى الله وخوف بأسنا رأس هذه الأمور المهمّة.
[وصية رئيس السامرة] «1» :
ولا يعجز عن لمّ شعث طائفته مع قلّتهم، وتأمين سربهم الذي لو لم يؤمّنوا فيه لأكلهم الذئب لذلّتهم؛ وليصن بحسن السّلوك دماءهم التي كأنما صبغت عمائمهم الحمر منها بما طلّ، وأوقد لهم منها النار الحمراء فلم يتّقوها إلا بالذّلّ، وليعلم أنهم شعبة من اليهود لا يخالفونهم في أصل المعتقد، ولا في شيء يخرج عن قواعد دينهم لمن انتقد؛ ولولا هذا لما عدّوا في أهل الكتاب، ولا قنع منهم إلا بالإسلام أو ضرب الرّقاب؛ فليبن على هذا الأساس، [ولينبيء قومه أنّهم منهم وإنما الناس أجناس] «2» ، وليلتزم من فروع دينه ما لا يخالف فيه إلا بأن يقول لا مساس؛ وإذا كان كما يقول: إنه كهارون عليه السّلام فليلتزم الجدد، وليقم من شرط الذمّة بما يقيم به طول المدد، وليتمسّك بالموسويّة من غير تبديل، ولا تحريف في كلم ولا تأويل، وليحص عمله فإنه عليه مسطور، وليقف عند حدّه ولا يتعدّ طوره في الطّور، وليحكم في طائفته وفي أنكحتهم ومواريثهم وكنائسهم القديمة المعقود عليها بما هو في عقد دينه، وسبب لتوطيد قواعده في هذه الرتبة التي بلغها وتوطينه.
(11/386)

الوظيفة الثانية (بطركيّة النّصارى الملكيّة «1» ، وهم أقدم من اليعاقبة)
وقد تقدّم في الكلام على النّحل والملل أنهم أتباع ملكا «2» الذي ظهر قديما ببلاد الرّوم، وأنّ الروم والفرنج كلّهم اتباعه، وبالديار المصريّة منهم النّزر اليسير، ولهم بطرك يخصّهم.
وهذه نسخة توقيع لبطرك الملكيّة:
أمّا بعد حمد الله منوّع الإحسان، لأولي الأديان، ومؤصّله ومفرّعه لكلّ طائفة ولكل إنسان، والصلاة على سيدنا محمد الذي أباد الله به من أباد وأبان من عهده وذمّته من أبان- فإنّ الطائفة الملكيّة من النصارى لمّا كانت لهم السابقة في دينهم، ولهم أصل الرآسة والنّفاسة في تعيينهم، وما برحت لهم في الكلاءة والحفظ قدم السابقة، ورتبة بملوكهم الرّومانيّة سامقة، وما زالت لهم خدم الدول إلى أغراضها متساوقة ومتسابقة، ولهم جوار مشكور، وتبتّل مشهور، وعليهم وصايا من الملوك في كل ورود وصدور، ولهم من نفوسهم مزايا تستوجب احترامهم، وتستدعي إكرامهم، وكان لا بدّ لهم من بطريرك يلاحظ أحوالهم أتمّ الملاحظة، ويستدعي لهم من الدّولة أعظم محافظة، ويحفظ نواميس قبيلهم، ويحسن دراسة أناجيلهم، ويعرّفهم قواعد معتقداتهم، ويأخذهم بالدّعاء لهذه الدولة القاهرة في جميع صلواتهم، ويجمعهم على سداد، ويفرّقهم على مراد، وكان البطريرك فلان هو المتّفق بين طائفته على تعيينه، والمجمع على إظهار استحقاقه وتبيينه، والذي له مزايا لو كان فيه واحدة
(11/387)

منها لكفته في التأهيل، ولرفعته إلى منصبه الجليل. فلذلك رسم.... الخ- لا برح يعطي كلّ أحد قسطه، ويدخل كلّ لأبوابه ساجدا وقائلا حطّة «1» - أن يباشر بطركيّة النصارى الملكية على عادة من تقدّمه من البطاركة السالفة بهذه الدولة.
فليحط أمورها الجزئيّة والكليّة، والظاهرة والخفيّة، وليأخذهم بما يلزمهم من قوانين شرعتهم، وكلّ ما يريدون من حسن سمعتهم؛ وأما الدّيرة والبيع والكنائس التي للملكية فمرجعها إلى صونه، وأمرها مردود إلى جميل إعانته وعونه؛ والأساقفة والرّهبان فهم سواد عين معتقده، وخلاصة منتقده، فلا يخلهم من تبجيل، وحسن تأهيل، وتتقدّم إلى من بالثغور من جماعتك بأن لا يدخل أحد منهم في أمر موبق، ولا في مشكل موثق، ولا يميلون كلّ الميل إلى غريب من جنسهم، وليكن الحذر لغدهم من يومهم وليومهم من أمسهم، ولا يشاكلون رسولا يرد، ولا قاصدا يفد؛ وطريق السلامة أولى ما سلك، ومن ترك الدخول فيما لا يعنيه ترك؛ هذه جملة من الوصية لامعة أفلح واهتدى من بها استنار، ورشد من لها استشار؛ والله يوفّقك في كل مقصد تروم، ويجعلك بهذه الوصايا تقول وتقوم.
وهذه وصية لبطرك الملكية أوردها في «التعريف» وهي:
وهو كبير أهل ملّته والحاكم عليهم ما امتدّ في مدّته، وإليه مرجعهم في التحريم والتحليل، وفي الحكم بينهم بما أنزل في التوراة ولم ينسخ في الإنجيل؛ وشريعته مبنيّة على المسامحة والاحتمال، والصبر على الأذى وعدم الاكتراث به والاحتفال، فخذ نفسك في الأوّل بهذه الآداب، واعلم بأنك في المدخل
(11/388)

إلى شريعتك طريق إلى الباب؛ فتخلّق من الأخلاق بكلّ جميل، ولا تستكثر من متاع الدنيا فإنّه قليل؛ وليقدّم المصالحة بين المتحاكمين إليه قبل الفصل البتّ فإنّ الصلح كما يقال سيّد الأحكام، وهو قاعدة دينه المسيحيّ ولم تخالف فيه المحمّديّة الغراء دين الإسلام، ولينظّف صدور إخوانه من الغلّ ولا يقنع بما ينظّفه ماء المعموديّة من الأجسام؛ وإليه أمر الكنائس والبيع، وهو رأس جماعته والكلّ له تبع؛ فإيّاه أن يتخذها له تجارة مربحة، أو يقتطع بها مال نصرانيّ يقرّبه فإنه ما يكون قد قرّبه إلى المذبح وإنما ذبحه؛ وكذلك الدّيارات وكل عمر «1» ، والقلاليّ «2» فيتعيّن عليه أن يتفقّد فيها كلّ أمر؛ وليجتهد في إجراء أمورها على ما فيه رفع الشّبهات، وليعلم أنهم إنما اعتزلوا فيها للتعبّد فلا يدعها تتّخذ متنزّهات؛ فهم إنما أحدثوا هذه الرّهبانيّة للتقلّل في هذه الدنيا والتعفّف عن الفروج، وحبسوا فيها أنفسهم حتّى إنّ أكثرهم إذا دخل فيها ما يعود يبقى له خروج؛ فليحذّرهم من عملها مصيدة للمال، أو خلوة له ولكن بالنساء حراما ويكون إنما تنزّه عن الحلال؛ وإيّاه ثم إيّاه أن يؤوي إليها من الغرباء القادمين عليه من يريب، أو يكتم عن الإنهاء إلينا مشكل أمر ورد عليه من بعيد أو قريب، [ثم الحذر الحذر من إخفاء كتاب يرد عليه من أحد من الملوك،] «3» ثم الحذر الحذر من الكتابة إليهم أو المشي على مثل هذا السّلوك، وليتجنّب البحر وإيّاه من اقتحامه فإنه يغرق، أو تلقّي ما يلقيه جناح غراب منه فإنه بالبين ينعق؛ والتقوى مأمور بها أهل كلّ ملّة، وكلّ موافق ومخالف في القبلة؛ فليكن عمله بها وفي الكناية ما يغني عن التّصريح، وفيها رضا الله تعالى وبها أمر المسيح.
(11/389)

الوظيفة الثالثة (بطركيّة اليعاقبة)
«1» وقد تقدّم في الكلام على النّحل والملل الخلف في نسبتهم: فقيل إنهم أتباع ديسقرس، وإنه كان اسمه في الغلمانيّة يعقوب، وقيل أتباع يعقوب البردعاني، وقيل غير ذلك، والأصحّ عند المؤرّخين الأوّل. وبطركهم يحكم على طائفة اليعاقبة، وجميع نصارى الحبشة أتباعه، وفي طاعته ملك الحبشة الأكبر، وعنه تصدر ولايته.
وهذه نسخة توقيع لبطرك النصارى اليعاقبة:
أما بعد حمد الله الذي أظهر دين الإسلام على الدّين كلّه، وأصدر أمور الشرائع عن عقد شرعه وحلّه، وصيّر حكم كلّ ملة راجعا إلى حكم عدله، والشهادة له بالوحدانيّة التي تدلّ على أنه الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد وليس شيء كمثله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أعظم أنبيائه وأكرم رسله، وأشرف ولد آدم ونسله، المصطفى في علم الله من قبله، ووسيلته في التوراة من غرور الشيطان وخذله، والذي أطفأ الله ببركته نار نمروذ «2» عن إبراهيم وجعلها بردا وسلاما وأجلّه من أجله، وبشّر به عيسى بن مريم عبد الله «3» وابن أمته وأقرّ موسى بن عمران كليم الله بفضله، وعلى آله الطيّبين الطاهرين من فروع أصله، وأصحابه سامعي قوله، وتابعي سبله- فإنّ الله تعالى لما ارتضى
(11/390)

الإسلام دينا، وأفضى بالملك إلينا وقضى لنا في البسيطة بسطة وتمكينا، وأمضى أوامرنا المطاعة بشمول اليمن شمالا ويمينا- لم نزل نولي رعايانا الإحسان رعاية وتوطينا، ونديم لأهل الذمّة منّا ذمّة وتأمينا؛ وكانت طائفة النّصارى اليعاقبة بالديار المصرية لهم من حين الفتح عهد وذمام، ووصيّة سابقة من سيدنا رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام؛ ولا بدّ من بطريرك يرجعون إليه في الأحكام، ويجتمعون عليه في كلّ نقض وإبرام.
ولما كانت الحضرة السامية الشيخ الرئيس، المبجّل، المكرّم، الكافي، المعزّز المفخّر، القدّيس، شمس الرّآسة، عماد بني المعمودية، كنز الطائفة الصّليبيّة، اختيار الملوك والسلاطين، فلان: وفّقه الله، هو الذي تجرّد وترهّب، وأجهد روحه وأتعب، وصام عن المأكل والمشرب، وساح فأبعد، ومنع جفنه لذيذ المرقد، ونهض في خدمة طائفته وجدّ، وخفض لهم الجناح وبسط الخدّ، وكفّ عنهم اليد، واستحقّ فيهم التبجيل لما تميّز به عليهم من معرفة أحكام الإنجيل وتفرّد- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نلقي إليه أمر هذه الفرقة ونفوّض، ونبدّلهم عن بطريكهم المتوفّى ونعوّض.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا برحت مراسمه مطاعة، ومراحمه لإنزال أهل كرمها بيعتها مرعيّة غير مراعة «1» - أن يقدّم الشيخ شمس الرآسة المذكور على الملّة النّصرانيّة اليعقوبيّة، ويكون بطريركا عليها، على عادة من تقدّمه وقاعدته بالديار المصرية، والثّغور المحروسة، والجهات التي عادته بها إلى آخر وقت.
فليسلك سبيل السّوا، ولا يملّك نفسه الهوى، وليتمسّك بخوف الله تعالى إن فعل أو نوى، أو أخبر عن الحواريّين أو روى؛ فالعليم مراقب، والعظيم
(11/391)

معاقب، والحكيم أمر أولي العقول بالفكرة في العواقب، والحاكم غدا بحقوق الخلق غدا يطالب؛ والظّلم في كلّ ملّة حرام والعدل واجب، فليستوف الإنصاف بين القويّ والضعيف والحاضر والغائب، وليقصد مصلحتهم وليعتمد نصيحتهم، وليمض على ما يدينون به بيوعهم وفسوخهم ومواريثهم وأنكحتهم، وليقمع غاويهم، وليسمع دعاويهم، وليلزمهم من دينهم بما وجدوه، فظنّوه واعتقدوه، وليتّبع سبيل المعدلة فلا يعدوها؛ عائدة إليه أمور القسّيسين والرّهبان، في جميع الدّيرة والكنائس بسائر البلدان، ولا يعترض عليه فيما هو راجع إليه من هذا الشان. ولا يقدّم منهم إلى رتبة إلا من استصلحه، ولا يرجح إلى منزلة إلا من رشّحه إليها ورجّحه، متّبعا في ذلك ما بيّنه له العدل وأوضحه، مرتجع الرتبة ممن لم تكن الصدور لتقدمته منشرحة، مجمعا لغيره في الإيراد والإصدار على اعتماد المصلحة؛ وقد أوضحنا له ولهم سبيل النجاة فليقتفوه، وعرّفناهم بالصواب والخيرة لهم إن عرفوه، وليسأل الله ربّه السلامة فيما له يفعل وبه يفوه؛ والعلامة الشريفة أعلاه.
وهذه نسخة توقيع لبطرك النصارى اليعاقبة، كتب به للشيخ المؤتمن، في شهور سنة أربع وستين وسبعمائة، وهي:
أما بعد حمد الله على نعمه التي نشرت لواء دولتنا في الآفاق، فأوى كلّ أحد إلى ظلّه، وبسطت معدلتنا في البلاد على الإطلاق، فمنحت الخاصّ والعامّ من برّنا بوابله وطلّه، واصطنعت بذمامها ملوك الملل وحكّام الطوائف فنطقوا عن أمرنا في عقد كلّ أمر وحلّه، والشهادة بوحدانيّة التي تنجح أمل المخلص في قوله وفعله، وتفتح لمن تمسّك بعروتها أبواب النجاة فيصبح في أمان في شأنه كلّه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله أشرف الأنبياء قدرا في محكم الذكر ونقله، المبعوث رحمة للعالمين زيادة في رفعة مقامه وتقريرا لفضله، المنعوت بالرأفة والرحمة في محكم كتابه الذي لا يأتيه
(11/392)

الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولم يستطع أحد أن يأتي بسورة من مثله، وعلى آله وصحبه الذين اتّبعوا طريقته المثلى وسلكوا مناهج سبله، وعقدوا الذّمم لأهل الملل واستوصوا بهم خيرا لما عرفوه من سعة حلمه وبذله- فإنّه لما كانت الطائفة المسيحيّه، والفرقة اليعقوبيّة، ممن أوت تحت ظلّنا الذي عمّ الوجود، وسكنت في حرم ذمامنا الذي سار نبؤه في التّهائم والنّجود، وتمسّكت من طاعتنا واتّباع أوامرنا بما سلف لها من الهدن والعهود، وكانت أحكامهم مما يحتاج إلى من يدور عليه أمرها في كلّ حال، وتنتظم به مصالح شملها ليبلغوا بها الآمال، ويأمنوا في معتقدهم فيها من الإخلال، وأنه إذا مات بطريرك لهم لا بدّ أن نرسم لهم بغيره، ليعتمدوا في ذلك ما يتقدّم به إليهم في نهيه وأمره، ويسلك بهم في أحكامهم ما يجب، ويعرّف كلّا منهم ما يأتي ويذر ويفعل ويجتنب، ويفصل بينهم بمقتضى ما يعتقدونه في إنجيلهم، ويمشّي أحوالهم على موجبه في تحريمهم وتحليلهم؛ ويزجر من خرج عن طريقه، ليرجع إلى ما يجب عليه أسوة رفيقه، ويقضي بينهم بما يعتقدونه من الأحكام، ويبيّن لهم قواعد دينهم في كل نقض وإبرام، فلما هلك الآن بطريكهم مع من هلك، رسمنا لهم أن ينتخبوا لهم من يكون لطريقته قد سلك، وأن يختاروا لهم من يسوس أمورهم على أكمل الوجوه، لنرسم بتقديمه عليهم [فيقوم] «1» بما يؤمّلونه منه ويرتجوه «2» .
وكان الحضرة السامية، القدّيس، المبجّل، الجليل، المكرّم، الموقّر، الكبير، الدّيّان، الرئيس، الرّوحانيّ، الفاضل، الكافي، المؤتمن، جرجس بن القسّ مفضّل اليعقوبي، عماد بني المعموديّة، كنز الأمّة المسيحيّة، منتخب الملة الصليبيّة، ركن الطائفة النصرانية، اختيار الملوك والسلاطين- أطال الله تعالى بهجته، وأعلى على أهل طائفته درجته- قد حاز من فضائل ملّته أسماها،
(11/393)

وصعد من درجات الترقّي على أبناء جنسه أعلاها، فنزّه نفسه عن مشاركة الناس، وتقشّف بين أهله في المأكل واللّباس، وترك الزواج والنّكاح، واشتغل بعبادته التي لازم عليها في المساء والصّباح، وألقى نفسه إلى الغاية في الاطّراح، وساح بخاطره في الفكرة وإن لم يكن بجسده قد ساح، وارتاض بترك الشّهوات مدّة زمانه، واطّرح الملاذّ لتعلو درجته بين أهله برفعة مكانه، واشتمل من علوم طائفته على الجانب الوافر، وعرف من أوامرهم ونواهيهم ما تقرّ به منهم العين والناظر، وطلب من الربّ الرؤوف الرحيم القوّة على أعماله، وسأل الإله أن يزيّن لأهل ملّته ما يأتي به من أقواله وأفعاله، فوقع اختيارهم عليه، وسألوا صدقاتنا الشريفة إلقاء أمرهم إليه.
فرسم بالأمر الشريف- لا زال إحسانه إلى سائر العالم واصلا، وجوده لكل طائفة بارتياد أكفائها شاملا- أن يقدّم حضرة القدّيس المؤتمن جرجس المشار إليه على الطائفة اليعقوبية، من الملة النصرانية، بالديار المحروسة والجهات الجاري بها العادة، ويكون بطريركا عليهم على عادة من تقدّم في ذلك ومستقر قاعدته إلى آخر وقت، قائما بما يجب عليه من أمور هذه الملّة، باذلا جهده في سلوك ما ينبغي مما ينظم عليه أمره كلّه، فاصلا بينهم بما يعتقدونه من الأحكام، متصرفا على كل أسقفّ وقسّ ومطران في كل نقض وإبرام، مالكا من أمور القسّيسين والرّهبان والشّمامسة الزّمام، مانعا من يروم أمرا لا يسوّغه وضع ولا تقرير، جاعلا نظره عليه منتقدا بالتحرّز في التخيير، زاجرا من يخرج منهم عن اتباع طريق الشريعة المطهّرة التي يصح بها عقد الذّمّة، ملزما بسلوكها في كل ملمة فإن ذلك من الأمور المهمّة، آمرا من في الدّيرة من الرّهبان بمعاملة المارّين بهم والنازلين عليهم بمزيد الإحسان ومديد الإكرام، والقيام بالضّيافة المشروطة من الشّراب والطّعام.
وليتحدّث في قسمة مواريثهم إذا ترافعوا إليه، وليجعل فصل أمور أهل طائفته من المهمّات لديه، وليشفق على الكبير والصغير، وليتنزّه عن قليل متاع الدنيا والكثير، وليزهد في الجليل قبل الحقير. وفي اطّلاعه على أحكام
(11/394)

دينه ما يكفيه في الوصيّة، وما يرفعه بين أبناء جنسه في الحياة الدنيويّة، والاعتماد على الخط الشريف أعلاه الله أعلاه.
وهذه نسخة توقيع لبطرك اليعاقبة، وهي:
أما بعد حمد الله على أن جعل من إحسان هذه الدولة لكلّ ملّيّ وذمّيّ نصيبا، وفوّق إلى أهداف الرّعاية سهما فسهما ما منها إلا ما شوهد مصيبا، والصلاة على سيدنا محمد الذي أحمد الله له سرى في صلاح الخلائق وتأويبا- فإنه لمّا كان من سجايا الدولة القاهرة النظر في الجزئيّات والكلّيّات من أمور الأمّة، وتجاوز ذلك إلى رعاية أهل الذمّة؛ لا سيّما من سبقت وصية سيد المرسلين عليهم من القبط الذين شرّفهم رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- بوصلته منهم بأمّ «1» إبراهيم ولده عليه السّلام، وقبول هديّتهم التي أبقت لهم مزيّة على ممرّ الأيّام؛ وكانوا لا بدّ لهم من بطريك يحفظ سوامهم، ويضبط خواصّهم وعوامّهم، ويجمع شمل رهبانهم، ويراعي مصالح أديانهم، ويحرّر أمور أعيادهم ومواسمهم في كل كنيس، ويدعو للدولة القاهرة في كل تقديس، وتجعل له الخيرة في ضبط أمور البيع والدّيرة واختيار الأساقفة والكهّان، وحفظ النواميس المسيحيّة في كل قربان؛ ولا يصلح لذلك إلا من هو بتول، وكلّ خاشع عامل ناصب يستحقّ بذلك أنّ هذا الأمر إليه يؤول.
ولما كان البطريرك فلان هو المجمع على صلاحيته للبطركية على شعبه، والتقدمة على أبناء المعموديّة من شيعته وصحبه، لما له من علم في دينه، ومعرفة بقوانينه، وضبط لأفانينه، وعقل يمنعه عن التظاهر بما ينافي العهود، ويلافي الأمر المعهود- اقتضى جميل الاختيار أنه رسم بالأمر الشريف- لا برح يضع كلّ شيء في موضعه من الاستحقاق، ويبالغ في الإرفاد لأهل الملل والإرفاق- أن يباشر بطركيّة جماعة اليعاقبة بالديار المصريّة، على عادة من تقدّمه في هذه الرتبة، ومن ارتقى قبله إلى هذه الهضبة.
(11/395)

فليباشر أمر هذه الطائفة، وليجعل معونته بهم طائفة، وليضبط أمورهم أحسن ضبط وأجمله، وأتمّه وأكمله، وليأخذهم بما يلزمهم من القيام بالوظائف المعروفة، والعهود المألوفة، وليلزمهم بما يلزمهم شرعا من كفّ عن تظاهر ممنوع، أو تعاطي محذور منكور الشرور والشروع، أو تنكّب عن طريق الاستقامة، وكما أنّهم عدلوا عن الإسلام لا يعدلون عن السّلامة.
وأمّا أمور الدّيرة والكنائس فأمرها إليك مردود، فاجر فيها على المعهود، وأقم فيها عنك من يحسن النّيابة، ومن يجمل الإنابة، ومن يستجلب الدعاء لهذه الدولة القاهرة في كل قدّاس، ويعدّد التقدّس والأنفاس؛ وعلى رهبان الأديرة للمساجد والجوامع وظائف لا تمنع ولا تؤخّر، ولا تحوج أحدا منهم أنّه بها يذكّر؛ وليشرط على أهلها أنهم لا يأوون طليعة الكفّار، ولا من يحصل منه إلا خير وإلا يحصل الإضرار، وليأمرهم بحسن الجوار، والقيام بما هو موظّف عليهم للمسلمين السّفار وغير السّفّار؛ هذه نبذة من الوصايا مقنعة، ولو وسّع القول لكان ذا سعة؛ وفي البطريرك من النّباهة ما يلهمه الصّواب، والله يجعل حسن الظنّ به لا ارتياء فيه ولا ارتياب، بمنّه وكرمه!، والاعتماد...... الخ.
وهذه نسخة توقيع لبطرك اليعاقبة، وهي:
أما بعد حمد الله الذي خصّ كلّ ملّة منّا بمنّة، وأقام بأوامرنا على كلّ طائفة من نرضاه فنحقّق بإحساننا ظّنّه، وجعل من شيمنا الشريفة الوصية بأهل الكتاب عملا بالسّنّة، والشهادة بوحدانيّة التي نتّخذ بينها وبين الشّكّ والشّرك من قوّة الإيمان جنّة، وندّخر أجورها فنسمو بها يوم العرض «1» إلى أعلى غرف الجنّة، والصلاة والسلام على نبيّه محمد أكرم من أرسله إلى الأمم فأنال كلّا من البرايا يمنه، وأعظم من بعثه فشرع الدين الحنيف وسنّه، وعلى آله وأصحابه الذين لم
(11/396)

تزل قلوب المؤمنين بهم مطمئنة- فإنّ لدولتنا القاهرة العوارف الحسان، والشّيم الكريمة والعطايا والإحسان، والفواضل التي للآمال منها ما يربي عليها ويزيد، والمآثر التي بحر برّها الوافر المديد، ولكل ملّة من نعمها نوال جزيل، ولكلّ فرقة من مواهبها جانب يقتضي التخويل ولا يقضي بالتحويل، ولكلّ طائفة من يمنها ومنّها منائح طائفة بمزيد التنويل، ولكل أناس من معدلتها نصيب يشمل الملل، وعادة معروف تواترت مع أنها خالصة من السّامة والملل، سجيّة سخية بنا شرفت، ومزيّة مرويّة منّا ألفت؛ وإنّ من أهل الكتاب لطائفة كثرت بأبوابنا الشريفة عددا، واستصفت من مناهل جودنا موردا، وانتظمت في سلك رعايانا فأضحى سبب فضلنا لها مؤكّدا، وكانت الملّة المسيحية، والفرقة اليعقوبيّة، لا بدّ لها بعد موت بطريكها من إقامة غيره، وتقديم من يرتضى بفعله وقوله وسيره، لتقتدي به في عقد أمورها وحلّها، وتحريمها وتحليلها ووصلها وفصلها، وتهتدي به في معتقدها، وتركن إلى ما يذكره من مجموع أحكام الإنجيل ومفردها، وينتصب للفصل بين خصومها بما يقتضيه عرفانه، ويظهر لأهل ملّته بيانه، حتّى لا تجد في أمر دينها إلا ما تريده، وبما نديمه لها من استمرار الهدنة تبدي دعاءها وتعيده، فإنّ سيدنا محمدا صلّى الله عليه وسلّم أمرنا أن نستوصي بأهل الكتاب خيرا، ونحن نسلك من اتّباع شريعته المطهّرة ما نحسن فيه- إن شاء الله- سيرة يسيرة وسيرا.
ولما كانت الحضرة السامية، الشيخ، الرئيس المبجّل، المكرّم، الفاضل، الكافي، الثّقة، عماد بني المعموديّة، كنز الطائفة الصليبيّه، اختيار الملوك والسلاطين، فلان- أطال الله بقاءه، وأدام على أهل طائفته ارتقاءه،- ممن اتفق على شكره أبناء جنسه، واستوجب أن يرقى إلى هذه الرّتبة بنفسه، واشتهر بمعرفة أحوال فرقه، وهجر الأهل والوطن في تهذيب خلقه، وحرّم في مدّة عمره النكاح، وسار في المهامه والقفار وساح، وأضحى خميص «1» البطن
(11/397)

خاوي الوفاض، قد ترك الطيّبات وهجر التّنعّم وارتاض؛ واعتمد في قوله على الإله، وسأل الرّبّ أن يبلّغه في أهل ملّته ما تمنّاه.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يجمع الفرق على الدعاء لأيّامه الشريفة، ويديم للأقربين موادّ مواهبه المألوفة- أن يقدّم الشيخ فلان على الملّة النصرانية اليعقوبيّة، ويكون بطريركا عليها على عادة من تقدّمه، ومستقرّ قاعدته، بالديار المصريّة والثّغور المحروسة، والجهات التي عادته بها، إلى آخر وقت، [فليتولّ ذلك] «1» سالكا من طرق النزاهة ما يجب، فاصلا بين النصارى بأحكام دينه التي لا تخفى عنه ولا تحتجب، مالكا أزمّة كل أسقفّ [وقومس] «2» ومطران، مرجّحا بين القدّيس والقسّيس والشّمّاس والرّهبان، لتصبح أحكام كبيرهم وصغيرهم به منوطة، ومواريثهم مقسومة بشرعته التي هي لديهم مبسوطة، ويقف كلّ منهم عند تحريمه وتحليله، ولا يخرج في شرعتهم عن فعله وقوله ولا يقدّم منهم إلا من رضي بتأهيله؛ وليأمر كلّ قاص منهم ودان، ومن يتعبّد بالدّيرة والصّوامع من الرجال والنّسوان، برفع الأدعية بدوام دولتنا القاهرة التي أسدت لهم هذا الإحسان، ويلزم كلّا منهم بأن لا يحدث حادثا، ويكرم نزل من قدم عليه راحلا أو لابثا؛ فإن هذه الولاية قد آلت إليه، وهو أدرب بما تنطوي شروطها عليه، والله تعالى يجعل البهجة [لديه] «3» مقيمة [والنعمة عليه مستديمة] «4» ؛ والخطّ الشريف أعلاه، حجة بموجبه وبمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
(11/398)

وهذه وصية لبطرك اليعاقبة أوردها في «التعريف» قال:
ويقال في وصيّة بطرك اليعاقبة مثل ما في وصيّة بطرك الملكيّه، إلا فيما ينبّه عليه. ويسقط منه قولنا: «واعلم بأنّك في المدخل إلى شريعتك طريق إلى الباب» إذ كان لا يدين بطاعة الباب «1» الذي هو رأس الملكانيّين، وإنما هو رأس اليعاقبة نظيره للملكانيّين، ويقال مكان هذه الكلمة «واعلم بأنك في المدخل إلى شريعتك قسيم الباب وأنتما سواء في الأتباع، ومتساويان فإنّه لا يزداد مصراع على مصراع» . ويسقط منه قولنا: «وليتجنّب البحر «2» وإيّاه من اقتحامه فإنّه يغرق» وثانية هذه الكلمة إذا كان ملك اليعاقبة مغلغلا [في الجنوب] «3» ولا بحر، ويبدل بقولنا: «وليتجنّب ما لعلّه ينوب، وليتوقّ ما يأتيه سرّا «4» من تلقاء الحبشة حتّى إذا قدر فلا يشمّ أنفاس الجنوب؛ وليعلم أنّ تلك المادّة وإن كثرت مقصّرة، ولا يحفل بسؤدد السّودان فإنّ الله جعل آلة الليل مظلمة وآية النهار مبصرة» ثم يختم بالوصية بالتقوى كما تقدّم، ونحو هذا والله أعلم.
النوع الثاني (ما هو خارج عن حاضرتي مصر والقاهرة: من وظائف الديار المصريّة مما يكتب لأربابها. وهي ثلاث جهات)
الجهة الأولى (ثغر الإسكندريّة، والوظائف فيها على ثلاثة أصناف)
الصنف الأوّل (وظائف أرباب السّيوف وبها وظيفة واحدة وهي النّيابة)
وقد تقدّم في الكلام على ترتيب وظائف الديار المصرية أنّها كانت أوّلا
(11/399)

ولاية، إلى أن طرقها الفرنج في سنة سبع وستّين وسبعمائة، فاستقرّت من حينئذ نيابة، يكتب لنائبها تقليد في قطع الثلثين ب «الجناب العالي» مع الدّعاء بمضاعفة النّعمة.
وهذه نسخة تقليد بنيابة ثغر الإسكندريّة:
الحمد لله على نعم باسمة الثّغر، مسفرة الفجر، رافعة القدر.
نحمده حمدا يشرح الصّدر، ويطلع طلوع البدر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تحالف من يحالفها، وتخالف من يخالفها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ رابط في سبيل الله وجاهد، وكابد في الجهاد أعداء الدّين وكايد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين خاضوا في غمرات الدّجى كلّ غمر؛ وندبوا لحماية الدّين [فكانوا ليوم] «1» كريهة وسداد ثغر.
أمّا بعد، فإنّ الاهتمام بالثّغور هو أولى ما إليه حمد، وعلى مصالحها اعتمد؛ وكان ثغر الإسكندريّة المحروس هو المفترّ عن أحسن الثّنايا، والمخصوص من الحياطة بأتمّ المزايا، والذي كم شفت «2» شفاهه من سقم عند ارتشاف، والذي المثاغر به والمرابط كم له بالحسنات من ائتلاف، وكانت المصلحة تقتضي أن لا يختار له إلا كلّ كامل الأوصاف، كافل بما تستدعيه مصلحة أهله من إنصاف، ذو عزم يمضي والسّهام مستودعة في الكنائن، ويقضي بالعدل المزيل للشّوائب والشّوائن، ومن له حزم يسدّ ثغر المعايب دون كلّ ملاحظ ومعاين، وله سياسة تحفظ بمثلها الثّغور، وتصان الأمور، وله بشاشة تستجلب النّفور، وتوفّق ما بين الألسنة من أولي الودّ والصّدور، وله حياطة بينما يقال: هذا جانبه دمث إذ يقال: هذا جانبه صعب ممتنع، وبينما يقال ليقظته للمصلحة: هذا سحاب [جهام] «3» إذ يقال هذا سيل مندفع.
(11/400)

ولما كان فلان هو مستوعب هذه الصّفات، ومستودع هذه الأسماء والسّمات، وإليه بهذه المناقب يشار، وهو ساحب أذيال هذا الفخار- اقتضى حسن الرأي الشريف أن تفوّض إليه السلطنة الشريفة بثغر الإسكندرية المحروس، تفويضا يمضي في مصالحه لسانه وقلمه، ويصرّف بين الأوامر والنّواهي إشاراته وكلمه، ويزيّن مواكبه بطلعته، ويزيد مهابته ببعد صيته واشتهار سمعته.
فليباشر هذه الوظيفة مجمّلا مواكبها، مكمّلا مراتبها، موثّلا «1» بقواعد الأمن أرجاءها وجوانبها، ناشرا لواء العدل على عوالمها، قابضا بالإنصاف لمظلوم رعيّتها على يد ظالمها، معليا منار الشرع الشريف بمعاضدة حكّامه والانقياد إلى أحكامه، والوقوف في كل أمر مع نقضه وإبرامه، وليحرس جوانب هذا الثغر ويحميها، وليصن عوارضه وما فيها ومن فيها، وليكلأه برّا وبحرا، وليرخ عليه من ذبّه «2» سترا فسترا، ولينجح لسافرته «3» طلبا، وليبلّغهم من العدل والإحسان أربا، ويجمل معاملة من وجد منهم في سفره نصبا، واتخذ سبيله في البحر عجبا. والرعيّة فهم طراز الممالك، وعنوان العمارة الذي من شاهده في هذا الثغر علم ما وراء ذلك؛ وأحسن إليهم وارأف بهم، وبلّغهم من عدل هذه الدولة غاية أربهم؛ وأمور الخمس والديوان فلها قواعد مستقرّة، وقوانين مستمرّة؛ فاسلك منها جددا واضحا؛ وابتغ لها علما لائحا؛ وغير ذلك فلا يكاد على فهمك يخفى، من تقوى الله التي بها تكفّ عين المضارّ وتكفى؛ والله تعالى يلهمك صوابا، ولا يجعل بين حجاك وبين المصالح حجابا، بمنّه وكرمه!.
(11/401)

الصنف الثاني (من الوظائف التي يكتب بها بثغر الإسكندرية- الوظائف الدينية، وكلها تواقيع، وفيها مرتبتان)
المرتبة الأولى «1» (ما يكتب منها في قطع الثلث ب «الساميّ» بالياء، وفيها وظائف)
الوظيفة الأولى (القضاء)
وهو الآن مختصّ بالمالكيّة، وقاضيها يتحدّث في نفس المدينة وظاهرها، ليس له ولاية فيما هو خارج عنها.
وهذه نسخة توقيع بقضاء ثغر الإسكندريّة المالكيّ، كتب به للشيخ «وجيه الدين محمد بن عبد المعطي الإسكندريّ المالكيّ» وهي:
الحمد لله رافع قدر من نوّه العلم بذكره، ونوّر التّقى مواقع فكره، ونبّه الورع على رفعة قدره، وأشرق به منصب الحكم العزيز إشراق الأفق بطلوع بدره، وأضاءت بنور أحكامه غوامض القضايا الشرعيّة إضاءة الدّجى بغرّة فجره، وقضى له دوام الإصابة في الاجتهاد بإحراز أجريه إذا كان أحد قسمي الاجتهاد مقتضيا لأجره، ومليء صدره بأنواع العلوم الدينية فوسّع له الشرع الشريف صدر مجلسه وأعدّ له مجلس صدره، وزخر من خاطره بحر العلم فارتوت رياض الخواطر بأنوار فرائد درّه وأسفر وجه الدين بنور علمه وعمله: فقام هذا مقام السّرور في أساريره وناب هذا مناب الشّنب «2» في ثغره.
نحمده حمدا يزيد قدر النّعم تنويها، ويسوّغ في المحامد تعظيما لمسدي
(11/402)

المنّة وتنزيها، وينهض بشكر التوفيق في اختصاص منصب الحكم بمن كان عند الله وجيها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تفترّ ثغور الإسلام بإدامتها، وتبنى قواعد الإيمان على إقامتها، وتشيم بوارق النصر على جاحدها من أثناء غمامتها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أنارت الآفاق بملّته، ودارت أداة التشبيه بين أنبياء بني إسرائيل وعلماء أمّته، وضاهى شرعه شمس الظهيرة في وضوح أحكامه وظهور أدلّته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين عملوا بما علموا، وجاهدوا أعداء الله فما ضعفوا لذلك ولا ألموا، وقضوا بالحق بين أمّته فلا المقضيّ لهم أثموا ولا المقضيّ عليهم ظلموا، صلاة لا تزال لها الأرض مسجدا، ولا يبرح ذكرها متهما في الآفاق ومنجدا، وسلم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من قلّد الحكم وإن نأى به الورع عن توقّعه، وخطب للقضاء وإن أعرض به الزّهد عن طلابه وتتبّعه، ودعي إليه إذ الإجابة عليه متعيّنة، ووضعت مقاليده بحكم الاستحقاق [في يديه] «1» إذ أولويّته البيّنة لا تحتاج إلى بيّنة- من عقدت على تعيّنه لهذا المنصب الجليل الخناصر، ودعت إلى استدعائه إليه فضائله الثابتة القواعد وزهادته الزاكية الأواصر، ودلّت عليه علومه دلالة الأضواء، على لوامع الشّهب، ونبّهت عليه فنونه تنبيه الأنواء، على مواقع السّحب، وشهد بورعه المتين، تفقّهه واعتزاله، وأنبأ عن نهوضه بنصرة الدين، قوّة جداله الذي هو جلاد مثله ونزاله، وتبحّر في أنواع العلوم حتّى جاوز البحر بمثله ولكنّه العذب الزّلال، وشغل نفسه بالتنوّع في الفنون فكان التحلّي بعبادة الله ثمرة ذلك الاشتغال، ومشى على قدم الأئمة العلماء من أسلافه فلم يشقّ في ذلك المضمار غباره، ونشأ على طريقة العلم والعمل: فنهاره بالانقطاع إليه ليله وليله بالاشتغال بهما نهاره.
(11/403)

ولما كان فلان هو الذي خطبته هذه الرتبة السنيّة لنفسها، وتشوّقت إلى الإضاءة بطلوعه في أفقها تشوّق المطالع إلى الإضاءة بطلوع شمسها، وأثنى لسان القلم على فضائله وهو يعتذر من الاختصار، واقتصرت البلاغة على اليسير من التعريض بوصفه وطالب ما لا يحصر معذور في الاقتصاد والاقتصار، وعيّن لما تعيّن عليه من مصالح الأمة وذلك يقضي لمثله من أهل الورع أن يجيب، وطلب لعموم مصالح الإسلام التي ما ينبغي لمثله من أنصار السّنّة أن يتأخّر عن مثلها أو يغيب، وكان ثغر الإسكندرية المحروس من المعاقل التي يفترّ عن شنب النصر ثغرها، ومن أركان الدين التي يغصّ بأبطالها بحرها، وهي مأوى صلحاء «1» الجهاد الذين سهام ليلهم «2» أسبق إلى العدا من سهامهم، وموطن العلماء من أهل الاجتهاد الذين يعدل دم الشهداء مداد أقلامهم؛ وهي داره التي تزهى به نواحيها، وموطن رباطه الذي يوم وليلة منه في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نخصّ منصب حكمها بعالم أفقها المنير، وزاهد ثغرها الذي ما شام برقه بصر عدوّ إلا وانقلب اليه خاسئا وهو حسير، وأن نفوّض إليه منصب القضاء والحكم العزيز بثغر الإسكندريّة المحروس، على قاعدة من تقدّمه فيه، نظرا في عموم ذلك الثغر [المحروس به] «3» إلى من انعقد إجماع أئمة عصره ومصره على سعة علمه ووفور ورعه وكمال فضله.
فليباشر هذا المنصب الذي ملاك أمره العلم والتّقى، ونظام حكمه العدل والورع وهما أكمل ما به يرتقى، وليحكم بما أراه الله من قواعد مذهبه المحكمة، وأحكام إمامه التي هي بمصالح الدّين والدنيا محكّمة، وليقض بأقوال إمام دار الهجرة التي منها صدرت السنّة إلى الآفاق، وعنها أخذت ذخائر العلم التي تزكو على كثرة الإنفاق، وبها حمى الأحكام الدينية موطّأ الأكناف، وفيها
(11/404)

استقام عمود الملّة ممدود الطّرف على سائر الأطراف، فليل من ذلك وغيره جميع ما كان يليه من تقدّمه، وتقتضيه قواعد ولايته التي أمضينا فيه لسانه وقلمه.
فأمّا ما يدخل تحت هذا الإجمال من آداب القضاء وقواعده، وأدواته وعوائده: من تخصيص الحكم بأوقاته، ومساواته بين الخصمين في إنصافه وإنصاته، واجتناب الحكم في الأوقات المقتضية لتركه، وتوقّي نقض الأحكام التي نظمها عدم مخالفة النص والإجماع في سلكه، فإنه مكتف بالإجمال عن تفصيلها، مكتف عن ذكر كثيرها بالإيماء إلى قليلها، إذ هو أدرى بأوضاعها شرعا وعرفا، وأدرب بما قد يشذّ منها عن ألمعيّته أو يخفى، وملاك الوصايا تقوى الله تعالى وهي من خصائص نفسه، وفواتح ما ابتدأ الورع بإتقان درسه، والله تعالى يؤيد حكمه، ويعلي علمه، بمنّه وكرمه! والاعتماد [على الخطّ الشريف أعلاه] إن شاء الله تعالى.
واعلم أنه كان فيما تقدّم قد وليها قاض شافعيّ.
وهذه نسخة توقيع بقضائها، كتب به للقاضي «علم الدين الإخنائي» الشافعي، في ثامن شعبان سنة ثلاثين وسبعمائة، وهي:
الحمد لله الذي رفع لنا في كل ثغر علما، وأجرى لنا في جوار كلّ بحر ما يضاهيه كرما، وجعل من حكّام دولتنا الشريفة من يعرف بنسبه الإسنائي «1» بل السّنائي أنه يمحو من الظّلم ظلما.
نحمده على أن زادنا نعما، ووفّر للأحكام الشرعيّة بنا قسما، وأغلى قيما، فأضحت تنافس الدّرّ الثمين قيما، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نجرّد لإقامتها سيفا وقلما، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي جعل
(11/405)

الله له شريعة ماذيّة «1» ودينا قيما، ونصب من أئمة أتباعه كلّ علم يهدي أمما، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة باقية ما بقيت الأرض والسّما، وسلّم تسليما.
وبعد، فإنّ أولى الثّغور بأن لا يزال به علم مرفوع، وعلم مصون حجابه الممنوع، وعمل يمشي به أئمة الأمة على طريقه المشروع، ثغر الإسكندرية- حماها الله تعالى- فإنها من دار الملك في أعزّ مقام، ومن مجاورة البحر في موطن جهاد تخفق به الأعلام، وغالب من فيها إما فقيه يتمسّك بالشريعة الشريفة في علوّ علومه، أو ربّ مال له وقوف بمجلس الحكم العزيز ينتصف من خصام خصومه؛ ولم تزل وظيفة القضاء بها آهلة الصدور، كاملة البدور، متهلّلة بما لا يفوت الشّنب كبارق الجزع «2» إذا حكى إيماض الثّغور؛ وكان لها مدّة قد خلت ونحن نفكّر فيمن يكون سدادا لثغرها، وكافيا فيما يهمّ في الأحكام الشرعية من أمرها، وكافلا من الحق الذي أمر الله به بما يقي النفوس، وقائما في مدارسها بما يزيد معالمها إشادة في الدروس، حتّى أجمعت آراؤنا الشريفة على من يحسن عليه الإجماع وتحسم به دواعي النّزاع، ويحسد علمه علم الشمس لما علا عنها من كرة الارتفاع، ومن يتضوّع بنشر العدل في يمنى كفّه القلم، وإذا وقفت به الركائب قالت: يا ساري القصد هذا البان والعلم؛ وكان المجلس الساميّ القضائيّ العلميّ الإسنائي الشافعي، أدام الله علوّه هو العلم المنشور، والعلم المشهور، والمراد بما تقدّم من وصف مشكور، فاقتضت مراسمنا المطاعة أن تناط به من الأحكام الشرعية القضايا، وأن يبسم هذا الثغر بحكمه عن واضح الثّنايا.
فلذلك رسم بالأمر الشريف، العاليّ المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ،
(11/406)

الناصريّ: زاده الله شرفا، وضاعف له تصرّفا- أن يفوّض إليه القضاء بمدينة إسكندرية- حماها الله تعالى- على عادة من تقدّمه وقاعدته المستقرّة إلى آخر وقت، على أنه يستنيب عنه في تحمّله وفيما شاء منه من هو موصوف بصفته، موثوق بدينه وعلمه ومعرفته؛ ولينتصب في مجلس الحكم العزيز لمن ينتصف، وليعمل بما يرضينا من مراضي الله تعالى فإنّ للعيون أن تنظر وللألسنة أن تصف، ولينظر في أمر الشهود فإنّ الأحكام الشرعية على شهادتهم تبنى، وليحترز من الوكلاء فإنّ منهم من يجعل الظنّ يقينا واليقين ظنّا، ولينظر في أمور الأيتام ويتصرّف في أموالهم بالحسنى، وليقم الحدود، على مقتضى مذهبه، وليعوّل في العقود، على من لا يخاف معه امرؤ على إلحاق في نسبه، وغير هذا مما إليه مرجعه، وإليه ينتهي مفترقه ومجتمعه وبحكمه يفصل أمره أجمعه، وليتخذ الله تعالى عليه رقيبا، ويعلم أنه سيرى كلّ ما يعمله عند الله قريبا؛ وتقوى الله هي التي نتخذ معه عليها عهدا مسؤولا ورجاء مأمولا، وقولا عند الله وملائكته وأنبيائه مقبولا، ونقلّده منها على كل مخالف سيفا مسلولا، ونحن نرغب إلى الله أن يوفّقه في حكمه، ويعينه على كل ما يملى من الوصايا بما هو مليّ به من عمله وعلمه، والخط الشريف أعلاه، حجة فيه.
قلت: وكان قد استحدث بالإسكندرية قاض حنفيّ في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين» يولّى من الأبواب السلطانية رفيقا للقاضي المالكيّ بها، يتحدّث في الأحكام في القضايا بمذهبه خاصّة، وأمر مودع الأيتام ونظر الأوقاف، وغير ذلك من متعلّقات قضاء القضاة مختصّ بالمالكي، ثم صارت بعد ذلك تارة يولّى بها حنفيّ كذلك، وتارة تشغر منه. فإن وليها حنفيّ، كتب له في قطع الثّلث كما يكتب للقاضي المالكيّ، وليس بها الآن شافعيّ إلا نائبا عن المالكيّ، ولا حنبليّ بها أصلا.
(11/407)

الوظيفة الثانية (الحسبة بثغر الإسكندرية)
ومحتسبها يمضي تحدّثه فيما يختص به قاضيها، وليس له نوّاب فيما هو خارج عن ذلك من البلاد.
وهذه نسخة توقيع بالحسبة بثغر الإسكندرية.
الحمد لله الذي جعل المناصب في أيّامنا الزاهرة محفوظة في أكفائها، مضمونة لمن تقاضت [له] «1» من الإقبال ر [دّ] «2» جفائها، معدوقة في مالها إلى من زانها بمعرفته الحسنة [وحسن بهائها، مخصوصة] «3» بمن دلّت كفاءته وكفايته على أنه أولى بتقرّبها وأحقّ باصطفائها.
أحمده على نعمه التي لم تخيّب في إحساننا أملا، ولم تضيّع سعي من أحسن [العمل] «4» في مصالح دولتنا إنّ الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة هي أشرف ما فاه به اللّسان، وأفضل ما تعبّد به الإنسان، وأرفع ما ملكت به في الدنيا والآخرة عظام الرّتب الحسان، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أحلّ الطيّبات وأباحها، وأزال الشّبهات وأزاحها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين تمسّكوا بأحكامه، ووقفوا مع ما شرع لهم من حلال دينه وحرامه، وحافظوا على العمل بسنّته بعده محافظتهم عليها في أيّامه، صلاة يتوقّد سراجها، ويتأكّد بها انتساق السنّة وانتساجها، وسلم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من رجع فيه حقّ منصبه إلى نصابه، وردّ به واجب رتبته إلى من جعلته سوابق سيرته أولى به، وتقاضت له سيرته عواطف كرمنا، ونهضت نزاهته باستطلاع ما غاب عنه من عوارفنا ونعمنا، وأغنته أوصافه عن تجديد ثناء يستعاد به برّنا القديم، ويستدام له به فضلنا العميم، وتستدرّ به
(11/408)

أخلاف كرمنا الذي تساوى في عمومه الظاعن والمقيم- من زان التقى أوصافه، وكمّلت العفّة معرفته وإنصافه، وتولّت الديانة نظره فيما عدق به من مصالح الرعايا خصوصا وعموما، وتكفلت الخبرة من اعتباره لأمور الأقوات بأن جعل لكل منها في الجودة حدّا معلوما، وباشر ما فوّض إليه فجمع بين رضا الله تعالى ورضا خلقه، وعوّل عليه في حسبة أعزّ الثغور لدينا فتصبح الرعايا فيما بسط لهم من رزقه.
ولما كان فلان هو الذي أضاءت أوصافه وهل تنكر الإضاءة للسّراج، وتشوّفت إليه رتبته فلم يكن لها إلّا إليه ملاذ وإلا عليه معاج، فسلك من السّير أرضاها لربّه، ومن الأحوال أجمعها لأمن عاقبته وسلامة غبّه «1» ، ومن الاجتهاد في مصالح الرعايا ما يضاعف شكره على احتسابه، ومن الخيرة ما يعرّف كلّا ... «2» ...
فليستمرّ في ذلك على عادته التي ناضلت عنه فأصابت، وقاعدته التي دعت له عواطف نعمنا فأجابت، وليزد في التحذير والتحقيق ما استطاع، ويناقش حتى يستقرّ على الصحة فيما يباع أو يبتاع، ويقابل على الغشّ بما يردع متعاطيه، ويزجر صانع الأعمال الفاسدة عن استدامتها ومن يوافقه على ذلك ويواطيه، ويثمّر أموال الأحباس بملاحظة أصولها، والمحافظة على ريعها ومحصولها، وإمضاء مصارفها على شروط واقفيها إن علمت ومزية «3» ما قدّم من شكره والثناء عليه؛ وملاك ذلك جميعه تقوى الله تعالى وهي أخصّ ما قدّم من أوصافه، والرّفق بالرّعايا وإنّه من أحسن حلى معرفته وإنصافه، والخير يكون إن شاء الله تعالى.
(11/409)

الوظيفة الثالثة (نظر الصادر)
وموضوعها التحدّث في قدر مقرّر يؤخذ من تجّار الفرنج الواردين إلى الإسكندرية، وعليه مرتّبات لناس مخصوصين من أهل العلم والصلاح، ينفق عليهم بمقادير معلومة من متحصّل هذه الجهة.
وهذه نسخة توقيع بنظر الصادر والوارد، أنشأته عن السلطان الملك الناصر «فرج بن الظاهر برقوق» للقاضي ناصر الدين «محمد الطّناحي» إمام المقام الشريف السلطانيّ، في منتصف شهر صفر سنة أربع وثمانمائة «1» ، وهي:
الحمد لله الذي جعل من سلطاننا الناصر لأخصّ وليّ أعزّ ناصر، وخصّه من فائض كرمنا المتتابع ومنّنا المترادف بأكرم وارد وأبرّ صادر، وبوّأه من فضلنا المنيف أفضل مبوّأ: فتارة تأتمّ به الملوك وتارة يخطب الكافّة على رؤوس المنابر.
نحمده على أن جعلنا نتّبع في الولايات نهج الصّواب ونقتفيه، وآثرنا من أثرة الأبوة بأعلى مواقع الاجتباء والولد سرّ أبيه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي أذلّ طغاة الكفر بقمع آناف كبرائهم، وألزمهم الصّغار بمال يؤخذ من أقوياء أغنيائهم فيفرّق في ضعفاء المسلمين وفقرائهم، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي ندب إلى مبرّة أهل الفضل وذويه، ورغّب في رعاية المودّة للآباء بقوله: «إنّ من أبرّ البرّ برّ الرجل أهل ودّ أبيه» صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين عدقت بهم مهمّات فقاموا بحقّها، ووكلت إليهم جلائل الولايات، فأحرزوا بجميل التأثير قصب سبقها، صلاة يبقى على مدى الأيام
(11/410)

حكمها، ولا يتغيّر على مرّ الزمان رسمها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن من كريم سجايانا التي جبلنا عليها، وشريف شيمنا التي يجذبنا طيب العنصر إليها، أن نخصّ أخصّ الأولياء بأسنى الولايات، ونتحف أصفى الأصفياء بنهاية غيره في البدايات، ونرفع قدر من لم يزل ظهره للملوك محرابا، وننوّه بذكر من رغبت فيه الوظائف فعدلت إليه عن سواه إضرابا.
وكان المجلس الساميّ، القاضويّ، العالميّ، العامليّ، الفاضليّ، الكامليّ، البارعيّ، البليغيّ، الماجديّ، الأوحديّ، الأثيريّ، الأثيليّ، العريقيّ، الأصيليّ، الخطيبيّ، الناصريّ، مجد الإسلام، بهاء الأنام، شرف الرؤساء، أوحد الكبراء، صدر الأعيان، جمال الخطباء، جلال النّظّار، صفوة الملوك والسلاطين، أبو عبد الله محمد، ابن المجلس الساميّ، الجماليّ، المرحوم عبد الله الطّناحي، إمام المقام الشريف: أدام الله تعالى رفعته- قد طالت في المخالصة قدمته، ووفرت من صدق الموالاة قسمته، فرفع على الابتداء خبره، ونصب على [المدح] «1» تقدّمه فحمد في الاختيار أثره؛ وكانت وظيفتا نظر الصادر وخطابة الجامع الغربيّ بثغر الإسكندرية المحروس- حرسه الله تعالى وحماه وصان من طروق العدوّ المخذول حماه- من أرفع الوظائف قدرا، وأميزها رتبة وأعلاها ذكرا- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نسند ولايتهما إليه، ونعتمد في القيام بمصالحهما عليه.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت آراؤه مسدّدة، ونعمه على الأولياء في كلّ حين مجدّدة- أن يستقرّ المشار إليه في الوظيفتين المذكورتين عوضا عمن كانتا بيده، بما لهما من المعلوم، ويفسح له في الاستنابة على عادة من تقدّمه في ذلك: استنادا إلى أمانته التي بلغت به من العفّة منتهاها، وكفايته التي عجز المتكلّفون عن الوصول إلى مداها، وفصاحته التي أعجزت ببراعتها
(11/411)

الخطباء الأماثل، وبلاغته التي قضت بالعيّ على قسّ إياد وحكمت بالفهاهة «1» على سحبان وائل.
فليتلقّ ما أسند إليه بيده الطّولى وباعه المديد، وليقابل هذه النعمة الحفيلة بالشّكر فإنّ الشكر مستلزم للمزيد، عالما أنّ نظر الصادر يقدّمه أهل الثغر على عامّة الوظائف ما دقّ منها وما جلّ، ويتبرّك المرتّبون عليه بما يأخذونه من راتبه وإن قلّ؛ فليحسن النظر فيه وردا وصدرا، ويميّز ريعه بحسن النظر فيه حتّى يقول المعاند: ما أحسن هذا نظرا! والجامع الغربيّ فهو أجلّ جوامع الثغر الإسكندريّ قدرا، وأعظمها في الأقطار صيتا وأسيرها في الآفاق ذكرا، يحضر الجمعة فيه أهل الشّرق والغرب، ويلمّ بخطبته سكّان الوهاد والهضب؛ فليرق منبره رقيّ من خطبه المنبر لخطبته، وعلم علوّ مقامه فقابله بعلوّ رتبته؛ ويشنّف الأسماع بوعظه، ويشج القلوب بلفظه، ويحيي العقول بتذكيره، ويبك العيون بتحذيره، وليعد للجامع ما تعوّده من الإسعاد، ويجدّد ما درس من معالم خطابته حتّى يقال: هذا ابن المنيّر «2» قد عاد؛ وعماد الوصايا تقوى الله فهي ملاك الأمور كلّها، وعليها مدار أحوال الدّنيا والآخرة في عقدها وحلّها؛ وهاتان مقدّمتا خير فليكن لنتيجتهما يرتقب، ولا يقطع بالوقوف معهما رجاءه «فأوّل الغيث قطر ثم ينسكب» والاعتماد على الخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه، حجة فيه بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
(11/412)

الصنف الثالث (من الوظائف التي يكتب بها بثغر الإسكندريّة المحروس، الوظائف الدّيوانية، وهي على طبقتين)
الطبقة الأولى (من يكتب له في قطع الثلث ب «المجلس الساميّ» بالياء
وهو ناظر المباشرة بها، وعنه يعبّر بناظر الإسكندرية، دون ناظر الأصل «1» المقدّم ذكره في جملة الوظائف الديوانية بالحضرة) وموضوع هذه الوظيفة التحدّث في الأموال السلطانية بالإسكندريّة مما يتحصّل من المأخوذ من تجار الفرنج، وسائر المتاجر الواصلة برّا وبحرا بالقبض والصّرف والحمل إلى الأبواب السلطانية.
وهذه نسخة توقيع بنظر ثغر الإسكندرية، كتب به للقاضي «جمال الدين ابن بصّاصة» وهي «2» :
الحمد لله الذي أضحك الثّغور بعد عبوسها، وردّ إليها جمالها وأنار أفقها بطلوع شموسها، وأحيا معالم الخير فيها وقد كادت أن تشرف على دروسها، وأقام لمصالح الأمّة من يشرق وجه الحق ببياض آرائه، وتلتذّ الأسماع بتلاوة أوصافه الجميلة وأنبائه.
نحمده حمد من أسبغت عليه النّعماء، وتهادت إليه الآلاء، وخطبته لنفسها العلياء، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترفع قدر قائلها وتعليه، وتعزّ جانب منتحلها وتدنيه، وأن محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ رابط وجاهد، وأكرم رسول جنح للسّلم بأمر ربّه فهادن وعاهد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وأشياعه وحزبه.
(11/413)

وبعد، فأحقّ من ماس في أردية الرياسة عطفا، واستجلى وجوه السعادة من حجب عزّها فأبدت له جمالا ولطفا؛ واصطفته الدولة القاهرة لمهمّاتها لمّا رأته خير كافل، وتنقّل في مراتبها السنيّة تنقّل النيّرين في المنازل «1» .
ولما كان فلان أدام الله رفعته ممن أشارت إليه هذه المناقب الجليلة، وصارت له إلى كل سؤال نعم الوسيلة، رسم بالأمر الشريف- لا زال......
أن يستقرّ في نظر ثغر الإسكندرية المحروس ويباشر هذا المنصب المبارك بعزماته الماضية، وهممه العالية، برأي لا يساهم فيه ولا يشارك: ليصبح هذا الثغر بمباشرته باسما حاليا، وتعود بهجته له بجميل نظره ثانيا، وينتصب لتدبير أحواله على عادته، ويقرّر قواعده بعالي همّته، ويجتهد في تحصيل أمواله وتحصين ذخائره، واستخراج زكاته وتنمية متاجره، ومعاملة التّجار الواردين إليه بالعدل الذي كانوا ألفوه منه، والرّفق الذي نقلوا أخباره السارّة عنه؛ فإنهم هدايا البحور، ودوالبة الثغور، ومن ألسنتهم يطّلع على ما تجنّه الصدور، وإذا بذر لهم حبّ الإحسان نشروا له أجنحة مراكبهم كالطّيور؛ وليعتمد معهم ما تضمّنته المراسيم الشريفة المستمرّة الحكم إلى آخر وقت، ولا يسلك معهم حالة توجب لهم القلق والتّظلّم والمقت، وليواصل بالحمول إلى بيت المال المعمور، وليملأ الخزائن السلطانية من مستعملات الثغر وأمتعته وأصنافه بكل ما تستغني به عن الواصل في البرور والبحور، وليصرف همّته العالية إلى تدبير أحوال [المتاجر بهذا الثغر بحيث ترتفع رؤوس أموالها وتنمي، وتجود سحائب فوائدها وتهمي، وليراع أحوال] «2» المستخدمين في مباشراتهم، ويكشف عن باطن سيرهم في جهاتهم، ليتحقّقوا أنه مهيمن عليهم، وناظر بعين الرأفة إليهم؛ فتنكفّ يد الخائن منهم عن الخيانة، وتتحلّى أنامل الأمين بمحاسن الصّيانة؛ وليطالع بالمتجدّدات في الثغر المحروس، ليرد الجواب عليه منا بما يشرح
(11/414)

الصّدور [ويطيّب النفوس] وليتناول من المعلوم على ذلك في غرّة كل شهر ما يشهد به الديوان المعمور؛ والله تعالى يتولّاه ويعضّده، ويؤيده ويسدّده، بمنّه وكرمه!.
قلت: وربما كتب لناظرها توقيع مفتتح ب «أما بعد حمد الله» في قطع الثلث.
وهذه نسخة توقيع بنظر ثغر الإسكندرية، وهي:
أما بعد حمد الله مفيض حلل إنعامنا على من أخلص في طاعتنا الشريفة قلبه ولسانه، ومولي فضل آلائنا العميمة على من أرهف في مصالحنا عزمه وبنانه، ومحلّي رتب عليائنا الشريفة بمن أشرق في سماء المعالي بدره وإنسانه، وأينعت في غصون الأمانيّ قطوفه وأفنانه، ومبلّغ أقصى غاية المجد في أيامنا الزاهرة بمن تبتسم بجميل نظره الثغور، وتعتصم بحميد خبره وخبرته الأمور، وتشرق من جميل تدبيره البدور، وتعتمد على هممه الأيام والدهور، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، والناشر لواء العدل بسننه الواضح وشرعه القويم، والمنجز لمن اقتفى سبله أوفى تكريم، وأوفر حظّ عظيم، وعلى آله وأصحابه ما اهتدى بهديهم ذوو البصائر والأبصار، وارتدى بأرديتهم المعلمة مقتفي الآثار- فإنّ أولى من أسندنا إلى نظره الجميل رتبة عزّ ما زالت طيور الآمال عليها تحوم، وعدقنا بتدبيره الجليل منصب سيادة ما برحت الأمانيّ له تروم، واعتمدنا على همّته العلية فصدّق الخبر الخبر، وركنّا إلى حميد رأيه فشهد السمع وأدّى النظر «1» .
ولما كان فلان هو الذي اتّسق في ذروة هذه المعالي، وانتظم به عقد هذه
(11/415)

اللّآلي، وحوى بفضيلة اللسان والبيان ما لم تدركه المرهفات والعوالي؛ فما حل ذروة عزّ إلا وحلّاها بنظره الجليل، ولا رقي رتبة سيادة إلا وأسفر في ذروتها وجه صبحه الجميل، ولا عدق بنظره كفاية رتبة إلا وكان لها خير كفيل.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال ينتصي «1» للرتب العلية خير منجد وممير «2» ، ويمتطي للمناصب السنيّة نعم المولى ونعم النصير- أن يستقرّ ...
... فإنه القويّ الأمين، والمتمسّك من تقوى الله تعالى ومراقبته بالسبب المتين، والمستند بجميل كفايته، وحميد ديانته، إلى حصن حصين، والمستذري «3» بأصالته وإصابته إلى الجنّة الواقية والحرم الأمين؛ فليقدّم خيرة الله تعالى في مباشرة الوظيفة المذكورة بعزم لا ينبو، وهمّة لا تخبو، وتدبير يتضاعف على ممرّ الأيام ويربو، ونظر لا يعزب عن مباشرته فيه مثقال ذرّة إلا وهي من خاطره في قرار مكين، وضبط لا تمتدّ معه يد لامس [إليها] «4» إلا ويجد من مرهفه ما يكفّ كفّها عن الخيانة بالحقّ المبين، وليضاعف همّته في مصالح هذه الجهة التي عدقناها بنظره السعيد، وليوفّر عزمته فإن الحازم من ألقى السمع وهو شهيد؛ والوصايا كثيرة ومثله لا يدلّ عليها، والتنبيهات واضحة وهو- وفقه الله- أهدى أن يرشد إليها؛ والله تعالى يوفّقه في القول والعمل، ويصلح بجميل تدبيره وحميد تأتّيه كلّ خلل، بمنّه وكرمه!.
(11/416)

الطبقة الثانية (من يكتب له في قطع الثلث ب «المجلس السامي» بغير ياء أو «مجلس القاضي» وفيها وظيفتان)
الوظيفة الأولى ((كتابة الدّرج)
وصاحبها هو الذي يقوم بالإسكندرية مقام كاتب السرّ بالأبواب السلطانية في قراءة المكاتبة على النائب، وكتابة الأجوبة وما يجري مجرى ذلك.
وهذه نسخة توقيع من ذلك:
رسم بالأمر الشريف- لا زال شاملا فضله، كاملا عدله، هاملا بالإحسان وبله، متّصلا بالجميل حبله، ملاحظا بعين العناية للبيت الزاكي فرعه الطيّب أصله، معليا نجمه إلى أسنى المراتب التي لا ينبغي أن يكون محلّها إلا محلّه- أن يستقرّ فلان في كتابة الدّرج بثغر الإسكندرية المحروس على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته، بالمعلوم الشاهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت: لأصالته المعرقة، وغصون نسبه المورقة، وآدابه الجمّة، وفضيلته التي أبدى بها علمه، وكتابته التي حلّت المهارق، وأبدت من الجواهر ما تتمنّى لمسه المفارق، وتذوي لنضارته أزاهر الروض النّضير، وتتفرّد في الحسن فلا تجد لها من نظير، وتبرز كالعقود في أجياد الترائب، وتنشيء كتبا تغني عن الكتائب؛ مع ماله من رآسة أثبتت معاليه، ونفاسة أضحت بجواهرها الأوصاف حالية، وصدارة توالت منه فاستوجب بها مزيد الحسنى المتوالية؛ قد خوّل في كرم الأصل فلا غرو أن أمسى نجيبا، ودعا بديع اللفظ ولطيف المعنى فغدا كلّ منهما لأمره طائعا وبالإذعان مجيبا، وعلا كوكبه فأضحى في الرّفعة بعيدا وإن كان في مرأى العين قريبا، وزكا من أكابره إلى كل فريد في سؤدده، واحد في علاه يفوق الجمع في عدده؛ فهو إنسان عين زمانه، ومالك زمام الإنشاء ومصرّف عنان بنانه، ومبرز الحسنات بسفارته المقبولة وإطلاق بيانه، فلا غرو أن استوجب منّا ما يقضي له
(11/417)

بالمزيد، واستحقّ باتّباع أصله العالم التقيّ إدراك ما يريد، وتحلّى بمناقبه ومآثره، ونقل عن عفافه ومفاخره.
فليستمرّ في ذلك على أجمل عوائده، وأجزل فوائده، سالكا في ذلك طرائقه الحميدة، ومناهجه ومناهج أسلافه السّديدة، مبرزا من خطّه ما يخجل به الطّروس، ويسرّ بمزاياه النفوس، وينظم كالعقود، ويلوح للأبصار حسن رونقه [المشهود] «1» ؛ والله تعالى يجعل إحساننا لدى بيته الكريم مستمرّا، وامتناننا العميم عنده مستقرّا، وثغر العناية به مفترّا، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الثانية (نظر دار الطّراز بثغر الإسكندريّة)
وهذه نسخة توقيع بذلك، كتب بها لصلاح الدين بن علاء الدّين عليّ بن البرهان، سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، من إنشاء الشريف شهاب الدين كاتب الإنشاء، وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زال إيثاره، يكرم من غدا صلاحه لحلّة العلى طرازا، واختياره، يقدّم للمناصب الجليلة من ورث من أبيه نهضة واحترازا- أن يستقر فلان في كذا: لكفايته المعروفة المحقّقة، ودرايته المألوفة بركاتها الموفّرة وحركاتها الموفّقة، وديانته التي منها الأكابر على ثقة، وأمانته التي تعتمد الحقّ مستدعية ومنفقة، وصيانته التي هي للواصل حافظة وعلى الحاصل مشفقة.
فليباشر هذه الوظيفة التي كانت في سالف الزمان إلى الحكّام تضاف، وللعلماء الأعلام عليها نظر وإشراف، ومنها يسدل على أوليائنا لباس الإنعام وترسل أجناس الإتحاف، وتسربل الكعبة البيت الحرام في كلّ عام بجلبابها المحكم النّسج المعلم الأطراف، وليصن ذهبها عند صرفه وقبضه، وليزن
(11/418)

خزّها «1» بتقريب مشوبه وتحرير محضه، وليبن عن حسن التدبير في إبرام حريرها ونقضه، وليستجلب رجالها وصنّاعها، وليجنّب أحوالها ضياعها، وليستجد أصنافها وأنواعها، وليتفقّد أكنافها وبقاعها، حتّى يظهر في أعمالها آثار الصلاح، وتشكر مباشرته التي هي محمودة الانتهاء مسعودة الافتتاح؛ والله يقرن رجاءه بالإرباح، ويؤذن له حيث سلك بإصابة الصواب والفلاح، بمنه وكرمه!.
قلت: ودار الطّراز هذه هي التي تعمل فيها المستعملات السلطانية: مما يحمل إلى خزانة الخاصّ الشريف من الأقمشة المختلفة الصّفات: من الحرير والمقترح المخوّص بالذهب، والتّفاصيل المنقوشة بضروب النقوش المختلفة، وغير ذلك من رقيق الكتّان وغيره مما لا يوجد مثله في قطر من أقطار الأرض؛ ومنه «2» تتّخذ الأقمشة التي يلبسها السلطان وأهل دوره، ومنه تعمل الخلع والتشاريف التي يلبسها أكابر الأمراء وأعيان الدولة وسائر أهل المملكة، ومنه تبعث الهدايا والتّحف إلى ملوك الأقطار. وقد كان يكتب لناظر هذه الدار توقيع عن الأبواب السلطانية خارج عن توقيع ناظر الإسكندرية على ما تقدّم ذكره. أما الآن فقد صار ذلك تحت نظر ناظر الإسكندرية يتحدّث فيه كما يتحدّث في سائر أمورها، ومرجع الكلّ إلى ناظر الخاصّ بالأبواب السلطانية.
الجهة الثانية (مما هو خارج عن حاضرتي مصر والقاهرة بالديار المصرية- بلاد الرّيف)
والمراد بالرّيف في أصل اللغة موضع المياه والزّرع.
وقد تقدّم أنّ ريف الديار المصريّة وجهان:
(11/419)

الوجه الأوّل (الوجه القبلي، وهو المعبّر عنه بالصّعيد)
وقد تقدّم في المقالة الثانية في الكلام على المسالك والممالك أنّه ينقسم إلى صعيد أعلى، وصعيد أسفل. وقد كانت ولايته العامّة في الزمن المتقدّم يعبّر عن صاحبها ب «والي الولاة بالوجه القبليّ» ثم استقرّت نيابة سلطنة على حدّ تقدمة العسكر بغزّة في رتبة المكاتبة، في الأيّام الظاهرية «برقوق» وهي على ذلك إلى الآن، ونائبها يكتب له تقليد بنيابة السلطنة بها في قطع النصف.
وهذه نسخة تقليد شريف من ذلك، من إنشاء الشريف «شهاب الدين» كاتب الإنشاء، وهي:
الحمد لله الذي رحم بتعاهد نظرنا البلاد والعباد، وحسم بموارد زواجرنا موادّ الفساد، وأحمد في هذا الوجه لنا الآثار ووطّأ بنا المهاد، وأفرد آراءنا بجميع المصالح على الجمع والإفراد، وأولى بنا الرعية الخير في استرعاء من يبذل في صيانتهم الاجتهاد، وأعلى بنا كلمة العدل فهي تنشر وتذاع وأوهى بنا كلمة الظّلم فهي تقهر وتذاد، وأجلى بانتقامنا فئة الضلال فلها عن ملكنا الشريف اندفاع وانطراد «1» .
نحمده على أن قرن بآرائنا السّداد، ونشكره على أن ضمّن اصطفاءنا حسن الارتياد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تقوم حجّتها، يوم يقوم الأشهاد، وتدوم بهجتها، علما للإرشاد، ونشهد أنّ سيد البشر محمدا عبده ورسوله الذي فضل العالم وساد، وأجزل المكارم وجاد، وهدى بشرعه من حاد، وأردى بردعه من حادّ، وأجرى بجوده النفع حيث كان وأبدى ببأسه القمع لمن كاد، وأخمد بأسيافه الباطل فباد، وجعل لأنف مخالفه الإرغام ولجيش مجانفه «2» الإرعاد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأنجاب الأنجاد، صلاة
(11/420)

لها تضاعف وتعداد، وبفتكاتهم للنوائب إخماد، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد فإنّ الله تعالى لما أعلى هممنا وأصعدها، ووفّى عزائمنا من النصر موعدها، وأسعف بملكنا الرعية وأسعدها، وضاعف بنا لديهم النّعمة وجدّدها، وأوضح بنا سبل المعدلة وجدّدها، وأنجح بسلطاننا آمال الخليقة وأنجدها- لم نخل من ملاحظتنا أدنى الأقطار ولا أبعدها، ولم نغفل من ممالكنا ناحية إلا نحاها فضلنا وقصدها فأقرّ بها الصالحات وخلّدها، وأثرّ بها المسامحات «1» وأبّدها، ونصر الشريعة وأيّدها، وسدّ الذّريعة بأفعال حزم سدّدها، ووطّن أهلها ووطّدها، وأورد من بها موارد الأمن لما وردها.
ولما واجه إقبالنا في هذه الأيّام الوجه القبليّ، وصعد إلى الصعيد الأعلى ركابنا العليّ، لمحنا بلاده وتعدّدها، وتعيّن ملاحظته وتأكّدها، وكثرة السّلّاك لسبله، والملّاك لخوله «2» ، والورّاد لنهله، والوفّاد من قبله؛ وهو منهج التّجار في التوجه من أبوابنا الشريفة والجواز، وباب اليمن والحجاز؛ وفي الحقيقة هذا المجاز يتعين له الحفظ وفيه الاحتراز، وبه كراسيّ منها السّيارة تمتار وعلى سواها من البلاد تمتاز، وبه مراكز ولاة ينفرد كلّ منها عن الآخر وينحاز، وهي:
إطفيح، والبهنسى، والأشمونين، ومنفلوط، وسيوط، وإخميم، وقوص. وهذه الأقاليم مجتمعة متفرّقة، وحدود بعضها ببعض متعلّقة، وبها إقطاعات مقدّمي الألوف والطّبلخاناه والمماليك والحلقة، وإليها تردّد الرّكّاضة «3» والمرتزقة، وربّما أخاف المفسدون من بعضها سبله وقطع طرقه، فاتّهم البريّ، وسلم الجريّ، ولبّس على من هو عن الخيانة عريّ؛ فرأينا أن ننصب بهذه الأقاليم
(11/421)

والي ولاة يجوس بنفسه خلالها، ويدوس بخيله سهلها وجبالها، ويفجأ [مفسديها، ويبغت معتديها] «1» ، ويخمد نفاقها، ويحمد وفاقها، وينصف ضعافها، ويذهب خلافها، ويزيل شكواها، ويكفّ عدواها، ويصلح فسادها، ويوضّح سدادها، ويوصّل حقوقها، ويستأصل عقوقها، ويواصل طروقها، ويقابل بالعقاب فسوقها، ويمنع باهتمامه أهواءها، ويشفي بحسامه أدواءها.
ولما كان المجلس الساميّ، الأميريّ، الحساميّ هو الذي عرف أحوالها وخبرها، وولي من أقاليمها ما علم به مصالحها واعتبرها، وعهدت منه الأمانة والكفاية، وتحقّقت نهضته في كل عمل ويقظته في كل ولاية- اقتضى حسن الرأي الشريف أن تفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بهذه الأعمال المذكورة والأقاليم كلّها، وأن ينتضي فيها حسامه الذي ينبغي أن يرتضى وينتضى لمثلها، وأن يحلّ محلّه إذ اخترناه لأعلى رتب الولاة وأجلّها، وأن نصل أسباب النعمة لديه بهذه النعم التي كلّ ولاية فرع لأصلها.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت أيامه الشريفة تخصّ الرتب العلية بأهلها، وتشمل ذوي الاهتمام بإحسانها وفضلها- أن يفوّض إلى المشار إليه ولاية الولاة بالوجه القبليّ. فليباشر ذلك بهمّة تمضي في البلاد عزائمها، ونهضة تسير إلى دانيها وقاصيها صوارمها، وشهامة يدهش المتمردين قادمها، ويفقد موادّ الفساد من حسامها حاسمها.
ونحن نرسم له بأمور يلازمها، ونوصيه بوصايا يداومها؛ أن يكون بتقوى الله تعالى عاملا، وللنّصح باذلا، وللشريعة معظّما، ولمراقبة الله تعالى مقدّما، وللحقّ متّبعا، وإلى الخير مسرعا، وللمؤمنين مؤمّنا، وللمنافقين موهّنا، وللرّعايا موطّنا، وللنزّاهة مظهرا ومبطنا، وعن الأبرياء كافّا، وعن الأتقياء عافّا، وعن
(11/422)

الأموال منزّها، وإلى ما يصلح الأعمال من صالح الأعمال «1» موجّها، وليغد في الأمور متثبّتا، ولذوي الفجور مشتّتا، ولسماع حجج الخصوم منصتا، ولا يجعل لحلوله الأقاليم حينا مؤقّتا، بل يدخل المدينة على حين غفلة من أهلها، وليبغت بحلوله هذه النواحي ليعلم ما هم عليه من ترك الفواحش أو فعلها، وليقم بكل جهة من يعلمه بما يحتاج إلى علمه، ويبكّر له بما يفتقر أهل البلاد إلى السّتر عنه وكتمه، وليلحظ المحارس والأدراك «2» ، وليجعل لكل شارد من بطشه أسرع إدراك- وقد رسمنا لولاة الأعمال المذكورة ومن فيها من نوّاب الأمراء والمشايخ بهذه الصورة وأن لا يجيروا مفسدا ولا يؤوه، ولا ينزلوا خائنا ولا يحووه، ولا يستروا مختفيا ولا يخبوه، ولا يحلّوا نازحا ولا يوطّنوه، بل يحضروه ولا يؤخّروه، ويمسكوه ولا يتركوه، ويسلموه ولا يحموه؛ ومن خالف هذا المرسوم، أو اعتمد غير هذه الرّسوم، فهو لنفسه ظلوم، وقد برئت منه الذّمة، وزالت عنه الحرمة، وزلّت قدمه، وذهب ماله ودمه؛ وقرئت مراسيمنا بذلك هنالك على منابر الجوامع، وسمعها كلّ سامع، وهم لك على امتثال أوامرنا مساعدون، وعلى اجتناب نواهينا معاضدون، وللإصلاح ما استطاعوا مريدون وقاصدون؛ فلا تمكّن أحدا من العربان ولا من الفلّاحين أن يركب فرسا، فإنما يعدّها للخيانة مختلسا، ولا يكون لها مرتبطا ولا محتسبا؛ وكن لهم ملاقيا مراقبا، فمن فعل ذلك فانتقم منه بما رسمنا معاقبا؛ ولا تمكّنهم من حمل السلاح ولا ابتياعه، ولا استعارته ولا استيداعه، وتفقّد من بالأقاليم من تجّاره وصنّاعه؛ فخذ بالقيمة ما عند التجّار، واقمع بذلك نفس الفجّار، وأضرم نار العذاب على من أضرم لعمل ذلك النار؛ وأمر كلّ فئتين متعاديتين بالمصالحة، وأكفف بذلك يد المكافحة، وحلّف بعضهم لبعض بعد تحليف أكابرهم لنا
(11/423)

على السّيرة الحميدة والنّيّة الصالحة، وخذهم في الجنايات بالعدل والمشاححة «1» ، وفي المطالبات بالرّفق إن لم تكن مسامحة، واحملهم على محجّة الحق الأبلج والشريعة الواضحة. وإذا رفعت إليك شكوى فأزلها، أو سئلت إقالة عثرة لذي هيئة فأقلها، أو وجب حدّ فأقمه لحينه، أو ارتبت في أمر فتروّ حتّى تهتدي ليقينه، ولا تعتقل إلا من أجرم جرما يوجب الاعتقال والحبس، ولا تسرع إلى ما تخشى فيه اللّبس، واعمل على براءة الذّمّة، واجهد أن لا يكون أمرك عليك غمّة، ولا ترجّح للهوى على خصم خصمه، ولا تظلمه فإنّ الظّلم ظلمة، وخف نقمة الله فهي أعظم نقمة، ولا تأخذك على البريء غلظة ولا قسوة كما لا ينبغي أن تأخذك في الجريء رأفة ولا رحمة؛ والله تعالى يرفع لك بالطاعة رتبا، وينجح لك بالخدمة طلبا، ويبلّغ بك في الإصلاح أربا، ويردّ بك أمر كل مفسد مخيّبا، ويوضح لك من الهداية مغيّبا، وينزل بك من الخيرات صيّبا؛ والخطّ الشريف أعلاه حجة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة تقليد بنيابة السلطنة بالوجه القبليّ أيضا، من إنشاء الشريف شهاب الدين، كتب به «لعلاء الدين المرادي» وهي:
الحمد لله الذي جعل إقبالنا مسفر الوجوه، ونوالنا مبلّغا كلّا من الأولياء ما يؤمّله من القرب من أبوابنا الشريفة ويرجوه، وإفضالنا يوفّر أقسام النّعم لمن وفّر دواعيه على طاعتنا فلا يزال استحقاقه يعيّنه ويدعوه، وإجمالنا ينجز وعود التقديم لمن تعدّدت خدمه فلا يتجاوزه التكريم ولا يعدوه.
نحمده على أن جعل إنعامنا يهب الجزيل ويحبوه، ونشكره على أن أقامنا نحقّ الحق فنرفعه فيدمغ الباطل ويعلوه.
(11/424)

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة هي خير ما ينطق به الإنسان ويفوه، لا يبرح اللسان يكرّر إخلاصها ويتلوه، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي رفع الله ببعثته عن هذه الأمة كلّ مكروه، وحمى بشرعته الدين الحنيف فلا يلمّ به التبديل ولا يعروه، وأفاض ببركاته في كل وجه ما يوسع الخير ويدرّه ويمنع الشّر ويذروه، صلى الله عليه وعلى آله الذين هم عترته وأقربوه، وصحبه الذين استمعوا قوله واتّبعوه، صلاة لا يزال وافدها يتبع سبيل الإجابة ويقفوه، ويصل إلى محل القبول ولا يجفوه، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فإنّ الله تعالى لما قرن آراءنا بالسّداد، وأحسن بنا النظر في صلاح البلاد ومصالح العباد، لم نزل نرفع أقدار المخلصين بمزيّة الاختيار والارتياد، ونجمعهم في صعيد الإحسان ونحلّهم رتب الإصعاد، وندني منهم من له تامّ اهتمام وشادّ اجتهاد، ونميز منهم من حسن حالا بالجمع والإفراد.
والولاية على الولاة بالوجه القبليّ من أهم ما يلمح، وأعمّ ما يختار له من للحق ينصر وللخلق ينصح؛ إذ بهذا الوجه عيون البلدان، ووجوه العربان، وكراسيّ الأقاليم الحسان، ومراكز الولايات التي تحلّ دائرة السّوء بأهل العدوان، وإقطاعات الجند والأمراء، والخواصّ الشريفة التي على عمارتها إجماع الآراء، وعليه تتردّد التّجّار، وإليه بالميزة يشار، ومنه تتعدّد المنافع فيتعيّن أن ندفع عنه المضارّ، ونلقي أموره لمن ينتقى حزمه وعزمه ويختار.
ولمّا كان فلان هو الذي له ولايات اقتضت تقديمه، وسبقت منه سوابق خدم أجزلت تكريمه، وما زال في الشام عليّ الهمّة حسن الشّيمة، وطهّر البرّ من كل فاجر، ورأى أن التّقوى أربح المتاجر، وأعذب