Advertisement

مجاني الأدب في حدائق العرب 006

الجزء السادس
(6/1)

الباب الأول في الخطب
نخبة من كتاب أطواق الذهب في المواعظ والخطب للزمخشري
اللهم إني أحمدك على ما أزلت إلي من نعمتك. وعلى ما أزلت عني من نقمتك. وعلى أني لم أكن أهلاً للأولى. وكنت بالثانية أولى. لولا فضل منك سابق حمد الحامد وراءه يقطف. وإن أعنق فكأنه مصفود يرسف. وكرم باسق شكر الشاكرين ينوء تحته بجناح مهيض. وإن حلق فكأنه لاصق بالحضيض. ثم إني أحمدك حمداً بعد حمدٍ ما هجس في ضمير نفس. ولا اتصل يماً بظن ولا حدس. من تيسر الفيئة التي بإحسانك المتظاهر جذبت إليها بضبعي. وبسلطانك القاهر قسرت عليها طبعي. وبنظرك الصادق خففت علي مجاشمها المتعبة. وسهلت بحل إساري وعتقي. ورقيتني إلى رتبة القناعة وهي الرتبة العليا. وزهدتني في الحرص على زخرف الدنيا. وطيبت نفسي بغوارز أخلافها عن الغزار. وترضيتها بعد الدرة بالغزار.
(المقالة الأولى) ما يخفض المرء عدمه ويتمه. إذا رفعه دينه
(6/3)

وعلمه ولا يرفعه ماله وأهله. إذا خفضه فجوره وجهله. والعلم هو الأب. بل هو للثأي أرأب. والتقوى هي الأم. بل هي إلى اللبان أضم. فأحرز نفسك في حرزهما. وأشدد يدك بغرزهما. يسقك الله نعمةً صيبةً. ويحيك حياةً طيبة.
(المقالة الثانية) يا ابن آدم أصلك من صلصال كالفخار. وفيك ما لا يسعك من التيه والفخار. تارة بالأب والجد. وأخرى بالدولة والجد. ما أولاك بأن لا تصعر خديك. ولا تفتخر بجديك تبصر خليلي مم مركبك. وإلى مَ منقلبك. فخفض من غلوائك. وخل بعض خيلائك.
(المقالة الثامنة) ما أسعدك لو كنت في سلامة الضمير. كسلاسة الماء النمير. وفي النقاء عن الريبة كمرآة الغريبة. وفي نفاذ الطية. كصدر الخطية. وفي أخذ الأهبة. كالواقع في النهبة. لكنك ذو تكدير. كرجرجة الغدير. ومتلطخ بالخبائث. كالكثير المحانث. وذو عجز وتواني. كمكسال الغواني. وتارك للاستعداد. كالشاك في المعاد.
(المقالة العاشرة) استمسك بحبل مؤاخيك. ما استمسك بأواخيك. واصحبه ما أصحب للحق وأذعن. وحل مع أشياعه وظعن. فإن تنكرت أنحاؤه. ورشح بالباطل إناؤه. فتعوض من صحبته وإن عوضت الشسع. واصطرف بحبله وإن أعطيت النسع. فصاحب
(6/4)

الصدق أنفع من الترياق النافع. وقرين السوء أضر من السم الناقع.
(المقالة الحادية عشرة) الشهم الحذر. بعيد مطارح الفكر. قريب مسارح النظر. لا يرقد ولا يكرى. إلا وهو يقظان الذكرى. يستنبط العظة من اللمح الخفي. ويستجلب العبرة من الطرف القصي. فإذا نظرت إلى نبات نعش فاستجلب عبرتك. وإذا رأيت بني نعش فاستجلب عبرتك. واعلم أن من الجوائز. أن تروح غداً على الجنائز.
(المقالة السادسة عشرة) الكريم إذا ريم على الضيم نبا. والسري متى سيم الخسف أبى. والرزين المختبي بحمالة الحلم. ينفر نفرة الوحشي عن الظلم. إشفاقاً على ظفره أن يقلم. وعلى ظهره أن يكلم. وقلما عرفت الأنفة والإباء. في غير من شرفت منه الآباء. ولا خير فيمن لم يطب له عرق. وذنب الكلب ما به طرق (المقالة السابعة عشرة) الوجه ذو الوقاحة. من وجوه الرقاحة. يفيء على صاحبه الأنفال. ويفتح له الأقفال. ويلقطه الأرطاب. ويلقمه ما استطاب. ويجسره على قول المنطيق. وييسر له فعل ما لا يطيق. وكل ذي وجه حيي. ذو لسانٍ عيي. معتقل لا ينشط لمقال. ولا ينشط من عقال. ولا يزال ضيق الذرع. بكيء الضرع. يشبع غيره وهو طيان. ويعطش هو وصاحبه ريان. ولكن لا كان من يتوقح. لأجل أن يترفه ويترفح. فلعمري ما النائل الوتح. إلا ما
(6/5)

ناله الوقح. وأيم الله إن الرشحة في الجبين. أحسن من الشمم في العرنين. ولئن تفر عرضك وما في سقائك جرعة. خير من أن تملك البحر وما في وجهك مزعة.
(المقالة الثامنة عشرة) عزة النفس وبعد الهمة. الموت الأحمر والخطوب المدلهمة. ولكن من عرف منهل الذل فعافه. استعذب نقيع العز وذعافه. ومن لم يصطل بحر الهيجاء لم يصل إلى برد المغنم. ومن لم يصبر على براثن أسد اللقاء يصب أطرافاً كالغنم. وتحت علم الملك المطاع. ذكر السيوف والأنطاع. ومن لم يقض عليه عسر يقذه. لم يقيض له يسر ينفذه. وما الحكمة الإلهية إلا هي. وهي القاعدة التي أمر عليها العبد ونهي. اليوم عزاء في كلف وكرب وغداً جزاء بزلف وقرب.
(المقالة الحادية والعشرون) لا تنتفع بما لا تني أن تبتني وتقتني. وتعتن بغرس ما لا تجتني. هلم إلى استشارة عقلك فتبصر. وإلى استخارة ذهنك فتدبر. وقل لي إذا شق بصرك. واشتد حصرك. وعانيت الجد فشغلك عن ددك. وأوحشك تفريطك فسقط في يدك. ما يغني حينئذٍ عنك بنيانك. وما يجدي عليك قنيانك. وهل ينفعك نخيلك الصنوان وغير الصنوان. أم يدفع عنك ما يخرج من طلعها من القنوان (المقالة الثانية والعشرون) خل عن يدك الباطل واللدد.
(6/6)

واعتنق الجد والزم الجدد. إن الله تعالى خلقك جداً لا عبثاً. وفطرك إبريزاً لا خبثاً. لولا أن نفسك بكسبها الخبيث خبثتك. وبلطخ عملها السيئ لوثتك. فأرخيت عنانك فيما أنت عنه مزجور. وتوليت بركتك عما أن عليه مأجور. إلقاء بيدك إلى التهلكة. وإضاعة لحظك في عظيم المهلكة.
(المقالة الرابعة والعشرون) من لعمل كالظهر الدبر. ومن لقلب كالجرح الغبر. دووي بكل دواء ينجع. واحتيل عليه بكل حيلة فلم ينفع. متى رفوت منه جانباً انتقض عليه آخر. وإذا سددت من فساده منخراً جاش منخره ضاقت عن تدبيره فطن الأناسي. وأعضل علاجه على الطيب النطاسي. فيا ويلتا من هذا السقام. ويا غوثتا من هذا الداء العقام. وما أحق بمثلي أن يبيت بليلةٍ سليم. كلما تليت: إلا من أتى الله بقلب سليم.
(المقالة الخامسة والعشرون) احرص وفيك بقية. على أن تكون لك نفس تقية. فلن يسعد إلا التقي. وكل من عداه فهو شقي. قبل أن ترى الشيب المجلل. والصلب المهلل. والجلد المتشنن. والرأي المتقنن. والنوء المتخاذل. والوطء المتثاقل. والرثية في المفاصل ناهضة. والرعشة للأنامل نافضة. وقبل أن لا تقدر على ما أنت عليه قادر. ولا تصدر عما أنت عنه صادر.
(المقالة الحادية والثلاثون) قلبك آمن. وجأشك متطامن.
(6/7)

ورأيك في الشهوات باتر. وشوقك إلى ما عند الله فاتر. وأنت مترفه مترف. أطيب قطف لك مخترف. في أكناف السعة راتع. ولأخلاف الدعة راضع. وفي تيه الغفلات هائم. كأنك إحدى البهائم ما هذا خلق المؤمن. ولا هكذا صفة الموقن. المؤمن راهب راغب. ساغب لاغب. ذو هيئة بذة. محتم من كل لذة. إن رأى من نفسه جماحاً ألجم وحجر. وإن أحس منها مطمعاً ألقمها الحجر.
(المقالة الثالثة والثلاثون) يا عدب الدينار والدرهم متى أنت عتيقهما. ويا أسير الحرص والطمع متى أنت طليقهما. هيهات لا عتاق إلا أن تكاتب على دينك الممزق. ولا إطلاق أو تفادي بخيرك الملزق. يا من يشبعه القرص. ما هذا الحرص. ويا من ترويه الجرع. ما هذا الجزع. ستعلم غداً إذا تندمت. أن ليس لك إلا ما قدمت. وإذا لقيت المنون. لم ينفعك مال ولا بنون. ما يصنع بالقناطير المقنطرة. عابر هذه القنطرة. وما يريد من البهجة والفرحة. نازل ظل هذه السرحة.
(المقالة الثامنة والثلاثون) لم أر فرسي رهان. مثل الحق والبرهان. لله درهما متخاصرين. ولا عدمتهما من متناصرين. اصطحبا غير مبانين. اصطحاب أبانين. من شديده بغرزهما. فقد اعتز بعزهما. ومن زل عنهما فهو من الذلة أذل. ومن القلة أقل.
(المقالة التاسعة والثلاثون) أيها الشيخ الشيب ناهيك به ناهياً.
(6/8)

فما لي أراك ساهياً لاهياً. أبق على نفسك وأربع. فهذه أخرى المراحل الأربع. ومن بلغ رابعة المراحل. فقد بلغ من الحياة الساحل. وما بعدها إلا المورد الذي ليس لأحد عنه مصدر. ولا زيد من عمرو بوروده أجد. هو لعمر الله مشرع. جميع الناس فيه شرع. وأحقهم بالاستعداد له من شارفه وأولاهم بالإشفاق له من فارقه.
(المقالة الثالثة والأربعون) ما لعلماء السوء جمعوا عزائم الشرع ودونوها. ثم رخصوا فيها لأمراء السوء وهونوها. ليتهم إذ لم يرعوا شروطها لم يعوها. وإذا لم يسمعوها كما هي لم يسمعوها. إنما حفظوا وعلقوا. وصفقوا وحلقوا. ليقمروا المال وييسروا. ويفقروا الأيتام ويؤسروا. إذا أنشبوا أظفارهم في نشب فمن يخلص. وإن قالوا لا نفعل أو يزاد كذا فمن ينقص. دراريع ختالة. ملؤها ذراريح قتالة. وأكمام واسعة. فيها أصلال لاسعة. وٌلام. كأنها أزلام. وفتوى. يعمل بها الجاهل فيتوى. إن وازنت بين هؤلاء والشرط. وجدت الشرط أبعد من الشطط. حيث لم يطلبوا بالدين الدنيا ولم يثيروا الفتنة بالفتيا.
(المقالة الرابعة والأربعون) هب أنك اتقيت الكبائر التي نصت. وتجنبت العظائم التي قصت. ورضت نفسك مع الرائضين. على أن لا تخوض مع الخائضين. فما قولك في هنات توجد منك وأنت ذاهل. في هفوات تصدر عنك وأنت غافل. ولعلك ممزق الشلوح
(6/9)

مأكول. وإلى المؤاخذة باقترافها موكول. فمثلك مثل الرئبال. في محاماته عن الأشبال. يصد عن التصدي لها البطل الحميس. بل يرد عن مرابضها الخميس. ثم يصبح أبو الشبل والنمل إلى ابنه كالحبل. وهي بأوصاله مطيفة. كأنما كسته فطيفة. فما أغنى عنه ذياده. حتى تم للنمل كياده.
(المقالة السابعة والأربعون) الحازم من لم يزل على جده. لم يزل عنه إلى ضده. وذو الرأي الجزل. من ليس في شيء من الهزل. وكيف يكون حازماً من هو مازح. هيهات البون بينما نازح. وكفاك أن المزح. مقلوب الحزم كما أن الحزم مقلوب المزح. رب كلمة غمستك في الذنوب. وأفرغت على أخيك ملء الذنوب. فإن كان حراً زرعت الغمر في سويدائه. وإن كان عبداً نزعت المهابة من أحشائه. وتقول إنها مزاحة. وعليك في أن تقولها مزاحة. ويحك يا تلعابة. لو علمت ما في الدعابة لأطعت في إطراحها نهاتك. ولما غراغرت بها لهاتك. أسرك أن داعبت الرجل فضحك. ولم تشعر أنه بذلك فضحك. حيث أعلم لو فطنت لإعلامه. أنك الشيخ المضحوك من كلامه. وذلك ما ليس به خفاء. أنه من صفات السخفاء.
(المقالة الرابعة والستون) شبت وعرامك ما وخط عارضيه مشيب. وشخت وغرامك رداء شبابه قشيب. مالي أراك صعب المراس. جامح الرأس. كأن وافد المشيب لم يخطمك. وكأن ارتقاء
(6/10)

السن لم يحطمك. الشيخوخة تكسب أهلها سمتاً. وأنت ما أكسبتك إلا أمتا. لو علمت أي وقد حل بفودك. لتبرقعت حياء من وفدك. ولكن محياك لم يتعلم الحياء. ولم يتهج من حروفه الحاء ولا الياء. تثب إلى الشر كما تثب الظباء. وتلهث إلى اللهو كما يلهث الظماء. إن حمحم الباطل فأسمع من سمع. وإن همهم الحق فكأنك بلا سمع. حملت نفسك على الرياضات وهي ريضة. ومن يحتلب اللباء من اللبؤة المغيضة.

خطبة لبديع الزمان الهمذاني
أيها الناس إنكم لم تتركوا سدى. وإن اليوم غداً. وإنكم واردو هوة. فأعدوا لها ما استطعتم من قوة. وإن بعد المعاش معاداً فأعدوا لها زادا. ألا لا عذر فقد بينت لكم المحجة. وأخذت عليكم الحجة. من السماء بالخبر. ومن الأرض بالعبر. ألا وإن الذي بدأ الخلق عليما. يحيي العظام رميما. إلا وإن الدنيا دار جهاز. وقنطرة جواز. من عبرها سلم. ومن عمرها ندم. إلا وقد نصبت لكم الفخ ونثرت لكم الحب فمن يرتع. يقع. ومن يلقط. يسقط. ألا وإن كذبت حيلة العاقل فاكتسوها. والغنى حلة الطغيان فلا تلبسوها. كذبت ظنون الملحدين. الذين جحدوا الدين. وجعلوا أقواله عضين. إن بعد الحدث حدثاً. وإنكم لم تخلقوا عبثاً. فحذار حر النار. وبدار عقبى الدار. إلا وإن العلم أحسن على علاته. والجهل أقبح على
(6/11)

الاته. وإنكم أشقى من أظلته السماء. إن شقى بكم العلماء. الناس بأئمتهم. فإن انقادوا بأزمتهم. نجوا بذمتهم. والناس رجلان عالم يرعى. ومتعلم يسعى. والباقون هامل نعام. وراتع أنعام. ويل عال أمر من سافله. وعالم شيء من جاهله. وقد سمعت أن علي بن الحسين كان قائما يعظ الناس ويقول: يا نفس حتام إلى الحياة ركونك. وإلى الدنيا وعمارتها سكونك. أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك. وبمن وارته الأرض من آلافك. ومن فجعت به من إخوانك. ونقل إلى دار البلى من أقرانك:
فهم في بطون الأرض بعد ظهورها ... محاسنهم فيها بوال دواثر
خلت دورهم منهم وأقوت عراصم ... وساقتهم نحو المنايا المقادر
وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها ... وضمتهم تحت التراب الحفائر
كم اختلست أي المنون. من قرون بعد قرون. وكم غيرت ببلاها. وغيبت أكثر الرجال في ثراها:
وأنت على الدنيا مكب منافس ... لخطابها فيها حريص مكاثر
على خطر تمشي وتصبح لاهياً ... أتدري بماذا لو عقلت تخاطر
وإن امرءاً يسعى لدنياه جادهاً ... ويذهل عن أخراه لا شك خاسر
انظر إلى الأمم الخالية. والملوك الفانية. كيف انتسفتهم الأيام. وأفناهم الحمام. فانمحت آثارهم. وبقيت أخبارهم:
فأصبحوا رميما في التراب وأقفرت ... مجالس منهم عطلت ومقاصر
(6/12)

وخلوا عن الدنيا وما جمعوا بها ... وما فاز منهم غير من هو صابر
وحلوا بدار لا تزاور بينهم ... وأنى لسكان القبور التزاور
فما إن ترى إلا رموسا ثووا بها ... مسطحة تسفي عليها الأعاصير
كم عاينت من عزة وسلطان. وجنود وأعوان. قد تمكن من دنياه. ونال منها مناه. فبنى الحصون والدساكر. وجمع الأعلاق والعساكر:
فما صرفت كف المنية إذ أتت ... مبادرة تهوي إليه الذخائر
ولا دفعت عنه الحصون التي بنى ... وحفت به أنهارها والدساكر
ولا قارعت عنه المنية حيلة ... ولا طمعت في الذب عنه العساكر
يا قوم الحذر الحذر. والبدار البدار. من الدنيا ومكايدها. وما نصبت لكم من مصايدها. وتجلت لكم من زينتها. واستشرفت لكم من بهجتها:
وفي دون ما عينت من فجعاتها ... إلى رفضها داع وبالزهد آمر
فجد ولا تغفل فعيشك بائد ... وأنت إلى دار المنية صائر
ولا تطلب الدنيا فإن طلابها ... وإن نلت منها رغبة لك ضائر
وكيف يحرص عليها لبيب. أو يسر بها أريب. وهو على ثقةٍ من فنائها لا تعجبون ممن ينام وهو يخشى الموت. ولا يرجو الفوت:
ألا لا ولكنا نغر نفوسنا ... وتشغلها اللذات عما تحاذر
وكيف يلذ العيش من هو موقن ... بموقف عدل حيث تبلى السرائر
كأنا نرى أن لا نشور وأننا ... سدى ما لنا بعد الفناء مصاير
(6/13)

كم غرت الدنيا من مخلد إليها. وصرعت من مكب عليها. فلم تنعشه من عثرته ولم تقله من صرعته. ولم تداوه من سقمه. ولم تشفه من ألمه:
بلى أوردته بعد عز ورفعة ... موارد سوء ما لهن مصادر
فلما رأى أن لا نجاة وأنه ... هو الموت لا ينجيه منه المؤازر
تندم لو أغناه طول ندامة ... عليه وأبكته الذنوب الكبائر
بكى على ما سلف من خطاياه. وتحسر على ما خلف من دنياه. حيث لم ينفه الاستعبار. ولم ينجه الاعتذار:
أحاطت به أحزانه وهمومه ... وإبليس لما أعجزته المعاذر
فليس له من كربة الموت فارج ... وليس له مما يحاذر ناصر
وقد خسئت فوق المنية نسفه ... ترددها منه اللهى والحناجر
فإلى متى ترفع بآخرتك دنياك. وتركب في ذاك وهواك. إني أراك ضعيف اليقين. يا رافع الدنيا بالدين. أبهذا أمرك الرحمن. أم على هذا دللك القرآن:
تخرب ما يبقى وتعمر فانيا ... فلا ذاك موفور ولا ذاك عامر
فهل لك إن وافاك حتفك بغتة ... ولم تكتسب خيرا لدى الله عاذر
أترضى بأن تقتضي الحياة وتنقضي ... ودينك منقوص ومالك وافر

نخبة من خطب الحريري
أيا السادر في غلوائه. السادل ثوب خيلائه. الجامح في
(6/14)

جهالاته. الجانح إلى خزعبلاته. إلى م تستمر على غيك. وتستمرئ مرعى بغيك. وحتى م تتناهى في زهوك. ولا تنتهي عن لهوك. تبارز بمعصيتك. ما لك ناصيتك. وتجترئ بقبح سيرتك. على عالم سريرتك. وتتوارى عن قريبك. وأنت بمرأى رقيبك. وتستخفي من مملوكك. وما تخفى خافية على مليكك. أتظن أن ستنفعك حالك. إذا آن ارتحالك. أو ينقذك مالك. حين توبقك أعمالك. أو يغني عنك ندمك. إذا زلت قدمك. أو يعطف عليك معشرك. يوم يضمك محشرك. هلا انتهجت محجة اهتدائك. وعجلت معالجة دائك. وفللت شباة اعتدائك. وفدعت نفسك فهي أكبر أعدائك. أما الحمام ميعادك. فما إعدادك. وبالمشيب إنذارك. فما إعذارك. وفي اللحد مقيلك. فما قيلك. وإلى الله مصيرك. فمن نصيرك. طالما أيقظك الدهر فتناعست. وجذبك الوعظ فتقاعست. وتجلت لك العبر فتعاميت. وحصحص لك الحق فتماريت. وأذكرك الموت فتناسيت. وأمكنك أن تؤاسي فما آسيت. تؤثر فلساً توعيه. على ذكر تعيه. وتختار قصراً تعليه. على بر توليه. وترغب عن هاد تستهديه. إلى زاد تستهديه. وتغلب حب ثوب تشتهيه. على ثواب تشتريه. يواقيت الصلات. أعلق بقلبك من مواقيت الصلاة. ومغالاة الصدقات. آثر عندك من موالاة الصدقات. وصحاف الألوان. أشهى إليك من صحائف الأديان. ودعابة الأقران. آنس لك
(6/15)

من تلاوة القرآن. تأمر بالعرف وتنتهك حماه. وتحمي عن النكر ولا تتحاماه. وتزحزح عن الظلم ثم تغشاه. وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه. ثم أنشد:
تبا لطالب دنيا ... ثنى إليها انصبابه
ما يستفيق غراما ... بها وفرط صبابه
ولم درى لكفاه ... مما يروم صبابه

وله أيضاً من خطبة

أيا من يدعي الفهم ... إلى كم يا أخا الوهم
تعبي الذنب والذم
وتخطي الخطأ الجم
أما بان لك العيب ... أما أنذرتك الشيب
وما في نصحه ريب
ولا سمعك قد صم
أما نادى بك الموت ... أما أسمعك الصوت
أما تخشى من الفوت
فتحتاط وتهتم
فكم تسدر في السهو ... وتختال من الزهو
وتنصب إلى اللهو
كأن الموت ما عم
وحتام تجافيك ... وإبطاء تلافيك
طباعاً جمعت فيك
عيوباً شملها انضم
إذا أسخطت مولاك ... فما تقلق من ذاك
وإن أخفق مسعاك
تلظيت من الهم
(6/16)

وإن لاح لك النقش ... من الأصفر تهتش
وإن مر بك النعش
تغاممت ولا غم
تعاصي الناصح البر ... وتعتاص وتزور
وتنقاد لمن غر
ومن مان ومن نم
تسعى في هوى النفس ... وتحتال على الفلس
وتنسى ظلمة الرمس
ولا تذكر ما ثم
ولو لاحظك الحظ ... لما طاح بك اللحظ
ولا كنت إذا الوعظ
حلا الأحزان تغتم
ستذري الدم لا الدمع ... إذا عانيت لا جمع
يقي في عرصة الجمع
ولا خال ولا عم
كأني بك تنحط ... إلى اللحد وتنغط
وقد أسلمك الرهط
إلى أضيق من سم
هناك الجسم ممدود ... ليستأكله الدود
إلى أن ينخر العود
ويمسى العظم قد رم
ومن بعد فلا بد ... من العرض إذا اعتد
صراط جسره مد
على النار لمن أم
فكم من مرشد ضل ... ومن ذي غزة ذل
وكم من عالمٍ ذل
وقال الخطب قد طم
فبادر أيها الغمر ... لما يحلو به المر
فقد كاد يهي العمر
(6/17)

وما أقلعت عن ذم
ولا تركن إلى الدهر ... وإن لان وإن سر
فتلفى كمن اغتر
بأفعى تنفث السم
وخفض من تراقيك ... فإن الموت لاقيك
وسار في تراقيك
وما ينكل إن هم
وجانب صعر الخد ... إذا ساعدك الجد
وزم اللفظ إن ند
فما أسعد من زم
ونفس عن أخي البث ... وصدقه نث
ورم العمل الرث
فقد أفلح من رم
ورش من رشية انحص ... بما عم وما خص
ولا تأس على النقص
ولا تحرص على اللم
وعاد الخلق الرذل ... وعود كفك البذل
ولا تستمع العذل
ونزهها عن الضم
وزود نفسك الخير ... ودع ما يعقب الضير
وهيئ مركب السير
وخف من لجة اليم
بذا أوصيت يا صاح ... وقد بحت كمن باح
فطوبى لفتى راح
بآدابي يأتم

وله من خطبة وهي عرية من الإعجام
الحمد لله الممدوح الأسماء. المحمود الآلاء. الواسع العطاء
(6/18)

المدعو لحسم اللأواء. مالك الأمم ومصور الرمم. ومكرم أهل السماح والكرم. ومهلك عاد وإرم. أدرك كل سر علمه. ووسع كل مصر حلمه. وعم كل عالم طوله. وهد كل مارد حوله. أحمد حمد موحد مسلم. وأدعوه دعاء مؤمل مسلم. وهو الله لا إله إلا هو الواحد الأحد. العادل الصمد ... ما همر ركام. وهدر حمام. وسرح سوام. وسطا حسام. اعملوا رحمكم الله عمل الصلحاء. واكدحوا لمعادكم كدح الأصحاء. واردعوا أهواءكم ردع الأعداء. وأعدوا للرحلة إعداد السعداء. وادرعوا حلل الورع. وداووا علل الطمع. وسووا أود العمل. وعاصوا وساوس الأمل. وصورا لأوهامكم حؤول الأحوال. وحلول الأهوال. ومساورة الأعلال. ومصارمة المال والآل. وادكروا الحمام وسكرة مصعره والرمس وهول مطلعه. واللحد ووحدة مودعه. الملك وروعة سؤاله ومطلعه. والمحو الدهر ولؤم كره. وسوء محاله ومكره. كم طمس معلماً. وأمر مطمعاً. وطحطح عرمرماً. ودمر ملكاً مكرماً. همه سك المسامع. وسح المدامع. وإكثار المطامع. وإرداء المسمع والسامع. عم حكمه الملوك الرعاع. والمسود والمطاع. والمحسود والحساد. والأساود والآساد. ما مول إلا مال. وعكس الآمال. وما وصل إلا وصال. وكلم الأوصال. ولا سر إلا وساء. ولؤم وأساء. ولا أصح إلا ولد الداء. وروع الأوداء. الله الله. رعاكم الله. إلى م مداومة اللهو. ومواصلة السهو. وطول
(6/19)

الإصرار. وحمل الآصار. واطراح كلام الحكماء. ومعاصاة إله السماء. أما الهرم حصادكم. والمدر مهادكم. أما الحمام مدرككم. والصراط مسلككم. أما الساعة موعدكم. والساهرة موردكم. أما أهوال الطامة لكم مرصدة. أما دار العصاة الحطمة المؤصدة. حارسهم مالك. ورواؤهم حالك. وطعامهم السموم. وهواؤهم السموم. لا مال أسعدهم ولا ولد. ولا عدد حماهم ولا عدد. ألا رحم الله امرءاً ملك هواه. وأم مسالك هداه. وأحكم طاعة مولاه. وكدح لروح مأواه. وعمل ما دام العمر مطاوعاً. والدهر موادعاً. والصحة كاملة. والسلامة حاصلة. وإلا دهمه عدم المرام. وحصر الكلام. وإلمام الآلام. وحموم الحمام. وهدؤ الحواس. ومراس الأرماس. آها لها حسرة ألمها مؤكد. وأمدها سرمد. وممارسها مكمد. ما لولهه حاسم. ولا لسدمه راحم. ولا له مما عراه عاصم. ألهكم الله أحمد الإلهام. وردا كم دراء الإكرام. وأحكم دار السلام. وأسأله الرحمة لكم ولأهل ملة الإسلام. وهو أسمح الكرام. والمسلم والسلام.

وله من خطبة أخرى
مسكين ابن آدم وأي مسكين. ركن من الدنيا إلى غير ركين. واستعصم منها بغير مكين. وذبح من حبها بغير سكين. يكلف بها لغباوته. ويكلب عليها لشقاوته. ويعتد فيها لمفاخرته. ولا يتزود منها
(6/20)

لآخرته. أقسم بمن مرج البحرين. ونور القمرين. ورفع قدر الحجرين. لو عقل ابن آدم. لما نادم. ولو فكر في ما قدم لبكى الدم. ولو ذكر المكافأة. لاستدرك ما فات. ولو نظر في المآل. لحسن قبح الأعمال. يا عجبا كل العجب. لمن يقتحم ذات اللهب. في اكتناز الذهب. وخزن النشب. لذوي النسب. ثم من البدع العجيب أن يعظك وخط المشيب. وتؤذن شمسك بالمغيب. ولست ترى أن تنيب. وتهذب المعيب. ثم اندفع ينشد. إنشاد من يرشد:
يا ويح من أنذره شيبه ... وهو على غي الصبا منكمش
يعشو إلى نار الهوى بعدما ... أصبح من ضعف القوى يرتعش
ويمتطي اللهو ويعتده ... أوطأ ما يفترش المفترش
ولم يهب الشيب الذي ما رأى ... نجومه ذو اللب إلا دهش
ولا انتهى عما نهاه النهي ... عنه ولا بالى بعرض خدش
فذاك إن مات فسحقاً له ... وإن يعش عد كأن لم يعش
لا خير في محيا امرئ نشره ... كنشر ميت بعد عشر نبش
وحبذا من عرضه طيب ... يروق حسنا مثل برد رقش
فقل لمن قد شاكه ذنبه ... هلكت يا مسكين أو تنتقش
فأخلص التوبة تطمس بها ... من الخطايا السود ما قد نقش
وعاشر الناس بخلق رضى ... ودار من طاش ومن لم يطش
ورش جناح الحر إن حصه ... زمانه لا كان من لم يرش
(6/21)

وأنجد الموتور ظلما فإن ... عجزت عن إنجاده فاستجش
وأنعش إذا ناداك ذو كبوة ... عساك في الحشر به تنتعش
وهاك كأس النصح فاشرب وجد ... بفضلة الكأس على من عطش

موعظة لابن الجوزي
إخواني اعلموا أن من عمل في الأيام خيرا حمد أمره. ومن اقترف فيها شرا أضاع عمره. سيندم غدا من قصر على تقصيره. ويتلهف من ترك العمل لمصيره. ويبكي هاجر الهدى بعد تبصيره. إنما هي أوقات مبادرة تذهب. واغتنام أيام تنهب. فبادر بعمرك قبل الفوت. واغتنم حياتك قبل الموت. يا من يعصي مولاه على ما يريد. ويبارزه بالمعاصي وهو أقرب إليه من حبل الوريد. وهو في دار الأرباح لا يكسب ولا يستفيد. ولا يشوقه الوعد ولا يخوفه الوعيد. أمله طويل وليس العمر بمديد. والمواعظ تقرع القلوب فتجدها أقسى من الصخور وأصلب من الحديد. تيقظ يا مغرور وافهم يا بليد. فالأمل طويل والأمن عريرٌ شريدٌ. وطريق العقاب بعيد مديد. كيف ترجو البقاء في دار الفناء والرحيل. تأمل الرضا والزمان قد مضى في غير الجميل. أعددت الجواب وقد علمت أن الحساب يأتي على الكثير والقليل. فإلى متى تضيع الوقت الشريف. وحتى متى تتقرب إلى الملك اللطيف. وكيف أعرضت عن القيام بتخفيف التكليف. وأين تأثير الإنذار عندك والتخويف. يا من إذا دعي إلى صلاحه أبى
(6/22)

وتخلف. وإذا وعد بتوبة تمادى وأخلف. وإذا هم بفعل الخير توانى وسوف. وإذا أدى واجبا شق عليه وتكلف. وإذا لاح له ما يهوى من المخازي لم يتأن ولم يتوقف. وإذا بارز بالمعاصي لم يتحذر ولم يتخوف. هذا ميدان المجاهدة فأين اجتهادك. هذا الرحيل قد دنا فأين زادك. هذا الصراط قد مد فأين استعدادك. هذا ركن الفناء وثيق فأين اعتمادك. هذا الاعتبار قد لاح فأين أجدادك. هذا نذير الرحيل قد صاح فهل تم مرادك. وكيف نسيت مأربك فأثرت على يقينك ارتيابك. أفأمنت توبيخك وعتابك حتى ملأت من الخطايا. كتابك. ليت شعري ما الذي أصابك. حتى اخترت خطأك ورفضت صوابك. أنسيت حشرك وحسابك. أم أعددت للسؤال جوابك. يا هذا أبك على ذنوبك وكن حزيناً وجلا. قبل أن يأتي يوم الحسرة وأنت مطرق خجلا. وكن على طلب الخلاص بالإخلاص مستسهلا. قبل أن يصير دمعك إذا صغى سمعك منهملاً. كيف يكون حالك إذا خرج الخلائق من القبور وفار البحر المسجور. وتدكدكت الجبال والصخور. وتمزقت السماء وهي تمور. وتقطعت الأرض وهي تحور. فهل ترى في ذلك اليوم من فتور. كيف يكون حالك إذا انكشفت غدا الأمور. وانهتكت من المذنبين الستور وبرز العدل الذي لا يجور. وذل كل جبار فجور. وتجلى العزيز الصبور. وحيل بينك وبينه يا مغرور. فناديت بالويل
(6/23)

والثبور. كيف يكون حالك إذا قدمت غدا النجب للمطيعين. وانقطعت أنت في حملة المنقطعين. كيف يكون حالك إذا نشرت غدا أعلام التائبين. وبقيت أنت مع الخائبين. كيف يكون حالك إذا حشر الناس سكارى. من هول يوم القيامة حيارى. وحسبت أنت مع الأسارى. ودمعك يسيح. وجفنك قريح. وعينك عبرى. وكبدك حرى. وعقلك مسلوب. وفؤادك يذوب. وظلم المعاصي قد انكشفت. والشدائد عليك قد تضاعفت. وصحيفتك قد ظهرت. والزبانية إليك قد تبادرت. والجحيم قد أزفرت. وأستارك قد انتهكت. وقبائحك قد برزت وذنوبك قد اشتهرت. ودموعك قد انهمرت. وعينك قد استعبرت. وتلتفت عن اليمين وعن الشمال. وقد خابت منك الآمال. تنادي في قلبك: الحريق. كيف أمضي وأين الطريق. فحينئذ يهرب منك الأخ الشفيق. وينال الخل الودود والصاحب والرفيق. اللهم أجرنا من هول ذلك اليوم. واجعلنا من تباع الفائزين من القوم. يا من لا تأخذه سنة ولا نوم.

نخبة من مواعظ لسان الدين الخطيب
الحمد لله الولي الحميد. المبدئ المعيد. البعيد في قربه من العبيد. القريب في بعده فهو أقرب من حبل الوريد. محيي ربوع العارفين بتحيات حياة التوحيد. ومغني نفوس الزاهدين بكنوز احتقار
(6/24)

الافتقار إلى العرض الزهيد. ومخلص خواطر المحققين من سجون دجون التقييد. إلى فسح التجريد. نحمده وله الحمد المنتظمة درره في سلوك الدوام وسموط التأييد. حمد من نزه أحكام وحدانيته وأعلام فردانيته عن مرابط التقييد. ومخابط الطبع والبليد. ونشكره شكر من افتتح بشكره أبواب المزيد. ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو شهادة نتخطى بها معلم الخلق إلى حضرة الحق على كبد التفريد ... آه أي وعظ بعد وعظ الله تعالى يا أحبابنا يسمع. وفيما ذا وقد تبين الرشد من الغي يطمع. يا من يعطي ويمنع. إذا لم تقم الصنيعة فماذا تصنع. اجمعنا بقلوبنا يا من يفرق ويجمع. ولين حديدها بنار خشيتك فقد استعاذ الحكيم من قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع. اعملوا رحمكم الله أن الحكمة ضالة المؤمن. يأخذها من الأقوال والأحوال ومن الجماد والحيوان. وما أملاه الملوان. فإن الحق نور لا يضره أن صدر من الخامل. ولا يقصر بمحموله احتقار الحامل. وأنتم تدرون أنكم في أطوار سفر لا تستقر لها دون الغاية رحلة. ولا تتأتى معها إقامة ولا مهلة. من الأصلاب إلى الأرحام إلى الوجود إلى القبور إلى النشور إلى إحدى داري البقاء أفي الله شك. فلو أبصرتم مسافراً في البرية يبني ويفرش. ويمهد ويعرش. ألم تكونوا تضحكون من جهله. وتعجبون من ركاكة عقله. ووالله ما أموالكم وأولادكم وشواغلكم عن الله التي فيها اجتهادكم إلا بقاء سفر في قفر. أو أعراس في ليلة نفر.
(6/25)

كأنكم بها مطرحة تعبر فيها المواشي. وتنبو العيون عن خبرها المتلاشي. إنما أموالكم ولذاتكم فتنة. والله عنده أجر عظيم. ما بعد المقيل إلا الرحيل. ولا بعد الرحيل إلا المنزل الكريم أو المنزل الوبيل. وإنكم تستقبلون أهوالا سكرات الموت بواكر حسابها. وعتب أبوابها. فلو كشف الغطاء عن ذرة منها لذهلت العقول وطاشت الألباب. وما كل حقيقة يشرحها الكلام. يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا يغرنكم بالله الغرور أفلا أعددتم لهذه الورطة حيلة. وأظهرتم للاهتمام بها مخيلة. أتعويلا على عفوه مع المقاطعة وهو القائل في مقام التهديد. إن عذابي لشديد. أأمنا من مكره مع المنابذة. ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. أطعما في رحمته مع المخالفة كما قيل: فسأكتبها للذين يتقون. أو مشاقة ومعاندة. ومن يشاقق الله فإن الله شديد العقاب:
هكذا هكذا يكون التعامي ... هكذا هكذا يكون الغرور
يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسوم إلا كانوا به يستهزئون. وما عدا عما بدا ورسولكم الحريص عليكم الرؤوف الرحيم يقول لكم: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. فعلام بعد هذا المعول. وماذا يتأول. اتقوا الله سبحانه في نفوسكم وانصحوها. واغتنموا فرص الحياة واربحوها. أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرطت في جنب
(6/26)

الله وإن كنت لمن الساخرين. وتنادي أخرى: هل إلى مرد من سبيل. تستغيث أخرى: يا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل. وتقول أخرى: رب أرجعوني. فرحم الله من نظر لنفسه. قبل غروب شمسه. وقدم لغده من أمسه. وعلم أن الحياة تجر إلى الموت. والغفلة تقود إلى الفوت. والصحة مركب الألم. والشيبة سفينة تقطع إلى الساحل الهرم.

وله أيضاً من عظة
إخواني صمت الآذان والنداء جهير. وكذب العيان والمشار إليه شهير. أين الملك وأين الظهير. أين الخاصة أين الجماهير. أين القيل والعشير. أين ابن أردشير. صدق والله الناعي وكذب البشير. وغش المستشار واتهم المشير. وسئل عن الكل فأشار إلى التراب المشير:
خذ عن حياتك للممات الآتي ... وبدار ما دام الزمان مواتي
لا تغتر فهو السراب بقيعة ... قد خودع الماضي به الآتي
يا من يؤمل واعظا ومذكرا ... يوما ليوقظه من الغفلات
هلا اعتبرت ويا لها من عبرة ... بمدافن الآباء والأمات
قف بالبقيع وناد في عرصاته ... فلكم به من جيرة ولدات
درجوا ولست بخالد من بعدهم ... متميز عنهم بوصف حياة
والله ما استهللت حيا صارخا ... إلا وأنت تعد في الأموات
كيف الحياة لدارج متكلف ... سنة الكرى بمدارج الحيات
(6/27)

أسفا علينا معشر الأموات لا ... ننفك عن شغل بهاك وهات
ويغرنا لمع السراب فنغتدي ... في غفلة عن هادم اللذات
يا من غدا وراح وألف المراح. يا من شرب الراح ممزوجة بالعذاب القراح. وقعد لعيان صروف الزمان مقعد الاقتراح. كأنك والله باختلاف الرياح. وسماع الصياح. وهجوم غارة الاجتياح. فأديل الخفوت من الارتياح. ونسيت أصوات الغناء برنات الرياح. وعوضت عرر النوب القباح. من غرر الوجوه العهود الكريمة بمر المساء عليها والصباح. وأصبحت كماة النطاح. من تحت البطاح. وخملت المهندة والرماح ذليلة من بعد الجماح.

تبا لطالب دنيا لا بقاء لها ... كأنما هي في تصريفها حلم
صفاؤها كدر سراؤها ضرر ... أمانها غدر أنوارها ظلم
شبابها هرم راحاتها سقم ... لذاتها ندم وجدانها عدم
فخل عنها ولا تركن لزهرتها ... فإنها نعم في طيها نقم
يا مشتغلا بداره. ورم جداره. عن إسراعه إلى النجاة وبداره. يا من صاح بإنذاره. وشيب عذاره. يا من صرف عين اعتذاره بأقذاره. يا من قطعه بعد مزاره. وثقل أوزاره. يا معتلقاً ينتظر هجوم جزاره. يا من أمعن في خمر الهوى خف من إسكاره. يا من خالف مولى رقه توق من إنكاره. يا كلفا بعارية ترد. يا مفتونا بأنفاس تعد.
(6/28)

يا معولا على الإقامة والرحال تشد. كأني بك وقد أوثق الشد وألصق بالوسادة الخد. والرجل تقبض والأخرى تمد. واللسان يقول يا ليتنا نرد:
إن إلى الله وإن له ... ما أشغل الإنسان عن شانه
يرتاح للأثواب يزهى بها ... والخيط مغزول لأكفانه
ويخزن الفلس لوارثه ... مستنفدا مبلغ أكوانه
قوض عن الفاني رحال امرئ ... مد إليه عين عرفانه
ما ثم إلا موقف زاهد ... قد وكل العدل بميزانه
مفرط يشقى بتفريطه ... ومحسن يجزى بإحسانه
يا هذا خفي عليك مرض اعتقادك. فالتبس الشحم بالورم. جهلت قيم المعادن فبعت الشبه بالذهب. فسد حسن ذوقك فتفكهت بحنظلة. أين حرصك من أجلك. أين قولك من عملك. يدركك الحياء من الفل فتتحامى حمى الفاحشة في البيت بسببه. ثم تواقعها بعين خالق العين. ومقدر الكيف والين. تالله ما فعل فعلك بمعبوده. من قطع بوجوده. ما يكون من نجوى ثلاثة إلى عليم. تعود عليك مساعي الجوارح التي سخرها لك بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة فتبخل منها في سبيله بفلس. وأحد الأمرين لازم إما التكذيب وإما الحماقة وجمعك بين الحالتين عجيب. يرزقك السنين العديدة من غير حق وجب لك وتسيء الظن به في يوم. توجب الحق
(6/29)

وتعتذر بالغفلة. فما بال التمادي. تعترف بالذنب فما الحجة في الإصرار والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا. يا مدعي النسيان ماذا فعلت بعد التذكير. يا معتذرا بالغفلة أين ثمرة التنبيه. يا من قطع بالرحيل أين الزاد. يا ذبابة الحرص كم ذا تلجج في ورطة الشهد. يا نائما ملء عينيه حذار الأجل قد أنذر. يا ثمل الاغترار قرب خمار الندم. تدعي الحذق بالصنائع وتجهل هذا القدر. تبذل النصح لغيرك وتغش نفسك هذا الغش. اندمل جرح توبتك على عظم قام بناء عزمتك على رمل. نبتت خضراء دعواتك على دمنة. عقد كفك من الحق على قبضة ماء. أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً. فإن الله يضل من شاء ويهدي من يشاء. إذا غام جو هذا المجلس وابتدأ رش غمام الدموع قالت النفس الأمارة: حوالينا لا علينا. فدالت رياح الغفلة وسحاب الصيف هفاف. كلما شد طفل العزيمة على ردة التوبة صانعته ظئر الشهوة عن ذلك بعصفور. إذا ضيق الخوف فسحة المهل سرق الأمل حدود الجار. قال بعض الفضلاء: كانوا إذا فقدوا قلوبهم. تفقدوا مطلوبهم. ولو صدق الوعظ لأثر. اللهم لا أكثر طبيب يداوي الناس وهو عليل. والخطب جليل والمتفطن قليل فهل إلى الخلاص سبيل. اللهم انظر إلينا بعين رحمتك التي وسعت الأشياء وشملت الأموات والحياء. يا دليل الحائرين دلنا. يا عزيز ارحم ذلنا. يا ولي من لا ولي له كن لنا
(6/30)

كلنا. إن أعرضت عنا فمن لنا نحن المذنبون وأنت غفار الذنوب. فقلب قلوبنا يا مقلب القلوب. وستر عيوبنا يا ستار العيوب. يا أمل الطالب ويا غاية المطلوب.

وللسان الدين في المواعظ ما خاطب به بعض من استدعى منه الموعظة ونصه
إذا لم أنح يوما على نفسي التي ... بحرائها أحببت كل حبيب
وقد صحح عندي أن غادية الردى ... تدب لها والله كل دبيب
فمن ذا الذي يبكي عليها بأدمعي ... إذا كنت موصوفا برأي لبيب
كم قد نظرت إلى حبيب تغار من إرسال طرفك بكتاب الهوى إلى إنسانه. وقد ذبلت بالسقم نرجسة لحظة وذوت وردة خده واصفرت لمغيب الفراق شمس حسنه وهو يجود بنفسه التي كان يبخل منها بالنفس. يخاطب بلسان حاله مسترحما. وليت الفحل يهضم نفسه وأنت على أثر مسحبه إلى دست الحكم. وما أدري ما يفعل بي ولا بكم. ومنها تالله: لو لم يكن المخبر صادقا لنشب بحلق العيش بعده شوكة الشك:
ولو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شي
فالحازم من بتر الآمال طوعا. وقال: بيدي لا بيد عمرو. يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. وقال أمير الوعاظ: وبضدها تتميز الأشياء. يا مقتولا
(6/31)

ما له طالب ثار. بريد الموت مطلق الأعنة فيطلبك وما يحميك حصن. ثوب حياتك منسوج من طاقات أنفاسك. والأنفاس تستلب ذرات ذاتك وحركات الزمان قوية في النسيج الضعيف. فيا سرعة التمزيق يا رابطا مناه بخيط الأمل إنه ضعيف الفتل. صياد التلف قد بث الصقور. وأرسل العقبان ونصب الأشراك وقطع المواد فكيف السلامة. تهيأ لسرعة الموت وأشد منها قلب القلب ليت شعري لما يؤول أمر. مركب الحياة تجري في بحري البدن برخاء الأنفاس. ولا بد من عاصف قاصف بفلكه ويغرق الركاب:
فاقضوا مآربكم عجالاً إنما ... أعماركم سفر من الأسفار
(وقال) كأنك بحرب التلف قد قامت على ساق وانهزمت بجنود الأمل. وإذا بملك الموت قد بارز الروح يجذبها بخطاطيف الشدائد من قيان العروق قد شد أكتاف الذبيح وحار البصر لشدة الهول. وملائكة الرحمة عن اليمين قد فتحوا أبوب الجنة وملائكة العذاب عن اليسار قد فتحوا أبواب النار. وجميع المخلوقات تستوكف الخبر ولكون كله قد قام على صيحة: سعد فلان أو شقي فلان. فهناك تنجلي أبصار الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكرى ويحك تهيأ لتلك الساعة حصل زادا قل الفوت:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العيشة من عرار
مثل لعينيك سرعة الموت وما قد عزمت أن تفعل حينئذ في
(6/32)

وقت الأسر فافعله في وقت الإطلاق. قال أبو تمام:
أتأمل في الدنيا تجد وتعمر ... وأنت غدا فيها تموت وتقبر
تلقح آمالا وترجو نتاجها ... وعمرك مما قد ترجيه أقصر
تحوم على إدراك ما قد كفيته ... وتقبل بالآمال فيه وتدبر
وهذا صباح اليوم ينعاك ضوءه ... وليلته تنعاك إن كنت تشعر
ورزقك لا يعدوك إما معجل ... على حاله يوما وإما مؤخر
ولا حول محتال ولا وجه مذهب ... ولا قدر يزجيه إلا المقدر
وقد قدر الأرزاق من ليس عادلا ... عن العدل بين الخلق فيما يقدر
فلا تأمن الدنيا وإن هي أقبلت ... عليك فما زالت تخون وتغدر
فما تم فيها الصفو يوما لأهله ... ولا الرنق إلا ريثما يتغير
وما لاح نجم لا ولا ذر شارق ... على الخلق إلا حبل عمرك يقصر
تطهر وألحق ذنبك اليوم توبة ... لعلك منه إن تطهرت تطهر
وشمر فقد أبدى لك الموت وجهه ... وليس ينال الفوز إلا المشمر
فهذي الليالي مؤذناتك بالبلى ... تروح وأيام كذلك تبكر
وأخلص لدين الله صدرا ونية ... فإن الذي تخفيه يوما سيظهر
ود يستر الإنسان باللفظ فعله ... فيظهر عنه الطرف ما كان يستر
تذكر وفكر في الذي أنت صائر ... إليه غدا إن كنت ممن يفكر
فلا بد يوما إن تصير لحفرة ... بأثنائها تطوى إلى اليوم تنشر
(6/33)

نخبة من خطب الأعياد السيدية لابن الحديثي المعروف بأبي الحليم لعيد الميلاد الجسدي المقدس
الحمد لله الذي تفردت ذاته بوصف الأحدية فلا يقاس بالآحاد. وتميز بصفاته عن مراتب العددية فلا يماثل خصائص الأعداد. وعلا بعز العظمة والاقتدار عن النظراء والأشباه والأنداد. وتقدس بسلطان الربوية والاعتلاء عن ذمائم أوصاف العباد. الذي أفرغ بدائع صور الخلائق الكونية في قوالب المواد. وأخرجها إلى نور كمال الفعل من ظلمة نقائص القوة والاستعداد. وأرشدنا من تيه ظلام الأضاليل بنور الاهتداء إلى أنهج الجواد. وفصم عن أعناقنا أرباق الخطايا يوم إشراق مسيحه من المطلع البتولي بالميلاد. نحمده حمدا يبرأ من المعايب والتزييف في حدق حذقة النقاد. ونشكر سوابغ نعمه الجسيمة شكرا تترنح لرونق بثه شوامخ الأطواد. أيها المؤمنون إن يومكم هذا أشرف الأيام. وألطف المواقيت المعظمة وبكر الأعياد الكرام. يوم الفرح الأعظم والسرور الكامل. يوم الاستبشار الأكرم والحبور الشامل. يوم الهناء الأوفر والجذل الجديد. يوم العيد الأكبر وميلاد النجل الوحيد. يوم ابتهاج القلوب والأذهان. يوم إزالة الذنوب بالغفران. يوم أنذرت به البشائر النبوية. يوم جل عن النظائر والأشباه المثلية. يوم تفتحت فيه أبواب السعادات أمام البشر. وحصلت فيه غرائب الإفادات
(6/34)

بميلاد المسيح المنتظر. هذا اليوم الذي افترت فيه نواجذ الحقائق. وتبسمت ثغور الجود والأنعام في وجوه الخلائق. هذا اليوم الذي كتبت فيه صكوك الخلاص المطلق. وأسفر ليل الشكوك عن غرة الصباح الأشرق. هذا اليوم الذي تألق فيه كوكب الحياة من أفرثا. وحقق لنا في العالم الملكوتي حصة في النور وإرثا. هذا اليوم الذي أشرقت فيه للأتقياء شمس البرارة. وذرت من الفلك المريمي في آفاق المغارة. هذا اليوم الذي اهتزت لفرحته أعطاف درة الحياة فيأكناف قرية داود. هذا اليوم الذي ظهرفيه السيد المسيح من المقصورة البتولية. مجلببا بالناسوت على نور الأزليو. وبشرت فيه بصالح الرجاء أصقاع البرية. وتيمن بمولده الجسدي أبناء الجبلة البشرية. اليوم قرت شقاشق أشعيا النبي الممجد في الأنبياء أن البتول الطاهرة تحبل وتلد أشرف الأبناء. اليوم انقض الكوكب الصبحي في فلك آل يعقوب. وفض بنوره أغساق الضلال من آفاق القلوب. اليوم نصل خضاب الأضاليل. أصحرت هضاب الأباطيل. تناثرت أوراق الرذائل. بدا الإيراق في أغصان الفضائل. اليوم تبلجت أقمار الحقائق. فتحت الذخائر والكنوز. نضيت ستور الأسرار عن وجوه الأمثال والرموز. اليوم تدكدكت أعران الضلال. تبركت الأذهان بميلاد مفيد الكمال. تنفس صباح
(6/35)

السعادة والإقبال. تسربلت جبلة آدم من فخر الولادة المسيحية أسنى حلة وأبهى سربال. اليوم أنجم سحاب العطايا. أنجم ضباب الخطايا. فتحت خزائن المواهب. منحت صوائن الأذخار لكل آت وذاهب. اليوم سقطت أجنة الطغيان. لبست جنة الغفران. ظهرت سنة الإيمان. تقهقرت الأكنة عن القلوب والأذهان. اليوم أصبحت القلوب من الأدران مخمومة. وأغصان الذنوب عن الأذهان مجمومة. والأمة اليهودية عن النام مذمومة. وبحجار الهجاء والمذام محصوبة مرجومة. فينبغي لنا معاشر المؤمنين أن تنجلي محاسن العياد بأبصار البصائر. ونستشف بعين الاعتبار هذه النعم الغزائر. فإننا نرى حبلا تنزه عن مساقط النطف الزرعية. ميلادا لم تنفض به الختوم الطبيعية. أما قد شاخ معها اسم البتولية. خطيباً يفصح بالثناء على القدرة العلية. معلفاً أزرى برونقه على السدد النورية. مغارة أربت شرفاً على الأواوين السرية. رعاة شبوا من شظايا العصي نارا مضية. مجوسا تقرب القرابين وتدني الهدية. ملائكة تنادي بالسلام والرجاء في أرجاء البرية. كوكبا يهدي موكبا من أقيال المجوس إلى وصيد المغارة البيت لحمية. قمطاً تشرفت بها العلام والبنود الملكية. طفلا ترتج لهيبته أقطاب الكرات الفلكية. فهلموا الآن يا أصفياء سيدنا المسيح. ننثر من صدف الأفواه لآلئ التسبيح. نكثر من التمجيد لهذه الرأفة. ونقف أمام الله بالرعدة
(6/36)

والمخافة. نتواهب الضغائن وخسائس الأحقاد. ونحل أجياد العقائد. بنفائس عقود الاعتقاد. نغتسل من دساتير القلوب أساطير الشكوك. ونخر له سجدا بقرابين العمال مع الملوك. نخلص النيات والسرائر. ونعد لنا في ظلل النور أخارير الذخائر. نتطهر من أوضار الجسوم وخطايا النفوس. ونقدم له الطاعة القلبية مع هدايا المجوس. نطرب لمولده مع رعاة الأغنام. ونسر بالفرحة التي
عمت اليوم كل الأنام. نستشر هذه المفاخر والمناقب. ونستشف مآثر العيد السعيد بالآراء الثواقب. ونقف في هذا السر الشريف وقوف الملائكة الأطهار. ونتأمل الأسرار الإلهية بعيون العقول والأفكار. ونضرع إلى الذي هدانا من متايه الأضاليل. وقادنا إلى مدارج الهدى بخزائم أوامر الإنجيل. أن يشرف جوارحنا بطاعته. ويضاعف مرابحنا برأفته. ويسدل على أبواب حواسنا ستور بعصمته. ويجعل هذا العيد السعيد مباركا على أمته. ميمون النقائب على شعبه المقدس ورعيته. ويزرع الألفة والمحبة في بيعته. ويخمد نوائر الفتن الثوائر في أقطار الأرض برحمته. ويعيد كل خليل حائد عن جدد الاستواء إلى زمرته. ويقصي كل مريد خلع ربقة الطاعة عن أظلال عنايته. ويجعل سيدنا ومولانا أمير المؤمنين فلانا في أكناف الحرم الحريز الأمنع وألطاف الظل المديد الأوسع. وأعراف الحمى العزيز الأشرس. وأعلى ذروات العز الشديد الأقعس. وأن يسبغ ظل
(6/37)

الظليل الناصري. على شعب السيد المسيح الناصري ليحمي سربهم من الأذاء بصارم عدله. ويحرس شربهم من الأقذاء بوافر إحسانه وعزيز فضله. بشفاعة الأطهار من الشهداء المؤيدين. وصلاة الأخيار من السعداء المتزهدين. آمين.

لصباح أحد القيامة المبارك
الحمد لله المتفرد بالكمال في عزة اقتداره. المتوحد بالجلال في سرادق مجده ووقاره. المحتجب عن لفتات الأبصار بستور أنواره. المنتقب عن لمحات الأفكار بنور أستاره. الذي أعجزت الأفهام موانع معرفته. وعجزت الأوهام عن مواقع قدرته. وذهلت الأفكار في بدائع فطرته. ودهشت بصائر النظار في صنائع حكمته. الذي أرسل مسيحه ووجوه الإيمان ملفعة برداء الضلال. وملابس الجهل والبهتان ساحبة الذلاذل والذيال. ومرابع الفضائل دارسة المعالم والأطلال. ومراتع الرذائل مخصبة الأخلاء ممتدة الظلال. فسدد بلفظة الأقدام العاثرة. وشيد بوعظه الأعلام الداثرة. ورد الخلق من فجاج الردى بالمعجزات القاهرة. وقادهم إلى منهاج الهدى بالآيات الباهرة. حتى صفا مشرب الإيمان من أكدار رنقة. وأشرق الحق كالشمس المنيرة في دائرة فلقه. وأزهرت كواكب الهدى في وجوه ومشرقه. وتجلى الدين المسيحي في أفخر أثوابه وبهاء رونقه. نحمده حمد من حسر في أداء
(6/38)

فرائض الطاعات عن ساقه ومرفقه. ونشكره شكرا تتبلج أهلة الإخلاص على جبينه ومفرقه. أيام المؤمنون إن ذا يوم القيامة وبداية الجلوس عن اليمين. فلنفرح بهذا العيد وليعانق بعضنا بعضا. اليوم يوم القيامة المسيحية ومبدأ التجديد. وأشرف المبادي اليمينية وأول العالم العتيد. يوم أبدرت في سمائه أهلة الإنعام. وألبست الجبلة البشرية في أثنائه حلة المجد وإكرام. يوم لاحت على مفارقه طرر الكمال. وامتدت على جبهته غرر السعادة والإقبال. يوم تحلت بعقود مناقبه المعاصم والجياد. وتطوقت بقلائد فخره نحور المواقيت والأعياد. يوم عطر أثواب الزمان تأرج نشره. وأقمر ليل الأذهان بتبلج فجره. يوم لاح على جبين المجد إشراق نجاحه. وباح بأسرار السعد إسفار صباحه. وتهللت وجوه الإقبال بفوز قداحه. واهتزت معاطف القلوب بحميا ريحه ونشوة راحهِ. يوم أضاءت في حنادس الكآبة مطالع جلاله. وأشرفت في سماء القلوب كواكب سعده وطوالع إقباله. يوم ظهرت علائم البركات على صفحاته. وهبت نسائم الخيرات من نفحاته. وقدحت أنوار السعادة من زنوده. وعرست ركائب الجود على مناهله ووروده. وحلت معاقد الأحزان لفرحته. وقام أهل الأرض والسماء على قدم الابتهاج في صبحته. يوم بشرنا بالفلاح أديمة. ونشر علينا راية الأفراح نسيه. وزالت عن الخلائق ضراؤه. وانحسرت عن معرفة الحق نكراؤه. وتجلت في
(6/39)

ملابس الإشراق مطالع بدوره. وتفرت أغساق الضلال عن القلوب بطوالع نوره. هذا اليوم الذي تسورت بفخره معاصم الكمال. وأضحكت بدائع أسراره مباسم الآمال. وبسطت فرحته قوابض الأسرة. وانتقلت القلوب من وحشة الأحزان إلى أنس المسرة. هذا اليوم الذي أذهلت اللباب غرائبه. وأخرقت العقول عجائبه. وأشرقت في سماء المجد كواكبه. وزينت أجياد العياد مناقبه. اليوم تكسف بدور الأضاليل. تكشفت ستور الأباطيل. تشققت رموس الأبرار. تألقت نفوس الأخيار. خرج هلال الناسوتية عن ظلم السرار. ظهر مخلص الكل من المطلع القبري مبرقعا برداء الأنوار. اليوم عطست أنوف الجود. تفوقت شنوف الوجود. فتحت خزائن النعمة. منحت صوائن الحكمة. تبلجت أقمار المعارف. تجللت الأبدان بأبهى المطارف. هذا اليوم الذي أضحت فيه غرر الآمال مبيضة. ولطائم الإقبال منفضة. ومواكب الشيطان مرفضة. وكواكب البهتان منقضة. هذا اليوم الذي تبلجت الحقائق في سدقته. وابتهجت الخلائق في صبحته. صبت البركات في بركته. وعمت الخيرات بيمنه وبركته. فإن هذا هو اليوم الذي صنعه الرب هلموا نبتهج ونفرح فيه (مزمور 118: 24) . معاشر المؤمنين لقد أتتكم بشرى القيامة في أبرك البكر وأيمن الأصباح. وقدمت عليكم ركائب البهجة بادية الغرر والأوضاح. وذرت عليكم من
(6/40)

أشرف المطالع شموس المسرة والأفراح. فالهناء بالقيامة المسيحية لسائر الجسوم والأرواح. فهلموا الآن نؤم المدينة القدسية بأقدام العقول والأفكار. نلمح السيد المسيح بعيون البصائر والاعتبار. نره متألقاً من المطلع القبري. ممزقا ملابس الموت عن طبعه البشري. ننظر ملائكة السماء بالحلل النورية. جاثمة على صهوة السدة القرية. نبتهج مع مريم المجدلية وبوحان. نسر بالقيامة البكرية مع شمعون الصفا ويوحنان. نسع بأقدام الهمم إلى جليل الجلال. نتلق مخلص الكل بالإكرام والإجلال. نتهادبالسلام وحسن التحية. ونهز أعطاف القلوب بنشوة أريحية. نستسل السخائم والأحقاد
بالقبلة. ونستبشر بهذا اليوم العظيم مع الزمرة السليحية. نبعث القمم من قبور الغفلة والإهمال. ونشمر عن سوق العزائم تشمير الرجال. ونعد لنا في خزائن الملكوت صوالح العمال. ونستعد بالمصابيح والأضواء ليوم المآل. فلنقترب الآن علانية إلى كرسي نعمته. لنظفر بالمراحم ونجد النعمة للعون في زمان الضيق (عبرانيين: 4: 16) . ونطلب من الله أن يجعل هذا العيد السعيد. واليوم الأشرف المجيد. مباركا عليكم ميمون النقائب. مؤذنا بالسعادات الخافقة الأعلام الممتدة الذوائب. ويتقبل منكم ما أسلفتموه من الأعمال الصوالح. وذخرتموه في خزائن الملكوت من المتاجر والمرابح. ولا برحتم مكنوفين بكل نعمة وارفة الأظلال. ومنحة ضافية
(6/41)

الأهداب والأذيال. يتأرج في الآفاق نشر رياها. ويتبلج في سماء الإشراق بشر محياها. راتعين في أخلاء سعادات متبلجة البدور. وادعين في أثناء مواهب مبتهجة الوجوه باسمة الثغور. ولا برحت شوارد النعم لديكم ثاوية. وموارد الحكم لقلوبكم راوية. وزنود الفضائل في ألبابكم وارية. وجنود الرذائل عنكم متوازية. حتى تتلقوا مورد مخلصكم يوم النشأة الأخرى. ترفلون في أثواب النعيم الأبدي في العراص الملكوتية. وتقتعدون سرر العز والإكرام مع الأولياء الخواص والزمر الملائكية. بشفاعة الآباء والقديسين. وسائر الشهداء والمنتخبين. آمين.

لعيد الرسل الأطهار
الحمد لله الذي أنار بسبحات نوره بصائر الخلصاء. وطبع سر ظهوره في صفحات سرائر الأخصاء. ووضع أكاليل المواهب الملكوتية على مفارق رؤوس الأصفياء. وأيد بنور الحكم اللاهوتية عقول الأنصار والسليحين الأوصياء. نحمده على ما أفاض علينا من حلل المجد وملابس السناء. ونشكره على جزائل نعمائه شكرا يملأ أقطار الأرض وأكناف السماء. أيها المؤمنون إن الثناء على مناقب الرسل الفضلاء زكاة الفصاحة. ونشر محاسن الرسل الأولياء يهدي إلى الأرواح روح الراحة. فإن نسائم نشر مفاخرهم إذا تأرجت وضاعت. أوجدت في قلوب من ذكر الله ما كنت أضاعت. أولئك الذين اختارهم
(6/42)

السيد المسيح من أحقر المناسب. وأصارهم من درج الإمامة الكهنوتية في أوفى الرتب وأعلى المناصب. واصطفاهم خدما لشريف سدته. ودعاة يرسلهم إلى آفاق الأرض لنشر أوامر ناموسه ودعوته. وجعلهم بروجا اثني عشرية لشمس سلطانه وأشعته. وساعات ناطقة لنهار شرعه الفضلي وبشارته. واختصهم ملائكة لعرش عزته الذي لا يطور به ثل. وجنود محتفة بلواء سلطانه القدسي الذي لا يلم بعقده حل. ورتبهم أيمة للخلق وأعلاما للدلالة. وشرفهم بتاج الكهنوت وأكاليل الرسالة. ومثلهم بالملح المصلحة للطعوم التفهة. والأنوار الزواهر في السماء البيعي الذي تضيء بأنواره كل جهة. وبذر زروع القدس والإيمان في فراديس أذهانهم. وأنبت غروس سرائر الملكوت في جنان جنانهم. وأمرهم بأن يكونوا مصابيح الدجى. وسلم إليهم أقاليد على استنزال المواهب واستغزار العطايا. وأثبت أسماءهم في بيعة الأبكار وجرائد الأسماء. وأنفذ حكمهم في أطراف الأرض وأكناف المساء. وقال لهم ما تحلونه في الأرض فهو مثلول المباني والقواعد. وما تربطونه في الأرض والسماء فهو مرموم النواحي مربوط المعاقد. وأمرهم بالسعي في المتابه والمجاهل بقلوب قوية. وأن يغشوا غمرات الكرائه بنفوس عازفة عن الشهوات أبية. ينتقلون في الأغوار والأنجاد. بغير سلاح يحمي سربهم من الأذاء ولا زاد يردون على الممالك والأمصار
(6/43)

ويردون الأمم العاصية من حندس المساء إلى ضياء النهار. يجنبون الجنوب في الطاعات المسيحية وثير المراقد. ويستوطئون النوم على مضاجع السيال وخشن الغراقد. ويقطعون المسافات الشاسعة بشسوع مقطعة. ويخوضون البحور الزواخر بقلوب محتفة بالتأييد وأذهان مشجعة. يرفلون إلى سائر الآفاق بنجائب الهمم العلية. ويتوقلون أعناق اللجج العميقة بأقدام العزائم القدسية. صابرين على معاناة البلايا والمصاعب. مثابرين على مكافحة الأهوال في الشقق البعيدة والمتاعب. ينتقلون من امة إلى أمة. وينقلون عن القلوب غمة بعد غمة لا تزعجهم نار الأهوال إذا تأججت وشبت. ولا تذهلهم عقارب الأقدار إذا ازبارت ودبت. ولا تتقلقل عزائمهم عن عواصف رياح الوعيد إذا هبت. ولا تتزلزل هممهم عن طلبة الله إذا أصابتهم غمائم التهديد وصبت. يخلبون بالآيات الباهرة قلوب ربات الهوادج. يزعجون سدد الممالك العظام بالكلمات السواذج. فهم كأناس نضيت عن أشباح أبدانهم جلابيب البشرية. أو كأنهم ملائكة تأرضوا فانقضوا من صفيح السماء الأثيرية. شعث اللمم والنواصي صوافي الأذهان. سهم الوجوه ضوامر الأبدان. ضئال الجسوم من تحمل أعباء العبادة. غبر الوجوه من تعفير الخدود على هبوات الثرى وقشف الزهادة. نحاف الأبدان من التهجد في ظلمات الدياجر. شحاب الألوان من لفحات السمائم وحر الهواجر. قد لبسوا ملابس الفقر على فقرات بالية. ونزعوا عن
(6/44)

القلوب حنادس الكفر بخطرات عالية ... مساكين ترجف من سطوتهم أسرة الممالك. جبن قد قهروا ذوي البأس والنجدة والسجاحة. لكن أربوا بالحجج الدوامغ على أرباب الفصاحة ... ليس لهم في خزائن القلوب من العفائل غيرحب حب المسيح. ولا لهم في جيوب الجنوب من الموال الجزائل غير الإيمان الصحيح. لا يثني ثنية عزائمهم عن الثناء على سيدهم ثان. ولا في صدفات قلوبهم غير درة التوحيد شيء ثان. من شذور كلامهم تنظم عقود العقائد. وبنود أفهامهم تستل السخائم وينحل معقود الحقائد. هجموا على ملوك الروم وفلاسفة اليونان. وهم منهمكون في غمرات الغي وعبادة الأوثان. قد أذهلتهم شبه الشكوك فلم تغادر لهم لبا. حتى اتخذوا لهم الصنم المسبوك إلها وربا. قد عسعست دياجير الكفر على الأبصار بصائرهم. وعشعش البهتان والضلال في أوعار سرائرهم. فما فيهم إلا من عدم بهاء العقل
الشريف فبهم. وضري على شهوات الجسد السخيف حتى نهم. قد عاثت ذئاب الخطايا في أجسامهم. وفاحت رائحة الذنوب وزفرة الأجرام من أفمامهم. فما زالوا يصدعون قلوبهم بصوادق البراهين والبينات. ويقطعون أعذار الحكماء بمدى الأدلة وصوارم الآيات. حتى انفلقت بيضة الأذهان عن فرخ الحقائق. وافترت مضاحك الإيمان في وجوه الخلائق. وحاز الحق قصبات السبق يوم رهانه. وتنكست أعلام الضلال بظاهر معجزه وبرهانه. فانتقل الناس إلى نهار البشارة
(6/45)

المسيحية من ليل الظلام الدامش. ووضعوا أقدامهم على جدد الهدى بعد ان كانوا على الطرق الطوامس. وقادهم عن تيه الأضاليل وفجاج الردى. وأعادوهم بشرع المسيح إلى سديد المقاصد ومنهاج الهدى. بآيات قطت قواضبها عرى الأباطيل من قلوب الحكماء. وقطعت مضاربها علائق الشبهات من أذهان الفضلاء. فكم من ميت طواه الفناء في مدارج أكفانه فنشروه وأنشروه. وأعمى أزالوا غشاوة العماء عن بصره فبصروه ونصروه. وكم مكتتم في مخادع الحياء من وحشة برصه فأظهروه وطهروه. وذي لمم حيل بينه وبين الحجى البرء والشفاء بشروه. وكم من مقعد حلوا قيد الزمانة من رجله فأنهضوه ... وكلام عليه مسحة البشاعة بينوه بالآيات البواهر وحققوه. حتى انتشرت أعلام راياته الخافقة. وتألقت على الآفاق ذوائب شمسه الشارقة. وزهرت كواكب الإيمان في سماء البيعة. وتقرر في قلوب الخلق شرف السنة الإفضالية ومفاخر الشريعة ... فلما أزف وقت ارتحالهم. وخسفت عقدة الموت أقمار آجالهم. ففيهم من عمر طويلاً. وفيهم من مات قتيلاً. وفيهم من قتل مصلوباً. وصلب مكبوباً. وقبر محصوباً. وقتل مضروباً. فمن عمر منهم عاش بالله سعيداً. ومن قتل منهم مات في الله شهيداً. وشقوا في عالم الفناء قليلاً. وسعدوا في عالم البقاء طويلاً. واستخلفوا على رعايا المسيح أيمةً يهدون إلى مقار الملكوت مؤيدين بالمواهب الروحانية ووقار الكهنوت ...
(6/46)

الباب الثاني في الخطب الحماسية
تحريض خالد على القتال في أجنادين
يا معاشر الناس أنصروا الله ينصركم. وقاتلوا في سبيل الله واحتبسوا أنفسكم في سبيل الله واصبروا على قتال أعدائكم. وقاتلوا عن حريمكم وأولادكم ومدينكم. وليس لكم ملجأ تلجأون إليه ومكمن تكمنون فيه. فاقرنوا المناكب وقدموا المضارب. ولا تحملوا حتى آمركم بالحملة. ولتكن السهام مجتمعة إذا خرجت من أكباد القسي كأنها تخرج من كبد قوس واحد. فإنه إذا تلاحقت السهام رشقا كالجراد لم يخل أن يكون فيها سهم صائب. واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون. واعلموا أنكم لا تلقون عدوا مثل هذه الفئة حماتهم وأبطالهم وملوكهم.

خطبة أمراء المسلمين لأهل جيشهم قبل وقعة اليرموك
ولما حان القتال خرج معاذ محرضا الناس يقول: يا أهل الدين ويا أنصار الهدى والحق اعلموا أن رحمة الله تعالى لا تنال إلا بالعمل والنية ولا تدرك بالمعصية والتمني وبغير عمل مرضي. ولا يؤتى الله مغفرته الواسعة إلا الصالحين والصادقين. فإنه قد قسم أن ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم. واستحيوا رحمكم
(6/47)

الله ومن الله تعالى أن يراكم الله منهزمين من عدوكم وانتم في قبضته وليس لكم ملجأ من دونه.
وخرج من بعده أبو سفيان بن حرب فطاف بين الصفوف وهو شاك في سلاحه راكب فرسه وهو يقول: معاشر الناس أنتم العرب الكرام السادة العظام وقد أصبحتم في ديار العلاج منقطعين عن الأهل والوطن. والله لا ينجيكم منهم اليوم إلا الطعن والضرب تبلغون بذلك أربكم وتنالون الفوز من ربكم. واعلموا إن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله به الهم وينجي به من الغم فأصدقوهم القتال فإن النصر ينزل مع الصبر. فإن صبرتم ملكتم أمصارهم وبلادهم واستعبدتم نساءهم وأبناؤهم. وإن وليتم فليس بين أيديكم إلا مفاوز لا تقطع إلا بالزاد الكثير والماء الغزير وهؤلاء يرجعون إلى دار وقصور. فامتنعوا بسيوفكم وجاهدوا في الله حق جهاده ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. (فتوح الشام للواقدي)

خطبة طارق قبل فتوح الأندلس
لما بلغ طارقاً دنو ردريق قام في أصحابه فمحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم حث المسلمين على الجهاد ورغبهم ثم قال: أيها الناس أين المفر. والبحر من ورائكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام. في مأدبة اللئام. وقد استقبلكم عدوكم بجيشه. وأسلحته وأقواته موفورة
(6/48)

وانتم لا وزر لكم إلا سيوفكم ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم. وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمرا ذهب ريحكم وتعوضت القلوب من رعبها عنكم الجرأة عليكم. فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية. فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت. وغني لم أحذركم أمرا أنا عنه بنجوة ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس. أبدأ بنفسي. واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلا استمتعتم بالأرفة الألذ وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الخيرات العميمة. وقد أنتخبكم الوليد بن عبد الله أمير المؤمنين من الأبطال عربانا. ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارا وأختانا. ثقة منه بارتياحكم للطعان. واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان. ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته وإظهار دينه الجزيرة. وليكون مغنمها خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم. والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكرا في الدارين. واعلموا إني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه وإني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم لذريق فقاتله إن شاء الله تعالى. فاحملوا معي فإن هلكت بعده فقد كفيتم أمره ولم يعوزكم بطل عاقل تسندون
(6/49)

أموركم إليه. وإن هلكت قبل وصولي إليه فاحلفوني في عزيمتي هذه واحملوا بأنفسكم عليه واكتفوا الهم من فتح هذه الجزيرة بقتله.

خطبة أبي حمزة بالمدينة
قال مالك بن أنس: خطبنا أبو حمزة خطبة شك فيها المستبصر وردت المرتاب. قال أوصيكم بتقوى الله وطاعته والعمل بسنته وصلة الرحم وتعظيم ما صغرت الجبابرة في حق الله. وتصغير ما عظمت من الباطل وإماتة ما أحيوا من الجور. وإحياء ما أماتوا من الحقوق. وأن يطاع الله ويعصى العباد في طاعته فالطاعة للعباد من أهل طاعة الله ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ندعو إلى سنة الله والقسم بالسوية والعدل في الرعية ووضع الأخماس في مواضعها التي أمر الله بها. إنا والله ما خرجنا أشرا ولا بطرا ولا لهوا ولا لعبا. ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيها ولا لثأر قد نيل منا. ولكن لما رأينا الأرض قد أظلمت ومعالم الجور قد ظهرت وكثر الادعاء في الدين وعمل بالهوى وعطلت الأحكام وقتل القائم بالقسط وعنف القاتل بالحق سمعنا مناديا ينادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. فأجبنا داعي الله (الآية) فأقبلنا من قبائل شتى قليلين مستضعفين في الأرض. فآوانا الله وأيدنا بنصره فأصبحنا بنعمته إخوانا وعلى الدين أعوانا. يا أهل المدينة أولكم خير أول وآخركم شر آخر. إنكم أطعتم قراءكم وفقهاءكم فاختانوكم عن كتاب غير ذي عوج
(6/50)

بتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين. فأصبحتم عن الحق ناكبين أمواتا غير أحياء وما تشعرون. يا أهل المدينة يا أبناء المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ما أصح أصلكم وأسقم فرعكم. كان آباءكم أهل اليقين وأهل المعرفة بالدين والبصائر الناقدة والقلوب الواعية وأنتم أهل الضلالة والجهالة. واستعبدتكم الدنيا فأذلتكم والأماني فأضلتكم. فتح الله لكم باب الدين فأفسدتموه. وأغلق عنكم باب الدنيا ففتحتموه. وسارع إلى الفتنة بطاء عن السنة. عمي عن البرهان. صم عن العرفان. عبيد الطمع حلفاء الجزع. نعم ما ورثكم آباءكم لو حفظتموه وبئس ما تورثون أبنائكم إن تمسكوا به. نصر الله آباءكم على الحق وخذلكم على الباطل. كان عدد آباءكم قليلا طيبا وعددكم كثير خبيث. اتبعتم الهوى فأرداكم. واللهو فأسهاكم. ومواعظ القرآن تزجركم فلا تزدجرون. وتعبركم فلا تعتبرون. سألناكم. عن ولاتكم هؤلاء فقلتم والله ما فيهم الذي يعلم. أخذ المال من غير صلة فوضعوه في غير حقه وجاروا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل الله. واستثاروا بفيئنا فجعلوه دولة بين الأغنياء منهم وقلنا لكم: تعالوا إلى هؤلاء الذين ظلمونا وظلموكم وجاروا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل الله. فقلتم: لا نقوى على ذلك ووردنا إنا أصبنا من يكفينا فقلنا: نحن نكفيكم ثم الله راع علينا وعليكم إن ظفرنا لنعطين كل ذي حق حقه. فجئنا فارتقينا الرماح بصدورنا والسيوف
(6/51)

بوجوهنا فعرضتم لنا دونهم فقاتلتمونا فأبعدكم الله. فوالله لو قلتم: لا نعرف الذي تقول ولا نعلمه لكان أعذر مع أنه لا عذر للجاهل. ولكن أبى الله إلا أن ينطق بالحق على ألسنتكم ويأخذكم به في الآخرة (العقد الفريد لابن عبد ربه)

تقليد السلطان إلى الملك الظاهر
(لما بويع بالخلافة للمستنصر بالله صعد فخر الدين بن لقمان رئيس الكتاب منبرا فقرأ على الملك تقليد السلطان وكان التقليد من إنشائه. وصورته:)
الحمد لله الذي أضفى على الإسلام ملابس الشرف. وأظهر بهجة دره وكانت خافية بما استحكم عليها من الصدف. وشيد ما وهي من علائه حتى أنسى به ذكر من سلف. وفيض لنصره ملوكا اتفق عليهم من اختلف. أحمده على نعمه التي وقعت العين منها في الروض الأنف. وألطافه التي وقف الشاكر عليها فليس له عنها منصرف. وبعد فإن أولى الأولياء بتقديم ذكره. وأحقهم أن يصبح القلم راكعا وساجدا لتسطير مناقبه وبره. من سعى فأضحى سعيه للحمد متقدما. ودعا إلى طاعته فأجاب من كان منجدا ومتهما. وما بدت يد في المكرمات إلا كان لها زندا ومعصما ولا استباح بسيفه حمى وغى إلا أضرم منه نارا وأجرى منه دما. ولما كانت هذه المناقب الشريفة مختصة بالمقام العالي المولوي السلطاني الملكي الظاهري الركني شرفه الله وأعلاه. ذكره الديوان العزيز المستنصري أعز الله
(6/52)

سلطانه تنويها بشريف قدره. واعترافا بصنيعه الذي تنفد العبارة المسهبة ولا تقوم بشكره. وكيف لا وقد أقام الدولة العباسية بعد أن أقعدتها زمانة الزمان. وأذهبت ما كان لها من محاسن وإحسان. وعتب دهرها المسيء لها فأعتب. وأرضى عنها زمنها وقد كان صال عليها صولة مغضب. فأعاد لها سلما بعد أن كان عليها حربا. وصرف إليها اهتمامه فرجع كل متضايق من أمورها واسعا رحبا. ومنح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوا وعطفا. وأظهر من الولاء رغبة في ثواب الله ما لا يخفى. وأبدى من الاهتمام بأمر الشريعة والبيعة أمرا لو رامه غيره لامتنع عليه. ولو تمسك بحبله متمسك لانقطع به قبل وصوله إليه. ولكن الله ادخر هذه الحسنة ليثقل بها ميزان ثوابه. ويخفف بها يوم القيامة حسابه والسعيد من خفف من حسابه. فهذه منقبة أبى الله إلا أن يخلدها في صحيفة صنعه. ومكرمة تضمنت لهذا البيت الشريف لجمعه. بعد أن حصل الإياس من جمعه. وأمير المؤمنين يشكر لك هذه الصنائع. ويعترف أنه لولا اهتمامك لا تسع الخرق على الراقع. وقد قلدك الديار المصرية والبلاد الشامية. والديار البكرية والحجازية واليمنية والفراتية. وما يتجدد من الفتوحات غورا ونجدا. وفوض أمر جندها ورعاياها إليك حتى أصبحت بالمكارم فردا. ولا جعل منها بلدا من البلاد ولا حصنا من الحصون يستثنى. ولا جهة من الجهات
(6/53)

تعد في الأعلى ولا في الأدنى. فلاحظ أمور الأمة فقد أصبحت لها حاملا. وخلص نفسك من التبعات اليوم ففي غد تكون مسؤولاً لها سائلا. ودع الاغترار بأمر الدنيا فما نال أحد منها طائلا. وما رآها أحد بعين الحق إلا رآها حائلا زائلا. فالسعيد من قطع منها آماله الموصولة. وقدم لنفسه زاد التقوى تقدمة غير التقوى مردودة لا مقبولة. وأبسط يدك بالإحسان والعدل فقد أمر الله بالعدل وحث على الإحسان. وكفر به عن المرء ذنوبا كتبت عليه وآثاما. وجعل يوما واحدا منها كعبادة العابد ستين عاما. وما سلك أحد سبيل العدل إلا واجتنى ثماره من الأفنان ورجع الأمر بعد تداعي أركانه وهو مشيدا الأركان. وتحصن به من حوادث زمانه. والسعيد من تحصن من حوادث الزمان. وكانت أيامه في الأيام أبهى من الأعياد. وأحلى من العقود إذا حلي بها عاطل الجياد. وهذه الأقاليم المنوطة بك تحتاج إلى نواب وحكام. وأصحاب رأي من أصحاب السيوف والأقلام. فإذا استعنت بأحد منهم في أمورك فنقب عليه تنقيبا. واجعل عليه في تصرفاته رقيبا. واسأل عن أحواله ففي يوم القيامة تكون عنه مسؤولاً وبما اجترم مطلوبا. ولا تول منهم إلا من تكون مساعيه حسنات لك ولا ذنوبا. وأمرهم بالأناة في الأمور والرفق. ومخالفة الهوى إذا ظهرت أدلة الحق. وأن يقابلوا الضعفاء في حوائجهم بالثغر بالباسم والوجه الطلق. وأن لا
(6/54)

يعاملوا أحدا على الإحسان والإساءة إلا بما يستحق. وأن يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعايا إخوانا. وان يوسعوهم برا وإحسانا. وأن لا يستحلوا حرماتهم إذا استحل الزمان لهم حرمانا. فالمسلم أخو المسلم ولو كان أميرا عليه وسلطانا. والسعيد من نسج ولاته في الخير على منواله. واستسنوا بسنته في تصرفاته وأحواله. وتحملوا عنه ما تعجز قدرته عن حمل أثقاله. ومما يؤمرون به أن يمحى ما أحدث من سيئ السنن. وجدد من المظالم التي هي من أعظم المحن. وأن يشتري بإبطالها المحامد. فإن المحامد رخيصة بأغلى ثمن. ومهما جبي بها من الأموال فإنما هي باقية في الذم حاصلة. وأجياد الخزائن وإن أضحت بها حالية فإنما
هي على الحقيقة منها عاطلة. وهل أشقى ممن احتقب إثما. واكتسب بالمساعي الذميمة دما. وجعل السواد العظم له يوم القيامة خصما. وتحمل ظلم الناس فيما صدر عنه من أعماله وقد خاب من حمل ظلما. وحقيق بالمقام الشريف المولوي السلطاني الملكي الظاهري الركني أن تكون ظلامات الأنام مردودة بعدله. وعزائمه تخفف ثقلا لا طاقة له بحمله. فقد أضحى على الإحسان قائدا. وصنعت له الأيام ما لم تصنعه لغيره ممن تقدم من الملوك وإن جاء آخرا. فاحمد الله على أن وصل إلى جانبك إمام هدى أو جب لك مزية التعظيم. ونبه الخلائق على ما أفضل الله به من هذا الفضل العظيم. وهذه أمور يجب أن تلاحظ وترعى. وأن يوالي عليها حمد
(6/55)

الله فإن الحمد يجب عليها وشرعا. وقد تبين أنك صرت في الأمور أصلا وصار غيرك فرعا. ومما يجب أيضا تقديم ذكره أمر الجهاد الذي أضحى على الأمة فرضا. وهو العمل الذي يرجع به مسود الصحائف مبيضا. وقد وعد الله المجاهدين بالأجر العظيم. وأعد لهم عنده المقام الكريم. وبك صان الله حمى الإسلام من أن يبتذل. وبعزمك حفظ على المسلمين نظام هذه الدول.. وسيفك أثر في قلوب الكافرين قروحا لا تندمل. وبك يرجى أن يرجع من الخلافة ما كان عليه في الأيام الأول. فأيقظ لنصرة الإسلام جفنا ما كان غافيا ولا هاجعا. وكن في مجاهدة أعداء الله إماما متبوعا لا تابعا. هداك الله إلى مناهج الحق ومازلت مهتديا إليها. وألزمك المراشد ولا تحتاج إلى تنبيه عليها. والله ممدك بأسباب نصره ويوزعك شكر نعمه فإن النعمة تستتم بشكره (للسيوطي)

خطبة أبي أذينة يغري الأسود بني المنذر بقتل آل غسان وكانوا قتلوا أخا له

ما كل يوم ينال المرء ما طلبا ... ولا يسوغه المقدار ما وهبا
وأحزم الناس من إن فرصة عرضت ... لم يجعل السبب الموصول منقضبا
وأنصف الناس في كل المواطن من ... سقى المعادين بالكاس التي شربا
وليس يظلمهم من راح يضربهم ... بحد سيف به من قبلهم ضربا
والعفو إلا عن الأكفاء مكرمة ... من قال غير الذي قد قلته كذبا
قتلت عمرا وتستبقي لزيد لقد ... رأيت رأيا يجر الويل والحربا
(6/56)

لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها ... إن كنت شهما فاتبع رأسها الذنبا
هم جردوا السيف فاجعلهم له جزرا ... وأوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا
إن تعف عنهم يقول الناس كلهم ... لم يعف حلما ولكن عفوه رهبا
هم أهلة غسان ومجدهم ... عال فإن حاولوا ملكا فلا عجبا
وعرضوا بفداء واصفين لنا ... خيلا وإبلا تروق العجم والعربا
أيحلبون دما منا ونحلبهم ... رسلا لقد شرفونا في الورى حلبا
علام تقبل منهم فدية وهم ... لا فضة قبلوا منا ولا ذهبا

قال في الدين الحلي يحرض السلطان الملك الصالح على الاحتراز من المغول ومنافرتهم عن إقبالهم ويهينه بعيد النخر

لا يمتطي المجد من لم يركب الخطرا ... ولا ينال العلى من قدم الحذرا
ومن أراد العلى عفوا لا تعب ... قضى ولم يقض من إدراكها وطرا
لابد للشهد من نحل يمنعه ... لا يجتني النفع من لم يحمل الضررا
لا يبلغ السؤل إلا بعد مؤلمة ... ولا يتم المنى إلا لمن صبرا
واحزم الناس من لومات من ظمإ ... لا يقرب الورد حتى يعرف الصدرا
وأغزر الناس عقلا من إذا نظرت ... عيناه أمرا غدا بالغير معتبرا
فقد يقال عثار الرجل إن عثرت ... ولا يقال عثار الرأي إن عثرت
من دبر العيش بالآراء دام له ... صفوا وجاء إليه الخطب معتذرا
يهون بالرأي ما يجري القضاء به ... من أخطأ الرأي لا يستذنب القدر
من فاته العز بالأقلام أدركه ... بالبيض يقدح من أطرافها الشررا
(6/57)

بكل أبيض قد أجرى الفرند به ... ماء الردى فلو استقطرته قطرا
خاض العجاجة عريانا فما انقشعت ... حتى اتى بدم الأبطال مؤتزرا
لا يحسن الحلم إلا في مواطنه ... ولا يليق الوفا إلا لمن شكرا
ولا ينال العلى إلا فتى شرفت ... خلاله فأطاع الدهر ما أمر
كالصالح الملك المرهوب سطوته ... فلو توعد قلب الدهر لانفطرا
لما رأى الشر قد أبدى نواجذه ... والغدر عن نابه للحرب قد كشرا
رأى القسي إناثا في حقيقتها ... فعافها واستشار الصارم الذكرا
فجرد العزم من قبل الصفاح لها ... ملك عن البيض يستغني بما شهرا
يكاد يقرأ من عنوان همته ... ما في صحائف ظهر الغيب قد سطرا
كالبحر والدهر في يومي ندى وردى ... والليث والغيث في يومي وغى وقرى
ما جاد للناس إلا قبل ما سألوا ... ولا عفا قط إلا بعد ما قدرا
لا موه في بذله الأموال قلت لهم ... هل تقدر السحب ألا ترسل المطرا
إذا غدا الغصن غضا من منابته ... من شاء فليجن من أفنانه الثمرا
من آل ارتق المشهور ذكرهم ... إذ كان كالمسك إن أخفيته ظهرا
الحاملين من الخطي أطوله ... والناقلين من الأسياف ما قصرا
لم يرحلوا عن حمى أرض إذا نزلوا ... إلا وأبقوا بها من جودهم أثرا
تبقى صنائعهم في الأرض بعدهم ... والغيث إن سار أبقى بعده الزهرا
لله در سما الشهباء من فلك ... وكلما غاب نجم أطلعت قمرا
يا أيها الملك الباني لدولته ... ذكر أطوى ذكر أهل الأرض وانتشرا
(6/58)

كانت عداك لها دست فقد صدعت ... حصاة جدك ذاك الدست فانكسرا
فأوقع إذا غدروا سوط العذاب بهم ... يظل يخشاك صرف الدهر إن غدرا
وأرعب قلوب العدى تنصر بخذلهم ... إن النبي بفضل الرعب قد نصرا
ولا تكدر بهم نفسا مطهرة ... فالبحر من يومه لا يعرف الكدرا
ظنوا تأنيك عجزا وما علموا ... أن التأني فيهم يعقب الظفر
أحسنتم فبغوا جهلا وما اعترفوا ... لكم ومن كفر النعمى فقد كفرا
وأسعد بعيدك ذا الأضحى وضح به ... وصل وصل لرب العرش مؤتمرا
وانحر عداك فبالإنعام ما انصلحوا ... إن كان غيرك للأنعام قد نحرا

ولصفي الدين الحلي يحرض السلطان الملك المنصور نجم الدين غازي ابن ارتق صاحب ماردين على حضوره حصار قلعة إربل حين أرسل الجيوش ولم يحضرها سنة اثنتين وسبعمائة

أبدسنا وجهك من حجابه ... فالسيف لا يقطع في قرابه
والليث لا يرهب من زئيره ... إذا اغتدى محتجبا بغابه
والنجم لا يهدي السبيل ساريا ... إلا إذا أسفر من حجابه
والشهد لولا أن يذاق طعمه ... لما غدا مميزا عن صابه
إذا بدا نورك لا يصده ... تزاحم الموكب في ارتكابه
ولا يضر البدر وهو مشرق ... أن رفيق الغيم من نقابه
قم غير مأمور ولكن مثلما ... هز الحسام ساعة اجتذابه
كم مدرك في يومه بعزمه ... ما لم يكن بالأمس في حسابه
من كانت السمر اللدان رسله ... كان بلوغ النصر من جوابه
(6/59)

ولا تقل إن الصغير عاجز ... هل يجرح الليث سوى ذبابة
فارم ذرى قلعتهم بقلعة ... تقلع أس الطود من ترابه
فإنها إذا رأتك مقبلا ... مادت وخر السور لاضطرابه
إن لم تحاك الدهر في دوامه ... فإنها تحكيه في انقلابه
وأجل لهم عزما إذا جلوته ... في الليل أغنى الليل عن شهابه
عزم مليك يخضع الدهر له ... وتسجد الملوك في أعتابه
تحاذر الأحداث من حديثه ... وتجزع الخطوب من خطابه
قد صرف الحجاب عن حضرته ... وصير الهيبة من حجابه
إذا رأى المر بعين فكره ... رأى خطاء الرأي من صوابه
وإن أجال رأيه في مشكل ... أعانه الحق على طلابه
تنقاد مع آرائه أيامه ... مثل انقياد اللفظ مع إعرابه
لا يزجر البارح في اعتراضه ... ولا غراب البين في تنعابه
يقرأ من عنوان سر رأيه ... ما سطر القضاء في تابه
قد أشرقت بنوره أيامه ... كأنما تبسم عن أحسابه
يكاد أن تلهيه عن طعامه ... مطالب الحمد وعن شرابه
ما سار للناس ثناء سائر ... إلا حط رحله ببابه
إذا استجار ماله بكفه ... أعانه الجود على ذهابه
وإن كسا الدهر الأنام مفخراً ... طننته يخلع من ثيابه
يا ملكا يرى العدو قربه ... كالأجل المحتوم في اقترابه
(6/60)

لا تبذل الحلم لغير شاكر ... فإنه يفضي إلى إعجابه
فاغز العدى بعزمة من شأنها ... إتيان حزم الرأي من أبوابه
تسلم أرواح العدى إلى الردى ... وترجع الأمر إلى أربابه
حتى تقول كل رب رتبة ... قد رجع الحق إلى نصابه
قد رفع الله العذاب عنهم ... فشمروا الساعد في طلابه
رنوا إلى الملك بعين غادر ... أطمعه حلمك في اقتضابه
إن لم تقطع بالظبي أوصالهم ... لم تقطع الآمال من أسبابه
لا تقبل العذر فإن ربه ... قد أضمر التصحيف في كتابه
فتوبة المقلع إثر ذنبه ... وتوبة الغادر مع عقابه
لو أنهم خافوا كفاء ذنبهم ... لم يقدموا يوما على ارتكابه
فاصرم حبال عزمهم بصارم ... قد بالغ القيون في انتخابه
يعتذر الموت إلى شفرته ... وتقصر الآجال عن عتابه
يذيقهم في شبيه أضعاف ما ... أذاقه القيون من شبابه
يا ملكا يعتذر الدهر له ... وتخدم الأيام في ركابه
لم يك تحريضي لكم إساءة ... ولم أحل في القول عن آدابه
ولا يعيب السيف وهو صارم ... هز يد الجاذب في انتدابه
ذكر مشهور ونظمي سائر ... كلاهما أمعن في اغترابه
ذكر جميل غير أن نظمه ... يزيده حسنا مع اصطحابه
كالدر لا يظهر حسن عقده ... إلا جواز السلك في أثقابه
(6/61)

الباب الثالث في المناظرات
مناظرة بين بلاد الأندلس
هذا ما خاطب به أديب الأندلس أبو بحر صفوان بن إدريس الأمير عبد الرحمن ابن السلطان يوسف بن عبد المؤمن بن علي: لما تخاصمت فيك من الأندلس الأمصار. وطال بها الوقوف على حبك والاقتصار. كلها يفصح قولا. ويقول: أنا أحق وأولى ويصيخ إلى إجابة دعوته ويصغي. ويتلو إذا بشر بك: ذلك ما كنا نبغي. تنمرت (حمص) غيظا. وكادت تفيظ فيظاً. وقالت: ما لهم يزيدون وينقصون ويطمعون ويحرصون. إن يتبعون إلا الظن وإن هم لا يخرصون. ألهم السهم الأسد. والساعد الأشد. والنهر الذي يتعاقب عليه الجزر والمد. أنا مصر الأندلس والنيل نهري. فحسبي أن أفيض في ذلك الشرف. وإن تحجبتم بأشرف اللبوس. فأي إزار اشتملتموه كشنتبوس. إلى ما شئت من أبنية رحاب. وروض يستغني بنضرته عن السحاب. قد ملأت زهراتي وهادا وأنجاداً. وتوشح سيف نهري بحدائقي نجادا. فأنا أولاكم بسيدنا الهمام وأحق. الآن حصحص الحق. فنظرتها (قرطبة) شزراً وقالت: لقد كثرت نزرا. وبذرت في الصخر الأصم بزرا. كلام العدى ضرب من
(6/62)

الهذيان. وإني للإيضاح والبيان. متى استحال المستقبح مستحسنا. ومن أودع أجفان المهجور وسنا. أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا. يا عجبا للمراكز تقدم على الأسنة. وللأثفار تفضل على الأعنة. إن ادعيتم سبقا. فما عند الله خير وأبقى. لي البيت المطهر الشريف. والاسم الذي ضرب عليه رواقه التعريف. في بقيعي محل الرجال الأفاضل. فليرغم أنف المناضل. وفي جامعي مشاهد ليلة القدر. فحسبي من نباهة القدر. فما لأحد أن يستأثر علي بهذا السيد الأعلى. ولا أرضى له أن يوطئ غير ترابي نعلا. فأقروا لي بالأبوة. وانقادوا لي على حكم البنوة. ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة. وكفوا عن تباريكم. ذلكم خير لكم عند باريكم. (فقالت غرناطة) : لي المعقل الذي يمتنع ساكنه من النجوم. ولا تجري إلا تحته جياد الغيث السجوم. فلا يلحقني من معاند ضرر ولا حيف. ولا يهتدي إلي خيال طارق ولا طيف. فاستسلموا قولا وفعلا. فقد أفلح اليوم من استعلى. لي بطاح تقلدت من جداولها أسلاكا. واطلعت كواكب زهرها فعادت أفلاكا. فحسني لا يطمع فيه ولا يحتال. فدعوني فكل ذات ذيل تختال. فأنا أولى بهذا السيد الأعدل. وما لي به من عوض ولا بدل. ولم لا يعطف علي عنان مجده وبثني. وإن أنشد يوما فإياي يعني:
بلاد بها عق الشباب تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
(6/63)

فما لكم تعتزون لفخري وتنتمون. وتتأخرون في ميداني وتتقدمون. تبرؤوا إلي مما تزعمون. ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. (فقالت مالقة) : أتتركوني بينكم هملا. ولم تعطوني في سيدنا أملا. ولم ولي البحر العجاج. والسيل الثجاج. والجنات الأثيرة. والفواكه الكثيرة. لدي من البهجة ما تستغني به الحمام عن الهديل. ولا تجنح الأنفس الرقاق الحواشي إلى تعويض عنه ولا تبديل. فما لي لا أعطى في ناديكم كلاما. ولا أنشر في جيش فخاركم أعلاما. فكان الأمصار نظرتها ازدراء. فلم تر لحديثها في ميدان الذكر إجراء. لأنها موطن لا يحلى منه بطائل. ونظن البلاد تأولت فيها قول القائل:
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... نخير من إجابته السكوت
(فقالت مرسية) : أمامي تتعاطون الفخر. وبحضرة الدر. تنفقون الصخر. إن عدت المفاخر فلي منها الأول والآخر. أين أوشالكم من بحري. وخرزكم من لؤلؤ نحري. فلي الروض النضير. والمرأى الذي ما له من نظير. فمن دوحات. كم لها من بكور وروحات. ومن أرجاء. إليها تمد أيدي الرجاء. فأبنائي فيه في الجنة الدنيوية مودعون. يتنعمون فيما يأخذون ويدعون. ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم ولهم فيها ما يدعون. فانقادوا لأمري. وحاذروا اصطلاء جمري. وخلوا بيني وبين سيدنا أبي زيد. وإلا ضربتكم ضرب زيد. فانا أولاكم بهذا المستأثر بالتعظيم. وما يلقاها إلا
(6/64)

ذو حظ عظيم. (فقالت بلنسية) : فيم الجدال والقراع. وعلام الاستهام والاقتراع. وإلام التعريض والتصريح. وتحت الرغوة اللبن الصريح. أنا أحوزه من دونكم. فاخمدوا ناري تحرككم وهدونكم. فلي المحاسن الشامخة الأعلام. والجنات التي تلقي إليها الآفاق يد الاستسلام. وبرصافتي وجسري أعارض مدينة السلام. فأجمعوا على الانقياد لي والسلام. وإلا فعضوا بنانا. واقرعوا أسنانا. فأنا حيث لا تدركون وإني ومولانا لا يهلكنا بما فعل السفهاء منا. (فعند ذلك ارتمت جمرة تدمير بالشرار) واستدت أسهمها لنحور الشرار وقالت: عش عجبا. ترعجبا. أبعد العصيان والعقوق. تتهيأن لرتب ذوي الحقوق. هذه سماء الفخر فمن ضمك أن تعرجي. ليس بعشك فادرجي. لك الوصب والخبل. الآن وقد عصيت قبل. أيتها الصانعة الفاعلة. من أدراك أن تضرب وما أنت فاعلة. ما الذي يجديك الروض والزهر. أم يفيدك الجدول والنهر. وهل يصلح العطار ما أفسد الهر. هل أنت إلا محط رحل النفاق. ومنزل ما لسوق الخصب فيه من نفاق. ذراك لا يكتحل الطرف فيه بهجوع. وقراك لا يسمن ولا يغني من جوع. فإلام تبرز الإماء في منصة العقائل. ولكن اذكري قول القائل:
بلنسة بيني عن القلب سلوة ... فإنك روض لا أحن لزهرك
وكيف يحب المرء دارا تقسمت ... على صارمي جوع وفتنة مشرك
(6/65)

بيد أني أسأل الله تعالى أن يوقد من توفيقك ما خمد. ويسيل من تسديدك ما جمده. ولا يطيل عليك في الجهالة الأمد. وإياه سبحانه نسأل أن يرد سيدنا ومولانا إلى أفضل عوائده. ويجعل مصائب أعدائه من فوائده. ويكمن حسامه من رقاب المشغبين. ويبقيه وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين. ويصل له تأييدا وتأبيدا. ويمهد له الأيام حتى تكون الأحرار لعبيد عبيده عبيدا. ويمد على الدنيا بساط ويهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده:
آمين آمين لا أرضي بواحدة ... حتى أضيف إليها ألف آمينا
ثم السلام الذي يتأنق عقبا ونشرا. ويتألق رونقا وبشرا. على حضرتهم العلية. ومطالع أنوارهم السنية الجليلة. ورحمة الله تعالى وبركاته. (نفح الطيب للمقري)

نخبة من مغايرة بين السيف والقلم للشيخ جمال الدين ابن نباتة
(قال) . برز القلم بإفصاحه. ونشط لارتياحه. ورقي من الأنامل على أعواده. وقام خطيبا بمحاسنه في حلة مداده. والتفت إلى السيف وقال: بسم الله الرحمن الرحيم والقلم وما يسطرون. ما أنت بنعمة ربك بمجنون. الحمد لله الذي علم بالقلم وشرفه بالقسم. وخط به ما قدر وقسم. أما بعد فإن القلم منار الدين والدنيا ونظام الشرف والعليا. ومحاديح الخير إذا احتاجت الهمم إلى السقيا. ومفتاح باب اليمن المجرب إذا أعيا. وسفير الملك المحجب.
(6/66)

وعذيق الملك المرجب. وزمام أموره السائرة. وقادمة أجنحة الطائرة. ومطلق أرزاق عفاته المتواترة. وأنملة الهدى المشيرة إلى ذخائر الدنيا والآخرة. به رقم الكتاب الذي لا يأتيه الباطل. وسننه التي تهذب الخواطر الخواطل. فهو في مراضي الدول عونة للشائدين. وبعين الله في ليالي النقس تقلب وجهه في الساجدين. إن نظمت فرائد العلوم فإنما هو سلكها. وإن علت أسرة الكتب فإنما هو ملكها. أو رقمت برود البيان فإنا هو جلالها. وإن تشعبت فنون الحكم فإنما هو أمانها ومآلها. وإذا انقسمت أمور الممالك فإنما هو عصمتها وثمالها. وإن اجتمعت رعايا الصنائع فإنما هو إمامها المتلفع بسواده. وإن زخرت بحار الأفكار فإنما هو المستخرج دررها من ظلمات مداده. وإن وعد وفى بجلب النفع. وإن أوعد أخاف كأنما يستمد من النفع. هذا وهو لسان الملوك المخاطب. ورسيلها لأبكار الفتوح والخاطب. والمنفق في تعمير دولها محصول أنفاسه. والمتحمل أمورها الشاقة على عينه ورأسه. والمتيقظ لجهاد أعدائها والسيف في جفنه نائم. والمجهز لبأسها وكرمها جيشي الحروب والمكارم. والجاري بما أمر الله من العدل والإحسان. والمسود الناصر فكأنما هو لعين الدهر إنسان. طالما ذب عن حرمها. فشد الله أزره ورفع ذكر. وقام في المحاماة عن دينها أشعث أغبر لو أقسم على الله لا بره. وقاتل على البعد والصوارم في القرب. وأوتي
(6/67)

من معجزات النبوءة نوعا من النصر بالرعب. وبعث جحافل السطور فالقسي دالات والرماح ألفات واللامات لامات. والهمزات كواسر الطير التي تتبع الجحافل. والأتربة عجاجها المحمر من دم الكلى والمفاصل. فهو صاحب فضيلتي العلم والعمل. وساحب ذيلي الفخار في الحرب والسلم. لا يعاديه إلا من سفه نفسه. ولبس لبسه. وطبع على قلبه. وفل الجدال من غربه. وخرج في وزن المعارضة عن ضربه. وكيف يعادى من إذا كرع في نقسه. قيل إنا أعطيناك الكوثر. وإذا ذكر شانئه السيف قيل إن شانئك هو الأبتر. أقول قولي هذا وأستغفر الله من الشرف وخيلاته. والفخار وكبريائه. وأتوكل على الله فيما حكم. وأسأله التدبير فيما جرى به القلم. ثم اكتفى بما ذكره من أدواته. وجلس على كرسي دواته متمثلا بقول القائل:
قلم يفل الجيش وهو عرمرم ... والبيض ما سلت من الأغماد
وهبت له الآجام حين نشابها ... كرم السيول وصولة الآساد
فعند ذلك نهض السيف قائما عجلا. وتملظ لسانه للقول مرتجلا. وقال: بسم الله الرحمن الرحيم وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز. الحمد لله الذي جعل الجنة تحت ظلال السيوف. وشرع حدها في ذوي العصيان فأغصتهم بماء الحتوف. وشيد مراتب الذين
(6/68)

يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وعقد موصوف. وأجناهم من ورق حديدها الأخضر ثمار نعيمها الدانية القطوف. أما بعد فإن السيف زند الحق الوري وزنده القوي. وحده الفارق بين الرشيد والغوي. والنجم الهادي إلى العز وسبيله. والثغر الباسم عن تباشيره فلوله. وخصه الله على الأقلام بأن به للحق منهاجا. وأطلعه في ليالي النقع والشك سراجا وهاجا. وفتح باب الدين بمصباحه حتى دخل فيه الناس أفواجا. فهو ذو الرأي الصائب. وشهاب العزم الثاقب. وسماء العز التي زينت من آثاره بزينة الكواكب. والحد الذي كأنه ماء دافق يخرج من عند قطع الأجساد من بين الصلب والترائب. لا تجحد آثاره ولا ينكر قراراه. إذا اشتبت في الدجى والنقع ناره. يجمع بني الحالتين البأس والكرم. ويصاغ في طوق الحليتين فهو إما طوق في نحور الأعداء وإما خلخال في عراقيب أهل النقم. وتحسم به أهواء الفتن المضلة. وتحذف بهمته الجازمة حروف العلة. وإذا انحنى في سماء القتام بالضرب فهو القوي الاستطاعة الطويل المعمر. إذا قصف سواه في ساعة فما أولاه بطول الإحسان. وما أجمل ذكره في أخبار المعمرين ومقاتل الفرسان. كأن الغيث في غمده للطالب المنتجع. وكأنه زناد يستضاء به إلا أن دفع الدماء شرره الملتمع. كم قد مد فأدرك الطلاب. ودعا النصر بلسانه المحمر من أثر الدماء فأجاب. وتشعبت
(6/69)

الدول لقائم نصره المنتظر. وحازت أبكار الفتوح بحده الظفر. وغدت أيامها به ذات حجول معلومة وغرر. وشدت به الظهور وحمدت علائقه في الأمور. واتخذته الملوك حرزا لسلطانها. وحصنا على أوطانها وقطانها. وجردته على صروف الأقدار في شانها. وندب فما أعيت عليه المصالح. وباشر اللمم فهو على الحقيقة بين الهدى والضلال فرق واضح. وأغاث في كل فصل فهو إما لغمده سعد الأخبية وإما لحامله سعد السعود. وإما لصده سعد الدابح. يجلس على رؤوس الأعداء قهرا. ويشرح أنباء الشجاعة قائلا للقلم: ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا. وهل يفاخر من وقف الموت على بابه. وعض الحرب الضروس بنابه. وقذفت شياطين القراع بشهبه. ومنح آيات شريفة منها طلوع الشمس من غربه. ومنها: أن الله أنشنأ برقه فكان للمارد مصرعا. وللرائد مرتعا. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم من لفظ يجمح. ورأي إلى الخصام يجنح. ولسان يحوجه اللدد إلى أن يخرج فيجرح. وأتوكل عليه في صد الباطل وصرفه. وأسأله الإعانة على كل باحث عن حتفه بظلفه. ثم اختفى في بعض الخمائل. وتمثل بقول القائل:
سل السيف عن أصل الفخار وفرعه ... فإني رأيت السيف أفصح مقولا
(فلما وعى القلم) خطبته الطويلة الطائلة. ونشطته الجليلة الجائلة. وفهم كنايته وتلويحه. وتعريضه بالذم وتصريحه. وتعديله في
(6/70)

الحديث وتجريحه. استغاث باللفظ النصير. واحتد وما أدراك ما حدة القصير. وقام في دواته وقعد. واضطرب على وجه القرطاس وارتعد. وعدل إلى السب الصراح. ورأى أنه إن سكت تكلم ولكن بأفواه الجراح. فانحرف إلى السيف وقال: أيها المعتز بطبعه. المغتر بلمعه. الناقض حبل الأنس بقطعه. الناسخ بهجيره من ظلال العيش فيئا. السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. الحبيس الذي طالما عادت عليه عوائد شره. أتعرض بسبي. وتتعرض لمكايد حربي. ألست ذا الخدع البالغة والحرب خدعة. والمنن النافعة ولا خير فيمن لا تبغي الأنام نفعه. ألست المسود الأحق بقول القائل:
نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الجود والإقداما
أتفاخرني وأنا للوصل وأنت للقطع. وأنا للعطاء وأنت للمنع. وأنا للصلح وأنت للضراب. وأنا للعمارة وأنت للخراب. وأنا المعمر. وأنت المدمر. وأنت المقلد وأنا صاحب التقليد. وأنت العابث وأنا المجود ومن أولى من القلم بالتجويد. فما أقبح شبهك. وما أشنع يوما ترى فيه العيون وجهك. أعلى مثلي يشق القول. ويرفع الصوت والصول. وأنا ذو اللفظ المكين. وأنت ممن دخل تحت قول القرآن: أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين. فقد تعديت حدك. وطلبت ما لم تبلغ به جهدك. هيهات أنا المنتصب
(6/71)

لمصالح الدول وأنت في الغمد طريح. والمتعب في تمهيدها وأنت غافل مستريح. والساهر وقد مهد لك في الغمد مضجع. والجالس عن يمين الملك وأنت عن يساره فأي الحالتين أرفع. والساعي في تدبير حال القوم. والمفني لنفعهم العمر إذا كان نفعك يوما أو بعض يوم. فاقطع عنك أسباب المفاخرة. واستر أنيابك عند المكاشرة. فما يحسن بالصامت محاورة المفصح. والله يعلم المفسد من المصلح. على أنه لا ينكر لمثلك التصدي. ولا يستغرب منه على مثلي التعدي. ما أنا أول من أطاع البارئ وتجرأت عليه. ومددت يد العدوان إليه. أو لست الذي قيل فيه:
شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ... ويستحل دم الحجاج في الحرم
قد سلبت الرحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. وجلبت القسوة فكم هيجت سبة حمراء. وأثرت دهماء. وخمشت الوجوه وكيف لا وأنت كالظفر كونا. وقطعت اللذات ولم لا وأنت كالصبح لونا. أين بطشك من حلمي. وجهلك من علمي. وجسمك من جسمي:
شتان ما بين جسم صيغ من ذهب ... وذاك جسمي وجسم صيغ من بهق
أين عينك الزرقاء من عيني الكحيلة. ورؤيتك الشنعاء من رؤيتي الجميلة. أين لون الشيب من لون الشباب. وأين نذير الأعداء من رسول الأحباب. هذا وكم أكلت الأكباد غيظا.
(6/72)

وحميت الأضغان قيظا. وشكوت الصدى فسيقت ولكن بشواظ من نار. وأخنت عليك الأيام حتى انتعل بأبعاضك الحمار. ولولا تعرضك إلي لما وقعت في المقت. ولولا إساءتك لما كنت تصقل في كل وقت. فدع عنك هذا الفخر المديد. وتأمل وصفي إذا كشف عنك الغطاء فبصرك اليوم حديد. وافهم قول ابن الرومي:
بذا قضى الله في الأقلام إذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم
(فعند ذلك وثب السيف) على قده. وكان الغضب يخرجه من حده. وقال: أيها المتطاول على قصره. والماشي على طريق غرره. والمتعرض منى إلى الدمار. والمتحرش بي فهو كما تقول العامة: ذنبه قش ويتحرش بالنار. لقد شمرت عن ساقك حتى أغرقتك الغمرات. وأتعبت نفسك فيما لا تدرك إلى أن أذهبها التعب حسرات. أو لست الذي طالما أرعش السيف للهيبة عطفك. ونكسر للخدمة رأسك وطرفك. وأمر بعض رعيته وهو السكين فقطع قفاك وشق أنفك. ورفعك في مهمات خاملة وحطك. وجذبك للاستعمال وقطك. فليت شعري كيف جسرت. وعبست على مثلي وبسرت. وأنت السوقة وأنا الملك. وأنا الصادق وأنت المؤتفك. وأنت لصون الحطام وأنا لصون الممالك. وأنت لحفظ المزارع وأنا لحفظ المسالك. وأنت للفلاحة وأنا الفلاح. وأنت حاطب الليل من نقسه وأنا ساري الصباح. وأنا الباصر وأنت الأرمد. وأنا
(6/73)

المخدوم الأبيض وأنت الخادم الأسود. وأقسم بمن صير في قبضتي أنواع اليمن إنك عن بلوغ قدري لأذل رتبة. وعن بري كفي لأخيب طلبة. فإني لا أنكر قول بعض أربابك حيث قالوا:
أف لرزق الكتبه ... أف له ما أصعبه
يرتشف الرزق به ... من شق تلك القصبة
يا قلما يرفع في الط ... رس لوجهي ذنبه
ما أعرف السكين إلا ... كاتبا ذا متربه
إن عاينت الديوان وقعت في الحساب والعذاب. أو البلاغة سحرت وبالغت فأنت ساحر كذاب. أو فخرت بتقييد العلوم فما لك منها سوى لمحة الطرف. أو برقم المصاحف فإنك تعبد الله على حرف. أو جمعت عملا فإنما جمعك للتكسير. أو رفعت إلي طرفك رجع البصر خاسئا وهو جسير. وهل أنت في الدول إلا هيال تكتفي الهمم بطيفه. أو إصبع تلعق بها الرزق إذا أكل الضارب بقائم سيفه. وساع على رأسه قل ما أجدى. وسار ربما أعطى قليلا وأكدى. ثم وقف وأكدى. أين أنت من حظي الأسنى وكفي الأغنى. وما خصصت به من الجوهر الفرد إذا عجزت أنت عن العرض الأدنى. كم برزت فما أغنيت في مهمه. وكم خرجت من دواتك لتسطير سيئة. فخرجت كما قيل من ظلمة إلى ظلمة. وهب أنك كما قلت مفتوق اللسان. جريء الجنان. مداحل بمخلبك بين ذوي الاقتناص.
(6/74)

معدود من شياطين الدول وأنت في الطرس والنقس بين بناء وغواص. فلو جريت خلفي إلى أن تخفى. وصحت بصريرك إلى أن تخفت وتخفى. لما كنت مني إلا بمنزلة المدرة من السماك الرامح. والبعرة على تيار الخضم الطافح. فلا تعد نفسك بمعجزي فإنك ممن يمين. ولا تحلف لها أن تبلغ مداي فليس لمخضوب البنان يمين. ومن صلاح نجمك أن تعترف بفضلي الأكبر. وتؤمن بمعجزتي التي بعثت منك إلى الأسود والأحمر. لتستوجب حقا. وتسلم من نار حر تلظى لا يصلاها إلا الأشقى. وإن لم يتضح لرأيك إلا الإصرار. وأبت حصائد لسانك إلا أن توقعك في النار. فلا رعى الله عزائمك القاصرة. ولا جمع عقارب ليل نفسك التي إن عادت فإن نعال السيوف لها حاضرة. ثم قطع الكلام. وتمثل بقول أبي تمام:
السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب.
فلما تحقق تحريف القلم حرجه. وفهم مقدار الغيظ الذي أخرجه. وسمع هذه المقالة التي يقطر من جوانبها الدم. ورأى أنه هو البادي بهذه المناقشة والبادي أظلم. رجع إلى خداعه. وتنحى عن طريق قراعه. وعلم أن الدهر دهره. والقدر على حكم الوقت قدره. وأنه أحق بقول القائل:
لحنها معرب وأعجب من ذا ... أن إعراب غيرها ملحون
(6/75)

فالتفت إليه وقال: أيها الملتهب في قدحه. والخارج عما نسب إليه من صفحه. ما هذه الزيادة في السباب. والتطفيف في كيل الجواب. وأني علم الشيوخ عن جهل الشباب. أما كان الأحسن بك أن تترك هذا الرفث. وتلم أخاك على الشعث. وتحلم كما زعمت أنك السيد. وتزكو على الغيظ كما يزكو على النار الجيد. أما تعلم أني معينك في تشييد الممالك. ورفيقك فيما تسلكه لنفعها من المسالك. أما أنا وأنت للملك كاليدين. وفي تشييده كالركنين. وما أراك عبتني في الأكثر إلا بنحول الجسد الذي ليس خلقه علي. وضعفه الذي ليس أمره إلي. على أن أذكى النسيمات أعلها وأنفها. وهذه سادات العرب تعد ذلك من فضلها الأظهر. وحسنها الأشهر. ولو أنك تقول بالفصاحة. وتقف في هذه الساحة. لأسمعتك في ذلك من أشعارهم. وأتحفتك بما يفخرون به من آثارهم. فيا لله من هذه الحجة البائرة. والكرة الخاسرة. وعلى هذه النسبة ما عبتني به من فقر الأنبياء. وذل الحكماء. على أن إطلاقات معروفي معروفة وسطوات أمري في وجوه الأعداء المكسوفة مكشوفة. فاستغفر الله مما فرط في مقالك. والتفويض من عوائد احتمالك. فلا تشمت بنا الأضداد ولا تسلط بفرقتنا المفسدين في الأرض. إن الله لا يحب الفساد. واغضض الآن من خيلائك بعض هذا الغض. ولا تشك أني قسيمك وإن أبيت إلا أن تهدد. وتجرد
(6/76)

الشغب وتحدد. فاذكر محلنا في اليد الشريفة السلطانية الملكية المؤيدة. أيد الله نعمها. وجازى بالإحسان شيمها. وأيقظ في الآجال والآمال سيفها وقلمها. ولا عطل مشاهد المدح من أنسها. ولا أخلى فرائض البأس والكرم من قيام خمسها. فاقسم من باسه بالليل وما وسق. ومن بشر طلعته بالقمر إذا اتسق. لو تجاوز الأسد والظباء. بتلك اليد لوردا بالأمن في منهل. ورتعا في روض لا يجهل. فما ينبغي لنا بين تلك الأنامل غير سلوك الأدب. والمعاضدة على محو الأزمات والنوب. والاستقامة على الحق ولا عوج. والحديث من تلك الراحة عن البحر ولا حرج. هذه نصيحتي إليك والدين النصيحة. والله تعالى يطلعك على معاني الرشد الصريحة. ويجعل بينك وبين الغي حجابا مستورا. وينسيك ما تقدم من القول وكان ذلك في الكتاب مسطورا. فعند ذلك نكس السيف طرفه وقبل خديعة القلم قائلا لأمر ما جدع قصير أنفه وأمسك عن المشاغبة خفية الزلل. فإن السيوف معروفة بالخلل. ثم قال: أيها الضعيف الجبار. البازغ في ليل المداد نجما وكم في النجوم غرار. لقد تظلمت من أمر أنت البادي بظلمه. وتسورت إلى فتح باب أنت السابق إلى فتح ختمه. وقد فهمت الآن ما ذكرت من أمر اليد الشريفة ونعم ما ذكر. وأحسن بما أشرت. وما أنسانيه إلا الشيطان أن ذكره وقد تغافلت عن قولك الأحسن. ورددتك
(6/77)

إلى أمك الدواة كي تقر عينها ولا تحزن. وسألت الله تعالى أن يزيد محاسن تلك اليد العالية تماما على الذي أحسن فإنها اليد التي:
لو أثر التقبيل في يد منعم ... لمحا براجم كفها التقبيل
والراحة التي:
تسعى القلوب لغوثها ولغيثها ... فيجيبه التأمين والتأميل
والأنامل التي علمها الله بالسيف والقلم. ومكنها من رتبتي العلم والعلم. ودارك بكرمها آمال العفاة بعد إن ولا ولم. ولولا أن هذا المضمار يضيق عن وصفه السابق إلى غاية الخصل. ومجده الذي إذا جر ذيله ود الفضل لو تمسك منه بالفضل. لأطلت الآن في ذكر مجدها الأوضح. وأفصحت في مدحها ولا ينكر لمثلها أن أنطقت الصامت فأفصح. ثم إنك بعدما تقدم من القول المزيد. والمجادلة التي عز أمرها على الحديد. أقررت أنت أننا للملك كاليدين. ولم تقر أينا اليمين. وفي آفاقه كالقمرين. ولم تذكر أينا الواضحة الجبين. وما يشفي ضناي ويروي صداي إلا أن يحكم بيننا من لا يرد حكمه. ولا يتهم فهمه. فيظهر أينا المفضول من الفاضل. والمخذول من الخاذل. ويقصر عن القول المناظر. ويستريح المناضل. وقد رأيت أن يحكم بيننا المقام الأعظم الذي أشرت إلى يده الشريفة. وتوسلت بمحاسنها اللطيفة. فإنه مالك زمامنا. ومنشئ غمامنا. ومصرف كلامنا. وحامل أعبائنا. الذي ما هوى للهوى وصاحب
(6/78)

أمرنا ونهينا وتالله ما ضل صاحبكم وما غوى. ليفصل الأمر بحكمه ويقدمنا إلى مجلسه الشريف فيحكم بيننا بعلمه. فقد خيرة الله على ذلك الاشتراط. وقل بعد تقبيلنا الأرض له في ذلك البساط: خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط. واهدنا إلى سواء الصراط. فنشط القلم فرحا. ومشى في أرض الطرس مرحا. وطرب لهذا الجواب. وخر راكعا وأناب. وقال: سمعا وطاعة. وشكر الله على هذه الساعة يا برد ذاك الذي قالت على كبدي الآن ظهر ما تبغيان. وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان. وحكم بيننا الرأي المنير. ونبأنا بحقيقة الأمر ولا ينبئك مثل خبير. ثم تفاصلا على ذلك. وتراضينا على ما يحكم به المالك. وكانوا أحق بها وأهلها وانتبه المملوك من سنة فكره. وطالع بما اختلج سواد هذه الليلة في سره. والله تعالى يديم أيام مولانا السلطان التي هي نظام المفاخر. ومقام المآثر. وغوث الشاكي وغيث الشاكر. ويمتع بظلال مقامه الذي لا تكسر الأيام مقدار ما هو جابر. ولا تجبر ما هو كاسر. إن شاء الله تعالى (خزانة الأدب للحموي)

رسالة لابن الوردي في السيف والقلم
لما كان السيف والقلم عدتي العمل والقول. وعمدتي الدول فإن عدمتها دولة فلا حول. وركني إسناد الملك المعربين عن
(6/79)

المخفوض والمرفوع. ومقدمتي نتيجة الجدل الصادر عنهما المحمول والموضوع. فكرت أيهما أعظم فخرا. وأعلى قدرا. فجلست لهما مجلس الحكم والفتوى. ومثلتهما في الفكر حاضرين للدعوى. وسويت بين الخصمين في الإكرام. واستنطقت لسان حالهما للكلام (فقال القلم) : بسم الله مجراها ومرساها. والنهار إذا جلاها. والليل إذا يغشاها. أما بعد حمد الله بارئ القلم. ومشرفه بالقسم. وجعله أول ما خلق. وجمل الورق بغصنه كما جمل الغصن بالورق. والصلاة على القائل: جفت الأقلام. فإن القلم قصب الباق. والكاتب بسبعة أقلام من طبقات الكتاب في السبع الطباق. جرى بالقضاء والقدر. وناب عن اللسان فيما نهى وأمر. طالما أربى على البيض والسمر في ضرابها وطعانها. وقاتل في البعد والصوارم في القرب ملء أجفانها. وماذا يشبه القلم في طاعة ناسه. ومشيه لهم على أم رأسه. (قال السيف) : بسم الله الخافض الرافع. وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع. أما بعد حمد الله الذي أنزل آية السيف. فعظم بها حرمة الجرح وآمن خيفة الحيف والصلاة على الذي نفذ بالسيف سطور الطورس. وخدمته الأقلام ماشية على الرؤوس. وعلى آله وصحبه الذين أرهفت سيوفهم. وبنيت بها على كسر الأعداء حروفهم. فإن السيف عظيم الدولة. شديد الصولة. محا أسطا البلاغة. وأساغ ممنوع الإساغة. من اعتمد على غيره
(6/80)

في قهر الأعداء تعب. وكيف لا وفي حده الحد بين الجد واللعب. فإن كان القلم شاهدا فالسيف قاضي. وإن اقتربت مجادلته بأمر مستقبل قطعه السيف بفعل ماضي. به ظهر الدين. وهو العدة لقمع المعتمدين. حملته دون القلم يد نبينا. فشرف بذلك في الأمم شرفا بينا. الجنة تحت ظلاله. ولاسيما حين يسل فترى ودق الدم يخرج من خلاله. زيتن بزينة الكواكب سماء غمده. وصدق القائل: السيف أصدق إنباء من ضده. لا يعبث به الحامل. ولا يتناوله كالقلم بأطراف الأنامل. ما هو كالقلم المشبه بقوم عروا عن لبوسهم. ثم نكسوا كما قيل على رؤوسهم. فكان السيف خلق من ماء دافق. أو كوكب راشق. مقدرا في السرد. فهو الجوهر الفرد. لا يشرى كالقلم بثمن بخس. ولا يبلى كما يبلى القلم بسواد وطمس. كم لقائمه المنتظر. من أثر. في عين أو عين في أثر. فهو في حراب القوم قوام الحرب. ولهذا جاء مطبوع الشكل داخل الضرب. (قال القلم) : أومن ينشأ في الحلية وهو الخصام غير مبين. يفاخر وهو القائم عن الشمال الجالس على اليمين. أنا المخصوص بالري وأنت المخصوص بالصدى. أنا آلة الحياة وأنت الردى. ما لنت إلا بعد دخول السعير. وما حددت إلا عن ذنب كبير. أنت تنفع في العمر ساعة. وأنا أفني العمر في الطاعة. أنت للرهب. وأنا للرغب. وإذا كان بصرك حديدا فبصري ما ذهب. أين
(6/81)

تقليدك من اجتهادي. وأين نجاسة دمك من تطهير مدادي. (قال السيف) : أمثلك يعير مثلي بالدماء. فطالما أمرت بعض فراخي وهي السكين. فأصبحت من النفاثات في عقدك يا مسكين. فأدخلت من الحياة جثمانك. وشقت أنفك وقطعت لسانك. ويك إن كنت للديوان فحاسب مهموم. أو للإنشاء فخادم لمخدوم. أو للبليغ فساحر مذموم. أو للفقيه فناقص في المعلوم. أو للشاعر فسائل محروم. أو للشاهد فخائف مسموم. أو للمعلم فللحي القيوم. وأما أنا فلي الوجه الأزهر. والحلية والجوهر. والهيبة إذا أشهر. والصعود على المنبر. شكلي الحسن علي. ولم لا حملك الحطب بدلي. ثم إني مملوك كمالك. فإنك كناسك. أسلك الطرائق. وأقطع العلائق. (قال القلم) : إما أنا فابن ماء السماء. وأليف الغدير وحليف الهواء. وأما أنت فابن النار والدخان. وباتر الأعمار وخوان الإخوان. تفصل ما لا يفصل. وتقطع ما أمر الله به أن يوصل. لا جرم شمر السيف وصقل قفاه. سقي ماء حميما فقطع معاه. يا غراب البين. ويا عدة الحين. ويا معتل العين. ويا ذا الوجهين. كم أفنيت وأعدمت. وأرملت وأيتمت. (قال السيف) : يا ابن الطين. ألست ضامرا وحرفت. ونكرت وعرفت. وسطرت هجوا وشتما. وخلدت عارا وذما أبشر بفرط روعتك. وشدة خيفتك. إذا قست بياض
(6/82)

صفيحتي بسواد صحيفتك. فألن خطابك فأنت قصير المدة. وأحسن جوابك فعندي حدة. وأقلل من غلطتك وجبهتك. واشتغل عن دم في وجهي بمدة في وجهك. وإلا فأدنى ضربة مني تروم أرومتك. فتستأصل أصلك وتجتث جرثومتك. فسقيا لمن
غاب بك عن غابك. ورعيا لمن هاب بك لسلخ إهابك. (فلما رأى القلم) السيف قد احتد. ألان له من خطابه ما اشتد. وقال: أما الأدب فيؤخذ عني. وأما اللطف فيكتسب مني. فإن لنت لنت. وإن أحسنت أحسنت. نحن أهل السمع والطاعة. ولهذا تجمع في الدواة الواحدة منا جماعة. وأما أنتم فأهل الحدة والخلاف. ولهذا لم يجمعوا بين سيفين في غلاف. (قال السيف) : أمكر ودعوى عفة. لأمر ما جدع قصير أنفه لو كنت كما زعمت ذا أدب. لما قابلت رأس الكاتب بعقدة الذنب. أنا ذو الصيت والصوت. وغراراي لسانا مشرفي يرتجل غرائب الموت. أنا من مارج من نار. والقلم من صلصال كالفخار. وإذا زعم القلم أنه مثلي أمرت من يدق رأسه بنعلي. (قال القلم) : صه فصاح السيف بلا سعادة كالأعزل. (قال السيف) : مه فقلم البليغ يغير حظ مغزل. (قال القلم) : أنا أزكى وأطهر. (قال السيف) : أنا أبهى وأبهر. فتلا (ذو القلم) لقلمه: إنا أعطيناك الكوثر. فتلا (صاحب السف) لسيفه: فصل لربك وانحر. فتلا (ذو القلم) لقلمه: إن شانئك هو الأبتر. (قال) : أما وكتابي
(6/83)

المسطور. وبيتي المعمور. والتوراة والإنجيل. والقرآن ذي التبجيل. إن لم تكف عني غربك. وتبعد مني قربك. لأكتبنك من الصم البكم. ولأسطرن عليك بعلمي سجلا بهذا الحكم. (قال السيف) : أما ومتني المتين. وفتحي المبين. ولساني الرطبين. ووجهي الصلبين. إن لم تغب عن بياضي بسوادك. لأسخمن وجهك بمدادك. ولقد كسبت من الأسد في الغابة. توقيح العين والصلابة. مع أني ما ألوتك نصحا. أفنضرب عنكم الذكر صفحا. (قال القلم) : سلم إلي مع من سلم. إن كنت أعلى فأنا أعلم. وإن كنت أحلى فأنا أحلم. وإن كنت أقوى فأنا أقوم. أو كنت ألوى فأنا ألوم. أو كنت أطرى فأنا أطرب. أو كنت أعلى فأنا أغلب. أو كنت أعتى فأنا أتب. أو كنت أقضى فأنا أقضب. (قال السيف) : كيف لا أفضلك والمقر الفلاني شد أزري. (قال القلم) : كيف لا أفضلك وهو عز نصره ولي أمري.
(قال الحكم بين السيف والقلم) : فلما رأيت الحجتين ناهضتين. والبينتين بينتين متعارضتين. وعلمت أن لكل واحد منهما نسبة صحيحة إلى هذا المقر الكريم. ورواية مسندة عن حديثة القديم. لطفت الوسيلة. دققت الحيلة. حتى رددت القلم إلى كنه. وأغمدت السيف فنام ملء جفنه. وأخرت بينهما الترجيح. وسكت عما هو عندي الصحيح. إلى أن يحكم المقر بينهما بعلمه. ويسكن
(6/84)

سورة غضبها الوافر ولجاجهما المديد ببسيط حلمه. ويعاملهما بما وقر في صدره من الوقار وسكن في قبله من السكينة. وإذا كان في هذه المدينة مالكنا فلا يفتى ومالك في المدينة.

مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
هذا ما تراجع فيه المهدي ووزراؤه وما دار بينهم من تدبير الرأي في حرب خراسان أيام تحاملت عليهم العمل واعتفت. فحملتهم الدالة وما تقدم لهم من المكانة على أن نكثوا بيعتهم ونقضوا موثقهم وطردوا العمال والتوا بما عليهم من الخراج. وحمل المهدي ما يجب من مصلحتهم وبكره من عنتهم على أن أقال عثرتهم واغتفر زلتهم. واحتمل دالتهم تطولا بالفضل واتساعا بالعفو وأخذا بالحجة ورفقا بالسياسة. ولذلك لم يزل مذ حمله الله أعباء الخلاة وقلده أمور الرعية رفيقا بمدار سلطانه بصيرا بأهل زمانه باسطا للمعدلة في رعيته تسكن إلى كنفه وتأنس بعفوه وتثق بحلمه. فإذا وقعت الأقضية اللازمة والحقوق الواجبة فليس عنده هوادة ولا إغضاء ولا مداهنة إثرة للحق وقياما بالعدل وأخذا بالحزم. فدعا أهل خراسان الاغترار بحلمه والثقة بعفوه إن كسروا الخراج وطردوا العمال وسألوا ما ليس لهم من الحق. ثم خلطوا احتجاجا باعتذار وخصومة بإقرار وتنصلا باعتلال. فلما انتهى ذلك إلى المهدي خرج إلى مجلس خلائه وبعث إلى نفر من لحمته ووزرائه فأعلمهم الحال واستنصحهم للرعية. ثم أمر الموالي بالابتداء وقال للعباس بن محمد: أي عم تعقب قلونا وكن حكما بيننا. وأرسل إلى ولديه موسى وهارون فاحضرهما الأمر وشاركهما في الرأي وأمر محمد بن الليث بحفظ مراجعتهم وإثبات مقالتهم في كتاب
(فقال سلام صاحب المظالم) : أيها المهدي إن في كل أمر غاية ولكل قوم صناعة واستفرغت رأيهم واستغرقت أشغالهم واستنفدت أعمارهم. وذهبوا بها وذهبت بهم وعرفوا بها وعرفت بهم. ولهذه الأمور التي جعلنا فيها غاية وطلبت معونتنا عليها أقوام من أبناء الحرب وساسة الأمور وقادة الجنود وفرسان الهزاهز وإخوان التجارب وأطفال الوقائع الذين وشحتهم سحالها. وفيأتهم ظلالها.
(6/85)

وعفتهم شدائدها. وقرمتهم نواجذها. فلو عجمت ما قبلهم وكشفت ما عندهم لوجدت نظائر تؤيد أمرك. وتجارب توافق نظرك. وأحاديث تقوي قلبك. فأما نحن معاشر عمالك وأصحاب دواوينك فحسن بنا وكثير منا أن نقوم بثقل ما حملتنا من عملك واستودعتنا من أمانتك. وشغلتنا به من إمضاء عدلك وإنفاذ حكمك وإظهار حقك. (فأجابه المهدي) : إن في كل قوم حكمة ولكل زمان سياسة وفي كل حال تدبيرا يبطل الآخر الأول ونحن أعلم بزماننا وتدبير سلطاننا. (قال) : نعم أيها المهدي أنت متسع الرأي وثيق العقدة. قوي المنة بليغ الفطنة. معصوم النية محضور الروية. مؤيد البديهة موفق العزيمة. معان بالظفر مهدي إلى الخير. إن هممت ففي عزمك مواقع الظن. وإن اجتمعت صدع فعلك ملتبس الشك. فاعزم يهد الله إلى الصواب قلبك. وقل ينطق الله بالحق لسانك. فإن جنودك جمة وخزائنك عامرة. ونفسك سخية وأمرك نافذ. (فأجابه المهدي) : إن المشاورة والمناظرة بابا رحمة ومفتاحا بركة لا يهلك عليهما رأي ولا يتفيل معهما حزم. فأشيروا برأيكم وقولوا بما يحضركم فإني من ورائكم وتوفيق الله من وراء ذلك. (قال الربيع) : أيها المهدي إن تصاريف وجوه الرأي كثيرة. وإن الإشارة ببعض معاريض القول يسيرة. ولكن خراسان أرض بعيدة المسافة متراخية الشقة متفاوتة السبيل. فإذا ارتأيت من محكم التدبير ومبرم
(6/86)

التقدير ولباب الصواب رأيا قد أحكمه نظرك وقلبه تدبيرك فليس وراءه مذهب طاعن ولا دونه معلق لخصومة عائب. ثم أجبت البرد به وانطوت الرسل عليه كان بالحري أن لا يصل إليهم محكمه. وقد حدث منهم ما ينقضه. فالسر أن ترجع إليك الرسل وترد عليك الكتب بحقائق أخبارهم وشوارد آثارهم ومصادر أمورهم. فتحدث رأيا غيره وتبتدع تدبيرا سواه. قد انفجرت الحق وتحللت العقد واسترخى الخناق وامتد الزمان. ثم لعلما موقع الآخرة كمصدر الأولى. لكن الرأي لك أيها المهدي وفقك الله أن تصرف إجالة النظر وتقليب الفكر فيما جمعتنا له واستشرتنا فيه. من التدبير لحربهم والحيل في أمرهم إلى الطب لرجل ذي دين فاضل. وعقل كامل. وورع واسع ليس موصوفا بهوى في سواك. ولا مهتما في أثرة عليك ولا ظنينا على دخلة مكروهة. ولا منسوبا إلى بدعة محذورة فيقدح في ملكك ويربض الأمور لغيرك. ثم تسند إليه أمورهم وتفوض إليه حربهم وتأمره في عهدك ووصيتك إياه بلزوم أمرك ما لزمه الحزم وخلاف نهيك إذا خالفه الرأي عن استحالة الأمور واشتداد الأحوال التي ينقض أمر الغائب عنها ويثبت رأي الشاهد لها. فإنه إذا فعل ذلك فواثب أمرهم من قريب وسقط عنه ما يأتي من بعيد تمت الحيلة وقويت المكيدة ونفذ العمل وأحد النظر إن شاء الله. (قال الفضل بن العباس) : أيها المهدي إن
(6/87)

ولي الأمور وسائس الحروب ربما نحى جنوده وفرق أمواله في غير ما ضيق أمر حربه ولا ضغطه حال اضطرته فيقعد عند الحاجة إليها وبعد التفرقة لها عديما منها فاقعد لها لا يثق بقوة ولا يصول بعدة ولا يفزع إلى ثقة. فالرأي لك أيها المهدي وفقك الله أن تعفي خزائنك من الإنفاق للأموال وجنودك من مكابدة الأسفار ومقارعة الخطار وتغرير القتال. ولا تسرع للقوم في الإجابة إلى ما يطلبون والعطاء لما يسالون فيفسد عليك أدبهم وتجرئ من رعيتك غيرهم. ولكن أغزهم بالحيلة وقاتلهم بالمكيدة وصارعهم باللين وخاتلهم بالرفق. وأبرق لهم بالقول وأرعد نحوهم بالفعل. وابعث البعوث وجند الجنود وكتب الكتائب واعقد الأولوية وانصب الرايات. وأظهر أنك موجه إليهم الجيوش مع أحنق قوادك عليهم وأسوئهم أثرا فيهم. ثم ادسس الرسل وابثث الكتب وضع بعضهم على طمع من وعدك وبعضا على خوف من وعيدك. وأوقد بذلك وأشباهه نيران التحاسد فيهم واغرس أشجار التنافس بينهم. حتى تملأ القلوب من الوحشة وتنطوي الصدور على البغضة ويدخل كلا من كل الحذر والهيبة. فإن مرام الظفر بالغيلة. والقتال بالحيلة. والمناهبة بالكتب والمكايدة بالرسل والمقارعة بالكلام
اللطيف المدخل في القلوب القوي الموقع من النفوس المعقود بالحجج الموصول بالحيل المبني على اللين الذي يستميل القلوب ويسترق
(6/88)

العقول والآراء. ويستميل الأهواء. ويستدعي المؤاتاة أنفذ من القتال بظبات السيوف وأسنة الرماح. كما أن الوالي الذي يستنزل طاعة رعيته بالحيل ويفرق كلمة عدوه بالمكايدة أحكم عملا وألطف منظرا وأحسن سياسة من الذي لا ينال ذلك إلا بالقتال والإتلاف للأموال والتغرير والخطار. وليعلم المهدي أنه إن وجه لقتالهم رجلا لم يسر لقتالهم إلا بجنود كثيفة تخرج عن حال شديدة وتقدم على أسفار ضيقة وأموال متفرقة وقواد غششة إن ائتمنتهم استنفدوا ماله وإن استنصحهم كانوا عليه لا له. (قال المهدي) : هذا رأي قد أسفر نوره وأبرق ضوءه وتمثل صوابه للعيون ومجد حقه في القلوب. ولكن فوق كل ذي علم عليم. ثم نظر إلى ابنه علي. فقال: ما تقول. (قال علي) : أيها المهدي إن أهل خراسان لم يقلعوا عن طاعتك ولم ينصبوا من دونك أحد يقدح في تغيير ملكك ويربض الأمور لفساد دولتك. ولو فعلوا لكان الخطب أيسر والشأن أصغر. والحال أدل لأن الله مع حقه الذي لا يخذله وعنده موعده الذي لا يخلفه. ولكنهم قوم من رعيتك وطائفة من شيعتك الذين جعلك الله عليهم واليا. وجعل العدل بينك وبينهم حاكما. طلبوا حقا وسألوا إنصافا. فإن أجبت إلى دعوتهم ونفست عنهم قبل أن يتلاحم منهم حال أو يحدث من عندهم فتق أطعت أمر الرب. وأطفأت نائرة الحرب. ووفرت خزائن المال. وطرحت تغرير القتال. وحمل
(6/89)

الناس محمل ذلك على طبيعة جودك وسجية حلمك وإسجاح خليفتك ومعدلة نظرك. فأمنت أن تنسب إلى ضعف وأن يكون ذلك فيما بقي دربة. وإن منعتهم ما طلبوا ولم تجبهم إلى ما سألوا اعتدلت بك وبهم الحال وساويتهم في ميدان الخطاب فما أرب المهدي أن يعمد إلى طائفة من رعيته مقرين بمملكته مذعنين بطاعته لا يخرجون أنفسهم عن قدرته فيملكهم أنفسهم ويخلع نفسه عنهم ويقف على الحيل معهم. ثم يجازيهم السوء في حد المقارعة ومضمار المخاطرة. أيريد المهدي وفقه الله الأموال فلعمري لا ينالها ولا يظفر بها إلا بإنفاق أكثر منها مما يطلب منهم وإضعاف ما يدعي قبلهم. ولو نالها فحملت إليه أو وضعت بخرائها بين يديه ثم تجافى لهم عنها وطال عليهم بها لكان مما إليه وينسب وبه يعرف من الجود الذي طبعه الله عليه وجعل قرة عينه ونهمة نفسه فيه. فإن قال المهدي: هذا رأي مستقيم سديد في أهل الخراج الذين شكوا ظلم عمالنا وتحامل ولاتنا. فأما الجنود الذين نقضوا مواثيق العهود وأنطقوا لسان الإرجاف وفتحوا باب المعصية وكسروا قيد الفتنة فقد ينبغي لهم أن أجعلهم نكالا لغيرهم وعظة لسواهم. فليعلم المهدي أنه لو أتي بهم مغلولين في الحديد مقرنين في الأصفاد ثم اتسع لحقن دمائهم عفوه. ولإقالة عثرتهم صفحه. واستبقاهم لما هم فيه من حزبه أو لمن بإزائهم من عدوه لما كان بدعا من رأيه ولا مستنكرا من نظره. لقد علمت
(6/90)

العرب أنه أعظم الخلفاء والملوك عفوا وأشدهم وقعا وأصدقهم صولة. وأنه لا يتعاظمه عفو ولا يتكاءده صفح وإن عظم الذنب وجل الخطب. فالرأي للمهدي وفقه الله أن يحلل عقدهم الغيظ بالرجاء لحسن ثواب الله في العفو عنهم. وأن يذكر أولى حالاتهم وضيعة عيالاتهم برا بهم وتوسعا لهم. فإنهم إخوان دولته وأركان دعوته وأساس حقه الذين بعزتهم يصول وبحجتهم يقول. وإنما مثلهم فيما دخلوا فيه من مساخطه وتعرضوا له من معاصيه وانطووا فيه عن إجابته. ومثله في قلة ما غير ذلك من رأيه فيهم أو نقل عن حاله لهم أو تغير من نعمته بهم كمثل رجلين أخوين متناصرين متوازين أصاب أحدهما خبل عارض ولهو حادث فنهض إلى أخيه بالأذى وتحامل عليه بالمكروه. فلم يزدد أخوه إلا رقة له ولطفا به واحتيالا لمداواة مرضه ومراجعة حاله عطفا عليه وبرا به ومرحمة له. (فقال المهدي) : أما علي فقد كوى سمت الليان. وفض القلوب في أهل خراسان. ولكل نبأ مستقر. فقال: ما ترى يا أبا محمد (يعني موسى ابنه) . (فقال موسى) : أيها المهدي لا تسكن إلا حلاوة ما يجري من القول على ألسنتهم وأنت ترى الدماء تسيل من خلل فعلهم. الحال من القوم ينادي بمضمرة شر وخفية حقد. قد جعلوا المعاذير عليها سترا واتخذوا العلل من دونها حجابا. رجاء أن يدافعوا الأيام بالتأخير والأمور بالتطويل فيكسروا حيل المهدي فيهم ويفنوا جنوده عنهم. حتى يتلاحم
أمرهم
(6/91)

وتتلاحق مادتهم وتستفحل حربهم وتستمر الأمور بهم. والمهدي من قولهم في حال غرة ولباس أمنة قد فتر لها وأنس بها وسكن إليها. ولولا ما اجتمعت به قلوبهم وبردت عليه جلودهم من المناصبة بالقتال والإضمار للقراع عن داعية ضلال أو شيطان فساد لرهبوا عواقب أخبار الولاة وغب سكون الأمور. فليشدد المهدي وفقه الله أزره لهم ويكتب كتائبه نحوهم وليضع المر على أشد ما يحضره فيهم. وليوقن أنه لا يعطيهم خطة يريد بها صلاحهم إلا كانت دربة إلى فسادهم وقوة على معصيتهم وداعية إلى دعوتهم وسببا لفساد من بحضرته من الجنود. ومن بابه من الوفود. الذين إن أقرهم وتلك العادة وأجراهم على ذلك الأرب. لم يبرح في فتق حادث وخلاف حاضر لا يصلح عليه دين ولا تستقيم به دنيا. وإن طلب تغييره بغير استحكام العادة واستمرار الدربة لم يصل إلى ذلك إلا بالعقوبة المفرطة والمؤونة الشديدة. والرأي للمهدي وفقه الله أن لا يقيل عثرتهم ولا يقبل معذرتهم حتى تطأهم الجيوش وتأخذهم السيوف. ويستحر بهم القتل ويحدق بهم الموت. ويحيط بهم البلاء ويطبق عليهم الذل. فإن فعل المهدي بهم ذلك كان مقطعة لكل عادة سوء فيهم. وهزيمة لكل عادة سوء فيهم. واحتمال المهدي في مؤونة غزوتهم هذه تضع عنه غزوات كثيرة ونفقات عظيمة.
(قال المهدي) : قد قال القوم فاحكم يا أبا الفضل. (فقال
(6/92)

العباس بن محمد) : أيها المهدي أما الموالي فأخذوا بفروع الرأي وسلكوا جنبات الصواب وتعدوا أمورا قصر بنظرهم عنها أنه لم تأت تجاربهم عليها. (وأما الفضل) فأشار بالأموال أن لا تنفق. والجنود أن لا تفرق. وبان لا يعطى القوم ما طلبوا ولا يبذل لهم ما سألوا. وجاء بأمر بين ذلك استصغارا لأمرهم واستهانة بحربهم وإنما يهيج جسيمات الأمور صغارها. (أما علي) فأشار باللين وأفرد الرفق وإذا جرد الوالي لمن غمط أمره وسفه حقه اللين بحتا والخير محضا لم يخلطهما بشدة تعطف القلوب على لينه ولا بشر يحبسهم إلى خيره. فقد ملكهم الخلع لعذرهم ووسع لهم الفرجة لثني أعناقهم. فإن أجابوا دعوته وقبلوا لينه من غير خوف اضطرهم ولا شدة ونزوة في رؤوسهم يستدعون بها البلاء إلى أنفسهم ويستصرخون بها رأي المهدي فيهم. وإن لم يقبلوا دعوته ويسرعوا لإجابته باللين المحض والخير الصراح فذلك ما عليه الظن بهم والرأي فيهم وما قد يشبه أن يكون من مثلهم. لأن الله تعالى خلق الجنة وجعل فيها من النعيم المقيم والملك الكبير ما لا يخطر على قلب بشر ولا تدركه الفكر ولا تعلمه نفس ثم دعا الناس إليها ورغبهم فيها. فلولا أنه خلق نارا جعلها لهم رحمة يسوقهم بها إلى الجنة لما أجابوا ولا قبلوا. (أما موسى) فأشار بأن يعصبوا بشدة لا لين فيها وأن يرموا بشر لا خير معه. وإذا أضمر الوالي لمن فارق طاعته وخالف جماعته
(6/93)

الخوف مفردا والشر مجردا ليس معهما طمع ولا لين يثنيهم اشتدت الأمور بهم وانقطعت الحال منهم إلى أحد أمرين: إما إن تدخلهم الحمية من الشدة والأنفة من الذلة والامتعاض من القهر فيدعوهم ذلك إلى التمادي في الخلاف والاستبسال في القتال والاستسلام للموت. وإما أن ينقادوا بالكرة ويذعنوا بالقهر على بغضة لازمة وعداوة باقية تورث النفاق وتعقب الشقاق. فإذا أمكنتهم فرصة أو ثابت لهم قدرة أو قويت لهم حال عاد أمرهم إلى أصعب وأغلظ وأشد مما كان. (وقال) في قول أبي الفضل أيها المهدي أكفى دليل وأوضح برهان وأبين خبر. بأن قد أجمع رأيه وحزم نظره على الإرشاد ببعثة الجيوش إليهم وتوجيه البعوث نحوهم مع إعطائهم ما سألوا من الحق وإجابتهم إلى ما سألوه من العدل. (قال المهدي) : ذلك رأي. (قال هارون) : خلطت الشدة أيها المهدي باللين. وانتظم أمر الدنيا بالدين. فصارت الشدة أمر فطام لما تكره وعاد اللين أهدى قائد إلى ما تحب. ولكن أرى غير ذلك. (قال المهدي) : لقد قلت فولا بديعا. وخالفت به أهل بيتك جميعا. والمرء مؤتمن بما قال وظنين بما ادعى حتى يأتي ببينة عادلة وحجة ظاهرة فاخرج عما قلت. (قال هارون) : أيها المهدي إن الحرب خدعة والأعاجم قوم مكرة. وربما اعتدلت الحال بهم واتفقت الأهواء منهم. فكان باطن ما يسرون على ظاهر ما يعلنون. وربما افترقت الحالان وخالف
(6/94)

القلب اللسان فانطوى القلب على محجوبة تبطن. واستسر بمدخولة لا تعلن. والطبيب الرفيق بطبه البصير بأمره العالم بمقدم يده وموضع ميسمه لا يتعجل بالدواء حتى يقع على معرفة الداء. فالرأي للمهدي وفقه الله أن يفر باطن أمرهم فر المسنة. ويمخض ظاهر حالهم مخض السقاء بمتابعة الكتب ومظاهرة الرسل وموالاة العيون حتى تهتك حجب عيونهم وتكشف أغطية أمورهم. فإن انفرجت الحال وأفضت الأمور به إلى تغيير حال أو داعية ضلال اشتملت الأهواء عليه وانقاد الرجال إليه. وامتدت العناق نحوه بدين يعتقدونه وإثم يستحلونه عصبهم بشدة لا لين فيها ورماهم بعقوبة لا عفو معها. وإن انفرجت العيون واهتصرت الستور ورفعت الحجب والحال فيهم مريعة والأمور بهم معتدلة في أرزاق يطلبونها وأعمال ينكرونها وظلامات يدعونها وحقوق يسألونها بماتة سابقتهم ودالة مناصحتهم فالرأي للمهدي وفقه الله أن يتسع لهم بما طلبوا ويتجافى لهم عما كرهوا ويشعب من أمرهم ما صدعوا ويرتق من فتقهم ما قطعوا. ويولي عليهم من أحبوا ويداوي بذلك مرض قلوبهم وفساد أمورهم. فإنما المهدي وأمته وسواد أهل مملكته بمنزلة الطبيب الرفيق والوالد الشفيق والراعي الجرب الذي يحتال لمرابض غنمه وضوال رعيته حتى يبرئ المريضة من داء علتها. ويرد الصحيحة إلى أنس جماعتها. ثم إن خراسان بخاصة الدين لهم
(6/95)

دالة محمولة وماتة مقبولة ووسيلة معروفة وحقوق واجبة. لأنهم أيدي دولته وسيوف دعوته وأنصار
حقه وأعوان عدله. فليس من شأن المهدي الاضطغان عليهم ولا المؤاخذة لهم ولا التوعر بهم ولا المكافأة بإساءتهم. لأن مبادرة حسم الأمور ضعيفة قبل أن تقوى ومحاولة قطع الأصول ضئيلة قبل أن تغلظ أحزم في الرأي وأصح في التدبير من التأخير لها والتهاون بها. حتى يلتئم قليلها بكثيرها وتجتمع أطرافها في جمهورها. (قال المهدي) : مازال هارون يقع وقع الحيا حتى خرج خروج القدح من الماء. قال وانسل انسلال السيف فيما ادعى فدعوا ما سبق موسى فيه أنه هو الرأي. وثنى بعده هارون ولكن من لأعنه الخيل وسياسة الحرب وقادة الناس إن أمعن بهم اللجاج وأفرطت بهم الدالة. (قال صالح) : لسنا نبلغ أيها المهدي بدوام البحث وطول الفكر أدنى فراسة رأيك وبعض لحظات نظرك. وليس ينقص عنك من بيوتات العرب ورجالات العجم ذو دين فاضل ورأي كامل وتدبير قوي. تقلده حربك وتسودعه جندك. ممن يحتمل الأمانة العظيمة ويضطلع بالأعباء الثقيلة. وأنت بحمد الله ميمون النقيبة مبارك العزيمة مخبور التجارب محمود العواقب معصوم العزم. فليس يقع اختيارك ولا يقف نظرك على أحد توليه أمرك وتسند إليه ثغرك إلا أراك الله ما تحب وجمع لك منه ما تريد.
(6/96)

(قال المهدي) : إني لأرجو ذلك لقديم عادة الله فيه وحسن معونته عليه. ولكن أحب الموافقة على الرأي والاعتبار للمشاورة في الأمر المهم. (قال محمد بن الليث) : أهل خراسان أيها المهدي قوم ذوو عزة ومنعة وشياطين خدعة. زروع الحمية فيهم نابتة. وملابس الأنفة عليهم ظاهرة. فالرؤية عنهم عازبة والعجلة عنهم حاضرة. تسبق سيولهم مطرهم وسيوفهم عذلهم. لأنهم بين سفلة لا تعدو مبلغ عقولهم ومنظر عيونهم. (وبين) رؤساء لا يلجمون إلا بشدة ولا يفطمون إلا بالمر. وإن ولى المهدي عليهم وضيعا لم تنقد له العظماء. وإن ولى أمرهم شريفا تحامل على الضعفاء. وإن أخر المهدي أمرهم ودافع حربهم حتى يصيب لنفسه من حشمه ومواليه أو بني عمه أو بني أبيه ناصحا يتفق عليه أمرهم وثقة تجتمع له أملاؤهم بلا أنفة تلزمهم ولا حمية تدخلهم ولا مصيبة تنفرهم تنفست الأيام بهم وتراخت الحال بأمرهم. فدخل بذلك من الفساد الكبير والضياع العظيم ما لا يتلافاه صاحب هذه الصفة وإن وجد. ولا يستصلحه وإن جهد. إلا بعد دهر طويل وشر كبير. وليس المهدي وفقه الله فاطما عاداتهم. ولا قارعا صفاتهم. بمثل أحد رجلين لا ثالث لهما ولا عدل في ذلك بهما. أحدهما لسان ناطق موصول بسمعك ويد ممثلة لعينك. وصخرة لا تزعزع وبهيمة لا تثنى وبازل لا يفزعه صوت الجلجل. نقي العرض نزيه النفس جليل الخطر قد اتضعت الدنيا عن
(6/97)

قدره وسما نحوه الآخرة بهمته. فجعل الغرض الأقصى لعينه نصبا والغرض الأدنى لقدمه موطئا. فليس يقبل عملا. ولا يتعدى أملا. وهو رأس مواليك. وأنصح بني أبيك. رجل قد غذي بلطيف كرامتك. ونبت في ظل دولتك. ونشأ على قوائم أدبك. فإن قلدته أمرهم وحملته ثقلهم وأسندت إليه ثغرهم كأن قفلا فتحه أمرك وبابا أغلقه نهيك. فجعل العدل عليه وعليهم أميرا والإنصاف بينه وبينهم حاكما. وإذا أحكم المنصفة وسلك المعدلة فأعطاهم ما لهم وأخذ منهم ما عليهم غرس في الذي لك وبين صدورهم وأسكن لك في السويداء داخل قلوبهم طاعة راسخة العروق باسقة الفروع متماثلة في حواشي عوامهم متمكنة في قلوب خواصهم. فلا يبقى فيهم ريب إلا نفوه. ولا يلزمهم حق إلا أدوه. وهذا أحدهما. ولآخر عود من غيضتك ونبعة من أرومتك فتي السن كهل الحلم راجح العقل محمود الصرامة مأمون الخلاف يجرد فيهم سيفه ويبسط عليهم خيره بقدر ما يستحقون وعلى حسب ما يستوجبون. وهو فلان أيها المهدي فسلطه أعزك الله عليهم ووجهه بالجيوش إليهم. ولا تمنعك ضراعة سنه وحداثة مولده فإن الحلم والثقة مع الحداثة خير من الشك والجهل من الكهولة. وإنما أحداثكم أهل البيت فيما طبعكم الله عليه واختصكم من مكارم الخلاق ومحامد الفعال ومحاسن الأمور وصواب التدبير وصرامة الأنفس كفراخ عناق الطير
(6/98)

المحكمة لأخذ الصيد بلا تدريب. والعارفة لوجوه النفع بلا تأديب. فالحلم والعمل والعزم والحزم والجود والتودة والرفق ثابت في صدوركم مزروع في قلوبكم مستحكم لكم متكامل عندكم بطبائع لازمة وغرائز نابتة. (قال معاوية بن عبد الله) : إفتاء أهل بيتك أيها المهدي في الحلم على ما ذكر. وأهل خراسان في حال عز على ما وصف. ولكن إن ولى المهدي عليهم رجلا ليس بقديم الذكر في الجنود ولا بنبيه الصوت في الحروب. ولا بطويل التجربة للأمور ولا بمعروف السياسة للجيوش والهيبة في الأعداء. دخل ذلك أمران عظيمان وخطران مهولان. أحدهما أن الأعداء يغتمزونها منه ويحتقرونها فيه. ويجترئون بها عليه في النهوض به والمقارعة له والخلاف عليه. قبل ماحين الاختبار لأمره والتكشف لحاله والعلم بطباعه. والأمر الآخر أن الجنود التي يقود والجنود التي يسوس إذا لم يختبروا منه البأس والنجدة ولم يعرفوه بالصوت والهيبة انكسرت شجاعتهم وماتت نجدتهم واستأخرت طاعتهم إلى حين اختبارهم ووقوع معرفتهم. وربما وقع البوار. قبل الاختبار. وبباب المهدي وفقه الله رجل مهيب نبيه حنيك صيت. له نسب زاك وصوت عال. قد قاد الجيوش وساس الحروب. وتألف أهل خراسان واجتمعوا عليه بالمقة. ووثقوا به كل الثقة. فلو ولاه المهدي أمرهم لكفاه الله شرهم. (قال المهدي) : جانبت قصد الرمية وأبيت إلا عصبية. إذ
(6/99)

رأي الحدث من أهل بيتنا كرأي عشرة حلماء من غيرنا. ولكن أين تركتم ولي العهد. (قالوا) : لم يمنعنا من ذكره إلا كونه شبيه جده. ونسيج وحده. ومن الدين وأهله. بحيث يقصر القول عن أدنى فضله.
ولكن وجدنا الله عز وجل حجب عن خلقه وستر من دون عباده علم ما تختلف به الأيام ومعرفة ما تجري عليه المقادير من حوادث الأمور وريب المنون المخترمة لخوالي القرون ومواضي الملوك. فكرهنا شسوعه عن محلة الملك ودار السلطان ومقر الإمامة والولاية. وموضع المدائن والخزائن ومستقر الجنود ومعدن الجود. ومجمع الأموال التي جعلها الله قطبا لدار الملك ومصيدة لقلوب الناس. ومثابة لإخوان الطمع وثوار الفتن ودواعي البدع وفرسان الضلال وأبناء الموت. وقلنا: إن وجه المهدي ولي عهده فحدث في جيوشه وجنوده ما قد حدث بجنود الرسل من قبله لم يستطع المهدي أن يعقبهم بغيره إلا أن ينهد إليهم بنفسه. وهذا خطر عظيم وهول شديد إن تنفست الأيام بمقامه. واستدارت الحال بإمامه. حتى يقع عوض لا يستغنى عنه أو يحدث أمر لابد منه. صار ما بعده مما هو أعظم هولا وأجل خطرا له تبعا وبه متصلا. (قال المهدي) : الخطب أيسر مما تذهبون إليه. وعلى غير ما تصفون المر عليه. نحن أهل البيت نجري من أسباب القضايا ومواقع الأمور على سابق من العمل ومحتوم من الأمر. وقد تناهى ذلك بأجمعه إلينا وتكامل بحذافيره عندنا. فيه
(6/100)

ندبر وعلى الله نتوكل. إنه لابد لوي عهدي (وولي عهدي عقبي بعدي) أن يقود إلى خراسان البعوث ويتوجه نحوها بالجنود. أما الأول فإنه يقدم إليهم رسله ويعمل فيهم حيله. ثم يخرج نشطا إليهم حنقا عليهم يريد أن لا يدع أحد من إخوان الفتن ودواعي البدع وفرسان الضلال إلا توطأه بحر القتل وألبسه قناع القهر وقلده طوق الذل. ولا أحدا من الذين عملوا في قص جناح الفتنة وإخماد نار البدعة ونصرة ولاة الحق إلا أجرى عليهم ديم فضله وجداول نصله. فإذا خرج مزمعا به مجمعا عليه لم يسر إلا قليلا حتى يأتيه أن قد عملت حيله وكدحت كتبه ونفذت مكايده. فهدأت نافرة القلوب ووقعت طائرة الأهواء واجتمع عليه المختلفون بالرضا. فيميل نظرا لهم وبرا بهم وتعطفا عليهم إلى عدو قد أخاف سبيلهم وقطع طريقهم ومنع حجاجهم بيت الله الحرام وسلب تجارهم رزق الله الحلال. وأما الآخر فإنه يوجه إليهم ثم تعتقد له الحجة عليهم بإعطاء ما يطلبون وبذل ما يسألون. فإذا سمحت الفرق بقراباتها له وجنح أهل النواحي بأعناقهم نحوه فأصغت إليه الأفئدة واجتمعت له الكلمة وقدمت عليه الوفود قصد لأول ناحية نجعت بطاعتها وألقت بأزمتها فألبسها جناح نعمته وأنزلها ظل كرامته وخصها بعظيم حبائه. ثم عم الجماعة بالمعدلة وتعطف عليهم بالرحمة فلا يبقى فيهم ناحية دانية ولا فرقة قاصية إلا دخلت عليها بركته. ووصلت إليها منفعته.
(6/101)

فأغنى فقيرها. وجبر كسيرها. ورفع وضيعها. وزاد رفيعها ما خلا ناحيتين ناحية يغلب عليها الشقاء وتستميلهم الأهواء فتستخف بدعوته وتبطئ عن إجابته وتتثاقل عن حقه فتكون آخر من يبعث وأبطأ من يوجه. فيصطلي عليها موجدة ويبتغي لها علة. لا يلبث أن يجد بحق يلزمهم وأمر يجب عليهم فتستلحمهم الجيوش وتأكلهم السيوف ويستحر بهم القتل ويحيط بهم الأسر ويفنيهم التتبع. حتى يخرب البلاد ويوتم الأولاد وناحية لا يبسط لهم أمانا ولا يقبل لهم عهدا ولا يجعل لهم ذمة. لأنهم أول من فتح باب الفرقة وتدرع جلباب الفتنة وربض في شق العصا. لكنه يقتل أعلامهم ويأسر قوادهم. ويطلب هرابهم في لجج البحار وقلل الجبال وخمل الأودية وبطون الأرض تقتيلاً وتغليلاً وتنكيلاً حتى يدع الديار خرابا والنساء أيامى. وهذا أمر لا نعرف له في كتبنا وقتا ولا نصحح منه غير ما قلنا تفسيرا. وأما موسى ولي عهدي فهذا أوان توجهه إلى خراسان وحلوله بجرجان. وما قضى الله على الشخوص إليها والمقام فيها خير لمسلمين مغبة وله بإذن الله عاقبة من المقام. بحيث يغمر في لجج بحورنا ومدافع سيولنا ومجامع أمواجنا. فيتصاغر عظيم فضله ويتذأب مشرق نوره ويتقلل كثير ما هو كائن منه. فمن يصحبه من الوزراء ويختار له من الناس. (قال محمد بن الليث) : أيها المهدي إن ولي عهدك أصبح لأمتك وأهل ملتك علما قد تثنت نحوه أعناقها ومدت سمته أبصارها.
(6/102)

وقد كان لقرب داره منك ومحل جواره لك عطل الحال غفل الأمر واسع العذر. فأما إذا انفرد بنفسه وخلا بنظره وصار إلى تدبيره فإن من شان العامة أن تتفقد مخارج رأيه وتستنصت لمواقع آثاره. وتسأل عن حوادث أحواله في بره ومرحمته وإقساطه ومعدلته وتدبيره وسياسته ووزرائه وأصحابه. ثم يكون
ما سيق إليهم أغلب الأشياء عليهم وأملك الأمور به وألزمها لقلوبهم وأشدها استمالة لرأيهم وعطفا لأهوائهم. فلا يعلم المهدي وفقه الله ناظرا له فيما يقوي عمد مملكته ويسدد أركان ولايته ويستجمع رضا أمته بأمر هو أزين لحاله وأظهر لجماله. وأفضل مغبة لأمره وأجل موقعا في قلوب رعيته وأحمد حالا في نفوس أهل ملته ولا أدفع مع ذلك باستجماع الأهواء له وأبلغ في استعطاف القلوب عليه من مرحمة تظهر من فعله ومعدلة تنتشر عن أثره ومحبة للخير وأهله. وأن يختار المهدي وفقه الله من خيار أهل كل بلدة وفقهاء أهل كل مصر أقواما تسكن العامة إليهم إذا ذكروا وتأنس الرعية بهم إذا وصفوا. ثم تسهل لهم عمارة سبل الإحسان وفتح باب المعروف كما قد كان فتح له وسهل عليه.
(قال المهدي) : صدقت ونصحت ثم بعث في ابنه موسى فقال: أي بني إنك قد أصبحت لسمت وجوه العامة نصبا ولمثنى أعطاف الرعية غاية. فحسنتك شاملة وإساءتك نائية وأمرك
(6/103)

ظاهر. فعليك بتقوى الله وطاعته فاحتمل سخط الناس فيهما ولا تطب رضاهم بخلافهما. فإن الله عز وجل كافيك من أسخطه عليك إيثارك رضاه. وليس بكافيك من يسخطه عليك إيثارك رضا من سواه. ثم اعلم أن لله تعالى في كل زمان فترة من رسله وبقايا من صفوة خلقه وخبايا لنصرة حقه يجدد حبل الإسلام بدعواهم ويشيد أركان الدين بنصرتهم. ويتخذ لأولياء دينه أنصارا وعلى إقامة عدله أعوانا يسدون الخلل ويقيمون الميل ويدفعون عن الأرض الفساد. وإن أهل خراسان أصبحوا أيدي دولتنا وسيوف دعوتنا الذين نستدفع المكاره بطاعتهم ونستصرف نزول العظائم بمناصحتهم وندافع ريب الزمان بعزائمهم ونزاحم ركن الدهر ببصائرهم. فهم عماد الأرض إذا أرجفت كفنها. يخوف الأعداء إذا أبرزت صفحتها وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها. قد مضت لهم وقائع صادقات ومواطن صالحات أخمدت نيران الفتن وقمصت دواعي اليدع وأذلت رقاب الجبارين. ولم ينفكوا كذلك ما جروا مع ريح دولتنا وأقاموا في ظل دعوتنا واعتصموا بحبل طاعتنا التي أعز الله بها ذلتهم ورفع بها ضعتهم. وجعلهم بها أربابا في أقطار والأرض وملوكا على رقاب العالمين بعد لباس الذل وقناع الخوف وإطباق البلاء ومخالفة الأسى وجهد البأس والضر. فظاهر عليهم لباس كرمتك وأنزلهم في حدائق نعمتك. ثم اعرف لهم حق
(6/104)

طاعتهم ووسيلة دالتهم وماتة سابقتهم وحرمة مناصحتهم بالإحسان إليهم والتوسعة عليهم والإثابة لمحسنهم والإقالة لمسيئهم. أي بني ثم عليك العامة فاستدع رضاها بالعدل عليها واستجلب مودتها بالإنصاف لها. وتحسن بذلك لربك وذلك أن تأمر قاضي كل بلد وخيار أهل كل مصر أن يختاروا لأنفسهم رجلا توليه أمرهم وتجعل العدل حاكما بينه وبينهم. فإن أحسن حمدت وإن أساء عذرت. ولا ينفكن في ظل كرامتك نازلا وبعرى حبلك متعلقا رجلان أحدهما كريمة من كرائم رجالات العرب وأعلام بيوتات الشرف له أدب فاضل وحلم راجح ودين صحيح. والآخر له دين غير مغمور وموضع غير مدخول بصير بتقليب الكلام وتصريف الرأي وأنحاء العرب ووضع الكتب عالم بحالات الحروب وتصاريف الخطوب. يضع آدابا نافعة وآثارا باقية من محاسنك وتحصين أمرك وتحلية ذكرك. فتستشيره في حربك وتدخله في أمرك. فرجل أسبته كذلك فهو يأوي إلى محلتي ويرعى في خضرة جناني. ولا تدع أن تختار لك من فقهاء البلدان وخيار الأمصار أقواما يكونون جيرانك وسمارك وأهل مشاورتك فيما تورد وأصحاب مناظرتك فيما تصدر. فسر على بركة الله أصحبك الله من عونه وتوفيقه دليلا يهدي إلى الصواب قلبك وهاديا ينطق بالخير لسانك (لابن عبد ربه)
(6/105)

الباب الرابع في المقامات
نخبة من مقامات ابن الوردي
المقامة الانطاكية
حدث إنسان. من معرة النعمان. قال: كثيرا ما كنت أسمع بني البرية. الثناء على نزه أنطاكية. وأنها قطع لمن لم يصلها. وخروج لمن لم يدخلها. لفرط ثنائه عليها. تجهزت للمسير إليها. فلما دخلتها. وشاهدتها وتأملتها. أكبرت طولها وطولها. وعجبت لحصانتها والعاصي دائر حولها. فانتهيت من بدايتها. إلى دار ولايتها. فوجدت والي المدينة. شابا ذا سكينة. فلما سلمت عليه. وأجلسني إليه. أخذ من مؤانستي. وأظهر الابتهاج بمجالستي. فغبطته بحسن زينته. وطيب مدينته. فتنفس الصعداء. وترنم منشدا:
كم من صديق صدوق الود تحسبه ... في راحة ولده الهم والكمد
لا تغبطن بني الدنيا بنعمتهم ... فراحة القلب لم يظفر بها أحد
قلت: لله در فصاحتك. ما السبب في عدم راحتك. قال: لقد جمعت هذه المدينة بين عرب وروم. وأنا معهم في الحي القيوم. لا أطيق فيهم قرارا. لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا. ومن يطيق الجمع بين الضدين. أم من يقدر على موالاه ندين. وكيف يظفر ساكن أنطاكية بنيل أرب. وقد حنيت أضلع العجم.
(6/106)

على بغض العرب. كم أجد ويلعبون. وهم من بعد غلبهم سيغلبون:
من كل فظ أعجمي ... غث الكلام مذمم
إن نبهته مروءة ... فتقول عجمته نم
قلت: قصر عن خطاك خطاك. واشكر من أنطاك أنطاك. فسورها منيع. وعاصيها مطيع. وأطيارها تحن إلى نغماتها الجوارح. وأنهارها مطردة وعيونها سوارح. ونسيمها يبطل رائحة المسك السحيق. وساكنها يزهى على الغصن الوريق. يصدأ بهوائها السلاح. وتجلى به القلوب والأرواح. برية بحرية. سهلية جبلية:
متكامل فيها السرور لمن بها ... يوما أقام كما تكامل سورها
وخلت قلوب قصورها فاستضحكت ... إذ عاش شاكرها ومات كفورها
من حل فيها نال وصل حبيبها ... وشفى كليم الروح منه طورها
ما تلك إلا حنة الدنيا وها ... ولدانها جليت عليك وحورها
فمضيئة وسنية وندية ... أرجاؤها ورياضها وقصورها
لما بكى فقد الهموم سحابها ... ضحكت وقد عاش السرور زهورها
فالأرض منها سندس وخلاله ... سلت سيوف والسيوف نهورها
هي دار مملكة الرضا فلأجل ذا ... قد أسبلت دون الهموم ستورها
جمعت فنون الطيب في أفنائها ... وعلا على المسك الذكي عبيرها
تصفيق عاصيها المطيع مرقص ... أغصانها لما شدته طيورها
فربوعها محروسة وسفوحها ... مأنوسة لا ينطوي منشورها
(6/107)

فأعجب لأرض كالسماء منيرة ... أضحت تضيء شموسها وبدورها
فتبسمت وتنسمت أرجاؤها ... أرجا فما الغصن النضير نظيرها
فلما أتمت جلاء هذه العروس. ورقمها سامعوها على وجنات الطروس. قال الوالي: لقد زدت وصفها. وشمخت على البلاد أنفها. وما أنطاكية لو كان عندك إنصاف. إلا طرف سكنته الأطراف. فلو أنك جمعت بين الأختين. وأرهقت العدة لنقص البيعتين. وأغلقت باب البحر. وجسرت على قطع الجسر. وسودت البيضاء. وأيبست الخضراء. لكان أهون علي من هذا النظم الأنيق. في استرقاق هذا البلد العتيق. وماذا تركت لدمشق من المنة والصفة. وقيل إنها قي الأرض هي الجنة لقد عرفت النكرة ونكرت المعرفة. ثم نظر إلي خجلا. وأنشد مرتجلا:
مدحت أنطاكية ... حتى توارى عقلها
ولم يكن عندي كما ... ذكرته محلها
لأنها دائرة ... علا عليها ذلها
فكيف لا أبغضها ... وكيف لا أملها
وعجمها أكثرها ... وعربها أقلها
لولا حبيب ساكن ... فيها ولولا ظلها
لقلت من مدن لظى ... لكنني أجلها
لكن أقول قولة ... ليس يرد عدلها
(6/108)

لو كان فيها راحة ... ما فارقتها أهلها
فلما تم الوالي نظامه. ابتدرت ملامه. وقلت: إذا رغبت عن أنطاكية وأهليها. فما وجه مقامك فيها. فقال: ألزمني أن أقيم. مرسموك كريم. ممن غمرني بالعطا. وإذا خولف سطا. فكيف الخلاص. ولات حين مناص. من مدينة بيت الماء أرفع منها بكثير. ولعظم السمكة فيها قدر كبير:
فقلت وقد أنكرت منه مقاله ... وغرت لها ويلاه من سوء حالها
ألا طالما كانت أسرة ملكها ... مكللة بالدر قبل زوالها
وكم خفقت فيها البنود وكم حوت ... ملوكها ترى الجوزاء تحت نعالها
معظمة في الملتين بحسنها ... مكرمة في الدولتين بمالها
ألم تحترم فيها حبيبا نزيلها ... وما أنت لو أنصفتني من رجالها
وسافرت منها ذلك الوقت منشدا ... وعيناي كل أسعدت بسجالها
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... لقد هزلت حتى بدا من هزالها

نخبة من مقامات شهاب الدين الخفاجي
من مقامتي الغربة والمغربية
حدث الربيع بن الريان. عن شقيق بن النعمان. قال: لما هزتني أريحية الشباب. إلى اقتعاد سنام الأرض على غارب الاغتراب. وقد أجدبت الأرض من كل ماجد. يجتني جنى المجد لثمار المحامد. وتعطلت من كريم تلتف عليه المحافل. وتسير في ظلال
(6/109)

أعلامه الجحافل. وتبدلت بأنسها وحشا. فلا ترى غير جائع يتجشا. وأقسمت ببيت سالت ببطحائه أعناق المطايا. وثمل ركبانه بكأس السرى في الغدايا والعشايا. لأغتربن غربة قارظية يخفق منها قلب الخافقين. وتدبغ أديم الجسد على ممر الجديدين. وتنسي صخرة السؤال عن حصين. وتنسي غطفان. غربة سنان. فقال لي خبير الأيام: الهجرة من سنن الكرام. كما فر موسى حين هم به القبط. وقد كنت قرأت في بعض الأسفار. إذا أراد الله سعه رزق عبد حبب له الأسفار. فزجرت السانح والبارح. والطائر الغادي والرائح. حتى رأيت الصبح انبلج. ومر بي طائر أغر من البلج. فتمسكت بذيل الحزم. وصممت على العزم. وقلت:
بقولك طه سافروا تغنموا لقد ... بدالي فأل في المطالب رابح
فما خط في رمل ولا طرق الحصى ... كأيدي جياد في السراب سوابح
وجنبت الجياد إلى المهاري. ولبست حلة دجى مزررة بالدراري. مع صقور على متون أعوجيات وركاب. بإقدام أقدام ترف بين غرز وركاب. على سفن ذود وزوارق. وسروج سوابح في بحار السراب غوارق. فلم يزل يرفعنا الآل. بين رفاق صحب وآل. على عبس ما لها غير النصب عقال. وظهور سوابح ما لها غير الكلال شكال. حتى نزلنا على الخورنق والسدير. وأنخنا مطايا العزم بين روضة وغدير. فسألنا عن بيضة البلد. وطودها الذي له بسفحها أرفع سند.
(6/110)

فقالوا: هو النضر بن كنانة. المقرطس سهام آرائه من أعز كنانة. شيخ لبس عمائم دهره الثلاث. فهي على هامة همته ثلاث. من شجرة مورقة النسب. مثمرة بيانع ثمار الحسب. جاهه عريض طويل. فائض على العدو والخليل. وطيب شمائله في كل ناد انتشر. فغمة روضات تزدري الزهر. هيجها نضح من نضح السحر. فقلت: بخ بخ الجاه زكاة الشرف. ومن أحسن إلى من أساء إليه فقد انتصف. ومن تردى بساطع الأنوار. واحتبى بحباء الوقار. ولم يبق له ليل يصيح بجانبه نهار. فالسعادة له شعار ودثار. فقلت: سأفيض له وعلي أجمل ردا. وأذهب إليه في رفقتي غدا. فلما عطس الصباح. وشمتته كل ذات جناح. ورفعت ذكاء رأسها من مشرق الأنوار. فأشرقت على عالم الكون والفساد لنشاهد ما فيه من الأسرار. أتيت داره. فرأيت بدورا لها المنازل دارة. دار يسافر بها النظر. ويتسابق في محاسنها السمع والبصر. داخلها بهو وقصور. وسرادق لا يعرف كما له القصور. في صدرها همام خلفه وسادة. أحدق به وجوده أعيان وسيادة. يتنفسون بأنفاس النعامى. بين أوراق ريحان وخزامي:
لو أنصفوه لقاموا في مجالسه ... على الرؤوس قيام الظل في الماء
فقلت له: حياك الله وبياك. ولا زالت مشكاة أنسك مشرقة بمحياك. فرد التحية بأحسن منها وما ردها. وأمدها بطلاقة بشر
(6/111)

كانت سلما لكرامة أعدها. وحوله من حواشيه قئام. وأغصان غلمان بناديه قيام. كأن على رؤوسهم الطير. يتهلل بشرهم بكل خير ومير. في روض ناد مثمر مورق. عليه مخايل جود مغدق. فتجاذبنا أهداب الحديث. وأتى بنوادر حارة من كل تليد وحديث. فلما خضنا لجة الكلام ووقفت الأقلام على ساحل التمام. قال لي: قات من هناتك. وأنشدني ما قلته من أبياتك. فأنشدته منها:
سل الزمان علي عضبه ... ليروعني وأحد غربه حده
وأسال من جفني كرا ... هـ مراغما وأسال من غربه مجرى الدمع
وأجالني في الأفق أط ... وي شرقه وأجوب غربه مغربه
فبكل جو طلعة ... في كل يوم لي وغربه غروب
وكذا المغرب شخصه ... متغرب ونواره غربه بعيده
فلما ارتوى الحديث من اعذب الموارد والمصادر. ورجع الحوار حار النوادر. بارد البوادر. قال: لا فض الله فاك. ولا أقض في مهد الهنا مثواك. فقد تركت بنيات الطريق. وجلوت خرائد فكرك في معرض أنيق. ولم تنثر درر المدامع. إلا من در مودع في صدف المسامع. وما أقصر الليل على الراقد. وأهون السقم على العائد. وقد أصبت دار المقامة. فأنت جار أبي دؤاج بدار الكرامة. فألزمه لزوم الطوق جيد الحمامة. فآمالك لا تظمأ بهذا المقام. وكيف يظمأ من كان جار الغمام.
(6/112)

ما بين عصر سابق متلفت ... شوقا إليك ولاحق يتطلع

نخبة من مقامات بديع الزمان الهمذاني
المقامة الأهوازية
حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت بالأهواز في رفقة متى ما ترق العين فيهم تسهل. ليس فينا إلا أمرد بكر الآمال. أو مختط حسن الإقبال. مرجو الأيام والليال. فأفضنا في العشرة كيف نضع قواعدها. والأخوة كيف نحكم معاقدها. والشرب في أي وقت تتعاطاه. والأنس كيف نتهاداه. وفائت الحظ كيف نتلاقاه. والشراب من أين نحصله. والمجلس كيف نرتبه. فقال: أحدنا علي البيت والنزل. وقال آخر: علي الشراب والنقل. ولما أجمعنا على المسير استقبلنا رجل في طمرين في يمناه عكازة. وعلى كتفه جنازة. فتطيرنا لما رأينا الجنازة وأعرضنا عنها صفحا. وطوينا دونها كشحا. فصاح بنا صيحة كادت لها الأرض تنفطر. والسماء تنكدر. وقال: لترنها صغرا. ولتركبنها كرها وقسرا. ما لكم تتطيرون من مطية ركبها أسلافكم وسيركبها أخلافكم. وتتقذرون سيراً وطئه آباؤكم. وسيطأه أبناؤكم. أما والله لتحملن على هذه العيدان. إلى تلكم الديدان. ولتنقلن بهذه الجياد. إلى تلكم الوهاد. وقد حان حينه ويحكم تتطيرون. كأنكم مخيرون. وتتكرهون. كأنكم منزهون. هل تنفع هذه الطيرة. يا فجرة. قال عيسى بن هشام: فلقد نغص
(6/113)

ما كنا قد عقدناه. وأبطل ما كنا أردناه. فلمنا إليه وقلنا له: ما أحوجنا إلى وعظك. وأعشقنا للفظك. ولو شئت لزدت قال: إن وراءكم موارد أنتم واردوها وقد سرتم إليها عشرين حجة:
وإن امرءا قد سار عشرين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب
ومن فوقكم من يعلم أسراركم. ولو شاء لهتك أستاركم. يعاملكم في الدنيا بحلم ويقضي عليكم في الآخرة بعلم. فليكن الموت منكم على ذكر. لئلا تأتوا بنكر. فإنكم إذا استشعرتموه. لم تجمحوا. ومتى ذكرتموه. لم تمرحوا. وإن نسيتموه. فهو ذاكركم. وإن كرهتموه. فهو زائركم. قلنا: فما حاجتك. قال: أطول من أن تحد. وأكثر من أن تعد. قلنا: فسانح الوقت. قال: رد فائت العمر. ودفع نازل الأمر. قلنا: ليس ذلك إلينا ولكن ما شئت من متاع الدنيا وزخرفها. قال: لا حاجة لي فيها.

المقامة القزوينية
حدثنا عيسى بن هشام قال: غزوت الثغر بقزوين. سنة خمس وسبعين. فيمن غزاه. فما أجزنا حزنا. إلا هبطنا بطنا. حتى وقف المسير بنا على بعض قراها. فمالت الهاجرة بنا إلى ظل أثلاث. في حجرتها عين كلسان الشمعة. أصفى من الدمعة. تسيح في الرضراض. سيح النضناض. فنلنا من الطعام ما نلنا. ثم ملنا إلى الظل فقلنا. فما ملكنا النوم حتى سمعنا صوتا أنك من صوت حمار فذاد عن القوم.
(6/114)

رائد النوم. وفتحت التوأمتين إليه وقد حالت الأشجار دونه. وأصغيت فإذا هو يقول. على إيقاع الطبول:
أدعو إلى الله فهل من مجيب ... إلى ذرى رحب ومرعى خصيب
وجنة عالية ما تني ... قطوفها دانية ما تغيب
يا قوم إني رجل تائب ... من بلد الكفر وأمري عجيب
إن أك آمنت فكم ليلة ... جحدت ربي واتيت المريب
يا رب خنزير تمششته ... ومسكر أحرزت منه النصيب
ثم هداني الله وانتاشني ... من ذلة الكفر اجتهاد المصيب
فظلت أخفي الدين في أسرتي ... واعبد الله بقلب منيب
أسجد للات حذار العدى ... ولا أرى الكعبة خوف الرقيب
وأسأل الله إذا جنني ... ليل وأضناني يوم عصيب
رب كما أنك أنقذتني ... فنجني إني فيهم غريب
ثم اتخذت الليل لي مركبا ... وما سوى العزم أمامي جنيب
فقدك من سيري في ليلة ... يكاد رأس الطفل فيها يشيب
حتى إذا جزت بلاد العدى ... إلى حمى الدين نفضت الوجيب
فقلت إذ لاح شعار الهدى ... نصر من الله وفتح قريب
فلما بلغ هذا البيت قال: يا قوم وطئت داركم بعزم لا العشق شاقه. ولا الفقر ساقه. وقد تركت وراء ظهري حدائق وأعنابا. وكواعب أترابا. وخيلا مسمومة. وقناطير مقنطرة. وعدة وعديدا.
(6/115)

ومراكب وعبيدا. وخرجت خروج الحية من حجره. وبرزت بروز الطائر من وكره. مؤثرا ديني على دنياي. جامعا يمناي إلى يسراي. واصلا سيري بسراي. فلو دفعتم لنار بشرارها. ورميتم الروم بحجارها. وأعنتموني على غزوها مساعدة وإسعادا. ومرافدة وإرفادا. ولا شطط فكل على قدر قدرته. وحسب ثروته. ولا استكثر البدرة. وأقل الذرة. ولا أرد التمرة. ولكل مني سهمان سهم أذلقه للقاء. وآخر أفوقه بالدعاء. وأرشق به أبواب السماء. عن قوس الظلماء. قال عيسى بن هشام: فاستفزني رائع ألفاظه وسروت جلباب النوم. وعدوت إلى القوم. فإذا والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري بسيف قد شهره. وزي قد نكره. فلما رآني غمز علي بعينه وقال: رحم الله من أعاننا بفاضل ذيله. وقسم لنا من نيله. ثم أخذ وخلوت به فقلت أأنت من أولاد النبيط فقال:
أنا حالي مع الزما ... ن كحالي مع النسب
نسبي في يد الزما ... ن إذا سامه انقلب
أنا أمسي من النبي ... ط وأضحي من العرب

المقامة الناجمية
حدثنا عيسى بن هشام قال: بت ذات ليلة في كتيبة فضل من رفقائي فتذاكرنا الفصاحة. وما ودعنا الحديث حتى قرع علينا الباب. فقلت: من المنتاب. فقال: وفد الليل وبريده. وفل الجوع
(6/116)

وطريده. وغريب نضوه طليح. وعيشه تبريح. ومن دون فريخه مهامه فيح. وضيف ظله خفيف. وضالته رغيف. فهل منكم مضيف. فتبادرنا إلى فتح الباب وأنخنا راحلته. وجمعنا رحلته. وقلنا: دارك أتيت. وأهلك وافيت. وهلم البيت. وضحكنا إليه ورحبنا به ورأيناه ضالته وساعدناه حتى شبع. وحادثناه حتى أنس. وقلنا: من الطالع بمشرقه. الفاتن بمنطقه. فقال: لا يعرف العود كالعاجم. وأنا المعروف بالناجم. عاشرت الدهر لأخبره. فعصرت أعصره. وحلبت أشطره. وجربت الناس لأعرفهم فعرفت منهم غثهم وسمينهم. والغربة لأذوقها فما لمحنتي أرض إلا فقأت عينها. ولا انتظمت رفقه إلا ولجت بينها. فأنا في الشرق أذكر. وفي الغرب لا أنكر. فما ملك إلا وطئت بساطه. ولا خطب إلا خرقت سماطه. وما سكنت حرب إلا وكنت فيها سفيرا. قد جربني الدهر في زمني رضائه وبوسه. ولقيني بوجهي بشره وعبوسه. فما بحت لبوسه إلا بلبوسه:
وإن كان صرف الدهر قدما أضربي ... وحملني من ريبه ما يحمل
فقد جاء بالإحسان حيث أحلني ... محلة صدق ليس عنها محول
قلنا: لا فض فوك. ولله أنت وأبوك. ما يخرم السكوت إلا عليك ولا يحل النطق إلا لك. فمن أين طلعت وأين تغربت. وما الذي يحدو أملك أمامك. ويسوق غرضك قدامك. قال: أما الوطن. فاليمن. وأما لوطر. فالمطر. وأما السائق فالضر. والعيش
(6/117)

المر. قلنا: فلو أقمت بهذا المكان لقاسمناك العمر فما دونه ولصادقت من الأمطار ما يزرع. ومن الأنواء ما يكرع. قال: ما أختار عليكم صحبا. ولقد وجدت فناءكم رحبا. ولكن أمطاركم ماء والماء لا يروي العطاش. قلنا: فأي الأمطار يرويك. قال: مطر خلفي وأنشأ يقول:
سجستان أيتها الراحلة ... وبحرا يؤم المنى ساحله
ستقصد أرجان إن زرتها ... بواحدة مائة كاملة
وفضل الأمير على ابن العميد ... كفضل قريش على باهله
قال عيسى بن هشام: فخرج وودعناه. وأقمنا بعده برهة نشتاقه. ويؤلمنا فراقه. فبيننا نحن بيوم غيم في سمط الثريا جلوس إذا المراكب تساق والجنائب تقاد وإذا رجل قد هجم علينا فقلنا: من الهاجم. فإذا شيخنا الناجم. يرفل في نيل المنى. وذيل الغنى. فقمنا إليه معانقين وقلنا: ما وراءك يا عصام. فقال: جمال موقرة وبغال مثقلة. وحقائب مقفلة. وأنشأ يقول:
مولاي أي رذيلة لم يأبها ... خلف وأي فضيلة لم يأتها
لم يسمع العافين إلا هاكها ... لفظا وليس يجاب إلا هاتها
إن المكارم أسفرت عن أوجه ... بيض وكان الخال في وجناتها
بابي شمائله التي تجلو العلا ... ويدا ترى البركات في حركاتها
من عدها حسنات دهر إنني ... ممن يعد الدهر من حسناتها
قال عيسى بن هشام: فسألنا الله بقاءه. وأن يرزقنا لقاءه.
(6/118)

وأقام الناجم أياما مقتصرا من لسانه. على شكر إحسانه. ولا ينصرف من كلامه إلا في مدح أيامه. والتحدث بإنعامه.

نخبة من مقامات الحريري
المقامة البرقعيدية
حكى الحارث بن هما. قال: أزمعت الشخوص من برقعيد. وقد شمت برق عيد. فكرهت الرحلة عن تلك المدينة. أو أشهد بها يوم الزينة. فلما أظل بفرضه ونفله. وأجلب بخيله ورجله. اتبعت الستة في لبس الجديد. وبرزت مع من برز للتعييد. وحين التأم جمع المصلى وانتظم. وأخذ الزحام بالكظم. طل شيخ في شملتين. محجوب المقلتين. وقد اعتضد شبه النحلاة. واستقاد لعجوز كالسعلاة. فوقف وقفة متهافت. وحيا تحية خافت. ولما فرغ من دعائه. أجال خمسه في وعائه. فأبرز منه رقاعا قد كتبن بألوان الأصباغ. في أوان الفراغ. فناولهن عجوزه الحيزبون. وأمرها بأن تتوسم الزبون. فمن آنست ندى يديه. ألقت ورقة منهن لديه. فأتاح لي القدر المعتوب. رقعة فيها مكتوب:
لقد أصبحت موقوذا ... بأوجاع واوجال
وممنوا بمختال ... ومحتال ومغتال
وخوان من الإخوا ... ن قال لي لإقلالي
وإعمال من العما ... ل في تضليع أعمالي
(6/119)

فكم أصلى بأذحال ... وإمحال وترحال
وكم أخطر في بال ... ولا أخطر في بال
فليت الدهر لما جا ... ر أطفا لي أطفالي
فلولا أن أشبال_ي أغلالي وأعلالي لما جهزت آمالي=إلى آل ولا وال ولا جررت أذيالي=على مسحب إذلالي فمحرابي أحر بي=وأسمالي أسمى لي
فهل حر يرى تخفي ... ف أثقالي مثقالي
ويطفي حر بلبالي ... بسربال وسروال
قال الحارث بن همام: فلما استعرضت حلة الأبيات تقت إلى معرفة ملحمها. وراقم علمها. فناجاني الفكر بأن الوصلة إليه العجوز. وأفتاني بأن حلوان المعرف يجوز. فرصدتها وهي تستقري الصفوف صفا فصفا. وتستوكف الأكف كفا كفا. وما إن ينجح لها عناء. ولا يرشح على يدهاء إناء. فلما أكدى استعطافها. وكدها مطافها. عاذت بالاسترجاع. ومالت إلى إرجاع الرقاع. وأنساها الشيطان ذكر رقعتي. فلم تعج إلى بقعتي. وآبت إلى الشيخ باكية للحرمان. شاكية تحامل الزمان. فقال: إن لله. وأفوض أمري إلى الله. ثم أنشد:
لم يبق صاف ولا مصاف ... ولا معين ولا معين
وفي المساوي بدا التساوي ... فلا أمين ولا ثمين
(6/120)

ثم قال لها: مني النفس وعديها. واجمعي الرقاع وعديها. فقال: لقد عددتها. لما استعدتها. فوجدت يد الضياع. قد غالت إحدى الرقاع. فقال: تعسا لك يا لكاع. أنحرم ويحك القنص والحبالة. والقبص والذبالة. إنها لضغث على إبالة. فانصاعت تقص مدرجها. وتنشد مدرجها. فلما دانتني قرنت بالرقعة درهما وقطعة. وقلت لها: إن رغبت في المشوق المعلم. وأشرت إلى الدرهم. فبوحي بالسر المبهم. وإن أبيت أن تشرحي. فخذي القطعة واسرحي. فمالت إلى استخلاص البدر التم. والأبلج الهم. وقالت: دع جدالك. وسل عما بدالك. فاستطلعتها. طلع الشيخ وبلدته. والشعر وناسج بردته. فقالت: إن الشيخ من أهل سروج. وهو الذي وشى الشعر المنسوج. ثم خطفت الدرهم خطفه الباشق. ومرقت مروق السهم الراشق. فخالج قلبي أن أبا زيد هو المشار إليه. وتأجج كربي لمصابه بناظريه. وآثرت أن أفاجيه وأناجيه. لأعجم عود فراستي فيه. وما كنت لأصل إليه إلا بتخطي رقاب الجمع. المنهي عنه في الشرع. وعفت أن يتأذى بي قوم. أو يسري إلي لوم. فسدكت بمكاني. وجعلت شخصه قيد عياني. إلى أن انقضت الخطبة. وحقت الوثبة. فخففت إليه. وتوسمته على التحام جفنيه. فإذا ألمعيتي المعية ابن عباس. وفراستي فراسة إياس. فعرفته حينئذ شخصي. وآثرته بأحد قمصي. وأهبت به إلى قرص. فهش لعارفتي وعرفاني. ولبى دعوة
(6/121)

رغفاني. وانطلق ويدي زمامه. وظلي إمامه. والعجوز ثالثه الأثافي. والرقيب الذي لا يخفى عليه خافي. فلما استحلس وكنتي وأحضرته عجالة مكنتي. قال لي: يا حارث أمعنا ثالث. فقلت: ليس إلا العجوز. قال: ما دونها سر محجوز. ثم فتح كريمتيه. ورأرأ بتوأمتيه. فإذا سراجا وجهه يقدان. كأنهما الفرقدان. فابتهجت بسلامة بصره. وعجبت من غرائب سيره. ولم يلقني قرار. ولا طاوعني اصطبا. حتى سألته ما دعاك إلى التعامي. مع سيرك في المعامي. وجوبك الموامي. وإيغالك في المارمي. فتظاهر باللكنة. وتشاغل باللهنة. حتى إذا قضى وطره. أتأر إلي نظره. وأنشد:
ولما تعامى الدهر وهو أبو الورى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده
تعاميت حتى قيل إني أخو عمى ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده
ثم قال لي: انهض إلى المخدع فأتني بغسول يروق الطرف. وينقي الكف. وينعم البشرة. ويعطر النكهة. ويشد اللثة. ويقوي المعدة. وليكن نظيف الظرف. أريج العرف. فتي الدق. ناعم السحق. يحسبه اللامس ذرورا. ويخاله الناشق كافورا. واقرن به خلالة نقية الأصل. محبوبة الوصل. أنقية الشكل. مدعاة إلى الأكل. لها نحافة الصب. وصقال العضب. وآلة الحرب. ولدونة الغصن الرطب. قال: فنهضت فيما أمر. لأدرأ عنه الغمر. ولم أهم إلى أنه قصد أن يخدع. بإدخالي المخدع. ولا تظنيت أنه سخر من
(6/122)

الرسول. في استدعاء الخلالة والغسول. فلما عدت بالملتمس. في أقرب من رجع النفس. وجدت الجو قد خلا. والشيخ والشيخة قد أجفلا. فاستشطت من مكره غضبا. وأوغلت في إثره طلبا. فكان كم قمس في الماء. أو عرج به إلى عنان السماء.

المقامة الإسكندرية
قال الحارث بن هما: طحا بي مرح الشباب. وهوى الاكتساب. إلى أن جبت ما بين فرغانة. وغانة. أخوض الغمار. لأجني المثا. واقتحم الأخطار. لكي أدرك الأوطار. وكنت لفقت من أفواه العلماء. وثقفت من وصايا الحكماء. أنه يلزم الأديب الأريب. إذا دخل البلد الغريب. أن يستميل قاضيه. ويستخلص مراضيه. ليشتد ظهره عند الخصام. ويأمن في الغربة جور الحكام. فاتخذت هذا الأدب إماما. وجعلته لمصالحي زماما. فما دخلت مدينة. ولا ولجت عرينة. إلا وامتزجت بحكامها امتزاج الماء بالراح. وتقويت بعناية تقوي الأجساء بالأرواح. فبينما أنا عند حاكم الإسكندرية. في عيشة عرية. وقد أحضر مال الصدقات. ليفضه على ذوي الفاقات. إذ دخل شيخ عفرية. تعتله امرأة مصيبة. فقالت: أيد الله القاضي. وأدام به التراضي. إني امرأة من أكرم جرثومة. وأطهر أرومة. وأشرف خؤولة وعمومة. ميسمي الصون. وشيمتي الهون. وخلقي نعم العون. وبيني وبين جاراتي بون. وكان أبي إذا خطبني بناة المجد.
(6/123)

وأرباب الجد. وسكتهم وبكتهم. وعاف وصلتهم وصلتهم. واحتج بأنه عاهد الله تعالى بخلفة. أن لا يصاهر غير ذي حرفة. فقيض القدر لنصبي. ووصبي. أن حضر هذا الخدعة نادي أبي. فأقسم بين رهطه. أنه وفق شرطه. وادعى أنه طالما نظم درة إلى درة. فباعهما ببدرة. فاغتر أبي بزخرفة محاله. وزوجنيه قبل اختبار حاله. فلما استخرجني من كناسي. ورحلني عن أناسي. ونقلني إلى كسره. وحصلني تحت أسره. وجدته قعدة جثمة. وألفيته ضجعة نومة. وكنت صحبته برياش وزي. وأثاث وري. فما يرح يبيعه في سوق الهضم. ويتلف ثمنه في الخضم والقضم. إلى أن مزق ما لي بأسره. وأنفق مالي في عسره. فلما أنساني طعم الراحة. وغادر بيتي أنقى من الراحة. قلت له: يا هذا إنه لا مخبأ بعد بوس. ولا عطر بعد عروس. فانهض للاكتساب بصناعتك. وأجنيني ثمرة براعتك. فزعم أن صناعته قد رميت بالكساد. لما ظهر في الأرض من الفساد. ولي منه سلالة. كأنه خلالة. وكلانا ما ينال معه شبعة. ولا ترفأ له من الطوى دمعة. وقد قدته إليك. وأحضرته لديك. لتعجم عود دعواه. وتحكم بيننا بما أراك الله. فأقبل القاضي عليه وقال له: قد وعيت قصص عرسك. فبرهن الآن عن نفسك. وإلا كشفت عن لبسك. وأمرت بحبسك. فأطرق إطراق الأفعوان. ثم شمر للحرب العوان. وقال:
(6/124)

إسمع حديثي فإنه عجب ... يضحك من شرحه وينتحب
أما امرؤ ليس في خصائصه ... عيب ولا في فخاره ريب
سروج داري التي ولدت بها ... والأصل غسان حين أنتسب
وشغلي الدرس والتبخر في ال ... علم طلابي وحبذا الطلب
ورأس مالي سحر الكلام الذي ... منه يصاغ القريض والخطب
أغوص في لجة البيان فأخ ... تار اللآلي منها وأنتخب
وأجتني اليانع الجني من ال ... قول وغيري للعود يحتطب
وآخذ اللفظ فضة فإذا ... ما صغته قيل إنه ذهب
وكنت من قبل أمتري نشبا ... بالأدب المقتنى وأحتلب
ويمتطي أخمصي لحرمته ... مراتبا ليس فوقها رتب
وطالما زفت الصلات إلى ... ربعي فلم أرض كل من يهب
فاليوم من يعلق الرجاء به ... أكسد شيء في سوقه الأدب
لا عرض أبنائه يصان ولا ... يرقب فيهم إلا ولا نسب
كأنهم في عراصهم جيف ... يبعد من نتنها ويجتنب
فحار لبي لما منيت به ... من الليالي وصرفها عجب
وضاق ذرعي ضيق ذات يدي ... وساورتني الهموم والكب
وقادني دهري المليم إلى ... سلوك ما يستشينه الحسب
فبعت حتى لم يبق لي سبد ... ولا بتاب إليه أنقلب
وادنت حتى أثقلت سافلتي ... بحمل دين من دونه العطب
(6/125)

ثم طويت الحشا على سغب ... خمسا فلما أمضني السغب
لأم أر إلا جهازها عرضا ... أجول في بيعه واضطرب
فجلت فيه والنفس كارهة ... والعين عبرى والقلب مكتئب
وما تجاوزت إذ عبثت به ... حد التراضي فيحدث الغضب
أو أنني إذا عزمت خطبتها ... زخرفت قولي لينجح الأرب
فو الذي سارت الرفاق إلى ... كعبته تستحثها النجب
ما المنكر بالمحصنات من خلقي ... ولا شعاري التمويه والكذب
ولا يدي مذ نشأت نيط بها ... إلا مواضي البراع والكتب
بل فكرتي تنظم القلائد لا ... كفي وشعري المنظوم لا السخب
فهذه الحرفة المشار إلى ... ما كنت أحوي بها وأجتلب
فإذن لشرحي كما أذنت لها ... ولا تراقب واحكم بما يجب
قال: فلما أحكم ما شاده. وأكمل إنشاده. عطف القاضي إلى الفتاة. بعد أن شعف بالأبيات وقال: إما إنه قد ثبت عند جميع الحكام وولاة الأحكام. انقراض جيل الكرام. وميل الأيام إلى اللئام. وإني لأخال بعلك صدوقا في الكلام. بريئا من الملام. وهاهو قد اعترف لك بالقرض. وصرح عن المحض. وبين مصداق النظم. وتبين أنه معروق العظم. وإعنات المعذر ملأمة. وحبس المعسر مأثمة. وكتمان الفقر زهادة. وانتظار الفرج بالصبر عبادة.
(6/126)

فارجعي إلى خدرك. واعذري أبا عذرك. ونهني عن غربك. وسلمي لقضاء ربك. ثم إنه قرض لهما في الصدقات حصة. وناولهما من دراهمها قبصة. وقال لهما: تعلالا بهذه العلالة. وتنديا بهذه البلالة. واصبرا على كيد الزمان وكده. فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده. فنهضا وللشيخ فرحة المطلق من الإسار. وهزة الموسر بعد الإعسار. قال الراوي: وكنت عرفت أنه أبو زيد ساعة بزغت شمسه. ونزعت عرسه. وكدت أفصح عن افتتانه. وأثمار أفنانه. ثم أشفقت من عثور القاضي على بهتانه. وتزويق لسانه. فلا يرى عند عرفانه أن يرشحه لإحسانه. فأحجمت عن القول إحجام المرتاب. وطويت ذكره كطي السجل للكتاب. إلا أني قلت بعدما فصل. ووصل إلى ما وصل: لو أن لنا من ينطلق في أثر. لأتانا بفص خبره. وبما ينشر من حبره. فأتبعه القاضي أحد أمنائه. وأمره بالتجسس عن أنبائه. فما لبث أن رجع متدهدها. وقهقر مقهقها. فقال له القاضي: مهيم. يا أبا مريم. فقال: لقد عانيت عجبا. وسمعت ما أنشأ لي طربا. فقال له: ماذا رأيت. وما الذي وعيت. قال: لم يزل الشيخ مذ خرج يصفق بيديه. ويخالف بين رجليه. ويغرد بملء شدقيه: ويقول:
كدت أصلى ببليه ... من وقاح شمرية
وأزور السجن لولا ... حاكم الإسكندرية
فضحك القاضي حتى هوت دنيته. وذوت سكينته. فلما فاء
(6/127)

إلى الوقار. وعقب الاستغراب بالاستغفار. قال: اللهم بحرمة عبادك المقربين. حرم حبسي على المتأدبين. ثم قال لذلك الأمين: علي به. فانطلق مجدا بطلبه. ثم عاد بعد لأيه. مخبرا بنأيه. فقال له القاضي: أما أنه لو حضر. لكفي الحذر. ثم لأوليته ما هو به أولى. ولآريته أن الآخرة خير له من الأولى. قال الحارث بن همام: فلما رأيت صغو القاضي إليه. وفوت ثمرة التنبيه عليه. غشيتني ندامة الفرزدق حين أبان النوار. والكسعي لما استبان النهار

المقامة البغدادية
روى الحارث بن همام. قال: ندوت بضواحي الزوراء مع مشيخة من الشعراء. لا يعلق لهم مبار بغبار. ولا يجري معهم ممار في مضمار. فأفضنا في حديث يفضح الأزهار. إلى أن نصفنا النهار. فلما غاض در الأفكار. وصبت النفوس إلى الأوكار. لمحنا عجوزا تقبل من البعد وتحضر إحضار الجرد. وقد استتلت صبية أنحف من المغازل. وأضعف من الجوازل. فما كذبت إذ رأتنا. أن عرتنا. حتى إذا ما حضرتنا: قالت: حيا الله المعارف. وإن لم يكن معارف. اعلموا يا مآل الأمل. وثمال الأرامل. أني من سروات القبائل. وسريات العقائل. لم يزل أهلي وبعلي يحلون الصدر ويسيرون القلب. ويمطون الظهر. ويولون اليد. فلما أردى الدهر الأعضاد. فجع بالجوارح الأكباد. وانقلب ظهرا لبطن. نبا الناظر. وجفا الحاجب.
(6/128)

ما بات جار لهم ساغبا ... ولا لروع قال حال الجريض
فغيضت منهم صروف الردى ... بحار جود لم نخلها تغيض
وأودعت منهم بطون الثرى ... أسد التحامي وأساة المريض
فمحملي بعد المطايا المطا ... وموطني بعد اليفاع الحفيض
وأفرخي ما تأتلي تشتكي ... بؤسا له في كل يوم وميض
إذا دعا القانت في ليله ... مولاه نادوه بدمع يفيض
يا رازق النعاب في عشه ... وجابر العظم الكسير المهيض
اتح لنا اللهم من عرضه ... من دنس الذم نقي رخيص
يطفئ نار الجوع عنا ولو ... بمذقة من حازر أو محيض
فهل فتى يكشف ما نابهم ... ويغنم الشكر الطويل العريض
قال الراوي: فوالله لقد صدعت بأبياتها أعشار القلوب. واستخرجت خبايا الجيوب. حتى ماحها من دينه الامتياح. وارتاح لرفدها من لم نخله يرتاح. فلما افعوعم جيبها تبرا. وأولاها كل منا برا. تولت يتلوها الأصاغر. وفوها بالشكر فاغر. فاشرأبت الجماعة السر المرموز. إلى سبرها. لتبلو مواقع برها. فكفلت لهم باستنباط مغتصة بالأنام. مختصة بالزحام. فانغمست في الغمار. واملست من الصبية الأغمار. ثم عاجت بخلو بال. إلى مسجد خال. فأماطت الجلباب. ونضت النقاب. وأنا ألمحها من خصاص الباب. وأرقب ما
(6/129)

ذهبت العين. وفقدت الراحة. وصلد الزند. ووهنت اليمين. وضاع اليسار. وبانت المرافق. ولم يبق لنا ثنية ولا ناب. فمذ اغبر العيش الأخضر. وازور المحبوب الأصفر. اسود يومي الأبيض. وابيض فودي الأسود. حتى رثى لي العدو الأزرق. فحبذا الموت الأحمر. وتلوي من ترون عينه فراره. وترجمانه اصفراره. قصوى بغية أحدهم ثردة. وقصارى أمنيته بردة. وكنت آليت أن لا أبذل الحر إلا للحر. ولو أني مت من الضر. وقد ناجتني القرونة. بأن توجد عندكم المعونة. وآذنتني فراسة الحوباء. بأنكم ينابيع الحباء. فنضر الله امرءاً أبر قسمي. وصدق توسمي. ونظر إلي بعين يقذيها الجمود. ويقذيها الجود. قال الحارث بن همام: فهمنا لبراعة عبارتها. وملح استعارتها. وقلنا لها: قد فتن كلامك. فكيف إلحامك. فقالت: يفجر الصخر. ولا فخر. فقلنا: إن جعلنا من رواتك. لم نبخل بمؤاساتك. فقالت: لأرينكم أولا شعاري. ثم لأروينكم أشعاري. فأبرزت ردن درع دريس. وبرزت برزة عجوز دردبيس. وأنشدت:
أشكو إلى الله اشتكاء المريض ... ريب الزمان المعتدي البغيض
يا قوم إني من أناس عنوا ... دها وجفن الدهر عنهم غضيض
فخارهم لي له دافع ... وصيتهم بين الورى مستفيض
تشب للسارين نيرانهم ... ويطعمون الضيف لحما غريض
(6/130)

ستبدي من العجاب. فلما انسرت أهبة الخفر. رأيت محيا أبي زيد قد سفر. فهممت أن أهجم عليه. لأعنفه على ما أجرى إليه. فاسلنقى اسلنقاء المتمردين. ثم رفع عقيرة المغردين. واندفع ينشد:
يا ليت شعري أدهري ... أخاط علما بقدري
وهل درى كنه غوري ... في الخدع أم ليس يدري
وكم قد قمرت بنيه ... بحيلتي وبمكري
وكم برزت بعرف ... عليهم وبنكر
أصطاد قوما بوعظ ... وآخرين بشعر
وأستفز بخل ... عقلا وقعلا بخمر
وتارة أنا صخر ... وارة أخت صخر
ولو سلكت سبيلا ... مألوفة طول عمري
لخاب قدحي وقدحي ... ودام عسري وخسري
فقل لمن لام هذا ... عذري فدونك عذري
قال الحارث بن همام: فلما ظهرت على جلية أمره. وبديعة أمره. وما زخرف في شعره من عذره. علمت أن شيطانه المريد. لا يسمع التفنيد. ولا يفعل إلا ما يريد. فثنيت إلى أصحابي عناني. وأبثثتهم ما أثبته عياني. فوجموا لصيغة الجوائز. وتعاهدوا على محرمة العجائز.

المقامة الكرجية
حكى الحارث بن همام: شتوت بالكرج لدين أقتضيه.
(6/131)

وأرب أقضيه. فبلوت من شتائتها الكالح. وصرها النافح. ما عرفني جهد البلاء. وعكف بي على الاصطلاء. فلم أكن أزايل وجاري. ولا مستوقد ناري. إلا لضرورة أدفع إليها. أو إقامة جماعة أحافظ عليها. فاضطررت في يوم جوه مزمهر. ودجنه مكفهر. إلى أن برزت من كناني. لمهم عناني. إذا شيخ عاري الجلدة. بادي الجردة. وقد اعتم بريطة. واستثفر بفويطة. وحواليه جمع كثيف الحواشي. وهو ينشد ولا يحاشي:
يا قوم لا ينبئكم عن فقري ... أصدق من عريي أوان القر
فاعتبروا بما بدا من ضري ... باطن حالي وخفي أمري
وحاذروا انقلاب سلم الدهر ... فإنني كنت نبيه القدر
آوي إلى وفر وحد يفري ... تفيد صفري وتبيد سمري
وتشتكي كومي غداة أقري ... فجرد الدهر سيوف الغدر
وشن غارات الرزايا الغبر ... ولم يزل يسحتني ويبري
حتى عفت داري وغاض دري ... وبار سعري في الورى وشعري
وصرت نضو فاقة وعسر ... عاري المطا مجردا من قشري
كأنني المغزل في التعري ... لا دفء لي في الصن والصنبر
غير التضحي واصطلاء الجمر ... فهل خضم ذو رداء غمر
يسترني بمطرف أو طمر ... طلاب وجه الله لا لشكري
ثم قال: يا أرباب الثراء. الرافلين في الفراء. من أوتي خيرا
(6/132)

فلينفق. ومن استطاع أن يرفق فليرفق. فإن الدنيا غرور. والدهر عثور. والمكنة زورة طيف. والفرصة مزنة صيف. وإني والله لطالما تلقيت الشتاء بكافاته. وأعددت الأهب له قبل موافاته. وها أنا اليوم يا سادتي. ساعدي وسادتي. وجلدتي وبردتي. وحفنتي. وجفنتي. فليعتبر العاقل بحالي. وليبادر صرف الليالي. فإن السعيد من اتعظ بسواه. واستعد لمسراه. فقيل له قد جلوت علينا أدبك. فاجل لنا نسبك. فقال: تبا لمفتخر. بعظم نخر. إنما الفخر بالتقى. والأدب المنتقى. ثم أنشد:
لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه ... على ما تجلى يومه لا ابن أمسه
وما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه
ثم إنه جلس محقوقفاً. واجرنثم مقفقفاً. وقال: اللهم يا من غمر بنواله. وأمر بسؤاله. اعني على البرد وأهواله. وأتح لي حرا يؤثرا من خصاصة. ويؤاسي ولو بقصاصة. قال الراوي: فلما جلى عن النفس العصامية. والملح الأصمعية. جعلت ملامح عيني تعجمه. ومرامي لحظي ترجمه. حتى استبنت أنه أبو زيد. وأن تعريه أحبولة صيد. ولمح هو أن عرفاني قد أدركه. ولم يأمن أن يهتكه. فقال: أقسم بالسمر والقمر. والزهر والزهر. إنه لن يسترني إلا من طاب خيمه. وأشرب ماء المروءة أديمه. فعقلت ما عناه. وإن لم يدر القوم معناه. وساءني ما يعانيه من الرعدة. واقشعرار الجلدة. فعمدت
(6/133)

لفروة هي بالنهار رياشي. وفي الليل هي فراشي. فنضوتها عني. وقلت له: اقبلها مني. فما كذب أن افتراها. وعيني تراها. ثم أنشد:
لله من ألبسني فروة ... أضحت من الرعدة لي جنة
ألبسنيها واقيا مهجتي ... وقي شر الإنس والجنة
سيكتسي اليوم ثنائي وفي ... غد سيكسى سندس الجنة
قال: فلما فتن قلوب الجماعة. بافتتانه في البراعة. ألقوا عليه من الفراء المغشاة. والجباب املوشاة. ما آده ثقله. ولم يكد يقله. فانطلق مستبشرا بالفرج. مستقيا للكرج. وتبعته إلى حيث ارتفعت التقية. وبدت السماء نقية. فقلت له: لشد ما قرسك البرد. فلا تتعر من بعد. فقال: ويك ليس من العدل. سرعة العذل. فلا تعجل بلوم هو ظلم. ولا قف ما ليس لك به علم. فوالذي نور الشيبة. وطيب تربة طيبة. لو لم أتعر لرحت بالخيبة. وصفر العيبة. ثم نزع إلى الفرار. وتبرقع بالاكفهرار. وقال: أما تعلم أن شنشنتي الانتقال من صيد إلى صيد. والانعطاف من عمرو إلى زيد. وأراك قد عقتني وعققتني. وأقتني أضعاف ما أفدتني. فأعفني عافاك الله من لغوك. واسدد دوني باب جدك ولهوك فجبذته جبذ التعابة. وجعجعت به للدعابة. وقلت له: والله لو لم أوارك. وأغط على عوارك. لما وصلت إلى صلة. ولا انقلبت أكسى من بصلة. فجازني عن إحساني إليك. وستري لك وعليك. بأن
(6/134)

تسمح لي برد الفروة. أو تعرفني كافات الشتوة. فنظر إلي نظر المتعجب. وازمهر ازمهرار المتغضب. ثم قال: أما رد الفروة فأبعد من رد أمس الدابر. والميت الغابر. وأما كافات الشتوة فسجان من طبع على ذهنك. وأوهى وعاء خزنك. حتى نسيت ما أنشتك بالدسكرة. لابن سكرة:
جاء الشتاء وعندي من حوائجه ... سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا
كن وكيس وكانون وكاس طلا ... بعد الكباب وكف ناعم وكسا
ثم ثاقل: لجواب يشفي. خير من جلباب يدفي. فاكتف بما وعيت وانكفي. ففارقته وقد ذهبت فروتي لشقوتي. وحصلت على الرعدة طول شتوتي.

المقامة التفليسية
حكى الحارث بن همام قال: عاهدت الله تعالى مذ يفعت. أن لا أؤخر الصلاة ما استطعت. فكنت مع جوب الفلوات. ولهو الخلوات. أراعي أوقات الصلاة. وأحاذر من مأثم الفوات. وإذا رافقت في رحلة. أو حللت بحلة. مرجت بصوت الداعي إليها. وافتديت بمن يحافظ عليها. فاتفق حين دخلت تفليس. أن صليت مع زمرة مفاليس. فلما قضينا الصلاة. فأزمعنا الانفلات. برز شيخ بادي اللقوة. بالي الكسوة والقوة. فقال: عزمت على من خلق من طينة الحرية. وتفوق در العبية. إلا ما تكلف لي لبثة. واستمع
(6/135)

مني نفثة. ثم له الخيار من بعد. وبيده البذل والرد. فعقد له القوم الحبى. ورسوا أمثال الربى. فلما آنس حسن إنصاتهم. ورزانة حصاتهم. قال: يا أولي الأبصار الرامقة. والبصائر الراثقة. أما يغني عن الخبر العيان. وينبئ عن النار الدخان. شيب لائح. ووهن فادح. وداء واضح. والباطن ففاضح. ولقد كنت والله ممن ملك ومال. وولي وآل. ورفض وأنال. ووصل وصال. فلم تزل الجوائح تسحت. والنوائب تنحت. حتى الوكر قفر. والكف صفر. والشعار ضر. والعيش مر. والصبية يتضاغون من الطوى. ويتمنون مصاصة النوى. ولم أقم هذا المقام الشائن. وأكشف لكم الدفائن. إلا بعد ما شقيت ولقيت. وشبت مما لقيت. فليتني لم أكن بقيت. ثم تأوه تأوه الأسيف. وأنشد بصوت ضعيف:
أشكو إلى الرحمان سبحانه ... تقلب الدهر وعدوانه
وحادثات قرعت مروتي ... وقوضت مجدي وبنيانه
واهصرت عودي ويا ويل من ... تهتصر الأحداث أغصانه
وأمحلت ربعي حتى جلت ... من ربعي الممحل جرذانه
وغادرتني حائرا برائرا ... أكابد الفقر وأشجانه
من بعد ما كنت أخا ثروة ... يسحب في النعمة أردانه
يختبط العافون أوراقه ... ويحمد السارون نيرانه
فأصبح اليوم كأن لم يكن ... أعانه الدهر الذي عانه
(6/136)

وازور من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه
فهل فتى يحزنه ما يرى ... من ضر شيخ دهره خانه
فيفرج الهم الذي همه ... ويصلح الشان الذي شانه
قال الراوي: فصبت الجماعة إلى أن تستثبته. لتستنجش خبأته. وتستنفض حقيبته. فقالت له: قد عرفنا قدر رتبتك. ورأينا در مزنتك. فعرفنا دوحة شعبتك. واحسر اللثام عن نسبتك. فأعرض إعراض من مني الإعنات. وجعل يلعن الضرورات. ويتأفف من تغيض المروءات. ثم أنشد بلفظ صادع. وجرس خادع:
لعمرك ما كل فرع يدل ... جناه اللذيذ على أصله
فكل ما حلا حين تؤتى به ... ولا تسأل الشهد عن نحله
وميز إذا ما اعتصرت الكروم ... سلافة عصرك من خله
لتغلي وترخص عن خبرة ... وتشري كلا شرى مثله
فعار على الفطن اللوذعي ... دخول الغميزة في عقله
قال: فازدهى القوم بذكائه ودهائه. واختلبهم بحسن أدائه مع دائه. حتى جمعوا له خبايا الخبن. وخفايا الثبن. وقالوا له: يا هذا إنك حمت على ركية بكية. وتعرضت لخلية خلية. فخذ هذه الصبابة. وهبها لا خطأ ولا إصابة. فنزل قلهم منزلة منزلة الكثر. ووصل قبوله بالشكر. ثم تولى يجر شقه. وينهب بالخبط طرقه. قال المخبر بهذه الحكاية: فصور لي أنه محيل لحليته. متصنع في مشيته. فنهضت
(6/137)

أنهج منهاجه. وأقفوا أدراجه. وهو يلحظني شزراً. ويوسعني هجراً. حتى إذا خلا الطريق. وأمكن التحقيق. نظر إلي نظر من هش وبش. وما حض بعدما غش. وقال: إن لأخالك أخا غربة. ورائد صحبة. فهل لك في رفيق يرفق بك ويرفق. وينفق عليك وينفق. فقلت له: لو أتاني هذا الرفيق. لواتاني التوفيق. فقال لي: قد وجدت فاغتبط. واستكرمت فارتبط. ثم ضحك مليا. وتمثل لي بشرا سويا. فإذا هو شيخنا السروجي لا قبلة بجسمه. ولا شبهة في وسمه. ففرحت بلقيته. وكذب لقوته. وهممت بملامته. على سوء مقامته. فشحافاه. وأنشد قبل أن ألحاه:
ظهرت برث لكيما يقال ... فقير يزجي الزمان المزجى
وأظهرت للناس أن قد فلجت ... فكم نال قلبي به ما ترجى
ولولا الرثاثة لم يرث لي ... ولولا التفالج لم ألق فلجا
ثم قال: أنه لم يبق لي بهذه الأرض مرتع. ولا في أهلها مطمع. فإن كنت الرفيق. فالطريق الطريق. فسرنا منها متجردين. ورافقته عامين أجردين. وكنت على أن أصحبه ما عشت. فأبى الدهر المشت

المقامة المروية
حكى الحارث بن هام قال: حبب إلي مذ سعت قدمي. ونفث قلمي. أن أتخذ الأدب شرعة. والاقتباس منه نجعة.
(6/138)

فكنت أنقب عن أخباره. وخزانة أسراره. فإذا ألفيت منهم بغية الملتمس. وجذوة المقتبس. شددت يدي بغرزه. واستنزلت منه زكاة كنزه. على أني لم ألق كالسروجي في غزارة السحب. ووضع الهناء مواضع النقب. إلا أنه كان أسير من المثل. وأسرع من القمر في النقل. وكنت لهوى ملاقاته. واستحسان مقاماته. أرغب في الاغتراب. وأستعذب السفر الذي هو قطعة من العذاب. فلما تطوحت إلى مرو. ولا غرو. بشرني بلمقاه زجر الطير. والفأل الذي هو بريد الخير. فلم أزل أنشده في المحافل. وعند تلقي القوافل. فلا أجد عنه مخبرا. ولا أرى له أثرا ولا عثيراً. حتى غلب اليأس الطمع. وانزوى التأميل وانقمع. فإني لذات يوم بحضرة والي مرو. وكان ممن جمع الفضل والسرو. إذ طلع أبو زيد في خلق مملاق. وخلق ملاق فحيا الوالي تحية المحتاج. إذا لقي رب التاج. ثم قال له: اعلم وقيت الذم وكفيت الهم. أن من عذقت به الأعمال. أعلقت به الآمال. ومن رفعت له الدرجات. رفعت إليه الحاجات. وأن السعيد من إذا قدر. وواتاه القدر. أدى زكاة النعم. كما يؤدي زكاة النعم. والتزم لأهل الحرم. ما يلتزم للأهل والحرم. وقد أصبحت بحمد الله عميد مصرك. وعماد عصرك. تزجى الركائب إلى حرمك. وترجى الرغائب من كرمك. وتنزل المطالب بساحتك. وتستنزل الراحة من راحتك. وكان فضل الله عليك عظيما.
(6/139)

وإحسانه لديك عميماً. ثم إني شيخ ترب بعد الإتراب. وعدم الأعشاب حين شاب. قصدتك من محلة نازحة. وحالة رازحة. آمل من بحرك دفعة. ومن جاهك رفعة. والتأميل أفضل وسائل السائل. ونائل النائل. فأوجب لي ما يجب عليك. وأحسن كما أحسن الله إليك. وإياك أن تلوي عذارك. عمن ازدارك. وأم دارك. أو تقبض راحك. عمن امتاحك. وأمتار سماحك. فوالله ما مجد من جمد. ولا رشد من حشد. بل اللبيب من إذا وجد جاد. وإن بدا بعائدة عاد. والركيم من إذا استوهب الذهب. لم يهب أن يهب. ثم أمسك يرقب أكل غرسه. ويرصد مطيبة نفسه. وأحب الوالي أن يعلم هل نطفته ثمد. أم لقريحته مدد. فأطرق يروي في استيراء زنده. واستشفاف فرنده. والتبس على أبي زيد سر صمتته. وإرجاء لصلته. فتوغر غضبا. وأنشد مقتضبا:
لا تحفرن أبيت اللعن ذا أدب ... لأن بدا خلق السربال سبروتا
ولا تضع لأخي التأميل حرمته ... أكان ذا لسن أم كان سكينا
وانفخ بعرفك من وافاك مختبطاً ... وانعش بغوثك من ألفيت منكوبا
فخير مال الفتى مال أشاد له ... ذكرا تناقله الركبان أو صيتا
وما على المشتري حمدا بموهبة ... غبن ولو كان ما أعطاه ياقوتا
لولا المروءة ضاق العذر عن فطن ... إذا اشرأب إلى ما جاوز القوتا
لكنه لابتناء المجد جد ومن ... حب السماح ثنى نحو العلى ليتا
(6/140)

وما تنشق نشر الشكر ذو الكرم ... إلا وأزرى بنشر المسك مفتوتا
والحمد والبخل لم يقض اجتماعهما ... حتى لقد خيل ذا ضبا وذا حوتا
والسمح في الناس محبوب خلائقه ... والجامد الكف ما ينفك ممقوتا
وللشحيح على أمواله علل ... يوسعنه أبدا ذما وتبكيتا
فجد بما جمعت كفاك من نشب ... حتى يرى مجتدي جدواك مبهوتا
فقال له الوالي: تالله لقد أحسنت. فأي ولد الرجل أنت. فنظر إليه عن عرض. وأنشد وهو مغضض:
لا تسأل المرء من أبوه ورز ... خلاله ثم صله أو فاصرم
فما يشين السلاف حين حلا ... مذاقها كونها ابنة الحصرم
قال: فقربه الوالي لبيانه الفاتن. حتى أحله مقعد الخاتن. ثم فرض له من سيوب نيله. ما آذن بطول ذيله وقصر ليله. فنهض عنه يردن ملآن. وقلب جذلان. وتبعته حاذيا حذوه. وقافيا خطوه. حتى إذا خرج من بابه. وفصل عن غابه. قلت له: هنئت بما أوتيت. ومليت بما أوليت. فأسفر وجهه وتلالا. ووالى شكرا لله تعالى. ثم خطر اختيالا. وأنشد ارتجالا:
من يكن نال بالحماقة حظا ... أو سما قدره لطيب الأصول
فبفضلي انتفعت لا بفضولي ... وبقولي ارتفعت لا بقيولي
ثم قال: تعسا لمن جدب الأدب. وطوبى لمن جد فيه ودأب. ثم ودعني وذهب. وأودعني اللهب.
(6/141)

الباب الخامس في اللطائف
عبد الله بن الحجاج عند عبد الملك بن مروان
لما قتل عبد الله بن الزبير وكان عبد الله بن الحجاج من أصحابه وشيعته احتال حتى دخل على عبد الملك بن مروان وهو يطعم الناس. فدخل حجرة فقال له: ما لم يا هذا لا تأكل. قال: لا أسحل أن آكل حتى تأذن لي. قال: قد أذنت للناس جميعاً. قال: لم أعلم. فآكل بأمرك. قال: كل فأكل وعبد الملك ينظر إليه. ويعجب من فعاله. فلما أكل الناس جلس عبد الملك في مجلسه وجلس خواصه بين يديه وتفرق الناس فجاء عبد الله بن الحجاج ووقف بين يديه. ثم استأذنه في الإنشاد فأذن له فأنشده:
أبلغ أمير المؤمنين فإنني ... مما لقيت من الحوادث موجع
منع القرار فجئت نحوك هاربا ... جيش يجر ومقنب يتلمع
فقال عبد الملك: وما خوفك لا أم لك لولا أنك مريب. فقال عبد الله:
كنا تنحلنا البضائر مرة ... وإليك إذ عمي البصائر نرجع
إن الذي يعصيك منا بعدها ... من دينه وحياته متودع
آتي رضاك ولا أعود لمثلها ... وأطيع أمرك ما أمرت وأسمع
(6/142)

وأعطي نصيحتي الخليفة ناجعا ... وخزامة الأنف المقود فاتبع
فقال له عبد الملك: هذا لا نقبله منك إلا بعد المعرفة بك وبذنبك. فإذا عرفت الحوبة قبلنا التوبة. فقال عبد الله:
ولقد وطئت بني سعيد وطأة ... وابن الزبير فعرشه متضعضع
فقال عبد الملك: لله الحمد والمنة على ذلك فقال عبد الله:
مازلت تضرب منكبا عن مكنب ... تعلو ويسفل غيركم ما يرفع
ووطئتهم في الحرب حتى أصبحوا ... حدثا يؤس وغابرا يتجعجع
فحوى خلافتهم ولم يظلم بها ... القرم قرم بني قصي الأنزع
لا يستوي خاوي نجوم آفل ... والبدر منبلجا إذا ما يطلع
وضعت أمية واسطين لقومهم ... ووضعت وسطهم فنعم الموضع
بيت أبو العاصي بناه بربوة ... عالي المشارف عزه ما يدفع
فقال له عبد الملك: إن توريتك عن نفسك لتريبني فأي الفسقة أنت وماذا تريد. فقال:
جربت أصيبيتي يد أرسلتها ... وإليك بعد معادها ما ترجع
ووأرى الذي يرجو تراث محمد ... أفلت نجومهم ونجمك يسطع
فقال عبد الملك: ذلك جزاء أعداء الله. فقال له عبد الله بن الحجاج:
فانعش أصيبيتي الألاء كأنهم ... حجل تدرج بالشبة جوع
فقال عبد الملك: لا أنعشهم الله وأجاع أكبادهم ولا أبقى وليدا من نسلهم فإنهم نسل كافر فاجر لا يبالي ما صنع. فقال عبد الله:
(6/143)

مال لهم مما يضن جمعته ... يوم القليب فحيز عنهم أجمع
فقال له عبد الملك: لعلك أخذته من غير حله وأنفقته في غير حقه. وأرصدت به لمشاقة أولياء الله وأعددته لمعاونة أعدائه. فنزعه منك إذا استظهرت به على معصية الله. فقال عبد الله:
أدنو لترحمني وتجبر فاقتي ... فأراك تدفعني فأين المدفع
فتبسم عبد الملك. فقال عبد الله: أمنت ورب الكعبة. فقال عبد الملك: كن من شئت إلا عبد الله بن الحجاج. قال: أنا والله هو قد وطئت دارك وأكلت طعامك وأنشدتك. فإن قتلتني بعد ذلك فأنت وما تراه. وأنت بما عليك في هذا عارف. ثم عاد إلى إنشاده فقال:
ضاقت ثياب الملبسين وفضلهم ... عني فألبسني فثوبك أوسع
فنبذ عبد الملك إليه مطرفاً كان على كتفه وقال: ألبسه لا لبست. فالتحف به ثم قال له عبد الملك: أولى لك. والله لقد طاولتك طمعا في أن يقوم بعض هؤلاء فيقتلك. فأبى الله ذلك فلا تجاورني في بلد. وانصرف آمنا فقم حيث شئت. ثم أمضى له الأمان (للأصبهاني)

إجازة عبيد الأبرص وامرئ القيس
لقي عبيد بن الأبرص امرئ القيس فقال له عبيد: كيف معرفتك بالأوابد. فقال: ألق ما أحببت. فقال عبيد:
ما حبة ميتة قامت بميتتها ... درداء ما أنبتت سنا وأضراسا
فقال امرؤ القيس:
(6/144)

تلك الشعيرة تسقى في سنابلها ... فأخرجت بعد طول المكث أكداسا
فقال عبيد:
ما السود والبيض والأسماء واحدة ... لا يستطيع لهن الناس تمساسا
فقال امرؤ القيس:
تلك السحاب إذا الرحمن أرسلها ... روى بها من محول الأرض أيباسا
فقال عبيد:
ما مرتجات على هول مراكبها ... يقطعن طول المدى سيرا وإمراسا
فقال امرؤ القيس:
تلك النجوم إذا حالت مطالعها ... شبهتها في سواد الليل أقباسا
فقال عبيد:
ما القاطعات لأرض لا أنيس بها ... تأتي سراعا وما يرجعن أنكاسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الرياح إذا هبت عواصفها ... كفى بأذيالها للترب كناسا
فقال عبيد:
ما الفاجعات جهارا في علانية ... أشد من فيلق مملوءة باسا
فقال امرؤ القيس:
تلك المنايا فما يبقين من أحد ... يكفتن حمقى وما يبقين أكياسا
فقال عبيد:
ما السابقات سراع الطير في مهل ... لا يشتكين ولو ألجمتها فاسا
(6/145)

فقال امرؤ القيس:
تلك الجياد عليها القوم قد سبحوا ... كانوا لهن غداة الروع أحلاسا
فقال عبيد:
ما القاطعات لأرض الجو في طلق ... قبل الصباح وما يسرين قرطاسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الأماني يتركن الفنى ملكا ... دون السماء ولم ترفع به راسا
فقال عبيد:
ما الحاكمون بلا سمع ولا بصر ... ولا لسان فصيح يعجب الناسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الموازين والرحمن انزلها ... رب البرية بين الناس مقياسا
قال علي بن ظافر: دخلت مع جماعة من أصحابنا على صديق لنا نعوده وبين يديه بركة قد راق ماؤها. وصحت سماؤها. وقد رص تحت دساتيرها نارنج فتن قلوب الحضار. وملأ بالمحاسن عيون النظار. فكأنما رفت صوالج فضة على كرات من النضار. فأشار الحاضرون إلى وصفها فقلت بديهاً:
أبدعت يا ابن هلال في فسقية ... جاءت محاسنها بما لم يعهد
عجبا لأمواه الدساتير التي ... فاضت على نارنجها المتوقد
فكأنهن صوالج من فضة ... رفعت لضرب كرات خالص عسجد
(6/146)

علي بن ظافر عند الملك العادل
قال علي بن ظافر: ومن عجب ما دهيت به ورميت إلا أن الله بفضله نصر وأعطى الظفر وأعان خاطري الكليل. حتى مضى مضاء السيف الصقيل. أني كنت في خدمة مولانا العادل (خلد الله ملكه) بالإسكندرية سنة إحدى وستمائة مع من ضمته حاشية العسكر المنصور من الكتاب ودخلت سنة اثنتين وستمائة ونحن بالثغر مقيمون بالخدمة. مرتضعون لأفاويق النعمة. فحضرت مع من حضر للهناء. من الفقهاء والعلماء. والمشايخ والكبراء. وجماعة الديوان والأمراء. في يوم من أيام الجلوس لإمضاء الأحكام. والعرض لطوائف الأجناد بالتمام. فلم يبق أحد من أهل البلد ولا من العسكر إلا حضر مهنئا. ومثل شاكر وداعيا. فلما غض المجلس بأهله. وشرق بجمع الناس وحفله. وخرج مولانا السلطان (خلد الله ملكه) إلى مجلسه. واستقر في دسته. أخرج كتابا ناوله إلى الصاحب الجل صفي الدين أبي محمد عبد الله بن علي وزير دولته. وكبير جملته. وهو مفضوض الختام. مفكوك الفدام ففتحه فإذا فيه قطعة وردت من المولى الملك المعظم أبقاه الله. كتبها إليه يتشوقه ويستعطفه لزيارته ويرققه ويستحث عود ركابه إلى الشام للمثاغرة بها وقمع عدوها. ويعرض بذكر مصر وشدة حرها ووقد جمرها. وذلك بعد أن وصل إلى خدمته بالثغور ثم رجع إليها. والأبيات:
أروي رماحك من نحور عداكا ... وانهب بخيلك من أطاع سواكا
(6/147)

واركب خيولا كالسعالي شربا ... واضرب بسيفك من يشق عصاكا
واجلب من الأبطال كل سميذع ... يفري بعزمك كل من يشناكا
واسترعف السمر اللدان وروها ... واسق المنية سيفك السفاكا
وسر الغداة إلى العداة مبادرا ... بالضرب في هام العدو دراكا
واقرن رماحك بالثغور فإنها ... مشتاقة أن تبتنى بعلاكا
فالعز في نصب الخيام على العدى ... تردي الطغاة وتدفع الملاكا
والنصر مقرون بهمتك التي ... قد أصبحت فوق السماك سماكا
فإذا عزمت وجدت من هو طائع ... وإذا نهضت وجدت من يخشاكا
والنصر في الأعداء يوم كريهة ... أحلى من الكاس الذي رواكا
والعجز أن تسمي بمصر مخيما ... وتحل في تلك العراص عراكا
فأرح حشاشتك الكريمة من لظى ... مصر لكي تحظى الغداة بذاكا
فلقد غدا قلبي عليك بحرقة ... شغفا ولا حر البلاد هناكا
وانهض إلى راجي لقاك مسارعا ... فمناي من كل الأمور لقاكا
وأبرد فؤاد المستهام بنظرة ... وأعد عليه العيش من رؤياكا
واشف الغداة عليل صب هائم ... أضحى مناه من الحياة مناكا
فسعادتي بالعادل الملك الذي ... ملك الملوك وقارن الأفلاكا
فبقيت لي يا مالكي في غبطة ... وجعلت في كل الأمور فداكا
فلما تلا الصاحب على الحاضرين محكم آياتها. وجلا منها العروس التي حازت من المحاسن أبعد غاياتها. أخذوا في استحسان نظامها.
(6/148)

وتناسق غريب التئامها. والثناء على الخاطر الذي نظم محكم أبياتها وأطلع من مشرق فكره آياتها. فقال السلطان (خلد الله ملكه) : نريد من يجيبه عنا بأبيات على قافيتها. فالتفت مسرعا إلي وأنا على يمينه وقال: يا مولانا مملوكك فلان هو فارس هذا الميدان. والمعتاد للتخلص من مضايق هذا الشان. ثم قطع وصلا من درج كان بين يديه وألقاه إلي. وعمد إلى دواته فأدارها بين يدي فقال له السلطان: أهكذا على مثل هذه الحالة. قال: نعم أنا جربته فوجدته متقد الخاطر حاضر الذهن سريع إجابة الفكر. فقال السلطان: وعلى كل حال قم إلى ههنا لتنكف عنك أبصار الناطرين. وتنقطع جلبة الحاضرين. وأشار إلى مكان عن يمين البيت الخشب الذي هو منقرد به فقمت وقد فقدت رجلي انزالا. وذهني اختلالا. لهيبة المجلس في صدري وكثرة من حضره من المترقبين لي المنتظرين حلول فاترة الشماتة وبي. فما هو إلا أن جلسن حتى ثاب إلي خاطري. وانثال الشعر على ضمائري. فكنت أرى فكري كالبازي الصيودلا يرى كلمة إلا أنشب فيها منسره. ولا معنى إلا شك فيه ظفره. فقلت في أسرع وقت:
وصلت من الملك المعظم تحفة ... ملأت بفاخر درها الأسلاكا
أبيات شعر كالنجوم جلالة ... فلذا حكت أوراقها الأفلاكا
عجبا وقد جاءت كمثل الروض إذ ... لم تذوها بالحر نار ذكاكا
(6/149)

جلت الهموم عن الفؤاد كمثل ما ... تجلو وجهك الأحلاكا
كقميص يوسف إذ شفت يعقوب رياه شفتني مثله رياكا
قد أعجزت شعراء أهل زماننا ... حسنا فلم لا تعجز الأملاكا
ما كان هذا الفضل يمكن مثله ... أن يحتويه من الأنام سواكا
لم لا أغيب عن الشآم وهل له ... من حاجة عندي وأنت هناكا
أم كيف أخشى والبلاد جميعها ... محمية في جاه طعن قناكا
يكفي الأعادي حر بأسك فيهم ... أضعاف ما يكفي الولي نداكا
ما زرت مصر لغير ضبط ثغورها ... فلذا صبرت فديت عن رؤياكا
أم البلاد علا عليها قدرها ... لا سيما مذ شرفت بخطاكا
طابت وحق لها ولم لا وهي قد ... حوت المعلى في القداح أخاكا
أنا كالسحاب أزور أرضا ساقيا ... حينا وأمنح غيرها سقياكا
مكثي جهاد للعدو لأنني ... أغزوه بالرأي السديد دراكا
لولا الرباط وفضله لقصدت بالسي ... ر الحثيث إليك نيل رضاكا
ولئن أتيت إلى الشآم فإنما ... يحتثني شوقي إلى لقياكا
إني لأمنحك المحبة جاهدا ... وهواي فيما تشتهيه هواكا
فافخر فقد أصبحت بي وببأسك الحام ... مي وكل مملك يخشاكا
لا زلت تقهر من يعادي ملكنا ... أبدا ومن عاداك كان فداكا
وأعيش أنظر ابنك الباقي أبا ... وتعيش تخدم في السعود أباكا
ثم عدت إلى مكاني وقد بيضتها. وحليت بزهرها ساحة القرطاس
(6/150)

الأبيض وروضتها. فلما رآني السلطان (خلد الله ملكه) قد عدت قال: أعملت شيئا. ظنا منه أن العمل في تلك اللمحة متعذر. وبلوغ الغرض فيها غير متصور. فقلت: نعم. فقال: أنشدنا فصمت الناس وحدقت الأبصار وأصاخت الأسماع. وظن الناس بي الظنون. وترقبوا مني ما يكون. فما توالى إنشادي حتى صفقت الأيدي إعجابا. وتغامزت الأعين استغرابا. وحين انتهيت إلى ذكر مولانا الكامل بأنه المعلى إذا ضربت قداحهم. وسردت أمداحهم. إغرورقت عيناه دمعا لذكره. وأبان صمته مخفي المحبة فأعلن بسره. وحين انتهيت إلى آخرها فاض دمعه. ولم يمكنه منعه. ثم قام فوضع فرجية من خاص ملابسه كانت عليه على كتفي (بدائع البدائه للأزدي)

للبابي يرثي ضرسه بعد قلعه

أي طود من الرواسي العظام ... فجعتنا به يد الأيام
هدمته نوازل الدهر والده ... ر ولوع بهدم عز الكرام
فهوى شياظيا من الذروة القع ... ساء فسرا وأنفه في الرغام
صاحب كان لي وفيا وبي بر ... اخفيا يعولني بالتزام
وخليلي في كل مخمصة كا ... ن عتيد الإطعام والإنعام
أبيض الوجه في اللقالين المل_مس صعب المراس عند الصدام
كاسر طاحن إذا اصطم الصف ... ان ماضي الشبا ألد الخصام
ضعضعت ركنه الخطوب وثلت ... عرش سلطانه المنيع السامي
(6/151)

أين مني وأين هيهات أني ... أتهنا من بعده بطعام
يا رفيقي مذ كنت طفلا إلى أن ... جلل الشيب مفرقي بالثغام
وصديقي الذي تخولت من جد ... واه قوتي وقوتي وقوامي
من يروض الصعاب بعدك من للب ... طش من للقراع من للصدام
رب قشر محضته عن لباب ... ولحوم عرقتها عن عظام
ما قدرناك حق قدرك حتى ... نبت فاذهب ممتعا بسلام
وتأسى فكم صريع بهذا الث ... غر أدرته غارة الأيام
أبدلتني عن الثريا بني نع ... ش كرور السنين والأعوام
فجعتني بكل أبيض طلا ... ع الثنايا مستأسد بسام
أي وتر تبغي النوازل مني ... بعد ضعف القوى وفت العظام
من يرد صحبه الزمان طويلا ... فليوطن نفسا على الآلام
كل صعب يهون إن أنعم إلي ... هـ على عبده بحسن الختام
حدث أبو هريرة النحوي قال: كان أبو الشبل البرجمي قد اشترى كبشا للأضحى فجعل يعلفه ويسمنه فأفلت يوما على قنديل له كان يسرجه بين يديه وسراج وقارورة للزيت. فنطحه فكسره وانصب الزيت على ثيابه وكتبه وفراشه. فلما عاين ذلك ذبح الكبش قبل الأضحى وقال يرثي سراجه:
يا عين ابكي لفقد مسرجة ... كانت عمود الضياء والنور
كانت إذا ما الظلام ألبسني ... من حندس الليل ثوب ديجور
شقت بيرانها غياطلة ... شقا رعى الليل بالدياجير
صينية الصين حين أبدعها ... مصور الحسن بالتصاوير
(6/152)

وقبل ذا بدعة أتيح لها ... من قبل الدهر قرن يعفور
وصكها صكة فما لبثت ... أن وردت عسكر المكاسير
وإن تولت فقد لها تركت ... ذكرا سيبقى على الأعاصير
من ذا رأيت الزمان ياسره ... فلم يشب يسره بتعسير
ومن أباح الزمان صفوته ... فلم يشب صفوه بتكدير
مسرجتي لو فديت ما بخلت ... عنك يد الجود بالدنانير
ليس لنا فيك ما نقدره ... لكنما الأمر بالمقادير
مسرجتي كم كشفت من ظلم ... جليت ظلماءها تنوير
أوحشت الدار من ضيائك وال ... بيت إلى مطبخ وتنور
قلبي حزين عليك إذا سجلت ... عليك بالدمع عين تنمير
إن كان أودى بك الزمان فقد ... أبقيت منك الحديث في الدور
دع ذكرها واهج قرن ناطحا ... واسرد أحاديثه بتفسير
كان حديثي أني اشتريت فما اش ... تريت كبشا سليل خنزير
فلم أزل بالنوى أسمنه ... والتبن والقت والأثاجير
أيرد بالماء في القلال له ... وأتقي فيه كل محذور
تخدمه طول كل ليلتها ... خدمة عبد بالذل مأسور
فلم يزل يغتذي السرور وما ال ... محزون في عيشه كمسرور
حتى عدا طوره وحق لمن ... يكفر نعمى تقريب تغيير
فمد قرنيه نحو مسرجة ... تعد في صون كل مذخور
(6/153)

شد عليها بقرن ذي حنق ... معود للنطاح مشهور
وليس يقوى بروقه جبل ... صلد من الشمخ المذاكير
فكيف تقوى عليه مسرجة ... أرق من جوهر القوارير
تكسرت كسرة لها ألم ... وما صحيح الهوى كمكسور
فأدركته شعوب فانشعبت ... بالروع والشلو غير مقتور
أديل منه فأدركته يد ... من المنايا بجد مطرور
يلتهب الموت في ظباه كما ... تلتهب النار في المساعير
ومزقته المدى فما تركت ... كف القرى منه غير تعسير
واعتاله بعد كسرها قدر ... صيره نهزة السنانير
فمزقت لحمه براثنها ... وبذرته أشد تبذير
واختلسته الحداء خلسا مع ال ... غربان لم تزدجر لتكبير
وصار حظ الكلاب أعظمه ... يهشم ألحاءها بتكسير
كم كاسر نحوه وكاسرة ... سلاحها في شفى المناقير
وخامع نحوه وخامعة ... سلاحها في شبا الأظافير
قد جعلت حلو شلوه عرسا ... بلا افتقار إلى مزامير
ولا مغن سوى هما همها ... إذا تمطت لوارد العير
يا كبش ذق إذ كسرت مسرجتي ... لمدية الموت كأس تنحير
بغيت ظلما والبغي مصرع من ... بغى على أهله بتغيير
أضحية ما أظن صاحبها ... في قسمة لحمها بمأجور
(6/154)

قال أبو العلاء المعري من قصيدة على لسان درع يخاطب سيفا

ألم يبلغك فتكي بالمواضي ... وسخري بالأسنة والزجاج
وأني لا يغير لي قتيرا ... خضاب كالمدام بلا مزاج
منعت الشيب من كتم التراقي ... ولم أمنعه من خطر العجاج
فهل حدثت بالحرباء يلقى ... برأس العير موضحة الشجاج
تصيح ثعالب المران كربا ... صياح الطير تطرب لابتهاج
حرام أن يراق نجيع قرن ... يجوب النقع وهو إلي لاجي
يقضب عنه أمراس المنايا ... لباس مثل أغراس النتاج
تعوذ بي حليف التاج قدما ... وفارس لم تهم بعقد تاج
شهدت الحرب قبل ابني بغيض ... وكنت زمان صحراء النباج
فلا يطعمك في الغمرات وردي ... فإني ربة المر الأجاج
فإن تركد بغمدك لا تخفني ... وإن تهجم علي فغير ناج
متى ترم السلوك بي الرزايا ... تجد قضاء مبهمة الرتاج
يرد حديدك الهندي سردي ... رفاتا كالحطيم من الزجاج
تناجيني إذا اختلف العوالي ... أتدري ويب غيرك من تناجي
كأن كعوبها متناثرات ... نوى قسب ترضخ للنواجي
مموهة كأن بها ارتعاشا ... لفرط السن أو داء اختلاج
تضيفني الذوابل مكرهات ... فترحل ما أذيقت من لماج
إذا ما السهم حاول في نهجا ... فإني عنه ضيقة الفجاج
(6/155)

وهل تعشق النبال إلى ضياء ... ثنى السمراء مطفاة السراج
يهون علي والحدثان طاغ ... أتنذرني الفوارس أو تفاجي
فلو طعن الفتى بأشد غصن ... حناه أشد حصن في الهياج
أخالتني ظماء الخط لجا ... فألقت ركن شابة في اللجاج
وليس لكر يوم الشر ناف ... سوى كر من الأدراع ساج

وقال أيضا من قصيدة على لسان رجل يسأل أمه عن درع أبيه

ما فعلت درع والدي أجرت ... في نهر أم مشت على قدم
أم استعيرت من الأراقم فار ... تدت عواريها بنو الرقم
أم بعتها تبتغين مصلحة ... في سنة والسماء لم تغم
عابسة لم يجد بها الأسد ... م الظبية إلا ضعائف الرهم
أم كنت صيرتها له كفنا ... فتلك ليست من آلة الرجم
لعله أن يجيء مدرعا ... يوم رجوع النفوس في الرمم
أم كنت أودعتها أخا ثقة ... فخان والخوان أقبح الشيم
ضافية في المجر صافية ... ليست بمطوية على قتم
كأنها والنصال تأخذها ... أضاة حزن تجاد بالديم
ضن بها ربها لضنتها ... به وكم ضنة من الكرم
تحسبها من رضاب غادية ... مجموعة أو دموعها السجم
ضاحكة بالسهام ساخرة ... بالرمح هزاءة من الخدم
عادتها أرمها ظيا وقتا ... من عهد عاد وأختها إرم
(6/156)

تغرها غرة السراب نهى ... في ناجري النهار محتدم
أو عمل الكفر من يدين به ... في البعث إبان مجمع الأمم
ذات قتير شابت بمولدها ... ولم يكن شيبها من القدم
فما عددنا بياضها هرما ... حين يعد البياض في الهرم
ما خضبته المهندات لها ... ولا العوالي سوى رشاش دم
ملبس قيل ما خيط مشبهه ... لدارم قبلنا ولا درم
رآه كهلان من معاقله ... في الحرب دون العبيد والحشم
عذبها الهالكي صانعها ... في جاحم من وقوده ضرم
ينفر عنها ضب العذاة كما ... يهاب نقعا من بارد شيم
يد المنايا إذا تصافحها ... أعي بها من يدين في رحم
معابل الرمي عندها عبل ... ملقى وسحم النصال كالسحم
فهي فم العود بزهن به ... وهن شوك القتاد والسلم

لأبي الحفص الفارضي في التغزل بالكمالات الإلهية

أوميض برق بالأبيرق لاحا ... أم في ربي نجد أرى مصباحا
أم تلك ليلى العامرية أسفرت ... ليلا قصيرت المساء صباحا
يا راكب الوجناء وقيت الردى ... إن جبت حزنا أو طويت بطاحا
وسلكت نعمان الأراك فعج إلى ... واد هناك عهدته فياحا
(6/157)

فبأيمن العلمين من شرقيه ... عرج وأم أرينه الفواحا
وإذا وصلت إلى ثنيات اللوى ... فانشد فؤادا بالأبيطح طاحا
واقر السلام أهيله عني وقل ... غادرته لجنابكم ملتاحا
يا ساكني نجد أما من رحمة ... لأسير إلف لا يريد سراحا
هلا بعثتم للمشوق تحية ... في طي صافية الرياح رواحا
يحيا بها من كان يحسب هجرتكم ... مزحا ويعتقد المزاح مزاحا
يا أهل ودي هل لراجي وصلكم ... طمع فينعم باله استرواحا
مذ غبتم عن ناظري لي أنة ... ملأت نواحي أرض مصر نواحا
وإذا ذكرتكم أميل كأنني ... من طيب ذكركم سقيت الراحا
وإذا دعيت إلى تناسي عهدكم ... ألفيت أحشائي بذاك شحاحا
سقيا لأيام مضت مع جيرة ... كانت ليالينا بهم أفراحا
حيث الحمى وطني وسكان الغضا ... سكني ووردي الماء فيه مباحا
وأهيله أربي وظل نخيله ... طربي ورملة وادييه مراحا
واها على ذلك الزمان وطيبه ... أيام كنت من اللغوب مراحا
قسما بمكة والمقام ومن أتى ال ... بيت الحرام ملبيا سياحا
ما رنحت ريح الصبا شيح الربى ... إلا وأهدت منكم أرواحا
(6/158)

خمرية أبي الحفص الفارضي وشرحها للشيخ حسن البوريني

شربنا على ذكر الحبيب مدامة ... سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
(شربنا) أي معاشر السالكين في طريق الله تعالى. (على ذكر الحبيب) أي المحبوب وهو الحق تعلى. وقد يراد (بالذكر) الذكر باللسان أو بالقلب والجنان. وأشار إلى أن ذكر الله عنده من أقوى أسباب الطرب. (مدادمة) أي خمرة. والمعنى هنا شراب المحبة الإلهية الناشئة من شهود آثار الأسماء الحمالية لمحضرة العلية. وقوله (سكرنا) أي غبنا لذة وطربا بنشأة تلك الخمرة. وقوله (من قبل أن يخلق الكرم) يشير إلى قول القائل: ألست أنا ربكم قبل أن يخلق الكرم إلى الوجود.

لها البدر كأس وهي شمس يديرها ... هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
هذا البيت عجيب في بابه فإنه مشتمل على ذكر ألفاظ يناسب بعضها بعضا وهي البدر والشمس والهلال والنجم وكذلك الكاس والإدارة والزج. وقول: لها البدر كاس أي قلب العالم المحقق العامل (وهي شمس) أي المدامة المراد بها المعرفة الإلهية التي تفيض أنوارها في جميع الكائنات تشبه الشمس في طلوعها وإشراقها. وقوله يديرها أي ينشر أسماء تلك الحضرة الإلهية وصفاتها. وقوله هلال هو ذاك البدر إلا أنه محتجب.

ولولا شذاها ما اهتديت لحانها ... ولولا سناها ما تصورها الوهم
يقول: لولا روائح تلك الحضرات لما اهتديت إلى الأسماء الحسنى والصفات العليا لأن عبيرها عطر الأكوان. وقوله: لولا سناها إلخ كنى به عن النور الروحاني الذي بضوئه أدرك الإنسان حقيقة الوجود الإلهي.

ولم يبق منها الدهر غير حشاشة ... كأن خفاها في صدور النهى كتم
يقول: إن زخارف الدنيا تشغل القلوب الغافلة عن النهوض إلى شهود تجليات الحق. ويشبه خفاء تلك الحقيقة عند العقول البشرية خفاء الأسرار وكتمها في صدور الذين أوتوا العلم الإلهي
فإن ذكرت في الحي أصبح أهله ... نشاوى ولا عار عليهم ولا إثم
يعني إن ذكرت تلك الحضرة عند المتأهلين بالاستعداد لقبول أنوار الفيض الرباني فيصبحون سكارى ويغيبون عن أوهامهم في التحقق بمعاني الجلال
ومن بين أحشاء الدنان تصاعدت ... ولم يبق منها في الحقيقة إلا اسم
يقول: إنه بتقاصر الهمم الروحانية على نيل هذه ولانحراف قلوب البشر أخنفت
(6/159)

العلوم الإلهية شيئا فشيئا من صدور الرجال حتى تواردت ولم يبق منها غلا الاسم
وإن خطرت يوما على خاطر امرئ ... أقامت به الأفراح وارتحل الهم
يقول أن تجلي العزة الإلهية يبدد كل غم ويشمل القلوب بكل فرح.

ولو نظر الندمان ختم إنائها ... لأسكرهم من دونها ذلك الختم
يقول أن أثر التجلي الرباني في قلب السالكين جدير بتبديد سقامهم
ولو نضحوا منها قبر ميت ... لعادت إليه الروح وانتعش الجسم
ولو طرحوا في فيء حائط كرمها ... عليلا وقد أشفى لفارقه السقم
ولو قربوا من حانها مقعدا مشى ... وتنطق من ذكرى مذاقتها البكم
ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبها ... وفي الغرب مزكوم لعاد له الشم
ولو خضبت من كأسها كف لامس ... لما ضل في ليل وفي يده النجم
ولو جليت سرا على أكمه غدا ... بصيرا ومن راووقها تسمع الصم
ولو أن ركبا يمموا ترب أرضها ... وفي الركب ملسوع ملا ضره المس
ولو رسم الراقي حروف اسمها على ... جبين مصاب جن أبرأه الرسم
وفوق لواء الجيش لو رقم اسمها ... لأسكر من تحت اللوا ذلك الرقم
تهذب أخلاق الندامى فيهتدي ... بها لطريق العزم من لا له عزم
ويكرم من لم يعرف الجود كفه ... ويحلم عند الغيظ من لا له حلم
ولو نال فدم القوم لثم فدامها ... لأكسبه معنى شمائلها اللثم
أراد الشاعر بهذه الأبيات صفة ما تنتجه الحضرة الإلهية في البشر وذوي العاهات من برء أسقامهم أن شملت قلوبهم الحقائق العرفانية وأن أرادوا نهج المسالك الربانية
يقولون لي صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
(6/160)

قد جمع الشاعر أوصافه عز وجل فإن هذه الصفات باعتبار تجلي حقيقتها الغيبية عليه ظاهرة له بأربعة أوصاف الصفاء واللطف والضياء والروح فهي روح مجر عن كشافات العناصر الأربعة بعيدة عن كل جسم حسي
تقدم كل الكائنات حديثها ... قديما ولا شكل هناك ولا رسم
يريد أن وجود الله قد سبق وجود الكائنات بأجمعها قبلما تبدع الصور الحسية في عالم الكون
وقامت بها الأشياء ثم لحكمة ... بها احتجبت عن كل من لا له فهم
أي بواسطة هذه الحكمة قد خلقت الكائنات وإنما قد خفيت عن الخطأة والذين لم يدركوا الإلهيات
وهامت بها روحي بحيث تمازجا اتحادا ... ولا جر تخلله جرم
يقول أن لفرط شغفه بهذه الحكمة الربانية قد كاد يستحيل إليها
ولا قبلها قبل ولا بعد بعدها ... وقبلية الأبعاد فهي لها حتم
وقالوا شربت الإثم كلا وإنما ... شربت التي في تركها عندي الإثم
إن هذا البيت رد على من اتهمه بشرب الخمرة فيقول إن سكره لا بالخمرة المعتصرة من العنب بل بالعزة الإلهية التي هام بحبها.

هنيئا لأهل الدير كم سكروا بها ... وما شربوا منها ولكنهم هموا
يقول أنه يستطوب الرهبان والعباد الذين شربوا من هذه المدامة بل رغبوا إلى مشاهدة الجمال الإلهي
وعندي منها نشوة قبل نشأتي ... معي أبدا تبقى وإن بلي العظم
يقول إن قلبه تشرب محبة الله فلا يعدمها وإن فاجأته المنية
فما سكنت والهم يوما بموضع ... كذلك لم يسكن مع النغم الغم
فلا عيش في الدنيا لمن عاش صاحيا ... ومن لم يمت سكرا بها فاته الحزم
على نفسه فلبيك من ضاع عمره ... وليس له نصيب ولا سهم
هذا القول إغراء بشرب هذه المدامة السماوية التي أضحت مبدأ كل سرور فإنها حثما حلت تضمحل أكدار العالم وخطوب الدهر
(6/161)

الباب السادس في الوصف
وصف المطر والسحابة
أخبرنا عبد الرحمن عن الأصمعي قال: سئل أعرابي عن مطر فقال: استقل سد مع انتشار الطفل فشصا واحزأل. ثم اكفهرت أرجاؤه. واحمومت أرحاؤه. وابذعرت فوارقه. وتضاحكت بوارقه. واستطار وادقه. وارتتقت جوبه. وارثعن هيدبه. وحشكت أخلافه. واستقلت أردافه. وانتشرت أكنافه. فالرعد مرتجس. والبرق مختلس. والماء منبجس. فأترع الغدر. وأنبث الوجر. وخلط الأوعال بالآجال. وقرن الصيران بالرئال. فللأودية هدير. وللشراج خرير. وللتلاع زفير. وحط النبع والعتم من القلل الشم. إلى القيعان الصحم. فلم يبق في القلل إلا معصم مجرنثم. أو داحض مجرجم. وذلك من قضاء رب العالمين على عباده المذنبين أخبر الأصمعي قال: سألت أعربياً من بني عامر بن صعصعة عن مطر صاب بلادهم فقال: نشأ عارضا. فطلع ناهضا. ثم ابتسم وامضا. فاعتن في الأقطار فأشجارها. وامتل في الآفاق فغطاها. ثم ارتجز فهمهم. ثم دوى فأظلم. فأدرك ودث وبغش. ثم قطقط فأفرط. ثم ديم فأغمط. ثم ركد فأثجم. ثم وبل فسجم. وجاد فأنعم. فقمس الربى.
(6/162)

وأفرط الزبى. سبعا تباعا. ما يريد انقشاعا. حتى إذا ارتوت الحزون. وتضحضحت المتون. ساقه ربك إلى حيث شاء كما جلبه من حيث شاء.
أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: سمعت أعرابيا من غني يذكر مطرا أصابهم في غب جدب فقال: تدارك ربك خلقه وقد كلبت الأمحال. وتقاصرت الآمال. وعكف الياس. وكظمت الأنفاس. وأصبح الماشي مصرما. والمترب معدما. وجفيت الحلائل. وامتهنت العقائل. فأنشأ سحابا ركاما. كنهورا سجاما. بروقه متألقة ورعوده متقعقعة. فسح ساجيا راكدا ثلاثا غير ذي فواق. ثم أمر ربك الشمال فطحرت ركامه. وفرقت جهامه. فانقشع محمودا. وقد أحيا فأغنى. وجاد فأورى. فالحمد لله الذي لا تكت نعمه. ولا تنفد قسمه. ولا يخيب سائله. ولا ينزر نائله.
وأخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: مررت بغلمة من الأعراب فقلت: أيكم يصف لي الغيث وأعطيه درهما. فقال: كلنا يصف (وهم ثلاثة) . فقلت: صفوا فأيكم ارتضيت صفته أعطيته الدرهم. فقال أحدهم: عن لنا عارض قصرا تسوقه لاصبا وتحدوه الجنوب. يحبو حبو المعتنك حتى إذا ازلأمت صدوره. انثجلت خصوره. ورجع هديره. أصعق زئيره. واستقل نشاصه. وتلاءم خصاصه. وارتعج ارتعاصه. وأوفدت سقابه. وامتدت أطنابه. تدارك ودقه. وتألق برقه. وحفزت تواليه. وانسفحت عزاليه.
(6/163)

فغادر الثرى عمدا. والعزاز ثئدا. والحث عقدا. والضحاضح متواصية. والشعاب متداعية. (قال الآخر) : تراءت المخايل من الأقطار. تحن حنين العشار. وتترامى بشهب النار. قواعدها متلاحكة. وبواسقها متضاحكة. وأرجاؤها متقاذفة. وأرجاؤها متراصفة. فوصلت الغرب بالشرق. والوبل بالودق. سحا دراكا. متتابعا لكاكا. فضحضحت الجفاجف. وأنهرت الصفاصف. وحوضت الأصالف. ثم أقلعت محسبة محمودة الآثار. موقوفة الحبار. (وقال الثالث) : والله ما خلته بلغ خمسا: هلم الدرهم أصف لك. فقلت لا أو تقول كما قالا. فقال: والله لأبذنهما وصفا. ولأفوقنهما رصفا. قلت: هات لله أبوك. فقال: بينا الحاضر بين الياس. والإبلاس. قد غمرهم الإشفاق. رهبة الإملاق. قد حقبت الأنواء. ورفرف البلاء. واستولى القنوط على القلوب. وكثر الاستغفار من الذنوب. ارتاح ربك لعباده. فأنشأ سحابا مسجهرا كنهورا. معنونكا محلولكا. ثم استقل واحزأل. فصار كالسماء دون السماء. وكالأرض المدحورة في لوح الهواء. فأحسب السهول. وأتاق الهجول. وأحيا الرجاء. وأمات الضراء. وذلك من قضاء رب العالمين. (قال) : فملأ والله اليفع صدري فأعطيت كل واحد منهم درهما وكتبت كلامهم (صفة السحاب والغيث لابن دريد)

لابن الأثير في وصف الخيل
(قلت في وصف فرس أدهم) : وطالما امتطيت صهوة مطهم
(6/164)

نهد. فغنيت عن نشوة الكميت من ذات نهد. يسابق الريح فيغبر في وجهها دون شق غباره. وإذا ظهر عليها رجعت حسرى في مضماره. نسب إلى الأعوج وهو مستقيم في الكر والفر. وقد حنقت عليه عين الشمس إذ لا يمكنها أن ترسم ظله على الأرض إذا مر. ليلي الإرهاب لطم جبينه الصباح ببهائه. فعدا عليه وخاض يقتص منه في أحشائه. كما قال ابن نباتة السعدي:
وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه
وقد أغتدي عليه والطير في وكناتها فلا يفوتني الأجدل. وإذا أطلقته لصيد الوحش رأيتني على منجرد قيد الأوابد هيكل.
(وقلت في وصف فرس هجين) : فرس له من العربية حسب ومن الكردية نسب. فهو من بينهما مستنتج. لا ينتسب إلى خبيب ولا إلى أعوج. ومن صفاته أنه رحب اللبان. عريض البطان. سلس العنان. ينثني على قدر الطعان. وعلى قدر الكرة والصولجان. قد استوت حالته قادما ومتأخرا. فإذا أقبل خلته مرتفعا. وإذا أدبر خلته منحدرا. كأنه في حسنه دمية محراب. وفي خلقه ذروة هضاب. وهو في سباقه ولحاقه مخلق بخلق المضمار. وبدم السراب والصوار فهو منسوب إلى ذوات القوادم. وإن كان محسوبا في ذوات القوائم. كأنما ثنى لجامه على سالفة عقاب. وشد حزامه على بارقة سحاب (الوشي المرقوم لابن الأثير)
(6/165)

سفر البحر
لما ركبنا البحر. وحللنا منه بين السحر والنحر. شاهدنا من أهواله. وتنافي أحواله. ما لا يعبر عنه. ولا يبلغ له كنه
البحر صعب المرام جداً ... لا جعلت حاجتي إليه
أليس ماء ونحن طين ... فما عسى صبرنا عليه
فكم استقبلتنا أمواجه بوجوه بواسر. وطارت إلينا من شراعه عقبان كواسر. قد أزعجتنا أكف الريح من وكرها. كما نبهت اللجج من سكرها. فلم تبق شيئا من قوتها ومكرها. فسمعنا للجبال صفيرا. وللرياح دويا عظيما وزفيرا. وتيقنا أنا لا نجد من ذلك إلا فضل الله مجيرا وخفيرا. وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه. وأيسنا من الحياة لصوت تلك العواصف والمياه. فلا حيا الله ذلك الهول المزعج ولا بياه. والموج يصفق لسماع أصوات الرياح فيطرب بل ويضطرب. فكأنه من كاس الجنون يشرب أو شرب. فيبتعد ويقترب وفرقه تلتطم وتصطفق. وتختلف ولا تكاد تتفق. فتخال الجو يأخذ بنواصيها. وتجذبها أيديه من قواصيها. حتى كاد سطح الأرض يكشف من خلالها. وعنان السحب يخطف في استقلالها. وقد أشرفت النفوس على التلف من خوفها واعتلالها. وآذنت الأحوال بعد انتظامها باختلالها. وساءت الظنون. وتراءت في صورها المنون. والشراع في قراع مع جيوش الأمواج. التي أمدت
(6/166)

منها الأفواج بالأفواج. ونحن قعود. كدود على عود. ما بين فرادى وأزواج. وقد نبت بنا من القلق أمكنتنا. وخرست من الفرق ألسنتنا. وتوهمنا أنه ليس في الوجود أغوار ولا نجود. إلا السماء والماء وذلك السفين. ومن في قبر جوفه دفين. مع ترقب هجوم العدو في الرواح والغدو. فزادنا لك الحذر. الذي لم يبق ولم يذر. على ما وصفناه من هول البحر قلقا. وأجرينا إذ ذاك في ميدان الإلقاء باليد إلى التهلكة طلقا. وتشتتت أفكارنا فرقا. وذبنا أسى وندما وفرقا. إلى أن قضى الله بالنجاة وكل ما أراد فهو الكائن وإن نهى عنه وأخطأ المائن. فرأينا البر وكأننا قبل لم نره. وشفيت به أعيننا من المره. وحصل بعد الشدة الفرج. وشممنا من السلامة أطيب الأرج (نفح الطيف للمقري)

وصف دولة بني حمدان
كان بنو حمدان ملوكا وأمراء. وأوجههم للصباحة. وألسنهم للفصاحة. وأيديهم للسماحة. وعقولهم للرجاحة. وسيف الدولة مشهور بسيادتهم. وواسطة قلادتهم. كان رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وجعل الجنة مأواه. غرة الزمان. وعماد الإسلام ومن به سداد الثغور وسداد الأمور. وكانت وقائعه في عصاة العرب تكف باسها وتفل أنيابها. وتذل صعابها. وتكفي الرعية سوء آدابها. وغزواته تدرك من طاغية الروم الثار. وتحسم شرهم المثار. وتحسن في الإسلام
(6/167)

الآثار. وحضرته مقصد الوفود. ومطلع الجود. وقبلة الآمال ومحط الرحال. وموسم الأدباء. وحلبة الشعراء. ويقال إنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر ونجوم الدهر. وإنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها. وكان أديبا شاعرا محبا لجيد الشعر شديد الاهتزاز لما يمدح به. فلو أدرك ابن الرومي زمانه لما احتاج إلى أن يقول:
ذهب الذين تهزهم مداحهم ... هز الكماة عوالي المران
كانوا إذا امتدحوا رأوا ما فيهم ... فالأريحية فيهم بمكان
وكان كل من أبي محمد عبد الله بن محمد بن الفياض الكاتب وأبي الحسن علي بن محمد السميساطي قد اختار من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشرة آلاف بيت كقول المتنبي:
خليلي إني لا أرى غير شاعر ... فلم منهم الدعوى ومني القصائد
فلا تعجبا إن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد
له من كريم الطبع في الحرب منتض ... ومن عادة الإحسان والصفح غامد
ولما رأيت الناس دون محله ... تيقنت أن الدهر للناس ناقد
أخو غزوات ما تغب سيوفه ... رقابهم إلا وسيحان جامد
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد
ومن شرف الإقدام أنك فيهم ... على القتل موموق كأنك شاكد
وأن دما أجريته بك فاخر ... وأن فؤادا رعته لك حامد
(6/168)

وكل يرى طوق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائد
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد
فأنت حسام الملك والله ضارب ... وأنت لواء الدين والله عاقد
أحبك يا شمس الزمان وبدره ... وإن لا مني فيك السهى والفراقد
وذاك لأن الفضل عندك باهر ... وليس لأن العيش عندك بارد
وكقول السري بن أحمد الموصلي:
أغرتك الشهاب أم النهار ... أراحتك السحاب أم البحار
خلقت منية ومنى فأضحت ... تمور بك البسيطة أو تمار
تحلي الدين أو تحمي حماه ... فأنت عليه سور أو سوار
سيوفك من شكاة الثغر برء ... ولكن للعدى فيها بوار
وكفاك الغمام الجود يسري ... وفي أحشائه ماء ونار
يسار من سجيتها المنايا ... ويمنى من عطيتها اليسار
حضرنا والملوك له قيام ... تغض نواظر فيها انكسار
وزرنا منه ليث الغاب طلقا ... ولم نر قبله ليثا يزار
فكان لجوهر المجد انتظام ... وكان لجوهر الحمد انتثار
فعشت مخيرا لك في الأماني ... وكان على العدو لك الخيار
فضيفك للحيا المنهل ضيف ... وجارك للربيع الطلق جار
وكقول أبي فراس الحارث بن سعيد الحمداني:
أشدة ما أراه فيك أم كرم ... تجود بالنفس والأرواح تصطلم
(6/169)

يا باذل النفس والأموال مبتسما ... أما يهولك لا موت ولا عدم
لقد ظننتك بين الجحفلين ترى ... أن السلامة من وقع القنا تصم
نشدتك الله لا تسمح بنفس على ... حياة صاحبها يحيا بها أمم
هي الشجاعة إلا أنها سرف ... وكل فضلك لا قصد ولا أمم
إذا لقيت رقاق البيض منفردا ... تحت العجاج فلم تستكثر الخدم
من ذا يقاتل من تلقى القتال به ... وليس فضل عنك الخيل والبهم
تضن بالطعن عنا ضن ذي بخل ... ومنك في كل حال يعرف الكرم
لا تبخلن على قوم إذا قتلوا ... أثنى عليك بنو الهيجاء دونهم
ألست ما لبسوا ركبت ما ركبوا ... عرفت ما عرفوا علمت ما علموا
هم الفوارس في أيديهم أسل ... فإن رأوك فأسد والقنا أجم
وكقول أبي العباس أحمد بن محمد النامي:
خلقت كما أرادتك المعالي ... فأنت لمن رجاك كما يريد
عجيب أن سيفك ليس يروى ... وسيفك في الوريد له ورود
وأعجب منه رمحك حين يسقى ... فيصحو وهو نشوان يميد
وكقول أبي نضر بن نباتة وهو من شعراء العراق:
حاشاك أن يدعيك العرب واحدها ... يا من ثرى قدميه طينة العرب
فإن يكن لك وجه مثل أوجههم ... عند العيان فليس الصفر كالذهب
وإن يكن لك نطق مثل نطقهم ... فليس مثل كلام الله في الكتب
وكادت غمائم جود سيف الدولة تفيض. ومآثر كرمه تستفيض.
(6/170)

فتؤرخ بها أيام المجد وتخلد في صحائف حسن الذكر (اليتيمة للثعالبي) قال بشر بن أبي عوانة يصف قتاله الأسد وقتله إياه
أفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا
إذا لرأيت ليثا أم ليثا ... هزبرا أغلبا لاقى هزبرا
تبهنس إذ تقاعس عنه مهري ... محاذرة فقلت عقرت مهرا
أنل قدمي ظهر الأرض إني ... رأيت الأرض أثبت منك ظهرا
وقلت له وقد أبدى نصالا ... محددة ووجها مكفهرا
يكفكف غيلة إحدى يديه ... ويبسط للوثوب علي أخرى
يدل بمخلب وبحد ناب ... وباللحظات تحسبهن جمرا
وفي يمناي ماضي الحد أبقي ... بمضربه قراع الموت أثرا
نصحتك فالتمس يا ليث غيري ... طعاما إن لحمي كان مرا
أم يبلغك ما فعلته كفي ... بكاظمة غداة قتلت عمرا
فلما ظن أن النصح غش ... وخال مقالتي زورا وهجرا
مشى ومشيت من أسدين راما ... مراما كان إذ طلباه وعرا
سللت له السام فخلت أني ... شققت به لدى الظلماء فجرا
وأطلقت المهند من يميني ... فقد له من الأضلاع عشرا
فخر مضرجا بدم كأني ... هدمت به بناء مشمخرا
بضربة فيصل تركته شفعا ... لدي وقبلها قد كان وترا
وقلت له يعز علي أني ... قتلت مناسبي جلدا وقهرا
(6/171)

ولكن رمت أمرا لم يرمه ... سواك فلم أطق يا ليث صبرا
فلا تجزع فقد لاقيت حرا ... يحاذر أن يعاب فمت حرا

صفة النفس لابن سيناء الرئيس

هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع
محجوبة عن كل مقلة عارف ... وهي التي سفرت ولم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربما ... كرهت فراقك فهي ذات توجع
أنفت وما سكنت فلما استأنست ... ألفت مجاورة الخراب البلقع
وأظنها نسيت عهودا بالحمى ... ومنازلا بفراقها لم تقنع
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها ... من ميم مركزها بدار الأرجع
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت ... بين المعالم والطلول الخضع
تبكي وقد ذكرت عهودا بالحمى ... بمدامع تهمي ولما تقلع
وتظل ساجعة على الدمن التي درست بتكرار الرياح الأربع
إذ عاقها الشرك الكثيف وصدها ... قفص عن الأوج الفسيح الأربع
حتى إذا قرب المسير إلى الحمى ... ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وعدت مفارقة لكل مخلف ... فيها حليف الترب غير مسيع
هجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت ... ما ليس يدرك بالعيون الهجع
وبدت تغرد فوق ذروة شاهق ... والعلم يرفع كل من لم يرفع
فلأي شيء أهبطت من شامخ ... سام إلى قعر الحضيض الأوضع
إن كان أهبطها الإله لحمة ... طويت عن الفذ اللبيب الأروع
(6/172)

فهبوطها إن كان ضربة لازب ... لتكون سامعة لما لم يسمع
وتكون عالمة بكل حقيقة ... في العالمين وخرقها لم يرفع
وهي التي قطع الزمان طريقها ... حتى لقد غربت بغير المطلع
فكأنها برق تألق بالحمى ... ثم انطوى فكأنه لم يلمع

قال علي بن محمد الأيادي يصف أسطول القائم فأجاد ما أراد

إعجب لأسطول الإمام محمد ... ولحسنه وزمانه المستغرب
لبست به الأمواج أحسن منظر ... يبدو لعين الناظر المستعجب
من كل مشرقة على ما قابلت ... إشراف صدر الأجدل المتنصب
دهماء قد لبست ثياب تصنع ... تسبي العقول على ثياب ترهب
من كل أبيض في الهواء منشر ... منها وأسحم في الخليج مغيب
كمراءة في البر يقطع سيرها ... في البحر أنفاس الرياح الشذب
محفوفة بمجادف مصفوفة ... في الجانبين دوين صلب صلب
كقوادم النسر المرفرف عريت ... من كاسيات رياشه المتهدب
وتحثها أيدي الرجال إذا ونت ... بمصعد منه بعيد مصوب
خرقاء تذهب إن يد لم تهدها ... في كل أوب للرياح ومذهب
جوفاء تحمل كوكبا في جوفها ... يوم الرهان وتستقل بمركب
ولها جناح يستعار بطيرها ... طوع الرياح وراحة المتطرب
يعلو بها حدب العباب مطارة ... في كل لج زاخر مغلولب
تنصاع من كثب كما نفر القطا ... طورا وتجتمع اجتماع الربرب
(6/173)

ولواحق مثل الأهلة جنح ... لحق المطالب فائتات المهرب
يذهبن فيما بينهن لطافة ... ويجئن فعل الطائر المتغلب
وعلى كواكبها أسود خلافة ... تختال في عدد السلاح المرهب
فكأنما البحر استعار بزيهم ... ثوب الجمال من الربيع المذهب

قال أبو فراس الحمداني يصف قتال سيف الدولة لأهل قنسرين وقبائل العرب

ولما سار سيف الدين سرنا ... كما هيجت آسادا غضابا
أسنته إذا لاقى طعانا ... صوارمه إذا لاقى ضرابا
دعانا والأسنة مشرعات ... فكنا عند دعوته الجوابا
صنائع فاق صانعها ففاقت ... وغرس طاب غارسه فطابا
وكنا كالسهام إذا أصابت ... مراميها فراميها أصابا
فلما اشتدت الهيجاء كنا ... أشد مخالباً وأحد نابا
وأمنع جانبا وأعز جارا ... وأوفى ذمة وأقل عابا
سقينا بالرماح بني قشير ... ببطن العنتر السم المذابا
وسرنا بالخيول إلى نمير ... تجاذبنا أعنتها جذابا
ولما أيقنوا أن لا غياث ... دعوه للمغوثة فاستجابا
وعاد إلى الجميل لهم فعادوا ... وقد مدوا لما يهوى الرقابا
أمر عليهم خوفا وأمنا ... أذقهم به أزيا وصابا
أحلهم الجزيرة بعد يأس ... أخو حلم إذا ملك العقابا
ديارهم انتزعناها اقتسارا ... وأرضهم اغتصبناها اغتصابا
(6/174)

ولو رمنا حميناها البوادي ... كما تحمي أسود الغاب غابا
إذا ما أرسل الأمراء جيشا ... إلى الأعداء أرسلنا الكتابا
أنا ابن الضاربين الهام قدما ... إذا كره المحامون الضرابا
ألم تعلم ومثلك قال حقا ... باني كنت أثقبها شهابا

لابن طباطبا الحسيني في وصف الليل
وتنوفة مد الضمير قطعتها ... والليل فوق إكامها يتربع
ليل يمد دجاه دون صباحه ... آمال ذي الحرص الذي لا يقنع
باتت كواكبه تحوط بقاءه ... في كل أفق منه نجم يلمع
زهر يثير على الصباح طلائعاً ... حول المساء فهن حسرى ضلع
ومتيقظات في المسير كأنها ... باتت تناجي بالذي يتوقع
والصبح يرقب من دجاه غرة ... متضائل من سحقه يتطلع
متنفسا فيه جنانا واهنا ... في كل لحظة ساعة يتشجع
حتى انزوى الليل البهيم لضوئه ... وقد استجاب ظلامه يتقشع
وبدت كواكبه حيارى فيه لا ... تدري بوشل ريالها ما تصنع
متهادلات النور في آفاقها ... مستعبرات في الدجى تسترجع
وكواكب الجوزاء تبسط باعها ... لتعانق الظلماء وهي تودع
وكأنها في الجو نعش أخ ولا ... يبكي ويوقف تارة ويشيع
وكأنما الشعرى العبور وراءها ... ثكلى لها دمع غزير يهمع
وبنات نعش قد برزن حواسر ... قدامها أخواتهن الأربع
(6/175)

عبرى هتكن قناعهن على الدجى ... جزعا وآلت بعد لا تتقنع
وكأن أفقا من تلألؤ نجمه ... عند افتقاد الليل عيني تدمع
والفجر في صوف الهواء مورد ... مثل المدامة في الزجاج تشعشع
يا ليل ما لك لا تغيب كواكبا ... زفراتها وجدا عليك تقطع
لو أن لي بضياء صبحك طاقة ... يا ليل كنت أوده لا يسطع
حذرا عليك ولو قدرت بحيلتي ... جرعته الغصص التي تتجرع
يا صبح هاك شبيبتي فافتك بها ... ودع الدجى بسواده يتمتع
أفقدتني أنسي بأنجمها التي ... أصبحت من فقدي لها أتوجع

للربيع بن زياد العبسي في وصف حرب

قيدت لهم فيلق شهباء كالحة ... بالموت تسري وبالأبطال تقتسر
صريف أنيابها صوت الحديد إذا ... فض الحديد بها أبناؤها الوقر
ودرها الموت يقوى في مخالبها ... للواردين يوافي وردها الصدر
في جوها البيض والماذي مختلط ... والجرد والمرد والخيطة السمر
حتى إذا وجهتها وهي كالحة ... شوهاء منها حمام الموت ينتظر
جاءت بكل كمي معلم ذكر ... في كفه ذكر يسعى به ذكر
مستوردين الوغى للموت ردهم ... يوم الحفاظ على روادهم عسر
لهم سرابيل من ماء الحديد ومن ... نضح الدماء سرابيل لهم أخر
مظاهرات عليهم يوم بأسهم ... لونان جون وأخرى فوقهم حمر
في يوم حتف يهال الناظرون له ... ما إن تبين لهم شمس ولا قمر
(6/176)

فالبيض يهتفن والأبصار خاشعة ... مما ترى وخدود القوم تنعفر
نكسوهم مرهفات غير مجدبة ... يشفي اختراط ظباها من به صعر
هندية كاشتعال النار تقصمهم ... بها مغاوير عن أحسابهم غير

لصفي الدين الحلي في وصف صيد الكراكي عند قدومها من البطائح ورحيلها إلى الجبال في فصل الربيع

أهلا بها قوادماً رواحلاً ... تطوي الفلا وتقطع المراحلا
تذكرت آكام دربنداتها ... وعافت الآجام والسواحلا
أذكرها عرف الربيع إلفها ... فأقبلت لشوقها حواملا
تقرق في الجو بصوت مطرب ... يشوق من كان إليها مائلا
لما رأت حر الصيف مقبلا ... وطيب برد القر ظلا زائلا
أهملت التخبيط في مطارها ... وعسكرت لسيرها قوافلا
تنهض من صرح الجليل تحتها ... بأرجل لبرده قوابلا
قد أنفت أيام كانون لها ... من أن ترى من الحلى عواطلا
فضاعفت الطل لها قلائدا ... والثلج في أرجلها خلاخلا
لما دعاني صاحبي لبرزة ... ونبه الزميل والمقاولا
أجبته مستبشرا بقصدها ... نبهتم ليث عرين باسلا
ثم برزنا نقتفي آثاره ... ونقصد الأملاق والمنهلا
والصبح قد أعمنا بنوره ... لما انثنى جنح الظلام راحلا
وقد أقمنا في المقامات لها ... معالما تحسبها مجاهلا
(6/177)

نرشقها من تحتها ببندق ... يعرج كالشهب إليها واصلا
فما رقي تحت الطيور صاعد ... إلا اغتدى بها البلاء نازلا
لله أيام بهور بابل ... أضحى بها الدهر علينا باخلا
فكم قضينا فيه شملا جامعا ... وكم صحبنا فيه جمعا شاملا

ولصفي الدين الحلي في صفة الشمع

جلت الظلماء باللهب ... إذ بدت في الليل كالشهب
فانجلت في تاجها فجلت ... ظلم الأحزان والكرب
سفرت كالشمس ضاحكة ... من تواري الشمس في الحجب
ما رأينا قبل منظهرا ضاحكا في زي منتحب
كيف لا تحلو ضرائبها ... وبها ضرب من الضرب
خلتها والليل معتكر ... ونجوم الأفق لم تغب
قضبا من فضة غرست ... فوق كثبان من الذهب
أو يواقيتا منضدة ... بين أيدينا على قضب
أو رماحا في العدى طعنت ... فغدت محمرة العذب
أو سهاما نصلها ذهب ... لسوى الظلماء لم تصب
أو أعالي حمر ألوية ... نشرت في جحفل لجب
أو شواظا للقرى رفعت ... تتراءى في ذرى كثب
أو لظى نار الحباحب قد ... لمعت للعين عن لبب
أو عيون الأسد موصدة ... في ذرى غاب من القصب
(6/178)

أو شفيق الروض منتظما ... فوق مجدول من القصب
أو ذرى نيلوفر رفعت ... فوق قضبان من الغرب

وصف القيل لأبي الحسن الجوهري

فيل كرضوى حين يل ... بس من رقاق الغيم بردا
مثل الغمامة ملئت ... أكنافها برقا ورعدا
رأس كقلة شاهق ... كسيت من الخيلاء جلدا
فتراه من فرط الدلا ... ل مصعرا للناس خدا
يزهى بخرطوم مث ... ل الصولجان يرد ردا
يسطو بساريتي لجب ... ن يحطمان الصخر هدا
أذناه مروحتان أس ... ندتا إلى الفودين عقدا
عيناه غائرتان ضي ... قتا لجمع الضوء عمدا
فك كفوهة الخلي ... ج يلوك طول الدهر حقدا
تلقاه من بعد فتحسبه غماماً قد تبدى
متنا كبنيان الخور ... نق مائلا في الدهر كدا
ردفا كدكة عنبر ... متمايل الأوراك نهدا
ذنبا كمثل السوط يضرب حوله ساقا وزندا
يخطو على أمثال أعمدة الخباء إذا تصدى
أو مثل أميال نضد ... ن من الصخور الصم نضدا
متوردا حوض المن ... ية حيث لا يشتاق وردا
(6/179)

متملكا فكأنه ... متطلبٌ ما لا يؤدى
متلفعا بالكبريا ... ء كأنه ملك مفدى
أدنى إلى الشيء البعي ... د يراد من وهم وأهدى
أذكى من الإنسان حتى لو رأى خللا لسدا

وصف الكرمة للطغرائي

وكرمة أعراقها في الثرى ... بعيدة المنزع والمضرب
كريمة تلتف أغصانها م الغضة بالأقرب فالأقرب
يمتاح من قعر الثرى ريها ... أشطانها عفوا ولم تجدب
ألقحها الريح وصوب الحيا ... والشمس في المشرق والمغرب
فأعقبت حاملها بعد ما ... عاشت رمانا وهي لم تعقب
ووضعتها بحمى ينتمي ... إلى أب أكرم به من أب
وألحفتها خضر أوراقها ... معذوبة بالحلب الأعذب
وبدلت خضر عناقيدها ... بأدهم النجوم والأشهب
فاستسلفت ماء وجاءت به ... مدامة كالقبس الملهب
ولم تزل بالرفق حتى اكتسى ... لجينها من صنعها المذهب
فالأشقر المنسوج من نسلها ... سليل ذاك الأشهب المنجب
ترى الثريا من عناقيدها ... تلوح في أخضر كالغيهب
ألوانها شتى وأنواعها ... مثقفات النجر والمنصب
كم سبج فيه وكم جزعة ... صحيحة التدوير لم تثقب
(6/180)

من حالك اللون كجنح الدجى ... وناصع يلمع كالكوكب
أطيب بها حلا ومحظورة ... في كرمها وكأسها الأطيب

زهرية الفقيه أبي الحسن بن زنباع

أبدت لنا الأيام زهرة طيبها ... وتسربلت بنضيرها وقشيبها
واهتز عطف الأرض بعد خشوعها ... وبدت بها النعماء بعد شحوبها
وتطلعت في عنفوان شبابها ... من بعد ما بلغت عتي مشيبها
وقفت عليها السحب وقفة راحم ... فبكت لها بعيونها وقلوبها
فعجبت للأزهار كيف تضاحكت ... ببكائها وتبشرت بقطوبها
وتسربلت حللا تجر ذيولها ... من لدمها فيها وشق جيوبها
فلقد أجاد المزن في إنجادها ... وأجاد حر الشمس في ترتيبها
ما أنصف الخيري يمنع طيبه ... لحضورها ويبيحه لمغيبها
وهي التي قامت عليه بدفئها ... وتعاهدته بدرها وحليبها
فكأنه فرض عليه موقت ... ووجوبه متعلق بوجوبها
وعلى سماء الياسمين كواكب ... أبدت ذكاء العجز عن تغييبها
زهر توقد ليلها ونهارها ... وتفوت شأو خسوفها وغروبها
فتأرجت أرجاؤها بهبوبها ... وتعانقت أزهارها بنكوبها
وتصوبت فيها فروع جداول ... تتصاعد الأبصار في تصويبها
تطفو وترسب في أصول ثمارها ... والحسن بين طفوها ورسوبها
أو ما ترى الأزهار ما من زهرة ... إلا وقد ركبت فقار قضيبها
(6/181)

والطير قد خفقت على أفنانها ... تلقي فنون الشدو في أسلوبها
تشدو وتهتز الغصون كأنما ... حركاتها رقص على تطريبها

قال ابن حمديس الصقلي يصف دارا بناها المنصور بن أعلى ببجاية

أعمر بقصر الملك ناديك الذي ... أضحى بمجدك بيته معمورا
قصر لو أنك قد كحلت بنوره ... أعمى لعاد إلى المقام بصيرا
واشتق من معنى الجنان نسيمه ... فيكاد يحدث بالعظام نشورا
نسي الصبيح مع الفصيح بذكره ... وسما ففاق خورنقا وسديرا
أبصرته فرأيت أبدع منظر ... ثم انثنيت بناظري محسورا
فظننت أني حالم في جنة ... لما رأيت الملك فيه كبيرا
لو أن بالإيوان قوبل حسنه ... ما كان شيئا عنده مذكورا
أعيت مصانعه على الفرس الألى ... رفعوا البناء وأحكموا التدبيرا
ومضت على الروم الدهور وما بنوا ... لملوكهم شهبا له ونظيرا
أذكرتنا الفردوس حين أريتنا ... غرفا رفعت بناءها وقصورا
ومحصب بالدر تحسب تربه ... مسكا تضوع نشره وعبيرا
تستخلف الأبصار منه إذا أتى ... صبحا على غسق الظلام منيرا
ثم ذكر بركة فيه عليها أشجار من ذهب وفضة ترمي فروعها المياه. ثم تفنن وذكر أسودا على حافاتها قاذفة بالمياه أيضا فقال:
وضراغم سكنت عرين رئاسة ... تركت خرير الماء فيه زئيرا
فكأنما غشى النضار جسومها ... وأذاب في أفواهها البلورا
(6/182)

أسد كأن سكونها متحرك ... في النفس لو وجدت هناك مثيرا
وتذكرت فتكاتها فكأنما ... أقعت على أدبارها لتثورا
وتخالها والشمس تجلو لونها ... نارا وألسنها اللواحس نورا
فكأنما سلت سيوف جداول ... ذابت بلا نار فعدن غديرا
وكأنما نسج النسيم لمائه ... درعا فقدر سردها تقديرا
وبديعة الثمرات تعبر نحوها ... عيناي بحر عجائب مسجورا
شجرية ذهبية نزعت إلى ... سحر يؤثر في النهى تأثيرا
قد صوبحت أغصانها فكأنما قبضت بهن من الفضاء طيورا
وكأنما تأبى لوقع طيرها ... أن تستقل بنهضها وتطيرا
من كل واقعة ترى منقارها ... ماء كسلسال اللجين نميرا
خرس تعد من الفصاح فإن شدت ... جعلت تغرد بالمياه صفيرا
وكأنما في كل غصن فضة ... لانت فأرسل خيطها مجروها
وتريك في الصهريج موقع قطرها ... فوق الزبرجد لؤلوءا منثورا
ضحكت محاسنه إليك كأنما ... جعلت لها زهر النجوم ثغورا
ومصفح الأبواب تبرا نظروا ... بالنقش فوق شكوله تنظيرا
وإذا نظرت إلى غرائب سقفه ... أبصرت روضا في السماء نضيرا
وضعت به صناعها أقلامها ... فأرتك كل طريدة تصويرا
وكأنما للشمس فيه ليقةٌ ... مشقوا بها التزويق والتشجيرا
وكأنما اللازرد فيه مخرم ... بالخط في ورق المساء سطورا
(6/183)

الباب السابع في الشعر القديم
نخب من المعلقات
نخبة من معلقة امرئ القيس بن حجر الكندي

وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهوم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فيا لك من ليل كأن نجومه ... بأمراس كتان إلى صمم جندل
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السير من عل
كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل
على الذبل جياش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلي مرجل
مسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن غبارا بالكديد المركل
يزل الغلام الخف عن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثقل
درير كخذروف الوليد أمره ... تتابع كفيه بخيط موصل
له أيطلا ظبي وساق نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
فعن لنا سرب كأن نعاجه ... عذارى دوار في ملاء مذيل
فألحقنا بالهاديات ودونه ... جواحرها في صرة لم تزيل
(6/184)

فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل
فظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
ورحنا يكاد الطرف يقصر دونه ... متى ما ترق العين فيه تسهل
فبات عليه سرجه ولجامه ... وبات بعيني قائما غير مرسل
أصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل
يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أمال سليطا بالذبال المفتل
قعدت له وصحبتي بين ضارج ... وبين العذيب بعد ما متأملي
على قطن بالشيم أيمن صوبه ... وأيسره على الستار فيذبل
فأضحى يسح الماء فوق كتفيه ... يكب على الأذقان دوح الكنهبل
ومر على القنان من نفيانه ... فأنزل منه العصم من كل منزل
وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أطما إلا مشيدا بجندل

نخبة من معلقة طرفة بن العبد البكري

أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد
وآليت لا ينفك كشحي بطانة ... لغضب رقيق الشفرتين مهند
حسام إذا ما قمت منتصرا به ... كفى العود منه البدء ليس بمعضد
أخي ثقة لا ينثني عن ضريبة ... إذا قيل مهلا قال حاجزه قدي
إذا ابتدر القوم السلاح وجدتني ... منيعا إذا بلت بقائمة يدي
وبرك هجود قد أثارت مخافتي ... بواديها أمشي بغضب مجرد
فمرت كهاة ذات خفيف جلالة ... عقيلة شيخ كالوبيل يلندد
(6/185)

يقول وقد تر الوظيف وساقها=ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد
وقال إلا ماذا ترون بشارب ... شديد علينا بغيه متعمد
فقال ذروه إنما نفعها له ... وإلا تكفوا قاصي البرك يزدد
فظل الإماء يمتللن حوارها ... وتسعى علينا بالسديف المسرهد
فإن مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
ولا تجعليني كامرئ ليس همه ... كهمي ولا يغني غنائي ومشهدي
بطيء عن الجلى سريع إلى الخنا ... ذلول بأجماع الرجال ملهد
فلو كنت وغلافي الرجال لضرني ... عداوة ذي الأصحاب والمتوحد
ولكن نفى عني الرجال جراءتي ... عليهم وإقدامي وصدقي ومحتدي
لعمرك ما أمري علي بغمة ... نهاري ولا ليلي علي بسرمد
ويوم حبست النفس عند عراكها ... حفاظا على عوراته والتهدد
على موطن يخشى الفتى عنده الردى ... متى تعترك فيه الفرائص ترعد
وأصفر مضبوح نظرت حوازه ... على النار واستودعته كف مجمد
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتا ولم تضرب له وقت موعد

نخبة من معلقة زهير أبي سلمى المزني

فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم
يمينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم
سعى الله ساعيا غيظ بن مرة بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم
(6/186)

تدار كتما عبسا وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا ... بمال ومعروف من القول نسلم
فأصبحتما منها على خير موطن ... بعيدين فيها من عقوق ومأثم
عظيمين في عليا معد هديتما ... ومن يستبح كنزا من المجد يعظم
تعفى الكلوم بالمئين فأصبحت ... ينجمها من ليس فيها بمجرم
فأصبح يجري فيهم من تلاكم ... مغانم شتى من إفال مزنم
إلا أبلغ الأحلاف عني رسالة ... وبيان هل أقسمتم كل مقسم
فلا تكتمن الله ما في صدوركم ... ليخفي ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا ضريتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثقالها ... وتلقح كشافا ثم تنتج فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم
رعوا ظمأهم حتى إذا تم أوردوا ... غمارا تفرى بالسلاح وبالدم
فقضموا منايا بينهم ثم أصدروا ... إلى كلأ مستوبل متوخم
لعمرك ما جرت عليهم رماحهم ... دم ابن نهيك أو قتيل المثلم
ولا شاركت في الموت في دم نوقل ... ولا وهب منها ولا ابن المخزم
(6/187)

فكلا أراهم أصبحة يعقلونه=صحيحات مال طالعات بمخرم
لحي حلال يعصم الناس أمرهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم
كرام فلاذوا الضغن يدرك تبله ... لديهم ولا الجاني عليهم بمسلم
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم
ومن يوف لا يذمم ومن يهد قبله ... إلى مطمئن البر لا يتجمجم
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... وإن يرق أسباب السماء بسلم
ومن يجعل المعروف في غير أهله ... يكن حمده ذماً عليه ويندم
ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهذم
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
ومن يغترب يحسب عدوا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
ومن لم يزل يسترحل الناس نفسه ... ولا يعفها يوما من الذل يندم
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وكأين ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
(6/188)

وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده ... وإن الفتى بعد السفاهة يحلم
سألنا فأعطيتم وعدنا وعدتم ... ومن أكثر التسآل يوما سيحرم

نخبة من معلقة لبيد بن ربيعة العامري

اقطع لبانة من تعرض وصله ... ولخير واصل خلة صرامها
بطليح أسفار تركن بقية ... منها فأحنق صلبها وسنامها
وإذا تغالى لحمها وتحسرت ... وتقطعت بعد الكلال خدامها
فلها هباب في الزمام كأنها صهباء خف مع الجنوب جهامها
أفتلك أم وحشية مسبوعة ... خذلت وهادية الصوار قوامها
خنساء ضيعت الفرير فلم ترم ... عرض الشقائق طوفها وبغامها
لمعفر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب لا يمن طعامها
صادفن منها غرة فأصبنها ... إن المنايا لا تطيش سهامها
باتت وأسبل واكف من ديمة ... تروي الخمائل دائما تسجامها
تجتاف أصلا قالصا متنبذا ... بعجوب أنقاء يميل هيامها
يعلو طريقة متنها متواتر ... في ليلة كفر النجوم غمامها
وتضيء في وجه الظلام منيرة ... كجمانة البحري سل نظامها
حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت ... بكرت تزل عن الثرى أزلامها
علهت تردد في نهاء صعائد ... سبعا تؤاما كاملا أيامها
حتى إذا يئست وأسحق حالق ... لم يبله إرضاعها وفطامها
وتسمعت زر الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها
(6/189)

فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها
حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا ... غضفا دواجن قافلا أعصامها
فلحقن واعتكرت لها مدرية ... كالسمهرية حدها وتمامها
لتذودهن وأيقنت إن لم تذد ... أن قد أحم من الحتوف حمامها
فتقصدت منها كساب فضرجت ... بدم وغودر في المكر سخامها
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أردية السراب إكامها
أقضى اللبانة لا أفرط ريبة ... أو أن يلوم بحاجة لوامها
وغداة ريح قد وزعت قرة ... قد أصبحت بيد الشمال زمامها
ولقد حميت الحي تحمل شكتي ... فرط وشاحي إذ غدوت لجامها
فعلوت مرتقبا على ذي هبوة ... حرج إلى أعلامهن فتامها
حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها
أسهلت وانتصب كجذع منيفة ... جرداء يحصر دونها جرامها
رفعتها طرد النعام وفوقه ... حتى إذا سحنت وخف عظامها
قلقت رحالتها وأسبل نحرها ... وابتل من زبد الحميم حزامها
ترقى وتطعن في العنان وتنتحي ... ورد الحمامة إذ أجد حمامها
وكثيرة غرباؤها مجهولة ... ترجى نوافلها ويخشى ذامها
غلب تشذر بالذخول كأنها ... جن البدي رواسيا أقدامها
أنكرت باطلها وبؤت بحقها ... عندي ولم يفخر علي كرامها
وجزور أيسار دعوت لحتفها ... بمغالق متشابه أجسامها
(6/190)

أدعو بهن لعاقر أو مطفل ... بذلت لجيران الجميع لحامها
فالضيف والجار الجنيب كأنما ... هبطا تبالة مخصبا أهضامها
تأوي إلى الأطناب كل رذية ... مثل البلية قالص أهدامها
ويكللون إذا الرياح تناوحت ... خلجا تمد شوارعا أيتامها
إنا إذا التقت المجامع لم يزل ... منا لزاز عظيمة جشامها
ومقسم يعطي العشيرة حقها ... ومغذمر لحقوقها هضامها
فضلا وذو كرم يعين على الندى ... سمح كسوب رغائب غنامها
من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها
إن يفزعوا تلق المغافر عندهم ... والسن تلمع كالكواكب لامها
لا يطبعون ولا تبور فعالهم ... إذ لا تميل مع الهوى أحلامها
فاقنع بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلائف بيننا علامها
وإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأوفر حظنا قسامها
فبنى لنا بيتا رفيعا سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها
فهم السعاة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها
وهم ربيع للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها
وهم العشيرة أن يبطئ حاسد ... أو أن يميل مع العدو لئامها

نخبة من معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي

أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا
بأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا
(6/191)

وأيام لنا غر طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا
وسيد معشر قد توجوه ... بتاج الملك يحمي الحجرينا
تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلدة أعنتها صفونا
وأنزلنا البيوت بذي طلوح ... إلى الشامات ننفي الموعدينا
وقد هرت كلاب الحي منا ... وشذبنا قتادة من يلينا
متى تنقل إلى قوم رحانا ... يكونوا في اللقاء لها طحينا
يكون ثفالها شرقي نجد ... ولهوتها قضاعة أجميعينا
نزلتم منزل الأضياف منا ... فعجلنا القرى أن تشتمونا
قريناكم فعجلنا قراكم ... قبيل الصبح مرداة طحونا
نعم أناسنا ونعف عنهم ... ونحمل عنهم ما حملونا
نطاعن ما تراخى الناس عنا ... ونضرب بالسيوف إذا غشينا
بسمر من قنا الخطي لدن ... ذوابل أو ببيض يعتلينا
كأن جماجم الأبطال فيها ... وسوق بالأماغر يرتمينا
نشق بها رؤوس القوم شقا ... ونختلب الرقاب فيختلينا
وإن الضغن بعد الضغن يفشو ... عليك ويخرج الداء الدفينا
ونحن إذا عماد الحي خرت ... على الأحفاض نمنع من يلينا
نجذ رؤوسهم في غير بر ... فما يدرون ماذا يتقونا
كأن سيوفنا منا ومنهم ... ومخاريق بأيدي لاعبينا
(6/192)

كأن ثيابنا منا ومنهم خضبن بأرجوان أو طلينا
إذا ما عي بالإسناف حي ... من الهول المشبه أن يكونا
نصبنا مثل رهوة ذات حد ... محافظة وكنا السابقينا
بشبان يرون القتل مجدا ... وشيب في الحروب مجربينا
حديا الناس كلهم جميعا ... مقارعة بينهم عن بنينا
فأما يوم خشينا عليهم ... فتصبح خيلنا عصبا ثبينا
وأما يوم لا نخشى عليهم ... فنمعن غارة متلببينا
برأس من بني جشم بن بكر ... ندق به السهولة والحزونا
ألا لا يعلم الأقوام أنا ... تضعضعنا وأنا قد ونينا
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
بأي مشية عمرو بن هند ... نكون لقيلكم فينا قطينا
بأي مشية عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
تهددنا وتوعدنا رويدا ... متى كنا لمك مقتوينا
فإن قناتنا يا عمرو أعيت ... على الأعداء قبلك أن تلينا
إذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولته عشوزنة زبونا
فهل حدثت في جشم بن بكر ... بنقص في خطوب الأولينا
ورثنا مجد علقمة بن سيف ... أباح لنا حصون المجد دينا
ورثت مهلهلا والخير منه ... زهير نعم ذخر الذاخرينا
(6/193)

وعتابا وكلثوما جميعا ... بهم نلنا تراث الأكرمينا
وذا البرة الذي حدث عنه ... به نحمى ونحمي الملتجينا
ومنا قبله الساعي كليب ... فأي المجد إلا قد ولينا
متى نعقد قرينتنا بحبل ... تجد الحبل أو تقص القرينا
ونوجد نحن أمنعهم ذمارا ... وأوفاهم إذا عقدوا يمينا
ونحن غداة أوقد في خزازى ... رفدنا فوق رفد الرافدينا
وكنا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو أبينا
فصالوا صولة فيمن يليهم ... وصلنا صولة فيمن يلينا
فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا
إليكم يا بني بكر إليكم ... ألما تعرفوا منا اليقينا
ألما تعلموا منا ومنكم ... كتائب يطعن ويرتمينا
علينا البيض واليلب اليماني ... وأسياف يقمن وينحنينا
علينا كل سابغة دلاصٍ ... ترى فوق النطاق لها غضونا
إذا وضعت عن الأبطال يوما ... رأيت لها جلود القوم جونا
كأن غضونهن متون غدر ... تصفقها الرياح إذا جرينا
وتحملنا غداة الروع جرد ... عرفن لنا نقائذ وافتلينا
وردن دوارعا وخرجن شعثا ... كأمثال الرصائع قد بلينا
ورثناهن عن آباء صدق ... ونورثها إذا متنا بينينا
على آثارنا بيض حسان ... نحاذر أن تقسم أو تهونا
(6/194)

ظعائن من بني جشم بن بكر ... خلطن بميسم حسبا ودينا
يقتن جيادنا ويقلن لستم ... بعولتنا إذا مل تمنعونا
أخذن على بعولتهن عهدا ... إذا لاقوا كتائب معلمينا
ليستلبن أفراسا وبيضا ... وأسرى في الحديد مقرنينا
ترانا بارزين وكل حي ... قد اتخذوا مخافتنا قرينا
وإنا العاصمون بكل كحل ... وإنا الباذلون لمجتدينا
وإنا المانعون لمن يلينا ... إذا ما البيض فارقت الجفونا
كأنا والسيوف مسللات ... ولدنا الناس طرا أجمعينا
يدهدهن الرؤس كما يدهدي ... حزاورة بأبطحها الكرينا
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحابنينا
بأنا الطامعون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا ابتلينا
وأنا المانعون لما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا
وأنا التاركون إذا سخطنا ... وأنا الآخذون إذا رضينا
وأنا العاصمون إذا أطعنا ... وأنا العازمون إذا عصينا
ونشرب إن وردنا الماء صفوا ... ويشرب غيرنا كدرا وطينا
ألا أبلغ بني الطماح عنا ... ودعميا فكيف وجدتمونا
إذا ما الملك سام الناس خسفا ... أبينا أن نقر الخسف فينا
ملآنا البر حتى ضاق عنا ... وظهر البحر نملأه سفينا
لنا الدنيا ومن أضحى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا
(6/195)

إذا بلغ الفطام لنا صبي ... تخر له الجبابر ساجدينا

نخبة من معلقة الحارث بن حلزة اليشكري

وأتانا من الحوادث والأن ... باء خطب نعنى به ونساء
أن إخوننا الأراقم يغلو ... ن علينا في قيلهم وإحفاء
يخلطون البري منا بذي الذن ... ب ولا ينفع الخلي الخلاء
زعموا أن كل من ضرب العي ... ر موال لنا وأنا الولاء
أجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
من مناد ومن مجيب ومن تص ... هال خيل خلال ذاك رغاء
أيا الناطق المرقش عنا ... عند عمرو وهل لذاك بقاء
لا تخلنا على غراتك إنا ... قبلما قد وشى بنا الأعداء
فبقينا على النشاءة تنمي ... نا حصون وعزة قعساء
قبل ما اليوم بيضت بعيون النماس فيها تغيظ وإباء
فكأن المنون تردي بنا أر ... عن جونا ينجاب عنه العماء
مكفهرا على الحوادث لا تر ... توه للدهر مؤيد صماء
إرمي بمثله جالت الخي ... ل وتأبى لخصمها الإجلاء
ملك مقسط وأفضل من يم ... شي ومن دون ما لديه الثناء
أيما خطة أردتم فأدو ... ها إلينا تسعى بها الأملاء
إن نبشتم ما بني ملحة فالصا ... قب فيه الأموات والحياء
أو نقشتم فالنقش يحشمه النا ... س وفيه الإسقام والإبراء
(6/196)

أو سكتم عنا فكنا كمن أغ ... مض عينا فيها جفنها الأقذاء
أو منعتم ما تسألون فمن حدمثتموه له علينا العلاء
هل علمتم أيام ينهب النا ... س غوارا لكل حي عواء
إذا رفعنا الجمال من سعف البح ... رين سيرا حتى نهاها الحساء
ثم ملنا على تميم فأحرم ... نا وفينا بنات قوم إماء
لا يقيم العزيز بالبلد السه ... ل ولا ينفع الذليل النجاء
ليس ينجي الذي يوائل منا ... رأس طود وحرة رجلاء
ملك أضرع البرية لا يو ... جد فيها لما لديه كفاء
كنكاليف قومنا إذ غزا المن ... ذر هل نحن لابن هند رعاء
ما أصابوا من تغلبي فمطلو ... ل عليه إذا أصيب العفاء
أيها الناطق المبلغ عنا ... عند عمرو وهل لذاك انتهاء
من لنا عنده من الخير آيا ... ت ثلاث في كلهن القضاء
آية شارق الشقيقة إذ جا ... ءت معد لكل حي لواء
حول قيس مستلئمين بكبش ... قرظي كأنه عبلاء
وصتيت من العواتك لا تن ... هاه إلا مبيضة رعلاء
فرددناهم بطعن كما يخ ... رج من خربة المزاد الماء
وحملناهم على حزم ثهلا ... ن شلالا ودمي النساء
وجبهناهم بطعن كما تن ... هز في جمة الطوي الدلاء
وفعلنا بهم كما علم الله وما إن للحائنين دماء
(6/197)

ثم حجرا أعني ابن أم قطام ... وله فارسية خضراء
أسد في اللقاء ورد هموس ... وربيع إن شمرت غبراء
وفككنا غل امرئ القي عنه ... بعدما طال حبسه والعناء
ومع الجون جون آل بني الأو ... س عنود كأنها دفواء
ما جزعنا تحت العجاجة إذ ولوا شلالا وإذا تلظى الصلاء
وأقدناه رب غسان بالمن ... ذر كرها إذ لا تكال الدماء
وأتيناهم بتسعة أملا ... ك كرام أسلابهم أغلاء
وولدنا عمرو بن أم إياس ... من قريب لما أتانا الحباء
مثلها تخرج النصيحة للقو ... م فلاة من دونها أفلاء
فاتركوا الطيخ والتعدي وإما ... تتعاشوا ففي التعاشي الداء
واذكروا حلف ذي المجاز وما قدم فيه العهود والكفلاء
حذر الجور والتعدي وهل ين ... قض ما في المهارق الأهواء
وأعلموا أننا وإياكم في ... ما اشترطنا يوم احتلفنا سواء
عنناً باطلاً وظلماً كما تع ... تر عن حجرة الربيض الظباء
أعلينا جناح كندة أن يغ ... نم غازيهم ومنا الجزاء
أم علينا جرى إياد كما ني ... ط بجون المحمل الأعباء
ليس منا المضربون ولا قي ... س ولا جندل ولا الحذاء
وثمانون من تميم بأيدي ... هم رماح صدورهن القضاء
(6/198)

تركوهم ملحبين وآبوا ... بنهاب يصم منها الحداء
أم علينا جرى حنيفة أم ما ... جمعت من محارب غبراء
أم علينا جرى قضاعة أو لي ... س علينا فيما جنوا أنداء
ثم جاءوا يسترجعون فلم تر ... جع لهم شامة ولا زهراء
لم يحلوا بني زراح ببرقا ... ء نطاع لهم عليهم دعاء
ثم فاؤا منهم بقاصمة الظهر ولا يبرد الغليل الماء
ثم خيل من بعد ذاك مع العملاق لا رأفة ولا إبقاء
وهو الرب والشهيد على يو ... م الحيارين والبلاء بلاء

نخبة من معلقة عنتر بن شداد العبسي

هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
إذا لا أزال على راحلة سابح ... نهد تعاوره الكماة مكلم
طورا يجرد للطعان وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرمرم
يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم
ومدجج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هربا ولا مستسلم
جادت يداي له بعاجل طعنة ... بمثقف صدق الكعوب مقوم
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمجرم
فتركته جزر السباع ينشنه ... يقضمن حسن بنانه والمعصم
مشك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
ربذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم
(6/199)

لما رآني قد نزلت أريده ... أبدى نواجذه بغير تبسم
عهدي به مد النهار كأنما ... خضب البنان ورأسه العظلم
فطعنته بالرمح ثم علوته ... بمهند صافي الحديدة مخدم
بطل كأن ثيابه فس سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم
نبئت عمرا غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم
ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
في حومة الحرب التي لا تشتكي ... غمراتها الأبطال غير تغمغم
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي
لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم
يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم
مازلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
والخيل تقتحم الخبار عوابسا ... من بين شيظمة وأجرد شيظم
ذلل ركابي حيث شئت مشايعي ... لبي وأحفزه بأمر مبرم
ولقد خشيت بأن أموت ولم تكن ... للحرب دائرة على ابني ضمضم
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم القهما دمي
إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعم
(6/200)

لامية العرب

أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل
فقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وشدت لطيات مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متعزل
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
ولي دونكم أهلون سيد عملس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيأل
وهم الأهل لا مستودع السر ذائع ... لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
ولك أبي باسل غير أنني ... إذا عرضت أولى الطرائد أبسل
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وما ذاك إلا بسطة عن تفضل ... عليهم وكان الأفضل المتفضل
وإني كفاني فقد من ليس جازيا ... بحسني ولا في قربه متعلل
ثلاثة أصحاب فؤاد مشيع ... وأبيض إصليت وصفراء عطيل
إذا زل عنها السهم حنت كأنها ... مرزأة عجلى ترن وتعول
ولست بمهياف يعشي سوامه ... مجدعة سقبانها وهي بهل
ولا جباء أكهى مرب بعرسه ... يطالعها في شأنه كيف يفعل
ولا خرق هيق كأن فؤاده ... يظل به المكاء يعلو ويسفل
ولا خالف دارية متغزل ... يروح ويغدو داهنا يتكحل
ولست بعل شره دون خيره ... ألف إذا ما رعته اهتاج أعزل
(6/201)

ولست بمحيار الظلام إذا انتحت ... هدى الهوجل العسيف يهماء هوجل
إذا الأمعز الصوان لاقى مناسمي ... تطاير منه قادح ومفلل
أديم مطال الجوع حتى أميته ... وأضرب عند الذكر صفحا فأذهل
وأستف ترب الأرض كيلا يرى له ... علي من الطول امرؤ متطول
ولولا اجتناب الذأم لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لدي ومأكل
ولكن نفسا مرة لا تقيم بي ... على الضيم إلا ريثما أتحول
وأطوي على الخمص الحوايا كما انطوت ... خيوطة ماري تغاري وتفتل
وأغدو على القوت الزهيد كما غدا ... أزل تهادله التنائف أطحل
غدا طاويا يعارض الريح هافيا ... يخوت بأذناب الشعاب ويعسل
فلما لواه القوت من حيث أمه ... دعا فأجابته نظائر نحل
مهلهملة شيب الوجوه كأنها ... قداح بكفي ياسر تتقلقل
أو الخشرم المبعوث حثحت دبره ... محا بيض أرداهن سام معسل
مهرته فوه كأن شدوقها ... شقوق العصي كالحات وبسل
فضج وضجت بالبراح كأنها ... وإياه نوح فوق علياء ثكل
وأغضى وأغضت واتسى واتست به ... مراميل عزاها وعزته مرمل
شكا وشكت ثم ارعوى بعد وارعوت ... وللصبر إن لم ينفع الشكو أجمل
وفاء وفاءت بادرات وكلها ... على نكظ مما يكاتم مجمل
وتشرب أسآري القطا الكدر بعدما ... سرت قربا أحناؤها تتصلصل
هممت وهمت وابتدرنا وأسدلت ... وشمر مني فارط متمهل
(6/202)

فوليت عنها وهي تكبو لعقره ... يباشره منها ذقون وحوصل
كأن وغاها حجرتيه وحوله ... أضاميم من سفر القبائل نزل
توافين من شتى إليه فضمها ... كما ضم أذواج الأصاريم منهل
فعبت غشاشا ثم مرت كأنها ... مع الصبح ركب من أحاظة مجفل
وآلف وجه الأرض عند افتراشها ... بأهدأ تنبيه سناسن قحل
وأعدل منحوضا كأن فصوصه ... كعاب دحاها لاعب فهي مثل
فإن تبتئس بالشنفرى أم قسطل ... لما اغتبطت بالشنفرى قبل طول
طريد جنايات تياسرن لحمه ... عقيرته لأيها حم أول
تنام إذا ما نام يقظى عيونها ... حثاثا إلى مكروهه تتغلغل
وإلف هموم ما تزال تعوده ... عيادا كحمى الربع أو هي أثقل
إذا وردت أصدرتها ثم إنها ... تثوب فتأتي من تحيت ومن عل
فإما تريني كابنة الرمل ضاحيا ... على رقة أحفى ولا أتنعل
فإني لمولى الصبر أجتاب بزه ... على مثل قلب السمع والحزم أنعل
وأعدم أحيانا وأغنى وإنما ... ينال الغنى ذو البعدة المتبذل
فلا جزع من خلة متكشف ... ولا مرح تحت الغنى أتخيل
ولا تزدهي الأجهال حلمي ولا أرى ... سؤولا بأعقاب الأقاويل أنمل
وليلة نحس يصطلي القوس ربها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبل
دعست على غطش وبغش وصحبتي ... سعار وإرزيز ووجر وأفكل
فأيمت نسوانا وأيتمت ولدة ... وعدت كما أبدأت والليل أليل
(6/203)

وأصبح عني بالغميضاء جالسا ... فريقان مسؤل وآخر يسأل
فقالوا لقد هرت بليل كلابنا ... فقلنا أذئب عس أم عس فرعل
فلم تك إلا نبأة ثم هومت ... فقلنا قطاة ريع أم ريع أجدل
فإن يك من جن لأبرح طارقا ... وإن يك إنساً ما كها الإنس تفعل
ويوم من الشعرى يذوب لعابه ... أفاعيه في رمضائه تتململ
نصبت له وجهي ولا كن دونه ... ولا ستر إلا الأتحمي المرعيل
وضاف إذا هبت له الريح طيرت ... لبائد عن أعطافه ما ترجل
وحرق كظهر الترس قفر قطعته ... بعاملتين ظهره ليس يعمل
وألحقت أولاه بأخراه موفيا ... على قنة أقعي مرارا وأمثل
ترود الأراوي الضخم حولي كأنها ... عذارى عليهن الملأ المذيل
ويركدن بالآصال حولي كأنني ... من العصم أدفى ينتحي الكيح أعقل

نخبة من لامية العجم للطغرائي*

أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
مجدي أخيرا ومجدي أولا شرع ... والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
فيم الإقامة بالزوراء لا سكني ... بها ولا ناقتي فيها ولا جملي
ناء عن الأهل صفر الكف منفردٌ ... كالسيف عري متناه من الخلل
فلا صديق إليه مشتكي حزنى ... ولا أنيس إليه منتهى جذلي
طال اغترابي حتى حن راحلتي ... ورحلها وقرى العسالة الذبل
(6/204)

وضج من لغب نضوي وعج لما=يلقى ركابي ولج الركب في عذلي
أريد بسطة كف أستعين بها ... على قضاء حقوق للعلى قبلي
والدهر يعكس آمالي ويقنعني ... من الغنيمة بعد الكد بالقفل
حب السلامة يثني هم صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا ... في الأرض أو سلما في الجو فاعتزل
ودع عمار العلى للمقدمين على ... ركوبها واقتنع منهن بالبلل
يرضى الذليل بخفض العيش يخفضه ... والعز بين رسيم الأنيق الذلل
فادرأ بها في نحور البيد حافلة ... معارضات مثاني اللجم بالجدل
إن العلى حدثتني وهي صادقة ... فيما تحدث أن العز في النقل
لو أن في شرف المأوى بلوغ منى ... لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل
أهبت بالحظ لو ناديت مستمعا ... والحظ عني بالجهال في شغل
لعله إن بدا فضلي ونقصهم ... لعينه نام عنهم أو تنبه لي
أعلل النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
لم ارتض العيش والأيام مقبلة ... فكيف أرضى وقد ولت على عجل
غالى بنفسي عرفاني بقيمتها ... فصنتها عن رخيص القدر مبتذل
وعادة النصل أن يزهو بجوهره ... وليس يعمل إلا في يدي بطل
ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني ... حتى أرى دولة الأوغاد والسفل
تقدمتني أناس كان شوطهم ... وراء خطوي إذا أمشي على مهل
هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا ... من قبله فتمنى فسحة الأجل
(6/205)

وإن علاني من دوني فلا عجب=لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتل ولا ضجر ... في حادث الدهر ما يغني عن الحيل
أعدى عدوك أدنى من وثقت به ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل
وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على رجل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول والعمل
وحسن ظنك بالأيام معجزة ... فظن شرا وكن منها على وجل
وشان صدقك عند الناس كذبهم ... وهل يطابق معوج بمعتدل
إن كان ينجع شيء في ثباتهم ... على العهود فسبق السيف للعذل
يا واردا سؤر عيش كله كدر ... أنفقت عمرك في أيامك الأول
فيم اعتراضك لج البحر تركبه ... وأنت يكفيك منه مصة الوشل
ملك القناعة لا يخشى عليه ولا ... تحتاج فيه إلى الأنصار والخول
ترجو البقاء بدار لا ثبات لها ... فهل سمعت بظل غير منتقل
ويا خبيرا على الأسرار مطلعا ... أنصت ففي الصمت منجاة من الزلل
قد رشحوك لأمر إن فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

قصيدة النابغة يعتذر بها إلى النعمان وكان قد جفاه

يا دار مية في العلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد
وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيت جوابا وما بالربع من أحد
إلا أواري لأيا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
(6/206)

خلت سبيل أتي كان يحبسه ... ورفعته إلى السجفين فالنضد
أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لبد
فعد عما مضى إذ لا ارتجاع له ... وانم القتود على عيرانة أجد
مقذوفة بدخيس النحض بازلها ... له صريف صريف القعو بالمسد
كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وحد
من وحش وجرة موشي أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصقيل الفرد
سرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي المشال عليه جامد البرد
فارتاع من صوت كلاب فبات له ... طوع الشوامت من خوف ومن صرد
فبثهن عليه واستمر به ... صمع الكعوب بريئات من الحرد
فهاب ضمران منه حيث يوزعه ... طعن المعارك عند المحجر النجد
شك الفريصة بالمدرى فأنقذها ... شك المبيطر إذ يشفي من العضد
كأنه خارجا من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عند مفتأد
فظل يعجم أعلى الروق منقبضا ... في حالك اللون صدق غير ذي أود
لما رأى واشق إقعاص صاحبه ... ولا سبيل إلى عقل ولا قود
قالت له النفس إني لا أرى طمعا ... وإن مولاك لم يسلم ولم يصد
فتلك تبلغني النعمان إن له ... فضلا على الناس في الأدنى وفي البعد
ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... وما أحاشي من الأقوام من أحد
إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند
وخيس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد
(6/207)

فمن أطاع أعقبه بطاعته ... كما أطاعك واد لله على الرشد
ومت عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى المظلوم ولا تقد على ضمد
إلا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد
فلا لعمر الذي قد زرته حججا ... وما هريق على الأنصاب من جسد
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذا فلا رفعت سوطي إلي يدي
إذا فعاقبني ربي معاقبة ... قرت بها عين من يأتيك بالحسد
هذا لأبرأ من قول قذفت به ... طارت نوافذه حرى على كبدي
مهلا فداء لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مال ومن ولد
لا تقذفني بركن لا كفاء له ... ولو تأثفك الأعداء بالرفد
فما الفرات إذا جاشت غواربه ... ترمي أواذيه العبرين بالزبد
يمده كل واد مزبد لجب ... فيه حطام من الينبوت والخضد
يظل من خوفه الملاح معتمصاً ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد
يوما بأجود منه سيب نافلة ... ولا يحول عطاء اليوم دون غد
أنبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد
هذا الثناء فإن تسمع لقائله ... فما عرضت أبيت اللعن بالصفد
ها إن تا عذرة إن لم تكن نفعت ... فإن صاحبها قد تاه في البلد

نخبة من قصيدة الأعشى ميمون بن قيس بن جندل

أبلغ يزيد بني شيبان مألكةً ... أبا ثبيتٍ أما تنفك تأتكل
الست منتهيا من نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت الإبل
(6/208)

تغري بنا رهط مسعود وإخوته ... يوم اللقاء فيردي ثم تعتزل
كناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
لا أعرفنك إن جدت عداوتنا ... والتمس النصر منكم عوض تحتمل
تلحم أبناء ذي الجدين إن غضبوا ... أرماحنا ثم تلقاهم وتعتزل
لا تقعدن وقد أكلتها حطبا ... تعوذ من شرها يوما وتبتهل
سائل بني أسد عنا فقد علموا ... أن سوف يأتيك من أبنائنا شكل
واسأل قشيراً وعبد الله كلهم ... واسأل ربيعة عنا كيف نفتعل
إنا نقاتلهم حتى نقتلهم ... عند اللقاء وإن جاروا وإن جهلوا
قد كان في آل كهف إن هم احتربوا ... والجاشرية من يسعى وينتضل
إني لعمر الذي حطت مناسمها ... تخدي وسيق إليه الباقر الغيل
لئن قتلتم عميدا لم يكن صددا ... لنقتلن مثله منكم فنمتثل
وإن منيت بنا في ظل معركة ... لا تفلنا من دماء القوم ننتقل
لا ينتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يهلك فيه الزيت والفتل
حتى يظل عميد القوم مرتفقا ... يدفع بالراح عنه نسوة عجل
أصابه هندواني فأقصده ... أو ذابل من رماح الخط معتدل
كلا زعمتم بأنا لا نقاتلكم ... إنا لأمثالكم يا قومنا قتل
نحن الفوارس يوم الحنو ضاحية ... جنبي فطيمة لا ميل ولا عزل
قالوا الطراد فقلنا تلك عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل
قد نخضب العير من مكنون فائله ... وقد يشيط على أرماحنا البطل
(6/209)

الباب الثامن في المراثي
رثاء أعرابية لابنها

أيا ولدي قد زاد قلبي تلهبا ... وقد حرقت مني الشؤون المدامع
وقد أضرمت نار المصيبة شعلة ... وقد حميت مني الحشا والأضالع
وأسأل عنك الركب هل يخبرونني ... بحالك كيما تستكن المضاجع
فلم يك فيهم مخبر عنك صادق ... ولا فيهم من قال إنك راجع
فيا ولدي مذ غبت كدرت عيشتي ... فقلبي مصدوع وطرفي دامع
وفكري مسقوم وعقلي ذاهب ... ودمعي مسفوح وداري بلاقع

لكعب بن سعد الغنوي في أخيه أبي المغوار

تتابع أحداث تخر من إخوتي ... فشيبن رأسي والخطوب تشيب
لعمري لئن كانت أصابت منية ... أخي والمنايا للرجال شعوب
لقد كان أما حلمه فمروح ... علي وأما جهله فغريب
أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب
أخ كان يكفيني وكان يعينني ... على النائبات السود حين تنوب
حليم إذا ما سورة الجهل أطلقت ... حبي الشيب للنفس اللجوج غلوب
هو العسل الماذي حلما وشيمة ... وليث إذا لاقى العداة قطوب
هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا ... وماذا يؤدي الليل حين يؤوب
(6/210)

هوت أمه ماذا تضمن قبره ... من المجد والمعروف حين يثيب
أخو سنوات يعلم الضيف أنه ... سيكثر ما في قدره ويطيب
حبيب إلى الزوار غشيان بيته ... جميل المحيا شب وهو أديب
إذا قصرت أيدي الرجال عن العلى ... تناول أقصى المكرمات كسوب
جموع خلال الخير من كل جانب ... إذا حل مكروه بهن ذهوب
مفيد لملقى الفائدات معاود ... لفعل الندى والمكرمات ندوب
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبا المغوار منك قريب
يجبك كما قد كان يفعل إنه ... بأمثاله رحب الذراع أريب
أتاك سريعا واستجاب إلى الندى ... كذلك قبل اليوم كان يجيب
فتى ما يبالي أن تكون بجسمه ... إذا حال حالات الرجال شحوب
إذا ما تراءى للرجال رأيته ... فلم ينطقوا اللغواء وهو قريب
على خير ما كان الرجال رأيته ... وما الخير إلا طعمة ونصيب
حليف الندى يدعو الندى فيجيبه ... سريعا ويدعوه الندى فيجيب
غياث لعان لم يجد من يغثه ... ومختبط يغشى الدخان غريب
عظيم رماد النار رحب فناؤه ... إلى سند لم تحتجبه عيوب
حليم إذا لم الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب
غنينا بخير حقبة ثم حجت ... علينا التي كل الأنام تصيب
فأبقت قليلا ذاهبا وتجهزت ... لآخر والراجي الحياة كذوب
(6/211)

وأعلم أن الباقي الحي منهم ... إلى أجل أقصى مداه قريب
لقد أفسد الموت الحياة وقد أتى ... على يومه علق علي جنيب
فإن تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب
وإني لباكيه وإني لصادق ... عليه وبعض القائلين كذوب
فلوك كانت الدنيا تباع اشتريته ... بها إذ به كان النفوس تطيب
فوالله لا أنساه ما ذر شارق ... وما اهتز بي فرع الأراك قضيب

قال دريد بن الصمة في مقتل أخيه عبد الله

تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا ... فقلت أعبد الله ذلكم الردي
فإن يك عبد الله خلى مكانه ... فما كان وقافا ولا طائش اليد
دعاني أخي والخيل بيني وبينه ... فلما دعاني لم يجدني بقعدد
فجئت إليه والرماح تنوشه ... كوقع الصياصي في النسيج الممدد
فطاعنت عنه الخيل حتى تنفست ... وحتى علاني حالك اللون أسود
فما رمت حتى خرقتني رماحهم ... وغودرت أكبو في القنا المتقصد
قتال امرئ آسى أخاه بنفسه ... ويعلم أن المرء غير مخلد
كميش الإزار خارج نصف ساقه ... بعيد عن الآفات طلاع أنجد
قليل التشكي للمصيبات حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
سليم الشظى عبل السوابح والشوى ... طويل القنا نهد نبيل المقلد
يفوت طويل القوم عقد عذاره ... منيف كجذع النخلة المتجرد
له كل من يلقى من الناس واحد ... وإن يلق مثنى القوم يفرح ويزدد
(6/212)

تراه خميص البطن والزاد حاضر ... عتيد ويغدو في القميص المقدد
وإن مسه الإقواء والجهد زاده ... سماحا وإتلافا لما كان في اليد
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد
وطيب نفسي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي

لما دفن المهلهل أخاه كليبا قام على قبره يرثيه

أهاج قذاء عيني الاذكار ... هدوءا فالدموع لها انحدار
وصار الليل مشتملا علينا=كأن الليل ليس له نهار
وبت أراقب الجوزاء حتى ... تقارب من أوائلها انحدار
أصرف مقلتي في إثر قوم ... تباينت البلاد بهم فغاروا
وأبكي والنجوم مطلعات ... كان لم تحوها عني البحار
على من لو نعيت وكان حيا ... لقاد الخيل يحجبها الغبار
دعوتك يا كليب فلم تجبني ... وكيف يجيبني البلد القفار
أجبني يا كليب خلاك ذم ... ضنينات النفوس لها مزار
أجبني يا كليب خلاك ذم ... لقد فجعت بفارسها نزار
سقاك الغيث إنك كنت غيثا ... ويسرا حين يلتمس اليسار
أبت عيناني بعدك أن تكفا ... كأن قذى القتاد لها شفار
وإنك كنت تحلم عن رجال ... وتعفو عنهم ولك اقتدار
وتمنع أن يمسهم لسان ... مخافة من يجير ولا يجار
كأني إذ نعى الناعي كليبا ... تطاير بين جنبي الشرار
(6/213)

فدرت وقد عشي بصري عليه ... كما دارت بشاربها العقار
سألت الحي أين دفنتموه ... فقالوا لي بسفح الحي دار
فسرت إليه من بلدي حثيثا ... وطار النوم وامتنع القرار
وحادت ناقتي عن ظل قبر ... ثوى فيه المكارم والفخار
لدى أوطان أروع لم يشنه ... ولم يحدث له في الناس عار
أتغدوا يا كليب معي إذا ما ... جبان القوم أنجاه الفرار
أتغدوا يا كليب معي إذا ما ... حلوق القوم يشحذها الشفار
خذ العهد الأكيد علي عمري ... بتركي كل ما حوت الديار
ولست بخالع درعي وسيفي ... إلى أن يخلع الليل النار
وإلا أن تبيد سارة بكر ... فلا يبقى لها أبداً إثار

وقال مالك بن الريب التميمي يرثي نفسه ويصف قبره. وكان قد خرج مع سعيد بن عفان أخي عثمان لما ولي خراسان، فلما كان ببعض الطريق أراد أن يلبس خفه فإذا بأفعى فيه فلسعته فلما أحس بالموت أنشأ يقول

دعاني الهوى من أهل أود وصحبتي ... بذي الطبسين فالتقت ورائيا
أجبت الهوى لما دعاني بزفرة ... تقنعت منها أن ألام ردائيا
ألم ترني بعت الضلالة بالهدى ... وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
لعمري لئن غالت خراسان هامتي ... لقد كنت عن بابي خراسان نائيا
فلله دري يوم أترك طائعا ... بني بأعلى الرقمتين وماليا
ودر الظباء السانحات عيشة ... يخبرن أني هالك من أماميا
تفقدت من يبكي علي فلم أجد ... سوى السيف والرمح الرديني باكيا
(6/214)

وأشفر خنذيذ يجر عنانه ... إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا
ولما تراءت عند مرو منيتي ... وحل بها حسمي وحانت وفاتيا
أقول لأصحابي ارفعوني فإنني ... يقر بعيني أن سهيل بداليا
فيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا ... برابية إني مقيم لياليا
أقيما علي اليوم أو بعض ليلة ... ولا تعجلاني قد تبين ما بيا
وقوما إذا ما استل روحي فهيئا ... لي السدر والأكفان ثم ابكيانيا
ولا تحسداني بارك الله فيكما ... من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا
وخطا بأطراف الأسنة مضجعي ... وردا على عيني فضل ردائيا
خذاني فجراني ببردي إليكما ... فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا
وقد كنت عطافاً إذا الخيل أدبرت ... سريعا لدى الهيجا إلى من دعانيا
وقد كنت محموداً لدى الزاد والقرى ... وعن شتم ابن العم والجار وانيا
وقد كنت صباراً على القرن في الوغى ... ثقيلا على الأعداء عضبا لسانيا
وطورا تراني في ضلال ومجمع ... وطورا تراني والعتاق ركابيا
وطورا تراني في رحى مستديرة ... تخرق أطراف الرماح ثيابيا
وقوما على بئر الشبيك فاسمعا ... بها الوحش والبيض الحسان الروانيا
بأنكما خلفتماني بقفرة ... تهيل علي الريح فيها السوافيا
ولا تنسيا عهدي خليلي بعدما ... تقطع أوصالي وتبلى عظاميا
فلن يعدم الولدان مني تحيتي ... ولن يعدم الميراث مني مواليا
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني ... وأين مكان البعد إلا مكانيا
(6/215)

غداة غد يا لهف نفسي على غد ... إذا أدلجوا عني وخلفت ثاويا
وأصبح ما لي من طريف وتالد ... لغيري وكان المال بالأمس ماليا
وبالرمل مني نسوة لو شهدنني ... بكين وفدين الطبيب المداويا
فمنهن أمي وابنتاها وخالتي ... وباكية أخرى تهيج البواكيا
وما كان عهد الرمل مني وأهله ... ذميما ولا ودعت بالرمل قاليا
فيا ليت شعري هل بكت أم مالك ... كما كنت لو عالوا بنعيك باكيا
إذا مت فاعتادي القبور وسلمي ... على الريم أسقيت الغمام الغواديا
تري جدثا قد جرت الريح فوقه ... غبارا كلون القسطلاني هابيا
فيا راكبا إما عرضت فبلغن ... بني مالك والريب أن لا تلاقيا
وبلغ أخي عمران بردي ومئزري ... وبلغ عجوزي اليوم أن لا تدانيا
وسلم على شيخي مني كليهما ... كثيرا وعمي وابن عمي وخاليا
وعطل قلوصي في الركاب فإنما ... ستبرد أكبادا وتبكي بواكيا
أقلب طرفي فوق رحلي فلا أرى ... به من عيون المؤنسات مراعيا

وقال متمم بن نويرة اليربوعي يرثي أخاه مالكا

لعمري وما دهري بتأبين مالك ... ولا جزع مما أصاب فأوجعا
لقد كفن المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا
لبيب أعان اللب منه سماحة ... خصيب إذا ما راكب الجدب أوضعا
أغر كنصل السيف يهتز للندى ... إذا لم تجد عند امرئ السوء مطمعا
وما كان وقافا إذا الخيل أحجمت ... ولا طالبا من خشية الموت مفزعا
(6/216)

ولا بكهام ناكلٍ عن عدوه ... إذا هو لاقى حاسر أو مقنعا
إذا ضرس الغزو الرجال وجدته ... أخا الحرب صدقا في اللقاء سميدعا
أقول وقد طار السنا في ربابه ... بجون تسح الماء حتى تريعا
تحيته مني وإن كان نائيا ... وأمسى ترابا فوقه الأرض بلقعا
فكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وفقد بني أمي تولوا ولم أكن ... خلافهم أن أستكين فأخضعا
ولكنني أمضي على ذاك مقدما ... إذا بعض من يلقى الخطوب تضعضها
قعيدك أن لا تسمعيني ملامة ... ولا تنكئي جرح الفؤاد فيجعا
وحسبك أني قد جهدت فلم أجد ... بكفي عنه للمنية مدفعا
سقى الله أرضا حلها قبر مالك ... رهام الغوادي المزجيات فأمرعا

لشبل بن معبد البجلي يرثي بنيه وكانوا أصيبوا بالطاعون

أتى دون حلو العيش حتى أمره ... نكوب على آثارهن نكوب
تتابعن في الأحباب حتى أبدنهم ... فلم يبق منهم في الديار غريب
برتني صروف الدهر من كال جانب ... كما تبترى دون اللحاء عسيب
فأصبحت إلا رحمة الله مفرداً ... لدى الناس صبراً والفؤاد كئيب
إذا رد قرن الشمس عللت بالأسى ... ويأوي إلي الحزن حين يؤوب
ونام خلي البال عني ولم أنم ... كما لم ينم نائي الفناء غريب
فقلت لأصحابي وقد قذفت بنا ... نوى غربة عمن يحب شطوب
(6/217)

متى العهد بالأهل الذين تركتهم ... لهم في فؤادي بالعراق نصيب
فما ترك الطاعون في ذي قرابة ... إليه إذا حان الإياب نؤوب
فقد أصبحوا لا دارهم منك غربة ... بعيد ولا هم في الحياة قريب
وكنت ترجي أن تؤوب إليهم ... فغالتهم من دون ذاك شعوب
وإنا وإياهم كوادر منهل ... على حوضه بالباكيات نهيب
إليه تناهينا ولو حال دونه ... مياه رواء كلهن شروب
فهون عني بعض وجدي أنني ... رأيت المنايا تغتدي وتؤب
ولسنا بأحيا منهم غير أننا ... إلى أجل ندعى له فنجيب
وإني إذا ما شئت لاقيت أسوة ... تكاد لها نفس الحزين تطيب
فتى كان ذا أهل ومال فلم يزل ... بد الدهر حتى صار وهو حريب
وكيف عزاء المرء عن أهل بيته ... وليس له في الغابرين حبيب
متى يذكروا يفرح فؤادي لذكرهم ... ويسجم دمع بينهن نحيب
دموع سراها الشجو حتى كأنها ... جداول تجري بينهن غروب
إذا ما أردت الصبر هاج لي البكا ... فؤاد إلى أهل القبور طروب
فوجدي بأهلي وجدها غير أنهم ... شباب يزنون الندى ومشيب

قصيدة أبي ذؤيب الهذلي وهو خويلد بن خالد وكان له أولاد سبعة فماتوا كلهم إلا طفلاً فقال يرثيهم

أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتبٍ من يجزع
قالت إمامة ما لجسمك شاحبا ... منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع
(6/218)

ولقد حرصت بأن أدافع عنهم ... وإذا المنية أقبلت لا تدفع
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
فالعين بعدهم كأن جفونها ... كحلت بشوك فهي عور تدمع
وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع
حتى كأني للحوادث مروة ... نصف المشقر كل يوم تقرع
لابد من تلف مقيم فانتظر ... أبأرض قومك أو بأخرى المضجع
ولقد أرى أن البكاء سفاهة ... ولسوف يولع بالبكا من يفجع
وليأتين عليك يوما مرة ... يبكي عليك معنفا لا تسمع
فلئن بهم فجع الزمان وريبه ... إني بأهل مودتي لمفجع
وقال في الطفل الذي بقي له
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلي قليل تقنع
قال الأصمعي: هذا أفضل بيت قالته العرب.

عينية علي بن جبلة في حميد الطوسي

أللدهر تبكي أم على الدهر تجزع ... وما صاحب الأيام إلا مفجع
ولو سهلت عنك الأسى كان في الأسى ... عزاء معز للبيب ومقنع
تعز بما عزيت غيرك إنها ... سهام المنايا حائمات ووقع
أصبنا بيوم في حميد لو أنه ... أصاب عروش الدهر ظلت تضعضع
وأدبنا ما أدب الناس قبلنا ... ولكنه لم يبق للصبر موضع
ألم تر للأيام كيف تصرمت ... به وبه كانت تذاد وتدفع
(6/219)

وكيف التقى مثوى من الأرض ضيق ... على جبل كانت به الأرض تمنع
ولما انقضت أيامه انقضت العلى ... وأضحى به أنف الندى وهو أجدع
وراح عدو الدين جذلان ينتحي ... أماني كانت من حشاه تقطع
وكان حميد معقلا ركعت به ... قواعد ما كانت على الضيم تركع
وكنت أراه كالرزايا رزئتها ... ولم أدر أن الخلق تبكيه أجمع
لقد أدركت فينا المنايا بثأرها ... وحلت بخطب وهيه ليس يرفع
نعاء حميداً للسرايا إذا غدت ... تذاد بأطراف الرماح وتوزع
وللمرهق المكروب ضاقت بأمره ... فلم يدر في حوملتها كيف يصنع
وللبيض خلتها البعول ولم يدع ... لها غيره داعي الصباح المفزع
كأن حميدا لم يقد جيش عسكر ... إلى عسكر أشياعه لا تروع
ولم يبعث الخيل المغيرة بالضحى ... مراحا ولم يرجع بها وهي ظلع
رواجع يحملن النهاب ولم تكن ... كتائبه إلا على النهب ترجع
هوى جبل الدنيا المنيع وغيثها ال ... مريع وحاميها الكمي المشيع
وسيف أمير المؤمنين ورمحه ... ومفتاح باب الخطب والخطب أفظع
فأقنعه من ملكه ورباعه ... ونائله قفر من الأرض بلقع
على أي شجو تشتكي النفس بعده ... إلى شجوه أو يذخر الدمع مدمع
ألم تر أن الشمس حال ضياؤها ... عليه وأضحى لونها وهو أسفع
وأوحشت الدنيا وأودى بهاؤها=وأجدب مرعاها الذي كان يمرع
وقد كانت الدنيا به مطمئنة ... فقد جعلت أوتادها تتقلع
(6/220)

بكى فقده روح الحياة كما بكى ... نداه الندى وابن السبيل المدفع
وأيقظ أجفانا وكان لها الكرى ... ونامت عيون لم تكن قبل تهجع

انشد أبو محمد الليثي في يزيد بن مزيد

أحق أنه أودى يزيد ... فبين أيها الناعي المشيد
أحامي الملك والإسلام أودى ... فما الأرض ويحك لا تميد
تأمل هل ترى الإسلام مالت ... دعائمه وهل شاب الوليد
أما هدت لمصرعه نزار ... بلى وتقوض المجد المشيد
وجل ضريحه إذ حل فيه ... طريف المجد والمجد تليد
فمن يحمي حمى الإسلام أم من ... يذب عن المكاره أو يذود
وأين يؤم منتجع ولاج ... وأين تحط أرحلها الوفود
فلو قبل الفداء فداه منا ... بمهجته المسود والمسود
أبعد يزيد تختزن البواكي ... دموعا أو تصان له الخدود
وإن تجمد دموع لئيم قوم ... فليس لدمع ذي حسب جمود
وإن يك غاله دهرٌ لما قد ... يفادى من مخافته الأسود
فإن يك عن خلود قد دعنه ... مآثره فكان لها الخلود
فما أودى امرؤٌ أودى وأبقى ... لوارثه مكارم لا تبيد
ليبكك خامل ناداك لما ... تواكله الأقارب والبعيد
ويبكك شاعر لم يبق دهر ... له نشبا وقد كسد القصيد
وأصيب المجد والإسلام لما ... أصابك بالردى سهم شديد
(6/221)

لقد زى ربيعة أن يوما ... عليها مثل يومك لا يعود
ومثلك من قصدن له المنايا ... بأسهمها وهن له جنود
سقى جدثاً أقام به يزيد ... من الوسمي بسام رعود
ليذهب من أراد فلست آسى على من مات بعدك يا يزيد

وقال صفي الدين الحلي يرثي الملك ناصر الدين عمر
بكى عليك الحسام والقلم ... وانفجع العلم فيك والعلم
وضجت الأرض فالعباد بها ... لاطمة والبلاد تلتطم
تظهر أحزانها على ملك ... جل ملوك الورى له خدم
أبلج غض الشباب مقتبل ال ... عمر ولكن مجده هرم
محكم في الورى وآمله ... يحكم في ماله ويحتكم
ويجتمع المجد والثناء له ... وماله في الوفود يقتسم
قد سئمت جوده الأنام ولا ... يلقاه من بذله الندى سأم
ما عرفت منه لا ولا نعم ... بل دونهن الآلاء والنعم
الواهب الألف وهو مبتسم ... والقاتل الألف وهو مقتحم
مبتسم والكماة عابسةٌ ... وعابس والسيوف تبتسم
يستصغر الغضب أن يصول به ... إن لم تجرد من قبله الهمم
ويستخف القناة يحملها ... كأنها في يمينه قلم
لم يعلم العالمون ما فقدوا ... منه ولا الأقربون ما عدموا
ما فقد فرد من الأنام كمن ... إن مات ماتت لفقده أمم
(6/222)

والناس كالعين إن نقدتهم ... تفاوتت عن نقدك القيم
يا طالب الجود قد قضى عمر ... فكل جود وجوده عدم
ويا منادي الندى ليدركه ... أقصر ففي مسمع الندى صمم
مضى الذي كان للأنام أبا ... فاليوم كل الأنام قد يتموا
وسار فوق الرقاب مطرحاً ... وحوله الصافنات تزدحم
مقلبات السروج شاخصةً ... لها زفير ذابت به اللجم
وحل دارا ضاقت بساكنها ... ودون أدنى دياره إرم
كأنه لم يطل إلى رتب ... تقتصر من دون نيلها الهمم
ولم يهمد للملك قاعدة ... بها عيون العقول تحتلم
ولم تقبل له الملوك يدا ... ترغب في سلمها فتستلم
ولم يقد للحروب أسد وغى ... تسري بها من رماحها أجم
أين الذي كان للورى سنداً ... ورحب أكنافه لها حرم
أين الذي إن سرى إلى بلدٍ ... لا ظلم يبقى به ولا ظلم
أين الذي يحفظ الزمام لنا ... إن حفزت عند غيره الذمم
يا ناصر الدين وابن ناصره ... ومن به في الخطوب يعتصم
وصاحب الرتبة التي وطئت ... لها على هامة السهى قدم
يثني عليك الورى وما شهدوا ... من السجايا إلا بما علموا
يبكيك مألوفك التقى أسفاً ... وصاحباك العفاف والكرم
(6/223)

لأبي تمام في محمد بن الفضل الحميري

ريب دهر أصم دون العتاب ... مرصد بالأوحال والأوصاب
جف در الدنيا فقد أصبحت تك ... تال أرواحنا بغير حساب
إن ريب الزمان يحسن أن يه ... دي الرزيا إلى ذوي الأحساب
فلهذا يجف بعد اخضرار ... قبل روض الوهاد روض الروابي
لم تدر عينه عن الحمس ... ضعضعت ركن حمير الأرباب
بطشت منهم بلؤلؤة الغ ... واص حسنا ودمية المحراب
بالصريح الصيرح والأورع الأر ... وع منهم وباللباب اللباب
ذهبت يا محمد الغر من أيامك الواضحات أي ذهاب
عبس اللحد والثرى منك وجها ... غير ما عابس ولا قطاب
أطفأ اللحد والثرى لبك المس ... رج في وقت ظلمة الألباب
وتبدلت منزلا ظاهر الجد ... ب يسمى مقطع الأسباب
يا شهابا خبا لآل عبيد الل ... هـ أعزز بفقد هذا الشهاب
زهرة غضة تفتح عنها ال ... مجد في منبت أنيق الجناب
خلق كالمدام أو كرضاب ال ... مسك أو كالعبير أو كالملاب
وحياء ناهيك في غير عي ... وصبا مشرق بغير تصابي
أنزلته الأيام عن ظهرها من ... بعد إثبات رجله في الركاب
حين سامى الشباب واغتدت الدن ... يا عليه مفتوحة الأبواب
(6/224)

وحكى الصارم المحلى سوى أم ... ن حلاه جواهر الآداب
وهو غض الآراء والحزم خرق ... ثم غض النوال غض الشباب
قصدت نحوه المنية حتى ... وهبت حسن وجهه للتراب

ولحبيب يرثي القاسم طوق

جوى ساروا الأحشاء والقلب واغله ... ودمع يضيم العين والجفن هامله
وفاجع موت لا عدو يخافه ... فيبقى ولا يلقى صديقا يجامله
وأي أخي عزاء أو جبرية ... ينابذه أو أي رام يناضله
إذا ما جرى مجرى دم المرء حكمه ... وبثت على طرق النفوس حبائله
سنشكوه إعلانا سرا ونية ... شكية من لا يستطيع يقاتله
فمن مبلغ عني ربيعة أنه ... تقشع طل الجود منها ووابله
وأن الحجى منها استطارت صدوعه ... وأن الندى منها أصيبت مقاتله
مضى للزيال القاسم الواهب اللهى ... ولو لم يزايلنا لكنا نزايله
ولم تعلموا أن الزمان يريده ... بفجع ولو أن المنايا تراسله
فتى سيط حب المكرمات بلحمه ... وخامره حق السماح وباطله
فتى لم يذق سكر الشباب ولم تكن ... تهب شمالا للصديق شمائله
فتى جاءه مقداره واثنتا العلى ... يداه وعشر المكرمات أنامله
فتى ينفح الأيام من طيب ذكره ... ثناء كأن العنبر الورد شامله
لقد فجعت عتابه وزهيره ... وتغلبه أخرى الليالي ووائله
وكان لهم غيثا وعلما لمعدم ... فيسأله أو باحث فيسائله
(6/225)

ومبتدر المعروف تسري هباته ... إليهم ولا تسري إليه مغوائله
فتى لم تكن تغلي الحقود بصدره ... وتغلي لأضياف الشتاء مراجله
وكن سجاياه يضيف ضيوفه ... ويرجى مرجيه ويسأل سائله
طواه الردى طي الرداء وغيبت ... فضائله عن قومه وفواضله
طوى شيما كانت تروح وتغتدي ... وسائل من أعيت عليه وسائله
فيا عارضا للعرف أقلع مزنه ... ويا واديا للجود جفت مسائله
ألم ترني أنزفت عيني على أبي ... محمد النجم المغيب آفله
وأخضلتها فيه كما لو أتيته ... طريد الليالي أخضلتني نوافله
ولكنني أطري الحسام إذا مضى ... وإن كان يوم الروع غيري حامله
وآسى على جيحان لو غاض ماؤه ... وإن كان ذودا غير ذودي ناهله
عليك أبا كلثوم الصبر إنني ... أرى الصبر أخراه تقى وأوائله
يعادل وزنا كل شيء ولا أرى ... سوي صحة التوحيد شيئا يعادله
فأنت سنام للفخار وغارب ... وصنواك منه منكباه وكاهله
وليست أثافي القدر إلا ثلاثها ... ولا الرمح إلا لهذماه وعامله

لأبي العلاء المعري في جعفر بن الهدب

أحسن بالواجد من وجده ... صبر يعيد النار في زنده
ومن أبى في الرزء غير الأسى ... كان بكاه منتهى جهده
فليذرف الجفن على جعفر ... إذ كان لم يفتح على نده
والشيء لا يكثر مداحه ... إلا إذا قيس إلى ضده
(6/226)

ليس الذي يبكى على وصله ... مثل الذي يبكى على صده
والطرف يرتاح إلى غمضه ... وليس يرتاح إلى سهده
كان الأسى فرضا لو أن الردى ... قال لنا افدوه فلم نفده
هل هو إلا طالع للهدى ... سار من الترب إلى سعده
فبات أدنى من يد بيننا ... كأنه الكوكب في بعده
يا دهر يا منجز إيعاده ... ومخلف المأمول من وعده
أي جديد لك لم تبله ... وأي أقرانك لم ترده
تستأسر العقبان في جوها ... وتنزل الأعصم من فنده
أرى ذوي الفضل وأضدادهم ... يجمعهم سيلك في مده
إن لم يكن رشد الفتى نافعا ... فغيه انفع من رشده
تجربة الدنيا وأفعالها حثت أخا الزهد على زهده
إن زماني برزاياه لي ... صيرني أمرح في قده
كأننا في كفه ماله ... ينفق ما يختار من نقده
لو عرف الإنسان مقداره ... لم يفخر المولى على عبده
أضحى الذي أجل في سنه ... مثل الذي عوجل في مهده
ولا يبالي الميت في قبره ... بذمه شيع أم حمده
والواحد المفرد في حتفه ... كالحاشد المكثر من حشده
وحالة الباكي لآبائه ... كحالة الباكي على ولده
ما رغبة الحي بأبنائه ... عما جنى الموت على جده
(6/227)

ومجده أفعاله لا الذي ... من قبله كان ولا بعده
لولا سجاياه وأخلاقه ... لكان كالمعدوم في وجده
تشتاق أيار نفوس الورى ... وإنما الشوق إلى ورده
تدعو بطول العمر أفواهنا ... لمن تناهى القلب في وده
يسر إن مد بقاء له ... وكل ما يكره في مده
أفضل ما في النفس يغتالها ... فنستعيذ الله من جنده
كم صائن عن قبلة خده ... سلطت الأرض على خده
وحامل ثقل الثرى جيده ... وكان يشكو الضعف من عقده
ورب ظمآن إلى مورد ... والموت لو يعلم في ورده
ومرسل الغارة مبثوثة ... من أدهم اللون ومن ورده
يخوض بحرا نقعه ماؤه ... يحمله السابح في لبده
أشجع من قلب خطية ... على طويل الباع ممتده
يرى وقوع الزرق في درعه ... مثل وقوع الزرق في جلده
لا يصل الرمح في طرفه ... ولا إلى المحكم من سرده
يلقى عليه الطعن إلقاءك ال ... حسب على المسرع في عقده
بلحظة منه فما دونها ... يرد غرب الجيش عن قصده
أمهله الدهر فأودى به ... مبيضه يحدى بمسوده
فيا أخا المفقود في خمسة ... كالشهب ما سلاك عن فقده
جاءك هذا الحزن مستجديا ... أجرك في الصبر فلا نجده
(6/228)

سلم إلى الله فكل الذي ... ساءك أو سرك من عنده
لا يعدم الأسمر في غابه ... حتفا ولا الأبيض في غمده
إن الذي الوحشة في داره ... تؤنسه الرحمة في لحده
لا أوحشت دارك من شمسها ... ولا خلا غابك من أسده

ولأبي العلاء المعري في فقيه حنفي

غير مجد في ملتي واعتقادي ... نوح باك ولا ترنم شاد
وشبيه صوت النعي إذا قي ... س بصوت البشير في كل ناد
أبكت تلكم الحمامة أم عن ... ت على فرع غصنها المياد
صاح هذي قبورنا تملأ الرح ... ب فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطأ ما أظن أديم ال ... أرض إلا من هذه الأجساد
وقبيح بنا وإن قدم العه ... د هوان الآباء والأجداد
سران استطعت في الهواء رويدا ... لا اختيالا على رفات العباد
رب لحد قد صار لحدا مرارا ... ضاحك من تزاحم الأضداد
ودفين على بقايا دفين ... في طويل الأزمان والآباد
تعب كلها الحياة فما أع ... جب إلا من راغب في ازدياد
إن حزنا في ساعة الموت أضعا ... ف سرور في ساعة الميلاد
خلق الناس للبقاء فضلت ... أمة يحسبونهم للنفاد
إنما ينقلون من دار أعما ... ل إلى دار شقوة أو رشاد
ضجعة الموت رقدة يستريح ال ... جسم فيها والعيش مثل السهاد
(6/229)

أبنات الهديل أسعدن أوعد ... ن قليل العزاء بالإسعاد
فتسلبن واستعرن جميعا ... من قميص الدجى ثياب حداد
ثم غردن في المآتم واندب ... ن بشجو مع الغواني الخراد
قصد الدهر من أبي حمزة الأو م اب مولى حجى وخدن اقتصاد
وفقيها أفكاره شدن للنع ... مان ما لم يشده شعره زياد
فالعراقي بعده للحجازي م قليل الخلاف سهل القياد
وخطيبا لو قام بين وحوش ... علم الضاريات بر النقاد
راويا للحديث لم يحوج المع ... روف من صدقه إلى الإسناد
أنفق العمر ناسكا يطلب العل ... م بكشف عن أصله وانتقاد
مستقي الكف من قليب زجاج ... بغروب اليراع ماء مداد
ذا بنان لا تلمس الذهب الأح ... مر زهدا في العسجد المستفاد
ودعا أيها الحفيان ذاك الم ... شخص إن الوداع أيسر زاد
واغسلاه بالدمع إن كان طهرا ... وادفناه بين الحشى والفؤاد
واحبواه لأكفان من ورق المص ... حف كبرا عن أنفس الأبراد
واتلوا النعش بالقراءة والتس ... بيح لا بالنحيب والتعداد
أسف غير نافع واجتهاد ... لا يؤدي إلى غناء اجتهاد
طالما أخرج الحزين جوى الحز ... ن إلى غير لائق بالسداد
كيف أصبحت في محلك بعدي ... يا جديرا مني بحسن افتقاد
قد أقر الطبيب عنك بعجز ... وتقضى تردد العواد
(6/230)

وانتهى اليأس منك واستشعر الو ... جد بأن لا معاد حتى معاد
هجد الساهرون حولك للتم ... ريض وريح لأعين الهجاد
لا يغيركم الصعيد وكونوا ... فيه مثل السيوف في الأغماد
فعزيز علي خلط الليالي ... رم أقدامكم برم الهوادي
كنت خل الصبا فلما أراد ال ... بين وافقت رأيه في المراد
ورأيت الوفاء للصاحب الأو م ل من شيمة الكريم الجواد
وخلعت الشباب غضا فيا لي ... تك أبليته مع الأنداد
فاذهبا خير ذاهبين حقيقي ... ن بسقيا روائح وغواد
ومراث لو أنهن دموع ... لمحون السطور في الإنشاد
فليكن للمحسن الأجل المم ... دود رغما لآنف الحساد
وليطب عن أخيه نفسا وأبنا ... ء أخيه جرائح الكباد
وإذا البحر غاض عني ولم أرْ ... وَفلا ري بادخار الثماد
كل بيت للهدم ما تبتني الو ... قاء والسيد الرفيع العماد
واللبيب اللبيب من ليس يغت ... ر بكون مصيره للفساد

قال أبو الطيب المتنبي يرثي أبا شجاع فاتك

الحزن يقلق والتجمل يردع ... والدمع بينهما عصي طيع
يتنازعان دموع عين مسهد ... هذا يجيء بها وهذا يرجع
النوم بعد أبي شجاع نافر ... والليل معي والكواكب ظلع
إني لأجبن من فراق أحبتي ... وتحسن نفسي بالحمام فأشجع
(6/231)

ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلم بي عب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى منها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع
تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
لم يرض قبل أبي شجاع مبلغ ... فبل الممات ولم يسعه موضع
كنا نظن دياره مملوءة ... ذهبا فمات وكل دار بلقع
وإذا المكارم والصوارم والقنا ... وبنات أعوج كل شيء يجمع
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش بها الكريم الأروع
والناس أنزل في زمانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
برد حشاي إن استطعت بلفظة ... فلقد تضر إذا تشاء وتنفع
ما كان منك إلى خليل قبلها ... ما يستراب به ولا ما يوجع
ولقد أراك وما تلم ملمة ... إلا نفاها عنك قلب أصمع
ويد كأن قتالها ونواها ... فرض يحق عليك وهو تبرع
يا من يبدل كل يوم حلة ... أنى رضيت بحلة لا تنزع
مازلت تخلعها على من شاءها ... حتى لبست اليوم ما لا تخلع
ما زلت تدفع كل أمر فادح ... حتى أتى المر الذي لا يدفع
فظللت تنظر لا رماحك شرع ... فيما عراك ولا سيوفك قطع
بأبي الوحيد وجيشه متكاثر ... يبكي ومن شر السلاح الأدمع
(6/232)

وإذا حصلت من السلاح على البكا ... فحشاك رعت به خدك تقرع
وصلت إليك يد سواء عندها ال ... باز الأشيهب والغراب الأبقع
من للمحافل والجحافل والسرى ... فقدت بفقدك نيرا لا يطلع
ومن اتخذت على الضيوف خليفة ... ضاعوا ومثلك لا يكاد يضيع
فتحا لوجهك يا زمان فإنه ... وجه له من كل لؤم برقع
أيموت مثل أبي شجاع فاتك ... ويعيش حاسده الخصي الأوكع
أيد مقطعة حوالي رأسه ... وقفا يصيح بها ألا من يصفع
أبقيت أكذب كاذب أبقيته ... وأخذت أصدق من يقول ويسمع
وتركت أنتن ريحةٍ مذمومةٍ ... وسلبت أطيب ريحةٍ تتضوع
فاليوم قرَّ لكل وحش نافر ... دمه وكان كأنه يتطلع
وتصالحت ثمر السياط وخيله ... وأوت إليها سوقها وأذرع
وعفا الطراد فلا سنان راعف ... فوق القناة ولا حسام يلمع
ولى وكل مخالم ومنادم ... بعد اللزوم مشيع ومودع
من كان فيه لكل قوم ملجأ ... ولسيفه في كل قوم مرتع
إن حل في فرس ففقيها ربها ... كسرى تذل له الرقاب وتخضع
قد كان أسرع فارس في طعنة ... فرسا ولكن المنية أسرع
لا قلبت أيدي الفوارس بعده ... رمحاً ولا حملت جوادا أربع
(6/233)

وله أيضا يرثي والدة سيف الدولة وقد توفيت بميافارقين وجاءه الخبر بموتها إلى حلب

نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال
ونرتبط السوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي
ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك من منامك من خيال
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابني سهام ... تكسرت النصال على النصال
وهان فما أبالي بالرزايا ... لأني ما انتفعت بأن أبالي
وهذا أول الناعين طرا ... لأول ميتة في ذا الجلال
كأن الموت لم يفجع بنفس ولم يخطر لمخلوق ببال
صلاة الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال
على المدفون قبل الترب صونا ... وقبل اللحد في كرم الخلال
فإن له ببطن الأرض شخصا ... جديدا ذكرناه وهو بالي
وما أحد يخلد في البرايا ... بل الدنيا تؤول إلى زوال
أطاب النفس أنك مت موتا ... تمنته البواقي والخوالي
وزلت ولم تري يوما كريها ... يسر الروح فيه بالزوال
رواق العز حولك مسبطرٌّ ... وملك علي ابنك في كمال
سقى مثواك غاد في الغوادي ... نظير نوال كفك في النوال
(6/234)

أسائل عن بعدم كل مجد ... وما عهدي بمجد عنك خالي
يمر بقبرك العافي فيبكي ... ويشغله البكاء عن السؤال
وما أهداك للجدوى عليه ... لو أنك تقدرين على فعال
بعيشك هل سلوت فإن قلبي ... وإن جانبت أرضك غير سال
نزلت على الكراهة في مكان ... بعدت عن النعامى والشمال
تحجب عنك رائحة الخزامي ... وتمنع منك أنداء الطلال
بدار كل ساكنها غريب ... طويل الهجر منبت الحبال
حصان مثل ماء المزن فيه ... كتوم السر صادقة المقال
يعللها نطاسي الشكايا ... وواحدها نطاسي المعالي
إذا وصفوا له داء بثغر ... ساقه أسنة الأسل الطوال
وليست كالإناث ولا اللواتي ... تعد لها القبور من الحجال
ولا من في جنازتها تجار ... يكون وداعها نفض النعال
مشى الأمراء حوليها حفاة ... كأن المرو من زف الرئال
وأبرزت الخدور مخبآت ... يضعن النقس أمكنة الغوالي
أتتهن المصيبة غافلات ... فدمع الحزن في دمع الدلال
ولو كان النساء كمن فقدنا ... لفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال
وأفجع من فقدنا من وجدنا ... قبيل الفقد مفقود المثال
يدفن بعضنا بعضا وتمشي أواخرنا على هام الأوالي
(6/235)

أسيف الدولة استنجد بصبر ... وكيف بمثل صبرك للجبال
فأنت تعلم الناس التعزي ... وخوض الموت في الحرب السجال

وقال يرثي جدته وكانت بئست منه لطول غيبته فكتب إليها كتابا فلما وصلها قبلته وحمت من وقتها لما غلب من السور فماتت

ألا لا أري الأحداث حمدا ولا ذما ... فما بطشها جهلا ولا كفها حلما
إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى ... يعود كما أبدي ويكري كما أرمي
لك الله من مفجوعة بحبيبها ... قتيلة شوق غير ملحقها وصما
أحن إلى الكأس التي شربت بها ... وأهوى لمثواها التراب وما ضما
بكيت عليها خيفة في حياتها ... وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما
ولو قتل الهجر المحبين كلهم ... مضى بلد باق أجدت له صرما
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا ... فلما دهتني لم تزدني بها علما
أتاها كتابي بعد يأس وترحة ... فمات سرورا بي فمت بها هما
حرام على قلبي السرور فإنني ... أعد الذي ماتت به بعدها سما
تعجب من خطي ولفظي كأنها ... ترى بحروف السطر أغربة عصما
وتلثمه حتى أصار مداده ... محاجر عينيها وأنيابها سحما
رقا دمعها الجاري وجفت جفونها ... وفارق حبي قلبها بعدما أدمى
ولم يسلها إلا المنايا وإنما ... أشد من السقم الذي أذهب السقما
طلبت لها حظا ففاتت وفاتني ... وقد رضيت بي لو رضيت لها قسما
فأصبحت أستسقي الغمام لقبرها ... وقد كنت أستسقي الوغى والقنا الصما
(6/236)

وكنت قبيل الموت أستعظم النوى ... فقد صارت الصغرى التي كانت العظمى
مبيني أخذت الثار فيك من العدى ... فكيف بأخذ الثار فيك من الحمى
وما انسدت الدنيا علي لضيقها ... ولكن طرفا لا أراك به أعمى
فوا أسفا أن لا أكب مقبلا ... لرأسك والصدر الذي ملئا حزما
وأن لا ألاقي روحك الطيب الذي ... كان ذكي المسك كان له جسما
ولو لم تكوني بنت أكرم والد ... لكان أباك الضخم كونك لي أما
لئن لذ يوم الشامتين بيومها ... فقد ولدت مني لآنافهم رغما
تغرب لا مستعظما غير نفسه ... ولا قابلا إلا لخالقه حكما
ولا سالكا إلا فؤاد عجاجة ... ولا واجد إلا لمكرمة طعما
يقولون لي ما انت في كل بلدة ... وما تبتغي ما ابتغي جل أن يسمى
كأن بينهم عالمون بأنني ... جلوب إليهم من معادنه اليتما
وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأصعب من أن أجمع الجد والفهما
ولكني مستنصر بذبابه ... ومرتكب في كل حال به الغشما
وجاعله يوم اللقاء تحيتي ... وإلا فلست السيد البطل القرما
إذا قل عزمي عن مدى خوف بعده ... فأبعد شيء ممكن لم يجد عزما
وإني لمن قوم كأن نفوسنا ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
كذا أنا يا دنيا إذا شئت فاذهبي ... ويا نفس زيدي في كرائهها قدما
فلا عبرت بي ساعة لا تعزني ... ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما
(6/237)

الباب التاسع في الفخر
قال طرفة يفتخر في قومه

سائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا يوم تحلاق اللمم
يوم تبدي البيض عن أسوقها ... وتلف الخيل أعراج النعم
أجدر الناس برأس صلدمٍ ... حازمٍ المر شجاع في الوغم
كامل يحمل آلاء الفتى ... نبه سيد ساداتٍ خضم
خير حي من معد علموا ... لكفي ولجار ابن عم
يجبر المحروب فينا ماله ... ببناء وسوام وخدم
نقل للشحم في مشتاتنا ... نحرٌ للنيب طراد القرم
نزع الجاهل في مجلسنا ... فترى المجلس فينا كالحرم
وتفرعنا من ابني وائل ... هامة المجد وخرطوم الكرم
من بني بكر إذا ما نسبوا ... وبني تغلب ضرابي البهم
حين يحمي الناس تحمي سربنا ... واضحي الوجه معروفي الكرم
بحساماتٍ تراها رسباً ... في الضريبات مترات العصم
وفحول هيكلات وقحٍ ... وأعوجيات على الشأو أزم
وقنا جرد وخيل ضمر ... شزب من طول تعلاك اللجم
وشباب وكهول نهد ... كليوثٍ بين عريس الأجم
(6/238)

نمسك الخيل على مكروهها ... حين لا يمسك إلا ذو كرم
نذر الأبطال صرعى بينها ... تعكف العقبان فيها والرخم

لعبيد بن الأبرص الأسدي

ولا أبتغي ود امرءٍ قل خيره ... وما أنا عن وصل الصديق بأصيد
وإني لأطفي الحرب بعد شبوبها ... وقد أوقدت للغي في كل موقد
وإني لذو رأي يعاش بفضله ... وما أنا من علم الأمور بمبتدي
إذا أنت حملت الخؤون أمانة ... فإنك قد أسندتها شر مسند
وجدت خؤون القوم كالغر يتقى ... وما خلت عم الجار إلا بمعهد
ولا تظهرن ود امرئ قبل خبره ... وبعد بلاء المرء فاذمم أو أحمد
ولا تتبعن الرأي منه تقصه ... ولكن برأي المرء ذي اللب فاقتد
ولا تزهدن في وصل أهل قرابة ... لذخر وفي وصل الأباعد فازهد
وإن أنت في مجد أصبت غنيمة ... فعد للذي صادفت من ذاك وازدد
تزود من الدنيا متاعا فإنه ... على كل حال خير زاد المزود
تمنى امرئ القيس موتي وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
لعل الذي يرجو رداي وميتتي ... سفاها وجبنا أن يكون هو الردي
فما عيش من يرجو خلافي بضائري ... ولا موت من قد مات قبلي بمخلدي
وللمرء أيام تعد وقد دعت ... حبال المنايا للفتى كل مرصد
فمن لم يمت في اليوم لابد أنه ... سيعلقه حبل المنية في غد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخر مثلها فكأن قد
(6/239)

فإنا ومن قد باد منا لكالذي ... يروح وكالقاضي البتات ليغتدي

وقال عروة بن الورد العبسي الملقب بعروة الصعاليك

فإن فاز سهم للمنية لم أكن ... جزوعاً وهل عن ذاك من متاخر
لحى الله صعلوكا إذا جن ليله ... مضى في المشاش آلفا كل مجزر
يعد الغنى من نفسه كل ليلةٍ ... أصاب قراها من صديق ميسر
ينام عشاء ثم يصبح طاويا ... يحت الحصى عن جنبه المتعفر
قليل التماس المال إلا لنفسه ... إذا هو أضحى كالعريش المجور
يعين نساء الحي لا يستعنه ... فيمسي طليحاً كالبعير المحسر
ولكن صعلوكا صحيفة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور
مطلا على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر
وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوق أهل الغائب المتنظر
فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر
أيهلك معتم وزيد ولم أقم ... على ندب يوما ولي نفس مخطر
ستفزع بعد اليأس من لا يخافنا ... كواسع في أخرى السوام المنفر
يطاعن عنها أول الخيل بالقنا ... وبيض خفاف ذات لون مشهر
فيوما على نجد وغارات أهلها ... ويوم بأرض ذات شت وعرعر
يناقلن بالمشط الكرام إلى النهى ... نقاب الحجاز في السريح المسير
يريح على الليل أضياف ماجدٍ ... كريم ومالي سارحاً مال مقتر
سلي الساغب المعتر يا أم مالكٍ ... إذا ما اعتراني بين قدري ومجزري
(6/240)

أأبسط وجهي إنه أول القرى ... وأبذل معروفي له دون منكري

قال حسان بن ثابت الأنصاري

لعمر أبيك الخير يا شعث مانبا ... علي لساني في الخطوب ولا يدي
لساني وسيفي صارمان كلاهما ... ويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي
وإن أك ذا مال كثير أجد به ... وإن يهتصر عودي على الجهد يحمد
فلا المال ينسيني حيائي وعفتي ... ولا واقعات الدهر يفللن مبردي
وأكثر أهلي من عيال سواهم ... وأطوي على الماء القراح المبرد
وإني لمعط ما وجدت وقائل ... لموقد ناري ليلة الريح أوقد
وإني لقوال لدى البث مرحبا ... وأهلاً إذا ما جاء من غير مرصد
وإني ليدعوني الندى فأجيبه ... وأضرب بيض العارض المتوقد
وإني لحلو تعتريني مرارة ... وإني لتراك لما لم أعود
وإني لمزج للمطي على الوجى ... وإني لتراك الفراش الممهد
فلا تعجلن يا قيس وأربع فإنما ... قصاراك أن تلقى بكل مهند
حسام وأرماح بأيدي أعزةٍ ... متى ترهم يا ابن الخطيم تبلد
ليوث لها الأشبال تحمي عرينها ... مداعيس بالخطي في كل مشهد
فقد لاقت الأوس القتال وأطردت ... وأنت لدى الكبات في كل مطرد
نفتكم عن العلياء أم لئيمة ... وزند متى تقدح به النار يصلد

وقال بشر بن أبي حازم الأسدي

سائل تميما في الحروب وعامرا ... وهل المجرب مثل من لم يعلم
(6/241)

إنا إذا نعروا لحرب نعرة ... نشفي صداعهم بأسمر صلدم
نعلو القوانس بالسيوف ونعتزي ... والخيل مشعلة النحور من الدم
يخرجن من خلل الغبار عوابسا ... خبب السباع بكل أكلف ضيغم
من كل مسترخي النجاد منازل ... يسمو إلى الأقرن غير مقلم
ففضضن جمعهم وأدبر حاجب ... تحت العجاجة في الغبار الأقتم
وعلى عقابهم المذلة أصبحت ... نبذت بأفضح ذي مخالب جهضم
أقصدن حجرا قبل ذلك والقنا ... شرع إليه وقد أكب على الفم
ينوي محاولة القيام وقد مضت ... فيه مخارص كل لدن لهذم
ولقد خبطن بني كلاب خبطة ... ألحقنهم بدعائم المتخيم
وسلقن كعبا قبل ذلك سلقةً ... بقنا تعاوره الكف مقوم
حتى سقينا الناس كأسا مرة ... مكروهة حسواتها كالعلقم
قل للمثلم وابن هند بعده ... إن كنت رائم عزنا فاستقدم
تلق الذي لاقى العدو وتصطبح ... كأسا صبابتها كطعم العلقم
نحبو الكتيبة حين نفترش القنا ... طعنا كألهاب الحريق المضرم
ولقد حبونا عامرا من خلفه ... يوم النسار بطعنة لم تكلم

قال الفرزدق واسمه همام بن غالب التميمي

لنا العزة القعساء والعدد الذي ... عليه إذا عد الحصى يتخلف
لنا حيث آفاق البرية تلتقي ... عديد الحصى والقسور المتخندف
ومنا الذي لا تنطق الناس عنده ... ولكن هو المستأذن المتصرف
(6/242)

تراهم قعودا حلوه وعيونهم ... مكسرة أبصارها ما تطرف
وبنيان بيت الله نحن ولاته ... وبيتٌ بأعلى الرامتين مشرف
ترى الناس يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
ولا عز إلا عزنا قاهر له ... ويسألنا النصف الذليل فننصف
وإن فتنوا يوما ضربنا رؤوسهم ... على الدين حتى يقتل المتألف
فإنك إن تسعى لتدرك دارماً ... لأنت المعنى يا جرير المكلف
أتطلب من عند النجوم مكانة ... بريق وعير ظهره يتقرف
وشيخين قد عاشا ثمانين حجة ... ذليلين ذا هم وذلك أعجف
عطفت عليك الحرب إني إذا ونى ... أخو الحرب كرار على القرن معطف
أتى لجرير رهط سوء أذلة ... وعرض لئيم للمخازي موقف
وجدت الثرى فينا إذا وجد الثرى ... ومن هو يرجو فضله المتضيف
ونمنع مولانا وإن كان نائيا ... بنا داره مما يخاف ويأنف
ترى جارنا فينا بخير وإن جنى ... ولا هو مما ينطف الجار ينطف
وكنا إذا نامت كلاب عن القرى ... إلى الضيف نمشي مسرعين ونخلف
وقد علم الجيران أن قدورنا ... جوامع للأرزاق والريح زفزف
ترى حولهن المعتفين كأنهم ... على صنم في الجاهلية عكف
وما قام منا قائم في ندينا ... فينطق إلا بالتي هي أعرف
وإن لمن قوم بهم يتقى الردى ... ورأب الثأي والجانب المتخوف
وأضياف ليل قد نقلنا قراهم ... إلينا فأتلفنا المنايا وأتلفوا
(6/243)

وكنا إذا ما استكره الضيف بالقرى ... أتته العوالي وهي بالسم رعف
وكل قرى الأضياف نقري من القنا ... ومتعبطا منه السنام المسدف
وجدنا أعز الناس أكثرهم حصى ... وأكرمهم من بالمكارم يعرف
وكلتاهما فينا لنا حين نلتقي ... عصائب لاقى بينهن المعرف
منازيل عن ظهر القليل كثيرنا ... إذا ما دعا ذو الثورة المتردف
فقلنا الحصى عنه الذي فوق ظهره ... بأحلام جهال إذا ما تعطفوا
وجهل بحلم قد دفعنا جنونه ... وما كاد لولا عزنا يتزحلف
زججنا بهم حتى استبانوا حلومهم ... بنا بعد ما كاد القنا يتقصف

قال الأديب أبو عبد الله بن الفخار المالقي

بأي حسام أم بأي سنان ... أنازل ذاك القرن حين دعان
لئن عري اليوم الجواد لعلة ... فبالأمس شدوا سرجه لطعان
وإن عطل السهم الذي كنت رائشاً ... ففيه دم الأعداء أحمر قان
إلا إن درعي نثرة تبعية ... وسيفي صدق إن هززت يماني
وما قصبات السبق إلا لأدهمي ... إذا الخيل جالت في مجال رهان
تمنى لقائي من حللت وثاقه ... وأعطى غداة المن ذلة عان
وقد علم الأقوام من صح وده ... ومن كان منا دائم الشنآن
وما يزدهيني قول كل مموه ... وليس له بالمعضلات يدان
ويزعم أني في البيان مقصر ... ويأبى بناني واقتدار لساني
وإني اناضٌ بكل عظيمة ... يضيق عليها ذرع كل جنان
(6/244)

نهضت بها وحدي وغيري مدع ... يشارك أهل القول شرك عنان
أينسى مقامي إذ أكافح دونه ... وقد طار قلب الذعر بالخفقان
ويذكر يوما قمت فيه بخطبة ... كآثار عد الماء بالسيلان
وما هو إلا المرء يقطع رأسه ... وإن دهنوه حيلة بدهان
تهاون بالإنصاف حتى أحله ... وقد كان ذا عز بدار هوان
ولو كان يعطي الزائرين حقوقهم ... لما تركوه في يد الحدثان

قال الطغرائي يفتخر

أبى الله أن أسمو غير فضائلي ... إذا ما سما بالمال كل مسود
وإن كرمت قبلي أوائل أسرتي ... فغني بحمد الله مبدأ سؤددي
يذم لأجلي المهر إن يكب مرة ... بجدي وإن ينهض بجدي يحمد
وما منصب إلا وقدري فوقه ... ولو حط رجلي بين نسر وفرقد
إذا شرفت نفس الفتى زاد قدره ... على كل أسنى منه ذكرا وأمجد
كذاك حديد السيف إن يصف جوهرا ... فقيمته أضعافه وزن عسجد
تكاد ترى من لا يقاس نجاده ... بشسعي إذا ما ضمنا صدر مشهد
وما المال إلا عارةٌ مستردة ... فهلا بفضلي كاثروني ومحتدي
إذا لم يكن لي في الولاية بسطة ... يطول بها باعي وتسطو بها يدي
ولا كان لي حكم مطاع أجيزه ... فأرغم أعدائي وكبت حسدي
فأعذر إن قصرت في حق مجتد ... وآمن أن يعتادني كيد معتد
أأكفى ولا أكفي وتلك غضاضة ... أرى دونها وقع الحسام المهند
(6/245)

ولولا تكاليف العلى ومغارمٌ ... ثقال وأعقاب الأحاديث في غد
لأعطيت نفسي في التخلي مرادها ... فذاك مرادي مذ نشأت ومقصدي
من الحزم أن لا يضجر المرء بالذي ... يعانيه من مكروهة فكأن قد
إذا جلدي في الأمر خان ولم يعن ... مريرة عزمي ناب عنه تجلدي
ومن يستعن بالصبر نال مراده ... ولو بعد حين إنه غير مسعد

قال أبو تمام يفتخر بقومه

أنا ابن الذين استرضع الجود فيهم ... وقد ساد فيهم وهو كهل ويافع
نجوم طواليع جبال فوارع ... غيوثٌ هواميع سيول دوافع
مضوا وكان المكرمات لديهم ... لكثرة ما أوصوا بهن شرائع
فأي يد في المحل مدت فلم يكن ... لها راحة من جودهم وأصابع
هم استودعوا المعروف محفوظ مالنا ... فضاع وما ضاعت لدينا الودائع
بها ليل لو عاينت فيض أكفهم ... لأيقنت أن الرزق في الأرض واسع
إذا خفقت بالبذل أرواح جودهم ... حداها الندى واستنشقتها المطامع
رياح كريح العنبر الغض في الندى ... ولكنها يوم اللقاء زعازع
هي السم ما تنفك في كل بلدة ... تسيل به أرماحهم وهو ناقع
أصارت لهم أرض العدو قطائعاً ... نفوس لحد المرهفات قطائع
بكل فتى ما شاب من ورع وقعة ... ولكنه قد شبن منه الوقائع
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر ... أغارت عليهم فاحتوته الصنائع
فتعطي الذي تعطيهم الخيل والقنا ... اكف لإرث المكرمات موانع
(6/246)

هم قوموا درء الشآم وأيقظوا ... بنجد عيون الحرب وهي هواجع
يمدون بالبيض القواطع أيدياً ... وهن سواء والسيوف القواطع
إذا أسروا لم يأسر البغي عفوهم ... ولم يمس عان فيهم وهو كانع
إذا أطلقوا عنه جوامع غله ... تيقن إن المن أيضا جوامع
وإن صارعوا عن مفخر قام دونهم ... وخلفهم بالجد جد مصارع
فكم شاعر قد رامني فقذعته ... بشعري وهو اليوم خزيان ضارع
كشفت قناع عن حر وجهه ... فطيرته عن فكره وهو واقع
بعز يراها من يراها بسمعه ... ويدنو إليها ذو الحجى وهو شاسع
يود ودادا أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت شوقا إليها المسامع

قال أبو فراس الحمداني يفتخر

ووالله ما قصرت فيطلب العلى ... ولكن كان الدهر عني غافل
مواعيد آمال متى ما انتجعتها ... حلبت بكيات وهن حوافل
تدافعني الأيام عما أريده ... كما دفع الدين الغريم المماطل
فمثلي من نال الأعادي بسيفه ... ويا ربما غالته عنها الغوائل
وما لي لا تمسي وتصبح في يدي ... كرائم أموالي الرجال العقائل
احكم في الأعداء عنها صوارماً ... احكمها فيها إذا ضاق نازل
ومازال محمي الحمائل عنوة ... سوى ما أقلت في الجفون الحمائل
ينال اختيار الصفح عن كل مذنب ... له عندنا ما لا تنال الوسائل
لنا عقب الأمر الذي في صدوره ... تطاول أعناق العدى والكواهل
(6/247)

أصاغرنا في المكرمات أكابر ... وآخرنا في المأثرات أوائل
إذا صلت صولا لم أجد لي مصاولاً ... وإن قلت قولا لم أجد من يقاول

وعرضت على سيف الدولة خيوله وبنو أخيه حضور فكل اختار منها وطلب حاجته من دون أبي فراس فعتب عليه سيف الدولة فأنشده

غيري يغيره الفعال الجافي ... ويحول عن شيم الكريم الوافي
لا أرتضي ودا إذا هو لم يدم ... عند الوفاء وقلة الإنصاف
تعس الحريص وقل ما يأتي به ... عوضا من الإلحاح والإلحاف
إن الغني هو الغني بنفسه ... ولو انه عاري المناكب جاف
ما كل ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا اقتنعت فكل شيء كاف
ويعاف لي طبع الحريص أبوتي ... ومرؤتي وقناعتي وعفافي
ما كثر الخيل الجياد برائد ... شرفا ولا عدو السوام الصاف
ومكارمي عدد النجوم ومنزلي ... بين الكرام ومنزل الأضياف
لا أقتني لصروف دهري عدة ... حتى كأن صروفه أحلافي
خيلي وإن قلت كثير نفها ... بين الصوارم والقنا الرعاف
شيم عرفت بهن مذ أنا يافع ... ولقد عرفت بمثلها أسلافي

لأبي العلاء المعري في الفخر

ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل ... عفاف ولإقدام وحزم ونابل
اعندي وقد مارست كل خفية ... يصدق واش أو يخيب سائل
تعد ذنوبي عند قوم كثيرة ... ولا ذنب لي إلا العلى والفضائل
(6/248)

كأني إذا طلت الزمان وأهله ... رجعت وعندي للأنام طوائل
وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم ... بإخفاء ضوءها متكامل
يهم الليالي بعض ما أنا مضمر ... ويثقل رضوى دون ما أنا حامل
وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل
وأغدو ولو أن الصباح صوارم ... وأسري لو أن الظلام جحافل
وإني جواد لم يحل لجامه ... ونصل يمان أغفلته الصيافل
فإن كان في لبس الفتى شرف له ... فما السيف إلا غمده والحمائل
ولي منطق لم يرض لي كنه منزلي ... على أنني بين السماكين نازل
لدى موطن يشتاقه كل سيد ... ويقصر عن إدراكه المتناول
ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا ... تجاهلت حتى ظن أني جاهل
فوا عجبا كم يدعي الفضل ناقص ... ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل
وكيف تنام الطير في وكناتها ... وقد نصبت للفرقدين الحبائل
ينافس يومي في أمسي تشرفا ... وتحسد أسحاري علي الأصائل
وطال اعترافي بالزمان وصرفه ... فلست أبالي من تغول الغوائل
فلو بان عنقي ما تأسف منكبي ... ولو مات زندي ما بكته الأنامل
إذا وصف الطائي بالبخل مادر ... وعير قساً بالفهاهة باقل
وقال السهى للشمس أنت ضئيلة ... وقال الدجى للصبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة ... وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي إن دهرك هازل
(6/249)


الباب العاشر في المديح
زهير في مديح هرم بن سنان من قصيدة

إلى هرم سارت ثلاثا من اللوى ... فنعم مسير الواثق المتعمد
سواء عليه أي حين أتيته ... أساعة نحس تتقى أم بأسعد
أليس بضراب الكماة بسيفه ... وفكاك أغلال الأسير المقيد
كليث أبي شبلين يحمي عرينه ... إذا هو لاقى نجدة لم يعرد
ومدره حرب حميها يتقى به ... شديد الرجام باللسان وباليد
وثقل على الأعداء لا يضعونه ... وحمال أثقال ومأوى المطرد
أليس بفياض يداه غمامة ... ثمال اليتامى في السنين محمد
إذا ابتدرت قيس بن غيلان غاية ... من المجد من يسبق إليها يسود
سبقت إليها كل طلق مبرز ... سبوق إلى الغايات غير مجلد
كفضل جواد الخيل يسبق عفوه م السراع وإن يجهدن يجهد ويبعد
تقي نقي لم يكثر غنيمة ... بنهكة ذي قربى ولا بحقلد
سوى ربع لم يأت فيه مخانة ... ولا رهقا من عائذ متهود
يطيب له أوب افتراض بسيفه ... على دهش في عارض متوقد
فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ... ولكن حمد الناس ليس بمخلد
ولكن منه باقيات وراثة ... فأورث بنيك بعضها وتزود
(6/250)

تزود إلى يوم الممات فإنه ... لو كرهته النفس آخر موعد

للنابغة الذبياني في عمرو بن الحارث الأصغر الغساني من قصيدة

وثقت له بالنصر إذ قيل قد غزت ... كتائب من غسان غير أشائب
بنو عمه دنيا وعمرو بن عامر ... أولئك قوم بأسهم غير كاذب
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب
يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضاربات بالدماء الدوارب
جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب
لهن عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرض الخطي فوق الكواثب
على عارفات للطعان عوابس ... بهن كلوم بين دام وجالب
إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا ... إلى الموت إرقال الجمال المصاعب
فهم يتساقون المنية بينهم ... بأيديهم بيض رقاق المضارب
يطير فضاضاً بينها كل قونسٍ ... ويتبعها منهم فراش الحواجب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كإيزاع المخاض الضوارب
لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم ... من الجود والأحلام غير عوازب
مجلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غيرا لعواقب
رقاق النعال طيبت حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب
تحييهم بيض الولائد بينهم ... وأكسية الإضريج فوق المشاجب
يصونون أجساما قديما نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب
(6/251)

ولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب
حبوت بها غسان إذ كنت لاحقا ... بقومي وإذ أعيت علي مذاهبي

لعلقمة الفحل في مدح الحارث الوهاب سيد بني غسان وملك الشام

إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي ... لكلكلها والقصريين وجيب
لتبلغني دار امرئ كان نائياً ... فقد قربتني من نداك قروب
وأنت امرؤ أفضت إليك أمانتي ... وقبلك ربتني فضعت ربوب
فأدت بنو كعب بن عوف ربيبها ... وغودر في بعض الجنود ربيب
فوالله لولا فارس الجون منهم ... لآبوا خزايا والإياب حبيب
تقدمه حتى تغيب حجوله ... وأنت لبيض الدارعين ضروب
مظاهر سربالي حديد عليهما ... عقيلا سيوف مخذم ورسوب
فجادلتهم حتى اتقوك بكبشهم ... وقد حان من شمس النهار غروب
وقائل من غسان أهل حفاظها ... وهنب وقاس جالدت وشبيب
تخشخش أبدان الحديد عليهم ... كما خشخشت يبس الحصاد جنوب
تجود بنفس لا يجاد بمثلها ... وأنت بها يوم اللقاء تطيب
كأن رجال الأوس تحت لبانه ... وما جمعت جل معا وعتيب
رفا فوقهم سقب السماء فداحصٌ ... بشكته لم يستلب وسليب
كأنهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهن دبيب
فلم تنج إلا شطبة بلجامها ... وإلا طمر كالقناة تجيب
وإلا كمي ذو حفاظ كأنه بما ابتل من حد الظنات خضيب
(6/252)

وأنت الذي آثاره في عدوه ... من البؤس والنعمى لهن ندوب
وقي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشاس من نداك ذنوب
وما مثله في الناس إلا قبيله ... مساو ولا دان لذاك قريب
فلا تحرمني نائلا عن جنابة ... فغني امرؤ وسط القباب غريب

للفرزدق في عمر بن الوليد بن عبد الملك

إليك سمت يا ابن الوليد ركابنا ... وركبانها أسمى إليك واعمد
إلى عمر أقبلن معتمداته ... سراعاً ونعم الركب والمعتمد
ولم تجر إلا جئت للخيل سابقا ... ولا عدت إلا انت في العود أحمد
إلى ابن الإمامين اللذين أبوهما ... إمام له لولا النبوة يسجد
إذا هو أعطى اليوم زاد عطاؤه ... على ما مضى منه إذا أصبح الغد
بحق امرئ بين الوليد قناته ... وكندة فوق المرتقى يتصعد
أقول لحرف لم يدع رحلها لها ... سناما وتثوير القطا وهي هجد
عليك فتى الناس الذي إن بلغته ... فما بعده في نائل متلدد
وإن له نارين كلتاهما لها ... قرى دائم قدام بيته توقد
فهذي لعبط المشبعات إذا شتا ... وهذي يد فيها الجسام المهند
ولو خلد الفخر امرأ في حياته ... خلدت وما بعد النبي مخلد
وأنت امرؤ عودت للمجد عادة ... وهل فاعل إلا بما يتعود
تسائلني ما بال جنبك جافيا ... أهما جفا أم جفن عينك أرمد
فقلت لها لا بل عيال أراهم ... ومالهم ما فيه للغيث مقعد
(6/253)

فقالت ألي ابن الوليد الذي له ... يمين بها الإمحال والفقر يطرد
يجود وإن لم ترتحل يا ابن غالب ... إليه وإن لاقيته فهو أجود
من النيل إذ عم المنار غثاؤه ... ومن يأته من راغب فه أسمد
فإن ارتداد الهم عجز على الفتى ... عليه كما رد البعير المقيد
ولا نجح في هم إذا لم يكن له ... زماع وحبل للصريمة محصد
جرى ابن أبي العاصي فأحرز غاية ... إذا أحرزت من نالها فهو أمجد
وكان إذا احمر الشتاء جفانه ... جفان إليها بادئون وعود
لهم طرق أقوامهم قد عرفنها ... إليهم وأيديهم إلى الشحم جمد
وما من حنيف آل مروان مسلم ... ولا غيره إلا عليه لكم يد
إذا عد قوم مجدهم وبيوتهم ... فضلتم إذا ما أكرم الناس عددوا

وللفرزدق في وصف الإمام زين العابدين

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
في كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضي من مهابه ... فما يكلم إلا حين يبتسم
ينشق نور الهدى من نور غرته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم
(6/254)

مشتقة من كرام القوم نبعته ... طابت عناصره والخيم والشيم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهلة ... بجده أولياء الله قد ختموا
ألله شرفه قدرا وعظمه ... جرى بذاك له في لوحه القلم
وليس قولك من هذا بضائره ... ألعرب تعرب من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عم نفعهما ... يستوكفان ولا يعروهما عدم
سهلا لخليفة لا تخشى بوادره ... يزينه اثنان حسن الخلق والشيم
حمال أثقال أقوام إذا اقترضوا ... حلو الشمائل تحلو عنده نعم
ما قال لا قط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاءه نعم
عم البرية بالإحسان فانشقت ... عنها الغياهب والإملاق والعدم
من معشر حبهم دين وبغضهم ... كفر وقربهم منجى ومعتصم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
لا ينقص العسر بسطا من اكفهم ... سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كل بدء ومختوم به الكلم
يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم ... خلق كريم وأيد بالندى هضم
أي الخلائق ليست في رقابهم ... لأولية هذا أو له نعم
من يعرف الله يعرف أولية ذا ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم
(6/255)

لابن خفاجة الأندلسي في مدح الأمير أبي يحيى بن إبراهيم

ضافي رداء المجد طماح العلى ... طامي عباب الجود رحب الدار
جرار أذيال المعالي والقنا ... حامي الحقيقة والحمى والجار
طرد القنيص بكل قيد طريدة ... زجل الجناح مورد الأظفار
ملتفة أعطافه بجبيرة ... مكحولة أجفانه بنضار
خدم القضاء مراده فكأنما ... ملكت يداه أعنة الأقدار
وعنى الزمان لأمره فكأنما ... أصغى الزمان به إلى أمار
وجلا الإمارة في رقيق نضارة ... جلت الدجى في حلة الأنوار
في حيث وشح لبة بقلادة ... منها وحلى معصما بسوار
جذلان يملأ منحة وبشاشة ... أيدي العفاة وأعين الزوار
أرج الندي بذكره فكأنه ... متنفس عن روضة معطار
بطل حوى الفلك المحيط بسرجه ... واستل صارمه يد المقدار
بيمينه يوم الوغى وشماله ... ما شاء من نارومن إعصار
والخيل تعثر في شبا شوك القنا ... قصداً وتسبح في الدم الموار
والبيض يكسر من سنا شمس الضحى ... فكأنه صدأ على دينار
والنقع الحسام النصر صحبة غبطة ... في كف صوال به سوار
لو أنه أوحى إليه بنظرة ... يوما لثار ولم ينم عن ثار
وقضى وقد ملكته هزة عزة ... تحت العجاج وضحكة استبشار
(6/256)

لابن الأزرق الأندلسي في مدح الرئيس أبي يحيى بن عاصم وتهنئته بعيد

يا مطلع النوار زهرا يجتنى ... ومشعشع الصهباء نارا تلمس
بك مجلس الأنس اطمأن وبابن عا ... صم اطمأن من الرئاسة مجلس
بدر بأنوار الهدى متطلع ... غيث بأشتات الندى متجبس
حامي فلم نرتع لخطب يعتري ... ووفى فلم تحفل بدهر يبخس
شيم مهذبة وعلم راسخ ... ومكارم هتن ومجد أقعس
لو كان شخصا ذكره لبدا على ... أعطافه من كل حمد ملبس
ذاكم أبو يحيى به تحمى العلى ... وبه خلال الفخر طرا تحرس
بيت على عمد الفخار مطنب ... مجد على متن السماك مؤسس
إنا لنغدو هيما فينيلنا ... ريا ويوحشنا النوى فيؤنس
حتى أقمنا والأماني منهضا ... ت وابتسمنا والزمان معبس
لم ندر قبل يراعه وبنانه ... أن الذوابل بالغمام تبجس
هن اليراع بها يؤمن خائف ... ويحاط مذعور ويغنى مفلس
مهما انبهرت فهي السهام يرى لها ... وقع لأغراض البيان مقرطس
يشفي بمأمله الشكي المعتري ... يحيا بمأمنه الحمام المؤيس
قد جمع الأضداد في حركاته ... فلذا اطراد فخاره لا يعكس
عطشان ذو ري يبيس مثمر ... غضبان ذو صفح فصيح أخرس
لله من تلك اليراع جواذب ... للسحر منك كأنها المغنيطس
رضنا شماس القول في أوصافها ... فهي التي راضت لنا ما يشمس
(6/257)

وإليكها حللا تشابه نسجها ... مثلي يفصلها ومثلك يلبس
واهنأ بعيد باسم متهلل ... وافاك يجهر بالسرور ويهمس
واحبس لواء الفخر موقوفا فإ ... ن الحمد موقوف عليك محبس

لأبي تمام في هارون الواثق بالله من قصيدة

سيروا بني الحاجات ينجح سعيكم ... غيث سحاب الجود منه هتون
فالحادثات بوبله مصفودة ... والمحل في شؤبوبه مسجون
حملوا ثقيل الهم واستنأى بهم ... سفر يهد المتن وهو متين
حتى إذا ألقوه عن أكتافهم ... بالعزم وهو على النجاح ضمين
وجدوا جناب الملك أخضر فاجتلوا ... هارون فيه كأنه هارون
ألفوا أمير المؤمنين وجده ... خضل الغمام وظله مسكون
فغدوا وقد وثقوا برأفة واثق ... بالله طائره لهم ميمون
ملكوا خطام العيش بالملك الذي ... أخلاقه للمكرمات حصون
ملك إذا خاض المسامع ذكره ... خف الرجاء إليه وهو ركين
ليث إذا خفق اللواء رأيته ... يعلو قرا الهيجاء وهي زبون
لحياضها متورد ولخطبها ... متعمد وبثديها ملبون
جعل الخلافة فيه رب قوله ... سبحانه للشيء كن فيكون
ولقد رأيناها له بقلوبنا ... وظهور خطب دونها وبطون
ولذاك قيل من الظنون حلية ... صدق وفي بعض القلوب عيون
ولقد علمنا مذ ترعرع أنه ... لأمين رب العالمين أمين
(6/258)

يا ابن الخلائف إن بردك ملؤه ... كرم يذوب المزن منه ولين
يسمو بك السفاح والمنصور وال ... مهدي والمعصوم والمأمون
من يعش ضوء ألاك يعلم أنهم ... ملأ لدى ملإ السماء مكين
فرسان مملكة أسود خلافة ... ظل الهدى غاب لهم وعرين
في دولة بيضاء هارونية ... متكنفاها النصر والتمكين
قد أصبح الإسلام في سلطانها ... والهند بعض ثغورها والصين
يفدي الأمين الله كل منافق ... شنآنه بين الضلوع كمين
ممن يداه يسريان ولم تزل ... فينا وكلتا راحتيك يمين
تدعى بطاعتك الوحوش فترعوي ... والأسد في عريسها فتدين
ما فوق مجدك مرتقى مجد ألا كل افتخار دون فخرك دون

وله في المعتصم بالله عند فتح عمورية عاصمة الروم

السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب
أين الرواية بل أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرصاً وأحاديثاً ملفقةً ... ليست بنبع إذا عدت ولا غرب
عجائبا زعموا الأيام مجفلة ... عنهن في صفر الإصفار أو رجب
وخوفوا الناس من دهياء مظلمة ... إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب
فتح الفتوح تعالى أن يحيط به ... نظم من الشعر أو نثر من الخطب
(6/259)

فتح تفتح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب
يا يوم وقعة عمورية انصرفت ... عنك المنى حفلا معسولة الحلب
أبقيت جد بني الإسلام في صعد ... والمشركين ودار الشرك في صبب
أم لهم لو رجوا أن تفتدى جعلوا ... فداءها كل أم برة وأب
وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها ... كسرى وصدت صدودا عن أبي كرب
من عهد إسكندر أو قبل ذلك قد ... شابت نواصي الليالي وهي لم تشب
بكر فما افترعتها كف حادثة ... ولا ترقت إليها همة النوب
حتى إذا مخض الله السنين لها مخض الحليبة كانت زبدة الحقب
أتتهم الكربة السوداء سادرة ... منها وكان اسمها فراجة الكرب
جرى لها الفأل نحسا يوم أنقرة ... إذ غودرت وحشة الساحات والرحب
لما رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب
كم بين حيطانها من فارس بطل ... قاني الذوائب من آني دم سرب
بسنة السيف والخطي من دمه ... لا سنة الدين والإسلام مختضب
لقد تركت أمير المؤمنين بها ... للنار يوما ذليل الصخر والخشب
غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى ... يقله وسطها صبح من اللهب
حتى كأن جلابيب الدجى رغبت ... عن لونها أو كأن الشمس لم تغب
ضوء من النار والظلماء عاكفة ... وظلمة من دخان في ضحى شحب
فالشمس طالعة من ذا وقد أفلت ... والشمس واجبة من ذا لم تجب
تصرح الدهر تصريح الغمام لها ... عن يوم هيجاء منها طاهر جنب
(6/260)

لم تطلع الشمس فيه يوم ذاك على ... بان بأهل ولم تغرب على عزب
ما ربع مية معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربى من ربعها الخرب
لم يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ... له المنية بين السمر والقضب
تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب في الله مرتهب
ومطعم النصل لم تكهم أسنته ... يوما ولا حجبت عن روح محتجب
لم يغز قوما ولم ينهض إلى بلد ... إلا تقدمه جيش من الرعب
لو لم يقد جحفلا يوم الوغى لغدا ... من نفس وحدها في جحفل لجب
رمى بك الله برجيها فهدمها ... ولو رمى بك غير الله لم يصب
من بعد ما أشبوها واثقين بها ... والله مفتاح باب المعقل الأشب
وقال ذو أمرهم لا مرتع صدر ... للسارحين وليس الورد من كثب
أمانياً سلبتهم نجح هاجسها ... ظبي السيوف وأطراف القنا السلب
إن الحمامين من بيض ومن سمر ... دلوا الحياتين من ماء ومن عشب
لبيت صوتا زبطرياً هرقت له ... كاس الكرى ورضاب الخرد العرب
عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الخصب
أجبته معلنا بالسيف منصلتا ... ولو أجبت بغير السيف لم تجب
حتى تركت عمود الشرك منقعرا ... ولم تعرج على الوتاد والطنب
لما رأى الحرب رأي العين توفلس ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب
غدا يصرف بالأموال خزينتها ... فعزه البحر ذو التيار والعبب
هيهات زعزعت الأرض الوقور به ... عن غزو محتسب لا غزو مكتسب
(6/261)

لم ينفق الذهب المربي بكثرته ... على الحصى وبه فقر إلى الذهب
إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
ولى وقد ألجم الخطي منطقه ... بسكته تحتها الأحشاء في صخب
أحسى قرابينه صرف الردى ومضى ... يحتث أنجى مطاياه من الهرب
موكلا بيفاع الأرض يشرفه ... من خفة الخوف لا من خفة الطرب
إن يعد من حرها عدو الظليم فقد ... أوسعت جاحمها من كثرة الحطب
تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت ... جلودهم قبل نضج التين والعنب
يا رب حوباء لما اجتث دابرهم ... طابت ولو ضمخت بالمسك لم تطب
ومغضب رجعت بيض السيوف به ... حي الرضاعن رداهم ميت الغضب
والحرب قائمة في مأزق لجب ... تجثو الرجال به صغرا على الركب
كم نيل تحت سناها من سنا قمر ... وتحت عارضها من عارض شنب
كم كان في قطع أسباب الرقاب بها ... إلى المخدرة العذراء من سبب
كم أحرزت قضب الهندي مصلته ... تهتز من قضب تهتز في كثب
بيض إذا انتضيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانا من الحجب
خليفة الله جازى الله سعيك عن ... جرثومة الدين والإسلام والحسب
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب
إن كان بين صروف الدهر من رحم ... موصولة أو ذمام غير مقتضب
فبين أيامك اللائي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقرب النسب
أبقت بني الأصفر المصفر كأسهم ... صفر الوجوه وجلت أوجه العرب
(6/262)

للتلمساني في مدح الملك المنصور محمد بن عثمان الأيوبي

أأخاف صرف الدهر أم حدثانه ... والدهر للمنصور بعض عبيده
ملك نداه فكني وانتاشني ... من مخلبيه ومن إسار قيوده
ملك إذا حدثت عن إحسانه ... حدثت عن مبدي الندى ومعيده
ساد الملوك بفضله وبنفسه ... والعز من آبائه وجدوده
وإذا ترنمت الرواة بمدحه ... وثنائه اهتزت معاطف جوده
لأبي المعالي راحة وكافة ... كالغيث يوم بروقه ورعوده
صب بتحصيل الثناء وجمعه ... كلف ببذل المال أو تبديده
مازال يشمل حاسديه نواله ... حتى أقر به لسان حسوده
سل عفوه وحسومه في غمده ... وحذار ثم حذار من تجريده
يغشى الورى متلفعا بردائه ... ويخوضها متسربلا بحديده
فترى الشحاح يفر منه مهابة ... والموت بين لهاته ووريده
يتقهقر الجيش اللهام مخافة ... منه إذا وافى أمام جنوده
وتعود مخفقة الرجاء عداته ... وقلوبها خفاقة كبنوده
في مهرك إن كسرت فيه القنا ... وصل الحسام ركوعه بسجوده
جارى الغمام ففاته بنواله ... كرما وفاق كبيره بزهيده
والدين أصله وشد مناره ... حين اعتنى بحقوقه وحدوده
والملك لم ينفك يعمل عزمه ... في نصر ظاهره ونصح سعيده
إن المنايا والأماني لم تزل ... طوعا لسابق وعده ووعيده
(6/263)

وأرى الحياة لذيذة بحياته ... وأرى الوجود مشرفا بوجوده
فلو أنني خيرت من دهري المنى ... لاخترت طول بقائه وخلوده
يا آل أيوب جزيتم صالحاً ... عن محسن مدح الملوك مجيده
ونعمتم ما افتر عن ثغر الضحى ... صبح وما فضح الدجى بعموده
يا أيها الملك الذي حاز العلى ... فثنى عنان الفكر عن تحديده
أما الزمان فأنت درة عقده ... وسنان صدعته وبيت قصيده
والشعر أنت أحق من يهتز عن ... د سماعه ويميل عند نشيده
فاسلم لملك بل لمجد أنت في ... تأسيسه والله في تأييده

لأبي الطيب المتنبي في الحسين بن إسحاق التنوخي

هو البين حتى ما تأنى الخرائق ... ويا قلب حتى أنت ممن أفارق
وقفنا ومما زاد بثا وقوفنا ... فريقي هوى منا مشوق وشائق
وقد صارت الأجفان قرحى من البكا ... وصار بهاراً في الخدود الشقائق
على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة ... وميت ومولود وقال ووامق
تغير حالي والليالي بحالها ... وشبت وما شاب الزمان الغرانق
وليل دجوجي كانا جلت لنا ... محياك فيه فاهتدينا السمالق
فما زال لولا نور وجهك جنحه ... ولا جابها الركبان لولا الأيانق
وهز اطار النوم حتى كأنني ... من السكر في الغرزين ثوب شبارق
شدوا بابن إسحاق الحسين فصافحت ... ذفاريها كيرانها والنمارق
بمن تقشعر الأرض خوفا إذا مشى ... عليها وترتج الجبال الشواهق
(6/264)

فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى ... يرجى الحيا منها وتخشى الصواعق
ولكنها تمضي وهذا مخيم ... وتكذب أحيانا وذا الدهر صادق
تخلى من الدنيا لينسى فما خلت ... مغاربها من ذكره والمشارق
غذا الهندوانيات بالهام والطلى ... فهن مداريها وهن المخانق
تشقق منهن الجيوب إذا غزا ... وتخضب منهن اللحى والمفارق
يجنبها من حتفه عنه غافل ... ويصلى بها من نفسه منه طالق
يحاجى به ما ناطق وهو ساكت ... يرى ساكتا والسيف عن فيه ناطق
نكرتك حتى طال منك تعجبي ... ولا عجب من حسن ما الله خالق
كأنك في الإعطاء للمال مبغض ... وفي كل حرب للمنية عاشق
ألا قلما تبقى على ما بدا لها ... وحل بها منك القنا والسوابق
سيحيى بك السمار ما لاح كوكب ... ويحدو بك السفار ما ذر شارق
فما ترزق الأقدار من أنت حارم ... ولا تحرم الأقدار من أنت رازق
ولا تفتق الأيام ما أنت راتق ... ولا ترتق الأيام ما أنت فاتق
لك الخير غيري رام من غيرك الغنى ... وغيري بغير اللاذقية لاحق
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق

وقال أبو الطيب يمدح أبا شجاع فاتكا وكان يلقب بالمجنون

لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
واجز الأمير الذي نعماه فاجئةٌ ... بغير قول ونعمى الناس أقوال
فربما جزت الإحسان موليه ... خريدة من عذارى الحي مكسال
(6/265)

وإن تكن محكمات الشكل تمنعني ... ظهور جري فلي فيهن تصهال
وما شكرت لأن المال فرحني ... سيان عندي إكثار وإقلال
لكن رأيت قبيحا أن يجاد لنا ... وأننا بقضاء الحق بخال
فكنت منبت روض الحزن باكره ... غيث سباخ الأرض هطال
غيث يبين للنظار موقعه ... أن الغيوث بما تأتيه جهال
لا يدرك المجد إلا سيد فطن ... لما يشق على السادات فعال
لا وارث جهلت يمناه ما وهبت ... ولا كسوب بغير السيف سال
قال الزمان له قولا فأفهمه ... أن الزمان على الإمساك عذال
تدري القناة إذا اهتزت براحته ... أن الشقي بها خيل وأبطال
كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت وما للشمس أمثال
ألقائد الأسد غذتها براثنه ... بمثلها من عداه وهي أشبال
ألقاتل السيف في جسم القتيل به ... وللسيوف كما للناس آجال
تغير عنه على الغارات هيبته ... وما له بأقاصي البر أهمال
له من الوحش ما اختارت أسنته ... عير وهيق وخنساء وذيال
تمسي الضيوف مشهاة بعقوته ... كأن أوقاتها في الطيب آصال
لو اشتهت لحم قاريها لبادرها ... خراذل منه في الشيزى وأوصال
لا يعرف الرزء في مال ولا ولد ... إلا إذا احتفز الضيفان ترحال
يزوي صدى الأرض من فضلات ما شربوا ... محض اللقاح وصافي اللون سلسال
تقري صوارمه الساعات عبط دم ... كأنما الساع نزال وقفال
(6/266)

تجري النفوس حواليه مخلطة ... منها عداة وأغنام وآبال
لا يحرم البعد أهل البعد نائله ... وغير عاجزة عنه الأطيفال
أمضى الفريقين في أقرانه ظبة ... والبيض هادية والسمر ضلال
يريك مخبره أضعاف منظره ... بين الرجال وفيها الماء والآل
وقد يلقبه المجنون حاسده ... إذا اختلطن وبعض العقل عقال
يرمي بها الجيش لابد له ولها ... من شقه ولو أن الجيش أجبال
إذا العدى نشبت فيهم مخالبه ... لم يجتمع لهم حلم وريبال
يروعهم منه دهر صرفه أبدا ... مجاهر وصروف الدهر تغتال
أناله الشرف الأعلى تقدمه ... فما الذي بتوقي ما أتى نالوا
إذا الملوك تحلت كان حليته ... مهند وأصم الكعب عسال
أبو شجاع أبو الشجعان قاطبة ... هول نمته من الهيجاء أهوال
تملك الحمد حتى ما لمفتخر ... في الحمد حاء ولا ميم ولا دال
عليه منه سرابيل مضاعفة ... وقد كفاه من الماذي سربال
وكيف أستر ما أوليت من حسن ... وقد غمرت نوالا أيها النال
لطفت رأيك في بري وتكرمتي ... إن الكريم على العلياء يحتال
حتى غدوت وللأخبار تجوال ... وللكواكب في كفيك آمال
وقد أطال ثنائي طول لابسه ... إن الثناء على التنبال تنبال
إن كنت تكبر أن تختال في بشر ... فإن قدرك في الأقدار يختال
كأن نفسك لا ترضاك صاحبها ... إلا أنت على المفضال مفضال
(6/267)

ولا تعدك صوانا لمهجتها ... إلا وأنت لها في الروع بذال
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... ألجود يفقر والإقدام قتال
وإنما يبلغ الإنسان طاقته ... ما كل ماشية بالرجل شملال
إنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما قاته وفضول العيش أشغال

وللمتنبي يمدح سيف الدولة ويذكر بناء قلعة الحدث

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغائرها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
يكلف سيف الدولة الجيش همه ... وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم
ويطلب عند الناس ما عند نفسه ... وذلك ما لا تدعيه الضراغم
يفدي أتم الطير عمرا سلاحه ... نسور الملا أحداثها والقشاعم
وما ضرها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم
هل الحدث الحمراء تعرف لونها ... وتعلم أي الساقيين الغمائم
سقتها الغمام الغر قبل نزوله ... فلما دنا منها سقتها الجماجم
بناها فأعلى والقنا تقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم
وكان بها مثلا جنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم
طريدة دهر ساقها فرددتها ... على الدين بالخطي والدهر راغم
تفيت الليالي كل شيء أخذته ... وهن لما يأخذن منك غوارم
وكيف ترجي الروم والروس هدمها ... وذا الطعن أساس لها ودعائم
(6/268)

وقد حاكموها والمنايا حواكم ... فما مات مظلوم ولا عاش ظالم
أتوك يجرون الحديد كأنهم ... سروا بجياد ما لهن قوائم
إذا برقوا لم تعرف البيض منهم ... ثيابهم من مثلها والعمائم
خميس بشرق الأرض والغرب زحفه ... وفي أذن الجوزاء منه زمازم
تجمع فيه كل لسن وأمة ... فما تفهم الحداث إلا التراجم
فلله وقت ذوب الغش ناره ... فلم يبق إلا صارم أو ضبارم
تقطع ما لا يقطع الدرع والقنا ... وفر من الأبطال من لا يصارم
وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تم بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى ... إلى قول قوم أنت بالغيب عالم
ضممت جناحيهم على القلب ضمة ... تموت الخوافي تحتها والقوادم
بضرب أتى الهامات والنصر غائب ... وصار إلى اللبات والنصر قادم
حقرت الردينيات حتى طرحتها ... وحتى كأن السيف للرمح شاتم
ومن طلب الفتح الجليل فإنما ... مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة ... كما نثرت فوق العروس الدراهم
تدوس بك الخيل الوكور على الذرى ... وقد كثرت حول الوكور المطاعم
إذا زلقت مشيتها ببطونها ... كما تتمشى في الصعيد الأراقم
أفي كل يوم ذا الدمستق مقدم ... قفاه على الإقدام للوجه لائم
(6/269)

أينكر ريح الليث حتى يذوقه ... وقد عرفت ريح الليوث البهائم
وقد فجعته بابنه وابن صهره ... وبالصهر حملات المير الغواشم
مضى يشكر الأصحاب في فوته الظبا ... بما شغلتها هامهم والمعاصم
ويفهم صوت المشرفية فيهم ... على أن أصوات السيوف أعاجم
يسر بما أعطاك لا عن جهالة ... ولكن مغنوماً نجا منك غانم
لك الحمد في الدر الذي لي لفظه ... فإنك معطيه وإني ناظم
وإني لتعدو بي عطاياك في الوغى ... فلا أنا مذمومٌ ولا أنت نادم
على كل طيار إليها برجله ... إذا وقعت في مسمعيه الغماغم
ألا أيها السيف الذي لست مغمدا ... ولا فيك مرتاب ولا منك عاصم
هنيئا لضرب الهام والمجد والعلى ... وراجيك والإسلام أنك سالم
ولم لإيقي الرحمان حديك ما وقى ... وتفليقه هام العدى بك دائم
(6/270)

الباب الحادي عشر في المراسلات
مراسلات بين الملوك والعيان
كتاب أبي القاسم بن الجد عن أمير المسلمين إلى أهل سبتة
كتابنا أبقاكم الله وأكرمكم بتقواه. وسركم لما يرضاه. وأسبغ عليكم نعماه. وقد رأينا والله بفضله يقرن جميع آرائنا بالتسديد. ويخلنا في كافة أنحائنا من النظر الحميد. إن نولي أبا زكريا يحيى بن أبي بكر محل ابننا. الناشئ في حجرنا. أعزه الله وسدده فيما قلدناه إياه من مدينتي فاس وسبتة وجميع أعمالها حرسهما الله على الرسم الذي تولاه غير قبله. فأنفذنا ذلك له. لما توسمناه من مخايل النجابة قبله. ووصيناه بما نرجو أن يجتذيه ويمتثله. ويجري قوله وعمله. ونحن من وراء اختباره. والفحص عن أخباره. لأنني بحول الله في امتحانه وتجريبه: والعناية بتخريجه وتدريبه. والله عز وجل يحقق مخيلتنا فيه. ويوفقه من سداد القول والعمل إلى ما يرضيه. فإذا وصل إليكم خطابنا فالتزموا له السمع والطاعة. والنصح والمشايعة جهد الاستطاعة. وعظموا بحسب مكانه منا قدره. وامتثلوا في كل عمل من أعمال الحق نهيه وأمره. والله تعالى يمده بتوفيقه وهدايته ويعرفكم يمن ولايته بعزته (لابن خاقان)

كتاب خالد إلى أبي بكر يخبره بفتح أجنادين
بسم الله الرحمن الرحيم إني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. ثم أزيده حمداً وشكراً على سلامة المسلمين ودمار الأعداء وإخماد جمرتهم وانصداع بيضتهم. وإنا لقينا جموعهم بأجنادين مع وردان صاحب حمص وقد نشروا كتبهم ورفعوا أعلامهم وتقاسموا بدينهم أن لا يفرون ولا ينهزمون. فخرجنا إليهم وأيقنا بالله متوكلين على الله فعلم ربنا ما أضمرناه في أفئدتنا وسرائرنا فرزقنا الصبر وأيدنا بالنصر. وكبت أعداء الله فقتلنا منهم في كل فج وشعب وواد. وجملة من أحصينا من الروم ممن قتل خمسون ألفا وقتل من المسلمين في أول يوم وثانيه أربع مائة وخمسة وسبعون رجلا ختم الله لهم بالشهادة. ونحن راجعون إلى دمشق فادع الله لنا بالنصر. والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله وبركاته (فتوح الشام للواقدي)

كتاب الحريري إلى المسترشد بالله لما ولي الخلافة بعد المستظهر
للدهر أعز الله أنصار الديوان العزيز وأدام له مساعفة الأقدار. ومضاعفة الاقتدار. وإيلاء صنائع المبار. والاستيلاء على جوامع المسار. خطوب متفاضلة القيم. كتفاضل ما تنشيه
(6/271)

من الغمم. وضروب متفاوتة الدرج. بحسب ما تفنيه من المهج. فأعظمها إيلاما للقلوب. وإضراماً للكروب. وإستجلابا للواعج الغموم. وإيجابا للوازم الحزن على العموم. رزء تساهم فيه الأنام. وأظلمت ليومه الأيام. وكان في معاهد الخلافة ناجما. وعلى سده الإمامة المقدسة هاجما. كالفجيعة بطود الدين الشامخ. ودوحة المجد الباذخ. وبحر الكرم الزاخر. وقبلة الماثر والمفاخر. واها هو خطب كاد يشيب منه الأطفال. وتنشق الأرض وتخر الجبال. غير أن الله جلت أسماؤه. وتعاظم علاؤه. نظر لأصناف عبيده. ومن على أهل توحيده. باستخلاف المسترشد بالله. ولولا هذه المنحة التي انتاشت الدين. وجبرت مصاب المسلمين. لفسدت الأرض. ولكن الله ذو الفضل على العالمين. نشر الله في الخافقين أعلام دولته. وحلى تواريخ السير بمناقب سيرته. وحقق آمال المستشفعين والمستضعفين في إسعافه ونصرته. قد التزم الخادم من شرائط هذين الأمرين المقدورين. والمقامين المشهورين. ما يلتزمه المباهي بإخلاص الطاعة. المتناهي في الخدمة المستطاعة.

كتاب ابن صمادح إلى المعتمد يغريه بقتل ابن زيدون وزير أبيه

يا أيها الملك العلي العظم ... اقطع وريدي كل باغ ينئم
واحسم بسيفك داء كل منافق ... يبدي الجميل وضد ذلك يكتم
لا تحقرن من الكلام قليله ... إن الكلام له سيوف تكلم
فاحسم دواعي كل شر دونه ... فالداء يسري إن غدا لا يحسم
كل سقط زند قد نما حتى غدا ... بركان نار كل شيء يحطم
وكذلك السيل الجحاف فإنما ... أولاه طل ثم وبل يسجم
واذكر صنيع أبيك أول مرة ... في كل متهم فإنك تعلم
لم يبق منهم من توقع شره ... فصفت له الدنيا ولذ الطعم
فعلى م تنكل عن صنيع مثله ... ولأنت أمضى في الخطوب وأشهم
وجنانك الثبت الذي لا ينثني ... وحسامك العضب الذي لا يكهم
والحال أوسع والعوالي جمة ... والمجد أشمخ والصريمة ضيغم
لا تتركن للناس موضع تهمة ... واحزم فمثلك في العظام يحزم
قد قال شاعر كندة فيما مضى ... بينا على مر الليالي يعلم
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
فاجعله قدوتك التي تعتادها ... في كل ما يبقى ورأيك أحكم
واسلم على الأيام أنك زينها ... وجمالها والدهر دونك مأتم
لازلت بالنصر العزيز مهنئا ... والدين عن محمود سعيك يبسم
ووقيت مكروه والحوادث واغتدت ... طير السعود باككم تترنم
(6/272)

كتاب ألفنس بن سانشس إلى المعتمد
(لما ملك أذفنش ابن شانجه أعمال طليطلة طمع في الاستيلاء على الجزيرة كلها. وهابت الملوك أمره لكون طليطلة نقطة دائرها وخاطب المعتمد على الله أبا القسم بن عباد يطلب منه تسليم أعماله إلى رسله وعماله وتشطط عليه في الطلب. وأظهر له السرور بالغلب. فيما خاطبه به)
من الأنبيطور ذي الملتين الملك المفضل أذفنش بن شانجه إلى المعتمد بالله سدد الله آراءه وبصره مقاصد الرشاد. سلام عليك. من مشيد ملك شرفته القنا. ونبتت في ربعه المنى. باغترار الرمح بعامله. والسيف بساعد حامله. وقد أبصرتم بطليطلة نزال أقطارها. وما حاق بأهلها حين حصارها. فأسلمتم إخوانكم. وعطلتم بالدعة زمانكم. والحذر من أيقظ باله. قبل الوقوع في الحبالة. ولولا عهد سلف بيننا نحفظ زمانه. ونسعى بنور الوفاء أمامه. لنهض بنا نحوكم ناهض العزم ورائده. ووصل رسول الغزو ووارده. لكن الأقدار. تقطع بالأعذار. ولا يعجل إلا من خاف الفوت فيما يرومه. أو خشي الغلبة على ما يسومه. وقد حملنا الرسالة إليك القمس البرهانس وعنده من التسديد الذي تلقى به أمثالك. والعقل الذي تدبر به بلادك ورجالك. ما أوجب استنابته فيما يدق ويجل. فيما يصلح لا فيما يخل وأنت عندما تأتيه من آرائك. والنظر بعد هذا من ورائك. والسلام عليك. يسعى بيمينك وبين يديك (تاريخ العباديين)

جواب المعتمد بالله إلى الملك ألفنس بن سانشس
من الملك المصور بفضل الله المعتمد على الله محمد بن المعتضد بالله أبي عمرو بن عباد إلى أذفنش بن شانجه الذي لقب نفسه بملك الملوك وسماها بذي الملتين قطع الله بدعواه. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإنه أول ما يبدأ به من دعواه أنه ذو الملتين والمسلمون أحق بهذا الاسم لأن الذي تملكوه من أمصار البلاد. وعظيم الاستعداد. ومجبى المملكة لا تبلغه قدرتكم. ولا تعرفه ملتكم. وإنما كانت سنة سعد أيقظ منها مناديك. وأغفل عن النظر السديد جميل مباديك. فركبنا مركب عجز نسخه الكيس. وعاطيناك كؤوس دعة قلت في اثنائها ليس. ولم تستحي أن تأمر بتسليم البلاد لرجالك. وإنا لنعجب من استعجالك. برأي لم تحكم أنحاؤه. ولا حسن انتحاؤه. وإعجابك بصنع وافقتك فيه الأقدار. واغتررت بنفسك أسوأ الاغترار. وتعلم أنا في العدد والعديد. والنظر السديد. ولدينا من كماة الفرسان. وحيل الإنسان. وحماة الشجعان. يوم يلتقي الجمعان. رجال تدرعوا الصبر. وكرهوا القبر. تسيل نفوسهم على حد الشفار. وينعاهم المنام في القفار. يديرون رحى المنون بحركات العزائم. ويشفون من خبط الجنون بخواتم العزائم. وقد أعدوا لك ولقومك جلادا رتبه الاتفاق. وشفارا حدادا شحذها الأصفاق. وقد يأتي المحبوب من المكروه. والندم من عجلة الشروه. نبهت من غفلة طال زمانها. وأيقظت من نومة تجدد إيمانها. ومتى كانت لأسلافك الأقدمين مع أسلافنا الأكرمين يد صاعدة. أو وقفة
(6/273)

متساعدة. والأذل تعلم مقداره. وتتحقق مثاره. والحمد لله الذي جعل عقوبتنا توبيخك وتقريعك بما الموت دونه. وبالله نستعين ولا نستبطئ في مسيرنا إليك والله ينصر دينه. والسلام على من علم الحق فاتبعه. واجتنب الباطل وخدعه.

مكتوب المعتمد بن عباد إلى يوسف بن تاشفين يستنجده على الأذفنش
(من إشبيلية في غرة جمادى الأولى سنة 379) . أيد الله أمير المؤمنين ونصره ونصر به الدين فإن نحن العرب في هذه الأندلس قد تلفت قبائلنا. وتفرق جمعنا. وتغيرت أنسابنا. بقطع المادة من حنيفيتنا. فصرنا فيها شعوبا لا قبائل وأشتاتاً لا قرابة ولا عشائر. فقل ناصرنا وكثر شامتنا. وتولى علينا هذا العدو المجرم اللعين أذفنش. وأناخ علينا بكلكله ووطئ بقدمه وأسر المسلمين وأخذ البلاد والقلاع والحصون ونحن أهل هذه الأندلس ليس لأحد منا طاقة على نصرة جاره ولا أخيه ولو شاءوا لفعلوا. إلا أن الهواء والماء منعهم عن ذلك وقد ساءت الأحوال. وانقطعت الآمال. وأنتم أيد الله سلطانكم سيد حمير. ومليكها الأكبر. وأميرها وزعيمها نزعت بهمتي إليكم. واستصرخت بالله وبكم. واستعنت بحرمكم. لتجوزوا لجهاد هذا العدو الكافر وتحيوا شريعة الإسلام. وتذبوا عن دين محمد. ولكم بذلك عند الله الثواب الكريم. والأجر الجسيم. ولا حول ولا قوة إلا بالله علي العظيم. والسلام الكريم. على حضرتكم السامية ورحمة الله وبركانه (تاريخ غرناطة لابن الخطيب)

في الطلب والأشواق
لما استأسر الروم صرار كتب إلى أخته وإلى معشر الإسلام
ألا أيها الشخصان بالله بلغا ... سلامي إلى أطلال مكة والحجر
فلاقيتما ما عشتما ألف نعمة ... بعز وإقبال يدوم مع النصر
ولا ضاع عند الله ما تصنعانه ... فقد خف عني ما وجدت من الضر
بصنعكما بي نلت خيرا وراحة ... كذلك فعل الخير بين الورى يجري
وما لي وبيت الله موتي وإنما ... تركت عجوزا في المهامه والقفر
ضعيفة حيل ليس فيها جلادة ... على نائبات الحادثات التي تجري
وكنت لها ركنا بعيد رجالها ... وأكرمها جهدي وإن مسني فقري
وأطعمها من صيد كفي أرانباً ... مع الظبي والوحش المقيمة في البر
وأحمي حماها أن تضام فلم أزل ... لها ناصر في موقف الشر والضر
وإني أردت الله لا شيء غيره ... وجاهدت في جيش الملاعين بالمسر
كذلك أختي جاهدت كل كافر ... وما برحت بالطعن في الكر والفر
تقول وقد جار الفراق ببينه ... ألا يا أخي ما لي على البين من صبر
(6/274)

ألا يا أخي هذا الفراق فمن لنا=بخير رجوع قادم منك بالبشر
ألا بلغاها عن أخيها تحية ... وقولا غريب مات في قبضة القهر
جريح طريح بالسيوف مبضع ... على نصرة الإسلام والطاهر الطهر
حمائم نجد بلغي قول شائق ... إلى عسكر الإسلام والسادة الغر
وقولي ضرار في القيود مكبل ... بعيد عن الأوطان في بلد وعر
وإن سألوا عني الأحبة خبري ... بأن دموعي كالسحاب وكالقطر
حمائم نجد إن أتيت خيامنا ... فقولي كذاك الدهر عسر
وقولي لهم أن الأسير بحرقة ... له علة بين الجوانح والصدر
له من عداد العمر عشر وسبعة ... وواحدة عند الحساب بلا نكر
وفي خده خال محته مدامع ... على فقد أوطان وكسر بلا جبر
مضى سائرا يبغي الجهاد تبرعا ... فوافاه أولاد اللئام على غدر
ألا فادفناني بارك الله فيكما ... ألا واكتبا هذا الغريب على قبري
ألا يا حمامات الحطيم وزمزم ... ألا أخبري أمي ودلي على قبري
عسى تسمح الأيام منها بزورة ... لقبر غريب لا يزار من النكر

للصاحب فخر الدين بن مكانس يستدعي سراج الدين الإسكندري ويداعبه

يا ذا الذي فكره مثل اسمه يقد ... فندت عنا وما من شأنك الفند
بم اعتذارك عن هذا الصدود لنا ... هذا وقد ضممنا بالجيرة بالبدل
عافاك ربك من داء القطيعة بل ... شفاك من داء أمر كله نكد
فيم التواني والخلان قد حفلت ... على المودة لا حقد ولا حمد
إن ذاع وصفك في تأديبهم طربوا ... أو جال ذكرك فيما بينهم سجدوا
إن لم تشرف بناديهم فما شرفوا ... أو لم تنفق لهم آدابهم كسدوا
إذا هجرت بني الآداب فابد لنا ... بم اعتذارك لا أهل ولا ولد
قد صرت توحشهم بدعا وإن قربوا ... وكنت تؤنسهم قربا وإن بعدوا
ما هكذا تفعل الدنيا بصاحبها ... فالناس بالناس ولإخوان تنتقد
وبعد فاحضر وذنب البعد مغتفر ... وإن تطاول من هجرانك الأمد
وأوعدوك فإن لم تأت نحوهم ... وكلهم منجز في الحال ما يعد
وأنت أدرى بقوم أن بلوا سلقوا ... بألسن ما لقتلى حربها قود
(6/275)

لا زلت ترقى على زهر النجوم علا ... ما هبت الريح أقواما وما رصدوا

في العتاب واللوم
كتاب أبي بكر بن القصيرة عن أمير المسلمين وناصر الدين إلى طائفة متعدية
أما بعد يا أمة لا تعقل رشدها. ولا تجري إلى ما تقتضيه نعم الله عندها. ولا تقلع عن أذى تفشيه قربا وبعدا وجهدا. فإنكم لا ترعون لجار ولا لغيره حرمة. ولا تراقبون في مؤمن إلا ولا ذمة. قد أعمالكم عن مصالحكم الأشر. وأضلكم ضلالا بعيدا البطر. ونبذتم المعروف وراء ظهوركم وآتيتم ما ينكر مقتديا في ذلك صغيركم بكبيركم. وخاملكم بمشهوركم. ليس فيكم زاجر. ولا منكم إلا غوي فاجر. وما نرى إلا أن الله عز وجل قد شاء مسخكم. وأراد نسخكم وفسخكم. فسلط عليكم الشيطان يغركم ويغريكم. ويزين لكم قبائح معاصيكم. وكأنكم به قد نكص علي عقبيه عنكم. وقال: إني بريء منكم. وترككم في صفقة خاسرة. لا تستقيلونها إن لم تتوبوا في دنيا ولا آخرة وحسبنا هذا أعذارا لكم. وإنذارا قبلكم. فتوبوا. وأنيبوا. واقلعوا. وانزعوا. واقتصوا من أنفسكم كل من وترتموه. وأنصفوا جميع من ظلمتموه وغشمتموه. ولا تستطيلوا على أحد بعد. ولا يكن إلى أذاه صدور ولا ورد. وإلا عاجلكم من عقوبتنا ما يجعلكم مثلا سائرا. وحديثا غابرا. فاتقوا الله في أنفسكم وأهليكم. وإياكم والاغترار فإنه يورطكم فيما يرديكم ويسوقكم إلى ما يشمت بكم أعاديكم. وكفى بهذا تبصرة وتذكرة. ليست لكم بعدها حجة ولا معذرة. ولا توفيق إلا بالله تعالى.

كتاب الوزير الفقيه أبي القاسم ابن الجد عن أمير المسلمين وناصر الدين إلى أهل أشبيلية
كتابنا أبقاكم الله وعصمكم بتقواه. ويسركم من الاتفاق ولائتلاف إلى ما يرضاه. وجنبكم من أسباب الشقاق والخلاف ما يسخطه وينهاه. من حاضرة مراكش حرسها الله لست بقين من جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. وقد بلغنا ما تأكد بين أعيانكم من أسباب التباعد والتباين. ودواعي التحاسد والتضاغن. واتصال التباغض والتدابر. وتمادي التقاطع والتهاجر. وفي هذا على فقهائكم وصلحائكم مطعن بين. وغمز لا يرضاه مؤمن دين. فهلا سعوا في إصلاح ذات البين سعي الصالحين. وجدوا في إبطال أعمال المفسدين. وبذلوا في تأليف الآراء المختلفة وجمع الأهواء المفترقة جهد المجتهدين. ورأينا والله موفق للصواب. أن نعذر إليكم بهذا الخطاب. فإذا وصل إليكم. وقرئ عليكم. فاقمعوا الأنفس الأمارة بالسوء. وارغبوا في السكون والهدوء. ونكبوا عن طريق البغي الذميم المشنو. واحذروا دواعي الفتن. وعواقب الإحن. وما يجر داء الضمائر. وفساد السرائر. وعمى البصائر. ووخيم المصاير. وأشفقوا على
(6/276)

أديانكم وأعراضكم. وتوبوا إلى الصلاح في جميع أغراضكم واخلصوا السمع والطاعة لوالي أموركم. وخليفتنا في تدبيركم. وسياسة جمهوركم. أخينا الكريم علينا أبي إسحاق إبراهيم أبقاه الله. وأدام عزه بتقواه. واعملوا أن يده فيكم كيدنا. ومشهده كمشهدنا. فقفوا عند ما يحضكم عليه. ويدعوكم إليه. ولا تختلفوا في أمر من الأمور لديه. وانقادوا واسلم انقياد لحكمه وعزمه. ولا تقيموا على ثيج عناد بين حده ورسمه. والله تعالى يفيء بكم إلى الحسنى. وييسركم إلى ما فيه صلاح الدين والدنيا. بقدرته (قلائد العقيان لابن خاقان)

في المديح والتهنئة والشكر
من كتاب لأبي محمد البسطامي إلى بعض الأمراء
الحمد لله الذي أقام الأمير مقاما تسر به الخواطر. وأحيا به بلدة العلوم إحياء الروض بالسحب المواطر. وأعاد شمسها المنيرة إلى أفقها. وأحلها بالمطالع الذي هو من حقها. فعاد إلى وظيفتها عود الحلي إلى العاطل. وأظهرها به ظهور الحق على الباطل. فأصبحت منيرة شمسه ظاهرة في يومه بحسن ما عودها في أمسه. فنظر إليها نظر السحاب إلى مواقع وبلها. وحنوه على أهلها حنو المرضع على طفلها. فأصبحت رياح الأمن بها سارية. وسحاب اليمن من فوقها جارية والأرزاق تنهل من أقلامه كما ينهل المطر من مزنه. وأنواع الخيرات تجنى من كرمه كما جني الثمر من غصنه. لازالت أقلامه محكمة في أراضي العلماء. نافذا أمرها في أقاليم الفضلاء.

كتب ذو الوزارتين أبو بكر بن أحمد بن رحيم إلى الوزير المشرف أخيه يهنيه بمولود من قصيدة

ورد الكتاب به فرحت كأنني ... نشوان راح في ثياب تبختر
لما فضضت ختامه فتبجلت ... بيض الأماني في سواد الأسطر
قبلت من فرح به خد الثرى ... شكراً ولا حظ لمن لم يشكر
يما مورد الخبر الشهي وحادي ال ... أمل القصي وهادي النباء السري
زدني من الخبر الذي أوردته ... يا برد ذاك على فؤاد المخبر
صفحا وعفوا للزمان فإنه ... ضحكت أسرة وجهه المتنمر
طلع البشير بنجم سعد لاح من ... أفق العلى وبشبل ليث مخدر
لله درك أي فرع سيادة ... أعطيته وقضيب دوحة مفخر
طابت أرومته وأينع فرعه ... والفرع يعرف فيه طيب العنصر
أنت الجدير بكل فضل نلته ... وحويته وبكل مكرمة حري
تهنا رحيما إنها قد أنجبت ... برحيم المحمود أسنى مذخر
نامت عيون الدهر عن جنباته ... وحمت مناهله متون الضمر
(6/277)

وصفا له ولأخوة يتلونه ... ما الحياة لديك غير مكدر
فلانت بدر السعد وهو هلاله ولأنت سيف المجد وهو السمهري
لازلت تبقى للمحامد جامعا ... مع أحمد في ظل عيش أخضر
والسعد ينشر فوق رأسك راية ... تبقى مع العليا بقاء الأدهر

قال صفي الدين الحلي يشكر أنعام السلطان الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل وقد حمل إليه تحفا وكسوات البيت وآلاته ومهماته جميعها

جزاك الله من حسناك خيراً ... وكان لك المهيمن خيرا راع
فقد قصرت بالإحسان لفظي ... كما طولت بالإنعام باعي
فأخرني الحياء وليس يدري ... جميع الناس ما سبب امتناعي
فاشكر حسن صنعك في اتصال ... وخطوي نحو ربعك في انقطاع
وقافية شبيه الشمس حسناً ... تردد بين كفي واليراع
لها فضل على غرر القوافي ... كما فضل البقاع على البقاع
غدت تثني على علياك لما ... ضمنت لربها نجح المساعي
فدمت ولا برحت مدى الليالي ... سعيد الجد ذا أمر مطاع

كتاب لسان الدين بن الخطيب إلى بعض الفضلاء

تعرفت قرب الدار ممن أحبه ... فكنت أجد البر لولا ضرورة
لا تلو من آي المحامد سورة ... وأبصر من شخص المحاسن صوره
كنت أبقاك الله تعالى لاغتباطي بولائك. وسروري بلقائك. أود أن أطوي إليك هذه المرحلة. وأجدد العهد بلقياك المؤملة. فمنع مانع. وما ندري في الآتي ما الله صانع. وعلى كل حال فشأني قد وضح منه سبيل مسلوك. وعمله مالك ومملوك. واعتقادي أكثر مما تسعه العبارة. والألفاظ المستعارة. وموصلها ينوب عني في شكر تلك الذات المستكملة شروط الوزارة. المتصفة بالعفاف والطهارة. والسلام (نفح الطيب للمقري)

في التعزية
كتاب أبي إسحاق الصابي إلى محمد بن العباس يعزيه عن طفل
الدنيا أطال الله بقاء الرئيس أقدار ترد في أوقاتها. وقضايا تجري إلى غاياتها. ولا يرد منها شيء عن مداه. ولا يصد عن مطلبه ومنحاه. فهي كالسهام التي تثبت في الأغراض. ولا ترجع بالاعتراض. ومن عرف ذلك معرفة الرئيس لم عند يأثر الزيادة ولم يقنط عند المصيبة. ولم يجزع عند النقيضة. وأمن أن يستخف أحد الطرفين حكمه. ويستنزل أحد
(6/278)

الأمرين حزمه. ولم يدع أن يوطن نفسه على النازلة قبل نزولها. ويأخذ الأهبة للحالة قبل حلولها. وأن يجاور الخير بالشكر. ويساور المحنة بالصبر. فيتخير فائدة الأولى عاجلا. ويستمرئ عائدة الأخرى آجلا. وقد نفذ من قضاء الله في المولى الجليل قدرا. الحديث سناما أرمض واقض. وأقلق وأمض. ومسني من التألم له ما يحق على مثلي ممن توالت أيدي الرئيس إليه. ووجبت مشاركته في الملم عليه. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وعند الله نحتسبه غصنا ذوى. وشهابا خبا. وفرعا دل على أصله. وخطيا أنبته وشيجه. وإياه نسأل أن يجعله للرئيس فردا صالحا وذخرا عتيدا. وأن ينفعه يوم الدين حيث لا ينفع إلا مثله بين البنين بجوده ومجده. ولئن كان المصاب به عظيماً. والحادث فيه جسيما. لقد أحسن الله إليه. وإلى الرئيس فيه. أما إليه. فإن الله نزهه باحترام. عن اقتراف الآثام. وصانه بالاختصار. عن ملابسة الأوزار. فورد دنياه رشيدا. وصدر عنها سعيدا. نقي الصحيفة من سواد الذنوب. بريء الساحة من درن العيوب. لم تدنه الحرائر. ولم تعلق به الصغائر والكبائر. قد رفع الله عنه دقيق الحساب. واسهم له الثواب مع أهل الصواب. وألحقه بالصديقين الفاضلين في المعاد. وبوأه حيث فضلهم من غير سعي واجتهاد. وأما الرئيس فإن الله لما اختار ذلك قبضة قبل رؤيته وقبل معانيه على الحالة التي يكون مها رقة. التي تتضاعف عندها الحرقة. وحماه من فتنة المرافقة. ليرفعه عن جزع المفارقة. وكان هو المبقى في دنياه. والواجب الماضي الذخيرة لأخراه. وقد قيل إن تسلم الحلة فالسخل هدر. وعزيز علي أن أقول المهون للمر من بعده ولا أوفي التوجه عليه. واجب فقده فهو له سلالة ومنه بضعة. ولكت ذلك طريق التسلية. وسبيل التعزية. والمنهج المسلوك في مخاطبة مثله ممن يقبل منفعة الذكرى وإن أغناه الاستبصار. ولا يأبي ورود الموعظة وإن كفاه الاعتبار. والله تعالى يقي الرئيس المصائب. ويعيده من النوائب. ويرعاه بعينه التي لا تنام. ويجعله في حماه الذي لا يرام. ويبقيه موفورا عير منتقص. يقدمنا إلى السوء أمامه. وإلى المحذور قدامه. ويبدأ بي من بينهم في هذه الدعوة. إذ كنت أراها من أسعد أحوالي. وأعدها من أبلغ أماني وآمالي (للقيرواني)

لأبي فضل الميكالي تعزية إلى أبي عمرو البحتري في أخ
لقد عاش أخوك نبيه الذكر. جليل القدر. عبق الثناء والنشر. يتجمل به أهل بلده. ويتباهى بمكانه ذوو مودته. ويفتخر الأثر وحاملوه بتراخي بقائه ومدته. حتى إذا تسنم ذروة الفضائل والمناقب. وظهرت محاسنه كالنجوم الثواقب. اختطفته يد المقدار. ومحت أثره بين الآثار. فالفضل خاشع الطرف لفقده. والكرم خالي الربع من بعده. والحديث يندب حاله ودرسه. وحسن العهد يبكي كافله وحارسه.
(6/279)

للفقيه الكاتب أبي عبد الله اللوشي رسالة كتب بها إلى أمير المسلمين يعزيه في الأمير مزدلي
أطال الله بقاء أمير المسلمين. وناصر الدين. الشائع عدله. السابغ فضله. العظيم سلطانه. العلي مكانه. السني قدره وشانه. في سعد تطرف عنه أعين النوائب. وجد تصرف دونه أوجه المصائب. كل رزء أدام الله تأييده وأن عظم وجل. حتى استولى على النفوس منه الوجل. إذا عدا بابه. وتخطى بنابه. فقد أخطأ بحمد الله المقتل. وصد عن سواء الغرض وعدل. وإذا كانت أقدار الله تعالى غالبة لا تصاول. وأحكامه نافذة لا تزاول. فالصبر لواقعها أولى. وكتبته أدام الله تأييده والنفس بنار زفراتها محترقة. والعين بماء عبراتها شرقة مغرورقة. لما نفذ قدر الله المقدور. وقضاؤه المسطور. من وفاة الأمير الأجل أبي محمد مزدلي قدس الله وجه. وسقى ضريحه. فيا له من رزء قصم الظهر. ووسم النجوم الزهر. وأذكى الأحزان. وأبكى الأجفان. وأقصى المهاد بمكانته من الدولة المنيفة. ومنزلته من الإمرة الرفيعة الشريفة. وعند الله نحتسبه ذخيرة عظمى. ونسأله المغفرة له والرحمة. فإنه كان نور الله وجهه متوفر الهمة على الجهاد. من أهل الجد في ذلك والاجتهاد. وحسبه أنه لم يقض نحبه إلا وهو متجهز في عساكره فأدركه الموت مهاجرا. ومع الله تاجرا. وأرجو أن يكون تعالى قد قرن له فاتحة السعادة. بخاتمة الشهادة. وأمير المسلمين أورى في الرئاسة زندا من أن تضعضعه الخطوب وأن أهمّت. وتوجعه الحوادث إذا ادلهمت. والله يحسن عزاءه على فجعه. ولا يدني حادثا بعده من ربعه. بمنه عز وجل.

كتب الوزير أبو محمد بن القاسم معزيا أبا الحسن بن زنباع قي قريب مات له

يشاطرك الصبابة والسهادا ... ويمخضك المحبة والودادا
صديق لو كشفت الغيب عنه ... وجدت هواك قد ملأ الفؤادا
يعز عليه رزء بت عنه ... شقيق النفس تلهمها سدادا
أنشفق للعباد ونحن منهم ... من الرب الذي خلق العبادا
أراد بنا الفناء على سواء ... ولا بد لنا مما أرادا
لئن قدمت علقما مستفادا ... لقد أكرمت حظا مستفادا
ومثلك لا يضعضعه مصاب ... ولا يعطي لنائبه قيادا
وما زلت الرشيد نهى وحاشى ... لمثلك أن نعلمه الرشادا
(6/280)

كتب بديع الزمان الهمذاني إلى أبي عامر عدنان الضبي يعزيه ببعض أقاربه
إذا ما الدهر جر على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا

أحسن ما في الدهر عمومه بالنوائب. وخصوصه بالرغائب. فهو يدعو الجفلى إذا ساء. ويختص بالنعمة إذا شاء. فلينظر الشامت فإن كان أفلت. فله أن يشمت. وينظر الإنسان في الدهر وصروفه. والموت وصنوفه. من فاتحة أمره. إلى خاتمة عمره. هل يجد أثراً في نفسه أم لتدبيره. عونا على تصويره. أم لعمله. تقديما لأمله. أم لحيله. تأخيرا لأجله. كلا بل هو العبد لم يكن شيئاً مذكوراً. خلق مقهوراً. ورزق مقدوراً. فهو يحيا جبراً. ويهلك صبراً. وليتأمل المرء كيف كان قبلاً. فإن كان العدم أصلاً. والوجود فضلاً. فليعلم الموت عدلاً. والعاقل من رفع من حوائل الدهر ما ساء ليذهب ما ضر بما نفع. وإن أحب أن لا يحزن فلينظر يمنة. هل يرى إلا يمنة. ثم ليعطف يسرة. هل يرى إلا حسرة. ومثل الشيخ الرئيس من تفطن لهذه الأسرار. وعرف هذه الديار. فأعد لنعمتها صدرا لا يملؤه فرحا. ولبؤسها قلبا لا يطيره جزعا. وصحب الدهر برأي من يعلم أن للمتعة حدا. وللعارية ردا. ولقد نعي إلي أبو قبيصة قدس الله روحه. وبرد ضريحه. فعرضت علي آمالي قعودا. وأماني سودا. وبكيت والسخي بما يملك. وضحكت وشر الشدائد ما يضحك. وعضضت الإصبع حتى أفنيته. وذممت الموت حتى تمنيته. والموت خطب قد عظم حتى هان. وأمر قد خشن حتى الآن. ونكر قد عم حتى عاد عرفا. والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها. وجنت حتى صار أصغر ذنوبها. وأضمرت حتى صار أيسر غيوبها. وأبهمت حتى صار أظهر عيوبها. ولعل هذا السهم آخر ما في كنانتها. وأزكى ما في خزانتها. ونحن معاشر التبع نتعلم الأدب من أخلاقه. والجميل من أفعاله. فلا نحثه على الجميل وهو الصبر. ولا نرغبه في الجزيل وهو الأجر. فلير فيهما رأيه. إن شاء الله تعالى (رسائل بديع الزمان الهمذاني)

كتب أبو بكر الخوارزمي إلى رئيس طوس يعزيه عن شقيق له
كتابي عن سلامة، وما سلامة من يرى كل يوم ركنا مهدوداً. ولحدا ملحوداً. وأخا مفقوداً. وحوضا من المنية موروداً. ويعلم أن أيامه مكتوبة. وأنفاسه محسوبة. وإن شباك المنايا له منصوبة. أف لهذه الدنيا ما أكدر صافيها. وأخيب راجيها. وأغدر أيامها ولياليها. وأنغص لذاتها وملاهيها. تفرق بين الأحباء والأحباب بالفوات. وبين الأحياء والأموات بالرفات. ورد علي خبر وفاة فلان. فدارت بي الأرض حيرة. وأظلمت في عيني الدنيا حسرة وملأ الوله والوهل قلبي وساوس وفكرة. وتذكرت ما كان يجمعني وإياه من سكري الشباب والشراب. فعلمت أنه شرب بكاس أنا شارب من شرابها. ورمي بسهم سوف أرمى بها. فبكيت
(6/281)

عليه بكاء لي نصفه. وحزنت عليه حزنا لنفسي شطره. وسألت الله تعالى أكرم مسئول. وأعظم مأمول. أن يفيض عليه من رحمته. ما يتمم به سهمه من نعمته. وأن يتغمد كل زلة ارتكبها برحمته. ويضاعف له كل حسنة اكتسبها بمنته. وأن يذكر له تلك الأخلاق الكريمة. وتلك المروءة الواسعة العظيمة. ثم تذكرت ما نزل بسيدي من الوحشة لفقده. والغمة من بعده. والتحسر على قربه ببعده. فخلص إلى قلبي وجع ثان أنساني الماضي. وثالث أنساني الثاني. حتى استفزع ذلك ما في صبري. بل ما في صدري. وحتى صار الوجع وجعين. والمصاب اثنين. ثم رجعت إلى أدب الله تعالى فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم لا شكاية لقضائك. ولا استبطاء لجزائك. ولا كفران لنعمتك. ولا مناصبة لقدرتك. اللهم ارحم الماضي رحمة تحبب إليه مماته. وابق الحي بقاء يهنيه حياته. واطبع على قلبه حتى لا يطيع داعية الجزع. ولا يضع عنانه بيد الهلع. ولا يثلم جانب الأجر والذخر بالإثم والوزر. ولا يجد عدوه الشيطان سبيلا إليه. ولا سلطانا عليه. اقتصرت من تعزية سيدي على هذا المقدار. لا جريا على مذهبي في الاقتصار والاختصار. ولكني لم أجد من لساني بسطة. ولا في قريحتي فضلة. ويحق لهذه الفادحة الحادثة أن تدع اللسان محصورا. والبيان مقصورا. أو أن تحدث في العقل خللا. وفي البيان شللا. وليعرفني سيدي خير ما هداه الله إليه من جميل العزاء. الذي لم يعدم جميل الجزاء. ليكون سكوتي إلى ما أعرفه من سلوته. أضعاف قلق كان بما ظننته من حرقته. وإن كنت اعلم أنه لا يخلي ساحة الحلم والعلم. ولا يخل بالواجب من التمسك بالحزم. ولا يحل عقدة صبره. ولا نتداعى أركان صدره. ولا يعمى الرشد في جميع أمره. وهذه شريطة الكمال. وسجية الرجال.

وكتب إلى قاضي سجستان حين نكبه أميرها
أما بعد أيد الله القاضي فإنه لم يحسن إلى غيره من أساء إلى نفسه. ولم ينصر أصدقاءه. من خذل حوباءه. وإنما يحب المرء أخاه بما فضل عن محبته لروحه التي له خيرها. وعليه ضيرها. وكانت محنة القاضي محنة شملت الأنام. وخصت الكرام. ووجب على كل من اشتم روائح العقل. وميز بين النقصان والفضل. أن ينفطر لها ألما. وأن يبكي عندها دما. وخلص إلي من ذلك ما أضحك مني الأعداء. وأبكى لي الأصدقاء. حتى غضضت طرفا طالما رفعته. وقبضت بنانا طالما بسطته. وحتى عزيت كما يعزى الثكلان. وسليت كما يسلى اللهفان. وأنا بعد ذلك استصعر فعل نفسي وهي جزعة هلعة. واستقل سعي عيني وهي سخية دمعة. وكان يجب على مقتضى هذه الجملة. وأساس هذه البنية. أن أحضر مجلس القاضي فأصابره نهارا وأساهره ليلا وتكون المحنة بيني وبينه أحملها عنه ويحملها عني. ولكني علمت أن والينا هذا رجل ينظر إلى الذنب الخفي. ويتغابى عن العذر الجلي. وله أذنان واحدة يسمع بها البلاغات وهي كاذبة. وأخرى يصم بها عن المعاذير وهي صادقة. وليس بينه وبين العفو نسب. ولا له إلى التثبت
(6/282)

طريق ولا مذهب. ولو تعرضت لسخطه. بعد ما عرفته من شططه. لتحملت دونه الوزر في ظلمي. ولكنت مقدمته إلى ذمي. ومن قعد تحت الريبة ركبته. ومن تعرض للظنة نالته
ومن دعا الناس إلى ذمه ... رموه بالحق وبالباطل
وأقل ما كان ينبعث من حضوري أن يثب هذا الجواد وثبة يصون القاضي عنها. ويبتذلني لها. فأكون قد ضررت نفسي ولم أنفع غيري فإذا بالمحنة قد تضاعفت على القاضي ضعفين. وتكررت عليه كرتين. يرى بولي من أوليائه. داء لا يقدر على دوائه. ويرى وقودا لا يصل إلى إطفائه. ويتبين في حالة متصلة بحالة ثلمة لا يمكن سدها. ومحنة لا يستوي لها ردها. فلما مثلت بين تخلفي آمنا. وحضوري خائفا. عدلت بين طرفي في الرؤية. ووزنت بين مقداري المحنة. فرأيت أن أميل مع السلامة. وأقنع من العمل بالنية. واغتفر عهدة التفصيل لصحة الجملة. فغبت وكلي غير جسمي شاهد. وتميزت وما أنا إلا مشاهد. وبعدت وقلبي سهيم. وأغضيت على عين كلها قذى. وانطويت على صدر كله شجا. وانصرفت بقلب ساقط راض وأغمضت بجفن ضاحك باك وقلت:
فإن تسجنوا القسري لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل
ولقد نسجت في ذم الظالم حلالا لا يبلها الماء. ولا يجففها الهواء. ولا تغطي عليه الظلماء. والمغبون من احتقب الإثم والغارم من غرم العرض والرابح من محنته فانية. ومثوبته باقية. ولو أنصف الظالم لكان يعزى. ولو أنصف المظلوم لكان يعنى. جعل الله تعالى هذه الحادثة بتراء عقماء ليس لها مدد. ولا ليومها غد. وجعل العمل بها آخر عهد القاضي بالعسر. وخاتمة لقائه لريب الدهر. ولا حرمه فيما نزل به مثوبة الصابرين. ولا أخلاه فيما بعده من الشاكرين. برحمته.

قال صفي الدين الحلي يعزي الملك الأفضل صاحب حماة بوالده الملك المؤيد

خفض همومك فالحياة غرور ... ورحى المنون على الأنام تدور
والمرء في دار الفناء مكلف ... لا قادر فيها ولا معذور
والناس في الدنيا كظل زائل ... كل إلى حكم الفناء يصير
فالنكس والملك المتوج واحد ... لا آمر يبقى ولا مأمور
عجبا لمن ترك التذكر وانثنى ... في الأمن وهو بعيشه مغرور
في فقدنا الملك المؤيد شاهد ... ألا يدوم مع الزمان سرور
ملك تيمنت الملوك برأيه ... فكأنه لصلاحهم إكسير
ما آل أيوب الذين سماحهم ... بحر بأمواج الندى مسجور
وبكت له أهل الثغور وطالما ... ضحكت لدست الملك منه ثغور
(6/283)

أمسى عماد الدين بعد علومه ... ولطبه عما عراه قصور
وإذا القضاء جرى بأمر نافذ ... غلط الطبيب وأخطأ التدبير
إن لمت صرف الدهر فيه أجابني ... أبت النهى أن يعتب المقدور
أو قلت أين ترى المؤيد قال لي ... أين المظفر قبل والمنصور
أم أين كسرى ازردشير وقيصر ... والهرمزان وقبلهم سابور
أين ابن داود سليمان الذي ... كانت بجحفله الجبال تمور
والريح تجري حيث شاء بأمره ... منقادة وبه البساط يسير
فتكت بهم أيدي المنون ولم تزل ... خيل المنون على الأنام تغير
لو كان يخلد بالفضائل ماجد ... ما ضممت الرسل الكرام قبور
كل يصير إلى البلى فأجبته ... إني أعلم واللبيب خبير

كتب الطغرائي إلى معين الملك فضل الله في نكبته

فصبرا معين الملك إن عن حادث ... فعاقبة الصبر الجميل جميل
ولا تيأسن من صنع ربك له ... ضمين بأن الله سوف يديل
فإن الليالي إذ يزول نعيمها ... تبشر أن النائبات تزول
ألم تر أن الليل بعد ظلامه ... عليه لإسفار الصباح دليل
ألم تر أن الشمس بعد كسوفها ... لها صفحة تغشى العيون صقيل
وأن الهلال النضو يقمر بعد ما ... بدا وهو شخت الجانبين ضئيل
فقد يعطف الدهر الأبي عنانه ... فيشفى عليل أو يبل غليل
ويرتاش مقصوص الجناحين بعد ما ... تساقط ريش واستطار نسيل
ويستأنف الغصن السليب نضاره ... فيورق ما لم يعتوره ذبول
وللنجم من بعد الرجوع استقامة ... وللحظ من بعد الذهاب قفول
وبعض الروايا يوجب الشكر وقفها ... عليك وأحداث الزمان نكول
ولا غرو أن أخنت عليك فإنما ... يصادم بالخطب الجليل جليل
وأي قناة لم ترنح كعوبها ... وأي حسام لم تصبه فلول
أسأت إلى الأيام حتى وترتها ... فعندك أضغان لها وتبول
وصارمتها فيما أرادت صروفها ... ولولاك كانت تنتحي وتصول
وما أنت إلا السيف يسكن غمده ... ليشقى به يوم النزال قتيل
وما لك بالصديق يوسف أسوة ... فتحمل وطء الدهر وهو ثقيل
وما غض منك الحبس والذكر سائل ... طليق له في الخافقين زميل
(6/284)

فلا تذعن للخطب آدك ثقله ... فمثلك للأمر العظيم حمول
فلا تجزعن للكبل مسك وقعه ... فإن خلاخيل الرجال كبول

في الوصاة
كتب بديع الزمان إلى أبي نصر الميكالي يوصيه بأبي نصر
أنا في مفاتحة الأمير بين ثقة تعد. ويد ترتعد. ولم لا يكون ذلك البحر وغن لم أره. فقد سمعت خبره. ومن رأى من السيف أثره. فقد رأى أكثره. وإذا لم ألقه. فهل أجهل خلقه. وما وراء ذلك من تالد أصل ونشب. وطارف فضل وأدب. وبعد همة وصيت. فمعلوم تشهد بذلك الدفاتر. والخبر المتواتر. وتنطق به الأشعار. كما تختلف عليه الآثار. والعين أقل الحواس إدراكا. والآذان أكثرها استمساكا. أن شيخنا أبا نصر بن دوسنام سألني طول هذه المدة. مكاتبة تلك السدة. مستشفعا بكتابي إلى الخلق العظيم. والعلق الكريم. والفضل الجسيم. وكل شيء على الميم في باب التفخيم. وبي أن أعرف شغل شاغل. وحتى أقبل وأداخل. دخولا معلوما. لا يقتضي لوما. فلا تظنن إلا الجميل وعرفته أن المرء وجوده. ثم جوده. وشفيع لا يعرف غريب ولكنه من غريب الخبيث. لا من غريب الحديث. فأبى إلا أن أفعل وقد فعلت على السخط من القرط. فإن قبلت الشفاعة فالمجد يأبي ألا أن يعمل عمله. وأن ردت فليست كلمة السوء مثله. والسلام.

كتاب ابن الخطيب إلى شيخه أبي عبد الله بن مرزوق التلمساني شافعا
يا سيدي أبقاكم الله تعالى محط الآمال وقبلة الوجوه. وبلغ سيادتكم ما تؤمله من فضل الله تعالى وترجوه. وكلأ بعين حفظه ذاتكم الفاخرة. وجعل عز الدنيا متصلا لكم بعز الآخرة. بعد تقبيل يدكم التي يدها لا تزال تشكر. وحسنتها عند الله تعالى تذكر. أنهي إلى مقامكم أن الشيخ أبا فلان مع كونه مستحق التجلة. بهجرة إلى أبوابكم الكريمة قدمت. ووسائل من أصالة وحشمة كرمت. وفضل ووقار وتنويه للولاية إن كانت ذات احتقار وسن اقتضى الفضل بره. وأدب شكر الاختبار عليه وسره. وله بمعرفة سلفكم الأرضى وسيلة مرعية. وفي الاعتراف بنعمتكم مقامات مرضية. وتوجه إلى بابكم والتمسك بأسبابكم. والمؤمل من سيدي ستره بجناح رعيه في حال الكبرة. ولحظه بطرف المبرة. أما في استعمال يليق بذوي الاحتشام أو سكون تحت رعي واهتمام. وإعانة على عمل صالح يكون مسكة ختام. وهو أحق الغرضين بالتزام. وإحالة سيدي في حفظه رسم مثله. على الله تعالى الذي يجزي المحسنين بفضله. ومنه نسأل أن يديم أيام المجلس العلمي محروسا من النوائب. مبلغ الآمال والمآرب. والمملوك قد قرر شأنه في إسعاف المقاصد المأمولة من الشفاعة إليكم. والتحسب في هذه الأبواب عليكم. وتقليب القلوب بيد الله تعالى الذي يعطي ويمنع. ويملك الأمر أجمع. والسلام (نفح الطيب للمقري)
(6/285)

الباب الثاني عشر في التراجم
شعراء الجاهلية
أعشى قيس (629 م)
هو ميمون بن قيس بن جندل ويكنى أبا بصير وهو واحد من أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم. تقدم على سائرهم وليس ذلك بمجمع عليه لا فيه ولا في غيره. وكان قوم يقدمون الأعشى على سائر الشعراء فيحتجون بكثرة تصرفه في المديح والهجو وسائر فنون الشعر وليس ذلك لغيره. ويقال أنه أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد. وكان يغني في شعره فكانت العرب تسميه صناجة العرب. ومن أخباره أنه أتى الأسود العنسي وقد امتدحه فاستبطأ جائزته. فقال الأسود: ليس عندنا عين ولكن نعطيك عرضا. فأعطاه خمسمائة مثقال دهنا وبخمسمائة حللا وعنبرا. فلما مر ببلاد بني عامر خافهم على ما معه فأتى علقمة بن علاثة. فقال له: أجرني. فقال: قد أجرتك. قال: من الجن والإنس. قال نعم. قال ومن الموت. قال: لا. فأتى عامر بن الطفيل. فقال: أجرني. فقال قد أجرتك. قال: من الجن والإنس. قال: نعم. قال: ومن الموت. قال: نعم. قال: وكيف تجيرني من الموت. قال: إن مت وأنت في جواري بعثت إلى أهلك الدية. فقال: الآن علمت أنك قد أجرتني من الموت. فمدح عامراً وهجا علقمة. فقال علقمة: لو علمت الذي أراد كنت أعطيته إياه. ويخبر عن الأعشى أنه لما ظهر الإسلام وفد على محمد بقصيدة. فبلغ خبره قريشا فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صناجة العرب ما مدح أحدا قط إلا رفع من قدره. فلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير. قال: أردت صاحبكم هذا لسلم. قالوا: غنه ينهاك عن خلل ويحرمها عليك. وكلها بك رفق ولك موافق. قال: وما هن. فقال أبو سفيان بن حرب: القمار. قال: لعلي أن لقيته أن أصيب منه عوضا من القمار. ثم ماذا. قالوا: الربا. قال: ما دنت ولا أدنت. ثم ماذا. قالوا: الخمر. قال: أوه ارجع إلى صبابة قد بقيت لي في المهراس فأشربها. فقال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به. قال: وما هو. قال: نحن وهو الآن في هدنة فتأخذ مائة من الإبل وترجع إلى بلدك سنتك هذه وتنظر ما يصير إليه أمرنا فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا وإن ظهر علينا أتيته. فقال: ما أكره ذلك. فقال أبو سفيان: يا معشر قريش هذا الأعشى والله لئن أتى محمدا ليضرمن عليكم نيران العرب
(6/286)

بشعره. فاجمعوا له مائة من الإبل. ففعلوا فأخذوها وانطلق إلى بلده. فلما كان بقاع منفوحة رمى به بعيره فقتله (الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني)

أوس بن حجر (620 م)
قال الأصمعي: هو أوس بن حجر بن مالك شاعر تميم من شعراء الجاهلية وفحولها. يجيد في شعره ما يريد. وهو من الطبقة الثانية وكان انقطع إلى فضالة بن كلدة لما جاد عليه النعم. فلما مات فضالة وكان يكنى أبا دليجة. قال فيه أوس بن حجر يرثيه:
يا عين لابد من سكب وتهمال ... على فضال جل الرزء والعالي
أبا دليجة من توصي بأرملة ... أم من لأشعث ذي طمرين ممحال
أبا دليجة من يكفي العشيرة إذ ... أمسوا من الأمر في لبس وبلبال
لا زال مسك وريحان له ارج ... على صداك بصافي اللون سلسال
ومن فاضل مراثيه ونادرها قوله:
أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تكرهين قد وقعا
إن الذي جمع السماحة والن ... م جدة والحزم والقوى جمعا
المخلف المتلف المزرأ لم ... يمتع بضعف ولم يمت طبعا
أودى وهل تنفع الإشاحة من ... شيء لمن قد يحاول النزعا
وعمر أوس بن حجر طويلا وكانت وفاته في أول ظهور الإسلام

تأبط شرا (530 م)
هو ثابت بن جابر بن سفيان الفهمي أحد محاضرين العرب ومغاويرهم المعدودين. وقد غلب عليه هذا اللقب لما خبره الأصمعي قال: سار تأبط شرا في ليلة ذات ظلمة وبرق ورعد فأخذ عليه الطريق أسد وقيل غول فلم يراوغه وهو يطلبه ويلتمس غرة منه فلا يقدر عليه حتى ظفر به وقتله. فلما أصبح حمله تحت إبطه وجاء به إلى أصحابه فقالوا له: لقد تأبطت شرا فقال:
ألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحى بطان
وإني قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان
فقلت لها كلانا نضو أين ... أخو سفر فخلي لي مكاني
فشدت شدة نحوي فأهوى ... لها كفي بمصقول يماني
فأضربها بلا دهش فخرت ... صريعا لليدين وللجران
فقالت عد فقلت لها رويدا ... مكانك إنني ثبت الجنان
فلم أنفك متكئا عليها ... لأنظر مصبحا ماذا أتاني
(6/287)

إذا عينان في رأس قبيح ... كرأس الهر مشقوق اللسان
وساقا مخدج وشواة كلب ... وثوب من عباء أو شنان
ومن أخباره أنه كان يشتار عسلا من غار من بلاد هذيل يأتيه كل عام. وإن هذيلاً ذكرته فرصدوه لإبان ذلك حتى إذا جاء هو وأصحابه تدلى فدخل الغار وقد أغاروا عليهم. فانفروهم وسبقوهم ووقفوا على الغار. فحركوا الحبل فأطلع تأبط شرا رأسه. فقالوا: اصعد. فقال: لا أراكم. قالوا: بلى قد رأيتنا. فقال: فعلام اصعد أعلى الطلاقة أو الفداء. قالوا: لا شرط لك. قال: فأراكم قاتلي وآكلي جنادئي. لا والله لا أفعل. قال: وكان قبل ذلك نقب في الغار نقبا أعده للهرب. قال: فجعل يسيل العسل من الغار ويهريقه ثم عمد إلى الزق فشده على صدره ثم لصق بالعسل. فلم يبرح يتزلق عليه حتى خرج سليما. وفاتهم موضعه الذي وقع فيه وبين القوم مسيرة ثلاث. فقال تأبط شرا في ذلك:
أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيق الحجر معور
لكم خصلة إما فداء ومنة ... وإما دما والقتل بالحر أجدر
وأخرى أصادي النفس عنها وإنها ... لمورد حزم إن ظفرت ومصدر
فرشت لها صدري فزل عن الصفا ... بد جؤجؤ صلب ومتن مخصر
فخالط سهل الأرض لم يلدح الصفا ... به كدحة خزيان والموت ينظر
فأبت إلى فهم وما كنت آئبا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا ... بد الأمر إلا وهو للحزم مبصر
فذاك قريع الدهر ما كان حولا ... إذا سد منه منخر جاش منخر
فإنك لو قايست بالصب حيلتي ... بلحيان لم يقصر بي الدهر مقصر
وكان تأبط شراً أعدى ذي رجلين وذي ساقين وذي عينين. وكان إذا جاع لم تقم له قائمة فكان ينظر إلى الظباء فينتقي على نظره أسمنها. ثم يجري خلفه فلا يفوته حتى يأخذه فيذبحه بسيفه فيشويه ثم يأكله. وقيل إن تأبط شرا لقي ذات يوم رجلا من ثقيف يقال له أو وهب كان جبانا أهوج وعليه حلة جيدة. فقال أبو وهب لتأبط شرا: بم تغلب الرجال يا ثابت وأنت كما أرى دميم ضئيل. قال: باسمي. إنما أقول ساعة ما ألقى الرجل: أنا تأبط شرا فينخلع قبله حتى أنال منه ما أردت. فقال له الثقفي: فهل لك إن أن تبيعني اسمك. قال: نعم. قال: فبم تبتاعه. قال: بهذه الحلة وبكنيتي. قال له: افعل ففعل. وقال له تأبط شرا: لك اسمي ولي كنيتك. وأخذ حلته وأعطاه طمريه ثم انصرف. وقال في ذلك يخاطب زوجة الثقفي:
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها ... تأبط شرا وأكتنيت أبا وهب
(6/288)

فهبه تسمى اسمي وسميت باسمه ... فأين له صبري على معظم الخطب
وأين له بأس كبأسي وسورتي ... وأين له في كل فادحة قلبي
وقتل تأبط شرا في بلاد هذيل. ورمي به في غار يقال له رخمان (الأغاني)

حارث بن حلزة (560 م)
هو ابن مكروه بن يزيد اليشكري البكري صاحب المعلقة. وكان من خبر هذه القصيدة والسبب الذي دعا الحارث إلى قولها أن عمرو بن هند الملك وكان جبارا عظيم الشأن والملك لما جمع بكرا وتغلب ابني وائل وأصلح بينهما أخذ من الحيين رهنا من كل حي مائة غلام ليكف بعضهم عن بعض. فكان أولئك الرهن يكونون معه في مسيره ويغزون معه. فأصابتهم سموم في بعض مسيرهم فهلك عامة التغلبيين وسلم البكريون. فقالت تغلب لبكر: أعطونا ديات أبنائنا فإن ذلك لكم لازم. فأبت بكر بن وائل. فاجتمعت تغلب إلى عمرو بن كلثوم وأخبروه بالقصة. فقال عمرو: أرى والله الأمر سينجلي عن أحمر أصلح أصم من بني يشكر. فجاءت بكر بالحارث بن حلزة وجاءت تغلب بعمرو بن كلثوم. فلما اجتمعوا عند الملك قال عمرو بن كلثوم للحارث بن حلزة: يا أصم جاءت بك أولاد ثعلبة تناضل عنهم وهم يفخرون عليك. فقال الحارث: وعلى من أظلت السماء كلها يفخرون ثم لا ينكر ذلك. وقام الحارث بن حلزة فارتجل قصيدته هذه ارتجالا. توكأ على قوسه وأنشدها واقتطم كفه وهو لا يشعر من الغضب حتى فرغ منها. قال ابن الكلب: أنشد الحارث عمرو بن هند هذه القصيدة وكان به وضح فقيل لعمرو بن هند إن به وسحا. فأمر أن يجعل بينه وبينه ستر. فلما تكلم أعجب بمنطقه فلم يزل عمرو يقول: أدنوه أدنوه حتى أمر بطر الستر وأقعده معه قريبا منه لإعجابه به. وعمر الحارث طويلا وابنه ظليم من فحول شعراء العرب (شعراء الجاهلية لأبي عبيدة)

دريد بن الصمة (630 م)
هو معاوية بن الحارث فارس شجاع وشاعر فحل. وكان أطول الفرسان الشعراء غزوا وأبعدهم وأكثرهم ظفرا. وأيمنهم نقيبة عند العرب يقال أنه غزا مائة غزاة ما أخفق في واحدة منها. فأدرك الإسلام فلم يسلم. وخرج مع قومه يوم حنين مظاهرا للمشركين ول فضل فيه للحرب. وإنما أخرجوه تيمنا به ليقبسوا من ورائه. فمنعهم مالك بن عوف من قبول مشورته. وقتل دريد في ذلك اليوم على شركه. وله في أخيه عبد الله مراث أجاد فيها ما أراد. وأخبر أبو عبيدة قال: هجا دريد بن الصمة عبد الله بن جدعان التيمي تيم قريش فقال:
هل بالحوادث والأيام من عجب ... أم بابن جدعان عبد الله من كلب
قال فلقيه عبد الله بن جدعان بعكاظ فحياه وقال له: هل تعرفني يا دريد. قال: لا.
(6/289)

قال: فلم هجوتني. قال: من أنت. قال: أنا عبد الله بن جدعان. قال: هجوتك لأنك كنت امرءاً كريماً فأحببت أن أضع شعري موضعه. فقال له عبد الله: لئن كنت هجوت لقد مدحت وكساه وحمله على ناقة برحلها. فاقل دريد يمدحه:
إليك ابن جدعان أعملتها ... مخففة للسرى والنصب
فلا خفض حتى تلاقي امرءاً ... جواد الرضا وحليم الغضب
وجلدا إذا الحرب مرت به ... يعين عليها بجزل الحطب
رحلت البلاد فما إن أرى ... شبيه ابن جدعان وسط العرب
سوى ملك شامخ ملكه ... له البحر يجري وعين الذهب
وكانت وفاته في وقعة حنين أدركه ربيعة بن رفيع السلمي فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنها امرأة وذلك أنه كان شعار له فأناخ به. فإذا هو برجل شيخ كبير ولم يعرفه الغلام. فقال له دريد: ماذا تريد. قال: أقتلك. قال: ومن أنت. قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي. فأنشأ دريد يقول:
ويح ابن أكمة ماذا يردي ... من المرعش الذاهب الأدرد
فأقسم لو أن بي قوة ... لولت فرائصه ترعد
ويا لهف نفسي أن لا تكون ... معي قوة الشامخ الأمرد
ثم ضربه السلمي بسيفه فلم يغن شيئاً. فقال له: بئس ما سلحتك أمك. خذ سيفي هذا من مؤخر رحلي في القراب فاضرب وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ. فإني كذلك كنت أفعل بالرجال. ففعل كما قال فوقع صريعا (لأبي زكريا النووي)

زهير بن أبي سلمى (631 م) وابنه كعب بن زهير (626 م)
زهير هو ربيعة بن رياح المزني. وكان سيدا كثير المال في الجاهلية حليما معروفا بالورع. وهو أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء. وهم امرؤ القيس وزهير والنابغة الذبياني. وكان أبو بكر يسميه شاعر الشعراء لأنه كان لا يعاظل في الكلام. وكان يتجنب وحشي الشعر ولم يمدح أحدا إلا بما فيه ويبعد عن سخف الكلام. ويجمع كثير المعاني في قليل من الألفاظ. وكان يطنب في مديح هرم بن سنان المري من آل أبي حارثة أحد غطارفة العرب. وله فيه غرر القصائد. وكان هرم قد آلى أن لا يمدحه زهير إلا أعطاه ولا يسأله إلا أعطاه. ولا يسلم عليه إلا أعطاه عبدا أو وليدة أو فرسا. فاستحيا زهير مما كان يقبله منه. فكان إذا رآه في مل قال: عموا صباحا غير هرم وخيركم استثنيت. حدث الجوهري عن عمر قال: قال عمر لابن زهير: ما فعلت الحلل التي كساها هرم أباك. قال: أبلاها الدهر. قال: لكن الحلل التي كساها أبوك هرما لم يبلها الدهر.
(6/290)

وأما ابنه كعب فهو من المخضرمين ومن فحول الشعراء وكان له أخ اسمه بجير سمع من محمد فأسلم. فبلغ ذلك كعبا فقال:
ألا أبلغا عني بجيراً رسالة ... على أي شيء ويب غيرك دلكا
على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه ولم تردك عليه أخا لكا
سقاك أبو بكر بكاس روية ... فأنهلك المأمون منها وعلكا
فبلغت أبياته محمدا فغضب عليه وأهدر دمه. وقال: من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله. فكتب إليه أخوه يخبره وقال له: انج وما أراك بمفلت. وكتب إليه بعد ذلك يأمره أن يسلم فأسلم كعب. وقال قصيدته (بانت سعاد) يعتذر فيها إلى محمد فأمنه (الأغاني)

الشنفرى (510 م)
هو ثابت بن أوس الأزدي الشاعر من أهل اليمن. والشنفرى هو العظيم الشفتين. وهو شاعر من الأزد من العدائين. وكان في العب من العدائين من لا يلحقه الخيل منهم هذا وسليك بن السلكة وعمر بن براق وأسيد بن جابر وتأبط شرا. وكان الشنفرى حلف ليقتلن من بني سلامان مائة رجل فقتل منهم تسعة وتسعين. وكان ذا وجدا لرجل منهم يقول له الشنفرى: لطرفك. ثم يرميه فيصيب عينه. فاحتالوا عليه فأمسكوه وكان الذي أمسكه أسيد بن جابر أحد العدائين رصده حتى نزل في مضيق ليشرب الماء فوقف له فيه فأمسكه ليلا. ثم قتلوه فمر رجل منهم بجمجمته فضربها برجله فدخلت شظية من الجمجمة فمات منها. فمت القتلى مائة. وله الشعر الحسن في الفخر والحماسة منه لاميته المعروفة بلامية العرب (للميداني)

عروة بن الورد (596 م)
هو أبو نجد عروة بن الورد بن زياد العبسي شاعر من شعراء الجاهلية وفارس من فرسانها المقدمين الأجواد. وكان يلقب عروة الصعاليك لجمعه إياهم وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم. ولم يكن لهم معاش إلا مغزاه وكان يعارض حاتما في جوده. فكان غض الطرف قليل الفحش كثير العطاء حاميا لحقيقته. ومن شعره قوله:
إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا
وصار على الأذنين كلا وأوشكت ... صلات ذوي القربى له أن تنكرا
وما طالب الحاجات من كل وجهة ... من الناس إلا من أجد وشمرا
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
وقتل عروة في بعض غاراته. قتله رجل من طهية (من ديوانه)
(6/291)

عمرو بن كلثوم (570 م)
هو ابن مالك بن عتاب التغلبي صاحب المعلقة المعروفة. وله في شعره غرائب يغوص في بحر الكلام على در المعنى الغريب. وكان يقوم بقصائده خطيبا بسوق عكاظ في مواسم مكة. وبنو تغلب تعظمها جدا يرويها صغارها وكبارها. ولما حضرته الوفاة وقد أنت عليه خمسون ومائة سنة جمع بنيه فقال: يا بني قد بلغت من المعمر ما لم يبلغه أحد من آبائي. ولابد أن ينزل بي ما نزل بهم من الموت. وإني والله ما عيرت أحد بشيء إلا عيرت بمثله. إن كان حقا فحقا وإن كان باطلا فباطلا. فكفوا عن الشتم فإنه أسلم لكم. وأحسنوا جواركم يحسن ثناءكم. وامتنعوا عن ضيم الغريب. وإذا حدثتم فعوا. وإذا حدثتم فأوجزا. فإن مع الإكثار تكون الأهذار. وأشجع القوم العطوف بعد الكر كما أن أكرم المنايا القتل. ولا خير فيمن لا روية له عند الغضب ولا من إذا عوتب لم يعتب. ومن الناس من لا يرجى خيره ولا يخاف شره. فبكؤه خير من دره. وعقوقه خير من بره.

عنترة العبسي (615 م)
هو عنترة بن شداد العبسي. وكانت أمه حبشية أمة حبشية يقال لها زبيبة. وكان سبب ادعاء أبي عنترة إياه أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس فأصابوا منهم واستاقوا إبلا فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم عما معهم وعنترة يؤمئذ فيهم فقال له أبوه كر يا عنترة. فقال عنترة: العبد لا يحسن الكر. إنما يحسن الحلب والصر. فقال: كر وأنت حر فكر. وقاتل يؤمئذ قتالا حسنا فادعاه أبوه بعد ذلك وألحق به نسبه.
وعنترة أحد أغربة العرب وهم ثلاثة عنترة وخفاف بن ندبة والسليك بن السلكة. قال أبو عمرو الشيباني: غزت بنو عبس بني تميم وعليهم قيس بن زهير فانهزمت بنو عبس وطلبتهم بنو تميم فوقف لهم عنترة. ولحقهم كبكبة من الخيل فحامى عنترة عن الناس فلم يصب مدبر. , وكان قيس بن زهير سيدهم فساءه ما صنع عنترة يؤمئذ فقال حين رجع: والله ما حمى الناس إلا ابن السوداء. وكان قيس أكولا فبلغ عنترة ما قال. فقال يعرض به قصيدته التي يقول فيها:
بكرت تخوفي الحتوف كأنني ... أصبحت عن عرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... لابد أن أسقى بكأس المنهل
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري واحمي سائري بالمنصل
(6/292)

وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيرا من معم مخول
والخيل تعلم والفوارس أنني ... فرقت جمعهم بضربة فيصل
إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا=أشدد وإن يلفوا بضنك أنزل ولقد أبيت على الطوى وأظله=حتى أنال به كريم المأكل وقيل لعنترة أنت أشجع العرب قال: لا. قال: فبماذا شاع لك هذا في الناس. قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزما. وأحجم إذا رأيت الإحجام حزما. ولا أدخل موضعا إلا أرى لي منه مخرجا. وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع فاثني عليه فأقتله. وحدث عن عمر بن الخطاب أنه قال للحطئية: كيف كنتم في حربكم. قال: كنا ألف فارس حازم. قال: وكيف يكون ذلك. قال: كان قيس بن زهير فينا (وكان حازماً) فكنا لا نعصيه. وكان فارسنا عنترة فكنا نحمل إذا حمل ونحجم إذا أحجم. وكان فينا الربيع بن زياد وكان ذا رأي فكنا نستشيره ولا نخالفه. وكان فينا عروة بن الورد فكنا نأتم بشعره فكنا كما وصفت لك. فقال عمر: صدقت. قال ابن الكلب: كان عمرو بن معدي كرب يقول: ما أبالي من لقيت من فرسان العرب ما لم يلقني حراها وهجيناها يعني بالحرين عامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب وبالعبدين عنترة والسليك بن السلكة. وكان عنترة أحسن العرب شيمة وأعلاهم همة وأعزهم نفسا. وكان مع شدة بطشه حليما لين العريكة سهل الأخلاق. وكان شديد النخوة كريما مضيافا لطيف المحاضرة رقيق الشعر. وله فيه لطائف كثيرة يعرض فيه عن تنافر الألفاظ وخشونة المعاني. وعمر عنترة تسعين سنة.

النابغة الذبياني (604 م) والنابغة الجعدي (680 م)
هو زياد بن معاوية ويكنى أبا أمامة. وهو أحد الأشراف الذين غض الشعر منهم. وهو من الطبقة الأولى المقدمين على سائر الشعراء. وإنما لقب لطول باعه في الشعر. وكان يضرب للنابغة قبة من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. وكان النابغة كبيرا عند النعمان خاصا به. وكان من ندمائه وأهل أنسه. ثم تغير عليه وأوعده وتهدده. فهرب منه فأتى قومه ثم شخص إلى ملوك غسان فامتدحهم. ثم كتب إلى النعمان يعتذر إليه بقصيدته الميمية التي مطلعها (يا دار مية) . فأمنه النعمان واستنشده من شعره فأذن له أن ينشده قصيدته التي يقول فيها:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
ثم أسن النابغة وكبر وتوفي في السنة التي قتل فيها النعمان بن المنذر أما النابغة الجعدي فهو أبو ليلى بن حسان بن قيس وكان أسن من النابغة الجعدي. وكان
(6/293)

شاعرا مغلقا طويل البقاء في الجاهلية والإسلام. نادم المنذر ومدحه وكان على دين الحنيفية يقر بالتوحيد ويصوم ويستغفر ويتوقع أشياء لعواقبها ومن قوله:
الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما
الحافظ الرافع السماء على ال ... أرض ولم يبن تحتها دعما
وكانت وفاته بأصبهان وله من العمر ما ينيف على المائة (شعراء الجاهلية لأبي عبيدة)

الشعراء المخضرمون
حسان بن ثابت (675 م) (54 هجري)
هو أبو عبد الرحمن حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري من المخضرمين. عاش ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام وتوفي بالمدينة. وقد أجمعت العرب على أن حسان أشهر أهل المدر. ولما كان أهل مكة يعيرون الإسلام ويهجون صاحبه أذن محمد لحسان أن يحمي أعراض المسلمين فقال: اهجهم وجبريل معك وسيعينك عليهم روح القدس. ومن قوله في الفخر:
نحن الملوك فلا حي يقاربنا ... من الملوك وفينا يؤخذ الربع
تلك المكارم حزناها مقارعة ... إذا الكرام على أمثالها اقترعوا
كم قد نشدنا من الأحياء كلهم ... عند النهاب وفضل العز يتبع
وننحر الكوم عبطا في منازلنا ... للنازلين إذا ما استطعموا شبعوا
ونحن نطعم عند المحل ما أكلوا ... من العبيط إذا لم يظهر الفرع
وننصر الناس تأتينا سراتهم=من كل أوب فتمضي ثم نتبع وقد تستحسن له قصائد في وقعة بدر يفخر بها. وفي آخر حياته كف بصره.

الحطيئة
الحطيئة لق لقب به لقصره واسمه أبو مليكة جرول بن أوس بن مالك من فحول الشعراء ومتقدميهم وفصحائهم. متصرف في جميع فنون الشعر من المديح والهجاء والفخر. وكان ذا شر وسفه ينتمي إلى كل قبيلة إذا غضب على الآخرين. وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام. وكان الحطيئة مطبوعاً على الهجاء دنيء النفس قبيح المنظر رث الهيئة فاسد الدين. وكان بذياً هجاء. فالتمس ذات يوم إنسانا يهجوه فلم يجده وضاق عليه ذلك فأنشأ يقول:
أبت شفتاي اليوم إلا تكلما ... بشر فما أدري لمن أنا قائله
وجعل يدهور هذا البيت في أشداقه ولا يرى إنسانا إذ اطلع في ركي فرأى وجهه فقال:
أرى لي وجها شوه الله خلقه ... فقبح من وجه وقبح حامله
قال ابن أبي بكر لقيت الحطيئة بذات عرق فقلت له: يا أبا ملكة من أشعر الناس
(6/294)

فأخرج لسانه كأنه حية ثم قال: هذا إذا طمع. وأخبر المدائني قال: مر ابن الحمامة بالحطيئة وهو جالس بفناء بيته فقال: السلام عليكم. فقال: قلت ما لا ينكر. قال: إني خرجت من أهلي بغير زاد. فقال: ما ضمنت لأهلك قراك. قال: أفتأذن لي أن آتي ظل بيتك فأتفيأ به. قال: دونك الجبل يفيء عليك. قال: أنا ابن الحمامة. قال: انصرف وكن ابن أي طائر شئت. ومن شعره في المديح:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت للنعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
وإن قال مولاهم على جل حادث ... من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا
وكان الحطيئة يهجو الزبرقان بن بدر. فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب فرفعه عمر إليه ثم أمره به فجعل في بئر فأنشده:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقى إليك مقاليد النهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الأثر
فأمنن على صبية بالرمل مسكنهم ... بين الأباطح تغشاهم بها القرر
فأخرجه وقال له: إياك وهجاء الناس. فأقام بالبادية إلى وفاته في خلافة عمر وكان قد بلغ من العمر نيفا ومائة سنة (الأغاني للأصفهاني)

الخنساء (646 م) (24 هجري)
هي تماضر بنت عمرو بن الشريد من سراة قبائل سليم من أهل نجد من شواعر العرب. وأجمع علماء الشعر أنه لم تكن قط امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها. وكان النابغة الذبياني يجلس لشعراء العرب بعكاظ على كرس ينشدونه فيفضل من يرى تفضيله. فأنشدته في بعض المواسم فأعجب بشعرها وقال لها: لولا أن هذا الأعمى أنشدني قبلك (يعني الأعشى) فضلتك على شعراء هذا الموسم. وأكثر شعرها في مراثي أخويها معاوية وصخر. وكان صخر قتل يوم الكلاب من أيام العرب. فلما مات دفن في أرض بني سليم بقرب عسيب وحضرت الخنساء القادسية مع بنيها وهم أربعة رجال فقالت لهم من أول الليل: يا بني أنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين. والله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة ما هجنت حسبكم. ولا غيرت نسبكم. واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية. اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون. فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقيها. وجللت نارا على أوراقها. فتيمموا وطيسها. وحالدوا رسيسها. وتظفروا بالغنم والكرامة. في
(6/295)

دار الخلد والمقامة. فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم فتقدموا واحدا بعد واحد ينشدون أراجيز يذكرون فيها وصية العجوز لهم حتى قتلوا عن آخرهم. فبلغها الخبر فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم. وأرجو من ربي أن يجمعني بهم مستقر الرحمة. وكان عمر بن الخطاب يعطيها أرزاق بنيها الأربعة وكان لكل منهم مئتا درهم حتى قبض. ومن قولها في أخيها صخر:
ألا يا صخر أن أبكيت عيني ... فقد أضحكتني زمنا طويلا
بكيتك في نساء معولات ... وكنت أحق من أبدى العويلا
دفعت بك الخضوب وأنت حي ... فمن ذا يدفع الخطب الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
ولها فيه:
إذهب فلا يبعدنك الله من رجل ... دراك ضيم وكلاب بأوتار
فسوف أبكيك ما ناحت مطوقة ... وما أضاءت نجوم الليل للساري
وقالت أيضا:
وما بلغت كف امرئ متناولا ... من المجد إلا والذي نلت أطول
وما بلغ المهدون للناس مدحة ... وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضل

عمرو بن معدي كرب (643 م) (21 هجري)
هو أبو ثور بن عبد الله الزبيدي الصحابي من سادات أهل اليمن وفصحائهم يقول الشعر الحسن. وكان يعيد الغارة وشهد يوم القادسية وله فيها بلاء حسن. وكان هو آخر القوم. وكانت فرسه ضعيفة فطلب غيرها. فأتى بفرس بعكوة ذنبه وأجلد به إلى الأرض فأقعى الفرس فرده. وأتى بآخر ففعل به مثل ذلك فتحلحل ولم يقع. فقال: هذا على كل حال أقوى من تلك. وقال لأصحابه. إني حامل وعابر الجسر فإن أسرعتم بمقدار جزر الجزور وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي وقد عقرني القوم وأنا قائم بينهم وقد قتلت وجردت. وإن أبطأتم وجدتموني قتيلا بينهم وقد قتلت وجردت ثم انغمس فحمل في القوم فقال بعضهم: يا بني زبيد تدعون صاحبكم والله ما نرى أن تدركوه حيا. فحملوا فانتهوا غليه وقد صرع عن فرسه وقد أخذ برجل فرس رجل من العجم فأمسكها وإن الفارس ليضرب الفرس فما تقدر أن تتحرك من يده. فلما غشيناه رمى الأعجمي بنفسه وخلى فرسه فركبه عمرو فصرعني. ثم شد على رستم وهو الذي كان قدمه ملك الفرس وكان رستم على فيل. فجذم عرقوبيه فسقط فمات رستم من ذلك فانهزم الفرس. وله في الحروب أخبار مأثورة يضرب الأعداء بسيفه الصمصامة. قيل أن عمر بن الخطاب استوهبه الصمصامة فوهبه عمرو له. فقيل
(6/296)

عمرو: إنه غير فذكر له ذلك فغضب وقال: هاته فضرب عنق بعير ضربة واحدة فأبانها وقال: إنما أعطيتك السيف لا الساعد. وكان كثير الكذب فقيل له: إنك شجاع في الحرب والكذب فقال: إني كذلك وشهد عمرو وقعة اليرموك وكان يستشيره القواد في حروبهم.

لبيد (680 م)
هو أبو عقيل بن ربيعة بن مالك العامري أحد شعراء الجاهلية المعدودين فيها والمخضرمين. وهو من أشرف الشعراء المجيدين والفرسان المعمرين. وأدرك لبيد الإسلام وحسن إسلامه ونزل الكوفة أيام عمر فأقام بها حتى مات في آخر خلافة معاوية. وكان عمره مائة وخمسا وأربعين سنة. وكان لبيد جوادا من أفصح شعراء العرب وأقلهم لغوا في شعره يقضي منه العجب لجودة اختياره وصحة إنشاده. وقيل أنه هو الذي جمع القرآن. فقال عند جمعه:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى لبست من الإسلام سربالا
ولم يقل غير هذا البيت في الإسلام. وقيل أن عمر بن الخطاب استنشده أيام خلافته من شعره فانطلق فكتب سورة البقرة في صحيفة ثم أتى بها وقال: أبدلني الله هذه في الإسلام مكان الشعر. فسر عمر بجوابه وأجزل عليه العطاء. وله المعلقة المقامة المشهورة (لأبي عبيدة)

الشعراء المسلمون
ابن خفاجة (450 - 533 هجري) (1060 - 1138 م)
هو أبو إسحاق بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجة الأندلسي الشاعر ولد بجزيرة شقر من أعمال بلنسية من بلاد الأندلس وكان مقيما بشرق الأندلس ولم يتعرض لاستماحة ملوك طوائفها مع تهافتهم على أهل الأدب. وله ديوان شعر أحسن فيه كل إحسان. وابن خفاجة هذا هو مالك أعنة المحاسن وناهج طريقها. العارف بترصيعها وتنميقها. الناظم لعقودها. الراقم لبرودها. المجيد لإرهافها. العالم بجلائها وزفافها. تصرف في فنون الإبداع كيف شاء وأبلغ دلوه من الإجادة الرشاء. فشعشع القول وروقه ومد في ميدان الإعجاز طلقه. فجاء نظامه أرق من النسيم العليل. وآنق من الروض البليل. يكاد يمتزج بالروح وترتاح له النفس كالغصن المروح. أن وصف فناهيك من غرض انفرد بمضماره. وتجرد بحمى ذماره. وإن مدح فلا الأعشى للمحلق. ولا حسان لأهل جلق. وإن تصرف في فنون الأوصاف. فهو فيها كفارس خصاف. وكان في شبيبته مخلوع الرسن. في ميدان مجونه. كثير الوسن. بين صفا الانتهاك وحجونه. لا يبالي بمن التبس. ولا أي نار اقتبس. إلا أنه قد نسك نُسك ابن أذينة. وغض عن إرسال نظره في أعقاب الهوى عينه. وقد أثبت ما يقف عليه اللواء. وتصرف إليه الأهواء. (قلائد العقيان لابن خاقان)
(6/297)

ابن دريد (223 - 321 هجري) (839 - 934 م)
هو أبو بكر محمد بن دريد الأزدري ولد بالبصرة ونشأ بعمان. وطلب علم النحو وكان من أكابر علماء العربية مقدما في اللغة وأنساب العرب وأشعارهم. وكان شاعرا كثير الشعر. فمن ذلك مقصورته المشهورة فكان يقال أن أبا بكر بن دريد أعلم الشعراء وأشعر العلماء. وله في الكتب كتاب الجمهرة في اللغة وكتاب الاشتقاق وكاتب الخيل الكبير وكتاب الخيل الصغير وكتاب الأنواء وكتاب الملاحن وكتاب أدب الكتاب إلى غير ذلك. وذكر أنه مات هو وأبو هاشم الجباءي في يوم واحد ودفنا في مقبرة الخيزران. وقال الناس: مات علم اللغة والكلام بموت ابن دريد والجباءي. ورثاه جحظة فقال:
فقدت بابن دريد كل منفعة ... لما غدا ثالث الأحجار والترب
قد كنت أبكي لفقد الجود آونة ... فصرت أبكي لفقد الجود والأدب (للأنباري)

ابن الرومي (211 - 282 هجري) (837 - 896 م)
هو أبو الحسن بن جورجيس المعروف بابن الرومي. الشاعر المشهور صاحب النظم العجيب. والتوليد الغريب. يغوص على المعاني النادرة فيستخرجها من مكانها ويبرزها في أحسن صورة. ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره ولا يبقى فيه بقية. وله القصائد المطوية والمقاطيع البديعة. وله في الهجاء والمديح كل شيء ظريف. فمن ذلك قوله وما سبقه أحد إلى هذا المعنى:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم
منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والخريات رجوم
ومات ابن الرومي ببغداد وفيها يقول وقد غاب عنها في بعض أسفاره:
بلد صبحت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد

ابن زيدون (354 - 405 هجري) (966 - 1014 م)
هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلسي القرطبي الشاعر المشهور كان غاية منثور ومنظوم. وخاتمة شعراء بني مخزوم. اخذ من حر الأيام حرا. وفاق الأنام طرا. وصرف السلطان نفعا وضرا. ووسع البيان نظما ونثرا. إلى أدب ليس للبحر تدفقه. ولا للبدر تألقه. وشعر ليس للسحر بيانه. ولا للنجوم اقترانه وحظ من النثر غريب المعاني. شعري الألفاظ والمعاني. وكان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة. وبرع أدبه وجاد شعره. وعلا شأنه وانطلق لسانه. ثم انتقل عن قرطبة إلى المعتضد عباد صاحب إشبيلية فجعله من خواصه يجالسه في خلواته. ويركن إلى إشاراته. وكان معه في
(6/298)

صورة وزير وله شيء كثير من الرسائل والنظم فمن ذلك قوله:
يا بائعا حظه مني ولو بدلت ... لي حياة بحظي منه لم أبع
يكفيك أنك إن حملت قلبي ... ما لا يستطيع قلوب الناس يستطع
ته أحتمل واستطل أصبر وعز أهن ... وول أقبل وقل أسمع ومر أطع
وله القصائد الطنانة ولولا خوف الإطالة لذكرنا بعضها. ومن بديع قلائده قصيدته النونية التي منها:
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لبعدكم أيامنا فغدت ... سودا وكانت بكم بيضا ليالينا
بالأمس كنا وما يخشى تفرقنا ... واليوم نحن وما يرجى تلاقينا
وهي طويلة وكل أبياتها نخب. وكانت وفاته بإشبيلية (الذخيرة لابن بسام)
ابن مطروح (592 ... 649 هجري) (1197
1252 م)
هو أبو الحسن يحيى بن مطروح الملقب جمال الدين من أهل صعيد مصر. ونشأ هناك وأقام بقوص مدة وتنقلت به الأحوال في الخدم والولايات. ثم اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح أبي الفتح أيوب الملقب نجم الدين الأيوبي. وكان إذ ذاك نائبا عن أبيه الملك الكامل بالديار المصرية فرتبه السلطان ناظرا في الخزانة. ولم يزل يقرب منه ويحظى عنده إلى أن ملك الملك الصالح دمشق. فرتبه بدمشق نائبا في صورة وزير لها. فحسنت حالته وارتفعت منزلته. ثم تغير عليه الملك الصالح وتنكر له وعزله عن ولايته لأمور نقمها عليه. فيقي ابن مطروح مواظبا على الخدمة مع الإعراض عنه إلى أن مات الملك الصالح. فدخل مصر وأقام بها في داره إلى وفاته. وكانت أدواه جميلة وخلاله حميدة. جمع بين الفضل ولمروءة والأخلاق المرضية. ويستجاد له قوله في بعض أسفاره وقد نزل في طريقه بمسجد وهو مريض:
يا رب إن عجز الطبيب فداوني ... بلطيف صنعك واشفني يا شافي
أنا من ضيوفك قد حسبت وإن من ... شيم الكرام البر بالأضياف
وكان بينه وبين أدباء عصره مذاكرات أدبية لطيفة ومكاتبات في الغيبة. واجتمع في مصر ببهاء الدين زهير الشاعر. ولابن مطروح ديوان شعر يتداوله الناس (لابن خلكان)

ابن النبيه (559 - 619 هجري) (1165 - 1223 م)
هو أبو الحسن علي الشاعر البارع كمال الدين بن النبيه المصري. بدر فصاحته تحلى بصفة الكمال. وشمس بلاغته لا يعتري سناها زوال. كلامه تعشقه الطباع. وتلتذ به الأسماع. وله شعر أعذب من الماء الزلال. وأغرب من السحر الحلال. ونثر ألطف من كاسات الشمول وأرق من نسمات الشمال. فالنظم والنثر عنده جتان عن يمين وشمال. مدح بني
(6/299)

أيوب واتصل بالملك الأشرف موسى وكتب له الإنشاء. فحبر حلل البراعة ووشى. وأطرب المسامع وأنشا. ومدحه بقصائد نظم بها في جيد الدهر اللآلي. وخلد ذكره في صحائف الأيام والليالي. وله الديوان المشهور انتخبه من نتائج فكره. ونفثات سحره. لأنه كان ينتقي الدرة الفريدة وأختها. ويتحرى النادرة الشاردة ليثبتها. وسكن ابن النبيه نصيبين الشروق وتوفي بها.

أبو تمام حبيب بن أوس (190 - 228 هجري) (807 - 843 م)
قال الصولي: كان أبوه نصرانيا. وكان وأحد عصره في ديباجة لفظه وبضاعة شعره وحسن أسلوبه. ولك كتاب الحماسة التي دلت على غزارة فضله. وإتقان معرفته بحسن اختياره. وله مجموع آخر سماه (فحول الشعراء) جمع فيه بين طائفة كبيرة من شعراء الجاهلية والمخضرمين والإسلاميين. وكان له من المحفوظات ما لا يلحقه فيه غيره. قيل أنه كان يحفظ أربعة آلاف أرجوزة للعرب. غير القصائد والمقاطع. ومدح الخلفاء وأخذ جوائزهم. وجاب البصرة. وقال العلماء: خرج من قبيلة طي ثلاثة كل واحد مجيد في بابه حاتم الطائي في جوده. وداود بن نصير الطائي في زهده. وأبو تمام حبيب بن أوس الطائي في شعره. وأخباره كثيرة ورأيت الناس يطبقون على أنه مدح الخليفة بقصيدته السنية فلما انتهى فيها قوله:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
قال الوزير أتشبه أمير المؤمنين بأجلاف العرب فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وأنشد يقول:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس
فقال الوزير للخليفة: أي شيء طلبه فاعطه. وذكر الصولي أن أبا تمام لما مدح محمد بن عبد الملك الزيات الوزير بقصيدته التي منها قوله:
ذيمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثرى المكروب
لو سمعت بقعة لا عظام أخرى ... لسعى نحوها المكان الجديب
قال له ابن الزيات: يا أبا تمام إنك لتحلي شعرك من جواهر لفظك وبديع معانيك ما يزيد حسنا على بهي الجواهر في أجياد الكواعب. وما يدخر لك شيء من جزيل المكافأة إلا ويقصر عن شعرك في الموازاة. ورثاه الحسن بن وهب بقوله:
فجع القريض بخاتم الشعراء ... وغدير روضته حبيب الطائي
ماتا معا فتجاورا في حفرة ... وكذاك كانا قبل في الأحياء

أبو العتاهية (130 - 211 هجري) (748 - 827 م)
هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم العنزي المعروف بأبي العتاهية الشاعر المشهور مولده
(6/300)

بعين التمر وهي بليدة بالحجاز قرب المدينة. ونشأ بالكوفة وسكن بغداد وكان يبيع الجرر فقيل له الجرار. قال أشجع السلمي الشاعر المشهور:. إذن الخليفة المهدي للناس في الدخول عليه. فدخلنا فأمرنا بالجلوس فاتفق أن جلس بجنبي بشار بن برد. وسكت المهدي فسكت الناس فسمع بشار حسا فقال لي: من هذا. فقلت: أبو العتاهية. فقال: أتراه ينشد في هذا المحفل فقلت: أحسبه سيفعل. قال فأمره المهدي فأنشد:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه بناب القلوب ... لما قبل الله أعمالها
فقال لي بشار: انظر ويحك يا أشجع هل طار الخليفة عن فرشه. قال أشجع: فوالله ما انصرف أحد عند ذلك المجلس بجائزة غير أبي العتاهية. وله في الزهد أشعار كثيرة وهو من مقدمي المولدين في طبقات بشار وأبي النواس وتلك الطائفة. وشعره كثير. وتوفي ببغداد ولما حضرته الوفاة قال: اشتهي أن يجيء مخارق المغني ويغني عند رأسي. والبيتان له من جملة أبيات
إذا ما انقضت مني من الدهر مدتي ... فإن عزاء الباكيات قليل
سيعرض عن ذكري وتسنى مودتي ... ويحدث للخليل خليل
وأوصى أن يكتب على قبره=إن عيشا يكون آخره المو_ت لعيش معجل التنغيض (لابن خلكان)

أبو فراس الحمداني (320 - 357 هجري) (933 - 969 م)
هو الحارث بن أبي العلاء الحمداني كان فرد دهره وشمس عصره أدباً. وفضلاً وكرماً ومجداً. وبلاغة وبراعة. وفروسية وشجاعة. وشعره مشهور بين الحسن والجودة. والسهولة والجزالة والعذوبة. والفخامة والحلاوة. ومعه وراء الطبع وسمة الظرف وعزة الملك. ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز. وأبو فراس يعد أشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام. وكان الصاحب بن عباد يقول: بدئ الشعر بملك وختم بملك. يعني امرأ القيس وأبا فراس. وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ويتحامى جانبه. فلا ينبري لمباراته. ولا يجترئ على مجارته. وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان تهيبا له وإجلالا. لا إغفالا وإضلالا. وكان سيف الدولة يعجب جدا بمحاسن أبي فراس ويميزه بالإكرام على سائر قومه. ويستصحبه في غزواته ويستخلفه في أعماله. وأسر أبو فراس مرتين فالمرة الأولى بمغارة الكحل في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة وما تعدوا به خرشنة وهي قلعة ببلاد الروم والفرات يجري من تحتها. وفيها أنه ركب فرسه وركضه برجله فأهوى به من أعلى الحصن
(6/301)

إلى الفرات. والمرة الثانية أسره الروم على منبج في شوال سنة احدى وخمسين وحملوه إلى قسطنطينية. وأقام في الأسر أربع سنين وله في الأسر أشعار كثيرة مثبتة في ديوانه. وكانت مدينة منبج إقطاعا له ومن شعره:
قد كنت عدتي التي أسطو بها ... ويدي إذا اشتد الزمان وساندي
فرميت منك بضد ما أملته ... والمرء يشرق بالزلال البارد
فصبرت كالولد التقي لبره ... أغضى على ألم لضرب الوالد
ومحاسن شعره كثيرة. وقتل في واقعة جرت بينه وبين موالي أسرته في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. ورأيت في ديوانه أنه لما حضرته الوفاة كان ينشد مخاطبا ابنته:
أبنيتي لا تجزعي ... كل الأنام إلى ذهاب
نوحي علي بحسرة ... من خلف سترك والحجاب
قولي إذا كلمتني ... فعييت عن رد الجواب
زين الشباب أبو فرا ... س لم يمتع بالشباب
هذا يدل على أنه لم يقتل أو يكون قد جرح وتأخر موته ثم مات من الجراحة (اليتيمة للثعالبي)

أبو نواس (145 - 198 هجري) (763 - 814 م)
هو أبو علي الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس الحكمي الشاعر المشهور ولد بالبصرة ونشأ بها ثم خرج إلى الكوفة ثم صار إلى بغداد فاستحلاه والبة بن الحباب. ورأى فيه مخايل النجابة فصار أبو نواس معه. وروي أن الخصيب صاحب ديوان الخراج بمصر سأل أبا نواس عن نسبه فقال: أغناني أدبي عن نسبي. فأمسك عنه. قال إسماعيل بن نوبخت: ما رأيت قط أوسع علما من أبي نواس ولا أحفظ منه مع قلة كتبه. وهو في الطبقة الأولى من المولدين وشعره عشرة أنواع وهو مجيد في العشرة. وقد اعتنى بجمع شعره جماعة من الفضلاء منهم أبو بكر الصولي وعلي بن حمزة فلهذا يوجد ديوانه مختلفا ومع شهرة ديوانه لا حاجة إلى ذكر شيء منه. ورأيت في بعض الكتب أن المأمون كان يقول: لو وصفت الدنيا نفسها لما وصفت بمثل قول أبي النواس:
ألا كل حي هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
وكان محمد الأمين قد سخط على أبي نواس لقضية جرت له معه فتهدده بالقتل وحبسه. فكتب إليه من السجن:
بك أستجير من الردى ... متعوذا من سطو باسك
وحياة رأسك لا أعو ... د لمثلها وحياة راسك
من ذا يكون أبا نوا ... سك إن قتلت أبا نواسك
(6/302)

وله معه وقائع كثيرة. وكانت وفاته ببغداد. وإنما قيل له أبو نواس لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقيه. وصفه أبو عبد الله الجماز قال: كان أبو نواس أظرف الناس منطقا وأغزرهم أدبا. وأقدرهم على الكلام وأسرعهم جوابا وأكثرهم حياء. وكان أبيض اللون جميل الوجه مليح النغمة والإشارة. ملتف الأعضاء بين الطويل والقصير. مسنون الوجه قائم الأنف. حسن العنين والمضحك. حلو الصورة لطيف الكف والأطراف. وكان فصيح اللسان جيد البيان. عذب الألفاظ حلو الشمائل كثير النوادر. وأعلم الناس كيف تكلمت العرب. راوية للأشعار علامة بالأخبار كأن كلامه شعر موزون (لابن خلكان والقيرواني)

الأبيوردي (498 - 557 هجري) (1105 - 1163 م)
هو أبو المظفر محمد بن أبي العباس الأبيوردي الشاعر المشهور. كان من الأدباء المشاهير راوية نسابة شاعرا ظريفا. قسم ديوان شعره إلى أقسام منها العراقيات ومنها النجديات وغير ذلك. وكان من أخبر الناس بعلم الأنساب. نقل عنه الحفاظ الأثبات الثقات. وكان فخر الرؤسات. حسن الاعتقاد جميل الطريقة متصرفا في فنون جمة من العلوم. عارفا بتاريخ العرب فصيح الكلام حاذقا في تصنيف الكتب. وافر العقل كامل الفضل. فريد دهره وحيد عصره. وكان فيه تيه وكبر وعزة نفس. ومن محاسن شعره قوله:
ملكنا أقاليم البلاد فأذعنت ... لنا رغبة أو رهبة عظماؤها
فلما انتهت أيامنا علقت بنا ... شدائد أيام قليل رخاؤها
وكان إلينا في السرور ابتسامها ... فصار علينا في الهموم بكاؤها
وصرنا نلاقي النائبات بأوجه ... رقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها
إذا ما هممنا أن نبوح بما جنت ... علينا الليالي لم يدعنا حياؤها
وله تصانيف كثيرة مفيدة منها تاريخ أبيورد وكتاب المختلف والمؤتلف. وطبقات كل فن وما اختلف وائتلف في أنساب العرب. وله في اللغة مصنفات كثيرة لم يسبق إلى مثلها. وكان حسن السيرة جميل الأثر له معاملة صحيحة. وكانت وفاته بأصبهان مسموماً (لابن خلكان)

البحتري (206 - 284 هجري) (822 - 898 م)
هو أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري شاعر مقدم لا يعدل به أحد يفضل على حبيب. والناس في تفضيلهما على اختلاف. ولد بمنبج ونشأ وتخرج بها. ثم خرج إلى العراق ومدح جماعة من الخلفاء أولهم المتوكل وأقام ببغداد دهرا طويلا ثم عاد إلى الشام. وكان حسن المذهب نقي الكلام ختم به الشعراء المحدثون. وله تصرف في ضروب الشعر سوى الهجاء فإن بضاعته فيه نزرة. وحدث البحتري عن نفسه قال: وكان أول أمري أني دخلت على أبي
(6/303)

سعيد محمد بن يوسف الثغري فأنشدته قصيدة أولها (أأفلني صب من هوى فاقما) . فسر أبو يوسف بها وقال: أحسنت والله يا فتى وأجدت. وفي مجلسه رجل رفيع نبيل قريب المجلس منه فوق كل من حضر. فأقبل علي وقال: أما تستحي مني. هذا شعر تنتحله وتنشده بحضرتي. فقال له أبوس عيد: أحقا ما تقول. قال نعم. وإنما علقه مني وسبق به إليك وزاد فيه. ثم فأنشد أكثر القصيدة حتى تشككني علم الله في نفسي وبقيت متحيرا. فقال لي أبو سعيد: يا فتى قد كان لك في قرابتك مني ما يغنيك عن هذا. فجعلت أحلف بكل محرجة من الإيمان أن الشعر لي ما سمعته منه ولا انتحلته فلم ينفع ذلك شيئاًَ. وأطرق أبو سعيد وقطع بي حتى تمنيت أن يساخ بي في الأرض. فقمت منكسب البال أجر رجلي فما بلغت باب الدار حتى ردني الغلام. فأقبل علي الرجل وقال: الشعر لك يا بني. والله ما قلته قط ولا سمعته ألا منك. ولكنني كنت ظننت أنك تهاونت بموضعي فأقدمت على الإنشاد بحضرتي تريد مضاهاتي حتى عرفني الأمير بنسبك. ولوددت أن لا تلد طائية ألا مثلك. ودعاني وضمني إليه وعانقني وأبو سعيد يضحك. فلزمته بعد ذلك وأخذت عنه واحتذيت فنه.
وعن أبي الغوث عن أبيه البحتري قال: قال لي أبو تمام: بلغني أن بين حميد أعطوك مالا جليلا فبم مدحتهم فأنشدني شيئا منه. فأنشدته فقال لي: كم أعطوك. فقلت: كذا. فقال لي: ظلموك. ما وفوك حقك والله لبيت منها خير مما أخذت. ثم أطرق قليلا ثم قال: لعمري لقد مات الكرام وذهب الناس وغاضت المكارم وكسدت أسواق الأدب. وأنت والله يا بني أمير الشعراء غدا بعدي. فقمت فقبلت رأسه ويديه ورجليه وقلت: والله لهذا القول أسر لي مما وصل إلي منهم. قيل للبحتري أيكما أشعر أنت أو أبو تمام قال: جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه. وصدق فإن أبو تمام لا يتعلق به أحد في جيده. وربما اختل لفظه لا معناه. والبحتري لا يختل لفظه وقيل له: قد عثرت باحتذائك أبا تمام في شعرك. فقال: أيعاب علي أن أتبع أبا تمام ماعملت بيتا قط حتى أخطر شعره ببالي. وذكروا معنى تعاوره البحتري وأبو تمام فقال المبرد للبحتري: أنت في هذا أشعر من أبي تمام. فقال: لا والله ذلك الرئيس الأستاذ. والله ما أكلت الخبز إلا به. قال المبرد: شعر البحتري أحسن استواء من شعر أبي تمام. لأن البحتري يقول القصيدة كلها فتكون سليمة من طعن طاعن. وأبو تمام يقول البيت النادر والبارد (وهذا المعنى كان أعجب إلى الأصمعي) . وما أشبهه إلا بغائص يخرج الدرة ثم قال: لأبي تمام والبحتري من المحاسن ما لو قيس بأكثر شعر الأوائل ما وجدوا فيه مثله وذكر المبرد شعرا له وقدمه على نظرائه:
وإذا ذكرت محاسن أبني صاعد ... أدت إليك مخايل ابني مخلد
كالفرقدين إذا تأمل ناظر ... لم يعل موضع فرقد عن فرقد
وبعدها:
أغنت يداه يدي وشرد جوده ... بخلي فأفقرني بما أغناني
(6/304)

وله أيضا في الفتح بن خاقان وقد نزل إلى الأسد وقتله:
حملت عليه السيف لا عطفك انثنى ... ولا يدك ارتدت ولا حده بنا
فأحجم لما لم يجد فيك مطعما ... وصمم لما لم يجد عنك مهربا
وله فيه:
وما منع الفتح بن خاقان نيله ... ولكنها الأيام تعطي وتحرم
سحاب خطاني جوده وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم
أأشكو نداه بعد أن وسع الورى ... ومن ذا يذم الغيث إلا مذمم
والبحتري مكثر جدا وديوان شعره نشخ مختلفا بالزيادة والنقصان لأن شعره لا ينضبط لكثرته. قال البحتري: كنت أذم الشعر في حداثتي وكنت أرجع فيه إلى الطبع ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه ووجوه اقتضابه حتى قصدت أبا تمام وانقطعت فيه إليه واتكلت في تعريفه عليه. فكان أول ما قال لي: أبا عبادة تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم. ومن ذاك وقت السحر لأن النفس تكون قد أخذت بحظها من الراحة وقسطها من النوم. فإن أردت النسيب فجعل اللفظ رقيقا والمعنى رشيقا. وإذا أخذت في مدح سيد فأشهر مناقبه. وأظهر مناسبه. وأبن معالمه. وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الهجينة. وكن كأنك خياط تقطع الثياب على مقادير الأجسام. وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب. واجعل شهوتك إلى قول الشعراء الذريعة إلى حسن نظمه. فإن الشهوة تجمع النفس. وجملة الحال أن تعتبر نفسك بما سبق من شعر الماضين فما استحسن العلماء فاقصده وما تركوه فاجتنبه ترشد أن شاء الله تعالى. فأعلمت نفسي فيما قال فوفقت على السياسة.
ومن أخبار البحتري أنه كان بحلب شخص يقال له طاهر بن محمد الهاشمي مات أبوه وخلف له مقدار مائة ألف دينار فأنفقها على الشعراء والزوار في سبيل الله. فقصده البحتري من العراق فلما وصل إلى حلب قيل له أنه قد قعد في بيته لديون ركبته. فاغتم البحتري لذلك غما شديدا وبعث المدحة إليه مع بعض مواليه. فلما وصلته ووقف عليها بكى ودعا بغلام له وقال له: بع داري. فقال له: أتبيع دارك وتبقى على رؤوس الناس. فقال: لابد من بيعها. فباعها بثلاثمائة دينار فأخذ صرة وربط فيها مائة دينار وأنفذها إلى البحتري. وكتب إليه معها رقعة فيها هذه الأبيات:
لو يكون الحباء حسب الذي أن ... ت لدينا به محل وأهل
لحثيت اللجين والدر واليا ... قوت حثوا وكان ذاك يقل
والأديب الأريب يسمح بالعذ ... ر إذا قصر الصديق المقل
فلما وصلت الرقعة إلى البحتري رد الدنانير وكتب إليه:
بأبي وأنت والله للبر أهل ... والمساعي بعد وسعيك قبل
والنوال القليل يكثر إن شا ... ء مرجيك والكثير يقل
(6/305)

غير أني رددت برك إذ كا ... ن ربا منك والربا لا يحل
وإذا ما جزيت شعرا بشعر ... قضي الحق والدنانير فضل
فلما عادت الدنانير إليه حل الصرة وضم إليها خمسين دينارا أخرى وحلف أنه لا يردها عليه وسيرها فلما وصلت البحتري أنشأ يقول:
شكرتك أن الشكر للعبد نعمة ... ومن يشكر المعروف فالله زائده
لكل زمان واحد يقتدى به ... وهذا زمان أنت لا شك واحده (الأغاني)

البستي (339- 400 هجري) (951 - 1012 م)
هو أبو الفتح علي بن محمد الكاتب البستي الشاعر المشهور صاحب الطريقة الأنيقة والتجنيس الأنيس. البديع التأسيس. وكان في عنفوان أمره كاتبا لباتيوز صاحب بست. فلما افتتحها الأمير ناصر الدولة أبو منصور سبكتكين أراد أبو الفتح أن يتنحى عن الخدمة فدل عليه فاستحضره وفوض إليه مهمات ديوانه مع كون بايتوز في قيد الحياة. فأشفق من سعي حساده فطلب أن يعتزل في بعض أطراف المملكة حتى تسكن الفتنة ويستقر الأمر فأجيب إلى طلبه وأشار عليه بناحية الرخج. فبقي فيها حتى استدعاه السلطان. المعظم يمين الدولة محمود بن سبكتكين وقد كتب له عدة فتوح. فبقي عنده إلى أن زحزحه القضاء عن خدمته ونبذه إلى ديار الترك فانتقل بها إلى جوار ربه. وله نثر رائق بديع وفصول قصار تجري مجرى الأمثال.

بهاء الدين زهير (581 - 656 هجري) (1186 - 1259 م)
أبو الفضل زهير المقلب بهاء الدين الكاتب من فضلاء عصره وأحسنهم نظما ونثرا وخطا ومن أكبرهم مروءة. كان قد اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح نجم الدين بن الملك الكامل بالديار المصرية. وتوجه في خدمته إلى البلاد الشرقية. وأقام بها إلى أن ملك الملك الصالح مدينة دمشق فانتقل إليها في خدمته. وأقام كذلك إلى أن جرت الكائنة المشهورة على الملك الصالح. وخرجت عنه دمشق وخانه عسكره وهو على نابلس وتفرق عنه. وقبض عليه ابن عمه الملك الناصر داود صاحب الكرك واعتقله بقلعة الكرك. فأقام بهاء الدين زهير وملك الديار المصرية. وقدم إليها بهاء سنة سبع وثلاثين وستمائة فاجتمعت به ورأيت فوق ما سمعت عنه من مكارم الأخلاق وكثرة الرياضة ودماثة السجايا. وكان متمكنا من صاحبه كبير القدر عنده لا يطلع على سره الخفي غيره. ومع هذا كله فإنه كان لا يتوسط عنده إلا بالخير. ونفع خلقا كثيرا بحسن وساطته وجميل سفارته وأنشدني كثيرا من شعره. وديوانه كثير الوجود بأيدي الناس. وله شعر جيد. فمن ذلك ما قاله وقد غرقت به سفينة فسلم
(6/306)

بنفسه منها وذهب ما كان معه:
لا تعتب الدهر في خطب رماك به ... أن استرد فقدما طالما وهبا
حاسب زمانك في حالي تصرفه ... تجده أعطاك أضعاف الذي سلبا
والله قد جعل الأيام دائرة ... فلا ترى راحة تبقى ولا تعبا
ورأس مالك وهي الروح قد سلمت ... لا تأسفن لشيء بعدها ذهبا
ما كنت أول مفدوح بحادثة ... كذا مضى الدهر لا بدعا ولا عجبا
ورب مال نما من بعد مرزئة ... أما ترى الشمع بعد القطف ملتهبا
وكانت وفاته بالقاهرة بالوباء (لابن خلكان)

جرير (42 - 110 هجري) (663 - 729 م)
هو أبو حرزة جرير بن عطية التميمي الشاعر المشهور من فحول شعراء الإسلام وكان بينه وبين الفرزدق مهاجاة ونقائض وهو أشعر من الفرزدق والأخطل ويختلف في أيهم المتقدم. واحتج من قدم جرير بأنه كان أكثرهم فنون شهر وأسهلهم ألفاظا وأقلهم تكلفا وكان دينا عفيفا. وسئل أعرابي أيهم عندكم أشعر الشعراء. قال: بيوت الشعر فخر ومديح وهجاء. وفي كلها غلب جرير. فقال في الفخر:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا
وقال في مديح ابن مروان:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
وقال في هجاء لراعي الشاعر:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وذكر الأصمعي قال: كان ينهش جريرا ثلاثة وأربعون شاعرا فينبذهم وراء ظهر ويرمي بهم واحداً واحدا وثبت له الفرزدق والأخطل. وامتدح جرير الخلفاء فمن قوله في مدح عمر:
إنا لنرجوا إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
نال الخلافة إذ كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت ... أن تكتفي بالذي بلغت من خبري
مازلت بعدك في دار تعرفني ... قد طال بعدك إضعادي ومنحدري
لا ينفع الحاضر المجهود بداينا ... ولا يجود لنا باد على حضر
كم بالمواسم من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والبصر
يدعوك دعوة ملهوف كان به ... خبلا من الحن أو مسا من البشر
ممن يعدك تكفي فقد والده ... كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر (الأغاني)
(6/307)

صفي الدين الحلي (685 - 740 هجري) (1287 - 1340 م)
هو عبد العزيز بن سرايا الحلي الملقب بصفي الدين مناهل ألفاظه العذاب صافية من شوائب التعقيد. ورياض معانيه بنشرها اللباب شاقية لمن كرع من نهرها الرائق المديد وأخبر عن نفسه قال: كنت قبل أن أشب عن الطوق. وأعلم ما دواعي الشوق. تهجا بالشعر نظما وحفظا. متقنا علومه معنى ولفظا. فأعده من أدب الفضائل. ثم جرت بالعراق حروب ومحن أوجبت بعدي عن عريني. وهجر أهلي وقربني. بعد أن تكمل لي من الأشعار. ما سبقني إلى الأمصار. فحططت رحالي بفناء ملوك آل أرتق أصحاب ماردين. فثبتوا بالإحسان فدمي. وصانوا عن بني الزمان وجهي ودمي. فنظمت في مدح السلطان العظم نجم الدين أبي الفتح غازي تسعا وعشرين قصيدة. كل منها تسعة وعشرون بيتا على حرف من حروف المعجم يبدأ في كل بيت منها وبه يختم. ووسمته بدرر النحور. في مدائح الملك المنصور. ثم قذف بي خوف بلادي إلى الديار المصرية. وأهلت للمثول في الحضرة الشريفة الملكية الناصرية. فشملني من الأنعام ما الزمتني المروءة مكافأة تلك الحقوق. ورأيت كفرانها كالعقوق. فجمعت له من جد شعره وهزله. ورقيق لفظه وجزله. فبوبته أبين التبويب. ورتبته أحسن الترتيب فوقع عنده بموقع الاستحسان. وأكرم مثواي وأجزل علي الإحسان. (آه) ولصفي الدين الحلي مؤلفات منها كتاب في علم الرمي وكتاب في أغلاط العرب. وكانت وفاته في بغداد (من ديوانه)

الخوارزمي (316 - 383 هجري) (929 - 992 م)
هو أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي الشاعر المشهور ويقال له البطر خزي أيضا ابن أخت الطبري صاحب التاريخ وأبو بكر المذكور أحد الشعراء المجيدين الكبار المشاهير. كان إماما في اللغة والأنساب. أقام بالشام مدة وسكن بنواحي حلب وكان يشار إليه في عصره. ويحكى أنه قصد حضرة الصاحب بن عباد وهو بارجان فلما وصل إلى بابه قال لأحد حجابه. قل للصاحب: على الباب أحد الأدباء وهو يستأذن في الدخول. فدخل الحاجب واعلمه فقال الصاحب: قل له: قد ألزمت نفسي أن لا يدخل علي من الأدباء إلا من يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب. فخرج إليه الحاجب واعلمه بذلك. فقال له أبو بكر: ارجع إليه وقل له: هذا القدر من شعر الرجال أم من شعر النساء. فدخل الحاجب فأعاد عليه ما قال. فقال الصاحب: هذا يكون أبو بكر الخوارزمي فأذن له في الدخول. فدخل عليه فعرفه وانبسط له. وأبو بكر المذكور له ديوان رسائل وديوان شعر ومن نظمه قوله:
رأيتك أن أيسرت خيمت عندنا ... مقيما وإن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلا البدر أن قل ضوءه ... أغب وإن زاد الضياء أقاما
(6/308)

وكان أبو بكر قليل الوفاء فهجاء أبو سعيد أحمد بن شهيب الخوارزمي:
أبو بكر له أدب وفضل ... ولكن لا يدوم على البقاء
مودته إذا دامت لخل ... فمن وقت الصباح إلى المساء
وملحه ونوادره كثيرة. ولما رجع من الشام سكن نيسابور ومات بها. (لابن خلكان)

الطغرائي (455 - 513هجري) (1066 - 1120 م)
199 هو مؤيد الدين الأصبهاني المنشأ المعروف بالطغرائي كان عزيز الفضل لطيف الطبع. فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر. وله ديوان شعر جيد. ومن محاسن قصيدته المعروفة بلامية العجم. وكان عملها ببغداد في سنة خمس وخمسمائة يصف حاله ويشكو زمانه. وكان الطغرائي ولي الوزارة بمدينة إربل مدة وذكر العماد الكاتب في تاريخ الدولة السلجوقية أن الطغرائي المذكور كان ينعت بالأستاذ وكان وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل. وأنه لما جرى بينه وبين أخيه السلطان محمود المصاف بالقرب من همذان وكانت النصرة لمحمود فأول من أخذ الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود. فاخبر به وزير محمود وهو الكمال نظام الدين السميرمي فقال: من يكن ملحدا يقتل. وقد كانوا خافوا منه فاعتمدوا قتله بهذه الحجة وقتل في سوق ببغداد عند المدرسة النظامية. وقيل قتله عبد أسود كان للطغرائي المذكور لأنه قتل أستاذه. (لابن خلكان)

الفارضي (576 - 632 هجري) (1181 - 1235 م)
هو عمر بن أبي الحسن الحموي الأصل المصري المولد والدار والوفاة المعروف بابن الفارض المنعوت بالشرف. له ديوان شعر لطيف. وأسلوبه فيه رائق ظريف. ينحو منحى طريقة الفقراء. وله قصيدة مقدار ستمائة بيت على اصطلاحهم ومنهجهم. وما ألطف قوله من جملة قصيدة طويلة:
أهلا بما لم أكن أهلا بموقعه ... قول المبشر بعد اليأس بالفرج
لك البشارة فأخلع ما عليك فقد ... ذكرتم على ما فيك من عوج
وأحسن ما قال في صفة الباري قوله:
وعلى تفنن واصفيه بحسنه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
وله دوبيت مواليا وألغاز. وسمعت أنه كان رجلا صالحا كثير الخير على قدم التجرد جاور مكة زمانا وكان حسن الصحبة محمود العشرة. وكانت ولادته بالقاهرة وتوفي بها ودفن من الغد بسفح المقطم (لابن خلكان)
(6/309)

الفرزدق (38 - 120 هجري) (659 - 729 م)
اسمه همام بن غالب بن صعصعة دارمي من أشراف تميم. والفرزدق لقب به لهجومة وجهه وغلظه. والفرزدق قطع العجين. وكان الفرزدق ردي الطباع قبيح المنظر. سيء المخبر. قاذفا للمحصنات خبيث الهجو. وكان مهيبا تخافه الشعراء. وقد يحتج البعض في تقديمه على انه يميل إلى جزالة الشعر وفخامته وشدة أسره. والفرزدق أكثر الشعراء مقلدا والمقلد المغنى المشهور الذي يضرب به المثل فمن ذلك قوله:
كنا إذا الجبار صعر خده ... ضربناه حتى تستقيم الأخداع
وقوله: وكنت كذئب السوء لما رأى دما=بصاحبه يوما أحال على الدم وقوله: ترى كل مظلوم إلينا فراره=ويهرب منا جهده كل مظلم وقوله: ترى الناس ما سرنا يسيرون حولنا=وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا وله القصائد الغراء في الرثاء والفخر والهجو والمديح فمن ذلك قصيدته الميمية في زين العابدين. وقوله في بني المهلب:
فلأمدحن بني المهلب مدحة ... غراء قاهرة على الأشعار
مثل النجوم أمامها قمراؤها ... تجلو العمى وتضيء ليل السار
ورثوا الطعان عن المهلب والقرى ... وخلائقا كتدفق الأنهار
كان المهلب للعراق وقاية ... وحيا ومعقل الفرا
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار
ومات الفرزدق سنة مات فيها الحسن وابن سيرين وجرير (للشريشي)

اللخمي (519 - 596 هجري) (1126 - 1200 م)
هو أبو علي عبد الرحيم بن أحمد اللخمي العسقلاني المصري الدار المعروف بالقاضي الفاضل الملقب مجير الدين وزير السلطان الملك الناصر صلاح الدين وتمكن منه غاية التمكن. وبرز في صناعة الإنشاء وفاق المتقدمين وله فيه غرائب مع الإكثار. إن مسودات رسائله في المجلدات والتعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلدة وهو مجيد في أكثرها. وهو رب القلم والبيان. واللسن واللسان. والقريحة والوقادة. والبصيرة النقادة. والبديهة المعجزة. والبديعة المطرزة. والفضل الذي ما سمع في الأوائل بمن لو عاش في زمانه لتعلق بغباره. أو جرى في مضماره. يخترع الأفكار. ويفترع الأبكار. ويطلع الأنوار. ويبدع الأزهار. وهو ضابط الملك بآرائه. إن شاء أنشأ في يوم واحد بل في ساعة واحدة ما لو
(6/310)

دون لكان لأهل الصناعة. خير بضاعة. أين قس عند فصاحته. وأين قيس في مقام حصافته ومن حاتم وعمرو في سماحته وحماسته. وملحه ونوادره كثرة وله في النظم أيضاً أشياء حسنة منها قوله:
وإذا السعادة لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان
وكانت وفاته بالقاهرة (الخريدة للعماد الأصبهاني)

أبو العلاء المعري (363 - 449 هجري) (974 - 1085 م)
هو أحمد بن عبد الله القضاعي المعري التنوخي كان علامة عصره. وله التصانيف المشهورة والرسائل المأثورة. وله من النظم لزوم ما لا يلزم. وله سقط الزند وهو متن التنوير وكتاب الأيك والغصون. وكان متضلعاً من فنون الدب. واخذ عنه أبو القاسم التنوخي والخطيب أبو زكريا يحيى التبريزي شارح الحماسة وغيرها ثم عمي بالجدري. ومن تصانيفه وصفه وإطرائه. فقال أبو العلاء: كأنما نظر المتنبي إلي بلحظ الغيب حيث يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
واختصر ديوان أبي تمام حبيب وشرحه وديوان البحتري وديوان المتنبي وتكلم على غريب أشعارهم ومعانيها ومآخذهم من غيرهم وما اخذ عليهم. وتولى الانتصار لهم والنقد في بعض المواضع عليهم. والتوجيه للخطأ في بعض الأماكن. ورحل إلى بغداد مرتين. ولما رجع منها في المرة الثانية لزم منزله وشرع في التصنيف. وكان يملي على بضع عشرة محبرة في فنون من العلوم. وأخذ عنه ناس وسار إليه الطلبة من الآفاق والعلماء والوزراء وأهل الأقدار وسمى نفسه رهن المحبسين للزومه منزله ولذهاب عينيه. ومكث خمسا وأربعين سنة لا يأكل اللحم تزهدا. وعمل الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة. ولما توفي قرئ على قبره سبعون مرثية منها قول أبي الفتح حصينة المعري:
العلم بعد أبي العلاء مضيع ... والأرض خالية الجوانب بلقع
أودى وقد ملأ البلاد غرائباً ... تسري كما تسري النجوم الطلع
ما كنت اعلم وهو يوضع في الثرى ... أن الثرى فيه الكواكب تودع
جبل ظننت وقد تزعزع ركنه ... أن الجبال الراسيات تزعزع
لو فاضت المهجات يوم وفاته ... ما استكثر فيه فيكيف الدمع
عين تسهد للمفاف وللتقى ... أبدا وقلب للمهيمن يخشع
شيم تجمله فهن لمجده ... تاج ولكن بالثناء يرصع
جادت ثراك أبا العلاء غمامة ... كندى يديك ومزنة لا تقلع
(6/311)

ما ضيع الباكي عليك دموعه ... إن الدموع على سواك تضيع
قصدتك طلاب العلوم ولا أرى ... للعمل بابا بعد بابك يقرع
مات النهى وتعطلت أسبابه ... وقضى التأدب والمكارم أجمع

أبو الطيب المتنبي (303 - 354 هجري) (916 - 966 م)
هو أبو الطيب أحمد بن عبد الصمد الجعفي الكندي المعروف بالمتنبي الشاعر المشهور. وهو من أهل الكوفة وقدم الشام في صباه واشتغل بفنون الدب ومهر فيها. وكان من المكثرين من نقل اللغة والمطلعين على غريبها وحواشيها. ولا يسأن عن شيء إلا واستشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر. وأما شعره فهو في النهاية ولا حاجة إلى ذكر شيء منه لشهرته لكن الشيخ تاج الدين الكندي كان يروي له بيتين لا يوجدان في ديوانه وهما:
أبعين مفتقر إليك نظرتني ... فأهنتني وقذفتني من حالق
لست الملوم أنا الملوم لأنني ... أنزلت آمالي بغير الخالق
ولما كان بمصر مرض وكان له صديق يغشاه في علته فلما أبل انقطع عنه. فكتب إليه: وصلتني وصلك الله معتلا. وقطعتني مبلا. فإن رأيت أن لا تحبب العلة إلي. ولا تكدر الصحة علي فعلت إن شاء الله تعالى. والناس في شعره على طبقات. فمنهم من يرجحه من يرجحه على أبي تمام ومن بعده ومنهم من يرجح أبا تمام عليه وله التشابيه البديعة كقوله:
في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان
واعتنى العلماء بديوانه فشرحوا أكثر من أربعين شرحا ما بين مطولات ومختصرات ولم يفعل هذا بديوان غيره. ولا شك أنه كان رجلا مسعودا ورزق في شعره السعادة التامة. وإنما قيل له المتنبي لأنه ادعى النبوءة في بادية السماوة وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم. فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الأخشيدية فأسره وتفرق أصحابه وحبسه طويلا. ثم استتابه وأطلقه. وقيل غير ذلك وهذا أصح. وقيل أنه قال: أنا أول من تنبأ بالشعر. ثم التحق بالأمير سيف الدولة بن حمدان سنة 337. وكان لسيف الدولة مجلس يحضره العلماء كل ليلة فيتكلمون بحضرته. فوقع بين المتنبي و (بين) ابن خالويه النحوي كلام. فوثب ابن خالويه على المتنبي فضرب وجهه بمفتاح كان معه فشجعه وخرج ودمه يسيل على ثيابه. فغضب وخرج إلى مصر سنة 346 وامتدح كافورا ولما لم يرضه هجاء وفارقه سنة 350 فوجه كافور خلفه رواحل إلى جهات شتى فلم يلحق به. وقصد المتنبي بلاد فارس ومدح عضد الدولة بن بويه الديلمي فأجزل جائزته. ولما رجع من عنده قاصدا بغداد ثم الكوفة في شعبان لثمان خلوان منه عرض له فاتك بن أبي الجهل الأسدي بعدة من أصحابه. وكان مع المتنبي أيضا جماعة من أصحابه فقاتلوه. فقتل المتنبي وابنه وغلامه مفلح بالقرب من النعمانية (اليتيمة للثعالبي وغير ذلك)
(6/312)

الباب الثالث عشر في التاريخ
أخبار الفرنج فيما ملكوا من سواحل الشام وثغوره وكيف تغلبوا عليه وبداية أمرهم في ذلك ومصايره

الزحفة الأولى (1091 - 1099 م)
كانت دولة الفرنسيين من أعظم دول الفرنج واستفحل أمرهم بعد الروم. وكان مبتدأ خروجهم سنة تسعين وأربعمائة (1087 م) فتجهزوا لذلك. وكان ملوكهم الحاضرون بقدوين والقمص (ريموند) وغفريد وبويموند. فجعلوا طريقهم في البر على القسطنطينية فمنعهم ملك الروم (ألكسيس) من العبور عليه من الخليج حتى شرط عليهم أن يسلموا له أنطاكية لكون المسلمين كانوا أخذوها من مماليكهم فقبلوا شرطه وسهل لهم العبور في خليجه. فأجازوا في العدد العدة وانتهوا إلى بلاد قليج أرسلان صاحب قونية فجمع للقائهم فهزموه. ثم ساروا إلى إنطاكية وبها باغيسيان من أمراء السلجوقية فأخذوها عنوة ووضعوا السيف في المسلمين الذين بها ونهبوا أموالهم. وقتل باغيسيان وحمل رأسه إليهم وردوا أمر المدينة إلى بويموند (1099م) . فلما سمع كربوقا صاحب الموصل بحال الفرنج وملكهم إنطاكية جمع العساكر وسار إلى الشام في كثير من الأمراء والقواد فزحفوا إلى إنطاكية وحاصروها ثلاثة عشر يوماً. فوهن الفرنج واشتد عليهم الحصار لما جاءهم على غير استعداد وطلبوا الخروج على الأمان فامتنع كربوقا. ثم أن كربوقا أساء السيرة فيمن اجتمع معه من الملوك والأمراء فخبثت نياتهم عليه. وكان مع الفرنج راهب مطاع فيهم فقال لهم: إن زج الحربة التي طعن بها المسيح مدفونة بكنيسة الفتيان فإن وجدتموها فإنكم تظفرون. وأمرهم بالصوم والتوبة ففعلوا ذلك ثلاثة أيام. فلما كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع فحفروا عليها جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر. فقال لهم: أبشروا بالظفر. فقويت عزيمتهم وخرجوا اليوم الخامس. فلما تكاملوا ولم يبق بإنطاكية أحد منهم ضربوا مصافاً عظيماً فولى المسلمون منهزمين فقتل الفرنج منهم ألوفا وغنموا ما في العسكر من الأقوات والأموال والدواب والأسلحة فصلحت حالهم وعادت إليهم قوتهم. وساروا إلى معرة النعمان فملكوها وزحفوا إلى حمص فصالحهم أهلها واستولى بقدوين على مدينة الرها وملطية فملكها. ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة فسار الفرنج إلى البيت المقدس وكان بيت المقدس قد
(6/313)

ملكه السلجوقية. ثم طمع فيه أهل مصر فاستولوا عليه فصار أمر المقدس في يد خليفة مصر. فاستناب عليها افتخار الدولة الذي كان بدمشق فقصده الفرنج وحاصروه أربعين ليلة ونصبوا على المدينة برجين وملكوها من الجانب الشمالي وركب الناس السيف فاحصي القتلى فكانوا سبعين ألفاً أو يزيد. وغنموا من المدينة ما لا يقع عليه الإحصاء وجاء الصريخ إلى بغداد صحبة القاضي أبي سعيد الهروي فكثر البكاء والأسف. وقال في ذلك المظفر الأبيوردي:
مزجنا دماء بالدموع السواجم ... فلم يبق منا عرضة للمراجم
وشر سلاح المرء دمع يفيضه ... إذا الحرب شبت نارها بالصوارم
وكيف تنام العين ملء جفونها ... على هفوات أيقظت كل نائم
وإخواننا بالشام أضحى مقيلهم ... ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
يسومهم الروم الهوان وأنتم ... تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
أترضى صناديد الأعارب بالأذى ... وتغضي على ذل كماة العاجم
فليتهم إذ لم يذودوا حمية ... على الدين ضنوا غيرة بالمحارم

ملك غدفريد (1099 م) وبقدوين الأول (1100 م)
وتمكن الفرنج من البلاد وولا على بيت المقدس غفريد من ملوكهم. ولما بلغ خبر الواقعة إلى مصر جمع الأفضل الجيوش والعساكر واحتشد وسار إلى عسقلان وأرسل إلى الفرنج بالتكبر والتهديد. فأعادوا الجواب ورحلوا مسرعين فكسبوه بعسقلان على غير أهبة فهزموه واستلحموا المسلمين ونهبوا سوادهم. ونازل الفرنج عسقلان حتى مانع أهلها الفرنج بعشرين ألف دينار وعادوا إلى القدس. ثم أتموا الفتح واستولى تنكري على طبرية وتقلد عليها الإمارة ثم افتتح حصن حيفا. وكانت وفاة غفريد سنة ثلاثة وتسعين وأربعمائة.
وقام بالأمر بعده أخوه بقدوين صاحب الرها. وسار في ملك الفرنج إلى سروج وقيسارية فملكوها عنوة (1100 م) وملكوا أرسوف بالأمان. وفي سنة 495 للهجرة سار ضجيل (ريموند) إلى طرابلس وشد حصارها وأعانه أهل الجبل والنصارى من أهل سوادها. ثم صالحوه على مال وخيل ورحل عنهم إلى أنطرسوس من أعمال طرابلس فحاصرها وملكها عنوة. ثم رحل إلى حمص ونازلها وملك أعمالها. ثم استفحل أمر الفرنج بالشام وندب بقدوين جمعا كثيرا ممن سار إلى زيارة القدس للغزو فأغاروا على عكا وقيسارية واكتسحوا نواحيها. وفي سنة 497 هجري وصلت مراكب من بلاد الفرنج تحمل خلقا كثيرا من التجار والحجاج فاستعان بهم ضجيل على حصار طرابلس فحاصروها برا وبحرا حتى يئسوا منها فارتحلوا إلى جبيل وملكوها بالأمان. ثم سير الأفضل صاحب مصر عسكرا ضخما إلى قهر الفرنج فملكوا الرملة واستنجدهم صاحب عسقلان وطغركين أتابك صاحب دمشق فقصدهم بقدوين فاقتتلوا وكثرت
(6/314)

بينهم القتلى واستشهد صاحب عسقلان وتحاجزوا وعاد كل إلى بلده. ثم سار الفرنج إلى حصن أفامية فحاصروه حتى جهد أهلها الجوع وملكوا البلد والقلعة. وقتلوا القاضي المتغلب عليها. وفي سنة 499 هجري سار ضحيل ثالثة إلى طرابلس وأقام عليها وبنى بالقرب منها حصنا وبنى تحته ربضا وهو المعروف بحصن ضجيل فسار صاحب طرابلس إليه وأحرق الربض ووقف ضجيل على بعض سقوفه المحرقة فانخسف به فهلك وحمل إلى القدس ودفن فيه. وفي سنة 502 هجري سار طغركين أتابك من دمشق إلى طبرية فزحف إليه ابن أخت بقدوين ملك القدس واقتتلوا فانكشف المسلمون ثم استماتوا وهزموا الفرنج وأسروا ابن أخت الملك فقتله طغركين بعد أن فادى نفسه بثلاثين ألف دينار وخمسمائة أسير فلم يقبل منه إلا الإسلام أو القتل. ولما كانت سنة 503 هجري وصل القمص (ريموند) بن ضجيل بمراكب عديدة مشحونة بالرجال والسلاح والميرة وحاصروا طرابلس مع بقدوين ملك القدس ونصبوا عليها الأبراج. فاشتد بهم الحصار وعدموا القوت لتأخر الأسطول المصري بالميرة فملكوها عنوة وأثخنوا فيها. ثم استولى الفرنج على بيروت عنوة واجتمعوا مع قو كثير ممن قصد الحج والغزو ونازلوا صيداً براً وبحراً وأسطول مصر يعجز عن إنجادهم. ثم زحفوا إلى صور في أبراج الخشب المصفحة فضعفت نفوسهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل بيروت فاستأمنوا فأمنهم الفرنج وعاد بقدوين إلى القدس. ثم دخلت سنة 504 هجري فقصد بقدوين الديار المصرية فانتهى إلى الفرما ودخلها وأحرقها وأحرق جامعها ومساجدها ورحل عنها راجعاً إلى الشام وهو مريض فهلك في الطريق قبل وصوله إلى العريش. فرحل أصحابه بجثته فدفنوها بكنيسة القيامة (لأبي الفداء ولمجير الدين الحنبلي)

ملك بقدوين الثاني (1118م) زنكي وفتوحاته
ووصى بقدوين ببلاده القمص صاحب الرها وهو بقدوين الثاني الذي كان أسره جكرمش وأطلقه جادلي وكان حاضرا في القدس لزيارة الحج. فسلم أمر الرها لجوسلين وكان شجاعا من فحولهم أغار مرارا على جموع العرب والتركمان وغنم أموالهم ومواشيهم. وفي عهد بقدوين الثاني سار أبو الغازي صاحب ماردين إلى غزوا الفرنج واجتمع بطغركين صاحب دمشق فاستولوا على رميلة من أعمال دمشق وغيرها من بلاد الفرات فبالغوا في تحصينها واعتزموا على تخريب بلاد الفرنج. فأسروا وغنموا وقتل صاحب إنطاكية فاستنجد الفرنج ببقدوين فحشد العساكر وزحف إلى مقاتلة المسلمين فناجزهم أبو الغازي وصدق الحملة عليهم فقاتلوه أشد القتال وهزموه. ثم رجع طغركين إلى دمشق وأبو الغازي إلى ماردين فاغتالته بها المنية. ثم قام بعده بلك ابن أخيه فعادوا الحرب ففتك بلك في الفرنج فتكة شنعاء فأسر جوسلين صاحب الرها وحبسه في خرت برت فسار بقدوين إليه في جموعه فهزمهم بلك وأسر الملك وجماعة من زعمائهم وحبسهم في قلعة خرت برت مع جوسلين. ثم سار بلك إلى حران وملكها ولما غاب من
(6/315)

خرت برت تحيل الفرنج وخرجوا من محبسهم بمداخلة بعض الجند. وسار بقدورين إلى بلده وملك الآخرون القلعة فعاد بلك إليهم وحاصرها وارتجعها من أيديهم ورتب فيها الحامية. وفي سنة 518 هجري أخذ الفرنج يافا وملكوا مدينة صور بعد حصار طويل وكانت للحلفاء العلويين أصحاب مصر. وكان ملكها بالأمان فدخلها الفرنج وخرج المسلمون بما قدروا على حمله من أموالهم. وفي عهد بقدوين ظهر عماد الدين أتابك زنكي بن أنقر وكان أول أمره أن السلطان محمود السلجوقي ولاه على الموصل والجزيرة وديار بكر ثم استقل في ملكه واستولى على الشام وأورث بنيه ملكها. وكانت لهم دولة عظيمة ونشأت عن دولتهم دولة بني أيوب وتفرعت منها. ثم سار زنكي إلى قتال الفرنج وكانوا قد اجتمعوا على حلب وحاصروها فضاق الأمر على أهلها. فلما قرب زنكي من حلب أجفل عنه الفرنج ورحلوا عنها فسلم أهل حلب المدينة والقلعة إليه. ثم اجتمع الفرنج سنة 520 هجري وساروا إلى دمشق ونزلوا مرج الصفر واستنجد طغركين صاحبها أمراء التركمان من ديار بكر وغيرها فجاءوا إليه. وخرج إلى الفرنج والتقى معهم فسقط طغركين في المعترك. فظن أصحابه أنه قتل فانهزم طغركين والخيالة والفرنج في اتباعهم وقد أثخنوا في رجاله التركمان. فلما اتبعوا المنهزمين خالف الرجالة إلى معسكرهم فنهبوا سوادهم وقتلوا من وجدوا فيه ولحقوا بدمشق ورجع الفرنج عن المنهزمين فوجدوا خيامهم وأثقالهم منهوبة فانهزموا أيضاً. فمات بعد زمان ملكهم بقدوين (1131) (لابن خلدون)

فلك (1131 م) بقدوين الثالث (1145 م) حروب زنكي ووفاته
وصار الأمر إلى فلك من زعمائهم وفي عهد سير زنكي عسكرا كثيفا لفتح دمشق فبعث معين الدولة أنز صاحبها إلى ملك الفرنج ليستنجده على مدافعته على أن يحاصر قاشاش فإذا فتحها أعطاهم إياها. فأجابوا إلى ذلك حذرا من استطالة زنكي على دمشق فمحص الله عسكر زنكي فانهزموا. ثم سار معين الدولة مع الفرنج قاشاش فملكها وأعطاها إلى الفرنج كما عاهدهم وكانت لزنكي. فاستحلموا بها الحامية واستبد بها الفرنج. ثم استقام الأمر بعد فلك لبقدوين الثالث (1145) . وفي أيامه مات صاحب الرها فسار عماد الدين إليها فحاصرها ثمانية وعشرين يوما ونقب سورها ونصبوا عليها السلالم وتسلموها وفتحوا البلد عنوة وأفحشوا في القتل والسبي والنهب. ثم نادوا بالأمان فتراجع النصارى إلى البلد فاقروهم في الجزية. ثم أقام زنكي مدة حتى أصلح أسوارها وخنادقها فحسنت عمارتها وأنزل بها الحامية. ثم تسلم مدينة سروج وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات إلا البيرة لامتناعها. ومات زنكي صاحب الموصل سنة 541 هرجي قتله جماعة من مماليكه. وكان عماد الدين زنكي حسن الصورة أسمر اللون مليح العينين قد وخطه الشيب وكان قد زاد عمره على ستين سنة. وكان شديد الهيبة على عسكره. وكان له الموصل وما معها من البلاد وملك الشم خلا دمشق. وكان شجاعاً وكانت الأعداء محيطة
(6/316)

بمملكته من كل جهة وهو ينتصف منها ويستولي على بلادهم. ودفن في الرقة فولي أمر الموصل بعده أخوه قطب الدين مودود. وكان أخوه الأكبر نورد الدين محمود بالشام وله حلب وحماة. فسار إلى سنجار وملكها ولم يحاققه أخوه قطب الدين ثم اصطلحا وأعاد نور الدين سنجار إلى قطب الدين وتسلم هو مدينة حمص والرحبة فبقي الشام له وديار الجزيرة لأخيه. فلما قتل الأتابك زنكي طمع جوسلين أن يسترد الرها وكان مقيماً في ولايته في تل باشر فراسل أهل الرها وعامتهم من الأرمن وحملهم على العصيان على المسلمين وتسليم البلد له فأجابوه وأوعدوه ليوم عينوه فسار في عسكره وملك البلد. فزحف إليهم نور الدين واقتحم البلد واستباح أهله.

زحفة الفرنج الثانية إلى المشرق (1147 م) غزوات نور الدين
ولما استولى المسلمون على الرها أخذ ظل الفرنج بالتقلص في المشرق فذهب القسوس والرهبان إلى بلاد النصرانية من الروم والفرنج يستنجدونهم على المسلمين ويخوفونهم استيلاءهم على إنطاكية وما يخشى بعد ذلك من ارتجاعهم بيت المقدس. فتألبت أمم الفرنج من كل ناحية وسيروا مددا لهم على المسلمين لما يرونه من تفرد هؤلاء بالشام بين عدوهم. فسار في سنة 543 هجري ملك الفرنج (لويس الرابع) وملك الألمان (كوتراد) مع الأمراء في جموع عظيمة قاصدين بلاد الإسلام لا يشكون في الغلب والاسيتلاء لكثرة عساكرهم وتوفر عددهم وأموالهم فتجمعوا بالقسطنطينية وساروا إلى الشام فهلك منهم جمع كثير بدسائس ملك القسطنطينية فلما وصلوا الشام اجتمع عليهم عساكر بقدوين ممتثلين أمرهم. فجدوا بالمسير إلى دمشق فحاصروها فقام معين الدولة أنزفي مدافعتهم المقام المحمود. ثم قاتلهم الفرنج فنالوا من المسلمين بعد الشدة والمصابرة. فقوي الفرنج ونزل ملك الألمان الميدان الأخضر فبعص معين الدين إلى سيف الدين عازي بن زنكي يدعوه إلى نصرة المسلمين. فجمع عساكره وسار إلى الشام واستدعى أخاه نور الدين من حلب ونزلوا على حمص فبعض معين الدولة إلى طائفتي الفرنج من سكان الشام والواردين مع الألمان يتهددهم بتسليم البلد إلى صاحب الموصل. فلم يزل يضرب بينهم وجعل للفرنج حصن بانياس طعمة. فاجتمعوا إلى ملك الألمان وخوفوه من صاحب الموصل وقتلوا له في الذروة والغارب حتى رحل عن دمشق ورجع إلى بلاده على البحر المحيط (1149 م) . وفي سنة 546 هجري جمع نور الدين محمود عسكره وسار إلى بلاد جوسلين الفرنجي وهي شمالي حلب. وكان جوسلين فارس الفرنج غير مدافع قد جمع الشجاعة والرأي فسار في عسكره نحو نور الدين فالتقوا واقتتلوا وانهزم المسلمون وقتل منهم وأسر جمع كثير. وكان في جملتهم سلاحدار نورد الدين فأخذه جوسلين ومعه سلاح نور الدين فسيره إلى الملك مسود بن قلج أرسلان صاحب قونية واقصرا وقال له: هذا سلاح دار زوج ابنتك وسيأتيك بعده ما أعظم منه. فلما علم نور الدين الحال عظم عليه أعمل الحيلة على جوسلين وهجر الراحة ليأخذ ثأره.
(6/317)

وأحضر جماعة من الأمراء التركمان وبذل لهم الرغائب أن ظفروا بجوسلين وسموه إليه. لأنه علم عجزه عنه في القتال. فجعل التركمان عليه العيون فخرج متصيداً فظفر به طائفة منهم وحملوه إلى نور الدين أسيراً. فسار نور الدين إلى قلاع جوسلين فملكها وهي عين تاب والراوندان ودلوك ومرعش وغير ذلك من أعماله. وفي سنة 548 هجري ملك الفرنج مدينة عسقلان من يد العلوية خلفاء مصر فاستطالوا على دمشق ووضعوا عليها الجزية. وكان صاحبها مجير الدين أنز واهي القوى مستضعف القوة فخشي نور الدين عليها من الفرنج. فكاتب أهل دمشق واستمالهم في الباطن ثم سار إليها وحصرها وملك المدينة. فلحق مجير الدين بمدينة بغداد وأقام بها إلى أن توفي وأما نور الدين فزحف إلى بعلبك واستنزل عنها صاحبها ونازل قلعة حارم وهي للفرنج فرحل عنها ولم يملكها. وفي بعض مسيره كبسه الفرنج وهو نازل في البقيعة تحت حصن الأكراد. فلم يشعر نور الدين وعسكره إلا وقد أظلت عليهم صلبان الفرنج وقصدوا خيمة نور الدين. فلسرعة ذلك ركب نور الدين فرسه وفي رجله السنجة فنزل إنسان كردي فقطعها فنجا نور الدين وقتل الكردي فأحسن نور الدين إلى مخليصه ووقف عليهم الوقوف. وسار نور الدين إلى مجير حمص ولحق به المنهزمون فتوافقت إليه الإمداد فسار إلى حارم وسار وأخذها من الفرنج بعد مصاف جرى بين الفريقين وانتصر فيه نور الدين ودار رحى الحرب عليهم. ثم عزم على منازلة بانياس لقلة حاميتها فحاصرها وضيق عليها ففتحها وشحن قلعتها بالمقاتلة والسلاح. وفي سنة 544 هجري (1159 م) توفي بقدوين صاحب القدس في مدينة إنطاكية (لابن الأثير)

ملك أموي (1159 م) وفاة نور الدين وظهور صلاح الدين
فقام بعده بالأمر أمالريك أخوه. وفي سنة 556 هجري تولى العاضد لدين الله وهو آخر الخلفاء العلويين بالديار المصرية. وكانت دولة العلويين بمصر قد أخذت في التلاشي وصار استبداد وزرائها على خلفاءها. فهرب شاور وزير العاضد صاحب مصر من ضرغام الذي نازعه في الوزارة إلى الشام ملتجئا إلى نور الدين ومستجيرا بهم. وطلب منه إرسال العساكر معه إلى مصر ليعود إلى منصبه ويكون له ثلث دخل البلاد. فتقدم نور الدين بتجهيز الجيوش وقدم عليها أسد الدين شيركوه فتجهز وساروا جميعاً وشاور في صحبتهم. ووصل أسد الدين والعساكر إلى مدينة بلبيس فخرج إليهم أخو ضرغام بعسكر المصريين ولقيهم فانهزم وخرج ضرغام من القاهرة فقتل وخلع على شاور وأعيد إلى الوزارة. وأقام أسد الدين بظاهر القاهرة فغدر به شاور وعاد عما كان وعده نور الدين. وأرسل إلى الفرنج يستمدهم فسارعوا إلى تلبية دعوته ونصرته فلما قربوا مصر فارقها أسد الدين وقدص مدينة بلبيس وجعلها ظهرا يتحصن به. فحصره بها العساكر المصرية والفرنج ثلاثة أشهر وهو يغاديهم القتال ويراوحهم فلم يبلغوا منه غرضاً. فراسله الفرنج في الصلح والعود إلى الشام فأجابهم إلى ذلك وسار إلى الشام. ثم
(6/318)

عاده نور الدين إلى صمر سنة 562 هجري فأغار أسد الدين ودوخ بلادها. ثم هلك وقام صلاح الدين ابن أخيه مكانه. وفي ولايته مات العاضد ومحا الله دعوة العلويين وذهب بدولتهم فاستولى صلاح الدين على بلاد مصر وكان بها عاملا لنور الدين ثم استطال صلاح الدين على نور الدين فاسترجعه سار إليه صلاح الدين. ثم كر راجعا إلى مصر وكتب لنور الدين يعتذر له بأنه بلغه عن بعض سلفه العلويين بمصر أنهم معتزمون على الوثوب. فلم يقبل نور الدين عذره في ذلك واعتزم على عزله عن مصر. فاستشار صلاح الدين أباه نجم الدين وكان خيرا عاقلا حسن السيرة ذا حزم ورأي فأشار عليه بملاطفة نور الدين ومراعاته ففعل وأظهر الطاعة. وكان نور الدين يستفحل ملكا مع الأيام فدخل بلاد الفرنج وعبث بها فخافوا عن لقائه فاكتسح بلادهم وخرب ما مر به من القلاع ثم شرع في التجهز لأخذ مصر من صلاح الدين بن أيوب فأتاه أمر الله الذي لا مرد له سنة 559 هجري. وكان نور الدين أسمر طويل القامة ليس له لحية إلا في حكة حسن الصورة وكان قد اتسع ملكه جداً وخطب له في الحرمين وفي اليمن ومصر وكان مولده سنة 511 هجري وطبق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله. وكان في الزهد والعبادة على قدم عظيم وكان يصلي كثيرا من الليل فكان كما قيل:
جمع الشجاعة والخشوع لربه ... ما أحسن المحراب في المحراب
وهو الذي حصن قلاع الشم وبنى الأسوار على مدنها لما تهدمت بالزلازل. ولما توفي اجتمع الأمراء والمقدمون وأهل الدولة بدمشق وبايعوا ابنه الملك الصالح إسماعيل وهو ابن إحدى عشرة سنة. وأطاعه الناس بالشام. وكان صلاح الدين بمصر وخطب له هناك وضرب السكة باسمه ثم استفحل ملكه وعظمت دولة بني أيوب من بعهد إلى أن انقرضوا. ولما مات نور الدين سار ابن أخيه سيف الدين غازي من الموصل وملك جميع البلاد الجزيرية. واجتمع الفرنج وحاصروا قلعة بانياس من أعمال دمشق. فراسلهم أهل دمشق وتهددوهم بسيف الدين صحاب الموصل فصالحهم على مال يبعثونه إليهم فتقررت الهدنة. وبلغ ذلك صلاح الدين فنكره واستعظمه وكتب إلى الصالح يقبح مرتكب أهل دمشق ويعدهم بغزوة الفرنج. وفي سنة 570 هجري توفي أمالريك ملك الفرنج صاحب القدس (1175) (كتاب الروضتين)

بقدوين الرابع (1175 م) فتوحات صلاح الدين
فعقبه في الملك ابنه بقدوين الرابع وكان مجذوماً. فلما رأى أهل دمشق أن العدو قد استفحل وكون ولد نور الدين طفلا لا ينهض بأعباء الملك كاتبوا صلاح الدين فطار إليهم. فخرج إليه أهل الدولة بمقدمهم وسلموا إليه المدينة فاستخلف عليها أخاه سيف الإسلام طغركين ابن أيوب. ثم سار إلى محاربة سيف الدين غازي صاحب الموصل فاستولى على حمص وحماة ثم زحف إلى حلب وأقام محاصرا لها وبها الملك الصالح بن نور الدين فاجتمع أهل حلب وقاتلوا
(6/319)

صلاح الدين وصدوه عن حلب. وأرسل كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية أموالا عظيمة ليقتلوا صلاح الدين فأرسل سنان جماعة فوثبوا على صلاح الدين فقتلوا غيره. فرحل صلاح الدين عن حلب بسبب نزول الفرنج على حمص فاسترجعها. وملك بعلبك ثم سار إلى ملاقاة سيف الدين فصدق عليه الحملة. فانهزم سيف الدين وغنم سواده ومخلفه واتبع عساكر حلب حتى أخرجهم منها. وقطع صلاح الدين حينئذ الخطبة للملك الصالح وأزال اسمه عن السكة واستبد بالسلطنة. ورحل عن حلب سنة 570 هجري ثم سار إلى بلد الإسماعيلية فنهب بلدهم وخربه وأحرقه. ثم أتم مسيره إلى مصر فأمر ببناء السور الدائر على مصر والقاهرة والقلعة التي على جبل المقطم. ثم أمر ببناء المدرسة الشافعية. ولما دخلت سنة 573 هجري سار صلاح الدين من مصر إلى ساحل الشام لغزو الفرنج فوصل إلى عسقلان. فاكتسح أعمالها ولم ير للفرنج خبرا فانساح في البلاد وانقلب إلى الرملة. فما راعه إلا الفرنج مقبلين في جموعهم وأبطالهم وقد افترق أصحاب صلاح الدين في السرايا فتمت الهزيمة على المسلمين وقاربت حملات الفرنج السطان فمضى منهزما إلى مصر على البرية في قل قليل ولحقهم الجهد والعطش ودخل القاهرة. وأخذت الفرنج العسكر الذين كانوا يتفرقون في الإغارات أسرى. فكان وهنا عظيما جبره الله بوقعة حطين (1169 م) . فطمع الفرنج بسبب بعد السطان بمصر وهزيمته فهجموا على بلاد حماة وحارم وعاثوا فيها إلى أن صانعهم المسلمون بالمال فرحلوا عنها. وفي سنة 576 هجري توفي سيف الدين غازي صاحب الموصل والجزيرة وله من العمر ثلاثون سنة وكان حسن الصورة مليح الشباب تام القامة أبيض اللون عاقلا عادلا عفيفا من أموال الرعية مع شح كان فيه. ثم توفي بعده الملك الصالح بن نور الدين صاحب حلب. فسار صلاح الدين من مصر واستخلف فيه ابن أخيه. ثم أغار على بيروت وسواحل الشام وانقلب إلى الجزيرة وملك الرها والرقة وماردين ونصيبين وحصر الموصل وأقام عليها منجنيقا. ثم علم أن حصارها يطول فأقلع عنها واحتل مدينة حلب واقطعها أخاه الملك العادل. ثم سار إلى الكرك وضيق مخنقها فجمعت الفرنج فارسها وراجلها فلم يتمكن السلطان فتحها. فسار إلى نابلس وأحرقها ونهب ما بتلك النواحي وقتل وأسر وسبى ثم عاد إلى دمشق. فلم يلبث أن خرج ثانياً إلى حصار الموصل فلم ينل منها بغيته واستقر الصلح بينه وبين صاحب الموصل بأن يسلم صاحب الموصل إلى السلطان شهرزور وأعمالها وأن يخطب له ويضرب اسمه على الدراهم. فانحرف عن الموصل وأقام بحران مريضا واشتد به المرض حتى أيسوا منه ثم أنه عوفي وعاد إلى دمشق (لأبي الفداء وابن خلدون)

بقدوين الخامس (1185 م)
وكان بقدوين الرابع ملك القدس قد مات بالشام (1185 م) وأوصى بالملك لابن أخيه صغيرا فكفله أرناط صاحب طرابلس. فقام أرناط بتدبير الملك وكان من أعظم الفرنج.
(6/320)

مكراً وأشدهم ضررا وطمع أن تكون كفالته ذريعة إلى الملك. ثم مات الصغير (بقدوين الخامس) فتزوجت الملكة ابن غتم (غي دي لوسينيان) من الفرنج القادمين من الغرب وتوجته. وأحضرت البطرك والقسوس والرهبان والاستبارية والدواوية والبارونة وأشهدتهم خروجها له عن الملك. فأنف أرناط وغضب وجاهر بالشقاق لهم. وراسل صلاح الدين فسار بفرقة من عسكره إلى الكرك فحاصرها. وأمر ابنه الأفضل بإرسال بعض إلى عكا ليكتسحوا نواحيها. فصحبوا صفورية وبها جمع من الفداوية والاستبارية فبرزوا إليهم. وكانت بينهم حروب شديدة تولى الله النصر فيها للمسلمين فانهزم الفرنج وقتل مقدمهم. ثم سار صلاح الدين بنفسه ونزل على طبرية وحصر مدينتها وفتحها عنوة بالسيف. وكانت طبرية للقومص (أرناط) وكان قد هادن السلطان ودخل في طاعته. فأرسلت الفرنج إلى القومص المذكور القسوس والبطرك ينهونه عن موافقته السلطان ويوبخونه فسار معهم واجتمع الفرنج لملتقى السلطان.

ذكر وقعة حطين (1189 م)
فرحل الفرنج من وقتهم وساعتهم وقصدوا طبرية للدفع عنها. فأخبرت الطلائع الإسلامية الأمراء بحرة الفرنج فالتقى العسكران على سطح جبل طبرية قرب تل يقال له تل حطين فلما حان القتال خرج القومص محرضاً الناس يقول لهم: لا قعود بعد اليوم. ولابد لنا من رقم القوم. وإذا أخذت طبرية أخذت البلاد. وذهبت الطراف والتلاد. فما يبقى لنا صبر. ولا بعد هذا الكسر جبر. فالمسيح لنا والصليب معنا والمعمودية عمدتنا. والنصرانية نصرتنا. ورماحنا. فراحنا. وصحافنا. صحافنا. وفي لوائنا اللأواء ومع اودائنا الداوية الأدواء. وطوارقنا الطوارق. وبيارقنا البوائق. وسيف الاستبسار بتار تيار. ولقرن الباروني من مقارنته بوار. وقد عثم بحرنا الساحل. وشدد بابه المعاقد والمعاقل. وهذه الأرض تسمعنا نيفا وتسعين سنة. وسلاطين الإسلام ما صدقوا أن يسلموا إلينا ويسالمونا. ويبذلوا لنا القطائع ويقاطعونا. وطالما صفونا وما صافونا. وهادونا وهادنونا. وفي جمعنا تفريقهم. وفي فيئتنا تعويقهم.
ثم ماجت خضارمهم. وهاجت ضراغمهم. وطارت قشاعمهم. وثارت غماغمهم. وسدت الآفاق غمائمهم. وهم كالجبال السائرة. وكالبحار الزاخرة. أمواجها متلطخة وأفواجها مزدحمة. وفجاجها محتدمة وأعلاجها مصطلمة. وقد جوي الجو. وضوي الضو. ودوى الدو. وحوافز الحوافز للأرض حوافز. والفوارس اللوابس في البيض سوافر. فرتب السلطان في مقابلتهم أطلاءه. وقصر على مقاتلتهم آراءه. وحجز بينهم وبين الماء. ولليوم قيظ. وللقوم غيط. فنفر النفير وتصادم العسكران والتحم القتال فأيقن بالويل والثبور. وأحست نفوسهم أنهم في غد زوار القبور. كلما خرجوا جرحوا. وبرح بهم مر الحرب وحملوا وهم ظماء. وما لهم سوى ما بأيديهم من ماء الفرندماء. فشوتهم نار السهام وأشوتهم. وصممت عليهم
(6/321)

قلوب القسي القاسية وأصمتهم. وأعجزوا وأعرجوا. وأحرجوا وأخرجوا. كلما حملوا ردوا وأردوا. وكلما ساروا وشدوا أسرو فاضطرموا واضطربوا. والتهفوا والتهبوا. فأووا إلى جبل حطين يعصمهم من طوفان الدمار. فأحاطت بحطين بوارق البوار. فرشفتهم الحنايا. وقشرتهم المنايا. وصاروا للردى درايا. ومن بقي منهم فجردوا العزيمة. واحتالوا في الهزيمة. وأسروا الملك البرنس أرناط ومقدم الفداوية. ولم يصابوا منذ ملكوا هذه البلاد بمثل هذه الوقعة. ثم استحضر صلاح الدين الأسرى وأوقع البرنس أرناط على ما قال وقال له: ها أنا أنتصر لمحمد ثم عرض عليه الإسلام فلم يفعل. ثم سل النمجاء وضربه بها. وقتل أسرى الفداوية والاستبارية أجمعين ثم استحضر الملك وأمنه وطيب قلبه (الفتح القدسي لعماد الدين الكاتب)

فتح القدس لصلاح الدين (1189 م)
ولما فرغ صلاح الدين من طبرية سار عنها إلى عكا فنازلها واعتصم الفرنج الذين بها بالأسوار وأشاروا بالاستئمان فأمنهم. ثم لمك قيسارية وحيفا ويافا وصيدا وبيروت وجبل عسقلان. ثم شمر عن ساق الجد والاجتهاد في قصد القدس. وكان نزوله عليه في رجب سنة 583 هجري فنزل بالجانب الغربي. وكان مشحوناً بالمقاتلة والخيالة والرجالة. ثم انتقل لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي ونصب عليه المناجيق وضايقه بالزحف والقتال وكثرة الرماة حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم. فملا رأى العدو ما نزل بهم من الأمر الذي لا يندفع عنهم وظهرت لهم أمارات نصرة السلطان وكان قد ألقى في قلوبهم مما جرت على أبطالهم ورجالهم في السبي والقتل والأسر وما جرى على حصونهم من الاستيلاء والأخذ علموا أنهم إلى ما صاروا إليه صائرون. وبالسيف الذي قتل به إخوانهم مقتولون. واستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان. فأبى السلطان وقال: لا أفعل بكم إلا كما فعلتم بالمسلمين حين ملكتموه سنة 481 هجري من القتل والسبي. قال له باليان: أيها السلطان أعلم أننا إذا رأينا أن الموت لابد منه لنقتلن أولادنا ونساءنا ونحرق أموالنا ولا نترككم تغنمون منا ديناراً ولا درهماً. ولا تسبون وتأسرون رجلاً أو امرأة. فإذا فرغنا من ذلك أخربنا الصخرة والمسجد الأقصى ثن نقتل من عندنا من أسارى المسلمين وهم خمسة آلاف أسير ولا نترك لنا دابة ولا حيوانا إلا قتلناه. ثم خرجنا كلنا وحينئذ لا يقتل الرجل منا حتى يقتل أمثاله ونموت أعزاء ونظفر كرماء. فاستشار صلاح الدين أصحابه عن أي شيء تنجلي. فأجاب صلاح الدين حينئذ إلى بذل الأمان للفرنج واستقر أن يزن الرجل عشرة دنانير يستوي فيه الغني والفقير وتزن المرأة خمسة دنانير ويزن الطفل من الذكور ولإناث دينارين. فمن أدى ذلك إلى أربعين يوماً فقد نجا وإلا صار مملوكاً. فبذل باليان عن الفقراء ثلاثين ألف دينار فأجيب إلى ذلك. وسلمت المدينة يوم الجمعة السابع
(6/322)

والعشرين من رجب فخلف أخاه الملك العادل بالقدس يقرر قواعدها. وتحرر عزمه على قصد صور لمحاصرتها فامتنعت عنه. فعدل إلى فتح قلعة جبلة ودخل اللاذقية واستولى على قلعة صهيون. ثم سار إلى مدينة صور وقد خرج إليها المركيس وصار صاحبها وقد ساسها أحسن سياسة. فقسم صلاح الدين القتال على العسكر كل جمع لهم وقت معلوم يقاتلون فيه بحيث يتصل القتال على أهل البلد. على أن الموضع الذي يقاتلون فيه قريب المسافة تكيفه الجماعة اليسيرة من أهل البلد تحفظه. وعليه الخنادق التي قد وصلت من البحر إلى البحر فلا يكاد الطائر يطير عليها. لأن المدينة كالكف في البحر والساعد متصل بالبر والبحر في جانبي الساعد والقتال أنما هو في الساعد فلذلك لم يتمكن منها صلاح الدين ورحل عنها (لأبي الفرج الملطي)

زحفة الفرنج الثالثة إلى المشرق (1190 م)
فلما تم الخطب على الفرنج بفتح القدس بعثوا الرهبان والأقسة إلى بلادهم بخبر بيت القدس واستنصار النصرانية لها. فقام ملك الفرنسيس (فيليب) وملك أنكلطرة (ريكارد) وملك الألمان وجمعوا عساكرهم وساروا للجهاد. فسار فيليب وملك الأنكطار بحرا وقصد ملك الألمان قسطنطينية فعجز ملك الروم (أيساكيوس أنكلوس) عن منعه وكان عاهد صلاح الدين بذلك. فكتب إلى السلطان يعلمه: من ايساكيوس انكلوس ضابط الروم إلى النسيب سلطان مصر صلاح الدين المحبة والمودة: قد وصل خط نسبتك الذي نفذت إلى ملكي فما أظن أن نسبتك تسمع أخبارا ودية وأنه قد سار في بلادي الألمان. ولا غرو فإن الأعداء يرجفون بأشياء كذب على قدر أغراضهم. ولو تشتهي أن تسمع الحق فإنهم قد تأذوا وتعبوا كثيرا وقد خسروا كثيرا من المال والدواب والرجال ومات منهم وقتلوا. وبالشدة قد تخلصوا من أيدي أجناد بلادي وقد ضعفوا. وبحيث أنهم لا يصلون إلى بلادك فإن وصلوا كانوا ضعافاً بعد شدة كبيرة لا ينفعون جنسهم ولا يضرون نسبتك (تم) . ثم عبر ملك الألمان خليج القسطنطينية ومروا بمملكة قليج أرسلان وتبعهم التركمان يخفون بهم ويتحفظون منهم وكان الفصل شتاء فهلك أكثرهم من البرد والجوع. ولما ولوا إلى بلاد طرطوس أقاموا على نهر (السيدنوس) ليعبروه فعن لملكهم أن يسبح فيه فهلك غرقاً. فملك بعده ابنه وأتموا المسير إلى الشام فبلغوا طرابلس وقد أفناهم الموت ولم يبق منهم إلا ستة آلاف رجل. وهلك ابن ملك الألمان في عكا وحزن الفرنج عليه حزنا عظيما. ثم وصل ملك الفرنسيس بحراُ. وكان عظيما عندهم مقدما محترما من كبار ملوكهم تنقاد إليه العساكر بأسرها بحيث إذا حضر حكم على الجميع. وقدم في ست بطس تحمله وميرته وما يحتاج إليه من الخيل وخواص أجناده. ثم وصل بعده ملك الأنكطار وكان شديد البأس بينهم عظيم الشجاعة قوي الهمة له وقعات عظيمة وله جسارة على الحرب وهو دون الفرنسيس عندهم في الملك والمنزلة لكنه أكثر مالا منه وأشهر في
(6/323)

الحرب والشجاعة. وكان من خبره أنه وصل إلى جزيرة قبرص ولم ير أن يتجاوزها الأوان تكون له وفي حكمه. فاستولى عليها ثم زحف إلى الشام (سيرة صلاح الدين لابن شازي)

حصار عكا والصلح (1191 م) زحفة الفرنج الرابعة (1196 م)
فاتفق الفرنج جميعا على الرحيل إلى عكا ومحاصرتها فنزلوا عليها وأحاطوا بها من البحر إلى البحر فليس للمسلمين إليها طريق. فنزل صلاح الدين قبالتهم وبعث إلى الأطراف يستنفر الناس. فجاءت عساكر الموصل وديا بكر وسائر الجزيرة وبقي المسلمون يغادرون القتال ويراوحونه أشهرا. فتتابعت أمداد الفرنج من وراء البحر لإخوانهم المحاصرين لعكا حتى جهد المسلمين بعكا الحصار وضعفت نفوس أهل البلد ووهنوا. فبعثوا إلى الفرنج في تسليمها على أن تصالحهم على الأمان فيعطوهم مائتي ألف دينار ويطلق لهم خمسمائة أسير ويعيد لهم الصليب الصلبوت فأجابوا إلى ذلك. فدخل الفرنج عكا واستراحوا مما كانوا فيه. ثم تخلف صلاح الدين عن وفاء الشروط فركب الفرنج وخرجوا ظاهر المدينة بالفارس والراجل وركب المسلمون إليهم وحملوا عليهم فانكشفوا عن موقفهم. فوضع الفرنج السيف في المسلمين وقتلوا الأسرى. فلما رأى صلاح الدين ذلك رحل إلى ناحية عسقلان وأخربها. ثم هم بترميم ما ثلم من أسوار القدس وسد فروجه وأمر بحفر خندق خارج الفصيل. فنقلت الحجارة للبنيان وكان صلاح الجين يركب إلى الأماكن البعيدة وينقلها على منكبيه فيقتدي به العسكر. ثم سار ملك اللانكطار في ساقة الفرنج فحملهم وانهزموا إلى يافا. فأقاموا بها والمسلمون قبالتهم ثم ساروا إلى قيسارية والمسلمون يتبعونهم ثم رحلوا إلى أرسوف فسبقهم المسلمون إليها فحملوا على المسلمين وهزموهم. ثم ساروا إلى داروم ثم إلى القدس فانتهوا إلى بيت قوجة على فرسخين من القدس. فاستعد صلاح الدين للحصار فوفد عليه رسوم الفرنج وعقدت الهدنة معهم. وكان سبب ذلك أن ملك الانكطار قد طال مغيبه عن بلاده وطال عليه البيكار. فكاتب الملك العادل يسأله الدخول على السلطان فأجاب السلطان إلى ذلك واتفق عليه الرأي الأمراء لما حدث عنده العسكر من الضجر ونفاد النفقات. فتحالفوا على ذلك ولم يحلف ملك الانكطار بل أخذوا يده وعاهدوه. واعتذر بأن الملوك لا يحلفون وقنع السلطان بذلك. وكانت الهدنة على أن يستقر بيد الفرنج يافا وقيسارية وأرسوف وحيفا وعكا مع أعمالها وأن تكون عسقلان خرابا وأذن للفرنج في زيارة القدس. وكان يوما مشهودا غشي الناس من الطائفتين من الفرح والسرور ما لا يعلمه إلا الله. وارتحل ملك انكلطرة فيالبحر عائدا إلى بلده. وأقام الكند هنري صاحب صور بعد المركيس ملكا على الفرنج بسواحل الشام وتزوج الملكة التي كانت تملكهم قبله. وكر صلاح الدين راجعا إلى دمشق وكانت وفاته فيها سنة 589 هجري وعمره سبع وخمسون سنة. وكان صلاح الدين حليما كريما حسن الأخلاق متواضعا صبورا كثير التغافل عن ذنوب أصحابه.
(6/324)

وكان ذا سياسة حسنة وهيبة عظيمة وعدل وافر وغزوات كثيرة. وكان يوم وفاته لم يصب الإسلام والمسلمين بمثله منذ فقدوا الخلفاء الراشدين. وغشي القلعة والبلد والدنيا من الوحشة ما لم يعلمه إلا الله. فيتمنى الناس أن يكونوا فداء من يعز عليهم. واستقر بعده الملك لابنه العزيز عثمان في مصر ولولده الملك الأفضل بدمشق. ولما توفي صلاح الدين وملك أولاده بعده جدد العزيز الهدنة مع الكند هنري ملك الفرنج كما عقد أبوه معه. وكان أمير بيروت يبعث الثواني للإغارة على الفرنج فشكوا ذلك إلى العادل فلك يكفهم. فأرسلوا إلى ملوكهم وراء البحر يستنجونهم فأمدوهم بالعساكر وأكثرهم من الألمان. فوصل منهم جمع عظيم إلى الساحل واستولوا على قلعة بيروت. فار الملك العادل صاحب الجزيرة إلى يافا واتتهم النجدة من مصر والجزيرة. فملكوا المدينة وخربوها وامتنع الحامية بالعقلة فحاصروها وفتحوها عنوة واستباحوها. فجاء الفرنج من عكا لصريخ إخوانهم فبلغهم وفاة الكند هنري فرجعوا ثم اعتزموا ونازلوا تبنين سنة 594 هجري فأرسل الملك العادل إلى الملك العزيز صاحب مصر. فسار العزيز بنفسه واجتمع بعمه على تبنين فرحل الفرنج على أعقابهم إلى صور خائبين. ثم اختاروا لهم ملكا صاحب قبرص أوري الثاني خليفة غيدوا فجاءهم وزوجوه بملكتهم زوجة الكند هنري. ثم تناوش المسلمون والفرنج القتال ثم تراسلوا مع الملك العادل في الصلح وانعقد بينهم في السنة ورجع العادل إلى دمشق وسار الفرنج إلى بلادهم (لابن الشازي)

زحفة الفرنج الخامسة واستيلاؤهم على القسطنطينية (1189 - 1204 م)
كان هؤلاء الفرنج بعدما ملكوا الشام اختلفت أحوالهم في الفتنة والمهادنة مع الروم التي كانت بأيديهم من قبل. وظاهرهم الروم على المسلمين في بعض المرات فملكوا مدينة القسطنطينية من الروم. كيفية الخبر عن ذلك أن ملوك الروم أصهروا إلى ملوك الفرنج وتزوجوا منهم بنتا لملك الروم فولدت ابنا. ثم وثب على الملك أخوه فانتزع الملك من يده وحبسه. فلحق الولد بملك الفرنج مستصرخا به فوصل إليهم وقد تجهز الفرنج لاستنقاذ القدس من يد المسلمين وانتدب لذلك ثلاثة من ملوكهم دموس البنادقة وهو صاحب الأسطول الذي ركبوا فيه وكان شيخا أعمى لا يركب ولا يمشي إلا بقائد ومقدم الفرنسيس ويسمى المركيش والثالث يسمى كندرفلندر وهو أكثرهم عددا. فجعل الملك ابن أخيه معهم وأوصاهم بمظاهرته على ملك القسطنطينية ولما وصلوا إليها خرج عم الصبي وقاتلهم. وأضرم شيعة الصبي النار في نواحي البلد فاضطرب العسكر ورجعوا وفتح شيعة الصبي باب المدينة وأدخلوا الفرنج وخرج عمه هاربا. ونصب الفرنج الصبي في الملك وأطلقوا أباه من السجن واستبدوا بالحكم. فعظم ذلك على الروم فوثبوا على الصبي وقتلوه وأخرجوا الفرنج من البلد. فأقام الفرنج بظاهرها محاصرين لهم فاقتحموا وأفحشوا في النهب ونجا كثر من الروم إلى الكنائس وأعظمها كنيسة أيا صوفيا فلم تغن عنهم. ثم تنازع الملوك الثلاثة
(6/325)

على الملك بها وتقارعوا فخرجت القرعة على الكند فلندر على أن يكون لدموس البنادقة الجزائر البحرية أقريطس ورودس وغيرها ويكون لمركيش الفرنسيس الخليج مثل نيقية وفيلادلف ولم تدم له فإنها تغلب عليها بطريق من بطارقة الروم اسمه لشكري. ولم تزل القسطنطينية بيد الفرنج إلى سنة 660 هجري فقصدها الروم واستعادوها من الفرنج.
ولما ملك الفرنج القسطنطينية من يد الروم تكالبوا على البلاد ووصل جمع منهم إلى الشام وأرسوا بعكا عازمين على ارتجاع القدس من المسلمين. ثم ساروا في نواحي الأردن فاكتسحوها وكان العادل بدمشق استنفر العساكر من الشام ومصر. وسار فنزل بالطور قريبا من عكا لمدافعتهم وهم قبالته وساروا إلى كفر كنا فاستباحوه. ثم تراسلوا في المهادنة على أن ينزل لهم العادل عن كثير من مناصف الرملة وغيرهم ويعطيهم يافا. ولما استقرت الهدنة أعطى العساكر دستورا وسار إلى مصر وأقام في دار الوزارة. فقصد الفرنج حماة وقاتلهم صاحبها ناصر الدين فهزموه. وفي سنة 603 هجري أكثر الفرنج الغارات بالشام بحدثان ما ملكوا القسطنطينية فعجز المسلمون عن دفاعهم. وأغار أهل قبرص في البحر على أسطول مصر فظفروا منه بعدة قطع وأسروا من وجدوا فيها. فبعث العادل إلى صاحب عكا يحتج عليه بالصلح فاعتذر بأن أهل قبرص في طاعة إفرنج القسطنطينية وأنه لا يحكم له عليهم فخرج العادل في العساكر إلى عكا حتى صالحه صاحبها على إطلاق أسرى من المسلمين. ثم نازل طرابلس ونصب عليها المجانيق وعاث العسكر في بلادها وقطع قناتها ثم عاد إلى دمشق (لابن خلدون)

زحفة الفرنج السادسة إلى المشرق (1216 م) الزحفة السابعة (1228 م)
كان صاحب رومية أعظم ملوك الفرنج بالعدوة الشمالية من البحر الرومي وكانوا لكهم يدينون بطاعته. فبلغه اختلاف أحوال الفرنج بساحل الشام وظهور المسلمين عليهم فانتدب إلى إمدادهم وجهز إليهم العساكر فامتثلوا أمره من أيالته. وتقدم إلى ملوك الفرنج أن يسر بأنفسهم وتوافت الإمداد إلى عكا سنة 614 هجري. فسار الملك العادل من مصر إلى نابلس فبرز الفرنج ليصدوه وكان في خف من العساكر فخام عن لقائهم فأغاروا على بلاد المسلمين ونازلوا بانياس ورجعوا إلى عكا وامتلأت أيديهم من النهب والسبي. ثم حاصروا حصن الطور وهو الذي اختطه الملك العادل فرجعوا عنها. فبعث السلطان وخر بها لئلا يملكها الفرنج وخرب أسوار القدس حذا عليه منهم ثم سار الفرنج في البحر إلى دمياط وأرسوا بسواحلها والنيل بينهم وبينها. وكان على النيل برج حصين تمر منه إلى سور دمياط سلاسل من حديد محكمة تمنه السفن في البحر الملح أن تصعد في النيل إلى مصر. فلما نزل الفرنج بذلك الساحل خندقوا عليهم وبنوا سورا بينهم وبين الخندق وشرعوا في حصار دمياط واستكثروا من آلات الحصار فبعث ذلك البرج أربعة
(6/326)

أشهر حتى ملكوه. فعبوا البر المتصل بدمياط واشتد قي قتالها وهي في قلة من الحامية لإجفال المسلمين عنها بغتة. ولما جهدهم الحصار وتعذر عليهم القوت استأمنوا إلى الفرنج فملكوها سنة 616 هجري وقاموا في عمارتها وتحصينها وأقام الكامل قريبا منهم لحماية البلاد وبنى المنصورة بقرب مصر عند مفترق البحر من جهة دمياط. وكان الكامل قد خلف أباه السلطان العادل بالملك في مصر وكان العادل قد توفي سنة 615 هجري وكان له من العمر خمس وسبعون سنة. وكان العادل حازما ومتيقنا غزير العقل سديد الآراء ذا مكر وخديعة أتته السعادة واتسع ملكه. وفي سنة 618 هجري كان اجتماع الملك المعظم والملك الأشرف مع نجدة صاحب ماردين وعسكر حلب والملك الناصر صاحب حماة والملك المجاهد صاحب حمص واتصال الجميع بالملك الكامل على عزم قصد الفرنج ورد دمياط منهم. فأحاطوا بهم وضيقوا السبيل عليهم فأجابوا إلى الصلح على تسليم دمياط وإطلاق ما بأيديهم من أسرى المسلمين وإطلاق ما بأيدي المسلمين من أسراهم وقرر الصلح الدكاد نائب البابا وملك عكا وملوك فرنجة ومقدمو الفداوية والاستبارية. وتسلم الكامل دمياط يوم الأربعاء تاسع عشر رجب وكانت مدة مقام الفرنج بها سنة كاملة وأحد عشر شهرا.
وفي سنة 621 هجري قدم إمبراطور الألمان إلى عكا مع جموعه والإمبراطور معناه ملك الأمراء. وإنما اسم الإمبراطور المذكور فرديك (فريديريك الثاني) وكان بين ملوك الفرنج محبا للحكمة والمنطق والطب مائلا إلى المسلمين. وكان الملك الكامل قد أرسل إليه فخر الدين يستدعيه إلى قصد الشام بسبب أخيه المعظم. فوصل الإمبراطور وقد مات المعظم فنشب به الملك الكامل. ولما وصل الإمبراطور استولى على صيدا وكانت مناصفة بين المسلمين والفرنج وسورها خراب. فعمر الفرنج سورها واحتلوا فيها ثم ترددت الرسل بين الملك الكامل وبين الإمبراطور. ولما طال الأمر ولم يجد الملك الكامل بدا من المهادنة أجاب الإمبراطور إلى تسليم القدس إليه على أن تستمر أسوارها خرابا ولا يعمرها الفرنج. ولا يتعرضوا إلى قبة الصخرة ولا إلى الجامع الأقصى ويكون الحكم في الرساتيق إلى والي المسلمين. ويكون لهم من القرايا ما هو على الطريق من عكا إلى القدس فقط ووقع الاتفاق على ذلك وتحالفا عليه. وتسلم الإمبراطور القدس ورجع إلى عكا وركب البحر إلى بلده. وكانت وفاة الملك الكامل صاحب مصر بدمشق سنة 635 هجري. فاستولى على مصر ابنه العادل فخرج بعد وفاة الملك الكامل صاحب الكرك الناصر داود إلى القدس وكان الفرنج عمروا قلعتها فحاصروها وفتحها وضرب القلعة وخرب برج داود (لأبي الفداء)

زحفة الفرنج الثامنة إلى المشرق (1248 - 1252 م)
كان ملك افرنسة (هو لويس بن لويس) من أعظم ملوك الفرنج ويسمونه ريد افرنس فاعتزم على سواحل الشام وسار لذلك كما سار من قبله ملوكهم. فخرج قاصدا الديار المصرية فجمع عساكره فارسها وراجلها وركب البحر بأموال جزيلة وأهبة جميلة فأجاز إلى
(6/327)

قبرص وشتى بها. ثم عبر سنة 647 هجري دمياط وبها بنو كنانة أنزلهم الصالح ابن الملك العادل بها حامية. فلما رأوا ما لا قبل لهم به أجفلوا عنها. فملكها ري افرنس بغير تعب ولا قتال وكان هذا من أعظم المصائب. فبلغ الخبر إلى الصالح وهو بدمشق وعساكره نازلة بحمص فكر راجعا إلى مصر ونزل المنصورة وقد أصابه بالطريق وعك. وأمر بصلب الأمراء المنهزمين من دمياط وكانوا أربعة وخمسين أميرا فاشتد عليه فتوفي. وكان ملكه في الديار المصرية تسع سنين وكان مهيبا عالي الهمة عفيفا طاهر اللسان والذيل وكان جمع من الممالك الترك ما لم يجمع بغيره. وكتم أهل الدولة موته حذرا من الفرنج وقامت زوجته شجرة الدر بالأمر وكانت تركية داهية لا نظير لها من النساء والرجال. فجمعت الأمراء وقوت جأشهم واستحلفتهم. فبايعوا ابن الصالح الملك المعظم تورانشاه ثم انتشر خبر الوفاة. فشره الفرنج إلى قتال المسلمين ودلف طرف منهم إلى المعسكر فانكشف المسلمون وقتل الأتابك فخر الدين مقدم العسكر. ودخل الفرنج المنصورة ولم ينالوا منها نيلا طائلا لأنهم حصولا مضايق أزقتها. وكانت العامة يقاتلونه بالحجارة والآجر والتراب وخيولهم الضخمة لم تتمكن من الجولان بين الدروب. ثم عبى ريد افرنس جيوشه وسار بهم طالباً أرض مصر فصبر المصريون إلى أن عبر الفرنج الخليج من النيل المسمى اشمون فتوجهوا نحوهم والتقى العسكران واقتتل الفريقان قتالا شديدا وانجلت الحروب عن كسرة الفرنج برا وبحرا. فضعف حالهم لذلك فأرسلوا يطلبون القدس وبعض الساحل وأن يسلموا دمياط إلى المسلمين فلم تقع الإجابة إلى لك. ثم أقام الفرنج قبالة المسلمين بالمنصورة وفنيت أزوادهم وانقطع عنهم المدد من دمياط فلم يبقى لهم صبر على المقام. فرحلوا متوجهين إلى دمياط وركب المسلمون أكتافهم وبذلوا فيهم السيف فلم يسلم منهم إلا القليل وقتل منهم أكثر من ثلاثين ألفا. واعتقل الملك ريد افرنس ومعه جماعة من خواصه وأكابره. وفي خلال ذلك هلك الملك المعظم قتله المماليك لشهرين من ملكه وقدموا عليهم أميرا منهم يلقب بعز الدين التركماني. ونهضوا إلى ريد افرنس وجددوا معه اليمين وافتدى منهم بألف ألف دينار وتسليم دمياط فأطلقوه. فأقلع مع أصحابه إلى عكا سنة 648 هجري وأتم عمار يافا وهدم المسلمون سور دمياط لما حصل للمسلمين عليها من الشدة مرة بعد أخرى. ثم استقر الملك بعد قتل شجرة الدر في أيدي الأشرف موسى فبقي في إمارته مدة وعزل لخمس سنين من ولايته وانقرض به ملك بني أيوب. واجتمعت مصر والشام في مملكة الترك فاستبدوا بالملك. وكان أول ملكهم المعزايبك التركماني ثم خلفه ابنه المنصور خلعه قطز المعزي فاستبد بالملك وارتجع الشام من التتر وكانوا استولوا عليها سنة 658 هجري ثم قتل المظفر واستقل الظاهر بيبرس البندقداري سنة 658 هجري ثم جهز العساكر فسار إلى مقاتلة التتر فأجفلوا وولوا هاربين. وقصد قيسارية وهي للفرنج فاقتحم عليها وفتحها وشن على أعمالها الغارة. وسرح عسكر إلى حيفا وأرسوف وملكها.
(6/328)

عنوة ثم كر راجعاً إلى طرابلس وبها بويموند الفرنجي فلم يدرك منها وطره. فسار إلى صفد وفتحها واستلحم الفرنج الذين بها وأفحش في قتلهم ثم رجع إلى مصر وأمر بتحديد الجامع الأزهر وإقامة الخطبة به. ثم خرج إلى دمشق واكتسح بسائط عكا واحتل مدينة يافا وصيدا وسار إلى إنطاكية ثانية وفتحها إلى الأمان فخرب قلعتها وأضرمها نارا فبقيت في ملك الفرنج نحو 170 سنة.

زحفة الفرنج التاسعة وحصار تونس (1270) انقراض دولة الفرنج في المشرق (1191)
وفي سنة 668 هجري في أيام المستنصر بالله عبد الله محمد صاحب تونس اعتزم ريد فرنس لويس بن لويس على الحركة إلى تونس. فأرسل إلى ملوك النصارى يستنصرهم إلى غزوها وأرسل إلى البابا خليفة المسيح بزعمهم فأوعز إلى ملوك النصرانية لمظاهرته. فأجاب جماعة من ملوك الفرنج لغزو بلاد المسلمين فشاع خبر استعداد النصارى للغزو. وهم المسلمون بترميم الثغور وأمر المستنصر بسائر عمالاته بالاستنكار من العدة وأرسل في الثغور بذلك وبإصلاح الأسوار واختزان الأحباب. وأوفد السلطان على ملك افرنسيس رسله وما شرطته على أن يكف غربه فلم يرض وجمع الطاغية حشده وركب أساطيله إلى تونس سنة 668 هجري. فاجتمعوا بسردانية ونادى السلطان بالنذير بالعدو والاستعداد له والنفير إلى أقرب المرافئ وبعث الثواني لاستطلاع الخبر. فتوالت بعد مدة الأساطيل بمرسى قرطاجة فنزلوا بالساحل وكانوا زهاء ستة آلاف فارس وثلاثين ألفا من الرجال. وكانت أساطيلهم ثلاثمائة بين صغار وكبار وكانوا سبعة يعاسيب فيهم الفرنسيس وأخوه صاحب صقلية والعلجة زوج الطاغية وتسمى الرينة. وأنزلوا عساكرهم بالمدينة القديمة من قرطاجة وكانت ماثلة الجدران فوصلوا ما فصله الخراب من أسوارها بألواح الخشب ونضدوا شرفاتها وأداروا على السور خندقا بعيد المهوى. وتحصنوا وأقاموا محترسين بتونس ستة أشهر والمدد يأتيه في أساطيله من البحر من صقلية والعدوة بالرجال والأسحلة والأقوات. وبعث السلطان في ممالكه حشدا فوافته الإمداد من كل ناحية من المغرب والأندلس وقبائل العرب فاتصلت الحرب ومات من الفريقين خلق. وفي خلال ذلك هلك ريد افرنسيس يقال أصابه مرض الوباء ولما توفي اجتمع النصارى على ابنه فبايعوه. ثم بعثت مشيخة الفقهاء لعقد الصلح مع الفرنج بمال أغرقه لهم صاحب تونس. فرجع الفرنج إلى عدوتهم. وفي سنة 688 هجري في أيام السلطان المنصور قلاوون استنفر المسلمون من مصر إلى حصار طرابلس فنصب عليها المجانيق وفتحها عنوة فاستباحها. ثم خلفه في الملك ابنه الأشرف خليل فكان أول أعماله حصار عكا متما عزم أبيه. فتناوشوا القتال مع الفرنج وهدم الخليل كثيرا من أبراجها وشحنها بالمقاتلة واستلحموا من كان فيها وأكثروا القتل والسبي في الفرنج واستوعبهم السيف. وبلغ الخبر إلى الفرنج بصور وصيدا وبيروت فأجفلوا عنها توركوها خاوية فانقطع أمر الفرنج من المشرق سنة 690 هجري (لابن خلدون)
(6/329)

ذكر التتر - فتوحات جنكزخان (1163 - 1227 م)
اتفق أهل التاريخ أن التتر أمم لا يضمها إحصاء. وهم رجال يسكنون الخيام المتخذة من اللبود لشدة البرد في بلادهم. وأكثر دوابهم الخيل وأقواتهم الأرز وألبان الخيل. ولحومها. وتعرف ملوكهم بالخان وهي سمتهم الخاصة. وكانوا مبددين في دشت قبجان في حدود ملك الخط والصين وفي سهول وأوعار يهارجون فيها كالحيوانات السائمة لا حاكم يردعم ولا دين يجمعهم حتى نبغ فيهم هذا الطاغية جنكزخان. وكان ظهوره في زمان ركن الدين بن زنكي. وكان وقتئذ المستولي على قبائل الترك المشارقة وأوتك خان. وهو المسمى الملك يوحنا من القبيلة التي يقال لها كريت وهي طائفة تدين بالنصرانية. وكان رجل مؤيد من غير هذه القبيلة يقال له تموجين ملازما لخدمة أوتك خان من سن الطفولية إلى أن بلغ حد الرجولية. وكان ذا بأس في قهر الأعداء فحسده الأقران وسعوا به إلى أوتك خان. ولا زالوا يغتابونه عنده حتى اتهمه بتغيير النية وهم باعتقاله والقبض عليه. فأطلع تموجين على المكيدة فكر مع خدمه على أوتك خان فقتله وأبطاله فسمي جنكزخان. ثم علا شأنه وأرسل الرسل إلى جميع الترك فمن أطاعه وتبعه سعد ومن خالفه خذل. فسار أولا يقصد سلطان الخطا والصين والتون خان فأباده. واستصفى ولايته وبلاده (601 هجري) .
وكان جنكزخان رجلا أميا لا يقرأ ولا يكتب وكان لم يتقيد بدين بل يعظم علماء كل طائفة. وكان يميل إلى النصارى ويحسن الظن بهم ويكرمهم ويرجع إلى قول أساقفهم ولا يعدل عن رأيهم. واخترع جنكزخان هو لنفسه في الملك قواعد سلك فيها. ولما لم يكن للتتر كتاب ولا خط فأمر عقلاء مملكته وأذكياء قبيلته أن يضعوا خطا وقلما فوضعوا له قلم المغل ورتبوا له كتابا اسمه الباسق الكبير. وكان كرس مملكته قراقروم. وكان سبب مسيره إلى ممالك الإسلام أنه أرسل إلى خوارزم شاه محمد بهدايا يسأل الموادعة والإذن للتجار من الجانبين في التردد في متاجرهم فاستنكف السلطان من ذلك وقتل الرسل خفية. ففشا الخبر إلى جنكزخان فسار في العساكر واستولى على انزار وبخارى وسمرقند وأضرموا في محالها النار وجعل عمالها وأمراءها نكالا لغيرهم. وتوغلوا في البلاد وانتهوا إلى بلاد ديجور واكتسحوا كل ما مروا عليه. ففر من وجهة خوارزمشاه فسرح جنكزخان العساكر في أثره نحوا من عشرين ألفا فأجفلوه إلى خراسان وإلى طبرستان فخاض بحرها ووصل إلى بعض الجزائر فطرقه المرض بها فمات. (تاريخ القرماني وأبي الفرج الملطي) فسار التتر بعد مهلك خوارزم شاه إلى خراسان ففتحوا كلات من أحصن القلاع إلى جانب جيجون وأوسعوها نهبا وعبر إلى بلخ وملكوها على الأمان (607 هجري) . ثم ساروا إلى مرو وهراة وهما من أمنع البلاد فحاصروها عشرا وصدقوا عليهما الحملة فملكوهما
(6/330)

وأحرقوهماونهبوا نواحيها. ثم ساروا القتال جلال الدين بن خوارزم شاه وكان عهد له أبوه قبل موته وكان جلال الدين هذا استظهر على التتر وكبسهم في قندهار. فبعث جنكزخان إلى مدينة خوارزم عسكرا عظيما لعظمها لأنها كرس الملك وموضع العساكر. فسارت عساكر التتر إليها مع ابنيه جغاطاي واوكطاي فحاصروها خمسة أشهر ونصبوا عليها الآلات فامتنعت. فاستمدوا عليها جنكزخان فأمدهم بالعساكر متلاحقة. فزحفوا إليها وملكوا جانبا منها ومازالوا يملكونها ناحية إلى أن استوعبوها ثم فتحوا السد الذي يمنع ماء جيحون عنها وهم ينقمون عليه فادركوه وهو نازل مع عسكره على نهر السند. ولما لم ير وسيلة للخلاص اقتحم النهر بفرسه وفر ناجيا بنفسه وتخلص من عسكره ثلاثمائة فارس وأربعة آلاف رجل وبعض أمرائه. فأجاز التتر إلى بلاد ما وراء النهر وإلى همذان وقزوين وأذربيجان وهم يضعون السيف في من قاومهم ويؤمنون من سالمهم ويفتحون عنوة المدن الممتنعة عنهم ويستبيحونها. ثم إنضاف إلى التتر جموع من التركمان والأكراد وساروا إلى الكرج واثخنوا فيهم. وافتتحوا قصبتهم تبريز (لابن خلدون وابن الأثير) ثم ساروا إلى بيلقان فحاصروها. وبعثوا إلى أهل البلد رجلا من أكابرهم يقرر معم في المصانعة والصلح فقتلوه. فأقام التتر في حصارهم وملكوا البد عنوة (608 هجري) , واستلحموا أهلها وأفحشوا في القتل واستباحوا جميع الضاحية قتلا ونهبا وتخريبا. ثم ساروا إلى قاعدة اران وهي كنجة فصالحوا أهلها ثم عبروا الدرنبر (الدنيبر) وخرجوا إلى الأرض الفسيحة وبها أمم القفجاق والان واللكن وطوائف من الترك. فأوقعوا بتلك الطوائف واكتسحوا عامة البسائط. وقاتلهم جموع من القفجان واللان ودافعوهم ولم يطق التتر مغالبتهم. ثم عادوا إلى محاربة قفجاق وانتهوا إلى مدينتهم الكبرى سراي على بحر نيطش المتصل بخليج القسطنطينية فملكوها. وافترق أهلها واعتصم بعضهم بالجبال والغياض وركب بعضهم إلى بلاد الروم. ثم ساروا سنة (610 هجري) إلى بلاد الروس المجاورة لقفجاق وهي بلاد فسيحة وأهلها يدينون بالنصرانية فاستطرد لهم التتر مراحل ثم كروا عليهم واكتسحوا بلادهم وأثخنوا فيهم قتلا وسلبا ونهبا. ثم قصدوا بلغار وهدموا وأحرقوا ونهبوا وأرهقوا. وفي سنة (614 هجري) قفل جنكزخان من الممالك الغربية إلى منازله القديمة الشرقية فعرض له مرض في طريقه. ولما قوي مرضه استدعى أولاده جغاطاي واوكطاي وتولي خان وأورخان وأوصاهم بوصايا وطرائق في سياسة الملك وعين لكل من هؤلاء مملكة من الممالك وأوصى بالتخت لوكطاي.

ظهور تيمورلنك وفتوحاته (736 - 803 هجري) (1336 - 1405 م)
ذكر لتيمور نسب يتصل بجنكزخان من جهة النساء. وكان رجلا ذا قامة شاهقة
(6/331)

أبيض اللون مشربا بحمرة عظيم الجبهة والرأس عريض الأكتاف مستكمل البنية جهير الصوت وبه قزل. فلما بلغ أشده جعل يطوف في الصحارى والغابات يتربض الفرصة لاستنفاذ بلده فانضم إلى الحسين أمير خراسان لمحاربة أمير بلاد ما وراء النهر فظفر به. ثم حاول على الأمير حسين ونقض عهده وانتزع منه مدينة بلخ فأخربها وقتل الحسين شر قتلة. ثم عبر جيحون وحاصر السلطان غياث الدين في هراة وكبس المدينة وفتك بغياث الدين ثم عاد إلى خراسان ووضع السيف في أهل سجستان وأفناهم من بكرة أبيهم. ثم خرب المدينة ولم يبق لها من أثر. وفي سنة (788 هجري) زحف إلى بلاد فارس وعراق العجم فاستولى عليهما. ولما بلغه موت فيروز شاه سلطان الهند قفل إلى الهند وفتح مدنها الجزيرة واستخلف عليها رجلا من أصحابه. وسار نحو سيواس وكان يملكها الأمير سليمان بن السلطان بايزيد فخام عن لقاء تيمور وفر ناجيا بنفسه. ثم أجمع على فتح الشام فضم إليه أطرافه لقتال ملكها فرج برقوق من الملوك السراكسة فالتقى بابنه عند حلب فهزمه ودخل المدينة واستباحها. وملك حماة وبعلبك على الأمان. ثم زحف إلى دمشق فخرج إلى برقوق لمحاربته فالتحم الفريقان وآل القتال إلى كسرة برقوق وقهره فافتتح تيمور دمشق عنوة وقتل وسفك الدماء. وعاث فيها وأضرم النار في جامعها الأموي. وفي سنة (795 هجري) كر عساكره على مدينة بغداد وهزم سلطانها أحمد من ولد هولاكو وتملكها بعد أن أوسع أهلها قتلا وسبيا. ثم صمم العزم على الإغارة على ممالك الأتراك فسار إلى قراباغ وكان لا يدخل في مسيره قرية إلا أفسدها ولا ينزل على مدينة إلا محاها وبددها. ثم راسل السلطان بايزيد خان المجاهد الغازي يدعوه إلى طاعته فتوجه إلى ملاقاته واجتمع العسكران على نحو ميل من مدينة أنقرة. فاشتعلت الحرب بين الفئتين من الضحى إلى العصر حتى ترك السلطان طائفة من عسكره وذهبوا إلى تيمور فكان ذلك سببا لكسرته ووقوعه في مخالب تيمور فكبله في قفص من حديد فقضى فيه نحبه. ثم اندرأ تيمور راجعاً إلى سمرقند مظفرا فما فتئ أن وافته المنون وكشف الله عن العالم كربه (807 هجري) فملك بعده ابنه شاخ رخ ثم انتقل الملك إلى أعقابه إلى أن تلاشى واضمحل (لأبي الفرج)

ظهور الدولة العثمانية وذكر سلاطينها (699 - 1303 هجري) (1299 - 1884 م)
قال القرماني وهم من أعظم السلاطين أبهة وجلالة وأشدهم قوة وآثارا. وأول من ملك منهم الأمير عثمان الغازي (699 هجري 1300 م) وأصله من التراكمة الرحالة النزالة من طائفة التتر وهو ابن أرطغرل بن سليمان شاه. وكان شجاعا ومقداما افتتح بلادا كثيرة من يد السلجوقيين فاستقل عليها. ثم ولي بعده ابنه أورخان (726 هجري 1326 م) افتتح بروسا وجعلها مقر سلطنته واستولى على كليبولي وهي مدينة جليلة على شاطئ البحر بينها وبين القسطنطينية ستة وثمانون ميلا. ثم ملك بعده ولده مراد الأول الغازي (761 هجري 1360 م) افتتح أدرنة سنة
(6/332)

(761 هجري) وهو أول من اتخذ المماليك وسماهم بنشرية يعني العسكر الجديد وألبسهم اللباد الأبيض المثنى. ثم ملك بعده ولده السلطان يلدرم بايزيد خان (792 هجري 1389 م) وله فتوحات كثيرة منها نيفية عاصمة بلاد الكرمان وتوقات وصامسون. وحاصر الاستانة ولم يفتحها والتزم صاحبها بالخراج. ثم استظهر تيمورلنك على بايزيد كما مر (1402 م) . ثم خلفه ابنه محمد الأول بعد أن قتل إخوته (816 هجري 1414 م) وفتك ببلاد القرمان. ثم خلفه ابنه مراد الثاني (824 هجري 1422 م) الذي غزا بلاد ارنود وفتح مورة وسالونيك وضرب السكة باسمه وانتصر عليه ملك المجر. ثم ولي الأمر بعده ابنه محمد الثاني (855 هجري 1451 م) وهو الذي فتح القسطنطينية (1453 م) وغزا بوسنة وغلبه القرال (حنا هونياد) في بلاد بلغراد ودفعه الاستبارية عن رودس. ثم ملك بعده ابنه بايزيد الثاني (886 هجري 1481 م) قاتل أخاه جم وغلبه ثم استنزل عن الملك لابنه سليم الأول (918 هجري 1513 م) . ففتح سليم مصر والشام واستولى على بلاد العرب وفارس وأباد ملك الجراكسة فيها. ثم خلفه ابنه سليمان خان (926 هجري 1520 م) استولى على رودس وكوفوس وعراق العجم ورده النصارى عن فينا ومالطة (وكان يحميها لافالت) . ثم ملك بعده سليم الثاني ابنه (974 هجري 1567 م) فتح تونس وقبرص واليمن وغلبه الفرنج في خليج (ليبنت) . ثم تولى بعده السلطان مراد الثالث (982 هجري 1573 م) قهر الكرج وفتح تفليس. ثم ملك ابنه محمد الثالث (1003 هجري 1595 م) غزا المجر وغلبهم. ثم عقبه ابنه أحمد الأول (1012 هجري 1603 م) وهادن الفرنج. ثم تولى بعده السطان أخوه مصطفى الأول وخلعه الينشرية الثلاثة أشهر من ملكه. ثم ملك عثمان الثاني ابن أحمد الأول (1027 هجري 1618 م) قتله الينشرية وأرجعوا مصطفى ثانية (1031 هجري) . ثم خلفه مراد الرابع (1032 هجري 1623 م) فتح بغداد وقهر العجم. ثم تولى الملك بعده ابنه إبراهيم (1049 هجري 1640 م) ثم السلطان الغازي محمد الرابع (1058 هجري 1647 م) غلبه المجر في سنغودار وكسر عسكره سوبيسلي في فينا ثم ملك بعده سليمان خان الثاني (1099 هجري 1988 م) فتح جزيرة كدنية. ثم ملك بعده أحمد الثاني (1102 هجري 1691 م) انتصر عليه اللان. ثم ملك مصطفى الثاني (1106 هجري 1695 م) . ثم الغازي أحمد الثاني (1115 هجري 1704 م) . ثم الغازي محمود الأول (1142 هجري 1732 م) . ثم عثمان الثالث (1168 هجري 1757 م) . ثم مصطفى الثالث (1171 هجري 1769 م) . ثم عبد الحميد خان الأول (1187 هجري 1775 م) . ثم سليم خان الثالث (1203 هجري 18010 م) . ثم الغازي عبد المجيد خان (1255 هجري 1841 م) . ثم عبد العزيز خان (1277 هجري 1863 م) . ثم مراد خان الخامس فخلع (1293 هجري 1876 م) . ثم السلطان عبد الحميد (1293 هجري 1877 م) فخلع سنة (1327 هجري 1909م) وخلفه أخوه رشاد السلطان الدستوري وسمي محمد الخامس. أيده الله بالعز والتوفيق.

* إنما اثبتناها في باب الشعر القديم وهي ليست منه إيثاراً لذكرها مع لامية العرب
(6/333)