Advertisement

مجاني الأدب في حدائق العرب 002

الجزء الثاني
الباب الأول في التدين
في الإخلاص لله تعالى والثناء عليه
1 إن الله تعالى واحد لا أول لوجوده ولا آخر لأبديته. قيوم لا يفنيه الأبد. ولا يغيره الأمد. بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن. منزه عن الجسمية ليس كمثله شيء. وهو فوق كل شيءٍ. فوقيته لا تزيده بعداً عن عباده وهو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد. وهو على كل شيءٍ شهيدٌ. وهو معكم أينما كنتم. لا يشابه قربه قرب الأجسام. كما لا يشابه ذاته ذوات الأجرام. منزهٌ عن أن يجده زمان. مقدسٌ عن أن يحيط به مكانٌ. تراه أبصار الأبرار. في دار القرار. على ما دلت عليه الآيات والأخبار. حي قادرٌ. جبارٌ قاهرٌ. لا يعتريه عجزٌ ولا قصورٌ. ولا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ. له الملك والملكوت. والعزة والجبروت. خلق الخلق وقدر أرزاقهم وآجالهم. لا تحصى مقدوراته. ولا تتناهى معلوماته. عالمٌ بجميع المعلومات. لا يعزب عنه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماوات. يعلم السر والخفي ويطلع على هواجس الضمائر. وخفيات السرائر. مريدٌ للكائنات. مدبرٌ للحادثات. لا يجري في ملكه قليلٌ ولا كثيرٌ. جليلٌ ولا حقيرٌ. نفعٌ أو ضرٌ إلا بقضائه وقدره وحكمه. فما شاءً كان وما لم
(2/3)

يشأ لم يكن. فهو المبدئ المعيد. الفاعل لما يريد. لا معقب لحكمه. ولا راد لقضائه. ولا مهرب لعبدٍ عن معصيته. إلا بتوفيقه ورحمته. ولا قوة له على طاعته. إلا بمحبته وإرادته. سميعٌ بصيرٌ متكلمٌ بكلام لا يشبه كلام خلقه. وكل ما سواه سبحانه وتعالى فهو حادثٌ أو جده بقدرته. وما من حركةٍ وسكونٍ إلا وله في ذلك حكمة دالةٌ على وحدانيته. قال أبو العتاهية:
فيا عجبا كيف يعصي الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيءٍ له آيةٌ ... تدل على أنه الواحد
ولله في كل تحريكةٍ ... وتسكينةٍ في الورى شاهد
وقال غيره:
كل ما ترتقي إليه بوهمٍ ... من جلالٍ وقدرةٍ وسناء
فالذي أبدع البرية أعلى ... منه سبحان مبدع الأشياء
(مستقطف الابشيهي)

تنزيه الخالق تعالى
2 اعلم أن البارئ تعالى ليس له صورةٌ ولا قالبٌ. وأنه تعالى ليس له صورةٌ ولا قالبٌ. وأنه تعالى لا ينزل ولا يحل في قالبٍ. وأنه منزهٌ عن الكيف والكم. وعن لماذا ولم. وأنه لا يشبهه شيءٌ. وكلما يخطر في الوهم والخيال والفكر من التكيف والتمثل. فإنه منزهٌ عن ذلك. لأن تلك من صفات المخلوقين وهو خالقها فلا يوصف بها. وأنه تعالى جده ليس
(2/4)

في مكان ولا على مكان. فإن المكان لا يحصره وكل ما في العالم فإنه تحت عرشه وعرشه تحت قدرته وتسخيره فإنه قبل خلق العالم كان منزهاً عن المكان. وليس العرش بحامل له بل العرش وحملته يحملهم لطفه وقدرته. وأنه تقدس عن الحاجة إلى المكان قل خلقه العالم وبعد خلقه وأنه متصفٌ بالصفة التي كان عليها في الأزل. ولا سبيل للتغير والانقلاب إلى صفاته. وهو سبحانه متقدسٌ عن صفات المخلوقين منزهٌ. وهو في الآخرة مرئيٌ كما نعلمه في الدنيا بلا مثل ولا شبهٍ. كذلك نراه في الآخرة بلا مثلٍ ولا شبهٍ. لأن تلك الرؤية لا تشابه رؤية الدنيا. ليس كمثله شيءٌ. (التبر المسبوك للغزالي)

عظمة الخالق
3 قال الإمام عليٌ:
كيفية المرء ليس المرء يدركها ... فكيف كيفية الجبار بالقدم
هو الذي أنشأ الأشياء مبتدعا ... فكيف يدركه مستحدث النسم
قال آخر:
تبارك الله في علياء عزته ... فكل كل لسانٍ عن تعاليه
لا كون يحصره لا عين تنظره ... لا كشف يظهره لا جهر يبديه
حارت جميع الورى في كنه قدرته ... فليس يدرك معنى من معانيه
سبحانه وتعالى في جلالته ... وجل عزاً ولطفاً في تساميه
(2/5)

4 قال حكيمٌ: أشهد أن السماوات والأرض آياتٌ دالاتٌ. وشواهد قائماتٌ. كل يؤدي عنه الحجة ويشهد له بالربوبية. وقال آخر: سل الأرض من غرس أشجارك. وشق أنهارك. وجنى ثمارك. فإن لم تجبك إخباراً. أجابتك اعتباراً. وقال الشاعر:
لقد جئت أبغي لنفسي مجيراً ... فجئت الجبال وجئت البحوراً
فقال لي البحر إذ جئته ... فكيف يجير ضريرٌ ضريرا

رحمة الله
5 سمع الفضيل بن عياض رجلاً يشكو بلاءً نزل به فقال: يا هذا أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك.. (العقد الفريد لابن عبد ربه) أبياتٌ عن فم الرحمان:
فكم لبيت عبدي إذ دعاني ... وراعيت الوداد وما رعاني
أنا المرخي السور على المعاصي ... على العبد الجسور إذا عصاني
وأصفح للأثيم إذا أتاني ... وعاتب نفسه عما جفاني
وإن ناداني الخاطي بصدق ... وإخلاصٍ حوى كل المعاني
فمن يأتي إلي ينال عزاً ... ويحظى بالمسرة والأماني
(في الخبر) إن الله تعالى خلق جهنم من فضل رحمته سوطاً يسوق به عباده إلى الجنة.. (وفي الخبر أيضاً) إن الله تعالى يقول: إنما خلقت الخلق ليربحوا علي ولم أخلقهم لأربح عليهم (الكشكول لبهاء الدين العاملي)
(2/6)

محبة الخالق
6 كل فعل يقرب صاحبه من الله تعالى فهو برٌ. ولا يحصل التقرب إليه إلا بالتبرئ ممن سواه. فمن أحب شيئاً فقد حجبٍ عن الله تعالى وأشرك شركاً خفياً لتعلق محبته بغير الله سبحانه.. (للقاشاني) دخل هارون على بعض النساك فسلم عليه. فقال: وعليك السلام أيها الملك أتحب الله. قال: نعم. قال: فتعصيه. قال: نعم. قال: كذبت والله في حبك إياه إنك لو أحببته لما عصيته. ثم أنشد يقول:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
في كل يوم يبتديك بنعمةٍ ... منه وأنت لشكر ذاك مضيع
(سراج الملوك للطرطوشي) قال عز الدين المقسي في الهيام بحبه تعالى وحده:
قبيحٌ على قلبٍ يذوب صبابةً ... وتنظر عيناه لمن ليس هو الله
أيجمل أن تهوى هواه وتدعي ... سواه وما في الكون يعشق إلا هو
فإن كان من تهواه في الحسن واحداً ... فكن واحداً في الحبٌ إن كنت نهواه
(2/7)

7 من كلام ابن زهرة الأندلسي: لا يكون العبد محباً لخالقه حتى يبذل نفسه في مرضاته سراً وعلانيةً. فيعلم الله من قلبه أنه لا يريد إلاه. وسئل ما علامة العارف فقال: عدم الفتور عن ذكره وعدم الملال من حقه وعدم الأنس بغيره. وقال: ليس العجب من حبي لك وأنا عبدٌ فقيرٌ. ولكن العجب من حبك لي وأنت ملكٌ قديرٌ. (لبهاء الدين العاملي)

حمد الله
8 قال بعضهم:
ألحمد لله بقدر الله ... لا قدر وسع العبد ذي التناهي
قال محمودٌ الوراق:
إلهي لك الحمد الذي أنت أهله ... على نعم ما كنت قط لها أهلا
أزيدك تقصيراً تزدني تفضلاً ... كأني بالتقصير أستوجب الفضلا
وله أيضاً:
أيا رب قد أحسنت عوداً وبدأةً ... إلي فلم ينهض بإحسانك الشكر
فمن كان ذا عذرٍ إليك وحجةٍ ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر
قال أبو الأسود الدولي:
وإذا طلبت من الحوائج حاجةً ... فادع الإله وأحسن الأعمالا
إن العباد وشأنهم وأمورهم ... بيد الإله يقلب الأحوالا
فدع العباد ولا تكن بطلابهم ... لهجاً تضعضع للعباد سؤالا
(2/8)

ومما أورده الأصبهاني عن أبي محمدٍ التيمي قوله:
لا تخضعن لمخلوقٍ على طمعٍ ... فإن ذاك مضرٌ منك بالدين
وارغب إلى الله مما في خزائنه ... فإنما هو بين الكاف والنون
أما ترى كل من ترجو وتأمله ... من الخلائق مسكين ابن مسكين
(الأغاني)

الرجاء بالله والتوكل عليه
9 لما حضر بشر بن المنصور الموت فرح فقيل له: أتفرح بالموت فقال: أتجعلون قدومي على خالقٍ أرجوه كمقامي مع مخلوقٍ أخافه قال الشيخ شهابٌ:
توكل على الرحمان في الأمر كله ... فما خاب حقاً من عليه توكلا
وكن واثقاً بالله واصبر لحكمه ... تفز بالذي ترجوه منه تفضلا
ولله الشافعي حيث يقول:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما
قيل لأعرابي وقد مرض: إنك تموت. قال: وإذا مت فإلى أين يذهب بي. قالوا: إلى الله. قال: فما كراهتي أن يذهب بي إلى من لم أر الخير إلا منه.

الدعاء إلى الله
10 قال الأصمعي: سمعت أعرابياً وهو يقول في دعائه: اللهم إني
(2/9)

أسألك عمل الخائفين وخوف العاملين حتى أتنعم بترك النعيم طمعاً فيما وعدت وخوفاً مما أوعدت. اللهم أعذني من سطواتك وأجرني من نقماتك. سبقت لي ذنوبٌ وأنت تغفر لمن يحوب إليك بل أتوسل وأفر منك إليك.

العفو من الله
11 قال الإمام عليٌ:
إلهي لا تعذبني فإني ... مقرٌ بالذي قد كان مني
فما لي حيلةٌ إلا رجائي ... بعفوك إن عفوت وحسن ظني
فكم من زلة لي في الخطايا ... عضضت أناملي وقرعت سني
يظن الناس بي خيراً وإني ... لشر الخلق إن لم تعف عني
(دعاءٌ) اللهم إن مغفرتك أرجى من عملي وإن رحمتك أوسع من ذنبي. اللهم إن لم أكن أهلاً أن أبلغ رحمتك فرحمتك أهلٌ أن تبلغني لأنها وسعت كل شيءٍ يا أرحم الراحمين 12. (دعاءٌ آخر) . اللهم إني أسألك باسمك العظيم الأعظم الأعز الأجل الأكرم الذي إذا دعيت به على مغالق أبواب السماء للفتح بالرحمة انفتحت. وإذا دعيت به على مضايق أبواب الأرض للفرج انفرجت. وإذا دعيت به على مضايق أبواب الأرض للفرج انفرجت. وإذا دعيت به على العسر لليسر تيسرت. وإذا دعيت به على الأموات للنشور انتشرت. وإذا دعيت به على كشف البأساء والضراء انكشفت. وبجلال وجهك الكريم أكرم الوجوه.
(2/10)

وأعز الوجوه. الذي عنت له الوجوه. وخضعت له الرقاب. وخشعت له الأصوات. ووجلت له القلوب. من مخافتك. وبقوتك التي تمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنك. وتمسك السماوات والأرض أن تزولا. وبمشيتك التي دان لها العالمون وبكلمتك التي خلقت بها السماوات والأرض. وبحكمتك التي صنعت بها العجائب وخلقت بها الظلمة وجعلتها ليلاً. وجعلت الليل سكناً. وخلقت بها النور وجعلته نهاراً. وجعلت النهار نشوراً مبصراً. وخلقت بها الشمس وجعلت الشمس ضياءٌ. وخلقت بها القمر وجعلت القمر نوراً. وخلقت بها الكواكب وجعلتها نجوماً وبروجاً ومصابيح وزينةً ورجوماً. وجعلت لها مشارق ومغارب. وجعلت لها مطالع ومجاري. وجعلت لهاً فلكاً ومسابح وقدرتها في السماء منازل. فأحسنت تقديرها. وصورتها فأحسنت تصويرها. وأحصيتها بأسمائك إحصاءً. ودبرتها بحكمتك تدبيراً. فأحسنت تدبيرها. وسخرتها بسلطان الليل وسلطان النهار والساعات وعدد السنين والحساب. وجعلت رؤيتها لجميع الناس مرأى واحداً (لبهاء الدين)

إغراء بإيثار الدين
13 قال لقمان لابنه: إن الدنيا بحرٌ عريضٌ قد هلك فيه الأولون والآخرون. فإن استطعت أن تجعل سفينتك تقوى الله وعدتك
(2/11)

التوكل على الله وزادك العمل الصالح فإن نجوت فبرحمةٍ الله وإن هلكت فبذنوبك. (لابن عبد ربه)
أرى رجالاً بأدنى الدين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا في العيش بالدون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما م ... استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين:
أبني إن من الرجال بهيمةً ... في صورة الرجل السميع المبصر
فطن لكل رزيةٍ في ماله ... فإذا أصيب بدينه لم يشعر
قال الرافعي:
أقيما على باب الرحيم أقيما ... ولا تنيا في ذكره فتهيما
هو الباب من يقرع على الصدق بابه ... يجده رؤوفاً بالعباد رحيماً
(لبهاء الدين) قال أبو العتاهية:
حتى متى ذو التيه في تيهه ... أصلحه الله وعافاه
يتيه أهل التيه من جهلهم ... وهم يموتون وإن تاهوا
من طلب العز ليبقى به ... فإن عز المرء تقواه
(2/12)

ذكر فروع شجرة الإيمان أي الأعمال
14 الأعمال التي هي فروع الإيمان هي تجنب المحارم وأداء الفرائض. وهي قسمان أحدهما بينك وبين الله تعالى مثل الصوم والصلاة والزكاة والعفة عن الحرام. والأخرى ما بينك وبين الخلق وهي العدل في الرعية والكف عن الظلم. والأصل في ذلك أن تعمل فيما بينك وبين الخالق تعالى من طاعة أمره والإزدجار بزجره ما تختار أن يعتمده عبدك في حقك. وأن تعمل فيما بينك وبين الناس ما تريد أن يعمل معك من سواك إذا كان غير السلطان وكنت من رعيته. واعلم أنه ما كان بينك وبين الخالق تعالى فإن عفوه قريبٌ وإنه غفورٌ رحيمٌ. أما ما يتعلق بمظالم الخلق فإنه لا يتجاوز به عنك على كل حال يوم القيامة. وخطره عظيمٌ ولا يسلم من هذا الخطر أحدٌ من الملوك إلا ملكٌ عمل بالعدل في رعيته. (للغزالي) قال المعري:
لو يعلم الإنسان مقداره ... لم يفخر المولى على عبده
لولا سجاياه وأخلاقه ... لكان كالمعدوم في وجده
ومجده أفعاله لا الذي ... من قبله كان ولا بعده
15 كان يزيد الرقاشي يقول: يا يزيد من يقوم عنك أو يصلي لك أو يترضى لك ربك إذا مت. وكان خالد بن معدان يقول:
(2/13)

إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً ... ندمت على التفريط في زمن البذر
مما ينسب لحضرة الإمام الشافعي:
إن لله عباداً فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا لفتنا
نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحيٍ وطنا
جعلوها لجةً واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
من كلام بعض الأكابر: ليس العيد. لمن لبس الجديد. إنما العيد لمن أمن الوعيد. سئل بعض الرهبان متى عيدكم. فقال: يوم لا نعصي الله سبحانه وتعالى فذلك عيدنا. ليس العيد لمن لبس الملابس الفاخرة. إنما العيد لمن أمن عذاب الآخرة. ليس العيد لمن لبس الرقيق. إنما العيد لمن عرف الطريق. (لبهاء الدين) 16 قال أبو العتاهية:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
وقال الآخر:
إعمل وأنت من الدنيا على حذرٍ ... وأعلم بأنك بعد الموت مبعوث
واعلم بأنك ما قدمت من عملٍ ... يحصى عليك وما خلفت موروث
وقال غيره:
إحزن على أنك لا تحزن ... ولا تسئ إن كنت لا تحسن
وأضعف عن الشر كما تدعي ... ضعفاً عن الخير وقد يمكن
(2/14)

قال الحسن: بادروا بالعمل الصالح قبل حلول الأجل. فإن لكم ما أمضيتم لا ما أبقيتم

العجاج والأعرابي
17 خرج الحجاج ذات يومٍ فأصحر وحضر غداؤه. فقال: اطلبوا من يتغدى معنا. فطلبوا فلم يجدوا إلا أعرابياً في شملةٍ فأتوه به. قال له: هلم. قال له: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته. قال: ومن هو. قال: الله تبارك وتعالى دعاني إلى الصيام فأنا صائمٌ. قال: صومٌ في مثل هذا اليوم على حرٍ. قال: صمت ليومٍ هو أحر منه. قال: فافطر اليوم وتصوم غداً. قال: أو يضمن لي الأمير أن أعيش إلى غدٍ. قال: ليس ذلك إلي. قال: فكيف تسألني عاجلاً بآجل ليس لي إليه سبيلٌ. قال: إنه طعامٌ طيبٌ. قال: والله ما طيبه خبازك ولا طباخك ولكن طيبته العافية. قال الحجاج: تالله ما رأيت كاليوم. (لابن عبد ربه)

الصلاة
18 إن الصلاة عماد الدين وعصام اليقين ورأس القربات وغرةً الطاعات. قال بعضهم: إن الصلاة تمسكن وتواضعٌ وتضرعٌ وتأوه وتنادمٌ. ورؤى عن الله سبحانه في الكتب السالفة أنه قال: ليس كل مصل أتقبل صلاته. إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتكبر على عبادي وأطعم الفقير الجائع لوجهي. (أحياء علوم الدين للغزالي) .
(2/15)

تفقد هشامٌ بعض ولده لم يخضر الجمعة فقال: ما منعك من الصلاة. قال: نفقة دابتي. قال: أفعجزت عن المشي. فمنعه الدابا سنةً. (لأبي الفرج)
خسر الذي ترك الصلاة وخابا ... وأبى معاداً صالحاً ومآبا
إن كان يجحدها فحسبك أنه ... أضحى بربك كافراً مرتابا
أو كان يتركها لنوع تكاسلٍ ... غطى على وجه الصواب حجابا
19 (بيان اختلاف الخلق في لذاتهم) . أنظر إلى الصبي في أول حركته وتميزه فإنه يظهر فيه غريزةٌ بها يستلذ اللعب حتى يكون ذلك عنده ألذ من سائر الأشياء. ثم يظهر فيه بعد ذلك استلذاذ اللهو ولبس الثياب الملونة وركوب الدواب الفارهة فيستخف معه اللعب بل يستهجنه. ثم يظهر فيه بعد ذلك لذة الزينة والمنزل والخدم فيحتقر ما سواها لها. ثم يظهر فيه بعد ذلك لذة الجاه والرئاسة والتكاثر من المال والتفاخر بالأعوان والأتباع والأولاد وهذا آخر لذات الدنيا. وإلى هذه المراتب أشار القائل: إنما حياة الدنيا لعب ولهوٌ وزينةٌ وتفاخرٌ. ثم بعد ذلك فقد تظهر لذة العلم بالله تعالى والقرب منه والمحبة له والقيام بوظائف عباداته وترويح الروح بمناجاته فيستحقر معها جميع اللذات السابقة ويتعجب من المنهمكين فيها. وكما أن طالب الجاه والمال يضحك من لذة الصبي باللعب بالجوز مثلا كذلك صاحب المعرفة والمحبة يضحك من لذة
(2/16)

الطالب الجاه والمال. وانتهى بوصوله إلى ذلك.

لذات الجنة
20 جاء في الحديث إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ. (لبهاء الدين) قال بعضهم:
ألا قل لسكان وادي الحمى ... هنيئاً لكم في الجنان الخلود
أفيضوا علينا من الماء فيضاً ... فنحن عطاشٌ وأنتم ورود

الباب الثاني في الزهد
حد الزهد
21 قيل للزهري ما الزهد. قال: أما أنه ليس تشعيث اللمة ولا قشف الهيئة. ولكنه صرف النفس عن الشهوة. وقيل لآخر: ما الزهد في الدنيا قال: أن لا يغلب الحرام صبرك. ولا الحلال شكرك وقيل لمحمد بن واسعٍ: من أزهد الناس في الدنيا. قال: من لا يبالي بيد من كانت الدنيا. وقيل للخليل بن أحمد: من أزهد الناس في الدنيا. قال: من لم يطلب المفقود حتى يفقد الموجود. (لابن عبد ربه)
(2/17)

ذلة الدنيا
22 قال بعض الحكماء: الدنيا كالماء المالح كلما ازداد صاحبه شرباً ازداد عطشاً. وكالكأس من العسل في أسفله السم فللذائق منه حلاوةٌ عاجلةٌ وفي أسفله الموت الذعاف. وكأحلام النائم التي تفرحه في منامه فإذا استيقظ انقطع الفرح. وكالبرق الذي يضيء قليلاً ويذهب وشيكاً ويبقى راجيه في الظلام مقيماً. وكدودة الإبريسم التي لا يزداد الإبريسم على نفسها لفاً إلا ازدادت من الخروج بعداً وفيه قيل:
كدودٌ كدود القز ينسج دائماً ... ويهلك غماً وسط ما هو ناسجه

الراهب والمسافر
23 قال وهب بن منبهٍ: صحب رجلٌ بعض الرهبان سبعة أيام ليستفيد منه شيئاً فوجده مشغولاً عنه بذكر الله تعالى والفكر لا يفتر. فالتفت إليه في اليوم السابع فقال: يا هذا قد علمت ما تريد. حب الدنيا رأس كل خطيئةٍ والزهد في الدنيا رأس كل خيرٍ. فاحذر رأس كل خطيةٍ وارغب في رأس كل خيرٍ. وتضرع إلى ربك أن يهب لك تاج كل خيرٍ. قال: فكيف أعرف ذلك. قال: كان جدي رجلاً من الحكماء قد شبه الدنيا بسبعة أشياء فشبهها بالماء الملح يغر ولا يروي. ويضر ولا ينفع. وبالبرق الخلب يغر ولا ينفع. وبسحاب الصيف يمر ولا ينفع. وبظل الغمام يغر ويخذل.
(2/18)

وبزهر الربيع ينضر. ثم يصفر فتراه هشيماً. وبأحلام النائم يرى السرور في منامه فإذا استيقظ لم يكن في يده إلا الحسرة. وبالعسل المشوب بالسم الزعاف يغر ويقتل 24 كتب علي بن أبي طالب إلى سليمان إنما مثل الدنيا كمثل الحية لينٌ لمسها ويقتل سمها. فأعرض عنها وعما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها. ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها. وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكره منها. فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرورٍ أشخص منها إلى مكروهٍ. وقال أبو العتاهية:
هي الدار دار الأذى والقذى ... ودار الغرور ودار الغير
فلو نلتها بحذافيرها ... لمت ولم تقض منها الوطر
أيا من يؤمل طول الحياة ... وطول الحياة عليه خطر
إذا ما كبرت وبان الشباب ... فلا خير في العيش بعد الكبر
من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين:
حلاوة دنياك مسمومةٌ ... فما تأكل الشهد إلا بسم
فكن موسراً شئت أو معسراً ... فما تقطع الدهر إلا بهم
إذا تم أمرٌ بدا نقصه ... توقع زوالاً إذا قيل تم
25 قال حكيمٌ لبعض أصحابه: تريد أن أريك الدنيا. فقال: نعم. فأخذ بيده وانطلق حتى وقف به على مزبلةٍ فيها رؤوس الآدميين ملقاةٌ. وبقايا عظام نخرةٍ وخرقٍ قد تمزقت وتلوثت بنجاساتٍ. فقال:
(2/19)

هذه رؤوس الناس التي تراها كانت مثل رؤوسكم كانت مملؤةً من الحرص والاجتهاد على جمع الدنيا. وكانوا يرجون من طول الأعمار ما ترجون. وكانوا يجدون في جمع المال وعمارة الدنيا كما تجدون. فاليوم نعرت عظامهم وتلاشت أجسامهم كما ترى. وهذه الخرق كانت أثوابهم التي كانوا يتزينون بها عند التجمل وقت الرعونة والتجمل والتزين. فاليوم قد ألقتها الريح في النجاسات. وهذه عظام دوابهم التي كانوا يطوفون أقطار الأرض على ظهورها. وهذه النجاسات كانت أطعمتهم اللذيذة التي كانوا يحتالون في تحصيلها لا يقربها أحد من نتنها. فهذه جملة أحوال الدنيا كما تشاهد وترى. فمن أراد أن يبكي على الدنيا فلبيك فإنها موضع البكاء.. (قال) فبكى جماعة الحاضرين ولله الحريري حيث قال:
يا طالب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت عداً تباً لها من دار
غاراتها لا تنقضي وأسيرها ... لا يفتدى بجلائل الأخطار
فأقطع علائق حبها وطلابها ... تلق الهدى ورفاهة الأسرار
26 مثل أهل الدنيا واشتغالهم واهتمامهم بأحوالها ونسيان الآخرة وإهمالها كمثل قوم ركبوا مركباً في البحر فعدلوا إلى جزيرةٍ لأجل قضاء الحاجة. فنزلوا إلى الجزيرة والملاح يناديهم لا تطيلوا المكث
(2/20)

لئلا يفوت الوقت ولا تشتغلوا بغير الصلاة فإن المركب سائرٌ. فمضوا وتفرقوا في الجزيرة وانتشروا في نواحيها فالعقلاء منهم لم يمكثوا وعادوا إلى المركب. فوجدوا الأماكن خاليةً فجلسوا في أطهر أماكنه وأوفقها. وأطيب مواضعه وأرفقها. ومنهم قوم نظروا إلى عجائب تلك الجزيرة. ووقفوا يتنزهون في زهرها وأثمارها. وروضها وأشجارها. ويسمعون ترنم أطيارها. ويتعجبون من حصبائها الملونة وأحجارها. فلما عادوا إلى المركب لم يجدوا فيه موضعاً ولا رأوا متسعاً. فقعدوا في أضيق مواضعه وأظلمها. ومنهم قومٌ وقفوا مع عجائب تلك الجزيرة فتحيروا. وفي الرجوع لم يتفكروا. حتى سار المركب فبعدوا عنه وانقطعوا وفي أماكنهم تخلفوا. إذ لم يصغوا إلى المنادي ولم يسمعوا فمنهم من هلك من الجوع ومنهم من أكلته السباع. ونهشته الضباع. فالقوم المتقدمون هم المؤمنون المتقون. والقوم المتخلفون الهالكون هم الذين نسوا الله ونسوا الآخرة وسلموا كليتهم إلى الدنيا وركنوا إليها واستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. وأما الجماعة المتوسطون فهم العصاة الذين حفظوا أصل الإيمان ولكنهم لم يكفوا يدهم عن الدنيا. فمنهم من تمتع بغناه ونعمته. ومنهم من تمتع مع فقره وحاجته. إلى أن ثقلت أوزارهم. وكثرت أوساخهم وآصارهم (للغزالي) 27 لما حضرت هشام بن عبد الملك الوفاة نظر إلى أهله يبكون
(2/21)

حوله فقال: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم له بالبكاء. وترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما حمل. ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له قال أبو العتاهية:
أيا من عاش في الدنيا طويلاً ... وأفنى العمر في قبل وفال
وأتعب نفسه فيما سيفنى ... وجمع من حرامٍ أو حلال
هب الدنيا تقاد إليك عفواً ... أليس مصير ذلك للزوال
(للطرطوشي)

زوال الدنيا
28 إعلم أن الدنيا منزلة وليست بدار قرارٍ والإنسان فيها على صورة مسافرٍ. فأول منازله بطن أمه وآخر منازله لحد قبره. وإنما وطنه وقراره ومكئه واستقراره بعدها. فكل سنةٍ تنقضي من عمر الإنسان كالمرحلة. وكل شهرٍ ينقضي منه كاستراحة المسافر في سفره. وكل أسبوع فكقريةٍ تلقاه في طريقه. وكل يوم فكفرع يقطعه. وكل نفسٍ فكخطوةٍ يخطوها. وبقدر كل نفس يتنفسه يقرب من الآخرة. وهذه الدنيا قنطرة فمن عبر القنطرة واشتغل بعمارتها فني فيها زمانه. وأنسي المنزلة التي إليها مصيره وهي مكانه. وكان جاهلاً غير عاقلٍ. وإنما العاقل الذي لا يشتغل في دنياه إلا بإعداد زاده لمعاده. ويكتفي منها بقدر حاجته. ومهما جمعه منها فوق كفايته كان سماً قاتلاً. وتمنى أن تكون جميع خزائنه وسائر
(2/22)

ذخائره فانيةً رماداً وتراباً لا فضةً وذهباً. ولو جمع مهما جمع فإنما يصيبه ما يأكله ويلبسه لا سواه. وجميع ما يخلفه يكون حسرةً وندامةً ويصعب عليه نزعه عند موته. فحلالها حسابٌ. وحرامها عذابٌ. إن كان قد جمع المال من حلال طلب منه الحساب. وإن كان قد جمعه من حرام أو وجب عليه العقاب. وكان أشد عليه من حسرة حلول العذاب به في حفرته وآخرته. واعلم أن راحة الدنيا أيام قلائل وأكثرها منغص بالتعب. ومشوبٌ بالنصب. وبسببها تفوت راحة الدنيا الآخرة التي هي الدائمة الباقية والملك الذي لا يفنى ولا نهاية له. فسهل على العاقل أن يصبر في هذه الأيام القلائل لينال راحة دائمة بلا انقضاء. والدنيا ليست بشيء في جنب الآخرة ولا نسبة بينهما لأن الآخرة لا نهاية لها ولا يدرك الوهم طولها. (للغزالي) 29 لما بنى المأمون بن ذي النون وكان من ملوك الأندلس قصره وأنفق في بنائه بيوت أمواله فجاء على أكمل بنيان في الأرض. وكان من عجائبه أنه صنع فيه بركة ماءٍ كأنه بحيرةٌ. وبنى في وسطها قبة وسيق الماء من تحت الأرض حتى علا إلى رأس القبة على تدبير قد أحكمه المهندسون. وكان الماء ينزل من أعلى القبة حواليها محيطاً بها متصلاً بعضه ببعض. فكانت القبة في غلالةٍ من ماء سكباً لا يفتر والمأمون قاعدٌ فيها. فروي عنه أنه بينما هو نائمٌ إذ سمع منشداً ينشد هذه الأبيات:
(2/23)

أتبني بناء الخالدين وإنما ... مقامك فيها لو عقلت قليل
قد كان في ظل الأراك كفايةٌ ... لمن كان يوماً يقتضيه رحيل
فلم يلبث بعدها إلا يسيراً حتى قضى نحبه. (للطرطوشي) قال بعض الأكابر في مرض موته من قصيدةٍ:
نمضي كما مضت القبائل قبلنا ... لسنا بأول من دعاه الداعي
تبقى النجوم دوائر أفلاكها ... والأرض فيها كل يومٍ ناع
وزخارف الدنيا يجوز خداعها ... أبداً على الأبصار والأسماع

خطبة أبي الدرداء في أهل الشام
30 لما دخل أبو الدرداء الشام قال: يا أهل الشام اسمعوا قول أخٍ لكم ناصحٍ. فاجتمعوا عليه فقال: مالي أراكم تبنون ما لا تسكنون. وتجمعون ما لا تأكلون. وتقولون ما لا تدركون. إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيداً. أملوا بعيداً. وجمعوا كثيراً. فأصبح أملهم غروراً. وجمعهم بوراً. ومساكنهم قبوراً وروى الجاحظ قال: وجد مكتوباً على حجرٍ: ابن آدم. لو رأيت يسير ما بقي من أجلك. لزهدت في طول ما ترجو من أملك. ولرغبت في الزيادة من عملك ولقصرت عن حرصك وميلك. وإنما يلقاك غداً ندمك. وقد زلت بك قدمك. وأسلمك أهلك وحشمك. وتبرأ منك القريب. وانصرف عنك الحبيب. فلا أنت في عملك زائدٌ. ولا إلى أهلك عائدٌ. (للطرطوشي)
(2/24)

قال فخر الدين البكري:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا ... وحامل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد عن بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم قد رأينا من رجالٍ ودولةٍ ... فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
قال علي بن أبي طالبٍ:
لكل اجتماع من خليلين فرقةٌ ... وإن الذي دون الفراق قليل
أرى علل الدنيا علي كثيرةً ... وصاحبها حتى الممات عليل
وإن افتقادي واحداً بعد واحدٍ ... دليلٌ على أن لا يدوم خليل
وقال أيضاً:
ألا أيها الموت الذي ليس تاركي ... أرحني فقد أفنيت كل خليل
أراك بصيراً بالذين أحبهم ... كأنك تنحو نحوهم بدليل
وقال بعض بني ضبة:
أقول وقد فاضت دموعي حرةً ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلا بي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الموت معتب
(للطرطوشي) 31 الدنيا لا تصفو لشارب. ولا تبقى لصاحب. يقال كان على قبر
(2/25)

يعقوب بنٍ ليثٍ مكتوبٌ. هذه الأبيات عملها قبل موتهٍ وأمر أن تكتب على قبره وهي هذه:
سلامٌ على أهل القبور الدوارس ... كأنهم لم يجلسوا في المجالس
ولم يشربوا من بارد الماء شربةً ... ولم يأكلوا ما بين رطبٍ ويابس
فقد جاءني الموت المهول بكسرةٍ ... فلم تنجني منه ألوف فوارس
فيا زائر القبر اتعظ واعتبر بنا ... ولاتك في الدنيا هديت بآنس
(للغزالي) قال ابن سادة:
بنو الدنيا بجهل عظموها ... فجلت عندهم وهي الحقيرة
يهارش بعضهم بعضاً عليها ... مهارشة الكلاب على العقيرة
قال الإمام عليٌ:
إذا عاش الفتى ستين عاماً ... فنصف العمر تمحقه الليالي
ونصف النصف يذهب ليس يدري ... لغفلته يميناً عن شمال
وثلث النصف آمالٌ وحرصٌ ... وشغلٌ بالمكاسب والعيال
وباقي العمر أسقامٌ وشيبٌ ... وهمٌ بارتحال وانتقال
فحب المرء طول العمر جهلٌ ... وقسمته على هذا المثال
32 يا أيها الرجل لا تخدعن كما خدع من قبلك. فإن الذي أصبحت فيه من النعم إنما صار إليك بموت من كان قبلك وهو خارج من يدك مثل ما صار إليك. فلو بقيت الدنيا للعالم لم تصر للجاهل. ولو
(2/26)

بقيت للأول لم تنتقل للآخر. يا أيها الرجل لو كانت الدنيا كلها ذهباً وفضةً ثم سلمت عليك بالخلافة وألقت إليك مقاليدها وأفلاذ كبدها ثم كنت طريدة للموت ما كان ينبغي لك أن تتهنأ بعيشٍ. لا فخر فيما يزول ولا غنى فيما يفنى.
33 قال مالك بن أنسٍ: ركب ملكٌ يوماً في ري عظيم فتشرف له الناس ينظرون إليه أفواجاً حتى مر برجل يعمل شيئاً مكباً عليه لا يلتفت إليه ولا يرفع رأسه. فوقف الملك عليه وقال: كل الناس ينظرون إلي إلا أنت. فقال الرجل: إني رأيت ملكا مثلك وكان على هذه القرية فمات هو ومسكينٌ فدفن إلى جانبه في يوم واحدٍ وكنا نعرفهما في الدنيا بأجسادهما. ثم كنا نعرفهما بقبريهما. ثم نسفت الريح قبريهما وكشفت عنهما فاختلطت عظامهما فلم أعرف الملك من المسكين. فلذلك أقبلت على عملي وتركت النظر إليك. وقد قيل في المعنى:
وحقك لو كشفت الترب عنهم ... لما عرف الغني من الفقير
ولا من كان يلبس ثوب شعرٍ ... ولا البدن المنعم بالحرير
قال التهامي:
وإنا لفي الدنيا كركب سفينةٍ ... نظن وقوفاً والزمان بنا يجري
وقال الآخر:
لا تخدعنك بعد طول تجارب ... دنيا تغر بوصلها وستقطع
(2/27)

أحلام نومٍ أو كظل زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع
34 إن سليمان بن عبد الملك لبس أفخر ثيابه ومس أطيب طيبه ونظر في مرآة فأعجبته نفسه وقال: أنا الملك الشاب. وخرج إلى الجمعة وقال لجاريته: كيف ترين. فقالت:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيبٌ ... عابه الناس غير أنك فان
فأعرض بوجهه ثم خرج وصعد النبر وصوته يسمع آخر المسجد. ثم ركبته الحمى فلم يزل صوته ينقص حتى لم يسمعه من حوله. فصلى ورجع فلم تدر عليه الجمعة الأخرى إلا وهو في قبره.
أنشد القاضي أبو العباس الجرجاني هذه الأبيات:
بالله ربك كم قصر مررت به ... قد كان يعمر بالذات والطرب
طارت عقاب المنايا في جوانبه ... فصاح من بعده بالويل والحرب
اعمل وكن طالباً للرزق في دعةٍ ... فلا وربك ما الأرزاق بالطلب
وأنشد أيضاً:
أيها الرابع البناء رويداً ... لن تذود المنون عنك المباني
إن هذا البناء يبقى وتفنى ... كل شيءٍ أبقى من الإنسان
قال بعض الحكماء: أيها الناس إن الأيام تطوى. والأعمار تفنى. والأبدان في الثرى تبلى. وإن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد. يقربان كل بيعدٍ. ويخلقان كل جديد. (للطرطوشي)
(2/28)

35 قال حكيمٌ: وجدت مثل الدنيا والمغرور بالدنيا المملوءة آفات مثل رجل ألجأه خوفٌ إلى نئرٍ تدلى فيها وتعلق بغصنين نابتين على شفير البئر. ووقعت رجلاه على شيءٍ فمدهما فنظر فإذا بحيات أربع قد أطلعن رؤوسهن من جحورهن. ونظر إلى أسفل البئر فإذا بثعبان فاغرٍ فاه نحوه. فرفع بصره إلى الغصن الذي يتعلق به فإذا في أصله جرذان أبيض وأسود يقرضان الغصن دائبين لا يفتران. فبينماً هو مهتمٌ بنفسه ابتغاء الحيلة في نجاته إذ نظر فإذا بجانبٍ منه حجر نحلٍ قد وضعن شيئاً عن عسلٍ فتطاعم منه فوجد حلاوته. فشغلته عن الفكر في أمره والتماس النجاة لنفسه. ولم يذكر أن رجليه فوق أربع حيات لا يدري من تساوره منهن وأن الجرذين دائبان في قرض الغصن الذي يتعلق به وأنهما إذا أوقعاه وقع في لهوات التنين. ولم يزال لاهياً غافلاً حتى هلك. قال الحكيم: فشبهت الدنيا المملوءة آفات وشروراً ومخاوف بالبئر. وشبهت الحياة الأربع بالأخلاط الأربع التي في جسد الإنسان من المرتين والبلغم والدم. وشبهت الغصن الذي تعلق به بالحياة. وشبهت الجرذين الأبيض والأسود الذين يقرضان الغصن دائبين لا يفنران بالليل والنهار ودورانهما في إفناء الأيام والآجال. وشبهت الثعبان الفاغر فاه بالموت الذي لا بد منه. وشبهت العسلة التي تطاعمها بالذي يرى الإنسان ويسمع ويلبس فيلهيه ذلك عن عاقبة أمره. (لابن عبد ربه) .
(2/29)

36 جاذب رجلٌ من كنانة أبا العتاهية في شيءٍ ففخر عليه الكناني واستطال بقوم من أهله فقال أبو العتاهية:
دعني من ذكر أبٍ وجد ... ونسبٍ يعليك سوء المجد
ما الفخر إلا في التقى والزهد ... وطاعةٍ تعطي جنان الخلد
(للأصبهاني) 37 قال غانمٌ الوراق: دخلت على أبي نواس قبل وفاته بيومٍ فقال لي: أمعك ألواحك. قلت: نعم. قال اكتب:
دب في السقام سفلاً وعلوا ... وأراني أموت غضواً فعضوا
ليس تمضي من لحظةٍ لي إلا ... نقصتني بمرها بي جزوا
ذهبت حدتي بطاعة نفسي ... وتذكرت طاعة الله نضوا
لهف نفسي على ليالٍ وأيا ... م تجاوزتهن لعباً ولهوا
قد أسأنا كل الإساءة فاللهم ... صفحاً عنا وغفراً وعفوا
(للشريشي)

نوائب الدهر
38 لما نزل سعد بن أبي وقاص الحيرة قيل له: ههنا عجوزٌ من بنات الملوك يقال لها الحرقة بنت النعمان بن المنذر. وكانت من أجل عقائل العرب. وكانت إذا خرجت إلى بيعتها نشرت عليها ألف قطيفة خزٍ وديباج ومعها ألف وصيفٍ. فأرسل إليها سعد فجاءت كالشن البالي. فقالت: يا سعد كنا ملوك هذا المصر قبلك. يجبى
(2/30)

إلينا خراجه ويطيعنا أهله مدةً من المدد. حتى صار بنا صائح الدهر فشتت ملأنا. والدهر ذو نوائب وصروفٍ. فلو رأيتنا في أيامنا لأرعدت فرائصك فرقاً منا. فقال لها سعدٌ: ما أنعم ما تنعمتم به. قال: سعة الدنيا علينا وكثرة الأصوات إذا دعونا. ثم أنشأت تقول:
وبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقةٌ ليس ننصف
فتباً لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تاراتٍ بنا وتصرف
ثم قالت: يا سعد إنه لم يكن أهل بيتٍ بخيرٍ إلا والدهر يعقبهم حسرةً حتى أمر الله على الفريقين. فأكرمها سعد وأمر بردها (للطرطوشي) قال بعضهم:
يعاندني دهري كأني عدوه ... وفي كل يوم بالكريهة يلقاني
وإن رمت خيراً جاء دهري بضده ... وإن يصف لي يوماً تكدر في الثاني
39 قال ابن المعتز:
يا دهر ويحك قد أكثرت فجعاتي ... شغلت أيام دهري بالمصيبات
ملأت ألحاظ عيني كلها مزناً ... فأين لهوي وأحبابي ولذاتي
حمداً لربي وذماً للزمان فما ... أقل في هذه الدنيا ملذاتي
قال غيره:
ألا إنما الدنيا كظل سحابةٍ ... أظلتك يوماً ثم عنك اضمحلت
(2/31)

قال غيره:
ألا إنما الدنيا كظل سحابةٍ ... أظلتك يوماً ثم عنك اضمحلت
فلا تك فرحاناً بها حين أقبلت ... ولا تك جزعاناً بها حين ولت
وقال آخر:
عريت من الشباب وكنت غصناً ... كما يعرى من الورق القضيب
ونحت على الشباب بدمع عيني ... فما نفع البكاء ولا النحيب
فيا ليت الشباب يعود يوماً=فأخبره بما فعل المشيب وأنشد آخر:
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها ... فكيفما انقلبت يوماً به انقلبوا
يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت ... عليه يوماً بما لا يشتهي وثبوا
40 قال ذو الكلاح الحميري في الدنيا:
إن صفا عيش امرئ في صبحها ... جرعته ممسياً كأس الردى
ولقد كنت إذا ما قيل من ... أنعم العالم عيشاً قيل ذا
قال أبو بكر الأرجاني:
يقصد أهل الفضل دون الورى ... مصائب الدنيا وآفاتها
كالطير لا يحبس من بينها ... إلا التي تطرب أصواتها
كتب البحتري إلى أحد أصحابه وكان معتقلاً في السجن:
وما هذه الأيام إلا منازلٌ ... فمن منزل رحبٍ إلى منزلٍ ضنك
وقد هذبتك النائبات وإنما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك
أما في رسول الله يوسف أسوةٌ ... لمثلك محبوساً على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهةً ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك
(2/32)

قال محمد بن الفضل:
هانت الدنيا على الل ... هـ فأعطاها اللئاما
فهم فيها يعيشو ... ن ويلحون الكراما

ذكر الموت
41 كان في بلاد الروم مما يلي أرض الأندلس رجلٌ نصرانيٌ قد بلغ في التخلي من الدنيا مبلغاً عظيماً. واعتزل الخلق ولزم قلل الجبال والسياحة في الأرض إلى الغاية القصوى. فورد على المستعين بن هودٍ في بعض الأمر فأكرمه ابن هود. ثم أخذ بيده وجعل يعرض عليه ذخائر ملكه وخزائن أمواله وما حوته من البيضاء والحمراء وأحجار الياقوت والجواهر وأمثالها ونفائس الأعلاق والجواري والحشم والأجناد والكراع والسلاح. فأقام على ذلك أياماً فلما انقضى قال له: كيف رأيت ملكي. قال: رأيت ملكك ولكنه تعوزك فيه خصلةٌ إن أنت قدرت عليها تم انتظام ملكك. وإن لم تقدر عليها فهذا الملك شبه لا شيءٍ. قال: وما هي الخصلة. قال: تعمد فتصنع غطاءً عظيماً حصيناً قوياً وتكون مساحته قدر البلد. ثم تركبه على البلد حتى لا يجد ملك الموت مدخلاً إليك. فقال المستعين: سبحان الله أو يقدر البسر على مثل هذا. فقال العلج: يا هذا أفتفتخر بأمر تتركه غداً. ومثال من يفتخر بما يفنى كمن يفتخر بما يراه في النوم.. (سراج الملوك للطرطوشي)
(2/33)

قال المتنبي:
نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بد من شربه
يموت راعي الضأن في جهله ... ميتة جالينوس في طبه
قال أبو العتاهية:
وأرى الطبيب بطبه ودوائه ... لا يستطيع دفاع مكروهٍ أتى
ما للطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبرئ منه فيما قد مضى
ذهب المداوي والمداوى والذي ... جلب الدواء وباعه ومن اشترى
قال ابن العربي وتذكر الأحبة في القبور:
ضمت لنا آرامنا الآراما ... فكأن ذاك العيش كان مناما
يا واقفين على القبور تعجبوا ... من قائمين كيف صاروا نياما
تحت التراب موسدين اكفهم ... قد عاينوا الحسنات والآثاما
لا يوقظون فيخبرون بما رأوا ... لا بد من يومٍ يكون قياما
وجد على قبرٍ:
قف واعتبر يا من ترى ... قبري وما بي قد جرى
بالأمس كنت نظيركم ... واليوم أبراني البرى
قل ربنا ألطف بنا ... وأرحم عظاماً في الثرى
قال أبو العتاهية:
تعلقت بآمال ... طوالٍ أي آمال
وأقبلت على الدنيا ... ملحاً أي إقبال
(2/34)

أيا هذا تجهز ... لفراق الأهل والمال
فلا بد من الموت ... على حال من الحال
43 قال الأصمعي: صنع الرشيد طعاماً وزخرف مجالسه وأحضر أبا العتاهية وقال له: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا. فقال أبو العتاهية:
عش ما بدا لك سالماً ... في ظل شاهقة الفضور
فقال الرشيد: أحسنت ثم ماذا. فقال:
يسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرواح أو البكور
فقال: حسنٌ ثم ماذا. فقال:
فإذا النفوس تقعقعت ... في ظل حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً ... ما كنت إلا في غرور
فبكى الرشيد. فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسيره فحزنته. فقال الرشيد. دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا بنه.. (للفخري) 44 أنشد أبو العتاهية:
الموت بين الخلق مشترك ... لا سوقةٌ يبقى ولا ملك
ما ضر أصحاب القليل وما ... أغنى عن الأملاك ما ملكوا
وقال أيضاً:
لا تأمن الموت في طرفٍ ولا نفس ... إذا تسترت بالأبواب والحرس
(2/35)

واعلم بأن سهام الموت قاصدةٌ ... لكل مدرع منا ومترس
ولله در من قال:
أتعمى عن الدنيا وأنت بصير ... وتجهل ما فيها وأنت خبير
وتصبح تبنيها كأنك خالدٌ ... وأنت غداً عما بنيت تسير
وترفع في الدنيا بناء مفاخر ... ومثواك بيتٌ في القبور صغير
ودونك فاصنع كلما أنت صانعٌ ... فإن بيوت الميتين قبور
قال عمر بن عبدٍ العزيز:
أنظر لنفسكٍ يا مسكين في مهلٍ ... ما دام ينفعك التفكير والنظر
قف بالمقابر وانظر إن وقفت بها ... لله درك ماذا تستر الحفر
45 قال محمد بن بشير:
ويلٌ لمن لم يرحم الله ... ومن تكون النار مثواه
والويل لي من كل يوم أتى ... يذكرني الموت وأنساه
كأنه قد قيل في مجلسٍ ... قد كنت آتية وأغشاه
سار البشيري إلى ربه ... يرحمنا الله وإياه
قال ابن عبد ربه:
أصبح القبر مضجعي ... ومحلي وموضعي
صرعتني الحتوف في الت ... رب يا ذل مصرعي
أين إخواني الذي ... ن إليهم تطلعي
(2/36)

مت وحدي فلم يمت ... واحدٌ منهم معي
قال بديع الزمان:
إنما الدنيا غرورٌ ... ولمن أصغى نصيح
ولسان الدهر بالوع ... ظ لواعيه فصيح
ونحن لاهون وآجا ... ل المنايا لا تريح
46 قال رجلٌ لأبي الدرداء: ما لنا نكره الموت. فقال: لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم. فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب. (لبهاء الدين) مما وجد على قبرٍ:
تناجيك أجداثٌ وهن سكوت ... وسكانها تحت التراب خفوت
أيا جامع الدنيا لغير بلاغةٍ ... لمن تجمع الدنيا وأنت تموت
قال بعضهم:
يا خالط الدين بالدنيا وباطلها ... ترضى بدنياك شيئاً ليس يسواه
حتى متى أنت في لهوٍ وفي لعبٍ ... والموت نحوك يهوي فاتحاً فاه
قال آخر:
تروى من الدنيا فإنك راحل ... واعلم بأن الموت لا شك نازل
نعيمك في الدنيا غرورٌ وحسرةٌ ... وعيشك في الدنيا محالٌ وباطل
ألا إنما الدنيا كمنزل راكبٍ ... أناخ عشياً وهو في الصبح راحل
(2/37)

47 وقال بعض الشعراء:
جزى الله عنا الموت خيراً فإنه ... أبر بنا من كل برٍ وأرأف
يعجل تخليص النفوس من الأذى ... ويدني من الدار التي هي أشرف
دخل العتبي المقابر فأنشأ يقول:
سقياً ورعياً لإخوان لنا سلفوا ... أفناهم حدثان الدهر والأبد
نمدهم كل يومٍ من بقيتنا ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد
48 كان علي بن أبي طالبٍ إذا دخل المقبرة قال: السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة. والمحال المقفرة. من المؤمنين والمؤمنات. اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز بعفوك عنا وعنهم. ثم يقول: الحمد لله الذي جعل لنا الأرض كفاتاً أحياءً وأمواتاً. والحمد لله الذي منها خلقنا وإليها معادنا وعليها محشرنا. طوبي لمن ذكر المعاد وعمل الحسنات وقنع بالكفاف ورضي عن الله عز وجل. (لابن عبد ربه) 49 الأيام خمسةٌ يومٌ مفقودٌ. ويومٌ مشهودٌ. ويومٌ مورودٌ. ويومٌ موعودٌ. ويومٌ ممدودٌ. فالمفقود أمسك الذي فاتك مع ما فرطت فيه. والمشهود يومك الذي أنت فيه فتزود فيه من الطاعات. والمورود هو غدك لا تدري هل هو من أيامك أم لا. والموعود هو آخر أيامك من أيام الدنيا فاجعله نصب عينك. والممدود هو آخرتك وهو يومٌ لا انقضاء له. فاهتم له غاية اهتمامك فإنه إما نعيم دائم أو عذابٌ مخلدٌ.
(2/38)

50 جاء في النهج: أيها الناس إنما الدنيا دار مجازٍ والآخرة دار قرار فخذوا من ممر كم لمقركم. ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم. وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم. ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم.. (لبهاء الدين) كم من ليالٍ أحييتها بتكرار العلم ومطالعة الكتب. وحرمت على نفسك النوم. لا أعلم ما كان الباعث فيه. فإن كان نيتك غرض الدنيا وجذب حطامها وتحصيل مناصبها والمباهاة في الأقران والأمثال فويلٌ لك ثم ويل لك. وإن كان قصدك فيه تهذيب أخلاقك وكسر النفس الأمارة بالسوء فطوبى لك ثم طوبى لك. ولقد صدق من قال:
سهر العيون لغير وجهك ضائعٌ ... وبكاؤهن لغير فقدك باطل
(أيها الولد للغزالي) وكان آخر ما قاله ذو الرمة:
يا رب قد أشرفت نفسي وقد علمت ... علما يقيناً لقد أحصيت آثاري
يا مخرج الروح من جسمي إذا احتضرت=وفارج الكرب زحزحني عن النار

في الخوف
سئل ابن عباسٍ عن الخائفين لله. فقال: هم الذين صدقوا
(2/39)

الله في مخافة وعيده. قلوبهم بالخوف قرحةٌ وأعينهم على أنفسهم باكيةٌ. ودموعهم على خدودهم جاريةٌ. يقولون كيف نفرح والموت من ورائنا. والقبور من أمامنا. والقيامة موعدنا. وعلى جهنم طريقنا. وبين يدي ربنا موقفنا. وقال عليٌ: ألا إن عباد الله المخلصين لمن رأى أهل الجنة فاكهين وأهل النار في النار معذبين. شرورهم مأمونةٌ. وقلوبهم محزونةٌ. وأنفسهم عفيفةٌ. وحوائجهم خفيفةٌ. صبروا أياماً قليلةً لعقبى راحةٍ طويلةٍ. قال الحسن: عجباً لمن خاف العقاب ولم يكف. ولم رجا الثواب ولم يعمل. (لابن عبد ربه)

في التوبة
52 لما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة قال: اللهم إنك أمرتني فقصرت. ونهيتني فعصيت. وأنعمت علي فأفضلت. فإن عفوت فقد مننت. وإن عاقبت. فما ظلمت.
قال بعضهم:
إنك في دارٍ لها مدةٌ ... يقبل فيها عمل العامل
أما ترى الموت محيطاً بها ... يقطع فيها أمل الآمل
تعجل الذنب بما تشتهي ... وتأمل التوبة من قابل
والموت يأتي بعد ذا غفلة ... ماذا يفعل الحازم العاقل
قال لقمان لابنه: يا بني اجعل خطايا بين عينيك إلى آن
(2/40)

تموت. وأما حسناتك فاله عنها فإنه قد أحصاها من لا ينساها 53 حكى أنه حاك بعض العارفين ثوباً وتأنق في صنعته. فلما باعه رد عليه بعيوبٍ فيه فبكى. فقال المشتري: يا هذا لا تبك فقد رضيت به. فقال: ما بكائي لذلك بل لأني بالغت في صنعته وتأنقت في جهدي فرد علي بعيوب كانت خفيةً علي. فأخاف أن يرد علي عملي الذي أنا عملته منذ أربعين سنة. (لبهاء الدين) 54 إسمع مني كلاماً تفكر فيه حتى تجد خلاصاً. لو أنك أخبرت أن السلطان بعد الأسبوع يجيئك زائراً فأنا أعلم أنك في تلك المدة لا تشتغل إلا بإصلاح ما علمت أن نظر السلطان سيقع عليه من الثياب والبدن والدارٍ والفراش وغيرها. والآن تفكر إلى ما أشرت به فإنك فهم ذكي والكلام الفرد يكفي الكيس والعاقل تكفيه الإشارة. إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم. (أيها الولد للغزالي) 55 من خطب علي بن أبي طالبٍ: أيها الناس لا تكونوا ممن خدعته الدنيا العاجلة وغرته الأمنية واستهوته البدعة فركن إلى دارٍ سريعة الزوال وشيكة الانتقال. إنه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكبٍ أو صرة حالب فعلام تعرجون وماذا تنتظرون. فكأنكم وبما أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل. فخذوا الأهبة لأزوف النقلة
(2/41)

وأعدوا الزاد لقرب الرحلة. واعلموا أن كل امرئٍ على قدمٍ قادمٌ. وعلى ما خلف نادمٌ.
56 (ومن خطبةٍ له) . أيها الناس حلوا أنفسكم بالطاعة. وألبسوا قناع المخافة. واجعلوا آخرتكم لأنفسكم. وسعيكم لمستقركم. وأعلموا أنكم عن قليل راحلون. وإلى الله صائرون. ولا يغني عنكم هنا لك إلا صالح عملٍ قد متموه. أو حسن ثوابٍ حزتموه. إنكم إنما تقدمون على ما قدمتم. وتجازون على ما أسلفتم. فلا تخدعنكم زخارف دنيا دنيةٍ. عن مراتب جنانٍ عليهٍ. فكأن قد انكشف القناع وارتفع الأرتياب. ولاقى كل امرئٍ مستقره وعرف مثواه ومنقلبه قال بعضهم:
آن يا ذلي ويا خجلي ... إن يكن مني دنا أجلي
لو بذلت الروح مجتهداً ... ونفيت النوم من مقلي
كنت بالتقصير معترفاً ... خائفاً عن خيبة الأمل
فعلى الرحمان متكلي ... لا على علمي ولا عملي
57 قال بعض العارفين: إذا كان أبونا آدم بعد ما قيل له: أسكن أنت وزوجك الجنة. صدر منه ذنب واحد فأمر بالخروج من الجنة. فكيف نرجو نحن دخولها مع ما نحن مقيمون عليه من الذنوب المتابعة والخطايا المتواترة. (لبهاء الدين) اجعل الهمة في الروح والهزيمة في النفس والموت في البدن لأن
(2/42)

منزلك القبر. فأهل المقابر ينظرونك في كل لحظةٍ حتى تصل إليهم. إياك إياك أن تصل إليهم بلا زادٍ.
قال شاعرٌ:
يا ذا الذي ولدتك أمك باكياً ... والناس حولك يضحكون سرورا
احرص على عملٍ تكون به متى ... يبكون حولك ضاحكا مسرورا
58 روي أن الحسن البصري أعطي شربة ماءٍ باردٍ. فلما أخذ القدح غشيٍ على عقله وسقط من يده. فلما أفاق قيل له: ما بالك يا أبا سعيدٍ. قال: إني ذكرت أمنية أهل النار حين يقولون لأهل الجنة: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا: إن الله حرمهما على الكافرين.
روي في وصايا لقمان الحكيم لابنه أنه قال: يا بني لا يكونن الديك أكيس منك. ينادي وقت السحر وأنت نائمٌ. لقد أحسن من قال:
لقد هتفت في جنح ليلٍ حمامةٌ ... على فننٍ وهناً وإني لنائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقاً ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم
وأزعم أني هائمٌ ذو صبابةٍ ... لربي ولا أبكي وتبكي البهائم

دعاء
59 اللهم إني أسألك من النعمة تمامها. ومن العصمة دوامها. ومن الرحمة شمولها. ومن العافية حصولها. ومن العيش أرغده. ومن
(2/43)

العمر أسعده. ومن الإحسان أتمه. ومن الإنعام أعمه. ومن الفضل أعذبه. ومن اللطف أنفعه. اللهم كن لنا ولا تكن علينا. اللهم اختم بالسعادة آجالنا. وحقق بالزيادة آمالنا. وأقرن بالعافية غدونا وآصالنا. واجعل إلى رحمتك مصيرنا ومرجعنا. وصب سجال عفوك على ذنوبنا. ومن علينا بإصلاح عيوبنا. وأجعل التقوى زادنا. وفي دينك اجتهادنا. وعليك توكلنا واعتمادنا. ثبتنا على نهج الاستقامة. وأعذنا في الدنيا من موجبات الندامة. يوم القيامة. وخفف عنا ثقل الأوزار. وارزقنا عيشة الأبرار. واكفنا وأصرف عنا شر الأشرار. وأعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وعشيرتنا من عذاب القبر ومن النيران. برحمتك يا أرحم الراحمين. (أيها الولد للغزالي)

المراثي
60 قال الأصبهاني في الأغاني: لما رأى الفلاسفة تابوت الإسكندر وقد أخرج ليدفن قال بعضهم: كان الملك أمس أهيب منه اليوم. وهو اليوم أوعظ منه أمس. وقال آخر: سكنت حركة الملك في لذاته. وقد حركنا اليوم في سكونه جزعاً لفقده. وهذان المعنيان أخذهما أبو العتاهية برثاء ابنه عليٍ قال:
بكيتك يا علي بدمع عيني ... فما أغنى البكاء عليك شيئاً
وكانت في حياتك لي عظاتٌ ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا
قال ابن عبد ربه في ولدٍ مات له:
(2/44)

بليت عظامك والأسى يتجدد ... والصبر ينفد والبكا لا ينفد
يا غائباً لا يرتحى لإيابه ... ولقائه دون القيامة موعد
ما كان أحسن ملحداً ضمنته ... لو كان ضم أباك ذاك الملحد
باليأس أسلو عنك لا بتجلدي ... هيهات أين من الحزين تجلد
67 قال ابن الأحنف يرثي ابنه:
ولما دعوت الصبر بعدك والأسى ... أجاب الأسى طوعاً ولم يجب الصبر
فإن ينقطع منك الرجاء فإنه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر
وقالت أعربيةٌ ترثي ولدها:
يا قرحة القلب والأحشاء والكبد ... يا ليت أمك لم تحبل ولم تلد
لما رأيتك قد أدرجت في كفنٍ ... مطيباً للمنايا آخر الأبد
أيقنت بعدك أني غير باقيةٍ ... وكيف يبقى ذراعٌ زال عن عضد
قال أعرابي يرثي ابنه:
بني لئن ضننت جفونٌ بمائها ... لقد قرحت مني عليك جفون
دفنت بكفي بعض نفسي فأصبحت ... وللنفس منها دافنٌ ودفين
قال العتبي يرثي بعض أولاده:
أصبحت بخدي للدموع رسوم ... أسفاً عليك وفي الفؤاد كلوم
والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم
(2/45)

الباب الثالث
في الحكم
62 قال الحكماء: لا يطلب الرجل حكمةً إلا بحكمةٍ عنده. وقالوا: إذا وجدتم الحكمة مطروحةً على السكك فخذوها. وقال زيادٌ: أيها الناس لا يمنعنكم سوء ما تعلمون منا أن تنتفعوا بأحسن ما تسمعون منا فإن الشاعر يقول:
إعمل بعلمي وإن قصرت في عملي ... ينفعك قولي ولا يضرك تقصيري
63 قال الرياحي في خطبته بالمربد: يا بني رياح لا تحقروا صغيراً تأخذون عنه. فإني أخذت من الليث بسالته. ومن الحمار صبره. ومن الخنزير حرصه. ومن الغراب حرره. ومن الثعلب روغانه. ومن السنور ضرعه. ومن القرد حكايته. ومن الكلب نصرته. ومن ابن آوى حذره. ولقد تعلمت من القمر سير الليل. ومن الشمس ظهور الحين بعد الحين. (لابن عبد ربه) 64 قال كعبٌ: استحيوا من الله في سرائركم كما يستحيون من الناس في علانيتكم. وقيل: من يستحي من الناس ولا يستحي من نفسه فلا قدر لنفسه عنده. وقال رجل للنعمان. أوصني. فقال: استحي من الله كما تستحي من رجلٍ من عشيرتك
(2/46)

65 قال الأحنف بن قيسٍ: لا صديق لمتلون. ولا وفاء لكذوبٍ. ولا راحة لحسوٍ. ولا مرؤة لدنيءٍ. ولا زعامة ليسيءٍ الخلق.
(مؤنس الوحيد للثعالبي) 66 قيل: تجنب من أربعة أشياء لتخلص من أربعة أشياء. تجنب من الحسد لتخلص من الحزن. ولا تجالس جليس السوء وقد تخلصت من الملامة. ولا تركب المعاصي وقد خلصت من النار. ولا تجمع المال وقد استرحت من عداوة الخلق. (للغزالي) 67 قال بعض الشعراء:
بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلى شهر الليالي
يغوص البحر من طلب اللآلي ... ويحظى بالسيادة والنوال
ومن طلب العلى من غير كدٍ ... أضاع العمر في طلب المحال
68 قال بعضهم: دخلت على سفيان الثوري بمكة فوجدته مريضاً وقد شرب دواءً. فقلت له: إني أريد أن أسألك عن أشياء. فقال لي: قل ما بدا لك. فقلت له: أخبرني من الناس. قال: الفقهاء. قلت له: فمن الملوك. قال: الزهاد. قلت له: فمن الأشراف. قال: الأتقياء. قلت: فمن الغوغاء. قال: من يكتب الحديث ويأكل به أموال الناس. قلت فمن السفلة. قال: الظلمة أولئك هم أصحاب النار.
روي أن سعيد بن عمر بن حذيم وعظ عمر بن الخطاب يوماً. فقال
(2/47)

له عمر: ومن يطيق ذلك. قال: أنت يا أمير المؤمنين. ما هو إلا أن تقول فتطاع. فلا يجسر أحدٌ على مخالفتك. (نوادر القليوبي) 69 قال أبو عمرو: ولما احتضر ذو الإصبع دعا ابنه أسيداً. فقال له: يا بني إن أباك قد فني وهو حيٌ وعاش حتى سئم العيش. وإني موصيك بما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته. فأحفظ عني ألن جانبك لقومك يحبوك. وتواضع لهم يرفعوك. وأبسط لهم وجهك يطيعوك. ولا تستأثر عليهم بشيءٍ يسودك. وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكرمك كبارهم. ويكبر على مودتك صغارهم. وأسمح بما لك. وأعزز جارك. وأعن من استعان بك. وأكرم ضيفك. وأسرع النهضة في الصريخ فإن لك أجلاً لا يعدوك. وصن وجهك عن مسئلة أحدٍ شيئاً فبذلك يتم سؤددك. (للأصبهاني) 70 سئل بعض الحكماء: أي الأمور أشد تأبيداً للعقل وأيها أشد إضراراً به. فقال: أشدها تأييداً له ثلاثة أشياء: مشاورة العلماء. وتجربة الأمور. وحسن التثبت. وأشدها إضراراً به ثلاثة أشياء: الاستبداد. والتهاون. والعجلة. (لابن عبد ربه) 71 قال الشاعر:
إن المكارم أخلاقٌ مطهرةٌ ... فالدين أولها والعقل ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والجود خامسها والعرف ساديها
والبر سابعها والصبر ثامنها ... والشكر تاسعها واللين عاشيها
(2/48)

والعين تعلم من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها
والنفس تعلم أني لا أصدقها ... ولست أرشد إلا حين أعصيها
72 قالوا: ثلاثةٌ لا يندم على ما سلف إليهم. الله في عملٍ له والمولى الشكور فيما أسدي إليه. والأرض الكريمة فيما بذر فيها. وقالوا: ثلاثةٌ لا بقاء لها. ظل الغمام. وصحبة الأشرار. والثناء الكاذب. وقالوا: ثلاثةٌ لا تكون إلا في ثلاثةٍ. الغنى في النفس. والشرف في التواضع. والكرم في التقوى. وقالوا: ثلاثة لا تعرف إلا في ثلاثةٍ. ذو البأس لا يعرف إلا عند اللقاء. وذو الأمانة لا يعرف إلا عند الأخذ والعطاء. والإخوان لا يعرفون إلا عند النوائب.
73 قال أبرويز لكاتبه: اعلم أن دعائم المقالات أربعٌ. إن التمس لها خامسٌ لم يوجد. وإن نقص منها واحدٌ لم تتم. وهي سؤالك الشيء. وأمرك بالشيء. وإخبارك عن الشيء. وسؤالك عن الشيء. فإذا طلبت فأسجح. وإذا سألت فأوضح. وإذا أمرت فاحكم. وإذا أخبرت فحقق. واجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول. (يريد الكلام الذي تقل حروفه وتكثر معانيه) 74 قالت الحكماء: الإخوان ثلاثةٌ. أخٌ يخلص لك وده. ويبذل لك رفده. ويستفرغ في مهمك جهده. وأخ ذو نيةٍ يقتصر بك على حسن نيته. دون رفده ومعونته. وأخٌ يتملق لك بلسانه.
(2/49)

ويتشاغل عنك بشأنه. ويوسعك من كذبه وأيمانه.
75 قال بعض الحكماء لابنه: يا بني تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الحديث. وليعلم الناس أنك أحرص على أن تسمع منك على أن تقول. فأحذر أن تسرع في القول فيما يجب عنه الرجوع بالفعل. حتى يعلم الناس أنك على فعل ما لم تقل أقرب منك إلى قول ما لم تفعل. (لابن عبد ربه) 76 أنشد بعض الشعراء:
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصح به وأنت سقيم
ونراك تصلح بالرشاد عقولنا ... أبداً وأنت من الرشاد عديم
فأبدأ بنفسك وأنهما عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول ويهتدي ... بالقول منك وينفع التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
77 قال أرسطاطا ليس للإسكندر: إن الناس إذا قدروا أن يقولوا قدروا أن يفعلوا. فاحترس من أن يقولوا تسلم من أن يفعلوا.
78 قال العتي: اجتمعت العرب والعجم على أربع كلمات. قالوا: لا تحملن على قلبك ما لا تطيق. ولا تعملن عملاً ليس لك فيه منفعةٌ. ولا تثق بامرأة. ولا تغتر بمالٍ وإن كثر.
(2/50)

79 قال لقمان لابنه: لا تركن إلى الدنيا ولا تشغل قلبك بها فإنك لم تخلق لها. وما خلق الله خلقاً أهون عليه منها فإنه لم يجعل نعيمها ثواباً للمطيعين. ولا بلاءها عقوبةً للعاصين. يا بني لا تضحك من غير عجب. ولا تمش في غير أربٍ. ولا تسأل عما لا يعنيك. يا بني لا تضع مالك وتصلح مال غيرك. فإن مالك ما قدمت. ومال غيرك ما تركت. يا بني إنه من يرحم يرحم. ومن يصمت يسلم. ومن يقل الخير يغنم. ومن يقل الباطل يأثم. ومن لا يملك لسانه يندم. يا بني زاحم العلماء بركبتيك. وأنصت إليهم بأذنبك. فإن القلب يحيا بنور العلماء. كما تحيا الأرض الميتة بمطر السماء.
80 قال عمر بن عتبة: لما بلغت خمس عشرة سنة قال لي أبي: يا بني قد تقطعت عنك شرائع الصبا. فألزم ألحياء تكن من أهله. ولا تزايله فتبين منه. ولا يغرنك من مدحك بما تعلم خلافه من نفسك. فإنه من قال فيك من الخير ما لم يعلم إذا رضي. قال فيك من الشر مثله إذا سخط. فأستأنس بالوحدة من جلساء السوء تسلم من غب عواقبهم. (لابن عبد ربه) 81 قال أبو العيناء:
إذا أعجبتك خصال امرئٍ ... فكنه يكن منك ما يعجبك
فليس على المجد والمكرمات ... حجابٌ إذا جئته يحجبك
82 من كلام أوميرس: إتهم أخلاقك السيئة فإنها إذا وصلت
(2/51)

إلى حاجاتها من الدنيا كانت كالحطب للنار والماء للسمك. وإذا عزلتها عن مآربها وحلت بينها وبين ما تهوى انطفأت كانطفاء النار عند فقدان الحطب. وهلكت كهلاك السمك عند فقدان الماء 83 قال أبو الفتح البستي:
إذا طالبتك النفس يوماً بشهوةٍ ... وكان إليها في الخلاف طريق
فخالف هواها ما استطعت فإنما ... هواها عدوٌ والخلاف صديق
84 ومن كلام أمير المؤمنين نقله الشيخ المفيد في الإرشاد: كل قول ليس لله فيه ذكرٌ فهو لغوٌ. وكل صمتٍ ليس فيه فكرٌ فسهوٌ. وكل نظرٍ ليس فيه اعتبارٌ فلهوٌ.
85 ومن كلام الحكماء: إن مرتكب الصغيرة ومرتكب الكبيرة سيان. فقيل: وكيف ذلك. فقالوا: الجرأة واحدةٌ. وما عف عن الدرة. من يسرق الذرة.
86 (سانحةٌ) غفلة القلب عن الحق من أعظم العيوب. وأكبر الذنوب. ولو كانت آنا من الآنات أو لمحةً من اللمحات. حتى إن أهل القلوب عدوا الغافل في آن الغفلة من جملة الكفار. وكما يعاقب العوام على سيئاته. كذلك يعاقب الخواص على غفلاتهم. فاجتنب الاختلاط بأصحاب الغفلة على كل حالٍ. إن أردت أن تكون من زمرة أهل الكمال.
87 أوصى بعض الحكماء ابنه فقال: ليكن عقلك دون دينك.
(2/52)

وقولك دون فعلك. ولباسك دون قدرك 88 عن أمير المؤمنين: أربع من خصال الجهل. من غضب على من لا يرضيه. وجلس إلى من لا يدنيه. وتفاقر إلى من لا يغنيه. وتكلم بما لا يعنيه.
89 قيل لحكيم: إن الذي قلته لأهل مدينة كذا لم يقبلوه. فقال: لا يلزمني أن يقبل بل يلزمني أن يكون صواباً.
قال حكيم: لا يكون الرجل عاقلاً حتى يكون عنده تعنيف الناصح ألطف موقعاً من ملق الكاشح. (لبهاء الدين) 90 قال أبو الفتح البستي:
إذا صحبت الملوك فالبس ... من التوقي أعز ملبس
وأدخل إذا ما دخلت أعمى ... وأخرج إذا ما خرجت أخرس
91 قال بعضهم: عشيرتك من أحسن عشرتك. وعمك من عمك خيره. وقريبك من قرب منك نفعه.
92 قال سقراط وهو تلميذ فيثاغورس الحكيم: إذا أقبلت الحكمة خدمت الشهوات العقول. وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات.
93 من كلام الحكماء: لا تكن ممن يرى القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع المعترض في حدق نفسه.
94 ومن كلام بعض الحكماء: ثلاثةٌ لا يستخف بهم. السلطان
(2/53)

والعالم والصديق. فمن استخف بالسلطان ذهبت دنياه. ومن أستخف بالعالم ذهب دينه. ومن أستخف بالصديق ذهبت مودته. (لبهاء الدين) 95 أنشد بعض الشعراء:
ثلاثةٌ يجهل مقدارها ... ألأمن والصحة والقوت
فلا تثق بالمال من غيرها ... لو أنه در وياقوت
قيل: لا ينبغي للعاقل أن يسكن بلدا ليس فيه خمسة أشياء. سلطانٌ حازمٌ. وقاضٍ عادلٌ. وطبيبٌ عالمٌ. ونهرٌ جارٍ. وسوقٌ قائمٌ قال بعض الحكماء: ثلاثٌ مهلكاتٌ وثلاثٌ منجياتٌ. فأما المهلكات. فشحٌ مطاعٌ. وهوىً متبعٌ. وإعجاب المرء بنفسه. وأما المنجيات. فخشية الله في السر والعلانية. والقصد في الغنى والفقر. والعدل في الرضاء والغضب. (لطائف العرب) 96 قيل: إذا أقبلت الدنيا على إنسانٍ أعارته محاسن غيره. وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. (رسالة آداب للمستعصمي) 97 قيل: ما من خصلةٍ تكون للغني مدحاً إلا وتكون للفقير ذماً. فإن كان حليماً قيل ذليلٌ. وإن كان شجاعاً قيل: أهوج. وإن كان لسناً قيل: مهذارٌ.
قال بعضهم:
إذا كنت لا ترجى لدفع ملمةٍ ... ولم يك في المعروف عنك مطمع
(2/54)

ولا أنت ممن يستعان بجاهه ... ولا أنت يوم الحشر ممن يشفع
فعيشك في الدنيا وموتك واحدٌ ... وعود خلالٍ من وصالك أنفع
قال عمر للأحنف بن قيس: من كثر ضحكة قلت هيبته. ومن أكثر من شيءٍ عرف به. ومن كثر مزاحه. كثر سقطه. ومن كثر سقطه. قل ورعه. ومن قل ورعه. قل حياؤه. ومن ذهب حياؤه. مات قلبه.
98 قال الحسن: أيها الناس نافسوا في الكارم. وسارعوا في المغانم. ولا تحتسبوا بمعروفٍ لم تعجلوه. ولا تكسبوا بالمطل ذماً. واعلموا أن حوائج الناس من نعم الله عليكم. فلا تملوا النعم فتحول نقماً. وأن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه. وأن أعفى الناس من عفا عن قدرةٍ. ومن أحسن أحسنَ الله إليه. والله يحب المحسنين. وقال أيضاً: لا تتكلف ما لا تطيق. ولا تتعرض لما لا تدرك. ولا تعد بما لا تقدر عليه. ولا تنفق إلا بقدر ما تستفيد. ولا تطلب من الجزاء إلا بقدر ما صنعت. ولا تفرح إلا بما نلت من طاعة الله تعالى. ولا تتناول إلا ما رأيت نفسك أهلاً له.
99 قال ابن عباسٍ: لجليسي على ثلاثٌ. أن أرميه بطرفي إذا أقبل. وأن أوسع له إذا جلس. وأصغي إليه إذا حدث.
100 أوصى عبد الله بن عباسٍ رجلاً. فقال: لا تتكلم بما لا يعنيك. حتى تجد له موضعاً. ولا تمادين
(2/55)

حليماً ولا سفيهاً. فإن الحليم يطغيك. والسفيه يؤذيك. واذكر أخاك إذا توارى عنك بما تحب أن يذكرك إذا تواريت عنه. ودعه مما تحب أن يدعك منه فإن ذلك العدل. واعمل عمل امرئٍ يعلم أنه مجزي بالإحسان مأخوذ بالإجرام.
101 قال عبد الله بن جعفر: كمال المرء في خلال ثلاثٍ. معاشرة أهل الرأي والفطنة. ومداراة الناس بالمعاشرة الجميلة. والاقتصاد من بخل وإسرافٍ.
قال يزرجمهر لكسرى وعنده أولاده: أي أولادك أحب إليك. قال: أرغبهم في الآداب. وأجزعهم من العار. وأنظرهم إلى الطبقة التي فوقهم.
102 قال بهرام جور: ينبغي للملك أن لا يضيع التثبت عندما يقول وما يفعل. فإن الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام. والعطية بعد المنع خيرٌ من المنع بعد العطية. والإقدام على العمل بعد التأني خيرٌ من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه.
103 وقال كسرى لحكماء الفرس وقد اجتمعوا إليه: ليتكلم كل واحد منكم بكلمات ولا يكثرها. فقال أحدهم: هير الملوك أرحبهم ذرعا عند الضيق. وأعدلهم حكماً عند الغضب. وأرحمهم إذا سلط. وأبعدهم من الظلم عند القدرة. وأطلبهم لرضاء الرعية. وأبسطهم وجهاً عند المسألة. فقال كسرى: حسبي هذا لا أريد عليه مزيداً.
(2/56)

104 قال بعض ملوك الفرس لمرازبته: أوصيكم بخمسة أشياء فيها راحة أنفسكم. واستقامة أموركم. أوصيكم بترك المراء. واجتناب التفاخر. والاصطبار على القناعة. والرضاء بالحظوظ. وأوصيكم بكل ما لم أقل مما يجمل. وأنها كم عن كل ما لم أقل مما يقبح.
قال ابن السماك: الكمال في خمسٍ. أن لا يعيب الرجل أحداً بعيبٍ فيه مثله. حتى يصلح ذلك العيب من نفسه. فإنه لا يفرغ من إصلاح عيبٍ حتى يهجم على آخر. فتشغله عيوبه عن عيوب الناس. والثانية أن لا يطلق لسانه ويده حتى يعلم أوفي طاعةٍ ذلك أم في معصيةٍ. والثالثة أن لا يلتمس من الناس إلا ما يعلم أنه يعطيهم من نفسه مثله. والرابعة أن يسلم من الناس باستشعار مداراته وتوفيتهم حقوقهم. والخامسة أن ينفق الفضل من ماله. ويمسك لفضل من لسانه.
105 قال حاتمٌ الزاهد: إذا رأيت من أخيك عيباً فإن كتمته عنه فقد خنته. وإن قلته لغيره فقد اغتبته. وإن واجهته فقد أوحشته. فقال له إنسانٌ: فما الذي أصنع. قال: تكني عنه وتعرض به. وتجعله في جملةٍ الحديث.
106 قال ابن وهبٍ: لا يكون الرجل عاقلاً حتى يكون فيه عشر خصال: الكبر منه مأموناً. والخير فيه مأمولاً. ويقتدي بأهل الأدب من قبله فيكون إماماً لمن بعده. وحتى يكون الذل في طاعة الله أحب
(2/57)

إليه من العز في معصية الله. وحتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغنى في الحرام. وحتى يكون عيشة القوت وحتى يستقل الكثير من عمله ويستكثره من غيره. ولا يتبرم بطلب الحوائج قبله. وأن يخرج من بيته فلا يستقبل أحداً إلا رأى أنه دونه. (للمستعصمي) 107 قال بعض الشعراء:
لا تحقرن عدواً في مخاصمةٍ ... ولو يكون ضعيف البطش والجلد
فللبعوضة في الجرح المديد يدٌ ... تنال ما قصرت عنه يد الأسد
108 (من النهج) . كتب أمير المؤمنين إلى الحارث الهمداني: تمسك بحبل الدين. وانتصحه وأحل حلاله. وحرم حرامه. وصدق بما سلف من الحق واعتبر بما مضى من الدنيا ما بقي منها. فإن بعضها يشبه بعضاً وآخرها لاحقٌ بأولها. وكلها حائلٌ مفارقٌ. وعظم اسم الله أن تذكره إلا على حقٍ. وأكثر ذكر الموت وما بعد الموت. ولا تتمن الموت إلا بشرطٍ وثيقٍ. وأحذر كل عملٍ يرضاه صاحبه لنفسه. ويكرهه لعامة المؤمنين. وأحذر كل عملٍ يعمل في السر ويستحيا منه في العلانية. وأحذر كل عملٍ إذا سئل صاحبه عنه أنكر وأعتذر منه. ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القوم. ولا تحدث بكل ما سمعت فكفى بذلك كذباً. ولا ترد على الناس كل ما حدثوك به فكفى بذلك جهلاً. واكظم الغيظ. وأحلم عند الغضب.
(2/58)

وتجاوز عند القذرة. وأصفح عن الزلة تكن لك العاقبة. وأستصلح كل نعمةٍ أنعم الله بها عليك. ولا تصنع نعمةٌ من نعم الله عندك. وليبن عليك أثر ما أنعم الله به عليك. وأعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمةً من نفسه وأهله وماله. وأنك ما تقدم من خيرٍ يبق لك ذخره. وما تؤخر يكن لغيرك خيره. وأحذر صحبة من يقبل رأيه وينكر عمله. فإن الصاحب معتبرٌ بصاحبه. وأحذر منازل الغفلة والجفاء وقلة الأعوان على طاعة الله. وأقصر رأيك على ما يعنيك. وإياك ومقاعد الأسواق فإنها محاضر الشيطان ومعاريض الفتن. وأطع الله في كل أمورك فإن طاعة الله تعالى فاضلةٌ على ما سواها. وإياك أن ينزل بك الموت وأنت آبق من ربك في طلب الدنيا. وإياك ومصاحبة الأشرار فإن الشر بالشر ملحقٌ. وفر إلى الله وأحب أحباءه. وأحذر الغضب فإنه جندٌ من جنود إبليس والسلام. (لبهاء الدين العاملي)

نخبة من أرجورة ابن مكانس
109 هل من فتى ظريف. معاشر لطيف. يسمع من مقالي. ما يرخص اللآلي. أمنحه وصيه. ساريةً سرية. تنير في الدياجي. كلمة السراج. رشيقة الألفاظ. تسهل للحفاظ. جادت بها القريحة. في معرض النصيحة. أنا الشفيق الناصح. أنا المجد المازح. إن تبتغ الكرامة وتطلب السلامة. أسلك مع الناس الأدب. ترى من الدهر العجب.
(2/59)

لن لهم الخطايا. واعتمد الآدابا. تنل بها الطلابا. وتسحر الألبابا. ولا تطاول بنشب. ولا تفاخر بنسب. فالمرء ابن اليوم. والعقل زين القوم. ما أروض السياسة. لصاحب الرئاسة. إن شئت تلغى محسنا. فلا تقل يوماً أنا. ألعز في الأمانة. والكيس في الفطانه. ألقصد باب البركه. والخرق داعي الهلكه. لا تغضب الجليسا. لا توحش الأنيسا. لا تصحب الخسيسا. لا تسخط الرئيسا. لا تكثر العتابا. تنفر الأصحابا. فكثرة المعاتبه. تدعو إلى المجانبة. وإن حللت مجلسا. بين سراةٍ رؤوسا. إقصد رضا الجماعة. وكن غلام الطاعة. ودارهم باللطف. وأحذر وبال السخف. واختصر السؤالا. وقلل المقالا. ولا تكن معربدا. ولا بغيضاً نكدا. لا تحمل الطعاما. والنقل والمداما. فذاك في الوليمة. شناعةٌ عظيمه. لا يرتضيها آدمي. غير مقل عادم. وقل من الكلام. ما لاق بالمدام. كرائق الأشعار. وطيب الأخبار. وأترك كلام السفلة. والنكت المبتذلة. إياك والتطفيلا. شؤمه الوبيلا. ولا تكن مبذولا. ولا تكن ملولا. ألبخل لا تألفه. والخل لا تصدفه. ولا تقل لمن تحب. ضيف الكرام يصطحب. ولا تكن ملحاحا. وأجتنب المزاحا. فكثرة المجون. نوعٌ من الجنون. فالشؤم في اللجاج. والحر لا يداجي. وهذه الوصية. للأنفس الأبية. أختارها لنفسي. وإخوتي وجنسي. فهاكها وصيه تصحبها التحية. تحملها الكرام. إليك والسلام.
(2/60)

110 إني ناصحك ببعض نصائح أقبلها مني ليلاً يكون عملك خصماً عليك يوم القيامة. تعمل منها وتدع منها. وأما ما تدع فالأول أن لا تناظر أحداً في مسئلةٍ ما استطعت. لأن فيها آفةً كثيرةً وإثمها أكبر سن نفعها إذ هي منبع كل خلق ذميم كالرثاء والحسد والكبر والحقد والعداوة والمباهاة وغيرها. نعم لو وقع مسئلةٌ بينك وبين شخص أو قومٍ وكان إرادتك فيها أن يظهر الحق جاز لك البحث لكن لتلك الإرادة علامتان. إحداهما أن لا تفرق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على لسان غيرك. وثانيتهما أن يكون البحث في الخلاء أحب إليك من أن يكون في الملإ. والثاني مما تدع وهو أن تحذر وتحترز من أن تكون واعظاً ومذكراً لأن آفته كثيرةٌ إلا أن تعمل بما تقول أولاً ثم تعظ به الناس فتفكر فيما قيل لبعضهم: عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي ربك إن ابتليت بهذا العمل.
وأما ما ينبغي لك أن تفعله. فالأول أن تجعل معاملتك مع الله تعالى. بحيث لو عمل معك بها عبدك ترضى بها منه. ولا يضيق خاطرك عليه ولا تغضب. وما لا ترضى لنفسك من عبدك المجازي فلا ترض به لله تعالى وهو سيدك الحقيقي. والثاني كلما عملت بالناس اجعله كما ترضى لنفسك منهم. لأنه لا يكمل إيمان العبد حتى يحب لسائر الناس ما يحب لنفسه. والثالث إذا قرأت العلم
(2/61)

أو طالعته ينبغي أن يكون علماً يصلح قلبك ويزكي نفسك. (ليها الولد للغزالي بتصرف)

(من كلام موفق الدين عبد اللطيف بن يوسف البغدادي)
111 (قال) ينبغي أن تحاسب نفسك كل ليلةٍ إذا أويت إلى منامك. وتنظر ما اكتسبت في يومك من حسنةٍ فتشكر الله عليها. وما اكتسبت من سيئة فتستغفر الله منها وتقلع عنها. وترتب في نفسك ما تعمله في غدك من الحسنات. وتسأل الله الإعانة على ذلك.
(وقال) أوصيك ألا تأخذ العلوم من الكتب وإن وثقت من نفسك بقوة الفم. وعليك بالأستاذين في كل علمٍ تطلب اكتسابه. ولو كان الأستاذ ناقصاً فخذ عنه ما عنده حتى تجد أكمل منه. وعليك بتعظيمه وترحيبه وإن قدرت أن تفيده من دنياك فأفعل. وإلا فبلسانك وثنائك. وإذا قرأت كتاباً فأحرص كل الحرص على أن تستظهره وتملك معناه. وتوهم أن الكتاب قد عدم وأنك مستغن عنه لا تحزن لفقده.
وإذا كنت مكباً على دراسة كتاب وتفهمه فإياك أن تشتغل بآخر معه. وأصرف الزمان الذي تريد صرفه في غيره إليه. وإياك أن تشتغل بعلمين دفعة واحدةً. وواظب على العلم الواحد سنة أو سنتين أو ما شاء الله. وإذا قضيت منه وطرك. فانتقل إلى علمٍ آخر.
(2/62)

ولا تظن أنك إذا حصلت علما فقد اكتفيت. بل تحتاج إلى مراعاته لينمي ولا ينقص. ومراعاته تكون بالمذاكرة والتفكر واشتغال المبتدئ بالتحفظ والتعلم ومباحثة الأفران واشتغال العالم بالتعليم والتصنيف. وإذا تصديت لتعليم علم أو للمناظرة فيه فلا تمزج به غيره من العلوم. فإن كل علم مكتفٍ بنفسه مستغنٍ عن غيره. فإن استعانتك في علم بعلم عجز عن استيفاء أقسامه كمن يستعين بلغة في لغةٍ أخرى إذا ضاقت عليه أو جهل بعضها.
(قال) وينبغي للإنسان أن يقرأ التواريخ وأن يطلع على لسير وتجارب الأمم. فيصير بذلك كأنه في عمره القصير قد أدرك الأمم الخالية وعاصرهم وعاشرهم وعرف خيرهم وشرهم.
(قال) وينبغي أن يكثر اتهامك لنفسك ولا تحسن الظن بها وتعرض خواطرك على العلماء وعلى تصانيفهم. وتتثبت ولا تعجل ولا تعجب. فمع العجب العثار ومع الاستبداد الزلل. ومن لم يعرق جبينه إلى أبواب العلماء لم يعرق في الفضيلة. ومن لم يخجلوه لم يبجله الناس. ومن لم يبكتوه. لم يسود. ومن لم يحتمل ألم التعلم والتفكر فحرك لسانك بذكر الله تعالى وبتسابيحه. وخاصةً عند النوم فيتشربه لبك ويتعجن في خيالك. وتتكلم به في منامك. وإذا حدث لك فرح وسرورٌ ببعض أمور الدنيا فاذكر الموت وسرعة
(2/63)

الزوال وأصاف المنغصات. وإذا أحزنك أمرٌ فاسترجع. وإذا اعترتك غفلةٌ فاستغفر. فأجعل الموت نصب عينك والعلم والتقى زادك إلى الآخرة. وإذا أردت أن تعصي الله تعالى فاطلب مكان لا يراك فيه. واعلم أن الناس عيون الله على العبد يريهم خيره وإن أخفاه. وشره وإن ستره. فباطنه مكشوف لله. والله يكشفه لعباده. فعليك أن تجعل باطنك خيراً من ظاهرك. وسرك أصح من علانيتك.
ولا تتألم إذا أعرضت عنك الدنيا. ولو عرضت لك لشغلتك عن كسب الفضائل. وقلما يتعلق في العلم ذو الثروة إلا أن يكون شريف الهمة جداً. وأن يثري بعد تحصيل العلم. وإني لا أقول: إن الدنيا تعرض عن طالب العلم بل هو الذي يعرض عنها. لأن همته مصروفة إلى العلم فلا يبقى له التفات إلى الدنيا. والدنيا إنما تحصل بحرصٍ وفكر في وجوهها. فإذا غفل عن أسبابها لم تأته. وأيضاً فإن طالب العلم تشرف نفسه عن الصنائع الرذلة والمكاسب الدنية. وعن أصناف التجارات. وعن التذلل لأرباب الدنيا. والوقوف على أبوابهم. ولبعض إخواننا بيت:
من جد في طلب العلوم أفاته ... شرف العلوم دناءة التحصيل
وجميع طرق مكاسب الدنيا تحتاج إلى فراغ لها. وحذق فيها وصرف الزمان إليها. والمشتغل بالعلم لا يسعه شيء من ذلك.
(2/64)

وإنما ينتظر أن تأتيه الدنيا بلا سبب. وتطلبه من غير أن يطلبها طلب مثلها. وهذا ظلمٌ منه وعدوان. ولكن إذا تمكن الرجل في العلم وشهرته خطب من كل جهةٍ. وعرضت عليه المناصب وجاءته الدنيا صاغرة فأخذ ما أهدته وماء وجهه موفورٌ. وعرضه ودينه مصونٌ.
واعلم أن للعلم عبقة وعزفاً ينادي على صاحبه. ونوراً وضياءٌ يشرق عليه ويدل عليه. كتاجر مسكٍ لا يخفى مكانه. ولا تجهل بضاعته. وكمن يمشي بمشعل في ليلٍ مدلهم. والعالم مع هذا محبوب أين ما كان. وكيف ما كان لا يجد إلا من يميل إليه. ويؤثر قربه ويأنس به. ويرتاح بمداناته.
واعلم أن العلوم تغور. ثم تفور. تغور في زمانٍ. وتفور في زمان. بمنزلة النبات أو عيون المياه. وتنتقل من قومٍ إلى قومٍ. ومن موضع إلى موضعٍ.
(قال) اجعل كلامك في الغالب بصفات أن يكون وجيزاً فصيحاً في معنى مهم أو مستحسن. فيه إلغازٌ ما وإيهام كثيرٌ أو قليلٌ. ولا تجعله مهملا ككلام الجمهور بل رفعه عنهم ولا تباعده عليهم جداً.
(وقال) إياك والهذر والكلام فيما لا يعني. وإياك والسكوت في محل الحاجة ورجوع النوبة إليك. إما لاستخراج حق. أو اجتلاب مودةٍ. أو تنبيهٍ على فضيلة. وإياك والضحك مع كلامك. وكثرة الكلام. وتبتير الكلام. بل اجعل كلامك سرداً بسكونٍ ووقارٍ.
(2/65)

بحيث يستشعر منك أن وراءه أكثر منه. وأنه عن خميرةٍ سابقةٍ. ونظر متقدم.
(وقال) إياك الغلظة في الخطاب. والجفاء في المناظرة فإن ذلك يذهب ببهجة الكلام ويسقط فائدته. ويعدم حلاوته. ويجلب الضغائن. ويمحق المودات. ويصير القائل مستثقلاً. سكوته أشهى إلى السامع من كلامه. ويثير النفوس على معاندته ويبسط الألسن بمخاشنته وإذهاب حرمته.
(وقال) لا تترفع بحيث تستثقل. ولا تتنازل بحيث تستحسن وتستحقر. (وقال) اجعل كلامك كله جدلاً. وأجب من حيث تعقل. لا من حيث تعتاد وتألف. (وقال) انتزح عن عادات الصبا. وتجرد عن مألوفات الطبيعة. واجعل كلامك لاهوتياً في الغالب لا ينفك من خبر أو قول حكيم. أو بيتٍ نادرٍ. أو مثل سائرٍ.
(وقال) تجنب الوقيعة في الناس. وثلب الملوك والغلظة على المعاشر. وكثرة الغضب. وتجاوز الحد فيه. (وقال) استكثر من حفظ الأشعار الأمثالية. والنوادر الحكمية. والمعاني المستغربةٍ.
(2/66)

الباب الرابع في الأمثال السائرة
من نثر اللآلي لعلي بن أبي طالب
112 (أ) . إيمان المرء يعرف بأيمانه. أدب المرء خير من ذهبه. أداء الدين من الدين. أحسن إلى المسيء تسد. إخوان هذا الزمان جواسيس العيوب. أخوك من واساك بنشبٍ لا من واساك بنسب. (ب) . بشر نفسك بالظفر بعد الصبر. بركة المال في أداء الزكاة. بع الدنيا بالآخرة تربح. بكاء المرء من خشية الله تعالى قرة العين. باكر تسعد. بطن المرء عدوه. بركة العمر حسن العمل. بلاء الإنسان من اللسان. بشاشة الوجه عطيةٌ ثانيةٌ. (ت) . توكل على الله يكفك. تدارك في آخر العمر ما فاتك في أوله. تكاسل المرء في الصلاة من ضعف الإيمان. تغافل عن المكروه توقر. (ث) . ثلمة الدين موت العلماء. ثبات الملك بالعدل. ثواب الآخرة خيرٌ من نعيم الدنيا. ثناء الرجل على معطيه مستزيد. (ج) . جد بما تجد. جولة الباطل ساعةٌ وجولة الحق إلى قيام الساعة. جودة الكلام في الاختصار. جليس المرء مثله. جليس المرء غنيمة. جالس الفقراء تزد شكراً. جل من لا يموت. (ح) . حياء المرء ستره. حموضات للطعام. خيرٌ من حموضات الكلام. (خ) . خف الله تأمن من غيره.
(2/67)

خالف نفسك تسترح. خير الأصحاب من يدلك على الخير. خليل المرء دليل عقله. خوف الله يجلو القلب. خلو القلب خيرٌ من ملء الكيس. هير المال ما أنفق في سبيل الله. (د) . دليل عقل المرء فعله ودليل علمه قوله. دوام السرور برؤية الإخوان. دولة الأرذال آفة الرجال. دين الرجل حديثه. دولة الملوك في العدل. دار من جفاك تخجيلاً. دم على كظم الغيظ تحمد عواقبك. (ذ) ذنبٌ واحدٌ كثيرٌ وذكرٌ وألف طاعة قليلٌ. ذكر الأولياء ينزل الرحمة. ذليل الخلق عزيزٌ عند الله. ذكر الموت جلاء القلب. ذكر الشباب حسرة. (ر) رؤية الحبيب جلاء العين. رفاهية العيش في الأمن. رسول الموت الولادة. (ز) . زيارة الحبيب إطراء المحبة. زوايا الدنيا مشحونة بالرزايا. زيارة الضعفاء من التواضع. زينة الباطن خير من زينة الظاهر. (س) . سيرة المرء تنبئ عن سريرته. سمو المرء التواضع. (ش) . شين العلم الصلف. شمروا في طلب الجنة. شيبك ناعيك. شحيح غني أفقر من فقير سخيٍ. (ص) . صدق المرء نجاته. صحة البدن في الصوم. الصبر يورث الظفر. صلاة الليل بهاء النهار. صلاح الإنسان في حفظ اللسان. صاحب الأخيار تأمن الأشرار. صمت الجاهل ستره. صلاح الدين في الورع وفساده في الطمع. (ض) . ضل سعي من رجا غير الله تعالى. ضرب الحبيب أوجع. ضل من ركن إلى الأشرار. (ط) . طاب من وثق بالله. طلب
(2/68)

الأدب أولى من طلب الذهب. (ظ) . ظلم المرء يصرعه. ظلامة المظلوم لا تضيع. ظمأ المال أشد من ظمأ الماء. ظل عمر الظالم قصيرٌ وظل عمر الكريم فسيح. (ع) . عش قنعاً تكن ملكاً. عيب الكلام تطويله. عاقبة الظالم وخيمةٌ. (غ) . غدرك من دلك على الإساءة. (ف) . فاز من ظفر بالدين. فخر المرء بفضله. أولى من فخره بأصله. فاز من سلم من شر نفسه. فسدت نعمة من كفرها. (ق) . قبول الحق من الدين. (ك) . كلام الله دواء القلب. كفران النعمة مزيلها. كفى بالشيب داء. كمال العلم في الحلم. (ل) . لين الكلام قيد القلوب. (م) . من كثر كلامه كثر ملامه. مجلس العلم روضة من رياض الجنة. مصاحبة الأشرار ركوب البحر. (ن) . نسيان الموت صدأ القلب. نم آمنا تكن في أمهد الفرش. نضرة الوجه في الصدق. (و) . ولاية الأحمق سريعة الزوال. وحدة المرء خيرٌ من جليس السوء. (هـ) . هم السعيد آخرته وهم الشقي دنياه. هلاك المرء في العجب. هربك من نفسك أنفع من هربك من الأسد. (لا) . لا دين لمن لا مروءة له. لا فقر للعاقل. (ي) . يعمل النمام في ساعةٍ فتنة أشهرٍ. يسود المرء قومه بالإحسان إليهم.

نبذةٌ
من كتاب غرر الحكم ودرر الكلم جمعه عبد الواحد بن محمد بن كلام علي بن أبي طالب 113 (أ) . الدين يعصم. الدنيا تسلم. الصيانة رأس المرؤة. أحلق
(2/69)

سيف قاطعٌ. العجب عنوان الحماقة. البشاشة حبل المودة. الارتقاء إلى الفضائل صعبٌ. الانحطاط إلى الرذائل سهلٌ. السكوت عن الأحمق جوابه. إمام عادلٌ خيرٌ من مطر وابلٍ. المحسن حي وإن نقل إلى منازل الأموات. العاقل إذا سكت فكر وإذا انطق ذكر وإذا نظر اعتبر. الداعي بلا عمل كالقوس بلا وترٍ. إعجاب الرجل بنفسه عنوان ضعف عقله. أحسن الجود عفو بعد مقدرةٍ. (ب) . بركوب الأهوال تكسب الأموال. بالسخاء يستر العيوب. (ت) . تكلموا تعرفوا فإن المرء مخبوءٌ تحت لسانه. (ث) . ثوب التقى أشرق الملابس. ثوب الآخرة ينسي مشقة الدنيا. ثروة العاقل في علمه وثروة الجاهل في ماله. ثلاثٌ يوجبن المحبة الدين والتواضع والسخاء. (ج) . جهاد النفس أفضل الجهاد. (ح) . حسن الأدب يستر قبح النسب. حلاوة الظفر تمحو مرارة الصبر. حد اللسان يقطع الأوصال. (خ) . خير الثناء ما جرى على ألسنة الأخبار. (د) . دوام الفتن من أعظم المحن. (ر) . رب سكوتٍ أبلغ من كلامٍ. (ز) . زلت العالم كانكسار السفينة تغرق وتغرق معها غيرها. زخارف الدنيا تفسد العقول الضعيفة. (س) . سلاح اللئام قبح الكلام. سمع الأذن لا ينفع مع غفلة القلب. (ش) . شر الناس من لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً. شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما الشباب والعافية. (ص) . ضمتك حتى تستنطق أجمل من
(2/70)

نطقك حتى تسكت. صوم النفس عن لذات الدنيا أفضل الصيام صدر العاقل صندوق سره. (ض) . ضع فخرك واحطط كبرك وكما تزرع تحصد وكما تدين تدان. ضعف البصر لا يضر مع استنارة البصيرة. (ط) . طوبى لمن غلب نفسه ولم تغلبه ومن ملك هواه ولم يملكه. طلب الثناء بغير استحقاق خرقٌ. (ظ) . ظن العاقل أصبح من يقين الجاهل. ظرف الرجل تنزهه عن المحارم ومبادرته إلى المكارم. (ع) . عليك بالآخرة تأتك الدنيا صاغرة. عند الامتحان يكرم المرء أو يهان. عجبت لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء. عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربه. عبد الشهوة أذل من عبد الرق. عبد المطامع أسيرٌ لا يفك أسره. عاشر أهل الفضائل تنبل. عداوة الأقارب أمس من لسع العقارب. (غ) . غاية المعرفة أن يعرف المرء نفسه. غنى المؤمن بالله. غنى العاقل في حكمته. غنى الجاهل في قنيته. (ف) . في الذكر حياة القلوب. في رضا الله نيل المطلوب. في الدنيا عمل ولا حساب. في الآخرة الحساب ولا عملٌ. في الاستشارة عين الهداية. فقد البصر أهون من فقد البصيرة. (ق) . قد يبعد القريب. قد يلين الصليب. قلة الأكل تمنع كثيراً الباطل كما أن قليل النار يحرق كثير الحطب. (ك) . كل طير يأوي لي شكله. كل شيءٍ من الدنيا سماعه أعظم من عيانه. كل
(2/71)

وعاءٍ يضيق بما جعل فيه إلا العلم فإنه يتسع. كم يفتح بالصبر من غلقٍ. كيف ينجو من الله هاربه. كيف يسلم من الموت طالبه. كن عالماً ناطقاً أو مستمعاً واعياً. كلام الرجل ميزان عقله. كلما قاربت أجلاً فأحسن عملاً. (ل) . ليس من عادةٍ الكرام تأخير الإنعام. للشدائد تذخر الرجال. (م) . من توقر وقر. ومن تكبر حقر. من استشار العاقل ملك. من استبد برأيه هلك. ما حقر نفسه إلا عاقلٌ. ما أعجب برأيه إلا جاهلٌ. (ن) . نعم الإدام الجوع. (هـ) . هدي من أطاع ربه. وخاف ذنبه. هلك امرؤٌ لا يعرف قدره. هانت عليه نفسه من أمر عليه لسانه. (و) . وقروا كباركم توقركم صغاركم. وقار الشيب أجمل من نضارة الشباب. (لا) . لا تثقن بعهد من لا دين له. لا تعد ما تعجز عن الوفاء به. لا تثق بمن يذيع سرك. لا يسترقك الطمع فقد جعلك الله حراً. (ي) . يستدل على الكريم بحسنٍ بشره وبذل خيره. يستدل على إدبار الدول بأربعٍ تضيع الأصول والتمسك بالفروع وتقديم الأرذال وتأخير الأفاضل. يبلغ الصادق بصدقه ما لا يبلغه الكاذب باحتياله.

نخبة أمثال انتقاها الأبشتهي
114 (أ) . إذا ذهب الحياء حل البلاء. إذا اصطنعت المعروف فاستره وإذا اصطنع إليك فانشره. أفضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه. أفضل المعروف إغاثة الملهوف. أظهر الناس محبةً
(2/72)

أحسنهم لقاءً. إياك وفضول الكلام فإنه يظهر من عيوبك ما بطن ويحرك من عدوك ما سكن. (ب) . بالتأني تسهل المطالب. بخفض الجانب تأنس النفوس. (ث) . ثمرة العلوم العمل بالمعلوم. (ح) . ألحازم من حفظ ما في يده ولم يؤخر شغل يومه لغده. حق يضر خيرٌ من باطل يسر. (خ) . خير الناس من أخرج الحرص من قلبه وعصى هواه في طاعة ربه. خير المال ما أخذ من الحلال وصرف في النوال. (ر) . ألرفق مفتاح الرزق. (ش) . شر الناس من ينصر الظلوم ويخذل المظلوم. (ص) . صاحب العقل مغبوطٌ. صداقة الجاهل تعبٌ. (ع) علمٌ لا ينفع كدواءٍ لا ينجع. عظ المسيء بحسن أفعالك ودل على الجميل بجميل خلالك. عثرة الرجل تزيل القدم وعثرة اللسان تزيل النعم. ألعجلة أخت الندامة. (ق) . قد خاطر من استبد برأيه. (ك) . كلام المرء بيان فضله وترجمان عقله. كل يفر من ضده ويميل إلى جنسه. (ل) . لا تفتح باباً يعييك سده. أللسان سيفٌ قاطعٌ لا يؤمن حده والكلام سهم نافذٌ لا يمكن رده. لا يجد العجول فرحاً ولا الغضوب سروراً ولا الملول صديقاً. لا يخلو المرء من ودودٍ يمدح وعدوٍ الورع. من قرب السفلة واطرح ذوي الأحساب والمروءات استحق الخذلان. من عفا تفضل. من كظم غيظه فقد حلم. ومن حلم فقد صبر. من صبر فقد ظفر. من
(2/73)

أكثر من مقاله سئم ومن سؤاله حرم. من أعجب بعمله حبط أجره. من رجع في هبته بالغ في خسته. من جاد بماله جل ومن جاد بمرضه ذل. من حفر حفيراً لأخيه كان حتفه فيه. من قال مالا ينبغي سمع مالا يشتهي. من لزم الرقاد عدم المراد. من نظر في العواقب سلم من النوائب. من أسرع في الجواب أخطأ في الصواب. من حسنت خصاله طالب وصاله. من عرف بشيءٍ نسب إليه. (ن) . نصرة الحق شرفٌ ونصرة الباطل سرفٌ.

نخبة أمثال أوردها بهاء الدين العاملي في كتابه الكشكول
115 (أ) . إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. إذا هرب الزاهد من الناس فاطلبه. إذا ذكر جليسك عندك أحداً بالسوء فاعلم أنك ثانية. أفضل الزاد ما تزود للمعاد. إن سلمت من الأسد فلا تطمع في صيده. أول المعرفة الاختبار. أيسر شيءٍ الدخول في العداوة وأصعب شيءٍ الخروج منها. (ب) . بعض الكلام أقطع من الحسام. (ت) . التقى ملجمٌ. (خ) . خير أهلك من كفاك. خير سلاحك ما وقاك. (د) . الدال على الخير كفاعله. (ر) . رب أكلهٍ تمنع أكلاتٍ. ألرفق يمنٌ والخرق شومٌ. (س) . ألسعيد من وعظ بغيره. (ص) . صغير الشر يوشك أن يكبر. (ع) . عند الغاية يعرف السبق. (ق) . قبل الرماية تملأ الكنائن. ألقريب من قرب نفعه. القول ينفذ ما لا ينفذ الإبر. قيدوا النعم بالشكر. (ك) . كلبٌ
(2/74)

جوالٌ خيرٌ من أسدٍ رابضٍ. كل مبذول. مملولٌ. كل ممنوعٍ مرغوبٌ فيه. كل وعاءٍ يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع. (ل) . لا تبلغ الغايات بالأماني. لكل عملٍ ثوابٌ. لكل زمانٍ رجالٌ. لكل سرٍ مستودعٌ. ليس منك من غشك. (م) . ما حك جلدك مثل ظفرك. من أفسد بين اثنين فعلى يديهما هلاكه. من جرى في عنان أمله عثرت رجله بأجله. من رفعك فوق قدرك فاتقه. من لان عوده كثفت أغصانه. من لم تصلحه الكرامة أصلحه الهوان. من يزرع المعروف يحصد الشكر 116 أبيات تتمثل بها العرب لشعراء مختلفين:
إذا جاء موسى وألقى العصا ... فقد بطل السحر والساحر
إذا كان رب البيت بالدف مولعاً ... فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
إذا ما أراد الله إنقاذ نملةٍ ... سمت بجناحيها إلى الجو تصعد
أحب شيءٍ إلى الإنسان ما منعا ... والشيء يرغب فيه حين يمتنع
أقلب طرفي لا أرى غير صاحبٍ ... يميل مع النعماء حيث تميل
ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطلٌ ... وكل نعيمٍ لا محالة زائل
إن الفساد ضده الصلاح ... ورب جدٍ جره المزاح
أتمنى على الزمان محالاً ... أن ترى مقلتاي طلعة حر
إذا ضاع شيءٌ بين أم وبنتها ... فإحداهما يا صاح لا شك آخذه
ألم تر أن المرء تدوى يمينه ... فيقطعها عمداً ليسلم سائره
(2/75)

إنك لو تستنشق الشحيحا ... وجدته أنتن شيءٍ ريحا
انتهز الفرصة في حينها ... والتقط الجوز إذا ينثر
أيها السائل عما قد مضى ... هل جديدٌ مثل ملبوسٍ خلق
أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزنا ... عنه فإن جحود الذنب ذنبان
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدوٍ في ثياب صديق
جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ود أمري غرضا
حسبك مما تبتغيه القوت ... ما أكثر القوت لمن يموت
حياك من لم تكن ترجو تحيته ... لولا الدراهم ما حياك إنسان
ألخير لا يأتيك متصلا ... والشر يسبق سيله المطر
رب مهزولٍ سمينٌ عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب
ألرزق يخطى باب عاقل قومه ... ويبيت بواباً بباب الأحمق
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالإخبار من لم تزود
ضاقت ولو لم تضق لما انفرجت ... والعسر مفتاح كل ميسور
العنز لا يسمن إلا بالعلف ... لا يسمن العنز بقولٍ ذي لطف
فإن تك في صديق أو عدوٍ ... تخبرك العيون عن الضمير
فأقطع حبائل خلٍ لا تلائمه ... فربما ضاقت الدنيا باثنين
ألفقر فيما جاوز الكفافا ... من أتقى الله رجا وخافا
في كل مستحسن عيبٌ بلا ريب ... ما يسلم الذهب الإبريز من عيب
فلو كان حمدٌ يخلد المرء لم تمت ... ولكن حمد المرء غير مخلد
(2/76)

قدر لرجلك قبل الخطو موضعها ... فمن علا زلقاً عن غرىٍ زلجا
قد يدرك المتأني حسن حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلقٌ وحبيب قميصه مرقوع
كان يقال من أتى خوانا ... من غير أن يدعى إليه هانا
كذا قضى الله فكيف أصنع ... ألصمت إن ضاق الكلام أوسع
ألكلب لا يذكر في مجلسٍ ... إلا تراه عندما يذكر
كنت في كربتي أفر إليهم ... فهم كربتي فأين الفرار
لكل إنسانٍ طبيعتان ... خيرٌ وشرٌ وهما ضدان
لكل شيءٍ معدنٌ وجوهر ... وأوسطٌ وأصغرٌ وأكبر
لكل ما يؤذي وإن قل ألم ... ما أطول الليل على من لم ينم
ليس من مات فاستراح بميتٍ ... إنما الميت ميت الأحياء
ما انتفع المرء بمثل عقله ... وخير ذخر المرء حسن فعله
ما زالت الدنيا لنا دار أذى ... ممزوجة الصفو بألوان القذى
ما كنت لو أكرمت أستعصي ... لا يهرب الكلب من القرص
ما بال من ليست له حاجةٌ ... يكون أنفاً بين عينين
ما عاش من عاش مذموماً خصائله ... ولم يمت من يكن بالخير مذكورا
ما كلف الله نفساً فوق طاقتها ... ولا تجود يدٌ إلا بما تجد
من لم يكن في بيته طعام ... فما له في بيته مقام
(2/77)

من يفعل الخير لم يعدم جوائزه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
من يزرع الخير يحصد ما يسر به ... وزارع الشر مكنوس على الرأس
هناكم الله بالدنيا ومتعكم ... بما نحب لكم منها ونرضاه
واقنع بما أوتيته تنل المنى ... وإذا دهتك ملمةٌ فتصبر
وإذا سخطت لضر حالك مرةً ... ورأيت نفسك قد عدت فتبصر
والله أرحم بالعباد فلا تسل ... بشراً تعش عيش الكرام وتؤجر
وأحسن فإن المرء لا بد ميتٌ ... وإنك مجزي بما كنت ساعيا
وما للمرء خيرٌ في حياةٍ ... إذا ما عد من سقط المتاع
وما المرء إلا كالهلال وضوئه ... يوافي تمام الشهر ثم يغيب
وقد تسلب الأيام حالات أهلها ... وتعدو على أسد الرجال الثعالب
وما لامرئٍ طول الخلود وإنما ... يخلده طول الثناء فيخلد
والمرء يفرح بالأيام يقطعها ... وكل يومٍ مضى يدني من الأجل
وإذا نزعت عن العواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للناس
والنفس راغبةٌ إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليلٍ تقنع
وما الدهر والأيام إلا كما ترى ... رزية مال أو فراق حبيب
وما المرء إلا الأصغران لسانه ... ومعقوله والجسم خلقٌ مصور
وكيف تريد أن تدعى حكيماً ... وأنت لكل ما تهوى تبوع
وترى الناس كثيراً فإذا ... عد أهل العقل قلوا في العدد
وكم من فتى يمسي ويصبح آمناً ... وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري
(2/78)

ومن يك ذا فم مرٍ مريضٍ ... يجد مراً به الماء الزلالا
ولكل شيءٍ آفة من جنسه ... حتى الحديد سطا عليه المبرد
ومن سره أن لا يرى ما يسؤه ... فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقداً
يزيد تفضلاً وأزيد شكراً ... وذلك دأبه أبداً ودأبي
ويطلب الإنسان من فعله ... ففعله عن أصله يخبر

الباب الخامس
في الأمثال عن السنة الحيوانات
الثعلب والديك
117 حكى أن الثعلب مر في السحر بشجرةٍ فرأى فوقها ديكاً. فقال له: أما تنزل نصلي جماعةً. فقال: إن الإمام نائمٌ خلف الشجرة فأيقظه. فنظر الثعلب فرأى الكلب وولى هارباً. فناداه الديك ما تأتي لنصلي. فقال: قد انتقض وضوئي فأصبر حتى أجدد لي وضوءً وأرجع

الأسد والثعلب والذئب النمام
118 ذكر ابن الجوزي في آخر كتاب الأذكياء. قال: مرض الأسد فعادته السباع والوحوش ما خلا الثعلب فنم عليه الذئب. فقال الأسد: إذا حضر فأعلمني. فلما حضر الثعلب أعلمه الذئب
(2/79)

بذلك. وكان قد أخبر بما قاله الذئب. فقال الأسد: أين كنت يا أبا الفوارسٍ. فقال: كنت أطلب لك الدواء. قال: وأي شيءٍ أصبت. قال: قيل لي: خرزةٌ في عرقوب أبي جعدة. قال: فضرب الأسد بيده في ساق الذئب فأدماه. ولم يجد شيئاً. وخرج دمه يسيل على رجله. وأنسل الثعلب. فمر به الذئب فناداه: يا صاحب الخف الأحمر إذا قعدت عند الملوك فأنظر ما يخرج منك. فإن المجالس بالأمانات.

رجل وقبرة
وهو مثل من يكون وابصة سمعٍ ينخدع لكل شيءٍ 119 رجلٌ صاد قبرة. فقالت له: ما تريد أن تصنع بي. قال: أذبحك وآكلك. قالت: والله إني لا أسمن ولا أغني من جوع. ولا أشفي من قرمٍ. ولكني أعلمك ثلاث خصالٍ هي خير لك من أكلي: أما الواحدة فأعلمك إياها وأنا على يدك. والثانية إذا صرت على الشجرة. والثالثة إذا صرت على الجبل. قال: نعم. فقالت وهي على يده: لا تأسفن على ما فاتك. فخلى عنها. فلما صارت على الشجرة قالت له: لا تصدق بما لا يكون. فلما صارت على الجبل قالت: يا شقي لو ذبحتني لوجدت في حوصلتي درةً وزنها عشرون مثقالاً. (قال) فعض على شفتيه وتلهف ثم قال: هاتي الثالثة. قالت: قد نسيت الثنتين الأوليين فكيف أعلمك الثالثة.
(2/80)

قال: وكيف ذلك. قالت: ألم أقل لك: لا تأسفن على ما فاتك. وقد تأسفت علي وأنا فتك. وقلت لك: لا تصدق بما لا يكون وقد صدقت. فإنك لو جمعت عظامي ولحمي وريشي لم تبلغ عشرين مثقالاً. فكيف يكون في حوصلتي درة وزنها كذلك (للشريشي)

الكلب والطبل
120 حكي أن كلباً كان من عادته إذا سمع صوت طبل في مكان ذهب إليه يظن أن فيه عرساً أو وليمةً. فعمل الناس حيلةً على ذلك الكلب وتواطئوا بأن يضربوا الطبل في قريتين كلما أتى الكلب إلى مضرب الطبل يسكت ويضرب في القرية الأخرى. ففعلوا ذلك. فجعل الكلب يجري بين القريتين كلما جاء قريةً منهما أسكتوا الطبل وضرب في القرية الأخرى. ولم يزل كذلك حتى مات الكلب جائعاً عطشاناً. (أنيس الجليس للسيوطي)

الصياد والصدفة
وهو مثل من لا يميز بين الأمور 121 حكي أن صياداً كان في بعض الخلجان يصيد فيه السمك في زورق. فرأى ذات يومٍ في عقيق الماء صدفة تتلألأ حسناً. فتوهمها جوهراً له قيمةٌ. وكان قد ألقى شبكته في البحر فاشتملت على سمكةٍ كانت قوت يومه فخلاها وقذف نفسه في الماء ليأخذ الصدفة. فلما أخرجها وجدها فارغة لا شيء فيها مما ظن. فندم على ترك ما في يده
(2/81)

للطمع وتأسف على ما فاته. فلما كان في اليوم الثاني تنحى عن ذلك المكان وألقى شبكته فأصاب حوتاً صغيراً. ورأى أيضاً صدفة سنيةً فلم يلتفت إليها وساء ظنه بها فتركها. فاجتاز بها بعض الصيادين فأخذها فوجد فيها درةً تساوي أموالاً. (كليلة ودمنة)

العصفور والفخ
122 حكى أن عصفوراً مر بفخ. فقال العصفور: ما لي أراك متباعداً عن الطريق. فقال الفخ: أردت العزلة عن الناس لآمن منهم ويأمنوا مني. فقال العصفور: فما لي أراك مقيماً في التراب. فقال: تواضعاً. فقال العصفور: فما لي أراك ناحل الجسم. فقال نهكتني العبادة. فقال العصفور: فما هذا الحبل الذي على عاتقك. قال: هو ملبس النساك. فقال العصفور: فما هذه العصا. قال: أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي. فقال العصفور: فما هذا القمح الذي عندك. قال: هو فضل قوتي أعددته لفقير جائع أو ابن سبيل منقطعٍ. فقال العصفور: إني ابن سبيل وجائع فهل لك أن تطعمني. قال: نعم دونك. فلما ألقى منقاره أمسك الفخ بعنقه. فقال العصفور: بئس ما اخترت لنفسك من الغدر والخديعة. والأخلاق الشنيعة. ولم يشعر العصفور إلا وصاحب الفخ قد قبض عليه. فقال العصفور في نفسه: بحق قالت الحكماء: من تهور ندم. ومن حذر سلم. وكيف لي بالخلاص. ولات حين مناص. (للشبراوي)
(2/82)

الغراب والسنور والنمر
123 إن غراباً وسنوراً كانا متآخيين. فبينما هما تحت شجرة على تلك الحالة إذ رأيا نمراً مقبلاً على تلك الشجرة التي كانا تحتها. ولم يعلما به حتى صار قريباً من الشجرة. فطار الغراب إلى أعلى الشجرة وبقي السنور متحيراً. فقال للغراب: يا خليلي هل عندك حيلةٌ في خلاصي كما هو الرجاء فيك. فقال له الغراب: إنما تلتمس الإخوان عند الحاجة إليهم في الحيلة عند نزول المكروه بهم. وما أحسن قول الشاعر:
إن صديق الحق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت فيك نفسه ليجمعك
وكان قريباً من الشجرة رعاة معهم كلابٌ. فذهب الغراب حتى ضرب بجناحه وجه الأرض ونعق وصاح. ثم تقدم إليهم وضرب بجناحه وجه الكلاب. وارتفع قليلاً وتبعته الكلاب. وصارت في أثره فرفع الراعي رأسه فرأى طائراً يطير قريباً من الأرض ويقع فتبعه. وصار الغراب لا يطير إلا بقدر النجاة والخلاص من الكلاب. ويطمعها في أن تفترسه. ثم ارتفع قليلاً. وتبعه الكلاب حتى انتهى إلى الشجرة التي تحتها النمر. فلما رأت الكلاب النمر وثبت عليه فولى هارباً. وكان يظن أنه يأكل القط فنجا منه ذلك القط بحيلة صاحبه الغراب. (ألف ليلة وليلة)
(2/83)

العابد والدرتان
124 حكى أنه كان في بني إسرائيل عابدٌ ضاقت عليه معيشته. فخرج إلى الصحراء يعبد الله ويسأله أن يعطيه شيئاً. فنودي ذات يوم: أيها العابد مد يك وخد. فمد يده فوضع عليها درتان كأنهما كوكبان ضياءٌ. فجاء بهما إلى منزله وقال لامرأته: قد أمنا من الفقر. ثم إنه رأى ذات ليلةٍ في منامه أنه في الجنة فرأى فيها قصراً. فقيل له: هذا قصرك. فرأى فيه أريكتين متقابلتين إحداهما من الذهب الأحمر والأخرى من الفضة. وسقفهما من اللؤلؤ وقيل له: إحداهما مقعدك والأخرى مقعد امرأتك. فنظر إلى سقفهما فإذا فيه موضعٌ خال مقدار درتين. فقال: ما بال هذا الموضع خالياً. فقيل: لم يكن خالياً وإنما أنت تعجلت في الدنيا الدرتين وهذا موضعهما. فانتبه من منامه باكياً وأخبر امرأته بذلك. فقالت له زوجته: أن أدع الله واسأله حتى يردهما إلى مكانهما. فخرج إلى الصحراء وهما في كفه وصار يدعو الله ويتضرع إليه أن يردهما. ولم يزل كذلك حتى أخذتا من كفه ونودي أن: رددناهما إلى مكانهما. (للقليوبي)

بطتان وسلحفاة
125 قيل: كان في الزمان الأول غديرٌ عظيمٌ وقد سكنت فيا بطتان وسلحفاةٌ. ووقعت الألفة بينهم. واستأنس بعضهم ببعض
(2/84)

فأتفق أن غيض الماء فيبس الغدير. فجاءت البطتان لوداع السلحفاة وقالتا: اعلمي أيتها الصديقة المشفقة أن حال الدنيا الدنية آخرها الفرقة والقطيعة. وقد يبس ماء الغدير الذي هو سبب حياة المخلوقات وقد آن الرحيل ووقع الشتت بيننا. فلم نجد إلا الانتقال إلى غدير آخر. فلما سمعت السلحفاة هذا الكلام بكت ونادت بالويل والثبور وقالت: أيتها الصديقتان المشفقتان فما حيلتي أن أذهب معكما، وما سبب أن أكون معكما. قالت البطتان: نأخذك معنا ولكننا نخاف أن تتكلمي لأنك لم تملكي لسانك. قالت السلحفاة: الآن عهدت أن لا أنطق. فقالت البطتان: إذا رأى الخلق أننا حملناك وطرنا بك وتعجب كلهم على طيراننا بك وأخبر بعضهم بعضاً فعليك أن تصبري ولا تتكلمي بشيءٍ. ولا تنسى قول الفضلاء: إنه من صمت نجا. وقولهم: البلاء موكلٌ بالمنطق. وإن لم تصبري وتكلمت بشيءٍ فلا تلومن إلا نفسك. ويكون ذنبك عليك. فلما سمعت السلحفاة كلامهما قالت: لا أتكلم أبداً بل أتمسك بذكر الله فلن أكلم اليوم إنسياً. فلما أخذت البطتان عهداً على السلحفاة أتتا بقضيبٍ وقالتا للسلحفاة: أمسكي وسط القضيب بفمك وضمي شفتيك محكماً. ففعلت السلحفاة ما قالتا. ثم أخذت البطتان بطرفي القضيب على عنقهما. ثم طارتا في الهواء مع السلحفاة. فرأى بعض الناس ذلك وأخبر بعضهم بعضاً. ونادوا: يا عجباه. انظروا كيف
(2/85)

حملت البطتان السلحفاة. ثم إن السلحفاة سمعت كلام الناس. فصبرت ساعةً فلم تقدر على الصبر من كثرة تعجب الخلق. فأجابتهم: لم تعجبون من أمرنا أفلا ترون كيف حملتني البطتان. وما كان بعد أن تكلمت إلا أن وقعت على الحضيض فهلكت. (للسيوطي)

أعمى ومقعد
126 (قالوا) إن أعمى ومقعداً كانا في قرية بفقرٍ وضرٍ لا قائد للأعمى ولا حامل للمقعد. وكان في القرية رجلٌ يطعمهما في كل يوم احتساباً قوتهما من الطعام والشراب. فلم يزالا في عافية إلى أن هلك المحتسب. فأقاما بعده أياماً فاشتد جوعهما وبلغ الضور منهما جهده. فأجمعا رأيهما على أن يحمل الأعمى المقعد. فيدله المقعد على الطريق ببصره. ويستقل الأعمى بحمل المقعد ويدوران في القرية يستطعمان أهلها. ففعلا فنجمع أمرهما. ولو لم يفعلا هلكا. (للطرطوشي)

الحمامتان
127 زعموا أن حمامتين ذكراً وأنثى ملأا عشهما من الحنطة والشعير. فقال الذكر للأنثى: إنا إذا وجدنا في الصحاري ما نعيش به فلسنا نأكل مما ههنا شيئاً. فإذا جاء الشتاء ولم يكن في الصحاري شيءٌ رجعنا إلى ما في عشنا فأكلناه. فرضيت الأنثى بذلك وقالت له: نعم ما رأيت. وكان ذلك الحب ندياً حين وضعاه في عشهما. فانطلق
(2/86)

الذكر فغاب. فلما جاء الصيف يبس الحب وضمر. فلما رجع الذكر رأى الحب ناقصاً. فقال: أما كنا أجمعنا رأينا على أن لا نأكل منه شيئاً فلم أكلته. فجعلت تحلف أنها ما أكلت منه شيئاً وجعلت تعتذر إليه. فلم يصدقها وجعل ينقرها حتى ماتت. فلما جاءت الأمطار ودخل الشتاء تندى الحب وامتلأ العش كما كان. فلما رأى الذكر ذلك تندم. ثم اضطجع إلى جانب حمامته وقال: ما ينفعني الحب والعيش بعدك. إذ طلبتك فلم أجدك ولم أقدر عليك. وإذا فكرت في أمرك وعلمت أني قد ظلمتك ولا أقدر على تدارك ما فات. ثم استمر على حزنه. فلم يطعم طعاماً ولا شراباً حتى مات إلى جانبها. (كليلة ودمنة)

العابد والكلب
128 إنه كان في جبل لبنان رجلٌ من العباد منزوياً عن الناس في غارٍ في ذلك الجبل. وكان يصوم النهار ويأتيه كل ليلةٍ رغيفٌ يفطر على نصفه ويتسحر بالنصف الآخر. وكان على ذلك مدة طويلةً لا ينزل من دلك الجبل أصلاً. فأتفق أن انقطع عنه الرغيف ليلةً من الليالي فاشتد جوعه وقل هجوعه. فصلى العشاءين وبات تلك الليلة في انتظار شيءٍ يدفع به الجوع فلم يتيسر له شيءٌ. وكان في أسفل ذلك الجبل قريةٌ سكانها نصارى. فعندما أصبح العابد نزل إليهم واستطعم شيخاً منهم فأعطاه رغيفين من خبز الشعير فأخذهما
(2/87)

وتوجه إلى الجبل. وكان في دار ذلك الشيخ النصراني كلبٌ جربٌ مهزول فلحق العابد ونبح عليه وتعلق بأذياله. فألقى إليه العابد رغيفاً من ذينك الرغيفين ليشتغل به عنه. فأكل الكلب ذلك الرغيف. ولحق العابد مرةً أخرى وأخذ في النباح والهرير. فألقى إليه العابد الرغيف الآخر فأكله. ولحقه تارةً أخرى واشتد هريره وتشبث بذيل العابد ومزقه. فقال العابد: سبحان الله إني لم أر كلباً أقل حياءً منك. إن صاحبك لم يعطني إلا رغيفين وقد أخذنهما مني. ماذا تطلب بهريرك وتمزيق ثيابي. فأنطق الله تعالى ذلك الكلب فقال: لست أنا قليل الحياء. اعلم أني ربيت في دار ذلك النصراني أحرس غنمه وأحفظ داره. وأقنع بما يدفعه لي من عظام أو خبز. وربما نسيني فأبقى أياماً لا آكل شيئاً. بل ربما يمضي علينا أيامٌ لا يجد هو لنفسه شيئاً ولا لي. مع ذلك لم أفارق داره منذ عرفت نفسي ولا توجهت إلى باب غيره. بل كان دأبي أنه إن حصل شيءٌ شكرت وإلا صبرت. وأما أنت فبانقطاع الرغيف عنك ليلةً واحدةً لم يكن عندك صبرٌ ولا كان منك تحملٌ حتى توجهت من باب رازق العباد إلى باب إنسانٍ. فأينا أقل حياءً أنا أم أنت. فلما سمع العابد ذلك ضرب بيده على رأسه وخر مغشياً عليه. (لبهاء الدين)
(2/88)

تاجر ومستودع عنده
وهو مثل من أخذ بثأره بمثل ما ثئر به 129 زعموا أنه كان بأرض كذا تاجرٌ. وأنه أراد الخروج يوماً إلى بعض الوجوه ابتغاء الرزق. وكان عنده مئة من حديداً. فأودعها رجلاً من إخوانه وذهب في وجهه. ثم قدم بعد ذلك بمدةٍ. فجاء والتمس الحديد. فقال له صاحبه: قد أكلته الجرذان. فقال: قد سمعت أنه لا شيء أقطع من أنيابها للحديد. ففرح الرجل بتصديقه ما قال وادعى. ثم إن التاجر خرج فلقي ولداً للرجل. فأخذه وذهب به إلى منزله. فجاء الرجل من الغد. فقال: هل عندك علم بابني. قال: لما خرجت من عندك بالأمس رأيت بازياً قد اختطف صبياً. فلعله ابنك. فلطم الرجل على رأسه وقال يا قوم: هل سمعتم أو رأيتم أن البزاة تختطف الصبيان. فقال: نعم إن أرضا تأكل جرذانها مئة من حديدٍ ليس بعجب أن تختطف بزاتها الفيلة. قال الرجل: أكلت حديدك وهذا ثمنه. فاردد علي ابني.

براعةٌ وقرودٌ
وهو مثل من لا يتعظ بكلام غيره فيغامر بنفسه فيعطب 130 زعموا أن جماعةً من القردة كانوا سكاناً في جبل. فالتمسوا في ليلةٍ باردةٍ ذات رياح وأمطار ناراً فلم يجدوا. فرأوا يراعةً تطير كأنها شرارة نارٍ فظنوها ناراً. فجمعوا حطباً كثيراً وألقوه عليها.
(2/89)

وجعلوا ينفخون طمع أن يوقدوا ناراً يصطلون بها. وكان قريباً منهم طائرٌ على شجرةٍ ينظرون إليه وينظر إليهم وقد رأى ما صنعوا. فجعل يناديهم ويقول: لا تتعبوا. فإن الذي رأيتموه ليس بنارٍ فلما طال ذلك عليه. عزم على القرب منهم لينهاهم عما هم فيه. فمر به رجلٌ فعرف ما عمد إليه. فقال له: لا تلتمس تقويم مالا يستقيم. فإن الحجر الصلب الذي لا ينقطع لا تجرب عليه السيوف. والعود الذي لا ينحني لا يعمل منه القوس. فلا تتعب. فأبى الطائر أن يطيعه. وتقدم إلى الفردة ليعرفهم أن اليراعة ليست بنارٍ. وإذا بأحدهم تناوله وضرب به الأرض فمات.

شريكان
وهو مثل من التمس صلاح نفسه بفساد غيره
131 زعموا أنه كان لتاجر شريكٌ. فاستأجرا حانوتاً وجعلاً متاعهما فيه. وكان أحدهما قريب المنزل من الحانوت. فأضمر في نفسه أن يسرق عدلاً من أعدال رفيقه. وفكر في الحيلة لذلك وقال: إن أتيت ليلاً لم آمن أن أحمل أحد أعدالي أو إحدى رزمي وأنا لا أعرفها. فيذهب عنائي وتعبي باطلاً. فأخذ رداءه وألقاه على ما أضمر أخذه من أعدال شريكه وانصرف إلى منزله. وجاء رفيقه بعد ذلك ليصلح الأعدال فوجد رداء شريكه على بعض أعداله. فقال: هذا رداء صاحبي ولا أحسبه إلا قد نسيه. وما الرأي أن أدعه ههنا.
(2/90)

ولكن أجعله على رزمه فلعله يسبقني إلى الحانوت فيجده حيث يحب. ثم أخذ الرداء وألقاه على أحد أعدال رفيقه وأقفل الحانوت ومضى إلى منزله. فلما هجم الليل أتى رفيقه ومعه رجلٌ قد واطأه على ما عزم عليه. وضمن له جعلاً على حمله. فصار إلى الحانوت والتمس الرداء في الظلمة. حتى إذا حس به احتمل العدل الذي تحته وأخرجه هو والرجل. وجعلا يتراوحان على حمله حتى أتى منزله وهو ينحط تعباً فرزح. فلما أصبح افتقده وإذا به بعض متاعه. فندم أشد الندم. ثم انطلق إلى الحانوت فوجد شريكه قد سبقه إليه وفقد العدل وجلس مغتماً يقول: سوءتا من رفيق صالحٍ قد ائتمنني على ماله وخلفني فيه. ماذا تكون حالي عنده ولست أشك في تهمته إياي. ولكن قد وطنت نفسي على غرامته. فقال له الخائن: يا أخي لا تغتم. فإن الخيانة شر ما عمل الإنسان والمكر والخديعة لا يؤديان إلى خير. وصاحبهما مغرورٌ أبداً. وما عاد وبال البغي إلا على صاحبه. وأنا أحد من مكر وخدع. فقال له صاحبه: كيف كان ذلك. فأخبره بخبره. فأضرب الرجل عن توبيخه وقبل معذرته. وندم هو غاية الندامة.

رجل وابن عرس
وهو مثل من لا يتثبت في أمره بل يهجم على أعماله بالعجلة 132 زعموا أن رجلاً كان له غلامٌ. واتفق يوماً أن امرأته قالت
(2/91)

له: اقعد عند ابنك حتى أذهب إلى الحمام فأغتسل وأسرع العودة. ثم انطلقت وخلفت زوجها والغلام. فلم يلبث أن جاءه رسول الملك يستدعيه. ولم يجد من يخلفه عند ابنه غير ابن عرس. وكان داجناً عنده وقد رباه صغيراً. فهو عنده عديل ولده. فتركه الرجل عند الصبي وأغلق عليهما البيت وذهب مع الرسول. فنحرج من بعض أحجار البيت حيةٌ سوداء. فدنت من الغلام فضربها ابن عرسٍ فقتلها. ثم قطعها وامتلأ فمه من دمها. ثم جاء الرجل وفتح الباب. فاستقبله ابن عرسٍ كالمشير له بما صنع. فلما رآه ملوثاً بالدم طار عقله. وظن أنه قد خنق ولده. ولم يتثبت في أمره ولم يترو فيه حتى يعلم حقيقة ما جرى. ولكن عجل على ابن عرسٍ المسكين بضربة عكازٍ كان في يده على أم رأسه فوقع ميتاً. ثم لما دخل رأى الغلام سليماً حياً وعنده أسود مقطعٌ. ففهم القصة وتبين له سوء فعله في العجلة. فلطم على رأسه وقال: ليتني لم أرزق هذا الولد. ولم أغدر هذا الغدر. ثم دخلت زوجته فوجدته على تلك الحال. فقالت له: ما شأنك. فأخبرها الخبر وحسن فعل ابن عرسٍ وسوء مكافأته له. فقالت: هذا ثمرة العجلة.

فيلةٌ وأرنبٌ
وهو مثل من صرف الأذى عن قومه بحيلته
133 زعموا أن أرضاً من أراضي الفيلة تتابعت عليها السنون
(2/92)

وأجدبت. وقل ماؤها وغارت عيونها. وذوى نباتها ويبس شجرها. فأصاب الفيلة عطشٌ شديدٌ. فشكون ذلك إلى ملكهن فأرسل الملك رسله ورواده في طلب الماء في كل ناحيةٍ. فرجع إليه بعض الرسل فأخبره قائلاً: قد وجدت بمكان كذا عيناً يقال لها عين القمر كثيرة الماء فتوجه ملك الفيلة بأصحابه إلى تلك العين ليشرب منها هو وفيلته. وكانت العين في أرض لأرانب فوطئنهن وهن في أحجارهن فهلك منهن كثيرٌ. فاجتمعن إلى ملكهن فقلن له: قد علمت ما أصابنا من الفيلة. فقال: ليحضر كل ذي رأيٍ رأيه. فتقدمت واحدةٌ من الأرانب يقال لها فيروز. وكان الملك يعرفها بحسن الرأي والأدب. فقالت: إن رأى الملك أن يبعثني إلى الفيلة ويرسل معي أميناً ليرى ويسمع ما أقول ويرفعه إلى الملك. فقال لها الملك: أنت أمينةٌ ونرضى بقولك. فأنطلقي إلى الفيلة وبلغي عنا ما تريدين. واعلمي أن الرسول برأيه وعقله ولينه وفضله يخبر عن عقل المرسل. فعليك باللين والمؤاتاة. فإن الرسول هو الذي يلين الصدور إذا رفق. ويخشن الصدور إذا خرق. ثم إن الأرنب انطلقت في ليلةٍ قمراء حتى انتهت إلى الفيلة. وكرهت أن تدنو منهن مخافة على الجبل بأرجلهن. فيقتلنها وإن كن غير متعمداتٍ. ثم أشرفت على الجبل ونادت ملك الفيلة وقالت له: إن القمر أرسلني إليك والرسول غير ملومٍ فيما يبلغ وإن أغلظ في القول. قال ملك الفيلة: فما الرسالة.
(2/93)

قالت: يقول لك. إنه من عرف قوته على الضعفاء فاغتر لذلك بالأقوياء كانت قوته وبالاً عليه. وأنت قد عرفت فضل قوتك على الدواب فغرك ذلك. فعمدت إلى العين التي تسمى باسمي فوردتها وكدرتها. فأرسلني إليك لأنذرك أن لا تعود إلى مثل ذلك. وإنك إن فعلت يغشي بصرك ويتلف نفسك. وإن كنت في شكٍ من رسالتي. فهلم إلى العين من ساعتك فإنه موافيك إليها. فعجب ملك الفيلة من قول الأرنب فانطلق إلى العين مع فيروز الرسول. فلما نظر إليها رأى ضوء القمر فيها. فقالت له فيروز الرسول: خذ بخرطومك من الماء فاغسل به وجهك واسجد للقمر. فأدخل الفيل خرطومه في الماء فتحرك. فنحيل له أن القمر ارتعد. فقال: ما شأن القمر ارتعد. أتراه غضب من إدخالي جحفلتي في الماء. قالت الأرنب: نعم. فسجد الفيل للقمر مرة أخرى. وتاب إليه مما صنع وشرط أن لا يعود إلى مثل ذلك هو ولا أحدٌ من الفيلة.

أرنبٌ وأسد
وهو مثل من دفع المكروه برأيه وأحسن تدبيره وحيلته 134 زعموا أن أسداً كان في أرض أريضةٍ كثيرة المياه والعشب. وكان فيها من الوحوش في سعة المياه والمرعي كثيرٌ إلا أنه لم يكن ينفعها ذلك لخوفها من أسد كان مستبداً بالأمر فيها. فاجتمعت إليه وقالت له: إنك تصيب منا الدابة بعد الجهد والتعب. وقد رأينا
(2/94)

لك رأيا فيه صلاح لك وأمن لنا. فإن أنت أمنتنا ولم تخفناً فلك علينا في كل يومٍ دابةٌ نبعث بها إليك في وقت غدائك. فرضي الأسد بذلك وصالح الوحوش عليه. ووفين بها له إلى أن أصابت القرعة أرنبا. فقالت للوحوش: إن أنتن رفقتن بي فيما لا يضركن رجوت أن أريحكن من الأسد. فقلن: وما الذي تكفيننا من الأمور. قالت: تأمرن الذي ينطلق بي إلى الأسد أن يمهلني ريثما أبطئ عليه. بعض الإبطاء. فقلن لها: ذلك لك. فانطلقت الأرنب متباطئةً حتى جاوزت الوقت الذي كان يتغدى فيه الأسد. ثم تقدمت إليه وحدها رويداً وقد جاع وغضب. فقام من مكانه نحوها. فقال: من أين أقبلت. قالت: أنا رسول الوحوش إليك بعثني ومعي أرنب لك فتبعني أسدٌ في بعض تلك الطريق فأخذها مني غصباً. وقال: أنا أولى بهذه الأرض وما فيها من الوحوش. فقلت: إن هذا غداء الملك أرسلت به الوحوش معي إليه فلا تغصبنيه. فسبك وشتمك. فأقبلت مسرعةً إليك لأخبرك. فقال الأسد: أو في زمني غاصبٌ انطلقي معي فأريني موضع هذا الأسد. فانطلقت إلى جبٍ فيه ماءٌ غامرٌ صافٍ. فاطلعت فيه وقالت: هذا المكان. فتطلع الأسد فرأى ظله وظل الأرنب في الماء فلم يشك في قولها. ثم وثب عليه ليقاتله فغرق في الجب. فانقلبت الأرنب إلى الوحوش فأعلمتهن صنيعها بالأسد. (كليلة ودمنة)
(2/95)

الباب السادس في الفضائل والنقائص
الصبر
135 قال بعض العلماء: الصبر عشرة أقسامٍ: الصبر عن شهوة البطن يسمى قناعةً وضده الشره. والصبر عن شهوة الجسد يسمى عفة وضده الشبق. والصبر على المعصية يسمى صبراً وضده الجزع. والصبر على الغناء يسمى ضبط النفس وضده البطر. والصبر عند القتال يسمى الشجاعة وضده الجبن. والصبر عند الغضب يسمى حلماً وضده الحمق. والصبر عند النوائب يسمى سعة الصدر وضده الضجر. والصبر حفظ السر يسمى الكتمان وضده الخرق. والصبر عن فضول المعيشة يسمى الزهد وضده الحرص. والصبر عند توقع الأمور يسمى التؤدة وضده الطيش. (للقليوبي) ومن أحسن ما جاء في باب الصبر قول بعضهم:
بنى الله للأخيار بيتاً سماؤه ... همومٌ وأحزانٌ وحيطانه الضر
وأدخلهم فيه وأغلق بابه ... وقال لهم مفتاح بابكم الصبر
قال آخر:
إصبر قليلاً وكن بالله معتصماً ... ولا تعاجل فإن العجز بالعجل
ألصبر مثل اسمه في نائبةٍ ... لكن عواقبه أحلى من العسل
(2/96)

136 قال بعض الحكماء: الصبر صبران. صبرٌ على ما تكره وصبرٌ عما تحب. والثاني أشدهما على النفس. (لبهاء الدين) من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين:
إني رأيت وفي الأيام تجربةٌ ... للصبر عاقبةً محمودة الأثر
لا تضجرن ولا يدخلك معجزةٌ ... فالنجح يهلك بين العجز والضجر
لامرأة من العرب
أيها الإنسان صبراً ... إن بعد العسر يسرا
إشرب الصبر وإن كا ... ن من الصبر أمرا
137 شكا رجلٌ إلى جعفر الصادق أذية جاره. فقال له: اصبر عليه. قال: ينسبني إلى الذل. قال: إنما الذليل من ظلم. (للمستعصمي) قال علي بن أبي طالبٍ:
إصبر قليلاً فبعد العسر تيسير ... وكل أمر له وقتٌ وتدبير
وللمهيمن في حالاتنا نظرٌ ... وفوق تدبيرنا لله تدبير
قال بعضهم:
إذا ما أتاك الدهر يوماً بنكبةٍ ... فأفرغ لها صبراً وأوسع لها صدرا
فإن تصاريف الزمان عجيبةٌ ... فيوماً ترى يسراً ويوماً ترى عسرا
قال آخر:
وكم غمرةٍ هاجت بأمواج غمرةٍ ... تلقيتها بالصبر حتى تجلت
(2/97)

وكانت على الأيام نفسي عزيزةً ... فلما رأت صبري على الذل ذلت
138 قال الفضيل بن عياض: ألا ترون كيف يزوي الله الدنيا عمن يحب ويمررها عليهم تارةً بالجوع ومرةً بالحاجة. كما تصنع الأم الشفيقة بولدها تفطمه بالصبر مرة وبالحضض أخرى وإنما تريد صلاحه. (لبهاء الدين) أنشد بعضهم:
وإذا بليت بعسرةٍ فالبس لها ... صبر الكريم فإن ذلك أحزم
لا تشكون إلى العباد فإنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرجم
وقال آخر:
واصبر إذا ما شئت إكليل الهنا ... فبغير حسن الصبر لن تتكللا
فإذا كرهت الصبر فاعلم أنما ... حقاً كرهت بأن تكون مكللا
قال بعض الشعراء:
ما أحسن الصبر في الدنيا وأجمله ... عند الإله وأنجاه من الجزع
من شد بالصبر كفا عند مؤلمةٍ ... ألوت يداه بحبل غير منقطع
قال آخر
أما والذي لا يعلم الغيب غيره ... ومن ليس في كل الأمور له كفو
لئن كان بدء الصبر مرا مذاقه ... لقد يجتنى من بعده الثمر الحلو
قال محمد الأبيوردي:
تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعز وأهوال الزمان تهون
(2/98)

وظل يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكونه
139 قال علي بن أبي طالبٍ: اعلموا أن الصبر من الأمور بمنزلة الرأس من الجسد. إذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد. وإذا فارق الصبر الأمور فسدت الأمور. ولله من قال:
على قدر فضل المرء تأتي خطوبه ... ويجمد منه الصبر مما يصيبه
فمن قل فيما يلتقيه اصطباره ... فقد قل فيما يلتقيه نصيبه
قال الشبراوي:
وإذا مسك الزمان بضرٍ ... عظمت دونه الخطوب وجلت
وأتت بعده نوائب أخرى ... سئمت نفسك الحياة وملت
فاصطبر وانتظر بلوغ الأماني ... فالرزايا إذا تواليت تولت
قال محمود الوراق:
ألدهر لا يبقى على حالةٍ ... لكنه يقبل أو يدبر
فإن تلقاك بمكروهه ... فاصبر فإن الدهر لا يصبر
140 (من كتاب أنيس العقلاء) . اعلم أن النصر مع الصبر. والفرج مع الكرب. واليسر مع العسر. قال بعض الحكماء: بمفتاح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور. وقال بعضهم: عند انسداد الفرج. تبدو مطالع الفرج. (لبهاء الدين) ولله در من قال:
ألصبر مفتاح ما يرجى ... وكل صعبٍ به يهون
(2/99)

فاصبروا وإن طالت الليالي ... فربما أمكن الحرون
وربما نيل باصطبارٍ ... ما قيل هيهات لا يكون
قال أبو الفتح البستي:
تحمل أخاك على ما به ... فما في استقامته مطمع
وأنى له خلقٌ واحدٌ ... وفيه طبائعه الأربع
قال غيره:
دع الأيام تفعل ما تشاء ... وطيب نفساً إذا نزل البلاء
ولا تجزع لحادثة الليالي ... فما لحوادث الدنيا بقاء
إذا ما كنت ذا قلبٍ قنوعٍ ... فأنت ومالك الدنيا سواء
قال آخر:
إدفع بصبرك حادث الأيام ... وترج لطف الواحد العلام
لا تيأسن وإن تضايق كربها ... ورماك ريب صروفها بسهام
فله تعالى بين ذلك فرجةٌ ... تخفى على الأبصار والأوهام
كم من نحيٍ بين أطراف القنا ... وفريسةٍ سلمت من الضرغام

الحلم
141 قيل لقيس بن عاصمٍ: ما الحلم. قال: أن تصل من قطعك. وتعطي من حرمك. وتعفو عمن ظلمك. قال علي بن أبي طالبٍ: حلمك على السفيه يكثر أنصارك عليه. (قالوا) لا يظهر الحلم إلا مع الانتصار. كما لا يظهر العفو إلا مع الاقتدار. (وقالوا) ما قرن
(2/100)

شيءٌ إلى شيءٍ أزين من حلمٍ إلى علمٍ. ومن عفو إلى قدرةٍ. قال معاوية: إني لأستحي من ربي أن يكون ذنبٌ أعظم من عفوي. أو جهلٌ أكبر من حلمي. أو عورةٌ لا أواريها بستري. وقال المورق العجلي: ما تكلمت في الغضب بكلمةٍ ندمت عليها في الرضا. (لابن عبد ربه) قال النواجي:
يخاطبني السفيه بكل قبحٍ ... وأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهةً وأزيد حلماً ... كعودٍ زاده الإحراق طيبا
142 قالت الحكماء: يدرك بالرفق مالا يدرك بالعنف. ألا ترى أن الماء على ليئه يقطع الحجر على شدته. وقال أشجع السلمي لجعفر بن يحيى: ما كاد يدرك بالرجال ولا بالمال ما أدركت بالرفق.
وقال النابغة.

ألرفق يمنٌ والأناة سعادةٌ ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا
قال الشعبي لعبد الملك: إنك على إيقاع ما لم توقع أقدر منك على رد ما أوقعت. وأخذ ذلك الشاعر فقال:
فداويته بالحلم والمرء قادرٌ ... على سهمه ما دام في كفه السهم
(للثعالبي) قيل لهشام بن عبد الملك: تطمع في الخلافة وأنت بخيل جبانٌ. قال: ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيفٌ. (لأبي الفرج)
(2/101)

143 قال البحتري: تناس ذنوب قومك إن حفظ الذم نوب إذا قدمن من الذنوب (قيل) الاعتراف. يزول به الاقتراف. لا عتب مع إقرار. ولا ذنب مع استغفار. ألمعترف بالجريرة مستحق للغفيرة. قال محمد بن حازمٍ:
إذا ما امرؤٌ من ذنبه جاء تائبا ... إليك فلم تغفر له فلك الذنب
قال عمرو بن كلثومٍ لصديقٍ له أنكر ذنباً: إما أن تقر بذنبك فيكون إقرارك حجةً لنا في العفو. وإلا فطب نفساً بالانتصار منك
أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزنا ... عنه فإن حجود الذنب ذنبان
قال أبو بكر الصولي:
وكنت إذا الصديق أراد غيظي ... وأشرقني على شرق بريق
غفرت ذنوبه وصفحت عنه ... مخافة أن أعيش بلا صديق
144 أتى المنصور برجل أذنب. فقال: إن الله يأمر ب

العدل والإحسان. فإن أخذت في غيري بالعدل فخذ في بالإحسان. فعفا عنه. قال أبو فراس:
إن لم تجاف عن الذنو ... ب وجدتها فينا كثيرة
لكن عادتك الجمي ... لة أن تغض على الجريرة
(للثعالبي) دخل ابن حزيم على المهدي وقد عتب على بعض أهل الشام
(2/102)

وأراد أن يغزوهم جيشاً. فقال: يا أمير المؤمنين عليك بالعفو عن المذنب والتجاوز عن المسيء. فلأن يطيعك العرب طاعة محبةٍ خير لك من أن تطيعك طاعة خوفٍ. (لابن عبد ربه) لما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي شاور فيه أحمد بن أبي خالد الأحول الوزير. فقال: يا أمير المؤمنين إن قتلته فلك نظراء. وإن عفوت فما لك نظيرٌ. (وفيات الأعيان لابن خلكان)
العدل
145 اعلم أن العدل ميزان الله تعالى في الأرض الذي يؤخذ به للضعيف من القوي والمحق من المبطل. واعلم أن عدل الملك يوجب محبته وجوره يوجب الافتراق عنه. قيل: دعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء. وسأل الإسكندر حكماء أهل بابل: أيما أبلغ عندكم الشجاعة أم العدل. قالوا إذا استعملنا العدل استغنينا به عن الشجاعة. ويقال: عدل السلطان. أنفع من خصب الزمان. (للابشيهي) 146 إن السلطان إذا عدل انتشر العدل في رعيته. وأقاموا الوزن بالقسط وتعاطوا الحق فيما بينهم. ولزموا قوانين العدل. فمات الباطل وذهبت رسوم الجور. وانتعشت قوانين الحق. فأرسلت السماء غياثها وأخرجت الأرض بركاتها. وتمت تجارتهم. وزكت زروعهم. وتناسلت أنعامهم. ودرت أرزاقهم. ورخصت أسعارهم.
(2/103)

وامتلأت أوعيتهم. فواسى البخيل. وأفضل الكريم. وقضيت الحقوق. وإذا جار السلطان انتشر الجور في البلاد وعم العباد. فرقت أديانهم. واضمحلت مروآتهم. وفشت فيهم المعاصي. وذهبت أماناتهم. وتضعضعت النفوس. وقنطت القلوب. فمنعوا الحقوق. وتعاطوا الباطل. وبخسوا المكيال والميزان. فرفعت منهم البركة. وأمسكت السماء غياثها. ولم تخرج الأرض زرعها ونباتها. وقل في أيديهم الحطام. وقنطوا وأمسكوا الفضل الموجود. وتناجزوا على المفقود. فمنعوا الزكوات المفروضة. وبخلوا بالمؤاساة المسنونة. وقبضوا أيديهم عن المكارم. وتنازعوا المقدار اللطيف وتجاحدوا القدر الخسيس. ففشت فيهم الأيمان الكاذبة. والحيل في البيع. والخداع في المعاملة. والمكر والحيلة في القضاء والاقتضاء. ومن عاش كذلك فبطن الأرض خيرٌ له من ظهرها. (للطرطوشي) قال أزدشير لابنه: يا بني إن الملك والعدل أخوان لا غنى بأحدهما عن صاحبه. فالملك أسٌ والعدل حارسٌ. فما لم يكن له أس فمهدومٌ. وما لم يكن له حارسٌ فضائعٌ. (لابن عبد ربه)

الوفاء
147 قال الحجاج بن يوسف الثقفي: ما خلقت إلا فريت. وما وعدت إلا وفيت. (للقزويني) (قالوا) من تحلى بالوفاء. وتخلى عن الجفاء. فذلك من إخوان
(2/104)

الصفاء. (وقالوا) الوفاء ضالةٌ كثيرٌ ناشدها. قليلٌ واجدها. كما قيل: الوفاء من شيم الكرام. والغدر من خلائق اللئام. (الكنز المدفون للسيوطي) قال بعض الشعراء في أهل زمانه:
ذهب الوفاء ذهاب أمس الذاهب ... فالناس بين محالفٍ وموارب
يفشون بينهم المودة والصفا ... وقلوبهم محشوةٌ بعقارب
148 (قالوا) وعد الكريم نقدٌ. ووعد اللئيم تسويفٌ. قال عمر ابن الحارث: كانوا في قديم الزمان يفعلون ولا يقولون. ثم صاروا يقولون يفعلون. ثم صاروا يقولون ولا يفعلون قال زيادٌ الأعجم:
لله درك من فتىً ... لو كنت تفعل ما تقول
لا خير في كذب الجوا ... د وحبذا صدق البخيل

الصداقة والخلة
149 (قيل) المرس كثير بأخيه. قال الأحنف بن قيسٍ: خير الإخوان من إن استغنيت عنه لم يزدك في المودة. وإن احتجت إليه لم ينقصك. وإن كوثرت عضك. وإن استرفدت رفدك. وأنشد أحمد بن أبان:
إذا أنا لم اصبر على الذنب من أخٍ ... وكنت أجازيه فأين الفاضل
ولكن أداويه فإن صح سرني ... وإن هو أعيا كان فيه تحامل
(2/105)

قال آخر:
وليس أخي من دني بلسانه ... ولكن أخي من ودني وهو غائب
ومن ماله مالي إذا كنت معدماً ... وما لي له إن أعوزته النوائب
قال أبو العتاهية:
إصحب ذوي الفضل وأهل الدين ... فالمرء منسوبٌ إلى القرين
قال طرفة بن العبد:
إذا كنت في قومٍ فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردا فتردى مع الردي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
150 قيل لبزرجمهر: من أحب إليك أخوك أم صديقك. فقال: ما أحب أخي إلا إذا كان لي صديقاً. وقال عبد الله بن عباسٍ: ألقرابة تقطع. والمعروف يكفر. وما رأيت كتقارب القلوب قال بعض الأكابر: ينبغي أن تستنبط لزلة أخيك سبعين عذراً. فإن لم يقبله قلبك فقل لقلبك: ما أقساك. يعتذر إليك أخوك سبعين عذراً فلا تقبل عذره فأنت المعتوب لا هو قال المبرد.

ما القرب إلا لمن صحت مودته ... ولم يخنك وليس القرب للنسب
(2/106)

كم من قريبٍ دوي الصدر مضطغنٍ ... ومن بعيدٍ سليمٍ غير مقترب
قال المغيرة بن شعبة:
وليس الذي يلقاك بالبشر والرضا ... وإن غبت عنه آلمتك عقاربه
قال بشارٌ:
تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك إن الرأي منك لعازب
وليس أخي من ودني رأي عينه ... ولكن أخي من ودني وهو غائب
151 مما أوصى به أمير المؤمنين أولاده: يا بني عاشروا الناس عشرةً إن غبتم حنوا إليكم. وإن فقدتم بكوا عليكم. يا بني: إن القلوب جنودٌ مجندة تتلاحظ بالمودة وتتناجى بها وكذلك هي في البغض. فإذا أحببتم الرجل من غير خيرٍ سبق منه إليكم فأرجوه. وإذا أبغضتم الرجل من غير سوءٍ سبق منه إليكم فاحذروه.
قال الطغرائي:
أخاك أخاك فهو أجل ذخرٍ ... إذا نابتك نائبة الزمان
وإن بانت إساءته فهبها ... لما فيه من الشيم الحسان
تريد مهذبا لا عيب فيه ... وهل عودٌ يفوح بلا دخان
قال العطوي:
صن الود إلا عن الأكرمين ... ومن بمؤاخاته تشرف
ولا تغترر من ذوي خلةٍ ... وإن موهوا لك أو زخرفوا
(2/107)

152 قال بزرجنهر: من لم يكن له أخ يرجع إليه في أموره ويبذل نفسه وماله في شدته فلا يعدن نفسه من الأحياء. من كلام بعض العارفين: ألأخ الصالح خيرٌ من نفسك. لأن النفس أمارةٌ بالسوء والأخ الصالح لا يأمر إلا بالخير. في الخبر: المرء كثيرٌ بأخيه. ويقال: الرجل بلا إخوان كالشمال بلا يمينٍ. ويقال: من اتخذ إخواناً. كانوا له أعواناً. وقال المغيرة بن شعبة: ألتارك للإخوان متروكٌ. وقال شبيب بن شبة: عليك بالإخوان فإنهم زينةٌ في الرخاء. وعدةٌ عند البلاء. (لبهاء الدين) قال الشاعر:
تكثر من الإخوان ما اسطعت إنهم ... عمادٌ إذا استنجدتهم وظهير
وما بكثير ألف خل وصاحب ... وإن عدوا واحداً لكثير
153 وقال العتبي: لقاء الإخوان نزهة القلوب. وقال ابن عائشة القرشي: مجالسة الإخوان مسلاةٌ للأحزان. وقال سعيد بن مسلمٍ: إن في لقاء الإخوان لغنماً وإن قل. (ظرائف اللطائف لأبي نصر المقدسي) وقيل لعلي بن الهيثم: ما تحب للصديق. فقال: ثلاث خلالٍ. كتمان حديث الخلوة. والمواساة عند الشدة. وإقالة العثرة. (للمستعصمي) 154 قال عبد الله بن جعفرٍ: عليك بصحبة من إن صحبته زانك.
(2/108)

وإن عبت عنه صانك. وإن احتجت إليه مانك. وإن رأى منك خلة سدها. أو حسنةً عدها. وقال الحسن بن وهبٍ: من حقوق المودة أخذ عفو الإخوان. والإغضاء عن تقصير إن كان. (وقيل) خير الإخوان من إذا نسيت ذنبك لم يقرعك به. ومعروفه عندك لم يمن عليك به. (للشريشي) قال الإسكندر: انتفعت بأعدائي اكثر مما انتفعت بأصدقائي لأن أعدائي كانوا يعيروني ويكشفون لي عيوبي وينبهوني بذلك على الخطأ فأستدركه. وكان أصدقائي يزينون لي الخطأ ويشجعوني عليه. (الآداب السلطانية للفخري) .
ولله در أبي حيان الأندلسي إذ أنشد:
عداي لهم فضل علي ومنهٌ ... فلا أذهب الرحمان عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا

للشورة
155 سئل بعض الحكماء: أي الأمور أشد تأييداً للعقل وأيها اشد إضراراً به. فقال: أشدها تأييداً له ثلاثة أشياء. مشاورة العلماء. وتجربة الأمور. وحسن التثبت. وأشدها إضراراً به ثلاثة أشياء. الاستبداد. والتهاون. والعجلة. كان علي بن أبي طالب يقول: رأي الشيخ أحسن من جلد الغلام. قال العتبي: قيل لرجلٍ من عبسٍ ما أكثر صوابكم. قال: نحن ألف رجلٍ وفينا حازمٌ واحدٌ.
(2/109)

فنحن نشاوره فكأنا ألف حازمٍ. قال الشاعر:
ألرأي كالليل مسوداً جوانبه ... والليل لا ينجلي إلا بإصباح
فاضمم مصابيح آراء الرجال إلى ... مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح
قال الأرجائي
إقرن برأيك رأي غيرك واستشر ... فالحق لا يخفى على الاثنين
للمرء مرآةٌ تريه وجهه ... ويرى قفاه بجمع مرآتين
156 قال حكيمٌ: إذا شاورت العاقل صار عقله لك. وقال العتابي: المشورة عين الهداية. وقد خاطر من استغنى برأيه. وقال ابن المعتز: المشورة راحةٌ لك وتعب لغيرك. ومن أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحاً وعند الخطأ عاذراً. (لأبي نصر المقدسي)

كتمان السر
157 قال أنوشروان: من حصن سره فله بتحصينه خصلتان. الظفر بحاجته. والسلامة من السطوات. وقيل: كلما كثرت خزان الأسرار زادت ضياعاً. وقيل انفرد بسرك لا تودعه حازماً فيزل. ولا جاهلاً فيخون. (للابشيهي) وقال كعب بن سعدٍ الغنوي.

ولست بمبدٍ للرجال سريرتي ... ولا أنا عن أسرارهم بمسائل
وقال آخر:
يا ذا الذي أودعني سره ... لا ترج أن تسمعه مني
(2/110)

لم أجره قط على فكرتي ... كأنه لم يجر في أذني
قال ابن الخطير:
لا يكتم السر إلا كل ذي ثقةٍ ... والسر عند خيار الناس مكتوم
فالسر عندي في بيتٍ له غلقٌ ... ضاعت مفاتيحه والباب مختوم
قال أبو المحاسن الشواء في شخص لا يكتم السر وقد أجاد فيه:
لي صديقٌ إذا وإن كان لا ينطق ... إلا بغيبة أو محال
أشبه الناس بالصدى إن تحدثه ... حديثاً أعاده في الحال

الصمت وحفظ اللسان
158 سئل سولون: أي شيءٍ أصعب على الإنسان. قال: الإمساك عن الكلام بما لا يعنيه. شتم رجلٌ سخنيس الحكيم فأمسك عنه. فقيل له في ذلك. فقال: لا أدخل حرباً الغالب فيها أشر من المغلوب. ومن كلام بعض الحكماء. لاتبع هيبة السكوت بالرخيص من الكلام. قال أرسطاطا ليس: اختصار الكلام طي المعاني. وقيل له: ما أحسن ما حمله الإنسان. قال: السكوت. ومن كلام الحكماء: يستدل على عقل الرجل بقلة مقاله. وعلى فضله بكثرة احتماله. (لبهاء الدين) 159 اجتمع أربعة ملوكٍ فتكلموا. فقال ملك الفرس: ما ندمت على ما لم أقل مرةً وندمت على ما قلت مراراً. وقال قيصر: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. وقال ملك الصين: ما لم
(2/111)

أتكلم بكلمةٍ ملكتها فإذا تكلمت بها ملكتني. وقال ملك الهند: العجب ممن يتكلم بكلمةٍ إن رفعت ضرت وإن لم ترفع لم تنفع. (كليلة ودمنة) 160 ذكر ابن خلكان أن رجلاً كان يجالس الشعبي ويطيل الصمت. فقال له الشعبي يوماً: ألا تتكلم. فقال: أصمت فأسلم. وأسمع فأعلم. إن حظ المرء في أذنه له وفي لسانه لغيره (للدميري) قال ابن السكيت:
يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته بالقول تذهب رأسه ... وعثرته بالرجل تبرا على مهل
161 قال بعض السلف: ألندم على الصمت خيرٌ من الندم على القول. ومن فصول ابن المعتز: من أخافه الكلام أجاره الصمت. وقال أيضاً: الخطأ بالصمت يختم. والخطل بمثله لا يكتم وقال آخر:
ألصمت يكسب أهله ... صدق المودة والمحبة
والقول يستدعي لصا ... حبه المذمة والمسبه
فأرغب عن القول ولا ... يهتاج منك إليه رغبه
162 ويقال: من علامات العاقل حسن سمته. وطول صمته. وقال
(2/112)

بعض الحكماء: أول العلم الصمت. والثاني حسن الاستماع. والثالث الحفظ. والرابع العمل به. والخامس نشره. كان يقال: مقتل الرجل بين فكيه. وقال بعض البلغاء: اللسان. أجرح جوارح الإنسان. وقال آخر: اللسان سبعٌ صغير الجرم. (لأبي نصر المقدسي) سمعت بعض الشيوخ يقول: أشد الناس بلاءً وأكثرهم عناءً. من له لسانٌ مطلقٌ. وقلبٌ مطبقٌ. فهو لا يستطيع أن يسكت ولا يحسن أن يتكلم. (الكنزل المدفون) قال نضر بن شميل:
وإذا بليت بجاهل متحكم ... يجد المحال من الأمور صوابا
أوليته مني السكوت وربما ... كان السكوت عن الجواب جوابا
قال فيلسوفٌ: كما أن الآنية تمتحن بإطنانها فيعرف صحيحها أو مكسورها. كذلك الإنسان يعرف حاله بمنطقه. (لبهاء الدين) 163 شاور معاوية الأحنف بن قيس في استخلافه يزيد. فسكت عنه فقال: مالك لا تقول. فقال: إن صدقناك أسخطناك. وإن كذبناك أسخطنا الله. فسخط أمير المؤمنين أهون علينا من سخط الله.
فقال له: صدقت قال الحسن البصري: لسان العاقل من وراء قلبه فإذا أراد الكلام تفكر. فإن كان له قال. وإن كان عليه سكت. وقلب
(2/113)

الأحمق من وراء لسانه. فإذا أراد أن يقول قال. (لابن عبد ربه) قال زهيرٌ:
كأين ترى من معجبٍ لك صامتٍ ... زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

الكذب
164 ألكذب هو الإخبار على خلاف الواقع. قال بعضهم: لو لم أدع الكذب تورعاً. تركته تصنعاً. (الكنز المدفون للسيوطي)
قال عمر: عليك بالصدق وإن قتلك. وما أحسن ما قيل في ذلك:
عليك بالصدق ولو أنه ... أحرقك الصدق بنار الوعيد
وأبغ رضا المولى فأغبى الورى ... من أسخط المولى وأرضى العبيد
وقيل: لكل شيءٍ حليةٌ وحلية النطق الصدق. (للابشيهي) 165 قال علي بن عبيدة: الصدق ربيع القلب. وزكاة الخلقة. وثمرة المروءة. وشعاع الضمير. وعن جلالة القدر عبارته. وإلى اعتدال وزن العقل ينسب صاحبه. قال بعض الفلاسفة: الكذاب والميت سواء. لأن فضيلة الحي النطق فإذا لم يوثق بكلامه فقد بطلت حياته. قال الحسن بن سهلٍ: الكذاب لصٌ. لأن اللص يسرق مالك. والكذاب يسرق عقلك. ولا تأمن من كاذبٍ لك أن يكذب عليك. ومن اغتاب غيرك عندك فلا تأمن أن يغتابك عند غيرك.
(2/114)

حسب الكذوب من المها ... نة بعض ما يحكى عليه
ما إن سمعت بكذبةٍ ... من غيره نسبت إليه
(زهر الآداب للقيرواني)

التواضع والكبر
166 قيل لبعضهم: ما التواضع. فقال: اجتلاب المجد واكتساب الود. فقيل: ما الكبر. فقال: اكتساب البغض. (وقيل) التواشع أحد مصايد الشف. من لم يتضع عند نفسه. لم يرتفع عند غيره.
نظر مطرفٌ إلى المهلب وعليه حلةٌ يسحبها. فقال: ما هذه المشية التي يبغضها الله تعالى. فقال: أو ما تعرفني. قال: بلى أولك مادةٌ مذرةٌ وآخرك جيفةٌ قذرةٌ. فلم يعد إلى تلك المشية بعد ذلك. ونظر الحسن إلى رجل يخطر في ناحية المسجد. فقال: انظروا إلى هذا ليس منه عضو إلا والله عليه فيه نقمةٌ وللشيطان فيه لعبةٌ.
واشترى رجلٌ شيئاً فمر بسلمان وهو أمير المدائن فلم يعرفه. فقال: أحمل معي هذا يا علج فحمله فكان من يتلقاه يقول: أدفعه إلي أيها الأمير. فقال: والله لا يحمله إلا العلج. والرجل يعتذر إليه ويسأله أن يرده عليه. فأبى حتى حمله إلى مقره. (للثعالبي) قال بعضهم:
مثل المجد الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك
أنت لا تدركه متبعاً ... فإذا وليت عنه تبعك
(2/115)

167 قال بعض الحكماء لبعض الوزراء: إن تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك. قال بعضهم:
ومن البولى التي لي ... س لها في الناس كنه
أن من يعرف شيئاً ... يدعي أكثر منه
(لبهاء الدين) قال أبو العتاهية:
عجبت للإنسان في فخره ... وهو غداً في قبره يقبر
أصبح لا يملك تقديم ما ... يرجو ولا تأخير ما يحذر
حكى أن المنصور كان جالساً فألح عليه الذباب حتى أضجره. فقال: انظروا من بالباب من العلماء. فقالوا: مقاتل بن سليمان. فدعا به ثم قال له: هل تعلم لأي حكمةٍ خلق الله الذباب. قال: ليذل به الجبابرة. قال: صدقت. ثم أجازه. (للابشيهي) 168 قال بعض الحكماء: أحق من كان للكبر مجانباً. وللإعجاب مبايناً. من جل في الدنيا قدره. وعظم فيها خطره. لأنه يستقل بعالي همته كل كثير. ويستصغر معها كل كبير ورد في بعض الكتب السماوية: عجباً لمن قيل فيه من الخيرٍ ما ليس فيه ففرح. وقيل فيه من الشر ما هو فيه فغضب. (للعاملي)
(2/116)

الحسد
169 (قيل) الحسد أن تتمنى زوال نعمة غيرك. ألحسد أول ذنبٍ عصي الله به في السماء والرض. قال ابن المقفع: الحسد والحرص دعامتا الذنوب. فالحرص أخرج آدم من الجنة. والحسد نقل إبليس عن جوار الله. وقال أيضاً: لله در الحسد ما أعدله يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود. وقيل: الحسود لا يسود. (للثعالبي) قال ابن المعتز:
ألمجد والحساد مق ... رونان إن ذهبوا فذاهب
ولئن ملكت المجد لم ... تملك مودات الأقارب
170 قال بعضهم: أعظم الذنوب عند الله الحسد والحاسد مضادٌ لنعمة الله. خارج عن أمر الله. تارك لعهد الله. وقال معاوية: كل إنسان أقدر أن أرضيه إلا حاسد نعمةٍ فلا يرضيه إلا زوالها. وكان يقال: الحقد داءٌ دويٌ. ويقال: من كثر حقده دوي قلبه. ويقال: الحقد مفتاح كل شرٍ. ويقال: حل عقد الحقد. ينتظم لك عقد الود. (لأبي نصر المقدسي) قال أبو تمامٍ:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
(2/117)

ذم الغيبة
171 اعلم أن الغيبة من أقبح القبائح وأكثرها انتشاراً في الناس حتى لا يسلم منها إلا القيل من الناس. وهي ذكرك الإنسان بما يكره ولو بما فيه. سواءٌ كان في دينه أو بدنه أو نفسه أو خلقه أو خلقه أو ماله أو غير ذلك مما يتعلق به. سواءٌ ذكرته بلفظك أو بكتابك أو رمزت إليه بعينك أو يدك أو رأسك أو نحو ذلك. وقيل للربيع ابن خثيمٍ: ما نراك تغيب أحداً. فقال: لست عن نفسي راضياً فأتفرغ لذم الناس. وأنشد:
لنفسي أبكي ليس أبكي لغيرها ... لنفسي من نفسي عن الناس شاغل
172 إستح من ذم من لو كان حاضراً لبالغت في مدحه. ومدح من لو كان غائباً لسارعت إلى ذمه. ومن كلامهم: كما أن الذباب يتبع مواضع الجروح فينكيها ويجتنب المواضع الصحيحة. كذلك الأشرار يتبعون المعايب فيذكرونها ويدفنون المحاسن. (لبهاء الدين) 173 إعلم أنه كما يحرم على المغتاب ذكر الغيبة كذلك يحرم على السامع استماعها. فيجب على من يستمع إنساناً يبتدئ بغيبةٍ أن ينهاه إن لم يخف ضرراً. فإن خافه وجب عليه الإنكار بقلبه ومفارقة ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته. (للابشيهي) سمع علي رجلاً يغتاب آخر عند ابنه الحسن فقال: يا بني نزه
(2/118)

سمعك عنه فإنه نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك. (للمستعصمي) قال الشبراوي:
وسمعك صن عن سماع القبح ... كصون اللسان عن النطق به
فإنك عند سماع القبيح ... شريكٌ لقائله فانتبه

المزاح
174 قال بعض حكماء العرب: المزاح يذهب المهابة ويورث الضغينة أو المهانة. وقال ابن المعتز: المزاح يا كل الهيبة كما تأكل النار الحطب. ومن كثر مزاحه لم يزل في استخفاف به وحقدٍ عليه.
قال ناصح الدين ابن الدهان:
لا تجعل الهزل دأبا فهو منقصةٌ ... والجد تعلو به بين الورى القيم
ولا يغرنك من ملك تبسمه ... ما سحت السحب إلا حين تبتسم
175 كان يقال: الإفراط في المزح مجون والاقتصاد فيه ظرافة. ويقال: المزح في الكلام. كالملح في الطعام. وقد نظمه أبو الفتح ألبستي فقال:
أقد طبعك المكدود بالهم راحةً ... قليلاً وعلله بشيٍ من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما تعطي الطعام من الملح
(لأبي نصر المقدسي)
(2/119)

الكرم
176 ألجود سهولة البذل وسقوط شح النفس. وقد قيل في كريمٍ:
يا واحد العرب الذي ... أضحى وليس له نظير
لو كان مثلك آخر ... ما كان في الدنيا فقير
(الكنز المدفون) قال أكثم بن صيفيٍ حكيم العرب: ذللوا أخلاقكم للمطالب. وقودوها إلى المحامد. وعلموها المكارم. وصلوا من رغب إليكم. وتحلوا بالجود يلبسكم المحبة. ولا تعتقدوا البخل فتتعجلوا الفقر. (لابن عبد ربه) قال أبو تمام يصف الخليفة المعتصم:
تعود بسط الكف حتى لو أنه ... أراد انقباضاً لم تطعه أنامله
هو البحر من أي النواحي أتينه ... فلجته المعروف والجو ساحله
ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
177 (قالوا) السخي من كان مسروراً ببذله متبرعاً بعطائه. لا يلتمس عرض دنيا فيحبط عمله. ولا طلب مكافأة فيسقط شكره. ويكون مثله فيما أعطى مثل الصائد الذي يلقي الحب للطائر لا يريد نفعه ولكن نفع نفسه. وقيل لبعض الحكماء: من أجود الناس. قال: من جاد من قلةٍ. وصان وجه السائل عن المذلة (لبهاء الدين) قال أبو الحسين الجزار في الحث على الإنفاق:
(2/120)

إذا كان لي مالٌ علام أصونه ... وما ساد في الدنيا من البخل دينه
ومن كان يوماً ذا يسار فإنه ... خليق لعمري أن تجود يمينه
178 قال بعضهم: الجود أشرف الأخلاق. وأنفس الأعلاق. وقال ابن المعتز: الجود حارس النفس من الذم. وقال آخر: الأسخياء يعبدهم المال. والبخلاء يعبدونه. وقال بعض السلف: لو كان شيءٌ يشبه الربوبية لقلت: الجود. ويقال: من جاد ساد. ومن بخل رذل. وقال عمر: السيد الجواد حين يأل. وقال أبو نواس:
أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك
قال شاعر يمدح بعض الخلفاء:
بنت المكارم وسط كفك منزلاً ... وجعلت مالك للأنام مباحا
فإذا المكارم أغلقت أبوابها ... كانت يداك لقفلها مفتاحا
179 كتب كسرى إلى هرمز استقلل كثير ما تعطي. واستكثر قليل ما تأخذ. فإن قرة عين الكريم فيما يعطي. وقرة عين اللئيم فيما يأخذ. ولا تجعل الشحيح لك معيناً. ولا الكذاب أميناً. فإنه لا إعانة من شح ولا أمانة مع كذبٍ. والسلام. (للمستعصمي) وأنشد أعرابيٌ:
وكم وقد رأينا من فروع كثيرةٍ ... تموت إذا لم تحيهن أصول
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل
(2/121)

الشكر
180 ألشكر الثناء على المحسن بذكر إحسانه. وقال إبراهيم الشيباني: كنت أرى رجلاً من وجوه أهل الكوفة لا يجف لبه. ولا يستريح قلبه. في طلب حوائج الناس وإدخال المرافق على الضعيف. فقلت له: أخبرني عن الحال التي هونت عليك هذا التعب في القيام بحوائج الناس ما هي. قال: قد والله سمعت تغريد الأطيار بالأسحار. في فروع الأشجار. سمعت خفوق أوتار العيدان. وترجيع أصوات القيان. فما طربت من صوتٍ قط طربي من ثناء حسن بلسانٍ حسنٍ على رجلٍ قد أحسن. وما سمعت أحسن من شكر حرٍ لرجل حرٍ. (للشريشي) 181 قال سليمان التيمي: إن الله أنعم على عباده بقدر قدرته. وكلفهم من الشكر بقدر طاقتهم. (قيل) الشكر أفضل من النعم لأنه يبقى والنعم تفنى. (وقيل) الشكر زيادةٌ في النعم. وأمانٌ من النقم. (وقالوا) كفر النعمة يوجب زوالها. وشكرها يوجب المزيد فيها. (وقالوا) من حمدك فقد وفاك حق نعمتك. (وقالوا) إذا قصرت يداك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر. وقال محمد بن صالحٍ الواقدي: دخلت على يحيى بن خالد البرمكي فقلت: إن ههنا قوماً يشكرون لك معروفاً. فقال: يا محمد هؤلاء يشكرون معروفاً فكيف لنا شكر شكرهم. (لابن عبد ربه)
(2/122)

182 ألقناعة الاكتفاء بالموجود. وترك التشوق إلى المفقود قال بعض الحكماء لابنه: يا بني العبد حر إذا قنع. والجر عبدٌ إذا طمع. وقال بعضهم: من لم يقنع بالقليل لم يكتف بالكثير ومن فصول ابن المعتز: أعرف الناس بالله من رضي بما قسم له. وقال أبو العتاهية:
إن كان لا يغنيك ما يكفيكا ... فكل ما في الأرض لا يغنيكا
قال غيره:
إذا شئت أن تحيا سعيداً فلا تكن ... على حالةٍ إلا رضيت بدونها
ومن طلب العليا من العيش لم يزل ... حقيراً وفي الدنيا أسير غبونها
183 (قالوا) الغني من استغنى بالله. والفقير من أفتقر إلى الناس (وقالوا) لا غني إلا غني النفس. (لابن عبد ربه) قال النووي:
وجدت القناعة أصل الغنى ... فصرت بأذيالها ممتسك
فلا ذا يراني على بابه ... ولا ذا يراني به منهمك
وعشت غنياً بلا درهم ... أمر على الناس شبه الملك
نظر عبد الملك بن مروان عند موته وهو في قصره إلى قصار يضرب بالثوب المغسلة. فقال: يا ليتني كنت قصاراً ولم أتقلد الخلافة. فبلغ كلامه أبا حاتم. فقال: الحمد لله الذي جعلهم إذا
(2/123)

حضرهم الموت يتمنون ما نحن فيه. وإذا حضرنا الموت لم نتمن ما هم فيه. قال بعضهم:
بقدر الصعود يكون الهبوط ... فإياك والرتب العالية
وكن في مكانٍ إذا ما سقطت ... تقوم ورجلاك في عافيه
184 كان أنوشروان يمسك عن الطعام وهو يشتهيه ويقول: نترك ما نحب لئلا نقع فيما نكره. كان سقراط الحكيم قليل الأكل خشن اللباس. فكتب إليه بعض الفلاسفة: أنت تحسب أن الرحمة لكل ذي روحٍ واجبةٌ وأنت ذو روحٍ فلا ترحمها. فكتب له سقراط في جوابه: إنما أريد أن آكل لأعيش. وأنت تريد أن تعيش لتأكل. والسلام.
185 من كلام بعض الحكماء: إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة. وإذا أردت الغنى فأطلبه بالقناعة. فمن أطاع الله عز نصره. ومن لزم القناعة زال فقره. قال أرسطو: القنية ينبوع الأحزان. نظمه أبو الفتح البستي بقوله:
يقولون مالك لا تقتني ... من المال ذخراً يفيد الغنى
فقلت وأفحمتهم في الجواب ... لئلا أخاف ولا أحزنا
(لبهاء الدين)

البطنة
186 (قالوا) البطنة تذهب الفطنة. رأى أبو الأسود الدولي
(2/124)

رجلاً يلقم لقماً منكراً. فقال: كيف أسمك. قال: لقمان. قال: صدق الذي سماك. ورأى أعرابيٌ رجلاً سميناً. فقال له: ارى عليك قطفيةً من نسج أضراسك. قيل لبزرجمهر: أي وقتٍ فيه الطعام أصلح. قال: أما لمن قدر فإذا جاع. ولمن لم يقدر فإذا وجد. قيل لبعضهم: ما أفضل الدواء. قال: أن ترفع يدك عن الطعام وأنت تشتهيه. (قالوا) أحذروا البطنة فإن أكثر العلل إنما تتولد من فضول الطعام. (لابن عبد ربه)

ذم النبيذ
187 جاء في المبهج: الخمر مصباح السرور. ولكنها مفتاح الشرور. وقيل لبعض الحكماء: أشرب معنا. فقال: أنا لا أشرب ما يشرب عقلي. وقيل لبعضهم: النبيذ كيمياء الطرب. فقال: نعم ولكنه داعية الحرب. قال يزيد المهلبي:
لعمرك ما يحصى على الناس شرها ... وإن كان فيها لذةٌ وهناء
مراراً تريك الغي رشداً وتارةً ... تخيل أن المحسنين أساؤوا
وأن الصديق الماحض الود مبغضٌ ... وأن مديح المادحين هجاء
وجربت إخوان النبيذ فقلما ... يدوم لإخوان النبيذ إخاء

العزلة
188 (يقال) العزلة عن الناس توقي العرض. وتبقي الجلالة. وتستر الفاقة. وقال مكحولٌ: إن كان الفضل في الجماعة. فإن
(2/125)

السلامة في الوحدة والعزلة. قال الجرجاني:
ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت في وحدتي لكتبي جليسا
إنما الذل في مداخلة النا ... س فدعها ولكن كريماً رئيسا
ليس عندي شيءٌ أجل من العل ... م فلا أبتغي سواه أنيسا
(لأبي نصر المقدسي) 189 ألعزلة عن الخلق هي الطريق الأقوم الأسد. ففر من الخلق فرارك من الأسد. فطوبى لمن لا يعرفونه بشيءٍ من الفضائل والمزايا. لأنه سالمٌ من الآلام والرزايا. فاحبس نفسك في زاوية العزلة. فإن عزلة المرء عزله. قيل لبعض الزهاد: إلى أي شيءٍ أفضت بكم الخلوة. فقال: إلى الأنس بالله تعالى ولله در من قال:
أنست بوحدتي ولزمت بيتي ... فطاب الأنس لي وصفا السرور
وأدبني الزمان فلا أبالي ... بأني لا أزار ولا أزور
ولست بسائل ما عشت يوماً ... أسار الجند أم ركب الأمير
قيل لدعبل الشاعر: ما الوحشة عندك. فقال: النظر إلى الناس ثم أنشد:
ما أكثر الناس لا بل أقلهم ... ألله يعلم أني لم أقل فندا
إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثيرٍ ولكن لا أدرى أحدا
(لبهاء الدين)
(2/126)

الباب السابع
في الذكاء والأدب
العقل
190 قال حكيمٌ: العقل أشرف الأحساب. وأحصن معقلٍ. قال آخر: أشد الفاقة عدم العقل. وقال آخر: كل شيءٍ إذا كثر رخص إلا العقل فإنه كلما كثر غلا. قال الشاعر:
يعد رفيع القوم من كان عاقلاً ... وإن لم يكن في قومه بحسيب
إذا حل أرضاً عاش فيها بعقله ... وما عاقلٌ في بلدةٍ بغريب
(لأني نصر المقدسي) 191 افتخر بعض الأغنياء عند بعض الحكماء بالآباء والأجداد. وبزخارف المال المستفاد. فقال له ذلك الحكيم: إن كان في هذه فخرٌ فينبغي أن يكون الفخر لها لا لك. وإن كان آباؤك كما ذكرت أشرافاً فالفخر لهم لا لك (للفخري) 192 اعلموا أن العاقل من أطاع الله. وإن كان دميم المنظر حقير الخطر دني المنزلة رث الهيئة. وأن الجاهل من عصى الله تعالى. وإن كان جميل المنظر عظيم الخطر شريف المنزلة حسن الهيئة فصيحاً نطوقاً. فالقردة والخنازير أعقل عند الله تعالى ممن عصاه. ولا تغتروا بتعظيم أهل الدنيا إياكم فإنهم من الخاسرين. (أحباء علوم الدين)
(2/127)

193 قال أنوشروان: إن العاقل أقرب إلى الله تعالى عز وجل. والعقل كالشمس في الدنيا. وهو قلب الحسنات. والعقل حسنٌ في كل أحدٍ وهو في الأكابر والزعماء أحسن. والعقل في جسد الإنسان كالرطوبة في الشجرة. لأن الشجرة ما دامت رطبةً طريةً كان الخلق من رائحتها ونشر أزهارها وطيب ثمارها ونضارتها وطراءتها فلا تصلح حينئذ لسوى القطع والإحراق والقلع. قال أيضاً: ليس لملك ولا لرعيةٍ خيرٌ من العقل. فإن بضيائه يفرق بين القبيح والمليح. والجيد والرديء. والحق والباطل. والصدق والكذب. (التبر المسبوك للغزالي)

العلم وشرفه
194 قيل: العلماء في الأرض كالنجوم في السماء. لولا العلم لكان الناس كالبهائم. وقال بعض الحكماء: العلم حياة القلوب ومصباح الأبصار. وقال ابن المعتز في فصوله: الجاهل صغيرٌ وإن كان شيخاً. والعالم كبيرٌ وإن كان حدثاً. وقال أيضاً: ما مات من أحياء العلوم. قال بعض الحكماء لابنه: يا بني خذ العلم من أفواه الرجال فإنهم يكتبون أحسن ما يسمعون. ويحفظون أحسن ما يكتبون. ويقولون أحسن ما يحفظون. (لأبي نصر المقدسي) 195 لما ولي عمر بن عبد العزيز وفد عليه الوفود من كل بلدٍ.
(2/128)

فوفد عليه الحجازيون فتقدم منهم غلامٌ للكلام. وكان حديث السن. فقال عمر: لينطق من هو أسن منك. فقال الغلام: أصلح الله أمير المؤمنين. إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه. فإذا منح الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام. ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في الأمة من هو أحق منك بمجلسك هذا فتعجب عمر من كلامه. وسأل عن سنه فإذا هو ابن إحدى عشرة سنة. فتمثل عمر عند ذلك بقول الشاعر:
تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علمٍ كمن هو جاهل
وإن كبر القوم لا علم عنده ... صغيرٌ إذا التفت عليه المحافل
196 قيل لبزرجمهر: أي الاكتساب أفضل. قال: العلم والأدب كنزان لا ينفدان. وسراجان لا يطفآن وحلتان لا تبليان. من نالهما أصاب الرشاد. وعرف طريق المعاد. وعاش رفيعاً بين العباد. (للقيرواني) قال الشبراوي:
ألعلم أنفس ذخرٍ أنت ذاخره ... من يدرس العلم لم تدرس مفاخره
أقبل على العلم واستقبل مقاصده ... فأول العلم إقبالٌ وآخره
197 قيل للخليل بن أحمد: أيهما أفضل ألعلم أو المال. قال: العلم.
(2/129)

قيل له: فما بال العلماء يزدحمون على أبواب الملوك. والملوك لا يزدحمون على أبواب العلماء. قال: ذلك لمعرفة العلماء بحق الملوك وجهل الملوك بحق العلماء. قال بعضهم:
ألعلم يحيى قلوب الميتين كما ... تحيا البلاد إذا ما مسها المطر
والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه ... كما يجلي سواد الظلمة القمر
(لابن عبد ربه) 198 قال الجاحظ: دخلت على محمد بن إسحاق أمير بغداد في أيام ولايته وهو جالسٌ في الديوان والناس مثلٌ بين يديه كأن على رؤوسهم الطير. ثم دخلت إليه بعد مدةٍ وهو معزولٌ وهو جالسٌ في خزانة كتبه وحواليه الكتب والدفاتر والمحابر والمساطر فما رأيته أهيب منه في تلك الحال. (للفخري) قال بعض الشعراء:
من يعدم العلم يظلم عقله أبداً ... نراه أشبه ما نلقاه بالنعم
كم من نفوس غدت لله مخلصةً ... بالعلم في صفحة القرطاس والقلم
والعقل شمسٌ ونور العلم منبثقٌ ... منها ومنها ثمار الفضل فاقتهم.

شرائط العلم
199 (قالوا) لا يكون العالم عالماً حتى تكون فيه ثلاث خصالٍ. لا
(2/130)

يحتقر من دونه. ولا يحسد من فوقه. ولا يأخذ على العلم ثمناً. ومدح خالد بن صفوان رجلاً فقال: كان بديع المنطق. جزل الألفاظ. عربي اللسان. قليل الحركات. حسن الإشارات. حلو الشمائل. كثير الطلاوة وصموتا وقوراً. قال الشافعي:
أخي لا تنال العلم إلا بستةٍ ... سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاءٌ وحرصٌ واجتهاد وبلغةٌ ... وصحبة أستاذٍ وطول زمان
200 كان حمزة من خطباء العرب ومن علماء زمانه. ضرب به المثل في الفصاحة وطول العمر. سأله معاوية يوماً عن أشياء فأجابه عنها. فقال له: بم نلت العلم. قال: بلسانٍ سؤول. وقلبٍ عقول. ثم قال يا أمير المؤمنين: إن للعلم آفة وإضاعة ونكداً واستجاعةً. فآفته النسيان. وإضاعته أن تحدث به غير أهله. ونكده الكذب فيه واستجاعته أن صاحبه منهوم لا يشبع أبداً. (للدميري)

آفات العلم
201 من كلام بعض الأعلام: من ازداد في العلم رشداً. ولم يزدد في الدنيا زهداً. فقد ازداد من الله بعداً. ومن كلام بعض الأكابر: إذا لم يكن العالم زاهداً في الدنيا فهو عقوبةٌ لأهل زمانه. قال بعض الحكماء: إذا أوتيت علماً فلا تطفئ نور العلم بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور عليهم. في بعض الحكماء: لست منتفعاً بما تعلم ما لم تعمل بما تعلم. فإن
(2/131)

زدت في علمك فأنت مثل رجلٍ حزم حزمةً من حطبٍ وأراد حملها فلم يطق فوضعها وزاد عليها. (لبهاء الدين)
(قالوا) لو أن أهل العلم صانوا علمهم لسادوا أهل الدنيا. لكن وضعوه غير موضعه فقصر في حقهم أهل الدنيا. قال حكيمٌ: ألا أخبركم بشر الناس. قالوا: بلى. قال: العلماء إذا فسدوا. (لابن عبد ربه) 202 قال ابن المعتز: العلم جمالٌ لا يخفى. ونسبٌ لا يجفى. وقال أيضاً: زلة العلم كانكسار سفينةٍ تغرق ويغرق معها خلقٌ كثيرٌ. قال غيره: إذا زل العالم. زل بزلته عالمٌ. قال ابن المعتز: المتواضع في طلاب العلم أكثرهم علما كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماءً. إذا علمت فلا تذكر من دونك من الجهال. واذكر من فوقك من العلماء. وقال أيضاً: مات خزنة الأموال وهم أحياء وعاش خزان العلم وهم أمواتٌ. مثل علمٍ لا ينفع ككنزٍ لا ينفق منه. (للقيرواني) قال أبو محمدٍ البطلوسي النحوي:
أخو العلم حيٌ خالدٌ بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم
(2/132)

الأدب
203 قال شبيب بن شبة: اطلبوا الأدب فإنه مادة العقل ودليلٌ على المروءة. وصاحب في الغربة. ومؤنس في الوحشة. وصلةٌ في المجلس. قال عبد الملك بن مروان لبنيه: عليكم بطلب الأدب فإنكم إن احتجتم إليه كان لكم مالاً. وإن استغنيتم عنه كان لكم جمالاً. وقال ابن المقفع: إذا أكرمك الناس لمال أو لسلطان فلا يعجبك ذلك. فإن الكرامة تزول بزوالهما. ليعجبك إذا كرموك لدينٍ أو أدبٍ قال الشافعي:
علمي معي حيثما يممت ينفعني ... قلبي وعاءٌ له لا بطن صندوقي
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السوق كان العلم في السوق
204 قال بزرجمهر: الجهل هو الموت الأكبر. والعلم هو الحياة الشريفة. من أكثر أدبه شرف وإن كان وضيعاً. وساد إن كان غريباً. وارتفع صيته وإن كان خاملاً. وكثرت حوائج الناس إليه وإن كان فقيراً. (للسيوطي) قال بعضهم:
ألسبع سبعٌ ولو كلت مخالبه ... والكلب كلب ولو بين السباع ربي
وهكذا الذهب الإبريز خالطه ... صفر النحاس فكان الفضل للذهب
(2/133)

لا تنظرن لأثوابٍ على أحدٍ ... إن رمت تعرفه فانظر إلى الأدب
فالعود لو لم تفح منه روائحه ... لم يفرق الناس بين العود والحطب
دخل أبو العالية على ابن عباسٍ فأقعده معه على السرير وأقعد رجالاً من قريش تحته. فرأى سوء نظرهم إليه وجهومة وجوههم. فقال: مالكم تنظرون إلي نظر الشحيح إلى الغريم المفلس. هكذا الأدب يشرف الصغير على الكبير. ويرفع المملوك على المولى. ويقعد العبيد على الأسرة. قال الشاعر:
مالي عقلي وهمتي حسبي ... ما أنا مولى ولا أنا عربي
إذا انتمى منتمٍ إلى أحدٍ ... فإنني منتم إلى أدبي
(للابشيهي) 205 دخل سالم بن مخزومٍ على عمر بن عبد العزيز فتخلى له عن الصدر. فقيل له في ذلك. فقال: إذا دخل عليك من لا ترى لك عليه فضلاً فلا تأخذ عليه شرف المنزلة. قال بعضهم:
أيها الفاخر جهلاً بالحسب ... إنما الناس لأم ولأب
إنما الفخر بعقلٍ راحجٍ ... وبأخلاقٍ حسانٍ وأدب
قال آخر:
لا تذخر غير العلو ... م فإنها تعم الذاخائر
فالمرء لو ربح البقا ... ء مع الجهالة كان خاسر
دخل محمد بن زيادٍ مؤدب الواثق على الواثق. فأظهر إكرامه
(2/134)

وأكثر إعظامه. فقيل له: من هذا يا أمير المؤمنين. قال: هذا أول من فتق لساني بذكر الله. وأدناني من رحمة الله

تأديب الصغير
206 قالت الحكماء: من أدب ولده صغيراً سر به كبيراً. وقالوا: أطبع الطين ما كان رطباً. وأعدل العود ما كان لدنا. وقال صالح ابن عبد القدوس:
وإن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقي الماء في غرسه
حتى تراه مورقاً ناضراً ... بعد الذي أبصرت من يبسه
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد له جهله ... كذي الضنى عاد إلى نكسه
ما تبلغ الأعداء من جاهلٍ ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
قال بعضهم في سوء تربية صغير:
فيا عجباً لمن ربيت طفلاً ... ألقمه بأطراف البنان
أعلمه الرماية كل يومٍ ... فلما أشتد ساعده رماني
أعلمه الفتوة كل وقتٍ ... فلما طر شاربه جفاني
وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافيةً هجاني
قال بعض الحكماء: الحياء في الصبي خيرٌ من الخوف. لأن الحياء يدل على العقل. والخوف يدل على الجبن. (لابن عبد ربه)
(2/135)

ما ينبغي للوالد في تربية ابنه
207 ينبغي للوالد أن لا يسهو من تأديب ولده. ويحسن عنده الحسن. ويقبح عنده القبيح. ويحثه على المكارم وعلى تعلم العلم والأدب. ويضربه على ذلك. قال بعضهم:
لا تسه عن أدب الصغير ... وإن شكا ألم التعب
ودع الكبير وشأنه ... كبر الكبير عن الأدب
208 قال ابن عتبة يوصي مؤدب ولده: ليكن أول إصلاحك بني إصلاحك لنفسك. فإن عيوبهم معقودة بعيبك. فالحسن عندهم ما فعلت. والقبيح ما تركت. علمهم الدين ولا تملهم فيه فيتركوه. ولا تتركهم منه فيجروه. وروهم من الشعر أعفه. ومن الكلام أشرفه. ولا تخرجهم من علم إلى علم حتى يحكموه. فإن ازدحام الكلام في السمع مضلةٌ للفهم. تهددهم بي وأدبهم دوني. وكن كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء قبل معرفة الداء. وجنبهم محادثة السفهاء. وروهم سير الحكماء (كتاب الدراري لكمال الدين الحلبي) 209 أوصى الرشيد مؤدب ولده الأمين فقال: إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه. فصير يدك عليه مبسوطة وطاعتك عليه واجبةً. أقرئه كتب الدين. وعرفه الآثار. وروه الأشعار. وعلمه السنن وبصره مواقع الكلام. وأمنعه الضحك إلا في أوقاته. ولا تمرر بك ساعةٌ إلا وأنت مغتنم فيها فائدةً تفيده
(2/136)

إياها من غير أن تخرق به فتميت ذهنه. ولا تمعن في مساحته فيستحلي الفراغ ويألفه. وقومه ما استطعت بالقرب والملانية. فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة. (للشريشي)

رقة الأدب في الظاهر
210 قال أبو حفصٍ: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن. قيل لأبي وائل: أيكما أكبر أنت أم الربيع ابن خثيمٍ. قال: أنا أكبر منه سناً. وهو أكبر مني عقلاً.
قال رجاء بن حياةٍ لعبد العزيز: ما رأيت أكرم أدباً ولا أكرم عشيرة من أبيك. سمرت عنده ليلةً فبينا نحن كذلك إذ عشي المصباح ونام الغلام. فقلت: يا أمير المؤمنين قد عشي المصباح ونام الغلام فلو أذنت لي أصلحته. فقال: إنه ليس من مروءة الرجل أن يستخدم ضيفه. ثم حط رداءه عن منكبيه. وقام إلى الدبة. فصب من الزيت في المصباح وأشخص الفتيلة. ثم رجع فلم يقم أحدٌ.
قال بعضهم في معاشرة الأدباء:
فكم من جاهل أمسى أديباً ... بصحبة عاقل. وغدا إماما
كما البحر من ثم تحلو ... مذاقته إذا صحب الغماما

الأدب في الحديث والاستماع
211 قالت الحكماء: رأس الأدب كله حسن الفهم والتفهم.
(2/137)

والإصغاء للمتكلم. قال بعض الحكماء لابنه: يا بني تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الحديث. وليعلم الناس أنك أحرص على أن تسمع منك على أن تقول. فاحذر أن تسرع في القول فيما يجب عنه الرجوع بالفعل. قالوا: من حسن الأدب أن لا تغالب أحداً على كلامه. وإذا سئل غيرك فلا تجب عنه. وإذا حدث بحديثٍ فلا تنازعه إياه. ولا تقتحم عليه فيه. ولا تره أنك تعلمه.
يقال إن هشاماً كتب إلى ملك الروم: من هشام أمير المؤمنين إلى الملك الطاغية. فكتب إليه: ما ظنت أن الملوك تسب. وما الذي يؤمنك أن أجيبك: من ملك الروم إلى الملك المذموم.

الأدب في المجالسة
212 قال إبراهيم النخعي: إذا دخل أحدكم بيتاً فليجلس حيث أجلسه أهله. قال سعيد بن العاص: ما مددت رجلي قط بين يدي جليسي. ولا قمت حتى يقوم. وقال أيضاً: لجليسي على ثلاثُ. إذا دنا رحبت به. وإذا جلس وسعت له. وإذا حدث أقبلت عليه. قال زيادٌ: إياك وصدور المجالس وإن صدرك صاحبها فإنها مجلس قلعةٍ. ولأن أدعى من بعد إلى قربٍ أحب إلي من أن أقصى من قرب إلى بعدٍ. قال ابن المعتز: لا تسرع إلى أرفع موضع في المجلس فالموضع الذي تحط إليه خيرٌ من الموضع الذي تحط منه. (لابن عبد ربه)
(2/138)

213 قال محمد بن عبيد الله: بعثني أبي إلى المعتمد في شيءٍ. فقال لي: اجلس. فاستعظمت ذلك. فأعاد. فاعتذرت بأن ذلك لا يجوز. فقال: يا محمد إن ترك أدبك في القبول مني خيرٌ من أدبك في خلاقي.
دخل رجلٌ من أهل الشام على أبي جعفرٍ المنصور فاستحسن لفظه وأدبه. فقال له: سل حاجتك. فقال: يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويزيد في سلطانك. فقال: سل حاجتك فليس في كل وقتٍ يمكن أن يؤمر لك بذلك. فقال: ولم يا أمير المؤمنين فو الله ما أخاف بخلك. ولا أستقصر أجلك. ولا أغتنم مالك. وإن عطاءك لزينٌ. وما بامرئٍ بذل وجهه إليك نقصٌ ولا شينٌ. فأعجب المنصور كلامه. وأثنى عليه في أدبه ووصله.
214 وقف الأحنف بن قيسٍ ومحمد بن الأشعث بباب معاوية فأذن للأحنف ثم لمحمد بن أشعث. فأسرع محمدٌ في مشية حتى دخل قبل الأحنف. فلما رآه معاوية. قال له: إني والله ما أذنت له قبلك وأنا أريد أن تدخل قبله. وإنا كما نلي أموركم كذلك نلي أدبكم. وما تزيد متزيدٌ إلا لنقص يجده من نفسه (للمستعصمي) ومن الأدب ألا تنتاب صاحباً فتثقل عليه. قال الثعالبي:
عليك بإقلال الزيارة إنها ... إذا كثرت كانت إلى الهجر مسكا
(2/139)

فإني رأيت الغيث يسأم دائماً ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا

الأدب في المماشاة
215 قال يحيى بن أكثم: ما شيت المأمون يوماً من الأيام في بستان مؤنسة بنت المهدي. فكنت من الجانب الذي يستره من الشمس. فلما انتهى إلى آخره وأراد الرجوع أردت أن أدور إلى الجانب الذي يستره من الشمس. فقال: لا تفعل ولكن كن بحالك حتى أسترك كما سترتني. فقلت: يا أمير المؤمنين لو قدرت أن أقيك حر النار لفعلت فيكيف الشمس. فقال: ليس هذا من كرم الصحبة ومشى ساتراً لي من الشمس كما سترته. (لابن عبد ربه)

الأدب في الأكل
216 قال الغزالي: إذا حضر الطعام فلا ينبغي لأحدٍ أن يبتدئ في الأكل ومعه من يستحق التقدم عليه لكبر سنٍ أو زيادة فضل. إلا أن يكون هو المتبوع المقتدى به. فحينئذٍ ينبغي أن لا يطول عليهم الانتظار إذا اجتمعوا للأكل. وينبغي أن لا يسكت على الطعام. ولكن يتكلم عليه بالمعروف وبالحديث عن الصالحين وأهل الأدب في الأطعمة. قال بعض الأدباء: أحسن الآكلين من لا يحوج صاحبه إلى تفقده في الأكل. وينبغي لمن قدم له أخوه الطست أن يقبله ولا يرده. (للمستعصمي)
(2/140)

الكتاب والقلم
217 قال بعض الحكماء: القلم صائغ الكلام مفرغ ما يجمعه القلب. ويصوغ ما يسكبه اللب. (الكنز المدفون) قال بعضهم ملغزاً في قلمٍ:
وساكن رمسٍ طعمه عند رأسه ... إذا ذاق من ذاك الطعام تكلما
يقوم ويمشي صامتاً متكلماً ... ويرجع من في القبر منه مقوما
وليس بحيٍ يستحق كرامةً ... وليس بميتٍ يستحق الترحما
قال بالعتابي: ببكاء القلم تبتسم الكتب. والأقلام مطايا الفطن. قال أرسطاطا ليس: عقول الرجال تحت سن أقلامهم. قال ثمامة ابن أشرس: ما أثرته الأقلام. لم تطمع في دراسته الأيام.
218 قيل في الكتاب: إنه الجليس الذي لا ينافق ولا يمل. ولا يعاتبك إذا جفوته ولا يفشي سرك. قال بعضهم في فضيلته:
جليس الأنيس يأمن الناس شره ... ويذكر أنواع المكارم والنهى
ويأمر بالإحسان والبر والتقى ... وينهى عن الطغيان والشر والأذى

الشعر
219 قال عمر بن الخطاب: رووا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم. فإن أفضل صناعات الرجل الأبيات من الشعر. يقدمها في حاجته يستعطف بها قلب الكريم. ويستميل بها قلت اللئيم. وقال أيضاً: الشعر جزلٌ من كلام العرب يسكن به الغيظ. وتطفأ به النائرة.
(2/141)

ويبغ له القوم من ناديهم. ويعطى به السائل. وقال ابن عباسٍ: الشعر علم العرب وديوانها فتعلموه كان بنو أنف الناقة يعيبون بهذا الاسم في الجاهلية حتى قال فيهم الحطيئة:
قومٌ هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا
فعاد هذا الاسم فخراً لهم وشرفاً فيهم. (لابن عبد ربه) 220 قيل لبعض الشعراء: من أشعر الناس. قال: النابغة إذا رهب وزهير إذا رغب. وحريرٌ إذا غضب. وعنترة إذا ركب قال عبد الملك للفرزدق: من أشعر الناس في الإسلام. قال: كفاك بابن النصرانية إذا مدح. (يريد الأخطل شاعر بني أمية النصراني) (الأغاني)

الباب الثامن في اللطائف
221 رأى الإسكندر سمياً له لا يزال ينهزم في الحروبٍ فقال له: يا هذا إما أن تغير فعلك أن تغير اسمك
222 بعث ملكٌ إلى عبدٍ له: مالك لا تخدمني وأنت عبدي. فأجابه: لو اعتبرت لعلمت أنك عبد عبدي. لأنك تتبع الهوى فأنت عبده وأنا أملكه فهو عبدي (للمستعصمي)
(2/142)

223 قالت بنو تميم لسلامة بن جندلٍ: مجدنا بشعرك. قال: افعلوا حتى أقول (لابن عبد ربه) 224 سأل حكيمٌ غلاماً معه سراجٌ: من أين تجيء النار بعد ما تنطفئ. فقال: إن أخبرتني إلى أين تذهب أخبرتك من أين تجيء.
225 قال ابن الرومي في أعمى أغلظ في كلامه:
كيف يرجو الحياء منه صديقٌ ... ومكان الحياء منه خرابٌ
226 مروان بن أبي محمدٍ الجعدي آخر ملوك بني أمية كتب إلى عامل له أهدى إليه غلاماً أسود فقال: لو علمت عدداً أقل من واحد ولونا شراً من السوادٍ لأهديته والسلام.
227 وصيفٌ التركي والي السام أصابته مصيبةٌ فركب إليه محمد ابن عبد الملك الزيات فعزاه بأخبار وأمثال. ثم أصيب محمدٌ بمصيبةٍ فركب إليه وصيف فقال له: يا أبا جعفر أنا رجلٌ أعجمي لا أدري ما أقول لك. ولكن انظر ما عزيتني به ذاك اليوم فعز به نفسك الآن. فاستظرف الناس كلامه. (لطائف الوزراء)

الأعرابي والسنور
228 صاد أعرابي سنوراً ولم يكن يعرفه. فلقيه رجل فقال له: ما هذا السنور. ولقيه آخر فقال: ما هذا القط. ثم لقيه آخر فقال: ما هذا الهر. ثم لقيه آخر فقال: ما هذا الضيون. ثم لقيه آخر فقال: ما هذا الخيدع. ثم لقيه آخر فقال: ما هذا الخيطل. ثم لقيه
(2/143)

آخر فقال: ما هذا الدم. فقال الأعرابي في نفسه: أجمله وأبيعه فيجعل الله لي فيه مالاً كثيراً. فلما أتى السوق قيل له: بكم هذا. قال: بمائتي درهم. فقيل له: إنه يساوي نصف درهم. فرمى به ثم قال: ما أكثر أسماءه وأقل ثمنه. (للدميري) 229 حكي أن الحجاج اشترى غلامين أحدهما أسود والثاني أبيض. فقال لهما في بعض الأيام: كل واحدٍ يمدح نفسه ويذم رفيقه.
فقال الأسود:
ألم تر أن المسك لا شيء مثله ... وأن بياض اللفت حملٌ بدرهم
وأن سواد العين لا شك نورها ... وأن بياض العين لا شيء فأعلم
وقال الأبيض:
ألم تر أن البدر لاشيء مثله ... وأن سواد الفحم حملٌ بدرهم
وأن رجال الله بيضٌ وجوههم ... ولا شك أن السود أهل جهنم
فضحك صاحبهما وأجازهما
(ألف ليلةٍ وليلة) 230 حكى أن هارون الرشيد لما حضر بين يديه بعض أهل المغرب قال له: يقال إن الدنيا بمثابة طائر ذنبه المغرب. فقال الرجل: صدقوا يا أمير المؤمنين وإنه طاووس. فضحك الرشيد وتعجب من سرعة جواب الرجل وانتصاره لقطره. (نفح الطيب للمقري) 231 قال بعضهم ملغزاً في ميزانٍ:
(2/144)

وقاض قد قضى في الأرض عدلاً ... له كفٌ وليس له بنان
رأيت الناس قد قبلوا قضاه ... ولا نطقٌ لديه ولا بيان
وقد أحسن أبو سرفٍ ملغزاً في إبرةٍ:
ضئيلة الجسم لها ... فعلٌ متين السبب
حافرها في رأسها ... وعينها في الذنب
232 أعتق عمر بن عتبة غلاماً له كبيراً. فقام إليه عبدٌ صغيرٌ. فقال: اذكرني يا مولاي ذكرك الله بخيرٍ. فقال: إنك لم تحترف. فقال: إن النخلة قد تجتنى زهواً. قبل أن تصير معواً. فقال: قاتلك الله لقد استعتقت وأحسنت. وقد وهبتك لواهبك. كنت أمس لي واليوم مني.

دعوة أكثم بن صيفي لأولاده
233 دعا أكثم بن صيفيٍ أولاده عند موتهٍ. فاستدعى إضمامةً من الهام. فتقدم إلى كل واحدٍ منهم أن يكسرها. فلم يقدر أحدٌ على كسرها. ثم بددها فتقدم إليهم أن يكسروها. فاستسهلوا كسرها. فقال: كونوا مجتمعين ليعجز من ناوأكم عن كسركم كعجزكم عن كسرها مجتمعةً. فإنكم إن تفرقتهم سهل كسركم وأنشد:
كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى ... خطبٌ ولا تتفرقوا آحاداً
تأبى القداح إذا اجتمعن تكسراً ... وإذا افترقن تكسرت أفراداً
234 قال الشعبي: وجهني عبد الملك إلى ملك الروم فلما انصرفت
(2/145)

دفع إلي كتاناً مختوماً. فلما قرأه عبد الملك رأيته تغير. فقال: يا شعبي أعلمت ما كتب هذا النذل. قلت: لا. قال: إنه كتب: ينبغي للعرب أن لا تملك إلا من أرسلت به إلي. فقلت: يا أمير المؤمنين إنه لم يرك فكان يعرف فضلك. وإنه حساك على استخدامك مثلي. فسري عنه. (للثعالبي)
235 لما علا أمر يعقوب بن ليثٍ ارتفع قدره. وظهر اسمه وذكره. وملك كرمان وسجستان. وكان الخليفة في ذلك الزمان المعتمد. فكتب إلى يعقوب. إنك كنت رجلاً صفاراً فمن أين تعلمت تدبير الممالك. فرد يعقوب إليه جواباً وقال: إن المولى الذي أعطاني الدولة أعطاني التدبير. (للغزالي)

الأعرابي الشاعر والخليفة
236 استدعى بعض الخلفاء شعراء مصر. فصادفهم شاعر فقيرٌ بيده جرةٌ فارغةٌ ذاهباً بها إلى البحر ليملأها ماءً. فتبعهم إلى أن وصلوا إلى دار الخلافة. فبالغ الخليفة في إكرامهم والإنعام عليهم. ورأى ذلك الرجل والجرة على كتفه ونظر إلى ثيابه الرئة وقال: من أنت وما حاجتك. فأنشد:
ولما رأيت القوم شدوا رحالهم ... إلى بحرك الطامي أتيت بجرتي
فقال الخليفة: املأوا له الجرة ذهباً وفضةً. فحسده بعض الحاصرين وقال: هذا فقيرٌ مجنونٌ لا يعرف قيمة هذا المال وربما
(2/146)

أتلفه وضيعه. فقال الخليفة: هو ماله يفعل به ما شاء. فملست له ذهباً وخرج إلى الباب ففرق الجميع. وبلغ الخليفة ذلك فاستدعاه وعاتبه على ذلك. فقال:
يجود علينا الخيرون بما لهم ... ونحن بمال الخيرين نجود
فأعجبه ذلك. وأمر أن تملأ له عشر مراتٍ وقال: الحسنة بعشرة أمثالها. (حلبة الكميت للنواجي) 237 ألح رجلٌ على الأحنف بالشتم. فلما فرغ قال له: هل لك في الغداء. فإنك مذ اليوم تحدو بجمال ثقالٍ. وقال له رجلٌ: إن قلت واحدة لتسمعن عشراً. فقال: وأنت إن قلت عشراً لم تسمع واحدةً. (للابشيهى) 238 قال شرف الدولة بن منقذٍ ملغزاً في الزنبور والنحل:
ومغر دين ترنماً في مجلسٍ ... فنفاهما لأذاهما الأقوام
هذا يجود بما يجود بعكسه ... هذا فيحمد ذا وذاك يلام
239 جاءت امرأة إلى قيس بن سعد بن عبادة فقالت له: مشت جرذان بيتي على العفاء. فقال: سأدعهم يثبون وثوب الأسود. ثم أرسل لها ما ملأ البيت من سائر الحبوب والأطعمة. (والعفاء التراب. ومرادها أنه لم يبق في بيتها شيءٌ يأكله الفار)

شقيق والبطيحة
245 اشترى شقيق البلخي بطيخة لامرأته. فوجدتها غير طيبةٍ
(2/147)

فغضبت. فقال لها: على من تغضبين. أعلى البائع. أم على المشتري. أم على الزارع. أم على الخالق. فأما البائع فلو كان منه لكان أطيب شيءٍ يرغب فيه. وأما المشتري فلو كان منه لاشترى أحسن الأشياء. وأما الزارع فلو كان منه لأنبت أحسن الأشياء. فلم يبق إلا غضبك على الخالق فاتقي الله وارضي بقضائه. (للقليوبي)

إسحاق الموصلي عند البرامكة
241 قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دعاني يحيى بن خالدٍ فدخلت عليه فوجدت الفضل وجعفراً وولديه جالسين بين يديه. فقال إسحاق: أصبحت اليوم مهموماً فأردت الصبوح لأتسلى فغني صوتاً لعلي أرتاح له فغنيته:
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلا لجودٍ أكفهم ... وأرجلهم إلا لأعواد منبر
فسر وأمر لي بمائة ألف درهم. وأمر لي كل واحدٍ من ولديه بمائة ألف درهم. فتحملت المال وانصرفت (للنواجي)

الروم بموت أحد الخلفاء
242 لما مات بعض الخلفاء تجيشت الروم واحتشدت واجتمعت ملوكها وقالوا: الآن يستقل المسلمون بعضهم ببعض فتمكننا الغرة فيهم والوثبة عليهم. وضربوا في ذلك مشاورات. وتراجعوا فيه بالمناظرات. وأجمعوا على أنه فرصة الدهر. وثغرة النحر. وكان رجلٌ
(2/148)

منهم من ذوي الرأي والمعرفة غائباً عنهم فقالوا: من الحزم عرض الرأي عليه. فلما أخبروه بما أجمعوا عليه قال: لا أرى ذلك صواباً. فسألوه عن علة ذلك. فقال: غداً أخبركم إن شاء الله. فلما أصبحوا غدوا عليه للوعد وقالوا: لقد وعدتنا. قال: نعم. فأمر فإحضار كلبين عظيمين قد أعدهما. ثم حرش بينهما وألب كل واحدٍ منهما على الآخر فتواثبا وتهارشا حتى سالت دماؤهما. فلما بلغ الغاية فتح باب بيتٍ عنده وأرسل منه الكلبين ذئباً عنده قد أعده. فلما أبصراه تركا ما كانا عليه وتألفت قلوبهما. ووثبا جميعاً على الذئب فنالا منه ما أرادا. ثم أقبل الرجل على أهل الجمع فقال لهم: مثلكم مع المسلمين مثل هذا الذئب مع الكلاب لا يزال الهرج والقتال بينهم وتألفوا على العدو. فاستحسنوا قوله وتفرقوا عن رأيه.

الرشيد والذكي
243 يحكى أن رجلاً استأذن هارون الرشيد فقال: إني أصنع ما تعجز الخلائق عنه. فقال الرشيد: هات. فأخرج أنبوبةً فصب منها إبرا عدةً. ثم وضع واحدةً في الأرض. وقام على قدميه وجعل يرمي إبرةً إبرةً من قامته فتقع كل إبرةٍ في عين الإبرة الموضوعة حتى فرغ دسته. فأمر الرشيد بضربه مائة سوطٍ ثم أمر له بمائة دينار فسئل عن جمعه بين الكرامة والهوان فقال: وصلته لجودة ذكائه. وأدبته لكي لا يصرف فرط ذكائه في الفضول.
(2/149)

الملك وسائق الحمار
244 مر بعض الملوك بغلام يسوق حماراً غير منبعثٍ وقد عنف عليه في السوق فقال: يا غلام أرفق به. فقال الغلام: أيها الملك في الرفق به مضرةٌ عليه. قال: وما مضرته. قال: يطول طريقه ويشتد جوعه. وفي العنف به إحسانٌ إليه. قال: وما الإحسان إليه. قال يخف حمله ويطول أكله. قال: فأعجب الملك بكلامه وقال له: قد أمرت لك بألف درهمٍ. فقال: رزقٌ مقدورٌ. وواهبٌ مأجورٌ. قال: وقد أمرت بإثبات اسمك في جيشي. فقال: كفيت مؤونةً. ورزقت بها معونةً. قال: لولا أنك حديث السن لاستوزرتك. قال: لن يعدم الفضل من رزق العقل. قال: فهل تصلح لذلك. قال: إنما يكون المدح والذم بعد التجربة. ولا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها. قال: فاستوزره فوجده ذا رأيٍ صائبٍ وفهمٍ رحيبٍ ومشورةٍ تقع مواقع التوفيق. (للطرطوشي) 245 فر حماسٌ عن العدو منهزماً يوم الخندمة. فلامته امرأته. فقال:
أنك لو شاهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوانٌ وفر عكرمة
إذ لحقونا بالسيوف المسلمه ... يفلقن كل ساعدٍ وجمجمة
ضرباً فلا تسمع إلا غمغمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
(2/150)

عمر بن الخطاب والصمصامة
246 بعث عمر بن الخطاب إلى عمرو بن معدي كرب أن يبعث إليه بسيفه المعروف بالصمصامة. فبعث به إليه. فلما ضرب به وجده دون ما كان يبلغه عنه. فكتب غليه في ذلك. فرد عليه: إنما بعثت إلى أمير المؤمنين بالسيف ولم أبعث بالساعد الذي يضرب به.

إبراهيم الموصلي عند الرشيد
247 قال الأصمعي: كنت عند الرشيد إذ دخل عليه إبراهيم الموصلي فأنشده:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فليس إلى ما تأمرين سبيل
فعالي فعال المكثرين تجملا ... ومالي كما قد تعلمين قليل
فكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمي المؤمنين جميل
فقال: لله أبيات تأتينا بها ما أحسن أصولها. وأبين فصولها. وأقل فضولها. يا غلام أعطه عشرين ألفاً. قال: والله لا أخذت منه درهماً. قال: ولم. قال: لأن كلامك يا أمير المؤمنين خيرٌ من شعري. قال: أعطوه أربعين ألفاً. قال الأصمعي: فعلمت أنه أصيد لدراهم الملوك مني.
248 كتب أبو دلامة إلى بعض ولاة الكوفة رقعةً فيها هذه الأبيات:
إذا جئت الأمير فقل سلامٌ ... عليك ورحمة الله الرحيم
(2/151)

فأما بعد ذاك فلي غريمٌ ... من الأنصار قبح من غريم
لزومٌ ما علمت لباب داري ... لزوم الكلب أصحاب الرقيم
له مائةٌ علي ونصف أخرى ... ونصف النصف في صكٍ قديم
دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم
قال فبعث إليه بمائة ألف درهمٍ. (للشريشي)

أزهر وأبو جعفر المنصور
249 روى الشيباني قال: كان أبو جعفرٍ المنصور أيام بني أمية إذا دخل دخلَ مستتراً. فكان يجلس في حلقه أزهر السمان المحدث. فلما أفضت الخلافة إليه قدم عليه أزهر فرحب به وقربه وقال له: ما حاجتك يا أزهر. قال: داري منهدمةٌ. وعلي أربعة آلاف درهم. فوصله باثني عشر ألفاً وقال: قد قضينا حاجتك يا أزهر فلا تأتنا طالباً. فأخذها وارتحل فلما كان بعد سنةٍ أتاه فلما رآه أبو جعفر قال: ما جاء بك يا أزهر. قال: جئتك مسلماً. قال: قد أمرنا لك باثني عشر ألفاً واذهب فلا تأتنا طالباً ولا مسلما. فأخذها ومضى. فلما كان بعد سنةٍ أتاه. فقال: ما جاء بك يا أزهر. قال: أتيت عائداً. قال: إنه يقع في خلدي أنك جئت طالباً. قال: ما جئت إلا عائداً. قال: قد أمرنا لك بأثني عشر ألفاً. واذهب فلا تأتنا طالباً ولا مسلماً ولا عائداً. فأخذها وانصرف. فلما مضت السنة أقبل. فقال له: ما جاء بك يا أزهر.
(2/152)

قال: دعاءٌ كنت أسمعك تدعو به يا أمير المؤمنين جئت لأكتبه. فضحك أبو جعفر وقال: إنه دعاءٌ غير مستجابٍ. وذلك أني قد دعوت الله به أن لا أراك فلم يستجب لي وقد أمرنا لك باثني عشر ألفاً. وتعالى متى شئت فقد أعيتني فيك الحيلة.
250 أبطأ عبيد الله بن يحيى عن الديوان فأرسل إليه المتوكل يتعرف خبره فكتب إليه:
عليلٌ من مكانين ... من الإفلاس والدين
ففي هذين لي شغلٌ ... وسحبي شغل هذين
فبعث إليه بألف دينار

المستعطي بالحلم
251 قال العتبي: دخل ابن دعبلٍ على بشر بن مروان لما ولي الكوفة فقعد بين السماطين ثم قال: أيها الأمير إني رأيت رؤيا فأذن لي في قصصها. فقال: قل. فقال:
أغفيت قبل الصبح نوم مسهدٍ ... في ساعةٍ ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنك جدت لي بوصيفة ... موسومةٍ حسنٌ علي قيامها
وببدرةٍ حملت إلي وبغلةٍ ... شهباء ناحيةٍ يصر لجامها
قال له بشر بن مروان: كل شيءٍ رأيت فهو عندي إلا البغلة فإنها دهماء فارهةٌ. قال: برئت من نسبي إن كنت رأيتها إلا دهماء إلا أني غلطت.
(2/153)

252 قال البطين الشاعر: قدمت على ابن يحيى الأرميني فكتبت إليه.

رأيت في النوم أني راكب فرساً ... ولي وصيفٌ وفي كفي دنانير
فقال قومٌ لهم حذقٌ ومعرفةٌ ... رأيت خيراً وللأحلام تعبير
رؤياك فسر غداً عند الأمير تجد ... تعبير ذاك وفي الفال التباشير
فجئت مستبشراً مستشعراً فرحاً ... وعند مثلك لي بالفعل تبشير
(قال) فوقع لي في أسفل كتابي: أضغاث أحلامٍ وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. ثم أمر لي بكل شيءٍ ذكرته في أبياتي ورأيته في منامي.
253 مدح بعض الشعراء أميراً فنحيبه. فأنشده:
لئن أخطأت في مدحي ... ك ما أخطأت في منعي
لقد أحللت آمالي ... بوادٍ غير ذي زرع

السائل وعبيد الله بن عباس
254 من جود عبيد الله بن عباسٍ أنه أتاه سائلٌ وهو لا يعرف فقال له: صدق فإني نبئت أن عبيد الله بن عباس أعطى سائلاً ألف درهمٍ فاعتذر إليه. فقال له: وأين أنا من عبيد الله. قال: أين أنت منه في الحسب أم في كثرة المال. قال: فيهما. قال: أما الحسب في الرجل فمروءته وفعله. وإذا شئت فعلت. وإذا فعلت كنت حسيباً. فأعطاه ألفي درهم وأعتذر إليه من ضيق الحال. فقال له السائل:
(2/154)

إن لم تكن عبيد الله بن عباسٍ فأنت خير منه. وإن كنت هو فأنت اليوم خيرٌ منك أمس. فأعطاه ألفاً أخرى. فقال السائل: هذه هزة كريمٍ حسيبٍ. والله لقد نقرت حبة قلبي فأفرغتها في قلبك فما أخطأت إلا باعتراض الشد من جوانحي.
255 قال أحمد بن مطير: أنشدت عبد الله بن طاهرٍ أبياتاً كنت مدحت بها بعض الولاة وهي:
له يوم بؤسٍ فيه للناس أبؤسٌ ... ويوم نعيمٍ فيه للناس أنعم
فيقطر يوم الجود من كفه الندى ... ويقطر يوم البؤس منه كفه الدم
فلو أن يوم البؤس لم يثن كفه ... عن الناس لم يصبح على الأرض مجرم
ولو أن يوم الجود فرغ كفه ... لبذل الندى ما كان بالأرض معدم
فقال لي عبد الله: كم أعطاك. قلت: خمسة آلافٍ. قال: فقبلتها. قلت: نعم. قال لي: أخطأت. ما ثمن هذه إلا مائة ألفٍ.
256 قال العتبي: سمعت عمي ينشد لأبي عباس الزبيري:
وكل خليفة وولي عهدٍ ... لكم يا آل مروان الفداء
إمارتكم شفاءٌ حيث كانت ... وبعض إمارة الأقوام داء
فأنتم تحسنون إذا ملكتم ... وبعض القوم إن ملكوا أساؤوا
أأجعلكم وغيركم سواءً ... وبينكم وبينهم الهواء
(2/155)

هم أرض لأرجلكم وأنتم ... لأيديهم وأرجلهم سماء
فقلت له: كم أعطى عليها. قال: عشرين ألفاً 257 دخل معن بن زائدة على أبي جعفر فقال له: كبرت يا معن. قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين. قال: وإنك لتتجلد. قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين. قال: وإن فيك لبقيةً. قال: هي لك يا أمير المؤمنين. قال: أي الدولتين أحب إليك أو أبغض. أدولتنا أم دولة بني أمية. قال: ذلك إليك يا أمير المؤمنين. إن زاد برك على برهم كانت دولتك أحب إلي. وإن زاد برهم على برك كانت دولتهم أحب إلي. قال: صدقت 258 دخل المأمون يوماً بيت الديوان فرأى غلاماً جميلاً على أذنه قلم فقال: من أنت يا غلام. قال: أنا الناشئ في دولتك. والمتقلب في نعمتك. والمؤمل لخمتك الحسن بن رجاءٍ. قال المأمون: بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول. ارفعوا هذا الغلام فوق مرتبته.
259 كتب رجلٌ من أهل الأدب إلى عليلٍ:
نبئت أنك معتلٌ فقلت لهم ... نفسي الفداء له من كل محذور
يا ليت علته بي ثم كان له ... أجر العليل وإني غير مأجور
260 دخل محمد بن عبد الله على المتوكل في شكاة له يعوده فقال:
ألله يدفع عن نفس الإمام لنا ... وكلنا للمنايا دونه عرض
(2/156)

فليت أن الذي يعروه من مرضٍ ... بالعائدين جميعاً لا به المرض
فبالإمام لنا من غيرنا عوضٌ=وليس في غيره منه لنا عوض
فما أبالي إذا ما نفسه سلمت ... لو باد كل عباد الله وانقرضوا
(لابن عبد ربه) 261 لما قدم نصر بن منيع بين يدي المأمون وكان قد أمر بضرب عنقه قال يا أمير المؤمنين: أسمع مني كلماتٍ أقولها. قال: قل. فأنشأ يقول:
زعموا بأن الصقر صادف مرةً ... عصفور برٍ ساقه التقدير
فتكلم العصفور تحت جناحه ... والصقر منقض عليه يطير
إني لمثلك لا أتمم لقمةً ... ولئن شويت فإنني لحقير
فتهاون الصفر المدل بصيده ... كرماً وأفلت ذلك العصفور
فعفا عنه (لابن خلكان)

الدجاجة المدفونة في بقعة مباركة
262 قال الشيباني: نزل عبد الله بن جعفر إلى خيمة أعرابية ولها دجاجةٌ وقد دجنت عندها. فذبحتها وجاءت بها إليه. فقالت: يا أبا جعفر هذه دجاجةٌ لي كنت أدجنها وأعلفها من قوتي وألمسها في آناء الليل فكأنما ألمس بنتي زلت عن كبدي. فنذرت لله أن أدفنها في أكرم بقعةٍ تكون. فلم أجد تلك البقعة المباركة إلا بطنك. فأردت أن أدفنها فيه. فضحك عبد الله بن جعفرٍ وأمر لها بخمسمائة درهم.
(2/157)

263 دخل عقيلٌ على معاوية وقد كف بصره. فأجلسه معاوية على سريره ثم قال له: أنتم معشر بني هاشم تصابون في أبصاركم. قال: وأنتم معشر بني أمية تصابون في بصائركم.
264 كان بطلميوس الأخير ملك الروم يقول: ينبغي للعاقل إذا أصبح أن ينظر في المرآة فإن رأى وجهه حسناً لم يشنه بقبحٍ. وإن رآه قبيحاً لم يجمع بين قبيحين. (ثمرات الأوراق للحموي) .
265 قال حسانٌ: خرجنا مع ابن المبارك مرابطين إلى الشام. فبينما هو يمشي وأنا معه في أزقة المصيصة إذ لقي سكران قد رفع عقيرته يتغنى. فأخرج ابن المبارك برنامجاً من كمه فكتب البيت. فقلنا له: أتكتب بيت شعرٍ سمعته من سكران. قال: أما سمعتم المثل. رب جوهرة في مزبلة: قلنا: نعم. قال: فهذه جوهرةٌ في مزبلةٍ.
266 استأذن نصيب بن رياحٍ على عمر بن عبد العزيز فلم يأذن له فقال: أعلموا أمير المؤمنين أني قلت شعراً أوله الحمد لله. فأعلموه فأذن له. فأدخل عليه وهو يقول:
ألحمد لله أما بعد يا عمر ... فقد أتتنا بك الحاجات والقدر
فأنت رأس قريش وابن سيدها ... والرأس فيه يكون السمع والبصر
فأمر له بحلية سيفه. (لابن عبد ربه) 267 حدث محمد بن يزيد قال: كان ثابت قطنة قد ولي عملاً من أعمال خراسان. فلما صعد المنبر يوم الجمعة رام الكلام فتعذر
(2/158)

عليه وحصر فقال: سيجعل الله بعد عسر يسراً وبعد عيٍ بياناً. وأنتم إلى أميرٍ فعال أحوج منكم إلى أميرٍ قوالٍ
وإلا أكن فيكم خطيباً فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيب
فبلغت كلماته خالد بن صفوان. (ويقال الأحنف بن قيسٍ) فقال: والله ما علا ذلك المنبر أخطب منه (الأغاني) 268 نظر جعفر بن محمدٍ إلى فتى على ثيابه أثر مدادٍ. فونبه على ذلك فقال:
لا تجز عن من المداد فإنه ... عطر الرجال وحلية الكتاب
فأجابه:
حمارٌ في الكتابة يدعيها ... كدعوى آل حربٍ في زياد
فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو لطخت نفسك بالسواد
269 حدث الغلابي قال: تهدد عبد الله بن معنٍ أبا العتاهية وخوفه. فقال أبو العتاهية يهجوه:
ألا قل لابن عمنٍ والذي م في الودٌ قد حالا
لقد بلغت ما قال ... فما باليت ما قالا
ولو كان من الأسد ... لما راع ولا هالا
فصغ ما كنت حليت ... به سيفك خلخالا
فما تصنع بالسيف ... إذا لم تك قتالا
أرى قومك أبطالاً ... وقد أصبحت بطالا
(2/159)

(قال) فقال عبد الله: ما لبست السيف قط فلمحني إنسانٌ إلا قلت: إنه يحفظ شعر أبي العتاهية في فينظر إلي بسببه. (للشريشي) 270 حدث المدائني قال: عير زيادٌ الأعجم المغيرة بن جناء في مجلس المهلب بالبرص. فقال له المغيرة: إن عتاق الخيل لا تشينها الأوضاح ولا تعير بالغرر والحجول. وقد قال صاحبنا بلعا بن قيسٍ لرجل عيره بالبرص: إنما أنا سيف الله جلاه وأستله على أعدائه. (الأغاني) 271 قيل لبعض المجانين وقد اقبل من المقبرة: من أين جئت فقال: من هذه القافلة النازلة. قيل: ماذا قلت لهم. قال: قلت لهم متى ترحلون. فقالوا: حين علينا تقدمون. (لبهاء الدين) 272 قال بعض الشعراء:
لكل فتى خرجٌ من العيب ممتلٍ ... على كتفه منه ومن أهل دهره
فعين عيوب الناس نصب عيونه ... وعين عيوب النفس من خلف ظهره

وعد عرقوب
273 كان عرقوبٌ وعد رجلاً ثمر نخلةٍ فلما أطلعت أتاه فقال: دعها حتى تبلح. فلما أبلحت قال: دعها حتى تزهي. فلما أزهت أتاه. فقال:
(2/160)

دعها حتى ترطب. ثم أتاه فقال: دعها حتى تتمر. فلما أتمرت عدا عليها البلاء فجدها فضرب به المثل في الخلف. قال الشاعر:
من كان خلف الوعد شيمته ... والغدر عرقوبٌ له مثل
274 حدث أبو العالية قال: دخل التيمي إلى الفضل بن الربيع في يوم عيدٍ فأنشده:
لعمرك ما الأشراف في كل بلدةٍ ... وإن عظموا للفضل إلا صنائع
ترى عظماء الناس للفضل خشعاً ... إذا ما بدا والفضل لله خاشع
تواضع لما زاده الله رفعةً ... وكل جليلٍ عنده متواضع
فأمر له بعشرة آلاف درهم. (الأغاني) 275 قال بعضهم ملغزاً في اسم عليٍ:
اسم الذي تيمني ... أوله ناظره
إن فاتني أوله ... فإن لي آخره
276 لجير الدين في زهر اللوز:
أزهر اللوز أنت لكل زهرٍ ... من الأزهار يأتينا إمام
لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الدنيا ابتسام
277 كتب بعضهم على هديةٍ وأرسلها:
يا أيها المولى الذي ... عمت أياديه الجليلة
إقبل هدية من يرى ... في حقك الدنيا قليله
278 قال بعضهم لابن سيناء: هلا تسافر بحراً. فقال:
(2/161)

لا أركب البحر أخشى ... علي منه المعاطب
طينٌ أنا وهو ماءٌ ... والطين في الماء ذائب
279 سمع رجلٌ رجلاً يقول: أين الزاهدون في الدنيا. الراغبون في الآخرة. فقال له: يا هذا أقلب كلامك وضع يدك على من شئت.
280 قال بعض أصحاب القلوب: إن الناس يقولون: افتحوا أعينكم حتى تبصروا. وأنا أقول: غمضوا أعينكم حتى تبصروا.
281 كان في زمان ديوجانس الحكيم رجلٌ مصورٌ فترك التصوير وصار طبيباً فقال له: أحسنت إنك لما رأيت خطأ التصوير ظاهراً للعين وخطأ الطب يواريه التراب تركت التصوير ودخلت في الطب.
282 قال أبو تمام يمدح قوماً يجودون بأنفسهم:
يستعذبون مناياهم كأنهم ... لا يأسون من الدنيا إذا قتلوا
283 وفد حاجب بن زرارة على أنوشروان فأستأذن عليه. فقال للحاجب: سله من هو. فقال: رجلٌ من العرب. فلما مثل بين يديه قال له أنوشروان: من أنت. فقال: سيد العرب. قال: أليس زعمت أنك واحدٌ منهم. فقال: إني كنت كذلك. فلما أكرمني الملك بمكالمته صرت سيدهم. فأمر بحشو فيه درا (للعاملي) 284 قيل: إن جريراً أفخر العرب حيث يقول:
ترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
(2/162)

عين أبصرت بقلعها
285 حكي عن بعض الشعراء أنه دخل على أحد الخلفاء فوجده جالساً وإلى جانبه جاريةُ سوداء تدعى خالصة. وعليها من الحلي وأنواع الجواهر واللآلئ مالا يوصف. فصار الشاعر يمتدحه وهو يسهو عن استماعه. فلما خرج كتب على الباب:
لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع درٌ على خالصه
فقرأه بعض حاشية الخليفة وأخبره به. فغضب لذلك وأمره بإحضار الشاعر. فلما وصل إلى الباب مسح العينين اللتين في لفظة ضاع. وأحضر بين يديه. فقال له: ما كتبت على الباب. قال: كتبت.

لقد ضاء شعري على بابكم ... كما ضاء درٌ على خالصه
فأعجبه ذلك وأنعم عليه. وخرج الشاعر وهو يقول: لله درك من شعر قلعت عيناه فأبصر (للنواحي) 286 تفاخر بعضهم على أحد الشعراء. فقال فيه الشاعر:
دهرٌ علا قدر الوضيع به ... وترى الشريف يحطه شرفه
كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلاً وتعلو فوقه جيفه
قال آخر في هذا المعنى:
لا غرو أن فاق الدنيء أخا العلا ... في ذا الزمان وهل لذلك جاحد
فالدهر كالميزان يرفع كل ما ... هو ناقصٌ ويحط ما هو زائد
(2/163)

الفلاح الحكيم
287 قيل: وقف كسرى على فلاح يغرس نخلاً وقد طعن في السن. فقال له كسرى متعجباً منه: أيها الشيخ أتؤمل أن تأكل من تمر هذا النخل وهو لا يحمل إلا بعد سنين كثيرةٍ. وأنت قد فني عمرك. فقال: أيها الملك غرسوا وأكلنا وغرسنا فيأكلون. فقال متعجباً من كلامه: زه. وأعطي الفلاح ألف دينار فأخذها وقال: أيها الملك ما أعجل ما أتمر هذا النخل. فاستحسن كسرى ذلك وقال: زه. فأعطاه ألف دينار أخرى. فأخذها وقال: أيها الملك وأعجب من كل شيءٍ أن النخل أتمر السنة مرتين. فاستحسن كسرى ذلك وقال: زه. فأعطاه ألف دينارٍ أخرى ثم تركه وانصرف. (للاتليدي)

عفو معن بن زائدة عن أسراه
288 قيل: إن معناً قبض على عدةٍ من الأسرى فعرضهم على السيف. فالتفت إليه بعضهم وقال له: أصلح الله الأمير لا تجمع علينا بين الجوع والعطش ثم القتل. فو الله إن كر الأمير يبعد عن ذلك. فأمر لهم حينئذ بطعام وشراب. فأكلوا وشربوا ومعن ينظر إليهم. فلما فرغوا من أكلهم قالوا له: أيها الأمير أطال الله بقاءك إننا قد كنا أسراك والآن صرنا ضيوفك. فانظر كيف تصنع بضيوفك. فعند ذلك قال لهم معنٌ: قد عفوت عنكم. فقال له أحدهم: والله أيها الأمير إن عندنا عفوك عنا أشرف من يوم
(2/164)

ظفرك بنا. فسر معنا هذا الكلام وأمر لكل منهم بكسوةٍ ومالٍ. (لابن عبد ربه) 289 لما قتل الوزير نظام الملك أكثر الشعراء من المراثي فيه. فمن ذلك قول شبل الدولة مقاتل بن عطية:
كان الوزير نظام الملك جوهرةً ... مكنونةً صاغها الباري من الشرف
جاءت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردَّها غيرةً منه إلى الصدف

المتنبي والكتاب
290 من أرق ما حكي أن المتنبي امتدح بعض أعداء صاحب مملكته. فبلغه ذلك فتوعد المتنبي بالقتل. فخرج هارباً ثم اختفى مدة. فأخبر الملك أنه ببلدة كذا. فقال الملك لكاتبه: اكتب للمتنبي كتاباً ولطف له العبارة. واستعطف خاطره وأخبره أني رضيت عنه. ومره بالرجوع إلينا. فإذا جاء إلينا فعلنا به ما نريد. وكان بين الكاتب والمتنبي مصادقة في السر. فلم يسع الكاتب إلا الامتثال. فكتب كتاباً ولم يقدر أن يدس فيه شيئاً خوفاً من الملك أن يقرأه قبل ختمه. غير أنه لما انتهى إلى آخره وكتب إن شاء الله تعالى شدد النون (إنَّ) . وقرأه السلطان وختمه وبعث به إلى المتنبي. فلما وصل إليه ورأى تشديد النون ارتحل من تلك البلدة على الفور. فقيل له
(2/165)

في ذلك. فقال: اشار الكاتب بتشديد النون إلى ما جاء في القرآن: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك. فأخرج إني لك من الناصحين. فأنظر إلى بلوغ هذا الغرض بألطف عبارة. ويحكى أن المتنبي كتب الجواب وزاد ألفاً في آخر لفظة إن إشارة إلى ما قيل: إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها. (للنواجي) 291 قال بعضهم ملغزاً في النار:
وآكلةٍ بغير فهم وبطٍ ... لها الأشجار والحيوان قوت
فما أطعمتها انتعشت وعاشت ... ولو أسقيتها ماءً تموت
292 وقال آخر ملغزاً في بجمع:
ما طائرٌ في قلبه ... يلوح للناس عجب
منقاره في رأسه ... والعين منه في الذنب
293 رأى أبو المعمار أميراً جائراً يصلي فقال:
قد بلينا بأميرٍ ... ظلم الناس وسبح
فهو كالجزار فيهم ... يذكر الله ويذبح
294 قال عبد الحكم بن أبي إسحاق في رجل وجب عليه القتل. فرماه مستوفي القصاص بسهم فأصاب كبده فقتله. فقال عبد الحكم.

أخرجت من كبد القوس ابنها فغدت ... تئن والأم قد تحنو على الولد
(2/166)

وما درت أنه لما رميت به ... ما سار من كبدٍ إلا إلى كبد
295 كان الوزير صفي الدين المعروف بابن شكر وزير الملك العادل ابن أيوب بمصر. فعزل عبد الحكم المذكور عن خطابة جامع مصر. فكتب إليه:
فلأي بابٍ غير بابك أرجع ... وبأي جودٍ غير جودك أطمع
سدت على مسالكي ومذاهبي ... إلا إليك فدلني ما أصنع
فكأنما الأبواب بابك وحده ... وكأنما أنت الخليقة أجمع

ذكاء المأمون
296 حكى أن أم جعفرٍ عاتبت الرشيد في تقريظه للمأمون دون الأمين ولدها. فدعا خادماً وقال له: وجه إلى الأمين والمأمون خادماً يقول لكل واحدٍ منهما على الخلوة: ما تفعل بي إذا أفضت الخلافة إليك. فأما الأمين فقال للخادم: أقطعك وأعطيك. وأما المأمون فإنه قام إلى الخادم بدواةٍ كانت بين يديه وقال: أتسألني عما أفعل بك يوم يموت أمير المؤمنين. وخليفة رب العالمين إني لأرجو أن نكون جميعاً فداءً له. فقال الرشيد لأم جعفر: كيف ترين. فسكتت عن الجواب. (لابن خلكان) 297 لما قتل ذو الرئاستين دخل المأمون على أمه فقال: لا تجزعي فإني ابنك بعد ابنك. فقالت: أفلا أبكي على ابن اكسبني ابناً مثلك.
(2/167)

298 نظر رجل من الحذاق إلى رجل من جهال الناس عليه ثياب حسنةٌ ويتكلم ويلحن. فقال له: تكلم على قدر ثيابك. أو ألبس على قدر كلامك. (للقيرواني) 299 وصف بعض النبلاء بخيلاً فقال: هو جلمٌ أي مقصٌ. من حيث جئته وجدت لا. (الكنز المدفون) 300 دخل طبيبٌ على عليلٍ فقال له: أنا وأنت والعلة ثلاثةٌ فإن أعنتني عليها بالقبول مني صرنا أثنين وانفردت العلة فقوينا عليها. (الملل والنحل للشهر ساني) 301 كان الملك الكامل قد تغير على بعض إخوته. فكتب إليه الصلاح وزيره مستشفعاً:
من شرط صاحب مصر أن يكون كما ... قد كان يوسف في الحسنى لإخوته
ساؤوا فقابلهم بالعفو وافتقروا ... فبرهم وتولاهم برحمته

عبد الملك بن مروان والحجاج
302 أمر عبد الملك بن مروان أن يعمل باب بينت المقدس فيكتب عليه اسمه. وسأله الحجاج أن يعمل له باباً. فأذن له فاتفق أن صاعقةً وقعت فاحترق منها باب عبد الملك. وبقي باب الحجاج فعظم ذلك على عبد الملك. فكتب الحجاج إليه: بلغني أن ناراً نزلت من السماء
(2/168)

فأحرقت باب أمير المؤمنين ولم تحرق باب الحجاج. وما مثلنا في ذلك إلا كمثل ابني آدم إذ قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر. فسري عنه لما وقف عليه.
303 روى الحافظ الحميدي لأبي محمد علي الأموي في الافتراق:
إن كانت الأبدان نائيةً ... فنفوس أهل الظرف تأتلف
يا رب مفترقين قد جمعت ... قلبهما الأقلام والصحف
304 من شعر ابن مسهرٍ كتبه إلى بعض الرؤساء في علةٍ:
ولما اشتكيت اشتكى كل ما ... على الأرض واعتل شرقٌ وغرب
لأنك قلبٌ لجسم الزمان ... وما صح جسمٌ إذا اعتل قلب
305 قال أبو الميمون المبارك الكناني في البراغيث:
ومعشرٍ يستحل الناس قتلهم ... كما استحلوا دم الحجاج في الحرم
إذا سفكت دماً منها فما سفكت ... يداي من دمها المسفوك غير دمي
306 كلم الشعبي عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين في قومٍ حبسهم ليطلقهم فأبى. فقال له: أيها الأمير إن حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم. وإن حبستهم بالحق فالعفو يسعهم. فأطلقهم. (لابن خلكان) 307 لما بنى محمد بن عمران قصره حيال قصر المأمون قيل له: يا أمير المؤمنين باراك وباهاك. فدعاه وقال: لم بنيت هذا القصر حذاءي. قال: يا أمير المؤمنين أحببت أن ترى نعمتك علي فجعلته نصب
(2/169)

عينك. فأستحسن المأمون جوابه وعفا عنه. (للمستعصمي)

أن للعالم خالقاً
308 حكى أن دهرياً جاء إلى هارون الرشيد وقال: يا أمير المؤمنين قد أتفق علماء عصرك مثل أبي حنيفة على أن للعالم صانعاً فمن كان فاضلاً من هؤلاء فمره أن يحضر ههنا حتى أبحث معه بين يديك وأثبت أنه ليس للعالم صانعٌ. فأرسل هارون الرشيد إلى أبي حنيفة لأنه كان أفضل العلماء. وقال: يا إمام المسلمين اعلم أنه قد جاء إلينا دهريٌ وهو يدعي نفي الصانع ويدعوك إلى المناظرة. فقال أبو حنيفة: أذهب بعد الظهر. فجاء رسول الخليفة وأخبر بما قال أبو حنيفة. فأرسل ثانياً. فقام أبو حنيفة وأتى إلى هارون الرشيد. فاستقبله هارون وجاء به وأجلسه في الصدر وقد أجتمع الأكابر والأعيان. فقال الدهري: يا أبا حنيفة لم أبطأت في مجيئك. فقال أبو حنيفة: قد حصل لي أمرٌ عجيب فلذلك أبطأت. وذلك أن بيتي وراء دجلة. فخرجت من منزلي وجئت إلى جنب دجلة حتى أعبرها فرأيت بجنب دجلة سفينةً عتيقةً مقطعةً قد افترق ألواحها. فلما وقع بصري عليها اضطربت الألواح وتحركت واجتمعت وتوصل بعضها ببعض وصارت السفينة صحيحةً بلا نجار ولا عمل عامل. فقعدت عليها وعبر الماء وجئت ههنا. فقال الدهري: أسمعوا أيها الأعيان ما يقول إمامكم وأفضل زمانكم.
(2/170)

فهل سمعتم كلاماً أكذب من هذا كيف تحصل السفينة المكسورة بلا عمل نجارٍ فهو كذبٌ محضٌ قد ظهر من أفضل علمائكم. فقال أبو حنيفة: أيها الكافر المطلق إذا لم تحصل السفينة بلا صائعٍ ونجار فكيف يجوز أن يحصل هذا العالم من غير صانعٍ أم كيف تقول بعدم الصانع. فعند ذلك أمر الرشيد بضرب عنق الدهري فقتلوه. (أنيس الجليس للسوطي)

الباب التاسع في الحكايات
309 قال بعض أصحاب الإسكندر إنه دعاهم فلكي ليلةً ليريهم النجوم ويعرفهم خواصها وأحوال سيرها. فأدخلهم إلى بستانٍ وجعل يمشي معهم ويشير بيده إليها حتى سقط في بئرٍ هناك. فقال: من تعاطى علم ما فوقه بلي بجهل ما تحته. (لبهاء الدين) 310 حكي أن رجلاً انكسرت به السفينة في البحر فوقع إلى جزيرةٍ فعمل شكلاً هندسياً على الأرض فرآه بعض أهل تلك الجزيرة فذهبوا به إلى الملك فأحسن إليه وأكرم مثواه وكتب الملك إلى سائر ممالكه: أيها الناس اقتنوا ما إذا كسرتم في البحر صار معكم. (تاريخ الحكماء للشهر زوري)
(2/171)

بزرجمهر في حبسه
311 سخط كسرى على بزرجمهر فحبسه في بيتٍ مظلمٍ وأمر أن يصفد بالحديد فبقي أياماً على تلك الحالة. فأرسل إليه من يسأله عن حاله فإذا هو مشروح الصدر مطمئن النفس فقالوا له: أنت في هذه الحالة من الضيق ونراك ناعم البال. فقال: اصطنعت ستة أخلاطٍ وعجنتها واستعملتها فهي التي أبقتني على ما ترون. قالوا: صف لنا هذه الأخلاط لعلنا ننتفع بها عند البلوى. فقال: نعم. أما الخلط الأول فالثقة بالله عز وجل. وأما الثاني فكل ما شاءه الله كائنٌ. وأما الثالث فالصبر خير ما ستعمله الممتحن. وأما الرابع فإذا لم أصبر فماذا أصنع ولا أعين نفسي بالجزع. وأما الخامس فقد يكون أشد مما أنا فيه. وأما السادس فمن ساعةٍ إلى ساعةٍ فرج. فبلغ ما قاله كسرى. فأطلقه وأعزه.
312 كان عمر بن عبد العزيز واقفاً مع سليمان بن عبد الملك أيام خلافته فسمع صوت رعدٍ ففزع سليمان منه ووضع صدره على مقدم رحله. فقال له عمر: هذا صوت رحمته فكيف صوت عذابه.

المدعو إلى الوليمة والسائل
313 دعا رجلٌ آخر إلى منزله وقال: لنأكل معك خبزاً وملحاً فظن الرجل أن ذلك كنايةٌ عن طعام لطيف لذيذ أعده صاحب المنزل. فمضى معه فلم يزد على الخبز والملح. فبينا هما يأكلان إذ وقف
(2/172)

بالباب سائلٌ. فنهره صاحب المنزل مراراً فلم ينزجر. فقال له: اذهب وإلا خرجت وكسر رأسك. فقال المدعو: يا هذا انصرف فإنك لو عرفت من صدق وعيده ما عرفت من صدق وعده ما تعرضت له.

علي بن أبي رافع وابنة علي بن أبي طالب
314 عن علي بن أبي رافع. قال: كنت على بيت مال علي بن أبي طالب وكاتبه. فكان في بيت ماله عقد لؤلؤٍ كان أصابه يوم البصرة فأرسلت إلي بنت علي بن أبي طالب فقالت لي: إنه قد بلغني أن في بيت مال أمير المؤمنين عقد لؤلؤ. وهو في يدك وأنا أحب أن تعيرنيه أجمل به في يوم الأضحى. فأرسلت إليها: عاريةٌ مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيامٍ يا بنت أمير المؤمنين. فقالت: نعم عاريةٌ مضمونةٌ مردودة بعد ثلاثة أيام. فدفعته إليها وإذا أمير المؤمنين رآه عليها فعرفه. فقال لها: من أين جاء إليك هذا العقد. فقالت: استعرته من ابن أبي رافع خازن بيت مال أمير المؤمنين لأتزين به في العيد ثم أرده. فبعث إلي أمير المؤمنين فجئته فقال لي: أتخون المسلمين يا ابن أبي رافع. فقلت: معاذ الله أن أخون المسلمين. فقال: كيف أعرت بنت أمير المؤمنين العقد الذي في بيت مال المسلمين بغير إذني ورضاهم. فقلت: يا أمير المؤمنين إنها بنتك وسألتني أن أعيرها تتزين به. فأعرتها إياه عاريةً مضمونةً مردودة
(2/173)

على أن ترده سالماً إلى موضعه. فقال: رده من يومك وإياك أن تعود إلى مثله فتنالك عقوبتي. ثم قال: ويل لابنتي. لو كانت أخذت العقد على غير عاريةٍ مردودةٍ مضمونةٍ لكانت إذن أول هاشميةٍ قطعت يدها في سرقةٍ. فبلغت مقالته ابنته فقالت له: يا أمير المؤمنين أنا ابنتك وبضعةٌ منك فمن أحق بلبسه مني. فقال لها: يا بنت ابن أبي طالب لا تذهبي بنفسك عن الحق. أكل نساء المهاجرين والأنصار يتزين في مثل هذا العيد بمثل هذا. فقبضته منها ورددته إلى موضعه. (لبهاء الدين)

الحلاوة المدخرة
315 حدث عن الوزير مؤيد الدين القمي مملوكه بدر الدين أيار قال: طلب ليلةً من الليالي حلاوة النبات فعمل في الحال منها صحونٌ كثيرة وأحضرت بين يديه في تلك الليلة. فقال لي: يا أياز أتقدر أن تذخر هذه الحلاوة لي موفرة إلى يوم القيامة. فقلت: يا مولانا وكيف يكون ذلك وهل يمكن هذا. قال: نعم. تمضي في هذه الساعة إلى مشهد موسى والجواد. تضع هذه الأصحن قدام أيتام العلويين فإنها تدخر لي موفرة إلى يوم القيامة. قال أياز: فقلت: السمع والطاعة ومضيت وكان نصف الليل إلى المشهد وفتحت الأبواب ونبهت الصبيان الأيتام ووضعت الأصحن بين أيديهم ورجعت. (للفخري)
(2/174)

بهرام جور والراعي
316 حكى أن املك بهرام جور خرج يوماً للصيد فظهر له حمار وحش فاتبعه حتى خفي عن عسكره. فظفر به فمسكه. ونزل عن فرسه يريد أن يذبحه. فرأى راعياً أقبل من البرية فقال له يا راعي أمسك فرسي هذا حتى أذبح هذا الحمار فمسكه ثم تشاغل بذبح الحمار. فلاحت منه التفاتةٌ فرأى الراعي يقطع جوهرة في عذار فرسه. فأعرض الملك عنه حتى أخذها وقال: إن النظر إلى العيب من العيب. ثم ركب فرسه ولحق بعسكره. فقال له الوزير: أيها الملك السعيد أين جوهرة عذار فرسك. فتبسم الملك ثم قال: أخذها من لا يردها وأبصر من لا ينم عليه فمن رآها منكم مع أحدٍ فلا يعارضه بشيءٍ بسبب ذلك. (للقليوبي)

الملك المتعظ بمجنون
317 من الحكايات اللطيفة أن بعض الملوك قصد التفرج على المجانين. فلما دخل عليهم رأى فيهم شاباً حسن الهيئة نظيف الصورة يرى عليه آثار اللطف. وتلوح عليه شمائل الفطنة. فدنا منه وسأله مسائل فأجابه عن جميعها بأحسن جوابٍ. فتعجب منه عجباً شديداً ثم إن المجنون قال للملك: قد سألتني عن أشياء فأجبتك وإني سأسألك سؤالاً واحداً. قال: وما هو. قال: متى يجد النائم لذة النوم. ففكر الملك ساعةً ثم قال: يجد لذة النوم حال نومه. فقال
(2/175)

المجنون: حالة النوم ليس له إحساسٌ. فقال الملك: قبل الدخول في النوم. فقال المجنون: كيف توجد لذته قبل وجوده. فقال الملك: بعد النوم. فقال المجنون: توجد لذته وقد انقضى. فتحير الملك وزاد إعجابه. وقال: لعمري إن هذا لا يحصل من عقلاء كثيرةٍ فأولى أن يكون نديمي في مثل هذا اليوم وأمر أن ينصب له تختٌ بإزاء شباك المجنون. ثم استدعى بالشراب فحضر. فتناول الكأس وشرب ثم ناول المجنون فقال: أيها الملك أنت شربت هذا لتصير مثلي فأنا أشربه لأصير مثل من. فأتعظ الملك بكلامه ورمى القدح من يده وتاب من ساعته. (للاتليدي)

الشاب السارق
318 سرق شابٌ سرقةً فأتى به إلى المأمون. فأمر بقطع يده فتقدم لتقطع يده فأنسد الشاب يقول:
يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى نكالاً يشينها
فلا خير في الدنيا ولا حاجةٌ بها ... إذا ما شمالٌ فارقتها يمينها
وكانت أم الشاب واقفة على رأسه فبكت وقالت: يا أمير المؤمنين إنه ولدي وواحدي. ناشدتك الله إلا رحمتني وهدأت لوعتي. وجدت بالعفو عما استحق العقوبة. فقال المأمون: هذا حدٌ من حدود الله تعالى. فقالت: يا أمير المؤمنين اجعل عفوك عن هذا الحد ذنباً من الذنوب التي تستغفر منها. فرق لها المأمون وعفا عنه.
(2/176)

المأمون والفقير
319 حكى أن المأمون أشرف يوماً على فصره فرأى رجلاً يكتب بفحمةٍ على حائط قصره. فقال المأمون لبعض خدمه: اذهب إلى ذلك الرجل فانظر ما كتب وأتني به. فبادر الخادم إلى الرجل مسرعاً وقبض عليه وقال: ما كتبت. فإذا هو كتب هذين البيتين:
يا قصر جمع فيك الشؤم واللوم ... متى تعشش في أركانك البوم
يوماً يعشش فيك البوم من فرحي ... أكون أول من ينعاك مرغوم
ثم إن الخادم قال له: أجب أمير المؤمنين. فقال الرجل: سألتك بالله لا تذهب بي إليه. فقال الخادم: لا بد من ذلك. ثم ذهب به. فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين وأعلم بما كتب. فقال له المأمون: ويلك ما حملك على هذا. فقال: يا أمير المؤمنين إنه لا يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من خزائن الأموال والحلي والحلل والطعام والشرابٍ والفرش والأواني والأمتعة والجواري والخدم وغير ذلك مما يقصر عنه وصفي. ويعجز عنه فهمي. وإني قد مررت عليه الآن وأنا في غاية من الجوع والفاقة. فوقفت مفكراً في أمري وقلت في نفسي: هذا القصر عامر عالٍ. وأنا جائعٌ ولا فائدة لي فيه. فلو كان خراباً ومررت به لم أعدم رخامه أو خشبةً أو مسماراً أبيعه وأتقوت بثمنه. أو ما علم أمير المؤمنين رعاه الله قول الشاعر:
إذا لم يكن للمرء في دولة امرئٍ ... نصيب ولا حظٌ تمنى زوالها
(2/177)

وما ذاك من بغض له غير أنه ... يرجي سواها فهو يهوى انتقالها
فقال المأمون: يا غلام أعطه ألف درهم. ثم قال: هي لك في كل سنةٍ ما دام قصرنا عامر بأهله مسروراً بدولته وأنشدوا في معنى ذلك:
إذا كنت في أمرٍ فكن فيه محسناً ... فعما قليلٍ أنت ماضٍ وتاركه
(إعلام الناس للاتليدي)

الأدب يرفع الخامل
320 روي أن المأمون لم يكن من خلفاء بني العباس خليفةٌ أعلم منه في جميع العلوم. وكان له في كل أسبوعٍ يومان يجلس فيهما لمناظرة العلماء. فيجلس المناظرون من الفقهاء والمتكلمين بحضرته على طبقاتهم ومراتبهم. فبينما هو جالسٌ معهم إذ دخل في مجلسه رجلٌ غريبٌ وعليه ثيابٌ بيضٌ رثةٌ. فجلس في آخر الناس وقعد من وراء الفقهاء في مكانٍ مجهول. ثم ابتدأوا في الكلام وشرعوا في معضلات المسائل. وكان من عادتهم أنهم يديرون المسألة على أهل المجلس واحداً بعد واحدٍ. فكل من وجد زيادةً لطيفة أو نكتةً غريبةً ذكرها. فدارت المسألة إلى أن وصلت إلى ذلك الرجل الغريب. فتكلم وأجاب بجوابٍ أحسن من أجوبة الفقهاء كلهم. فأستحسن الخليفة كلامه وأمر أن يرفع من ذلك المكان إلى أعلى منه. فلما وصلت إليه المسألة الثانية أجاب بجوابٍ أحسن من الجواب الأول.
(2/178)

فأمر المأمون أن يرفع إلى أعلى من تلك الرتبة. فلما دارت المسألة الثالثة أجاب بجوابٍ أحسن وأصوب من الجوابين الأولين. فأمر المأمون أن يجلس قريباً منه. فلما انقضت المناظرة أحضر والماء وغسلوا أيديهم وأحضروا الطعام فأكلوا. ثم نهض الفقهاء فخرجوا ومنع المأمون ذلك الشخص من الخروج معهم وأدناه منه ولاطفه ووعده بالإحسان إليه والإنعام عليه. ثم تهيأ مجلس الشراب وحضر الندماء الملاح ودارت الراح. فلما وصل الدور إلى ذلك الرجل وشب قائماً على قدميه وقال: إن أذن لي أمير المؤمنين تكلمت كلمة واحدةً. قال له: قل ما تشاء. فقال: قد علم الرأي العالي زاده الله علوا أن العبد كان اليوم في هذا المجلس الشريف من مجاهيل الناس ووضعاء الجلاس. وأن أمير المؤمنين قربه وأدناه بيسير من العقل الذي أبداه وجعله مرفوعاً على درجة غيره. وبلغ به الغاية التي لم تسم إليها همته. والآن يريد أن يفرق بينه وبين ذلك القدر اليسير من العقل الذي أعزه بعد الذلة وكثره بعد القلة. وحاشا وكلا أن يحسده أمير المؤمنين على هذا القدر الذي معه من العقل والنباهة والفضل. لأن العبد إذا شرب الشراب تباعد عنه العقل وقرب منه الجهل وسلب أدبه. وعاد إلى تلك الدرجة الحقيرة كما كان وصار في أعين الناس حقيراً مجهولاً. فأرجو من الرأي العالي أنه لا يسلب منه هذه الجوهرة بفضله وكرمه وسيادته وحسن شيمته.
(2/179)

فلما سمع الخليفة المأمون منه القول مدحه وشكره وأجلسه في رتبته ووقره. وأمر له بمائة ألف درهم وحمله على فرسٍ وأعطاه ثياباً فاخرةً. وكان في كل مجلس يرفعه ويقربه إلى جماعة الفقهاء حتى صار أرفع منهم درجة وأعلى مرتبةً. (ألف ليلة وليلة)

عدالة أنوشروان في بناية الإيوان
321 حكى أن قيصر ملك الروم أرسل رسولاً إلى ملك فارس أنوشروان صاحب الإيوان. فلما وصل ورأى عظمة الإيوان وظرافته وعظمة مجلس كسرى على كرسيه والملوك في خدمته ميز الإيوان فرأى في بعض جوانبه اعوجاجاً. فسأل الترجمان عن ذلك. فقال له: إن هناك بيتا لعجوزٍ كرهت بيعه عند عمارة الإيوان. ولم ير الملك إكراهها على البيع فأبقى بيتها في جانب الإيوان. فذلك ما رأيت وسألت. فقال الرومي: وحق رأسه إن هذا الاعوجاج أحسن من الاستقامة وإن ما فعله ملك الزمان لم يؤرخ فيما مضى لملكٍ ولا يؤرخ فيما بقي لملكٍ. فأعجب كسرى كلامه ورده مسروراً محبوراً. (للابشيهي)

الغلام والثعلب
322 كان لرجلٍ من أغنياء التجار ولد نجيبٌ صرفه من صغر سنه في التجارة ببلده حتى رضي بخبرته فيها. فلما بلغ أشده أراد أن يعوده على الأسفار في تجارة الأقطار. فجهزه تجهيزاً يليق بأمثاله وأصحابه ومضى الغلام. فلما كان على مسيرة أيام من المدينة نزل
(2/180)

ذات ليلةٍ في بعض المروج. وكانت الليلة مقمرةً. فقام يتمشى وقد مضى جزءٌ من الليلٍ. فبصر بثعلب طريحٍ وقد أخذه الهرم والإعياء وضعف عن الحركة. فوقف عنده وأخذ يتفكر في أمره ويقول: يكف يرزق هذا الحيوان المسكين وما أظن إلا أنه يموت جوعاً. فبينما هو كذلك إذا هو بأسدٍ مقبل قد افترس فريسةً فجاء حتى قرب من الثعلب. فتناول منها حتى شبع وترك بقيتها ومضى. فعند ذلك تحامل الثعلب على نفسه وأخذ يتحرك قليلاً قليلاً حتى انتهى إلى ما تركه الأسد. فأكل حتى شبع والغلام يتعجب من صنع الله في خلقه. وما ساق لهذا الحيوان العاجز من رزقه. وقال فيه نفسه: إذا كان سبحانه قد تكفل بالأرزاق فلأي شيءٍ احتمال المشاق وركوب الأسفار واقتحام الأخطار. ثم انثنى راجعاً إلى والده فأخبره الخبر وشرح له ما ثنى عزمه عن السفر. فقال له: يا بني قد أخطأت النظر إنما أردت بك أن تكون أسداً تأوي إليك الثعالب الجياع. لا أن تكون ثعلباً جائعاً تنتظر فضلة السباع. فقبل نصيحة أبيه ورجع لما كان فيه.

الثوب المبيع
323 قال ابن الخريف: حدثني والدي قال: أعطيت أحمد بن حسب الدلال ثوباً وقلت: بعه لي وبين هذا العيب الذي فيه. وأريته خرقاً في الثواب. فمضى وجاء في آخرٍ النهار فدفع إلى ثمنه
(2/181)

وقال: بعته على رجلٍ أعجميٍ غريبٍ بهذه الدنانير. قلت له: وأريته العيب وأعلمته به. فقال: لا وإنني نسيت ذلك. فقلت: لا جزاك الله خيراً امض معي إليه. وذهبت معه وقصدنا مكانه فلم نجده. فسألنا عنه فقيل: إنه رحل إلى مكة مع قافلة الحجاج. فأخذت صفة الرجل من الدلال واكتريت دابة ولحقت القافلة. وسألت عن الرجل فدللت عليه فقلت له: إن الثوب الفلاني الذي اشتريته أمس من الدلال فلانٍ بكذا وكذا فيه عيب فهاته وخذ ذهبك. فقام وأخرج الثوب وطاف على العيب حتى وجده. فلما وجده قال: يا شيخ أخرج ذهبي حتى أراه وكنت لما قبضته لم أميزه ولم أنتقده. فأخرجته فلما رآه قال: هذا ذهبي انتقده يا شيخ. فنظرت إليه وإذا هو مغشوشٌ لا يساوي شيئاً. فأخذه ورمى به وقال لي: قد اشتريت منك هذا الثوب على عيبه بهذا الذهب. ودفع إلي بمقدار ذلك الذهب المغشوش ذهباً جيداً وعدت به.

كسرى أنوشروان والمؤدب
324 روي أن كسرى أنوشروان كان له معلمٌ حسن التأديب يعلمه حتى فاق في العلوم. فضربه المعلم يوماً من غير ذنبٍ فأوجعه. فحقد أنوشروان عليه. فلما ولي الملك قال للمعلم. ما حملك على ضربي يوم كذا وكذا. فقال له: لما رأيتك ترغب في العلم رجوت
(2/182)

لك الملك بعد أبيك. فأحببت أن أذيقك طعم الظلم لئلا تظلم. فقال أنوشروان: زه زه ورفع قدره. (للابشيهي)

الهادي والخارجي
325 ذكر صاحب السكردان أن الهادي كان يوماً في بستانٍ يتنزه على حمارٍ ولا سلاح معه. وبحضرته جماعةٌ من خواصه وأهل بيته. فدخل عليه حاجبه وأخبره أن بالباب بعض الخوارج له بأسٌ ومكايد وقد ظفر به بعض القواد. فأمر الهادي بإدخاله. فدخل عليه بين رجلين قد قبضا على يديه. فلما أبصر الخارجي الهادي جذب يديه من الرجلين واختطف سيف أحدهما وقصد الهادي. ففر كل من كان حوله وبقي وحده وهو ثابتٌ على حماره. حتى إذا دنا منه الخارجي وهم أن يعلوه بالسيف أومأ إلى وراء الخارجي وأوهمه أن غلاماً وراءه وقال: يا غلام اضرب عنقه. فظن الخارجي أن غلاماً وراءه. فالتفت الخارجي فنزل الهادي مسرعاً عن حماره فقبض على عنق الخارجي وذبحه بالسيف الذي كان معه. ثم عاد إلى ظهر حماره من فوره. والخدم ينظرون إليه ويتسللون عليه وقد ملئوا منه حياءً ورعباً. فما عاتبهم ولا خاطبهم في ذلك بكلمةٍ. ولم يفارق السلاح بعد ذلك اليوم. (إعلام الناس للاتليدي)

المنصور وأبو عبد الله
326 قال المنصور للربيع: علي بجعفر. قتلني الله إن لم أقتل أبا عبد
(2/183)

الله. فلما مثل بين يديه حرك شفتيه ثم قرب وسلم. فقال: لا سلام الله عليك يا عدو الله تعمل علي الغوائل في ملكي. قتلني الله إن لم أقتلك. فقال: يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطي فشكر. وإن أيوب ابتلى فصبر. وإن يوسف ظلم فغفر. وأنت على أثر منهم وأحق من تأسى بهم. فنكس المنصور رأسه ملياً ثم رفع رأسه وقال: إلي أبا عبد الله فأنت القريب القرابة. وأنت ذو الرحم الواشجة. والسليم الناحية. القليل الغائلة. ثم صافحه بيمينه وعانقه بشماله. وأجلسه معه على فراشه وأقبل يسائله ويحادثه. ثم قال: عجلوا لأبي عبد الله إذنه وجائزته وكسوته. فلما خرج أمسكه الربيع وقال له: رأيتك قد حركت شفتيك فانجلى الأمر وأنا خادم السلطان ولا غنى لي عنه فعلمني إياه. فقال: نعم. قلت: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام. واكنفني بحفظك الذي لا يرام. لا أهلك وأنت رجائي فكم من نعمةٍ أنعمتها علي قل عندها شكري فلم تحرمني. وكم من بليةٍ ابتليت بها قل عندها صبري فلم تخذلني. اللهم بك أدرأ في نحره وأعوذ بك من شره. (للشريشي)

القاضي والنصراني المحسن
327 حكي أن فقيراً جاء إلى قاضٍ في ويوم عاشوراء وقال له: أعز الله القاضي وإني رجل فقيرٌ وذو عيالٍ وقد جئتك مستشفعاً بهذا اليوم أن تعطيني عشرة أمنانٍ لحماً ودرهمين لأشبع أطفالي في هذا
(2/184)

اليوم ولك الجزاء على الله. فوعده إلى الظهر. فلما جاء الظهر عاد إليه. فوعده إلى العصر. فلما جاء العصر عاد إليه وأولاده في منزله ذابت أكبادهم من الجوع فوعده إلى المغرب. فعاد إليه عند الغروب. فقال له: ما عندي شيءٌ أعطيكه. فرجع الفقير منكسر القلب باكي العين خائفاً من أطفاله كيف جوابه لهم. فمر وهو يبكي بنصرانيٍ جالس على بابه. فرآه باكياً فقال له: لم بكاؤك يا هذا. فقال له: لا تسأل عن حالي. فقال له: سألتك بالله أن أعلمني بحالك. فأخبره بحاله مع القاضي. فقال له النصراني: ما هذا اليوم عندكم. فقال له: هو يوم عاشوراء. فرق له النصراني وأعطاه أكثر مما ذكر من الخبز واللحم وأعطاه عشرين درهماً فوق الدرهمين. فقال له: خذ هذا وهو لك ولعيالك علي في كل شهرٍ. فذهب به الفقير لأطفاله فرحاً مسروراً. فلما رآه أطفاله فرحوا فرحاً شديداً. ثم نادوا بأعلى أصواتهم: اللهم من أدخل علينا السرور فأدخل عليه الفرح عاجلاً. فلما كان الليل ونام القاضي سمع هاتفاً يقول له: ارفع رأسك. فرفعه وإذا هو ينظر قصرين مبنيين لبنهٌ من ذهبٍ ولبنهٌ من فضةٍ. فقال: إلهي لمن هذا القصران. فأجب إنهما كانا لك لو قضيت حاجة الفقير فلما رددته صارا للنصراني فلانٍ. فانتبه القاضي مرعوباً ينادي بالويل والثبور. ثم سار إلى النصراني وقال له: ما فعلت البارحة من الخير. فقال له: ولم ذا سؤالك. فأخبره بما
(2/185)

رأى. ثم قال له: بعني هذا الجميل الذي فعلته البارحة مع الفقير بمائة ألف درهمٍ. فقال له النصراني: إني لا أبيع ذلك بملء الأرض ذهباً. فرحم الله ثراه وجعل الجنة مثواه. (للقليوبي)

إجارة معن لرجل استغاث به وكان المنصور قد أهدر دمه
328 روي أن أمير المؤمنين المنصور أهدر دم رجلٍ كان يسعى بفساد دولته مع الخوارج من أهل الكوفة. وجعل لمن دل عليه أو جاء به مائة ألف درهمٍ. ثم إن الرجل ظهر في بغداد. فبينما هو يمشي مختفياً في بعض نواحيها إذ بصر به رجلٌ من أهل الكوفة فعرفه فأخذ بمجامع ثيابه وقال: هذا بغية أمير المؤمنين. فبينما الرجل على هذه الحالة إذ سمع وقع حوافر الخيل. فالتفت فإذا فعن إلى الرجل المتعلق به وقال له: ما شأنك وهذا. فقال له: إنه بغية أمير المؤمنين الذي أهدر دمه وجعل لمن دل عليه مائة ألف درهمٍ. فقال: دعه. وقال لغلامه: أنزل عن دابتك وأحمل الرجل عليها. فصاح الرجل المتعلق به وصرخ واستجار بالناس وقال: أيحال بيني وبين بغية أمير المؤمنين. فقال له معنٌ: اذهب فقل لأمير المؤمنين وأخبره أنه عندي. فأنطلق الرجل إلى المنصور وأخبره. فأمر المنصور بإحضار معنٍ في الساعة. فلما وصل أمر المنصور إلى معن دعا جميع أهل بيته ومواليه وأولاده وأقاربه وحاشيته وجميع من يلوذ به وقال لهم:
(2/186)

أقسم عليكم بأن لا يصل إلى هذا الرجل مكروه أبداً وفيكم عينٌ تطرف. ثم إنه سار إلى المنصور فدخل وسلم عليه فلم يرد عليه المنصور السلام. ثم إن المنصور قال له: يا معن أتتجرأ علي. قال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال المنصور: ونعم أيضاً. وقد اشتد غضبه. فقال معنٌ: يا أمير المؤمنين كم من مرةٍ تقدم في دولتكم بلائي وحسن عنائي. وكم من مرةٍ خاطرت بدمي. أفما رأيتموني أهلاً بأن يوهب لي رجلٌ واحدٌ استجار بي بين الناس بوهمه أني عبدٌ من عبيد أمير المؤمنين وكذلك هو. فمر بما شئت ها أنا بين يديك. قال: فأطرق المنصور ساعةً ثم رقع رأسه وقد سكن ما به من الغضب وقال له: قد أجرناه لك يا معن. فقال له معنٌ: إن رأى أمير المؤمنين أن يجمع بين الأجرين فيأمر له بصلةٍ فيكون قد أحياه وأغناه. فقال المنصور: قد أمرنا له بخمسين ألف درهمٍ. فقال له معنٌ: يا أمير المؤمنين إن صلات الخلفاء على قدر جنايات الرعية. وإن ذنب الرجل عظيمٌ فأجزل صلته. قال: قد أمر ناله بمائة ألف درهم. فقال له معنٌ: عجلها يا أمير المؤمنين فإن خير البر عاجله. فأمر بتعجيلها فحملها وانصرف وأتى منزله وقال للرجل: يا رجل خذ صلتك والحق بأهلك وإياك ومخالفة الخلفاء في أمورهم بعد هذه. (للابشيهي) 329 كان ملكٌ من ملوك الفرس عظيم المملكة شديد النقمة.
(2/187)

وكان له صاحب مطبخ. فلما قرب إليه طعامه في بعض الأيام سقطت نقطةٌ من الطعام على يديه. فزوى لها الملك وجهه وعلم صاحب المطبخ أنه قاتله. فكفأ الصحفة على رأسه. فقال الملك: علي به. فلما أتاه قال له: قد علمت أن سقوط النقطة أخطأت بها يدك. فما عذرك في الثانية. قال: استحيت للملك أن يقتل مثلي في سني وقديم حرمتي في نقطةٍ فأردت أن أعظم ذنبي ليحسن به قتلى ولئلا ينسبك الناس إلى الظلم والجور. فقال له الملك: إن لطف الاعتذار ينجيك من القتل فأنت حر لوجه الله. (لابن عبد ربه)

الرشيد والدمشقي
330 رفع إلى هارون الرشيد أن رجلاً بدمشق من بقايا بني أمية عظيم المال كثير الجاه مطاعٌ في البلد له جماعةٌ وأولادٌ ومماليك يركبون الخيل ويحملون السلاح ويغزون الروم. وأنه سمحٌ جوادٌ كثير البذل والضيافة وأنه لا يؤمن منه. فعظم ذلك على الرشيد. قال منارة: وكان وقوف الرشيد على هذا وهو بالكوفة في بعض حججه في سنه ستٍ وثمانين ومائةٍ وقد عاد من الموسم. وقد بايع للأمين والمأمون والمعتصم أولاده فدعاني وهو خال. وقال: إني دعوتك لأمر يهمني وقد منعني النوم فأنظر كيف تعمل. ثم قص على خبر الأموي وقال: أخرج الساعة فقد أعددت لك الخيول وأزحت علتك في الزاد والنفقة والآلة. وتضم إليك مائة
(2/188)

غلامٍ وأسلك البرية وهذا كتابي إلى نائب دمشق وهذه قيودٌ فأبدأ بالرجل فإن سمع وأطاع فقيده وجني به. وإن عصى فتوكل به أنت ومن معك لئلا يهرب. وأنفذ الكتاب إلى أمير دمشق ليكون مساعداً واقبضا عليه وجني به وأجلتك لذهابك ستاً ولإيابك ستاً ويوماً لمقامك. وهذا محملٌ تجعله في شقةٍ منه إذا قيدته وتقعد أنت في الشقة الأخرى. ولا تكل حفظه إلى غيرك حتى تأتيني به في الثالث عشر يوماً من خروجك. فإذا دخلت داره فتفقدها وجميع ما فيها من أهله وولده وغلمانه وقدر نعمته والحال والمحال. واحفظ ما يقوله الرجل حرفاً بحرفٍ من ألفاظه منذ يقع طرفك عليه حتى تأتيني به. وإياك أن يشذ عنك شيءٌ من أمره. انطلق. قال منارة: فودعته وانطلقت وخرجت فركبت الإبل وسرت أطوي المنازل أسير الليل والنهار إلى أن وصلت إلى دمشق في أول الليلة السابعة وأبواب البلد مغلقةٌ. فكرهت طروقها ليلاً فبت بظاهر البلد إلى أن فتح بابها من غدٍ. فدخلت على هيئتي ثم أتيت باب الرجل وعليه صف عظيمٌ وحاشيةٌ كثيرةٌ فلم أستأذن ودخلت بغير إذنٍ. فلما رأى القوم ذلك سألوا بعض من معي عني. قال: هذا منارة رسول أمير المؤمنين إلى صاحبكم. (قال) فلما صرت في صحن الدار نزلت ودخلت مجلساً رأيت فيه قوماً جلوساً فظنت أن الرجل فيهم. فقاموا ورحبوا بي. فقلت: أفيكم
(2/189)

فلانٌ. قالوا: لا. نحن أولاده وهو في الحمام. فقلت: استعجلوه. فمضى بعضهم يستعجله وأنا أتفقد الدار والأحوال والحاشية فوجدتها ماجت بأهلها موجاً كثيراً. فلم أزل كذلك حتى خرج الرجل بعد أن أطال مكثه. واستربت به وأشد قلقي وخوفي من أن يتوارى إلى أن رأيت شيخاً بزي الحمام يمشي في صحن الدار وحواليه جماعةٌ كهولٌ وأحداثٌ وصبيانٌ. وهم أولاده وغلمانه فعلمت أنه الرجل. فجاء وجلس وسلم على سلاماً خفيفاً. وسألني عن أمير المؤمنين واستقامة أمر حضرته فأخبرته بما وجب. وما قضى كلامه حتى جاؤوا بأطباق فاكهةٍ فقال: تقدم يا منارة وكل معنا. فقلت: ما لي إلى ذلك من سبيل. فلم يعاودني فأكل هو ومن معه. ثم غسل يديه ودعا بالطعام فجاؤوا إليه بمائدةٍ حسنةٍ لم أر مثلها إلا للخليفة. فقال: يا منارة ساعدنا على الأكل. لا يزيدني على أن يدعوني باسمي كما يدعوني الخليفة. فامتنعت عليه فما عاودني. فأكل ومن معه وكانوا تسعةً من أولاده. فتأملت أكله في نفسه فوجدته يأكل أكل الملوك. ووجدت ذلك الاضطراب الذي كان في داره قد سكن ووجدتهم لا يرفعون شيئاً من بين يديه قد وضع على المائدة إلا تهيأ غيره حالاً أعظم وأحسن منه. وقد كان غلمانه أخذوا لما نزلت إلى الدار مالي وغلماني وعدلوا بهم إلى دار أخرى. فما أطاقوا مما نعتهم وبقيت وحدي وليس بين يدي إلا خمسة أو ستة غلمان وقوفٍ على رأسي.
(2/190)

فقلت في نفسي: هذا جبارٌ عنيدٌ فإن امتنع من الشخوص لم أطق إشخاصه بنفسي ولا بمن معي ولا حفظه إلا أن يلحقني أمير البلد. وجزعت جزعاً شديداً ورابني منه استخفافه وتهاونه بأمري. يدعوني باسمي ولا يفكر في امتناعي من الأكل. ولا يسأل عما جئت به ويأكل مطمئناً وأنا مفكرٌ في ذلك. فلما فرغ من أكله وغسل يديه دعا بالنجور فتنجر وقام إلى الصلاة فصلى الظهر وأكثر من الدعاء والابتهال. ورأيت صلاته حسنةً. فلما انتقل من المحراب أقبل علي وقال: ما أقدمك يا منارة. فأخرجت كتاب أمير المؤمنين ودفعته إليه ففضه وقرأه. فلما أستتم قراءته دعا أولاده وحاشيته فأجتمع منهم خلقٌ كثيرٌ. فلم أشك أنه يريد أن يوقع بي. فلما تكاملوا ابتدأ فحلف أيماناً غليظةً فيها الطلاق والعتاق والحج والصدقة والوقف أن لا يجتمع اثنان في موضع واحدٍ. وأمرهم أن ينصرفوا
ويدخلوا منازلهم ولا يظهروا إلى أن يكشف لهم أمرٌ يعتمدون عليه وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين بالمضي إليه ولست أقيم بعد نظري فيه ساعةً واحدةً. فاستوصوا بمن ورائي من الحريم خيراً. وما لي حاجةٌ أن يصحبني أحدٌ. هات قيودك يا منارة. فدعوت بها وكانت في سفطٍ ومد رجليه فقيدته وأمرت غلماني بحمله حتى صار في المحمل وركبت في الشق الآخر وسرت من وقتي. ولم ألق أمير ولا غيره. وسرت بالرجل وليس معه أحدٌ إلى أن
(2/191)

صرنا بظاهر دمشق. فابتدأ يحدثني بانبساط حتى انتهينا إلى بستانٍ حسنٍ في الغوطة فقال لي: أترى هذا. قلت: نعم. قال: إنه لي. وفيه من غرائب الأشجار كيت وكيت. ثم انتهى إلى آخر فقال مثل ذلك. ثم انتهى إلى مزارع حسانٍ وقرى فقال مثل ذلك: هذا لي. فأشتد غيظي منه. وقلت: ألست تعلم أن أمير المؤمنين أهمه أمرك حتى أرسل إليك من انتزعك من بين أهلك ومالك وولدك وأخرجك فريداً مقيداً مغلولاًُ ما تدري إلى ما يصير إليه أمرك ولا كيف يكون. وأنت فارغ القلب من هذا حتى تصف ضياعك وبساتينك بعد أن جئتك. وأنت لا تفكر فيم جئت به. وأنت ساكن القلب قليل التفكر لقد كنت عندي شيخاً فاضلاً. فقال لي مجيباً: إنا لله وإنا إليه راجعون. أخطأت فراستي فيك. لقد ظننت أنك رجلٌ كامل العقل وأنك ما حللت من الخلفاء هذا المحل إلا لما عرفوك بذلك. فإذا كلامه يشبه كلام العوام. والله المستعان. أما قولك في أمير المؤمنين وإزعاجه وإخراجه إياي إلى بابه على صورتي هذه فإني على ثقةٍ من الله عز وجل الذي بيده ناصية أمير المؤمنين. ولا يملك أمير المؤمنين لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بإذن الله عز وجل. ولا ذنب لي عند أمير المؤمنين أخافه. وبعد فإذا عرف أمير المؤمنين أمري وعرف سلامتي وصلاح ناحيتي سرحني مكرماً. فإن الحسدة والأعداء رموني عنده بما ليس في
(2/192)

وتقولوا علي الأقاويل فلا يستحل دمي ويخرج من إيذائي وإزعاجي. ويردني مكرماً ويقيمني ببلاده معظماً مبجلاً. وإن كان قد سبق في علم الله عز وجل أنه يبدر إلي منه بادرة سوءٍ وقد حضر أجلي وكان سفك دمي على يده. فإني أحسن الظن بالله الذي خلق ورزق وأحيا وأمات. وإن الصبر والرضا والتسليم إلى من يملك الدنيا والآخرة. وقد كنت أحسب أنك تعرف هذا فإذن قد عرفت مبلغ فهمك. فإني لا أكلمك بكلمةٍ واحدةٍ حتى يفرق بيننا أمير المؤمنين إن شاء الله تعالى. ثم أعرض عني فما سمعت منه لفظة غير التسبيح أو طلب ماءٍ أو حاجةٍ حتى شارفنا الكوفة في اليوم الثالث عشر بعد الظهر والنجب قد استقبلتني قبل ستة فراسخ من الكوفة يتجسون خبري. فحين رأوني رجعوا عني متقدمين بالخبر إلى أمير المؤمنين. فانتهيت إلى الباب في آخر النهار فحططت رحلي. ودخلت على الرشيد وقبلت الأرض بين يديه ووقفت. فقال: هات ما عندك يا منارة وإياك أن تغفل منه عن لفظةٍ واحدةٍ. فسقت الحديث من أوله إلى آخره حتى انتهيت إلى ذكر الفاكهة والطعام والغسل والبخور وما حدثتني به نفسي من امتناعه. والغضب يظهر في وجه أمير المؤمنين ويتزايد. حتى انتهيت إلى فراغ الأموي من الصلاة والتفاته إلي وسؤاله عن سبب قدومي ودفعي الكتاب إليه ومبادرته إلى إحضار ولده وأهله وأصحابه وحلفه عليهم أن لا يتبعه أحدٌ
(2/193)

وصرفه إياهم ومد رجليه فقيدته. فما زال وجه الرشيد يسفر حتى انتهيت إلى ما خاطبني به عند توبيخي له لما ركبنا في المحمل فقال: صدق والله ما هذا الرجل إلا محسود على النعمة مكذوب عليه. ولعمري لقد أزعجناه وآذيناه ورعنا أهله. فبادر بنزع قيوده وأتني به. (قال) فخرجت ونزعت قيوده وأدخلته إلى الرشيد. فما هو إلا أن رآه حتى رأيت ماء الحياء يجول في وجه الرشيد. فدنا الأموي وسلم بالخلافة ووقف. فرد عليه الرشيد رداً جميلاً وأمره بالجلوس. فجلس وأقبل عليه الرشيد فسأله عن حاله. ثم قال له: بلغنا عنك فضل هيئةٍ وأمور أحببنا معها أن نراك ونسمع كلامك ونحسن إليك فاذكر حاجتك. فأجاب الأموي جواباً جميلاً وشكر ودعا ثم قال: ليس لي عند أمير المؤمنين إلا حاجةٌ واحدةٌ. فقال: مقضيةٌ فما هي. قال: يا أمير المؤمنين تردني إلى بلدي وأهلي وولدي. قال: نفعل ذلك. ولكن سل ما تحتاج إليه في مصالح جاهك ومعاشك فإن مثلك لا يخلو أن يحتاج إلى شيء من هذا. فقال: يا أمير المؤمنين عما لك منصفون وقد واستغنيت بعدلهم عن مسألتي. فأموري مستقيمةٌ وكذلك أهل بلدي
بالعدل الشامل في ظل أمير المؤمنين. فقال الرشيد: أنصرف محفوظاً إلى بلدك واكتب إلينا بأمر إن عرض لك. فودعه الأموي. فلما ولي خارجاً قال الرشيد: يا منارة أحمله من وقتك وسر به رجعاً كما جئت به حتى إذا وصلت إلى مجلسه
(2/194)

الذي أخذته منه فودعه وانصرف. قال منارة: فما زلت معه حتى انتهى إلى محله ففرحت به أهله وأعطاني عطاء جزيلاً وانصرفت. (للاتليدي)

استقامة رجل اشتكي عليه ظلماً
331 نقل عن الربيع حاجب أبي جعفرٍ المنصور قال: ما رأيت رجلاً أحضر جناناً ولا أربط جأشاً من رجل سعي به إلى المنصور أن عنده ودائع وأموالاً لبني أمية. فأمرني بإحضاره فأحضرته ودخلت به إليه. فقال له المنصور: قد رفع إلينا خبر الودائع والأموال التي عندك لبني أمية فأخرجها لنا. فقال: يا أمير المؤمنين أوارثٌ أنت لبني أمية. قال: لا. قال: أفأنت لهم وصيٌ. قال: لا. فقال له الرجل: إذا فما سبب سؤالك عما في يدي في ذلك. فأطرق المنصور ساعةً ثم رفع رأسه وقال للرجل: إن بني أمية ظلموا المسلمين في هذه الأموال وأنا وكيلهم في حقهم فأريد أن آخذ هذه الودائع وأردها إلى بيت المال. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين يلزم في ذلك إقامة البينة العادلة على أن الذي في يدي هو لبني أمية ولنهم قد خانوا به واغتصبوه ظلماً من أموال المسلمين. فإن بني أمية كان لهم أموال غير أموال المسلمين. فعاد المنصور وأطرق إلى الأرض ساعةً ثم رفع رأسه والتفت إلي وقال لي: يا ربيع ما وجب على الرجل عند ناشئٌ. ثم إن المنصور ألتفت إلى الرجل وبشر به
(2/195)

مبتسماً في وجهه وقال له: هل لك من حاجةٍ فأقضيها لك. فقال: نعم يا أمير المؤمنين حاجتي أن تنفذ كتابي على البريد إلى أهلي في الشام ليسكنوا إلى سلامتي فقد راعهم إشخاصي من عندهم. ثم أسألك حاجةً أخرى يا أمير المؤمنين. فقال له: وما هي. فقال: أريد من كرم أمير المؤمنين أن يجمع بيني وبين من سعى بي إليه فو الله ما عندي لبني أمية شيءٌ. ولا في يدي مالٌ ولا وديعةٌ ولا في معرفتي أن لهم عند أحدٍ شيئاً. ولكني لما مثلت بين يديك وسألتني رأيت ما قلته أقرب إلى الخلاص والنجاة. فألتفت أمير المؤمنين المنصور إلي وقال لي: يا ربيع اجمع بينه وبين من سعى به. قال الربيع: فأخذت الرجل وجمعته بالذي سعى به. فحين رآه الرجل قال: هذا غلامي ضرب على ثلاثة آلاف دينار من مالي وأبق بها مني. فلما سمع المنصور ذلك هدده وشدد عليه وأمر بتعذيبه. فأقر عند ذلك الغلام بصدق كلام الرجل وأنه غلامه. وأنه أخذ المال الذي ذكره مولاه وأبق به. وسعى بمولاه ليجري عليه أمر الله ويسلم هو من الوقوع في يده. فالتفت المنصور إلى الرجل وقال: نسألك الصفح عنه. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين صفحت عن جرمه وأبرأت ذمته من المال وأعطيته ثلاثة آلاف دينار أخرى. فقال المنصور: ما على ما فعلت من الكرم مزيدٌ. فقال: بلى يا أمير المؤمنين هو كلامك لي وعفوك عني. ثم استأذن
(2/196)

وانصرف. وكان المنصور بعد ذلك يذكره يتعجب ويقول لي: ما رأيت قط مثل هذا الرجل يا ربيع. (للاتليدي)

غيلان بن سلمة عند كسرى
332 خرج أبو سفيان في جماعةٍ من قريش يريدون العراق بتجارةٍ. فلما ساروا ثلاثاً جمعهم أبو سفيان فقال لهم: إنا من مسيرنا هذا لعلى خطر ما. قدومنا على ملكٍ جبار لم يأذن لنا في القدوم عليه وليست بلاده لنا بمتجرٍ. ولكن أيكم يذهب بالعير فإن أصيب فنحن براء من دمه وإن غنم فله نصف الربح. فقال غيلان بن سلمة: دعوني إذاً فأنا لها ... فلما قدم بلاد كسرى تخلق ولبس ثوبين أصفرين. وشهر أمره وجلس بباب كسرى حتى أذن له فدخل عليه وبينهما شباك من ذهب. فخرج إليه الترجمان وقال له: يقول لك الملك: ما أدخلك بلادي بغير إذني. فقال: قل له: لست من أهل عداوة لك ولا أتيتك جاسوساً لضدٍ من أضدادك. وإنما جئت بتجارة تستمتع بها. فإن أردتها فهي لك. وإن لم تردها وأذنت في بيعها لرعيتك بعتها. وإن لم تأذن في ذلك رددتها. (قال) فجعل يتكلم فإذا سمع صوت كسرى سجد. فقال له الترجمان: يقول لك الملك: لم سجدت. فقال: سمعت صوتاً عالياً حيث لا ينبغي لأحدٍ أن يعلو صوته إجلالاً للملك فعلمت أنه لم يقدم على رفع الصوت هناك غير الملك فسجدت إعظاماً له. (قال) فاستحسن كسرى ما فعل وأمر له بمرفقةٍ
(2/197)

توضع تحته. فلما أتى بها رأى عليها صورة الملك فوضعها على رأسه فأستجهله كسرى وأستحمقه. وقال للترجمان: قل له: إنما بعثنا بهذه لتجلس عليها. قال: قد علمت ولكني لما أتيت بها رأيت عليها صورة الملك فلم يكن حق صورته على مثلي أن يجلس عليها. ولكن كان حقها التعظيم فوضعتها على رأسي لأنه أشرف أعضائي وأكرمها علي. فأستحسن فعله جداً. ثم قال له: ألك ولدٌ. قال: نعم. قال: فأيهم أحب إليك. قال: الصغير حتى يكبر. والمريض حتى يبرأ. والغائب حتى يؤوب. فقال كسرى: زه. ما أدخلك علي ودلك على هذا القول والفعل إلا حظك. فهذا فعل الحكماء وكلامهم وأنت من قوم جفاةٍ لا حكمة فيهم. فما غذاؤك. قال: خبز البر. قال: هذا العقل من البر لا من اللبن والتمر. ثم اشترى منه التجارة بأضعاف ثمنها وكساه وبعث معه من الفرس من بني له أطماً بالطائف فكان أول أطمٍ بني بها. (للأصبهاني)

المأمون وراثي البرامكة
333 قال خادم المأمون: طلبني أمير المؤمنين ليلةً وقد مضى من الليل ثلثه. فقال لي: خذ معك فلاناً وفلاناً وسماها لي أحدهما علي ابن محمد والآخر دينار الخادم. واذهب مسرعاً لما أقول لك. فإنه بلغني أن شيخاً يحضر ليلاً إلى آثار دور البرامكة وينشد شعراً ويذكرهم ذكراً كثيراً ويندبهم ويبكي عليهم ثم ينصرف. فأمض أنت وعلى
(2/198)

ودينارٌ حتى تردوا تلك الخرابات فاستتروا خلف بعض الجدر. فإذا رأيتم الشيخ قد جاء وبكى وندب وأنشد أبياتاً فأتوني به. (قال) فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخرابات فإذا نحن بغلام قد أتى ومعه بساطٌ وكرسيُ جديدٌ. وإذا شيخٌ قد جاء وله جمالٌ وعليه مهابةٌ ولطفٌ فجلس على الكرسي وجعل يبكي وينتحب ويقول هذه الأبيات:
ولما رأيت السيف جندل جعفراً ... ونادى منادٍ للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وزاد تأسفي ... عليهم وقلت الآن لا تنفع الدنيا
مع أبياتٍ أطالها. فلما فرغ قبضنا عليه وقلنا له: أحب أمير المؤمنين ففرع فزعاً شديداً وقال: دعوني حتى أوصي بوصية فإني لا أوقن بعدها بحياةٍ. ثم تقدم إلى بعض الدكاكين فأستفتح وأخذ ورقةً وكتب فيها وصية وسلمها إلى غلامه. ثم سرنا به فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين فقال حين رآه: من أنت وبم استوجب منك البرامكة ما تفعله في خرائب دورهم. قال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن للبرامكة أيادي خطيرة عندي أفتأذن لي أن أحدثك بحالي معهم. قال: قل. فقال: يا أمير المؤمنين أنا المنذر بن المغيرة من أولاد الملوك. وقد زالت عني نعمتي كما تزول عن الرجال. فلما ركبني الدين واحتجت إلى بيع مسقط رأسي ورؤوس أهلي وبيتي الذي ولدت فيه أشاروا علي بالخروج إلى البرامكة فخرجت من
(2/199)

دمشق ومعي نيفٌ وثلاثون رجلاً من أهلي وولدي وليس معنا ما يباع ولا ما يوهب. حتى دخلنا بغداد ونزلنا في بعض المساجد. فدعوت ببعض ثيابٍ كنت أعددتها لأستر بها فلبستها وخرجت. وتركتهم جياعاً لا شيء عندهم. ودخلت شوارع بغداد سائلاً عن البرامكة. فإذا أنا بمسجدٍ مزخرف وفي جانبه شيخٌ بأحسن زيٍ وزينهٍ. وعلى الباب خادمان وفي الجامع جماعةٌ جلوسٌ. فطمعت في القوم ودخلت المسجد وجلست بين أيديهم. وأنا أقدم رجلاً وأؤخر أخرى. والعرق يسيل مني لأنها لم تكن صناعتي. وإذا الخادم قد أقبل ودعا القوم فقاموا وأنا معهم. فدخلوا دار يحيى بن خالدٍ فدخلت معهم وإذا بيحيى جالس على دكةٍ له وسط بستانٍ. فسلمنا وهو يعدنا مائةً وواحداً. وبين يديه عشرةٌ من ولده. وإذا بمائةٍ واثنا عشر خادماً قد أقبلوا ومع كل خادم صينيةٌ من فضةٍ على كل صينيةٍ ألف دينار. فوضعوا بين يدي كل رجلٍ منا صينيةً. فرأت القاضي والمشايخ يصبون الدنانير في أكمامهم ويجعلون الصواني تحت آباطهم ويقول الأول فالأول حتى بقيت وحدي لا أجسر على أخذ الصينية. فغمزني الخادم فجسرت وأخذتها وجعلت الذهب في كمي والصينية في يدي. وقمت وجعلت أتلفت إلى وراءي مخافة أن أمنع من الذهاب. فوصلت وأنا كذلك إلى صحن الدار ويحيى يلاحظني. فقال للخادم: ائتني بهذا الرجل.
(2/200)

فأتى بي. فقال: مالي أراك تتلفت يميناً وشمالاً. فقصصت عليه قصتي فقال للخادم: ائتني بولدي موسى. فأتاه به. فقال له: يا بني هذا رجلٌ غريب فخذه إليك واحفظه بنفسك ونعمتك. فقبض موسى ولده على يدي وأدخلني إلى دار من دوره. فأكرمني غاية الإكرام وأقمت عنده يومي وليلتي في ألذ عيشٍ وأتم سرورٍ. فلما أصبح دعا بأخيه العباس وقال له: الوزير أمرني بالعطف على هذا الفتى وقد علمت اشتغالي في بيت أمير المؤمنين. فأقبضه إليك وأكرمه. ففعل ذلك وأكرمني غاية الإكرام. ثم لما كان من الغد تسلمني أخوه أحمد. ثم لم أزل في أيدي القوم يتداولونني على مدة عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني أفي الأموات هم أم في الأحياء. فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادمٌ ومعه جماعةٌ من الخدم. فقالوا: قم فأخرج إلى عيالك بسلام. فقلت: وا ويلاه سلبت الدنانير والصينية وأخرج على هذه الحالة. إنّا لله وإنّا إليه راجعون. فرفع الستر الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع. فلما رفع الخادم الستر الأخير. قال لي: مهما كان لك من الحوائج فأرفعها إلي. فإني مأمورٌ بقضاء جميع ما تأمرني به. فلما رفع الستر الأخير رأيت حجرةً كالشمس حسناً ونوراً. استقبلني منها رائحة الند والعود ونفحات المسك. وإذا بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير والديباج وحمل إلي ألف ألف درهمٍ وعشرة آلاف دينارٍ. ومنشوراً بضيعتين
(2/201)

وتلك الصينية التي كنت أخذتها بما فيها من الدنانير والبنادق. وأقمت يا أمير المؤمنين مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنةً لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم رجلٌ غريبٌ. فلما جاءتهم البلية ونزل بهم يا أمير المؤمنين من الرشيد ما نزل أجحفني عمرو بن مسعدة وألزمني في هاتين الضيعتين من الخراج مالا يفي دخلهما به. فلما تحامل على الدهر كنت في آخر الليل أقصد خرابات دورهم فأندبهم وأذكر حسن صنعهم إلي وأبكي على إحسانهم. فقال المأمون: علي بعمرو بن مسعدة. فلما أتى به قال له: تعرف هذا الرجل. قال: يا أمير المؤمنين هو بعض صنائع البرامكة. قال: كم ألزمته في ضيعتيه. قال: كذا وكذا. فقال له: رد إليه كل ما أخذته منه في مدته وأفرغهما له ليكونا له ولعقبه من بعده. (قال)
فعلا نحيب الرجل. فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال له: يا هذا قد أحسنا إليك فما يبكيك. قال: يا أمير المؤمنين وهذا أيضاً من صنيع البرامكة. لو لم آت خراباتهم فأبكيهم وأندبهم حتى أتصل خبري إلى أمير المؤمنين ففعل بي ما فعل من أين كنت أصل إلى أمير المؤمنين. قال إبراهيم بن ميمون: فرأيت المأمون وقد دمعت عيناه وظهر عليه حزنه وقال: لعمري هذا من صنائع البرامكة فعليهم فابك وإياهم فاشكر ولهم فأوف ولإحسانهم فاذكر. (للاتليدي)
(2/202)

الباب العاشر
في الفكاهات
334 قرع قوم على الجاحظ الباب فخرج صبي له. فسألوه ما يصنع. فقال: هو يكذب على الله. قيل: كيف. قال: نظر في المرآة فقال: الحمد لله الذي خلقني فأحسن صورتي. (لكمال الدين الحلبي) 335 تحاكم إلى أبي يوسف القاضي الرشيد وزبيدة في الفالوذج واللوذنيج أيهما أطيب. فقال: أنا لا أحكم على الغائب. فأمر باتخاذهما وتقديمها إليه. فجعل يأكل من هذا مرةً ومن ذاك أخرى حتى نصف الجام. ثم قال: يا أمير المؤمنين ما رأيت أعدل منهما كلما أردت أن أسجل لأحدهما أدلى الآخر بحجته. (للابشيهي)

العائد والمريض
336 مرض صديقٌ لحامد بن العباس فأراد أن ينفذ إليه ابنه يعوده. فأوصاه وقال: إذا دخلت فاجلس في أربع الموضع وقل للمريض: ما تشكو. فإذا قال: كذا وكذا فقيل: سليمٌ إن شاء الله. وقل له: ما يجيئك من الأطباء. فإذا قال: فلانٌ. فقل: مباركٌ ميمونٌ. وقل له: ما غذاؤك. فإذا قال: كذا وكذا. فقل طعامٌ محمودٌ. فذهب الابن فدخل على العليل. وكانت بين يديه منارةٌ فجلس عليها لارتفاعها. فسقطت على صدر العليل فأوجعته. ثم جلس فقال
(2/203)

للعليل: ما تشكو. فقال بضجرة: أشكو علة الموت. فقال: سليمٌ إن شاء الله. قال: فمن يجيئك من الأطباء. قال: ملك الموت. قال: مباركٌ ميمونٌ. قال: فما غذاؤك. فقال: سم الموت. قال طعامٌ طيبٌ محمودٌ. (لكمال الدين الحلبي)

الطبخ المفضل
337 من ظريف ما اتفق لأبي الرقعمق قال: كان لي إخوانٌ أربعةٌ وكنت أناديهم في أيام الأستاذ كافور. فأتى إلي رسولهم في يوم باردٍ وليست لي كسوةٌ تحصنني من البرد. فقال الرسول: إخوانك يقرأون عليك السلام ويقولون لك: اصطبحنا اليوم وذبحنا شاةً سمينةً فاشته ما نطبخه لك وأتنا عاجلاً. فكتبت إليهم:
إخواننا قصدوا الصبوح بسحرة ... فأتى رسولهم إلي خصيصا
قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبةً وقميصا.
فذهب الرسول إليهم بالرقعة. فما شعرت حتى عاد ومعه أربع خلعٍ وأربع صررٍ في كل صرةٍ عشرة دنانير فلبست إحداها وسرت إليهم.
338 وحكى أنه أتى برجل مدني سكران إلى بعض الولاة فأمر بإقامة الحد عليه. وكان الرجل طويلاً والجلاد قصيراً فلم يتمكن من ضربه. فقال الجلاد تقاصر لينالك الضرب. فقال له: ويلك إلى أكل الفالوذج تدعوني. ولقد وددت لو أني أطول من
(2/204)

عوج ابن عنق وأنت أقصر من يأجوج ومأجوج. (للنواجي)

الأعرابي وجرو الذئب
339 حكي أن أعرابياً أخذ جرو ذئبٍ فرباه بلبن شاة فقال: إذا ربيته مع الشاة يأنس بها فيذب عنها ويكون أشد من الكلب. فلا يعرف طبع أجناسه. فلما قوي وثب على شاته فافترسها. فقال الأعرابي:
بقرت شويهتي وفجعت قلبي ... وأنت لشاتنا ولد ربيب
غذيت بدرها وربيت فينا ... فمن أنباك أن أباك ذيب

عدل غريب
340 جاءت امرأةٌ إلى قاض فقالت: مات زوجي وترك أبويه وولداً وامرأةً وأهلاً وله مالٌ. فقال لأبويه الثكل. ولولده اليتم. ولامرأته الخلف. ولأهله القلة والذلة. والمال يحمل إلينا حتى لا يقع فيه بينكم خصومةٌ. (للثعالبي)

أبو دلامة وابن سليمان في الصيد
341 روي أن أبا دلامة كان منحرفاً على علي بن سليمان فاتفق أن خرج المهدي إلى الصيد ومعه علي وأبو دلامة. فرمى المهدي ظبياً عن له فأنفذ مقاتله. ورمى علي بن سليمان فاصطاد كلباً من كلاب الصيد فارتجل أبو دلامة:
قد رمى المهدي ظبياً ... شك بالسهم فؤاده
(2/205)

وعلي بن سليما ... ن رمى كلباً فصاده
فهنيئاً لهما ك ... ل فتى يأكل زاده
فضحك المهدي حتى كاد يسقط (بدائع البدائة للازدي)
342 يحكى أن أعرابياً استضاف حاتماً فلم ينزله. فبات جائعاً مقروراً. فلما كان في السحر ركب راحلته وانصرف. فتقدمه حاتمٌ. فلما خرج من بين البيوت لقيه متنكراً فقال له: من كان أبا مثواك البارحة. قال: حاتمٌ. قال: فكيف كان مبيتك عنده. قال: خير مبيتٍ. نحر لي ناقةً فأطعمني لحماً عبيطاً وأسقاني الخمر. وعلف راحلتي وسرت من عندهٍ بخير حالٍ. فقال له: أنا حاتمٌ. وإنك لا تبرح حتى ترى ما وصفت فرده. وقال له: ما حملك على الكذب. فقال له الأعرابي: إن الناس كلهم يثنون عليك بالجود. ولو ذكرت شراً كنت أكذب. فرجعت مضطر إلى قولهم إبقاء على نفسي لا عليك. (للشريشي)

الفتى والحمار
343 قيل مضى فتىً في طريق على حمارٍ له حتى أمسى فنزل في منزلٍ بالطريق. وإذا برجل قد أقبل على مهرٍ فاستقبله الفتى وحياه فأنس به. وجلساً يتحادثان برهةً فاستلطفه الرجل. ثم دعا بطعام فحضر. ودعا بعلفٍ لمهرة فقدم إليه. وجلس يأكل والفتى. ولم يكن معه نفقةٌ لعلف حماره فنظر إلى الرجل وقال:
(2/206)

يا سيدي نظمي يعاب بنثركا ... فلذاك شعري لا يقاس بشعركا
أوليتني فضلاً وإني عاجزٌ ... ما طال عمري أن أقوم بشكركا
أنا في ضيافتك العشية كلها ... فاجعل حماري في ضيافة مهركا
فضحك الرجل. وقال: ما هي إلا غفلةٌ مني. ودعا بعلفٍ للحمار كعلف المهر فقدم إليه. (لابن خلكان) 344 قيل لرجل جبانٍ في بعض الوقائع: تقدم. فأنشأ يقول:
وقالوا تقدم قلت لست بفاعلٍ ... أخاف على فخارتي أن تحطما
فلو كان لي رأسان أتلفت واحداً ... ولكنه رأسٌ إذا راح أعقما
ولو كان مبتاعاً لدى السوق مثله ... فعلت ولم أحقل بأن أتقدما
فأوتم أولاداً وأرمل نسوةً ... فكيف على هذا ترون التقدما

أبو دلامة في بيت الدجاج
345 كان المهدي قد كسا أبا دلامة ساجاً فأخذ به وهو سكران. فأتى به إلى المهدي فأمر بتمزيق الساج عليه وأن يحبس في بيت الدجاج. فلما كان في بعض الليل وصحا أبو دلامة من سكره ورأى نفسه بين الدجاج صاح: يا صاحب البيت. فاستجاب له السجان وقال: ما لك يا عدو الله. قال: ويلك من أدخلني مع الدجاج. قال: أعمالك الخبيثة. أتي بك أمير المؤمنين وأنت سكران. فأمر بتمزيق ساجك وحبسك مع الدجاج. قال له: ويلك ارقب لي سراجاً وجني بدواةٍ وورقٍ. فكتب أبو دلامة إلى المهدي:
(2/207)

أمير المؤمنين فدتك نفسي ... علام حبستني وخرقت ساجي
أقاد إلى السجون بغير ذنبٍ ... كأني بعض عمال الخراج
ولو معهم حبست لهان ذاكم ... ولكني حبست مع الدجاج
دجاجاتٌ يطيف بهن ديكٌ ... ينادي بالصياح إذا يناجي
وقد كانت تخبرني دنوبي ... بأني من عذابك غير ناجي
على أني وإن لاقيت شراً ... لخيرك بعد ذاك الشر راجي
ثم قال أوصلها إلى أمير المؤمنين فأوصلها إليه السجان. فلما قرأها أمر بإطلاقه وأدخله عليه فقال له: أين بت الليلة أبا دلامة. قال: في بيت الدجاج يا أمير المؤمنين. قال: فما كنت تصنع. قال: كنت أقوقي معهن حتى أصبحت. فضحك المهدي وأمر له بصلةٍ جزيلةٍ وخلع عليه كسوةً شريفةً.

في أي الاثنين أغلب على الرجل الأدب أو الطبع
346 قيل إن ملكا من ملوك فارس كان له وزيرٌ حازمٌ مجربٌ فكان يصدر عن رأيه ويتعرف اليمن في مشورته. ثم إنه هلك ذلك الملك وقام بعده ولده فأعجب بنفسه مستبداً برأيه ومشورته. فقيل له: إن أباك كان لا يقطع أمراً دونه. فقال: كان يغلط فيه وسأمتحنه بنفس. فأرسل إليه فقال له: أيهما أغلب على الرجل الأدب أو الطبيعة. فقال له الوزير: الطبيعة أغلب لأنها أصلٌ والأدب فرعٌ. وكل فرعٍ يرجع إلى أصله. فدعا بسفرته فلما وضعت أقبلت سنانير
(2/208)

بأيديهما الشمع فوقفت حول السفرة فقال للوزير: اعتبر خطأ وضعت مذهبك متى كان أبو هذه السنانير شماعاً. فسكت عنه الوزير وقال: أمهلني في الجواب إلى الليلة المقبلة. فقال: ذلك لك. فخرج الوزير فدعا بغلام له فقال: التمس لي فأراً واربطه في خيطٍ وجني به. فأتاه به الغلام فعقده في سبنيته وطرحه في كمه. ثم راح من الغد إلى الملك فلما حضرت سفرته أقبلت السنانير بالشمع حتى حفت بها فحل الوزير الفأر من سبنيته ثم ألقاه إليها. فاستبقت السنانير إليه ورمت بالشمع حتى كاد البيت يضطرم ناراً. فقال الوزير: كيف رأيت غلبة الطبع على الأدب ورجوع الفرع إلى أصله. قال: صدقت. ورجع إلى ما كان أبوه عليه معه. فإنما مدار كل شيءٍ على طبعه والتكلف مذمومٌ من كل وجهٍ. (لابن عبد ربه)

المستخبر عن وفاة أبيه
347 بينا قومٌ جلوس عند رجلٍ من أهل المدينة يأكلون عنده حيتاناً. إذا استأذن عليهم أشعب. فقال أحدهم إن من شأن أشعب البسط إلى أجل الطعام. فاجعلوا كبار هذه الحيتان في قصعةٍ بناحيةٍ ويأكل معنا الصغر. ففعلوا وأذن له. فقالوا له كيف رأيك في الحيتان. فقال إن لي عليها لحرداً شديداً وحنقاً لأن أبي مات في البحر وأكلته الحيتان. قالوا له فدونك خذ بثأر أبيك. فجلس ومديده إلى حوتٍ منها صغيرٍ. ثم وضعه عند أذنه وقد نظر إلى
(2/209)

القصعة التي فيها الحيتان في زاوية المجلس فقال أتدرون ما يقول لي هذا الحوت. قالوا لا. قال إن يقول إنه لم يحضر موت أبي ولا أدركه لأن سنه يصغر عن ذلك. ولكن قال لي عليك بتلك الكبار التي في زاوية البيت فهي أدركت أباك وأكلته.

المحب الإيجاز
348 اصطحب نحويٌ ورجلٌ في سفرٍ. فمرض النحوي. وأراد الرجل أن يرجع إلى بلده. فأراد النحوي أن يحمله رسالةً إلى أهله فقال له: قل لأهلي: لقد أصابه صدعٌ في رأسه. وبلى بوجع أضراسه. ووقعت الخمدة في أنفاسه. وقد فترت يداه. وتورمت رجلاه. وشخصت عيناه. وانحلت ركبتاه. وأصابه وجع في ظهره. وضربانٌ في صدره. وهزالٌ في طحاله. وتقطعٌ في أوصاله. وخفقان في قلبه. وألم في صلبه وماءٌ في عينيه. وريحٌ في ساقيه. وارتخاءٌ في حنكه. ونبضانٌ في صدغيه. وسكونٌ في نبضه من تواتر غشيانه وسكتةٌ في لسانه. فقال الرجل: يا سيدي الشيخ أنا أكره أن أطيل الكلام ولكن أقول لهم: مات والسلام.

البقرة الغارقة
349 حكى في الإحياء أن شخصاً كان له بقرةٌ وكان يشوب لبنها بالماء ويبيعه. فجاء السيل في بعض الأودية وهي واقفةٌ ترى فمر عليها فعرقها. فجلس صاحبها ليندبها. فقال له بعض بنيه: يا أبت لا
(2/210)

تندبها فإن المياه التي كنا نخلطها بلبنها اجتمعت فغرقتها. (للابشيهي)

السائل والبخيل
350 قيل إن سائلاً أتى إلى باب رجل من أغنياء أصفهان فسأل شيئاً لله. فسمعه الرجل فقال لعبده: يا مبارك قل لعنبر: يقول لجوهرٍ وجوهرٌ يقول لياقوتٍ وياقوتٌ يقول لألماس وألماس يقول لفيروز وفيروزٌ يقول لمرجان ومرجان يقول لهذا السائل: يفتح الله عليك. فسمعه السائل فرفع يديه إلى السماء وقال: يا رب قل لجبرائيل يقول لميكائيل وميكائيل يقول لدردائيل ودردائيل يقول لكيكائيل وكيكائيل يقول لإسرافيل وإسرافيل يقول لعزرائيل أن يزور هذا البخيل. فخجل التاجر ومضى السائل الحال سبيله. (لليمني) 351 قال بعض الشعراء يصف بخيلاً
لا يخرج الزئبق من كفه ... ولو ثقبناها بمسمار
يحاسب الديك على نقده ... ويطرد الهر من الدار
يكتب في كل رغيفٍ له ... يحرسك الله من الفار
352 قال عبد الله بن سالمٍ الخياط في رجل كثير الكلام:
لي صاحبٌ في حديثه البركة ... يزيد عند السكون والحكيه
لو قال لا في قيل أحرفها ... لردها بالحروف مشتبكة
353 حكى دعبلٌ قال: كنا عند سهل بن هارون يوماً فوجدناه يتضور جوعاً. ثم إنه نادى غلاماً له وقال: ويحك أين الغداء. فجاء
(2/211)

بقعةٍ فيها ديكٌ مطبوخ. فتأمله ثم قال: أين الرأس. فقال الغلام: رميته. قال: إني لأكره أن يرمى برجله فكيف برأسه. ويحك أما علمت أن الرأس رئيس الأعضاء ومنه يصرخ الديك. ولولا صوته ما أريد. وفيه فرقه الذي يتبرك به. وعينه التي يضرب بها المثل. فيقال شراب كعين الديك. ودماغه مفييدٌ لوجع البطن. ولم أر عظماً أهش تحت الأسنان من عظم رأسه. وهبك ظننت أني لا آكله أما قلت عنده من يأكله. انظر في أي مكانٍ رميته فأتني به. فقال: بحياتك ما أدري أين رميته. قال: لكني أدري وأعرف. رميته في بطنط الله حسبك. نعوذ بالله من البخل وأهله. (للقيرواني)

الإصبع المقطوعة
354 قال الشيباني: بلغني أن أعرابيين ظريفين من شاطين العرب حطمتهما سنةٌ فانحدرا إلى العراق. فبينما هما يتماشيان في السوق وأسم أحدهما خندان إذا فارسٌ قد أوطأ دابته رجل خندان فقطع إصبعاً من أصابعه. فتعلقا به حتى أخذ أرش الإصبع. وكانا جائعين مقرورين. فلما صار المال بأيديهما قصد إلى بعض الكرابج فابتاعا من الطعام ما اشتهيا. فلما شبع صاحب خندان أنشأ يقول:
فلا غرثٌ ما دام في الناس كربجٌ ... وما بقيت في رجل خندان إصبع
السفط المقفل 355 أتي الحجاج بسفطٍ قد أصيب في بعض خزائن كسرى مقفلٍ:
(2/212)

فأمر بالقفل فكسر فإذا فيه سقط آخر مقفل. فقال الحجاج: من يشتري مني هذا السفط بما فيه فتزايد فيه أصحابه حتى بلغ خمسة آلاف دينارٍ. فأخذه الحجاج ونظر فيه فقال: ما عسى أن يكون فيه إلا حماقةً من حماقات العجم. ثم أنفذ البيع وعزم على المشتري أن يفتحه ويريد ما فيه. ففتحه بين يديه فإذا فيه رقعةٌ مكتوب فيها: من أراد أن تطول لحيته فليمشطها من أسفل. (لابن عبد ربه) 356 دخل بشارٌ الضرير على المهدي وعنده خاله يزيد بن منصورٍ الحميري فأنشده قصيدةً يمدحه بها. فلما أتمها قال له يزيد: ما صناعتك أيها الشيخ. فقال له: أثقب اللؤلؤ. فقال له المهدي: أتهزأ بخالي. فقال: يا أمير المؤمنين ما يكون جوابي له وهو يراني شيخاً أعمى أنشد شعراً. فضحك المهدي وأجازه.
357 كان أبو الشمقمق الشاعر الظريف المشهور قد لزم بيته لأطمارٍ رثةٍ كان يستحي أن يخرج بها إلى الناس. فقال له بعض إخوانه يسليه عما رأى من سوء حاله: أبشر يا أبا الشمقمق فقد روي أن العارين في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة. فقال له: إن كان ذلك حقاً فإني لأكونن بزازاً يوم القيامة (لبهاء الدين) 358 قال ابن سكرة الهاشمي في صاحب يعرف بابن البرغوث:
بليت ولا أقول بمن لأني ... متى ما قلت من هو يصحبوه
خليلٌ قد نفى عني رقادي ... فإن أغمضت أيقظني أبوه
(2/213)

الحمار المحبوس
359 كان على المدينة طائف يقال له صفوان. فجاء الحزين الديلي إلى شيخ من أهل المدينة فاستعاره حماره وذهب إلى العقيق فشرب. وأقبل على الحمار وقد سكر. فجاء الحمار حتى وقف به على باب المسجد كما كان صاحبه عوده إياه. فمر به صفوان فأخذه فحبسه وحبس الحمار فأصبح الحمار محبوساً معه فأنشأ يقول:
أيا أهل المدينة خبروني ... بأي جريرةٍ حبس الحمار
فما للعير من جرم إليكم ... وما بالعير إن ظلم انتصار
فردوا الحمار على صاحبه وضربوا الحزين الحد. (الأغاني)

البرهان القاطع
360 ادعى رجلٌ في أيام المأمون أنه إبراهيم الخليل. فقال له المأمون: إن معجزة الخليل الإلقاء في النار. فنحن نلقيك فيها لنرى حالك. قال: أريد واحدةً أخف من هذه. قال: فبرهان موسى إذا ألقى العصا فصارت ثعباناً. قال: هذه أصعب علي من الأولى. قال: فبرهان عيسى وهو إحياء الموتى. قال: مكانك وصلت. أنا أضرب رقبة القاضي يحيى بن أكثم وأحييه لكم في هذه الساعة. فقال يحيى: أنا أول من آمن بك وصدق. فضحك المأمون وأعطاه جائزة.

المتظلم من خصمه
361 بينما عبد الله بن جعفر راكب إذ تعرض له رجل في الطريق
(2/214)

فمسك بعنان فرسه وقال: سألتك بالله أيها الأمير أن تضرب عنقي. فبهت فيه عبد الله وقال: أمعتوهٌ أنت. قال: لا ورأس الأمير. قال: فما الخبر. قال: لي خصم ألد قد لزمني وألح وضيق علي وليس لي به طاقةٌ. قال: ومن خصمك. قال: الفقر. فالتفت عبد الله لفتاه وقال: أدفع له ألف دينار. ثم قال له: يا أخا العرب خذها ونحن سائرون. ولكن إذا عاد إليك خصمك متغشماً فأتنا متظلماً. فإنا منصفوك منه إن شاء الله. فقال الأعرابي: إن معي من جودك ما أدحض به حجة خصمي بقية عمري. ثم أخذ المال وأنصرف.

سليمان بن عبد الملك والأعرابي
362 ذكر أن سليمان بن عبد الملك خرج ذات يوم إلى الصيد وكان كثير التطير. فبينا هو في بعض الطريق إذ لقيه رجلٌ أعور. فقال: أو ثقوه. فأوثقوه ومروا به على بئر خرابٍ قد تهجم. فقال سليمان: ألقوه في هذه البئر فإن صدنا في يومنا هذا أطلقناه وإلا قتلناه لتعرضه لنا مع علمه بتطيرنا. فألقوه في تلك البئر فما رأى سليمان في عمره صيداً أكثر من ذلك اليوم. فلما رجعوا ومروا على الرجلٍ أمر بإخراجه. فلما وقف بين يديه قال: يا شيخ ما رأيت أسر وأبر من طلعتك. قال الشيخ: صدقت ولكني أنا ما رأيت أشأم من طلعتك علي. فضحك سليمان وأحسن إليه وأمر بإطلاقه.
363 اعترض بعض الأعراب المأمون فقال: يا أمير المؤمنين
(2/215)

أنا رجلٌ من الأعراب. قال: لا عجب. قال: إني أريد الحج. قال: الطريق واسعةٌ. قال: ليس معي نفقةٌ. قال: قد سقط عنك الحج. قال: أيها الأمير جئتك مستجدياً لا مستفتياً. فضحك المأمون وأمر له بجائزة. (لليمني) 364 كان العماد بن جبريل المعروف بابن أخي العلم صاحب ديوان بيت المال بمصر. وكان قد وقع فانكسرت يده. فقال فيه ابن المسلم العراقي:
إن العماد بن جبريل أخي علمٍ ... له يدٌ أصبحت مذمومة الأثر
تأخر القطع عنها وهي سارقةٌ ... فجاءها الكسر يستقصي عن الخبر
365 دخل العبسي على بعض الرؤساء فمنعه البواب فقال:
حمدت بوابك إذ ردني ... وذمه غيري على رده
لأنه قلدني نعمةً ... تستوجب الإغراق في حمده
أراحني من قبح ملقاك لي ... وكبرك الزائد في حده
366 كتب سبط بن التعاويذي قصيدةً وسيرها إلى مجاهد الدين الزيني فأجازه جائزة سنيةً. وسير معها بغلةً فوصلت إليه وقد هزلت من تعب الطريق فكتب إليه:
مجاهد الدين دمت ذخراً ... لكل ذي فاقة وكنزا
بعثت لي بغلة ولكن ... قد مسخت في الطريق عنزا
367 ذكر بعض أصحاب الجزولي اليزدكنتي أنه حضر عنده
(2/216)

ليقرأ عليه قراءة أبي عمرو. فقال بعض الحاضرين: أتريد أن تقرأ على الشيخ النحو. قال: فقلت: لا. فسألني آخر كذلك: فقلت: لا. فأنشد الشيخ وقال: قل لهم:
لست للنحو جئتكم ... لا ولا فيه أرغب
خل زيداً لشأنه ... أينما شاء يذهب
أنا ما لي ولامرئٍ ... أبد الدهر يضرب

الباهلي والأعرابي
368 كانت العرب تسنكف الانتساب إلى قبيلة باهلة وتضرب بها المثل في الحمق والجهل. ويحكى أن أعرابياً لقي شخصاً في الطريق فسأله: من أنت. فقال: من باهلة. فرثى له الأعرابي. فقال ذلك الشخص: وأزيدك أني لست من صميمهم ولكن من مواليهم. فأقبل الأعرابي عليه يقبل يديه ورجليه. فقال له: ولم هذا. فقال: لأن الله تبارك وتعالى ما ابتلاك بهذه الرزية في الدنيا إلا ويعوضك الجنة في الآخرة. (لابن خلكان)

أبان بن عثمان والأعرابي
369 حدثنا ابن زبنجٍ قال: كان أبان بن عثمان من أهزل الناس وأعبثهم. فبينا نحن ذات يوم عنده وعنده أشعب إذا أقبل أعرابيٌ ومعه جمل له. والأعرابي أشقر أزرق أزعر غضوب يتلظى كأنه أفعى ويتبين الشر في وجهه. ما يدنو منه أحدٌ إلا شتمه ونهره. فقال
(2/217)

فكاد يدخل بعضه في بعضٍ غيظاً. ولم يقدر على الكلام. ثم قال: هات قلنسوتي فأخرج قلنسوةً طويلةً خلقةً قد علاها الوسخ والدهن وتخرقت تساوي نصف درهمٍ. فقال: قوم. قال: قلنسوة الأمير تعلو هامته ويصلي فيها الصلوات الخمس ويجلس للحكم ثلاثون ديناراً. قال: أثبت. فأثبت ذلك ووضعت القلنسوة بين يدي الأعرابي. فتربد وجهه وجحظت عيناه وهم بالوثوب ثم تماسك وهو متقلقلٌ. ثم قال لأشعب: هات ما عندك. فأخرج خفين خلقين قد نقبا وتقشرا وتفتقا. فقال: قوم. قال: خفا الأمير يطأ بهما الروضة ويعلو بهما المنبر أربعون ديناراً. فقال: ضعهما بين يديه. فوضعهما ثم قال للأعرابي: اضمم إليك متاعك وقال لبعض الأعوانٍ: اذهب فخذ الجمل. وقال لآخر: امض مع الأعرابي فاقبض منه ما بقي لنا عليه من ثمن المتاع وهو عشرون ديناراً. فوثب الأعرابي فأخذ القماش فضرب به وجوه القوم لا يألو في شدة الرمي به. ثم قال للأمير: أتدري أصلحك الله من أي شيءٍ أموت. قال: لا. قال: لم أدرك أباك عثمان فأشترك والله في دمه إذ ولد مثلك. ثم نهض مثل المجنون حتى أخذ برأس بعيره. وضحك أبانٌ حتى سقط وضحك كل من كان معه. وكان الأعرابي بعد ذلك إذا لقي أشعب يقول له: يا ابن الخبيثة حتى أكافئك على تقويمك المتاع يوم قوم. فيهرب أشعب منه. (الأغاني)
(2/219)

الباب الحادي عشر
في النوادر
370 أمسك على النابغة الجعدي الشعر أربعين يوماً فلم ينطق. ثم إن بني جعدة غزوا قوماً فظفروا فلما سمع فرح وطرب فاستحثه الشعر فذل له ما استصعب عليه. فقال له قومه: بحياتك لنحن بإطلاق لسان شاعرنا أسر من الظفر بعدونا. (لبهاء الدين)

وضع الشطرنج
371 لما افتخر ملوك فارس على ملوك الهند بوضع الملك نردشير لنفسه النرد وضع صصّه الحكيم الشطرنج وعرضها على الملك وأظهر خفي أمرها ومكنون سرها. فقال له: اقترح ما تشتهي. قال: أن تضع حبة من البر في البيت الأول ولا تزال تضاعفها حتى تنتهي إلى آخر البيوت فمهما بلغ تعطيني. فاستخف الملك عقله واحتقر ما طلب وقال له: كنت أظنك برجاحة عقلك وتوقد فكرك تطلب شيئاً نفيساً. فقال: أيها الملك إنك لما أمرتني بالتمني لم يخطر ببالي غير ذلك ولا سبيل إلى الرجوع عنه. فأمر له الملك لما سأل وتقدم بإحضار الحساب وأمرهم بحساب ذلك. فأعملوا في بلوغ قصده مطايا الأفكار. حتى لاح لهم نجم صدقه فعرفوه بعد
(2/220)

الإنكار. فلم يجدوا في بلاد الدنيا ما يفي له مراده من البر ولو كانت الرمال من أمداده. (للقليوبي)

المريض والخنفساء
372 حكى القزويني أن رجلاً رأى خنفساء فقال: ماذا يريد الله تعالى من خلق هذه. أحسن شكلها أو طيب ريحها. فابتلاه الله تعالى بقرحة عجز عنها الأطباء حتى ترك علاجها. فسمع يوماً صوت طبيب من الطرقيين ينادي في الدرب. فقال: هاتوه حتى ينظر في أمري. فقالوا: وما تصنع بطرقي وقد عجز عنك حذاق الأطباء. فقال: لابد لي منه. فلما أحضروه ورأى القرحة استدعى بخنفساء. فضحك الحاضرون منه. فتذكر العليل القول الذي سبق منه. فقال: أحضروا له ما طلب فإن الرجل على بصيرة من أمره، فأحضروها له فأحرقها وذر رمادها على قرحته فبرئ بإذن الله تعالى. فقال للحاضرين: إن الله تبارك وتعالى أراد أن يعرفني أن أخس المخلوقات أعز الأدوية. (للدميري)

النعمان وسنمار
373 بنى النعمان بن امرئ القيس قصراً بظاهر الحيرة في ستين سنة أسمه الخورنق. بناه رجل من الروم يقال له سنمار. وكان يبني على وضع عجيب لم يعرف أحد أن يبني مثله. فلما فرغ من بنائه كان قصراً عجيباً لم يكن للملوك مثله. ففرح به النعمان. فقال
(2/221)

له سنمار: إني لأعلم موضع آجرة لو زالت لسقط القصر كله. فقال له النعمان: هل يعرفها أحد غيرك. قال: لا. فأمر به فقذف من أعلى القصر إلى أسفله فتقطعت أوصاله. فاشتهر ذلك حتى ضرب به المثل فقال الشاعر:
جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
سوى رصه البنيان ستين حجة ... يعل عليه بالقراميد والسكب
فلما رأى البنيان تم شهوقه ... وآض كمثل الطود والشامخ الصعب
وظن سنمار به كل حبوة=وفاز لديه بالمودة والقرب فقال اقذفوا بالعلج من فوق رأسه=فهذا لعمر الله من أعجب الخطب فصعد النعمان قلته ونظر إلى البحر تجاهه وإلى البر خلفه والبساتين حوله. ورأى الظبي والحوت والنخل فقال لوزيره: ما رأيت أحسن من هذا البناء قط. فقال له وزيره: له عيب عظيم. قال: وما ذلك. قال: إنه غير باق. قال النعمان: وما الشيء الذي هو باق. قال: ملك الآخرة. قال: فكيف تحصيل ذلك. قال: بترك الدنيا. قال: فهل لك أن تساعدني في طلب ذلك. قال: نعم. فترك الملك وتزهد هو ووزيره. (للقزويني)

الوزير الحاسد
374 حكي أن رجلاً من العرب دخل على المعتصم فقربه وأدناه وجعله نديمه. وكان له وزير حاسد فغار من البدوي وحسده وقال
(2/222)

في نفسه: إن لم أحتل على هذا البدوي في قتله أخذ بقلب أمير المؤمنين وأبعدني منه. فصار يتلطف بالبدوي حتى أتى به إلى منزله فطبخ له طعاماً وأكثر فيه من الثوم. فلما أكل البدوي منه قال لك احذر أن تقرب من أمير المؤمنين فيشم منك رائحة الثوم فيتأذى من ذلك فإنه يكره رائحته. ثم ذهب الوزير إلى أمير المؤمنين فخلا به. وقال: يا أمير المؤمنين إن البدوي يقول عنك للناس: إن أمير المؤمنين أبخر وهلكت من رائحة فمه. فلما دخل البدوي على أمير المؤمنين جعل كمه على فمه مخافة أن يشم منه رائحة لثوم. فلما رآه أمير المؤمنين وهو يستر فمه بكمه قال: إن الذي قاله الوزير عن هذا البدوي صحيح. فكتب أمير المؤمنين كتاباً إلى بعض عماله يقول له فيه: إذا وصل إليك كتابي هذا فاضرب رقبة حامله. ثم دعا بالبدوي ودفع إليه الكتاب وقال له: امض به إلى فلان وأتني بالجواب. فامتثل البدوي ما رسم به أمير المؤمنين وأخذ الكتاب وخرج به من عنده فبينما هو بالباب إذ لقيه الوزير فقال: أين تريد. قال: أتوجه بكتاب أمير المؤمنين إلى عامله فلان. فقال الوزير في نفسه: إن هذا البدوي يحصل له من هذا التقليد مال جزيل. فقال له: يا بدوي ما تقول فيمن يريحك من هذا التعب الذي يلحقك في سفرك ويعطيك ألفي دينار. فقال: أنت الكبير وأنت الحاكم ومهما رأيته من الرأي أفل. قال: أعطني الكتاب.
(2/223)

فدفعه إليه وأعطاه الوزير ألفي دينار وسار بالكتاب إلى المكان الذي هو قاصده. فلما قرأ العامل الكتاب أمر بضرب رقبة الوزير. فبعد أيام تذكر الخليفة في أمر البدوي وسأل عن الوزير من أولها إلى آخرها. فقال له: أنت قلت عني للناس إني أبخر. فقال: معاذ الله يا أمير المؤمنين أن أتحدث بما ليس لي به علم وإنما كان ذلك مكراً منه وحسداً. وأعلمه كيف دخل به بيته وأطعمه الثوم وما جرى له معه. فقال أمير المؤمنين: قاتل الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله. ثم خلع على البدوي واتخذه وزيراً الوزير بحسده. (اللابشيهي)

كلب جاد بنفسه
375 كان ملك عظيم الشأن يحب التنزه والصيد. وكان له كلب قد ربّاه لا يفارقه. فخرج يوماً إلى بعض منتزهاته وقال لبعض غلمانه: قل للطباخ يصلح لنا ثردة بلبن. فجاءوا باللبن إلى الطبّاخ ونسي أن يغطيه بشيء واستغل بالطبخ. فخر من بعض الشقوق أفعى فكرع في ذلك اللبن ونفث في الثردة من سمه. والكب رابض يرى ذلك ولم يجد حيلة تصل بها إلى الأفعى. وكان هناك جارية خرساء زمني قد رأت ما صنع الأفعى. ووافى الملك من الصيد في
(2/224)

آخر النهار فقال: يا غلمان أدركوني بالثردة فلما وضعت بين يديه أومأت الخرساء إليه فلم يفهم ما تقول. ونج الكلب وصاح فلم يلتفت إليه ولج في الصياد فلم يعلم مراده. فقال للغلمان. نحوه عني. ومد يده إلى اللبن بعد ما رمى إلى الكلب ما كان يرمي إليه. فلم يلتفت الكلب إلى شيء من ذلك ولم يلتفت إلى غير الملك. فلما رآه يريد أن يضع اللقمة من اللبن في فمه ظفر إلى وسط المائدة وأدخل فمه وكرع من اللبن وسقط ميتاً وتنثر لحمه وبقي الملك متعجباً من الكلب ومن فعله. فأومأت الخرساء إليهم فعرفوا مرادها وما صنع الكلب. فقال الملك: لحاشيته هذا الكلب قد فداني بنفسه وقد وجب أن نكافئه. وما يحمله ويدفنه غيرّي. فدفنه وبنى عليه قبة في ظاهر المدينة. (للحموي) .

إبراهيم الخواص والسبع
376 حكى إبراهيم الخواص قال: في بعض أسفاري انتهيت إلى شجرة قعدت تحتها فإذا سبع هائل يأتي نحوي. فلما دنا مني رأيته يعرج. فإذا يده منتفخة وفيها فتخٌ فهمهم وتركها في حجري. وعرفت أنه يقول: عالج هذه. فأخذت خشبة فتحت بها الفتخ ثم شددتها بخرقة خرقتها من ثوبي. فغاب ثم جاءني ومعه شبلان يبصبصان ورغيف تركه عندي ومشى. (للقزويني)
(2/225)

المطيب أسم الله
377 كان سبب توبة بشر بن الحارث أنه أصاب في الطريق ورقة وفيها اسم الله تعالى مكتوب. وقد وطئتها الأقدام فأخذها واشترى بدراهم كانت معه غالية. فطيب بها الورقة وجعلها في شق حائط فرأى في النوم كأن قائلاً يقول له: يا بشر طيبت اسمي لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة. فلما تنبه من نومه تاب. (لابن خانكان)

الدواء الشافي
378 قال بعض الأبدال مررت ببلاد المغرب على طبيب والمرضى بين يديه وهو يصف لهم علاجهم. فتقدمت إليه وقلت: عالج مرضي يرحمك الله. فتأمل في وجعي ساعة ثم قال: خذ عروق الفقر وورق الصبر مع إهليلج التواضع. واجمع الكل في إناء اليقين وصب عليه ماء الخشية وأوقد تحته نار الحزن. ثم صفّه بمصفاة المراقبة في جام الرضا. وامزجه بشراب التوكل. وتناوله بكف الصدق. واشربه بكأس الاستغفار. وتمضمض بعده بماء الورع. واحتم عن الحرص والطمع فتشفى إن شاء الله تعالى. (لبهاء الدين العاملي)

ذكر الأمم التي دخلت في دين النصارى
379 من الأمم المنتصرة أمة الروم. على كثرتها وعظم ملوكها واتساع بلادها. (ومن الكامل وغيره) أن الروم كانت تدين بدين الصابئة ويعبدون أصناماً على أسماء الكواكب. ومازالت الروم
(2/226)

ملوكها ورعيتها كذلك حتى تنصر قسطنطين وحملهم على دين النصارى فتنصروا عن آخرهم. ومن أمم النصارى (الأرمن) كانوا بأرمينية. وقاعدة ملكها خلاط. ولما ملكناها صاروا فيها رعية. ثم تغلبوا وملكوا منا طرسوس والمصيصة وبلاد سيس مدينة بقلعة حصينة هي كرسي ملكهم في زماننا هذا. ومنها (الكرج) بلادهم مجاورة لبلاد خلاط إلى الخليج القسطنطيني وإلى نحو الشمال. ولهم جبال منيعة وقلاع حصينة. والغالب عليهم النصرانية. يلي ملكهم الرجال والنساء بالوراثة. وهم خلق كثير في صلح التتار اليوم. ومنها (الجركس) على شرقي بحر نيطش في شظف من العيش غالبهم نصارى. ومنها (الروس) لهم جزائر في بحر نيطش وبحر القسطنطينية ولهم بلاد شمالي البحر. ومنها (البلغار) نسبة إلى مدينة بسكنونها شمالي نيطش كان غالبهم نصارى فأسلم بعضهم. ومنها (الألمان) أكبر أمم النصارى غربي القسطنطينية إلى الشمال جنودهم كثيرة. قصد ملكهم في مائة ألف مقاتلة صلاح الدين بن أيوب فهلك هو وغالب عسكره في الطريق. ومنها (البرجان أمة بل أمم طاغية مثلثون. بلادهم متوغلة في الشمال. سيرهم منقطعة لبعدهم عناء وجفاء طباعهم. ومنها (الفرنج) أمم أصل بلادهم فرنجة ويقال فرنسة جوار جزيرة الأندلس شمالها يقال لملكهم الفرنسيس. قصد ديار مصر وأخذ دمياط. ثم أسره المسلمون
(2/227)

واستنقذوا دمياط منه بعد موت الملك الصالح أيوب ابن الكامل. وقد غلب الفرنج على معظم الأندلس. ولهم في بحر الروم جزائر مشهورة مثل ثقلية وقبرس وأقريطش. ومنهم (الجنوية) نسبة إلى جنوة مدينة عظيمة. وبلادهم كبيرة غربي القسطنطينية على بحر الروم. ومنهم (البنادقة) مدينتهم البندقية على خليج من بحر الروم تمتد نحو سبعمائة ميل في جهة الشمال والغرب. وهي قريبة من جنوة في البر. بينهما ثمانية أيام. (لابن الوردي)

ذكر أمم الهنود وتقاسيهم وعوائدهم
380 أم الهند فرق منهم (الباسوية) . زعموا أن لهم رسولاً ملكاً روحانياً نزل بصورة البشر أمرهم بتعظيم النار والتقرب إليها بالطيب والذبائح. ونهاهم عن القتل والذبح لغير النار. وسن لهم أن يتوشحوا بخيط يعقدونه من مناكبهم الأيامن إلى تحت شمائلهم. وعظم البقر وأمر بالسجود لها حيث رأوها. ومنهم (اليهودية) يقولون: الأشياء كلها صنع الخالق فلا يعافون شيئاً. ويتقلدون بعظام الناس ويمسحون رؤوسهم وأجسادهم بالرماد. ومنهم (عبدة الشمس وعبدة القمر) . ومنهم (عبدة الأصنام) وهم كالصابئة ولكل طائفة صنم. وأشكال الأصنام مختلفة. ومنهم (عباد الماء الجلهكينية) . يزعمون أن الماء ملك وهو أصل كل شيء إذا الرجل عبادة الماء تجرد ودخل الماء إلى وسطه.
(2/228)

ويقيم ساعتين أو أكثر ومعه رياحين يقطعها صغاراً ويليها فيه. وهو يسبح ويقرأ. وإذا أراد الانصراف حرك الماء بيده. ثم نقط منه على رأسه ووجهه وسجد وانصرف. ومنهم (عباد النار والأكنواطرية) . عبادتهم أن يحفروا أخدود مربعاً ويؤججوا به النار ثم لا يدعون طعاماً لذيذاً ولا ثوباً ولا شراباً لطيفاً ولا عطراً فائحاً ولا جوهراً نفيساً إلا طرحوه في تلك النار تقرباً إليها. وحرموا إلقاء النفوس فيها خلافاً لطائفة أخرى. ومنهم (البراهمة) أصحاب فكرة وعلم بالفلك والنجوم. وتخالف طريقتهم منجمي الروم والعجم. لأن أكثر أحكامهم باتصالات الثوابت دون السيارات. يعظمون أمر الفكر ويقولون: هو المتوسط بين المحسوس والمعقول. ويجتهدون في صرف الفكر عن المحسوسات ليتجرد الفكر عن هذا العالم ويتجلى له ذلك العالم. فربما يخبر عن المغيبات. (للشهرستاني باختصار) 381 ومن عوائد أمم الهند إقامة عيد كبير على رأس كل مائة سنة. فيخرج أهل البلد جميعاً من شيخ وشاب وكبير وصغير إلى صحراء خارج البلد فيها حجر كبير منصوب. فينادي منادي الملك لا يصعد على هذا الحجر غلا من حضر العيد السابق قبل هذا. فربما جاء الشيخ الهرم الذي ذهبت قوته وعمي بصره أو العجوز الشوهاء وهي تربض من الكبر. فيصعدان على ذلك الحجر أو أحدهما وربما لا يجيء أحد ويكون قد فني ذلك القرن بأسره. فمن صعد على ذلك
(2/229)

الحجر نادى بأعلى صوت: قد حضرت العيد السابق وأنا طفل صغير وكان ملكنا فلاناً ووزيرنا فلاناً. ثم يصف الأمة السابقة من ذلك القرن كيف طحنهم الموت وأهلكهم البلاء وصاروا تحت الثرى. ثم يقوم خطيبهم فيعظ الناس ويذكرهم بالموت وغرور الدنيا وتقلبها بأهلها. فيكثر في ذلك اليوم البكاء وذكر الموت والتأسف على صدور الذنوب والغفلة عن ذهاب العمر. ثم يتوبون ويكثرون الصدقات ويخرجون من التبعات. (لبهاء الدين العاملي)
382 ومن عوائدهم في مملكة بلهرا وغيره من ملوك الهند من يحرف نفسه بالنار. وذلك لقولهم بالتناسخ وتمكنه في قلوبهم وزوال الشك فيه عنهم. وفي ملوكهم من إذا قعد للملك طبخ له أرز ثم وضع بين يديه على ورق الموز وينتدب من أصحابه الثلاثمائة والأربعمائة باختيارهم لأنفسهم لا بإكراه من الملك لهم. فيعطيهم الملك من ذلك الأرز بعد أن يأكل منه. ويتقرب رجل رجلٌ منهم فيأخذ منه شيئاً يسيراً فيأكله. فيلزم كل من أكل من هذا الأرز إذا مات الملك أو قتل أو يحرقوا أنفسهم بالنار عن آخرهم في اليوم الذي يموت فيه. لا يتأخرون عنه حتى لا يبقى منهم عين ولا إثر. وإذا عزم الرجل على إحراق نفسه صار على باب الملك فاستأذن. ثم دار في الأسواق وقد أججت له النار في حطب جزل كثير. عليها رجال يقومون بإيقادها حتى تصير كالعقيق حرارة والتهاباً. ثم يعدو
(2/230)

وبين يديه الصنوج دائراً في الأسواق وقد احتوشه أهله وذوو قرابته. وبعضهم يضع على رأسه إكليلاً من الريحان يملأه جمراً ويصب عليه السندروس وهو مع النار كالنفط. ويمشي وهامته تحترق وروائح لحم رأسه تفوح وهو لا يتغير في مشيته. ولا يظهر منه جزع حتى يأتي النار فيثب فيها فيصير رماداً. فذكر بعض من حضر أن رجلاً منهم أراد دخول النار فلما أشرف عليها أخذ الخنجر فوضعه على رأس فؤاده فشقه بيده. ثم أدخل يده اليسرى فقبض على كبده فجذب منها ما تهيأ له وهو يتكلم. ثم قطع بالخنجر منها قطعة فدفعها إلى أخيه استهانة بالموت. وصبر على الألم ثم زج بنفسه في النار إلى لعنة الله. ومن عوائدهم القمار بالديكة والنرد والديكة عندهم عظيمة الأجسام وافرة الصياصي. يستعملون لها من الخناجر الصغار المرهفة ما يشد على صياصيها ثم ترسل. وقمارهم في الذهب والفضة والأرضين والنبات وغير ذلك. فيبلغ الديك الغالب جملة من الذهب. (كتاب سلسلة التواريخ)

نبذة من عوائد السودان
383 إن عاصمة ملك السودان تسمى بالغابة ويكتنفها الحدائق والمساكن وبناء بيوتهم بالحجارة وخشب السنط. وللملك قصر وقباب وقد أحاط بذلك كله حائط كالسور. وحول مدينة الملك غابات وشعراء يسكن فيها سحرتهم وهم الذين يقيمون دينهم. وفيها
(2/231)

دكاكيرهم وقبور ملوكهم. ولتلك الغابات حرس ولا يمكن أحداً دخولها ولا معرفة ما فيها. وهناك سجون الملك فإذا سجن فيها أحداً انقطع عن الناس خبرة. وتراجمة الملك من المسلمين وكذلك صاحب بيت ماله وأكثر وزرائه. ولا يلبس المخيط من أهل دين الملك غيره وغير ولي عهده. ويلبس سائر الناس ملاحف القطن والحرير والديباج على قدر أحوالهم. وهم أجمع يحلقون لحاهم. وملكهم يتحلى بحلي النساء في العنق والذراعين. ويجعل على رأسه الطراطير المذهبة عليها عمائم القطن الرفيعة. وهو يجلس للناس والمظالم في قبة. ويكون حوالي القبة عشرة أفراس بثياب مذهبة. ووراء الملك عشرة من الغلمان يحملون الجحف والسيوف المحلاة بالذهب. وعن يمينه أولاد ملوك بلده قد ضفروا على رؤوسهم الذهب وعليهم الثياب الرفيعة. ووالي المدينة بين يدي الملك جالس في الأرض وحواليه الوزراء. وعلى باب القبة كلاب منسوبة لا تكاد تفارق موضع الملك تحرسه. في أعناقها سواجير الذهب والفضة يكون في الساجور عدد رمانات ذهب وفضة. وهم ينذرون بجلوسه بطبل وهو خشبة طويلة منقورة فيجتمع الناس. فإذا دنا أهل دينه منه جثوا على ركبهم ونثروا التراب على رؤوسهم فتلك تحيتهم له. وديانتهم المجوسية وعبادة الدكاكير وإذا مات ملكهم عقدوا له قبة عظيمة من خشب الساج ووضعوها في موضع قبره. ثم أتوا به
(2/232)

على سرير قليل الفرش والوطاء فأدخلوه في تلك القبة. ووضعوا معه حليته وسلاحه وآنيته التي كان يأكل فيها ويشرب. وأدخلوا فيها الأطعمة والأشربة وأدخلوا معه رجالاً ممن كان يخدم طعامه وشرابه. وأغلقوا عليهم باب القبة وجعلوا فوق القبة الحصر والأمتعة. ثم اجتمع الناس فردموا فوقها بالتراب حتى تأتي كالجبل الضخم. ثم يخندقون حولها حتى لا يوصل إلى ذلك إلا من موضع واحد. وهم يذبحون لموتاهم الذبائح ويقربون لهم الخمور.
المسالك والممالك للبكري)

فائدة فيما خصت به كل بلدة
384 يقال: أفاعي سجستان. وثعابين مصر. وذباب تل قافل. وأوز غيلة. ويقال: برود اليمن. وقباطي مصر. وديباج الروم. وخز السوس. وحرير الصين. وملح مرو. وأكسية فارس. وحلل أصبهان. وسقلاطوني بغداد. وعمائم الأبلة. ويقال: سنجاب خرخيز. وسمور بلغار. وثعالب الخزر. وفنك كاشغر. وحواصل هراة. وقاقم التغرغز. ويقال: عتاق البادية. ونجائب الحجاز. وحمير مصر. وبراذين طخارستان. وبغال برذعة. ويقال: سكر الأهواز. وعسل أصفهان. وقصب مصر. ودبس أرجان. ورطب العراق. وعناب جرجان. وتمر كرمان. وإجاص بست. وسفرجل نيسابور. وتفاح الشام. ومشمش طوس. وكمثر نهاوند. ونارنج البصرة. وفشوش
(2/233)

هراة. وأترج طبرستان. وتين حلوان. وعنب بغداد. وموز اليمن وورد جور. ونيلوفر شروان. وزعفران قم. وتمر حناء مكة. ويقال: طواعين الشام. وطحال البحرين. وحمى خيبر. ودمامل الجزيرة. وعرق مكة. ووباء مصر. وبرسام العراق. وقروح بلح. والنار الفارسية. ويقال: شتاء أرمية. ومصيف مصر. وصواعق تهامة. وزلزال الديبل. ويقالك شقرة الروم. وسواد الزنج. وغلظ الترك. وجفاء الختل. ودمامة الصين. ولطافة بغداد. وقصر يأجوج. وطول مأجوج. وذكاء مصر. وبلادة الشام. وحماقة الحبش. ويقال: رطب توت. ورمان بابه. وموز هتور. وسمك كهيك. ولبن.............. ونبق بشنس. (الكنز المدفون)
(2/234)

العقعق السارق
385 حدث حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان لي وأنا صبي عقعق قد بيته وكان يتكلم بكل شيء سمعه. فسرق خاتم ياقوت كان أبي واضعه على حجز ليتوضأ ثم رجع فلم يجده. فطلبه وضرب غلامه الذي كان واقفاً فلم يقف له على خبر. فبينا أنا ذات يوم في دارنا إذ أبصرت العقعق قد نبش تراباً. فأخرج الخاتم منه ولعب به طويلاً ثم رده فيه ودفنه. فأخذته وجئت به إلى أبي فسر بذلك وقال يهجو العقعق:
(2/235)

إذا بارك الله في طائر ... فلا بارك الله في العقعق
طويل الذنابي قصير الجناح ... متى ما يجد غفلة يسرق
يقلب عينيه في رأسه=كأنهما قطرتا زئبق (الأغاني)

قصة أصحاب الكهف (سنة 251 للمسيح)
386 كان للروم ملك اسمه دقيانوس (دسيوس) وكان يعبد الأصنام ويذبح للطواغيت. وكان ينزل قرى الروم ولا يترك فيها أحداً مؤمناً إلا فتنه حتى يعبد الأصنام. فنزل يوماً مدينة أصحاب الكهف وهي أفسوس وكان فيها بقايا على دين عيسى بن مريم يعبدون الله. فهرب منه أهل الإيمان. وكان حين قدم المدينة اتخذ شرطة من الكفار من أهلها يتتبعون أهل الإيمان في أماكنهم. فمن وقع به الملك خيره بين القتل وعبادة الأصنام. فمنهم من يرغب ومنهم من يأبى فيقتل. ثم يؤمر بأجسادهم أن تعلق على سور المدينة وعلى كل باب.
فاتفق أن سبعة فتيان من أولاد البطارقة من أشراف القوم خرجوا ذات يوم لينظروا إلى المعذبين من إخوتهم. ففتح الله أبصارهم فكانوا يرون الرجل إذا قتل هبطت إليه الملائكة من السماء وعرجوا بروحه. فآمنوا وتضرعوا إلى الله وجعلوا يقولون: ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذا شططنا. اللهم اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة وادفع البلاء والغم عن
(2/236)

الذين آمنوا بك. فبينما هم على ذلك إذ أدركهم الشرطة وكانوا قد دخلوا في مصلى لهم فوجدوهم سجدوا على وجوههم يبكون ويتضرعون إلى الله تعالى فلما عثروا عليهم الملك قال لهم: ما منعكم أن تعبدوا آلهتنا فاختاروا إما أن تذبحوا لآلهتنا وإما أن أقتلكم. فقال مكسلمينا وهو أكبرهم: إن لنا إلهاً ملأت السماوات والأرض عظمته لن ندعو من دونه إلهاً. أما الطواغيت وعبادتها فلن نعبدها أبداً فاصنع ما بدا لك. فلما قال ذلك أمر الملك فنزع منهم الملبوس الذي كان عليهم من لبوس عظمائهم وقال: إن فعلتم ما فعلتم فإني سأؤخركم وأفرغ لكم وأنجزكم ما وعدتكم من العقوبة. وما يمنعني أن أعجل ذلك إلا أني أراكم شباباً حديثة أسنانكم. فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلاً تتذاكرون فيه وتراجعون عقولكم. ثم أمر هم فأخرجوا من عنده. وانطلق دقيانوس إلى مدينة سوى مدينتهم لبعض أموره.
فلما علم الفتية أن دقيانوس خرج من مدينتهم ائتمروا أن يأخذ كل رجل منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا منها ثم يتزدوا بما بقي. ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة فيمكثون فيه ويعبدون الله تعالى. حتى إذا جاء دقيانوس أتوه فقاموا بين يديه فيصنع بهم ما شاء. فلما جنهم الليل خرجوا إلى الجبل وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم يقال له تمليخا. فكان يبتاع لهم طعامهم من المدينة. وكان
(2/237)

من أجملهم وأجلدهم. وكان إذا دخل المدينة لبس ثياب المساكين واشترى طعامهم وتجسس لهم الأخبار. فلبثوا كذلك زماناً. ثم أخبرهم أن الملك يتطلبهم. فبينما هم كذلك عند غروب الشمس يتحدثون ويتدارسون إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف. فوقف الملك على أمرهم فألقى إبليس في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم حتى يموتوا جوعاً وعطشاً. وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم. ثم عمد رجلان مؤمنان كانا في بيت الملك فكتبا شأن الفتية وأسماءهم وأنسابهم في رقيم. وجعلاه في تابوت من نحاس وجعلاه في البنيان. وناموا ثلاثمائة سنة وازداد واتسعا وفقدهم الملك وقومهم قال محمد بن إسحاق: وتحزب الناس في ملكه أحزاباً فمنهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق ومنهم من يكذب. فحزن حزناً شديداً لما رأى أهل الباطل. يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون: لا حياة إلا الحياة الدنيا. وإنما تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد.
ثم إن الرحمان الرحيم أراد أن يظهر الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية ليعلموا بها أن الساعة آتية لا ريب فيها. فألقى الله في نفس رجل من ذلك الجبل أن يبني فيه حظيرة لغنمه. فاستأجر عاملين فجعلا ينزعان تلك الأحجار ويبنيان بها تلك الحظيرة. حتى فرغ ما على فهم الكهف. فلما فتح عليهم
(2/238)

الباب أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محبي الموتى أن يقوم الفتية. فجلسوا فرحين مستبشرة وجوههم طيبة أنفسهم. فسلم بعضهم على بعض. حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون فيها إذا أصبحوا من ليتهم التي يبيتون فيها. ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كما كانوا يفعلون لا يرى في وجوههم ولاشك في أبشارهم ولا ألوانهم شيء يكرهونه. إنما هم كهيئتهم حيد رقدوا. وهم يرون أن ملكهم دقيانوس الجبار في طلبهم. فلما قضوا صلاتهم قال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه اعلموا أنكم ملاقو الله فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم غداً. ثم قال لتمليخا: انطلق على المدينة فاسمع ما يقوله الناس في شأننا. فتلطف ولا تشعرن بنا أحداً وابتع لنا طعاماً وأتنا به فإنه قد نالنا الجوع. فأخذ تمليخا الثياب التي كان يتنكر فيها وأخذ ورقاً من نفقتهم التي كانت معهم التي ضربت بطابع دقيانوس. فانطلق تمليخا خارجاً فلما مر بباب الكهف رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف. فعجب منها ثم مر فلم يبال بها. حتى أتى باب المدينة مستخفياً يصد عن الطريق تخوفاً من أن يراه أحد من أهلها فيعرفه فيذهب به إلى دقيانوس الجبار. ولم يسعر أن دقيانوس وأهله قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمائة سنة. فلما رأى تمليخا باب المدينة رفع رأسه فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان. فلما رآها عجب وجعل ينظر إليها مستخفياً. فنظر يميناً وشمالاً فلم ير أحداً ممن يعرفه.
(2/239)

ثم ترك ذلك الباب وتحول إلى باب آخر من أبوابها فرأى مثل ذلك. فجعل يخيل إليه أن المدنية ليست بالتي كان يعرفها. ورأى ناساً كثيرين محدثين فلم يعرفهم قبل ذلك. فجعل يمشي ويتعجب منهم ومن نفسه ويخيل إليه أنه حيران. ثم رجع إلى الباب الذي منه. فجعل يتعجب منه ومن نفسه ويخيل له فيقول: يا ليت شعري أما هذه عشية أمس كان المؤمنون يخفون هذه العلامة العلامة ويستخفون بها. فأما اليوم فأنها ظاهرة لعلي حالم. ثم يرى انه ليس بنائم فأخذ كساءه وجعله على رأسه.
ثم دخل المدنية فجعل يمشي بين ظهراني سوقها فيسمع ناساً كثيرين يذكرون الله ثم عيسى بن مريم. فزاده عجباً ورأى كأنه حيران. فقام مسنداً ظهره إلى جدار من جدران المدينة ويقول في نفسه: ما أدري ما هذا أما عشية أمس فما كان على وجه الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلا قتل. وأما الغداة فأسمع كل إنسان يذكر أمر عيسى بن مريم ولا يخاف. ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست المدنية التي أعرفها أسمع كلام أهلها ولا أعرف أحداً لكني ما أعلم مدنية أقرب من مدينتنا ثم قام كالحيران لا يتوجه وجهاً. ثم لقي فتى من أهل المدينة. فقال: يا فتى ما اسم هذه المدينة. فقال: أفسوس. فقال في نفسه: لعل بي مساً أو أمراً أذهب عقلي. ثم إنه أفاق فقال: لو عجلت الخروج من المدينة قبل أن يفطن بي لكان
(2/240)

أكيس بي. فدنا من الذين يبيعون الطعام فأخرج الورق التي كانت معه فأعطاها رجلاً منهم فقال: يا عبد الله بعني بهذه الورق طعاماً. فأخذها الرجل ونظر إلى ضرب الورق ونقشها وعجب منها. ثم طرحها إلى رجل من أصحابه فنظر إليها. ثم جعلوا يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل وهم يعجبون منها. ثم جعلوا يتشاورون من أجله ويقول بعضهم: إن هذا الرجل قد أصاب كنزاً خبيئاً في الأرض منذ زمان ودهر طويل. فلما رآهم يتشاورون من أجله فرق فرقاً شديداً وحزن حزناً عظيماً. وجعل يرتعد ويظن أنهم فطنوا به وعرفوه وإنما يريدون أن يحملوه إلى ملكهم دقيانوس. وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرفونه فقال لهم وهو شديد الفرق: اقضوا لي حاجتي فقد أخذتم ورقي وإلا فأمسكوا طعامكم فلا حاجة لي فيه. فقالوا له: من أنت يا فتى وما شأنك. إنك لقد وجدت كنزاً من كنوز الأولين وأنت تريد أن تخفيه عنا فانطلق معنا وشاركنا فيه يخف عليك ما وجدت. فإنك إن لم تفعل نأت بك السلطان فنسلمك إليه فيقتلك. فلما سمع قولهم عجب في نفسه وقال قد وقعت في كل شيء أحذر منه. ثم قالوا: يا فتى إنك لا تستطيع أن تكتم شيئاً وجدته ولا تظن في نفسك أن سنخفي عليك فأطرق تمليخا لا يدري ما يقول وما يرجع إليه وفرق حتى لم يحر إليهم جواباً. فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه فطوقوه في عنقه. ثم جعلوا يقودونه في سكك المدينة مكبلاً
(2/241)

حتى سمع به كل من فيها فقيل: أخذ رجل عنده كنز. واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم فجعلوا ينظرون إليه ويقولون: ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة وما رأيناه فيها قط وما نعرفه. فجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم مع ما سمع منهم. فلما اجتمع عليه أهل المدينة فرق وسكت ولم يتكلم. ولو قال إنه من أهل المدينة لم يصدق. وكان مستيقناً أن أباه وإخوته بالمدينة وأن حسبه من أهل المدينة من عظماء أهلها وأنهم سيأتونه إذا سمعوا. وقد استيقن أنه عشية أمس كان يعرف كثيراً من أهلها وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحداً.
فبينما هو قائم كالحيران ينتظر من يأتيه من بعض أهله إما أبوه أو بعض إخوته فيخلصه من أيديهم إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها. وهما رجلان صالحان اسم أحدهما أرموس والآخر إصطفوس. فلما انطلق به إليهما ظن تمليخا إنما ينطلق به إلى دقيانوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه. فجعل يلتفت يميناً وشمالاً وجعل الناس يسخرون به كما يسخرون من المجنون والحيران. وجعل تمليخا يبكي ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إله السماء وإله الأرض أفرغ علي اليوم صبراً وأولج معي روحاً منك تؤيدني به عند هذا الجبار. وجعل يبكي ويقول في نفسه: فرق بيني وبين إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت وأين يذهب بي. فلو أنهم يعلمون فيأتون فنقوم جميعاً بين يدي هذا الجبار. فإنا كنا
(2/242)

توافقنا لنكونن معاً لا نكفر بالله ولا نعبد الطواغيت من دون الله عز وجل. فرق بيني وبينهم فلم أرهم ولم يروني. وقد كنا توافقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبداً. يا ليت شعري ما هو فاعل بي أقاتلي أم لا.
ثم انتهى به إلى الرجلين الصالحين أرموس وإصطفوس فلما رأى تمليخا أنه لم يذهب به إلى دقيانوس أفاق وسكن عنه البكاء فأخذ أرموس وإصطفوس الورق فنظرا إليها وعجبا منها. ثم قال له أحدهما: أين الكنز الذي وجدته يا فتى. لهذا الورق يشهد عليك أنك قد وجدت كنزاً. فقال له تمليخا: ما وجدت كنزاً ولن هذا الورق ورق آبائي ونقش هذه المدينة وضربها. ولكني ما أدري ما أقول لكم. قال أحدهما: من أنت. فقال له تمليخا: أما ما أرى فإني كنت أرى أني من أهل هذه المدينة. فقالوا له: من أبوك ومن يعرفك بها. فأنباهم باسم أبيه فلم يجدوا أحداً يعرفه ولا أباه. فقال له أحدهما: أنت رجل كذاب لا تخبر بالحق. فلم يدر تمليخا ما يقول لهم غير أنه نكس رأسه إلى الأرض. فقال بعض من حوله: هذا الرجل مجنون. وقال بعضهم: ليس بمجنون ولكنه يحمق نفسه عمداً لكي يفلت منكم. فقال له أحدهما ونظر إليه نظراً شديداً: أتظن أنا نرسلك ونصدقك أن هذا مال أبيك. ولنقش هذه الورق وضربها أكثر من ثلاثمائة سنة. وأنت غلام شاب تظن أنك تأفكنا وتسخر
(2/243)

بنا ونحن شمط كما ترى. وحولك سراة أهل المدينة وولاة أمرها وخزائن هذه البلدة بأيدينا. وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار. وإني لأظنني سآمر بك فتضرب وتعذب عذاباً شديداً ثم أوثقك حتى تقر بهذا الكنز الذي وجدت. فلما قال له ذلك قال لن تمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه فإن فعلتم صدقتكم ما عندي. قالوا: سل لا نكتمك شيئاً. قال فما فعل الملك دقيانوس. فقالوا له: ليس نعرف اليوم على وجه الأرض ملكاً يسمى دقيانوس. ولم يكن إلا ملكاً قد هلك منذ زمان ودهر طويل وقد هلكت بعده قرون كثيرة. فقال لهم تمليخا: فوالله ما يصدقني أحد من الناس بما أقول. لقد كنا فتية الملك وإنه أكرهنا على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس فنمنا. فلما انتبهنا خرجت لأشتري لأصحابي طعاماً وأتجسس لهم الأخبار فإذا أنا كما ترون. فلما سمع أرموس وإصطفوس ما يقول تمليخا قالا: يا قوم لعل هذه آية من آيات الله عز وجل جعلها الله لكم على يدي هذا الفتى. فانطلقوا بنا معه ليرينا أصحابه كما قال. فانطلق معه أرموس وإصطفوس وانطلق معهما أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم.
ولما رأى الفتية أصحاب الكهف تمليخا قد احتبس عنهم بطعامهم
(2/244)

وشرابهم عن القدر الذي كان يأتيهم فيه ظنوا أنه قد أخذ وذهب به إلى ملكهم دقيانوس الذي هربوا منه. فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل مصعدة نحوهم. فظنوا أنهم رسل الجبار دقيانوس بعث غليهم ليؤتى بهم. فقاموا حين سمعوا ذلك على الصلاة وسلم بعضهم على بعض وقالوا: انطلقوا بنا إلى أخينا تمليخا فإنه الآن بين يدي الجبار دقيانوس ينتظر متى نأتيه. فبينما هم يقولون ذلك وهم جلوس بين ظهراني الكهف فلم يروا إلا أرموس وأصحابه وقوماً وقوفاً على باب الكهف وقد سبقهم تمليخا. فدخل عليهم وهو يبكي فلما رأوه يبكي بكوا معه. ثم سألوه عن شأنه فأخبرهم بخبره وقص عليهم المسألة. فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نياماً بإذن الله تعالى ذلك الزمان كله. وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس وتصديقاً للبعث وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ثم دخل على أثر تمليخا أرموس فرأى تابوتاً من نحاس مختوماً بخاتم من فضة. فقام بباب الكهف ودعا رجالاً من عظماء أهل المدينة وفتح التابوت عندهم. فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوباً فيهما عن مكسلمينا وتمليخا ومرطوكش ونوالس وسانيوس وبطنيوس وكشفوطط كانوا فتية هربوا من ملكهم دقيانوس الجبار مخافة أن يفتنهم عن دينهم فدخلوا في هذا الكهف. فلما أخبر بمكانهم أمر بهذا الكهف فسد عليهم بالحجارة. وإنا كتبنا شأنهم وخبرهم ليعلم من بعدهم إن عثروا عليهم. فلما قرؤوه عجبوا وحمدوا الله عز وجل الذي أراهم آية البعث فيهم. ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه. ثم دخلوا على الفتية الكهف فوجدوهم جلوساً بين ظهرانيه ووجوههم مشرقة ولم تبل ثيابهم. فخر أرموس وأصحابه سجداً لله تعالى وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته. ثم كلم بعضهم بعضاً وأنبأهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقيانوس
(2/245)

الجبار. ثم إن أرموس وأصحابه بعثوا بريداً على ملكهم الصالح تاودسيوس أن عجل لعلك تنظر على آية من آيات الله تعالى جعلها الله آية على ملكك. وجعلها أية للعالمين ليكون ذلك نوراً وضياءً وتصديقاً بالبعث. فأعجل على فتية بعثهم الله وكان قد توفاهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة. فلما أتى الملك الخبر قام من السدة التي كان عليها وذهب عنه همه. وقال: أحمد الله رب العالمين رب السماوات والأرض وأعبدك وأسج لك. تطولت علي ورحمتني برحمتك فلم تطفئ النور الذي كنت جعلته لآبائي.
فلما أنبئ به أهل المدينة ركبوا إليه وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف وأتوه فلما أرى الفتية تادوسيوس فرحوا به وخروا سجداً على وجوههم. وقام تاودوسيوس قدامهم ثم اعتنقهم وبكى.
(2/246)

وهم جلوس بين يديه على الأرض يسجون الله تعالى ويحمدونه. ثم قال الفتية لتادودسيوس: نستودعك الله ونقرأ عليك السلام حفظك الله ومد ملكك ونعيذك بالله من شر الجن والإنس. فبينما الملك قائم رجعوا إلى مضاجعهم فناموا وتوفى الله أرواحهم. وقام الملك فجعل ثيابه عليهم. وأمر أن يجعل لكل واحد تابوت من ذهب. فلما أمسوا ونام أتوه في المنام وقالوا: إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة ولكنا خلقنا من التراب وإلى التراب نصير. فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعنا الله. فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج فجعلوا فيه. وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب فلم يقدر أحد أن يطلع عليهم. وأمر الملك فجعل على باب الكهف مسجداً يصلى فيه. وجعل لهم عيداً عظيماً. (للدميري بتلخيص)

الباب الثاني عشر في الأسفار
387 السفر أحد أساب المعاش التي بها قوامه ونظامه لأن الله تعالى لم يجمع منافع الدنيا في أرض بل فرقها وأحوج بعضها إلى بعض. ومن فضله أن صاحبها يرى من عجائب الأمصار. وبدائع الأقطار.
(2/247)

ومحاسن الآثار. ما يزيده علماً. ويفيده فهماً. بقدرة الله وحكمته. ويدعوه إلى شكر نعمته. ويسمع العجائب. ويكسب التجارب. ويفتح المذاهب. ويجلب المكاسب. ويشد الأبدان. وينشط الكسلان. ويسلي الأحزان. ويطرد الأسقام. ويشهي الطعام. ويحط سورة الكبر. ويبعث على طلب الذكر. وقال حاتم طيء: إذا لزم البيوت رأيتهم عماة عن الأخبار خرق المكاسب.
388 وفي المبهج: من آثر السفر على العقود. فلا يبعد أن يبعد أن يعود مورق العود. وربما أسفر السفر عن الظفر. وتعذر في الوطن قضاء الوطر. وتقول العامة: كلب جوال خير من أسد رابض. (للمقدسي) قال علي بن أبي طالب:
تغرب عن الأوطان في طلب العلى ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرج هم واكتساب معيشة ... وعلم وآداب وصحبة ماجد
فإن قيل في الأسفار ذل ومحنة ... وقطع الفيافي وارتكاب الشدائد
فموت الفتى خير له من مقامة ... بدار موان بين واش وحاسد
389 قال المأمون: لا شيء ألذ من السفر في كفاية لأنك تحل كل يوم في محلة لم تحلها وتعاشر قوماً لم تعاشرهم. وفي كتاب الهند: من لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب. قال الشاعر:
لا يمنعنك خفض العيس في دعة ... من أن تبدل أوطاناً بأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلاً بأهل وإخواناً بإخوان
(2/248)

وقال أيضاً:
بلاد الله واسعة فضاء ... ورزق الله في الدنيا فسيح
فقل للقاعدين على هوان ... إذا ضاقت بكم أرض فسيحوا
قال غيره:
اشد من فاقه الزمان ... مقام حر على هوان
فاسترزق الله واستعنه ... فإنه خير مستعان
وإن نبا منزل بحر ... فمن مكان إلى مكان
قال آخر:
سافر تجد عوضاً عمن تفارقه ... وانصب فإن لذيذ العيش في النصب
ما في المقام لذي لب وذي أدب ... معزة فاترك الأوطان واغترب
إني رأيت وقوف الماء يفسده ... إن ساح طاب وإن لم يجر يطب
والبدر لولا أفول منه ما نظرت ... إليه في كل حين عين مرتقب
والأسد لولا فراق الغاب ما قنصت=والسهم لولا فراق القوي لم يصب
والتبر كالترب ملقى في معادنه ...
(2/249)

والعود في أرضه نوع من الحطب
فإن تغرب هذا عز مطلبه ... وإن أقام فلا يعلو إلى الرتب
390 أوصى بعض الحكماء صديقاً له وقد أراد سفراً فقال: إنك تدخل بلداً لا تعرفه ولا يعرفك أهله فتمسك بوصيتي تنفق بها فيه. عليك بنظافة البزة فإنها تنبئ عن النشء في النعمة. والأدب الجميل فإنه يكسب المحبة. وليكن عقلك دون دينك وقولك دون فعلك ولباسك دون قدرك. والزم الحياء والأنفة فإنك إن استحيت من الفظاظة اجتنبت الخساسة. وإن أنفت عن الغلبة لم يتقدمك نظير في مرتبة. قال أو الفتح البستي:
لئن تنقلت من دار إلى دار ... وصرت بعد ثواء رهن أسفار
فالحرُّ حرٌّ عزيز النفس حيث ثوى ... والشمس في كل برج ذات أنوار
391 أوصت أعرابية ابنها في سفر فقالت: يا بني إنك تجاور الغرباء، وترحل عن الأصدقاء. ولعلك لا تلقى غير الأعداء. فخالط الناس بجميل البشر. واتق الله في العلانية والسر. مثل بنفسك مثال ما استحسنت من غيرك فاعمل به. وما استقبحت من غيرك فاجتنبه. فإن المرء لا يرى عيب نفسه. (للقيرواني) 392 قال بعض الحكماء: الغريب كالغرس الذي زايل أرضه
(2/250)

وفقد شربه ذاو لا يزهر. وذابل لا يثمر. ويقال: الغريب كالوحش النائي عن وطنه فهو لكل رام رمية ولك سبع فريسة. وقال آخر: الغريب كاليتيم الفطيم الذي ثكل أبويه فلا أم ترأمه ولا أب يرأف به. ويقال: عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك. قال بعضهم:
يا نفس ويحك في التغرب ذلة ... فتجرعي كأس الأذى وهوان
وإذا نزلت بدار قوم دارهم ... فلهم عليك تعزز الأوطان
قال الطريفي:
أرى وطني كعش لي وكن ... أسافر عنه في طلب المعاش
ولولا أن كسب القوت فرض ... لما برح الفراخ من العشاشا
(للمقدسي)

سفر ابن بطوطة إلى القسطنطينية (سنة 1334 م)
393 رغبت الخاتون بيلون ابنة ملك الروم من السلطان أوزبك زوجها أن يأذن لها في زيارة أبيها. فسافرنا في العاشر من شوال في صحبة الخاتون بيلون وتحت حرمتها. ورحل السلطان في تشييعها مرحلة ورجع هو والملكة وولي عهده. وسافر سائر الخواتين في صحبتها مرحلة ثانية ثم رجعن. وسافر صحبتها الأمير بيدرة في خمسة آلاف من عسكره. وكان عسكر الخاتون نحو خمسمائة فارس. منهم خدامها من المماليك والروم نحو مائتين والباقون من الترك.
(2/251)

وكان معها من الجواري نحو مائتين أكثرهم روميات وكان لها من العربات نحو أربعمائة عربة ونحو ألفي فرس لجرها وللركوب. وكان معها من الفتيان الروميين عشرة ومن الهنديين مثلهم وقائدهم الأكبر يسمى بسنبل الهندي وقائد الروميين يسمى بميخائيل. ويقول له الأتراك لؤلؤاً. وهو من الشجعان الكبار. وتركت أكثر جواريها وأثقالها بمحلة السلطان غذ كانت قد توجهت برسم الزيارة. وتوجهنا إلى مدينة أكك وهي مدينة متوسطة حسنة العمارة كثيرة الخيرات شديدة البرد. وعلى مسيرة يوم من هذه المدينة جبال الروس. وهم شقر الشعور زرق العيون قباح الصور أهل غدر وعندهم معادن الفضة ومن بلادهم يؤتى بسبائك الفضة التي بها يباع ويشترى في هذه البلاد ووزن السبيكة منها خمس أواق.
ثم وصلنا بعد عشر من هذه المدينة إلى مدينة سرداق وهي على ساحل البحر ومرساها من أعظم المراسي وأحسنها. وبخارجها البساتين والمياه وينزلها الترك وطائفة من الروم تحت ذمتهم. وهم أهل الصنائع وأكثر بيوتها خشب. وكانت هذه المدينة كبيرة فخرب معظمها بسبب فتنة وقعت بين الروم والترك. وكانت الضيافة تحمل إلى الخاتون في كل منزل من تلك البلاد من الخيل والغنم والبقر وألبان البقر والغنم. والسفر في هذه البلاد مضحى ومعشى. وكل أمير بتلك البلاد يصحب الخاتون بعساكره إلى آخر حد بلاده
(2/252)

تعظيماً لها لا خوفاً عليها. لأن تلك البلاد آمنة. ثم وصلنا إلى البلدة المعروفة باسم سلطوق وبينها وبين أول عمالة الروم ثمانية عشر يوماً في برية غير معمورة. منها ثمانية أيام لا ماء ها يتزود لها الماء ويحمل في الروايا والقرب على العربات. وكان دخولنا إليها في أيام البرد في منتصف ذي القعدة قلم نحتج إلى كثير من الماء. ورحلنا في هذه البرية ثمانية عشر يوماً مضحى ومعشى. وما رأينا إلا خيراً.
ثم وصلنا بعد ذك إلى حضن مهتولي وهو أول عمالة الروم. وكانت الروم قد سمعت بقدوم هذه الخاتون على بلادها فوصلها على هذا الحصن كفالي نقوله الرومي في عسكر عظيم وضيافة عظيمة. وجاءت الخواتين من دار أبيها ملك القسطنطينية. وبين مهتولي والقسطنطينية مسيرة اثنين وعشرين يوماً منها ستة عشر يوماً على الخليج وستة منه إلى القسطنطينية ولا يسافر من هذا الحصن إلا بالخيل والبغال. وتترك العربات به لأجل الوعر والجبال. وجاء كفالي المذكور ببغال كثيرة وبعثت إلي الخاتون بستة منها وأوصت أمير ذلك الحصن بمن تركته من أصحابي وغلماني مع العربات والأثقال فأمر لهم بدار. ورجع الأمير بيدرة بعساكره ولم يسافر مع الخاتون إلا ناسها. ثم وصلنا حصن مسلمة بن عبد الملك وهو بسفح جبل على نهر زخار يقال له إصطفيلي. ولم يبق من هذا الحصن إلا آثاره وبخارجه قرية كبيرة. ثم سرنا يومين ووصلنا إلى الخليج
(2/253)

وعلى ساحله قرية كبيرة فوجدنا فيه المد فأقمنا حتى كان الجزر. وخضناه وعرضه نحو ميلين. ومشينا أربعة أميال في رمال. ووصلنا الخليج الثاني فخضناه وعرضه نحو ثلاثة أميال. ثم مشينا نحو ميلين في حجارة ورمل ووصلنا الخليج الثالث وقد ابتدأ المد. فتعبنا فيه وعرضه ميل واحد. فعرض الخليج كله مائيه ويابسه اثنا عشر ميلاً. وتصير ماء كلها في أيام المطر فلا تخاض إلا في القوارب. وعلى ساحل هذا الخليج الثالث مدينة الفنيكة وهي صغيرة لكنها حسنة مانعة. وكنائسها وديارها حسان والأنهار تخرقها والبساتين تحفها ويدخر بها العنب والأجاص والتفاح والسفرجل من السنة إلى الأخرى. وأقمنا بهذه المدينة ثلاثةً والخاتون في قصر لأبيها هنالك. ثم قدم أخوها شقيقها واسمه كفالي قراس في خمسة آلاف فارس شاكين في السلاح. ولما أرادوا لقاء الخاتون ركب أخوها المذكور فرساً أشهب ولبس ثياباً بيضاً وجعل على رأسه مظللاً بالجواهر. وجعل على يمينه خمسة من أبناء لملوك وعن يساره مثلهم لابسين البياض أيضاً. وعليهم مظلات مزركشة بالذهب. وجعل بين يديه مائة من المشاءين ومائة فارس قد أسبغوا الدروع على أنفسهم وخيلهم. وكل واحد منهم يقود فرسا مسرجاً مدرعاً عليه شكة فارس من البيضة المجوهرة والدروع والقوس والسيف. وبيده رمح في طرف رأسه راية. وأكثر تلك الرماح مكسوة بصفائح الذهب والفضة.
(2/254)

وتلك الخيل المقودة هي مراكب ابن السلطان وقسم فرسانه على أفواج كل فوج فيه مائتا فارس. ولهم أمير قد قدم أمامه عشرة من الفرسان شاكين في السلاح وكل واحد منهم يقود فرساً. وخلفه عشرة من العلامات ملونة بأيدي عشرة من الفرسان. وعشرة أطبال يتقلدها عشرة من الفرسان. ومعهم ستة يضربون الأبواق والأنفار والصرنايات وهي الغيطات. وركبت الخاتون في مماليكها وجواريها وفتيانها وخدامها. وهم نحو خمسمائة عليهم ثياب الحرير المزركشة بالذهب المرصعة. وعلى الخاتون حلة يقال لها النخ أو النسيج مرصعة بالجوهر. وعلى رأسها تاج مرصع وفرسها مجلل بجل حرير مزركش بالذهب. وفي يديه ورجليه خلاخل الذهب وفي عنقه قلائد مرصعة. وعظم السرج مكسو ذهباً مكلل جوهراً. وكان التقاؤهما في بسيط من الأرض على نحو ميل من البلد. وترجل لها أخوها لأنه أصغر سناً منها وقبل ركابها وقبلت رأسه. وترجل الأمراء وأولاد الملوك وقبلوا جميعاً ركابها وانصرفت مع أخيها. وفي غد ذلك اليوم وصلنا إلى مدينة كبيرة على ساحل البحر لا أثبت الآن اسمها ذات أنهار وأشجار نزلنا بخارجها. ووصل أخو الخاتون ولي العهد في ترتيب عظيم وعسكر ضخم من عشرة آلاف مدرع. وعلى رأسه تاج وعن يمينه نحو عشرين من أبناء الملوك وعن يساره مثلهم. وقد رتب فرساه على ترتيب خيه سواء إلا أن الحفل أعظم والجمع أكثر.
(2/255)

وتلاقت معه أخته في مثل زيها الأول وترجلا جميعاً. وأوتي بخباء حرير فدخلا فيه. ونزلنا على عشرة أميال من القسطنطينية.
فلما كان الغد خرج أهلها من رجال ونساء وصبيان ركباناً ومشاة في أحسن زي وأجمل لباس وضربت عند الصبح الأطبال والأبواق والأنفار وركبت العساكر. وخرج السلطان وزوجته أم هذه الخاتون وأرباب الدولة والخواص. وعلى رأس الملك رواق يحمله جملة من الفرسان ورجال بأيديهم عصي طوال في أعلى كل عصا سبه كرة من جلد يرفعون بها الرواق. وفي وسط الرواق مثل القبة يرفعها الفرسان بالعصي. ولما أقبل السلطان اختلطت العساكر وكثر العجاج. ولم أقدر على الدخول فيما بيتهم فلزمت أثقال الخاتون وأصحابها خوفاً على نفسي وذكر لي أنها لمّا قربت من أبويها ترجلت وقبلت الأرض بين أيديهما. ثم قبلت حافري فرسيهما. وفعل كبار أصحابها مثل فعلها في ذلك. وكان دخولنا عند الزوال أو بعده إلى القسطنطينية العظمى. وقد ضربوا نواقيسهم حتى ارتجت الآفاق لاختلاط أصواتها. ولما وصلنا الباب الأول من أبواب قصر الملك وجدنا به نحو مائة رجل معهم قائد لهم فوق دكانه وسمعتهم يقولون: سراكنو سراكنو ومعناه المسلمون. ومنعونا من الدخول. فقال لهم أصحاب الخاتون، إنهم من جهتنا. فقالوا: لا يدخلون إلا الإذن. فأقمنا بالباب وذهب بعض أصحاب
(2/256)

الخاتون فبعث من أعلمها بذلك وهي بين يدي والدها. فذكرت له شأننا فأمر بدخولنا وعين لنا داراً بمقربة من دار الخاتون. وكتب لنا أمراً بأن لا نعترض حيث نذهب من المدينة ونودي بذلك في الأسواق. وأقمنا بالدار ثلاثاً تبعث إلينا الضيافة من الغنم والفاكهة والدراهم والفرش وفي اليوم الرابع دخلنا على السلطان.
394 (ذكر سلطان القسطنطينية) واسمه نكفور ابن السلطان جرجيس وأبوه السلطان جرجيس بقيد الحياة لكنه تزهد وترهب وانقطع للعبادة في الكنائس وترك الملك لوده وسنذكره. في اليوم الرابع من وصولنا إلى القسطنطينية بعثت إلى الخاتون الفتة سنبل الهندي وأخذ بيدي وادخلي إلى القصر فجزنا أربعة أبواب في كل باب سقائف بها رجال وأسلحتهم وقائدهم على دكانة مفروشة. فلما وصلنا إلى الباب الخامس تركني الفتى سنبل ودخل ثم أتى ومعه أربعة من الفتيان الروميين ففتشوني لئلا يكون معي سكين وقال لي القائد: تلك عادة لهم لابد من تفتيش كل من يدخل على الملك من خاص أو عام غريب أو بلدي وكذلك الفعل بأرض الهند. ثم لما فتشوني قام الموكل بالباب فأخذ بيدي وفتح الباب وأحاط بي أربعة من الرجال أمسك اثنان بكمي واثنان من وراءي فدخلوا بي إلى مشور كبير. حيطانه بالفسيفساء قد نقش فيها صور المخلوقات من الحيوانات والجماد. وفي وسطه ساقية ماء
(2/257)

ومن جهتيها الأشجار. والناي واقفون يميناً ويساراً سكوتاً لا يتكلم أحد منهم. وفي وسط المشور ثلاثة رجال وقوف أسلمني أولئك الأربعة إليهم. فأمسكوا بثيابي كما فعل الآخرون وأشار إليهم رجل فتقدموا بي وكان أحدهم يهودياً. فقال لي بالعربي: لا تخف فهكذا عادتهم أن يفعلوا بالوارد. وأنا الترجمان وأصلي من بلاد الشام. فسألته كيف أسلم. فقال: قل: السلام عليكم. ثم وصلت إلى قبة عظيمة والسلطان على سريره وزوجته أم هذه الخاتون بين يديه. وأسفل السرير الخاتون وإخوتها. وعن يمينه ستة رجال وعن يساره أربعة وعلى رأسه أربعة وكلهم بالسلاح فأشار إلي قبل السلام والوصول إليه بالجلوس هنية ليسكن روعي. ففعلت ذلك ثم وصلت إليه فسلمت عليه وأشار إلي أن أجلس فلم أفعل وسألني عن بيت المقدس وعن الصخرة المقدسة وعن القمامة وعن مهد عيسى وعن بيت لحم وعن مدينة الخليل. ثم عن دمشق ومصر والعراق وبلاد الروم فأجبته عن ذلك كله واليهودي يترجم بيني وبينه فأعجبه كلامي وقال لأولاده: أكرموا هذا الرجل وأمنوه. ثم خلع علي خلعة وأمر لي بفرس مسرج ملجم ومظلة من التي يجعلها الملك فوق رأسه وهي علامة الأمان. وطلبت منه أن يعين من يركب معي بالمدينة في كل يوم حتى أشاهد عجائبها وغرائبها وأذكرها في بلادي. فعين لي ذلك. ومن العوائد عندهم أن الذي
(2/258)

يلبس خلعة الملك ويركب فرسه يطاف به بالأبواق والأنفا والأطبال ليراه الناس لئلا يؤذوه. فطافوا بي في الأسواق.
395 (دكر المدينة) . وهي متناهية في الكبر منقسمة بقسمين بينهما نهر عظيم فيه المد والجزر. وكانت عليه فيما تقدم قنطرة مبنية فخربت وهو الآن يعبر في القوارب. واسم هذا النهر أبسمي. وأحد القسمين من المدينة يسمى اصطنبول وهو بالعدوة الشرقية من النهر. وفيه سكنى السلطان وأرباب دولته وسائر الناس. وأسواقه وشوارعه مفروشة بالصفاح متسعة. وأهل كل صناعة على حدة لا يشاركهم سواهم. وعلى كل سوق أبواب تسد عليه بالليل وأكثر الصناع والباعة بها النساء. والمدينة في سفح جبل داخل في البحر نحو تسعة أميال وعرضه مثل ذلك أو أكثر. وفي أعلاه قلعة صغيرة وقصر السلطان. والسور يحيط بهذا الجبل وهو مانع لا سبيل لأحد إليه من جهة البحر. وفيه نحو ثلاث عشرة قرية عامرة. والكنيسة العظمى هي في وسط هذا القسم من المدينة. وأما القسم الثاني منها فيسمى الغلطة وهو بالعدوة الغربية من النهر شبيه برباط الفتح في قرية من النهر. وهذا القسم خاص بنصارى الإفرنج يسكنونه. وهم أصناف فمنهم الجنويون والبنادقة وأهل رومة وأهل إفرنسة وحكمهم إلى ملك القسطنيطينية يقدم عليهم منهم من يرتضونه ويسمونه القمص. وعليهم وظيفة في كل عام لملك القسطنطينية
(2/259)

وربما استعصوا عليه فيحاربهم حتى يصلح بينهم البابا. وجميعهم أهل تجارة. ومرساهم من أعظم المراسي رأيت به نحو مائة جفن من القراقر وسواها من السفن الكبار. وأما الصغار فلا تحصى كثرة. وأسواق هذا القسم حسنة يشقها نهر صغير قذر.
396 (ذكر الكنيسة العظمى) وإنما نذكر خارجها وأما داخلها فلم أشاهده. وهي تسمى عندهم أيا صوفيا. وهي من أعظم كنائس الروم وعليها سور يطيف بها فكأنها مدينة. وأبوابها ثلاثة عشر باباً. ولها حرم هو نحو ميل عليه باب كبير ولا يمنع أحد من دخوله وقد دخلته مع والد الملك. وهو شبه مشور مسطح بالرخام وتشقه ساقية تخرج من الكنيسة. لها حائطان مرتفعان نحو ذراع منتظمة عن جهتي الساقية. ومن باب الكنيسة على باب هذا المشور معرش من الخشب مرتفع عليه دوالي العنب وفي أسفله الياسمين والرياحين. وخارج باب هذا المشور قبة خشب كبيرة فيها طبلات خشب يجلس عليها خدام ذلك الباب. وعن يمين القبة مصاطب وحوانيت أكثرها من الخشب يجلس بها قضاتهم وكتاب دواوينهم. وفي وسط تلك الحوانيت قبة خشب يصعد إليها على درج خشب. وفيها كرسي كبير مطبق بالملف يجلس فوقه قاضيهم. وعن يسار القبة التي على باب هذا المشور سوق العطارين. والساقية التي ذكرناها تنقسم
(2/260)

قسمين أحدهما يمر بسوق العطارين والآخر يمر بالسوق حيث القضاة والكتاب. وعلى باب الكنيسة سقائف يجلس بها خدامها الذين يقمون طرقها ويوقدون سرجها ويغلقون أبوابها. ولا يدعون أحد يدخلها حتى يسجد للصليب الأعظم عندهم الذي يزعمون أنه بقية من الخشبة التي صلب عليها عيسى. وهو على باب الكنيسة مجعول في جعبة ذهب طولها نحو عشرة أذرع. وقد عرضوا عليها جعبة ذهب مثلها حتى صارت صليبا. وهذا الباب مصفح بصفائح الفضة والذهب وحلقتاه من الذهب الخالص وذكر لي أن عدد من بهذه الكنيسة من الرهبان والقسيسين ينتهي إلى مئات. وأن بعضهم من ذرية الحواريين وأن بداخلها كنيسة مختصة بالنساء. ومن عادة الملك وأرباب دولته أن يأتوا كل يوم صباحاً إلى زيارة هذه الكنيسة.
397 (ذكر المانستارات بقسطنطينية) والمانستار عندهم شبه الزاوية عند المسلمين. وهذه المانستارات بها كثيرة فمنها مانستار عمره الملك جرجيس. ومنها مانستاران خارج الكنيسة العظمى عن يمين الداخل إليها وهما في داخل بستان يشقهما نهر ماء وأحدهما للرجال والآخر للنساء وفي كل واحد منهما كنيسة ويدور بهما البيوت للمتعبدين والمتعبدات وقد حبس على كل واحد منهما أحباس لكسوة المتعبدين ونفقتهم. ومنها مانستاران عن يسار الداخل إلى الكنيسة العظمى على مثل هذين الآخرين ويطيف بهما
(2/261)

بيوت. وأحدهما يسكنه العميان والثاني يسكنه الشيوخ الذين لا يستطيعون الخدمة ممن بلغ الستين أو نحوهما. ولكل واحد منهم كسوته ونفقته من أوقاف معينة لذلك. وفي داخل كل مانستار منها دويرة لتعبد الملك الذي بناه وأكثر هؤلاء الملوك إذا بلغ الستين أو السبعين بنى مانستاراً ولبس المسوح وهي ثياب الشعر وقلد ولده الملك واشتغل بالعبادة حتى يموت. وهم يحتفلون في بناء هذه المانستارات ويعملونها بالرخام والفسيفساء وهي كثيرة بهذه المدينة. ودخلت مع الرومي الذي عينه الملك للركوب معي إلى مانستار يشقه نهر وفيه كنيسة فيها كثير من الأبكار عليهن المسوح ورؤوسهن محلوقة فيها قلانيس اللبد وعليهن أثر العبادة. وقال لي الرومي: إن هؤلاء البنات من نبات الملوك وهبن أنفسهم لخدمة هذه الكنيسة. ودخلت معه إلى كنائس فيها الرهبان يكون في الكنيسة منها مائة رجل وأكثر وأقل وكثير من أهل المدينة متعبدون وقسيسون وكنائسها لا تحصى كثرة. وأهل المدينة من جندي وغيره صغير وكبير يجعلون على رؤوسهم المظلات الكبار شتاء وصيفاً. والنساء لهن عمائم كبار.
398 (ذكر الملك المترهب جرجيس) وهذا الملك ولى الملك لابنه وانقطع للعبادة وبنى مانستارا كما ذكرنا خارج المدينة على ساحلها. وكنت يوماً مع الرومي المعين للركوب معي فإذا بهذا الملك ماشياً على قدميه. وعليه المسوح وعلى رأسه قلنسوة لبدٍ وله لحية بيضاء طويلة
(2/262)

ووجه حين عليه أثر العبادة وخلفه وأمامه جماعة من الرهبان وبيده عكاز وفي عنقه سبحة. فلما رآه الرومي نزل وقال لي: أنزل فهذا والد الملك فلما سلم عليه الرومي سأله عني. ثم وقف وبعث عني فجئت إليه فأخذ بيدي وقال لذلك الرومي وكان يعرف اللسان العربي: قل لهذا السراكنو يعني المسلم أنا أصافح اليد التي دخلت بين المقدس والرجل التي مشت داخل الصخرة والكنيسة العظمى التي تسمى قمامة وبيت لحم وجعل يده على قدمي ومسح بها وجهه فعجبت من اعتقادهم فيمن دخل تلك المواضيع من غير ملتهم. ثم أخذ بيدي ومشيت معه فسألني عن بيت المقدس ومن فيه من النصارى وأطال السؤال ودخلت معه إلى حرم الكنيسة الذي وصفناه آنفاً. ولما قارب الباب الأعظم خرجت جماعة من القسيسين والرهبان للسلام عليه وهو من كبارهم في الرهبانية. ولما رآهم أرسل يدي فقلت له أريد الدخول معك إلى الكنيسة. فقال للترجمان: قل له لا بد لداخلها من السجود للصليب الأعظم فإن هذا مما سنته الأوائل ولا يمكن خلافه فتركته ودخل وحده ولم أره بعدها ... ولما ظهر لمن كان في صحبة الخاتون من الأتراك أنها راغبة في المقام مع أبيها طلبوا منها الإذن في العودة على بلادهم فأذنت لهم. وأعطتهم عطاء جزيلاً وأجزلت علي العطاء وأوصت بي أحد أمرائها قودعتها وانصرفت. فكان مدة مقامي عندهم شهراً وستة أيام. (تحفة النظار في عجائب الأسفار)
(2/263)

الباب الثالث عشر في عجائب المخلوقات
في سكان السماوات وهم الملائكة
399 اعلم أن الملائكة جواهر مقدسة عن ظلمة الشهوة وكدورة الغضب. لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس. وأنسهم بذكر الله تعالى. وفرحه بعبادته. وقال بعض الحكماء: إن لم يكن في فضاء الأفلاك وسعة السماوات خلائق فكيف يليق بحكمة الباري تعالى تركها فارغة خاوية مع شرف جوهرها. وإنه لم يترك قعر البحار المالحة المظلمة فارغاً حتى خلق فيه أجناس الحيوانات وغيرها. ولم يترك جو الهواء الرقيق حتى خلق له أنواع الطير تسبح فيه كما تسبح السمك في الماء. ولم يترك البراري اليابسة والآجام الوحلة والجبال الراسية الصلبة حتى خلق فيها أجناس السباع والوحوش. ولم يترك ظلمات التراب حتى خلق فيه أجناس الهوام والحشرات.
الملائكة أصناف منهم الكروبيون وهم العاكفون في حضرة القدس لا التفات لهم إلى نمير الله تعالى لاستغراقهم بجمال الحضرة الربوبية وجلالها يسبحون الليل والنهار لا يفترون. ومنهم ملائكة السماوات السبع مداومون على التسبيح والتهليل في القيام والقعود
(2/264)

والركوع والسجود يسبحون الليل والنهار لا يفترون. ومنهم المعقبات. وهم الملائكة الذين ينزلون بالبركات ويصعدون بأرواح بني آدم وأعمالهم بالليل والنهار. ومنهم الملائكة والموكلون بالكائنات هم ملائكة شأنهم إصلاح الكائنات ودفع الفساد عنها. وقد وكل بكل فرد من أفرادها من الملائكة ما شاء الله.

في حقيقة العناصر وطباعها وترتيبها
400 ذهبوا إلى أن العنصر هو الأصل في الموضوعات والمراد منه الأجسام التي دون فلك القمر. وتلك الأجسام أمهات والمولدات المعادن والنبات والحيوان ويقال للأمهات الأركان. والأركان أربعة النار والهواء والماء والأرض. فالنار حارة يابسة موضعها الطبيعي تحت الفلك وفوق الهواء. والماء بارد رطب موضعه الطبيعي تحت الهواء وفوق الأرض. والأرض باردة يابسة موضعها الطبيعي الوسط.

فصل في فوائد الجبال وعجائبها
401 أما فائدتها العظمى فما قال بعضهم: لو لم تكن الجبال لكان وجه الأرض مستديراً أملس. وكانت مياه البحار تغطيها من جميع جهاتها وتحيط بها إحاطة كرة الهواء بالماء فتبطل الحكمة المودعة في المعادن والنبات والحيوان. فاقتضت الحكمة الإلهية وجود الجبال لما ذكرنا من الحكمة. وقال بعضهم: إن الحبال سبب لوجود الماء العذب السائح على وجه الأرض الذي هو مادة حياة
(2/265)

النبات والحيوان وذلك لأن سبب هذا الماء إنما هو انعقاد البخار في الجو أعني السحاب. والجبال الشامخة الطوال على بسيط الأرض شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً تمنع الرياح أن تسوق البخار بل تجعلها منحصرة بينها حتى يلحقها البرد فتصير مطراً وثلجاً. فلو فرضت الجبال مرتفعة عن وجه الأرض لكانت الأرض كرة لا غور فيها ولا نتوء فالبخار المرتفع لا يبقى في الجو منحصراً إلى وقت يضربه البرد بل يتخلل ويستحيل هواء فلا يجري الماء على وجه الأرض إلا قد ما ينزل من المطر ثم تنشفه الأرض. فكان يعرض من ذلك أن يكون النبات والحيوان يعدم الماء في الصيف كما في البوادي البعيدة. فاقتضى التدبير الإلهي وجود الجبال لتحصر البخار المرتفع من الأرض بين أغوارها وتمنعه من السيلان وتمنع الرياح أن تسوقه.

المعدنيات
402 المعادن لا تكاد تحصى لكن منها ما يعرفه الناس ومنها مالا يعرفونه وهي مقسومة إلى ما يذوب وإلى ما لا يذوب. والذي اشتهر بين الناس من المعادن سبعة وهي الذهب والفضة والنحاس والحديد والقصدير والأسرب والخارصيني.
403 (الذهب) . طبعه حار لطيف لا يحترق بالنار لأن النار لا تقدر على تفريق أجزائه. ولا يبلى ولا يصدأ على طل
(2/266)

الزمان. وهو لين أصفر براق طيب الرائحة ثقيل رزين. فصفرة لونه من ناريته. ولينه من دهنيته. وبريقه من صفاء مائيته. وثقله من ترابيته. وهو أشرف نعمه الله على عبادة إذ به قوام أمور الدنيا ونظام أحوال الخلق لاضطرارهم إليه في حاجاتهم. فإن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة من مطعمه وملبسه ومسكنه وسائر حاجاته. ولعله يملك ما يستغني عنه كمن يملك الثياب وهو محتاج إلى البر. ولعل صاحب البر لا يحتاج إلى الثياب فلابد من متوسط يرغب فيه كل أحد. فخلق الله تعالى الدراهم والدنانير متوسطين بين الأحشاء حتى يبذلا في مقابلة كل شيء ويبذل في مقابلتها كل شيء. وهما كالقاضيين بين جميع الناس يقضيان حوائج كل من لقيهما.
404 (الحديد (. جسم (بسيط) كدر المادة أسود اللهو. وهو أكثر فائدة من سائر الفلزات وإن كان أقل ثمناً. فيه بأس شديد ومنافع للناس. فالبأس في النصول المتخذة منه. والمنافع في الآلات والأدوات حتى قيل: ما من صنعة إلا وللحديد فيها في أدواتها مدخل.

الشجر
405 (الشجر) . هو كل ما له ساق من النبات. والأشجار العظام بمثابة الحيوانات العظام والنجوم بمثابة الحيوانات الصغار. والأشجار
(2/267)

العظام لا ثمر لها كالساج والدلب والعرعر لأن المادة كلها صرفت إلى نفس الشجرة. ولا كذلك الأشجار المثمرة فإن مادتها صرفت إلى الشجرة والثمرة. وقد يشارك النبات الحيوان في أمر التغذية. فإن الغذاء كما يسري في بدن الحيوان لا تبقى شعرة إلا أخذت منها قسطها فكذلك الماء الذي صب في أسفل الشجرة فإنه يعلو إلى الأغصان في داخل تجاويف الأشجار شيئاً فشيئاً حتى ينشر في جميع أوراق الأشجار وفي جميع أطراف الأوراق ويغذي كل جزء من كل ورقة ويجري من تجاويف عروق شعرية صغار ترى في أصل الورق وكأن العرق الكبير نهر. وما يتشعب عنه جداول في جميع عرض الورق فيصل الماء إلى سائر أجزاء الورقة. وكذلك إلى سائر أجزاء الفواكه. ومن عجيب صنع الباري تعالى خلق الأوراق على الأشجار زينة لها ووقاية لثمارها من نكاية الشمس والهواء. ثم إنه تعالى خلقها مرتفعة عن الثمار متفرقة بعض التفريق لا متكاثفة عليها بعيدة عنها لتأخذ الثمار من النسيم تارة ومن الشمس تارة أخرى. ولو تكاثفت عليها حتى منعتها إصابة النسيم وشعاع الشمس لبقيت على فجاجتها غليظة الجلد قليلة المائية. وإذا
(2/268)

سقط عنها بعض الورق أصابتها الشمس وأحرقتها كما ترى في الرمانة التي احترق منها أحد الجوانب. ثم إذا فرغت الثمرة تناثرت الأوراق حتى لا تجذب مائية الشجرة فتضعف قوتها. (القزويني) 406 (البلسان) . لا يوجد اليوم منه إلا بمصر بعين شمس في موضع محاط عليه محتفظ به مساحته نحو سبعة أفدنة. وارتفاع شجرته نحو ذراع وأكثر من ذلك وعليها قشران الأعلى أحمر خفيف والأسفل أخضر ثخين. وإذا مضغ ظهر في الفم منه دهنية ورائحة عطرة. وورقة شبيه بورق السذاب ويجتنى دهنه عند طلوع الشعري بأن تشدخ السوق بعد ما يحت عنها جميع ورقها. وشدخها يكون بحجرة تتخذ محددة ويفتقر شدخها إلى صناعة بحيث يقطع القشر الأعلى ويشق الأسفل شقاً لا ينفذ إلى الخشب. فإن نفذ إلى الخشب لم يخرج منه شيء. فإذا شدخه كما وصفنا أمله ريثما يسيل لثاه على العود فيجمعه بإصبعه مسحاً إلى قرن. فإذا أمتلأ صبه في قناني زجاج ولا يزال كذلك حتى ينتهي جناه وينقطع لثاه. كلما كثر الندى في الجو كان لثاه أكثر وأغزر. وفي الجدب وقلة الندى يكون اللثى أنزر. ثم تؤخذ القناني فتدفن إلى القيظ وحمارة الحر وتخرج من الدفن وتجعل في الشمس. ثم تتفقد كل يوم فيوجد الدهن وقد طفا فوق رطوبة مائية وأثقال أرضية فيقطف الدهن ثم تعاد إلى الشمس. ولا يزال يشمسها ويقطف دهنها حتى لا يبقى
(2/269)

فيها دهن. فيخذ ذلك الدهن ويطبخه قيمه. ثم يرفعه إلى خزانة الملك ومقدار الدهن الخالص من اللثى بالترويق ونحو عشر الجملة.
407 (الجميز) . كأنه تين بري وتخرج ثمرته في الخشب لا تحت الورق. ويخلف في السنة سبعة بطون. ويؤكل أربعة أشهر ويحمل وقراً عظيماً. وقبل أن يجنى بأيام يصعد رجل إلى الشجرة ومعه حديدة يسم بها حبة حبة من الثمرة فيجري منها لبن أبيض. ثم يسود الموضع وتحلو الثمرة بذلك الفعل. وقد يوجد منه شيء شديد الحلاوة أحلى من التين لكنه لا ينفك في آخر مضغة من طعم خشبية ما. وشجرته كبيرة كشجرة الجوز العاتية ويخرج من ثمره وغصنته إذا فصدت لبن أبيض إذا طلي على ثوب أو غيره صبغة وأحمر. وخشبة تعمر به المساكن وتتخذ منه الأبواب وغيرها من الآلات الجافية. وله بقاء على الدهر وصبر على الماء والشمس. وقلما يتأكل هذا مع أنه خشب خفيف قليل اللدونة. ويتخذ من ثمرته خل حاذق ونبيذ حاد. (من كتاب الإفادة الاعتبار من ثمرته) .
408 (العنبة) . وهي شجرة تسبه أشجار النارنج إلا أنها أعظم أجراماً وأكثر أوراقاً. وظلها أكثر الظلال غير أنه قيل فمن نام تحته وعك. وثمرها على قدر الأجاص الكبير. فإذا كان أخضر قبل تمام نضجه أخذوا ما سقط منه وجعلوا عليه الملح وصيروه كما يصير الليم والليمون ببلادنا وكذلك يصيرون أيضاً الزنجبيل الأخضر وعناقيه
(2/270)

الفلفل ويأكلون ذلك مع الطعام يأخذون بإثر كل لقمة يسيراً من هذه المملوحات. فإذا نضجت العنبة في أوان الخريف اصفرت حباتها فأكلوها كالتفاح. فبعضهم يقطعها بالسكين وبعضهم يمصها مصاً. وهي حلوة يمازج حلاوتها يسير حموضة ولها نواة كبيرة يزرعونها فتنبت منها الأشجار كما تزرع نوى النارنج وغيرها. (لابن بطوطة) 409 (الموز) . معادنه عمان. وتنبت الموزة نبات البردية لها عنقرة غليظة وورقة طويلة عريضة نحو ثلاث أذرع في ذراعين. ليست بمنخرطة على نبات السعف لكن شبه المربعة. وترتفع الموزة قامة باسطة. ولا تزال فراخها تنبت حولها واحدة أصغر من الأخرى. فإذا أجرت وذلك إدراك موزها قطعت الأم حينئذ كم أصلها ويؤخذ قنوها. ويطلع أكبر فراخها فيصير هو الأم وتبقى البواقي فراخاً لها ولا تزال على هذا أبد الهر. ولذلك قال أشعب لإبنه فيما يروي عنه الأصمعي: يا بني لم لا تكون مثلي. فقال: أنا مثل الموزة لا تصلح حتى تموت أمها. (لأبي حنيفة الدينوري) 410 (الفلفل) . شجرة الفلفل شبيهة بدوالي العنب وأهل الهند يغرسونها إزاء النارجيل. فتصعد فيها كصعود الدوالي إلا أنها ليس لها عسلوج وهو الغزل كما للدوالي. وأوراق شجرة تشبه أوراق الخيل. وبعضها يشبه أوراق العليق. ويثمر عناقيد صغاراً حبها كحب أبي قنينة إذا كانت خضراً. وإذا كان أوان الخريف قطفوه وفرشوه على الحصر
(2/271)

في الشمس كما يصنع بالعنب عند تزبيبه. ولا يزالون يقلبونه حتى يستحكم يبسه ويسود. ثم يبيعونه من التجار. ولقد رأيته بمدينة قالقوط يصب للكيل كالذرة ببلادنا. (لابن بطوطة) .

النجوم
411 (النجوم) كل نبت ليس له ساق صلب مرتفع كالزروع والبقول والرياحين والحشائش البرية. وقد أجرى الله عادته في كل سنة أنه يحي الأرض بعد موتها فيجري يابس أنهارها وينشر رفات نباتها حتى ترى من الأوراق مخضرة. ومن الأزهار محمرة ومصفرة. ليستدل به ذو الطبع السليم والفهم المستقيم. على إحياء الأموات. وإعادة العظام الرفات.
ومن الأمور العجيبة القوة التي خلقها الله تعالى في نفس الحب فإنها إذا وقعت في بطن الأرض جذبت بواسطة تلك القوة الرطوبة التي تصلح أن تكون لها غذاء من نفس الأرض مما حواليها. كشعلة نار السراج فإنها تجذب الرطوبة التي في السراج بواسطة قوة خلقها الله تعالى فيها. ثم إن تلك الرطوبة إذا حصلت في نفس الحب صارت غذاء لها وتعمل فيها القوى الطبيعية حتى تبلغ كمالها. والنجوم في جنس النبات كالحيوانات الصغار في جنس الحيوان والأشجار الكبار كالحيوانات فكما أن عند شدة البرد لا يبقى من الحيوانات التي لا عظم لها شيء كذلك لا يبقى من النبات شيء ليس له خشب صلب.
(2/272)

وأما الحيوانات الكبار فإنها تصبر على البرد وكذلك الأشجار. ثم إن عقول العقلاء متحيرة في أمر الحشائش وعجائبها. وأفهام الأذكياء قاصرة عن ضبط خواصها وفوائدها. وكيف لامه ما يشاهد من تنوع صور قضبانها واختلاف أشكال أوراقها وعجيب ألوان أزهارها وتنوع كل لون منها ثم عجاب أشكال حبوبها. فإن لكل حب وورق وزهر وعرق شكلاً ولوناً وطعماً ورائحة وخاصية بل خاصيات لا يعرفها إلا الله. والتي عرفها الإنسان بالنسبة إلى ما مل يعرفه قطرة من بحر. (للقزويني) 412 (البامية) . وهي ثمر بقدر إبهام اليد كأنه جراء القثاء شديد الخضرة إلا أن عليه زئبراً مشوكاً وهو مخمس الشكل يحيط به خمسة أضلاع فإذا شق انشق عن خمسة أبيات بينها حواجز. وفي تلك الأبيات حب مصطف مستدير أبيض أصغر من اللوبياء هش يضرب إلى الحلاوة. وفيه اللعابية كثيرة. يطبخ أهل مصر به اللحم بأن يقطع مع قشوره صغاراً ويكون طعاماً لا بأس به. الغالب على طبعه الحرارة والرطوبة ولا يظهر في طبيخه قبض بل لزوجة.
413 (القلقاس) . وهو أصول بقدر الخيار. ومنه صغار كالأصابع
(2/273)

يضرب إلى حمرة خفيفة يقشر ثم يشقق على مثل السلجم. وهو كثيف مكتنز يشابه الموز الأخضر الفج في طعمه. وفيه قبض يسير مع حرافة قوية وهذا دليل على حرارته ويبسه. فإذا سلق زالت حرافته جملة وحدث له معما فيه من القبض اليسير لزوجة مغرية كانت فيه بالقوة. إلا أن حرافته كانت تخفيها وتسترها ولذلك صار غذاؤه غليظاً بطيء الهضم ثقيلاً في المعدة. إلا أنه لما فيه من القبض والعفوصة صار قوياً للمعدة. (لعبد اللطيف)

جنس الحيوان
414 الحيوان ما فيه حياة. قال الجاحظ: الحيوان على أربعة أقسام. شيء يمشي وشيء يطير وشيء يعوم وشيء ينساح في الأرض إلا أن كل شيء يطير يمشي وليس كل شيء يمشي يطير. فإما النوع الذي يمشي فهو على ثلاثة أقسام: ناس وبهائم وسباع. والطير كله سبع وبهيمة وهمج. والخشاش ما لطف جرمه وصغر جسمه وكان عديم السلاح. والهمج ليس من الطيور ولكنه يطير. وهو فيما يطير كالحشرات فيما يمشي. والسبع من الطير ما أكل اللحم خالصاً. والبهيمة ما آكل الحب خالصاً. والمشترك كالعصفورة فإنه ليس بذي مخلب ولا منسر وهو يلقط الحب ومع ذلك يصيد النمل ويصيد الجراد ويأكل اللحم ولا يزق فراخه كما يزق الحمام فهو مشترك الطبيعة. وأشباه العصافير من المشترك كثيرة وليس كل ما طار بجناحين من
(2/274)

الطير فقد يطير الجعلان والذاب والزنابير والجراد والنمل والفراش والبعوض والأرضة وغير ذلك ولا تسمى طيوراً. (للدميري)

الإنسان
415 (إنسان) . قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الإمام العلامة: ليس لله تعالى خلق أحس من الإنسان. فإن الله تعالى خلقه حياً عالماً متكلماً سميعاً بصيراً مدبراً حكيماً وهذه صفات الرب جل وعلا. قال تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم وهو اعتداله وتسوية أعضائه لأنه خلق كل شيء منكباً على وجهه وخلقه سوياً. وله لسان ذلق ينطق به ويد وأصابع يقبض بها. مؤدباً بالأمر مهذباً بالتمييز. يتناول مأكوله ومشروبه بيده. وأفتتح ابن بختيشوع الطبيب النصراني كتابه في الحيوان بالإنسان وقال: إنه أعدل الحيوان مزاجاً وأكمله أفعالاً وألطفه حساً وأنفذه رأياً. فهو كالملك المسلط القاهر لسائر الخليقة والآمر لهاز وذلك بما وهب الله تعالى له من العقل الذي به يميز على كل الحيوان البهيمي فهو بالحقيقة ملك العالم. ولذلك سماه قوم من الأقدمين العالم الأصغر.

النعم
416 النعم وهي تشمل الإبل والبقر والغنم هي كثيرة الفائدة سهلة الانقياد. ليس لها شراسة الدواب ولا نفرة السباع. ولشدة حاجة الناس إليها يخلق الله سبحانه وتعالى لها سلاحاً شديداً كأنياب
(2/275)

السباع وبراثنها وأنياب الحشرات وإبرها. وجعل من شأنها الثبات والصبر على التعب والجوع والعطش. وخلقها ذلولاً تقاد بالأيدي فمنها كروبهم ومنها يأكلون. وجعل الله قرنها سلاحاً لتأمن به من الأعداء. ولما كان مأكلها الحشيش اقتضت الحكمة الإلهية أن تجعل لها أفواهاً واسعة وأسنانا حداداً وأضراساً صلاباً لتطحن بها الحب والنوى.
417 (ألجاموس) . هو حيوان عنده شجاعة وشدة وبأس. وهو مع ذلك أجزع خلق الله يفرض من عض بعوضة ويهرب منها إلى الماء. والأسد يخافه. وهو مع شدته وغلظه ذكي. ويقال إنه لا ينام أصلاً لكثرة حراسته لنفسه وأولاده. وإذا اجتمعت ضربت دائرة وتجعل رؤسها خارج الدائرة وأذنابها إلى داخلها والرعاة وأولادها من داخل. فتكون الدائرة كأنها مدينة مسورة من صياصيها. والذكر منها يناطح ذكراً آخر. فإذا قوي فيخرج ويطلب ذلك الفحل الذي غلبه فيناطحه حتى يغلبه ويطرده. وهو يتغمس في الماء غالباً إلى خرطومه. والجاموس يقتل التمساح مع عظم بدنه وهول جثته. يمشي إلى الأسد رخي البال ثابت الجنان رابط الجأش. وليس في قرنه حدة كما في قرن البقر فضلاً عن حدة أطراف مخاليب الأسد وأنيابه. (للدميري)
418 (بقر) . حيوان كثير المنفعة شديد القوة خلقه الله ذلولاً منقاداً للناس. وإنما لم يخلق له سلاح شديد مثل

السباع وغيرها لأنه
(2/276)

في رعاية الإنسان. فالإنسان يدفع عنه عدوه بخلاف السباع. ولأن حاجة الإنسان إليه ماسة فلو كان له سلاح في رأسه فيستعمل محل القرن كما ترى من العجاجيل قبل نبات القرن تنطح برؤوسها. وذلك لمعنى خلق لطبيعتها فيعمل ذلك بالطبع. ولم يخلق للبقر الثنايا الفوقانية فيقلع الحشيش بالسفلانية. (للقزويني) 419 (ظبي المسك) . وهو كسائر الظباء عندنا في القد واللون ودقة القوائم وافتراق الأظلاف وانتصاب القرون وانعطافها. وله نابان دقيقان أبيضان في الفكين قائمان في وجه الظبي. طول كل واحد منهما مقدار فتر ودونه على هيئة ناب الفيل فهو الفرق بينها وبين سائر الظباء. وأجود المسك كله ما حكه الظبي على أحجار الجبال إذ كان مادة تصير في سرته ويجتمع دماً عبيطاً كاجتماع الدم فيما يعرض من الدمامل. فإذا أدرك حكه وأجره فيفرع إلى الحجارة حتى يخرقه فيسيل ما فيه فإذا خرج عنه جف واندمل وعادت المادة تجتمع فيه كمن ذي قبل. وبالتبت رجال يخرجون في طلب هذا ولهم به معرفة. فإذا وجدوه التقطوه وجمعوه وأودعوه النوافج وحملوه إلى ملوكهم. وهو نهاية المسك إذ كان قد أدرك على حيوانه. وصار له فضل على غيره من المسك كفضل ما يدرك من الثمار في شجرة على سائر ما ينزع منه قبل إدراكه. (للمسعودي)
(2/277)

420 (فرس) . من أحسن الحيوانات بعد الإنسان صورة وأشد الدواب عدواً وذكاء. وله خصال حميدة وأخلاق مرضية. من ذلك حسن صورته وتناسب أجزائه وأعضائه وصفاء لونه وسرعة عدوه وحسن طاعته لفارسه كيف صرفه انقاد له. ومنها ما يلعب الفارس على ظهره بالكرة يعدو خلفها. ومن الفرس ما يعرف صاحبه فلا يمكن غيره من ركوبه. ومن الخيل ما يلحق الظبي حتى يضرب راكبه الظبي بالسيف.

السباع
421 (ابن آوى) . جمعه بنات آوى وسمي ابن آوى لأنه يأوي إلى عواء أبناء جنسه ولا يعوي إلا ليلاً. وذلك إذا استوحش وبقي وحده. وصياحه يشبه صياح الصبيان. وهو طويل المخالب والأظفار يعدو على غيره ويأكل مما يصيد من الطيور وغيرها. وخوف الدجاج منه أشد من خوفها من الثعلب لأنه إذا مر تحتها وهي على الشجرة أو الجدار تساقطت وإن كانت عدداً كثيراً. وابن آوى يفسد الكروم والثمار وإذا أراد صيد طير الماء جمع حزمه من الحشيش ويرميها في الماء ويتركها حتى يستأنس الطير بها ويقع عليها. فإذا رأى استئناس الطير بها جعل يمشي خلفها ويصطاد ما قدر عليه.
422 (الخنزير) . حيوان سمج الشكل صعب له نابان كنابي
(2/278)

الفيل يضرب بهما. ورأسه كرأس الجاموس. وله ظلف كلما للبقر يلطخ بدنه بالطين والأشياء اللزجة حتى يصير جلده كالجوشن لا تعمل فيه أنياب الخنازير عند الخصومه. وأنثاه أنسل الحيوانات لأنها تضع عشرين خنوصاً. فالخنزير يأكل الحية أكلاً ذريعاً وسم الحية لا يعمل في الخنزير. وهو أروغ من الثعلب. يهرب من الفارس حتى يطمع فيه الفارس ويعدو خلفه ويتعب ثم يكر عليه ويضرب الفرس أو الفارس ضربة شديدة بنابه فيقتله. (للقزويني) 423 (الذئب) . حيوان كثير الخبث ذو غارات وخصومات ومكابرة وختل شديد. وقلما يخطى في وثبته. وعند اجتماعها لا ينفرد أحد منها إذ لا يأمن على نفسه. وإذا أصاب أحدها جرحة أو ضربة علمت أنه ضعيف فاجتمعت وأكلته. وإذا نامت الذئاب واجه بعضها بعضاً ولا ينام خلفه حتى ينظر أحدهما إلى الآخر وقيل إنه ينام بإحدى عينيه ويفتح الأخرى. وقال حميد الهلاي:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي المناسا بأخرى فهو يقظان هاجع
وإذا عجز عن غلبة من يقاومه يعوي حتى يأتي ما يسمع عواءه من الذئاب يعاونه. وإذا مرض انفرد عن الذئاب ويعلم أنها إن أحست بمرضه أكلته. وفيه من قوة حاسة الشم أنه يدرك المشموم من فرسخ. وأكثر ما يتعرض للغنم في الصبح وإنما يتوقع فترة الكلب ونومه وكلاله لأنه يظل طول ليله حارساً متيقظاً. ومن غريب
(2/279)

أمره أنه إذا كده الجوع عوى فتجتمع له الذئاب ويقف بعضها إلى بعض فمن ولى وثب إليه الباقون وأكلوه. وإذا عرض للإنسان وخاف العجز عنه عوى عواء استغاثة فتسمعه الذئاب فتقبل على الإنسان إقبالاً واحداً وهم سواء في الحرص على أكله. فإن أدمى الإنسان واحداً منها وثب الباقون على المدمى فمزقوه وتركوا الإنسان. وقال بعض الشعراء يعاتب صديقاً مال عنه:
وكنت كذئب السوء لما رأى دماً ... بصاحبه يوماً أحال على الدم
424 (السنور) . حيوان ألوف متملق خلقه الله تعالى لدفع الفأر. وهو يحب النظافة فيمسح وجهه بلعابه. وإذا تلطخ شيء من بدنه لا يلبث حتى ينظفه. وإذا ألف السنور منزلاً منع غيره من السنانير الدخول إلى ذلك المنزل وحاربه أشد محارة وهو من جنسه علماً منه بأن أربابه ربما استحسنوه وقدموه عليه أو شاركوا بينه وبينه في المطعم وإن أخذ شيئاً مما يخزنه أصحاب المنزل عنه هرب علماً منه بما يناله منهم من الضرب. وإذا طردوه تملقهم وتمسح بهم علماً منه بأنه يخلصه التملق ويحصل له العفو والإحسان. وإذا مرّ الفأر على السقف استلقى يحرك يديه ورجليه ليراه الفأر فيسقط من السقف فزعاً. وإذا صاد شيئاً من الفأر يلعب بها زماناً فربما يخليها حتى تمعن في الهرب وظنت أنها نجت. ثم يثب عليها ويأخذها. فلا يزال يخدعها بالسلامة ويورثها الحسرة والأسف ويلتذ بتعذيبها ثم
(2/280)

يأكلها. والسنور ثلاثة أنواع. أهلي ووحشي وسنور الزباد. وكل من الأهلي والوحشي له نفس غضوبة ويفترس ويأكل اللحم الحي. وأما سنور الزباد فهو كالسنور الأهلي لكنه أطول منه ذنباً وأكبر جثة ووبره إلى السواد أميل وربما كان أنمر. ويجلب من بلاد الهند والسند. والزباد فيه شبيه بالوسخ الأسود اللزج وهو ذفر الرائحة يخالطه طيب كطيب المسك. (للدميري) 425 (النمر) . ضرب من السباع فيه شبه من الأسد إلا أنه أصغر منه. وهو ذو قوة وقهر وسطوة صادقة ووثبات شديدة وهو أعدى عدو للحيوانات. وهو ذو وشيء وألوان حسنة لا يردعه سطوة أحد ولا ينصرف عن العسكر الدهم. وخلقه في غاية الضيق لا يستأنس البتة وعنده كبر وعجب بنفسه إذا شبع نام أياماً فإذا انتبه جائعاً خرخر شديداً يعرف ما حوله من الحيوان أنه يريد الصيد. والنمر يتعرض لكل حيوان رآه في جوعه وشبعه بخلاف الأسد فإنه لا يتعرض للحيوان إلا عند جوعه.

الطيور
426 (أبو براقش) . طائر حسن الصورة طويل الرقبة والرجلين أحمر المنقار في حجم اللقلق. يتلون كل شاعة بلون آخر من أحمر وأصفر واخضر يضرب به المثل في التنقل والتحول. قال الشاعر:
كأبي براقش كل يو ... م لونه يتقلب
(2/281)

على لون هذا الطائر نسجت ثياب تسمى أبا قلمون تجلب من الروم. وعجب هذا الطائر في لونه وشكله (للقزويني) 427 (الديك) . أكثر الطيور عجباً بنفسه وهو أبله الطبيعة وعلامته حمرة العرف وغلظ الرقبة وضيق العين وسوادها وحدة المخالب ورفع الصوت. وأعظم ما فيه من العجائب معرفة الأوقات الليلية. فيقسط أصواته عليها تقسيطاً لا يكاد يغادر منه شيئاً سواء طال أو قصر. ويوالي صياحه قبل الفجر وبعده فسبحان من هداه لذلك. قال ابن المعتز يصف ديكاً:
بشر بالصبح طائر هتفا ... هاج من الليل بعدما انتصفا
مذكراً بالصباح صاح بنا ... كخاطب فوق منبر وقفا
صفق إما ارتياحة لسنا الفجر وإما على الدجى أسفا
428 (الصقر) . أحد أنواع الجوارح الأربعة وهي الصقر والشاهين والعقاب والبازي وتنعت أيضاً بالسباع. وهو أصبر على الشدة وأحمل لغليظ الغذاء والأذى وأحسن ألفة وأشد إقداماً على جملة الطير من الكركي وغيره. وصده أعجب من جميع الجوارح فإذا أرس صقران على ظبية أو بقر وحش ينزل أحدهما على رأسه ويضرب بجناحه عينه ثم يقوم وينزل الآخر ويفعل مثل ذلك ويشغلانه عن المشي حتى يدركه من يبطش به. ومن العجب أن الصقر مع صغر جثته يثب على الكركي مع ضخامته. (للدميري)
(2/282)

429 (القبرة) . الطائر ذو الأصوات المطربة والنغمات اللذيذة على رأسه قنزعة شبيهة بما للطاووس. وهو شديد الاحتياط إذا وقع على شيء ينظر يمينه وشماله ووراءه. ومع كثرة احتياطه كثير الوقوع في الفخ. يتخذ عشاً عجيباً له تأليف معجب. وهو أنه يعمد إلى ثلاثة أعواد من شجرة الكرم أو شجرة مثلها عريضة الأوراق. ويأتي حشيش في غاية اللطافة وينسج بين تلك الأعواد سليلة لطيفة عجيبة التأليف لا يمكن للبشر أن يأتي بمثلها. ويدع البيضة فيها وتكون السليلة مستترة بأوراق الشجر لا يراها شيء من جوارح الطير. حكى بعضهم قال: كان طرفة مع عمه في سفر وهو ابن سبع سنين فنزلوا على ماء فذهب طرفة بفخ له إلى مكان فنصبه للقنابر وبقي عامة يومه لم يصد شيئاً. ثم حمل فخه وعاد إلى عمه فرحلوا من ذلك المكان فرأى القنابر يلقطن ما نثر لهن من الحب فقال:
يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك اجو فبيضي واصفري
قد رفع الفخ فماذا تحذري ... ونقري ما شئت أن تنقري
قد ذهب الصياد عنك فابشري ... لابد من أخذك يوما فاحذري

الهوام والحشرات
430 (حية) إنها من أعظم الحيوانات خلقة وأشدها بأساً وأقلها غذاءً وأطولها عمراً. قالوا ليس في حيوانات البر شيء يقتل نهشه أسرع من الحية ولا شيء يغتذي بالتراب غيرها. ومن عجاب الحية
(2/283)

أنها إذا عرفت أنها مقتولة أحرزت رأسها ببدنها وجعلت بدنها وقاية لرأسها ولا تزال تنطوي لئلا تقع الضربة على رأسها ملاك الحياة. وليس شيء في الأرض مثل الحية إلا وحسم الحية أقوى منه. ولذلك إذا أدخلت صدرها في حجر أو صدع لم يستطع أقوى الناس إخراجها منه وربما تقطعت ولا تخرج. وليس لها قوائم ولا أظفار تتشبث بها وإنما قوي على بطنها فتتدافع أجزاؤها وتسعى بذلك الدفع الشديد. ولسانها مشقوق فيظن بعض الناس أن ها لسانين. وتوصف بالنهم والشره لأنها تبتلع الفراخ من غير مضغ. كما يفعل الأسد. ومن شأنها إنها إذا ابتلعت شيئاً له عظم أتت شجرة أو نحوها فتلتوي عليها التواء شديداً حتى يتكسر ذلك في جوفها. والحية من الأمم التي تكثر أصنافها في الصغر والكبر والتعرض للناس والهرب منهم. فمنها ما لا يؤذي إلا إذا وطئه واطئ ومنها ما لا يؤذي إلا إذا آذاه الناس مرة. ومنها الأسود الذي يحقد ويتمكن حتى يدرك طالبه. وشر الحياة الأفاعي ومساكنها الرمال والأفعى حية رقشاء دقيقة العنق عريضة الرأس. والبقر الوحشي يأكلها أكلاً ذريعاً وهي أعدى عدو للإنسان. قال الحاجز: الأفعى تظهر الصيف في أول الليل إذا سكن وهج ظاهر الأرض فتأتي قارعة وتستدير كأنها رحاً ويلصق بدنها بالأرض ويشخص رأسها متعرضة لأن يطأ
(2/284)

إنسان أو دابة لتنهشه وسمها موت سريع.
431 (السنجاب) . حيوان على حد اليربوع. أكبر من الفأر وشعره في غاية النعومة يتخذ من جلده الفراء يلبسه المتنعمون. وهو شديد الحيل إذا أبصر الإنسان صعد الشجرة العالية وفيها يأوي ومنها يأكل. وهو كثير ببلاد الصقالبة والترك ومزاجه حار رطب لسرعة حركته عن حركة الإنسان. وأحسن جلوده الأزرق الأملس.
432 (عقرب) . أخبث الحشرات. تلدغ كل شيء تلقاه ولها ثمانية أرجل وعينها على بطنها. وإذا لدغت هربت في الحال. وإذا خرجت من بيتها أول الليل تلدغ كل شيء تلقاه من حيوان أو جماد وربما ضربت الحجر والمدر. ومن أحس ما قيل في ذلك:
رأيت على صخرة عقربا ... وقد جعلت ضربها ديدنا
فقلت لها إنها صخرة ... وطبعك من طبعها ألينا
فقالت صدقت ولكنني ... أريد أعرفها من أنا
ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا النائم حتى يتحرك بشيء من بدنه فإنها عند ذلك تضربه. ومن شأنها أنها إذا لسعت الإنسان فرت فرار مسيء يخشى العقاب. (للدميري)
433 (قنفذ) . الحيوان الذي سلاحه على ظهره وهو الشوك الذي عليه ويقبع بحيث لا يتبين من أطرافه شيء. ويستطيب الهواء ويتخذ لمسكنه بابين أحدهما مستقبل الشمال والآخر مستقبل الجنوب
(2/285)

ويعادي الحية فإن ظفر بقفاها أكلها بأسهل طريق وإن ظفر بذنبها عض ذنبها وقبع. ويعطي الحية ظهره فالحية تضرب نفسها على شوكه حتى تهلك. ويصعد الكرم ويرمي حباب العناقيد إلى الأرض ثم يتمرغ في الحبات ليدخل شوكة في الحبات ويحملها إلى أولاده. ومنها صنف يقال له الدلدل وهو أكبر جسماً من القنفذ وأطول شوكاً. نسبته إلى القنفذ كنسبة الجاموس إلى البقر. قالوا إذا أراد أن يرمي بشوكة حيواناً أو جماداً أو عدواً يرميه كرمي النشاب ولا يخطى فتمر الشوكة كمر النشاب وتثبت فيه.
434 (نمل) . حيوان حريص على جمع الغذاء وهو عظيم الحيلة في طلب الرزق فإذا وجد شيئاً أنذر الباقين ليأتوا إليه. ويقال إنما يفعل ذلك منها رؤساؤها. ومن طبعه أن يحتكر قوته من زمن الصيف لزمن الشتاء. وله في الاحتكار من الحيل ما إنه إذا احتكر ما يخاف إنباته قسمه نصفين ما خلا الكسبرة فإنه يقسمها أرباعاً لما ألهم من أن كل نصف منها ينبت وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض ونشره وإذا أحست بالغيم ردته إلى مكانها خوفاً من المطر. فإن ابتل شيء منها تبسطه يوم الصحو في الشمس. ومن عجائبه اتخاذه القرية تحت الأرض وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات منعطفات يملأها حبوباً وذخائرها للشتاء. وتجعل بعض بيوتها منخفضاً لينصب أليه الماء وبعضها مرتفعاً للحب. ومنها أيضاً أنه مع لطافة
(2/286)

شخصية وخفة وزنه له شم ليس لشيء من الحيوان مثل ذلك. فإذا وقع شيء من يد الإنسان في موضع لا ترى فيه شيئاً من النمل فلا يلبث أن يقبل كالخيط الأسود الممدود إلى ذلك الشيء. ويشم رائحة الشيء الذي لو وضعته على أنفك ما وجدت له رائحة. (للقزويني)

السمك
435 السمك من خلق الماء وهو أنواع كثيرة ومنه كبار. وما لا يدركه الطرف لصغره وكله يأوي الماء ويستنشقه كما يستنشق بنو آدم وحيوان البر الهواء إلا أن حيوان البر يستنشق الهواء بالأنف ويصل بذلك إلى قصبة الرئة. والسمك يستنشق الهواء بالأنف ويصل بذلك على قصبة الرئة. والسمك يستنشق بأصداغه فيقوم له الماء في تولد الروح الحيواني في قلبه مقام الهواء. وإنما استغنى عن الهواء في إقامة الحياة ولم نستغن نحن وما أشبهنا من الحيوان عنه لأنه من عالم الماء ونحن من عالم الأرض. وصغار السمك تحترس من كباره ولذلك تطلب ماء الشطوط والماء القليل الذي لا يحمل الكبير. وهو شديد الحركة لأن قوته المحركة للإرادة تجري في مسلك واحد لا ينقسم في عضو خاص. وهذا بعينه موجود في الحياة. ومن جملة أنواعه السقنفور والدلفين والخرشفلي والتمساح. ومن أصنافه ما هو على شكل الحياة وغير ذلك.
436 (الدلفين) . دابة من البحر تنجي الغريق تمكنه من ظهرها ليستعين به على السباحة. وهو كثير بأواخر نيل مصر من جهة البحر
(2/287)

الملح لأنه يقذف به البحر إلى النيل. وصفته كصفة الزق المنفوخ وله رأس صغير جداً وليس في دواب البحر ماله رئة سواه فلذلك يسمع منه النفخ والنفس. وهو إذا ظفر بالغريق كان أقوى الأسباب في نجاته لأنه لا يزال يدفعه إلى البر حتى ينجيه. ولا يؤذي أحداً ولا يأكل إلا السمك. وربما ظهر على وجه الماء كأنه ميت وهو يلد ويرضع. وأولاده تتبعه حيث ذهب ولا يلد إلا في الصيف. ومن طبعه الأنس بالناس وإذا صيد جاءت دلافين كثيرة لقتال صائده. وإذا لبث في العمق حيناً حبس نفسه. ثم صعد مسرعاً مثل السهم لطلب النفس فإن كانت بين يديه سفينة وثب وثبة ارتفع بها السفينة. (للدميري)

الباب الرابع عشر في التاريخ
ذكر دولة الكلدانيين (من 1900 إلى 538 قبل المسيح)
437 الكلدانيون أمة قديمة الرئاسة نبيهة الملوك. كان منهم النماردة الجبابرة الذين كان أولهم نمرود من بني حام باني المجدل. وكان من ولد نمرود بخت نصر الذي غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً كثيراً وسبى بقيتهم. وغزا مصر وافتتحها ودوخ كثيراً من البلاد (606) . ولم يزل ملك الكلدانيين ببابل إلى أن ظهر عليهم الفرس
(2/288)

وغلبوهم على مملكتهم وأبادوا كثيراً منهم فدرست أخبارهم وطمست آثارهم (538) . وكانت لهم عناية بأرصاد الكواكب وتحقق بعلم أسرار الفلك ومعرفة مشهورة بطبائع النجوم وأحكامها. وهم نهجوا لأهل الشق الغربي من معمور الأرض الطريق إلى تدبير الهياكل لإظهار طبائع الكواكب بضروب التدابير المخصوصة بها. ولم يصل إلينا من مذاهب الكلدانيين في حركات النجوم ولا من أرصادهم غير الأرصاد التي نقلها عنهم بطليموس في كتاب المجسطي.

ذكر الفرس ودولهم ومن اشتهر من ملوكهم
348 أما الفرس فأهل الشرق الشامخ والعز الباذخ وأوسط الأمم داراً وأشرفهم إقليماً وأسوسهم ملوكاً تجمعهم وتدفع ظالمهم عن مظلومهم. وتحملهم من الأمور على ما فيه حظهم. على اتصال ودوام. وأحسن التئام وانتظام. وخواص الفرس عناية بالغة بصناعة الطب ومعرفة ثاقبة بأحكام النجوم. وكانت لهم أرصاد قديمة وقال بعض علماء العجم: أول من ملك بعد الطوفان كيومرت من بني سام. وكان ينزل فارس واتخذ الآلات لإصلاح الطرف وحفر الأنهار وذبح ما يؤكل من الحيوان وقتل السباع. ومازال الملك في ولده إلى أن ملك دارا الذي غزاه الإسكندر وقتل في المعركة (333) . ثم ملكت الدولة الأشكانية وأولهم أشك (266 قبل المسيح) وتسمى خلفاؤه بالشاهية. ودام الملك فيهم إلى أن ظهرت المملكة
(2/289)

الساسانية (226 للمسيح) أولهم أزدشير بن بابك من بني كشتاساب فأحسن السبرة وبسط العدل. (لأبي الفرج) 439 واشتهر في الدولة الساسانية (سابور بن أزدشير 241-272) وكان جميل الصورة حازماً شخص إلى نصيبين فملكها عنوة. فقتل وسبى وأفتتح من الشام مدناً وأسر والأريانس وحمله إلى جنديسابور ويقال جدع أنفه بل قتله. ويقال في زمانه استخرجت العود وهي الملهاة التي يغنى بها. ومنهم (بهرام بن هرمز 276) وكان حليماً وقوراً وأحسن السيرة واقتدى بآبائه وكان ماني صاحب القول بالنور والظلمة في أيامه فجمع بهرام العلماء لامتحانه فأشاروا بكفره فقتله. ومنهم (سابور بن هرمز 310-380) . وظهر منه نجابة عظيمة من صباه ولما بلغ من العمر ست عشرة سنة أنتخب فرسان عسكره عدة وسار بهم إلى العرب وقتل من وجده منهم. وكان ينزع أكتاف الأسرى فسمي سابور ذا الأكتاف. ولم ينزل بماء للعرب إلا وغوره ولا بئر إلا وطمها ثم عطف على بلاد الروم فقتل منهم وسبى حتى هادئة قسطنطين. واستمر على ذلك حتى توفي قسطنطين وبنوه. ثم ملك على الروم يليانس وارتد إلى عبادة الأصنام وقتل النصارى وأخرب الكنائس وأحرق الإنجيل. وسار إلى قتال سابور فأصابه سهم في بعض حروبه غرب في فؤاده فقتله (363) . وأنتظم الصلح والمودة بين الفرس والروم. ومنهم (أنوشروان 531) هذا
(2/290)

قوي بعد ضعفه بإدامة النظر وهجر الملاذ وترك اللهو. وقوى جنده بالأسلحة والكراع وعمر البلاد ورد إلى ملكه كثيراً من الأطراف التي غلبت عليها الأمم بعلل وأسباب شتى منها السند وطخارستان ودورستان وغيرها وبنى المعاقل والحصون. ومنهم (هرمز بن أنوشروان 579) وكان عادلاً يأخذ للأدنى من الشريف وبالغ في ذلك حتى أبغضه خواصه وأقام الحق على بنيه ومحبيه وأفرط في العدل. ثم توارث بنوه الملك إلى أن ملك يزدجرد بن شهريار العادل وهو آخر ملوك الفرس. فلما ملك انتفضت عليه الدولة وتفاقمت أمورها وطلعت أعلام الإسلام بالنصر (641) . (لأبي الفداء)

نظر في دولة اليونانيين وفلاسفتهم (من 884 إلى 146 قبل المسيح)
440 أما اليونانيون فكانوا أمة عظيمة القدر في الأمم. طائرة الذكر في الآفاق فخمة الملوك. منهم الإسكندر بن فيليفوس المقدوني (336) الذي أجمع ملوك الأرض طرا على الطاعة لسلطانه. وكان من بعده من ملوك اليونانيين البطالسة (301-30) دامت لهم الممالك وذلت لهم الرقاب. ولم يزل ملكهم متصلاً إلى أن غلب عليهم الروم. وكانت البلاد اليونانيين في الربع الغربي الشمالي من الأرض ... والقسم الأعظم منها في حيز المشرق والقسم الأصغر منها في حيز المغرب. ولغة اليونانيين أوسع اللغات وأجلها. وكانت عامة اليونانيين صابئة معظمة للكواكب دائنة بعبادة الأصنام. والفلاسفة
(2/291)

منهم من أرفع الناس طبقة وأجل أهل العلم منزلة لما ظهر منهم من الاعتناء بفنون الحكمة ومعارف السياسات المنزلية. (لأبي الفرج) 441 وجميع العلوم العقلية مأخوذة عن اليونانيين مثل العلوم المنطقية والطبيعية والإلهية والرياضية. والعلم الرياضي مشتمل على علم الهيئة والهندسة والحساب واللحون والإيقاع وغير ذلك. وكان العالم بهذه العلوم يسمى فيلسوفاً وتفسيره محب الحكمة. ومن فلاسفتهم (ثاليس الملطي 639) . (وفيثاغورس 480) من كبار الحكماء والفلكيين. كان يقول: ما سمعت شيئاً ألذ من حركات الأفلاك ولا رأيت شيئاً ألهى من صورتها. ومنهم بقراط الحكيم الطبيب المشهور. ومنهم (سقراط 470) وكان حكيماً فاضلاً زاهداً اشتغل بالرياضة وأعرض عن ملاذ الدنيا. ونهى الناس عن عبادة الأصنام فثارت عليه العامة وألجأوا ملكهم إلى قتله فحبسه ثم سقاه سماً فمات. ومنهم (أفلاطون الإلهي 430) وكان تلميذاً لسقراط. ولما اغتيل سقراط بالسم قام أفلاطون مقامه وجلس على كرسيه. ومنهم أرسطو الشهير (384) وكان تلميذاً لأفلاطون ولما صار عمر أرسطو المذكور سبع عشرة سنة أسلمه أبوه إلى أفلاطون فمكث عنده نيفاً وعشرين سنة ثم صار حكيماً مبرزاً يشتغل عليه. ومن جملة تلامذة أرسطو الملك إسكندر الذي ملك غالب المعمور من الغرب إلى الشرق وأقام الإسكندر يتعلم على أرسطو خمس سنين وبلغ فيها
(2/292)

أحسن المبالغ ونال من الفلسفة ما لم ينل سائر تلاميذ أرسطو. ومنهم إقليدس (320) كتاب الاستقطاب المسمى باسمه وكان في أيام ملوك اليونان البطالسة. فلم يكن بعد أرسطو ببعيد. وأما بطليموس وجالينوس فإن زمانهما متأخر عن زمن بطليموس وبطليموس هو المصنف المجسطي. ومنهم فرفوريوس (260 للمسيح) وكان من أهل مدينة صور على البحر الرومي بالشام وكان بعد زمن جالينوس. وكان عالماً بكلام أرسطو وقد فسر كتبه لما شكا إليه الناس غموضها وعجزهم عن فهم كلامه. (لابن الأثير)

ملك اسكندر ذي القرنين (من 336 إلى 323)
442 ومن جملة ملوك اليونانيين الإسكندر بن فيليفوس المقدوني الذي أجمع ملوك الأرض طرا على الطاعة لسلطانه وملك ست سنين بعد قتله داريوش. وكان قد ملك قبل ذلك ستاً أخرى وفتح بلاداً كثيرة حتى بلغ ملكه إلى أقصى الهند وأوائل حدود الصين وسمي ذا القرنين لبلوغه قرني الشمس وهما المشرق والمغرب. وقتل خمسة وثلاثين ملكاً وبنى اثنتي عشرة مدينة منها اثنتان في بلد خراسان وهما هراة ومرة وواحدة في بلد الصغد وهي سمرقند. وأخرى في بلد القبط وهي الإسكندرية. وفي عودته من الهند ووصوله إلى بابل مات مسموماً ووضع في تابوت ذهب وحمل على أكتاف الملوك
(2/293)

والأشراف إلى الإسكندرية القبط ودفن بها. وبد موت الإسكندر تقاسم الممالك أربعة من عبيده وهم بطليموس بن لاغوس وأزيذاوس وأنطيوخوس وسلوقوس. (لأبي الفرج)

ذكر الرومانيين ومبادىء دولتهم إلى زمان المشيخة (من 754 إلى 510 قبل المسيح)
443 هذه الأمة من أشهر أمم العالم ومواطنهم من الناحية الغربية من خليج القسطنيطنية إلى بلاد الإفرنجة فيما بين البحر المحيط والبحر الرومي من شماليه. وكان مقر ملوكهم رومة الكبرى قبل غلبتهم على اليونان. وكان الروم يدينون بدين الصابئين ولهم أصنام على أسماء الكواكب السبعة يعبدونها. وكان مبدأ أمرهم أن برقاش ملك اللطينيين بعد وفاته أجاز الملك إلى حافديه وهما روملس وراماش واشتق روملس أسم رومة من اسمه (754) . وكانت من أحفل مدن العالم لم تزل دار مملكة اللطينيين والقياصرة حتى أصبحهم الإسلام وهي في ملكهم. ثم بعد ابتناء رومة وثب روملس على أخيه فقتله وملك بعد قتله ثمانياً وثلاثين سنة وحده واتخذ روملس برومة معلباً عجيباً. وعدّ بعد روملس خمسة من الملوك (والصحيح ستة) اغتصب ابن آخرهم رجلاً في زوجة فقتلت نفسها، فسئم اللطينيون ولاية الملوك وأجمعوا أن لا يولوا عليهم ملكاً وقدموا شيوخاً ثلاث مائة وعشرين يدبرون ملكهم. وصار هكذا أمرهم شورى بين الوزراء (510) . وكان للروم حروب مع الأمم المجاورة لهم من كل
(2/294)

جهة فأجازوا إلى أفريقية فملكوها وخربوا قرطاجنة ثم ملكوا جزيرة صقلية (241) ثم جزيرة الأندلس (202) ثم حاربوا اليونانيين (146) ثم حاربوا الفرس من بعدهم واستولوا على الشام (64) ومصر (30) .

الخبر عن تخريب قرطاجنة (من264 إلى 146 قبل المسيح)
444 كان بناء قرطاجنة قبل بناء رومة بثنتين وسبعين سنة (والصحيح بمائة وثلاث سنين) على يدي ديدن. وكان بها أمير يسمى ملكون وهو الذي بعث إلى الإسكندر بطاعته عند استيلائه على طرسون. ثم صار ملك أفريقية إلى أملقار من ملوكهم فافتتح صقلية وهاجت الحرب بينه وبين الرومانيين بسبب أهل سردانية. ثم وقعت السلم بينهم ثم ولى بقرطاجنة أملقار ابنه أنيبل فأجاز إلى بلاد الإفرنج وغلبهم على بلادهم وزحف إليه قواد رومة فوالى عليهم الهزائم وبعث أخاه أشدربال إلى الأندلس فملكها وخالفه قواد الرومانيين إلى أفريقية بعد أن ملكوا من حصون صقلية أربعين أو نحوها ثم أجازوا إلى أفريقية فملكوها وقتلوا خليفة أنيبل فيها وافتتحوا مدينة جردا. وخرج آخرون من قواد رومة إلى الأندلس فهزموا أشدربال وأتبعوه إلى أن قتلوه (207) . وفرّ أخوه أنيبل عن بلادهم بعد ثلاث عشر سنة من إجازته إليهم وبعد أن حاصر رومة وأثخن في نواحيها. فلحق بأفريقية ولقيه قواد أهل رومة الذين أجازوا إلى أفريقية فهزموه. وحاصروه بقرطاجنة حتى سأل الصلح
(2/295)

على أن يغرم لهم ثلاثة آلاف قنطار من الفضة فأجابوه إليه وسكنت الحرب بينهم. ثم ظاهر بعد ذلك أيبل صاحب أفريقية ملوك السريانيين على حرب أهل رومة فهلك في حربهم مسموماً (183) . وبعد أن تخلص أهل رومة من تلك الحروب رجعوا إلى الأندلس فملكوها ثم أجازوا الحر إلى قرطاجنة ففتحوها وقتلوا ملكها وخربوها (146) . (لابن خلدون)

حال اللطينيين إلى وفاة أغسطس (من 146 قبل المسيح إلى 14 بعد المسيح)
445 ولم يزل أمر هؤلاء اللطينيين راجعاً إلى الوزراء منذ سبع مائة سنة من عهد رومة تقترع الوزراء في لك سنة فيخرج قائد منهم إلى كل ناحية كما توجبه القرعة فيحاربون أمم الطوائف يفتحون الممالك. حتى إذا هلك الإسكندر وافترق أمر اليونانيين وفشلت ريحهم وقعت فتنة هؤلاء اللطينيين مع أهل افريقية واستولوا عليها. وملكوا الأندلس وملكوا الشام وأرض الحجاز وقهروا العرب بالحجاز. وافتتحوا بيت المقدس وأسروا ملكها يومئذ من اليهود وهو أرسطابولس ثامن ملوك بني حشمناي وغربوه إلى رومة. إلى أن خرج يولس قيصر ومعناه شق عنه لأن أمه ماتت قبل أن تلده فشقوا بطنها وأخرجوه فلقب قيصر وصار لقباً لملوك الروم. فسار إلى جهة الأندلس وحارب من كان بها من الإفرنج إلى أن ملك برطانية وإشبونة ورجع إلى رومة. واستخلف على الأندلس
(2/296)

أكتبيان أغسطس ابن أخيه. وكان للشيوخ نائب بناحية الشرق يقال له فمفيوس. فلما بلغه ذلك زحف بعساكره إليه. فخرج إليه يولس فهزمه (48) ثم رجع إلى رومة وشعر الوزراء أنه يروم الاستبداد عليهم فقتلوه (44) . فزحف أكتبيان أبن أخيه من الأندلس فأخذ بثأره وملك برومة (42) . ثم عصى أنطونيوس على أغسطس وانهزم إلى مصر بسبب عشقه قلاوفطرا. فخرج أغسطس في السنة الثانية عشرة من ملكه من رومة بعساكر عظيمة في البر والبحر وسار إلى الديار المصرية وأسر ولدي قلاوفطرا المسمى أحدهما شمساً والآخر قمراً وقتلهما. ولما سمع أنطونيوس وقلاوفطرا بقتل الولدين وكانا محاصرين في بعض الحصون شربا سماً وماتا (30) . ولما ملك أغسطس ديار مصر والشام دخل بنو إسرائيل تحت طاعته كما كانوا تحت طاعة البطالسة فولى أغسطس ببيت المقدس على اليهود والياً منهم وكان يلقب بهيرودس. وفي أيام أغسطس ولد المسيح لثنتين وأربعين من ملكه (لابن العميد بتصرف)

دولة القياصرة بني أغسطس (14-69) .
446 ثم ولي من بعد أغسطس طباريوش قيصر وكان جائراً واستولى على النواحي. على عهده كان شأن المسيح وبغى اليهود عليه وأقام الحواريون من بعده واليهود يحبسونهم ويضطهدونهم. ثم افترقوا في الآفاق لإقامة الدين وحمل الأمم على عبادة الله. ومات طباريوش
(2/297)

لثلاث وعشرين من ملكه (37) ثم ملك غايس قيصر (37-41) وأمر أن تنصب الأصنام في محاريب اليهود ووثب عليه بعض قواده فقتله وملك من بعده قلوديوش (41-54) ووقعت في أيامه شدة على النصارى وقتل يعقوب أخو يوحنا من الحواريين وحبس شمعون الصفا ثم خلص وسار إلى أنطاكية وأقام بها ودعا إلى النصرانية. ثم توجه إلى رومة ودبرها ونصب فيها الأساقفة. وتنصرت امرأة من بيت الملك فعضت النصارى. ولقي الذين بالقدي شدائد من اليهود وكان عليهم يومئذ يعقوب بن حلفا من الحواريين فثار اليهود على من كان المقدس من النصارى وقتلوا أسقفهم وهدموا البيعة. وأخذوا الصليب والخشبتين ودفنوها إلى أن استخرجتها هيلانة أم قسطنطين. وملك من بعد قلوديوش أبنه نيرون وهو خامس القياصرة وكان غشوماً فاسقاً وفي أيامه كان سيمون الساحر بورمة. وبلغه أن كثيراً من أهل رومة أخذوا بدين المسيح فنكر ذلك وقتلهم حيث وجدوا. وقتل بطرس من بعد خمس وعشين سنة مضت لبطرس في كرسيها وهو رأس الحواريين ورسول المسيح على رومة (66) . وقتل مرقس الإنجيلي بالإسكندرية لثنتي عشرة من ملك نيرون وبعث نيرون قائده إسباشيانوس وأمر بقتل اليهود وخراب القدس. ثم إن نيرون قيصر وانتفض عليه أهل مملكه. فرجع أهل أرمينية إلى طاعة الفرس وخرج عن طاعته أهل برطانية
(2/298)

من جهة الجوف. فبعث شواطيانس فسار إليهم في العساكر وغلبهم على أمرهم. ثم ثار بنيرون جماعة من قواده فقتلوه (68) وملكوا غلبان فأقام عليهم أشهراً وقتلوه غيلة وقدموا عوضه أتون ثلاثة أشهر ثم خلعوه وملكوا بطالس وكان رديء السيرة. وبلغ إسباشيانوس موت نيرون وهو يحاصر القدس فأشار عليه أصحابه بالانصراف إلى رومة وبشره يوسف بن كربون وكان أسيراً عند بالملك فانطلق إلى رومة وخلف ابنه طيطش على حصار القدسز. وانقطع ملك آل يولش قيصر لمائة وست عشرة سنة من مبدأ دولتهم واستقام ملك إسباشيانوس في جميع ممالك الروم وتسمى قيصر كما كان من قبل (69) . (لابن خلدون بتصرف واختصار)

دولة فلابيوس إسباشيانوس وبنيه الفلابيين (69-96)
447 وملك إسباشيانوس عشر سنين وهو بنى قولس أي منارة الإسكندرية طولها مائة وخمس وعشرون خطوة. وفي السنة الثانية من ملكه أفتتح طيطش ابنه مدينة أورشليم وقتل فيها زهاء ستين ألف نفس وسبى نيفاً ومائة ألف نفس ومات فيها من الجوع خلق كثير والباقون تشتتوا في البلاد ودعثرها وأخرب هيكلها. وتمت نبوءة يعقول حيث قال: لن تفقد هراوة الملك من يهوذا ولا المنذر أي النبي من ذريته حتى يأتي من له الغلبة وإياه تتوقع الشعوب. وتم أيضاً أنذر به المخلص مخاطباً لأورشليم. أنه سيأتي أيام تحيط
(2/299)

بك أعداؤك ويكبسونك وبنيك فيك. وكان ذلك بعد أربعين سنة من صلب المسيح (70) .
وذكر يوسيفوس العبري أنه ظهر قبل خراب أورشليم علاقات فظيعة وذلك أنه ظهر فوق المدينة نجم طويل كثيف من نار يلمع. وأبواب النحاس التي كانت على باب الهيكل ولم تكن تغلق وتفتح دون اجتماع عشرين رجلاً وجدت نصف الليل مفتوحة من غير علة. وكانوا عامة السنة يسمعون في الهيكل أصواتاً مختلفة تقول: إنا سننتقل من هنا.
ولما ملك طيطش بيت المقدس رجع النصارى الذين كانوا عبروا إلى الإردن فبنوا كنيسة بالمقدس وسكنوا وكان الأسقف فيهم شمعان بن كلاوفا وهو الثاني من أساقفة المقدس. ثم هلك إسباشيانوس لتسع سنين من ملكه وملك بعده ابنه طيطش قيصر سنتين وكان مفتنناً في العلوم ملتزماً للخير عارفاً باللسان الغريقي واللطينني. وفي السنة الثانية لملكه انشق جبل بالروم وخرج منه شهب نار أحرقت مدناً كثيرة ووقع برومة حريق كثير. ثم ملك دومطيانوس قيصر (81-96) ونفى من رومة المنجمين وأصحاب الزجر والفأل والعيافة والطيرة وأمر أن لا يغرس برومة كرم البتة. ثم اضطهد النصارى اضطهاداً شديداً ومع هذا كان الناس يدخلوا في دين المسيح أفواجاً ويتمسكون به تمسكاً أشد. واستنار
(2/300)

فطروفيلس المحصل واختار أتباع النصارى السيرة الحسنة وترك الدنيا وملاذها يفيدهم الأيد بالقول والعمل. وفي هذا الزمان عرف أفولونيس الطلسماطيقي وكان يضاد التلاميذ بأفاعيله المخالفة لأفاعيل المسيح ويقول: الويل لي إن سبقني ابن مريم. ونفى دومطيانوس يوحنا الإنجيلي إلى بعض الجزائر وكتب إليه ديونوسيوس أسقف أثينا كتاباً يقول فيه: لا يعترينك الضجر والملل فإنه لا يطول سجنك فالله يعمل لك الخلاص فألهم نفسك بالصبر. وبعد قليل قتل دومطيانوس قيصر على بساطه في مجلسه. (لابن العبري وابن العميد بتصرف)

دولة الانطونيين (96-193)
448 وملك بعده نرواس وأحسن السيرة وأرم برد من كان منفياً من النصارى وخلاهم ودينهم فرجع يوحنا الإنجيلي على أفسس بعد ست سنين. ولم يكن له ولد فعهد بالملك إلى طريانس من عظماء قواده فولي بعده (98) وتسمى قيصر وقتل شمعان بن كلاوفا أسقف بيت المقدس. وإغناطيوس أسقف أنطاكية رمي للسباع (107) . وتتبع أئمتهم بالقتل واستعبد عامتهم وفيلينوس صاحب الشرط لما عجز من قتل النصارى لكثرتهم طالع قيصر أن أهل هذا المذهب عاملون بجميع سنن الفلاسفة غير أنهم لا يكرمون الأصنام. فأمر قيصر أن لا يجد في أذاهم إلا إذا وجد منهم من يتفوه بسبب الآلهة فليدن.
(2/301)

ثم خرج على طريانوس خارجي ببابل فهلك في حروبه.
449 ثم ولي من بعده أدريانوس (117) وفي الرابعة من ملكه بطل الملك من الرها وتداولتها القضاة من الروم. وبنى أدريانوس بمدينة أثينا بيتاً ورتب فيه جماعة من الحكماء المدارسة العلوم. وبلغ أدريانوس أن اليهود يرومون الانتقاض وأنهم ملكوا عليهم رجلاً يقال له ابن الكوكب أضل اليهود مدعياً أنه نزل من السماء كالكواكب ليخلصهم من عبودية الروم. فبعث إليهم العساكر وتتبعهم بالقتل وخرب مدينتهم حتى عادت صحراء. وأمر أن لا يسكنها يهودي وأسكن اليونان بيت المقدس. وكان هذا الخراب لخمس وستين سنة من خراب طيطش الذي هو الجلوة الكبرى. وامتلأ القدس من اليونان. وكانت النصارى يترددون إلى موضع القبر والصليب. فمنعهم اليونان من الصلاة وبنوا هنالك هيكلاً على أسم الزهرة.
وخلف أدريانوس طيطوس أنطنيانس قيصر المسمى باراً وأبا البلد (138) وأزال عن النصارى الاضطهاد وأباح للناس أن يتدينوا بأي دين شاءوا. وفي هذا الزمن نبغ في البيعة من المخالفين شخص أسمه والنطيانوس. وكان يقول إن المسيح أنزل معه جسداً من السماء واجتازه بمريم كاجتياز الماء بالميزاب أي لم يأخذ منها شيئاً. وظهر رجل يسمى مرقيون وقال إن الآلهة ثلاثة عادل وصالح وشرير ولما رأى الصالح العالم قد انجذب إلى جهة الشرير. أرسل ابنه ليدعو
(2/302)

الناس إلى عبادة أبيه الصالح فأتى ونسخ التوراة المتضمنة سنة العدل بالإنجيل الذي هو متضمن سنة الفضل. فلما أظهر مرقيون هذه الخزعبلة وعظته الأساقفة زماناً طويلاً فلم يرجع عن خزعبلته وتمادى في أباطيله فنفوه عن الجماعة وصار لعنة. (لهما بتصرف) 450 لما هلك أنطونيوس لثنتين وعشرين من ملكه ملك من بعده مرقوس أورالش (161) . وكانت له حروب مع أهل فارس وبعد غلبوا على أرمينية وسورية من ممالكه فدفعهم عنهما وغلبهم في حروب طويلة. وأصاب الأرض على عهده وباء عظيم وقحط الناس واستسقى لهم النصارى فأمطروا وارتفع الوباء والقحط بعد أن كان اشتد على النصارى (والصحيح أن ذلك وقع في بعض حروب اوريليوس) ومع كل هذا قتل منهم خلقاً كثيراً وهي الشدة الرابعة من بعد نيرون. وولي مكانه قومذوس ابنه ومات مختنقاً (180-192) . وفي هذا الوقت ظهر في بلاد آسيا منطانس القائل عن نفسه إنه الفارقليط الذي وعد المسيح أن يوجهه إلى العالم. (لابن خلدون)

دولة القياصرة السوريين (192-235)
451 ثم ولي من بعده فرطينخوس وملكه باتفاق المؤرخين شهران وقتله بعض قواده. ثم ولي سوريانوس (293-262) واشتد على النصارى الشدة الخامسة وفتك فيهم. واعتسفهم بالسجود للأصنام والأكل من ذبائحهم. ثم قتل بعد غزو الصقالبة وفي أيامه بحثت
(2/303)

الاساقفة عن أمر الفصح وأصلحوا رأس الصوم. ثم ملك بعده ابنه أنطونيش (كركلا) فقتل لست سنين لملكه ما بين حران والرها. (218) ثم ملك اليوغالي أربع سنين. ثم مقرين وقتله قواد رومة لسنة من ملكه. وملك من بعده الإسكندروس (222-235) وكانت أمه ماما نصرانية وكانت النصارى معه في سعة من أمرهم. وفي السنة الثالثة من ملك هذا الإسكندروس قيصر ابتدأت مملكة الفرس الأخيرة المعروفة ببيت ساسان. ثم ثار أهل رومة عليه وقتلوه.

الحكم الفوضوي (235-268)
452 وملك من بعده مخشميان (235) ولم يكن من بيت الملك وإنما ولّوه لأجل حرب الإفرنج. واشتد على النصارى الشدة السادسة من بعد نيرون. وقتل الشهيدين سرجيوس في سلمية وباخوس في بالس على الفرات وقوفريانس الأسقف مع جماعة من المؤمنين. ثم هلك مخشميان وملك بعده غرديانوس قيصر (238) وطالت حروبه مع الفرس وكان ظافراً عليهم وقتله أصحابه على نهر الفرات. ثم ملك فيلبوس قيصر ست سنين وآمن بالمسيح وهو أول من تنصر من ملوك الروم فأحسن إلى النصارى ثم رام الاجتماع مع المؤمنين فقال له الأسقف: لا يمكنك الدخول إلى البيعة حتى تنتهي عن المحارم وتقتصر على زوجة واحدة من غير ذوات القربى. فكان يحضر وقت الصلاة ويقف خارج البيعة مع الذين ألفوا الدين ولم يكملوا فيه بعد.
(2/304)

وفي السنة الثالثة لملكه ظهر قوم من أصحاب البدع قائلين إن من كفر بلسانه وأضمر الإيمان بقلبه فليس بكافر. وفي هذا الزمان بدأت أعمال الرهبان على يدي أنطونيوس وفولي المصريين. وهما أول من أظهر لبس الصوف والتخلي في البراري. ثم ملك ذوقيوس قيصر (249) ولبغضه فيلبوس قيصر المحسن إلى النصارى عاداهم وشدد عليهم جداً وهي الشدة السابعة. فكفر كثيرون من المؤمنين إلى أن قتل فقدموا التوبة. وكان ناباطيس القسيس لا يقبل توبتهم قائلاً: إنه لا مغفرة لمن أخطأ فزيف الأساقفة تعليمه. وفي زمان ذوقيوس كان الفتية أصحاب الكهف فألقى الله عليهم سباتاً إلى يوم انبعاثهم من رقادهم في أيام تاوداسيوس. وفي أيامه خرج القوط من بلادهم وتغلبوا على بلاد الغريقيين ثم ولي والريانوس وكان يعبد الأصنام ولقي النصارى منه شدة. ثم سار في عساكر الروم لغزو الفرس فانهزم وحمل أسيراً إلى كسرى بهرام فقتله. فولي ابنه غلينوس (260) وأزال الاضطهاد عن النصارى خوفاً مما نزل بأبيه من العقوبة.

دولة القياصرة الإليريين إلى قسطنطين الملك (268-307)
453 قم ملك اقلوذيوس سنة وتسعة أشهر (268) وفي ملكه ظهرت بدعة بولس الصميصاصي. وكان ينكر أن المسيح كلمة الله وأنه قد (ولد) من عذراء. وذكر أوسابيوس المؤرخ عن هذا بولس أنه استعان بامرأة يهودية اسمها زينب رأسها قيصر على الشام. وكانت تستحسن
(2/305)

علمه وكلامه وفوضت إليه بطركية أنطاكية. فاجتمع الأساقفة وردوا مقالته وحرموه وأتباعه ثم ملك بعده أوريليانش (270-275) وحارب القوط فظفر بهم وجدد بناء رومة. واشتد على النصارى تاسعة بعد نيرون وهم بالتضييق عليهم. وفي هذا الزمان عرف ماني الثنوي هذا كان يظهر النصرانية ثم مرق من الدين وسمى نفسه مسيحاً. وكان يقول بعلم الثنوية. وهو أن للعالم إلهين أحدهما خير وهو معدن النور والآخر شر وهو معدن الظلمة. فقتله سابور وسلخ جلده وحشاه تبناً وصلبه على سور المدينة لأنه كان يدعي الدعاوي العظيمة وعجز عن إبراء ابنه من مرض عرض له. ثم ملك بعد أورليانش قاروش ثم فروفش وقتل بسرمين ثم قاروش. وفي السنة الثانية لملكه قتل قزما ودمياني الشهيدان ثم أبرق فاستظلمه ومات. ثم استبد ديوقلاسيانوس بالملك (284-305) وأشرك معه في الأمر مخشميان وكان مقيماً رومة. ولثلاث عشرة سنة مضت من ملكه عصى عليه أهل مصر والإسكندرية فسار إليهم من رومة وغلبهم وأنكى فيهم. وانتفض على ديوقلاسيانوس أهل ممالكه وثار الثوار ببلاد الإفرنجة والأندلس وأفريقية. فدفع ديوقلاسيانوس إلى هذه الحروب كلها مخشميان هركوليس وصيره قيصر. ثم استعمل مخشميان صهره قسطنطش فمضى إلى الألمانيين في ناحية بلاد الإفرنج فظفر بهم بعد حروب طويلة. ثم أمر ديوقلاسيانوس بغلق كنائس
(2/306)

النصارى بإغراء مخشميان وكان أشد كفراً منه. ولقي النصارى منهما شدة وقتل ماري جرجس وكان من أكابر أبناء البطارقة. وفي عاشرة ملكه قدم ماري بطرس بطركاً بالإسكندرية. ثم قام بعد موته تلميذه إسكندروس وكان كبير تلامذته آريوش كثير المخالفة له. وفي أيام ديوقلاسيانوس رأى قسطنطش هيلانة وكانت تنصرت على يد أسقف الرها فأعجبته وتزوجها. وولدت له قسطنطين فأجمع ديوقلاسيانوس على قتله فهرب إلى الرها. ثم جاء بعد موت ديوقلاسيانوس فوجد أباه قسطنطش قد ملك على الروم فتسلم الملك من يده (لابن العميد)

ملك قسطنطين (306-337)
454 ثم استعد قسطنطينوس لغزو مكسنطيس بن مخشميان لأنه عصى ولم يبايعه على رومة. وكان قسطنطينوس يتفكر إلى أي الآلهة يلجي أمره في هذا الغزو. فبينما هو في هذا الفكر رفع رأسه إلى السماء نصف النهار فرى راية الصليب في السماء مثال النور وكان فيه مكتوب: أن بهذا الكل تغلب. فصاغ له صليباً من ذهب وكان يرفعه في حروبه على رأس الرمح. ثم إنه غزا رومة فخرج إليه مكسنطيس ووقع في نهر فاختنق. فافتتح قسطنطينوس مدينة رومة واعتمد في هذا الوقت برومة من اليهود وعبدة الأصنام زهاء اثني عشر ألف نفس خلا النساء والصبيان (312) . ثم حصل لقسطنطينوس برص. فأشار عليه خدم الأصنام أن يذبح أطفال
(2/307)

المدينة ويغتسل بدمائنهم فيبرا من مرضه. فأخذ جماعة من الأطفال ليذبحهم فصارت مناحة عظيمة في المدينة فأحجم عن قتلهم. وفي تلك الليلة رأى في منامه بطرس وبولس يقولان له: وجه إلى سلوسطرس أسقف رومة فجيء به فهو يبرئ مرضك. فلما أصبح وجه في طلبه فأتوه به ووعظ الملك وأوضح له سر النصرانية فتعتمد وذهب مرضه وأمر ببناء كنائس النصارى المهدومة (313) . وفي السنة الثالثة لملكه أمر فبني لبوزنطية سور فزاد في ساحتها أربعة أميال وسماها قسطنطينية ونقل الملك إليها. (لأبي الفرج) ثم شخصت هيلانة أم قسطنطين لزيارة بيت المقدس. فسألت عن موضع الصليب فأخبرها مقاريوس الأسقف أن اليهود أهالوا عليه التراب والزبل. ثم استخرجت ثلاثة من الخشب وسألت أيتها خشبة المسيح. فقال لها الأسقف: علامتها أن الميت يحيا بمسيسها فصدقت ذلك بتجربتها. وأتخذ النصارى ذلك اليوم عيداً لوجود الصليب. وبنت على الموضع كنيسة القمامة وأمرت مقاريوس الأسقف ببناء الكنائس. (رواه ابن خلدون عن ابن الراهب)

مجمع نيقية (325)
455 وفي هذا الزمان كان بالإسكندرية إسكندروس البطرك وكان بعهده آريوش. وكان يذهب إلى حدوث الابن وأنه إنما خلق الخلق بتفويض الآب إليه في ذلك. فمنعه إسكندروس
(2/308)

الدخول إلى الكنيسة وأعلم أن إيمانه فاسد. وكتب بذلك إلى سائر الأساقفة والبطاركة في النواحي وفعل ذلك بأسقفين آخرين على مثل رأي آيوش. فرفعوا أمرهم إلى قسطنطين وأحضرهم جميعاً لتسع عشرة من دولته وتناظروا. ولما قال آريوش إن الإبن حادث وإن الآب فوّض إليه بالخلق. وقال الإسكندروس الخلق استحق الألوهية فاستحسن قسطنطين قوله وأذن له أن يشيد بكفر آريوش. وطلب الإسكندروس اجتماع النصرانية لتحرير المعتقد الإيماني. فجمعهم قسطنطين وكانوا ثلاث مائة وثمانية عشرة أسقفاً وذلك في مدينة نيقية فسمي المجتمع مجتمع نيقية. وكان رئيسهم الإسكندروس بطرك إسكندرية ومقاريوس أسقف بيت المقدس. وبعث سلطوس (سلوسطروس) بطرك رومة بقسيس حضر معهم لذلك نيابة عنه. فتفاوضوا وتناظروا واتفقوا على رأس واحد. فصار قسطنطين إلى قولهم وأعطى سيفه وخاتمه وباركوا عليه ووضعوا له قوانين الدين والملك. ونفى آريوش. وكتبوا العقيدة التي اتفق عليها أهل ذلك المجمع. (لابن خلدون)

قسطنطين في مجمع نيقية
456 وكان في المجمع أسقف رأي ناباطيس. فقال له الملك: لم لا توافق الجمهور في قبول من تاب عن معاصيه منيباً إلى الله. فأجابه الأسقف: إنه لا مغفرة لمن فرطت منه كبيرة بعد الإيمان
(2/309)

والعماد بدليل قول فولس الرسول حيث يقول: لا يستطيع الذين ذاقوا كلمة الله أن يدنسوا بالخطيئة ليطهروا بالتوبة ثانية. فقال له الملك هازئاً به: إن كان الأمر كما تزعم فانصب لك سلماً لترقى فيه وحدك إلى السماء. ونهض بعض الأساقفة فرفع إلى الملك كتاباً فيه سعاية ببعض الأساقفة. فلما قرأه الملك أمر أن يحرق الكتاب بالنار وقال: لو وجدت أحداً من الكهنة في ريبة لسترته بأرجوانيتي.

موت قسطنطين وتملك بنيه
457 ولم يزل دين النصرانية يظهر ويقوى إلى أن دخل فيه أكثر الأمم المجاورة للروم من الجلالقة والصقالبة والروس واللاّن والأرمن والكرج وجميع أهل مصر من القبط وغيرهم وجمهور أصناف السودان من الحبشة والنوبة وسواهم. وآمن بعد هؤلاء أصناف من الترك أيضاً. وبنى قسطنطينوس بيعة عظيمة بالقسطنطينية وسماها أجيا صوفيا أي حكمة القدوس. وبيعة أخرى على أسم السليحين. وبنى بيعة بمدنة بعلبك. وبنى بأنطاكية هيكلاً ذا ثماني زوايا على اسم السيدة. وفي أيامه غزا سابور بلاد الروم فنهض قسطنطينوس لمحاربته. وعند وصوله إلى نيقومذيا أدركته المنية وفي مرضه قسم الملك على أولاده الثلاثة وملك الكبير المسمى باسمه قسطنطينوس على بلاد إفرنجية. ورتب الآخر المسمى قسطنسيوس على مصر والشام وما بين النهرين وأرمينية. ورتب الصغير المسمى
(2/310)

قسطنطس على رومة وإسبانيا وما يليها من ناحية المغرب. ثم إن قسطنسيوس صار إلى نيقوموذيا فأخذ جسد أبيه فحنطه. ووضعه في صندوق ذهب وحمله إلى قسطنطينية ووضعه في هيكل السليحين. وفي هذه السنة صعد سابور ملك الفرس فغزا نصيبين لما بلغه وفاة قسطنطينوس القاهر فحاصرها ثلاثين يوماً ورجع عنها إلى مملكته خائباً وذلك بدعاء ماري يعقوب أسقفها وماري إفرام تلميذه. فإن الله استجاب دعاءه وأرسل على جيش الفرس بقّاً وهمجاً هزم فيلتهم. ثم إن سابور اضطهد النصارى الذين في سلطانه جداً. أما قسطنطينوس وهو الأخ الكبير فقتل في حرب وقع بينه وبين أخيه الصغير قسطنطس صاحب رومة وخلف ابنين غالوس ويوليانوس. ثم بعد قليل قتل قسطنطس صاحب رومة. وأما الأخ الأوسط قسطنسيوس صاحب مصر والشام فنصب غالوس ملكاً على قسطنطينية مكان أبيه. فعصى على عمه فسير عمه عليه جيشاً وقتله غيلة. ثم مات أيضاً قسطنسيوس واستقل يوليانس بالملك. (لأبي الفرج)
458ثم ملك يوليانس قيصر (361) وسمي المارق لأنه خلع ربقة النصرانية من عنقه وعبد الأصنام. ولذلك وثب الوثنيون على النصارى ووقع بينهم بلاء عظيم بالإسكندرية وقتل من المكانين خلق كثير. ثم إن يوليانوس الملك منع النصارى من الاشتغال في شيء من كتب الفلسفة. وسلب آنية الكنائس والديورة واستصفى
(2/311)

مال من لم يطعه من النصارى في أكل ذبائح الأصنام وأهلك كثيرين منهم. ثم إنه عزم على غزو الفرس ودخل على أفولون الحبر الخادم للصنم ليستعلم منه هل ينجح في غزوه أم لا. فحكم له أنه يقهر أعداءه على نهر دجلة فاستكبر لذلك يوليانوس وصال جداً. وجمع جيوشه وغزا الفرس. فلما وصل إلى حران وأراد الخروج منها نكس رأسه ساجداً الآلهة الحرانيين فسقط تاجه عن رأسه وصرع فرسه الذي كان تحته فقال له خادم الصنم: إن النصارى الذين معك ألف رجل. وسار حتى وافى المدائن ولما نشب الحرب بينه وبين الفرس على الدجلة صار يسير فأصاب جنبه فسقط عن دابته. وبينما هو يتعذب أخذ ملء حفنتيه دماً من دمه فرشه في الجو نحو السماء وقال: إنك غلبتني يا ابن مريم فرض مع ملك السماء ملك الأرض ?ملك يوفيانس (363) وولنطنيانس ووالنس (364) 459 ملا قتل يوليانوس المارق بقي عسكر الروم بغير ملك وكان مقدم العساكر يوفيانوس فاجتمعوا إليه وبايعوه واشترط عليهم الدخول في النصرانية وجرى الصلح بينهم وبين الفرس. ولما ولي نزل للفرس عن نصيبين ونقل الروم الذين بها إلى آمد. ورجع إلى كرسي مملكتهم فرد الأساقفة على الكنائس ورجع فيمن رجع أثناسيوس
(2/312)

بطرك إسكندرية وطلب منه أن يكتب له أمانة أهل مجمع نيقية. فجمع الأساقفة وكتبوها وأشار عليه بلزومها ثم إن يوفيانس (459) هلك بالفالج لسنة واحدة من ملكه. وافترق القوط في أيامه فرقتين على مذهب آريوش وأمانة نيقية. وفي أيامه ولي داماش بطركا برومة. ولنطنيان ملك ثماني عشرة سنة وولى والنش أخاه على المشرق وكان شريكه في الملك. ثم ثار عليه بعضهم بأهل أفريقية فأجاز إليهم البحر وحاربهم فظفر بالثائر وقتله بقرطاجنة ورجع إلى قسطنطينية. فحارب القوط والأمم من ورائهم وهلك في حروبهم فاستقل والنش. وحده بالملك. وكان ولنطنيان يدين بالأمانة ووالنش يدين بمذهب آريوش. فاشتد على أهل الأمانة وقتلهم. وبعد وفاته عقد المجمع الثاني بقسطنطينية (381) . (لابن العميد) ?تتمة تاريخ الروم إلى ظهور الملّة الإسلامية ?ملك اغراتيانوس (375) وتاوداسيوس (379) 460 ثم ملك بعده أغرايتانوس قيصر سنة واحدة وأشرك معه في ملكه رجلاً اسمه تاوداسيوسو واستعمله على المشرق فملك الكثير منها ثم هم خارجي على أغراتيانوس فقتله. فاستقل تاوداسيوس بملك القياصرة سبع عشرة سنة وردَّ جميع ما نفاه والنش قبله من الأساقفة إلى كرسيهم وخلَّى كل واحد مكانه. وفي السنة الخامس لملكه خرج عليه مكسيموس الخارحي فوجه إليه جيوشاً فقتل. وكان لتاوداسيوس ولدان أرقاذيوس وأونوريوس. ولما كبرا وضعهما تحت تدبير أرسانيوس. ثم هرب أرسانيوس إلى مصر وترهب. فرغوه بالمال فأبى وأقام في مغارة بالجبل المقطم حتى مات. فبنى أرقاذيوس على قبره كنيسة. ثم ولى تاوداسيوس قبل وفاته أرقاذيوس علىالقسطنطينية وأونوريوس على رومة (395) . (للمسيحي)
(2/313)

ملك أرقاذيوس (395-408) وأنوريوس (395-423)
461 أرقاذيوس قيصر ملك ثلاث عشرة سنة وفي أيامه قام يوحنا فم الذهب بطركاً على قسطنطينية. ووضع تفسير الإنجيل وهو ابن ثماني وعشرين سنة. ومنع الكهنة من أمور كثيرة من الفساد فحسدوه وجعلوا يطلبون عليه عثرة. ونهى الملكة أودكسيا امرأة أرقاذيوس عن اختلاسها كرم امرأة أرملة. ولأنها أبت رشقها في بعض خطبه ذات يوم وشبهها بإيزبل امرأة آحاب ملك إسرائيل التي أخذت كرماً أيضاً من أرملة. فركبت يوماً من الأيام وأخذت معها تسعة وعشرين أسقفاً ممن عادى يوحنا فم الذهب واجتمعوا بمدينة خلقيدونية. وحرموه وأسقطوه من مرتبته بحجة أنه لم يدع النظر في كتب أوريغانيس فاضطرب أهل القسطنطينية لذلك وهموا بإحراق دار الملك فخافهم الملك وبعث إلى فم الذهب وردّه إلى مرتبته. فلما رجع رفع تمثالاً كان للملكة بالقرب من الكنيسة. وخطب ذات يوم وسمّى الملكة هيروذيا أي الملكة التي قتلت يحيى بن ذكريا المعمدان. فغضبت غضباً شديداً ووجّهت إلى بعض الأساقفة فجمعتهم إلى قسطنطينية فحرموه ثانياً ونفوه. وكان ذلك في السنة الثامنة لأرقاذيوس. فنفي على بلدة بعيدة فتوفي هناك لثماني وأربعين سنة من عمره. وثارت الفتن بين الروم والمصريين بسبب عظام يوحنا قم (الذهب حتى أتوا بها بعد ثلاث وثلاثين سنة لموته. فدفنوها بقسطنطينية وأثبتوا اسمه في سفر الحياة مع باقي الآباء القديسين. ثم أن أرقاذيوس مات وهو ابن ثلاثين سنة وخلّف ابنه تاودسيوس ابن ثماني سنين. (لأبي الفرج)

تاودوسيوس الأصغر (408-450) ومرقيان (450-457)
462 وملك من بعده تاودوسيوس الأصغر وفي زمانه كثر النصارى في سلطان الفرس وظهرت النصرانية جداً على يدي مروثا أسقف ميّافارقين الذي أرسل من تاودوسيوس الذي أرسل من تاودوسيوس الصغير على الفرس. وفي السنة العاشرة لتاودوسيوس الصغير عرف شمعون صاحب العمود بأنطاكية وكان يظهر الآيات والعجائب. وكان في هذا الزمان مار إسحاق تلميذ مار إفرام صاحب الميامر المنظومة. وفي هذا الزمان انبعث أصحاب الكهف من رقدتهم التي رقدوا على عهد ديقيانوس الملك. فخرج تاودوسيوس الملك مع أساقفة وقسيسسين وبطارقة فنظر إليهم وكلموهم فلما انصرفوا من عندهم ماتوا في مواضعهم. وانتقض لعهده قومس أفريقية وخالف طاعة القياصرة فحدثت بأفريقية فتنة لذلك. ثم زحف القوط إلى رومة وفرّ عنها أنوريوس فحاربوها ودخلوها عنوة واستباحوا ثلاثاً وتجافوا عن أموال الكنائس. ثم صالحوا الروم على أن يكون لهم الأندلس فانقلبوا إليها وتركوا رومة. وفي السابعة عشرة من ملك تاودوسيوس قدم نسطوريس بطركاً بالقسطنطينية فأقام أربع سنين وظهرت عنه العقيدة التي دان بها. وكان يقول باتحاد المشية دون نفس الكلمة فبلغت مقالته إلى كيرلوس بطرك الإسكندرية فخاطب
(2/314)

في ذلك بطرك رومة وأنطاكية وبيت المقدس ثم اجتمعوا بمدينة أفسس في مائتي أسقف وأجمعوا على كفر نسطوريس ونفوه (431) . وأخذ بمقالته نصارى الجزيرة والموصل إلى الفرات ثم العراق وفارس إلى المرق. ثم ملك مرقيان بعده ست سنين وتزوج أخت تاودوسيوس الصغير. وكان في أيامه المجمع الرابع بخلقيدونية. وأنه كان بسبب ديسقرس بطرك الإسكندرية وما أحدث من البدعة في الأمة. فقالوا بالطبيعتين والأقنوم الواحد وأجمعوا على نفيه. وافترقت النصارى إلى ملكية. وهم أهل الأمانة فنسبوا إلى مرقيان قيصر الملك. وإلى يعقوبية وهم أهل مذهب ديسقرس. وإنما دعوا يعاقبة نسبة إلى بعض تلامذة ديسقرس اسمه يعقول كان يطوف البلاد داعياً إلى مقالة ديسقرس. وإلى نسطورية وهم نصارى المشرق. ثم ملك بعد مرقيان لاون الكبير (457) ثم لاونطيوس (475) ثم زينون (476) وكان يعقوبياً

ملك انسطاس (491) ويوسطينوس (518) ويوسطينيانس (527)
463 أنسطاس قيصر ملك سبعاً وعشرين سنة. وفي أول ملكه قتل كثيرين من صبيان المكتب لأنهم هجوه. وأجاز البربر من المغرب إلى رومة وغلبوا عليها. وفي السنة الثالثة له بنيت دار التي فوق نصيبينز ثم إن أنسطاس الملك أراد أن يوضع في البيعة قول المؤمنين في صلواتهم. إنك صلبت من أجلنا. فاضطرب أهل القسطنطينية كلهم وأخذوا الحجارة ليرجموه بها. فهاله أمرهم وجبن عنهم. فوع تاجه عن رأسه قائلاً: إني أنتهي إلى أمركم فيما تريدون. فكف الشعب عنهم. ثم ملك يوسطينوس قيصر تسع سنين وكان أصله من رومة. هذا أصلح جميع البيع وردّ كل من نفاه الملوك قبله. وفي السنة السابعة لملكه اقتتل الروم والفرس على شاطىء الفرات وغرق من الروم خلق كثير. وفي هذه السنة سقط ثلج كثير وجليد وأفسد عامة الأشجار مع الكروم. وبعد سنة قلت الأمطار وعزت الغلات ونقس الماء في الينابيع ثم تبع ذلك حر قوي ووباء شديد ودام ست سنين. وفي السنة التاسعة من ملكه أشرك معه في الملك يوسطينيانس الصغير وكان ابن أخته وبعد ثلاثة أشهر مات وفي هذا الوقت غزا كسرى ملك الفرس مدينة الرها وقتل فيها خلقاً كثيراً. ثم ملك بعده يوسطينيانس قيصر ثماني وثلاثين سنة. وفي ثالثة ملكه غزا الفرس بلاد الروم فوقعت بين الفرس والروم حروب كثيرة. وزحف كسرى في آخرها لثماني من ملك يوسطينيانس ومعه المنذر ملك العرب فبلغ الرها وغلب الروم وغرق من الفريقين في الفرات خلق كثير. وحمل الفرس أسارى الروم وسباياهم ثم وقع الصلح بينهما. وفي خمس وثلاثين من ملك يوسطينيانس عهد بأن يتخذ عيد الميلاد في خامس وعشرين من كانون الأول وعيد الدنح لستة أيام من كانون الأخير. فامتثلوا أمره خلا الأرمن فإنهم داومو على تعييد العيدين في يوم واحد. وكانت كنيسة بيت لحم صغيرة فأمر أن يوسع فيها فبنيت كما هي لهذا العهد. وفي عهده كان المجمع الخامس بقسطنطينية (553)
(2/315)

ثم ملك بعده يوسطينوس قيصر (465) ثم طياريوس (578)

موريقي (582) وفوقاس (602) وهرقل (610-641)
464 موريقي قيصر ملك عشرين سنة. وكان حسن السيرة سهل المعاملة كثير الصدقة. وكان في كل سنة يهيء طعاماً للفقراء والمساكين ستين مرة ويقوم هو وزوجته من ملكهما فيتوليان خدمتهم وإطعامهم وإسقاهم. وفي السنة الرابعة لموريقي عرض وباء شديد بقسطنطينية ومات من أهلها زهاء أربع مائة ألف نس. ولعهده انتفض على هرمز كسرى قريبه بهرام وخلعه واستولى علىملكه وقتله. وسار ابنه أبرويز إلى موريقي قيصر صريخاً، فبعث معه العساكر ورد أبرويز إلى ملكه وقتل بهرام الخارج عليه. وبعث إليه بالهدايا والتحف كما فعل أبوه من قبله مع القياصرة وخطب أبرويز من موريقي قيصر ابنته مريم فزوجه إياها وبعث معها من الجهاز والأمتعة والأقمشة ما يضيق عنه الحصر. ثم وثب على موريقي بعض مماليكه بمداخلة قريبه البطريق فوقاس فدسّه عليه فقتله وملك على الروم وتسمى قيصر. وقتل أولاد موريقي. وبلغ أبرويز كسرى ما جرى على موريقي وأولاده. فجمع عساكره وقصد بلاد الروم ليأخذ ثار صهره وبعث عساكره مع مرزبانه خزرويه إلى القدس وعهد إليه بقتل أهلها وخراب البلد. وجاء بنفسه في عساكر الفرس إلى القسطنطينية وحاصرها وضيق عليها. وأما خزرويه المرزبات فسار إلى الشام وخرب البلاد. واجتمع يهود طبرية والخليل وناصرة وصور وأعانوا الفرس على قتل النصارى وخراب الكنائس. فنهبوا الأموال وأخذوا قطعة من الصليب وعادوا إلى كسرى بالسبي وفيهم زخريا بطرك المقدس. ولما انتهى أبرويز في حصار القسطنطينية نهايته وضيق عليها اجتمع البطارقة بعلوقيا وبعثوا السفن مشحونة بالأقوات مع سرقل أحد بطارقة الروم ففرحوا به ومالوا إليه وداخلهم في الملك. وثاروا على قوقاس سبب هذه الفتنة وقتلوه. وملكوا هرقل فارتحل أبرويز عن القسطنطينية راجعاً إلى بلاده. وملك هرقل بعد ذلك إحدى وثلاثين سنة وكان ملكه أول سنة من الهجرة. وفي السابعة للهجرة بعث عساكر الفرس ومقدمهم مرزبانه شهريار فدوّخ بلاد الروم وحاصر القسطنطينية ثم تغير له. فكتب إلى المرازية معه بالقبض عليه واتفق وقوع الكتاب بيد هرقل فبعث به إلى شهريار فانتفض ومن معه وطلبوا هرقل في المدد فخرج معهم بنفسه بنفسه في ثلاث مائة ألف من الروم وأربعين ألفاً من التركمان وسار إلى بلاد الشام والجزيرة وافتتح مدائنهم التي كان ملكها كسرى من قبل وفيما افتتح أرمينية. ثم سار إلى الموصل فلقيه جموع الفرس وقائدهم المرزبان فانهزموا. وقتل وأجفل أبرويز عن المدائن واستولى هرقل على ذخائر ملكهم. وكان شيرويه بن كسرى محبوساً فأخرجه شهريار وأصحابه وملكوه وعقدوا مع هرقل الصلح واسترجع الصليب. (لابن العميد) تمّ بحوله تعالى
(2/316)