Advertisement

مجاني الأدب في حدائق العرب 003

مجاني الأدب في حدائق العرب
للأب لويس شيخو اليسوعي

الجزء الثالث
(3/1)

الباب الأول في التديّن
في كمالاته تعالى
1 إن الله عز وجل لم يزل ولا يزال. هو الكبير المتعال. خالق الأعيان والآثار. ومكور النهار على الليل والليل على النهار. العالم بالخفيات. وما تنطوي عليه الأرضون والسماوات. سواءٌ عنده الجهر والإسرار. ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير خلق الخلْق بقدرته. وأحكمهم بعلمه وخصهم بمشيئته. ودبّرهم بحكمته. لم يكن له في خلقهم معين. ولا في تدبيرهم مشيرٌ ولا ظهير. وكيف يستعين من لم يزل بمن لم يكن. لا تلزمه لم. ولا يجاوره أين. ولا تلاصقه حيث. ولا تعده كم. ولا تحصره متى. ولا تحيط به كيف. ولا تظهره قبل. ولم تفته بعد. ولم تجمعه كل. وصفه لا صفة له. وكونه لا أمد له. ولا تخالطه الأشكال والصور. ولا تغيّره الآثار والغِيَر. ولا تجوز عليه المماسة والمقاربة. ويستحيل عليه المحاذاة والمقابلة. إن قلتَ: أين هو. فقد سبق المكان وجوده. لم يفتقر وجوده إلى أين. هو بعد خلق المكان غني بنفسه كما كان قبل خلق المكان. وكيف يحل في ما منه بدا. وإن قلتَ: ما هو. فلا ماهية له (ما موضوعة للسؤال عن الجنس. والقديم
(3/3)

تعالى لا جنس له) وإن قلتَ كم هو. فهو واحد في ذاته. متفردٌ بصفاته. وإن قلتَ: متى كان فقد سبق الوقت كونه وإن قلت: كيف هو. فمن كيّف الكيفية لا يقال له كيف. ومن جازت عليه الكيفية جاز عليه التغيير وإن قلت هو. فالهاء والواو خلقه. فما تصور في الأوهام. فهو بخلافه. ولا تمثله العيون. ولا تخالطه الظنون. ولا تتصوره الأوهام. ولا يحيط به الأفهام. ولا تقدر قدرة الأيام. ولا يحويه مكان. ولا يقارنه زمان. ولا يحصره أمد. ولا يجمعه عدد. قربه كرامته. وبعده إهانته. علوه من غير توقلٍ. ومجيئه من غير تنقل. هو الأول والآخر. والظاهر والباطن. القريب البعيد. الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأشهد له بالربوبية وبما شهد به لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلى. (سراج الملوك للطرطوشي)

الدعاء لله
2 دعا أعرابي فقال: يا عماد من لا عماد له. ويا ركن من لا ركن له. ويا مجير الضعفى يا منقذ الهلكى. ويا عظيم الرجاء أنت الذي سبح لك سواد الليل وبياض النهار. وضوء القمر وشعاع الشمس. وحفيف الشجر ودوي الماء. يا محسن يا مجمل. اللهم إنك آنس المؤنسين للمتكلين عليك أنت شاهدهم وغائبهم والمطلع على ضمائرهم وسري لك مكشوف. وأنا إليك ملهوف. إذا أوحشتني الغربة
(3/4)

آنسني ذكرك. وإذا أكبت علي الغموم لجأت إلى الاستجارة بك. علماً بأن أزمة الأمور كلها بيدك ومصدرها عن قضائك. فأقلني إليك مغفوراً لي معصوماً بطاعتك باقي عمري يا أرحم الراحمين 3 لما ولي أبو بكر الخلافة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس إني داع فأمنوا. اللهم إني غليظ فليّني لأهل طاعتك بموافقة الحق ابتغاء وجهك والدار الآخرة. وارزقني الغلطة والشدة على أعدائك وأهل الدعارة والنفاق من غير ظلم مني لهم ولا اعتداء عليهم. الله إني شحيح فسنحني في نوائب المعروف قصداً من غير سرف ولا تبذير ولا رئاء ولا سمعة. واجعلني أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة. اللهم ارزقني خفض الجناح ولين الجانب للمؤمنين. اللهم إني كثير الغفلة والنسيان فألهمني ذكرك على كل حال وذكر الموت في كل حين. اللهم إني ضعيف عند العمل بطاعتك فارزقني النشاط فيها والقوة عليها بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعزتك وتوفيقك. اللهم ثبتني باليقين والبر والتقوى وذكر المقام بين يديك والحياء منك. وارزقني الخشوع فيما يرضيك عني والمحاسبة لنفسي وإصلاح الساعات والحذر من الشبهات (العقد الفريد لابن عبد ربه)
4 دعا بعضهم فقال: اللهم إن أسألك يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه. يا من تسربل بالجلال والكبرياء واشتهر بالتجبر في قدسه. يا من تعالى بالجلال والكبرياء واشتهر بالتجبر في قدسه. يا من تعالى بالجلال والكبرياء في تفرد مجده. يا من انقادت
(3/5)

الأمور بأزمّتها طوعاً لأمره. يا من قامت السماوات والأرض من مجيبات لدعوته. يا من زين السماء بالنجوم الطالعة وجعلها هاديةً لخلقه. يا من أنار القمر المنير في سواد الليل المظلم بلطفه. يا من أنار الشمس المنيرة وجعلها معاشاً لخلقه. وجعلها مفرقة بين الليل والنهار لعظمته. يا من استوجب الشكر بنشره سحائب نعمه. أسألك بمعاقد العز من عرشك وبكل اسم هو لك سميت به نفسك واستأثرت به في علم الغيب عندك وبك اسم هو لك أثبته في قلوب الحافين حول عرشك وأسألك بالأسماء التي تجليت بها للكليم موسى على الجبل العظيم. فلما بدا شعاع نور الحجب من بهاء العظمة خرت الجبال متدكدكة لعظمتك وجلالك وهيبتك وخوفاً من سطوتك راهبة منك. أنت الله فلا إله إلا أنت. وأسألك بالاسم الذي فتقت به رتق عظيم جفون العيون للناظرين. الذي به تدبرت حكمتك وشواهد حجج أنبيائك. يعرفونك بنظر القلوب. وأنت في غوامض سوائد القلوب. أسألك أن تصرف عني وأهل حزانتي وجميع المؤمنين والمؤمنات جميع الآفات والعاهات والأعراض والأمراض والخطايا والذنوب. والشك والكفر والنفاق والشقاق والضلالة والجهل والمقت والغضب والعسر والضيق وفساد الضمير وحلول النقمة وشماتة الأعداء وغلبة الرجال إنك سميع الدعاء لطيف (الكشكول لبهاء الدين العاملي)
(3/6)

منتخب من قصيدة علي بن أبي طالب في المناداة
5 يا من سمع الدعاء. يا رافع السماء. يا دائم البقاء. يا واسع العطاء. يا عالم الغيوب. يا غافر الذنوب. يا ساتر العيوب. يا كاشف الكروب. يا فائق الصفات. يا مخرج النبات. يا جامع الشتات. يا منشر الرفات. يا فالق الصباح. يا مرسل الرياح. فجراً مع الرواح. يجلن في النواح. يا هادي الرشاد. يا ملهم السداد. يا رازق العباد. يا محيي البلاد. يا مطلق الأسير. يا جائر الكبير. يا مغني الفقير. يا غاذي الصغير. يا مالك النواصي. من طائع وعاص. ما عنه من مناص. للعبد أو خلاص. أجِرْ من الجحيم. من هولها العظيم. من عيشها الذميم. من حرها المقيم. أسكني الجنانا. بلغني الأمانا. في منزل تعالى. بالحق قد توالى. بالنور قد تلالا. تلقى به الجلالا (ديوان علي) 6 قال الأصمعي سمعت غلاماً يمجد ربه بأبياتٍ من الشعر وهي هذه:
يا فاطر الخلق البديع وكافلا ... زرق الجميع سحاب جودك هاطل
يا مسبع البر الجزيل ومسبل الستر الجميل عميم طولك طائل
يا عالم السر الخفي ومنجز الوعد الوفي قضاء حكمك عادل
عظمت صفاتك يا عظيم فجل أن ... يحصي الثناء عليك فيها قائل
الذنب أنت له بمنك غافر ... ولتوبة العاصي بحلمك قابل
رب يربي العالمين ببره ... ونواله أبدا إليهم واصل
(3/7)

تقصيه وهو يسوق نحوك دائماً ... ما لا تكون لبعضه تستاهل
متفضل أبدا وأنت لجوده ... بقبائح العصيان منك تقابل
وإذا دجا ليل الخطوب وأظلمت ... سبل الخلاص وخاب فيها الآمل
وأيست من وجه النجاة فما لها ... سبب ولا يدنو له متناول
يأتيك من ألطافه الفرج الذي ... لم تحتسبه وأنت عنه غافل
يا موجد الأشياء من ألقى إلى ... أبواب غيرك فهو غر جاهل
ومن استراح بغير ذكرك أو رجا ... أحداً سواك فذاك ظل زائل
رأي يلم إذا عرته ملمة ... بسوى جنابك فهو رأي مائل
عمل أريد به سواك فإنه ... عمل وإن زعم المرائي باطل
وإذا رضيت فكل شيء هين ... وإذا حصلت فكل شيء حاصل
أنا عبد سوء آبق كل على ... مولاه أوزار الكبائر حامل
قد أثقلت ظهري الذنوب وسوت ... صحفي العيوب وستر عفوك شامل
ها قد أتيت وحسن ظني شافعي ... ووسائلي ندم ودمع سائل
فاغفر لعبدك ما مضى وارزقه تو ... فيقاً لما ترضى ففضلك كامل
وافعل به ما أنت أهل جميلة ... والظن كل الظن أنك فاعل
7 قال الشيخ إسماعيل الزمزمي:
يا من تحل بذكره ... عقد النوائب والشدائد
يا من إليه المشتكى ... وإليه أمر الخلق عائد
يا حي يا قيوم يا ... صمداً تنزه عن مضادد
(3/8)

أنت الرقيب على العبا ... د وأنت في الملكوت واحد
أنت العليم بما ابتليت به وأنت علي شاهد
إن الهموم جيوشها ... قد أصبحت قلبي تطارد
فرج بحولك كربتي ... يا من له حسن العوائد
فخفي لطفك يستعا ... ن به على الزمن المعاند
أنت الميسر والمسبب والمسهل والمساعد
سبب لنا فرجاً قريباً يا إلاهي لا تباعد
كن راحمي فلقد يئست من الأقارب والأباعد
وعلى العدى كن ناصري ... لا تشمتن بي الحواسد
يا ذا الجلال وعافني=مما من البلوى أكابد
وعن الورى كن ساتراً ... عيبي بفضل منك وارد
يا رب قد ضاقت بي ال ... أحوال واغتال المعاند
فامنن بنصرك عاجلاً ... فضلاً على كيد الحواسد
هذي يدي وبشدتي ... قد جئت يا رباه قاصد
فلكم إلهي قد شهد ... ت لفيض لطفك من عوائد

محبة الله والثقة به
8 أخبرني يحيى بن بسطام قال: دخلت يوماً مع نفر من أصحابنا على عفيرة العابدة الضرير وكانت قد تعبدت وبكت خوفاً من الله جل شأنه حتى عميت. فقال بعض أصحابنا لرجل إلى جنبه: ما أشد العمى على من
(3/9)

كان بصيراً. فسمعت عفيرة قوله فقالت يا عبد الله عمى القلب عن الله أشد من عمى العين عن الدنيا. وإني لوددت أن الله وهب لي كنه محبته وأن لم يبق مني جارحة إلا أخذها: (لليمني) قال بعض الزاهدين متغزلاً في حبه تعالى:
هجرت الخلق طراً في رضاكا ... ويتمت العيال لكي أراكا
فلو قطعتني في الحب إربا ... لما حن الفؤاد إلى سواكا
قال غيره:
إذا أمسى وسادي من تراب ... وبت مجاور الرب الرحيم
فهنوني أصيحابي وقولوا ... لك البشرى قدمت على كريم
قال آخر:
ما زال يحتقر الدنيا بهمته ... حتى ترقت إلى الأخرى به هممه
رث اللباس جديد القلب مستتر ... في الأرض مشتهر فوق السما نسمه
طوبى لعبد بحبل الله معتصم ... على صراط سوي ثابت قدمه
قال ابن الصيفي:
يا طالب الطب من داء أصيب به ... إن الطبيب الذي أبلاك بالداء
هو الطبيب الذي يرجى لعافية ... لا من يذيب لك الترياق في الماء
قال علي بن أبي طالب:
لبيك لبيك أنت مولاه ... فارحم عبيداً فأنت منجاه
يا ذا المعالي إليك معتمدي ... طوبى لمن كنت أنت مولاه
(3/10)

طوبى لمن كان نادماً أرقاً ... يشكو إلى ذي الجلال بلواه
وما به علة ولا سقم ... أكثر من حبه لمولاه
إذا خلا في الظلام مبتهلاً ... أجابه الله ثم لباه
سألت عبدي وأنت في كنفي ... وكل ما قلت قد سمعناه
صوتك تشتاقه ملائكة ... فذنبك الآن قد غفرناه
في جنة الخلد ما تمناه ... طوباه طوباه ثم طوباه
سلني بلا خشية ولا رهب ... ولا تخف إنني أنا الله
10 أول مقامات الانتباه هو اليقظة من سنة الغفلة. ثم التوبة وهي الرجوع إلى الله بعد الإباق. ثم الورع والتقوى لكن ورع أهل الشريعة عن المحرمات وورع أهل الطريقة عن الشبهات. ثم المحاسبة وهي تعداد ما صدر عن الإنسان بينه وبين نفسه وبينه وبين بني نوعه. ثم الإرادة وهي الرغبة في نيل المراد مع الكد. ثم الزهد وهو ترك الدنيا وحقيقته التبرؤ عن غير المولى. ثم الفقر وهو تخلية القلب عما خلت عنه اليد. والفقير من عرف أنه لا يقدر على شيء. ثم الصدق وهو استواء الظاهر والباطن. ثم التصبر وهو حمل النفس على المكاره. ثم الصبر وهو ترك الشكوى وقمع النفس. ثم الرضاء وهو التلذذ بالبلوى. ثم الإخلاص وهو إخراج الخلق عن معاملة الحق. ثم التوكل وهو الاعتماد في كل أموره على الله سبحانه وتعالى مع العلم بأن الخير فيما اختاره (لبهاء الدين العاملي)
(3/11)

قال بعض الشعراء:
يا رب هيئ لنا من أمرنا رشدا ... واجعل معونتك في عمرنا مددا
ولا تكلنا إلى تدبير أنفسنا ... فالنفس تعجز عن إصلاح ما فسدا

الاستغفار إلى الله
11 قال أبو حاتم: أملى علينا أعرابي يقال له مرشد: اللهم اغفر لي قبل أن لا أقدر على استغفارك حتى يفنى الأجل. وينقطع العمل. أعني على الموت وكربته وعلى القبر وغمته. وعلى الميزان وخفته وعلى الصراط وزلته وعلى يوم القيامة وروعته. اغفر لي مغفرة عز لا تغادر ذنباً ولا تدع كرباً. اغفر لي جميع ما تبت إليك منه. ثم عدت فيه يا رب تظاهرت علي منك النعم. وتداركت عندك مني الذنوب. فلك الحمد على النعم التي تظاهرت وأستغفرك للذنوب التي تداركت. وأمسيت عن عذابي غنياً وأصبحت إلى رحمتك فقيراً. اللهم إني أسألك نجاح الأمل عند انقطاع الأجل. اللهم اجعل خير عملي ما ولي أجلي. اللهم اجعلني من الذين إذا أعطيتهم شكروا. وإذا ابتليتهم صبروا. وإذا أذكرتهم ذكروا. واجعل لي قلباً تواباً أواباً. لا فاجراً ولا مرتاباً. اجعلني من الذين إذا أحسنوا ازدادوا وإذا اساؤوا استغفروا. اللهم لا تحقق علي العذاب. ولا تقطع بي الأسباب واحفظني في كل ما تحيط به شفقتي. وتأتي من ورائه سبحتي. وتعجز عنه قوتي. أدعوك دعاء ضعيف عمله. متظاهرة ذنوبه. ضنين على نفسه. دعاء من بدنه
(3/12)

ضعيف ومنته عاجزة. قد انتهت عدته. وخلقت جدته. ومن ثم ظمؤه. اللهم لا تخيبني وأنا أرجوك. ولا تعذبني وأنا أدعوك. الحمد لله على طول النسيئة. وحسن التباعة وتشنج العروق وإساغة الريق وتأخر الشدائد. والحمد لله على حلمه بعد علمه. وعلى عفوه بعد قدرته. اللهم إني لا أعوذ بك من الفقر إلا إليك ومن الذل الذي إلا لك. وأعوذ بك أن أقول زوراً أو أغشى فجوراً. أو أكون بك مغروراً. وأعوذ بك من شماتة الأعداء. وعضال الداء وخيبة الرجاء (لابن عبد ربه) 12 قال أحمد بن الأقليشي مستعطفاً:
أسير الخطايا عند بابك واقف ... له عن طريق الحق قلب مخالف
قديماً عصى عمداً وجهلاً وغرةً ... ولم ينهه قلب من الله خائف
تزيد سنوه وهو يزداد ضلةً ... فها هو في ليل الضلالة عاكف
تطلع صبح الشيب والقلب مظلم ... فما طاف منه من سنى الحق طائف
ثلاثون عاماً قد تولت كأنها ... حلومٌ تقضت أو بروق خواطف
وجاء المشيب المنذر المرء أنه ... إذا رحلت عنه الشبيبة تالف
فيا أحمد الخوان قد أدبر الصبا ... وناداك من سن الكهولة هاتف
فهل أرق الطرف الزمان الذي مضى ... وأبكاه ذنب قد تقدم سالف
فجُد بالدموع الحمر حزناً وحسرةً ... فدمعك ينبئ أن قلبك آسف
قال آخر:
إله الخلق قد عظمت ذنوبي ... فسامح ما لعفوك من مشارك
(3/13)

أجر يا سيدي عبداً فقيراً ... أناخ ببابك العالي ودارك
قال غيره:
وإني لأدعو الله أسأل عفوه ... وأعلم أن الله يعفو ويغفر
لئن أعظم الناس الذنوب فإنها=وإن عظمت في رحمة الله تصغر 13 قال أبو القاسم بن الخطيب مستغفراً:
يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعد لكل ما يتوقع
يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقه في قول كن ... أمنن فإن الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقري إليك وسيلةٌ ... فبالإفقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلةٌ ... فلئن رددت فأي باب أقرع
ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقير يمنع
حاشا لجودك أن يقنط عاصياً ... الفضل أجزل والمواهب أوسع
14 قال ابن الفرضي:
أسير الخطايا عند بابك واقف ... على وجل مما به أنت عارف
يخاف ذنوباً لم يغب عنك عيبها ... ويرجوك فيها فهو راجٍ وخائف
فيا سيدي لا تخزني في صحيفتي ... إذا نشرت يوم الحساب الصحائف
فكن مؤنسي في ظلمة القبر عندما ... يصد ذوو القربى ويجفو المؤالف
لئن ضاق عني عفوك الواسع الذي ... أرجي لإسرافي فإني لتالف
(3/14)

العالم العقلي
15 من التلويحات عن أفلاطون الإلهي أنه قال: ربما خلوت بنفسي كثيراً عند الرياضيات. وتأملت أحوال الموجودات المجردة عن الماديات. وخلعت بدني جانباً وصرت كأني مجردٌ بلا بدن عارٍ عن الملابس الطبيعية. فأكون داخلاً في ذاتي لا أعقل غيرها ولا أنظر فيما عداها وخارجاً عن سائر الأشياء فحينئذ أرى في نفسي من الحسن والبهاء والسناء والضياء والمحاسن الغريبة العجيبة الأنيقة ما أبقى معه متعجباً حيراناً باهتاً. فأعلم أني جزءٌ من أجزاء العالم الأعلى الروحاني الكريم الشريف. وأني ذو حياة فعالة. ثم ترقيت بذهني من ذلك العالم إلى العوالم الإلهية والحضرة الربوبية. فصرت كأني موضوع فيها معلق بها فوق العوالم العقلية النورية. فأرى كأني واقف في ذلك الموقف الشريف وأرى هناك من البهاء والنور ما لا تقدر الألسن على وصفه ولا الأسماع على قبول نقشه. فإذا استغرقني ذلك الشأن وقلبني ذلك النور والبهاء ولم أقو على احتماله هبطت من هناك إلى عالم الفكرة. فحينئذ حجبت الفكرة عني ذلك النور فأبقى متعجباً أني كيف انحدرت من ذلك العالم. وعجبت كيف رأيت نفسي ممتلئة نوراً وهي مع البدن كهيئتها. فعندما تذكرت قول مطريوس حيث أمرنا بالطلب والبحث عن جوهر النفس الشريف والارتقاء إلى العالم العقلي (لبهاء الدين)
(3/15)

الباب الثاني في الزهد
في الخوف
16 قال علي: ألا إن عباد الله المخلصين لمن رأى أهل الجنة في الجنة فاكهين. وأهل النار في النار معذبين شرورهم مأمونة. وقلوبهم محزونة. وأنفسهم عفيفة. وحوائجهم خفيفة. صبروا أياماً قليلةً. لعقبى راحة طويلة. أما بالليل فصفوا أقدامهم في صلاتهم تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى ربهم: ربنا ربنا. يطلبون فكاك رقابهم. وأما بالنهار فعلماء خلماء بررة أتقياء كأنهم القداح (القداح السهام يريد في ضمرتها) . ينظر إليها الناظر فيقول: مرضى وما بالقوم من مرض. (وقال منصور بن عمار) في مجلس الزهد إن لله عباداً جعلوا ما كتب عليهم من الموت مثالاً بين أعينهم وقطعوا الأسباب المتصلة بقلوبهم من علائق الدنيا. فهم أنضاء عبادته. حلفاء طاعته. قد نضحوا خدودهم بوابل دموعهم وافترشوا جباههم في محاريبهم. يناجون ذا الكبرياء والعظمة في فكاك رقابهم

زهد النعمان بن امرئ القيس
17 إن النعمان بن امرئ القيس الأكبر الذي بنى الخورنق والسدير أشرف على الخورنق يوماً فأعجبه ما أوتي من الملك والسعة ونفوذ
(3/16)

الأمر وإقبال الوجوه عليه فقال لأصحابه: هل أوتي أحدٌ مثل ما أوتيت. فقال له حكيم من حكماء أصحابه: هذا الذي أوتيت شيء لم يزل ولا يزول أم شيء كان لمن قبلك زال عنه وصار إليك. قال: بك شيء كان لمن قبلي زال عنه وصار إليّ وسيزول عني. قال: فسررت بشيء تذهب عنك لذته وتبقى تبعته. قال: فأين المهرب. قال: إما أن تقيم وتعمل بطاعة الله أو تلبس أمساحاً وتلحق بجبل تعبد ربك فيه وتفر من الناس حتى يأتيك أجلك. قال: فإذا فعلت ذلك فما لي. قال: حياة لا تموت. وشباب لا يهرم. وصحة لا تسقم. وملك جديد لا يبلى. قال: فأي خير فيما يفنى والله لأطلبن عيشاً لا يزول أبداً. فانخلع من ملكه ولبس الأمساح وساح في الأرض. وتبعه الحكيم وجعلا يسبحان ويعبدان الله تعالى حتى ماتا. وفيه يقول عدي بن زيد:
وتفكر رب الخورنق إذ أشرف يوماً وللهدى تفكير
سره ماله وكثرة ما يملك والبحر معرضاً والسدير
فارعوى قلبه وقال فما غبطة حي إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والنعمة ... وارتهم هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق جفّ ... م فألوت به الصبا والدبور

عدي بن زيد والنعمان
18 روي أن النعمان بن المنذر خرج متصيداً ومعه عدي بن زيد
(3/17)

فمرا بشجرة. فقال عدي بن زيد: أيها الملك أتدري ما تقول هذه الشجرة. قال: لا. قال فإنها تقول:
من رآنا فليحدث نفسه ... أنه موفٍ على قرب زوال
فصروف الدهر لا تبقى لها ... ولما تأتي به صم الجبال
رب ركبٍ قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال
والأباريق عليها فدمٌ ... وجياد الخيل تجري بالجلال
عمروا الدهر بعيش حسن ... أمنى دهرهم غير عجال
عصف الدهر بهم فانقرضوا ... وكذاك الدهر حالاً بعد حال
قال) ثم جاوزوا الشجرة فمرا بمقبرة. فقال له عدي: أتدري ما تقول هذه المقبرة. قال: لا. قال: فإنها تقول:
أيها الركب المخبو ... ن على الأرض المجدونا
كما أنتم كذا كنا ... وكما نحن تكونونا
فقال النعمان: قد علمت أن الشجرة والمقبرة لا تتكلمان. وقد علمت أنك إنما أردت عظتي فجزاك الله عني خيراً فما السبيل الذي تدرك به النجاة. قال: تدع عبادة الأوثان وتعبد الله وحده قال: وفي هذا النجاة. قال: نعم. قال فترك عباة الأوثان وتنصّر حينئذ وأخذ في العبادة والاجتهاد (للطرطوشي)

ذلّة الدنيا وزوالها
19 (من المنهج) أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع. وإن
(3/18)

الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع. ألا وإن اليوم المضمار. وغداً السباق والسبقة الجنة والغاية النار. أفلا تائب من خطيئته. قبل منيته. ألا عامل لنفسه. قبل يوم بؤسه. ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل. فمن عمل في أيام أمله. قبل حصول أجله. نفعه عمله. ولم يضره أجله. ومن قصّر في أيام عمله قبل حصول أجله. فقد خسر عمله. وضر أجله. ألا فاعملوا في الرغبة. كما تعملون في الرهبة. ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها. ولا كالنار نام هاربها. ألا وإنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل. ومن لا يستقيم به الهدى. يجذبه الضلال إلى الردى. ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد. وإن أخوف ما أخاف عليكم إتباع الهوى وطول الأمل. ترودوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا 20 (عن نوفٍ البكالي) قال: رأيت أمير المؤمنين علياً كرم الله وجهه ذات ليلةٍ وقد خرج من فراشه فنظر إلى النجوم فقال: يا نوف أراقد أنت أم رامق. قلت: بل رامق يا أمير المؤمنين. قال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطاً وترابها فراشاً وماءها طيباً والدين شعاراً والدعاء دثاراً. ثم قرضوا الدنيا قرضاً على منهاج المسيح (لبهاء الدين)

الراهب الجرجاني مع الشيخ عمر الصيني
21 قال الشيخ عمر: مررت براهب وهو في صومعته فجرى بيني
(3/19)

وبينه مؤانسة. فقلت له: يا راهب لمن تعبد. فقال: أعبد الله الذي خلق العالم بقدرته. وألّف نظامه بحكمته. وقد حوت عظمته كل شيء. لا تبلغ الألسن وصف قدرته. ولا العقول لج رحمته. له الشكر على نتقلب فيه من نعمته التي صحت بها الأبصار. ورعت بها الأسماع. ونطقت بها الألسن. وسكنت بها العروق وامتزجت بها الطبائع. فقلت: يا راهب ما أفضل الحكمة. فقال: خوف الله. فقلت: وما أكمل العقل. قال: معرفة الإنسان بقدرته. قلت: ما يعين على التخلص من الدنيا. قال: أن تجعل بقية يومك انقضاء أملك. فقلت: وما حملك على أن عقلت على نفسك في هذه الصومعة. فقال: لأحبس هذا السبع عن الناس (وأومأ بيد إلى لسانه) . قلت: من أين تعيش. قال: من تدبير اللطيف الخبير الذي خلق الرحى وهو يأتيها بالطحين. قلت: لم لا تنزل إلينا وتخالطنا. فقال: لأن الأشياء الموبقة بأسرها بينكم والسلامة من ذلك إنما تكون في الوحدة. قلت: وكيف صبرت على الوحدة. فقال: لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك. قلت: كيف لبست السواد. فقال: لأن الدنيا دار مأتم وأهلها في حداد. وإذا حزنت لبست السواد. فقلت: كيف تذكر الموت. فقال: ما أطرف طرفة عين إلا ظننت أني مت. قلت: ما لنا نحن نكره الموت. فقال: لأنكم عمرتم دنياكم وأخربتم آخرتكم. فأنتم تكرهون النقلة من العمران
(3/20)

إلى الخراب. قلت: يا راهب عظني. فقال: أبلغ العظات النظر إلى محلة الأموات. وفي تغيير الساعات والآجلات. وإن شيعت جنازة فكن كأنك المحمول مثل ذلك. ولا تنس من لا ينساك. وأحسن سريرتك. يحسن الله علانيتك. واعلم أن من خاف الله أخاف منه كل شيء. ومن لم يخف الله خاف من كل شيء. اطلب العلم لتعمل به ولا تطلبه للتباهي أو تماري به السفهاء. وإياك والأهواء فإنها موبقة. والهرب الهرب من الجهل. والهرب الهرب ممن يمدح الحسنات فيتجنبها ويذم السيئات فيرتكبها. ولا تشرب المسكر فإن عاجلته غرامة. وعاقبته ندامة. ولا تجالس من يشغلك بالكلام ويزين لك الخطأ ويوقعك في هذه الغموم. ويتبرأ منك وينقلب عليك. ولا تتشبه في طعامك وشرابك ولباسك بالعظماء ولا في مشيك بالجبابرة. وكن ممن يرجى خيره. ولا تكن ممن يخاف شره. واعلم أن من أحبه الله ابتلاه. ومن صبر رضي الله عنه. وإذا اعتللت فأكثر من ذكر الله وحمده وشكره. وإياك والنميمة فإنه تزرع في القلوب الضغائن وتفرق بين المحبين. وانظر ما استحسنته من غيرك فامتثله لنفسك. وما أنكرته من غيرك فتجنبه. وارض للناس ما ترضاه لنفسك. فإنه كمال الوصال والصلاح في الدين والدنيا. وقال: إني أستودعك الله وأقرأ عليك السلام. ثم إنه نهض إلى صلاته فسمعته يقول: إلهنا تقدس اسمك يأتي ملكوتك. تكون
(3/21)

مشيئتك في السماء كذلك على الأرض. ارزقنا الكفاف يوماً بيوم. اغفر لنا خطايانا وآثامنا. ولا تدخلنا في التجارب وخلصنا من إبليس لنسبحك ونقدسك ونمجدك إلى دهر الداهرين. ثم جعل يقول أيضاً: اللهم إن رحمتك كعظمتك. اللهم إن نعمتك أعظم من رجائنا. فصنعك أفضل من آمالنا. اللهم اجعلنا شاكرين لنعمائك حتى تشتغل بذكرك جوارحنا. وتمتلئ قلوبنا. اللهم أعنا على أن نحذر من سخطك ونبتغي طاعتك ورضاك. اللهم وفقنا للعمل بما نفوز به من ملكوتك. من أجل أنه ينبغي لك العز والسلطان والقدرة. قال الشيخ: فاستحسنت ذلك منه. وسألته أن يدعو لنا وانصرفت وأنا متعجب من حسن مقاله.
22 قال قثم الزاهد: رأيت راهباً على باب بيت المقدس. فقلت له: أوصني فقال: نا أناأناأنا كن كرجل احتوشته السباع فهو خائف مذعور يخاف أن يسهو فتفترسه أو يلهو فتنهشه. فليله ليل مخافة إذا أمن فيه المغترون. ونهاره نهار حزن إذا فرح فيه البطالون. ثم إنه ولى وتركني فقلت: زدني. فقال: إن الظمآن يقنع بيسير الماء 23 إن الحاسة الجليدية إذا كانت مؤفة برمد ونحوه فهي محرومة من الأشعة الفائضة من الشمس. كذلك البصيرة إذا كانت مؤفة بالهوى واتباع الشهوات والاختلاط بأبناء الدنيا فهي محرومة من إدراك الأنوار القدسية محجوبة عن ذوق اللذات الإنسية. ولله در من قال:
(3/22)

ذا مرتفع ذا منتصب ... ذا منخفض ذا منجزم
لا يفتكرون لما وجدوا ... لا يعتبرون لما عدموا
أهواء نفوسهم عبدوا ... والنفس لعابدها صنم
(لبهاء الدين)
قال محمد بن الحسن الحميري:
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... وللمشتري دنياه بالدين أعجب
وأعجب من هذين من باع دينه ... بدنيا سواه فهو من ذين أخيب
24 قال الحسن ابن آدم: أنت أسير الدنيا رضيت من لذاتها بما ينقضي. ومن نعيمها بما يمضي. ومن ملكها بما ينفد. تجمع لنفسك الأوزار ولأهلك الأموال. فإذا مت حملت أوزارك إلى قبرك وتركت أموالك لأهلك. أخذه أبو العتاهية فقال:
أبقيت ما لك ميراثا لوارثه ... يا ليت شعري ما أبقى لك المال
القوم بعدك في حال تسرهم ... فكيف بعدهم دارت بك الحال
ملوا البكاء فما يبكيك من أحد ... واستحكم القيل في الميراث والقال
قال ابن عبد ربه:
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانب
هي الدار ما الآمال إلا فجائع ... عليها ولا اللذات إلا مصائب
فكم سخنت بالأمس عيناً قريرة ... وقرت عيوناً دمعها الآن ساكب
فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة ... على ذاهب منها فإنك ذاهب
(3/23)

وقال ابن عمران:
أف لدنيا قد شغفنا بها ... جهلاً وعقلاً للهوى متبع
فتانةٌ تخدع طلابها ... فلا تكن ممن بها ينخدع
أضغاث أحلام إذا حصلت ... أو كوميض البرق مهما لمع
25 (من خطبة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب) أيها الناس إنما أنتم خلف ماضين وبقية المتقدمين. كانوا أكثر منك بسطة وأعظم سطوة. أزعجوا عنها أسكن ما كانوا إليها فغدرت بهم أوثق ما كانوا بها. فلم تغن عنهم قوة عشيرة ولا قبل منهم بذل فدية. فارحلوا نفوسكم بزاد مبلغ قبل أن تؤخذوا على فجأة. فقد غفلتم عن الاستعداد وجف القلم بما هو كائن. فحاسبوا أنفسكم قبل أن يحاسبوا. ومهدوا لها قبل أن تعذبوا. وتزودوا للرحيل قبل أن تزعجوا. فإنما هو موقف عدل وقضاء حق. ولقد أبلغ في الإعذار. من تقدم في الإنذار.
26 (من كلامه) الدنيا دار بلاء. ومنزل قلعة وعناء. قد نزعت منها نفوس السعداء. وانتزعت بالكره من أيدي الأشقياء. فأسعد الناس فيها أرغبهم عنها. وأشقاهم بها أرغبهم فيها هي الغاشة لمن انتصحها والمغوية لمن أطاعها. والهالك من هوى فيها. طوبى لعبد اتقى فيها ربه ونصح نفسه وقدم توبته وأخر شهوته من قبل أن تلفظه الدنيا إلى الآخرة. فيصبح في دمن غبراء. مدلهمة ظلماء. لا يستطيع أن يزيد في حسنة. ولا أن ينقص من سيئة. ثم ينشر فيحشر إما إلى
(3/24)

جنة يدوم نعيمها أو نار لا ينفد عذابها 27 من كلام بعض البلغاء: الدنيا إن أقبلت بلت. وإن أدبرت برت. أو أطنبت نبت. أو أركبت كبت. أو أبهجت هجت. أو أسعفت عفت. أو أينعت عنت. أو أكرمت رمت. أو عاونت ونت. أو ماجنت جنت. أو سامحت محت. أو صالحت لحت. أو وصلت صلت. أو بالغت لغت. أو وفرت فرت. أو زوجت وجت. أو نوهت وهت. أو ولهت لهت. أو بسطت سطت (لبهاء الدين) قال علي بن أبي طالب:
ذهب الذين عليهم وجدي ... وبقيت بعد فراقهم وحدي
من كان بينك في التراب وبينه ... شبران فهو بغاية البعد
لو بعثرت للخلق أطباق الثرى ... لم يعرف المولى من العبد
من كان لا يطأ التراب برجله ... يطأ التراب بناعم الخد
28 وقد روي أن علياً كتب إلى معاوية هذه الأبيات:
أما ولله إن الظلم شوم ... ولا زال المسيء هو المظلوم
إلى الديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
ستعلم في الحساب إذا التقينا ... غداً عند المليك من الظلوم
ستنقطع اللذاذة عن أناس ... من الدنيا وتنقطع الهموم
لأمر ما تصرفت الليالي ... لأمر ما تحركت النجوم
سل الأيام عن أمم تقضت ... ستخبرك المعالم والرسوم
(3/25)

تروم الخلد في دار المنايا ... فكم قد رام مثلك ما تروم
تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبه للمنية يا نؤوم
لهوت عن الفناء وأنت تفنى ... فما شيء من الدنيا يدوم
قال بعضهم:
عجبت لمن جد في شأنه ... لحر الرجاء ونار الأمل
يؤمل ما لم يقدر له ... ويضحك منه دنو الأجل
يقول سأفعل هذا غداً=ودون غد للمنايا عمل قال آخر:
عجبت لمفتون يخلف بعده ... لوارثه ما كان يجمع من كسب
حووا ماله ثم استهلوا لقبره ... ببادي بكاء تحت ضحك القلب
قال غيره:
والله لو كانت الدنيا بأجمعها ... تبقى علينا ويأتي رزقها رغدا
ما كان من حق حران أن يذل لها ... فكيف وهي متاع يضمحل غدا
قال آخر:
إنما هذه الحياة متاع ... فالجهول الجهول من يصطفيها
ما مضى فات والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها
أورد ابن خلكان للحسن بن علي الخازن:
عنت الدنيا لطالبها ... واستراح الزاهد الفطن
كل ملك نال رخرفها ... حسبه مما حوى كفن
(3/26)

يقتني مالاً ويتركه ... في كلا الحالين مفتتن
أملي كوني على ثقة ... من لقاء الله مرتهن
أكره الدنيا وكيف بها ... والذي تنحو به وسن
لم تدم قبلي على أحد ... فلماذا الهم والحزن
وأنشد عدي بن زيد:
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحصن إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه في ذراه وكور
شاده مرمراً وجلله كلساً فللطير في ذراه وكور
لم يهبه رب المنون فباد الملك عنه فبابه مهجور
قال غيره:
تأمل في الوجود بعين فكر ... ترى الدنيا الدنية كالخيال
ومن فيها جميعاً سوف يفنى ... ويبقى وجه ربك ذي الجلال
قال آخر:
دنباك شيئان فانظر ... ما ذلك الشيئان
ما فات منها فحلم ... وما بقي فأماني
30 استنشد المتوكل أبا الحسن علي بن محمد. فقال: إني لقليل الرواية في الشعر. فقال: لا بد. فأنشده:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
(3/27)

واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم ... وأودعوا حفراً با بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا ... أين الأسرة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعمة ... من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طللا أكلوا دهراً وما شربوا ... فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
وطالما أكثروا الأموال وادخروا ... فخلفوها على الأعداء وارتحلوا
وطالما شيدوا دوراً لتحصنهم ... ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
أضحت مساكنهم وحشاً معطلة ... وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
سل الخليفة إذ وافت منيته ... أين الجنود وأين الخيل والخول
أين الكنوز التي كانت مفاتحها ... تنوء بالعصبة المقوين لو حملوا
أين العبيد الألى أرصدتهم عدداً ... أين العديد وأين البيض والأسل
أين الفوارس والغلمان ما صنعوا ... أين الصوارم والخطية الذبل
أين الكفاة ألم يكفوا خليفتهم ... لما رأوه صريعاً وهو يبتهل
أين الكماة أما حاموا أما غضبوا ... أين الحماة التي يحمى بها الدول
أين الرماة ألم تمنع بأسهمهم ... لما أتتك سهام الموت تنتصل
هيهات ما منعوا ضيماً ولا دفعوا ... عنك المنية إذ وافى بها الأجل
ولا الرشى دفعتها صاح وبذلوا ... ولا الرقى نفعت شيئاً ولا الحيل
ما ساعدوك ولا واساك أقربهم ... بل أسلموك لها بئس ما فعلوا
ما بال قبرك لا ينشى به أحد ... ولا يطور به من بينهم رجل
(3/28)

ما بال قصرك وحشاً لا أنيس به ... يغشاك من كنفيه الروع والوهل
ما بال ذكرك منسياً ومطرحاً ... وكلهم باقتسام المال قد شغلوا
لا تنكرن فما دامت على ملك ... ولا أناخ عليه الموت والوجل
وكيف يرجو دوام العيش متصلاً ... وروحه بحبال الموت متصل
وجسمه للبانات الردى غرض ... وملكه زائل عنه ومنتقل
(وتروى هذه القصيدة في ديوان علي بن أبي طالب)

حفظ الحواس
31 قال المعلى الصوفي: شكوت إلى بعض الزهاد فساداً أجده في قلبي. فقال: هل نظرت إلى شيء فتاقت إليه نفسك. قلت: نعم. قال: احفظ عينيك فإنك إن أطلقتهما أوقعتاك في مكروه. وإن ملكتهما ملكت سائر جوارحك. (قال) مسلم الخواص لمحمد بن علي الصوفي: أوصيني. فقال: أوصيك بتقوى الله في أمرك كله. وإيثار ما يجب على محبتك. وإياك والنظر إلى كل ما دعاك إليه طرفك وشوقك إليه قلبك. فإنهم إن ملكاك لم تملك شيئاً من جوارحك حتى تبلغ بهما ما يطالبانك به. وإن ملكتهما كنت الداعي لهما إلى ما أردت. فلم يعصيا لك أمراً ولا يردا لك قولاً. (قال بعض الحكماء) : إن الله عز وجل جعل القلب أمير الجسد وملك الأعضاء. فجميع الجوارح تنقاد له وكل الحواس تطيعه وهو مدبرها ومصرفها وقائدها وسائقها وبإرادته تنبعث وفي طاعته تتقلب. ووزيره العقل. وعاضده
(3/29)

الفهم. ورائده العينان. وطليعته الأذنان. وهما في النقل سواء لا يكتمانه أمراً ولا يطويان دونه سراً (يريد العين والأذن)

الدهر وحوادثه
32 لقي رجل حكيماً فقال: كيف ترى الدهر قال يخلق الأبدان ويجدد الآمال ويقرب المنية. ويباعد الأمنية قال: فما حال أهله. قال: من ظفر منهم لغب. ومن فاته نصب. قال: فما يغني عنه. قال: قطع الرجاء منه. قال: فأي الأصحاب أبر وأوقى. قال: العمل الصالح والتقوى. قال أيهم أضر وأردى. قال: النفس والهوى. قال: فأين المخرج. قال: سلوك المنهج. (زهر الآداب للقيرواني) 33 قال بعض الحكماء: أف للدهر ما أكدر صافيه وأخيب راجيه. وأعدى أيامه ولياليه. وقيل: يسار الدهر في الأخذ أسرع من يمينه في البذل. لا يعطى بهذه إلا ارتجع بتلك. وقال آخر: الدهر لا يؤمن يومه. ويخاف غده. يرضع ثديه وتجرح يده. وقيل: الدهر يغر ويمر. ويسوء من حيث يسر. وقال آخر الدهر لا تنتهي فيه المواهب. حتى تتخللها المصائب. ولا تصفو فيه المشارب. حتى تكدرها الشوائب. (وفي فصل ابن المعتز) : هذا زمان متلون الأخلاق متداعي البنيان. موقظ الشر منيم الخبر. مطلق أعنة الظلم. حابس روح العدل. قريب الأخذ من الإعطاء والكآبة من البهج والقطوب من الشر. مر الثمرة بعيد المجتنى. قابض على النفوس
(3/30)

بكربته. منيخ على الأجسام بوحشته. لا ينطق إلا البشكوى. ولا يسكت إلى على غصص وبلوى. (ومثله فصل للصاحب) : الزمان حديد الظفر. لئيم الظفر. حلو المورد مر المصدر. أثره عند المرء كأثر السيف في الضريبة والليث في الفريسة. (ولشمس المعالي قابوس) : الدهر شر كله. مفصله ومجمله. إن أضحك ساعة أبكى سنة. وإن أتى بسيئة جعلها سنة. ومن أراد منه غير هذا سيرة. أراد من الأعمى عيناً بصيرة. ومن ابتغى منه الرعاية. ابتغى من الغول الهداية. (طرائف اللطائف للمقدسي) قال بعضهم:
يا طالما طال حرص الناس في حذر ... على الحياة فضاع الحرص والحذر
قد غرهم زخرف الدنيا وبهجتها ... نعم الغصون ولكن بئسما الثمر
قال آخر:
ما أنت إلا كزرع عند خضرته ... بكل شيء من الآفات مقصود
فإن سلمت من الآفات أجمعها ... فأنت عند كمال الأمر محصود
قال بعضهم يذكر فجائع الدهر:
وأصبحت كالبازي المنتف ريشه ... يرى حسرات كلما طار طائر
يرى خرقات الجو يخرقن في الهوا ... فيذكر ريشاً من جناحيه وافر
وقد كان دهرا في الرياض منعما ... على كل ما يهوى من الصيد قادر
إلى أن أصابته من الدهر نكبة ... فأصبح مقصوص الجناحين خاسر
(3/31)

قال غيره:
في الدهر تحيرت الأمم ... والحاصل منه لهم ألم
بعجائبه ومصائبه ... أمواج زواخر تلتطم
والعمر يسير مسير الشمس فليس تقر له قدم
قدمان له يسعى بهما ... فضحى ودجى ضوء ظلم
والناس بحلم جهالتهم ... فإذا ذهبوا ذهب الحلم
صم بكم عمى بهم ... نعم قسمت لهم نعم
فرقوا فرقاً فرقوا فرقا ... ومضوا طرقاً لا تلتئم
قال آخر:
وما الدهر إلا سلم فبقدر ما ... يكون صعود المرء فيه هبوطه
وهيهات ما فيه يزول وإنما ... شروط الذي يرقى إليه سقوطه
فمن كان أعلى كان أوفى تهشماً ... وفاء بما قامت عليه شروطه

ذكر الموت
34 قال ابن المعتز:
نسير إلى الآجال في كل ساعة ... وأيامنا تطوى وهن مراحل
ولم أر مثل الموت حقاً فإنه ... إذا ما تخطته الأماني باطل
فما أصبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب في الرأس شاعل
ترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام تعد قلائل
(3/32)

كأن الأرض قد طويت عليا ... وقد أخرجت مما في يديا
كأني صرت منفرداً وحيداً ... ومرتهناً لديك بما عليا
كأن الباكيات علي يوماً ... ولا يغني البكاء علي شيا
ذكرن منيتي فنعيت نفسي ... ألا أسعد أخيك يا أخيا
وقال ابن عبد ربه:
أتلهو بين باطية وزير ... وأنت من الهلاك على شفير
فيا من غره أمل طويل ... يؤديه إلى أجل قصير
أتفرح والمنية كل يوم ... تريك مكان قبرك في القبور
هي الدنيا فإن سرتك يوما ... فإن الحزن عاقبة السرور
ستسلب كل ما جمعت منها ... كعارية ترد إلى المعير
35 وقال بعضهم على لسان ميت:
ضعوا خدي على لحدي ضعوه ... ومن عفر التراب فوسدوه
وشقوا عنه أكفاناً رقاقاً ... وفي الرمس البعيد فغيبوه
فلو أبصرتموه إذا تقضت ... صبيحة ثالث أنكرتموه
ولو سالت نواظر مقلتيه ... على وجناته لرفضتموه
وقد نادى البلى هذا فلان ... هلموا فانظروا هل تعرفوه
خليلكم وجاركم المفدى ... تقادم عهده فنسيتموه
قال بعضهم:
من كان يعلم أن الموت مدركه ... والقبر مسكنه والبعث مخرجه
(3/33)

وأنه بين جنات ستبهجه ... يوم القيامة أو نار ستنضجه
فكل شيء سوى التقوى به سمج ... وما أقام عليه منه اسمجه
ترى الذي اتخذ الدنيا له سكنا ... لم يدر أن المنايا سوف تزعجه
وقال آخر متشوقاً إلى الموت:
جزى الله عنا الموت خيراً فإنه ... أبر بنا من كل بر وأرأف
يعجل تخليص النفوس من الأذى ... ويدني من الدار التي هي أشرف
وقال غيره:
من كان يرجو أن يعيش فإنني ... أصبحت أرجو أن أموت فأعتقا
في الموت ألف فضيلة لو أنها ... عرفت لكان سبيله أن يعشقا
وقال بعضهم:
ما لي مررت على القبور مسلماً ... على الرميم فلم يرد جوابي
يا صاح مالك لا تجيب منادياً ... أنكرت بعدي خلة الأصحاب
قال الرميم وكيف لي بجوابكم ... وأنا رهين جنادل وتراب
أكل التراب محاسني فنسيتكم ... وحجبت عن أهلي وعن أحبابي
36 وقال آخر:
استعدي يا نفس للموت واسعي ... لنجاة فالحازم المستعد
قد تبينت أنه ليس للحي خلود وما من الموت بد
إنما أنت مستعيرة ما سو ... ف تردين والعواري ترد
أنت تسهين والحوادث لا تسهو ... وتلهين والمنايا تجد
(3/34)

أي ملك في الأرض أو أي حظ ... لامرئ حظه من الأرض لحد
لا ترجي البقاء في معدن المو ... ت ودار حتوفها لك ورد

التوبة إلى الله
37 قال غيره:
سلوت عن الأحبة والمدام ... وملت عن التهتك والهيام
وسلمت الأمور إلى إلهي ... وودعت الغواية بالسلام
وملت إلى اكتساب ثواب ربي ... وقدما طال غرمي بالغرام
وما أنا بعدها معطي عناني ... الهوى لكن ترى بيدي زمامي
أبعد الشيب وهو أخو سكون ... يليق بأن أميل إلى الغرام
فشرب الراح نقص بعد هذا ... ولو من راحتي بدر التمام
فكم أجريت في ميدان لهو ... خيول هوى وكم ضربت خيامي
سأوتي الكأس تعبيساً وصدا ... وإن جاءت تقابل بابتسام
عزمت على الرجوع عن المناهي ... ومثلي من يدوم على اعتزام
38 صعد الوليد بن يزيد المنبر فخطب القوم بالشعر فقال:
الحمد لله ولي الحمد ... أحمده في يسرنا والجهد
من يطع الله فقد أصابا ... أو يعصه أو الضمير خابا
كأنه لما بقي لديكم ... حي صحيح لا يزال فيكم
إنكم من بعد أن تزلوا ... عن قصده أو نهجه تضلوا
لا تتركن نصحي فإني ناصح ... إن الطريق فاعلمن واضح
(3/35)

من يتقي الله يجد غب التقى ... يوم الحساب صائراً إلى الهدى
إن التقى أفضل شيء في العمل ... أرى جماع البر فيه قد دخل
خافوا الجحيم إخوتي لعلكم ... يوم اللقاء تعرفوا ما سركم
قد قيل في الأمثال لو علمتم ... فانتفعوا بذاك إن عقلتم
ما يزرع الزارع يوماً يحصده ... وما يقدم من صلاح يحمده
فاستغفروا ربكم وتوبوا ... فالموت منكم فاعلموا قريب
(الأغاني) 39 قال بعضهم:
حتام أنت بما يلهيك مشتغل ... عن نجح قصدك من خمر الهوى ثمل
تمضي من الدهر بالعيش الذميم إلى ... كم ذا التواني وكم يغري بك الأمل
وتدعي بطريق القوم معرفة ... وأنت منقطع والقوم قد وصلوا
فانهض إلى ذروة العلياء مبتدراً ... عزماً لترقى مكاناً دونه زحل
إن ظفرت فقد جاوزت مكرمة ... بقاؤها ببقاء الله متصل
وإن قضيت بهم وجداً فأحسن ما ... يقال عنك قضى من وجده الرجل
40 قال بهاء الدين العاملي في كتاب رياض الأرواح:
ألا يا خائضاً بحر الأماني ... هداك الله ما هذا التواني
أضعت العمر عصياناً وجهلاً ... فمهلاً أيها المغرور مهلا
مضى عصر الشباب وأنت غافل ... وفي ثوب العمى والغي رافل
إلى كم كالبهائم أنت هائم ... وفي وقت الغنائم أنت نائم
(3/36)

وطرفك لا يرى إلا طموحاً ... ونفسك لم تزل أبدا جموحا
وقلبك لا يفيق عن المعاصي ... فويلك يوم يؤخذ بالنواصي
بلال الشيب نادى في المفارق ... بحي على الذهاب وأنت غارق
ببحر الإثم لا تصغي لواعظ ... وإن أطرى وأطنب في المواعظ
وقلبك هائم في كل واد ... وجهلك كل يوم في ازدياد
على تحصيل دنياك الدنية ... مجداً في الصباح وفي العشية
وجهد المرء في الدنيا شديد ... وليس ينال منها ما يريد
وكيف ينال في الأخرى مرامه ... ولم يجهد لمطلبها قلامه
41 قال بهاء الدين زهير:
نزل المشيب وإنه ... في مفرقي لأعز نازل
وبكيت إذ رحل الشبا ... ب فآه آه عليه راحل
بالله قل لي يا فلا ... ن ولي أقول ولي سائل
أتريد في السبعين ما ... قد كنت في العشرين فاعل
هيهات لا والله ما ... هذا الحديث حديث عاقل
قد كنت تعذر بالصبا ... واليوم ذات العذر زائل
منيت نفسك باطلا ... وإلى متى ترضى بباطل
قد صار من دون الذي ... ترجوه من مرح مراحل
ضيعت ذا الزمن الطويل ... ولم تفز فيه بطائل
(3/37)

الباب الثالث في المراثي
رثاء داود الطائي
42 لما مات داود الطائي تكلم ابن السماك مثنياً عليه فقال: إن داود نظر إلى ما بين يديه من آخرته فأغشى بصر القلب بصر العين فكأنه لم ينظر إلى ما إليه تنظرون. وكأنكم لم تنظروا إلى ما إليه نظر. وأنتم منه تعجبون وهو منكم يعجب. فلما رآكم مفتونين مغرورين قد أذهلت الدنيا عقولكم وأماتت بحبها قلوبكم استوحش منكم. فكنت إذا نظرت إليه حسبته حياً وسط أموات. ويا داود ما أعجب شأنك بين أهل زمانك أهنت نفسك وإنما تريد إكرامها وأتعبتها وإنما تريد راحتها. أخشنت المطعم وإنما تريد طيبه. وخشنت الملبس وإنما تريد لينه. ثم أمت نفسك قبل أن تموت وقبرتها قبل أن تقبر. وعذبتها قبل أن تعذب سجنت نفسك في بيتك ولا محدث لها لولا جليس معها. ولا فراش تحتك ولا ستر على بابك. ولا قلة تبرد فيها ماءك ولا صحفة يكون فيها غداؤك وعشاؤك. يا داود ما تشتهي من الماء بارده ولا من الطعام طيبه ولا من اللباس لينه بلى ولكن زهدت فيه لما بين يديك. فما أصغر ما بذلت وما أحقر ما تركت في جنب ما رغبت وأملت. لم تقبل من الناس عطية ولا من
(3/38)

الإخوان هدية فلما شهرك ربك بفضلك وألبسك رداء عملك، فلو رأيت من حضرك علمت أن ربك قد أكرمك (لابن عبد ربه)

رثاء الإسكندر
43 مختار من قول الحكماء عند وفاة الإسكندر لما جعل في تابوت من ذهب تقدم إليه أحدهم فقال: كأن الملك يخبأ الذهب وقد صار الآن ذهب يخبأه. وتقدم إليه آخر فقال: قد طاف الأرضين وتملكها ثم جعل منها في أربعة أذرع. (ووقف عليه آخر) فقال: انظر إلى حلم النائم كيف انقضى إلى ظل الغمام وقد انجلى. (ووقف عليه آخر) فقال: ما لك لا تقل عضواً من أعضائك وقد كنت تستقل ملك العباد. (وقال آخر) : ما لك لا ترغب بنفسك عن ضيق المكان وقد كنت ترغب بها عن رحب البلاد (وقال آخر) : أمات هذا الميت كثيراً من الناس لئلا يموت وقد مات الآن. (وقال آخر:) ما كان أقبح إفراطك في التجبر أمس مع شدة خضوعك اليوم. (قالت بنت دارا) : ما علمت أن غالب أبي يغلب. (وقال رئيس الطباخين) : قد نضدت النضائد وألقيت الوسائد ونصبت الموائد ولست أرى عميد المجلس (للقيرواني) 44 قال ابن عبد ربه يرثي ولده:
وا كبدا قد تقطعت كبدي ... قد حرقتها لواعج الكمد
ما مات حي لميت أسفا ... أعذر من والد على ولد
(3/39)

يا رحمة الله جاوري جدثا ... دفنت فيه حشاشتي بيدي
ونوري ظلمة القبور على ... من لم يصل ظلمه إلى أحد
من كان خلوا من كل بائقة ... وطيب الروح طاهر الجسد
يا موت يحيى لقد ذهبت به ... ليس بزميلة ولا نكد
يا موته لو أقلت عثرته ... يا يومه لو تركته لغد
يا موت لو لم تكن تعاجله ... لكان لا شك بيضة البلد
أو كنت راخيت في العنان له ... حاز العلا واحتوى على الأمد
أي حسام سلبت رونقه ... وأي روح سللت من جسد
وأي ساق قطعت من قدم ... وأي كف أزلت من عضد
يا قمرا أحجف الخسوف به ... قبل بلوغ السواء في العدد
أي حشا لم يذب له أسفاً ... وأي عين عليه لم تجد
لا صبر لي بعده ولا جلد ... فجعت يا صبر فيه والجلد
لو لم أمت عند موته كمداً ... لحق لي أن أموت من كمدي
يا لوعة لا يزال لاعجها ... يقدح نار الأسى على كبدي
45 وقال فيه أيضاً:
لا بيت يسكن إلا فارق السكنا ... ولا امتلأ فرحاً إلا امتلأ حزنا
لهفي على ميت مات السرور به ... لو كان حياً لأحيا الدين والسننا
إذا ذكرتك يوماً قلت وا حزناً ... وما يرد عليك القول وا حزنا
يا سيدي ومراح الروح في جسدي ... هلا دنا الموت مني حين منك دنا
(3/40)

حتى يمر بنا في قعر مظلمة ... لحد ويلبسنا في واحد كفنا
يا أطيب الناس روحاً ضمه بدن ... أستودع الله ذاك الروح والبدنا
لو كنت أعطى به الدنيا معاوضة ... منه لما كانت الدنيا له ثمنا
46 قال الحسن بن هانئ في الأمين:
طوى الموت ما بيني وبين محمد ... وليس لما تطوي المنية ناشر
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر
لئن عمرت دور بمن لا أحبه ... لقد عمرت ممن أحب المقابر
ومات ابن لأعرابي فاشتد حزنه عليه وكان الأعرابي يكنى به فقيل له لو صبرت لكان أعظم لثوابك. فقال:
بأبي وأمي من عبأت حنوطه ... بيدي وفارقني بماء شبابه
كيف السلو وكيف أنسى ذكره ... وإذا دعيت فإنما أدعى به
وقال آخر يرثي أخاه:
أخ طالما سرني ذكره ... فقد صرت أشجى إلى ذكره
وقد كنت أغدو إلى قصره ... فقد صرت أغدو إلى قبره
47 قالت الخنساء ترثي أخاها:
أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجري الجوادا ... ألا تبكيان الفتى السيدا
طويل النجاد رفيع العما ... د ساد عشيرته أمردا
يحمله القوم ما غالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
(3/41)

جموع الضيوف إلى بابه ... يرى أفضل الكسب أن يحمدا
وقالت أخت الوليد ابن طريف ترثي أخاها المذكور:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يريد العز إلا من التقى ... ولا المال إلا من قناً وسيوف
فقدناه فقدان الربيع فليتنا ... قديناه من ساداتنا بألوف
خفيف على ظهر الجواد إذا عدا ... وليس على أعدائه بخفيف
عليك سلام الله وقفاً فإنني ... أرى الموت وقاعاً بكل شريف
قال ابن معتوق يرثي الحسين بن علي بن أبي طالب:
حزني عليه دائم لا ينقضي ... وتصبري مني علي تعذرا
وا رحمتاه لصارخات حوله ... تبكي له ولوجهها لن تسترا
ملقى على وجه التراب تظنه ... داود في المحراب حين تسورا
لهفي على الهاوي الصريع كأنه ... قمر هوى من أوجه فتكورا
لهفي على تلك البنان تقطعت ... لو أنها اتصلت لكانت أبحرا
لهفي على العباس وهو مجندل ... عرضت منيته له فتعثرا
لحق الغبار جبينه ولطالما ... في شأوه لحق الكرام وغبرا
48 وقال الأصمعي:
لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا فرس يموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد حر ... يموت لموته خلق كثير
وقال الصفدي:
(3/42)

يا غائباً في الثرى تبلى محاسنه ... الله يوليك غفرانا وإحسانا
إن كنت جرعت كأس الموت واحدة ... في كل يوم أذوق الموت أحيانا
رثى بعض الشعراء القاضي الباقلاني البصري:
انظر إلى جبل تمشي الرجال به ... لقد خفت أن أبقى بغير خليل
ولا بد يوماً أن تجيء منيتي ... ويفرد مني صاحبي ودخيلي
قال آخر يرثي أخاه:
كأني يوم فارقني حبيب ... رزئت ذوي المودة أجمعينا
وكان على الزمان يا أخي حبيب ... يميناً لي وكنت له يمينا
فإن يفرح بمصرعه الأعادي ... فما نلقى لهم متخشعينا
قال إبراهيم الصولي يرثي ابناً له مات يافعاً مترعرعاً:
كنت السواد لمقلتي ... فبكى عليك الناظر
من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر
49 كان ابن بسام يرثي علي بن يحيى المنجم:
قد زرت قبرك يا علي مسلماً ... ولك الزيارة من أقل الواجب
ولو استطعت حملت عنك ترابه ... فلطالما عني حملت نوائبي
قال العتيبي في ابن له توفي صغيراً:
(3/43)

إن يكن مات صغيراً ... فالأسى غير صغير
كان ريحاني فأمسى ... وهو ريحان القبور
غرسته في بساتين البلى أيدي الدهور
قال متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكاً:
لقد لامني عند القبور على البكا ... رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقال أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت له إن الشجا يبعث الشجا ... فدعني فهذا كله قبر مالك
قال آخر:
لكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد
وما إن يزال رسم دار قد أخلقت ... وبيت لميت بالفناء جديد
هم جيرة الأحياء أما جوارهم ... فدان وأما الملتقى فبعيد
50 قال الغطمش الضبي:
إلى الله أشكو لا إلى الناس أنني ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلاء لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الموت معتب
قال آخر:
أجاري ما أزداد إلا صبابةً ... إليك وما تزداد إلا تنائيا
أجاري لو نفس فدت نفس ميت ... فديتك مسروراً بنفسي وماليا
وقد كنت أرجو أن أملاك حقبة ... فحال قضاء الله دون رجائيا
ألا فليمت من شاء بعدك إنما ... عليك من الأقدار كان حذاريا
(3/44)

51 قال أبو الشغب العبسي في خالد القسري وهو أسير:
ألا إن خير الناس حياً وهالكاً ... أسير ثقيف عندهم في السلاسل
لعمري لئن عمرتم السجن خالدا ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل
لقد كان يبني المكرمات لقومه ... ويعطي اللهى في كل حق وباطل
فإن تسجنوا القسري لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل
قالت صفية الباهلية:
كنا كغصنين في جرثومة سمقا ... حيناً بأحسن ما يسمو له الشجر
حتى إذا قيل قد طالت فروعهما ... وطاب فيآهما واستنظر الثمر
أخنى على واحدي ريب الزمان وما ... يبقي الزمان على شيء ولا يذر
كنا كأنجم ليل بينها قمر ... يجلو الدجى فهوى من بينها القمر
52 وقال التيمي في منصور:
لهفي عليك من حائف ... يبغي جوارك حين ليس مجير
أما القبور فإنهن أوانس ... بجوار قبرك والديار قبور
عمت فواضله فعم مصابه ... فالناس فيه كلهم مأجور
يثني عليك لسان من لم توله ... خيراً لأنك بالثناء جدير
ردت صنائعه إليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور
فالناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنة وزفير
عجباً لأربع أذرع في خمسة ... في جوفها جبل أشم كبير
(الحماسة لأبي تمام)
(3/45)

الباب الرابع في الحكم
53 قيل: لا تستصغرن أمر عدوك إذا حاربته. لأنك إن ظفرت به لم تحمد وإن ظفر بك لم تعذر. والضعيف المحترس من العدو القوي أقرب إلى السلامة من القوي المغتر بالعدو الضعيف. وقيل: العدو المحتقر ربما اشتد. كالغصن النضر ربما صار شوكاً. وقيل: لا تأمنن العدو الضعيف أن يورطك. فالرمح قد يقتل به وإن عدم السنان والزج. قال الموسوي:
الفيل يضجر وهو أعظم ما رأيت من البعوض
54 يقال إن ابن القرية دخل على الحجاج وقال له: ما الكفر. فقال: البطر بالنعمة واليأس من الرحمة. فقال: ما الرضا. فقال: القنوع بعطاء الله تعالى والصبر على المكاثرة. فقال: ما الصبر. فقال: كظم الغيظ والاحتمال لما لا يراد. فقال: ما الحلم. فقال: إظهار الرحمة عند القدرة والرضاء عند الغضب. فقال: ما الكرم. فقال: حفظ الصديق وقضاء الحقوق. فقال: ما الحمية. فقال: الوقوف على رأس من هو دونك. فقال: ما الشجاعة. فقال: الحملة في وجوه الأعداء والكفار. والثبات في موضع الفرار. وإرضاء الرجال. قال: ما العدل. قال: ترك المراد. وصحة السيرة والاعتقاد. فقال:
(3/46)

ما الإنصاف. قال: المساواة عند الدعاوى بين الناس. فقال: ما الذل. قال: المرض عند خلو اليد والانكسار من قلة الرزق. فقال: ما الحرص. قال: حدة الشهوة عند الرجاء. فقال: ما الأمانة. قال: قضاء الواجب. فقال: ما الخيانة. قال: التراخي مع القدرة. فقال: ما الفهم. قال: التفكر وإدراك الأشياء على حقائقها (للغزالي) 55 (فائدة جامعة ولمعة ساطعة ومقالة نافعة عن علي بن أبي طالب) قال: للمؤمن على أخيه المؤمن ثلاثون حقاً لا براءة له منها إلا بالأداء أو العفو. يغفر زلته. ويرحم عبرته. ويستر عورته. ويقيل عثرته. ويقبل معذرته. ويرد غيبته. ويديم نصيحته. ويحفظ خلته. ويرعى ذمته. ويعود مرضته. ويشهد ميتته. ويجيب دعوته. ويقبل هديته. ويكافئ صلته. ويشكر نعمته. ويحسن نصرته. ويحفظ حرمته. ويقضي حاجته. ويقبل شفاعته. ولا يخيب مقصده. ويشمت عطسته. ويرشد ضالته. ويرد سلامه. ويطيب كلامه. ويبر إنعامه. ويصدق أقسامه. وينظر ظالماً يرده عن طلمه ومظلوماً بإعانته على وفاء حقه. ويواليه ولا يعاديه. ولا يخذله ولا يشتمه. ويحب له من الخير ما يحب لنفسه. ويكره له من الشر ما يكره لنفسه فلا يترك واحداً منها إلا طالبه بها يوم القيامة (الترغيب للأصبهاني) 56 قال حكيم: المؤمن شريف طريف لطيف لا لعان ولا نمام. ولا مغتاب ولا قتات. ولا حسود ولا حقود. ولا بخيل ولا مختال. يطلب
(3/47)

من الخيرات أعلاها. ومن الأخلاق أسناها. إن سلك مع أهل الآخرة كان أورعهم. غضيض الطرف سخي الكف. لا يرد سائل. ولا يبخل بنائل. متواصل الأحزان مترادف الإحسان. يزن كلامه ويحرس لسانه. ويحسن عمله ويكثر في الحق أمله. متأسف على ما فاته من تضييع أوقاته. كأنه ناظر إلى ربه مراقب لما خلق له. لا يرد الحق على عدوه. ولا يقبل الباطل من صديقه. كثير المعونة قليل المؤنة. يعطف على أخيه عند عشرته لما مضى من قديم صحبته. فهذه صفات المؤمنين الخالصين (للدميري) 57 (من كلام الملوك الجاري مجرى الأمثال) : قال أزدشير إذا رغبت الملوك عن العدل رغبت الرعية عن الطاعة. (أفردون) الأيام صحائف آجالكم فخلدوها أحسن أعمالكم. (أنوشروان الملك) إذا كثر ماله مما يأخذ من رعيته كان كمن يعمر سطح نيته بما يقتلعه من قواعد بنيانه. (أبرويز) أطع من فوقك يطعك من دونك. قال ابن المعتز:
كم فرصة ذهبت فعادت غصة ... تشجي بطول تلهف وتندم
لما عزم المنصور على الفتك بأبي مسلم فزع من ذلك عيسى بن موسى فكتب إليه:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا تدبر ... فإن فساد الرأي أن تتعجلا
فأجابه المنصور:
(3/48)

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تترددا
ولا تمهل الأعداء يوما بغدوة ... وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا
(المعتصم) إذا نصر الهوى بطل الرأي (للقيرواني)
58 (قال أيوب بن القرية) : الناس ثلاثة عاقل وأحمق وفاجر. فالعاقل الدين شريعته والحلم طبيعته والرأي الحسن سجيته. إن سئل أجاب. وإن نطق أصاب. وإن سمع العلم وعى. وإن حدث روى. وأما الأحمق فإن تكلم عجل. وإن حدث وهل. وإن استنزل عن رأيه نزل. فإن حمل على القبيح حمل. وأما الفاجر فإن ائتمنته خانك. وإن حدثته شانك. وإن وثفت به لم يرعك. وإن استكتم لم يكتم. وإن علم لم يعلم. وإن حدث لم يفهم. وإن فقه لم يفقه.
59 دخل رجل على هشام فقال: يا أمير المؤمنين احفظ عني أربع كلمات فيهن صلاح ملكك واستقامة رعيتك. قال: ما هن. قال: لا تعد عدة لا تثق من نفسك بإنجازها. ولا يغرنك المرتقى وإن كان سهلاً إذا كان المنحدر وعراً. واعلم أن للأعمال جزاء فاتق العواقب. وأن للأمور بغتات فكن على حذر. قال عيسى بن دات: فحدثت بهذا الحديث المهدي وفي يده لقمة قد رفعها إلى فيه. فأمسكها وقال: ويحك أعد علي فقلت: يا أمير المؤمنين اسغ لقمتك. فقال: حديثك أعجب إلي (للقزويني) أربعة أشياء سم قاتل وأربعة أشياء درياقها. الدنيا سم قاتل
(3/49)

والزهد فيها درياقه. والمال سم قاتل والزكاة درياقه. والكلام سم قاتل وذكر الله درياقه. وملك الدنيا سم قاتل والعدل درياقه.
60 قال بعضهم: الصوم ثلاث درجات. صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص. فأما صوم العموم فهو كف البطن عن الشهوة. وأما صوم الخصوص فهو كف السماع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام. وأما صوم خصوص الخصوص فصون القلب عن الهموم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله بالكلية (الكنز المدفون) 61 (فصل) من نوادر بزرجمهر حكيم الفرس (قال) : نصحني النصحاء ووعظني الوعاظ شفقة ونصيحة وتأديباً فلم يعظني أحد مثل شيبي ولا نصحني مثل فكري. ولقد استضأت بنور الشمس وضوء القمر فلم أستضئ بضياء أضوأ من نور قلبي. وملكت الأحرار والعبيد فلم يملكني أحد ولا قهرني غير هواي. وعاداني الأعداء فلم أر أعدى إلي من نفسي إذا جهلت واحتزرت لنفسي بنفس من الخلق كلهم حذراً عليها وشفقة فوجدتها شر الأنفس لنفسها. ورأيت أنه لا يأتيها الفساد إلا من قبلها وزاحمتني المضايق فلم يزحمني مثل الخلق السوء ووقعت من أبعد البعد وأطول الطول فلم أقع في شيء أضر علي من لساني. ومشيت على الجمر ووطئت على الرمضاء فلم أر ناراً أحر علي من غضبي. إذا تمكن مني وطالبتني الطلاب فلم
(3/50)

يدركني مدرك مثل إساءتي. ونظرت ما الداء القاتل ومن أين يأتيني فوجدته من معصية ربي سبحانه. والتمست الراحة لنفسي فلم أجد شيئاً أروح لها من تركها ما لا يعنيها. وركبت البحار ورأيت الأهوال فلم أر هولاً مثل الوقوف على باب سلطان جائر. وتوحشت في البرية والجبال فلم أر أوحش من قرين السوء. وعالجت السباع والضباع والذئاب وعاشرتها وعاشرتني وغلبتها فغلبني صاحب الخلق السوء وأكلت الطيب وشربت المسكر فلم أجد شيئاً ألذ من العافية والأمن. وتوسطت الشياطين والجبال فلم أجزع إلا من الإنسان السوء. وأكلت الصبر وشربت المر فلم أر شيئاً أمر من الفقر. وشهدت الحروب ولقيت الجيوش وباشرت السيوف وصارعت الأقران فلم أر قرناً أغلب من المرأة السوء. وعالجت الحديد ونقلت الصخر فمل أر حملاً أثقل من الدين. ونظرت فيما يذل العزيز ويكسر القوي ويضع الشريف فلم أر أذل من ذوي فاقة وحاجة. ورشقت بالنشاب ورجمت بالحجارة فلم أر أنفذ من الكلام السوء يخرج من فم مطالب بحق. عمرت السجن وشددت في الوثاق وضربت بعمد. الحديد فلم يهدمني شيء مثل ما هدمني الغم والهم والحزن. واصطنعت الإخوان وانتخبت الأقوام للعدة والشدة والنائبة فلم أر شيئاً أخير من الكرم عندهم. وطلبت الغنى من وجوهه فلم أر أغنى من القنوع. وتصدقت بالذخائر فلم أر صدقة أنفع من رد ذي
(3/51)

ضلالة إلى هدى. ورأيت الوحدة والغربة والمذلة فمل أر أذل من مقاساة الجار السوء. وشيدت البنيان لأعز به وأذكر فلم أر شرفاً أرفع من اصطناع المعروف. ولبست الكسى الفاخرة فلم ألبس شيئاً مثل الصلاح. وطلبت أحسن الأشياء عند الناس فلم أر شيئاً أحسن من حسن الخلق.
62 (فصل) من حكم شاتاق الهندي من كتابه الذي سماه منتحل الجواهر للملك ابن قمابص الهندي: يا أيها الوالي اتق عثرات الزمان واخش تسلط الأيام ولؤم غلبة الدهر. واعلم أن للأعمال جزاء فاتق العواقب وللأيام غدرات فكن على حذر والزمان متقلب متول فاحذر تقلبه. لئيم الكرة فخف سطوته. سريع الغيرة فلا تأمن دولته. والعم أن من لم يداو نفسه من سقام الآثام في أيام حياته فما أبعده من الشفاء في دار لا دواء له فيها. ومن أذل حواسه واستعبدها فيما يقدم من خير نفسه بأن فضله وظهر نبله. ومن لم يضبط نفسه وهي واحدة لم يضبط حواسه وهي خمس. وإذا لم يضبط حواسه مع قلتها وذلتها صعب عليه ضبط الأعوان مع كثرتهم وخشونة جانبهم. فكانت عامة الرعية في نواحي البلاد وأطراف المملكة أبعد من الضبط. فليبدأ الملك بسلطانه على نفسه فليس من عدو أحق من أن يبدأه بالقهر من نفسه. ثم يشرع في قهر حواسه الخمس. لأن قوة الواحدة منهن دون صويحباتها قد تأتي على النفس
(3/52)

القوية الحذرة فكيف إذا اجتمعت خمس أنفس على واحدة. وعلم أن لكل واحدة منهم شراً ليس للأخرى فاقهرها تسلم من شرها. وإنما يهلك الحيوان بالشهوات. ألا ترى أن الفراش يكره الشمس فيستكن من حرها ويعجبه ضياء النار فيدنو منها فتحرقه. والظبي على نفار قلبه وشدة حرصه ينصب لسماع الملاهي فيمكن القانص من نفسه. والسمك في البحر تحمله لذة الطعم أن يبتلعه فتحصل السنارة في جوفه فيكون فيه حتفه 63 يحسن بالملك أن يشبه تصاريف تدبيره بطباع ثمانية أشياء: الغيث والشمس والقمر والريح والنار والأرض والماء والموت. فأما شبه (الغيث) فتواتره في أربعة أشهر من السنة ومنفعته لجميع السنة كذلك ينبغي للملك أن يعطي جنده وأعوانه أربعة أشهر تقديراً لتتمة السنة. فيجعل رفيعهم ووضيعهم في الحق الذي يستوجبونه بمنزلة واحدة كما يسري المطر بين كل أكمة وشرف وغائط مستفل. ويغمر كلا من مائه بقدر حاجته. ثم يستجبي الملك في الثمانية أشهراً حقوقه من غلاتهم وخراجهم كما تجبي الشمس بحرها وحدة فعلها نداوة الغيث في أربعة أشهر الإمطار. وأما شبه (الريح) فإن الريح لطيفة المداخل تسرح في جميع المنافذ حتى لا يفوتها مكان كذلك الملك ينبغي أن يتولج في قلوب الناس بجواسيسه وعيونه لا يخفقون عنه شيئاً حتى يعرف ما يأتمرون به في بيوتهم وأسواقهم.
(3/53)

(وكالقمر) إذا استهل تمامه فأضاء واعتدل نوره على الخلق وسر الناس بضوئه. ينبغي أن يكون ببهجته وزينته وإشراقه في مجلسه وإيناسه رعيته ببشره فلا يخص شريفاً دون وضيع بعدله. (وكالنار) على أهل الدعارة والفساد. (وكالأرض) على كتمان السر والاحتمال والصبر والأمانة. (وكعاقبة الموت) في الثواب والعقاب يكون ثوابه لا يقتصر عن إقامة حد ولا يتجاوزه. (وكالماء) في لينه لمن لا ينه. وهدمه واقتلاعه عظيم الشجر لمن جاذبه (للطرطوشي)

أشعار حكيمة
64 قال بان عربشاه:
السيل يقلع ما يلقاه من شجر ... بين الجبال ومنه الصخر ينفطر
حتى يوافي عباب البحر تنظره ... قد اضمحل فلا يبقى له أثر
وقال أيضاً:
والشر كالنار تبدو حين تقدحه ... شرارة فإذا بادرته حمدا
وإن توانيت عن إطفائه كسلا ... أورى قبائل تشوي القلب والكبدا
فلو تجمع أهل الأرض كلهم ... لما أفادوك في إخمادها أبدا
وقال أيضاً:
أرى الناس يولون الغني كرامة ... وإن لم يكن أهلاً لرفعة مقدار
ويلوون عن وجه الفقير وجوههم ... وإن كان أهلا أن يلاقي بإكبار
بنو الدهر جاءتهم أحاديث جمة ... فما صححوا إلا حديث ابن دينار
(3/54)

65 قال غيره:
لا تعامل ما عشت غيرك إلا ... بالذي أنت ترتضيه لنفسك
ذاك عين الصواب فالزمه فيما ... تبتغيه في كل أبناء جنسك
قال آخر:
لا يعجبنك حسن القصر منزله ... فضيلة الشمس ليست في منازلها
لو زيدت الشمس في أبراجها مئة ... ما زاد ذلك شيئاً في فضائلها
قال غيره:
إن الكبير إذا هوى وأطاعه ... قوم هووا معه فضاع وضيعا
مثل السفينة إن هوت في لجة ... غرقت ويغرق كل من فيها معا
قال آخر:
إزرع جميلاً ولو في غير موضعه ... فلا يضيع جميل أينما زرعا
إن الجميل وإن طال الزمان به ... فليس يحصده إلا الذي زرعا
قال أبو أحمد بن ماهان الخزاعي:
إقض الحوائج ما استطع ... ت وكن لهم أخيك فارج
فلخير أيام الفتى ... يوم قضى فيه الحوائج
66 قال القطامي الشاعر النصراني:
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
وقد تفوف على قوم حوائجهم ... مع التراخي وكان الرأي لو عجلوا
وقال آخر:
(3/55)

وإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر
فما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر
وقال محمد بن بشير:
لأن أزجي عند العري بالخلق ... وأجتزي من كثير الزاد بالعلق
خير وأكرم لي من أن أرى مننا=معقودة للئام الناس في عنقي
إني وإن قصرت عن همتي جدتي ... وكان ما لي لا يقوى على خلقي
لتارك كل أمر كان يلزمني ... عاراً ويشرعني في المنهل الرنق
67 وقال أيضاً:
ماذا يكلفك الروحات والدلجا ... ألبر طوراً وطوراً تركب اللججا
كم من فتى قصرت في الرزق خطوته ... ألفيته بسهام الرزق قد فلجا
إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أحلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
قدر لرجلك قبل الخطو موضعها ... فمن علا زلقاً عن غرة زلجا
ولا يغرنك صفو أنت شاربه ... فربما كان بالتكدير ممتزجا
68 قال المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرم المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
قال آخر:
(3/56)

فقر الفتى يذهب أنواره ... كما اصفرار الشمس عند المغيب
إن غاب لا يذكر بين الورى ... وما له في قومه من نصيب
يجول في الأسواق مستخفياً ... وفي الفلا يبكي بدمع صبيب
والله ما الإنسان في أهله ... إذا بلي بالفقر إلا غريب
قال ناهض الكلابي:
ألم تر أن جمع القوم يخشى ... وأن حريم واحدهم مباح
وأن القدح حين يكون فردا ... فيهصر لا يكون له اقتداح
قال آخر:
ما من الحزم أن تقارب أمراً ... تطلب البعد منه بعد قليل
فإذا ما هممت بالشيء فانظر ... كيف منه الخروج بعد الدخول
69 كتب علي إلى ابنه حسين
أحسين إني واعظ ومؤدب ... فافهم فإن العاقل المتأدب
واحفظ وصية والد متحنن ... يغذوك بالآداب كيلا تعطب
أبني إن الرزق مكفول به ... فعليك بالإجمال فيما تطلب
لا تجعلن المال كسبك مفردا ... وتقى إلهك فاجعلن ما تكسب
كفل الإله برزق كل برية=والمال عارية تجيء وتذهب
والرزق أسرع ما تلفت ناظر ... سبباً إلى الإنسان حين يسبب
ومن السيول إلى مقر قرارها ... والطير للأوكار حين تصوب
أبني إن الذكر فيه مواعظ ... فمن الذي بعظاته يتأدب
(3/57)

واعبد إلهك ذا المعارج مخلصاً ... وانصت إلى الأمثال فيما تضرب
وإذا مررت بآية مخشية ... تصف العذاب ودمع عينك يسكب
يا من يعذب من يشاء بعدله ... لا تجعلني في الدين تعذب
إني أبوء بعثرتي وخطيئتي ... هذا وهل إلا إليك المهرب
وإذا مررت بآية في ذكرها ... وصف الوسيلة والنعيم المعجب
فاسأل إلهك بالإنابة مخلصاً ... دار الخلود سؤال من يتقرب
واجهد لعلك أن تحل بأرضها ... وتنال ملك كرامة لا تسلب
بادر هواك إذا هممت بصالح ... خوف الغوالب إذ تجيء وتغلب
وإذا هممت بسيئ فاغمض له ... كأب على أولاده يتحدب
والضيف أكرم ما استطعت جواره ... حتى يعدك وارثاً يتنسب
واجعل صديقك من إذا آخيته ... حفظ الإخاء وكان دونك يقرب
واطلبهم طلب المريض شفاءه ... ودع الكذوب فليس ممن يصحب
يعطيك ما فوق المنى بلسانه ... ويروغ عنك كما يروغ الثعلب
واحذر ذوي الملق اللئام فإنهم ... في النائبات عليك ممن يحطب
يسعون حول الماء ما طمعوا به ... وإذا نبا دهر جفوا وتغيبوا
ولقد نصحتك إن قبلت نصيحتي ... والنصح أرخص ما يباع ويوهب
70 وكتب له أيضاً:
عليك ببر الوالدين كليهما ... وبر ذوي القربى وبر الأباعد
فلا تصحبن إلا تقياً مهذبا ... عفيفاً زكياً منجزاً للمواعد
(3/58)

وكف الأذى واحفظ لسانك واتقي ... فديتك في ود الخليل المساعد
ونافس ببذل المال في طلب العلى ... بهمة محمود الخلائق ماجد
وكن واثقاً بالله في كل حادث ... يصنك مدى الأيام من عين حاسد
وبالله فاستعصم ولا ترج غيره ... ولا تك في النعماء عنه بجاحد
وغض عن المكروه طرفك واجتنب ... أذى الجار واستمسك بحبل المحامد
ولا تبن في الدنيا بناء مؤمل ... خلودا فما حي عيها بخالد
وكل صديق ليس في الله وده ... فناد عليه هل به من مزايد
71 وقال أيضاً:
قدم نفسك في الحياة تزودا ... فلقد تفارقها وأنت مودع
واهتم للسفر القريب فإنه ... أنأى من السفر البعيد وأشنع
واجعل تزودك المخافة والتقى ... فلعل حتفك في مسائك أسرع
واقنع بقوتك فالقناع هو الغنى ... والفقر مقرون بمن لا يقنع
واحذر مصاحبة اللئام فإنهم ... منعوك صفو ودادهم وتصنعوا
أهل المودة ما أنلتهم الرضا ... وإذا منعت فسمهم لك منقع
لا تفش سراً ما استطعت إلى امرئ ... يفشي إليك سرائرا يستودع
فكما تراه بسر غيرك صانعا ... فكذا بسرك لا محالة يصنع
لا تبدأن بمنطق في مجلس ... قبل السؤال فإن ذلك يشنع
فالصمت يحسن كل ظن بالفتى ... ولعله خرق سفيه أرقع
ودع المزاح فرب لفظة مازح ... جلبت إليك بلابلا لا تدفع
(3/59)

الباب الخامس في الأمثال
75 (من حكم أكثم بن صيفي) وهذا رجل كان له عقل وحلم ومعرفة وتجربة. وقد علقوا عنه حكماً لطيفة وألفوا فيها تصانيف. فمن حكمه قال: من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء. أفضل من السؤال ركوب الأهوال. من حسد الناس بدأ بمضرة نفسه. العديم من احتاج إلى لئيم. من لم يعتبر فقد خسر. ما كل عثرة تقال. ولا كل فرصة تنال. قد يشهر السلاح. في بعض المزاح. رب عتق. شر من رق. أنت مزر بنفسك إن صبحت من هو دونك. ليس من خادن الجهول. بذي معقول. من جالس الجهال فليستعد قليل وقال. المزاح يورث الضغائن. غثك خير من سمين غيرك. من ج المسير أدرك المقيل. جار الرجل الجواد كمجاور البحر لا يخاف العطش. من طلب من اللئيم حاجة. كان كمن طلب السمك في المفازة. عدة الكريم نقد وعدة اللئيم تسويف. الأنام فرائس الأيام. قد تكس اليواقيت في بعض المواقيت. من أعز نفسه. أذل فلسه. من سلك الجدد أمن العثار (للطرطوشي)
(3/62)

نبذ من كلام الزمخشري والبستي
76 من بلغ غاية ما يحب فليتوقع غاية ما يكره. لا تشرب السم اتكالاً على ما عندك من الترياق. لا تكن ممن يلعن إبليس في العلانية ويواليه في السر. عادات السادات سادات العادات. اللطف رشوة من لا رشوة له. من تاجر الله لم يوكس بيعه. ولم يبخس ريعه. أدوية الدنيا تقصر عن سمومها. ونسيمها لا يفي بسمومها. من زرع الإحن. حصد المحن. لا بد للفرس من سوط. وإن كان بعيد الشوط. شعاع الشمس لا يخفى. ونور الحق لا يطفى. أعمالك نية. إن لم نصحبها بنية. لا يجد الأحمق لذة الحكمة. كما لا يلتذ بالورد صاحب الزكمة. طوبى لمن كانت خاتمة عمره كفاتحته. وليست أعماله بفاضحته. أفضل ما ادخرت التقوى. وأجمل ما لبست الورع. وأحسن ما اكتسبت الحسنات. كفى بالظفر شفيعاً بالذنب. أحق الناس بالزياة في النعم أشكرهم لما أوتي منها. ظهر العتاب خير من مكنون الحقد. قال الجدار للوتد: لم تشقني. قال: سل من يدقني. من نصر الحق قهر الخلق. ربما كان حتف امرئ في ما تمنى

ما ضرب به المثل من الحيوان وغيره
77 إنما كانت العرب أكثر أمثالها مضروبة بالبهائم فلا يكادون يذمون ولا يمدحون إلا بذلك لأنهم جعلوا مساكنهم بين السباع والأحناش والحشات فاستعملوا التمثيل بها. قالوا: أشجع من أسد.
(3/63)

وأجبن من الصافر. وأمضى من ليث عفرين. وأحذر من غراب. وأبصر من عقاب. وأزهى من ذباب. وأذل من قراد. وأسمع من فرس. وأنوم من فهد. وأعق من ضب. وأجبن من صفرد. وأضرع من سنور. واسرق من زبابة. وأصبر من عود. وأظلم من حية. وأحن من ناب. وأكذب من فاختة. وأعز من بيض الأتوق. وأجوع من كلبة حومل. وأعز من الأبلق العقوق. (الصافر الصغير من الطير. والعود المسن من الجمال. والأنوق طير يقال إنه يبيض في الهواء. والزبابة الفأرة تسرق دود الحرير. وفاختة طير يطير بالرطب في غير أيامه) (ما ضرب به المثل من غير الحيوان) . قالوا: أهدى من النجم. وأجود من الديم. وأصبح من الصبح. وأمنح من البحر. وأنور من النهار. وأمضى من السيل. وأحمق من رجلة. وأحسن من دمية. وأنزه من روضة. وأوسع من الدهناء. وآنس من جدول. وأضيق من قرار حافر. وأوحش من مفازة. وأثقل من جبل. وأبقى من الوحي في صم الصلاب. وأخف من ريش الحزاصل (لابن عبد ربه) 78 أشعار جارية مجرى المثل وهي لشعراء مختلفين:
أخاك أخاك إن من لا أخاله ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح
إذا كان غير الله للمرء عدة ... أتته الرزايا من وجوه المكاسب
إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ... ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتدي
(3/64)

إذا لم يكن عندي نوال هجرتني ... وإن كان لي مال فأنت صديقي
إذا أنت لم تعلم طبيبك كل ما ... يسوؤك أبعدت الدواء عن السقم
إن اختفى ما في الزمان الآتي ... فقس على الماضي من الأوقات
إذا لم يعن قول النصيح قبول ... فإن معاريض الكلام فضول
أرى ماء وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود
إذا رمت أن تصفي لنفسك صاحبا ... فمن قبل أن تصفي له الود أغضبه
ألم تر أن السيف يزرى بقدره ... إذا قيل هذا السيف أمضى من العصا
إن الأمور إذا بدت لزوالها ... فعلامة الإدبار فيها تظهر
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم
إن تجد عيباً فسد الخللا ... جل من لا عيب فيه وعلا
تفرقت غنمي يوماً فقلت لها ... يا رب سلط عليها الذئب والضبعا
ترقب جزا الحسنى إذا كنت محسناً ... ولا تخش من سوء إذا أنت لا تسي
الخير لا يأتيك متصلا ... والشر يسبق سيله المطر
ذكر الفتى عمه الثاني وحاجته ... ما قاته وفضول العيش أشغال
ذو الفضل لا يسلم من قدح ... وإن غدا أقوم من قدح
الرأي يصدأ كالحسام لعارض ... يطرا عليه وصقله التذكير
سكناه ونحسبه لجبنا ... فأبدى الكير عن خبث الحديد
عفافك غي إنما عفة الفتى ... إذا عف من لذاته وهو قادر
غلام أتاه اللؤم من شطر نفسه ... ولم يأته من شطر أم ولا أب
(3/65)

فقال قم قلت رجلي لا تطاوعني ... فقال خذ قلت كفي لا تؤاتيني
فلا تجعل الحسن الدليل على الفتى ... فما كل مصقول الحديد يماني
فالدر وهو أجل شيء يقتنى ... ما حط قيمته هوان الغائص
قد قيل ذلك إن صدقا وإن كذبا ... فما احتيالك في شيء وقد قيلا
لا يعجبن مضيما حسن بزته ... وهل تروق دفيناً جودة الكفن
لا ترج شيئاً خالصاً نفعه ... فالغيث لا يخلو من الغث
لا تغرنك هذه الأوجه الغر ... م فيا رب حية في رياض
لا تحسب المجد رطباً أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
لا تحقرن شأن العدو وكيده ... ولربما صرع الأسود الثعلب
لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجساد بالعلل
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها=أني بما أنا باك منه محسود
ما لقوي عن ضعيف غنى ... لا بد للسهم من الريش
من ليس يخشى أسود الغاب إن زأرت ... فكيف يخشى كلاب الحي إن نبحت
لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب ... ولا ينال العلى من طبعه الغضب
المرء يحيا بلا ساق ولا عضد=ولا يعيش بلا قلب ولا أدب
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثلما فعلوا
وقد يكسف المرء من دونه ... كما يكسف الشمس جرم القمر
ولا تقرب الأمر الحرام فإنه ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها
(3/66)

ولو لبس الحمار ثياب خز ... لقال الناس يا لك من حمار
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال
وإني أرى في عينك الجذع معرضاً ... وتعجب إن أبصرت في عيني القذى
وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شامل
وتشتت الأعداء في آرائهم ... سبب لجمع خواطر الأحباب
وكل جديد قد يؤول إلى بلى ... وكل امرئ يوماً يصير إلى كانا
وإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام
وماذا أرجي من حياة تكدرت ... ولو قد صفت كانت كأحلام نائم
ولم أر مثل الشكر جنة غارس ... ولا مثل حسن الصبر جبة لابس
وفي السماء نجوم ما لها عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر
ونار إن نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد
وإني رأيت الحزن للحزن ماحياً ... كما خط في القرطاس سطر على سطر
ويمكن وصل الحبل بعد انقطاعه ... ولكنه يبقى به عقدة الربط
وعين الرضا عن كل عيل كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
وإذا كان منتهى العمر موتاً ... فسواء طويله والقصير
وإذا أراد الله نصرة عبده ... فكانت له أعداؤه أنصارا
ومن يتشبث في العداوة كفة ... بأكبر منه فهو لا شك هالك
يهوى الثناء مبرز ومقصر ... حب الثناء طبيعة الإنسان
يقولون لي أهلاً وسهلاً ومرحباً=ولو ظفروا بي ساعة قتلوني
(3/67)

الباب السادس في أمثال عن ألسنة الحيوانات
البازي والديك
79 باز وديك تناظرا. فقال البازي للديك: ما أعرف أقل وفاء منك لأصحابك. قال: وكيف. قال: تؤخذ بيضة وتحضنك أهلك وتخرج على أيديهم فيطعمونك بأيديهم. حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طردت من هنا إلى هنا وصحت. وعلوت على حائط دار كنت فيها سنين طرت منها على غيرها. وأما أنا فأوخذ من الجبال وقد كبر سني فتخاط عيني. وأطعم الشيء اليسير وأساهر فأمنع من النوم وأنسى اليوم واليومين. ثم أطلق على الصيد وحدي فأطير إليه وآخذه وأجيء به إلى صاحبي. فقال له الديك: ذهبت عنك الحجة أما لو رأيت بازيين في سفود النار ما عدت لهم. وأنا في كل وقت أرى السفافيد مملوءة ديوكاً. فلا تكن حليماً عن غضب غيرك (لبهاء الدين)

برغوث وبعوضة
80 حكي أنه اجتمع برغوث وبعوضة. فقالت البعوضة للبرغوث: إني لأعجب من حالي وحالك. أنا أفصح منك لساناً. وأوضح بياناً. وأرجح ميزاناً. واكبر شأناً. وأكثر طيراناً. ومع هذا فقد أضر بي
(3/68)

الجوع. وحرمني الهجوع. ولا أزال عليلة مجهودة. مبعدة عن الطريق مطرودة. وأنت تأكل وتشبع. وفي نواعم الأبدان ترتع. فقال لها البرغوث: أنت بين العالم مطنطنة. وعلى رؤوسهم مدندنة. وأنا قد توصلت إلى قوتي بسبب سكوتي

اللبؤة والغزال والقرد
81 حكي أن لبؤة كانت ساكنة بغابة. وبجوارها غزال وقرد قد ألفت جوارهما واستحسنت عشرتهما. وكان لتلك اللبؤة شبل صغير قد شغفت به حباً وقرت به عيناً. وطابت به قلباً. وكان لجارها الغزال أولاد صغار. وكانت اللبؤة تذهب كل يوم تبتغي قوتاً لشبلها من النبات وصغار الحيوان. وكانت تمر في طريقها على أولاد الغزال. وهن يلعبن بباب حجرهن. فحدثت نفسها يوماً باقتناص واحد فتجعله قوت ذلك اليوم وتستريح فيه من الذهاب. ثم أقلعت عن هذا العزم لحرمة الجوار ثم عاودها الشره ثانياً مع ما تجد من القوة والعظم. وأكد ذلك ضعف الغزال واستلامه لأمر اللبؤة. فأخذت ظبياً منهم ومضت فلما علم الغزال داخله الحزن والقلق ولم يقدر على إظهار ذلك وشكا لجاره القرد. فقال له: هون عليك فلعلها تقلع عن هذا ونحن لا نستطيع مكاشفتها ولعلي أن أذكرها عاقبة العدوان وحرمة الجيران. فلما كان الغد أخذت ظبياً ثانياً فلقيها القرد في طريقها فسلم عليه وحياها وقال لها: إني لا آمن
(3/69)

عليك عاقبة البغي وإساءة الجوار. فقالت له: وهل اقتناصي لأولاد الغزال. إلا كاقتناصي من أطراف الجبال. وما أنا تاركة قوتي وقد ساقه القدر إلى باب بيتي. فقال لها القرد: هكذا اغتر الفيل بعظيم جثته. ووفور قوته فبحث عن حتفه بظلفه. وأوبقه البغي رغم أنفه. فقالت اللبؤة: كيف كان ذلك. قال القرد: ذكروا أن قنبرة كان لها عش فباضت وفرخت فيه وكان في نواحي تلك الأرض فيل وكان له مشرب يتردد إليه. وكان يمر في بعض الأيام على عش القنبرة. ففي ذات يوم أراد مشربه فعمد إلى ذلك العش ووطئه وهشم ركنه. وأتلف بيضها وأهلك فراخها. فلما نظرت القنبرة إلى ما حل بعشها ساءها ذلك وعلمت أنه من الفيل. فطارت حتى وقعت على رأسه باكية وقالت له: أيها الملك ما الذي حملك على أن وطئت عشي وهشمت بيضي وقتلت أفراخي وإننا في جوارك. أفعلت ذلك استضعافاً بحالي وقلة مبالاة بأمري. قال الفيل: هو كذلك فانصرفت القنبرة إلى جماعة الطيور فشكت إليهم ما نالها من الفيل فقالت لها الطيور: وما عسانا أن نبلغ من الفيل ونحن طيور. فقالت للعقاعق والغربان: إني أريد منكم أن تسيروا معي إليه فتفقؤوا عينيه. فأنا بعد ذلك أحتال عليه بحيلة أخرى. فأجابوها إلى ذلك ومضوا إلى الفيل. ولم يزالوا به يتجاذبونه بينهم وينقرون عينيه إلى أن فقؤوهما وبقي لا يهتدي إلى طريق مطعمه ولا مشربه. فلما علمت
(3/70)

ذلك جاءت إلى نهر فيه ضفادع فشكت ما نالها من الفيل. فقالت الضفادع: ما حيلتنا مع الفيل ولسنا كفأه وأين نبلغ منه. قالت القنبرة: أحب منكن أن تذهبن معي إلى وهدة بالقرب منه فتقفن تضججن بها. فإذا سمع أصواتكن لم يشك أن بها ماء فيكب نفسه فيها. فأجابها الضفادع إلى ذلك فلما سمع الفيل أصواتهن في قعر الحفرة توهم أن بهاء ماء. وكان على جهد من العطش فجاء مكباً على طلب الماء فسقط في الوهدة ولم يجد مخرجاً منها. فجاءت القنبرة ترفرف على رأسه وقالت له: أيها المغتر بقوته الصائل على ضعفي كيف رأيت عظيم حيلتي مع صغر جثتي. وبلادة فهمك مع كبر جسمك. وكيف رأيت عاقبة البغي والعدوان. ومسالمة الزمان. فلم يجد الفيل مسلكاً لجوابها. ولا طريقاً لخطابها. فلما انتهى القرد في غاية ما شربه للبؤة من المثل أوسعته انتهاراً وأعرضت عنه استكباراً. ثم إن الغزال انتقلت بما بقي من أولادها تبتغي لها جحراً آخر. وإن اللبؤة خرجت ذات يوم تطلب صيداً وتركت شبلها. فمر بها فارس فلما رآه حمل عليه فقتله وسلخ جلده وأخذه وترك لحمه وذهب فلما رجعت اللبؤة ورأت شبلها مقتولاً مسلوخاً رأت أمراً فظيعاً. فامتلأت غيظاً وناحت نوحاً عالياً وداخلها هم شديد. فلما سمع القرد صوتها أقبل عليها مسرعاً فقال لها: وما دهاك. فقالت اللبؤة: مر صياد بشبلي ففعل به ما ترى. فقال لها: لا تجزعي ولا تحزني وأنصفي من نفسك واصبري عن غيرك
(3/71)

كما صبر غيرك عنك. فكما يدين الفتى يدان. وجزاء الدهر بميزان. ومن بذر حباً في أرض فبقدر بذره يكون الثمر. والجاهل لا يبصر من أين تأتيه سهام الدهر. وإن حقاً عليك أن لا تجزعي من هذا الأمر. وأن تتدرعي له بالرضا والصبر. فقالت اللبؤة: كيف لا أجزع وهو قرة العين وواحد القلب ونزهة الفكر. وأي حياة تطيب لي بعده. فقال لها القرد: أيتها للبؤة ما الذي كان يغديك ويعشيك. قالت: لحوم الوحوش. قال القرد: أما كان لتلك
الوحوش التي كنت تأكليها آباء وأمهات. قالت: بلى. قال القرد: فما بالنا لا نسمع لتلك الآباء ولا الأمهات صياحاً وصراخاً كما سمع منك ولقد أنزل بك هذا الأمر جهلك بالعواقب وعدم تفكرك فيها. وقد نصحتك حين حقرت حق الجوار. وألحقت بنفسك العار. وجاوزت بقوتك حد الإنصاف. وسطوت على الظباء الضعاف. فكيف وجدت طعم مخالفة الصديق الناصح.. قالت اللبؤة: وجدته مر المذاق. ولما علمت اللبؤة أن ذلك بما كسبت يدها من ظلم الوحوش رجعت عن صيدها ورمت نفسها باللوم. وصات تتقنع بأكل النبات وحشيش الفوات (بستان الاذهان للشبراوي)

ساعة
وهو مثل من يمنعه التفكر في مستقبل الأمر عن الانتفاع بالحاضر
82 حكي أن ساعة قديمة كانت مركوزة في مطبخ أحد الدهاقنة
(3/72)

مدة خمسين سنة من دون أن يبدو منها أدنى سبب يكدره. غير أنها في صبيحة ذات يوم من أيام الصيف. وقفت عن الحركة قبل أن يستيقظ أصحاب المحل. فتغير منظر وجهها بسبب ذلك ودهش. وبذلك العقارب جهدها وودت لو تبقى على حالة سيرها الأولى. وغدت الدواليب عديمة الحركة لما شملها من التعجب. وأصبح الثقل واقفاً لا يبدي ولا يعيد. ورامت كل آلة أن تحيل الذنب على أختها وطفق الوجه يبحث عن هذا الوقوف. وبينما كانت الدواليب والعقارب تبرئ نفسه باليمين إذا بصوت خفي سمع من الدقاق بأسفل الساعة يقول هكذا: إني أقر على نفسي بأني أنا كنت علة هذا الوقوف. وسأبين لك سبب ذلك لسكوتكم وإقناعكم أجمعين. والحق أقول إني مللت من الدق. فلما سمعت الساعة مقالته كادت تتميز من الغيظ. وقال له الوجه وهو رافع يديه: تباً لك من سلك ذي كسل. فأجابه الدقاق: لا بأس بذلك يا سيدي الوجه: لا جرم أنك ترضيك هذه الحال. إذ قد رفعت على نفسك كما هو معلوم لدى الجميع. وأنه يسهل عليك أن تدعو غيرك كسلاً وتنسبه إلى التواني. فإنك قد قضيت عمرك كله بغير شغل ولم يكن لك فيه من عمل إلا التحديق في وجوه الناس والانشراح برؤية ما يحدث في المطبخ. أرأيتك لو كنت مثلي في موضع ضنك مظلم كهذا. وتجيز حياتك كلها بين مجيء وذهاب يوماً بعد يوم
(3/73)

وعاماً بعد عام. وقال له الوجه: أوليس في موضعك طاقة تنظر منها. فقال الدقاق: بلى. ولكنها مظلمة. على أنه وإن تكن لي طاقة فلا أتجاسر على التطلع منها. حيث لا يمكن لي الوقوف ولو طرفة عين. والحاصل أن مللت هذا الحال. وإن استزدتني شرحاً. فإني أخبرك بما سبب لي الضجر من شغلي. وذلك أني حسبت في صباح هذا اليوم كمية المرار التي أغدو وأروح فيها مدة أربع وعشرين ساعة. فعظم ذلك علي. وقد يمكن تحقيق ذلك بمعرفة أحد الجلوس الذين فوق. فبادر عقرب الدقائق إلى العدد وقال بديهاً: إن عدة المرار التي ينبغي لك فيها المجيء والذهاب في هذه المدة الوجيزة. إنما تبلغ ستاً وثمانين ألفاً وأربع مئة مرة. فقال الدقاق: هو هكذا. فهل (والحالة هذه وقصتي قد رفعت لكم) يخال أن مجرد التفكير في هذا العمل لا يوجب عناء وتعباً لمن يعانيه. على أني حين شرعت في ضرب دقائق ذلك اليوم في مستقبل الشهور والأعوام زالت مني قوتي ووهن عظمي وعزمي. وما ذلك بغريب. وبعد تخيلات شتى عمدت إلى الوقوف كما ترونني. فكاد الوجه في أثناء هذه المكالمة أن لا يتمالك عنه. ولكنه كظم غيظه وخاطبه بحلم وقال: يا سيدي الدقاق العزيز إني لفي تعجب عظيم من انقلاب شخص فاضل نظيرك لمثل هذه الوساوس بغتة. نعم إنك وليت عمرك أعمالاً جسيمة كما عملنا نحن كلنا أيضاً. وإن
(3/74)

لتفكر في هذه الأشغال وحده يوجب العناء غير أني أظن مباشرتها ليست كذلك. فألتمس منك أن تسدي إلي معروفك بأن تدق الآن ست دقات ليتضح مصداق ما قلت. فرضي الدقاق بهذا ودق ست دقات جرياً على عادته. فقال له الوجه حينئذ: ناشدتك الله هل أبدى لك ما باشرته الآن نصباً وتعباً. فقال الدقاق: كلا فإن مللي وتضجري لم ينشأ عن ست دقات. ولا عن ستين دقة. بل عن ألوف وألوف ألوف. فقال له الوجه: صدقت. ولكنه ينبغي لك أن تعلم هذا الأمر الضروري. وهو أنك حين تفكر في هذه الألوف بلحظة واحدة. فإن الذي يجب عليك منها إنما هو مباشرة دقة واحدة لا غير. ثم مهما لزمك بعده من الدق يفسح الله لك في أجل لإتمامه فقال الدقاق: أشهد أن كلامك هذا حاك في وأمالني. فقال الوجه: عسى بعد ذلك أن نعود بأجمعنا إلى ما كنا عليه من العمل. لأنا إذا بقينا كذلك يظل أهل المنزل مستغرقين في النوم إلى الظهر. ثم إن الأثقال التي لم تكن وصفت قط بالخفة ما برحت تغري الدقاق على الشغل حتى أخذ في مباشرة خدمته كما كان. وحينئذ شرعت الدواليب في الدوران. وطفقت العقارب تسير. حتى إذا ظهر شعاع الشمس في المطبخ المغلق من كوة فيه امتلأ الوجه ضياء وانجلى تعبيسه. كأن لم يكن شيء مما كان. فأما صاحب المنزل فلما نزل إلى المطبخ ليفطر فيه. نظر إلى الساعة المركوزة فقال: إن
(3/75)

الساعة التي بجيبي تأخرت في السير ليلاً بنحو ثلاثين دقيقة

قرد وغيلم
83 زعموا أن قرداً يقال له ماهر كان ملك القردة وكان قد كبر وهرم. فوثب عليه قرد شاب من بيت المملكة فتغلب عليه وأخذ مكانه. فخرج هارباً على وجهه حتى انتهى إلى الساحل. فوجد شجرة تين فارتقى إليها واتخذها له مقاماً. فبينما هو ذات يوم يأكل من ثمرها. إذ سقطت من يده تينة في الماء فسمع لها صوتاً وإيقاعاً. فجعل يأكل ويرمي في الماء فأطربه ذلك فأكثر من تطريح التين فيه. وكان ثم غيلم كلما وقعت تينة أكلها. فلما أكثر ذلك ظن أن القرد إنما يفعل ذلك لأجله فرغب في مصادقته وأنس إليه وكلمه. وألف كل واحد منهما صاحبه. وطالت غيبة الغيلم على زوجته. فجزعت عليه وشكت ذلك إلى جارة لها وقالت: قد خفت أن يكون عرض له عارض سوء فاغتاله. فقالت لها: إن زوجك بالساحل قد أبلف قرداً وألفه القرد. فهو مؤاكله ومشاربه ومجالسه. ثم إن الغيلم انطلق بعد مدة إلى منزله. فوجد زوجته سيئة الحال مهمومة. فقال لها: ما لي أراك هكذا فأجابته جارتها: إن قرينتك مريضة مسكينة. وقد وصفت لها الأطباء قلب قرد وليس لها دواء سواه. فقال: هذا أمر عسير من أين لنا قلب قرد ونحن في الماء ولكن سأشاور صديقي. ثم
(3/76)

انطلق إلى ساحل البحر فقال له القرد: يا أخي ما حبسك عني. قال له الغيلم: ما ثبطني عنك إلا حيائي. كيف أجازيك على إحسانك إلي وإنما أريد الآن أن تتم هذا الإحسان بزيارتك لي في منزلي. فإني ساكن في جزيرة طيبة الفاكهة كثيرة الأثمار. فاركب ظهري لأسبح بك. فرغب القرد في ذلك ونزل فامتطى مطا الغيلم. حتى إذا سبح به ما سبح عرض له قبح ما أضمر في نفسه من الغدر فنكس رأسه. فقال هل القرد: مالي أراك مهتماً. فقال الغيلم: إنما همي لأني ذكرت أن قرينتي شديدة المرض. وذلك يمنعني عن كثير مما أريد أن أبلغكه من الإكرام والإلطاف. قال القرد: إن الذي أعتقد من حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلف. قال الغيلم: أجل. ومضى بالقرد ساعة ثم توقف به ثانية. فساء ظن القرجد وقال في نفسه: ما احتباس الغيلم وبطؤه إلا لأمر. ولست آمناً أن يكون قلبه قد تغير علي وحال عن مودتي فأراد بي سوءاً. فإن لا شيء أخف وأسرع تقلباً من القلب. ويقال: ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن التماس ما في نفسه أهله وولده وإخوانه وصديقه عند كل أمر وفي كل لحظة وكلمة. وعند القيام والعقود وعلى كل حال. وإنه إذا دخل قلب الصديق من صديقه ريبة. فليأخذ بالحزم في التحفظ منه ويتفقد ذلك في لحظاته وحالاته. فإن كان ما يظن حقاً ظفر بالسلامة. وإن كان باطلاً ظفر بالحزم ولم يضره. ثم قال للغيلم: ما الذي
(3/77)

يحبسك ومالي أراك مهتماً كأنك تحدث نفسك مرة أخرى. قال: يهمني أنك تأتي منزلي فلا تلقى أمري كما أحب لأن زوجتي مريضة. قال القرد: لا تهتم. فإن الهم لا يغني عنك شيئاً. ولكن التمس ما يصلح زوجتك من الأدوية والأغذية. فإنه يقال: يبذل ذو المال ماله في ثلاثة مواضع: في الصدقة. وفي وقت الحاجة. وعلى الزوجة. قال الغيلم: صدقت. وإنما قالت الأطباء: إنه لا دواء لها إلا قلب قرد. فقال القرد في نفسه: وا سوءتاه لقد أدركني الحرص والشره على كبر سني حتى وقعت في شر مورط. ولقد صدق الذي قال: يعيش القانع الراضي مستريحاً مطمئناً. وذو الحرص والشره يعيش ما عاش في تعب ونصب. وإني قد احتجت الآن إلى عقلي في التماس المخرج مما وقعت فيه. ثم قال للغيلم: وما منعك أن تعلمني حتى كنت أحمل قلبي معي. وهذه سنة فينا معاشر القردة إذا خرج أحدنا لزيارة صديق له خلف قلبه عند أهله أو في موضعه. لننظر إذا نظرنا إلى حرم المزور وما قلوبنا معنا. قال الغيلم: وأين قلبك الآن. قال: خلفته في الشجرة فإن شئت فارجع بي إليها حتى آتيك به. ففرح الغيلم بذلك ورجع بالقرد إلى مانه. فلما قارب الساحل وثب القرد عن ظهره فارتقى الشجرة. فلما أبطأ على الغيلم ناداه يا خليلي احمل قلبك وانزل فقد عقتني. فقال القرد. هيهات ولكنك احتلت علي وخدعتني بمثل خديعتك. واستدركت
(3/78)

فارط أمري. وقد قيل: الذي يفسده الحلم. لا يصلحه إلا العلم. قال الغيلم: صدقت. إلا أن الرجل الصالح يعترف بزلته. وإذا أذنب ذنباً لم يستحي أن يؤدب. وإن وقع في ورطة أمكنه التخلص منها. كالرجل الذي يعثر على الأرض وعلى الأرض ينهض ويعتمد. فهذا مثل الرجل الذي يطلب الحاجة فإذا ظفر بها أضاعها (كليلة ودمنة)

الضبعة والرجل
84 قال المدائني: خرج فتيان في صيد لهم. فأثاروا ضبعة فنفرت ومرت فاتبعوها. فلجأت إلى بيت رجل فخرج إليه بالسيف مسلولا. فقالوا له: يا عبد الله لم تمنعنا من صيدنا. فقال: إنها استجارت بي فخلوا بينها وبينه. فنظر إليها فإذا هي مهزولة مضرورة. فجعل يسقيها اللبن صبوحاً ومقيلاً وغبوقاً حتى سمنت وحسنت حالها. فبينا هو ذات يوم راقداً عدت عليه فشقت بطنه وشربت دمه. فقال ابن عم له:
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
أعد لها لما استجارت بقربه ... مع الأمن ألبان اللقاح الدرائر
فأشبعها حتى إذا ما تمكنت ... فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يوجه معروفاً إلى غير شاكر

أسد وذئب وغراب وابن آوى وجمل
وهو مثل من يعاشر من لا يشاركه حتى يهلك نفسه
85 زعموا أن أسداً كان في أجمة مجاوراً لأحد الطرق المسلوكة. وكان
(3/79)

له أصحاب ثلاثة: ذئب وغراب وابن آوى. وإن رعاة مروا بذلك الطريق ومعهم جمال. فتخلف منها جمل فدخل تلك الأجمة حتى انتهى إلى الأسد. فقال له أبو فراس: من أين أقبلت. قال: من موضع كذا. قال: فما حاجتك. قال: ما يأمرني به الملك. قال: تقيم عندنا في السعة والأمن والخصب. فلبث عنده زماناً طويلاً ثم إن الأسد مضى في بعض الأيام لطلب الصيد فلقي فيلاً عظيماً. فقالته قتالاً شديداً وأفلت منه مثقلاً مثخناً بالجراح يسيل منه الدم. وقد أنشب الفيل فيه أنيابه. فلم يكد يصل إلى مكانه. حتى رزح لا يستطيع حراكاً وحرم طلب الصيد. فلبث الذئب والغراب وابن آوى أياماً لا يجدون طعاماً. لأنهم كانوا يأكلون من فضلات الأسد وفواضله. فأجهدهم الجوع والهزال. وعرف الأسد ذلك منهم فقال: لقد جهدتم واحتجتم إلى ما تأكلون. فقالوا: إنه لا يهمنا أنفسنا. لكنا نرى الملك على ما نراه فليتنا نجد ما يأكله ويصلح به. قال الأسد: ما أشك في نصيحتكم. ولكن انتشبوا لعلكم تصيبون صيداً فأكسبكم ونفسي منه. فخرج الذئب والغراب وابن آوى من عند الأسد. فتنحوا ناحية وائتمروا فيما بينهم وقالوا: ما لنا ولهذا الآكل العشب الذي ليس شأنه من شأننا. ولا رأيه من رأينا. ألا نزين للأسد فيأكله ويطعمنا من لحمه. قال ابن آوى: هذا مما لا نستطيع ذكره للأسد. لأنه قد أمن الجمل وجعل له من ذمته.
(3/80)

قال الغراب: أنا أكفيكم الأسد. ثم انطلق فدخل على الأسد فقال له: هل أصبتم شيئاً. قال الغراب: إنما يصيب من يسعى ويبصر. ونحن فلا سعي لنا ولا بصر لما بنا من الجوع. ولكن قد وفقنا لرأي واجتمعنا عليه. فإن وافقنا الملك فنحن له مجيبون. قال الأسد: وما ذاك. قال الغراب: هذا الجمل آكل العشب المتمرغ بيننا من غير منفعة لنا منه ولا رد عائدة. ولا عمل يعقب مصلحة. فلما سمع الأسد ذلك. غضب وقال: ما أخطأ رأيك. وما أعجز مقالك وأبعدك من الوفاء والرحمة. وما كنت حقيقاً أن تجترئ علي بهذه المقالة وتستقبلني بهذا الخطاب. مما علمت أني قد أمنت الجمل وجعلت له من ذمتي. أو لم يبلغك أنه لم يتصدق متصدق بصدقة هي أعظم أجراً ممن أمن نفساً خائفاً وحقن دماً مهدوراً. وقد أمنته ولست بالغادر به. قال الغراب: إني لأعرف ما يقول الملك. ولكن النفس الواحدة يفتدى بها أهل المصر. وأهل المصر فدى الملك. وقد نزلت بالملك الحاجة. وأنا أجعل له من ذمته مخرجاً على أن لا يتكلف ذلك ولا يليه بنفسه ولا يأمر به أحداً. ولكنا نحتال عليه بحيلة لنا وللملك فيها صلاح وظفر. فسكت الأسد عن جواب الغراب عن هذا الخطاب. فلما عرف الغراب إقرار الأسد أتى أصحابه فقال لهم: قد كلمت الأسد في أكلة الجمل: على أن نجتمع نحن والجمل لدى حضرته.
(3/81)

فنذكر ما أصابه ونتوجع له اهتماماً منا بأمره وحرصاً على صلاحه. ويعرض كل واحد منا نفسه عليه. فيرده الآخران ويسفه رأيه ويبين الضرر في أكله. فإذا فعلنا ذلك سلمنا كلنا ورضي الأسد عنا ففعلوا ذلك وتقدموا إلى الأسد فقال: الغراب: قد احتجت أيها الملك إلى ما يقويك. ونحن أحق أن نهب أنفسنا لك فإنا بك نعيش. فإذا هلكت فليس لأحد منا بقاء بعدك. ولا لنا في الحياة من خيرة. فليأكلني الملك فقد طبت بذلك نفساً. فأجابه الذئب وابن آوى أن اسكت. فلا خير للملك في أكلك وليس فيك شبع. قال ابن آوى: لكن أنا أشبع الملك. فليأكلني فقد رضيت بذلك وطبت عنه نفساً. فرد الذئب والغراب بقولهما له: إنك منتن قذر. قال الذئب: أنا لست كذلك. فليأكلني الملك عن طيب نفس مني وإخلاص طوية. فاعترضه الغراب وابن آوى وقالا: قد قالت الأطباء: من أراد قتل نفسه. فليأكل لحم ذئب. فظن الجمل أنه إذا عرض نفسه على الأكل التمسوا له عذراً كما التمس بعضهم لبعض فيسلم ويرضى عنه الأسد. فقال: لكن أنا في للملك شبع وري. ولحمي طيب هني وبطني نظيف. فليأكلني الملك ويطعم أصحابه وحشمه. فقد سمحت بذلك طوعاً ورضا. فقال الذئب والغراب وابن آوى: لقد صدق الجمل وتكرم وقال ما درى. ثم إنهم وثبوا عليه ومزقوه (كليلة ودمنة)
(3/82)

الجدي السالم والذئب النادم
86 حكي أنه كان في بعض الغياض لذئب وجار. وأهل وجار. فخرج يوماً لطلب صيد. ونصب لذلك شباك الكيد. وصار يجول ويصول. ولا يقع على محصول. فأثر فيه الجوع واللغوب. وأذنت الشمس للغروب. فصادف بعض الرعيان. يسوق قطيعاً من الضان. وفيها بعض جديان. فهم عليها لشدة الجوع بالهجوم. ثم أدركه من خوف الراعي الوجوم. لأنه كان متيقظاً. ومن الذئب على ماشيته متحفظاً. فجعل يراقبه من بعيد. والحرص والشره يزيد. والراعي سائق. وللذئب عائق. فتخلف جدي غبي. وغفل عنه الراعي الذكي. فأدركه الذيب النشيط. وأقطعه بأمل بسيط. وبشر نفسه بالظفر. وطار بالفرح واستبشر. فلما رأى الجدي الذيب. علم أنه أصيب بيوم عصيب. وظفر قصاب البلاء من قصبه بأوفر نصيب. فتدارك نفسه بنفسه. واستحضر حيلة جاشه وحدسه. وعلم أنه لا ينجيه من تلك الورطة الوبيلة. إلا مغيث الخداع والحيلة. وأذكره مذكر الخاطر. ما قال الشاعر:
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا ... به الخطب إلا وهو للقصد مبصر
فتقدم بجأش صليب. وقبل الأرض بين يدي الذيب. وقال له محبك الراعي. لجنابك داعي. يسلم عليك. وقد أرسلني إليك. يشكر صداقتك وشفقتك. وحشمتك ومرافقتك. ويقول قد تركت بحسن
(3/83)

إبائك عادة أجدادك وآبائك. فلم تتعرض لمواشيه. وحفظت بنظرك ضعاف حواشيه. وقد حصل لضعافها الشبع. وأمنت بجوارك الجوع والفزع. وحصل الأمن من الجزع. فسيجعل جوارك وغياضك أحسن مستنجع. لأن ضعاف ماشيته شبعت ورويت. وانتعشت وقويت. فأراد مكافأتك. وطلب مصادقتك ومصافاتك. فأرسلني إليك لتأكلني. وأوصاني أن أطربك بما أغني. فإني حسن الصوت في الغناء. وصوتي يزيد شهوة الغذاء. فإن اقتضى رأيك الأسعد. غنيتك غناء ينسي أبا إسحاق ومعبد. وهو شيء لم يظفر به آباؤك وأجدادك. وما يناله أعقابك وأولادك. يقوي كزمك. وشهوتك وقرمك. ويطيب مأكلك. ويسني مأملك. وإن صوتي اللذيذ. ألذ للجائع من جدي حنيذ. وخبز سميذ. وللعطشان من قدح نبيذ. فرأيك أعلى. وامتثالك أولى. فقال الذئب: لا بأس والك. فغني ما بدا لك. فرفع الجدي عقيرته. ورأى في الصراخ خيرته. وأنشد:
وعصفور الحشا يهوى جراده ... كما عشق الخروف أبو جعاده
فاهتز الذئب طرباً. وتمايل عجباً وعجبا. وقال: أحسنت يا زين الغنم. ولكن هذا الصوت في اليم. فارفع صوتك في الزير. فقد أخجلت البلابل والزرازير. وزدني يا مغني. وغن لي. ما يلي قولي:
أقر هذا الزمان عيني ... بالجمع بين المنى وبيني
(3/84)

وليكن هذا يا سيد الجداء في أوج الحسيني. فاغتنم الجدي الفرصة وأزاح بعياطه الغصة. وصرخ صرخ أخرى. أذكر الطامة الكبرى. ورفع الصوت. كمن عاين الموت. وخرج من دائرة الحجاز إلى العراق. وكاد يحصل له من ذلك الانفتاق. وقال:
قفوا ثم انظروا حالي ... أبو مذقة أكالي
فسمعه الراعي يشدو. فأقبل بالمطرق يعدو. فلم يشعر الذئب الذاهل. وهو بحسن السماع غافل. إلا والراعي بالعصا على قفاه نازل. فرأى الذئب الغنيمة في النجاة. وأخذ في طريق الحياة. وترك الجدي وأفلت. ونجا من سيف الموت المصلت. وصعد إلى تل يتلفت. إذ تفلت. وأقعى يعض يديه ندامة. ويخاطب نفسه بالملامة. ويقول: أيها الغافل الذاهل. الأحمق الجاهل. متى كان على سماط السرحان. القبز والأوزان. وأي جد لك فان. أو أب مفسد جان. كان لا يأكل إلا بالمغاني. وعلى صوت المثالث والمثاني. فلولا أنك عدلت عن طريقة آبائك. ما فاتك لذيذ عشائك. ولا أمسيت جائعاً تتلوى. وبجمرة فوات الفرصة تتكوى. ثم بات يحرق ضرسه ونابه. ويخاطب نفسه لما نابه:
وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات عاتب القدرا

فأرة وهر
87 كان رجل فقير عنده هر رباه. وأحسن مأواه. وكان القط قد
(3/85)

عرف منه الشفقة. وألف منه المودة والمقة. فكان لا يبرح من مبيته. ولا يسعى لطلب قوته. فحصل له الهزال. وتغير حاله من أمر وحال. فلا عند صاحبه ما يغذيه. ولا له قوة على الاصطبار تغنيه. إلى أن عجز عن الصيد. وصار يسخر به من أراذل الفار عمرو وزيد. وكان في ذلك المكان. مأوى لرئيس الجرذان. وبجواره مخزن سمان. فاجترأ الجرذ لضعف أبي غزوان. وتمكن من نقل ما يحتاج إليه. وصار يمر على القط آمناً ويضحك عليه. إلى أن امتلأ وكره من أنواع المطاعم. وحصل له الفراغ من المخاوف والمزاحم. فاستطال على الجيران. واستعان بطوائف الفار على العدوان. وافتكر يوماً في نفسه. فكراً أداه إلى حلول رمسه. وهو أن هذا القط وإن كان عدواً قديماً. ومهلكاً عظيماً. ولكنه قد وقع في الانتحال. وضعف عن الصيد والاغتيال. وقوتي إنما هي لسبب ضعفه. وهذا الفتح إنما هو حاصل بحتفه. ولكن الدهر الغدار. ليس له على حالة استمرار. فربما يعود الدهر إليه. ويعيد صحته وعافيته عليه. فإن الزمان الدوار ينهب ويهب. ويعطي ما سلب. ويرجع فيما وهب. كل ذلك من غير موجب ولا سبب. وإذا عاد القط إلى ما كان عليه. يتذكر من غير شك إساءتي إليه فيثور قلقه. ويفور حنقه. ويأخذه للانتقام مني أرقه. فلا يقر لي معه قرار. فأضطر على التحول عن هذه الدار. والخروج عن الوطن المألوف. ومفارقة
(3/86)

السكن المعروف. فلا بد من الاهتمام قبل حلول هذا الغرام. والأخذ في طريقة الخلاص. قبل الوقوع في شرك الاقتناص. ثم إنه ضرب أخماساً لأسداس. في كيفية الخلاص من هذا اللباس. فأداه الفكر إلى إصلاح المعاش. بينه وبين أبي حراش. ليدوم له هذا النشاط. ويستمر بواسطة الصلح بساط الانبساط. فرأى أنه لا يفيده إلا أن يزرع الجميل. من كثير وقليل. خصوصاً في وقت الفاقة. فإنه أجلب للصداقة. وأبقى في الوثاقة. ثم بعد ذلك يترتب عليها العهود. ويتأكد ما يقع عليه الاتفاق من العقود. وهو أن يلتزم كبير الجرذان في كل غداة. ما يكفيه من طيب الغذاء صباحه ومساه. لأن الشيخ قال في الدرس: خير المال ما وقيت به النفس. إلى أن يصح جسده. ويرد عليه من عيشه رغده. ويكون ذلك سبباً لعقود الصداقة وترك العداوة القديمة. فجمع له من الخبز والجبن واللحم القديد. ما قدر على حمله. ونهضت قوته بنقله. وقدم مقام الهر وسلم عليه سلام مكرم مبر. وقدم ما لديه إليه. وترامى بكثرة الاشتياق والتودد عليه. وقال: يعز علي. ويعظم لدي. أن أراك يا خير جار. في هذا الاضطرار. وسيكفيك الله هذا الجهد والضير. ولكن العاقبة إن شاء الله خير. فتناول القط من تلك السرقة. ما سد رمقه. وشكر له تلك الصدقة. ثم قال: إن لي عليك من الحقوق. مثل ما للجار الصدوق. على الجار الشفوق.
(3/87)

وأردت أن يتأكد الجوار بالمصادقة. وتثبت المحبة المواثقة. وإن كانت بيننا عداوة قديمة. فنترك من الجانبين تلك الخصلة الذميمة. ونستأنف العهود. على خلاف الخلق المعهود. وها أنا أذكر لك سبباً يحملك على ترك خلقك القديم. ويرشدك في طريق الإخاء إلى الصراط المستقيم. وهو أن أكلي مثلاً. ما يغذي منك بدناً. فضلاً عن أن يظهر فيك صحة وسمناً. فإن أمنتني مكرك ورغبت في صحبتي. وعاهدتني على سلوك طريق مودتي. وأكدت ذلك لي بمغلظات الأيمان حتى أستوثق باستصحابك. وأبيت آمناً في مجيئك وذهابك. ولو كنت بين مخاليبك وأنيابك. فإني ألتزم لك كل يوم. عندما تستيقظ من النوم. بما يسد خلتك. ويبقي مهجتك. صباحاً ومساء وغداء وعشاء. فلما رأى الهر. هذا البر. أعجبته هذه النعم. وأطربه هذا النغم. وأقسم طائعاً مختاراً. لا إكراهاً ولا إجبارا. أنه لا يسلك مع الجرذان. إلا طريق الأمان والإحسان. فرجع الجرذ وهو بهذه الحركة جذلان. وصار يأتي القط واستوى. وسلمت خلوات بدنه من الخواء. وقد كان لهذا القط ديك صاحب قديم. وصديق نديم. كل منهما يأنس صاحبه. ويحفظ خاطره بمراعاة جانبه. فحصل للديك تعويق عن زيارة صديقه. فلم يتفق لهما لقاء. إلا بعد أن زال عن القط ذالك الشقاء. وحاز تمام الشفاء. فسأله
(3/88)

الديك: بماذا زال ذلك الهزال. فأخبره بخبر الجرذ وأنه صار عنده من أعز الأصدقاء الخيرين الأمناء. فضحك الديك مستغرباً. وطفق يصفق بجناحيه متعجباً. فقال له: مم تضحك. قال: من سلامة بطنك. وانقيادك لمداهنك. وحسن
صنائعك. على غشاك ومخادعك. ومن يأمن لهذا البرم. الواجب قتله في الحل والحرم. المفسد الفاسق. المؤذي المنافق. الذي خدعك حتى أمن على نفسه. وأوقعك في حبائل كيده ونحسه. مع أنك لست عنده بمشكور. ولا بالخير مذكور. وإنما الذي شاع. وملأ الأسماع. أنك تحل عقده. وتنقض عهده. وتنكث الأيمان. وتجازي بالسيئة الإحسان. فإنه لما لم ير منك ما يسره. أصبح متوقعاً ما يضره. وأعظم من هذا أنه حشر ونادى. وجاهرك بالشر وعادى وقال: إنه أحياك بعد الموت. وردك بعد الفوت. وإنه لولا فضله عليك. وبره الواصل إليك. لمت هزالاً وجوعاً. ولما عشت أسبوعاً. وإنه شفاك وعافاك. وصفا لك وصافاك. وهل سمعت أن جرذاً صادق هرة. أو اتفق بينهما مرافقة. فمناصحة القط والفار. كمصادقة الماء والنار. فلما سمع القط هذا الكلام. تألم خاطره بعض إيلام وقال للديك: جزاك الله عني خيرا. ولكن من أخبرك بهذا الخبر. وصدقك ما أثر. فقال: لقد غرك الجرذ بلقيمات من الحرام. والسحت المنغمس في الآثام. وجعلها لك بمنزلة حبة الفخ. فلا تشعر بها إلا وأنت في المسلخ. حيث لا رفيق يتشفع فيك
(3/89)

ولا أخ. وهناك يعرف تحقيق هذا الكلام. وما أطلعنك على ما قلت إلا من فرط الشفقة والسلام. فترجح جانب صدق الديك عند القط فقال في خاطره. بعدما أجال قدح ضمائره: إن هذا الديك من حين انفلقت عنه البيضة. وسرحت معه من الصداقة في روضة. ما وقفت له على كذب. ولا سمعن أنه لشيء من الزور مرتكب. فهو أبعد من أن يخدع. وأجل من أن يغش ويتصنع. ثم قال له: كيف أعرف صدق هذا الخبر. وهل على سوء طويته دلالة تنتظر. قال: نعم. ورب الحرم علامة ذلك أنه إذا دخل عليك. ونظر إليك. يكون منخفض الرأس. مجتمع الأنفاس. متوقعاً حلول نائبة. أو نزول مصيبة صائبة. متلفتاً يميناً وشمالاً. متخوفاً نكالاً ووبالاً. طائفاً يتنقب. خائفاً يترقب. وذلك لأنه خائن. والخائن خائف وهذا أمر بائن. وبينما هما في المحاورة. والمناظرة والمشاورة. دخل أبو جوال. وهو غافل عن هذه الأحوال. فرأى أبا يقظان. يخاطب أبا غزوان. فخنس وقهقر. وتوقف وتفكر. وهو غافل عما قضى الله وقدر. فاشمأز لرؤيته الديك واشمعل. وانتفض وابرأل. فارتعد الجرذ من شيخ الديكة. لما رأى منه هذه الحركة. لما رأى منه هذه الحركة. وانتفش وانروى. وتقبض وذوى. والتفت يميناً وشمالاً. كالطالب للفرار مجالا. والقط يراقب أحواله. ويتميز حركاته وأفعاله. فتحقق ما قيل له فيه ونظر إليه نظر المنتقم. وهم واكفهر. ورقصت شواربه وازبأر.
(3/90)

ونسي العهود والأيمان. ونبض فيه عرق العداوة القديمة والعدوان. فوثب عليه وأدخله في خبر كان. وأخلى منه الزمان والمكان

الهدهد الغير المتروي
88 ذكروا أن الله مجري الخير. علم بعض عبيده الصلحاء منطق الطير. فصاحب منها هدهداً. وازداد ما بينهما تودداً. ففي بعض الأيام. مر بالهدهد ذلك الإمام. وهو في مكان عال. ملتفت إلى ناحية الشمال. وهو مشغول بالتسبيح يسبح الله بلسانه الفصيح فناداه: يا صاحب التاج والقباء والديباج لا تقعد في هذا المكان فإنه طريق كل فتان. ومطروق كل صائد شيطان. ومقعد أرباب البنادق ومرصد أصحاب الجلاهق. فقال الهدهد: إني عرفت ذلك وإنه مسلك المهالك قال: فلأي شيء عزمت على القعود فيه. مع علمك بما فيه من دواهيه. قال: أرى صبياً وأظنه غوياً نصب لي فخاً. يروم لي فيه زخاً. وقد وقفت على مكايده. ومناصب مصايده. وعرفت مكيدته أين هي. وإلى ماذا تنتهي. وأنا أتفرج عليه. وأتقدم للضحك إلي. وأتعجب من تضييع أوقاته. وتعطيل ساعاته. فيما لا يعود عليه منه نفع. ولا يفيده في قفاه سوى الصفع. وأسخر من حركاته. وأنبه من يمر على خزعبلاته. فتركه الرجل وذهب. وقضى حاجاته وانقلب. فرأى الهدهد في يد الصبي ولسان حاله يلهج بمقاله:
(3/91)

كعصفورة في يد طفل يهينها ... تقاسي عذاب الموت والطفل يلعب
فلا الطفل ذو عقل يرق لحالها ... ولا الطير منفك الجناح فيهرب
فناداه وقال: يا أبا عباد كيف وقعت في شرك الصياد وقلت لي إنك وعيت. ورأيت ما رأيت. فقال: أما سمعت أن الهدهد إذا نقر الأرض يعرف مسافة ما بينه وبين الماء. ولا يبصر شعرة الفخ ولا ماور. وناهيك قضية آدم أبي البشر. كيف خذل لما غوي واغتر وبطر. وكذلك غيره ممن اشتهر أمرهم وانتشر. وأنا لما اغتررت بحدة بصري. ذهلت عما يجول في فكري. فتغطب حدة استبصاري فوقعت في فخ اغتراري

مالك الحزين والسمكة
89 كان في مكان مكين. مأوى لمالك الحزين. وفي ذلك المكان غياض وغدران تضاهي رياض الجنان. وفي مياهه من السماك. ما يفوق سابحات السماك. فكان ذلك الطير. في دعة وخير. يزجي الأوقات. بطيب الأقوات. وكلما تحرك بحركة. كان فيها بركة. حتى لو غاص في تلك البحار والغدران لم يخرج إلا وفي منقاره سمكة. فاتفق أنه في بعض الآناء. تعسر عليه أسباب الغذاء. وارتج لفوت قوته أبواب العشاء. فكان يطير بين عالم الملك والملكوت. يطلب ما يسد الرمق من القوت. فلم يفتح عليه بشيء من أعلى السماك إلى أسفل الحوت. وامتد هذا الحال. عدة أيام
(3/92)

وليال. فخاض يوماً في الرقراق. يطلب شيئاً من الأرزاق. فصادف سمكة صغيرة قد عارضت مسيره فاختطفها. ومن بين رجليه التقفها. ثم بعد اقتلاعها. قصد إلى ابتلاعها. فتداركت زاهق نفسها. قبل استقرارها في رمسها. فنادت بعد أن كادت أن تكون بادت: ما البرغوث ودمه. والعصفور ودسمه. اسمع يا جار الرضا. ومن عمرنا في صونه انقضى. لا تعجل في ابتلاعي. ولا تسرع في ضياعي. ففي بقائي فوائد وعوائد. عليك عوائد. وهو أن أبي قد ملك هذا السمك فالكل عبيده ورعيته. وواجب عليهم طاعته ومشيئته. ثم إني واحد أبوي. وأريد منك الإبقاء علي. فإن أبي نذر النذور. حتى حصل له بوجودي السرور. فما في ابتلاعي كبير فائدة. ولا أسد لك رمقاً. ولا أشغل لك معدة فتصير مع أبي كما قيل: فأفقرني فيمن أحب ولا استغنى فالأولى أن أقر عينك. وأعرف ما بين أبي وبينك. فأكون سبباً لعقود المصادقة. وفاتحاً لإغلاق المحبة والمرافقة. ويتحمل لك الجميلة. والمنة التامة والفضيلة. وأما أنا فأعاهدك إن أعتقتني. ومننت علي وأطلقتني. أن أتكفل لك كل يوم بعشر سمكات بيض سمان ودكات. تأتيك مرفوعة. غير ممنوعة ولا مقطوعة يرسلها إليك أبي مكافأة لما فعلت بي من غير نصب منك ولا وصب. ولا كد تتحمله ولا تعب. فلما سمع البلشون. هذا المجون. أغراه الطمع. فما ابتلع. بل سها ولها. ثم قال لها: أعيدي هذه الرمزة
(3/93)

فبمجرد ما فتح فاه بالهمزة. انملصت السمكة منه بجمزة. وغاصت في الماء. وتخلصت من بين فكي البلاء. ولم يحصل ذلك الطماع. إلا قطع الأطماع. وإنما أوردت يا ذا الدراية. هذه الحكاية. لتتأمل عقبى أمرك قبل الشروع فيه. وتتدبر منتهى أواخره في مباديه. فقد قيل: أول الفكر. آخر العمل

الديك والثعلب
90 كان في بعض القرى للرئيس ديك. حسن الخلق وديك. مرت به التجارب. وقرأ تواريخ
المشارق والمغارب. ومضى عليه من العمر سنون. واطلع من حوادث الزمان على فنون. وقاسى حلوه ومره. وعانى حره وقره. وقطع للثعالب شباك مصايد. وتخلص لابن آوى من ورطات مكايد. ورأى من الزمان وبينه نوائب وشدائد. وحفظ وقائع لبنات آوى وثعالب. وطالع من كتب حيلها طلائع كتائب. وأحكم من طرائقها عجائب غرائب. فاتفق له في بعض الأحيان. أنه وقف على بعض الجدران. فنظر في عطفيه. وتأمل في نقش برديه. فرأى خيال تاجه العقيقي. ونظر إلى خده الشقيقي. ونفض برائله المنفش. وسراويله المنقش. والثوب الذي رقمه نقاش القدرة من المقطع المبرقش. فأعجبته نفسه. وأذن فأطربه حسه.... فصار يتيه ويتبختر. ويتقصف ويتخطر. فاستهواه التمشي سويعة. حتى أبعد عن الضيعة. فصعد
(3/94)

إلى جدار. وكان قد انتصف النهار. فرفع صوته بالآذان. فأنسى صوته الكتاني والدهان. فسمعه ثعلب. فقال: مطلب. وسارع من وكره. وحمل شبكة مكره. وتوجه إليه. فرآه فسلم عليه. فلما حس به أبو اليقظان. طفر إلى أعلى الجدران. ثم حياه تحية الخلان. وترامى لديه ترامي الإخوان. وقال: أنعش الله بدنك وروحك. وروى من كاسات الحياة غبوفك وصبوحك. فإنك أحييت الأرواح والأبدان. بطيب النغم والصياح في الآذان. فإن لي زماناً لم أسمع بمثل هذا الصوت. وقاه الله نوائب الفوت. ومصائب الموت. وقد جئت لأسلم عليك. وأذكرك ما أسدى من النعم إليك. وأبشرك ببشارة. وهي أربح تجارة. وأنجح من الولاية والإمارة. ولم يتفق مثلها في سالف الدهر. ولا يقع نظيرها إلى آخر العصر. وهي أن السلطان أيد الله بدولته أركان الإيمان. أمر منادياً فنادى بالأمان والاطمئنان. وإجراء مياه العدل والإحسان. من حدائق الصحبة والصداقة في كل بستان. وأن تشمل الصداقة كل حيوان. من الطير والوحش والحيتان. ولا يقتصر فيها على جنس الإنسان. فيتشارك فيها الوحوش والسباع. والبهائم والضباع. والأروى والنعام. والصقر والحمام. والضب والنون. والذباب وأبو قلمون. ويتعاملون بالعدل والإنصاف. والإسعاف دون الإعساف. ولا يجري بينهم إلا المصادقة. وحسن
(3/95)

المعاشرة والمرافقة. فتمحى من لوح صدورهم نقوش العداوة والمنافقة. فيطير القطا مع العقاب. ويبيت العصفور مع الغراب. ويرعى الذئب مع الأرنب. ويتآخى الديك والثعلب. وفي الجملة لا يتعد أحد على أحد. فتأمن الفأرة من الهرة. والخروف من الأسد. وإذا كان الأمر كذا. فقد ارتفع الشر والأذى. فلا بد أن يمتثل هذا المرسوم. ويترك ما بيننا من العداوة والخلق المذموم. ويجري بيننا بعد اليوم المصادقة. وتنفتح أبواب المحبة والمرافقة. ولا ينفر أحد منا من صاحبه. بل يراعي مودته ويبالغ في حفظ جانبه. وجعل الثعلب يقرر هذا المقال. والديك يتلفت إلى هذا الهذيان والخبال. فقال الثعلب: يا أخي. ما لك عن سماع كلامي مرتخي. أنا أبشرك ببشائر عظيمة. لم تتفق في الأعصر القديمة. وإنما برزت بها مراسيم مولانا السلطان الجسيمة. وأراك لا تلتفت إلى هذا الكلام. ولا تسر بهذا اللطف العام. ولا تلتفت إلي. ولا تعول علي. وتستشرف على بعد شيء. فهلا أخبرتني بما أضمرت ونويت. وتطلعني فيما تتطاول إليه على ما رأيت. حتى أعرف في أي شيء أنت. وهل ركنت إلى أخباري وسكنت. فقال: أرى عجاجاً ثائراً. ونقعاً إلى العنان فائراً. وحيواناً جارياً. كأنه البرق سارياً. وما عرفت ما هو. ولكنه أجرى من الهواء. فقال: أبو الحصين. وقد نسي المكر والمين. بالله يا أبا نبهان. حقق لي
(3/96)

هذا الحيوان. فقال: حيوان رشيق. له آذان طوال وخصر دقيق. لا الخيل تلحقه. ولا الريح تسبقه. فرجفت قوائم الثعلب. وطلب المهرب. فقال أبو المنذر: تلبث يا أبا الحصين واصبر حتى أحقق رؤيته. وأتبين ماهيته. فإنه يا أبا الحصين. يسبق طرف العين. ويكاد يا أبا النجم. يخلف النجم في الرجم. فقال: أخذني فؤادي. وما هذا وقت التمادي. ثم ولى وهو يصدح بقوله:
لابس التاج العقيقي ... لا تقف لي في طريقي
إن يكن ذا الوصف حقا ... فهو الله السلوقي
فقال الديك: وإذا كان وقد قلت إن السلطان. رسم بالصلح بين سائر الحيوان. فلا بأس منه عليك. فتلبث حتى يجيء ويقبل يديك. ونعقد بيننا عقود المصادقة. ويصير رفيقنا ونصير رفاقه. فقال: ما لي برؤيته حاجة. فدع عنك المحاجة واللجاجة. فقال: أو ما زعمت يا أبا وثاب. أن السلطان رسم للأعداء والأصحاب. أن يسلكوا طرائق الأصدقاء والأحباب. فلو خالف المرسوم هذا الكلب. لما قابله الملك إلا بالقتل والصلب. قال: لعل هذا المشؤم. لم يبلغه المرسوم. ثم ولى هارباًَ. وقصد للخلاص جانباً.

الجمل والملح
91 كان جمال فقير ذو عيال له جمل يتعيش عليه. ويتقوت هو وعياله بما يصل منه إليه. فرأى صلاحه في نقل ملح من الملاحة.
(3/97)

فجد في تثقيل الأحمال. وملازمته بأثقال الأثقال. إلى أن آل حال الجمل إلى الهزال. وزال نشاطه وحال. والجمال لا يرق له بحال. ويجد في كده بالاشتغال. ففي بعض الأيام. أرسله مع السوام. فتوجه إلى المرعى. وهو ساقط القوة عن المسعى. وكان له أرنب صديق. فتوجه إليه في ذلك المضيق. ودعاه وسلم عليه. وبث عظيم اشتياقه. فلما رأى الخزز هزاله. تألم له وسأله أحواله. فأخبره بحاله. وما يقاسيه من غذائه ونكاله. وأن الملح قد قرحه. وجب سنامه وجرحه. وأنه قد أعيته الحيلة. وأضل إلى الخلاص سبيله. فتألم الأرنب وتأمل. وتفكر في كيفية عصر هذا الدمل. ثم قال: يا أبا أيوب. لقد فزت بالمطلوب. وقد ظهر وجه الخلاص. من شرك هذا الاقتناص. والنجاة من الارتهاص والاتصاص. تحت حمل كالرصاص. فهل يعترضك يا ذا الرياضة. في طريق الملاحة مخاضة. فقال: كثير وكم من نهر وغدير. فقال: إذا مررت في خوض ولو أنه روض أو حوض. فابرك فيه وتمرغ. وتنصل من حملك وتفرغ. واستمر فيه يا أبا أيوب. فإن الملح في الماء يذوب. وكرر هذه الحركة. فإنك ترى فيها البركة. فإما أنهم يغيرون حملك أو يخففوه. أو تستريح بذوبه من الذي أضعفوه. فتحمل الجمل للأرنب المنة. وشنف لدر هذه الفائدة أذنه. فلما حمله صاحبه الحمل المعهود. ودخل به في طريقه المورود. ووصل المخاضة
(3/98)

برك. فضربوه وما احترك. وتحمل ضربة وعسفه. حتى أذاب من الحمل نصفه. ثم نهض انتهاضة. وخرج من المخاضة. ولازم هذه العادة. إلى أن أفقر صاحبه وأباده. فأدرك الجمال هذه الحيلة. فافتكر له في داهية وبيلة. وعمد إلى عهن منفوش. وغير في مقامرته شكل النقوش. وأوسق للجمل حملاً. وبالغ فيه تعبية وثقلا. وسلط عليه الظماء. ثم دخل به إلى الماء. فلما توسط الماء برك. وتغافل عنه صاحبه وترك. فتشرب الصوف من الماء ما يملأ البرك. ثم أراد النهوض. فناء به الربوض. فقاسى من المشاق. ما لا يطاق. ورجع هذا الفكر الوبيل. على الجمل المسكين بأضعاف الثقيل. فساء مصيره. وكان في تدبيره تدميره. وما استفاد إلا زيادة النصب. وأمثال ما كان يجده في التعب والوصب. وإنما أوردت هذا المثل عن الجمل ليعلم الملك والحضار. أن العدو الغدار. والحسود المكار. يفتكر في أنواع الدواهي. ويفرغ أنواع البلايا والرزايا كما هي. ويبذل في ذلك جده وجهده. ولا يقصر فيما تصل إليه من ذلك يده. فتارة تدرك مكايده. وتعرف مصايده. وتارة يغفل عن دواهيها. فلا يشعر الخصم إلا وقد تورط فيها. وعلى كل حال. لا بد للشخص له وعليه من الاحتيال

البستاني والأربعة العابثون بجبته
92 كان من تكريت رجل مسكين. ينظر البساتين. ففي
(3/99)

بعض السنين. قدم قرية منين. وسكن في بستان. كأنه قطعة من الجنان. فيه فاكهة ونخل ورمان. ففي بعض الأعوام. أقبلت الفواكه بالإنعام. ونثرت الثمار ملابس الأشجار من الأذيال والأكمام. فألجأت الضرورة ذلك الإنسان. أن خرج من البستان. ثم رجع في الحال فرأى فيه أربعة رجال. أحدهم جندي والآخر شريف. الثالث فقيه والرابع تاجر ظريف. قد أكلوا وسقوا. وناموا واتفقوا. وتصرفوا في ذاك تصرف الملاك. وأفسدوا فساداً فاحشاً خادشاً. ومارشاً وناوشاً وناكشاً. فأضر ذلك بحاله. ورأى العجز في أفعاله. إذ هو وحيد. وهم أربعة وكل عنيد. فسارع إلى التأخيذ. وعزم على التفخيد. فابتدأ بالترحيب والبشاشة. والإكرام والهشاشة. وأحضر لهم من أطايب الفاكهة. وطايبهم بالمفاكهة. وسامح بالممازحة. ومازح بالمسامحة. إلى أن اطمأنوا واستكانوا واستكنوا. ودخلوا في اللعب. ولاعبوه بما يجب. فقال في أثناء الكلام: أيها السادة الكرام لقد حزتم أطراف المعارف والطرف. فأي شيء تعانون من الحرف. فقال أحدهم: أنا جندي. وقال الآخر: أنا شيخ القضاة جدي. وقال الثالث: أنا فقيه. وقال الرابع: أنا تاجر نبيه. فقال: والله لست نبيه. ولكن تاجر سفيه. وقبيح الشكل كريه. أما الجندي فإنه مالك رقابنا. وحارس حجابنا. يحفظنا بصولته. ويصون أنفسنا وأموالنا وأولادنا بسيف دولته. ويجعل نفسه لنا
(3/100)

وقاية. وينكي في أعدائنا أشد نكاية. فلو مد يده إلى كل منا ورزقه. فهو بعض استحقاقه ودون حقه. وأما الشريف فقد تشرف به اليوم مكاني. وحلت به البركة علي وعلى بستاني. وأما سيدنا العالم فهو مرشد العالم. وهو سراج ديننا. الهادي إلى يقيننا. فإذا شرفونا بأقدامهم. ورضوا أن نكون من خدامهم. فلهم الفضل علينا. والمنة الواصلة إلينا. وأما أنت يا رابعهم. وشر جان تابعهم. بأي طريق تدخل إلى بستاني. وتتناول سفرجلي ورماني. هل بايعتني بمسامحة. وتركت لي المرابحة. أو لك علي دين. أو عاملتني نسيئة دون عين. ألك علي جميلة. وهل بيني وبينك وسيلة. تقتضي تناول مالي. والهجوم على ملكي ومنالي. ثم مد يده إليه. فلم يعترض من رفقائه أحد عليه. لأنه أرضاهم بالكلام. واعتذر عما يتطرق إليه من ملام. فأوثقه وثاقاً محكماً. وتركه مغرماً. ثم مكث ساعة. وهو على الخلاعة مع الجماعة. وغامز الجندي والشريف على الفقيه الظريف. فقال: أيها العالم الفقيه. والفاضل النبيه. أنت مفتي المسلمين. وعالم بمنهاج الدين. على فتواك مدار الإسلام. وكلمتك الفارقة بين الحلال والحرام. بفتواك تستباح الدماء فمن أفتاك بالدخول في هذا. أفتني يا عالم الزمان. محمد بن إدريس أفتاك بهذا أم النعمان. أم أحمد بن حنبل أم مالك. فبح لنا بذلك. وإلا فما بالك تعوث وتعبث بما ليس لك. ولا عتب على الأجناد والأشراف. ولا على
(3/101)

الجهلاء والأجلاف. إذا ارتكب مثلك هذا المحظور. وتعاطى العلماء والمفتون أقبح الأمور. ثم مد يده إلى جلابيبه. وأوثقه بتلابيبه. فأحكمه وثاقاً. وآلمه ربافاً. فاستنجد بصاحبيه إلى جانبيه فما أنجداه ولا رفداه. ثم جلس يلاهي. الجندي الساهي. وغامزه على الشريف. ذي النسب الظريف. ثم قال: أيها السيد الأصيل النجيب الجيد الحسيب. لا تعتب على كلامي. ولا تستثقل ملامي. أما الأمير فإنه رجل كبير. ذو قدر خطير. له الجميلة التامة. والفضيلة اللامة. وأنت يا ذا النسب الطاهر. والأصل الباهر. والفضل الزاهر سلفك الطيب أذن لك في الدخول إلى ما لا يحل لك. وإذا كنت يا طاهر الأسلاف لا تتبع سنة آبائك الأشراف. من الزهد والعفاف. فلا عتب على الأوباش والأطراف. ثم وثب إليه وكتف يديه. ولم يعطف الجندي عليه. ولم يبق إلا الجندي وهو وحيد. فانتصف منه البستاني كما يريد. وأوثقه رباطاً. وزاد لنفسه احتياطاً. ثم أوجعهم ضرباً وأشبعهم لعناً وسباً. وجمع عليهم الجيران. واستعان بالجلاوزة وأصحاب الديوان. وحملهم برباطهم وعملتهم تحت آباطهم إلى باب الوالي. وأخذ منهم ثمن ما أخذوه من رخيص وغالي. وإنما أوردت ما جرى لتعلموا أيها الوزراء أن التفخيذ. بين الأعداء بالتأخيذ. أمر من السهام في تنفيذ الأحكام وأحكام التنفيذ (فاكهة الخلفاء لابن عربشاه)
(3/102)

الباب السابع في الفضائل والرذائل
الصبر
93 يقال أوكد الأسباب للظفر والصبر. وقال بعض العلماء: الصبر جنة المؤمن وعزيمة المتوكل وسبب درك النجح في الحوائج. فمن وطن نفسه على الصبر لم يجد للأذى مسا. ومن استعف بالله عفه. ومن استعان به يعنه ولن تجدوا حظاً خيراً من الصبر. جاء في المبهج: الصبر أحجى بذي الحجج. وقال حكيم: تابع الصبر متبوع النصر (للمقدسي) 94 قال أبو تمام:
إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمأنت ... وأرست في مكامنها الخطوب
فلم تر لانشكاف الضر وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منه غوث ... يمن به اللطيف المستجيب
فكل الحادثات وإن تناهت ... فموصول بها فرج قريب
95 من الديوان والمنسوب إلى أمير المؤمنين علي:
هي حالان شدة ورخاء ... وسجالان نعمة وبلاء
والفتى الحاذق الأديب إذا ما ... خانه الدهر لم يخنه العزاء
(3/103)

إن ألمت ملمة بي فإني ... في الملمات صخرة صماء
حائز في البلاد علماً بأن ليس ... يدوم النعيم والبلواء
وأنشد أعرابي:
وإني لأغضي مقلتي على القذى ... وألبس ثوب الصبر أبيض أبلجا
وإني لأدعو الله والأمر ضيق ... علي فما ينفك أن يتفرجا
وكم من فتى ضاقت عليه وجوهه ... أصاب لها في دعوة الله مخرجا
96 قال غيره:
تصبر ولا تبد التضعضع للعدى ... ولو قطعت في الجسم منك البواتر
سرور الأعادي أن تراك بذلة ... ولكنها تغتم إذ أنت صابر
إني وجدت وخير القول أصدقه ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جد في أمر يحاوله ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
قال آخر:
عليك بالصبر فيما قد منيت به ... فالصبر يذهب ما في الصدر من حرج
كم ليلة من هموم الدهر مظلمة ... قد ضاء من بعدها صبح من الفرج
وما أحسن ما قال الشيخ حسن بن محمد البوريني:
صبراً على نوب الزمان فإنها ... مخلوقة لنكاية الأحرار
لا يكسف النجم الضعيف وإنما ... يسري الكسوف لرفعة الأقمار
97 قال إبراهيم العمادي:
لا تخش من شدة ولا نصب ... وثق بفضل الإله وابتهج
(3/104)

وارج إذا اشتد هم نازلة ... فآخر الهم أول الفرج
وقال غيره وأجاد:
تصبر ففي اللأواء قد يحمد الصبر ... ولولا صروف الدهر لم يعرف الحر
وإن الذي أبلى هو العون فانتدب ... جميل الضا يبقى لك الذكر والأجر
وثق بالذي أعطى ولاتك جازعاً ... فليس بحزم أن يروعك الضر
فلا نعم تبقى ولا نقم ولا ... يدوم كلا الحالين عسر ولا يسر
تقلب هذا الأمر ليس بدائم ... لديه مع الأيام حلو ولا مر
قال آخر:
إن الأمور إذا اشتدت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كل ما رتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبه ... إذ استعنت بصبر أن ترى فرجا
وقال آخر:
على قدر فضل المرء تأتي خطوبه ... ويعرف عند الصبر فضل نهاه
ومن قل في ما يتقيه اصطباره ... فقد قل في ما يرتجيه مناه
قال المرار بن سعيد:
إذا شئت يوماً أن تسود عشيرة ... فبالحلم سد لا بالتسرع والشتم
وللحلم خير فاعلمن مغبة ... من الجهل إلا أن تشمس من ظلم

القناعة
98 اعلم أن مما يتحققه العاقل ولا يذهل عنه إلا الأبله أن الدنيا دار الأكدار ومحل الهموم والغموم والحسرات. وأن أخف الخلق
(3/105)

بلاء وألماً الفقراء. وأعظم الناس تعباً وهماً هم الملوك والأمراء والكبراء. ويقال: لكل شبر قامة من الهم. وقيل:
لقد قنعت همتي بالخمول ... وصدت عن الرتب العاليه
وما جهلت طيب طعم العلى ... ولكنها تؤثر العافيه
وطالما رضيت الملوك والسلاطين. بحال الفقراء والصعفاء والمساكين.

في كل بيت كربة ومصيبة ... ولعل بيتك إن رأيت أقلها
فارض بحال فقرك. واشكر الله الله تعالى على خفة ظهرك. ولا تتعد طورك. وقف عند قدرك. تجد ذلك نعمة خفية ساقها الله تعالى إليك. ورأفة ورحمة أفاضها الله تعالى من خزائن لطفه عليك. فاعتبر بهذه الكلمات. وخذ لنفسك حظاً وافراً من هذه العظات. ومن ذلك أن هارون الرشيد من أعقل الخلفاء العباسيين وأكملهم رأياً وتدبيراً وفطنة وقوة واتساع مملكة وكثرة خزائن بحيث كان يقول للسحابة: أمطري حيث شئت فإن خراج الأرض التي تمطرين فيها يجيء إلي. ومع ذلك كان أتعبهم خاطراً وأشتهم فكراً وأشغلهم قلباً (الأعلام لقطب الدين النهروالي) 99 ولله من قال:
أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذاباً كلما كثرت لديه
إذا استغنيت عني شيء فدعه ... وخذ ما كنت محتاجاً إليه
قال آخر:
(3/106)

أفادتني القناعة كل عز ... وهل عز أعز من القناعة
فاجعلها لنفسك رأس مال ... واشتر بعدها التقوى بضاعة
قال أبو العتاهية:
غنى النفس ما يكفيك من سد فاقة ... فإن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقرا
قال غيره:
يا أحمد اقنع بالذي أوتيته ... إن كنت لا ترضى لنفسك ذلها
واعلم بأن الله جل جلاله ... لم يخلق الدنيا لأجلك كلها

العدل
100 يحكى عن إسماعيل الساماني في كتاب سير الملوك أنه كان إذا احتل مدينة يجلس للناس وكان يرفع الحجاب. ويبعد الحجاب. ويريح الأبواب. ليجيء كل من له ظلامة ويقف على جانب البساط ويخاطبه ويعود مقضي الحاجة. وكان يقضي بين الخصوم مثل الحكام إلى أن يفنى الدعاوي. ثم يقوم من موضعه ويقبض على محاسنه بيده. ويوجه وجهه نحو السماء ويقول: إلهي هذا جهدي وطاقتي قد بذلته وأنت عالم الأسرار وتعلم علانيتي. ولا أعلم على أي عبد من عبيدي أجنفت أو لأي عبد ظلمت وما أنصفت. أنا واحد من أصحابي. فاغفر لي من ذلك ما لا أعلم. فلما كان تقي النية جميل الطوية لا جرم علا أمره وارتفع قدره. وكان عسكره
(3/107)

ألف فارس معتدين بالسلاح مقنعين بالحديد وببركة ذلك العدل والإنصاف ظفره الله بأعدائه (للغزالي) قال شاعر:
العدل روح به تحيا البلاد كما ... دمارها أبداً بالجور ينحتم
الجور شين به التعسير ممتنع ... والعدل زين به التمهيد ينتظم
101 لما ظلم أحمد بن طولون قبل أن يعدل. استغاثت الناس من ظلمه وتوجهوا إلى السيدة نفيسة واشتكوه إليها. فقالت لهم: متى يركب. فقالوا: في غد فكتبت رقعة ووقفت في طريقه. وقالت: يا أحمد بن طولون. فلما رآها عرفها وترجل عن فرسه وأخذها منها وقرأها. فإذا فيها مكتوب ملكتم فأسرتم. وقدرتم فقهرتم. وخولتم فعسفتم. ودرت عليكم الأرزاق فقطعتم. هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نافذة لاسيما في قلوب أجعتموها. وأجساد أعريتموها. اعملوا ما شئتم فإنا صابرون. وجوروا فإنا بالله مستجيرون. واظلموا فإنا منكم متظلمون. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. فعدل من وقته وساعته (لبهاء الدين) 102 أخبر الثعالبي قال: استشهد محمد بن الفرات أيام وزارته علي بن عيسى صاحبه بغير حق فلم يشهد له. فلما عاد إلى بيته كتب إليه: لا تلمني على نكوصي عن نصرتك شهادة زور. فإنه لا إنفاق على نفاق. ولا وفاء لذي مين واختلاق. وأحر بمن تعد الحق في
(3/108)

مسرتك إذا رضي أن يتعدى الباطل في مساءتك إذا غضب. وكأن المتنبي أشار إلى هذا المعنى بقوله:
لقد أباحك غشاً في معاملة ... من كنت منه بغير الصدق تنتفع

الكرم
103 كان خالد بن عبد الله القسري يقول تنافسوا في المغانم وسارعوا إلى المكارم. واكتسبوا بالجود حمداً ولا تكتسبوا بالمال ذماً. ولا تعدوا بمعروف ولم تعجلوه. واعلموا أن حوائج الناس نعمة من الله عليكم فلا تملوها فتعود نقماً. وقال الشاعر:
مات الكرام وولوا وانقضوا ومضوا ... ومات في إثرهم تلك الكرامات
وخلفوني في قوم ذوي سفه ... لو عاينوا طيف ضيف في الكرى ماتوا
104 قال آخر:
إني وإن لم ينل مالي مدى خلقي ... فياض ما ملكت كفاي من مال
لا أحبس المال إلا ريث أتلفه ... ولا تغيرني حال إلى حال
وقال سوادة اليربوعي
ألا بكرت مي علي تلومني ... تقول ألا أهلكت من أنت عائله
ذريني فإن البخل لا يخلد الفتى ... ولا يهلك المعروف من هو فاعله
قال آخر:
يفني البخيل بجمع المال مدته ... وللحوادث والأيام ما يدع
كدودة القز ما تبنيه يهديها ... وغيرها بالذي تبنيه ينتفع
(3/109)

قال غيره في المعنى:
ألم ترى أن المرء طول حياته ... معنى بأمر لا يزال يعالجه
كذلك دود القز ينسج دائماً ... ويهلك غماً بالذي هو ناسجه

الوفاء
105 يعجبني قول بعضهم: أما بعد فإن شجر وعدك قد أورقت فليكن ثمرها سالماً من جوائح المطل والسلام (للحموي) قال أبو تمام:
إذا قلت في شيء نعم فأتمه ... فإن نعم دين على الحر واجب
وإلا فقل لا تسترح وترح بها ... لئلا يقول الناس إنك كاذب
وقال آخر:
ولقد وعدت وأنت أكرم واعد ... لا خير في وعد بغير تمام
أنعم علي بما وعدت تكرما ... فالمطل يذهب بهجة الإنعام
وقال غيره:
لئن جمع الآفات فالبخل شرها ... وشر من البخل المواعيد والمطل
ولا خير في وعد إذا كان كاذباً ... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل

الرأي والمشورة
106 قيل: من بدأ بالاستخارة وثنى بالاستشارة فحقيق أن لا يخيب رأيه. وقيل: الرأي السديد أحمى من البطل الشديد. وقيل: من بذل
(3/110)

نصحه واجتهاده لمن لا يشكر فهو كمن بذر في السباخ. قال الشاعر يمدح من له رأي وبصيرة:
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه
وقال بعضهم: خمير الرأي خير من فطيره. وتقديمه خير من تأخيره (للابشيهي) وما يعرف أحسن من قول ابن الرومي في ذلك:
نار الروية نار جد منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح
وقد يفضلها قوم لعاجلها ... لكنه عاجل يمضي مع الريح
قال أبو الطيب المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان
107 قال بعضهم: وشاور الناس في الأمر إذ أن الإنسان لا يستغني عن مشورة نصيح له. كما أن القوادم من ريش الجناح تستعين بالخوافي منه. قال بشار:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو نصاحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فريش الخوافي تابع للقوادم
وما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير سيف لم يؤيد بقائم
(3/111)

قال الأصمعي: قلت لبشار: رأيت رجال الرأي يتعجبون من أبياتك في المشورة. فقال: أو ما علمت أن المشاور بين إحدى الحسنيين. صواب يفوز بثمرته. أو خطاء يشارك في مكروهه. فقلت له: أنت في هذا الكلام أشعر منك في شعرك. وقال الجاحظ: المشورة لقاح العقول ورائد الصواب والمستشير على طرف النجاح. واستشارة المرء برأي أخيه من عزم الأمور وحزم التدبير. وقال عبد الملك بن مروان: لأن أخطئ وقد استشرت أحب إلي من أن أصيب وقد استبددت برأيي من غير مشورة (لأبي نصر المقدسي) ولقد أحسن من قال:
لا تحقرن الرأي وهو موافق ... حكم الصواب إذا أتى من ناقص
فالدر وهو أجل شيء يقتنى ... ما حط قيمته هوان الغائص
قال الأرجاني وأجاد:
شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوماً وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تنظر منها ما دنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة
وقال أيضاً:
خصائص من تشاوره ثلاث ... فخذ منها جميعاً بالوثيقة
وداد خالص ووفور عقل=ومعرفة بحالك والحقيقة فمن حصلت له هذي المعاني=فتابع رأيه والزم طريقه
(3/112)

ولأبي الأسود الدؤلي:
فما كل ذي نصح بمؤتيك نصحه ... ولا كل مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحق له من طاعة بنصيب

الحسد
108 قال أحد الحكماء: ما أمحق للإيمان ولا أهتك للستر من الحسد. وذلك أن الحاسد مفنذ لحكم الله. باغ على عباده. عات على ربه. يعتد نعم الله نقماً ومزيده غبراً. وعدل قضائه حيفاً للناس حال وله حال. ليس يهدأ باله. ولا ينام جشعه. ولا ينفعه عيشه. محتقر لنعم الله عليه. متسخط ما جرت به أقداره. ولا يبرد غليله. ولا تؤمن غوائله. إن سالمته وترك. وإن واصلته قطعك. وإن صرمته سبقك. ذكر حاسد عند بعض الحكماء فقال: يا عجباً لرجل أسلكه الشيطان مهاوي الضلالة. وأورده قحم الهلكة. فصار لنعم الله تعالى المرصاد إن أنالها من أحب من عباده. أشعر قلبه الأسف على ما لم يقدر له. وأغاره الكلف بما لم يكن ليناله. قال سليمان التميمي: الحسد يضعف اليقين ويسهر العين ويكثر الهم. ولأبي العتاهية:
أيا رب إن الناس لا ينصفوني ... وكيف ولو أنصفتهم ظلموني
وإن كان لي شيء تصدوا لأخذه ... وإن جئت منهم منعوني
وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم ... وإن أنا لم أبذل لهم شتموني
(3/113)

وإن طرقتني نقمة فرحوا بها ... وإن صحبتني نعمة حسدوني
سأمنع قلبي أن يحن إليهم ... وأحجب عنهم ناظري وجفوني
كتب ابن بشر المروزي إلى ابن المبارك هذه الأبيات:
كل العداوة قد ترجى إماتتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد
فإن في القلب منها عقدة عقدت ... وليس يفتحها راق إلى الأبد
قال بعضهم:
يا طالب العيش في أمن وفي دعة ... رغداً بلا قتر صواً بلا رتق
خلص فؤادك من غل ومن حسد ... فالغل في القلب مثل الغل في العنق (لابن عبد ربه)
وقال آخر:
إياك والحسد الذي هو آفة ... فتوقه وتوق غرة من حسد
إن الحسود إذا أراك مودة ... بالقول فهو لك العدو المجتهد
ولبعض الأدباء ينصح الحسود:
لا يحزننك فقر إن عراك ولا ... تتبع أخا لك في مال له حسدا
فإنه في رخاء معيشته ... وأنت تلقى بذاك الهم والنكدا

حفظ اللسان
109 اعلم أنه ينبغي للعاقل المكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاماً تظهر المصلحة فيه. ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه. لأنه قد يجر الكلام المباح إلى
(3/114)

حرام أو مكروه. بل هذا كثير وغالب في العادة. والسلامة لا يعادلها شيء. قال وهيب بن الورد: بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت والعاشرة في عزلة الناس. ومن كلام الحكماء: من نطق من غير خير فقد لغا. ومن نظر في غير اعتبار فقد سها. ومن سكت في غير فكر فقد لها. وقيل: لو قرأت صحيفتك. لأغمدت صفيحتك. ولو رأيت ما في ميزانك. لختمت عن لسانك. وقيل: الكلمة أسيرة في وثاق الرجل. فإذا تكلم بها صار في وثاقها. يقول اللسان كل صباح وكل مساء للجوارح: كيف أنتن. فيقلن بخير إن تركتنا (للابشيهي) قال علي بن أبي طالب:
إن القليل من الكلام بأهله ... حسن وإن كثيره ممقوت
ما زل ذو صمت وما من مكثر ... إلا يزل وما يعاب صموت
إن كان ينطق ناطق من فضله ... فالصمت در زانه ياقوت
110 قال بعض الحكماء: إذا قلت فأوجز. فإذا بلغت حاجتك فلا تتكلف. وقال أيضاً: أنت سالم ما سكت. فإذا تكلمت فلك أو عليك. وقال عمرو بن العاص: الكلام كالدواء إن أقللت منه نفع. وإن أكثرت منه صدع. وقال لقمان لابنه: يا بني إن من الكلام ما هو أشد من الحجر. وأنفذ من وخز الإبر. وأمر من الصبر. وأحر من الجمر. وإن القلوب مزارع فازرع فيها طيب
(3/115)

الكلام. فإن لم ينبت فيها كله نبت بعضه. وقال علي: ما حبس الله جارحة في حصن أوثق من اللسان. الأسنان أماه والشفتان من وراء ذلك. واللهاة مطبقة عليه والقلب من وراء ذلك. فاتق الله ولا تطلق هذا المحبوس من حبسه إلا إذا أمنت شره. وقال بعض الأدباء: احبس لسانك قبل أن يطيل حبسك (للشبراوي) قال الشاعر:
واحفظ لسانك واحترز من لفظه ... فالمرء يسلم باللسان ويعطب
وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارة في كل ناد تخطب
قال أبو بكر بن سعدون:
سجن اللسان هو السلامة للفتى ... من كل نازلة لها استئصال
إن اللسان إذا حللت عقاله ... ألقاك في شنعاء ليس تقال
قال أبو عثمان بن لئون التجيبي:
نزه لسانك عن قول تعاب به ... وارغب بسمعك عن قيل وعن قال
لا تبغ غير الذي يعنيك واطرح الفضول ... تحي قرير العين والبال

كتمان السر
111 قال حكيم: كما أنه لا خير في آنية لا تمسك ما فيها. كذلك لا خير في صدر لا يكتم سره. قال آخر: من كتم سره سره. وأمن الناس شره. ومن حكم لسانه شانه. وافسد شانه. وقال بعضهم: من زعم أنه يجد راحة في إفشاء سره إلى غيره فقد اتهم عقله.
(3/116)

لأن مشقة الاستبداد بالسر أقل من مشقة إفشائه بسبب المشاركة (للشبراوي) قال القاضي الأسعد أبو المكارم المصري الكاتب:
واكتم السر حتى عن إعادته ... إلى المسر به من غير نسيان
وذاك أن لساني ليس يعلمه ... سمعي بسر الذي قد كان ناجاني
112 (في التاج) : إن بعض ملوك العجم استشار وزيريه. فقال أحدهما: لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحداً إلا خالياً. فإنه أموت للسر وأحزم للرأي وأجدر بالسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض. فإن إفشاء السر لرجل واحد أوثق من إفشاءه إلى اثنين. وإفشاءه إلى ثلاثة كإفشائه إلى جماعة. فإذا كان السر عند واحد كان أحرى أن لا يظهر رغبة ورهبة. وإن كان عند اثنين دخلت على الملك الشبهة واتسعت على الرجلين المعاريض فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد. وإن اتهمها اتهم بريئاً بخيانة مجرم. وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له وعن الآخر ولا حجة معه

الغيبة
113 عاب رجل رجلاً عند بعض الأشراف فقال له: فد استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيوب الناس. لأن طالب العيوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها. أما سمعت قول الشاعر:
لا تهتكن من مساوي الناس ما ستروا ... فيهتك الله ستراً من مساويكا
(3/117)

واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحداً منهم بما فيكا
(لابن عبد ربه) قال ابن الحاج الدلفقي:
إن الكريم الذي تبقى مودته ... ويحفظ السر إن صافى وإن صرما
ليس الكريم الذي إن غاب صاحبه ... بث الذي كان من أسراره علما
وقال أيضاً:
إذا ما كتمت السر عمن أوده ... توهم أن الود غير حقيق
ولم أخف عنه السر من ضنة به ... ولكنني أخشى صديق صديقي
قال بعض الحكماء: لا تطع كل حلاف مهين هماز غياب مشاء بنميم. وحسبك بالنمام خسة ورذيلة سقوطه وضعته (والهماز المغتاب الذي يأكل لحوم الناس الطاعن فيهم) . قال حكيم: ألا أخبركم بشراركم. قالوا: بلى. قال: شراركم المشاؤن بالنميمات المفسدون بين الأحبة بالعون العيوب. وقيل ملعون ذو الوجهين. ملعون ذو اللسانين. ملعون كل شغاز. ملعون كل قتات. ملعون كل نمام. ملعون كل منان (والشغاز المحرش بين الناس يلقي بينهم العداوة. والقتات النمام. والمنان الذي يعمل الخير ويمن به) . قال آخر: احذروا أعداء العقول ولصوص المودات. وهم السعاة والنمامون. وإذا سرق اللصوص المتاع سرقوا هم المودات. وفي المثل السائر: من أطاع الواشي ضيع الصديق وقد تقطع الشجرة فتنبت
(3/118)

ويقطع اللحم السيف فيندمل. واللسان لا يندمل جرحه. قال صالح ابن عبد القدوس:
قل للذي لست أدري من تلونه ... أناصح أم على غش يناجيني
إني لأكثر مما سمتني عجباً ... يد تشج وأخرى منك تأسوني
تغتابني عند أقوام وتمدحني ... في آخرين وكل عنك يأتيني
هذان شيئان قد نافيت بينهما ... فاكفف لسانك عن شتمي وتزييني
114 وقال المأمون: النميمة لا تقرب مودة إلا أفسدتها. ولا عداوة إلا جددتها ولا جماعة إلا بددتها. ثم لا بد لمن عرف بها ونسب إليها أن يجتنب ويخاف من معرفته ولا يوثق بمكانه. وأنشد بعضهم:
من نم في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه
كالسيل بالليل لا يدري به أحد ... من أين جاء ولا من أين يأتيه
الويل للعهد منه كيف ينقضه ... والويل للود منه كيف يفنيه
(للابشيهي)

الصدق والكذب
115 قال علي بن عبيدة: الكذب شعار الخيانة وتحريف العلم وخواطر الزور وتسوبل أضغاث النفس واعوجاج التركيب واحتلاف البنية. وعن خمول الذكر ما يكون صاحبه قال أعرابي لابنه وسمعه يكذب: يا بني عجبت من الكذاب المشيد بكذبه وإنما يدل على عيبه ويتعرض للعقاب من ربه. فالآثام له عادة. والأخبار عنه
(3/119)

متضادة. إن قال لم يصدق. وإن أراد خيراً لم يوفق. فهو الجاني على نفسه بفعاله. والدال على فضيحته بمقاله. فما صح من صدقه نسب إلى غيه وما صح من كذب غيره نسب إليه (لابن عبد ربه) قال بعضهم:
إياك من كذب الكذوب وإفكه ... فلربما مزج اليقين بشكه
ولربما ضحك الكذوب تفكها ... وبكى من الشيء الذي لم يبكه
ولربما صمت الكذوب تخلقا ... وشكا من الشيء الذي لم يشكه
ولربما كذب امرؤ بكلامه ... وبصمته وبكائه وبضحكه

المزاح
116 قال الحجاج بن يوسف لابن القربة: ما زالت الحماء تكره المزاح وتنهى عنه. فقال: المزاح من أدنى منزلته إلى أقصاها عشرة أبواب. المزاح أوله فرح وآخره ترح. المزاح نقائض السفهاء كالشعر نقائض الشعراء. والمزاح يوغر صدر الصديق. وينفر الرفيق. والمزاح يبدي السرائر. لأنه يظهر المعاير. والمزاح يسقط المروءة. ويبدي الخنى. لم يجر المزاح خيراً. وكثيرا ما جر شراً. الغالب بالمزاح واتر. والمغلوب به ثائر. والمزاح يجلب الشتم صغيره. والحرب كبيره. وليس بعد الحرب إلا عفو بعد قدرة. فقال الحجاج: حسبك الموت خير من عفو معه قدرة. وذكر المزاح بحضرة خالد بن صفوان فقال: ينشق أحدكم أخاه مثل الخردل. ويفرغ عليه مثل
(3/120)

المرجل. ويرميه مثل الجندل. ثم يقول: إنما كنت أمزح. أخذ هذا المعنى محمود بن الحسن الوراق فقال:
تلقى الفتى يلقى أخاه وخدنه ... في لحن منطقه بما لا يغفر
ويقول كنت مازحاً وملاعباً ... هيهات نارك في الحشى تتسعر
أو ما علمت وكان جهلك غالباً ... أن المزاح هو السباب الأصغر
(للقيرواني)

الصداقة وخلوص المودة
117 (قيل في المبهج) : الصديق الصدوق ثاني النفس وثالث العينين. (ومنه) الصديق الصدوق. كالشقيق الشفوق. (ومنه) الصديق عمدة الصديق وعدته. ونصرته وعقدته. وربيعه وزهرته. ومشتريه وزهرته. ومنه لقاء الخليل شفاء الغليل. وليس للصديق إذا حضر عديل. ولا عنه إذا غاب بديل. ومثل الصديقين كاليد تستعين باليد والعين بالعين. (ومنه) لقاء الصديق روح الحياة. وفراقه سم الممات. (ومنه) لا تساغ مرارة الأوقات. إلا بحلاوة الإخوان الثقات. فاستروح من غمة الزمان بمؤانسة الخلان. (ومنه) الحاجة إلى الأخ المعين. كالحاجة إلى الماء المعين. ولبعضهم في معنى هذا الباب:
ما ضاع من كان له صاحب ... يقدر أن يصلح من شانه
فإنما الدنيا بسكانها ... وإنما المرء بإخوانه
(3/121)

118 قال أبو تمام:
ذو الود مني وذو القربى بمنزلة ... وإخوتي أسوة عندي وإخواني
عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكان واحد وغدت ... أبداننا بشآم أو خراسان
قال غيره:
إن الصداقة أولاها السلام ومن ... بعد السلام طعام ثم ترحيب
وبعد ذاك كلام في ملاطفة ... وضحك ثغر وإحسان وتقريب
وأصل ذلك إن تبغى شمائلها ... بين الأحبة تأييد وتأديب
لم تنس غيباً ولم تملل إذا حضروا ... قد زان ذلك تهذيب وترتيب
إن الكرام إذا ما صادقوا صدقوا ... لم يثنهم عنه ترغيب وترهيب
قال أبو إسحق ظهير الدين الموصلي:
لا تنسبوني يا ثقاتي إلى ... غدر فليس الغدر من شيمي
أقسمت بالذهاب من عيشنا ... وبالمسرات التي ولت
إني على عهدهم لم أحل ... وعقدة الميثاق ما حلت
119 ذكر صاحب كتاب الأغاني في أخبار علوية المجنون أنه دخل يوماً على المأمون وهو يرقص ويصفق بيديه ويغني بهذين البيتين:
عذيري من الإنسان لا إن جفوته ... صفا لي ولا إن صرت طوع يديه
وإني لمشتاق إلى ظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه
فسمع المأمون وجميع من حضر المجلس من المغنين وغيرهم ما لم يعرفوا
(3/122)

واستظرفه المأمون. وقال: ادن يا علوية ورددها. فرددها عليه سبع مرات. فقال المأمون: يا علوية خذ الخلافة وأعطني هذا الصاحب (لبهاء الدين) 120 قال بشار بن برد:
خير إخوانك المشارك في المر وأين الشريك في المر أينا
الذي إن شهدت سرك في الحي وإن غبت كان سمعا وعينا
أنت في معشر إذا غبت عنهم ... بدلوا كل ما يزينك شينا
وإذا ما رأوك قالوا جميعاً ... أن من أكرم البرايا علينا
ما أرى للأنام وداً صحيحاً ... صار كل الوداد زوراً ومينا
قال بشار أيضاً:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
وإن أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
121 كان لمحمد بن حازم الباهلي صديق على طول الأيام. فنال مرتبة من السلطان وعلا قدره فجفا محمداً وتغير له. فقال في ذلك محمد بن حازم:
وصل الملوك إلى التعالي ... ووفا الملوك من المحال
ما لي رأيتك لا تدو ... م على المودة للرجال
إن كان ذا أدب وظر ... ف قلت ذاك أخو ضلال
(3/123)

أو كان ذا نسك ودين ... قلت ذاك من الثقال
أو كان في وسط من الأمرين قلت يريع مالي
فبمثل ذا ثكلتك أمك تبتغي رتب المعالي
122 قال العنزي وأنشدني بعض أصحابنا لحماد:
كم من أخ لك لست تنكره ... ما دمت من دنياك في يسر
متصنع لك في مودته ... يلقاك بالترحيب والبشر
يطري الوفاء وذا الوفاء ويلحي الغدر مجتهداً وذا الغدر
فإذا عدا والدهر ذو غير ... دهر عليك عدا مع الدهر
فارفض بإجمال مودة من ... يقلي المقل ويعشق المثري
وعليك من حالاه واحدة ... في العسر إما كنت واليسر
لا تخلطنهم بغيرهم ... من يخلط العقيان بالصقر
قال القاضي عبد الجواد المنوفي:
أتزعم أنك الخدن المفدى ... وأنت مصادق أعداي حقا
إلي إلي فاجعلني صديقا ... وصادق من أصادقه محقا
وجانب من أعاديه إذا ما ... أردت تكون لي خدناً وتبقى
قال أوس بن حجر:
وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا
ولكن أخوك النائي ما دمت آمناً ... وصاحب الأدنى إذا الأمر أعضلا
123 قال العتابي: ألإخوان ثلاثة أصناف. فرع بائن من أصله
(3/124)

وأصل متصل بفرعه. وفرع ليس له أصل. فأما الفرع البائن من أصله فإخاء بني على مودة ثم انقطعت على زمام الصحبة. وأما الأصل المتصل بفرعه فإخاء أصله الكرم وأعصابه التقوى. وأما الفرع الذي لا أصل له فالمموه الظاهر الذي ليس له باطن (لابن عبد ربه) 124 قال البكري:
وخليل لم أخنه ساعة ... في دمي كفيه ظلماً قد غمس
كان في سري وجهري ثقتي ... لست عنه في مهم أحترس
ستر البغض بألفاظ الهوى ... وادعى الود بغش ودلس
إن رآني قال لي خيراً وإن ... غبت عنه قال شراً ودحس
ثم لما أمكته فرصة ... حمل السيف على مجرى النفس
وأراد الروح لكن خانه ... قدر أيقظ من كان نعس
وقال ابن أبي حازم:
وصاحب كان لي وكنت له ... أشفق من والد على ولد
كنا كساق تسعى بها قدم ... أو كذراع نيطت إلى عضد
حتى إذا دبت الحوادث في ... عظمي وحل الزمان من عقدي
إحول عني وكان ينظر من ... طرفي ويرمي بساعدي ويدي
125 قال بعض الحكماء: الإخاء جوهرة رقيقة. وهي ما لم ترقها وتحرسها معرضة للآفات فرض الأبي بالجداء له حتى تصل إلى قربه. وبالكظم حتى يعتذر إليك من ظلمك. والرضا حتى لا
(3/125)

تستكثر من نفسك بالفضل ولا من أخيك بالتقصير. (ولمحمود الوراق) :
لا بر أعظم من مساعدة ... فاشكر أخاك على مساعدته
وإذا هفا فأقله هفوته ... حتى يعود إليك كعادته
فالصفح عن زلل الصديق وإن ... أعياك خير من معاندته
126 قال ابن طاهر في حسن العشرة:
أواصل من هويت على خلال ... أذود بهن ليآت المقال
وأحفظ سره والغيب منه ... وأرعى عهده في كل حال
وفاء لا يحول به انتكاث ... وود لا تخونه الليالي
وأوثره على عسر ويسر ... وينفذ حكمه في سر مالي
وأغفر نبوة الإدلال منه ... إذا ما لم يكن غير الدلال
وما أنا بالملول ولا بجاف ... ولا الغدر المذمم من فعالي
قال بعضهم يصف خداع الناس ونفاقهم:
وإخوان تخذتهم دروعاً ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاماً صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن عن ودادي
وقالوا قد سعينا كل سعي ... لقد صدقوا ولكن في فساد
127 وأنشد علي بن أبي طالب:
فلا تصحب أخا السوء ... وإياك وإياه
(3/126)

فكم من جاهل أودى ... حليماً حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما المرء ما شاه
وفي الناس من الناس ... مقاييس وأشباه
وفي العين على العين ... إذا تنطق أفواه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
كتب المعتصم صاحب المرية إلى ابن عمار:
وزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحباً بعد صاحب
فلم ترني الأيام خلا تسرني ... مباديه إلا ساءني في العواقب
ولا كنت أرجوه لدفع ملمة ... من الدهر إلا كان إحدى المصائب

المطل في الوعد
128 قال عبد الرحمن ابن أم الحكم لعبد الملك بن مروان في مواعد وعدها إياه فمطله بها: نحن إلى الفعل أحوج منا إلى القول. وأنت بالإنجاز أولى منك من المطل. واعلم أنك لا تستحق الشكر إلا بإنجازك الوعد واستتمامك المعروف. قال أبو مسلم الخولاني: إن أوقع المعروف في القلوب وأبرده على الأكباد معروف منتظر بوعد لا يكدره المطل. كتب العتابي إلى بعض أهل السلطان: أما بعد فإن سحاب وعدك قد أبرقت فليكن وبلها سالماً من علل المطل. والسلام (لابن عبد ربه)
(3/127)

في التواضع والكبر
129 اعلم أن الكبر والإعجاب يسلبان الفضائل. ويكسبان الرذائل. وحسبك من رذيلة تمنع من سماع النصح وقبول التأديب. وتسلب الرئاسة والسيادة. والكبر يكسب المقت ويمنع من التآلف. ولم تزل الحكماء تتحامى الكبر وتأنف منه. ونظر أفلاطون إلى رجل جاهل معجب بنفسه فقال: وددت أني مثلك في ظنك وأن أعدائي مثلك في الحقيقة. ورأى رجل رجلاً يختال في مشيه فقال: جعلني الله مثلك في نفسك ولا جعلني مثلك في نفسي (للابشيهي) قال بعضهم:
قل للذي تاه في دنياه مفتخراً ... ضاع افتخارك بين الماء والطين
إذا تفقدت في الأجداث معتبراً ... هناك تنظر تيجان السلاطين
وأحسن من هذا القول قول القائل:
يا صاح لا تك بالعلياء مفتخراً ... إن كنت لم تول نفعاً قط بل ضررا
إني أرى شجر الصفصاف مرتفعاً ... إلى العلو ولكن لا أرى ثمرا
قال آخر:
اتضع للناس إن رمت العلا ... واكظم الغيظ ولا تبدي الضجر
واجعل المعروف ذخراً إنه ... للفتى أفضل شيء يدخر
احمل الناس على أخلاقهم ... فبه تملك أعناق البشر
(3/128)

الباب الثامن في الذكاء والأدب
في العقل وماهيته
130 قال سهل التستري: العقل أن تستغني به عن كل شيء دونه جل جلاله. أما ذاته فقال بعضهم: العقل ذاته جوهر مضيء ونور مجرد وليس بعرض. خلقه الله وجعل نوره في القلب يدرك به المعقولات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة. وهو منال إلى الدنيا والآخرة وإلى العلوم الشرعية والعقلية. آلة للمؤمن يعمل به. والعقل ذاته شيء واحد وله وجهان. أحدهما العقل المشترك بين المؤمن والكافر ويعبر عنه بعقل المعاش. والوجه الثاني العقل الخاص بالمؤمن وهو المعبر عنه بعقل الهداية. فمن رزقه الله الهداية فهو المؤمن العاقل (الكنز المدفون) ما أحسن ما قال بعضهم:
إني لآمن من عدو عاقل ... وأخاف خلاً يعتريه جنون
والعقل فن واحد وطريقه ... أدرى وأرصد والجنون فنون

في شرف العقل
131 العقل أحسن حلية. والعلم أفضل قنية. لا سيف كالحق. ولا عدل كالصدق. الجهل مطية سوء من ركبها ذل. ومن صحبها
(3/129)

ضل. من الجهل صحبة الجهال. ومن الذل عشرة ذوي الضلال. خير المواهب العقل. وشر المصائب الجهل. من صاحب العلماء وقر. ومن عاشر السفهاء حقر. من لم يتعلم في صغره. لم يتقدم في كبره. وقيل: أصل العلم الرغبة وثمرته العبادة. وأصل الزهد الرهبة وثمرته السعادة. وأصل المروءة الحياة وثمرتها العفة. العقل أقوى أساس. والتقوى أفضل لباس. الجاهل يطلب المال. والعاقل يطلب الكمال. لم يدرك العلم من لا يطيل درسه. ولا يكد نفسه. كم من ذليل أعزه عقله. وعزيز أذله جهله (للشبراوي) 132 حكى الكسائي أنه دخل على الرشيد يوماً فأمر بإحضار الأمين والمأمون لديه. وقال: فلم يلبث قليلاً أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هداهما ووقارهما. وقد غضا أبصارهما وقاربا خطوهما حتى وقفا في مجلسه. فسلما عليه بالخلافة ودعوا له بأحسن الدعاء. فاستدناهما وأسند محمداً عن يمينه وعبد الله عن يساره. ثم أمرني أن ألقي عليهما أبواباً من النحو. فما سألتهما شيئاً إلا أحسنا الجواب عنه. فسره ذلك سروراً عظيماً وقال: كيف تراهما. فقلت:
أرى قمري أفق وفرعي بشامة ... يزينهما عرق كريم ومحتد
سليلي أمير المؤمنين وحائزي ... مواريث ما أبقى النبيه المؤيد
يسدان أنفاق النفاق بشيمة ... يزينهما حزم وغضب مهند
ثم قلت: ما رأيت أعز الله أمير المؤمنين أحداً من أبناء الخلافة
(3/130)

وأغصان هذه الشجرة الزلالية آدب منهما السنا. ولا أحسن ألفاظاً. ولا اشد اقتداراً منهما على تأدية ما حفظا ورويا. أسأل الله تعالى أن يزيد بهما الحق تأييداً وعزا. ويدخل بهما إلى أهل الضلال ذلا وقمعا. فأمن الرشيد على دعائي. ثم ضمهما إليه وجمع عليهما يديه. فلم يبسطهما حتى رأيت الدموع تتحدر على صدره. ثم أمرهما بالخروج (كتاب الدراري للحلبي) قال علي بن أبي طالب:
الناس من جهة التمثال أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء
فإن يكن لهم في أصلهم شرف ... يفاخرون به فالطين والماء
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
وإن أتيت بجود في ذوي نسب ... فإن نسبتنا جود وعلياء
ففز بعلم تعش حياً به أبداً ... الناس موتى وأهل العلم أحياء
133 اعلم أن العلم شرف للإنسان. وفخر له في جميع الأزمان. وهو العز الذي لا يبلى جديده. والكنز الذي لا يفنى مزيده. وقدره عظيم. وفضله جسيم. ولقد أحسن من قال:
ما أحسن العقل والمحمود من عقلا ... وأقبح الجهل والمذموم من جهلا
فليس يصلح نطق المرء في جدل ... والجهل يفسده يوماً إذا سئلا
134 ثم اعلم أن الدنيا ربما أقبلت على الجاهل بالاتفاق. وأدبرت
(3/131)

عن العالم بالاستحقاق. فإن أتاك منها ملمة مع جهل. أو فاتك منها بغية مع عقل. فلا يحملنك ذلك على الرغبة في الجهل. فدولة الجاهل من الممكنات. ودولة العاقل من الواجبات. وليس من أمكنه شيء في ذاته. كمن استوجبه بآدابه وآلاته. وأيضاً فدولة الجاهل كالغريب الذي يحن إلى النقلة. ودولة العاقل كالنسيب المتمكن الوصلة.

لا تيأسن إذا ما كنت ذا أدب ... على خمولك أن ترقى إلى الفلك
فبينما الذهب الإبريز مختلط ... بالترب إذ صار إكليلاً على الملك
135 وقال حكيم: ينبغي للمرء أن لا يفرح بمرتبة ترقاها بغير عقل. ولا بمنزلة رفيعة حلها بغير فضل. فلا بد أن يزيله الجهل عنها. ويسله منها. فينحط إلى رتبته. ويرجع إلى قيمته. بعد أن تظهر عيوبه. وتكثر ذنوبه. ويصير مادحه هاجياً. وصديقه معادياً
لا تقعدن عن اكتساب فضيلة ... أبداً وإن أدت إلى الإعدام
جهل الفتى عار عليه لذاته ... وخموله عار على الأيام
(للشبراوي) 136 سئل الأحنف بن قيس عن العقل فقال: رأس الأشياء فيه قوامها وبه تمامها لأنه سراج ما بطن. وملاك ما علن. وسائس الحد. وزينة كل أحد. لا تستقيم الحياة إلا به. ولا تدو الأمور إلا عليه
(3/132)

قال الخضراوي:
وأفضل قسم الله للمرء عقله ... فليس من الخيرات شيء يقاربه
يزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظوراً عليه مكاسبه
وشين الفتى في الناس قلة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه
إذا أكمل الرحمان للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومآربه
وقال آخر:
العقل حلة فخر من تسربلها ... كانت له نسياً تغني عن النسب
والعقل أفضل ما في الناس كلهم ... بالعقل ينجو الفتى من حومة الطلب
137 قيل: إن العميان أذكى من غيرهم. وقيل لقتادة: ما بال العميان نجدهم أذكى من البصراء. فقال: لأن القوة الباصرة منهم انقلبت إلى باطنهم قال ابن عباس لما كف بصره:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسيف مشهور
(لابن عبد ربه)

في العلم وشرفه
138 قال بعض الحكماء: العلم خليل والحلم وزيره. والعقل دليله. والعمل قائده والوفق والده. والبر أخوه والصبر أمير جنوده. وقال بعض الحكماء: لمثقال ذرة من العلم أفضل من جهاد الجاهل
(3/133)

ألف عام. وقال الإمام الشافعي: ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم فهو نور يهتدي به الحائر (لأبي المقدسي) قال بعض الأدباء:
والعلم أشرف شيء قاله رجل ... من لم يكن فيه علم لم يكن رجلا
تعلم العلم واعمل يا أخي به ... فالعلم زين لمن بالعلم قد عملا
وفي معناه أنشدوا:
بالعلم تحيا نفوس قط ما عرفت ... من قبل ما الفرق بين الصدق والمين
العلم للنفس نور يستدل به ... على الحقائق مثل النور للعين
139 وقال الزبير بن أبي بكر: كتب إلي أبي من العراق: يا بني عليك بالعلم فإنك إن افتقرت إليه كان مالاً. وإن استغنيت به كان جمالاً. وأنشد في معناه:
العلم مبلغ قوم ذروة الشرف ... وصاحب العلم محفوظ من التلف
يا صاحب العلم مهلا لا تدنسه ... بالموبقات فما للعلم من خلف
العلم يرفع بيتاً لا عماد له ... والجهل يهدم بيت العز والشرف
140 وقال بعض الفضلاء: ينبغي لكل عاقل أن يبالغ في تعظيم العلماء ما أمكن ولا يعد غيرهم من الأحياء. وقد أجاد الحريري بقوله:
ومن الجهالة أن تعظم جاهلا ... لصقال ملبسه ورونق نقشه
واعلم بأن التبر في بطن الثرى ... خاف إلى أن يستبين بنبشه
وفضيلة الدينار يظهر سرها ... من حكه لا من ملاحة نقشه
(3/134)

وقيل في معنى ذلك:
عاب التعلم قوم لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضرر
ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
141 وقال علي: العلم خير من المال. العلم يحرسك وأنت تحرس المال. والعلم حاكم والمال محكوم عليه. والعلم يزيد بالإنفاق والمال ينقص بالنفقة. وعن ابن عباس أنه قال: خير سليمان بن داود بين العلم والملك والمال. فاختار العلم فأعطي الملك والمال معه. وقال الإمام مالك بن أنس: ليس العلم بكثره الرواية إنما العلم نور يجعله في قلب من يشاء. وما أحسن ما قيل:
(مع) فقيه جلاء للقلوب من العمى ... وعون على الدين الذي أمره غنم
فخالط رواة العلم واصحب خيارهم ... فصحبتهم زين وخلطتهم غنم
ولا تعدون عيناك عنهم فإنهم ... نجوم هدى إن غاب نجم بدا نجم
فوالله لولا العلم ما اتضح الهدى ... ولا لاح من غيب الأمور لنا رسم
142 وعن ابن المبارك أنه قال: لا يزال المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل. وعن عثمان بن أبي شيبة قال: سمعت وكيعاً يقول: لا يكون الرجل عالماً حتى يسمع ممن هو أسن منه. وممن هو مثله. وممن هو دونه. وعن أبي مسعود أنه قال: منهومان لا يشبعان طالب العلم (طالب الدنيا وهما لا يستويان) أما طالب العلم فيزداد رضا الرحمان. وأما طالب الدنيا فيزداد في الطغيان.
(3/135)

وقال بعضهم:
لو كان نور العلم يدرك بالمنى ... ما كان يبقى في البرية جاهل
إجهد ولا تكسل ولا تك غافلا ... فندامة العقبى لمن يتكاسل
قال غيره:
مفتاح رزقك تقوى الله فاتقه ... وليس مفتاحه حرصاً ولا طعما
والعلم أجمل ثوب أنت لابسه ... فاختر له عملين الدين والورعا
قال غيره:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسادهم دون القبور قبور
وإن أمراً لم يحي بالعلم قلبه ... فليس له حتى النشور نشور
قيل أيضاً:
لكل مجد في الورى نفع فاضل ... وليس يفيد العلم من دون عامل
يسابق بعض الناس بعضاً يجهدهم ... وما كل كر بالهوى كر باسل
إذا لم يكن نفع لذي العلم والحجى ... فما هو بين الناس إلا كجاهل
كذاك إذا لم ينفع المرء غيره ... يعد كشوك بين زهر الخمائل
وقيل أيضاً:
المال يفنى مع الأيام إن قلبت ... لكن ذا يصحب الإنسان للترب
اغنم جنى ثمرة تحظ بنيل منى ... وتعل بالقدر فوق السبعة الشهب
143 قال الماهياباذي مغرياً على تأثير العلم:
يا ساعياً وطلاب المال همته ... إني أراك ضعيف العقل والدين
(3/136)

عليك بالعلم لا تطلب له بدلاً ... واعلم بأنك فيه غير مغبون
العلم يجدي ويبقى للفتى أبدا ... والمال يفنى وإن أجدى إلى حين
هذاك عز وذاك ذل لصاحبه ... ما زال بالبعد بني العز والهون
قال أبو بكر بن دريد:
لا تحقرن عالماً وإن خلقت ... أثوابه في عيون رامقه
وانظر إليه بعين ذي خطر ... مهذب الرأي في طرائقه
فالمسك مهما تراه ممتهناً ... بفهر عطاره وساحقه
حتى تراه يعارضني ملك ... وموضع التاج من مفارقه
قال أبو الأسود الدؤلي:
العلم زين وتشريف لصاحبه ... فاطلب هديت فنون العلم والأدبا
كم سيد بطل آباؤه نجب ... كانوا الرؤوس فأمسى بعدهم ذنبا
ومقرف خامل الآباء ذي أدب ... نال المعالي بالآداب والرتبا
العلم كنز وذخر لا فناء له ... نعم القرين إذا ما صاحب صحبا
قد يجمع المال شخص ثم يحرمه ... عما قليل فيلقى الذل والحربا
وجامع العلم مغبوط به أبداً ... ولا يحاذر منه الفوت والسلبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه ... لا تعدلن به درا ولا ذهبا
144 قال غيره:
بالعلم والعقل لا بالمال والذهب ... يزداد رفع الفتى قدراً بلا طلب
فالعلم طوق النهى يزهو به شرفا ... والجهل قيد له يبليه باللغب
(3/137)

كم يرفع العلم أشخاصاً إلى رتب ... ويخفض الجهل أشرافاً بلا أدب
العلم كنز لا تفنى ذخائره ... والمرء ما زاد علماً زاد بالرتب
فالعلم فاطلب لكي يجديك جوهره ... كالقوت للجسم لا تطلب غنى الذهب
قال آخر:
ما حوى العلم جميعاً أحد ... لا ولو مارسه ألف سنه
إنما العلم بعيد غوره ... فخذوا من كل شيء أحسنه
قال بعضهم:
تعلم ما استطعت بحيث تسعى ... فإن العلم زين للرجال
لأن العلم في الدنيا جمال ... وفي العقبى تنال به المعالي
قال آخر:
العلم زين فكن للعلم مكتسبا ... وكن له طالباً ما عشت مقتبسا
اركن إليه وثق بالله واغن به ... وكن حليماً رزين العقل محترسا
وكن فتى ماسكاً محض التقى ورعا ... للدين مغنماً في العلم منغمسا
فمن تخلق بالآداب ظل بها ... رئيس قوم إذا ما فارق الرؤسا

وصف الكتاب
145 الكتاب نعم الأنيس في ساعة الوحدة. ونعم المعرفة في دار الغربة. ونعم القرين والدخيل. ونعم الزائر والنزيل. وعاء مليء علماً وظرفاً. وإناء مليء مزحاً وجداً. وحبذا بستان يحمل في خرج وروض يقلب في حجر. هل سمعت بشجرة تؤتي أكلها كل حين
(3/138)

بأوان مختلفة وطعوم متباينة. هل سمعت بشجرة لا تذوي. وزهر لا ينوي. وثمر لا يفنى. ومن لك بجليس يفيد الشيء وخلافه والجنس وضده. ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء. إن غضبت لم يغضب. وإن عربدت لم يصخب. أكتم من الأرض. وأنم من الريح. وأهوى من الهوى. وأخدع من المنى وأمتع من الضحى. وأنطق من سحبن وائل وأعيا من باقل. هل سمعت بمعلم تحلى بخلال كثيرة وجمع أوصافاً عديدة. عربي فارسي يوناني هندي سندي رومي. إن وعظ أسمع. وإن ألهى أمتع. وإن أبكى أدمع. وإن ضرب أوجع. يفيدك ولا يستفيد منك. ويزيدك ولا يستزيد منك. إن وجد فعبرة. وإن مزح فنزهة. قبر الأسرار ومخزن الودائع قيد العلوم. وينبوع الحكم ومعدن المكارم. ومؤنس لا ينام. يفيدك علم الأولين. ويخبرك عن كثير من أخبار المتأخرين. هل سمعت في الأولين أو بلغك أن أحداً من السالفين جمع هذه الأوصاف مع قلة مؤونته وخفة محمله. لا يرزؤك شيئاً من دنياك. نعم المدخر والعدة. والمشتغل والحرفة. جليس لا يطريك ورفيق لا يملك. يطيعك في الليل طاعته في النهار. ويطيعك في السفر طاعته في الحضر. إن أطلب النظر إليه أطال إمتاعك. وشحذ طباعك. وبسط لسانك. وجود بيانك. وفخم ألفاظك. إن ألفته خلد على الأيام ذكرك. وإن درسته رفع في الخلق قدرك. وإن نعنه نوه عندهم باسمك. يقعد العبيد في مقاعد السادات. ويجلس السوقة في مجالس
(3/139)

الملوك فأكرم به من صاحب. وأعزز به من موافق (الكنز المدفون) 146 أرسل بعض الخلفاء في طلب بعض العلماء ليسامره. فلما جاء الخادم إليه وجده جالساً وحواليه كتب وهو يطالع فيها. فقال له: إن أمير المؤمنين يستدعيك. فقال: قل عندي قوم من الحكماء أحادثهم فإذا فرغت منهم حضرت. فلما عاد الخادم إلى الخليفة وأخبره بذلك قال له: ويحك من هؤلاء الحكماء الذين كانوا عنده. قال: والله يا أمير المؤمنين ما كان عنده أحد. قال: فأحضره الساعة كيف كان. فلما حضر ذلك العالم. قال له الخليفة: من هؤلاء الحكماء الذين كانوا عندك. قال: يا أمير المؤمنين
لنا جلساء ما نمل حديثهم ... ألباء مأمونون غيباً ومشهداً
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى ... ورأياً وتأديباً ومجداً وسؤددا
فإن قلت أموات فلم تعد أمرهم ... وإن قلت أحياء فلست مفندا
فعلم الخليفة أنه يشير بذلك إلى الكتب ولم ينكر عليه تأخره 147 طلب المكفي من وزيره كتباً يلهو بها ويقطع بمطالعتها زمانه. فتقدم الوزير إلى النواب بتحصيل ذلك وعرضه عليه قبل حمله إلى الخليفة. فحصلوا شيئاً من كتب التاريخ فيه شيء مما جرى في الأيام السالفة من وقائع الملوك وأخبار الوزراء ومعرفة التحيل في استخراج الأموال. فلما رآه الوزير قال لنوابه: إنكم أشد الناس عداوة لي. أنا قلت لكم حصلوا له كتباً يلهو بها ويشتغل بها
(3/140)

عني وعن غيري. فقد حصلتم له ما يعرفه مصارع الوزراء ويوجده الطريق إلى استخراج المال ويعرفه خراب البلاد من عمارتها. ردوها وحصلوا له كتباً فيها حكايات تلهيه وأشعار تطربه (لفخري) قال ابن دوست في الحفظ والاستظهار:
عليك بالحفظ دون الجمع في الكتب ... فإن للكتب آفات تفرقها
الماء يغرقها والنار تحرقها ... والفار يخرقها واللص يسرقها

في البيان والبلاغة والفصاحة
148 قال ابن المعتز: البيان ترجمان القلوب وصقيل العقول. وأما حده فقد قال الجاحظ: البيان اسم جامع لكل ما كشف لك عن المعنى. وقال اليوناني: البلاغة وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة. وقال الهندي: البلاغة تصحيح الأقسام. واختيار الكلام. وقال الكندي: يجب للبليغ أن يكون قليل اللفظ كثير المعاني وقيل: إن معاوية سأل عمرو بن العاص: من أبلغ الناس. فقال: أقلهم لفظاً وأسهلهم معنى وأحسنهم بديهة. وقال أبو عبد الله وزير المهدي: البلاغة ما فهمته العامة ورضيت به الخاصة. وقال البحتري: خير الكلام ما قل. وجل. ودل. ولم يمل. وقالوا: البلاغة ميدان لا يقطع إلا بسوابق الأذهان. ولا يسلك إلا ببصائر البيان. قال الشاعر:
لك البلاغة ميدان نشأت به ... وكلنا بقصور عنك نعترف
(3/141)

مهد لي العذر في نظم بعثت به ... من عنده الدر لا يهدى له الصدف
149 وقال الثعالبي: البليغ ما كان لفظه فحلاً ومعنا بكراً. وقال الإمام فخر الدين الرازي في حد البلاغة: إنها بلوغ الرجل بعبارته كنه ما في قلبه مع الاحتراز عن الإيجاز المخل. والتطويل الممل. وأما الفصاحة فقد قال الإمام فخر الدين الرازي عنها: اعلم أن الفصاحة خلوص الكلام من التعقيد. وأصلها من قولهم أفصح اللبن إذا أخذت عنه الرغوة. وأكثر البلغاء لا يكادون يفرقون بين البلاغة والفصاحة. بل يستعملونها استعمال الشيئين المترادفين على معنى واحد في تسوية الحكم بينهما. ويزعم بعضهم أن البلاغة في المعاني والفصاحة في الألفاظ. ويستدل بقولهم معنى بليغ ولفظ فصيح وقال يحيى بن خالد: ما رأيت رجلاً قط إلا هبته حتى يتكلم. فإن كان فصيحاً عظم في صدري. وإن قصر سقط من عيني (اللابشيهي)

في الشعر
150 كان يقال: الشعر ديوان العرب ومعدن حكمتها وكنز أدبها. ويقال: الشعر لسان الزمان. والشعراء للكلام أمراء. وقال بعض السلف: الشعر جزل من كلام العرب تقام به المجالس وتستنجح به الحوائج وتشفى به السخائم. ويقال: المدح مهره الكرام. وإعطاء الشعراء من بر الوالدين. وقال بعضهم: أنصف الشعراء فإن ظلامتهم تبقى وعقابهم لا يفنى. وهم الحاكمون على الحكام. وقال
(3/142)

آخر: الشعر الجيد هو السحر الحلال. والعذب الزلال. إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحراً. وكان يقال: النثر يتطاير تطاير الشرر. والشعر يبقى بقاء النقش في الحجر. وقيل لحمزة بن بيص: من أشعر الناس. قال: من إذا قال أسرع. وإذا وصف أبدع. وإذا مدح رفع. وإذا هجا وضع. وقال دعبل في كتابه الموضوع في مدح الشعراء: إنه لا يكذب أحد إلا اجترأه الناس فقالوا: كذاب. إلا الشاعر فإن يكذب يستحسن كذبه. ويحتمل ذلك له ولا يكون ذلك عيباً عليه. ثم لا يلبث أن يقال: أحسنت. (وفيه) أن الرجل الملك أو السوقة إذا صير ابنه في الكتاب أمر معلمه أن يعلمه الشعر. لأنه توصل به المجالس. وتضرب فيه الأمثال وتعرف به محاسن الأخلاق ومشاينها فتذم وتحمد وتهجى وتمدح. وأي شرف أبقى من شرف يبقى بالشعر. (وفيه) أن امرئ القيس كان من أبناء الملوك. وكان من أهل بيته وبني أبيه أكثر من ثلاثين ملكاً فبادوا وباد ذكرهم. وبقي ذكره إلى القيامة. وإنما أمسك ذكره شعره. وقال: أحسن ما مدح به الشعر قول أبي تمام حيث يقول:
ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بغاة المعالي كيف تبنى المكارم
وأحسن منه:
أرى الشعر يحيي الجود والبأس بالذي ... تبقيه أرواح له عطرات
وما المجد لولا الشعر إلا معاهد ... وما الناس إلا أعظم نخرات
(3/143)

151 (فصل لأبي بكر الخوارزمي جامع لمدح الشعراء) ما ظنك بقوم الاقتصار محمود إلا منهم. والكذب مذموم ومردود إلا فيهم. إذا ذموا ثلموا. وإذا مدحوا سلبوا. وإذا رضوا رفعوا الوضيع. وإذا غضبوا وضعوا الرفيع. وإذا أقروا على أنفسهم بالكبائر. لم يلزم حد. ولم تمتد إليهم بالعقوبة يد. غنيهم لا يصادر. وفقيرهم لا يستحقر. وشيخم يوقر. وشلبهم لا يستصغر. سهامهم تنفذ في الأعراض. وشهادتهم مقبولة وإن لم ينطق بها سجل ولم يشهد بها عدل. بل ما ظنك بقوم صيارفة أخلاق الرجال. وسماسرة النقص والكمال. بل ما ظنك بقوم اسمهم ناطق بالفضل. وباسم صناعتهم مشتق من العقل. بل ما ظنك بقوم هم أمراء الكلام. يقصرون طويله. ويطولون قصيره. يقصرون ممدوده. ويخفقون ثقيله. ولم لا أقول: ما ظنك بقوم يتبعهم الغاوون. وفي كل واد يهيمون (لأبي نصر المقدسي)

في الأدب
152 قال العلاء بن أيوب كان يقال: مثل الأديب ذي القريحة مثل دائرة تدار من خارجها. فهي في كل دارة تدار تتسع وتزداد عظماً. ومثل الأديب غير ذي القريحة مثل دائرة تدار من داخلها فهي عن قليل تبلغ إلى باطنها. أوصى بعض الحكماء بنيه فقال لهم: الأدب أكرم الجواهر طبيعة وأنفسها قيمة. يرفع الأحساب الوضيعة.
(3/144)

ويفيد الرغائب الجليلة. ويغني من غير عشيرة. ويكثر الأنصار من غير رزية. فألبسوه حلة. وتزينوا به حلية. يؤانسكم في الوحشة. ويجمع القلوب المختلفة. وأنشد الأصمعي:
إن كان للعقل مولود فلست أرى ... ذا العقل مستوحشاً من حادث الأدب
إني رأيتهما كالماء مختلطاً ... بالترب تظهر عنه زهرة العشب
153 وقال بزرجمهر: ما ورثت الآباء الأبناء خيراً من الأدب. لأنهم به يكسبون المال وبالجهل يتلفونه: وقال: حسن الخلق خير قرين والأدب خير ميراث والتقوى خير زاد. وقال أيضاً: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته الأدب. وأي شيء فات من أدرك الأدب. وقال ابن عائشة القرشي: هل الأدب هم الأكثرون وإن قلوا. ومحل الأنس أين حلوا. وقال خالد بن صفوان لابنه: يا بني الأدب بهاء الملوك ورياش السوقة والناس بين هاتين فتعلمه تجده حيث تحب. وقال بعض الظاهرية: لو علم الجاهلون ما الأدب. لأيقنوا أنه الطرب. وقال حكيم لابنه: يا بني عز السلطان يوم لك يوم عليك. وعز المال وشيك ذهابه. جدير انقطاعه وانقلابه. وعز الحسب إلى خمول ودثور وذبول. وعز الأدب راتب واصب. لا يزول بزوال المال ولا يتحول بتحول السلطان. ويقال: من قعد به حسبه. نهض به أدبه. وقال ابن المعتز: حلية الأدب لا تخفى. وحرمته لا تجفى. والأدب صورة العقل فحسن عقلك كيف
(3/145)

شئت. قال بزرجمهر: من كثر أدبه. كثر شرفه وإن كان قبل وضيعاً وبعد صيته وإن كان خاملاً. وساد وإن كان غريباً. وكثرت الحاجة إليه وإن كان فقيراً. وقالوا: الأدب أدبان أدب الغريزة وهو الأصل وأدب الرواية وهو الفرع. ولا يتفرع الشيء إلا عن أصله. ولا ينمو الأصل إلا باتصال المادة (للشريشي) 154 وقال حبيب فأحسن:
وما السيف إلا زبرة لو تركته ... على الخلقة الأولى لما كان يقطع
وقال آخر:
ما وهب الله لامرئ هبة ... أفضل من عقله ومن أدبه
هما كمال الفتى فإن فقدا ... ففقده للحياة أحسن به
وقيل: إذا كان الرجل ظاهر الأدب طاهر النبت تأدب بأدبه وصلح بصلاحه أهله وولده. وقال الشاعر:
رأيت صلاح المرء يصلح أهله ... ويعديهم عند الفساد إذا فسد
يعظم في الدنيا لأجل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد
قال غيره:
لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه ... على ما تجلى يومه لا ابن أمسه
وما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبغى الفخار بنفسه
155 الأدب مال. واستعماله كمال. بالعقل يصلح كل أمر. وبالحلم ينقطع كل شر (للشبراوي)
(3/146)

قال علي بن أبي طالب:
حرص بنيك على الآداب في الصغر ... كيما تقر بهم عيناك في الكبر
وإنما مثل الآداب تجمعها ... في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر
هي الكنوز التي تنمو ذخائرها ... ولا يخاف عليها حادث العبر
إن الأديب إذا زلت به قدم ... يهوي على فرش الديباج والسرر
قال غيره:
من لم ير التأديب في صغر الصبا ... شمخ الفلاح عليه في وقت الكبر

الآداب الطاهرة
156 (الآداب في الأكل) . قال بعضهم: إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله في أول أكله وآخره. وعلى من يأكل أن يلحق بالآداب والرسوم المستحسنة. منها أن يأكل بيمينه ويشرب بيمينه. وألا يأكل ويشرب قائماً. وأوصى رجل من خدم الملوك ابنه فقال: إذا أكلت فضم شفتيك ولا تلتفنن يميناً ولا شمالاً وتلقمن بسكين. ولا تجلس فوق من هو أشرف منك وأرفع منزلاً. ولا تبصق في الأماكن النظيفة. ومن حسن الآداب أن يعرض عن البطنة. قال بعضهم: من قل طعامه صح جسمه وصفا قلبه. من كثر طعامه سقم جسمه وقسا قلبه. قال آخر: لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب. فإن القلب كالزرع. إذا كثر عليه الماء مات. قال ابن المقفع: كانت ملوك الأعاجم إذا رأت الرجل نهماً شرهاً
(3/147)

أخرجوه من طبقة الجد إلى باب الهزل ومن باب التعظيم إلى باب الاحتقار (للابشيهي) 157 (وأما أدب المضيف) فهو أن يخدم أضيافه ويظهر لهم الغنى وبسط الوجه فقد قيل: البشاشة في الوجه خير من القرى. قالوا: فكيف بمن يأتي بها وهو ضاحك. وقد ضمن الشيخ شمس الدين البديوي هذا الكلام بأبيات فقال:
إذا المرء وافى منزلاً منك قاصدا ... قراك وأرمته لديك المسالك
فكن باسماً في وجهه متهللا ... وقل مرحبا أهلاً ويوم مبارك
وقدم له ما تستطيع من القرى ... عجولاً ولا تبخل بما هو هالك
فقد قيل بيت سالف متقدم ... تداوله زيد وعمر ومالك
بشاشة وجه المرء خير من القرى=فكيف بمن يأتي به وهو ضاحك قال العرب: تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة وإطالة الحديث عند المؤاكلة. ولله در من قال:
الله يعلم أنه ما سرني ... شيء كطارقة الضيوف النزل
ما زلت بالترحيب حتى خلتني ... ضيفاً له والضيف رب المنزل
وما أحسن ما قال سيف الدولة بن حمدان:
منزلنا رحب لمن زاره ... نحن سواء فيه والطارق
وكل ما فيه حلال له ... إلا الذي حرمه الخالق
قال عاصم بن وائل:
(3/148)

وإنا لنقري الضيف قبل نزوله ... ونشبعه بالبشر من وجه ضاحك
158 ومن آداب المضيف أن يحدث أضيافه بما تميل إليه نفوسهم. ولا ينام قبلهم. ولا يشكو الزمان بحضورهم. ويبش عند قدومهم ويتألم عند وداعهم. وأن لا يحدث بما يروعهم به. ويجب على المضيف أن يراعي خواطر أضيافه كيفما أمكن. ولا يغضب على أحد بحضورهم. ولا ينغص عيشهم بما يكرهونه. ولا يعبس بوجهه. ولا يظهر نكداً. ولا ينهر أحداً ولا يشتمه بحضرتهم بل يدخل على قلوبهم السرور بكل ما أمكن. وعليه أن يسهر مع أضيافه ويؤانسهم بلذيذ المحادثة وغريب الحكايات. وأن يستميل قلوبهم بالبذل لهم من غرائب الطرف إن كان من أهل ذلك. وعلى المضيف إذا قدم الطعام إلى أضيافه أن لا ينتظر من يحضر من عشيرته. فقد قيل: ثلاثة تضني سراج لا يضيء ورسول بطيء ومائدة ينتظر لها من يجيء. ومن السنة أن يشيع المضيف الضيف إلى باب الدار.
159 قال بعض السلف: ما استكمل عقل امرئ حتى يكون فيه عشر خصال. الرشد منه مأمولا. والكبر منه مأمونا. نصيبه من الدنيا القوت. والذي أحب إليه من العز. والفقر أحب إليه من الغنى ويستقل كثير المعروف من نفسه. ويستكثر قليل المعروف من غيره. ولا يسأم من طلب العلم طول عمره. ولا يتبرم من طلب الحوائج قلبه. والعاشرة أن يرى الناس كلهم خيراً منه (لابن المعتز)
(3/149)

الباب التاسع في اللطائف
الحداد الأمير
16 حكى القاضي أبو عبد الله الآمدي النائب قال: دخلت على الأمير سعيد بن المظفر أيام ولايته فوجدته يقطر دهناًَ على خنصره. فسألته عن سببه فذكر ضيق خاتمة وأنه ورم بسببه. فقلت له: الرأي قطع حلقته قبل أن يتفاقم الأمر. فقال: من يصلح لذلك. فاستدعيت ظافراً الحداد الشاعر فقطع الحلقة وأنشد بديها:
قصر عن أوصافك العالم ... وكثر الناثر والناظم
من يكن البحر له راحة ... يضيق عن خنصره الخاتم
فاستحسنه الأمير ووهب له الحلقة. وكانت من ذهب وكان بين يدي غزال مستأنس وقد ربض وجعل رأسه في حجره. فقال ظافر بديها:
عجبت لجرأة هذا الغزال ... وأمر تخطى له واعتمد
وأعجب به إذ بدا جاثماً ... وكيف اطمأن وأنت أسد
فزاد الأمير والحاضرون في الاستحسان (بدائع البدائة للازري) 161 قال بعض الشعراء يصف الفقير والغني:
من كان يملك درهمين تعلمت ... شفتاه أنواع الكلام فقالا
(3/150)

وتقدم الإخوان فاستمعوا له ... ورأيته بين الورى مختالا
لولا دراهمه التي يزهو بها ... لوجدته في الناس أسوأ حالا
إن الغني إذا تكلم بالخطا ... قالوا صدقت وما نطقت محالا
أما الفقير إذا تكلم صادقاً ... قالوا كذبت وأبطلوا ما قالا
إن الدراهم في المواطن كلها ... تكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة ... وهي السلاح لمن أراد قتالا

الحجاج والفتية
162 أمر الحجاج صاحب صاحب حرسه أن يطوف بالليل فمن رآه بعد العشاء سكران ضرب عنقه. فطاحت ليلة من الليالي فوجد ثلاثة فتيان يتميلون وعليهم أمارات السكر. فأحاطت بهم الغلمان. وقال لهم صاحب الحرس: من أنتم خالفتم أمر المؤمنين وخرجتم في مثل هذا الوقت. فقال احدهم:
أنا من دانت الرقاب له ... ما بين مخزومها وهاشمها
تأتيه بالرغم وهي صاغرة ... يأخذ من مالها ومن دمها
فأمسك عنه وقال: لعله من أقارب أمير المؤمنين. ثم قال للآخر: وأنت من تكون. فقال:
أنا ابن من لا تنزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوماً فسوف تعود
ترى الناس أفواجاً إلى ضوء النار ... فمنهم قيام حولها. وقعود
فأمسك عنه وقال: لعله ابن أشرف العرب. ثم قال للآخر:
(3/151)

وأنت من تكون. فأنشد على البديهة:
أنا ابن من خاض الصفوف بعزمه ... وقومها بالسيف حتى استقامت
وركباه لا نفك رجلاه منهما ... إذا الخيل في يوم الكريهة ولت
فأمسك عن الآخر وقال: لعله ابن أشجع العرب واحتفظ عليهم.
فما كان الصباح رفع أمرهم إلى أمير المؤمنين فأحضرهم وكشف عن حالهم. فإذا الأول ابن حجام. والثاني ابن فوال. والثالث ابن حاثك. فتعجب من فصاحتهم وقال لجلسائه: علموا أولادكم الأدب فوا لله لولا فصاحتهم لضربت أعناقهم (للنواجي)

أبو العلاء وكتاب الفصوص
163 ألف أبو العلاء كتباً منها كتاب الفصوص. واتفق لهذا الكتاب من عجائب الاتفاق أن أبا العلاء دفعه حين كمل لغلام له يحمله بين يديه. وعبر النهر قرطبة. فحانت الغلام رجلة فسقط في النهر هو والكتاب. فقال في ذلك بعض الشعراء وهو العريف بيتاً مطبوعاً بحضرة المنصور وهو:
قد غاص في البحر كتاب الفصوص ... وهكذا كل ثقيل يغوص
فضحك المنصور والحاضرون. فلم يرع ذلك صاعدا ولا هال.
وقال مرتجلاً مجيباً لابن العريف:
عاد إلى معدنه إنما ... توجد في قعر الفصوص
(كتاب المعجب لعبد الواحد المراكش)
(3/152)

164 قال ابن شرف يصف داراًً ويتشكى بعوضها:
لم منزل كملت ستارته لنا ... للهو لكن تحت ذاك حديث
غنى الذباب وظل يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث
قال آخر في هذا المعنى:
ليل البراغيث والبعوض ... ليل طويل بلا غموض
فذاك ينزو بغير رقص ... وذا يغني بلا عروض

فتى فصيح
165 دخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون حين قبضت ضياعهم وهو غلام صغير. فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. محمد بن عبد الملك سليل نعمتك وابن دولتك وغصن من أغصان دوحتك. أفتأذن لي في الكلام. قال: نعم. فحمد اله تعالى وشكره ثم قال: أمتعنا الله بحياطة ديننا ودنيانا. ورعاية أقصانا وأدنانا. ببقائك يا أمير المؤمنين. ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا. وفي أثرك من آثارنا. ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا. هذا مقام العائد بظلك. الهارب إلى كنفط وفضلك. الفقير إلى رجمتك وعدلك. ثم سأل حوائجه فقضاها (للشربشي)

علي بن الجهم
166 سخط المتوكل على علي بن الجهم فنفاه إلى خراسان. وكتب أن يصلب إذا وردها يوماً إلى الليل. فلما وصل الشاذياخ حبسه
(3/153)

طاهر بن عبد الله ثم أخرجه. فصلبه إلى الليل مجرداً. فقال:
لم يصلبوا بالشاذياخ عيشه ال ... اثنين مسبوقاً ولا مجهولا
نصبوا بحمد الله ملء عيونهم ... شرقاً وملء صدورهم تبجيلا
ما ازداد إلا رفعة وسعادة ... وازدادت الأعداء عنه نكولا
هل كان إلا الليث فارق غيله ... فرأيته في محمل محمولا
ما عابه أن قد نزعت لباسه ... كالسيف أفضل ما يرى مسلولا
وقال في الحبس:
قالوا حبست فقلت ليس بضائر ... حبسي وأي مهند لا يغمد
أو ما رأيت الليث يألف غيله ... كبراً وأوباش السباع تصيد
فالشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد
والنار في أحجارها مخبوءة ... لا نصطلي إن لم نثرها الأزند
والحبس إن لم نغشه لدنيه ... شنعاء نعم المنزل المتورد

درواس بن حبيب وهشام
167 قحطت البادية أيام هشام بن عبد الملك. فوفد عليه رؤوس القبائل. فجلس لهم وفيهم صبي ابن أربع عشرة سنة يسمى درواس ابن حبيب. في رأسه ذؤابة وعليه بردة يمانية فاستصغره هشام وقال لحاجبه: ما يشاء أحد أن يصل إلينا إلا وصل حتى الصبيان.
فقال درواس: يا أمير المؤمنين عن دخولي لم يخل بك ولا انتقصك ولكنه شرفني. وإن هؤلاء قدموا فهابوك دونه. وإن الكلام
(3/154)

نشر والسكوت طي لا يعرف إلا بنشره. فأعجبه كلامه وقال: انشر لا أم لك. فقال: إنا أصابتنا سنون ثلاث. فسنه أكلت اللحم. وسنة أذابت الشحم. وسنة أنقت العظم. وفي يديكم فضول أموال فإن أنت لله عز وجل ففرقوها على عباده. وإن كانت لهم فلا تحبسوها عنهم. وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم فإن الله يجزي المتصدقين لا يضيع أجر المحسنين. وإن الوالي من الرعية كالروح من الجسد لا حياة له إلا به. فقال هشام ما ترك الغلام في واحدة من الثلاث عذراً. وأمر بمائه ألف دينار ففرقت في أهل البادية. وأمر له بمائة ألف درهم فقال: أرددها في جائزة العرب فما لي حاجة في خاصة نفسي دون عامة الناس (للشريشي)

الشاعر المتروي
168 يحكى أن بعض الأعراب امتدح بعض الرؤساء بقصيدة بديعة. فلما قراها عليه استكثرها عليه بعض الحاضرين ونسبه إلى سرقتها. فأراد الممدوح أن يعرف حقيقة الحال. فرسم له بمدٍ من الشعير وقال في نفسه: إن كان له بديهة في النظم فلا بد أن يقول شيئاً في شرح حاله. فأخذ المد الشعير في ردائه وخرج فقال الممدوح للبوابين سراً: لا تمكنوه من الخروج. فوقف الأعرابي في الدهليز حائراً. فبعث إليه الممدوح من سأله وقال له: ما شأنك يا أعرابي. فقال: إني امتدحت الأمير بقصيدة. قال: ما أجازك
(3/155)

عليها. قال: هذا المد الشعير. فقال له: هل قلت في ذلك شيئاً. قال نعم. قال: ما هو. فأنشد بديها:
يقولون لي أرخصت شعرك في الورى ... فقلت لهم من عدم أهل المكارم
أجزت على شعري الشعير وإنه ... كثير إذا خلصته من بهائم
فلما بلغ الممدوح هذان البيتان أعجب بهما. وعلم أن القصيدة من نظمه. فرسم له بجائزة سنية

المنصور وابن هبيرة
169 لما حاضر المنصور ابن هبيرة بعث إليه ابن خبيرة وقال: بارزني. فقال: لا أفعل. فقال ابن هبيرة لأشهرن امتناعك ولأعيرنك به. فقال المنصور ما قيل: إن خنزيراً بعث إلى الأسد وقال: قاتلني. فقال الأسد: لست بكفؤي. فإني إن قتلتك لم يكن لي فخر. وإن قتلتني لحقني وصم عظيم. فقال لأخبرن السباع بنكولك. فقال الأسد: احتمال العار في ذلك أيسر من التلطخ بدمك. فخجل ابن هبيرة وكف عنه (للنواجي) 170 ما أرق وأجود ما قال بعضهم في الفراق:
ما الدار في غبتم يا سادتي دار ... كلا ولا الجار مذ غبتم لنا جار
غبتم فأوحشتم الدنيا ببعدكم=وأظلمت بعدكم رحب وأقطار
ليت الغراب الذي نادى بفرقتنا ... يعري من الريش لا تحويه أوكار
ترى تعود ليالينا التي سلفت ... كما عهدنا وتجمع بيننا الدار
(3/156)

171 أرسل شاعر هدية إلى ملك وشفعها بهذه الأبيات:
أتت سليمان يوم العرض قنبرة ... تبدى إليه جرداً كان في فيها
وأنشدت في لسان الحال قائلة ... إن الهدية من مقدار مهديها
لو أن يهدى إلى الإنسان قيمته ... لكان تهدى إليك الدنيا وما فيها
فاستحسنها الملك وأجازه (طرائف اللطائف) 172 قال الأصمعي في تغريد البلبل:
أيها البلبل المغرد في النخل ... غريباً من أهله حيرانا
أفراقاً تشكوه أم دمت تدعو ... فوق أفنان نخلة ورشانا
هاج لي صوتك المغرد شجوا ... رب صوت يهيج الأحزانا
173 وقال نصر بن سيار في من لا يتصدى إلى صغائر الشرور:
أرى بين الرماد وميض نار ... ويوشك أن يكون لها ضرام
فإن لم تطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام
فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها كلام
174 اجتمع يوماً آل الصحابة فقال أبو بكر:
الموت باب وكل الناس تدخله ... يا ليت شعري بعد الباب ما الدار
فقال عمر:
الدار دار نعيم إن عملت بما ... يرضي الإله وغن خالفت فالنار
فأجازه عثمان:
هما محلان ما للناس غيرهما ... فانظر لنفسك أي الدار تختار
(3/157)

فأجازه علي بقوله:
ماللعباد سوى الفردوس إن عملوا ... وإن هفوا هفوة فالرب غفار
175: قال أعرابي يتشوق إلى بلده:
ذكرت بلادي فاستهلت مدامعي ... بشوق إلى عهد الصبا المتقادم
حننت إلى ربع به أخضر شاربي ... وقطع عني فيه عقد التمائم
176 قال ابن علاء مودعاً:
لأودعنك ثم تدمع مقلتي ... إن الدموع هي الوداع الثاني
في فرقة الأحباب شغل شاغل ... والموت صدقاً فرقة الإخوان
177 قال شمس المعالي قابوس وكانت أصحابه قد خرجت عن طاعته:
قل للذي بصروف الدهر عيرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر
ففي السماء نجوم ما لها عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر
178 حدث إسحاق الموصلي قال: كنت عند الفضل بن الربيع يوماً فدخل إليه ابن عبد الله بن العباس بن الفضل وهو طفل.
وكان يرق عليه لأن أباه مات في حياته. فأجلسه في حجره وضمه إليه ودمعت عيناه. فأنشأت أقوال:
مد لك الله الحياة مداً ... حتى يكون ابنك هذا جدا
مؤزراً بمجده مرمى ... ثم يفدى مثل ما تفدى
أشبه منك سنه وجدا ... وشيعاً مرضية ومجدا
كأنه أنت إذا تبدى ... شمائلاً محمودةً وقدا
(3/158)

قال: فتبسم الفضل وقال: أمتعني الله بك يا أبا محمد. فقد عوضت من الحزن سروراً وتسليت بقولك. وكذلك يكون إن شاء الله 179 أخبر الصولي قال: عتب المأمون على إسحاق في شيء فكتب إليه رقعه وأوصلها إليه من يده. ففتحها المأمون فإذا فيها قوله:
لاشيء أعظم من جرمي سوى أملي ... لحسن عفوك عن ذنبي وعن زللي
فإن يكن ذا وذا في القدر قد عظما ... فأنت أعظم من جرمي ومن أملي
فضحك ثم قال: يا إسحاق عذرك أعلى قدراً من جرمك. وما جال بفكري ولا أحضرته بعد انقضائه على ذكري (الأغاني) 180 تعذر بعضهم للحرب فقال:
قامت تشجعني هند فقلت لها ... إن الشجاعة مقرون بها العطب
لا والذي منع الأبصار رؤيته ... ما يشتهي الموت عندي من له أدب
للحرب قوم أضل الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى نيرانها وثبوا
ولست منهم ولا أهوى فعالهم ... لا القتل يعجبني منهم ولا السلب
181 قال محمود الوراق في هذا المعنى:
أيها الفارس المشيح المغير ... عن قلبي من السلاح يطير
ليس لي قوة على رهج الخيل ... إذا ثور الغبار مثير
واستدرت رحى الحروب بقوم ... فقتيل وهارب وأسير
حيث لا ينطق الجبان من الذعر ويعلو الصياح والتكبير
أنا في مثل هذا بليد ... ولبيب في غيره نحرير
(3/159)

182 مثل دعبل بين يدي بعض أمراء الرقة فقال أصلح الله الأمير:
ماذا أقول إذا أتيت معاشري ... صفرا يدي من عند أروم مجزل
إن قلت أعطاني كذبت وإن أقل ... ضن الأمير بماله لم يجمل
ولأنت أعلم بالمكارم والعلى ... من أن أقول فعلت ما لم تفعل
فأختر لنفسك ما أقول فإنني ... لا بد مخبرهم وغن لم أسأل
قال له. قاتلك الله: وأمر له بعشرة آلاف درهم (لابن عبد ربه) 183 وصف بعض الشعراء رجلاً يحمي خبيثاً:
رأيت منافقاً يحمي خبيثاً ... وكل منهما بالظلم يسعى
قد اتفقا ولكن في فساد ... كمقرب راكب للشر أفعى

أبو عبادة البحتري عند المتوكل
184 حدث عبادة البحتري الشاعر وكان المتوكل أدخله في ندمائه قال: دخلت على المتوكل يوماً فرأيت في يديه درتين ما رأيت أشرف من نورهما. ولا أنقى بياضاً ولا أكبر. فأدمت النظر إليهما ولم أصرف طرفي عنهما. ورآني المتوكل فرمى إلي التي كانت في يده اليمنى. فقبلت الأرض وجعلت أفكر فيما يضحكه طمعاً في الأخرى. فعن لي أن قلت:
بسر مرا لنا غمام ... تغرف من كفه البحار
خليفة يرتجى ويخشى ... كأنه جنة ونار
الملك فيه وفي بينه ... ما اختلف الليل والنهار
(3/160)

يداه في الجود ضرتان ... هذي على هذه تغار
وليس تأتي اليمن شيئاً ... إلا أتت مثلها اليسار
فرمى بالدرة التي كانت في يساره وقال: خذها يا عيار (للازدي) 185 مرض ابن عنين فكتب إلى السلطان هذين البيتين:
أنظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلاقي
أنا كالذي أحتاج ما يحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي
فحضر السلطان إلى عيادته. واتى إليه بألف دينار وقال له: أنت الذي. وهذه الصلة. وانأ العائد (لبهاء الدين)
186 كان الإمام فخر الدين الرازي في مجلس درسه إذ أقبلت حمامة خلفها صقر يريد صيدها. فألقت نفسها في حجره كالمستجيرة به فأنشد شرف الدين عنين أبياتاً في هذا المعنى. منها:
جاءت سليمان الزمان حمامه ... والموت يلمع من جناحي خاطف
من أنبأ الورقاء أن محلك=حرم وانك ملجأ للخائف (تاريخ الذهبي) 187 ركب طاهر بن الحسين يوماً ببغداد في حراقته فاعترضه مقدس ابن صيفي الخلوقي الشاعر. وقد أدنيت من الشط ليخرج. فقال: أيها الأمير إن رأيت أن تسمع مني أبياتاً فقال: قل. فأنشأ يقول.

عجبت لحراقة ابن الحسين ... لا غرقت كيف لا تغرق
وبحران من فوقها واحد ... وآخر من تحتها مطبق
(3/161)

وأعجب من ذاك أعوادها ... وقد مسها كيف لا تورق
فقال طاهر: أعطوه ثلاثة آلاف دينار (لابن خلكان)

جرير والفرزدق والأخطل في مجلس عبد الملك
188 اجتمع جرير والفرزدق والأخطل في مجلس عبد الملك. فأحضر بين يديه كيساً فيه خمس مائه دينار. وقال لهم: ليقل كل منكم بيتاً في مدح نفسه فأيكم غلب فله الكيس. فبدر الفرزدق فقال:
أنا القطران والشعراء جربى ... وفي القطران لجربى شفاء
فقال الأخطل:
فإن تك زق زاملة فإني ... أنا الطاعون ليس له دواء
فقال جرير:
أنا الموت الذي آتي عليكم ... فليس لهارب مني نجاه
فقال: خذ الكيس فلعمري إن الموت يأتي على كل شيء (طبقات الشعراء لابن سلام)

الركاض والرشيد
189 أدخل الركاض وهو ابن أربع سنين إلى الرشيد ليتعجب من فطنته. فقال له: ما تحب أن أهب لك. قال جميل رأيك. فإني أفوز به في الدنيا والآخرة. فأمر بدنانير ودراهم فصبت بين يديه. فال له: اختر الأحب إليك فقال: الأحب إلي أمير المؤمنين. وهذا من هذين وضرب بيده إلى الدنانير. فضحك الرشيد وأمر
(3/162)

بضمة إلى ولده والإجراء عليه (لكمال الدين الحلبي) 190 كتب البستي إلى بعض أصحابه وكان معتقلاً:
فديتك يا روح المكارم والعلا ... بأنفس ما عندي من الروح والنفس
حبست فمن بعد الكسوف تبلج ... تضيء به الآفاق كالبدر والشمس
فلا تعتقد للحبس هماً وحشة=فقبلك قدماً كان يوسف في الحبس 191 قال ابن عربشاه يغري على طلب المجد:
لا يؤيسنك من مجد تباعده ... فإن للمجد تدريجاً وترتيبا
غن القناة التي شاهدت رفعتها ... تنمو فتنبت أنبوباً فأنبوبا
192 كان ابن أبي صقر طعن في السن وضعف عن المشي. فصار يتوكأ على عصا فقال في ذلك:
كل مرءٍ إذا تفكرت فيه ... وتأملته رأيت ظريفاً
كنت امشي على اثنتين قوياً ... صرت امشي على ثلاث ضعيفا
193 زلّت بالأتابك صاحب الموصل بغلبته فانشد ابن الأثير:
إن زلت البغلة من تحته ... فإن في زلتها عذرا
حملها من علمه شاهقاً ... ومن ندى راحته بحرا
194 قال ابن السراج الوراق يعتب على نفسه:
يا خجلتي وصحائفي قد سودت ... وصحائف الأبرار في إشراق
وموبخ لي في القيامة قائل ... أكذا تكون صحائف الوراق
195 حضر ابن الحجاج في دعوة رجلٍ فأخر الطعام إلى المساء فقال:
(3/163)

يا صاحب البيت الذي ... ضيفانه ماتوا جميعاً
أدعوتنا حتى نمو ... ت بدرانا عطشاً وجوعا
مالي أرى فلك الرغيف ... لديك مشترفاً رفيعاً
كالبدر لا نرجوا إلى ... وقت المساء له طلوعا
196 قال ابن حمديس يتشوق إلى صقلية وهي مكان منشاه:
ذكرت صقلية والأسى ... يجدد للنفس تذكارها
فإن كنت أخرجت من جنة ... فإني أحدث أخبارها
ولولا ملوحة ماء البكا ... حسبت دموعي أنهارها
197 حكي أن جمهور شعراء مصر كان من عادتهم أن يأتوا الوالي كل سنة في العيد فيهنونه بالنشائد وينالون منه الجوائز. فبينما كانوا لديه ذات سنةٍ يعيدونه بالأشعار حديث زلزله شديدة ارتجت منها ديار مصر. فالتفت الوالي إلى الشعراء وقال لهم: هل منكم من يطرفنا بديها ببيت مضمونه هذه الزلزلة فقال بعضهم:
يا حاكم الفضل إن الحق متضح ... لدى الكرام أيا ابن السادة النجبا
مازلت مصر من كيد ألم بها ... لكنها رقصت من عدلكم طربا

الأعمى واعور
198 سمعت مرة قائلاً=يا قوم ما أصعب فقد البصر
أجابه أعور من خلفه ... عندي من ذلك نصف الخبر
199 قال ابن الدهان في غلام لسبته نحلة في شفته:
(3/164)

بأبي من لسبتة نحلة ... آلمت أكرم شيء واجل
حسبت أن بقية بيتها ... إذ رأت ريقته مثل العسل
200 انشد صردر الشاعر ابن جهير لنا عاد إلى الوزارة بعد العزل:
قد رجع الحق إلى نصابه ... وأنت من كل الورى أولى به
ما كنت إلا السيف سلته يد ... ثم أعادته إلى قرابه
هزته حتى بصرته صارما ... رونقه يغنيه عن ضرابه
201 قال حمد بن فارس الرازي اللغوي يصيف ما كان عليه:
وقالوا كيف حالك قلت خبر ... تقضى حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا ... عسى يوماً يكون لها انفراج
نديمي هرتي وأنيس نفسي ... دفاتر لي ومعشوقي السراج
202 أرسل البديع الأسطر لأبي هدية لبعض الأمراء فأنشد: أهدي لمجلسه الكريم وإنما=اهدي له ما حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السحاب وماله ... فضل عليه لأنه من مائه
203 كان الخليل بن أحمد يقطع العروض. فدخل عليه ولده في تلك الحالة فخرج إلى الناس وقال: إن أبي قد جن. فدخل الناس عليه وهو يقطع العروض. فأخبروه بما قاله ابنه. فقال له:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
(نزهة الألباء في طبقات الأدباء لأبي بركات الأنباري)
(3/165)

أولاد نزار عند الأفعى
204 شخص مضر وربيعة وإياد وأنمار أولاد نزار إلى أرض نجران. فبينما هم يسيرون إذ رأى مضر كلأ قد رعي فقال: البعير الذي رعى هذا أعور. فقال ربيعة: وهو أزور. قال إياد: وهو أبتر. وقال أنمار: وهو شرود. فلم يسيروا إلا قليلاً حتى لقيهم رجل على راحلةٍ فسألهم عن البعير. فقال مضر: أهو اعور. قال: نعم قال ربيعة أهو أزور. قال: نعم قال إياد أهو ابتر: قال: نعم. قال أنمار: أهو شرود. قال: نعم. فقال: هذه والله صفات بعيري دلوني عليه. فحلفوا أنهم ما رأوه. فلزمهم وقال: كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته. فساروا حتى قربوا نجران فنزلوا بالأفعى الجرهمي. فنادى صاحب البعير: هؤلاء القوم وصفوا لي بعيراً بصفته ثم أنكروه. فقال الجرهمي: كيف وصفتموه ولم تروه. فقال مضر: رأيته يرعى جانباً ويدع جانباً فعلمت انه أعور. وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعلمت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره. وقال إياد: عرفت بتره بإجماع بعره ولو كان ذالاً لتفرق. وقال أنمار عرفت أنه شرود لكون أنه كان يرعى في المكان الملتف نبته ثم يجوز إلى مكان أرق منه وأخبث.
فقال الأفعى: ليسوا بأصحاب بعيرك. ثم سألهم من هم فأخبروه. فرحب وأضافهم وبالغ في إكرامهم (ثمرات الأوراق للحموي)
(3/166)

الباب العاشر في المديح
205 أقبل أعرابي إلى داود بن المهلب فقال له: إني مدحتك فاستمع. قال: على رسلك. ثم دخل بيته وتقلد سيفه وخرج فقال: قل فإن أحسنت حكمناك وإن أسأت قتلناك. فأنشأ يقول:
أمنت بداودٍ وجود يمينه ... من الحدث المخشي واليأس والفقر
فأصبحت لا أخشى بداود نبوة ... من الحدثان إذ شددت به أزري
له حكم لقمان وصورة يوسف ... وحكم سليمان وعدل أبي بكر
فتى تفرق الأموال من وجود كفه ... كما يفرق الشيطان من ليلة القدر
فقال له: قد حكمناك فإن شئت على قدرك وإن شئت على قدري.
فقال: على قدري. فأعطاه خمسين ألفاً. فقال له جلساؤه: هلا احتكمت على قدر الأمير. قال: لم يك في ماله ما يفي بقدره. قال له داود: أنت في هذه أشعر منك في شعرك وأمر بمثل ما أعطاه.
206 قال ابن عبد ربه دخلت على أبي العباس القائد فأنشدته:
الله جرد للندى والباس ... سيفاً فقلده أبا العباس
ملك إذا استقبلت غرة وجهه ... قبض الرجاء إليك روح الياس
وبه عليك من الحياة سكينة ... ومحبة تجري من الأنفاس
وإذا أحب الله يوماً عبده ... ألقى عليه محبة للناس
(3/167)

ثم سألته حاجة فيها بعض الغلظ. فتلكأ علي. فوقعت في سحاءة:
ما ضر عندك حاجتي ما هزها ... عذراً إذا أعطيت نفسك قدرها
أنظر إلى عرض البلاد وطولها ... أو لست أكرم أهلها وأبرها
حاشى لجودك أن يوعر حاجتي ... ثقتي بجودك سهلت لي وعرها
لا يجتني حلو المحامد ماجد ... حتى يذوب من المطالب مرها
فقضى الحاجة وسارع إليها (لابن عبد ربه) 207 وصف مروان بن أبي حفصة بني مطر فقال:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل
هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا=أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات واحملوا
208 حدث محمد الرواية قال: دخلت على الرشيد وعنده الفضل ابن الربيع ويزيد بن مزيد. وبين يديه خوان لطيف عليه جرمان ورغيفان سميذاً ودجاجتان. فقال لي: أنشدني. فأنشدته قصيدة النمري العينية فلما بلغت إلى قوله:
إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث يتسع
إذا رفعت أمراً فالله يرفعه=ومن وضعت من الأقوام متضع
نفسي فداؤك والأبطال معلمة ... يوم الوغى والمنايا صلبها فزع
قال فرمى بالخوان بين يديه وصاح وقال: هذا والله أطيب
(3/168)

من كل طعام وكل شي. وبعث إليه بسبعة آلاف دينار.
209 حكى المنصور النمري قال: دخلت على الرشيد يوماً ولم أكن أعددت له مدحاً. فوجدته نشيطاً طيب النفس فرمت شيئاً فما جاءني.
ونظر إلي مستنطقاً فقلت:
إذا اعتاص المديح عليك فامدح ... أمير المؤمنين تجد مقالا
وعذ بفنائه واجنح إليه ... تنل عرفاً ولم تذللك سؤالا
فناء لا تزال به ركاب ... وضعن مدائحاً وحملن مالا
فقال: لله درك لئن قصرت القول لقد أطلت المعنى وأمر لي بصلةٍ سنيةٍ 210 لما تولى ابن زياد أعمال الأهواز فقصده عجرد إليها وقال فيه:
يحي امرؤ زينه ربه ... بفعله الأقدام والأحداث
إن قال لم يكذب وإن ود لم ... يقطع وإن عاهد لم ينكث
أصبح في أخلاقه كلها ... موكلاً بالأسهل الأدمث
طبيعة منه عليها جرى ... في خلق ليس بمستحدث
ورثه ذاك أبوه فيا ... طيب ثناء الوارث المورث
فوصله يحي بصلة سنية وحمله وكساه. وأقام عنده مدة ثم انصرف 211 امتدح ربيعة الرقي العباس بن محمد بقصيدة لم يسبق إليها حسناً وهي طويلة يقول فيها:
لو قيل للعباس يا ابن محمد ... قل لا أنت مخلد ما قالها
ما إن أعد من المكارم خصلة ... إلا وجدتك عمها أو خالها
(3/169)

وإذا الملوك تسايروا في بلدةٍ ... كانوا كواكبها وكنت هلالها
إن المكارم لم تزل معقولة ... حتى حللت براحتيك عقالها
212 أنشد أبو إسحاق ابن إبراهيم الفضل بن يحي البرمكي:
عند الملوك مضرة ومنافع ... وأرى البرامك لا تضر وتنفع
إن العروق إذا استسر بها الثرى ... أشر النبات بها وطاب المزرع
فإذا نكرن من امرئ أعرفه ... وقديمه فأنظر إلى ما يضع
قال فأعجبه الشعر فقال: يا أبا محمد كأني أسمع هذا القول إلا الساعة. وما له عندي إلا أني لم أكافئه عليه. فقلتك وكيف ذلك أصلحك الله وقد وهبت له ثلاثين ألف درهم فقال: لا ما ثلاثون ألف دينار بمكافئة له فكيف ثلاثون ألف درهم (الأغاني) قال أبو الشيص الخزاعي يمدح بعض الأمراء: تكلمت فيك أوصاف خصصتها=فكلنا بك مسرور ومغتبط ألسن ضاحكة والكف مانحة=والنفس واسعة والوجه منبسط 231 قال القسم بن عبيد: لفضل بن سهل يد تقاصر عنها المثل.
فظاهرها للقبل. وبسطها للغنى. وسطوتها للأجل. أخذه ابن الرومي فقال لإبراهيم بن المدبر:
أصبحت بين ضراعة وتحمل ... والمرء بينهما يموت هزيلا
فامدد إلي يداً تعود بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا
214 قال ابن المولى ليزيد بن قبيصة بن المهلب
(3/170)

وإذ تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المتشري
وإذا توعرت المسالك لم بكن ... منها السبيل إلى نداك بأوعر
وإذا صنعت صنيع أتممتها ... بيدين ليس نداهما بمكدر
يا واحد العرب الذي ما إن لهم ... من ذهب عنه ولا من مقصر
215 قال أمية بن أبي الصلت الشاعر النصراني:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرع ... لك الحسب والمهذب والسناء
خليل لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء
وأرضك كل مكرمةٍ بنتها ... بنو تيم وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء
تباري الريح مكرمة ومجدا ... إذا ما الكلب أجحره الشتاء
216 قال آخر يمدح آل المهلب:
آل المهلب قوم خولوا شرفا ... ما ناله عربي لا ولا كادا
لو قيل للمجد حد عنهم وخلهم=بما احتكمت من الدنيا لما حادا
إن المكارم أرواح يون لها ... آل المهلب دون الناس أجسادا
217 قالت امرأة من إياد
ألخيل تعلم يوم الروع إن هزمت ... أن ابن عمر ولدى الهيجاء يحميها
لم يبد فحشاً ولم يهدد لمعظمه ... وكل مكرمة يلقى يساميها
ألمستشار لأمر القوم يحزبهم ... إذا الهنات أهم القوم ما فيها
(3/171)

لا يره بالجار منه غدره أبداً ... وإن ألمت أمور فهو كافيها
218 قال ابن الرومي يمدح بعضهم: كل الخلال التي فيكم محاسنكم=تشابهت منكم الأخلاق والخلق
كأنكم شجر الأترج طاب معاً ... حملاً ونشراً وطاب العود والورق
219 قال شاعر يمدح قوماً بالكرم:
نصبوا بقارعة الطريق خيامهم ... يتسابقون على قرى الضيفان
ويكاد موقدهم يجود بنفسه حب القرى حطبا على النيران
220 غنى يوماً احمد بن يحي المكي الأمين:
تعش عمر في سرور وغبطة ... وفي خفض عيش ليس في طوله إثم
تساعدك الأقدار فيه وتثني ... إليك وترعى فضلك العرب والعجم
221 ومن جميل ما جاء في باب المديح قول بعضهم:
يا دهر بع رتب المعالي بعده ... بيع السماح ربحت أم لم تربح
قدم وأخر من تريد فإنه ... مات الذي قد كنت منه تستحي
222 وقال آخر:
كريم يغض الطرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دوان
وكالسيف إن لا ينته لان مسه ... واحدة إن خاشنته خشنان
223 مدح بعضهم أميراً فقال:
علم الله كيف أنت فأعطا ... ك المحل الجليل من سلطانه
224 قال آخر:
(3/172)

من قاس جدواك بالغمام فماً ... أنصف في الحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحك أبداً وهو إذا جاد دامع العين
225 قال غيره:
ما نوال الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة مال ... ونوال الغمام قطرة ماء
226 قال يزيد المهلي في المنتصر بعد أن ولي الخلافة:
ليهنك ملك بالسعادة طائرة ... موارده محمودة ومصادرة
فأنت الذي كنا نرجي فلم نخب ... كما يرتجى من واقع الغيث باكره
بمنتصر بالله تمت أمورنا ... ومن ينتصر بالله فالله ناصره
227 دخل النابغة على النعمان بن المنذر فحياه تحية الملوك ثم قال: أيفاخرك ذو فاش وأنت سائس العرب. وغرة الحسب. واللات لأمسك أيمن من يومه. ولعبدك أكرم من قومهز ولقفاك أحسن من وجهه. وليسارك أجود من يمينه. ولظنك أصدق من يقينه. ولوعدك أبلج من رفده. ولخالك أشرف من جده. ولنفسك أمنع من جنده وليومك أزهر من زهره. ولفترك أبسط من شبره وأنشد:
أخلاق مجدك جلت ما لها خطر ... في الباس والجود بين الحلم والحفر
متوج بالمعالي فوق مفرقه ... وفي الوغى ضيغم في صورة القمر
إذا دجا الخطب جلاه بصارمه ... كما يجلى زمان المحل بالمطر
فتهلل وجه النعمان سروراً. ثم أمر أن يملأ فوه دراً ويكسى
(3/173)

أثواب الرضا (وهي جباب أطواقها الذهب في قضب الزمرد) . ثم قال: هكذا فلتمدح الملوك= (ألف باء لأبي الحجاج البلوي) 228 دخل ابن الخياط المكي على المهدي وامتدحه فأمر له بخمسين ألف درهم. فسأله أن يأذن له في تقبيل يده فأذن فقبلها وخرج. فما انتهى إلى الباب حتى فرق المال بأسره. فعوتب على ذلك فاعتذر وأنشد يوقل:
لمست بكفي كفه ابتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت واعداني فأتلفت ما عندي
فعجب بهما المهدي وعنى بهما وأمر له بخمسين ألف دينار 229 دخل أعرابي على خالد بن عبد الله القسري فقال:
أخالد إني لم أزرك لحاجة ... سوى أنني عافٍ وأنت جواد
أخالد بين الحمد ولأجر حاجتي ... فأيهما تأتي فأنت عماد
فقال له خالد: سل حاجتك. قال مائة ألف درهم. قال خالد أسرفت فأحططنا منها. قال: حططتك ألفا. فقال خالد: ما أعجب ما سألت وما حططت. فقال: لا يعجب الأمير. سألته على قدره وحططته على قدري. فضحك منه وأمر له بصلةٍ.
230 حبس الحجاج يزيد بن المهلب لباق عليه كان بخراسان. وأقسم ليستأذنه كل يوم مائة ألف درهم. فبينما هو قد جباها له ذات يوم إذ دخل عليه الأخطل فانشده:
(3/174)

أبا خالد خراسان بعدكم ... وقال ذوو الحاجات أين يزيد
وما قطرت بالشرق بعدك قطرة ... ولا أخضر بالمرين بعدك عود
وما لسرير بعد بعدك بهجة ... وما لجواد بعد جودك جود
فقال: يا غلام أعطه المائة ألف درهم فإنا نصبر على عذاب الحجاج ولا نخيب الأخطل. فبلغت الحجاج فقال: لله درر يزيد لو كان تاركاً للسخاء يوماً لتركه اليوم وهو يتوقع الموت (لليمني) 231 ومن رقيق شعر أبي العباس الصولي قوله في المديح والشكر: فلو كان
للشكر شخص يبين ... إذا ما تأمله الناظر
لمثلته لك حتى تراه ... فتعلم أني امرؤ شاكر
232 كتب بديع الزمان لأحد الخلفاء:
يا سيد الأمرا فخراً فما ملك ... إلا تمناك ولي واشتهاك أبا
وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصل والبحر لو عذبا
233 وللبحتري في المديح:
لا تنظرن إلى العباس عن صغر ... في السن وانظر إلى المجد الذي شادا
إن النجوم الجو أحقرها ... في العين أكثرها في الجو إصعادا
234 قال أبو نواس يمدح بني حمدان:
لئن الأنام لحب كاس ... ومزمار وطنبور وعود
فلم يخلق بنو حمدان إلا ... لباس أو لمجد أو لجود
(3/175)

الباب الحادي عشر
في الفخر والحماسة والهجو
235 كان أبو سفيان من أشعر قريش وهو القائل عن قبيلته مفتخراً:
لقد علمت قريش غير فخر ... بأنا نحن أجودهم حصانا
وأكثرهم دروعا سابغات ... وأمضاهم إذا طعنوا سنانا
وأدفعهم عن الضراء عنهم ... وأبينهم إذا نطقوا لسانا
236 قال السيد علي بت إسماعيل بن القاسم:
إنا من قوم إذا ما غضبوا ... أطعموا الأرماح حبات القلوب
وهم في السلم كالماء صفا ... لصديق وحميم وقريب
فيهم فخري وفيهم قدوتي ... وبهم نلت من العليا نصيب
وبفضل الله ربي لم أزل ... في مراقي العز والعيش الرطيب
ليس لي إلا المعالي أرب ... فعلى كاهلها صار الركوب
إن دعا داع إلى غير العلا ... لا تراني لدعاه من مجيب
237 مر ابن بشير بأبي عثمان المازني فجلس إليه ساعة فرأى من في مجلسه يتعجبون من نعل كانت في رجله خلقة فأخذ ورقة وكتب:
كم أرى ذا تعجب من نعالي ... ورضائي منها بلبس البوالي
من يغالي من الرجال بنعل ... فسواي إذا بهن يغالي
لو حداهن للجمال فإني ... في سواهن زينتي وجمالي
(3/176)

في إخاء وفي وفاء رائي ... ولساني ومنطقي وفعالي
ما وقاني وبلغني الحاجة منها فإني لا أبالي 238 قال الحريش بن هلال القريعي:
نعرض للسيوف إذا التقينا ... وجوها لا تعرض للطام
ولست بخالع عني ثيابي ... إذا هر الكماة ولا أرامي
ولكني يجول المهر تحتي ... إلى الغارات بالعضب الحسام
239 قال أو الحسن المعروف بجحظة البرمكي:
أنا ابن أناس مول الناس جودهم ... فأضحوا حديثاً للنوال المشهر
فلم يخل من إحسانهم لفظ مخبر ... فلم يخل من تقريظهم بطن دفتر
240 قال رجل من الفزاريين:
وإلا يكن عظمي طويلاً فإنني ... له بالخصال الصالحات وصول
ولا خير في حسن الجسوم ونبلها ... إذا لم تزن حسن الجسوم عقول
إذا كنت في القوم الطول علوتهم ... بعارفة حتى يقال طويل
وكم قد رأينا من فروع كثيرة ... تموت إذا لم تحيهن أصول
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل
241 قال امرؤ القيس:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم اطلب قليلاً من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد الموثل أمثالي
242 قال حاتم الطائي:
(3/177)

أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست أكله وحدي
أخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً وما في تلك من شيمة العبد
243 قال حسان بن ثابت:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال إن أودى فأجمعه ... ولست للعرض إن أودى بمحتال
244 قال أبو دلف العجلي:
أجود بنفسي دون قومي دافعاً ... لما نابهم وأغشى الدواهيا
واقتحم الأمر المخوف اقتحامه ... لأدرك مجداً أو أعاود ثاويا
(الأغاني والحماسة)

الهجو
245 قال أبو نواس في بخيل:
سيان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه
فأرفق بكسر رغيفه ... إن كنت ترغب في كلامه
وتراه من خوف النزو ... ل به يروع في منامه
وقال أيضاً:
خان عهدي عمرو وما خنت عهده ... وجفاني وما تغيرت بعده
ليس لي مذ حييت ذنب إليه ... غير أني يوماً تغديت عنده
(3/178)

وله أيضاً:
أبو جعفر رجل عالم ... بما يصلح المعدة الفاسدة
تخوف تخمة ... فعودها أكله واحده
246 قال الخوارزمي في طبيب:
أبو سعيد راحل للكرام ... ومنسف ينسف عمر الأنام
لم أره إلا خشيت الردى ... وقلت يا روحي عليك السلام
يبقى ويفنى الناس من شومه ... قوموا انظروا كيف نجاه اللئام
ثم تراه آمنا سالماً ... يا ملك الموت إلى كم تنام
247 يحكى أن الوزير أبا علي الخاقاني كان ضجوراً كثير التقلب.
فكان يولي العمل الواحد عدة من العمال في الأيام القليلة. حتى إنه ولى الكوفة في عشرين يوماً سبعة من العمال فقيل فيه:
وزير قد تكامل في الرقاعة ... يولي ثم يعزل بعد ساعة
إذا أهل الرشى اجتمعوا عليه ... فخير القوم أوفرهم بضاعة
248 قال بعضهم يهجو بخيلا: رأى الصيف مكتوباً على باب داره=فصحفه ضيفاً فقام إلى السيف
وقلنا له خيراً فظن بأننا ... نقول له خبرا فمات من الخوف
249 هجا آخر طبيبا فقال:
قال حمار الطبيب موسى ... لو أنصفوني لكنت أركب
لأنني جاهل بسيط ... وراكبي جاهل مركب
(3/179)

250 قال ابن عبد ربه يهجو رجلاً جباناً:
إذا صوت العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الثرائد
قال آخر:
لو أن خفة عقله في رجله ... سبق الغزال ولم يفته الأرنب
251 قال بعضهم يهجو المبرد محمد بن يزيد النحوي:
سألنا عن ثماله كل حي ... فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا الآن زدت بهم جهالة
252 قال غيره:
يا قبح الله أقواماً إذا ذكروا ... بني عميرة رهط اللؤم والعار
قوم إذا خرجوا من سوءة ولجوا ... في سوءةٍ لم يجنوها بأستار
253 قالت كنزة أم شملة المنقري في مية صاحبة ذي الرمة:
ألا حبذا أهل الملا غير أنه ... إذا ذكرت في فلا حبذا هيا
على وجه في مسحة من ملاحة ... وفي القلب منها الخزي لو كان بادياً
ألم تر أن الماء يخلف طعمه=وإن كان لون الماء أبيض صافيا
إذا ما أتاه وارد من ضرورة ... تولى بأضعاف الذي جاء ظامياً
254 قيل: غنه أفتخر رجل على ابن الدهان الشاعر فأجابه:
لا تحسين أن بالشعر ... مثلنا ستصير
فللدجاجة ريش ... لكنها لا تطير
(3/180)

ابن كلده عند كسرى
255 وفقد ابن كلدة الثقفي على كسرى فانتصب بين يديه. فقال له كسرى: من أنت. قال: أنا الحارث بن كلدة. قال: أعربي أنت. قال: نعم ومن صميمها قال: فما صناعتك. قال: طيب. قال: وما تصنع العرب بالطيب مع جهلها وضعف عقولها وقله قبولها وسوء غذلئها. فقال: ذلك أجدر أيها الملك إذا كانت بهذه الصفة أن تحتاج إلى ما يصلح جهلها ويقيم عوجها. ويسوس أبدانها. ويعدل أسنادها. قال الملك: كيف لها بان تعرف ما تعهده عليها. لو عرفت الحق لم تنسب إلى الجهل. قال الحارث: أيها الملك إن الله جل اسمه قسم العقول بين العباد كما قسم الأرزاق وأخذ القوم نصيبهم. ففيهم ما في الناس من جاهل وعالم وعاجز وحازم. قال الملك: فما الذي تجد في أخلاقهم. وتحفظ من مذاهبهم. قال الحارث: لهم أنفس سخية. وقلوب جرية. وعقول صحية مرضية. وأحساب نقية. فيمرق الكلام من أفواههم مروق السهم من الوتر. ألين من الماء. وأعذب من الهواء. يطعمون الطعام. ويضربون الهام. وعزهم لا يرام. وجارهم لا يضام. ولا يروع إذا نام. لا يقرون بفضل أحد من الأقوام. ما خلا الملك الهمام الذي لا يقاس به أحد من الأنام. قال كسرى: لله درك من عربي لقد أصبت علماً وخصصت به من بين الحمق فطنة وفهماً. ثم أمر بإعطائه وصلته وقضى حوائجه (لابن عبد ربه)
(3/181)

الباب الثاني عشر في الألغاز
256 قد ألغز بعضهم في القلم:
وأرقش مرهوف الشباة مهفهف ... يشتت شمل الخطب وهو جميع
تدين له الآفاق شرقاً ومغرباً ... وتعنو له ملاكها وتطيع
حمى الملك مفطوماً كما كان تحتمي ... به الأسد في الآجام وهو رضيع
257 وقال آخر فيه:
وذي خضوع راكع ساجد ... ودمعة من جفنه جاري
مواظب الخمس لأوقاتها ... منقطع في خدمة الباري
258 وقال غيره فيه:
فلا هو يمشي لا ولا هو مقعد ... وما إن له رأس ولا كف لامس
ولا هو حي لا ولا هو ميت ... ولكنه شخص يرى في المجالس
يزيد على سم الأفاعي لعابه ... يدب دبيباً في الدجى والحنادس
يفرق أوصالا بصمت يجنبه ... وتفرى به الأوداج تحت القلانس
إذا ما رأته تحقر شانه ... وهيهات يبدو النقس عند الكرادس
256 وقيل أيضاً فيه:
وأهيف مذبوح على صدر غيره ... يترجم عن ذي منطق وهو أبكم
تراه قصيراً كلما طال عمره ... ويضحي بليغاً وهو لا يتكلم
(3/182)

وجاء أيضاً فيه:
يصير بما يوحي إليه وما له ... لسان ولا قلب ولا هو سامع
كأن ضمير القلب باح بسره ... إليه إذا ما حركته الأصابع
260 وجاء أيضاً في معناه:
وأخرس ينطق بالمحكات ... وجثمانه صامت أجوف
بمكة ينطق في خفية ... وبالشام منطقه يعرف
261 قال آخر ملغزا في دواة:
ومرضعة أولادها بعد ذبحهم ... لها لبن ما لذ يوماً لشارب
وفي بطنها السكين والثدي رأسها ... وأولادها مذخورة للنوائب
262 وألغز أبو الحسن بن التلميذ الطيب النصراني في الميزان:
ما واحد مختلف الأسماء ... يعدل في الأرض وفي السماء
يحكم بالقسط بلا رياء ... أعمى يري الإرشاد كل راء
اخرس لا من عله وداء ... يغني عن التصريح بالإيماء
يجيب إن ناداه ذو امتراء ... أبا رفع والخفض عن النداء
يفصح إن علق في الهواء 263 قال آخر في البيضة:
ألا قل لأهل الرأي والعلم والأدب ... وكل بصير بالأمور لدى أرب
ألا خبروني أي شيء رأيتم ... من الطير في أرض الأعاجم والعرب
قديم حديث قد بدا وهو حاضر ... يصاد بلا صيد وإن وجد في الطلب
(3/183)

ويوكل أحياناً طبيخاً وتارة ... قلياً ومشوياً إذا دس في اللهب
وليس له لحم وليس له دم ... له عظم وليس له عصب
وليس له رجل وليس له يد ... وليس له رأس وليس له ذنب
ولا هو حي لا ولا هو ميت ... ألا خبروني إن هذا هو العجب
264 ألغز أبو محمد بت الخشاب البغدادي في كتاب:
وذي أوجه لكنه غير بائح ... بسر وذو الوجهين للسر مظهر
تناجيك بالأسرار وجهه ... فتسمعها بالعين مادمت تنظر
265 قلع لأسامة بن المنقذ ضرس فقال فيه ملغزاً.
وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى ويسعى سعي مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظري افترفنا فرقة الأبد
266 ألغز ابن زكريا بن سلامة الحصكفي في نعش الموتى:
أتعرف شيئاً في السماء نظيره ... إذا سار صاح الناس حيث يسير
فتلقاه مركوياً وتلقته راكباً ... وكل أمير يعتليه أسير
يحض على التقوى ويكره قربه ... وينفر منه النفس وهو نذير
ولم يستزر عن رغبة في زيارة ... ولكن على رغم المزور يرور
267 وقد أحسن الصاحب بهاء الدين زهير وزير الملك الصالح ملغزاً في قفل:
وأسود عار انحل البرد جسمه ... وما زال من أوصافه الحرص والمنع
وأعجب شيء كونه الدهر حارساً ... وليس له عين وليس له سمع
(3/184)

268 لغز في طاحونة:
ومسرعة في سيرها طول دهرها ... تراها مدى الأيام تمشي ولا تعب
وفي سيرها ما تقطع الأكل كل ساعة ... وتأكل مع طول المدى وهي لا تشرب
وما قطعت في السير خمسة اذرع ... ولا ثلث ثمن من ذراع ولا أقرب
269 قال بعضهم في حذاء:
مطية فارسها راجل ... تحمله وهو لها حامل
واقفة في الباب مرذولة ... لا تشرب الدهر ولا تأكل
270 قال غيره في الموز:
ما اسم شيء حسن شكله ... تلقاه عند الناس موزونا
تراه معدوداً فإن زدته ... واواً ونوناً صار موزونا
271 قال آخر في النار:
أي صغير ينمو على عجل ... يعيش بالريح وهي تهلكه
يغلب أقوى جسم ويغلبه ... أضعف جسم بحيث يدركه
272 ألغز آخر في يد الهاون:
خبروني أي شيء ... أوسع ما فيه فمه
وابنه في بطنه ... يرفسه ويلكمه
وقد علا صياحه ... ولم يجد من يرحمه
273 وقال آخر ففي الإبرة:
وذات ذوائب تنجر طولاً ... وراها في المجيء وفي الذهاب
(3/185)

بعين لم تذق للنوم طعماً ... ولا ذرفت لدمع ذي انسكاب
وما لبست مدى الأيام ثوباً ... وتكسو الناس أنواع الثياب
274 ألغز الصلاح الصفدي في عيد:
يا كاتباً بفضله ... كل أديب يشهد
ما اسم عليل قلبه ... وفضله لا يجحد
ليس بذي جسم يرى ... وفيه عين ويد
275 قال آخر في غزال:
اسمُ من هاج خاطري ... أربع في صنوفه
فإذا زل ربعه ... زال باقي حروفه
276 قال آخر في الماء:
يميت ويحي وهو ميت بنفسه ... ويمشي بلا رجل إلى كل جانب
يرى في حضيض الأرض طوراً أو تارة ... تراه تسامى فوق طور السحاب
277 قال آخر في مصراع الباب:
عجبت لمحرومين من كل لذة ... يبيتان طول الليل يعتنقان
إذا أمسيا كانا على الناس مرصدا ... وعند طلوع الفجر يفترقان
278 قال غيره في نار:
ما اسم ثلاثي له النفع والضرر ... له طلعة تغني عن الشمس والقمر
وليس له وجه وليس له قفا ... وليس له سمع وليس له بصر
(3/186)

الباب الثالث عشر
في الوصف
279 وصف اليوسفي غلاما فقال: يعرف المراد بالحظ. كما يفهمه باللفظ. ويعاين في الناظر. ما يجري في الخاطر. يرى النصح فرضاً يحب أداؤه. والإحسان حتما يلزم قضاءه. إن استفرغ في الخدمة جهده. خيل إليه انه بذل عفوة. أثبت من الجدار إذا استمهل.
وأسرع من البرق إذا استعجل. (للثعالبي) 280 تظلم رجل للمأمون من عامل له فقال له: يا أمير المؤمنين ما ترك لنا فضة إلا فضها. ولا ذهب به. ولا ماشية إلا مشى بها. ولا غلية غلا غلها. ولا ضيعة إلا أضاعها. ولا عقلا إلا عقله ولا عرضاً إلا عرض له. ولا جليلاً إلا أجله. ولا دقيقاً إلا أدقه. فعجب المأمون من فصاحته وقضى حاجته (للشريشي) 381 حدث أبن الأعرابي قال: أجرى هارون الرشيد الخيل فجاء فرس يقال له المشمر سابقا. وكان الرشيد معجباً بذلك الفرس.
فأمر الشعراء أن يقولوا فيه. فبدرهم أبو العتاهية فقال:
جاء المشمر والأفراس يقدمها ... هوناً على رسله منها وما انبهرا
خلف الريح حسري وهي جاهدة ... ومر يختطف الأبصار والنظرا
فأجزل صلته وما جسر أحد أن يجيز أبا العتاهية (الأغاني)
(3/187)

282 لقي الحجاج إعرابياً فقال له: ما بيدك فقال: عصاي أركزها لصلاتي. وأعدها لعداتي. وأسوق بها دابتي. وأقوى بها على سفري. واعتمد عليها في مشيتي يتسع خطوي. وأثب بها على النهر، وتؤمنني العثر. وألقي عليها كسائي. فيقيني الحر. ويجنبني القر. وتدني إلي ما بعد عني. وهي محمل سفرتي. وعلاقة أدواتي. أفزع بها الأبواب وألقي بها عقور الكلاب. وتنوب عن الرمح الطعان. وعن السيف عند منازلة الأقران. ورثتها عن أبي وسأورثها ابني من بعدي وأهش بها على غنمي. ولي فيها مآرب أخرى. فبهت الحجاج وأنصرف (لبهاء الدين) 283 ذم أعرابي رجلاً فقال: إن سأل الحف. وإن سئل سوف. وإن حدث حلف. وإذا وعد اخلف. وإذا صنع اتلف. وإذا طبخ أقرف. وإذا سامر نشف. وإذا نام خوف. وإذا هم بالفعل الجميل توقف. ينظر نظر الحسود. ويعرض إعراض الحقود. بينما هو خل ودود. إذا هو خل ودود. فناؤه شاسع. وضيفه جائع. وشره شائع. وسره ذائع ولونه فاقع. وجفنه دامع ودياره بلاقع. رديء المنظر شيء المخبر. يخبل إذا أيس. ويهلع إذا أعسر. ويكذب إذا اخبره ويكفر إذا كبر عن عاهد غدر وإن خاصم فجر. وغن حمل أوقر وإن خوطب نفر.
284 سئل سناقدس عن المركب فكتب: بيت بلا أساس قبلا مؤلف.
(3/188)

وسئل عن الله سبحانه فكتب: معقول مجهول. واحد لا نظير له مطلوب غير مدرك سبحانه لا إله إلا هو. وسئل عن الموت فكتب: نوم لا انتباه معه راحة المرضى. نقيض البنية. انفصال الاتصال. الرجوع إلى العنصر. شهوة الفقراء. فزع الأغنياء. سفر البدن. فقدان الإخوان. وسئل عن الهرم فكتب: شر يتمنى. مرض الأصحاء. موت الحياة. صاحبه ميت يتحرك. وسئل عن المال فكتب: خادم الشهوات. هم في كل يوم. شر محبوب. وسئل عن الحسن فكتب: تصويري طبيهي. زهرة تذبل. وسئل عن الشمس فكتب: عين الفلك النهاري. عله العورات. وسبب الثمرات. وعن القمر. فكتب: عقيب الشمس سراج ليلي. وسل عن الإنسان فكتب: ملعبه البخت. مطلوب السنين. أمنية الأرض. وسئل عن الأرض فكتب: قاعدة الفلك. (على زعم الأقدمين) أصل ثابت في الهواء. أم الثمرات. وسئل عن الفلاح فكتب: خادم الغداء وسئل عن العداء فكتب:
إني بليت بأربع لم يخلقوا ... إلا لشدة شقوتي وعنائي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى ... كيف الخلاص وكلهم أعدائي
285 وصف الكاتب محمود كاتباً فقال: وهذا فلان آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب. ومكنه من أزمة جياد المعاني فهي تجري بأمره رخاء حيث أصاب. ومنحة فضيلتي العلم والعمل. فإذا كتب
(3/189)

أخذت الأرض زخرها وازينت (الكنز المدفون) 286 وقد أحسن الشاعر في وصف الطاووس حيث قال:
سبحان من من خلقه الطاووس ... طير على أشكاله رئيس
تشرق في دارته شموس ... في الرأس منه شجر مغروس
كانه بنفسج يميس ... أو هو زهر حرم يبيس
287 قال بعضهم في وصف الفستق:
كأنما الفستق المملوح حين بدا ... مشققاً في لطيفات الطيافير
واللب ما بين قشرته به يلوح لنا ... كألسن الطير ما بين المناقير
288 وقيل في الفستق أيضاً:
تفكرت في معنى الثمار فلم احد ... لها ثمراً يبدو بحسن مجرد
سوى الفستق الرطب الجني فإنه ... زها بمعان زينت بتجرد
غلاله مرجان على جسم فضة ... وأحشاء ياقوت وقلب زبرجد
289 قال ابن الموري يصف الجلنار:
بدا لنا الجلنار في القضب ... والطل يبدو عليه كالحبب
كأنما أكوس العقيق به ... قد ملئت من برادة الذهب
290 ومما جاء في وصف الأزهار والربيع قول بعضهم:
غدونا على الروض الذي طله الندى ... سحيراً وأوداج الأباريق تسفك
فلم نر شيئاً كأن أحسن منظراً ... من النور يجري دمعه وهو يضحك
291 قال بعض الشعراء يصف الربيع:
(3/190)

مرحباً بالربيع في آذار ... وبإشراق بهجة الأنوار
من شقيق وأقحوان ورد ... وخزام ونرجس وبهار
292 قال غيره:
أما ترى الأرض قد أعطتك زهرتها ... بخضرة واكتسى بالنور عاريها
فالسماء بكاء في جوانبها ... وللربيع ابتسام في نواحيها
293 قال آخر في الغمام:
إن السماء إذا لم تبك مقلتها ... لن تضحك الأرض عن شيء من الزهر
والأرض لا تنجلي أنوارها أبداً ... إلا إذا رمدت من شدة المطر
294 قال أبو الحزم بن جهور في الورد:
الورد أحسن ما رأت عيني وأذ ... كى ما سقى ماء السحاب الجامد
خضعت نواوير الرياض لحسنه ... فتذللت تنقاد وهي شوارد
وإذا تبدى الغض في أغصانه ... يزهو فذا ميت وهذا حاسد
وإذا أتى وفد الربيع مبشراً ... بطلوع وفدته فنعم الوافد
ليس المبشر كالمبشر باسمه ... خبر عليه من النبوة شاهد
وإذا تعرى الورد من أوراقه ... بقيت عوارفه فهن خوالد
295 قال آخر في الياسمين:
والأرض تبسم عن ثغور رياضها ... والأفق يسفر تارة ويقطب
وكان مخضر الرياض ملاءة ... والياسمين لها طراز مذهب
296 قال الأخطل الأهوازي في السوسن:
(3/191)

سقيا الأرض إذا ما نمت نبهني ... بعد الهدوء بها قرع النواقيس
كأن سوسنها في كل شارفةٍ ... على الميادين أذناب الطواويس
297 وقيل في السفرجل:
حاز السفرجل لذات الورى فغدا ... على الفواكه بالتفضيل مشهورا
كالراح طعماً وشم المسك رائحة ... والتبر لوناً وشكل البدر تدويرا
298 قيل في الخوخ:
ورماح بغير طعنٍ وضرب ... بل لأكلٍ ومص لبٍ ورشف
كملت في استوائها واستقامت ... باعتدال وحسن قدٍ ولطف
29 قال آخر يصف ناعورة:
وناعورة قالت وقد حال لونها ... وأضلعها كادت تعد من السقم
أدور على قلبي لأني فقدته ... وأما دموعي فهي تجري على جسمي
300 قال البحتري يصف الشام:
عنيت بشرق الأرض قدما وغربها ... أجوب إلى آفاقها وأسرها
فلم أر مثل الشام دار إقامة ... لراح أغاديها وكأس أديرها
مصحة أبدان ونزهة أعين ... ولهو لنفس دائم لي سرورها
مقدسة جاد الربيع بلادها ... ففي كل ارضٍ روضة وغديرها
301 أحسن ما قيل في وصف الشطرنج قول ابن المعتز:
يا عائب الشطرنج من جهله ... وليس في الشطرنج من باس
في فهمها علم وفي لعبها ... شغل عن الغيبة للناس
(3/192)

وتشغل العائم عن جزئه ... وصاحب الكاس عن الكاس
وصاحب الحرب بتدبيرها ... يزداد في الشدة والباس
وأهلها في حسن آدابهم ... من خير أصحاب وجلاس
302 وقد أحسن ابن دقيق العيد في وصف وزير كثير التلون:
مقبل مدبر بعيد قريب ... محسن مذنب عدو حبيب
عجب من عجائب البر والبحر ... ونوع فرد وشكل غريب
303 قال إسحاق بن خلف البهراني في وصف النحو:
ألنحو يصلح من لسان الألكن ... والمرء تعظمه إذا لم يلحن
فإذا طلبت من العلوم أجلها ... فأجلها منها مقيم الألسن
304 وصف ابن شيرويه الحمى قال:
وزائرة تزور بلا رقيب ... وتنزل بالفتى من غير حبه
وما أحد حب القرب منها ... ولا تحلو زيارتها بقلبه
تبيت بباطن الأحشاء منه ... فيطلب بعدها من عظم كربه
وتمنعه لذيذ العيش حتى ... تنغصه بمأكله وشربه
أتت لزيارتي من غير وعدٍ ... وكم من زائر لا مرحبا به
قال بعض الشعراء يصف فراق الخلان:
القلب من فرقة الخلان يحترق ... والدمع كالدر في الخدين يستبق
إن فاض ماء دموعي لم يكن عجباً ... ألعود يقطر ماء وهو محترق
(3/193)

الباب الرابع عشر
في الحكايات
ابن الزبيري ومعاوية
305 كان لعبد الله ابن الزبيري أرض وكان له فيها عبيد يعملون فيها. وغلى جانبها أرض لمعاوية وفيها أيضاً عبيد يعملون فيها. فدخل عبيد معاوية في أرض عبد الله بن الزبير فكتب عبد الله كتاباً إلى معاوية يقول له فيه: أما بعد يا معاوية فإن عبيدك قد دخلوا في أرضي. فأنههم عن ذلك وإلا كان لي ولك شان والسلام. فلما وقف معاوية على كتابه وقرأه دفعه إلى ولده يزيد. فلما قرأه قال له معاوية: يا بني ما تراه. قال: أرى أن تبعث إليه جيشاً يكون أوله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه. فقال: بل عير ذلك خير منه يا بني. ثم اخذ ورقة وكتب فيها جواب كتاب عبد اله بن الزبير يقول فيه: أما بعد فقد وقفت على كتاب ولد حواري وساءني ما أساءه. والدنيا بأسرها هينة عندي في جنب رضاه. نزلت عن أرضي لك فأضفها إلى أرضك بما فيها من العبيد والأموال والسلام. فلما وقف عبد الله بن الزبير على كتاب معاوية كتب إليه: قد وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ولا أعدمه الرأي الذي أحله من قريش هذا المحل والسلام. فلما وقف معاوية على كتاب عبد الله بن
(3/194)

الزبير وقرأه تهلل وجهه وأسفر فقال له أبوه: يا بني من عفا ساد. ومن حلم عظم. ومن تجاوز استمال إليه قلوب. فإذا ابتليت بشيء من هذه الأدواء. فداوه بمثل هذا الدواء.

المنصور ومحمد بن جعفر
306 قيل: كان المنصور معجباً بمحادثة محمد بن جعفر ولعظم قدره يفزعون إليه في الشفاعات. فثقل ذلك على المنصور فعجبه مدة. ثم لم يصبر عنه فأمر الربيع أن يكلمه في ذلك فكلمه وقال: أعف أمير المؤمنين لا تثقل عليه في الشفاعات، فقبل ذلك منه. فلما توجه إلى الباب اعترضه قوم من قريش معهم رقاع فسألوه إيصالها إلى المنصور. فقص عليهم القصة فأبوا إلا أن يأخذها. فقال: اقذفوها في كمي. ثم دخل عليه وهو في الخضراء مسرف على مدينة السلام ما حولها من البساتين. فقال له: أما ترى إلى حسنها يا أبا عبد الله.
فقال له: يا أمير المؤمنين بارك الله لك فيما أتاك وهناك بإتمام نعمته عليك فيما أعطاك. فما بنت العرب في دولة الإسلام ولا العجم في سالف الأيام أحصن ولا أحسن من مدينتك ولكن سمجتها في عيني خصلة. قال: ما هي. قال: ليس في فيها ضيعة. فبتسم وقال: قد حسنتها في عينك بثلاث ضياع قد أقطعتكها فقال: لله درك يا أمير المؤمنين إنك شريف الموارد كريم المصادر فجعل الله تعالى
(3/195)

باقي عمرك أكثر من ماضيه. ثم قام معه يومه ذلك. فلما نهض ليقوم بدت الرقاع من كمه فجعل يردهن ويقول: أرجعن خائبات خاسرات فضحك المنصور وقال: بحقي عليك إلا أخبرتني وأعلمتني بخبر هذه الرقاع فأعلمه وقال: ما أتيت يا ابن معلم الخير إلا كريما وتمثل بقول عبد الله بن معاوية:
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الحساب تتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
ثم تصفح الرقاع وقضى حوائجهم عن آخرها (للابشيهي)

عدل عمر بمن الخطاب بما أداه العجوز من فقراء رعيته
307 ذكر في كتاب المغازي عن عبد الله بن العباس عن أبيه قال: خرجت ليلة حالكة قاصداً دار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فما وصلت إلى نصف الطريق إلا ورأيت شخصاً أعرابياً جذبني بثوبي وقال: ألزمني يا عباس. فتأملت الأعرابي فإذا هو أمير المؤمنين عمر وهو متنكر. فتقدمت إليه وسلمت عليه وقلت له: إلى أين يا أمير المؤمنين. قال: أريد جولة بين أحياء العرب في هذا الليل الدامس. وكانت ليلة قرٍ. فتبعته فسار وأنا وراءه وجعل يجول بين خيام الأعراب وبيوتهم ويتأملها إلى أن أتينا على جميعها وأوشكنا أن نخرج منها. فنظرنا وإذا هناك خيمة وفيها امرأة عجوز وحولها صبية يعولون عليها ويبكون ... وأمامها أثافي عليها قدر وتحتها النار تشتعل.
(3/196)

وهي تقول للصبية: رويداً سبني قليلا وينضج الطعام فتأكلون فوقفنا بعيداً من هناك وجعل عمر يتأمل العجوز تارة وينظر إلى الأولاد أخرى. فطال الوقوف. فقلت له: يا أمير المؤمنين ما الذي يوقفك سر بنا. فقال: والله لا أبرح حتى أراها قد صبت للصبية فأكلوا واكتفوا. فوقفنا وقد طال وقوفنا جداً ومللنا المكان خوفاً أن تستريب بنا العيون. والصبية لا يزالون يصرخون ويبكون والعجوز تقول لهم مقالته: رويداً رويداً بني قليلاً وينضج الطعام فتأكلون: فقال لي عمر: ادخل بنا عندها لنسألها. فدخل ودخلت وراءه فقال لها عمر: السلام عليك يا خالة. فدرت عليه السلام أحسن ردٍ فقال لها: ما بال هؤلاء الصبية يتصارخون ويبكون. فقالت له: لما هم في من الجوع. فقال لها: ولم لم تطعميهم مما في القدر فقالت له: وماذا في القدر لأطعمهم ليس هو إلا علالة فقط إلى أن يضجروا من العويل فيغلبهم النوم. وليس لي شيء لأطعمهم. فتقدم عمر إلى القدر ونظرها فإذا فيها حصباء وعليها الماء يغلي. فتعجب من ذلك وقال لها: ما المراد بذلك فقالت: أوهمهم أن فيها شيئاً يطبخ فيؤكل فأعللهم به حتى إذا ضجروا وغلب النوم عيونهم ناموا فقال لها عمر: ولماذا أنت هكذا فقالت له: أنا مقطوعة لا أخ لي ولا أب ولا زوج ولا قرابة فقال لها: لم لم تعرضي أمرك على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فيجعل لك شيئاً من بيت المال فقالت له: لا
(3/197)

حيا الله عمر ونكس أعلامه والله إنه ظلمني. فلما سمع عمر مقالتها ارتاح من ذلك وقال لها: يا خالة بماذا ظلمك عمر بن الخطاب. قالت له: نعم والله ظلمنا عن الراعي عليه أن يفتش على حال كل من رعيته. لعله يوجد فيها من هو مثلي ضيق اليد كثير الصبية ولا معين ولا مساعد له فيتولى لوازمه ويسمح له من بيت المال بما يقوته وعياله أو صبيته فقال لها عمر: ومن أين يعلم بحالك وما أنت به من الفاقة مع كثرة الصبية كان يجب عليك أن تتقدمي وتعلميه بأمرك. فقالت: لا والله إن الراعي الحر يجب عليه أن يفتش على احتياجات رعيته خصوصاً وعموماً فلعل ذلك الشخص الفقير الحال الضيق اليد غلبه حياؤه ومنعه من التقدم إلى راعيه ليعلمه بحاله. فعلى عمر السؤال عن حال الفقراء في رعيته أكثر من تقدم الفقير إلى مولاه لإعلامه بحاله. الراعي الحر إذا أهمل ذلك فيكون هذا ظلماً منه وهذه سنة الله ومن تعداها فقد ظلم. فعند ذلك قال لها عمر: صدقت يا خالة ولكن عللي الصبية والساعة آتيك: ثم خرج وخرجت معه وكان قد بقي من الليل ثلثه الأخير. فمشينا والكلاب تنبحنا وأنا أطردها أذبها عني وعنه إلى أن انتهينا إلى بيت الذخيرة ففتحه وحده ودخل وأمرني فدخلت معه. فنظر يميناً وشمالاً فعمد إلى كيس من الدقيق يحتوي على مائة رطل وينيف فقال لي: يا عباس حول على كتفي فحملته إياه ثم قال لي: أحمل أنت هاتيك جرة السمن. وأشار إلى جرة هناك
(3/198)

فحملتها وخرجنا وأقفل الباب وسرنا وقد انهار من الدقيق على لحيته وعينيه وجبينه. فمشينا إلى أن أنصفنا وقد أتعبه الحمل لأن المكان كان بعيد المسافة. فعرضت نفسي عليه وقلت له: بأبي وأمي يا أمير المؤمنين حول الكيس عنك ودعني احمله فقال: لا والله أنت لا تحمل عني جرائمي وظلمي يوم الدين. واعلم يا عباس إن حمل جبال الحديد وثقلها خير من حمل ظلامةٍ كبرت أو صغرت. ولاسيما هذه العجوز تعلل أولادها بالحصى. يا له من ذنب عظيم عند الله سر بنا وأسرع يا عباس قبل أن تضجر الصبية من العويل فيناموا كما قالت. فسار وأسرع وأنا معه وهو يلهث لهث الثور من التعب إلى أن وصلنا خيمة العجوز فعند ذلك حول كيس الدقيق عن كتفه ووضعت جرة السمن أمامه فتقدم هو بذاته وأخذ القدر وكب ما فيها ووضع فيها السمن وجعل بجانبه الدقيق ثم نظر فإذا النار قد كادت تطفأ فقال للعجوز: أعندك حطب قالت: نعم يا ابني. وأشارت له إليه فقام وجاء بقليل منه وكان الحطب أخضر فوضع منه في النار ووضع القدر على الأثافي وجعل ينكس رأسه إلى الأرض وينفخ بفمه تحت القدر.
فوالله إني رأيت دخان الحطب يخرج من خلال لحيته وقد كنس بها الأرض إذ كان يطأطئ رأسه ليتمكن من النفخ. ولم يزل هكذا حتى اشتعلت النار وذاب السمن وابتدأ غليانه فجهل يحرك السمن بعود في يده الواحدة ويخلط من الدقيق مع السمن في يده الأخرى
(3/199)

إلى أن انضج والصبية حوله يتصارخون فلما طاب الطعام طلب من العجوز إناء فاتته به فجعل يصب الطبيخ في الإناء وينفخه بفمه ليبرده ويلقم الصغار. ولم يزل يفعل هكذا معهم واحداً واحداً بعد واحد حتى أتى جميعهم وشبعوا واكتفوا. وقاموا يلعبون ويضحكون مع بعضهم إلى أن غلب عليهم النوم فناموا فألتفت عمر عند ذلك إلى العجوز وقال لها يا خالة أنا من قرابة أمير المؤمنين عمر وسأذكر له حالك. فائتيني غداً صباحاً في دار الإمارة فتجديني هناك فارجي خيراً. ثم ودعها عمر وخرج وخرجت معه فقال لي: يا عباس والله إني حين رأيت العجوز تعلل صبيتها بحصى حسست أن الجبال قد زلزلت واستقرت على ظهري. حتى إذا جئت بما جئت وأطعمتهم ما طبخته لهم واكتفوا وجلسوا يلعبون ويضحكون فحينئذ شعرت أن تلك الجبال قد سقطت عن ظهري. ثم أتى عمر داره أمرني فدخلت معه وبتنا ليلتنا ولما كان الصباح أتت العجوز فاستغفرها وجعل لها ولصبيتها راتباً من بيت المال تستوفيه شهراً فشهراً (للاتليدي)

معاوية والزرقاء
308 حكي عن معاوية انه لما ولي الخلافة وانتظمت إليه الأمور، وامتلأت منه الصدور. وأذعن لأمره الجمهور. وساعده الله في مراده. استحضر ليلة خواص أصحاب وذا كرهم وقائع أيام صفين ومن كان يتولى كبر الكريهة من المعروفين فانهمكوا في القول الصحيح
(3/200)

والمريض. وآل حديثهم إلى من كان يجتهد في إيقاد نار الحرب عليهم بزيادة التحريض فقالوا: امرأة من أهل الكوفة تسمى الزرقاء بنت عدي كانت تعتمد الوقوف بين الصفوف. وترفع صوتها صارخة: يا أصحاب علي. تسمعهم كلاما كالصوارم. مستحثة لهم بقول لو سمعه الجبان لقاتل والمدبر لأقبل. والمسالم لحارب. والفار لكر. والمتزلزل لاستقر. فقال لهم معاوية: أيكم يحفظ كلامها قالوا: كلنا نحفظه. قال: فما تشيرون علي فيها. قالوا: نشير بقتلها فإنها أهل لذلك فاقل لهم معاوية: بئس ما أشرتم به وقبحا لما قلتم. أيحسن أن يشتهر عني أنني بعدما ظفرت وقدرت قتلت امرأة قد وفت لصاحبها. إني إذاً للئيم لا والله لا فعلت ذلك أبداً ثم دعا بكاتبه فكتب كتاباً إلى واليه بالكوفة أن: أنفذ إلى الزرقاء بنت عدي مع نفرٍ من عشيرتها وفرسان من قومها. ومهد لها وطاء ليناً ومركباً ذلولاً. فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها وقرأه عليها. فقالت بعد قراءة الكتاب: ما أنا بزائغةٍ عن الطاعة. فحملها في هودج وجعل غشاءه خزا مبطناً. ثم أحسن صحبتها فلما قدمت على معاوية قال لها: مرحباً وأهلاً خير مقدم قدمه وافد. كيف حالك يا خالة وكيف رأيت سيرك. قالت: خير مسير فقال. هل تعلمين لم بعثن إليك. قالت: لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى. قال: الست راكبة الجمل الحمر يوم صفين. وأنت بين الصفوف توقدين نار الحرب
(3/201)

وتحرضين على القتال: قالت نعم. قال: فما حملك على ذلك قالت: يا أمير المؤمنين إنه قد مات الرأس وبتر الذنب. والدهر ذو غير ومن تفكر أبصر. والأمر يحدث بعده الأمر. فقال: صدقت فهل تعرفين كلامك وتحفظين ما قلت. قالت: لا والله قال: لله أبوك فلقد سمعتك تقولين: أيها الناس إن المصباح لا يضيء في الشمس وغن الكواكب لا تضيء مع القمر. وإن البغل لا يسبق الفرس. ولا يقطع الحديد إلا بالحديد. ألا من استرشدنا أرشدناه. ومن سألنا أخبرناه. إن الحق كان يطلب ضالة فأصابها. فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار. فكأنكم وقد التأم شمل الشتات وظهرت كلمة العدل وغلب الحق على باطله. فغنه لا يستوي المحق والمبطل أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا سيتوون فالنزال والصبر الصبر. ألا وإن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء. والصبر خير الأمور عاقبة. إئتوا الحرب غير ناكصين فهذا يوم لع ما بعده يا زرقاء أليس هذا قولك وتحريضك. قالت: لقد كان ذلك. قال: لقد شاركت علياً في كل دمٍ سفكه فقالت: أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين ادام سلامتك. مثلك من يبشر بخير ويسر جليه.
فقال معاوية: أوقد سرك ذلك قالت: نعم والله لد سرني قولك وأنى لي بتصديقه. فقال لها معاوية: والله لوفائكم له بعد موته أعجب إلي من حبكم له في حياته فاذكري حوائجك تقض. فقالت:
(3/202)

يا أمير المؤمنين بن إني آليت على نفسي أن لا أسأل أحداً بعد علي حاجة. فقال: قد أشار علي بعض من عرفك بقتلك. فقالت: لؤم من المشير ولو أطعته لشاركته. قال: كلا بل نعفو عنك ونجسن إليك ونرعاك فقالت: يا أمير المؤمنين كرم منك ومثلك من قدر فعفا وتجاوز عمن أساء وأعطى من غير مسألة. فأعطاها كسوة ودراهم وأقطعها ضيعة تغل لها في كل سنة عشرة آلاف درهم. وأعادها إلى وطنها سالمة وكتب إلى والي الكوفة بالوصية بها وبعشيرتها (للابشيهي)

رجلان كريمان حصلا على الإمارة بكرمهما
309 كان في أيام خلافة سليمان بن عبد الملك رجل يقال له حزيمة بن بشر من بني أسدٍ مشهور بالمروءة والكرم والمواساة وكانت نعمته وافرة. فلم يزل على تلك الحالة من الكرم حتى احتاج إلى إخوانه الذين كان يؤاسيهم ويتفضل عليهم. فآسوه حيناً ثم إنهم ملوه. فلما لاح منهم ذلك أتى امرأته وكانت ابنة عمه. فقال لها: يا ابنة العم رأيت من إخواني تغيراً عما عهدت منهم. وقد عزمت على لزوم بيتي إلى أن يأتيني الموت. ثم إنه أغلق بابه وأقام يتقوت بما عنده حتى نفذ جميعه وبقي حائراً في أمره. وكان يومئذ عكرمة القياض والياً على الجزيرة فبينما هو جالس في ديوانه وعنده جماعة من أهل البلد من معارفه إذ جرى ذكر خزيمة بن بشر. فسألهم عكرمة عن حاله
(3/203)

فقالوا له: إنه في أشقى حال من الفقر وقد أغلق بابه ولزم بيته. فقال عكرمة الفياض: أفما وجد خزيمة بن بشر مؤاسياً أو مكافيا. فقالوا له: لا. فامسك عكرمة عن ذلك وكان عكرمة في الكرم بالمنزلة العظيمة وقد سمي الفياض لزيادة كرمه وجوده ثم إن عكرمة انتظر إلى أن دخل الليل فعمد إلى أربعة دينار فجعلها في كيس وأمر بإسراج دابته فركبها وخرج سرا من عند أهله وسار ومعه غلام واحد يحمل المال. وكان الليل قد أنصف فلم يزل سائراً حتى وقف على باب خزيمة فنزل عن دابته بعيداً عن الباب وأمسكها لغلامه وأخذ منه الكيس وأتى به وحده إلى الباب وقرعه. فخرج خزيمة فقال له عكرمة وقد نكر صوته: خذ هذا أصلح به شانك. فتناوله خزيمة فرآه ثقيلاً فوضعه وقبض على ذيل عكرمة وقال له: أخبرني من أنت جعلت فداك فقال له عكرمة: ما جئتك في مثل هذا الوقت وأريد أن تعرفني فقال له خزيمة والله لا أقبله ألم تخبرني من أنت. فقال له عكرمة أنا جابر عثرات الكرام. فقال خزيمة: زدني إيضاحاً فقال له عكرمة لا والله وانصرف فدخل خزيمة بالكيس إلى امرأته وقال لها: أبشري فقد أتى الله بالفرج فقومي أسرجي. فقالت: لا سبيل إلى السراج لأنه ليس لنا زيت. فبات خزيمة يلمس الكيس فيجد خشونة الدنانير. ولما رجع عكرمة إلى منزله سألته امرأته فيم خرج بعد هدأة الليل منفرداً فأجابها: ما كنت لأخرج في وقت كذا
(3/204)

وأريد أن يعلم احد بما خرجت إليه إلا الله فقط. فقالت له: لا بد لي أن أعلم ذلك وصاحت وناحت وألحت عليه بالطلب. فلما رأى أنه ليس له بد قال لها: أخبرك بالأمر فاكتميه إذاً. قالته: قل ولا تبال بذلك. فاخبرها بالقصة على وجهز أماما كان من خزيمة فإنه لما أصبح صالح غر ماءه وأصلح شأنه وتجهز للسفر يؤيد الخليفة سليمان ابن عبد الملك. فدخل الحاجب وأخبر سليمان بوصول خزيمة بن بشر. وكان سليمان يعرفه جيداً بالمروءة والكرم فإذن له. فما دخل خزيمة وسلم عليه بالخلافة قال له سليمان: يا خزيمة ما أبطأك عنا. قال: سوء الحال يا أمير المؤمنين. قال فما منعك النهضة إلينا. قال خزيمة: ضعفي يا أمير المؤمنين وقلة ما بيدي. قال: فمن أنهضك الآن. الخزيمة: لم أشعر يا أمير المؤمنين بعد هدأة من الليل إلا والباب يطرق فخرجت فرأيت شخصاً وكان منه كيت وكيت. واخبره بقصته من أولها إلى آخرها. فقال له: أما عرفته. فقال خزيمة: ما سمعت منه يا أمير المؤمنين إلا حين سألته عن اسمه قال: أنا جابر عثرات الكرام. قال: فتلهف سليمان بن عبد الملك على معرفته وقال: لو عرفناه لكافيناه على مروءته. ثم قال: علي بالكاتب فحضر إليه. فكتب لخزيمة الولاية على الجزيرة وجميع عمل عكرمة وأجزل له العطاء وأحسن ضيافته وأمره بالتوجه من وقته إلى الولاية فقبل الأرض خزيمة وتوجه من ساعته إلى الجزيرة فلما قرب منها خرج عكرمة وكان قد بلغه عزله وأقبل لملاقاة خزيمة
(3/205)

مع جميع أعيان البلد. وسلموا عليه وساروا جميعاً إلى أن دخلوا به البلد.
فنزل خزيمة في دار الإمارة وأمر أن يؤخذ عكرمة ويحاسب. فحوسب ففضل عليه مال كثير فطلبه خزيمة منه. فقال له عكرمة: والله ما إلى درهم منه سبيل ولا عندي منه دينار. فأمر خزيمة بحبسه وأرسل يطالبه بالمال. فأرسل عكرمة يقول له: إني لست ممن يصون ماله بعرضه فأصنع ما شئت. فأمر خزيمة بقيده وضربه فكبل بالحديد وضرب وضيق عليه فأقام كذلك شهراً فأضناه ذلك وأضر به فبلغ امرأته ضره فجزعت عليه واغتنمت لذلك غماً شديدا فدعت جارية لها ذات عقل وقالت لها: امضي الساعة إلى باب خزيمة وقولي للحاجب إن عندي نصيحة للأمير. فإذا طلبها منك فقولي: لا أولها إلا للأمير خزيمة. فإذا دخلت عليه فسليه الخلوة فإذا فعل فقولي له: ما كان هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك بمكافأتك له بالضيق والجبس والحديد ثم بالضرب قال: ففعلت جاريتها ذلك فلما سمع خزيمة قولها قال: وا سؤتاه جابر عثرات الكرام غريمي قالت: نعم فأمر لوقته بدابته فسرجها وركب إلى وجوه أهل البلد فجمعهم وسار بهم إلى باب الحبس ففتحه ودخل فرأى عكرمة الفياض في قاع الحبس متغيراً قد أضناه الضر. فلما نظر عكرمة على خزيمة ووجوه أهل البلد معه أحشمه ذلك فنكس رأسه. فأقبل خزيمة واكب على رأسه فقبله. فرفع عكرمة رأسه وقال: ما أعقب هذا منك. قال خزيمة: كريم فعالك
(3/206)

وسوء مكافأتي. فقال له عكرمة: يغفر الله لنا ولك. ثم إن خزيمة أمر بقيده أن تفك وان توضع في رجليه نفسه فقال له عكرمة ما مرادك بذلك قال مرادي أن ينالني من الضر ما نالك فقال له عكرمة أقسم عليك بالله أن لا تفعل. وبعد ذلك خرجا جميعاً وجاءا إلى دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الانصراف فلم يمكنه من ذلك. ثم أمر خزيمة بالحمام فأخلى ودخلا جميعاً. وقام خزيمة نفسه وتولى خدمة عكرمة. ثم خرج فخلع عليه وحمل إليه مالا كثيرا وسأله أن يسير معه إلى أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك وكان يومئذ مقيماً في الرملة. فسار معه حتى قدما على سليمان. فدخل الحاجب وأخبره بقدوم خزيمة بن بشر. فراعه ذلك وقال في نفسه: والي الجزيرة يقدم علينا بغير أمنا مع قرب العهد به. ما هذا إلا لحادث عظيم. فلما دخل عليه قال: ما وراءك يا خزيمة قال: خير يا أمير المؤمنين قال: فما أقدمك قال: يا أمير المؤمنين إني ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت أن أسرك لما رأيت من شوقك إلى رؤيته. قال: ومن هو قال: عكرمة الفياض فإذن له في الدخول فدخل وسلم عليه بالخلافة فرحب به وأدناه من مجلسه وقال له: يا عكرمة قد كان خيرك له وبالا عليك ثم إن الخليفة قال له: اكتب حوائجك وما تختاره في رقعة. فكتبها فقضيت على أتم وجهٍ. ثم أمر له بعشرة آلاف دينار وأضاف له شيئاً كثيراً من التحف والظرف وولاه على الجزيرة وأرمينية
(3/207)

وأذربيجان وقال له: أمر خزيمة بيدك إن شئت أبقيه وإن شئت عزلته. قال: بل رده إلى عمله مكرماً يا أمير المؤمنين ثم إنهما انصرفا جميعاً ولم يزالا عاملين لسليمان مدة خلافته (ثمرات الأوراق للحموي) .

يزيد بن المهلب عند سليمان بن عبد الملك
310 قيل أن الحجاج بن يوسف أخذ يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وعذبه واستأصله واستأصل موجوده وسجنه. فاحتال يزيد بحسن تلطفه وأرغب السجان واستماله. وهرب هو السجان وقصد الشام إلى سليمان بن عبد الملك. وكان الخليفة في ذلك الوقت الوليد بن عبد الملك. فلما وصل يزيد بن المهلب إلى سليمان بن عبد الملك أكرمه وأحسن إليه وأقام عنده فكتب الحجاج إلى الوليد يعلمه أن يزيد هرب من السجن وأنه عند سليمان بن عبدا لملك أخي أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين. وأمير المؤمنين أعلى رأياً فكتب الوليد إلى أخيه سليمان بذلك فكتب سليمان: يا أمير المؤمنين إني أجرت يزيد بن المهلب لأنه هو وأباه وإخوته أحباء لنا من عهد أبينا. ولم اجر عدوا لأمير المؤمنين. وقد كان الحجاج عذبه وغرمه دراهم كثيرة ظلما. ثم طلب منه بعدها مثل ما طلب أولا. فإن رأى أمير المؤمنين أن لا يخزيني في ضيفي فإنه أهل الفضل والكرم فكتب إليه الوليد إنه لا بد من أن ترسل إلي يزيد مقيداً مغلولاً فلما ورد ذلك على سليمان أحضر ولده أيوب فقيده. ثم دعا بيزيد بن المهلب وقيده.
(3/208)

ثم شد قيد هذا إلى قيد هذا بسلسة وغلهما جميعاً بغلين رحملهما إلى أخيه الوليد وكتب إليه: أما بعد يا أمير المؤمنين فقد وجهت إليك يزيد وابن أخيك أيوب بن سليمان. وقد هممت أن أكون ثالثهما. فغن هممت يا أمير المؤمنين بقتل يزيد فبالله عليك فأبدأ بقتل أيوب. ثم أجعل يزيد ثانياً. واجعلني إن شئت ثالثاً والسلام. فلما دخل يزيد ابن المهلب وأيوب بن سليمان على الوليد وهما في سلسلة أطراق الوليد استحياء وقال: لقد أسانا إلى أبي أيوب إذ بلغنا به هذا المبلغ. فأخذ يزيد يتكلم ويحتج لنفسه فقال له الوليد: ما نحتاج ما نحتاج إلى الكلام قد قبلنا عذرك وعلمنا ظلم الحجاج. ثم استحضر حداداً فأزال عنهما الحديد وأحسن إليهما ووصل أيوب ابن أخيه بثلاثين ألف درهم ووصل يزيد بن المهل بعشرين ألف درهم وردهما إلى سليمان. وكتب كتاباً للحجاج مضمونه: لا سبيل لك على يزيد بن المهلب فإياك أن تعاودني فيه بعد اليوم. فسار بن المهلب إلى سليمان بن عبد الملك. وأقام عنده في أعلى المراتب وأفضل المنازل (للابشيهي)

هو كريم وإحسانه إلى من قتل أباه
311 حكي أنه لما أفضت الخلافة إلى بني العباس اختفت منهم جميع رجال بني أمية وكان منهم إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك. وكان إبراهيم هذا رجلاً عالماً كاملاً أديباً وهو مع ذلك في سن الشبيبة فأخذوا له أماناً من السفاح فأعطاه أبو العباس السفاح أماناً
(3/209)

وأكرمه وقال له: الزم مجلسي فذات يوم قال له أبو العباس السفاح: يا إبراهيم حدثني عما مر بك في استخفائك من العدو. فقال سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين. كنت مختفياً في الحيرة بمنزل في شارع على الصحراء فبينما كنت يوماً على ظهر ذلك البيت إذ بصرت بإعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة. فتخيلت أنها تريدني فخرجت مسرعاً من الدار متنكراً حتى أتيت الكوفة وأنا لا اعرف أحدا اختفى عنده فبقيت في حيرة فنظرت وإذا أنا بباب كبير واسع الرحبة فدخلت فيه فرأيت رجلاً وسيما حسن الهيئة مقبلاً على الرحبة ومعه أتباعه فنزل عن فرسه والتفت فراني فقال لي: من أنت وما حاجتك فقلت رجل خائف على دمه وجاء يستجير في منزلك فأدخلني منزله وصيرني في حجرة تلي حرمة وكنت عنده في كل ما أحبه من طعام وشراب ولباس وهو لا يسألني عن شيء من حالي. إلا أنه كان يركب في كل يوم من الفجر ويمضي ولا يرجع إلا قريب الظهر فقلت له يوماً أراك تدمن الركوب كل يوم ففي م ذلك فقال لي: عن إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك كان قد قتل أبي ظلما وقد بلغني أنه مختف في الحيرة فأنا أطلبه يومياً لعلي أجده وأدرك منه ثأري قال: فلما سمعت ذلك يا أمير المؤمنين كثر تعجبي وقلت في نفسي إن القدر ساقني إلى حتفي في منزل من يطلب دمي فوالله يا أمير المؤمنين إني كرهت الحياة: ثم إني سألت الرجل
(3/210)

عن أبيه فأخبرني فعلمت في كلامه حق وأني أنا الذي قتل أباه. فقلت له: يا هذا إنه قد وجب على حقك ولمعروفك لي يلزمني أن أدلك على خصمك الذي قتل أباك وأقرب عليك الخطوة. فقال: وما ذاك فقلت له: أنا إبراهيم بن عبد الملك وأنا قاتل أبيك فخذ بثارك. فتبسم مني وقال: هل أضجرك الاختفاء والبعد عن منزلك واهلك فأحببت الموت. فقلت: لا والله ولكني أقول لك الحق وإني قتلته في يوم كذا من اجل كذا. فلما سمع الرجل كلامي هذا وعلم صدقي تغير لونه واحمرت عيناه ثم فكر طويلاً والتفت إلي وقال: أنا أنت فسوف تلقى أبي عند حاكم عادل فيأخذ بثأره منك وأما أنا فلا احفر ذمتي ولكني أريد أن تخرج عني فإني لست آمن عليك من نفسي. ثم إنه أعطاني ألف دينار فأبيت أخذها وانصرفت عنه. فهذا يا أمير المؤمنين أكرم رجل رأيته وسمعت عنه في عمري بعد أمير المؤمنين (للاتليدي)

جودة معن بن زائدة
312 حكي عن معن بن زائدة أن شاعراً من الشعراء قصده فأقام مدة يريد الدخول عليه فلم يتهيأ له ذلك. فلما أعياه الأمر سأل بعض خدمه وقال له: أرجوك إذا دخل الأمير إلى البستان أن تعرفني. فلما دخل معن إلى بستانه ليتنزه جاء الخادم وأخبر الشاعر فكتب الشاعر بيتاً من الشعر على خشبة وألقاها في الماء الجاري إلى داخل
(3/211)

البستان فاتفق أن معناً كان جالساً في ذلك الوقت على جانب الماء فمرت عليه الخشبة فنظر فيها كتابة فأخذها وقرأها فوجد فيها
أيا جود معن ناج معناً بحاجتي ... فمالي إلى معن سواك سبيل
فلما قرأها معن قال لخادمه: أحضر الرجل صاحب هذه الكتابة فخرج وجاء به فقال له: ماذا كتبت. فانشده البيت فلما تحققه أمر له بألف درهم. ثم عن معناً وضع تلك الخشبة تحت البساط مكان جلوسه. فلما كان اليوم الثاني جاء فجلس في مجلسه فألمته الخشبة فقام لينظر ما ألمه فرأى الخشبة فأمر خادمه أن يدعو الرجل. فمضى وجاء به فأمر له بألف درهم ثانية. ثم إنه في الثالث خرج إلى مجلسه فألمته الخشبة فدعا الشاعر وأعطاه ألف درهم أيضاً. فلما رأى الشاعر هذه العطاء الزائد لأجل بيت واحد من الشعر خاف أم معناً يراجعه عقله ويأخذ المال منه فهرب. ثم إن معناً خرج إلى مجلسه في اليوم الرابع فخطر الشاعر بباله فأمر خادمه أن يحضره ويعطيه ألف درهم. فمضى الخادم وسأل عنه فقيل له إنه سافر. فرجع وأخبر مولاه. فلما بلغه أنه سافر اغتم جداً وقال: وددت والله لو أنه مكث وأعطيته كل يوم ألفا حتى لا يبقى في بيتي درهم

إبراهيم الموصلي والمهدي
313 حدث إبراهيم الموصلي قال: كان المهدي لا يشرب الخمر فأرادني على ملازمته وترك الشرب فأبيت فحبسني. ثم دعاني
(3/212)

يوماً فعاتبني على شربي الخمر في منازل الناس وقال: لا تدخل على موسى وهارون البتة. ولن دخلت عليهما لأفعلن بك ولأصنعن فقلت: نعم ثم بلغه أني دخلت عليهما في نزهة لهما. فسعي بهما وبي إلى المهدي. فدعاني فسألني فأنكرت. فأمر بي فجردت فضربت ثلاثمائة وستين سوطاً. فقلت له وهو يضربني: إن جرمي ليس من الأجرام التي يحل لك بها سفك دمي. فلما قلت له هذا: ضربني بالسيف في جفنه فشجني به وسقطت مغشياً علي ساعة. ثم فتحت عيني فوقعتا على عيني المهدي. فرأيتهما عيني نادم وقال لابن مالك: خذه إليك قال فأخرجني إلى داره وأنا أرى الدنيا في عيني صفراء وخضراء من حر السياط. وأمره أن يتخذ لي شبيهاً بالقبر فيصيرني فيه. فدعا بكبش وسلخه. فألبسني جلده ليسكن الضرب. ودفعني إلى خادمةٍ له فصيرتني في ذلك القبر. فتأذيت بالنز وبالبق في ذلك القبر. وكان فيه خلاء أستريح إليه فقلت للأمة: اطلبي لي أجرةً عليها فحم وكندر يذهب عني هذا البق. فأتتني بذلك. فلما دخنت أظلم القبر علي وكادت تخرج من الفم. فاسترحت من أذاه إلى النز فألصقت به أنفي حتى خف الدخان. فلما ظننت أني قد استرحت مما كنت فيه إذا حيتان مقلبتان نحوي من شق القبر تدوران حولي بخفيف شديدٍ. فهممت أن آخذ واحدة بيدي اليمنى والأخرى بيدي اليسرى فإما علي وإما لي. ثم كفيتهما فدخلتا من الثقب الذي
(3/213)

حرجتا منه. فمكثت في ذلك القبر ما شاء الله وقلت في الحبس:
ألا طال ليلي أراعي النجوم ... أعالج في الساق كبلاً ثقيلا
بدار الهوان وشر الديار ... أسام بها الخسف صبراً جميلا
كثير الأخلاء عند الرخاء ... فلما حبست أراهم قليلا
لطول بلائي مل الصديق ... فلا يأمنن خليل خليلا
ثم أخرجني المهدي وأحلفني (بكل يمين لا فسحة لي فيها) أن لا أدخل على موسى وهارون أبداً ولا أغنيهما وخلي سبيلي (الأغاني)

المرأة المتظلمة وابن المأمون
314 حدث الشيباني قال: جلس المأمون يوما للمظالم. فكان آخر من تقدم إليه وقد هم بالقيام امرأة عليها هيئة السفر وعليها ثياب رثة. فوقفت بين يديه فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمه الله وبركاته. فنظر المأمون إلى يحي بن اكثم فقال لها يحي: وعليك السلام يا أمة الله تكلمي في حاجتك. فقالت:
يا خير منتصفٍ يهدي له الرشد ... ويا إماماً به قد أشرق البلد
تشكو إليك عميد القوم أرملة ... عدا عليها فلم يترك لها سيد
وابتز مني ضياعي بعد منعتها ... ظلماً وفرق مني الأهل والولد
فأطرق المأمون حيناً ثم رفع رأسه إليها وهو يقول:
في دون ما قلت زال الصبر والجلد ... عني وقرع مني القلب والكبد
هذا أذان الصلاة العصر فانصرفي ... وأحضري الخصم في اليوم الذي اعد
(3/214)

والمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا ... ننصفك منه وإلا المجلس الأحد
فما كان اليوم الأحد جلس فكان أول من تقدم إليه تلك المرأة فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك السلام أين الخصم. فقالت: الواقف على رأسك يا أمير المؤمنين. وأومأت إلى العباس ابنه. فقال: يا أحمد بن أبي خالد خذ بيده وأجلسه معها فجلس الخصوم. فجعل كلامها يعلو كلام العباس فقال لها أحمد بن أبي خالد: يا أمة الله إنك بين يدي أمير المؤمنين. وإنك تكلمين الأمير فاخفضي من صوتك. فقال المأمون: دعها يا أحمد فإن الحق أنطقها وأخرسه. ثم قضي لها برد ضيعتها إليها. وظلم العباس بظلمه لها. وأمر بالكتاب لها إلى العامل ببلدها أن يوغر لها ضيعتها ويحسن معاونتها وأمر لها بنفقةٍ (لابن عبد ربه)

المرأة الكريمة
315 حكي أن عبد الله بن عباس كان من أكابر الأجواد الكرام فنزل منزلاً. وكان منصرفاً من الشام إلى الحجاز. فطلب من غلمانه طعاما فلم يجدوا. فقال لوكيله: اذهب في هذه البرية فلعلك تجد راعياً أو حياً فيه لبن أو طعام. فمضى بالغلمان فوقعوا على عجوز في حيٍ. فقالوا لها: عندك طعام ابتاعه قالت: أما طعام البيعة فلا ولكن عندي ما به حاجة لي ولأبنائي. قالوا: فأين بنوك قالت: في رعي لهم وهذا أوان أوبتهم. قالوا: فما أعددت لك ولهم قالت: خبزة تحت
(3/215)

ملتها. قالوا: وما غير ذلك. قالت: لاشيء قالوا: فجزدي لنا بشطرها. فقالت: أما الشطر فلا أجود به وأما الكل فخذوه. فقالوا لها: تمنعين النصف وتجودين بالكل. فقالت: نعم لن إعطاء الشطر نقيصة. وإعطاء الكل كمال وفضيلة. فانا امنع ما يضعني وأمنح ما يرفعني. فأخذوها ولم تسألهم من هم ولا من أين جاؤوا. فلما جاءوا إلى عبد الله وأخبروه بخبرها عجب من ذلك. ثم قال لهم: احملوها إلي الساعة فرجعوا إليها. وقالوا لها: انطلقي معنا على صاحبنا فإنه يريدك. فقالت ومن صاحبكم. قالوا: عبد الله بن عباس. قالت: وأبيكم هذا هو الشرف العالي وذروته الرفيهة. وماذا يريد مني قالوا: مكافأتك وبرك. فقالت: أواه والله لو كان ما فعلت معروفاً ما أخذت له بدلاً. فكيف وهو شيء يجب على الخلق أن يشارك فيه بعضهم بعضاً. فلم يزالوا بها إلى أن أخذوها إليه. فلما وصلت إليه سلمت عليه فرد عليها السلام. وقرب مجلسها. ثم قال لها: ممن أنت. قالت: من بني كلبٍ. قال: فكيف حالك. قالت: أسهر اليسير وأهجع أكثر الليل وأرى قرة العين في شي. فلم يك من الدنيا شيء إلا وقد وجدته. قال: فما ادخرت لبنيك إذا احضروا. قالت: أدخر لهم ما قاله حاتم طيء حيث قال:
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل
فازداد عبد الله منها تعجباً. ثم قال لها: لو جاء بنوك وهم جياع ما
(3/216)

كنت تصنعين. فقال: يا هذا لقد عظمت عندك هذه الخبزة حتى أكثرت فيها مقالك. وأشغلت بها بالك. إله عن هذا فإنه يفسد النفس ويؤثر في الخسة. فقال عبد الله: أحضر والي أولادها فأحضروهم فلما دنوا منه رأوا أمهم وسلموا. فأدناهم إليه وقال: إني لم أطلبكم وأمكم لمكروه وإنما أحب أن أصلح من شأنكم وألم شعثكم. فقالوا: إن هذا قل أن يكون إلا عن سؤال أو مكافأة لفعل قديم قال: ليس شيء من ذلك ولكن جاورتكم في هذه الليلة فأحببت أن أضع بعض مالي فيكم. قالوا: يا هذا نحن في خفض عيش وكفاف من الرزق فوجهه نحو من يستحقه. وإن أردت النوال مبتدأ من غير سؤال فتقدم فمعروفك مشكور وبرك مقبول. فقال: نعم هو ذاك. وأم لهم بعشرة آلاف درهم وعشرين ناقة. فقالت العجوز لأولادها: ليقل كل واحد منكم شيئاً من الشعر وأنا أتبعكم في شيء منه. فقال الأكبر:
شهدت عليك بطيب الكلام ... وطيب الفعال وطيب الخبر
وقال الأوسط:
تبرعت بالجود قبل السؤال ... فعال عظيم كريم الخطر
وقال الأصغر:
وحق لمن كان ذا فعله ... بأن يسترق رقاب البشر
وقالت العجوز:
(3/217)

فعمرك الله من ماجد ... ووقيت كل الردى والحذر

الأعرابي ومالك بن طوق
316 وفد أعربي على مالك بن طوق وكان زري الحال رث الهيئة فمنع من الدخول إليه. فأقام بالرحبة أياماً. فخرج مالك ذات يوم يريد نزهة حول الرحبة. فعارضة الأعرابي فمنعه الشرطة ازدراء به. فلم ينثن عنه حتى أخذ بعنان فرسه ثم قال: أيها الأمير أنا عائذ بك من شرطك. فنهاهم عنه وأبعدهم منه ثم قال له: هل من حاجةٍ. قال: نعم أصلح الله الأمير. قال: وما هي. قال: أن تصغي إلي بسمعك. وتنظر إلي بطرفك. وتقبل علي بوجهك. ثم أنشد:
ببابك دون الناس أنزلت حاجتي ... وأقبلت أسعى نحوه وأطوف
ويمنعني الحجاب والليل مسبل ... وأنت بعيد والرجال صفوف
يطوفون حولي بالقلوب كأنهم ... ذئاب جياع بينهن خروف
فأما وقد أبصرت وجهك مقبلاً ... واصرف عنه إنني لضعيف
وما لي من الدنيا سواك وما لمن ... تركت ورائي مربع ومصيف
وقد علم الحيان قيس وخندق ... ومن هو فيها مازال وحليف
تخطيت أعناق الملوك ورحلتي ... إليك وقد أخنت علي صروف
فجئتك أبغي الخير منك فهزني ... ببابك من ضرب العبيد صنوف
فلا تجعلن لي نحو بابك عودة ... فقلبي من ضرب العبيد مخوف
فاستضحك مالك حتى كاد يسقط عن فرسه. ثم قال لمن
(3/218)

حوله: من يعطيه درهما بدرهمين وثوباً بثوبين. فنثرت الدراهم وقعت الثياب عليه من كل جانب حتى تحير الأعرابي واختلط عقله لكثرة ما أعطي. فقال له مالك: هل بقيت لك حاجة يا أخا العرب. قال: أما إليك فلا. قال: فإلى من. قال: إلى الله أن يبقيك للعرب فإنها لا تزال بخير ما بقيت لها (للقليوبي)

الخارجي والمعتصم
317 أخبر بعضهم قال: ما رأيت لاجً عرض عليه الموت فلم يكترث به إلا تميم بن جميل الخارجي. كان قد خرج على المعتصم ورأيته قد جيء به أسيراً. فدخل عليه في يوم موكب وقد جلس المعتصم للناس مجلسا عاماً ودعا بالسيف والنطع. فلما مثل بين يديه نظر إليه المعتصم فأعجبه شكله وقده ومشيته إلى الموت غير مكترث به. فأطال الفكرة فيه ثم استنطقه في عقله وبلاغته فقال: يا تميم إن كان لك عذر فات به. فقال: أما إذا إذن أمير المؤمنين (جبر الله به صدع الدين. ولم شعث المسلمين. واخمد ثهاب الباطل. وأنار سبل الحق) . فالذنوب يا أمير المؤمنين تخرس الألسنة وتصدع الأفئدة. أيم الله لقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة. وساء الظن ولم يبق إلا العفو أو الانتقام. وأمير المؤمنين أقرب إلى العفو وهو أليق شيمة الظاهرة. ثم أنشد:
أرى الموت بين السيف والنطع كلمنا ... يلاحظني من حيث ما أتلفت
(3/219)

وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي أمريء مما قضى الله يفلت
ومن ذا الذي يأتي بعذر وحجةٍ ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت
وما جزعي من أن أموت وإني ... لأعلم أن الموت شيء موقت
ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت
وكأني أراهم حين أنعي إليهم ... وقد لطموا تلك الخدود وصوتوا
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطةٍ ... أذد الردى عنهم وإن مت موتوا
قال فبكي المعتصم وقال: إن من البيان لسحراً. ثم قال: كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل وقد وهبتك لله ولصبيتك وأعطاه خمسين ألف درهم (ثمرات الأوراق للحموي)

قصة رجل أجار رجلاً استغاث به وكان خائفاً على دمه فجوزي على إحسانه
318 حكى العباس حاجب المنصور قال: لما ملك العباس السفاح البلاد من بني أمية واستولى على الخلافة قطع آثار بني أمية من جميع البلاد. فبعد مدةٍ قليلة تراجع المتعصبون لبني أمية وأثاروا فتنه عظيمة في الشام. وكان ذلك بعد موت أمير المؤمنين العباس السفاح وتوليه الخلافة لأخيه أبي جعفر المنصور. فقال الأمويون على العباسيين وقتلوا جميع من وقع منهم في أيديهم. وبلغني الخبر وأنا ماش في شارع وماض لابتاع شيئاً أنهم طلبوني وأدركوني. فهربت ودخلت داراً وجدت بابها مفتوحاً فلقيت في ساحتها شيخا مهيباً جالساً فقال: من الرجل. فقلت: خائف على دمه وقد أدركه الطلب. فقال:
(3/220)

مرحباً لا بأس عليك أدخل هذه المقصورة. وأشار لي إلى باب فدخلته ومضى مسرعاً وأقفل الباب ودخل حرمه وأتاني من ثيابهن وقال لي: قم أشلح ما عليك والبس هذه الثياب لأني رأيت الطلب عليك شديداً. فلبست ثياب النساء ثم أدخلني إلى مقصورة حرمه وجعلني بينهن. فما لبثت قليلاً أن طرق باب الدار وقد حضرت الرجال في طلبي. فدخل الرجل عندي وقال لي: لا تخف بل كن مستقراً في حرمي. ثم نزل وفتح الباب للناس فطلبوني منه فأنكرني وقال: إنه لم يرني. فقالوا له: نفتش بيتك فقال لهم: دونكم ذلك. فدخل القوم وفتشوا جميع دار الرجل إلا مقصورة التي فيها حرمه فلم يجدوا شيئاً. فذهبوا وأقفل الرجل باب داره ودخل علي وقال: الحمد لله على سلامتك وجعل لا يبرح من بأنيسي ومجالستي وإكرامي مدة ثلاثة أيام فقلت له يوماً: يا مولاي لقد طال مقامي وأنا أريد اللحاق بولي نعمتي. فقال: أما إذا شئت فامض معافى. ثم إنه احضر لي زاداً كثيراً وركوبةً وأعطاني صرة فها خمسمائة دينار وقال لي: كل احتياج سفرك معد إلا أنني أخاف عليك أن تمضي وتخرج من المدينة نهاراً فتعرف فأمهل إلى بعد الغروب قبل قفل أبواب المدينة. فقلت له: إن الرأي رأيك. فصبرت إلى أن أظلمت ثم قمت وقام معي وأخرجني من باب الشام وسار معي مسافة طويلة فأقسمت عليه أن لا يزيد على ذلك. فودعني ورجع وسرت شاكراً للرجل
(3/221)

ومتعجباً من غزارة إحسانه إلى أن بلغت بغداد ولحقت بأبي جعفر المنصور. فذات يوم لما قمت صباحاً على عادتي الفجر العميق وخرجت من داري قاصداً دار أمير المؤمنين وجدت رسوله في الطريق وهو آت من عنده يدعوني له. فانطلقت مسرعاً إلى أن دخلت عليه فنظر إلي وقال: يا عباس. فقلت لبيك يا أمير المؤمنين. قال خذ هذا الرجل واحتفظ به وغداً أتني به وأعلم أنه إن فقد منك فلن أرضى إلا بعنقك. فقلت سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين. فنظرت فوجدت أمامه في ناحية المكان شيخاً مقيداً في عنقه ويديه ورجليه فأخذته وخرجت به فأكبته وأتيت به إلى بيتي. ولكثرة حرصي عليه من أجل وصية المنصور لي دعوت غلماني وأمرتهم ففرشوا لنا مقصورة وأجلست الرجل فيها وجلست إلى جانبه وضعت طرف قيده في رجلي وطبقت عليها. كل ذلك حرصاً إلى الرجل لئلا يهرب فيروح عنقي. فلما مضى النهار وجاء المغرب أمرت غلماني فجاءوا بالمائدة وعليها الطعام والشراب. فجلست أنا والرجل فأكلنا ثم غسلنا أيدينا وجلسنا وقد ضجرت من السكون لن الرجل مهموم ويفكر في شأنه فسألته من أين هو فقال: من الشام. فقلت أتعرف فلان الفلاني في الشام. فقال: ما أحد أعرف به مني لماذا تسأل عنه. فقلت له: لأني أسير معروفه وعبد إحسانه. وأخبرته بما عمله معي في زمان فتنة الشام. فتبسم الرجل فلما تبسم تفرست فيه فإذا هو هو. فطار عقلي من
(3/222)

رأسي فرحاً به فجعلت أسأله إلى أن تحققته فقمت حينئذ وكسرت أقفال قيوده وهو يمتنع من ذلك. ثم أمرت الغلمان فأحضروا له ثياباً فأبى فأقسمت عليه فلبسها. ثم قال لي: ما مرادك أن تعمل بي. قلت: والله أنقذك حتى تصير بعيداً عن بغداد بمراحل وتذهب في حال سبيلك. فقال: اسمع هذا ليس هو الرأي الصائب لأنك إذا مضيت إلى أمير المؤمنين من غيري يغضب عليك فيقتلك وأنا معاذ الله أن اشتري سلامتي بموتك فهذا لا يمكن. فقلت له: وما ذنبك أنت عند أمير المؤمنين. فقال: اتهموني زراً بأني أنا الذي حركت الفتن في الشام وأن لبني أمية عندي ودائع. فقلت: حيث إن هذا فقط جرمك والله إني أهربك وأنالا أبالي من أمير المؤمنين إن قتلني وإن عفا عني. فإن إحسانك السالف علي عظيم جداً. فقال لي: لا تظن أني أطاوعك على ذلك ولكن عندي رأي أصوب وهو: دعني محفوظاً في مكان
وامض قل لأمير المؤمنين ما شئت من هربي. فإن عفا عنك فعد إلي وأطلقني فأهرب وإن أمر بقتلك فعد ذلك أكون أنا في أمرك فتحضرني وتفتدي نفسك. وعدا هذا لا أرتضي معك بشيء (قال) فلما رأيت الرجل أبى إلا هذا وضعته في مقصورة خفية في داري وأصبحت وأبكرت إلى دار الخلافة. فدخلت فوجدت المنصور جالساً ينتظرني. فلما رآني وحدي قام عرق الغضب بين عينيه ورأيت عينيه قد صارتا مثل النار غيظاً علي وقال لي: هيه
(3/223)

يا عباس أين الرجل. فقلت له مهلاً يا أمير المؤمنين فإن العفو أقرب للتقوى وهذا رجل حرى لي معه كيت وكيت وفعل معي كذا وكذا من الإحسان العظيم فالتزمت لحق إحسانه أن أطلقه أملا بحلمك واتكالا على كرمك. قال: فرأيت وجه المنصور قد تهلل وقال لي لحاك الله يا عباس. أيفعل هذا الرجل معك هذا للإحسان العظيم في زمن الفتنة وتطلقه من غير أن تخبرنا بإحسانه لنقم بإكرامه ونجزيه عما فعله معك من الخير. وجعل المنصور يتأسف ويفرك يديه تحسراً ويقول: أيذهب منا إنسان له علينا إحسان فلا نوفيه بعض ما استوجب عندنا من عظيم معروفه والله إنها لكبرى. فقلت له: يا أمير المؤمنين بأبي وأمي إن الرجل موجود عندي وقد أبى أن يهرب لخوفه على عنقي منك. فقال لي أن أجعله محفوظاً في مكان وآتيك فأخبرك أنه هرب فإن عفوت وإلا رجعت فأحضرته. فاستبشر وجه المنصور وضرب برجله الأرض وقال: هذا والله يساوي مقدار سالف معروف الرجل إليك. فامض مسرعاً وائتني به مكرماً موقراً. فمضيت وأتيت داري ودخلت على الرجل فقبل الأرض شكراً لله تعالى وقام وجاء معيي حتى دخلنا على أمير المؤمنين المصور فحين رآه رحب به وأجلسه بجانبه وأكرمه وخلع عليه خلعاً نفيسة وقال له: هذا جزاء إحسانك. وسأله إن شاء أن يوليه الشام فأبى وشكره. وأطلقه المنصور موقراً وأرسل معه الكتب لولاته يأمرهم بإكرامه والقيام بحوائجه (للاتليدي)
(3/224)

الباب الخامس عشر في الفكاهات
319 أرسل ابن خروف الشاعر إلى ابن شداد بحلب يطلب منه فروةً:
بهاء الدين والدنيا ... ونور المجد والحسب
طلبت مخافة الأنوا ... ء من جدواك جلد أبي
وفضلك عالم أني ... خروف بارع الأدب
حلبت الدهر أشطره ... وفي حلبٍ صفا حلبي
320 دخل أبو دلامة على المنصور فأنشده:
رأيتك في المنام كسوت جلدي ... ثياباً جمة وقضيت ديني
فكان بنفسجي الحز فيها=وسياج ناعم فأتم زيني
فصدق يا فدتك الناس رؤيا ... رأتها في المنام كذاك عيني
فأمر له بذلك وقال: لا تعد فتحلم فأجعل حلمك أضغاثاً (للأزدي)

سيد العرب
321 قال الأصمعي: رأيت بالبادية أعرابية تبكي على قبر وتقول:
فمن لسؤال ومن للنوال ... ومن للمعالي ومن للخطب
ومن للحماة ومن للكماة ... إذا ما الكماة جثوا للركب
إذا قيل مات أبو مالك ... فتى المكرمات فريد العرب
فقلت لها: من هذا الذي مات هؤلاء كلهم بموته. فبكت
(3/225)

وقالت: هذا أبو مالك الحجام ختن أبي منصور الحائك. فقلت: لا جازاك الله خيراً. والله ظننت إلا انه سيد من سادات العرب.

ابن المغازلي عند المعتضد
322 كان ابن المغازلي رجلاً يتكلم ببغداد على الطرق بأخبار ونوادر منوعةٍ. وكان نهاية في الحذق لا يستطيع من سمعه أن لا يضحك. قال: وقفت يوماً على باب الخاصة أضحك الناس واتنادر فحضر حلفي بعض خدام المعتضد. فأخذت في نوادر الخدم فأعجب بذلك وانصرف. ثم عاد فأخذ بيدي وقال: دخلت فوقفت بين يدي سيدي فتذكرت حكايتك فضحكت. فانك علي وقال: مالك ويلك. فقلت: على الباب رجل يعرف بابن المغازلي يتكلم بحكايات ونوادر تضحك الثكول. فأمر بإحضارك ولي نصف جائزتك. فطمعت في الجائزة وقلت: يا سيدي أنا ضعيف وعلي عيله فلو أخذت سدسها أو ربعها. فأبى وأخلني. فسلمت فرد السلام وهو ينظر في كتاب. فنظر في أكثره وأنا واقف ثم أطبقه ورفع رأسه إلي وقال: أنت ابن المغازلي. قلتك نعم يا مولاي. قال: بلغني أك تحكي وتضحك بنوادر عجيبة. فقلت: يا أمير المؤمنين الحاجة تفتق الحيلة. اجمع للناس حكايات أتقرب بها إلى قلوبهم فالتمس برهم. فقال: هات ما عندك فإن أضحكتني أجزتك بخمسمائة درهم وإن أنا لم أضحك بذلك الحراب عشر صفعاتٍ. فقلت في
(3/226)

نفسيك ملك لا يصف إلا بشيء لين خفيف. والتفت فإذا بجراب من ادم معلق في زاوية البيت. فقلت: ما أخطأ ظني عسى فيه ريح. إن أضحكته ربحت وأخذت الجائزة وإلا فعشر صفعات بجراب منفوخ شيء هين. ثم أخذت في النوادر والحكايات والنفاسة والعبارة. فلم أدع حكاية أعرابي ولا نحوي ولا مخنث ولا قاض ولا نبطي ولا سندي ولا زنجي ولا خادم ولا تركي ولا شاطر ولا عيار ولا نادرة ولا حكاية إلا وأحضرتها حتى نفذ كل ما عندي وتصدع رأسي. وفترت وبردت ولم يبق ورائي خادم ولا غلام إلا وقد ماتوا من الضحك. وهو مقطب لا يبتسم. فقلت: قد نفذ ما عندي ووالله ما رأيت مثلك قط. فقال لي: هيه ما عندك. فقلت مابقي لي سوى نادرة واحدةٍ. قال: هاتها. قلت: وعدتني أن تجعل جائزتي عشر صفعات وأسألك أن تضعفها لي وتضيف إليها عشر صفعات أخرى. فأراد أن يضحك ثم تماسك وقال: نفعل. يا غلام خذ بيده. ثم مددت ظهري فصفعت بالجراب صفعة فكأنما سقطت قطعة من جبل.
وإذا هو مملوء حصا مدوراً فصفعت عشراً فكادت أن تنفصل رقبتي وطنت أذناي وانقدح الشعاع من عيني. فصحت: يا سيدي نصيحة. فرفع الصفع بعد أنعزم على العشرين. فقال: قل نصيحتك. فقلت يا سيدي إنه ليس في الديانة. أحسن من الأمانة وأقبح من الخيانة. وقد ضمنت للخادم الذي أدخلني نصف الجائزة على قلها وكثرها.
(3/227)

وأمير المؤمنين بفضله كرمه قد أضعفها. وقد استوفيت نصفي وبقي نصفه. فضحك حتى استلقى واستفزه ما كان سمع. فتحامل له فما زال يضرب بيديه الأرض ويفحص برجليه ويمسك بمراق بطنه حتى إذا سكن قال: علي به فأتى به. وأمر بصفعه وكان طويلاً. فقال: وما جنايتي. فقلت له: هذه جائزتي وأنت شريكي فيها. وقد استوفيت نصيبي منها وبقي نصيبك. فلما أخذه الصفع وطرق قفاه الوقع أقبلت ألومه وأقول له: قلت لك إني ضعيف معيل وشكوت إليك الحاجة والمسكنة وأقول لك: خذ ربعها أو سدسها وأنت تقول لا آخذ إلا نصفها. ولو علمت أن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه جائزته الصفع وهبتها لك كلها. فعاد إلى الضحك من عتابي للخادم. فلما استوفى نصيبه اخرج صرة فيها خمسمائة درهم وقال: هذه كنت أعددتها لك فلم يدعك فضولك حتى أحضرت شريكاً لك. فقلت: وأين الأمانة. فقسمها بيننا وانصرفت (للشريشي)

إبراهيم الموصلي وإبراهيم المهدي عند الرشد
323 قال الرشيد لإبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي وابن جامع: باكروني غدا وليكن كل واحد قد قال شعراً إن كان يقدر أن يقوله وغنى فيه لحناً. وإن لم يكن شاعراً عنى في شعر غيره. قال إبراهيم بن المهدي: فقمت في السحر وجهدت أن أقدر على شيء أصنعه فلم يتفق لي. فلما خفت طلوع الفجر دعوت بغلماني وقلت لهم:
(3/228)

إني أريد أن أمضي إلى موضع لا يشعر بي احد حتى أصير إليه. وكانوا في زبيديات لي يبيتون فيها على باب داري. فقمت فركبت في إحداها وقصدت دار إبراهيم الموصلي. وكان قد حدثني أنه إذا أراد الصنعة لم ينم حتى يدبر ما يحتاج إليه. واعتمد على خشبةٍ له فلم يزل يقرع عليها حتى يفرغ من الصوت ويرسخ في قلبه. فجئت حتى وقفت تحت داره فإذا هو يردد صوتاً أعده. فمازلت واقفاً أستمع منه الصوت حتى أخذته. ثم عدونا إلى الرشيد فلما جلسنا للشرب خرج الخادم إلى فقال: يقول لك أمير المؤمنين يا ابن أم غنني. فاندفعت فغنيت هذا الصوت والموصلي في الموت حتى فرغت منه. فشرب عليه وأمر لي بثلاثمائة ألف درهم. فوثب إبراهيم الموصلي فحلف بالطلاق وحياة الرشيد أن الشعر له قاله البارحة وغنى فيه. ما سبقه إليه أحد. فقال ابن المهدي: ياسيد فمن أين هو لي أنا لولا كذبه وبهته. وإبراهيم يضطرب ويضج. فلما قضيت أرباً من العبث به قلت للرشيد: الحق أحق أن يتبع وصدقته. فقال للموصلي: أما أخي فقد أخذ المال ولا سبيل إلى رده. وقد أمرت لك بمائة ألف درهم عوضاً مما جرى عليه. فأمر له بها فحملت إليه. (الأغاني) 324 ذكر المبرد أن المهلب بن أبي صفرة قال يوماً وقد اشتدت الحرب بينه وبين الخوارج لأبي علقمة اليحمدي: امددنا بخيل اليحمد. وقال لهم: أعيرونا جماجمكم ساعة. فقال: أيها الأمير إن
(3/229)

جماجمهم ليست بفخار فتعار. وأعناقهم ليست بكراثٍ فتنبت. وقال:
يقول لي الأمير بغير جرمٍ ... تقدم حين جد بنا المراس
فما لي إن أطعنك من حياة ... مال لي غير هذا الرأس راس

ثقيل وظريف
325 أهدى رجل من الثقلاء إلى رجل من الظرفاء جملاً ثم نزل عليه حتى أبرمه. فقال فيه:
يامبرماً أهدى جمل ... خذ وانصرف ألفي جمل
قال وما أوقارها ... قلت زبيب وعسل
قال ومن يقودها ... قلت له ألفا رجل
قال ومن يسوقها ... قلت له ألفا بطل
قال وما لباسهم ... قلت حلي وحلل
قال وما سلاحهم ... قلت سيوف وأسل
قال عبيد لي إذا ... قلت نعم ثم خول
قال بهذا فاكتبوا ... إذن عليكم لي سجل
قلت له ألفي سجل ... فأضمن لنا أن ترتحل
قال وقد أضجرتكم ... قلت أجل ثم أجل
قال وقد أبرمتكم ... قلت له الأمر جلل
قال وقد أثقلتكم ... قلت له فوق الثقل
قال فإني راحل ... قلت العجل ثم العجل
(3/230)

يا كوكب الشؤم ومن ... أربى على تحس زحل
يا جبلاً من جبل ... في جبل فوق جبل

سنان بن ثابت والطبي القروي
326من ظريف ما جرى لسنان بن ثابت في الطب في امتحان الأطباء عند تقدم الخليفة إليه بذلك أنه احضر إليه رجل مليح البشرة والهيئة وقار. فأكرمه سنان على موجب منظره ورفعته. ثم التفت إليه سنان فقال: قد اشتهيت أن أسمع من الشيخ شيئاً أحفظه عنه وان يذكر شيخه في الصناعة. فأخرج الشيخ من كمه قرطاساً فيه دنانير صالحة ووضعها بين يدي سنان وقال: والله ما أحسن أن أكتب ولا أقرأ شيئاً جملة. ولي عيال ومعاشي دار دائره وأسألك أن لا تقطعه عني. فضحك سنان وقال: على شريطة أنك لا تهجم على مريض بما لا تعلم ولا تشير بنفصدٍ ولا بدواء مسهل إلا بما قرب من الأمراض. قال الشيخ: هذا مذهبي مذ كنت ما تعديت السكنجبين والجلاب. وانصرف. ولما كان من الغد حضر إليه غلام شاب حسن البزة مليح الوجه ذكي فنظر إليه سنان فقال له: هلي من قرأت قال: على أبي. قال: ومن يكون أبوك. قال: الشيخ الذي كان عندك بالأمس. قال: نعم الشيخ. وأنت على مذهبه. قال: نعم. قال: لا تتجاوزه. وانصرف مصاحبا (لأبي الفرج)
(3/231)

حذاء أبي القاسم الطنبوري
327 حكي أنه كان في بغداد رجل أسمه أبو القاسم الطنبوري وكان له مداس صار له وهو يلبسه سبع سنين. وكان كلما تقطع منه موضع جعل مكانه رقعه إلى أن صار إلى غاية الثقيل وصار الناس يضربون به المثل. فأتفق انه دخل يوماً سوق الزجاج. فقال له سمسار: يا أبا القاسم قد قدم إلينا اليوم تاجر من حلب ومعه حمل زجاج مذهب قد كسد فاشتره منه. وأنا أبيعه لك بعد هذه المدة فتكسب به المثل مثلين. فمضى واشتراه بستين ديناراً. ثم إنه دخل على سوق العطارين فصادفة سمسار آخر وقال له: يا أبا القاسم قد قدم إلينا اليوم من نصيبين ومعه ماء وردٍ في غاية الطيبة ومراده أن يسافر. فلعجلة سفره يمكن أن تشتريه منه رخيصا وأنا أبيعه لك فيما بعد بأقرب مدةٍ فتكسب به المثل مثلين. فمضى أبو القاسم واشتراه أيضاً بستين ديناراً أخرى وملأه في الزجاج المذهب وحمله وجاء به فوضعه على رفٍ من رفوف بيته في الصدر. ثم إن أبا القاسم دخل الحمام يغتسل. فقال له بعض أصدقائه يا أبا القاسم أشتهي أن تغير مداسك فإنه في غاية الشناعة وأنت ذو مال من حمد الله. فقال له أبو القاسم: الحق معك فالسمع والطاعة. ثم لأنه لما خرج من الحمام ولبس ثيابه رأى بجانب مداسه مداساً جديداً فطن أن الرجل من كرمه اشتراه له فلبسه
(3/232)

ومضى إلى بيته. وكان ذلك المداس الجديد مداس القاضي جاء في ذلك اليوم إلى الحمام وضع مداسه هناك ودخل استحم. فلما خرج فتش على مداسه فلم يجده فقال: أبا إخوانا أترون أن الذي لبس مداس أبي القاسم الطنبوري فعرفوه لأنه كان يضرب به المثل. فأرسل القاضي خدمه فكبسوا بيته فوجوا مداس القاضي عنده. فاحضره القاضي وأخذ منه المداس وضربه تأديباً وحبسه مدة وغرمه بعض المال وأطلقه. فخرج أبو القاسم من الحبس وأخذ مداسه وهو غضبان عليه ومضى إلى دجلة فألقاه فيها فغاص في الماء. فأتى بعض الصيادين ورمى شبكته فطلع فيها المداس. فلا رآه الصياد عرفه وقال: هذا مداس أبي القاسم الطنبوري فالظاهر انه وقع منه في دجلة. فحمله وأتى به بيت أبي القاسم فلم يجده. فنظر فرأى طاقة نافذةً إلى صدر البيت فرماه منها إلى البيت فسقط على الرف الذي فيه الزجاج وماء الورد. فوقع الزجاج وتكسر وتبدد ماء الورد. فجاء أبو القاسم ونظر ذلك فعرف الأمر فلطم على وجهه وصاح وبكى وقال: وافقره أفقرني هذا المداس الملعون. ثم إنه قام ليحفر له في الليل حفرة ويدفنه فيها ويرتاح منه. فسمع الجيران حس الحفر فظنوا أن أحداً ينقب عليهم. فرفعوا المر إلى الحاكم فأرسل إليه واحضره واعتقله وقال له: كيف نستحل
(3/233)

أن تنقب على جيرانك حائطهم وحبسه ولم يطلقه حتى غرم بعض المال. ثم خرج من السجن ومضى وهو حردان من المداس وحملة إلى كنيف الخان ورماه فيه فسد قصبة الكنيف ففاض وضجر الناس من الرائحة الكريهة. ففتشوا على السبب فوجوا مداساً فتأملوه فإذا هو مداس أبي القاسم. فحملوه إلى الوالي واخبروه بما وقع. فاحضر الوالي أبا القاسم ووبخه وحبسه وقال له عليك تصليح الكنيف فغرم جملة مالٍ. وأخذ منه الوالي مقدار ما غرم تأديباً له وأطلقه. فخرج أبو القاسم والمداس معه وقال وهو مغتاظ منه: والله ما عدت أفارق هذا المداس. ثم إنه غسله وجعله على سطح بيته حتى يجف. فرآه كلب فظنه دمة فحملة وعبر به إلى سطح آخر فسقط من الكلب على رأس رجل فألمه وجرحه جرحاً بليغاً. فنظروا وفتشوا لمن المداس فعرفوه أنه مداس أبي القاسم. فرفعوا الأمر إلى الحاكم فألزمه بالعوض والقيام بلوازم المجروح مدة مرضه. فنفد عند ذلك جميع ما كان له ولم يبق عنده شيء. ثم إن أبا القاسم أخذ المداس ومضى به إلى القاضي وقال له: أريد من حضرة مولانا القاضي أن يكتب بيني وبين هذا المداس مبارأة شرعية على أنه ليس مني وأني لست منه. وان كلا منا بريء من صاحبه. وانه مهما يفعله هذا المداس لا أؤخذ به أنا. واخبره بجميع ما جرى عليه منه. فضحك القاضي منه ووصله ومضى (لطائف العرب)
(3/234)

الباب السادس عشر
في النوادر
328 حكي أن بعض الحسدة وشى بالوزير الكاتب ابن مقلة الذي انفرد في زمانه بعلو الخط وحسنه: وادعى انه غدر الملك في بعض الأمور فأمر الملك بقطع يده فلما فعل به هذا الأمر لزم بيته وانصرفت عنه الأصدقاء المحبون ولم يأته أحد إلى نصف النهار.
فتبين للملك أن الكلام عليه باطل. فأمر بقتل الذي وشى بابن مقلة ورده إلى ما كان. فلما رأى إخوانه أن نعمته عادت إليه عادوا له يهنونه وأقبلوا إليه يعتذرون. فانشد:
تحال الناس والزمان ... فحيث كان الزمان كانوا
عاداني الدهر نصف يومٍ ... فانكشف الناس لي وبانوا
ومكث يكتب بيده اليسرى بقية عمره. ولم يتغير خطة حتى مات

معجزة ظهرت في حصار مدينة وبذ
329 خرج أمير المؤمنين أبو يعقوب من إشبيلية قاصداً بلاد الأدفنش. فنزل على مدينة له عظيمة تسمى وبذ. وذلك أنه بلغه أن أعيان دولة الأدفنش ووجوه أجناده في تلك المدينة. فأقام محاصراً لها أشهراً إلى أن اشتد الحصار وبرح بهم العطش. فأرسلوا إلى أمير
(3/235)

المؤمنين يطلبون الأمان على أنفسهم على أن يخرجوا له من المدينة. فأبى ذلك عليهم وأطعمه فيهم ما نقل إليه من شدة عطشهم وكثرة من يموت منهم. فلما يئسوا مما عنده سمع لهم بعض الليالي لغط عظيم وجلبة أصوات. وذلك أنهم أخرجوا أناجيلهم واجتمع قسيسوهم ورهبانهم يدعون ويؤمن باقيهم. فجاء مطر عظيم كأنه القرب ملأ ما كان عندهم من الصهاريج فشربوا وارتو وتقووا على المسلمين. فانصرف عنهم الخليفة راجعاً إلى اشبيلية بعد أن هادن الأدفنش (المراكشي)

مشهد الحسين
330 ومن عجائب مشاهد مصر المشهد العظيم الشأن الذي بالقاهرة حيث رأس الحسين. وهو في تابوت من فضة مدفون قد بني عليه بنيان يقصر الوصف عنه. مجلل بأنواع الديباج محفوف بأمثال العمد الكبار شمعاً بيضاء أكثرها موضوع في أنار الفضة. وحف أعلاه كله بأمثال التفافيح ذهباً في مصنع شبه الروضة. يبهر الأبصار حسناً وجمالاً. وفيه أنواع الرخام المجزع الغريب الصنعه البديع الترصيع مالا يتخيله المتخيلون. والمدخل إليها من مسجد على مثالها في التأنق. حيطانه كلها رخام. واغرب ما فيه حجر موضوع في الجدار الذي يستقبله الداخل شديد السواد والبصيص يصف الأشخاص كلها كأنه المرآة الهندية. ولتزاحم الناس على القبر وانكبابهم عليه وتمسحهم به وبالكسوة التي عليه مرأى هائل (لشربشي)
(3/236)

331 نسخة مبايعة ملك كتبها الشيخ عمر بن الوردي نظماً:
باسم إله الخلق هذا ما اشتره ... محمد بن يونس بن سنقرا
من أحمد بن مالك بن الأزرق ... كلاهما قد عرفا من جلق
فباعه قطعه أرض واقعة ... بكورة الغوطة وهي جامعة
لشجر مختلف الجناس ... والأرض في البيع مع الغراس
وذرع هذي الأرض بالذراع ... عشرون في الطول بلا نزاع
ذرعا في العرض منها عشرة ... وهو ذراع باليد المعتبره
وحدها من قبلهٍ ملك التقي ... وحائز الرومي حد المشرق
ومن الشمال ملك أولاد علي ... والغرب ملك عامر بن حنبل
بيعاً صحيحاً لزماً شرعيا ... ثم شراء قاطعاً مرعياً
لا شرط فيه فاسد فيبطله ... ولا خيار لهما يداخله
ثمن مبلغه من فضة ... درهم جيدة مبيضة
قبضها البائع منه وافيه ... وعادت الذمة منها خالية
وسلم الأرض إلى من اشترى ... فقبض الفضة منه وجرى
بينهما بالبدن التفرق ... وما بقي لأحد تعلق
وأشهدا عليهما بذاك في ... سابه عشر رمضان الأشرف
من عام سبعمائةٍ للهجرة ... من بعد خمسةٍ تلي وعشره

مروءة إسماعيل الهزرجي
332 نازع الخليفة عبد المؤمن في أمرة قوم من قرابة ابن تومرت. وانتهوا
(3/237)

في ذلك إلى أن أجمع رأيهم ورأى من وافقهم على سوء صنيعهم على أن يدخلوا على عبد المؤمن خباءه ليلاً فيقتلوه. وظنوا أن ذلك يخفي من أمرهم. وأن عبد المؤمن إذا فقد ولم يعلم من قتله صار الأمر إليهم. لأنهم أحق به إذ كانوا أهل الإمام وقرابته وأولى الناس به. فأعلم بما أرادوه من ذلك رجل من أصحاب ابن تومرت من خيارهم اسمه إسماعيل بن يحي الهزرجي. فأتى عبد المؤمن فقال له: يا أمير المؤمنين لي إليك حاجة. قال: وما هي يا أبا إبراهيم فجميع حوائجك عندنا مقضية. قال: أن تخرج عن هذا الخباء وتدعني أبيت فيه ولم يعلمه بمراد القوم. فظن عبد المؤمن أنه إنما يستوهبه الخباء لأنه أعجبه فخرج عنه وتركه له. فبات فيه إسماعيل المذكور فدخل عليه أولئك القوم فتوله بالحديد حتى برد. فلما أصبحوا ورأوا أنهم لم يصيبوا عبد المؤمن فروا بأنفسهم حتى أتوا مراكش وراموا القيام بها. فاتوا البوابين الذين على القصور فطلبوا منهم المفاتيح فأبوا عليهم. فضربوا عنق احدهم وفر باقيهم وكادوا يغلبون على تلك القصور. ثم إن الناس اجتمعوا عليهم من الجند وخاصة العبيد فقاتلوهم قتالاً شديداً من لدن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ثم إن العبيد غلبوهم على أمره. ولم يزل الناس يتكاثرون عليهم إلى أن أخذا قبضاً باليد فقيدوا وجعلوا في السجن إلى أن وصل أبو محمدٍ عبد المؤمن إلى مراكش فقتلهم صبرا. وقتل معهم جماعة من أعيان هرغة بلغه أنهم
(3/238)

قادحون في ملكه متربصون به. ولما أصبح أبو إبراهيم إسماعيل المتقدم الذكر في الخباء مقتولا على الحال التي ذكرنا أعظم ذلك عبد المؤمن ووجد عليه وجدا مفرطاً أخرجه عن حد التماسك إلى حيز الجزع. فأمر بغسله وتكفينه وصلى عليه بنفسه ودفن (لعبدا لواحد المراكشي)

جود حاتم الطائي
333 قالت نوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء. وراحت الأيل حدباء حدابير. وضعت المراضع إلى أولادها تبض بقطرةٍ وأيقنا بالهلاك. فوالله إنا لفي ليلة ضنبرٍ بعيدة مابين الطرفين إذ تضاعى صبيتنا جوعاً عبد الله وعدي وسفانة. فقام حاتم على الصبيين وقمت أنا إلى الصبية فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأةٍ من الليل. وأقبل يعللني بالحديث فعرفت. ما يريد فتناومت. فلما تهورت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد. فقال: من هذا. قالت: جارتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب فما وجدت معولاً إلا عليك يا أبا عدي. فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم. فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي جنائبها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها. فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمديةٍ فخر. ثم كشطه عن جلده ودفع المدية إلى المرأة فقال لها: شأنك. فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل. ثم جعل يمشي في الحي يأتيهم بيتاً بيتاً فيقول: هبوا أيها القوم عليكم بالنار. فاجتمعوا والتفع في ثوبه
(3/239)

ناحية ينظر إلينا. فلا والله إن ذاق منه مزعة وإنه لأحوج إليه منا. فأصبحنا ما على الأرض من الفرس إلا عظم وحافر. فانشأ حاتم يقول:
مهلاً نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلاً وإن كنت أعطي الإنس والجبلا
يرى البخيل سبيل المال واحدةً ... إن الجواد يرى في ماله سبلا

إيثار ابن مامة الأيادي
334 خرج بن مامة الإيادي في قفل معهم رجل من بني النمر. وكان ذلك في حر الصيف فضلوا وشح ماؤهم فكانوا يتصافنون الماء. وذلك أن يطرح في القعب حصاة ثم يصب فيه من الماء بقدر ما يغمر الحصاة. فيشرب كل واحد قدر ما يشرب الآخر.
ولما نزلوا للشرب ودار القعب بينهم حتى انتهى إلى كعبٍ رأى الرجل النمري يحد نظره إليه. فآثره بمائة وقال للساقي: أسق أخاك النمري فشرب النمري نصيب كعبٍ من الماء ذلك اليوم. ثم نزلوا من الغد منزلهم الآخر فتصافنوا بقية مائهم. فنظر إليه كنظره أمس. وقال كعب كقوله أمس. وارتحل القوم وقالوا: يا كعب ارتحل. فلم يكن له قوة للنهوض وكانوا قد قربوا من الماء. فقالوا له: رد يا كعب إنك وارد. فعجز عن الجواب. ولما أيسوا منه خيموا عليه بثوب يمنعه من السبع أن يأكله. وتركوه مكانه فمات. فذهب ذلك مثلاً يمنعه من السبع أن يأكله. وتركوه مكانه فمات. فذهب ذلك مثلاً في تفضيل الرجل صاحبه على نفسه (أخبار العرب لابن قتيبة)
(3/240)

صنم سومناة
335 من عجائب مدينة سومناة هيكل فيه صنم كان واقفاً في وسط البيت. لا بقائمة من أسفله تدعمه ولا بعلاقةٍ من أعلاه تمسكه. وكان أمر هذا الصنم عظيماً عند الهند من رآه واقفاً في الهواء تعجب. وكانت الند يحجون إليه ويحملون إليه من الهدايا كل شيءٍ نفيس وكان له من الوقوف ما يزيد على عشرة آلاف قريةٍ. وكانت سدنته ألف رجل من البراهمة لعبادته وخدمة الوفود. وأما البيت فكان مبنياً على ستٍ وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص. وكانت قبة الصنم مظلمة وضوءها من قناديل الجوهر الفائق. وعنده سلسلة ذهب كلما مضت طائفة من الليل حركت فتصوت الأجراس فيقوم طائفة من البراهمة للعبادة. حكي أن السلطان يمين الدولة لما غزا بلاد الهند ورأى ذلك الصنم أعجبه أمره وقال لأصحابه: ماذا تقولون في أمر هذا الصنم ووقوفه في الهواء بلا عمادٍ وعلاقةٍ. فقال بعضهم: إنه بعلاقةٍ وأخفيت العلاقة عن النظر. وقال بعض الحاضرين: إني أظن أن القبة من حجر المغناطيس والصنم من الحديد. والصانع بالغ في تدقيق صنعته وراعى تكافؤ قوة المغناطيس من الجوانب. فوافقه قوم وخالفه آخرون. فلما رفع حجرين من رأس القبة مال الصنم إلى أحد الجوانب. فلم يزل يرفع الحجار والصنم ينزل حتى على الأرض (للقزويني) .
(3/241)

الباب السابع عشر
في الأسفار
مدح السفر
336 قال أبو قاسم الصاحب: ليس بينك وبين بلد نسب فخير البلاد ما حملك. السفر يسفر عن أخلاق الرجال فأوحش أهلك إذا كان في أبحاثهم أنسك. وأهجر وطنك إذا نبت عنه نفسك. ربما أسفر السفر عن الظفر. وتعذر في الوطن قضاء الوطر (اليواقيت للثعالبي) أنشد شكر العلوي:
قوض خيامك عن أرض تهان بها ... وجانب الذل إن الذل يجتنب
واحل إذا كان في الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب
قال آخر:
ارحل بنفسك من أرض تضام بها ... ولا تكن بفراق الأهل في حرق
من ذل بين أهاليه ببلدته فالاغتراب له من أحسن الخلق
ألكحل نوع من الحجار منطرحاً ... في أرضه كالثرى يبدو على الطرق
لما تغرب نال العز أجمعه ... وصار يحمل بين الجفن والحدث
قال غبره:
إذا ما ضاق صدرك من بلاد ... ترحل طالباً أرصاً سواها
عجبت لمن يقيم بدار ذلٍ ... وأرض الله متسع فضاها
(3/242)

فذاك من الرجال قليل عقل ... بليد ليس يعلم ما طحاها
فنفسك فر بها إن خفت ضيماً ... وخل الدار تنعى من بناها
فإنك واجد أرضاً بأرض ... ونفسك لم تجد نفساً سواها
337 كتب بعض الكتاب: جزى الله الفراق خيراً فما هو إلا زفرة وعبرة. ثم اعتصام وتوكل. ثم تأميل وتوقع. وقبح الله التلاق. فإنما هو مسرة لحظة ومساءة أيام. وابتهاج ساعةٍ واكتساب زمان. وإني لأكره إسعاف بتأمل الأوبة والرجعى. ومع الاجتماع محاذرة الفراق وقصور السرور. قال بعض الظرفاء: لو قلت إني لم أجد للرحيل ألما وللبين حرقة لقلت حقاً. لأني نلت به من العناق وأنس اللقاء ما كان معدماً أيام الاجتماع وبه مصافحة التسليم. ورجاء الأوبة. وعمارة القلب بالشوق. والأنس بالمكاتبة (للمقدسي) قال أبو تمام:
وليست فرحة الأوبات إلا ... بموقوفٍ على ترح الوداع
قال ابن النطروني:
بات تصدعن عن النوى ... وتقول كم تتغرب
إن الحياة مع القنا ... عة للمقام الأطيب
فأجبتها يا هذه ... غيري بقولك خلب
إن الكريم مفارق ... أوطانه إذ تجاب
(3/243)

والبدر حين يشينه ... نقصانه يتغيب

ذم السفر
338 كان يقال: فراق الأحباب. سقام الألباب. حق الفراق أن تطير له القلوب. وتطيش معه العقول. ويطيح عليه النفوس. وفراق الحبيب يشيب الوليد ويذيب الحديد. وهول السياق. أهون من الفراق. وقال النظام: لو كانت للفراق صورة لراعت القلوب وهدت الجبال. ولجمر الغضا أهون توهجاً من ناره. قال بعضهم:
ومن ينأ عن دار العشيرة لم يزل ... عليه رعود جمة وبروق
قال ابن الهبارية:
قالوا أقمت وما رزقت وإنما ... بالسير يكتسب اللبيب ويرزق
فأجبتهم ما كل سيرٍ نافعًا ... ألحظ ينفع لا الرحيل المقلق
كم سفرةٍ نفعت وأخرى مثلها ... ضرت ويكتسب الحريص ويخفق
البدر يكتسب الكمال بسيره ... وبه إذا حرم السعادة يمحق

سفرة ابن جبير إلى جزيرة صقيلية (سنة 581 هجرية و 1187 مسيحية)
ذكر مدينة مسينة من جزيرة صقيلية
339 هذه المدينة موسم التجار. ومقصد جواري البحر من جميع الأقطار. كثيرة الإرفاق برخاء الأسعار. لا يقر فيها لمسلم قرار. مشحونة بعبدة الصلبان تغص بقاطنيها. وتكاد تضيق ذرعاً بساكنيها. أسواقها نافعة حفيلة. وأرزاقها واسعة بإرغاد العيش كفيلة. لا تزال
(3/244)

بها ليلك ونهارك في أمانٍ. وإن كنت غريب الوجه واليد واللسان. مستندة إلى جبال قد انتظمت حضيضها وخنادقها. والبحر يعترض أمامها في الجهة الجنوبية منها. ومرساها أعجب مراسي البلاد البحرية لأن المراكب الكبار تدنو من البر حتى تكاد تمسكه وينصب منها إلى البر خشبة ينصرف عليها. والحمال يصعد بحمله إليها ولا يحتاج إلى زواريقٍ في وسقها ولا في تفريغها إلا ما كان مرسياً على البعد منها يسيراً. فتراها مصطفة من البر كاصطفاف الجياد في مرابطها وإصطبلاتها وذلك لإفراط عمق البحر فيها. وهو زقاق معترض بينها وبين الأرض الكبيرة بمقدار ثلاثة أميال. ويقابلها منه بلدة تعرف بريئة وهي عمالة كبيرة. وهذه المدينة مسينة رأس جزيرة صقيلية وهي كثيرة المدن والعمائر والضياع. وطول هذه الجزيرة صقيلية سبعة أيامٍ. وعرضها مسيرة خمسة أيام. وبها جبل البركان. وهو يأتزر بالسحب لإفراط سموه ويعتم بالثلج شتاء وصيفاً دائماً. وخصب هذه الجزيرة أكثر من أن يوصف. وكفى بأنها ابنة الأندلس في سعة العمارة وكصرة الخصب والرفاهة. مشحونة بالأرزاق على اختلافها. مملوءة بأنواع الفواكه وأصنافها. وجبالها كلها بساتين مثمرة بالتفاح والشاة بلوط والبندق والإجاص وغيرها من الفواكه. وليس في مسينة هذه من المسلمين إلا نفر يسير من ذوي المهن ولذلك لا يستوحش بها المسلم الغريب.
(3/245)

وأحسن مدنها قاعدة ملكها. والمسلمون يعرفونها بالمدينة والنصارى يعرفونا ببرمة. وفيها سكنى الحضر بين من المسلمين.
وبلرمة هذه مسكين ملكهم غليام. وهي احفل مدن صقيلية وبعدها سينة وشأن ملكهم هذا عجيب في حسن السيرة. وهو كثير الثقة بالمسلمين هم اهل دولته والمرتسمون بخاصته وعليهم يلوح رونق مملكته. لأنهم متسعون في الملابس الفاخرة والمراكب الفارهة ومامنهم إلا من له الحاشية والخول والتباع. ولهذا الملك القصور المشيدة والبساتين الأنيقة ولاسيما بحاضرة ملكة المدينة المذكورة وله بمسينة قصر أبيض كالحمامة مطل على ساحل البحر. وليس في ملوك النصارى أترف في الملك ولا انعم ولا أرفه منه. وهو يتشبه في ترتيب قوانينه ووضع أساليبه وتقسيم مراتب رجاله وتفخيم أبهة الملك وإظهار زينته بملوك المسلمين. ولملكه عظيم جداً وله الأطباء والفقهاء وهو كثير الاعتناء بهم شديد الحرص عليهم. حتى إنه متى ذكر له أن طبيباً أو فقيهاً اجتاز ببلده أمر بإمساكه وأدر له أرزاق معيشته. ومن عجيب شأنه المتحدث به أنه يقرأ أو يكتب بالعربية وعلامته على ما أعلمنا به أحد خدمته المختصين به: ألحمد لله حق حمده وبمدينة مسينة المذكورة دار صنعةٍ تحتوي من الأساطيل على ما لا يحصى عدد مراكبه. فكان نزولنا في أحد الفنادق وأقمنا بها تسعة أيام فلما كان ليلة الثلاثاء الثاني عشر لرمضان ركبنا في زورقٍ
(3/246)

متوجهين إلى مدينة بلرمة. وسرنا قريباً من الساحل بحيث يبصره رأي العين. وأرسل الله علينا ريحاً شرقية رخاء طيبة زجت الزورق أهنا تزجيةٍ. وسرنا نسرح اللحظ في عمائر وقرى متصلة وحصون ومعاقل في فتن الجبال مشرقةٍ. وأبصرنا عن يميننا في البحر تسع جزائر قد قامت خيالاً مرتفعة على مقربة من بر الجزيرة اثنان منها تخرج منهما النار دائماً. وأبصرنا الدخان صاعداً منهما ويظهر بالليل ناراً حمراء ذات ألسن تصعد في الجو. وهو البر كان المشهور خبرة. وأعلمنا أن خروجها من منافس في الجبلين المذكورين يصعد منها نفس ناري بقوة شديدة يكون عنه النار. وربما قذف فيها الحجر الكبير فتلقي به إلى الهواء بقوة ذلك النفس وتمنعه من الاستقرار والانتهاء إلى القعر. وهذا من أعجب السموعات الصحيحة. وأما الجبل الشامخ الذي بالجزيرة المعروف بجبل النار فشانه عجيب. وذلك أن ناراً تخرج منه كالسيل العرم. فلا تمر بشيء إلا أحرقته حتى تنتهي إلى البحر. فتركب ثبجه على صفحة حتى تغوص فيه. فسبحان المبدع في عجائب مخلوقاته وحللنا هشي يوم الأربعاء مرسى مدينة شلفودى.
(ومدينة شلفودى) هي مدينة ساحلية كثيرة الخطب واسعة المرافق منتظمة أشجار الأعناب وغيرها. مرتبة الأسواق تسكنها طائفة من المسلمين. وعليها قنة جبل واسعة مستديرة فيها قلعة لم ير أمنع منها اتخذوها عدةً لأسطول يفاجأهم من جهة البحر من جهة
(3/247)

المسلمين. وكان لإقلاعنا منها نصف الليل فجئنا مدينة ثرمة صحوة يوم الخميس بسيرٍ رويدٍ. وبين المدينتين خمسة وعشرون ميلاً. فانتقلنا منها من ذلك الزورق إلى زورقٍ ثانٍ اكترينا لكون البحرين صحبونا فيه من أهلها. وثرمة هذه أحسن وضعاً من التي تقدم ذكرها. وهي حصينة تركب البحر وتشرف عليه. وللمسلمين فيها ربض كبير لهم فيه المساجد. ولها قلعة سامية منيعة. وفي أسفل البلدة أجمة قد أغنت أهلها عن اتخاذ حمام. وهذه البلدة من الخصب وسعة الرزق على غايةٍ. والجزيرة بأسرها من أعجب بلاد الله في الخصب وسعة الأرزاق. فأقمنا بها يوم الخميس الرابع عشر للشهر المذكور ونحن قد أرسينا في وادٍ بأسفلها. ويطلع فيه المد من البحر ثمين حسر عنه. وبتنا بها ليلة الجمعة. ثم انقلب الهواء غريباً فلم نجد للإقلاع سبيلاً. وبيننا وبين المدينة المقصودة المعروفة عند النصارى ببلرمة خمسة وعشرون ميلاً فخشينا طول المقام وحمدنا الله تعالى على ما أنعم بع من التسهيل في قطع المسافة في يومين. وقد تلبث الزوارق في قطعها على ما أعلمنا به العشرين يوماً والثلاثين ونيفاً على ذلك. فأصبحنا يوم الجمعة منتصف الشهر المبارك على نيةٍ من المسير في البر على أقدامنا. فتحملنا بعض أسبابنا وخلفنا بعض الأصحاب على الأسباب الباقية في الزورق. وسرنا في طريق كأنها السوق عمارة وكثيرة صادر وواردٍ. وطوائف النصارى يتلقوننا فيبادرون بالسلام علينا
(3/248)

ويؤنسوننا. فرأينا من سياسيتهم ولين مقصدهم مع السلمية ما يوقع العجب. حتى انتهينا إلى قصر سعدٍ على فرسخ من المدينة وقد أخذ بنا الإعياء فملنا إليه وبتنا فيه. وهذا القصر على ساحل البحر مشيد البناء عتيقة قديم الوضع من عهد ملكة المسلمين للجزيرة. وبإزائه عين تعرف بعين المجنونة. وله باب وثيق من الحديد. وداخله مساكن وعلالي مشرفة وبيوت منتظمة. وهو كامل مرافق السكنى وفي أعلاه مسجد من أحسن مساجد الدنيا بهاء. مستطيل ذو حنايا مفروشة بحصرٍ تطيفه لم ير أحسن منها صنيعة. وقد علق فيه نحو الأربعين قنديلا من أنواع الصفر والزجاج. وأمامه شارع واسع مستدير بأعلى القصر وفي أسفل القصر بئر عذبة. فبتنا في هذا المسجد أحسن مبيت وأطيبه. وبمقربة من هذا القصر نحو الميل إلى جهة المدينة قصر آخر على صفته يعرف بقصر جعفر. وداخله سقاية تفور بماء عذب. وأبصرنا للنصارى في هذه الطريق كنائس معدة لمرضى النصارى. ولهم في مدنهم مثل ذلك في صفة مارستانات المسلمين. وأبصرنا لهم بعكة وبصور مثل ذلك. فعجبنا من اعتنائهم بهذا القدر. فلما صلينا الصبح توجهنا إلى المدينة فجئنا لندخل فمنعنا وحملنا إلى الباب المتصل بقصور الملك الإفرنجي غليام وأدينا إلى المستخلف ليسألنا عن مقصدنا. وكذلك فعلهم بكل غريب فسرنا في سكك رحاب وأبواب وساحات ملوكية. وأبصرنا من القصور المشرفة
(3/249)

والميادين المنتظمة والبساتين والمراتب المتخذة لأهل الخدمة ما راع أبصارنا. وأذهل أفكارنا وأبصرنا فيما أبصرنا مجلسنا في ساحةٍ فسيحة قد أحدق بها بستان وانتظمت بجوانبها بلاطات. والمجلس قد اخذ استطالة تلك الساحة كلها. فعجبنا من طوله وإشراف مناظره. فأعلمنا أنه موضع غذاء الملك مع أصحابه. وتلك البلاطات والمراتب حيث تقعد حكامه وأهل الخدمة والعمالة أمامه. فخرج إلينا ذلك المستخلف يتهادى بين خديمين يحفان به ويرفعان أذياله. فأبصرنا شيخاً طويل السبلة أبيضها ذا أبهة. فسألنا عن مقصدنا وعن بلدنا بكلامٍ عربي لينٍ فأعلمناه. فأظهر الإشفاق علينا وأمر بانصرافنا بعد أن أحفى في السلام والدعاء فعجبنا من شانه. وكان أول سؤاله لنا عن خبر القسطنطينية العظمى وما عندنا منه فلم يكن عندنا ما نعلمه به. وخرجنا إلى احد الفنادق فنزلنا فيه وذلك يوم السبت الثاني والعشرين لدجنبر. وفي خروجنا من القصر المذكور سلكنا بلاطاً متصلاً مشينا فيه مسافة طويلة وهو مسقف حتى انتهينا إلى كنيسة عظيمة البناء. فأعلمنا أن ذلك البلاط ممشى الملك إلى هذه الكنيسة (ذكر بلرمة) هي بهذه الجزائر أم الحضارة والجامعة بين
الحسنين غضارةٍ. فما شئت بها من جمال مخبر ومنظر. ومراد عيش يانعة خضر. عتيقة أنيقة. مشرقة مؤنقة. تتطلع بمرأى فتان. وتتخايل بين ساحات وبسائط كلها بستان. فسيحة السكك والشوارع. تروق
(3/250)

الأبصار بحسن منظرها البارع عجيبة الشأن. قرطبية البنيان. مبانيها كلها بمنجوت الحجر المعروف بالكذان. يشقها نهر معين ويطرد في جنباتها أربع عيون قد زخرفت منها لملكها كنياه فاتخذها حاضرة ملكة الإفرنجي. تنتظم بلبتها قصوره انتظام العقود في نحور الكواعب. ويتقلب من بساتينها وميادينها بين نزهةٍ وملاعب. فكم له فيها من مقاصير ومصانع. ومناظر ومطالع. وكم له بجهاتها من ديارات قد زخرف بنيانها. ورفه بالإقطاعيات الواسعة رهبانها. وكنائس قد صيغ من الذهب والفضة صلبانها. للمسلمين في هذه المدينة أرباض قد انفردوا فيها بسكناهم عن النصارى والأسواق معمورة بهم وهم التجار فيها ويصلون الأعياد بخطبةٍ ودعاؤهم فيها للعباسيين. ولهم بها قاص يرتفعون إليه في أحكامهم. ولهذه المدينة شبه بقرطبة أن لها مدينة قديمة تعرف بالقصر القديم هي في وسط المدينة الحديثة وعلى هذا المثال موضع قرطبة. وبهذا القصر ديار كأنها القصور المشيدة. لها مناظر في الجو مظلمة تحار الأبصار في حسنها (كنيسة بلرمة) ومن أعجب ما شاهدناه بها من أمور النصارى كنيسة تعرف بكنيسة الأنطاكي فأبصرناها يوم الميلاد وهو يوم عيد لهم عظيم وقد احتفلوا لها رجالاً ونساءً فأبصرنا من بنيانها مرأى يعجز الوصف عنه ويقع القطع بأنه أعجب مصانع الدنيا المزخرفة. جدرها الداخلة ذهب كلها وفيها من ألواح الرخام الملون ما لم ير
(3/251)

مثله قط قد رصعت كلها بفصوص الذهب وكللت بأشجار الفصوص الخضر ونظم أعلاها بالشمسيات المذهبات من الزجاج. فتخطف الأبصار بساطع شعاعها وتحدث في النفوس فتنةٍ. وأعلمنا أن بانيها الذي تنسب إليه انفق فيها قناطير من الذهب وكان ويزر لجد هذا الملك ولهذه الكنيسة صومعة قد قامت على أعمدة سوارٍ من الرخام وعليها قبة على أخرى سوارٍ كلها فتعرف بصومعة السواري وهي من أعجب ما يبصر من البنيان. وزي النصرانيات في هذه المدينة زي نساء المسلمي. فصيحات الألسن متحفات متنقبات. خرجن في هذا العيد المذكور وقد لبسن ثياب الحرير المذهب والتحفن اللحف الرائقة وانتقبن بالنقب الملونة. وانتعلن الأخفاف المذهبة. وبرزن لكنائسه من حاملات جميع زينة نساء المسلمين من التحلي والتخضب والتعطر. وكان مقامنا بهذه المدينة سبعة أيام. ونزلنا بها في أحد فنادقها التي يسكنها المسلمون ... وخرجنا منها صبيحة يوم الجمعة الثاني والعشرين لهذا الشهر المبارك والثامن والعشرين لشهر دجنبر إلى مدينة أطرابنش بسبب مركب بها أحدهما يتوجه إلى الأندلس والثاني إلى سبتة. فسلكنا على قرى متصلةٍ وضياع متجاورة وأبصرنا محارث ومزارع لم نر تربتها طيباً وكرماً واتساعاً. فشبهناها بقنبانية قرطبة أو هذه أطيب وامتن. وبتنا في الطريق ليلة واحدة في بلدةٍ تعرف بعلقمة. وهي كبيرة متسعة فيها السوق والمساجد وسكانها وسكان هذه الضياع التي في هذه الطريق كلها مسلمون وقمنا منها سحر يوم السبت فاجتزنا بمقربة منها على حصن يعرف بحصن الحنة وهو بلد كبير فيه حمامات. وقد فجرها الله ينابيع في الأرض وأسالها عناصر لا يكاد البدن يحتملها لإفراط حرها. فأجزنا منها واحدة على الطريق. فنزلنا إليها عن الدواب وأرحنا الأبدان بالاستحمام فيها. وصلنا إلى اطرابنش عصر ذلك اليوم فنزلنا فيها في دار اكتريناها (مدينة اطرابنش) وهي مدينة صغيرة ساحلية. غير كبيرة المساحة مسورة بيضاء كالحمامة. مرساها من أحسن المراسي وأوفقها للمراكب ولذلك كثيراً ما يقصد الروم إليها ولاسيما المقلعون إلى بر العدوة. فإن بينها وبين تونس مسيرة يوم وليلة. فالسفر منها إليها لا يتعطل شتاء ولا صيفاً إلا ريثما تهب الريح الموافقة. فمجراها في ذلك مجرى المجاز القريب وبهذه المدينة سوق والحمام وجميع ما يحتاج إليه من مرافق المدن. لكنها في لهوات البحر لإحاطته بها من ثلاث جهات واتصال البر بها من جهة واحدة ضيقة والبحر فاغرفاه لها من سائر الجهات فأهلها يرون أنه لا بد له من الاستيلاء عليها وإن تراخى مدى أيامها وهي موافقة لرخاء السعر لكنها على محرث عظيم. وسكانها
(3/252)

المسلمون والنصارى ولكلا الفريقين فيها المساجد والكنائس. وبركنها
من جهة الشرق مائلا إلى الشمال على مقربة منها جبل عظيم مفرط السمو متسع في
(3/253)

أعلاه قنة تنقطع عنه وفيها معقل للروم. وبينه وبين الجبل قنطرة ويتصل به في الجبل للروم بلد كبير. وبهذا الجبل الكروم والمزارع. وأعلمنا أن به نحو أربعمائة عين متفجرة. وهو يعرف بجبل حامد والصعود إليه هين من إحدى جهاته. وهم يرون أن منه يكون فتح هذه الجزيرة ولا سبيل أن يتركوا مسلماً يصعد إليه. ولذلك اعدوا فيه ذلك المعقل الحصين. فلو أحسوا بحادثة حصنوا حريمهم فيه وقطعوا القنطرة. واعترض بينهم وبين الذي في أعلاه خندق كبير. وشأن هذا البلد عجيب فمن العجب أن يكون فيه من العيون المتفجرة ما تقدم ذكره. وأطرابنش في هذا البسيط ولا ماء إلا من بئر على البعد منها. وفي ديارها آبار قصيرة الأرشية ماؤها كلها شريب لا يساغ. وألقينا المركبين اللذين يرومان الإقلاع إلى المغرب بها. ونحن إن شاء الله تؤمل ركوب أحدهما وهو القاصد إلى بر الندلس. والله بمعهود صنعه الجميل كفيل بمنعه. وفي غربي هذه البلدة اطرابنش ثلاث جزائر في البحر على نحو فرسخين منها. وهي صغار متجاورة. إحداهما تعرف بمليطة والأخرى بيابسة والثالثة تعرف بالراهب نسبن إلى راهب يسكنها في بناء أعلاها كأنه الحصن وهو مكمن للعدو. والجزيرتان لا عمارة فيهما ولا يعمر الثالثة سوى الراهب المذكور. ثم اتفق كراؤنا في المركب المتوجه إلى بر الأندلس ونظرنا في الزاد والله المتكفل بالتيسير والتسهيل. (لابن جبير) .
(3/254)

الباب الثامن عشر في عجائب المخلوقات
في شرح عجب الموجودات
340 قال القزويني: العجب حيرة تعرض للإنسان لقصوره عن معرفة سبب الشيء أو عن معرفة كيفية تأثيره فيه. مثاله أن الإنسان إذا رأى خلية النحل ولم يكن شاهده قبل تعتريه حيرة لعدم معرفة فاعله. فلو عرف أنه من عمل النحل لتحير أيضاً. من حيث إن ذلك الحيوان الضعيف كيف أحدث هذه المسدسات المتساوية الأضلاع التي عجز عن مثلها المهندس الحاذق مع الفرجار والطرة. ومن أين لها هذا الشمع الذي اتخذت منه بيوتها المتساوية التي لا يخالف بعضها بعضاً كأنها أفرغت في قالب واحد. ومن أين لها هذا العسل الذي أودعته فيها ذخيرة للشتاء. وكيف عرفت أن الشتاء يأتيها وأنها تفقد فيه الغذاء. وكيف اهتدت إلى تغطية خزانة العسل بغشاء رقيق ليكون الشمع محيطاً بالعسل من جميع جوانبه فلا ينشفه الهواء ولا يصيبه الغبار. وتبقى كالبرنية المضممة الرأس بالكاغد. فهذا معنى العجب. وكل ما في العالم بهذه المثابة إلا أن الإنسان يدركه في صباه عند فقد التجربة. ثم تبدو فيه غريزة العقل قليلا قليلاً وهو مستغرق الهم في قضاء حوائجه وتحصيل شهواته وقد انس بمدركاته
(3/255)

ومحسوساته فسقط عن نظره بطول الأنس بها. فإذا رأى بغتة حيواناً غريباً أو نباتاً نادراً أو فعلاً خارقاً للعادات انطلق لسانه بالتسبيح فقال: سبحان الله. وهو يرى طول عمره أشياء تحير فيها عقول العقلاء وتدهش فيها نفوس الأذكياء.
فمن أراد صدق هذا القول فلينتظر بعين البصيرة إلى هذه الأجسام الرفيعة وسعتها وصلابتها وحفظها عن التغير والفساد فإن الأرض والهواء والبحار بالإضافة إليها كحلقة ملقاةٍ في فلاةٍ. ثم ينظر إلى دورانها مختلفاً فإن بعضها يدور بالنسبة إلينا رحوية وبعضها حمائلية وبعضها دولابية. وبعضها يدور سريعاً. وبعضها يدور بطيئاً. ثم إلى دوام حركاتها من غير فتور. ثم إلى إمساكها من غير عمدٍ تتعمد به أو علاقة تتدلى بها. ثم لينظر إلى كواكبها وشمسها وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها لاختلاف الأوقات التي هي سبب نشوء الحيوان والنبات. ثم إلى سير كواكبها وكثرتها واختلاف ألوانها. فإن بعضها يميل إلى الحمرة وبعضها إلى البياض وبعضها إلى لون الرصاص. ثم إلى مسيرة في فلكها مدة سنةٍ وطلوعها وغروبها كل يوم. لاختلاف الليل والنهار ومعرفة الأوقات وتمييز وقت المعاش عن وقت الاستراحة. ثم إلى إمالتها عن وسط السماء إلى الجنوب وإلى الشمال حتى وقع الصيف والشتاء والربيع والخريف. ثم لينظر إلى جرم القمر وكيفية اكتسابه النور من الشمس لينوب
(3/256)

عنها بالليل ثم إلى امتلاكه وانمحاقه. ثم إلى كسوف الشمس وخسوف القمر وإلى المجرة وهو البياض الذي يقال له سرج السماء. وهو على فلك يدور بالنسبة إلينا رحوية وعجائب السماوات لا مطمع في إحصاء عشر عشرها وفيما ذكرناه تبصره لكل عبد منيب ثم لينظر إلى ما بين السماء والأرض من انقضاض الشهب والغيوم والرعود والبروق والصواعق والأمطار والثلوج والرياح المختلفة المهاب. وليتأمل الثقيل الكثيف المظلم كيف اجتمع في جو صاف لا كدورة فيه وكيف حمل الماء. وتسخير الرياح فإنها تتلاعب به وتسوقه إلى المواضيع التي أرادها الله سبحانه فترش بالماء وجه الأرض وترسله قطرات متفاصلةً. لا تدرك قطرة منها قطرة ليصيب وجه الأرض برفق. فلو صبه صباً لأفسد الزرع بخدشه وجه الأرض. ويرسلها مقداراً كافياً لا كثيراً زائد عن الحاجة فيعفن النبات. ولا ناقصاً فلا يتم به النمو. ثم إلى اختلاف الرياح فإن منها ما يسوق السحب ومنها ما ينشرها ومنها ما يجمعها ومنها ما يعصرها ومنها ما يلقح الأشجار. ومنها ما يربي الزرع والثمار ومنها ما يجففها ثم لينظر إلى الأرض وجعلها وقوراً لتكون فراشاً ومهاداً ثم إلى سعة أكنافها وبعد أقطارها حتى عجز الآدميون عن بلوغ جميع جوانبها. ثم إلى جعل ظهرها محلاً للأحياء وبطنها مقراً للأموات. فتراها وهي ميتة فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت وأظهرت
(3/257)

أجناس المعادن وأنبتت انواع النبات وأخرجت أصناف الحيوان ثم إلى إحكام أطرافها بالجبال الشامخة كأوتادها لمنعها من أن تميد ثم إلى إيداع المياه في أوشالها كالخزانات لتخرج منها قليلا فتتفجر منها العيون وتجري منها الأنهار. فيحيا بها الحيوان والنبات إلى وقت نزول الأمطار من السنة القابلة. وينصب إلى البحار دائماً ثم لينظر إلى البحار العميقة التي هي خلجان من البحر الأعظم المحيط بجميع الأرض حتى إن جميع المكشوف من البوادي والجبال بالإضافة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم وبقية الأرض مستورة بالماء ثم لينظر إلى ما فيها من الحيوان والجوهر ثم لينظر إلى خلق اللؤلؤ في صدفة تحت الماء. ثم إلى إنبات المرجان في صميم الصخر تحت الماء وهو نبات على هيئة شجرة ينبت من الحجر ثم إلى ما عداه من العنبر وأصناف النفائس التي يقذفها البحر وتستخرج منه. ثم إلى السفن كيف سيرت في البحار وسرعة جريها بالرياح وإلى اتخاذ آلاتها ومعرفة النواتي موارد الرياح ومهلبها وموافيتها وعجائب البحار كثيرة لا مطمع في إحصائها.
ثم لينظر إلى أنواع المعادن المودعة تحت الجبال فمنها ما ينطبع كالذهب والفضة والنحاس والرصاص والحديد. ومنها ما لا ينطبع كالفيروزج والياقوت والزبرجد. ثم إلى كيفية استخراجها وتنقيتها واتخاذ الحلي والآلات والأواني منها. ثم إلى معادن الأرض كالنفط
(3/258)

والكبريت والقير وغيرها وأجلها الملح فلو خلت منه بلدة لتسارع الفساد إلى أهلها. ثم لينظر إلى أنواع النبات وأصناف الفواكه المختلفة الأشكال والألوان والطعوم والأرايج تسقى بماء واحد ويفضل بعضها على بعض في الأكل مع اتحاد الأرض والهواء والماء. فتخرج من نواةٍ نخلة بعناقيد الرطب ومن حبه سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. ثم لينظر إلى أرض البوادي وتشابه أجزائها فإنها إذا نزل القطر عليها اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج ثم إلى أشكالها وألوانها وطعومها وروائحها واختلاف طبائعها وكثرة منافعها فلم تنبت من الأرض ورقة إلا وفيها منفعة أو منافع يقف فهم البشر دون إدراكها ثم لينظر إلى أصناف الحيوان وانقسامها إلى ما يطير ويسبح ويمشي وإلى أشكالها وصورها وأخلاقها ليرى عجائب تدهش منها العقول بل في البقة أو النمل أو العنكبوت أو النحل فإنها من ضعاف الحيوانات ليرى ما يتحير منه من بنائها البيت وجمعها الغذاء وادخارها لوقت الشتاء وحذقها في هندستها ونصبها الشبكة للصيد وما من حيوان إلا وفيه من العجائب ما لا يحصى وغنما سقط التعجب منها للأنس بها بكثرة المشاهدة.

في جرم الشمس ووضعها
341 وأما الشمس فأعظم الكواكب جرماً وأشدها ضوءاً ومكانها
(3/259)

الطبيعي الكرة الرابعة زعم المنجمون أن الشمس بين الكواكب كالملك وسائر الكواكب كالأعوان والجنود. والقمر كالوزير وولي العهد وعطارد كالكاتب والمريخ كصاحب الشرطة والمشتري كالقاضي وزحل كصاحب الخزائن والزهرة كالخدم والجواري والأفلاك كالأقاليم والبروج كالبلدان. والدرجات كالعساكر. والدقائق كالمحال والثواني كالمنازل وهذا تشبيه جيد.
ومن عجائب لطف الله تعالى جعل الشمس في وسط الكواكب السبعة لتبقى الطبائع والمطبوعات في نظم العالم بحركاتها على حدها الاعتدالي إذ لو كانت في فلك الثوابت لفسدت الطبائع بشدة البرد ولو أنها انحدرت إلى فلك القمر لاخترق هذا العالم بالكلية ولطف آخر من الله تعالى أن خلقها سائرة غير مواقفة وإلا لاشتدت السخونة في موضع واشتد البرد في غيره فلا يخفى فسادهما لكن تطلع كل يوم من المشرق ولا تزال تغشى موضعاً بعد موضع حتى تنتهي إلى المغرب فلا يبقى موضع مكشوف مؤاز لها إلا ويأخذ خطاً من شعاعها وتميل في كل سنة مرة إلى الجنوب ومرة إلى الشمال لتعم فائدتها أما إلى الجهة
(3/260)

الجنوبية فتميل حتى تنتهي إلى قريب من مطلع قلب العقرب. وهو مطلع أقصر يوم في السنة وأما إلى الجهة الشمالية فتميل حتى تنتهي على قريب من مطلع السماك الرامح وهو مطلع أطول يوم في السنة ثم ترجع تميل إلى الجنوب.

في كسوف الشمس وبعض خواصها
342 وسببه كون القمر حائلاً بين الشمس وبين أبصارنا لأن جرم القمر كمدٍ فيحجب ما وراءه عن الأبصار فإذا قارن الشمس وكان في إحدى نقطتي الرأس والذنب أو قريبا منه فإنه يمر تحت الشمس فيصير حائلاً بينها وبين الأبصار ثم الشمس إذا انكسفت لا يكون لكسوفها مكث لأن قاعدة مخروط الشعاع إذا انطبق على صفحة القمر انحرف عنه في الحال فتبتدئ الشمس بالانجلاء لكن يختلف قدر الكسوف باختلاف أوضاع المساكن بسبب اختلاف المنظر وقد لا ينكسف في بعض البلاد أصلا.
وأما تأثيرات الشمس في العلويات والسفليات فعجيبة أما في العلويات فإخفاؤها جميع الكواكب بكمال شعاعها وإعطاؤها للقمر النور وأما في السفليات فمنها تأثيرها في البحار فإنها إذا بلغ البخار إلى الهواء البارد تكاثف من البرد وانعقد سحاباً ثم تذهب به الرياح إلى الأماكن البعيدة عن البحار فينزل الله قطراً يحيي به الأرض بعد
(3/261)

موتها. وتظهر منه الأنهار والعيون فيصير سبباً لبقاء الحيوان وخروج النبات. ومنها أمر النبات فغن الزروع والأشجار والنبات لا تثبت بنمو إلا في المواضيع التي تطلع عليها الشمس. ولذلك لا ينبت تحت الخيل والأشجار العظام التي لها ظلال واسعة شيء من الزروع لأنها تمنع شعاع الشمس عما تحتها وحسبك ما ترى من تأثير الشمس بحسب الحركة اليومية في النيلوفر والآذريون وورق الخزوع فغنها تنمو وتزداد عند أخذ الشمس في الارتفاع ولا صعود. فإذا زالت الشمس أخذت في الذبول حتى إذا غابت الشمس ضعفت وذبلت ثم عادت اليوم الثاني إلى حالها. ومنها تأثيرها في الحيوانات فإنا نرى الحيوان إذا طلع نور الصبح خلق الله تعالى في أبدانها قوة فتظهر فيها فراهة وانتعاش قوةٍ. وكلما كان طلوع نور الشمس أكثر كان ظهور قوة الحيوان في أبدانها أكثر إلى أن وصلت إلى وسط سمائها فإذا مالت عن وسط سمائهم أخذت حركاتهم وقواهم في الضعف ولا تزال تزداد ضعفاً إلى زمان غيوبها. فإذا غابت الشمس رجعت الحيوانات إلى أماكنها ولزمتها كالموتى فإذا طلعت عليها الشمس في اليوم الثاني عاودوا إلى الحالي الأولى (للقزويني)

فصل في القمر وخسوفه وتأثيراته
343 وأما القمر فهو كوكب مكانه الطبيعي الفلك الأسفل وهو جرم كثيف مظلم قابل للضياء إلا القليل منه على ما يرى في ظاهره.
(3/262)

فالنصف الذي يواجه الشمس مضيء أبداً فإذا قارنت الشمس كان النصف المظلم مواجهاً للأرض. فإذا بعد عن الشمس إلى المشرق ومال النصف المظلم من الجانب الذي يلي المغرب إلى الأرض فيظهر من النصف المضيء قطعة هي الهلال. ثم يتزايد الانحراف ويزداد بتزايده القطعة من النصف المضيء حتى إذا كان في مقابلة الشمس كان النصف المواجه للشمس هو النصف المواجه لنا. فنراه ثم يقرب من الشمس فينقص الضياء من الجانب الذي بدأته على الترتيب الأول. حتى إذا صار في مقارنة الشمس ينمحق نوره ويعود إلى الموضع الأول وسبب خسوفه توسط الأرض بينه وبين الشمس فإذا كان القمر في إحدى نقطتي الرأس والذنب أو قريباً منه عند الاستقبال توسط الأرض بينه وبين الشمس فيقع في ظل الأرض ويبقى على سواده الأصلي فيرى منخسفاً. وتأثيراته عجيبة زعموا أن تأثيراته كلها بواسطة الرطوبة كما أن تأثيرات الشمس بواسطة الحرارة. ويدل عليها اعتبار أهل التجارب منها أمر البحار فغن القمر إذا صار في أفق من آفاق البحر أخذ ماؤه في المد مقبلا مع القمر ولا يزال كذلك إلى أن يصير القمر في وسط سماء ذلك الموضع فإذا صار هناك انتهى المد منتهاه فإذا انحط القمر من وسط سمائه جزر الماء. ولا يزال الجزر منتهاه. ومن كان في لجة البحر وقت ابتداء المد
(3/263)

أحس للماء حركة من أسفلة إلى أعلاه ويرى له انتفاخاً وتهيج فيها رياح عواصف وأمواج. وإذا كان وقت الجزر ينقص جميع ذلك ومن كان في الشطوط والسواحل فإنه يرى للماء زيادة وانتفاخاً وجرياً وعلوا ولا يزال كذلك إلى أن يجزر ويرجع الماء إلى البحر. وابتداء قوة المد في البحار إنما يكون في كل موضع عميق واسع كثير الماء

في مجرة والكواكب الثوابت
344 وهي البياض الذي يرى في السماء يقال له سرج السماء إلى زمانا هذا لم يسمع في حقيقتها قول شافٍ زعموا أنها كواكب صغار متقاربة بعضها من بعض والعرب تسميها أم النجوم لاجتماع النجوم فيها. وزعموا أن النجوم تقاربت من المجرة فطمس بعضها بعضاً وصارت كأنها سحاب. وهي ترى في الشتاء أول الليل في ناحية من السماء. وفي الصيف أول الليل في وسط السماء ممتدة من الشمال إلى الجنوب وبالنسبة إلينا تدور دوراً رحوياً فتراها نصف الليل ممتدة من المشرق إلى المغرب وفي آخر الليل من الجنوب إلى الشمال.. وأما الكواكب الثوابت فإن عددها مما يقصر ذهن الإنسان عن ضبطها لكن الأولين قد ضبطوا منها ألفاً واثنين وعشرين كوكباً. ثم وجدوا من هذا المجموع تسعمائة وسبعة عشر كوكباً ينتظم منها ثمان وأربعون صورة كل صورة منها تشتمل على كوكبها وهي الصورة التي أثبتها بطليموس في كتاب المجسطي بعضها في النصف
(3/264)

الشمالي من الكرة وبعضها على منطقة فلك البروج التي هي طريقة السيارات وبعضها في النصف الجنوبي فسمى كل صورة باسم الشيء المشبه بها فوجد بعضها على صورة الإنسان كالجوزاء. وبعضها على صورة الحيوانات البحرية كالسرطان. وبعضها على صورة الحيوانات البرية كالحمل. وبعضها على صورة الطير كالعقاب. وبعضها خارجاً عن شبه الحيوانات كالميزان والسفينة. ووجد من هذه الصور ما لم يكن تام الخلقة مثل الفرس ومنها ما بعضه من صورة حيوان والبعض الآخر من صورة حيوان آخر كالرامي ... وإنما ألفوا هذه الصور وسموها بهذه الأسماء ليكون لكل كوكب اسم يعرف به متى أشاروا إليه وذكروا موقعه من الصورة. وموقعه من فلك البروج وبعده من الشمال أو الجنوب عن الدائرة التي تمر بأوساط البروج لمعرفة أوقات الليل والطالع في كل وقت.

فصل في أرباع السنة
345 من جملة لطف الله بعبادة أن أعطى لكل فصل طبعاً مغايراً لما قبله في كيفية أخرى ليكون ورود الفصول على الأبدان بالتدريج فلو انتقل من إلي صيف إلى الشتاء دفعة لأدى ذلك على تغيير عظيم في الأبدان فحسبك ما ترى من تغيير الهواء في يوم واحد من الحر إلى البرد كيف يظهر مقتضاه في الأبدان فكيف إذا كان مثل هذا التغيير في الفصول. فسبحانه ما أعظم شانه أكثر امتنانه.
(3/265)

أما الربيع فهو وقت نزول الشمس أول برج الحمل. فعند ذلك استوى الليل والنهار في الأقاليم واعتدل الزمان وطاب الهواء وهب النسيم وذابت الثلوج وسالت الأودية. ومدت الأنهار ونبعت العيون. ارتفعت الرطوبات إلى أعلى فروع الأشجار ونبت العشب وطال الزرع وتلألأ الزهر. وأورق الشجر وانفتح النور وأخضر وجها لأرض وطاب عيش أهل الزمان. وتكونت الحيوانات ودب الدبيب ونبحت البهائم ودرت الضروع وانتشر الحيوان في البلاد عن أوطانه وصارت الدنيا كأنها جارية شابه تجللت وتزينت للناظرين ولا يزال كذلك دأبها ودأب أهلها إلى أن تبلغ الشمس لآخر الجوزاء فحينئذ انتهى الربيع وأقبل الصيف وأما الصيف فهو وقت نزول الشمس أول السرطان فعند ذلك تناهى طول النهار ثم أخذ الليل في الزيادة ودخل الصيف واشتد الحر وسخن الهواء وتقوى أكثر النبات والحيوان وأدركت الثمار وجفت الحبوب وقلت الأنداء. وأضاءت الدنيا وسمنت البهائم. واشتدت قوة الأبدان وكثر الريف وانتشرت الحيوانات على وجه الأرض لهموم الخير وكثرت الدبيب وطاب عيش أهل الزمان وكثرت السموم ونقصت الأنهار ونضبت المياه ويبست العشب وأدرك الحصاد ودرت الأخلاف واتسع للناس القوت وللطير الحب وللبهائم العلف. وتكامل زخرف الأرض وصارت
(3/266)

الدنيا كأنها عروس منعمة بالغة كاملة ذات جمال ورونق فلا يزال الأمر كذلك أن تبلغ الشمس آخر السنبلة فحينئذ أقبل الخريف وأما الخريف فهو وقت نزول الشمس الميزان فعند ذلك استوى الليل والنهار مرة أخرى. ثم ابتدأ الليل بالزيادة وكما ذكرنا أن الربيع زمن نشوء الأشجار وبدء النبات وظهور الأزهار فالخريف زمان ذبول النبات وتغيير الأشجار وسقوط أوراقها فحينئذ برد الماء وهبت الشمال. وتغير الزمان ونقصت المياه. وجفت النهار وغارت العيون ويبست أنواع النبات وفنيت الثمار وأحرز الناس الحب وأثمر وعري وجه الأرض من دبيبها. وماتت الهوام وانجحرت الحشرات وانصرف الطير ويطلب الوحش البلدان الدافئة وأحرز الناس قوت الشتاء ودخلوا البيوت ولبسوا الجلود الغليظة من الثياب وتغير الهواء وصارت الدنيا كأنها كهلة قد ولت أيام شبلها إلى أن تبلغ الشمس آخر القوس وقد انتهى الخريف وأقبل الشتاء وأما الشتاء فهو وقت نزول الشمس أول الجدي فعند ذلك تناهى طول الليل وقصر النهار. ثم أخذ النهار في الزيادة واشتد البرد. وخشن الهواء وتعرى الأشجار عن الأوراق. وفنيت بطونها وفات أكثر النبات وانجحرت الحيوانات في أطراف الأرض وكهوف الجبال من شدة البرد وكثرة الأنداء. ونشأت الغيوم واظلم الجو وكلح وجه الزمان. وهزلت البهائم وضعفت قوى الأبدان. ومنع
(3/267)

البرد الناس عن التصرف ومر عيش أكثر الحيوان. وطال الليل الذي جعله الله سكناً ولباساً وبرد الماء الذي هو مادة الحياة. وانقطع الذباب والبعوض وعدم ذوات السموم من الهوام. ويطيب فيه الأكل والشرب. وهو زمان الراحة والاستمتاع كما أن الصيف زمان الكد والتعب حتى قيل: من لم يغل دماغه صائفاً لم تغل قدره شاتياً وصارت الدنيا كأنها عجوز هرمة دنا منها الموت. فلا يزال كذلك إلى أن تبلغ الشمس آخر الحوت وقد انتهى الشتاء وأقبل الربيع مرة أخرى.

فصل في تولد الأنهار
346 إذا وقعت الأمطار والثلوج على الجبل تنصب الأمطار إلى المغارات وتذوب الثلوج وتفيض إلى الأهوية التي في الجبال. فتبقى مخزونة فيها وتمتلئ الأوشال منها في الشتاء فإذا كان في أسافل الجبال منافذ ضيقة تخرج المياه من الأوشال في تلك المنافذ فيحصل منها جداول. ويجتمع بعضها إلى البعض فيحصل منها أودية وأنهار فإن كانت الخزانات في أعالي الجبال يستمر جريانها أدباً لن مياهها تنصب إلى سفح الجبال ولا تنقطع مادتها لوصول مددها من المطار وإن كانت الخزانات في أسافل الجبال فتجري منها النهار عند وصول مددها وتنقطع عند انقطاع المدد وتبقى المياه فيها واقفة كما ترى في الأودية التي تجري في بعض الأيام ثم
(3/268)

تنقطع عند انقطاع مادتها وكل هذه النهار تبتدئ من الجبال وتنتهي إلى البحار أو البطائح. وفي ممرها تسقي المدن والقرى وما فضل ينصب إلى البحار. ثم يرق ويلطف ويتصاعد في الهواء بخاراً ويتراكم منه الغيوم وتسوقه الرياح إلى الجبال والبراري ويمطر هناك ويجري في الأودية والأنهار ويسقي البلاد ويرجع فاضله إلى البحر. ولا يزال هذا دأبه ويدور كالرحا في الصيف والشتاء.

جسم الأرض ودورانها وهيئتها
347 الأرض جسم بسيط طباعه أن يكون بارداً يابساً. وإنما خلقت باردة يابسة لأجل الغلظ والتماسك إذ لولاها لما أمكن قرار الحيوان على ظهرها والهواء والماء محيطان بها من جميع جهاتها إلا المقدار البارد الذي جعله الله تعالى مقراً للحيوان. ثم إن الإنسان في أي موضع وقف على سطح الأرض يكون رأسه أبداً مما يلي السماء. ورجله مما يلي الأرض وهو يرى من السماء نصفها وإذا انتقل إلى موضع آخر ظهر له من السماء مقدار ما خفي له من الجانب الآخر. ثم إن البحر المحيط الأعظم أحاط بأكثر وجه الأرض والمكشوف منها قليل ناتئ على الماء على مثال بيضة غائصة في الماء يخرج من الماء محدبها وليست هي مستديرة من الجبال والتلال والودية والأودية والكهوف والمغارات ولها منافذ وخلجان وكلها
(3/269)

ممتلئة مياها وبخارات ورطوبات دهنية وما في الأرض موضع شبر إلا وهناك معدن أو نبات أو حيوان باختلاف أجناسها وأنواعها وصورها ومزاجها وألوانها لا يعلم تفصيلها غير الله تعالى وهو صانعها ومديرها ما يسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا يابس إلا في كتاب مبين.
وأما هيئة الأرض فقد اختلف آراء القدماء فيها قال بعضهم: إنها مبسوطة في السطيح وقال بعضهم هي على شكل الترس ولولا ذلك لما ثبت عليها بناء ولا مشى عليها حيوان. والذي يعتمد عليه جماهيرهم أن الأرض مدورة كالكرة. ومن القدماء من أصحاب فثاغورس من قال: إن الأرض متحركة دائماً على الاستدارة والذي يرى من دوران الكواكب إنما هو دور الأرض لا دور الكواكب

في السحاب والمطر وما يتعلق بهما
348 زعموا أن الشمس إذا أشرقت على الماء حللت من الماء أجزاء لطيفة مائية تسمى بخاراً ومن الأرض أجزاء لطيفة أرضية تسمى دخاناً. فإذا ارتفع البخار والدخان في الهواء وتدافعهما الهواء إلى الجهات وتكون من قدامهما جبال شامخة مانعة ومن فوقها برد الزمهرير ومن أسفلها مادة البخار متصلة فلا يزال البخار والدخان يكثران ويغلظان في الهواء وتتداخل بعضها في بعض حتى يثخن فيتكون منها سحاب مؤلف متراكم ثم إن السحاب كلما ارتفع انضمت أجزاء البخار
(3/270)

ثم تلتئم تلك الأجزاء المائية بعضها إلى بعض فتصير قطرا فثقلت وأخذت راجعة إلى أسفل فإن كان صعود ذلك البخار بالليل والهواء شديد البرد منعه من الصعود وأجمده أولا فصار سحاباً رقيقاً. وإن كان البرد مفرطاً أجمد في الغيم وكان ذلك ثلجاً لأن البرد يجمد الأجزاء المائية وتختلط بالأجزاء الهوائية وينزل بالرفق فلذلك لا يكون له في الأرض وقع شديد كما المطر ولا برد. وإن كان الهواء دافئاً ارتفع البخار في الغيوم وتراكم السحب طبقات بعضها فوق بعض كما ترى في أيام الربيع والخريف كأنها جبال من قطن مندوفٍ. فإذا عرض لا برد الزمهرير من فوق غلظ البخار وصار ماءً من فوق غلظ البخار وصار ماءً وانضمت أجزاؤها قطراً. وعرض لها الثقل فأخذت تهوي من سمك السحاب ومن تراكمها تلك القطرات الصغار بعضها إلى بعض حتى إذا خرجت من أسفلها صار تقطراً كثيراً. فإن عرض لها برد مفر من طريقها جمدت وصارت برداً قبل أن تبلغ الأرض وإن لم تبلغ الأبخرة إلى الهواء البارد فإن كانت كثيرة صارت باباً وإن كانت قليلة وتكاثفت فإن لم يتجمد نزل طلاً وإن أنجمد نزل صقيعاً

في الرعد والبرق وما يتعلق بذلك
349 زعموا أن الشمس إذا أشرقت على الأرض حللت منها أجزاء نارية تخالطها أجزاء أرضية ويسمى ذلك المجموع دخاناً ثم الدخان يمازجه البخار ويرتفعان معاً إلى الطبقة الباردة من الهواء. فينعقد
(3/271)

البخار سحاباً ويحتبس الدخان فيه. فإن بقي على حرارته قصد الصعود وإن صار بارداً قصد النزول. وأما ما كان يمزق السحاب تمزيقاً عنيفاً فيحدث منه الرعد وربما يشتعل ناراً لشدة المحاكة فيحدث منه البرق إن كان لطيفاً والصاعقة إن كان غليظاً كثيراً فتحرق كل شيء أصابته فربما تذوب الحديد على الباب ولا تضر الخشبة وربما تذوب الذهب في الخزنة ولا تضر الخرقة وقد تقع على الجبل فتشقه وقد تقع على الماء فيحرق فيه حيوانه. واعلم أن الرعد والبرق كلاهما يحدثان معاً لكن ترى البرق قبل أن تسمع الرعد وذلك لأن الرؤية تحصل لمحاداة النظر وأما السمع فيتوقف على وصل الصوت إلى الصماخ وذلك يتوقف على تموج الهواء. وذهاب النظر أسرع من وصول الصوت. ألا ترى أن القصار إذا ضرب الثوب على الحجر فإن النظر يرى ضرب الثوب على الحجر ثم السمع يسمع صوته بعد ذلك بزمان. والرعد والبرق لا يكونان في الشتاء لقلة البخار الدخاني ولهذا لا يوجدان في البلاد الباردة ولا عند نزول الثلج لأن البرد يطفئ البخار الدخاني والبرق الكثير يقع عنده مطر كثير لتكاثف أجزاء الغمام. فإنها إذا تكاثفت انحصر الماء فإذا نزل بشدة كما إذا احتبس الماء ثم انطلق فإنه يجري جرياً شديداً (كله من عجائب المخلوقات للقزويني)
(3/272)

الباب التاسع عشر في المراسلات
فصل في المراسلات بين الملوك والأمراء
كتاب المحق الطوسي إلى صاحب حلب بعد فتح بغداد سنة 655 هـ (1252 م) 350 أما بعد فقد نزلنا بغداد فساء صباح المنذرين فدعونا مالكها إلى طاعتنا فأبى فحق القول عليه فاخناه أخذاً وبيلاً وقد دعوناك إلى طاعتنا فإن أتيت فروح وريحان وجنة نعيم. وإن أبيت فلا سلطن منك عليك. فلا تكن كالباحث عن حتفه بظلهٍ. والجادع مارن أنفه بكفه والسلام

ذكر مراسلة تيمور سلطان عراق العجم أبا الفوارس شاه شجاع
351 عن الله تعالى سلطني عليكم وعلى ظلمة الحكام والجائرين من ملوك الأنام ورفعني على من ناوأني ونصرني لى من خالفني وقد رأيت وسمعت فإن أحببت وأطعت فيها ونعمت. وإلا فاعلم أن قدام قدمي ثلاثة أشياء الخراب والقحط والوباء وإثم كل ذلك عائد عليك ومنسوب إليك (أخبار تيمور لابن عربشاه)

كتاب الحسن بن زكرويه إلى بعض عماله)
352 بسم الله الرحمان الرحيم من عند المهدي المنصور الناصر لدين الله القائم بأمر الله إلى جعفر بن حميد الكردي سلام علك. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة وما فعلوه بناحيتك من
(3/273)

الظلم والعبث والفساد في الأرض فأعظمنا ذلك ورأينا أن ننفذ إلى ما هناك من جيوشنا من ينتقم لنا الله به من أعدائنا الظالمين الذين يسعون في الأرض فساداً. فأنقذنا جماعة من المؤمنين إلى مدينة حمص ونحن في إثرهم وقد أوعزنا إليهم في المصير إلى ناحيتك لطلب أعداء الله حيث كانوا. ونحن نرجو أن يجرينا الله فيهم على أحسن عوائده عندنا في أمثالكم. فينبغي أن يكون قلبك وقلوب من اتبعك من أوليائنا وثيقاً بالله وبنصره الذي لم يزل يعودنا في كل من مرق من الطاعة وانحرف عن الإيمان وتبادر إلينا بإخبار الناحية وما يحدث فيها ولا تخف عنا شيئاً من أمرها. سبحانك اللهم والحمد لله رب العالمين (تاريخ حلب لكمال الدين)

كتاب سلطان مراكش إلى سلطان فرنسة لويس الرابع عشر
353 صدر هذا المكتوب العلي الإمامي عن الأمر العلوي الذي دانت لطاعته الكريمة ممالكه الإسلامية وانقادت لدعوته الشريفة الأقطار المغربية وخضعت لأوامره العلية جبابرة الملوك السودانية. وأقطارها القاصية والدانية إلى الملك الذي له بين ملوك النصرانية والملل المسيحية الرتبة العالية والمنزلة الرفيعة السامية. سلطان فرائصة لويز ابن السلاطين الذين لهم المكانة السامية المنار أما بعد حمد الله مولى الحمد ومستحقه فكتابنا هذا إليكم من حضرتنا العلية مدينة مراكش ولا زائد إلا ما سناه لأيالتنا الشريفة من عوائد
(3/274)

النصر والإقبال وصنائع الله الجميلة المفعمة السجال المنثالة في البكر والآصال لله المنة والشكر هذا موجبه إليكم التعريف أنه لما ورد خديمكم المرعي الملحوظ الرزيلي على مرسى ثغر أسفي المحروس بالله وأسلم كتابكم المصحوب معه لخدامنا الذين بالثغر بادروا بوصوله إلينا في الفور فوقفنا منه على جميع ما أودعتم فيه من تقرير المحبة وتأسيس الهدنة بين الجانبين. إلى ما أشرتم إليه في شأن الأسارى الفرانصيين الذين رغبت من مقامنا العلي تسريحهم فأخذنا في ذلك أتم الأخذ وأكمله إلى أن استوفى ذلك على أحسن وجه وأجمله وأجبناكم عن فصول كتابكم كلها فوجهنا به وبالنصارى المذكورين صحبة خديمنا الوجيه الأثير النبيل النبيه القائد يحي بن محمد الجناتي قصد أن يلتقي مع خديمكن المذكور إن تأتي له الاجتماع معه في البر وإن تعذر عليه ذلك يبعث لخديمنا من يقوم مقامه ممن هو مثله وبمثابته في أعراضكم ليسلم له النصارى المذورين ويتكلم معه في أغراض الجانبين ثم إن خديمنا المذكور لما بلغ ثغر أسف فقد خديمكم من المرسى فسأل عنه فقيل له. قد اقلع منذ أربعة أيام. فاقتص بعض الخدام أثره في البحر فلم يجد له أثراً هذا وقد كان خديمكم على علم ويقين أن خديمنا المذكور قادم إليه وفي أثناء الطريق فقلق قبل وصوله والخديم الذي يكون بصدد أغراض ضيفه لا يستفزه شيء عن قضائها ولا ينبغي له الانزعاج قبل استيفائها فعرفناكم بالواقع
(3/275)

لتوقنوا أننا لم نقصر في أغراضكم المتلقاة لدينا بالقبول وبه وجب الكتب إليكم في 26 من ربيع النبوي سنة 1040 (1630)

كتاب سلطان مراكش إلى لويس السادس عشر سلطان فرنسة
354 بسم اله الرحمان الرحيم لا حول ولا قوة إلا بالله عن أمر السلطان الأعظم سلطان مراكش وفاس وكافة الأقاليم المغربية خلد الله نصره وأعز أمره وأدام سموه وفخره وأشرق في فلك السعادة شمسه وبدره. إلى عظيم جنس الإفرنصيص المتولي أمرهم الري لوزير السادس عشر من أسمه سلام على من اتبع الهدى أما بعد فقد ورد على حضرتنا العلية بالله كتابك الذي تأريخه ثاني عشر من ماية عام أربعة وسبعين وسبعمائة وألف المتضمن الإخبار بموت جدك الري لوزير الخامس عشر على يد نائب قونصوكم برطلمي دبطنير. وبقي في خاطرنا جدك لويز كثيراً حيث كانت له محبة في جانبنا العلي وكان ممن يحسن السياسة في قومه وله حنانة في رعيته وحفظ عهدٍ مع أصحابه وفرحنا حيث كان باق من ذريته من يخلفه في المملكة والجلوس على سرير الملك من بعده وما زالت تسعد بك رعيتك أكثر مما كانت في حياة جدك ونحن معك على المهادنة والصلح ما كان مع جدك ثم فاعلم أن سفناً من سفن الفرنصيص حرثوا بأقصى أيالتنا المباركة في الصحراء وتفرق جميع من سلم من الغرق من النصارى في أيدي العرب. وحيث بلغنا ذلك سيرنا بعض
(3/276)

خدامنا للصحراء لنوجههم إليكم بعد الإنعام عليهم رعياً للمهادنة والصلح الذي بينا وبينكم ويصلك ستة من الخيل من عتاق خيلنا صلة منا إليكم وخديمنا المذكور لا تبطؤوه عندكم ووجهوه إلينا عزماً بعد قضاء الغرض الذي وجهناه إليه ونحن معكم على المهادنة والصلح. انتهى صدر الأمر بكتبه من حاضرة مكناسة الزيتون في عاشر جمادي الثانية عام 1188 للهجرة (1775 للمسيح)

في الأشواق وحسن التواصل
فصل لسعيد بن عبد الملك
355 أناصب إليك سامي الطرف نحوك وذكرك ملصق بلساني. وأسمك حلو على لهواتي وشخصك ماثل بين عيني. وأنت أقرب الناس من قلبي وآخذهم بمجامع هواي. صادقت منك جوهر نفسي فانا غير محمود على الانقياد لك بغير زمام لأن النفس يقود يعضها بعضاً وقال أبو العتاهية:
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
وللناس من الناس ... مقاييس وأشباه
كتاب الحسين بن سهل إلى صديق له يدعوه إلى مأدبةٍ 356 نحن في مأدبة لنا تشرف على روضةٍ تضاحك الشمس حسناً قد باتت السماء تعلها فهي مشرقة بمائها حالية بنوارها فرأيك فينا لنكون على سواء من استمتاع بعضنا ببعضٍ
(3/277)

(فكتب إليه) : هذه صفة لو أنت في أقاصي الأطراف لوجب انتجاعها وحث المطي في ابتغائها. فكيف في موضع أنت تسكنه وتجمع إلى أنيق منظره حسن وجهك وطيب شمائلك وأنا الجواب 357 كتب إبراهيم بن العباس إلى بعض أصحابه: ألمودة تجمعنا محبتها والصناعة تؤلفنا أسبابها وما بين ذلك من تراخٍ في لقاء أو تخلف في مكاتبةٍ بيننا يوجب العذر فيه.

كتاب إسحاق بن إبراهيم الموصلي إلى أحمد بن يوسف
358 ألشوق إليك وإلى عهد أيامنا التي حسنت كأنها أعياد وقصرت كأنها ساعات لفوت الصفاء. ومما يجدده ويكثر دواعيه تصاقب الديار وقرب الجوار. تمم الله لنا النعمة المجددة فيك بالنظر إلى الغرة المباركة التي لا وحشة معها ولا أنس بعدها (لابن عبد ربه) 359 (كتب بعض الكتاب إلى أخ له) : أما بعد فإنه من عانى الظمأ بفرقتك استوجب الري من رؤيتك وإن رأيت أن تجرد لي ميعاداً بزيارتك أتوق به إلى وقت رؤيتك ويؤنسني إلى حين لقائك فعلت. (فأجابه) : أخاف أن أعدك عداً يعترض دون الوفاء به ما لا أقدر على دفعه فتكون الحسرة أعظم من الفرقة 260 (وكتب في بابه) : يومنا طاب أوله وحسن مستقبله واتت السماء بقطارها فحلت الأرض بأنوارها وبك تطيب الشمول ويشفى الغليل فإن تأخرت فرقت شملنا وإن تعجلت إلينا نظمت أمرنا
(3/278)

361 كتب بعضهم إلى أمير: ضعني أكرمك الله من نفسك حيث وضعت نفسي من رجائك أصاب الله بمعروفك مواضعه وبسط بكل خير يدك (للقيرواني)

كتاب زبيدة إلى المأمون بعد قتله ابنها الأمين
362 كل ذنبٍ يا أمير المؤمنين وإن عظم صغير في جنب عفوك. وكل زلل وإن جل حقير عند صفحك وذلك الذي عودك الله فأطال مدتك وتمم نعمتك. وأدام بك الخير ودفع بك الشر. هذه رقعة الواله التي ترجوك في الحياة لوائب الدهر. وفي الممات لجميل الذكر فإن رأيت أن ترحم ضعفي واستكانتي وقلة حبلتي وأن تصل رحمي وتحتسب فيما جعلك اله له طالباً وفيه راغباً فأفعل. وتذكر من لو كان حياً لكان شفيعي إليك.
(فلما وقف المأمون عليها بكى على أخيه الأمين ورق لها وكتب إليها الجواب:) 363 وصلت رقعتك يا أماه (حاطك الله وتولاك بالرعاية) ووقفت عليها ساءني شهد الله جميع ما أوضحته فيها لكن الأقدار نافذة والأحكام جارية والأمور متصرفة والمخلوقون في قبضتها لا يقدرون على دفاعها. والدنيا كلها إلى شتات. وكل حي إلى ممات والغدر والبغي حتف الإنسان والمكر راجع على صاحبه. وقد أمرت برد جميع ما أخذ لك. ولم تفقدي ممن مضى على رحمة الله إلا وجهه وأنا بعد ذلك لك على أكثر مما تختارين والسلام.
(3/279)

ثم أمر برد ضياعها وجميع ما أخذ منها واقطعها ما كان في يدها وأعادها إلى حالتها الأولى في الكرامة والحشمة (حديقة الأقزاح لليمني)

فصول في الهدايا
كتب رجل إلى المتوكل وقد أهدى إليه قارورة من دهن الأتزج
364 إن الهدية إذا كانت من الصغير إلى الكبير كلما لطفت ودقت كانت أبهى وأحسن. وكلما كانت من الكبير إلى الصغير كلما عظمت وجلت كانت انفع وأوقع. وأرجو أن لا يكون قصرت بي همة أصارتني إليك ولا أحري إرشاد دلني عليك وأقول:
ما قصرت همة بلغت بها ... بابك ياذا النداء والكرم
حسبي بودك أن ظفرت به ... ذخراً وعزاً يا واحد الأمم
365 كتب أحمد أبي طاهر مع هديةٍ:
من سنة الأملاك فيما مضى ... من سالف الدهر وإقباله
هدية العبد إلى ربه ... في جدة الدهر وإجلاله
فقلت ما اهدي إلى سيدي ... حالي وما خولت من حاله
إن أهد نفسي فهي من نفسه ... أو أهد مالي فهو من ماله
فليس إلا الحمد والشكر والمدح ... الذي يبقى لمثاله

أهدت جارية من جواري المأمون تفاحة له وكتبت إليه
366 إني يا أمير المؤمنين لما رأيت تنافس الرعية في الهدايا إليك وتواتر ألطافهم عليك فكرت في هديةٍ تخف مؤونتها وتهون كلفتها ويعظم خطرها ويجل موقعها. فلم أجد ما يجتمع فيه هذا النعت
(3/280)

ويكمل فيه هذا الوصف إلا التفاح فأهديت إليك منها واحدةً في العدد كثيرةً في التقرب. وأحببت يا أمير المؤمنين أن أعرب لك عن فضلها واكشف لك عن محاسنها وشرح لك لطيف معانيها. وما قالت الأطباء فيها تفنن الشعراء في أوصافها حتى ترمقها بعين الجلالة وتلحظها بمقلة الصيانة. فقد قال أبوك الرشيد: أحسن الفاكهة التفاح اجتمع فيه بياض الفضة ولون التبر. يلذ بها من الحواس العين ببهجتها والأنف بريحها والفم بطعمها.

فصول في التهنئة
كتب بعض الشعراء إلى بعض أهل السلطان في المهرجان
367 هذه أيام جرت فيها العادة بإلطاف العبيد للسادة. وإن كانت الصناعة تقصر عما تبلغه الهمة فكرهت أن أهدي فلا أبلغ مقدار الواجب فجعلت هديتي هذه الأبيات وهي:
ولما أن رأيت ذوي التصابي ... تباروا في هدايا المهرجان
جعلت هديتي وداً مقيماً ... على مر الحوادث والزمان
وعبداً حين تكرمه ذليلاً ... ولكن لا يعز على الهوان
نريدك حين تعطيه خضوعاً ... ويرضي من نوالك بالأماني

كتب السلطان العزيز إلى ابن مقشر الطبيب النصراني يهنئه ببرئه من مرضه
368 بسم الله الرحمن الرحيم إلى طبيب سلمه الله السلام الله الطيب وأتم النعمة عليه. وصلت إلينا البشارة بما وهبه الله من عافية الطبيب
(3/281)

وبرئه والله العظيم لقد عدل عندنا ما رزقناه نحن من الصحة في جسمنا أقاتلك الله العثرة. وأعادك إلى أفضل ما عودك من صحة الجسم وطيبة النفس وخفض العيش بحوله وقوته (لأبي الفرج)

في التوصية
كتاب أبي بكر إلى يزيد ابن أبي سفيان
369 إذا سرت فلا تعنف على أصحابك في السير ولا تغضب قومك وشاورهم في الأمر. واستعمل العدل وباعد عنك الظلم والجور. فإنه ما أفلح قوم ظلموا ولا نصروا على عدوهم. وإذا لقيتم الذين كفرو ازحفا فلا تولوهم الأدبار. ومن ويلهم يومئذ دبره إلا منحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله. وإذا نصرتم على عدوكم فلا تقتلوا وليدا ولا شيخاً ولا امرأة ولا طفلاً. ولا تقربوا نخلاً ولا تحرقوا زرعاً ولا تقطعوا شجراً مثمراً. ولا تعقروا بهيمة إلا بهيمة المأكول. ولا تغدروا إذ عاهدتم ولا تنقضوا إذا صالحتم. وستمرون على أقوام في الصوامع رهبان ترهبوا لله فدعوهم وما انفردوا إليه وارتضوه لأنفسهم فلا تهدموا صوامعكم ولا تقتلوهم والسلام (تاريخ الشام للواقدي)

كتاب عمر بن الخطاب لأبنه عبد الله
370 ما بعد فإنه من اتقى الله وقاه. ومن توكل عليه كفاه ومن شكر له زاده ومن أقرضه جزاه. فاجعل التقوى عماد قلبك وجلاء
(3/282)

بصرك فإنه لا عمل لمن لا نية له. ولا أجر لمن لا حسنة له. ولا جديد لمن لا خلق له. (للقيرواني)

كتاب عمر بن الخطاب إلى عتبة بن غزوان عاملة على البصرة
371 أما بعد فقد أصبحت أميرا تقول فيسمع لك وتأمر فينفذ أمرك. فيا لها نعمة إن لم ترفعك فوق قدرك وتطغيك على من دونك فاحترس من النعمة أشد من احتراسك من المصيبة. وإياك أن تسقط سقطة لا شوى لها وتعثر عثرة لا لعالها (أي لا إفالة) . والسلام

كتاب عمر إلى سعد بن أبي وقاص ومن معه من الأجناد
372 أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال. فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب. وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم. فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم. ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم. فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة. وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا. فأعلموا أن عليكم في سيركم حفظةٍ من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم واسألوا اله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم أسأل الله ذلك لنا ولكم وترفق بالمسلمين في مسيرهم ولا تجشمهم مسيراً يتعبهم ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم حتى يبلغوا عدوهم. والسفر لم ينقص
(3/283)

قوتهم فإنهم سايرون إلى عدو مقيم حامي النفس والكراع. وأقم بمن معك في كل جمعة يوما وليلة. حتى تكون لهم راحة يحيون فيها أنفسهم ويرمون أسلحتم وأمتعتهم. ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه. وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه. فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدقك في بعضه. وليكن منهك عند دنوك من أرض العدو أن تكثر الطلائع وتبث السرايا بينك وبينهم. ثم أذك أحراسك على عسكرك وتيقظ من البيات جهدك. والله ولي أمرك ومن معك وولي النصر لكم على عدوكم والله المستعان

فصول في الذم
فصل لأحمد بن يوسف
373 أما بعد فإني لا أعرف للمعروف طريقاً أوعر من طريقه ليك. فالمعروف لديك ضائع والشكر عندك مهجور. وإنما غايتك في المعروف أن تحقره وفي وليه أن تكفره.

كتاب أبي العتاهية إلى الفضل بن معن بن زائدة
374 أما بعد فإني توسلت إليك في طلب نائلك بأسباب الأمل وذرائع الحمد فراراً من الفقر ورجاء للغنى وازددت بهما بعداً مما فيه تقربت وقرباً مما فيه تبعدت. وقد قسمت اللائمة بيني وبينك لأني أخطأت في سؤالك وأخطأت في منعي. أمرت باليأس من
(3/284)

أهل البخل فسألهم ونهيت عن منع أهل الرعبة فمنعتهم

فصل لإبراهيم بن المهدي
375 إن مودة الأشرار متصلة بالذلة والصغار تميل معهما وتصرف في آثارهما. وقد كنت احل مودتك بالمحل النفيس وأنزلها بالمنزل الرفيع حتى رأيت ذلتك عند الضعة وضرعتك عند الحاجة وتغيرك عند الاستغناء وإطراحك لإخوان الصفاء. فكان ذلك أقوى أسباب عذري في قطيعتك عند من يتصفح أمري وأمرك بعين عدلٍ لا تميل إلى هوى ولا ترى القبيح حسناً.

فصل في العتاب لعبد الله بن معاوية ذي الجناحين
376 أما بعد فقد عاقني اشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك. ابتدأتني بلطف عن غير خبرةٍ وأعقبته جفاء من غير ذنب. فأطمعني أو لك في إخائك وآيسني من وفائك فسبحان من لو شاء لكشف من أمرك عن عزيمة الرأي فيك. فأقمنا على ائتلافٍ. وافترقنا على اختلاف.

وله أيضاً في هذا الباب
377 لو كانت الشكوك تختلجني في صحة مودتك وكريم إخائك ودوام عهدك لطال عتبي عليك في تواتر كتبي واحتباس جواباتها عني ولكن الثقة بما تقدم عندي تعذرك وتحسن ما يقبحه جفاؤك. والله يديم نعمته لك ولنا بك.
(3/285)

فصل لأبن المدبر
378 وصل كتابك المفتتح بالعتاب الجميل والتقريع اللطيف فلولا ما غلب علي من السرور بسلامتك لتقطعت غماً بعتابك الذي لطف حتى كاد يخفى عن أهل الرقة والفطنة. وغلظ حتى كاد يفهمه أهل الجهل والبله. فلا أعدمني الله رضاك مجازياً به على ما استحقه عتبك فأنت ظالم فيه وعتابك لي المخرج منه (لابن عبد ربه)

كتاب صاحب البريد بخراسان إلى الرشيد ويحي جالس بين يديه
379 عن الفضل بن يحي متشاغل بالصيد وإدمان اللذات عن النظر في أمور الرعية فلما قراه الرشيد رمى به إلى يحي وقال له: يا أبي اقرأ هذا الكتاب واكتب إليه بما يردعه عن هذا: فكتب يحي على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك الله يا بني وأمتع بك قد انتهى إلى أمير المؤمنين مما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره فعاود ما هو أزين بك. فإنه من عاد إلى ما يزينه أو يشينه لم يعرفه دهره إلا به والسلام (لابن خلكان)

كتاب طاهر بن الحسين حين أخذ بغداد إلى إبراهيم بن المهدي
380 أما بعد فإنه عزيز عليّ أن اكتب إلى أحدٍ من بيت الخلافة بغير كلام الإمرة وسلامها. غير انه بلغني عنك انك مائل الهوى والرأي للناكث المخلوع. فإن كان كلما بلغني فقليل ما كتبت به لك. وإن يكن غير ذلك فالسلام علك أيها الأمير ورحمة الله
(3/286)

وبركاته. وقد كتبت في أسفل كتابي أبياتاً فتدبرها:
ركوبك الهول ما لم تلق فرصته ... جهل رمى بك بالإقحام تعزير
أهون بدنيا يصيب المخطئون بها ... حظ المصيبين والمغرور مغرور
فازرع صوابا وخذ بالحزم حيطته ... فلن يذم لأهل الحزم تدبير
فإن ظفرت مصيباً أو هلكت به ... فأنت عند ذوي الألباب معذور
وإن ظفرت على جهل ففزت به ... فألوا جهول أعانته المقادير

فصول في المدح والشكر
فصل لمحمد بن الجهم
381 إنك لزمت من الوفاء طريقةً محمودةً وعرفت مناقبها وشهرت بمحاسنها. فتنافس الإخوان فيك يبتدرون ودك ويتمسكون بحبلك. فمن أثبت له عندك وداً وضع حلته موضع حرزها

كتاب ابن مكرم إلى احمد بن المدبر
382 إن جميع أكفائك ونظرائك يتنازعون الفضل فإذا انتهوا إليك أقروا لك. ويتنافسون المنازل فإذ بلغوك وقفوا دونك. فزادك الله وزادنا بك وفيك. وجعلنا ممن يقبله رأيك. ويقدمه اختيارك ويقع من الأمور بموقعٍ بموافقتك. ويجري فيها على سبيل طاعتك. (وله) . إن مما يطمعني في بقاء النعمة عندك ويزيدني بصيرة في العلم بدوامها لديك أنك أخذتها بحقها واستوجبتها بما فيك من أسبابها. ومن شان الأجناس أن تتألف. وشأن الأشكال
(3/287)

أن تتقاوم. وكل شيء يتفلقل إلى معدنه ويحن إلى عنصره. فإذا صادف منبته ونزل في مغرسه ضرب بعرقه وسبق بفرعه وتمكن تمكن الإقامة وتفتك الطبيعة

فصل له أيضاً
383 ألسيف العتيق إذا أصابه الصدأ استغنى بالقليل من الجلاء حتى تعود جدته ويظهر فرنده للين طبيعته وكرم جوهره. ولم أصف نفسي لك عجباً بل شكراً. (وله) زاد معروفك عندي عظماً أنه عندك مستور حقير. وعند الناس مشهور كبير. (أخذه الشاعر) فقال:
زاد معروفك عندي عظيماً ... انه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير

فصل للعتابي
384 أنت أيها الأمير وارث سلقك وبقية أعلام أهل بيتك المسدود به ثلمهم المجدد به قديم شرفهم والمحيا به أيام سعيهم. وإنه لم يخمل من كنت وارثه. ولا درست آثار من كنت سالك سبيله ولا انمحت أعلام من خلفته في رتبته.

فصول في التعازي
فصل لعمرو بن بحر الحاحظ
385 أما بعد فإن الماضي قبلك الباقي لك والباقي بعدك المأجور فيك. وإنما يوفى الصابرين أجرهم بغير حساب (وله) : أما بعد فإن
(3/288)

في اله العزاء من كل هالك والخلف من كل مصاب. وإنه من لم يتغز بعزاء الله تنقطع نفسه عن الدنيا حسرةً. (وله) أما بعد فإن الصبر يعقبه الأجر والجزع يعقبه الهلع. فتمسك بحظك من الصبر تنل به الذي تطلب وتدرك به الذي تأمل (لابن عبد ربه)

كتب ابن السماك إلى هارون الرشيد يعزيه بولدٍ
386 أما بعد فإن استطعت أن يكون لله شكرك حيث وهبه لك فافعل. فإنه حيث قبضة منك أحرز لك هبته. ولو بقي لم تسلم من فتنته. أرأيت جزعك على ذهابه وتلهفك على فراقه. أرضيت الدار لنفسك فترضاها لابنك. أما هو فقد خلص من الكدر وبقيت أنت متعلقاً بالخطر ولا سلام (الكنز المدفون للسيوطي)

عزى شبيب بن شبة المنصور على أخيه أبي العباس فقال
387 جعل الله ثواب مارزئت به لك أجراً وأعقبك عليه صبراً. وختم ذلك لك بعافية تامةٍ ونعمة عامةٍ. فثواب الله خير لك منه وما عند اله خير له منك. وأحق ماصبر عليه ما ليس إلى تغييره سبيل

رسائل إلى عليل
388 ليست حالي أكرامك الله في الاغتمام بعلتك حال المشارك فيها بان ينالني نصيب منها وأسلم من أكثرها. بل اجتمع علي منها أني مخصوص بها دونك مؤلم منها بما يؤلمك. فانا عليل مصروف العناية إلى عليل كأني سليم. فانا أسأل الله الذي جعل عافيتي في عافيتك
(3/289)

أن يخصني بما فيك فإنها شاملة لي ولك. (وفي هذا الباب) : إن الذي يعلم حاجتي إلى بقائك قادر على المدافعة عن حوابائك. فلو قلت إن الحق قد سقط عني في عيادتك لأني عليل بعلتك لقام بذلك شاهد عدل في ضميرك واثر بار في حالي لغيبتك وأصدق الخبر ما حققه الأثر وأفضل القول ما كان عليه دليل.

فصول في وصاة
كتب الحسن بن وهب إلى مالك بن طوقٍ يوصي بابن أبي الشيص
389 كتابي إليك خططته بيميني وفرغت له ذهني فما ظنك بحاجة هذا موقعها مني. أتراني أقبل العذر فيها أو أقصر في الشكر عليها وابن أبي الشيص قد عرفته ونسبه وصفاته ولو كانت أيدينا تنبسط ببره ما عدانا إلى غيرنا فاكتف بهذا منا (وله) : كتابي إليك كتاب معني بمن كتب له واثقٍ بمن كتب إليه. ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله

فصل للحسن بن سهل
390 فلان قد استغنى باصطناعك إياه عن تحريكي إياك في أمره. فغن الصنيعة حرمة للمصنوع إليه وسيلة إلى مصطنعه فبسط الله يدك بالخيرات وجعلك من أهلها ووصل بك أسبابها. (وله) : موصل كتابي إليك أنا فكن له أنا. وتأمله بعين. مشاهدتي وخلتي. فلسانه أشك ما أتيت إليه وأذم ما قصرت فيه (لابن عبد ربه) .
(3/290)

الباب العشرون
في تاريخ العرب
نظر في أمة العرب وطباعهم وسكناهم
391 اعلم أن العرب مهم الأمة الراحلة الناجمة. ألخيام لسكناهم والخيل لركوبهم والأنعام لكسبهم. يقومون عليها ويقتاتون من ألبانها ويتخذون الدفء والأثاث من أوبارها وأشعارها ويحملون أثقالهم على ظهورها. يتنازلون حلالا مفترقة ويبتغون الرزق في غالب أحوالهم من القنص وتخطف الناس من السبل. ويتقلبون دائماً في المجالات فراراً من حمارة القيظ تارة وصبارة البرد أخرى. وانتجاعاً لمراعي غنمهم. ارتياداً لمصالح إبلهم الكفيلة بمعاشهم وحمل أثقالهم ودفئهم ومنافعهم فاختصوا لذلك بسكنى الإقليم الثالث. فعمروا اليمن والحجار ونجداً وتهامة وما وراء ذلك لاختصاص هذه البلاد بالرمال والقفار المحيطة بالأرياف الأهلة بمن سواهم من الأمم في فصل الربيع وزخرف الأرض لرعي الكلاْ والعشب في منابتها والتنقل في نواحيها إلى فصل الصيف لمدة الأقوات في سنتهم من حبوبها. وربما يلحق أهل العمران أثناء ذلك ممرات من ضرارهم بإفساد السابلة ورعي الزرع مخضراً أو انتهابه قائماً وحصيداً. لاما حاطته الدولة وذادت عنه الحامية في الممالك التي للسلطان عليهم
(3/291)

فيها. ثم ينحدرون في فصل الخريف إلى القفار لرعي شجرها ونتاج إبلهم في رمالها وما أحاط به عملهم من مصالحها. وفرارا بأنفسهم وظعائنهم من أذى البرد إلى دفء مشاتيها. فلا يزالون في كل عام مترددين بين الريف والصحراء ما بين الإقليم الثالث والرابع صاعدين ومنحدرين على ممر الأيام. شعارهم لبس المخيط في الغالب ولبس العمائم تيجاناً على رؤوسهم لقنوا من أمم البربر في حمل السلاح اعتقال الرماح وهجروا تنكب القسي (تاريخ ابن خلدون)

ذكر نسب العرب وتقاسمهم
392 قال المطرزي: اختلف في نسبتهم وقيل إن اسمهم اشتق من الإبانة لقولهم أعرب الرجل عما في ضميره إذا أبان عنه. والأصح أنهم نسبوا إلى عربة فهي من تهامة ودعي جيلهم جيل الجاهلية لما كان عليه العرب من الجهل بالله وشرائع الدين والكبر والتجبر وقد قسم المؤرخون العرب إلى ثلاث أقسام عاربةٍ ومتعربة ومستعربة. أما العاربة فهم العرب الأول الذين ذهبت عنا تفاصيل أخبارهم لتقادم عهدهم وأما العرب المتعربة فهم عرب اليمن من ولد قحطان. وأما العرب المستعربة فهم ولد إسماعيل (نهاية الأرب للنويري)

أخبار العرب العارية أو البائدة وهم القسم الأول
393 هم شعوب كثيرة منم عاد وثمود وطسم وجديس وجرهم الأولى. وقد نسمى هذا الجيل العرب البائدة بمعنى الهالكة لأنه لم
(3/292)

يبق على وجه الأرض أحد من نسلهم وقد سمي أهل هذا الجيل العاربة إما بمعنى الرساخة بالعروبية كما يقال ليل أليل وصوم صائم أو بمعنى الفاعلة للعروبية والمبتدعة لها بما كانت أول أجبالها وأما بنو عادٍ فكانت مواطنهم اللوى بأحقاف الرمل بين اليمن وعمان إلى حضرموت والشجر وكان أبوهم عاد أول ملك من العرب. وذكر المسعودي: أن الذي ملك منهم من بعد عادٍ شداد. وهو الذي سار في الممالك واستولى على كثير من بلاد الشام والهند والعراق. ولما اتصل ملك عادٍ وعظم طغيانهم وعنوهم انتحلوا عبادة الأصنام والأوثان أبادهم الله وهلكوا عن أقصاهم وأما ثمود فكانت ديارهم بالحجر ووادي القرى فيما بين الحجاز والشام وكانوا ينحتون بيوتهم في الجبال وكانوا أهل كفرٍ وبغي. فانذرهم بعض الأنبياء فلم يصيخوا إلى دعائه. فهلك جميعهم حيث كانوا من الأرض ودرجوا في الغابرين.
وأما جديس وطسم فكانت ديارهم اليمامة وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها ثماراً وحدائق وقصورا وكان ملك طسم غشوماً مصاراً لجديس مستذلاً لهم حتى قام الأسود وقتله غيلة وأما جرهم الأولى فكانت ديارهم باليمن وكانوا يتكلمون بالعبرانية فكانوا على عهد عادٍ ولتقادم انقراضهم ذهبت عنا حقائق أخبارهم وانقطعت عنا أسابا العلم بآثارهم وأما جرهم الثانية
(3/293)

فليسوا من البائدة بل عن من ولد قحطان وبهم اتصل إسماعيل بن إبراهيم

العرب المتعرية بنو قطحان وهم القسم الثاني
394 وسمي هذا الجيل العرب المتعربه لنزلوهم بالبادية مع العرب العاربة وتخلقهم بأخلاقهم. وهم بنو قحطان بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام. وقحطان هذا معرب يقطان وكان أول من ملك أرض اليمن ولبس التاج (2030 قبل المسيح) وكان بنو قطحان معاصرين لإخوانهم من العرب العاربة ومظاهرين لهم على أمورهم. ولم يزالوا مجتمعين في مجالات البادية مبعدين عن رتبة الملك وترفهه الذي كان لأولئك فأصبحوا بمنجاةٍ من الهرم الذي يسوق إليه الترف والنضارة فتشعبت في أرض الفضاء فصائلهم وتعدد في جو الفقر أفخاذهم وعشائرهم. ونمى عددهم وكثرت إخوانهم من العمالة في آخر جيلهم. وزاحموا بمناكبهم واستجدوا خلق الدولة بما استأنفوه من عزهم وكانت الدولة لبني قحطان متصلة فيهم (لابن خلدون)

ملك يعرب ويشجب وسبا بني قحطان
395 وكان يعرب بن قحطان من أعاظم ملوك العرب ويسمى يمناً وبه سميت اليمن وهو أول من حياه بالتحية: أبيت اللعن وأنعم صباحاً. وقيل إنه أول من نطق بالعربية. قال حسان بن ثابت الأنصاري:
تعلمتم من منطق الشيخ يعربٍ ... أببنا فصرتم ذوي نفر
وكنتم قديماً ما لكم غير عجمةٍ ... كلام وكنتم كالبهائم في القفر
(3/294)

وملك بعد يعرب ابنه يشجب. وكان واهي العزيمة واستبد أعمامه بما في أيديهم من الممالك. وملك من بعده ابنه عبد الشمس وأكثر الغزو في أقطار البلاد قسمي سبأ. وكانت قاعدة ملكة مدينة صنعاء ومن مدنه مأرب على ثلاث مراحل منها (للنوري وابن الأثير)

سد مأرب وتفرع بني سبا
396 فبنى سبأ في مأرب سداً مابين جبلين بالصخر والقار فحقن به ماء العيون والمطار وساق إليه سبعين وادياً وترك فيه خروفاً على قدر ما يحتاجون إليه في سقيهم. وهو الذي يسمى العرم ومات قبل إتمامه فأتمه ملوم حمير من بعده فأقاموا في جناته عن اليمين والشمال. ودولتهم يومئذ أوفر مما كانت وأترف وأبذخ وعلى يداً وأظهر. فلما طغوا أجحفهم السيل وأغرق جناتهم وخرجت أرضهم وتمزق ملكهم وصاروا أحاديث وكان هؤلاء التبابعة ملوكاً عدة في عصور متعاقبة وأحقاب متطاولة لم يضبطهم الحصر ولا تقيدت منهم الشوارد. وربما كانوا يتجاوزن ملك اليمن إلى ما بعد عنهم من العراق والهند والمغرب. فاختلفت أحوالهم ووقع اللبس في نقل أيامهم. فلنأت منها متحرياً جهد الاستطاعة عن طموس من الفكر واقتفاء التقاييد المرجوع إليها والأصول المعتمد على نقلها وعدم الوقوف على أخبارهم مدونة في كتاب واحدٍ. وكان لسبأ من الولد كثير أشهرهم حمير وعمرو وكهلان فيعزى التبايعة إلى حمير والمناذرة إلى عمرٍ وينتمي
(3/295)

الغساسنة إلى كهلان. وسنورد بالتلخيص أخبارهم (لابن خلدون)

ملك التبابعة بني حمير في اليمن
(ذكر حمير وشداد وتبع الأول)
397 قال المسعودي: قيل لملوك اليمن تبابعة لأنه يتبع بعضهم بعضاً كلما هلك قام آخر. ولم يكونوا يسمون الملك منهم بتبع حتى يملك اليمن والشحر وحضرموت ومن لم يكن له شيء من هذا قيسمى ملكاً ولا يقال له تبع. وأما حمير فقد يعرف أيضاً بالعرنجج (1430 ق. م) . وقيل هو أول من تتوج بالذهب واخرج ثمود من اليمن إلى الحجاز. ثم ملك بعده ابنه وائل. ولم يزل ملكهم على اليمن حتى مضت قرون وصار الأمر إلى شداد فغزا البلاد إلى أن بلغ أقصى المغرب وبنى المدائن والمصانع وأبقى الآثار العظيمة. ثم اضطربت أحوال حمير وصار ملكهم طوائف إلى أن استقر في الحارث وهو تبع الأول وفي بنية التبابعة. وقد لقب الحارث بالرائش لأنه راش الناس بالعطاء مما كان أصابه في غزواته من السلب والغنائم (لحمزة الأصفهاني)

ملك افريقس وذي الاذعار وشرجبيل
398 ثم ملك أبرهة ذو المنار ثم أفريقس (1098 ق. م) وذهب بقبائل العرب إلى افريقية وبه سميت وساق البرير إليها من أرض كنعان فأنزلهم ويقال إنه الذي سمي البرابرة بهذا الاسم لأنه لما افتتح المغرب وسمع رطانتهم قال: ما أكثر بربرتهم فسموا البرابرة.
(3/296)

ثم ملك بعد أفريقس أخوه عمرو ذو الأذعار ولم يحسن السيرة في الرعية ولما يعبأ بوصاة أبيه أبرهة وكان أنشده عند وفاته:
يا عمرو إنك ما جهلت وصيتي ... إياك فاحفظه فإنك ترشد
يا عمر ولا والله ما ساد الورى ... فيما مضى إلا المعين المرفد
يا عمر من يشري العلي بنواله ... كرماً يقال له الجواد السيد
كل امرئٍٍ يا عمر حاصد زرعه ... والزرع شيء لا محالة يحصد
ولما ذعرت حمير من جوره خلعت طاعته وقلدت الملك شرحبيل. فجرى بين شرحبيل وذي الأذعار قتال شديد قتل فيه خلق كثير. واستقل شرحبيل بالملك بعده ابنه الهدهاد. (1065 ق. م)

ملك بلقيس وناشر النعم وشمر مرعش ومزيقيا
399 ثم ملكت بلقيس ابنه الهدهاد وكانت على عهد سليمان ووفدت عليه بنفيس الهدايا وبقيت في ملك اليمن عشرين سنة. ثم قام بعدها بالملك مالك ناشر النعم. لأنه قلد أعناق رعته أطواق الإنعام المنن وسار غازياً إلى المغرب فبلغ وادي الرمل ولم يجد فيه مجازاً كثرة الرمل وعبر بعض أصحابه فلم يرجعوا فأمر بصنم من نحاس نصب على شفير الوادي وكتب في صدره بالخط المسند: هذا الصنم لناشر النعم الحميري ليس وراءه مذهب فلا يتكف أحد ذلك فيعطب. ثم ملك بعد ناشر هذا ابنه شمر مرعش سمي بذلك لارتعاش كان به وهذا هو تبع الآخر. وهو المشهور من ملوك التبابعة ذو المغازي
(3/297)

والآثار البعيدة فكان من أشد ملوك العرب نكاية في العداء وأبعدهم مغاراً (850 قبل المسيح) ويقال إنه وطئ أرض العراق وفارس وخراسان افتتح مدائنهم وخرب مدينة الصفد وراء جيحون فقالت العجم شمر كند أي شمر خرب. وبنى مدينة هنالك فسميت باسمه هذا وعربته العرب فصار سمرقند. وشخص من اليمن غازياً بالحيرة فتحير عسكره. ثم رجع إلى اليمن وهابته الملوك وهادنوه وأخذ بدين اليهودية بإغراء بعض أحبار اليهود من بني قريظة ثم عاد إلى غزو بلاد فارس فوطأ الممالك وذللها وعمد إلى الصين قال النويري: وكان لملك الصين في ذلك الزمان وزير شديد البأس سامي اهمة فلما بلغه مسر ملك اليمن جدع انفه ولحق بأبي كرب وسعى إليه بأمره وتشكى من ملك الصين وتظاهر أنه يدل أبا كرب على خلل يمكنه الفرصة لإلقاء بلادهم بالقياد وفتحها فسر به تبع وبالغ في إكرامه وأصاخ لقوله. فنهض الوزير بجيشه وهو يقدمهم حتى انتهى بهم إلى أرض سبخة. فتوغلوا في فلواتٍ سحيقة لا ماء فيها فأجهدهم العطش فهلكوا. ثم قام بعده ابنه أبو مالك وهلك في بعض غزواته ثم انتقل الملك مدة إلى بني كهلان حتى ملك عمرو بن عامر الأزدي وقيل له مزيقيا لأنه كان يلبس كل يوم بدلة فإذا أراد الدخول إلى مجلسه رمى بها فمزقت لئلا يجد أحد فيها ما يلبسة. وقيل إنه على عهده صار سيل العرم (102 ب م) .
(3/298)

فانفجرت مياه سد مأرب احتمل السيل أنعامهم وخرب ديارهم فتفرقت القبائل المجاورة له أيدي سبا (لابن الأثير والمسعودي)

ذكر ذي نواس وشهداء النصرانية في نجران
400 ولم تزل تتوالى الملوك على حمير حتى صار الملك إلى ذي نواس (490 ب م) واتفق أهل الأخبار كلهم أن ذا نواس هو ابن تبان أسعد واسمه زرعة. وأنه لما تغلب على ملك آبائه التبابعة تسمى يوسف وتعصب لدين اليهودية وحمل عليه قبائل اليمن. فاستجمعت معه حمير على ذلك وأراد أهل نجران عليها وكانوا من بين العرب يدينون بالنصرانية ولهم فضل في الدين واستقامة على حكم أهل الإنجيل. ولهم رأس يقال له عبد الله بن ثامر. وكان هذا الدين وقع إليهم قديماً من بقية أصحاب الحواريين من رجل سقط لهم من ملك التبعية يقال له فيمون. وكان رجلا صالحاً مجتهداً في العبادة مجاب الدعوة وظهرت على يده الكرامات في شفاء المرضى. وكان يطلب الخفاء عن الناس جهده وكان لا يأكل إلا من كسب يده ويعظم يوم الأحد فلا يعمل فيه شيئاً ففطن لشأنه رجل من أهل الشام اسمه صالح فلزمه وخرجا فارين بأنفسهما حتى طأ بلاد العرب. فاختطفتهما سيارة فباعوهما بنجران. وأهل نجران يومئذ على دين العرب يعبون نخله لهم طويلة ويعلقون عليها في الأعياد من حليهم وثيابهم ويعكفون عليها أياماً وكان قد ابتاع فيمون رجل من أشرافهم وابتاع
(3/299)

صالح آخر. فكان فيمون إذا قام في الليل في بيت له أسكنه إياه سيده استسرج له البيت نوراً وهو في غير مصباح حتى يصبح الصباح. فأعجب سيده ما رأى منه فسأله عندينه فأخبره به وقال له: إنما أنتم على باطل وهذه الشجرة لا تضر ولا تنفع. ولو دعوت عليها إلهي الذي أعبده لأهلكها وهو وحده لا ند له. فقال له سيده: افعل فإنك إذا فعلت هذا دخلنا في دينك وتركنا ما نحن عليه. فدعا فيمون فأرسل الله ريحاً فجعفت النخلة من أصلها. وأطبق أهل نجران على أتباع دين عيسى فمن هناك كانت النصرانية بنجران. وأما عبد الله بن ثامر فكان يجلس إلى فيمون كل يوم ويسمع منه شرائع النصرانية حتى فقه فيها وظهرت على يده الخوارق والمعجزات ودان الكل بدينه. فسار إليهم ذو نواسٍ واستدعى رأسهم عبد الله ابن تامر فأحذره وقال له: أفسدت علي أهل بلدي وخالفت ديني ودين آبائي. ثم أمر به فقتل وعرض على أهل نجران القتل فلم يزدهم إلا جماحاً. فخدد لهم الأخاديد وأوقد لهم ناراً ثم أمتحنهم. فجعل يقول للرجل والمرأة: إما أن تترك دينك وإما أن نقذفك في النار فيقول: ما أنا تارك ديني لشيء فيقذف فيها فيحرق. فبقيت امرأة ومعها صبي رضيع عمره سبعة أشهر فجزعت وتهيبت. فقال لها الغلام: يا أماه لا تنافقي فإنك على الحق ولم يكن يتكلم من ذي قبلٍ. فاحترقت وقتل وحرق ذو نواسٍ حتى اهلك منهم فيما قال ابن إسحاق
(3/300)

عشرين ألفاً أو يزيدون وأفلت منهم رجل من سبأ يقال له دوس ذو ثعلبان فسلك الرمل على فرسه فأعجزهم. فقدم على قيصر صاحب الروم يستنصره على ذي نواس (معجم البلدان لياقوت)

استيلاء الحبشة على ملك اليمن
401 فبعث قيصر إلى ملك الحبشة يأمره بنصره. فجاءته السفن وأجاز فيها العساكر من الحبشة وأمر عليهم أرياط رجلاً منهم. وعهد إليه بقتلهم وسبيهم وخراب بلادهم. فركبوا البحر ونزلوا ساحل اليمن فلقيهم ذو نواس فيمن معه فانهزم فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه بقرسه إلى البحر وخاض ضحضاحة. ثم أفضى به إلى غمرةٍ فأقحمه فيها فكان آخر العهد به وانقرض أمر التبابعة. (529 ب م) ووطئ من ثم أرياط اليمن بالحبشة وأذل رجالات حمير وهدم حصون المك. ثم انتفض على أرياط أبرهة احد رؤساء جيشه وجذب معه رعاع الحبشة وعصى أرياط ودعاة للحرب فانحاز إلى أرياط عظماء الحبشة وغطاريفهم فاقتتلوا. فحمل أرياط على أبرهة وعلا وجهه بالحرية فشرم انفه وبذلك لقب بالأشرم وحمل أبرهة على أرياط بالسيف وعلا به رأسه فأسرع السيف في دماغه وسقط عن جواده. فمالوا حينئذِ جميعاً وصاروا مع أبرهة وأقاموه ملكاً. وكان أبرهة رجلاً قصيراً حادراً لحمياً دحداحاً ذا دين في النصرانية. فبنى بصنعاء إلى جانب غمدان كنيسة محكمة العمل وسماها
(3/301)

القليس فانتشر خبر بناء هذا البيت في العرب. ولما هلك أبرهة) 571) ملك مكانة ابنه يكسوم وبه كان يكنى واستفحل ملكه وأذل حمير وقبائل اليمن. فقتل رجالهم واستخدم أبناءهم. ثم هلك يكسوم فملك مكانه أخوه مسروق وساءت سيرته وكثر عسفه (للازرقي)

أخبار سيف بن ذي يزن
402 ولما طال بلاء الحبشة على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن الحميري من الأذواء بقية ذلك السلف وعقب أولئك الملوك. وديال الدولة الموفض للخمود. وقدم على قيصر (موريقي) يستنجده على الحبشة. فأبى وقال: الحبشة على دين النصارى. فرجع إلى كسرى وقدم الحيرة على النعمان بن المنذر عامل فارس على الحيرة وما يليها من أرض العرب فشكا إليه. واستمهله النعمان إلى حين وفادته على كسرى وأوفد معه وسأله النصر على الحبشة وشاور أهل دولته. فقالوا: في سجونك رجال حبستهم للقتل. ابعثهم معه فإن هلكوا كان
(3/302)

الذي أردت بهم وإن ملكوا كان ملكا ازددته إلى ملكك فأحصوا بثمانمائة وقدم عليهم أفضلهم وأعظمهم بيتاً وأكبرهم نسباً وكان وهزر الديلمي. فتواقفوا للحرب وأمر وهزر ابنه أن يناوشهم القتال فقتلوه وأحفظه ذلك. وقال: أروني ملكهم فأروه إياه على فيل عليه تاجه وبين عينية ياقوته حمراء. فرماه بسهم فصك الياقوتة بين عينيه وتغلغل في دماغه وتنكس عن دابته وداروا به فحمل القوم عليهم وانهزم الحبشة في كل وجهٍ. وفني ملكهم في اليمن بعد أن توارثه منهم أربعة في ثنتين وسبعين سنة. (601) وانصرف وهزر إلى كسرى بعد أن خلف سيفاً على اليمن في جماعةٍ من الفرس ضمهم إليه على فريضة يؤديها كل عامٍ. وجعلهم لنظر ابن ذي يزن وانزله بصنعاء. وانفرد ابن ذي يزن بسلطانه ونزل قصر الملك وهو رأس غمدان. يقال إن الضحاك بناه على اسم الزهرة وهو أحد البيوت السبعة الموضوعة على أسماء الكواكب وروحانيتها. خرب في خلافة عثمان. ولما استوثق لذي يزن الملك جعل يعتسف الحبشة ويقتلهم حتى إذا لم يبق إلا القليل جعلهم خولاً واتخذ منهم طوابير يسعون بين يديه بالحراب. فخرج يوماً وهم يسعون بين يديه. فلما افردوا به عن الناس رموه بالحراب فقتلوه. فأرسل كسرى عاملاً على اليمن واستمرت عماله إلى أن كان آخرهم بإذن فأسلم وصارت اليمن للإسلام (لابن خلدون)
(3/303)

2 خبر الملوك المناذرة بني كهلان في العراق
تملك ملك بن فهم وجذيمة الأبرش 403 أما أخبار العرب بالعراق في الجيل الأول فلم يصل إلينا تفاصيلها وشرح حالها. إلا لما حدث سيل العرم تمزقت عرب اليمن من مدينة مأرب إلى العراق والشام. فكانت تنوخ وقضاعة وهما حيأن من أحياء الأزد من بني كهلان ممن تمزق إلى العراق. فقال ملك بن فهم الأزدي لمالك بن القضاعي: نقيم بالبحرين ونتحالف على من نوانا فتحالفوا. فسموا تنوخ وذلك في أيام ملوك الطوائف فنظروا إلى العراق وعليها طائفة من ملوكها وهي شاعرغ فخرجوا عن البحرين وسارت الأزد إلى العراق مع ملك بن فهم الأزدي وسارت قضاعة إلى الشام مع مالك القضاعي.
404 وأول من تملك على تنوخ في العراق ملك بن فهم (195 للمسيح) وكان منزلة بالأنبار فبقي بها إلى أن رماه سليمة بن مالك رمية بالليل وهو لا يعرفه فلما علم أن سليمة رامية قال:
جزاني لا جزاه الله خيرا ... سليمة غنه شراً جزاني
أعلمه الرماية كل يومٍ ... فلما اشتد ساعده رماني
فلما قال هذين البيتين فاظ وهرب سليمة ثم ملك من بعد ملك جذيمة الأبرش. (215 ب م) وكان ثاقب الرأي بعيد المغار شديد النكاية ظاهر الحزم. وهو أول من غزا بالجيوش وشن الغارات على
(3/304)

قبائل العرب وكان به برص فأكبرته العرب على أن تنعته به إعظاماً فسمته جذيمة الأبرش وجذيمة الوضاح. واستولى على السواد ما بين الحيرة والأنبار وسائر القرى المجاورة لبادية العرب وكان يجبي أموالها. وغزا طسماً وجديساً في منازلها من اليمامة. وفيه قال الشاعر:
أضحى جذيمة في الأنبار منزلة ... قد حاز ما جمعت في عصرها عاد
فطال ملكه إلى أن أدرك ملك سابور بن أشك. وكان جذيمة ملك معدٍ وبعض اليمن وغزا في آخر عمره الشام فقتل عمرو بن حسان ابن أذين والد الزباء ملكة الطوائف فانطوت له الزباء على طلب الثأر حتى قتلته. وكان ملك جذيمة نحو ستين سنة بالتقريب (لحمزة الاصفهاني) .

ملك عمرو بن عدي
405 فورث الملك من بعده ابن أخيه عمر بن عدي (268) وأمه رقاش وهو أول من اتخذ الحيرة منزلاً من ملوك العرب. وأول ملك يعده الحيريون في كتبهم من ملوك عرب العراق وملوك العراق إليه ينتسبون وهم عمرو بطلب الثأر من الزباء بخاله جذيمة. فلما أحست الزباء بنيته تحصنت في معقل فصارت أمنع من عقاب فعمد عمر إلى قصير وزيره فجدع انفه بمواطأةٍ منه على ذلك فلحق بالزباء يشكوها ما أصابه من عمر وانه اتهمه بمداخلة الزباء في أمر خاله جذيمة فقال: وما رأيت بعد ما فعل بي أنكى له من أن يكون معك. فأكرمته وقربته حتى إذا رضي منها من الوثوق بع غرها واسلم حصنها إلى عمرو. فلحمها
(3/305)

بالسيف وأصاب ما أصاب من المدينة وانكفأ راجعاً. فبقي مدة عمره منفرداً بملكه مستبداً بأمره يغزو المغازي ويصيب الغنائم وتجبى إليه الموال وتفد عليه الوفود دهره الأطول. لا يدين لملوك الطوائف بالعراق حتى قدم أزدشير بن بابك في أهل فارس أرض العراق. فضبطها وقهر من كان له بها مناوئاً حتى حملهم على ما أراد مما يوافقهم ومما لا يوافقهم. فكره كثير من تنوخ مجاورة العراق على الصغار. فخرج من كان منهم من قبائل قضاعة. فكان أناس من العرب يحدثون أحداثاً في قلومهم أو تضيق معيشتهم فيخرجون إلى ريف العراق وينزلون الحيرة فكان ذلك على أكثرهم هجنةً. فصار أهل الحيرة ثلاثة أثلاث. ألثلث الأول تنوخ وهم من كان يسكن المظال وبيوت الشعر والوبر في غربي الفرات ما بين الحيرة إلى الأنبار فما فوقها. والثلث الثاني العباد وهم الذين سكنوا رقعة الحيرة فابتنوا بها. والثلث الأحلاف وعمرت الحيرة أيام ملك عمر وبن عدي باتخاذه منزلاً إياها. وعظم شأنها إلى أن وضعت الكوفة ونزلها عرب الإسلام. (للنويري وحمزة الأصفهاني)

ملك امرئ القيس البدء والمحرق والنعمان الأعور السائح
406 ثم ملك من بعد عمرو بن عدي امرؤ القيس البدء وهو الأول في كلامهم (288- 338 ب م) وهو أول من تنصر من ملوك آل
(3/306)

نصر وعمال الفرس. ثم ولي مكانه ابنه عمرو (338 - 363) ثم عقبة أوس بن قلام العمليقي خمس سنين. ثم ثار به حججبا أحد بني فازان فقتله. (368 ب م) وولي مكانه مدة ثم ولي من بعده امرؤ القيس (الثاني) . (368 - 390 ب م) ويعرف امرؤ القيس هذا بالمنذر والمحرق لأنه أول من عاقب بالنار وهو الذي ذكره الأسود ابن يعفر في قوله: ماذا أؤمل بعد آل محرق. ثم ملك بعده ابنه النعمان الأعور السائح وهو باني الخوانق والسدير وكان النعمان هذا في أيام يزدجرد فدفع إليه ابنه بهرام ليربيه وأمر ببناء الخوانق مسكناً لأبنه فأسكنه إياه. وأحسن تربيته وتأديبه. وجاءه بمن يلقنه الخلال من العلوم والآداب والفروسية حتى اشمل على ذلك بما رضيه. وكان النعمان من أشد ملوك العرب: نكايةً في الأعداء وأبعدهم مغاراً قد أتى الشام مراراً كثيرةً وأكثر المصائب في أهلها وسبى وغنم. وكان ملك فارس ينفذ معه كتيبين الشهباء وأهلها الفرس ودوسر وأهلها تنوخ. فكان يغزو بهما من لا يدين له من العرب. وكان صارماً حازماً ضابطاً لملكه قد اجتمع له من الأموال والخول والرقيق ما لم يملكه أحد من ملوك الحيرة. والحيرة يومئذ ساحل الفرات. ولما أتى على النعمان ثلاثون سنةً تنصر على يد بعض وزرائه ثم زهد وترك الملك ولبس المسوح وذهب فلم يوجد له أثر.
(3/307)

ملك المنذر الأول والنعمان الثاني والأسود وامرؤ القيس الثالث
407 ولما تزهد النعمان تولى الأمر ابنه المنذر الأول (420 ب م) وكان أهل فارس ولوا عليهم شخصاً من ولد أزدشير وعدلوا عن بهرام لنشئه بين العرب وخلوه من آداب العجم. واستنجدوا بهرام بالعرب فجز المنذر العساكر لبهرام لطلب ملكه. وحاصر مدينة الملك فأذعن له فارس وأطاعوه. واستوهب المنذر ذنوبهم من بهرام فعفا عنهم واجتمع أمره. ورجع المنذر إلى بلاده وشغل باللهو إلى موته. (462) ب م وملك مكانه النعمان الثاني وكان وزيره عدي بن زيدٍ النصراني فتزهدا (469) . وملك مكانه أخوه الأسود وهو الذي انتصر على عساكر عرب الشام وأسر عدةً من ملوكهم ثم هلك (491) . وملك أخوه منذر الثاني سبع سنين ثم ابن أخيه (498) نعمان الثالث. ثم استخلف أبو يعفر بن علقمة الذميلي (503) وذميل بطن من لخمٍ. ثم ملك امرؤ القيس الثالث (506) هذا هو الذي غزا بكراً يوم أوراة في دارها فكانت قبله تقيم أود ملوك الحيرة وتعضدهم. وهو أيضاً باني العذيب والصنبر وفيهما يقول جبير بن بلوغ:
ليت شعري متى تخب بنا النا ... قة نحو العذيب والضبر

ملك المنذر الثالث والنعمان قابوس
408 ولما هلك امرؤ القيس الثالث ابنه وهو ذو
(3/308)

القرنين لضفير تين كانتا له من شعره وأمه ماء السماء. قال الجنابي: وكان هذا القبا لأبي عامر الأزدي لأنه كان يقيم ماله مقام القطر أي عطاءً وجوداً فغلبت على نديه لأنهم خلف منه. وذكر أن مرة بن كلثوم قتله لخمسين سنة من ملكه. (562 ب م) ثم ملك بعده ابنه عمرو بن هندٍ الملقب بالمحرق وهند أمه. وكان شديد السلطان غزا تميماً في دارها فقتل من بني دارم مائة يوم أوارة الثاني بأخيه أسعد بن المنذر وكان ملكه ست عشرة سنة. (578) ثم ولي شقيقه قابوس أربع سنين في زمن أنوشروان. وكان فيه لين وكان ضعيفاً مهيناً قتله رجل من يشكر وسلبه. (582) ثم ملك المنذر الرابع أخوه سنة واحدة ثم النعمان الرابع أبو قابوس (582 - 604) وهو صاحب النابغة الذبياني الذي بنى الغريين وتنصر (للنويري والمسعودي)

خبر تنصر النعمان
409 كان النعمان بن ماء السماء الملقب بأبي قابوس قد نادمه رجلان من بني أسد احدهما خالد بن المضلل والآخر عمرو بن مسعودٍ فأغضباه في بعض المنطق. فأمر بأن يحفر لكل واحد حفيرة بظهر الحيرة ثم يجعلا في تابوتين ويدفنا في الحفرتين. ففعل ذلك بهما حتى إذا أصبح سأل عنهما فأخبر بهلاكهما. فندم على ذلك وغمه وفي عمرو بن مسعود وخالد بن المضلل يقول شاعر بني أسدٍ:
يا قبر بين بيوت آل محرق ... جادت عليك رواعد وبروق
(3/309)

أما البكاء فقل عنك كثيره ... ولئن بكيت فللبكاء خليق
ثم ركب النعمان حتى نظر إليهما فأمر ببناء الغريين عليهما. فبنيا وجعل لنفسه يومين في السنة يجلس فيهما عند الغريين يسمى احدهما يوم نعيم والآخر يوم بؤس. فأول من يطلع عليه يوم نعيمه يعطيه مائه من الإبل شوماً أي سوداً. وأول من يطلع عليه يوم بؤسه يعطيه رأس ظربان أسود ثم يأمر به فيذبح ويغرى بدمه الغربان. فلبث بذلك برهة من دهره حتى مر به رجل من طيء يقال له حنظلة بن أبي عفراء. كان آوى النعمان في خبائه يوم خرج إلى الصيد وانفرد عنه أصحاب بسبب المطر. فرجت به حنظله وهو لا يعرفه وذبح له شاةً فأطعمه من لحمها وسقاه لبنا. فلما نظر إليه النعمان وافداً إليه ساءه ذلك وقال له: يا حنظلة هلا أتيت في غير هذا اليوم. فقال: أبيت اللعن لم يكن لي علم بما أنت فيه. فقال له: أبشر بقتلك. فقال له: والله قد أتيتك زائراً ولأهلي من خيرك مائراً فلا تكن ميرتهم قتلي. فقال: لا بد من ذلك فأسأل حاجة أقضيها لك فقال تؤجلني سنةً أرجع فيها إلى أهلي واحكم من أمرهم ما أريد ثم أصير إليك فأنفذ في حكمك. فقال: ومن يكفل بك حتى تعود فنظر في وجوه جلسائه فعرف منهم شريك بن عمرٍٍو فانشد
يا شريك يا ابن عمرٍ ... يا أخا من لا أخا له
يا أخا شيبان فك اليوم ... رهناً قد أناله
(3/310)

يا أخا كل مصاب ... وحيا من لا حيا له
إن شيبان قبيل ... أكرم الله رجاله
وأبوك الخير عمرو ... وشراحيل الحمال
رقياك اليوم في المجد ... وفي حسن المقالة
فوثب شريك وقال: أبيت اللعن بيدي بيده ودمي بدمه وأمر للطائي مائة ناقةٍ. وقد جعل الجل عاما كاملا من ذلك اليوم إلى مثله من القابل. فلما حال الحول وقد بقي من الجل يوم واحد قال النعمان لشريك: ما أراك إلا هالكاً غداً فداء الحنظلة. فقال شريك: فإن بك صدر هذا اليوم فإن غداً لناظره قريب. فذهب قوله مثلاُ. ولما أصبح وقف النعمان بين قبري نديميه وأمر بقتل شريك. فقال له وزراؤه: ليس لك أن تقتله حتى تستوفي يومه. فتركه النعمان وكان يشتهي أن يقتله لينحي الطائي. فلما كادت الشمس تغيب قام شريك مجردا في إزاء على النطع والسياف إلى جانبه. وكان النعمان أمر بقتله فلم يشعر إلا براكب قد ظهر فإذا هو حنظلة الطائي قد تكفن وتحنط وجاء بنادبته. فلما رآه النعمان قال: ما الذي جاء بك وقد أفلت من القتل قال: الوفاء. قال وما دعاك إلى الوفاء. قال: إن لي ديناً يمنعني من الغدر قال: وما دينك قال: النصرانية قال: فاعرضها علي. فعرضها فتنصر النعمان. وتركت لك السنة من ذلك اليوم وعفا عن شريك والطائي.
(3/311)

وقال: ما أدري أيكما أكرم وأوفى أهذا الذي نجا من السيف فعاد إليه أم هذا الذي ضمنه. وأنا لا أكون ألأم الثلاثة. قال الميداني: وتنصر مع النعمان أهل الحيرة أجمعون وبنى النعمان في حاضره ملكة الكنائس العظيمة. وقتله كسرى بن هرمز أبرويز (604 ب م) وانقطع الملك عن لخمٍ. ولم يلبث أن ظهر الإسلام بعد زمانٍ (الأغاني)

3 الغساسنة ملوك الشام بنو كهلان
410 كان آل جفنة عمال القياصرة على عرب الشام كما كان المناذرة آل نصرٍ في آخر أمرهم عمالاً للأكاسرة على عرب العراق. وأصلهم من اليمن من الأزد بني كهلان لأن الأزد لما أحست بمأرب انتقاض العرم وخشيت السيل تفرقت. فتشاءم قوم فنزلوا على ماءٍ يقال له غسان فصيروه شربهم فسموا غسان. ثم أنزلهم ثعلبه ابن عمروٍ والغساني ببادية الشام والملوك بها من قبل القياصرة. وكانوا يدينون بالنصرانية ولما نزلت غسان في أرض الشام كان بها قوم من سليح فضربوا على الغساسنة الإتاوة وكان الذي يلي جبايتها سبيطاً منهم فاستبطأهم. فقد سبيط ثعلبه رأسهم وقال: لتعجلن لي الإتاوة أو لآخذن اهلك. وكان ثعلبه حليماً فقال هل لك في من يزيح علتك بالإتاوة قال: نعم. قال: عيك بأخي جذع بن عمرٍ وكان جذع فاتكاً فاتاه سبيط وخاطبه بما كان خاطب به ثعلبة فخرج عليه ومعه سيف مذهب وقال فيه عوض من حقك إلى أن أجمع لك الإتاوة قال
(3/312)

نعم قال: فخذه فتناول سبيط جفن السيف واستل جذع نصله وضربه به. فقيل: خذ من جذع ما أعطاك فذهبت مثلاً فوقعت الحرب بين سليح وغسان فأخرجت غسان سليحا من الشام وصاروا ملوكاً واستقر ملك الغساسنة 400 سنة ونيف (لحمزة الأصفهاني)
(3/313)

ذكر العرب المستعربة بين إسماعيل وهم القسم الثالث
411 وهم بنو عدنان بن إسماعيل ونزلوا الحجاز وتولوا سدانة الكعبة. وغنما الحجاز وتهامة كانا ديار العمالقة. وكان لهم ملك هنالك وكانت جرهم من تلك الطبقة. وكانت ديارهم اليمن مع إخوانهم من حضرموت. وأصاب اليمن قحط ففروا نحو تهامة يطلبون الماء والمرعى عثروا في طريقهم بإسماعيل مع أمه هاجر. فاحتلوا أسفل مكة اقتتلوا مع العمالقة فأبادوهم. ونشأ إسماعيل بين جرهم وتكلم بلغتهم وتزوج منهم ودعاهم إلى التوحيد وتوفي لمائة وثلاثين سنة من عمره. ولم يزل أمر جرهم يعظم بملكة ويستفحل حتى ولوا البيت الحرام. وكانوا ولاته وحجابه وولاة الأحكام بمكة. ولما طالت ولاية جرهم استحلوا من الحرم أمورا عظاماً واستخلفوا بحرمة البيت العتيق قطع الله دابرهم لأنه لما خرب سد مأرب سر عمرو ابن عامر وقومه من بلد إلى بلدٍ لا يطئون بلداً إلا غلبوا عليه. فلما قاربوا مكة أبت جرهم أن تفسح لهم واستكبروا في أنفسهم وقالوا:
ما نحب أن تنزلوا فتضيقوا علينا مراتعنا ومواردنا فارحلوا عنا حيث
(3/314)

أحببتن فلا حاجة لنا بجواركم. فاقتتلوا ثلاثة أيام وانهزم جرهم فلم يفلت منهم غلا الشريد فهدد دمه (207 م) . ثم تفرقت قبائل اليمن وانخزعت خزاعة بمكة وفولا أمر مكة وحجابة الكعبة. وسأل بنو إسماعيل السكنى معهم فأذنوا لهم. وتملك عليهم لحي وهو ربيعة ابن حارثة وكان فيهم شريفاً سيداً مطاعاً وبلغ بمكة من الشرف ما لم يبلغ عربي قبله. وكان قد ذهب اسمه في العرب كل مذهب وقوله فيهم دينا متبعاُ. وكان أول من أطعم الحاج بمكة سدائف الإبل ولحملنها على الثريد. وعم في تلك السنة جميع حاج العرب بثلاثة أثواب من برود اليمن وهو الذي بحر البحيرة ووصل الوصيلة وحمى الحسام وسيب السائبة ونصب الأصنام حول الكعبة. فكانت قريش والعرب تستقسم عنده بالأزلام. وهو أول من غير الحنيفية دين إبراهيم. وأقامت خزاعة ثلاث مائة سنة في سدانة البيت حتى قام قصي القرشي من بني إسماعيل. وعظم شرفه فرأى انه أحق بالكعبة وبأمر مكة. وكانت ولاية الكعبة لأبي غبشان الخزاعي فباعها من قصي بزق خمرٍ فقيل فيه أخسر من صفقة أبي غبشان. ثم دعا قصي إليه رجالات قريش واجمع لحرب خزاعة فتناجزوا وكثر القتيل ثم صالحوه على أن يحكموه الكعبة (507 ب م) . فصار لقصي لواء الحرب وحجاجة البيت وتيمنت قريش برأيه وصرفوا مشورتهم إليه في قليل أمورهم وكثيرها. فاتخذوا دار الندوة إزاء
(3/315)

الكعبة فكانت مجتمع الملإ من قريش في مشاوراتهم ومعاقدهم. ثم تصدى فطعام الحاج وفرض على قريش خراجاً يؤدونه. ثم هلك قصي وقام بأمره بنوه من بعده بالقيادة في كل موسم حتى جاء الاسم. (ملخص عن كتاب أخبار مكة للأزرقي)

(ملحق بتاريخ العرب)
1 أديان العرب
412 كانت العرب في أول أمرها على دين إبراهيم وإسماعيل حتى قدم عمرو بن لحي بصنم يقال له هبل. وكان من أعظم أصنام قريش عندها فكان الرجل إذا قدم من سفرٍ بدا به على أهله بعد وافه بالبيت وحلق رأسه عنده. وكان هبل من خرز العقيق على صورة إنسان وكانت يده اليمنى مكسورة فأدركته قريش فجعلت له يداً من ذهب. وكانت له خزانة للقربان. وكانت له سبعة قداح يضربون بها إذا مستهم الحاجة ويقولون: إنا اختلفنا فهب السراحا. إن لم تقله فمر القداحا.
وكان بالكعبة على يمينها حجر أسود وما زال هذا الحجر معظماً في الجاهلية والإسلام. تتبرك الناس به وتمر دونه وتقبله. وكان بأسفل مكة قد نصب صنم يعرف بالخلصة فكانوا عليها بيض النعام. وكان لهم أصنام نصبوها على اسم السيارات من الكواكب. وهي المشتري وقيل أن أصل اسمه ذو شراء أي ساطع النور. والزهرة وزحل والمريخ وغيرها من الثوابت. ومن معبوداتهم أيضاً المناة واللات وغزى. وكانت المناة على ساحل البحر مما يلي قديد. وكانت صخرة تراق عليها دماء الذبائح ويلتمسون منها المطر في الجدب. وكانت اللات أيضاً صخرةً صنماً للشمس إذا مر عليها الحاج يلتونها بالسويق. وقيل أصلها من لاه أي علا وعظم ومنه اسم الجلالة. وأما العزى فكانت شجرة يعظمها قريش وبنو كنانة. ويطوفون بها بعد طوافهم بالكعبة ويعكفون عندها يوماً. قال الكلبي: وكانت اللات والعزى ومناة في كل واحدة منهن شيطان يكلمهم وتراءى للسدنة وهم الحجبة وذلك من صنيع إبليس وأمره. وكان بنو حنيفة في الجاهلية اتخذوا إلهاً عبدوه دهراً طويلاً ثم أصابهم مجاعة فأكلوه. فقيل في ذلك
أكلت حنيفة ربها ... زمن التقحم والمجاعة
لم يحذروا من ربهم ... سوء العقوبة والتباعه
(3/316)

ومن أديانهم المجوسية أو الصابئة ونصبوا بحسب تلك الآراء الصابئية أصنام الذهب للشمس وأصنام الفضة للقمر. وقسموا المعادن والأقاليم للكواكب. وزعموا عن قوى الكوكب تفيض على تلك الأصنام. فتتكلم تلك الأصنام وتفهم وتوحي للناس اعني الأصنام وتعلم الناس منافعهم وكذلك قالوا في الأشجار التي هي من قسمة تلك الكواكب إذا أفردت تلك الشجرة لذلك الكوكب وغرست له وفعل لها كذا فاضت روحانية ذلك الكوكب على تلك الشجرة وتوحي للناس وتكلمهم في النوم. ومن أديانهم اليهودية في حمير وكنانة وبني الحارث ابن كعب وكندة وأما النصرانية فكانت انتشرت فيهم. قال الفيروزأبادي إن قبائل شتى من بطون العرب اجتمعوا على النصرانية بالحيرة وهم العباد. وإن كثيراً من ملوك اليمن والحيرة تنصروا. وأما ملوك غسان فكانوا كلهم نصارى وكانت النصرانية في ربيعة وقضاعة وبهرا وتنوخ وتغلب وبعض طي. وكانت قريش نصبت في جملة أصنامها في الكعبة تمثال مريم مزوقاً وابنها عيسى في حجرها قاعداً مزوقاً. وذلك في العمود الذي يلي باب الكعبة ولم تطمس صورتهما بل بقيا إلى عهد ابن زبير فهلكا في الحريق (للنويري والأزرقي)

2 علوم العرب وآدابهم
413 فأما علم العرب الذي كانوا يتفاخرون به فعلم لسانهم وإحكام لغتهم ونظم الأشعار وتأليف الخطب. وكانوا مرسومين بين الأمم بالبيان في الكلام والفصاحة في المنطق والذلاقة في اللسان وكان لهم مع هذا معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغاربها وعلم بأنواء الكواكب وأمطارها. على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول الجربة لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في أسباب المعيشة لا على طريق تعلم الحقائق وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله شيئاً منه ولا هيأ طبائعهم للعناية به. وكان الشعر ديوان خاصة العرب ومنتهى حكمتها والمنظوم من كلامها والمقيد لأيامها والشاهد على حكامها. به يأخذون وإليه يصيرون. وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد أو شاعر ينبغ فيهم أو فرس تنتج. قال الصفدي: بل ما كان للعرب ما تفخر به إلا السيف والضيف والبلاغة, وكانوا كل حول يتقاطرون إلى سوق عكاظ ويتبايعون ويتناشدون ويتفاخرون ويتعاكظون. ولقد بلغ من كلف العرب بالشعر ونفضيلها له أن عمدت إلى سبع قصائد من الشعر القديم فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة. فقيل لها مذهبات وقد يقال لها معلقات لأنها علقت في أستار الكعبة. أما الكتابة فحكموا أن ثلاثة نفر من طيء كانوا على دين عيسى فوضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية. فتعلمه قوم من الأنبار وجاء الإسلام وليس أحد يكتب بالعربية غير بضعة عشر إنساناً ولقلة القراطيس عندهم عمدوا إلى كتف الحيوان فكتبوا عليها. وكان الناس فرقتين أهل الكتاب والأميون والأمي من كان لا يعرف الكتابة. فكانت اليهود والنصارى بالمدينة والأميون بمكة. (لأبي الفرج والجوهري) تم بحوله تعالى
(3/317)