Advertisement

مجاني الأدب في حدائق العرب 005

الجزء الخامس
(5/1)

الباب الأول
في التدين
عظمة الخالق وجبروته والخلاص له تعالى
الحمد لله العظيم شأنه القوي سلطانه. ألظاهر إحسانه. ألباهر حجته وبرهانه. ألمحتجب بالجلال. والمنفرد بالكمال. والمتردي بالعظمة في الآباد والآزال. لا يصوره وهم وخيال. ولا يحصره حد ومثال. ذي العز الدائم السرمدي. والملك القائم الديمومي. والقدرة الممتنع إدراك كنهها. والسطوة المستوعر طريق استيفاء وصفها. نطقت الكائنات بأنه الصانع المبدع. ولاح من صفحات ذرات الوجود بأنه الخالق المخترع. وسم عقل الإنسان بالعجز والنقصان. وألزم فصيحات الألسن وصف الحصر في حلبة البين. وأحرقت سبحات وجهه الكريم أجنحة طائر الفهم. وسدت تعززا وإجلالا. ولم يجد من فرط الهيبة في فضل الجبروت مجالا. فعاد البصر كليلا. والعقل عليلا. ولم ينتهج إلى كنه الكبرياء سبيلا. فسبحان من عز معرفته لولا تعريفه. وتعذر على العقول تحديد هو تكييفه. ثم ألبس قلوب الصفوة من عباده ملابس العرفان. وخصهم من بين عباده بخصائص الإحسان. فصارت ضمائرهم من
(5/3)

مواهب الأنس مملؤة. فتهيأت لقبول الأمداد القدسية. واستعدت لورود الأنوار العلوية. واتخذت من الأنفاس العطرة بالأذكار جلاسا. وأقامت على الظاهر والباطن من التقوى حراسا. وأشعلت في ظلم البشرية من اليقين نبراسا. واستحقرت فوائد الدنيا ولذاتها. وأنكرت مصايد الهوى وتبعاتها. وامتطت غوارب الرغبوت والرهبوت. واستفرشت بعلو همتها بساط الملكوت. وامتدت إلى المآل أعناقها. وطمحت إلى اللامع العلوي أحداقها. واتخذت من الملإ الأعلى مسامرا ومحاورا. ومن النور الأغر الأقصى مزاورا ومجاورا. أجساد أرضية بقلوب سماوية وأشباح فرشية. بأرواح عرشية. نفوسهم في منازل الخدمة سيارة. وأرواحهم في فضاء القرب طيارة. مذاهبهم في العبودية مشهورة. وأعلامهم في أقطار الأرض منشورة. يقول الجاهل بهم فقدوا وما فقدوا. ولكن سمت أحوالهم فلم يدركوا. وعلا مقامهم فلم يملكوا. كائنين بالجثمان. بائنين بقلوبهم عن أوطان الحدثان. لأرواحهم حول العرش تطواف. ولقلوبهم من خزائن البر إسعاف. يتنعمون بالخدمة في الدياجر. ويتلذذون من وهج الظمأ بظمأ الهواجر. سلوا بالصلوات عن الشهوات. وتعوضوا بحلاوة التلاوة عن اللذات. يلوح من صفحات وجوههم بشر الوجدان وينم على مكنون سرائرهم نضارة العرفان. لا يزال في كل عصر منهم علامون بالحق. داعون للخلق. منحوا بحسن المتابعة رتبة الدعوة
(5/4)

وجعلوا للمتقين قدوة فلا يزال تظهر في الخلق آثارهم. وتزهر في الآفاق أنوارهم. من اقتدى بهم اهتدى. ومن أنكرهم ضل واعتدى. فلله الحمد على ما هيأ للعباد. من بركة خواص حضرته من أهل الوداد (عوارف المعارف للسهروردي)
قال أمية بن أبي الصلت في الخالق سبحانه:
إله العالمين وكل أرض ... ورب الراسيات من الجبال
بناها وابتنى سبعا شدادا ... بلا عمد يرين ولا رجال
وسواها وزينها بنور ... من الشمس المضيئة والهلال
ومن شهب تلألأ في دجاها ... مراميها أشد من النصال
وشق الأرض فانبجست عيونا ... وأنهارا من العذب الزلال
وبارك في نواحيها وزكى ... بها ما كان من حرث ومال
فكل معمر لابد يوما ... وذي دنيا يصير إلى زوال
ويفنى بعد جدته ويبلى ... سوى الباقي المقدس ذي الجلال
وسيق المجرمون وهم عراة ... إلى ذات المقامع والنكال
فنادوا ويلنا ويلا طويلا ... وعجوا في سلاسلها الطوال
فليسوا متين فيستريحوا ... وكلهم ببحر النار صالي
وحل المتقون بدار صدق ... وعيش ناعم تحت الظلال
لهم ما يشتهون وما تمنوا ... من الأفراح فيها والكمال
(5/5)

صفاته تعالى
هو الله الظاهر بآياته. ألباطن بذاته. القريب برحمته. ألبعيد بعزته. ألكريم بآلائه. ألعظيم بكبريائه. أقادر فلا يرام. والمليك الذي له الأقضية والأحكام. الذي تفرد بالبقاء. وتوحد بالعزة السناء. واستأثر بأحاسن الأسماء. ودل على قدرته بخلق الأرض والسماء. كان ولا مكان ولا زمان ولا بينيان. ولا ملك ولا إنسان. فأنشأ المعدوم إبداعا. وأحدث ما لم يكن إنشاء واختراعا. جل وتعالى فيما خلق عن احتذاء صورة واستدعاء مشورة. واقتفاء رسم ومثال. وافتقار إلى نظر قياس واستدلال. ففي كل ما أبدع وصنع وفطر وقدر دليل على أنه الواحد بلا ظهير والقادر بلا نصير. والعالم بلا تبصير وتذكير. والحكيم بلا رؤية وتفكير. والحي الذي لا يموت وبيده الخير. وهو على كل شيء قدير. رفع السماء عبرة للنظار. وعلة للظلم والأنوار. وسببا للغيوث والأمطار. وحياة للمحول والقفار. ومعاشا للوحوش والأطيار. ووضع الأرض مهادا للأبدان. وقرارا للحيوان. وفراشا للجنوب والمضاجع. وبساطا للمكاسب والمنافع. وذلولا لطلاب الرزق وأرباب الصنائع. وأشخص الجبال أوتادا راسية وأعلاما بادية. وعيونا جارية. وأرحاما لأجنة الأعلاق حاوية. وجعل البحار مغيض لفضول الأنهار. ومغاير لسيول
(5/6)

المطار. ومراكب لرفاق التجار. ومضارب لمصالح الأمطار. ومناهج الأوطار. وتحوي من الدر والمرجان نباتا. وتنبع من بين الملح الأجاج عذبا فراتا. وتقذف للآكلين لحما طريا. وتحمل للابسين جواهر وحليا. واستخلف على عمارة عالمه من انتخبهم من خلقه وآثرهم بإلهامه. ودبرهم بأوامره ,أحكامه (لأبي نصر العتبي) قصيدة أبي محمد بن السيد البطليوسي في التوحيد
إلا هي إني شاكر لك حامد ... وإني لسع في رضاك وجاهد
وإنك مهم زلت النعل بالفتى ... على العائد التواب بالعفو عائد
تباعدت مجدا وأدنيت تعطفا ... وحلما فأنت المدني المتباعد
وما لي على شيء سواك معول ... إذا دهمتني المعضلات الشدائد
أغيرك أدعو لي إلاهاً وخالقاً ... وقد أوضح البرهان أنك واحد
وقدما دعا قوم سواك فلم يقم ... على ذاك برهان ولا لاح شاهد
وبالفلك الدوار قد ضل معشر ... وللنيرات السبع داع وساجد
وللعقل عباد وللنفس شيعة ... وكلهم عن منهج الحق حائد
وكيف يضل القصد ذو العلم والنهى ... ونهج الهدى من كان نحوك قاصد
وهل يوجد المعلول من غير علة ... إذا صح فكر أو رأى الرشد راشد
وهل غبت عن شيء فينكر منكر ... وجودك أم لم تبد منك الشواهد
وفي كل معبود سواك دلائل ... من الصنع تبدي أنه لك عابد
(5/7)

وكل وجود عن وجودك كائن ... فواجد أصناف الورى لك واحد
سرت منك فيها واحدة لو منعتها ... لأصبحت الأشياء وهي بوائد
وكم لك في خلق الورى من دلائل ... يراها الفتى في نفسه ويشاهد
كفى مكذبا للجاحدين نفوسهم ... تخاصمهم إن أنكروا وتعاند
لأمية بن أبي الصلت النصراني في الكمالات الالهية
لك الحمد والنعماء والملك ربنا ... فلا شيء أعلى منك مجدا وأمجد
مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجود وتسجد
عليه حجاب النور والنور حوله ... وأنهار نور حوله تتوقد
فلا بصر يسمو إليه بطرفه ... ودون حجاب النور خلق مؤيد
ملائكة أقدامهم تحت عرشه ... بكفيه لولا الله كلوا وأبلدوا
قيام على الأقدام عانين تحته ... فرائصهم من شدة الخوف ترعد
وسبط صفوف ينظرون قضاءه ... يصيخون بالأسماع للوحي ركد
أمين لوحي القدس جبريل فيهم ... وميكال ذو الروح القوي المسدد
وحراس أبواب السماوات دونهم ... قيام عليها بالمقاليد رصد
فنعم العباد المصطفون لأمره ... ومن دونهم جند كثيف مجند
ملائكة لا يفترون عبادة ... كروبية منهم ركوع وسجد
فساجدهم لا يرفع الدهر رأسه ... يعظم ربا فوقه ويمجد
وراكعهم يحنو له الدهر خاشعا ... يردد آلاء الإله ويحمد
ومنهم ملف في الجناحين رأسه ... يكاد لذكرى ربه يتقصد
(5/8)

من الخوف لا ذو سامة بعبادة ... ولا هو من طول التعبد يجهد
ودون كثيف الماء في غامض الهوا ... ملائكة بالأمر فيها تردد
وبين طباق الأرض تحت بطونها ... ملائكة بالأمر فيها تردد
فسبحان من لا يعرف الخلق قدره ... ومن هو فوق العرش فرد موحد
ومن لم تنازعه الخلائق ملكه ... وإن لم تفرده العباد فمفرد
مليك السماوات الشداد وأرضها ... وليس لشيء عن قضاه تأود
هو الله باري الخلق والخلق كلهم ... إماء له طوعا جميعا وأعبد
وأنى يكون الخلق كالخالق الذي ... يدوم ويبقى والخليقة تنفد
وليس لمخلوق من الدهر جدة ... ومن ذا على مر الحوادث يخلد
ونفنى ولا يبقى سوى الواحد الذي ... يميت ويحيي دائبا ليس يهمد
تسبحه الطير الجوانح في الخفى ... وإذ هي في جو السماء تصعد
ومن خوف ربي سبح الرعد فوقنا ... وسبحه الأشجار والوحش أبد
وسبحه النينان والبحر زاخرا ... وما ضم من شيء وما هو مقلد
ألا أيها القلب المقيم على الهوى ... إلى أي حين منك هذا التصدد
عن الحق كالأعمى المميط عن الهدي ... وليس يرد الحق إلا منفد
وحالات دنيا لا تدوم لأهلها ... وبينا الفتى فيها مهيب مسود
إذ انقلبت عنه وزال نعيمها ... وأصبح من ترب القبور يوسد
وفارق روحا كان بين جنانه ... وجاور موتى مالهم متردد
فأي فتى قبلي رأيت مخلدا ... له في قديم الدهر ما يتودد
(5/9)

ومن يبتليه الدهر منه بعثرة ... سيكبو لها والنائيات تردد
فلم تسلم الدنيا وإن ظن أهلها ... بصحتها والدهر قد يتجدد
ألست ترى فيما مضى لك عبرة ... فمه لا تكن يا قلب أعمى يلدد
فكن خائفا للموت والبعث بعده ... ولاتك ممن غره اليوم أوغد
فإنك في دنيا غرور لأهلها=وفيها عدو كاشح الصدر موقد وسيلة إلى الله تعالى لعبد الرحيم البرعي
لي في نوالك يا مولاي آمال ... من حيث لا ينفع الأهلون والمال
أوصي إليك لعملي أن لطفك بي ... دون الورى لم يحل عني إذا حالوا
فأرض عني خصومي واقض يا أملي ... ديني فإن حقوق الخلق أثقال
ولم يضق بيمنك العفو إن ختمت ... لي بالشهادة أقوال وأفعال
كن لي إذا أغمضوا عيني وانصرفوا ... باكين أسمع منهم كل ما قالوا
وامنن بروح وريحان علي إذا ... ضاق الخناق فهول الموت أهوال
وجاءني ملك الموت الموكل بي ... وبالنفوس فللأعمار آجال
واستخرج النفس أملاك مطهرة ... لها إلى لطفك المأمول ترحال
جاؤا إليك بها يا رب يقدمها ... لحضرة القدس جبريل وميكال
ثم انثنت عن قريب نحو مغتسل ... في حيث يرجوك مغسول وغسال
وليس لي ولمثلي غير جودك يا ... من لا يدانيه أشباه وأمثال
أصبحت بين يديك اليوم مطرحاً ... ولي بنفسي عن الأغيار إشغال
فأولني يا غفور العفو منك فلا ... يبقى علي من الأوزار مثقال
(5/10)

وإن نزلت إلى بيت الخراب ولا ... أب هناك ولا عم ولا خال
ألهمني يا خالقي ذكر الجواب ففي ... ذاك المقام جوابات وتسآل
هناك لا أمل يرجى ولا عمل ... يجزى ولا حيلة عندي فأحتال
فافتح لروحي إلى الفردوس باب رضا ... يهدي رياح رياض ظلها ضال
والطف ورائي بأطفال وأمهم ... إن كان خلفي أويلادٌ وأطفال
حتى إذا نشر الأموات وارتعدت ... فرائض الخلق من بعض الذي نالوا
وعادت الروح في الجسم الضعيف وقد ... تفرقت منه أعضاء وأوصال
فجد عليه ولاطفني بعفوك عن ... ذنبي فشأنك إنعام وإفضال
وقل كفيتك يا عبد الرحيم أذى الدام ... رين فانزل حمى ما فيه إهمال
يا واسع اللطف قد قدمت معذرتي ... إن كان يغني عن التفصيل إجمال
جنبني العجب والشح المطاع ومر ... نفسي تخالف هواها فهو قتال
وعد علي بنور منك مبتهج ... يزكو به بصري والمع والبال
وارحم بني وآبائي وحاشيتي ... يعمهم يا إلهي منك إقبال
ماذا أقول ومني كل معصية ... ومنك يا سيدي حلم وإمهال
وما أكون وما قدري وما عملي ... في يوم توضع في الميزان أعمال
لكن أييأس من روح الإله فدى ... عبد عليه من الإيمان سربال
رباه أنت الله معتمدي ... في كل حال إذا حالت بي الحال
وله في التوحيد
تجلت لوحدانية الحق أنوار ... فدلت على أن الجحود هو العار
(5/11)

وأغرت لداعي الحق كل موحد ... بمقعد صدق حبذا الجار والدار
وأبدت معاني ذاته بصفاته ... فلم يحتمل عقل المحبين إنكار
تراءى لهم في الغيب جل جلاله ... عيانا فلم يدركه سمع وأبصار
معان عقلن العقل والعقل ذاهل ... وإقباله في يرزخ البحث إدبار
إذا هم وهم الفكر إدراك ذاته ... تعارض أوهام عليه وأفكار
وكيف يحيط الكيف إدراك حده ... وليس له في الكيف حد ومقدار
وأين يحل الأين منه ولم يكن ... مع الله غير الله عين وآثار
ولاشيء معلوم ولا الكون كائن ... ولا الرزق مقسوم ولا الخلق إفطار
ولا الشمس بالنور المنير مضيئة ... ولا القمر الساري ولا النجم سيار
فأنشأ في سلطانه الأرض والسما ... ليخلق منها ما يشاء ويختار
وزين بالكرسي والعرش ملكه ... فمن نوره حجب عليه وأستار
فسبحان من تعنو الوجوه لوجهه ... ويلقاه رهن الذل من هو جبار
عظيم يهون الأعظمون لعزه ... شديد القوى كاف لذي القهر قهار
لطيف بلطف الصنع فضلنا على ... خلائق لا تحصى وذلك إيثار
يرى حركات النمل في ظلم الدجى ... ولم يخف إعلان عليه وإسرار
ويحصي عد يد النمل والقطر والحصى ... وما اشتملت نجد عليه وأغوار
أضاءت قلوب العارفين بنوره ... فباحت بأحوال المحبين أسرار
وشق على أسمائهم من علا اسمه ... على الأصل فهو البر والقوم أبرار
فذاك الذي يلجا إليه توكلا ... علي ويعصى وهو بالحلم ستار
(5/12)

فأدنى الرجا للخلق من باب فضله ... لتمحى إساءات وتغفر أوزار
تسبح ذرات الوجود بحمده ... ويسجد بالتعظيم مجم وأشجار
ويبكي غمام الغيث طوعا لأمره ... فتضحك مما يفعل الغيث أزهار
فيا نفس للإحسان عودي فربما ... أقلت عثاراً فابن آدم معثار
إلهي أذقني برد عفوك واهدني ... إليك بما يرضيك فالدهر غرار
8-قصيدة علي بن ابي طالب في الابتهال إلى الله
لك الحمد يا ذا الجود والمجد والعلى ... تباركت تعطي من تشاء وتمنع
إلهي وخلاقي وحرزي وموئلي ... إليك لدى الإغسار واليسر أفزع
إلهي لئن خيبتني أو طردتني ... فمن ذا الذي أرجو ومن أتشفع
إلهي لئن جلت وجمت خطيئتي ... فعفوك عن ذنبي أجل وأوسع
إلهي لئن أعطيت نفسي سؤلها ... فها أنا في روض الندامة أرتع
إلهي ترى حالي وفقري وفاقتي ... وأنت مناجاتي الخفية تسمع
إلهي فلا تقطع رجائي ولا تزغ ... فؤادي فلي في باب جودك مطمع
إلهي أجرني من عذابك إنني ... أسير ذليل خائف لك أخضع
إلهي فآنسني بتلقين حجتي ... إذا كان لي في القبر مثوى ومضجع
إلهي لئن عذبتني ألف حجة ... فحبل رجائي منك لا يتقطع
إلهي إذا لم ترعني كنت ضائعا ... وعن كنت ترعاني فلست أضيع
إلهي إذا لم تعف عن غير محسن ... فمن لمسيء بالهوى يتمتع
إلهي لئن قصرت في طلب التقى ... فلست سوى أبواب فضلك أقرع
(5/13)

إلهي أقلني عثرتي وامح حوبتي ... فإني مقر خائف أتضرع
إلهي لئن خيبتني أو طردتني ... فما حيلتي يا رب أم كيف أصنع
إلهي حليف الحب بالليل ساهر ... يناجي ويبكي والمغفل يهجع
وكلهم يرجو نوالك راجيا ... لرحمتك العظمى وفي الخلد يطمع
إلهي يمنيني رجائي سلامة ... وقبح خطيئاتي علي يشنع
من قصيدة للبرعي في الرجاء
إليه به سبحانه أتوسل ... وأرجو الذي يرجى لديه وأسال
وأحسن قصدي عن خضوعي وذلتي ... له وعليه وحده أتوكل
وأصحب آمالي إلى فضل جوده ... وأنزل حاجاتي بمن ليس يبخل
فسبحانه من أول هو آخر ... وسبحانه من آخر هو أول
وسبحانه من تعنو الوجوه لوجهه ... ومن كل ذي عز له يتذلل
ومن هو فرد لا نظير له ولا ... شبيه ولا مثل به يتمثل
ومن كلت الأفهام عن وصف ذاته ... فليس لها في الكيف والأين مدخل
تكفل فضلا لا وجوبا برزقه ... على الخلق فهو الرازق المتكفل
ولم يأخذ العبد المسيء بذنبه ... ولكنه يرجي لأمر ويمهل
حليم عظيم راحم متكرم ... رؤوف رحيم واهب متطول
جواد مجيد مشفق متعطف ... جليل جميل منعم متفضل
له الراسيات الشم تهبط خشية ... وتنشق عن ماء يسيح ويخضل
وأنشأ من لاشيء سحبا هواطلا ... يسبح فيها رعده ويهلل
(5/14)

وأحيا نواحي الأرض من بعد موتها ... بمنسجم غيث من السحب يهمل
يحيط بما تخفي الضمائر علمه ... ويدري دبيب النمل والليل أليل
فيا غافر الزلات وهي عظيمة ... ويا نافذ التدبير ما شاء يفعل
أجب دعوتي يا سيدي واقض حاجتي ... سريعا فشأن العبد يدعو ويعجل
ولا يرتجي من عند غيرك رحمة ... ولا يبتغي فضلا لمن يتفضل
فحقق رجائي فيك يا غاية المنى ... فأنت لمن يرجوك حصن مؤمل
وإن فتحت جنات عدن لداخل ... فقل يا عبدي هذه الجنة ادخلوا
فجودك يا ذا الكبرياء مؤمل ... وحبلك للراجين بالخير يوصل
وله أيضا في الرجاء من قصيدة
عسى فرج يأتي به الله عاجلا ... يسر به الملهوف إن عمه اللهف
فمن محن الأيام قلبي معذب ... ألم بروحي قبل حتف الفنا حتف
فكم هم صرف الدهر يصرف نابه ... علي فجاء الغوث وانصرف الصرف
ولم أعتصم بالله إلا ومد لي ... من البر ظلا في رضاه له وكف
وإني لمستغنٍ بفقري وفاقتي ... إليه ومستقوٍ وإن كان بي ضعف
فكم راح روح الله في خلقه وكم ... غدا قبل أن يرتد للناظر الطرف
بقدرة من شد الهوا وبنى السما ... طرائق فوق الأرض فهي لها سقف
وألقى الجبال الشم فيها رواسيا ... فليس لها من قبل موعدها نسف
وألبسها من سندس النبت بهجة ... من النبت ما صنف يشابهه صنف
وسخر من نشر السحاب لواقحا ... إذا انتشرت درت سحائبها الوطف
(5/15)

وكم في غريب الملك والملكوت من ... عجائب لا يحصى لأيسرها وصف
ولم تحط الست الجهات بذاته ... فأين يكون الأين والقبل والخلف
إلهي أقلني عثرتي وتولني ... بعفو فإن النائبات لها عنف
خلعت عذاري ثم جئتك عامدا ... بعذري فإن لم تعف عني فمن يعفو
وأنت غياثي عند كل ملمة ... وكهف إذا لم يبق بين الورى كهف
ومن قصيدة له في الدعاء
لك الحمد حمدا طيبا أنت أهله ... على كل حال يشمل السر والجهرا
إلهي تغمدني برحمتك التي ... وسعت وأوسعت البرايا بها برا
وقو بروح منك ضعفي وهمتي ... على الفقر واغفر زلتي واقبل العذرا
وصن ماء وجهي فالسؤال مذلة ... وعن جور دهر لم يزل حلوه مرا
ولاطف أطيفالي وإخوتهم فقد ... رمتهم خطوب ما أطاقوا لها صبرا
وهم يألفون الخير والخير واسع ... لديك ولا والله ما عرفوا شرا
ربوا في ربي روض النعيم وظله ... فجدد لهم من جودك النعمة الخضرا
وبعد حياتي في رضاك توفني ... على الملة البيضاء والسنة الزهرا
وفي القبر آنس وحشتي عند وحدتي ... فإن نزيل القبر يستوحش القبرا
وإن ضاق أهل الحشر ذرعا لموقف ... به الكتب تعطى باليمين وباليسرى
فقل فزت يا عبد الرحيم برحمتي ... ومغفرتي لا تخش بؤسا ولا ضرا
وله في الدعاء أيضا
مقييل العاثرين أقل عثاري ... وخذ لي من بني زمني بئاري
(5/16)

وجملني بعافية وعفو ... من الأمراض والعلل الطواري
ولا تشمت بي الأعداء ونظر ... إلي برحمة نظر اختيار
فقد هتكوا حماي وعاندوني ... غلى نعم تدر على دياري
وإن تضرري وعناي منهم ... نظير تذللي لك وافتقاري
فإن يخسر بسوقهم اتجاري ... ففضلك سوق أرباح التجار
وإن يك عقني صحبي وجاري ... فجودك بالذي أرجوه جاري
فأنت بنيتها سبعا شداد ... يزين جوها شهب سواري
ومهدت الأراضي من نجود ... وغور أو عمار أو قفار
وسخرت البحار السبع تجري ... بها الأفلاك من غاد وسار
وسخرت الشمس خلف البدر تسعى ... كسعي الليل في طرف النهار
وتمسك في الهواء الطير بسطا ... وقبضا في رواح وابتكار
وتكفل كل وحش في البراري ... وترزق كل حوت في البحار
إلهي عافني وأصح جسمي ... وصل واقبل برحمتك اعتذاري
وطهر قالبي وتغش قلبي ... بأنوار السكينة والوقار
وإن كررت مسئلتي فكلني ... إلى كرم يفيض بلا انحصار
فتحت يدي أطيفال صغار ... فهبني للأطيفال الصغار
أجاهد فيك محتسبا عليهم وأبذل فيك جهدي واقتداري
وتيسير الأمور عليك دوني ... ففرج هم عسري باليسار
(5/17)

الباب الثاني
في الخطب والمواعظ
نخبة من كتاب أطباق الذهب لعبد المؤمن المغربي الأصبهاني

المقالة الأولى
يا أرباب القوة والطاقة. انظروا بعين الإفاقة. إلى أهل الفاقة. ويا ركبان الناقة. رفقا بضعفاء الساقة. ويا حملة الأوزار وخزنة المال المستعار. لا تجروا ذيل الافتخار على أرباب الافتقار. فقلوبهم خير من قلوبكم. ومطلوبهم أعز من مطلوبكم شغلكم التجول بالأسواق. عن تنسم قبول الأشواق. وألهاكم حب الرزق عن الرزاق. ويا عمار الخراب وشاب الشراب لا تعمروا هذه القرية الحلجاء. ولا تسكنوا هذه المهلكة الفيحاء. لا تتخذوا الدنيا الفانية سوقا. إن الباطل كان زهوقا

المقالة الثانية
ابن آدم عجن من الصلصال. ثم تاه بشرائف الخصال. وما درى أن الخصال الحميدة من مواهب الرحمان. لا من مكاسب الإنسان. ما العقل إلا عطية من عطاياه. وما النفس إلا مطية من مطاياه. فإن شاء زمها بزمام الهدى. وإن شاء تركها سدى. فمن يستطيع لنفسه خفضا أو رفعا. قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا
(5/18)

المقالة الحادية عشرة
ألعاقل قصي مرامي النظر. فسيح موامي العبر. علي مرام الخطر. يقرأ مكتوب أسرار الغد من عنوان اليوم. ويقطف ثمار الغيب من صنوان النوم. يرى موعود الله ناجزا. ومكنونه بارزا. فكن يقظا حاذرا. ومثل الغيب حاضرا. وإذا ملكت فاذكر القادر وقدرته. وإذا بغمت فاذكر الصائد وقترته. واعلم أن مسرات الأيام مقرونة بالغم. وحلاوة الدنيا معجونة بالسم. والمح الدهر بعين الذكاء. وإذا ضحكت فاجهش للبكاء. وإياك أن تقنع من العلوم بالقشور. ومن الرق المنشور بالدوائر والعشور. أولئك قوم نزلوا هذه الثنية. وغفلوا عن المرحلة الثانية. وشغلوا بالدنيا الدنية. فهم في مهابط الغي سافلون. وفي مباذل العيش رافلون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون

المقالة الخامسة عشرة
من الناس من يستطيب ركوب الأخطار وورود التيار. لحوق العار والشنار لأجل الدينار. ويستلذ سف الرماد ونقل السماد. لأجل الأولاد. ويصبر على نسف الجبال. وتجشم الأهوال لشهوة المنال. يبدل الأيمان بالكفر. ويحفر الجبال بالظفر للدنانير الصفر. ويلج عرين الأسود. للدراهم السود. لا يكره صداعا. إذا نال كراعا. ويلقى النوائب بقلب صابر. في طاعة الشيخ أبي جابر. يأبى العز
(5/19)

طبيعة. ويرى الذل شريعة. ومن الناس من يختار العفاف. ويعاف الإسفاف. يدع الطعام طاويا ويذر الشراب صاديا. ويرى المال رائحا وغاديا. يترك الدنيا لطلابها. ويطرح الجيفة لكلابها. لا يسترزق لئام الناس. ويقنع بالخبز الناس. يكره المن والأذى. ويعاف الماء على القذى. إن أثرى جعل موجوده معدوما. وإن أقوى حسب قفاره مأدوما. جوف خال. وثوب بال. ومجد عال. وثوب أسمال. وراءه عز وجمال. وعقب مرزوق. وذيل مفتوق. يجره فتى مغبوق
لله تحت قباب العز طائفة ... أخفاهم في رداء الفقر إجلالا
هم السلاطين في أثواب مسكنة ... استعبدوا من ملوك الأرض أقيالا
غبر ملابسهم شم معاطسهم ... جروا على قلل الخضراء أذيالا
هذي السعادة لا ثوبان من عدن ... خيطا قميصا فصارا بعد أسمالا
تلك المناقب لا قعبان من لبن ... شيبا بما فعادا بعد أبوالا
هم الذين جلبوا أبراء من التكلف ... يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف

المقالة الحادية والعشرون
يا من يسعى لقاعد ويسهر لراقد. ويا من يحرس لراصد ويزرع لحاصد. ويبخل لباذل. ويجمع لآكل. تبني الإيوان وعن قليل ينهدم ركناك. وتبسط الرواق وفي الجدث سكناك. قلب كقلوب الكفار وحرص كحرص الفار. ينقب بالأظفار ولا يبقى على المأدوم والقفار. قل لي إذا وقعت الواقعة. وقرعت القارعة. وأزف لك
(5/20)

الرحيل. واجتمع الطبيب والعليل. واختلف الغسال والغسيل. والعائد يغمز عينيه والطبيب يقلب كفيه. حتى إذا انقطع نفسك. وخفي جرسك. أينفعك حينئذ حلال أصبته. أم حرام غضبته. أم نشب حرشته. أو ولد حضنته أو ربع أسسته أو نبع غرسته. أو حطام حرسته أو قفر حرثته. أو وفر أورثته. كلا لا ينفعك فيء قد غنمته. ولا يضرك شيء عدمته. ولا ينجيك إلا خير أمضيته. أو خصم أرضيته. فانتبه يا نائم. واستقم يا هائم. لقد تهت في بادية لا يبلغك ندائي. وترديت في هاوية لا يبلغها ردائي. تغيم هواؤك وسيصحي. حين لا ينفعك نصحي. ولا تعص الله في أولاد سوء إذا حضرك الموت غابوا. وما حزنوا لما أصيبوا بل فرحوا بما أصابوا. وإن تدعهم لا يسمعوا دعاءك ولو سمعوا ما استجابوا

من ديوان خطب الإمام إبراهيم بن بدوي النحاس
الخطبة الأولى لشهر محرم
الحمد لله قسم الزمان أعواما. وقسم الأعوام شهورا وأياما. على ما اقتضته الحكمة والتدبير. وافتتح كل عام بشهره المحرم. وجمله بيوم عاشوراء المجمل المعظم الذي فضله في الجاهلية والإسلام شهير. أحمده سبحانه وتعالى وأشكره وأتوب إليه وأستغفره وأستعيذ به وأستخير. أم بعد فيا عباد الله هذا عام جديد قد نزل بكم فأكرموا نزله. وحل فيكم بحلل الإيقاظ فالبسوا حلله. فإنه لكم
(5/21)

موقظ ونذير. ما من يوم يمر إلا وهو ينادكم بلسان حاله. ها أنا مؤذن كل راحل بقرب ارتحاله. فليتأهب للمسير. إلى دار المصير. يا أيها المسرور بتجديد الأعوام. المغرور بقدوم الأهلة وتتابع الأيام. أما علمت أنها تقصر عمرك القصير. أما علمت أن تتابع الملوين. وتعاقب النيرين. لم يبقيا من عمرك إلا اليسير. أما علمت أن في تصرم الأيام بالغفلة والمنام أشد حرمان وتحسير. أما علمت أن في انقراض الأعمار بمرور الدهور والإعصار أعظم عبرة وتذكير. أتظن أن غيرك الراحل عن الدنيا وأنت المقيم. أو أن من أخذ غيرك يتركك في كل واد تهيم. لا والله بل لا بد يوما أن تسلك في سلكهم ويلتحق النظير بالنظير. فانتبه يا مسكين فالدنيا أضغاث أحلام. ودار الفناء لا تصلح للمقام. وكأنك بها وقد كسف بدرها المنير واعتبر بغيرك فالعاقل من بغيره اعتبر. وتزود من التقوى لطول السفر. فإنه والله سفر خطير وذر المحارم وقم على أقوام سنن. وشمر عن ساعد الجد في أداء الفرائض والسنن. وإياك إياك والتقصير وقدم صالح الأعمال بين يديك. واجعل الموت دائما نصب عينيك. ولا تنسه فنسيانه ضلال كبير. واعبد الله كأنك تراه أو يراك. وإياك إياك وأن يراك حيث نهاك. فيشتد عليك النكير. وهو وإن استترت مطلع عليك. وأقرب إليك من نفسك التي بين جنبيك. أل يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها. وما ينزل
(5/22)

من السماء وما يعرج عنها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير

خطبة لشهر صفر
الحمد لله الذي عم الوجود برحمته. وأفاض على كل موجود سجال نعمته. وغمر الأنام. ببحر جوده وكرمه المتلاطم. سبحانه لا نحصي ثناء عليه. إن الأمر كله منه وإليه. لا إله إلا هو أحكم حاكم وأرحم راحم. أحمده سبحانه وتعالى وأشكره وأتوب إليه وأستغفره من جميع الذنوب والآثم. أما بعد فيا أيها الإنسان ما أجهلك بنعم مولاك وأنساك. مع أنك غريق في لجج بحرها مذ أوجدك وأنشاك. ولو تدبرت الوجود. لرأيته ساعيا في مصالحك كالخادم. أخرجك من خسة العدم إلى شرف الوجود. وغمرك في تيار بحار الفضل والجود. وأنت تعلم ذلك غلى التحقيق واليقين الجازم. ثم ما زال يربيك ويحسن إليك برزقه المتزايد. وأنت تشكوه لخلقه شكاية المضطر الفاقد. كأنك من ورد منهلها غير شريب أو أنت لها عادم. والعجب أنك تعد النقم والمحن. وتنسى ما لله عليك من النعم والمنن. وربما كانت المحنة منة عند الفهيم العالم. كم في الفقر من أجروكم في الضر من تكفير وزر. فما ربك بظلام للعبيد بل عدل في كل ما هو به حاكم. فأديموا رحمكم الله شكر المنعم بخاص التقوى وصالح العبادة. وأحسنوا فإن أحسنوا الحسنى وزيادة.
(5/23)

والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم

(من ديوان خطب الشيخ زكريا الأنصاري)
خطبة لربيع الآخر
الحمد لله الذي عزت معرفته فلا يدرك بالمعقول خافيها. وجلت صفته فلا يتكدر بالمنقول صافيها. وتمت كلمته فلا يرد حكم قاضيها. ودامت أزليته فمن ذا يضاهيها. أحمده سبحانه وتعالى على نعمه التي لا يمكن تناهيها. أيها الناس استدركوا ما فات من أعماركم بالتوبة فالدنيا كمثل المنام. وحصلوا التوبة فقد قرب الرحيل والانصرام. فما أسعد من بادر بقية عمره بالاغتنام. وما أحسن من دعاه مولاه فأجابه بالذل والاحتشام. وما أبرك من خلع عليه خلع القبول والإنعام. وما أشقى من ذهبت في البطالة شهوره والأيام. وكتب عليه الملكان القبائح والآثام. وما أقسى قلب من عصى الملك العلام. يسمع المواعظ فكأنها أضغاث أحلام. وتمضي عليه الليالي والأيام. وهو مصر على الآثام. ويطمع في دخول الجنة وقد ضرب بينه وبينها بسور له باب. ويتصنع بعمارة ظاهره وباطنه خراب. ويتعفف عن القليل وهو للكثير نهاب. فما عذر هذا إذا اجتمعت الخلائق. وتحققت الحقائق. ووزنت الأعمال بالدقائق. وجاءت كل نفس معه شهيد وسابق. ووضع الكتاب. ونوقش الحساب. ولم يدر
(5/24)

ما الجواب. وأحاطت به ملائكة العذاب. يوم تجد كل نفس عملها. وتسأل عن قولها وفعلها. يوم يسأل العالمون عن علمهم. والحاكمون عن حكمهم. يوم تظهر الأسرار. وتنكشف الأستار. ويتجلى الملك الجبار. فكيف تعصون الله وقد أقررتم بربوبيته. وكيف تسخطونه وقد علمتم كمال عظمته. فيا عباد الله أطيعوا الله يصلح لكم أعمالكم ويعطف عليكم القلوب. واجتنبوا معاصي الله فالوعيد غير مكذوب

خطبة له لجمادى الأولى
الحمد لله مظهر الحمد ومبديه. ومنجز الوعد وموفيه. ومعد العبد ومشقيه. ومرسل السحاب ومنشيه. الذي يجيب دعوة داعيه. ويقبل توبة العاصي وإن كثرت معاصيه. أحمده سبحانه وتعالى حمدا يوافي إنعامه ويكافيه. أيها الناس داركوا ما فرط من أيام البطالة. فسيلقى كل عامل منكم أعماله. يوم يستقيل فلا يجاب إلى الإقالة. يعض أنامله على الضلالة. يوم تحشر فيه للعرض. على ديان السماوات والأرض. يوم تزدحم فيه الخلائق قويا وضعيفا. ودينا وشريفا. ويصير على كل قدم ألف قدم فلا يستطيع أحد عن نفسه دفعا ولا تخفيفا. وتنشر الدواوين. وتطاير الصحف وتنصب الموازين. والملائكة قد حفوا بالخلائق أجمعين. وقد خشعت الأصوات للرحمن. قد تجلى الملك الديان. هنالك تشيب الأطفال. وتوضع في الأعناق الأغلال. ويقاد المجرمون إلى جهنم وأهل الضلال. فهذا مأخوذ
(5/25)

بناصيته. وهذا مسحوب على جبهته ووجهه وهذا قد سامحه ربه ونجاه. وهذا يقول وافضحتاه واسؤتاه. وهذا ألف غش في الحساب. وهذا يدعو فلا يجاب وهذا رحمه الملك التواب. وهذا قربه رب الأرباب. وهذا أبعده وانقطعت عنه الأسباب. فكيف حال العاصي قليل الأعمال. كثير الجهل والضلال. في هذا اليوم الشديد النكال. الكثير الأهوال. فيا عباد الله توبوا إلى الله وقدموا الأعمال الصالحات. وأقلعوا عن الذنوب والسيئات. لتلبسوا بين يدي الله تكريما وتشريفا. ولا تتبعوا كيد الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا

نخبة من ديوان خطب ابن نباتة
خطبة لشهر صفر
الحمد لله الرقيب على عباده. ألقريب من أهل صحبته ووداده. ألقاهر من حاربه من عباده. ألقامع من نازعه ودافعه عن مراده. أحمده سبحانه وتعالى على ما أولانا من مننه وإمداده. إبن آدم كم لله عليك من نعمة أنت لها كاتم. وكم له لديك من نقمة أنت مع موجدتها كاظم. لو تفكرت في أحوالها لرأيتها مشحونة بالعظائم. ولو تدبرت في الوجود لرأيته ساعيا في مصالحك كالخادم. فوا عجبا تعد النقم. وتنسى النعم. وربما كانت النقمة نعمة عند فهم الذكي العاقل العالم. كم في الفقر من أجر وكم في الضر من تكفير سيئة ودفع مأثم. فما ربك بظلام للعبيد بل هو عادل في كل ما هو به حاكم. فيا مشغولا
(5/26)

بالإعراض عن مولاك أفق فإنك في الحسب غالط وفي دعواك ظالم. إن أحرمك مرة فكم من مرة أعطاك. وإن أسقمك يوما فكم من أيام عافاك. فو الله لولا رحمته ما دفع عنك المآلم. ولا أوصل إليك المكارم. كم عاملك وعالم فكيف إذا عبدته بالأركان. ومجدته باللسان. ووحدته بالجنان. وكنت في محبته كالهائم. فو الله ما عز شيء إلا وهان. ولاتم أمر إلا وأخذ في النقصان. وما أطاعه عبد مع الإخلاص إلا وغمره ببحر جوده المتلاطم

وله من خطبة في الصلاة
تارك الصلاة إذا وضع في قبره وأهيل عليه التراب بالمسحاة يخاطبه القبر بلسان فصيح وألفاظ معربات. لا أهلا بك ولا سهلا يا من ضيع في الدنيا حقوق رب المخلوقات. يا طول ما مشيت على ظهري وتركت الصلوات. وسهوت عنها بالشهوات واللذات. اليوم تنظر مني عذابا لا تطيقه الجبال الراسيات. فيضمه القبر ضمة واحدة. فتصير أضلاعه مختلفات. فاتقوا الله حق تقواه في جميع الأوقات

وله من غيرها
أيها الناس قرب الرحيل وأنتم عن الطاعة غافلون. وأنقصت الآجال وأنتم على المعاصي عاكفون. وترادفت الأهوال وأنتم في طغيانكم تعمهون. فهل أنتم على ثقة من الحياة والقرار. أم بينكم وبين
(5/27)

الله عهد على البقاء في هذه الدار. كلا والله إنكم منها راحلون ولنعيمها مفارقون أما تعتبرون بمن مضى من الأموات. أما تخافون من العرض على رب السماوات. أما ترون أهوال القيامة وقد تواردت. أما ترون القلوب من الحسد عن بعضها تنافرت. أما ترون الفواحش وقد أصبحت ظاهرة. أما ترون الهمم عن الخيرات قاصرة. أما ترون أن البدع قد كثرت وعمت. أما ترون الفتن غلبت وطمت. أما ترون أن الأمانة قد ذهبت وضاعت. أما ترون الخيانة قد كثرت وشاعت. فكأني بكم وقد طرقكم طارق المنون. وأخذكم بغتة وأنتم لا تشعرون. فتنبهوا رحمكم الله قبل هجوم الموت. وتزودوا الآخرتكم قبل الفوت. قبل العرض على الملك الجبار. قبل كشف الأسرار. قبل يوم القصاص. قبل تعذر الخلاص. قبل دنو الشمس من الرؤوس. قبل هلاك الأرواح والنفوس

خطبة لابن رندقة الطرطوشي
يا أيها الرجل (وكلنا ذلك الرجل) ألق إلى سمعك وأعرني لبك فإن كنت لا تدري متى الموت فاعلمن بأنك لا تبقى إلى آخر الدهر أين آدم أبو الأولين والآخرين. أين إبراهيم خليل رب العالمين. أين الأمم الماضية. أين الملوك السالفة أين القرون الخالية. أين الذين نصبت على مفارقهم التيجان. أين الذين اعتزوا بالأجناد والسلطان. أين أصحاب السطوة والولايات. أين الذين خفقت على رؤوسهم الألوية
(5/28)

والرايات. أين الذين قادوا الجيوش والعساكر. أين الذين عمروا القصور والدساكر. أين الذين اقتحموا المخاطر والمخاوف. أين الذين دانت لهم المشارق والمغارب. أين الذين تمتعوا في اللذات والمآرب. أين الذين تاهوا على الخلائق كبرا وعتيا. أين الذين راحوا في الحلل بكرة وعشيا. أين الذين استلانوا الملابس أثاثا ورئيا. وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا. أين الذين ملأوا ما بين الخافقين عزا. أين الذين فرشوا القصور خزا وقزا. أين الذين تضعضعت لهم الأرض هيبة وهزا. أين الذين استذلوا العباد قهرا ولزا. هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا. أفناهم والله مفني الأمم. وأبادهم مبيد الرمم. وأخرجهم من سعة القصور. وأسكنهم في ضنك القبور. تحت الجنادل والصخور. فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم فعاث الدود في أجسامهم. واتخذ مقيلا في أبدانهم. فسالت العيون على الخدود وامتلأت تلك الأفواه بالدود. وتساقطت الأعضاء وتمزقت الجلود. فلم ينفعهم ما جمعوا ولا أغنى عنهم ما كسبوا. أسلمك الأحبة والأولياء. وهجرك الإخوان والأصفياء. ونسيك القرباء والبعداء. فأنسيت ولو نطقت لأنشدت قولنا عن سكان الثرى. ورهائن الترب والبلى:
مقيم بالحجون رهين رمس ... وأهلي رائحون بكل واد
كأني لم أكن لهم حبيبا ... ولا كانوا الأحبة في السواد
(5/29)

فعوجوا بالسلام فإن أبيتم ... فأوموا بالسلام على بعاد
فإن طال المدى وصفا خليل ... سوانا فاذكروا صفو الوداد
وذاك أقل ما لك من حبيب ... وآخره إلى يوم التناد
فلو أنا بموقفكم وقفنا ... سقينا الترب من مهج الفؤاد
وله أيضا
(يا أيها الرجل) اعتبر بمن مضى من الملوك والأقيال. وخلا من الأمم والأجيال. وكيف بسطت لهم الدنيا وأنسئت لهم الآجال. وأفسح لهم في المنى والآمال. وأمدوا بالآلات والعدد والأموال. كيف طحنهم بكلكله المنون. واختدعهم بزخرفه الدهر الخؤون. وأسكنوا بعد سعة القصور. بين الجنادل والصخور. وعاد العين أثرا. والملك خبرا. فأما اليوم فقد ذهب صفو الزمان وبقي كدره. فالموت تحفة لكل مرء كأن الخير أصبح خاملا والشر أصبح غائرا وأصبح الجور عاليا. وكأن العلم أصبح مدفونا والجهل منشورا. وكأن اللؤم أصبح باسقا والكرم ذاويا. وكأن الود أصبح مقطوعا والبغض موصولا. وكأن الكرامة قد سلبت من الصالحين ونوجي بها الأشرار. وكأن الخبيث أصبح مستيقظا والوفاء نائما. وكأن الكذب أصبح مثمرا والصدق قاحلا. وكأن الأشرار أصبحوا يسامون السماء وأصبح الأخيار يردون بطن الأرض. أما ترى
(5/30)

الدنيا تقبل إقبال الطالب. وتدبر إدبار بالهارب. وتصل وصال الملول. وتفارق فراق العجول. فخيرها يسير. وعيشها قصير. وإقبالها خديعة. وإدبارها فجيعة. ولذاتها فانية. وتبعاتها باقية. فاغتنم غفوة الزمان. وانتهز فرصة الإمكان. وخذ من نفسك لنفسك. وتزود من يومك لغدك. ولا تنافس أهل الدنيا في خفض عيشهم. ولين ريشهم. ولكن انظر إلى سرعة ظغنهم وسوء منقلبهم.

من خطبة للسان الدين ابن الخطيب في ذم الكسل
ألكسل مزلقة الربح. ومسخرة الصبح. إذا رقدت النفس في فراش الكسل استغرقها نوم الغفلة. لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير. الندامة في الكسل. كالسم في العسل. الكسل آفة الصنائع. وأرضه في البضائع. العجز والكسل. يفتحان الخمول ولا تسل. الفلاح إذا مل الحركة. عدم البركة.

ظهران لا يبلغان المرء إن ركبا ... باب السعادة ظهر العجز والكسل
وفي اغتنام الأنام من أضاع الفرصة. تجزع الغصة. إن كان لك من الزمان شيء فالحال. وما سواه فمحال. تارك أمره إلى غد. لا يفلح للأبد. الإنسان ابن ساعته. فليحطها من إضاعته. التسويف سم الأعمال. وعدو الكمال. لم يحرم المبادرة. إلا في النادر. ما درجت أفراخ ذل إلا من وكر طماعة. ولا بصقت فروع ندم غلا من جرثومة إضاعة. العزم سوق. والتاجر الجسور مرزوق. من وثق بعهد الزمان.
(5/31)

علقت يداه بحبال الحرمان. الربح في ضمن الجسارة. والمضيع أولى بالخسارة (نفخ الطيب للمقري)

خطبة الخلفاء
خطبة أبي بكر عندما بويع بالخلافة
أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم. والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له. والقوي منكم الضعيف عندي حتى آخذ الحق منه. لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله. فإنه لا يدع قوم إلا ضرب به الله بالذل. ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء. وإنما أنا متبع ولست بمبتدع. فإن استقمت فتابعوني. وإن زغت فقوموني. وإنكم تردون وترحمون في أجل قد غيب عنكم علمه. فإن استطعتم ألا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا. وإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه. فأريدوه بأعمالكم وإن ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها وخطأ ظفرتم به وضرائب أديتموها وسلف قدمتموه من أيام فانية لأخرى باقية لحين فقركم وحاجتكم. اعتبروا عباد الله بمن مات منكم وتفكروا فيمن كان قبلكم أين كانوا أمس وأين هم اليوم. أين الجبار. أين الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب. قد تضعضع بهم الدهر وصاروا رميما. قد تركت عليهم القالات الخبيثات والخبيثين والخبيثون للخبيثات. وأين الملوك الذين أثاروا
(5/32)

الأرض وعمروها قد بعدوا وأنسي ذكرهم وصاروا كلا شيء. ألا وقد أبقى الله عليهم التبعات وقطع عنهم الشهوات. ومضوا والأعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم. وبقينا خلفاً بعدهم. فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا وإن اغتررنا كنا مثلهم. أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم. صاروا ترابا وصاروا ما فرطوا فيه حسرة عليهم. أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط وجعلوا فيها الأعاجيب قد تركوها لمن خلفهم. فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور. هل تحس فيهم من أحد وتسمع لهم ركزا. أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم قد انتهت بهم آجالكم. فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقوة والسعادة بعد الموت. ألا إن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطي به خيرا ولا يصرف به عنه سوء إلا بطاعته وإتباع أمره. واعلموا أنكم عبيد مدينون وأن ما عنده لا يدركه إلا بطاعته. أما إنه لا خير بخير بعده النار ولا شر بشر بعده الجنة (من تاريخ الطبري باختصار)

خطبة لعلي بن أبي طالب
(حمد الله وأثنى عليه ثم قال) : أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله ولزوم طاعته وتقديم العمل وترك الأمل. فإنه من فرط في عمله. لم ينتفع بشيء من أمله. أين التعب بالليل والنهار. المقتحم للجج البحار. ومفاوز القفار. يسير من وراء الجبال. وعالج الرمال.
(5/33)

يصل الغدو بالرواح والمساء بالصباح. في طلب محقرات الأرباح. هجمت عليه منيته. فعظمت بنفسه رزيته. فصار ما جمع بورا. وما اكتسب غرورا. ووافى القيامة محسورا. أيها اللاهي الغار بنفسه كأني بك وقد أتاك رسول ربك لا يقرع لك بابا. ولا يهاب لك حجابا. ولا يقبل منك بديلا. ولا يأخذ منك كفيلا. ولا يرحم لك صغيرا. ولا يوقر فيك كبيرا. حتى يؤديك إلى قعر مظلمة. أرجاؤها موحشة. كفعله بالأمم الخالية. والقرون الماضية. أين من سعى واجتهد وجمع وعدد. وبنى وشيد وزخرف ونجد. وبالقليل لم يقنع. وبالكثير لم يمتع. أين من قاد الجنود. ونشر البنود. أضحوا رفاتا. تحت الثرى أمواتا. وأنتم بكأسهم شاربون. ولسبيلهم سالكون. عباد الله فاتقوا الله وراقبوه واعملوا لليوم الذي تسير فيه الجبال. وتشقق السماء بالغمام. وتطاير الكتب عن الأيمان والشمائل (لابن عبد ربه)

خطبة أخرى له حماسية
لما أغار سفيان بن عوف الأسدي على الأنبار في خلافة علي وعليها حسان البكري فقتله وأزال تلك الخيل عن مسارحها. فخرج علي حتى جلس على باب السدة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. فمن تركه ألبسه الله ثوب الذل وأشمله البلاء وألزمه الصغار وسامه الخسف. ومنعه النصف. ألا وإني دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وإعلانا. وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم فو الله ما غزي قوم
(5/34)

قط في عقر دارهم إلا ذلوا. فتواكلتم وتخاذلتم وثقل عليكم قولي. فاتخذتموه وراءكم ظهريا حتى شنت عليكم الغارات. هذا أخو غامد قد بلغت خيله الأنبار وقتل حسان البكري. وأزال خيلكم عن مسارحها وقتل منكم رجالا صالحين ثم انصرفوا وافرين ما كلم رجل منهم. فلو أن رجلا مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان عندي ملوما بل كان به عندي جديرا. فوا عجبا من جد هؤلاء في باطلهم وفشلكم عن حقكم. فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يرمى يغار عليكم ولا تغيرون. وتغزون ولا تغزون. ويعصى الله وترضون. فإذا أمرتكم بالمسير إليهم في أيم الحر قلتم: حمارة القيظ أمهلنا حتى يسبخ عنا الحر. وإذا أمرتكم بالمسير إليهم ضحى في الشتاء قلتم أمهلنا حتى ينسلخ عنا هذا القر. فأنتم والله من السيف أفر يا أشباه الرجال ولا رجال. ويا أحلام أطفال وعقول ربات الحجال. وددت أن الله أخرجني من بين أظهركم وقبضني إلى رحمته من بينكم وأني لم أركم ولم أعرفكم معرفة. ولله حرت وهنا ووريتم والله صدري غيظا. وجرعتموني الموت أنفاسا. وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحرب. لله أبوهم وهل منهم أحد أشد لها مراسا وأطول تجربة مني لقد مارستها وأنا ابن عشرين. فها أنا ذا قد نفيت على الستين. ولكن لا رأي لمن لا يطاع (عن نهج البلاغة والعقد الفريد والأغاني)
(5/35)

خطبة عمر بن العزيز بخناصرة
أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا ولم تتركوا سدى. وإن لكم معادا يحكم الله بينكم فيه. فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحرم جنة عرضها السماوات والأرض. واعلموا أن الأمان غدا لمن يخاف اليوم وباع قليلا بكثير وفانيا بباق. ألا ترون أنكم في أصلاب الهالكين. وسيخلفها من بعدكم الباقون حتى يردوا إلى خير الوارثين. ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه وبلغ أجله. ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه وبلغ أجله. ثم تغيبونه في صدع من الأرض ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد. قد خلع الأسباب. وفارق الأحباب. وواجه الحساب. غنيا عما ترك فقيرا إلى ما قدم. وأيم الله إني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد منكم أكثر مما عندي. وأستغفر الله لي ولكم وما تبلغنا حاجة يتسع لها ما عندنا إلا سددناها. ولا أحد منكم إلا وددت أن يده مع يدي ولحمتي الذين يلونني حتى يستوي عيشنا وعيشكم. وأيم الله إني لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة لكان اللسان به ناطقا ذلولاً عالماً بأسبابه. ولكنه مضى من الله سنة عادلة دل فيها على طاعته ونهى عن معصيته

خطبة الخليفة المهدي
الحمد لله الذي ارتضى الحمد لنفسه ورضي به من خلقه. أحمده على
(5/36)

آلائه. وأمجد لبلائه. وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه توكل راض بقضائه وصابر لبلائه ... أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإن الاقتصار عليها سلامة. والترك لها ندامة. وأحثكم على إجلال عظمته وتوقير كبريائه وقدرته. والانتهاء إلى ما يقرب من رحمته. وينجي من سخطه وينال به ما لديه من كريم الثواب. وجزيل المآب. فاجتنبوا ما خوفكم الله من شديد العقاب. وأليم العذاب. ووعيد الحساب. يوم توقفون بين يدي الجبار. وتعرضون فيه على النار. يوم لا تتكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد. يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه وصاحبه وبنيه. لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه. يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون. يزم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا. إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. فإن الدنيا دار غرور وبلاء وشرور. واضمحلال وزوال. وتقلب وانتقال. قد أفنت من كان قبلكم وهي عائدة عليكم وعلى من بعدكم. من ركن إليها صرعته. ومن وثق بها خانته. ومن أملها كذبته. ومن رجاها خذلته. عزها ذل وغناها فقر. والسعيد من تركها والشقي فيها من آثرها. والمغبون فيها من باع حظه من دار آخرته بها. فالله الله عباد الله والتوبة مقبولة والرحمة مبسوطة. وبادروا بالأعمال الزكية في هذه الأيام الخالية قبل أن يؤخذ بالكظم وتندموا فلا
(5/37)

تنالون الندم يوم حسرة وتأسف. وكآبة وتلهف. يوم ليس كالأيام. وموقف ضنك المقام

من خطبة لهارون الرشيد
الحمد لله نحمده على نعمه ونستعينه على طاعته ونستنصره على أعدائه. ونؤمن به حقا ونتوكل عليه مفوضين إليه.. أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإن في التقوى تكفير السيئات. وتضعف الحسنات وفوزا بالجنة ونجاة من النار. وأحذركم يوما تشخص فيه الأبصار. وتبلى فيه الأسرار. يوم البعث ويوم التغابن ويوم التلاقي ويوم التنادي. يوم لا يستغتب من سيئة ولا يزداد في حسنة. يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين. ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع. يعلم خيانة الأعين وما تخفي الصدور.. فاتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله. ثم توفى كل نفس ما كسبت. حصنوا إيمانكم بالأمانة ودينكم بالورع وصلاتكم بالزكاة.. وإياكم والأماني فقد غررت وأوردت وأوبقت كثيرا حتى أكذبتهم مناياهم. فتناوشوا التوبة من مكان بعيد وحيل بينهم وبين ما يشتهون فرغب ربكم عن الأمثال والوعد وقدم إليكم الوعيد. وقد رأيتم وقائعه بالقرون الخوالي جيلا فجيلا. وعهدتم الآباء والأبناء والأحبة والعشائر باختطاف الموت إياهم من بيوتكم ومن بين أظهركم لا تدفعون عنهم ولا تولون دونهم. فزالت عنهم الدنيا وانقطعت بهم الأسباب فأسلمتم إلى أعمالهم عند
(5/38)

المواقف والحساب. ليجزي الذين أساءوا بما عملوا والذين أحسنوا بالحسنى

خطبة المأمون في الفطر
(قال بعد التكبير والتحميد) : ألا وإن يومكم هذا يوم عيد وسنة وابتهال ورغبة. يوم ختم الله به صيام شهر رمضان وافتتح به حج بيته الحرام. فجعله أول أيام شهور الحج وجعله معقبا لمفروض صيامكم ومقتبل قيامكم. فاطلبوا إلى الله حوائجكم واستغفروه بتفريطكم. فإنه يقال: لا كثير مع ندم واستغفار. ولا قليل مع تماد وإصرار. (ثم قال:) اتقوا الله عباد الله وبادروا الأمر الذي لم يحضر الشك فيه أحدا منكم وهو الموت المكتوب عليكم. فإنه لا يستقال بعده عثرة ولا تخطر قبله توبة. اعلموا أنه لا شيء بعده إلا فوقه ولا يعين على جرعه وعكره وكربه وعلى القبر وظلمته ووحشته وضيفه وهول مطلعه ومسئلة ملكيه إلا العمل الصالح الذي أمر الله به. فمن زلت عند الموت قدمه فقد ظهرت ندامته. وفاتته استقامته. ودع من الرجعة إلى ما لا يجاب إليه وبذل من الفدية ما لا يقبل منه. فالله الله عباد الله كونوا قوما سألوا الرجعة فأعطوها إذ منعها الذين طلبوها. فإنه ليس يمنى المتقدمون قبلكم إلا هذا الأجل المبسوط لكم. فاحذروا ما حذركم الله منه واتقوا اليوم الذي يجمعكم الله فيه. لوضع موازينكم ونشر صحفكم الحافظة لأعمالكم. فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقل به وما يملى في صحيفته الحافظة لما عليه ...
(5/39)

ولست أنهاكم عن الدنيا بأكثر مما نهيتكم به الدنيا عن نفسها. فإن كل ما بها يحذر منها وينهى عنها وكل ما فيها يدعو إلى غيرها. وأعظم ما رأته أعينكم من فجائعها وزوالها ذم الله لها والنهي عنها فإنه يقول تبارك وتعالى: فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. وقال: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد. فانتفعوا بمعرفتكم بها ,بإخبار الله عنها واعلموا أن قوما من عباد الله أدركتهم عصمة الله. فحذروا مصارعها وجانبوا خدائعها. وآثروا طاعة الله فيها وأدركوا الجنة بما يتركون منها

خطبة قطري بن الفجاءة التميمي في منبر الأزارقة في ذم الدنيا
أما بعد فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة حفت بالشهوات وراقت بالقليل. وتجلببت بالعاجل وغمرت بالآمال. وتحلت بالأماني وزينت بالغرور. لا تدوم زهرتها ولا تؤمن فجعتها. غرارة ضرارة. وحائلة زائلة. ونافدة بائدة. لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا بها أن تكون كما قيل: كماء أنزلناه فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما. مع أن امرأ لم يكن منها في حبرة ألا عقبته بعدها عبرة. ولم يلق من سرائها بطنا. إلا منحته من ضرائها ظهرا. ولم تطله منها ديمة رخاء. إلا هطلت عليه مزنة بلاء. وحري إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة. وإن جانب منها اعذوذب واحلولى أمر عليه منها جانب فأوبا. وإن ليس امروء من غضارتها
(5/40)

ورفاهيتها نعما أرهقته من نوائبها غما. ولم يمس امروء منها في جناح أمن إلا أصبح منها في قوادم خوف. غرارة غرور ما فيها باقية فان ما عليها لا خير في شيء من زادها إلا التقوى. من أقل منها استكثر مما يؤمنه. ومن استكثر منها لم يدم له. وزال عما قليل عنه استكثر ما يوبقه. كم واثق بها قد فجعته وذي طمأنينة إليها قد صرعته. وكم من احتال بها قد خدعته. وكم ذي أبهة فيها قد صيرته حقيراً وذي نخوة فيها قد ردته ذليلا. وذي تاج قد كبته لليدين والفم. سلطانها دول وعيشها رنق. وعذبها أجاج. وحلوها مر وغذاؤها سمام. وأسبابها زحام وقطافها سلع. حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم. ومنيعها بعرض اهتضام. مليكها مسلوب وعزيزها مغلوب. وضعيفها وسليمها منكوب. وجارها وجامعها محروب. مع أن من وراء ذلك سكرات الموت وزفراته وهول المطلع والوقوف بين يدي الحكم العدل. ليجزي الذي أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ألستم في مساكن من كان منكم أطول أعمارا وأوضح آثارا وأعد عديدا وأكثف جنودا وأعتد عتاداً وأطور عناداً. تعدوا الدنيا أي تعبد وآثروها أي إيثار وظعنوا عنها بالكره والصغار. فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم بفدية. وأغنت عنهم مما قد أملتهم به بخطب بحيلة. بل أرهقتهم بالفوادح وضعضعتهم بالنوائب وعفرتم للمناخر. وأعانت عليهم ريب المنون وأرهقتهم بالمصائب وقد رأيتم تنكرها
(5/41)

لمن دان لها وآثرها وأخلد إليها. حتى ظعنوا عنها لفراق الأبدي. إلى آخر الأمد. هل زودتهم إلا الشقاء وأحلتهم إلا الضنك. أو نورت لهم غلا الظلمة. وعاقبتهم إلا الندامة أفهذه تؤثرون. أو على هذه تحرصون أو إليها تطمئنون. فبئست الدار لمن لم يتهمها ولم يكن فيها غلى وجل منها. اعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها الأبد فإنما هي لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد. فاتعظوا فيها بالذين يبنون بكل ريع آية تبعثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وبالذين قالوا من أشد منا قوة. واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا. وأنزلوا فلا يدعون ضيفانا. وجعل لهم من الضريح أكنان. ومن التراب أكفان. ومن الرفات جيران. فهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما. إن أخصبوا لم يفرحوا. وإن قحطوا. لم يقنطوا. جمع وهم آحاد. جيرة وهم أبعاد. متناؤون وهم يزارون ولا يستزيرون. حلماء قد ذهبت أضغانهم. وجهلاء قد ماتت أحقادهم. لا يخشى فجعهم. ولا يرجى دمعهم. وهم كمن لم يكن. إستبدلوا بظهر الأرض بطنا وبالسعة ضيفا وبالآل غربة وبالنور ظلمة. فجاؤوها حفاة عراة فردى غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة إلى خلود الأبد. فاحذروا ما حذركم الله وانتفعوا بمواعظه واعتصموا بحبله عصمنا الله وإياكم بطاعته ورزقنا وإياكم أداء حقه (لابن عبد ربه)
(5/42)

نخبة من كتاب تراجم الأعياد السيدية لابن الحديثي المعروف بابي الحليم
خطبة للصوم الكبير المبارك للقس روبيل الدنيسري
الحمد لله المحير الذي لا يجار عليه. القدير الذي لا ملجأ منه إلا إليه. مبدئ الخلق ومعيده. ومنشئ الرزق ومفيده. مسير مشرقات النجوم ومغيرها. ومدبر حركات الأفلاك ومديرها. ألمدرك المقيت. ألمهلك المميت. الذي صور أصناف الخليقة فأبدع تصويرها. وقرر اختلاف أجناسها فأحسن في تقديرها. ونشر رحمته على ضعفها وقويها. وصغيرها وكبيرها. الذي لا يراد في حكمته ولا يراجع. سامك السماء. بغير عمد في الهواء. وساطح الأرض طافية على تيار الماء. أحمده والحمد من نعمه. وأعول في القبول غلى كرمه. حمدا لا يكون لمتصله انفصال. على ما لا يدرك شكره ولا ينال. لا شريك له ولا ضد. ولا عديل ولا ند. ألحي الذي لا يموت ولا يبلى. ألقيوم الذي لا يسمى بما سمى نفسه ولا يكنى. أيها الناس أسيموا القلوب في هذا الصوم المبارك في رياض الحكم. وأديموا النحيب على ابيضاض اللمم. إلزموا التقوى يلزمكم وقارها. واحتموا الدنيا يحتمكم صغارها. أوصيكم عباد الله وإياي بتقوى الله فإنها عروة ما لها انفصام. وذروة ما لها انهدام. وقدوة يؤم إليها الكرام. وجذوة تضيء بها الأفهام. من تعلق بحبلها حمته محذور العاقبة. ومن تحقق بحملها وقته
(5/43)

شرور كل نائبة. قيدوا ألسنتكم من الخوض في الباطل. واقطعوا عن النطق بغيبة كل غافل. ألا وإن عثرة الرجل سريع اندمالها. وعثرة اللسان فظيع وبالها. ومن أبصر عيوب نفسه عمي عمن سواه. ومن هتك عرض أخيه كان خصمه الله. قد عمتكم رحمكم الله من الصوم النعمة السابغة. ولزمتكم من الله الحجة البالغة. ألا وإنه صوم جعله الله مصباح العام. وواسطة النظام. وأشرف قواعد النصرانية بنور الصيام. فتأهبوا رحمكم الله لهذه الأيام الشريفة المباركة ولاغتنام وردها. فكم طليق فيها من وثاق الذنوب. وحقيق بنيل كل مطلوب. ينزل الله لكم فيها الأرزاق. ويجعل ببركتها فكاك الأعناق. فاهربوا إلى الله يا عباد الله فيها من سوء الاجتراح. واطلبوا منه حوائجكم تظفروا بالنجاح. فلا دعاء فيه إلا مسموع. ولا عمل فيه إلا مرفوع. ولا خير إلا مجموع. ولا ضر إلا مدفوع. يا أيها العاقل هذا أوان ازديادك واستماعك. ويا أيها الغافل هذا وقت تيقظك واقتلاعك. ما سأل الله فيها سائل إلا أعطاه. ولا استجار به مستجير إلا أعزه وكفاه. فرحم الله امرأ تيقظ قلبه من سنة هواه. واختار لنفسه ما يحمده من سواه. قبل أن تترامى به الأقدار. ويحل به الحذار. وتوحش منه الديار. ولا يسمع منه الاعتذار. ولا يفصح بخطاب. ولا يسمع بجواب. مختطفا من الأحباب مرتهنا بالاكتساب. وحيدا في منزل الاغتراب. موجها يوم الحساب. أذي الأهل وأقرب
(5/44)

الأصحاب. تجهزوا فقد ضرب فيكم بوق الرحيل. وبرزوا فقد قربت لكم نوق التحويل. ودعوا التمسك بخدع الأباطيل. والكون إلى التسويف والتعليل. أظلنا الله وإياكم في ذلك اليوم بظل عرشه. ووقانا وإياكم حلول أليم بطشه. وعدل بنا وبكم إلى سبيل السلامة. وحمل عنا وعنكم أعباء الظلامة. وجعل الإخلاص بتوحيده نورا لنا ولكم في ظلمات القيامة. ونزع منا ومنكم غل القلوب ورفع عنا وعنكم ذل الذنوب. وجمع لنا ولكم في الدارين كل محبوب. وأيدنا وإياكم يوم القيامة بالاستبصار بتصاريف أقداره. وأسعدنا وإياكم يوم الانبعاث بجواره
(دعاء للآباء) . ألهم احرس أيام أبي الآباء الجاثليق الفطرك الكبير الممجد واحجبه بحجاب العصمة. وخلصه من قوارع كل نقمة. وأسبل عليه ستور الرأفة والرحمة. وبلغه أقصى المراد والهمة. آمين أللهم وأسعد المولى فلانا بسعادة تبسط بها آمال أوليائه. وتقبض آجال أعدائه وافتح له أقفال القلوب. وأنجح له السؤال في المطلوب. وأحصنه من الدنيا وحتوفها. وسلمه من موارد خسوفها أللهم وجد على بني المعمودية بعصمة مانعة من اقتراف السيئات ونعمة جامعة لصنوف الخيرات. ورحمة ماضية لسوالف الخطيئات. أللهم وإذا انقضت من الدنيا أيامنا. وأزف عند الموت حمامنا. وأحاطت بنا الأقدار. وشخصت إلى قدوم الملائكة الأبصار. وعلا
(5/45)

الأنين. وعرق الجبين. فمر أللهم ملك الموت بقبض أرواحنا شفيقا. وبنزع نفوسنا رؤوفا رفيقا. أللهم اغفر لنا ما أسررناه وما أعلناه. وما قدمن وأخرناه. وما أحصيته ونسيناه. وعلمته وجهلناه. ولا تدع لنا أملا إلا وبلغتناه. ولا سؤالا إلا وأنلتناه. ولا شرا إلا وكفيتناه. يا خير من عول عليه عبده ورجاه. برحمتك يا أرحم الراحمين. آمين

لذكر السيدة مريم العذراء الواقع بين عيد الميلاد وعيد الظهور
أحمد لله الذي أنار بأنوار الحكم مصابيح العقول. ألذي تنزه بالعزة أستار الظلام فعرفت سر العقل والعاقل والمعقول. ألذي تنزه بالعزة القدسية عن الأجناس والأنواع والفصول. وتقدس بسلطان الأحدية عن مشابهة الموضوع والمحمول. أذي أطلع شمس البرارة من مشرق سيدة النساء الطاهرة البتول. ودرع الكلمة الأزلية هيكلا ناسوتيا أظهره في العالم الكوني على هيئة الرسول. نحمده حمدا يقوده رائد التوفيق إلى أبواب القبول. ونشكره سرمدا على إيلاء الآلاء الضافية الأهداب والذيول. أيها المؤمنون انتقلت البيعة الأرثادكسية ابنة النور. من شرف إلى شرف ومن نور إلى نور. ومن الحبور بالميلاد الغريب. إلى السرور بذكر والدة السر العجيب. من بكر الأعياد المخصوصة بالولد. إلى عيد البكر حافظة البكرية إلى الأبد. من الأفراح بعيد منير العقول. إلى طرب الأرواح بعيد السيدة البتول. هذا اليوم الذي خص
(5/46)

بالهناء والخدمة. وأهدي فيه هدايا السلام للطاهرة الملآنة من النعمة. هذا اليوم الذي قرت ببهجته العيون. وسرت بفرحته قلوب الأبكار والعون. هذا اليوم الذي توقرت فيه الحسرة اليهودية. وافتخرت بيمن مطلعه الأسرة الدؤودية. هذا اليوم الذي صدقت فيه المخايل. وأعطيت البتول الطوبى من كل الأمم وقاطبة القبائل. أليوم تشرف قبيل النساء. قدمت ركائب الأفراح على النفساء. تحلى الجيد البتولي بدر العزة القعساء. خرت ساجدة في الإيوان المغاري جباه الأساورة الرؤساء. أليوم خمدت جمرات النوائر. همدت حرارت الشكوك الثوئر. أشرقت بنور المسيح أبصار البصائر. تأرجت أنواف الخلق بآراج التهاني والبشائر. أليوم صفت المناهل والموارد. تأنست قلوب الشوارد. أذعن بالعفاف المريمي كل ضال ومارد. نظر الأعداء سيدة النساء نظر الأسود الحوارد. أليوم طربت آفاق الغبراء. إبتهجت نفس السيدة العذراء. لاح صباح المنقبة الغراء. تفطرت مرائر اليهود الأغراء. أليوم خفقت بنود السعادة. نشرت أعلام الإفادة. صبت على شعب السيد المسيح بركات الولادة. وضعت على المفرق المريمي إكليل الجبلة الآدمية. تشرفت القرية البيت لحمية. فتقت بنور المسيح أبصار الخلق العمية. أليوم افتخرت الأنام وأقطار الورى.
(5/47)

قهقرت الآثام والأوزار إلى الورا. تخرصت أفواه الاغمار بالقول الهراه رشق اليهود الأغبياء ذات التقى والطهارة بسهام الفرى. أليوم ظهرت الآيات العجيبة. بهرت المعجزات الغريبة. زالت كواذب الظنون عن الخطيبة. أزالت الآيات البواهر عن قلب يوسف مواقع الشكوك والريبة. فالواجب علينا الآن يا أمة السيد المسيح أن ندنو بالهمم والولاء إلى خدمة أم المسيح ونبجل بالاكرام عيد الدرة اليتيمة. نتلقى بالإعظام ذكر اللؤلؤة الغالية القيمة. نشاهد في إيوان المغارة. ذات التقى والطهارة. نحدق إلى سكينة القدس والرحمة. سرادق العز والعظمة. خزانة الأسرار السماوية. وصدفة درة الحياة الأبدية. مشرق الشمس الأزلية. ألسماء الثانية العلية. هيكل القدرة العظيمة. مقصورة النعمة الجسيمة. باب الأسرار الخفية. حجاب الأنوار البهية. درجة الشرف الإنسي. أوج الكوكب القدسي. دقيقة الرحمة الغريرة. حقيقة الحكمة المنيرة. ذات المباهي والمفاخر. نجلة البررة الأطهار والشرف الفاخر. مريم العذراء الصفية. متكئة على السدة المغلفية. وهي مجللة بالنور والبهاء. آذنة لمن رام الدخول وتقديم هدايا الهناء. نتأمل بعيون البصائر شرف الولادة. ونلمح سيدة النساء معتجرة برداء البهاء والسعادة. قد احتفت ملائكة السماء بسيدتها. واصطفت أجناد العلاء لخدمتها.
(5/48)

نرى صبية خاملة الذكر مسكينة. نشاهد محيا قد مد عليه قناع الحياء والسكينة. فقيرة في العالم. أثرت بفقرها أبناء آدم. خاملة تخدمها الزمر الملائكية. حاملة لعقد التيجان على المفارق الملكية.
يتيمة لم يكن لها في فسيح الأرض مأوى. ضئيلة افتخرت بضآلتها أمها حوا. ننظر إلى ملوك المجوس وقد وضعوا التيجان على رؤوسهم وأدنو أصناف الهدايا والقرابين إلى ملكهم وقدوسهم. شدوا من قطمه على أسنة الرماح بنودا وأعلاما. واستكتبوا من ديوان رحمته لهم أمانا وذماما. نشاهد يوسف الشيخ العدول. واقفا على قدم الأفراح أمام البتول. قد أزال عن مكامن قلبه الهواجس والخطرات. واستنصل من زلة الظنون السوالف والأوهام الخطرات. قد أشحنت زوايا قلبه بالبهجة والمسرة. ولاح على وجهه البهي نور البشر والابتسام من أثناء الأسرة. يتعجب من الآيات الغرائب. ويتحجب لملوك الفرس بإدناء السلام وتقديم الحقائب. وقد أشعر نفسه بالهيبة. وترقرقت دموع الأفراح على وقار الشيبة. فلنسج نحن لهذه الرأفة العمميمة. ونشكر ترادف الآلاء والنعم الجسيمة. نملا الأفواه من التهليل والتسبيح. ونضفر أكاليل المدائح لأم السيد المسيح. نحمل هذه الآيات الظاهرة على صدق اليقين. ونؤمن بالآيات الباهرة إيمان المصدقين. نرفض ملابس الأوزار والذنوب. ونرحض بماء
(5/49)

التوبة أوضار القلوب. نوطن النفوس على الصفح والإغضاء. ونستعد مع الأبكار الخمس بالمصابيح والأضواء. ولنتبع من القنايا البائدة ميمنة المسيح. ونتقيل بالملائكة الأطهار في التقديس والتسبيح. ونتشفع بصلاة زهرة البشرية. الزاهرة بالأنوار البهية. غمامة الأسرار العلية. التي أومضت منها بروق البتولية. ذات الوضاء الأشرق. والثناء الأفيح الأعبق. ألسيدة الطاهرة الزكية. سكينة القدرة العلية. أن يرفع الله عنا موارد النقم بصلاتها. ويجمع لنا شوارد النعم بدعائها وبركاتها. ويوفقنا للتعلق في يوم القيامة بأهدابها. ونكون في مجمع الأبرار من خواصها وأصحابها. ويؤهلنا لفعل نحوز به رضاه في طاعتها. ويجعلنا من أصحاب اليمين بصلاتها وشفاعتها. ويمزجنا بزمرة الآباء المؤيدين. وجميع الشهداء والقديسين. برحمته التي تعم الأحياء والميتين. ويسبغ سجالها على الخلق كافة أجمعين

لعيد السلاق (أي الصعود)
الحمد لله الذي هدانا إلى طريق الهدى وواضح منهاجه. وفتح لنا باب الملكوت بإقليد شرعه الفضلي بعد إغلاقه وإرتاجه. وثقف نوعنا البشري بالأوامر والنواهي من زيغه واعوجاجه. وقاده بأمة العناية إلى الحظائر القدسية بعد إباءته ولجاجه. وأرسل مخلص الكل ظاهرا بصورة الناسوت لإبراء جبلة آدم وعلاجه. فرتب له من قوانين شرعه الاختصاصي دواء أفضى إلى صحته وتعديل
(5/50)

مزاجه. وشرف مفرقه بإكليل الملك الأبدي وتاجه. وأصعده سرا إلى قمم السماء يوم سلاقه ومعارجه. نحمده حمدا تقد في ظلماء القلوب أضواء سراجه. ونشكره شكرا تزهو كواكب الإخلاص في أفقه وأبراجه. أيها المؤمنون إن أسنى الأيام العظام. وأبهى المواسم وأحلى المواقيت الكرام. التي تفتر لها المضاحك والمباسم. يوم ختمت به معاقد الأعياد المسيحية. وسلمت قواعد الكهنوت إلى الزمر المسليحية. يوم رقيت فيه صفوة الجبلة البشرية إلى المحل الشامخ. واستوطأت صهوة العز الأبدي والشرف الباذخ. يوم توقل مخلص البرايا أشمخ الذروات العلية وأسمى القلل العواصم. هذا اليوم العظيم والميقات النبيه. والعيد الذي جلت مفاخره عن النظائر والتشبيه. هذا اليوم الذي أشرق فيه هلال الحق من سدف السرار. وتلت فيه نحور العقائد بقلائد الأسرار. هذا اليوم الذي تحققت فيه براهين الرجاء. هذا اليوم الذي رأته الأبصار فيه صاعدا على المناكب الأكروبية. ولمحته الأفكار قاعدا على منصة الرتب العلية. هذا اليوم الذي رش فيه طل الخيرات من غمام معينه. وأمطر سحائب البركات على الأنصار من يمن يمينه. أليوم فتحت أبواب مدينة الأطهار. نصيت ستور الأسرار عن بيعة الأبكار.
(5/51)

طربت ملائكة السماء برئيس الأحبار. تبوأ مقعد العز الأبدي على منبر الأنوار. أليوم برحت الأسرار والخفايا. منحت الأذخار والعطايا. صفحت الأوزار والخطايا. صعد المسيح إلى العلاء وسبى السبايا. أليوم أفلت رجاء الأحياء والأموات. أرتجت أرجاء السماوات. حق النجاء لذوي الخطايا والهفوات. واستغفر المخلص لأمته كل الخطايا والزلات. أليوم انحسرت غمة العبودية. اكتأبت الأمة اليهودية. صحت الكلمة الداوودية. رقي المسيح بالمجد وأصوات القرون إلى سدة الأبدية. أليوم أخفقت أدلة الضلال. أشرقت أهلة الإقبال. أورقت غصون الآمال. رقيت صورة آدم من قعر الحضيض الأوهد إلى ذروات الكمال. أليوم هبت نسائم الرضاء والاختصاص. هبت نوائم آمال التلاميذ الخواص. أليوم قرت عيون الأملاك. تشرفت متون الأفلاك. سكن الشوق الآدمي واستراح. ملئت قلوب أهل السماء بالبهجة والأفراح. ملك صفوة جنسه إقليم السماء. شرف بأخص الألقاب وأحسن الأسماء. رقيت قلاعته إلى قلة السماء العلية. استوطنت أرائك النور في قصور الأزلية. استبشر سكان الصفيح الأعلى بإيابه. تعلقت الزمر الملائكية بذيوله وأهدابه. تبركت السماء بوطء أقدامه. برز الإذن من سرادق الأزلية بتعظيمه وإكرامه. سمعت ضجة الملائكة بتقريضه ومديحه. تعالت لجة الملإ الأعلى بتمجيده وتسبيحه.
(5/52)

نستبشر نحن معاشر المؤمنين بسلاق السيد المسيح. نتقيل بأصناف الملائكة في السجود والتسبيح. نرفع الهمم عن مساقط الشهوات الأرضية. نقود القلوب بأزمة العزائم إلى الطريق المرضية. ننفض عن الأبدان قشور الكثافة. ونسربل الأذهان بنور اللطافة. نرقى إلى قلل العلى بأقدام الفكر. ونلحظ بأبصار النهي مخلصنا ابن البشر. نراه على سدة النور جالسا. وبالحضرة القدسية مستأنسا. وفي خدور النور مزفوفا. وبأجناد السماء محفوفا. نكتنف بظله الظليل الوارف. ونشكر أنعمه التوالد والطوارف. نتشبث بأهداب أثوابه. ونلصق الخدود خاضعة على أعتاب أبوابه. ونطلب من مظان رحمته. وديوان إحسانه ورأفته. أن يسبل ستور الرضوان على بوادي عيوبكم. ويروي بماء الغفران صوداي قلوبكم. ويجعل عيونكم بالرؤية المسيحية قريرة. وقلوبكم بأنوار البهجة العيدية فرحة مستنيرة. ووجوهكم يوم فيئته بادية السفور مشرقة الوضاء. ومصابيح أعمالكم مستعرة بالأنوار زاهرة الأضواء. ولا برحت غمائم البركات عليكم واكفة. ونسائم الخيرات متتابعة الهبوب مترادفة. وأبواب السماء لدعواتكم مفتوحة. وخطاياكم وآثامكم بالعفو والغفران مصفوحة. وإذا ما آب مخلصكم من سماء عزته. وأشرق نور لوائه الأزهر على أشخاص أمته. يجعلكم مع الأصفياء في زمرته. ويقعدكم على سدد النور مع أهل الاصطفاء عن
ميمنته. آمين
(5/53)

الباب الثالث
في الأمثال
نخبة من أمثال العرب للميداني
آخر الدواء الكي * آفة المروءة خلف الموعد * آكل لحمي ولا أدعه لآكل * آكل من السوس * آكل من ضرس * آكل من نار * آلف من حمام مكة * آلف من الحمى * آلف من غراب عقدة * آلف من كلب * آمن من الأرض * آب وقدح الفوزة المنيح * أبت الدراهم إلا أن تخرج أعنقاها * أبخل من ذي معذرة * أبخل من صبي * أبخل من الضنين بنائل غيره * أبخل من كلب * إبدأهم بالصراخ يفروا * أبرد من بزد الكوانين * أبرد من جربياء * أبرد من عضرس * أبرد من غب المطر * أبرد ممن يستعمل النحو في الحساب * أبشع من
(5/54)

مثل غير سائر * أبصر من عقاب ملاع * أبصر من فرس بيهماء في غلس * أبطأ من غراب نوح * أبغض من الشيب إلى الغواني * أبغى من المحبرة * أبغض من وجوه التجار يوم الكساد * أبقى على الدهر من الدهر * أبقى من وحي في حجر * أبكى من اليتيم * إبلي لم أبع ولم أهب * ابن آدم حريص على ما منع عليه * إبنه على كتفه وهو يطلبه * أبين من فلق الصبح * أتبع الحسنة السيئة تمحها * أتت عليه أم اللهيم * اتخذ الباطل دخلا * أترب فندح * أترف من ربيب نعمة * أترك الشر يترك * إتكلنا منه على خص * أتمك من سنام * أتى عليهم ذو أتى * أتيه من قوم موسى * أثبت في الدار من الجدار * أثبت من أصم رأسا * أثبت من الوشم * أثقف من سنور * أثقل من طود * أثقل من المنتظر * ألإثم حزاز القلوب * أجدى من الغيث في أوانه * أجرأ من أسامة * أجرد من صلعة * اجلس حيث تؤخذ بيدك
(5/55)

وتبر. لا حيث تؤخذ برجلك وتجر * أجمع من نمله * أجوع من ذئب * أجهل من فراش * يجري بليق ويذم * جدح جوين من سويق غيره * أسمع جعجعة ولا أرى طحنا * مال سرجه * فلان لا تندى صفاته * أحد حماريك فاز جري * أحرص من الذرة * أحسن من بيضة في روضة * أحسن من الدهم الموقفة * أحسن من زمن البرامكة * أحسن من شنف الأنضر * إحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء * أحكم من لقمان * أحكى من قرد * أحل من لبن الأم * أحلب حلبا لك شطره * أحلى من حياة معادة * أحلى من نيل المنى * أحمض من صفع الذل في بلد الغربة * أحمق بلغ * أحمق من الممتخط بكوعه * أحمل من الأرض * أحير من
(5/56)

ليل * أحيا من فتاة * أخبرته بعجري وبجري * أخبرته خبوري وشقوري وفقوري * أخبط من عشواء * أخبط من حاطب ليل * اختلط الخاثر بالزباد * أخذ في ترهات البسابس * أخذت الأرض زخاريها * أخذنا في البرقلة * أخذني بأطير غيري * أخذه على غل غيظه * أخرج الطمع من قلبك تحل القيد من رجلك * إن في الشر خيارا * إن الخصاص يرى من جوفها الرقم * إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب * عادت إلى عترها لميس * هذا برض من عد * يبلغ الخضم بالقضم * لكل ساقطة لاقطة * عاد السهم إلى النزعة * هو كالكاتب على صفحات الماء * أشهر من نار على علم * إن كنت ريحا فقد لاقيت
(5/57)

إعصارا * بعلة الورشان يأكل رطب المشان * لا يعرف الهر من البر * عند الرهان تعرف السوابق * لا تهرف بما لا تعرف * أنجز حر ما وعد * فلان يعلم من حيث تؤكل الكتف * ألقى حبله على غاربه * إنما يضن بالضنين * مخر نبق لينباع * هو إمعة وهو إمرة * هما زندان في وعاء * إذا ارجحن شاصيا فارفع يدا * هون عليك ولا تولع بإشفاق * لا تكن حلوا فتسترط ولا مرا فتعاف * يجمع بين الأروى والنعام * ليس قطا مثل قطي * جاء بعد الهياط والمياط * كالمستغيث من الرمضاء بالنار * لا آتيك أو يؤوب القارظ العنزي * أخذه برمته *
(5/58)

نخبة من أمثال الميداني وابن نباتة وغيرهما مع شرحها
يوم عبيد (ويقال عبيد)
يضرب لليوم المنحوس الطالع. وكان عبيد بن الأبرص تصدى فيه للنعمان في يوم بؤسه. وكان له يوم بؤس من لقيه فيه أهلكه ويوم نعيم من لقيه فيه أكرمه. فقال النعمان: يا عبيد أنك مقتول فأنشدني (اقفر من أهله ملحوب) . فأنشد:
اقفر من أهله عبيد ... فظل لا يبدي ولا يعبد
ثم قتله وصار يومه يضرب به المثل. قال أبو تمام:
لما أظلتني سماؤك أقبلت ... تلك الشهود على وهي شهودي
من بعد ما ظن الأعادي أنه ... سيكون لي يوم كيوم عبيد

صمصامة عمرو بن معدي كرب الزبيدي
من أشهر سيوف العرب وبه يضرب المثل في كرم الجوهر وحسن المنظر والمخبر والمضاء. وكان عمرو فارس زبيد حسن الاستعمال له في الجاهلية. وفيه يقول:
سناني ازرق لا عيب فيه ... وصمصامي يصمم في العظام
وقال عبد الله بن العباس لبعض اليمانيين: لكم من السماء نجمها ومن الكعبة ركنها ومن السيوف صمصامها. يعني سهيلا والركن اليماني وصمصامة عمرو بن معدي كرب

حديث خرافة
خرافة رجل من بني عذرة استهوته الجن. فلما رجع إلى قومه جعل يحدثهم بالأعاجيب من أحاديث الجن. وكانت العرب إذا سمعت حديثا لا أصل له قالت: حديث خرافة

نخوة العرب
لم تزل تتميز العرب عن سائر الأمم بالنخوة لما فيها من الشجاعة والكرم والفصاحة حتى أن النعمان بن المنذر امتنع عن مصاهرة كسرى ابرويز ملك الفرس

عروة الصعاليك
هو عروة بن الورد العبسي. وإنما سمي عروة الصعاليك لأنه كان إذا شكا أحد إليه الفقر أعطاه فرسا ورمحا وقال له: إن لم تستغن بهما فلا أغناك الله

جوف حمار
من أمثال العرب هو اكف من حمار وأخلى من جوف حمار. وهو ابن مويلع من عاد.
(5/59)

وجوف واد له طويل عريض لم يكن ببلاد العرب أخصب منه. وفيه من كل الثمرات فخرج بنوه يتصيدون فأصابتهم صاعقة فهلكوا فقال: لا اعبد من اهلك أولادي. فكفر ودعا قومه إلى الكفر فمن خالفه قلته. فأخرب الله تعالى واديه فضرب به المثل في الخراب فقال امرؤ القيس:
وواد كجوف العير قفر قطعته ... به الذئب يعوي كالخليع المعيل

حصن تيماء
بلدة بين الحجاز والشام ولها حصن يتمثل به في الحصانة ويقال أن سليمان بناه بالحجارة والكلس فمنعته العرب. ثم ملكه عادياء اليهودي ثم ابنه السموءل. وفيه يقول الأعشى:
أرى عاديا لم يمنع الموت ماله ... وفرد لتيماء اليهودي ابلق
بناه سليمان بن دارات حقبة ... له ازجٌ صم وطين موثق
يوازي كبيدات السماء ودونه ... ملاط ودارات وكلس وخندق

كعبة نجران وقصر غمدان
نجران أقدم بلاد اليمن وكان لها كعبة تحج فخربت وضرب بها المثل في الخراب وزوال الدولة. قال أبو عبيدة: أحبت العرب أن تشارك العجم في البنيان وتنفرد بالشعر. فبنوا غمدان وهو قصر شاهق مشهور وكعبة نجران وحصن تيماء الابلق الفرد وغير ذلك من البنيان. وغمدان أحد الأبنية الوثيقة للعرب يتمثل به في الحصانة والوثاقة سكنه ملوك حمير. ثم تنقلت به أحوال أدت إلى خرابه

إن الموصين بنو سهوان
قيل هذا معناه: إنما يحتاج إلى الوصية من يسهو ويغفل فأما أنت فغير محتاج إليها لأنك لا تسهو. وقال بعضهم: يريد بقوله (بنو سهوان) جميع الناس لأن كلهم يسهو. والأصوب في معناه أن يقال أن الذين يوصون بالشيء يستولي عليهم السهو حتى كأنه موكل بهم. ويضرب لمن يسهو عن طلب شيء أمر به. والسهوان السهو ويجوز أن يكون صفة أي بنو رجل سهوان وهو آدم حين عهد إليه فسها ونسي. يقال رجل سهوان وساه أي إن الذين يوصون لا بد أن سهوا لأنهم بنو آدم

أكرم من حاتم طيئٍ
جواد العرب المضروب به المثل في الجود وفيه يقول الشاعر:
لما سألتك شيئا ... بدلت رشدا بغي
عمن تعلمت هذا ... آن لا تجود بشيء
(5/60)

أما مررت بعبد ... لعبد حاتم طي
وكان يضرب بجود طي المثل حيث منهم حاتم وأوس بن حارثة. وهما في الجود والكرم على جانب عظيم. وروي أن أوسا وحاتما وفدا على عمر بن هند. فدعا أوسا فقال له: أنت أفضل أم حاتم فقال: أبيت اللعن لو وهبني حاتم وولدي لوهبني في ساعة واحدة. ثم دعا حاتما فقال له: أنت أفضل أم اوس. فقال أبيت اللعن أتعدلني باوس ولأحد ولده أفضل مني. فقال عمرو: ما أدري أيكما أفضل وما منكما الأسيد كريم. ومن محاسن أوس أن النعمان بن المنذر دعا بحلة نفيسة وعنده العرب وفيهم كل سيد كريم وفيهم أوس. فقال أحضروا غدا فأني ملبس هذه الحلة أكرمكم. فحضر القوم إلا أوس. فقيل له: لم تتخلف. فقال إن كان المراد غيري فأجل الأشياء بي أن لا أكون حاضرا وإن كنت المراد فسأطلب. فلما جلس النعمان ولم ير أوسا قال: اذهبوا إلى أوس فقولوا له: أحضر آمنا مما خفت. فحضر وألبس الحلة. فحسدوه قوم من أهله وقالوا البشر بن أبي خازم: اهجه. فهجاه بشر فأغار أوس على أبله واكنسحها وطلبه فجعل بشر لا يستجير حيا من أحياء العرب إلا قالوا له: قد أجرناك من الأنس والجن إلا من أوس. وكان في هجائه إياه ذكر أمه. فما لبث يسيرا حتى أتى به أسيرا. فدخل أوس إلى أمه واستشارها في أمره. فقالت: أرى أن ترد عليه ماله وتعفو عنه وأفعل أنا مثل ذلك فلا يقيك هجاءه إلا مدحه. فأخبره أوس بما قالت أمه. فقال: لا جرم والله لا مدحت غيرك حتى أموت

ألمعيدي تسمع به خير من أن تراه
هذا مثل يضرب لمن يكون خبره خيرا من منظره. وأول من قاله النعمان لشقة ابن ضمرة في خبر طويل. معناه أنه كان يغير على مال النعمان ويطلبه النعمان فلا يقدر عليه إلى أن أمنه وكان يعجبه ما يسمع عنه من الشجاعة والإقدام. فلما رآه استزرى منظره لأنه كان دميم الخلقة فقال: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. فقال: أبيت اللعن أن الرجال ليست بجزر وإنما يعيش المرء بأصغريه قلبه ولسانه. فأعجب النعمان كلامه وجعله من خواصه إلى أن مات. ومعيد اسم قبيلة

أبدى الصريح عن الرغوة
أي وضح الأمر وبان. قال بعضهم:
ألم تسل الفوارس يوم غول ... نبضلة وهو موتور مشيح
رأوه فازدروه وهو حر ... وينفع أهله الرجل القبيح
ولم يخشوا مصالته عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الصريح
يقول رأوني فازدروئي لدمامتي فلما كشفوا عني وجدوا غير ما رأوا ظاهرا
(5/61)

إن الشقي وافد البراجم
هو عمار بن صخر التميمي. والبراجم خمسة من أولاد حنظلة والعرب تضرب المثل بوافد البراجم. وذلك أن الملك عمرو بن هند أحرق تسعة وتسعين رجلا من بني تميم لثار له عندهم وكان قد آلى أن يحرق منهم مائة. فبينما هو يلتمس بقية المائة إذ مر رجل من البراجم يسمى عمارا قادم من سفر فاشتم رائحة القتار فظن إن الملك إتخذ طعاما فعدل إليه. فقيل له ممن أنت. قال: من البراجم. فألقي في النار. وقيل في المثل أن الشقي وافد البراجم. ومن هنالك عيرت بنو تميم بحب الطعام

شقائق النعمان
قال أبو محمد: شقائق النعمان منسوبة إلى النعمان بن المنذر. وكان خرج إلى الحضر وقد اعتم نبته من بين أخضر وأصفر وأحمر وإذا فيه من هذه الشقائق شيء. فقال: ما أحسنها احموها. فحموها فسميت شقائق النعمان

أفصح من سحبان وائل
هو وائل بن معن بن أعصر وكان خطيبا يضرب به المثل في الفصاحة. قال الشاعر في ضيف نزل به:
أتانا ولم يعدله سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كأنه ... من العي لما أن تكلم باقل

أبر من العملس
كان برا بأمه وكان يحملها على عاتقه حمل إليها غبوقاً من لبن في عس. فصادفها نائمة فكره إنباهها والانصراف عنها. فأقام مكانه قائماً يتوقع انتباهها حتى أصبح

أبطش من دوسر
قالوا أن دوسر إحدى كتائب النعمان بن المنذر ملك العرب. وكانت له خمس كتائب الرهائن والصنائع والوضائع والأشهاب ودوسر. أما الرهائن فإنهم كانوا خمس مائة رجل رهائن لقبائل العرب يقيمون على باب الملك سنة ثم يجيء بدلهم خمسمائة أخرى وينصرف أولئك إلى أحيائهم. فكان الملك يغزو بهم ويوجههم في أموره. وأما الصنائع فبنو قيس وكانوا خواص الملك لا يبرحون بابه. أما الوضائع فإنهم كانوا ألف رجل من الفرس يضعهم ملك الملوك بالحيرة نجدة لملك العرب. وكانوا أيضا يقيمون سنة ثم يأتي بدلهم ألف رجل وينصرف أولئك. وأما الأشاهب فأخوة ملك العرب وبنو عمه ومن يتبعهم من أعوانهم سموا
(5/62)

الأشاهب لأنهم كانوا بيض الوجوه. فأما دوسر فأنها كانت أخشن كتائبه وأشدها بطشا ونكاية وكانوا من كل قبائل العرب وأكثرهم من ربيعة. سميت دوسر اشتقاقا من الدسر وهو الطعن بالثقال لثقل وطأتها. قال الشاعر:
ضربت دوسر فيهم ضربة ... أثبتت أوتاد ملك فاستقر
وكان ملك العرب عند رأس كل سنة وذلك أيام الربيع يأتيه وجوه العرب وأصحاب الرهائن وقد صير لهم أكلا عنده وهم ذوو الآكال. فيقيمون عنده أشهرا ويأخذون أكالهم ويبدلون رهائنهم وينصرفون إلى أحيائهم

أبأى ممن جاء برأس خاقان
هذا خاقان ملك من ملوك الترك خرج من ناحية باب الأبواب. وظهر على أرمينية وقتل الجراح بن عبد الله عامل هشام بن عبد الملك عليها. وغلظت نكايته في تلك البلاد. فبعث هشام إليه سعيد بن عمرو الجرشي وكان مسلمة صاحب الجيش فأوقع سعيد بخاقان ففض جمعه واحتز رأسه وبعث به إلى هشام. فعظم أثره في قلوب المسلمين وفخم أمره ففخر بذلك حتى ضرب به المثل

أبصر من زرقاء اليمامة
هي عنزة اليمامة. واليمامة اسمها وبها سمي البلد وهي امرأة من جديس. وذكر الجاحظ أنها كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام. فلما قتلت جديس طمسا خرج رجل من طسم إلى حسان بن تبع فاستجاشه ورغبه في الغنائم فجهز إليهم جيشا. فلما صاروا من جو على مسيرة ثلاث ليال صعدت الزرقاء فنظرت إلى الجيش. وقد أمروا أن يحمل كل رجل منهم شجرة يستتر بها ليلبسوا عليها. فقالت: يا قوم أتتكم الأشجار أو أتتكم حمير فلم يصدقوها. فقالت على مثال رجز:
أقسم بالله لقد دب الشجر ... أو حمير قد أخذت شيئا بجر
فلم يصدقوها فقالت: بالله لقد أرى رجلا ينهش كتفا أو يخصف النعل فلم يصدقوها. ولم يستعدوا حتى صبهم حسان فاجتاحهم. وكانت أول من اكتحل بالإثمد من العرب

أبلغ من قس
قس بن ساعدة بن حذافة بن زهير بن إياد بن الأيادي أسقف نجران. وكان من حكماء العرب وأعقل من سمع به منهم. وهو أول من كتب من فلان إلى فلان. وأول من أقر بالبعث من غير علم. وأول من قال: إما بعد. وأول من قال: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. وقد عمر مائة سنة ونيفا
(5/63)

الحديث شجون
وهذا المثل لضبة بن أد. وكان له ابنان سعد وسعيد فخرجا في طلب إبل لهما فرجع سعيد ولم يرجع سعد. فكان ضبة لوا رأى رجلا مقبلا قال: أسعد أم سعيد فذهبت مثلا. ثم أن ضبة بينا هو يسير يوما ومعه الحرث بن كعب في الشهر الحرام فأتى على مكان فقال له الحرث: أترى هذا الموضع فإني لقيت فتى هيئته كذا وكذا فقتلته وأخذت منه هذا السيف. فإذا بصفة سعد. فقال له ضبة: ارني السيف انظر إليه فناوله فعرفه فقال له: إن الحديث شجون. ثم ضربه به حتى قتله. فلامه الناس في ذلك وقالوا: أقتلت في الشهر الحرام. قال: سبق السيف العذل. فذهبت مثلا

أتانا صكة عمي
عمي رجل من عدوان وكان يفتي في الحج فأقبل معتمرا ومعه ركب حتى نزلوا بعض المنازل في يوم شديد الحر. فقال عمي: من جاءت عليه هذه الساعة من غد وهو حرام لم يقض عمرته فهو حرام إلى قابل. فوثب الناس في الظهيرة يضربون (أي يسيرون) حتى وافوا البيت وبينهم وبينه من ذلك الموضع ليلتان. فضرب مثلا فقيل: أتانا صكة عمي إذا جاء في الهجيرة الحارة. وقيل كان عمي رجلا مغوارا فغزا قوما عند قائم الظهيرة وصكهم صكة شديدة فصار مثلا لكل من جاء في ذلك الوقت

كأنه سنور عبد الله
يضرب لمن لا يزيد سنا إلا ازداد نقصانا وجهلا. وفيه يقول بشار بن برد الأعمى:
أبا مخلف ما زلت سباح غمرة ... صغيرا فلما شبت خيمت بالشاطي
كسنور عبد الله بيع بدرهم ... صغيرا فلما شب بيع بقيراط

فمي ملآن من الماء
يضرب لمن يريد أن يتكلم ولكن له ما يحجزه عن الكلام. ولله بعض الشعراء وقد عوتب على قلة كلامه:
قالت الضفدع قولا ... فسرته الحكماء
في فمي ماء وهل ين ... طق من في فيه ماء

أحلم من الأحنف
هو أبو فخر الضحاك بن قيس التميمي الأحنف من التابعين ومن كلامه: رب غيظ تجرعته مخافة ما هو أشد منه. ومن قوله: كثرة المزاح تذهب بالهيبة. السؤدد كرم الأخلاق وحسن الفعل. الداء اللسان البذي والخلق الردي. وكان الأحنف شهد مع علي بن أبي طالب وقعة
(5/64)

بصفين. ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه يوما. فقال له معاوية: والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزازة في قلبي إلى يوم القيامة. فقال له الأحنف: والله يا معاوية أن القلوب التي أبغضاك بها لفي صدورنا. وإن السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادها. وإن تدن من الحرب فترا ندن منك شبرا. وإن تمش إليها نهرول إليك. ثم قام وخرج. وكانت أخت معاوية من وراء حجاب تسمع كلامه فقالت: يا أمير المؤمنين من هذا الذي يتهدد ويتوعد. فقال: هذا الذي إذا غضب غضب لغضبه مائة ألف من بن تميم ولا يدرون لما غضب وأخبر النويري عنه قال: كان معاوية قد كتب إلى عماله أن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار. فكان فيمن أتاه محمد بن عمرو بن حزم من المدينة والأحنف بن قيس في وفد أهل البصرة. ثم أن معاوية قال للضحاك بن قيس الفهري: لما تجتمع الوفود أني متكلم فإذا سكت فكن أنت الذي تدعو إلى بيعة يزيد وتحض عليها. فلما جلس معاوية للناس تكلم فعظم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقها فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال الضحاك: يا أمير المؤمنين أنه لا بد للناس من وال بعدك فذلك أحقن للدماء وأصلح للدهماء وآمن للسبيل وخير في العاقبة. والأيام عوج كل يوم في شأن ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن هديه. وهو من أفضلنا علماً وحلماً وأبعدنا رأياً. فخوله عهدك واجعله لنا علماً بعدك ومفزعاً نلجأ إليه ونسكن إلى ظله. وتكلم عمرو بن سعيد الأشدق بنحو من ذلك. ثم قام يزيد بن المقنع العذري فقال: هذا أمير المؤمنين (وأشار إلى معاوية) فإن هلك فهذا (وأشار إلى يزيد) ومن أبى فهذا (وأشار إلى سيفه) . فقال معاوية: اجلس فأنت سيد الخطباء. فأذعن من حضر من الوفود. فقال معاوية للأحنف: ما تقول يا أب بحر. فقال: نخافكم أن صدقنا ونخاف الله أن كذبنا. وأنت يا أمير المؤمنين اعلم بزيد في ليله ونهاره وسره وعلانيته ومدخله ومخرجه. فإن كنت تعلمه لله تعالى ولهذه الأمة رضى فلا تشاور فيه. وإن كنت تعلم منه غير ذلك فأنت صائر إلى الآخرة وإنما علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا

أحمق من أبي غبشان
إن خزاعة أخذ فيها وت شديد وزعاف عمهم بمكة. فخرجوا منها ونزلوا الظهران. وكان فيهم رجل يقال له حليل بن حبشية وكان صاحب البيت. وكان له بنون وبنت يقال لها حبى وهي امرأة قصي بن كلاب. فمات حليل وكان أوصى ابنته حبى بالحجابة وأشرك معها أبا غبشان الملكاني. فلما رأى قصي بن كلاب أن حليلا قد مات وبنوه غيب والمفتاح في يد امرأته طلب إليها أن تدفع المفتاح إلى ابنها عبد الدار بن قصي وحمل بنيه على ذلك فقال: أطلبوا إلى أمكم حجابة جدكم. ولم يزل بها حتى سلمت له بذلك. وقالت: كيف أصنع بأبي غبشان وهو وصي معي. فقال قصي: أنا أكيفك أمره. فاتفق أن اجتمع أبو غبشان مع قصي في شرب بالطائف
(5/65)

فخدعه قصي عن مفاتيح الكعبة بأن أسكره ثم اشترى منه المفاتيح بزق خمر وأشهد عليه ودفع المفاتيح إلى ابنه عبد الدار بن قصي وسيره إلى مكة. فلما أشرف عبد الدار على دور مكة رفع عقيرته وقال: معاشر قريش هذه مفاتيح بيت أبيكم إسماعيل قد ردها الله عليكم من غير غدر ولا ظلم. فأفاق أبو غبشان من سكره أندم من الكسعي. فقال الناس: أحمق من أبي غبشان. أندم من أبي غبشان. وأخسر صفقة من أبي غبشان. فذهبت أمثالا. وأكثر الشعراء فيه القول

صفقة لم يشهدها حاطب
هو حاطب بن أبي بلتعة وكان حازما خبيرا. إذا باع بعض قومه أو اشترى جعل ذلك على يده لئلا يغبن فيه. فباع بعض أهله بيعة ليست عن يده فغبن فيها فقيل: هي صفقة لم يشهدها حاطب. يضرب لمن يقضي أمرا ليس عن يد أربابه

أحمق من هبنقة
قيل أنه جعل في عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف وهو ذو لحية طويلة. فسئل عن ذلك. فقال: لأعرف بها نفسي ولئلا أضل. فبات ذات ليلة وأخذ أخوه قلادته فتقلدها فلما أصبح ورأى القلادة في عنق أخيه فقال: يا أخي أنت أنا فمن أنا. وقيل أنه ضل له بعير فجعل ينادي: من وجد بعيري فهو له. فقيل له: فلم تنشده. قال: فأين حلاوة الوجدان

أحول من أبي قلمون وأبي براقش
أبو برقش وأبو قلمون كنية الرجل الكثير التلون القليل الارتباط. وأصل أبي قلمون كنية لثياب ابريسم تنسج بمصر وبلاد الروم تتلون بالعيون ألوانا. قال بديع الزمان في بعض مقاماته:
أنا أبو قلمون ... في كل لون أكون

قلب له ظهر المجن يضرب لمن كان لصاحبه على مودة ورعاية ثم حال عن العهد. وقد يضرب للمحاربة بعد المسالمة. لأن ممسك المجن إذا جعل ظهره خارج لم يكن إلا ليتقي به ولا يفعل ذلك إلا المحارب

هو أبطأ من فند
اسم أبي زيد صاحب عائشة بنت سعد بن أبي وقاص. كان من المفنين المحسنين أرسلته عائشة ذات يوم ليأتيها بشعلة نار من بيوت الجيران. فوجد قوماً ذاهبين إلى مصر فتبعهم من فوره وأقام هناك سنة ثم قدم. ولما دخل الحي أخذ ناراً وجاء يعدو إلى بيت عائشة. فعثر بحجر هناك وتبددت النار التي كان قد أتى بها فقال: تعست العجلة. وفيه يقول الشاعر:
ما رأينا لغراب مثلاً ... أن بعثناه يجيء بالمشمله
(5/66)

غير فندٍ أرسلته قابساً ... فثوى حولا وسب العجلة
المشملة كساء يتدثر به. وغراب اسم رجل أرسلوه ليأتيهم بها فأبطأ. فقال بعضهم البيتين مشبها إياه بفند المذكور آنفا.

أحشفا وسوء كيلة
حكى الأصمعي أن أبا جعفر المنصور لقي أعرابيا بالشام وقال له: أحمد الله يا أعربي الذي رفع عنكم الطاعون بولايتنا أهل البيت. فقال له الأعرابي: أن الله أعدل من أن يجمع علينا حشفا وسوء كيلة. فلا يجمع بين ولايتكم والطاعون. يضرب لمن يجمع بين خصلتين مكروهتين

كل الصيد في جوف الفرا
أصله أن ثلاثة رجال خرجوا يصطادون فاصطاد أحدهم أرنبا والآخر ظبيا والآخر حمار وحش. فاستبشر الأولان وتطاولا فقال الثالث: كل الصيد في جوف الفرا. يضرب للرجل يكون له حاجات كثيرة منها واحدة عظيمة فتقضى له فيقول ذلك. أو يقال له ذلك على معنى أنه لم يبال بفوات البواقي. الفرا حما الوحش

أهدى من القطا
قيل أن القطا تترك فراخها في الصحراء وتذهب عند طلوع الفجر في طلب الماء من مسير ليلة فترده ضحوة يومها فتحمل الماء إلى فراخها فتنهلها. ثم ترجع بعد الزوال إلى تلك المسافة فتشرب وتأتي فراخها في عيشة يومها فتسقيها عللا بعد نهل ولا تخطئ مواضع فراخها

لا تطعم العبد الكراع فيطمع في الذراع
قيل لعمرو بن عدي ابن أخت جذيمة الأبرش. وكان قد هام على وجهه في البراري حتى توحش. واتفق أن رجلين من اليمن كانا يطلبانه جلسا في بعض الطريق يأكلان ومعهما امرأة تسقيهما الخمر فاقبل عليهما عمرو وجلس معهما على الطعام وهما لا يعرفانه. ثم سأل المرأة أن تسقيه فقالت المثل. يضرب لمن يرخص له في القليل فيطمع في الكثير

قبة نجران هي قبة عظيمة يضرب بها المثل قيل أنها كانت تظلل ألف رجل. وكان إذا نزل بها مستجير أجير أو خائف أمن أو جائع أشبع أو مسترفد أعطي أو طالب حاجة قضيت. وكانت هذه القبة لعبد المسيح بن دارس بن عدي. ونجران بلد في اليمن كانت هذه القبة بجانب نهر فيها وكانت العرب تسميها كعبة نجران لأنهم كانوا يقصدون زيارتها كما يقصدون زيارة الكعبة. وعلى ذلك قول الأعشى يخاطب ناقته
(5/67)

وكعبة نجران حتم عليك ... حتى تناخي بأبوابها
تزور يزيدا وعبد المسيح ... وقيسا وهم خير أربابها

أنت تئق وأنا مئق فكيف نتفق
يضرب للمتنافيين في الخلق. فأن التئق هو الممتلئ غيظا والمئق هو الباكي. فكان التئق ينزع إلى الشر لغيظه. والمئق يضيق ذراعا باحتماله. والتئق السريع إلى الشر والمئق السريع إلى البكاء

حال الجريض دون القريض
أصله أن رجلا كان له ابن نبغ في الشعر فنهاه عنه. فجاش به صدره ومرض حتى أشرف على الموت. فأذن له أبوه حينئذ في قول الشعر فقال: حال الجريض دون القريض أي أن غصة الموت حالت بينه وبين قول الشعر. يضرب لأمر يعوق دونه عائق

ليس القوادم كالخوافي
يضرب في تفصيل بعض الناس على بعضهم لما بينهم من التفاوت. والقوادم مقاديم ريش الطير وهي عشر ريشات في كل جناح ويقال لها القدامى. والخوافي ما دون القوام من الريش

أتبع الفرس لجامه والناقة زمامها
أي أنك قد جدت بالفرس. واللجام أيسر خطبا فأتم الحاجة. كما أن الفرس لا غنى به عن اللجام. يضرب لاستكمال المعروف

أعز من الزباء
الزباء هي فارعة ابنة مليح بن البراء ملكة جزيرة العرب يضرب بها المثل في العز والمنعة. وكان أبوها الريان الغساني ملكا على الحضر وقتله جذيمة الأبرش وطرد الزباء إلى الشام. فلحقت بالروم وكانت عربية اللسان كبيرة الهمة. وكان لها شعر إذا مشت سحبته وراءها وذا نشرته جللها فسميت الزباء. والأزب الكثير الشعر. وبلغت من همتها إنها جمعت الرجال وبذلت الأموال وعادت إلى دار أبيها ومملكته فأزالت جذيمة عنها وقتلته. وبنت على الفرات مدينتين متقابلتين وجعلت بينهما أنفاقا تحت الأرض وتحصنت. وأما مقلتها فأن قصيرا لما فارق جذيمة وعاد إلى بلاده احتال في قتلها فجذع أنفه وضرب جسده ورحل إليها زاعما أن عمرو ابن أخت جذيمة صنع به ذلك وأنه لجأ إليها هاربا منه واستجار بها. ولم يزل يتلطف لها بطريق التجارة وكسب الأموال إلى أن وثقت وعلم خفايا قصرها وأنفاقه. ثم وضع رجالا من قوم عمرو في غرائر وعليهم السلاح وحملهم على الإبل على أنها قافلة متجر إلى أن دخل بهم مدينتها. فحلوا الغراير وأحاطوا بقصرها وقتلها قبل أن تصل إلى نفقها في حكاية مشهورة وذلك بعد مبعث المسيح
(5/68)

أجود من هرم
هو هرم بن سنان بن أبي حارثة المري. قال زهير بن أبي سلمى فيه:
أن البخيل ملوم حيث كان ولك ... ن الجواد على علا ته هرم
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... غفواً ويظلم أحياناً فيظلم
ووفدت ابنة هرم على عمر فقال لها: ما كان الذي أعطى أبوك زهيراً حتى قابله من المديح بما قد سار فيه. فقالت: أعطاه خيلاً تنضى وإبلا تتوى وثيابا تبلى ومالا يفنى. فقال عمر: لكن ما أعطاكم زهير لا يبليه الدهر ولا يفنيه العصر وهو قوله:
قوم سنان أبوهم حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
محسدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله عنهم ما له حسدوا
إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا ... مرزؤون بهاليلٌ إذا جهدوا

احترس من العين فوالله لهي أنم عليك من اللسان
قال أبو عبيدة: معناه رب عين أنم من لسان. وقال الشاعر:
لا جزى الله دمع عيني خيراً ... بل جزى الله كل خير لساني
نم طرفي فليس يكتم شيئا ... ووجدت اللسان ذا كتمان
كنت مثل الكتاب أخفاه طي ... تخبرك العيون عن القلوب
قال زهير:
وإن تك في صديق أو عدو ... تخبرك العيون عن القلوب

أحزم من الحرباء
لأنه لا يخلي عن ساق شجرة حتى يمسك ساق شجرة أخرى. ومنها قول الحريري: اعتلقنا به اعتلاق الحرباء بالأعواد. وقوله أيضا: أبرز يا بني في بكور أبي زاجر. وجرأة أبي الحرث. وخرامة أبي قرة (وهو الحرباء) . وختل أبي جعدة. وحرص أبي عقبة. ونشاط أبي وثاب. ومكر أبي الحصين. وصبر أبي أيوب. وتلطف أبي غزوان. وتلون أبي براقش. وفي معناه قول الشاعر:
أنى أتيح له حرباء تنضبةٍ ... لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا

ضرب أخماسا لأسداس
أصله أن الرجل إذا أراد سفرا بعيدا عود أبله أن تشرب خمسا أي كل خمسة أيام مرة. ثم عودها على السدس حتى إذا أخذت في السير تصبر عن الماء. يضرب لمن يسعى في المكر

آخر البز على القلوص
يقال فرس مقلص إذا كان طويل القوائم. وإذا كان كذلك كان أسرع. وقيل له مقلص
(5/69)

تشبيها بالرجل الذي قلص ثيابه أي شمرها فظهرت رجلاه. يضرب عند آخر المهد بالشيء وعند انقطاع أثره وذهاب أمره

أحذر من قرلى
قالوا: أنه طير من بنات الماء صغير الجرم حديد البصر سريع الاختطاف. لا يرى إلا مرفرفاً على وجه الماء على جانب كطيران الحدأة. يهوي بإحدى عينيه إلى قعر الماء طمعا ويرفع الأخرى إلى الهواء حذرا. فإن أبصر في الماء ما يستقل بحمله من سمك أو غيره انقض عليه كالسهم المرسل فأخرجه من قعر الماء. وإن أبصر في الهواء جارحا مر في الأرض. وكما ضربوا به المثل في الاختطاف كذلك ضربوا به المثل في الحذر والحزم فقالوا: احذر من القرلى كما قالوا: احذر من غراب. وقالوا احزم من قرلى كما قالوا احزم من حرباء. قال الشاعر:
حذرا كن كالقرلى ... أن رأى خيرا تدلى
أو رأى شرا تولى

أوفى من السموءل
هو السموءل بن عاديا من بهود يثرب الذي يضرب به المثل في الوفاء. وسبب ذلك أن امرء القيس بن حجر الكندي لما قتل أبوه وكان ملكا في كندة خرج يستنجد بملك الروم فمر على تيما وفيها حصن السموءل المسمى بالابلق المذكور في شعره. فأودع السموءل مائة درع وسلاحا ومضى. فسمع الحارث بن ظالم بها فجاء ليأخذها منه فأبى السموءل وتحصن بحصنه. فأخذ الحارث ابنا للسموءل وناداه أما أن تسلم الأدراع لي وأما قتلت ولدك. فأبى أن يسلم الأدراع فضرب وسط الغلام بالسيف فقطعه وأبوه يراه وانصرف. ومات امرؤ القيس قبل أن يعود إلى تيماء ومنع السموءل الأدراع إلى أن مات هو أيضا. وضرب به المثل وقال الأعشى في ذلك:
كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في حجفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار
إذ سامه خطيتي خسف فقال له ... مهما تقله فأني سامع جار
فقال غدر وشكل أنت بينهما ... فاختر فما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري
عندي له خلف أن كنت قاتله ... وإن قتلت كريما غير خوار
فسوف يعقبه أن كنت قاتله ... رب كريم وقوم أهل أطهار
مالا كثيرا وعرضا غير ذي دنس ... وإخوة مثله ليسوا بأشرار
جدوا على أدب بهم بلا ترف ... ولا إذا شمرت حرب باغمار
فقال يقدمه إذ قام يقتله ... أشرف سموأل فانظر للدم الجاري
(5/70)

سأقتل ابنك صبرا أو تجيء بها ... طوعا فأنكر هذا أي إنكار
فشك أوداجه والصدر في مضض ... عليه منطويا كالدرع بالنار
واختار أدراعه أن لا يسب بها ... ولم يكن عنده فيها بحتار
وقال لا نشتري عارا بمكرمة ... واختار مكرمة الدنيا على العار
فصان بالصبر عرضا لم يشنه خنا ... وزنده في الوفاء الثاقب الواري
والسموءل من شعراء الجاهلية المجيدين وله في الحماسة اللامية المشهورة. ومن شعره أيضا إني إذا ما الأمر بين شكه=وبدت عواقبه لمن يتأمل
وتبرأ الضعفاء من إخوانهم ... وأناخ من حز الصميم الكلكل
أدع التي هي أرفق الخلان بي ... عند الحفيظة للتي هي أجمل
وله:
يا ليت شعري حين أندب هالكا ... ماذا تونبني به أنواحي
أيقلن لا تبعد فرب كريهة ... فرجتها بشجاعتي وسماحي
ولقد أخذت الحق غير مخاصم ... ولقد بذلت الحق غير ملاحي

رجع بخفي حنين
قيل كان حنين اسكافا من أهل الحيرة ساومه أعرابي بخفين فلم يشتر منه شيئا فغاظه. فخرج فعلق أحد الخفين على شجرة في طريقه وتقدم قليلا وطرح الأخرى وكمن. فجاء الأعرابي فرأى أحد الخفين فوق الشجرة فقال: ما أشبهه بخف حنين لو كان معه الآخر لتكلفت أخذه. وتقدم فرأى الخف الآخر مطروحا فنزل وعقل بعيره وأخذه ورجع ليأخذ الأول. فخرج حنين من الكمين فأخذ بعيره وذهب ورجع الأعرابي إلى حيه بخفي حنين

أعدى من الشنفرى
هو ابن الأوس الازدري وكان من العدائين. ومن حديثه فيما ذكر أبو عمرو الشيباني أنه خرج الشنفرى وتأبط شرا وعمرو بن براق. فأغاروا على بجيلة فوجدوا لهم رصدا على الماء. فلما مالوا له في جوف الليل قال لهم تأبط شرا: إن الماء رصدا وإني لأسمع وجيب قلوب القوم. فقالا: ما سمع شيئاً وما هو إلا قلبك يجيب. فوضع أيديهما على قلبه وقال: والله ما يجيب وما كان وجابا. قالوا: فلا بد لنا من ورد الماء. فخرج الشنفرى فلما رآه الرصد عرفوه فتركوه حتى شرب الماء ورجع إلى أصحابه. فقال: والله ما بالماء أحد. ولقد شربت من الحوض. فقال تأبط شراً: بلى ولكن القوم لا يريدونك إنما يريدونني. ثم ذهب ابن براق فشرب ورجع ولم يتعرضوا له. فقال تأبط شراً للشنفرى: إذا أنا كرعت من الحوض فإن القوم سيشدون علي فيأسرونني. فأذهب كأنك تهرب ثم كن في أصل ذلك القرن فإذا
(5/71)

سمعتني أقول: خذوا خذوا فتعال فأطلقني. وقال لابن براق: إني سآمرك لستاسر للقوم ولا تنأ عنهم ولا تمكنهم من نفسك. ثم مر تأبط شراً حتى ورد الماء فحين كرع من الحوض شدوا عليه فأخذوه وكتفوه بوتر. وطار الشنفرى وأتى حيث أمره وأنحاز ابن البراق حيث يرونه. فقال تأبط شراً: يا معشر بجيلة هل لكم في خير أن تياسرونا في الفداء ويستأسر لكم ابن براق. قالوا: نعم. فقال: ويلك يا ابن براق أما الشنفرى فقد طار وهو يصطلي بنار بني فلان. وقد علمت ما بيننا وبين أهلك فهل لك أن تستأسر ويياسرونا في الفداء. قال: لا والله حتى أروز نفسي شوطا أو شوطين. فجعل يستن نحو الجبل ويرجع حتى إذا رأوا أنه أعيا طمعوا فيه فاتبعوه. ونادى تأبط شراً: خذوا خذوا. فخالف الشنفرى إلى تأبط شراً: يا معشر بجيلة أأعجبكم عدو ابن براق. أما والله لأعدون لكم عدواً ينسيكم عدوه. ثم أحضر ثلاثتهم فنجوا. ففي ذلك يقول تأبط شراً:
ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم ... بالعيكتين لدى معدي بن براق
كأنما حثحثوا حصا قوادمه ... أو أم خشف بذي شث وطباق
لا شيء أسرع مني غير ذي عذر ... أو ذي جناح بجنب الريد خفاق
فكل هؤلاء الثلاثة كانوا عدائين ولم يسر المثل إلا بالشنفرى

أندم من الكسعي
هو غامد بن الحرث. ومن حديث الكسعي أنه خرج يرعى أبله في واد فيه حمض وشوحط. فرأى قضيب شوحط نابتا في صخرة صماء ملساء. فقال: نعم منبت العود. في قرار الجلمود. ثم أخذ سقاءه فصب ما كان فيه من ماء في أصله فشربه لشدة ظمائه وجعل يتعاهده بالماء سنة حتى سبط العود وبسق واعتدل. فقطعه وجعل يقوه ويقوم أوده حتى صلح. فبراه قوسا وهو يرتجز ويقول:
ادعوك فاسمع يا إلهي جرسي ... يا رب شددني لنحت قوسي
وأنفع بقوسي ولدي وعرسي ... فإنها من لذتي لنفسي
انحتها صفراء لون الورس ... صلداء ليست مثل قوس النكس
ثم برى بقيته خمسة أسهم وهو يرتجز ويقول:
هن لعمري خمسة حسان ... يلذ للرمي بها البنان
كأنما قوامها ميزان ... فابشروا بالخصب يا صبيان
أن لم يعقني الشؤم والحرمان ... أو يرمني بكيده الشيطان
ثم أخذ قوسه وأسهمه وخرج إلى مكمن كان مورد الحمر في الوادي. فوارى شخصه حتى
(5/72)

إذا وردت رمى عيرا منها بسهم. فمرق منه بعد أن أنفذه وضرب صخرة فقدح منها نار. فظن أنه قد أخطأ فقال:
أعوذ بالله العزيز الرحمان ... من نكد الجد معا والحرمان
مالي رأيت السهم فوق الصفوان ... يرمي شرارا مثل لون العقيان
فاخلف اليوم رجاء الصبيان ثم وردت حمر أخرى فرمى عيرا فصنع سهمه كالأول فظنه أخطأ فقال:
أعوذ بالرحمان من شر القدر ... أأخطأ الهم لارهاف الوتر
أم ذاك من سوء احتيال ونظر ... وأنني عهدي لرام ذو ظفر
مطعم بالصيد في الدهر ثم وردت حمر أخرى فرمى عيرا بسهم. ففعل سهمه كالأول فظنه أخطأ فقال:
يا حسرتا للشؤم والجد النكد ... قد شفني القوت لأهلي والوالد
والله ما خلفت في ذاك العمد ... لصبيتي من سبد ولا لبد
اذهب بالحرمان مع طول الأمد ثم وردت حمر أخرى فصنع كالأولى فقال:
ما بال سهمي يظهر الحباحبا ... وكنت أرجو أن يكون صائبا
إذ أمكن العير وأبدي جانبا ... وصار ظني فيه ظنا كاذبا
وخفت أن أرجع يومي خائبا إذ أفلتت أربعة ذواهبا
ثم وردت أخرى فصنع كالأول فقال:
أبعد خمس قد حفظت عدها ... أحمل قوسي وأريد ردها
أخزى الإله لينها وشدها ... والله لا تسلم عندي بعدها
ولا أرجي ما حييت رفدها ... قد أعذرت نفسي وأبلت جهدها
ثم خرج من مكمنه فاعترضته صخرة فضرب بالقوس عليها حتى كسرها. ثم قال: أبيت ليلتي ثم آتي أهلي. فبات فلما أصبح رأى خمسة حمر مصرعة ورأى أسهمه مضرجة بالدم. فندم على ما صنع وعض على أنامله حتى قطعها وقال:
ندمت ندامة لو أن نفسي ... تطاوعني إذا لقتلت نفسي
تبين لي سفاه الرأي مني ... لعمر الله حين كسرت قوسي
وقد كانت بمنزلة المفدى ... لدي وعند صبياني وعرسي
فلم أملك غداة رأيت حولي ... حمير الوحش أن ضرجت خمسي
(5/73)

الباب الرابع في المقامات
نخبة من مقامات السيد الفاضل ابي بكر الحسيني الحضرمي
المقامة الشعرية
حدث الناصر بن فتاح قال: سافرت إلى جو نفور. مع جماعة من مندسور. ولما قربنا منها قلت لهم: أين تنزلون فيها. قالوا: في بعض مدارسها. فقلت لهم: أنا سأنزل في بيت واليها وحارسها. لأني امتدحته بأبيات رائية. وأرجو أن يجيزني بجائزة سنية. فذهبت إلى دار الأمير. فوجدتها قد جمعت الصغير والكبير. فتأملته فإذا هو قد جمع بين الفقه والأدب. وحاز طرفي الكمال الغريزي والمكتسب. واحتوى على المنثور والمنظوم. ويفتي في جميع العلوم. والطلبة واقفون بين يديه. يرفعون أسئلتهم إليه. ثم لما فرع من الدرس في المنقول. شرع يدرس في علم المعقول. ثم قصده الشعراء بقصائدهم وأبياتهم. وهو يعطيهم على حسب نياتهم. فعند ذلك صغرت نفسي في عيني. وأخفيت الأبيات بعينها خوفا من ظهور شيني. فلم يلبث أن قام شاب وأنشد الأبيات بعينها بعد أن نقص منها جزءين. والجماعة يبالغون في تحسينها وهي هذه:
يا صاحب النفس الأبية م والنهى حزت المدى
(5/74)

وحللت موضع عزة ... فوق السهى ولك الندى
وحويت فضلا ما له ... من منتهى فبك الهدى
فهب الألوف تفضلا ... فلأنها سم العدى
فسر بها الوالي وأعطاه هبة جزيلة. وخلعة جميلة. فقام شيخ وقال: أيها الوالي هذه أبياتي وإنها سداسية الأجزاء. فانظر كيف سرقها وأخذ عليها الجزاء. وهي من كامل البحر ومن ضربه الثاني. فردها إلى الثامن قصدا لخفض شاني. فقال له الوالي: كيف قلت. فقال:
يا صاحب النفس الأبية والنهى ... حزت المدى فاشكر نعيم الباري
وحللت موضع عزة فوق السهى ... ولك الندى والذكر في الأمصار
وحويت فضلا ما له من منتهى ... فيك الهدى والنور في الأسحار
فهب الألوف تفضلا فلأنها ... سم العدى ومسرة الأخيار
فالتفت الوالي إلى الشاب. وقال له: يا دنس الإهاب. أما تعلم أن سرقة الشعر كسرقة البر والشعير. وأن من تجرأ على أخذ القليل تجرأ على الكثير. فقال: أيها الوالي. جعل الله كعبك العالي. إمتحنا فعند الامتحان. يكرم المرء أو يهان. ومع التعديل والتجريح. يعرف الفاسد من الصحيح. فقال الشيخ: لقد نطقت بلساني. وعبرت عما في جناني. فمر أيها الوالي من أردته أن يبتدي. ليتبين لك المعتدي. واشتغل الوالي ببعض شانه. عن الشاب وامتحانه. فاضطرب الشيخ اضطراب الرشا. وظن أن الوالي ممن يقبل الرشى. فقال له الوالي:
(5/75)

دع الاضطراب. وأسمع الجواب. ثم اشتغل عنه بأمر رعيته. فاضطرب الشيخ على جاري سجيته. وقام منتصبا. وأنشد مضطربا:
أشكو إلى حبر الزمان وقسه ... من جن هذا الحي بل من إنسه
وأقول يا عين الألى عشقوا الندى ... صدقا وشادوا حصنه من أسه
أبطا الجواب على الكئيب وطالما ... قد كان ينثر دره من حدسه
والمرء لا يرجو الكريم سوى إذا ... سئم اللبيب من الأذى عن نفسه
وأخو الندى يسقي غروس نواله ... سقي الحيا لزروعه ولغرسه
لا تطو كشحا عن جوابي إنني ... كالميت يرجو نشره من رمسه
فقال الفتى مغضبا. وأشار إلى الشيخ مخاطبا: يا أذل من وتد. ويا كثير الحسد. هل اطلع على أبياتك أحد. ثم التفت إلى الوالي. وقال ودمع خديه كاللآلي:
يا من زكت في الأصل دوحة غرسه ... وسما بفضل حازه وبحدسه
لا تصغ للعذال فيمن قد حوى ... فضلا ولم يرض الأذى من نفسه
وأراد أن يمشي إلى السادس. فقال الوالي: حسبك أيها الفارس. ثم إنه أعطى الشيخ مثل ما أعطى الفتى. وأصلح بينهما وقال: قد ضل من بغى وعتا. فخرجا من داره. وقلبي يصلى بناره. وضاق علي الفضا. وشب في فؤادي جمر الغضا. حيث سرقت مني الأبيات. ولم أقدر على الإثبات. وأخفيت ما أجنه الضمير. خوفا من أن أكون أضحوكة للكبير والصغير. وذهبت إلى رفقتي في المدرسة. وقد
(5/76)

غلب علي الفكر والوسوسة. ولما قدمت عليهم. ونظرت عيني إليهم فإذا الرجل والفتى لبسا أحسن الملابس. وتصدرا أعلى المجالس. وتأملهما ووقفت على التحقيق. أنهما من جملة أصحابي في الطريق. وأردت أن أظهر القضية. وأوطن النفس على الأمنية أو المنية. ثم رأيت أن الصبر بمثلي أحرى. فاحتسبت الثواب في الدار الأخرى. ثم سألت عنه وعن الفتى. فقيل: هما رحلة الصيف والشتاء أبو الظفر الهندي ونجله الأديب. اللذان عليهما شعرة الذيب. فسألت الله الأمان والظفر. في الإقامة والسفر

المقامة الوعظية
روى الناصر بن فتاح قال: اشتاقت نفسي إلى الأترنج. فسألت عنه فقيل لي إنه لا يوجد إلا في بلدة صرنج. فسافرت إليها مع جماعة من الأدباء. والعلماء والخطباء. فلما وصلنا إلى فنائها. سألنا عن علمائها. فقيل ليس بها إلا الحاكة والصابغون. والحدادون والصائغون. وفيها جماعة من الحكماء والعلماء الأعلام. ولكنهم قد تغيروا بصحبة الحكام. وقد فشافيها فعل الحرام والظلم. ولم ينتظم لحاكمها حكم. فقلت لأصحابي: إني أرى في السفر السلامة. والعطب والضرر في الإقامة. وأخشى أن يخسف الله بهم الأرض. ونهلك بسببهم فسافروا تغنموا. وتجنبوا مواضع التهم لئلا تتهموا. فلما وعت كلامي المسامع. قالوا: ما منا إلا مطيع لك وسامع. ولما خرجنا من
(5/77)

البلد نحو ميل. ضاق من كثرة الخلق علينا السبيل. وانثالوا من كل ناحية ومكان. وتجمعوا من جميع البلدان. وهم قاصدون إلى البلدة التي خرجنا منها. والبقعة التي تجاوزنا عنها. ويقلون دخل البلد بعض الوعاظ. وقد فاق في بلاغته خطيب عكاظ. وإنه سيخطب ويعظ الناس يوم الجمة. فطوبى لمن يراه ويسمعه. فرجعت دون رفقتي. وأخذت معي قدر نفقتي. ولما قضينا النفل والفرض. جلست لاستماع الوعظ. فأقبل الواعظ يمشي مائسا. وبردائه متطلسا وصعد المنبر وقال: الحمد لله الكبير المتعال. الذي جرت عادته بالإمهال. دون الإهمال. الذي رفع العلم حتى رفع العلم حتى قصر كل مقصر دونه. وأشهد أن لا إله إلا هو عز وجل. شهادة عبد بذل لعباده النصيحة. وحذرهم من العصيان والوقوع في الفضيحة. وبعد فيا أيها الناس أوصيكم بتقوى الله وطاعته. والاحتراز من إبليس وبطانته. فانتبهوا من سنة الغفلة. ولا تغتروا بالمهلة. فإن رسوم الدين ببلدكم قد عفت. وأعلام الهدى قد طمست. وأحام الشريعة قد عطلت. والفرائض قد رفضت. والمحارم قد انتهكت. والخمور قد سربت. والأيتام والضعفاء قد ظلمت. حتى لبس الإسلام في هذا الزمان الفر ومقلوبا. فجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه. وقرب فيه الجاهل. وأبعد فيه الفاضل. واستكمل الفاجر. واستنقص فبه الطاهر. وكذب الصادق وصدق الكاذب. واستؤمن الخائن واستخون
(5/78)

الأمين. وهاجت الدهماء. وكثر الضلال والعمى. فلم يبق من الإسلام إلا اسمه. ولا من الدين إلا رسمه. وأنتم عباد الله غير الله معذورين من الله بتغيير ذلك. ولا متروكين عن المؤاخذة بذلك. فتوبوا وصححوا التوبة قبل إغلاق بابها. وقبل طلوع الشمس من مغربها. فبكى القوم حتى كاد أحدهم لا يستطيع الحركة. إلا إذا آخر حركه. ولقد رأيت الواحد يسبح في دموعه. وكدت من زفراته أعلم عدد ضلوعه. ولما رأى الخطيب القوم كجزوع نخل منقر. هرب كالسيل المنهمر. وتبعته في طريقته. لأطلع على حقيقته. فالتفت إلي وقال: يا مهدي. ارجع أنا أبو الظفر الهندي. فرجعت إلى رفقتي السابقة. وجوانحي من كثرة البكاء والخوف خافقة

نخبه من مقامات بديع الزمان الهمذاني
المقامة القريضية
حدثنا عيسى بن هشام قال: طرحتني النوى مطارحها حتى إذا وطئت جرجان الأقصى. فاستظهرت على الأيام بضياع أجلت فيها يد العمارة. وأموال وقفتها على التجارة. وحانوت جعلته مثابة. ورفقة اتخذتها صحابة. وجعلت للدار. حاشيتي النهار. وللحانوت ما بينهما. فجلسنا يوما نتذاكر القربض وأهله وتلقاءنا شاب قد جلس غير بعيد ينصت وكأنه يفهم ويسكت وكأنه لا يعلم. حتى إذا مال الكلام بنا ميله. وجر الجدال فيناذيله. قال: قد أصبتم عذيقه. ووافيتم
(5/79)

جذيله. ولو شئت للفظت وأفضت. ولو قلت لأصدرت وأوردت. ولجلوت الحق في معرض بيان يسمع الصم. وينزل العصم. فقلت: يا فاضل ادن فقد منيت. وهات فقد أثنيت. فدنا وقال: سلوني أجبكم. واسمعوا أعجبكم. فقلنا: ما تقول في امرىء القيس. قال: هو أول من وقف بالديار وعرصاتها. واغتدى والطير في وكناتها. ووصف الخيل بصفاتها. ولم يقل الشعر كاسبا. ولم يجد القول راغبا. ففضل من تفتق للحيلة لسانه. وتنجع للرغبة بنانه. قلنا: فما تقول في النابغة قال: يثلب إذا حنق. ويمدح إذا رغب. ويعتذر إذا رهب. ولا يرمي إلا صائبا. قلنا فما تقول في زهير. قال: يذيب الشعر والشعر يذيبه. ويدعو القول والسحر يجيبه. قلنا: فما تقول في طرفة. قال: هو ماء الأشعار وطينتها. وكنز القوافي ومدينتها. مات ولم تظهر أسرار دفائنه. ولم تفتح أغلاق خزائنه. قلنا فما تقول في جرير والفرزدق. وأيهما أسبق. فقال: جرير أرق شعرا. وأغزر غزرا. والفرزدق أمتن صخرا. وأكثر فخرا. وجرير أوجع هجوا وأشرف يوما. والفرزدق أكثر روما. وأكرم قوما. وجرير إذا نسب أشجى. وإذا ثلب أردى. وإذا مدح أسنى. والفرزدق إذا افتخر أجزى. وإذا احتقر أزرى. وإذا وصف أوفى. قلنا: فما تقول في المحدثين من الشعراء والمتقدمين منهم. قال: المتقدمون أشرف لفظا. وأكثر من المعاني حظا. والمتأخرون ألطف صنعا وأرق نسجا. قلنا: فلو أريت من أشعارك.
(5/80)

ورويت لنا من أخبارك. قال: خذهما في معرض واحد وقال:
أما تروني أتغشى طمرا ... ممتطيا في الضر أمرا مرا
مضطبنا على الليالي غمرا ... ملاقيا منها صروفا حمرا
أقصى أماني طلوع الشعرى ... فقد عنينا بالأماني دهرا
وكان هذا الحر أعلى قدرا ... وماء هذا الوجه أغلى سعرا
ضربت للسر قبابا خضرا ... في دار دارا وإوان كسرى
فانقلب الدهر لبطن ظهرا ... وعاد عرف العيش عندي نكرا
لم يبق من وفري إلا ذكرا ... ثم إلى اليوم هلم جرا
لولا عجوز لي بسر من را ... وأفرخ دون جبال بصرى
قد جلب الدهر عليهم ضرا ... قتلت يا سادة نفسي صبرا
قال عيسى بن هشام: فأنلته ما تاح. وأرض عنا فراخ. فجعلت أنفيه وأثبته. وأنكره وكأني أعرفه. ثم دلتني عليه ثناياه. فقلت: الإسكندري والله. فقد كان فارقنا خشفا. ووافانا جلفا. ونهضت على إثره. ثم قبضت على خصره. وقلت ألست أبا الفتح. ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين. فأي عجوز لك بسر من را. فضحك إلي وقال:
ويحك هذا الزمان زور ... فلا يغرنك الغرور
لا تلتزم حالة ولكن ... در بالليالي كما تدور
(5/81)

المقامة الجرجانية
حدثنا عيسى بن هشام قال: بينا نحن بجرجان في مجمع لنا نتحدث وما فينا إلا منا. إذ وقف علينا رجل ليس بالطويل المتمدد. ولا القصير المتردد. كث العثنون يتلوه صغار. في أطمار. فافتتح الكلام بالسلام. وتحية الإسلام. فولانا جميلاً. وأوليناه جزيلاً. فقال: يا قوم إني امرؤ من أهل الإسكندرية من الثغور الأموية. نمتني سليم ورحبت بي عبس. جبت الآفاق. وتقصيت العراق. وجلت البدو والحضر. وداري ربيعة ومضر. ما هنت. حيث كنت. فلا يزرين بي عندكم ما ترونه من سملي وأطماري. فلقد كنا والله من أهل ثم ورم. نرغي لدى الصباح. ونثغي عند الرواح:
وفينا مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
ثم إن الدهر يا قوم قلب لي من بينهم ظهر المجن. فاعتضت بالنوم السهر. وبالإقامة السفر. تترامى بي المرامي. وتتهادى بي المرامي. وقلعتني حوادث الزمن قلع الصمغة. فأصبح وأمسي أنقى من الراحة وأعرى من صفحة الوليد. وأصبحت فارغ الفناء. صفر الإناء. مالي كآبة الأسفار. ومعاقرة السفار. أعاني الفقر. وأماني الفقر. فراشي المدر. ووسادي الحجر:
بآمد مرة وبرأس عين ... وأحيانا بميا فارقينا
(5/82)

ليلة بالشآم ثمت بالأه ... واز رحلي وليلة بالعراق
فما زالت النوى تطرح بي كل مطرح حتى وطئت بلد الحجر وأحلتني بلد همذان. فقبلني أحياؤها. واشرأب إلي أحباؤها. ولكن ملت لأعظمهم جفنة. وأزهدهم جفوة:
له نار تشب على يفاع ... إذا النيران ألبست القناعا
فوطأ لي مضجعا. ومهد لي مهجعا. فإن ونى لي ونية هب لي ابن كأنه سيف يمان. أو هلال بدا في غير قتمان. وأولاني نعما ضاق عنها قدري. واتسع بها صدري. أولها فرش الدار. وآخرها ألف دينار. فما طيرتني إلا النعم. حيث توالت. والديم لما انثالت. فطلعت من همذان طلوع الشارد. ونفرت نفار الآبد. أفري المسالك. وأقتفر المهالك. وأعاني الممالك. على أني خلقت أم مثواي وزغلولا لي:
كأنه دملج من فضة نبه ... في ملعب من عذارى الحي مفصوم
وقد هبت بي إليكم ريح الاحتياج. ونسيم الإلفاج. فانظروا رحمكم الله لنقض من الأنقاض. هدته الحاجة وكدته الفاقة:
أخا سفر جواب أرض تقاذفت ... به فلوات فهو أشعث أغبر
جعل الله للخير عليكم دليلا. ولا جعل للشر إليكم سبيلا. قال عيسى بن هشام: فرقت والله له القلوب. واغرورقت للطف كلامه العيون. ونلناه ما تاح في ذلك الوقت. وأعرض عنا حامدا لنا. فتبعته فإذا هو شيخنا أبو الفتح الإسكندري
(5/83)

المقامة البصرية
حدثنا عيسى بن هشام قال: دخلت البصرة وأنا من سني في فتاء ومن الزي في حبر ووشاء. ومن الغنى في بقر وشاء. فأتيت المربد في الزي في رفقة تأخذهم العيون ومشينا غير بعيد إلى بعض تلك المنتزهات. في تلك المتوجهات. وملكتنا أرض فحللناها. فما كان بأسرع من ارتداد الطرف حتى عن لنا سواد. تخفضه وهاد وترفعه نجاد. وعلمنا أنه يهم بنا فأتلعنا له حتى أداه إلينا سيره ولقينا بتحية الإسلام. ورددنا عليه مقتضى السلام. ثم أجال فينا طرفه وقال: يا قوم ما منكم إلا من يلحظني شزرا. ويوسعني حزرا. وما ينبئكم عني. أصدق مني. أنا رجل من أهل الإسكندرية. من الثغور الأموية. قد وطأ لي الفضل ورحب بي عيش ونماني بيت. ثم جعجع بي الدهر عن ثمه ورمه. وأتلاني زغاليل حمر الحواصل:
كأنهم حيات أرض محلة ... فلو يعضون لذكى سمهم
إذا نزلنا أرسلوني كاسبا ... وإن رحلنا ركبوني كلهم
ونشزت علينا البيض وشمست منا الصفر. وأكلتنا السود وحطمتنا الحمر. وانتابنا أبو مالك. فما يلقانا أبو جابر إلا عن عقر. وهذه البصرة ماؤها هضوم. وفقيرها مهضوم. والمرء من ضرسه في شغل. ومن نفسه في كل. فكيف بمن
يطوف ما يطوف ثم يأوي ... إلى زغب محددة العيون
(5/84)

كساهن البلى شعثا فتمسي ... جياع الناب ضامرة البطون
ولقد أصبحن اليوم وسرحن الطرف في حي كميت. وبيت كلا بيت. وقلبن الأكف على ليت. ففضضن عقد الدموع. وأفضن ماء الضلوع. وتداعين باسم الجوع:
والفقر في زمن اللئا ... م لكل ذي كرم علامة
رغب الكرم إلى اللئا ... م وتلك أشراط القيامة
ولقد اخترتكم يا سادة. ودلتني عليكم السعادة. وقلت قسما. إن فيهم لدسما. فهل من فتى يعشيهن. أو يغشيهن. وهل من حر يغديهن. أو يرديهن. قال عيسى بن هشام: فو الله ما استدان على حجاب سمعي كلام رائع أبرع وأرفع وأبدع مما سمعت منه. لا جرم إنا استمحنا الأوساط. ونفضنا الأكمام وبحثنا الجيوب. ونلته أنا مطرفي وأخذت الجماعة إخذي. وقلنا له: الحق بأطفالك فأعرض عنا بعد شكر وفاه. ونشر ملأ به فاه

المقامة القردية
حدثنا عيسى بن هشام قال: بينا أنا بمدينة السلام. قافلا من البلد الحرام. أميس ميس الرجلة. على شاطئ الدجلة. أتأمل تلك الطرائف. وأتقصى تلك الزخارف. إذا انتهيت إلى حلقة رجال مزدحمين يلوي الطرب أعناقهم. ويشق الضحك أشداقهم. فساقني الحرص إلى ما ساقهم حتى وقفت بمسمع صوت الرجل دون مرأى
(5/85)

وجهه لشدة الهجمة. وفرط الزحمة. فإذا هو قراد يرقص قرده. ويضحك من عنده. فرقصت رقص المحرج. وسرت سير الأعرج. فوق رقاب الناس يلفظني عاتق هذا لسرة ذاك. حتى افترشت لحية رجلين. وقعدت بعد الأين. وقد أشرقني الخجل بريقه. وأرهقني المكان بضيقه. ولما فرغ القراد من شغله. وانتفض المجلس عن أهله. قمت وقد كساني الدهش حلته. لأرى صورته. فإذا هو والله أبو الفتح الإسكندري. فقلت: ما هذه الدناءة ويحك. فأنشأ يقول:
ألذنب للأيام لا لي ... فاعتب على صرف الليالي
بالحمق أدركت المنى ... ورفلت في حلل الجمال

المقامة العلمية
حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت قي بعض مطارح الغربة مجتازا فإذا أنا برجل يقول لآخر: بم أدركت العلم وهو يجيبه. قال: طلبته فوجدته بعيد المرام. لا يصطاد بالسهام. ولا يقسم بالأزلام. ولا يرى في المنام. ولا يضبط باللجام. ولا يورث عن الأعمام. ولا يستعار من الكرام. فتوسلت إليه بافتراش المدر. واستناد الحجر. ورد الضجر. وركوب الخطر وإدمان السهر. واصطحاب السفر وكثرة النظر. وإعمال الفكر. فوجدته شيئا لا يصلح إلا للغرس. ولا يغرس إلا في النفس. وصيدا لا يقع إلا في الندر. ولا ينشب إلا في الصدر. وطائرا لا يخدعه إلا قنص اللفظ.
(5/86)

ولا يعلقه إلا شرك الحفظ. فحملته على الروح وحبسته على العين. وأنفقت من العيش وخزنت في القلب. وحررت بالدرس واسترحت من النظر إلى التحقيق. ومن التحقيق إلى التعليق. واستعنت في ذلك بالتوفيق. فسمعت من الكلام ما فتق السمع ووصل إلى القلب. وتغلغل في الصدر. فقلت: يا فتى ومن أين مطلع هذه الشمس. فجعل يقول:
إسكندرية داري ... لو قر فيها قراري
لكن بالشام ليلي ... وبالعراق نهاري

المقامة الملوكية
حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت في منصر في من اليمن. وتوجهي إلى نحو الوطن. أسري ذات ليلة لا سانح بها إلا الضبع. ولا بارح إلا السبع. فلما انتضي نصل الصباح. وبرز جبين المصباح. عن لي في البراح. راكب شاكي السلاح. فأخذني منه ما يأخذ الأعزل. من مثله إذا أقبل. لكني تجلدت فوقفت وقلت: أرضك لا أم لك فدوني شرط الحداد. وخرط القتاد. وحمية أزدية. وأنا سلم إن كنت. فمن أنت. فقال: سلما أصبت. ورفيقا كما أحببت. فقلت: خبرا أحببي. وسرنا فلما تخالينا. وحين تجالينا. أجلت القصة عن أبي الفتح الإسكندري. وسألني عن أكرم من لقيته من الملوك فذكرت ملوك الشام. ومن بها من الكرم. وملوك العراق ومن
(5/87)

بها من الأشراف. وأمراء الأطراف. وسقت الذكر. إلى ملوك مصر. فرويت ما رأبت وحدثته بعوارف ملوك اليمن ولطائف ملوك الطائف وختمت مدح الجملة. بذكر سيف الدولة. فأشأ يقول:
يا ساريا بنجوم الليل يمدحها ... ولو رأى الشمس لم يعرف لها خطرا
وواصفا للسواقي هبك لم تزر ال ... بحر المحيط ألم تعرف له خبرا
من أبصر الدر لم يعدل به حجرا ... ومن رأى خلفا لم يذكر البشرا
زره تزر ملكا يعطي بأربعة ... لم يحوها أحد وانظر إلية ترى
أيامه غررا ووجهه قمرا ... وعزمه قدرا وسيبه مطرا
ما زلت أمدح أقواما أظنهم ... صفو الزمان فكانوا عنده كدرا
(قال عيسى بن هشام) فقلت: من هذا الملك الرحيم الكريم. فقال: كيف يكون. ما لم تبلغه الظنون. وكيف أقوال. ما لم تقبله العقول. ومتى كان ملك يأنف الأكارم. إن بعث بالدراهم. والذهب. أيسر ما يهب. والألف. لا يعمه إلا الخلف. وهذا جبل الكحل قد أضر به الميل. فكيف لا يؤثر ذلك العطاء الجزيل. وهل يجوز أن يكون ملك يرجع من البذل إلى سرفه. ومن الخلق إلى شرفه ومن الدين إلى كلفه. ومن الملك إلى كنفه ومن الأصل إلى سلفه ومن النسل إلى خلفه
فليت شعري من هذي مآثره ... ماذا الذي ببلوغ النجم ينتظر
(5/88)

المقامة البخارية
حدثنا عيسى بن هشام قال: أحلني جامع بخارى وقد انتظمت مع رفقة في سلك الثريا. وحين احتفل الجامع بأهله طلع إلينا ذو طمرين قد أرسل صوانا. واستتلى طفلا عرياناً. يضيق بالضر ويسعه. ويأخذه القر ويدعه. لا يملك غير القشرة بردة. ولا يلتقي لحياة رعدة. فوقف الرجل وقال: لا ينظر لهذا الطفل إلا من رحم الله طفله. ولا يرق لهذا الضر إلا من لا يأمن مثله. يا أصحاب الخروز المفروزة. والأردية المطروزة. والدور المنجدة. والقصور المشيدة. إنكم لن تأمنوا حادثا. ولن تعدموا وارثا. فبادروا الخير ما أمكن. وأحسنوا مع الدهر ما أحسن. فقد والله طمعنا السكباج. وركبنا الهملاج. ولبسنا الديباج. وافترشنا الحشايا بالعشايا. فما راعنا غلا هبوب الدهر بغدره. وانقلاب المجن لظهره. فعاد الهملاج قطوفا. والديباج صوفا. وهلم جرا إلى ما تشاهدون من حالي وزيي. فها نحن نرتضع من الدهر ثدي عقيم. ونركب من الفقر ظهر بهيم. فلا نرنو إلا بعين اليتيم. ولا نمد إلا يد العديم. فهل من كريم يجلو غياهب هذه البؤوس. ويفل شبا هذه النحوس. ثم قعد مرتفقا وقال للطفل: أنت وشأنك. فقال: ما عسى أن أقول وهذا الكلام لو لقي الشعر لحلقه. أو الصخر لفلقه. وإن قلبا لم ينضجه لنيئ. وقد سمعتم يا قوم ما لم تسمعوا قبل اليوم. فليشغل كل منكم بالجود يده. وليذكر غده. واقياً بي ولده. وامنحوني
(5/89)

وأشكركم. واذكروني أذكركم. وأعطوني أشكركم. قال عيسى بن هشام: فما انسني في وحدتي غلا خاتم ختمت به خنصره. فلما تناوله أنشأ وجعل يقول:
وممنطقٍ من نفسه ... بقلادة الجوزاء حسنا
متألفٍ من غير أس ... رته على الأيام خدنا
علقٌ سني قدره ... لكن من أهداه أسنى
أقسمت لو كان الورى ... في المجد لفظا كنت معنى
قال عيسى بن هشام: فنلناه ما تاح من الفور فأعرض عنا حامداً لنا. فتبعته حتى سفرت الخلوة عن وجهه. فإذا هو والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري. وإذا الطلا زغلوله فقلت: أبا الفتح شبت وشب الغلام. فأين السلام وأين الكلام. فقال:
غريبا إذا جمعتنا الطريق ... أليفا إذا نظمتنا الخيام
فعلمت أنه يكره مخاطبتي فتركته وانصرفت
(5/90)

الباب الخامس في المناظرة
مناظرة الأزهار أو المقامة الوردية
حدثنا الريان عن أبي الريحان. عن أبي الورد أبان. عن بلبل الأغصان. عن ناظر الإنسان. عن كوكب البستان. عن وابل الهتان. قال: مررت يوما على حديقة. خضرة نضرة أنيقة. طلولها وديقة. وأغصانها وريقة. وكوكبها أبدى بريقه. ذات ألوان وأفنان. وأكمام وأكنان. وإذا بها أزرار الأزهار مجتمعة. وأنوار الأنوار ملتمعة. وعلى منابر الأغصان أكابر الأزاهر. والصبا تضرب على رؤوسها من الأوراق الخضر بالمزاهر. فقلت لبعض من عبر: ألا تحدثوني ما الخبر. فقال: إن عساكر الرياحين قد حضرت. وأزهار البساتين قد نظرت لما نضرت. واتفقت على عقد مجلس حافل. لاختيار من هو بالملك أحق وكافل. وها أكابر الأزهار قد صعدت المنابر. لبيدي كل حجته للناظر. ويناظر بين أهل المناظر. في أنه أحق أن يتأمر على البوادي منها والحواضر. فجلست لأحضر فصل الخطاب. وأسمع ما يأتي به كل من الحديث المستطاب (فهجم الورد) بشوكته. ونجم من بين الرياحين معجبا بإشراق
(5/91)

صورته. وإفراق صولته. وقال: بسم الله المعين وبه نستعين. أنا الورد ملك الرياحين. والوارد منعشا للأرواح ومتاعا لها إلى حين. ونديم الخلفاء والسلاطين. والمرفوع أبدا على الأسرة لا أجلس على ترب ولا طين. والظاهر لوني الأحمر على أزاهر البساتين. والعزيز عند الناس. والمودود بين الجلاس للإيناس. والعادل في المزاج. والصالح في العلاج. أسكن حرارة الصفراء. وأقوي الباطن من الأعضاء. وابرد أنواع اللهيب الكائنة في الراس. وربما أستخرجها منه بالعطاس. وانفع من القلاع والقروح. وأنا بعطريتي ملائم لجوهر الروح. ومن تجرع من مائي يسيرا. نفع من الغشي والخفقان كثيرا. ودهني شديد النفع للخراجات. وفيه مآرب كثيرة لذوي الحاجات. وأنا مع ذلك جلد صبار. أجري مع الأقدار. إذا صليت بالنار. فلهذا رفعت من أغصاني الأشائر. ودقت من داراتي البشائر. وأعملت لي المشاعر. وقال في الشاعر:
للورد عندي محل ... ورتبة لا تمل
كل الرياحين جند ... وهو الأمير الأجل
إن جاء عزوا وتاهوا ... حتى إذا غاب ذلوا
(فقام النرجس) على ساق. ورمى الورد منه بالأحداق. وقال: لقد تجاوزت الحد يا ورد. وزعمت أنك جمع في فرد. إن اعتقدت أن لك بحمرتك فخرة. فإنها منك فجرة. وإن قلت إنك نافع
(5/92)

في العلاج. فكم لك في منهاج الطب من هاج. فاحفظ حرمتك. وإلا كسرت بقائم سيفي شوكتك. ويكفيك قول البستي فيك:
لا يغرنك أنني لين الم ... س لأني إذا انتضيت حسام
أنا كالورد فيه راحة قوم ... ثم فيه لآخرين زكام
ولكن أنا القائم لله في الدياجي على ساقي. ألساهر طول الليل في عبادة ربي فلا تطرف أحداقي. وأنا مع ذلك المعد للحروب. ألمدعو عند تزاحم الكروب. ألا ترى وسطي لا يزال مشدودا. وسيفي لا يزال مجرودا. وأنا فريد الزمان. في المحاسن والإحسان. ولهذا قال في كسرى أنوشروان: النرجس ياقوت أصفر. بين در أبيض على زمرد أخضر. وأنا المقرون في مهمات الأدواء بالصلاح. أنفع غاية النفع. من داء الثعلب والصرع. ومن الدليل على صلاحي. أن أبا نواس غفر له أثنى علي بأبيات قالها في امتداحي:
تأمل في رياض الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات ... بأحداق كما الذهب السبيك
على قضيب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك
ولقد أحسن ابن الرومي حيث قال. مبينا فضلي على كل حال:
أيها المحتج للور ... د بزور ومحال
ذهب النرجس بالفض ... ل فأنصف في المقال
(فقام الياسمين) وقال: آمنت برب العالمين. لقد تجبست
(5/93)

يا جبس. وأكثرك رجس ننجس. وأنت قليل الحرمة. واسمك مشمول بالعجمة. وكيف تطلب الملك وأنت بعد قائم مشدود الوسط في الخدمة رأسك لا يزال منكوس. وأنت المهيج للقيء المصدع من المحرورين للروس. أصفر من غير علة. مكسو أحقر حلة. ويكفيك بعض واصفيك.

أرى النرجس الغض الزكي مشمراً ... على ساقه في خدمة الورد قائم
وقد ذل حتى لف من فوق رأسه ... عمائم فيها لليهود علائم
ولكن أنا زين الرياض. والموسوم في الوجه بالبياض. شطر الحسن كما ورد. وأنا ألطف من ورد جاورد. ونشري أعبق من نشرك صباحا وندا. فأنا أحق بالملك منك منصورا ومؤيدا. وأنا النافع من أمرض العصب الباردة. والملطف للرطوبات الجامدة. أنفع من اللقوة والشقيقة والزكام. ومن وجع الرأس البلغمي والسوداوي. ودهني نافع من الفالج ووجع المفاصل. ويحلل الأعضاء ويجلب العرق الفاضل. يقول لي لسان الحال: لست الهزيل مقاما ياسمين. ويشهد لسان الألثغ بأني الدر الغالي إذا قال: يا ثمين
أنا الياسمين الذي ... لطفت فنلت المنى
فريحي لمن قد نأى ... وعيني إلى من دنا
وقد شفت حضرتي ... لصبري على من جنى
(فقام البان) وأبدى غاية الغضب وأبان وقال: لقد تعديت
(5/94)

يا ياسمين طورك. وأبعدت في المداغورك. وكونك أضعف الكون. وكثرة شمك تصفر اللون. وإذا سحق اليابس منك ورض. وذر على الشعر الأسود أبيض. وإذا قسم اسمك قسمين صار ما بين يأس ومينٍ. وإن ذكرت نفعك. فأنت كما قيل لا تساوي جمعك. ولقد صدق القائل. من الأوائل:
لا مرحبا بالياسمين ... وإن غدا في الروض زينا
صحفته فوجدته ... متضمنا يأسا ومينا
ولكن أنا ذو الاسمين. والظافر بالأصل والفرع بالقسمين. والقريب من الباز. والمضروب بقدي المثل في الاهتزاز. أزهاري عالية وأدهاني غالية. وقد ألبست خلعة السنجاب. واتفق على فضلي الأنجاب. أنفع بالشم من مزاحه حار. وأرطب دماغه وأسكن صداعه. ودهني نافع لكل وجع بارد. وتحت ذلك صور كثيرة الموارد. من الراس والضرس. ويكفي في وردي. قول ابن الوردي:
تجادلنا أماء الزهر أذكى ... أم الخلاف أم ورد القطاف
وعقبى ذلك الجدل اصطلحنا ... وقد وقع الوفاق على الخلاف
(فقام النسرين) بين القائمين. منتصرا لأخيه الياسمين. وقال: أتتعدى يابان على شقيقي. وأين الفري من الذهب الدبيقي. ألم يعرفك الحال. قول من قال:
لله بستان حللنا دوحه ... في جنة قد فتحت أبوابها
(5/95)

والبان تحسبه سنانيرا رأت ... بعض الكلاب فنفشت أذنابها
ولكن أنازين البستان. وفي من الذهب والفضة لونان. أنفع من أورام الحلق واللوزتين ووجع الأسنان. ومن برد العصب والدوي والطنين في الآذان. وأسكن القيء والفواق. وأقوي القلب والدماغ على الإطلاق. وبي غاية الانتفاع. والبري مني إذا لطخ به الجبهة سكن الصداع. ويكفيك من المعاني. قول من عناني:
ما أحسن النسرين عندي وما ... أملحه مذ كان في عيني
زهر إذا ما أنا صفحته ... وجدته بشرى ويسرين
(فقام البنفسج) وقد التهب. ولاحت عليه زرقة الغضب. وقال: أيها النسرين لست عندنا من المعدودين. ولا في الصلاح من المحمودين. لأنك حار يابس إنما توافق المبرودين. ولا تصلح إلا للمشايخ المبلغمين. وأنت كثير الإذاعة فلست على حفظ الأسرار بأمين. ويعجبني ما قال فيك بعض المتقدمين:
ولم أنس قول الورد لا تركنوا إلى ... معاهدة النسرين فهو يمين
ألا تنظروا منه بنانا مخضبا ... وليس لمخضوب البنان يمين
ولكن أنا اللطيف الذات. ألبديع الصفات. ألمشبه برزق اليواقيت. وأعناف الفواخيت. ومزاجي رطب بارد. ومنافعي كثيرة الموارد. أولد دما في غاية الاعتدال. وأنفع الحار من الرمد والسعال. وأسكن الصداع الصفراوي والدموي لمن شم أو ضمد.
(5/96)

وألين الصدر وأنفع من التهاب المعد. وكفاني شرفا بين الإخوان. أن دهني سيد الأدهان. بارد في الصيف حار في الشتاء فهو صالح في كل الأزمان. وذلك لأنه يسكن القلق. وينوم أصحاب الأرق. ومنافعي لا تحصى. وما أودعه خالقي في لا يستقصى. من رآني أذن بالانشراح. وتفاءل بالانفساح. ألا تسمع قول من باح وصاح:
يا مهديا لي بنفسجا أرجا ... يرتاح صدري له وينشرح
بشرني عاجلا مصحفه ... بأن ضيق الأمور ينفسح
(فقام اللينوفر) على ساق. وحشد الجيوش وساق. وأنشد بعد إطراق:
بنفسج الروض تاه عجبا ... وقال طيبي للجو ضمخ
فأقبل الزهر في احتفال ... والبان في غيظه تنفخ
ثم قال البنفسج: بأي شيء تدعي الإمارة. وتطاوع نفسك والنفس أمارة. وأكثر ما عندك أنك تشبه بالعذار وبالنار في الكبريت. وحاصل هذين يرجع إلى أشنع صيت. وما من نفع ذكرته عنك إلا وأنا أفعل مثله وأكثر. وأنا أحرى بسلامة العاقبة منك وأجدر. من شرب اليابس منك ولده قبضا على القلب. وربى في معدته وأمعائه وأحدث له الكرب. وقد كفانا الورد مؤونة الرد عليك. وحذرنا من القرب منك والإصغاء إليك. فقال:
أعلي يفتخر البنفسج جاهلاً ... وإلي يعزى كل فضل يبهر
(5/97)

وأنا المحبب للقلوب زمانه ... وبمقدمي أهل المسرة تفخر
وقال الحاكي. عن الورد الباكي:
عانيت ورد الروض يلطم خده ... ويقول وهو على البنفسج محنق
لا تقربوه وإن تضوع نشره ... ما بينكم فهو العدو الأزرق
ولكن أنا اللطيف الغواص. ألكثير الخواص. أسكن الصداع الحار. وأذهب بالأرق والأسهار. وما أحسن ما قال في. بعض واصفي:
يرتاح للينوفر القلب الذي ... لا يستفيق من الغرام وجهده
والورد أصبح في الروائح عبده ... والنرجس المسكي خادم عبده
يا حسنه في بركة قد أصبحت ... محشوة مسكا تشاب بنده
ومني صنف يقال له البشنين. يشابهني في التكوين. لا في التلوين. ويحدث عند إطباق النيل. وله في منافع الطب تنويل. دهنه محمود في البرسام. إذا تسعط به ذو الأسقام. وقد أنشد فيه. من أراد أن يوصله حقه ويوفيه:
وبركة بغدير الماء قد طفحت ... بها عيون من البشنين قد فتحت
كأنها وهي تزهو في جوانبها ... مثل السماء وفيها أنجم سبحت
(فقام الآس) وقد استعد. وقال: لقد تجاوزت يا لينوفر الحد. ألست المضعف للمرء في قواه. الجالب له صفة الشيخوخة في صباه. ولقد عرفك. من قال حين وصفك:
ولينوفر أبدى باطن له ... مع الظاهر المخضر حمرة عندم
(5/98)

فشبهته لما قصدت هجاءه ... بكاسات حجام بها لوثة الدم
أنا المقوي للأبدان. الحابس للإسهال والعرق وكل سيلان. ألمنشف من الرطوبات. ألمانع من الصنان. ألمسكن للأورام والحمرة والشرى والصداع والخفقان. وأنا الباقي في طول الزمان. وقال في بعض الأعيان:
الآس سيد أنواع الرياحين ... في كل وقت وحين في البساتين
يبقى على الدهر لا تبلى نضارته ... لا في المصيف ولا في برد كانون
وقال آخر:
للآس فضل بقائه ووفائه ... ودوام منظره على الأوقات
قامت على أغصانه ورقاته ... كنصول نبل جئن مؤتلفات
(فقام الريحان) وقال: يا آس. لأجرحنك جرحا ما له من آس:
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
وأنا الوارد في: عليكم بالمرزنجوش. فشموه فإنه جيد للخشام وأنا أنفع من لسعة العقرب لمن بالخل ضمد. ودهني يدخل في الضمادات للفالج الذي يعرض فيه ميل الرقبة إلى خلف وفي تشنج الأعصاب. ومع هذا فأنا المنوه باسمي في القرآن. حيث يقال: فروح وريحان. وحسبك مني في التشبيه. قول من قال على البديه:
أما ترى الريحان أهدى لنا ... حما حما منه فأحيانا
كأنه في ظله والندى ... زمرد يحمل مرجانا
(5/99)

فعطف عليه الآس. وقال: يا ريحان أتريد أن تسود. وأنت تشبه بهامات العبيد السود. ألم يغنك عن مقصوري. قول الشهاب المنصوري:
وريحان تميس به غصون ... يطيب بشمه لثم الكؤوس
كسودان لبسن ثياب خز ... وقد قاموا مكاشيف الرؤوس
قال الراوي: فلما أبدى كل ما لديه. وقال ما ورد عليه. اتفق رأي الناظرين. وأهل الحل والعقد من الحاضرين. على أن يجعلوا بينهم حكما عادلا. يكون لقطع النزاع بينهم فاصلا. فقصدوا رجلا عالما بالأصول والفروع. حافظا للآثار الموقوف منها والمرفوع. عارفا بالأنساب. مميزا بين الأسماء والألقاب. والأتباع والأصحاب. مديد الباع. بسيط اليدين في معرفة الخلاف والإجماع. خبيرا بمباحث الجدل. واستخراج مسالك العلل. متبحراً في علوم اللغة والإعراب. مطلعا بعلوم البلاغة والخطاب. محيطا بفنون البديع. حافظا للشواهد الشعرية التي هي أبهى من زهر الربيع. شديد الرمية. سديد الإصابة. ألشعر والنظم صوغ بيانه. والنثر والإنشاء طوع بنانه. والتاريخ الذي هو فضيلة غيره فضلة ديوانه. فلما مثلوا بين يديه. ووقعت أعينهم عليه. قالوا: يا فريد الأرض. يا عالم البسيطة ما بين طولها والعرض. إنا أخصام بغى بعضنا على بعض. فانظر في حالنا لنكون لك ذخيرة يوم العرض. واحكم بيننا بالحق.
(5/100)

واقض لأينا بالملك أحق. فقال: أيتها الأزهار إني لست كالذي تحاكم إليه العنب والرطب. ولا الذي تقاضى إليه المشمش والتوت ولا التين والعنب. إني لا أقبل الرشا. ولا أطوي على الغل الحشا ولا أميل مع صاحب رشوة. ولا أستحل من مال المسلمين حسوة. إنما أحكم بما ثبت في السنة. ولا أسلك غلا طريقا موصلا للجنة. فقصوا علي الخبر. لأعرف من فجر منكم وبر. فلما قص عليه كل قوله. وأبدى هينه وهوله. قال: ليس أحد منكم عندي مستحقا للملك. ولا صالحا للانخراط في هذا السلك. ولكن الملك الأكبر. والسيد البر. وصاحب المنبر ذو النشر الأعطر. والقدر الأخطر. ألسيد الأيد الصالح الجيد هو الفاغية. وقد جاء في الحديث: إن سيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية اشتمل على ما في الرياحين من الحسنى وحكم له بالسيادة. وشهد له بها وناهيك بالشهادة (قال) فلما سمعت الرياحين الأحاديث في فضل الفاغية أطرقوا رؤوسهم خاشعين. وظلت أعناقهم لها خاضعين. ودخلوا تحت أمره سامعين طائعين. ومدوا أيديهم لها مبايعين بالإمرة ومتابعين. وقالوا لقد كنا قبل في غفلة عن هذا إنا كنا ظالمين. وإنا إذا لمن الآثمين. وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين

مناظرة بين فصول العام
حضر فصول العام مجلس الأدب. في يوم بلغ منه الأديب
(5/101)

نهاية الأرب. بمشهد من ذوي البلاغة. ومتقي صناعة الصياغة. فقام كل منهم يعرب عن نفسه. ويفتخر على أبناء جنسه
(فقال الربيع) : أنا شاب الزمان. وروح الحيوان. وإنسان عين الإنسان. أنا حياة النفوس. وزينة عروس الغروس. ونزهة الأبصار. ومنطق الأطيار. عرف أوقاتي ناسم. وأيامي أعياد ومواسم. فيها يظهر النبات. وتنشر الأموات. وترد الودائع. وتتحرك الطبائع. ويمرح جنيب الجنوب. وينزح وجيب القلوب. وتفيض عيون الأنهار. ويعتدل الليل والنهار. كم لي عقد منظوم. وطراز وشي مرقوم. وحلة فاخرة. وحلية ظاهرة. ونجم سعد يدني راعيه من الأمل. وشمس حسن تنشد: يا بعد ما بين برج الجدي والحمل. عساكري منصورة. وأسلحتي مشهورة. فمن سيف غصن مجوهر. ودرع بنفسج مشهر. ومغفر شقيق أحمر. وترس بهار يبهر. وسهم آس يرشق فينشق. ورمح سوسن سنانه أزرق. تحرسها آيات. وتكنفها ألوية ورايات. بي تحمر من الورد خدوده. وتهتز من البان قدوده. ويخضر عذار الريحان. وينتبه من النرجس طرفه الوسنان. وتخرج الخبايا من الزوايا. ويفتر ثغر الأقحوان قائلا: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
إن هذا الربيع شيء عجيب ... تضحك الأرض من بكاء السماء
ذهب حيثما ذهبنا ودر ... حيث درنا وفضة في الفضاء
(5/102)

(وقال الصيف) : أنا الخل الموافق. والصديق الصادق. والطبيب الحاذق. أجتهد في مصلحة الأصحاب. وأرفع عنهم كلفة حمل الثياب. وأخفف أثقالهم. وأوفر أموالهم. وأكفيهم المؤونة. وأجزل لهم المعونة. وأغنيهم عن شراء الفرا. وأحقق عندهم أن كل الصيد في جوف الفرا. ونصرت بالصبا. وأوتيت الحكمة في زمن الصبا. بي تتضح الجادة. وتنضج من الفواكه المادة. ويزهو البسر والرطب. وينصلح مزاج العنب. ويقوى قلب اللوز. ويلين عطف التين والموز. وينعقد حب الرمان. فيقمع الصفراء ويسكن الخفقان. وتخضب وجنات التفاح. ويذهب عرف السفرجل مع هبوب الرياح. وتسود عيون الزيتون. وتخلق تيجان النارنج والليمون. ومواعدي منقودة. وموائدي ممدودة. ألخير موجود في مقامي. والرزق مقسوم في أيامي. ألفقير ينصاع بملء مده وصاعه. والغني يرتع في ملكه وأقطاعه. والوحش تأتي زرافات ووحدانا. والطير تغدو خماصا وتروح بطانا. قال ابن حبيب:
مصيف له ظل مديد على الورى ... ومن حلا طعما وحلل أخلاطا
يعالج أنواع الفواكه مبديا ... لصحتها حفظا يعجز بقراطا
(وقال الخريف) : أنا سائق الغيوم. وكاسر جيش الغموم. وهازم أحزاب
(5/103)

السموم. وحادي نجائب السحائب. وحاسر نقاب المناقب. أنا أصد الصدى. وأجود بالندى. وأظهر كل معنى جلي. وأسمو بالوسمي والولي. في أيامي تقطف الثمار. وتصفوا الأنهار من الأكدار. ويترقرق دمع العيون. ويتلون ورق الغصون. طورا يحاكي البقم. وتارة يشبه الأرقم. وحينا يبدو حلته الذهبية. فيجذب إلى خلته القلوب الأبية. وفيها يكفى الناس هم الهوام. ويتساوى في لذة الماء الخاص والعام. وتقدم الأطيار مطربة بنشيشها. رافلة في الملابس المجددة في ريشها. وتعصر بنت العنقود. وتوثق في سجن الدن بالقيود. على أنها لم تجترح إثما. ولم تعاقب إلا عدوانا وظلما. بي تطيب الأوقات وتحصل اللذات. وترق النسمات. وترمى حصى الجمرات. وتسكن حرارة القلوب. وتكثر أنواع المطعوم والمشروب. كم لي من شجرة أكلها دائم. وحملها للنفع المتعدي لازم. وورقها غير زائل. وقدود أغصانها تخجل كل رمح ذابل. ولابن حبيب:
إن فصل الخريف وافى إلينا ... يتهادى في حليه كالعروس
عيره كان للعيون ربيعا ... وهو ما بيننا ربيع النفوس
(وقال الشتاء) :
أنا شيخ الجماعة. ورب البضاعة. والمقابل بالسمع والطاعة. أجمع شمل الأصحاب. وأسبل عليهم الحجاب. وأتحفهم بالطعام والشراب. ومن ليس له بي طاقة أغلق من دونه الباب. أميل إلى
(5/104)

المطيع. ألقادر المستطيع. المعتضد بالبرود والفرا. المستمسك من الدثار بأوثق العرى. ألمرتقب قدومي وموافاتي. ألمتأهب للسبع المشهورة من كافاتي. ومن يعش عن ذكري. ولم يمتثل أمري. أرجفته بصوت الرعد. وأنجزت له من سيف البرق صادق الوعد. وسرت إلية بعساكر السحاب. ولم أقنع من الغنيمة بالإياب. معرفي معروف. ونيل نيلي موصوف. وثمار إحساني دانية القطوف. كم لي من وابل طويل المدى. وجود وافر الجدا. وقطر حلا مذاقه. وغيث قيد العفاة إطلاقه. وديمة تطرب السمع بصوتها. وحيا يحيي الأرض بعد موتها. أيامي وجيزة. وأوقاتي عزيزة. ومجالسي معمورة. بذوي السيادة مغمورة. بالخير والمير والسعادة. نقلها يأتي من أنواعه بالعجب. ومناقلها تسمح بذهب اللهب. وراحها تنعش الأرواح. وتفتن العقول الصحاح. إن ردتها وجدت مالا ممدودا. وإن زرتها شاهدت لها بنين شهودا:
وإذا رميت بفضل كأسك في الهوا ... عادت عليك من العقيق عقودا
يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرك لنا عودا وحرق عودا
فلما نظم كل منهم سلك مقاله. وفرغ من الكلام على شرح حاله. أخذ الجماعة من الطرب ما يأخذ أهل السكر. وتجاذبوا أطراف مطارف الثناء والشكر. وظهرت أسرار السرور. وانشرحت صدور الصدور. وهبت نسمات قبول الإقبال. وأنشد الحال:
(5/105)

وماذا يعيب المرء في مدح نفسه ... إذا لم يكن في قوله بكذوب
ثم انفض المجلس وحل النطاق. وتفرق شمل أهله وآخر الصحبة الفراق (نسيم الصبا لابن حبيب الحلبي)

البحر والبر
قد تفاوض لسان حال البحر ولسان حال البر. وهما في محاورة بين عيد الفطر وعيد النحر. بعتاب في السر منزه عن الشر. (فقال البر) : يا صاحب الدر ومعدن الدر أغرقت رياضي. ومزقت جسوري وأحواضى. وأغرقت جثتي ودخلت جنتي. وتلاطمت أمواجك على جنتي. وأكلت جزائري وجروفي. وأهلكت مرعى فصيلي وخروفي. وأهزلت ثوري وحملي. وفرسي وجملي. وأجريت سفنك على أرض لم تجر عليها. ولم تمر طرف غرابها إليها. وغرست أوتادها على أوتاد الأرض. وعرست في مواطن النفل والفرض. وجعلت مجرى مراكبك في مجرى مراكبي. ومشى حوتك على بطنه في سعد أخبية مضاربي. وغاص ملاحك في ديار فرحي. وهاجرت من القرى إلى أم القرى. وحملت فلاحي أثقاله على القرى. وقد تلقيتك من الجنادل بصدري. وحملتك إلى برزخك على ظهري. وقبلت أمواجك بثغري. وخلقت مقياسي فرحا بقدومك إلى مصري. وقد جرت وعدلت. وفعلت ما فعلت. وأخرجت ما بيني وبينك. واخترت رحيلك وبينك. فعلك تغيض. ولا يكون ذهابك علي
(5/106)

ذهاب بغيض. أو تفارق هذه الفجاج. وتختلط بالبحر العجاج. وإن لم تفعل شكوناك إلى من أنزلك من السماء. وأنعم بك علينا من خزائن الماء:
إذا لم تكن ترحم بلادا ولم تغث ... عبادا فمولاهم يغيث ويرحم
وإن صدرت منهم ذنوب عظيمة ... فعفو الذي أجراك يا بحر أعظم
نمد إليه أيديا لم نمدها ... إلى غيره والله بالحال أعلم
(قال البحر) : يا بر يا ذا البر. ومنبت البر. هكذا تخاطب ضيفك. وهو يخصب شتاءك وصيفك. وقد ساقني الله إلى أرضك الجرز. ومعدن الدر والخرز. لأبهج زرعها وأخيلها. وأخرج أبها ونخيلها. وأكرم مثوى ساكنك. وأنزل البركة في أماكنك. وأثبت لك في قلب أهلك أحكام المحبة. وأنبت بك لهم في كل سنبلة مائة حبة. وأحييك حياة طيبة يبتهج بها عمرك الجديد. ويتلو كذلك يحيي الله الموتى ألسنة العبيد. وأطهرك من الأوساخ. وأحمل إليك الإبليز فأطيبك به من عرق السباخ. وأنا هدية الله إلى مصرك. وملك عصرك القائم بنصرك. وكذلك أنمي مال السلطان. ولولا بركاتي عليك ومسيري في كل مسرى إليك لكنت واديا غير ذي زرع. وصاديا غير ذي ضرع. هذا ولم أتحرك إليك إلا بإذن أسمعه بأذن. وأخرج لأجلك من جنات عدن. وأدخل بعد إحيائك في البحر الأعظم. وقيل إنه جهنم. وتهتز طربا إذا رحلت
(5/107)

عنك بأمر من أرسلني إليك وتتبسم فلا أقل من أن تزودني بشكر. في صحو وسكر. فإلى الله البر. أحاكمك أيها البر. وأسأله أن يسخرك ويسخرني لأهل الخير والبر. فأنا وأنت إلى خيره فقيران. وترابك ومائي لأهل عباده طهوران. وبعد ذلك فأقول لك يا مبارك المسالك. وكنانة الله المحروسة بالملائك:
سريت أنا ماء الحياة فلا أذى ... إذا عشت للأصحاب فالمال هين
فكن خضرا يا بر واعلم بأنني ... إلى طينك الظمآن بالري أحسن
وأسعى إليه من بلاد بعيدة ... وأحسن أجري بالتي هي أحسن
إذا طاف طوفاني بمقياسك الذي يسر بإتيان الوفاء ويعلن
فقم وتلقاه ببسطتك التي ... لروضتها فضل على الروض بين
ولعمري لقد تلطف البر في عتابه وأحسن. ودفع البحر في جوابه بالتي هي أحسن. وقد اصطلحنا على مصالحنا بين العيدين. وصارا بفضل الله لنا كالعبدين. وهما بحمد الله خوانان لعباده. أو أخوان متظافران على عمارة بلاده. فالله تعالى يخصب مرعاهما. ويحرسهما ويرعاهما. ويثبتهما بالجبال الشواهق. ويقر بهما جفون الأحداق وعيون الحدائق (الكنز المدفون للسيوطي)

وفود العرب على كسرى
روى ابن القطامي عن الكلبي قال: قدم النعمان المنذر على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين. فذكروا من
(5/108)

ملوكهم وبلادهم. فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جميع الأمم لا يستثني فارس ولا غيرها. فقال كسرى وأخذته عزة الملك: يا نعمان لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم. ونظرت في حال من يقدم علي من وفود الأمم. فوجدت الروم لها حظا في اجتماع ألفتها وعظم سلطانها. وكثرة مدائنها ووثيق بنيانها. وأن لها دينا يبين حلالها وحرامها. ويرد سفيهها ويقيم جاهلها. ورأيت الهند نحوا من ذلك في حكمتها وطبها مع كثرة أنهار بلادها وثمارها. وعجيب صناعاتها وطيب أشجارها. ودقيق حسابها وكثرة عددها. وكذلك الصين في اجتماعها وكثرة صناعات أيديها وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب وصناعة الحديد. وأن لها ملكا يجمعها. والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش وقلة الريف والثمار والحصون وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس لهم ملوك تضم قواصيهم وتدبر أمرهم. ولم أر للعرب شيئا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا ولا حزم ولا قوة. ومع أن مما يدل على مهانتها وذلها وصغر همتها محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة والطير الحائرة. يقتلون أولادهم من الفاقة. ويأكل بعضهم بعضا من الحاجة. قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذاتها. فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها. وإن قرى أحدهم ضيقا عدها مكرمة. وإن أطعم أكلة عدها غنيمة.
(5/109)

تنطق بذلك أشعارهم وتفتخر بذلك رجالهم. ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدي اجتماعها وشد مملكتها ومنعها من عدوها. فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا. وإن لها مع ذلك آثارا لبوسا وقرى وحصونا وأمورا تشبه بعض أمور الناس (يعني اليمن) . ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس. قال النعمان: أصلح الله الملك. حق لأمة الملك منها أن يسمو فضلها ويعظم خطبها وتعلو درجتها. إلا أن عندي جوابا في كل ما نطق به الملك في غير رد عليه ولا تكذيب له. فإن أمنني من غضبه نطقت به. قال كسرى: قل فأنت آمن. قال النعمان: أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفصل لموضعها الذي هي به من عقولها وأحلامها وبسطة حكمها وبحبوحة عزها. وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك. وأما الأمم التي ذكرت فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها. قال كسرى: بماذا. قال النعمان: بعزها ومنعتها وحسن وجوهها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وأنفتها ووفائها. فأما (عزها ومنعتها) فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد ووطدوا الملك وقادوا الجند. ولم يطمع فيهم طامع ولم ينلهم نائل. حصونهم ظهور خيلهم ومهادهم الأرض وسقوفهم السماء. وجنتهم السيوف وعدتهم الصبر. إذ غيرهم من الأمم إنما عزها الحجارة والطين وجزائر البحور. وأما (حسن وجوهها وألوانها) فقد يعرف فضلهم في
(5/110)

ذلك على غيرهم من الهند المنحرفة. والصين المنحفة. والترك المشوهة. والروم المقشرة. وأما (أنسابها وأحسابها) فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرا من أولها وآخرها. حتى أن أحدهم يسأل عمن وراء أبيه دنيا فلا ينسبه ولا يعرفه. وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبا فأبا. أحاطوا بذلك أحسابهم. وحفظوا به أنسابهم. فلا يدخل رجل في غير قومه. ولا ينتسب إلى غير نسبه ولا يدعي إلى غير أبيه. وأما (سخاؤها) فإن أدناهم رجلا الذي تكون عنده البكرة أو الناب. عليها بلاغه في حمولته وشبعه وريه. فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتزئ بالشربة. فيعقرها له ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر. وأما (حكمة ألسنتهم) فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه مع معرفتهم من ألسنة الأجناس. ثم خيلهم أفضل الخيل ونساؤهم أعف النساء. ولباسهم أفضل اللباس. ومعادنهم الذهب والفضة. وحجارة جبالهم الجزع. ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفن ولا يقطع بمثلها بلد قفر. وأما (دينها وشريعتها) فإنهم متمسكون به حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهراً حرماً وبلداً محرماً وبيتاً محجوجاً. ينسكون فيه مناسكهم ويذبحون فيه ذبائحهم.
فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك رغمه منه
(5/111)

فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله بأذى. وأما (وفاؤها) فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومئ الإيماء فهي ولثٌ وعقدةٌ لا يحلها إلا خروج نفسه. وإن أحدهم ليرفع عودا من الأرض فيكون رهنا بدينه فلا يغلق رهنه ولا تخفر ذمته. وإن أحدهم ليبلغه أن رجلاً استجار به وعسى أن يكون نائياً عن داره فيصاب. فلا يرضى حتى يفني تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما أخفر من جواره. وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله. وأما قولك أيها الملك (يئدون أولادهم) فإنما يفعله بعض جهلتهم بالإناث أنفة من العار. وأما قولك (إن أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها) فما تركوا ما دونها إلا احتقارا له. فعمدوا إلى أجلها وأفضلها فكانت مراكبهم وطعامهم. مع أنها أكثر البهائم شحوما وأطيبها لحوما. وأرقها ألبانا وأقلها غائلة. وأحلاها مضغة. وإنه لا شيء من اللحمان يعالج بما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه. وأما (تحاربهم وأكل بعضهم بعضا وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم) . فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا آنست من نفسها ضعفا وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف. وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم فيلقون إليهم أمورهم وينقادون لهم بأزمتهم. وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا
(5/112)

أجمعين مع أنفتهم من أداء الخراج والعشر والصبر على القسر. أما اليمن التي وصفها الملك فلما أتى جد الملك الذي أتاه عند غلبة الجيش له على ملك متسق وأمر مجتمع فأتاه مسلوبا طريدا مستصرخا قد تقاصر عن إيوائه. وصغر في عينه ما شيد من بنائه. ولولا ما وتر به من يليه من العرب لمال إلى مجال. ولوجد من يجيد الطعان ويغضب للأحرار من غلبة العبيد الأشرار. (قال) فعجب كسرى لما أجابه النعمان به وقال: إنك لأهل لموضعك من الرئاسة في أهل إقليمك ولما هو أفضل. ثم كساه من كسوته وسرحه إلى موضعه من الحيرة
فلما قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم بعث إلى أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميميين وإلى الحارث بن ظالم المري. فلما قدموا عليه في الخورنق قال لهم: قد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها. وقد سمعت من كسرى مقالات تخوفت أن يكون لها غور. أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولاً كبعض طماطمته في تأديتهم الخراج إليه كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله. فاقتص عليهم مقالات كسرى وما رد عليه. فقالوا: أيها الملك وفقك الله ما أحسن ما رددت وأبلغ ما أجبت به. فمرنا بأمرك وادعنا إلى ما شئت. قال: إنما أنا رجل منكم وإنما ملكت
(5/113)

وعززت بمكانكم وما يتخوف من ناحيتكم. وليس شيء أحب إلي مما سدد الله به أمركم وأصلح به شأنكم وأدام به عزكم. والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا إلى كسرى. فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما حضره ليعلم أن العرب على غير ما ظن أو حدثته نفسه. ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه فإنه ملك عظيم السلطان كثير الأعوان مترف معجب بنفسه. ولا تنخزلوا له انخزال الخاضع الذليل. وليكن أمر بين ذلك تظهر به وثاقة حلومكم وفضل منزلتكم وعظيم أخطاركم. وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي لسنى حاله ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها. فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم علمي بجميل كل رجل منكم على التقدم قبل صاحبه. فلا يكونن ذلك منكم فيجد في آدابكم مطعنا. فإنه ملك مترف وقادر مسلط. ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائف حلل الملوك لكل رجل منهم حلة وعممه عمامة وختمه بياقوتة. وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية وفرس نجيبة وكتب معهم كتاباً: أما بعد فإن الملك ألقى إلي من أمر العرب ما قد علم. وأجبته بما قد فهم. بما أحببت أن يكون منه على علم. ولا يتجلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها وحمت ما يليها بفضل قوتها تبلغها في شيء من الأمور التي يتعزز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة. وقد أوفدت أيها الملك رهطا من العرب لهم
(5/114)

فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم. فليسمع الملك وليغامض عن جفاء إن ظهر من منطقهم. وليكرمني بإكرامهم وتعجيل سراحهم. وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم فخرج القوم في أهبتهم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن. فدفعوا إليه الكتاب فقرأه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسا يسمع منهم. فلما أن كان بعد ذلك بأيام أمر مرازبته ووجوه أهل مملكته فحضروا وجلسوا على كراسي عن يمينه وشماله. ثم دعا بهم على الولاء والمراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه. وأقام الترجمان ليؤدي إليه كلامهم فأقام كل منهم خطبة أخذت بمجامع قلب الملك.... فلما انتهوا عن الكلام. قال كسرى: قد فهمت ما نطقت به خطباؤكم وتفنن فيه متكلمكم. ولولا أني أعلم أن الأدب لم يثقف أودكم ولم يحكم أمركم وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة فنطقتم بما استولى على ألسنتكم وغلب على طباعكم. لم أجز لكم كثيراً مما تكلمتم به وإني لأكره أن أجبه وفودي أو أحنق صدورهم. والذي أحب هو إصلاح مدبركم وتألف شواذكم والإعذار إلى الله فيما بيني وبينكم. وقد قبلت ما كان في منطقكم من صواب وصفحت عما كان فيه من خلل. فانصرفوا إلى ملككم فأحسنوا مؤازرته والتزموا طاعته واردعوا سفهاءكم وأقيموا أودهم. وأحسنوا أدبهم فإن في ذلك صلاح العامة (لابن عبد ربه)
(5/115)

الباب السادس في الحكايات واللطائف
الأعرابي ومعن بن زائدة
كان معن بن زائدة أميرا على العراق وكان له في الكرم اليد البيضاء وهو من الحلم على أعظم جانب. فقدم عليه أعرابي ذات يوم يمتحن حلمه. فلما وقف قال:
أتذكر إذ لحافك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير
قال معن: أذكر ولا أنساه. فقال الأعرابي:
فسبحان الذي أعطاك ملكا ... وعلمك الجلوس على السرير
قال معن: يا أخا العرب السلام سنة وشأنك في الأمير. فقال الأعرابي:
سأرحل عن بلاد أنت فيها ... ولو جار الزمان على الفقير
قال معن: يا أخا العرب إن جاورتنا فمرحبا بك وإن رحلت فمصحوب بالسلامة. فقال الأعرابي:
فجد لي يا ابن ناقصة بشيء ... فإني قد عزمت على المسير
(5/116)

قال معن: أعطوه ألف دينار يستعين بها على سفره. فأخذها وقال:
قليل ما أتيت به وأني ... لأطمع منك بالمال الكثير
قال معن: أعطوه ألفا آخر. فأخذها وقال:
سألت الله أن يبقيك ذخرا ... فمالك في البرية من نظير
فقال معن: أعطوه ألفا آخر. فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين ما جئت إلا مختبرا حلمك لما بلغني عنه. فلقد جمع الله فيك من الحلم ما لو قسم على أهل الأرض لكفلهم. فقال معن: يا غلام كم أعطيته على نظمه قال: ثلاثة آلاف دينار. فقال: أعطه على نثره مثلها. فأخذها ومضى في طريقه شاكرا

الشاعر المتعصب للعجم
(قال بديع الزمان الهمذاني) كنت عند الصاحب كافي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عباد يوما وقد دخل عليه شاعر من شعراء العجم. فأنشده قصيدة يفضل فيها قومه على العرب وهي:
غنينا بالطبول عن الطلول ... وعن عنس عذافرة ذمول
فلست بتارك إيوان كسرى ... لتوضيح أو لحومل فالدخول
وضب بالفلا ساع وذئب ... بها يعوي وليث وسط غيل
يسلون السيوف لرأس ضب ... حراشا بالغداة وبالأصيل
إذا ذبحوا فذلك يوم عيد ... وإن نحروا ففي عرس جليل
أما لو لم يكن للفرس إلا ... نجار الصاحب القرم النبيل
(5/117)

لكان لهم بذلك خير فخر ... وجيلهم بذلك خير جيل
فلما وصل إلى هذا الموضع من إنشاده قال له الصاحب: فقدك. ثم اشرأب ينظر إلى الزوايا وأهل المجلس وكنت جالسا في زاوية البهو فلم يرني. فقال: ابن أبي الفضل. فقمت وقلبت الأرض وقلت: أمرك. قال: أجب عن ثلاثتك. قلت: وما هي. قال: أدبك ونسبك ومذهبك. فأقبلت على الشاعر فقلت: وما هي. قال: أدبك ونسبك ومذهبك. فأقبلت على الشاعر فقلت: لا فسحة للقول ولا راحة للطبع إلا السرد كما تسمع ثم أنشدت أقول:
أراك على سفا خطر مهول ... بما أودعت لفظك من فضول
تريد على مكارمنا دليلا ... متى احتاج النهار إلى دليل
ألسنا الضاربين جزى عليكم ... وإن الجزي أولى بالذليل
متى قرع المنابر فارسي ... متى عرف الأغر من الحجول
متى عرفت وأنت بها زعيم ... أكف الفرس أعراف الخيول
فخرت بملء ما ضغتيك هجرا ... على قحطان والبيت الأصيل
وتفخر أن مأكولا ولبسا ... وذلك فخر ربات الحجول
ففاخرهن في خد أسيل ... وفرع في مفارقها رسيل
وأمجد من أبيك إذا تزيا ... عراة كالليوث عن الخيول
(قال) فلما أتممت إنشادي التفت إليه الصاحب. وقال له: كيف رأيت. قال: لو سمعت به ما صدقت. قال: فإذن جازتك جوازك. إن رأيتك بعدها ضربي عنقك. ثم قال: لا أدري أحدا يفضل العجم على
(5/118)

العرب إلا وفيه عرق من المجوسية ينزع إليه (بدائع البدائه للأزدي) روى عقيل بن خالد عن ابن شهاب أن مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير اجتمعا ذات يوم في حجرة عائشة والحجاب بينهما وبينها يحدثانها ويسألانها. فجرى الحديث بين مروان وابن الزبير ساعة وعائشة تسمع. فقال مروان:
فمن يشإ الرحمان يخفض بقدره ... وليس لمن لم يرفع الله رافع
فقال ابن الزبير:
فقوض إلى الله الأمور إذا اعترت ... وبالله لا بالأقربين أدافع
فقال مروان:
وداو ضمير القلب بالبر والتقى ... فلا يستوي قلبان قاس وخاشع
فقال ابن الزبير:
ولا يستوي عبدان هذا مكذب ... عتل لأرحام العشيرة قاطع
فقال مروان:
وعبد يجافي جنبه عن فراشه ... يبيت يناجي ربه وهو راكع
فقال ابن الزبير:
وللخير أهل يعرفون بهديهم ... إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع
فقال مروان:
وللشر أهل يعرفون بشكلهم ... تشير إليهم بالفجور الأصابع
فسكت ابن الزبير ولم يجب فقالت عائشة: يا عبد الله ما لك
(5/119)

لم تجب صاحبك. فو الله ما سمعت تجاولا في نحو ما تجاولتما فيه أعجب إلي من تجاولكما. فقال ابن الزبير: إني خفت عوار القول فكففت جلس أبو إسحاق النجيرمي عند كافور الإخشيدي فدخل عليه أبو الفضل بن عياش فقال: أدام الله أيام مولانا (وكسر ميم أيام) فتبسم كافور إلى أبي إسحاق. فقطن لذلك فقال ارتجالا:
لاغرو أن لحن الداعي لسيدنا ... وغص من دهش بالريق أو بهر
فمثل سيدنا حالت مهابته ... بين الأديب وبين الفتح بالحصر
وإن يكن خفض الأيام عن غلط ... في موضع النصب لا عن قلة البصر
فإن أيامه خفض بلا نصب ... وإن دولته صفو بلا كدر
فأمر له بثلاثمائة دينار وللنجيرمي بمائتين أخبر الشيخ تاج الدين العلامة أبو اليمن الكندي قال: بلغني أن علقمة بن عبد الرزاق العليمي لما قصد بدرا الجمالي بمصر رأى على بابه أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم. فسألهم عن حالهم فكل أخبره عن طول مقامه ببابه وتعذر لقائه له. وسألوه عن حاله فأخبرهم بقدومه قاصدا له. فكل أيسه من لقائه. فبينا هم كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد. فلما رآه مقبلا علا نشزا من الأرض ثم جعل في عمامته ريشة نعام يشهر بها نفسه. فلما قرب إليه أو مأ برقعة كانت معه وأنشأ يقول:
نحن التجار وهذه أعلاقنا ... درر وجود يمينك المبتاع
(5/120)

قلب وفتشها بسمعك إنما ... هي جوهر تختاره الأسماع
كسدت علينا بالشآم وكلما ... قل النفاق تعطل الصناع
فأتاك يحملها إليك تجارها ... ومطيها الآمال والأطماع
حتى أناخوها ببابك والرجا ... من دونها السمسار والبياع
فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم ولا كعب ولا القعقاع
وسبقت هذا الناس في طلب العلى ... فالناس بعدك كلهم أتباع
يا بدر أقسم لو بك اعتصم الورى ... ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا
(قال) وكان على يد بدر باز فدفعه إلى البازدار فضرب على يده وانفرد به عن الجيش وجعل يستعيده الأبيات وهو ينشدها إلى أن استقر في مجلسه. ثم التفت إلى جماعة غلمانه وخاصته وأصحابه وقال: من أحبني فليخلع على هذا الشاعر. قال علقمة: فو الله لقد خرجت من عنده ومعي سبعون بغلا تحمل الخلع أهدى ابن عباد إلى فخر الدولة ابن بويه ديناراً وزنه ألف مثقال. وكان على أحد جانبيه مكتوبا:
وأحمر يحكي الشمس شكلا وصورة ... فأوصافه مشتقة من صفاته
فإن قيل دينار فقد صدق اسمه ... وإن قيل ألف كان بعض سماته
بديع ولم يطبع على الدهر مثله ... ولا ضربت أضرابه لسراته
فقد أبرزته دولة فلكية ... أقام بها الإقبال صدر قناته
وصار إلى شاهنشاه انتسابه ... على أنه مستصغر لعفاته
(5/121)

يخير أن يبقى سنين كوزنه ... لتستبشر الدنيا بطول حياته
تأنق فيه عبده وابن عبده ... وغرس أياديه وكافي كفاته
وكان على الجانب الآخر سورة الإخلاص ولقب الخليفة الطائع لله ولقب فخر الدولة واسم جرجان لأنه ضرب بها كتب البهاء زهير إلى نجم الدين البادراني رسول الديوان يعتذر لتأخيره عن لقائه لما وصل إلى الديار المصرية قصيدة منها:
على الطائر المأمون تأخير قادم ... وأهلا وسهلا بالعلى والمكارم
قدمت بحمد الله أكرم مقدم ... مدى الدهر يبقى ذكره في المواسم
قدوما به الدنيا أضاءت وأشرقت ... ببشر وجوه أو بضوء مباسم
فيا حسن ركب جئت فيه مسلما ... ويا طيب ما أهدته أيدي الرواسم
أمولاي سامحني فإنك أهله ... وإن لم تسامحني فما أنت ظالمي
ووالله ما حالت عهود مودتي ... وتلك يمين لست فيها بآثم
مقيم وقلبي في رحالك سائر ... لعلك ترضاه لبعض المواسم
ولو كنت عنه سائلا لوجدته ... على بابك الميمون أول قادم
وإلا فسل عنه ركابك في الدجا ... لقد بريت من لثمه للمناسم

البندبيجي والحمامة
اجتاز المنازي البندبيجي الشاعر (وبندبيج قصر بالرافقان بين بغداد وحلوان) بسوق باب الطاق ببغداد حيث تباع الطير. فسمع حمامة تلحن في قفص فاشتراها وأرسلها وقال:
(5/122)

ناحت مطوقة بباب الطاق ... فجرى سوابق مدمعي المهراق
حنت إلى أرض الحجاز بحرقة ... تشجي فؤاد الهائم المشتاق
إن الحمائم لم تزل بحنينها ... قدما تبكي أعين العشاق
كانت تفرح في الأراك وربما ... كانت تفرح في فروع الساق
تعس الفراق وجذ حبل وتينه ... وسقاه من سم الأساود ساقي
يا ويحة ما باله قمرية ... لم تدر ما بغداد في الآفاق
فأتى الفراق بها العراق فأصبحت ... بعد الأراك تنوح في الأسواق
فشريتها لماس معت حنينها ... وعلى الحمامة عدت بالإطلاق
بي مثل ما بك يا حمامة فاسألي ... من فك أسرك أن يحل وثاقي
(نثار الارهاز لابن منظور)

الفرزدق والأسير
حكي أن سليمان بن عبد الملك أمر الفرزدق بضرب أعناق أسارى من الروم فاستعفاه الفرزدق فلم يفعل. فقام فضرب عنق رومي منهم فنبا السيف عنه. فضحك سليمان ومن حوله فقال الفرزدق:
أيعجب الناس إن أضحكت سيدهم ... خليفة الله يستسقى به المطر
لم ينب سيفي من رعب ولا دهش ... عن الأسير ولكن أخر القدر
ولن يقدم نفسا قبل ميتتها ... جمع اليدين ولا الصمصامة الذكر
ثم أغمد سيفه وهو يقول:
(5/123)

ما إن يعاب سيد إذا حبا ... ولا يعاب صارم إذا نبا
ولا يعاب شاعر إذا كبا ثم جلس وهو يقول:
كذاك سيوف الهند تنبو ظبلتها ... وتقطع أحينا مناط التمائم
ولن نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
وهل ضربة الرومي جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أخا مثل دارم
فشاع حديث الفرزدق بهؤا حتى حكي أن المهدي أتى بأسرة من الروم فأمر بقتلهم وكان عنده شبيب بن شيبة فقال الفرزدق له: اضر عنق هؤا العلج. فقال: يا أمير قد علمت ما ابتلي به الفرزدق فعيره به قوم إلى اليوم. فقال: إنما أردت تشريفك وقد أعفيتك. وكان أبو الهول الشاعر حاضرا فقال:
جزعت من الرومي وهو مقيد ... فكيف ولو لاقيته وهو مطلق
دعاك أمير المؤمنين لقتله ... فكاد شبيب عند ذلك يفرق
فنح شبيبا عن قراع كتيبة ... وأدن شبيبا من كلام يلفق
(أدب الدنيا والدين للماوردي) كتاب ابن التعاويذي الشاعر إلى الإمام الناصر لدين الله يسأله أن يجدد له رابتا لمعاشه:
خليفة الله أنت بالدين وال ... دنيا وأمر الإسلام مضطلع
أنت لما سنه الأئمة أع ... لام الهدى مقتف ومتبع
(5/124)

فالناس في الشرع والسياسة وال ... إحسان والعدل كلهم شرع
يا ملكا يردع الحوادث وال ... أيام عن ظلمها فترتدع
أرضي قد أجدبت وليس لمن ... أجدب يوما سواك منتجع
ولي عيال لا در درهم ... قد أكلوا دهرهم وما شبعوا
إذا رأوني ذا ثروة جلسوا ... حولي ومالوا إلي واجتمعوا
وطالما قطعوا حبالي إع ... راضاً إذا لم تكن معي قطع
يمشون حولي شتى كأنهم ... عقارب كلما سعوا لسعوا
فمنهم الطفل والمراهق والر ... م ضيع يحبو والكهل واليفع
لا قارح منهم أؤمل أن ... ينالني خيره ولا جذع
لهم حلوق تفضي إلى معد ... تحمل في الأكل فوق ما تسع
من كل رحب المعاء أجوافه ... ناري الحشا لا يمسه الشبع
لا يحسن المضغ فهو يترك في ... فيه بلا كلفة ويبتلع
فاستأنفوا لي رسما أعود على ... ضنك معاشي به فيتسع
وإن زعمتم أني أتيت بها ... خديعة فالكريم ينخدع
حاشا لرسم الكريم ينسخ من ... نسخ دواوينكم فينقطع
فوقعوا لي بما سألت فقد ... أطمعت نفسي واستحكم الطمع
ولا تطيلوا معي فلست ولو ... دفعتموني بالراح أندفع
(5/125)

الباب السابع في الفكهات
بغلة أبي دلامة
كان أبو دلامة كوفيا أسود مولى لبني أسد أدرك آخر أيام بني أمية ونبغ في أيام بني العباس ومدح السفاح والمنصور والمهدي. وكان صاحب نوادر وملح. وأما بغلته فكانت جامعة لعيوب الدواب كلها. وكانت أشوه الدواب خلقا في منظر العين وأسوأها خلقا في مخبرها. فكان إذا ركبها تبعه الصبيان يتضاحكون به. وكان يقصد ركوبها في مواكب الخلفاء والكبراء ليضحكهم بشماسها حتى نظم فيها قصيدته المشهورة وهي:
أبعد الخيل أركبها كراما ... وبعد الفره من خضر البغال
رزقت بغيلة فيها وكال ... وليته لم يكن غير الوكال
رأيت عيوبها كثرت وليست ... وإن أكثرت ثم من المقال
ليحصي منطقي وكلام غيري ... عشير خصالها شر الخصال
فأهون عيبها أني إذا ما ... نزلت وقلت امشي لا تبالي
تقوم فما تبت هناك شبرا ... وترمحني وتأخذ في قتالي
وإني إن ركبت أذيت نفسي ... بضرب باليمين وبالشمال
وبالرجلين أركلها جميعا ... فيا لك في الشقاء وفي الكلال
(5/126)

أتاني خائب يستام مني ... عريق في الخسارة والضلال
وقال تبيعها قلت ارتبطها ... بحكمك إن بيعي غير غال
فأقبل ضاحكا نحوي سرورا وقال أراك سهلا ذا جمال
هلم إلي يخلو بي خداعا ... وما يدري الشقي لمن يخالي
فقلت بأربعين فقال أحسن ... إلي فإن مثلك ذو سجال
فأترك خمسة منها لعلمي ... بما فيه يصير من الخبال
فلما ابتاعها مني وتبت ... له في البيع غير المستقال
أخذت بثوبه أبرأت مما ... أعد عليه من سوء الخلال
برئت إليك من مششي يديها ... ومن جرذ ومن بلل المخالي
ومن فتق بها في البطن ضخم ... ومن عقالها ومن انفتال
ومن قطع اللسان ومن بياض ... بعينيها ومن قرض الحبال
ومن عض الغلام ومن خراط ... إذا ما هم صحبك بارتحال
وأقطى من فريخ الذر مشيا ... بها عرنٌ وداءٌ من سلال
وتكسر سرجها أبدا شماسا ... وتقمص للإكاف على اغتيال
ويدبر ظهرها من مس كف ... وتهرم في الجمام وفي الجلال
تظل لركبة منها وقيذا ... يخاف عليك من ورم الطحال
ومشغار تقدم كل سرج ... تصير دفتيه على القذال
وتخفى لو تسير على الحشايا ... ولو تمشي على دمث الرمال
وترمح أربعين إذا وقفنا ... على أهل المجالس للسؤال
(5/127)

فتقطع منطقي وتحول بيني ... وبين حديثهم فيما توالي
وتذعر للدجاجة إذ تراها ... وتنفر للصفير وللخيال
فأما الإعتلاف فأدن منها ... من الأتبان أمثال الجبال
وأما القت فأت بألف وقر ... كأعظم حمل أحمال الجمال
فلست بعالف منه ثلاثا ... وعندك منه عود للخلال
وإن عطشت فأوردها دجيلا ... إذا أوردت أو نهري بلال
فذاك لريها سقيت حميما ... وإن مد الفرات فللنهال
وكانت قارحا أيام كسرى ... وتذكر تبعا عند الفصال
وقد دبرت ونعمان صبي ... وقبل فصاله تلك الليالي
وتذكر إذ نشا بهرام جور ... وعاملة على خرج الجوالي
وقد مرت بقرن بعد قرن ... وآخر عهدها لهلاك مالي
فأبدلني بها يا رب طرفا ... يزين جمال مركبه جمالي
وأنشدها المهدي فقال: لقد أقلت من بلاء عظيم. فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد مكثت شهرا أتوقع صاحبها أن يردها. فقال المهدي لصاحب دوابه: خيره بين مركبين في الإصطبل. فقال: إن كان الاختيار إلي فقد وقعت في شر من البغلة ولكن مره يختر لي. ففعل (شرح مقامات الحريري للشريشي ووافي الوفيات للصفدي)

الخليفة ولأصمعي
من ألطف ما اتفق أن بعض الخلفاء كان يحفظ الشعر من
(5/128)

مرة. وعنده مملوك يحفظه من مرتين وجارية من ثلاث مرات. وكان بخيلا جدا فكان الشاعر إذا أتاه بقصيدة قال له: إن كانت مطروقة بأن يكون أحد منا يحفظها نعلم أنها ليست لك فلا نعطيك لها جائزة. وإن لم نكن نحفظها فنعطيك وزن ما هي فيه مكتوبة. فيقرأ الشاعر القصيدة فيحفظها الخليفة من أول مرة ولو كانت ألف بيت. ويقول للشاعر: اسمعها علي فإني أحفظها وينشدها بكمالها. ثم يقول وهذا المملوك أيضا يحفظها. وقد سمعها المملوك مرتين مرة من الشاعر ومرة من الخليفة فيحفظها ويقرأها. ثم يقول الخليفة: وهذه الجارية التي وراء الستر تحفظها أيضا. وقد سمعتها ثلاث مرات مرة من الشاعر ومرة من الخليفة ومرة من المملوك فتقرأها بحروفها. فيخرج الشاعر صفر اليدين. وكان الأصمعي من جلسائه وندمانه. فنظم أبياتاً مستصعبة ونقشها في أسطوانة ولفها في ملاءة وجعلها على ظهر بعير. ولبس جوخةً بدوية مفرجة من وراء ومن قدام. وضرب له لثاما لم يبين منه غير عينيه وجاء إلى الخليفة وقال: إني امتدحت أمير المؤمنين بقصيدة. فقال يا أخا العرب إن كانت لغيرك فلا نعطيك لها جائزة. وإن كانت لك نعطيك زنة ما هي مكتوبة فيه. قال قد رضيت وأنشد:
صوت صفير البلبل ... هيج قلب الثمل
ألماء والزهر معا ... مع حسن لحظ المقل
(5/129)

وأنت حقا سيدي ... وسؤددي وموللي
وطاب لي نوح الحما ... م قوققو بالزجل
قد فاح من لحظاتها ... عبير ورد الخجل
وقلت وصوص وصوص ... فجاء صوت من عل
وقال لا لا لا للا ... وقد غدا مهرولي
وفتية يسقونني ... قهيوة كالعسل
شممتها في أنففي ... أذكى من القرنفل
في بستتانٍ حسنٍ ... بالزهر والسرولل
والعود دندن دندنٌ ... والطبل طبطبطب لي
والرقص أرطب طبطب ... والماء شقشقشق لي
شووا شووا شووا على ... وريق السفرجل
وغرد القمري يصح ... من ملل من مللي
فلو تراني راكبا ... على حمار أعزل
أمشي على ثلاثة ... كمشية العرنجلي
والناس قد ترجمني ... في السوق بالبقلل
والكل كع كع ككع ... خلفي ومن حويللي
لكن مشيت هاربا ... من خشية في عقللي
إلى لقاء ملك ... معظم مبجل
يأمر لي بخلعة ... حمراء كالدململ
(5/130)

أجر فيها مأربا=ببغدد كالدلدل (قال) فلما فرغ من إنشادها بهت الملك فيها ولم يحفظها الخليفة لصعوبتها. ثم نظر إلى الملوك فأشار إليه أنه ما حفظ منها شيئا. وفهم من الجارية أنها ما حفظت منها شيئا. فقال الخليفة: يا أخا العرب إنك صادق وهي لك بلا شك فإني ما سمعتها قبل ذلك. فهات الرقعة التي هي مكتوبة فيها حتى نعطيك زنتها. فقال يا مولاي إني لم أجد ورقا أكتب فيه. وكان عندي قطعة عمود رخام من عهد أبي وهي ملقاة في الدار ليس لي بها حاجة فنقشتها فيها. ولم يسع الخليفة إلا أن أعطاه زنتها ذهبا. فنفد جميع ما في خزانة الملك من المال فأخذ الأصمعي ذلك وانصرف. فلما ولى قال: يغلب على ظني أن هذا الأعرابي هو الأصمعي. فأحضره وكشف عن وجهه فإذا هو الأصمعي. فتعجب من صنيعه ورجع عما كان يعامل به الشعراء وأجرهم على عوائد الملوك (حلبة الكميت للنواجي)

قال أبو الفتح كشاجم يرثي سكينا سرقت له في قصيدة بديعة منها

يا قاتل الله كتاب الدواوين ... ما يستحلون من أخذ السكاكين
لقد دهاني لطيف منهم ختل ... في ذات حد كحد السيف مسنون
فأفقرت بعد عمران بموقعها ... منها دواة فتى بالكتب مفتون
تبكي على مدية أودى الزمان بها ... كانت على جائر الأقلام تغريني
(5/131)

كانت تقوم أقلامي وتنحتها ... نحتا ونسخطها بريا فترضيني
وأضحك الطرس والقرطاس عن حلل ... تنوب للعين عن نور البساتين
هيفاء مرهقة بيضاء مذهبة ... قال الإله لها سبحانه كوني
لكن مقطي أمسى شامتا جذلا ... وكان في ذلة منها وفي هون
فصين حتى يضاهي في صيانته ... جاهي لصونيه عمن لا يدانيني
ولست عنها بسال ما حييت ولا ... بواجد عوضا منها بسكين

رثاء هر لابن العلاف
قال الصاحب ابن عباد: أنشدني أبو الحسن بن أبي بكر الحسن بن علي العلاف البغدادي المقري الأديب قصيدة والده في الهر كنى به عن ابن المعتز قتله المقتدر. فخشي من المقتدر ونسبها إلى الهر وعرض به في أبيات منها. وقيل أنما كنى بالهر عن المحسن ابن الوزير أبي الحسن علي بن الفرات أيام محنته لأنه لم يجسر أن يذكره ويرثيه. وقيل كان له هر يأنس به فكان يدخل أبراج الحمام التي لجيرانه ويأكل فراخها. فأمسكه أربابها فذبحوه فرثاه بقصيدة. وقال ابن خلكان: وهي من أحسن الشعر وأبدعه وعددها خمسة وستون بيتا. وطولها يمنع من الإتيان بجميعها فنأتي بمحاسنها فيها أبيات مشتملة على حكم أولها:
يا هر فارقتنا ولم تعد ... وكنت عندي بمنزل الولد
فكيف ننفك عن هواك وقد ... كنت لنا عدة من العدد
(5/132)

تطرد عنا الأذى وتحرسنا ... بالغيب من حية ومن جرد
وتخرج الفأر من مكامنها ... ما بين مفتوحها إلى السدد
يلقاك في البيت منهم مدد ... وأنت تلقاهم بلا مدد
لا عدد كان منك منفلتا ... منهم ولا واحد من العدد
لا ترهب الصيف عند هاجرة ... ولا تهاب الشتاء في الجمد
وكان يجري ولا سداد لهم ... أمرك في بيتنا على سدد
حتى اعتقدت الأذى لجيرتنا ... ولم تكن للأذى بمعتقد
وحمت حول الردى لظلمهم ... ومن يحم حول حوضه يرد
وكان قلبي عليك مرتعدا ... وأنت تنساب غير مرتعد
تدخل برج الحمام متئدا ... وتبلع الفرخ غير متئد
وتطرح الريش في الطريق لهم ... وتبلع اللحم بلع مزدرد
أطعمك ألغي لحمها فرأى ... قتلك أربابها من الرشد
حتى إذا داوموك واجتهدوا ... وساعد النصر كيد مجتهد
كادوك دهرا فما وقعت وكم ... أفلت من كيدهم ولم تكد
فحين أخفرت وانهمكت وكا ... شفت وأسرفت غير مقتصد
صادوك غيظا عليك وانتقموا ... منك وزادوا من يصد يصد
ثم شفوا بالحديد أنفسهم ... منك ولم يرعووا على أحد
فلم تزل للحمام مرتصداً ... حتى سقيت الحمام بالرصد
لم يرحموا صوتك الضعيف كما ... لم ترث منها لصوتها الغرد
(5/133)

أذاقك الموت ربهن كما ... أذقت أفراخه يدا بيد
كأن حبلا حوى بجودته ... جيدك للخنق كان من مسد
كأن عيني تراك مضطربا ... فيه وفي فيك رغوة الزبد
وقد طلبت الخلاص منه فلم ... تقدر على حيلة ولم تجد
فما سمعنا بمثل موتك إذ مت ولا مثل عيشك النكد
فجدت بالنفس والبخيل بها ... أنت ومن لم يجدبها يجد
عشت حريصا يقوده طمع ... ومت ذا قاتل بلا قود
يا من لذيذ الفراخ أوقعه ... ويحك هلا قنعت بالغدد
ألم تخف وثبة الزمان كما ... وثبت في البرج وثبة الأسد
عاقبة الظلم لا تنام وإن ... تأخرت مدة من المدد
أردت أن تأكل الفراخ ولا ... يأكلك الدهر أكل مضطهد
هذا بعيد من القياس وما ... أعزه في الدنو والبعد
لا بارك الله في الطعام إذا ... كان هلاك النفوس في المعد
كم دخلت لقمة حشا شره ... فأخرجت روحه من الجسد
ما كان أغناك عن تسورك ال ... برج ولو كان جنة الخلد
قد كنت في نعمة وفي دعة ... من العزيز المهيمن الصمد
تأكل من فأر بيتنا رغدا ... فأين بالشاكرين للرغد
وكنت بددت شملهم زمنا فاجتمعوا بعد ذلك البدد
فلم يبقوا لنا على سبدٍ في جوف أبياتنا ولا لبد
(5/134)

وفتتوا الخبز في السلال وكم ... تفتتت للعيال من كبد
وفرغوا قعرها وما تركوا ... ما علقته يد على وتد
ومزقوا من ثيابنا جددا ... فكلنا في المصائب الجدد

رثاء ديك لابن معمعة الحمصي

يا لبن أقيال وائل والكرام الصيد من تغلب قروم القروم
والأمير الذي عليه أمارا ... ت المعالي من حادث وقديم
قد مدحت الأمير بالأمس منثو ... راً وجئت الغداة بالمنظوم
فاستمع قصتي وفرج بإحسا ... نك ما بي من طارقات الهموم
لي ديك حضنته وهو في البيضة من منصب كريم الخيم
ثم ربيته كتربية الطفل رضيعا وعند حال الفطيم
يأكل العفو كيف ما شاء من ما ... لي أكل الولي مال اليتيم
هو عندي بصورة كيف الولد البرم وفي صورة الصديق الحميم
أبيض اللون أفرق العرف نظا ... ر بعين كأنها عين ريم
وعلى نحره وشاحان من شذ ... ر بديع ولؤلوء منظوم
رافع راية من الذنب المشرف يسعى بها كسعي الظليم
وإذا ما مشى تبختر مشي الطرب النتشي من الخرطوم
وسم الأرض وسم طين كتاب ... بخواتيم كاتب مختوم
وله خنجران في قصب السا ... قين قد ركبا لحفظ الحريم
وعليه من ريشه طيلسان ... ضيع من صيغة اللطيف الحكيم
(5/135)

وجميع الديوك تشهد في حمص له بالجلال والتعظيم
يتجاوبن بالصياح مشيرا ... ت إليه في ذاك بالتسليم
وإذا ما رأيته بين خمس ... من دجاجاته كبار الجسوم
قلت ملك يخدمنه فتيات ... يتهادين بين زنج وروم
وترى عرفه فتحسبه التا ... ج على رأس كسروي كريم
ثاقب العلم بالمواقيت ليلاً ... ونهاراً وحاذق بالنجوم
ويحث الجيران حولي على البرم ... كحث المدير كأس النديم
وله أيها الأمير علي العهد في سالف الزمان القديم
أنه آمن من الشر عندي ... غير يوم المشيئة المحتوم
وقد احتجت أن أضحي في العيد به حاجة الأديب العديم
وبناتي يقلن يا أبتانا ... أنت في ذاك بين غدر ولوم
وتراهن حوله يتباكين م بدمع لفقده مسجوم
وعزيز سواك من يفتديه ... فافده سيدي بذبح عظيم
تبق في ذاك سنة لك يبقي ... ذكرها ذكر كبش إبراهيم

قصيدة مساور الوراق في وصف وليمة

اسمع بنعتي للملوك ولا ترى ... فيما سمعت كميت الأحياء
إن الملوك لهم طعام طيب ... يستأثرون به على الفقراء
إني نعت لذيذ عيشي كله ... والعيش ليس لذيذه بسواء
ثم اختصصت من اللذيذ وعيشه ... صفة الطعام بشهوة الحلواء
(5/136)


فبدأت بالعسل الشديد بياضه ... شهد تباكره بماء سماء
إني سمعت لقول ربك فيهما ... فجمعت بين مبارك وشفاء
أيام أنت هناك بين عصابة ... حضروا ليوم تنعم الأكفاء
لا ينطقون إذا جلست إليهم ... فيما يكون بلفظة عوراء
متنسمين رياح كل هبوبة ... بين النخيل بغرفة فيحاء
فقعدت ثم دعوت لي بمبذرق ... متشمراً يسعى بغير رداء
قد لف كميه على عضلاته ... قلص القميص مشمر سعاء
فأتي بخبز كالملأ منقط ... فبناه فوق أخاون السيراء
حتى ملاها ثم ترجم عندها ... بالفارسية داعيا بوجاء
فإذا القصاع من الخلنج لديهم ... تبدو جوانبها مع الوصفاء
إرفع وضع وهنا وهاك وههنا ... قصف الملوك ونهمة القراء
يأتون ثم يلون كل طريفة ... قد حالفته موائد الخلفاء
من كل ذي قرن وجدي راضع ... ودجاجة مربوبة عشواء
وثريدة ملمومة قد صففت ... من فوقها بأطايب الأعضاء
هذا الثريد وما سواه تعلل ... ذهب الثريد بنهمتي وهوائي
ولقد كلفت بنعت جدي راضع ... قد صنته شهرين بين رعاء
قد نال من لبن كثير طيب ... حتى تفتق من رضاع الشاء
من كل أحمر لا يقر إذا ارتوى ... من بين رقص دائم وثغاء
متعكن الجنبين صاف لونه ... عبل القوائم من غذاء رخاء
(5/137)

فإذا مرضت فداوني بلحومها ... إني وجدت لحومهن دوائي
ودع الطبيب ولا تثق بدوائه ... ما خالفتك رواضع الأجداء
إن الطبيب إذا حباك بشربة ... تركتك بين مخافة ورجاء
وإذا تنطع في دواء صديقه ... لم يعد ما في جونة الرقاء
نعت الطبيب هليلجاً وبليلجاً ... ونعت غيرهما من الأدواء
رطب المشان مجزعا يؤتي به ... والرازفي فما هما بسواء
وضآنيا زرقا كأن بطونها ... قطع الثلوج نقية الأمعاء

محمد بن بشير والشاة
كان محمد بن بشير من شعراء أهل البصرة وأدبائهم وهو من خثعمٍ وكان من بخلاء الناس. وكان له في داره بستان قدره أربع طوابيق قلعها من داره فغرس فيه أصل رمان وفسيلة لطيفة وزرع حواليه بقلا. فأفلتت شاة لمنيع جار له. فأكلت البقل ومضغت الخوص ودخلت إلى بيته فلم تجد فيه إلا القراطيس فيها شعره وأشياء من سماعاته فأكلتها. وخرجت فعدا إلى الجيران في المسجد يشكو ما جرى عليه وعاد فزرع البستان. وقال يصفه ويهجو شاة منيع:
لي بستان أنيق زاهر ... ناضر الخضرة ريان ترف
راسخ الأعراق ريان الثرى ... غدقٌ تربته ليست تجف
مشرق الأنوار مياد الندى ... منثن في كل ريح منعطف
تملك الريح عليه أمره ... فإذا لم يؤنس الريح وقف
(5/138)

يكتسي في الشرق ثوبي يمنه ... ومع الليل عليها يلتحف
ينطوي الليل عليه فإذا ... واجه الشرق تجلى وانكشف
صابر ليس يبالي كثرة ... حز بالمنجل أو منه نتف
لا ترى للكف فيه أثرا ... فيه بل ينمي على مس الأكف
فترى الأطباق لا تمهله ... صادرات واردات تختلف
فيه للخارف من جيرانه ... كل ما احتاج إليه مخترف
أقحوان وبهار مؤنق ... وسوى ذلك من كل الطرف
وهو في الأيدي يحيون به ... وعلى الآناف طوراً يستشف
أعفه يا رب من واحدة ... ثم لا أحفل أنواع التلف
إكفه شاة منيع وحدها ... يوم لا يصبح في البيت علف
إكفه ذات سعال شهلة ... متعت في شر عيش بالخرف
إكفه يا رب وقصاء الطلى ... ألحم الكتفين منها بالكتف
وغدا الصبية من جيرانها ... ليجروها إلى مأوى الجيف
فتراها بينهم مسحوبة ... تجرف الترب بجنب منحرف
فإذا صاروا إلى المأوى بها ... أعملوا الآجر فيها والخزف
ثم قالوا ذا جزاء للذي ... تأكل البستان منا والصحف
لا تلوموني فلو أبصرت ذا ... كله فيها إذن لم أنتصف
(5/139)

الباب الثامن في المديح
قال أبو تمام أبا سعيد

أبا سعيد وما وصفي بمتهم ... على المعالي وما سكري بمخترم
لئن جحدتك ما أوليت من حسن ... إني لفي اللؤم منك في الكرم
أمسى ابتسامك والألوان كاسفة ... تبسم الصبح في داج من الظلم
كذا أخوك الندى لو أنه بشر ... لم يلف طرفة عين غير مبتسم
رددت رونق وجهي في صحيفته ... رد الصقال بهاء الصارم الخذم
وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي

قصيدة خلف بن خليفة مولى قيس بن ثعلبة في قومه

عدلت إلى فخر العشيرة والهوى ... إليهم وفي تعداد مجدهم شغل
إلى هضبة من آل شيبان أشرقت ... لها الذروة العلياء والكاهل العبل
إلى النفر البيض الألاء كأنهم ... صفائح يوم الروع أخلصها الصقل
إلى معدن العز المؤيد والندى ... هناك هناك الفضل والخلق الجزل
أحب بقاء القوم للناس إنهم ... متى يظعنوا من مصرهم ساعة يخلوا
عذاب على الأفواه ما لم يذقهم ... عدو وبالأفواه أسماؤهم تحلو
عليهم وقار الحلم حتى كأنما ... وليدهم من أجل هيبته كهل
إذا استجهلوا لم يعزب الحلم عنهم ... وإن آثروا أن يجهلوا عظم الجهل
(5/140)

هم الجبل الأعلى إذا ما تناكرت ... ملوك الرجال أو تخاطرت البزل
ألم تر أن القتل غال إذا رضوا ... وإن غضبوا في موطن رخص القتل
لنا فيهم حصن حصين ومعقل ... إذا حرك الناس المخاوف والأزل
لعمري لنعم الحي يدعو صريخهم ... إذا الجار والمأكول أرهقه الأكل
سعاة على أفناء بكر بن وائل ... وتبل أقاصي قومهم لهم تبل
إذا طلبوا ذحلا فلا الذحل فائت ... وإن ظلموا أكفاءهم بطل الذحل
مواعيدهم فعل إذا ما تكلموا ... بتلك التي إن سميت وجب الفعل
بحور تلاقيها بحور غزيرة ... إذا زخرت قيس وإخوتها ذهل

قصيدة محمد بن هانئ في جعفر بن علي بن غلبون

فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمكم فلق الصباح المسفر
وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر
وضربتم هام الكماة ورعتم ... بيض الخدود بكل ليث مخدر
أبني العوالي السمهرية والسيو ... ف المشرفية والعديد الأكثر
من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير
ألقائد الخيل العتاق شوازبا ... خزراً إلى لحظ السنان الأخزر
شعث النواصي حشرة آذانها ... قب الأياطل داميات الأنسر
تنبو سنابكهن عن عفر الثرى ... فيطأن في خد العزيز الأصعر
في فتية صدأ الدروع عبيرهم ... وخلوقهم علق النجيع الأحمر
لا يأكل السرحان شلو طعينهم ... مما عليه من القنا المتكسر
(5/141)

أنسوا بهجران الأنيس كأنهم ... في عبقري البيد جنة عبقر
ومشوا على قطع النفوس كأنما ... تمشي سنابك خيلهم في مرمر
قوم يبيت على الحشايا غيرهم ... ومبيتهم فوق الجياد الضمر
وتظل تسبح في الدماء قبابهم ... فكأنهن سفائن في أبحر
فحياضهم من كل مهجة ضالع ... وخيامهم من كل لبدة قسور
وكفاك من حب السماحة أنها ... منهم بموضع مقلة من محجر

قصيدة المتنبي في شجاع بن محمد الطائي المنبجي

إلى واحد الدنيا إلى ابن محمد ... شجاع الذي لله ثم له الفضل
إلى الثمر الحلو الذي طيئٌ له ... فروع وقحطان بن هود لها أصل
إلى القابض الأرواح والضيغم الذي ... تحدث عن وقفاته الخيل والرجل
إلى رب مال كلما شت شمله ... تجمع في تشتيته للعلى شمل
همام إذا ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل
رأيت ابن أم الموت لو أن بأسه ... فشا بين أهل الأرض لا نقطع النسل
على سابح موج المنايا بنحره ... غداة كأن النبل في صدره وبل
وكم عين قرن حدقت لنزاله ... فلم تغض إلا والسنان لها كحل
إذا قيل رفقا قال للحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل
ولولا تولي نفسه حمل حلمه ... عن الأرض لانهدت وناء بها الحمل
تباعدت الآمال عن كل مقصد ... وضاقت بها إلا إلى بابه السبل
ونادى الندى بالنائمين عن السرى ... فأسمعهم هبوا فقد هلك البخل
(5/142)

وحالت عطايا كفه دون وعده ... فليس له إنجاز وعدة ولا مطل
فأقرب من تحديدها رد فائت ... وأيسر من إحصائها القطر والرمل
وما تنقم الأيام ممن وجهها ... لأخمصه في كل نائبة نعل
وما عزه فيها مراد أراده ... وإن عز إلا أن يكون له مثل
كفى ثعلاً فخراً بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهلى
وويل لنفس حاولت منك غرة ... وطوبى لعين ساعة منك لا تخلو
فما بفقير شام برقك فاقة ... ولا في بلاد أنت صبيها محل

جمالية ابن نباتة في ابن الشهاب محمود

كم من جمال عنده ضر الفتى ... ولكم جمال عنده السراء
كجمال دين الله وابن شهابه ... لا الظلم حيث يرى ولا الظلماء
ألماجد الراقي مراتب سؤدد ... قد رصعت بجواره الجوزاء
ذاك الذي أمسى السهى جاراً له ... لكن حاسد مجده العواء
عمت مكارمه وسار حديثه ... فبكل أرض نعمة وثناء
وسعت يراعته بأرزاق الورى ... فكأنها قلب وتلك رشاء
وحمى العواصم رأيه ولطالما ... قعد الحسام وقامت الآراء
عجبا لنار ذكائه مشبوبة ... وبظله تتفيأ الأفياء
غنى اليراع به وأزهر طرسه ... وكذا تكون الروضة الغناء
يا راكب العزمات غايات المنى ... مغنى شهاب الدين والشهباء
ذي المجد لا في ساعديه عن العلا ... قصر ولا في عزمه إعياء
(5/143)

والعدل بردع قادرا عن عاجز ... فالذئب هاجعة لديه الشاء
والحلم يروي جابر عن فضله ... والفضل يروي عن يديه عطاء
يا أكمل الرؤساء لا مستثنيا ... أحدا إذا ما عدت الرؤساء
يا من مللت من المعادِ له وما ... ملت لدي معادها النعماء
إن لم يقم بحقوق ما أوليتني ... مدحي فأرجو أن يقوم دعاء
شهدت معاليك الرفيعة والندى ... أن الورى أرض وأنت سماء

من قصيدة ابن مطروح في الوزير عماد الدين

وهبت علينا نفخة عنبرية ... كعرف عماد الدين حين تقابله
فقمت من الإجلال أنشد مدحه ... وقد سبقتني قبل ذاك فواضله
تكافأ في الإحسان شعري ومدحه ... ولكن بخصل السبق فازت أنامله
وما كنت إلا الروض باكره الحيا ... فأينع ذاويه ورقت خمائله
وضاع شذا أزهاره وتدفقت ... بمدحك من هذا الثناء جداوله
تخاف عداه من توقد عزمه ... وتأمن إذ يطفو ويطفح نائله
يبشر منه البشر راجي نواله ... كذا الغيث لا تخفى علينا مخايله
ألم تر أن البرق يبدو أمامه ... وتتبعه من بعد ذاك هواطله
لم أر غيثا مثل غيث سماحة ... تميم مصرا من ذرى الشرق وباله
كفى والدا من حمل هم لولده ... فكل الورى أيتامه وأرامله
على مهل يا من يحاول مجده ... فبين الثريا والسماك منازله
كريم له بيت كريم تقاسمت ... أواخره إرث العلى وأوائله
(5/144)

له شيم لو أن في الدهر بعضها ... لما غالت الحر الكريم غوائله
بليغ إذا ما أورد اللفظ خلته ... عن الوحي يملينا الذي هو قائله
تحلى به الدهر الذي كان عاطلا ... فأضحى مليا بالنباهة خامله
وأثنى عليه ليله ونهاره ... وطالبت به أسحاره وأصائله
وإني وإن أتحفته بمدائح ... هي السحر إلا أن فكري بابله
فما تعبت لي فكرة في مديحه ... لأني راوي الفضل عنه وناقله
فلا حمد لي فيما أقول وإنما ... كتبت الذي أملت علي فضائله
عفاف وإقدام وحزم ونائل ... ألا في سبيل المجد ما أنت فاعله
إذا سار فوق الراسيات تزعزعت ... وصدعت السبع الشداد صواهله
ورب خميس طبق السهل والربى ... وزاحمت الجوزاء منه عوامله
بكم يا بني شيخ الشيوخ تأيدت ... قواعد هذا الدين واشتد كاهله
وقد علم السلطان في كل موقف ... بأنك كافيه وأنك كافله
وأخلق بملك أنت حارس سرحه ... وحامي حماه أن تصان معاقله

قصيدة ابن الحسن القاضي في الوزير الحسن بن أضحى

يأيها الملك مضمون لك الظفر ... أبشر فمن جندك التأييد والقدر
وأب لنا سالما والسعد مقتبل ... والدين منتظم والكفر منتثر
وقد طلعت على البيضاء من كثب ... كما تطلع في جنح الدجى القمر
حللت في أرضها في جحفلٍ لجبٍ ... كما يحل بها في الأزمة المطر
وحولك الصيد من لمتونةٍ وهم ... أبطال يوم الوغى والأنجم الزهر
(5/145)

والعرب ترفل فوق الغرب سابحة ... كالأسد ليس لها إلا القنا ظفر
من كل أروع وضاح عمامته ... كالبدر نحو لقاء الجيش يبتدر
شعاره البر والتقوى ومؤنسه ... في ليله رمحه والصارم الذكر
ذؤابة المجد من قحطان كلهم ... أبوهم حمير ذو المجد أو مضر
ومن زناتة أبطالٌ غطارفةٌ ... ذووا تجارب في يوم الوغى صبر
ولمطةٍ وهم أهل الطعان لدى ال ... هيجاء في زمر تقتادها زمر
كأنهم في جبين المجد إذ ركبوا ... مصممين إلى أعدائهم غرر

وقعت حرب بالجزيرة بين بني تغلب فتولى الإصلاح بينهم الفتح بن خاقان فقال البحتري فيما تعلق بعضه بذكر الهيبة

بني تغلب أعزز علي بأن أرى ... دياركم أمست وليس لها أهل
خلت دمنة من ساكنيها وأوحشت ... مرابع من سنجار يهمي بها الوبل
إذا ما التقوا يوم الهياج تحاجزوا ... وللموت فيما بينهم قسمة عدل
كفي من الأحياء لاقى كفيه ... ومثل من الأقوام راجعه مثل
إذا ما أخ جر الرماح انتهى له ... أخ لا بليد في الطعان ولا وغل
تحوطهم البيض الرقاق وضمر ... عتاق وأحساب بها يدرك التبل
بطعن يكب الدراعين دراكه ... وضرب كما تزغو المخزمة البزل
تجافي أمير المؤمنين عن التي ... علمتم وللجانين في مثلها النكل
وكانت يد الفتح بن خاقان عندكم ... يد الغيث عند الأرض أجدبها المحل
ولولاه طلت بالعقوق دماؤكم ... فلا قود يعطى الأذل ولا عقل
(5/146)

تلاقيت يا فتح الأراقم بعد ما ... سقاهم بأوحى سمه الأرقم الصل
وهبت لهم بالسلم باقي نفوسهم ... وقد أشرفوا أن يستتمهم القتل
أتاك وفد الشكر يثنون بالذي ... تقدم من نعماك عندهم قبل
فلم أر يوما كان أكثر سؤددا ... من اليوم ضمتهم إلى بابك السبل
تراءوك من أقصى السماط فقصروا ... خطاهم وقد جازوا الستور وهم عجل
ولما قضوا صدر السلام تهافتوا ... على يد بسام سجيته البذل
إذا شرعوا في خطبة قطعتهم ... جلالة طلق الوجه جانبه سهل
إذا نكسوا أبصارهم من مهابة ... ومالوا بلحظ خلت أنهم قبل
نصبت لهم طرفا حديدا ومنطقا ... سديداً ورأياً مثل ما انتضي النصل
وسل سخيمات الصدور فعالك ال ... كريم وأبرى غلها قولك الفصل
بك التأم الشعب الذي كان بينهم ... على حين بعد منه واجتمع الشمل
فما برحوا حتى تعاطت أكفهم ... قراك فلا ضغن لديهم ولا ذحل
وجروا برود العصب تضفو ذيولها ... عطاء كريم ما تكاءده بخل
وما عمهم عمرو بن غنم بنسبة ... كما عمهم بالأمس نائلك الجزل
فمهما رأوا من غبطة في اصطلاحهم ... فمنك بها النعمى جرت ولك الفضل

من قصيدة لإبراهيم بن العباس في الفضل بن سهل

يمضي الأمور على بديهته ... وتريه فكرته عواقبها
فيظل يصدرها ويوردها ... فيعم حاضرها وغائبها
وإذا ألمت صعبة عظمت ... فيها الرزية كان صاحبها
(5/147)

ألمستقل بها وقد رسبت ... ولوت على الأيام جانبها
وعدلتها بالحق فاعتدلت ... ووسعت راغبها وراهبها
وإذا الحروب بدت بعثت لها ... رأيا تفل بها كتائبها
رأيا إذا نبت السيوف مضى ... عزم بها فشفى مضاربها
وإذا الخطوب تأثلت ورست ... هدت فواضله نوائبها
وإذا جرت بضميره يده ... أبدت به الدنيا مناقبها

قصيدة أبي محمد عبد الله بن أيوب التيمي في عمرو بن مسعدة
غريب يحن لأوطانه ... ويبكي على عصره الذاهب
كفاك أبو الفضل عمرو الندى ... مطالعة الأمل الكاذب
وصديق الرجاء وحسن الوفاء ... لعمرو بن مسعدة الكاتب
عريض الفناء طويل البنا ... ء في العز والشرف الثاقب
هو المرتجى لصروف الزمان ... ومعتصم الراغب الراهب
جواد بما ملكت كفه ... على الضيف والجار والصاحب
نؤمله لجسام الأمور ... ونرجوه للجلل الكارب
خصيب الجناب مطير السحاب ... بشميته لين الجانب
يروي القنا من نحور العدى ... ويغرق في الجود كاللاعب
إليك تبدت بأكوارها ... حراجيج في مهمه لاحب
كأن نعاما تباري بنا ... بوابل من برد عاصب
يردن ندى كفك المرتجى ... ويقضين من حقك الواجب
(5/148)

ولله ما أنت من خابر ... بسجل لقوم ومن خارب
فتسقي العدى بكؤوس الردى ... وتسبق مسئلة الطالب
وكم راغب نلته بالعطا ... وكم نلت بالعطف من هارب
وتلك الخلائق أعطيتها ... وفضل من المانع الواهب
كسبت الثناء وكسب الثنا ... ء أفضل مكسبة الكاسب
يقينك يجلو ستور الدجا ... وظنك يخبر بالغائب

وهذا الشعر يتدفق طبعا وسلاسة
لما خلص محمد بن عبد الله بن طاهر إبراهيم بن المدبر جود المسالة في أمره وبذل أن يحتمل في ماله كل ما يطالب به فأعفاه المتوكل من ذلك ولم يلتفت إلى عبيد الله ووهبه لابن طاهر وكان إبراهيم استغاث به ومدحه بقوله:
دعوتك من كرب ولبيت دعوتي ... ولم تعترضني إذ دعوت المعاذر
إليك وقد جليت أوردت همتي ... وقد أعجزتني عن همومي المصادر
نمى بك عبد الله في العز والعلا ... وحاز لك المجد المؤثل طاهر
فأنتم بنو الدنيا وأملاك جوها ... وساستها والأعظمون الأكابر
مآثر كانت للحسين ومصعب ... وطلحة لا تحوي مداها المفاخر
إذا بذلوا قيل الغيوث البواكر ... وإن غضبوا قيل الليوث الهواصر
تعطيكم يوم اللقاء البواتر ... وتزهو بكم غير المقام المنابر
وما لكم غير الأسرة مجلس ... ولا لكم غير السيوف مخاصر
ولي حاجة إن شئت أحرزت مجدها ... وسرك منها أول ثم آخر
كلام أمير المؤمنين وعطفه ... فما لي بعد الله غيرك ناصر
(5/149)

وإن ساعد المقدور فالنحج واقع ... وإلا فإني مخلص الود شاكر

قال عنتر بن شداد الملك كسرى أنوشروان

يا أيها الملك الذي راحاته ... قامت مقام الغيث في أزمانه
يا قبلة القاصد يا تاج العلى ... يا بدر هذا العصر في كيوانه
يا مخجلا نوء السماء بجوده ... يا منقذ المحزون من أحزانه
يا ساكنين ديار عبس إنني ... لاقيت من كسرى ومن إحسانه
ما ليس يوصف أو يقدر أو يفي ... أوصافه أحد بوصف لسانه
ملك حوى رتب المعالي كلها ... بسمو مجد حل في إيوانه
مولى به شرف الزمان وأهله ... والدهر نال الفخر من تيجانه
وإذا سطا خاف الأنام جميعهم ... من بأسه والليث عند عيانه
ألمظهر الإنصاف في أيامه ... بخصاله والعدل في بلدانه
أمسيت في ربع خصيب عنده ... متنزها فيه وفي بستانه
ونظرت بركته تفيض وماؤها ... يحكي مواهبه وجود بنانه
في مربع جمع الربيع بربعه ... من كل فن لاح في أفنانه
وطيوره من كل نوع أنشدت ... جهرا بأن الدهر طوع عنانه
ملك إذا ما جال في يوم اللقا ... وقف العدو محيرا في شانه
والنصر من جلسائه دون الورى ... والسعد والإقبال من أعوانه
فلأشكرن صنيعه بين الملا ... وأطا عن الفرسان في ميدانه
قال أبو نواس في البرامكة:
(5/150)

إن البرامكة الكرام تعلموا ... فعل الجميل وعلموه الناسا
كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا ... لا يهدمون لما بنوه أساسا
وإذا هم صنعوا الصنائع في الورى ... جعلوا لها طيب البقاء لباسا

لشمس الدين القادري الشاعر المفلق في جلال الدين السيوطي

إمام اجتهاد عالم العصر عامل ... بجامع فضل ناسك متهجد
ويحسد طرف النجم بالعلم طرفه ... إذا بات ليلا فيه وهو مسهد
ويقدح زند العزم زند ذكائه ... فيصبح منه فكره يتوقد
ومن مدد المولى وعين عناية ... وتوفيقه يحيا ويحمي ويحمد
ومجتهد قد طال في العلم مدركا ... وباعا ففي كل العلوم له يد
فحق له دعوى اجتهاد لأنه ... هو البحر علما زاخر اللج مزبد
فمن ذاك علم بالكتاب وسنة ... تبين ما في بحره فهو مورد
وفحوى خطاب ثم مفهوم ما به ... يدل على مفهومه حيث يوجد
ومعرفة الأخبار ثم رواتها ... عدولا ومن بالطعن فيه تردد
وفي النحو والتصريف للمرء عصمة ... من اللحن فاللحان باللحن مكمد
ومعرفة الإعراب أرفع مرتقى ... فطوبى لمن يرقى إليه ويصعد
وعلم المعاني والبيان كلاهما ... مراق إلى علم البديع ومصعد
وسلطان منقول الفقيه متى يجد ... وزيرا من المعقول فهو مؤيد
وإن الجلال السيوطي للهدى ... ككوكب علم بالضيا يتوقد
وقد جاد صوب العلم روضة أصله ... فطاب له بالعلم فرع ومحتد
(5/151)

والذي حسد مغرى بتعداد فضله ... على نفسه يبكي أسى ويعدد
فلو أبصر الكفار في العلم درسه ... وقد شاهدوا تقريره لتشهدوا
فخذها جلال الدين في المدح كاعباً ... لها جيد حسن بالنجوم مقلد
ولا تبتئس من قول واش وحاسد ... فما برحت أهل الفضائل تحسد
ومن لحظت مسعاه عين عناية ... فطرف أعاديه مدى الدهر أرمد
فهذا اعتقاد المؤمنين أولي النهي ... فلا يك في هذا لديك تردد
وإن جلال الدين منهم فإنه ... بيمنى علوم الدين سيف مجرد
وإن القوافي ضقن ذراعا عن الذي ... له من تصانيف فليست تعدد
وإن الفقير القادري لعاجز ... عن المدح في علياه إذ يتقصد
وقاه إله العرش من كل محنة ... وما أضمرت يوما عداه وحسد

مديح الخلفاء
مديح معاوية لابن أرطاة

وإني امرؤ أنمى إلى أفضل الورى ... عديداً إذا ارفضت عصا المتحلف
إلى نضد من عبد شمس كأنهم ... هضاب أجا أركانها لم تقصف
ميامين يرضون الكفاية إن كفوا ... ويكفون ما ولوا بغير تكلف
غطارفة ساسوا البلاد فأحسنوا ... سياستها حتى أقرت لمردف
فمن يك منهم موسرا يفش فضله ... ومن يك منهم معسرا يتعفف
وإن تبسط النعمى لهم يبسطوا بها ... أكفاً سباطاً نفعها غير مقرف
وإن تزو عنهم لا يضجوا وتلفهم ... قليلي التشكي عندها والتكلف
(5/152)

إذا انصرفوا للحق يوما تصرفوا ... إذا الجاهل الحيران لم يتصرف
سموا فعلوا فوق البرية كلها ... ببنيان عال من منيف ومشرف

دخل كثير أبو صخر والأحوص على عمر بن عبد العزيز فأنشده كثير

وليت فلم تشتم عليا ولم تخف ... بذيا ولم تتبع مقالة مجرم
وقلت فصدقت الذي قلت بالذي ... فعلت فأضحى راضيا كل مسلم
ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه من الأود البادي ثقاف المقوم
لقد لبست لبس الملوك ثيابها ... تراءت لك الدنيا بكف ومعصم
وتومض أحيانا بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظم
فأعرضت عنها مشمئزا كأنما ... سقتك مدوفا من سمام وعلقم
وقد كنت من أجيالها في ممنعٍ ... ومن بحرها في مزبد الموج مفعم
وما زالت سباقاً إلى كل غاية ... صعدت بها أعلى البناء المقدم
فلما أتاك الملك عفوا ولم يكن ... لطالب دنيا بعده من تكلم
تركت الذي يقنى وإن كان مؤنقا ... وآثرت ما يبقى برأي مصمم
فأضررت بالفاني وثمرت للذي ... أمامك في يوم من الهول مظلم
وما لك إذ كنت الخليفة مانع ... سوى الله من مال رغيب ولا دم
سمالك همٌّ في الفؤاد مؤرق ... صعدت به أعلى المعالي بسلم
فلو يستطيع المسلمون تقسموا ... لك الشطر من أعمارهم غير ندم
فعشت به ما حج لله راكب ... مغذ مطيف بالمقام وزمزم
فأربح بها من صفقة لمبايع ... وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم
(5/153)

فقال له يا كثير إن الله سائلك عن كل ما قلت. ثم تقدم إليه الأحوص فاستأذنه فقال: قل ولا تقل إلا حقا فإن الله سائلك فأنشده:
وما الشعر إلا خطبة من مؤلف ... بمنطق حق أو بمنطق باطل
فلا تقبلن إلا الذي وافق الرضا ... ولا ترجعنا كالنساء الأرامل
رأيناك لم تعدل عن الحق يمنة ... ولا يسرة فعل الظلوم المجادل
ولكن أخذت الحق جهدك كله ... وتقفو مثال الصالحين الأوائل
فقلنا ولم نكذب بما قد بدا لنا ... ومن ذا يرد الحق من قول عادل
ومن ذا يرد السهم بعد صدوفه ... على فوقه إن عاد من نزع نابل
ولولا الذي قد عودتنا خلائف ... غطاريف كانت كالليوث البواسل
لما وخدت شهرا برحلي جسرة ... تقدمتون البيد بين الرواحل
ولكن رجونا منك مثل الذي به ... صرفنا قديما من ذويك الأفاضل
فإن لم يكن للشعر عندك موضع ... وإن كان مثل الدر من قول قائل
وكان مصيبا صادقا لا يعيبه ... سوى أنه يبنى بناء المنازل
فإن لنا قربى ومحض مودة ... وميراث آباء مشوا بالمناصل
فذادوا عدو السلم عن عقر دارهم ... وأرسو عمود الدين بعد تمايل
فقبلك ما أعطى الهنيدة جلة ... على الشعر كعبا من سديس وبازل
فكل الذي عددت يكفيك بعضه ... ونيلك خير من بحور سوائل

أخبر علي بن سليمان الأخفش قال كان الرشيد قد أخذ صالح بن عبد القدوس وعلي بن الخليل في الزندقة وكان علي الخليل استأذن أبا نواس في الشعر فأنشده علي بن الخليل قصيدة منها
(5/154)

خير البرية أنت كلهم ... في يومك الغادي وفي أمس
وكذاك لن تنفك خيرهم ... تمسي وتصبح فوق ما تمسي
لله ما هارون من ملك ... بر السريرة طاهر النفس
ملك عليه لربه نعم ... تزداد جدتها على اللبس
تحكي خلافته ببهجتها ... أنق السرور صبيحة العرس
من عترةٍ طابت أرومتها ... أهل العفاف ومنتهى القدس
نطق إذا احتضرت مجالسهم ... وعن السفاهة والخنا خرس
إني إليك لجأت من هرب ... قد كان شردني ومن لبس
واخترت حلمك لا أجاوزه ... حتى أوسد في ثرى رمسي
لما استخرت الله في مهل ... يممت نحوك رحلة العنس
كم قد قطعت إليك مدرعا ... ليلا بهيم اللون كالنقس
إن هاجني من هاجس جزع ... كان التوكل عنده ترسي
فأطلقه الرشيد وقتل صالح بن عبد القدوس واحتج عليه في أنه لا يقبل له توبة بقوله:
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه

أخبر محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبد الله وأخي أحمد قالا لما بلغ المأمون وصار في حد الرجال أمرنا الرشيد أن نعمل له خطبة يقوم بها يوم الجمعة. فعملنا له خطبته المشهورة وكان جهير الصوت حسن اللهجة. فلما خطب بها رقت له قلوب الناس وأبكى من سمعه. فقال أبو محمد اليزيدي يمدح المأمون

لتهن أمير المؤمنين كرامة ... عليه بها شكر الإله وجوب
بأن ولي العهد مأمون هاشم ... بدا فضله إذ قام وهو خطيب
ولما رماه الناس من كل جانب ... بأبصارهم والعود منه صليب
(5/155)

رماهم بقول أنصتوا عجبا له ... وفي دونه للسامعين عجيب
ولما وعت آذانهم ما أتى به ... أنابت ورقت عند ذاك قلوب
فأبكى عيون الناس أبلغ واعظ ... أغر بطاحي النجار نجيب
مهيب عليه للوقار سكينة ... جريء جنان لا أكع هيوب
ولا واجب فوق المنابر قلبه ... إذا ما اعترى قلب النجيب وجيب
إذا ما علا المأمون أعواد منبر ... فليس له في العالمين ضريب
تصدع عنه الناس وهو حديثهم ... تحدث عنه نازح وقريب
شبيه أمير المؤمنين حزامة ... إذا وردت يوما عليه خطوب
إذا طاب أصل في عروق مشاجه ... فأغصانه من طيبه ستطيب
فقل لأمير المؤمنين الذي به ... يقدم عبد الله فهو أديب
كأن لم تغب عن بلدة كان والياً ... عليها ولا التدبير منك يغيب
تتبع ما يرضيك في كل أمره ... فسيرته شخص إليك حبيب
ورثتم بني العباس إرث محمد ... فليس لحي في التراث نصيب
فلما وصلت هذه الأبيات إلى الرشيد أمر لأبي محمد بخمسين ألف درهم ولابنه محمد بن أبي محمد بمثله (الأغاني)

أنشد حسين بن الضحاك يوم بويع بالخلافة للمعتصم

خير الوفود مبشر بخلافة ... خصت ببهجتها أبا إسحاق
وافته في الشهر الحرام سليمة ... من كل مشكلة وكل شقاق
أعطته صفقتها الضمائر طاعة ... قبل الأكف بأوكد الميثاق
(5/156)

سكن الأنام إلى إمام سلامة ... عف الضمير مهذب الأخلاق
فحمى رعيته ودافع دونها ... وأجار مملقها من الإملاق
قل للأولى صرفوا الوجوه عن الهدى ... متعسفين تعسف المراق
إني أحذركم بوادر ضيغم ... درب بحطم موائل الأعناق
متأهب لا يستفز جنانه ... زجل الرعود ولامع الأبراق
لم يبق من متعزمين توثبوا ... بالشأم غير جماجم أفلاق
من بين منجدل تمج عروقه ... علق الأخداع أو أسير وثاق
وثنى الخيول إلى معاقل قيصر ... تختال بين أجرة ودقاق
يحملن كل مشمر متغشم ... ليث هزبر أهرت الأشداق
حتى إذا أم الحصون منازلاً ... والموت بين ترائب وتراقي
هرت بطارقها هرير قساور ... بدهت بأكره منظر ومذاق
ثم استكانت للحصار ملوكها ... ذلا وناط حلقها بخناق
هربت وأسلمت اللواء عشية ... لم يبق غير حشاشة الأرماق
حتى أتمها فقال له المعتصم: ادن مني. فدنا منه فمل فمه جوهرا من جوهر كان بين يديه. ثم أمره بان يخرجه من فيه فأخرجه وأمر بان ينظم ويدفع إليه. ويخرج إلى الناس وهو في يده ليعلموا موقعه من رأيه ويعرفوا فعله فكان أحسن ما مدح به يومئذ (الأغاني)

أخبر إبراهيم بن حسن بن سهل قال كنا مع الواثق بالقاطول وهو يتصيد فصاد صيدا حسنا وهو في الزو من الإوز والدراج وطير الماء وغير ذلك. ثم رجع فتغدى ودعا بالجلساء والمغنين وطرب وقال من ينشد. فقام الحسين بن الضحاك فأنشده

سقى الله بالقاطول مسرح طرفكا ... وخص بسقياه مناكب قصركا
حتى انتهى إلى قوله:
(5/157)

تحين للدراج في جنباته ... وللغر آجال قدرن بكفكا
حتوفاً إذا وجهتهن قواضباً ... عجالاً إذا أغريتهن بزجركا
أبحت حماما مصعداً ومصوباً ... وما رمت في حاليك مجلس لهوكا
تصرف فيه بين نايٍ ومسمعٍ ... ومشمولةٍ من شطت مسافة عزمكا
قضيت لباناتٍ وأنت مخيمٌ ... مريحٌ وإن شطت مسافة عزمكا
وما نال طيب العيش إلا مودع ... وما طاب عيش نال مجهود كدكا
فقال الواثق: ما يعدل الراحة ولذة الدعة شيء فلما انتهى إلى قوله:
خلقت أمين الله للخلق عصمة ... وأمنا فكل في ذراك وظلكا
وثقت بمن سماك بالغيب واثقا ... وثبت بالتأييد أركان ملككا
فأعطاك معطيك الخلافة شكرها ... وأسعد بالتقوى سريرة فلبكا
وزادك من أعمارنا غير منة ... عليك بها أضعاف أضعاف عمركا
ولا زالت الأقدار في كل حالة ... عداة لمن عاداك سلماً لسلمكا
إذا كنت من جدواك في كل نعمة ... فلا كنت إن لم أفن عمري بشكركا
فطرب الواثق فضرب الأرض بمخصرة كانت في يده وقال: لله درك يا حسين ما أقرب قلبك من لسانك. فقال: يا أمير المؤمنين جودك ينطق المفحم بالشعر والجاحد بالشكر. فقال له: لن تنصرف إلا مسرورا. ثم أمر له بخمسين ألف درهم

قصيدة أبي بكر بن عمار الخليفة المعتضد بالله العبادي

ملك إذا ازدحم الملوك بمورد ... ونحاه لا يردون حتى يصدرا
أندى على الأكباد من قطر الندى ... وألذ في الأجفان من سنة الكرى
قداح زند المجد لا ينفك عن ... نار الوغى إلا إلى نار القرى
(5/158)

لا خلق أقرأ من شفار حسامه ... إن كنت شبهت المواكب أسطرا
أيقنت أني من ذراه بجنة ... لما سقاني من نداه الكوثرا
وعلمت حقا أن ربعي مخصب ... لما سألت به الغمام الممطرا
من لا توازنه الجبال إذا احتبى ... من لا تسابقه الرياح إذا جرى
ماض وصدر الرمح يكهم والظبى ... تنبو وأيدي الخيل تعثر في البرى
فإذا الكتائب كالكواكب فوقهم ... من لا مهم مثل السحاب كنهورا
من كل أبيض قد تقلد أبيضاً ... عضباً وأسمر قد تأبط أسمرا
ملك يروقك خلقه أو خلقه ... كالروض يحسن منظرا أو مخبرا
أقسمت باسم الفضل حتى شمته ... فرأيته في بردتيه مصورا
وجهلت معنى الجود حتى زرته ... فقرأته في راحتيه مفسرا
فاح الثرى متعطرا بثنائه ... حتى حسبنا كل ترب عنبرا
وتتوجت بالزهر صلع هضابه ... حتى ظننا كل هضب قيصرا
هصرت يدي غصن الندى من كفه ... وجنت به روض السرور منورا
حسبي على الصنع الذي أولاه أن ... أسعى بجد أو أموت فأعذرا
يا أيها الملك الذي حاز المنى ... وحباه منه بمثل حمدي أنورا
ألسيف أفصح من زياد خطبة ... في الحرب إن كانت يمينك منبرا
ما زلت تغني من عنى لك راجيا ... نيلا وتفني من عتا وتجبرا
حتى حللت من الرئاسة محجرا ... رحبا وضمت منك طرفا أحورا
شقيت بسيفيك أمة لم تعتقد ... إلا اليهود وإن تسمت بربرا
(5/159)

أثمرت رمحك من رؤوس كماتهم ... لما رأيت الغصن يعشق مثمرا
وصبغت درعك من دماء ملوكهم ... لما علمت الحسن يلبس أحمرا
نمقتها وشيا بذكرك مذهبا ... وفتقتها مسكا بحمدك أذفرا
من ذا ينافحني وذكرك صندل ... أوردته من نار فكري مجمرا
فلئن وجدت نسيم حمدي عاطرا ... فلقد وجدت نسيم برك أعطرا
وإليكها كالروض زارته الصبا ... وحنا عليه النور حتى نورا

لما عقد المتوكل لولاة العهود من ولده ركب بسر من رأى ركبة لم ير أحسن منها وركب ولاة العهود بين يديه والأتراك بين أيديهم الطبر زينات المحلاة بالذهب. ثم نزل في الماء فجلس فيه والجيش معه في الجوانحيات وسائر السفن. وجاء حتى نزل في القصر الذي يقال له العروس وأذن للناس فدخلوا إليه. فلما تكاملوا بين مثل إبراهيم بن العباس بين الصفين فاستأذن في الإنشاد فأذن له فأنشد

ولما بدا جعفر في الخميس م بين المطل وبين العروس
بدا لابسا بهما حلة ... أزيلت بها طالعات النحوس
ولما بدا بين أحبابه ... ولاة العهود وعز النفوس
غدا قمرا بين أقماره ... وشمسا مكللة بالشموس
لإيقاد نار وإطفائها ... ويوم أنيق ويوم عبوس
ثم أقبل على ولاة العهود فقال:
أضحت عرى الإسلام وهي منوطة ... بالنصر والإعزاز والتأييد
بخليفة من هاشم وثلاثة ... كنفوا الخلافة من ولاة عهود
قمر توافت حوله أقماره ... فحففن مطلع سعده بسعود
رفعتهم الأيام وارتفعوا بها ... فسعوا بأكرم أنفس وجدود
(5/160)

فأمر له المتوكل بمائة ألف درهم وأمر له ولاة العهود بمثلها

قصيدة البحتري في الخليفة المتوكل لما دخل الموصل يوم الفطر

ألله مكن للخليفة جعفر ... ملكاً يحسنه الخليفة جعفر
نعمى من الله اصطفاه بفضلها ... والله يرزق من يشاء ويقدر
فأسلم أمير المؤمنين ولا تزل ... تعطى الزيادة في البقاء وتشكر
عمت فواضلك البرية فالتقى ... فيها المقل على الغنى والمكثر
بالبر صمت وأنت أفضل صائم ... وبسنة الله الرضية تفطر
فانعم بيوم الفطر عينا إنه ... يوم أغر من الزمان مشهر
أظهرت عز الملك فيه بجحفل ... لجب يحاط الدين فيه وينصر
خلنا الجبال تسير فيه وقد غدت ... عددا يسير بها العديد الأكثر
فالخيل تصهل والفوارس تدعي ... والبيض تلمع والأسنة تزهر
والأرض خاشعة تميد بثقلها ... والجو معتكر الجوانب أغبر
والشمس ماتعةٌ توقد في الضحى ... طوراً ويطفئها العجاج الأكدر
حتى طلعت بضوء وجهك فانجلى ... ذاك الدجى وإنجاب ذاك العثير
وافتن فيك الناظرون فإصبعٌ ... يوماً إليك بها وعين تنظر
يجدون رؤيتك التي فازوا بها ... من أنعم الله التي لا تكفر
ذكروا بطلعتك الرشيد فهللوا ... لما طلعت من الصفوف وكبروا
حتى انتهيت إلى المصلى لابساً ... نور الهد يبدو عليك ويظهر
ومشيت مشية خاشع متواضعٍ ... لله لا تزهى ولا تتكبر
(5/161)

فلوان مشتاقا تكلف غير ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
أيدت من فصل الخطاب بحكمة ... تنبي عن الحق المنير وتخبر
ووقفت في برد الخطيب مذكراً ... بالله تنذر تارة وتبشر
صلوا وراءك آخذين بعصمة ... من ربهم وبذمة لا تخفر
ومواعظ شفت الصدور من الذي ... يعتادها وشفاؤها متعذر
حتى لقد علم الجهول وأخلصت ... نفس المرئي واهتدى المتحير
فاسعد بمغفرة الإله فلم يزل ... يهب الذنوب لمن يشاء ويغفر
ألله أعطاك المحبة في الورى ... وحباك بالفضل الذي لا ينكر
ولأنت أملأ للعيون لديهم ... وأجل قدرا في الصدور وأكبر

من قصيدة لكمال الدين المعروف بابن النبيه في الناصر أحمد أمير المؤمنين

إمام عدل لتقوى الله باطنه ... وللجلالة والإحسان ظاهره
تجسد الحق في أثناء بردته ... وتوجهت باسمه العالي منابره
له على ستر سر الغيب مطلع ... فما موارده إلا مصادره
راع بطرف حمى الإيمان ساهرُهُ ... ساطٍ بسيف أباد الجور شاهرة
في صدره البحر أو في بطن راحته ... كلاهما يغمر السؤال زاخرة
محجبٌ في سجوف العز لو فرجت ... عن نور وجه يباهي الصبح باهرة
نضاه سيفاً على أعداء دولته ... ما كل سيف له تثنى خناصره
فضل اصطفاء أتى من غير مسئلةٍ ... يغنى به عن أخٍ برٍ يؤازره
تهن نعمى أمير المؤمنين ودم ... يا أيها الأشرف الميمون طائرة
(5/162)

بحد سيفك آيات العصي نسخت ... إذا تفرعن يوم الروع كافرة
سل الكلى والطلى يا من يساجله ... فالرمح ناظمه والسيف ناثره
تنجست بدم القتلى صوارمه ... وطهرت بيد التقوى مآزره
جم النوال سريع البطش متئد ... كالدهر يرجى كما تخشى بوادره
إذا حبا أغنت الأيدي مواهبه ... وإن سطا سدت الدنيا عساكره
أين المفر لمن عاداه من يده ... والوحش والطير أتباع تسايره
إن يصعد الجو ناشته خواطفه ... أو يهبط الأرض غالته كواسره
يا جامعا بالعطايا شمل عترته ... كالقطب لولاه ما صحت دوائره
إن جاد شعري فهذا الفضل علمني ... من غاض في البحر جاءته جواهره

وقال أيضا يمدح السلطان موسى الأشرف

يستوجب النصر من صحت عزائمه ... ويقتني الشكر من عمت مكارمه
بالمال والنفس نال المجد طالبه ... إن العظيم لمن هانت عظائمه
في كل دور لهذا الدين منتظر ... يشيده بعد ما تخفى معالمه
فاليوم كل إمامي يوفقنا ... بأن شاه أرمن المهدي قائمه
من يملأ الأرض عدلا بعد ما ملئت ... جورا وكشف غماها صوارمه
يا يوم دمياط ما أبقيت من شرف ... لمن تقدم إلا أنت هادمه
رأت بنو الأصفر الأعلام طالعة ... والنقع يرمد عين الشمس فاحمه
والجيش يلتف مرطاه على ملكٍ ... كالليث تزأر حوليه ضراغمه
والجو يبكي سهاما كلما ضحكت ... عن كل برق يماني غمائمه
(5/163)

وكل طرف إذا طال الطراد به ... يطير من حدة لولا شكائمه
ودون دمياط بحر حال بينهم ... من الظبا ليس ينجو منه عائمه
ذلوا لملك أعان الله صاحبه ... موسى سليمانه والسيف خاتمه
وسلموها وردوا أهلها ومضوا ... والثغر من فرح يفتر باسمه
كأنهم أبصروا ما قد مضى زمنا ... كما يرى مزعج الأحلام نائمة
أشبهت جدك إبراهيم واتفقت ... على عزائمك العليا عزائمه
قل للكماة وسرته سلامته ... هذا هو الموت فاحذر أن تلاثمه
عادوا بحزن إلى أوطانهم ومضوا ... وكل بيت وقاهم فيه مأتمه
تبكي النساء على أسرى ملوكهم ... وذاك أمر قضى بالعدل حاكمة
يا باذلا في سبيل الله مهجته ... لله لا للذي جادت معالمه
لولاك زلزل دين المصطفى ووهى ... وأصبح البيت قد حلت محارمه
أقول للحاسد المحزون ذا ملك ... والنجم والفلك والدوار خادمه
هذا اختصاص إلهي ومرتبة ... ما في الملوك عليها من يزاحمه
لا فارقت ألسن المداح دولته ... فأحسن الروض ما غنت حمائمه

وله فيه أيضاً

حظي من الزمن القليل وهذه ... نفثات في وهذه كلماتي
أشكو إلى شاه أرمن موسى الملي ... ك الأشرف السبق للغايات
ملك إذا اعتكر العجاج رأيته ... طلق المحيا واضح القسمات
أو كان قبل اليوم كان جبينه ... أولى من التشبيه بالمشكاة
(5/164)

جرار أذيال الجيوش يحفها ... طير السماء وكاسر الفلوات
ضمنت لها عادات نصر الله أن ... تجري جرايتها على العادات
أسد براثنها النصال تقحمت ... أجم الوشيح فغبن في غابات
طلعت من الخوذ الحديد وجوههم ... فكأنها الأقمار في الهالات
واستلأت حلق الدروع عليهم ... فكأنها لحجٌ على هضبات
يرمي بها سبل المهالك ماجد ... كم خاض دون الموت في غمرات
كم ركعة لقناه في ثغر العدى ... ولسيفه في الهام من سجدات
سمر ذوابل لا يبل غليلها ... إلا إذا سقيت دم المهجات
يلهي مسامعه الصليل وأين من ... طبع القيون تطبع القينات
ظل البنود مقليه ومهاده ... جرد تطير به إلى الغابات
دهم تخيرها الصباح على الدجى ... فغدا ومطلعه من الجبهات
حمر تربت بين مشتجر القنا ... لابد دون الورد من شوكات
شهب بها قذفت شياطين العدى ... فجرت كجري الشهب مشتعلات
هذا الذي أرضى العباد وربهم ... بغرائب الإحسان والحسنات
هذا الذي استغنى عن الوزراء في ... تدبير عقد الرأي والرايات
سبحان من جمع المكارم عنده ... وقضى على أمواله بشتات

وقال أيضا يمدحه

قد مسني الضر ومالي سوى ... من يمنع الجار ولا يمنع
الملك الأشرف شاه أرمن ... مظفر الدين الفتى الأروع
(5/165)

إن غاض ماء الرزق موسى وإن ... شمسي تغرب إنه يوشع
له يد ظاهرها كعبة ... وفي الندى باطنها مشرع
بيضاء في السلم ولكنها ... حمراء إذ سن القنا يقرع
إذا دجا النقع وصلت به ... بيض سجود وقنا ركع
سل حساما وامتطى أشقرا فأي برقيه به أسرع
طرف من الصبح له غرة ... ومن رياح أربعٍ أربع
في جحفلٍ يحمد يوم الوغى ... في جمعه تفريق ما يجمع
بحر حديد موج أبطاله ... يزبد بيضا وقنا يلمع
ملك له الأملاك من رهبة ... ورغبة أعناقها خضع
يخيفها السطوة من بأسه ... لكنها في جوده تطمع
لا ترتضي همته غاية ... من رتب المجد ولا تقنع
مبتكر للمجد مداحه ... تبتكر المدح الذي يصنع
تنزهت أفعاله فهو عن ... ما تمدح الناس به أرفع
يا ابن الذي لو كاده تبع ... لكان كالعبد له يتبع
كفاه فخراً أن تكون ابنه ... وأنت في أولاده إن دعوا
بقيت للإسلام ما غردت ... قمرية في دوحها تسجع

وقال يمدحه ويستعطفه

ألله أبدي البدر من أزراره ... والشمس من قسمات موسى أطلعا
الأشرف الملك الذي ساد الورى ... كهلا ومكتمل الشباب ومرضعا
(5/166)

ردت به شمس السماح على الورى ... فاستبشروا ورأوا بموسى يوشعا
سهل إذا لمس الصفا سال الندى ... صعب إذا لحظ الأصم تصدعا
دان ولكن من سؤال عفاته ... سام على سمك السماء ترفعا
يا برق هذا منك أصدق شيمة ... يا غيث هذا منك أحسن موقعا
يا روض هذا منك أبهج منظرا ... يا بحر هذا منك أعذب مشرعا
يا سهم هذا منك أصوب مقصدا ... يا سيف هذا منك أسرع مقطعا
يا صبح هذا منك أسفر غرة ... يا نجم هذا منك أهدى مطلعا
حملت أنامله السيوف فلم تزل ... شكرا لذلك سجدا أو ركعا
حلت فلا برحت مكانا لم يزل ... من در أفواه الملوك مرصعا
أمظفر الدين استمع قولي وقل ... لعثار عبدٍ أنت مالكه لعا
أيضيق بي حرم اصطناعك بعدما ... قد كان منفرجا علي موسعا
وعلى كلا الحالين إني شاكر ... داع لأن الله يسمع من دعا

وقال يمدحه وهي من القصائد المرقصة

والله لو قيس به حاتم ... لقل ما قد قيل فيه وهان
ذا يملأ الأرض بإحسانه ... وذاك يمتن بملء الجفان
يروي العلى عن نفسه عن أب ... عال فنا في نصه عن فلان
قد نظم المجد له نسبة ... كالدر تجلوه وجوه الحسان
طلق الندى طلق الحيا طلق نص ... ل السيف طلق الأمر طلق اللسان
يقول من يسمع ألفظه ... هذا جني يانع أم جنان
(5/167)

له على وقع الظبى هزة ... إذا التقى الجمعان يوم الرهان
صالت وصلت في رؤوس العدى ... كأن في الآذان منها أذان
مولاي جد وأنعم وصل واقتدر ... وافتك فما تفرح أم الجبان
واركب جواد الدهر واسبق إلى ... ما تشتهيه قد ملكت العنان
دمتم بني أيوب في نعمة ... تجوز في التخليد حد الزمان
والله ما زلتم ملوك الورى ... سرقا وغربا وعلي الضمان

قال ابن عنين في الملك العادل وفي أولاده

وله البنون بكل أرض منهم ... ملك يقود إلى الأعادي عسكرا
من كل وضاح الجبين تخاله ... بدراً وإن شهد الوغى فغضنفرا
متقدم حتى إذا النقع انجلى ... بالبيض عن سبي الحريم تأخرا
قوم زكوا أصلا وطابوا محتداً ... وتدفقوا جوداً وراقوا منظرا
وتعاف خيلهم الورود بمنهل ... ما لم يكن بدم الوقائع حمرا
يعشو إلى نار الوغى شغفا بها ... ويجل أن يعشو إلى نار القرى
ألعادل الملك الذي أسماؤه ... في كل ناحية تشرف منبرا
وبكل أرض جنة من عدله الصافي أسال نداه فيها كوثرا
عدل يبيت الذئب منه على الطوى ... غرثان وهو يرى الغزال الأعفرا
ما في أبي بكر لمعتقد الهدى ... شك مريب أنه خير الورى
سيفٌ صقال المجد أخلص متنه ... وأبان طيب الأصل منه الجوهرا
ما مدحه بالمستعار له ولا ... آيات سؤدده حديث يقترى
(5/168)

بين الملوك الغابرين وبنيه ... في الفضل ما بين الثريا والثرى
نسخت خلائقه الحميدة ما أتى ... في الكتب كسرى الملوك وقيصرا
ملك إذا خفت حلوم ذوي النهي ... في الروع زاد رصانة وتوقرا
ثبت الجنان تراع من وثباته ... وثباته يوم الوغى أسد الشرى
يقظ يكاد يقول عما في غد ... ببديهة أغنته أن يتفكرا
حلم تخف له الحلوم وراءه ... رأي وعزم يخفر الإسكندرا
يعفو عن الذنب العظيم تكرما ... ويصد عن قول الخنا متكبرا
لا تسمعن حديث ملك غيره ... يروى فكل الصيد في جوف الفرا

قال الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح يمدح المستنصر بالله

لادرَّ دري إن ونت بي همةٌ ... عن قصد دار ظلها لا يبرح
بغداد أيتها المذاكي إنها ... أنجى وأنجع للشؤون وأنجح
خببا وتقريبا وإنضاء فبي ... شوق إلى ذاك الجناب مبرح
هذا هو الملك الذي لا يبتغى ... لسواك والشرف الذي لا يرجح
مستنصرا بالله يمسي دائبا ... فيما يعز به لديه ويصبح
تعرو المنابر حين يذكر هيبة ... حتى الجماد لذكره يترنح
تغشى النواظر إن بدت أنواره ... فالطرف يطرف والجوانح تجنح
يعفو ويصفح قادرا عمن تركتهم ... فرقا وأعينهم لعودي تطمح
ما نلت من شرف ومجد باذخ ... وغدا بنا فوق الكواكب مطرح
(5/169)

فبذلك الشرف الذي أوتيته ... وبحسن منقلبي إذا فليفرحوا
إني لأربح متجرا من معشر ... أضحت بضائعهم تذال وتطرح
جلبوا الذي يفنى وينفد عاجلا ... وجلبت ما يبقى فمن هو أربح
الله حسبك يا ابن عم محمد ... فلسمط مدحك ذي اللآلي تصلح
لا ثل عرش خلافة مذ حطتها ... قرأت على أعدائها لن تفلحوا
وقد استقر الملك فوق سريرها ... والعز تحت لوائها لا يبرح
في ظله للائذين فلذ به ... إن كنت تقبل من نصيح ينصح
ما لا رأت عين ولا سمعت به ... أذن ولا أمسى ببال يسنح
إن الخلافة لم تكن إلا لكم ... من آدم وهلم جرا تصلح

وقال يمدح الملك الأشرف مظفر الدين أبا الفتح موسى أخا الملك الكامل

لا شيء يطرب سامعا كحديثه ... إلا الثناء على علا شاه أرمن
الأشرف الملك الكريم المجتبى ... موسى وتمم بالرحيم المحسن
ملك إذا أنفقت عمرك كله ... في نظرة من وجهه لم تغبن
وإذا انتخبت له دعاء صالحا ... لم تلق غير مشارك ومؤمن
يا أيها الملك الذي من فاته ... نظر إليك فما أراه بمؤمن
أفنيت خيلك والصوارم والقنا ... وعداك والأموال ماذا تقتني
أبقت لك الذكر الجميل مخلدا ... شيم لها الأملاك لم تتفطن
وشجاعة رجف العراق لذكرها ... وتهامة وبلاد عبد المؤمن
ولى الخوارزمي منها هاربا ... وهلم جرا قلبه لم يسكن
(5/170)

ودعاؤه في ليله ونهاره ... يا رب من سطوت موسى نجني
ما كان أشوقني للثم بنانه ... ولقد ظفرت بلثمها فليهنني
ودخلت من أبوابه في جنة ... يا ليت قومي يعلمون بأنني
يا مكثري الدعوى اخفضوا أصواتكم ... ما كل رافع صوته بمؤذن
أنا من يحدث عنه في أقطارها ... من كان في شك به فليوقن
هذا مقامٌ لا الفرزدق ماهر ... فيه ولا نظراؤه لكنني
ملك الملوك إليكها من ناظمٍ ... مترسل متنوع متفنن
إن شئت نظما فالذي أمليته ... أو شئت نثراً فاقترح واستحسن
لا تخدعن بظاهر عن باطن ... قد يظهر الإنسان ما لم يبطن
والسبعة الأفلاك ما حركاتها ... إلا مخافة أن تقول لها اسكني
عاشت عداك ولا أشح عليهم ... عمي النواظر عنك خرس الألسن

حدث العلامة لسان الدين بن الخطيب قال للسلطان الظافر وأنا بمدينة سلا لما انفصل طالبا حقه بالأندلس قصيدة كان صنع الله مطابقا لاستهلالها. ووجهت بها إلى رندة قبل الفتح. ثم لما قدمت أنشدتها بين يديه بعد الفتح وفاء بنذري. وسميتها الفتح الغريب في الفتح القريب

الحق يعلو والأباطل تسفل ... والحق عن أحكامه لا يسأل
فإذا استحالت حالة وتبدلت ... فالله عز وجل لا يتبدل
واليسر بعد العسر موعود به ... والصبر بالفرج القريب موكل
والمستعد بما يؤمل ظافر ... وكفاك شاهد قيدوا وتوكلوا
أمحمد والحمد منك سجية ... بحليها بين الورى يتجمل
(5/171)

أما سعودك فهو دون منازع ... عقد بأحكام القضاء يسجل
ولك السجايا الغر والشيم التي ... بغريبها يتمثل المتمثل
ولك الوقار إذا تزلزلت الربى ... وهفت من الروع الهضاب المثل
عوذ كما لك ما استطعت فإنه ... قد تنقص الأشياء مما تكمل
إن كان ماض من زمانك قد مضى ... بإساءة قد سرك المستقبل
هذا بذاك فشفع الثاني الذي ... أرضاك فيما قد جناه الأول
والله قد ولاك أمر عباده ... لما ارتضاك ولاية لا تعزل
وإذا تغمدك الإله بنصره ... وقضى لك الحسنى فمن ذا يخذل
وظعنت عن أوطان ملكك راكبا ... متن العباب فأي صبر يجمل
والبحر قد حنيت عليك ضلوعه ... والريح تقطع للزفير وترسل
ولك الجواري المنشآت قد اغتدت ... تختال في برد الشباب وترفل
غرقت بصفحته النمال وأوشكت ... تبغي النجاة فأوثقتها الأرجل
فالصرح منه ممرد والصفح منه مورد والشط منه مهدل
وبكل أزرق إن شكت ألحاظه ... مره العيون فبالعجاجة يكحل
متأوداً أعطافه في نشوةٍ ... مما يعل من الدماء وينهل
عجبا له إن النجيع بطرفه ... رمدٌ ولا يخفى عليه مقتل
لله موقفك الذي وثباته ... وثباته مثل به يتمثل
والخيل خط والمجال صحيفة ... والسمر تنقط والصوارم تشكل
والبيض قد كسرت حروف جفونها ... وعوامل الأسل المثقف تعمل
(5/172)

لابن رشيد يمدح أمير المؤمنين عبد المؤمن الكرمي

دراري من نور الهدى تتوقد ... مطالعها فوق المجرة أسعد
وأنهار جود كلما أمسك الحيا ... يمد بها طامي الغوراب مزبد
وآساد حرب غابها شجر القنا ... ولا لبد إلا العجاج الملبد
مساعير في الهيجا مساعير الندى ... بأيديهم يحمى الهجير ويبرد
تشب بهم ناران للحرب والقرى ... ويجري
بهم سيلان جيش وهسجد
ويستمطرون البرق والبرق عبدهم ... سيوف على أفق العداة تجرد
سلام على المهدي أما قضاؤه ... فحتم وأما أمره فمؤكد
إمام الورى عم البسيطة عدله ... على حين وجه الأرض بالجور أربد
بصير رأى الدنيا بعين جليلة ... فلم يغنه إلا المقام الممجد
ولما مضى والأمر لله وحده ... وبلغ مأمول وأنجز موعد
تردى أمير المؤمنين رداءه ... وقام بأمر الله والناس هجد
بعزمة شيحان الفؤاد مصمم ... يقوم به أقصى الوجود ويعقد
مشيئته ما شاءه الله إنه ... إذاهم فالحكم الإلهي يسعد
كتائبه مشفوعة بملائكٍ ... تزاد بها في كل حال وترفد
وما ذاك إلا نية خلصت له ... فليس له فيما سوى الله مقصد
إذا خطبت راياته وسط محفل ... ترى قمم الأعداء في الترب تسجد
وإن نطقت بالفصل فيهم سيوفه ... أقر بأمر الله من كان يجحد
معيد علوم الدين بعد ارتفاعها ... ومبدي علوم لم تكن قبل تعهد
(5/173)

جزى الله عن هذا الأنام خليفة ... به شربوا ماء الحياة فخلدوا
وحياه ما دامت محاسن ذكره ... على مدرج الأيام تتلى وتنشد
فدم للورى غيثا وعزا ورحمة ... فقربك في الدارين منح مسعد
وزادت بك الأعياد حسنا وبهجة ... كأنك للأعياد زيٌّ مجدد
ولا زلت للأيام تبلى جديدها ... وعمرك في ريعانه ليس ينفد

قال ابن صردر يمدح السلطان ملكشاه

قد رجع الحق إلى نصابه ... وأنت من كل الورى أولى به
ما كنت إلا السيف سلته يد ... ثم أعادته إلى قرابه
هزته حتى أبصرته صارما ... رونقه يغنيه عن ضرابه
أكرم بها وزارة ما سلمت ... ما استودعت إلا إلى أصحابه
مشوقة إليك مذ فارقتها ... شوق أحي الشيب إلى شبابه
مثلك محسود ولكن معجز ... أن يدرك البارق في سحابه
حاولها قوم ومن هذا الذي ... يخرج ليثا خادرا من غابه
يدمي أبو الأشبال من زاحمه ... في جيشه بظفره ونابه
وهل رأيت أو سمعت لابسا ... ما خلع الأرقم من إهابه
تيقنوا لما رأوها ضيعة ... أن ليس للجو سوى عقابه
إن الهلال يرتجى طلوعه ... بعد السرار ليلة احتجابه
والشمس لا يؤيس من طلوعها ... وأن طواها الليل في جنابه
ما أطيب الأوطان إلا أنها ... للمرء أحلى أثر اغترابه
(5/174)

كم عودة دلت على مآبها ... والخلد للإنسان في مآبه
لو قرب الدر على طالبه ... ما نجح الغائض في طلابه
ولو أقام لازما أصدافه ... لم تكن التيجان في حسابه
ما لؤلؤ البحر ولا من صانه ... إلا وراء الهول من عبابه

قال أحمد بن أبي القاسم الخلوف في الملك المسعود

وافتر ثغر الزهر بشرا إذ رأى ... وجه المليك تحفه البشراء
ساس الخلافة بالمكارم والحجى ... إذ لم يسسها مثله الخلفاء
تعلو السماء ثلاثة من أرضه ... ألفضل والإفضال والنعماء
وثلاثة قد جنبت أخلاقه ... ألخلق والآثام والشحناء
وثلاثة في العزم من أفعاله ... ألنقض والإبرام والآراء
والمجد وهو اثنان أحرز وأحدا ... أعمامه والآخر الآباء
يقظاته والليل مرخ سجفه ... تركت عيونا ما لها إغفاء
بحر لكفي تجره نعماؤه ... بدر لعيني تبده الأضواء
لو عانيت منه السحائب ما أرى ... حارت فلم تتجبس الأنواء
وإذا اختفى عن منكريه فعاذر ... أن لا تراه مقلة عمياء
هذي المآثر ليس ينشي مثلها ... بان ولم يسمو بها النظراء
تتحير الشعراء فيها إذ تذل م ببحرها الكبراء والعظماء
لم يثن في طلب أعنة خليه ... لما اعترت مهزومها النكباء
(5/175)

أو ما سمعت بيومه المشهود في ... سراط إذ سارت به الأنباء
ملك العباد فأظهرت آراؤه ... عفوا فتمم فضله الإبداء
فضل أقر به العداة ولم أجد ... كالفضل قد شهدت به الأعداء
لا يعد منك السائلون فإنهم ... في ظل عز أدركوا ما شاءوا
كن حيث شئت أسر إليك فإنني ... أهدى إليك ولم وأنت ذكاء
فنظمت فيك بديع شعرٍ فات أن ... ترقى إلى حجراته الشعراء

وقال أيضا فيه

مليك تصدى ينصر الحق في الورى ... إذا عصبة منهم لظلم تصدت
زعيم به أيدي المكارم أيدت ... وليث به كف المظالم كفت
أخو البأس والنعمى يرجى ويختشى ... لأيام سلم أو لأيام فتنة
رؤوف على العاني إذا الدهر خانه ... صفوح عن الجاني إذا الرجل زلت
هجوم على الأعداء من كل جانب ... شفوق على الأصحاب من كل وجهة
مدبر أمر ليس يصدر رأيه ... فيقرع في إصداره سن غفلة
حليف ندى يأوي إلى بيت سؤدد ... دعائمه مثل السماك تعلت
ترقى محلا لو ترقت لبابه ... بدور الدياجي رفعة ما تهدت
جواد يعيد الجدب خصبا كأنما ... أياديه بالغيث السكوب استهلت
ولا عيب في نعمائه غير أنها ... لسائله قبل السؤال أعدت
له همة فاقت على كل همة ... بدولة ملك أخجلت كل دولة
هنيئا لوفد سائرين لبابه ... لقد حمدوا المسرى بصبح المسرة
(5/176)

أمولاي إن القصد آل مآله ... إليك وأيدي الحال نحوك مدت
فجد للخلوف النازح الدار بالرضا ... على مهجة للهلك فيك استعدت
فأنت ملاذي واعتمادي وغايتي ... وعزي وسلطاني وذخري وعمدتي
ولا زلت في أمن ويمن وبهجة ... ويسر وخير وارتقاء وعزة
وجاه ونصر واعتلاء وسؤدد وفخر ومجد واقتدار ورفعة

وله فيه أيضا من قصيدة

ملك سمي أخلاقه فترفعت ... عن رتبة الأشباه والأمثال
قمر جلا ظلم الخطوب ضياؤه ... عنا وبدر كامل الإجلال
إن كان عال في الخلافة قدره ... فأبوه منها في محل عال
ذو همة رفعت عوامل نصبها ... فقضت بحزم الخفض للأفعال
وعوامل حدت لقطع مكيدها ... فهي القواضب في مضا وصقال
لا عيب في نعماه إلا أنها ... توفيك ما وعدت بغير مطال
عجبا لها وهي التي مع عدلها ... ظلامةٌ في بذلها للمال
تولي العطايا بغير من متبع ... وتجيب راجيها بغير سؤال
حسنت معاليه فليس للطفها ... حد فيعربه لسان مقال
هذا هو الشرف الذي قد جل أن ... تطرى لديه غرائب الأمثال
من معشرهم في الندى سحب وفي ... نقع الحروب هم حمى الأبطال
فهم هم الآساد في يوم الوغى ... وهم هم الأقيال يوم سجال
شادوا حمى الإسلام بالبيض التي ... منها تهل سحائب الآجال
(5/177)

ألله أعلى قدرهم وأحلهم ... رتب الوفا والجود والإفضال
يا مالكا عوّذت طلعته وجو ... د بنانه بالشمس والأنفال
قل للذي قد راح ينكر أنني ... في النظم غير مصدق الأقوال
قام الدليل على افتراه وقد محا ... فلق البيان غياهب الإشكال
فدع استماع مقال حاسد نعمة ... يسعى لعمر أبيك سعي ضلال
فهو الحسود وهل سمعتم حاسداً ... قد ساد في حال من الأحوال
وهو الكذوب تعرضا وخيانة ... صب الإله عليه صوب نكال
والبدر ما أبدى لعينك عاطلاً ... إلا لتعلم قدرَ قدرِ الحالي
فأنا الذي أوضحت غير مدافع ... سبل الظلام لغزل الأغزال
وشهرت في شرق البلاد وغربها ... بعلوم آداب القريض العالي
فاحفظ نفيس عقود نظمي إنه ... نعم النفيس وأنت نعم الكالي
واستجل منه كل نسمات غدت ... تفتر عن وصف السناء العالي
وتلقها بالرحب منك فإنما ... قد قابلتك بأوجه الإقبال
لم لا ومدحك قد كفاها حلة ... فاقت بها فخرا على الأمثال
فلك السلامة والهنا ما أنشدت ... سفرت وجوه الحسن عن تمثال

قصيدة خطيب مكة الشيخ محيي الدين الشهاب العليف في السلطان بايزيد

فيا راكبا يسري على ظهر ضامر ... إلى الروم يهدي نحوها طيب النشر
لك الخير إن وافيت برسا فسر بها ... رويداً لإسطنبول سامية الذكر
لدى ملك لا يبلغ الوصف كنهه ... شريف المساعي نافذ النهي والأمر
(5/178)

إلى بايزيد الخير الملك الذي ... حمى بيضة الإسلام بالبيض والسمر
وجرد للدين الحنيفي صارماً ... أباد به جمع الطواغيت والكفر
وجاهدهم في الله حق جهاده ... رجاء بما يبغي من الفوز والأجر
له هيبة ملء الصدور وصولة ... مقسمة بين المخافة والذعر
أطاع له ما بين روم وفارس ... ودان له ما بين بصرى إلى مصر
هو البحر إلا أنه دائم العطا ... وذلك لا يخلو من المد والجزر
هو البدر إلا أنه كامل الضيا ... وذاك حليف النقص في معظم الشهر
هو الغيث إلا أن للغيث مسكة ... وذا لا يزال الدهر ينهل بالقطر
هو السيف إلا أن للسيف نبوة ... وفلا وذا ماضي العزيمة في الأمر
سليل بني عثمان والسادة الألى ... علا مجدهم فوق السماكين والنسر
ملوك كرام الأصل طابت فروعهم ... وهل ينسب الدينار إلا إلى التبر
محوا أثر الأعداء بالسيف فاغتدت ... بهم حوزة الإسلام سامية القدر
فيا ملكا فاق الملوك مكارماً ... فكل إلى أدنى مكارمه يجري
فدتك ملوك الأرض طرا لأنها ... سرارٌ وأنت البدر في غرة الشهر
تعاليت عنهم رفعةً ومكانةً ... وذاتاً وأوصافاً تجل عن الحصر
لك العزة القعساء والرتبة التي ... قواعدها تسمو على منكب النسر
سموت علوا إذ دنوت تواضعاً ... وقمت بحق الله في السر والجهر
غدت بك أرض الروم تزهو ملاحة ... وترفل في ثوب الجلالة والفخر
ألست ابن عثمان الذي سار ذكره ... مسير ضياء الشمس في البر والبحر
(5/179)

يمينك تروي عن يسار ونائل ... ووجهك يروي في البشاشة عن بشر
وإني لصوان لدر قلائدي ... عن المدح إلا فيك يا ملك العصر
فقابل رعاك الله شكري بمثله ... فإنك للمعروف من أكرم الذخر
فلا زلت محروس الجناب مؤيدا ... من الله بالتوفيق والعز والنصر

قصيدة الشيخ قطب الدين النهروالي في السلطان سليم خان

لك الحمد يا مولاي في السر والجهر ... على عزة الإسلام والفتح والنصر
كذا فليكن فتح البلاد إذا سعت ... له الهمم العليا إلى أشرف الذكر
جنود رمت في كوكبان خيامها ... وآخرها بالنيل من شاطئ مصر
تجر من الأبطال كل غضنفر ... بصارمه يسطو على مفرق الدهر
عساكر سلطان الزمان مليكنا ... خليفة هذا العصر في البر والبحر
حمى حوزة الدين الحنيفي بالقنا ... وبيض المواضي والمثقفة السمر
له في سرير الملك أصل مؤثل ... تلقاه عن أسلافه السادة الغر
ملوك تساموا للعلا وخلائف ... أولو العزم في أزمانهم وأولو الأمر
شموس بفيض النور تمحو غياهباً ... من الكفر منهم يستمد ضيا البدر
هم ملؤوا عين الزمان وقلبه ... فقرت عيون العالمين من البشر
هم العقد من أغلى اللآلي منظما ... وسلطاننا في الملك واسطة الدر
شهنشاه سلطان الملوك جميعهم ... سليم كريم أصله أطيب النجر
عماد يلوذ المسلمون بظله ... وسد منيع للأنام من الكفر
وحين أتاه أن قد احتل جانب ... من اليمن الأقصى أصر على القهر
(5/180)

وساق لها جيشاً حميساً عرمرماً ... يدك فجاج الأرض في السهل والوعر
لهم أسد شاكي السلاح عرينه ... طوال الرماح السمهرية والبتر
وزير عظيم الشان ثاقب رأيه ... يجهز في آن جيوشا من الفكر
يقوم بأعباء الوزارة قومةً ... يشد جيوش الدين بالأيد والأزر
أياد له بالبأس كاسرة العدا ... ولكنها بالجود جابرة الكسر
به أمن الله البلاد وطمَّن العباد وأضحى الدين منشرح الصدر
سنان عزيز القدر يوسف عصره ... ألم تره في مصر أحكامه تجري
تدلى إلى أقصى البلاد بجيشه ... ومهد ملكا قد تمزق بالشر
وقطع رؤوساً من كبار رؤوسهم ... لهم باطن السرحان والطير كالقبر
وكان عصا موسى تلقف كلما ... بدا من صنيع الملحدين من السحر
ولا زال فيهم عامل الرمح عاملاً ... ولا برحوا في الذل بالقتل والأسر
وما يمنٌ إلا ممالك تُبَّعٍ ... وناهيك من ملكٍ قديمٍ ومن فخر
وقد ملكتها آل عثمان إذ مضت ... بنو طاهر أهل الشهامة والذكر
فهل يطمع الزيدي في ملك تبع ... ويأخذه من آل عثمان بالمكر
أبى الله والإسلام والسيف والقنا ... وسر أمير المؤمنين أبي بكر
(5/181)

الباب التاسع في الهجو
قال بعض الشعراء في عذول:
وقالوا فلان في الورى لك شاتم ... وأنت له دون الخلائق تمدح
فقلت ذروه ما به وطباعه ... فكل إناء بالذي فيه ينضح
إذا الكلب لا يؤذيك عند نبيحه ... فذره إلى يوم القيامة ينبح
قال آخر في طبيب:
يا ملك الموت وابن زهر ... جاوزتما الحد والنهاية
ترفقا بالورى قليلا ... في واحد منكما الكفاية
قال غيره في قاض يحب الرشوة:
رأيت شاة وذئبا وهي ماسكة ... بأذنه وهو منقاد لها ساري
فقلت أعجوبة ثم التفت أرى ... ما بين نابيه ملقى نصف دينار
فقلت للشاة ماذا الإلف بينكما ... والذئب يسطو بأنياب وأظفار
تبسمت ثم قالت وهي ضاحكة ... بالتبر يكسر ذاك الضيغم الضاري
قال خفاف بن ندبة يهجو العباس بن مرداس
أرى العباس ينقص كل يوم ... ويزعم أنه جهلا يزيد
فلو نقضت عزائمه وبادت ... سلامته لكان كما يريد
ولكن المعائب أفسدته ... وكذب المرء أقبح ما يفيد
(5/182)

فأبشر أن بقيت بيوم سوء ... يشيب له من الخوف والوليد
كيومك إذ خرجت تفوق ركضاً ... وطار القلب وانتفخ الوريد
ودع قول السفاهة لا تقله ... فقد طال التهدد والوعيد
وقال:
أعباس إنا وما بيننا ... كصدع الزجاجة لا يجبر
فلست بكفء لأمثالنا ... وشتمك أنت به أجدر
ولسنا بأهل لما قلته ... ونحن بشتمكم نعذر
فقصرك مني رقيق الذبا ... ب عضب كريهته تحذر
وأزرق في رأس خطية ... إذا هز كعب لها تخطر
يلوح السنان على متنها ... كنار على مرقب تسعر
فأجابه العباس
خفاف ألم تر ما بيننا ... يزيد استعارا إذا يسعر
ألم تر أنا نهين البلا ... د للسائلين وما نغدر
لنا شيم غير مجهولة ... توارثها الأكبرُ الأكبر
فقد يعلم الحي عند الصبا ... ح أن العقيلة بي تستر
وقد يعلم الحي عند الرها ... ن أني أنا الشامخ المخطر
فأنى تُعيرني بالفخار ... أرى أن هذا هو المنكر
لأبي المصبح أعشى همذان يهجو مدينة مكران وكان الحجاج أتى به إليها أسيراً
ولم تك من حاجتي مكران ... ولا الغزو فيها ولا المتجر
وخبرت عنها ولم آتها ... فما زلت من ذكرها أذعر
(5/183)

بأن الكثير بها جائع ... وأن القليل بها مقتر
وأن لحى الناس من حرها ... تطول فتجلم أو تضفر
ويزعم من جاءها قبلنا ... بأنا سنسهم أو ننحر
أعوذ بربي من المخزيا ... ت فيما أسر وما أجهر
وحدثت أن ما لنا رجعة ... سنين ومن بعدها أشهر
إلى ذاك ما شاب أبناؤنا ... وباد الأخلاء والمعشر
وما كان بي من نشاط لها ... وإني لذو عدة موسر
ولكن بعثت لها كارها ... وقيل انطلق كالذي يؤمر
فكان النجاء ولم ألتفت ... إليهم وشرهم منكر
هو السيف جرد من غمده ... فليس عن السيف مستأخر
وكم من أخ لي مستأنس ... يظل به الدمع يستحسر
يودعني أنتحب عبرة ... له كالجداول أو أغرز
فلست بلاقيه من بعده ... يد الدهر ما هبت الصرصر
وقد قيل إنكم عابرو ... ن بحرا لها لم يكن يعبر
إلى السند والهند في أرضهم ... هم الجن لكنهم أنكر
وما رام غزوا لها قبلنا ... أكابر عاد ولا حمير
ولا رام سابور غزوا لها ... ولا الشيخ كسرى ولا قيصر
ومن دونها معبر واسع ... وأجر عظيم لمن يؤجر
(5/184)

هجو طيلسان ابن حرب
كان أحمد بن حرب المهلبي من المنعمين على الحمدوني الشاعر والمحسنين إليه وله فيه مدائح كثيرة. فوهب له طيلسانا أخضر لم يرضه. قال أبو العباس المبرد: فأنشد فيه عشر مقطعات فاستحلينا مذهبه فيه فجعلها فوق الخسين فطارت كل مطار وسارت كل مسار فمنها:
يا ابن حرب كسوتني طيلساناً ... مل من صحبة الزمان وصدا
فحسبنا نسج العناكب قد حي ... ل إلى ضعف طيلسانك سدا
طال ترداده إلى الرفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدى
وقال فيه أيضا:
يا طيلسان ابن حرب قد هممت بأن ... تودي بجسمي كما أودى بك الزمن
ما فيك من ملبس بغني ولا ثمن ... قد أوهنت حيلتي أركانك الوهن
فلو تراني لدى الرفاء مرتبطا ... كأنني في يديه الدهر مرتهن
أقول حين رآني الناس ألزمه ... كأنما لي في حانوته وطن
من كان يسأل عنا أين منزلنا ... فالأقحوانة منا منزل قمن
وقال أيضاً:
قل لابن حرب طيلسا ... نك قوم نوح منه أحدث
أفنى القرون ولم يزل ... عمن مضى من قبل يورث
وإذا العيون لحظنه ... فكأنه بالحظ يحرث
يودى إذا لم أرفه ... فإذا رفوت فليس يلبث
كالكلب إن تحمل علي ... هـ الدهر أو نتركه يلهث
وقال أيضاً:
(5/185)

قل لابن حرب طيلسانك قد ... أوهى قواي بكثرة الغرم
متبينٌ فيه لمبصره ... آثار رفو أوائل الأمم
وكأنه الخمر التي وصفت ... في يا شقيق الروح من حكم
فإذا رممناه فقيل لنا ... قد صح قال له البلى انهدم
مثل السقيم برا فراجعه ... نكس فأسلمه إلى سقم
أنشدت حين طغى فأعجزني ... ومن العناء رياضة الهرم
وله:
طيلسان لابن حرب جاءني ... خلعة في يوم نحس مستمر
فإذا ما صحت فيه صيحة ... تركته كهشيم المحتظر
وإذا ما الريح هبت نحوه ... طيرته كالجراد المنتشر
مهطع الداعي إلى الرافي إذا ... ما رآه قال ذا شيء نكر
وإذا رفاؤه حاول أن ... يتلافاه تعاطى فعقر
قال الفرزدق يهجو إبليس
ألم ترني عاهدت ربي فإنني ... لبين رتاجٍ قائمٌ ومقام
على قسم لا أشتم الدهر مسلماً ... ولا خارجاً من في سوء كلام
أطعتك يا إبليس سبعين حجة ... فلما انتهى شيبي وتم تمامي
فررت إلى ربي وأيقنت أنني ... ملاقٍ لأيام المنون حمامي
ولما دنا رأس التي كنت خائفاً ... وكنت أرى فيها لقاء لزام
حلفت على نفسي لأجتهدنها ... على حالها من صحة وسقام
ألا طالما قد بت يوضع ناقتي ... أبو الجن إبليس بغير خطام
(5/186)

يظل يمنيني على الرحل واركا ... يكون ورائي مرة وأمامي
يبشرني أن لن أموت وأنه ... سيخلدني في جنة وسلام
فقلت له هلا أخيك أخرجت ... يمينك من خضر البحور طوامي
رميت به في اليم لما رأيته ... كفرقة طودي يذبل وشمام
فلما تلاقى فوقه الموج طامياً ... نكصت ولم تحتل له بمرام
ألم تأت أهل الحجر والحجر أهله ... بأنعم عيش في بيوت رخام
فقلت اعقروا هذي اللقوح فإنها ... لكم أو تنيخوها لقوح غرام
فلما أناخوها تبرأت منهم ... وكنت نكوصا عند كل ذمام
وآدم قد أخرجته وهو ساكن ... وزوجته من خير دار مقام
وأقسمت يا إبليس أنك ناصح ... له ولها إقسام غير أثام
فظلا يخيطان الوراق عليهما ... بأيديهم من أكل شر طعام
وكم من قرون قد أطاعوك أصبحوا ... أحاديث كانوا في ظلال غمام
وما أنت يا إبليس بالمرء ابتغي ... رضاه ولا يقتادني بزمام
سأجزيك من سوآت ما كنت سقتني ... إليه جروحا فيك ذات كلام
تعيرها في النار والنار تلتقي ... عليك بزقوم لها وضرام
وإن ابن إبليس وإبليس ألبنا ... لهم بعذاب الناس كل غلام
هما تفلا في فِيَّ من فمويهما ... على النابح العاوي أشد رجام
من مليح شعر الخطيب الحصكفي في هجو مغن ردي الصوت
ومسمعٍ غناءه ... يبدل بالفقر الغنى
(5/187)

أبصرته فلم تخب ... فراستي لما دنا
ورمت أن أروح م للظن به ممتحنا
فقلت من بينهم ... هات أخي غن لنا
فانشال منه حاجب ... وحاجب منه انحنى
وامتلأ المجلس من ... فيه نسيما منتنا
أوقع إذ وقع في م الأنفس أسباب العنا
وما اكتفى باللحن والتخليط حتى لحنا
يوهم زمرا أنه ... قطعه ودندنا
وصاح صوتا نافرا ... يخرج من حد البنا
وما درى محضره ... ماذا على القوم جنى
فذا يسد أنفه ... وذا يسد الأذنا
ومنهم جماعة ... تستر عنه الأعينا
فاغتظت حتي كدت من ... غيظي أبث الشجنا
وقلت يا قوم اسمعوا ... إما المغني أو أنا
أقسمت لا أجلس أو ... يخرج هذا من هنا
قالوا لقد رحمتنا ... وزلت عنا المحنا
فحزت في إخراجه ... راحة نفس والثنا
وحين ولى شخصه ... قرأت فيهم معلنا
الحمد لله الذي ... أذهب عنا الحزنا
(5/188)

قال الأديب كمال الدين علي بن محمد بن المبارك الشهير بابن الأعمى في ذم دار كان يسكنها
دار سكنت بها أقل صفاتها ... أن تكثر الحشرات في جناتها
ألخير عنها نازح متباعد ... والشر دان من جميع جهاتها
من بعض ما فيها البعوض عدمته ... كم أعدم الأجفان طيب سباتها
وتييت تسعرها براغيث متى ... غنت لها رقصت على نغماتها
رقص بتنقيط ولكن قافه ... قد قدمت فيه على أخواتها
وبها ذباب كالضباب يسد عين الشمس ما طربي سوى غناتها
أين الصوارم والقنا من فتكها ... فينا وأين الأسد من وثباتها
وبها خفافيش تطير ما هو معجز ... أبصارنا عن وصف كيفياتها
وبها من الجرذان ما قد قصرت ... عنه العتاق الجرد في حملاتها
وبها خنافس كالطنافس أفرشت ... في أرضها وعلت على جنباتها
وبنات وردان وأشكال لها ... مما يفةت العين كنه ذواتها
أبدا تمص دماءنا فكأنها ... حجامة لبدت على كاساتها
وبها من النمل السليماني ما ... قد قل ذر الشمس عن ذراتها
ما راعني شيء سوى وزغاتها ... فتعوذوا بالله من ذراتها
سجعت على أوكارها فظننتها ... ورق الحمام سجعن في شجراتها
وبها زنابير تظن عقاربا حر السموم أخف من زفراتها
(5/189)

وبها عقارب كالأقارب رتع ... فينا حمانا الله لدغ حماتها
كيف السبيل إلى النجاة ولا نجا ... ة ولا حياة لمن رأى حياتها
منسوجة بالعنكبوت سماؤها ... والأرض قد نسجت على آفاتها
فضجيجها كالرعد في جنباتها ... وترابها كالرمل في خشناتها
والبوم عاكفة على أرجائها ... والدود تبحث في ثرى عرصاتها
والجن تأتيها إذا جن الدجى ... تحكي الخيول الجرد في حملاتها
والنار جزء من تلهب حرها ... وجهنم تعزى إلى لفحاتها
شاهدت مكتوبا على أرجائها ... ورأيت مسطورا على جنباتها
لا تقربوا منها وخافوها ولا ... تلقوا بأيديكم إلى هلكاتها
أبدا يقول الداخلون ببابها ... يا رب نج الناس من آفاتها
قالوا إذا ندب الغراب منازلا ... يتفرق السكان من ساحاتها
وبدارنا ألفا غراب منازلا ... يتفرق السكان من ساحاتها
صبرا لعل الله يعق راحة ... للنفس إذ غلبت على شهواتها
دار تبيت الجن تحرس نفسها ... فيها وتندب باختلاف لغاتها
كم بت فيها مفردا والعين من ... شوق الصباح تسح من عبراتها
وأقول يا رب السماوات العلى ... يا رازقا للوحش في فلواتها
أسكنتني بجهنم الدنيا ففي ... أخراي هب لي الخلد في جناتها
واجمع بمن أهواه شملي عاجلا ... يا جامع الأرواح بعد شتاتها
(5/190)

الباب العاشر في الزهريات
زهرية بديع الزمان الهمذاني

برز الربيع لنا برونق مائه ... فانظر لروعة أرضه وسمائه
فالترب بين ممسك ومعنبر ... من نوره بل مائه وروائه
والماء بين مصندل ومكفر ... في حسن كدرته ولون صفائه
والطير مثل المحصنات صوادح ... مثل المغني شاديا بغنائه
والورد ليس بممسك رياه إذ ... يهدي لنا نفحاته من مائه
زمن الربيع جلبت أزكى متجر ... وجلوت للرائين خير جلائه
فكأنه هذا الرئيس إذا بدا ... في خلقه وصفاته وعطائه
بحمى أعز محجر وندى أغر ... محجل في خلقه ووفائه
يعشو إليه المختوي والمجتدي ... والمجتوي هو هاربٌ بذمائه
ما البحر في تزخاره والغيث في ... إمطاره والجو في أنوائه
بأجل منه مواهباً ورغائباً ... لا زال هذا المجد حلف فنائه
والسادة الباقون سادة عصرهم ... متمدحون بمدحه وثنائه

نخبة من زهرية ابن الراجح الحلي

نثرت عقود سمائها الأنداء ... بيد النسيم فللثرى إثراء
وبدت تباشير الربيع كأنما ... نشرت حبائر وشيها صنعاء
(5/191)

وافتر ثغر الأقحوانة باسماًً ... إذ للشقيقة مقلة رمداء
والأرض قد زهيت بحلي نباتها ... والجو حلة سحبه دكناء
والروض في نشوات سكرته وقد ... طافت عليه الديمة الوطفاء
وثنى الحيا عطف الغدير فصفقت ... أطرافه وتغنت الورقاء
فكأن أعطاف الغصون منابر ... والورق في أوراقها خطباء
هذا الربيع أجب نداء سروره ... تشملك منه بروحك السراء

نخبة من زهرية لابن مكانس
قالها في وصف شجرة سرح على شاطئ النيل
يا سرحة الشاطئ المنساب كوثره ... على اليواقيت في أشكال حصباء
حلت عليك عزاليها السحاب إذا ... نوء الثريا استهلت ذات أنواء
وإن تبسم فيك النور من جذل ... سقاك من كل غيم كل بكاء
لا صوح الدهر منك الزهر وانبجست ... عليك كل هتون الودق سوداء
رحماك بالوارف المعهود منك فكم ... لنا بظلك من ألطاف أهواء
وكم نزلنا مقيلا منك ما حمي ال ... هجير إذ حيث لا مرأى لحرباء
نظل من فيئك الفضفاض في ظلل ... من الغمام يقينا كل ضراء
يا طبةً بدواء القيظ عالمة ... أنت الشفاء من الرمضا لذي الداء
لها مطارف ظل سجسج فمصيفها يعادل فيه طيب مشتاء
خمائل الروض منشاها ومرضعها ... ضرع النميرين من نيل وأنواء
فاستمهدت دوحها المخضل وافترشت نجم الربى ورقت عرشا على الماء
(5/192)

بديعة الحسن قد فاز الجناس لها ... من المعاني بأفنان وأفياء
وصوت بلبلها الراقي ذرى غصن ... في حلة من دمقس الريش دكناء
كقرع ناقوس ديري على شرف ... مسبح في ظلام الليل دعاء
كم صفق الموج من أزهارها طربا ... فنقطته ببيضاء وصفراء
كأنها من جنان الخلد قد كملت ... حسنا وحسبك من خضراء لفاء
مالت على النهر إذ جاش الخرير به ... كأنها أذن مالت لإصغاء
كأنما النهر مرآة وقد عكفت ... عليه تدهش في حسن ولألاء
ذو شاطئ راق غب القطر فهو على ... نهر الأبلة يزري أي إزراء
كأنه عند تفريك النسيم له ... فرند سيف نضته كف جلاء
إذا شدوت حمامات الأراك على ... أغصانها فترينا رقص هيفاء
من كل ورقاء في الأفنان صادحة ... بين الحدائق في فيحاء زهراء
ورق تغنت بجنات رقين على ... عيدانها فاله في مغنى وغناء

نخبة من زهرية بدر الدين الذهبي

ترنح عطف البان في الحلل الخضر ... وغنى بألحان على عوده القمري
وراقت أزاهير الحدائق بالضحى ... نواظر أحداق بنورها النضر
وأشرق خد الورد بيدي تضاره وأشرق جيد الغصن في لؤلوء القطر
وبات سقيط الطل في كل روضة ... ينبه في أرجائها ناعس الزهر
وقد غض طرف النرجس الغض من حيا ... ئه والأقاحي منه مبتسم الثغر
(5/193)

وما ذهبت شمس الأصيل عشية ... إلى الغرب حتى أذهبت فضة النهر
وغنت قيان الطير في كل أيكة ... وقد راق كحل الطل في مقل الغدر
قيان كساها الخد ديباج وجهه ... وصاغت لها الأحداق طوقا على نحر
أقامت لها دوح الأراك أرائكاً ... وأرخت لها أوراق أستارها الخضر
وأمسى أصيل اليوم ملقى من الضنا ... على فرش الأزهار في آخر العمر
بكته حمامات الأراك وشققت ... عليه الصبا أثواب روضاتها النضر
فكم من نحيب للحمائم بالضحى ... عليه وللأنواء من دمعة تجري

زهرية ابن الوكيع

ألست ترى وشي الربيع تنسما ... وما صنع الربعي فيه ونظما
وقد حكت الأرض السماء بنورها ... فلم أر في التشبيه أيهما سما
فخضرتها كالجو في حسن لونه ... وأنوارها تحكي لعينك أنجما
فمن نرجس لما رأى حسن نفسه ... تداخله عجب به فتبسما
وأبدى على الورد الجني تطاولا ... وأظهر غيظ الورد في خده دما
وزهر شقيق نازع الورد فضله ... فزاد عليه الورد فضلا وقدما
فظل لفرط الحزن يلطم خده ... فأظهر فيه اللطم جمرا مضرما
ومن سوسن لما رأى الصبغ دونه ... على كل أنواع الرياض تقسما
تجلبب من زرق اليواقيت حلة ... فأغرب في الملبوس فيها وأحكما
وأنوار منثور تخالف شكلها ... فصار بها شكل الربيع منمنما
جواهر لو قد طال فيها حياتها ... رأيت بها كل الملوك مختما
(5/194)

الباب الحادى عشر في السيف والقلم
وصف السيف
قال محمود بن سليمان الحلبي يصف سيفا استوهبه: وقلدتني منناً سيفاً تلمع مخايل النصر من غمده. وتشرق جواهر الفتح في فرنده. وإذا سابق الأجل إلى قبض النفوس عرف الأجل قدره فوقف عند حده. ومتى جرده على ملك من ملوك العدى وهت عزائمه وعجز جناح جيشه. قال ابن عبد ربه:
بكل رديني كأن سنانه ... شهاب بدا في ظلمة الليل ساطع
تقاصرت الآجال في طول متنه ... وعادت به الآمال وهي فجائع
وساءت ظنون الحرب في حسن ظنه ... فهن لحبات القلوب قوارع
وذي شطب تقضي المنايا لحكمه ... وليس لما تقضي المنية دافع
فرند إذا ما اعتن للعين راكد ... وبرق إذا ما اهتز بالكف لامع
يسلل أرواح الكماة انسلاله ... ويرتاع منه الموت والموت رائع
إذا ما التقت أمثاله في وقيعة ... هنالك ظن النفس بالنفس واقع

وصف سيف عمرو بن معدي كرب
لما صار سيف عمرو بن معدي كرب وكان يسمى الصمصامة إلى الهادي. وكان عمرو وهبه لسعيد بن العاص فتوارثه ولده إلى أن مات
(5/195)

المهدي فاشتراه موسى الهادي بمال جليل. وكان أوسع بني العباس كفا وأكثرهم عطاء. ودعا بالشعراء وبين يديه متكل فيه بدرة فقال: قولوا في هذا السيف. فبدر ابن يامين البصري فقال:
حاز صمصامة الزبيدي من بين جميع الأنام موسى الأمين
سيف عمرو وكان فيما سمعنا ... خير ما أغمدت عليه الجفون
أخضر اللون بين خديه برد ... من ذعافٍ تميس فيه المنون
أوقدت فوقه الصواعق نارا ... ثم شابت به الذعاف القيون
فإذا ما سللته بهر الشمس ضياء فلم تكد تستبين
ما يبالي من انتضاه لحرب ... أشمال سطت به أم يمين
يستطير الأبصار كالقبس المشعل ما تستقر فيه العيون
وكأن الفرند والجوهر الجا ... ري على صفحتيه ماء معين
نعم مخراق ذا الخليفة في الهيجاء يقضي به ونعم القرين
قال موسى: لم يتعد ما في نفسي واستحقه. وأمر له بالمكتل والسيف. فلما خرج قال للشعراء: إنما دخلتم معي وحرمتم من أجلي فشأنكم المكتل وفي السيف غنائي (زهر الآداب للقيرواني) قال البحتري يصف سيفا:
قد جدت بالطرف الجواد فثنه ... لأخيك من جدوى يديك بمقصل
يتناول الروح البعيد مناله ... عفوا ويفتح في القضاء المقفل
بإنارة في كل حتف مظلم ... وهداية في كل نفس مجهل
(5/196)

يغشى الوغى فالترس ليس بجنة ... من حده والدرع ليس بمعقل
ماض وإن لم تمضه يد فارس ... بطل ومصقول وإن لم يصقل
مصغ إلى حكم الردى فإذا مضى ... لم يلتفت وإذا قضى لم يعدل
متوقد يبري بأول ضربة ... ما أدركت ولو أنها في يذبل
وكأن فارسه إذا استغنى به ... في الروع يعصي بالسماك الأعزل
فإذا أصاب فكل شيء مقتل ... وإذا أصيب فما له من مقتل

وصف القلم
القلم هو اليراع الذي نفثت الفصاحة في روعه. وكمنت الشجاعة بين ضلوعه. فإذا قال أراك كيف نسق الفريد في الأجياد. وإذا صال أراك كيف الاختلاف بين الآساد. وله خصائص أخرى يبدعها إبداعاً. فإذا لم يأت بها غيره تصنعاً أتي هو بها صناعا. فطوراً يرى نحلة تجني عسلا. وطورا يرى إماما يلقي درسا. وطورا يرى ورفاء تصدح بين الأوراق. وطورا يرى جوادا مخلقا بخلوق السباق. وطورا يرى أفعوانا مطرقا والعجب أنه لا يزهي غلا عند الإطراق. ولطالما نفث سحرا وجلب عطرا. وأدار في القرطاس خمرا. وتصرف في وجوه المعاني.. فلا تحظى بد دوله غلا فخرت على الدول. وغنيت به عن الخيل والخول. وقالت: أعلى الممالك على الأقلام لا على الأسل. ولربما لقي هذا القول بإعظام النكير. وقالوا: من أين للقصبة الضعيفة هذا الخطر الكبير. وللهائم عذر أن
(5/197)

لا تعرف من ملاذ الأطعمة غير الشعير. ولو أنصف هؤلاء لعلموا أن القلم هو مزمار المعاني. كما أن أخاه في النسب مزمار الأغاني. فهذا يأتي بغرائب الحكم. كما يأتي ذلك بغرائب النغم. وكلاهما شيء واحد في الإطراب. غير أن أحدهما يلعب بالأسماع والآخر يلعب بالألباب.
(قال) وقد أوردت في وصف القلم فصلا آخر من كتاب إلى بعض الإخوان وهو: وقلمه هو القلم الذي إذا قذف بشهب بيانه رأيت نجوماً. وإذا ضرب بشبا حده رأيت كلوماً. فإذا صور المعاني في ألفاظها رأيت أرواحاً وجسوماً. وقد شرف الله دولة يجلس في حفلها. ويخطب عن أهلها. فهو لها في الحسن طراز. وفي الذب عضب جراز. ولطالما قال فاستخف موقرا وكسا وقارا. وأطال
(5/198)

فوجدت إطالته لحلاوتها إقصاراً. وادعى الانفراد بهذه المزية فأقرت له الأعداء إقرارا. وكل هذا فضل لقلمه غير مدفوع. وشاهده مرئي لديه وإن غدا قبله وهو مسموع. وفي طلعة البدر ما يغنيك عن زحل. فأقوال غيره منتقلة عن أول إلى آخر والذي يقوله لم يقل. فهو رب المعاني المخترعة يستخرجها من قليبها. ويبرزها من ثوبها القشيب وليس خلق الأثواب كقشيبها. وقد أمسك القلم قوم رضوا منم الكتابة بتحسين المشهور. وهؤلاء قصروا هممهم على الزيف دون الباب. ولم يعلموا أن القشر لذوي القشور واللب لذوي الألباب. وقد قيل: إن من الأقلام رخمة في كف رخمة وعقابا في كف عقاب (هذا فصل من الكلام قد اغترفت معانيه من بحر. ونحت ألفاظه من صخر. فتقت معانيه من صوار مسك. وأخذت ألفاظه من فريد سلك. بل جنيت معانيه من ثمرات مختلف طعمها. ونسجت ألفاظه من دبابيج مؤتلف رقمها. فانظر أيها المتأمل إليها نظر المتعجب بما فيها من الإعجاب. واسجد لها فللبلاغة سجود كسجود الكتاب) (الوشي المرقوم لابن الأثير)

صفة قلم لابن عبد ربه

بكفه ساحر البيان إذا ... أداره في صحيفة سحرا
ينطق في عجمة بلفظته ... يصم عنه ويسمع البصرا
(5/199)

يرى المقادير تسترق له ... أعظم به في ملمة خطرا
شخت ضئيل لفعله خطر ... أعظم به في ملمة خطرا
تمج فكاه ريقة صغرت ... وخطبها في القلوب قد كبرا
إذا امتطى الخنصرين أذكر من ... سحبان فيما أطال واختصرا
يواقع النفس منه ما حذرت ... وربما جنبت به الحذرا
مهفهف تردهي به صحف ... كأنما جليت به دررا
نوادر تقرع القلوب بها ... إن تستبنها وجدتها صورا
يخاطب الغائب البعيد بما ... يخاطب الشاهد الذي حضرا

وصف الشعر لعبد الله الناشئ
قال الناشئ في فصل من كتابة في الشعر: الشعر قيد الكلام وعقل الآداب. وسور البلاغة. ومعدن البراعة. ومجال الجنان. ومسرح البيان. وذريعة المتوسل. ووسيلة المتوصل. وذمام الغريب. وحرمة الأديب. وعصمة الهارب. وعدة الراهب. ورحلة الداني. ودوحة المتمثل. ومنحة المتجمل. وحاكم الأعراب. وشاهد الصواب. (ثم قال) الشعر ما كان سهل المطالع. فصل المقاطع. فحل المديح جزل الافتخار. رقيق النسيب سائر المثل. سليم الزلل. عديم الخلل. رائع الهجاء. موجب المعذرة. محب المعتبة. مطمع المسالك. فائت المدارك. قريب البيان. بعيد المعاني. نائي الأغوار. ضاحي القرار. نقي المستشف. قد
(5/200)

هريق فيه ماء الفصاحة. وأضاء له نور الزجاجة. فانهل في صادي الفهم. وأضاء في بهم المرائي. لمتأمله ترقرق. ولمستشفه تألق. يروق المتوسم. ويسر المتبرسم. قد أيدت صدوره متونه. وزهت في وجوهه عيونه. وانقادت كواهله لهواديه. وطابقت آثاره لمستوضحه. وأشبه الروض في وشي ألوانه. وتعمم أفنانه. وإشراق أنواره. وابتهاج أنجاده وأغواره. وأشبه الوشي في اتفاق رقومه. واتساق رسومه. وتسطير كفوفه. وتحبير حروفه. وحكى العقد في التئام فصوله. وانتظام وصوله. وازديان ياقوته بدره. وفريده بشذره. قد كشف الإيجار موارده. وصقلت مداوس الدرب مناصله. وشحذت مدارس الأدب فواصله. فجاء سليما من المعايب مهذبا من الأدناس يتحاشاه الابن. وتتحاماه الهجن. مهديا إلى الأسماع بهجته. وغلى العقول حكمته. وقد قلت في الشعر قولاً جعلته مثلاً لقائليه. وأسلوبا لسالكيه. وهو:
الشعر ما قومت زيغ صدروه ... وشددت بالتهذيب أسر متونه
ورأبت بالإطناب شعب صدوعه ... وفتحت بالإيجاز عور عيونه
وجمعت بين قريبه وبعيده ... ووصلت بين مجمه ومعينه
وعمدت منه لكل أمر يقتضي ... شبها به فقرنته بقرينه
فإذا بكيت به الديار وأهلها ... أجريت للمحزون ماء شؤونه
ووكلته بهمومه وغمومه ... دهراً ولم يسر الكرى بجفونه
(5/201)

وإذا مدحت به جوادا ماجد ... وقضيته بالشكر حق ديونه
أصفيته بنفيسه ورصينه ... ومنحته بخطيره وثمينه
فيكون جزلاً في اتفاق صنوفه ... ويكون سهلا في اتساق فنونه
وإذا أردت كناية عن ريبة ... باينت بين ظهوره وبطونه
فجعلت سامعه يشوب شكوكه ... ببيانه وظنونه بيقينه
وإذا عتبت على أخ في زلة ... وأشكت بين مخيله ومبينه
فيحول ذنبك عند من يعتده ... عتبا عليه مطالبا بيمينه
والقول يحسن منه في منثوره ... ما ليس يحسن منه في موزونه

قال ابن الرشيق يصف الصناعة الشعرية

لعن الله صنعة الشعر ماذا ... من صنوف الجهال فيها لقينا
يؤثرون الغريب منه على ما ... كان سهلا للسامعين مبينا
ويرون المحال معنى صحيحا ... وخسيس الكلام شيئا ثمينا
يجهلون الصواب منه ولا يد ... رون للجهل أنهم يجهلونا
فهم عند من سوانا يلامو ... ن وفي الحق عندنا يعذرونا
إنما الشعر ما تناسب في النظم وإن كان في الصفات فنونا
(5/202)

فأتى بعضه يشاكل بعضا ... وأقامت له الصدور المتونا
كل معنى أتاك منه على ما ... تتمنى لو لم يكن أن يكونا
فتناهى من البيان إلى أن ... كاد حسنا يبين للناظرينا
فكأن الألفاظ منه وجوه ... والمعاني ركبن فيه عيونا
قائما في المرام حسب الأماني ... يتحلى بحسنه المنشدونا
فإذا ما مدحت بالشعر حراً ... رمت فيه مذاهب المسهبينا
فجعلت النسيب سهلاً قريباً ... وجعلت المديح صدقا مبينا
وتنكبت ما تهجن في السمع وإن كان لفظه موزونا
وإذا ما قرضته بهجاء ... عبت فيه مذاهب المرفنينا
فجعلت التصريح منه دواء ... وجعلت التعريض داء دفينا
وإذا ما بكيت فيه على الغا ... دين يوما للبين والظاعنينا
حلت دون الأسى وذللت ما كا ... ن من الدمع في العيون مصونا
ثم إن كنت عاتبا شبت بالوع ... د وعيدا وبالصعوبة لينا
فتركت الذي عتبت عليه ... حذرا آمنا عزيزا مهينا
وأصح القريض ما فات في النظم وإن كان واضحا مستبينا
فإذا قيل أطمع الناس طرا ... وإذا ريم أعجز المعجزينا

جرير والفرزدق والأخطل
قال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان صف لي جريرا والفرزدق والأخطل فقال: يا أمير المؤمنين أما أعظمهم فخرا.
(5/203)

وأبعدهم ذكرا. وأحسنهم عذرا. وأيسرهم مثلا. وأحلاهم عللا. البحر الطامي إذا زخر. والحامي إذا ذعر. والسامي إذا خطر. الذي إذا هدر قال. وإذا أخطر صال. الفصيح اللسان. الطويل العنان. فالفرزدق. وأما أحسنهم نعتا. وأمدحهم بيتا. وأقلهم فوتا. الذي إذا هجا وضع. وإذا مدح رفع. فالأخطل. وأما أغرزهم بحرا. وأرقهم شعرا. وأهتكهم سترا. الأغر الأبلق. الذي إن طلب لم يسبق. وغن طلب لم يلحق. فجرير. وكلهم ذكي الفؤاد. رفيع العماد. واري الزناد. قال مسلمة بن عبد الملك وكان حاضرا: ما سمعنا بمثلك يا ابن الزناد. قال مسلمة بن عبد الملك وكان حاضرا: ما سمعنا بمثلك يا ابن صفوان في الأولين. ولا في الآخرين. أشهد أنك أحسنهم وصفا. وألينهم عطفا. وأخفهم مقالا. وأكرمهم فعالا. فقال خالد: أتم الله عليك نعمته. وأجزل لك قسمته. أنت والله أيها الأمير ما علمت كريم الفراس. عالم بالناس. جواد في المحل. بسام عند البذل. حليم عند الطيش. في الذروة من قريش. من أشراف عبد شمس. ويومك خير من الأمس. فضحك هشام وقال: ما رأيت يا ابن صفوان لتخلصك في مدح هؤلاء ووصفهم حتى أرضيتهم جميعا وسلمت منهم (زهر الآداب للقيراوني)

وصف التاريخ
التاريخ معاد معنوي يعيد الإعصار وقد سلفت. وينشر أهلها وقد ذهبت آثارهم وعفت. وبه يستفيد عقول التجارب من
(5/204)

كان غرا. ويلقى من بعده من الأمم وهلم جرا. فهم لديه أحياء وقد تضمنتهم بطون القبور. وعنه غيب وقد جعلتهم الأخبار في عداد الحضور. ولولا التاريخ لجهلت الأنساب. ونسيت الأحساب. ولم يعلم الإنسان أن أصله من تراب. وكذلك لولاه لماتت الدول بموت زعمائها. وعمي على الأواخر حال قدمائها. ولم يحط علما بما تداولته الأرض من حوادث سمائها. ولمكان العناية به لم يخل منه كتاب من كتب الله المنزلة. فمنها ما أتى بأخباره المجملة. ومنها ما أتى بأخباره المفصلة. وقد ورد في التوراة مفردا في سفر من أسفارها. وتضمن تفصيل أحوال الأمم السالفة ومدد أعمارها. وقد كانت العرب على جهلها بالقلم وخطه. والكتاب وضبطه. تصرف إلى التواريخ جمل دواعيها. وتجعل لها أول حظ من مساعيها. فتستغني بحفظ قلوبها. عن حفظ مكتوبها. وتعتاض برقم صدورها. عن رقم سطورها. كل ذلك عناية منها بأخبار أوائلها. وأيام فضائلها. وهل الإنسان إلا ما أسسه ذكره وبناه. وهل البقاء لصورة لحمه ودمه لولا بقاء معناه (لابن الأثير)
(5/205)

الباب الثاني عشر في الوصف
وصف نزهة
حكى عمر بن علي المطوعي قال: رأى الأمير السيد أبو الفضل عبيد الله بن أحمد أدام الله عزه أيام مقامه بجوين أن يطالع قرية من قرى ضياعه تدعى نجاب على سبيل التنزه والتفرج. فكنت في جملة من استصحبه إليها من أصحابه. واتفق أنا وصلنا والسماء مصحية والجو صاف لم يطرز ثوبه بعلم الغمام. والأفق فيروزج لم يعبق به كافور السحاب. فوقع الاختيار على ظل شجرة باسقة الفروع متسقة الأوراق والغصون. قد سترت ما حواليها من الأرض طولا وعرضا. فنزلنا تحتها مستظلين بسماوة أفنانها. مستترين من وهج الشمس بستارة أغصانها. وأخذنا نتجاذب أذيال المذاكرة. ونتسالب أهداب المناشدة والمحاورة. فماش عرنا بالسماء إلا وقد أرعدت وأبرقت. وأظلمت بعدما أشرقت. ثم جادت بمطر كأفواه القرب فأجادت. بل أوفت عليها وزادت. حتى كاد غيثها يعود عيثاً. وهم وبلها أن يستحيل ويلا. فصبرنا على أذاها وقلنا سحابة صيف عما قليل تقشع. فإذا نحن بها قد أمطرتنا بردا كالثغور. لكنها من ثغور العذاب. لا من الثغور العذاب. فأيقنا بالبلاء. وسلمنا لأسباب القضاء. فما مرت
(5/206)

إلى ساعة من النهار. حتى سمعنا خرير الأنهار. ورأينا السيل قد بلغ الزبى. والماء قد غمر لا قيعان ولا ربي. فبادرنا إلى حصن القرية لائذين من السيل بأفنيتها. وعائذين من لا قطر بأبنيتها. وأثوابنا قد صندل كافوريها ماء الوبل. وغلف طرازيها طين الوحل. ونحن نحمد الله تعالى على سلامة الأبدان. وإن فقدنا بياض الأكمام والأردان. فلما سل سيف الصبح من غمد الظلام. وصرف بوالي الصحو عامل الغمام. رأينا صواب الرأي أن نوسع الإقامة بها رفضا. ونتخذ الارتحال عنها فرضا. فما زلنا نطوي الصحاري أرضا فأرضا. غلى أن وافينا المستقر ركضا. فلما نفضنا غبار ذلك المسير. الذي جمعنا في ربقة الأسير. وأفضينا إلى ساحة التيسير. بعد ما أصبنا بالأمر العسير. وتذاكرنا ما لقينا من التعب والمشقة. في قطع ذلك الطريق وطي تلك الشقة. أخذ الأمير السيد القلم فعلق هذه الأبيات ارتجالا:
دهتنا السماء غداة السحاب ... بغيث على افقه مسبل
واشرف أصحابنا من أذاه ... على خطر هائل معضل
فمن لائذ بفناء الجدار ... وآو إلى نفق مهمل
ومن مستجير ينادي الغريق ... هناك ومن صارخ معول
وجادت علينا سماء السقوف ... بدمع من الوجد لم يهمل
كأن حراما لها أن ترى ... يبيساً من الأرض لم يبلل
وأقبل سيل له روعة ... فأدبر كل عن المقبل
(5/207)

فيقلع ما شاء من دوحة ... وما يلق من صخرة يحمل
فمن عامر رده غامرا ... ومن معلم عاد كالمجل
كفانا بليته ربنا ... فقد وجب الشكر للمفضل

لابن حجة الحموي يصف حماة ويتشوق إليها

يا صادقا الأنفاس يا أهل الذكا ... يا طاهر الأذيال كم لك من نبا
يا نسمة الخير الذي من طيبه ... نتنشق الأخبار عن تلك الربى
وإذا تنسمت الذا وتعطرت ... منك الذيول وطبت يا ريح الصبا
عرج على وادي حماة بسحرة ... متيمما منه صعيدا طيبا
وأحمل لنا في طي بردك نشره ... فبغير ذاك الطيب لن نتطيبا
وأسرع إلي وداو في مصر به ... قلبا على نار البعاد مقلبا
لله ذاك السفح والوادي الذي ... مازال روض الأنس فيه مخصبا
وانعم بمصر نسبة لكن أرى ... وادي حماة ولطفه لي أنسبا
ارض رضعت بها ثدي شبيبتي ... ومزجت لذاتي بكاسات الصبا
يا ساكني مغنى حماة وحقكم ... من بعدكم ما ذقت عيشا طيبا
ومهالك الحرمان تمنع عبدكم ... من أن ينال من التلاقي مطلبا
وإذا اشتهيت السير نحو دياركم ... قرأ النوى لي في الأواخر من سبا
وقد التفت إليك يا دهري بطو ... ل تعتبي ويحق لي أن أعتبا
قررت لي طول الشتات وظيفة ... وجعلت دمعي في الدود مرتبا
وأسرتني لكن بحق محمد ... يا دهر كن مخلصي متسببا
(5/208)

فمحمد ومدينة قد حلها لم ... ألق غيرهما لقلبي مطلبا

وصف الخيل
أهدى عبد الله بن طاهر إلى المأمون فرسا وكتب إليه: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بفرس يلحق الأرانب في الصعداء. ويجاوز الظباء في الاستواء. ويسبق في الحدور جري الماء كما قال تأبط شراً:
ويسبق وقد الريح من حيث تنتحي ... بمخترق من شدة المتدارك
جمع محمد بن الحسين بين هذين الكلامين وزاد فيه فقال يصف فرسا: هو حسن القميص. جيد الفصوص. ويثق القصب. نقي العصب. يبصر بأذنيه. ويتبوع بيديه. ويداخل برجليه. كأنه موج في لجة أو سيل في حدور. يناهب المشي قبل أن يبعث. ويلحق الأرانب في الصعداء. ويجاوز جواري الظباء في الاستواء. ويسبق في الحدور جري الماء. إن عطف جار. وإن أرسل طار. وإن كلف السير أمعن وسار. وإن حبس صفن. وإن استوقف قطن. وإن رعى ابن. قال أبو تمام:
ما مقرب يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق
بحوافر حفر وصلب أصلب ... واشعر شعر وخلق أخلق
ذو أولقٍ تحت العجاج وإنما ... من صحة إفراط ذاك الأولق
صافي الأديم كأنما ألبسته ... من سندس برد ومن إستبرق
إمليسه إمليده لو علقت ... في صهوتيه العين لم تتعلق
(5/209)

مسود شطر مثل ما اسود الدجى ... مبيض شطر كابيضاض المرهق

وقال إسحاق بن خلف النهر والي لأبي دلف وكان له فرس أدهم يسميه غرابا

كم كم تجرعه المنون ويسلم ... لو يستطيع شكا إليك له الفم
من كل منبت شعرة من جلده ... خط ينمقه الحسام المخذم
ما تدرك الأرواح أدنى جريه ... حتى يفوت الريح وهو مقدم
رجعته أطراف الأسنة أشقرا ... واللون أدهم حين ضرجه الدم
وكأنما عقد النجوم بطرفه ... وكأنما بعرى المجرة ملجم

قال أبو نصر بن عمر التميمي السعدي وكان شاعرا مجيدا جمع بين حسن السبك وجودة المعنى طاف البلاد ومدح الملوك والوزراء والرؤساء وله في سيف الدولة بن حمدان غرر القصائد ونخب المدائح وكان قد أعطاه فرسا أدهم أغر محجلاً فكتب إليه

يا أيها الملك الذي أخلاقه ... من خلقه ورواؤه من رأيه
قد جاءنا الطرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه
يحتل منه على أغر محجل ... ماء الدياجي قطرة من مائه
فكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه
متمهلا والبرق من أسمائه ... متبرقعاً والحسن من أكفائه
ما كانت النيران تكمن حرها ... لو كان للنيران بعض ذكائه
لا تعلق الألحاظ في أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه
لا يكمل الطرف المحاسن كلها ... حتى يكون الطرف من أسرائه

قال آخر في وصف فرس
(5/210)

له زهو طاووس وخطر حمامة ... وتدويم باز وانقضاض عقاب
ووثب ظبي وانجفال نعامة ... وإهذاب سيد وانسياب حباب
وصولة ضرغام وروغ ثغالة ... ولحظ قطامي وحذر غراب
وجدل عنان وانثناء ذؤالة ... ووقد ضرام وانصياع شهاب
وهيج أخي شول وتدفيق جيأل ... وإيماض برق والتماع سراب
وإعصاف ريح واهتزاز يراعة ... ودرة نوء وانجياب سحاب

وصف بركار لابي الفتح كشاجم وكان استهداه من صاحب
جدلي ببركارك الذي صنعت ... فيه يدا قينه الأعاجيبا
ملتم الشعبتين معتدل ... ما شين من جانب ولا عيبا
أوثق مسماره وغيب عن ... نواظر الناقدين تغييبا
فعين من يجتليه يحسبه ... في قالب الإعتدال مصبوبا
قد ضم قطريه محكما لهما ... ضم محب إليه محبوبا
يزداد حرصا عليه مبصره ... ما زاده بالبنان تقليبا
ذو مقلة بصيرة مذهبة ... لم تأله رقة وتهذيبا
ينظر منها إلى الطراب فما ... به يزال الصواب مطلوبا
لولاه ما صح خط دائرة ... ولا وجدنا الحساب محسوبا
ألحق فيه فإن عدلت إلى ... سواه كان الحساب تقريبا
لوعين أقليدس به بصرت ... خر له بالسجود مكبوبا
فابعثه واجنبه لي بمسطرة ... تلق الثنا بالعلاء مجنوبا
(5/211)

ًولأبي يصف أسطرلابا
ومستدير كجرم البدر مسطوح ... عن كل رابقة الإشكال مصفوح
صلب يدار على قطب يثبته ... تمثال طرف بشكم الحذق مكبوح
ملء البنان وقد أوفت صفائحه ... على الأقاليم من أقطارها الفيح
تلفي به السبعة الأفلاك محدقة ... بالماء والنار والأرضين والريح
تنبيك عن طالع الأبراج هيئته ... بالشمس طورا وطورا بالمصابيح
وإن مضت ساعة أو بعض ثانية ... عرفت ذاك بعلم فيه مشروح
وإن تعرض في وقت يقدره ... لك التشكك جلاه بتصحيح
مميز في قياسات الطلوع به ... بين المشائيم منها والمناجيح
له على الظهر عينا حكمه بهما ... يحوي الضياء ويجنيه من اللوح
وفي الدوائر من أشكاله حكم ... تنقخ العقل منا أي تنقيح
لا يستقل لما فيه بمعرفة ... إلا الحصيف اللطيف الحس والروح
حتى ترى الغيب فيه وهو منغلق ال ... أبواب عمن سواه جد مفتوح
نتيجة الذهن والتفكير صوره ... ذوو العقول الصحيحات المراجيح

قال أحمد صفي الدين بن صالح بن أبي الرجال يصف روضة صنعاء

روضة قد صبا لها السعد شوقا ... قد صفا ليلها وطاب المقيل
جوها سجسج وفيها نسيم ... كل غصن إلى لقاه يميل
صح سكانها جميعا من الدا ... ء وجسم النسيم فيها عليل
إيه يا ماء نهرها العذب صلصل ... حبذا يا زلال منك الصليل
(5/212)

إيه يا ورقها المزنة غني ... فحياة النفوس منك الهديل
روض صنعاء فقت طبعا ووصفا ... فكثير الثناء فيك قليل
ته على الشعب شعب بوان وافخر ... فعلى ما تقول قام الدليل
نهر دافق وجو فنيق ... زهر فائق وظل ظليل
وثمار قطافها دانيات ... يجتنيها قصيرنا والطويل
لست أنسى انتعاش شحرور غصن ... طربا والقضيب منه يميل
وعلى رأس دوحة خاطب الور ... ق ودمع الغصون طلا يسيل
ولسان الرعود يهتف بالسحب فكان الخفيف منها الثقيل
وفم السحب باسم عن بروق ... مستطير شعاعها مستطيل
وزهور الربى تعجب من ذا ... شاخصا طرفها المليح الجميل
فيه لي رفقة رقاق الحواشي ... كاد لين الطباع منهم يسيل
أريحيون لو تسومهم النفس لجادوا فليس منهم منهم بخيل
تتهادى من العلوم كؤوسا ... طيبات مزاجها زنجبيل
طاب لي رأدها وطاب ضحاها ... كيف أسحارها وكيف الأصيل

قال إسماعيل بن علي المعروف بابن عز القضاة يصف شموعا

وزهر شموع إن مددن بنانها ... لتحمو سطور الليل نابت عن البدر
وفيهن كافورية خلت أنها ... عمود صباح فوقه كوكب الفجر
وصفراء تحكي شاحبا شاب رأسه ... فأدمعها تجري على ضيعة العمر
وخضراء يبدو وقدها فوق خدها ... كنرجسة تزهو على الغصن النضر
(5/213)

فلا غرو أن يحكي الأزاهر حسنها ... أليس جناها النحل قدما من الزهر

قال أبو بكر الأرجاني يصف الشمعة وقد أحسن فيها كل الإحسان واستغرق كل الصفات

نمت بأسرار ليل كان يخفيها ... وأطلعت قلبها للناس من فيها
قلب لها لم يرعنا وهو مكتمن ... ألا ترى فيه نارا من تراقيها
غريقة في دموع وهي تخرقها ... أنفاسها بدوام من تلظيها
تنفست نفس المهجور إذ ذكرت ... عهد الخليط فبات الوجد يذكيها
يخشى عليها الردى مهما ألم بها ... نسيم ريح إذا وافى يحييها
قد أثمرت وردة حمراء طالعة ... تجني على الكف إن أهويت تجنيها
ورد تشاك به الأيدي إذا قطفت ... وما على غصنها شوك يوقيها
صفر غلائلها حمر عمائمها ... سود ذوائبها بيض لياليها

صفة نزهة على نهر سرقسطة
قال علي بن ظافر: ذكر صاحب قلائد العقيان ما هذا معناه: إن المستعين بالله أحمد بن أحمد بن المؤتمن بن هود الجذامي صاحب سرقسطة والثغور ركب نهر سرقسطة يوما لتفقد بعض معاقله. المنتظمة بجيد ساحله. وهو نهر رق ماؤه وراق. وأزرى على نيل مصر ودجلة والعراق. وقد اكتنفته البساتين من جانبيه وألقت ظلالها عليه. فما تطاد عين الشمس أن تنظر إليه. هذا على اتساع عرضه. وبعد سطح الماء من أرضه. وقد توسط زورقه زوارق حاشيته توسط البدر للهالة.
(5/214)

وأحاكت به إحاطة الطفاوة للغزالة. وقد أعدوا من مكايد الصيد ما استخرج ذخائر الماء. وأخاف حتى حوت السماء. وأهلة الهالات طالعة من الموج في سحاب. وقانصة من بنات الماء كل طائرة كالشهاب. فلا ترى إلا صيودا كصيد الصوارم. وقدود اللهاذم. فقال الوزير أبو الفضل بن حسادي والطرب قد استهواه. وبديع ذلك المرأى استرق هواه:
لله يوم أنيق واضح الغرر ... مفضض مذهب الآصال والبكر
كأنما الدهر لما ساء أعتبنا ... فيه بعتبى وأبدى صفح معتذر
نسير في زورق حف السفين به ... من جانبيه بمنظوم ومنتثر
مد الشراع به نشرا على ملك ... بذ الأوائل في أيامه الأخر
هو الإمام الهمام المستعين حوى ... علياء مؤتمن في هدي مقتدر
تحوي السفينة منه آية عجبا ... بحر تجمع حتى صار في نهر
تثار من قعره النينان مصعدة ... صيدا كما ظفر الغواص بالدرر

صفة الليل
قال بعض الأدباء لابنه يا بني اجعل نظرك في العلم ليلا. فإن القلب في الصدر كالطير ينتشر بالنهار ويعود إلى وكره في الليل. فهو في الليل ساكن ما ألقيت إليه من شيء وعاه. وقال بعضهم: في الليل تجم الأذهان وتنقطع الأشغال. ويصح النظر وتؤلف الحكمة وتدر الخواطر. ويتسع مجال القلب. والليل أحرى في
(5/215)

مذهب الفكر. وأخفى لعمل البر. وأعون على صدقة السر. وأصح لتلاوة الذكر. وأرباب الأمر يختارون الليل على النهار لرياضة النفوس. وسياسة التقدير في دفع الملم. وإمضاء المهم. وإنشاء الكتب ونظم الشعر وتصحيح المعاني. وإظهار الحجج وإصابة غرض الكلام. وتقريبه من الأفهام. وفي الليل تتزاور الأحباب. لا يطرقك فيه خبر قاطع. ولا شغل مانع سأل هشام بن عبد الله خالد بن صفوان: كيف كان سيرك. فقال: بينا أنا أسير ذات ليلة إذ عصفت ريح شديد ظلماؤها. أطبق سماؤها وطبق سحابها. وتغلق ربانها. فبقيت محرنجماً كالأشقر إن تقدم نحر. وأن تأخر عقر. لا أسمع لواطئ همسا. ولا لنابح جرسا. تدلت علي غيومها. توارت عني نجومها. فلا أهتدي بنجم طالع. ولا بعلم لامع. أقطع محجة. وأهبط بحجة. في ديمومة قفر. بعيدة القعر. فالريح تخطفني. والشوك يخبطني. في ريح عاصف. وبرق خاطف. قد أوحشني إكامها. وقطعني سلامها. فبينا أنا كذلك قد ضاقت علي معارجي. وسدت مخارجي. إذ بدا نجم لائح. وبياض واضح. عرجت إلى إكام مجر ذيله فإذا أنا بمصابيحكم هذه فقرت العين. وانكشف الرين فقال هشام: لله درك. ما أحسن وصفك (سر الليال لابن منظور)

صفة عاصفة
ذكر السيوطي عاصفة حدثت سنة ثلاث وتسعين قال: كان
(5/216)

في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة. وبروق خاطفة. ورياح عاصفة. فقوي أهويتها. واشتد هبوبها. فتدافعت لها أعنة مطلقات. وارتفعت لها صواعق مصعقات. فرجفت لها الجدران واصطفقت. وتلاقت على بعدها واعتنقت. وثار بين السماء والأرض عجاج فقيل: لعل هذه على هذه أطبقت. وتحسب أن جهنم قد سال منها واد. وعدا منها عاد. وزاد عصف الرياح إلى أن انطفأت سرج النجوم. ومزقت أديم السماء ومحت ما فوقه من الرقوم. لا عاصم من الخطف للأبصار. ولا ملجأ من الخطب إلا معاقل الاستغفار. وفر الناس نساء ورجالا. ونفروا من دورهم خفافا وثقالا. لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. فاعتصموا بالمساجد الجامعة. وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة. ووجوه عانية. ونفوس عن الأهل والمال سالية. ينظرون من طرف خفي. ويتوقعون أي خطب جلي. قد انقطعت من الحياة علقهم. وغمت عن النجاة طرقهم. ووقعت الفكرة فيما هم عليها قادمون. وقاموا إلى صلاتهم وودوا أن لو كانوا من الذين هم عليها دائمون. إلى أن أذن الله في الركود. وأسعف الهاجدين بالهجود. وأصبح كل يسلم على رفيقه. ويهنيه بسلامة طريقه. ويرى أنه قد بعث بعد النفخة. وأفاق بعد الصيحة والصرخة. وأن الله قد رد له الكرة. وأدبه بعد أن كان يأخذه على الغرة. ووردت الأخبار. بأنها كسرت المراكب في البحار. والأشجار
(5/217)

في القفار. وأتلفت خلقا كثيرا من السفار. ومنهم من فر فلم ينفعه الفرار (حسن المحاضرة للسوطي)

صفة انكسار العدو
وصف سليمان الحلبي العدو بالخور والوهن في قتاله وما يظهرونه من الرهج بالحركة وإعداد الأهبة والاحتشاد. قال: وأما رهج العدو المخذول بالحركة ورمي الصيت بها فإن عدته الصياح. وقوة الجبان في القول والقول يذهب في الرياح. وقد علموا أنهم ما أقدموا إلا وكان أحد سلاحهم الهرب. ولا طمعوا في النجاح فكان لهم في غير النجاة أرب. يبالغون في الاحتشاد والجازر لا يهوله كثرة الغنم. ويستكثرون من السواد وجنود من لا ينفع أشبه شيء بالعدم. فقوتهم ضعيفة. ووطأتهم خفيفة. وثباتهم أقصر من حل العقال. وصبرهم أسرع من الظل في الانتقال. وخيولهم لا تطيع أمر أعنتها إلا في الفرار. فإن طمعوا في اللقاء فستردهم كلام سيوفنا كأقسام الكلام الثلاثة هزيماً وأسيراً وصريعاً

وصف ابن سليمان الحلبي غلبة على التتار
(قال) إن التتار استنجدوا بكل طائفة وأقدموا على البلاد الإسلامية بنفوس طامعة. وقلوب خائفة. وذلك بعد أن أقاموا مدة يشترون المخادعة بالموادعة. ويسرون المصارمة. في المسالمة. وحين تيسر مرادهم. وتكمل احتشادهم. استدرجناهم إلى مصارعهم.
(5/218)

واستجريناهم ليقربوا في القتل من مضاجعهم. ويبعدوا في الهرب عن مواضعهم. وصدمناهم بقوة الله صدمة لم يكن لهم بها قبل. وحملنا عليهم حملة ألجأهم طوفانها إلى ذلك الجبل. وهل يعصم من أمر الله جبل. فحصرناهم في ذلك الفضاء المتسع. وضايقناهم كما قد رأى ومزقناهم كما قد سمع. وأنزلناهم على حكم السيف الذي نهل من دمائهم حتى روي وأكل من لحومهم حتى شبع. وتبعتهم جيوشنا المنصورة تتخطفهم رماحها. وتتلقفهم صفاحها. ويبددهم في الفلوات رعبها. ويفرقهم في القفار طعنها المتدارك وضربها. ويقتل من فات السيوف منهم العطش والجوع. ويخيل للحي منهم أن وطنه كالدنيا التي ليس للميت إليها رجوع. ولعله قد رأى من ذلك فوق ما وصف عيانا. وأنهم ما أقدموا إلا ونصرنا الله عليهم في مواطن كثيرة. وما ساقتهم الأطماع في وقت ما إلا إلى حتوفهم. ولا عاد منهم قط في وقعة إلا آحاد تخبر عن مصارع ألوفهم. ولقد أضاع الحزم من حيث لم يستدم نعم الله عليه بطاعتنا التي كان في مهاد أمنها ووهاد يمنها. وحماية عفوها. وبرد رأفتها التي كدرها بالمخالفة بعد صفوها. يصون رعاياه بالطاعة عن القتل والسار. ويحمي أهل ملته بالحذر عن الحركات التي ما نهضوا إليها إلا وجروا ذيول الخسار. ولقد عرض نفسه وأصحابه لسيوفنا التي كان من سطواتها في أمان. ووثق بما ضمن له التتار من
(5/219)

نصره. وقد رأى ما آل إليه أمر ذلك الضمان. وجر بنفسه بموالاة التتار عناء كان عنه في غنى. وأوقع روحه بمظاهرة المغول في حومة السيوف التي تخطفت أولياءه من هنا ومن هنا. واقتحم بنفسه موارد هلاك سلبت رداء الأمن عن منكبيه. واغتر هو وقومه بما زين لهم الشيطان من غروره فنكص على عقبيه. وعاد كيده في نحره. بعد أن تعرض للوقوف بين ناب الأسد وظفره. وهو يعلم أننا مع ذلك نرعى له حقوق طاعة أسلافه التي ماتوا عليها. ونحفظ له خدمة آبائه التي بذلوا نفوسهم ونفائسهم في التوصل إليها. والسيوف الآن مصغية إلى جوابه لتكف إن أبصر سبل الرشاد. أو تتعوض برؤوس حماته وكماته عن الأغماد. إن أصر على العناد والخير يكون (حسن التوسل إلى صناعة الترسل)

ذكر دار الوزير الصاحب بن عباد بأصبهان
جرى الشعراء بحضرة الصاحب بن عباد في ميدان اقتراحه في ذكر الدار التي بناها بأصبهان وانتقل إليها. واقترح على أصحابه وصفها فقال الأستاذ أبو العباس الضي:
دار الوزارة ممدود سرادقها ... ولاحق بذرى الجوزاء لاحقها
والأرض قد واصلت غيظ السماء بها ... فقطرها أدمع تجري سوابقها
تود لو أنها من أرض عرصتها ... وأن أنجمها فيها طوابقها
تفرعت شرفات في مناكبها ... يرتد عنها كليل العين رامقها
مثل العذارى وقد شدت منطقها ... وتوجت بأكاليل مفارقها
دار الأمير التي هذي وزيرتها ... أهدت لها وشحا راقت نمارقها
تزهى بها مثل ما تزهى بسيدنا ... مؤيد الدولة الميمون طارقها
هذي المعالي التي اغتض الزمان بها ... وافتك منسوقة والله ناسقها
إن الغمائم قد آلت معاهدة ... لا زايلتها ولا زالت تعانقها
لا رضها كل ما جادت مواهبها ... وفي ديار أعاديها صواعقها
ومنها قصيدة الشيخ أبي الحسن صاحب البريد أولها:
دار على العز والتأييد مبناها ... وللمكارم والعلياء مغناها
دار تباهي بها الدنيا وساكنها ... طرا وكم كانت الدنيا تمناها
فاليمن أقبل مقرونا بيمناها ... واليسر أصبح مقرونا بيسراها
من فوقها شرفات طال أدناها ... يد الثريا فقل لي كيف اقصاها
كأنها غلمة مصطفة لبست ... بيض الغلائل أمثالا وأشباها
أنظر إلى القبة الخضراء مذهبة ... كأنها الشمس أعطتها محياها
لما بنى الناس في دنياك دورهم ... بنيت في دارك الغراء دنياها

وقال ابن القاسم بن المنجم

هي الدار قد عم الأقاليم نورها ... فلو قددت بغداد كانت تزورها
ولو خيرت دار الخلافة بادرت ... إليها وفيها تاجها وسريرها
لتسعد فيها يوم حان حضورها ... وتشهد دنيا لا يخاف غرورها
فما جملت عين الزمان بمثلها ... ولا خال راءٍ أن يحيء نظيرها
(/)

يقول الأولى قد فوجئوا بدخولها ... وحيرهم تحبيرها وحبيرها
أفي كل قصر غادة وحبيبها ... وفي كل بيت روضة وغديرها
وقال لها الله العلي صفاته ... سأحميك ما ضم الليالي كرورها
أهنيك بالعمران والعمر دائم ... لبانيك ما أفنى الدهور مرورها
وقد أسجلت علياك عمدة ملكها ... وخطت بأعلام السعود سطورها
ودارت لها الأفلاك كيف أدرتها ... ودانت إلى أن قيل أنت مديرها
وهاك ابنة الفكر التي قد خطبتها ... وقدم من قبل الزمان مهورها
فإن كان للدار التي قد بنيتها ... نظير ففي عرض القريض نظيرها
وإلا جررت الذيل في ساحة العلى ... وقلت القوافي قد أعيد جريرها

ذكر عبد الرحمن وغزواته
قال ابن عبد ربه: تولى أمير المؤمنين عبد الرحمان القمر الأزهر. والأسد الغضنفر. الميمون النقيبة. المحمود الضريبة. سيد الخلفاء وأنجب النجباء. صبيحة هلال ربيع الأول سنة ثلاثمائة (فقلت فيه:)
بدا الهلال جديدا ... والملك غض جديد
يا نعمة الله زيدي ... ما كان فيه مزيد
فتولى الملك وهي جمرة تحتدم. ونار تضطرم. وشقاق ونفاق فأخمد نيرانها. وسكن زلازلها. وافتتحها عودا كما افتتحها بدا. سميه عبد الرحمان بن معاوية وقد قيل في أشعار غزواته كلها أشعار قد جالت في الأمصار. وشردت في البلدان حتى أتهمت وأنجدت وأعرقت.
(5/222)

وكان أول غزاة غزاها الغزاة المعروفة بغزاة المنتلون افتتح بها سعين حصنا قد نكبت عنها الطوائف. وأعيت على الخلائف. (وفيها أقول:)
وقد أوضح الله للإسلام منهاجا ... والناس قد دخلوا في الدين أفواجا
وقد تزينت الدنيا لساكنها ... كأنما ألبست وشيا وديباجا
يا ابن الخلائف إن المزن لو عملت ... نداك ما كان منها الماء ثجاجا
والحرب لو علمت بأسا تصول به ... ما هيجت من جبال الدين أهياجا
وأصبح النصر معقودا بألوية ... تطوي المراحل مهجيرا وإدلاجا
أدخلت في قبة الإسلام مارقة ... أخرجتها من ديار الجور إخراجا
بحجفل تشرق الأرض الفضاء به ... كالبحر يقذف بالأمواج أمواجا
يقوده البدر يسري في كواكبه ... عرمرما كسواد الليل رجراجا
تروق فيه بروق الموت لامعة ... ويسمعون به للرعد أهزاجا
غادرت في عفرتي جيان ملحمة ... أبكيت منها بأرض الغدر أعلاجا
في نصف شهر تركت الأرض ساكنة ... من بعد ما كان فيها الطبر قد ماجا
تملا بك الأرض عدلا مثل ما ملئت ... جورا وتوضح للمعروف منهاجا
يا بدر ظلمتها يا شمس صبحتها ... يا ليث حومتها إن هائج هاجا
إن الخلافة لن ترضى ولا رضيت ... حتى عقدت لها في رأسك التاجا
ولم يكن مثل هذه الغزاة لملك في الجاهلية والإسلام وله غزاة مارتش أخت بدر وحنين وله غزاة جيان وفيها قلت في أرجوزتي:
ثم انتحى جيان في غزواته ... بعسكر يسعد من هماته
(5/223)

وافتتح الحصون حصنا حصنا ... وأوسع الناس جميعا أمنا
ولم يزل حتى انتحى جيانا ... فلم يدع بأرضها شيطانا
فأصبح الناس جميعا أمه ... قد عقد الإل لهم والدمه
ولم يدع من جنها مريدا ... بها ولا من إنسها عنيدا
إلا كساه الذل والصغار ... وعمه وأهله دمار
فأقبل العلج لهم مغيثا ... يوم الخميس مسرعا حثيثا
بين يديه الرجل والفوارس ... وحوله الصلبان والنواقس
وكان يرجو أن يزيل العسكرا ... عن جانب الحصن الذي قد دمرا
فاعتاقه بدرٌ بمن لديه ... مستبصراً في زحفه إليه
حتى التقت ميمنة بميسره ... واعتلت الأرواح عند الحنجره
فقتلوا قتلا ذريعا فاشيا ... وأدبر العلج ذميما خاسيا
فأشرعت بينهم الرماح ... وقد علا التكبير والصياح
وفارقت أغمادها السيوف ... وفغرت أفواهها الحتوف
والتقت الرجال بالرجال ... وانغمسوا في غمرة القتال
في موقف زاغت به الأبصار ... وقصرت في طوله الأعمار
فانقضت العقبان والسلالقه ... رهقاً على مقدم الجلالقه
عقبان موت تخطف الأرواحاً ... وتشبع السيوف والرماحا
فانهزم الأعداء عند ذاكا ... وانكشف عورته هناكا
فاتصل الفتح بفتح ثان ... والنصر بالنصر من الرحمان
(5/224)

الباب الثالث عشر في المراثي
قالت الفرعة المرية ترثي أخاها مسعود بن شداد

يا عين جودي لمسعود بن شداد ... بكل ذي عبرات شجوه بادي
شهاد أندية رفاع أبنية ... شداد ألوية فتاح أسداد
نحار راغية قتال طاغية ... حلال رابية فكاك أقياد
فوال محكمة نقاض مبرمة ... فراج مبهمة حباس أوراد
حلال ممرعة حمال معضلة ... قراع مفظعة طلاع أنجاد
جماع كل خصال الخير قد علموا ... زين القرين وخطل الظالم العادي
أبا زرارة لا تبعد فكل فتى ... يوماً رهين صفيحات وأعواد

قال أبو مالك يرثي أبا نضر والده لما قتل

زال عنا السرور إذ زلت عنا ... وازدهانا بكاؤنا والعويل
ورأينا القريب منا بعيداً ... وجفانا صديقنا والخليل
ورمانا العدو في كل وجه ... وتجنى على العزيز الذليل
يا أبا النضر سوغ أبكيك ما عشت سويا وذاك مني قليل
حملت نعشك الملائكة الأبرار إذ ما لنا إليه سبيل
غير أني كذبتك الود لم تقطر جفوني دما وأنت قتيل
رضيت مقلتي بإرسال دمعي ... وعلى مثلك النفوس تسيل
(5/225)

أسواك الذي أجود عليه ... بدمي إنني إذا لبخيل
عثر الدهر فيك عثرة سوء ... لم يقل مثلها المعين المقيل
قل لمن ضن بالحياة فإنا ... بعده في التراب صرعى حلول
حفرة حشوها وفاء وحلم ... وندى فاضل ولب أصيل
وعفاف عما يشين وحلم ... راجح الوزن بالرواسي يميل
وبنان يمينها غير جعد ... وجبين صلت وخد أسيل
وامرؤ أشرقت صفيحة خديه عليه بشاشة وقبول

توفي أعرابي في يوم عيد فقال يرثيه

لبس الرجال جديدهم في عيدهم ... ولبست حزن أبي الحسين جديدا
أيسرني عيد ولم أر وجهه ... فيه ألا بعدا لذلك عيدا
فارقته وبقيت أخلد بعده ... لا كان ذاك بقا ولا تخليدا
من لم يمت جزعا لفقد حبيبه ... فهو الخؤون مودة وعهودا
مت مع حبيبك إن قدرت ولا تعش ... من بعده ذا لوعة مكمودا
ما أم خشف قد ملا أحشاءها ... حذرا عليه وجفنها تسهيدا
إن نام لم تهجع وطافت حوله ... فيبيت مكلوءا بها مرصودا
مني بأوجع إذ رأيت نوائحاً ... لأبي الحسين وقد لطمن خدودا
ولقد عدمت أبا الحسين جلادتي ... لما رأيت جمالك المفقودا
كنت الجليد على الرزايا كلها ... وعلى فراقك لم أجد تجليدا
ولئن بقيت وما هلكت فإن لي ... أجلا وإن لم أحصه معدودا
(5/226)

لا موت لي إلا إذا الأجل انقضى ... فهناك لا أتجاوز المحدودا
حزني عليك بقدر حبك لا أرى ... يوما على هذا وذاك مزيدا
ما هد ركني بالسنين وإنما ... أصبحت بعدك بالأسى مهدودا
يا ليت أني لم أكن لك والدا ... وكذاك أنك لم تكن مولودا
فلقد شقيت وربما شقي الفتى ... بفراق من يهوى وكان سعيدا
من ذم جفنا باخلا بدموعه ... فعليك جفني لم يزل محمودا
فلأنظمن مراثياً مشهورة ... تنسي الأنام كثيراً ولبيدا
وجميع من نظم القريض مفارقا ... ولداً له أو صاحباً مفقودا

لابن حسن التهامي يرثي ولده الصغير

حكم المنية في البرية جاري ... ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبرا ... حتى يرى خبرا من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأكدار والأقذار
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبني الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال سار
والنفس إن رضيت بذلك أو أبت ... منقادة بأزمة الأقدار
فاقضوا مآربكم عجالاً إنما ... أعماركم سفر من الأسفار
وتركضوا خيل الشباب وحذروا ... أن تسترد فإنهن عوار
فالدهر يخدع بالمنى ويغص إن ... هنا ويهدم ما بنى ببوار
(5/227)

ليس الزمان وإن حرصت مسالما ... خلق الزمان عداوة الأحرار
يا كوكبا ما كان أقصر عمره ... وكذا تكون كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يستدر ... بدرا ولم يمهل لوقت سرار
عجل الخسوف إليه قبل أوانه ... فمحاه قبل مظنة الإبدار
فكأن قلبي قبره وكأنه ... في طيه سر من الأسرار
أبكيه ثم أقول معتذرا له ... وفقت حين تركت ألأم دار
جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري
ولقد جريت كما جريت لغاية ... فبلغتها وأبوك في المضمار
فإذا نطقت فأنت أول منطقي ... وإذا سكت فأنت في إضماري

رثاء أعرابية لابنها

يا عمرو مالي عنك من صبر ... يا عمرو يا أسفي على عمرو
لله يا عمرو وأي فتى ... كفنت يوم وضعت في القبر
أحثو التراب على مفارقه ... وعلى غضارة وجهه النضر
حين استوى وعلا الشباب به ... وبدا منير الوجه كالبدر
ورجا أقاربه منافعه ... ورأوا شمائل سيد غمر
وأهمه همي فساوره ... وغدا مع الغادين في السفر
ربيته دهراً أفنقه ... في اليسر أغذوه وفي العسر
حتى إذا التأميل أمكنني ... فيه قبيل تلاحق الثغر
وجعلت من شغفي أنقله ... في الأرض بين تنائف غبر
(5/228)

أدع المزارع والحصون به ... وأحله في المهمه القفر
ما زلت أصعده وأحدره ... من قتر موماةٍ إلى قتر
هربا به والموت يطلبه ... حيث انتويت به ولا أدري
وإذا منيته تساوره ... قد كدحت في الوجه والنحر
وإذا له علق وحشرجة ... مما يجش به من الصدر
والموت يقبضه ويبسطه ... كالثوب عند الطي والنشر
فمضى وأي فتى فجعت به ... جلت مصيبته عن القدر
لو قيل تفديه بذلت له ... مالي وما جمعت من وفر
أو كنت مقتدرا على عمري ... آثرته بالشطر من عمري
قد كنت ذا فقر له فعدا ... ورمى علي وقد رأى فقري
لو شاء ربي كان متعني ... بابني وشد بأزره أزري
بنيت عليك بني أحوج ما ... كنا إليك صفائح الصخر
لا يبعدنك الله يا عمري ... إما مضيت فنحن بالإثر
هذي سبيل الناس كلهم ... لا بد سالكها على سفر

رثاء مشاهير العرب
قال عبد الله بن همام السلولي يرثي بعض أمراء بني حرب

تعزوا يا بني حرب بصبر ... فمن هذا الذي يرجو الخلودا
لقد وارى قليبكم بناناً ... وحزماً لا كفاء له وجودا
(5/229)

وجدناه بغيضا في الأعادي ... حبيبا في رعيته حميدا
أمينا مؤمنا لم يقص أمرا ... فيوجد غبه إلا رشيدا
فقد أضحى العدو رخي بال ... وقد أضحى التقي به عميدا
فعاض الله أهل الدين منكم ... ورد لكم خلافتكم جديدا
مجانبة المحاق وكل نحس ... مقاربة الأيامن والسعودا
خلافة ربهم كونوا عليها ... كما كنتم عنابسة أسودا
يعلمها الكهول المرد حتى ... تذل بها الأكف وتستقيدا
إذا ما بان ذو ثقة بلوتم ... أخا ثقة بها صنعا مجيدا
تلقفها يزيد عن أبيه ... فخذها يا معاوي عن يزيدا
فإن دنياكم بكم اطمأنت ... فأولوا أهلها خلقا شديدا
وإن شغبت عليكم فاعصبوها ... عصابا يستدر بها شديدا
وأن لانت لكم فتلقفوها ... ولا ترموا بها الغرض البعيدا

قال أشجع بن عمرو السلمي يرثي منصور بن زياد

يا حفرة الملك المؤمل رفده ... ما في ثراك من الندى والخير
لازلت في ظلين ظل سحابة ... وطفاء دانيةٍ وظل حبور
وسقى الولي على العهاد عراص ما ... والاك من قبر ومن مقبور
يا يوم منصور أبحث حمى الندى ... وفجعته بوليه المذكور
يا يومه أعريت راحلة الندى ... من ربها وحرمت كل فقير
ذلت بمصرعه المكارم والندى ... وذباب كل مهند مأثور
(5/230)

أفلت نجوم بني زياد بعد ما ... طلعت بنور أهلة وبدور
لولا بقاء محمد لتصدعت ... أكبادنا أسفا على منصور
أبقى مكارم لا تبيد صفاتها ... ومضى لوقت حمامه المقدور
أصبحت مهجورا بحفرتك التي ... بدلتها من قصرك المعمور
بليت عظامك والصفح جديدة ... ليس البلى لفعالك المشهور
إن كنت ساكن حفرة فلقد ترى ... سكنا لعودي منبر وسرير

لمروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة

مضى لسبيله معن وأبقى ... مكارم لن تبيد ولن تنالا
كأن الشمس يوم أصيب معن ... من الإظلام ملبسة جلالا
هو الجبل الذي كانت نزار ... تهد من العدو به الجبالا
وعطلت الثغور لفقد معن ... وقد يروي بها الأسل النهالا
وأظلمت العراق وأورثتها ... مصيبته المجللة اعتلالا
وظل الشأم يرجف جانباه ... لركن العز حين وهى فمالا
وكادت من تهامة كل أرض ... ومن نجد تزول غداة زالا
فإن يعل البلاد له خشوع ... فقد كانت تطول به اختيالا
أصاب الموت يوم أصاب معنا ... من الأحياء أكرمهم فعالا
وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيالا
ولم يك طالب للعرف ينوي ... إلى غير ابن زائدة ارتحالا
مضى من كان يحمل كل عبء ... ويسبق فضل نائله السؤالا
(5/231)

وما عمد الوفود لمثل معن ... ولا حطوا بساحته الرحالا
ولا بلغت أكف ذوي العطايا ... يمينا من يديه ولا شمالا
وما كانت تجف له حياض ... من المعروف مترعة سجالا
فليت الشامتين به فدوه ... وليت العمر مد له فطالا
ولم يك كنزه ذهبا ولكن ... سيوف الهند والسمر الصقالا
وذخرا من محامد باقيات ... وفضل تقى به التفضيل نالا
مضى لسبيله من كنت ترجو ... به عثرات دهرك أن تقالا
فلست بمالك عبرات عين ... أبت بدموعها إلا انهمالا
فلهف أبي عليك إذ اليتامي ... غدوا شعثا وقد أضحوا سلالا
ولهف أبي عليك إذ القوافي ... لممتدح بها ذهبت ضلالا
أقمنا باليمامة إذ يئسنا ... مقاما لا نريد لها زيالا
وقلنا أين نرحل بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالا
سيذكرك الخليفة غير قال ... إذا هو في الأمور بلا الرجالا
ولا ينسى وقائعك اللواتي ... على أعدائه جعلت وبالا
حباك أخو أمية بالمراثي ... مع المدح الذي قد كان قالا
وألقى رحلة أسفا وآلى ... يمينا لا يشد له حبالا

رثا بني برمك لسليمان بن برمك

أصبت بسادة كانوا عيونا ... بهم نسقى إذا انقطع الغمام
فقلت وفي الفؤاد ضريم نار ... وللعبرات من عيني انسجام
(5/232)

على المعروف والدنيا جميعا ... ودولة آل برمك السلام
جزعت عليك يا فضل بن يحيى ... ومن يجزع عليك فلا يلام
هوت بك أنجم المعروف فينا وعز بفقدك القوم اللئام
ولم أر قبل قتلك يا ابن يحيى ... حساما قده السيف الحسام
برين الحادثات له سهاما ... فغالته الحوادث والسهام
ليهن الحاسدين بأن يحيى ... أسير لا يضيم ويستضام
وأن الفضل بعد رداء عز ... غدا ورداؤه ذال ولام
وقد آليت معتذرا بنذر ... ولي فيما نذرت به اعتزام
بأن لا ذقت بعدكم مداما ... وموتي أن يفارقني المدام
أألهو بعدكم وأقر عينا ... علي اللهو بعدكم حرام
وكيف يطيب لي عيش وفضل ... أسير دونه البلد الشآم
وجعفر ثاويا بالجسر أبلت ... محاسنه السمائم والقتام
أمر به فيغلبني بكائي ... ولكن البكاء له اكتتام
أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام
لطفنا ركن جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام

قال محمد بن محمد القوصي يرثي الإمام محمد المعروف بابن دقيق العيد

سيطول بعدك في الطلول وقوفي ... أروي الثرى من مدمعي المذروف
لو كان يقبل فيك حتفك فدية ... لفديت من علمائنا بألوف
(5/233)

أو كان من حمر المنايا يمانع ... منعتك سمرقنا وبيض سيوف
يا طالبي المعروف أين مصيركم ... مات الفتى المعروف بالمعروف
ألمشتري العليا بأعلى قيمة ... من غير ما بخس ولا تطفيف
ما عنف الجلساء قط ونفسه ... لم يخلها يوما من التعنيف
يا مرشد الفتيان إذ ما أشكلت ... طرق الصواب ومنجد الملهوف
من للضعيف يعينه أنى أتى ... مستصرخا يا غوث كل ضعيف
من لليتامى والأرامل كافل ... يرجونه في شتوة ومصيف
أفنيت عمرك في تقى وعبادة ... وإفادة للعلم أو تصنيف
وسبحت في بحر العلوم مكابدا ... أمواجه والناس دون سيوف
وبذلت سائر ما حويت ولم تدع ... لك من تليد في العلا وطريف
يا شمس مالك تطلعين ألم تري ... شمس المعارف غيبت بكسوف
لهفي على حبر بكل فضيلة ... قد كان مرجوا لكل مخيف
كان الخفيف على تقي مؤمن ... لكن على الفجار غير خفيف
عم المصاب به الطوائف كلها ... لما ألم وخص كل حنيف
بشراك يا ابن علي العالي الذرى ... إذ بت ضيفا عند خير مضيف
ولقد نزلت على كريم غافر ... بالنازلين كما علمت رؤوف

للحافظ بن حجر في رثاء الحافظ الإمام الكبير زين الدين العراقي

مصاب لم ينفس للخناق ... أصار الدمع جارا للمآق
فروض العلم بعد الزهو ذاو ... وروح الفضل قد بلغ التراقي
(5/234)

فطاف بأرض مصر كل علم ... بكأس الحين للعلماء ساقي
فيا أهل الشآم ومصر فابكوا ... على عبد الرحيم بن العراقي
على الحبر الذي شهدت قروم ... له بالإنفراد على اتفاق
ومن ستين عاما لم يجارى ... ولا طمع المجاري في اللحاق
فأصبح بالكرامة في اصطباح ... وبالتحف الكريمة في اغتباق
فيا أسفا ويا حزنا عليه ... أرق من النسيمات الرقاق
ويا أسفا لتقييدات علم ... تولت بعده ذات انطلاق
عليه سلام ربي كل حين ... يلاقيه الرضا فيما يلاقي
وأسقت لحده سحب الغوادي ... إذا انهملت همت ذات انطباق
وزانت ريئه في كل يومٍ ... تحيات إلى يوم التلاقي

للبرهان القيراطي يرثي جمال الدين عبد الرحيم شيخ الشافعية

نعم قبضت روح العلى والفضائل ... بموت جمال الدين صدر الأفاضل
تعطل من عبد الرحيم مكانه ... وغيب عنه فاضل أي فاضل
أحقا وجوه الفقه زال جمالها ... وحطت أعالي هضبها للأسافل
قفوا خبرونا من يقوم مقامه ... ويوفض في ميدان كل مناضل
قفوا خبرونا هل له من مشابه ... قفوا خبرونا هل له من مماثل
فأعظم بحبر كان للعلم ساعيا ... بعزم صحيح ليس بالمتكاسل
وأعظم به يوم الجدال مناظرا ... إذا قال لم يترك مكانا لقائل
(5/235)

وأسيافه في البحث قاطعة الظبا ... بجوهرها لم يفتقر للصياقل
يقوم بإيضاح المسائل مرشداً ... لمستفهم أو طالب أو مسائل
له قدم في الفقه سابقة الخطا ... يقتصر عنها كل حاف وناعل
تبارك من أعطاه فيه مراتباً ... يقر له بالفضل كل مجادل
فكم كان يبدي فيه كل غريبة ... ويظهر من أبكاره بالعقائل
أحل جمال الدين في الخلد ربه ... ليخطى بعفو منه شاف وشامل
وحياه بالريحان والروح والرضا ... إله البرايا في الضحى والأصائل
لقد كان في الأعمال والعلم مخلصا ... لمن لم يضيع في غد سعي عامل
فلهفي لأمداح عليه تحولت ... مراثي تبكي بالدموع الهوامل
يساعدني فيه الحمام بشجوها ... وأغلبها من لوعتي بالبلابل
صرفت فيه كنز صبري وأدمعي ... وأفنيت من هذا وهذا حواصلي
وما نحن إلا ركب موت إلى البلى ... تسيرنا أيامنا كالرواحل
قطعنا إلى نحو القبور مراحلا ... وما بقيت إلا أقل المراحل
وهذا سبيل العالمين جميعهم فما الناس إلا راحل بعد راحل

لبهاء الدين زهير يرثي فتح الدين عثمان والي الإسكندرية

عليك سلام الله يا قبر عثمان ... وحياك عني كل روح وريحان
وما زال منهلا على تربك الحيا ... يغاديك منه كل أوطف هتان
لقد خنته في الود غذ عشت بعده ... وما كان في ود الصديق بخوان
وعهدي بصبري في الخطوب يطيعني ... فما لي أراه اليوم أظهر عصياني
(5/236)

فيا ثاويا قد طيب الله ذكره ... فأضحى وطيب الذكر عمر له ثان
وجدت الذي أسلاك عني وإنني ... وحقك ما حدثت نفسي بسلوان
لقد دفن الأقوام يوم وفاته ... بقية معروف وخير وإحسان
يواجهني في كل يوم خياله ... كما كنت ألقاه قديما ويلقاني
وأقسم لو ناديته وهو ميت ... لجاوبني تحت التراب ولباني
هنيئا له قد طاب حيا وميتا ... فما كان محتاجا لتطييب أكفاني
صديقي الذي إذ مات موت مهجتي ... فما لي لا أبكيه والرزء رزآن
وكان أنيسي مذ حظيت بقربه ... وكنت كأني بين أهلي وأوطاني
وقد كان أسلاني عن الناس كلهم ... ولا أحد عنه من الناس أسلاني
كريم المحيا باسم متهلل ... متى جئته لم تلقه غير جذلان
يمن لمن يرجوه من غير منة ... فإن قلت منان فقل غير منان
فقدت حبيبا وابتليت بغربة ... وحسبك من هذين أمران مران
هو الموت ما فيه وفاء لصاحب ... وهيهات إنسان يموت لإنسان
وما الناس إلا راحل بعد راحل ... إلى العالم الباقي من العالم الفاني

مرثية أبي الحسن الأنباري في الوزير أبي طاهر
لما استعرت الحرب بعد عز الدولة بن بويه وابن عمه عضد الدولة ظفر عضد الدولة بوزير عز الدولة أبي طاهر محمد بين بقية فسلمه وشهره وعلى رأسه برنس. ثم طرحه للفيلة فقتلته. ثم صلب عند داره بباب الطاق وعمره نيف وخمسين سنة. ولما صلب رثاه أبو الحسن محمد بن عمران يعقوب الأنباري أحد العدول ببغداد بهذه القصيدة الغراء. فلما وقف عليها عضد الدولة قال: وددت لو أني المصلوب وتكون هذه القصية في.
(5/237)

علو في الحياة وفي الممات ... لحق تلك إحدى المعجزات
كأن الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيام الصلاة
كأنك قائم فيهم خطيب ... وكلهم قيام للصلاة
مددت يدك نحوهم احتفاء ... كمدهما إليه بالهبات
ولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضم علاك من بعد الوفاة
أصاروا الجو قبرك واستعاضوا ... عن الأكفان ثوب السافيات
لعظمك في النفوس بقيت ترعى ... بحراس وحفاظ ثقات
وتوقد حولك النيران ليلا ... كذلك كنت أيام الحياة
ركبت مطية من قبل زيد ... علاها في السنين الماضيات
وتلك قضية فيها تأس ... نباعد عنك تعبير العداة
ولم أر قبل جذعك قط جذعا ... تمكن من عناق المكرمات
أسأت إلى النوائب فاستثارت ... فأنت قتيل ثار النائبات
وكنت تجير من صرف الليالي ... فصار مطالبا لك بالتراث
وصير دهرك الإحسان فيه ... إلينا من عظيم السيئات
وكنت لمعشر سعدا فلما ... مضيت تفرقوا بالمنحسات
غليل باطن لك في فؤادي ... يخفف بالدموع الجاريات
ولو أني قدرت على قيام ... بفرضك والحقوق الواجبات
ملأت الأرض من نظم القوافي ... ونحت بها خلاف النائحات
ولكني أصبر عنك نفسي ... مخافة أن أعد من الجناة
(5/238)

ومالك تربة فأقول تسقى ... لأنك نصب هطل الهاطلات
عليك تحية الرحمان تترى ... برحمات غواد رائحات
وقال فيه حين أنزل عن الصليب:
لم يلحقوا بك عاراً إذ صلبت بلى ... باءوا بإثمك ثم استرجعوا ندما
وأيقنوا أنهم فيفعلهم غلطوا ... وأنهم نصبوا من سؤدد علما
فاسترجعوك وواروا منك طود علا ... بدفنه دفنوا الإفضال والكرما
لئن بليت فلا يبلى نداك ولا ... تنسى وكم هالك ينسى إذا قدما
تقاسم الناس حسن الذكر فيك كما ... تركت مالك بين الناس مقتسما

قال العقيلي يرثي صديقا له صلب

لعمري لئن أصبحت فوق مشذب ... طويل تعفيك الرياح مع القطر
لقد عشت مبسوط اليدين مبرزا ... وعوفيت عند الموت من ضغطة القبر
وأفلت من ضيق التراب وغمه ... ولم تفقد الدنيا فهل لك من شكر
فما تشتفي عيناي من دائم البكا ... عليك ولو أني بكيت إلى الحشر
فطوبى لمن يبكي أخاه مجاهرا ... ولكنني أبكي لفقدك في سري

قال مصعب بن عبد الله الزبيري يرثي إسحاق الموصلي

أتدري لمن تبكي العيون الذوارف ... وينهل منها واكف ثم واكف
نعم لامرئ لم يبق في الناس مثله ... مفيد لعلم أو صديق ملاطف
تجهز إسحاق إلى الله غاديا ... فلله ما ضمت عليه اللفائف
وما حمل النعش المزجى عشية ... إلى القبر إلا دامغ العين لاهف
(5/239)

صدورهم مرضى عليه عميدة ... لها أزمة من ذكره وزفازف
ترى كل مخزون تفيض جفونه ... دموعاً على الخدين والوجه شاسف
جزيت جزاء المحسنين مضاعفا ... كما كان جدواك الندى المتضاعف
فكم لك فينا من خلائق جزلة ... سبقت بها منها حديث وسالف
هي الشهد أو أحلى إلينا حلاوة ... من الشهد لم يمزج به الماء غارف
ذهبت وخليت الصديق بعولة ... به أسف من حزنه مترادف
بكت داره من بعده وتنكرت ... معالم من آفاتها ومعارف
فما الدار بالدار التي كنت أعتري ... وإني بها لولا افتقاديك عارف
هي الدار إلا أنها قد تخشعت ... وأظلم منها جانب وهو كاسف
وبان الجمال والفعال كلاهما ... من الدار واستنت عليها العواصف
خلت داره من بعده فكأنما ... بعاقبة لم يغن في الدار طارف
يسر الذي فيها إذا ما بدا له ... ويفتر منها ضاحكاً وهو واقف
بما كان ميمونا على كل صاحب ... يعين على ما نابه ويكانف
سريع إلى إخوانه برضائه ... وعن كل ما ساء الأخلاء صادف

رثاء الخلفاء والملوك
للمهلبي يرثي المتوك

لا حزن إلا أراه دون ما أجد ... وهل كمن فقدت عيناي مفتقد
هلا أتاه معادية مجاهرة ... والحرب تسعر والأبطال تطرد
فخر فوق سرير الملك منجدلاً ... لم يحمه ملكه لما انقضى الأمد
(5/240)

قد كان أنصاره يحمون حوزته ... وللردى دون أرصاد الفتى رصد
وأصبح الناس فوضى يعجبون له ... ليثاً صريعاً تنزى حوله النقد
علتك أسياف من لا دونه أحد ... وليس فوقك إلا الواحد الصمد
ضجت نساؤك بعد العز حين رأت ... خدا كريما عليه قارت جسد
أضحى شهيد بني العباس موعظة ... لكل ذي عزة في رأسه صيد
فلو جعلتم على الأحرار نعمتكم ... حمتكم السادة المركوزة الحشد
قوم هم الجذم والأنساب تجمعكم ... والمجد والدين والأرحام والبلد

من مرثية ابن عبدون الفهري لملوك بني الأفطس

الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور
فلا تغرنك من دنياك نومتها ... فما صناعة عينيها سوى السهر
تسر بالشيء لكن كي تغر به ... كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر
كم دولة وليت بالنصر خدمتها ... لم تبق منها وسل ذكراك عن خبر
هوت بدارا وفلت غرب قاتله ... وكان غضبا على الأملاك ذا أثر
واسترجعت من بني ساسان ما وهبت ... ولم تدع لبني يونان من أثر
وما أقالت ذوي الهيئات من يمن ... ولا أجارت ذوي الغايات من مضر
ومزقت سبأ في كل قاصية ... فما التقى رائح منها بمبتكر
وخضبت شيب عثمان دما وخطت ... إلى الزبير ولم تستحي من عمر
وأوثقت في عراها كل معتمد ... وأشرفت بقذاها كل مقتدر
وروعت كل مأمون ومؤتمن ... وأسلمت كل منصور ومنتصر
(5/241)

سحقا ليومكم يوما ولا حملت ... بمثله ليلة في سالف العمر
من للأسرة أو من للأعنة أو ... من للأسنة يهديها إلى الثغر
من للبراعة أو من لليراعة أو ... من للسماحة أو للنفع والضرر
أو دفع كارثة أو قمع آزفة ... أو ردع حادثة تعمي على القدر
ويب السماح وويب البأس لو سلما ... وا حسرة الدين والدنيا على عمر
سقت ثرى الفضل والعباس هامية ... تعزي إليهم سماحاً لا إلى المطر
ومر من كل شيء فيه أطيبه ... حتى التمتع بالآصال والبكر
أين الجلال الذي عمت مهابته ... قلوبنا وعيون الأنجم الزهر
أين الإباء الذي أرسوا قواعده ... على دعائم من عز ومن ظفر
أين الوفاء فقد اصفوا شرائعه ... فلم يرد أحد منهم على كدر
على الفضائل إلا الصبر بعدهم ... سلام مرتقب للأجر منتظر
يرجو عسى وله في أختها طمع ... والدهر ذو عقب شتى وذو غير

لابن النبيه يرثي ولد الناصر أمير المؤمنين

الناس للموت كنحيل الطراد ... فالسابق السابق منها الجواد
والله لا يدعو إلى داره ... إلا من استصلح من ذي العباد
والموت نقاد على كفه ... جواهر يختار منها الجياد
والمرء كالظل ولا بد أن ... يزول ذاك الظل بعد امتداد
لا تصلح الأرواح إلا إذا ... سرى إلى الأجساد هذا الفساد
أرغمت يا موت أنوف القنا ... ودست أعنقا السيوف الحداد
(5/242)

كيف تخرمت عليا وما ... أنجده كل طويل النجاد
نجل أمير المؤمنين الذي ... من خوفه يرعد قلب الجماد
مصيبة أذكت قلوب الورى ... كأنما في كل قلب زناد
نازلة جلت فمن أجلها ... سن بنو العباس لبس السواد
مأتمة في الأرض لكنها ... عرس على السبع الطباق الشداد
طرقت يا موت كريما فلم ... يقنع بغير النفس للضيف زاد
قصفته من سدرة المنتهى ... غصنا فشلت يد أهل الفساد
يا ثالث السبطين خلفتني ... أهيم من همي في كل واد
يا نائما في غمرات الردى ... كحلت أجفاني بميل السهاد
ويا ضيجع الترب أقلقتني ... كأنما فرشي شوك القتاد
دفنت في الترب ولو أنصفوا ... ما كنت إلا في صميم الفؤاد
لو لم تكن أسخنت عيني سقت ... مثواك عيناي كصوب العهاد

لأبي بكر بن عبد الصمد يرثي الخليفة المعتمد بالله

ملك الملوك أسامع فأنادي ... أم قد عدتك عن السماع عواد
لما خلت منك القصور ولم تكن ... فيها كما قد كنت في الأعياد
أقبلت في هذا الثرى لك خاضعا ... وتخذت قبرك موضع الإنشاد
قد كنت أحسب أن تبدد أدمعي ... نيران حزن أضرمت بفؤادي
فإذا بدمعي كلما أجريته ... زادت علي حرارة الأكباد
فالعين في التسكاب والتهتان وال ... أحشاء في الإحراق والإيقاد
(5/243)

يا أيها القمر المنير أهكذا ... يمحى ضياء النير الوقاد
أفقدت عيني مذ فقدت إنارة ... لحجابها في ظلمة وساد
ما كان ظني قبل موتك أن أزر ... قبرا يضم شوامخ الأطواد
الهضبة الشماء تحت ضريحه ... والبحر ذو التيار والأزباد
عهدي بملك وهو طلق ضاحك ... متهلل الصفحات للقصاد
أيام يخفق حولك الرايات فو ... ق كتائب الرؤساء والأجناد
والأمر أمرك والزمان مبشر ... بممالك قد أذعنت وبلاد
والخيل تمرح والفوارس تنحني ... بين الصوارم والقنا المياد

للمفتي أبي السعود السلطان سليمان

أصوت صاعقة أم نفخة الصور ... فالأرض قد ملئت من نقر ناقور
أصاب منها الورى دهياء داهية ... وذاق منها البرايا صعقة الطور
تصدعت فلل الأطواد وارتعدت ... كأنها قلب مرعوب ومذعور
أتى بوجه نهار لا ضياء له ... كأنه غارة شنت بديجور
أم ذاك نعي سليمان الزمان ومن ... قضت أوامره في كل مأمور
مدار سلطنة الدنيا ومركزها ... خليفة الله في الآفاق مذكور
معلي معالم دين الله مظهرها ... في العالمين بسعي منه مشكو
وحسن رأي إلى الخيرات منصرف ... وصدق عزم على الألطاف مقصور
بآية العدل والإحسان ممتثل ... بغاية القسط والإنصاف موفور
مجاهد في سبيل الله مجتهد ... مؤيد من جناب القدس منصور
(5/244)

براية رفعت للمجد خافقة ... تحوي على علم بالنصر منشور
وعسكر ملأ الآفاق محتشد ... من كل قطر من الأقطار محشور
يا نفس مالك في الدنيا مخلفة ... من بعد رحلته عن هذه الدور
وكيف تمشين فوق الأرض غافلة ... أليس جثمانه فيها بمقبور
حق على كل نفس أن تموت أسى ... لكن ذلك أمر غير مقدور
يا نفس فاتئدي لا تهلكي أسفا ... فأنت منظومة في سلك معذور
إذ لست مأمورة بالمستحيل ولا ... بما سوى بذل مجهود وميسور
إن المنايا وإن عمت محرمة ... على شهيد جميل الحال مبرور
ابتاع سلطنة العقبى بسلطنة ال ... دنيا فأعظم بربح غير محصور
بل حاز كلتيهما إذ حل منزله ... من لم يغايره في أمر ومأمور
فإنه عينه في كل مأثرة ... وكل أمر عظيم الشان مأثور
أضحى بقبضته الدنيا برمتها ... ما كان من مجهل منها ومعمور
سبحان من ملك جلت مفاخره ... عن البيان بمنظوم ومنثور
لا زال أحكامه بالعدل جارية ... بين البرية حتى نفخة الصور

لأبي البقاء صالح بن شريف الرندي يرثي الأندلس

لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقي على أحد ... ولا يدوم على حال لها شان
يمزق الدهر حتما كل سابغة ... إذا نبت مشرفيات وخرصان
(5/245)

وينتضي كل سيف للفناء ولو ... كان ابن ذي يزن والغمد غمدان
أين الملوك ذوو التيجان من يمن ... وأين منهم أكاليل وتيجان
وأين ما شاده شداد في إرم ... وأين ماساسه في الفرس ساسان
وأين ما حازه قارون من ذهب ... وأين عاد وشداد وقحطان
أتى على الكل أمر لا مرد له ... حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
وصار ما كان من ملك ومن ملك ... كما حكى عن خيال الطيف وسنان
دار الزمان على دارا وفاتله ... وأم كسرى فما آواه إيوان
كأنما الصعب لم يسهل له سبب ... يوما ولم يملك الدنيا سليمان
فجائع الدهر أنواع منوعة ... وللزمان مسرات وأحزان
وللحوادث سلوان يسهلها ... وما لما حل بالإسلام سلوان
دهى الجزيرة أمر لا عزاء له ... هوى له أحد وانهد ثهلان
أصابها العين في الإسلام فارتزأت ... حتى خلت منه أقطار وبلدان
فاسأل بلنسية ما شأن مرسية ... وأين شاطبة أم أين جيان
وأين قرطبة دار العلوم فكم ... من عالم قد سما فيها له شان
وأين حمص وما تحويه من نزه ... ونهرها العذب فياض وملآن
قواعد كن أركان البلاد فما ... عسى البقاء إذا لم تبق أركان
تبكي الحنيفية البيضاء من أسف ... كما بكى لفراق الإلف هيمان
على ديار من الإسلام خالية ... قد أقفرت ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس ما ... فيهن إلا نواقيس وصلبان
(5/246)

حتى المحاريب تبكي وهي جامدة ... حتى المنابر ترثي وهي عيدان
يا غافلا وله في الدهر موعظة ... إن كنت في سنة فالدهر يقظان
وماشيا مرحا يليه موطنه ... أبعد حمص تغر المرء أوطان
تلك المصيبة أنست ما تقدمها ... وما لها مع طول الدهر نسيان
يا راكبين عتاق الخيل ضامرة ... كأنها في مجال السبق عقبان
وحاملين سيوف الهند مرهفة ... كأنها في ظلام النفع نيران
وراتعين وراء البحر في دعة ... لهم بأوطانهم عز وسلطان
أعندكم نبأ من أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث صناديد الرجال وهم ... قتلى وأسرى فما يهتز إنسان
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم ... وأنتم يا عباد الله إخوان
ألان فوس أبيات لها همم ... أما على الخير أنصار وأعوان
يا من لذلة قوم بعد عزهم ... أحال حالهم جور وطغيان
بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم ... واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم ... عليهم من ثياب الذل ألوان
ولو رأيت بكاهم عند بيعهم ... لهالك الأمر واستهوتك أحزان
يا رب أم وطفل حيل بينهما ... كما تفرق أرواح وأبدان
وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت ... كأنما هي ياقوت ومرجان
يقودها العلج عند السبي مكرهة ... والعين باكية والقلب حيران
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان
(5/247)

الباب الرابع عشر في الفخر
قال المهلهل

إنا بنو شم معاطسنا ... بيض الوجوه إذا ما أفزع البلد
قوم إذا عاهدوا وفوا وإن عقدوا ... شدوا وإن شهدوا يوم الوغى اجتهدوا
وإن دعوتهم يوما لمكرمة ... جاءوا سرعا وإن قام الخنى قعدوا
لا يرقدون على وتر يكون لهم ... وإن يكن عندهم وتر العدى رقدوا

قال الحصين بن الحمام المري

تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما
نفلق هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما

قال الطرماح بن حكيم

لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل
وأني شقي باللئام ولا ترى ... شقيا بهم إلا كريم الشمائل
إذا ما رآني قطع الطرف بينه ... وبيني فعل العارف المتجاهل
ملأت عليه الأرض حتى كأنها ... من الضيق في عينيه كفة حابل
أكل امرئ ألفى أباه مقصرا ... معاد لأهل المكرمات الأوائل
إذا ذكرت مسعاه والداه اضطنى ... ولا يضطني من شتم أهل الفضائل
(5/248)

وما منعت دار ولا عز أهلها ... من الناس إلا بالقنا والقنابل

قال الأديب الأبيوردي في الفخر

عجبت لمن يبغي مداي وقد رأى ... مساحب ذيلي فوق هام الفراقد
ولي نسب في الحي عال يفاعه ... رحيب مساري العرق زاكي المحافد
وفي من الفضل لو ذكرته ... كفاني أن أزهى بجد ووالد
وورثنا العلى وهي التي خلقت لنا ... ونحن خلقنا للعلى والمحامد
أبا فأبا من عبد شمس وهكذا ... إلى آدم لم ينمنا غير ماجد

وقال أيضا

لو رأيت على الرمح الريدني معصما ... وزرت العدى والحرب فاغرة فما
وقد زعموا أني ألين عريكتي ... لهم إذ توسطت الخصاصة معدما
أما علموا أني وإن كنت مقترا ... أروي من القرن الحسام المصمما
ويشرق وجهي حين ينسب والدي ... وتلقى عليه للسيادة ميسما
وإن ذكروا آباءهم فوجوههم ... تشبهها قطعا من الليل مظلما
وللفقر خير من أب ذي دناءة ... إذا هز للفخر ابنه عاد مفحما
متى حصلت أنساب قيس وخندف ... فلي من روابيهن أشرف منتمي
وإن نشرت منها صحيفة ناسب ... رأيت بدورا من جدودي وأنجما
لهم أوجه عند الفخار يزينها ... عرانين ما شمت هوانا ومرغما
ليقصد مس الضغن فينا بذرعه ... ولا يستثر منا بواديه ضيغما
فإن المنايا حين يضمون غلة ... ليلعقن من أطراف أرماحنا الدما
(5/249)

وقال أيضا متحمساً

الناس من خولي والدهر من خدمي ... وقمة النجم عندي موطئ القدم
وللبيان لساني والندى خضل ... به يدي والعلى يخلقن من شيمي
والنسر يتبع سيفي حين يلحظه ... والدهر ينشد ما يهمي به قلمي
فأين مثل أبي في العرب قاطبة ... ومن كخالي في صيابة العجم
لو صيغت الأرض لي دون الورى ذهبا ... لم ترضها لمرجي نائل هممي
وعن قليل أرى في مأزق حرج ... به تشام السريجيات في القمم
والبيض مردفة تبدو خلاخلها ... في مسلك وحل من عبرة ودم
فالمجد في صهوات الخيل مطلبه ... والعز في ظبة الصمصامة الخذم

قال المتنبي في صباه على لسان بعض التنوخيين

قضاعة تعلم أني الفتى ال ... ذي ادخرت لضروف الزمان
ومجدي يدل بين خندف ... على أن كل كريم يماني
أنا ابن اللقاء أنا ابن السخاء ... أنا ابن الضراب أنا ابن الطعان
أنا ابن الفيافي أنا بان القوافي ... أنا ابن السروج أنا ابن الرعان
طويل النجاد طويل العماد ... طويل القناة طويل السنان
حديد الحفاظ حديد اللحاظ ... حديد الحسام حديد الجنان
يسابق سيفي منايا العباد ... إليهم كأنهما في رهان
يرى حده غامضات القلوب ... إذا كنت في هبوة لا أراني
سأجعله حكما في النفوس ... ولو ناب عنه لساني كفاني
(5/250)

قال عنترة يتوعد النعمان بن المنذر ملك العرب ويفتخر بقوله

لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب ... ولا ينال العلى من طبعه الغضب
لله در بني عبس لقد نسلوا ... من الأكارم ما قد تنسل العرب
قد كنت فيما مضى أرعى جمالهم ... واليوم أحمي حماهم كلما نكبوا
لئن يعيبوا سوادي فهو لي نسب ... يوم النزال إذا ما فاتني النسب
إن كنت تعلم يا نعمان أن يدي ... قصيرة عنك فالأيام تنقلب
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها ... عند التقلب في أنيابها العطب
اليوم تعلم يا نعمان أي فتى ... يلقى أخاك الذي قد غره العصب
فتى بخوض غبار الحرب مبتسما ... وينثني وسنان الرمح مختضب
إن سل صارمه سالت مضاربه ... وأشرق الجو وانشقت له الحجب
والخيل تشهد لي أني أكفكفها ... والطعن مثل شرار النار يلتهب
إذا التقيت الأعادي يوم معركة ... تركت جمعهم المغرور ينتهب
لي النفوس وللطير اللحوم ولل ... وحش العظام وللخيالة السلب
لا أبعد الله عن عيني غطارفة ... إنسا إذا نزلوا جنا إذا ركبوا
أسود غاب ولكن لا نيوب لهم ... إلا الأسنة والهندية القضب
تعدو بهم أعوجيات مضمرة ... مثل السراحين في أعناقها القبب
ما زلت ألقى صدور الخيل مندفقا ... بالطعن حتى يضج السرج واللبب
فالعمى لو كان في أجفانهم نظروا ... والخرس لو كان في أفواهمم خطبوا
والنفع يوم طراد الخيل يشهد لي ... ولا ضرب والطعن والأقلام والكتب
(5/251)

وقال في إغارته على بني حريقة

حكم سيوفك في رقاب العذل ... وإذا نزلت بدار ذل فارحل
وإذا الجبان نهاك يوم كريهة ... خوفا عليك من ازدحام الجحفل
فاعص مقالته ولا تحفل بها ... واقدم إذا حق اللقا في الأول
واختر لنفسك منزلا تعلو به ... أو مت كريما تحت ظل القسطل
إن كنت في عدد العبيد فهمتي ... فوق الثريا والسماك الأعزل
أو أنكرت فرسان عبس نسبتي فسنان رمحي والحسام يقر لي
وبذابلي ومهندي نلت العلى ... لا بالقرابة والعديد الأجزل
ورميت مهري في العجاج فخاضه ... والنار تقدح من شفار الأنصل
خاض العجاج محجلا حتى إذا ... شهد الوقيعة عاد غير محجل
ولقد نكبت بني حريقة نكبة ... لما طعنت صميم قلب الأخيل
وقتلت فارسهم ربيعة عنوة ... والهيذبان وجابر بن مهلهل
لا تسقني ماء الحياة بذلة ... بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنم ... وجهنم بالعز أطيب منزل

وقال أيضا

اليوم أسعرها حربا تذل لها ... كل الجبابرة الماضين في الحقب
وأترك الدم يجري من غلاصمهم ... إذا علوت رؤوس القوم بالقضب
كم سيد إذ رآني حين أطلبه ... ألقى السلاح وغر النفس للهرب
أنا الشجاع لنار الحرب أضرمها ... وأرتمي القوم بالإرغام والعطب
(5/252)

والموت يفزع مني في الهياج إذا ثار العجاج وصار النفع كاللهب
وراحتي في لقا الأبطال إن طعنت ... زرق الأسنة للأقران من كثب
كم قسطل خضته لم أخش غائلة ... وساحة الحرب قصدي وهي لي طلبي
لأفعلن فعلا لا مثال لها ... فعلا يؤرخ في الأوراق والكتب
واصطليها يقينا والبحار دم ... لأن في موجها يزداد لي طربي
وأجعل الجو كالليل البهيم إذا ... ثار الغبار على الأقطار كالحجب
وليس لي مؤنس في كل معركة ... إلا الجواد وسيفي يشتكي غضبي

روى أبو حاتم عن أبي عبيدة قال كان عبد الملك بن مروان في سمره مع أهل بيته وولده وخاصته فقال لهم ليقل كل واحد منكم أحسن ما قيل من الشعر وليفصل رأي تفضيله. فأنشدوا وفضلوا. فقال بعضهم النابغة. وقال بعضهم الأعشى. فلما فرغوا قال أشعر من هؤلاء الذي يقول. وأنشد لمعد بن أوس

وذي رحم قلمت أظفرا ضغنه ... بحلمي عنه وهو ليس له حلم
يحاول رغمي لا يحاول غيره ... وكالموت عندي أن يحل به الرغم
فإن أعف عنه أغض عينا على قذى ... وليس له بالصفح عن ذنبه علم
وإن أنتصر منه أكن مثل رائش ... سهام عدو يستهاض به العظم
صبرت على ما كان بيني وبينه ... وما يستوي حرب الأقارب والسلم
وبادرت منه النأي والمرء قادر ... على سهمه ما كان يمكنه السهم
ويشتم عرضي في مغيبتي جاهدا ... وليس له عندي هوان ولا شتم
إذا سمته وصل القرابة سامني ... قطيعتها تلك السفاهة والإثم
وإن أدعه للنصف يأب إجابتي ... ويدع لحكم جائر غيره الحكم
(5/253)

فلولا اتقاء الله والرحم التي ... رعايتها حق وتعطيلها ظلم
إذا لعلاه بارق وخطمته ... بوسم شنار لا يشابهه وسم
ويسعى إذا أبني لهدم مصالحي ... وليس الذي بين كمن شانه الهدم
يود لو أني معدم ذو خصاصة ... وأكره جهدي أن يخالطه العدم
فما زلت في ليني له وتعطفي ... عليه كما تحنو على الولد الأم
وخفضي له مني الجناح تألفاً ... لتدنيه مني القرابة والرحم
وصبري على أشياء منه تريبني ... وكظمي على غيظي وقد ينفع الكظم
لاستل عنه الضغن حتى سللته ... وقد كان ذا ضغن يصوبه الحزم
رأيت انثلاماً بيننا فرقعته ... برفقي أحيانا وقد يرقع الثلم
وأبرأت غل الصدر منه توسعا ... بحلمي كما يشفى بأدوية سقم
فأطفأت نار الحرب بيني وبينه ... فأصبح بعد الحرب وهو لنا سلم

قال عنترة

أحن إلى ضرب السيوف القواضب ... وأصبو إلى طعن الرماح اللواعب
وأشتاق كاسات المنون إذا صفت ... ودارت على راسي سهام المصائب
ويطربني والخيل تعير بالقنا ... حداة المنايا وارتهاج المواكب
وضرب وطعن تحت ظل عجاجة ... كجنح الدجى من وقع أيدي السلاهب
تطير رؤوس القوم تحت ظلامها ... وتنقض فيها كالنجوم الثواقب
وتلمع فيها البيض من كل جانب ... كلمع بروق في ظلام الغياهب
لعمرك إن المجد والفخر والعلى ... ونيل الأماني وارتفاع المراتب
(5/254)

لمن يلتقي أبطالها وسراتها ... بقلب صبور عند وقع المضارب
ويبني بحد السيف مجداً مشيداً ... على فلك العلياء فوق الكواكب
ومن لم يروي رمحه من دم العدى ... إذا اشتبكت سمر القنا بالقواضب
يعطي القنا الخطي في الحرب حقه ... ويبري بحد السيف عرض المناكب
يعيش كما عاش الذليل بغصة ... وإن مات لا يجري دموع النوادب
لضائل عزم لا تباع لضارع ... وأسرار حزم لا تذاع لعائب
رزت بها دهرا على كل حادث ... ولا كحل إلا من غبار الكتائب
إذا كذب البرق اللموع لشائم ... فبرق حسامي صادق غير كاذب

قال أبو بجير الحادث بن عباد

سل حي تغلب عن بكر ووقعتهم ... بالحنو إذ خسروا جهراً وما رشدوا
فأقبلوا بجناحيهم يلفهما ... منا جناحان عند الصبح فاطردوا
فأصبحوا ثم صفوا دون بيضهم ... وأبرقوا ساعة من بعد ما رعدوا
وأيقنوا أن شيبانا وإخوتهم ... قيسا وذهلا وتيم اللات قد رصدوا
ويشكر وبنو عجل وإخوتهم ... بنو حنيفة لا يحصى لهم عدد
ثم اتقينا ونار الحرب ساطعة ... وسمهري العوالي بيننا قصد
طورا ندير رحانا ثم نطحنهم ... طحنا وطورا نلاقيهم فنجتلد
حتى إذا الشمس دارت أجفلوا هربا ... عنا وخلوا عن الأموال وانجردوا
فروا إلى النمر منا وهو عمهم ... فما وفى النمر إذ طاروا وهم مرد
نحن الفوارس نغشى الناس كلهم ... ونقتل الناس حتى يوحش البلد
(5/255)

لقد صبحناهم بالبيض صافية ... عند اللقاء وحر الموت يتقد
والخيل تعلم أني من فوارسها ... يوم الطعان وقلب الناس يرتعد
وقد حلفت يمينا لا أصالحهم ... مادام منا ومنهم في الملا أحد

قال سليمان بن أبي الزوائد يفتخر

هلا سألت منازلاً بفزار ... عمن عهدت به من الأحرار
عدي رجالك واسمعي يا هذه ... عني مقالة عالم مفخار
سأعد سوداتٍ لنا ومكارماً ... وأبوة ليست على بعار
قيس وخندف والداي كلاهما ... والعم بعد ربيعة بن نزار
من مثل فارسنا دريد فارسا ... في كل يوم تعانق وكرار
وبنو زياد من لقومك مثلهم ... أو مثل عنترة الهزبر الضاري
والحي من سعد ذؤابة قومهم ... والفخر منهم والسنام الواري
والمانعون من العدو ذمارهم ... والمدركون عدوهم بالثار
وبنو سليم نكل من عاداهم ... وحيا العفاة ومعقل الفرار
ليسوا بأنكاس إذا حاستهم ال ... موت العداة وصمموا لمغار

قال عمرو بن معدي كرب يصف صبره وجلده في الحرب

أعاذل عدتي بأني ورمحي ... وكل مقلص سلس القياد
أعاذل إنما أفني شبابي ... إجابتي الصريح إلى المنادي
مع الأبطال حتى سل جسمي ... وأقرح عاتقي حمل النجاد
ويبقى بعد حلم القوم حلمي ... ويفني بعد زاد القوم زادي
(5/256)

ومن عجب عجبت له حديث ... بديع ليس من بدع السداد
تمنى أن يلاقيني قييسٌ ... وددت وأينما مني ودادي
تمناني وسابغتي قميصي ... كأن قتيرها حدق الجراد
وسيف لابن ذي قيعان عندي ... تخير نصله من عهد عاد
فلو لاقيتني للقيت ليثا ... هصورا ذا ظبا وشبا حداد
ولاستيقنت أن الموت حق ... وصرح شحم قلبك عن سواد
أريد حباءة ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد

أنشد ابن الكلبي لحاتم الطائي

وعاذلة هبت بليل تلومني ... وقد غاب عيوق الثريا فعردا
تلوم على إعطائي المال ضلة ... إذا ضن بالمال البخيل وصردا
تقول ألا أمسك عليك فإنني ... أرى المال عند الممسكين معبدا
ذريني وحالي إن مالك وافر ... وكل امرئ جار على ما تعودا
أعاذل لا آلوك إلا خليقتي ... فلا تجعلي فوقي لسانك مبردا
ذريني يكن مالي لعرضي جنة ... يقي المال عرضي قبل أن يتبددا
أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا
وغلا فكفي بعض لومك واجعلي ... إلى رأي من تلحين رأيك مسندا
ألم تعلمي أني إذا الضيف نابني ... وعز القرى أقري السديف المسرهدا
أسود سادات العشيرة عارفا ... ومن دون قومي في الشدائد مذودا
وألفى لأعراض العشيرة حافظا ... وحقهم حتى أكون المسودا
(5/257)

يقولون أهلكت مالك فاقتصد ... وما كنت لولا تقولون سيدا
كلوا الآن من رزق الإله وأيسروا ... فإن على الرحمان رزقكم غدا
سأذخر من مالي دلاصاً وسابحاً ... وأسمر خطياً وعضيا مهندا
وذلك يكفيني من المالي كله ... مصونا إذ ما كان عندي متلدا

وأنشد له أيضا من قصيدة

مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطي البحر والجبلا
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
إن البخيل إذا مات يتبعه ... سوء الثناء ويجوي الوارث الإبلا
فاصدق حديثك إن المرء يتبعه ... ما كان يبني إذا ما نعشه حملا
ليت البخيل يراه الناس كلهم ... كما يراهم فلا يقرى إذا نزلا
لا تعذليني على مالي وصلت به ... رحما وخير سبيل المال ما وصلا
يسعى الفتى وحمام الموت يدركه ... وكل يوم يدني للفتى الأجلا
إني لأعلم أني سوف يدركني ... يومي وأصبح عن دنياي مشتغلا

لصفي الدين الحلي

سلس الرماح العوالي عن معالينا ... واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا
وسائلي العرب والأتراك ما فعلت ... في أرض قبر عبيد الله أيدينا
لما سعينا فما رقت عزائمنا ... عما نروم ولا خابت مساعينا
يا يوم وقعة زوراء العراق وقد ... دنا الأعادي كما كانوا يدينونا
(5/258)

بضمر ما ربطناها مسومة ... إلا لنغزو بها من بات يغزونا
وفتية إن نقل أصغوا مسامعهم ... لقولهم أو دعوناهم أجابونا
قوم إذا استخصموا كانوا فراعنة ... يوما وإن حكموا كانوا موازينا
تدرعوا العقل جلبابا فإن حميت ... نار الوغي خلتهم فيها مجانينا
إذا ادعوا جاءت الدنيا مصدقة ... وإن دعوا قالت الأيام آمينا
إن الزرازير لما قام قائمها ... توهمت أنها صارت شواهينا
ظنت تأني البزاة الشهب عن جزع ... وما درت أنه قد كان تهوينا
ذلوا بأسيافنا طول الزمان فمذ ... تحكموا أظهروا أحقادهم فينا
لم يغنهم مالنا عن نهب أنفسنا ... كأنهم في أمان من تقاضينا
ثم انثنينا وقد ظلت صوارمنا ... تميس عجبا وتهتز القنا لينا
وللدماء على أثوابنا علق ... بنشره عن عبير المسك يغنينا
إنا لقوم أبت أخلاقنا شرفا ... أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
بيض صنائعنا سود وقائعنا ... خضر مرابعنا حمر مواضينا
لا يظهر العجز منا دون نيل منى ... ولو رأينا المنايا في أمانينا

قصيد السموءل في الفخر

إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل
وما قل من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلى وكهول
(5/259)

وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
لنا جبل يحتله من نجيرة ... منيع يرد الطرف هو كليل
رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا ينال طويل
هو الأبلق الفرد الذي شاع ذكره ... يعزُّ على من رامه ويطول
وإنا لقوم لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طل يوما حيث كان قتيل
تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليست على غير الظبات تسيل
صفونا ولم نكدر وأخلص سرنا ... إناث أطابت حملنا وفحول
علونا إلى خير الظهور وحطنا ... لوقت إلى خير البطون نزول
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
إذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤولٌ لما قال الكرام نقول
وما أخمدت نار لنا دون طارق ... ولا ذمنا في النازلين نزيل
وأيامنا مشهورة في عدونا ... لها غرر معلومة وحجول
وأسيافنا في كل شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول
معودة أن لا تسل نصالها ... فتغمد حتى يستباح قبيل
سلي إن جهلت النسا عنا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول
فإن بني الديان قطب لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول
(5/260)

الباب الخامس عشر في المراسلات
مراسلات بين الملوك والأمراء
كتاب أبي القاسم الحريري إلى الوزير سعد الملك يستغيثه على العرب الذين غزوا مدينة البصرة
لو اطلع مولانا على ما فاجأ البصرة وأهلها من الفتك والقهر. والنهب والأسر. إلى ما منوا به من الشتات. وافتضاح الحفرات. واحتراق المساكن والخانات. وانتشار الفساد. إلى قرى السواد. لرأى منظرا يحرق الأكباد. ويبكي العين الجماد. وقد أشرفت البصرة على العفاء. واللحاق بالصحراء. وأن يؤرخ أنه رأسها في هذه الدولة الغراء. إذ كان توالى عليها من الأحداث. في هذه السنين الثلاث. ما يدمر أعمر البلدان ولم يعهد مثله في سالف الزمان. فإن أنعم وعجل النظر للرعية. بترتيب النجدة القوية. وإسقاط معاملة الذرب. في الهرب من العرب. ولا خفاء بما في تنفيس الكرب من القرب

وكتب إليه يشكره وأصحب كتابه بقصيدة
دعا العبد للمجلس الفلاني دامت جدوده سعيدة. وسعوده جديدة. وعلياؤه محسودة. وأعداؤه محصودة. دعاء من يتقرب بإصداره. على بعد داره. ويقصر عليه ساعاته. مع قصور مسعاته.
(5/261)

وشكره للإنعام الذي أوصله إلى التحميل والتأميل. وجمع له بين التنويه والتنويل. شكر من أطلق من أسره. وأذيق طعم اليسر بعد عسره. ولو نهضت به القدمان. وأسعده عون الزمان. لقدم اعتماد الباب المعمور. وأسرع إليه إسراع العبد المأمور. ليؤدي بعض حقوق الإحسان. ويتلو صحف الشكر باللسان. لكن أنى ينهض المقعد. ومن له بأن يصعد فيسعد. ولما قصرت خطوة العبد وحرم حظوة القصد. ولزمه مع وضوح العذر. أن يفصح عن الشكر. خدم بما ينبئ عن فكره المريض. ويشهد بطبع طبعه في القريض. ولولا أن الهدية على حسب مهديها. وبه تتعلق مساويها. لما قدر أن يهدي الورق إلى الشجر. ويبيض شعرا كبياض الشعر. هذا على أن ذنب المعترف مغفور. والمجتهد وإن أخطأ معذور. وهو يرجو أن يلحق بمن نيته خير من عمله. ليبلغ قاصية أمله. وللآراء العلية في تشريف خدمته بالاستعراض. وصون مدحته عن الاعتراض. وتأهيله من مزايا الغيجاب والجزاب. بما يميزه على الأحزاب. مزيد العلو (للحريري)

نسخة كتاب من نائب الشام إلى نائب حلب يخبره بوفاة الملك الصالح
إن المرسوم الشريف زاده الله شرفا ورد على المملوك يتضمن خبرين. هذا ساء وهذا سر. وهذا عق القلوب وهذا بر. وهذا ضر الجوانح وهذا نفع أضعاف ما ضر. أما الأول فبما قضاه الله تعالى وقدره من وفاة أستاذنا السلطان السعيد. وابن أستاذنا السلطان
(5/262)

السعيد الشهيد. الملك الصالح نصر الله شبابه. وأسقى عهد الرضوان عهده وترابه. بمرض كما سمع مولانا لم تنفع فيه الأدوية والرقى. وعرض استولى على ذلك الجوهر الفريد فتركه بعد حركة اللقاء لقى. وارد خطب لم ترده البروج المشيدة والجنود المجندة
وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كل طبيب
وأما الثاني فبما حباه الله وهناه من جلوس مولانا السلطان الأعظم الملك الكامل سيف الدنيا والدين أبي الفتوح شعبان أخيه خلد الله ملكه على سرير السلطنة الشريفة. سلطانا عادلا. وملكا نشأ في أفق الملك هلالا إلى أن ظهر كاملا. وسيفا تخضع لعزته رقاب ملوك الغرب والشرق. ومتوجا يظهر بإشراق جبينه مابين الملوك من الفرق. وإن كلمة الإجماع انعقدت على ملكه الرفيع. وإن العزاء المقتضب يجيء بالهناء السريع. وإن الطلعة الشريفة قد أطلعت في أفق الملك المرجب هلال شعبان في ربيع. فسرت السرائر وضربت بعد ضروب الهناء نوب البشائر. وأخذت الأرض زخرفها والمدن زينتها من كل زاه وزاهر. سجعت الخطباء بالاسم الشريف فكادت أن تورق أعواد المنابر. وظهرت بالابتهاج حتى على وجوه الدراهم والدنانير أمائر. وأصبحت أيدي الرجاء بها ملية. وتسابق الألسن بحمد الله تعالى على أن جعل هذا البيت الشريف نجوم سماء كلما غاب كوكب تأوي إليه كواكب بهية. وجهز المملوك المثال
(5/263)

الشريف المختص بمولانا ليأخذ حظه من هذه البشرى. وينشرها من طي البروج مع نفحات الروض تترى. فطمع الرعايا من فضل الهناء إلى أحسن المطامح. ويرضون عن باقي الزمان وماضيه فيصفونه بكامل وصف ويثنون عليه بصالح. والله تعالى يملأ له البشائر أوطاراً وأوطاناً. ويسر الدين والدنيا أبدا بتلاوة هذا البيت الشريف ويجعل لكما سلطانا آخره: والحمد لله وحده (الكنز المدفون للسيوطي)

لأبي بكر الخوارزمي إلى والي بلاد قومس وقد ورد عليه ابنه للقراءة
ورد علي كتاب الفقيه بعد نزاع كان إليه وحرص عليه. وبعد أن اقترحته على الدهر. وخلعت فيه ربقة العزاء والصبر. ولم أدر بأبيهما أنا أشد سرورا أبالكتاب وهو أيسر واصل. أم بحامله وهو أجل حامل. فلان ولدي قد اقتطعت له من فراغي فلذة على أنني لو درسته حتى تحفى الأقلام. ويفنى الكلام. وتحصر الأفهام والأوهام. ثم لقمته العلم لقمة. وسكبت له آداب العرب والعجم. وخرجت له من الفقيه قاصرا. ولكان وقوعي دون أدنى مواجبه علي ظاهراً. ولكن الإقرار عذر قوي. كما أن الإنكار ذنب طوي. وقد كان هذا الولد أديبا مجملا. فصار بحمد الله تعالى أديبا مفصلا. وكان أغر فصار أغر محجلاً. وأرجو أن الله يحيي به مآثر سلفه الصالحين. ويعلي به
(5/264)

منازل آبائه الأولين. فيكون أولهم علما وأدبا. وهو آخرهم ميلادا ونسبا

في الأشواق وحسن التواصل
كتب أبو النصر العتبي كاتب السلطان محمود إلى صديق له
هذا يوم قد رقت غلائل صحوه وهبت شمائل خيره. وضحكت ثغور رياضه. واطرد ورود النسيم فوق حياضه. وفاحت مجامر الأزهار. وانتثرت قلائد الأغصان من فرائد الأنوار. وقام خطباء الأطيار. على منابر الأشجار. ودارت أفلاك الأيدي بشموس الراح. في بروج الأقداح. فبحق الفتوة التي زان الله بها طبعك. والمروءة التي قصر عليها أصلك وفرعك. إلا ما تفضلت علينا بالحضور. ونظمت لنا بك عقود السرور (حلبة الكميت للنواجي)

كتب الشيخ البسطامي إلى بعض السادة
أما بعد فالعبد الكليم. ينهي إلى السيد الرحيم. من شوقه الذي ملك قياده. وعمر بفوائده فؤاده. ومابرح العبد يدعو لمولانا في سره وجهره. وينشر على بساط إحسانه جوهر شكره. ويتشوق إليه تشوق الساهر غلى المنام. ويهديه من ثنائه أحسن من ضحك الزهر لبكاء الغمام:
والروض يبدو زهرها متبسما ... فكأنه لبكا الغمام قد اشتفى
وقد سطرت هذه العبودية مظهرا من إحسان مولانا ما لا يخفى. وذاكراً من تفضلاته ما تعجز عنه الألسن وصفا. المسؤول من صدقاته
(5/265)

حسن الوصية بوافد سلامه. ووارد كلامه. فإن العبد يرى له حقا في أول رسالته إلى ذلك ألجناب الكريم. ويؤثره لوقوع عينيه على ذلك الوجه الوسيم. وكان يود أن لو كان مكان هذا الكتاب. وساعدت الأيام على زيارة ذلك الجناب. فإن رؤيتكم مما تبتهج بها الخواطر. وتنتعش بها القلوب انتعاش الروض إذا باكرته الغيوم المواطر. لا زال مولانا وافر الإحسان. متزيناً بأحسن مناقب الإنسان (مناهج التوسل لعبد الرحمان البسطامي)

كتب أبو عبد الرحمان محمد طاهر إلى صاحب قليبرة يستدعي منه أقلاما
قد عدمت أطال الله بقاءك بهذا القطر الأقلام. وبها يشخص الكلام. وهي حلية البيان. وترجمان اللسان. عليها تفرع شعاب الفكر. وذكرها منزل في محكم الذكر. ومنابتها بلدك. ويدك فيها يدك. وأريد أن ترتاد لي منها سبعة كعدد الأقاليم. حسنة التقليم. وفضية الأديم. ولا يعتمد منها إلا صليبها. الطول أنابيبها. وإذا استمدت من أنفاسها. وافاك الشكر من أنفاسها (قلائد العيقان)

كتب أبو بكر الخوارزمي إلى كاتب
اعتذر سيدي من صغر الكتاب واختصاره. فقد أغناه الله تعالى عن تكلفه من اعتذاره. وإنما الصغير ما صغر قدره. لا ما صغر حجمه. فأما ما أفاد. وجاوز المراد. فليس بصغير. بل أكبر من كبير. وأما شكره لي على تفضيلي لكلامه. فإني من هذا بعد في ميدان
(5/266)

عريض مديد. وفي شوط بعيد. لم أبلغ عشر عشره. ولم أقض منه أيسر يسره. والحق أني وإن اجتهدت فأني غير بالغ منه ما في ضمن النية. ولا آت على ما في الهمة والأمنية. ولكني سأقف عقلي انتهاء الطاقة. وأحمل مجهودي أقصى الغاية. والتمادح بيننا بعد الحال التي عتقت حتى أخلقت. وقدمت حتى هرمت. فصل لا يحتاج إليه ولا يعرج عليه. وأسأل الله تعالى أن يجعل أخوتنا متصلة في الدنيا بأخوتنا يوم الدين. فإن الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين

في العتاب واللوم والاعتذار
وكتب أبو بكر الخوارزمي إلى تلميذ له
إن كنت أعزك الله لا ترانا موضعا للزيارة. فنحن في موضع الاستزارة. وإن كنت تعتقد أنك قد استوفيت ما كان لدينا. فسقط حقنا عنك وبقي حقك علينا. فقد يزور الصحيح الطبيب بعد خروجه من دائه. واستغنائه عن دوائه. وقد تجتاز الرعية على باب الأمير المعزول فتتجمل له ولا تعيره عزله. ولو لم تزرنا إلا لترينا رجحانك. كما طالما رأينا نقصانك لكان ذلك فعلا صائبا. وفي القياس واجبا

لما أراد الملك الناصر مبايعة ابنه أبي مروان اتخذ لذلك صنيعا في قصر الزهراء وأرسل فاستدعى وجوه مملكته. فلم يتخلف من بينهم إلا أبو إبراهيم من أكابر علماء المالكية. فأمر الخليفة ولي العهد بالكتاب إليه والتفنيد له فكتب إليه رقعة نسختها
بسم الله الرحمان الرحيم حفظك الله وتولاك وسددك
(5/267)

ورعاك. لما امتحن أمير المؤمنين مولاي وسيدي أبقاه الله الأولياء الذين يستعد بهم وجدك متقدما في الولاية متأخرا عن الصلة. على أنه قد أنذرك أبقاه الله خصوصا للمشاركة في السرور الذي كان عنده لا أعمه الله توالي المسرة. ثم أنذرت من قبل إبلاغا في التكرمة فكان منك على ذلك كله من التخلف ما ضاقت عليك فيه المعذرة. واستبلغ أمير المؤمنين في إنكاره ومعاتبتك عليه فأعيت عليك عنك الحجة. فعرفني أكرمك الله ما العذر الذي أوجب توقفك عن إجابة دعوته ومشاهدة السرور الذي سر به ورغب المشاركة فيه. لنعرفه أبقاه الله بذلك فتسكن نفسه العزيزة إليه

(فأجابه أبو إبراهيم) سلام على الأمير سيدي ورحمة الله قرأت أبقى الله الأمير سيدي هذا الكتاب وفهمته. ولم يكن توفقي لنفسي إنما كان لأمير المؤمنين سيدنا. لعلمي بمذهبه وسكوني إلى تقواه واقتفائه لأثر سلفه الطيب فإنهم يستبقون من هذه الطبقة بقية لا يمتهنونها بما يشينها ولا بما يغض منها ويطرق إلى تنقيصها. يستعدون بها لدينهم ويتزينون بها عند رعاياهم ومن يفد عليهم من قصادهم. فلهذا تخلفت ولعلمي بمذهبه توقفت. إن شاء الله تعالى (للمقري)

قال السيد عباس بن علي الموسوي المكي في صدر كتاب أرسل به الأمير ناصر في بندر المخا شاكياً عليه صاحب السبار وهو إذ ذاك في البندر المذكور
قل للأمير أدام الله دولته ... ما هكذا شرط جار الجنب بالجار
(5/268)

قد استجرت بكم من كافر دنس ... فظ غليظ لعين نسل كفار
يعطي السبار إلى من يشتهي وأنا ... يعطى سباري بإقتار وإعسار
والغير يعطيه ما يهواه خاطره ... من الطعام ومن بر ودينار
لو أن لي غير هذا الرزق ما نظرت ... عيني له قط في سري وإجهاري
لكن مولاي يدري أن ليس لنا ... سوى السبار الذي يأتي بمقدار
فكيف تغفل عنا يا أمير وقد ... أوصى المليك بنا والخالق الباري
فانظر بعين كرام في جواهرهم ... ولا تكلني لتعريف وتذكار
ولا تدعني أقل ما قيل من قدم ... بيتا غدا مثلا بين الملا جاري
ألمستجير بعمرو عند كربيه ... كالمستجير من الرمضاء بالنار

لعمرو بن بحر الجاحظ في الاعتذار
أما بعد فنعم البديل من الزلة الاعتذار. وبئس العوض من التوبة الإصرار. فإنه لا عوض من إخائك. ولا خلف من حسن رأيك. وقد انتقمت مني زلتي بجفائك. فأطلق أسير تشوقي إلى لقائك. فإنني بمعرفتي ببلوغ حلمك وغاية عفوك ضمنت لنفسي العفو من زلتها عندك. (أما بعد) فقد مسني من الألم ما لم يشفه غير مواصلتك مع حبسك الاعتذار من هفوتك. ولكن ذنبك تغتفره مودتك فامنن علينا بصلتك تكن بدلا من مساءتك. وعوضا من هفوتك. (أما بعد) فإن أولى الناس عندي بالصفح من أسلمه إلى ملكك التماس رضاك من غير مقدرة منك عليه (لابن عبد ربه)
(5/269)

كتب أبو بكر الخوارزمي إلى تلميذ له قطع في مجلس وكابر واخلط
بلغني أنك ناظرت. فلما توجهت عليك الحجة كابرت. ولما وضع نير الحق على عنقك ضجرت وتضاجرت. وقد كنت أحسب أنك أعرف بالحق من أن تعقه. وأهيب لحجاب الإنصاف والعدل من أن تشقه. كأنك لم تعلم أن لسان الضجر ناطق بالعجز. وأن وجه الظلم مبرقع بالقبح. وأنك إذا استدركت على نقد الصارفة. وتتبعت خطأ الحكماء والفلاسفة. فقد طرقت إلى عيبك لعائبك. ونصرت عدوك على صاحبك. وقد عجبت من حسن ظنك بك. وأنت إنسان والله المستعان

في المديح
كتاب البسطامي إلى بعض الأصحاب
وصل شريف الكتاب. من رحيم الجناب. أدام الله سعادته. وزاد إقباله وسيادته. وهو بديع المعاني. رفيع المباني. بحلي الروض مسطور. والوشي منثور. بخط كالنار أو أزهر. ولفظ كالدر أو أنور. وصل فأوصل أنسا كان بعيدا. وملأ قلبا كان الشوق إليه عميدا. فأما ما أعارني من فضائله العلية. وفواضله الجلية. التي هو موشح بحليتها. ومتجمل بحلتها. فقوبل بصالح الدعاء. وفائح الحمد والثناء. أدام الله لذيذ خطابه بالزلال. وجديد كتابه بالنوال من لطائف القاضي محمد بن أحمد قوله مجاوبا محمد بن خليل السمرجي الجداوي أزهر الربا أهديت أم لؤلؤ المقعد أم الزهر جاءت في بديع من السرد
(5/270)

أم الروض لا فالروض ماء وتربة ... وعشب وذا شيء يجل عن الحد
أم النسمات العاطرات تأرجت ... بأعبق من مسك فتيق ومن ند
وما هي إلا بنت فكر فريدة ... تبختر من وشي البلاغة في برد
نفائس أفكار أتت لم أجد لها ... جزاء سوى الشكر المكلل بالحمد
ودر قريض رمت إدراك شأوه ... فقصر عنه في تطلبه كدي
حلى صاغها من حاز كل فضيلة ... بها قد حلي جيد المكارم والمجد
أخو الأدب الغض الذي جمعت به المحاسن حتى صار يعرف بالفرد
أديب أريب ألمعي مهذب ... ذكي سجاياه تجل عن الحد
له خلق أزهى من الروض باسما ... وذهن دقيق الفكر أمضى من الحد
لأنفاسه في الطرس أي تضوع ... تصعد منه دائما عبق الند
فلله ما أهديت يا بدر من يد ... وكم لك أيضا قبلها من يد عندي
أياد توالت منك عجلى كأنها ... شرار أطارته الأكف على الزند
وإني في عجزي من الشكر سائل ... مسامحتي فيما أعيد وما أبدي
بمالك في سمعي وطرفي وخاطري ... من الصيت والمرأى المعظم والود
فؤادك في قلبي ألذ من المنى ... وذكرك أحلى في لساني من الشهد
فدم زينة الآداب بدر كمالها ... ودرة تاج العصر واسطة العقد

قال شرف المدرسين المفتي عبد الرحمان بن عيسى من قصيدة في صدر كتاب أرسل به إلى الشيخ أبي العباس أحمد المقري المغربي عالم فارس وخطيبه مراجعا

وافى لنا روض نضير ... أنق تسامى عن نظير
(5/271)

ففضضته فرأيته ... في الحسن كالدر النثير
ونشقت من رياه ما يسمو على نشر العبير
فكأنما هو روضة ... تهتز في يوم مطير
أزهارها ككواكب ... قد زينت فلك الأثير
وافى فكاد القلب من ... فرط السرور به يطير
إذ جاءنا من جهبذ ... علم معارفه السرور به يطير
علامة لم يلف في ... هذا الزمان له نظير
إن جال في التفسير فالتيسير أعسره يسير
وإن انتحى للنحو وضحه بتسهيل العسير
وإليه في فن البلا ... غة كل مسؤول يشير
وإذا تعانى الشعر قلت هو الفرزدق أم جرير
يا من إليه المنتهى ... في كل فن والمصير
إسلم ودم ما دامت ال ... أفلاك فينا تستدير

في الشكروالتهنئة
فصل لأبي الفضل الميكالي إلى بعض إخوانه في الشكر
إذا لم يؤت المرء في شكر المنعم إلا من عظم قدر الإنعام والاصطناع. واستغراقه منه قوى الاستقلال والاضطلاع. فليس عليه في القصور عن كنه واجبه عتب. ولا تلحقه فيه نقيصة ولا عيب. ولئن ظهر عجزي عن حق هذه النعمة فإني أحمل على حسن الثناء على من
(5/272)

لا يعجزه حمله. ولا يؤوده ثقله. ولا يزكوا الشكر إلا لديه. ولا تعرف الرغبة إلا إليه. والله يبقيه لمجد يقيم أعلامه وفضل يقضي ذمامه. وعرف يثبت أقسامه. ووالي إكرامه. وعدو يديم قمعه وإرغامه

لابن العميد إلى عضد الدولة يهنئه بولدين
أطال الله بقاء الأمير الأجل عضد الدولة دام عزه وتأييده. وعلوه وتمهيده. وبسطته وتوطيده. وظاهر له من كل خير مزيده. وهنأه ما احتظاه به على قرب البلاد. من توافر الأعداد وتكثر الأمداد. وتثمر الأولاد. وأراه من النجابة في البنين والأسباط ما أراه من الكرم في الآباء والأجداد. ولا أخلى عينه من قرة. ونفسه من مسرة. حتى يبلغ غاية مهله. ويستغرق نهاية أمله. ويستوفي ما بعد حسن ظنه. وعرفه الله السعادة فيما بشر عبده من طلوع بدرين هما انبعثا من نوره واستنارا من دوره. وحفا بسريره. وجعل وفدهما متلائمين. وورودهما توأمين. بشيرين بتظاهر النعم. وتوافر القسم. ومؤذنين بترادف بنين يجمعهم منخرق الفضاء. ويشرق بنورهم أفق العلاء. وينتهي بهم أمد النماء. إلى غاية تفوت غاية الإحصاء. ولا زالت السبل عامرة. والمنهل غامرة. بصفائح صادرهم بالبشر وآملهم بالنيل القاصد

ولبعضهم في التهنئة بالقدوم من سفر
أهنئ سيدي ونفسي بما يسر الله من قدومه سالما. وأشكر
(5/273)

الله على ذلك شكرا قائما. غيبة المكارم مقرونة بغيبتك. وأوبة النعم موصولة بأوبتك. فوصل الله تعالى قدومك من الكرامة بأضعاف ما قرن به مسيرك من السلامة. هنأ الله إيابك. بلغك محابك. فما زلت بالنية مسافرا. وبأفعال الذكر والفكر لك ملاقيا. إلى أن جمع الله شمل سروري بأوبتك. وسكن نافر قلبي بعودتك. فأسعدك الله بتقدمك سعادة تكون فيها مقابلا وبالأماني ظافرا. ولا أوحش منك أوطان الفضل ورباع المجد بمنه وكرمه

وكتب الخوارزمي إلى وزير صاحب خوارزم بعد محنته يهنئه
فهمت ما ذكره الشيخ من توبة الدهر إليه من ذنبه. وخطبته لسلمه بعد حربه. فانقشعت ضبابة المحنة.. وهكذا تكون أحوال المقبلين. فإن الأيام إذا غلطت فجنت عليهم. رجعت فاعتذرت إليهم. والزمان إذا حاربهم خطأ سالمهم عمدا. فيستوفون في الحالين أجر المحنة. وزيادة بشكر النعمة. والآن عرف الشيخ بحقيقته. ووزن بزنته. ووقف السلطان والرعية على تفصيله وجملته. هذا وقد صقلت هذه الفترة خلائق الشيخ بالتجارب. ووضعت في يده مرآة النظر في العواقب. وهذبت أفعاله من كل شوب وغسلت عنه وضر كل عيب. على أنه لم يزل مبرأ من كل رذيلة. ومخصوصا بكل فضيلة. ولكن الأيام عملها في التعليم. وخاصتها في باب التنبيه والتقويم. فالحمد لله الذي رد إلى ذلك الأمير جماله
(5/274)

وبهاءه. وعمر بابه وفناءه. وسر شيعته وأولياءه. وغم حسدته وأعداءه. ولم يفجعه بالعلق النفيس الذي لا يشترى بالأثمان. ولا يوزن بالميزان. ولا يكال بالقفزان. ولا يرى مثله في هذا الزمان. كما لم ير في سائر الأزمان. ثم الحمد لله الذي حول كتبي من التعزية إلى التهنئة وأخرج القاضي من ميدان الصبر. إلى ميدان الشكر

في التعزية
لأبي قاسم في التعزية
ترامى إلينا خبر مصابك بفلان. فخلص إلينا من الاغتمام به ما يحصل في مثله ممن أطاع ووفى وخدم ووالى. وعلمنا أن لفقدك مثله لوعة. وللمصاب به لذعة. فآثرنا كتابنا هذا إليك في تعزيتك على يقيننا بأن عقلك يغني عن عظتك. ويهدي إلى الأولى بشيمتك بأن عقلك والأزيد في رتبتك. فليحسن أعزك الله صبرك على ما أخذه منك وشكرك لما أبقى لك وليتمكن من نفسك ما وفر لك من ثواب الصابرين. وأجزل من ذخر المحسنين

لأبي الفضل الميكالي من كتاب تعزية بالأمير ناصر الدين
أقدار الله تعالى في خلقه لم تزل تختلف بين مكروه ومحبوب. وننصرف بين موهوب ومسلوب. غادية أحكامها مرة بالمصائب والنوائب. ورائحة أقسامها تارة بالعطايا والرغائب. ولكن أحسنها في العيون أثرا. وأطيبها في الأسماع خبرا. وأحراها بأن تكسب
(5/275)

القلوب عزاء وتصبرا. ما إذا انطوى نشر. وإذا انكسر جبر. وإذا أخذ بيد رد بأخرى. وإذا وهب بيمنى سلب بيسرى. كالمصيبة بفلان التي قرحت الأكباد. وأوهنت الأعضاد. وسودت وجوه المكارم والمعالي. وصورت الأيام في صور الليالي. وغادرت المجد وهو يلبس حداده. والعدل وهو يبكي عماده. حتى إذا كاد اليأس يغلب الرجاء ويرد الظنون مظلمة النواحي والأرجاء. قبض الله تعالى من الأمير الجليل من اجتمعت عليه الأهواء. ورضيت به الدهماء. فآسى به حادث الكلم. وسد بمكانه عظيم الثلم. ورد الآمال والنفوس قد استبدلت بالحيرة قوة وارتدارا. وصارت للدولة المباركة أعوانا وأنصارا

كتب بديع الزمان إلى ابن أخته يعزيه بأخيه
قد ورد كتابك بما ضمنته من تظاهر نعم الله عليك. وعلى أبويك فسكنت إلى ذلك. من حالك. وسألت الله بقاءك. وأن يرزقني لقاءك. وذكرت مصابك بأخيك فكأنما فتتت عضدي. وطعنت في كبدي. فقد كنت معتضداً بمكانه. والقدر جار لشانه. وكذا المرء يدبر. والقضاء يدمر. والآمال تنقسم. والآجال تبتسم. والله يجعله فرطا ولا يريني فيك سوءا أبدا وأنت أيدك الله وارث عمره. وسداد ثغره. ونعم العوض بقاؤك. وأبوك سيدي أيده الله وألهمه الجميل. وهو الصبر. وآتاه الجزيل. وهو الأجر.
(5/276)

وأمتعه بك طويلا. فما سؤت بديلا. والسلام

وكتب الخوارزمي إلى الملك لما أصيب بابنه عن خوارزم شاه
كتبت وأنا مقسم بين فرحة وترحة. ومردد بين محنة ومنحة. أشكو جليل الرزية. وأشكر جزيل العطية وأسأل الله تعالى للأمير الماضي الغفران والرحمة. وللأمير السيد التأييد والنعمة. فإن المصيبة بالماضي وإن كانت تستوعب الصبر. فإن الموهبة في الباقي تستنفد الشكر. والحمد لله الذي كسر. ثم جبر. وسلب. ثم وهب. وابتلى. ثم أولى. وأخذ ثم أعطى. كتب على المشرق خاصة. بل علي الدنيا كافة. أن تطمس آثارها. وتظلم أقطارها. وتهب ريح الخراب عليها. وتنظر عين الكمال إليها. حتى ذبلت شجرة المملكة. ووهن ركن الملة. وطرف ناظر الدولة. وانثلم جانب الدعوة. ثم استدرك الله تعالى برحمته خلقه. فرد إلى الأمير حقه. وقرت الدولة في قرارها. وعادت النعمة إلى نصابها. وطلعت الشمس من مطلعها. ووضعت الرئاسة في موضعها. فأنا الآن بين شاكية الأيام وشكرها وبين حرب الدهر وسلمه. أبكي وأنا ضاحك وأضحك وأنا باكي العين. إلا أن الضحك علي أغلب. والفرح إلي من الغم أقرب. لأن المصيبة ماضية. والنعمة باقية. رحم الله الماضي رحمة تهون علينا مصرعه. وتبرد له مضجعه. وتضاعف حسناته. وتمحو سيئاته. وأعان الأمير على رعاية ما استرعاه. وألهمه شكر ما أعطاه. وتولاه فيما ولاه.
(5/277)

ووالاه جزيل ما أولاه. وأيده بالهيبة سلطانه. وثبت بالبقاء أركانه.

وكتب إلى أبي طاهر وزير أبي علي بن إلياس بكرمان
كتب ولما اتصل بي خبر المصيبة لم أملك من قلبي إلا ما شغلته بها. ولا من عيني إلا ما بكيت به لها. ونزل بي ما ينزل بمن قارعه الزمان عن واحده ونازعه الموت في بعض نفسه. وزل عن يده الذخر الذي ادخره لصروف الزمان. وسلب السيف الذي لم يزل يعده للقاء الأقارن. ثم تنجزت موعود الله تعالى بالصبر والغزاء. ولقد كانت المصيبة بفلان جراحة لا دواء لها إلا الصبر. وخسرانا لا جبر له إلا الأجر. فها أنا أيد الله تعالى الشيخ جريح يد الدهر ولا طبيب لمن جرحه. وسليب يد الموت ولا ضامن لمن اجترحه. وقد دفنت يدي بيدي. وبكيت على عيني بعيني. وأفردت في نفسي عن نفسي والرزية بمثل فلان رزايا. كما أن العطية كانت ببقائه عطايا. ولكن لا كثير من المصائب مع التأدب بأدب الله تعالى. كما لا قليل من المواهب مع الإيمان بالله تعالى. رحم الله فلانا الجامع لمحاسن الآداب. الشيخ حلما وإن كان غض الشباب. فلقد اختضر وهو فتي السن. واهتصر وهو رطب الغصن. وكسوف البدر عند تمامه أوقع. وكسر العود عند اعتداله أوجع:
إن الفجيعة بالرياض نواضراً ... لأشد منها بالرياض ذوابلا
(5/278)

الباب السادس عشر في التراجم
فقهاء المسلمين وخطباؤهم
ابن الجوزي (510-597 هجرية) (1117-1201 مسيحية)
هو أبو الفرج عبد الرحمان الواعظ الملقب جمال الدين الحافظ. كان علامة عصره وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ. صنف في فنون عديدة منها زاد المسير في علم التفسير أربعة أجزاء أتي فيه بأشياء غريبة. وله في الحديث تصانيف كثيرة وله المنتظم في التاريخ وهو كبير. وله الموضوعات في أربعة أجزاء ذكر فيها كل حديث موضوع. وكتبه أكثر من أن تعد وكتب بخطه شيئا كثيرا والناس يغالون في ذلك حتى يقولوا أنه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس. وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل.

السهروردي (539-632هـ) (1145-1234م)
هو أبو حفص عمر بن محمد البكري الملقب شهاب الدين السهر وردي. كان فقيها شافعي المذهب شيخا صالحا ورعا كثير الاجتهاد في العبادة والرياضة. وتخرج عليه خلق كثير من الصوفية في المجاهدة والخلوة. ولم يكن في آخر عمره في عصره مصله. وصحب عمه أبا النجيب وعنه أخذ التصوف والوعظ وانحدر إلى البصرة إلى الشيخ أبي محمد بن عبد ورأى غيرهم من الشيوخ. وحصل طرفا صالحا من الفقه والخلاف وقرأ الأدب وعقد مجلس الوعظ سنين. وكان شيخ الشيوخ ببغداد وكان له مجلس وعظ وعلى وعظه قبول كثير. وله تآليف حسنة منها كتاب عوارف المعارف وهو أشهرها: ورأيت جماعة ممن حضر مجلسه وقعدوا في خلوته وتسليكه كجاري عادة الصوفية. فكانوا يحكون غرائب مما يطرأ عليهم فيها مما يجدونه من الأحوال الخارقة. وكان أرباب الطريق من مشايخ عصره يكتبون إليه من البلاد صورة فتاوى يسألونه عن شيء من أحوالهم سمعت أن بعضهم كتب إليه: يا سيدي إن تركت العمل أخلدت إلى البطالة وان عملت داخلني العجب فأيهما أولى. فكتب جوابه: اعمل واستغفر الله تعالى من العجب. وله من هذا شيء كثير. وذكر في كتاب عوارف المعارف أبياتاً لطيفة عنها قوله فيه تعالى:
إن تأملتكم فكلي عيون ... أو تذكرتكم فكلي قلوب
(5/279)

جلال الدين السيوطي (849-911هـ) (1445-1505م)
هو الإمام عبد الرحمان بن الكمال الخضيري العالم العلامة الفقيه المحدث الحافظ المفسر الأصولي الأديب الجدلي. أخذ عن جماعة من علماء وقته ودرس الفلسفة والرياضيات فصار أوسع نظراً وأطول باعاً من مشاهير فضلاء عصره. وكتب في كل مسألة مصنفاً بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية. منها المقامات الطبية وأنيس الجليس وحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة وبلغت مصنفاته نحوا من أربعمائة مصنف. هذا وقد انتهت إليه الرئاسة بمصر وكانت الطلبة تشد إليه الرحال من كل بلدة وتتقاطر إليه من كل صقع إذ كان مبرزا من أهل النظر والمنظرة وإليه كانت الرحلة من الغرب والأندلس وأضحى ركنا من أركان الإسلام

أبو الفتح الشهرستاني (467-548هـ) (1074-1153م)
كان إماماً مبرزاً فقيهاً وبرع في الفقه وتفرد فيه. وصنف كتاب نهاية الأقدام في علم الكلام. وكتاب الملل والنحل. وتلخيص الأقسام لمذاهب الأنام. وكان كثير المحفوظ حسن المحاورة يعظ الناس ودخل بغداد سنة عشر وخمسمائة وأقام بها ثلاث سنين وظهر له قبول كثير عند العوام. وله شعر قليل منه قوله:
لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم

موفق الدين عبد اللطيف (557-629هـ) (1161-1231م)
هو الشيخ الإمام الفاضل موفق الدين البغدادي. كان مشهورا بالعلوم متحليا بالفضائل مليح العبارة. كثير التصنيف وكان متميزا في النحو واللغة عارفا بعلم الكلام والطب. متطرفا من العلوم العقلية فكان في صباه اشغله والده بالأدب فلم يعرف اللعب واللهو ولم يخل وقتا من أوقاته النظر في الكتب والتصنيف والكتابة وكان لكثرة ما يرى في نفسه يستفيض فضلاء زمانه. ومصنفاته عديدة تنيف على المائة والستين. ورحل إلى دمشق واجتمع بتاج الدين الكندي وجرى بينهما مباحثات وكان الكندي شيخا بهيا ذكيا مثريا له جانب من السلطان لكنه كان معجبا بنفسه فاظهر الله عليه عبد اللطيف. ثم توجه إلى زيارة القدس بظاهر عكا ودخل مصر ثم عاد إلى القدس ثانية بعد أن هادن صلاح الدين الفرنج. فدخل على السلطان ورأى به ملكا عظيما يملأ العين روعة والقلوب محبة. ولما حضره وجد مجلسه حافلا بأهل العلم يتذاكرون بأصناف العلوم. وصلاح الدين يحسن الاستماع والمشاركة. فأكرم صلاح الدين مثواه وعين له راتباً لكل شهر. إلى أن مات صلاح الدين فانتقل عبد اللطيف إلى مصر. فكان في النهار يقرئ الناس بالجامع الأزهر وكان في الليل يشتغل على نفسه. فصنف كتاب الإفادة والاعتبار في
(5/280)

الأمور المعاينة في أرض مصر. ثم عاد راجعا إلى بغداد وبها كانت وفاته (لابن أبي أصيبعة)

الغزالي (451-505هـ) (1058-1111م)
هو الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد الغزالي لم تر العيون مثله لساناً وبياناً وخاطراً وذكاء وعلما وعملا. فاق أقرانه من تلامذة الحرمين وصار في أيام إمام الحرمين مفيدا مصنفا والإمام يتبجح به. وكان مجلس نظام الملك مجمع الفضلاء. فوقع لأبي حامد في مجلسه ملاقاة الفحول ومناظرة الخصوم في فنون العلوم فاقبل نظام الملك عليه. وانتشر ذكره في الآفاق فرسم له تدريس المدرسة النظامية ببغداد. وصنف كتبا لم يصنف مثلها. ثم حج وترك الدنيا واختار الزهد والعبادة وبالغ في تهذيب الأخلاق. ودخل بلاد الشام وصنف كتباً كثيرة لم يسبق غلى مثلها في عدة فنون منها المنتحل في علم الجدل. والتبر المسبوك. وإحياء علوم الدين. وهو من أنفس الكتب وأجملها وهو كتاب لا يستغني عنه طالب الآخرة. ثم عاد إلى خراسان مواظبا على العبادات إلى أن انتقل إلى جوار الحق بطوس عن أربع وخمسين سنة (للقزويني)

الماوردي (364-450هـ) (974-1059م)
هو علي ابن حبيب الإمام الجليل القدر الرفيع الشأن أبو الحسن الماوردي صاحب الحاوي والإقناع في الفقه وأدب الدنيا والدين والأحكام السلطانية وقانون الوزارة وسياسة الملك وغير ذلك. وكان إماماً جليلاً رفيع الشأن له اليد الباسطة في المذهب والتفنن التام في سائر العلوم. قال الشيخ أبو اسحاق: درس بالبصرة وبغداد سنين كثيرة. وله مصنفات كثيرة في الفقه والتفسير وأصول الدين والأدب. وجعل عليه القضاء ببلدان كثيرة. وقال ابن خبران: كان رجلاً عظيم القدر متقدماً عند السلطان أحد الأئمة. له التصانيف الحسان في كل فن. ومن كلام الماوردي الدال على دينه ومجاهدته لنفسه ما ذكره في كتاب أدب الدنيا والدين فقال: ومما أنذرك به من حالي أنني صنفت في البيوع كتاباً جمعت له ما استطعت من كتب الناس. وأجهدت فيه نفسي وكدرت فيه خاطري حتى إذا تهذب واستكمل وكدت أعجب به. وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعاً لعلمه حضرني وأنا في مجلسي أعرابيان فسألاني عن بيع عقداه في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل لم أعرف لشيء منها جواباً. فأطرقت مفكراً وبحالي وحالهما معتبرا. فقالا: أما عندك فيما سألناك عنه جواب وأنت زعيم هذه الجماعة. قلت: لا. فقالا: أيها لك. وانصرفا ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي. فسألاه فأجباهما مسرعا بما أقنعهما فكان ذلك زاجر نصيحة ونذير عظة تذلل لهما قياد النفس وانخفض بهما جناح العجب.
(5/281)

أدباء المسلمين
الفتح بن خاقان (480-535هـ) (1087-1140م)
هو أبو نصر الفتح بن محمد بن عبد الله بن خاقان القيسي الاشبيلي له عدة تصانيف منها كتاب قلائد العقيان وقد جمع فيه شعراء المغرب طائفة كثيرة. وتكلم على ترجمة كل واحد منهم بأحسن عبارة وألطف إشارة. وله أيضاً كتاب مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس. وهو ثلاث نسخ كبرى وصغرى ووسطى. وهو كتاب كثير الفائدة وكلامه فيه يدل على غزارة فضله وسعة مارته. وكان كثير الأسفار سريع التنقلات. وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: كان ابن خاقان خليع العذار في دنياه. لكن كلامه في تآليفه كالسحر الحلال. والماء الزلال. قتل ذبحاً في مسكنه بفندق من حاضرة مراكش صدر سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. وأن الذي أشار بقتله أمير المسلمين أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين وهو أخو أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين الذي ألف له أبو نصر المذكور قلائد العقبان وقد ذكره في خطبة الكتاب. (لابن خلكان)

ابن عبد ربه (246-328هـ) (861-940م)
هو الفقيه العالم أبو عمر أحمد بن عبد ربه عالم ساد بالعلم ورأس. واقتبس من الحظوة ما اقتبس. وشهر بالأندلس حتى سار إلى المشرق ذكره. واستطار شرر الذكاء فكره. وكانت له عناية بالعلم وثقة ورواية له متسقة. وأما الأدب فهو كان حجته وبه غمرت الأفهام لجته. مع صيانة وورع. وديانة ورد ماءها فكرع. وله التأليف المشهور الذي سماه بالعقد. وحماه عن عثرات النقد. لأنه أبرزه مثقف القناة. مرهف الشباة. تقصر عنه ثواقب الألباب. وتبصر السحر منه في كل باب. وله شعر انتهى منتهاه. وتجاوز سماك الإحسان وسماه. وكان ابن عبد ربه من العلماء المكثرين من المحفوظات والاطلاع على أخبار الناس. وكتابه العقد الفريد من الكتب الممتعة حوى من كل معنى شهي وكل نادرة غريبة (نفح الطيب للمقري)

أبو الفرج الأصبهاني (284-356هـ) (897-967م)
هو علي بن الحسين القرشي الأموي الكاتب صاحب كتاب الأغاني. وحده مروان آخر خلفاء بني أمي. وهو أصبهاني الأصل بغدادي المنشأ. كان من أعيان أدبائها وأفراد مصنفيها. وكان عالماً بأيام الناس والأنساب والسير. كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار ما لم ير قط من يحفظ مثله. ويحفظ دون ذلك من عوم أخر منها اللغة والنحو ونتف من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك. وله شعر يجمع إتقان العلماء وإحسان الظرفاء
(5/282)

والشعراء. وله المصنفات المستملحة منها كتاب الأغاني الذي وقع الاتفاق على أنه لم يعمل في بابه مثله. يقال أنه جمعه في خمسين سنة وحمله إلى سيف الدولة بن حمدان فأعطاه ألف دينار واعتذر إليه. وحكي عن الصاحب بن عباد أنه كان في أسفاره وتنقلاته يستصحب حمل ثلاثين جملاً من كتب الأدب ليطالعها. فلما وصل إليه كتاب الأغاني لم يكن بعد ذلك يستصحب سواه استغناء به عنها. ومنها كتاب الإماء الشواعر وكتاب الديارات وكتاب الحانات وآداب الغرباء. وحصل له ببلاد الأندلس كتب صنفها لبني أمية ملوك الأندلس يوم ذاك وسيرها إليهم سراً وجاءه الأنعام منهم سرا. ومن ذلك كتاب أيام العرب وسبعمائة يوم وكتاب التعديل والافتصاف في مآثر العرب ومثالبها وغير ذلك وكان منقطعاً إلى وزير المهلبي وله فيه مدائح منها قوله:
ولما انتجعنا لائذين بظله ... أعان وما عني ومن وما منا
وردنا عليه مقترين فراشنا ... وردنا نداه مجدبين فاخصبنا (لابن خلكان)

بديع الزمان (353-398هـ) (964-1008م)
هو أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني مفخر همذان ونادرة الفلك وبكر عطارد وفريد الدهر وغرة العصر. ومن لم يلف نظيره في ذكاء القريحة وسرعة الخاطر وشرف الطبع. وصفاء الذهن وقوة النفس. ولم يدرك قرينه في ظرف النثر وملمحه وغرر النظم ونكته. ولم يرو أن أحداً بلغ مبلغه من لب الأدب وسره. وجاء بمثل إعجازه وسحره. فإنه كان صاحب عجائب وبدائع وغرائب ولقبه بالبديع يدل على قدره. فمنها أنه كان ينشد القصيدة لم يسمعها قط وهي أكثر من خمسين بيتاً. فيحفظها كلها ويوردها إلى آخرها لا ينخرم حرف منها. وينظر في الأربع والخمس الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرة واحدة خفيفة ثم يعيدها عن ظهر قلبه. هذا ويسردها سرداً. وكان يقترح عليه عمل قصيدة وإنشاء رسالة في معنى غريب وباب بديع. فيفرغ منها في الوقت والساعة والجواب ما فيها. وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه فيبتدئ بآخر سطوره ثم هلم جرا إلى الأول ويخرجه كأحسن شيء وأملحه. ويوشح القصيدة الفريدة من قبله بالرسالة الشريفة من إنشائه. فيقرأ من النظم النثر ومن النثر النظم. ويعطي القوافي الكثيرة فيصل بها الأبيات الرشيقة. ويقترح عليه كل عروض من النظم والنثر في فيرتجعه في أسرع من الطرف على ريق لا يبلعه ونفس لا يقطعه. وكلامه كله عفو الساعة وفيض اليد ومسارقة القلم ومجارات الخاطر. وكان مع هذا مقبول الصورة خفيف الروح حسن العشرة ناصع الطرف. عظيم الخلق شريف النفس. كريم العهد خالص الود. حلو الصداقة مر العداوة. فارق همذان سنة ثمانين وثلاثمائة وهو مقتبل الشبيبة غض الحداثة. وقد درس على أبي الحسين ابن فارس وأخذ عنه جميع ما عنده. واستنفذ علمه وورد حضرة الصاحب أبي القاسم بن عباد.
(5/283)

نتزود من ثمارها وحسن آثارها. وولي نيسابور في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة. فنشر بها بزه وأظهر طرزه وأملى أربعمائة مقامة نحلها أبا الفتح الإسكندري في الكدية وغيرها. وضمنها ما تشتهي الأنفس من لفظ أنيق. قريب المأخذ. بعيد المرام. وسجع رشيق المطلع والمقطع كسجع الحمام. وجد يروق فيملك القلوب وهزل يشوق فيسحر العقول. ثم ألقى عصاه بهراة فعاش فيها عيشة راضية. وحين بلغ أشده واربى على أربعين سنة ناداه الله فلباه وفارق دنياه. فقامت نوادب الأدب وانثلم حد القلم. وبكاه الفضائل والأفاضل. ورثاه الأكارم مع المكارم. على أنه ما مات من لم يمت ذكره. ولقد خلد من بقي على الأيام نظمه ونثره (اليتيمة للثعالبي)

أبو منصور الثعالبي (350-429هـ) (961-1038م)
هو أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري كان في وقته راعي تلعات العلم. وجامع أشتات النثر والنظم. ورأس المؤلفين في زمانه. وإمام المصنفين بحكم قرآنه. وسار ذكره سير المثل. وضربت إليه آباط الإبل. وطلعت دواوينه في المشارق والمغارب. طلوع النجم في الغياهب. تآليفه أشهر مواضع. وأبهر مطالع. وأكثر روا لها وجامع. من أن يستوفيها أحد أو وصف. أو يوفي حقوقها نظم أو رصف. وذكر له طرف من النثر ونورد شيئاً من نظمه. فمن ذلك ما كتبه إلى الأمير أبي الفضل الميكالي:
لك في المفاخر البلاغة جمة ... أبدا لغيرك في الورى لم تجمع
بحران بحر في البلاغة شابه ... شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعي
وترسل الصابي يزين علوه ... خط ابن مقلة ذو المحل الأرفع
شكرا فكم من فقرة لك كالغنى ... وافى الكريم بعبد فقر مدقع
وإذا تفتق نور شعرك ناضرا ... فالحسن بين مرصع ومصرع
أرجلت فرسان الكلام ورضت أفراس البديع وأنت أمجد مبدع
ونقشت في فص الزمان بدائعاً ... تزري بآثار الربيع الممرع
وله من التآليف يتيمة الدهر. في محاسن أهل العصر. وهو أكبر كتبه وأحسنها وأجمعها. وفيها يقول أبو الفتوح نصر الله بن قلاقس الشاعر الإسكندري المشهور:
أبيات أشعار اليتيمة ... أبكار أفكار قديمه
ماتوا وعاشت بعدهم ... فلذاك سميت اليتيمه
وله أيضا كتاب فقه اللغة وسحر البلاغة وسر البراعة. ومونس الوحيد في المحاضرات. جمع فيها أشعار الناس وأخبارهم. وفيها دلالة على كثرة اطلاعه (الذخيرة لابن بسام)

الحريري (446-516هـ) (1054-1122م)
هو أبو محمد القاسم بن علي الحريري البصري الحرامي صاحب المقامات. كان أحد
(5/284)

أئمة عصره ورزق الحظوة التامة في عمل المقامات. واشتملت على شيء كثير من كلام العرب من لغاتها وأمثالها ورموز أسرار كلامها ومن عرفها حق معرفتها استدل بها على فضل هذا الرجل وكثرة اطلاعه وغزارة مادته. وكان سبب وضعه لها ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله قال: كان ابي جالساً في مسجد بني حرام فدخل شيخ ذو طمرين عليه أهبة السفر. رث الحال فصيح الكلام حسن العبارة. فسألته الجماعة من أين الشيخ. فقال: من سروج. فاستخبروه عن كنيته فقال: أبو زيد. فعمل أبي المقامة المعروفة بالحرامية وهي الثامنة والأربعون وعزاها إلى أبي زيد المذكور واشتهرت. فبلغ خبرها الوزير شرف الدين أبا نصر أنوشروان بن خالد بن محمد القاشاني وزير الإمام المسترشد بالله فلما وقف عليها أعجبته وأشار على والدي أن يضم إليها غيرها. فأتمها خمسين مقامة. وغلى الوزير المذكور أشار الحريري في خطبة المقامات بقوله: فأشار من إشارته حكم. وطاعته غنم. إلى أن أنشئ مقامات أتلو فهيا تلو البديع. وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع. وقد اعتنى بشرحها خلق كثير فمنهم من طول ومنهم من اختصر. ورأيت في بعض المجاميع أن الحريري لما عمل المقامات كان قد عملها أربعين مقامة وجملها من البصرة غلى بغداد وادعاها فلم يصدقه في ذلك جماعة من أدباء بغداد. وقالوا: إنها ليست من تصنيفه بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة مات بالبصرة ووقعت أوراقه إليه فادعاها. فاستدعاه الوزير إلى الديوان واقترح عليه إنشاء رسالة في واقعد عينها. فأخذ الدواة والورقة ومكث زمانا كثيراً فلم يفتح الله عليه بشيء من ذلك. فقام وهو خجلان فقال فيه أبو القاسم علي بن أفلح:
شيخ لنا من ربيعه الفرس ... ينتف عثنونه من الهوس
أنطقه الله بالمشان كما ... رماه وسط الديوان بالخرس
وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفرس. وكان مولعا بنتف لحيته عند الفكرة وكان يسكن في مشان البصرة. فلما رجع إلى بلده عمل عشر مقامات أخر وسيرهن واعتذر من عيه وحصره في الديوان لما لحقه من المهابة. وللحريري تآليف حسان منها درة الغواص في أوهام الخواص. ومنها ملحة الأعراب المنظومة في النحو وله أيضاً شرحها. وله ديوان رسائل وشعر كثير غير شعره الذي في المقامات. وله قصائد استعمل فيها التجنيس كثيرا. ويحكى أنه كان دميماً قبيح المنظر. فجاءه شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئاً فلما رآه استزرى شكله ففهم الحريري ذلك منه. فلما التمس منه أن يملي عليه قال له اكتب:
ما أنت أول سار غره قمر ... ورائد أعجبته خضرة الدمن
فاختر لنفسك غيري أنني رجل=مثل المعيدي فاسمع بي ولا ترني فخجل الرجل منه وانصرف. وتوفي الحريري بالبصرة (لابن خلكان)
(5/285)

الشريشي (557-619هـ) (1162-1222م)
هو الكمال أبو العباس أحمد من أهل شريش. وله تآليف أفاد بما حشد فيها منا جمع مشاهير قصائد العرب وشروح لقمامات الحريري كبير ووسط وصغير وفي الكبير من الآداب ما لا كفء له. لم يترك منها فائدة إلا استخرجها. ولا فريدة إلا استدرجها. ولا نكتة إلا علقها. ولا غريبة إلا استحقها. فجاء شرحه يغني عن كل شرح. وكان الشريشي يقرئ العربية وأخذ عنه جماعة وأقام في بلنسية ثم رحل إلى اشبيلية وانتقل إلى المشرق. وكانت وفاته بشريش بلده.

ابن أبي الرندقة الطرطوشي (451-520هـ) (1059-1126م)
هو الفقيه العالم أبو بكر الفهري الطرطوشي صاحب سراج الملوك وكفى هذا الكتاب دليلا على فضله. وكان زاهدا عابدا متورعا متقللا من الدنيا قوالا للحق. وكان يقول: إذا عرض لك أمر دنيا وأخرى فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا. وصحب بسرقسطة القاضي أبا الوليد وأخذ عنه مسائل في الحساب والفرائض. وقرأ الأدب على أبي محمد بن حزم بمدينة اشبيلية ثم رحل إلى المشرق سنة ست وسبعين وأربعمائة. ودخل بغداد والبصرة فتفقه هنالك عند أبي بكر الشاشي وأبي محمد الجرجاني وسمع بالبصرة من أبي علي التستري. وسكن الشام مدة ودرس بها وكان راضيا باليسير. قال الصفدي في ترجمة الطرطوشي: أن الأفضل ابن أمير الجيوش أنزله في مسجد شقيق الملك بالقرب من الرصد وكان يكرهه. فلما قتل الأفضل ولي بعده المأمون بن البطائحي فأكرم الشيخ إكراماً كثيراً أوله ألف الشيخ سراج الملوك. ومن تآليفه مختصر تفسير الثعالبي والكتاب الكبير في مسائل الخلاف. وتوفي بالإسكندرية وشهرته تغني عن الأطناب فيه. وحكي أنه كتب على سراج الملوك الذي أهداه لولي الأمر بمصر:
الناس يهدون على قدرهم ... لكنني أهدي على قدري
يهدون ما يفنى وأهدي الذي ... يبقى على مر الأيام والدهر (للمقري)

بهاء الدين العالمي (953-1031هـ) (1547-1622م)
الشيخ العلامة اللوذعي بهاء الدين بن حسين العاملي هو علم الأئمة الأعلام. وسيد علماء الإسلام. وبحر العلم المتلاطمة أمواجه. وفحل الفضل الناتجة لديه أفراده وأزواجه. وطود المعارف الراسخ. وفاؤها الذي لا تحد له فراسخ. وجوادها الذي لا يؤمل له لحاق. وبدرها الذي لا يعتريه محاق. إليه انتهت رئاسة المذهب والملة. وبه قامت قواطع البراهين والأدلة. جمع فنون العلم فانعقد عليه الإجماع وتفرد بصنوف الفضل فبهر النواظر والأسماع. فما من فن إلا وله فيه القدم المعلى. والمورد العذب المحلى. إن قال لم يدع قولاً لقائل. أو طال لم يأت غيره بطائل. ومن مصنفاته التفسير المسمى بالعروة الوثقى والزبدة في الأصول وخلاصة الحساب
(5/286)

والمخلاة والكشكول فيه كل نادرة من علوم شتى وتشريح الأفلاك وغير ذلك من الرسائل المختصرة والفوائد المحررة. وكان مولده بقزوين ثم خرج من بلده وتنقلت به الأسفار إلى أن وصل إلى أصفهان. فوصل خبره إلى سلطانها شاه عباس فطلبه لرئاسة العلماء. فوليها وعظم قدره وارتفع شأنه ثم دخل مصر. وامتدح بها الأستاذ أبا الحسن البكري بقصيدة مطلعها:
يا مصر سقيا لك من جنة ... قطوفها يانعة دانية
ثم قدم القدس ولزم فناء المسجد الأقصى. وكان متسما بلبس السياح مؤنسا بالوحشة دون الإيناس. ثم أقلع إلى حلب ورجع إلى أصفهان فتوفي فيها (لأحمد المتنبي)

أبو إسحاق القيرواني (390-453هـ) (1000-1061م)
هو أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم المعروف بالحصري القيرواني الشاعر المشهور. له ديوان شعر وكتاب زهر الآداب وثمر الألباب جمع فيه كل غريبة في ثلاثة أجزاء. وكتاب المصون في سر الهوى المكنون. في مجلد واحد فيه ملح وآداب. ذكره ابن الرشيق في كتابه الأنموذج وحكى شيئا من أخباره وأحواله وأنشد جملة من أشعاره وقال: كان شبان القيروان يجتمعون عنده ويأخذون عنه. ورأس عندهم وشرف لديهم. وسارت تأليفاته وانثالت عليه الصلات من الجهات. وتوفي أبو إسحاق المذكور بقيروان

أهل الرواية واللغة من المسلمين
الأصمعي (123-216هـ) (741-831م)
هو أبو سعيد عبد الملك الباهلي من أبناء عدنان. وكان عالما عارفا بأشعار العرب وآثارها. كثير التطوف في البوادي لاقتباس علومها وتلقي أخبارها. فهو صاحب غرائب الأشعار. وعجائب الأخبار. وقدوة الفضلاء. وقبلة الأدباء. قد استولى على الغايات في حفظ اللغات وضبط العلوم الأدبيات. صاحب دين متين. وعقل رصين. وكان خاصا بالرشيد آخذا لصلاته. وله من التصانيف كتاب خلق الإنسان وكتاب الأجناس وكتاب الأنواء وكتاب الخيل وكتاب الإنشاء وكتاب الأمثال وكتاب النوادر وكتاب النبات وغير ذلك وكان هارون الرشيد قد استخلصه لمجلسه. وأجازه علي أبو يوسف القاضي بجوائز كثيرة وعمر نيفا وتسعين سنة ورثاه الحسن بن مالك:
لا در نبات الأرض إ فجعت ... بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا
عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى ... في الناس منه ولا من علمه خلفا

سيبويه (621-161هـ) (739-778م)
هو أبو بشر عمرو الحارثي وسيبويه ومعناه بالفارسية رائحة التفاح. وكان من
(5/287)

أهل فارس ومنشأه بالبصرة. وكان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو كان أخذه عن الخليل. ولم يوضع فيه مثل كتابه. قال الجاحظ: أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك ففكرت في شيء أهديه فلم أجد شيئا أشرف من كتاب سيبويه. فقال: والله ما أهديت إلى شيئا أحب إلي منه. وكان يقال بالبصرة: قرأ فلان الكتاب. فيعلم انه كتاب سيبويه. وكان أبو العباس المبرد إذا أراد مريد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه يقول له: هل ركبت البحر. تعظيما لكتاب سيبويه واستصعابا لما فيه. وكان أبو عثمان المازني يقول: من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستح. ولما ورد سيبويه إلى بغداد من البصرة والكسائي يومئذ يعلم الأمين بن هارون الرشيد فجمع بينهما وتناظرا. وجرى مجلس يطول شرحه. وزعم الكسائي أن العرب تقول: كنت أظن الزنبور أشد لسعا من النحلة فإذا هو إياها فقال سيبويه: ليس المثل كذا بل: فإذا هو هي: وتشاجرا طويلا واتفقا على مراجعة عربي خالص لا يشوب كلامه شيء من كلام أهل الحضر وكان الأمين شديد العناية بالكسائي لكونه معلمه. فاستدعى عربيا وسأله. فقال كما قال سيبويه. فقال له: نريد أن تقول كما قال الكسائي. فقال: إن لساني لا يطاوعني على ذلك فإنه ما يسبق إلا إلى الصواب. فقرروا معه أن شخصا يقول: قال سيبويه كذا. وقال الكسائي كذا. فالصواب مع من منهما. فيقول العربي: مع الكسائي. فقال: هذا يمكن. ثم عقد لهما المجلس واجتمع أئمة هذا الشأن وحضر العربي وقيل له ذلك فقال: الصواب مع الكسائي وهو كلام العرب. فعلم سيبويه أنهم تحاملوا عليه وتعصبوا للكسائي فخرج من بغداد وقد حمل في نفسه لما جرى عليه وقصد فارس فتوفي بشيراز (ملخص عن نزهة الألباء وابن خانكان)

سياح المسلمين
ابن بطوطة (703-777هـ) (1304-1376م)
هو أبو عبد الله بن إبراهيم اللواتي الطنجي الملقب بشمس الدين ابن بطوطة. وهو الذي طاف الأرض معتبرا. وطوى الأمصار مختبرا. وباحث فرق الأمم. وسبر سير العرب والعجم. ثم ألقى عصا التسيار بحاضرة فاس العليا وكان مولده بطنجة سنة ثلاث وسبعمائة. وكان خروجه من موطنه عام خمسة وعشرين وسبعمائة وله من العمر اثنتان وعشرون سنة. فأخذ يتقلب في بلاد العراق ومصر والشام واليمن والهند ودخل مدينة دهلي حاضرة ملك الهند وهو السلطان محمد شاه. واتصل بملكها لذلك العهد وهو فيروزجوه. وكان له منه مكان واستعمله بخطة القضاء بمذهب المالكية في عمله. ثم ساح في الأقطار الصينية والتترية وأواسط أفريقية في بلاد السودان وفي الأندلس. ثم انقلب إلى المغرب واتصل بالسلطان أبي عنان من ملوك بني مرين. وكان يحدث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الأرض. ويأتي من أحواله ما يستغربه السامعون. فغمره أبو عنان من إحسانه الجزيل وامتنانه الحفي الحفيل.
(5/288)

ما أنساه الماضي بالحال. وأغناه عن طول الترحال. فأنفذ إليه الملك بأن يملي محمد بن جزي الكلبي ما شاهده في رحلته من الأمصار. وما علق بحفظه من نوادر الأخبار. فأملى من ذلك ما فيه نزهة الخواطر. وبهجة المسامع والنواظر. من كل غريبة أفاد باجتلائها. وعجيبة أطرف بانتحائها. فامتثل ابن جزي ما أمر به. فضم أطراف ما أملاه ابن بطوطة في تصنيف جاء على فوائده مشتملا. ولنيل مقاصده مكملا. فوسمه بتحفة النظار. في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. (لابن جزي)

ابن جبير (540-614هـ) (1145-1217م)
هو أبو الحسين الكناني صاحب الرحلة. ولد ببلنسية وعني بالأدب فبلغ الغاية فيه وتقدم في صناعة القريض والكتابة. ومن شعره قوله وقد دخل إلى بغداد فاقتطع غصنا نضيرا من أحد بساتينها فذوى في يده:
لا تعترب عن وطن ... واذكر تصاريف النوى
أما ترى الغصن إذا ... ما فارق الأصل ذوى
وقوله يخاطب من أهدى له موزا: يا مهدي الموز تبقى=وميمه لك فاء
وزايه عن قريب ... لمن يعاديك تاء
ثم رحل إلى دمشق ودخل بغداد وانكفأ راجعا إلى المغرب وكان انفصاله عن غرناطة ثانية بقصد الرحلة الشرقية سنة 578. ونزل البر الإسكندري وتجول في البلاد ودخل الشام والعراق والجزيرة ورحلته مشهورة بأيدي الناس وكانت وفاته بالإسكندرية.

ابن سعيد (610-673هـ) (1214-1275م)
هو أبو الحسن نور الدين بن سعيد الأديب الرحالة الطرفة العجيب الشأن في التجول في الأقطار ومداخلة الأعيان. المتمتع بالخزائن العلمية. وتقييد الفوائد المشرقية والمغربية. أخذ من أعلام اشبيلية وتآليفه كثيرة منها المرقصات والمطربات وموضوعات غريبان في أسفاره إلى المغرب والمشرق. وتعاطى نظم الشعر في حد من الشبيبة يعجب فيه من ذلك قوله في صفة نهر:
كأنما النهر صفحة كتبت ... أسطرها والنسيم ينشئها
لما أبانت عن حسن منظرها ... مالت عليها الغصون تقرؤها
وقال باقتراح الملك الصالح صاحب حمص أن يكتب بالذهب على تفاحة عنبر قدمها لابن عمه الملك الصالح ملك الديار المصرية:
أنا لون الشباب والخال أهدي ... ت لمن قد كسا الزمان شبابا
(5/289)

ملك العالمين نجم بني أيو ... ب ولا زال في المعالي مهابا
جئت ملأى من الثناء عليه ... من شكوري احسانه والثوابا
لست ممن له خطاب ولكن ... قد كفاني أريج عرفي خطابا
ثم قفل غلى مصر ولقي هاء الدين زهيراً وجمال الدين بن مطروح. ثم تحول إلى دمشق ودخل على السلطان المعظم وحضر مجلس خلوته. ودخل الموصل وبغداد ورحل إلى البصرة ودخل أرجان ثم عاد إلى المغرب. وصنف في رحلته مجموعا سماه بالنفحة المسكية. واتصل بخدمه الأمير أبي عبد الله المستنصر فنال الدرجة الرفيعة من حظوته إلى أن توفي بتونس.

فلاسفة الإسلام وأطباؤهم
(ابن رشد 595هـ - 1198م) (الرازي 311هـ - 923م)
ابن رشد هو أبو الوليد المالكي وزير دهره وعظيمه وفيلسوف عصره وحكيمه. وكان عالماً بالرأي متفنناً للعلوم تولى رئاسة الفتاوى في مراكش ثم استوطن إشبيلية فاشتهر بالتقدم في علم الأول حتى فاق أهل زمانه وطارد ذكره إلى أقطار الأندلس والمغرب فاستدعاه سلطان مراكش إلى حاضرته ولقي عنده حظوة وشمله بالصلات والمكارم وكانت وفاته في مراكش وله تآليف جليلة عزيزة الوجود منها الكليات في الطب وتعريب مصنفات أرسطاطاليس وتلخيصها. وأما الرازي فهو أبو بكر بن زكريا المشهور أقبل في شبيبته على دراسة كتب الطب والفلسفة والكيمياء قرأها قراءة رجل متعقب على مؤلفيها فبلغ من معرفة غوابرها الغاية وأضحى إمام وقته في الطب وعلوم الأوائل والمشار إليه في ذلك العصر تشد غليه الرحال لأخذها عنه وصنف فيها الكتب النافعة فمن ذلك كتاب الحاوي وهو عمدة الأطباء في النقل منه والرجوع إليه عند الاختلاف. ومنها كتاب في إثبات صناعة الكيمياء وتصانيف كثيرة كلها يحتاج إليها. ودبر الرازي مارستان الري وبغداد في أيام المكتفي وعمي في آخر عمره

ابن زهر (507-595هـ ((1114-1198)
كان من أهل بيت كلهم علماء رؤساء حكماء وزراء نالوا المراتب العلية وتقدموا عند الملوك ونفذت أوامرهم. قال الجاحظ: وكان ابن زهر بمكان من اللغة مكين. ومورد من الطب عذب معين كان يحفظ شعر ذي الرمة وهو ثلث لغة العرب مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب والمنزة العليا عند أصحاب المغرب مع سمو النسب وكثرة الأموال والنشب. ومن شعره قوله:
ولي واحد مثل فرخ القطا ... صغير تخلف قلبي لديه
نأت عنه داري فيا وحشتا ... لذلك الشخيص وذاك الوجيه
تشوقني وتشوقته ... فيبكي علي وابكي عليه
(5/290)

لقد تعب الشوق ما بيننا ... فمنه إلي ومني إليه
وله وقد شاخ وغلب عليه الشيب:
إني نظرت إلى المرآة إذ جليت ... فأنكرت مقلتاي ك ما رأتا
رأيت فيها شيخا لست أعرفه ... وكنت أعهده من قبل ذاك فتى
فقلت أين الذي بالأمس كان هنا ... متى ترحل عن هذا المكان متى
فاستضحكت ثم قالت وهي معجبة ... إن الذي أنكرته مقلتاك أتى
كانت سليمى تنادي يا أخي وقد ... صارت سليمى تنادي اليوم يا أبتا
وأوصى أنه إذا مات يكتب على قبره هذه الأبيات وفيها إشارة إلى طبه ومعالجته للناس وهي:
تأمل بحقك يا واقفا ... ولاحظ مكانا دفعنا إليه
تراب الضريح على وجنتي ... كأني لم أمش يوما عليه
أداوي الأنام حذار المنون ... وها أنا قد صرت رهنا لديه
وتوفي ممتحنا بعلة بين كتفيه بمدينة قرطبة (لابن خانكان)

ابن سينا (370-428هـ) (980-1037م)
هو أبو علي الحسين بن سينا الشيخ الرئيس حكى عن نفسه قال: إن أبي كان رجلا من بلخ. ثم انتقلنا إلى بخارى في أيام نوح بن منصور وأحضرت معلم القرآن والأدب. فكملت العشر من العمر وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب حتى كان يقضى مني العجب. ثم جاء إلى بخاري أبو عبد الله الناتلي وكان يدعي الفلسفة فأنزله أبي دارنا رجاء تعلمي منه. فقرأت ظواهر المنطق عليه وإما دقائقه فلم يكن عنده منها خبره. ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي وأطالع الشروح وكذلك كتاب إقليدس فقرأت من أوله خمسة أشكال أو ستة عليه. ثم توليت حل الكتاب بأسره. ثم انتقلت إلى المجسطي وفارقين الناتلي ثم رغبت في علم الطب وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه وتعهدت المرضى فانفتح علي من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف. وأنا في هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة. ثم توفرت على القراءة سنة ونصفا ولكما كنت أتحير في مسألة أو لم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الصلاة وابتهلت إلى مبدع الكل حتى فتح لي المغلق والمتعسر. وكنت أرجع بالليل إلى داري واضع السراج بين يدي واشتغل بالقراءة والكتابة. فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف عدلت إلى شرب قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي. ثم أرجع إلى القراءة ومتى أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها. حتى أن كثيرا منها انفتح لي وجوهها في المنام. ولم أزل كذلك حتى أحكمت علم المنطق والطبيعي والرياضي. ثم عدت إلى العلم الإلهي وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة. فما كنت أفهم ما فيه والتبس علي غرض واضعه. حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظا وأنا مع ذلك لا أفهمه.
(5/291)

وأيست من نفسي وقلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه. وإذا أنا يوماً حضرت وقت العصر في سوق الوراقين وبيد دلال مجلد ينادي عليه. فعرضه علي فرددته رد متبرم معتقد أن لا فائدة في هذا العلم. فقال لي: اشتر مني هذا فإنه رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم وصاحبه محتاج إلى ثمنه فاشتريته فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة. فرجعت إلى بيتي وأسرعت قراءته فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب أنه قد صار لي على ظهر القلب. وفرحت بذلك وتصدقت بشيء على الفقراء شكرا لله تعالى. فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري فرغت من هذه العلوم كلها وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ ولكنه اليوم معي أنضج وإلا فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده شيء. ثم مات والدي وتصرفت بي لأحوال وتقلدت شيئا من أعملا السلطان. ودعتني الضرورة إلى الارتحال من بخارى والانتقال عنها إلى جرجان. وكان قصدي الأمير قابوس.. فاتفق في أثناء هذا أخذ قابوس وحبسه وموته. ثم مضيت إلى دهستان ومرضت بها مرضا صعبا وعدت إلى جرجان (اه) . قال أبو عبيد الجوزجاني: وصنف ابن سينا بجرجان أول القانون ومختصر المجسطي وغير ذلك. ثم انتقل إلى الري واتصل بخدمة السيدة وابنها مجد الدولة. ثم خرج إلى قزوين ومنها إلى همذان فاتصل بخدمة كربانويه وتولى النظر في أسبابها. ثم سألوه تقلد الوزارة فتقلدها ثم اتفق تشويش العسكر عليه واشفاقهم منه على أنفسهم. فكبسوا داره وأخذوه إلى الحبس وأخذوا جميع ما كان يملكه. وساموا الأمير شمس الدولة قتله. فامتنع منه وعدل إلى نفيه عن الدولة طلبا لمرضاتهم. فتوارى الشيخ في دار بعض أصدقائه أربعين يوما فعاد الأمير طلبه وقلده الوزارة ثانيا. ولما توفي شمس الدولة وبويع ابنه طلبوا أن يستوزر الشيخ فأبى عليهم وتوارى في دار أبي غالب العطار. وهناك أتي على جميع الطبيعيات والإلهيات ما خلا كتابي الحيوان والنبات من كتاب الشفاء وكاتب علاء الدولة سرا يطلب المسير إليه فاتهمه تاج الملك بمكاتبته وأنكر عليه ذلك. وحث في طلبه فدل عليه بعض أعدائه فأخذوه وأدوه إلى قلعة يقال لها بردوان وأنشأ هناك قصيدة منها:
دخولي باليقين كما تراه ... وكل الشك في أمر الخروج
وبقي فيها أربعة أشهر ثم أخرجوه وحملوه إلى همذان. ثم خرج منها متنكرا وأنا وأخوه وغلامان معه في زي الصوفية. إلى أن وصلنا إلى أصفهان فصادف في مجلس علاء الدولة الإكرام والإعزاز الذي يستحقه مثله وصنف هناك كتبا كثيرة. وكان سبب موته قولنج عرض له. وكان ينتكس ويبرأ كل وقت ثم قصد علاء الدولة همذان وسار معه الشيخ. فعاودته في الطريق تلك العلة إلى أن وصل إلى همذان. وعلم أن قوته قد سقطت وأنها لا تفي بدفع المرض. فأهمل مداواته لنفسه وأخذ يقول المدبر الذي كان يدبرني قد عجز عن التدبير. والآن فلا تنفع المعالجة وبقي على هذا أياما ثم انتقل إلى جوار ربه ودفه بهمذان. وفيه قال بعضهم:
(5/292)

ما نفع الرئيس من حكمه الط ... ب ولا حكمه على النيرات
ما شفاه الشفاء من ألم المو ... ت ولا نجاة كتاب النجاة
وكفر الغزالي ابن سينا في أصول. منها قوله لأجساد لا تحشر وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح وقوله بقدم العالم واعتقاد هذا كفر صريح (لأبي الفرج الملطي)

مؤرخو المسلمين
ابن الأثير (555-630هـ) (1159-1233م)
أبو الحسن علي بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري الملقب عز الدين. ولد بالجزيرة ونشأ بها ثم سار إلى الموصل مع والده وأخويه. وسكن الموصل وسمع بها من أبي الفضل عبد الله بن أحمد الخطيب الطوسي ومن في طبقته. وقد بغداد مرارا حاجا ورسولا من صاحب الموصل. ثم رحل إلى الشام والقدس وسمع هناك من جماعة. ثم عاد إلى الموصل ولزم بيته منقطعا إلى التوفير على النظر في العلم والتصنيف. وكان بيته مجمع الفضل لأهل الموصل والواردين عليها. وكان إماما في حفظ الحديث ومعرفته وما يتعلق به وحافظا للتواريخ المتقدمة والمتأخرة. وأخيرا بأنساب العرب وأيامهم ووقائعم وأخبارهم. صنف في التاريخ كتابا كبيرا سماه الكامل ابتدأ فيه من أول الزمان إلى آخر سنة ثمان وعشرين وستمائة. وهو من خيار التواريخ واختصر كتاب الأنساب لأبي سعد عبد الكريم المسعاني. واستدرك عليه فيه مواضع ونبه على أغلاط. وزاد أشياء أهملها. وهو كتاب مفيد جدا وأكثر ما يوجد اليوم بأيدي الناس هذا المختصر. وله كتاب أخبار الصحابة في ست مجلدات كبار. وأقام بحلب بصورة الضيف عند الطواشي شهاب الدين طغريل الخادم أتابك الملك العزيز ابن الملك الظاهر صاحب حلب وكانت فيها وفاته (لابن خلكان) ابن خلدون (732-808هـ) (1332-1406م)
هو محمد بن عبد الرحمان بن خلدون الحضرمي قاضي القضاة وينسب سلفه غلى وائل بن حجر من عرب اليمن. وكانوا نزلاء اشبيلية فعند الحادثة بالأندلس انتقلوا منها عن نباهة وشهرة واستقروا بتونس. وأما المترجم به فهو رجل فاضل حسن الخلق. جم الفضائل باهر الخصل. رفيع القدر ظاهر الحياء. أصيل المجد وقور المجلس. خاصي الزي عالي الهمة. عزوف عن الضيم صعب المقادة. قوي الجاش طامح لفتن الرئاسة. خاطب للحظ متقدم في فنون عقلية ونقلية. متعدد المزايا سديد البحث كثير الحفظ صحيح التصور. بارع الخط مغرى بالتجلة. جواد حسن العشرة مبذول المشاركة. مقيم لرسم التعين عاكف على رعي خلال الأصالة. مفخر من مفاخر التخوم المغربية. قرأ القرآن ببلده. وتأدب بأبيه وانصرف من أفريقية منشئه
(5/293)

بعد أن تعلق بالخدمة السلطانية على الحداثة وإقامته لرسم العلامة بحكم الاستبانة عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة. وعرف فضله وخطبه السلطان منفق سوق العلم والأدب أبو عنان فارس ابن علي بن عثمان واستحضره بمجلس المذاكرة. فعرف حقه وأوجب فضله واستعمله على الكتابة أوائل عام ستة وخمسين. ثم عظم عليه حمل الخاصة من طلبة الحضرة لبعده عن حسن التأني وشفوفه بثقوب الفهم وجودة الإدراك. فأغروا به السلطان. فأصابته شدة تخلصه منها أجله إلى أن أفضى الأمر إلى السعيد ولده. فاعتبه قيم الملك لحينه وأعاده غلى رسمه ودالت الدولة إلى السلطان أبي سالم وكان له به الاتصال قبل تسوغ المحنة بما أكد حظوته. فقلده ديوان الإنشاء مطلق الجرايات محرر السهام نبيه الرتبة إلى آخر أيامه. ولما ألقت الدولة مقادها بعده إلى الوزير عمر بن عبد الله مدبر الأمر وله إليه وسيلة وفي حليه شركة وعنده حق رابه تقصيره عما ارتمى إليه أمله فساء ما بينهما بما آلي إلى انفصاله عن الباب المريني. وورد على الأندلس في أول ربيع الأول عام أربعة وستين وسبعمائة. واهتز له السلطان وأركب خاصته لتلقيه وأكرم وفادته. وخلع عليه وأجلسه بمجلسه. ولم يدخر عنه برا ومؤاكلة ومراكبة ومطايبة. وله التاريخ الكبير الذي سماه ديوان العبر وكتاب المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. وقد عرف في آخره بنفسه وأطال وذكر أنه لما كان بالأندلس وحظي عند السلطان أبي عبد الله شم من وزيره ابن الخطيب رائحة الانقباض فقوض الرحال ولم يرض من الإقامة بحال. ولعب بكرته صوالجة الأقدار. حتى حل بالقاهرة المعزية وتخذها خير دار. وتولى بها قضاء القضاة. ثم قدم على تمرلنك. فأكرمه غاية الإكرام وأعاده إلى الديار المصرية. وقد كان ابن خلدون هذا من عجائب الزمان. وله من النظم والنثر ما يزري بعقود الجمان. مع الهمة العلية. والتبحر في العلوم النقلية والعقلية. وكانت وفاته بالقاهرة. قال الحاج خليفة: ومقدمة ابن خلدون المشهورة هي الكتاب الأول من تاريخه المذكور آنفا وهي في العمران وما يعرض له. ولابن خلدون نظم رائق منه قوله يهنئ بعض الوزراء:
هنيئا بصوم لا عداه قبول ... وبشرى بعيد أنت فيه منيل
وهنئتها من عزة وسعادة ... تتابع أعوام بها وفصول
سقى الله دهرا أنت إنسان عينه ... ولامس ربعا في حماك محول
فعصرك مابين الليالي مواسم ... لها غرر وضاحة وحجول (للمقري)

أبو الفداء (672-732 هـ) (1273-1331 م)
إسماعيل بن علي بن شذي الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء صاحب حماة برع في الفقه والأصول والعربية والتاريخ والأدب وصار من جملة أمراء دمشق إلى أن كان الملك الناصر محمد بن قلاوون بالكرك بالغ في خدمته إلى أن وعده الملك الناصر محمد بسلطنة حماة
(5/294)

ثم قام بوعده بعد مدة وجعل أبا الفداء سلطانا على حماة. واحضره إلى القاهرة فأكرمه وأركبه بشعار السلطنة ومشى الأمراء والأكابر في خدمته حتى مشى الأمير أرغون النائب بالديار المصرية. وقام له الملك الناصر بكل ما يحتاج إليه من التشريف والإنعامات على وجوه الدولة والخيول بقماش الذهب وغير ذلك ولقبه بالملك الصالح وأمره بالتوجه إلى محل سلطنته بحماة. فخرج إليها من ديار مصر بتحمل زائد وعظمة على عادة الملوك. فوصلها في جمادى الآخرى سنة عشر وسبعمائة. وعاد معه إلى القاهرة وأذن له أن يخطب باسمه بحماة وأعماله إلى القاهرة ومعه أنواع من الهدايا والتحف للملك الناصر محمد بن قلاوون ويعود إلى محل سلطنته. ثم في كل قليل يتحف الملك الناصر بالأشياء الظريفة الغريبة. قال بعضهم في وصفه: هو الملك الجليل. وأما ظله ظليل. عالم تخفق بالنصر أعلامه. وحاكم تجري لمصالح الرعية أقلامه. بيته مشيد. وملكه مؤيد وصدره للطالبين مشروح. وبابه لأرباب الفضائل مفتوح. كان جوادا سخيا. باسلا كميا. ممدوحا محمودا. منتابا مقصودا. ذا تدبير وسياسة وحشمة ورئاسة. وفضل ومكارم. وحلم ومراحم وعدل وإنصاف. ومعروف وأوقاف. يحب أهل العلم والأدب. ويفيض عليهم سحائب القرب والقرب. زاحم بهمته النجوم. وشارك في عدة من العلوم. وألف تاريخا كثير الفوائد. ونظم الحاوي نظما يسخر بالعقود والقلائد. وله مصنفات معروفة. وقريض به قراضة ذهبه موصوفة. باشر النيابة ثم السلطنة بحماة مدة طويلة. وأسدى إلى سكان حماها ما استوجب به شكر مناقبه الجميلة وكان له نظم ونثر وتصانيف كثيرة. وكتاب تقويم البلدان هذبه وجدوله. وكتاب الموازين. وكانت وفاته بحماة ودفن في ترتبه المعروفة بإنشائه عن ستين سنة. ورثاه محمد بن نباتة المصري بعد مراثٍ أشهرها قوله:
ما للندى لا يلبي صوت داعيه ... أظن أن ابن شاذ قام ناعيه
ما للرجاء قد استدت مذاهبه ... وللزمان قد اسودت نواحيه
ما لي أرى الملك قد قضت مواقفه ... ما لي أرى الوفد قد فاضت مآقيه
نعى المؤيد ناعيه فيما أسفا ... للغيث كيف غدت عنا غواديه
وا روعتا لصباح من زريته ... أظن أن صباح الحشر ثانية
وا حسرتاه لنظمي في مدائحه ... كيف استحال لنظمي في مراثيه
أبكيه بالدر من جفني ومن كلمي ... والبحر أحسن ما بالدر أبكيه
أروي بدمعي ثرى ملك له شيم ... قد كان يذكرها الصادي فترويه
(5/295)

أذيل ماء جفوني بعده أسفا ... لماء وجهي الذي قد كان يحميه
جار من الدمع لا ينفك يطلقه ... من كان يطلق بالأنعام جاريه
ومهجة كلما فاهت لوعتها ... قالت رزية مولاها لها ايه
ليت المؤيد لا زادت عوارفه ... فزاد قلبي المعنى من تلظيه
ليت الأصاغر يفدى الأكبرون بها ... فكانت الشهب في الآفاق تفديه

الطبري (224-310هـ) (829-923م)
أبو جعفر محمد بن جرير صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير. كان أحد أئمة العلماء بحكم قوله يرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله. وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره. وكان بصيرا عارفا بأيام الناس. وتاريخه أصح التواريخ وأثبتها لم يقلد فيه أحدا. واستوطن الطبري بغداد وأقام فيها حتى توفي. وكان أسمر إلى الأدمة أعين نحيف الجسم مديد القامة فصيح اللسان ذكر له أبو إسحاق الشيرازي شعرا:
إذا أعرت لم يعلم شقيقي ... واستغني فيستغني صديقي
حبائي حافظ لي ماء وجهي ... ورفقي في مطالبتي رفيقي
ولو أني سمحت ببذل نفسي ... لكنت إلى الغنى سهل الطريق

تقي الدين المقريزي (766-845هـ) (1365-1442م)
هو أحمر بن عبد الصمد الشيخ الإمام العالم البارع عمدة المؤرخين وعين المحدثين تقي الدين المقريزي البعلبكي الأصل المصري الدار والوفاة. نشأ بالقاهرة وتفقه على مذهب الحنفية. ثم تحول شافعيا بعد مدة طويلة. وتفقه وبرع وصنف التصانيف المفيدة النافعة الجامعة لكل علم. وكان ضابطاً مؤرخاً مفنناً محدثاً معظماً في الدول. وفي حسبة القاهرة أول ولايته من قبل الملك الظاهر برقوق عوضا عن شمس الدين محمد النجانسي ثم عزل بالقاضي بدر الدين العينتابي ثم وليها عنه أيضا وولي عدة وظائف دينية. وعرض عليه قضاء دمشق في أوائل الدولة الناصرية فأبى أن يقبل ذلك. وكان إماماً مفنناً كتب الكتب الكثيرة بخطه وانتقى أشياء وحصل الفوائد. واشتهر ذكره في حياته وبعد موته في التاريخ وغيره. حتى صار به يضرب المثل. وكان له محاسن شتى ومحاضرة جيدة إلى الغاية لاسيما في ذكر السلف من العلماء والملوك وغير ذلك. وكان منقطعا في داره ملازما للعبادة قل أن يتردد إلى أحد إلا لضرورة. وقرأت عليه كثيرا من مصنفاته وكان يرجع إلى قولي فيما أذكره له من الصواب ويغير ما كتبه أولا في مصنفاته. وانتفعت به واستفدت منه وكان كثير الكتباة والتصنيف. وصنف كتبا كثيرة من ذلك إمتاع الأسماع في ستة مجلدات وهو كتاب نفيس وله كتاب
(5/296)

الخبر عن البشر ذكر فيه القبائل في أربعة مجلدات وعمل له مقدمة في مجلد. وكتاب السلوك في معرفة دول الملوك في عدو مجلدات يشتمل على ذكر ما وقع من الحوادث غلى يوم وفاته. وله تاريخه الكبير المقفي في تراجم أهل مصر والواردين إليها ولو كمل هذا التاريخ تجاوز الثمانين مجلدا. وله كتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار في عدو مجدلات وهو في غاية الحسن. وكتاب مجمع الفوائد ومنبع العوائد كمل منه نحو الثمانين مجلدا كالتذكرة وكتاب شذور العقود وكتاب الأوزان والأكيال الشرعية. وكتاب إزالة التعب والعناء في معرفة الحال في الغناء. وكتاب المقاصد السنية في الأجسام المعدنية. وله عدة تصانيف أخر ولم يزل ضابطا حافظا للوقائع والتاريخ إلى أن توفي ودفن بالقاهرة (المنهل الصافي لأبي المحاسن)

الواقدي (130-207هـ) (747-823م)
أبو عبد الله محمد الواقدي المدني مولى بني هاشم. كان إماما عالما له التصانيف في المغازي وغيرها. وله كتاب الردة ذكر فيه ارتداد العرب. ويعزى إليه تاريخ فتوح الشام والجزيرة وغيرهما. وتولى الواقدي القضاء بشرقي بغداد وكان المأمون يكرم جانبه ويبالغ في رعايته. ومن غريب ما أخبر الواقدي عن نفسه ما نصه قال: كان لي صديقان أحدهما هاشمي وكنا كنفس واحدة فنالتين ضائقة شديدة وحضر العيد. فقالت امرأتي: أما نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدة. وأما صبياننا هؤلاء فقد قطعوا قلبي لأنهم يرون صبيان الجيران قد تزينوا في عيدهم وأصلحوا ثيابهم وهم على هذه الحال من الثياب الرثة فلو احتلت في شيء فصرفته في كسوتهم. (قال) فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة علي بما حضر فوجه إلي كيسا مختوما ذكر أن فيه ألف درهم. فما استقر قراري حتى كتب إلي الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوت لي صاحبي الهاشمي. فوجهت إليه الكيس بختمه وخرجت إلى المسجد فأقمت فيه ليلتي مستحيا من امرأتي. فلما دخلت عليها استحسنت ما كان مني ولم تعنفني عليه. فبينا أنا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته. فقال لي: أصدقني عما فعلته فيما وجهت به إليك. فعرفته الخبر على وجهه فقال لي: إنك وجهت إلى وما أملك على الأرض إلا ما بعثت به إليك. وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة فوجه كيسي بخاتمي. قال الواقدي: فتواسينا ألف درهم فيما بيننا. ونمى الخبر إلى المأمون فدعا بي فشرحت له الخبر فأمر لنا بسبعة آلاف دينار لكل واحد منا ألفي دينار وللمرأة ألف دينار (وفيات الأعيان لابن خلكان)
(5/297)

الباب السابع عشر في التاريخ
دولة العباسيين
ابتداء دولة بني عباس (750) خلافة السفاح (750-754م)
لما اضطرب حبل بني أمية انتقل الملك إلى آل عباس. واعلم أن الدولة العباسية كانت دولة ذات خدع ودهاء وغدر. وكان قسم التحيل والمخادعة فيها أوفر من قسم القوة والشدة خصوصا في أواخرها. فإن المتأخرين منهم بطلوا قوة الشدة والنجدة وركنوا إلى الحيل والخدع. إلا أنها كانت دولة كثيرة المحاسن جمة المكارم أسواق العلوم فيها قائمة. وبضائع الآداب فيها نافقة. وشعائر الدين فيها معظمة. والخيرات فيها دائرة. والدنيا عامرة. والحرمات مرعية. والثغور محصنة. حتى كانت آخرها فانتشر الجبر واضطرب الأمر وأول من تولى الخلافة منهم أبو العباس السافح (132هـ) . وكان كريما وقورا عاقلا كاملا كثير الحياء حسن الأخلاق. وتحول السفاح من الحيرة غلى الأنبار. ولما استوثق له الأمر تتبع بقايا بني أمية ورجالهم فوضع السيف فيهم وأغراه على قتلهم سديف الشاعر فأنشده وسليمان بن عبد الملك حاضر في مجلسه مع سبعين رجلا من بني أمية:
لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داء دويا
(5/298)

فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا
فالتفت أحدهم إلى من بجانبه وقال: قتلنا العبد. ثم أمر بهم السفاح فضربوا بالسيوف حتى قتلوا. وبسط النطوع عليهم وجلس فوقهم فأكل الطعام وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا. وبالغ بنو العباس في استئصال شأفة بني أمية حتى نبشوا قبورهم بدمشق واستصفوا أموال أصحابهم. ثم لم تطل مدة السفاح حتى مات بالأنبار سنة مئة وست وثلاثين. واستوزر له حفص بن سليمان أبو سلمة الخلال وكان سمحا كريما مطماعا كثير البذل مشغوفاً بالتنوق بالسلاح والدواب فصيحا عالما بالأخبار والأشعار والسير والجدل والتفسير حاضر الحجة ذا يسار ومرؤة ظاهرة. فلما بويع السفاح استوزره وفوض الأمور إليه وسلم إليه الدواوين ولقب وزير آل محمد. ثم تغير عليه وكتب إلى أبي مسلم يعلمه بما عزم عليه أبو سلمة من نقل الدولة عن بني عباس. فلما قرأ أبو مسلم الكتاب فطن لغرض السفاح فأرسل قوما من أهل خرسان قتلوا أبا سلمة (للفخري)

أبو جعفر المنصور (754-755)
بويع السفاح في سنة مئة وست وثلاثين. وكان المنصور من عظماء الملوك وحزمائهم وعقلائهم وذوي الآراء الصائبة منهم والتدبيرات السديدة. وقورا شديد الوقار حسن الخلق في الخلوة من أشد الناس احتمالا لما يكون من عبث أو مزاح. وكان يلبس الخشن وربما رقع
(5/299)

قميصه ولم يكن يرى في دار المنصور لهو ولعب. قال يزيد بن هبيرة: ما رأيت رجلا في حرب أو سلم أمكر أو أنكر ولا أشد تيقظا من المنصور. لقد حاصرني تسعة شهور ومعي فرسان العرب فجهدنا كل الجهد حتى ننال من عسكره شيئا فما قدرنا لشدة ضبطه له وتيقظه. ورتب القواعد وأقم الناموس. وكان مبخلاً يضرب بشحه الأمثال. فسمي لبخله أبا الدوانيق لمحاسبة العمال والصناع على الدانق والحبة. والصحيح أنه كان رجلا حازما يعطي في موضع العطاء ويمنع في موضع المنع. وكان المنع عليه أغلب. ولما بويع للمنصور قتل أبا مسلم الخراساني وكان سبب قتله أن أبا مسلم كان قد قدم من الحج مع أبي جعفر المنصور فأرسله لقتال عمه عبد الله بن علي وكان عبد الله بأرض نصيبين. فاقتتل هو وأبو مسلم عدة دفوع حتى انهزم عبد الله بن علي وظفر بعسكره. فكتب المنصور إلى أبي مسلم بالولاية على مصر والشام وصرفه عن خراسان. فلم يجب أبو مسلم إلى ذلك وتوجه يريد خراسان. فخافه أبو جعفر المنصور وأجمع الرأي وعلم المكايد وهجر النوم إلى أن اقتنصه. فلما دخل على المنصور أقبل عليه يعاتبه ويذكر عثراته. فجعل أبو مسلم يعتذر إليه. فقال: قتلني الله إن لم أقتلك. ثم أوعز إلى حرسه فضربوه بسيوفهم وهو يصرخ ويستأمن ويقول: استبقني لعدوك يا أمير المؤمنين. فقال له المنصور: وأي عدو إلي أعدى منك. وكان أبو مسلم ذا رأي وتدبير وحزم
(5/300)

ومروءة. وكان فتاكا قاسي القلب سوطه سيفه. وفي عهده خرج الراوندية وكان هؤلاء قوما من أتباع أبي مسلم يقولون بالتناسخ. فحبس المنصور نحوا من مائتين منهم فغضب الباقون واجتمعوا وحملوا بينهم نعشا كأنهم في جنازة وجاؤوا إلى السجن فرموا بالنعش وأخرجوا أصحابهم. وحملوا على الناس ستمائة رجل وقصدوا قصر المنصور. فخرج المنصور من القصر ماشيا وجاء معن بن زائدة الشيباني وكان مستخفياً من المنصور لقتاله مع ابن هبيرة وقد اشتد طلب المنصور له. فحضر عنده متلثما هذا اليوم فقاتل بين يديه قتلا شديدا وأبلى بلاء حسنا. وكان المنصور راكبا على بغلة ولجامها في يد الربيع حاجبه فأتي معن وقال: تنح فأنا أحق بهذا اللجام في هذا الوقت. فقال المنصور: صدق. ادفع اللجام إليه. فلم يزل يقاتل حتى انكشفت الحال وظفر بالراوندية فاستنسبه المنصور فقال: طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة. فقال: قد أمنك الله على نفسك ومالك ومثله يصطنع وأحسن إليه وولاه اليمن (تاريخ ابن خلدون)
(5/301)

وفي أيام المنصور نبغت الدولة البرمكية. وكان السفاح قد استورد بعد أبي سلمة خالد بن برمك من رجال الدولة العباسية. وكان خالد فاضلا جليلا كريما حازما يقظا خف على قلب الخليفة وكان عظيم المنزلة عنده. فكثر الوافدون على باب خالد ومدحه الشعراء وانتجعه الناس. فلما تولى المنصور الخلافة أقره على وزارته وأكرمه واستشاره. وكانت وفاة المنصور سنة ثمان وخمسين ومائة ببير ميمونة على أميال من مكة وهو محرم بالحج وهو ابن ثلاث وستين سنة. وكان طويلا أسمر نحيفا خفيف اللحية رحب الجبهة كأن عينيه لسانان ناطقان. صارما مهيبا ذا جبروت وسطوة
(5/302)

محمد المهدي (775-785) وابنه موسى الهادي (785-786)
ثم قام بالأمر بعده ابنه المهدي بالله. بويع له بالخلافة يوم وفاة أبيه المنصور بعهد منه. وأول من بين تعزيته وتهنئته أبو دلامة فقال:
عيناي واحدة ترى مسرورة ... بأميرها جذلى وأخرى تذرف
تبكي وتضحك تارة ويسؤها ... ما نكرت ويسرها ما تعرف
فيسؤها موت الخليفة محرما ويسرها أن قام هذا يخلف
ما إن رأيت كما رأيت ولا أرى ... شعرا أسرحه وآخر أنتف
هذا حباه الله فضل خلافة ... ولذاك جنات النعيم تزخرف
وكان المهدي شهما فطنا كريما شديدا على أهل الإلحاد والزندقة. لا تأخذه في إهلاكهم لومة لائم. وكانت أيامه شبيهة بأيام أبيه في الفتوق والحوادث والخوارج. وكان يجلس في كل وقت لرد المظالم. وفي سنة خمس وستين ومائة سير المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم فسار حتى بلغ خليج قسطنطينية وصاحب الروم وقتئذ إيريني امرأة لاون الملك. وذلك أن ابنها كان صغيرا قد هلك أبوه وهو في حجرها فجزعت المرأة من المسلمين. وطلبت الصلح من الرشيد فجرى الصلح بينهم على الفدية. ومات المهدي بما سبذان واختلف في موته ولما توفي المهدي كان الرشيد معه في ما سبذان فكتب على الهادي يعلمه بوفاة المهدي والبيعة له. فنادى بالرحيل إلى بغداد ولما قدمها استوزر الربيع بن يونس. وكان الربيع جليلا نبيلا منفذا للأمور
(5/303)

مهيبا فصحيا كافيا حازما خبيرا بالحساب والأعمال. حاذقا بأمور الملك بصيرا بما يأتي ويذر محبا لفعل الخير. وتتبع الهادي الزنادقة لوم تطل مدته. وسبب وفاته أنه لما ولي الخلافة كانت أمه الخيرزان تستبد بالأمور دونه وكلمته يوما في أمر لم يجد إلى إجابتها سبيلا. فقالت: لا بد من الإجابة إليه. فغضب الهادي وقال: والله لأقضيتها لك. قالت: إذا لا أسألك حاجة أبدا. قال: لا أبالي. فقامت مغضبة فقال: مكانك. والله لئن بلغني أنه وقف في بابك أحد من قوادي لأضربن عنقه. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح غلى بابك. أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك. فانصرفت وهي لا تعقل ووضعت جواريها عليه لما مرض فقتلنه بالغم وبالجلوس على وجهه فمات. وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر

هارون الرشيد (786-809)
وولي بعد الهادي بعهد من أبيه أخوه هارون الرشيد الخامس من العباسيين سنة سبعين ومئة ومولده في الري. وأمه الخيزران أم الهادي وفيها قال مروان بن أبي حفصة الشاعر:
يا خيزران هناك ثم هناك ... أمسى يسوس العالمين ابناك
وكان فصيحا بليغا أديبا كثير العبادة كثير الحج. قال فيه شاعر:
فمن يطلب لقاءك أو يرده ... ففي الحرمين أو أقصى الثغور
وكان يصلي في خلافته كل يوم مائة ركعة لا يتركها إلا لعلة.
(5/304)

ويتصدق كل يوم من صلب ماله بألف درهم. ويحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام. ومن غريب ما اتفق لهارون الرشيد أن لآخاه موسى الهادي لما ولي الخلافة سأل عن خاتم عظيم القدر كان لأبيه المهدي. فبلغه أن الرشيد أخذه فطلبه منه فامتنع من إعطائه فألح عليه فيه فحنق عليه الرشيد. ومر على جسر بغداد فرماه في الدجلة. فلما مات الهادي وولي الرشيد الخلافة أتي ذلك المكان بعينه ومعه خاتم رصاص. فرماه في ذلك المكان فأمر الغطاسين أن يلتمسوه فغاصوا عليه فاستخرجوا الخاتم الأول. فسر به الرشيد وعد ذلك من سعادته وإبقاء ملكه. وكان الرشيد يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه. وكان قاضيه الإمام أبو يوسف. وكان يعظمه كثيرا ويمتثل أمره. وله مناقب لا تحصى ومحاسن لا تستقصى وله أخبار في اللهو واللذات سامحه الله. وفي أول خلافته حج بالناس وفرق مالا كثيرا. وكان حجه ماشيا على اللبود تفرش له منزل إلى منزل. وفي سنة اثنتين وسبعين ومائة بايع الرشيد لعبد الله المأمون بولاية العهد بعد الأمين وولاه خراسان وما يتصل بها إلى همذان ولقبه المأمون وسلمه غلى جعفر بن يحيى البرمكي. وغزا المسلمون بالصائفة فبلغوا أفسس مدينة أصحاب الكهف. واستعمل الرشيد حميد بن معيوب على الأساطيل ممن بسواحل الشام ومصر إلى قبرس فهزم وخرب وسبى من أهلها نحوا من سبعة عشر ألفا وجاء بهم إلى الواقعة
(5/305)

فبيعوا بها. وفي سنة سبع وثمانين ومائة خلعت الروم إيريني الملكة وملكوا نيفيفوز وكانت إيريني تعظم الرشيد وتبجله وتدر عليه الهدايا. فلما تولى نيقيفور وعاث وتمكن من ملكه كتب إلى الرشيد: من نيقيفور ملك الروم إلى الرشيد ملك العرب. أما بعد فإن الملكة إيريني كانت وضعتك موضع الملوك ووضعت نفسها موضع السوقة. وإني واضعك بغير ذلك الموضع وعامل على تطرق بلادك والهجوم على أمصارك أو تؤدي إلى ما كانت المرأة تؤدي إليك. والسلام. فلما ورد كتابه على الرشيد استفزه الغضب وكتب إليه: بسم الله الرحمان الرحيم من عبد الله هارون أمير المؤمنين إلى نيقيفور زعيم الروم. فهمت كتابك والجواب ما تراه دون ما تسمعه. ثم شخص من شهره ذلك يوم بلاد الروم في جميع لم يسمع بمثله وقواد لا يجارون نجدة ورأيا. فلما بلغ ذلك نيقيفور ضاقت عليه الأرض بما رحبت. وجد الرشيد يتوغل بلاد الروم فيقتل ويغنم ويسبي ويخرب الحصون ويعفي الآثار حتى أناخ على هرقلة وهي من أوثق حصن وأعزه جانبا وأمنعه ركنا. فحصر الرشيد أهلها وغمهم وألح بالمجانيق والسهام والعرادات حتى رموا سورها وفتح الأهل ألأبواب مستأمنين. وفي هذه السنة ذاتها أوقع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى وكتب إلى العمال في جميع النواحي بالقبض على البرامكة واستصفى ما لهم.
(5/306)

وفي سنة اثنتين وتسعين ومائة سار الرشيد من الرقة إلى بغداد يريد خراسان لحرب رافع بن الليث وكان ظهر ببلاد ما وراء النهر مخالفا للرشيد بسمرقند. ولما صار الخليفة ببعض الطريق ابتدأت به العلة ولما بلغ جرجان في صفر اشتد مرضه وكان معه ابنه المأمون في مسيره إلى مرو ومعه جماعة من القواد وسار الرشيد إلى طوس فمات ودفن بها سنة ثلاث وتسعين ومائة. وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة. وكان عمره سبعا وأربعين سنة وكان جميلا أبيض جعدا قد وخطه الشيب. قال النهر والي: أعلم أن مما يتحققه العاقل أن الدنيا دار الأكدار وأن
(5/307)

أخف الخلق بلاء وألما الفقراء. وأعظم الناس تعبا وهما وغما هم الملوك والأمراء. فارض بحال فقرك. ولا تتعد طورك. إن هارون الرشيد من أعقل الخلفاء العباسيين وأكملهم رأيا وتدبيرا وفطنة وقوة واتساع مملكة وكثرة خزائن بحيث كان يقول للسحابة: أمطري حيث شئت فإن خراج الأرض التي تمطرين فيها يجيء إلي. ومع ذلك كان أتعبهم خاطرا وأشغلهم قلبا (لأبي الفرج الملطي وغيره بتصرف)

الأمين بن الرشيد (809-813)
انتهى الأمر إليه بعد أبيه. وكان الأمين كثير اللهو واللعب منقطعا إلى ذلك مشتغلا به عن تدبير مملكته. فأقبل ينكث عهد المأمون وسعى بخلعه والبيعة لبنه موسى. فأمر له بالدعاء على المنابر ونهى عن الدعاء للمأمون. وأمر بإبطال ما ضرب المأمون من الدراهم والدنانير بخراسان فنمى الشر بينهما. فجهز المأمون لقتاله طاهر ابن الحسين وهرثمة بن أعين فسارا إليه وحاصراه ببغداد. وتراموا بالمنجانيق وأقام الحصار مدة سنة فتضايق الأمر على الأمين وفارقه أكثر أصحابه. وكتب طاهر إلى وجوه أهل بغداد سرا يعدهم إن أعانوه ويتوعدهم إن لم يدخلوا في طاعته. فأجابوه وصرحوا بخلع الأمين فنجا الأمين بنفسه وركب حراقة أعدها له هرثمة. وكان وعده بالأمان. فلما صار الأمين في الحراقة خرج عليه أصحاب طاهر وكانوا كمنوا له. فرموا الحراقة بالحجارة فانكفأت بمن فيها. فشق
(5/308)

الأمين ثيابه وسبح إلى بستان فأدركوه وحملوه إلى طاهر. فبعث إليه جماعة وأمرهم بقتله فاحتزوا رأسه. فأمر طاهر بنصبه فلما رآه الناس سكنت الفتنة. ثم جهزه طاهر إلى المأمون وصحبته خاتم الخلافة. فشكر المأمون الله على ما رزقه من الظفر. (للدميري)

عبد الله المأمون أخو الأمين (813-833)
بويع له البيعة العامة في بغداد في سنة ثمان وتسعين ومائة. وكان المأمون من أفاضل الخلفاء وعلمائهم وحكمائهم وحلمائهم. أتم رجال بني عباس حزما وعزما وفراسة وفهما. وكان قد أخذ من العلوم بقسط. وضرب فيها بسهم. وتأدب وتفقه وبرع في فنون التاريخ والأدب والنجوم ولما كبر اعتنى بالفلسفة وعلوم الأول. وهو الذي استخرج كتاب إقليدس وأمر بترجمته وتفصيله. وعقد المجالس في خلافته للمناظرة في الأديان والمقالات. وكان المأمون عظيم العفو جوادا بالمال وكان يقول: لو يعلم الناس ما أجد في العفو من اللذة لتقربوا غلي بالذنوب وكان أبيض مليح الوجه مربوعاً طويل اللحية دينا عارفا بالعلم فيه دهاء وسياسة. وفي أيامه خرج عليه إبراهيم بن المهدي عمه فبايعه بعض بني العباس وخلعوا المأمون فجد المأمون في المسير إلى بغداد فظفر بإبراهيم ولم يؤاخذه وأحسن إليه. ثم صفا الملك بعد ذلك للمأمون وسكنت الفتن
(5/309)

وقام المأمون بأنباء الخلافة وتدبير المملكة قيام حزماء الملوك وفضلائهم. ثم خرج إلى الثغر ودخل بلاد الجزيرة والشام وأقام بها مدة طويلة ثم غزا الروم وفتح فتوحات كثيرة وأبلى بلاء حسنا. وتوفي في بعض غزواته سنة ثماني عشرة ومائتين وهو ابن تسع وأربعين سنة. وكانت خلافته عشرين سنة ودفن بطرسوس

العلوم في زمانه
قال القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي: إن العرب في صدر الإسلام لم تعن بشيء من العلوم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها حاشا صناعة الطب. فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم غير منكورة عند جماهيرهم لحاجة الناس طرأ غليها. فهذه كانت حال العرب في الدولة الأموية. فلما أدال الله تعالى للهاشمية وصرف الملك إليهم ثابت الهمم من غفلتها. وهبت الفطن من ميتتها. فكان أول من عني منهم بالعلوم الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور. وكان مع براعته في الفقه كلفا في علم الفلسفة وخاصة في علم النجوم. ثم لما أفضت الخلافة فيهم إلى الخليفة السابع عبد الله المأمون بن هارون الرشيد تمم ما بدأ به جده المنصور فأقبل على طلب العلم في مواضعه. وداخل ملوك الروم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلسفة. فبعثوا غليه منها ما حضرهم. فاستجاد لها مهرة التراجمة وكلفهم إحكام ترجمتها. فترجمت له على غاية ما أمكن ثم حرص الناس على قراءتها
(5/310)

ورغبتهم في تعليمها. فكان يخلو بالحكماء ويأنس بمناظرتهم ويلتذ بمذاكراتهم علما منه بأن أهل العلم هم صفوة الله من خلقه ونخبته من عباده. إنهم صرفوا عنايتهم إلى نيل فضائل النفس الناطقة وزهدوا فيما يرغب فيه الصين والترك. ومن نزع منزعهم من التنافس في دقة الصنائع العملية. والتباهي بأخلاق النفس والتفاخر بالقوى. إذ علموا أن البهائم تشركهم فيها وتفضلهم في كثير منها. فلهذا السبب كان أهل العلم مصابيح الدجى وسادة البشر وأوحشت الدنيا لفقدهم.

أخوه المعتصم بالله (833-842)
بويع يوم وفاة المأمون ولما بويع له تشغب الجند ونادوا باسم العباس بن المأمون فخرج إليهم العباس وقال لهم: قد بايعت عمي فسكنوا. وكان المعتصم سديد الرأي يحمل ألف رطل ويمشي بها. وانتشأ عامياً يكتب كتابة مغشوشة ويقرأ قراءة ضعيفة. وهو أول من أدخل الأتراك الدواوين وكان يتشبه بملوك الأعاجم. وبلغ غلمانه الأتراك ثمانية عشرة ألفاً. وألبسهم أطواق الذهب والديباج وكانوا يطردون الخيل في بغداد فضاقت بهم المدينة وتأذى بهم الناس. فبنى المعتصم مدينة سر من رأى بقرب بغداد وانتقل إليها سنة (220هـ) . وفي سنة ثلاث وعشرون ومائتين خرج توفيل بن ميخائيل ملك الروم إلى بلاد المسلمين فأوقع بأهل زبطرة وعاد غلى مالطية وغيرها فاستباحها قتلا وسبيا. فاستعظمه المعتصم ولما بلغه أن عمورية عين
(5/311)

النصرانية وهي أشرف عندهم من قسطنطينية وأنه لم يتعرض أحد إليها منذ كان الإسلام جهز إليها بما لا يماثله أحد من السلاح والآلة والعدد. وجرى بين المسلمين والروم عليها قتال شديد أفضى إلى فتح عمورية. فهدمت وأحرقت بعد أن حاصرها نحو شهرين فقتل من الروم ثلاثين ألفا وأسر ثلاثين ألفا. وفي سنة سبع وعشرين تغير المعتصم على الأفشين بأمر بقتله وتوفي المعتصم سنة 227 وهو أغلظ الخلفاء الذين ألزموا الناس القول بخلق القرآن وجبر علماء الإسلام على ذلك وأذاقهم الهوان وامتحن بذلك أحمد بن حنبل (لأبي الفرج)

هارون الواثق (842-847) المتوكل على الله (847-861)
ثم ملك بعده ابنه هارون الواثق من أفضل خلفائهم وكان لبيبا فطنا فصيحا شاعرا. وكان يتشبه بالمأمون في حركاته وسكناته. ولما ولي الخلافة أحسن إلى بني عمه الطالبيين وبرهم. ولم يقع في أيامه من الفتوح الكبار والحوادث المشهورة ما يأسر. وفي عهده غزا المسلمون في البحر جزيرة صقلية وفتحوا مدينة مسينة في عهد الملكة ثاودورا. وكانت ملكت بعد توفيل ملك الروم وابنها ميخائيل بن توفيل وهو صبي. ومات الواثق بداء الاستسقاء وكان عمره اثنين وثلاثين سنة. وكان أبيض مليح يعلوه اصفرار حسن اللحن. ثم ولي بعده أخوه جعفر المتوكل على الله وبويع له بالخلافة بسر من رأى. وله من العمر ست وعشرون سنة. فعقد البيعة لبنيه الثلاثة بولاية العهد
(5/312)

وهم المنتصر والمعتز والمؤيد. وفي ثماني وثلاثين ومائتين انتهى الروم إلى دمياط بالأساطيل فأحرقوا وسبوا وساروا إلى مصر ورجعوا ولم يعرض لهم أحد. وفي سنة سبع وأربعين كثر المماليك الأتراك في بغداد فاستولوا على المملكة فصار بيدهم الحل والعقد والولاية والعذل إلى أن حملهم الطغيان على العدوان. وسطوا على الخليفة المتوكل وكان بين المتوكل وابنه المنتصر مباينة. فاتفق مع باغر قائدهم فدخلوا عليه في مجلس أنسه وعنده الوزير الفتح بن خاقان فصاح الفتح: ويلكم هذا سيدكم. ورمى بنفسه فضربهما باغر فماتا جميعا

تتمة أخبار الخلفاء العباسيين
المنتصر بالله (861) المستعين بالله (862) المعتز بالله (866)
ثم خلفه ابنه المنتصر بالله ولم يتهن بالخلافة لاستيلاء المماليك الأتراك على المملكة فدسوا إلى طبيبه ليسمه ففصده بمبضع مسموم فمات ستة أشهر من مبايعته. ويحكى أنه بات ليلة في وعكة وانتابه فزعا وهو يبكي فسألته أمه: ما يبكيك. قال: أفسدت ديني ودنياي رايت ابي الساعة وهو يقول: قتلتني يا محمد لأجل الخلافة والله لا تتمتع بها إلا أياما ثم مصيرك إلى النار. فاستمر موهوما من ذلك المنام فما عاش بعد ذلك غلا أياما قلائل. ثم ملك بعده المستعين بالله وهو أحمد بن محمد بن المعتصم بايعه الأمراء وأكابر المماليك ولم يولوا أحدا من ولد المتوكل لئلا يطالب بدمه. وكانت تلك الأيام أيام فتن وحروب وخروج خوارج. واعلم أن المستعين كان مستضعفا في رأيه وعقله وتدبيره. وكانت أيامه شديدة الاضطراب ولم يكن فيه من الخصال المحمودة إلا أنه كان كريما وهوبا خلع في سنة اثنتين وخمسين ثم قتل بعد ذلك. وملك بعده المعتز بالله وهو أبو عبد الله محمد بن المتوكل بويع بالخلافة سنة اثنين وخمسين ومائتين عقيب خلع المستعين وكان المعتز جميل الشخص حسن الصورة. ولم يكن بسيرته ورأيه وعقله بائس إلا أن الأتراك كانوا قد استولوا منذ قتل المتوكل على المملكة واستضعفوا الخلفاء فكان الخليفة في يدهم كالأثير إن شاؤوا أبقوه وإن شاؤوا خلعوه وإن شاؤوا قتلوه. قيل أنه لما جلس المعتز على سرير الخلافة قعد خواصه وأحضر المنجمين وقال لهم: انظروا كم يعيش
(5/313)

وكم يبقى فيالخلافة. وكان بالمجلس بعض الظرفاء فقال: أنا أعرف من هؤلاء بمقدار عمره وخلافته. فقالوا له: فكم تقول أنه يعيش وكم يملك. قال: مهما أراد الأتراك فلم يبق في المجلس إلا من ضحك. وفي سنة خمس وخمسين ومائتين صار الأتراك إلى المعتز يطلبون أرزاقهم فما طالهم بحقهم. فلما رأوا أنه لا يحصل منه شيء دخل غليه جماعة منهم فجروا برجله إلى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس ثم أدخلوه سردابا وجصصوا عليه فمات (للنهراولي)

المهتدي بالله (869) المعتمد على الله (870) المعتضد بالله (892)
ثم ملك بعده المهتدي بالله وهو أبو عبد الله محمد بن الواثق. كان المهتدي من أحسن الخلفاء مذهبا. وأجملهم طريقة وسيرة وظهرهم ورعا وأكثرهم عبادة. كان يتشه بعمر بن عبد العزيز ويقول: إني أستحي أن يكون في بني أمية مثله ولا يكون مثله في بني العباس. وكان يجلس للمظالم فيحكم حكما يرتضيه الناس وكان يتقلل في مأكوله وملبوسه. وكان المهتدي قد أطرح الملاهي وحرم الغناء والشراب ومنع أصحابه من الظلم والتعدي. وكان سبب المهتدي أنه قتل بعض الموالي فشغب عليه الأتراك وهاجوا وأخذوه أسيرا وعذبوه ليخلع نفسه فلم يفعل فقتلوه وهو ابن سبع وثلاثين سنة. ثم ملك بعده المعتمد على الله وكان مستضعفا وكان أخوه الموفق طلحة الناصر هو الغالب على أموره فللمعتمد الخطبة والسكة والتسمي بأمير المؤمنين ولأخيه طلحة الأمر والنهي وقود العساكر ومحاربة الأعداء ومرابطة الثغور وترتيب الوزراء والأمراء. وكان المعتمد مشغولا عن ذلك بلذاته. وفي أيامه خرج أحمد بن طولون وظفر بحلب وأنطاكية وبقية العواصم واستقل بمصر وأخذ خراجها وكان يومئذ عامرة آهلة. ثم توفي المعتمد وكان أسمر ربعة رقيقا مدور الوجه مليح العينين صغير اللحية أسرع إليه الشيب منهمكا على اللهو والمسكرات. ثم ملك بعده المعتضد بن الموفق وكان شهما عاقلا فاضلا حمدت سيرته ولي والدنيا خربا والثغور مهملة. فقام قياما مرضيا حتى عمرت مملكته وكثرت الأموال وضبطت الثغور. وكان قوي السياسة شديدا على أهل الفساد حاسما لمواد أطماع عساكره عن أذى الرعية. وكانت أيامه أيام فتوق وخوارج كثيرين منهم عمرو بن الليث الصفار. كان قد عظم شأنه وفخم أمره واستولى على أكثر بلاد العجم. فآلت عاقبته إلى القيد والأسر والذل. فقام المعتضد في إصلاح المتشعب من مملكته والعدل في رعيته حتى مات. وكان المعتضد سار إلى الموصل قاصدا إلى الأعراب والأكراد فأوقع بهم وقتل منهم وخرج إلى الجزيرة يريد قلعة ماردين وكانت لحمدان فهدمها وظفر بحمدان ملكها. ومات سنة (289) (للفخري)

المكتفي بالله (902) المقتدر بالله (908) القاهر بالله (932)
أخذ للمكتفي أبوه البيعة قبل موته بثلاثة أيام. وكان المكتفي من أفاضل الخلفاء وسيما جميلا بديع الحسن دري اللون معتدل الطول وكان حسن العقيدة كارها لسفك الدماء.
(5/314)

وفي أيامه ظهر القرامطة وهم قوم من الخوارج خرجوا وقطعوا الدرب على الحاج. واستأصلوا شأفتهم وقتلوا فيهم مقتلة عظيمة. وسرح المكتفي إليهم جيوشا كثيرة فأوقع بهم وقتل بعض زعمائهم. وكانت خلافة المكتفي ست سنين. فانقصف غصن شبابه القشيب. ويبس عود جماله النضر الرطيب. فانتقل من دار الفناء إلى دار الجزاء والبقاء. ثم قام بالأمر بعده أخوه أبو الفضل جعفر المقتدر بويع له يوم وفاة أخيه وهو ابن ثلاث عشر سنة. وضعف دست الخلافة في أيامه. وكان المقتدر سمحا كثير الإنفاق وولي الخلافة ثلاث مرات فتغلب الجند عليه واتفقوا على خلعه وعقدوا البيعة لأبي العباس بن المعتز. وكان ابن المعتز أكثر العباسيين فضلا وأدبا ومعرفة موسيقى وأشعر الشعراء مطلقا في التشبيهات المبتكرة الغريبة للرقص التي لا يشق غباره فيها أحد. فأرسل المقتدر وقبض على ابن المعتز وقتله في حبسه واستقام الأمر للمقتدر بعد الاضمحلال ولاح بدر فلاحه بعد الزوال وهذه ولايته الثانية. ثم جرت بين المقتدر وبين مؤنس المظفر أمير الجيوش منافرة أدت إلى خلع المقتدر ومبايعة أخيه القاهر. ثم أعيد المقتدر ثالثة وحمله الجنود على أعناقهم إلى دار الخلافة فجلس على السرير وصفح عن أخيه القاهر. ثم وقع بينه وبين مؤنس حرب فتوغل المقتدر في المعركة فضربه واحد من البربر فسقط إلى الأرض فقال لضاربه: ويحك أنا الخليفة. فقال له: أنت المطلوب وذبحه بالسيف. وفي أيامه نبعت الدولة الفاطمية بالمغرب. وولي أخوه القاهر بالله مكانه فما لبث أن هر القاهر المذكور وسلمت عيناه فجعل يستعطي في شوارع بغداد (للدميري)

الراضي بالله (934) المتقي بالله (940) المستكفي بالله (944) المطيع لله (946)
وعقبه في الخلافة أبو العباس بن المقتدر ولقبوه الراضي بالله. وفي أيامه ضعف أمر الخلافة العباسية فكانت فارس في يد ابن بويه. والموصل وديار بكر في يد بني حمدان. ومصر والشام في يد الفاطميين. والأندلس في يد الرحمن الأموي. فلم يبق في يد الراضي سوى بغداد وما والاها. فبطلت دواوين المملكة ونقص قدر الخلافة وعم الخراب. ثم تولى بعده أبو إسحاق أخوه ولقب المتقي بالله لم يكن له من السيرة ما يأسر وقبض عليه توزون التركي وسمل عينيه سنة (333) . وبويع بعده لابن عمه المستكفي بالله واستمر في خلافته سنة واحدة وامسكه من أمرائه معز الدولة بن بويه فسمل عينيه وضمه إلى المتقي بالله والقاهر بالله فصاروا ثلاثة أثافي العمى. وولي الخلافة بعده ابن عمه المطيع لله سنة (334) . وفي أيامه قويت شوكة آل بويه وتم أمكره على ضعف الخلافة وطالبت أيامه إلى أن خلع نفسه

الطائع لله (974) القادر بالله (991) القائم بأمر الله (1031)
وبويع لولده عبد الكريم في سنة (363) . ولقب الطائع لله وكان مغلوبا عليه من قبل أمرائه. وما كان له إلا العظمة الظاهرة. وكان شديد القوة. في خلقه حدة كريما شجاعا
(5/315)

بطلا جوادا سمحا إلا أن يده كانت قصيرة مع ملوك بني بويه. فقبضوا عليه وبايعوا أبا العباس أحمد القادر بالله (381) . وكان حسن الطريقة والسمت كثير الخير والدين والمعروف. وفي أيامه تراجع وقار الدولة العباسية ونما رونقها وأخذت أمورها في القوة ومكث القادر في الخلافة مدة طويلة حتى أنافت خلافته على إحدى وأربعين سنة. وولي بعده بعهد منه ولده أبو جعفر وقلب القائم بأمر الله وكان خيرا دينا باهر الفضل غلا أنه مغلوب بيد أمرائه وطالبت مدته مع ذلك. وفي أيامه انقرضت بني بويه وظهرت الدولة السلجوقية

المقتدي بالله (1075) المستظهر بالله (1049) المسترشد بالله (1118)
328 تولي بعد بعهد منه حفيده أبو القاسم ولقب المقتدي بالله. وكان من نجباء بني عباس دينا. ومن جملة صلاحه أن السلطان ملكشاه من آل سبكتكين قصد أن يظهر الحنف والحيف على الخليفة المذكور فأرسل غليه يقول له: أخرج من بغداد. فتلطف به المقتدي فأبى. فاستمهله عشرة أيام فأمهله. فصار الخليفة يصوم ويتضرع إلى الله فنفذ دعائه وهو مظلوم. فهلك السلطان ملكشاه قبل مضي عشرة أيام وعدت هذه كرامة للخليفة المقتدي وكانت وفاته بسنة (487) فجأة. وتولي بعده ابنه أبو العباس ولقب المستظهر بالله وكان كريم الأخلاق سهل العريكة مهذب الخلال. وكان قد غلب عليه ملوك آل سلجوق. ثم خلفه ابنه أبو المنصور ولقب المسترشد بالله وكان شجاعا دينا مقداما ذا رأي وهمة عالية فأحيا مجد بني العباس. وخرج إلى قتال السلطان مسعود السلجوقي فاستظهر عليه وقتل المسترشد غيلة (لأبي الفرج)

الراشد (1135) المقتفي لأمر الله (1136) المستنجد بالله (1160)
ثم قام بأمر بعده ابنه الراشد ولم تطل مدة خلافته فجهز عسكرا كثيفا لمحاربة مسعود فدخل السلطان بغداد واستبد بتدبير الأمور وخلع الراشد وولى عمه أبا عبد الله ولقب المقتفي بأمر الله. وكان عالما دمث الأخلاق خليقا بالإمارة كامل السؤدد بيده أزمة الأمور كان لا يجري في خلافته أمر وإن صغر إلا بتوقيعه. وجرى في أيامه فتن وحروب بينه وبين سلاطين العجم كانت الغلبة فيها له. وثار في أيامه العيارون والمفسدون فنهض بقمعهم أتم نهوض. ثم عقبه ابنه المستنجد وكان شهما عارفا بالأمور أزال المكوس والمظالم. وفي أيامه ضعفت دول الفاطميين في مصر. وخنق المستنجد في الحمام أكابر دولته عقيب مرضة صعبة

المستضيء بالله (1170) الناصر لدين الله (1180) الظاهر بالله (1225)
تولي بعده ابنه أبو محمد ولقب المستضيء بالله. وكان حسن السيرة كريم النفس وكثر ثناء الخلق عليه لكنه لم يكن بسيرته بائس. ثم ملك بعده ابنه الناصر لدين الله وكان الناصر من أفضل الخلفاء وأعيانهم. بصير بالأمور متوقد الذكاء والفطنة. وطالت مدته وصفا له الملك وأحب مباشر أحوال الرعية حتى كان يتمشى في الليل في دروب بغداد ليعرف
(5/316)

أخبار الرعية وما يدور بينهم. وفي أيامه كان ظهور صلاح الدين واستيلائه على مصر واستخلاصه بيت المقدس من أيدي النصارى الافرنج. إزالة دولة الفاطميين. وتولى مكانه بعد موته ابنه محمد الظاهر بأمر الله ولم تطل أيامه ولم يجر فيها ما يسيطر لكنه أظهر العدل والإحسان. قيل أنه فرق ليلة عيد النحر على الفقراء مائة ألف دينار. فلامه الوزير على ذلك فقال: دعني أفعل الخير فإني لا أدري كم أعيش فلم يلبث أن توفاه الله وأثابه على عمله الصالح

المستنصر بالله (1226) المستعصم بالله (1242) انتهاء الخلافة (1258)
وتولى بعده أبو جعفر ولقب المستنصر بالله كان المستنصر بالله شهما جوادا يباري الربح كرما وجودا. وكانت هباته وعطاياه أشهر من أن يدل عليها وأعظم من أن تحصى. وله الآثار الجليلة منها (وهي أعظمها) المستنصرية وهي أعظم من أن توصف وشهرتها تغني عن وصفها. وكان المستنصر يقول: إني أخاف أن الله لا يثيبني على ما أهبه وأعطيه لأن الله تعالى يقول: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وأنا والله لا فرق عندي بين التراب والذهب. وكانت أيامه طيبة والدنيا في زمانه ساكنة والخيرات والأعمال عامرة. وفي أيامه فتحت إربل ومات المستنصر في سنة أربعين وستمائة. وسلم على ابنه المستعصم بالله بالخلافة وهو آخر الخلفاء العباسيين وكانت مدة دولتهم خمسمائة وأربعا وعشرين سنة وكان المستعصم بالله مستضعف الرأي قليل الخبرة واهي العزيمة وكان وزيره ابن العلقمي عدوا له يداريه في الظاهر وينافقه في الباطن وكان تدبيره على إزالة الخلافة من بني العباس. فأذن للجند بالتفرق والذهاب أين شاؤوا وعظم الهرج ببغداد. ووقعت الفتن فصار ابن العلقم يكاتب هولاكو ملك التتر ويستحثه لقصد بغداد ويخبره عن صورة أخذها وضعف الخلافة وانحلال العسكر فزحف هولاكو بعسكر جرار إلى بغداد والمعتصم ومن معه في غفلة عنه لاخفاء ابن العلقمي عنه سائر الأخبار. إلى أن وصل إلى بلاد العراق واستأصل من بها قتلا وأسرا. وتوجه إلى بغداد وأرسل غلى الخليفة يطلب إليه فاستيقظ الخليفة من نوم الغرور. وندم على غفلته حيث لا ينفع الندم. وجمع من قدر عليه وبرز لقتلاه بأربعين ألف مقاتل. فثبتوا مع ترافتهم على حد السيوف من إقبال الفجر إلى إدبار النهار إلى أن عجزوا عن الاصطبار وولوا الإدبار بالأدبار. وأعقبهم التتار. ووضع السيف فيهم. وقتلوا من المسلمين في ثلاث أيام ما ينيف على ثلاثمائة وسبعين ألف نفس. وسبوا ورموا كتب مدارس بغداد في نهر دجلة فكانت لكثرتها جسرا يمرون عليه ركابا ومشاة. وكانت هذه فتنة من أعظم مصائب الإسلام. وأخذوا المستعصم وأولاده وجماعته وأتوا به إلى هولاكو فاستبقاه أياماً إلى أن استصفى أمواله ودفائنه. ثم رمى رقاب أولاده وأتباعه وأمر أن يوضع الخليفة في غرارة ويرفس بالأرجل إلى أن يموت ففعل به ذلك (1258م) وانقطعت خلافة بني العباس وهم سبع وثلاثون خليفة أولهم السفاح وآخرهم المستعصم (للنهرولي) تم بحوله تعالى
(5/317)